{"ً":{"ٌ":35723,"ٍ":"الرؤى عند أهل السنة والجماعة والمخالفين","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"العقيدة/الرؤى عند أهل السنة والجماعة والمخالفين - العتيبي - ط كنوز إشبيليا","files":["99993.pdf"]},"ّ":"الكتاب: الرؤى عند أهل السنة والجماعة والمخالفين\nالمؤلف: سهل بن رفاع بن سهيل الروقي العتيبي\nأصل الكتاب: رسالة ماجستير\nالناشر: دار كنوز اشبيليا\nعدد الصفحات: ٥٠٧\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":2715,"ٕ":1,"ٖ":1770156055,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"أصل هذا الكتاب","level":1,"page":1},{"title":"إهداء","level":1,"page":1},{"title":"المقدمة","level":1,"page":2},{"title":"أهمية هذا الموضوع","level":2,"page":5},{"title":"صلة هذا الموضوع بالعقيدة والمذاهب المعاصرة","level":2,"page":8},{"title":"خطة البحث","level":2,"page":8},{"title":"منهج الدراسة","level":2,"page":15},{"title":"تمهيد","level":1,"page":20},{"title":"أهمية الرؤى في حياة الناس","level":2,"page":20},{"title":"الباب الأول حقيقة الرؤى وأقسامها وعلاماتها وعلاقتها بالنبوة","level":1,"page":36},{"title":"الفصل الأول حقيقة الرؤى","level":2,"page":37},{"title":"المبحث الأول الرؤى لغة واصطلاحا","level":3,"page":38},{"title":"المسألة الأولى: الرؤى في اللغة","level":4,"page":38},{"title":"المسألة الثانية: الرؤى اصطلاحا","level":4,"page":39},{"title":"المبحث الثاني الفرق بين الرؤيا والحلم والفرق بين الرؤيا والرؤية","level":3,"page":59},{"title":"المسألة الأولى: الفرق بين الرؤيا والحلم","level":4,"page":59},{"title":"المسألة الثانية: الفرق بين الرؤيا والرؤية","level":4,"page":63},{"title":"المبحث الثالث دلالات الرؤيا","level":3,"page":69},{"title":"المبحث الرابع تعلق الرؤيا بالروح","level":3,"page":75},{"title":"المسألة الأولى: تعريف الروح وصفاتها وخصائصها","level":4,"page":75},{"title":"المسألة الثانية: هل روح النائم تفارق جسده في المنام؟","level":4,"page":77},{"title":"المسألة الثالثة: هل تتلاقى أرواح الأحياء وأرواح الأموات في المنام","level":4,"page":87},{"title":"المطلب الأول: تلاقي أرواح الأحياء والأموات في المنام","level":5,"page":88},{"title":"المطلب الثاني: تلاقي أرواح الأحياء في المنام","level":5,"page":94},{"title":"الفصل الثاني أقسام الرؤى وعلاماتها","level":2,"page":99},{"title":"المبحث الأول أقسام الرؤى وعلاماتها","level":3,"page":100},{"title":"المبحث الثاني علامات الرؤيا الصالحة وأقسامها","level":3,"page":110},{"title":"المسألة الأولى: صفات الرؤيا الصالحة","level":4,"page":111},{"title":"المسألة الثانية: أقسام الرؤيا الصالحة","level":4,"page":118},{"title":"المسألة الثالثة: علامات الرؤيا الصالحة","level":4,"page":132},{"title":"المسألة الرابعة: رؤيا المؤمن عند اقتراب الزمان","level":4,"page":150},{"title":"المسألة الخامسة: أسباب صدق الرؤيا الصالحة","level":4,"page":159},{"title":"المسألة السادسة: هل يسوغ العمل وفق الرؤيا الصالحة؟","level":4,"page":169},{"title":"المبحث الثالث أقسام الناس في الرؤى","level":3,"page":177},{"title":"الفصل الثالث علاقة الرؤى بالنبوة","level":2,"page":185},{"title":"المبحث الأول رؤيا الأنبياء وحي","level":3,"page":186},{"title":"المسألة الأولى: تعريف الوحي وأقسامه","level":4,"page":186},{"title":"المسألة الثانية: الرؤيا الصالحة أول مبدأ الوحي للأنبياء","level":4,"page":198},{"title":"المسألة الثالثة: رؤيا الأنبياء في المنام وحي وحق","level":4,"page":202},{"title":"المبحث الثاني كون الرؤيا الصالحة جزءا من أجزاء النبوة","level":3,"page":210},{"title":"المسألة الأولى: الأحاديث الواردة في كون الرؤيا الصالحة جزءا من أجزاء النبوة","level":4,"page":210},{"title":"المسألة الثانية: معنى كون الرؤيا الصالحة جزءا من أجزاء النبوة","level":4,"page":217},{"title":"المسألة الثالثة: مواقف العلماء من اختلاف الروايات في تحديد أجزاء النبوة","level":4,"page":224},{"title":"المسألة الرابعة: هل تنسب رؤيا الكافر الصادقة إلى أجزاء النبوة؟","level":4,"page":237},{"title":"الباب الثاني أقوال المخالفين في الرؤى ومناقشتهم","level":1,"page":241},{"title":"تمهيد","level":2,"page":242},{"title":"الفصل الأول نظريات علماء النفس في الرؤى ومناقشتهم","level":2,"page":244},{"title":"تمهيد","level":3,"page":245},{"title":"المسألة الأولى: تعريف علم النفس","level":4,"page":245},{"title":"المسألة الثانية: نشأة علم النفس وأطواره","level":4,"page":249},{"title":"المسألة الثالثة: مصادر المعرفة عند علماء النفس","level":4,"page":254},{"title":"المبحث الأول نظرية التحليل النفسي، ومناقشتها","level":3,"page":257},{"title":"المسألة الأولى: نظرية التحليل النفسي","level":4,"page":257},{"title":"المسألة الثانية: مناقشة هذه النظرية","level":4,"page":259},{"title":"المبحث الثاني نظرية التنبيهات الخارجية، ومناقشتها","level":3,"page":262},{"title":"المسألة الأولى: نظرية التنبيهات الخارجية","level":4,"page":262},{"title":"المسألة الثانية: مناقشة هذه النظرية","level":4,"page":263},{"title":"الفصل الثاني مذهب الصوفية في الرؤى والرد عليهم","level":2,"page":264},{"title":"تمهيد","level":3,"page":265},{"title":"المسألة الأولى: أصل التسمية","level":4,"page":265},{"title":"المسألة الثانية: التصوف اصطلاحا","level":4,"page":270},{"title":"المسألة الثالثة: نشأة التصوف وأطواره","level":4,"page":271},{"title":"المسألة الرابعة: وسائل المعرفة عند الصوفية","level":4,"page":274},{"title":"المسألة الخامسة: كيفية اكتساب المعرفة الصوفية","level":4,"page":278},{"title":"المبحث الأول مذهب الصوفية في الرؤى","level":3,"page":282},{"title":"المسألة الأولى: تعريف الصوفية للرؤيا","level":4,"page":282},{"title":"المسألة الثانية: مكانة الرؤى عند الصوفية","level":4,"page":283},{"title":"المسألة الثالثة: الأمور التي يستمدونها من الرؤى","level":4,"page":286},{"title":"المسألة الرابعة: شبهاتهم في جعل الرؤى مصدرا للتلقي والمعرفة","level":4,"page":296},{"title":"المبحث الثاني الرد على شبهاتهم","level":3,"page":298},{"title":"الباب الثالث أحكام الرؤى وآدابها","level":1,"page":312},{"title":"الفصل الأول أحكام الرؤى","level":2,"page":313},{"title":"المبحث الأول: رؤية الله في المنام","level":3,"page":314},{"title":"تمهيد رؤية الله عيانا","level":4,"page":314},{"title":"المسألة الأولى: رؤية النبي - ﷺ - ربه في المنام","level":4,"page":321},{"title":"المسألة الثانية: هل يرى المؤمن ربه في المنام؟","level":4,"page":325},{"title":"المبحث الثاني رؤية الملائكة في المنام","level":3,"page":331},{"title":"المبحث الثالث رؤية الأنبياء في المنام","level":3,"page":335},{"title":"المسألة الأولى: الأحاديث الواردة في رؤيته - ﷺ - في المنام","level":4,"page":335},{"title":"المسألة الثانية: أقوال العلماء في رؤيته - ﷺ - في المنام","level":4,"page":339},{"title":"المسألة الثالثة: معنى قول النبي - ﷺ -: «من رآني في المنام فسيراني في اليقظة»","level":4,"page":345},{"title":"المبحث الرابع رؤية الأنبياء في المنام","level":3,"page":350},{"title":"المبحث الخامس الكذب في الرؤيا","level":3,"page":351},{"title":"المسألة الأولى: تعريف الكذب","level":4,"page":351},{"title":"المسألة الثانية: تحريم الكذب عموما","level":4,"page":351},{"title":"المسألة الثالثة: تغليظ الكذب والافتراء على الله","level":4,"page":355},{"title":"المسألة الرابعة: الكذب في الرؤيا","level":4,"page":356},{"title":"الفصل الثاني أحكام تعبير الرؤى","level":2,"page":366},{"title":"تمهيد حقيقة علم التعبير","level":3,"page":367},{"title":"المسألة الأولى: تعريف التعبير لغة واصطلاحا","level":4,"page":367},{"title":"المسألة الثانية: حقيقة علم التعبير","level":4,"page":368},{"title":"المسألة الثالثة: هل هذا العلم توقيفي أو لا؟","level":4,"page":369},{"title":"المسألة الرابعة: مكانة هذا العلم","level":4,"page":370},{"title":"المبحث الأول أقسام تأويل الرؤى وقواعده","level":3,"page":374},{"title":"المسألة الأولى: تعريف التأويل لغة واصطلاحا","level":4,"page":374},{"title":"المسألة الثانية: الأصل في التعبير","level":4,"page":375},{"title":"المسألة الثالثة: أقسام تأويل الرؤيا","level":4,"page":379},{"title":"المسألة الرابعة: من كليات التعبير","level":4,"page":384},{"title":"المبحث الثاني هل الرؤيا إذا عبرت وقعت؟","level":3,"page":387},{"title":"المبحث الثالث أمثلة من تأويل الرؤى في السنة","level":3,"page":399},{"title":"الفصل الثالث آداب الرؤى","level":2,"page":404},{"title":"تمهيد","level":3,"page":405},{"title":"المبحث الأول إذا رأى ما يحب","level":3,"page":406},{"title":"المبحث الثاني إذا رأى ما يكره","level":3,"page":413},{"title":"المبحث الثالث شروط المعبر للرؤيا","level":3,"page":432},{"title":"المبحث الرابع آداب المعبر","level":3,"page":437},{"title":"الخاتمة","level":1,"page":439},{"title":"فهرس المراجع والمصادر","level":1,"page":449},{"title":"من إصدارات الصندوق الخيري لنشر البحوث والرسائل العلمية","level":1,"page":477}],"ٛ":{"1,4":1,"1,5":2,"1,6":3,"1,7":4,"1,8":5,"1,9":6,"1,10":7,"1,11":8,"1,12":9,"1,13":10,"1,14":11,"1,15":12,"1,16":13,"1,17":14,"1,18":15,"1,19":16,"1,20":17,"1,21":18,"1,22":19,"1,23":20,"1,24":21,"1,25":22,"1,26":23,"1,27":24,"1,28":25,"1,29":26,"1,30":27,"1,31":28,"1,32":29,"1,33":30,"1,34":31,"1,35":32,"1,36":33,"1,37":34,"1,38":35,"1,39":36,"1,41":37,"1,43":38,"1,44":39,"1,45":40,"1,46":41,"1,47":42,"1,48":43,"1,49":44,"1,50":45,"1,51":46,"1,52":47,"1,53":48,"1,54":49,"1,55":50,"1,56":51,"1,57":52,"1,58":53,"1,59":54,"1,60":55,"1,61":56,"1,62":57,"1,63":58,"1,64":59,"1,65":60,"1,66":61,"1,67":62,"1,68":63,"1,69":64,"1,70":65,"1,71":66,"1,72":67,"1,73":68,"1,74":69,"1,75":70,"1,76":71,"1,77":72,"1,78":73,"1,79":74,"1,80":75,"1,81":76,"1,82":77,"1,83":78,"1,84":79,"1,85":80,"1,86":81,"1,87":82,"1,88":83,"1,89":84,"1,90":85,"1,91":86,"1,92":87,"1,93":88,"1,94":89,"1,95":90,"1,96":91,"1,97":92,"1,98":93,"1,99":94,"1,100":95,"1,101":96,"1,102":97,"1,103":98,"1,105":99,"1,107":100,"1,108":101,"1,109":102,"1,110":103,"1,111":104,"1,112":105,"1,113":106,"1,114":107,"1,115":108,"1,116":109,"1,117":110,"1,118":111,"1,119":112,"1,120":113,"1,121":114,"1,122":115,"1,123":116,"1,124":117,"1,125":118,"1,126":119,"1,127":120,"1,128":121,"1,129":122,"1,130":123,"1,131":124,"1,132":125,"1,133":126,"1,134":127,"1,135":128,"1,136":129,"1,137":130,"1,138":131,"1,139":132,"1,140":133,"1,141":134,"1,142":135,"1,143":136,"1,144":137,"1,145":138,"1,146":139,"1,147":140,"1,148":141,"1,149":142,"1,150":143,"1,151":144,"1,152":145,"1,153":146,"1,154":147,"1,155":148,"1,156":149,"1,157":150,"1,158":151,"1,159":152,"1,160":153,"1,161":154,"1,162":155,"1,163":156,"1,164":157,"1,165":158,"1,166":159,"1,167":160,"1,168":161,"1,169":162,"1,170":163,"1,171":164,"1,172":165,"1,173":166,"1,174":167,"1,175":168,"1,176":169,"1,177":170,"1,178":171,"1,179":172,"1,180":173,"1,181":174,"1,182":175,"1,183":176,"1,184":177,"1,185":178,"1,186":179,"1,187":180,"1,188":181,"1,189":182,"1,190":183,"1,191":184,"1,193":185,"1,195":186,"1,196":187,"1,197":188,"1,198":189,"1,199":190,"1,200":191,"1,201":192,"1,202":193,"1,203":194,"1,204":195,"1,205":196,"1,206":197,"1,207":198,"1,208":199,"1,209":200,"1,210":201,"1,211":202,"1,212":203,"1,213":204,"1,214":205,"1,215":206,"1,216":207,"1,217":208,"1,218":209,"1,219":210,"1,220":211,"1,221":212,"1,222":213,"1,223":214,"1,224":215,"1,225":216,"1,226":217,"1,227":218,"1,228":219,"1,229":220,"1,230":221,"1,231":222,"1,232":223,"1,233":224,"1,234":225,"1,235":226,"1,236":227,"1,237":228,"1,238":229,"1,239":230,"1,240":231,"1,241":232,"1,242":233,"1,243":234,"1,244":235,"1,245":236,"1,246":237,"1,247":238,"1,248":239,"1,249":240,"1,251":241,"1,253":242,"1,254":243,"1,255":244,"1,257":245,"1,258":246,"1,259":247,"1,260":248,"1,261":249,"1,262":250,"1,263":251,"1,264":252,"1,265":253,"1,266":254,"1,267":255,"1,268":256,"1,269":257,"1,270":258,"1,271":259,"1,272":260,"1,273":261,"1,274":262,"1,275":263,"1,277":264,"1,279":265,"1,280":266,"1,281":267,"1,282":268,"1,283":269,"1,284":270,"1,285":271,"1,286":272,"1,287":273,"1,288":274,"1,289":275,"1,290":276,"1,291":277,"1,292":278,"1,293":279,"1,294":280,"1,295":281,"1,296":282,"1,297":283,"1,298":284,"1,299":285,"1,300":286,"1,301":287,"1,302":288,"1,303":289,"1,304":290,"1,305":291,"1,306":292,"1,307":293,"1,308":294,"1,309":295,"1,310":296,"1,311":297,"1,312":298,"1,313":299,"1,314":300,"1,315":301,"1,316":302,"1,317":303,"1,318":304,"1,319":305,"1,320":306,"1,321":307,"1,322":308,"1,323":309,"1,324":310,"1,325":311,"1,327":312,"1,329":313,"1,331":314,"1,332":315,"1,333":316,"1,334":317,"1,335":318,"1,336":319,"1,337":320,"1,338":321,"1,339":322,"1,340":323,"1,341":324,"1,342":325,"1,343":326,"1,344":327,"1,345":328,"1,346":329,"1,347":330,"1,348":331,"1,349":332,"1,350":333,"1,351":334,"1,352":335,"1,353":336,"1,354":337,"1,355":338,"1,356":339,"1,357":340,"1,358":341,"1,359":342,"1,360":343,"1,361":344,"1,362":345,"1,363":346,"1,364":347,"1,365":348,"1,366":349,"1,367":350,"1,368":351,"1,369":352,"1,370":353,"1,371":354,"1,372":355,"1,373":356,"1,374":357,"1,375":358,"1,376":359,"1,377":360,"1,378":361,"1,379":362,"1,380":363,"1,381":364,"1,382":365,"1,383":366,"1,385":367,"1,386":368,"1,387":369,"1,388":370,"1,389":371,"1,390":372,"1,391":373,"1,392":374,"1,393":375,"1,394":376,"1,395":377,"1,396":378,"1,397":379,"1,398":380,"1,399":381,"1,400":382,"1,401":383,"1,402":384,"1,403":385,"1,404":386,"1,405":387,"1,406":388,"1,407":389,"1,408":390,"1,409":391,"1,410":392,"1,411":393,"1,412":394,"1,413":395,"1,414":396,"1,415":397,"1,416":398,"1,417":399,"1,418":400,"1,419":401,"1,420":402,"1,421":403,"1,423":404,"1,425":405,"1,426":406,"1,427":407,"1,428":408,"1,429":409,"1,430":410,"1,431":411,"1,432":412,"1,433":413,"1,434":414,"1,435":415,"1,436":416,"1,437":417,"1,438":418,"1,439":419,"1,440":420,"1,441":421,"1,442":422,"1,443":423,"1,444":424,"1,445":425,"1,446":426,"1,447":427,"1,448":428,"1,449":429,"1,450":430,"1,451":431,"1,452":432,"1,453":433,"1,454":434,"1,455":435,"1,456":436,"1,457":437,"1,458":438,"1,459":439,"1,461":440,"1,462":441,"1,463":442,"1,464":443,"1,465":444,"1,466":445,"1,467":446,"1,468":447,"1,469":448,"1,471":449,"1,472":450,"1,473":451,"1,474":452,"1,475":453,"1,476":454,"1,477":455,"1,478":456,"1,479":457,"1,480":458,"1,481":459,"1,482":460,"1,483":461,"1,484":462,"1,485":463,"1,486":464,"1,487":465,"1,488":466,"1,489":467,"1,490":468,"1,491":469,"1,492":470,"1,493":471,"1,494":472,"1,495":473,"1,496":474,"1,497":475,"1,498":476,"1,505":477,"1,506":478,"1,507":479},"ٜ":{"1":[4,507]},"ٝ":["1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,41","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,105","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,193","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,251","1,253","1,254","1,255","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,277","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,327","1,329","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,423","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,505","1,506","1,507"],"ٞ":{"1":[1,2],"2":[3],"5":[4],"8":[5,6],"15":[7],"20":[8,9],"36":[10],"37":[11],"38":[12,13],"39":[14],"59":[15,16],"63":[17],"69":[18],"75":[19,20],"77":[21],"87":[22],"88":[23],"94":[24],"99":[25],"100":[26],"110":[27],"111":[28],"118":[29],"132":[30],"150":[31],"159":[32],"169":[33],"177":[34],"185":[35],"186":[36,37],"198":[38],"202":[39],"210":[40,41],"217":[42],"224":[43],"237":[44],"241":[45],"242":[46],"244":[47],"245":[48,49],"249":[50],"254":[51],"257":[52,53],"259":[54],"262":[55,56],"263":[57],"264":[58],"265":[59,60],"270":[61],"271":[62],"274":[63],"278":[64],"282":[65,66],"283":[67],"286":[68],"296":[69],"298":[70],"312":[71],"313":[72],"314":[73,74],"321":[75],"325":[76],"331":[77],"335":[78,79],"339":[80],"345":[81],"350":[82],"351":[83,84,85],"355":[86],"356":[87],"366":[88],"367":[89,90],"368":[91],"369":[92],"370":[93],"374":[94,95],"375":[96],"379":[97],"384":[98],"387":[99],"399":[100],"404":[101],"405":[102],"406":[103],"413":[104],"432":[105],"437":[106],"439":[107],"449":[108],"477":[109]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1>أصل هذا الكتاب</span>\nرسالة علمية تقدم بها المؤلف إلى كلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، لنيل درجة الماجستير في قسم العقيدة والمذاهب المعاصرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2>إهداء</span>\nوفاء بالجميل أهدي هذا الكتاب إلى زوجتي الدكتورة مشاعل بنت راشد بن محمد الدباس، أستاذة الحديث وعلومه بجامعة الأميرة نورة بنت عبد الرحمن، تقديرًا لوقوفها معي أثناء إعداد هذه الرسالة، وتحملها أعباء تربية أبنائي فجزاها الله أحسن الجزاء وأوفاه.\n\n* * *","vol":"1","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>المقدمة</span>\nإن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢].\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١].\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠، ٧١].\nأما بعد (١):\nفإن الله ﷿ اختار لهذه الأمة الإسلام دينًا ومحمدًا - ﷺ - نبيًا ورسولًا وجعلها خير أمة أخرجت للناس، وميزها بخصائص وسمات تسمو بها على غيرها من الأمم الضالة المنحرفة قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً\n_________\n(١) هذه خطبة الحاجة التي كان رسول الله - ﷺ - يعلمها أصحابه، وقد رويت عن ستة من الصحابة وهم: عبد الله بن مسعود، وأبو موسى الأشعري، وعبد الله بن عباس، وجابر بن عبد الله، ونبيط بن شريط، وعائشة ﵂ وقد جمع هذه الأحاديث وخرجها الشيخ الألباني في كتابه خطبة الحاجة طبعة المكتبة الإسلامية.","vol":"1","page":5},{"text":"وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] وشاء الله ﷿ أن أخرج هذه الأمة من الظلمات إلى النور؛ وذلك بأن بعث فيها نبيًا منهم يتلو عليهم آياته، ويزكيهم، ويعلمهم الكتاب والحكمة، فكانت بعثه - ﷺ - نعمة كبرى، ومنة عظمى من الله ﷿، حيث فتح الله به قلوبًا غلفًا، وآذانًا صمًا، ولم يلحق - ﷺ - بالرفيق الأعلى إلا بعد أن ترك أصحابه مجتمعين على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.\nوقد أشهد ربه على هذا البلاغ المبين، كما ثبت عنه - ﷺ - في صحيح مسلم من حديث ابن عباس ﵄ قال: كشف رسول الله - ﷺ - الستر ورأسه معصوب في مرضه الذي مات فيه فقال: «اللهم هل بلغت ثلاث مرات، إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا يراها العبد الصالح أو ترى له» (١).\nوأشهد أصحابه في يوم عظيم، ومكان عظيم، على تبليغه الرسالة وأدائه الأمانة، فقال ﵊، كما ثبت في صحيح مسلم من حديث جابر ﵁: «تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله، وأنتم تسألون عني، فماذا أنتم قائلون؟» قالوا: نشهد أنك قد بلغت، وأديت، ونصحت، فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس (اللهم اشهد) ثلاث مرات (٢).\n_________\n(١) صحيح مسلم كتاب الصلاة (٤١) باب النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود، (٤٧٩) (١/ ٣٤٨) تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي.\n(٢) صحيح مسلم، كتاب الحج (١٩) باب حجة النبي - ﷺ - الحديث رقم (١٢١٨)، (٢/ ٨٩٠).","vol":"1","page":6},{"text":"ومما نزل عليه - ﵊ - في حجة الوداع قوله تعالى ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].\nقال ابن كثير ﵀ في تفسيره لهذه الآية: \"هذه أكبر نعم الله تعالى على هذه الأمة، حيث أكمل لهم دينهم فلا يحتاجون إلى دين غيره، ولا إلى نبي غير نبيهم صلوات الله وسلامه عليه، ولهذا جعله الله تعالى خاتم الأنبياء، وبعثه إلى الجن والإنس، فلا حلال إلا ما أحله، ولا حرام إلا ما حرمه، ولا دين إلا ما شرعه، وكل شيء أخبر به فهو حق وصدق لا كذب فيه ولا خلف\" (١).\nفيجب على كل مسلم أن يؤمن بأن الله أكمل لهذه الأمة دينها، وأن رسوله - ﷺ - قد أقام الحجة وأوضح المحجة، وبلغ عن ربه ما أمره بتبليغه.\nولقد كان من أعظم ما بينه رسول الله - ﷺ - مصادر المعرفة والتلقي وما يصح اعتباره منها وما لا يصح.\nوكان مما أخبر به أنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها العبد الصالح أو ترى له، وبين حقيقتها أتم البيان.\nفجاء عنه - ﷺ - أحاديث كثيرة في الرؤى، بعضها في تعظيم شأن الرؤيا الصالحة، وأنها من مبشرات النبوة، وجزء من أجزاء النبوة، وبعضها في رؤيا الأنبياء وأنها وحي، وهي أول مبدأ الوحي للأنبياء، وبعضها في رؤيته ﵊ لربه في المنام، وبعضها في أنواع الرؤى التي من الله، والتي من أحاديث النفس ومن الشيطان، وبعضها في رؤيته ﵊ في\n_________\n(١) تفسير القرآن العظيم (٢/ ١٢) دار المعرفة بيروت (١٤٠٥) هـ.","vol":"1","page":7},{"text":"المنام، وأنها حق، وأن الشيطان لا يتمثل به في المنام، وبعضها في ذكر الرؤى الظاهرة التي لا تحتاج إلى تأويل، وبعضها في الرؤى التي تحتاج إلى تأويل، وبعضها في الآداب التي يتأدب بها المسلم إذا رأى ما يحب، وإذا رأى ما يكره، وحكم الكذب في الرؤيا، وهل الرؤيا إذا عبرت وقعت؟ والآداب المتعلقة بالمعبر وغيرها من الآداب والأحكام المتعلقة بالرؤى.\nوهذه الأحاديث التي تمتلئ بها المصنفات الحديثية، والتي بعضها يصل إلى درجة التواتر لا بد لها من الدراسة العلمية الجادة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>أهمية هذا الموضوع</span>\nتتضح أهمية هذا الموضوع من جوانب متعددة منها:\n(أ) اهتمام القرآن الكريم بالرؤيا الصالحة، وخاصة رؤى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، كما في سورة الأنفال الآيتان (٤٣، ٤٤) وسورة يونس آية (٦٤) وسورة يوسف، وسورة الصافات (١٠٢) وسورة الفتح (٢٧) وغيرها من الآيات المتعلقة بالرؤى (١).\nولا شك أن هذه الآيات في كتاب الله ﷿ بحاجة إلى تفسير وتدبر، وبيان لأحكامها وفوائدها.\n(ب) اهتمام السنة النبوية بالرؤى، فلا تجد كتابًا من كتب الحديث إلا ويفرد مؤلفه بابًا أو كتابًا للرؤى والتعبير، وانظر في الصحيحين، والسنن، والمسانيد، والجوامع، والمصنفات، والمستخرجات، والمستدركات وغيرها، وهذه الأحاديث بحاجة إلى دراسة علمية.\n_________\n(١) سوف يأتي إن شاء الله ذكر هذه الآيات وبيان وجه الدلالة فيها أثناء البحث في مواضعها.","vol":"1","page":8},{"text":"(ج) مكانة الرؤيا الصالحة في الإسلام، من حيث كونها من مبشرات النبوة وجزءًا من أجزائها، وكون رؤيا الأنبياء وحي، وهي مبدأ الوحي.\n(د) حاجة جميع طبقات الناس إلى معرفة حقيقة الرؤى، وارتباطها بحياتهم اليومية فكثيرًا ما يتحدثون عنها، ويسألون عنها أهل الذكر.\nولهذا تجد للناس في الرؤى ثلاثة مواقف:\nالموقف الأول: موقف أهل الحق، أهل السنة والجماعة من أصحاب رسول الله - ﷺ - وسلف هذه الأمة الصالح، الذين هدوا إلى الصراط المستقيم، ملتزمين بكتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - غير مائلين إلى غلو الغالين، ولا إلى تقصير المقصرين.\nالموقف الثاني: أصحاب الغلو والإفراط من الصوفية، ومن شاكلهم الذين غلوا في الرؤيا فجعلوها مصدرًا للتشريع لا يتطرق إليه شك ولا غلط عندهم، بل يجعلونها مصدرًا يقينيًا يبنون عليها كثيرًا من عقائدهم ويستندون إليها في ترويج ضلالتهم، ومعرفة الحلال والحرام عندهم.\nالموقف الثالث: أصحاب التقصير والتفريط من الماديين الذين ينكرون كل ما هو غيبي، فأنكروا الرؤيا الصالحة إنكارًا كليًا.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «دين الله وسط بين الغالي فيه، والجافي عنه، والله تعالى ما أمر عباده بأمر إلا اعترض الشيطان فيه بأمرين لا يبالي بأيهما ظفر، إما إفراط فيه، وإما تفريط فيه» (١).\n_________\n(١) الوصية الكبرى (٦٥) بتعليق: محمد عبد الله النمر وعثمان جمعة ضميرية،، دار الفاروق، الطبعة الثانية (١٤١٠هـ).","vol":"1","page":9},{"text":"فكما أن الجافي في الأمر مضيع له فكذلك الغالي فيه مضيع له، هذا بتقصيره عن الحد وهذا بتجاوزه الحد.\nقال ابن القيم ﵀: «وقد جعل الله هذه الأمة هي الأمة الوسط في جميع أبواب الدين، فإذا انحرف غيرها من الأمم إلى أحد الطرفين كانت هي في الوسط».\nإلى أن قال ﵀: «وكذلك لا تجد أهل الحق دائمًا إلا وسطًا بين طرفي الباطل وأهل السنة وسط في النحل كما أن المسلمين وسط في الملل» (١). وكذلك هم وسط في هذا الباب.\nفإذا كان أكثر الناس بين الإفراط والتفريط، فإن بيان المنهج القويم الذي دل عليه الكتاب والسنة من واجبات طلاب العلم الشرعي، حتى لا تضيع الحقائق بين الغلاة في النفي، والغلاة في الإثبات كأكثر الأمور يفرط فيها أناس، ويفرط فيها آخرون.\nولهذا اتجهت الرغبة إلى الكتابة في هذا الموضوع، وما يتعلق به، أو يتفرع عنه وذلك للأسباب التالية:\nأسباب الاختيار:\nأولا: أهمية الموضوع كما سبق تفصيله.\nثانيًا: أن الناس تعصف بهم لوثات المادية تارة، وخرافات الصوفية تارات أخر، فكثير من المغرضين يستغلون اهتمام الناس بالرؤى فينشرون أحيانًا الرؤى الباطلة، وليست ما يسمى برؤيا الشيخ أحمد خادم المسجد النبوي عن الأذهان ببعيد، والتي تولى الرد عليها سماحة شيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀.\n_________\n(١) مفتاح دار السعادة (٢/ ٢٤٢) مكتبة الرياض الحديثة، الرياض.","vol":"1","page":10},{"text":"ثالثًا: تهاون كثير من الناس بشأن الرؤيا الصالحة، وجهل بعضهم بالآداب التي يتأدب بها المسلم عندما يرى ما يحب أو يرى ما يكره، والآداب المتعلقة بتأويلها ونحو ذلك من الآداب والأحكام.\nرابعًا: أنني لم أجد من طرق هذا الموضوع في بحث علمي مستقل، بل هو مشتت المباحث في كتب التفسير والحديث والتوحيد.\nخامسًا: لا تزال جوانب من هذا الموضوع غامضة لأكثر الناس، مثل رؤية الله في المنام، وهل يوصف بهذه الرؤيا؟ ورؤية النبي - ﷺ - في المنام إذا أمره بحكم وهل الرؤيا إذا عبرت وقعت؟ وغيرها من المسائل التي تحتاج إلى بيان الحق فيها.\n\nوتظهر<span data-type=\"title\" id=toc-5> صلة هذا الموضوع بالعقيدة والمذاهب المعاصرة </span>من وجوه:\n١ - علاقة الرؤى بالنبوة والوحي، فالرؤيا الصالحة جزء من أجزاء النبوة وهي من مبشرات النبوة، ورؤيا الأنبياء وحي، وهي مبدأ الوحي للأنبياء وهذه المسائل من مباحث العقيدة.\n٢ - ارتباط الرؤى بالروح، وذلك من مباحث العقيدة.\n٣ - انحراف بعض الفرق الضالة فيها، مثل الفلاسفة والصوفية، وبعض النظريات المادية لعلماء النفس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>خطة البحث:</span>\nقسمت البحث إلى مقدمة وتمهيد وثلاثة أبواب وخاتمة وفهارس.\nأما المقدمة: فذكرت فيها:\n١ - خطبة الحاجة التي كان النبي - ﷺ - يستفتح بها، فاستفتحت بها تأسيًا به - ﷺ -.\n٢ - أهمية الموضوع.","vol":"1","page":11},{"text":"٣ - أسباب اختياره.\n٤ - خطة البحث\n٥ - منهج البحث.\n٦ - أهم المراجع والمصادر التي رجعت إليها في هذا البحث.\n٧ - بعض الصعوبات التي واجهتني في هذا البحث.\n٨ - الشكر والتقدير لكل من أعان وساعد على إنجاز هذا البحث.\nوأما التمهيد: فذكرت فيه أهمية الرؤى في حياة الناس، من جهة بيان مكانتها في الإسلام، وكيف اهتم القرآن الكريم، والسنة النبوية بها، مع عرض موجز لجهود علماء الحديث في تخريج أحاديث الرؤى، وتصنيفها.\nثم بينت موقف المسلم الحق من الرؤى كما كان رسول الله - ﷺ - وأصحابه وسلف هذه الأمة يقفون من الرؤى.\nثم ذكرت جوانب التفريط والإفراط التي حدثت في موضوع الرؤى وأمثلة لتفريط النفاة، وإفراط الغلاة.\nأما الأبواب فقسمتها كما يلي:\nالباب الأول: في حقيقة الرؤى وأقسامها وعلاماتها وعلاقتها بالنبوة\nوهذا الباب يقع في ثلاثة فصول.\nالفصل الأول: في حقيقة الرؤى\nويشمل أربعة مباحث:\nالمبحث الأول: تعريف الرؤى لغة واصطلاحًا.\nالمبحث الثاني: في الفرق بين الرؤيا والحلم، والفرق بين الرؤيا والرؤية.","vol":"1","page":12},{"text":"المبحث الثالث: في دلالات الرؤى.\nوأعني بذلك الأمور التي تدل عليها الرؤى من الخير والشر، فذكرت في هذا المبحث تعريف الدلالات، وأربع دلالات للرؤيا مع ذكر الأدلة عليها.\nالمبحث الرابع: في بيان تعلق الرؤى بالروح.\nويشمل هذا المبحث ثلاث مسائل.\nالمسألة الأولى: في تعريف الروح وصفاتها وخصائصها.\nالمسالة الثانية: هل روح النائم تفارق جسده في النوم؟\nالمسألة الثالثة: هل تتلاقى أرواح الأحياء والأموات؟ وفي هذه المسألة مطلبان:\nالمطلب الأول: تلاقي أرواح الأحياء مع أرواح الأموات.\nالمطلب الثاني: تلاقي أرواح الأحياء في المنام.\nالفصل الثاني: في أقسام الرؤى وعلاماتها.\nويشمل هذا الفصل ثلاثة مباحث.\nالمبحث الأول: في أقسام الرؤى عمومًا، وعلامة كل قسم.\nالمبحث الثاني: في علامات الرؤيا الصالحة وأقسامها.\nويشمل هذا المبحث ست مسائل.\nالمسألة الأولى: في صفات الرؤيا الصالحة.\nالمسألة الثانية: في أقسام الرؤيا الصالحة.\nالمسألة الثالثة: في علامات الرؤيا الصالحة.\nالمسألة الرابعة: في رؤيا المؤمن عند اقتراب الزمان، وأي زمان هو؟ وأسباب اختصاصه بصدق رؤيا المؤمن فيه.","vol":"1","page":13},{"text":"المسألة الخامسة: في أسباب صدق الرؤيا الصالحة.\nالمسألة السادسة: هل يسوغ العمل وفق الرؤيا الصالحة؟\nالمبحث الثالث: في أقسام الناس في الرؤى.\nالفصل الثالث: في علاقة الرؤى بالنبوة\nويشمل مبحثين.\nالمبحث الأول: في رؤيا الأنبياء وأنها وحي.\nوفيه ثلاث مسائل:\nالمسألة الأولى: تعريف الوحي وأقسامه، وفيه مطلبان.\nالمطلب الأول: في تعريف الوحي.\nالمطلب الثاني: في أقسام الوحي، وبيان دخول الرؤيا في الوحي العام إذا كانت من المؤمن.\nالمسألة الثانية: في أن الرؤيا الصالحة أول مبدأ الوحي للأنبياء.\nالمسألة الثالثة: رؤيا الأنبياء في المنام وحي وحق.\nالمبحث الثاني: في كون الرؤيا الصالحة جزءًا من أجزاء النبوة، وفيه أربع مسائل.\nالمسألة الأولى: الأحاديث الواردة في كون الرؤيا الصالحة جزءًا من أجزاء النبوة.\nالمسألة الثانية: معنى كون الرؤيا الصالحة جزءًا من أجزاء النبوة.\nالمسألة الثالثة: مواقف العلماء من اختلاف الروايات في تحديد أجزاء النبوة.\nالمسألة الرابعة: هل تنسب رؤيا الكافر الصادقة إلى أجزاء النبوة؟","vol":"1","page":14},{"text":"أما الباب الثاني: ففي أقوال المخالفين في الرؤى ومناقشتهم.\nويشمل فصلين:\nالفصل الأول: في نظريات علماء النفس في الرؤى ومناقشتهم\nوشمل تمهيدًا ومبحثين.\nالتمهيد: في تعريف علم النفس، وفيه ثلاث مسائل.\nالمسألة الأولى: في تعريف علم النفس.\nالمسألة الثانية: نشأته وأطواره.\nالمسألة الثالثة: مصادر المعرفة عند علماء النفس.\nالمبحث الأول: نظرية التحليل النفسي، ومناقشها، وفيه مسألتان:\nالمسألة الأولى: نظرية التحليل النفسي.\nالمسألة الثانية: مناقشة هذه النظرية.\nالمبحث الثاني: نظرية التنبيهات الخارجية، ومناقشها، وفيه مسألتان:\nالمسألة الأولى: نظرية التنبيهات الخارجية.\nالمسألة الثانية: مناقشتها.\nالفصل الثاني في مذهب الصوفية في الرؤى والرد عليهم وفيه:\nتمهيد ومبحثان.\nالتمهيد: في تعريف الصوفية وفيه مسائل.\nالمسألة الأولى: أصل التسمية.\nالمسألة الثانية: التصوف اصطلاحًا.\nالمسألة الثالثة: نشأة التصوف وأطواره.\nالمسألة الرابعة: وسائل المعرفة عند الصوفية.","vol":"1","page":15},{"text":"المسألة الخامسة: كيفية اكتساب هذه المعرفة الصوفية.\nالمبحث الأول: مذهب الصوفية في الرؤى، وفيه أربع مسائل\nالمسألة الأولى: تعريف الصوفية للرؤيا.\nالمسألة الثانية: مكانة الرؤى عند الصوفية.\nالمسألة الثالثة: الأمور التي يستمدونها من الرؤى.\nالمسألة الرابعة: شبهاتهم في جعل الرؤى مصدرًا للتلقي والمعرفة.\nالمبحث الثاني: الرد على شبهاتهم\nالباب الثالث: أحكام الرؤى وآدابها.\nوفيه ثلاث فصول.\nالفصل الأول: أحكام الرؤى.\nوفيه خمسة مباحث:\nالمبحث الأول: رؤية الله في المنام\nالمبحث الثاني: رؤية الملائكة في المنام.\nالمبحث الثالث: رؤية نبينا محمد - ﷺ - في المنام.\nالمبحث الرابع: رؤية الأنبياء في المنام.\nالمبحث الخامس: الكذب في الرؤيا.\nالفصل الثاني: أحكام تعبير الرؤى.\nوفيه تمهيد وثلاثة مباحث.\nالتمهيد: في حقيقة علم التعبير وفيه أربع مسائل.\nالمسألة الأولى: تعريف التعبير لغة واصطلاحًا.\nالمسألة الثانية: حقيقة علم التعبير.","vol":"1","page":16},{"text":"المسألة الثالثة: هل هذا العلم توفيقي أو لا؟\nالمسألة الرابعة: مكانة هذا العلم.\nأما المباحث فهي كما يلي:\nالمبحث الأول: أقسام تأويل الرؤى وقواعده.\nوفيه أربع مسائل.\nالمسألة الأولى: تعريف التأويل لغة واصطلاحًا.\nالمسألة الثانية: الأصل في التعبير.\nالمسألة الثالثة: أقسام تأويل الرؤيا.\nالمسألة الرابعة: من كليات التعبير.\nالمبحث الثاني: هل الرؤيا إذا عبرت وقعت؟\nالمبحث الثالث: أمثلة من تأويل الرؤى في السنة.\nالفصل الثالث: آداب الرؤى:\nوفيه أربعة مباحث:\nالمبحث الأول: إذا رأى ما يحب.\nالمبحث الثاني: إذا رأى ما يكره.\nالمبحث الثالث: شروط المعبر للرؤيا.\nالمبحث الرابع: آداب المعبر.\nأما الخاتمة فذكرت فيها ما توصلت إليه من نتائج في هذا البحث\nأما الفهارس:\n١ - فهرس المراجع والمصادر مرتبة حسب الحروف الهجائية.\n٢ - فهرس للموضوعات.","vol":"1","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>منهج الدراسة:</span>\nأولا: حرصت على أن يكون المرجع الأساس لبحثي هو كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - حيث جمعت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية المتعلقة بالرؤى وقد أشرت إلى بعضها في أهمية الموضوع.\nثانيًا: اهتممت بأقوال المفسرين والمحدثين لبيان معنى الآية، أو الحديث، وخاصة المتقدمين منهم.\nثالثًا: أخذت معظم عناوين المباحث والفصول والمسائل من أبواب البخاري ﵀ في كتاب التعبير من كتاب الجامع الصحيح لمكانة هذا الكتاب ومؤلفه عند أهل السنة والجماعة، ولأن البخاري ﵀ يهتم بالأبواب في بيان الأحكام.\nرابعًا: نقلت الآيات القرآنية التي استشهدت بها من المصحف برسمها من المصحف مباشرة، مع ذكر اسم السورة ورقم الآية.\nخامسًا: نقلت الأحاديث الشريفة من مراجعها الأصلية كما وردت وذكرت حكم العلماء على تلك الأحاديث إلا ما نقلته من الصحيحين حيث أجمعت الأمة على تلقيهما بالقبول (١).\nسادسًا: ترجمت للأعلام غير الصحابة، وغير المشهورين.\nسابعًا: أخذت أقوال العلماء من المصادر الأصلية لها ما أمكن ذلك.\nثامنًا: نبهت على معاني بعض الكلمات الغريبة، إذا دعت الحاجة إلى ذلك بالرجوع إلى معاجم ألفاظ القرآن، وغريب الحديث، وكتب اللغة.\nتاسعًا: عرفت بالفرق والمذاهب التي وردت في بحثي.\n_________\n(١) انظر: مقدمة النووي لشرحه على مسلم (١/ ٤) والأربعون النووية، الحديث الأول.","vol":"1","page":18},{"text":"أهم المراجع التي رجعت إليها في هذا الموضوع:\nأولا: كتب التفسير، عند تفسير الآيات المتعلقة بالرؤى، ومن أهمها كتب التفسير بالمأثور، مثل تفسير الطبري، وتفسير البغوي، وتفسير ابن كثير، وتفسير السعدي رحمهم الله تعالى.\nثانيًا: كتب الأحاديث في أبواب الرؤى والتعبير، وخاصة الكتب الستة، ومسند الإمام أحمد، وموطأ الإمام مالك، والمصنفات، والمستدركات وغيرها.\nثالثًا: كتب شروح الأحاديث مثل فتح الباري، وعمدة القارئ، وغيرها من كتب شروح الكتب الستة كمعالم السنن وعارضة الأحوذي ونحوها.\nرابعًا: كتب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ففي مسألة رؤية الله في المنام رجعت بشكل أساس إلى كتاب بيان تلبيس الجهمية، وفيما يعلق بصفة الروح وخصائصها وعلاقتها بالرؤى، كان من أهم المراجع كتاب شرح حديث النزول، وغيرها من كتبه النافعة، وكذلك الردود التي رد بها على الصوفية في غلوهم في الرؤى.\nخامسًا: كتب ابن القيم ﵀ مثل كتاب الروح، وكتاب مدارج السالكين فيما يتعلق بحقيقة الرؤى.\nسادسًا: كتب أصول الفقه، في مباحث مصادر التشريع، مثل كتاب الموافقات في أصول الشريعة للشاطبي ﵀، وفيما يتعلق بالردود على المنحرفين في هذه المصادر رجعت إلى كتاب الاعتصام للشاطبي، وكتاب المدخل لابن الحاج.\nسابعًا: في مسائل تأويل الرؤيا وتعبيرها، رجعت إلى كتاب شرح السنة للإمام البغوي ﵀ وكتاب إعلام الموقعين لابن القيم ﵀.","vol":"1","page":19},{"text":"ثامنًا: كتب الصوفية والفلاسفة التي تبين مذهبهم في الرؤى، أما كتب الصوفية فكثيرة، فمنها على سبيل المثال الرسالة للقشيري، والتعرف للكلاباذي وكتب ابن عربي، وأما كتب الفلاسفة فمثل كتاب الشفاء لابن سينا وكتاب آراء أهل المدينة الفاضلة للفارابي.\nتاسعًا: كتب علماء النفس التي تتبين نظرتهم إلى الرؤى، مثل كتب فرويد وغيره، وكذلك الكتب التي ترد عليهم مثل كتاب الإنسان بين المادية والإسلام.\nمن الصعوبات التي واجهتني في هذا البحث:\nأولا: سعة الموضوع وتشعبه، وكثرة مسائله، إضافة إلى اختلاف الآراء في هذه المسائل وتبيانها.\nثانيًا: صعوبة جمع المعلومات وآراء العلماء المتقدمين في هذه المسائل، لأن الموضوع بحث في أماكن متفرقة من كتبهم فمنهم من بحثه في كتب العقائد، ومنهم من بحثه في كتب أصول الفقه، ومنهم من بحثه في كتب التفسير في مواطن مختلفة، أما كتب الحديث وشروحها، فمنهم من خصه بأبواب، ومنهم من بحثه في مواضع متعددة.\nثالثًا: كثرة الأحاديث والآثار التي تتعلق بهذا الموضوع، وقد بذلت في تخريجها والحكم عليها وقتًا كثيرًا.\nرابعًا: تعقد الموضوع وكثرة المواضع المشتبه فيه.\nهذه أهم الصعوبات التي واجهتني في هذا الموضوع، والتي أعانني الله ﷿ على تجاوزها.\nهذا وقد بذلت جهدي، بتوفيق الله لمعالجة هذا الموضوع على ضوء الكتاب والسنة، ولا أملك إلا أن أقول كما قال الصحابي الجليل عبد الله بن","vol":"1","page":20},{"text":"مسعود ﵁: «فإن يك صوابًا فمن الله، وإن يك خطأ فمني ومن الشيطان والله ورسوله بريئان» (١).\nولا أدعي وليس لي أن أدعي أنني جئت في هذه الرسالة بشيء كان خافيًا على العلماء والباحثين، وإنما حاولت بعون الله تعالى، جمع المادة العلمية بين دفتي رسالة واحدة، حيث تتبعت الآيات والأحاديث والآثار المتعلقة بالرؤى، والمنثورة في بطون الكتب، ونظمتها في سلك واحد.\nواعترف بادئ ذي بدء بأنني لست من فرسان هذا الميدان، ولكنها محاولة طالب علم، وجهد المقل، فلعلي أثير أشياء عند مختصين خير مني، فيدعوهم هذا ويقودهم إلى أن يدلوا بدلوهم.\nهذا والشكر لله الكريم الذي وفق العبد الضعيف الذي يرجو رحمة ربه وعفوه، ثم امتثالا لقوله ﷿ ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان: ١٤].\nأتوجه بالشكر والتقدير والعرفان بالجميل لوالدي الكريمين على ما بذلا من جهد في تربيتي على العلم الشرعي، وحثهما لي على سلوك طريق العلماء الربانيين. فقد كان فضلهما علي عظيما، فجزاهما الله خير الجزاء، وأعظم مثوبتهما ورفع درجتهما في جنات النعيم آمين.\n_________\n(١) أخرجه أبو داود في سننه في كتاب النكاح، باب فيمن تزوج ولم يسم صداقًا حتى مات (١/ ٦٤٣) (٢١١٦) دراسة وفهرسة كمال الحوت، مؤسسة الكتب الثقافية، الطبعة الأولى ١٤٠٩ هـ وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (٢/ ٣٩٧) (١٨٥٨).\nوقد كان الصحابة ﵃ إذا تكلموا في مسألة باجتهادهم قال أحدهم هذه العبارة، وانظر: منهاج السنة لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (٥/ ١٨٢) تحقيق محمد رشاد سالم.","vol":"1","page":21},{"text":"ثم امتثالا لقول النبي - ﷺ - فيما صح في مسند الإمام أحمد وسنن الترمذي من حديثي أبي هريرة وأبي سعيد الخدري ﵄، أن النبي - ﷺ - قال: «من لم يشكر الناس، لم يشكر الله» (١). أتوجه بالشكر والتقدير لشيخي الفاضل الشيخ الدكتور محمد بن عودة السعودي، وكيل كلية أصول الدين للدراسات العليا، ورئيس قسم العقيدة والمذاهب المعاصرة بجامعة الإمام محمد ببن سعود الإسلامية، الذي كان رحب الصدر، حيث كانت لآرائه وتوجيهاته الأثر الكبير في تقويم هذا البحث، رغم كثرة مشاغله، فجزاه الله خيرًا.\nثم أقدر الشكر لكل من قدم لي مشورة في هذا البحث، ولا أستطيع حصرهم لكثرتهم، ولكن لا أملك إلا الدعاء لهم بظهر الغيب.\nوالله المسئول أن يريني وإخواني المسلمين الحق حقًا، ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلًا ويرزقنا اجتنابه، ولا يجعله ملتبسًا علينا فنضل والله المستعان وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وهو حسبنا ونعم الوكيل، والحمد لله رب العالمين.\nوكتبه د. سهل بن رفاع بن سهيل\nأستاذ العقيدة والمذاهب المعاصرة بجامعة الملك سعود\n_________\n(١) حديث أبي هريرة أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٢/ ٢٥٨) وأخرج حديث أبي سعيد أيضًا في المسند (٣/ ٣٢) والترمذي في جامعة كتاب البر والصلة (٣٥٠) باب ما جاء في الشكر لمن أحسن إليك (٤/ ٣٣٩) وقال الترمذي: وفي الباب عن أبي هريرة والأشعث بن قيس، والنعمان بن بشير، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وحديث النعمان في المسند (٤/ ٣٧٨، ٣٧٥) وصححه الألباني في تعليقه على مشكاة المصابيح (٢/ ٩١١) (٣٠٢٥) وسلسلة الأحاديث الصحيحة (٤١٦).","vol":"1","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>تمهيد</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>أهمية الرؤى في حياة الناس</span>\nلقد جاء الاهتمام بالرؤيا الصادقة في كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - اهتمامًا يحفظ المسلم من الغلو أو التفريط فيها.\nفالرؤيا الصادقة من الله، وهي جزء من أجزاء النبوة، ومن مبشرات النبوة، وهي من الأنبياء وحي، بل هي مبدأ الوحيين والتصديق بها حق ولا خلاف فيها بين أهل الحق والدين ولا ينكرها إلا من شذ عن الحق (١).\nفدل كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - على أن رؤيا الأنبياء وحي، فهي تدخل في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى: ٥١].\nولهذا ذكر الله تعالى في كتابه بعض رؤى أنبيائه، فمن ذلك قوله ﵎: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [الأنفال: ٤٣].\nوجعل سبحانه معجزة نبيه يوسف ﵇ تأويل الرؤى، كما جاء في سورة يوسف.\nوكذلك ما جاء في رؤيا إبراهيم ﵇، وكيف أقدم على ذبح ابنه وعد ما رآه في المنام أمرًا من الله تعالى، وكذلك الابن قال: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾.\n_________\n(١) انظر: التمهيد لابن عبد البر (١/ ٢٨٥).","vol":"1","page":23},{"text":"قال ﵎: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢ - ١٠٥].\nوكذلك رؤيا نبينا محمد - ﷺ - في قصة الحديبية قال تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ﴾ [الفتح: ٢٧].\nأما السنة فقد بين النبي - ﷺ - أن أول أحوال النبيين الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح (١).\nأما رؤيا المؤمن فهي جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة كما ثبت عنه - ﷺ - (٢) وهي من مبشرات النبوة، وباعث خير وطمأنينة.\nولهذا جاءت الأحاديث الكثيرة عن النبي - ﷺ - في شأن الرؤى، فهناك الأحاديث التي تبين أقسامها، وأن ما يراه الإنسان في منامه منه الرؤيا الحق، ومنه حديث النفس، ومنه تهاويل الشيطان، ولكل نوع علاماته وصفاته.\nوهناك الأحاديث التي تبين أن الرؤيا الصالحة جزء من أجزاء النبوة، ومن مبشرات النبوة، وأحاديث تبين أن رؤية النبي - ﷺ - في المنام حق، إذا رأه على صورته وليس ذلك مبررًا للتلقي عنه - ﷺ - في المنام.\n_________\n(١) سوف يأتي إن شاء الله تخريج هذه الأحاديث (٢٠٥).\n(٢) سوف يأتي إن شاء الله تخريجه (٢١٦).","vol":"1","page":24},{"text":"وأحاديث تبين الآداب التي يتأدب بها المسلم عندما يرى ما يحب وعندما يرى ما يكره.\nوأحاديث تبين تأويل النبي - ﷺ - للرؤيا وهي كثيرة جدًا.\nوأحاديث تبين أحكام الرؤى، من حيث حكم الكذب فيها، وهل الرؤيا إذا عبرت وقعت، وما شروط المعبر وآدابه، وغيرها من الآداب والأحكام.\nولقد كان النبي - ﷺ - كثيرًا ما يقول لأصحابه «هل رأى أحد منكم رؤيا» كما ثبت من حديث سمرة بن جندب ﵁ (١).\nومن حديث ابن عباس ﵄ أن رسول الله - ﷺ - كان مما يقول لأصحابه: «من رأى منكم رؤيا فليقصها أعبرها له» (٢).\nومن حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - كان إذا انصرف من صلاة الغداة يقول: «هل رأى أحد منكم الليلة رؤيا؟ فيقول إنه ليس يبقى بعدي من النبوة إلا الرؤيا الصالحة» (٣).\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التعبير (٤٨) باب تعبير الرؤيا بعد صلاح الصبح الحديث (٧٠٤٧) (٤/ ٣١٠) وصحيح مسلم، كتاب الرؤيا، ٤ باب رؤيا النبي - ﷺ - (٢٢٧٥) (٤/ ١٧٨١).\n(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الرؤيا ٣ باب في تأويل الرؤيا، (٢٢٦٩) (٤/ ١٧٧٨).\n(٣) أخرجه الإمام مالك في الموطأ، في كتاب الرؤيا (٢/ ٩٥٧) والإمام أحمد في المسند (٢/ ٣٢٥) وسنن أبي داود في كتاب الأدب، ٦٩ باب ما جاء في الرؤيا،، الحديث (٥٠١٧) (٢/ ٧٢٣) ومستدرك الحاكم (٤/ ٣٩٠) وقال الحاكم: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي والألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (١/ ٧٦٦) (٤٧٣).","vol":"1","page":25},{"text":"قال ابن عبد البر (١) ﵀: «وهذا الحديث يدل على شرف علم الرؤيا وفضلها لأنه - ﷺ - إنما كان يسأل عنها لتقص عليه، ويعبرها، ليعلم أصحابه كيف الكلام في تأويله» (٢).\nولهذا قال الإمام مالك ﵀: «الرؤيا جزء من أجزاء النبوة، فلا يتلاعب بالنبوة» (٣).\nوقال القرطبي (٤) ﵀: «والرؤيا حالة شريفة ومنزلة رفيعة» (٥).\nولقد كان من اهتمام النبي - ﷺ - بالرؤى وبيان أحكامها وآدابها لأمته، أنه كان يبين لهم ذلك في خطبه، كما ثبت في صحيح مسلم من حديث جابر ﵁، قال: جاء أعرابي إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله! رأيت في المنام كأن رأسي ضرب فتدحرج فاشتددت (٦) على أثره، فقال رسول الله - ﷺ - للأعرابي: «لا\n_________\n(١) هو الإمام الحافظ، أبو عمر، يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري الأندلسي القرطبي المالكي (٣٦٨ - ٤٦٣) فقيه حافظ متبحر في علم الحديث والرجال، انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (١٨/ ١٥٣ - ١٦٢) والبداية والنهاية (١٢/ ١٠٤) وشذرات الذهب (٣/ ٣٤١ - ٢١٦).\n(٢) التمهيد (١/ ٣١٣).\n(٣) المرجع السابق (١/ ٢٢٨).\n(٤) هو الفقه العلامة المحدث أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الأندلسي القرطبي (٦٧١ هـ) انظر ترجمته في: الديباج المذهب في معرفة أعيان المذهب (المالكي) لابن فرحون (٢/ ٣٠٨، ٣٠٩) تحقيق الدكتور: محمد الأحمدي أبو النور، مكتبة دار التراث، القاهرة، ونفح الطيب للمقري (٢/ ٢١٠ - ٢١٢).\n(٥) أحكام القرآن (٩/ ١٢٢).\n(٦) أي عدوت على أثره، انظر: النهاية في غريب الحديث (٢/ ٤٥٢).","vol":"1","page":26},{"text":"تحدث الناس بتلعب الشيطان بك في منامك» وقال: سمعت النبي - ﷺ - بعد يخطب فقال: «لا يحدثن أحدكم بتلعب الشيطان به في منامه» (١).\nبل حتى وهو - ﷺ - في مرض موته، الذي سيودع فيه أمته ويلقى ربه، كشف الستار والناس صفوف خلف أبي بكر الصديق ﵁ فقال: «أيها الناس إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة، يراها العبد الصالح أو ترى له» (٢).\nولهذا اهتم المحدثون ﵏ بهذه الأحاديث، فعقدوا لها في مصنفاتهم الكتب والأبواب فمن ذلك:\nأن الإمام البخاري ﵀ وضع في كتابه الجامع الصحاح كتابًا للتعبير أي تعبير الرؤيا، وذكر فيه ثمانية وأربعين بابًا، وتسعة وتسعين حديثًا، وعشرة آثار عن الصحابة والتابعين (٣).\nبدأ تلك الأبواب بباب، بيان أول ما بدئ به رسول الله - ﷺ - من الوحي الرؤيا الصادقة (٤).\n_________\n(١) صحيح مسلم كتاب الرؤيا (٤/ ١٧٧٦) وله روايات متعددة وبألفاظ مختلفة سوف يأتي ذكرها إن شاء الله.\n(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (١/ ٢١٩) ومسلم في صحيحه في كتاب الصلاة، (٤١) باب النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود (١/ ٣٤٨) وهذه الرواية الثانية عند مسلم، وقد سبقت الرواية الأولى في المقدمة.\n(٣) انظر: ما ذكره ابن حجر ﵀ حول عدد هذه الأحاديث والموصول منها والمعلق وما وافق مسلم فيها البخاري وما انفرد به البخاري فتح الباري (١٢/ ٤٤٦).\n(٤) انظر: صحيح البخاري (٩١) كتاب التعبير (٤/ ٢٩٥ - ٣١١).","vol":"1","page":27},{"text":"ثم باب رؤيا الصالحين.\nثم باب الرؤيا من الله.\nثم باب الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة.\nثم باب المبشرات.\nثم باب رؤيا يوسف ﵇.\nثم باب رؤيا إبراهيم ﵇.\nثم باب التواطؤ على الرؤيا.\nثم ذكر ﵀ أبوابًا كثيرة منها.\nباب من رأى النبي - ﷺ - في المنام. باب الحلم من الشيطان فإذا حلم فليبصق عن يساره، وليستعذ بالله ﷿.\nباب من كذب في حلمه.\nباب إذا رأى ما يكره فلا يخبر بها ولا يذكرها.\nباب من لم ير الرؤيا لأول عابر إذا لم يصب.\nأما الإمام مسلم ﵀ فقد عقد في صحيحه كتابًا للرؤيا، وذكر فيه ثلاثة وعشرين حديثًا غير المتابعات (١).\nوقد صنفت هذه الأحاديث إلى أربعة أبواب:\nالأول: باب قوله - ﷺ - من رآني فق رآني.\nالثاني: باب لا يخبر بتلعب الشيطان به في المنام.\nالثالث: باب في تأويل الرؤيا.\n_________\n(١) انظر: صحيح مسلم (٤٢) كتاب الرؤيا (١٧٧١٤ - ١٧٨١) تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي.","vol":"1","page":28},{"text":"الرابع: باب رؤيا النبي - ﷺ -.\nأما أبو داود ﵀ فذكر بابًا للرؤيا في كتاب الأدب من سننه، وذكر فيه تسعة أحاديث (١).\nأما الترمذي ﵀ فعقد كتابًا للرؤيا عن الرسول - ﷺ - في عشرة أبواب، ذكر فيها خمسة وعشرين حديثًا (٢).\nومن تلك الأبواب:\n١ - باب أن رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة.\n٢ - باب ذهبت النبوة وبقيت المبشرات.\n٣ - باب قوله: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [يونس: ٦٣].\n٤ - باب ما جاء في قول النبي - ﷺ -: «من رآني في المنام فقد رآني في اليقظة».\n٥ - باب إذا رأى في المنام ما يكره ما يصنع.\n٦ - باب ما جاء في تعبير الرؤى.\n٧ - باب في تأويل الرؤى، ما يستحب منها وما يكره.\n٨ - باب في الذي يكذب في حلمه.\nأما النسائي ﵀ فعقد في كتابه السنن الكبرى كتابًا للتعبير ذكر فيه ثلاثة وعشرين بابًا، أخرج فيها ثمانية وثلاثين حديثًا (٣).\n_________\n(١) انظر: سنن أبي داود، (٣٥) كتاب الأدب باب ما جاء في الرؤيا (٢/ ٧٢٣ - ٧٢٥) تحقيق كمال الحوت.\n(٢) انظر: جامع الترمذي ٣٥٠ كتاب الرؤيا (٤/ ٥٣٢ - ٥٤٣) تحقيق: إبراهيم عوض.\n(٣) انظر السنن الكبرى (٧١) كتاب التعبير (٣/ ٣٨٢، ٣٩٢).","vol":"1","page":29},{"text":"ومن تلك الأبواب:\n١ - الرؤيا.\n٢ - الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح.\n٣ - الرؤى بشرى من الله.\n٤ - التواطؤ على الرؤى.\n٥ - من رأى النبي - ﷺ -.\nأما ابن ماجه ﵀ فعقد كتابًا لتعبير الرؤيا، ذكر فيه عشرة أبواب، تضمنت أربعة وثلاثين حديثًا (١).\nوهذه الأبواب هي كما يلي:\n١ - باب الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له.\n٢ - باب رؤية النبي - ﷺ - في المنام.\n٣ - باب الرؤى ثلاث.\n٤ - باب من رأى رؤيا يكرهها.\n٥ - باب من لعب به الشيطان في منامه فلا يحدث به الناس.\n٦ - باب الرؤيا إذا عبرت وقعت، فلا يقصها إلا على واد.\n٧ - باب علام تعبر به الرؤيا؟\n٨ - باب من تحلم حلمًا كاذبًا.\n_________\n(١) انظر: سنن ابن ماجه (٣٥) كتاب تعبير الرؤيا (٢/ ١٢٨٢ - ١٢٩٤) تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي.","vol":"1","page":30},{"text":"٩ - باب أصدق الناس رؤيا أصدقهم حديثًا.\n١٠ - باب تعبير الرؤيا.\nوإمام أهل السنة والجماعة الإمام أحمد ﵀ أخرج في مسنده أحاديث كثيرة في شأن الرؤى (١).\n_________\n(١) انظر بعض هذه الأحاديث في المسند كما يلي:\nالجزء الأول (٦٣، ٧٥، ٧٦، ٩٠، ٩١، ١٠١، ١٣١، ٢١٦، ٢١٩، ٢٨٥، ٢٣١) أيضًا (٢٤٦، ٢٦٣، ٢٦٧، ٢٧١) ثلاث (٢٧٩، ٢٩٠، ٣١٥، ٣٦١).\nالجزء الثاني: (٢، ٥، ١٨، ٣٩، ٤٩، ٥٠، ٧٦، ٨٣، ٨٩، ٩٠، ١٠٤، ١٠٧، ١٠٨، ١١٧، ١١٨، ١١٩، ١٢٢، ١٣٠، ١٣٧، ١٤٤، ١٤٧، ١٥٤، ٢١٦، ٢١٨، ٢٢٢، ٢٣١، ٢٣٢، ٢٣٣، ٢٤٦، ٢٦١، ٢٦٩) مكرر (٣١٤، ٣١٨، ٣١٩، ٣٢٥، ٣٣٣، ٣٣٨، ٣٣٩، ٣٤٢، ٣٤٤، ٣٦٤، ٣٦٨، ٣٦٩، ٣٩٥، ٣٩٦، ٤١٠، ٤١١، ٤٢٥، ٤٣٨، ٤٣٩، ٤٥٠، ٤٥٥، ٤٦٣، ٤٦٩، ٤٧٢، ٤٩٥، ٥٠٢، ٥٠٧).\nالجزء الثالث (٨، ٢٨، ٢٩، ٥٥، ٦٨، ٨٦، ١٠٦، ١٠٧، ١٢١، ١٢٥، ١٢٦، ١٣٥، ١٤٩، ١٨٥، ١٩١، ١٩٩، ٢١٣، ٢٢٥، ٢٣٩، ٢٥٧، ٢٦٣، ٢٦٧، ٢٦٨، ٢٦٩، ٢٨٢، ٢٨٦، ٣٠٧، ٣٠٩، ٣١٥، ٣٤٢، ٣٥٠، ٣٥١، ٣٦٩، ٣٨٣، ٣٨٩، ٣٩٩، ٤٧٢).\nالجزء الرابع: (١٠) مكرر (١١، ١٢) مكرر (١٣، ٣٢، ٦٤، ٦٦، ١٠٦، ١٠٧).\nالجزء الخامس (٨، ١٤، ٢١، ٤٤، ٥٠، ١٠٠، ١٠٣، ٢٣٢، ٢٤٣، ٢٥٩، ٢٦٩، ٢٩٦، ٣٠٠، ٣٠٣، ٣٠٤، ٣٠٥، ٣٠٦، ٣٠٩، ٣١٠، ٣١٥) مكرر (٣١٦) مكرر (٣٢١، ٣٧٦، ٤٥٢) مكرر (٤٥٣، ٤٥٤، ٤٥٥).\nالجزء السادس (٣٦، ٤١، ٥٧، ٩٢، ١٢٨، ١٢٩، ١٦١، ١٦٧، ١٩٨، ٢٥٢، ٣٠٢، ٣٠٦، ٣٠٨، ٣٣٩، ٣٧٦، ٣٧٧، ٣٩٤، ٤٠٩) مكرر (٤٣٦، ٤٤٥، ٤٤٦، ٤٤٧، ٤٥٢).","vol":"1","page":31},{"text":"وكذلك ما بذله أصحاب المصنفات ﵏، من جهود في تصنيف أحاديث الرؤى ومن ذلك ما ذكره ابن أبي شيبة ﵀ في كتابه المصنف في الأحاديث والآثار، حيث قرن بين الإيمان والرؤيا في كتاب واحد (١).\nوما ذكره الإمام عبد الله بن عبد الرحمن الدرامي في سننه حيث عقد كتابًا للرؤيا ذكر فيه ثلاثة عشر بابًا وثمانية وعشرين حديثًا ومن تلك الأبواب:\n١ - باب قوله تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [يونس: ٦٣].\n٢ - باب في رؤيا المسلم جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة.\n٣ - باب ذهبت النبوة وبقيت المبشرات.\n٤ - باب في رؤية النبي - ﷺ - في المنام.\n٥ - باب فيمن يرى رؤيا يكرهها.\n٦ - باب الرؤيا ثلاث.\n٧ - باب أصدق الناس رؤيا أصدقهم حديثًا.\n٨ - باب النهي عن أن يحتلم الرجل رؤيا لم يرها.\n٩ - باب أصدق الرؤيا بالأسحار.\n١٠ - باب كراهية أن يعبر الرؤيا إلا على عالم أو ناصح.\n١١ - باب الرؤيا لا تقع ما لم تعبر.\n١٢ - باب في رؤية الرب تعالى في النوم (٢).\n_________\n(١) انظر: الكتاب المصنف في الأحاديث والآثار (٦/ ١٥٧) تحقيق: كمال الحوت.\n(٢) سنن الدارمي (٢/ ١٦٥ - ١٧٥) تحقيق: فؤاد أحمد زمزلي وخالد العلمي، دار الكتاب العربي الطبعة الأولى (١٤٠٧) هـ.","vol":"1","page":32},{"text":"ومن ذلك ما ذكره الإمام البغوي ﵀ في كتابه شرح السنة حيث عقد كتابًا للرؤيا، وذكر فيه من الأبواب والأحاديث ما يبين مكانتها في الشريعة، ومن تلك الأبواب:\n١ - باب تحقيق الرؤيا أي تحقيق أمر الرؤيا وتأكيده، واستدل برؤيا إبراهيم ﵇ وقول النبي - ﷺ -: «لم يبق من النبوة إلا المبشرات» قالوا: وما المبشرات؟ قال: «الرؤيا الصالحة».\nوقوله - ﷺ -: «الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة».\n٢ - باب من رأى شيئًا يكرهه.\n٣ - باب أقسام الرؤيا.\n٤ - باب أقسام تأويل الرؤيا (١).\nولقد كان هؤلاء العلماء ﵏ يشيرون إلى بعض أحكام وآداب الرؤى من خلال عناوين الأبواب التي صنفوها.\nوأحيانًا يشيرون إلى الخلاف في بعض المسائل من خلال العناوين أو يشيرون إلى الراجح من الخلاف، كما يقولون في تعبير الرؤيا، الرؤيا لأول عابر إذا لم يصب، أو يقول بعضهم الرؤيا لأول عابر، أو الرؤيا تقع على ما تعبر، ونحو ذلك من الأحكام التي سوف أفصلها إن شاء الله تعالى.\nولا شك أن هذه الأحاديث بينت الموقف الصحيح من الرؤى وأن منها\n_________\n(١) انظر: شرح السنة (١٢/ ٢٠٢، ٢٠٣) وسوف يأتي إن شاء الله تخريج هذه الأحاديث (١٢٣، ١٩٣).","vol":"1","page":33},{"text":"الحق ومنها أحاديث النفس وتهاويل الشيطان، ولكل نوع علاماته، وبينت الآداب التي يلتزم بها المسلم عندما يرى ما يحب أو يرى ما يكره.\nفالرؤيا الصالحة تسر المؤمن وتعجبه ولا تغره، فهي باعث خير وطمأنينة وهداية وذلك لا يبرر أن يعمل بها إذا كانت مخالفة للشرع، بل إذا خالفت دل ذلك على عدم صلاحها وتركها.\nوعلى هذا سار الصحابة ﵃ فكانوا يرجعون إلى النبي - ﷺ - إذا رأوا رؤيا.\nوكذلك من بعدهم من سلف هذه الأمة الصالح كانوا يرجعون إلى سنته - ﷺ - ولا يعتمدون على الرؤيا، إلا مجرد الاستئناس بها، وعلى هذا يحمل ما جاء عنهم في الأخذ بالرؤيا الصالحة عند ذكر أسباب تأليف بعض الكتب أو ذكر أسباب هداية بعض الضالين المنحرفين.\nفمن ذلك ما ثبت عن الإمام البخاري ﵀ أنه ألف كتاب الجامع الصحيح بسبب رؤيا رآها للنبي - ﷺ - حيث قال: «رأيت النبي - ﷺ - وكأني واقف بين يديه، وبيدي مروحة أذب بها عنه، فسألت بعض المعبرين، فقال لي: أنت تذب عنه الكذب، فهو الذي حملني على إخراج الجامع الصحيح» (١).\nومن ذلك أن الرؤيا الصالحة كانت سببًا لهداية بعض المنحرفين عن الطريق المستقيم ولهذا ذكرها ابن القيم ﵀ في المرتبة العاشرة من مراتب الهداية العامة والخاصة.\nوقال: «والذي هو من أسباب الهداية، هو الرؤيا التي من الله خاصة» (٢).\n_________\n(١) انظر: هدي الساري (٧) حيث قال الحافظ ابن حجر ﵀ «وروينا بالإسناد الثابت عن محمد بن سليمان ابن فارس قال: سمعت البخاري يقول: رأيت النبي ص ..».\n(٢) انظر: مدارج السالكين (١/ ٦٢) دار الكتب العلمية، بيروت الطبعة الأولى (١٤٠٣ هـ).","vol":"1","page":34},{"text":"ومن أمثلة ذلك: أن سبب رجوع الإمام أبي الحسن الأشعري (١) ﵀ عن مذهب الاعتزال، أنه رأى النبي - ﷺ - في النوم حيث قال: وقع في صدري في بعض الليالي شيء مما كنت فيه من العقائد، فقمت وصليت ركعتين، وسألت الله تعالى أن يهديني الطريق المستقيم، ونمت فرأيت الرسول - ﷺ - في المنام فشكوت إليه بعض ما بي من الأمر، فقال لي رسول الله - ﷺ - عليك بسنتي، فانتبهت!! وعارضت مسائل الكلام بما وجدت في القرآن والأخبار، فأثبته ونبذت ما سواه وراء ظهري (٢).\nوإذا كان هذا هو موقف أهل الحق، فهناك من غلا في الرؤى، فطوائف غلت في الإفراط، وطوائف غلت في التفريط، وكل هؤلاء الغلاة خالفوا ما ذكرته من المنهج الصحيح في الرؤى.\nأما أصحاب الغلو في الإفراط فهم الذين رفعوا الرؤى عن مكانتها فاعتبروها مصدرًا للتلقي والتشريع؛ ينقضون بها شرع الله، فقد يحلل أحدهم الحرام أو يحرم الحلال بناء على رؤيا رآها، وقد يدعي بعضهم علم الغيب الذي تفرد الله به بسبب رؤيا رآها أو رآها غيره.\n_________\n(١) الإمام العلامة أبو الحسن علي بن إسماعيل بن إسحاق الأشعري (٢٦٠، ٣٢٤) أخذ مذهب الاعتزال عن شيخه أبي علي الجبائي ثم ترك الاعتزال فكان كلابيًا وإليه انتسب الأشاعرة في هذه المرحلة، مع أنه رجع عن هذا المذهب إلى مذهب أهل السنة والجماعة في الجملة كما في كتابه \"الإبانة\" انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (١٥/ ٨٦) والبداية والنهاية (١١/ ١٩٩) وشذرات الذهب (٢/ ٣٠٣) وألف ابن عساكر كتابه \"تبيين كذب المفتري\" في التعريف بأبي الحسن والدفاع عنه.\n(٢) انظر: تبيين كذب المفتري (٣٨) وما بعدها.","vol":"1","page":35},{"text":"فكثيرًا ما يفتتن الناس بأن فلانًا رأى بأن الساعة تقوم بعد شهر أو شهرين أو ثلاثة بمجرد رؤيا في المنام، تخدع السذج من الناس.\nوهذا الغلو والإفراط في شأن الرؤى موجود في كل عصر، ففي جواب لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ حول ما يدعيه بعض المبتدعة من الرؤى والمنامات قال: «وقد عرفنا في زماننا بمصر والشام والعراق من يدعي أنه رأى منامات تتعلق ببعض البقاع أنه قبر نبي، أو أنه فيه أثر نبي ونحو ذلك، ويكون كاذبًا، وهذا شيء منتشر» (١).\nوما ذكره ابن الحاج (٢) ﵀ حيث قال: «وليحذر مما يقع لبعض الناس في هذا الزمان، وهو أن يرى النبي - ﷺ - في منامه فيأمره بشيء أو ينهاه عن شيء فينتبه من نومه فيقدم على فعله أو تركه بمجرد المنامة دون أن يعرضه على كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - وعلى قواعد السلف ﵃» (٣).\nفهؤلاء الغلاة يعتمدون على الرؤى في حياهم وكأنها وحي يوحى، وينتظرون في كل أمر أن يروا رؤيا تشير لهم إلى الطريق، بل منهم من يستدل بها كما يستدل بالكتاب والسنة.\n_________\n(١) جواب على سؤال عرض على شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ مطبوع ضمن مجموع الفتاوى له (٢٧/ ٤٥).\n(٢) هو أبو عبد الله محمد بن محمد بن محمد العبدري، الفاسي، ولد بفاس وتفقه بها، وتوفي بالقاهرة (٧٣٧هـ) وقد عاش بضعًا وثمانين سنة.\nانظر ترجمته في: الدر الكامنة (٤/ ٢٣٧) والأعلام للزركلي (٧/ ٢٦٤٩ ومعجم المؤلفين (١١/ ٢٨٤).\n(٣) المدخل إلى تنمية الأعمال بحسين النيات والتنبيه على كثير من البدع المحدثة والعوائد المنتحلة (٤/ ٢٨٦) دار القلم.","vol":"1","page":36},{"text":"وهناك من يصاب بالهم والغم والحزن والخوف بسبب رؤيا رآها، ومن قرأ وسمع الفتاوى التي تصل إلى مشائخنا حفظهم الله، أدرك تأثير الرؤيا في حياة الناس، وحاجتهم إلى معرفة الحكم الشرعي فيها، وموقف المسلم منها.\nوهذا الاهتمام والتأثر بالرؤى، جعل بعض المغرضين والمنحرفين يستغلون جهل الناس بالرؤى، فطالمًا افتتن الناس ببعض من يستغل الرؤى لترويج باطله.\nومن أمثلة ذلك: ما ظهر في هذه البلاد وغيرها منذ سنوات من خرافة صاغها شيطان مضل على صورة رؤيا منسوبة إلى من يسمى بالشيخ أحمد خادم المسجد النبوي الشريف، وقصد بهذه النسبة ترويج هذه الفرية.\nوقد ضمن هذه الرؤيا المزعومة أكاذيب وتهديدات وتخويفات زعم أنه تلقاها من النبي - ﷺ - حين رآه في المنام (١)، وقال له: أخبر أمتي بهذه الوصية، لأنها منقولة بقلم القدر من اللوح المحفوظ، ومن يكتبها ويرسلها من بلد إلى بلد ومن محل إلى محل، بني له قصر في الجنة، ومن لم يكتبها ويرسلها، حرمت عليه شفاعتي يوم القيامة، ومن كتبها وكان فقيرًا؛ أغناه الله، أو كان مديونًا؛ قضى الله دينه، أو عليه ذنب؛ غفر الله له ولوالديه ببركة هذه الوصية، ومن لم يكتبها من عباد الله اسود وجهه في الدنيا والآخرة، ومن يصدق بها ينج من عذاب الله، ومن كذب بها كفر.\nوهذا بعض ما جاء في هذه الوصية المكذوبة التي تجرأ مخترعها على الكذب على رسول الله - ﷺ - والتي يعرف بطلانها من له أدنى بصيرة، ومع ذلك فقد راجت على كثير من الناس وتداولوها بينهم وصدقها بعضهم فأخذوا يطبعونها ويوزعونها متأثرين بما فيها من الوعود والوعيد.\n_________\n(١) غالب نسخها أنها كانت رؤيا منامية، وفي بعض نسخها أنها كانت يقظة، وهذا أشد منكرًا.","vol":"1","page":37},{"text":"ولقد قام علماؤنا وفقهم الله، ببيان كذب هذه الوصية وحذروا الناس من نشرها والتصديق بها (١) ومن هؤلاء سماحة شيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀، فقد رد عليها برد جيد مفيد، وبين ما فيها من الكذب والتدجيل (٢).\nوهذا مثال يبين مدى تأثر الناس بالرؤى وانحرافهم في مفهومها ورواجها على السذج والبسطاء.\nوفي مقابل هؤلاء الغلاة في الإفراط، هناك الغلاة في التفريط، الذين يستهينون بشأن الرؤيا الصالحة، ويقللون من قيمتها، بل لا يرون لها قيمة البتة، فيرون جميع ما يتحدث عنه من الرؤيا إنما هو كلام خرافات وأساطير.\nوهذا انحراف في الطرف الآخر وهو أقرب ما يكون إلى نظريات الماديين الذين لا يؤمنون إلا بالمحسوس، ولذلك ينكرون الغيب وما يتعلق به.\nوسوف أقوم إن شاء الله تعالى بالرد على هؤلاء الغلاة في الإفراط والغلاة في التفريط في الباب الثاني من هذا البحث.\n_________\n(١) هذه الوصية المكذوبة قديمة، فقد ظهرت في مصر منذ أكثر من ثمانين سنة وقد ذمها أهل العلم، وأظهروا زيفها وبينوا ما فيها من الكذب والباطل، ومنهم الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ وقد قال في رده عليها وقد أجبنا عن هذه المسألة سنة (١٣٢٢) هـ.\nانظر مقال: رؤيا الشيخ أحمد للشيخ محمد ياسين في مجلة نور الإسلام العدد (٤ ربيع الثاني) ١٣٥١ هـ (٢٨٩، ٣٩٣).\nومقال: دعوة الحق إلى الأمة الإسلامية للشيخ أحمد زهدي، في مجلة المنهل العدد (٤ ربيع الأول ١٣٥٨ هـ) (١٥ - ١٧).\n(٢) انظر رسالة الشيخ عبد العزيز بن باز بعنوان تنبيه هام على كذب الوصية المنسوبة للشيخ أحمد خادم الحرم النبوي الشريف: طبعت عدة طبعات من مطبوعات الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.\nوانظر أيضًا في إنكار هذه الوصية، كتاب البيان لأخطاء بعض الكتاب (٢٢١ - ٢٢٧) للشيخ صالح الفوزان، دار ابن الجوزي الطبعة الأولى (١٤١١) هـ.","vol":"1","page":38},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>الباب الأول\nحقيقة الرؤى وأقسامها وعلاماتها\nوعلاقتها بالنبوة</span>\nالفصل الأول: حقيقة الرؤى\nالفصل الثاني: أقسام الرؤى وعلاماتها.\nالفصل الثالث: علاقة الرؤى بالنبوة.","vol":"1","page":39},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>الفصل الأول\nحقيقة الرؤى</span>\nوفيه أربعة مباحث:\nالمبحث الأول: الرؤى لغة واصطلاحًا.\nالمبحث الثاني: الفرق بين الرؤيا والحلم والفرق بين الرؤيا والرؤية.\nالمبحث الثالث: دلالات الرؤى.\nالمبحث الرابع: تعلق الرؤيا بالروح.","vol":"1","page":41},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>المبحث الأول\nالرؤى لغة واصطلاحًا</span>\nوفيه مسألتان:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>المسألة الأولى: الرؤى في اللغة</span>\nالرؤى: جمع رُؤْيَا وهي ما يراه الإنسان في منامه. على وزن فُعْلى كالسقيا والبشرى.\nقال العلامة ابن منظور (١) في لسان العرب: «والرُّؤْيا: ما رأيته في منامك، وهي الرُّؤى، ورأيت عنك رؤى حسنة: حلمتها وأرْأى الرجل إذا كثر رؤاه، بوزن رُعاه، وهي أحْلامه، جمع الرؤيا، ورأى في منامه رُؤيا، على فعلى بلا تنوين وجمع الرؤيا رؤى بالتنوين، مثل رعى» (٢).\nوقال الراغب الأصفهاني (٣) في معجم مفردات ألفاظ القرآن: «والرؤيا ما\n_________\n(١) هو جمال الدين أبو فضل محمد بن مكرم بن علي بن أحمد الأنصاري الإفريقي ثم المصري (٦٣٠ - ٧١١هـ) كان عرفًا بالنحو واللغو مغري باختصار كتب الأدب المطولة، ولي قضاء طرابلس، أخذ عنه الذهبي والسبكي.\nانظر ترجمته في الدر الكامنة (٤/ ٢٦٢، ٢٦٤) وبغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة (١/ ٢٤٨) المكتبة العصرية.\n(٢) لسان العرب (١٤/ ٢٩٧) مادة رأى، الناشر: دار صادر، بيروت، وانظر: الصحاح للجوهري (٦/ ٢٣٤٩) والقاموس المحيط للفيروز آبادي (١٦٥٨).\n(٣) هو أبو القاسم الحسين بن محمد بن المفضل الأصبهاني الملقب بالراغب، اختلف في وفاته فقيل ٤٥٢ هـ، وقيل (٥٠٢ هـ) من أشهر تصانيفه كتاب الذريعة إلى أحكام الشريعة وكتاب: \"معجم مفردات ألفاظ القرآن\"\nانظر: ترجمته في \"سير أعلام النبلاء\" (١٨/ ١٢٠) و\"هداية العارفين\" (١/ ٣١١) والأعلام للزركلي (٢/ ٢٥٥).","vol":"1","page":43},{"text":"يرى في المنام، وهو فعلي، وقد يخفف فيه الهمزة فيقال بالواو» (١).\nوالألف فيها للتأنيث ولذلك لم تنصرف (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-14>المسألة الثانية: الرؤى اصطلاحًا</span>\nإذا عرفنا أن الرؤى في اللغة جمع رؤيا، وهي ما يراه الإنسان في منامه، فإننا لا نجد فرقًا بين المعنى اللغوي، والمعنى الاصطلاحي، وإنما اختلف الناس في بيان كيفية هذه الرؤى وحقيقتها اختلافًا عظيمًا ﴿فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ٢١٣].\nوسبب اختلافهم في حقيقة الرؤيا، هو إعراضهم عن الكتاب والسنة، ومحاولة الوقوف على أمور لا تدرك بالعقول.\nقال المازري (٣) ﵀: «كثر كلام الناس في حقيقة الرؤيا، وقال فيها غير الإسلاميين أقاويل كثيرة منكرة، لما حاولوا الوقوف على حقائق لا تعلم بالعقل، ولا يقوم عليها البرهان، وهم لا يصدقون بالسمع، فاضطربت لذلك مقالاتهم» (٤).\n_________\n(١) معجم مفردات ألفاظ القرآن (١٨٨) تحقيق: نديم المرعشلي، دار الفكر، بيروت.\n(٢) انظر: المصباح المنير، تأليف أحمد بن محمد الفيومي (٢٤٧) المكتبة العلمية، بيروت.\n(٣) هو الشيخ الإمام العلامة البحر المتقن، أبو عبد الله، محمد بن علي المازري (٤٥٣ - ٥٣٦) من فقهاء المالكية، وينسب إلى مازر بجزيرة صقلية، مصنف كتاب المعلم بفوائد مسلم\" و\"الكشف والإنباء في الرد على الإحياء للغزالي\" أخذ عنه القاضي عياض. انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (٢٠/ ١٠٤ - ١٠٧) ووفيات الأعيان (٣/ ٤١٣) وشذرات الذهب (٤/ ١١٤).\n(٤) المعلم بفوائد مسلم (٣/ ١١٥) تقديم وتحقيق: محمد الشاذلي النيفر، دار العرب الإسلامي، بيروت الطبعة الثانية (١٩٩٢) م.","vol":"1","page":44},{"text":"وقال أبو العباس القرطبي (١) ﵀ في كتابه المفهم: \"وقد اختلف في كيفية الرؤيا قديمًا وحديثًا، فقال غير الشرعيين أقوالًا مختلفة وصاروا فيها إلى مذاهب مضطربة قد عريت عن البرهان فأشبهت الهذيان، وسبب ذلك التخليط العظيم؛ الإعراض عما جاءت به الأنبياء من الصراط المستقيم (٢).\nونتيجة لهذا السبب تعددت أقوالهم في الرؤيا، وقد ذكر جملة من هذه الأقوال الإمام أبو الحسن الأشعري ﵀ في كتابه مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين (٣) والإمام ابن حزم (٤) ﵀ في كتابيه الفصل في الملل\n_________\n(١) هو أبو العباس، أحمد بن عمر بن إبراهيم الأنصاري القرطبي المالكي الفقيه المحدث، وهو شيخ القرطبي المفسر (٥٧٨ - ٦٥٦ هـ) من كتبه المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم، قال ابن كثير ﵀: وشرح صحيح مسلم المسمى بالمفهم، وفيه أشياء حسنة مفيدة محررة.\nانظر: ترجمته في: البداية والنهاية (١٣/ ٢٢٦) والأعلام للزركلي (١/ ١٨٦٩) ومعجم المؤلفين (٢/ ٢٧).\n(٢) المفهم (٤/ ٢١٦) مخطوط مصور في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، (٧٤٩٧) ف.\n(٣) انظر: مقالات الإسلاميين (٢/ ١٠٧) تحقيق: محمد محيي الدين، الطبعة الأولى، عام (١٣٦٩) هـ، مكتبة النهضة المصرية.\n(٤) هو أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الفارسي الأصل، ثم الأندلس القرطبي (٣٨٤ - ٤٥٦) كان إمامًا حافظًا فقيهًا ظاهري المذهب، فاق أهل زمانه، تبحر في علم المنطق حتى أدى به إلى تأويل الصفات، وكان في بيت وزارة ورئاسة ووجاهة ومال وثروة، وكان مصاحبًا للشيخ أبي عمر بن عبد البر النمري.\nانظر ترجمته في سير أعلام النبلاء للذهبي (١٨/ ١٨٣ - ٢١٢) وأطال في ترجمته والبداية والنهاية (١٢/ ٩٨) وشذرات الذهب (٣/ ٢٩٩ - ٣٠٠) ولسان الميزان (٤/ ١٩٨ - ٢٠٢) وغيرها كثير.","vol":"1","page":45},{"text":"والأهواء والنحل (١) والأصول والفروع (٢) وذكرها ابن القيم ﵀ في كتاب الروح (٣) وغيرهم.\nوسأذكر - بعون الله - أهم هذه الأقوال وأشهرها، مع المناقشة لكل قول ثم أختم بقول أهل الحق مع بيان أدلته النقلية والعقلية إن شاء الله تعالى.\nالقول الأول: قال صالح بن قبة (٤): إن الرؤيا حق، وما يراه النائم في نومه صحيح كرؤية العينين في اليقظة، فإذا رأى الإنسان في المنام كأنه بأفريقية وهو ببغداد فقد اخترعه الله سبحانه بأفريقية في ذلك الوقت (٥).\nالرد: قوله: «إن الرؤيا حق» هذه العبارة فيها إجمال فإن كان المقصود بها أن الرؤيا الصالحة حق بمعنى أنها ليست خيالات باطلة، فهذا صحيح.\nأما إن كان قصده بهذه العبارة أن ما يراه النائم كرؤية اليقظة فهذا لا يشك عاقل في بطلانه فهو في غاية الفساد والبطلان، فالواقع والعقل يبطلانه.\nأما الواقع: فنحن نشاهد أن النائم عندنا، ورأى نفسه في ذلك الوقت في أفريقية مثلًا.\n_________\n(١) انظر: الفصل (٥/ ١٢٣، ١٢٤) بتحقيق محمد نصر وعميرة دار الجيل (١٤٠٥) هـ\n(٢) انظر: الأصول والفروع (١/ ٢٤٣ - ٢٤٥) الطبعة الأولى (١٩٧٨) دار النهضة القاهرة.\n(٣) انظر: الروح (٢٩، ٣٠) مكتبة الرياض الحديثة.\n(٤) هو أبو جعفر صالح بن محمد بن قبة، من متكلمة الشيعة، ومن أئمة المعتزلة، وله كتب كثيرة، ذكره ابن طاهر في الفرق بين الفرق (١٢٤) أنه من المرجئة القدرية وذكر زهدي النجار في كتابه المعتزلة (١٤٥) أنه توفي سنة ٢٤٦ هـ انظر ترجمته في: فرق وطبقات المعتزلة (٢٨١) للقاضي عبد الجبار الهمذاني.\n(٥) انظر: كتاب المواقف في علم الكلام للإيجي (٦/ ١١٢) ومقالات الإسلاميين للأشعري (٢/ ١٠٧) والفصل في الملل والنحل لابن حزم (٥/ ٧١، ١٢٣) والأصول والفروع له (١/ ٢٤٣).","vol":"1","page":46},{"text":"وأما من طريق العقل، فإن النائم يرى من الأحلام من كونه مقطوع الرأس مثلا، وهو حي، وما أشبه ذلك، كما جاء أعرابي إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله: رأيت في المنام كأن رأسي ضرب فتدحرج فاشتددت على أثره، فقال رسول الله - ﷺ - للأعرابي: «لا تحدث الناس بتلعب الشيطان بك في منامك» (١) فعلى هذا القول يكون رأسه قد قطعت حقيقة وهو حي، وهذا من الباطل بمكان (٢).\nالقول الثاني: قال أكثر المعتزلة (٣) إن ما يراه الإنسان في منامه إنما هو تخيلات باطلة لا حقيقة لها ولا تدل على شيء (٤).\nالرد: إن القول بأن الرؤيا جميعها خيالات باطلة، قول باطل وغريب، حيث دل كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - على أن الرؤيا تنقسم إلى ثلاثة أقسام ومنها الرؤيا الصادقة، والتي منها رؤيا الأنبياء والتي هي من الوحي.\nفمن الكتاب قوله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ﴾ [الفتح: ٢٧] ورؤيا الحق\n_________\n(١) سبق تخريجه (٢٤) وله روايات متعددة عند مسلم في صحيحه.\n(٢) انظر: الفصل في الملل والنحل (٥/ ١٢٣) والأصول والفروع (١/ ٢٤٣).\n(٣) المعتزلة: هم اتباع واصل بن عطاء الغزال (ت١٣١ هـ) سمي هو وأصحابه بالمعتزلة لأنه اعتزل مجلس الحسن البصري عندما سئل عن حكم صاحب الكبيرة، فقال، واصل بأنه ليس بمؤمن ولا كافر، وسلكت المعتزلة منهجًا عقليًا في العقيدة، وهم فرق كثير لكل فرقة آراء تميزت بها، لكن اتفقوا على أصول خمسة هي: التوحيد، والعدل والوعد، والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولهم تفسيراتهم المنحرفة لهذه الأصول.\nانظر: مقالات الإسلاميين (١/ ٢٣٥) والفرق بين الفرق (٢٠) والملل والنحل للشهرستاني (١/ ٥٠). والتنبيه والرد للملطي (٣٥ - ٤١) والبرهان في عقائد أهل الأديان (٢٦، ٢٧).\n(٤) انظر: جواهر الكلام للإيجي (١٧٣) تحقيق: الدكتور عفيفي والموافق (٦/ ١١١) ومقالات الإسلاميين (٢/ ١٠٧) وفيه قال الأشعري ﵀: «وقال بعض المعتزلة الرؤيا ثلاثة أنحاء» ثم عقب يقول أهل الحديث.","vol":"1","page":47},{"text":"هي التي لا بد من وقوعها وصدقها، فهي ليست من قبيل أضغاث الأحلام.\nومن السنة قوله - ﷺ -: «الرؤيا ثلاث: فرؤيا حق، ورؤيا يحدث بها الرجل نفسه، ورؤيا تحزين من الشيطان ..» (١).\nقال الخوارزمي (٢) في كتابه مفيد العلوم ومبيد الهموم: «الباب السادس في سؤال المعتزلة في الرؤيا».\nقالوا: كيف يجوز أن يرى ألف إنسان في وقت واحد النبي - ﷺ - وكل واحد منهم في بلد غير بلد صاحبه، وهل يجوز أن يكون جسم واحد في ألف مكان، فلهذا أجمعنا على إبطال الرؤيا سوى رؤية الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.\nأجاب الإمام أبو الحسن الأشعري رحمه الله تعالى: تجويزكم صحة رؤيا الأنبياء يبطل قولكم ببطلانها لغير الأنبياء .. (٣).\n_________\n(١) أخرجه الترمذي في جامعة في كتاب الرؤيا، باب أن رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوية (٤/ ٥٣٢) وقال: هذا حديث حسن صحيح، والنسائي في السنن الكبرى، كاب التعبير، باب إذا رأى ما يكره (٤/ ٣٩٠) من حديث أبي هريرة ﵀، وصححه الألباني كما في سلسلة الأحاديث الصحيحة (٣/ ٣٢٨ - ٣٣٠).\n(٢) هو جمال الدين أبو بكر محمد بن موسى الخوارزمي، ثم البغدادي (ت٤٠٣ هـ) كان ثقة دينا حسن الصلاة على طريق السلف انظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء للذهبي (١٧/ ٢٣٥٩ والبداية والنهاية (١١/ ٣٧٤) وشذرات الذهب (٣/ ١٧٠).\n(٣) مفيد العلوم ومبيد الهموم (٥٣٤) تحقيق: عبد الله الأنصاري طبعة (١٤٠٠) المكتبة العصرية، بيروت وقد طبع هذا الكتاب ثلاث طبعات وينسب فيها للخوارزمي المذكور ومنها الطبعة التي ذكرتها بحقيق الأنصاري، وطبعتين بمصر سنة ١٣١٠هـ، ١٣٣١ وطبع ونسبت في هذه الطبعة إلى زكريا بن محمد بن محمود القزويني (٦٠٥ - ٦٨٢) ولم يذكر سببًا واضحًا في نسبة الكتاب للقزويني سوى أنه وجده على بعض النسخ، والله أعلم.","vol":"1","page":48},{"text":"وقال أبو بكر بن العربي (١) ﵀ في رده على قول المعتزلة السابق: «وهذا على أصلهم في تخييلهم على العوام وإنكار أصول الشرع كإنكارهم الجن (٢) وإنكارهم كلام الملائكة للبشر، وأن جبريل لو كلم محمدًا - ﷺ - لسمعه الحاضرون» (٣).\nوقال ﵀: «قد قيل: إن الرؤيا لا حقيقة لها وهم القدرية (٤)، تعسًا لهم، وغلا صالح قبة، فقال: كل الرؤيا والرؤية بعين الرأس حقيقة».\nثم قال أبو بكر: وهذا حماق (٥).\n_________\n(١) هو الإمام العلامة الحافظ القاضي، أبو بكر محمد بن عبد الله بن العربي المالكي الأندلسي (٤٦٨ - ٥٤٣هـ) كان فقيهًا عالمًا صحب الغزالي وأخذ عنه وكان يتهمه برأي الفلاسفة.\nانظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء (٢٠/ ١٩٧ - ٢٠٤) والبداية والنهاية (١٢/ ٢٤٥) وشذرات الذهب (٤/ ١٤١).\n(٢) انظر قولهم في إنكار الجن: الفصل في الملل والنحل (٥/ ٥٧) وتفسير الرازي (١/ ٤٣٢).\n(٣) إكمال المعلم (٦/ ٦٩) وانظر: إشارات الإمام (١٥٨).\n(٤) القدرية هم الذين ينفون مشيئة الله في أفعال العباد، والمراد بهم هنا المعتزلة لأنهم زعموا أن هم الذين يخلقون أفعالهم استقلالًا وليس لمشيئة الله أثر فيها.\nقال البغدادي في كتابه الفرق بين الفرق (١١٥) في بيان لما أجمعت عليه المعتزلة، وقد زعموا أن الناس هم الذين يقدرون إكسابهم وأنه ليس لله ﷿، في إكسابهم وفي أعمال سائر الحيوانات صنع ولا تقدير، ولأجل هذا القول سماهم المسلمون قدرية، وسماهم المسلمون أيضًا مجوس هذه الأمة.\nوانظر: تأويل مختلف الحديث (٩١ - ٩٥) والفصل في الملل والنحل (٣/ ٣٣) والبرهان في معرفة عقائد أهل الأديان (٢٦) والملل والنحل (١/ ٥٤).\n(٥) عارضة الأحوذي (٩/ ١٣٠).","vol":"1","page":49},{"text":"وممن نسب هذا القول لبعض المعتزلة شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وهو معروف بدقة معرفته بأقوال أهل الملل والنحل ورده عليهم.\nحيث قال في كتابه بيان تلبيس الجهمية: «وحكوا عن طائفة من المعتزلة وغيرهم إنكار رؤية الله، يعني في المنام، والنقل بذلك متواتر عمن رأي ربه في المنام، ولكن لعلهم قالوا: لا يجوز أن يعتقد أنه رأى ربه في المنام فيكونون قد جعلوا مثل هذا من أضغاث الأحلام، ويكونون من فرط سلبهم ونفيهم نفوا أن تكون رؤية الله في المنام رؤية صحيحة كسائر ما يرى في المنام، فهذا مما يقوله المتجهمة، وهو باطل مخالف لما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها بل ولما اتفق عليه عامة عقلاء بني آدم» (١).\nوقريب من قول المعتزلة السابق في حقيقة الرؤيا، ما ينسب إلى الأشاعرة (٢) فقد ذكر الإيجي (٣) وهو أشعري العقيدة، في كتابه المواقف في علم الكلام أن قول المعتزلة والأشاعرة في الرؤيا أنها خيال باطل، وإنما فرق بين القولين في التعليل فقط.\nفقال: «وأما الرؤيا فخيال باطل عند المتكلمين، أما عند المعتزلة فلفقد شرائط الإدراك، من المقابلة وانبعاث الشعاع، وتوسط الهواء، وأما عند الأصحاب إذا\n_________\n(١) بيان تلبيس الجهمية (١/ ٧٣).\n(٢) هم الذي ينتسبون إلى أبي الحسن الأشعري، من المتكلمين، يقولون لله تعالى سبع صفات، السمع، والبصر، والعلم، والكلام، والقدرة، والإرادة والحياة، وبقية الصفات يؤولونها وينكرون الأسباب والحكم، وأهم خلاف لهم مع أهل السنة في الصفات وفي كلام الله، وعندهم أن الإيمان هو التصديق بالقلب فقط، انظر آرائهم في: الملل والنحل للشهرستاني (١/ ٩٤) والفصل في الملل والنحل (٥/ ٧٧).\n(٣) هو عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الغفار بن أحمد الإيجي (٧٠٨ - ٧٥٦ هـ).\nانظر ترجمته في: الدرر الكامنة (٢/ ٣٢٣) وشذرات الذهب (٦/ ١٧٤، ١٧٥) ومعجم المؤلفين (٥/ ١١٩).","vol":"1","page":50},{"text":"لم يشترطوا شيئًا من ذلك، فلأنه خلاف العادة، والنوم ضد للإدراك» (١).\nوقد نسب هذا القول الألوسي (٢) ﵀ للمتكلمين، والأشاعرة من المتكلمين فقال: «والمنقول عن المتكلمين أنها خيالات باطلة وهو من الغرابة بمكان بعد شهادة الكتاب والسنة بصحتها» (٣).\nولكن لما ذكر ابن القيم ﵀ اضطراب الناس في حقيقة الرؤيا، ذكر أن هناك من يعرف الرؤى بأنها: علوم علقها الله في النفس ابتداء بلا سبب.\nثم قال: «وهذا قول منكري الأسباب والحكم والقوي، وهو قول مخالف للشرع والعقل والفطرة» (٤).\nوقوله ﵀: وهذا قول منكري الأسباب والحكم هذه العبارة كثيرًا ما يطلقها ابن القيم وشيخه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمها الله على الأشاعرة (٥).\n_________\n(١) المواقف (٦/ ١١١).\n(٢) الألوسي: شهاب الدين، أبو الثناء محمود بن عبد الله الألوسي (١٢١٧ - ١٢٧٠ هـ) صاحب التفسير المشهور روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني\"\nانظر ترجمه في: معجم المؤلفين (١٢/ ١٧٥).\n(٣) روح المعاني (١٢/ ١٨٢) ويظهر أن هذا القول لبعض الأشاعرة لأن الرازي وهو أشعري قال بقول الفلاسفة، والمازري وهو أشعري يخالف هذا القول، وكذا الغزالي وهو من مثبتي دعائم المذهب الأشعري ومن أكابر أنصاره يميل إلى قول الفلاسفة كما سيأتي توضيح أقوالهم إن شاء الله.\n(٤) الروح (٣٠).\n(٥) انظر: الصفدية (١/ ١٤٣، ١٤٧) تحقيق: الدكتور محمد رشاد سالم، وأشار إلى هذا الرأي الألوسي ﵀ في تفسيره بعد أن ذكر الأقوال في أسباب الرؤيا وأن هناك من قال بأنها اعتقادات يخلقها الله في قلب النائم، وقيل هي أحاديث الملك الموكل بالأرواح إن كانت صادقة، ووسوسة الشيطان والنفس إن كانت كاذبة، قال: وقد يجمع بين القولين بأن مقصود القائل بأنها اعتقادات يخلقها الله تعالى في قلب النائم .. إلخ، أنها اعتقادات تخلق كذلك بواسطة حديث الملك. أو بواسطة وسوسة الشيطان مثلًا ثم قال: والمسببات في المشهور عند الأشاعرة مخلوقة له تعالى عند الأسباب لا بها فتدبر روح المعاني (١٢/ ١٨١).","vol":"1","page":51},{"text":"ولم يبين ﵀ وجه مخالفة هذا القول للشرع، والعقل، والفطرة، ولعل ما ذكرته في الرد على المعتزلة يبين وجه هذه المخالفة.\nالقول الثالث: قال الفلاسفة (١) في حقيقة الرؤيا:\nإن الحس المشترك (٢) في الإنسان والذي هو مجمع الحواس\nالظاهرة، إذا أخذ الصورة الخارجية من الحواس الظاهرة\nيؤديها إلى القوة المتخيلة (٣) التي من شأنها تركيب الصورة\nفربما انطبعت تلك الصور في الحس المشترك وصارت مشاهدة\n_________\n(١) الفلاسفة: من ينسبون إلى الفلسفة وهي كلمة يونانية تعني محبة الحكمة، يبنون آرائهم على نظريات باطلة كنظرة الاتصال بالعقل الفعال ونظرية السعادة وغيرهما، ومن مذهبهم أن العالم قديم وعله مؤثرة بالإيجاب وليست علة فاعلة بالاختيار، وأكثرهم ينكرون علم الله تعالى، وينكرون حشر الأجساد، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في درء تعارض العقل والنقل (١/ ٨، ١٢) إن الفلاسفة يسلكون طريق التبديل مثل المتكلمين، ولكنهم أهل الوهم والتخييل، والمتكلمون هم أهم التحريف والتأويل، وكذا وصفهم ابن القيم ﵀ بأنهم أصحاب التخييل، لأنهم يعتقدون أن الرسل لم يفصحوا للخلق بالحقائق إذ لهم إدراكها، وإنما أبرزوا لهم المعقول في صورة المحسوس، انظر: كتاب \"الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة\" تحقيق الدكتور: علي بن محمد الدخيل الله (٢/ ٤١٨).\nانظر في عرض آرائهم والرد عليهم: الملل والنحل للشهرستاني (٢/ ٥٨) وهو من أحسن ما كتب الفلاسفة كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وكتاب الرد على المنطقيين والصفدية، كلاهما لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وتاريخ الفلسفة اليونانية يوسف كرم (١٧ - ١٩).\n(٢) الحس المشترك عرفه التهانوي في كشاف اصطلاحات الفنون (١/ ٣٠٢، ٣٠٤) بأنه: القوة التي ترتسم لها صور الجزئيات المحسوس بالحواس الظاهرة، وانظر التعريفات للجرجاني (٩١) والمباحث المشرقية للرازي (٢/ ٤٢٩).\n(٣) قال الجرجاني في التعريفات (٣٠٨): هي قوة محلها مقدم التجويف الأوسط من الدماغ من شأنها التصرف في الصور والمعاني بالتركيب والتفصيل فتركب الصور بعضها ببعض .. وانظر: المباحث الشرقية للرازي (٢/ ٤٢٩).","vol":"1","page":52},{"text":"على حسب مشاهدة الصور الخارجية، فإن الصور الخارجية لم تكن مشاهدة لكونها صورة خارجية بل لكونها مرتسمة في الحس المشترك.\nقالوا: ومن طباع القوة المتخيلة التصوير والتشبيح دائمًا، إلا أن هناك أمرين صارفين لها عن فعلها:\nأحدهما: توارد الصور من الخارج على الحس المشترك، فإنه إذا انتقش بهذه الصورة لم يتسع لانتقاشه بالصور التي تركبها القوة المتخيلة فيعوقها ذلك عن عملها لعدم القابل.\nوثانيها: تسلط العقل أو الوهم عليها بالضبط عندما يستعملانها فتتعوق بذلك عن عملها، وإذا انتفى هذان الشاغلان أو أحدهما تفرغت القوة المتخيلة لفعلها في التصور، والشخص إذا نام انقطع عن الحس المشترك توارد الصور من الخارج، فيتسع لانتقاش الصور من الداخل.\nقالوا: إذا عرفت هذا فنقول ما يدركه النائم ويشاهده صور مرتسمة في الحس المشترك موجودة فيه ويكون ذلك على وجهين:\nالأول: أن يرد ذلك المدرك على الحس المشترك من النفس الناطقة (١) وهي تأخذه من العقل الفعال (٢) فإن جميع صور الكائنات من الأزل إلى الأبد مرتسم فيه.\n_________\n(١) هي الروح عند الفلاسفة، عرفها الجرجاني في التعريفات (٢٩٣) فقال: \"هي الجوهر المجرد عن المادة في ذواتها مقارنة بها في أفعالها\" وانظر: كتاب المباحث الشرقية (٢/ ٤٣٣).\n(٢) وهو عندهم أحد العقول العشرية المتصرفة في الكون، وهو نقطة الاتصال بين العبد وربه ومصدر الشرائع والقوانين، فالله ﷾، عندهم لم يخلف إلا شيئًا واحدًا وهو العقل الأول وكان العقل الأول غيره، فالعلم بالحوادث منتقش في العقل أو النفس الملكية فإذا اتصلت به النفس الناطقة عملت ذلك في صورة خيار، والسبب الموجب للاتصال ضعف تعلقها بالبدن وانظر: آراء أهل المدينة الفاضلة (٥٧، ٥٨) وقد رد عليهم شيخ الإسلام في هذه المسألة في كتابه الصفدية (١/ ٢٠١ - ٢٠٩).","vol":"1","page":53},{"text":"قالوا: فإن تصرف فيه الحس المشترك، فيحتاج إلى تعبير وإن لم يتصرف فيه فلا يحتاج إلى تعبير.\nالثاني: أن يرد على الحس المشترك، صور المحسوسات بالحواس الظاهرة مما ارتسم في الخيال، أثناء اليقظة، أو يرتسم فيه مما يوجبه مرض كثوران خلط، أو تغير مزاج.\nوالوجه الأول عندهم هو سبب الرؤيا الصادقة.\nوالوجه الثاني: هو سبب الرؤيا الكاذبة (١).\nالرد:\nهذا القول لا شك في بطلانه وذلك من وجوه.\nأولا: فيما يتعلق بقولهم في سبب الرؤيا الصادقة، وأنها تأتي نتيجة ارتسام\n_________\n(١) انظر: آراء أهل المدينة الفاضل للفارابي (٦٣ - ٦٨) وكتاب الشفاء لابن سينا، المقالة الرابعة من الفن السادس (١٥٧ - ١٧٧) والمباحث المشرقية للرازي (٢/ ٤٢٩ - ٤٣٣) والنجاة لابن سينا (٣٣٤، ٣٣٥) ومقاصد الفلاسفة للغزالي (١٥٧ - ١٦١) وكتاب المواقف في علم الكلام للإيجي (٦/ ١١٢ - ١١٥) وتفسير الرازي (١٨/ ١٣٥) وهذا القول في حقيقة الرؤيا بني عليه الفلاسفة نظريات باطلة في النبوة، حيث قالوا إن النبوة مكتسبة، ولا تنقطع لأنه إذا جاز أن يرى الإنسان منامًا يدل على أمور غائبة أمكن العلم بجميع الأمور الغائبة. انظر: الصفدية (١/ ٧٩) بل قالوا إن الحكيم أفضل من النبي لأنه يتصل بالله مباشرة بخلاف النبي فيحتاج إلى واسطة وهي قدرة المتخيلة على الاتصال بالعقل الفعال في اليقظة. ولهذا قال الفارابي في كتابه آراء أهل المدينة الفاضل (٦٣) القول في سبب المنامات\" ثم عقب ذلك بقوله: \"القول في الوحي ورؤية الملك\" ومن اهتمامات الفلاسفة، بالرؤى في المنامات ألفوا فيها الكتب الخاصة مثل: رسالة الأحلام ورسالة التنبوء بواسطة النوم، كلاهما أرسطو، وألف الكندي رسالة في ماهية النوم انظر: كتاب \"في الفلسفة الإسلامية\" (١/ ٩) للدكتور إبراهيم مدكور، وانظر: المباحث المشرقية (٢/ ٤٢٩ - ٤٣٥).","vol":"1","page":54},{"text":"الصور في الحس المشترك الذي يأخذها من النفس الناطقة والتي تأخذ ذلك من العقل الفعال. وهذا قول باطل لأنه لا دليل عليه من النقل ولا من العقل، فلم يرد عن طريق الوحي، والعقل لا يدرك هذه الأشياء. وعامة ما يعتمدون عليه هو التجويز الذهني (١).\nثانيًا: قولهم في الوجه الثاني أن حصول الرؤيا الكاذبة بسبب الأخلاط.\nقال ابن العربي المالكي ﵀ في رده عليهم: \"تقسيمه - ﷺ - الرؤيا ثلاثة أقسام هي قسمة صحيحة مستوفية للمعاني، وهي عند الفلاسفة على أربعة أقسام بحسب الطبائع الأربع (٢).\nوقد بينا في كل كتاب، ونادينا على كل باب وصرخا على الوهاد والأنقاب (٣)، بأنه لا تأثير للأخلاط (٤).\nوقال المازري ﵀ بعد أن ذكر قول الفلاسفة السابق: \"وهذا مذهب وإن جوزه العقل وأمكن عندنا أن يجري الباري جلت قدرته العادة بأن يخلق مثلما قالوه عند غلبة هذه الأخلاط فإنه لم يقم عليه دليل، ولا اطردت به عادة والقطع في موضع التجويز غلط وجهالة، هذا لو نسبوا ذلك إلى الأخلاط\n_________\n(١) وانظر المنهج في الرد على الفلاسفة في كثير في مقالاتهم في الصفدية (١/ ١٦٣، ١٨١) فقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بأن عامة ما يعتمد عليه الفلاسفة إنما هو التجويز الذهني.\n(٢) هي عند الفلاسفة كما يقول الرازي في المباحث المشرقية (٢/ ٤٣١) الذي يميل مزاجه إلى الحرارة يرى النيران في النوم، ومن مال مزاجه إلى البرودة يرى الثلوج، ومن مال مزاجه إلى الرطوبة يرى الأمطار، ومن مال مزاجه إلى اليبوسة يرى الأشياء المظلمة.\n(٣) الوهاد: هي الأماكن المطمئنة. انظر: الصحاح للجوهري (٢/ ٥٥٤) والأنقاب هي الطرق المرتفعة بين جبلين انظر: لسان العرب (١/ ٧٦٧).\n(٤) عارضة الأحوذي (٩/ ١٢٧).","vol":"1","page":55},{"text":"على جهة الاعتياد، وأما إن أضافوا الفعل إليها فإنا نقطع بخطأهم، ولا نجوز ما قالوه، إذ لا فاعل إلا الله سبحانه (١).\nثم قال: «ولبعض أئمة الفلاسفة تخليط طويل في هذا، وكأنه يرى أن صور ما يجري في الأرض هي في العالم العلوي كالمنقوش، وكأنه يدور بدوران الكرة، فما حاذى بعض النفوس منه انتقش فيها، وهذا أوضح فسادًا من الأول (٢) مع كونه تحكما بما لم يقم عليه برهان ..» (٣).\nوقد ذكر ابن القيم ﵀ اضطراب الناس في الرؤى، ثم ذكر قولًا قريبًا من قول الفلاسفة وإن خالفه من بعض الوجوه، ولم ينسبه إلى أحد، ثم رد عليه حيث قال: «فمن قائل: إن العلوم كلها كامنة\nفي النفس، وإنما اشتغالهم بعالم الحس يحجب عنها مطالعتها، فإذا تجردت بالنوم رأت منها بحسب استعدادها ولما كان تجردها بالموت أكمل كانت علومها ومعارفها هناك أكمل، وهذا فيه حق وباطل فلا يرد كله، ولا يقبل كله، فإن تجرد النفس يطلعها على علوم ومعارف لا تحصل بدون التجرد، لكن لو تجردت كل التجرد لم تطلع على علم الله الذي بعث به رسوله - ﷺ - وعلى تفاصيل ما أخبر به عن الرسل الماضية، والأمم الخالية وتفاصيل المعاد، وأشراط الساعة، وتفاصيل الأمر والنهي،\n_________\n(١) ذكر الأشعري في المقالات (٢/ ١٠٧) عن معمر أنه قال: «إن الرؤيا من فعل الطبائع وليس من قبل الله» وقد تأثر بهذا القول في كون الرؤيا بسبب الأخلاق كثير ممن تكلموا في الرؤى وانظر على سبيل المثال الفصل في الملل والنحل (٥/ ١٢٣) كما تأثر بقول الفلاسفة الأول كثير من الصوفية كما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله.\n(٢) يعني بالأول: قول الفلاسفة أن الرؤيا من فعل الطبائع.\n(٣) المعلم بفوائد مسلم (٣/ ١١٥، ١١٦).","vol":"1","page":56},{"text":"والأسماء والصفات والأفعال وغير ذلك مما لا يعلم به إلا الوحي، ولكن تجرد النفس عون لها على معرفة ذلك، وتلقيه من معدنه أسهل وأقرب وأكثر مما يحصل للنفس المنغمسة في الشواغل البدنية» (١).\nومن الأقوال التي ذكرها ابن القيم ﵀ ولم ينسبها لأحد ورد عليها وهي قريبة من قول الفلاسفة السابق من بعض الوجوه.\nأن هناك من قال: بأن الرؤى كلها علوم وعقائد في النفس تظهر لصاحبها عند انقطاع نفسه عن الشواغل البدنية بالنوم.\nقال ابن القيم ﵀ في رده على هذا القول: \"وهذا عين الباطل والمحال، فإن النفس لم يكن فيها قط معرفة هذه الأمور\" (٢).\nالقول الرابع: قول أهل الحق أهل السنة والجماعة:\nفقالوا: لا نعدوا قول نبينا - ﷺ - فقد بين الرؤيا بيانًا واضحًا شافيًا فقسمها إلى ثلاثة أقسام: رؤيا حق من الله ﷿، والله أعلم بكيفية ذلك، ورؤيا باطلة فهي أضغاث أحلام من تهويل الشيطان وتحزينه وتمثيله لابن آدم، أو مما يحدث به المرء نفسه في اليقظة فيراه في المنام.\nفقد أخرج الترمذي والنسائي من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «الرؤيا ثلاث، فرؤيا حق، ورؤيا يحدث بها الرجل نفسه، ورؤيا تحزين من الشيطان» (٣).\n_________\n(١) الروح (٣٠).\n(٢) المرجع السابق وانظر كذلك: سرح الروح للبقاعي (١٨٣) بتحقيق محمود محمد نصار، مكتبة التراث الإسلامي.\n(٣) سبق تخريجه (٤٨).","vol":"1","page":57},{"text":"وأخرج ابن أبي شيبة وابن ماجه وابن حبان في صحيحه من حديث عوف بن مالك ﵁ عن رسول الله - ﷺ - قال: «إن الرؤيا ثلاث: منها أهاويل من الشيطان ليحزن بها ابن آدم، ومنها ما يهم به الرجل في يقظته فيراه في منامه، ومنها جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة» (١).\nوفي أحاديث أخرى يقسم - ﷺ - الرؤيا إلى قسمين كما في حديث أبي قتادة ﵁، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «الرؤيا الصادقة من الله، والحلم من الشيطان ..» (٢).\nقال ابن عبد البر ﵀: \"وجملة القول في هذا الباب أن الرؤيا الصادقة من الله، وأنها من النبوة، وأن التصديق بها حق، وفيها من بديع حكمة الله ولطفه، ما يزيد المؤمن إلى إيمانه.\nولا أعلم بين أهل الدين والحق، من أهل الرأي والأثر خلافًا فيما وصفت ولا ينكر الرؤيا إلا أهل الإلحاد، وشرذمة من المعتزلة (٣).\n_________\n(١) مصنف ابن أبي شيبة: كتاب الإيمان والرؤيا (٦/ ١٨١) (٣٠٥٠٧) تحقيق الحوت وسنن ابن ماجه، كتاب تعبير الرؤيا ٣ - باب الرؤيا ثلاث (٢/ ١٢٨٥) وموارد الظمآن في زوائد ابن حبان (٤٤٤) (١٧٩٤).\nوصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٨٧٠) (٤/ ٤٨٧، ٤٨٨).\n(٢) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب التعبير، باب الرؤيا من الله (٤/ ٢٩٦) (٦٩٨٤) ومسلم في صحيحه، كتاب الرؤيا، (٢٢٦١) (٤/ ١٧٧١) وله طرق وألفاظ متعددة سوف يأتي ذكرها إن شاء الله في مبحث إذا رأى ما يكره.\n(٣) التمهيد (١/ ٢٨٥).","vol":"1","page":58},{"text":"فنحن لا نقول كما تقول المعتزلة أن الرؤى كلها خيالات باطلة لا حقيقة لها، ولا كما تقول الفلاسفة أنها من فعل الطبائع بل نقول كما يقول ربنا ﷿: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ﴾ [الفتح: ٢٧] وكما يقول نبينا - ﷺ - «الرؤيا الصادقة من الله، والحلم من الشيطان».\nوفي بيان حقيقة الرؤيا الصادقة وأنها حق، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في قول رسول الله - ﷺ -: «من رآني في المنام فقد رآني حقًا، فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي» (١) هو كما قال - ﷺ - رآه في المنام حقًا، فمن قال: ما رآه في المنام حقًا فقد أخطأ، ومن قال: إن رؤيته في اليقظة بلا واسطة كالرؤية بالواسطة المقيدة بالنوم فقد أخطأ، ولهذا يكون لهذه تأويل وتعبير دون تلك (٢).\nوفي مواضع متعددة يقرر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن ما يراه النائم في نومه عبارة عن أمثال مضروبة له.\nفيقول في كتابه منهاج السنة النبوية: \"والنائم يرى في المنام إنسانًا يخاطبه ويشاهده، ويجري معه فصولًا، وذلك المرئي قاعد في بيته، أو ميت في قبره، وإما رأى مثاله (٣).\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب التعبير، باب من رأى النبي - ﷺ - في المنام (٤/ ٢٩٩) ومسلم في صحيحه، كتاب الرؤيا، باب قول النبي - ﷺ - «من رآني في المنام فقط رآني» (٤/ ١٧٧٥) وله ألفاظ متعددة سوف يأتي إن شاء الله التفصيل فيها، وهو من الأحاديث المتواترة.\nوانظر: قطف الأزهار المتناثرة في الأخبار المتواترة للسيوطي (١٧١ - ١٧٣) تحقيق: خليل محيي الدين، المكتب الإسلامي.\n(٢) ضمن جواب لشيخ الإسلام ابن تيمية، مطبوع ضمن مجموع الفتاوى له (١٢/ ٢٧٨).\n(٣) منهاج السنة النبوية (٥/ ٣٧٨) تحقيق: محمد رشاد سالم ﵀ من مطبوعات جامعة الإمام.","vol":"1","page":59},{"text":"وفي كتابه الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان يقول ﵀ ما ملخصه:\nإن النائم يرى الأشياء في منامه ولها وجود وتحقق، ولكنها أمثلة فلما عزب عقله في أثناء النوم ظنها الرائي نفس الحقائق كالذي يرى نفسه في مكان آخر يكلم أمواتًا ويكلمونه، ويفعل أمورًا كثيرة، وهو في النوم يجزم بأنه نفسه الذي يقول ويفعل؛ لأن عقله عزب عنه، وتلك الصورة التي رآها مثال صورته لكن غاب عقله عن نفسه، حتى ظن أن ذلك المثال هو نفسه، فلما ثاب إليه عقله علم أن ذلك مثالات.\nومن الناس من لا يغيب عقله؛ بل يعلم أن ذلك في المنام، وهو كالذي يرى صورته في المرآة، أو صورة غيره (١).\nوقد ذكر قريبًا من ذلك في كتابه قاعدة في المعجزات والكرامات (٢).\nفإذا كانت الرؤى عبارة عن أمثلة وأحاديث نفس، فإنه قد ورد في بعض تعاريف العلماء كلمات تحتاج إلى تفصيل فمن ذلك أن منهم من يعرف الرؤيا بأنها إدراكات مخلوقة أو اعتقادات مخلوقة، فهل هذا التعريف صحيح أو لا؟ (٣).\nقال ابن العربي ﵀ في حقيقة الرؤيا: أنها إدراكات يخلقها الله في قلب العبد على يدي الملك أو الشيطان، إما بأمثالها، وإما أمثالًا بكناها، وإما\n_________\n(١) الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، ضمن مجموع الفتاوى (١٣/ ٧٦).\n(٢) مطبوعة ضمن مجموع الفتاوى (١١/ ٦٣٦، ٦٣٧) وانظر: كتاب بيان تلبيس الجهمية (١/ ٧٢).\n(٣) وإنما نبهت على هذه المسألة لكثرة من يذكر هذا التعريف في الكتب المتداولة بين الناس وينسبه إلى أهل السنة والجماعة.","vol":"1","page":60},{"text":"تخليطًا، ونظير ذلك في اليقظة الخواطر فإنها تأتي على نسق في قصد، وتأتي مسترسلة غير محصلة، فإذا خلق الله من ذلك في المنام على يدي الملك شيئًا كان وحيًا منظومًا وبرهانًا مفهومًا.\nورد على من قال أن الرؤيا اعتقادات (١).\nوقال المازري ﵀: «والمذهب الصحيح ما عليه أهل السنة وهو أن الله سبحانه يخلق في قلب النائم اعتقادات كما يخلقها في قلب اليقظان وهو تبارك اسمه يفعل ما يشاء ولا يمنعه من فعله نوم ولا يقظة، فإذا خلق هذه الاعتقادات فكأنه سبحانه جعلها علمًا على أمور أخر يخلقها في ثاني حال أو كان قد خلقها، فإذا خلق في قلب النائم اعتقاد الطيران، وليس بطائر فقصارى ما فيه أنه اعتقد أمرًا على خلاف ما هو عليه وكم في اليقظة ممن يعتقد أمرًا على غير ما هو عليه فيكون ذلك الاعتقاد علما على غيره كما يكون خلق الله سبحانه للغيم علمًا على المطر، والجميع خلق الله سبحانه، ولكن يخلق الرؤيا والاعتقادات التي جعلها علمًا على ما يسره بحضرة الملك، أو بغير حضرة شيطان، ويخلق ضدها مما هو علم على ما يضر بحضرة الشيطان» (٢).\nوعلى هذا التعريف بعض الملحوظات:\nأولا: قول المازري والمذهب الصحيح ما عليه أهل السنة، معلوم أن المازري أشعري العقيدة، وقد صرح بأشعريته في كتابه المعلم بفوائد مسلم،\n_________\n(١) عارضة الأحوذي (٩/ ١٢٣، ١٢٤)، وانظر: أحكام القرآن لابن العربي (٣/ ١٠٧٣، ١٠٧٤)، وفتح الباري (١٢/ ٣٥٢، ٣٥٣).\n(٢) المعلم بفوائد مسلم (٣/ ١١٦).","vol":"1","page":61},{"text":"فيعني بأهل السنة الأشاعرة، فهو إذا ليس بحجة على أهل السنة والجماعة (١).\nثانيًا: قوله وهو أنه سبحانه يخلق في قلب النائم اعتقادات.\nأقول: أن القول بأن الرؤيا عبارة عن اعتقادات مخلوقة، هذه من الألفاظ المحدثة عند المتأخرين، كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في مسألة هل الإيمان مخلوق أو غير مخلوق؟\nوبين ﵀ أنه يقال لمن قال ذلك، ما تريد بالإيمان؟ أتريد به شيئًا من صفات الله وكلامه، كقوله لا إله إلا الله وإيمانه الذي دل عليه اسم المؤمن، فهو غير مخلوق، أو تريد شيئًا من أفعال العباد وصفاتهم فالعباد كلهم مخلوقون، وجميع أفعالهم وصفاتهم مخلوقة (٢).\nومما يزيد هذا التعريف إشكالًا أن رؤية الأنبياء وحي، ولا يقال في الوحي أنه اعتقادات مخلوقة، كما تقوله المبتدعة عياذا بالله.\nثالثًا: قوله بأن الرؤيا التي تسر تخلق بحضرة ملك، والتي بضدها بحضرة شيطان هذا يحتاج إلى دليل من الشرع.\nأما تعريف الرؤيا بأنها اعتقادات فقد ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (٣).\n_________\n(١) انظر المعلم (١/ ٧٤، ١٩١، ١٩٤، ١٩٧، ٢٠٣، ٢٠٥، ٢٢٤، ٢٢٦، ٢٢٧، ٣٠٣، ٣٠٨، ٣٢٢) (٢/ ١٣، ١٤، ١٨) (٣/ ٩٣، ٩٤، ١١٦، ١٦١، ١٦٥، ١٦٧، ١٦٨، ١٧٦، ١٧٩، ١٨٣، ١٨٦، ١٨٧، ١٨٩، ١٩٠، ١٩١، ١٩٥، ١٩٨، ٢٠١، ٢٠٢).\n(٢) انظر كتاب الإيمان الأوسط لابن تيمية المطبوع ضمن مجموع الفتاوى له (٧/ ٦٦٤).\n(٣) انظر: بيان تلبس الجهمية (١/ ٦٨ - ٧٣).","vol":"1","page":62},{"text":"وقال ابن القيم ﵀: «وإن من الرؤيا ما يكون من حديث النفس وصورة الاعتقاد بل كثير من مرائي الناس إنما هي من مجرد صور اعتقادهم المطابق وغير المطابق» (١).\n\n* * *\n_________\n(١) الروح (٢٩).","vol":"1","page":63},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>المبحث الثاني\nالفرق بين الرُّؤْيا والحُلُم والفرق بين الرُّؤيا والرُّؤْية</span>\nوفيه مسألتان:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-16>المسألة الأولى: الفرق بين الرؤيا والحلم</span>\nتبين لنا في المبحث الأول، أن الرؤيا في اللغة تعني ما يراه الإنسان في منامه، وهي عبارة عن أمثال مضروبة، وإذا كان الأمر كذلك، فما الفرق بينها وبين الحلم؟\nوالجواب:\nأن الحُلْمُ: بضم الحاء واللام أو ضم الحاء وسكون اللام، وهو ما يراه النائم (١).\nقال الجوهري في الصحاح: (الحُلُم بالضم: ما يراه النائم، تقول منه، حَلَم بالفتح واحْتَلَم.\nوتقول: حَلَمْت بكذا، وحَلَمْتُه أيضًا (٢).\nوقال ابن منظور في لسان العرب: (الحُلْمُ والحُلُم: الرؤيا، والجمع أحْلام، يقال: حَلَم إذا رأى في المنام.\n_________\n(١) \"الحِلْم: بكسر الحاء وسكون اللام هو الأناة والعقل، مصدر حَلُم- بضم اللام- وجمعه أحلام في القلة وحُلُوم في الكثرة، ومنه قوله تعالى: ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ﴾ [الطور: ٣٢] تقول منه: حَلُم الرجل وتَحَلَّمَ أي تكلّفَ الحَلْمَ.\nانظر: الصحاح (٥/ ١٩٠٣) واللسان (١٢/ ١٤٦) والقاموس المحيط (١٤١٦).\n(٢) الصحاح (٥/ ١٩٠٣) تحقيق: أحمد عبد الغفور العطار، دار العلم، بيروت، الطبعة الثانية (١٣٩٩ هـ).","vol":"1","page":64},{"text":"يقال: حَلَم بالفتح، إذا رأى وتَحَلَّم إذا ادعى الرؤيا كاذبًا (١).\nفالحُلُم بهذا المعنى اللغوي، وهو ما يراه الإنسان في منامه من الخير والشر، فهو مرادف للرؤيا، إلا أنه غلب في الاصطلاح الشرعي استعمال الرؤيا في الخير والشيء الحسن، وغلب استعمال الحلم على خلافه.\nيقول ابن الأثير (٢) ﵀: «الرؤيا والحلم عبارة عما يراه النائم في نومه من الأشياء،، لكن غلبت الرؤيا على ما يراه من الخير والشيء الحسن، وغلب الحلم على ما يراه من الشر القبيح».\nومنه قوله تعالى: ﴿أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾ [يوسف: ٤٤] ويستعمل كل واحد منهما موضع الآخر (٣).\nودل على هذا التفريق أحاديث كثيرة، منها ما أخرجه البخاري ﵀ من حديث أبي قتادة ﵁ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «الرؤيا الصادقة\n_________\n(١) لسان العرب (١٢/ ١٤٥) وانظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٤٣٤).\n(٢) هو مجد الدين، أبو السعادات المبارك بن محمد الجزري صاحب كتاب جامع الأصول في أحاديث الرسول - ﷺ - المتوفى سنة (٦٠٦ هـ) وأخواه العلامة، عز الدين أبو الحسن ابن الأثير، صاحب كتاب \"الكامل في التاريخ\" وأسد الغابة في معرفة الصحابة \"المتوفى سنة (٦٣٠ هـ) والوزير ضياء الدين صاحب المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر) المتوفى سنة (٦٣٧ هـ) انظر: معجم البلدان لياقوت الحموي (١٧/ ٧١ - ٧٧) ط/ دار المأمون، ووفيات الأعيان لابن خلكان (٣/ ٢٨١ - ٩١) ط/ النهضة المصرية، وشذرات الذهب لابن العماد (٥/ ٢٢ - ٣٢) وسير أعلام النبلاء للذهبي (٢٢/ ٣٥٣) مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى (١٤٠٥ هـ).\n(٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٤٣٤) تحقيق: الماهر الزاوي ومحمود الطناحي.","vol":"1","page":65},{"text":"من الله والحلم من الشيطان» الحديث (١).\nيقول ابن حجر ﵀: ظاهر قوله - ﷺ -: «الرؤيا من الله والحلم من الشيطان» أن التي تضاف إلى الله لا يقال لها: (حلم) والتي تضاف إلى الشيطان لا يقال لها: (رؤيا) وهو تصرف شرعي وإلا فالكل يسمى رؤيا، وقد جاء في حديث آخر (الرؤيا ثلاث) (٢) فأطلق على الكل رؤيا (٣).\nولهذا من فقه الإمام البخاري ﵀ في كتابه الجامع الصحيح المسند من أحاديث الرسول - ﷺ - وسننه وأيامه أنه في كتاب التعبير وضع بابًا بعنوان الرؤيا من الله (٤) وبابًا آخر بعنوان الحلم من الشيطان (٥) واستدل بحديث أبي قتادة السابق للتفريق بين الرؤيا والحلم.\nولعل الحكمة والله أعلم في نسبة الرؤيا إلى الله، والحلم إلى الشيطان، أن الله ﷿ كره أن يسمى ما كان من الله وما كان من الشيطان باسم واحد، فشرع التفريق بين الحق والباطل، بأن جعل الرؤيا ما كان من الله، والحلم ما كان من الشيطان، لأنه الذي يخيل بها ولا حقيقة لها (٦)، فهي من\n_________\n(١) سبق تخريجه.\n(٢) سبق تخريجه.\n(٣) فتح الباري شرح صحيح البخاري (١٢/ ٢٦٩).\n(٤) صحيح البخاري (٩١) كتاب التعبير ٣ - باب الرؤيا من الله (٤/ ٢٩٦).\n(٥) المرجع السابق (٤/ ٣٠١) الباب (١٤).\n(٦) انظر: إكمال إكمال المعلم شرح صحيح مسلم، لأبي عبد الله الأبي (٦/ ٦٨) دار الكتب العلمية، وفتح الباري شرح صحيح البخاري (١٢/ ٣٧٠، ٣٩٣) الطبعة السلفية وإرشاد الساري شرح صحيح البخاري (١٠/ ١١٨) دار الفكر، وجامع الأصول في أحاديث الرسول ص (٤/ ٢٠٩).","vol":"1","page":66},{"text":"إلقائه وتشويشاته وتلاعبه ووسوسته وتحزينه للإنسان، كما دلت على ذلك الأحاديث الكثيرة في نسبتها إلى الشيطان وبيان عداوته للإنسان (١).\nوهذا التفريق بين الرؤيا والأحلام من الاصطلاحات الشرعية، وإن كان كل من الرؤيا والحلم من عند الله ﷿، وإنما ذلك جار على أدب العبودية من إضافة الخير إلى الله وإضافة الشر إلى غيره (٢)، كما قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩].\nوكقوله عن الجن: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن: ١٠].\nوكقول النبي - ﷺ - في دعاء الاستفتاح: «والخير كله بيديك والشر ليس إليك» (٣).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"وقد علم الصحابة ﵄ أن ما خالف الشرع والدين فإنه يكون من النفس والشيطان، وإن كان بقضاء الله وقدره (٤).\n_________\n(١) ويأتي إن شاء الله بيان هذا العداوة عند التحدث عن أقسام الرؤيا.\n(٢) انظر: شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر، لابن القيم ﵀ (١٧٨ - ٢٠٦) وشرح العقيدة الطحاوية (٣٦٤ - ٣٦٦) طبعة المكتبة الإسلامية تخريج الألباني والجواب المختار لابن عثيمين (٣٨).\n(٣) أخرجه مسلم في صحيحه (١/ ٥٣٤) (٧٧١) وأبو داود (٧٦٠) والترمذي (٣٤١٧) والنسائي (٢/ ١٣٠) من حديث علي ﵁.\n(٤) منهاج السنة (٥/ ١٨٣) تحقيق: محمد رشاد سالم، من مطبوعات جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.","vol":"1","page":67},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-17>المسألة الثانية: الفرق بين الرؤيا والرؤية</span>\nالرؤيا مصدر رأى، وهي مختصة بما يراه الإنسان في منامه، أما الرؤية فهي مصدر رأي كذلك، إلا أنها مختصة بما يراه الإنسان في اليقظة.\nقال في القاموس المحيط (الرؤية: النظر بالعين وبالقلب) (١).\nوقال في الصحاح: (الرؤية بالعين تتعدى إلى مفعول واحد، وبمعنى العلم تتعدى إلى مفعولين، يقال رأى زيدًا عالمًا، ورأى رأيا ورؤية (٢).\nفالرؤية هي النظر بالعين في اليقظة، والرأي بالقلب.\nوفرق بين الرؤيا والرؤية بتاء التأنيث مكان ألف التأنيث للفرق بين ما يراه النائم وما يراه اليقظان، ونظير ذلك القربة والقربى، فالقربة للتقرب المعنوي بعبادة الله إليه، والقربى للتقرب النسبي (٣).\nقال في الكشاف: (الرؤيا بمعنى الرؤية، إلا أنها مختصة بما كان منها في المنام دون اليقظة، فلا جرم فرق بينهما بحرف التأنيث فيها مكان تاء التأنيث كما قيل في القربى والقربة) (٤).\nوقد تكون الرؤيا مصدر رأى في اليقظة، وعلى هذا تكون الرؤيا بمعنى الرؤية في اليقظة، واستعمال الرؤيا بمعنى رؤية العين ورد في القرآن الكريم وعند\n_________\n(١) القاموس المحيط للفيروز آبادي (١٦٥٨).\n(٢) الصحاح للجوهري (٦/ ٢٣٤٧).\n(٣) انظر: لسان العرب لابن منظور (١/ ٦٦٤، ٦٦٥) وروح المعاني للألوسي (١٢/ ١٨١).\n(٤) الكشاف للزمخشري (٢/ ٣٠٣) ط/ دار الفكر (١٣٩٩ هـ).\nوانظر: عارضة الأحوذي، لابن العربي المالكي ﵀ (١١/ ٢٩٤).","vol":"1","page":68},{"text":"أهل اللغة وفي الشعر العربي.\nفمن استعمال القرآن الكريم الرؤيا بمعنى الرؤية قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠].\nفالمراد بالرؤيا في هذه الآية رؤية العين، وهي ما رآه النبي - ﷺ - ليلة أسري به من العجائب والآيات، وبذلك صرح حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس ﵄ بأنه رؤية عين أريها رسول الله - ﷺ - ليلة أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وعرج به إلى السموات العلى، فرأى ما رأى من آيات ربه الكبرى، والإسراء كان يقظة من أوله إلى آخره.\nفأخرج البخاري في صحيحه من حديث ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ قال هي: رؤيا عين أريها رسول الله - ﷺ - ليلة أسري به إلى بيت المقدس (١).\nقال الحافظ ابن حجر (٢) ﵀: قوله أريها رسول الله - ﷺ - ليلة أسري\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب مناقب الأنصار (٧/ ٢٠٣) مع شرحه فتح الباري وكتاب التفسير، باب (وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس) (٨/ ٣٩٨ وكتاب القدر باب (وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس) (١١/ ٥٠٤).\n(٢) هو الإمام الحافظ شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد العسقلاني المعروف بابن حجر، وهو لقب لبعض آبائه (٧٧٣ - ٨٥٢ هـ) من أجل مؤلفاته، فتح الباري شرح صحيح البخاري، انظر ترجمته في: الضوء اللامع (٢/ ٣٦ - ٤٠) وشذرات الذهب (٧/ ٢٧٠) والبدر الطالع للشوكاني (١/ ٨٧ - ٩٢).","vol":"1","page":69},{"text":"به زاد سعيد بن منصور (١) عن سفيان (٢) في آخر الحديث: (وليست رؤيا منام) (٣).\nقال الحافظ أيضًا: قوله: هي رؤيا عين أريها لم يصرح بالمرئي. وعند سعيد ابن منصور من طريق أبي مالك، قال: هو ما أري في طريقه إلى بيت المقدس (٤).\nوتلقى هذا التفسير ما لا يحصى من السلف ﵏.\nيقول ابن الأنباري (٥) ﵀: \"المختار في هذه الرؤية أن تكون يقظة ولا فرق بين أن يقول القائل: رأيت فلانا رؤية، ورأيته رؤيا، إلا أن الرؤية يقل استعمالها في المنام، والرؤيا يكثر استعمالها في المنام، ويجوز كل واحد منهما في المعنيين\" (٦).\n_________\n(١) أبو عثمان الحافظ الإمام الحجة، صاحب السنن سمع مالكًا وحماد بن زيد وغيرهما، وروي عنه مسلم والإمام أحمد بن حنبل، أبو حاتم وأبو زرعة وغيرهم، مات سنة (٢٧٧ هـ) انظر ترجمه في: طبقات ابن سعد (٥/ ٣٦٧) والتاريخ الكبير للبخاري (١٧٢٢) وتهذيب التهذيب (٤/ ٩٨) وسير أعلام النبلاء (١٠/ ٥٨٦).\n(٢) أبو محمد سفيان بن عيينة الهلالي الكوفي المكي (١٠٧ - ١٩٨) الإمام حافظ عصره من كبار أصحابه المكثرين عنه، الحميدي، والشافعي، وابن المديني، وأحمد انظر: سير أعلام النبلاء (٨/ ٤٥٤ - ٤٧٥).\n(٣) فتح الباري (٨/ ٣٩٨) انظر: تفسير الطبري (١٥/ ٧٦).\n(٤) فتح الباري (٨/ ٣٩٨).\n(٥) الإمام الحافظ النحوي، أبو بكر محمد بن القاسم، المقرئ النحوي، قال أبو بكر الخطيب: كان ابن الأنباري صروفًا دينا من أهل السنة، مات ﵀ سنة (٣٠٤) سير أعلام النبلاء (١٥/ ٢٧٨).\n(٦) زاد المسير في علم التفسير، لابن الجزري (٥/ ٥٣) المكتب الإسلامي الطبعة الرابعة (١٤٠٧ هـ).","vol":"1","page":70},{"text":"(والعرب تقول: رأيت بعيني رؤية ورؤيا) (١).\nوقال أبو جعفر ابن جرير الطبري (٢) ﵀ في تفسير هذه الآية: \"وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: عني به رؤيا رسول الله - ﷺ - ما رأى من الآيات والعبر في طريقه إلى البيت المقدس ليلة أسري به.\nقال: وإنما قلنا: ذلك أولى بالصواب، لإجماع الحجة من أهل التأويل على أن هذه الآية إنما نزلت في ذلك، وإياه عنى الله - ﷿ - بها (٣).\nوزعم بعضهم أن الآية حجة لمن قال إن الإسراء كان منامًا لأن الله ﷿ سماها رؤيا والرؤيا إنما تختص بالمنام (٤).\nوتعقب من قال ذلك، ابن جرير الطبري ﵀ في تفسيره بالرد والإنكار بأن ذلك خلاف سياق القرآن وذكر من الأدلة على رده بعض ما تقدم والله أعلم (٥).\n_________\n(١) تفسير البغوي (٣/ ١٢) دار المعرفة، بيروت.\n(٢) محمد بن جرير (٢٢٤ - ٣١٠) الإمام العالم المجتهد، صاحب كتاب التفسير والتاريخ وغيرها، روى عن أمد بن منيع وعنه أبو القاسم الطبراني، انظر: سير أعلام النبلاء (١٤/ ٢٦٧) والبداية والنهاية (١١/ ١٤٥ - ١٤٧) وتاريخ بغداد (٢/ ١٦٢).\n(٣) جامع البيان في تفسير القرآن (١٥/ ٧٧ - ٧٨) وفي (١٥/ ١٤) ذكر الأدلة على أن الإسراء كان يقظة ولم يكن منامًا.\n(٤) ومن هؤلاء محمد بن إسحاق، انظر: المرجع السابق (١٥/ ١٣) والسيرة النبوية لابن هشام (٢/ ٥٠) وقد قيل: إن الإسراء كان مرتين مرة منامًا ومرة يقظة، وقيل: كان بروحه ولم يفقد جسده، والصحيح أنه ﵌ أسري بجسده في اليقظة، انظر: شرح الطحاوية (١٧٤، ١٧٥) تحقيق: أحمد شاكر.\n(٥) انظر: جامع البيان في تفسير القرآن (١٥/ ١٤) وتفسير القرآن العظيم لابن كثير (٣/ ٢٣) قال الحافظ ابن حجر ﵀ في فتح الباري (١٢/ ٣٥٢) ويحتمل أن تكون الحكمة في تسمية ذلك رؤيا لكون أمور الغيب مخالفة لرؤيا الشهادة فأشبهت في المنام.","vol":"1","page":71},{"text":"وأما استعمال الرؤيا بمعنى الرؤية في اليقظة في الشعر العربي فكثير، ومن ذلك بيت الراعي يصف فيه ضيفًا طرقه ليلًا فيقول:\nفكبر للرؤيا وهش فؤاده ... وبشر نفسًا كان قبلُ يُلومُها (١)\n\nوقول أبي الطيب المتنبي (٢) لبدر بن عمار، وقد سامره ذات ليلة إلى قطع من الليل:\nمضى الليل والفضل الذي لك لا ... ورؤياك أحلى في العيون من الغَمْضِ (٣)\n\nوقول أبي الفوارس سعد بن محمد بن صيفي (٤):\nلو نيل بالقول مطلوب لما حرم ... الرؤيا الكليم وكان الحظ للجبل (٥)\n_________\n(١) لسان العرب (١٤/ ٢٩٧) ذكره ابن منظور ولم يبين من القائل لهذا البيت.\n(٢) أبو الطيب، أحمد بن الحسين بن عبد الصمد الجعفي (٣٠٦ - ٣٥٤) وذكر الذهبي أنه ولد سنة (٣٠٣ هـ) بينما ذكر ابن كثير أنه سنة ٣٠٦ هـ الشاعر المعروف بالمتنبي لأنه زعم أنه نبي، فاق أهل زمانه في الأدب، وكان معجبًا بنفسه فمقت لذلك.\nانظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (١٦/ ١٩٩ - ٢٠١) والبداية والنهاية (١١/ ٢٧٣، ٣٧٦).\n(٣) ديوان المتنبي (٢/ ٢١٩٩ (١٢١) ولسان العرب (٢٤/ ٢٩٧).\n(٤) هو الأمير شهاب الدين، أبو الفوارس سعد بنن محمد بن سعد بن صيفي وكان يزعم أنه من بني تميم (٤٩٢ - ٥٧٤هـ) أديب فقيه شافعي، له ديوان، وترسل، وباع في اللغة، وكان من أخبر الناس بأشعار العرب، المعروف بالحيص بيص، لأنه رأى الناس في حركة واختلاط فقال: ما للناس في حَيْص وبَيْص أي شر وهرج، فغلبت عليه هذه الكلمة.\nانظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (٢١/ ٦١) والبداية والنهاية (١٢/ ٣٢٢).\n(٥) الغيب المسجم للصفدي (٢/ ١٢١) وانظر ديوانه (١٢١).","vol":"1","page":72},{"text":"وقد أنكر هذا الاستعمال الحريري (١) في كتابه \"درة الغواص في أوهام الخواص (٢). وغلط أبا الطيب المتنبي في بيته السابق، بحجة أن الرؤيا إنما تختص بالمنام والرؤية باليقظة (٣).\nوالأدلة السابقة من الكتاب والسنة وأقوال أهل اللغة والشعر العربي ترد على من قال بأن الرؤيا مختصة بالمنام، بل الصواب أن الرؤيا كالرؤية غير أنه غلب استعمال الرؤيا في المنام، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(١) أبو محمد القاسم بن علي بن محمد البصري الحريري، صاحب المقامات، توفي سنة (٥١٦ هـ).\nانظر ترجمته في سير: أعلام النبلاء (١٩/ ٤٦٠) والبداية والنهاية (١٢/ ١٩١).\n(٢) درة الغواص في أوهام الخواص، (١٣٢) تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار النهضة وقد رد عليه الشيخ العلامة أبو عبد الله محمد بن إبراهيم المعروف بابن الحنبلي، أحد أعيان القرن الحادي عشر في كتابه: بحر العوام فيما أصاب فيه العوام.\n(٣) وتبعه في هذا الرأي الصفدي في كتابه: الغيث المسجم في شرح لامية العجم (٢/ ١٢١) دار الكتب العلمية بيروت.","vol":"1","page":73},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>المبحث الثالث\nدلالات الرؤيا</span>\nالدلالات: - بكسر الدال وفتحها - جمع دلالة، وهي الإرشاد، واستدل بالشيء على الشيء أي اتخذه دليلًا عليه (١).\nقال الجوهري في الصحاح: \"الدَّلِيلُ: ما يُستدلُّ به، والدَليلُ: الدَالُّ وقد دَلَّه على الطريق يُدُّله دَلاَلَة ودِلاَلَة ودُلُولَة. والفتح أعلى\" (٢).\nوقال الجرجاني في كتاب التعريفات: \"الدلالة هي كون الشيء يلزم من العلم به العلم بشيء آخر، والشيء الأول هو الدال والثاني هو المدلول\" (٣).\nوبناء على ذلك نستطيع أن نقول: إن دلالات الرؤيا، هي الأمور التي ترشد إليها الرؤيا.\nودلالات الرؤيا كثيرة، ومن خلال استقراء بعض نصوص السنة، يتضح لنا شيء من تلك الدلالات، وهذا يعتمد على فقه الحديث، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، فمن تلك الدلالات للرؤيا:\nأولًا: أن الرؤيا الصالحة تدل على خير رائيها وصلاحه غالبًا:\nويدل على ذلك ما أخرجه البخاري في صحيحه بسنده من حديث ابن عمر ﵄ قال: «إن رجالا من أصحاب رسول الله - ﷺ - كانوا يرون الرؤيا على عهد رسول الله - ﷺ - فيقول فيها رسول الله - ﷺ - ما شاء الله، وأنا غلام حديث السن وبيتي في المسجد قبل أن أنكح، فقلت في نفسي لو كان فيك خير\n_________\n(١) انظر: المعجم الوسيط (١/ ٢٩٤).\n(٢) الصحاح (٤/ ١٦٩٨).\n(٣) التعريفات (١٠٩).","vol":"1","page":74},{"text":"لرأيت مثل ما يرى هؤلاء. فلما اضطجعت ليلة، قلت اللهم إن كنت تعلم في خيرًا فأرني رؤيا، فبينما أنا كذلك إذ جاءني ملكان في يد كل واحد منهما مقمعة من حديد يقبلان بي إلى جهنم وأنا بينهما أدعو الله: اللهم أعوذ بك من جهنم، ثم أراني لقيني ملك في يده مقمعة من حديد فقال: لن تراع، نعم الرجل أنت لو تكثر الصلاة، فانطلقوا بي حتى وقفوا بي على شفير جهنم، فإذا هي مطوية كطي البئر، له قرون كقرون البئر، بين كل قرنين ملك بيده مقمعة من حديد، ورأى فيها رجالًا معلقين بالسلاسل، رءوسهم أسفلهم، عرفت فيها رجالًا من قريش: فانصرفوا بي ذات اليمين، فقصصتها على حفصة فقصتها حفصة على رسول الله - ﷺ - فقال رسول الله - ﷺ -: «إن عبد الله رجل صالح» فقال نافع: لم يزل بعد ذلك يكثر من الصلاة (١).\nوفي رواية فقال - ﷺ -: «نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل فكان بعد لا ينام إلا قليلا» (٢).\nوفي رواية فقال عبد الله بن عمر ﵄: «فتمنيت أن أرى رؤيا فأقصها على رسول الله - ﷺ -» (٣).\nوفي رواية: (فقلت اللهم إن كان لي عندك خير فأرني منامًا يعبره رسول الله - ﷺ - (٤).\n_________\n(١) صحيح البخاري كتاب التعبير (٣٥) باب الأمن وذهاب الروع في المنام (٤/ ٣٠٦) (٧٠٢٨).\n(٢) المرجع السابق كتاب التهجد، باب فضل قيام الليل (١/ ٣٥٠).\n(٣) المرجع السابق (١/ ٣٥٠).\n(٤) المرجع السابق كتاب التعبير باب الأخذ على اليمين في النوم (٤/ ٣٠٦).","vol":"1","page":75},{"text":"قال الحافظ ابن حجر ﵀: «ويؤخذ منه أن الرؤيا الصالحة تدل على خير رائيها» (١).\nوقال العيني (٢) ﵀ في شرح حديث ابن عمر السابق: \"وفيه تمني الرؤيا الصالحة ليعرف صاحبها ماله عند الله\" (٣).\nوقال أبو العباس القرطبي ﵀: \"إنما فسر الشارع من رؤيا عبد الله ما هو ممدوح لأنه عرض على النار ثم عوفي منها، وقيل له لا روع عليك، وذلك لصلاحه، غير أنه لم يكن يقوم من الليل فحصل لعبد الله من ذلك تنبيه على أن قيام الليل مما يتقى به النار والدنو منها، فلذلك لم يترك قيام الليل بعد ذلك (٤).\nثانيًا: أنها تدل على تثبيت الله لعباده المؤمنين:\nيؤخذ ذلك من قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [يوسف: ٦٢ - ٦٤].\nوالبشرى في الحياة الدنيا هي الرؤيا الصالحة كما سنبين ذلك إن شاء الله تعالى، والرؤيا الصالحة تدل على بشارة الله لعبده المؤمن ولذلك سماها النبي - ﷺ - مبشرات، وكقوله ﷿ في غزوة بدر ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ فِي مَنَامِكَ\n_________\n(١) فتح الباري شرح صحيح البخاري (٣/ ٦).\n(٢) العيني: هو الشيخ العلامة، بدر الدين محمود بن أحمد المصري الحنفي (٧٦٢ - ٨٥٥ هـ) صاحب عمدة القاري انظر ترجمه في الضوء اللامح للسخاوي (١/ ١٣١ - ١٣٥) وشذرات الذهب لابن العماد (٧/ ٢٨٧، ٢٨٨) ومعجم المؤلفين (١٢/ ١٥٠).\n(٣) فتح الباري (٣/ ٦).\n(٤) فتح الباري (٣/ ٦).","vol":"1","page":76},{"text":"قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ﴾ [الأنفال: ٤٣] وقوله ﷿: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] ولهذا في آخر الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب، وذلك والله أعلم لأن المؤمن في آخر الزمان أشد ما يكون إلى تثبيت الله له في مثل ذلك العصر الذي يقل فيه المساعدون ويكثر فيه المخالفون والمناوئون.\nولهذا أول ما بدئ به النبي - ﷺ - الوحي كان الرؤيا الصالحة (١).\nثالثًا: أنها تدل على اهتمام صاحبها بما يراه في المنام:\nفالإنسان إذا اهتم بشيء فإنه كثيرًا ما يراه في منامه، فيرى رؤيا متعلقة بهذا الذي شغله في اليقظة.\nولذلك لما كان الصحابة، رضوان الله عليهم أجمعين، يشغل الإسلام قلوبهم، كانوا وهم يتقلبون في فرشهم يرون ما يشغل بالهم وما يهتمون به في يقظتهم، وانظر إلى أي لون من المرائي التي كانوا يرونها.\nولذا كان النبي - ﷺ - إذا صلى الفجر التفت إلى أصحابه وقال: «هل رأى أحد منكم رؤيا؟ فإن رأى أحد رؤيا قصها ..» (٢).\nفكون النبي - ﷺ - يسأل أصحابه «هل رأى أحد منكم رؤيا؟» دليل على أن أولئك الرجال من أصحاب النبي - ﷺ - كان الإسلام يشغل قلوبهم ومن\n_________\n(١) سوف يأتي إن شاء الله تفصيل هذه المسائل في فصول خاصة بها.\n(٢) سبق تخريجه.","vol":"1","page":77},{"text":"تلك المرائي لأصحاب رسول الله - ﷺ - رؤياهم لليلة القدر (١) ورؤياهم للآذان (٢) ورؤيا الطفيل أخي عائشة ﵂ في قول ما شاء الله وشاء محمد (٣) ورؤيا عبد الله بن عمر ﵄ التي سبقت معنا، فلما كان يفكر في اليقظة في شأن الجنة والنار، وقد شغلت باله، رأى رؤيا تناسب هذا الهم الذي شغله.\nرابعًا: أن رؤيا السوء تدل على تلاعب الشيطان بالإنسان:\nكما أخرج الإمام أحمد في مسنده ومسلم في صحيحه من حديث جابر بن عبد الله ﵁ قال جاء أعرابي إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله! رأيت في المنام كأن رأسي ضرب فتدحرج فاشتددت على أثره.\n_________\n(١) أخرج البخاري في صحيحه من حديث ابن عمر ﵄ أن أناسًا أروا ليلة القدر في السبع الأواخر، وأن أناسًا أروها في العشر الأواخر فقال النبي - ﷺ -: «التمسوها في السبع الأواخر» كتاب التعبير باب التواطؤ على الرؤيا (٤/ ٢٩٨).\n(٢) أخرجها الإمام أحمد في مسنده (٤/ ٤٣) وأبو داود في سننه (٤٩٩) وابن ماجه في سننه (٧٠٨) والبيهقي (١/ ٣٩٠ - ٣٩١) وصححه ابن حبان (٢٨٧) وقال الترمذي في العلل الكبير: سألت محمد بن إسماعيل البخاري عن هذا الحديث فقال: \"هو عندي صحيح\" من حديث عبد الله بن زيد بن عبد ربه، وفيه قال النبي - ﷺ -: «إن هذه رؤيا حق إن شاء الله ...» وانظر: فتح الباري (٢/ ٧٨).\n(٣) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٥/ ٣٨٤، ٣٩٤، ٣٩٨) وأبو داود في سننه (٤٩٨٠) من حديث حذيفة، وأخرجه أحمد في مسنده (٥/ ٧٢) وابن ماجه (٢/ ٢١١٨) من حديث الطفيل، وصححه الألباني لشواهده، انظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة (١/ ٢١٤ - ٢١٦).","vol":"1","page":78},{"text":"فقال رسول الله - ﷺ -: «لا تحدث بتلعب الشيطان بك في منامك» وقال سمعت رسول الله - ﷺ - بعد يخطب، فقال: «لا يحدثن أحدكم بتلعب الشيطان به في منامه» (١).\nفإذا رأى الإنسان رؤيا سوء فليعلم أن ذلك من تحزين الشيطان وتلاعبه، فلذا جاءت السنة بالآداب التي يقولها ويفعلها المسلم عندما يرى رؤيا سوء.\n\n* * *\n_________\n(١) سبق تخريجه.","vol":"1","page":79},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-19>المبحث الرابع\nتعلُّق الرؤيا بالروح</span>\nالبحث في حقيقة الرؤيا الصالحة وصفاتها وعلامتها مرتبط بمعرفة صفات الروح وخصائصها، ولذلك سوف أبين إن شاء الله، بشيء من الإيجاز صفات الروح وخصائصها وعلاقتها بالرؤيا الصالحة، وذلك من خلال المسائل التالية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>المسألة الأولى: تعريف الروح وصفاتها وخصائصها</span>.\nالمسألة الثانية: هل روح النائم تفارق جسده في المنام؟\nالمسألة الثالثة: هل تتلاقى أرواح الأحياء وأرواح الأموات في المنام؟\n\nالمسألة الأولى: تعريف الروح وصفاتها وخصائصها\nالبحث في صفات الروح جائز بما دل عليه الكتاب والسنة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"وليس في الكتاب والسنة أن المسلمين نهوا أن يتكلموا في الروح بما دل عليه الكتاب والسنة، لا في ذاتها ولا في صفاتها، وأما الكلام بغير علم فذلك محرم في كل شيء (١).\nفإذا كان الأمر كذلك، فإن الروح التي فينا قد وصفت بصفات عديدة، فقد أخبرت النصوص الصحيحة أنها:\nموجودة، حية، عالمة، قادرة، سميعة، بصيرة، وتفيض، وتخرج، وتصعد من سماء إلى سماء، وتنزل، وتذهب، وتجيء، ويشار إليها، ويتبعها بصر الميت، وتتكلم، وتسل كما تسل الشعرة من العجينة، ونحو ذلك من صفاتها (٢).\n_________\n(١) ضمن جواب لشيخ الإسلام عندما سئل عن الروح مجموع الفتاوى (٤/ ٢٣١).\n(٢) انظر: التدمرية (٥٠ - ٥٦) تحقيق: الدكتور محمد بن عودة السعودي وشرح حديث النزول (٢٥).","vol":"1","page":80},{"text":"كما أخرج الإمام أحمد في مسنده والإمام مسلم في صحيحه وابن ماجه في سننه من حديث أم سلمة ﵂ قالت: دخل رسول الله - ﷺ - على أبي سلمة وقد شَقَّ بصره فأغمضه. ثم قال: «إن الرُّوح إذا قُبض تبعه البصر» (١).\nوأخرج الإمام أحمد في مسنده من حديث البراء بن عازب ﵁ أن النبي - ﷺ - قال في حديث طويل «إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه كأن وجوههم الشمس معهم كفن من أكفان الجنة وحنوط من حنوط الجنة حتى يجلسوا منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت ﵇ حتى يجلس عند رأسه فيقول:\nأيتها النفس الطيبة اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان.\nقال: فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها في ذلك الكفن، وفي ذلك الحنوط، ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض.\nقال: فيصعدون بها ...» الحديث (٢).\nوأخرج مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ وفيه قال: «إذا خرجت روح المؤمن تلقاها ملكان يصعدانها» (٣).\n_________\n(١) مسند الإمام أحمد (٦/ ٢٩٧) وصحيح مسلم (٢/ ٦٣٤) وسنن ابن ماجه (١/ ٤٦٧).\n(٢) مسند الإمام أحمد (٤/ ٢٨٧، ٢٩٥، ٢٩٦) وأبو داود (٢/ ٢٨١) والحاكم (١/ ٣٧ - ٤٠) وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، وأقره الذهبي ووافقهما الألباني كما في كتاب أحكام الجنائز (١٥٩).\n(٣) صحيح مسلم كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، (١٧) باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار، وإثبات عذاب القبر، والتعوذ منه (٤/ ٢٢٠٢) (٢٨٧٢).","vol":"1","page":81},{"text":"وأخرج النسائي وابن حبان والحاكم من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: «إذا حضر المؤمن أتته ملائكة الرحمة بحريرة بيضاء، فيقولون اخرجي راضية مرضيًا عنك إلى روح من الله وريحان ورب غير غضبان فتخرج كأطيب ريح مسك حتى إنه ليناوله بعضهم بعضًا» (١).\nوأخرج ابن ماجه من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: «الميت تحضره الملائكة فإذا كان الرجل صالحًا قالوا: اخرجي أيها النفس الطيبة فلا يزال يقال لها حتى تخرج ثم يعرج بها إلى السماء» (٢).\nفهي بهذه الصفات ونحوها، ذات قائمة بنفسها، ولكن العقول قاصرة عن تكييفها وتحديدها لأنهم لم يشاهدوا لها نظيرًا، والشيء إنما تدرك حقيقته بمشاهدته أو بمشاهدة نظيره (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>المسألة الثانية: هل روح النائم تفارق جسده في المنام</span>؟\nذكرت في المسألة السابقة شيئًا من صفات الروح وخصائصها، فهل من صفاتها أن روح النائم تفارق جسده في المنام؟\nوالجواب على هذا السؤال يتضح بعد بيان تعلق الروح بالجسد .. وتعلق الروح بالجسد عند أهل السنة والجماعة على خمسة أحوال متغايرة الأحكام (٤).\n_________\n(١) سنن النسائي (٤/ ٧) ومستدرك الحاكم (١/ ٣٥٢، ٣٥٣) وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي (٢/ ٣٩٥).\n(٢) سنن ابن ماجه (٢/ ١٤٢٣) وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه (٢/ ٤٢٠).\n(٣) انظر: التدمرية لشيخ الإسلام ابن تيمية (٥٦) تحقيق: الدكتور محمد بن عودة السعوي، والتحفة المهدية شرح الرسالة التدمرية (١٢٦).\n(٤) انظر: الروح لابن القيم (٤٣، ٤٤) وشرح العقيدة الطحاوية (٣٥٤) تحقيق أحمد شاكر.","vol":"1","page":82},{"text":"الحالة الأولى: تعلق الروح بالجسد في بطن الأم عندما يكون جنينًا.\nالحالة الثانية: تعلق الروح بالجسد بعد خروجه إلى وجه الأرض في حال اليقظة.\nالحالة الثالثة: تعلق الروح بالجسد في حالة النوم، وهذا التعلق بالجسد من وجه ومفارقة من وجه (١).\nالحالة الرابعة: تعلقها بالجسد في البرزخ، فإنها وإن فارقته وتجردت عنه لم تفارقه فراقًا كليًا بحيث لا يبقى لها إليه التفات البتة بل تعود إليه، فلا يوصف بأنه حي حياة دنيوية مستقرة، بل روحه متعلقة بجسده بكيفية أضعف مما هي عليه في الدنيا، ولذلك لا يدركها الناس.\nقال ابن أبي العز الحنفي (٢) ﵀: \"وقد تواترت الأخبار عن رسول الله - ﷺ - في ثبوت عذاب القبر ونعيمه لمن كان لذلك أهلا، وسؤال الملكين فيجب اعتقاد ثبوت ذلك، والإيمان به، ولا نتكلم في كيفيته؛ إذ ليس للعقل وقوف على كيفيته، لكونه لا عهد له به في هذه الدار، والشرع لا يأتي بما تحيله العقول ولكنه يأتي بما تحار فيه العقول؛ فإن عود الروح إلى الجسد ليس على الوجه المعهود في الدنيا بل تعاد الروح إليه إعادة غير الإعادة المألوفة في الدنيا (٣).\n_________\n(١) انظر: أهوال القبور، لابن رجب الحنبلي (١٠٥، ١٠٦) تحقيق: بشير محمد عون.\n(٢) هو الإمام العلامة صدر الدين محمد بن علاء الدين علي بن محمد ابن أبي العز الحنفي (٧٣١ - ٧٩٢) انظر ترجمته في الدرر الكامنة (٣/ ٨٧) وشذرات الذهب (٦/ ٣٢٦).\n(٣) شرح العقيدة الطحاوية (٣٩٩) تخريج الألباني المكتبة الإسلامية وانظر: أهوال القبور لابن رجب ﵀ (١٠٥) تحقيق بشير محمد عون.","vol":"1","page":83},{"text":"الحالة الخامسة: تعلقها به يوم البعث، وهو أكمل أنواع تعلقها بالبدن، ولا نسبة لما قبله من أنواع التعلق، إذ هو تعلق لا يقبل البدن معه موتًا ولا نومًا ولا فسادًا فالنوم أخو الموت، ولا ينام أهل الجنة، كما جاء في الحديث (١) ولهذا يكون لأهل الجنة أتم النعيم ولأهل النار أشد العذاب.\nفتأمل هذه الأحوال يزح عنك إشكالات كثيرة.\nوالذي يهمنا في هذا البحث، هو بيان تعلق الروح بالجسد في حال النوم، وأنها تتعلق به من وجه وتفارقه من وجه، وقد دلت نصوص الكتاب والسنة على أن الله ﷿ يتوفى روح النائم في حال النوم، ومن تلك الأدلة:\nأولا: قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾ [الأنعام: ٦٠].\nقال ابن جرير الطبري ﵀: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد - ﷺ -: وقل لهم يا محمد، والله أعلم بالظالمين، والله هو الذي يتوفى أرواحكم بالليل فيقبضها من أجسادكم ويعلم ما جرحتم بالنهار (٢).\nوقال البغوي ﵀: قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾ أي يقبض أرواحكم إذا نمتم بالليل (٣).\n_________\n(١) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٩/ ٣٩) من حديث جابر ﵁ قال الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (٣/ ٧٨) والحديث الصحيح من بعض طرق عن جابر والله أعلم (١٠٨٧).\n(٢) جامع البيان في تفسير القرآن العظيم (٧/ ١٣٧).\n(٣) تفسير البغوي المسمى معالم التنزيل (٢/ ١٠٢).","vol":"1","page":84},{"text":"وقال الشنقيطي (١) ﵀ في كتابه أضواء البيان: «ذكر في هذه الآية الكريمة أن النوم وفاة، وأشار في موضع آخر إلى أنه وفاة صغرى وأن صاحبها لم يمت حقيقة، وأنه تعالى يرسل روحه إلى بدنه حتى ينقضي أجله، وأن وفاة الموت التي هي الكبرى قد مات صاحبها ولذا يمسك روحه عنده» (٢).\nثانيًا: قال تعالى: ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الزمر: ٤٢].\nفأخبر في هذه الآية، بتوفيها وإمساكها وإرسالها.\nسئل ابن الصلاح (٣) ﵀ عن هذه الآية، فقال المستفتي: نحب تفسيرها على الوجه الصحيح بحديث عن رسول الله - ﷺ - من الصحاح أو بما أجمع أهل الحق على صحته.\nفأجاب ﵀: «أما قوله ﵎: ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ ...﴾ الآية، فتفسيره: الله يقبض الأنفس حين انقضاء أجلها بموت أجسادها فلا يردها إلى\n_________\n(١) هو الشيخ محمد الأمين بن محمد المختار الجكني الشنقيطي (١٣٢٥ - ١٣٩٣هـ) مؤلف كتاب: أضواء البيان وهو من علماء المدينة المشهورين، وممن تلقى عنه خلق كثير انظر ترجمته في مقدمة تفسير أضواء البيان (١/ ٣ - ٦٤) نقلها تلميذه عطية محمد سالم.\n(٢) أضواء البيان (٢/ ٢٠٠).\n(٣) هو الإمام الحافظ المفتي تقي الدين أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن الكردي الشهرزوري (٥٧٧ - ٦٤٣) انظر ترجمته في تذكرة الحافظ (٤/ ١٤٣٠ - ١٤٣٣) وسير أعلام النبلاء (٢٣/ ١٤٠، ١٤٤) والبداية والنهاية (١٣ - ١٧٩ - ٢٨٠) وشذرات الذهب (٥/ ٢١ - ٢٢٢).","vol":"1","page":85},{"text":"أجسادها، ويرسل الأخرى التي لم تقبض بموت أجسادها حتى تعود إلى أجسادها إلى أن يأتي أجلها المسمى لموتها».\n﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ لدلالات للمتفكرين على عظيم قدرة الله ﷾ وعلى أمر البعث؛ فإن الاستيقاظ بعد النوم شبيه به، ودليل عليه، فهذا واضح، والذي يشكل في ذلك أن النفس المتوفاة في المنام أهي الروح المتوفاة عند الموت أم هي غيرها؟ فإن كانت هي الروح فتوفيها في النوم يكون بمفارقتها الجسد أم لا، وقد أعوز الحديث الصحيح والنص الصريح والإجماع أيضًا لوقوع الخلاف فيه بين العلماء:\n(١) فمنهم: من يرى أن للإنسان نفسًا تتوفى عند منامه غير النفس التي هي الروح، والروح لا تفارق الجسد عند النوم، وتلك النفس المتوفاة في النوم هي التي يكون بها التمييز والفهم، وأما الروح فبها تكون الحياة ولا تقبض إلا عند الموت (١).\n(٢) ومنهم: من ذهب إلى أن النفس التي تتوفى عند النوم هي الروح نفسها. واختلف هؤلاء في توفيها:\n(أ) فمنهم: من يذهب إلى أن معنى وفاة الروح بالنوم قبضها عن التصرف مع بقائها في الجسد، وهذا موافق للأول من وجه، ومخالف له من وجه (٢).\n_________\n(١) انظر: معالم التنزيل تفسير البغوي (٤/ ٨١) وقال القرطبي في تفسيره (١٥/ ٢٦١) وهذا قول ابن الأنبيار والزجاج، قال القشيري أبو نصر: وفي هذا بُعد، إذ المفهوم من الآية أن النفس المقبوضة في الحالي شيء واحد، وانظر: زاد المسير لابن الجوزي (٧/ ١٨٦).\n(٢) انظر: زاد المسير لابن الجوزي (٧/ ١٨٦) والجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٥/ ٢٦١) (٧/ ٥) ووجه الموافقة في قولهم أن النفس تبقى في الجسد، ووجه المخالفة قولهم أن النفس هي الروح.","vol":"1","page":86},{"text":"(ب) ومنهم: من ذهب إلى أن الروح تتوفى عند النوم بقبضها من الجسد ومفارقتها له، وهذا الذي نجيب به، وهو الأشبه بظاهر الكتاب والسنة.\nوالفرق بين القبضتين والوفاتين أن الروح في حالة النوم تفارق الجسد على أنها تعود إليه فلا تخرج خروجًا تنقطع به العلاقة بينها وبين الجسد، بل يبقى أثرها الذي هو حياة الجسد باقيًا فيه، فأما حالة الموت فالروح تخرج من الجسد مفارقة له بالكلية فلا تخلف فيه شيئا من أثرها، فلذلك تذهب الحياة معها عند الموت دون النوم، ثم إن إدراك كيفية ذلك والوقوف على حقيقته متعذر فإنه من أمر الروح، وقد استأثر بعلمه الجليل، ﵎، فقال سبحانه: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥].اهـ (١).\nوقال القرطبي ﵀ بعد أن ذكر الأقوال السابقة: «ويقال: هذا أمر لا يعرف حقيقته إلا الله تعالى، وهذا أصح الأقوال، والله أعلم» (٢).\nوقال أيضًا ﵀ في تفسير آية الزمر: «فقد اختلف الناس في هذه الآية في النفس والروح، هل هما شيء واحد أو شيئان على ما ذكرنا، والأظهر أنها شيء واحد، وهذا هو الذي تدل عليه الآثار الصحاح» (٣).\nومما يدل على مفارقة روح النائم لجسده، وأن الروح هي النفس الأحاديث التالية.\n_________\n(١) فتاوى ابن الصلاح المطبوع ضمن الرسائل المنيرية (٤/ ٣).\n(٢) الجامع لأحكام القرآن (٧/ ٥).\n(٣) الجامع لأحكام القرآن (١٥/ ٢٦١).","vol":"1","page":87},{"text":"أولا: ما أخرجه البخاري من حديث أبي قتادة ﵁ قال: سرنا مع النبي - ﷺ - ليلة، فقال بعض القوم: لو عرست (١) بنا يا رسول الله قال: «أخاف أن تناموا عن الصلاة» قال بلال: أنا أوقظكم فاضطجعوا، وأسند بلال ظهره إلى راحلته فغلبته عيناه فنام، فاستيقظ النبي - ﷺ - وقد طلع حاجب الشمس، فقال: «يا بلال أين ما قلت؟» قال: ما ألقيت على نومة مثلها قط.\nقال: «إن الله قبض أرواحكم حين شاء، وردها عليكم حين شاء» الحديث (٢).\nوفي لفظ لمسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال بلال ﵁: «أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك» (٣).\nفوصفها في هذا الحديث بالقبض والرد.\nقال الحافظ ابن حجر ﵀: قوله: «إن الله قبض أرواحكم» هو كقوله تعالى: ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ ولا يلزم من قبض الروح الموت؛ فالموت انقطاع تعلق الروح بالبدن ظاهرًا وباطنًا والنوم انقطاعه عن ظاهره فقط (٤).\n_________\n(١) بتشديد الراء، من التعريس وهو نزول القوم في السفر آخر الليل للاستراحة والنوم انظر: النهاية في غريب الحديث (٣/ ٢٠٦).\n(٢) صحيح البخاري كتاب مواقيت الصلاة، ٣٥ باب الأذان بعد ذهاب الوقت (١/ ٢٠١) (٥٩٥) وكتاب التوحيد (٣١) باب في الإرادة والمشيئة (٣/ ٣٩٧) (٧٤٧١).\n(٣) صحيح مسلم (١/ ٤٧١) (٣٠٩) تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، وانظر: قطف الأزهار المتناثرة في الأخبار المتواترة للزبيدي (١٣٧).\n(٤) فتح الباري شرح صحيح البخاري (٢/ ٦٧) (١٣/ ٤٤٤).","vol":"1","page":88},{"text":"وفي هذا الحديث جعل الروح والنفس بمعنى واحد وأنها هي التي تقبض وترد (١).\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «والروح المدبرة للبدن التي تفارقه بالموت هي الروح المنفوخة فيه، وهي النفس التي تفارقه» (٢).\nومن العلماء من يفصل في إطلاق النفس والروح فيقول: إن الروح والنفس وإن اطلقتا على تلك اللطيفة الربانية، إلا أنه غالبًا ما يسمى نفسًا إذا كانت الروح متصلة بالبدن، وأما إذا أخذت مجردة فتسميته الروح أغلب عليها (٣).\nثانيًا: ما أخرجه الإمام أحمد في مسنده، والبخاري في صحيحه من حديث حذيفة ﵁ قال: كان النبي - ﷺ - إذا أوى إلى فراشه قال: «اللهم باسمك أحيا وأموت»، وإذا أصبح قال: «الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور» (٤).\nفقد سمَّى النبي - ﷺ - النوم موتًا والاستيقاظ حياة وقال في الحديث الذي أخرجه البيهقي من حديث جابر ﵁: «النوم أخو الموت، ولا يموت أهل الجنة» (٥).\n_________\n(١) انظر الروح (٢/ ٥١١/٨٥٣) في كلام ابن القيم ﵀ حول هذا الحديث وأن الروح والنفس بمعنى واحد.\n(٢) رسالة العقل والروح لشيخ الإسلام ابن تيمية المطبوع مع الرسائل المنيرية (٢/ ٣٦).\n(٣) انظر شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي (٣٤٨) تحقيق أحمد شاكر.\n(٤) المسند (٥/ ٣٨٥، ٣٩٧، ٣٩٩، ٤٠٧) صحيح البخاري كتاب التوحيد ١٧ باب السؤال بأسماء الله تعالى والاستعاذة بها (٧٣٩٤) (٤/ ٣٨٣).\n(٥) سبق تخريجه.","vol":"1","page":89},{"text":"ثالثًا: ما أخرجه مسلم في صحيحه من حديث ابن عمر ﵄ أنه أمر رجلًا إذا أخذ مضجعه قال: «اللهم أنت خلقت نفسي وأنت تتوفاها، لك محياها ومماتها، فإن أحييتها فاحفظها وإن أمتها فاغفر لها» فقال له رجل سمعت هذا من عمر؟ قال: من خير من عمر، من رسول الله - ﷺ - (١).\nرابعًا: ما رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: «إذا أوى أحدكم إلى فراشه، فليأخذ بداخله إزاره فلينفض بها فراشه، وليسم الله، فإنه لا يعلم ما خلفه بعده على فراشه، فإذا أراد أن يضطجع، فليضطجع على شقه الأيمن، وليقل: سبحانك اللهم ربي بك وضعت جنبي، وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي، فاغفر لها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين» (٢).\nزاد الترمذي: «فإذا استيقظ فليقل: الحمد لله الذي عافاني في جسدي ورد علي روحي وأذن لي بذكره» (٣).\nخامسًا: ما أخرجه البخاري ومسلم من حديث علي ﵁ أن النبي - ﷺ - طرقه وفاطمة بنت النبي - ﷺ - ليلة فقال: «ألا تصليان؟» فقلت: يا رسول الله، أنفسنا بيد الله ﷿، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا (٤).\n_________\n(١) صحيح مسلم (٤/ ٢٠٨٣) (٦٠).\n(٢) مسند الإمام أحمد (٢/ ٢٩٥) وصحيح البخاري، كتاب التوحيد، باب السؤال بأسماء الله تعالى والاستعاذ بها (٤/ ٣٨٣) وصحيح مسلم (٤/ ٢٠٨٤).\n(٣) جامع الترمذي (٣/ ١٤٤) (٢٧٠٧) وانظر هذه الأحاديث في كتاب التوحيد لابن منده (١/ ٢٨٣ - ٢٨٨) تحقيق: الفقيهي، وصحيح الترمذي للألباني (٣/ ١١٤٤).\n(٤) صحيح البخاري كتاب التعبير (١١٢٧) (١/ ٣٥١).","vol":"1","page":90},{"text":"سادسًا: أخرج الإمام أحمد في كتاب الزهد (١) عن الحسن البصري ﵁ قال: إذا نام العبد وهو ساجد باهى الله به الملائكة يقول: يا ملائكتي انظروا إلى عبدي جسده في طاعتي وروحه عندي (٢).\nفالشاهد من هذه الآيات والأحاديث، أن الله ﷿ يقبض روح النائم ويردها إليه حيث شاء سبحانه.\nدل على ذلك لفظ الوفاة، والبعث، والإرسال، والموت، والحياة، وإن أحييتها، ورد علي روحي، والنوم أخو الموت، وأنفسنا بيد الله إن شاء أن يبعثنا بعثنا وقوله - ﷺ -: «إن الله قبض أرواحكم حيث شاء وردها عليكم حيث شاء».\nأما كيفية هذا القبض والخروج فلا يعلمها إلا الله، فنحن نؤمن ونصدق بهذه الصفات التي دلت عليها نصوص الكتاب والسنة، ونكل كيفية ذلك إلى بارئها ﷾.\nولهذا لما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ الأحاديث السابقة في الأدعية عند النوم والاستيقاظ، قال: (ففي هذه الأحاديث من صعود الروح إلى السماء، وعودها إلى البدن ما يبين أن صعودها نوع آخر ليس مثل صعود البدن ونزوله) (٣).\n_________\n(١) (٢٨٠)\n(٢) قال محقق\"اختيار الأولى في شرح حديث اختصام الملأ الأعلى\"، وإسناده صحيح من كلام الحسن ولم يرفعه (ص٤٠) ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كاب شرح حديث النزول (٢/ ٤٥٨) مجموع الفتاوى: وخرجه ابن قتيبة في كتاب تعبير الرؤيا.\n(٣) شرح حديث النزول (٩٣، ٢٥).","vol":"1","page":91},{"text":"في موضع آخر يقول ﵀: (والروح تتصل بالبدن متى شاء الله تعالى، وتفارقه متى شاء الله تعالى، لا يتوقف ذلك بمرة ولا مرتين، والنوم أخو الموت).\nثم قال ﵀ ولهذا كان النبي - ﷺ - يقول إذا أوى إلى فراشه: «باسمك اللهم أموت وأحيا» وكان إذا استيقظ يقول: «الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور» فقد سمى النوم موتًا، والاستيقاظ حياة.\nثم استدل بآية الزمر السابقة، ثم قال: ولهذا كان النبي - ﷺ - إذا أوى إلى فراشه قال: «باسمك ربي وضعت جنبي وباسمك ارفعه، فإن أمسكت نفسي فارحمها وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين».\nوالنائم يحصل له في منامه لذة وألم، وذلك للروح والبدن، حتى إنه يحصل له في منامه من يضربه، فيصبح والوجع في بدنه، ويرى في منامه أنه أطعم شيئًا طيبًا فيصبح وطعمه في فمه وهذا موجود (١).\nويثبت ﵀ أن روح النائم تعرج إلى السماء مع أنها في البدن، فليس عروجها من جنس عروج البدن، بل ذلك يختلف بكيفيةٍ الله أعلم بها (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-22>المسألة الثالثة: هل تتلاقى أرواح الأحياء وأرواح الأموات في المنام</span>\nإذا عرفنا أن روح النائم تتعلق ببدنه من وجه، وتفارقه من وجه، وأنها تُقبض وتُرسل كما دلت على ذلك نصوص الكتاب والسنة، فهل من صفات الأرواح أنها تلتقي في المنام؟\n_________\n(١) جواب لشيخ الإسلام ضمن سؤال عن الروح، ضمن مجموع الفتاوى (٤/ ٢٧٥، ٢٧٦) وشرح حديث النزول، المطبوع ضمن مجموع الفتاوى (٥/ ٥٢٥).\n(٢) انظر: شرح حديث النزول (٢٥، ٨٩) منشورات المكتب الإسلامي.","vol":"1","page":92},{"text":"هذا ما سأوضحه - إن شاء الله - من خلال هذه المسألة وبيان أقوال أهل العلم فيها وأدلتهم، وذلك من خلال مطلبين:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>المطلب الأول: تلاقي أرواح الأحياء والأموات في المنام:</span>\nعقد ابن القيم ﵀ في كتابه الروح مسألة بعنوان المسألة الثالثة: وهي هل تتلاقى أرواح الأحياء وأرواح الأموات أم لا؟ (١).\nثم قال ﵀: (شواهد هذه المسألة وأدلتها أكثر من أن يحصيها إلا الله تعالى والحس والواقع من أعدل الشهود بها، فتلتقي أرواح الأحياء والأموات كما تلتقي أرواح الأحياء).\nوقد قال الله تعالى: ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الزمر: ٤٢].\nثم ذكر أثرًا عن ابن عباس ﵄ في تفسير هذه الآية أنه قال: بلغني أن أرواح الأحياء والأموات تلتقي في المنام فيتساءلون فيمسك الله أرواح الموتى ويرسل أرواح الأحياء إلى أجسادها (٢).\n_________\n(١) الروح (٢٠).\n(٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (١/ ١٧٧) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١٠٣) ورجاله رجال الصحيح، وأورده السيوطي في الدر المنثور (٧/ ٢٣٠) وعزاه إلى عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والطبراني في الأوسط وأبي الشيخ في \"العظمة\" والضياء في \"المختارة\"، وعزاه شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وابن كثير وغيرهم إلى ابن منده في كتاب \"الروح والنفس\".","vol":"1","page":93},{"text":"وأشار ابن جرير الطبري ﵀ إلى هذا التفسير حيث قال: (ذكر أن أرواح الأحياء والأموات تلتقي في المنام فيتعارف ما شاء الله منها فإذا أراد جميعها الرجوع إلى أجسادها إلى أجل مسمى وذلك إلى انقضاء مدة حياتها ونحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل (١) ثم ذكر بعض الآثار بنحو ما قال ابن عباس ﵄).\nويؤكد ابن كثير ﵀ تفسير هذه الآية بذلك. فيقول: \"فيه دلالة على أنه تجتمع في الملأ الأعلى كما ورد بذلك الحديث المرفوع الذي رواه ابن منده وغيره، وفي صحيحي البخاري ومسلم من حديث عبيد الله بن عمر عن سعيد بن أبي سعيد عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا أوى أحدكم إلى فراشه فلينفضه بداخلة إزاره فإنه لا يدري ما خلفه عليه، ثم ليقل باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه إن أمسكت نفسي فارحمها وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين» وقال بعض السلف يقبض أرواح الأموات إذا ماتوا وأرواح الأحياء إذا ناموا فتتعارف ما شاء الله أن تتعارف، فيمسك التي قضي عليها الموت، التي قد ماتت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى (٢).\nوقال السعدي (٣) ﵀ في تفسير هذه الآية (وفي هذه الآية، دليل\n_________\n(١) تفسير ابن جرير (٢٤/ ٧) وذكر الآثار عن سعيد بن جبير والسدي وابن زيد بمثل قول ابن عباس ﵄.\n(٢) تفسير القرآن العظيم (٤/ ٥٥) دار المعرفة.\n(٣) السعدي: هو العلامة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله السعدي (١٣٠٧ - ١٣٧٦ هـ) صاحب التصانيف المشهورة في العقيدة والفقه وغيرهما، ومن أشهر تلاميذه محمد بن صالح العثيمين. انظر ترجمته في مقدمة كتابه \"المختارات الجلية\" بقلم أحد تلاميذه، معجم المؤلفين (١٣/ ٣٩٦).","vol":"1","page":94},{"text":"على أن الروح والنفس جسم قائم بنفسه، مخالف جوهره جوهر البدن، وأنها مخلوقة مدبرة، يتصرف الله فيها بالوفاة، والإمساك، والإرسال).\nوأن أرواح الأحياء تتلاقى في البرزخ، فتتجمع فتتحادث فيرسل الله أرواح الأحياء ويمسك أرواح الأموات (١).\nولقد عقد السيوطي (٢) ﵀ في كتابه \"شرح الصدور بشرح حال الموتى والقبور\" باب لهذه المسألة (٣) وذكر بعض الآثار التي ذكرها ابن القيم ﵀.\nوممن فصل القول في هذه المسألة أيضًا الإمام البقاعي (٤) ﵀ في كتاب \"سر الروح\" (٥) مؤيدًا ما ذهب إليه ابن القيم ﵀.\n_________\n(١) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (٦/ ٤٧٧).\n(٢) السيوطي: هو أبو الفضل، جلال الدين عبد الرحمن الكمال السيوطي (٨٤٩ - ٩١١هـ) صاحب التصانيف الكثيرة، انظر ترجمته في الضوء اللامع للسخاوي (٤/ ٦٥ - ٧٠) وشذرات الذهب لابن العماد (٨/ ٥١ - ٥٥) ومعجم المؤلفين (٥/ ١٢٨).\n(٣) انظر: شرح الصدور (٣٥٧) شرح وتعليق محمد بن حسن الحمصي، الطبعة الأولى (١٤٠٤هـ).\n(٤) البقاعي: هو المحدث المفسر، الإمام المؤرخ، إبراهيم بن عمر بن حسن البقاعي (ولد ٨٠٩ تقريبًا وتوفي ٨٨٥ هـ) من تلاميذ ابن حجر ﵀ انظر ترجمته في شذرات الذهب لابن العماد (٧/ ٣٣٩، ٣٤٠) البدر الطالع للشوكاني (١/ ١٩) ومعجم المؤلفين (١/ ٧١).\n(٥) انظر: سرح الروح (١٧٥ - ١٨٦) حققه وعلق عليه محمود محمد نصار، مكتبة التراث الإسلامي.","vol":"1","page":95},{"text":"وكذلك نعمان الألوسي (١) ﵀ في كتابه \"الآيات البينات في عدم سماع الأموات\" (٢) حيث قال: (هل تتلاقى أرواح الأحياء وأرواح الأموات؟).\nثم قال: \"وجوابها نعم\" ثم استدل بالآية السابقة وتفسير ابن عباس لها.\nووجه استشهاد هؤلاء العلماء ﵏، بهذه الآية على التقاء الأرواح. أن النفس الممسكة هي من توفيت وفاة الموت أولا، والنفس المرسلة من توفيت وفاة النوم، والمعنى على هذا القول: أنه سبحانه يتوفى نفس الميت فيمسكها ولا يرسلها إلى جسدها قبل يوم القيامة، ويتوفى نفس النائم ثم يرسلها إلى جسدها إلى بقية أجلها فيتوفاها الوفاة الأخرى.\nوعلى ذلك يكون معنى قوله تعالى: ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ﴾ أُريدَ بها أن من مات قبل ذلك لقيت روحه روح الحي.\nلكن ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أنه ليس في هذه الآية دلالة على التقاء أرواح الأحياء والأموات فقال ﵀:\nوالقول الثاني: وعليه الأكثرون أن كلا من النفسين: الممسكة والمرسلة توفيتا وفاة النوم، وأما التي توفيت وفاة الموت فتلك قسم ثالث وهي التي\n_________\n(١) الألوسي: هو خير الدين، أبو البركات، نعمان بن محمود المفسر المشهور بن عبد الله الألوسي (١٢٥٢ - ١٣١٧ هـ) من أشهر كتبه: جلاء العينين في محاكمة الأحمدين يعني شيخ الإسلام ابن تيمية وابن حجر الهيثمي أجاد فيه وأفاد، انظر ترجمته في معجم المؤلفين (١٣/ ١٠٧).\n(٢) انظر: الآيات البينات في عدم سماع الأموات (١٠٦) تحقيق الألباني المكتب الإسلامي الطبعة الرابعة (١٤٠٥هـ).","vol":"1","page":96},{"text":"قدمها بقوله: ﴿يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ وعلى هذا يدل الكتاب والسنة، فإن الله قال: ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ فذكر إمساك التي قضى عليها الموت من هذه الأنفس التي توفاها بالنوم، وأما التي توفاها حين موتها فتلك لم يصفها بإمساك ولا إرسال ولا ذكر في الآية التقاء الموتى والنيام (١).\nوقد ذكر ابن القيم ﵀ في كتابه الروح أن هذا القول هو اختيار شيخ الإسلام (٢).\nثم قال ﵀: والذي يترجح هو القول الأول لأنه سبحانه أخبر بوفاتين وفاة كبرى وهي وفاة الموت، ووفاة صغرى وهي وفاة النوم، وقسم الأرواح قسمين قسما قضي عليها الموت فأمسكها عنده وهي التي توفاها وفاة الموت، وقسما لها بقية أجل فردها إلى جسدها إلى استكمال أجلها وجعل سبحانه الإمساك والإرسال حكمين للوفاتين المذكورتين أولا.\nفهذه ممسكة وهذه مرسلة، وأخبر أن التي لم تمت هي التي توفاها في منامها فلو كان قد قسم وفاة النوم إلى قسمين وفاة موت، ووفاة نوم لم يقل ﴿وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ فإنها من حين قبضت ماتت، وهو سبحانه قد أخبر أنها لم تمت فكيف يقول بعد ذلك ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ﴾.\n_________\n(١) شرح حديث النزول (٩٤) منشورات المكتب الإسلامي الطبعة السادسة (١٤٠٢) هـ.\n(٢) وهذا مما يؤكد أن كتاب الروح ألفه ابن القيم ﵀ بعد اتصاله بشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وانظر: الروح (٢١، ٣٤، ٨٣، ١٤٥) حيث يستشهد بأقوال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.","vol":"1","page":97},{"text":"ثم قال ﵀: ولمن نصر هذا القول، يعني به القول الثاني، أن يقول قوله تعالى: ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ﴾ بعد أن توفاها وفاة النوم فهو سبحانه توفاها أولا وفاة النوم ثم قضى عليها الموت بعد ذلك (١).\nثم ذكر ابن القيم ﵀ نقلًا عن شيخه أن الآية تتناول النوعين.\nفقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"والتحقيق أن الآية تتناول النوعين، فإن الله ذكر توفيتين، توفي الموت، وتوفي النوم، وذكر إمساك المتوفاة وإرسال الأخرى.\nومعلوم أنه يمسك كل ميتة سواء ماتت في النوم أو قبل ذلك، ويرسل من لم تمت.\nوقوله تعالى: ﴿يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ يتناول ما ماتت في اليقظة وما ماتت في النوم، فلما ذكر التوفيتين ذكر أنه يمسكها في أحد التوفيتين ويرسلها في الأخرى، وهذا ظاهر اللفظ ومدلوله بلا تكلف.\nوما ذكر من التقاء أرواح النيام والموتى لا ينافي ما في الآية، وليس في لفظها دلالة عليه لكن قوله: ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ﴾ يقضي أنه يمسكها ولا يرسلها كما يرسل النائمة، سواء توفاها في اليقظة أو في النوم، ولذلك قال النبي - ﷺ -: «اللهم أنت خلقت نفسي وأنت تتوفاها، لك مماتها ومحياها، فإن أمسكتها فارحمها وإن أرسلها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين.» فوصفها بأنها في حال توفي النوم إما ممسكة وإما مرسلة (٢).\n_________\n(١) الروح (٢١).\n(٢) شرح حديث النزول (٩٤).","vol":"1","page":98},{"text":"هذا ما يتعلق باستدلال العلماء بهذه الآية على تلاقي الأرواح، أما استدلالهم بالأحاديث فقد ذكر منها ابن القيم (١) ﵀ ما ثبت عنه - ﷺ - أنه قال: الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف (٢).\nوقد ذكر القرطبي ﵀ أنه قيل في معنى هذا الحديث، تلاقي أرواح النيام والموتى وقيل غير هذا والله أعلم (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>المطلب الثاني: تلاقي أرواح الأحياء في المنام:</span>\nبعد أن استدل ابن القيم ﵀ على ما ذهب إليه من التقاء أرواح الأحياء والأموات، أخذ يستدل على المسألة الثانية، وهي التقاء أرواح الأحياء في المنام.\nفقد ذكر ﵀ أن أرواح الأحياء والأموات تلتقي، كما تلتقي أرواح الأحياء.\nوقال: (والمقصود أن أرواح الأحياء تتلاقى في النوم، كما تتلاقى أرواح الأحياء والأموات) (٤).\n_________\n(١) انظر: كتاب الروح (١/ ٢٣٥، ٢/ ٥١١، ٩٥١) تحقيق العموش دار ابن تيمية.\n(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٢/ ٢٩٥، ٥٢٧) والإمام مسلم في صحيحه (١٦/ ١٨٥) بشرح النووي من حديث أبي هريرة ﵁ وأخرجه البخاري في صحيحه معلقًا من حديث عائشة (٦/ ٣٦٩) فتح الباري، وروى الحديث عن جماعة من الصحابة منهم ابن عمر وابن مسعود وعلي وسلمان الفارسي وابن عباس وعمرو بن عبسة ﵃، لكن في أسانيدها نظر. انظر: كتاب الروح لابن القيم (٢/ ٥١١) تحقيق العموش وسر الروح (١٠٦).\n(٣) انظر: التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة (ص٦٣) دار الريان الطبعة الثانية (١٤٠٧هـ).\n(٤) الروح (٢٠، ٣٢).","vol":"1","page":99},{"text":"واستدل ببعض الأحاديث والآثار.\nفمما استدل به ابن القيم على أن الأرواح تتلاقى في المنام، قصة رؤيا خزيمة بن ثابت الأنصاري ﵁ للنبي ص في المنام، والذي جاء من عدة طرق منها.\nما أخرجه الإمام أحمد في مسنده (١) وأبو بكر ابن شيبة في مصنفه (٢) والنسائي في سننه الكبرى (٣)، من طريق حماد بن سلمة (٤) عن أبي جعفر الخطمي (٥) عن عمارة ابن خزيمة بن ثابت (٦) أن أباه قال: رأيت في المنام أني أسجد على جبهته النبي - ﷺ - فأخبرت بذلك رسول الله - ﷺ - فقال: «إن الروح يلقى الروح» (٧) واقنع النبي - ﷺ - رأسه هكذا فوضع جبهته على جبهة\n_________\n(١) الحديث في مسند الإمام أحمد من طرق هذا أحدها (٥/ ٢١٤، ٢١٥) طبعة المكتب الإسلامي.\n(٢) الكتاب المصنف في الأحاديث والآثار (٦/ ١٨٢) تحقيق: كمال الحوت، الطبعة الأولى (١٤٠٩هـ) دار التاج.\n(٣) كتاب السنن الكبرى، من ثلاث طرق هذا أحدها (٤/ ٣٨٤) تحقيق البنداري وسيد كسروي، الطبعة الأولى (١٤١١هـ) دار الكتب العلمية.\n(٤) حماد بن سلمة بن دينار البصري، أبو سلمة، ثقة عابد أثبت الناس في ثابت وتغير حفظه بآخره، مات سنة سبع وستين، التقريب (١٧٨) تحقيق: محمد عوامة.\n(٥) أبو جعفر الخطمي: هو عمير بن يزيد الأنصاري، المدني، صدوق يهم. \"التقريب\" (٤٣٢).\n(٦) عمارة بن خزيمة بن ثابت الأنصاري الأوسي ثقة، مات سنة (١٠٥) التقريب (٤٠٩).\n(٧) ورد في مسند الإمام أحمد بلفظ لا يلقى والظاهر أنه تصحيف لأنها وردت عند من أخرج الحديث من الكتب المصنفة بما ذكرته في المتن. ولوجود الكلمة صحيحة عند الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١٨٥) والهندي في كنز العمال (١٥/ ٥١٧) وفي الفتح الرباني (١٧/ ٢١٧) وغيرها من الكتب التي تنقل عن المسند.","vol":"1","page":100},{"text":"النبي - ﷺ - (١).\nيقول الساعاتي ﵀ في \"بلوغ الأماني\": (ومعناه أن الأرواح الصالحة تتلاقى في الرؤيا وفي ذلك منقبة عظيمة لخزيمة) (٢).\nوذكر ابن القيم ﵀ آثارًا أخرى تدل على التقاء الأرواح، لكن أسانيدها لا تسلم من مقال.\nوقال ﵀: (وقد دل على التقاء أرواح الأحياء والأموات أن الحي يرى الميت في منامه فيستخبره، ويخبره الميت بما لا يعلم الحي فيصادف خبره، كما أخبر في الماضي والمستقبل، وربما أخبره بمال دفنه الميت في مكان لم يعلم به سواه، وربما أخبره بدين عليه، وذكر له شواهده وأدلته، وأبلغ من هذا أنه يخبر بما عمله من عمل لم يطلع عليه أحد من العالمين، وأبلغ من هذا أنه يخبره أنك تأتينا إلى وقت كذا وكذا فيكون كما أخبر عن أمور يقطع الحي أنه لم يكن يعرفها غيره) (٣).\nثم ذكر ﵀ بعد ذلك منامات يؤيد بها ما قاله.\n_________\n(١) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١٨٥) وقال: رواه أحمد بأسانيد أحدها هذا وهو متصل. ورواه الطبري (٤/ ٨٤) وقال فقال له النبي - ﷺ -: «اجلس واسجد واصنع كما رأيت»، ورجاله ثقات.\nوأورده الهندي في كنز العمال (١٥/ ٥١٧) وعزاه إلى ابن أبي شيبة وأبي نعيم. ورواه ابن حبان في صحيحه بنحوه (موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان ٤٤٤ والحاكم في المستدرك (٣/ ٣٩٦) من وجه آخر.\nوصححه إسناده شعيب الأرناؤوط في تحقيقه لشرح السنة (١٢/ ٢٢٥).\n(٢) بلوغ الأماني (١٧/ ٢١٧).\n(٣) الروح (٢١) وذكر ذلك البقاعي أيضًا في سر الروح (١٧٦).","vol":"1","page":101},{"text":"ثم قال: (وهذا باب طويل جدًا، فإن لم تسمح نفسك بتصديقه، وقلت هذه منامات وهي غير معصومة فتأمل من رأى صاحبًا له أو قريبًا أو غيره، فأخبره بأمر لا يعلمه إلا صاحب الرؤيا أو أخبره بأنه يموت هو أو بعض أهله إلى كذا وكذا فيقع كما أخبره، أو أخبره بخصب أو جدب أو عدو أو نازلة أو مرض أو بغرض له فوقع كما أخبره).\nوالواقع من ذلك لا يحصيه إلا الله، والناس مشتركون فيه، وقد رأينا نحن وغيرنا من ذلك عجائب (١).\nوقال ﵀: (فالتقاء أرواح الأحياء والموتى نوع من أنواع الرؤيا الصالحة التي هي عند الناس من جنس المحسوسات) (٢).\nثم ختم المسألة بقوله ﵀: (وبالجملة فهذا أمر لا ينكره إلا من هو أجهل الناس بالأرواح وأحكامها وشأنها وبالله التوفيق) (٣).\nفالحاصل أن ما استدل به من قال بالتقاء الأرواح استدلوا بالآية، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أنه ليس في الآية ما ينافي ذلك، وليس في لفظها دلالة على ذلك.\nأما حديث ابن عباس ﵄ وحديث خزيمة بن ثابت ﵁ إن صحا فإنهما صريحان في التقاء الأرواح في المنام.\n_________\n(١) الروح (٢٩).\n(٢) المرجع السابق (٢٩) وفي (١٨٨) قال ﵀: (إن روح النائم يحصل لها في المنام آثار فتصبح يراها على البدن عيانًا وهي من تأثير الروح في الروح) هكذا قال، والله أعلم.\n(٣) الروح (٣٣، ٣٤).","vol":"1","page":102},{"text":"أما ما ذكر من المنامات فلا حجة فيها على مثل هذه المسائل الاعتقادية.\nوأما قول ابن القيم ﵀ أن ذلك من الأمور المحسوسة، فإن كان المراد أن النائم يرى ويخبره بما يطابق الواقع فهذا حق ولا ينكره إلا من هو أجهل الناس.\nوأما إن كان هذا المحسوس أن في هذه الرؤيا دلالة على التقاء الأرواح، فما الذي يدرينا عن ذلك، وهل مجرد الرؤيا دليل صريح في هذه المسألة، في نظري أنه لا يفصل في هذه المسألة إلا بدليل صريح، والأدلة التي ذكرناها ليست ببعيدة الدلالة، وخاصة أننا قد علمنا في المسألة السابقة أن روح النائم تفارق جسده بكيفية الله أعلم بها، فما ملاقاتها للأرواح ببعيدة، والله أعلم بكيفية ذلك.\nوقد ذكر ابن القيم ﵀ إشكالا في هذه المسألة وأجاب عليه فقال: (فإن قيل: فالنائم يرى غيره من الأحياء يحدثه ويخاطبه، وربما كان بينهما مسافة بعيدة، ويكون المرئي يقظان روحه لم تفارق جسده فكيف التقت روحاهما؟ قيل: هذا إما أن يكون مثلا مضروبًا يضربه ملك الرؤيا للنائم، أو يكون حديث نفس من الرائي تجرد له في منامه) (١).\n_________\n(١) الروح (٣١/ ٣٢).","vol":"1","page":103},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-25>الفصل الثاني\nأقسام الرؤى وعلاماتها</span>\nوفيه ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: أقسام الرؤى.\nالمبحث الثاني: علامات الرؤيا الصالحة وأقسامها.\nالمبحث الثالث: أقسام الناس في الرؤى.","vol":"1","page":105},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-26>المبحث الأول\nأقسام الرؤى وعلاماتها</span>\nفي مبحث الفرق بين الرؤيا والحلم، اتضح أن الرؤيا والحلم في الأصل بمعنى واحد في اللغة، فتطلق الرؤيا ويراد بها كل ما يراه الإنسان في منامه من الخير والشر، والحسن والقبيح، وبناء على هذا التعريف نستطيع أن نقسم الرؤيا إلى ثلاثة أقسام، كما دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة.\nفقد ثبت عنه - ﷺ - أنه قسم الرؤيا إلى ثلاثة أقسام كما في حديثي أبي هريرة وعوف بن مالك ﵄.\nوسوف أورد إن شاء الله طرق الحديثين، لكي نستطيع حصر أوصاف الرؤيا الصالحة كما يلي.\nأولا: حديث أبي هريرة ﵁:\nوقد روي عنه من طرق عدة وبألفاظ متقاربة منها:\n(أ) أخرج عبد الرزاق في مصنفه عن معمر عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: «في آخر الزمان لا تكاد رؤيا المؤمن تكذب وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثًا، والرؤيا ثلاث، الرؤيا الحسنة بشرى من الله، والرؤيا يحدث بها الرجل عن نفسه، والرؤيا تحزين من الشيطان، فإذا رأى أحدكم رؤيا يكرهها فلا يحدث بها أحدًا وليقم وليصلِّ».\nورواه الإمام أحمد والترمذي والحاكم من طريق عبد الرزاق.\nوساق الإمام مسلم إسناده من طريق عبد الرزاق (١).\n_________\n(١) مصنف عبد الرزاق (١١/ ٢١١) ومسند الإمام أحمد (٢/ ٢٦٩) وجامع الترمذي، كتاب الرؤيا، الحديث (٢٢٩١) (٤/ ٥٤١) تحقيق الشيخ إبراهيم عطوة عوض، وصحيح مسلم، كتاب الرؤيا، الحديث (٢٢٦٣) (٤/ ١٧٧٣) ومستدرك الحاكم (٤/ ٣٩٠) وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.","vol":"1","page":107},{"text":"(ب) أخرج الإمام أحمد في مسنده عن يزيد بن هارون عن هشام بن حسان، عن محمد ابن سيرين، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: «إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المسلم تكذب، وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثًا، ورؤيا المسلم جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة» قال: وقال: «الرؤيا ثلاثة: فالرؤيا الصالحة بشرى من الله، ﷿، والرؤيا تحزين من الشيطان، والرؤيا من الشيء يحدث به الإنسان نفسه، فإذا رأى أحدكم ما يكره فلا يحدثه أحدًا وليقم فليصلِّ» (١).\nوقد رواه مسلم وأبو داود والترمذي من طريق عبد الوهاب الثقفي عن أيوب السختياني عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة ﵁ بنحوه (٢).\n(ج) وأخرجه الترمذي والنسائي في السنن الكبرى، من طريق قتادة عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «الرؤيا ثلاث، فرؤيا حق، ورؤيا يحدث بها الرجل نفسه، ورؤيا تحزين من الشيطان، فمن رأى ما يكره فليقم فليصل» (٣).\n(د) أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه، والإمام أحمد في مسنده والبخاري في صحيحه وابن ماجة في سننه من طريق عوف الأعرابي قال: حدثنا محمد بن سرين أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا اقترب الزمان\n_________\n(١) مسند الإمام أحمد (٢/ ٥٠٧).\n(٢) صحيح مسلم (٤/ ١٧٧٣) وسنن أبي داود (٢/ ٧٢٣) وجامع الترمذي (٤/ ٥٤٢) وسنن الدارمي (٢/ ١٦٨).\n(٣) سبق تخريجه (٤٢).","vol":"1","page":108},{"text":"لم تكد رؤيا المؤمن تكذب، ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، وما كان من النبوة فإنه لا يكذب» قال محمد: وأنا أقول هذه قال: وكان يقال: «الرؤيا ثلاث: حديث النفس، وتخويف الشيطان، وبشرى من الله، فمن رأى شيئًا يكرهه فلا يقصه على أحد وليقم فليصل» (١).\nثانيًا: حديث عوف بن مالك ﵁:\nأخرج ابن أبي شيبة، وابن ماجة، وابن حبان، في صحيحه من حديث عوف ابن مالك ﵁ عن رسول الله - ﷺ - قال: «إن الرؤيا ثلاث: منها أهاويل من الشيطان ليحزن بها ابن آدم، ومنها ما يهم به الرجل في يقظته فيراه في منامه، ومنها جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة».\nزاد ابن ماجة من حديث أبي عبيد الله مسلم بن مشكم قال: قلت له: أنت سمعت هذا من رسول الله - ﷺ -؟ قال: نعم أنا سمعته من رسول الله - ﷺ - أنا سمعته من رسول الله - ﷺ - (٢).\nيقول الإمام البغوي (٣) ﵀:\n_________\n(١) مصنف ابن أبي شيبة (٦/ ١٨١) تحقيق الحوت، ومسند الإمام أحمد (٢/ ٣٩٥) والبخاري في صحيحه (٤/ ٣٠٣) كتاب التعبير (٢٦) باب القيد في المنام، وسنن ابن ماجة (٢/ ١٢٨٥) وقد رفعه بعض الرواة ووقفه بعضهم وصحح الألباني الرواية المرفوعة في سلسلة الأحاديث الصحيحة (٣/ ٣٢٩).\n(٢) سبق تخريجه.\n(٣) البغوي: هو الإمام العلامة الحافظ، محيي السنة أبو محمد الحسين بن مسعود بن الفراء المفسر (٤٣٦ - ٥١٦هـ) انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (١٩/ ٤٣٩) والبداية والنهاية لابن كثير (١٢/ ٢٠٦) دار الكتب العلمية.","vol":"1","page":109},{"text":"وقوله: «الرؤيا ثلاثة» فيه بيان أن ليس كل ما يراه الإنسان في منامه يكون صحيحًا، ويجوز تعبيره، إنما الصحيح منها ما كان من الله ﷿، يأتيك به ملك الرؤيا (١) من نسخة أم الكتاب، وما سوى ذلك أضغاث أحلام لا تأويل لها.\nوهي على أنواع قد يكون من فعل الشيطان يلعب بالإنسان، أو يريه ما يحزنه، وله مكايد يحزن بها بني آدم، كما أخبر الله ﷾ عنه: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المجادلة: ١٠].\nومن لعب الشيطان به الاحتلام (٢) الذي يوجب الغسل، فلا يكون له تأويل.\nوقد يكون ذلك من حديث النفس، كمن يكون في أمر، أو حرفة يرى نفسه في ذلك الأمر، والعاشق يرى معشوقه ونحو ذلك، فلا تأويل لشيء منها (٣).\nوفي بيان هذه الأقسام يقول ابن العربي المالكي ﵀ تقسيمه الرؤيا على ثلاثة أقسام، هي قسمة صحيحة مستوفية للمعاني، وهي عند الفلاسفة على أربعة أقسام بحسب الطبائع الأربع.\nوإنما الصحيح ما قاله النبي - ﷺ - وهي الرؤيا البشرى إما بمحبوب وإما بمكروه، وإما تحزين من الشيطان يضرب له الأمثال المكروهة الكاذبة\n_________\n(١) سوف يأتي إن شاء الله، التفصيل في مسألة ملك الرؤيا، عند الحديث عن أقسام الرؤيا الصالحة.\n(٢) قال في (لسان العرب) (١٢/ ١٤٥) الاحتلام: الجماع ونحوه في النوم.\n(٣) شرح السنة (١٢/ ٢١١).","vol":"1","page":110},{"text":"ليحزنه ومن هذا الحديث الصحيح أن رجلا قال له إني رأيت رأسي قطع فأنا أتبعه، فقال: «لا تخبر بتلعب الشيطان بك في المنام» (١).\nوأما خطرات الوساوس، وحديث النفس فيجري على غير قصد ولا عهد في المنام جريانها في اليقظة، وفي رواية: «فالرؤيا من الله، والحلم من الشيطان» (٢) يريد ما لا يتحصل مما يحزن (٣).\nويصف ابن القيم ﵀ هذه الأقسام الثلاثة بقوله: والرؤيا فيها رحماني، وفيها نفساني، وفيها شيطاني (٤).\nفالحاصل أن ما يراه الإنسان في منامه لا يخلو من هذه الأقسام الثلاثة:\nالقسم الأول: رؤيا الحق الصالحة:\nولأهمية هذه الرؤيا سوف أفرد لها مبحثًا خاصًا إن شاء الله أبين فيه صفاتها، وأقسامها وعلاماتها وما يتعلق بها من مسائل مهمة.\nالقسم الثاني: حديث النفس:\nوهي كما وصفت في الحديث «مما يحدث به المرء نفسه» وفي لفظ: «ما يهم به الرجل في يقظته فيراه في منامه» وهي: ما يراه الإنسان في منامه مما يقع له في مجريات حياته، من الخواطر التي تجري من غير قصد، وهذا كثير في مرائي الناس، كمن يرى أنه يأكل ويشرب ونحو ذلك مما تحدث به نفسه في اليقظة.\n_________\n(١) سبق تخريجه.\n(٢) سبق تخريجه.\n(٣) عارضة الأحوذي (٩/ ١٢٨).\n(٤) مدارج السالكين (١/ ٦٢).","vol":"1","page":111},{"text":"وعلامة هذا القسم أنه من الأمور المباحة، فلا يسُرُّ كحال الرؤية الصالحة ولا يحزن كالتي من الشيطان، ومثلها الهم والخواطر في اليقظة.\nوهذا القسم لا حكم له، ولا دلالة له.\nقال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز: حديث النفس لا خير ولا شر ولا بأس بأن يحدث به، ولذلك جاء الخبر في بعض الأحاديث بتقسيم الرؤيا قسمين: من الله، ومن الشيطان كحديث أبي قتادة، وذلك لأن أحاديث النفس لا حكم لها (١).\nالقسم الثالث: الحلم.\nوهو إفزاع من الشيطان، فإن الشيطان يصور للإنسان في منامه ما يفزعه وجاء وصفه في الحديث: «والرؤيا السوء من الشيطان».\nوأخرج البخاري من حديث أبي سعيد الخدري أن النبي - ﷺ - قال: «إذا رأى أحدكم رؤيا يحبها فإنما هي من الله، فليحمد الله عليها، وإذا رأى غير ذلك مما يكره فإنما هي من الشيطان، فليستعذ بالله من شرها، ولا يذكرها لأحد فإنها لا تضره» (٢).\nوفي حديث أبي هريرة السابق في وصف الحلم بأنه: «تحزين من الشيطان» وفي لفظ: «تخويف من الشيطان» وفي حديث عوف بن مالك «منها أهاويل من الشيطان يحزن بها ابن آدم».\n_________\n(١) سماعًا من دروس الشيخ في الجامع الكبير بالرياض.\n(٢) صحيح البخاري، كتاب التعبير ٣ باب الرؤيا من الله، (٦٩٨٥). (٤/ ٢٩٦).","vol":"1","page":112},{"text":"وفي حديث جابر السابق، قال الرجل: يا رسول الله رأيت في المنام كأن رأسي ضرب فتدحرج فاشتددت على أثره، فقال رسول الله - ﷺ - له: «لا تحدث بتلعب الشيطان بك في منامك».\nوقال: سمعت النبي - ﷺ - بعد، يخطب فقال: لا يحدثن أحدكم بتلعب الشيطان في منامه (١).\nقال السفاريني - رحمه الله تعالى - في شرح ثلاثيات مسند الإمام أحمد: اللعب ضد الجد والمراد هنا بتلعب الشيطان، أنه يريه في منامه ما يحزنه ويدخل عليه الهم والغيظ ويخلط عليه في رؤياه فهو يتلاعب به (٢).\nومن علامات هذا القسم وكونه من الشيطان، مخالفته للشرع، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وقد علم الصحابة أن ما خالف الشرع والدين فإنه يكون من النفس والشيطان، وإن كان بقدر الله، وإن كان يعفى عنه صاحبه كما يعفى عن النسيان والخطأ.\nولذلك الاحتلام في المنام من الشيطان، فالنائم يرى في منامه ما يكون من الشيطان (٣).\nوقال ابن القيم ﵀: إن خالفت الشرع ردت مهما كان حال الرائي، ويحكم على تلك الرؤيا بأنها من الشيطان، وأنها كاذبة وأضغاث أحلام (٤).\n_________\n(١) سبق تخريجه (٢٧).\n(٢) شرح ثلاثيات مسند الإمام أحمد (١/ ١٧٠).\n(٣) منهاج السنة النبوية (٥/ ١٨٣) تحقيق محمد رشاد سلام، مطبوعات جامعة الإمام.\n(٤) مدارج السالكين (١/ ٥١).","vol":"1","page":113},{"text":"وهذا القسم من الرؤيا، لا حكم لها ولا تعبير لها ولا تنذر بشيء. وهي التي أرشدنا رسول الله - ﷺ - إلى التحرز منها، كما سيأتي إن شاء الله تعالى في آداب إذا رأى ما يكره.\nوما ذكرت من دلالة الأحاديث على أن الرؤيا ثلاثة أقسام. يرد على من قال من العلماء إن الحصر ليس مرادًا، ومن هؤلاء ابن حجر ﵀ حيث قال: وليس الحصر مرادًا من قوله ثلاث لثبوت نوع رابع في حديث أبي هريرة في الباب وهو حديث النفس (١)، وليس في حديث أبي قتادة وأبي سعيد الماضيين سوى ذكر وصف الرؤيا بأنها مكروهة ومحبوبة أو حسنة وسيئة (٢).\nويمكن أن يجاب عن هذا القول من وجهين:\nالوجه الأول: أن (حديث النفس) الثابت في حديث أبي هريرة هو نفسه النوع الثالث في حديث عوف بن مالك بلفظ: «ما يهم به الرجل في يقظته فيراه في منامه».\nالوجه الثاني: قول الحافظ ﵀: وليس في حديثي أبي قتادة وأبي سعيد الماضيين سوى ذكر الرؤيا بأنها مكروهة ومحبوبة أو حسنة وسيئة، فهذا دليل لنا في ثبوت نوع ثالث، وليس دليلًا له في ثبوت نوع رابع، ثم السبب في عدم ذكر حديث النفس في حديث أبي قتادة وأبي سعيد ﵄، هو كما قال ابن العربي المالكي ﵀: يريد ما لا يتحصل مما يحزن (٣) لأن حديث النفس لا حكم له، ولا تأثير له، كما هو معروف.\n_________\n(١) يعني قوله (حديث النفس) البخاري (١٢/ ٤٠٤) فتح الباري.\n(٢) فتح الباري (١٢/ ٤٠٧).\n(٣) عارضة الأحوذي شرح صحيح الترمذي (٩/ ١٢٨).","vol":"1","page":114},{"text":"ثم قال الحافظ ابن حجر ﵀: وبقي نوع خامس: وهو تلاعب الشيطان، وقد ثبت عند مسلم من حديث جابر قال: جاء أعرابي فقال: يا رسول الله رأيت في المنام كأني رأسي قطع فأنا أتبعه وفي لفظ (فقد خرج فاشتددت في أثره) فقال: «لا تخبر بتلاعب الشيطان بك في المنام» وفي رواية له «إذا تلاعب الشيطان بأحدكم في منامه فلا يخبر به الناس» (١).\nويمكن أن يجاب عن هذا النوع بأنه، وارد في تقسيمه - ﷺ - للرؤيا: وهو قوله - ﷺ - في حديث أبي هريرة: «والرؤيا تحزين من الشيطان» وفي لفظ «وتخويف من الشيطان».\nوفي حديث عوف بن مالك بلفظ: «منها أهاويل من الشيطان ليحزن بها ابن آدم» وهذا هو تلاعب من الشيطان المذكور في حديث جابر.\nثم قال الحافظ ابن حجر ﵀: ونوع سادس: وهو رؤيا ما يعاده الرائي في اليقظة كمن كانت عادته أن يأكل في وقتت فنام فيه فرأى أنه يأكل، أو بات طافحًا من أكل أو شرب فرأى أنه يتقيأ، وبينه وبين حديث النفس عموم وخصوص (٢).\nويمكن أن يجاب عن هذا بأنه مذكور في قوله - ﷺ - في حديث أبي هريرة ﵁: «والرؤيا يحدث بها الرجل نفسه».\nوفي لفظ: «والرؤيا من الشيء يحدث به الإنسان نفسه».\nوفي لفظ: «حديث النفس».\n_________\n(١) فتح الباري (١٢/ ٤٠٧).\n(٢) فتح الباري (١٢/ ٤٠٨).","vol":"1","page":115},{"text":"وفي حديث عوف بن مالك ﵁: «ومنها ما يهم به الرجل في يقظته فيراه في منامه».\nثم قال الحافظ ﵀: «وسابع وهو الأضغاث» (١).\nوالأضغاث جمع ضِغْث، قال الجوهري في \"الصحاح\" والضِغْثُ قَبضةُ حشيش مختلطة الرَطْبِ باليابس.\nوأضغاث الأحلام، الرؤيا التي لا يصحُّ تأويلها لاختلاطها (٢).\nوهي بهذا المعنى الأحلام التي من الشيطان كما أجبنا عن ذلك في النوع الخامس.\nوالحاصل من ذلك أننا نقول كما قال ابن عبد البر ﵀: (قد قسم النبي ص الرؤيا أقسامًا تغني عن قول كل قائل) (٣) والله أعلم.\n_________\n(١) المرجع السابق (١٢/ ٤٠٨).\n(٢) الصحاح للجوهري (١/ ٢٨٥).\n(٣) التمهيد (١/ ١٨٥).","vol":"1","page":116},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-27>المبحث الثاني\nعلامات الرؤيا الصالحة وأقسامها</span>\nتقدم أنه ليس بكل رؤيا يراها الإنسان في منامه تصح وتعبر، وإنما الصحيح منها ما كان من الله ﷿، وما سوى ذلك فهو أضغاث أحلام، أو أحاديث نفس لا حكم لها ولا تأويل لها.\nوالرؤيا الصالحة يراها العبد الصالح أو ترى له، أمر يخص الله به من يشاء من عباده، تفضلًا منه ونعمة، وهو سبحانه يفعل ما يشاء، وهذا أمر متفق عليه بين المسلمين.\nوقد جاءت الأحاديث الكثيرة في تعظيم شأن الرؤيا الصالحة، وبيان صفاتها، وعلاماتها، وأقسامها، وبيان أنها من مبشرات النبوة التي يبشر بها المؤمن وأنها من أجزاء النبوة، وهذه الأحاديث كثيرة ومتعددة الطرق، ولأهمية هذه الرؤيا سوف أتحدث عنها، إن شاء الله تعالى، من خلال المسائل التالية.\nالمسألة الأولى: صفات الرؤيا الصالحة.\nالمسألة الثانية: أقسام الرؤيا الصالحة.\nالمسألة الثالثة: علامات الرؤيا الصالحة.\nالمسألة الرابعة: رؤيا المؤمن عند اقتراب الزمان.\nالمسألة الخامسة: أسباب صدق الرؤيا الصالحة.\nالمسألة السادسة: هل يسوغ العمل وفق الرؤيا الصالحة؟","vol":"1","page":117},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-28>المسألة الأولى: صفات الرؤيا الصالحة</span>\nوصفت الرؤيا الصالحة بصفات عديدة، تدل على أهميتها وعظم شأنها، فمن تلك الصفات.\n(١) أنها من الله:\nكما أخرج الإمام مالك في \"الموطأ\" والإمام أحمد في مسنده، والبخاري ومسلم من حديث أبي قتادة ﵁، قال: قال رسول الله - ﷺ - وآله وسلم: «الرؤيا الصالحة من الله، والحلم من الشيطان ...» الحديث.\nوفي بعض ألفاظها: «الرؤيا الصادقة من الله، والحلم من الشيطان».\nوفي بعض ألفاظها: «الرؤيا من الله، والحلم من الشيطان» (١).\nوكما سيأتي إن شاء الله، في بقية الأوصاف من إضافتها إلى الله ﷿.\nيقول ابن أبي جمرة (٢) ﵀: (قوله ﵊ «من الله» أي: هي حق لا شك فيها، لأن كل ما هو من عند الله لا شك في أنه حق ولذلك قال: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢].\n_________\n(١) الموطأ (٢/ ٩٥٧) ومسند الإمام أحمد (٥/ ٣٠٣) وصحيح البخاري كتاب التعبير باب الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، (٦٩٨٦) (٤/ ٢٩٦) وصحيح مسلم (٤/ ١٧٧٢).\n(٢) هو الإمام العلامة أبو محمد، عبد الله بن سعد بن سعيد بن أبي جمرة الأزدي الأندلس المالكي، ومن علماء الحديث وله عدة مصنفات منها: جمع النهاية اختصر به صحيح البخاري، وشرحه في كتابه بهجة النفوس، قال فيه ابن كثير: «الإمام الناسك، كان قوالًا بالحق أمَّارًا بالمعروف، ونهاء عن المنكر» توفي سنة (٦٩٥هـ) ﵀.\nانظر ترجمته في البداية والنهاية (١٣/ ٣٦٦) والأعلام للزركلي (٤/ ٨٩).","vol":"1","page":118},{"text":"وإضافتها إلى الله إضافة تشريف، كما هو جار على أدب العبودية من إضافة الخير إلى الله وإضافة الشر إلى غيره (١) كما سبق تفصيله في الفرق بين الرؤيا والحلم.\n(٢) الرؤيا الصالحة جزء من أجزاء النبوة:\nكما دل على ذلك حديث عوف بن مالك ﵁، عن رسول الله ﵌ قال: «إن الرؤيا ثلاث، منها أهاويل من الشيطان ليحزن بها ابن آدم، ومنها ما يهم به الرجل في يقظته فيراه في منامه، ومنها جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة» (٢).\nوما أخرجه البخاري من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: «الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة» (٣).\nوغيرهما من الأحاديث التي سيأتي إن شاء الله تفصيلها وبيان معنى كونها جزءًا من أجزاء النبوة وما يتعلق بذلك من مسائل في الفصل الثالث من هذا الباب.\n(٣) وصفها بأنها رؤيا حق:\nورؤيا الحق: هي التي لا بد من وقوعها وصدقها، فهي ليست من قبيل أضغاث الأحلام (٤).\nكما أخرج الترمذي والنسائي من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال\n_________\n(١) بهجة النفوس (٤/ ٣١، ٢٥٣).\n(٢) سبق تخريجه.\n(٣) صحيح البخاري (١٢/ ٣٧٣) مع شرحه فتح الباري.\n(٤) انظر: تفسير كلام المنان للسعدي (٧/ ١٠٥) ومحاسن التأويل للقاسمي (١٥/ ٥٤٢٦).","vol":"1","page":119},{"text":"رسول الله - ﷺ -: «الرؤيا ثلاث: فرؤيا حق، ورؤيا يحدث بها الرجل نفسه، ورؤيا تحزين من الشيطان، فمن رأى ما يكره فليقم فليصل» (١).\nومن ذلك قوله ﷿: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ﴾ [الفتح: ٢٧].\n(٤) وصفها بأنها بشرى من الله:\nكما أخرج الإمام أحمد ﵀ من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﵌ قال: «الرؤيا ثلاثة، فالرؤيا الصالحة بشرى من الله ﷿، والرؤيا تحزين من الشيطان، والرؤيا من الشيء يحدث به الإنسان نفسه، فإذا رأى أحدكم ما يكره فلا يحدثه أحدًا وليقم فليصل» (٢).\nوجاءت الأحاديث الكثيرة بوصف الرؤيا الصالحة بأنها من مبشرات النبوة كحديث ابن عباس ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: «أيها الناس إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له» (٣).\nوجاءت الأحاديث الكثيرة في تفسير قوله ﷾: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [يونس: ٦٤] بأن المراد بالبشرى هنا الرؤيا الصالحة، ولذلك سوف أتحدث عن هذا الوصف في علامات الرؤيا الصالحة بشيء من التفصيل إن شاء الله تعالى.\n(٥) أنها مما تعجب الرائي:\nكما أخرج الإمام أحمد من حديث أبي قتادة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: «من رأى رؤيا تعجبه فليحدث بها فإنها بشرى من الله ﷿، ومن رأى\n_________\n(١) سبق تخريجه.\n(٢) سبق تخريجه.\n(٣) سبق تخريجه.","vol":"1","page":120},{"text":"رؤيا يكرهها فلا يحدث بها وليتفل عن يساره، ويتعوذ بالله من شرها» (١).\n(٦) أنها مما يحب الرائي:\nكما أخرج الإمام أحمد والبخاري من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أنه سمع رسول الله ﵌ يقول: «إذا رأى أحدكم الرؤيا يحبها فإما هي من الله، فليحمد الله عليها، وليحدث بها، وإذا رأى غير ذلك مما يكره فإنما هي من الشيطان فليستعذ بالله من شرها، ولا يذكرها لأحد فإنها لا تضره» (٢).\n(٧) وصفها بأنها صادقة:\nكما أخرج البخاري ومسلم من حديث عائشة ﵂ قالت: (كان أول ما بدئ به رسول الله - ﷺ - الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ...) الحديث (٣).\nوالصادقة هي المطابقة للواقع، فتقع كما هي معبرة في المنام فلا تحتاج إلى تعبير، وهي بهذا المعنى خاصة بالرؤيا الصالحة التي لا تحتاج إلى تعبير بل تقع معبرة في المنام.\nوقيل الصادقة هي بمعنى الصالحة، وتشمل ما يحتاج إلى تعبير وما لا يحتاج إلى تعبير وهي بذلك عامة لجميع أنواع الرؤيا الصالحة، ولهذا جاء في بعض روايات حديث عائشة (الصالحة) بدل الصادقة (٤).\n_________\n(١) مسند الإمام أحمد (٢/ ٣٩٥) وابن شيبة في مصنفه (١٢/ ١٩٣) وابن ماجة في سننه (٢/ ٤٤٩).\nوانظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني (٣/ ٣٢٨) (١٣٤٠، ١٣٤١).\n(٢) مسند الإمام أحمد (٣/ ٨) صحيح البخاري، كتاب التعبير، (٣٠ - باب الرؤيا من الله)، رقم الحديث (٦٩٨٥) (٤/ ٢٩٦).\n(٣) صحيح البخاري (٨/ ٧١٥، ٧٢٣) مع شرحه فتح الباري وصحيح مسلم (١/ ١٣٩) رقم (١٦٠).\n(٤) انظر: شرح الكرماني لصحيح البخاري (٢٤/ ٩٤) وشرح النووي لمسلم (٢/ ١٩٧).","vol":"1","page":121},{"text":"(٨) وصفها بالصالحة:\nوهذا الوصف هو الذي جاء في أغلب الأحاديث كحديث أبي قتادة ﵁: «الرؤيا الصالحة من الله، والحلم من الشيطان» (١) وحديث ابن عباس ﵄ أن رسول الله - ﷺ -: قال: «أيها الناس إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له» (٢).\nوحديث أبي هريرة ﵁، قال سمعت رسول الله ﵌ يقول: «لم يبق من النبوة إلا المبشرات» قالوا: وما المبشرات؟ قال: «الرؤيا الصالحة» (٣) وحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﵌ قال: «الرؤيا ثلاثة، فالرؤيا الصالحة بشرى من الله ﷿، والرؤيا تحزين من الشيطان، والرؤيا من الشيء يحدث به الإنسان نفسه فإذا رأى أحدكم ما يكره فلا يحدث أحدًا وليقم وليصل» (٤).\nوحديث أبي سعيد الخدري ﵁ أنه سمع رسول الله ﵌ يقول: «الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة» (٥).\nوغيرها من الأحاديث الكثيرة.\nوالصالحة تحتمل معنيين خاصًا وعامًا:\nالمعنى الخاص: صالحة ظاهرها، وهي التي تسر وتفرح، وبهذا جاء وصفها في الأحاديث الأولى بأنها الحسنة والمبشرة، وأنها مما يحب الرائي ومما يعجبه.\n_________\n(١) سبق تخريجه.\n(٢) سبق تخريجه.\n(٣) أخرجه البخاري في صحيحه وكتاب التعبير (٥ - باب المبشرات)، رقم الحديث (٦٩٩٠) (٤/ ٢٩٧).\n(٤) سبق تخريجه.\n(٥) سبق تخريجه.","vol":"1","page":122},{"text":"المعنى العام: وضوح تعبيرها، وهي التي تقع سواء كانت تسر أو لا تسر، وسواء كانت مبشرة أو منذرة، وسواء كانت معبرة في المنام أو تحتاج إلى تعبير، فهي بهذا خلاف أضغاث الأحلام، وهي بمعنى قوله ﵌: «الرؤيا من الله» دون تقييد كونها صالحة أو لا.\n(٩) وصف الرؤيا الصالحة، بأنها رؤيا حسنة:\nكما أخرج الإمام مالك وأحمد والبخاري وابن ماجة وابن حبان في صحيحه، من حديث أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: «الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة» (١).\nوحديث أبي هريرة ﵁ السابق: «والرؤيا ثلاث، الرؤيا الحسنة بشرى من الله، والرؤيا يحدث بها الرجل نفسه، والرؤيا تحزن من الشيطان ...» (٢).\nوأخرج الإمام أحمد والطبراني من حديث أبي الطفيل، عامر بن واثلة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا نبوة بعدي إلا المبشرات» قال: قيل وما المبشرات يا رسول الله؟ قال: «الرؤيا الحسنة» أو قال: «الرؤيا الصالحة» (٣).\nوالحسنة لها معنيان:\n١ - إما باعتبار حسن ظاهرها.\n٢ - وإما باعتبار صدقها (٤).\n_________\n(١) سوف يأتي تخريجه إن شاء الله بالتفصيل في مبحث كون الرؤيا الصالحة جزءًا من أجزاء النبوة.\n(٢) سبق تخريجه (ص٩١، ٩٢).\n(٣) مسند الإمام أحمد (٥/ ٤٥٤) ومعجم الطبراني، قال الهيثمي في مجمع الزوائد: ورجاله ثقات.\n(٤) انظر: فتح الباري (١٢/ ٣٧٢، ٤٣٠) والكرماني (٢٤/ ٩٨) وبهجة النفوس (٤/ ٢٥٢).","vol":"1","page":123},{"text":"وقال الباجي: \"الحسنة، أي الصادقة أو المبشرة\" (١).\nوفي الأحاديث السابقة جاء وصف الحسنة بالصالحة.\nيقول الكرماني ﵀: «الصالحة: هي ما صلح صورتها أو ما صلح تعبيرها، والصادقة هي المطابقة للواقع» (٢).\nويقول القاضي عياض (٣) ﵀: كون الرؤيا صالحة يحتمل أن ترجع إلى حسن ظاهرها، ويحتمل أن ترجع إلى صحتها وكونها صادقة (٤).\nويقول ابن العربي ﵀: معنى صلاحها: استقامتها وانتظامها (٥).\nويقول الحافظ ابن حجر ﵀ في الفرق بين الرؤيا الصادقة والصالحة: (الصالحة، والصادقة هما بمعنى واحد بالنسبة إلى أمور الآخرة في حق الأنبياء وأما بالنسبة إلى أمور الدنيا فالصالحة في الأصل أخص، فرؤيا النبي - ﷺ - كلها صادقة، وقد تكون صالحة وهي الأكثر).\nوغير الصالحة بالنسبة للدنيا كما وقع في رؤيا يوم أحد (٦).\n_________\n(١) شرح الزرقاني (٤/ ٣٥٠).\n(٢) شرح الكرماني لصحيح البخاري (٢٤/ ٩٤).\n(٣) هو الإمام العلامة: شيخ الإٍسلام القاضي أبو الفضيل: عياض بن موسى اليحصبي الأندلسي (٤٧٦ - ٥٤٤هـ) له تواليف عديدة من أشهرها كتاب: \"الشفاء\".\nانظر: ترجمته في \"سير أعلام النبلاء\" (٢٠/ ٢١٢ - ٢١٩) والبداية والنهاية (١٢/ ٢٢٥).\n(٤) إكمال المعلم شرح صحيح المسلم (٦/ ٧٠) مع شرح الأبي.\n(٥) عارضة الأحوذي (٩/ ١٢٥).\n(٦) أخرجه البخاري في صحيحه من حديث أبي موسى ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: (رأيت في المنام أني أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل، فذهب وَهَلي إلى أنها اليمامة أو هَجَرٌ فإذا هي المدينة يثرب، ورأيْتُ فيها بقرًا والله خَيْرٌ، فإذا هم المؤمنون يوم أحد، وإذا الخبر ما جاء الله به من الخير والثواب الصدق الذي آتانا الله به بعد يوم بدر، فتح الباري (١٢/ ٤٢١).","vol":"1","page":124},{"text":"وأما رؤيا غير الأنبياء فبينهما عموم وخصوص: \"إن فسرنا الصادقة بأنها التي لا تحتاج إلى تعبير، وأما إن فسرناها بأنها غير الأضغاث فالصالحة أخص مطلقًا (١).\nويظهر، والله أعلم، أن هذه الأوصاف للرؤيا الصالحة، إما وصف لها قبل وقوعها، فتتكون هذه الأوصاف يحسب الغالب في الرؤيا الصالحة وأنها مما يحب الرائي.\nوإما أن تكون هذه الأوصاف للرؤيا الصالحة بعد وقوعها، فتكون هذه الأوصاف لحقيقة أمرها، وعلى هذا فلا إشكال في اختلاف أوصاف الرؤيا الصالحة، والله أعلم.\nثم إن القطع على الرؤيا بكونها صالحة، لا سبيل إليه، وإنما ذلك على سبيل غلبة الظن، وأما إدراك ما هو حق منها، وما هو باطل، فهذا صعب الوصول إليه، وإنما هناك علامات تفيد غلبة الظن في كون الرؤيا صالحة (٢). وسوف أذكر إن شاء الله، هذه العلامات بشيء من التفصيل في المسألة الثالثة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>المسألة الثانية: أقسام الرؤيا الصالحة</span>\nيقول الإمام العلامة ابن قيم الجوزية ﵀ في كتابه \"الروح\": (الرؤيا الصالحة أقسام) (٣) ثم عدد ﵀ خمسة أقسام وهي:\n_________\n(١) فح الباري (١٢/ ٣٥٥).\n(٢) انظر: فتاوى ابن الصلاح المطبوع ضمن مجموع الرسائل المنبرية (٤/ ٣).\n(٣) الروح (٢٩).","vol":"1","page":125},{"text":"(١) منها إلهام يلقيه الله ﷾ في قلب العبد:\nوهو الكلام يكلم به الرب عبده في المنام، كما قال عبادة بن الصامت وغيره.\nوهذا القسم من الرؤيا الصالحة يمكن أن يستدل له بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الشورى: ٥١].\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (الوحي هو الإعلام السريع الخفي، إما يقظة وإما في المنام، فإن رؤيا الأنبياء وحي، ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة) كما ثبت عن النبي - ﷺ - في الصحاح وقال عبادة ويروى مرفوعًا «رؤيا المؤمن كلام يكلم به الرب عبده في المنام ...» فهذا الوحي يكون لغير الأنبياء ويكون يقظة ومنامًا. (١)\nويقول الحافظ أبو بكر بن أبي عاصم (٢) ﵀ في كتابه السنة: \"باب ما ذكره عن النبي - ﷺ -: أن الله تعالى يكلم عبده المؤمن في منامه، ثم ذكر حديث\n_________\n(١) رسالة لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ حول كلام الله، ضمن مجموع الفتاوى له (١٢/ ١٢٩).\n(٢) هو الحافظ أبو بكر أحمد بن عمرو بن أبي عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني (٢٠٦ - ٢٨٧هـ) محدث له مصنفات في الحديث كثيرة، منها كتاب السنة في أحاديث الصفات على طريق السلف ولي قضاء أصبهان بعد صالح ابن أحمد.\nانظر: ترجمته في \"سير أعلام النبلاء\" (١٣/ ٤٣٠، ٤٣٩) والبداية والنهاية (١١/ ٥٨) مع ملاحظة أن كتاب السنة له المطبوع في المكتب الإسلامي الطبعة الثانية (١٤٠٥هـ) وقع خطأ في اسمه على ظهر المجلد فنسب الكتاب إلى أبيه وبقيت كنيته مع وجود اسمه صحيحًا داخل الكتاب في سنده (ص٦).","vol":"1","page":126},{"text":"عبادة بن الصامت يرفعه إلى النبي ﵌ (١) ويمكن أن يستدل أيضًا\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي عاصم في كتابه السنة (١/ ٢١٣) باب: ما ذكر*٩/ عن النبي - ﷺ - أن الله تعالى يكلم عبده المؤمن في منامه من طريقين:\nالطريق الأول: عن عمرو بن عثمان، ثنا أبي، ثنا محمد بن مهاجر الأنصاري، عن جنيد بن ميمون أبي عبد الحميد، عن حمزة بن الزبير يرفع الحديث إلى عبادة بن الصامت أن النبي - ﷺ - قال: «رؤيا المؤمن من كلام يكلم به العبد ربه، ﵎، في المنام».\nقال الألباني حفظه الله في \"ظلال الجنة في تخريج السنة\" \"إسناده ضعيف\" وقال الهيثمي ﵀ في \"مجمع الزوائد\" (٧/ ٧٧) \"رواه الطبراني وفيه من لم أعرفه\" وقال الحافظ ابن حجر ﵀ في فتح الباري (١٢/ ٣٥٤) (وذكر ابن القيم حديثًا مرفوعًا غير معزو: أن رؤيا المؤمن كلام يكلم به العبد ربه في المنام، ووجد الحديث المذكور في نوادر الأصول للترمذي من حديث عبادة بن الصامت، وهو من روايته عن شيخه عمر بن أبي عمر، وهو واه جدًا وفي سنده جنيد بن ميمون عن جمرة بن الزبير عن عبادة).\nوانظر: \"نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول\" للحكيم الترمذي (١/ ٥٠١) تحقيق الدكتور أحمد السايح والدكتور الجميلي دار الريان، الطبعة الأولى (١٤٠٨هـ).\nالطريق الثاني: قال ابن أبي عاصم، حدثنا الحوطي، ثنا إسماعيل بن عباس، ثنا صفران بن عمرو بن حميد بن عبد الرحمن أن رجلا سأل عبادة عن قوله تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ فقال عبادة: سألت عنها رسول الله ﵌ فقال: «هي الرؤيا الصالحة يراها المؤمن لنفسه أو يُرى له، وهو كلام يكلم به ربك عبده في المنام» قال الألباني حفظه الله عن هذا الحديث (١/ ٢١٤) إسناده صحيح إن كان في الأصل حميد بن عبد الرحمن محفوظًا، وهو حميد بن عبد الرحمن من رجال الشيخين ثم قال: لكني في شك من ذلك لأمور:\n١ - أن ابن عبد الرحمن هذا لم يذكروه في شيوخ صفوان بن عمرو.\n٢ - أن السيوطي أورده في \"الدر المنثور\" (٣/ ٣١٣) من رواية الحكيم الترمذي وابن مردويه عن حميد بن عبد الله.\n٣ - أن حميد بن عبد الله المدني لما ترجمه ابن أبي حاتم (١/ ٢/٢٤٤) ذكره في الرواة عنه صفوان بن عمرو، ولم يذكره في الرواة عن حميد بن عبد الرحمن.\n٤ - أن ابن جرير الطبراني أخرجه (١١/ ٩٤) من طريق عمر بن عمرو بن عبد الله الأحموسي بن عبد الله المزني قال: أتى رجل عبادة بن الصامت ... الحديث، دون قوله (هو من كلام) ثم أخرجه (ص٩٦) من طريق أبي المغيرة قال: ثنا صفوان قال: ثنا حميد بن عبد الله أن رجلًا سأل عبادة بن الصامت الحديث دون زيادة.\nقال الألباني: فهذا كان يؤكد أن الراوي لهذا الحديث إنما هو حميد بن عبد الله، وأن حميد بن عبد الرحمن خطأ من ناسخ الكتاب، ثم قال الألباني: (وإذا كان كذلك فما حال ابن عبد الله هذا؟ فذكر ما قيل فيه، ثم قال: وجملة القول: أن الرجل مستور الحال، والنفس تطمئن للاحتجاج بحديث أمثاله من مستور التابعين، وعلى ذلك جرى كثير من المحققين لكن في النفس شيء من ثبوت الزيادة المذكورة لعدم ورودها في طريق الأحموسي، ولا في طريق أخرى للحديث عن عبادة بن الصامت، وقد أخرجها ابن جرير وغيره، وكذلك لم ترد في حديث غيره من الصحابة، وقد خرجته في الصحيحة (١٧٨٦).\nقلت: ومع تقديري واحترامي للعلامة الألباني حفظه الله إلا أن هذا التشكيك في الحديث فيه نظر لما يلي.\nأولا: إن كان الراوي في الإسناد هو حميد بن عبد الرحمن فقد صحح الشيخ الألباني إسناده؛ لأن حميد بن عبد الرحمن ثقة من رجال الشيخين.\nثانيًا: إن كان الراوي هو حميد بن عبد الله، فالشيخ الألباني يحتج بحديثه لأنه عنده من مستوري التابعين.\nثالثًا: عدم ورود الزيادة في طرق الحديث الأولى، هذا ليس بقدح لأنها زيادة من ثقة، وزيادة الثقاة يحتج بها.\nرابعًا: أن الأمور التي ذكرت في التشكيك في حميد بن عبد الرحمن في ظني أنها لا تقوم، لما يلي:\n١ - كونهم لم يذكروا حميد بن عبد الرحمن في شيوخ صفوان بن عمرو، هذا ليس بشرط لأنهم لم يريدوا الحصر.\n٢ - أن السيوطي أورد الحديث من رواية الحكيم الترمذي وابن مردويه عن حميد بن عبد الله، وذكر هذه الزيادة الدر المنثور (٤/ ٣٧٧).\n٣ - كونهم لم يذكروا صفوان بن عمرو في تلاميذ حميد بن عبد الرحمن، فهذا ليس بشرط أيضًا لأنهم لم يريدوا الحصر.\n٤ - كون ابن جرير أخرج الحديث من طريق حميد بن عبد الله، دون الزيادة، فهذا كذلك ليس بقادح في حديث حميد بن عبد الرحمن، والله أعلم بالصواب.\nوانظر: أعلام الموقعين (١/ ١٩٥) ومدارج السالكين (١/ ٦٣) والروح (٢٩،٣٠، ٣٢) وشرح السنة (١٢/ ٢١١) وأحكام القرآن (٣/ ١٠٧٤).","vol":"1","page":127},{"text":"........................................................................","vol":"1","page":128},{"text":"لهذا النوع من الرؤيا الصالحة، بقول النبي - ﷺ - كما في حديث أبي قتادة ﵁: «الرؤيا من الله والحلم من الشيطان» وغيره من الأحاديث التي تبين أن هناك نوعًا من الرؤيا يكون من الله.\n(٢) ومنها: مثل يضربه له ملك الرؤيا الموكل بها:\nأما كون الرؤيا عبارة عن أمثال: فقد سبق لنا بيان ذلك عند الحديث عن حقيقة الرؤيا.\nأما مسألة ملك الرؤيا الموكل بها، فقد قال به جماعة من العلماء من المتقدمين والمتأخرين.\nيقول عياض ﵀: \"وقال كثير من العلماء إن للرؤيا ملكًا وكل بها يرى الرائي من ذلك ما فيه تنبيه على ما يكون له أو يقدر عليه من خير أو شر (١).\nوكذا ذكرها ابن القيم ﵀ في أكثر من كتاب وابن العربي وابن حجر ﵏ (٢).\nويقول الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀: \"رؤيا المؤمن تقع صادقة لأنها أمثال يضربها الملك للرائي ... (٣).\nويرى بعض أهل العلم التوقف في إثبات ملك الرؤيا؛ لأنه يحتاج إلى دليل شرعي كما قال القرطبي ﵀ (٤).\n_________\n(١) فتح الباري (١٢/ ٣٥٣).\n(٢) وانظر: أعلام الموقعين (١/ ١٩٥) ومدارج السالكين (١/ ٦٣) والروح (٢٩، ٣٠، ٣٢) وشرح السنة (١٢/ ٢١١٩ وأحكام القرآن (٣/ ١٠٠٧٤).\n(٣) المجموع الثمين في فتاوى ابن عثيمين (٢/ ٢٠٥).\n(٤) المفهم (٤/ ١٢١٧).","vol":"1","page":129},{"text":"ويمكن أن يستدل للقائلين بوجود ملك موكل رؤيا بالنصوص العامة التي ثبت حفظ الملائكة لنبي آدم، وأن للملك لمة وهي إيعاد الخير، فمن ذلك.\n(أ) ما أخرجه الترمذي والنسائي وابن حبان وابن جرير (١) من حديث ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن للشيطان لمة بابن آدم، وللملك لمة، فأما لمة الشيطان فإيعاد الشر، وتكذيب بالحق، وأما لمة الملك فإيعاد بالخير، وتصديق بالحق، فمن وجد ذلك، فليعلم أنه من الله، فليحمد الله، ومن وجد الأخرى فليتعوذ بالله من الشيطان الرجيم ثم قرأ: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة: ٢٦٨]» الآية.\n(ب) أخرج الإمام أحمد في مسنده ومسلم في صحيحه والدارمي في سننه من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: «ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من\n_________\n(١) جامع الترمذي في التفسير (٢٩٩١) وقال حديث حسن غريب، وفي بعض النسخ، حسن صحيح غريب، والنسائي في الكبرى (٦/ ٣٠٥) وموارد الظمآن في زوائد ابن حبان (٤٠) وابن جرير في تفسيره (٦١٧٠) من قول ابن مسعود موقوفًا وسند الطبري صحيح وانظر تخريج زاد المعاد (٢/ ٤٦٠).\nوضعفه الألباني كما في مشكاة المصابيح (٧٤) وضعيف الجامع الصغير (١٩٦٣) وفي سنده عطاء بن السائب وقد رُمي بالاختلاط في آخر عمره فمن سمع منه قديمًا فحديثه صحيح وقد استظهر أحمد شاكر ﵀ من مجموع كلام أئمة الجرح والتعديل أن اختلاطه كان من حين قدم البصرة، وعطاء كوفي والراوي عنه في هذا الحديث أبو الأحوص كوفي أيضًا، فالظاهر أنه سمع منه قبل الاختلاط، وانظر الكواكب النيرات (ص٦١) والتهذيب (٧/ ٢٠٣) وجامع الأصول (٢/ ٥٨).","vol":"1","page":130},{"text":"الملائكة» قال: يا رسول الله وإياك؟ قال: «وإياي إلا إن الله أعانني عليه فأسلم (١) فلا يأمرني إلا بخير» (٢).\n(٣) ومنها: التقاء روح النائم بأرواح الموتى من أهله وأقاربه وأصحابه وغيرهم:\nكما ذكرنا (٣).\nوقد ذكرت ذلك بحمد لله، في مسألة تلاقي أرواح الأحياء والأموات، وأقوال أهل العلم في هذه المسألة.\n(٤) ومنها: عروج روحه -أي النائم- إلى الله سبحانه وخطابها له (٤):\nواستدل ابن القيم ﵀ على هذا القسم من الرؤيا بحديث عمر بن\n_________\n(١) قال النووي ﵀ في شرح صحيح مسلم (١٧/ ١٥٧) فاسلم بضم الميم وفتحها وهما روايتان مشهورتان فمن رفع قال معناه أسلم من شره وفتنته، ومن فتح قال إن القرين أسلم من الإٍسلام وصار مؤمنًا لا يأمرني إلا بخير، واختلفوا في الأرجح منهما، فقال الخطابي: الصحيح المختار الرفع ورجح القاضي عياض الفتح وهو المختار بقوله - ﷺ - فلا يأمرني إلا بخير، واختلفوا على رواية الفتح قيل أسلم بمعنى استسلم وانقاد وقد جاء هكذا في غير صحيح مسلم فاستسلم وقيل معناه صار مسلمًا مؤمنًا وهذا هو الظاهر قال القاضي عياض واعلم أن الأمة مجتمعة على عصمة النبي ﵌ من الشيطان في جسمه وخاطره ولسانه.\n(٢) مسند الإمام أحمد (١/ ٣٨٥، ٣٩٧، ٤٠١، ٤٦٠) (٤/ ٩٢) (٥/ ٢٣٥، ٢٩٣، ٣٠٦) تحقيق أحمد شاكر من حديث ابن عباس وابن مسعود، ومسلم بشرح النووي (١٧/ ١٥٧) من حديث ابن مسعود وعائشة ﵂ والدارمي في سننه (٢/ ٣٩٦).\n(٣) الروح لابن القيم ﵀ (ص٣٠) وسر الروح للبُقاعي (ص١٥٩).\n(٤) الروح لابن القيم ﵀ (ص٣٠) وسر الروح للبقاعي (١٥٩) وقواعد الأحكام (٢/ ١٩٧).","vol":"1","page":131},{"text":"الخطاب ﵁ أنه لقي عليًا فقال يا أبا الحسن ربما شهدت وغبنا، وشهدنا وغبت ثلاث أسألك عنهن فهل عندك علم؟\nثم ذكر الثالثة فقال: (والرجل يرى الرؤيا فمنها ما يصدق ومنها ما يكذب، فقال نعم: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «ما من عبد ينام يمتلئ نومًا إلا عرج بروحه إلى العرش فالذي لا يستيقظ دون العرش فتلك الرؤيا التي تصدق، والذي يستيقظ دون العرش فتلك الرؤيا التي تكذب» (١).\nقال ابن منده (٢) - ﵀ - هذا خبر مشهور عن صفوان بن عمرو وغيره.\nوقال أبو عبد الله بن منده أيضًا: وروي عن أبي الدرداء قال: (إذا نام الإنسان خرج بروحه حتى يؤتى بها العرش قال: فإن كان طاهرًا أذن لها بالسجود، وإن كان جنبًا لم يؤذن لها بالسجود، رواه زيد بن الحباب وغيره) (٣).\n_________\n(١) أخرجه الحاكم في المستدرك (٤/ ٣٩٦) والطبراني في الأوسط والعقيلي وابن حاتم، وابن منده في كتاب الروح والنفس (شرح حديث النزول (٥/ ٤٠٥) قال في مجمع الزوائد: \"رواه الطبراني في الأوسط وفيه أزهر بن عبد الله، قال العقيلي: حديثه غير محفوظ عن ابن عجلان وهذا حديث منكر لم يصححه المؤلف ولعل الآفة من الراوي عن ابن عجلان.\nقال الحافظ في الفتح (١٢/ ٣٥٤ أزهر بن عبد الله الأزدي الخرساني: وذكر العقيلي في ترجمته وقال: إنه غير محفوظ، ثم ذكره من طريق أخرى عن إسرائيل عن ابن إسحاق عن الحارث عن علي ببعضه، وضعفه العراقي في كتابه المغني عن حمل الأسفار (١/ ٤٠٦) المطبوع مع إحياء علوم الدين وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (١/ ٣٦) (١٤١١).\n(٢) هو الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيي بن منده (٣١٠ - ٣٩٥هـ) صاحب كتاب الإيمان والتوحيد وغيرهما، انظر ترجمته في \"سير أعلام النبلاء\" (١٧/ ٢٨) والبداية والنهاية (١١/ ٣٣٦).\n(٣) نقل عنه ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كتابه شرح حديث النزول، المطبوع ضمن مجموع الفتاوى (٥/ ٤٥٤) وابن القيم في كتاب الروح (ص٣٠).","vol":"1","page":132},{"text":"وروى البيهقي عن عبد الله بن عمرو ﵁ قال: (تعرج الأرواح في منامها فما كان منها طاهرًا سجد أمام العرش، وما كان غير طاهر سجد قاصيًا) (١).\nوفي مراسيل الحسن (٢) ﵀ قال: (إذا نام العبد وهو ساجد، باهى الله به الملائكة يقول: يا ملائكتي انظروا إلى عبدي جسده في طاعتي وروحه عندي) (٣).\nوسبق البحث في أن روح النائم تفارق جسده من وجه دون وجه كما قال تعالى: ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر: ٤٢].\nلكن مسألة السجود تحت العرش وعروج روح النائم إلى الله سبحانه تحتاج إلى دليل أصح وأصرح من هذه الآثار التي يعتريها بعض الضعف.\n(٥) منها: دخول روحه- أي النائم - إلى الجنة ومشاهدتها وغير ذلك (٤):\nوهذا القسم يمكن أن يستدل له بحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ -، قال لبلال عند صلاة الفجر: «يا بلال حدثني بأرجى عمل\n_________\n(١) شعب الإيمان (٩/ ١٣) وفي سنده ابن لهيعة صدوق خلط بعد احتراق كتبه.\n(٢) هو أبو سعيد الحسن بن يسار البصري، من كبار التابعين توفي سنة (١١٠هـ) انظر ترجمه في وفيات الأعيان (٢/ ٧١، ٧٢) سير أعلام النبلاء (٤/ ٥٦٣).\n(٣) أخرجه الإمام أحمد في كتاب الزهد (٢٨٠) بنحوه عن الحسن من كلامه ولم يرفعه وإسناده صحيح انظر: اختيار الأَوْلى (ص٤٠).\n(٤) الروح: (ص٢٩).","vol":"1","page":133},{"text":"عملته في الإسلام، فإني سمعت الليلة دف (١) نعليك بين يدي في الجنة» قال بلال: (ما عملت عملًا أرجى عندي أني لم أتطهر طهورًا في ساعة من ليل أو نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلي) (٢).\nقال الحافظ ابن حجر ﵀: قول: (عند صلاة الفجر) فيه إشارة إلى أن ذلك في المنام لأن عادته أنه كان يقص ما رآه ويعبر ما رآه أصحابه بعد صلاة الفجر (٣).\nوقال الكرماني: \"ظاهر الحديث أن السماع المذكور وقع في النوم، لأن الجنة لا يدخلها أحد إلا بعد الموت (٤)، ويحتمل أن يكون يقظة، لأن النبي - ﷺ - دخلها ليلة المعراج، وأما بلال فلا يلزم من هذه القصة أنه دخلها، لأن قوله (في الجنة) ظرف للسماع ويكون الدف بين يديه خارجًا عنها (٥).\n_________\n(١) دف: قال البخاري ﵀: دف نعليك، يعني تحريك\" صحيح البخاري (١/ ٣٥٧).\n(٢) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب التهجد ١٧ - باب فضل الطهور بالليل والنهار، وفضل الصلاة بعد الوضوء بالليل والنهار، الحديث (١١٤٩) (١/ ٣٥٧) ومسلم في صحيحه كتاب فضائل الصحابة ٢١ - باب فضائل بلال (٤/ ١٩١٠) وأحمد في مسنده (٢ - ٣٣٣، ٤٣٩).\n(٣) فتح الباري (٣/ ٣٤).\n(٤) قال الحافظ ابن حجر ﵀: \"قول الكرماني: لا يدخل أحد الجنة إلا بعد موته، مع قوله إن النبي ﵌، دخلها ليلة المعراج وكان المعراج في اليقظة على الصحيح ظاهرهما التناقض، ويمكن حمل النفي إن كان ثابتًا للأنبياء، أو يخص في الدنيا بمعنى خرج عن عالم الدنيا ودخل عالم الملكوت وهو قريب مما أجاب به السهيلي عن استعمال طست الذهب ليلة المعراج، فتح الباري (٣/ ٣٥).\n(٥) فتح الباري (٣/ ٣٥).","vol":"1","page":134},{"text":"قال الحافظ ابن حجر ﵀ معقبًا على كلام الكرماني: (ولا يخفى بعد هذا الاحتمال لأن السياق مشعر بإثبات فضيلة بلال، لكونه جعل كسب الذي بلغه إلى ذلك ما ذكره من ملازمة التطهر والصلاة، وإنما ثبت له الفضيلة بأن يكون رؤي داخل الجنة لا خارجًا عنها) (١).\nوما أخرجه الإمام أحمد والبخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: «بينما أنا نائم رأيتني في الجنة فإذا امرأة تتوضأ إلى جنب قصر فقلت: لمن هذا القصر؟ قالوا: لعمر بن الخطاب فذكرت غيرتك فوليت مدبرًا» وعمر حين يقول ذلك رسول الله - ﷺ - جالس عنده مع القوم فبكى عمر حين سمع ذلك من رسول الله ﵌ وقال: (أعليك بأبي أنت وأمي أغار يا رسول الله) (٢).\nوحاصل هذه الأحاديث أن النبي ﵌ رأى ذلك في المنام.\nقال الحافظ ابن حجر ﵀: قوله (رأتني في الجنة) هذا وإن كان منامًا لكن رؤيا الأنبياء حق، ومن ثمَّ أعمل حكم غيرة عمر حتى امتنع من دخول\n_________\n(١) فتح الباري (٣/ ٣٥).\n(٢) مسند الإمام أحمد (٢/ ٣٣٩) وصحيح البخاري في مواضع متعددة كتاب بدء الخلق ٨ - باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة الحديث (٣٢٤٢) (٢/ ٤٣١) وكتاب فضائل الصحابة باب مناقب عمر بن الخطاب (٣٦٨٠) (٣/ ١٤) وكتاب النكاح باب الغيرة الحديث (٥٢٢٧) (٣/ ٣٩٤) وكتاب التعبير ٣١ - باب القصر في المنام الحديث (٧٠٢٣) (٤/ ٣٠٥) ٣٢ - باب الوضوء في المنام الحديث رقم ٧٠٢٥، ٤/ ٣٠٥ صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة، ٢ - باب فضائل عمر ﵁ الحديث (٢٣٩٥) (٤/ ١٨٦٣).","vol":"1","page":135},{"text":"القصر، وقد روى أحمد من حديث معاذ قال: «إن عمر في الجنة» وذلك أن النبي - ﷺ - كان ما يرى في يقظته أو نومه سواء، وأنه قال: «بينما أنا في الجنة: إذ رأيت فيها جارية، فقلت لمن هذا؟ فقيل لعمر بن الخطاب» (١).\nولهذا ذكر البخاري ﵀ هذا الحديث في صفة الجنة (٢).\nوقال الحافظ: قوله «تتوضأ» يحتمل أن يكون على ظاهره ولا ينكر كونها تتوضأ حقيقة لأن الرؤيا وقعت في زمن التكليف، والجنة وإن كان لا تكليف فيها فذلك في زمن الاستقرار، بل ظاهر قوله «تتوضأ جانب القصر» أنها تتوضأ خارجة منه، أو هو على غير حقيقة، ورؤيا المنام لا تحتمل على الحقيقة بل تحتمل التأويل دائمًا، وقد ترجم عليه البخاري في كتاب التعبير باب الوضوء في المنام (٣).\nوأخرج الإمام أحمد والترمذي من حديث بريدة ﵁ قال: (أصبح رسول الله - ﷺ - فدعا بلالًا فقال: «يا بلال بمَ سبقتني إلى الجنة، ما دخلت الجنة قط، إلا سمعت خشخشتك (٤) أمامي، وإني دخلت البارحة الجنة فسمعت خشخشتك فأتيت على قصر من ذهب مرتفع مشرف، فقل: لمن هذا القصر؟ قالوا: لرجل من العرب، قلت: أنا عربي، لمن هذا القصر، قالوا لرجل\nمن المسلمين من أمة محمد، قلت: فأنا محمد. لمن هذا القصر؟ قالوا:\n_________\n(١) فتح الباري (٦/ ٣٢٣) والحديث في مسند الإمام أحمد (٥/ ٢٤٥).\n(٢) صحيح البخاري (٤/ ٣٠٥).\n(٣) فتح الباري (٧/ ٤٥) وانظر: كذلك (٣/ ٣٥) (١٢/ ٤١٦).\n(٤) قال ابن الأثير في النهاية في غريب الحديث (٢/ ٣٣) الخشخشة حركة لها صوت كصوت السلاح.","vol":"1","page":136},{"text":"لعمر بن الخطاب» فقال رسول الله ﵌: «لولا غيرتك يا عمر لدخلت القصر» فقال: يا رسول الله ما كنت لأغار عليك، وقال لبلال: «بم سبقتني إلى الجنة» قال: ما أحدثت إلا وتوضأت وصليت ركعتين فقال رسول الله ﵌ «بهذا» (١).\nقال الترمذي: \"ومعنى هذا الحديث؛ أني دخلت البارحة الجنة، ويعني في المنام كأني دخلت الجنة، هكذا روي في بعض الأحاديث، ويروى عن ابن عباس ﵄ أنه قال - ﷺ -: «رؤيا الأنبياء وحي» (٢).\nويؤيد كون هذا الدخول وقع في منام، ما أخرجه الإمام أحمد والبخاري ومسلم من حديث جابر ﵄ قال: قال النبي ﵌: «رأيتني دخلت الجنة فإذا أنا بالرميصاء امرأة أبي طلحة، وسمعت خَشْفة (٣) فقلت، من هذا فقال: هذا بلال ...» الحديث (٤).\n_________\n(١) مسند الإمام أحمد (٥/ ٣٥٤، ٣٦٠) وهذا لفظ إحدى الروايتين عنده وجامع الترمذي (٥/ ٦٢٠) كتاب المناقب (١٨) باب في مناقب عمر بن الخطاب ﵁ (٣٦٨٩).\nوقال الترمذي: وفي الباب عن جابر، ومعاذ، وأنس، وأبي هريرة أن النبي ﵌ قال: «رأيت في الجنة قصرًا من ذهب، فقلت لمن هذا؟ فقيل لعمر بن الخطاب» وقال الترمذي هذا الحديث حسن صحيح غريب.\n(٢) جامع الترمذي (٥/ ٦٢٠) وأثر ابن عباس سوف يأتي تخريجه إن شاء الله.\n(٣) الخشفة: الصوت ليس بالشديد، وانظر: غريب الحديث لأبي عبيد القاسم (١/ ١٤٥) دار الكتاب العربي (١٣٩٦ هـ).\n(٤) مسند الإمام أحمد (٣/ ٣٧٢) وصحيح البخاري كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب عمر بن الخطاب (٣٦٧٩) (٣/ ١٤).","vol":"1","page":137},{"text":"ومن ذلك ما أخرجه الإمام أحمد والبخاري ومسلم من حديث جابر بن عبد الله ﵁ عن النبي ﵌ قال: «دخلت الجنة، أو أتيت الجنة، فأبصرت قصرًا، فقلت: لمن هذا؟ قالوا: لعمر بن الخطاب» الحديث (١).\nوما أخرجه الإمام أحمد والترمذي من حديث أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: «دخلت الجنة فإذا أنا بقصر من ذهب فقلت: لمن هذا القصر؟ قالوا: لشاب من قريش ...» الحديث (٢).\nوما أخرجه الإمام أحمد ومسلم من حديث أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: «دخلت الجنة فسمعت خشفة بين يدي فقلت: ما هذا؟ قالوا: الغميصاء بنت ملحان أم أنس بن مالك» (٣).\nوما أخرجه الإمام أحمد ومسلم من حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﵌: «نمت فرأيتني في الجنة فسمعت صوت قارئ يقرأ فقلت: من هذا؟ فقالوا: حارثة بن النعمان» فقال رسول الله ﵌ «كذلك البر، كذلك البر» وكان أبر الناس بأمه (٤).\n_________\n(١) مسند الإمام أحمد (٣/ ٣٠٩) والبخاري في موضعين، كتاب النكاح ١٠٧ - باب الغيرة الحديث (٥٢٢٦) (٣/ ٣٩٤) كتاب التعبير ٣١ - باب القصر في المنام، الحديث (٧٠٢٤) (٤/ ٣٠٥) وصحيح مسلم (٤/ ١٨٦٢).\n(٢) مسند الإمام أحمد (٣/ ١٠٧، ١٩١، ١٦٣) وجامع الترمذي، كتاب المناقب ١٨ - باب في مناقب عمر بن الخطاب ﵁، الحديث رقم (٣٦٨٨) (٥/ ٦١٩) وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح.\n(٣) مسند الإمام أحمد (٣/ ١٠٦، ١٢٥، ٢٣٩، ٢٦٨) صحيح مسلم كتاب فضائل الصحابة ١٩ - باب من فضائل أم سليم، (٢٤٥٦) (٤/ ١٩٠٨).\n(٤) مسند الإمام أحمد (٦/ ٣٦، ١٥١، ١٦٧) وأخرجه الحاكم في مستدركه (٣/ ٥٢) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.","vol":"1","page":138},{"text":"فلعل هذه الأحاديث تكون دليلًا لمن قال بدخول روح النائم إلى الجنة، وإن كان الدليل فيها محتملًا، لأن رؤية النائم قد تكون عبارة عن ضرب أمثال للنائم، ولكن كون الذي رآها النبي ﵌، وقد استدل البخاري بها على صفة الجنة، فإن هذا مما يقوي ما ذكره ابن القيم ﵀ وإن كانت المسألة تحتاج إلى دليل صريح، والله أعلم بالصواب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-30>المسألة الثالثة: علامات الرؤيا الصالحة</span>\nالعَلامات جمع عَلامَة، وهي التي يعرف بها الشيء (١).\nوعلامات الرؤيا الصالحة هي الأمارات التي يستدل بها ويستأنس بها على صلاح الرؤيا، وقد جاءت السنة المطهرة ببيان علامات الرؤيا الصالحة، فمن علامات صلاحها ما يلي:\nأولًا: التواطؤ عليها:\nوالتواطؤ هو التوافق وزنًا ومعنى، يقال: (وطأه على الأمر مواطأة: وافقه وتواطأنا عليه وتوطَّأنا: توافقنا: وتواطؤوا عليه: توافقوا) (٢).\nوأصله أن يطأ الرجل مكان وطء صاحبه.\nفالتواطؤ على الرؤيا: هو توافق جماعة على رؤيا واحدة ولو اختلفت عباراتهم (٣).\n_________\n(١) انظر: لسان العرب (١٢/ ٤٢٠) والمصباح المنير (٤٢٧).\n(٢) انظر: لسان العرب (١/ ١٩٩) والنهاية في غريب الحديث (٥/ ٢٢) وفتح الباري (٤/ ٢٥٧).\n(٣) انظر: فتح الباري (١٢/ ٣٧٩) وعمدة القارئ (٢٤/ ١٢٧).","vol":"1","page":139},{"text":"ولهذا يقول الإمام البخاري ﵀ في كتابهِ: «الجامع الصحيح» باب التواطؤ على الرؤيا، ثم ساق بسنده من حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن أناسًا أروا ليلة القدر في السبع الأواخر، وأن أناسًا أروها في العشر الأواخر، فقال النبي - ﷺ -: «التمسوها في السبع الأواخر» (١).\nفالصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، منهم من رأى ليلة القدر في العشر الأواخر، ومنهم من رآها في السبع الأواخر، فتوافقت رؤياهم على السبع الأواخر.\nيقول الحافظ ابن حجر ﵀: (لم يلتزم البخاري إيراد الحديث بلفظ التواطؤ وإنما أراد بالتواطؤ التوافق، وهو أعم من أن يكون الحديث بلفظه أو بمعناه، وذلك أن أفراد السبع داخلة في أفراد العشر، فلما رأى قوم أنها في السبع كانوا كأنهم توافقوا على السبع فأمرهم بالتماسها في السبع لتوافق الطائفتين عليها، ولأنه أيسر عليهم فجرى البخاري على عادته في إيثار الأخفى على الأجلى، وقد جاء بلفظ \"التواطؤ\" من طريق أيوب عن نافع عن ابن عمر ﵁ قال: (وكانوا لا يزالون يقصون على النبي - ﷺ - الرؤيا أنها في الليلة السابقة من العشر الأواخر، فقال النبي - ﷺ -: «أرى رؤياكم قد تواطأت في العشر الأواخر، فمن كان متحريًا فليتحرها من العشر الأواخر» (٢).\n_________\n(١) صحيح البخاري كتاب التعبير ٨ باب التواطؤ على الرؤيا (٦٩٩١) (٤/ ٢٩٨).\n(٢) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب التهجد ٢١ - باب فضل من تعار الليل فصلى الحديث رقم (١١٥٨)، (١/ ٣٥٩) وأحمد في مسنده من طريق (٢/ ٨٠٦) بلفظ \"السبع\" بدل العشر.","vol":"1","page":140},{"text":"ومن طريق مالك بن نافع عن ابن عمر ﵁: (أن رجالا من أصحاب النبي - ﷺ - أروا ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر، فقال رسول الله ﵌ «أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر، فمن كان متحريَها، فليتحرها في السبع الأواخر» (١).\nيقول الحافظ ابن حجر ﵀: ويستفاد من هذا الحديث أن توافق جماعة على رؤيا واحدة دال على صدقها، وصحتها كما تستفاد قوة الخبر من التوارد على الأخبار من جماعة (٢).\nيقول ابن القيم ﵀: فإذا تواطأت رؤيا المؤمنين على شيء كان كتواطؤ روايتهم له، وكتواطؤ رأيهم على استحسانه واستقباحه، وما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رأوه قبيحًا فهو عند الله قبيح (٣).\nويقول ﵀ في قوله ﵌: «أرى رؤياكم قد تواطأت على أنها في العشر الأواخر».\nقال: فاعتبر ﵌ تواطؤ رؤيا المؤمنين، وهذا كما يعتبر تواطؤ روايتهم لما شاهدوه فهم لا يكذبون في روايتهم ولا في رؤياهم إذا تواطأت (٤).\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب فضل ليلة القدر ٢ - باب التماس ليلة القدر في السبع الأواخر الحديث رقم (٢٠١٥)، (٢/ ٦٢) ومسلم في صحيحه (٢/ ٨٢٢) ومالك في الموطأ (١/ ٣٢١).\n(٢) فتح الباري (١٢/ ٣٨٠).\n(٣) الروح (ص٩).\n(٤) المرجع السابق (٢/ ٤٨٣) تحقيق العموش.","vol":"1","page":141},{"text":"ولما ترجم الذهبي ﵀ للإمام أحمد ﵀ ذكر منامات صالحة رويت لأحمد بعد موته أكثر من عشر ورقات ثم قال: «ولقد جمع ابن الجوزي فأوعى من المنامات في نحو من ثلاثين ورقة، وأفراد ابن البناء جزءًا في ذلك، وليس أبو عبد الله ممن يحتاج في تقرير ولايته إلى منامات، ولكنها جند من جند الله تسر المؤمن، ولا سيما إذا تواترت» (١).\nثانيًا: كونها من المبشرات.\nوالمبشرات جمع مبشرة، وهي البشرى بمعنى البشارة.\nيقول ابن الصلاح ﵀ في بيان علامات الرؤيا الصالحة: (ومن أمارات صلاحها أن تكون تبشيرًا بالثواب على الطاعة، أو تحذير من المعصية) (٢).\nوقد جاءت الأحاديث الكثيرة في تعظيم شأن الرؤيا الصالحة، وبيان أنها من المبشرات النبوية فمن ذلك:\n(أ) أخرج الإمام البخاري ﵀ في صحيحه بسنده من حديث أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﵌ يقول: «لم يبق من النبوة إلا المبشرات» قالوا: وما المبشرات؟ قال: «الرؤيا الصالحة» (٣).\nوقد بوب ﵀ في \"الموطأ\" بلفظ (كان إذا انصرف من صلاة الغداء يقول: هل رأى أحد منكم الليلة رؤيا؟ ويقول: «ليس يبقى بعدي من النبوة إلا الرؤيا الصالحة» (٤).\n_________\n(١) سير أعلام النبلاء (١١/ ٣٤٤، ٣٥٤) ومناقب الإمام أحمد لابن الجوزي (ص٨٥٣ - ٦٣٨).\n(٢) فتاوى ابن الصلاح (٤/ ١).\n(٣) صحيح البخاري، كتاب التعبير ٥ - باب المبشرات رقم الحديث (٦٩٩٠) (٤/ ٢٩٧).\n(٤) الموطأ (٢/ ٣٢٥).","vol":"1","page":142},{"text":"وقد رواه الإمام أحمد (١) في مسنده وأبو داود (٢) والحاكم في مستدركه (٣) كله من طريق مالك.\n(ب) أخرج الإمام أحمد في مسنده والإمام مسلم في صحيحه من حديث ابن عباس ﵄ قال: كشف رسول الله ﵌ الستارة والناس صفوف خلف أبي بكر فقال: «أيها الناس إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له ...» (٤).\nوفي رواية لمسلم بلفظ كشف رسول الله ﵌ الستر ورأسه معصوب في مرضه الذي مات فيه فقال: «اللهم هل بلغت ثلاث مرات، إنه لم يبقَ من مبشرات النبوة إلا الرؤيا يراها العبد الصالح، أو ترى له ..» (٥).\nورواه عبد الرزاق في مصنفه (٦)، وابن أبي شيبة (٧)، وأبو داود (٨) والنسائي (٩).\n_________\n(١) المسند (٢/ ٣٢٥).\n(٢) سنن أبي داود (٢/ ٧٢٣) تحقيق الحوت.\n(٣) المستدرك (٤/ ٣٩٠) وصححه ووافقه الذهبي وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (١/ ٧٠٦) وإرواء الغليل (٨/ ١٢٨).\n(٤) المسند (١/ ٢١٩) وصحيح مسلم بشرح النووي (٤/ ١٩٦) سبق تخريجه.\n(٥) صحيح مسلم بشرح النووي (٤/ ١٩٨) سبق تخريجه.\n(٦) المصنف (٢/ ١٤٥).\n(٧) الكتاب المصنف (٢/ ٤٣٦).\n(٨) سنن أبي داود (١/ ٥٤٥).\n(٩) في السنن الصغرى (١/ ١٦٠، ١٢٨) والكبرى (٤/ ٣٨٢).","vol":"1","page":143},{"text":"والدارمي (١)، وابن ماجة (٢)، وابن خزيمة (٣)، وابن حبان (٤)، والبيهقي (٥).\n(ج) أخرج الإمام أحمد ﵀ في مسنده وابنه عبد الله في زوائد المسند من حديث عائشة ﵂ أن النبي ﵌ قال: «لا يبقى بعدي من النبوة إلا المبشرات» قالوا: وما المبشرات؟ قال: «الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو ترى له» (٦).\n(د) أخرج الإمام أحمد في مسنده (٧)، والترمذي (٨)، والحاكم (٩) من حديث أنس ابن مالك ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن الرسالة والنبوة قد انقطعت فلا رسول بعدي ولا نبي» قال: «فشق ذلك على الناس» فقال «ولكن المبشرات» قالوا وما المبشرات؟ قال: «رؤيا الرجل المسلم وهي جزء من أجزاء النبوة».\n_________\n(١) سنن الدارمي (١/ ٣٠٤).\n(٢) سنن ابن ماجة (٢/ ١٢٨٣) كتاب التعبير.\n(٣) صحيح ابن خزيمة (١/ ٢٧٦).\n(٤) الإحسان (٧/ ٦١٥).\n(٥) سنن البيهقي (٢/ ١١٠).\n(٦) مسند الإمام أحمد (٦/ ١٢٩) وقال الألباني في إرواء الغليل (٨/ ١٢٩) وهذا إسناد جيد على شرط مسلم.\n(٧) مسند الإمام أحمد (٣/ ١٦٧).\n(٨) جامع الترمذي (٤/ ٥٣٣) وقال حديث حسن صحيح كتاب الرؤيا عن رسول الله ﵌ باب ذهبت النبوة وبقيت المبشرات.\n(٩) مستدرك الحاكم (٤/ ٣٩١) وقال: \"صحيح على شرط مسلم\" ووافقه الذهبي والألباني في إرواء الغليل (٨/ ١٢٨).","vol":"1","page":144},{"text":"(هـ) أخرج الإمام أحمد في مسنده والطبراني من حديث أبي الطفيل ﵁ قال: قال رسول الله ﵌ «لا نبوة بعدي إلا المبشرات» قال: قيل: وما المبشرات يا رسول الله؟ قال: «الرؤيا الحسنة» أو قال: «الرؤيا الصالحة» (١).\n(و) وأخرج الطبراني والبزار من حديث حذيفة بن أسيد ﵁ قال: قال رسول الله ﵌ «ذهبت فلا نبوة بعدي إلا المبشرات» قيل: وما المبشرات؟ قال: «الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو ترى له» (٢).\n(ز) وأخرج الإمام أحمد، والدارمي وابن ماجة، من حديث أم كُرْز الكعبية ﵂ أن النبي ﵌ قال: «ذهبت وبقيت المبشرات» (٣).\n(ح) أخرج الإمام مالك ﵀ في الموطأ عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار ﵁ أن رسول الله ﵌ قال: «لن يبقى بعدي من النبوة إلا المبشرات» فقالوا: وما المبشرات يا رسول الله؟ قال: «الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو ترى له، جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة» (٤) وهذا مرسل صحيح الإسناد ويشهد له ما سبق من الأحاديث وما سيأتي إن شاء الله تعالى.\n_________\n(١) سبق تخريجه (ص١٠٦).\n(٢) البزار (٢١٢١) والطبراني (٣٠٥١) وقال الهيثمي: ورجال الطبراني ثقات.\n(٣) مسند الإمام أحمد (٦/ ٢٨١) وبيان الدارمي كتاب الرؤيا، باب ذهبت النبوة وبقيت المبشرات (٢/ ١٦٦).\nوسنن ابن ماجة (٢/ ١٢٨٣) في كتاب باب الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له وصححه الألباني في صحيح الجامع (٣/ ١٥٨).\n(٤) الموطأ، كتاب الرؤيا (٢/ ٩٥٧).","vol":"1","page":145},{"text":"ففي هذه الأحاديث وغيرها تعظيم شأن الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له وبيان أنها من المبشرات التي يبشر بها المؤمن، وأن النبوة ستذهب بموته ﵌، لأنه خاتم النبيين بعده، وتبقى المبشرات التي هي الرؤيا الصالحة في هذه الأمة بعد انقطاع النبوة.\nفقوله - ﷺ - كما في حديث أبي هريرة ﵁: «لم يبق من النبوة إلا المبشرات» يعني أن الوحي منقطع بموته ﵁ فلا يبقى بعده ما يعلم به ما سيكون إلا المبشرات، ثم فسرها بالرؤيا الصالحة.\nقال ابن التين: \"معنى الحديث أن الوحي ينقطع بموتي ولا يبقى ما يعلم منه ما سيكون إلا الرؤيا (١).\nوقيل: هو على ظاهره، لأنه قال ذلك في زمانه، واللام في النبوة للعهد والمراد لنبوته، أي لم يبق بعد النبوة المختصة بي إلا المبشرات.\nويرد على ذلك بالأحاديث الأخرى الصريحة كقوله - ﷺ -: «لا نبوة بعدي إلا المبشرات» وحديث ابن عباس أنه قال ذلك في مرض موته - ﷺ - (٢).\nوقوله ﵌ «إلا المبشرات» ثم فسرها بالرؤيا الصالحة.\nووصف الرؤيا الصالحة بأنها مبشرة إما على التغليب وإما على أصل اللغة (٣) فمن الرؤيا الصالحة ما تكون منذرة وهي صادقة يريها الله تعالى عبده المؤمن.\n_________\n(١) فتح الباري (١٢/ ٣٧٦).\n(٢) انظر: عون الباري (٦/ ٣٧٣).\n(٣) قال في لسان العرب (٤/ ٦١) والبشارة المطلقة لا تكون إلا في الخير، وإنما تكون في الشر إذا كانت مقيدة، كقوله ﷿: ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١].","vol":"1","page":146},{"text":"يقول ابن المهلب (١) ﵀: التعبير بالمبشرات خرج مخرج الغالب، فإن الرؤيا ما تكون منذرة وهي صادقة يريها الله للمؤمن رفقًا به ليستعد لما يقع قبل وقوعه (٢).\nويقول أبو العباس القرطبي ﵀ في كتابه \"المفهم\" البشرى من الله أي مبشرة بخير، ومحذرة عن شر فإن التحذير عن الشر خير فتضمنته البشرى، وإنما قلنا ذلك هنا، لأنه قد قال في حديث الترمذي المتقدم: «الرؤيا ثلاث، رؤيا من الله ...» مكان بشرى من الله، فأراد بذلك، والله أعلم، الرؤيا الصادقة المبشرة والمحذرة (٣).\nويقول أبو عبد الله القرطبي ﵀ في تفسيره الجامع لأحكام القرآن\" في حديث أبي هريرة ﵁: «لم يبق من النبوة إلا المبشرات» قال: \"وهذا الحديث بظاهره يدل على أن الرؤيا بشرى على الإطلاق وليس كذلك، فإن الرؤيا الصادقة قد تكون منذرة من قبل الله تعالى لا تسر رائيها، وإنما يريها الله تعالى المؤمن رفقًا به ورحمة؛\nليستعد لنزول البلاء قبل وقوعه، فإن أدرك تأويلها بنفسه، وإلا سأل عنها من له أهلية ذلك، وقد رأى الشافعي ﵁ وهو بمصر رؤيا لأحمد بن حنبل تدل على محنته فكتبت إليه بذلك؛ ليستعد لذلك (٤) وقد تقدم في \"يونس\" في تفسيره قوله تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي\n_________\n(١) هو أبو العباس بن أحمد بن أبي صفرة الأسدي الأندلسي، ت (٣٤٥ هـ) له شرح لصحيح البخاري انظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء (٧/ ٥٧٩) والعبر (٢/ ٢٧٢).\n(٢) فتح الباري (١٢/ ٣٧٥).\n(٣) المفهم الجزء الرابع (ق٢٢٠أ) مخطوط في جامعة محمد بن سعود الإسلامية.\n(٤) روى ذلك ابن الجوزي في مناقب الإمام أحمد (ص٦٠٩) بإسناده إلى الربيع بن سليمان.","vol":"1","page":147},{"text":"الْآخِرَةِ﴾ [يونس: ٦٤] أنها الرؤيا الصالحة، وهذا وحديث البخاري مخرجه على الأغلب، والله أعلم (١).\nفتفسير النبي ﵌ المبشرات بالرؤيا الصالحة إن كان المراد بالرؤيا الصالحة أي الحسنة والمبشرة فهذا ظاهر؛ لأن البشارة كل خير صدق بتغير بشرة الوجه واستعمالها في الخير أكثر.\nإن كان المراد بالرؤيا الصالحة هي الصادقة وهي التي فيها بشارة أو تنبيه عن غفلة، فتسيرها بالمبشرات في الحديث مخرج على الأغلب أو على أصل اللغة والله أعلم.\nقد جاء في تفسيره قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٤].\nأن البشرى في الحياة الدنيا هي الرؤيا الصالحة وقد وردت أحاديث متعددة في تفسير الآية بالرؤيا الصالحة فمن ذلك.\n١ - ما أخرجه الإمام أحمد في مسنده وابن أبي شيبة، والترمذي، وابن جرير، والحاكم من حديث أبي الدرداء ﵁ قال: سألت رسول الله - ﷺ - عن قوله ﷿: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ فقال رسول الله ﵌: «ما سألني عنها أحد غيرك منذ أنزلت، هي الرؤيا الصالحة\n_________\n(١) الجامع لأحكام القرآن (٩/ ١٢٧).","vol":"1","page":148},{"text":"يراها المسلم، أو ترى له ...»\nزاد أحمد، وابن جرير في إحدى الروايات عندهما أن رسول الله - ﷺ - قال: «وبشراه في الآخرة الجنة» وقد جاءت هذه الزيادة في رواية ابن أبي شيبة مختصرة (١).\n٢ - أخرج الإمام أحمد في مسنده، والدارمي، والترمذي، وابن ماجة، وابن جرير، والحاكم من حديث عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ - عن قول ﵎: ﴿الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ قال: «هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له» (٢).\n٣ - أخرج ابن جرير ﵀ من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: «الرؤيا الحسنة هي البشرى يراها المسلم أو ترى له».\n_________\n(١) مسند الإمام أحمد (٦/ ٤٤٥، ٤٤٧، ٤٥٢)، ومصنف ابن أبي شيبة (١١/ ٥١)، وجامع الترمذي (٦/ ٥٣)، وحسنه وتفسير ابن جرير الطبري (١١/ ٩٣، ٩٤، ٩٥)، وأطال في ذكر طرقه ومستدرك الحاكم (٤/ ٣٩١)، ومشكل الآثار للطحاوي (٣/ ٤٧)، وحسن الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (٤/ ٣٩٢).\n(٢) مسند الإمام أحمد (٥، ٣١٥، ٣٢١، ٣٢٥) وسنن الدارمي كتاب الرؤيا، باب قوله تعالى: ﴿الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ (٢/ ١٦٥) وجامع الترمذي كتاب الرؤيا، باب قوله تعالى: ﴿الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (٤/ ٥٣٥) وقال هذا \"حديث حسن\" وسنن ابن ماجة (٢/ ٣٣٨) صحيح سنن ابن ماجة للألباني وابن جرير (١١/ ١٣٣، ١٣٤، ١٣٦) ومستدرك الحاكم (٤/ ٣٩١) وقال صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني (٤/ ٣٩٢).","vol":"1","page":149},{"text":"وفي رواية له عن أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ -: ﴿الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ الرؤيا الصالحة يراها العبد الصالح، أو ترى له، وهي في الآخرة الجنة.\nوفي رواية له قال أبو هريرة ﵁: «الرؤيا الحسنة بشرى من الله وهي المبشرات» (١).\n٤ - وأخرج الإمام أحمد في مسنده، وابن جرير في تفسيره من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قال: «الرؤيا الصالحة يبشرها المؤمن، هي جزء من تسعة وأربعين جزءًا من النبوة، فمن رأى ذلك فليخبر بها، ومن رأى سوى ذلك فإنما هو من الشيطان؛ ليحزنه فلينفث عن يساره ثلاثًا وليسكت ولا يخبر أحدًا» (٢).\nوقد جاء عن جماعة من الصحابة والتابعين وأتباعهم تفسير الآية بالرؤيا الصالحة فمن ذلك:\n١ - أخرج ابن جرير الطبري ﵀ عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قال: (هي الرؤيا الحسنة يراها العبد المسلم لنفسه أو لبعض إخوانه) ورواه ابن أبي شيبة بنحوه هذه الرواية (٣).\n_________\n(١) تفسير ابن جرير (١١/ ٩٤) وصححه الألباني في صحيح الجامع (٣/ ١٨٣) (٣٥٢١) وسلسلة الأحاديث الصحيحة (١٧٨٦) (٤/ ٣٩٢).\n(٢) مسند الإمام أحمد (٢/ ٢١٩) وتفسير ابن جرير (١١/ ٩٣) ذكر وله روايات عدة، وصحح إسناده أحمد شاكر في تحقيقه لمسند الإمام أحمد (١٢/ ٩) (٧٠٤٤) وهذه الآثار لها حكم الرفع لأن ألفاظها تقدمت الأحاديث المرفوعة.\n(٣) تفسير جرير الطبري (١١/ ٩٦٩٥) ومصنف ابن أبي شيبة (٦/ ١٧٤) تحقيق كمال الحوت.","vol":"1","page":150},{"text":"٢ - أخرج الإمام مالك ﵀ عن هشام بن عروة، عن أبيه، أنه كان يقول، في هذه الآية: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ قال: (هي الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو ترى له).\nورواه ابن أبي شيبة، وابن جرير بنحوه (١).\n٣ - وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن مجاهد ﵀ قال: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قال: (هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له) (٢).\n٤ - وأخرج ابن جرير ﵀ عن عطاء في قوله تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قال: (هي رؤية الرجل يبشر بها في حياته) (٣).\n٥ - وأخرج ابن جرير ﵀ عن إبراهيم قال: كانوا يقولون: (الرؤيا من المبشرات) (٤).\n٦ - وأخرج ابن جرير ﵀ عن يحيي بن أبي كثير ﵁ قال في قوله تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قال: (هي الرؤيا الصالحة يرها المسلم أو ترى له) (٥).\nوقد أخرج ابن عبد البر ﵀ بعض هذه الآثار وأشار إلى بعضها ثم قال معقبًا على ذلك: وعلى ذلك أكثر أهل التفسير في معنى هذه الآية، وهو أولى\n_________\n(١) الموطأ للإمام مالك (٢/ ٩٥٨) وسنده صحيح.\n(٢) مصنف ابن أبي شيبة (٦/ ١٧٤) وتفسير ابن جرير (١١/ ٩٦).\n(٣) تفسير ابن جرير الطبري (١١/ ٩٦).\n(٤) المرجع السابق (١١/ ٩٦).\n(٥) المرجع السابق (١١/ ٩٦) وهذه الآثار لها حكم الرفع لأنها تقدمت بألفاظها في الأحاديث المرفوعة.","vol":"1","page":151},{"text":"ما اعتقده العالم في تأويل قول الله ﷿: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ وروى عن الحسن والزهري وقتادة أنها البشارة عند الموت (١).\nويقول ابن جرير الطبري ﵀ بعد أن ذكر بأسانيده عن جماعة من الصحابة والتابعين وأتباعهم أنها الرؤيا الصالحة عقب على ذلك بقوله: (وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر أن لأوليائه المتقين البشرى في الحياة الدنيا، ومن البشارة في الدنيا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له.\nومنها بشرى الملائكة إياه عند خروج نفسه برحمة الله، كما روي عن النبي - ﷺ -: «إن الملائكة التي حضره عند خروج نفسه تقول لنفسه اخرجي إلى رحمة الله ورضوانه» (٢).\nومنها بشرى الله إياه ما وعده في كتابه وعلى لسان رسوله - ﷺ - من الثواب الجزيل كما قال ثناؤه: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [البقرة: ٢٥] الآية.\nوكل هذه المعاني من بشرى الله إياه في الحياة الدنيا بشره بها ولم يخصص الله ذلك المعنى دون معنى، فذلك مما عمَّمه جل ثناؤه، أي: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ وأما في الآخرة فالجنة (٣).\n_________\n(١) التمهيد (٥/ ٥٩) وانظر: الدر المنثور في التفسير بالمأثور (٣/ ٣١٣).\n(٢) سبق تخريجه (ص٨٢).\n(٣) تفسير ابن جرير الطبري (١١/ ٩٦).","vol":"1","page":152},{"text":"وقال السعدي ﵀: البشرى هي كل دليل وعلامة تدلهم على أن الله أراد بهم الخير، وأنهم من أوليائه وصفوته، فيدخل في ذلك الرؤيا الصالحة (١).\nثالثًا: كونها من أهل الصدق والصلاح:\nمن علامات الرؤيا الصالحة التي تدل عليها كونها من أهل الصدق والصلاح والاستقامة؛ فإن الغالب على رؤياهم الصدق وذلك لقلة تسلط الشياطين عليهم، ولكثرة الصدق في حديثهم، فمن كان أصدق الناس حديثًا كان أصدقهم رؤيا.\nويدل على ذلك ما أخرجه الإمام أحمد في مسنده ومسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﵌ قال: «إذا اقترب الزمان لم تكن رؤيا المسلم تكذب وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثًا ...» (٢).\nوفي رواية لمسلم: «وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثًا ...».\nقال النووي ﵀ في شرح الحديث السابق: قوله ﵌: «وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثًا» ظاهره أنه على إطلاقه وحكى القاضي عياض عن بعض العلماء أن هذا يكون في آخر الزمان عند انقطاع العلم وموت العلماء والصالحين ومن يستضاء بقوله وعمله، فجعل الله تعالى جابرًا وعوضا ومنبهًا لهم، والأول أظهر لأن غيره الصادق في حديثه يتطرق الخلل إلى رؤياه وحكايته لها (٣).\n_________\n(١) القواعد الحسان لتفسير القرآن (ص٥١).\n(٢) مسند الإمام أحمد (٢/ ٢٦٩، ٥٠٧) وصحيح مسلم بشرح النووي (١٥/ ٢٠) ومصنف عبد الرزاق (٢٠٣٥٢) وسنن الدارمي (٢/ ١٦٨) كتاب الرؤيا، باب: أصدق الناس رؤيا أصدقهم حديثًا.\n(٣) شرح صحيح مسلم (١٥/ ٢٠).","vol":"1","page":153},{"text":"ويقول ابن العربي المالكي ﵀: قوله ﵌ «أصدقهم رؤيا أصدقهم حديثًا» وذلك لأن الأمثال إنما تضرب له على مقتضى أحواله من تخليط وتحقيق، وكذب وصدق، وهزل وجد ومعصية وطاعة، قال ابن سيرين ما احتلمت في حرام قط، فقال بعضهم ليت عقل ابن سيرين في المنام لي في اليقظة (١).\nوفي تعليق لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ على الحديث السابق، قال: (أصدق الناس رؤيا أصدقهم حديثًا وأكثرهم دينًا لأن الفاسقين يصيبهم من تحزين الشيطان) (٢).\nوسئل الشيخ ابن عثيمين ﵀ عن الذي تصدق رؤياه فأجاب بقوله: (وأما الذي تصدق رؤياه فهو الرجل المؤمن الصدوق إذا كانت رؤياه صالحة، فإذا كان الإنسان صدوق الحديث في يقظته، وعنده إيمان وتقوى فإن الغالب أن الرؤيا تكون صادقة، ولهذا جاء هذا الحديث (٣) مقيدًا في بعض الروايات بالرؤيا الصالحة من الرجل الصالح، وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: «... أصدقهم رؤيا أصدقهم حديثًا» (٤)\nولذلك بوب الإمام البخاري ﵀ في كتاب:\n\"الجامع الصحيح\" المسند من حديث رسول الله ﷺ وسننه وأيامه في كتاب التعبير، بابًا بعنوان (٢ - رؤيا الصالحين)\nثم ساق بسنده من حديث أنس بن مالك ﵁ أن النبي\n_________\n(١) عارضة الأحوذي (٩/ ١٢٥).\n(٢) من دروس الشيخ في الجامع الكبير بالرياض.\n(٣) يعني حديث «رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة» كما سيأتي تخريجه إن شاء الله.\n(٤) المجموع الثمين من فتاوى ابن عثيمين (٢/ ٢٠٥).","vol":"1","page":154},{"text":"- ﷺ - قال: «الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة» إشارة إلى أن الصالحين هم الذين يغلب على رؤياهم الصدق (١).\nولهذا كان النبي - ﷺ - يسأل عن حال الرجل، فإن كان ليس به بأس كان أعجب لرؤياه إليه، كما أخرج الإمام أحمد في مسنده بإسنادين صحيحين من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: كان رسول الله - ﷺ - تعجبه الرؤيا الحسنة فربما قال: «هل رأى أحد منكم رؤيا» فإذا رأى الرجل رؤيا سأل عنه فإن كان ليس به بأس كان أعجب لرؤياه إليه، قال: فجاءت امرأة فقالت: يا رسول الله رأيت كأني دخلت الجنة فسمعت بها وَجْبَة (٢) ارتجت بها الجنة فنظرت فإذا قد جيء بفلان بن فلان، وفلان بن فلان حتى اثني عشر رجلًا وقد بعث رسول الله - ﷺ - سرية قبل ذلك، قالت: فجيء بهم عليهم ثياب طلس (٣) تشخب أوداجهم (٤) قال: فقيل: اذهبوا بهم إلى نهر السرخ أو قال: إلى نهر البيدح قال: فغمسوا فيه فخرجوا منه وجوههم كالقمر ليلة البدر، قال: ثم أتوا بكراسيّ من ذهب فقعدوا عليها وأتى بصحيفة - أو كلمة نحوها - فيها بسرة فأكلوا منها فما يقلبونها لشق إلا أكلوا من فاكهة ما أرادوا وأكلت معهم، قال: فجاء البشير من تلك السرية، فقال: يا رسول الله كان من\nأمرنا كذا وكذا وأصيب فلان وفلان حتى عدّ الاثنى عشر الذين عدّتهم المرأة\n_________\n(١) صحيح البخاري، كتاب التعبير ٢ - باب رؤيا الصالحين رقم الحديث (٦٩٨٣) (٤/ ٢٩٦).\n(٢) الوجبة: صوت السقوط، انظر: النهاية في غريب الحديث (٥/ ١٥٤).\n(٣) طلس: أي متغيرة انظر: النهاية في غريب الحديث (٣/ ١٣٢).\n(٤) تشخب: أي تسيل دمًا والأوداج: ما أحاط بالعنق من العروق التي يقطعها الذابح النهاية في غريب الحديث (٢/ ٤٥٠).","vol":"1","page":155},{"text":"فقال رسول الله - ﷺ -: «عليّ بالمرأة» فجاءت قال: «قصّي علىّ رؤياك» فقصت، قال: هو كما قالت لرسول الله ﵌.\nورواه النسائي في السنن الكبرى، وابن حيان في صحيحه، والبيهقي في دلائل النبوة بنحوه، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد تحت باب: \"ما يدل على صدق الرؤيا\" ووجه الاستشهاد بالحديث على صدق الرؤيا سؤاله - ﷺ - عن الرجل، فإن كان ليس به بأس كان أعجب لرؤياه إليه (١).\nوفي هذا الحديث دليل على أن رؤيا الرجل والمرأة سواء، وإنما العبرة بالتقوى والصلاح والصدق.\nفقوله ﵌ في الأحاديث السابقة «من الرجل» ذكر للغالب فلا مفهوم له فإن المرأة الصالحة كذلك.\nولهذا من فقه الإمام البخاري ﵀ قال في صحيحه في كتاب التعبير \"باب رؤيا النساء\" منعًا للفهم القاصر، ثم ساق بسنده من حديث خارجة بن زيد بن ثابت أن أم العلاء - امرأة من الأنصار - بايعت رسول الله ﵌ أخبرته أنهم اقتسموا المهاجرين قرعة، قالت: فطار لنا عثمان بن مظعون وأنزلنا في أبياتنا، فوجع وجعه الذي توفي فيه، فلما توفي غسل وكفن في أثوابه دخل رسول الله ﵌.\n_________\n(١) مسند الإمام أحمد (٣/ ١٣٥، ٢٥٧) والسنن الكبرى للنسائي (٤/ ٣٨٢) وموارد الظمآن زوائد ابن حبان (٤٤٦) ودلائل النبوة (٧/ ٢٦) ومجمع الزوائد للهيثمي (٧/ ٧٨) قال: \"رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.","vol":"1","page":156},{"text":"قالت: فقلت: رحمة الله عليك أبا السائب، فشهادتي عليك لقد أكرمك الله، فقال رسول الله - ﷺ -: «أما هو فوالله لقد جاءه اليقين، والله إني لأرجو له الخير، والله ما أدري وأنا رسول الله ماذا يفعل بي».\nفقالت: والله لا أزكي بعده أحدًا أبدًا.\nثم ساق بسنده آخر، وقال: «ما أدري ما يفعل به» قالت: وأحزنني فنمت فرأيت لعثمان عينًا تجري فأخبرت رسول الله - ﷺ - فقال: «ذلك علمه» (١).\nوذكر ابن بطال (٢) ﵀ الاتفاق على أن رؤيا المؤمنة الصالحة داخلة في قوله: «رؤيا المؤمن الصالح جزء من أجزاء النبوة» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-31>المسألة الرابعة: رؤيا المؤمن عند اقتراب الزمان</span>\nأخرج الإمام أحمد في مسنده، والبخاري، ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﵌ قال: «إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب» وهذا لفظ البخاري.\nولفظ أحمد، ومسلم «إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المسلم تكذب».\n_________\n(١) صحيح البخاري كتاب التعبير ١٣ - باب رؤيا النساء، الحديث رقم (٧٠٠٣) (٤/ ٣٠٠).\n(٢) هو أبو الحسن علي بن خلف بن عبد الملك بن بطال، البكري القرطبي المالكي، من أهل قرطبة عالم بالحديث من كبار المالكين له شرح البخاري توفي سنة (٤٤٩ هـ).\nانظر: ترجمته في \"سير أعلام النبلاء\" (١٨/ ٤٧)، شذرات الذهب (٣/ ٢٨٣)، الأعلام للزركلي (٥/ ٩٦).\n(٣) فتح الباري (١٢/ ٣٩٢).","vol":"1","page":157},{"text":"وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه من حديث أبي هريرة ﵁ بلفظ «في آخر الزمان لا تكاد رؤيا المؤمن تكذب ...» ورواه من طريق عبد الرزاق الإمام أحمد، والترمذي، والحاكم وساق مسلم إسناده (١).\nفما معنى اقتراب الزمان الذي لا تكاد تكذب فيه رؤيا المؤمن؟ وأي زمان هو؟ وما معنى لا تكاد تكذب؟ وما الحكمة في تخصيص آخر الزمان بذلك؟\nأولا: معنى اقتراب الزمان:\nلأهل العلم: ﵏ في معنى الزمان ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: أن معنى اقتراب الزمان، أي اعتداله واستواء الليل والنهار، وذلك في فصلي الربيع والخريف.\nقال أبو داود ﵀: (إذا اقترب الزمان يعني إذا اقترب الليل والنهار يعني يستويان) (٢).\nويقول الخطابي (٣) ﵀: (والمعبرون يزعمون أن أصدق الرؤيا ما كان وقت الربيع ووقت اعتدال الليل والنهار) (٤).\n_________\n(١) مصنف عبد الرزاق (١١/ ٢١١) ومسند الإمام أحمد (٢/ ٥٠٧) وصحيح البخاري كتاب التعبير ٢٦ - باب القيد في المنام، رقم الحديث (٧٠١٧)، (٤/ ٣٠٣) وسبق تخريج اللفظ الأخير (ص٩١).\n(٢) سنن أبي داود (٢/ ٧٢٣) تحقيق الحوت.\n(٣) هو أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب البستي (٣١٩ - ٣٨٨ هـ) فقيه محدث من أهل بست في أفغانستان أشهر مصنفاته أعلام الحديث في شرح صحيح البخاري ومعالم السنن في شرح سنن أبي داود.\nانظر: ترجمته في \"سير أعلام النبلاء\" (١٧/ ٢٣ - ٢٨)، والبداية والنهاية (١١/ ٣٤٦).\n(٤) معالم السنن (٤/ ١٣٨) الطبعة الثانية (١٤٠١ هـ) المكتبة العلمية بيروت لبنان.","vol":"1","page":158},{"text":"وهذا القول لا يصح لوجوه عدة منها:\n١ - أن اعتدال الليل والنهار ليس له أثر ولا تعلق بصدق الرؤيا إلا على ما قالته الفلاسفة من أن اعتدال الزمان تعتدل به الأخلاط، وهذا مبني على تعليقها بالطبائع وهذا باطل.\n٢ - أن هذا القول يبعد تقييده بالمؤمن، فإن الوقت الذي تعتدل فيه الطبائع على زعمهم لا يختص بالمؤمن، قاله الحافظ ابن حجر ﵀ (١).\n٣ - أن الاقتراب يقتضي التفاوت، والاعتدال يقتضي عدمه، فكيف يفسر الأول بالثاني، قاله القسطلاني ﵀ (٢).\n٤ - أن هذا القول باطل مردود بقوله ﵌: «في آخر الزمان» وذلك قرب زمان الساعة ودنو وقتها.\nيقول ابن العربي ﵀ في رده لهذا القول: (وقد اغتر بعض الناس بهذا التأويل فقال به، والأصح أنه اقتراب يوم القيامة، فإنها الحاقة التي تحق فيها الحقائق فكلما قرب منها فهو أخص بها) (٣).\nالقول الثاني: قال المنذري (٤) ﵀: يحتمل أن يراد اقتراب الموت عند\n_________\n(١) انظر: فتح الباري (١٢/ ٤٠٥).\n(٢) انظر: إرشاد الساري (١٠/ ١٤٥).\n(٣) عارضة الأحوذي (٩/ ١٢٥).\n(٤) هو الحافظ: أبو محمد عبد العظيم بن عبد القوي بن عبد الله بن سلامة المنذري الدمشقي (٥٨١ - ٦٥٦ هـ) تتلمذ عليه ابن دقيق العيد وجماعة من العلماء، وقال الذهبي: لم يكن في زمانه أحفظ منه: من أشهر مؤلفاته، مختصر صحيح مسلم والترغيب والترهيب ومختصر سنن أبي داود.","vol":"1","page":159},{"text":"علو السن، فإن الإنسان في ذلك الوقت غالبًا يميل إلى الخير والعمل به، ويقل تحديثه نفسه بغير ذلك (١).\nوهذا القول أيضًا فيه تكلف وبعد في فهم الحديث ويرده قوله - ﷺ - في بعض روايات الحديث: «في آخر الزمان لا تكاد رؤيا المؤمن تكذب».\nالقول الثالث: أن المراد قرب زمان الساعة ودنو وقتها.\nوهذا القول هو الصحيح، إن شاء الله تعالى وقد جاءت النصوص بذلك فمنها:\n١ - ما أخرجه عبد الرزاق في مصنفه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: «في آخر الزمان لا تكاد رؤيا المؤمن تكذب ...» ورواه من طريق عبد الرزاق الإمام أحمد، والترمذي والحاكم وساق إسناده مسلم (٢).\nفقوله ﵌ «في آخر الزمان» صريح يفسر قوله - ﷺ -: «إذا اقترب الزمان» في أن المراد بذلك اقتراب زمن الساعة.\n٢ - أخرج البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: «لا تقوم الساعة حتى – ثم ذكر بعض علامات الساعة ثم قال- ويتقارب الزمان» (٣) والمراد به اقتراب الساعة قطعًا.\nوأخرج الإمام أحمد في مسنده عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله\n_________\n(١) مختصر سنن أبي داود (٧/ ٢٩٨) تحقيق محمد حامد الفقي، دار المعرفة، ببيروت.\n(٢) سبق تخريجه (ص١٠٧).\n(٣) صحيح البخاري كتاب الفتن، (٧١٢١) (٤/ ٣٢٤).","vol":"1","page":160},{"text":"﵌: «لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان، فتكون السنة كالشهر، ويكون الشهر كالجمعة، وتكون الجمعة كاليوم، ويكون اليوم كالساعة، وتكون الساعة كاحتراق الشَّعَفَة» (١).\nوللعلماء ﵏: أقوال في المراد بقرب زمان الساعة، منها:\n١ - أن المراد بذلك قلة البركة في الزمان (٢).\nكما يقول ابن حجر ﵀: وقد وجد في زماننا هذا، فإننا نجد من سرعة مر الأيام، ما لم نكن نجده في العصر الذي قبل عصرنا هذا (٣).\n٢ - أن المراد بذلك تقارب أهل الزمان بسب توافر وسائل الاتصالات والمراكب الأرضية والجوية السريعة التي قربت البعيد (٤).\n٣ - أن المراد بذلك هو قصر الزمان، وسرعته سرعة حقيقية وذلك في آخر الزمان كزمن الدجال.\n٤ - أن المراد بذلك استلذاذ الناس للعيش وتوافر الأمن، وغلبة العدل، وذلك أن الناس يستقصرون أيام الرخاء وإن طالت، وتطول مدة الشدة وإن\n_________\n(١) مسند الإمام أحمد (٢/ ٥٣٧، ٥٣٨) ورواه الترمذي عن ابن عباس (٦/ ٦٢٤، ٦٢٥) تحفة الأحوذي قال ابن كثير ﵀: «إسناده على شرط مسلم، النهاية في الفتن والملاحم (١/ ١٨١)» وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير (٦/ ١٧٥).\n(٢) انظر: معالم السنة للخطابي (٦/ ١٤١، ١٤٢) بهامش مختصر سنن أبي داود للمنذري وجامع الأصول لابن الأثير (١٠/ ٤٠٩) وفتح الباري (١٣/ ١٦).\n(٣) فتح الباري (١٣/ ١٦).\n(٤) انظر: إتحاف الجماعة بأشراط الساعة للشيخ التويجري (١/ ٤٩٧) وأشراط الساعة (ص١٥٧) ليوسف الوابل.","vol":"1","page":161},{"text":"قَصُرت كزمن المهدي وعيسى ﵇ (١).\n٥ - أن المراد تقارب أحوال أهله في قلة الدين، حتى لا يكون منهم من يأمر بمعروف وينهى عن منكر، لغلبة الفسق، وظهور أهله، وذلك عند ترك طلب العلم خاصة، والرضا بالجهل، وذلك لأن الناس لا يتساوون في العلم، فدرجات العلم تتفاوت (٢) كما قال تعالى: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦].\nقال ابن أبي جمرة (٣) ﵀: (يحتمل أن يكون المراد بـ\"تقارب الزمان\" قصرَه على ما وقع في الحديث «لا تقوم الساعة حتى تكون السنة كالشهر» وعلى هذا فالقصر يحتمل أن يكون حسيًا، ويحتمل أن يكون معنويًا.\nأما الحسي: فلم يظهر بعد، ولعله من الأمور التي تكون قرب قيام الساعة وأما المعنوي؛ فله مدة منذ ظهر، يعرف ذلك أهل العلم الديني، ومن له فطنة من أهل السبب الدنيوي، فإنهم يجدون أنفسهم لا يقدر أحدهم أن يبلغ من العلم قدر ما كانوا يعملونه قبل ذلك، ويشكون ذلك، ولا يدرون العلة منه،\n_________\n(١) المهدي: إتحاف الجماعة بأشراط الساعة للشيخ التويجري (١/ ٤٩٧) وأشراط الساعة (١٥٧) ليوسف الوابل.\nوانظر: الآثار الواردة فيه وأقوال أهل العلم فيه في كتاب \"الاحتجاج بالأثر على من أنكر المهدي المنتظر» للشيخ حمود التويجري وتقديم سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز، وكتاب \"الرد على من كذب بالأحاديث الصحيحة الواردة في المهدي\"، وكتاب \"عقيدة أهل السنة والأثر في المهدي المنتظر\" كلاهما لعبد المحسن بن حمد العباد. فتح الباري (١٣/ ١٦).\n(٢) انظر: مختصر سنن أبي داود للمنذري (٦/ ١٤٢) وفتح الباري (١٣/ ١٦).\n(٣) بهجة النفوس (٤/ ٢٥٧، ٢٥٨) وانظر: فتح الباري (١٣/ ١٧).","vol":"1","page":162},{"text":"ولعل ذلك بسبب ما وقع من ضعف الإيمان، لظهور الأمور المخالفة للشرع من عدة أوجه، وأشد ذلك الأوقات، ففيها من الحرام المحض، ومن الشبه ما لا يخفى، حتى أن كثيرًا من الناس لا يتوقف في شيء، ومهما قدر على تحصيل شيء هجم عليه ولا يبالي.\nوالواقع أن البركة في الزمان، وفي الرزق، وفي البيت إنما تكون من طريق قوة الإيمان، واتباع الأمر، واجتناب النهي، والشاهد لذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦].اهـ.\nوإذا عرفنا أن المراد بتقارب الزمان في الحديث هو قرب زمان الساعة، فإن العلماء أيضًا اختلفوا في تحديد هذا الزمان على أقوال.\nالقول الأول: أن ذلك يقع إذا اقترب الساعة، وقبض أكثر العلم ودرست معالم الشريعة، بسبب الفتن وكثرة القتل، وأصبح الناس على مثل الفترة فهم محتاجون إلى مجدد ومذكر لما درس من الدين، كما كانت الأمم تذكر بالأنبياء، لكن لما كان نبينا - ﷺ - آخر الأنبياء، وتعذرت النبوة في هذه الأمة، فإنهم يعرضون عند ذلك بالرؤيا الصادقة، التي هي جزء من أجزاء النبوة الآتية بالتبشير والإنذار.\nويؤيد هذا القول حديث أبي هريرة: «يتقارب الزمان ويقبض العلم» (١).\nقاله ابن بطال، وإليه مال الحافظ ابن حجر ﵀ (٢).\n_________\n(١) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه (١٦/ ٢٢٢) بشرح النووي.\n(٢) انظر: فتح الباري (١٢/ ٤٠٥).","vol":"1","page":163},{"text":"القول الثاني: أن ذلك يقع عند قلة عدة المؤمنين، وغلبة الكفر والجهل والفسق على الموجودين فيؤنس المؤمن ويعان بالرؤيا الصادقة إكرامًا له وتسلية.\nقال الحافظ ابن حجر ﵀، وعلى هذين القولين لا يختص ذلك بزمان معين بل كلما قرب فراغ الدنيا وأخذ أمر الدين في الاضمحلال تكون رؤيا المؤمن الصادق أصدق (١).\nالقول الثالث: قيل إن المراد بالزمان المذكور زمان المهدي عند بسط العدل وكثرة الأمن وبسط الخير والرزق فإن ذلك الزمان يستقصر لاستلذاذه فتتقارب أطرافه (٢).\nالقول الرابع: أن ذلك مختص بزمان عيسى ﵇.\nقال القرطبي في \"المفهم\" والمراد والله أعلم بآخر الزمان المذكور في هذا الحديث زمان الطائفة الباقية مع عيسى ﵇ بعد قتله الدجال، فقد ذكر مسلم في حديث عبد الله بن عمر ما نصه «فيبعث الله عيسى بن مريم فيمكث في الناس سبع سنين ليس بين اثنين عداوة، ثم يرسل الله ريحًا باردة من قبل الشام فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذرة من خير أو إيمان إلا قبضه» الحديث (٣).\nقال: (فكان أهل هذا الزمان أحسن هذه الأمة حالًا بعد الصدر الأول وأصدقهم أقوالًا فكانت رؤياهم لا تكذب) (٤).\nولعل النبي ﵌ قد عنى الجميع والله أعلم (٥).\n_________\n(١) فتح الباري (١٢/ ٤٠٧).\n(٢) انظر: فتح الباري (١٢/ ٤٠٦).\n(٣) أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الفتن وأشراط الساعة (٤/ ٢٢٥٩) من حديث عبد الله بن عمرو.\n(٤) فتح الباري (١٢/ ٤٠٦) (١٣/ ١٦).\n(٥) انظر: بهجة النفوس (٤/ ٢٥٨).","vol":"1","page":164},{"text":"والحاصل في ذلك أن كثرة صدق رؤيا المؤمن من علامات الساعة.\nثانيًا: قوله ﵌ في الحديث: «لم تكد تكذب» وفي لفظ «لا تكاد تكذب» كاد أي: قرب.\nوفيه إشارة إلى غلبة الصدق على الرؤيا، وإن أمكن أن شيئًا منها لا يصدق، والراجح أن المراد نفي الكذب عنها أصلًا؛ لأن حرف النفي الداخل على كاد ينفي قرب حصوله والنافي لقرب حصول الشيء أدل على نفيه نفسه (١).\nويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ [النور: ٤٠].\nويوضح ذلك ابن أبي جمرة ﵀ بأن عدم كذبها أنها تقع بينة واضحة لا تحتاج إلى تعبير فلا إشكال لأحد فيها ولا كذب، فيصدق عليها أنها لا كذب بخلاف ما قبلها فقد تحتاج إلى تعبير، وقد يخطئ المعبر في فهمها فيصدق لغة أن يقال كذبت رؤيا فلان وإن كانت في نفسها حقًا (٢).\nثالثًا: ما الحكمة في اختصاص ذلك بآخر الزمان؟\nيقول ابن أبي جمرة ﵀، (والحكمة في تخصيص ذلك بآخر الزمان أن المؤمن في ذلك الوقت يكون غريبًا كما في الحديث «بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود غريبًا» فيقل أنيس المؤمن ومعينه في ذلك الوقت فيكرم بالرؤيا الصادقة) (٣).\nوقال القرطبي ﵀: (فكان أهل هذا الزمان أحسن هذه الأمة حالًا بعد الصدر الأول وأصدقهم أقوالًا فكانت رؤياهم لا تكذب) (٤).\n_________\n(١) انظر: فتح الباري (١٢/ ٤٠٦).\n(٢) بهجة النفوس (٤/ ٢٤٧، ٢٤٨).\n(٣) بهجة النفوس (٤/ ٢٤٩) والحديث أخرجه مسلم في صحيحه \"كتاب الإيمان\" (٦٥) باب \"بيان أن الإسلام بدأ غريبًا وسعود غريبًا\" (١/ ١٣١) من حديث عبد الله بن عمرو ﵄.\n(٤) فتح الباري (١٢/ ٤٠٦).","vol":"1","page":165},{"text":"وقيل إن الناس في ذلك الزمان على مثل الفترة محتاجين إلى مذكر ومجدد لما درس من الدين كما كانت الأمم تذكر بالأنبياء، لكن لما كان نبينا خاتم الأنبياء وصار الزمان المذكور يشبه زمان الفترة عوضوا بما منعوا من النبوة بعده بالرؤيا الصالحة التي هي جزء من النبوة الآتية بالتبشير والإنذار (١).\nويقول ابن القيم ﵀: وهي - أي الرؤيا - عند اقتراب الزمان لا تكاد تخطئ، كما قال ﵌ وذلك لبعد العهد بالنبوة وآثارها فيتعوض المؤمنون بالرؤيا.\nوأما في زمن قوة نور النبوة، ففي ظهور نورها وقوته ما يغني عن الرؤيا، ونظر هذه الكرامات التي ظهرت بعد عصر الصحابة، ولم تظهر عليهم لاستغنائهم عنها بقوة إيمانهم، واحتياج من بعدهم إليها لضعف إيمانهم وقد نص أحمد على هذا المعنى (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-32>المسألة الخامسة: أسباب صدق الرؤيا الصالحة:</span>\nدلت النصوص الشرعية على أسباب يستطيع المسلم بها أن يتحرى الرؤيا الصالحة فمن ذلك: تحقيق ولاية الله سبحانه، وتحري الصدق في الحديث، والتحرز من الشيطان.\nقال ابن عبد البر ﵀: (فمن خلصت له نيته في عيادة الله، ويقينه وصدق حديثه كانت رؤياه أصدق، وإلى النبوة أقرب) (٣).\n_________\n(١) انظر فتح الباري (١٢/ ٤٠٥) قاله ابن بطال ﵀.\n(٢) مدارج السالكين (١/ ٦٢، ٦٣).\n(٣) التمهيد (١/ ٢٨٣).","vol":"1","page":166},{"text":"وقال ابن القيم ﵀: (ومن أراد أن تصدق رؤياه فليتحرَّ الصدق، وأكل الحلال، والمحافظة على الأمر والنهي، ولينم على طهارة كاملة، مستقبل القبلة، ويذكر الله حتى تغلبه عيناه، فإن رؤياه لا تكاد تكذب البتة» (١)\nولهذا ذكر العلماء ﵏ في أسباب اختلاف الروايات في أجزاء النبوة التي نست لها الرؤيا الصالحة، أن هذا الاختلاف بحسب حال الرائي من صدق الحديث، وأداء الأمانة، والدين المتين، وحسن اليقين، فمن كان على هذه الحال فرؤياه أصدق، وإلى النبوة أقرب (٢).\nوإليك تفصيل هذه الأسباب.\nالسبب الأول: تحقيق ولاية الله تعالى (٣):\nويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ\n_________\n(١) مدارج السالكين (١/ ٦٣).\n(٢) انظر: التمهيد لابن عبد البر (١/ ٢٨٣) والجامع لأحكام القرآن (٩/ ١٢٣).\n(٣) قال الجوهري في الصحاح (٦/ ٢٥٣٠) الوِلاية بالكسر السلطان والوَلاية والوِلاية: النصرة، وعلى هذا فيجوز فتح الواو وكسرها.\nوقال ابن فارس في معجم مقاييس اللغة (٦/ ١٤٠) الواو واللام والياء، أصل صحيح يدل على قرب، وقال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب في كتابه تيسير العزيز الحميد شرح كتاب التوحيد (ص٣٩٥): وأصل الولاية المحبة والقرب وانظر في موضوع ولاية الله، كتاب \"الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان\" لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ و\"تيسير العزيز الحميد شرح كتاب التوحيد\" (ص٣٩٤ - ٣٩٨) وكتاب \"قطر الولي على حديث الولي\" لشوكاني، وكتاب \"ولاية الله والطريق إليها\" دراسة وتحقيق لكتاب \"قطر الولي\" تأليف إبراهيم هلال، تقديم عبد الرحمن الوكيل، دار الكتب الحديثة و\"الولاية والأولياء في الإسلام\" تأليف عبد الرحمن أحمد سالم، ماجستير في جامعة أم القرى ١٤٠١هـ.","vol":"1","page":167},{"text":"* الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٤].\nوالبشرى في الحياة الدنيا جاء تفسيرها في الأحاديث الصحيحة بأنها الرؤيا الصالحة كما مر معنا في حديث أبي الدرداء وأبي هريرة وعبادة بن الصامت وعبد الله بن عمرو وتفسير ابن عباس ومجاهد ويحيي بن أبي كثير وغيرهم.\nوقد فسر ابن عبد البر ﵀ الآية بذلك ثم قال: (وهو أولى اعتقده العالم في تأويل قوله ﷿ ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾) (١).\nفأولياء الله لهم البشرى التي هي الرؤيا الصالحة، وأولياء الله هم كما بينهم الله ﷿ في هذه الآية ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾.\nومعنى الآية: أن العبد الذي آمن بالله ﷿ أي صدق به وبما جاء عنه سبحانه في كتابه العزيز وعلى لسان رسوله ﵌ والتزم بشرعه ظاهرًا وباطنًا ثم داوم على ذلك بمراقبة الله سبحانه وملازمة التقوى والحذر من الوقوع فيما يسخطه عليه من تقصير في واجب أو ارتكاب لمحرم، هذا العبد هو ولي الله ﷾ يحبه وينصره ويبشره برضوانه وجنته.\nوعند فراقه للدنيا يرتفع عنه الخوف والحزن لما يكشف له من رحمة الله وبشارته (٢).\n_________\n(١) التمهيد (٥/ ٥٩).\n(٢) انظر: كتاب كرامات الأولياء للالكائي تحقيق الدكتور: أحمد سعد الحمدان، مدخل الكتاب (ص٨).","vol":"1","page":168},{"text":"وهذا المعنى يؤكده الحديث القدسي الذي يرويه النبي ﵌ عن ربه كما أخرج ذلك البخاري ﵀: «إن الله قال: من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلى عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي حتى أحبه، فإذا أحببته، كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه ولئن استعاذ بي لأعيذنه ...» الحديث (١).\nفالحديث تضممن المعاني التي في الآية الكريمة.\nجانب العبد: وهو أداء الفرائض ثم التقرب بالنوافل.\nوجانب الرب ﷿: وهو محبته لذلك العبد، ونصرته وتأييده، ورعايته له في كل موقف وحفظه لجوارحه فيصبح عبدًا محفوظًا في جميع جوارحه (٢).\nوهذا معنى قوله - ﷺ - لابن عباس ﵄: «يا غلام احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك» (٣).\nفالعبد الذي يحفظ الله ﷿ يحفظ حقوقه والقيام بأوامره واجتناب نواهيه واستمرار التدرج في عبوديته لخالقه، فإن الله سبحانه يحفظه في جوارحه ويوفقه.\nثم إن سأله شيئًا أعطاه عطاء الغني الكريم لعبده الضعيف المحتاج.\nقال ابن جرير الطبري ﵀ تعريف الولي: (هو من كان بالصفة التي\n_________\n(١) صحيح البخاري كتاب الرقائق ٣٨ - باب التواضع الحديث (٦٥٠٢) (٤/ ١٩٢).\n(٢) انظر: مقدمة تحقيق كتاب كرامات الأولياء للالكائي: تحقيق الحمدان (ص٨ - ٩).\n(٣) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (١/ ٢٠٧)، والترمذي في جامعه رقم (٢٥١٦).","vol":"1","page":169},{"text":"وصفة الله بها وهو الذي آمن واتقى) (١).\nويقول ابن كثير ﵀: (يخبر تعالى أن أولياءه هم الذين آمنوا وكانوا يتقون كما فسرهم ربهم فكل من كان تقيًا كان وليًا لله تعالى) (٢).\nويقول ابن رجب ﵀: (فأولياء الله هم الذين يتقربون إليه بما يقربهم منه، وأعداؤه الذين أبعدهم منه بأعمالهم المقتضية لطردهم وإبعادهم، فقسم أولياءه إلى قسمين:\nأحدهما: من تقرب إليه بأداء الفرائض، ويشمل ذلك فعل الواجبات وترك المحرمات، لأن ذلك كله من فرائض الله التي افترضها على عباده.\nوالثاني: من تقرب إلى الله بعد الفرائض بالنوافل.\nفظهر بذلك إلى أن دعوى طريقة توصل إلى الله تعالى، أو موالاته ومحبته سوى طاعته التي شرعها على لسان رسول الله - ﷺ - ممن ادعى ولاية الله ومحبته بغير هذا الطريق تبين أنه كاذب في دعواه (٣).\nويقول ابن أبي العز الحنفي ﵀: (فولي الله: هو من والى الله بموافقة محبوباته، والتقرب إليه بمرضاته) (٤).\nفتبين من كلام هؤلاء العلماء أن الولي لا يصل إلى ولاية الله إلا بالإيمان والتقوى.\nثم ليعلم أنه ليس كل من حصل له رؤيا صالحة يجب أن يكون من أولياء الله فليس حصول الرؤيا الصالحة دليلا على ولاية الله، بل إن الشخص قد\n_________\n(١) تفسير الطبري (١١/ ١٣٢).\n(٢) تفسير القرآن العظيم (٢/ ٤٢٢).\n(٣) جامع العلوم والحكم (ص٢٦٢).\n(٤) شرح العقيدة الطحاوية (ص٤٠٦).","vol":"1","page":170},{"text":"يكون وليًا لله وإن لم يحصل له شيء من ذلك إذا كان مؤمنًا تقيًا، وعدم ذلك لا يضره في دينه ولا ينقص ذلك في مرتبته عند الله (١).\nفلا يكن مقصود المؤمن التقي، من إيمانه وتقواه تحصيل هذه الأمور، فإن ذلك من دقائق الشرك، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (الإنسان قد يكون مقصوده نيل العلم والحكمة، أو نيل المكاشفات والتأثيرات، أو نيل تعظيم الناس له ومدحهم إياه، أو غير ذلك من المطالب، وقد عرف أن ذلك يحصل بالإخلاص لله وإرادة وجهه، فإذا قصد أن يطلب ذلك بالإخلاص لله وإرادة وجهه كان متناقضًا، لأن من أراد شيئًا لغيره فالثاني هو المراد المقصود بذاته والأول يراد لكونه وسيلة إليه، فإذا قصد أن يخلص لله ليصير عالمًا أو عارفًا أو ذا حكمة أو متشرفًا بالنسبة إليه، أو صاحب مكاشفات وتصرفات ونحو ذلك، فهو هنا لم يرد الله، بل جعل الله وسيلة له إلى ذلك المطلوب الأدنى) (٢).\nالسبب الثاني: أن يحرص أن يكون صادقًا في حديثه:\nوهذا السبب من الأسباب التي يتحرى بها المسلم الرؤيا الصادقة، وهو وإن كان داخلًا في السبب الأول، لكنه خص لأهميته، والخصوص بعد العموم يدل على أهمية الشيء، فقد جاء الحديث ببيان أن أصدق الناس رؤيا أصدقهم حديثًا.\n_________\n(١) انظر: شرح العقيدة الطحاوية (٢/ ٧٤٧ - ٧٥٥) تحقيق: الدكتور عبد الله التركي وشعيب الأرناؤوط، وتيسير العزيز الحميد (ص٣٩٤ - ٣٩٨).\n(٢) \"درء تعارض العقل والنقل\" (٦/ ٦٦، ٦٧) تحقيق الدكتور محمد رشاد سالم، وانظر في هذه المسألة \"الموافقات للشاطبي\" (١/ ٢١٩، ٢٢٠) و\"تيسير العزيز الحميد شرح كتاب التوحيد\" (٥٣٤، ٥٣٨) باب \"من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا\"، و\"فتح المجيد شرح كتاب التوحيد\" (ص٥٣٧).","vol":"1","page":171},{"text":"كما أخرج الإمام أحمد في مسنده والإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﵌ أنه قال: «إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثًا».\nوهذا الحديث على إطلاقه، وأن أصدق الناس رؤيا أصدقهم حديثًا وهذا في كل زمان ومكان، وذلك لأن غير الصادق في حديثه يتطرق الخلل إلى رؤياه وحكايته إياها (١).\nفكلما كان الإنسان حريصًا على تحري الصدق والبعد عن الكذب أو المبالغة أو التهويل فيما يقول، كان ذلك أدعى أن يرى الصدق في منامه.\nوكلما كان الإنسان متوسعًا في الكذب في الروايات والأخبار وربما مختلق للأكاذيب، فإنه يكون أبعد الناس عن الصدق في رؤياه.\nالسبب الثالث: أن يحرز نفسه من الشيطان عند النوم:\nومن ذلك أن يراعي آداب النوم التي جاءت في السنة النبوية، وخاصة الآيات والأذكار التي تكون حرزًا له من الشيطان فمن ذلك:\n١ - أن ينام على طهارة كما أخرج البخاري في صحيحه من حديث البراء بن عازب ﵄ قال: قال لي رسول الله - ﷺ -: «إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن وقل: اللهم أسلمت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت، فإن متت مت على الفطرة، فاجعلهن آخر ما تقول» فقلت\n_________\n(١) انظر: شرح صحيح مسلم للنووي (١٥/ ٢٠).","vol":"1","page":172},{"text":"استذكرهن، وبرسولك الذي أرسلت قال: «لا، وبنبيك الذي أرسلت» (١).\nفتضمن هذا الحديث ثلاث سنن:\nإحداها: الوضوء عند النوم، وإن كان متوضئًا كفاه لأن المقصود النوم على طهارة.\nثانيتها: النوم على اليمين.\nثالثتها: الختم بذكر الله.\nقال الحافظ ابن حجر ﵀: وأخرج ابن حبان في صحيحه عن ابن عمر رفعه: «من بات طاهرًا بات في شعاره ملك فلا يستيقظ إلا قال الملك: اللهم اغفر لعبدك فلان» وأخرج الطبراني في الأوسط من حديث ابن عباس نحوه بسنده جيد (٢).\nقال الحافظ ابن حجر ﵀ في فوائد هذا الحديث ومنها أن يكون أصدق رؤياه وأبعد من تلعب الشيطان به (٣).\n٢ - التعوذ والقراءة عند النوم، وقد ورد في القراءة عند النوم عدة أحاديث صحيحة منها:\n(أ) قراءة آية الكرسي: كما أخرج البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: وكلني رسول الله - ﷺ - بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آت فجعل يحثو في الطعام، فأخذته فقلت لأرفعنك إلى رسول الله - ﷺ - فقص\n_________\n(١) صحيح البخاري، كتاب الدعوات ٦ - باب \"إذا بات طاهرًا\" (ص٦٣١١) (٤/ ١٥٥).\n(٢) فتح الباري (١١/ ١٠٩) والإحسان في تقريب صحيح ابن حبان (٣/ ٣٢٨) ومجمع الزوائد (١/ ٢٣١).\n(٣) المرجع السابق (١١/ ١١٠).","vol":"1","page":173},{"text":"الحديث فقال: دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها، قلت: ما هن، قال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي: ﴿اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] حتى تختم الآية، فإنك لا يزال عليك من الله حافظ ولا يقربنك شيطان حتى تصبح فخليت سبيله، فأصبحت فقال لي رسول الله - ﷺ -: «ما فعل أسيرك البارحة؟» قلت: يا رسول الله زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها فخليت سبيله؟ قال: «ما هي» قلت: قال لي إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم الآية: ﴿اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ وقال لي: لا يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح، وكانوا أحرص الناس على الخير فقال النبي - ﷺ -: «أما إنه صدقك وهو كذوب، تعلم من تخاطب مذ ثلاث ليال يا أبا هريرة؟» قال: لا: قال: «ذاك شيطان» (١).\nففي هذا الحديث بيان أن من قرأ آية الكرسي لا يقربنه شيطان حتى يصبح، وبهذا يسلم من تحزين الشيطان وتهويله له في المنام.\n(ب) قراءة الآيتين من آخر سورة البقرة: أخرج البخاري ﵀ في صحيحه من حديث ابن مسعود ﵁ قال: قال النبي ﵌: «من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه» (٢).\nقوله: \"كفتاه\" قيل: كفتاه من كل سوء، وقيل: شر الشيطان، وقيل: دفعتا عنه\n_________\n(١) صحيح البخاري، كتاب الوكالة (٢٣١١) (٢/ ١٤٩) وكتاب بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنوده (٣٢٧٥) (٢/ ٤٣٨) وكتاب فضائل القرآن ١٠ - باب فضل سورة البقرة (٥٠١٠) (٣/ ٤٢ - ٣).\n(٢) صحيح البخاري كتاب فضائل القرآن ١٠ - باب فضل سورة البقرة، الحديث رقم (٥٠٠٩) (٣/ ٣٤٢).","vol":"1","page":174},{"text":"شر الإنس والجن، ويحتمل الجمع والله أعلم (١).\n(ج) قراءة المعوذات: أخرج البخاري ﵀ من حديث عائشة ﵄ أن رسول الله ﵌ كان إذا أخذ مضجعه نفث في يديه وقرأ بالمعوذات، ومسح بهما جسده (٢).\nوورد في التعوذ أيضًا عدة أحاديث منها:\n(أ) ما أخرجه مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أنه قال: جاء رجل إلى النبي ﵌ فقال يا رسول الله، ما لقيت من عقرب لدغتْني البارحة فقال ﵌ «أما لو قلت حين أمسيت أعوذ بكلمات الله التامة من شر ما خلق لم تضرك» (٣).\n(ب) ما أخرج أبو داود والترمذي من حديث أبي هريرة ﵁: كان رسول الله ﵌ يأمرنا إذا أخذ أحدنا مضجعه أن يقول: «اللهم رب السموات ورب الأرض» الحديث، وفي لفظ: «اللهم رب السموات والأرض عالم الغيب والشهادة رب كل شيء ومليكه أشهد أن لا إله إلا أنت أعوذ بك من شر نفسي ومن شر الشيطان الرجيم وشركه» (٤).\n(ج) أخرج أبو داود من حديث علي يرفعه، كان يقول عند مضجعه:\n_________\n(١) انظر: فتح الباري (٩/ ٥٦).\n(٢) صحيح البخاري كتاب الدعوات ١٢ - باب التعوذ والقراءة عند المنام الحديث رقم (٦٤١٩) (٤/ ١٥٧).\n(٣) صحيح مسلم كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار (٤/ ٢٠٨١) (٢٧٠٩).\n(٤) سنن أبي داود (٢/ ٧٣٧) وجامع الترمذي (٥/ ٤٧٢) وصححه الألباني في صحيح الترمذي (٣٦٣٢).","vol":"1","page":175},{"text":"«اللهم إني أعوذ بوجهك الكريم، وكلماتك التامات من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-33>المسألة السادسة: هل يسوغ العمل وفق الرؤيا الصالحة</span>؟\nالرؤيا الصالحة لا تخلو من ثلاثة أقسام:\nالقسم الأول: أن تكون من الأنبياء:\nوهذا القسم من أقسام الوحي يجب الإيمان بها والعمل بما دلت عليه، لأن رؤيا الأنبياء وحي باتفاق الأمة، ولهذا ذكر الله تعالى في القرآن الكريم رؤيا إبراهيم في شأن ذبح ابنه إسماعيل ﵉ وكيف أقدم على ذبح ابنه واعتبر ما رآه في المنام أمرًا من الله تعالى، وكذلك قال الابن (يا أبت افعل ما تؤمر) قال تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢ - ١٠٥] فلو لم تكن وحيًا لما جاز لإبراهيم ﵇ الإقدام على ذبح ابنه، وسيأتي إن شاء الله مزيد تفصيل لهذه المسألة (٢).\nوكذلك يقال في الرؤى التي رآها النبي ﵌ فيجب الإيمان بما دلت عليه والعمل بها أمرًا أو نهيًا (٣).\n_________\n(١) سنن أبي داود (٢/ ٧٣٢).\n(٢) في مبحث رؤيا الأنبياء من الفصل الثاني من هذا الباب.\n(٣) انظر: فتح المجيد شرح كتاب التوحيد للشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ (٦١٣) طبعة فها تنبيهات الشيخ عبد العزيز بن باز.","vol":"1","page":176},{"text":"القسم الثاني: رؤيا الصحابة التي أقرها النبي ﵌:\nوهذه كذلك مصدر من مصادر التشريع، لأنها نوع من أنواع السنة وهي إقرارات النبي ﵌، فيجب الإيمان بما دلت عليه والعمل بذلك أمرًا ونهيًا وأمثلة ذلك كثيرة جدًا، فمن ذلك: رؤيا الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين للأذان (١)، وإقرار النبي ﵌ ذلك.\nأخرج الإمام أحمد في مسنده وابن ماجة في سننه من حديث طفيل بن سَخْبرة أخي عائشة لأمها أنه رأى فيما يرى النائم كأنه مر برهط من اليهود فقال من أنتم؟ فقالوا: نحن اليهود: قال: إنكم أنتم القوم لولا أنكم تزعمون أن عزيرًا ابن الله، فقالت اليهود: وأنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد، ثم مر برهط من النصارى، فقال: من أنتم؟ قالوا: نحن النصارى، فقال: إنكم أنتم القوم، لولا أنكم تقولون: المسيح ابن الله،، قالوا: وإنكم أنتم القوم، لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد، فلما أصبح أخبر بها من أخبر، ثم أتى النبي - ﷺ - فأخبره فقال: «هل أخبرت أحدًا؟» قال: نعم، فلما صلوا خطبهم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «إن طفيلًا رأى رؤيا فأخبر بها من أخبر منكم، وإنكم كنتم تقولون كلمة كان يمنعني الحياء منكم أن أنهاكم عنها، قال: لا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد ولكن قولوا ما شاء الله وحده» (٢).\nوله شاهد من حديث حذيفة بن اليمان ﵁ قال: «أتى رجل النبي - ﷺ - فقال: إن رأيت في المنام أني لقيت بعض أهل الكتاب، فقال: نعم القوم أنتم لولا أنكم تقولون ما شاء الله وشاء محمد فقال - ﷺ -: «قد كنت\n_________\n(١) سبق تخريجه (ص٧٨).\n(٢) مسند الإمام أحمد (٥/ ٧٢) وسنن ابن ماجة (٢/ ٢١١٨).","vol":"1","page":177},{"text":"أكرهها منكم فقولوا: ما شاء الله ثم ما شاء محمد» (١).\nفهذه الرؤيا حق أقرها الرسول ﵌ وعمل بمقتضاها.\nولهذا لما بوَّب الشيخ محمد بن عبد الوهاب (٢) ﵀ في كتاب: \"التوحيد الذي هو حق الله على العبيد\" بابًا في قول: (ما شاء الله وشئت) استشهد بحديث الطفيل السابق ثم ذكر من مسائل هذا الباب أن الرؤيا الصالحة من أقسام الوحي (٣).\nويقول الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب (٤) في كتابه: \"تيسير العزيز الحميد شرح كتاب التوحيد\" في شرح هذا الحديث \"كان ﵌ يعتني بالرؤيا لأنها من أقسام الوحي، وكان إذا صلى الصبح كثيرًا ما يقول: «هل رأى أحد منكم رؤيا» قال: (وفيه أن الرؤيا قد\n_________\n(١) أخرجه أحمد في مسنده (٥/ ٣٩٣) وابن ماجة في سننه (٢/ ٢١١٨) وصححه الألباني لشواهده في سلسلة الأحاديث الصحيحة (١/ ٢١٤ - ٢١٦).\n(٢) هو الإمام العلامة شيخ الإسلام ومجدد الدعوة السلفية، ولد سنة (١١١٥هـ) في العيينة تحالف مع أمير الدرعية محمد بن سعود على الدفاع عن الدين والعمل بالكتابة والسنة، ومحاربة البدع ودعوة المسلمين للجهاد، فانتشرت دعوته في جميع العالم الإسلامي، وترك عددًا من المؤلفات القيمة، وكانت وفاته ﵀ سنة (١٢٠٦ هـ).\nانظر ترجمته في \"روضة الأفكار والأفهام\" لابن غنَّام، و\"عنوان المجد في تاريخ نجد\" لعثمان بن بشر النجدي، والبدر الطالع للشوكاني، وهناك رسائل في سيرته ﵀ وهي كثيرة.\n(٣) كتاب التوحيد مع شرحه فتح المجيد (ص٦١٣).\n(٤) كان ﵀ آية في العلم والحلم والحفظ والذكاء محدثا حافظًا فقيهًا مجتهدًا (١٢٠٠ - ١٢٣٣هـ).\nانظر: ترجمه: بقلم الشيخ إبراهيم بن محمد بن إبراهيم آل الشيخ في مقدمة كتاب: \"تيسير العزيز الحميد\".","vol":"1","page":178},{"text":"تكون سببًا لشرع بعض الأحكام كما في هذا الحديث، وحديث الأذان، وحديث الذكر بعد الصلوات) (١).\nويقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب (٢) ﵀ في كتاب: \"فتح المجيد شرح كتاب التوحيد\" في شرح هذا الحديث: \"قلت: وإن كانت رؤيا منام فهي وحي، يثبت بها ما يثبت بالوحي أمرًا ونهيًا، والله أعلم (٣).\nوالأمثلة على ذلك لا تحصى:\nالقسم الثالث: رؤيا الصالحين بعد موت النبي - ﷺ -:\nوهذه هي مدار البحث هنا: فهل يعتمد عليها في إثبات الأحكام، ومعرفة الحلال والحرام، وهل يعتمد بها دليلا مستقبلًا من أدلة الشرع في الإثبات والنفي؟ وفي أي مجال يكون اعتبارها والاعتداد به؟ (٤).\nوالحق في ذلك ما اتفق عليه أهل العلم على أن الرؤيا لا تصلح للحجة، ولا تتخذ دليلًا شرعيًا، وإنما هي تبشير وتحذير وتنبيه، ولهذا سماها الرسول - ﷺ -: «المبشرات».\n_________\n(١) تيسير العزيز الحميد شرح كتاب التوحيد (ص٦٠٥، ٦٠٦).\n(٢) ولد ﵀ في الدرعية سنة (١١٩٦ هـ) وتربى على يد جده الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وقرأ عليه كتاب التوحيد، وممن تلقى عليه ابنه الشيخ عبد اللطيف، وصنف ﵀ عدة كتب منها: \"فتح المجيد بشرح كتاب التوحيد\" و\"قرة عيون الموحدين\" وتوفي ﵀ سنة (١٢٨٥هـ).\n(٣) فتح المجيد (٦١٣).\n(٤) انظر: بحثًا للدكتور يوسف القرضاوي بعنوان: هل الرؤى من وسائل العلم بالأحكام في مجلة: حولية الشريعة والدراسات الإسلامية العدد (٧/ ١٤٠٩ هـ) الصفحات (١١ - ٢٨).","vol":"1","page":179},{"text":"ولكنها قد تعتبر وتصلح للاستئناس فقط إذا وافقت حجة شرعية صحيحة.\nيقول العلامة الشيخ عبد الرحمن المعلمي (١) ﵀: (... اتفق أهل العلم على أن الرؤيا لا تصلح للحجة، وإنما هي تبشير وتنبيه وتصلح للاستئناس بها إذا وافقت حجة شرعية صحيحة، كما ثبت عن ابن عباس ﵄ أنه كان يقول بمتعة الحج لثبوتها عنده بالكتاب والسنة، فرأى بعض أصحابه رؤيا توافق ذلك فاستبشر ابن عباس ﵄ (٢).\nوحديث ابن عباس أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي جمرة نصر بن عمران الضبعي، قال: سألت ابن عباس ﵄ عن المتعة؟ (٣) فأمرني بها وسألته عن الهدي؟ فقال: فها جزور أو بقرة أو شاة، أو شرك في دم قال: وكأن ناسًا كرهوها، فنمت، فرأيت في المنام وكأن إنسانًا ينادي حج مبرور ومتعة منقلبة، فأتيت ابن عباس ﵄ فحدثته فقال: الله أكبر، سنة أبي القاسم ﵌ (٤).\nقال ابن حجر ﵀ في شرح هذا الحديث: (ويؤخذ منه الاستئناس بالرؤيا لموافقة الدليل الشرعي، وعرض الرؤيا على العالم) (٥).\n_________\n(١) هو عبد الرحمن بن يحيى بن علي بن أبي بكر المعلمي اليماني ولد سنة (١٣١٣ - ١٣٨٦ هـ) رحل للهند لطلب الحديث على مشايخها، وتولى أمانة مكتبة الحرم الشريف حتى توفي، انظر: مقدمة كتابه \"التنكيل\".\n(٢) التنكيل (٢/ ٢٥٩).\n(٣) المتعة: هي العمرة في أشهر الحج وانظر فتح الباري (٣/ ٤٢٣).\n(٤) صحيح البخاري كتاب الحج (١/ ٥١٥) الحديث رقم (١٦٨٨) وصحيح مسلم الحديث (١٢٤٢).\n(٥) فتح الباري (٣/ ٤٣١).","vol":"1","page":180},{"text":"فمجرد الاستبشار بالرؤيا الصالحة، لا يضر، لأن العمدة في الموضوع إنما هو الاستدلال الشرعي، ولهذا يقول النبي - ﷺ -: «إذا رأى أحدكم الرؤيا يحبها، فإنما هي من الله، فليحمد الله عليها، وليحدث بها» (١).\nوفي حديث أبي قتادة ﵁ أن النبي ﵌ قال: «فإن رأى رؤيا حسنة فليبشر ولا يخبر بها إلا من يحب» (٢) فأمر النبي ﵌ بالاستبشار بالرؤيا الحسنة.\nيقول ابن القيم ﵀: (ورؤيا الأنبياء وحي، فإنها معصومة من الشيطان، وهذا باتفاق الأمة، ولهذا أقدم الخليل على ذبح ابنه إسماعيل ﵇ بالرؤيا).\nوأما رؤيا غيرهم: فتعرض على الوحي الصريح، فإن وافقته وإلا لا يعمل بها، فإن قيل: فما تقولون إذا كانت الرؤيا صادقة، أو تواطأت؟\nقلنا: متى كانت كذلك استحال مخالفتها للوحي، بل لا تكون إلا مطابقة له، منبهة عليه، أو منبهة على اندراج قضية خاصة في حكمه، لم يعرف الرائي اندراجها فيه فينتبه بالرؤيا على ذلك (٣).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (والرؤيا المحضة التي لا دليل على صحتها لا يجوز أن يثبت بها شيء بالاتفاق) (٤).\n_________\n(١) سبق تخريجه (ص١١٢).\n(٢) أخرجه هذه الرواية مسلم في صحيحه كتاب الرؤيا (٤/ ١٧٧٢).\n(٣) مدارج السالكين (١/ ٦٢، ٦٣) وانظر مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (١٩/ ٥، ٧) وجامع الرسائل، لشيخ الإٍسلام ابن تيمية (٢/ ٩٢) تحقيق الدكتور: محمد رشاد سالم.\n(٤) مجموع الفتاوى لشيخ الإٍسلام ابن تيمية ﵀ (٢٧/ ٤٥٧).","vol":"1","page":181},{"text":"ويقول الشاطبي (١) ﵀ في كتابه الاعتصام: (الرؤيا من غير الأنبياء لا يحكم بها شرعًا على حال، إلا أن تعرض على ما في أيدينا من الأحكام الشرعية، فإن سوغتها عمل بمقتضاها، وإلا وجب تركها والإعراض عنها، وإنما فائدتها البشارة أو النذارة خاصة، أما استفادة الأحكام فلا).\nويقول ﵀ أيضًا: (نعم يأتي المرئى تأنيسًا وبشارة ونذارة خاصة، بحيث لا يقطعون بمقتضاها حكمًا، ولا يبنون عليها أصلًا، وهو الاعتدال في أخذها حسبما فهم من الشرع فيها والله أعلم (٢).\nوما يحكى عن بعض العلماء من الخلاف في حجة رؤيا النبي ﵌ إنما ذلك فيما إذا وافقت حكمًا شرعيًا فالعبرة في هذه الحالة بالحكم الشرعي لا بها، ولهذا قال الشوكاني ﵀ في رؤية النبي ﵌: (وقيل إنه يعمل به ما لم يخالف شرعًا ثابتًا، ولا يخفاك أن الشرع الذي شرعه الله لنا على لسان نبينا - ﷺ - قد كمله الله ﷿ وقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]) (٣).\n_________\n(١) هو أبو إسحاق، إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي، الشهير بالشاطبي، أصولي حافظ، من أهل غرناطة، من أئمة المالكية، توفي سنة (٧٩٠ هـ) من أشهر مؤلفاته: \"الموافقات في أصول الشريعة\" و\"الاعتصام\"\nانظر: ترجمته في \"شجرة النور الزكية\" (ص٢٣١) و\"الأعلام\" للزركلي (١/ ٧٥) و\"معجم المؤلفين\" (١/ ١١٨).\n(٢) الاعتصام (١/ ٣٥٧).\n(٣) إرشاد الفحول (ص٢٤٩).","vol":"1","page":182},{"text":"وقال ابن بدران ﵀: (وقيل إنه يعمل به ما لم يخالف شرعًا ثابتًا، وهذا القول هو والعدم سواء، لأن العمل يكون بما ثبت من الشرع لا به، ثم لا يخفاك أن الشرع الذي شرعه الله لنا على لسان نبينا، قد كمله الله لنا ...) (١).\nوسوف يأتي إن شاء الله، مزيد بيان وتوضيح وتفصيل لهذه المسألة عند مناقشة من يجعلون الرؤيا حجة يستدل بها كما يستدل بالكتاب والسنة أو الإجماع والقياس من مبتدعة الصوفية الذين استندوا في أخذ الأعمال بالمنامات، وأقبلوا وأعرضوا بسببها وتأتي إن شاء الأسباب التي تجعل الرؤيا ليست دليلًا شرعيًا يحتج بها على جواز فعل أو ترك، أو منع أو استحباب، وأقوال أهل العلم في ذلك، وإنما المقصود هنا، بيان أن الرؤيا الصالحة مجرد مبشرات يستأنس بها كما دلت على ذلك النصوص، وفعل الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين ومن بعدهم من العلماء (٢).\nوعلى ذلك يحمل ما ورد عن أهل العلم من الاستشهاد بالرؤيا الصالحة في بيان فضل العلماء ومكانتهم وما يقال في أهل البدع (٣).\n_________\n(١) المدخل لابن بدران (ص٢٩٧) تحقيق الدكتور عبد الله التركي، وانظر: الموافقات للشاطبين (٢/ ٢٦٦، ٢٧٣، ٢٧٥) وطرح التثريب للعراقي (٨/ ٢١٥) والمدخل لابن الحاج (٤/ ٢٨٦ - ٢٩٢).\n(٢) انظر: الموافقات (١/ ٨٢) (٢/ ٢٦٦).\n(٣) وانظر: كتاب شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة في المسائل التالية (٢/ ٦٣٦) سياق ما روي عن النبي - ﷺ - في أن من رآه في المنام رأى الحق، وأن الشيطان لا يتمثل به، وفيمن رآه وسأله عن القرآن فأجاب بأنه غير مخلوق، من العلماء الصالحين (٤/ ٧٤٤) سياق ما روي عن الرؤيا السوء في المعتزلة و(٦/ ١٠١١) سياق ما روي عن رؤية النبي - ﷺ - في النوم وما حفظ من قوله في المرجئة.","vol":"1","page":183},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-34>المبحث الثالث\nأقسام الناس في الرؤى</span>\nإذا علمنا أن الرؤى تنقسم إلى ثلاثة أقسام كما دلت على ذلك الأحاديث؛ رؤيا من الله، وحديث نفس، وأحلام من الشيطان، ولكل قسم من هذه الأقسام علامات يعرف بها.\nوجاء تقسيمها في بعض الأحاديث إلى قسمين رؤيا من الله، وأحلام من الشيطان ولكل قسم آدابه وأحكامه، إذا علمنا ذلك فإن الرائين لهذه الرؤى ينقسمون كذلك إلى ثلاثة أقسام بحسب صدق رؤياهم وكذبها وصلاحها وفسادها، وكل قسم من الأقسام درجات متفاوتة، وإليك بيان ذلك مع الدليل والتمثيل بتوفيق الله.\nالقسم الأول: الأنبياء:\nورؤياهم كلها صدق وحق، فرؤيا الأنبياء وحي (١) وهي من دلائل نبوتهم، وذلك لعدم تمكن الشيطان منهم يقظة ومنامًا، فالأنبياء لا يقولون من الكلام إلا الصدق ولذلك لا يرون إلا الحق، فجميع رؤى الأنبياء حق لا استثناء.\nولذلك ورد عن جماعة من أنبياء الله ورسله في القرآن الكريم مراءٍ رأوها وكانت حقًا لا شك فيها، ولعل من أشهرها رؤيا يوسف ﵇.\nقال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤].\n_________\n(١) سيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله.","vol":"1","page":184},{"text":"قال في ختام السورة: ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ [يوسف: ١٠٠].\nوكذلك رؤيا إبراهيم ﵇، قال تعالى حكاية عن إبراهيم: ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢ - ١٠٥].\nوكذلك رؤيا نبينا محمد ﵌.\nقال ﵎: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [الأنفال: ٤٣].\nوقوله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ﴾ [الفتح: ٢٧].\nوثبت عنه ﵌ رؤى كثيرة جدًا كما في الصحيحين وغيرهما وكلها من دلائل نبوته، وإخباره بالمستقبل فوقع كما رأى وأخبر، وسيأتي إن شاء الله تفصيل أكثر لرؤيا الأنبياء وما يتعلق بها من أحكام.\nالقسم الثاني: الصالحون:\nوالأغلب على رؤياهم الصدق، وإنما كان الأغلب على رؤياهم الصدق للأسباب التالية.\n١ - قلة تمكن الشيطان منهم، بخلاف غيرهم فإن الشيطان متسلط عليهم،","vol":"1","page":185},{"text":"قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ * قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ * إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: ٣٩ - ٤٢].\nوقال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٩٨ - ١٠٠].\nولهذا يحرص المسلم الصالح على تحصين نفسه من الشيطان بقراءة القرآن الكريم وخاصة آية الكرسي، وأواخر سورة البقرة، والمعوذات وكثرة ذكر الله، فلا يكون للشيطان عليه سبيل.\n٢ - صدق حديثهم في اليقظة، فإذا كان الرجل صدوق الحديث في يقظته، وعنده إيمان، وتقوى، فإن الغالب أن رؤياه تكون صادقة، ولهذا يقول النبي - ﷺ -: «وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثًا» كما أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ (١).\nقال أبو العباس القرطبي ﵀: وإنما كان كذلك من كان غالب حاله وقوي إدراكه فانتقشت فيه المعاني على وجه الصحة، وكذلك من كان غالب حاله الصدق في اليقظة استصحب ذلك في نومه، فلا يرى إلا صدقًا، وهذا بخلاف الكاذب، والمخلط، فإنه يفسد قلبه ويظلم فلا يرى إلا تخليطًا وأضغاثًا.\n_________\n(١) سبق تخريجه.","vol":"1","page":186},{"text":"وقد يندر أحيانًا فيرى الصادق ما لا يصح، ويرى الكاذب ما يصح، ولكن الأغلب الأكثر ما تقدم والله أعلم (١).\nولهذا والله أعلم قيدت الرؤيا الصالحة يكونها من الرجل الصالح كما جاء في بعض الروايات، لأن المسلم الصالح هو الذي يناسب حاله حال الأنبياء ولذلك أكرم بنوع مما أكرم به الأنبياء وهو الاطلاع على شيء من علم الغيب كما نسبت رؤياه إلى أجزاء النبوة.\nولذلك من فقه الإمام البخاري ﵀ في صحيحه ذكر الباب الأول في كتاب التعبير بعنوان \"أول ما بدئ به رسول الله ﵌ من الوحي الرؤيا الصالحة\"، ثم عقب بالباب الثاني بعنوان \"رؤيا الصالحين\" وأخرج بسنده من حديث أنس بن مالك أن رسول الله ﵌ قال: «الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة» (٢).\nورؤيا الصالحين مع أن الغالب عليها الصدق لا يقطع بصحتها إلا بعد ظهورها ووقوعها بخلاف رؤيا الأنبياء، فإنه مقطوع بصحتها.\nوالصالحون درجات متفاوته فمنهم من بلغ الذروة في الصلاح ومنهم من هو دون ذلك، ولذلك يقول النبي ﵌ «أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثًا» فدل على أنهم متفاوتون في صدق الرؤيا.\nوقد سبق لنا بحمد الله بيان الأشياء التي يتحرى بها المسلم صدق الرؤيا.\nوإليك بعض أمثلة رؤيا الصالحين وهي كثيرة في الصحاح والسنن وغيرها، ومن ذلك:\n_________\n(١) فتح الباري (١٢/ ٤٠٦).\n(٢) صحيح البخاري كتاب التعبير ٢ - باب رؤيا الصالحين (٤/ ٢٩٦).","vol":"1","page":187},{"text":"(١) رؤيا عبد الله بن سلام ﵁ في الأخذ بالعروة والاستمساك بها:\nفقد أخرج الإمام أحمد في مسنده والبخاري ومسلم من حديث قيس بن عبادة قال: \"كنت جالسًا في مسجد المدينة في ناس فيهم بعض أصحاب رسول الله - ﷺ - فدخل رجل على وجهه أثر الخشوع، فقالوا: هذا رجل من أهل الجنة، فصلى ركعتين تجوز فيهما، ثم خرج وتبعته فقلت: إنك حين دخلت المسجد قالوا: هذا رجل منن أهل الجنة، قال: والله ما ينبغي لأحد أن يقول ما لا يعلم، وسأحدثك لم ذاك؟ رأيت رؤيا على عهد النبي - ﷺ - فقصصتها عليه، ورأيت كأني في روضة - ذكر من سعتها وخضرتها - وسطُها عمود من حديد أسفله في الأرض وأعلاه في السماء، في أعلاه عروة، فقيل لي: ارقَهْ، قلت لا استطيع، فأتاني مُنْصَف (١) فرفع ثيابي من خلفي فرقيت حتى كنت في أعلاها، فأخذت في العروة، فقيل له استمسك فاستيقظت وإنها لفي يدي، فقصصها على النبي - ﷺ - فقال: «تلك الروضة الإسلام، وذلك العموم عمود الإسلام، وتلك العروة الوثقى، فأنت على الإٍسلام حتى تموت، وذلك الرجل عبد الله بن سلام» (٢).\nوفي رواية للبخاري ومسلم عن قيس بن عباد قال: «كنت في حلقة فيها سعد بن مالك، وابن عمر فمر عبد الله بن سلام فقالوا: هذا رجل من أهل الجنة، ثم ذكر الحديث ثم قال في آخره فقال رسول الله - ﷺ - «يموت\n_________\n(١) قال ابن عون، أحد رواه الحديث \"والمنصف: الخادم\".\n(٢) مسند الإمام أحمد (٥/ ٤٥٢) وصحيح البخاري كتاب التعبير الحديثان رقم (٧٠١٠، ٧٠١٤) (٤/ ٣٠٢) وصحيح مسلم كتاب فضائل الصحابة ٣٣ - باب من فضائل عبد الله بن سلام (٤/ ١٩٣٠).","vol":"1","page":188},{"text":"عبد الله وهو آخذ بالعروة الوثقى» (١).\nورواه مسلم عنه بلفظ مطول، فراجعه إن شئت.\n(٢) رؤيا عمر بن الخطاب ﵁:\nأخرج الإمام أحمد في مسنده والإمام مسلم في صحيحه، أن عمر بن الخطاب ﵁ خطب يوم الجمعة فذكر نبي الله ﵌، وذكر أبا بكرة، ثم قال: (إني رأيت رؤيا لا أراها إلا حضور أجلي، رأيت كأن ديكًا نقرني ثلاث نقرات وإني لأراه إلا حضور أجلي\" (٢).\nوسبق ذكر أمثلة كثيرة لرؤى الصحابة ﵃.\nالقسم الثالث: من عدا الأنبياء والصالحين:\nوهذا القسم يقع في رؤياهم الصدق والأضغاث، لكن الغالب عليها الأضغاث وذلك لتسلط الشياطين عليهم، وقلة الصدق عندهم.\nيقول القاضي عياض ﵀ قوله ﵌: «وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثًا» كان ذلك، لأن غير الصادق يعتري الخلل رؤياه من وجهين:\nأحدهما: أن تحديثه نفسه يجري في نومه على جري عادته من الكذب فتكون رؤياه كذلك.\nوالثاني: قد يحكي رؤياه ويسامح في زيادة، أو نقص أو تحقير عظيم، أو تعظيم حقير فتكذب رؤياه (٣).\n_________\n(١) مسند الإمام أحمد (١/ ١٥، ٣٧، ٤٨، ٥١) صحيح مسلم بشرح النووي (٥/ ٥١، ٥٢).\n(٢) إكمال المعلم (٦/ ٧٣).\n(٣) إكمال المعلم (٦/ ٧٣).","vol":"1","page":189},{"text":"وذكر ابن حجر ﵀ عن المهلب ﵀ في قوله ﵌: «الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح» قال: \"المراد غالب رؤيا الصالحين، وإلا فالصالح قد يرى الأضغاث ولكنه نادر لقلة تمكن الشيطان منهم، بخلاف عكسهم فإن الصدق فيهم نادر لغلبة تسلط الشياطين عليهم.\nقال: فالناس على ثلاث درجات: الأنبياء، ورؤياهم كلها صدق، وقد يقع فيها ما يحتاج إلى تعبير، والصالحون والأغلب على رؤياهم الصدق، وقد يقع فيها ما لا يحتاج إلى تعبير، ومن عداهم يقع في رؤياهم الصدق والأضغاث، وهي ثلاثة أقسام: \"مستورون، فالغالب استواء الحال في حقهم، وفسقة والغالب على رؤياهم الأضغاث، ويقل الصدق فيها، وكفار ويندر في رؤياهم الصدق جدًا (١).\nوقد تقع الرؤيا الصادقة من بعض الكفار كرؤيا صاحبي السجن في قصة يوسف ﵇ ورؤيا الملك سبع بقرات.\nولذلك ترجم الإمام البخاري ﵀ في صحيحه في كتاب التعبير \"باب رؤيا أهل السجود والفساد والشرك\" (٢).\nلقوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٣٦ - ٥٠].\n_________\n(١) فتح الباري شرح صحيح البخاري (١٢ - ٣٦٢).\n(٢) صحيح البخاري كتاب التعبير (٤/ ٢٩٨).","vol":"1","page":190},{"text":"وفي هذه إشارة إلى أن الرؤيا الصادقة وإن اختصت غالبًا بأهل الصلاح لكن قد تقع لغيرهم.\nيقول سماحة الشيخ عبد الله بن باز، ﵀ في تعليق على ترجمة البخاري السابقة: \"يريد المؤلف ﵀ أن الرؤيا قد تقع من كافر أو فاسق وقد تصدق.\nولهذا قال البخاري ﵀ بعد ترجمة هذا الباب لقوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ﴾ كأنه يحتج بالآيات على اعتبار الرؤيا الصادقة في حق أهل السجن والفساد والشرك، وهو أيضًا يوضح حكم الترجمة فإنه لم يتعرض فيها إلى بيان الحكم (١)\nويقول القرطبي ﵀: \"في هذه الآية أصل في صحة رؤيا الكافر، وأنها تخرج على حسب ما رأى لا سيما إذا تعلق بمؤمن، فكيف إذا كانت آية لنبي، ومعجزة لرسول، وتصديقًا لمصطفى للتبليغ، وحجة للواسطة بين الله ﷻ وبين عباده (٢).\nوهؤلاء وإن صدقت رؤياهم، فلا تعد من أجزاء النبوة، كما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله.\n_________\n(١) انظر عمدة القارئ للعيني (٢٤/ ١٣٧) أحكام القرآن للقرطبي (٩/ ١٢٥).\n(٢) أحكام القرآن للقرطبي (٩/ ٢٠٤).","vol":"1","page":191},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-35>الفصل الثالث\nعلاقة الرؤى بالنبوة</span>\nوفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: رؤيا الأنبياء وحي.\nالمبحث الثاني: كون الرؤيا الصالحة جزءًا من أجزاء النبوة.","vol":"1","page":193},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-36>المبحث الأول\nرؤيا الأنبياء وحي</span>\nوفيه ثلاث مسائل:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-37>المسألة الأولى: تعريف الوحي وأقسامه</span>.\nالمسألة الثانية: الرؤيا الصالحة أول مبدأ الوحي للأنبياء.\nالمسألة الثالثة: رؤيا الأنبياء في المنام وحي وحق.\nالمسألة الأولى: تعريف الوحي وأقسامه\nوفيه مطلبان\nالمطلب الأول: تعريف الوحي:\nقال الجوهري في الصحاح: \"الوَحْيُ: الكتابُ: والإشارةُ، والكِتَابَةُ، والرِسَّالةُ، والإِلْهامُ، والكَلامُ الخَفِيُّ، وكُلُّ ما أَلقيتَهُ إلى غَيْرِكَ، يقال: وَحَيْتُ إليه الكلامَ وأوْحَيْتُ، وهو أن تكلِّمه بكلام تخفيه، وَوَحَيّتُ إليه بخبرِ كذا، أي أشرت وصَوَّتُ به رويدًا (١).\nوالوحي أيضًا: الكْتُبُ، والصَّوتُ يكون في الناس وغيرهم، وأوْحَى إليه، بَعَثَهُ وأَلَهَمَهُ (٢).\nوأَوْحى ووَحى أيضًا: كتب (٣).\n_________\n(١) الصحاح (٦/ ٢٥١٩ - ٢٥٢٠) مادة وحي.\n(٢) القاموس المحيط (ص١٧٢٩) الطبعة الثانية (١٤٠٧) هـ مؤسسة الرسالة.\n(٣) الصحاح (٦/ ٢٥٢٠).","vol":"1","page":195},{"text":"وقال ابن منظور: \"قال أبو إسحاق، وأصل الوحي في اللغة كلها إعلام في خفاء ولذلك صار الإلهام يسمى وحيًا\".\nوقال الأزهري: وكذلك الإشارة والإيماء يسمى وحيًا والكتابة تسمى وحيًا (١).\nوقال الراغب الأصفهاني: أصل الوحي الإشارة السريعة، ولتضمن السرعة، قيل أمر وحي وذلك يكون بالكلام على سبيل الرمز والتعريض (٢).\nوهذه كلها إطلاقات الوحي في اللغة، أما في الشرع فإذا اطلق الوحي فإنه يخص من جهة مصدره وهو الله ﷾، ومن جهة الموحى إليهم وهم الأنبياء.\nقال ابن منظور في كتابه لسان العرب: \"والوحي: ما يوحيه الله إلى أنبيائه.\nقال ابن الأنباري في قولهم: أنا مؤمن بوحي الله، قال: سمي وحيًا لأن الملك أسرَّه على الخلق وخصَّ به النبي - ﷺ - المبعوث إليه.\nقال الله ﷿: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢] معناه: يسر بعضهم إلى بعض، فهذا أصل الحرف ثم قصر الوحي للإلهام، ويكون للأمر، ويكون للإشارة.\nوقال الزجاج في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي﴾ [المائدة: ١١٢] قال بعضهم ألهمتهم، كما قال ﷿: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨].\n_________\n(١) لسان العرب (١٥/ ٣٨٢) مادة وحي.\n(٢) معجم مفردات ألفاظ القرآن (ص٥٥٢).","vol":"1","page":196},{"text":"وقال ابن كثير ﵀ في قوله ﷿:\n﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي﴾ قيل: المراد بهذا الوحي وحي إلهام كما قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص: ٧] وهو وحي إلهام بلا خلاف وكما قال تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا﴾ وهكذا قال بعض السلف في هذه الآية: ﴿إِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ أي: ألهموا ذلك فامتثلوا ما ألهموا (١).\nفهذا وحي من الله بمعنى الإلهام وهو وحي عام.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (وليس كل من أوحي إليه الوحي العام يكون نبيًا فإنه قد يوحى إلى غير الناس، قال تعالى ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾) (٢).\nقال ابن منظور: وقال الله ﷿: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى: ٥١] معناه: إلا أن يوحي إليه وحيًا فيعلمه بما يعلم البشر أنه أعلمه، إما إلهامًا أو رؤيا، وإما أن ينزل عليه كتابًا كما أنزل على موسى، أو قرآنا يتلى كما أنزله على سيدنا محمد رسول الله - ﷺ - وكل هذا إعلام. وإن اختلفت أسباب الإعلام فيها (٣).\n_________\n(١) تفسير القرآن العظيم (٢/ ١١٥) دار المعرفة بيروت.\n(٢) النبوات (٢٧٢).\n(٣) لسان العرب (١٥/ ٣٨٠، ٣٨١).","vol":"1","page":197},{"text":"والقرآن الكريم قد استخدم إطلاقات كلمة الوحي كما وردت في اللغة، وهذا وحي عام للناس وغيرهم (١)، كما استعملها بالمعنى الخاص بالرسل، وهو إعلام خاص خفي من الله تعالى لرسله وأنبيائه، وهذا المعنى للوحي في الشرع أخص منه في اللغة من جهة مصدره وهو الله تعالى ومن جهة الموحى إليهم وهم الرسل (٢).\nالمطلب الثاني: أقسام الوحي:\nقد بين الله في كتابه ورسوله - ﷺ - أقسام الوحي، فقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى: ٥١].\nففي هذه الآية ذكر الله سبحانه أنواع التكليم العالم وهو بمعنى الوحي العام، كما ذكر ذلك عن السلف في تفسير هذه الآية.\nسئل ابن شهاب (٣) ﵀ عن هذه الآية فقال: \"نزلت هذه الآية تعم من أوحى الله إليه من النبيين.\nفالكلام كلام الله الذي كلم به موسى من وراء حجاب، والوحي ما يوحي الله به إلى النبي من أنبيائه ﵈، فيثبت الله ﷿ ما أراد من وحيه في قلب النبي، فيكلم به النبي ﵊ وبينه، وهو كلام الله ووحيه.\n_________\n(١) انظر: كتاب النبوات لشيخ الإٍسلام ابن تيمية (ص٢٧٢، ٢٧٣).\n(٢) انظر: النهاية في غريب الحديث (٥/ ١٦٣) وكتاب وحي الله لحسن ضياء الدين عتر (ص٩٠).\n(٣) هو الإمام العلم حفاظ زمانه، أبو بكر محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري، روى عن ابن عمر وجابر بن عبد الله (٥٠ - ١٢٤) هـ.\nانظر ترجمته في: التاريخ الكبير للبخاري (١/ ٢٢٠) وسير أعلام النبلاء (٥/ ٢٢٦).","vol":"1","page":198},{"text":"ومنه ما يكون بين الله ورسله، لا يكلم به أحد من الأنبياء أحدًا من الناس ولكنه سر غيب بين الله ورسله، ومنه ما يتكلم به الأنبياء ولا يكتبونه لأحد، ولا يأمرون بكتابته، ولكنهم يحدثون به الناس حديثا، ويبنون لهم أن الله أمرهم أن يبينوه للناس، ويبلغوهم إياه.\nومن الوحي ما يرسل الله به من يشاء من الملائكة فيوحون به وحيا في قلوب من يشاء من رسله (١).\nويقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في بيان هذه الأقسام الثلاثة:\nالقسم الأول: الوحي وهو الإعلام السريع الخفي:\nإما في اليقظة وإما في المنام، فإن رؤيا الأنبياء وحي، ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، كما ثبت ذلك عن النبي - ﷺ - في الصحاح.\nوقال عبادة بن الصامت ﵁ ويروى مرفوعًا: (رؤيا المؤمن كلام يكلم به الرب عبده في المنام) (٢).\nوكذلك في اليقظة، فقد ثبت في الصحيح عن النبي - ﷺ - أنه قال: «قد كان في الأمم قبلكم محدَّثون، فإن يكون في أمتي فعمر».\nوفي رواية في الصحيح «مكلمون» (٣).\n_________\n(١) الأسماء والصفات للبيهقي (ص١٩٦) مطبعة السعادة، مصر.\n(٢) سبق تخريجه.\n(٣) أخرجه البخاري في صحيحه من حدث أبي هريرة ﵁ في كتاب فضائل الصحابة ﵃ ٦ باب مناقب عمر بن الخطاب ﵁ الحديث رقم (٣٦٨٩) (٣/ ١٦) ومسلم في صحيحه (٤/ ١٨٦٤) من حديث عائشة ﵂.\nوالمحدث هو الملهم، وهو الرجل الصادق الذي ألقي في قلبه الشيء، فيجري الصواب على لسانه انظر: مدارج السالكين لابن القيم (١/ ٣٩) وشرح مسلم للنووي (١٥/ ١٦٦) وفتح الباري (٧/ ٥٠).","vol":"1","page":199},{"text":"وقد قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي﴾.\nوقال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾.\nبل قال تعالى: ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ [فصلت: ١٢] وقال تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ فهذا الوحي يكون لغير الأنبياء ويكون يقظة ومنامًا (١).\nويقول الإمام البغوي ﵀ في تفسير قول الله ﷿ ﴿إِلَّا وَحْيًا﴾ يوحى إليه في المنام أو بالإلهام (٢).\nويقول ابن الجوزي ﵀: والمراد بالوحي ههنا: الوحي في المنام (٣)، ولم يذكر غيره.\nووجه تفسير الآية بذلك بدليل مقابلة هذا القسم بالقسمين بعده، فلا بد أن يكون هذا الوحي في المنام أو الإلهام في اليقظة.\nوالآية لا شك أنها واردة في أقسام وحي الله إلى أنبيائه، أما تسمية الرؤيا الصالحة والإلهام في اليقظة اللذين يكونان لآحاد الناس، تسمية ذلك وحيا بهذا المعنى مما يشكل عند بعض الناس.\nلكن قول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: فهذا الوحي يكون لغير الأنبياء، ويكون يقظة ومنامًا، استنادًا للآيات والأحاديث الواردة في ذلك.\n_________\n(١) رسالة في كلام الله بعنوان: قاعدة في القرآن كلام الله، لشيخ الإٍسلام ابن تيمية، مطبوعة ضمن الفتاوى له (١٢/ ٣٩٧، ٣٩٨).\n(٢) تفسير البغوي (٤/ ١٣٢).\n(٣) زاد المسير (٧/ ٢٩٧).","vol":"1","page":200},{"text":"فقوله ﷿: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي﴾ فهذا سماه الله وحيا وهو إلهام في اليقظة، لأن الحواريين ليسوا بأنبياء، ومثل ذلك يقال في وحيه لأم موسى.\nواستدل ﵀ على تسمية الرؤيا الصالحة لآحاد الناس وحيًا، بقوله - ﷺ -: «رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة».\nوحديث عبادة بن الصامت ﵁: «رؤيا المؤمن كلام يكلم به الرب عبده في المنام» فهذا الحديث إن صح جاز تسمية الرؤيا الصالحة وحيا، وتسميتها كلامًا بالمعنى العام.\nويقول ﵀ في تفسير المعوذتين: وإذا كان ما يوحيه الله إلى عبادة تارة يكون بواسطة ملك، وتارة بغير واسطة، فهذا للمؤمنين كلهم مطلقًا لا يختص به الأنبياء قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص: ٧].\nوقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ [المائدة: ١١١].\nوإذا كان قد قال: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨] فذكر أنه يوحي إليهم، فإلى الإنسان أولى.\nوقال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: ٧، ٨] فهو سبحانه يلهم الفجور والتقوى للنفس، والفجور يكون بواسطة الشيطان، وهو إلهام","vol":"1","page":201},{"text":"وسواس، والتقوى بواسطة ملك، وهو إلهام وحي، هذا أمر بالفجور، وهذا أمر بالتقوى، والأمر لا بد أن يقترن به خبر.\nوهذه الآية مما تدل على أنه يفرق بين إلهام الوحي والوسوسة، فالمأمور به إن كان تقوى الله فهو إلهام الوحي، وإن كان من الفجور فهو من وسوسة الشيطان.\nإلى أن قال ﵀: لكن ليس لأحد أن يطلق القول على ما يقع في نفسه أنه وحي لا في اليقظة ولا في المنام إلا بدليل يدل على ذلك، فإن الوسواس غالب على الناس، والله أعلم (١).\nويقول أيضا ﵀ في كتاب النبوات:\nوقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْيًا﴾ [الشورى: ٥١] يتناول وحي الأنبياء وغيرهم كالمحدثين الملهمين كما في الصحيحين عن النبي - ﷺ - أنه قال: «قد كان في الأمم قبلكم محدثون فإن يكن في أمتي أحد فعمر منهم».\nوقال عبادة بن الصامت: رؤيا المؤمن كلام الرب عنده في منامه فهؤلاء المحدثون الملهمون المخاطبون يوحي إليهم هذا الحديث الذي هو لهم خطاب وإلهام وليسوا بأنبياء معصومين مصدقين في كل ما يقع لهم؛ فإنه قد يوسوس لهم الشيطان بأشياء لا تكون من إيحاء الرب بل من إيحاء الشيطان، وإنما يحصل الفرقان بما جاءت به الأنبياء؛ فهم الذين يفرقون بين وحي الرحمن ووحي الشيطان (٢).\n_________\n(١) تفسير المعوذتين (ص٣٢، ٣٥) تحقيق: موفق عبد الله العوض، الطبعة الأولى، (١٤٠٧ هـ) دار طيبة الرياض.\n(٢) النبوات: (٢٧٣).","vol":"1","page":202},{"text":"وبذلك يرد على من يمنع تسمية الإلهام \"التحديث\" والرؤيا الصالحة وحيًا وإلهامًا إلهيًا، وحجة هؤلاء هو الرد على المبتدعة من مدعي النبوة وغيرهم من المتصوفة (١).\nويقال لهم:\nأولًا: إن الأدلة من الكتاب والسنة دلت على تسمية الإلهام والرؤيا الصالحة وحيًا كما أوحى الله إلى الحواريين وإلى مريم.\nثانيًا: أن القول بأن هذه الأمور إلهام إلهي هذا لا يعني أنها مصادر التشريع والتلقي.\nثالثًا: ليس لأحد أن يطلق القول على ما يقع في نفسه أنه وحي لا في اليقظة ولا في المنام إلا بدليل يدل على ذلك؛ لأن الوسواس غالب على الناس.\nالقسم الثاني: التكليم من وراء حجاب:\nكما كلَّم الله موسى ﵇، ولهذا سمى الله هذا نداء فقال تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: ٥٢].\nوقال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى * إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طُوًى * وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ [طه: ١١ - ١٣].\nوهذا التكليم مختص ببعض الرسل كما قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ﴾ [البقرة: ٢٥٣].\n_________\n(١) انظر: كتاب عقيدة ختم النبوة، تأليف: أحمد بن سعد بن حمدان الغامدي (١٢١ - ١٣٠) وكتاب العقيدة السلفية، تأليف: عبد الله بن يوسف الجديع (٨).","vol":"1","page":203},{"text":"وقال تعالى بعد ذكر إيحائه إلى الأنبياء: ﴿وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]؛ فهذا تكليم خاص من وراء حجاب بلا واسطة.\nالقسم الثالث: التكليم بواسطة الرسول - ﷺ -:\nودل على ذلك قوله تعالى: ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾، فهذا إيحاء الرسول الذي هو جبريل، وهذا غير الوحي الأول من الله الذي هو أحد أقسام التكليم العام.\nوهذا القسم من أقسام الوحي أنواع كثيرة:\n١ - أن يأتيه الملك في مثل صلصلة الجرس، وكان هذا النوع أشد الأنواع على الرسول - ﷺ - فيتلبس به الملك، حتى إن جبينه ليتفصد عرقًا في اليوم الشديد البرد، وحتى إن راحلته لتبرك به إلى الأرض إذا كان راكبها.\nكما ثبت في الصحيحين من حديث عائشة ﵂ أن الحارث بن هشام سأل النبي - ﷺ -: كيف يأتيك الوحي؟ قال: «أحيانًا يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشد علي، فيفصم عني وقد وعيت ما قال، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيعلمني فأعي ما يقول» (١).\n٢ - أن يتمثل له الملك رجلًا يكلمه، فيخاطبه حتى يعي عنه ما يقول له، وفي هذه المرتبة كان يراه الصحابة أحيانًا، كما في حديث عمر بن الخطاب ﵁، وفيه أن النبي - ﷺ - قال: «يا عمر أتدري من السائل؟» قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم» (٢) وكما تمثلت الملائكة لإبراهيم ولوط في صورة الآدميين، كما أخبر الله بذلك في غير موضع.\n_________\n(١) صحيح البخاري كتاب بدء الوحي (١/ ١٣) وصحيح مسلم (٢٣٣٣).\n(٢) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان (٨).","vol":"1","page":204},{"text":"قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"وقد سمى الله كلا النوعين إلقاء الملك وخطابه وحيًا؛ لما في ذلك من الخفاء، فإنه إذا رآه يحتاج أن يعلم أنه ملك، وإذا جاء في مثل صلصلة الجرس يحتاج إلى فهم ما في الصوت (١).\n٣ - أن يرى الملك في صورته التي خلق عليها، فيوحي إليه ما يشاء الله أن يوحيه، وهذا وقع لنبينا محمد - ﷺ - مرتين.\nكما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم: ١٣، ١٤].\nوأخرج مسلم في صحيحه من حديث عائشة ﵂ أن النبي - ﷺ - قال: «لم أره - يعني جبريل - على صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين، ورأيته منهبطًا من السماء سادًّا عظم خلقه ما بين السماء إلى الأرض» (٢).\nوأخرج الإمام أحمد في مسنده من حديث ابن مسعود ﵁ أن الأولى كانت عند سؤاله إياه أن يريه على صورته التي خلق عليها، والثانية عند المعراج (٣).\nوأخرج الإمام أحمد في مسنده والترمذي من حديث عائشة ﵂ قالت: «لم ير محمد جبريل في صورته إلا مرتين، مرة عند سدرة المنتهى، ومرة في أجياد» (٤).\nومما ينبغي التنبيه عليه دفعًا لما قد يشكل في إطلاق لفظ الوحي ولفظ التكليم في مواضع من كتاب الله تعالى ما أشار إليه شيخ الإسلام ابن تيمية\n_________\n(١) رسالة شيخ الإسلام حول القرآن كلام الله مطبوع ضمن الفتاوى (١٢/ ٤٠١).\n(٢) صحيح مسلم الحديث (١٧٧).\n(٣) المسند (١/ ٣٩٤، ٣٩٥، ٤٠٧، ٤١٨).\n(٤) المسند (٦/ ٢٣٦، ٢٤١) وجامع الترمذي (٥/ ٣٩٥).","vol":"1","page":205},{"text":"﵀ بقوله: \"وقد دل كتاب الله على أن اسم الوحي والكلام في كتاب الله فيها عموم وخصوص، فإذا كان أحدهما عاما اندرج فيه الآخر، كما اندرج الوحي في التكليم العام في هذه الآية؛ يعني قوله ﷿: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى: ٥١].\nواندرج التكليم في الوحي العام؛ حيث قال تعالى: ﴿فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ [طه: ١٣].\nوأما التكليم الخاص الكامل فلا يدخل فيه الوحي الخاص الخفي الذي يشترك فيه الأنبياء وغيرهم.\nكما أن الوحي المشترك الخاص لا يدخل فيه التكليم الخاص الكامل؛ كما قال تعالى لزكريا: ﴿ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾.\nثم قال تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ﴾ [مريم: ١٠، ١١]؛ فالإيحاء ليس بتكليم ولا يناقض الكلام.\nوقوله تعالى في الآية الأخرى: ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ [آل عمران: ٤١]: إن جعل معنى الاستثناء منقطعًا اتفق معنى التكليم في الآيتين، وإن جعل متصلًا كان التكليم مثل التكليم في سورة الشورى، وهو التكليم العام (١).\n_________\n(١) رسالة لشيخ الإسلام حول كلام الله، مطبوعة ضمن مجموع الفتاوى (١٢/ ١٢٩، ٤٠٢، ٤٠٣).","vol":"1","page":206},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-38>المسألة الثانية: الرؤيا الصالحة أول مبدأ الوحي للأنبياء</span>\nبوَّب الإمام البخاري ﵀ في كتابه الجامع الصحيح في الكتاب الأول منه كتابًا بعنوان كتاب بدء الوحي، ثم ذكر فيه ستة أبواب:\nالباب الأول: باب كيف بدء الوحي إلى رسول الله - ﷺ -، وقول الله ﷿ ذكره ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء: ١٦٣] (١).\nقال الحافظ ابن حجر ﵀: \"ومناسبة الآية للترجمة واضح من أن صفة الوحي إلى نبينا - ﷺ - توافق صفة الوحي إلى من تقدمه من النبيين.\nومن جهة أن أول أحوال النبيين في الوحي بالرؤيا، كما رواه أبو نعيم في الدلائل بإسناد حسن عن علقمة بن قيس صاحب ابن مسعود قال: إن أول ما يؤتى به الأنبياء في المنام حتى تهدأ قلوبهم، ثم ينزل الوحي بعد في اليقظة (٢).\nويؤيد ذلك حديث عائشة ﵂ في أول ما بدئ به النبي - ﷺ - من الوحي حيث كانت الرؤيا الصالحة، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح.\nفالرؤيا الصالحة هي أول مراتب الوحي.\nوهذا الحديث في بدء الوحي خرجه أئمة الحديث أصحاب الجوامع، والسنن والمسانيد، ودلائل النبوة، والمستخرجات والمصنفات ومدونو السيرة النبوية وحفاظ أحاديثها.\n_________\n(١) صحيح البخاري (١/ ١٣).\n(٢) فتح الباري (١/ ٩) وقال ابن كثير ﵀ في البداية والنهاية (٣/ ٤) وهذا من قبل علقمة بن قيس نفسه وهو كلام حسن يؤيده ما قبله، يعني حديث عائشة ﵂ في بدء الوحي.","vol":"1","page":207},{"text":"وقد تعددت روايات هذا الحديث، وخلاصتها ما تضمنتها روايات إمام المحدثين الإمام البخاري ﵀ في جامعه الصحيح؛ حيث ساق حديث بدء الوحي في ثلاثة مواضع من كتابه الجامع الصحيح.\nالموضع الأول: في كتاب بدء الوحي، الحديث الثالث: أخرج بسنده عن عائشة أم المؤمنين ﵂ أنها قالت: أول ما بدئ به رسول الله - ﷺ - من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه - وهو التعبد - الليالي ذوات العدد، قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك، فقال: اقرأ .. الحديث (١).\nالموضع الثاني: في كتاب التفسير، باب ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١] بلفظ: كان أول ما بدئ به رسول الله - ﷺ - الرؤيا الصادقة في النوم .. الحديث (٢).\nالموضع الثالث: في كتاب التعبير، الباب الأول منه، باب أول ما بدئ به رسول الله - ﷺ - من الوحي الرؤيا الصالحة (٣).\nفالحاصل من هذه الروايات أن النبي - ﷺ - بديء بالرؤيا الصادقة في أول مراتب النبوة، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ثم بعد ذلك جاءه الوحي يقظة.\n_________\n(١) صحيح البخاري مع شرح فتح الباري (١/ ٢٣).\n(٢) صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري (٨/ ٧١٤، ٧٢٣).\n(٣) المرجع السابق (٤/ ٣٩٥).","vol":"1","page":208},{"text":"ولا شك أن مجيء الملك في غار حراء كان أول مراتب الوحي في اليقظة؛ وهو وحي الرسالة الذي به بدأ نزول القرآن، ولم يرد أن وحيًا مناميًا انفرد بنزول شيء من القرآن الكريم (١).\nقال السيوطي في الاتقان: \"إن الملك يأتيه في النوم، وهل نزل عليه فيه قرآن أم لا؟ والأشبه أنه نزل كله يقظة (٢).\nوالنبي - ﷺ - لما سئل: كيف يأتيك الوحي؟ في حديث الحارث بن هشام، قال - ﷺ -: «أحيانًا يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشد علي، فيفصم عني وقد وعيت ما قال، وأحيانًا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول» (٣).\nفلم يذكر النبي - ﷺ - في هذا الحديث رؤيا المنام، وهذا تصريح منه - ﷺ - بأنه لم يتلق شيئًا من القرآن عن طريق الرؤيا.\nوما ذكر من أن جبريل جاء إلى النبي - ﷺ - في المنام بنمط من ديباج فيه كتاب فقال: اقرأ .. الحديث (٤).\nنقول: إن ثبت هذا الحديث فإنه لا يعارض حديث عائشة ﵂ ويمكن أن يجمع بين الحديثين إن صح الأخير بأن تقول أن النبي - ﷺ - جاءه جبريل في المنام قبل اليقظة توطئة وتيسيرًا عليه ورفقًا به؛ لأن أمر النبوة عظيم.\n_________\n(١) انظر: كتاب محمد رسول الله - ﷺ - تأليف محمد الصادق عرجون (١/ ٢٦٩) الطبعة الأولى (١٤٠٥هـ) دار القلم دمشق.\n(٢) الاتقان في علوم القرآن (١/ ٢٣) طبعة عالم الكتب.\n(٣) سبق تخريجه (٢٠٤).\n(٤) رواه ابن إسحاق: قال: حدثني وهب بن كيسان قال: قال عبيد، فذكر الحديث .. سيرة ابن هشام (١/ ٢٦٧) تحقيق: عمر بن عبد السلام تدمري، دار الكتاب العربي.","vol":"1","page":209},{"text":"يقول الحافظ ابن كثير ﵀: \"فقول أم المؤمنين عائشة ﵂: أول ما بدئ من الوحي الرؤيا الصادقة فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح. يقوي ما ذكره محمد بن إسحاق بن يسار (١)، عن عبيد بن عمير الليثي (٢)، أن النبي - ﷺ - قال: «فجاءني جبريل وأنا نائم بنمط من ديباج فيه كتاب، فقال: اقرأ. فقلت: ما أقرأ؟ فغتَّني حتى ظننتُ أنه الموت ثم أرسلني». وذكر نحو حديث عائشة سواء؛ فكان هذا كالتوطئة لما يأتي بعده من اليقظة، وقد جاء مصرِّحًا بهذا في مغازي موسى بن عقبة عن الزهري، أنه رأى ذلك في المنام ثم جاءه الملك في اليقظة (٣).\nوقال الحافظ ابن حجر ﵀: «وإن ثبت مرسل عبيد بن عمير أنه أوحى إليه بذلك في المنام أولًا قبل اليقظة أمكن أن يكون مجيء الملك في اليقظة عقب ما تقدم في المنام» (٤).\n_________\n(١) ابن إسحاق: هو محمد بن إسحاق بن يسار، رأى أنس بن مالك بالمدينة، وحدث عنه الحمادان والثوري، وأبو عوانة وغيرهم، اختلف العلماء في توثيقه، ورمي بالتشيع والقدر وهو مدلس (٨٠ - ١٥٢هـ) انظر ترجمته في طبقات ابن سعد (٧/ ٣٢١) التاريخ الكبير (١/ ٤٠) التهذيب (٩/ ٣٨) وسير أعلام النبلاء (٧/ ٣٣).\n(٢) عبيد بن عمير بن قتادة الليثي المكي، الواعد المفسر، ولد في حياة الرسول - ﷺ -، وحدث عن عمر بن الخطاب وعلي وأبي ذر وعائشة وطائفة، وكان من ثقات التابعين وأئمتهم بمكة، كان يذكر الناس فيحضر ابنه - ﵄ - مجلسه، توفي قبل ابن عمر بأيام يسيرة، وقيل في سنة (٧٤)، انظر ترجمته في طبقات ابن سعد (٥/ ٤٣٦)، وطبقات خليفة ص (٢٧٩)، والتاريخ الكبير للبخاري (٥/ ٤٥٥)، وسير أعلام النبلاء (٤/ ١٥٦، ١٥٧).\n(٣) البداية والنهاية (٣/ ٤) والسيرة النبوية لابن هشام (١/ ٢٦٨).\n(٤) فتح الباري (١/ ٢٣).","vol":"1","page":210},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-39>المسألة الثالثة: رؤيا الأنبياء في المنام وحي وحق</span>\nلا خلاف بين العلماء في أن رؤيا الأنبياء وحي، وهي تدخل في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى: ٥١].\nيقول ابن القيم ﵀: «ورؤيا الأنبياء وحي، فإنها معصومة من الشيطان وهذا باتفاق الأمة» (١).\nولهذا ذكر الله تعالى في القرآن رؤيا إبراهيم في شأن ذبح ابنه إسماعيل ﵉ وكيف أقدم على ذبح ابنه وعدَّ ما رآه في المنام أمرًا من الله تعالى، وكذلك الابن قال: يا أبت افعل ما تؤمر.\nقال تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢ - ١٠٥].\nووجه الاستدلال من هذه الآية أن الرؤيا لو لم تكن وحيًا للأنبياء لما جاز لإبراهيم ﵇ الإقدام على ذبح ابنه (٢).\n_________\n(١) مدارج السالكين (١/ ٦٢).\n(٢) انظر: فتح الباري (١/ ٢٣٩) وتيسير العزيز الحميد شرح كتاب التوحيد (٦٠٥، ٦٠٦) وفتح المجيد شرح كتاب التوحيد، (٦١٣).","vol":"1","page":211},{"text":"ولذلك ذكر الله ﷿ في كتابه بعض مرائي أنبيائه، فقال عن يوسف ﵇: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ * قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [يوسف: ٤، ٥].\nوقال تعالى في نهاية القصة: ﴿وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ [يوسف: ١٠٠].\nوكذلك ذكر الله سبحانه في كتابه قصة رؤيا نبينا محمد - ﷺ - في غزوة بدر؛ قال تعالى: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [الأنفال: ٤٣].\nوكذلك رؤيا نبينا محمد - ﷺ - في قصة الحديبية:\nقال تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ٢٧].\nفقد كان النبي - ﷺ - رأى في المنام أنه دخل مكة وطاف بالبيت، فأخبر بذلك أصحابه وهو بالمدينة، فلما ساروا عام الحديبية لم يشك جماعة منهم أن هذه الرؤيا ستقع هذا العام، فلما صدهم المشركون عن دخول مكة عام","vol":"1","page":212},{"text":"الحديبية وصالحهم رسول الله - ﷺ - على أن يرجعوا عامهم ذلك، على أن يعودوا في العام المقبل وقع في نفوس بعض الصحابة من ذلك شيء، حتى سأل عمر بن الخطاب ﵁ فقال للنبي - ﷺ -: أوليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: بلى، فأخبرتك أنا نأتيه العام. قال: قلت: لا. قال: «فإنك آتيه ومطوف به» (١).\nوقد وقع تصديق رؤيا النبي - ﷺ - في عمرة القضاء.\nوكذلك جاءت الأحاديث الصحيحة الكثيرة في رؤى النبي - ﷺ - وأنها وحي يثبت بها ما يثبت بالوحي أمرًا ونهيًا، ويجب الإيمان بها والعمل بمقتضاها، وهي كذلك من دلائل نبوته؛ إذ أخبر عن أمور ستقع فوقعت كما أخبر، ومن ذلك:\n١ - أخرج البخاري ومسلم من حديث أبي موسى ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: «رأيت في المنام أني أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل، فذهب وهلي إلى أنها اليمامة، فإذا هي المدينة، ورأيت فيها بقرا، والله خير، فإذا هم المؤمنون يوم أحد، وإذا الخير ما جاء الله به من الخير وثواب الصدق الذي أتانا الله به بعد يوم بدر» (٢).\n٢ - أخرج البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «بينما أنا نائم إذ أتيت خزائن الأرض فوضع في يدي سواران من ذهب\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه (٥/ ٣٢٩) فتح الباري، في حديث طويل من حديث المسور بن مخرمة.\n(٢) صحيح البخاري كتاب التعبير ٣٩ - باب إذا رأى بقرًا ينحر، (٧٠٣٥) (٤/ ٣٠٧) وصحيح مسلم (٤/ ١٧٧٩).","vol":"1","page":213},{"text":"فكبرا عليَّ وأهماني، فأوحي إلي أن انفخهما فنفختهما فطارا، فأولتها الكذابين اللذين أنا بينهما صاحب صنعاء وصاحب اليمامة» (١).\n٣ - أخرج مسلم من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «رأيت ذات ليلة فيما يرى النائم كأنا في دار عقبة بن رافع فأتينا برطب من رطب ابن طاب فأولت الرفعة لنا في الدنيا، والعاقبة في الآخرة، وأن ديننا قد طاب» (٢).\n٤ - أخرج البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «بُعثت بجوامع الكلم، ونصرتُ بالرعب، وبينما أنا نائم أتيت بمفاتيح خزائن الأرض حتى وضعت في يدي».\nوفي لفظ للبخاري: «أعطيت مفاتيح الكلم ونصرت بالرعب، وبينما أنا نائم البارحة إذ أتيت بمفاتيح خزائن الأرض حتى وضعت في يدي»، قال أبو هريرة: فذهب رسول الله - ﷺ -، وأنتم تنتقلونها» (٣).\nإلى غير ذلك من الأحاديث، والتي أكثرها متفق عليه في الصحيحين (٤).\nوكون رؤيا النبي - ﷺ - وحي، وأن ذلك من دلائل نبوته - ﷺ - هذا أمر مستقر في أذهان الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.\n_________\n(١) صحيح البخاري، كتاب التعبير ٤ - باب النفخ في المنام، (٧٠٣٧) (٤/ ٣٠٨) وصحيح مسلم (٤/ ١٧٨١).\n(٢) صحيح مسلم (٤/ ١٧٧٩).\n(٣) صحيح البخاري كتاب التعبير ٢٢ - باب في المفاتيح في اليد () ٧٠١٣ (٤/ ٣٠٢) (٦٩٩٨) (٤/ ٣٩٩).\n(٤) انظر هذه الأحاديث في الصحيحين والسنن والمصنفات ودلائل النبوة، وغيرها مما لا يحصى.","vol":"1","page":214},{"text":"ولهذا تقول عائشة ﵂ في قصة الإفك: كنت أرجو أن يرى رسول الله - ﷺ - رؤيا يبرئني، كما أخرج ذلك الإمام أحمد في مسنده (١).\nويقول معاذ ﵁: إن رسول الله - ﷺ - كان ما رأى في يقظته أو نومه فهو حق. أخرجه أحمد في مسنده، وابن أبي عاصم في كتاب السنة بلفظ: ما رأى في نومه وفي يقظته فهو حق (٢).\nوإنما كانت رؤيا الأنبياء وحيًا لأسباب، منها:\n١ - أنهم معصومون من أن يتمثل لهم الباطل في صورة الحق، ولم يجعل الله للشيطان أو الخيال عليهم سبيلا، فلذلك فرؤياهم حق.\n٢ - من خصائص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أن أعينهم تنام ولا تنام قلوبهم.\nكما جاء في الصحيحين وموطأ الإمام مالك من حديث عائشة ﵂ أن النبي - ﷺ - قال: «إن عينيَّ تنامان ولا ينام قلبي» (٣)، وفي لفظ للبخاري: «وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم ..».\nوإنما منع قلبه النوم ليعي الوحي الذي يأتيه في منامه.\nويقول الإمام البغوي - ﵀: \"ونومه مضطجعًا حتى نفخ، وقيامه إلى الصلاة من خصائصه؛ لأن عينه كانت تنام ولا ينام قلبه؛ فيقظة قلبه تمنعه من الحدث، وإنما منع النوم قلبه ليعي الوحي إذا أوحي إليه في منامه\" (٤).\n_________\n(١) مسند الإمام أحمد (٦/ ١٩٧).\n(٢) مسند الإمام أحمد (٥/ ٢٤٥) والسنة لابن أبي عاصم (١/ ٢٠٣) وقال الألباني في ظلال الجنة وإسناده صحيح على شرط الشيخين موقوف.\n(٣) وصحيح البخاري مع شرحه فتح الباري (٣/ ٣٣) (٦/ ٥٧٩) وصحيح مسلم (١/ ٥٠٩) حديث (٧٣٨) والموطأ (١/ ١٢٠).\n(٤) شرح السنة (٤/ ٦) تحقيق: شعيب الأرناؤوط المكتب الإسلامي.","vol":"1","page":215},{"text":"ويقول النووي - ﵀: قوله - ﷺ -: «إن عينيَّ تنامان ولا ينام قلبي». هذا من خصائص الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وسبق في حديث نومه - ﷺ - في الوادي؛ فلم يعلم بفوات وقت الصبح حتى طلعت الشمس (١)، وأن طلوع الشمس متعلِّقٌ بالعين لا بالقلب (٢).\nوأما قوله - ﷺ - كما في حديث عائشة ﵂: «أريتك في المنام مرتين، إذا رجل يحملك في سرقة (٣) من حرير فيقول: هذه امرأتك فاكشفها. فإذا هي أنت». فأقول: إن يكن هذا من عند الله يمضه» (٤).\nفمما لا ريب فيه أن رؤيا الأنبياء ﵈ حق، وعلى هذا اختلف العلماء في قوله - ﷺ -: «إن يكن هذا من عند الله يمضه».\nفذهب القسطلاني إلى أن مراده: إن تكن هذه الرؤيا على وجهها؛ بأن لا تحتاج إلى تعبير وتفسير - يمضها الله، وينجزها؛ فالشك عائد إلى أنها على ظاهرها أو تحتاج إلى تعبير (٥).\nوقال الكرماني: يحتمل أن تكون هذه الرؤيا قبل النبوة، وأن تكون بعدها وبعد العلم؛ فإن رؤياه وحي؛ فعبَّر عما علمه بلفظ الشك ومعناه اليقين إشارةً إلى\n_________\n(١) سبق تخريجه (٨٨).\n(٢) شرح مسلم للنووي (٦/ ٢١).\n(٣) هي الشقق من الحرير الأبيض خاصة، قال أبو عبيد في غريب الحديث (٤/ ٢٤١).\n(٤) صحيح البخاري، كتاب التعبير ٢٠ - باب كشف المرأة في المنام (٧٠١١) (٤/ ٣٠٢) ومسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة ١٣ - باب فضل عائشة ﵂ (٢٤٣٨) (٤/ ١٨٨٩).\n(٥) انظر: إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري (١٠/ ١٤٣) الطبعة السادسة دار الفكر، بيروت.","vol":"1","page":216},{"text":"أنه لا دخل له فيه، وليس ذلك باختياره وفي قدرته (١).\nورؤيا الأنبياء منها ما لا يحتاج إلى تعبير كرؤيا إبراهيم ﵇، ومنها ما يحتاج إلى تعبير كرؤيا يوسف ﵇.\nأما الأثر الذي فيه: «رؤيا الأنبياء وحي». فقد روي مرفوعًا إلى النبي - ﷺ -، وروي موقوفًا على ابن عباس ﵄، وروي مقطوعًا على عبيد الله بن عمير ﵁.\nأما المرفوع: فروى ابن أبي حاتم من طريق سماك (٢) عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «رؤيا الأنبياء في المنام وحي».\nذكره ابن كثير - ﵀ - في تفسيره، ثم قال: «وليس هو في شيء من الكتب الستة من هذا الوجه» (٣).\nأما الموقوف على ابن عباس ﵁، فأخرج ابن جرير في تفسيره، وابن أبي عاصم في كتاب السنة، عن ابن عباس ﵁ قال: كانت رؤيا الأنبياء وحيًا (٤).\n_________\n(١) شرح صحيح البخاري للكرماني (٢٤/ ١١٦).\n(٢) هو ابن حرب، قال عنه الحافظ ابن حجر في التقريب ص (٢٥٥): صدوق وروايته عن عكرمة خاصة مضطربة، وقد تغير بآخره فكان ربما تلقن.\n(٣) تفسير القرآن العظيم لابن كثير (٤/ ١٤) و(٤/ ١٤، ١٥) دار المعرفة.\n(٤) تفسير ابن جرير (١٢/ ٩٠) والسنة لابن أبي عاصم (١/ ٢٠٢) ومستدرك الحاكم (٢/ ٤٣١) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي وقال الألباني كما في ظلال الجنة في تخريج السنة (١/ ٢٠٢): إسناده حسن، رجاله كلهم ثقات رجال مسلم، وفي سماك - وهو ابن حرب - كلام يسير، وهو في روايته عن عكرمة خاصة أشد.","vol":"1","page":217},{"text":"وأورد ابن حجر في المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية، وعزاه إلى مسند أحمد بن حنبل موقوفًا على ابن عباس بلفظ: «رؤيا الأنبياء وحي» (١).\nوقال عنه البوصيري في إتحاف المهرة: رواته ثقات (٢).\nأما المقطوع - ونعني به أنه من قول التابعي - فأخرج البخاري في صحيحه من طريق عبيد بن عمير قال: رؤيا الأنبياء وحي. ثم قرأ ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ (٣).\nوعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى عبد الرزاق أيضًا وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والطبراني والبيهقي في الأسماء والصفات (٤).\nوعزاه الحافظ ابن حجر في الفتح لمسلم مرفوعًا، وقد بحثت عنه في مظانه فلم أجده (٥).\n_________\n(١) المطالب العالية (٤/ ٤١) تحقيق الأعظمي.\n(٢) إتحاف المهرة (٣/ ٤).\n(٣) صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري (١/ ٢٣٩) (٢/ ٣٤٤).\nوانظر في تعريف المرفوع والموقوف والمقطوع: علوم الحديث لابن الصلاح (٤١، ٤٢) تحقيق نور الدين عتر، المكتبة العلمية (١٤٠١هـ).\n(٤) انظر: الدر المنثور (٥/ ٢٨٠) والأسماء والصفات (١٩٢) مطبعة السعادة.\n(٥) فتح الباري (١/ ٢٣٩).","vol":"1","page":218},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-40>المبحث الثاني\nكون الرؤيا الصالحة جزءًا من أجزاء النبوة</span>\nوفيه أربع مسائل:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-41>المسألة الأولى: الأحاديث الواردة في كون الرؤيا الصالحة جزءًا من أجزاء النبوة</span>.\nالمسألة الثانية: معنى كون الرؤيا الصالحة جزءًا من أجزاء النبوة.\nالمسألة الثالثة: مواقف العلماء من اختلاف الروايات في تحديد أجزاء النبوة.\nالمسألة الرابعة: هل تنسب رؤيا الكافر الصادقة إلى أجزاء النبوة؟\nالمسألة الأولى: الأحاديث الواردة في كون الرؤيا الصالحة جزءًا من أجزاء النبوة\nأحاديث الرؤيا الصالحة وكونها جزءًا من أجزاء النبوة خرجها أئمة الحديث أصحاب الجوامع كالصحيحين وغيرهما، والسنن والمسانيد، ودلائل النبوة والمستخرجات والمصنفات، ومدونو السيرة النبوية وحفَّاظها، حتى بلغت هذه الأحاديث حدَّ التواتر، كما ذكر السيوطي في كتابه قطف الأزهار المتناثرة في الأخبار المتواترة (١) وذكرها الزبيدي في كتابه لقط اللآليء المتناثرة في الأحاديث المتواترة (٢).\n_________\n(١) انظر (١٧٤ - ١٧٦) تحقيق: خليل محيي الدين، المكتب الإٍسلامي، الطبعة الأولى (١٤٠٥) هـ\n(٢) انظر (٢٤ - ٢٥) تحقيق: عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى (١٤٠٥ هـ).","vol":"1","page":219},{"text":"وقد رويت هذه الأحاديث عن أكثر من خمسة عشر صحابيًا.\nيقول الزرقاني في شرح الموطأ بعد أن ذكر الحديث الذي فيه أن الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، قال: \"والحديث متواتر عن جمع من الصحابة\" (١).\nوالأحاديث الواردة في كون الرؤيا الصالحة جزءًا من النبوة على قسمين:\nالقسم الأول: أحاديث ذكرت فيها الرؤيا الصالحة وأنها جزء من أجزاء النبوة دون التعرض لبيان ومقدار هذه الأجزاء، ومن هذه الأحاديث:\n١ - أخرج الإمام أحمد في مسنده والترمذي والحاكم من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن الرسالة والنبوة قد انقطعت، فلا رسول بعدي ولا نبي» قال: فشق ذلك على الناس، فقال: «ولكن المبشرات» قالوا: يا رسول الله، وما المبشرات؟ قال: «رؤيا الرجل المسلم وهي جزء من أجزاء النبوة» (٢).\n٢ - أخرج الإمام أحمد في مسنده من حديث جابر ﵁ أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: «رؤيا الرجل المؤمن جزء من النبوة» (٣).\n_________\n(١) شرح موطأ الإمام مالك (٤/ ٣٥٢) دار المعرفة طبعة (١٤٠٧ هـ).\nوانظر: شرح نخبة الفكر (٩٠ - ٩٤) ونظم المتواتر للكتاني، (٢٧٥) حيث ذكر ثمانية عشر راويًا.\n(٢) مسند الإمام أحمد (٣/ ٢٦٧) وجامع الترمذي، كتاب الرؤيا، ٢ - باب ذهبت النبوة وبقيت المبشرات، الحديث (٢٢٧٢) (٤/ ٥٣٣) ومستدرك الحاكم (٤/ ٣٩١) وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي والألباني كما في إرواء الغليل (٨/ ١٢٨).\n(٣) مسند الإمام أحمد (٣/ ٣٤٢) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١٧٢) وفيه ابن لهيعة وحديثه حسن وفيه ضعف، قلت: ويشهد له ما قبله من حديث جابر وما بعده من الأحاديث التي بلغت حد التواتر.","vol":"1","page":220},{"text":"ومثلها الأحاديث التي مرت معنا في مبحث المبشرات كحديث أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «لم يبق من النبوة إلا المبشرات» قالوا: وما المبشرات، قال: «الرؤيا الصالحة» وحديثي عائشة وأبي الطفيل وغيرهما (١).\nالقسم الثاني: الأحاديث التي ورد فيها بيان أن الرؤيا الصالحة جزء من أجزاء النبوة مع تحديد هذا الجزء، وقد اختلفت الروايات في حديد هذا الجزء، أصحها ثماني روايات وهي كما يلي:\n١ - رواية ستة وعشرون:\nأخرجها ابن عبد البر ﵀ من طريق عبد العزيز بن المختار عن ثابت عن أنس مرفوعًا قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثل بي، ورؤيا المؤمن جزء من ستة وعشرين جزءًا من النبوة» (٢).\n٢ - رواية أربعين جزءًا:\nأخرج الإمام أحمد في مسنده والترمذي من حديث أبي رزين العقيلي ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: «رؤيا المؤمن جزء من أربعين جزءًا من النبوة» (٣).\n٣ - رواية: «أربعة وأربعين جزءًا».\n_________\n(١) انظر (ص١٢٢ - ١٢٥).\n(٢) التمهيد (١/ ٢٨٢) قال ابن عبد البر: هكذا في حديث أنس هذا، وهو حسن الإسناد.\n(٣) مسند الإمام أحمد (٤/ ١٠، ١١، ١٢، ١٣) والجامع الصحيح الترمذي، كتاب الرؤيا ٦ - باب ما جاء في تعبير الرؤيا، الحديث رقم (٢٢٧٨) (٤/ ٥٣٦).","vol":"1","page":221},{"text":"أخرج الطبري من حديث عبادة بن الصامت ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: «الرؤيا الصالحة جزء من أربعة وأربعين جزءًا من النبوة» (١).\n٤ - رواية: «خمس وأربعين جزءًا».\nأخرج الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: «رؤيا المسلم جزء من خمس وأربعين جزءًا من النبوة» (٢).\nوأخرجه أبو يعلى من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: «الرؤيا الصالحة جزء من خمسة وأربعين جزءًا من النبوة».\nقال يزيد بن الهاد أحد رواة الحديث سمعت مسلمة يحدث عن أبي هريرة عمر بن عبد العزيز، فقال عمر: لو كانت حصاة من عدد الحصى لرأيتها صدقًا (٣).\n٥ - رواية «ستة وأربعين جزءًا من النبوة»\nوهي أشهر الروايات، واتفق عليها من حديث أبي هريرة ومن حديث عبادة بن الصامت ومن حديث أنس ﵃.\nفأخرج الإمام أحمد في مسنده والبخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «رؤيا الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة» (٤).\n_________\n(١) تفسير الطبري (١١/ ٩٤).\n(٢) صحيح مسلم كتاب الرؤيا، الحديث رقم (٢٢٦٣) (٤/ ١٧٧٣).\n(٣) مسند أبي يعلى (٢/ ٥١٣) وانظر: التمهيد لابن عبد البر (١/ ٢٨١).\n(٤) مسند الإمام أحمد (٢/ ٢٢٣، ٢٦٩، ٣١٤، ٣٦٩، ٤٩٥، ٥٠٧) وصحيح البخاري، كتاب التعبير، باب الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، الحديث رقم (٦٩٨٨) (٤/ ٢٩٧) وصحيح مسلم كتاب الرؤيا، الحديث رقم (٢٢٦٣) (٤/ ١٧٧٣).","vol":"1","page":222},{"text":"وأخرج الإمام أحمد في مسنده والبخاري ومسلم من حديث قتادة عن أنس بن مالك، عن عبادة بن الصامت بمثله (١).\nوأخرج الإمام مالك في الموطأ وأحمد في مسنده والبخاري ومسلم من حديث أنس بن مالك ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: «الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة» (٢).\nوأخرجه البخاري من حديث أبي سعيد الخدري بمثله (٣).\nوأخرجه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجة والحاكم من حديث أبي رزين بلفظ «رؤيا المسلم جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة» (٤).\n٦ - رواية «تسعة وأربعين جزءًا من النبوة».\nأخرج الإمام أحمد في مسنده والطبري في تفسيره من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قال: «الرؤيا الصالحة يبشرها المؤمن، وهي جزء من تسعة وأربعين\n_________\n(١) مسند الإمام أحمد (٣/ ١٨٥) (٥/ ٣١٦، ٣١٩) وصحيح البخاري (٤/ ٢٩٧) وصحيح مسلم (٤/ ١٧٧٤).\n(٢) موطأ الإمام مالك كتاب الرؤيا (٢/ ٩٥٦) ومسند الإمام أحمد (٣/ ١٠٦، ٢٦٩) وصحيح البخاري (٤/ ٢٩٦) وصحيح مسلم (٤/ ١٧٧٤).\n(٣) صحيح البخاري (٤/ ٢٩٧).\n(٤) مسند الإمام أحمد (٤/ ١٠) وجامع الترمذي كتاب الرؤيا ٦ - باب ما جاء في تعبير الرؤيا، رقم الحديث (٢٢٧٩) (٤/ ٥٣٦) وسنن ابن ماجة، كتاب تعبير الرؤيا، باب الرؤيا إذا عبرت وقعت، رقم الحديث (٣٩١٤) (٢/ ١٢٨٨) ومستدرك الحاكم (٤/ ٣٩٠) وسوف يأتي إن شاء الله التفصيل في طرق هذا الحديث وألفاظه في مبحث: هل الرؤيا إذا عبرت وقعت؟","vol":"1","page":223},{"text":"جزءًا من النبوة، فمن رأى ذلك فليخبر بها ومن رأى سوى ذلك فإنما هي من الشيطان ليحزنه فلينفث عن يساره ثلاثا وليسكت ولا يخبر بها أحدًا» (١).\n٧ - رواية (خمسين جزءًا من النبوة)\nأخرج الإمام أحمد في مسنده من حديث سليمان بن عريب ﵁ قال: ذكرت لابن عباس حديث أبي هريرة، فقال: جزء من خمسين، فقلت له: إني سمعت أبا هريرة، فقال ابن عباس: فإني سمعت العباس بن عبد المطلب يقول: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «الرؤيا الصالحة من المؤمن جزء من خمسين جزءًا من النبوة» (٢).\n٨ - رواية «سبعين جزءًا من النبوة»:\nوقد جاءت هذه الرواية في عدة أحاديث منها: ما أخرجه الإمام أحمد في مسند والإمام مسلم في صحيحه، وابن ماجة في سننه من حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي - ﷺ - قال: «الرؤيا الصالحة جزء من سبعين جزءًا من النبوة» (٣).\nوأخرجها الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة (٤).\n_________\n(١) سبق تخريجه (ص١٥٠).\n(٢) أورده ابن حجر في فتح الباري (١٢/ ٢٣٦) وعزاه إلى الإمام أحمد وأبو يعلى والطبري في تهذيب الآثار، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١٧٦) رواه البزار والطبراني في الأوسط والكبير.\n(٣) مسند الإمام أحمد (٢/ ١٨، ٥٠، ١١٩، ١٢٢، ١٣٧) وصحيح مسلم كتاب الرؤيا، الحديث رقم (٢٢٦٥) (٤/ ١٧٧٥) وسنن ابن ماجة، كتاب تعبير الرؤيا، ١ - باب الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له، الحديث رقم (٣٨٩٧) (٢/ ١٢٨٣).\n(٤) مسند الإمام أحمد (٢/ ٢٣٢، ٣٤٢).","vol":"1","page":224},{"text":"وأخرجها الإمام أحمد أيضًا في مسنده وأبو يعلى في مسنده من حديث ابن عباس (١).\nوأخرجها ابن أبي شيبة، وابن ماجة من حديث أبي سعيد الخدري (٢).\nوأخرجها عبد الرزاق في مصنفه، وابن أبي شيبة من حديث مسعود (٣).\nوأخرجها ابن جرير الطبري من حديث عبادة بن الصامت (٤).\nوأخرجها ابن حبان من حديث أبي زرين العقيلي (٥).\nوقد ذكر الحافظ ابن حجر ﵀ هذه الأحاديث ثم قال: \"فحصلنا من هذه الروايات على عشرة أوجه أقلها جزء من ستة وعشرين وأكثرها من ستة وسبعين (٦) وبين ذلك أربعين، وأربعة وأربعين، وخمسة وأربعين، وستة وأربعين، وسبعة وأربعين (٧) وتسعة وأربعين، وخمسين، وسبعين» أصحها مطلقا الأول، يعني ستة وأربعين، ويليه السبعين، ووقع في شرح النووي منه\n_________\n(١) مسند الإمام أحمد (١/ ٣١٥) ومسند أبي يعلى (٤/ ٤٦٧)، رقم الحديث (٢٥٩٨) وصحيح الجامع (٣/ ١٨٣).\n(٢) مصنف ابن أبي شيبة (٦/ ١٤٧) وسنن ابن ماجة (٢/ ١٢٨٢).\n(٣) مصنف عبد الرزاق باب الرؤيا (٢٠٣٥٧) (١١/ ٢١٣) ومصنف ابن أبي شيبة (٦/ ١٧٤).\n(٤) تفسير ابن جرير الطبري (١١/ ٩٤).\n(٥) موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان (٦/ ٢٧) تحقيق حسين مسيلم وعبده علي، دار الثقافة العربية.\n(٦) رواية (ستة وسبعين) أخرجها الطبراني وسندها ضعيف كما قال الحافظ في الفتح (١٢/ ٣٦٣).\n(٧) ذكرها القرطبي في المفهم كما في الفتح (١٢/ ٣٦٣).","vol":"1","page":225},{"text":"رواية عبادة (أربعة وعشرين) وفي رواية ابن عمر ستة وعشرين (١) وهاتان الروايتان لا أعرف من أخرجهما إلا أن بعضهم نسب رواية ابن عمر هذه لتخريج الطبري (٢) ووقع في كلام ابن أبي جمرة أنه ورد بألفاظ مختلفة فذكر بعض ما تقدم، وزاد في رواية (اثنين وأربعين) وفي أخرى (اثنين وسبعين) وفي أخرى (سبعة وعشرين) وفي أخرى (خمسة وعشرين) (٣) فبلغت على هذا خمسة عشر لفظًا (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-42>المسألة الثانية: معنى كون الرؤيا الصالحة جزءًا من أجزاء النبوة</span>\nدلَّت الأحاديث السابقة على أن الرؤيا الصالحة جزء من أجزاء النبوة، فما معنى كونها جزءًا من أجزاء النبوة؟ وهل يقال لصاحب الرؤيا الصالحة شيء من النبوة؟\nوالجواب: أن الرؤيا الصالحة لا تخلو من حالتين:\nالحالة الأولى: أن تكون الرؤيا الصالحة من الأنبياء:\nفهي في هذه الحالة جزء من أجزاء النبوة، لما سبق تفصيله في كون رؤيا\n_________\n(١) شرح النووي لصحيح مسلم (١٥/ ٢١).\n(٢) رواية عبادة بن الصامت، ذكرها النووي (من أربعة وأربعين) كما سبق تخريجه، ولعل ما وقع للحافظ ابن حجر ﵀ تصحيف في نسخته أما رواية ابن عمر ﵄ فسبق تخريجها في التمهيد لابن عبد البر.\n(٣) انظر: بهجة النفوس لابن أبي جمرة (٤/ ٢٥٠) وقد صحح هذه الرواية (خمسة وعشرين) الألباني في صحيح الجامع (٣/ ١٨٣) وسلسلة الأحاديث الصحيحة (١٨٦٩) (٤/ ٤٨٦).\n(٤) فتح الباري (١٢/ ٣٦٣).","vol":"1","page":226},{"text":"الأنبياء وحي.\nقال الخطابي ﵀: ومعنى الحديث؛ تحقيق الرؤيا، وأنها مما كان الأنبياء يثبتونه ويحققونه، وأنها كانت جزءًا من أجزاء العلم الذي كان يأتيهم، والأنباء التي كان ينزل بها الوحي عليهم، والله أعلم (١).\nوقال البغوي ﵀: قوله: «جزء من النبوة» أراد تحقيق أمر الرؤيا وتأكيده، وإنما كانت جزءًا من النبوة في حق الأنبياء دون غيرهم (٢).\nوقال الكرماني ﵀: قوله: «من النبوة» أي: في حق الأنبياء دون غيرهم وكان الأنبياء يوحى إليهم في منامهم كما يوحى إليهم في اليقظة (٣).\nوهذا التوجيه لهذه الأحاديث وإن كان لا خلاف فيه، فإنه غير وارد في هذه الأحاديث، لأنها جاءت في بيان رؤيا الرجل الصالح أو رؤيا المؤمن ونسبتها إلى النبوة فما معنى كون رؤيا المؤمن جزءًا من أجزاء النبوة؟ وليس رؤيا الأنبياء.\nالحالة الثانية: أن تكون الرؤيا الصالحة من المؤمن الصالح:\nللعلماء ﵏، في بيان معنى كون رؤيا المؤمن الصالح جزءًا من أجزاء النبوة توجيهان:\nالتوجيه الأول: أن المراد تشبيه الرؤيا بالنبوة:\nقال الخطابي ﵀: قال بعض العلماء: أن الرؤيا تجيء موافقة النبوة، لا أنها جزء باق من النبوة (٤).\n_________\n(١) أعلام الحديث (٤/ ٢٣١٩) ومعالم السنن (٤/ ١٣٨).\n(٢) شرح السنة (١٢/ ٢٠٣).\n(٣) شرح صحيح البخاري للكرماني (٢٤/ ٩٨) وانظر: عمدة القاري للعيني (٢٤/ ١٣١، ١٣٢).\n(٤) معالم السنن (٤/ ١٣٩).","vol":"1","page":227},{"text":"وقال البغوي ﵀: وقيل: أراد به أنه كالنبوة في الحكم والصحة (١).\nوقال ابن العربي ﵀: القدر الذي أراده النبي - ﷺ - أن يبين أن الرؤيا جزء من النبوة في الجملة لنا، لأنه اطلاع على الغيب وذلك قوله: لم يبق بعدي من النبوة إلا المبشرات (٢).\nوقال ابن عبد البر ﵀: وقد يحتمل أن تكون الرؤيا جزءًا من النبوة، لأن فيها ما يعجز كالطيران، وقلب الأعيان، ولها تأويل الحسن، وربما أغنى بعضها عن التأويل (٣).\nوقال ابن بطال ﵀: كون الرؤيا جزء من أجزاء النبوة مما يستعظم فيمكن أن يقال: إن لفظ النبوة مأخوذ من الإنباء وهو الإعلام لغة، فالمعنى أن الرؤيا خبر صادق من الله لا كذب فيه، كما أن معنى النبوة نبأ صادق من الله لا يجوز عليه الكذب، فشابهت الرؤيا النبوة في صدق الخبر (٤).\nوقال السفاريني ﵀ في شرح ثلاثيات المسند في معنى هذه الأحاديث:\nومعنى ذلك أن الرؤيا الصالحة تجيء في الصحة والبيان، موافقة النبوة، لأن النبوة انقطعت بموته - ﷺ - (٥).\nوقال الحافظ بن حجر ﵀: قال ابن الجوزي: لما كانت النبوة تتضمن اطلاعًا على أمور يظهر تحقيقها فيما بعد، وقع تشبيه رؤيا المؤمن بها (٦).\n_________\n(١) شرح السنة (١٢/ ٢٠٤).\n(٢) عارضة الأحوذي (٩/ ١٢٦).\n(٣) التمهيد (١/ ٢٨٥) وانظر: أحكام القرآن للقرطبي (٩/ ١٢٤).\n(٤) أوجز المسالك (١٥/ ٧٣) وطرح التثريب (٨/ ٢١٥).\n(٥) شرح الثلاثيات المسند (٣/ ١٣٧).\n(٦) فتح الباري (١٢/ ٣٦٧).","vol":"1","page":228},{"text":"وقال ابن التين ﵀: معنى الحديث أن الوحي ينقطع بموتي، ولا يبقى ما يعلم منه ما سيكون إلا الرؤيا (١).\nوقال الباجي ﵀: وصفها بأنها جزء من النبوة لما كان فيها من الإنباء بما سيكون في المستقبل على وجه يصح، ويكون من عند الله ﷿.\nوقال أبو زرعة العراقي ﵀: لا يتخيل من هذا الحديث أن رؤيا الصالح جزء من أجزاء النبوة، فإن الرؤيا إنما هي من أجزاء النبوة في حق الأنبياء ﵈، وليست في حق غيرهم من أجزاء النبوة، ولا يمكن أن يحصل لغير الأنبياء جزء من النبوة، وإنما المعنى أن الرؤيا الواقعة للصالح تشبه الرؤيا الواقعة للأنبياء، والتي هي في حقهم جزء من أجزاء النبوة، فأطلق أنها من أجزاء النبوة على طريق التشبيه (٢).\nفحاصل أقوال العلماء أن معنى قوله - ﷺ -: «الرؤيا الصالحة جزء من\n_________\n(١) المرجع السابق (١٢/ ٣٧٦) وقال ابن حجر ﵀ تعليقًا على كلام ابن التين السابق: ويرد عليه الإلهام فإن فيه إخبارًا بما سيكون وهو للأنبياء بالنسبة للوحي كالرؤيا، ويقع لغير الأنبياء كما في الحديث في مناقب عمر «قد كان فيمن مضى من الأمم محدثون» وفسر المحدث بالملهم وقد أخبر كثير من الأولياء عن أمور غيبية، فكانت كما أخبروا. والجواب: أن الحصر في المنام لكونه يشمل آحاد المؤمنين بخلاف الإلهام فإنه مختص بالبعض، ومع كونه مختصًا فإنه نادر، فإنما ذكر المنام لشموله وكثرة وقوعه، ويشير إلى ذلك قوله - ﷺ - فإن يكن، إلى أن قال: وفي إنكار وقوع ذلك مع كثرته واشتهاره مكابرة ممن أنكره، فتح الباري (١٢/ ٣٧٦) وقد ذكر المعلمي في كتابه التنكيل (٢/ ٢٥٨) تعليلًا آخر وهو أن الإلهام دون الرؤيا فلم يعتد به.\n(٢) طرح التثريب (٨/ ٢١٤).","vol":"1","page":229},{"text":"أجزاء النبوة» أنها تشبه النبوة من جهة الاطلاع على شيء من الغيب، لا أنها جزء من النبوة.\nالتوجيه الثاني: أنها جزء من أجزاء علم النبوة.\nوعلم النبوة باق، والنبوة غير باقية.\nوذكر هذا القول الإمامان الخطابي والبغوي رحمهما الله عن بعض العلماء (١).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في أثناء مناقشته للفلاسفة الذين يرون أن النبوة مكتسبة، وتحصل عندهم لآحاد الناس، فقال: \"والذي يقرون به من النبوة يحصل ما هو أعلى منه لآحاد الناس الذين فيهم فضيلة علمية وعملية، لكن أهل العلم والإيمان بالرسل يعلمون أن نسبتهم إلى الأنبياء من جنس نسبة أهل الرؤيا الصادقة إلى الأنبياء، فإن الرؤيا الصادقة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، كما ثبت ذلك في الصحاح عن النبي - ﷺ - وكما في السنة عنه أنه قال: «الهدي الصالح، والسمت الصالح، والاقتصاد جزء من خمسة وعشرين جزءًا من النبوة» (٢).\n_________\n(١) انظر: معالم السنن (٤/ ٣٩) وشرح السنة (١٢/ ٢٠٤) وعون الباري (٦/ ٣٦٨).\n(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (١/ ٢٩٦) وأبو داود في سننه، كتاب الأدب ٢ - باب في الوقار، الحديث رقم (٤٧٧٦) (٢/ ٦٦٢) من حديث ابن عباس ﵄ بلفظ «إن الهدي الصالح ...» الحديث وحسنه الحافظ في الفتح (١٠/ ٥٠٩) وصححه أحمد شاكر في تعليقه على المسند (٤/ ٢٤٤) بقرم (٢٦٩٨، ٢٦٩٩) وله شاهد بنحوه عند الترمذي، في كتاب البر والصدق ٦٦ - باب ما جاء في التأني والعجلة، (٢٠١٠) من حديث عبد الله بن سرجس المزني، وحسنه الترمذي.","vol":"1","page":230},{"text":"وقد ثبت عنه في الصحيحين أنه قال: «الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان» (١).\nفلا ريب أن الشيء يكون جزءًا من النبوة أو الإيمان، ويكون من أصغر الشعب والأجزاء، كإماطة الأذى في الإيمان، أو كالرؤيا في النبوة، ولهذا قال - ﷺ -: «إنه لم يبق من النبوة بعدي إلا المبشرات، وهي الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو ترى له» ولهذا كان هذا الجزء أول ما بدئ به الرسول - ﷺ - تدريجًا له كما في الصحيح عن عائشة قالت: \"أول ما بدئ به رسول الله - ﷺ - من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، فكان يخلو بغار حراء، فيتحنث فيه - وهو التعبد - الليالي ذوات العدد\".\nوإذا كان بعض أجزاء النبوة يحصل لآحاد المؤمنين وليس هو نبيًا تبين أن ما يذكره هؤلاء من الحق هو جزء من أجزاء النبوة، وما يذكرونه من الباطل هو مردود عليهم (٢).\nوقال الحافظ ابن حجر ﵀: \"والرؤيا الصالحة وإن كانت جزءًا من النبوة، فهي باعتبار صدقها لا غير، وإلا لساغ لصاحبها أن يُسمَّى نبيًا\n_________\n(١) صحيح البخاري، كتاب الإيمان ٣ - باب أمور من الإيمان، الحديث رقم (٩) (١/ ٢٠) وصحيح مسلم واللفظ له كتاب الإيمان ١٢ - باب بيان عدد شعب الإيمان، الحديث رقم (٣٥) (١/ ٦٣) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) الصدفية (١/ ٢٣٤ - ٢٣٦).","vol":"1","page":231},{"text":"وليس كذلك (١).\nوقال أيضًا في قوله - ﷺ -: «لم يبق من النبوة إلا المبشرات» ظاهر الاستثناء مع ما تقدم من أن الرؤيا جزء من أجزاء النبوة أن الرؤيا نبوة، وليس كذلك لما تقدم أن المراد تشبيه أمر الرؤيا، أو لأن جزء الشيء لا يستلزم ثبوت وصفه له كمن قال: أشهد أن لا إله إلا الله رافعًا صوته لا يسمى مؤذنًا، ولا يقال إنه أذن، وإن كانت جزءًا من الأذان، وكذا لو قرأ شيئًا من القرآن وهو قائم لا يسمى مصليًا وإن كانت القراءة جزءًا من الصلاة، ويؤيده حديث أم كُرْز الكعبية قالت: سمعت النبي - ﷺ - يقول: «ذهبت النبوة وبقيت المبشرات» أخرجه أحمد وابن ماجة وصححه ابن خزيمة وابن حبان.\nولأحمد عن عائشة مرفوعًا: «لم يبق بعدي من المبشرات إلا الرؤيا».\nولأبي يعلى من حديث أنس رفعه: «إن الرسالة والنبوة قد انقطعت ولا نبي ولا رسول بعدي، ولكن بقيت المبشرات» قالوا: وما المبشرات؟ قال: «رؤيا المسلمين جزء من أجزاء النبوة» (٢).\n_________\n(١) فتح الباري (١/ ٢٠).\nولقد شذت طوائف في هذا الباب، فزعمت بقاء النبوة واستمرارها بعد النبي - ﷺ - وعطلوا معنى الأحاديث التي نصت في أنه لا نبوة ولا وحي عبد النبي - ﷺ - انظر الرد على هؤلاء في كتاب فيض الباري على صحيح البخاري (٤/ ٤٩٠) ورد الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة وفقهها (١/ ٧٦٧) وكتاب عقيدة ختم النبوة بالنبوة المحمدية، تأليف: أحمد بن سعد بن حمدان الغامدي، دار طيبة، الطبعة الأولى ١٤٠٥ هـ.\n(٢) فتح الباري (١٢/ ٣٧٥) والأحاديث سبق تخريجها (ص١٢٢ - ١٢٥).","vol":"1","page":232},{"text":"فالحاصل أن الرؤيا الصالحة فيها إشعار للمؤمن بخبر سيقع ليغتنمه أو شرع سيقع ليحذره ويتجنبه ويأخذ أهميته واستعداده، فهي من هذا الوجه جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، لأن فيها أخبارًا لهذا المؤمن بأمر غيبي لم يقع، وإن كان لا يمكن الجزم والقطع بهذه الرؤيا، إلا إذا وقعت، لأنه قد يخطئ الذي يعبرها وقد تكون على خلاف ما ظنه.\nوفي جواب للشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀ عندما سئل عن معنى قوله النبي - ﷺ -: «رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة» أجاب بقوله: معنى قوله - ﷺ -: «رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة» أن رؤيا المؤمن تقع صادقة، لأنها أمثال يضربها الملك للرائي، وقد تكون خبرًا عن شيء واقع، أو شيء سيقع، فيقع مطابقًا للرؤيا فتكون هذه الرؤيا كوحي النبوة في صدق مدلولها، وإن كانت تختلف عنها، ولهذا كانت جزءًا من ستة وأربعين جزءًا من النبوة (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-43>المسألة الثالثة: مواقف العلماء من اختلاف الروايات في تحديد أجزاء النبوة</span>\nالأحاديث السابقة وإن اختلفت ألفاظها فإنها متفقة على أن الرؤيا الصالحة جزء من أجزاء النبوة، وإنما اختلفت الروايات في أمرين:\nالأمر الأول: فيمن أضيفت إليه الرؤيا سكت عنه مرة، وذكره مرة أخرى، وسوف أُفَصِّل القول فيه، إن شاء الله في المسألة الرابعة.\nالأمر الثاني: في تحديد أجزاء النبوة، التي جعلت الرؤيا الصالحة جزءًا منها، ففيه من الروايات ما تقدم ذكره من ستة وعشرين، وأربعين وأربعة\n_________\n(١) المجموع الثمين من فتاوى فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين (١/ ٢٠٥).","vol":"1","page":233},{"text":"وأربعين وخمسة وأربعين، وستة وأربعين، وتسعة وأربعين، وسبعين.\nوقد كثرت أقوال العلماء في توجيه هذه الروايات، ولهم في ذلك موقفان:\nالموقف الأول: الترجيح.\nالموقف الثاني: الجمع بين الروايات.\nالموقف الأول: من قال بالترجيح:\nوسبب هذا القول، وتوجيه النسبة فيه.\nيميل بعض العلماء إلى ترجيح روايات الستة والأربعين على غيرها، لأنها في نظرهم هي الأشهر والأصح (١).\nقال أبو عبد الله المازري: والأكثر والأصح عند أهل الحديث من ستة وأربعين (٢).\nوقال أبو زرعة العراقي بعد أن ذكر الروايات السابقة: \"وأصحها وأشهرها ستة وأربعون، فإن ملنا إلى الترجيح فرواية الستة والأربعين أصح\" (٣).\nوالذين مالوا إلى ترجيح (ستة وأربعين) قالوا: إن السبب في ذكر هذا العدد أن النبي - ﷺ - بقي منذ أن أوحي إليه إلى أن توفي ثلاثًا وعشرين سنة، منها ثلاث عشرة سنة بمكة، وبالمدينة عشر سنين وكان يوحى إليه في منامه في أول الأمر بمكة ستة أشهر، وهي نصف سنة فصارت هذه المدة جزءًا من ستة وأربعين جزءًا من أجزاء زمان النبوة (٤).\n_________\n(١) انظر: جامع الأصول ابن الأثير (٢/ ٥١٨، ٥١٩).\n(٢) أحكام القرآن (٩/ ١٢٢).\n(٣) طرح التثريب (٨/ ٢٠٩).\n(٤) انظر: معالم السنن (٤/ ١٣٩) وأعلام الحديث (٤/ ٢٣١٥) وشرح السنة (١٢/ ٢٠٤).","vol":"1","page":234},{"text":"الجواب عن هذا القول: أن هذا الترجيح وبيان السبب فيه لا يصح من وجوه:\nالوجه الأول: أن أكثر الروايات صحيحة، بل أغلبها في الصحيحين، وكلها مشهور فلا سبيل إلى أخذ أحدها وطرح الباقي.\nقال أبو العباس القرطبي بعد أن ذكر الروايات في اختلاف عدد أجزاء النبوة، وأكثرها في الصحيحين، وكلها مشهور، فلا يؤخذ بعضها ويترك الباقي كما فعل المازري (١).\nالوجه الثاني: ما ذكروه من أن النبي - ﷺ - يوحى إليه في منامه ستة أشهر، فكانت نسبة الرؤيا إلى زمن النبوة جزء من ستة وأربعين، هذا توجيه لا يصح وذلك لما يلي:\nأولا: أن هذه المدة من الستة الأشهر لم تثبت بدليل صحيح، بل إن هناك اختلافًا في قدر المدة التي بعد بعثة النبي - ﷺ - إلى موته.\nقال ابن العربي ﵀: وتفسيرها بمدة النبي - ﷺ - باطل؛ لأنه يفتقر إلى نقل صحيح ولا يوجد (٢).\nوقال النووي ﵀، لم يثبت أن أمد رؤياه - ﷺ - قبل النبوة ستة أشهر (٣).\nوقال الخطابي ﵀ بعد أن ذكر هذا التوجيه، وهذا وإن كان وجها قد تحتمله قسمة الحساب والعدد فإن أول ما يجب فيه أن يثبت ما قاله من ذلك\n_________\n(١) للأبي علي مسلم (٦/ ٧٥، ٧٦) وطرح التثريب (٨/ ٢٠٩).\n(٢) فتح الباري (١٢/ ٣٦٤).\n(٣) شرح صحيح مسلم للنووي (١٥/ ٢١).","vol":"1","page":235},{"text":"خبرًا ورواية، ولم نسمع فيه خبرًا، ولا ذكر قائل هذه المقالة فيما بلغني عنه في ذلك أثرًا فهو كأنه ظن وحسبان، والظن لا يغني من الحق شيئًا (١).\nثانيًا: مما يبطل هذا التوجيه، أن سائر الأحاديث في الأجزاء المختلفة تبقى بغير معنى.\nولهذا لما ذكر ابن القيم ﵀ التوجيه السابق قال: \"وهذا حسن، لولا ما جاء في الرواية الأخرى الصحيحة أنها جزء من سبعين جزءًا (٢).\nوعلى هذا فالصواب، إن شاء الله أن يقال إن عامة هذه الأحاديث أو أكثرها صحاح، ولكل حديث منها مخرجًا معقولًا (٣).\nالموقف الثاني: الجمع بين الروايات:\nقال أكثر العلماء لا منافاة بين هذه الروايات، لأن كل رواية منها لها مخرج معقول، ولكن كثرت أقوالهم في توجيه هذه الروايات.\nوسوف أذكر إن شاء الله أهم هذه التوجيهات، وأذكر ما أراه راجحًا مع بيان سبب الترجيح.\nالقول الأول: أن هذا الاختلاف بحسب حال الرائي للرؤيا.\nواختار هذا القول الإمام ابن جرير الطبري ﵀ حيث بين أن الاختلاف في روايات هذه الأحاديث راجع إلى اختلاف حال الرائي، فالمؤمن الصادق الصالح تكون نسبة رؤياه من ستة وأربعين، والفاجر من سبعين ولهذا لم\n_________\n(١) أعلام الحديث (٤/ ٢٣١٥) ومعالم السنن (٤/ ١٣٩).\n(٢) مدارج السالكين (١/ ٦١).\n(٣) انظر: أحكام القرآن للقرطبي (٩/ ١٢٣ - ١٢٦) وفتح الباري (١٢/ ٣٦٤).","vol":"1","page":236},{"text":"يشترط في وصف الرائي في السبعين ما اشترط في وصف الرائي في الحديث المذكور فيه «من ستة وأربعين» من كونه صالحًا.\nوأما ما بين ذلك فالنسبة لأحوال المسلمين (١).\nورجح هذا القول أيضًا ابن العربي ﵀ حيث قال بعد أن ذكر الأقوال في الجمع بين الروايات: وأحسنها قول الطبري عالم القرآن والسنة (٢).\nوقال ابن عبد البر ﵀: اختلاف الآثار في هذا الباب في عدد أجزاء الرؤيا ليس ذلك عندي اختلاف تضاد متدافع والله أعلم، لأنه يحتمل أن تكون الرؤيا الصالحة من بعض من يراها على حسب ما يكون من صدق الحديث، وأداء الأمانة والدين المتين، وحسن اليقين، فعلى قدر اختلاف الناس فيما وصفنا؛ تكون الرؤيا منهم على الأجزاء المختلفة، فمن خلصت نيته في عبادة ربه، ويقينه وصدق حديثه كانت رؤياه أصدق، وإلى النبوة أقرب، كما أن الأنبياء يتفاضلون قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الإسراء: ٥٥] (٣).\nوقال أبو عبد الله القرطبي ﵀ مؤيدًا هذا القول: فهذا التأويل يجمع شتات الأحاديث، وهو أولى من تفسير بعضها دون بعض وطرحه (٤).\n_________\n(١) انظر: شرح النووي لصحيح مسلم (١٥/ ٢١) الفصل في الملل والنحل (٥/ ١٢٥) ومدارج السالكين (١/ ٦١).\n(٢) طرح التثريب (٨/ ٢٠٧).\n(٣) التمهيد (١/ ٢٨٣ - ٢٨٤).\n(٤) أحكام القرآن للقرطبي (٩/ ١٢٣).","vol":"1","page":237},{"text":"وممن رجح هذا القول الألباني ﵀ حيث قال: واعلم أنه لا منافاة بين قوله في هذا الحديث «إن الرؤيا الصالحة جزء من خمسة وعشرين» وفي الحديث التالي: «جزء من ستة وأربعين» وفي حديث ابن عمر «جزء من سبعين» وغيره، فإن هذا الاختلاف راجع إلى الرائي، فكلما كان صالحا كانت النسبة أعلى، وقيل غير ذلك (١).\nالقول الثاني: أن ذلك الاختلاف زيادة فضل من الله ﷿.\nقال أبو جعفر الطحاوي في كتابه مشكل الآثار: باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله - ﷺ - في الرؤيا، كم هي جزء من الأجزاء التي من النبوة؟\nثم ساق الأحاديث السابقة.\nثم قال: قال هذا القائل: وهذا اضطراب شديد، فمرة تروون أنها جزء من سبعين من النبوة، ومرة تروون أنها جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة.\nفكان جوابنا في ذلك: أن جميع ما روينا من الآثار في هذا الباب يحتمل ما لا تضاد فيه، وهو أن الرؤيا جزء واحد من أجزاء النبوة جعلت بشارة، لحديث أم كرز - فذكر الحديث - وحديث أبي الدرداء فذكره (٢).\nقال أبو جعفر: فاحتمل أن يكون الله ﷿ كان جعلها في البدء جزءا من سبعين من النبوة فضلا منه عليه، وعطية منه إياه، ثم زاد بعد ذلك أن جعل العطية جزءا من ستة وأربعين ... (٣)\n_________\n(١) سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها (٤/ ٤٨٧).\n(٢) سبق تخريج هذه الأحاديث (ص١٤٥ - ١٤٨).\n(٣) مشكل الآثار (٣/ ٤٧، ٤٨).","vol":"1","page":238},{"text":"القول الثالث: أن هذا الاختلاف بحسب اختلاف رؤيا الأنبياء.\nقال ابن حزم ﵀: وقد تخرج هذه النسب والأقسام، على أنه ﵇ إنما أرد بذلك رؤيا الأنبياء ﵈، فمنهم من رؤياه جزء من ستة وعشرين جزءًا من خصائصه، وفضائله، ومنهم من رؤياه جزء من سبعين جزءًا من نبوته، وخصائصه وفضائله، وهذا هو الأظهر، والله أعلم، ويكون خارجًا على مقتضى الحديث بلا تأويل ولا تكليف (١).\nولكن هذا التوجيه مع أنه لا دليل عليه وفيه تكلف، فهو أيضًا لا يستقيم، لأنه يجعل الرؤيا الصالحة خاصة بالأنبياء وقد قال - ﷺ -: «رؤيا المؤمن».\nالقول الرابع: أن هذا الاختلاف بحسب خفاء الرؤيا وجلائها.\nقال المازري ﵀: وقيل إن المنامات دلالات، والدلالات منها خفي، ومنها ما هو جلي، فما ذكر فيه السبعون أريد به أنه الخفي منها، وما ذكر فيه الستة والأربعون أريد به الجلي منها (٢).\nوقال ابن أبي جمرة ﵀: إن النبوة جاءت بالأمور الواضحة، وفي بعضها ما يكون فيه إجمال مع كونه مبينًا في موضع آخر، وكذلك المرائي فيها ما هو صريح لا يحتاج إلى تأويل، ومنها ما يحتاج فالذي يفهمه العارف من الحق الذي يعرج عليه جزء من أجزاء النبوة، وذلك الجزء يكثر مرة، ويقل أخرى بحسب فهمه، فأعلاهم من يكون بينه وبين درجة النبوة أقل ما ورد من العدد، وأدناهم الأكثر من العدد، ومن عداهم ما بين ذلك (٣).\n_________\n(١) الفصل (٥/ ١٢٥).\n(٢) المعلم (٣/ ١١٨).\n(٣) بهجة النفوس (٤/ ٢٤٠) وفتح الباري (١٢/ ٣٦٥).","vol":"1","page":239},{"text":"وقريب من هذا القول ما قاله ابن حزم ﵀ في كتابه الأصول والفروع: ما كان في الرؤيا صادقًا فهو من قبل الله تعالى، ثم تتفاضل في الصحة، والنقاء من الأضغاث، فيكون أعلاها منزلة في ذلك من سبعة وعشرين جزءًا من النبوة إلى جزء من سبعين جزءًا من النبوة (١).\nالقول الخامس: أن هذا الاختلاف بحسب تعدد طرق الوحي.\nقال القاضي عياض ﵀، ويحتمل أن تكون هذه التجزئة في طرق الوحي، إذ منه ما سمع من الله بلا واسطة، ومنه ما جاء بواسطة الملك، ومنه ما ألقي في القلب من الإلهام، ومنه ما جاء به الملك وهو على صورته، أو على صورة آدمي معروف أو غير معروف، ومنه ما أتاه في النوم إلى غير ذلك مما وقفنا عليه، ومما لم نقف عليه فتكون الحالات إذا عددت انتهت إلى العدد المذكور (٢).\nقال أبو العباس القرطبي ﵀ معقبا على كلام القاضي: ولا يخفى ما فيه من التكلف والتساهل ثم مع هذا التكلف لم يبلغ عدد ما ذكر عشرين فضلا عن السبعين وقال ابن حجر ﵀: والذي نحاه القاضي سبقه إليه الحليمي، وقد قصد الحليمي في هذا الموضع بيان كون الرؤيا الصالحة جزءًا من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، فذكر وجوها من الخصائص العلمية للأنبياء، تكلف في بعضها، حتى أنهاها إلى العدد المذكور، فتكون الرؤيا واحدًا من تلك الوجوه (٣).\nويضاف إلى هذا التكلف أنه لا يجمع بين الروايات المختلفة.\nالقول السادس: أن هذا الاختلاف بحسب خصال النبوة.\n_________\n(١) الأصول والفروع (١/ ٣٤٣).\n(٢) فتح الباري (١٢/ ٣٦٦).\n(٣) المرجع السابق (١٢/ ٣٦٦).","vol":"1","page":240},{"text":"حيث قال أبو العباس القرطبي ﵀: المراد بهذا الحديث: أن المنام الصادق خصلة من خصال النبوة كما في الحديث الآخر «التؤدة، والاقتصاد، وحسن السمت جزء من ستة وعشرين جزءًا من النبوة» (١) أي من مجموعة خصال تبلغ أجزاؤها ستة وعشرين، هذه الثلاثة جزء منها، وعلى مقتضى هذه التجزئة كل جزء من الستة والعشرين ثلاثة أجزاء في نفسه، فإذا ضربنا ثلاثة في ستة وعشرين صح لنا أن عدد خصال النبوة من حيث آحادها ثمان وسبعون ويصح أن نسمي كل اثنين من الثمانية والسبعين جزءًا خصلة، فيكون جميعها بهذا الاعتبار تسعة وثلاثين، ويصح أن نسمي كل أربعة منها جزءًا فيكون مجموع أجزائها بهذا الاعتبار تسعة عشر جزءًا ونصفًا.\nفتختلف أسماء العدد المجزئ بحسب اختلاف اعتبار الأجزاء، وعلى هذا لا يكون اختلاف اعتبار مقادير تلك الأجزاء المذكورة (٢).\nورحم الله القرطبي عندما قال بعد هذا التوجيه: وهذا أشبه ما وقع لي في ذلك، مع أنه لم ينشرح به الصدر، ولا اطمأنت إليه النفس، وهو كما قال:\nالقول السابع: أن هذا الاختلاف بحسب درجات الأنبياء.\nقال ابن أبي جمرة ﵀ ليس بين النبوة والرؤيا نسبة إلا في كونها حقا، فيكون مقام النبوة بالنسبة لمقام الرؤيا بحسب تلك الأعداد راجعة إلى درجات الأنبياء.\n_________\n(١) سبق تخريجه (ص٢٣٠).\n(٢) فتح الباري (١٢/ ٣٦٨).","vol":"1","page":241},{"text":"فنسبتها من أعلاهم وهو من ضم له إلى النبوة الرسالة، أكثر ما ورد من العدد، ونسبتها إلى الأنبياء غير المرسلين أقل ما ورد من العدد، وما بين ذلك ومن ثم أطلق في الخبر النبوة، ولم يقيدها بنبوة نبي بعينه (١).\nالقول الثامن: أن هذا الاختلاف بحسب الوقت الذي حدث فيه النبي - ﷺ -.\nقال الحافظ ابن حجر ﵀، ويمكن الجواب عن اختلاف الأعداد؛ أنه وقع بحسب الوقت الذي حدث فيه النبي - ﷺ - بذلك، كأن يكون لمَّا أكمل ثلاث عشرة سنة بعد مجيء الوحي إليه حدث بأن الرؤيا جزء من ستة وعشرين إن ثبت الخبر بذلك، وذلك وقت الهجرة، ولما أكمل عشرين حدث بأربعين، ولما أكمل اثنتين وعشرين، حدث بأربعة وأربعين بعدها بخمسة وأربعين، ثم بستة وأربعين في آخر حياته، وأما ما عدا ذلك من الروايات بعد الأربعين، فضعيف، ورواية الخمسين تحتمل أن تكون لجبر الكسر، ورواية السبعين للمبالغة، وما عدا ذلك لم يثبت، وهذه مناسبة لم أر من تعرض لها (٢).\nولا يخفى ما في هذا التوجيه من التكلف وخاصة في آخرها، مع أنه لا دليل عليه.\nوقريب من قول الحافظ ما قاله ابن أبي جمرة في قوله - ﷺ -: «إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب» (٣).\n_________\n(١) المرجع السابق (١٢/ ٣٦٨).\n(٢) فتح الباري (١٢/ ٣٦٥).\n(٣) سبق تخريجه (١٠٨).","vol":"1","page":242},{"text":"قال: \"ويمكن أن يؤخذ من هذا سبب اختلاف الأحاديث في عدد أجزاء النبوة بالنسبة لرؤيا المؤمن (١).\nالقول التاسع: أن هذا الاختلاف من الأمور التوقيفية التي لا نعلم حكمتها.\nوهذا القول هو الراجح والأقرب والأظهر إن شاء الله تعالى.\nوقال بهذا القول جماعة من العلماء من المتقدمين والمتأخرين.\nقال الخطابي ﵀: إن هذا الخبر صحيح، وجملة ما فيه حق، وليس كل ما يخفى علينا علته لا تلزمنا صحته، وقد نرى أعداد ركعات الصلوات وأيام الصيام، ورمي الجمار محصورة في حساب معلوم، وليس يمكننا أن نصل من علمها إلى أمر توجب حصرها تحت هذه الأعداد دون ما هو أكثر منها، أو أقل، فلم يكن ذهابنا عن معرفة ذلك قادحًا في موجب الاعتقاد منا في اللازم من أمرها.\nوهذا كقوله - ﷺ - في حديث آخر: «إن الهدي الصالح، والسمت الصالح جزء من خمسة وعشرين جزءًا من النبوة» (٢)، وتفصيل هذا العدد وحصر النبوة به متعذر لا يمكن الوقوف عليه، وإنما فيه أن هاتين الخصلتين من هدي الأنبياء وشمائلهم ومن جملة شيمهم وأخلاقهم فكذلك الأمر في الرؤيا أنه جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة (٣).\n_________\n(١) فتح الباري (١٢/ ٤٠٦).\n(٢) سبق تخريجه (ص٢٣٠).\n(٣) أعلام الحديث في شرح صحيح البخاري (٤/ ٢٣١٨، ٢٣١٩).","vol":"1","page":243},{"text":"وقال ابن العربي ﵀: \"القدر الذي أراده النبي - ﷺ - أن يبين أن الرؤيا جزء من النبوة في الجملة لنا؛ لأنه اطلاع على الغيب، وذلك قوله: «لم يبق بعدي من النبوة إلا المبشرات» (١).\nوتفصيل النسبة تختص به درجة النبوة إلى أن قال: \"وأنا موعز إليكم إلا تتعرضوا لأعداد الشريعة فإنها ممتنعة عن إدراكها في متعلقاتها\" (٢).\nوبهذا قال المازري ﵀ مبينًا أنه لا يلزم العلماء أن يعرفوا كل شيء جملة وتفصيلا وقد جعل الله سبحانه للعلماء حدا يقفون عنده، فمنها ما لا يعلمونه أصلا ومنها ما يعلمونه جملة ولا يعلمونه تفصيلًا وهذا منه (٣).\nوقال أبو زرعة العراقي ﵀: ولا يمكن إلغاء النسب بعد ذكر النبي - ﷺ - لها، وغايته أن لا يصل علمنا إلى حقيقة ذلك، فنؤمن به، ونكل علمه إلى عالمه (٤).\nوقال القسطلاني ﵀: وقلما يصيب مؤوِّل في حصر هذه الأجزاء، ولئن وقع له الإصابة في بعضها لما تشهد له الأحاديث المستخرج منها لم يسلم له ذلك في بقيتها (٥).\nوقال التوريشتي ﵀: وأما وجه تحديد الأجزاء بسبعة وأربعين، فأرى ذلك مما يتجنب القول فيه، ويتلقى بالتسليم، فإن ذلك من علوم النبوة التي لا تقابل بالاستنباط، ولا يتعرض لها بالقياس (٦).\n_________\n(١) سبق تخريجه (ص٢٧).\n(٢) عارضة الأحوذي بشرح صحيح الترمذي (٩/ ١٢٦، ١٢٧).\n(٣) انظر: المعلم (٣/ ١١٧).\n(٤) طرح التثريب في شرح التقريب (٨/ ٢١٤).\n(٥) إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري (١٠/ ١٢٤).\n(٦) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (٤/ ٥٣٦).","vol":"1","page":244},{"text":"وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀: \"وتخصيص الجزء بستة وأربعين جزءًا من الأمور التوقيفية التي لا نعلم حكمتها كأعداد الركعات والصلوات (١).\nوقد بين للقارئ السبب الذي حمل أولئك العلماء إلى تلك التفسيرات بأنه قد هالهم القول بأن الرؤيا الصالحة جزء من أجزاء النبوة، فذهبوا إلى تلك التفسيرات التي ذكرتها سابقًا (٢).\nوالحاصل أن يقال أن هذه الأعداد من الأمور التي يعلمها العلماء جملة لا تفصيلا فإنه لم يحدث لأحد من العلماء أن اطلع على أجزاء النبوة، ثم قاس الرؤيا عليها، وعدد هذه الأجزاء جزءًا جزءًا.\nولا حرج على أحد أن يأخذ بظاهر قوله - ﷺ -: «ذهبت النبوة وبقيت المبشرات» فإن جزء النبوة لا يكون نبوة كما أن جزء الفاتحة لا يكون صلاة.\nوخلاصة أسباب الترجيح ما يلي:\n١ - أن هذه الأعداد كأعداد الصلوات، والركعات، وأيام الصيام، ورمي الجمار، التي لا نعلم حكمتها.\n٢ - أن هذه من الأمور التي يعلمها العلماء إجمالًا لا تفصيلًا.\n٣ - أن علوم الأنبياء لا تقابل بالاستنباط والقياس.\nمع أننا إذا ذكرنا بعض التعليلات، فما ذكره عالم الكتاب والسنة ابن جرير الطبري ﵀ توجيه حسن وهو أن هذا الاختلاف راجع إلى اختلاف حال الرائي.\n_________\n(١) المجموع الثمين في فتاوى الشيخ محمد بن صالح العثيمين (١/ ٢٠٥).\n(٢) انظر: مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (٤/ ٥٣٦).","vol":"1","page":245},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-44>المسألة الرابعة: هل تنسب رؤيا الكافر الصادقة إلى أجزاء النبوة</span>؟\nالرؤيا الصادقة قد تقع من الكافر كما سبق تفصيل ذلك، والأحاديث التي ذكرتها في هذا البحث جاءت مقيدة ومطلقة فيمن أضيفت إليه الرؤيا.\nفمرة جاءت مقيدة بالرؤيا من المؤمن، ومرة برؤيا المسلم، ومرة بالرؤيا الصالحة من الرجل الصالح.\nوفي بعض الروايات أطلقت الرؤيا الصالحة فلم تقيد بكونها من المؤمن، أو غيره، وهذه الروايات قليلة، فهل تدخل رؤيا الكافر الصادقة في هذا الإطلاق فتنسب إلى أجزاء النبوة أو لا؟\nوالجواب أن لأهل العلم ﵏ في هذه المسألة قولان:\nالقول الأول: يظهر من كلام ابن عبد البر ﵀ أنه يرى العموم.\nحيث قال في قوله - ﷺ -: «يراها الرجل الصالح أو ترى له» قال: فظاهره أن لا تكون الرؤيا من النبوة جزءًا من ستة وأربعين، إلا على ذلك الشرط للرجل الصالح أو منه.\nوفي حديث ابن عباس «يراها المسلم» ولم يقل صالحًا ولا طالحًا، وفي بعض ألفاظه، «يراها العبد» وهذا أوسع أيضًا.\nوقوله: «أو ترى له» عمومه من الصالح وغيره والله أعلم (١).\nويرى ﵀ أن الاختلاف في هذه القيود مثل الاختلاف في أجزاء النبوة حيث قال: وأما قوله - ﷺ - في الحديث: «الرؤيا الصالحة من الرجل الصالح»\n_________\n(١) التمهيد (٥/ ٥٧).","vol":"1","page":246},{"text":"وربما جاء في الحديث «الرؤيا الصالحة» فقط، وربما جاء في الحديث أيضًا «رؤيا المؤمن» فقط وربما جاء «يراها الرجل الصالح أو ترى له» يعني من صالح وغير صالح، وهي ألفاظ المحدثين، والله أعلم بها.\nوالمعنى عندي - أي ابن عبد البر - في ذلك على نحو ما ظهر لي في الأجزاء المختلفة من النبوة (١).\nوسبق أنه يرى ﵀ في اختلاف الأحاديث في عدد أجزاء الرؤيا من النبوة أن ذلك على حسب ما يكون الذي يراها من صدق الحديث، وأداء الأمانة والدين المتين، وحسن اليقين، فعلى قدر اختلاف الناس فيما وصفنا تكون الرؤيا منهم على الأجزاء المختلفة العدد (٢).\nفالذي يظهر من كلامه يرحمه الله أنه يرى أن ذلك ليس بعيدًا، وأن رؤيا غير الصالح قد تنسب إلى أجزاء النبوة، لكنها من أقصى الأجزاء الواردة في الأحاديث.\nالقول الثاني: يرى جماهير أهل العلم، أن رؤيا الكافر الصادقة لا تنسب إلى أجزاء النبوة.\nواستدلوا بتقييد الرؤيا الصالحة بالرجل الصالح أو المسلم أو المؤمن، وأما الروايات التي جاءت مطلقة فتحمل على المقيد.\nوقالوا: إن الصالح حاله هو الذي يناسب حال النبي - ﷺ - بخلاف الكافر (٣).\n_________\n(١) التمهيد (١/ ٢٨٥).\n(٢) انظر: المرجع السابق (١/ ٢٨٥).\n(٣) انظر: فتح الباري (١٢/ ٤٠٦).","vol":"1","page":247},{"text":"قال الحافظ ابن حجر ﵀: قوله: «من الرجل الصالح» هذا يقيد ما أطلق في غير هذه الرواية، كقوله «رؤيا المؤمن» ولم يقيدها بكونها حسنة، ولا بأن رائيها صالح (١).\nفإن قيل: قد وقعت الرؤيا الصادقة من بعض الكفار وغيرهم ممن لا يرضى دينه، كرؤيا الملك الذي رأى سبع بقرات، ورؤيا الفتيين في السجن.\nوقد ترجم البخاري ﵀ في كتابه الجامع الصحيح،، بابًا بعنوان باب رؤيا أهل السجون والفساد والشرك (٢).\nفالجواب: أن الكافر والفاسق وإن صدقت رؤياهم في بعض الأوقات لا تكون من النبوة، إذ ليس كل من صدق في حديث عن غيب يكون خبره ذلك نبوة، بدليل أن الكاهن والمنجم قد يحدث أحدهم ويصدق ولكن على الندرة والقلة.\nوكذلك رؤيا الكافر قد تصدق لكن ذلك قليل بالنسبة إلى مناماتهم المختلفة الفاسدة (٣).\nوأما ترجمة البخاري في صحيحه بباب رؤيا أهل السجون، فقال المهلب ﵀: إنما ترجم البخاري بهذا لجواز أن تكون رؤيا أهل الشرك رؤيا صادقة، كما كانت رؤيا الفتيين صادقة، إلا أنه لا يجوز أن تضاف إلى النبوة إضافة رؤيا المؤمن إليها، إذ ليس كل ما يصح له تأويل من الرؤيا حقيقة يكون جزءًا من النبوة (٤).\n_________\n(١) فتح الباري (١٢/ ٤٠٦).\n(٢) صحيح البخاري، كتاب التعبير ٩ - باب أهل السجون والفساد والشرك (٤/ ٢٩٨).\n(٣) انظر فتح الباري (١٢/ ٤٠٦).\n(٤) انظر: أحكام القرآن للقرطبي (٩/ ١٢٥).","vol":"1","page":248},{"text":"قال ابن حزم ﵀: وقد تصدق رؤيا الكافر ولا تكون حينئذ جزءًا من النبوة، ولا من المبشرات، ولكن إنذارًا له ولغيره ووعظًا (١).\nوقال أبو بكر بن العربي ﵀: وعندي أن رؤيا الفاسق لا تعد من أجزاء النبوة، وقيل تعد من أقصى الأجزاء، وأما رؤيا الكافر فلا تعد أصلا (٢).\nفالحاصل أن الرؤيا لا تكون من أجزاء النبوة إلا إذا كانت من مسلم صادق، ومن ثم جاءت مقيدة في أغلب الأحاديث، وما جاء في بعض ألفاظها من الإطلاق، فيحمل المطلق على المقيد، وبهذا الإطلاق تخرج رؤيا الكافر الصادقة.\n_________\n(١) الفصل في الملل والنحل (٥/ ١٢٤).\n(٢) عارضة الأحوذي (٩/ ١٢٦) وانظر: فتح الباري (١٢/ ٣٦٢) وطرح التثريب (٨/ ٢٠٧) وشرح الكرماني على البخاري (٢٤/ ١٠٣).","vol":"1","page":249},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-45>الباب الثاني\nأقوال المخالفين في الرؤى\nومناقشتهم</span>\nوفيه فصلان:\nالفصل الأول: نظريات علماء النفس في الرؤى ومناقشتهم.\nالفصل الثاني: مذهب الصوفية في الرؤى والرد عليهم.","vol":"1","page":251},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-46>تمهيد</span>\nتقدم في الباب الأول حقيقة الرؤى وأقسامها عند أهل السنة والجماعة، كما دل على ذلك كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ -.\nوالمسلم الحق يجب أن يكون وقافًا عند أمر الله تعالى لا يجاوزه ولا يقصر فيه، وكل انحراف عن أمر الله إنما هو نزعة من الشيطان.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: دين الله وسط بين الغالي فيه، والجافي عنه، والله تعالى ما أمر عباده بأمر إلا اعترض الشيطان فيه بأمرين لا يبالي بأيهما ظفر، إما إفراط فيه، وإما تفريط فيه.\nوإذا كان الإسلام الذي هو دين الله لا يقبل من أحد سواه، قد اعترض الشيطان كثيرًا ممن ينتسب إليه، حتى أخرجه عن كثير من شرائعه (١).\nوقال ابن القيم ﵀: وما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزعتان:\nإما إلى تفريط وإضاعة.\nوإما إلى إفراط وغلو.\nودين الله وسط بين الجافي عنه، والغالي فيه، كالوادي بين جبلين، والهدى بين ضلالتين، والوسط بين طرفين ذميمين فكما أن الكافي عن الأمر مضيع له، فالغالي فيه مضيع له،، هذا بتقصيره عن الحد، وهذا بتجاوزه الحد (٢).\n_________\n(١) الوصية الكبرى (ص٦٥) بتعليق محمد عبد الله النمر وعثماني جمعة ضميرية دار الفاروق الطبعة الثانية ١٤١٠ هـ\n(٢) مدارج السالكين (٢/ ٥٢١، ٥٢٢) دار الكتب العلمية الطبعة الأولى (١٤٠٣ هـ).","vol":"1","page":253},{"text":"فالإفراط والتفريط كلاهما تضييع لأمر الله وعدم تعظيم له، وقد حصل الإفراط والتفريط في الرؤى.\nفمن الناس من أنكر جوانب من الرؤى، فأنكر الرؤيا الصادقة، كالماديين في عصرنا وفي كل عصر، كأتباع مدرسة التحليل النفسي.\nوفي مقابل هؤلاء هناك من يعتمدون على الرؤى في حياتهم كأنها وحي، بل منهم من يجعلها حجة يستدل بها كما يستدل بالكتاب والسنة.\nفهؤلاء وهؤلاء لهم في الرؤى تخرصات وتخبطات، وأقاويل ما أنزل الله بها من سلطان.\nوسوف أعرض إن شاء الله، مذهب كل طائفة في الرؤى ثم أقوم بمناقشة آرائهم وذلك من خلال الفصلين التاليين.\nالفصل الأول: نظريات علماء النفس في الرؤى، ومناقشتهم ويمثل هذا جانب التفريط والتقصير.\nالفصل الثاني: مذهب الصوفية في الرؤى، والرد عليه ويمثل جانب الإفراط والغلو.","vol":"1","page":254},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-47>الفصل الأول\nنظريات علماء النفس في الرؤى ومناقشتهم</span>\nوفيه تمهيد ومبحثان:\nتمهيد: تعريف علم النفس.\nالمبحث الأول: نظرية التحليل النفسي ومناقشتها.\nالمبحث الثاني: نظرية التنبيهات الخارجية ومناقشتها.","vol":"1","page":255},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-48>تمهيد</span>\nتعريف علم النفس\nوفيه ثلاث مسائل:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-49>المسألة الأولى: تعريف علم النفس</span>.\nالمسألة الثانية: نشأته وأطواره.\nالمسألة الثالثة: مصادر المعرفة عند علماء النفس.\nالمسألة الأولى: تعريف علم النفس\nعرف بعضهم علم النفس بأنه: العلم الذي يدرس الحوادث النفسية؛ فكما أن علم الاجتماع يدرس حوادث المجتمع، فعلم النفس يدرس حوادث النفس من صور وأفكار وعواطف وميول.\nوعرف آخرون علم النفس، بأنه دراسة السلوك البشري.\nوقالوا إن مهمة العالم النفسي ليست سوى وصف أعمال الجنس البشري بصورة دقيقة.\nولكن إذا نظرنا إلى هذين التعريفين، وجدنا أن التعريف الأول فيه غموض، لأن الحوادث النفسية لا يمكن إدراكها في كثير من الأحيان.\nوالتعريف الثاني، تعريف ناقص، لأن الإنسان ليس مادة فقط، بل هو إنسان ذو مشاعر وعواطف وإحساسات داخلية وميول.\nولهذا جمع كثير من المتأخرين من علماء النفس بين التعريفين، وضموا الظواهر النفسية الداخلية إلى الظواهر السلوكية الخارجية، فقالوا في تعريف علم النفس بأنه:","vol":"1","page":257},{"text":"العلم الذي يبحث في السلوك الإنساني وتوافقه مع البيئة (١). وعلماء النفس - برغم اختلاف اهتماماتهم - متفقون على أن السلوك هو محور وأساس دراساتهم، وأن موضوع علم النفس هو السلوك باعتباره محصلة تفاعل الفرد مع بيئته (٢).\nوأنواع السلوكيات في نظر علماء النفس التي تصدر عن الإنسان أثناء تفاعله مع البيئة وتوافقه معها كثيرة ومتعددة فمنها:\n١ - الإدراك: وهو العملية العقلية التي تتم بها معرفة العالم الخارجي عن طريق التنبيهات الحسية.\nفقام علماء النفس بدراسة عملية الإدراك عند الإنسان، والأجهزة المختلفة التي بها تتم هذه العملية، والظروف المختلفة التي تؤثر فيها.\n٢ - دوافع السلوك: سواء كانت فطرية كالجوع والعطش، أو مكتسبة كرغبة الإنسان في جمع المال.\nفقام علماء النفس بدراسة الدوافع بأنواعها الفطرية والمكتسبة، وأثر هذه الدوافع في سلوك الأفراد، وفي تصرفاتهم المختلفة.\n٣ - الانفعالات: فيهتم علماء النفس بدراسة انفعالات الإنسان الفطرية مثل الخوف والغضب والانفعالات المكتسبة، فيدرسون أثر هذه الانفعالات في حياة الناس وسلوكهم وأثرها في صحتهم.\n_________\n(١) انظر هذه التعريفات في: بحوث في علم النفس (ص١١ - ١٢) للدكتور فائز محمد علي الحاج، المكتب الإسلامي، الطبعة الثالثة ١٤٠٠ هـ والمدخل إلى علم النفس (ص٣٥ - ٣٩) تأليف الدكتور عبد الله بن عبد الحي موسى، مكتبة الخانجي بالقاهرة، الطبعة الثالثة.\n(٢) انظر: المدخل إلى علم النفس، تأليف الدكتور عبد الله بن عبد الحي موسى (ص٧٦).","vol":"1","page":258},{"text":"٤ - النضج: فيدرس علماء النفس المراحل التي يمر بها الإنسان أثناء حياته من طفولة وشيخوخة، والعوامل التي تؤثر فيها.\n٥ - التعلم: فيهتم علماء النفس بدراسة طبيعة التعلم، وطرقه، ومبادئه.\n٦ - التذكر والنسيان: يهتم علماء النفس بدراسة العوامل التي تساعد الإنسان على التذكر، والعوامل التي تسبب النسيان.\n٧ - التخيل والتفكر: يهتم علماء النفس بدراسة التخيل وعلاقته بوظائف الإنسان العقلية الأخرى مثل: الأحلام والإبداع والتفكير.\n٨ - الشخصية: والمقصود العوامل التي تؤثر في تكوينها، وأسباب انحرافها وشذوذها وطرق علاجها.\n٩ - الفروق الفردية: سواء كانت بدنية أو نفسية أو عقلية، فيدرس علماء النفس أسباب الفروق الفردية، وأثر كل من الوراثة والبيئة فيها (١).\nفموضوع علم النفس هو السلوك الإنساني:\nيقول الدكتور فائز الحاج: وبالرغم من احتفاظ هذا العلم باسم علم النفس فإن العلماء لا يعتبرون أنفسهم مهتمين بدراسة شيء منفصل عن الجسد، حتى لو كانت النفس موجودة فعلا، فإن عدم رؤيتهم لها يبعدها عن ميدان البحث العلمي، وذلك لأن العلماء يعجزون عن بحث أي شيء لا يقع تحت حسهم أو لا يمكن أن يؤتي به إلى ميدان الحس بواسطة اللغة، أو بواسطة بعض الآلات كالمجهر وآلة التصوير أو غيرها (٢).\n_________\n(١) انظر: علم النفس في حياتنا اليومية (ص١٠ - ١٤) تأليف الدكتور محمد عثمان نجاتي، دار النهضة العربية الطبعة الرابعة ١٩٦٤م.\n(٢) بحوث في علم النفس (ص١٢).","vol":"1","page":259},{"text":"فينطلق علم النفس في جميع اتجاهاته من مبدأ أساس هو أن الإنسان في تكوينه النفسي يخضع لتكوينه العضوي المادي.\nوهذا التصوير الخاطئ للإنسان أنتج نتائج خاطئة.\nيقول الدكتور عبد الحميد الهاشمي: فالمشكلة الأساسية والمزمنة في الدراسات النفسية أنها لا تنظر للإنسان ككل في إطار واحد متكامل بجميع أبعاده التكوينية ومظاهره النفسية، وإنما كانت تركز في كل فترة زمنية من تاريخ علم النفس على جانب واحد فقط تسلط عليه أضواء البحث مهملة في ذات الوقت بقية الجوانب النفسية الأخرى.\nكما أن بعض هذه التصورات المختلفة كانت لاختلاف ثقافات واتجاهات بعض العلماء النفسيين، فكان أحدهم مثلا يلمح نقطة يكتشفها في مجال النفس الإنسانية، فيقوم ويضع خريطة تخطيطية لجميع النفس الإنسانية من خلال تلك النقطة التي اكتشفها، ثم يدعي أن ذلك هو كل النفس الإنسانية، فكانت هناك تخطيطات وتصورات تختلف واحدتها عن الأخرى، ولا يمكن أن تكون كلها صحيحة، كما أن أحدها لا يكون بمفرده صحيحًا.\nفالإنسان لديهم إما روح سامية وكفى، أو هو عقل مجرد، أو إحساس فقط، أو شعور سائد، أو لا شعور مهيمن، أو سلوك حركي ظاهري مادي.\nفالمشكلة في الدراسات النفسية كانت ولا تزال في عدم الفهم الدقيق والعميق والشامل لجوانب التكوين في النفس الإنسانية، وفي عدم حفظ التوازن بين تلك الجوانب المتفاعلة في الحياة النفسية (١).\n_________\n(١) علم النفس في التصور الإسلامي (ص١٨ - ٢٠).","vol":"1","page":260},{"text":"فكان من نتائج هذا التصور الناقص، نتائج منحرفة في الدراسات النفسية منها:\n١ - قصور الدراسات النفسية على جانب واحد فقط من جوانب النفس الإنسانية يختلف من عالم إلى آخر، مما جعل الصورة العامة لعلم النفس غامضة.\n٢ - تركيز مطلق على الجانب الإدراكي العقلي وحده، وكأن الإنسان آلة حاسبة أو عقل آلي فقط.\n٣ - اهتمام بالجانب المادي للنفس والدوافع والنشاط مع إهمال لبقية الجوانب الروحية والخلقية التي تمثل ركنًا هامًا في تكوين الشخصية وبناء النفس الإنسانية.\nفكان من ذلك قلق نفسي مع عناء مادي (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-50>المسألة الثانية: نشأة علم النفس وأطواره</span>\nعلم النفس علم قديم من حيث محاولة فهم النفس الإنسانية، وما يعتريها من رضا أو غضب أو حزن، وهو حديث من حيث تحديد مفاهيمه واستخدامه لبعض الوسائل المعملية.\nفيذكر المؤرخون لعلم النفس أن أول من خاض في النفس البشرية وأحوالها فلاسفة اليونان القدامى أمثال: أفلاطون وأرسطو.\n_________\n(١) انظر المرجع السابق (ص٢٠).","vol":"1","page":261},{"text":"ومن ثم نشأ علم النفس في أحضان الفلسفة، وكان الفلاسفة هم علماء النفس حتى أواخر القرن التاسع عشر الميلادي (١) حيث بدأ الانفصال الحقيقي بين الفلسفة وعلم النفس، عندما افتتح فونت معهدا في جامعة ليبرغ عام (١٨٧٩م) فأعطى من خلال تجاربه لعلم النفس صفة العلم التجريبي (٢).\nوحاصل الأمر أن علم النفس مر بمراحل متعددة وهي:\nالمرحلة الأولى: الروح.\nالمرحلة الثانية: النفس.\nالمرحلة الثالثة: العقل.\nالمرحلة الرابعة: الشعور والإحساس.\nالمرحلة الخامسة: اللاشعور والعقل الباطن (٣).\nالمرحلة السادسة: السلوك الظاهري.\nحتى لقد عبر أحد علماء النفس وهو وودورث عن هذه التطورات لعلم النفس فقال: لقد فقد علم النفس روحه، ثم فقد عقله، ثم فقد حسه، ثم فقد شعوره، ثم فقد لا شعوره، ثم لم يبق منه إلا السلوك الظاهري (٤).\n_________\n(١) انظر: تاريخ علم النفس (ص٩) تأليف الدكتور وريس روكلان، ترجمة علي زيعور، وعلي مقلد، منشورات عويدات، بيروت لبنان طبعة ١٩٧٢م.\n(٢) انظر: بحوث في علم النفس (ص١٣، ١٤).\n(٣) في المعجم الفلسفي (٢/ ٢٦٤) تأليف الدكتور جميل صليبا دار الكتاب اللبناني، الطبعة الأولى ١٩٧٣ م \" واللاشعور، مجموع الأحوال النفسية الباطنية التي تؤثر على سلوك المرء، وإن كانت غير مشعور بها \".\nوانظر: كتاب العقل الباطن، تأليف سادلر، ونقله إلى العربية عباس حافظ.\n(٤) انظر: علم النفس في التصور الإسلامي (ص١٨) للدكتور عبد الحميد الهاشمي.","vol":"1","page":262},{"text":"ويقول الدكتور فائز الحاج: والواقع أن علم النفس لم يصبح علمًا إلا حين أصبح تجريبيًا وأول ما استعمل التجريب في علم النفس استعمل في تحليله الخبرة الشعورية (١).\nالمهم أنه في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي بدأ الانفصال الحقيقي بين الفلسفة وعلم النفس، وصار لعلم النفس دوائر مستقلة، ومختبرات وجمعيات، ومجلات خاصة، وأصبح له أخصائيون يشغل بعضهم في المختبرات لدراسة السلوك والإحساس والإدراك والتعلم والتذكر ووضع الجداول والمقاييس، وبعضهم يشتغل في العيادات لدراسة المرضى ومحاولة دراسة النفس البشرية والأحلام والرغبات.\nولما كان من الصعوبة إجراء التجارب على الإنسان، وتعذرها في بعض الأحيان، اتجه علماء النفس إلى الحيوانات لسهولة إجراء التجربة عليها.\nفيقول الدكتور فائز الحاج: فإذا ذكرنا سهولة التجريب على الحيوان، قدرنا الخدمات التي أدتها وتؤديها دراسة الحيوان لدراسة الإنسان، وهكذا كان لعلم النفس الحيواني أثره في علم النفس الإنساني، كما كانت له خدماته (٢).\nوكان من أوائل الذين أجروا التجارب على الحيوانات دارون وما نتائج تجاربه وأبحاثه بخافية على كل ذي عقل (٣).\n_________\n(١) بحوث في علم النفس (ص١٣).\n(٢) المرجع السابق (ص١٥).\n(٣) انظر: مناقشة هذه النظرية في كتاب محمد قطب الإنسان بين المادية والإسلام.","vol":"1","page":263},{"text":"ولم يقف علم النفس عند هذا الحد، بل اتسع أكثر فأكثر، فاهتم بدراسة المرضى والعصبيين والمتخلفين، ونظرية فرويد التي سوف نتعرض لها بشيء من التفصيل كانت نتيجة تجاريه على هذه الطبقة من الناس.\nوأيا كانت التجارب التي قام بها علماء النفس والنتائج التي توصلوا إليها فهي لا تعدو تجارب قوم لا يؤمنون بالله واليوم الآخر، طبقوا ما توصلوا إليه بعقولهم القاصرة على مجتمعات كافرة، تحكمها وتسيرها المادة والعقائد الباطلة.\nوهذا الذي استقر عليه علم النفس هو الذي انتقل فيما بعد إلى الجامعات العربية والإسلامية.\nيقول الدكتور محمد عثمان نجاتي: إن علم النفس الذي يدرس الآن في الجامعات العربية والإسلامية؛ إنما هو مستمد من الغرب، وهو يعتمد في وصفه للإنسان، وفي الحقائق التي يذكرها عنه علي نتائج البحوث التي أجريت، في الأغلب في مجتمعات غربية غير إسلامية، لها تصورها الخاص عن الإنسان، ولها فلسفتها الخاصة في الحياة، ولها ثقافتها ومعاييرها وقيمها الخاصة بها، ولا شك في أن لهذه العوامل تأثيرًا كبيرًا في توجيه الدراسات النفسية التي تجري في المجتمعات، في الأغلب، إلى دراسة موضوعات تتفق مع ما لديها من تصور عن طبيعة الإنسان، ورسالته في الحياة، وغايته منها، وما هو سائد فيها من ثقافة ومعايير وقيم وفلسفة للحياة وغايته منها، فاهتمام فرويد مثلا بالغريزة الجنسية في دراسته لأسباب الأمراض النفسية إنما يرجع في الأغلب إلى ثقافة العصر الذي عاش فيه.","vol":"1","page":264},{"text":"ويلاحظ كذلك في المجتمعات الغربية التي غلبت عليها الاتجاهات المادية في الحياة، والتي ابتعدت عن الاهتمام بالنواحي الروحية الدينية، قد اتجهت فيها الدراسات النفسية إلى الموضوعات التي تتعلق بالنواحي المادية والاجتماعية من السلوك الإنساني، وأغفلت دراسة النواحي الروحية وتأثيرها في السلوك، ويلاحظ أيضًا أن علماء النفس المحدثين، تمشيًا مع الاتجاه المادي الذي يغلب على فلسفتهم في الحياة، يهملون دراسة أثر الدين والإيمان والنواحي الروحية في الصحة النفسية.\nويلاحظ كذلك أنهم في أساليبهم المختلفة في العلاج النفسي لا يهتمون بتصحيح الناحية الدينية في المريض النفسي.\nيتضح من هذه الأمثلة القليلة التي ذكرتها سابقًا أن علم النفس الحديث الذي نشأ في البلاد الغربية غير الإسلامية، قد لا تتفق بعض مفاهيمه مع تصورنا الإسلامي للإنسان، ولذلك فنحن في حاجة إلى إعادة النظر في كثير من هذه المفاهيم، ومناقشتها على ضوء التصور الإسلامي للإنسان وإدخال بعض التعديلات أو التغييرات فيها بحيث تصبح متفقة، أو على الأقل غير متعارضة مع مفاهيمنا الإسلامية (١).\nويقول الأستاذ محمد قطب: إن العلوم البحتة والتجريبية التي تخضع خضوعًا كاملًا للتجربة المعملية يطرأ عليها التغيير والنقص والتبديل، وإلغاء معلومات كان ينظر إليها بالأمس على أنها حقائق نهائية، فإذا كان الأمر كذلك فأولى بنا إذا أن نكون أكثر احتراسًا ونحن نتلقى نظريات علم النفس، وينبغي\n_________\n(١) الحديث النبوي وعلم النفس (ص٧ - ٩).","vol":"1","page":265},{"text":"ألا تأخذنا العزة بالإثم، فنقول إن كذا وكذا حقيقة ثابتة لا تقبل الجدل والنقاش (١).\nولا تنكر تلك الجهود التي يقوم بها بعض علماء النفس من المسلمين، في إخراج علم نفس إسلامي، ولكن يؤخذ على بعض هؤلاء القصور في العلم الشرعي مما يجعلهم ينقلون كل ما عند علماء النفس الغربيين دون تمحيص، بل على أنه مسلمات مع أنه يحتوي في بعض جوانبه على أخطاء عقدية.\nويؤخذ أيضًا على هؤلاء الذين يحاولون تقريب علم النفس للإسلام، أنهم يستشهدون بأقوال الفارابي وابن سينا والغزالي على أنهم يمثلون الاتجاه الإسلامي مع أن هؤلاء لهم أقوال منكرة، وخاصة في أمور العقيدة، وقد ناقش شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ آراءهم في كثير من كتبه.\nلذلك فنصيحتي لعلماء النفس من المسلمين أن يأخذوا من المصدر الأصيل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولا يتطرق إليه شك، كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - ثم الاستشهاد بأقوال وفهم العلماء الربانيين من سلف هذه الأمة الصالح، فهذا هو الطريق الصحيح لمن أراد إخراج علم نفس ينطلق من المنهج الشرعي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-51>المسألة الثالثة: مصادر المعرفة عند علماء النفس</span>\nاتضح لنا مما سبق أن علماء النفس قد ألزموا أنفسهم بدراسة الظواهر النفسية التي يمكن ملاحظتها أو قياسها أو إخضاعها للبحث التجريبي، أما\n_________\n(١) الإنسان بين المادية والإسلام (ص١٩) محمد قطب.","vol":"1","page":266},{"text":"الظواهر النفسية والروحية التي لا يمكن ملاحظتها أو قياسها أو إخضاعها للبحث التجريبي فقد استبعدوها عن دائرة البحث في علم النفس.\nفعلم النفس ينحو منحى ماديًا في تفسيره للمعرفة، فالمعرفة الحسية هي الأساس الذي يعتمد عليها علماء النفس، ولا يتعرضون في موضوع التعلم، واكتساب المعرفة إلى العلم الذي يحصل عليه الإنسان عن طريق الوحي أو الإلهام أو الرؤيا الصادقة (١).\nوسبب هذا الانحراف في مفهوم المعرفة هو انحرافهم في الإيمان بالله ﷿ والإيمان بالوحي وما يتبعه من الرؤيا الصادقة، بل وإنكارهم أيضًا لتأثير الشياطين في الإنسان (٢).\nفإذا كانت الرؤى ثلاثة أقسام:\nرؤيا من الله، رؤيا من الشيطان، ورؤيا من حديث النفس.\nفإن علماء النفس في نظرياتهم للرؤى استبعدوا القسمين الأولين، وانحصرت بحوثهم وتجاربهم ونظرياتهم في القسم الثالث: وأما القسمان الأولان فلهم فيهما تفسيرات مادية (٣).\n_________\n(١) انظر: كتاب الحديث النبوي وعلم النفس (ص٢٠٧ - ٢٠٨) للدكتور محمد عثمان نجاتي\n(٢) انظر: الرد على من ينكر دخول الجني في الإنسي في كتاب زاد المعاد لابن القيم ﵀ (٤/ ٦٧) وكتاب إيضاح الحق في دخول الجن في الإنس والرد على من أنكر ذلك لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀.\n(٣) انظر: الحديث النبوي وعلم النفس (ص٢٠٨).","vol":"1","page":267},{"text":"وقد قدم علم النفس عدة نظريات لتفسير الرؤى والأحلام، وكلها تدور حول أحاديث النفس في النوم، والاختلاف بين هذه النظريات هو في تفسير أسباب هذه الأحلام، ولهم في ذلك تفسيران.\nالأول: أحلام نفسية، بمعنى أن هذه الأحلام صور وأفكار تداعى بعضها وراء بعض، دون اتصال بمؤثر حسي إطلاقًا فهي تشبه خواطر اليقظة وتستمد وجودها من ذكريات الماضي وتجاربه.\nالثاني: أحلام حسية بمعنى أن الأحلام تتضمن صورًا عقلية أدت إليها مؤثرات موجودة بالفعل تقع على الحس الظاهر، أو الباطن عند النائم، ولكن النائم أدركها على غير وجهها.\nولكل نوع أنصاره ومؤيدوه، وإن جمع جمهرة من علماء النفس بين الاتجاهين (١).\nوسوف أناقش إن شاء الله نظرية واحدة لكل اتجاه، وبقية النظريات التي قدمها علماء النفس تدور حول هذه التفسيرات، والرد عليها ومناقشتها، يقال فيه ما يقال في كل نظرية من هذه النظريات.\nففي الاتجاه الأول: نظرية التحليل النفسي.\nوالاتجاه الثاني: نظرية التنبيهات الخارجية.\n_________\n(١) انظر: كتاب الأحلام للدكتور توفيق الطويل (ص٧٠ - ٧١) وحول صلة علم النفس بالرؤى انظر كتاب: دليل الحيران في تفسير الأحلام، لمحمد علي قطب (ص٢٤).","vol":"1","page":268},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-52>المبحث الأول\nنظرية التحليل النفسي، ومناقشتها</span>\nوفيه مسألتان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-53>المسألة الأولى: نظرية التحليل النفسي</span>\nمؤسس هذه النظرية هو سيجموند فرويد (١)، وقد كان لنظرياته في علم النفس أثر خطير، لم يقف عند حد المباحث النفسية والتربية والتعليم، بل تعداها إلى كثير من نواحي النشاط الإنساني.\nوخلاصة نظريته في الرؤى والأحلام - والتي هي جزء من نظريته العامة (٢) يرى أن الأحلام والرؤى لا تتنبأ بالمستقبل، فهو ينكر الرؤيا الصادقة، بل يرى أن جميع الرؤى تكشف عن صراعات جنسية مكبوته.\nوقد أجرى تجاربه هذه على الشواذ، وبين أن عذره في ذلك هو عدم استطاعته تفسير أحلام الأصحاء، وعلى هذا أجري ملاحظاته في ظروف تفتقر\n_________\n(١) سيجموند فرويد (١٨٥٦ - ١٩٣٩م) يهودي الأصل، ولد في فرابيرج بالمجر، حصل على وظيفة محاضر في الأمراض العصبية بجامعة فينا، وعاش معظم حياته فيها، ولكنه هرب إلى لندن حينما حكم النازي لبلاده انظر ترجمته وآراءه في: موسوعة الفلسفة (٢/ ١٢٢ - ١٢٥).\n(٢) حيث يفسر جميع أنواع السلوك البشري تفسيرًا جنسيًا فيرى أن هنالك ميولا ورغبات كامنة في أعماق النفس لا يشعر بها الإنسان ولكنها تؤثر في حياته دون أن يشعر بها سماها فرويد اللاشعور، ولكنه حصر تلك الميول والرغبات في رغبة الجنس.\nوانظر: المدخل إلى علم النفس، تأليف الدكتور عبد الله بن عبد الحي موسى (ص٢١)، وكتاب الإنسان بين المادية والإسلام محمد قطب (ص١٩)، وعلم النفس في التصور الإسلامي للأستاذ عبد الحميد الهاشمي (ص١٦).","vol":"1","page":269},{"text":"إلى عوامل الضبط، بل على أناس مرضى دون محاولة التيقن من صحة ما توصل إليه (١).\nوقد أثرت هذه النظرية أثرًا كبيرًا في علم النفس وخاصة في الطب النفسي.\nعلى أن هناك من رواد هذه النظرية وبعضهم من تلاميذ فرويد، لم يوافقوه في كثير من تحليلاته.\nفيرى أدلر (٢) وهو من المعاصرين لفرويد وكذلك يونج (٣) أن الجنس وحده ليس هو كل شيء، فأكد أهمية جميع الدوافع والغرائز الأخرى (٤).\n_________\n(١) انظر: كتاب الأحلام لفرويد، عرض وتقديم الدكتور مصطفى غالب، دار مكتبة الهلال، بيروت ١٩٨٠م، ونظرية الأحلام والحلم تأويله كلاهما لفرويد، ترجمة جورج طرابيشي وكتاب محاضرات تمهيدية في التحليل النفسي (ص٧٦ - ٢٦٨) ألفها فرويد، ترجمها الدكتور أحمد عزت راجح، الطبعة الثالثة ١٩٦٦م وكتاب مقدمة التحليل النفسي لفرويد، ترجمة إسحاق رمزي، دار المعارف بمصر، وكتاب معالم التحليل النفسي لفرويد، ترجمة الدكتور محمد عثمان نجاتي، دار الشروق الطبعة السابعة ١٤٠٨هـ (ص٧٤ - ٨٣).\n(٢) أدلر (١٨٧٩ - ١٩٣٧م) حصل على إجازة الطب عام ١٨٩٥م في أمراض العيون ثم أصبح طبيبًا نفسيًا، وكان رئيسا لجمعية فينا للتحليل النفسي، وبعد ذلك انتقل إلى أمريكا وأصبح أستاذًا لعلم النفس الطبي.\nانظر ترجمته وآراءه في: موسوعة الفلسفة (١/ ٩٤ - ٩٦) للدكتور عبد الرحمن بدوي.\n(٣) يونج (١٨٧٦ - ١٩٦١م) حصل على إجازة الطب، وعمل طبيبًا نفسيًا في مستشفى \"يورجرلزي \" العقلية بزيورخ، وبعد ذلك عمل في عيادات نفسية.\nوانظر ترجمته وآراءه في: موسوعة الفلسفة (٢/ ٦٤٢ - ٦٤٥) للدكتور عبد الرحمن بدوي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، الطبعة الأولى (١٩٨٤م).\n(٤) انظر: علم النفس، للدكتور محمد أبو العلا أحمد والدكتور محمد خليفة بركات (ص١٥١، ١٥٢).","vol":"1","page":270},{"text":"وعلى هذا فوجهات نظر علماء التحليل النفسي بشأن الرؤى والأحلام، أن منهم من يعزو الأحلام إلى دوافع جنسية، وهذا رأي مؤسس النظرية، ومنهم من يعزوها إلى دوافع أخرى، وجميعهم ينكر الرؤيا الصادقة والرؤيا التي من الشيطان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-54>المسألة الثانية: مناقشة هذه النظرية</span>\nهذه النظرية باطلة من وجوه متعددة في أساس نظرتها للإنسان، وفي إغفالها لجوانب متعددة من الرؤى.\nيقول الأستاذ محمد قطب: النقد الأول: الذي ينبغي أن يوجه إلى هذه النظرية، هو في أساس نظرتها إلى الإنسان على أنه كائن أرضي بحت، لا يرتفع بمشاعره، وعواطفه عن العالم الأرضي إلا في حالات الشذوذ (١).\nوهذا أول ما يعاب عليه من تحقير الإنسان وتصويره على أنه مجموعة من الغرائز والشهوات، وسبب هذه النظرة المادية للإنسان هو ما أشار إليه الأستاذ محمد قطب من أن فرويد قد تأثر بدارون في نظرته الحيوانية المادية للإنسان (٢).\nيقول الأستاذ محمد قطب أيضًا: تبين لي بعد كتابة هذا الكتاب - يعني كتاب الإنسان بين المادية والإسلام - بسنوات أن المسألة لم تكن مجرد تأثر\n_________\n(١) الإنسان بين المادية والإسلام (ص١٩) دار الشروق الطبعة الثامنة (١٤٠٣هـ).\n(٢) المرجع السابق (ص١٩ - ٢٤) وانظر: كتاب دليل الحيران في تفسير الأحلام (ص٣) تأليف محمد علي قطب.","vol":"1","page":271},{"text":"علمي بدارون، وإنما كان استغلالا مقصودًا لنظريته، من أجل إفساد البشرية (١).\nوالنقد الثاني: الذي يوجه إلى هذه النظرية أنها تجعل الرؤى نوعًا واحدًا فقط، وهذا يعني أنها تغفل جوانب أخرى للرؤيا دلت الأدلة الشرعية على إثباتها، وهي الرؤيا الصادقة، والرؤيا التي تكون من تهاويل الشيطان.\nوسبب هذه النظرية القاصرة هو عدم إيمانهم بالمغيبات وتأثير الشيطان في الإنسان، وعدم إيمانهم بالروح.\nيقول الأستاذ محمد قطب مناقشًا هذه النظرية وزعيمها فرويد اليهودي: فهو يذهب إلى أبعد مدى في نظريته في تفسير الأحلام، فينكر كل حقيقة خارجة عن نطاق الأرض، بل عن نطاق الإنسان ذاته في حيز المحدود، فهو ينفي نفيًا تامًا ما نسميه الأحلام التنبئية، لأنها قائمة على أساس الروح، وعلى أساس صلة هذه الروح بالعالم الأكبر، وبالغيب المجهول.\nثم يواصل الأستاذ محمد قطب مناقشته لهذه النظرية قائلا:\nفما من شك في أن الجمهرة الغالبة من أحلام الناس، هي تنفس عن أشياء مكبوته، أو تعبير عن رغبة منتهاه، كما يفسرها فرويد بحق، وتبقى بعد ذلك\n_________\n(١) المرجع السابق (ص٢٦) وانظر: كتاب التطور والثبات فصل اليهود الثلاثة للأستاذ محمد قطب.\nوانظر: مناقشة فرويد بشيء من التفصيل في كتاب الإنسان بين المادية والإسلام، (ص١٩ - ٤٦) وكتاب الفرد والمجتمع وكتاب الجريمة والعقاب، وكتاب المشكلة الجنسية، وكتاب القيم العليا، وكتاب جاهلية القرن العشرين (ص٨٤، ٨٥) كلها للأستاذ محمد قطب.","vol":"1","page":272},{"text":"قلة ضئيلة من الأحلام لا يمكن أن تفسر على هذا الأساس، ولا يمكن بغير تمحل ولا التواء أن تفسر إلا على أساس الاعتراف بصلة ما خفية دقيقة بين هذا الكائن البشري والكون الكبير والغيب المجهول.\nوهناك حقيقتان أساسيتان في هذا المجال:\nالأولى: أن قلة عدد هذه الأحلام لا ينفي وجودها، ولا يبرر إسقاطها من الحساب، فلم يقل أشد الروحانيين روحانية، إن كل أحلام الناس تنبئية، بل قالوا: إنها القلة التي يراها الإنسان وهو صافي الروح، ولكن واحدًا منها يكفي لإثبات هذه الحقيقة النفسية الفذة، فكيف وهي ليست واحدة فقط، بل مئات وألوف يشهد بهذا الواقع الشخصي لكثير من الناس.\nوالحقيقة الثانية: هي أن عدم وصول العلم حتى اليوم إلى تفسير هذه الصلة الخفية الدقيقة التي تربط الإنسان بالكون الكبير والغيب المجهول، لا تعني حتمًا هذه الصلة غير موجودة، وكل ما تعنيه أن العلم لم يصل إليها بعد.\nليس إصرار فرويد إذن على نفي العامل الروحي من حياة البشرية مستندًا إلى واقع علمي ثابت، وإنما هو تفسير ناشئ من تأثرات خاصة لا شأن للعلم بها، وليس فرضًا علينا نحن المسلمين خاصة، أن نؤمن بها، ونتلقفها على أنها آيات من التنزيل (١).\n_________\n(١) الإنسان بين المادية والإسلام (ص٣٦) وانظر: نقد هذه النظرية أيضًا في كتاب علم النفس في التصور الإسلامي (ص١٧) للدكتور عبد الحميد الهاشمي، وفي ظلال القرآن لسيد قطب (٤/ ١٩٧٢).","vol":"1","page":273},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-55>المبحث الثاني\nنظرية التنبيهات الخارجية، ومناقشتها</span>\nوفيه مسألتان:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-56>المسألة الأولى: نظرية التنبيهات الخارجية</span>\nيرى بعض علماء النفس أن الرؤى والأحلام تنشأ عن تنبيهات حسية خارجية ويتوقف مضمون الحلم على طبيعة هذه التنبيهات فقالوا: بأن الحواس لا تتعطل عن أداء وظيفتها أثناء النوم، فالعين عندهم فيها إحساسات بصرية باطنية، وقالوا: يشهد لهذا قدرة العين على التمييز بين النور والظلام أثناء النوم، ومن هذه الاحساسات ينشأ الكثير من أحلامنا. فإذا أضاءت أمام النائم شمعة فجأة تحول الضوء في حلمه إلى حريق، يتبعه صراخ وعويل، يعقبه إقبال رجال المطافئ، يليه رجال الإسعاف إلخ.\nوما قيل في العين ينسحب على الأذن واللمس لأن لها إحساسات باطنية.\nوبعضهم قال: إن الأحلام قد تكون نتيجة لمؤثرات بدنية عضوية في الباطن فقالوا: إن الإنسان لا يكاد يشعر بأعضاء جسمه الداخلية، متى كان سليمًا معافى، ففسروا الأحلام المزعجة نتيجة لأمراض داخلية.\nوهكذا صور بعض علماء النفس أثر المؤثرات الحسية الظاهرة والباطنة التي تصاحب النوم في تكوين الأحلام وتشكيلها (١).\n_________\n(١) انظر: كتاب الأحلام (ص٧١ - ٧٤) للدكتور توفيق الطويل، مكتبة الأدب، الطبعة الأولى ١٣٦٤هـ وكتاب الرؤى والأحلام في ميزان الإسلام (ص١٤) تأليف خالد بن علي بن محمد، مكتبة الصفحات الذهبية، الرياض، الطبعة الأولى (١٠٤٩هـ).","vol":"1","page":274},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-57>المسألة الثانية: مناقشة هذه النظرية</span>\nتناقش هذه النظرية بما ناقشنا به النظرية السابقة بما يلي:\nأولًا: النظرة القاصرة للإنسان، وأنه عبارة عن جانب مادي فقط، والتنكر للجانب الروحي فيه، وهذا ما جعلهم يتخبطون تخبطًا عشوائيًا.\nثانيًا: قصورها على نوع واحد من الرؤى، وإغفالها لجوانب متعددة من الرؤى دلت الأدلة الشرعية عليها.\nثالثًا: أننا لا ننكر أن بعض الرؤى قد تكون كما جاء في الحديث، أنها أحاديث نفس، لكننا لا نسلم بهذه التفسيرات التي لا دليل عليها، وهذا حكم بغير برهان، وهل كل الرؤى التي يراها الإنسان تأتي نتيجة لهذه الأسباب، فلا شك أن القول بهذه النظرية وحصر الأحلام في هذه الأسباب قول باطل.\nرابعًا: تنكرها للجانب الغيبي وما يتعلق بالرؤيا من الله، والرؤيا من الشيطان.\nوالحق يقال إن ثمة تخبطًا في الآراء التي قدمها علماء النفس، بل والحيرة التي يدورون فيها، فجاءت تفسيراتهم قاصرة، بل وبعضها غير مقبولة شرعًا وعقلًا وحسًا، ولا يخفي أن كثيرًا من معارف علم النفس إن هي إلا مجموعة أفكار ظنية.\nولا عجب فهي أفكار قوم لم يستنيروا بالكتاب والسنة، فضلوا في هذا الباب كما ضلوا في غيره.","vol":"1","page":275},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-58>الفصل الثاني\nمذهب الصوفية في الرؤى\nوالرد عليهم</span>\nوفيه تمهيد ومبحثان:\nتمهيد: تعريف علم الصوفية\nالمبحث الأول: مذهب الصوفية في الرؤى.\nالمبحث الثاني: الرد على شبهاتهم في الرؤى.","vol":"1","page":277},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-59>تمهيد</span>\nتعريف الصوفية\nوفيه خمس مسائل:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-60>المسألة الأولى: أصل التسمية</span>.\nالمسألة الثانية: التصوف اصطلاحًا.\nالمسألة الثالثة: نشأة التصوف وأطواره.\nالمسألة الرابعة: وسائل المعرفة عند الصوفية.\nالمسألة الخامسة: كيفية اكتساب هذه المعرفة الصوفية.\nالمسألة الأولى: أصل التسمية\nعند التأمل في أقوال العلماء نجد أنهم يختلفون في المعنى الذي نسب إليه الصوفية أنفسهم، حتى الصوفية أنفسهم يختلفون في ذلك، وأهم هذه الأقوال (١).\n(أ) قيل إنهم ينتسبون إلى رجل يقال له صوفه واسمه: الغوث بن مر بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر، كان قد انقطع للعبادة في المسجد الحرام فانتسب إليه الصوفية لمشابهتهم إياه (٢).\n_________\n(١) انظر هذه الأقوال في: التعرف لمذهب أهل التصوف لأبي بكر محمد الكلاباذي، (ص٢ - ٣٤) تحقيق: محمود أمين النواوي الطبعة الثانية ١٤٠٠ هـ مكتبة الكليات الأزهرية القاهرة وكتاب قواعد التصوف لابن زروق (ص٢٩٣) الطبعة الثانية مكتبة الكليات الأزهرية وكتاب التصوف المنشأ والمصادر، تأليف إحسان إلهي ظهير، (ص٢٠ - ٣٥) الناشر دار ترجمان السنة الطبعة الأولى ١٤٠٦ هـ وكتاب التجانية للدكتور علي بن محمد دخيل الله (ص٢١).\n(٢) انظر تلبيس إبليس (ص١٩٩ - ٢٠٠) ولسان العرب (٩/ ٢٠٠).","vol":"1","page":279},{"text":"ومال إلى هذا القول الإمام ابن الجوزي ﵀ فإنه حكاه أولا، وحكى بعده أقوالا عديدة ثم قال: \"والصحيح الأول\" (١).\nلكن ضعف شيخ الإسلام ابن تيمية هذا القول، حيث قال: \"وهذا وإن كان موافقًا للنسب من جهة اللفظ، فإنه ضعيف أيضًا، لأن هؤلاء غير مشهورين ولا معروفين عند أكثر النساك.\nولأنه لو نسب النساك إلى هؤلاء لكان هذا النسب في زمن الصحابة والتابعين وتابعيهم أولى (٢).\nب- قيل: إنهم منسوبون إلى أهل الصفة الذين كانوا على عهد رسول الله - ﷺ - لما بينهم وبين الصوفية من التشابه في الانقطاع عن الدنيا والتفرغ للعبادة.\nلكن هذه النسبة غير صحيحة من جهة اللغة، لأنه لو نسبوا إلى أهل الصفة لقيل صفي (٣).\nكما أنها غير صحيحة من الناحية الشرعية، فأهل الصفة أغلبهم من الصحابة الذين لم يكونوا قاعدين عن العمل وإنما كانوا ضيوفًا على النبي - ﷺ - وأصحابه، وإن لم يتمكن بعضهم من الكسب والزواج، ثم الزهاد الأولون في القرن الأول لم يطلق عليهم اسم متصوف، والمتصوفة سموا بذلك بعد ما ظهرت البدع (٤).\n_________\n(١) تلبيس إبليس (ص٢٠١).\n(٢) الصوفية والفقراء رسالة لشيخ الإسلام ابن تيمية مطبوعة ضمن مجموع الفتاوى له (١١/ ٦، ٧).\n(٣) انظر: الرسالة (ص١٢٦) للقشيري، والتعرف لمذهب أهل التصوف، (ص٢٩) وتلبيس إبليس (ص٢٠١) ومجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية (١١/ ٦).\n(٤) انظر: رسالة شيخ الإسلام ابن تيمية، الصوفية والفقراء، المطبوعة ضمن مجموع الفتاوى (١١/ ٣٨ - ٤٥) وتلبيس إبليس (ص٢٠١).","vol":"1","page":280},{"text":"ج- وقيل إنها مأخوذة من الصفاء، والمعنى هنا صفاء القلب والروح والخلق، وصفاء السلوك العام فهم يزعمون أن الصوفية أكثر الناس صفاء (١).\nومال إلى هذا القول أبو نعيم الأصبهاني (٢) حيث قال مرجحًا بعد ذكر الخلاف اشتقاقه عند أهل الإشارات والمنبئين عنه بالعبارات: من الصفاء والوفاء (٣).\nوفي ذلك يقول أبو الفتح البستي (٤).\nتنازع الناس في الصوفي واختلفوا ... فيه وظنوه مشتقًا من الصوف\nولست أمنح هذا الاسم غير فتى ... صافى فصوفي حتى سمي الصوفي (٥)\n\nولكن رد القشيري (٦) هذا الرأي بقوله: \"ومن قال: إنه من الصفاء،\n_________\n(١) انظر: التعرف لمذهب أهل التصوف (ص٢٨).\n(٢) هو أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران (٣٣٦ - ٤٣٠) هـ ولد بأصبهان حافظ مؤرخ قال عنه ابن الجوزي: سمع كثيرًا وألف كثيرًا وكان يميل إلى مذهب الأشعري كثيرًا، من أشهر مصنفاته حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، ودلائل النبوة والمستخرج على الصحيحين.\nانظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (١٧/ ٤٥٣ - ٤٦٤) والبداية والنهاية (١٢/ ٤٨، ٤٩).\n(٣) حلية الأولياء (١/ ١٧) دار الكتاب العربي، بيروت الطبعة الثانية ١٤٠٠ هـ.\n(٤) هو علي بن محمد بن الحسين بن يوسف البستي (٣٦٠ - ٤٠١هـ) ولد في بست قرب سجستان وإليها نسب كاتب وأديب وشاعر.\nانظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء (١٧/ ١٤٧، ١٤٨) والبداية والنهاية (١١/ ٣٦٨) ومعجم المؤلفين (٧/ ١٨٦).\n(٥) انظر: قواعد التصوف (٧) لابن زروق وتحقيق ما للهند من مقولة (٢٥).\n(٦) هو القاسم عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك بن طلحة النيسابوري القشيري (٣٧٦، ٤٦٥هـ) كانت إقامته بنيسابور، من أهم كتبه الرسالة القشيرية والتي رد عليها شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه الاستقامة، تحقيق الدكتور محمد رشاد سالم، مطبوعات جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.\nانظر ترجمته في طبقات الشافعية (٣/ ٢٤٣ - ٢٤٨) وتاريخ بغداد (١١/ ٨٣).","vol":"1","page":281},{"text":"فاشتقاق الصوفي من الصفاء بعيد في مقتضى اللغة (١).\n(د) قيل: إنهم منسوبون إلى الصف المقدم بين يدي الله ﷿، بارتفاع هممهم إليه، وإقبالهم عليه (٢).\nلكن هذه النسبة غير مستقيمة من جهة اللغة فإنهم لو نسبوا إلى الصف لقيل صفي (٣).\n(هـ) وقيل نسبة إلى الصفوة من خلق الله، وهذا غير مستقيم أيضًا من جهة اللغة لأنه لو كان كذلك لقيل صفوي (٤).\nويلزم منه أيضًا تفضيل الصوفية على ملائكته، ورسله، وأكابر الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين الذين لم ينتسبوا إلى الصوفية.\nو- ذكر البيروني (٥) أنهم ينتسبون إلى الصوفية الحكماء، القائلين بالوحدة، وأن الصوفية أول من تكلم بالوحدة في الإسلام فسموا باسمهم (٦).\n_________\n(١) الرسالة القشيرية (ص١٢٦).\n(٢) انظر: التعرف لمذهب أهل التصوف، لأبي بكر الكلاباذي (ص٢٨، ٢٩) والرسالة القشيرية (ص١٢٦).\n(٣) انظر: الرسالة القشيرية (ص١٢٦) ومجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (١١/ ٦).\n(٤) انظر: مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية (١١/ ٦).\n(٥) هو أبو الريحان محمد بن أحمد البيروني الخوارزمي (٣٦٢ - ٤٤٠هـ) فيلسوف رياضي، مؤرخ، من أهل خوارزم أقام في الهند مدة، له مصنفات منها: الآثار الباقية من القرون الخالية، والتفهيم لصناعة التنجيم، وتحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة انظر ترجمته في: معجم المؤلفين (٨/ ٢٤١، ٢٤٢) والأعلام (٦/ ٢٠٥).\n(٦) تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة (ص٢٤، ٢٥) و(ص٥١، ٦٦) كطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية.","vol":"1","page":282},{"text":"وهذا يدل على أن التصوف ديانة وثنية قديمة قبل الإسلام (١).\n(ز) وقيل إنه نسبة إلى لبس الصوف، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، ومال إليه ابن خلدون (٢) في مقدمته، بل ورجحه كثير من المؤلفين الأوائل من المتصوفة كالسراج الطوسي (٣) وغيره وقالوا بأنهم نسبوا إلى الصوف لعدة اعتبارات منها:\n١ - لأن شعارهم في اللباس الصوف، وهذا غالبًا.\n٢ - ولأن الصوف يدل على الزهد والورع والتنسك، وهذا عند المتقدمين من الصوفية.\n٣ - ولأنه موافق للغة (٤).\nوبهذا يكون هذا التعريف هو الأقرب في الدلالة اللغوية والمعنوية.\n_________\n(١) ذكر زكي مبارك هذا القول عن جماعة من المستشرقين ورده، انظر: كتاب التصوف الإسلامي (١/ ٥٢) دار الجيل لبنان.\nوانظر هذا القول أيضًا في كتاب: أبحاث في التصوف، للدكتور عبد الحليم محمود (ص١٥٣) والتصوف المنشأ والمصدر (ص٣٢، ٣٣) تأليف إحسان إلهي ظهير.\n(٢) هو عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن خلدون التونسي الحضرمي الأشبيلي المالكي (٧٣٢ - ٨٠٨هـ) أديب مؤرخ اجتماعي ولد ونشأ وتعلم في تونس، وتولى القضاء في مصر.\nانظر ترجمته في شذرات الذهب (٧/ ٧٦، ٧٧) والأعلام للزركلي (٣/ ٣٣٠).\n(٣) هو أبو نصر السراج، عبد الله بن علي الطوسي (توفي سنة ٣٧٨هـ) شيخ الصوفية يلقب بطاووس الفقراء من أشهر كتبه اللمع في التصوف الذي يعد أقدم مرجع صوفي.\nانظر ترجمته في: مرآة الجنان (٢/ ٤٠٨) لليافعي، وشذرات الذهب (٣/ ٩١) لابن العماد ومعجم المؤلفين (٦/ ٨٩) والأعلام (٤/ ١٠٤).\n(٤) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (١١/ ٦) ومقدمة ابن خلدون (٢٩٥ - ٢٩٩) وكتاب اللمع (ص٢٠) وعوارف المعارف (٥/ ٦٦) المطبوع بذيل إحياء علوم الدين.","vol":"1","page":283},{"text":"وهذا الاختلاف في أصل لفظة التصوف واشتقاقها اضطر القشيري إلى أن يقول: وليس لهذا الاسم؛ من حيث العربية قياس، ولا اشتقاق، والأظهر فيه أنه كاللقب (١).\nوهذا معناه أن الصوفية يوصدون الباب حتى أمام من يسألهم عن معنى اسمهم!!\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-61>المسألة الثانية: التصوف اصطلاحًا</span>\nكما اختلف في أصل التصوف واشتقاقه، اختلف في تعريفه، وسبب هذا ما مر به التصوف من مراحل وتغيرات، حيث كان في أوله زهدا في الدنيا وانقطاعا لعبادة الله ﷿، ثم صار حركات ومظاهر خالية من العبادة، ثم صار إلحادًا وخروجا عن دين الله، ولهذا تعددت الأقوال في تعريف التصوف حتى أوصلها بعضهم إلي الألفين (٢).\nفالمتقدمون من الصوفية يعرفون التصوف بتعاريف تدور حول تجريد العمل لله والزهد في الدنيا وترك الشهوة والميل إلى التواضع والخمول (٣).\n_________\n(١) الرسالة القشيرية (ص١٢٦).\n(٢) انظر: اللمع (ص٣٧) والتعرف لمذهب أهل التصوف (ص٢٨) وعوارف المعارف (٥/ ٦٥) المطبوع بذيل إحياء علوم الدين، وإيقاظ الهمم في شرح الحكم (١/ ٤، ٥) تأليف ابن عجيبة وقواعد التصوف (ص٣).\n(٣) انظر: الرسالة القشيرية (١٢٧) وعوارف المعارف (٥/ ٦٣) واللمع (٢٥).\nوكتاب الصوفية المنشأ والمصدر تأليف إحسان إلهي ظهير (٣٦ - ٣٩) والتجانية للدكتور علي بن محمد الدخيل الله (١٨ - ٢٠).","vol":"1","page":284},{"text":"أما بقية المراحل للتصوف فلا أستطيع أن أعطي لها تعريفًا عامًا،لأنه في كل مرحلة من مراحله كان له معنى. فمن الزهد والانقطاع عن الدنيا إلى نوع اللباس والأوراد والأذكار والسماع والبدع، ثم بعد ذلك كان إلحادًا وخروجًا عن دين الله.\nكما يقول أحد كبار الصوفية وهو الواسطي (١) كان للقوم إشارات ثم صارت حركات، ثم لم يبق إلا الحسرات (٢).\nوالحاصل أن التصوف يختلف تعريفه بحسب المرحلة التاريخية التي مر بها، وحاصل أمره أن مصطلح الصوفية لم يرد لا في كتاب الله ولا في سنة رسوله - ﷺ - بل هو مصطلح في جملته علامة على الباطل والبدع والخرافات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-62>المسألة الثالثة: نشأة التصوف وأطواره</span>\nاختلف العلماء في نشأة التصوف، كما اختلفوا في أصله وتعريفه، فقال ابن خلدون: إن نشأته كانت في القرن الثاني عندما أقبل الناس على الدنيا، وانصرف أناس للزهد والعبادة فسموا بالصوفية (٣).\nوذهب إلى هذا ابن الجوزي ﵀ (٤) وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ إلى أن نشأة التصوف كانت في أوائل القرن الثاني، وأنه لم يكن مشهورًا إلا بعد القرن الثالث (٥).\n_________\n(١) هو أبو بكر، محمد بن موسى الواسطي (توفي سنة ٣٢٠هـ) من أصحاب الجنيد انظر ترجمته في طبقات الصوفية (ص٣٠٢).\n(٢) الرسالة القشيرية (٢/ ٥٥٥).\n(٣) مقدمة ابن خلدون (ص٤٦٧).\n(٤) انظر: تلبيس إبليس (ص٢٠١).\n(٥) انظر: مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية (١١/ ٥ - ٧).","vol":"1","page":285},{"text":"والصوفية أنفسهم مختلفون في نشأة التصوف وظهوره، فيرى أبو نصر السراج الطوسي أن أول نشأة التصوف كانت في الجاهلية قبل الإسلام (١)، بينما يقول القشيري أن هذا الاسم اشتهر قبل المائتين من الهجرة (٢).\nوسبق الإشارة إلى قول البيروني أن أصل التصوف ديانة قديمة معروفة لدى الهنود واليونان القدماء، جاءت وتغلغلت في الإسلام باسم الزنادقة فالزنادقة هم الذين أدخلوها في الإسلام باسم التصوف وباسم الزهد والتعبد، وقد ربط البيروني بين أقوال الصوفية وأقوال النصارى (٣).\nوقال بعض العلماء إن أول من أسس التصوف هم الشيعة (٤).\nوحاصل الأقوال أن الجميع متفقون على حداثة الاسم، وعدم وجوده في عهد الرسول - ﷺ - وأصحابه والسلف الصالح.\nوقد ذكر ابن الجوزي ﵀ وشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ الأطوار التي مر بها التصوف، وحاصلها.\nالطور الأول: نزعة الزهد والورع والمبالغة في ذلك مع فقه في الدين، وهذا الطور كان من نهاية القرن الأول إلى منتصف القرن الثاني.\nوهذه المظاهر وجدت عند بعض التابعين، لكن لم يكن يصحبها شيء من الانحراف، لا في العقائد ولا في السلوك، إنما كان تشديدًا على النفس.\nوحينما نتذكر هذا الطور، لا نقول بأنه الأصل في التصوف، لكن المتصوفة\n_________\n(١) انظر: اللمع (ص٢٢).\n(٢) انظر: الرسالة القشيرية (ص٦، ٧).\n(٣) انظر: تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة (ص٢٤، ٢٥).\n(٤) انظر كتاب التنبيه والرد للملطي، وكتاب التصوف والمنشأ والمصدر (ص١٣٧ - ٢٧٥).","vol":"1","page":286},{"text":"اتخذوه تكأة وزعموا أن منهم الصحابة والتابعين، لأنهم أخذوا أمثلة من التابعين ممن كانوا يشددون على أنفسهم وزعموا أنهم قدوة لهم، وهناك بعض نزعات السلوك عند بعض التابعين أظهرها الصوفية بشكل أكبر مثل شدة البكاء، والصعق عند سماع القرآن، وهذه اتكأ عليها الصوفية واتخذوها مسلكًا وطريقة.\nولذلك أرخ كثير من المؤرخين للتصوف بهذه المرحلة، وهذا خطأ، لأن المتصوفة الذين بدؤوا التصوف البدعي انتسبوا إلى زهاد التابعين وليسوا امتدادا لهم.\nفينبغي عندما نؤرخ للصوفية أن نستبعد جميع الزهاد في القرن الأول الهجري.\nالطور الثاني: ظهور النزعات الفردية، وتاريخ هذا الطور من منتصف القرن الثاني إلى القرن الثالث.\nفظهر قوم يتعبدون بأذواقهم وأهوائهم دون استناد إلى أصول شرعية.\nالطور الثالث: تحول الصوفية إلى اتجاهات وطرق، وبداية ظهور المؤثرات الخارجية من اليهودية والنصرانية والمجوس والديانات الهندية وغيرها.\nوهذه مرحلة الغموض والمصطلحات، وكانت هي الطريقة إلى الخروج إلى عالم الإلحاد وهذا الطور في القرن الرابع.\nالطور الرابع: ظهور التصوف الغالي، وامتزاج التصوف بالباطنيين، وهذا الطور الذي استقرت الصوفية بدأ تقريبًا من منتصف القرن الرابع، فبدأت الطرق والمشيخة، وامتزاج الصوفية بالإلحاد والحلول ووحدة الوجود","vol":"1","page":287},{"text":"وبهذا صارت الصوفية مسالك شتى لا ينظمها عقيدة واحدة ولا اتجاه واحد لا في العبادة ولا في السلوك، وإنما يجمعها وصف الطريقة (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-63>المسألة الرابعة: وسائل المعرفة عند الصوفية</span>\nمن أهم القضايا التي تميز أهل السنة والجماعة عن الصوفية هي مصدر التلقي والمعرفة.\nفالصوفية لا يلقون من كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - بل إن استدلوا بالكتاب والسنة أولوا معانيهما إلى معان باطلة يزعمون أنها الحق.\nوقالوا: إن للشريعة ظاهرا وباطنا علم الشريعة وعلم الحقيقة ولأنهم يعتقدون أن للشريعة ظاهرًا وباطنًا، كان من أئمة الصوفية أناس عوام لا يعرفون الكتاب والسنة (٢).\nفالحاصل أن ما هم عليه من معتقدات، لم يأخذوها من الكتاب والسنة، بل زعموا أنهم استفادوا ذلك من العلم اللدني، أي من الله مباشرة أي العلم الإلهي كما يدعون.\nوحاصل مصادر المعرفة عندهم أكثر من أربعة عشر مصدرًا، من أشهرها\n_________\n(١) انظر: تاريخ التصوف بشكل مفصل مع ذكر الأسماء والمؤلفات في التصوف في تلبيس إبليس (ص١٩٩ - ٢٠٥) ومجموع فتاوى شيخ الإٍسلام ابن تيمية ﵀ (١١/ ٥، ٦، ١٨، ٢٩، ١٩٥) وكتاب الصفدية (١/ ٢٦٧) حيث ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ طبقات الصوفية وحكم كل طبقة.\n(٢) مثل على الخواص الذي أخذ عن شيخه الشعراني درة الغواص، وكذلك ألف أحمد بن المبارك السلجماني كتابه الإبريز عن شيخه عبد العزيز الدباغ وهو رجل عامي.","vol":"1","page":288},{"text":"١ - رؤية النبي - ﷺ - في اليقظة، والاستمداد منه.\n٢ - الالتقاء بالخضر والاستمداد منه: ومن ذلك الزعم بأنه حي.\n٣ - الإلهام الذي يسمونه العلم اللدني وهو ما يحصل من العلوم في القلب من غير استدلال ولا نظر.\n٤ - الفراسة، وهي تختص بمعرفة خواطر النفوس، وأحاديثها، وما يضمره المرء في قلبه، فالولي عندهم أعطي من النور ما يعرف به كوامن النفوس.\n٥ - الهواتف: ومعناه سماع حكايات بواسطة الأذن، وقد يكون منامًا يسمع الصوت ولا يرى صاحبه.\n٦ - الإسراءات والمعاريج: ويعنون بها عروج روح الولي إلى العالم العلوي، وإتيانها بشيء من أسرار الكون.\n٧ - الكشف: ومعناه معرفة حقائق الوجود، بارتفاع الحجب الحسية عن القلب.\n٨ - الرؤى والمنامات: وسوف يأتي تعريفها عند الصوفية.\n٩ - الذوق، ويعنون به: نورًا يقذفه الله في قلوب الأولياء يفرقون به بين الحق والباطل من غير أن ينقلوا ذلك من كتاب أو غيره.\n١٠ - الوجد: وهو ما يصادف القلب ويرد عليه بلا تكلف.\n١١ - تلقي المريد عن الشيخ (١):\nولهذا يقسم الصوفية المعرفة إلى مستويات مختلفة، ويجعلون ما هم عليه أعلى مستويات المعرفة.\n_________\n(١) انظر هذه المصادر في: كتاب الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة، للدكتور عبد الرحمن عبد الخالق (ص٣٧) وانظر كذلك نظرتهم للكتاب والسنة (ص٦١، ٦٢) ومصطلحات الصوفية لعبد المنعم الحفني.","vol":"1","page":289},{"text":"فيقسم ابن عربي (١) المعرفة إلى ثلاثة أصناف، كما يلي:\n١ - علم العقل: وهو كل علم يحصل بالضرورة أو عقب نظر في دليل.\n٢ - علم الأحوال: ولا سبيل إليه إلا بالذوق وليس إلى إيجاده أو الإقامة على معرفته دليل.\n٣ - علم الأسرار: وهو العلم الذي فوق أطوار العقل، وهو علم نفث روح القدس ويختص بالنبي أو الولي (٢).\nأما الغزالي (٣) فيقسم المعرفة إلى ثلاثة أقسام:\n١ - المعرفة الحسية: هي المدركة بالحس بوسائله المختلفة عن طريق التجربة المشاهدة، وهي معرفة غير ثابتة وغير يقينية وبالتالي، فالثقة فيها باطلة؛ لأن حاكم العقل يكذبها.\n_________\n(١) هو محي الدين، أبو بكر محمد بن علي بن محمد بن عربي الحاتمي الطائي الأندلسي (٥٦٠ - ٦٣٨هـ) نزيل دمشق، من القائلين بوحدة الوجود، ويلقب عند الصوفية بالشيخ الأكبر، والكبريت الأحمر، قال عنه عز الدين بن عبد السلام: شيخ سوء كذاب يقول بقدم العالم ولا يحرم فرجًا.\nانظر ترجمته وما قيل فيه وفي كتبه في تنبيه الغبي إلى تكفير ابن عربي للبقاعي المسمى بمصرع التصوف، والعقد الثمين في تاريخ البلد الأمين، للفاسي (٢/ ١٦٣، ١٦٤) وسير أعلام النبلاء (٢٣/ ٤٨، ٤٩) وميزان الاعتدال (٦/ ٢٨١، ٢٨٢) ولسان الميزان (٥/ ٣١١ - ٣١٥) ونفح الطيب (٢/ ٣٦١ - ٣٨٤) وطبقات الشعراني (١/ ١٦٣) وشرح العقيدة الطحاوية (٢/ ٧٤٤،٧٤٥) تحقيق د. التركي وشعيب.\n(٢) انظر: الفتوحات المكية (١/ ٣١).\n(٣) أبو حامد، محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الطوسي الغزالي (٤٥٠ - ٥٠٥هـ) فيلسوف متصوف لقب بالغزالي، لأن والده كان يغزل الصوف ويبيعه في مكانه بطوس بخراسان انظر: تبيين كذب المفتري (ص٢٩١ - ٣٠٦) وشذرات الذهب (٤/ ١٠ - ١٣) وكتاب أبو حامد والتصوف، لعبد الرحمن دمشقية.","vol":"1","page":290},{"text":"٢ - المعرفة العقلية: وهي أيضًا معرفة غير ثابت وغير يقينية.\n٣ - المعرفة الإشراقية: وهي نور يقذفه الله في الصدر، وهو مفتاح أكثر المعارف، وهذه المعرفة هي العلم اليقيني الذي ينكشف فيه المعلوم انكشافًا لا يبقى معه ريب، ولا يقارفه إمكان الغلط والوهم، وهو طريق الصوفية (١).\nوهذا الطريق هو الذي اختاره الغزالي بقوله: وما ارتضيه آخرًا من طريق التصوف (٢).\nويرون أن هذه المعرفة ثابتة يقينية لا يتطرق إليها الشك والغلط.\nوأنها تؤخذ مباشرة من الله بلا واسطة ملك أو نبي، بل هو نور يقذفه الله في قلب من شاء (٣).\nولهذا يقول الغزالي: سئل بعض العلماء عن علم الباطن ما هو؟ فقال: هو سر من أسرار الله يقذفه الله تعالى في قلوب أحبابه لم يطلع عليه ملكًا ولا بشرًا.\nويقول كان أبو يزيد وغيره يقول: ليس العالم الذي يحفظ من كتاب، فإذا نسي صار جاهلًا إنما العالم الذي يأخذ علمه من ربه أي وقت شاء بلا حفظ ولا درس (٤).\nويقول ابن عربي: العلماء بالله لا يأخذون من العلوم إلا العلم الموهوب، وهو العلم اللدني، علم الخضر وأمثاله، وهو العلم الذي لا تعمل لهم فيه بخاطر أصلا حتى لا يشوبه شيء من كدورات الكسب (٥).\n_________\n(١) انظر: المنقذ من الضلال (ص٧٥ - ١٢٩).\n(٢) المصدر السابق (ص٨٠).\n(٣) انظر: روضة الطالبين وعدة السالكين للغزالي (ص٤٣).\n(٤) إحياء علوم الدين للغزالي (٢/ ١٣٨٠، ١٣٨١).\n(٥) الفتوحات المكية (١/ ٥٨٢).","vol":"1","page":291},{"text":"وقال أيضًا: ثم إن من شأن عالم الرسوم في الذب عن نفسه أن يجهل من يقول فهمني ربي، ويرى أنه أفضل منه، وأنه صاحب العلم، إذ يقول من هو أهل الله، إن الله ألقى في سري مراده بهذا الحكم في هذه الآية، أو يقول رأيت رسول الله - ﷺ - في واقعتي فأعلمني بصحة هذا الخبر المروي عنه وبحكمه عنده، قال أبو يزيد البسطامي ﵁ في هذا المقام وصحته يخاطب علماء الرسوم:\nأخذتم علمكم ميتًا عن ميت، وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت. يقول أمثالنا: حدثني قلبي عن ربي، وأنتم تقولون حدثني فلان وأين هو؟\nقالوا: مات عن فلان، وأين هو؟ قالوا: مات.\nوكان الشيخ أبو مدين ﵀ إذا قيل له قال فلان عن فلان عن فلان يقول: ما نريد نأكل قديدًا هاتوا ائتوني بلحم طري، يرفع همم أصحابه، هذا قول فلان أي شيء قلت، أنت ما خصك الله به من عطاياه من علمه اللدني، أي حدثوا عن ربكم واتركوا فلانا وفلانًا، فإن أولئك أكلوه لحمًا طريًا والواهب لم يمت، وهو أقرب إليكم من حبل الوريد (١).\nوهذا الكلام وأمثاله، وأيم الله إنه الذي أرداهم إلى الحضيض فضلوا الصراط المستقيم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-64>المسألة الخامسة: كيفية اكتساب المعرفة الصوفية</span>\nما ذكروه من الباطل والهذيان في وسائل المعرفة عندهم أخذوا يبررون اكتسابهم لهذه المعرفة بباطل آخر.\n_________\n(١) الفتوحات المكية (١/ ٢٨٠).","vol":"1","page":292},{"text":"فقالوا: إن العلم الذي له تعلق بالقراءة والكتابة هو من شأن علم العوام دون الخواص.\nأما علمهم، فلا يمكن تعلمه ولا شرحه ولا الاستدلال عليه، وإما هي حالة يعيشها السالك فحسب، ومن أراد أن يصل إليها، فعليه أن يأخذ نفسه بآداب الطريقة وتعاليمها حتى يكون أهلا للعلم اللدني (١).\nولهذا يذكر الغزالي أن القلب مستعد لأن تتجلى فيه حقيقة الحق ومعرفة علوم اللوح المحفوظ الذي نقش فيه جميع ما قضى الله به إلى يوم القيامة، وإنما يحول دون القلب من الحجب ما يمنع تحقيق هذه المعرفة، لكن قد تهب رياح الألطاف فتكشف الحجب عن أعين القلوب، فينجلي فيها بعض ما هو مسطور في اللوح المحفوظ، ويكون ذلك تارة في المنام، فيعلم به ما يكون في المستقبل، وفي اليقظة، فيرتفع الحجاب بلطف خفي من الله تعالى، فيلمع في القلوب من وراء ستر الغيب شيء من غرائب العلم، تارة كالبرق من الخاطف، وأخرى كالتوالي إلى حد ما، ودوامه غاية الندور.\nويدعي الغزالي أيضًا، أن الطرق إلى العلم اللدني لا يكون عن طريق تحصيل العلم، والنظر في المصنفات، والبحث عن الأقاويل والأدلة المذكورة بل عن طريق المجاهدة، ومحو الصفات المذمومة، وقطع العلائق كلها، والاستعداد بالتصفية المجردة، وقطع الهمة عن الأهل والمال والد والوطن، وعن العلم والولاية والجاه، بل حتى يصير قلبه إلى حالة يستوي فيها وجود كل شيء وعدمه، ثم يخلو بنفسه في زاوية في خلوة (٢).\n_________\n(١) انظر: التعرف لمذهب أهل التصوف (ص٨٧).\n(٢) انظر: إحياء علوم الدين (٣/ ١٨، ١٩، ٧٦).","vol":"1","page":293},{"text":"وفي هذه الخلوة يقتصر السالك على الفرائض والرواتب، ويجلس فارغ القلب مجموع الهم، غير مفرق فكره بقراءة القرآن!! ولا بالتأمل في تفسيره!! ولا بالنظر في كتب الحديث!! ولا غير ذلك بل يجتهد ألا يخطر بباله شيء سوى الله فلا يزال إلى حالة يترك فيها تحريك اللسان، ويرى كأن الكلمة تجري على لسانه ثم يمحي أثرها على اللسان، فيواظب على الذكر بقلبه حتى يمحى عن القلب صورة اللفظ وحروفه وهيئة الكلمة، حتى يبقى معنى الكلمة حاجزًا في قلبه ملازمًا له لا يفارقه فيصير متعرضًا لرحمة الله، منتظرًا ما يفتح الله به من الرحمة، كما فتحها على الأنبياء والأولياء (١).\nفالحاصل أن علوم الصوفية تستفاد من غير كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - بل يرون أن الاشتغال بكتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - يتعارض مع مصالح الناس.\nولا شك أن من اعتقد أن لأحد طريقًا إلى الله لا يحتاج فيه إلى كتاب الله ولا إلى هدي رسوله - ﷺ - فهو كافر زنديق.\nوبذلك يتبين أن الخلاف بيننا وبين الصوفية ليس خلاف المولد وكيفية الذكر وأنواع الأوراد والتوسل الذي أطالوا وأطنبوا فيه، وليس في تعريف البدعة بل الخلاف بيننا وبين دين الصوفية، خلاف بين الإسلام وبين ديانة وثنية فلسفية خلاف في الربوبية والألوهية؛ ولهذا يجعلون هناك من يتصرف في الكون من دون الله، لمن يسمونهم بالأولياء، وهذا شرك أكبر، ولم يكتفوا بصرف الألوهية لهؤلاء، بل صرفوها للزنادقة والدجالين وللكهان.\n_________\n(١) إحياء علوم الدين (٣/ ١٩، ٢٠) وانظر: الرسالة اللدنية (ص١١٣، ١١٨) ونظرية الاتصال عند الصوفية (ص١٧٦ - ١٩٩) في بيان العلم اللدني عند الصوفية.","vol":"1","page":294},{"text":"ولهذا يقولون في حلق الذكر عندهم. عبد القادر يا جيلاني (١) يا مصرف الأكوان نعوذ بالله من شركهم، فإذا كان هذا الجيلاني متصرف في الأكوان فماذا بقي لله سبحانه؟!\nبل يذكرون أن منهم من يخاطب الله ويراه في الدنيا ويأخذ عنه الحلال والحرام.\nلذلك فإن معرفة منهج الصوفية في المعرفة هو من أهم الردود عليهم، ولهذا فصلت في ذلك ليكون منطلقا للرد عليهم في غلوهم في الرؤى.\n_________\n(١) هو عبد القادر بن أبي صالح بن عبد الله (٤٧١ - ٥٦١هـ) شيخ الطريقة القادرية، من مؤلفاته: فتوح الغيب، والغنية لطالب طريق الحق، وينسب له أشياء كثيرة لا تصح عنه كما قال الذهبي ﵀.\nانظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (٢٠/ ٤٣٩ - ٤٥١) وطبقات الشعراني (١/ ١٢٦ - ١٣٢).","vol":"1","page":295},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-65>المبحث الأول\nمذهب الصوفية في الرؤى</span>\nوفيه أربع مسائل:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-66>المسألة الأولى: تعريف الصوفية للرؤيا</span>.\nالمسألة الثانية: مكانة الرؤى عند الصوفية.\nالمسألة الثالثة: الأمور التي يستمدونها من الرؤى.\nالمسألة الرابعة: شبهاتهم في جعل الرؤى مصدرًا للتلقي والمعرفة.\nالمسألة الأولى: تعريف الصوفية للرؤيا\nهو شبيه بتعريف الفلاسفة الذي ذكرته سابقًا، فلهم في الرؤيا تعاريف متعددة بحسب مراتبهم في الضلال والانحراف، ومن تعاريف المنحرفين منهم ما يلي:\nمنهم من يعرفها بأن النفس من عالم المجردات (١) والمعقولات، فهي تستطيع أن تدرك المدركات المجردة التي تكون من جنسها إذا لم يشغلها شاغل من علائق البدن، فإذا قويت بالفضائل الروحانية، وضعف سلطان القوى البدنية، اتصلت النفس بأبيها المقدس وبالنفوس الفلكية، وتلقت عنها المغيبات في نومها، كما يقع لها في يقظتها (٢).\n_________\n(١) المجردات: جمع مجرد وهو عند المتكلمين الممكن الذي لا يكون متحيزًا ولا حالا في متحيز ويسمى فارقًا، المعجم الفلسفي (ص٣٤٧) تأليف جميل صليبا.\n(٢) انظر: هياكل النور للسهروردي (ص٤٣، ٤٤) تحقيق: الدكتور محمد علي أبو ريان.","vol":"1","page":296},{"text":"ومنهم من يرى أن تلك الصور تقع في القلب من اللوح المحفوظ في حالة النوم كما تقع الصورة من مرآة أخرى إذا ارتفع الحجاب بينهما (١).\nوذهب القائلون بوحدة الوجود من الصوفية إلى أن الرؤيا لا تهبط من خارج وإنما تصدر من باطن النفس، فالوجود حقيقة واحدة عندهم (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-67>المسألة الثانية: مكانة الرؤى عند الصوفية</span>\nالرؤى والمنامات مصدر مهم عند الصوفية للمعرفة والتلقي بل هي مصدر يقيني لا يتطرق إليه الشك أو الغلط (٣)، فهم يبنون عليها كثيرًا من عقائدهم الباطلة ويستندون عليها في ترويج ضلالاتهم ومعرفة الحلال والحرام عندهم وتفسير آيات القرآن الكريم وتصحيح وتضعيف الأحاديث، ونسج الفضائل والمناقب لشيوخهم وغير ذلك.\nوأكثر ما يصرحون بالتلقي عنه منامًا الله ﷾ أو النبي - ﷺ - أو من شيوخهم ومريديهم أو من الصحابة الكرام، أو غيرهم.\nومن قرأ كتبهم المعتمدة عندهم تبين له ما نسجوه من قصص وحكايات في شأن المنامات وأهميتها عندهم كمصدر مهم للمعرفة والتلقي.\n_________\n(١) انظر: إحياء علوم الدين للغزالي (٤/ ٥٣٧) وانظر علاقة هذا القول بقول الفلاسفة في التصوف الإسلامي بين الدين والفلسفة (ص٤٦، ٤٧) وتاريخ الفلسفة اليونانية (ص٥٧).\n(٢) انظر: فصوص الحكم لابن عربي (ص١٣٦ - ١٣٧) والفتوحات المكية له (٢/ ٤٩٤).\n(٣) انظر: الفتوحات المكية (١/ ٣٨٠).","vol":"1","page":297},{"text":"ومن دلائل عنايتهم بالمنامات: أنهم عقدوا لها أبوابًا في مصنفاتهم، كالقشيري في رسالته (١) والكلاباذي (٢) في كتابه التعرف لمذهب أهل التصوف (٣)، والدباغ في كتابه الإبريز (٤)، وغيرها، وساقوا تحتها جملة من الحكايات والمنامات.\nومما جاء من عباراتهم في العمل بالرؤى والمنامات، قول أحمد بن إدريس: من رأى النبي - ﷺ - فقد رآه حقًا وإن كان على غير صورته، وإذا أمره أو نهاه عن نهي، فإن كان في الصورة المنعوت بها - ﷺ - فما أمره به في النوم كأمره في اليقظة، وأنه يتبع، وكذلك ما نهى عنه .. (٥).\nوقال ابن عربي: \"المبشرات، وهي جزء من أجزاء النبوة فإما أن تكون من الله إليه، أو من الله على يدي بعض عباده إليه، وهي الرؤيا يراها الرجل المسلم، أو ترى له، فإن جاءته من الله في رؤيا على يدي رسوله - ﷺ - فإن كان حكمًا تعبد نفسه به ولا بد، بشرط أن يرى الرسول - ﷺ - على الصورة الجسدية التي كان عليها في الدنيا، كما نقل إليه من الوجه الذي صح عنده ... إلى أن قال: لو رآه على صورته فيلزمه الأخذ به، ولا يلزم غيره ذلك .. (٦).\n_________\n(١) انظر: الرسالة القشيرية (ص١٧٥ - ١٨٠).\n(٢) الكلاباذي: هو أبو بكر محمد بن إسحاق ويقال ابن إبراهيم البخاري الكلاباذي المتوفى (٣٨٠) من أشهر كتبه: التعرف لمذهب أهل التصوف.\nانظر ترجمته في معجم المؤلفين (٨/ ٢٢٢) والأعلام (٦/ ١٨٤).\n(٣) انظر: التعرف (ص١٨١ - ١٨٤).\n(٤) انظر: الإبريز (ص٨٠ - ١٠٣).\n(٥) سعادة الدارين (ص٤٦٩).\n(٦) الفتوحات المكية (٤/ ٢٧، ٢٨).","vol":"1","page":298},{"text":"وذكر الكلاباذي أن محمد بن علي الكتاني كانت عادته أن يرى النبي - ﷺ - منامًا ويسأله عن مسائل، فيجيبه فيها (١).\nومن الأدلة على اعتمادهم على الرؤى والمنامات أنهم وضعوا لها صيغًا وأدعية، وصلوات، نصوا على أنها من الأسباب الجالبة لتحصيل الرؤى المنامية، وغالبها تتعلق برؤية النبي - ﷺ - فقد ذكر النبهاني في كتابه سعادة الدارين أربعين فائدة ما بين صلوات وأدعية ومجربات لتحصيل الرؤى المنامية (٢) غالبهًا تتعلق برؤية النبي ص فمن ذلك:\nمن أراد أن يرى الله منامًا، أو النبي ص منامًا، أو يرى منزلته في الجنة، فليصل على النبي - ﷺ - يوم الجمعة ألف مرة بهذه الصيغة (اللهم صل على سيدنا محمد النبي الأمي) (٣).\nكما أن هذه الصيغة تفيد رؤية النبي - ﷺ - منامًا والخضر ﵇ وهي: «اللهم إني أسألك باسمك الأعظم، المكتوب من نور وجهك الأعلى!! المؤبد الدائم، الباقي المخلد في قلب نبيك ورسولك محمد - ﷺ -» (٤).\nوقال أبو المواهب الشاذلي: رأيت رسول الله - ﷺ - في المنام فقال لي: قل عند النوم «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم» خمسًا، ثم قل: «اللهم بحق محمد أرني محمدًا - ﷺ - حالا ومالا فإذا قلتها عند النوم فإني آتيك ولا أتخلف عنك أصلا» (٥).\n_________\n(١) انظر: التعرف (ص١٨١، ١٨٢).\n(٢) انظر: سعادة الدارين (ص٤٨٤، ٤٩٣).\n(٣) المرجع السابق (ص٤٨٨).\n(٤) المرجع السابق (ص٤٩١).\n(٥) طبقات الشعراني (٢/ ٧٣).","vol":"1","page":299},{"text":"ومن المجربات أيضًا، كتابة اسمه تعالى الودود، في خرقة من حرير أبيض، ويكتب معه، محمد رسول الله، خمسًا وثلاثين مرة، والحمد لله، خمسًا وثلاثين مرة، بعد صلاة الجمعة، وإدامة النظر إلى هذه الكتابة كل يوم عند طلوع الشمس، مع الصلاة على النبي - ﷺ - (١).\nومن أسباب احتجاب الرسول - ﷺ - عن الرائي منامًا، إخلال الأدب مع العلماء والأئمة وحضور مجالس الغيبة، واطلاع الناس على الأسرار الممنوعة للخواص (٢).\nونحو ذلك من الحكايات والخرافات التي ينسجونها لترويج ضلالتهم، والتي يدرك بطلانها السذج من الناس، والله المستعان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-68>المسألة الثالثة: الأمور التي يستمدونها من الرؤى</span>\nيستمد الصوفية عن الرؤى والمنامات أمورًا كثيرة، منها:\nأولا: تصحيح عقائدهم الباطلة:\nومن أمثلة ذلك:\nأن ابن عربي زعم أنه ألف كتابه الكفري فصوص الحكم بإذن النبي - ﷺ - في المنام (٣).\n_________\n(١) انظر: سعادة الدارين (ص٤٩٣).\n(٢) انظر: طبقات الشعراني (١/ ٧٥).\n(٣) انظر: فصوص الحكم (١/ ١٧).","vol":"1","page":300},{"text":"وأكثر كتبه تحريف لما أنزل الله في كتابه المنزلة، وعكس وضد لما قاله أنبياؤه (١).\nوقال في هذا الكتاب: ولما مثل النبي - ﷺ - النبوة بالحائط من اللبن فرآها قد كملت إلا موضع لبنة، فكان - ﷺ - موضع اللبنة، وأنا خاتم الأولياء، فلا بد له من هذه الرؤيا، فيرى ما مثله به رسول الله - ﷺ - ويرى الحائط موضع لبنتين واللبنة من ذهب وفضة، فيرى اللبنتين تنقص الحائط عنهما، وتكمل بهما لبنة الذهب ولبنة الفضة، فلا بد أن يرى نفسه تنطبع في موضع تلك اللبنتين، فيكون خاتم النبيين والأولياء وتلك اللبنتين فيكمل الحائط (٢).\nومن أمثلة ذلك:\nقول أبي المواهب الشاذلي: رأيت رسول الله - ﷺ - فقال لي: إذا كانت لك حاجة وأردت قضاءها فانذر لنفيسة (٣) الطاهرة ولو فلسًا، فإن حاجتك تقضي (٤).\n_________\n(١) وقد ذكر في هذا الكتاب أن إبليس وفرعون من العارفين الناجين، وهما في الجنة، عياذا بالله وأن فرعون كان أعلم من موسى بالله، وأن كل من عبد شيئًا فما عبد إلا الله، عياذًا بالله قال الذهبي ﵀ عن هذا الكتاب: ومن أردأ تواليفه كتاب \"الفصوص\" فإن كان لا كفر فيه، فما في الدنيا كفر، نسأل الله العفو والنجاة، فواغوثاه بالله سير أعلام النبلاء (٢٣/ ٤٨).\n(٢) فصوص الحكم (١/ ٦٣).\n(٣) هي نفيسة بنت الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب، صاحبة المشهد المعروف بمصر (١٤٥ - ٢٠٨هـ) تقية صالحة عالمة بالتفسير والحديث، سمع عليها الإمام الشافعي، توفيت بالقاهرة قال ابن كثير ﵀ عنها: وإلى الآن قد بالغ العامة في اعتقادهم فيها، وفي غيرها كثيرًا جدًا ولا سيما عوام مصر، فإنهم يطلقون فيها عبارات بشعة مجازفة تؤدي إلى الكفر والشرك، وألفاظًا كثيرة ينبغي أن يعرفوا أنها لا تجوز ... والذي ينبغي أن يعتقد فيها ما يليق بمثلها من النساء الصالحات، وأصل عبادة الأصنام من المغالاة في القبور وأصحابها، وقد أمر النبي - ﷺ - بتسوية القبور وطمسها، والمغالاة في البشر الحرام.\nوانظر ترجمتها في سير أعلام النبلاء (١٠/ ١٠٦، ١٠٧) والبداية والنهاية (١٠/ ٢٧٣، ٢٧٤).\n(٤) طبقات الشعراني (٢/ ٧٤).","vol":"1","page":301},{"text":"وساق الحصني (١) قصته عن رجل من أهل طرابلس كان في مركب قادمًا من الإسكندرية فهاج البحر وأشرف من في المركب على الهلاك، فقال لهم ذلك الرجل: استعينوا برسول الله - ﷺ -. فعملوا، فنام رجل منهم مشهور بالصلاح، فرأى النبي - ﷺ - وهو يقول له: انج وابشروا بالسلامة (٢).\nثانيًا: تصحيح أقوال الصوفية ورسومهم:\nومن أمثلة ذلك:\nقول الجنيد (٣): رأيت في المنام كأني واقف بين يدي الله تعالى، فقال لي: يا أبا القاسم، من أين لك هذا الكلام الذي تقول، فقلت: لا أقول إلا حقا. فقال: صدقت .. (٤).\nوقال أبو المواهب الشاذلي: رأيت رسول الله - ﷺ - قلت: يا رسول الله إني متطفل في علم التصوف، فقال - ﷺ -: اقرأ كلام القوم؛ فإن المتطفل على هذا العلم هو الولي، وأما العالم به فهو النجم الذي لا يدرك (٥).\n_________\n(١) هو أبو بكر بن محمد بن عبد المؤمن بن حَرِيز (٧٥٢ - ٨٢٩) ونسبته إلى الحصين من قرى حوران، وهو من أعداء شيخ الإسلام ابن تيمية، وقد ألف في الرد عليه كتاب دفع شبه من شبه وتمرد ونسب ذلك إلى الإمام أحمد.\nانظر ترجمته في الضوء اللامع (١١/ ٨١) وشذرات الذهب (٧/ ١٨٨، ١٨٩)\n(٢) دفع شبه من شبه وتمرد (٩١) دار الكتب العربية مصر الطبعة الأولى ١٣٥٠ هـ.\n(٣) الجنيد: هو أبو القاسم الجنيد بن محمد بن الجنيد البغدادي الخزاز، توفي ٢٧٩ وقيل توفي سنة ٢٩٨، أصل أبيه من نهاوند، والجنيد إمام الصوفية، ويقال له: سيد الطائفة.\nانظر ترجمته وأقواله في طبقات الصوفية (١٥٥ - ١٦٣)، الطبقات الكبرى (١/ ٧٢ - ٧٤) شذرات الذهب (٢/ ٢٢٨ - ٢٣٠).\n(٤) الرسالة القشيرية (١٨٠).\n(٥) طبقات الشعراني (٢/ ٧٥).","vol":"1","page":302},{"text":"ومن أكاذيبهم ومن تلاعب الشيطان بهم ما زعموه من تأييد النبي - ﷺ - لكتاب الإحياء، وما ينسجونه من العقوبات لمن أنكر على كتبهم وعقائدهم.\nفذكر اليافعي أنه رأى النبي - ﷺ - في المنام فناوله كتاب الإحياء، فتصفحه ورقة ورقة من أوله إلى آخره ثم قال: والله إن هذا الشيء حسن، ثم ناوله الصديق ثم ناوله الفاروق فأثنيا عليه، وأمر النبي - ﷺ - بتجريد الفقيه علي بن حرزهم الذي أمر بإحراق كتاب الإحياء عن القميص وأن يضرب ويحد حد المفتري فجرد وضرب إلى آخر هذه الفرية (١).\nومن ذلك قول الساوي أنه رأى النبي - ﷺ - عليه زي أهل التصوف، وقرأ عليه قواعد العقائد الذي صنفه الغزالي، فأذن له في القراءة فقرأ عليه الكتاب (٢).\nثالثًا: تفسير بعض آي الكتاب العزيز:\nقال ابن عربي: رأيت رسول الله - ﷺ - في المنام، فقلت: قوله تعالى: ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ﴾ [النور: ٣٥]: ما هذه الشجرة؟ فقال: كنى عن نفسه سبحانه، ولذلك نفى عنها الجهات، فإنه لا يتقيد بالجهات، والغرب\n_________\n(١) انظر: تعريف الأحياء بفضائل الإحياء (٥/ ٣، ٤) ملحق بالإحياء، دار المعرفة، وطبقات السبكي (٤/ ١٣١، ١٣٢).\n(٢) انظر: طبقات السبكى (١١٦) وتبيين كذب المفتري (٢٩٧ - ٢٩٩) وفصل قواعد العقائد من كتاب الإحياء (١/ ١٢٥ - ١٤٨) دار الفكر.","vol":"1","page":303},{"text":"والشرق: كناية عن الفرع والأصل؛ فهو الله، فالق المواد وأصلها، ولولا هو ما كانت المادة (١).\nوزعم أبو الحسن الشاذلي (٢) أنه علم معنى قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] لرؤيا رآها ورسول الله - ﷺ - يقول له: يا علي، طهر ثيابك من الدنس تحظ بمدد الله في كل دهر، فقلت: يا رسول الله، وما ثيابي؟ فقال: اعلم أن الله تعالى قد خلع عليك خمس خلع، خلعة المحبة وخلعة المعرفة، وخلعة التوحيد، وخلعة الإيمان، وخلعة الإسلام، ومن أحب الله هان عليه كل شيء، ومن عرف الله صغر في عينيه كل شيء، ومن وحد الله لم يشرك به شيئًا، ومن آمن بالله أمن من كل شيء، ومن أسلم لله لم يعصه، وإن عصاه يعتذر إليه، وإن اعتذر إليه قبل عذره.\nقال الشاذلي بعد هذا القول: ففهمت عند ذلك تفسير قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ (٣).\nرابعًا: التمييز بين صحيح الأحاديث وضعيفها:\nقال أبو المواهب الشاذلي: رأيت رسول الله - ﷺ - فسألته عن الحديث المشهور: «اذكروا الله حتى يقولوا مجنون». وفي صحيح ابن حبان: «أكثروا من\n_________\n(١) سعادة الدارين (٤٧٧).\n(٢) هو علي بن عبد الله بن عبد الجبار (٥٩٣ - ٦٥٦هـ) شيخ الطريقة الشاذلية.\nانظر ترجمته في طبقات الشعراني (٢/ ٤ - ١٢) وطبقات الشاذلية الكبرى (١٥ - ٥٠).\n(٣) الإرشاد والتطريز (١٢٧).","vol":"1","page":304},{"text":"ذكر الله حتى يقولوا مجنون» (١). فقال - ﷺ -: صدق ابن حبان في روايته، وصدق راوي (اذكروا الله)؛ فإني قلتهما معا مرة قلت هذا وقلت هذا (٢).\nوقد يسألونه - ﷺ - عما أشكل عليهم في معاني الأحاديث، كما قال أبو الحسن الشاذلي: سمعت الحديث الوارد عن رسول الله - ﷺ -: «إنه ليغان (٣) على قلبي فأستغفر الله في اليوم سبعين مرة» (٤) فأشكل عليَّ معناه، فرأيت رسول الله - ﷺ - وهو يقول لي: يا مبارك، ذلك غين الأنوار، لا غين الأغيار (٥).\nخامسًا: الأدعية والأذكار.\nومن أمثلة ذلك:\nقال ابن عربي: رأيت في النوم كأن الله يناديني ويقول لي: يا عبدي إن أردت أن تكون عندي مقربًا مكرمًا فأكثر من قول: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣].\n_________\n(١) الحديث أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١٢/ ١٦٩) بلفظ \"اذكروا الله ذكرًا يقول المنافقون إنكم تراءون\" وفيه الحسن بن أبي جعفر الجفري وهو ضعيف، مجمع الزوائد (١٠/ ٧٦) واللفظ الآخر للحديث وهو (أكثروا من ذكر الله حتى يقولوا مجنون) أخرجه أحمد في مسنده (٣/ ٦٨، ٧١) والحاكم في مسنده (٤٩٩٨) وابن حبان (٢/ ١٣١) وابن عدي في الضعفاء (٣/ ٩٨٠).\nوالحديث ضعيف لجميع طرقه، لا يثبت منه شيء، وانظر التفصيل والكلام فيه في سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة للألباني (٢/ ٩، ١٠).\n(٢) طبقات الشعراني (٢/ ٧٥، ٧٦).\n(٣) ليغان: يتغشى، وانظر: شرح صحيح مسلم للنووي (١٧/ ٢٣).\n(٤) الحديث أخرجه مسلم في صحيحه (١٧/ ٢٣) بشرح النووي.\n(٥) لطائف المنن (١٦١).","vol":"1","page":305},{"text":"كرر ذلك على مرات (١).\nوقال أبو بكر الكتاني: رأيت رسول الله - ﷺ - في المنام، فقلت: يا رسول الله ادع الله لي ألا يميت قلبي. فقال: قل في كل يوم أربعين مرة، يا حي يا قيوم لا إله إلا أنت (٢).\nوزعم أبو المواهب الشاذلي أن النبي - ﷺ - قال له: وما أحسن ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١] لو كانت وردك بالليل، ويكون دعاؤك «اللهم فرج كربتنا اللهم أقل عثرتنا اللهم اغفر زلتنا». وتصلي عليَّ وتقول: ﴿وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ١٨١، ١٨٢].\nوادعى محمد صالح الجعفري الإدريسي أن من منة الله عليه أن الرسول - ﷺ - أجازه في المنام بالصلاة العظيمية؛ قال قلت له - ﷺ -: أصلي عليك بهذه الصيغة، وكنت قد ختمتها وهو يسمعني، فقال لي بها وبغيرها، فاعتبرت هذه أعظم إجازة عندي دلت على فضل هذه الصيغة، وعلى فضل صاحبها (٣).\nسادسًا: تعظيم مشايخهم وذكر الفضائل والمناقب لهم:\nوالأمثلة على ذلك كثيرة جدًا؛ فكثير ممن كتبوا في تراجم الصوفية ذكروا في تراجم شيوخهم أنهم رأوا الرسول - ﷺ - وأثنى عليهم، وربما زعموا أيضًا رؤية النبي - ﷺ - وإنكاره على مخالفيهم؛ فمن ذلك:\n_________\n(١) سعادة الدارين (٤٧٦).\n(٢) الرسالة القشيرية (١٧٧) وطبقات الشعراني (١/ ١١٠).\n(٣) انظر: المنتقى النفيس (٢٠١).","vol":"1","page":306},{"text":"زعم أبو الحسن الشاذلي أنه رأى النبي - ﷺ - في النوم، وقد باهى موسى وعيسى ﵉ بالإمام الغزالي، وقال: أفي أمتكما حبر كهذا؟ قالا: لا (١).\nوقال أبو المواهب الشاذلي: رأيت رسول الله - ﷺ - فقلت: يا رسول الله، لا تدعني. فقال: لا ندعك حتى ترد على الكوثر وتشرب منه (٢).\nوقال: رأيت رسول الله - ﷺ - فقال لي: أنت تشفع لمائة ألف. قلت له: بم استوجبت ذلك يا رسول الله؟ قال: بإعطائك لي ثواب الصلاة علي (٣).\nوقال أيضًا: تفل رسول الله - ﷺ - في فمي فقلت: يا رسول الله، ما فائدة هذا التفل؟ فقال: لا تتفل بعدها على مريض إلا ويبرأ (٤).\nوجاء في ترجمة أبي الحسن الهاملي أنه رأى في المنام رسول الله - ﷺ - وأبا بكر وعمر، فأمرهما رسول الله - ﷺ - أن يقبلا رأس أبي الحسن، ففعلا، وكان رسول الله - ﷺ - يدور حوله وهو قائم، والفقيه قاعد!! وهو - ﷺ - يقول: أنا أحب هذا، أنا أحب هذا. حتى كاد أن يرتمي عليه (٥).\nوفي ترجمة أبي بكر محمد بن عمران أن أحد الناس رأى النبي - ﷺ - يقول: من قبَّل قدم الفقيه أبي بكر دخل الجنة (٦).\n_________\n(١) انظر: تعريف الأحياء بفضائل الإحياء ملحق بكتاب الإحياء (٥/ ٩) دار المعرفة.\n(٢) طبقات الشعراني (٢/ ٧١).\n(٣) المرجع السابق (٢/ ٧٢).\n(٤) المرجع السابق (٢/ ٧٥).\n(٥) طبقات الخواص (٨٨).\n(٦) المرجع السابق (١٧٥).","vol":"1","page":307},{"text":"وقال محمد بن عثمان الميرغني (١): لما يسر الله لي الفتح بتفسير القرآن رأيت في تلك الليلة المصطفى - ﷺ - في محفل من الرسل الكرام، وهو يقول: الأنبياء كلهم نقطة من نوري، والأولياء من نورك يا خثم. ثم قال لي رسول الله - ﷺ -: يا ابني، ما قام بأمر الله في المؤمنين أحد بعدي مثلك، شكر الله سعيك. فقلت: كيف يا رسول الله؟ قال: تعبت في باقي المؤمنين ونصحتهم، ما تعب فيهم أحد بعدي مثلك. فقلت له: أرضاك ذلك؟ فقال: أرضاني، وأرضى الله من فوق سبع سمواته وعرشه وحجبه!! ثم نادى: يا رضوان عمِّر جنانا ومساكن لابني محمد بن عثمان وأتباعه وصحبه، وأتباع أتباعه إلى يوم القيامة. وقال: يا مالك. فَحَضر. قال: عمِّر في النار مواضع ومساكن لأعداء ابني محمد بن عثمان (٢).\nوزعم أحمد الرفاعي أن الله خاطبه في المنام بقوله: ما تريد يا أحمد؟ فقال: أريد ما تريده. قال الله: لك المراد، ولك أعطي كل يوم مائة حاجة مقضية (٣).\nوزعم علي بن وهب السنجاري أنه رأى الله في المنام فقال له: يا عبدي قد جعلتك من صوفتي في أرضي وأيَّدتك في جميع أقوالك بروح مني، وأقمتك\n_________\n(١) ولد بمكة سنة ١٢٠٨ هـ تلقى الطريقة الميرغنية والطريقة الشاذلية، وأسس في النهاية طريقة خاصة به عرفت بالطريقة الختمية توفي سنة (١٢٦٨ هـ).\nانظر: ما قيل فيه وفي طريقته في كتاب طائفة الختمية أصولها التاريخية وأهم تعاليمها للدكتور أحمد محمد جلي.\n(٢) الرسائل المرغنية (١١٦).\n(٣) طبقات الشعراني (٢/ ٦٩).","vol":"1","page":308},{"text":"رحمة لخلقي، فاخرج إليهم واحكم فيهم بما علمتك من حكمي وأظهر لهم بما أيدتك به من آيتي (١).\nسابعًا: ومن الأشياء المستمدة من الرؤى عند الصوفية الأحكام الشرعية ومعرفة الراجح من مسائل الخلاف:\nزعم ابن عربي أنه رأى النبي - ﷺ - منامًا فسأله عن الرجل يقول لامرأته: أنت طالق ثلاثًا. ولم يكن طلقها، هل هي ثلاث كما قال، أو ترجع إلى واحدة، فقال - ﷺ -: هي ثلاث كما قال. قال ابن عربي: قلت: فقد حكم بعض العلماء بأنها ترجع إلى واحدة، فقال: أولئك حكموا بما وصل إليهم وأصابوا. فقلت: يا رسول الله ما أريد في هذه المسألة إلا ما تدين الله أنت به. فقال - ﷺ -: ثلاث كما قال لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره (٢).\nوقال أيضًا: رأيت وأنا بمكة سنة تسع وتسعين وخمس مائة في النوم أبا بكر الصديق ﵁ فسألته: أين حد المسجد الحرام الذي تكون الصلاة فيه بمائة ألف، هل هو الحرم كله، أو المسجد المعروف وحده؟ فقال: لا أقول هو الحرم كله، ولا أقول هو المسجد وحده؛ ولكني أقول: كل موضع في الحرم توقع الصلاة فيه فهو مسجد، وهو في الحرم، فهو في المسجد الحرام، والصلاة فيه بمائة ألف صلاة، هكذا هو عندنا ثم استيقظت (٣).\n_________\n(١) طبقات الشعراني (١/ ١٣٩).\n(٢) سعادة الدارين (٤٧٧).\n(٣) المرجع السابق (٤٧٤، ٤٧٥).","vol":"1","page":309},{"text":"وقال أحمد التجاني (١): كنت أحرج وأشدد غاية في الماء المتغير من أثر الوضوء، بل ولا أتوضأ منه، حتى رأيته - ﷺ - يتوضأ في إناء، وكان الماء متغيرًا من أثر الوضوء، فقال لي: أنا محمد رسول الله فمن ذلك تركت التحرج (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-69>المسألة الرابعة: شبهاتهم في جعل الرؤى مصدرًا للتلقي والمعرفة</span>\nيستدل بعض الصوفية في احتجاجهم بالرؤى ببعض الأدلة، والتي يوجهونها ويلوون أعناقهم لتصحيح ما هم عليه من باطل؛ فمن ذلك (٣):\nأولا: قالوا: إن الرؤيا جزء من أجزاء النبوة، فلا ينبغي أن تهمل.\nثانيًا: أن النبي - ﷺ - قال: «من رآني في المنام فقد رآني حقًا؛ فإن الشيطان لا يتمثل بي» (٤) وإذا كان كذلك فإخباره في النوم كإخباره في اليقظة؛ لأن الشيطان لا يتمثل بالنبي - ﷺ -.\n_________\n(١) هو أحمد بن محمد بن المختار (١١٥٠ - ١٢٣٠) هـ شيخ الطريقة التجانية.\nانظر ترجمته في جواهر الأماني وبلوغ الأماني، وكتاب التجانية للدكتور على الدخيل الله (٤٠ - ٥٦).\n(٢) جواهر المعاني (١/ ٤٧)، وانظر المزيد من الأمثلة والتي نقلها الأخ صادق سليم صادق في رسالته بعنوان: المصادر العامة للتلقي عند الصوفية عرضًا ونقدًا (٢٦٦ - ٢٨٤).\n(٣) انظر هذه الشبهات في الفتوحات المكية (٤/ ٢٨) والإبريز (٩٠ - ١٠٣) وأوردها الشاطبي في الاعتصام (١/ ٢٦١ - ٢٦٤) وابن حاج في المدخل (٤/ ٢٨٩ - ٢٩٤).\n(٤) سبق تخريجه.","vol":"1","page":310},{"text":"ثالثًا: من جملة ما استدل به ابن عربي على جواز العمل بالمنامات ما أورده الإمام مسلم في مقدمة كتابه الصحيح بسنده عن علي بن مسهر (١) قال: سمعت أنا وحمزة الزيات (٢) من أبان بن أبي عياش (٣) نحوًا من ألف حديث قال علي: فلقيت حمزة فأخبرني أنه رأى رسول الله - ﷺ - في المنام، فعرض ما سمع من أبان، فما عرف منها إلا شيئًا يسيرًا خمسة أو ستة (٤).\n_________\n(١) هو أبو الحسن القرشي الكوفي، العلامة الحافظ قاضي الموصل (١٢٠ - ١٨٩هـ) سمع عن يحيى بن سعيد الأنصاري والأعمش وغيرهما، وروى عنه أبو بكر بن أبي شيبة وخلق كثير، وثقه أبو زرعة وابن معين وغيرهما، انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (٨/ ٤٨٤ - ٤٨٧) وفيات الأعيان (٦/ ٣٨٧) وشذرات الذهب (١/ ٣٢٥).\n(٢) هو حمزة بن حبيب بن عمارة الزيات (ت١٥٨هـ) شيخ القراء أخذ عنه القرآن الكسائي وغيره وثقه ابن معين وقال الكسائي ليس به بأس، وقال الساجي صدوق سيء الحفظ، وقال الذهبي وحدثه لا ينحط عن رتبة الحسن، انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (٧/ ٩٠ - ٩٢) والجرح والتعديل (٣/ ٢٠٩ - ٢١٠) وتقريب التهذيب (٤٠٥).\n(٣) هو ابن فيروز أبو إسماعيل العبدي، مولاهم البصري، روى عن أنس بن مالك وروى عن الثوري وحماد بن سلمة، قال الإمام أحمد وأبو حاتم وأبو زرعة متروك، وقال ابن معين ليس حديثه بشيء انظر ترجمته في الجرح والتعديل (٢/ ٢٩٥، ٢٩٦) الكاشف (١/ ٣٢) الكامل لابن عدي (١/ ٣٧٢ - ٣٧٨).\n(٤) مقدمة صحيح مسلم بشرح النووي (١/ ١١٥).","vol":"1","page":311},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-70>المبحث الثاني\nالرَّدُّ على شبهاتهم</span>\nتبيَّن في المبحث السابق أن الرؤى والمنامات مصدر تلق عند الصوفية، وهذا المصدر عندهم لا يتطرق إليه شك؛ بل هو من الأمور اليقينية، والعقائد الراسخة، وتبين كيف أنهم بنوا عليه كثيرًا من عقائدهم الباطلة، وكثير ممن كتب منهم في تراجم الصوفية ذكروا في تراجمهم أنهم رأوا الله، ورأوا الرسول - ﷺ - وأمرهم بكذا أو نهاهم عن كذا، وهذا أمر لا ينكره أحد منهم.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وكثير من المتصوفة يبني على منامات وأذواق وخيالات يعتقدها كشفًا وهي خيالات غير مطابقة، وأوهام غير صادقة ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم] (١).\nوالرد على مذهبهم وشبهاتهم يكون من وجوه عامة وخاصة:\nأما الوجوه العامة فكما يلي:\nأولا: أن الحق الذي لا يشوبه باطل هو الكتاب والسنة وإجماع الأمة، وما عدا ذلك من المنامات والحكايات ونحوها ففيها الحق والباطل، ويعرف ذلك بعد عرضها على الكتاب والسنة؛ فما زكياه منها قبل وإلا رد على صاحبه مهما كان القائل به (٢).\n_________\n(١) قاعدة في المعجزات والكرامات لشيخ الإسلام ابن تيمية، مطبوع ضمن مجموع الفتاوى له (١١/ ٣٣٩، ٤٢٩).\n(٢) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (١٩/ ٥، ٧).","vol":"1","page":312},{"text":"فالمؤمن هو الذي يستغني بالوحي، ويكتفي بالنبي - ﷺ - فيتبعه اتباعًا عامًا غير مشروط، وأما غيره فيتبع بشرط موافقته للشرع، ولهذا وجب عند التنازع والاختلاف: الردُّ إلى الله ورسوله، وكذلك يجب رد المنامات ونحوها إلى الكتاب والسنة، ووزنها بميزان الشرع.\nفمن لم يبن على هذا الأصل العظيم علمه وعمله وسلوكه وجميع أمره، فليس من الدين في شيء (١)؛ فالله تعالى يقول: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥].\nوقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾ [آل عمران: ٣١].\nوقال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٣] وقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].\nوقال: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ﴾. [النساء: ٥٩].\nوقال ابن الحاج ﵀: وليحذر مما يقع لبعض الناس في هذا الزمان؛ وهو أن يرى النبي - ﷺ - في منامه فيأمره بشيء أو ينهاه عن شيء فيتبعه فيقدم على فعله أو تركه لمجرد المنام دون عرض على كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - وعلى\n_________\n(١) انظر: مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية (١٩ - ٦٦) ومدارج السالكين (١/ ٤٩٦) وقطر الولي شرح حديث الولي للشوكاني (٢٧٨).","vol":"1","page":313},{"text":"أقوال السلف ﵃؛ قال تعالى في كتابه العزيز: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ﴾؛ فمعنى قوله: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ﴾ إلى كتاب الله تعالى.\nومعنى قوله: ﴿وَالرَّسُولِ﴾ أي إلى الرسول في حياته وإلى سنته بعد وفاته ... إلى أن قال ﵀: ووجه ثالث وهو أن العمل بالمنام مخالف لقول صاحب الشريعة - ﷺ -؛ حيث قال: «تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما كتاب الله وسنتي». جعل - ﷺ - النجاة من الضلالة في التمسك بهذين الأصلين الذين لا ثالث لهما، ومن اعتمد ما يراه في منامه فقد زاد لها ثالثًا (١).\nوقال الشاطبي ﵀: وأضعف هؤلاء احتجاجًا قوم استندوا في أخذ الأعمال إلى المنامات وأقبلوا وأعرضوا بها، فيقولون: رأينا فلانًا الرجل الصالح فقال لنا: اتركوا كذا، واعملوا كذا، ويتفق هذا كثيرا للمتمرسين (٢) برسم التصوف، وربما قال بعضهم: رأيت النبي - ﷺ - في النوم فقال لي كذا، وأمرني بكذا. فيعمل بها ويترك بها، معرضًا عن الحدود الموضوعة في الشريعة، وهو خطأ؛ لأن الرؤيا من غير الأنبياء لا يحكم بها شرعًا على حال إلا أن تعرض على ما في أيدينا من الأحكام الشرعية، فإن سوغتها عمل بمقتضاها، وإلا وجب تركها والإعراض عنها (٣).\n_________\n(١) المدخل (٤/ ٢٨٦ - ٢٨٧) والحديث سبق تخريجه.\n(٢) التمرس: شدة الالتواء، والمراد التلعب بالدين والعبث به، والمقصود بهم هنا المقلدون للصوفية، انظر النهاية في غريب الحديث (٤/ ٣١٨).\n(٣) وقد سبق في مبحث هل يسوغ العمل وفق الرؤيا الصالحة؟ وأن ذلك بشرط موافقتها للشرع؛ فالعبرة حينئذ بالشرع لا بها، ولهذا كان الصحابة ﵃ لا يعملون بالرؤيا حتى يعرضوها على النبي - ﷺ - كما في قصة الأذان، فإن أقرها وإلا فلا، وكذلك المؤمن لا بد أن يعرض رؤياه على الشريعة فإن وافقتها وإلا تركها، وانظر: المدخل لابن الحاج (٤/ ٢٩٣).","vol":"1","page":314},{"text":"وإنما فائدتها البشارة أو النذارة خاصة، وأما استفادة الأحكام فلا، كما يحكى عن الكتاني ﵀ قال: رأيت النبي - ﷺ - في المنام، فقلت: ادع الله ألا يميت قلبي، فقال: قل كل يوم أربعين مرة، يا حي يا قيوم لا إله إلا أنت؛ فهذا كلام حسن لا إشكال في صحته وكون الذكر يحيي القلب صحيح شرعًا وفائدة الرؤيا التنبيه على الخير، وهو من ناحية البشارة؛ وإنما يبقى الكلام في التحديد بالأربعين، وإذا لم يوجد على اللزوم استقام.\nوعن أبي يزيد البسطامي (١) ﵀ قال: رأيت ربي في المنام، فقلت: كيف الطريق إليك؟ فقال: اترك نفسك وتعالَ.\nوشأن هذا الكلام من الشرع موجود، فالعمل بمقتضاه صحيح؛ لأنه كالتنبيه لموضع الدليل؛ لأن ترك النفس معناه ترك هواها بإطلاق، والوقوف على قدم العبودية والآيات تدل على هذا المعنى، كقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤٠، ٤١] وما أشبه ذلك، فلو رأى في النوم قائلا يقول: إن فلانًا سرق فاقطعه، أو عالمًا فسأله أو اعمل بما يقول لك، أو فلانًا زنى فحده، وما أشبه ذلك، لم يصح له العمل حتى يقوم له الشاهد في اليقظة، وإلا كان عاملًا بغير الشريعة، إذ ليس بعد الرسول - ﷺ - وحي (٢).\n_________\n(١) هو أبو يزيد طيفور بن عيسى البسطامي، ويقال با يزيد (١٨٨ - ٢٦١هـ) صوفي شهير له شطحات كثيرة، ويعرف باتباعه الطيفورية أو البسطامية.\nانظر ترجمته ومذهبه في طبقات الصوفية (ص٧٤ - ٧٦) والطبقات الكبرى (١/ ٦٥، ٦٦) والرسالة للقشيري (١/ ٨٠ - ٨٢) وشذرات الذهب (٢/ ١٤٣ - ١٤٤).\n(٢) الاعتصام (١/ ٢٦٠، ٢٦١).","vol":"1","page":315},{"text":"وقال ابن القيم ﵀: وأما رؤيا غيرهم - أي غير الأنبياء - فتعرض على الوحي الصريح، فإن وافقت وإلا لم يعمل بها.\nفإن قيل: فما تقولون إذا كانت رؤيا صادقة، أو توطأت؟\nقلنا: متى كانت استحال مخالفتها للوحي، بل لا تكون إلا مطابقة له، منبهة عليه، أو منبهة على اندراج قضية خاصة في حكمة، لم يعرف الرائي اندراجها فيه فتنبه الرؤيا على ذلك (١).\nفالشريعة حاكم، لا محكوم عليها، ولو كان ما يقع من المنامات ونحوها حاكمًا على الشريعة بتخصيص عام، أو تقييد مطلق، أو تأويل ظاهر، أو نحو ذلك لكان غيرها حاكمًا عليها، وصارت محكومًا عليها بغيرها، وذلك باطل باتفاق (٢).\nثانيًا: أن الرؤى منقسمة إلى ثلاثة أقسام:\n١ - رؤيا من الله.\n٢ - حلم من الشيطان.\n٣ - وحديث نفس.\nوالتميز بينها مشكل، فمن أين يأتي اليقين بأن رؤيا فلان هذه من الله لا من النفس ولا من الشيطان، ولهذا لا عصمة فيها بخلاف رؤيا الأنبياء (٣).\nقال ابن الحاج ﵀: وإذا كانت الرؤيا على ما تقدم ذكره من التفصيل وأن المعتبر منها قسم واحد، فكيف يمكن السكون إلى ما يراه الرائي في نومه مع وجود\n_________\n(١) مدارج السالكين (١/ ٥٢).\n(٢) انظر: مشتهى الخارف (ص٨١).\n(٣) انظر: مدارج السالكين (١/ ٦٢) والاعتصام (١/ ٢٦٢) والتنكيل (٢/ ٢٥٩).","vol":"1","page":316},{"text":"تلك الاحتمالات أو الإقدام على العمل بما يراه الرائي في نومه قبل أن يعرضه على الكتاب والسنة المضمون له العصمة اتباعهما هذا مما لا يتعقل (١).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وغالب ما يستند إليه الواحد من هؤلاء؛ أن يدعي أنه رأى منامًا فأما المنامات فكثير منها بل أكثرها كذب، وقد عرفنا في زماننا بمصر، والشام، والعراق من يدعي أنه رأى منامات تتعلق ببعض البقاع أنه قبر نبي، أو أن فيه أثر نبي، ونحو ذلك؛ ويكون كاذبًا وهذا شيء منتشر فرآئي المنام غالبًا ما يكون كاذبًا، وبتقدير صدقة فقد يكون الذي أخبره بذلك شيطان.\nوالرؤيا المحضة التي لا دليل يدل على صحتها لا يجوز أن يثبت بها شيء بالاتفاق؛ فإنه ثبت في الصحيح عن النبي - ﷺ - قال: «الرؤيا ثلاث: رؤيا من الله، ورؤيا مما يحدث به المرء نفسه، ورؤيا من الشيطان» (٢).\nفإذا كان جنس الرؤيا تحته أنواع ثلاثة، فلا بد من تمييز كل نوع منها عن نوع (٣).\nوقال الشاطبي ﵀: اعلم أن النبي - ﷺ - مؤيد بالعصمة معضود بالمعجزة الدالة على صدق ما قال وصحة ما بين، وأنت ترى الاجتهاد الصادر منه معصومًا بلا خلاف؛ إما لأنه لا يخطئ البتة، وإما أنه لا يقر على خطأ إن فرض فما ظنك بغير ذلك؟\n_________\n(١) المدخل (٤/ ٢٩٢).\n(٢) سبق تخريجه.\n(٣) رسالة لشيخ الإسلام في جواب لسؤال عن رأس الحسين، مطبوع ضمن مجموع الفتاوى له (٢١٧/ ٤٥٧، ٤٥٨).","vol":"1","page":317},{"text":"فكل ما حكم به أو أخبر عنه من جهة رؤيا نوم، أو رؤية كشف مثل ما حكم به مما ألقى إليه الملك عن الله ﷿.\nوأما أمته فكل واحد منهم غير معصوم؛ بل يجوز عليه الغلط، والخطأ والنسيان ويجوز أن يكون رؤياه حلمًا وكشفه غير حقيقي، وإن تبين في الوجود صدقه، واعتيد ذلك فيه، واطرد فإمكان الخطأ، والوهم باق، وما كان هذا شأنه لم يصح أن يقطع به حكم (١).\nوقال ابن القيم ﵀: \"ومن كيده: أنه يحسن إلى أرباب التخلي، والزهد، والرياضة والعمل بهاجسهم، وواقعهم دون تحكيم أمر الشارع.\nويقولون: القلب إذا كان محفوظًا مع الله كانت هواجسه، وخواطره معصومة من الخطأ، وهذا من أبلغ كيد العدو فيهم.\nفإن الخواطر والهواجس ثلاثة أنواع: رحمانية، وشيطانية، ونفسانية، كالرؤيا فلو بلغ العبد من الزهد والعبادة ما بلغ فمعه شيطانه ونفسه لا يفارقانه إلى الموت، والشيطان يجري منه مجرى الدم، والعصمة إنما هي للرسل صلوات الله وسلامه عليهم، الذين هم وسائط بين الله، ﷿، وبين خلفه في تبليغ أمره ونهيه ووعده ووعيده، ومن عداهم يصيب ويخطئ وليس بحجة على الخلق.\nوقد كان سيد المحدثين الملهمين: عمر بن الخطاب ﵁ يقول الشيء فيرده عليه من هو دونه، فيتبين له الخطأ فيرجع إليه، وكان يعرض هواجسه وخواطره على الكتاب والسنة، ولا يلتفت إليها، ولا يحكم بها ولا يعمل بها (٢).\n_________\n(١) الموافقات (٤/ ٨٣، ٨٤).\n(٢) إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان (١/ ١٤٣) تحقيق: محمد حامد الفقي، دار الكتب العلمية الطبعة الأولى (١٤٠٧ هـ).","vol":"1","page":318},{"text":"وما أحسن الرد الذي رد به الشنقيطي ﵀ على الصوفية، حيث قال: إن المقرر في علم الأصول أن الإلهام من الأولياء لا يجوز الاستدلال به، لعدم العصمة ولعدم الدليل على الاستدلال به، بل ولوجود الدليل على عدم جواز الاستدلال به.\nوما يزعمه بعض المتصوفة من جواز العمل بالإلهام في حق الملهم دون غيره، وما يزعمه بعض الجبرية أيضًا من الاحتجاج بالإلهام في حق الملهم دون غيره جاعلين الإلهام كالوحي المسموع، كله باطل لا يعول عليه لعدم اعتضاده بدليل، وغير المعصوم لا ثقة بخواطره، لأنه لا يأمن من دسيسة الشيطان، وقد ضمنت الهداية في اتباع الشرع، ولم تضمن في اتباع الخواطر والإلهامات (١).\nثالثًا: إن الرؤيا قد تكون على خلاف ظاهرها، حتى رؤيا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كما سبق لنا (٢).\nرابعًا: يلزم من القول بحجية الرؤى أن تكون تجديدًا في الوحي يحكم به بعد النبي - ﷺ - وهذا باطل بالإجماع.\nقال الشاطبي ﵀ يحكى أن شريك بن عبد الله القاضي دخل على المهدي، فلما رآه قال: علي بالسيف والنطع، قال: ولم يا أمير المؤمنين؟ قال: رأيت في منامي كأنك تطأ بساطي وأنت معرض عني فقصصت رؤياي على من عبرها، فقال لي: يظهر لك طاعة ويضمر معصية.\n_________\n(١) أضواء البيان (٤/ ١٥٩).\n(٢) انظر التنكيل (٢/ ٢٥٩).","vol":"1","page":319},{"text":"فقال له شريك: والله ما رؤياك برؤيا إبراهيم الخليل ﵇، ولا معبرك بيوسف ﵇، أفبالأحلام الكاذبة تضرب أعناق المؤمنين؟ فاستحى المهدي، وقال: اخرج عني، ثم صرفه وأبعده.\nثم قال الشاطبي ﵀: \"وأما الرؤيا التي يخبر فيها رسول الله - ﷺ - بحكم فلا بد من النظر فيها أيضًا، لأنه إذا أخبر بحكم موافق لشريعته، فالحكم استقر وإن أخبر بمخالف، فمحال لأنه - ﷺ - لا ينسخ بعد موته شريعته المستقرة في حياته، لأن الدين لا يتوقف استقراره بعد موته على حصول المرائي النومية، لأن ذلك باطل بالإجماع؛ فمن رأى شيئًا من ذلك، فلا عمل عليه، وعن ذلك نقول: إن رؤياه غير صحيحة، إذ لو رآه حقًا لم يخبره بما يخالف الشرع\" (١).\nخامسًا: أن النائم ليس من أهل التحمل للرواية، لعدم حفظه.\nقال النووي ﵀: \"إن الرائي وإن كانت رؤياه حقًا ولكن لا يجوز إثبات حكم شرعي بما جاء فيها، لأن حالة النوم ليست حالة ضبط وتحقيق لما يسمعه الرائي، وقد اتفقوا على أن من شرط من تقبل روايته وشهادته أن يكون متيقظًا لا مغفلا ولا سيئ الحفظ، ولا كثير الخطأ ولا مختل الضبط، والنائم ليس بهذه الصفة، فلم تقبل روايته لاختلال ضبطه.\nهذا كله في منام يتعلق بإثبات حكم على خلاف ما يحكم به الولاة، أما إذا رأى النبي - ﷺ - يأمره بفعل ما هو مندوب إليه، أو ينهاه عن منهي عنه، أو يرشده إلى فعل مصلحة، فلا خلاف في استحباب العمل على وفقه، لأن ذلك ليس حكمًا بمجرد المنام بل ما تقرر من أصل ذلك الشيء، والله أعلم\" (٢).\n_________\n(١) الاعتصام (١/ ١٦٢).\n(٢) شرح النووي لصحيح مسلم (١/ ١١٥).","vol":"1","page":320},{"text":"وقال ابن الحاج ﵀: \" إن الله لم يكلف عباده بشيء مما يقع لهم في منامهم لقوله - ﷺ -: «رفع القلم عن ثلاثة» وذكر منهم «النائم حتى يستيقظ» (١) لأنه إذا كان نائمًا فليس من أهل التكليف فلا يعمل بشيء يراه في منامه\" (٢).\nوقال الشوكانيُّ - ﵀ - في رؤيا النبي - ﷺ -: \"ذكر جماعة من أهل العلم أنه يكون حجة، ويلزم العمل به، وقيل لا يكون حجة، ولا يثبت به حكم شرعي، وإن كانت رؤية النبي - ﷺ - رؤية حق، والشيطان لا يتمثل به، لكن النائم ليس من أهل التحمل للرواية لعدم حفظه\" (٣).\nسادسًا: أن الشرع الذي شرعه الله لنا على لسان نبينا محمد - ﷺ - قد كمله الله ﷿ ولم يأتنا دليل يدل على أن رؤيته في النوم بعد موته - ﷺ - إذا قال فيها بقول، أو فعل فيها فعلا يكون دليلا وحجة، بل قبضه الله إليه عندما كمَّل لهذه الأمة ما شرعه لها على لسانه، فأين الدليل على حجية الرؤى؟ (٤).\nأما الوجوه الخاصة في الرد على ما أوردوه من أدلة فكما يلي:\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه معلقًا في كتاب الطلاق باب الطلاق في الإغلاق (٩/ ٣٤٤) وأبو داود في سننه (٩/ ٤٣٩٩) والترمذي في سننه (١٤٢٣) وابن ماجه في سننه (٢٠٤٣) من حديث عائشة.\n(٢) المدخل (٤/ ٢٨٦).\n(٣) إرشاد الفحول ص (٢٤٢)، وانظر: المدخل لابن الحاج (٤/ ٢٨٦) وأفعال الرسول - ﷺ - للأشقر (٢/ ١٦٢) وطرح التثريب (٨/ ٢١٣) وتهذيب موعظة المؤمنين للشيخ جمال الدين القاسمي ص (١٧١، ١٧٢) راجعه وحققه محمود مهدي الاستانبولي ومحمد عيد عباس دار ابن القيم.\n(٤) انظر: المدخل لابن بدران (٢٩٧) وإرشاد الفحول للشوكاني (٢٤٩).","vol":"1","page":321},{"text":"أولًا: قولهم إن الرؤيا من أجزاء النبوة، فلا ينبغي أن تهمل.\nيجاب عنه من وجوه:\nالوجه الأول: إن كانت الرؤيا من أجزاء النبوة فليست تعدل كمال الوحي، بل جزء من أجزائه، والجزء لا يقوم مقام الكل في جميع الوجوه، بل إنما يقوم في مقامه في بعض الوجوه، فقد صرف هذا الجزء إلى جهة البشارة والنذارة، وقد تقدم بيان كون الرؤيا جزءا من أجزاء النبوة، وأن ذلك لا يعني أنها نبوة.\nالوجه الثاني: من شرط الرؤيا التي هي جزء من أجزاء النبوة، أن تكون صالحة من الرجل الصالح، وحصول هذه الشروط مما ينظر فيه، فقد تتوافر وقد لا تتوافر (١).\nثانيًا: قولهم إن المخبر في المنام قد يكون النبي - ﷺ - وهو قد قال: «من رآني في المنام فقد رآني حقًا، فإن الشيطان لا يتمثل بي» وعلى هذا فإخباره في النوم كإخباره في اليقظة.\nوالجواب أن معنى هذا الحديث أن رؤيته - ﷺ - في المنام صحيحة وليست من أضغاث الأحلام إذا رآه على صورته التي وصفت لنا (٢).\nقال ابن رشد ﵀: \"وليس معنى قوله - ﷺ -: «من رآني في المنام فقد رآني حقًا» أن كل من رآه في المنام فقد رآه حقيقة، بدليل أن الرائي قد يراه مرات على صور مختلفة، ويراه الرائي على صفة، وغيره على صفة أخرى، ولا يجوز أن تختلف صور النبي - ﷺ - ولا صفاته.\n_________\n(١) انظر: الاعتصام (١/ ٢٦١) وعمدة القارئ شرح صحيح البخاري (٢٤/ ١٣٤) وطرح التثريب (٨/ ٢١٥).\n(٢) انظر: شرح النووي لصحيح مسلم (١/ ١١٥).","vol":"1","page":322},{"text":"وإنما معنى الحديث: من رآني على صورتي التي خلقت عليها، وإنما قال: «من رآني فقد رآني» وأني لهذا الرائي الذي رأى أنه رآه على صورة، أنه رآه عليها؟ وإن ظن أنه رآه، ما لم يعلم أن تلك الصورة صورته بعينها، وهذا ما لا طريق لأحد إلى معرفته\".\nقال الشاطبي ﵀: \"فهذا ما نقل عن ابن رشد، وحاصله يرجع إلى أن المرئي قد يكون غير النبي - ﷺ - وإن اعتقد الرائي أنه هو، ثم إن الشيطان قد يأتي النائم في صورة ما، من معارف الرائي وغيرهم فيشير إلى رجل آخر هذا فلان النبي\" (١).\nوقال النووي ﵀ في أثناء كلامه على خصائص النبي - ﷺ -: «أن من رآه في المنام فقد رآه حقًا، فإن الشيطان لا يتمثل في صورته، لكن لا يعمل بما يسمعه الرائي منه في المنام مما يتعلق بالأحكام خلاف ما استقر في الشرع لعدم ضبط الرائي لا للشك في الرؤيا لأن الخبر لا يقبل إلا من ضابط مكلف والنائم بخلافه، فعلى هذا؛ فمن رأى النبي - ﷺ - في منامه، وخاطبه وكلمه وصل إلى ذهن الرائي لفظ، أو ألفاظ من العوائد التي هي واقعة في زمن الرائي أو قبله وتكون مخالفة لشريعته ﵊، فلا يجوز له ولا لغيره التدين بها، ولا أن يعتقد أن ما وصل إلى ذهنه في منامه مما يخالف الشريعة المطهرة أنه صحيح لأن تنزيه النبي - ﷺ - عن نسبة ذلك وما شاكله أمر واجب ومتعين، إذ أن العصمة في رؤيا صورته الكريمة ﵊، ليس إلا دون ما يكون من الزيادة أو النقصان» (٢).\n_________\n(١) الاعتصام (١/ ٢٦٣).\n(٢) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٤٣).","vol":"1","page":323},{"text":"ثالثًا: ما ورد في خبر أبان بن أبي عياش، فقد قال القاضي عياض ﵀: هذا ومثله استئناس واستظهار على ما تقرر من ضعف أبان، لا أنه يقطع بأمر المنام، ولا أنه تبطل بسببه سنة تثبت، ولا تثبت به سنة لم تثبت، وهذا بإجماع العلماء.\nقال النووي ﵀ معقبًا على كلام القاضي: \"وكذا قاله غيره من أصحابنا وغيرهم فنقلوا الاتفاق على أنه لا يغيَّر بسبب ما يراه النائم ما تقرر في الشرع\" (١).\nقال الألباني ﵀: \"ومن المقرر عند العلماء أن الرؤيا لا يثبت بها حكم شرعي فبالأولى ألا يثبت بها حديث نبوي، والحديث أصل الأحكام بعد القرآن\" (٢).\nهناك شبهات أخرى ذكرها ابن الحاج ﵀ وأجاب عليها فقال:\nفإن قال قائل: قد شرع الأذان بسبب المنام.\nفالجواب: أن هذا يؤيد ما تقدم ذكره من عرض الرؤيا على الشريعة المطهرة فإذا وافقت أمضيت، وإن خالفت تركت بدليل أنهم لم يعملوا بما رأوه حتى عرضوه على صاحب الشريعة، صلوات الله وسلامه عليه فشرع بما رآه ﵊، فوجب أن يرجع في ذلك إليه، ﵊ في حياته وإلى سنته بعد انتقاله إلى ربه ﷿.\n_________\n(١) شرح النووي لصحيح مسلم (١/ ١١٥).\n(٢) سلسلة الأحاديث الضعيفة (١/ ٤٥٦) قال الشيخ ذلك في رده على السيوطي عندما ساق قصة عن حمزة بن عبد المجيد في أنه رأى النبي - ﷺ - في المنام فسأله عن الحديث الموضوع من بلغه عني شيء فيه فضيلة فأخذ به إيمانًا به ورجاء لثوابه أعطاه الله ذلك وإن لم يكن كذلك، فقال: إنه عني وأنا قلته!","vol":"1","page":324},{"text":"فإن قال قائل: فقد ورد من حديث سمرة بن جندب أن النبي - ﷺ - كان إذا صلى صلاة أقبل علينا بوجهه فيقول: «من رأى منكم الليلة رؤيا، فإن رأى أحد رؤيا قصها، فيقول ما شاء الله أن يقول، فسألنا يومًا، هل رأى أحدكم رؤيا» قلنا: لا، وقال: «لكني رأيت الليلة رجلين أتياني» (١).\nفالجواب: أن هذا يؤيد ما تقدم ذكره أيضًا، فكانوا يرجعون إليه، ﵊، لا إلى ما رأوه فكذلك الحكم بعد انتقاله ﵊ فالرجوع إلى شريعته لا إلى المرائي على ما تقدم ذكره.\nفإذا عرضت الرؤيا على الكتاب والسنة فوافقت فهو حق وبشارة للرائي أو من رآه له لقوله ﵊: «لم يبق بعدي من النبوة إلا المبشرات يراها ...» (٢).\nوخلاصة الأمر كما قال الشاطبي ﵀: \"وعلى الجملة فلا يستدل بالرؤيا في الأحكام إلا ضعيف المنة، نعم يأتي المرئي تأنيسًا، وبشارة، ونذارة خاصة، بحيث لا يقطعون بمقتضاها حكمًا، ولا يبنون عليها أصلا وهو الاعتدال في أخذها حسبما فهم من الشرع فيها والله أعلم (٣).\n_________\n(١) سبق تخريجه ص ٢٥.\n(٢) المدخل لابن الحاج (٤/ ٢٩٣، ٢٩٤) والحديث سبق تخريجه (٢٠٥).\n(٣) الاعتصام (١/ ٢٦٤) وانظر: مناقشة الشيخ سعيد حوي للصوفية، في كتابه تربيتنا الروحية الباب الرابع عشر، في الرؤى والكشف والإلهام والكرامة ومحلها في دين الله والأخطاء الشائعة عنها وفيها وفي بعض الدوائر (٢٠٩، ٢١٠) مع التنبه لما في هذا الكتاب من أخطاء عقدية، وخاصة فيما يتعلق بالكرامات، وانظر: نقد الدكتور عبد العزيز القارئ لهذا الكتاب في كتابه، العقيدة أولا .. لو كانوا يعلمون (٤٢/ ٤٨) الطبعة الثانية (١٤٠٦هـ) مكتبة الدار بالمدينة المنورة.","vol":"1","page":325},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-71>الباب الثالث\nأحكام الرؤى وآدابها</span>\nوفيه ثلاث فصول:\nالفصل الأول: أحكام الرؤى.\nالفصل الثاني: أحكام تعبير الرؤى.\nالفصل الثالث: آداب الرؤى.","vol":"1","page":327},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-72>الفصل الأول\nأحكام الرؤى</span>\nوفيه خمسة مباحث:\nالمبحث الأول: رؤية الله في المنام.\nالمبحث الثاني: رؤية الملائكة في المنام.\nالمبحث الثالث: رؤية نبينا محمد - ﷺ - في المنام.\nالمبحث الرابع: رؤية الأنبياء في المنام.\nالمبحث الخامس: الكذب في الرؤيا.\n\n* * *","vol":"1","page":329},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-73>المبحث الأول: رؤية الله في المنام</span>\nوفيه تمهيد ومسألتان:\nال<span data-type=\"title\" id=toc-74>تمهيد: رؤية الله عيانًا </span>وفيه:\nأولا: رؤية المؤمنين لربهم في الدار الآخرة.\nثانيًا: رؤية الله في الدنيا.\nثالثًا: هل رأى النبي - ﷺ - ربه يقظة؟\nالمسألة الأولى: رؤية النبي - ﷺ - ربه في المنام.\nالمسألة الثانية: هل يرى المؤمن ربه في المنام؟\n\nتمهيد\nرؤية الله عيانًا\nأولًا: رؤية المؤمنين لربهم في الدار الآخرة:\nرؤية المؤمنين لربهم في الدار الآخرة في عرصات القيامة وبعدما يدخلون الجنة عقيدة ثابتة بالكتاب والسنة وتلقتها الأمة بالقبول.\nفمن الكتاب قول ﷿: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣] (١).\nوقد ثبتت رؤية المؤمنين لله ﷿ في الدار الآخرة في الأحاديث الصحاح من طرق متواترة عن رسول الله - ﷺ - وتلقاه أتباعه بكل قبول وارتياح وانشراح لها، وكلهم يرجو ربه ويسأله أن يكون ممن يراه في جنات عدن يوم يلقاه، إذ رؤيته سبحانه هي أعلى مراتب نعيم الجنة، وغاية مطلوب الذين عبدوا الله مخلصين له الدين، وإن كانوا في الرؤية على درجات على حسب\n_________\n(١) وانظر تفسير الآية في تفسير ابن جرير وابن كثير رحمهما الله.","vol":"1","page":331},{"text":"قربهم من الله ومعرفتهم به.\nفأخرج الإمام البخاري ﵀ في صحيحه من حديث جرير ﵁ قال: \"كنا جلوسًا عند النبي - ﷺ - إذ نظر إلى القمر ليلة البدر، قال: «إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون (١) في رؤيته فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها فافعلوا» (٢).\nوأخرج مسلم في صحيحه من حديث صهيب ﵁ قال: قرأ رسول الله - ﷺ -: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] قال: «إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، نادى مناد، يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعدًا يريد أن ينجزكموه، فيقولون ما هو؟ ألم يثقل موازيننا ويبيض وجوهنا، ويدخلنا الجنة، ويجرنا من النار فيكشف الحجاب فينظرون إليه فما أعطاهم شيئًا أحب إليهم من النظر إليه، وهي الزيادة» (٣).\nوكان من دعاء النبي - ﷺ -: «وأسألك لذة النظر إلى وجهك» (٤).\nففي هذه الأحاديث وغيرها دلالة على وجوب الإيمان برؤية المؤمنين ربهم\n_________\n(١) أي لا يلحقكم ضيم وهو المشقة في رؤيته، انظر: شرح السنة للبغوي (٢/ ٢٢٦) وروي بتخفيف التاء والميم.\n(٢) صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري (١٢/ ٤١٩) وأخرجه البخاري كذلك من حديث أبي سعيد وأبي هريرة بلفظ مطول.\n(٣) صحيح مسلم كتاب الإيمان ٨٠ - باب إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم ﷾ (١/ ١٩٣) (١٨١).\n(٤) أخرجه أحمد في مسنده (٤/ ٢٦٤) والنسائي (١/ ١٩٢) والحاكم وصححه ووافقه الذهبي والألباني كما في صفة الصلاة (١٦٥) وظلال الجنة في تخريج السنة (١/ ١٦٦) (٣٧٨).","vol":"1","page":332},{"text":"﷿ يوم القيامة، وأنها من نعيم الله ومزيد إفضاله على عباده المؤمنين والإيمان بذلك اعتقاد أهل السنة والجماعة، ولم يَرُدَّ هذه الأحاديث إلا أهل البدع والضلال، الذين اعتاضوا بهداية كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - آراء فاسدة، زعموا أنها معتقدات وضلالات وشبهات (١).\nقال ابن القيم ﵀ في كتابه حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح:\nالباب الخامس والستون في رؤيتهم لربهم ﵎ بأبصارهم جهرة كما يرى القمر ليلة البدر وتجليه لهم ضاحكًا إليهم.\nهذا الباب أشرف أبواب الكتاب - يعني كتابه حادي الأرواح - وأجلها قدرًا، وأعلاها خطرًا، وأقرها لعيون أهل السنة والجماعة، وأشدها على أهل البدع والضلالة، وهي الغاية التي شمر إليها المشمرون، وتنافس فيها المتنافسون وتسابق إليها المتسابقون، ولمثلها فيعمل العاملون إذا نالها أهل الجنة نسوا ما هم فيه من النعيم، وحرمانه والحجاب عنه لأهل الجحيم أشد عليهم من عذاب الجحيم، اتفق عليها الأنبياء والمرسلون وجميع الصحابة والتابعون وأئمة الإسلام على تتابع القرون.\nوأنكرها أهل البدع المارقون (٢)، والجهمية المتهوكون والفرعونية\n_________\n(١) انظر: شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري للدكتور عبد الله الغنيمان (٢/ ١١٨) الطبعة الأولى (١٤٠٩) هـ.\n(٢) ومن أشهر هؤلاء: المعتزلة، وانظر: الأصول الخمسة (٢٣٢) والمغني (٤/ ٢٢٤) كلاهما للقاضي عبد الجبار المعتزلي.\nوانظر في الرد على هؤلاء وغيرهم في: بيان تلبيس الجهمية (٢/ ٣٤٥) لشيخ الإسلام ابن تيمية ومختصر الصواعق (١/ ٢٨٤) لابن القيم.","vol":"1","page":333},{"text":"المعطلون والباطنية الذين هم من جميع الأديان منسلخون (١).\nثم ساق ﵀ الأدلة من الكتاب والسنة، ثم أتبعها بأقوال الصحابة والتابعين والأئمة، وهي أقوال تثبت رؤية المؤمنين لربهم بأبصارهم عيانًا وترد على المعتزلة والجهمية.\nوقد أفرد كثير من أهل السنة هذه المسألة بمؤلفات خاصة (٢).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"والذي عليه جمهور السلف أن من جحد رؤية الله في الدار الآخرة فهو كافر، فإن كان ممن لم يبلغه العلم بذلك عرف ذلك كما يعرف من لم تبلغه شرائع الإسلام، فإن أصر على الجحود بعد بلوغ العلم له فهو كافر\" (٣).\nثانيًا: رؤية الله في الدنيا:\nأهل السنة والجماعة يعتقدون أن رؤية الله في الدنيا جائزة وممكنة شرعًا وعقلًا ولكن البشر لا يقدرون على رؤيته سبحانه والأدلة من الكتاب والسنة كثيرة منها قوله تعالى لموسى ﵇ لما سأله أن ينظر إليه، فقال له ربه ﵎: ﴿لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف: ٤٣].\n_________\n(١) حادي الأرواح (٣٢٦).\n(٢) مثل كتاب الرؤية للدارقطني والآجري في كتابه التصديق بالنظر إلى وجه الله ﷿ وهو الجزء السابع من كتاب الشريعة له.\n(٣) رسالة شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أهل البحرين، مجموع الفتاوى له (٦/ ٤٨٦).","vol":"1","page":334},{"text":"ووجه الدلالة من هذه الآية:\n١ - أن موسى ﵇ سأل رؤية الله ولو كانت الرؤية مستحيلة (١) لما سألها موسى لأنه كليم الرحمن وأعلم الناس في وقته، فدل على أنها ممكنة وجائزة.\n٢ - لو كانت الرؤية مستحيلة لأنكر الله على موسى سؤالها، كما أنكر على نوح لما سأله لابنه، فلما لم ينكر عليه دل على الجواز.\n٣ - لو كانت الرؤية غير ممكنة لعلقها الله بأمر غير ممكن، ولأجاب موسى بجواب يدل على عدم إمكان الرؤية، والفرق بين الجوابين ظاهر.\n٤ - أن الله تجلى للجبل الذي لا ثواب له ولا عقاب، فلو كانت الرؤية مستحيلة لما تجلى له.\n٥ - أن الرؤية ممكنة، ولكن البشر لا يقدرون لضعفهم، فإذا كان يوم القيامة استطاعوا ذلك.\n٦ - أن الله كلم موسى وناداه، ومن جاز تكليمه ومناداته جازت رؤيته (٢) فإذا علمت أن رؤية الله في الدنيا جائزة وممكنة فاعلم أنه قد اتفق أهل السنة والجماعة على أن أحدًا من المؤمنين لا يرى الله بعينه في الدنيا (٣).\nومن الأدلة على ذلك أيضًا:\n_________\n(١) مستحيلة بالنسبة لغيره سبحانه، بخبره بأنه لن يراه أحد، إذ لا يمكن أن يتخلف مدلول خبره تعالى. وانظر: شرح لمعة الاعتقاد (٨٧) للشيخ محمد بن صالح العثيمين، تحقيق أشرف عبد المقصود، ومجموع فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن صالح العثيمين (٣/ ٤٠).\n(٢) انظر: حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح (٣٢٧).\n(٣) انظر: الحجج العقلية والنقلية فيما ينافي الإسلام من بدع الجهمية والصوفية، لشيخ الإسلام ابن تيمية والمطبوع ضمن مجموع الفتاوى (٢/ ٣٣٥).","vol":"1","page":335},{"text":"١ - في حديث جرير ﵁ الذي سبق ذكره أن النبي - ﷺ - قال: «إنكم سترون ربكم يوم القيامة» ففي هذا الحديث بيان أن الرؤية تكون في المستقبل لئلا يتوهم أحد أنه يرى ربه قبل يوم القيامة.\n٢ - ما أخرجه مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي - ﷺ - قال: «وتعلموا أن أحدًا منكم لن يرى ربه حتى يموت» (١).\nولهذا لما يدعي الدجال أنه ربنا يرد عليه بهذا الحديث، بأننا لن نرى ربنا في الدنيا كما دل عليه هذا الحديث.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"كل من ادعى أنه رأى ربه بعينه قبل الموت فدعواه باطلة باتفاق أهل السنة والجماعة، لأنهم اتفقوا جميعهم على أن أحدا من المؤمنين لا يرى ربه بعيني رأسه حتى يموت\" (٢).\nوسئل ﵀ عن أقوام يدعون أنهم يرون الله بأبصارهم في الدنيا، وأنهم يحصل لهم بغير سؤال ما حصل لموسى بالسؤال؟\nفأجاب: أجمع سلف الأمة وأئمتها على أن المؤمنين يرون الله بأبصارهم في الآخرة، وأجمعوا على أنهم لا يرونه في الدنيا بأبصارهم، ولم يتنازعوا إلا في النبي - ﷺ -.\nومن قال من الناس: إن الأولياء أو غيرهم يرى الله بعينه في الدنيا فهو مبتدع ضال (٣) مخالف للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، لا سيما إذا ادعوا\n_________\n(١) صحيح مسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة (٤/ ٢٢٤٥).\n(٢) الوصية الكبرى لشيخ الإٍسلام ابن تيمية ﵀ (٧٦).\n(٣) قال بذلك الصوفية انظر: إحياء علوم الدين (٣/ ١٥، ١٦) دار المعرفة، وروضة الطالبين (٤٥) مجموعة القصور العوالي وكيمياء السعادة (٧٥) ملحق بالمنقذ من الضلال كلها للغزالي.","vol":"1","page":336},{"text":"أنهم أفضل من موسى، فإن هؤلاء يستتابون فإن تابوا وإلا قتلوا (١).\nثالثًا: هل رأى النبي - ﷺ - ربه يقظة؟\nاختلف الصحابة ﵁ في رؤية النبي - ﷺ - لربه ليلة المعراج على قولين:\nالأول: أنه لم ير ربه وذهب إلى هذا القول عائشة ﵂ حيث قالت: «من حدثك أن محمدا رأى ربه فقد كذب» (٢).\nالثاني: أنه رأى ربه وبهذا قال ابن عباس ﵄ عن النبي - ﷺ - قال: «رأيت ربي ﷿» (٣) وأخرج مسلم من حديث ابن عباس قال: «رآه بقلبه» (٤).\nوالظاهر والله أعلم أن الخلاف بينهم خلاف لفظي، وذلك للأسباب التالية:\nأ- أن الروايات عن ابن عباس جاءت مطلقة أو مقيدة بالقلب، فيحمل المطلق على المقيد، وخاصة أن المقيدة رواية مسلم.\nب- أنه يمكن الجمع بين إثبات ابن عباس ﵄ ونفي عائشة ﵂ بأن يحمل نفيها على الرؤية البصرية وإثباته على رؤية القلب (٥).\n_________\n(١) مسألة ضمن مجموع الفتاوى لشيخ الإٍسلام ابن تيمية (٦/ ٥١٢).\n(٢) أخرجه البخاري كتاب التفسير (٤٨٥٥) وأخرجه مسلم (١٧٧) (١/ ١٥٨) تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي.\n(٣) المسند (١/ ١٩٠، ٢٨٥) وصححه الألباني في ظلال الجنة في تخريج السنة (١/ ١٨٨).\n(٤) أخرجه مسلم (١٧٦) (١٥٨) من طريق عطاء، وفي لفظ آخر لمسلم من طريق أبي العالية عن ابن عباس قال: رآه بفؤاده مرتين.\n(٥) انظر: الوصية الكبرى لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (٧٢) ومجموع الفتاوى له (٦/ ٥٠٧ - ٥١٠) (٢/ ٣٣٥، ٣٣٦) وزاد المعاد لابن القيم (٣/ ٣٦، ٣٧) والبداية والنهاية لابن كثير (٣/ ١١٠) وفتح الباري (٨/ ٦٠٨).","vol":"1","page":337},{"text":"وبهذا حكى عثمان بن سعيد الدارمي (١) إجماع المسلمين على أنه لم يره (٢).\n(ج) الظاهر أن حديث ابن عباس ﵄ «رأيت ربي ﷿» مختصر من حديث المنام المشهور، وعلى هذا فتكون هذه الرؤيا منامية كما سيأتي تخريجه إن شاء الله.\nوعلى ذلك حمله البيهقي ﵀ فقال: \"ما روي عن ابن عباس ﵄ هو حكاية عن رؤيا رآها في المنام\" (٣).\nوقال ابن القيم ﵀ عن شيخ الإٍسلام ابن تيمية ﵀: \"وعلى هذا - أي كونها رؤيا منامية - بني الإمام أحمد ﵀، وقال: نعم رآه حقًا فإن رؤيا الأنبياء حق، ولا بد ولكن لم يقل أحمد إنه رآه بعيني رأسه يقظة، ومن حكى عنه ذلك فقد وهم عليه\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-75>المسألة الأولى: رؤية النبي - ﷺ - ربه في المنام</span>\nرؤية النبي - ﷺ - لربه في المنام ثبتت عنه في عدة أحاديث منها:\n١ - حديث معاذ بن جبل ﵁:\nفأخرج الإمام أحمد في مسنده والترمذي في جامعه وابن خزيمة في كتاب التوحيد وغيرهم من حديث معاذ بن جبل ﵁ قال:\n_________\n(١) هو أبو سعيد عثمان بن سعيد بن خالد الدارمي السجستاني (٢٠٠ - ٢٨٠هـ) كان تلميذًا للإمام أحمد بن حنبل.\nانظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (١٣/ ٣١٩) وشذرات الذهب (٢/ ١٧٦).\n(٢) انظر: الرد على بشر المريسي (١٦٦).\n(٣) الأسماء والصفات (٤٤٧) وانظر: ظلال الجنة في تخريج السنة (١/ ١٨٨، ١٩٢). وصحيح الجامع (٣/ ١٦٨).\n(٤) زاد المعاد (٣/ ٣٧).","vol":"1","page":338},{"text":"احتبس علينا رسول الله - ﷺ - ذات غداة عن صلاة الصبح، حتى كدنا نتراءى قرن الشمس، فخرج رسول الله - ﷺ - سريعًا فثوب (١) للصلاة، وصلى وتجوز في صلاته فلما سلم قال: «كما أنتم على مصافكم».\nثم أقبل إلينا فقال: «إني سأحدثكم ما حبسني عنكم الغداة، إني قمت من الليل، فصليت ما قدر لي، فنعست في صلاتي حتى استثقلت (٢) فإذا أنا بربي ﷿ في أحسن صورة، فقال: يا محمد، أتدري فيما يختصم الملأ الأعلى؟ فقلت: لا أدري يا رب، قال: يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري يا رب، فرأيته وضع كفه بين كتفي، حتى وجدت برد أنامله بين صدري فتجلى لي كل شيء، وعرفت، فقال: يا محمد، فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: في الكفارات، قال: وما الكفارات؟ قلت: نقل الأقدام إلى الجمعات، وجلوس في المساجد بعد الصلاة، وإسباغ الوضوء عند الكريهات، قال: وما الدرجات؟ قلت: إطعام الطعام ولين الكلام، والصلاة والناس نيام، قال: سل، قلت: اللهم إني أسألك فعل الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين، وأن تغفر لي، وترحمني، وإذا أردت بقوم فتنة فتوفني غير مفتون وأسألك حبك، وحب من يحبك، وحب عمل يقربني إلى حبك».\n_________\n(١) ثوب: التثويب ههنا إقام الصلاة وقيل إنما سمي تثويبًا من ثاب يثوب إذا رجع، فهو رجوع إلى الأمر بالمبادرة إلى الصلاة انظر: النهاية في غريب الحديث (١/ ٢٢٦).\n(٢) وقع في مسند الإمام أحمد (٥/ ٢٤٣) لفظه \"استيقظت\" وظاهره إنه رأى الله ﷿ في اليقظة وهذا تصحيف لمخالفتها بقية الروايات، قال ابن حجر المكي: والظاهر أن رواية «حتى استيقظت» تصحيف، فإن المحفوظ في رواية أحمد والترمذي حتى استثقلت انظر: الفتح الرباني (١٧/ ٢٢٣) وتحفة الأحوذي (٩/ ١٠٣).","vol":"1","page":339},{"text":"وقال رسول الله - ﷺ -: «إنها حق فادرسوها وتعلموها» (١).\nومما يدل على أن هذه الرؤيا كانت منامًا قوله - ﷺ -: «فنعست في صلاتي حتى استثقلت فإذا أنا بربي ﷿ في أحسن صورة».\nقال الدارمي ﵀: «فحين وجد هذا لمعاذ بن جبل كذلك صرفت الروايات التي فيها إلى ما قال معاذ، فهذا تأويل هذا الحديث عند أهل العلم» (٢).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وقوله «أتاني البارحة ربي في أحسن صورة» الحديث الذي رواه الترمذي وغيره، إنما كان بالمدينة في المنام، هكذا جاء مفسرًا (٣).\nوقال ابن كثير ﵀: «وأما الحديث الذي رواه أحمد فهو حديث المنام المشهور ومن جعله يقظة فقد غلط، وهو في المسند من طرق» (٤).\n٢ - حديث ابن عباس ﵄:\nأخرجه الإمام أحمد والترمذي وغيرهما، قال: إن النبي - ﷺ - قال: «أتاني ربي ﷿ الليل في أحسن صورة - أحسبه يعني في النوم - فقال: يا محمد هل تدري فيما يختصم الملأ الأعلى؟. ..» الحديث (٥).\n_________\n(١) مسند الإمام أحمد (٥/ ٢٤٣) والترمذي (٥/ ٣٦٨) في تفسير سورة ص، (٣٢٥٥) وكتاب التوحيد لابن خزيمة (٢١٣، ٢١٥، ٢١٨) وقد صحح هذا الحديث الإمام أحمد وابن خزيمة كما في التهذيب (٦/ ٢٠٥).\n(٢) رد الدارمي على بشر المريسي (١٦٦).\n(٣) رسالة لشيخ الإسلام تسمى الحجج العقلية والنقلية فيما ينافي الإسلام من بدع الجهمية والصوفية، مطبوع ضمن مجموع الفتاوى له (٢/ ٣٣٦) وانظر: الوصية الكبرى ص (٧٣) وزاد المعاد لابن القيم (١/ ١٣٦).\n(٤) تفسير القرآن العظيم (٤/ ٤٣).\n(٥) مسند الإمام أحمد (١/ ٣٦٨) والترمذي (٢/ ٢١٤، ٢١٥) رقم (٣٢٣١) (٣٢٣٢) وصححه العلامة أحمد شاكر في تعليقه على المسند (٥/ ١٦٢) والألباني في ظلال الجنة (١/ ١٨٨، ٢٠٤) وإرواء الغليل (٣/ ١٤٧، ١٤٨).","vol":"1","page":340},{"text":"قال ابن مندة ﵀ في كتابه الرد على الجهمية: \"وروى هذا الحديث عشرة من أصحاب النبي - ﷺ - ونقلها عنهم أئمة البلاد من أهل الشرق والغرب (١).\n_________\n(١) الرد على الجهمية ص (٩٠) ومن هؤلاء الصحابة: جابر بن سمرة، وأبو أمامة، وثوبان، وعمران بن الحصين، وأم الطفيل، وعبد الله بن عمر، أبو رافع، وأبو عبيدة، وأنس وعبد الرحمن بن عايش وقد جمع الدارقطني في كتاب الرؤية ص (٣٠٨ - ٣٤٢) روايات وطرق هذه الأحاديث وانظر أيضًا السنة لابن أبي عاصم ص (١٨٨) واختيار الأولى في اختصام الملأ الأعلى.\nوقد ذكر هذه الأحاديث الشيخ حمود التويجري ﵀ في كتابيه عقيدة أهل الإيمان في خلق آدم على صورة الرحمن، الذي أثنى عليه سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ص (٤٤/ ٤٧) وكتابه كتاب الرؤيا ص (٣٣/ ٤٠).\nثم قال بعد ذكر هذه الأحاديث: \"وإذا علم أن رؤيا النبي - ﷺ - في المنام وحي وحق، فليعلم أيضًا أنه يجب الإيمان بما أخبر به رسول الله - ﷺ - من رؤيته لربه ﵎ في المنام في أحسن صورة وأنه وضع كفه، وفي رواية: يده بين كتفي رسول الله - ﷺ - حتى وجد بردها بين ثدييه.\nويجب أيضًا إمرار ما جاء من ذلك في الأحاديث التي تقدم ذكرها كما جاء من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل وقد تلقاها الصحابة عن النبي - ﷺ - وقابلوها بالتسليم وأمرُّوها كما جاءت، ثم تلقاها من رواها عنهم من التابعين وكذلك أتباع التابعين من بعدهم وقابلوها بالقبول والتسليم، وأمروها كما جاءت، ثم خرجها من جاء بعدهم من أكابر المحدثين الذين تقدم ذكرهم وقابلوهم بالقبول والتسليم، وأمروها كما جاءت.\nوهذه الطريقة هي طريقة السلف في آيات الصفات، وأحاديث الصفات، وهي أسلم وأحكم من طريقة الخلف، الذين خاضوا في تأويل الصفات وأحاديثها وصرفوها عن ظاهرها بما سنح لهم من الاحتمالات والتأويلات الباطلة حتى آل بهم ذلك إلى التعطيل.\nوقد قال ابن عبد البر في كتابه \"جامع بيان العلم وفضله\" إنَّ السلف رووا أحاديث الصفات وسكتوا عنها، وهم كانوا أعمق الناس علمًا، وأوسعهم فهمًا وأقلهم تكلفًا ولم يكن سكوتهم على عي، فمن لم يسعه ما وسعهم فقد خاب وخسر اهـ.\nوانظر كذلك كتابه: الرد القويم على المجرم الأثيم ص (٣٣٥) الطبعة الثانية (١٤٠٦هـ) وكذلك ما قاله ابن رجب في اختيار الأولى في اختصام الملأ الأعلى ص (٤٠، ٤١).","vol":"1","page":341},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-76>المسألة الثانية: هل يرى المؤمن ربه في المنام</span>؟\nإذا ثبت أن النبي - ﷺ - رأى ربه في المنام، فهل يرى المؤمن ربه في المنام؟\nلقد نقل بعض العلماء الإجماع على جواز رؤية الله في المنام، ووقوعها وذكروا بأنه لم يخالف فيها أحد، ومن هؤلاء الإمام البغوي عن شيخه القاضي حسين بن محمد، والقاضي عياض (١).\nوممن يرى وقوعها أيضًا شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في العديد من كتبه حيث ذكر أن النقل متواتر عمن رأى ربه في المنام وأن الأصحاب يذكرونها في أصول الدين، وبين أن طائفة من المعتزلة وغيرهم أنكروها، فقال: وما زال الصالحون وغيرهم يرون ربهم في المنام ويخاطبهم، وما أظن عاقلا ينكر ذلك، فإن وجود هذا مما لا يمكن دفعه؛ إذ الرؤيا تقع بغير اختياره، وهذه مسألة معروفة.\nوقد ذكرها العلماء من أصحابنا وغيرهم في أصول الدين، وحكوا عن طائفة من المعتزلة وغيرهم إنكار رؤية الله، والنقل بذلك متواتر عمن رأى ربه في المنام (٢).\n_________\n(١) انظر: شرح السنة (١٢/ ٢٢٧) وشرح مسلم للنووي (١٥/ ٢٥) وفتح الباري لابن حجر (١٢/ ٣٨٧).\nومن ذلك ما روي عن بعض الأئمة من رؤية الله تعالى في المنام، فروي عن الإمام أبي حنيفة أنه قال: رأيت رب العزة في المنام تسعًا وتسعين مرة، ثم رآه مرة أخرى تمام المائة وانظر: الفقه الأكبر بشرح على القاري ص (١٠٣، ١٠٤) وذكر ابن الجوزي عن الإمام أحمد في مناقبه بإسناده إلى عبد الله بن الإمام أحمد عن أبيه، أنه قال: رأيت رب العزة في المنام انظر: مناقب ابن الجوزي ص (٥٨٣) تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي دار هجر، الطبعة الثانية (١٤٠٩) هـ.\n(٢) بيان تلبيس الجهمية (١/ ٧٣).","vol":"1","page":342},{"text":"وممن قال بهذا القول أيضًا: عثمان بن سعيد الدارمي في كتابه نقض الدارمي على المريسي، حيث قال في حديث ثوبان أن النبي - ﷺ - قال: «أتاني ربي في أحسن صورة» (١) قال: «وإنما هذه الرؤية كانت في المنام، وفي المنام يمكن رؤية الله على كل حال وفي كل صورة» (٢).\nوقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كيفية هذه الرؤيا فقال: \"فالصحابة والتابعون وأئمة المسلمين على أن الله يرى في الآخرة بالأبصار عيانًا، وأن أحدًا لا يراه في الدنيا بعينه، لكن يرى في المنام، ويحصل للقلوب من المكاشفات والمشاهدات ما يناسب حالها، ومن الناس من تقوى مشاهدة قلبه، حتى يظن أنه رأى ذلك بعينه وهو غالط، ومشاهدات القلوب تحصل بحسب إيمان العبد، ومعرفته في صورة مثالية كما قد بسط في غير هذا الموضع\" (٣).\nوقال أيضًا: \"وقد يرى المؤمن ربه في المنام في صور متنوعة على قدر إيمانه ويقينه، فإذا كان إيمانه صحيحًا لم يره إلا في صورة حسنة، وإذا كان في إيمانه نقص رأى ما يشبه إيمانه، ورؤيا المنام لها حكم غير رؤيا الحقيقة في اليقظة، ولها تعبير وتأويل لما فيها من الأمثال المضروبة للحقائق\" (٤).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي عاصم في كتاب السنة ص (٤٧٠) وابن خزيمة في كتاب التوحيد، ص (٢١٩) والدارقطني في كتاب الرؤية كما سبق، وله شاهد من حديث معاذ، وحديث ابن عباس السابقين.\n(٢) النقض على بشر المريسي ص (١٦٦) والمسمى رد الإمام الدارمي عثمان بن سعيد على بشر المريسي العنيد.\n(٣) الحجج العقلية والنقلية فيما ينافي الإسلام من بدع الجهمية والصوفية، مطبوع ضمن مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية (٢/ ٣٣٦، ٣٣٧).\n(٤) الوصية الكبرى ص (٧٦، ٧٧) ومجموع الفتاوى (٣/ ٣٩٠) (٥/ ٤٩٢).","vol":"1","page":343},{"text":"وقال أيضًا: \"ومن رأى الله ﷿ في المنام فإنه يراه في صورة من الصور بحسب حاله الرائي، إن كان صالحًا رآه في صورة حسنة، ولهذا رآه النبي ﵌ في أحسن صورة\" (١).\nوقال أيضًا: \"والمؤمن الذي يحب الله ورسوله يرى الرسول في منامه بحسب إيمانه، وكذلك يرى الله تعالى في منامه بحسب إيمانه، كما قد بسط في غير هذا الموضع\" (٢).\nوممن يرى وقوع ذلك سماحة شيخنا، الشيخ عبد العزيز بن باز، حيث قال ﵀: \"إذا رؤي الله في النوم فليس على شبه المرء؛ لأنه ليس كمثله شيء\".\nوقد يرى بعض العلماء أن الله لا يرى في المنام، فكأنهم يستعظمون ذلك ويرون قفل هذا الباب هو الأسلم ويرون أن الرؤيا منفية بقوله - ﷺ -: «إنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا» (٣).\nولكن يقال إن هذا النفي لرؤية اليقظة في الدنيا وبينها وبين الرؤيا المنامية فرق كما بينت ذلك فلا يعارض ما ذكر.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"والإنسان قد يرى ربه في المنام ويخاطبه، فهذا حق في الرؤيا، ولا يجوز أن يعتقد أن الله في نفسه مثل ما رأى في\n_________\n(١) منهاج السنة (٥/ ٣٧٦) تحقيق: محمد رشاد سالم ومجموع الفتاوى (٥/ ٢٥١).\n(٢) مجموع الفتاوى (١٠/ ٦١٢).\n(٣) وانظر في ذلك: مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (٤/ ٥٣٧، ٥٣٨) حيث ناقش المخالفين في رؤية الله في المنام.","vol":"1","page":344},{"text":"المنام فإن سائر ما يرى في المنام لا يجب أن يكون مماثلا ولكن لا بد أن تكون الصورة التي رآه فيها مناسبة ومشابهة لاعتقاده في ربه، فإن كان إيمانه واعتقاده مطابقًا أتى من الصور وسمع من الكلام ما يناسب ذلك، وإلا كان العكس\".\nوحكوا عن طائفة من المعتزلة إنكار رؤية الله، والنقل بذلك متواتر عمن رأى ربه في المنام.\nولكن لعلهم قالوا: \"لا يجوز أن يعتقد أنه رأى ربه في المنام\"، فيكونون قد جعلوا مثل هذا من أضغاث الأحلام، ويكونون من فرط سلبهم ونفيهم، نفوا أن تكون رؤية الله في المنام رؤية صحيحة كسائر ما يرى في المنام، فهذا مما يقوله المتجهمة وهو باطل مخالف لما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها، بل ولما اتفق عليه عامة عقلاء بني آدم.\nوليس في رؤية الله في المنام نقص ولا عيب يتعلق به ﷾، وإنما ذلك بحسب حال الرائي، وصحة إيمانه، وفساده، واستقامة حاله، وانحرافه.\nوقول من يقول: \"ما خطر بالبال، أو دار في الخيال، فالله بخلافه ونحو ذلك\" إذا حمل على مثل هذا كان محملا صحيحا فلا نعتقد أن ما تخيل للإنسان في منامه أو يقظته من الصور أن الله في نفسه مثل ذلك، فإنه ليس هو في نفسه مثل ذلك، بل نفس الجن والملائكة لا يتصورها الإنسان ويتخيلها على حقيقتها؛ بل هي خلاف ما يتخيله ويتصوره في منامه ويقظته، وإن كان ما رآه","vol":"1","page":345},{"text":"مناسبًا مشابهًا لها فالله تعالى أجل وأعظم (١).\n_________\n(١) بيان تلبيس الجهمية (١/ ٧٣، ٧٤).\nوقد جاءت بعض الآثار في فضل رؤية الله في المنام، ولكنها لا تسلم من مقال، فمن ذلك:\n١ - ما أخرجه ابن أبي عاصم في كتاب السنة (١/ ٢١٥) قال: \"ثنا عمرو بن عثمان، ثنا محمد بن حمير عن ابن جابر، حدثني العباس بن ميمون عن أبي بكر الصديق ﵁ قال: أفضل ما يرى أحدكم في منامه أن يرى ربه، أو يرى نبيه، أو يرى والديه ماتا على الإسلام\" قال الألباني في ظلال الجنة (١/ ٢١٥) إسناده ضعيف، ورجاله ثقات غير العباس بن ميمون، فلم أعرفه، وهذا الحكم فيما يظهر لي والله أعلم فيه نظر، لأن عدم معرفة المتأخرين للراوي لا يبرر الحكم عليه بالضعف؛ لأنه قد يكون معروفًا ولم يصل إلينا ثم إنه قد يكون هناك احتمال آخر، وهو الخطأ في المخطوط في اسم هذا الراوي، وخاصة أن الناشر لكتاب السنة اعتمد على نسخة واحدة فقط، فتأمل فهذا الأثر يحتاج إلى مزيد بحث والله أعلم.\n٢ - أخرج الدارمي في سننه (١/ ١٧٠) في كتاب الرؤيا باب في رؤية الله تعالى في النوم عن ابن سيرين قال: «من رأى ربه في المنام دخل الجنة»، وأخرجه أبو نعيم في الحلية (٢/ ٢٧٦).\nوانظر مزيد بحث لرؤية الله في المنام في:\nضوء الساري إلى معرفة رؤية الباري لأبي شامة ص (١٧٩) تحقيق الدكتور: أحمد الشريف وكتاب سراج الطالبين على منهاج العابدين، شرح إحسان محمد دحلان (١/ ١٣٣) وكتاب الفقه الأكبر لأبي حنيفة بشرح علي القاري ص (١٠٣) وكتاب الاعتقاد الخالص من الشكل والانتقاد للإمام علاء الدين بن العطار ص (٢٨، ٢٩) تحقيق علي حسن علي عبد الحميد، وكتاب رؤية الله وتحقيق الكلام فيها تأليف الدكتور أحمد بن ناصر آل حمد ص (١٧٥ - ١٧٨) ورسالة للسهيلي بعنوان مسألة رؤية الله في المنام، كما ذكرها عمر رضا كحالة في معجم المؤلفين (٥/ ١٤٧) وغيره، وكتاب صيد الخاطر لأبي فرج عبد الرحمن بن الجوزي ص (٥٥٦، ٥٥٧) تحقيق: محمد عبد الرحمن عوض، الطبعة الأولى (١٤٠٥هـ) دار الكتاب العربي بيروت.","vol":"1","page":346},{"text":"فالحاصل أن رؤية الله في المنام ممكنة، وقد تقع كما وقعت للنبي - ﷺ - ولكنها إذا وقعت للمؤمن ليست حجة في وصفه سبحانه بالكيفية مع أن الحكم على أن فلانًا رأى الله في المنام هذا لا يمكن الجزم به لأنه قد تكون تلك الرؤيا من الشيطان والله أعلم.","vol":"1","page":347},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-77>المبحث الثاني\nرؤية الملائكة في المنام</span>\nالملائكة: جمع ملك قال الكسائي، أصله مألك بتقديم الهمزة، من الألوكة وهي الرسالة (١).\nوهم عالم غيبي، مخلوقون من نور، لا يأكلون، ولا يشربون بل عباد مكرمون لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون (٢).\nقال الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾ [فاطر: ١].\nوقال تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ﴾ [الرعد: ٢٣].\nوقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمونَ فِي غَمَرَاتِ الْموتِ وَالمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيدِيهِم أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُم﴾ [الأنعام: ٩٣]\nوقال تعالى: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ الليْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩، ٢٠].\nأما كونهم لا يأكلون ولا يشربون، فيدل على ذلك ما جاء في قصة إبراهيم ﵇ قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ * إِذْ\n_________\n(١) لسان العرب (١٠/ ٤٩٦).\n(٢) انظر: شرح أصول الإيمان للشيخ محمد بن صالح العثيمين ص (٢٧، ٣١).","vol":"1","page":348},{"text":"دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ * فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ * فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ * فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات: ٢٤ - ٢٨].\nوفي صحيح البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: «إذا كان يوم الجمعة كان على كل باب من أبواب المسجد الملائكة يكتبون الأول فالأول، فإذا جلس الإمام طووا الصحف، وجاءوا يستمعون الذكر» (١).\nوفي صحيح مسلم من حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم» (٢).\nوهل للبشر رؤية الملائكة في اليقظة؟\nأما النبي - ﷺ - فقد رأى جبريل مرتين وله ستمائة جناح (٣).\nأما غير النبي - ﷺ - فلا يمكن أن يرى الملك على هيئه الملكية إلا إذا تحول إلى صورة بشرية؛ فحينئذ يراه، كما حصل لمريم قال الله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٧].\n_________\n(١) صحيح البخاري كتاب بدء الخلق ٦ - باب ذكر الملائكة ص (٣٢١١) (٢/ ٤٢٥) وصحيح مسلم في كتاب الجمعة ٧ - باب في فضل التهجر إلى الجمعة الحديث رقم (٥٨٠) (٢/ ٥٨٧).\n(٢) صحيح مسلم في كتاب الزهد والرقائق ١٠ - باب في أحاديث متفرقة (٤/ ٢٢٩٤).\n(٣) سبق تخريجه ص (٢٠٥).","vol":"1","page":349},{"text":"وكما رأى الصحابة ﵃ جبريل وهذا كثير (١).\nفإذا عرفنا شيئًا من أوصاف الملائكة كما جاء في كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - فهل يمكن رؤية الملائكة في المنام؟\nوالجواب: أن رؤية الملائكة في المنام جائزة كما ذكر ذلك الإمام البغوي ﵀ وشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وأن تلك الرؤيا حق لأن الشيطان لا يتمثل بهم (٢).\nومما يدل على ذلك ما أخرجه البخاري في صحيحه من حديث عبد الله بن عمر ﵄ في قصة رؤياه وقال فيها: «فرأيت في النوم كأن ملكين أخذاني فذهبا بي إلى النار، فإذا هي مطوية كطي البئر، وإذا لها قرنان، وإذا فيها أناس قد عرفتهم، فجعلت أقول: أعوذ بالله من النار، قال: فلقينا ملك آخر، فقال: لم تُرَعْ».\nوفي لفظ آخر قال: «فبينما أنا كذلك إذ جاءني ملكان في يد كل واحد منهما مقمعة من حديد يقبلان بي إلى جهنم، وأنا بينهما أدعو الله، اللهم أعوذ بك من جهنم، ثم أراني لقيني ملك في يده مقمعة من حديد، فقال: لن تُراع، نعم الرجل أنت لو تكثر الصلاة» (٣).\n_________\n(١) ومن ذلك ما أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الإيمان ٣٧ - باب سؤال جبريل النبي - ﷺ - عن الإيمان والإسلام والإحسان، من حديث أبي هريرة ﵁ رقم (٥٠) (١/ ٣٣) وأخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الإيمان ١ - باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان الحديث رقم (١) من حديث عمر بن الخطاب، والحديث رقم (٩٥) من حديث أبي هريرة وقال في آخره «هذا جبريل جاء يعلم الناس دينهم».\n(٢) انظر شرح السنة (١٢/ ٢٢٨) وبيان تلبيس الجهمية (١/ ٧٣، ٧٤).\n(٣) سبق تخريجه ص (٧٤).","vol":"1","page":350},{"text":"قال العيني ﵀ في شرح هذا الحديث: \"وفيه رؤية الملائكة في المنام، وتحذيرهم للرائي لقوله «فرأيت ملكين أخذاني» \" (١).\nوقال ابن بطال ﵀: \"يؤخذ منه الجزم بالشيء وإن كان أصله الاستدلال؛ لأن ابن عمر استدل على أنهما ملكان بأنهما وقفاه على جهنم ووعظاه بها، والشيطان لا يعظ ولا يذكر الخير\".\nقال الحافظ ابن حجر ﵀: \"ويحتمل أن يكونا أخبراه بأنهما ملكان، أو اعتمد النبي - ﷺ - لما قصته عليه حفصة فاعتمد على ذلك\" (٢).\nوإذا قلنا بجواز رؤية الملائكة في المنام كما دل عليه الحديث السابق وغيره؛ فهذا لا يعني وصف حقيقة الملائكة.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في أثناء حديثه عن رؤية الله في المنام: \"بل نفس الجن والملائكة لا يتصورها الإنسان، ويتخيلها على حقيقتها، بل هي خلاف ما يتخيله، ويتصوره في منامه، ويقظته، وإن كان ما رآه مناسبًا ومشابها لها\" (٣).\n_________\n(١) عمدة القاري (٧/ ١٧٠).\n(٢) فتح الباري (١٢/ ٤١٨) وقوله (اعتمد) هكذا في الفتح، ولعل الصواب: اعتد على حكم النبي.\n(٣) بيان تلبيس الجهمية (١/ ٧٣، ٧٤).","vol":"1","page":351},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-78>المبحث الثالث\nرؤية الأنبياء في المنام</span>\nوفيه ثلاث مسائل:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-79>المسألة الأولى: الأحاديث الواردة في رؤيته - ﷺ - في المنام</span>.\nالمسألة الثانية: أقوال العلماء في رؤيته - ﷺ - في المنام.\nالمسألة الثالثة: معنى قوله - ﷺ -: «من رآني في المنام فسيراني في اليقظة».\n* * *\nالمسألة الأولى: الأحاديث الواردة في رؤيته - ﷺ - في المنام\nلقد حفظ الله ﷿ نبينا محمدًا - ﷺ - من الشيطان الرجيم، ومن حفظ الله له، ما أخبر به - ﷺ - أن من رآه في المنام فقد رآه حقًا، فإن الشيطان لا يتمثل به (١)، وقد جاءت الأحاديث المتواترة في إثبات ذلك (٢)، ومن تلك الأحاديث:\n١ - ما أخرجه الإمام أحمد والبخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثل بي» وهذا لفظ مسلم.\nوفي لفظ أحمد: «من رآني في المنام فقد رآني، إن الشيطان لا يتشبه بي».\n_________\n(١) انظر: تهذيب الأسماء واللغات للنووي (١/ ٤٣) حيث ذكر من خصائصه - ﷺ - أن من رآه في المنام فقد رآه حقًا.\n(٢) انظر: لفظ اللآلئ المتناثرة في الأحاديث المتواترة ص (٩٧ - ٩٩) وقطف الأزهار المتناثرة ص (١٧٣، ١٧٨).","vol":"1","page":352},{"text":"وفي لفظ البخاري: «ومن رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي» (١).\nوفي لفظ أحمد أيضًا: «لا يتصور بي» (٢) ورواه الترمذي بلفظ: «من رآني فإني أنا هو فإنه ليس للشيطان أن يتمثل بي» (٣).\nوفي رواية لأحمد: «من رآني في المنام فقد رأى الحق، إن الشيطان لا يتشبه بي» (٤).\nوفي رواية لأحمد: «من رآني في المنام فقد رآني الحق، إن الشيطان لا يستطيع أن يتشبه بي» (٥).\nوفي رواية لأحمد والبخاري ومسلم: «من رآني في المنام فسيراني في اليقظة، ولا يتمثل الشيطان بي» وهذا لفظ البخاري.\nولفظ أحمد ومسلم: «من رآني في المنام فسيراني في اليقظة، أو كأنما رآني في اليقظة لا يتمثل الشيطان بي» (٦).\n_________\n(١) مسند الإمام أحمد (٢/ ٤١١، ٤٧٢) وصحيح البخاري كتاب العلم ٣٨ - باب إثم من كذب على النبي - ﷺ - الحديث رقم (١١٠) (١/ ٥٥) وكذلك (٤/ ١٢٧) وصحيح مسلم كتاب الرؤيا باب قول النبي - ﷺ - «من رآني في المنام فقد رآني» حديث رقم (٢٢٦٦) (٤/ ١٧٧٥).\n(٢) المسند (٢/ ٤١٠، ٤٦٩).\n(٣) سنن الترمذي، كتاب الرؤيا باب في تأويل الرؤيا ما يستحب منها وما يكره (٤/ ٥٣٧).\n(٤) المسند (٢/ ٢٦١).\n(٥) المسند (٢/ ٤٢٥).\n(٦) مسند الإمام أحمد (٥/ ٣٠٦) وصحيح البخاري كتاب التعبير ١٠ - باب من رأى النبي - ﷺ - في المنام الحديث رقم (٦٩٩٣) (٤/ ٢٩٩) وصحيح مسلم، كتاب الرؤيا (٤/ ١٧٧٥).","vol":"1","page":353},{"text":"وفي رواية الإمام أحمد «فإن الشيطان لا يتمثل بمثلي» (١).\nوفي رواية له أيضًا: «من رآني في المنام فقد رآني في اليقظة، فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي» (٢).\n٢ - أخرج الإمام أحمد والبخاري من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثل بي» (٣).\n٣ - أخرج الإمام أحمد ومسلم من حديث جابر بن عبد الله ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: «من رآني في النوم فقد رآني، إنه لا ينبغي للشيطان أن يتمثل في صورتي».\nوفي رواية لمسلم: «من رآني في النوم فقد رآني، فإنه لا ينبغي للشيطان أن يتشبه بي» (٤).\n٤ - أخرج الإمام أحمد والدارمي والترمذي وابن ماجة من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا ينبغي له أن يتمثل بمثلي» (٥).\n_________\n(١) مسند الإمام أحمد (٢/ ٢٣٢، ٤٦٣).\n(٢) المسند (١/ ٤٠٠).\n(٣) المسند (٣/ ٢٦٩) وصحيح البخاري، كتاب التعبير الحديث رقم (٦٩٩٤) (٤/ ٢٩٩).\n(٤) مسند الإمام أحمد (٣/ ٣٥٠) وصحيح مسلم كتاب الرؤيا (٤/ ١٧٧٦).\n(٥) مسند الإمام أحمد (١/ ٣٧٥، ٤٤٠) وسنن الدارمي كتاب الرؤيا، باب في رؤية النبي - ﷺ - في المنام (٢/ ١٦٦) وسنن الترمذي، باب ما جاء في قول النبي - ﷺ - «من رآني في المنام فقد رآني» (٤/ ٥٣٥) وسنن ابن ماجة، كتاب تعبير الرؤيا باب في رؤية النبي - ﷺ - في المنام (٢/ ١٢٨٤).","vol":"1","page":354},{"text":"وفي رواية لأحمد: «من رآني في المنام فأنا الذي رآني، فإن الشيطان لا يتخيل بي» (١).\n٥ - أخرج الإمام أحمد والبخاري من حديث أبي قتادة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من رآني فقد رأى الحق» وهذا لفظ البخاري.\nولفظ أحمد: «من رآني فقد رآني الحق».\nفي رواية للبخاري: «وإن الشيطان لا يتراءى بي» (٢).\n٦ - أخرج الإمام أحمد والبخاري من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: «من رآني فقد رأى الحق، فإن الشيطان لا يتكونني» (٣) وهذا لفظ البخاري.\nولفظ أحمد: «من رآني فقد رآني الحق، فإن الشيطان لا يكوّن بي» (٤).\n٧ - أخرج الإمام أحمد من حديث أبي مالك الأشجعي عن أبيه ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من رآني في المنام فقد رآني» (٥).\n٨ - أخرج الإمام أحمد وابن ماجة من حديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من رآني في المنام فإياي رأى، فإن الشيطان لا يتخيل بي» وقال عفان مرة: «لا يتخيلني» (٦).\n_________\n(١) مسند الإمام أحمد (١/ ٤٥٠).\n(٢) مسند الإمام أحمد (٥/ ٣٠٦) وصحيح البخاري كتاب التعبير (٤/ ٢٩٩) وصحيح مسلم كتاب الرؤيا (٤/ ١٧٧٦).\n(٣) لا يتكونني قال ابن الأثير في النهاية في غريب الحديث (٤/ ٢١١) أي يتشبه بي ويتصور بصورتي وحقيقته يصير كائنًا في صورتي.\n(٤) مسند الإمام أحمد (٣/ ٥٥) وصحيح البخاري كتاب التعبير (٤/ ٢٩٩).\n(٥) مسند الإمام أحمد (٣/ ٤٧٢) (٦/ ٣٩٤).\n(٦) مسند الإمام أحمد (١/ ٢٧٩) وسنن ابن ماجة، كتاب تعبير الرؤيا (٢/ ١٢٨٥).","vol":"1","page":355},{"text":"٩ - أخرج ابن ماجة من حديث أبي جحيفة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: «من رآني في المنام فكأنما رآني في اليقظة، إن الشيطان لا يستطيع أن يتمثل بي» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-80>المسألة الثانية: أقوال العلماء في رؤيته - ﷺ - في المنام</span>\nدلت الأحاديث السابقة على أن رؤية النبي - ﷺ - في المنام حق، وأن الشيطان لا يستطيع أن يتمثل به ﵊، ولكن يبقى السؤال هل كل من ادعى أنه رأى النبي - ﷺ - في المنام تكون رؤياه حقًا؟\nالجواب: أن في هذه المسألة خلافًا بين العلماء.\nتحرير محل النزاع:\nاتفق العلماء على أن من رأى النبي - ﷺ - على صورته التي ثبتت في السنة أن تلك الرؤيا حق، لأن الشيطان لا يتمثل به، واختلفوا فيمن رآه على غير صورته هل رؤياه حق أو لا؟\nوسبب الخلاف بينهم هو: هل للشيطان أن يتمثل في غير صورة النبي ويدعي أنه النبي - ﷺ - أو لا؟ أو بمعنى هل يمكن أن يرى النبي - ﷺ - على غير صورته؟ اختلفوا في ذلك على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: إن رؤيته ﵊ في المنام صحيحة سواء كانت على صفته المعروفة أو غيرها.\nوبهذا قال الإمام النووي (٢) ﵀، وأبو العباس القرطبي ﵀ حيث\n_________\n(١) سنن ابن ماجة (٢/ ١٢٨٤).\n(٢) انظر: شرح صحيح مسلم للنووي (١٥/ ٢٥).","vol":"1","page":356},{"text":"قال: \"من المعلوم أن النبي - ﷺ - يرى في النوم على حالة تخالف حالته في الدنيا من الأحوال اللائقة به، وتقع تلك الرؤيا حقًا ولو تمكن الشيطان من التمثيل بشيء مما كان عليه، أو ينسب إليه لعارض عموم قوله: «فإن الشيطان لا يتمثل بي» فالأولى أن تنزه رؤياه، وكذا رؤيا شيء منه، أو مما ينسب إليه عن ذلك، فهو أبلغ في الحرمة، وأليق بالعصمة، كما عصم من الشيطان في يقظته\".\nقال: \"والصحيح في تأويل هذا الحديث أن مقصوده أن رؤيته في كل حال ليست باطلة ولا أضغاثًا بل هي حق في نفسها ولو رؤي على غير صورته فتصور تلك الصورة ليس من الشيطان: بل هو من قبل الله\" (١).\nالقول الثاني: قالوا إن رآه على صفته تكون رؤيا حق، ولو رآه على غير صفته تكون رؤيا مثال.\nوبهذا قال أبو بكر بن العربي، والقاضي عياض رحمهما الله.\nقال أبو بكر بن العربي: \"أما رؤية النبي - ﷺ - فمن رآه في المنام بصفة معلومة فهو إدراك الحقيقة، وإن رآه على غير صفته فهو إدراك المثال\" (٢).\nوقال القاضي عياض: \"يحتمل أن يكون قوله - ﷺ -: «فقد رآني» المعرفة له في حياته، فإن رؤي على خلافها كانت رؤيا تأولًا لا رؤيا حقيقة\".\nقال النووي ﵀ معقبًا على كلام عياض: \"وهذا الذي قاله القاضي عياض ضعيف؛ بل الصحيح أنه يراه حقيقة سواء كان على صفته المعروفة أو غيرها\" (٣).\n_________\n(١) فتح الباري (١٢/ ٣٨٣).\n(٢) عارضة الأحوذي (٩/ ١٣٠).\n(٣) شرح صحيح مسلم للنووي (١٥/ ٢٥).","vol":"1","page":357},{"text":"وقد تعقب الحافظ ابن حجر كلام النووي فقال: \"لم يظهر لي من كلام القاضي ما ينفي ذلك: \"بل ظاهر قوله أنه يراه حقيقة في الحالين، لكن في الأولى مما لا يحتاج إلى تعبير، والثانية مما يحتاج إلى تعبير\" (١).\nوحجة أصحاب هذا القول والذي قبله، هي ما فهموه من عموم قوله - ﷺ -: «فإن الشيطان لا يتمثل بي» وقوله: «من رآني فقد رآني الحق».\nقال النووي: \"قال القاضي عياض قال بعض العلماء، خص الله تعالى النبي - ﷺ - بأن رؤية الناس إياه صحيحة، وكلها صدق، ومنع الشيطان أن يتصور في خلقته لئلا يكذب على لسانه في النوم، كما فرق الله تعالى العادة للأنبياء ﵈ بالمعجزة وكما استحال أن يتصور الشيطان في صورته في اليقظة، ولو وقع لاشتبه الحق بالباطل، ولم يوثق بما جاء به مخافة من هذا التصور فحماها الله من الشيطان ونزغه ووسوسته وإلقائه وكيده (٢).\nالقول الثالث: أن رؤيته ﵊ في المنام حق إذا كانت على صفته المعروفة، أما إذا كانت على غير صفته، فليست كذلك.\nوهذا قول ابن عباس ﵄.\nوبهذا قال كثير من العلماء المحققين، وأشار إلى ذلك الإمام البخاري ﵀ في كتابه \"الجامع الصحيح\" حيث قال في أثر رواه معلقًا بعد حديث أبي هريرة ﵁: «من رآني في المنام فسيراني في اليقظة، ولا يتمثل الشيطان بي» قال أبو عبد الله \"يعني نفسه\" قال ابن سيرين \"إذا رآه على صورته\" (٣).\n_________\n(١) فتح الباري (١٢/ ٣٨٣).\n(٢) شرح صحيح مسلم للنووي (١٥/ ٢٥).\n(٣) صحيح البخاري، كتاب التعبير، ١٠ - باب من رأى النبي - ﷺ - في المنام.","vol":"1","page":358},{"text":"قال الحافظ ابن حجر ﵀ على الأثر السابق: \"وقد رويناه موصولا من طريق إسماعيل بن إسحاق القاضي عن سليمان بن حرب وهو من شيوخ البخاري عن حماد بن زيد عن أيوب قال: \"كان محمد -يعني ابن سيرين- إذا قص عليه رجل أنه رأى النبي - ﷺ - قال: صف لي الذي رأيته، فإن وصف له صفة لا يعرفها قال: لم تره\" وسنده صحيح (١).\nويؤيد ما أخرجه الإمام أحمد والترمذي في الشمائل والحاكم من طريق عاصم بن كليب، قال: حدثني أبي أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: قال رسول الله - ﷺ -: «من رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل بي» قال عاصم: قال أبي: فحدثنيه ابن عباس فأخبرته أني قد رأيته، قال: رأيته؟ قلت: أي والله لقد رأيته، قال: فذكرت الحسن بن علي، قال: إني والله قد ذكرته ونعمته في مشيته، قال: فقال ابن عباس: إنه كان يشبهه (٢).\nوكذلك ما أخرجه الإمام أحمد، والترمذي في الشمائل، وابن أبي شيبة، عن يزيد الفارسي قال: رأيت رسول الله - ﷺ - في النوم زمن ابن عباس ﵄ وكان يزيد يكتب المصاحف، قال: فقلت لابن عباس: إني رأيت رسول الله - ﷺ - في النوم، قال ابن عباس: فإن رسول الله - ﷺ - كان يقول: «إن الشيطان لا يستطيع أن يتشبه بي فمن رآني في النوم فقد رآني» فهل تستطيع\n_________\n(١) فتح الباري (١٢/ ٣٨٣).\n(٢) مسند الإمام أحمد (٢/ ٣٤٢) والشمائل المحمدية للترمذي ص (٣٢١) تعليق محمد عفيف الزغبي، وصححه الألباني في مختصر الشمائل المحمدية ص (٢٠٨) والحاكم في مستدركه (٤/ ٣٩٣) كتاب التعبير وقال هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه بهذا السياق، ووافقه الذهبي وقال الحافظ في الفتح (١٢/ ٣٨٣) وسنده جيد.","vol":"1","page":359},{"text":"أن تنعت لنا هذا الرجل الذي رأيت؟ قال: قل: نعم، رأيت رجلًا بين الرجلين جسمه، ولحمه أسمر إلى البياض، حسن المضحك، أكحل العينين، جميل دوائر الوجه، قد ملأت لحيته من هذا إلى هذه حتى كادت تملأ نحره، قال: فقال ابن عباس ﵄: لو رأيته في اليقظة ما استطعت أن تنعته فوق هذا (١).\nوممن رجح هذا القول أيضًا الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ حيث قال في مجموع الفتاوى له، بعد أن ذكر بعض الأحاديث الواردة في رؤيته - ﷺ - في المنام ثم قال: \"وقد دلت كلها على أن عدو الله الشيطان قد حيل بينه وبين أن يتمثل في صورة النبي - ﷺ - إذا رآه في صورته التي هي معروفة عند أهل العلم، وهو ﵊ ربعة من الرجال، حسن الصورة، أبيض، مشرب بحمرة، كث اللحية، سوداء، وفي آخر حياته حصل فيها شعرات قليلة من الشيب ﵊ فمن رآه على صورته الحقيقية فقد رآه فإن الشيطان لا يتمثل به ﵊ (٢).\nوبهذه الآثار يرد أصحاب القول الأول والثاني، قال القرافي ﵀: قال العلماء: إنما تصح رؤية النبي - ﷺ - لأحد رجلين أحدهما صحابي رآه فعلم\n_________\n(١) مسند الإمام أحمد (١/ ٣٦١، ٣٦٢) وله رواية أخرى في المسند (١/ ٣٧٩) والشمائل المحمدية للترمذي ص (٣٢٢) وحسنه الألباني في مختصر الشمائل ص (٢٠٨).\n(٢) مجموع فتاوى مقالات متنوعة لابن باز (٤/ ٤٤٥).\nوانظر: صفات النبي - ﷺ - في صحيح البخاري كتاب المناقب ٣٣ - باب صفة النبي - ﷺ - ذكر فيه البخاري ﵀ سبعة وعشرين حديثًا (٣٥٤٢ - ٣٥٦٨) (٤/ ٥١٤ - ٥١٩) وصحيح مسلم كتاب الفضائل بعد، كتاب الرؤيا ٣ - باب صفة النبي ص (٤/ ١٨٢٤).","vol":"1","page":360},{"text":"صفته فانطبع في نفسه مثاله، فإذا رآه جزم بأنه رأى مثاله المعصوم من الشيطان، فينتفي عنده اللبس والشك في رؤيته ﵊.\nوثانيهما رجل تكرر عليه سماع صفاته المنقولة في الكتب حتى انطبعت في نفسه صفته ﵊، كما حصل ذلك لمن رآه، فإذا رآه جزم برؤية مثاله ﵊ كما يجزم به من رآه فينتفي عنه اللبس في رؤيته ﵊.\nوأما غير هذين فلا يحصل له الجزم، بل يجوز أن يكون رآه ﵊ بمثاله، ويحتمل أن يكون من تخييل الشيطان، ولا يفيد قول المرئي لمن يراه أنه رسول الله - ﷺ - ولا قول من يحضر معه هذا رسول الله؛ لأن الشيطان يكذب لنفسه ويكذب لغيره، فلا يحصل الجزم (١).\nوبهذا تعرف أهمية دراسة شمائل النبي - ﷺ - وصفاته الخلقية، فإذا رآه على صورته يأمر بالحق فليستقم، ومن رآه ينهي عن الشر فلينته، أما إذا أمره بباطل هذا من القرائن على عدم رؤيته.\nوقد سبق قول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في بيان المراد بقولنا «رآه حقًا».\nحيث قال: قول النبي - ﷺ -: «من رآني في المنام فقد رآني حقًا فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي» هو كما قال - ﷺ -: «رآه في المنام حقًا».\nفمن قال: ما رآه حقًا فقد أخطأ.\nومن قال: إن رؤيته في اليقظة بلا واسطة كالرؤية المقيدة بالنوم فقد أخطأ ولهذا يكون لهذه تأويل وتعبير دون ذلك (٢).\n_________\n(١) الفروق (٤/ ٢٤٤، ٢٤٥).\n(٢) مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية (١٢/ ٢٧٨).","vol":"1","page":361},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-81>المسألة الثالثة: معنى قول النبي - ﷺ -: «من رآني في المنام فسيراني في اليقظة»</span>\nجاء في بعض ألفاظ الأحاديث السابقة أن من رأى النبي - ﷺ - في المنام فسيراه في اليقظة، ومن تلك الألفاظ:\nما جاء في حديث أبي هريرة ﵁ «من رآني في المنام فسيراني في اليقظة» زاد مسلم: «أو لكأنما رآني في اليقظة».\nوفي حديث ابن مسعود ﵁: «من رآني في المنام، فقد رآني في اليقظة» وهذا لفظ ابن ماجة.\nفهذه ثلاثة ألفاظ: فسيراني في اليقظة، أو لكأنما رآني في اليقظة أو فقد رآني في اليقظة.\nفما معنى هذا الألفاظ؟\nذكر المازري والنووي رحمهما الله أنه إذا كان المحفوظ من هذه الألفاظ: «فكأنما رآني في اليقظة» فهو ظاهر، وهو بمعنى قول النبي - ﷺ - «فقد رآني» أو «فقد رأى الحق» أي رؤياه صحيحة ليست بأضغاث أحلام، ولا من تشبيهات الشيطان (١).\nوأما إن كان المحفوظ «فسيراني في اليقظة» ففي معنى ذلك أقوال لأهل العلم.\nالقول الأول: أن معنى هذا الحديث تشبيه من رأى النبي - ﷺ - في المنام كأنه رآه في اليقظة، فكان معناه أن الذي يراني في المنام فكأنه رآني في اليقظة لأن الشيطان لا يتمثل بالنبي - ﷺ - على صورته.\n_________\n(١) انظر: المعلم بفوائد مسلم (٣/ ١٢٠) وشرح صحيح مسلم للنووي (١٥/ ٢٦).","vol":"1","page":362},{"text":"ويدل على هذا المعنى ما جاء في رواية مسلم: «لكأنما رآني في اليقظة».\nالقول الثاني: أن هذا خاص بأهل عصر النبي - ﷺ - ممن آمن به قبل أن يراه، فكأن فيه بشرى له بأنه سيراه في اليقظة قبل موته.\nوقال بهذا ابن التين والمازري (١).\nالقول الثالث: أن الرائي سوف يرى تأويل تلك الرؤيا في اليقظة وصحتها، وخروجها على الحق.\nوبهذا قال ابن بطال، والقاضي عياض، وابن العربي (٢).\nالقول الرابع: أنه يراه في المرآة التي كانت له - ﷺ - إن أمكنه ذلك، وهذا قول لأبي جمرة وهو أضعف الأقوال، قال ابن حجر ﵀: \"وهذا من أبعد المحامل\" (٣).\nالقول الخامس: أن من رآه في المنام فسيراه في الآخرة وهذا الذي عليه جمهور العلماء المحققين.\nوقد اعترض على هذا القول ابن بطال وابن العربي بأنه رؤيته - ﷺ - في الآخرة تكون لجميع المؤمنين من رآه في النوم، ومن لم يره، فلا مزية لمن رآه في النوم على غيره (٤).\n_________\n(١) انظر: المعلم (٣/ ١٢٠) وشرح صحيح مسلم للنووي (١٥/ ٢٦) وفتح الباري (١٢/ ٣٨٥).\n(٢) انظر: فتح الباري (١٢/ ٣٨٤، ٣٨٥) وعارضة الأحوذي (٩/ ١٣١).\n(٣) فتح الباري (١٢/ ٣٨٥).\n(٤) انظر: عارضة الأحوذي (٩/ ١٣١) وفتح الباري (١٢/ ٣٨٥).","vol":"1","page":363},{"text":"وأجاب القاضي عياض ﵀ على هذا الاعتراض باحتمال أن تكون رؤياه له - ﷺ - في النوم على الصفة التي عرف بها، ووصف بها موجبة لتكرمته في الآخرة، وأن يراه رؤية خاصة من القرب منه، والشفاعة له بعلو الدرجة، ونحو ذلك من الخصوصيات (١).\nوعلى هذا القول فيه بشارة لمن رأى النبي - ﷺ - في المنام بأنه سيموت مسلمًا (٢).\nالقول السادس: وبه قالت الصوفية: أن من رأى النبي - ﷺ - في المنام فسيراه في اليقظة في الحياة الدنيا حقيقة ويخاطبه، وذكروا أن جماعة من الصالحين رأوا النبي - ﷺ - في المنام ثم رأوه بعد ذلك في اليقظة وسألوه عن أشياء كانوا منها متخوفين فأرشدهم إلى طريق تفريجها، فجاء الأمر كذلك (٣).\nوهذا القول باطل من وجوه:\nالأول: أنه مستحيل شرعًا لأن النبي - ﷺ - قد مات ولا يعقل أن يحيا بعد موته لقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] فكيف يقول عاقل بعد ذلك أن رسول الله - ﷺ - حي.\n_________\n(١) انظر: فتح الباري (١٢/ ٣٨٥).\n(٢) انظر: الفتح الرباني (١٧/ ٢٢٥) ومشتهى الخارف ص (٥٤).\n(٣) انظر: فتح الباري (١٢/ ٣٨٥) ومشتهى الخارف ص (٥٤).\nوممن قال بهذا القول ابن أبي جمرة في كتابه بهجة النفوس (٤/ ٢٣٧ - ٢٣٩) وتبعه في ذلك السيوطي في كتابه تنوير الحلك في رؤية النبي والملك، المطبوع مع الحاوي في الفتاوى للسيوطي (٢/ ٢٥٥ - ٢٦٩) وكذلك أحمد عز الدين البيانوني في كتابه: الرؤى والأحلام\" (١٣ص ٢، ١٣٣).","vol":"1","page":364},{"text":"ثم هؤلاء لم يستندوا إلى دليل من الشرع، سوى الاحتمال في هذه الأحاديث، ولذا لم يذكر السيوطي في رسالته \"تنوير الحلك\" سوى الاحتمال في تلك الأحاديث، بل ولم يذكر حديثًا ضعيفًا ولا موقوفًا ولا مرسلًا مع سعة اطلاعه وطول باعه في الحديث، وشدة انتصاره لهذا المذهب.\nولم يذكر عن أحد من الصحابة أو التابعين أنه وقعت له هذه الرؤية في اليقظة.\nقال صاحب \"المواهب اللدنية\": \"وأما رؤيته - ﷺ - في اليقظة بعد موته، فقال شيخنا يعني السخاوي لم يصل إلينا ذلك عن أحد الصحابة، ولا عمن بعدهم وقد اشتد حزن فاطمة عليه - ﷺ - حتى ماتت كمدًا بعده بستة أشهر على الصحيح، وبيتها مجاور لقبره، ولم ينقل عنها رؤيته في المدة التي تأخرتها عنه\" (١).\nالثاني: يلزم من هذا القول أن كل من رآه - ﷺ - في النوم أن يراه في اليقظة وهذا باطل لأن أناسًا كثيرة رأوا النبي - ﷺ - في المنام ولم يروه في اليقظة في الحياة الدنيا، فيلزم على ذلك أن يكون خبر النبي - ﷺ - كذبًا، وهذا مستحيل شرعًا (٢).\nالثالث: أنه مستحيل عقلًا، فيستحيل أن يرى النبي - ﷺ - رائيان في مكانين مختلفين فيلزم من ذلك يكون النبي - ﷺ - شخصية متعددة توجد في كل زمان ومكان.\n_________\n(١) المواهب اللدنية مع شرحها للزرقاني (٥/ ٢٩٥).\n(٢) انظر: فتح الباري (١٢/ ٣٨٥) ومشتهى الخارف ص (٥٥).","vol":"1","page":365},{"text":"كما يلزم عليه أن يكون النبي خرج من قبره، وخروج النبي - ﷺ - يلزم أن يقوم بالجهاد والدعوة إلى الله ﷿.\nويلزم عليه أن الذين يزورون القبر يأتون ويسلمون على مجرد القبر، وليس فيه النبي - ﷺ - لأنه قد خرج على رأيهم.\nكما يلزم عليه أيضًا أن كل من رآه يقظة يكون صحابيًا فتدوم الصحبة في الناس إلى يوم القيامة.\nوكل هذه لوازم عقلية تدل على بطلان هذا القول.\nوالمقصود من هذا المبحث بيان أن رؤية النبي - ﷺ - في المنام جائزة إذا رآه الرائي على صفته التي كان عليه - ﷺ - فعندئذ تكون رؤياه رؤيا حق، لأن الشيطان لا يتمثل به - ﷺ -.\nوأما أن رآه على غير صفته، أو رآه يأمره بباطل فهي أضغاث أحلام، وقرائن تدل على عدم رؤيته - ﷺ - في المنام.\nوأما رؤيته - ﷺ - في اليقظة بعد موته فهذه غير جائزة ولا ممكنة، إذ لا دليل عليها من الشرع ولا من العقل، بل الشرع والعقل يمنعان وقوعها.","vol":"1","page":366},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-82>المبحث الرابع\nرؤية الأنبياء في المنام</span>\nفي المبحث السابق تبين أن رؤية النبي - ﷺ - في المنام حق، وأن الشيطان لا يتمثل في صورته - ﷺ - في اليقظة والمنام. فيبقى السؤال هل جميع الأنبياء ﵈ مثله في أن الشيطان لا يتمثل على صورهم في المنام، أو هذا خاص بنبينا محمد ﵌؟\nوالجواب: أنه ليس في الأحاديث السابقة ما يدل على الخصوص قطعًا ولا على العموم قطعًا ولكن ما يعلم من حفظ الله ﷿ لأنبيائه من الشيطان، يشعر بأن الشيطان لا يتمثل بصورهم، ولهذا قال بعض العلماء بجواز رؤية الأنبياء في المنام.\nقال البغوي ﵀ عن شيخه القاضي حسين بن محمد المروذي: ورؤية النبي - ﷺ - في المنام حق ولا يتمثل الشيطان به، وكذلك جميع الأنبياء والملائكة ﵈ لا يتمثل الشيطان بشيء منها في المنام (١).\nومعلوم أن شرط صحة رؤيا النبي - ﷺ - في المنام أن يرى على صورته، وعلى ذلك يقال في شرط صحة رؤيا الأنبياء في المنام أن تكون على صورهم المعلومة لنا (٢) فإذا لم تعلم فلا يجزم بتلك الرؤيا لاحتمال أن تكون من الشيطان والله أعلم.\n_________\n(١) شرح السنة للبغوي (١٢/ ٢٢٨).\n(٢) ومما جاء في أوصاف الأنبياء ما جاء في وصف موسى ﵇، انظر: صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق ٦ - باب ذكر الملائكة في قصة إسراء النبي - ﷺ - ووصفه لبعض الأنبياء (٢/ ٤٢٣) وكتاب أحاديث الأنبياء (٢/ ٤٦٠) في حديث الدجال ووصفه - ﷺ - لإبراهيم وموسى وكذلك (٢/ ٤٧٣).","vol":"1","page":367},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-83>المبحث الخامس\nالكذب في الرؤيا</span>\nوفيه أربعة مسائل:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-84>المسألة الأولى: تعريف الكذب</span>\nقال ابن منظور: الكذب هو نقيض الصدق (١)، والكذب يقال في المقال والفعال قال الراغب في معجم مفردات ألفاظ القرآن: الصدق والكذب أصلها في القول ماضيًا كان أو مستقبلًا وعدا كان أو غيره، ولا يكونان بالقصد الأول إلا في الخبر، وقد يكونان في غيره كالاستفهام والأمر والدعاء.\nوقد يستعمل الصدق والكذب في كل ما يحق ويحصل في الاعتقاد، نحو صدق ظني وكذب ويستعملان في أفعال الجوارح فيقال صدق في القتال، ومنه قوله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ﴾ [الفتح: ٢٧] (٢).\nقال الإمام النووي ﵀: الكذب هو الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو، تعمدت ذلك أم جهلته، لكن لا يأثم في الجهل وإنما يأثم في العمد (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-85>المسألة الثانية: تحريم الكذب عمومًا</span>\nالكذب عمومًا محرم وكبيرة من كبائر الذنوب، وقد تضافرت النصوص الكثيرة من الكتاب والسنة على تحريمه، فقد أنزل الله سبحانه على نبيه - ﷺ -\n_________\n(١) لسان العرب لابن منظور (١/ ٧٠٤).\n(٢) معجم مفردات ألفاظ القرآن الكريم (٢٨٤، ٢٨٥) بتصرف.\n(٣) الأذكار للنووي (٣٢٦) وشرح مسلم له (١/ ٦٩).","vol":"1","page":368},{"text":"أكثر من مائتين وثمانين آية (١) كلها تنهى عن الكذب وتضرب لنا أمثلة على النهاية السيئة للمكذبين والكاذبين قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النحل: ١٠٥].\nفدلت هذه الآية على أن الذين يفترون الكذب لا يؤمنون بآيات الله فهذه هي الصفة الأولى والثانية أنهم هم الكاذبون.\nوالرسول - ﷺ - بين أن الكذب يهدي إلى النار كما في الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم من حديث ابن مسعود ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: «إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكون صديقًا، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب كذابًا» (٢).\nوفي رواية لمسلم: «وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابًا».\nقال النووي: قال العلماء: معناه أن الصدق يهدي إلى العمل الصالح الخالص من كل مذموم، والبر: اسم جامع للخير كله، وقيل البر: الجنة، ويجوز أن يتناول العمل الصالح والجنة.\nوأما الكذب، فيوصل إلى الفجور وهو الميل عن الاستقامة وقيل الانبعاث في المعاصي.\n_________\n(١) انظر: المعجم الفهرس لألفاظ القرآن الكريم (٥٩٨ - ٦٠٢).\n(٢) صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري (٧/ ٩٥) ومسلم مع شرح النووي (١٦/ ١٦٠).","vol":"1","page":369},{"text":"قال العلماء: هذا فيه حث على تحري الصدق وهو قصده والاعتناء به وعلى التحذير من الكذب والتساهل فيه، فإنه إذا تساهل فيه كثر منه فعرف به وكتبه الله لمبالغته صديقًا إن اعتاده، أو كذابًا إن اعتاده (١).\nويقول ابن القيم ﵀: فما أنعم الله على عبد من نعمة بعد الإسلام أعظم من الصدق الذي هو غذاء الإسلام وحياته، ولا ابتلاه ببلية أعظم من الكذب الذي هو مرض الإسلام وفساده والله المستعان (٢).\nوقد اقترن الكذب بالنفاق والكفر، فقد جعله النبي - ﷺ - من أمارات النفاق كما في الحديث الذي أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان» (٣).\nوأخرج البيهقي في الشعب بسند صحيح، كما قال الحافظ ابن حجر، عن أبي بكر الصديق، قال: «الكذب يجانب الإيمان» (٤).\nومما جاء في التحذير من الكذب وبيان عقوبة الكاذب، ما\nأخرجه البخاري ﵀ في صحيحه في كتاب التعبير وغيره من\nحديث سمرة بن جندب ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يعني مما يكثر أن يقول لأصحابه: «هل رأى أحد منكم\nمن رؤيا؟» قال: فيقص عليه ما شاء الله أن يقص، وإنه قال لنا ذات\n_________\n(١) انظر: شرح صحيح مسلم للنووي (١٦/ ١٦٠).\n(٢) زاد المعاد، لابن القيم (٣/ ٢٤).\n(٣) فتح الباري (١٠/ ٥٠٧).\n(٤) فتح الباري (١٠/ ٥٠٨).","vol":"1","page":370},{"text":"غداة: «إنه أتاني الليلة آتيان وإنهما ابتعثاني (١) وإنهما قالا لي: انطلق: وإني انطلقت معهما» فذكر الحديث وفيه قال:\n«فانطلقا فأتينا على رجل مستلق لقفاه، وإذا آخر قائم عليه بكلوب من حديد، وإذا هو يأتي أحد شقي وجهه فيشرشر شدقه (٢) إلى قفاه، ومنخره إلى قفاه وعينه إلى قفاه»، قال: وربما قال أبو رجاء فيشق، قال: «ثم يتحول إلى الجانب الآخر فيفعل به مثل ما فعل بالجانب الأول، فما يفرغ من ذلك الجانب حتى يصح ذلك الجانب كما كان، ثم يعود عليه فيفعل به مثل ما فعل المرة الأولى، قال: قلت سبحان الله ما هذان؟ قال لي: انطلق انطلق، فانطلقنا» .. ثم ذكر في آخر الحديث.\n«وأما الرجل الذي أتيت عليه يشرشر شدقه إلى قفاه ومنخره إلى قفاه وعينه إلى قفاه فإنه الرجل يغدو من بيته فيكذب الكذبة تبلغ الآفاق» .. الحديث (٣).\nوفي رواية للبخاري أيضًا: «الذي رأيته يشق شدقه فكذاب يحدث بالكذبة فتحمل عنه حتى تبلغ الآفاق فيصنع به ما رأيت إلى يوم القيامة» (٤).\n_________\n(١) قال الجوهري في الصحاح بعثه وابتعثه أي أرسله، قال الحافظ في الفتح (١٢/ ٤٤١) قال ابن هبيرة معنى ابتعثاني أيقظاني، ويحتمل أن يكون رأى في المنام أنهما أيقظاه فرأى ما رأى في المنام ووصفه بعد أن أفاق على أن منامه كاليقظة، لكن لما رأى مثالًا كشفه التعبير دل على أنه كان منامًا.\n(٢) يشرشر: أي يقطع وشدقه أي جانب الفم فتح الباري (١٢/ ٤٤٢).\n(٣) البخاري مع شرحه فتح الباري (١٢/ ٤٣٨) وسبق تخريج اللفظ الأول من الحديث ص (٢٣).\n(٤) صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري (٣/ ٢٥١) (١٠/ ٥٠٧).","vol":"1","page":371},{"text":"قال ابن العربي ﵀: \"شرشرة شدق الكاذب إنزال العقوبة بمحل المعصية، وعلى هذا تجري العقوبة في الآخرة بخلاف الدنيا\" (١).\nوقال الحافظ ﵀: \"وإنما استحق التعذيب لما ينشأ عن تلك الكذبة من المفاسد وهو فيها مختار غير مكره ولا ملجأ\" (٢).\nوقال ابن هبيرة: \"لما كان الكاذب يساعد أنفه وعينه ولسانه على الكذب بترويج باطله وقعت المشاركة بينهم في العقوبة\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-86>المسألة الثالثة: تغليظ الكذب والافتراء على الله</span>\nالكذب على الله حرام، سواء في ذلك افتراء الكذب على الله في العقيدة، أو في الأحكام.\nقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر: ٦٠].\nوقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنعام: ٢١] وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللهُ﴾ [الأنعام: ٩٣].\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية في هذه الآية: \"فجمع في هذا بين من أضاف ما يفتريه إلى الله، وبين من يزعم أنه يوحى إليه، ولا يعين من أوحاه، فإن الذي يدعي الوحي لا يخرج عن هذين القسمين.\n_________\n(١) فتح الباري (١٢/ ٤٤٢).\n(٢) المرجع السابق (١٢/ ٤٤٥).\n(٣) المرجع السابق (١٢/ ٤٤٥).","vol":"1","page":372},{"text":"ويدخل في القسم الثاني من يُري عينيه في المنام ما لا ترياه، ومن يقول: ألقي في قلبي، وألهمت ونحو ذلك إذا كان كاذبًا\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-87>المسألة الرابعة: الكذب في الرؤيا</span>\nإذا كان الكذب كبيرة من كبائر الذنوب، حيث توعد الله الذين يفترون الكذب عليه بالوعيد الشديد فإنه يدخل في ذلك الكذب في الرؤيا، لأن الكذب فيها كذب على الله أنه أراه ما لم يره، وقد جاء الوعيد المغلظ في ذلك بأنه أفرى الفِرَى، وأنه يكلف يوم القيامة عقد شعيرة، أو شعيرتين، وأن الكاذب على النبي - ﷺ - في المنام يتبوأ مقعده من النار، وأنه من أعتى الناس على الله ﷿، وقد جاء هذا الوعيد من عدة أحاديث وهي: حديث ابن عباس، وحديث ابن عمر، وحديث أبي هريرة، وحديث علي، وحديث واثلة بن الأسقع، وحديث أبي شريح الخزاعي، وذلك كما يلي:\nأولًا: أن الكذب في الرؤيا من أفرى الفرى:\nفأخرج الإمام أحمد في مسنده، والبخاري في صحيحه من حديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «مِن أفرى الفرى أن يُري عينيه ما لم ترَ» وفي لفظ لأحمد: «وأفرى الفرى من أرى عينيه في النوم ما لم تريا» الحديث (٢).\n_________\n(١) رسالة لشيخ الإسلام بعنوان قاعدة في القرآن كلام الله، مطبوعة ضمن مجموع الفتاوى له (١٢/ ٢٥، ٢٦).\n(٢) مسند الإمام أحمد (٢/ ١١٨) وصحيح البخاري كتاب التعبير ٤٥ - باب من كذب في حلمه (٤/ ٣٠٩).","vol":"1","page":373},{"text":"وأخرجا كذلك من حديث واثلة بن الأسقع، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن من أفرى الفرى؛ أن يُدعى الرجل إلى غير أبيه، أو يُري عينيه في النوم ما لم تريا، أو يقول على رسول الله - ﷺ - ما لم يقل» وهذا لفظ أحمد.\nولفظ البخاري: «إن من أعظم الفرى» (١).\nفقوله - ﷺ -: «من أفرى الفرى» الفرى: جمع فرية، كحلية وهي الكذب والبهت، تقول فرى فلان كذا؛ إذا اختلق (٢).\nقال ابن بطال: الفرية الكذبة العظيمة التي يتعجب منها (٣).\nوقال ابن الأثير: الفرى جمع فرية، وهي الكذبة، وأفرى أفعل منه، للتفضيل: أي أكذب الكذبات أن يقول: رأيت في النوم كذا وكذا ولم يكن رأى شيئًا؛ لأنه كذب على الله فإنه هو الذي يرسل ملك الرؤيا ليريه المنام (٤).\nوقال الطيبي (٥): ونسبة الكذبات إلى الكذب للمبالغة، نحو قولهم ليل أليل (٦).\n_________\n(١) مسند الإمام أحمد (٤/ ١٠٦، ١٠٧) وله روايات أخرى في المسند، وصحيح البخاري كتاب المناقب رقم الحديث (٣٥٠٩) (٣/ ٥٠٦).\n(٢) انظر فتح الباري (٦/ ٥٤١).\n(٣) المرجع السابق (١٢/ ٤٣٠).\n(٤) النهاية في غريب الحديث (٣/ ٤٤٣).\n(٥) هو شرف الدين الحسن بن محمد بن عبد الله الطيبي، من علماء الحديث والتفسير، وله عدة مصنفات منها شرح مشكاة المصابيح، قال فيه ابن حجر ﵀ كان آية في استخراج الدقائق من القرآن والسنن، مقبلًا على نشر العلم، حسن المعتقد توفي ﵀ سنة ٧٤٣ هـ انظر ترجمته في شذرات الذهب (٦/ ١٣٧، ١٣٨) والأعلام للزركلي (٢/ ٢٥٦).\n(٦) فتح الباري (١٢/ ٤٣٠).","vol":"1","page":374},{"text":"وقوله - ﷺ -: «أن يرى» أي يدعي أن عينيه رأتا في المنام شيئًا لم ترياه، ولأحمد والحاكم من وجه آخر عن واثلة: «أن يفترى الرجل على عينيه فيقول: رأيت، ولم ير في المنام شيئًا» (١).\nقال الحافظ ابن حجر: ونسبة الرؤيا إلى عينيه مع أنهما لم يريا شيئًا؛ أنه أخبر عنهما بالرؤية وهو كاذب (٢).\nوفي هذا الحديث تشديد الوعيد في الكذب في المنام.\nثانيًا: أن الكاذب في رؤياه يكلف أن يعقد بين شعيرتين يوم القيامة:\nأخرج البخاري ﵀ في صحيحه من حديث ابن عباس ﵄ عن النبي - ﷺ - قال: «من تحلم بحلم لم يره كلف أن يعقد بين شعيرتين ولن يفعل» (٣).\nوأخرجه أحمد في مسنده من حديث ابن عباس أيضًا بلفظ «ومن تحلم عذب يوم القيامة حتى يعقد شعيرتين وليس عاقدًا» الحديث.\nوفي رواية أخرى لأحمد: «ومن تحلم كلف يوم القيامة أن يعقد شعيرتين، أو قال بين شعيرتين، وعذب، ولن يعقد بينهما» (٤).\n_________\n(١) مسند الإمام أحمد (٣/ ٤٩٠) ومستدرك الحاكم (٤/ ٣٩٨) وقال: صحيح على شرط الشيخين.\n(٢) فتح الباري (١٢/ ٤٣٠).\n(٣) صحيح البخاري كتاب التعبير ٤٥ - باب من كذب في حلمه (٧٠٤٢) (٤/ ٣٠٩).\n(٤) مسند الإمام أحمد (١/ ٢١٦).","vol":"1","page":375},{"text":"وأخرجه الترمذي أيضًا بلفظ: «منم تحلم كاذبًا كلف يوم القيامة أن يعقد بين شعيرتين ولن يعقد بينهما» (١).\nوأخرجه ابن ماجة أيضًا بلفظ: «من تحلم حلمًا كاذبًا كلف أن يعقد بين شعيرتين ويعذب على ذلك» (٢).\nفقوله - ﷺ -: «من تحلم» أي قال إنه حلم في نومه، ورأى كذا وكذا وهو كاذب.\nقال الخطابي: \"تحلم معناه تكذب بما لم يره في منامه، يقال حلم الرجل يحلم إذا رأى حلمًا\" (٣).\nقال ابن الأثير: \"تحلم إذا ادعى الرؤيا كاذبًا\" (٤).\nوقال الحافظ: قوله: «تحلم» أي من تكلف الحلم (٥).\nقال الطبري ﵀: \"إنما اشتد فيه الوعيد مع أن الكذب في اليقظة قد يكون أشد مفسدة منه؛ إذ قد يكون شهادة في قتل، أو حد، أو أخذ مال؛ لأن الكذب في المنام كذب على الله أنه أراه ما لم يره.\nوالكذب على الله أشد من الكذب على المخلوقين، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا﴾ [هود: ١٨] وإنما كان الكذب في المنام كذبًا على الله، لحديث «الرؤيا جزء من النبوة» وما كان من أجزاء النبوة فهو من قبل الله تعالى (٦).\n_________\n(١) جامع الترمذي، كتاب الرؤيا، باب في الذي يكذب في حلمه (٤/ ٥٣٨).\n(٢) سنن ابن ماجة كتاب تعبير الرؤيا ٨ - باب من تحلم حلمًا كاذبًا (٢/ ١٢٨٩).\n(٣) معالم السنن (٤/ ١٤٠).\n(٤) النهاية في غريب الحديث (١/ ٤٣٤).\n(٥) فتح الباري (١٢/ ٤٢٨).\n(٦) فتح الباري (١٢/ ٤٢٨).","vol":"1","page":376},{"text":"وقال ابن الأثير - ﵀: إن قيل: إن كذب الكاذب في منامه لا يزيد على كذبه في يقظته، فلم زادت عقوبته ووعيده وتكليفه عقد الشعيرتين؟\nقيل: قد صح الخبر أن الرؤيا الصالحة جزء من أجزاء النبوة، والنبوة لا تكون إلا وحيًا، والكاذب في رؤياه يدعي أن الله تعالى أراه ما لم يره، وأعطاه جزءًا من النبوة لم يعطه إياه، والكاذب على الله أعظم فرية ممن كذب على الخلق، أو على نفسه (١).\nوقال ابن أبي جمرة ﵀: \"إنما سماه حلمًا، ولم يسمه رؤيا؛ لأنه ادعى أنه رأى ولم ير شيئًا، فكان كاذبًا، والكذب إنما هو من الشيطان، وقد قال - ﷺ -: «الحلم من الشيطان» كما مضى في حديث أبي قتادة (٢) وما كان من الشيطان فهو غير حق، فصدق بعض الحديث بعضًا\".\nقال: \"ومعنى العقد بين الشعيرتين، أن يفتل إحداهما بالأخرى، وهذا مما لا يمكن عادة\" (٣).\nوقد جاء في بعض روايات الأحاديث بأن يعقد شعيرة.\nفأخرج الإمام أحمد من حديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ومن تحلم عذب حتى يعقد شعيرة، وليس بعاقد» (٤).\nوأخرجه أبو داود بلفظ: «من تحلم كلف أن يعقد شعيرة» (٥).\n_________\n(١) النهاية في غريب الحديث (١/ ٤٣٤).\n(٢) سبق تخريجه.\n(٣) فتح الباري (١٢/ ٤٢٩).\n(٤) مسند الإمام أحمد (١/ ٢٤٦).\n(٥) سنن أبي داود، كتاب الأدب، باب ما جاء في الرؤيا (٥٠٢٤) (٢/ ٧٢٤).","vol":"1","page":377},{"text":"وأخرجه أحمد والترمذي، والدارمي من حديث علي ﵁ يرفعه إليه - ﷺ -: «من كذب في حلمه كلف عقد شعيرة يوم القيامة» (١).\nوفي رواية لأحمد: «من كذب في الرؤيا متعمدًا كلف عقد شعيرة يوم القيامة» (٢).\nوأخرجه الإمام أحمد أيضًا من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ص قال: «ومن تحلم كاذبًا دفع إليه شعيرة، وعذب حتى يعقد بين طرفيها وليس بعاقد» (٣).\nثالثًا: من كذب على النبي - ﷺ - فليتبوأ مقعده من النار:\nأخرج البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: «تسموا باسمي، ولا تكنوا بكنيتي، ومن رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي، ومن كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار» (٤).\nقال الحافظ ابن حجر ﵀: وإنما ساقه المؤلف بتمامه ولم يختصره كعادته لينبه على أن الكذب على النبي - ﷺ - يستوي فيه اليقظة والمنام، والله ﷾ أعلم (٥).\n_________\n(١) مسند الإمام أحمد (١/ ٧٦، ٩٠، ٩١، ١٣١) وجامع الترمذي كتاب الرؤيا، باب في الذي يكذب في حلم (٤/ ٥٢٨) وحسنه وسنن الدارمي كتاب الرؤيا باب النهي عن أن يتحلم الرجل رؤيا لم يراها (٢/ ١٦٨) والحاكم في مستدركه (٤/ ٣٩٢) وقال صحيح الإسناد وحسنه الحافظ في الفتح (١٢/ ٤٧٣) وصححه الألباني في صحيح الجامع (٥/ ٣٥٣) وسلسلة الأحاديث الصحيحة (٥/ ٤٧٣) رقم (٢٣٥٩).\n(٢) مسند الإمام أحمد (١/ ١٠١).\n(٣) مسند الإمام أحمد.\n(٤) صحيح البخاري كتاب العلم ٣٨ - باب إثم من كذب على النبي - ﷺ - رقم الحديث (١١٠) (١/ ٥٥) وكتاب التعبير ١٠ - باب من رأى النبي - ﷺ - في المنام، رقم الحديث (٦٩٩٣) (٤/ ٢٩٩).\n(٥) فتح الباري (١/ ٢٠٢).","vol":"1","page":378},{"text":"وفي مسند الإمام أحمد من حديث علي بن أبي طالب ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: «من كذب علي في حلمه كلف عقد شعيرة يوم القيامة» (١).\nوفي المسند أيضًا من زوائد عبد الله بن الإمام أحمد بلفظ: «من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار» (٢).\nوفي رواية له بلفظ: «من كذب في الرؤيا متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار» (٣).\nفالذي يدعي كذبًا وزورًا وبهتانًا أنه رأى النبي - ﷺ - في المنام قد كذب عليه لأن رؤياه - ﷺ - حق لا يتمثل الشيطان به كما مر معنا.\nوقد فرق النبي - ﷺ - بين الكذب عليه وبين الكذب على غيره، فأخرج البخاري من حديث المغيرة ﵁ قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول: «إن كذبا علي ليس ككذب على أحد، ومن كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار» (٤).\nوأخرج البخاري من حديث واثلة بن الأسقع يقول: قال رسول الله - ﷺ -: «إن من أعظم الفرى أن يُدعَى الرجل إلى غير أبيه، أو يُرِي عينه ما لم تر، أو يقول على رسول الله - ﷺ - ما لم يقل» (٥).\n_________\n(١) فتح الباري (١/ ٢٠٣).\n(٢) المرجع السابق (١/ ١٣٠).\n(٣) المرجع السابق (١/ ١٣١) وزوائد المسند (٢/ ١٥٤).\n(٤) صحيح البخاري كتاب الجنائز ٣٣ - باب ما يكره من النياحة على الميت، رقم الحديث (١٢٩١) (١/ ٣٩٧).\n(٥) صحيح البخاري كتاب المناقب رقم الحديث (٣٥٠٩) (٣/ ٥٠٦).","vol":"1","page":379},{"text":"قال الحافظ ابن حجر ﵀: والحكمة في التشديد في الكذب على النبي - ﷺ - واضحة، فإنه يخبر عن الله فمن كذب عليه كذب على الله ﷿، وقد اشتد النكير على من كذب على الله تعالى في قوله: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ﴾ [الأعراف: ٣٧] فسوى بين من كذب عليه وبين الكافر.\nثم قال ﵀: وأما المنام فإنه لما كان جزءًا من الوحي كان المخبر عنه بما لم يقع كالمخبر عن الله بما لم يلقه إليه، أو لأن الله يرسل ملك الرؤيا فيري النائم ما شاء، فإذا أخبر عن ذلك بالكذب يكون كاذبًا على الله وعلى الملك، كما أن الذي يكذب على النبي - ﷺ - ينسب إليه شرعًا ما لم يقله، والشرع غالبًا تلقاه النبي - ﷺ - على لسان الملك، فيكون الكاذب في ذلك كاذبًا على الله، وعلى الملك (١).\nوأخرج البخاري من حديث علي ﵁ قال: قال النبي - ﷺ -: «لا تكذبوا علي، فإنه من كذب علي فليلج النار» (٢).\nفقوله: «لا تكذبوا علي» عام في كل كاذب، مطلق في كل نوع من الكذب (٣).\nوقوله: «فليتبوأ» أي فليتخذ لنفسه منزلا يقال تبوأ الرجل المكان إذا اتخذه سكنًا وهو أمر بمعنى الخبر أيضًا، أو بمعنى التهديد أو بمعنى التهكم، أو دعاء\n_________\n(١) فتح الباري (٦/ ٥٤١).\n(٢) صحيح البخاري كتاب العلم ٣٨ - باب إثم من كذب على النبي - ﷺ - رقم الحديث (١٠٦) (١/ ٥٥).\n(٣) انظر: فتح الباري (١/ ١٩٩).","vol":"1","page":380},{"text":"على فاعل ذلك أي بوأه الله ذلك (١).\nقال الكرماني: يحتمل أن يكون الأمر على حقيقته، والمعنى من كذب فليأمر نفسه بالتبوء ويلزم عليه (٢).\nوروى الإمام أحمد بإسناد صحيح كما قال الحافظ، عن ابن عمر بلفظ «بني له بيتًا في النار» (٣).\nقال الطيبي: فيه إشارة إلى معنى القصد في الذنب وجزائه، أي: كما أنه قصد في الكذب التعمد فليقصد بجزائه التبوء (٤).\nوأخرج البخاري من حديث أنس ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: «من تعمد علي كذبًا فليتبوأ مقعده من النار» (٥).\nقال الحافظ ابن حجر: قوله: (كذبًا) هو نكرة في سياق الشرط فيعم جميع أنواع الكذب (٦).\nفالحاصل أن من كذب على النبي - ﷺ - في المنام فهو داخل في الوعيد المذكور.\n_________\n(١) انظر: غريب الحديث (٢/ ٢٥٠) والنهاية في غريب الحديث (١/ ١٥٩) وفتح الباري (١/ ٢٠١).\n(٢) فتح الباري (١/ ٢٠١).\n(٣) مسند الإمام أحمد (٣/ ٣٩) عن أبي سعيد الخدري ﵁.\n(٤) فتح الباري (١/ ٢٠١).\n(٥) صحيح البخاري كتاب العلم ٣٨ - باب إثم من كذب على النبي ص (١٠٨) (١/ ٥٥).\n(٦) فتح الباري: (١/ ٢٠١).","vol":"1","page":381},{"text":"رابعًا: أن الكاذب في رؤياه من أعتى (١) الناس على الله:\nلما أخرجه الإمام أحمد، والطبراني من حديث أبي شريح الخزاعي ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: «إن من أعتى الناس على الله ﷿ من قتل غير قاتله، أو طلب بدم الجاهلية من أهل الإسلام أو بصر عينيه في المنام ما لم تبصر» (٢).\n_________\n(١) قال ابن منظور في لسان العرب (١٥/ ٢٧) عتا عتوًا وعتيًا: استكبر وجاوز الحد.\n(٢) مسند الإمام أحمد (٤/ ٣٢) والمعجم الكبير للطبراني (٢٢/ ١٩١) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١٧٧) ورجاله رجال الصحيح.","vol":"1","page":382},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-88>الفصل الثاني\nأحكام تعبير الرؤى</span>\nوفيه تمهيد وثلاثة مباحث:\nتمهيد: حقيقة علم التعبير.\nالمبحث الأول: أقسام تأويل الرؤى وقواعده.\nالمبحث الثاني: هل الرؤى إذا عبرت وقعت؟\nالمبحث الثالث: أمثلة من تأويل الرؤى في السنة.","vol":"1","page":383},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-89>تمهيد\nحقيقة علم التعبير</span>\nوفيه أربع مسائل:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-90>المسألة الأولى: تعريف التعبير لغة واصطلاحًا</span>.\nالمسألة الثانية: حقيقة علم التعبير.\nالمسألة الثالثة: هل هذا العلم توقيفي أو لا؟\nالمسألة الرابعة: مكانة هذا العلم.\n\n* * *\nالمسألة الأولى: تعريف التعبير لغة واصطلاحًا\nلغة: قال الراغب الأصفهاني: أصل العبر تجاوز من حال إلى حال، فأما العبور فيختص بتجاوز الماء إما بسباحة أو في سفينة أو على بعير أو قنطرة، ومنه عبر النهر لجانبه حيث يعبر إليه أو منه.\nوأما العبارة فهي مختصة بالكلام العابر الهواء من لسان المتكلم إلى سمع السامع.\nوالاعتبار والعبرة بالحالة التي يتوصل بها من معرفة المشاهد إلى ما ليس بمشاهد قال تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢].\nوالتعبير مختص بتعبير الرؤيا، وهو العابر من ظاهرها إلى باطنها، نحو ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣] وهو أخص من التأويل فإن التأويل يقال فيه وفي غيره (١).\n_________\n(١) معجم مفردات ألفاظ القرآن (٣٣١).","vol":"1","page":385},{"text":"وقال ابن منظور: عبر الرؤيا وهو يعبرها عبرا وعبارة وعبرها، فسرها، وأخبر بما يؤول إليه أمرها، واستعبره إياها: سأله تعبيرها.\nوالعابر: الذي ينظر في الكتاب فيعبره أي يعتبر بعضه ببعض حتى يقع فهمه عليه، وكذلك قيل: عبر الرؤيا واعتبر فلان كذا، وقيل أخذ هذا كله من العبر، وهو جانب النهر، يقال: فلان في ذلك العبر أي في ذلك الجانب، وعبرت النهر والطريق أعبره عبرا وعبورا إذا قطعته من هذا العبر إلى ذلك العبر، فقيل لعابر الرؤيا عابر، لأنه يتأمل ناحيتي الرؤيا فيتفكر في أطرافها، ويتدبر كل شيء منها ويمضي بفكره فيها من أول ما رأى النائم إلى آخر ما رأى (١).\nاصطلاحًا: التعبير هو التفسير والإخبار بما يئول إليه أمر الرؤيا (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-91>المسألة الثانية: حقيقة علم التعبير</span>\nيظن بعض الناس أن تعبير الرؤيا رجم بالغيب وأنه لا حقيقة له، وهذا خطأ.\nفمما لا شك فيه أن علم تعبير الرؤيا علم صحيح دل على صحته كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ -، والواقع المحسوس يشهد بذلك.\nفمن كتاب الله قوله ﷿: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ [يوسف: ٦].\nوقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ [يوسف: ٢٧].\n_________\n(١) لسان العرب لابن منظور (٤/ ٥٢٩، ٥٣٠).\n(٢) انظر: شرح صحيح البخاري للكرماني (٢٤/ ٩٤) وإرشاد الساري (١٠/ ١١٨).","vol":"1","page":386},{"text":"وقوله ﷿: ﴿قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ [يوسف: ٣٧].\nوقوله ﷿: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ [يوسف: ١٠١].\nوالمراد بتأويل الأحاديث هو تعبير الرؤيا، وقد سماه الله علمًا.\nقال ابن عبد البر ﵀: وقد أثنى الله ﷿، على يوسف بن يعقوب صلى الله عليهما، وعدد عليه فيما عدد من النعم التي آتاه، التمكين في الأرض، وتعليم تأويل الأحاديث، وأجمعوا أن ذلك في تأويل الرؤيا، وكان يوسف ﵇ أعلم الناس بتأويلها (١).\nوكذلك دلت السنة على صحة هذا العلم، والأحاديث في ذلك أكثر من أن تحصي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-92>المسألة الثالثة: هل هذا العلم توقيفي أو لا</span>؟\nقال ابن بطال ﵀ في حديث ابن عمر ﵄ في قصة رؤياه (٢): \"وفيه أن أصل التعبير من قبل الأنبياء ولذلك تمنى ابن عمر أن يرى رؤيا فيعبرها له\n_________\n(١) التمهيد (١/ ٣١٣، ٣١٤) وانظر أقوال أهل العلم في تفسير هذه الآية بما ذكرت في تفسير الطبري (١٢/ ٩٢، ١٠٥) وتفسير البغوي (٢/ ٤١٠، ٤١٧، ٤٥١) وتفسير ابن كثير (٢/ ٤٦٩، ٤٧٣) وتفسير القرطبي (٩/ ١٢٩).\n(٢) سبق تخريجه، وفيه كنت أتمنى أن أرى رؤيا.","vol":"1","page":387},{"text":"الشارع ليكون ذلك عنده أصلا. قال: وقد صرح الأشعري، بأن أصل التعبير بالتوقيف من قبل الأنبياء وعلى ألسنتهم\".\nقال ابن بطال، وهو كما قال، لكن الوارد عن الأنبياء في ذلك وإن كان أصلا فلا يعم جميع المرائي فلا بد للحاذق في هذا الفن أن يستدل بحسن نظره فيرد ما لم ينص عليه إلى حكم التمثيل، ويحكم له بحكم النسبة الصحيحة فيجعل أصلا يلحق به غيره كما يفعل الفقيه في فروع الفقه (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-93>المسألة الرابعة: مكانة هذا العلم</span>\nقال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀ في ذكر شيء من العبر والفوائد التي اشتملت عليها قصة يوسف العظيمة التي قال الله في أولها: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف: ٣] وقال: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ﴾ [يوسف: ٧] وقال في آخرها ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف: ١١١].\nقال ﵀: \"ومنها أن فيها أصلا لتعبير الرؤيا، فإن علم التعبير من العلوم المهمة التي يعطيها الله من يشاء من عباده.\nومنها: فضيلة العلم، علم الأحكام والشرع، وعلم تعبير الرؤيا.\nومنها: أن علم التعبير من العلوم الشرعية، وأنه يثاب الإنسان على تعلمه وتعليمه، وأن تعبير الرؤيا داخل في الفتوى، لقوله للفتيين ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ\n_________\n(١) فتح الباري (١٢/ ٤١٩).","vol":"1","page":388},{"text":"تَسْتَفْتِيَانِ﴾ [يوسف: ٤١] وقال الملك: ﴿أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ﴾ [يوسف: ٤٣] وقال الفتى ليوسف: ﴿أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ﴾ [يوسف: ٤٦] فلا يجوز الإقدام على تعبير الرؤيا من غير علم (١).\nولهذا كان النبي - ﷺ - كثيرًا ما يسأل أصحابه عن الرؤيا، فيقص عليهم ما شاء الله أن يقص.\nكما ثبت في الصحيحين من حديث سمرة بن جندب ﵁ قال: كان رسول الله - ﷺ - مما يكثر أن يقول لأصحابه: «هل رأى أحد منكم من رؤيا؟» قال: فيقص عليه ما شاء الله أن يقص (٢).\nقال النووي ﵀ في ذكر فوائد هذا الحديث: \"وفيه استحباب السؤال عن الرؤيا\" (٣).\nوقال ابن حجر ﵀ في ذكر فوائد هذا الحديث أيضًا: \"وفيه الاهتمام بأمر الرؤيا بالسؤال عنها، وفضل تعبيرها، واستحباب ذلك بعد صلاة الصبح\" (٤).\nوفي صحيح مسلم من حديث ابن عباس ﵁ قال: إن رسول الله - ﷺ - كان مما يقول لأصحابه «من رأى منكم رؤيا فليقصها أعبرها له» (٥).\n_________\n(١) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (٤/ ٦٦ - ٧٧).\n(٢) سبق تخريجه.\n(٣) شرح النووي لصحيح مسلم (١٥/ ٣٥).\n(٤) فتح الباري (١٢/ ٤٤٦) وانظر كذلك (١٢/ ٤٣٧).\n(٥) سبق تخريجه.","vol":"1","page":389},{"text":"قال القاضي عياض ﵀: قوله: كان مما يقول لأصحابه «من رأى منكم رؤيا» معنى هذا اللفظ عندهم كثيرًا ما كان يفعل كذا كأنه قال من شأنه (١).\nوقال النووي ﵀: وفي هذا الحديث الحث على علم الرؤيا، والسؤال عنها، وتأويلها قال العلماء: وسؤالهم محمول على أنه - ﷺ - يعلمهم تأويلها، وفضلها، واشتمالها على ما شاء الله تعالى من الأخبار بالغيب (٢).\nوأخرج الإمام مالك في الموطأ، ومن طريقه الإمام أحمد في مسنده، وأبو داود في سننه، والحاكم في مستدركه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: إن رسول الله - ﷺ - كان إذا انصرف من صلاة الغداة، يقول: «هل رأى أحد منكم الليلة رؤيا؟» ويقول: «ليس يبقى بعدي من النبوة إلا الرؤيا الصالحة» (٣).\nقال ابن عبد البر ﵀: \"وهذا الحديث يدل على شرف علم الرؤيا، وفضلها؛ لأنه - ﷺ - إنما كان يسأل عنها، لتقص عليه، ويعبرها، ليعلم أصحابه كيف الكلام في تأويلها\" (٤).\nولهذا لا تجد مصنفًا من المصنفات الحديثة إلا ويفرد مؤلفه بابًا للرؤيا وتعبيرها، ويذكر فيه الأحاديث والآثار، وقد سبق بحمد الله الإشارة إلى شيء من ذلك في التمهيد.\n_________\n(١) شرح النووي على مسلم (١٥/ ٣٠).\n(٢) المرجع السابق (١٥/ ٣٠، ٣١).\n(٣) سبق تخريجه (٢٥).\n(٤) التمهيد (١/ ٣١٣).","vol":"1","page":390},{"text":"ولقد وضح ابن القيم ﵀ مكانة هذا العلم في كتابه التبيان في أقسام القرآن (١).\nوكذلك في كتابه زاد المعاد عندما ذكر شيئًا عن حال شيخه الشهاب العابر (٢) ورسوخه في علم التعبير.\nثم قال: وهذه كانت حال شيخنا هذا، ورسوخه في علم التعبير، وسمعت عليه عدة أجزاء، ولم يتفق لي قراءة هذا العلم عليه، لصغر السن، واخترام المنية له ﵀ (٣).\nفالحاصل من خلال عرض تلك الأدلة من الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة الصالح، يتبين أن علم التعبير علم معتبر شرعًا، بحسب الضوابط الشرعية التي ذكرتها وسوف أذكر بعضها إن شاء الله.\n_________\n(١) التبيان في أقسام القرآن ص (٢١٠، ٢١١).\n(٢) هو أبو العباس شهاب الدين أحمد بن عبد الرحمن بن عبد المنعم بن نعمة بن سرور المقدسي (٦٢٨ - ٦٩٧هـ) تفقه في المذهب الحنبلي.\nقال عنه الذهبي: فقيه، إمام، عالم، لا يدرك شأوه في علم التعبير، وله مصنف كبير في هذا العلم سماه البدر المنير.\nوقال عنه ابن كثير ﵀: سمع الكثير، وروى الحديث، وكان عجبًا في المنامات، وله فيه اليد الطولى، وله تصنيف فيه ليس كالذي يؤثر عنه من الغرائب والعجائب.\nانظر ترجمته في البداية والنهاية (١٣/ ٣٧٤) وشذرات الذهب (٥/ ٤٣٧) وكتاب البدر المنير في علم التعبير، توجد منه نسخة مصورة في مخطوطات جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.\n(٣) زاد المعاد (٣/ ٦١٥، ٦١٦).","vol":"1","page":391},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-94>المبحث الأول\nأقسام تأويل الرؤى وقواعده</span>\nوفيه أربعة مسائل:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-95>المسألة الأولى: تعريف التأويل لغة واصطلاحًا</span>\nالتأويل في اللغة: هو التفعيل من أوَّل يؤوِّل تأويلًا، مثل حوَّل تحويلًا وعول تعويلًا وثلاثية آل يئول أي رجع وعاد وأول الكلام وتأويله: دبره وقدره.\nوأوله وتأوله: فسره، والتأويل: عبارة الرؤيا (١).\nالتأويل اصطلاحًا: هو تفسير الرؤيا.\nوقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"أن التأويل عند السلف له معنيان:\nأحدهما: بمعنى التفسير، وهذا هو الغالب على اصطلاح المفسرين للقرآن كما يقول ابن جرير ﵀: واختلف علماء التأويل ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ [يوسف: ٣٦، ٣٧] أي تفسيره وقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ﴾ [يوسف: ٤٥].\nالثاني: من معاني التأويل يطلق ويراد به الحقيقة التي يؤول إليها الكلام.\nومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف: ١٠٠].\n_________\n(١) لسان العرب (١١/ ٣٤).","vol":"1","page":392},{"text":"فتأويل الأحاديث التي هي رؤيا المنام هي نفس مدلولها التي تؤول إليه (١).\nفالحاصل أن تأويل الرؤيا يشمل تفسيرها الذي نسميه عبارة الرؤيا، ويشمل الحقيقة التي يؤول إليها الرؤيا، فالتعبير أخص من التأويل (٢).\nفالتأويل كما في قوله ﷿: ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ وكقوله ﷿: ﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ﴾.\nوالتعبير كقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣] وأغلب الأحاديث في الرؤيا أن يقول - ﷺ -: «فأولت ذلك بكذا».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-96>المسألة الثانية: الأصل في التعبير</span>\nالرؤيا التي يجوز تعبيرها هي الرؤيا الصحيحة التي جاء وصفها في حديث أبي هريرة ﵁ بأنها رؤيا حق، وجاء وصفها في حديث أبي قتادة ﵁ بأنها الرؤيا الصالحة، وأنها من الله، وهذه الرؤيا نوعان:\nأحدهما: ما هو ظاهر لا يحتاج إلى تأويل.\nوالثاني: ما هو من ضرب الأمثال للنائم، وهذا النوع هو الأكثر والغالب على الرؤيا وهو الذي يحتاج فيه إلى التأويل.\nوالأصل في رؤيا المنام أنها لا تحمل دائمًا على ظاهرها، بل تحتاج إلى تعبير، لكن قد يقع بعضها مطابقًا لا يحتاج إلى تعبير.\n_________\n(١) انظر: التدمرية ص (٩١ - ٩٣) والدليل في المتشابه والتأويل، ص (٢٨، ٢٩) الطبعة الثانية السلفية.\n(٢) انظر معجم مفردات ألفاظ القرآن للراغب الأصفهاني (٣٣٢) دار الفكر.","vol":"1","page":393},{"text":"فمن أمثلة الرؤيا التي تقع على ظاهرها رؤيا إبراهيم ﵇.\nقال تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ إلى قوله: ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢ - ١٠٥].\nومن ذلك رؤيا النبي - ﷺ - لعائشة في المنام، كما جاء في الصحيحين من حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «أُريتك في المنام مرتين، إذا رجل يحملك في سرقة من الحرير، فيقول: هذه امرأتك فأكشفها فإذا هي أنت، فأقول: إن يكن هذا من عند الله يمضه» (١).\nومن ذلك رؤيا عبد الله بن عمر ﵄ (٢) ورؤيا الصحابة ليلة القدر (٣).\nقال ابن بطال في حديث عبد الله بن عمر: \"في هذا الحديث أن بعض الرؤيا لا يحتاج إلى تعبير، وعلى أن ما فسر في النوم فهو تفسيره في اليقظة لأن النبي - ﷺ - لم يزد في تفسيرها على ما فسرها الملك\".\nقال الحافظ ابن حجر معقبًا على كلام ابن بطال: \"يشير إلى قوله - ﷺ - في آخر الحديث «إن عبد الله رجل صالح» وقول الملك قبل ذلك «نعم الرجل أنت لو كنت تكثر من الصلاة» ووقع في الباب الذي بعده أن الملك قال له: «لم تُرع إنك رجل صالح» وفي آخره قال النبي - ﷺ -: «إن عبد الله رجل صالح لو كان يكثر الصلاة من الليل» \" (٤).\n_________\n(١) سبق تخريجه.\n(٢) سبق تخريجه.\n(٣) سبق تخريجه.\n(٤) فتح الباري (١٢/ ٤١٩).","vol":"1","page":394},{"text":"أما النوع الثاني: فهو الذي تحمل عليه الرؤيا دائمًا ويحتاج إلى تعبير.\nومن ذلك رؤيا يوسف ﵇ الكواكب والشمس والقمر له ساجدين، فكان تأويلها سجود إخوته وأبويه له.\nوهذا النوع هو الذي يتكلم العلماء في تأويله، ووضعوا له بعض القواعد التي يمكن بها معرفة تأويل الرؤيا.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"وعبارة الرؤيا هو العبور من الشيء إلى مثاله ونظيره، وهو حقيقة المقايسة والاعتبار، فإن إدراك الشيء بالقياس والاعتبار الذي ألفه الإنسان واعتاده أيسر من إدراك شيء على البديهة من غير مثال معروف.\nثم المرئي في هذا الوجه، هو موجود في قلب الإنسان ونفسه، وإن كان مثلًا للحقيقة وواسطة لها\" (١).\nوقال ﵀ في موضع آخر: \"ذكرت في مواضع شيئًا من الصدق والعدل وموقعهما من الكتاب والسنة، ومصالح الدنيا والآخرة فإذا عرف أن مادة العدل والتسوية، والتمثيل، والقياس، والاعتبار والتشريك والتشبيه، والتنظير من جنس واحد فيستدل بهذه الأسماء على القياس الصحيح العقلي والشرعي، ويؤخذ من ذلك تعبير الرؤيا، فإن مداره على القياس والاعتبار والمشابهة التي بين الرؤيا وتأويلها\" (٢).\n_________\n(١) قاعدة في المعجزات والكرامات مطبوع ضمن مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية (١١/ ٦٣٨).\n(٢) مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام (٢٠/ ٨٢).","vol":"1","page":395},{"text":"ويؤكد ذلك ابن القيم ﵀ حيث قال: \"قد ضرب الله سبحانه الأمثال وصرفها قدرًا وشرعًا ويقظة ومنامًا، ودل عباده على الاعتبار بذلك، وعبورهم من شيء إلى نظيره واستدلالهم بالنظير على نظيره؛ بل هذا أهَّل عبارة الرؤيا التي هي جزء من أجزاء النبوة ونوع من أنواع الوحي، فإنها مبنية على القياس والتمثيل، واعتبار المعقول بالمحسوس\" (١).\nويقرر هذا الأصل الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀ حيث قال في عبارة الرؤيا: \"إنَّ أغلب ما تبنى عليه، المناسبة والمشابهة في الاسم والصفة\" (٢).\nفالحاصل من كلام هؤلاء العلماء الأئمة، أن تعبير الرؤيا يعتمد على القياس والاعتبار والمشابهة في الاسم والصفة بين الرؤيا التي تمثل جانب المعقول وبين تأويلها الذي يمثل جانب المحسوس.\nوسوف تأتي الأمثلة، إن شاء الله، لتوضيح وجه المناسبة والمشابهة بين الاسم والصفة.\nوالذي يستقرئ الرؤى الواردة في الكتاب والسنة يجدها تؤيد هذا الأصل، وقد ذكر ابن بطال ﵀ أن الوارد عن الأنبياء، وإن كان أصلًا فلا يعم جميع المرائي، فلا بد للحاذق في هذا الفن أن يستدل بحسن نظره فيرد ما لم ينص عليه إلى حكم التمثيل، ويحكم له بحكم النسبة الصحيحة فيجعل أصلًا يلحق به غيره كما يفعل الفقيه في فروع الفقه (٣).\n_________\n(١) إعلام الموقعين (١/ ٢٩٠) وانظر: ص (١٩٥).\n(٢) تفسير السعدي (٤٥/ ٦٦).\n(٣) انظر: فتح الباري (١٢/ ٤١٩).","vol":"1","page":396},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-97>المسألة الثالثة: أقسام تأويل الرؤيا</span>\nيقول الإمام البغوي ﵀ في كتابه شرح السنة: \"واعلم أن تأويل الرؤيا ينقسم أقسامًا، فقد يكون بدلالة من جهة الكتاب، أو من جهة السنة، أو من جهة الأمثال السائرة بين الناس، وقد يقع التأويل على الأسماء والمعاني، وقد يقع على الضد والقلب\" (١).\nوإليك تفصيل ذلك:\n(أ) التأويل بدلالة القرآن:\nيقول ابن القيم ﵀: وبالجملة فما تقدم من أمثال القرآن كلها أصول وقواعد لعلم التعبير لمن أحسن الاستدلال بها، وكذلك من فهم القرآن فإنه يعبر به الرؤيا أحسن تعبير، وأصول التعبير الصحيحة إنما أخذت من مشكاة القرآن، فالسفينة تُعبَّر بالنجاة، لقوله تعالى: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ﴾ [العنكبوت: ١٥] والخشب يعبر بالمنافقين، لقوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ [المنافقون: ٤].\nوالحجارة تعبر بقساوة القلوب، لقوله جل ذكره: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: ٣٤].\nوالبيض يعبر بالنساء، لقوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصافات: ٤٩] (٢).\n_________\n(١) شرح السنة (١٢/ ٢٢٠).\n(٢) وانظر كلام ابن القيم في إعلام الموقعين (١/ ١٩١).","vol":"1","page":397},{"text":"وكذلك اللباس يعبر بالنساء لقوله تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] (١).\n(ب) التأويل بدلالة الحديث:\nقال البغوي ﵀: \"وأما التأويل بدلالة الحديث كالغراب يعبر الرجل الفاسق؛ لأن النبي - ﷺ - سماه فاسقًا\" (٢).\nوالفأرة تعبر بالمرأة الفاسقة؛ لأن النبي - ﷺ - سماها فويسقة (٣).\nوالضلع يعبر بالمرأة، لقول النبي - ﷺ -: «إن المرأة خلقت من ضلع أعوج» (٤).\nوالقوارير تعبر بالنساء لقوله - ﷺ -: «يا أنجشة رويدك سوقًا بالقوارير» (٥).\n(ج) التأويل بالأمثال السائرة بين الناس:\nقال البغوي ﵀: ويعبر طول اليد بصنائع المعروف، لقولهم:\nفلان أطول يدا من فلان (٦).\n_________\n(١) إعلام الموقعين (١/ ١٩٣، ١٩٤).\n(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٦/ ٢٠٩، ٢٣٨) وابن ماجة في سننه (٢/ ١٠٨٢) وغيرها من حديث عائشة ﵂ أن رسول الله ص قال: «الحية فاسقة والعقرب فاسقة، والفأرة فاسقة، والغراب فاسق» وهو حديث صحيح، صححه الألباني في إرواء الغليل (٤/ ٢٢١) رقم (١٠٣٦) وسلسلة الأحاديث الصحيحة (٤/ ٤٤٠) رقم (١٨٢٥).\n(٣) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب بدء الخلق (٦/ ٣٥٥) مع شرحه الفتح، وأحمد في مسنده (٣/ ٣٨٨) من حديث جابر\n(٤) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب أحاديث الأنبياء (٦/ ٣٦٣) مع شرحه الفتح، وأحمد في مسنده (٥/ ٨) والدارمي في سننه (٢/ ١٤٨) وابن ماجة في سننه (١/ ٥٢٥) من حديث سمرة بن جندب.\n(٥) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الأدب (١٠/ ٥٣٨) مع شرحه الفتح، وأحمد في مسنده (٣/ ١٠٧، ١١٧) من حديث أنس.\n(٦) شرح السنة (١٢/ ٢٢٢) وانظر أمثلة كثيرة فيه.","vol":"1","page":398},{"text":"ومن ذلك قول النبي - ﷺ - لنسائه: «أسرعكن لحاقًا بي، أطولكن يدًا» قالت عائشة فكن يتطاولن أيتهن أطول يدا، قالت: فكانت أطولنا يدا زينب، لأنها كانت تعمل وتتصدق (١).\nقال النووي ﵀: \"إنهن ظنن أن المراد بطول اليد طول اليد الحقيقة وهي الجارحة فكن يذرعن أيديهن بقصبة فكانت سودة أطولهن جارحة، وكانت زينب أطولهن يدا في الصدقة وفعل الخير، فماتت زينب أولهن فعلموا أن المراد بطول اليد في الصدقة والجود، قال أهل اللغة يقال فلان طويل اليد وطويل الباع إذا كان سمحًا جوادًا وضده قصير اليد والباع\" (٢).\n(د) التأويل بالأسامي:\nقال البغوي ﵀: \"والتأويل بالأسامي، كمن رأى رجلا يسمى راشدًا يعبر بالرشد، وإن كان يسمى سالمًا يعبر بالسلامة\" (٣).\nثم ساق بسنده عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أرأيت ذات ليلة فيما يرى النائم، كأنا في دار عقبة بن رافع، فأتينا برطب من رطب ابن طاب (٤) فأولت الرفعة لنا في الدنيا، والعاقبة في الآخرة، وأن ديننا قد طاب» (٥).\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه (٣/ ٢٨٦) مع شرح الفتن، ومسلم (٤/ ١٩٠٧) رقم (٢٤٥٢) من حديث عائشة.\n(٢) شرح النووي لصحيح مسلم (١٦/ ٨).\n(٣) شرح السنة (١٢/ ٢٢٢).\n(٤) قال النووي في شرح مسلم (١٥/ ٣١) \"هو نوع من الرطب معروف، يقال له رطب ابن طاب، وتمر ابن طاب، وعذب ابن طاب، وعرجون ابن طاب، وهي مضاف إلى ابن طاب رجل من أهل المدينة\".\n(٥) أخرجه أحمد في مسنده (٣/ ٢١٣، ٢٨٦) ومسلم في صحيحه (٤/ ١٧٧٩) رقم (٢٢٧٠) تحقيق: محمد فؤاد.","vol":"1","page":399},{"text":"ومن أمثلة ذلك ما أخرجه أحمد في مسنده والبخاري من حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: «رأيت امرأة سوداء ثائرة الرأس خرجت من المدينة حتى قامت بمهيعة (١) فأولت أن وباء المدينة نقل إلى مهيعة، وهي الجحفة» (٢).\nقال المهلب: «هذه الرؤيا من قسم الرؤيا المعبرة وهي مما ضرب به المثل، ووجه التمثيل أنه شق من اسم السوداء السوء والداء، فتأول خروجها بما جمع اسمها، وتأول من ثوران شعر رأسها أن الذي يسوء ويثير الشر يخرج من المدينة» (٣).\n(هـ) تأويل بدلالة المعاني:\nوهذا الأغلب في تأويل الرؤيا، كما يقول السعدي ﵀ في تفسير سورة يوسف: وإن أغلب ما تبنى عليه، أي الرؤيا، المناسبة والمشابهة في الاسم والصفة. فإن رؤيا يوسف، التي رأى فيها الشمس والقمر وأحد عشر كوكبًا له ساجدين، وجه المناسبة فيها أن هذه الأنوار هي زينة السماء وجمالها وبها منافعها.\nفكذلك الأنبياء والعلماء، زينة الأرض وجمالها، وبهم يهتدى في الظلمات، كما يهتدى بهذه الأنوار.\n_________\n(١) قال الحافظ في الفتح (١٢/ ٤٢٥) «مهيعة بفتح الميم وسكون الهاء بعدها ياء آخر الحروف مفتوحة ثم عين مهملة، وقيل بوزن عظيمة».\n(٢) المسند (٢/ ١٠٧، ١١٧) وصحيح البخاري كتاب التعبير ٤١ - باب إذا رأى أنه أخرج الشيء من كوة وأسكنه موضعًا آخر ٤٢ - باب المرأة السوداء، ٤٣ - باب الثائرة الرأس، الأحاديث (٧٠٣٨ - ٧٠٤) (٤/ ٣٠٨).\n(٣) فتح الباري (١٢/ ٤٢٦).","vol":"1","page":400},{"text":"ولأن الأصل أبوه وأمه وإخوته هم الفرع، فمن المناسب أن يكون الأصل أعظم نورًا وجرمًا لما هو فرع عنه فلذلك كانت الشمس أمه، والقمر أباه، والكواكب إخوته.\nومن المناسبة أن الشمس لفظ مؤنث، فلذلك كانت أمه، والقمر والكواكب مذكرات فكانت لأبيه وإخوته.\nومن المناسبة أن الساجد معظم محترم للمسجود له، والمسجود معظم محترم فلذلك دل ذلك على أن يوسف يكون معظمًا ومحترمًا، عند أبويه وإخوته ومن لازم ذلك، أن يكون مجتبى مفضلًا في العلم والفضائل الموجبة لذلك. ولذلك قال أبوه: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ [يوسف: ٦].\nومن المناسبة في رؤيا الفتيين، أن الرؤيا الأولى، التي رأى صاحبها أنه يعصر خمرًا، أن الذي يعصر خمرًا في العادة، يكون خادمًا لغيره، والعصر يقصد لغيره، فكذلك أوله بما يئول إليه، أنه يسقي ربه، وذلك متضمن لخروجه من السجن.\nوأول رؤيا الآخر: أي أنه يحمل فوق رأسه خبزًا، تأكل الطير منه، بأن جلدة رأسه ولحمه وما في ذلك من المخ، أنه هو الذي يحمل، وأنه سيبرز للطير بمحل تتمكن من الأكل من رأسه، فرأى من حاله أنه سيقتل ويصلب بعد موته فيبرز للطيور فتأكل من رأسه، وذلك لا يكون إلا بالصلب بعد القتل.\nوأول رؤيا الملك للبقرات والسنبلات بالسنين المخصبة والسنين المجدبة، ووجه المناسبة أن الملك به ترتبط أحوال الرعية ومصالحها، وبصلاحه تصلح، وبفساده تفسد.","vol":"1","page":401},{"text":"وكذلك السنون، بها صلاح أحوال الرعية، واستقامة أمر المعاش أو عدمه.\nوأما البقر، فإنها تحرث الأرض عليها، ويستقى عليها الماء، وإذا أخصبت السنة سمنت وإذا أجدبت صارت عجافًا.\nوكذلك السنابل في الخصب، تكثر وتخضر، وفي الجدب تقل وتيبس، وهي أفضل أغلال الأرض (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-98>المسألة الرابعة: من كليات التعبير</span>\nما ذكرته سابقًا من أقسام تأويل الرؤيا إنما هو مبني على القياس والمشابهة في الاسم والصفة بين الرؤيا وتأويلها، وهذا الأمر وإن كان غالبًا فإنه لا يقطع به بالنسبة لغير الأنبياء؛ إلا أن يظهر في اليقظة صدقها.\nيقول علي القاري: \"والحاصل أن الرؤيا مختلفة باختلاف الرائي فإنه قد يكون سالكًا مسالك طريق الدنيا وقد يكون سائرًا في مسائر صراط العقبى\".\nفكل تأويل يليق به ويناسب بحاله ومقامه وهذا أمر غير منضبط ولذا لم يجعل السلف فيه تأليفًا مستقلًا جامعًا شاملًا كافلًا لأنواع الرؤيا وإنما تكلموا فيما وقع لهم من القضايا (٢).\nوعندما ذكر البغوي ﵀: تأويل أبي بكر ﵁ للرؤيا بين يدي رسول الله - ﷺ - قال: \"تأويل جملة هذه الرؤيا\nعلى ما عبره أبو بكر الصديق ﵁ وهذه الرؤيا تشتمل\nعلى أشياء، إذا انفرد كل واحد منها عن صاحبه انصرف تأويله\n_________\n(١) تفسير السعدي (٤/ ٣٤، ٦٦ - ٨٦).\n(٢) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (٤/ ٥٤٣).","vol":"1","page":402},{"text":"إلى وجه آخر، فإن تعبير الرؤيا يتغير بالزيادة والنقصان\" (١).\nوساق الأمثلة على ذلك.\nثم قال البغوي ﵀: \"وقد يتغير التأويل عن أصله باختلاف حال الرائي كالغل في النوم مكروه، وهو في حق الرجل الصالح قبض اليد عن الشر\" (٢).\nوقوله: (مكروه) لما ثبت عن الحسن ﵁ قال: وكان يكره الغل في النوم (٣).\nقال المهلب: \"الغل يعبر بالمكروه لأن الله أخبر في كتابه أنه من صفات أهل النار بقوله تعالى: ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ [غافر: ٧١] الآية\" (٤).\nقال الحافظ: \"وقد يكون الغل في بعض المرائي محمودًا كما وقع لأبي بكر الصديق، فأخرج أبو بكر بن أبي شيبة بسند صحيح عن مسروق قال: مر صهيب بأبي بكر فأعرض عنه فسأله فقال: رأيت يدك مغلولة على باب أبي الحشر رجل من الأنصار، فقال أبو بكر: جمع لي ديني إلى يوم المحشر\".\nولذا يقول البخاري: لا تكون الأغلال إلا في الأعناق.\nقال الحافظ: «\"كأنه يشير – يعني البخاري ﵀- إلى الرد على من قال: قد يكون الغل في غير العنق كاليد والرجل\" (٥).\n_________\n(١) شرح السنة (١٢/ ٢١٩).\n(٢) المرجع السابق (١٢/ ٢٢٤).\n(٣) صحيح البخاري كتاب التعبير باب القيد في المنام فتح الباري (١٢/ ٤٠٤).\n(٤) فتح الباري (١٢/ ٤٠٨).\n(٥) المرجع السابق (١٢/ ٤٠٩).","vol":"1","page":403},{"text":"وقد ذكر ابن القيم ﵀ جملة من كليات التعبير، منها: \"أن كل سقوط وخرور من علو إلى سفل فمذموم، وكل صعود وارتفاع فمحمود إذا لم يتجاوز العادة وكان ممن يليق به، وكل زيادة محمودة في الجسم والقامة واللسان واللحية واليد والرجل فزيادة خير، وكل زيادة متجاوزة للحد في ذلك فمذمومة وشر وفضيحة .. \" (١).\nوبعد ذكر هذه القواعد ليعلم أن ما ذكر في هذا المبحث من تأويل الرؤيا ليس هو من التوقيف الذي يقطع به في تأويل الرؤيا، وإنما ذلك من باب التقريب الذي قد يكون التأويل فيه صوابًا وقد يكون غير صواب (٢).\nولهذا كان ابن سيرين ﵀ يسأل عن مائة رؤيا فلا يجيب فيها بشيء إلا أنه يقول: \"اتق الله وأحسن في اليقظة فإنه لا يضرك ما رأيت في النوم\"، وكان يجيب في خلال ذلك ويقول: \"إنما أجيب بالظن، والظن يخطئ ويصيب\" (٣).\n_________\n(١) إعلام الموقعين (١/ ١٩٢، ١٩٣).\n(٢) انظر: كتاب الرؤيا للشيخ حمود التويجري ﵀ (١٦٨).\n(٣) التمهيد لابن عبد البر، نقلًا عن كتاب الرؤيا للشيخ حمود التويجري (١٦٩) وانظر: الجزء الأول من قول الحسن ﵀ في شرح السنة للبغوي (١٢/ ٢٠٨).","vol":"1","page":404},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-99>المبحث الثاني\nهل الرؤيا إذا عبرت وقعت</span>؟\nاختلف العلماء﵏- في الرؤيا هل لها حقيقة مستقرة بنفسها، أو هي تابعة للتعبير، كيفما عبرت؟\nقال ابن العربي ﵀: \"وهذا فصل تكلم الناس فيه، فما أنسوا به لتوحشه\" (١).\nوحاصل هذه الأقوال يرجع إلى ثلاثة أقوال على جهة التفصيل (٢).\nالقول الأول: أن الرؤيا إذا عبرت وقعت؛ بمعنى أنها تقع كما عبرها العابر وتلزم، واستدل أصحاب هذا القول بالأحاديث التالية.\n(١) ما أخرجه الحاكم في مستدركه، من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن الرؤيا تقع على ما تعبر، ومثل ذلك مثل رجل رفع رجله، فهو ينتظر متى يضعها، فإذا رأى أحدكم رؤيا فلا يحدث بها إلا ناصحا أو عالمًا» (٣).\nوأخرجه عبد الرزاق في مصنفه في مرسل أبي قلابة (٤).\n_________\n(١) عارضة الأحوذي (٩/ ١٣٣).\n(٢) انظر هذه الأقوال في فيض الباري شرح صحيح البخاري (٤/ ٤٩٠).\n(٣) المستدرك (٤/ ٣٩١) وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه\" ووافقه الذهبي، وصححه الألباني بشواهده، في سلسلة الأحاديث الصحيحة رقم (١٢١) (١/ ١٨٦).\n(٤) انظر: المصنف رقم (٢٠٣٥٤) (١١/ ٢١٣).","vol":"1","page":405},{"text":"(٢) وأخرج ابن أبي شيبة، وابن ماجة من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ - فذكر حديثًا فيه: «والرؤيا لأول عابر» (١).\n(٣) وأخرج الإمام أحمد في مسنده، والترمذي في جامعه، والحاكم في مستدركه من حديث أبي رزين العقلي أن النبي - ﷺ - قال: «الرؤيا المسلم جزء من أربعين جزءًا من النبوة، وهي على رجل طائر ما لم يحدث، فإذا حدث وقعت، ولا تحدثوا بها إلا عالمًا أو ناصحًا أو لبيبًا» (٢).\nوفي لفظ لأحمد وأبي داود وابن ماجة والترمذي وابن أبي شيبة «رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، والرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر (٣) عليه فإذا عبرت وقعت» قال وأحسبه قال: قال: «لا يقصها إلا على وادٍّ، أو ذي رأي» (٤).\n_________\n(١) مصنف ابن أبي شيبة (٦/ ١٧٩) وسنن ابن ماجة (٢/ ١٢٨٨) وهو حديث ضعيف لأن فيه يزيد بن أبان الرقاشي وهو ضعيف، لكن له شاهد من الحديث الذي بعده، كما قاله الحافظ في الفتح (١٢/ ٤٣٢).\n(٢) مسند الإمام أحمد (٤/ ١٠، ١٢، ١٣) وجامع الترمذي، كتاب الرؤيا، باب ما جاء في تعبير الرؤيا، رقم الحديث (٢٢٧٨) (٤/ ٥٣٦) والحاكم في مستدركه (٤/ ٣٩٠) وقال صحيح الإسناد ووافقه الذهبي، وحسنه الحافظ ابن حجر في فتح الباري (١٢/ ٤٣٢).\n(٣) (ما لم تُعبَّر) بالبناء على المجهول، وتشديد الباء في أكثر الروايات أي ما لم تفسر وفي لفظ لابن ماجة (٢/ ١٢٨٨) ما لم تُعبَر.\n(٤) مسند الإمام أحمد (٤/ ١٠) وسنن أبي داود كتاب الأدب، باب ما جاء في الرؤيا، الحديث رقم (٥٠٢٠) (٢/ ٧٢٣) وسنن ابن ماجة، في كتاب تعبير الرؤيا، باب الرؤيا إذا عبرت وقعت فلا يقصها إلا على واد، رقم (٣٩١٤) (٢/ ١٢٨٨) وجامع الترمذي (٢٢٧٣) وقال: حديث حسن صحيح.","vol":"1","page":406},{"text":"وفي لفظ لأحمد قال: «على رجل طائر ما لم يخبر بها، فإذا أخبر بها وقعت» (١).\n(٤) وأخرج سعيد بن منصور في سننه عن عطاء: كان يقال الرؤيا على ما أولت (٢).\n(٥) أخرج الدارمي في سننه، عن عائشة زوج النبي - ﷺ - قالت: كانت امرأة من أهل المدينة لها زوج تاجر يختلف، فكانت ترى رؤيا كلما غاب عنها زوجها، وقلما يغيب إلا تركها حاملا فتأتي رسول الله - ﷺ - فتقول: إن زوجها خرج تاجرًا فتركني حاملا، فرأيت فيما يرى النائم أن سارية بيتي انكسرت وأني ولدت غلامًا أعور، فقال رسول الله - ﷺ -: «خير، يرجع زوجك، إن شاء الله تعالى، صالحًا، وتلدين غلامًا برًا» فكانت تراها مرتين أو ثلاثًا كل ذلك تأتي رسول الله - ﷺ - فيقول ذلك لها، فيرجع زوجها\nوتلد غلامًا فجاءت يومًا كما كانت تأتيه ورسول الله - ﷺ - غائب، وقد رأت تلك الرؤيا، فقلت لها: عم تسألين رسول الله - ﷺ - يا أمة الله؟ فقالت:\nرؤيا كنت أراها فآتي رسول الله - ﷺ - فأسأله عنها، فيقول: خيرًا فيكون كما قال: فقلت: فأخبريني ما هي؟ قال: حتى يأتي رسول الله - ﷺ - فأعرضها عليه كما كنت أعرض، فوالله ما تركتها حتى أخبرتني، فقلت: والله لئن\nصدقت رؤياك ليموتن زوجك وتلدين غلامًا فاجرًا فقعدت تبكي، فقال لها: ما لها يا عائشة؟ فأخبره الخبر وما أولت لها، فقال رسول الله - ﷺ -: «مه يا\n_________\n(١) مسند الإمام أحمد (٤/ ١١).\n(٢) فتح الباري (١٢/ ٤٣٢) وصحح إسناده الحافظ ابن حجر.","vol":"1","page":407},{"text":"عائشة إذا عبرتم المسلم الرؤيا، فاعبروها على الخير، فإن الرؤيا تكون على ما يعبرها صاحبها، فمات والله زوجها، ولا أراها إلا ولدت غلامًا فاجرًا» (١).\nقالوا: هذه الأحاديث صريحة في أن الرؤيا تقع على مثل ما تفسر به، وعليه أن يقال أن الله إذا قدر أن تقع الرؤيا فإنه سبحانه يقدر للعابر أن يفسرها على وفق ما ستقع، ومن ثم أرشدنا النبي - ﷺ - ألا نقص الرؤيا إلا على عالم، أو ناصح.\nوقد أشار ابن كثير ﵀ إلى هذا القول، في تفسيره لقوله تعالى: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ [يوسف: ٤١] حيث قال: \"أعلمهما – يعني أن يوسف أعلم الفتيين- أن هذا قد فرغ منه، وهو واقع لا محالة؛ لأن الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر، فإذا عبرت وقعت\" (٢).\nقوله - ﷺ - في حديث أبي رزين: «الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر، فإذا عبرت وقعت» فمعناه كما قال الخطابي ﵀: \"هذا مثل معناه لا تستقر قرارها ما لم تعبر\" (٣).\nوقال ابن الأثير في النهاية: أي أنها على رجل قدر جار، وقضاء ماض من خير أو شر، وأن ذلك هو الذي قسمه الله لصاحبها، من قولهم: اقتسموا دارًا فطار سهم فلان في ناحيتها، أي وقع سهمه وخرج، وكل حركة من كلمة أو\n_________\n(١) سنن الدارمي كتاب الرؤيا رقم الحديث (٢١٦٣) (٢/ ١٧٤) وحسنه الحافظ في الفتح (١٢/ ٤٣٢).\n(٢) تفسير القرآن العظيم (٢/ ٤٧٩).\n(٣) معالم السنة (٤/ ١٤٠).","vol":"1","page":408},{"text":"شيء يجري لك فهو طائر، والمراد أن الرؤيا هي التي يعبرها المعبر الأول، فكأنها كانت على رجل طائر فسقطت ووقعت حيث عبرت، كما يسقط الذي يكون على رجل الطائر بأدنى حركة (١).\nوقوله - ﷺ -: «ما لم يحدث» أي ما لم يتكلم المؤمن أو الرائي لها.\nوقوله: «بها» أي بتلك الرؤيا أو تعبيرها.\nوقوله: «فإذا حدث بها وقعت» أي تلك الرؤيا على الرائي يعني يلحق الرائي أو المرئي له حكمها.\nوقوله - ﷺ - في الرواية الأخرى: «فإذا عبرت وقعت» فهذه الرواية تدل على أن المراد بقوله «ما لم يحدث» أي ما لم يتكلم بتعبيرها (٢).\nقال الطيبي: \"التركيب من باب التشبيه التمثيلي، شبه الرؤيا بالطائر السريع طيرانه، وقد علق على رجله شيء يسقط بأدنى حركة فينبغي أن يتوهم للمشبه حالات متعددة مناسبة لهذه الحالات، وهي أن الرؤيا مستقرة على ما يسوقه التقدير إليه من التعبير، فإذا كانت في حكم الواقع قدر من يتكلم بتأويلها على ما قدر فيقع سريعًا، وإن لم يكن في حكمه، لم يقدر لها من يعبرها\" (٣).\nالقول الثاني: قالوا إن للرؤيا حقيقة ثابتة مستقرة بنفسها وليست تابعة للتعبير.\nواستدلوا بقوله تعالى في قصة الملك: ﴿قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ﴾ [يوسف: ٤٤].\n_________\n(١) النهاية في غريب الحديث (٢/ ٢٠٤) وانظر: جامع الأصول (٢/ ٥٢٣).\n(٢) انظر: تحفة الأحوذي (٦/ ٥٥٩).\n(٣) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (٤/ ٥٤٩).","vol":"1","page":409},{"text":"قال القرطبي ﵀ في تفسيره: \"في الآية دليل على بطلان قول من يقول إن الرؤيا على أول ما تعبر؛ لأن القوم قالوا: أضغاث أحلام، ولم تقع كذلك، فإن يوسف فسرها على سني الجدب والخصب، فكان كما عبر، وفيها دليل على فساد أن الرؤيا على رجل طائر، فإذا عبرت وقعت\" (١).\nواستدلوا بقوله - ﷺ - لأبي بكر عندما فسر الرؤيا: «أصبت بعضًا، وأخطأت بعضًا» (٢).\nووجه الدلالة: أن الرؤيا حقيقة لم يدرك بعضها أبو بكر، وأخطأ فيها، ثم بتعبيره لها لم تتغير حقيقتها (٣).\n_________\n(١) الجامع لأحكام القرآن (٩/ ٢٠١).\n(٢) أخرج البخاري في صحيحه في كتاب التعبير ٤٧ - باب من لم ير الرؤيا لأول عابر إذا لم يصب، رقم الحديث (٧٠٤٦) (٤/ ٣٠٩) ومسلم في صحيحه في كتاب الرؤيا ٣ - باب في تأويل الرؤيا، رقم الحديث (٢٢٦٩) (٤/ ١٧٧٧) من حديث ابن عباس ﵁ أن رجلا أتى رسول الله - ﷺ - فقال: إني رأيت الليلة في المنام أن ظلة تنظف السمن والعسل، فأرى الناس يتكففون منها، فالمستكثر والمستقل، وإذا سبب واصل من الأرض إلى السماء، فأراك أخذت به فعلوت، ثم أخذ به رجل آخر فعلا به، ثم أخذ به رجل آخر فعلا، ثم أخذ به رجل آخر فانقطع ثم وصل له فعلا فقال أبو بكر: يا رسول الله، بأبي أنت، والله لتدعني أعبرها فقال له - ﷺ -: «اعبرها».\nقال: أما الظلة، فالإسلام وأما الذي ينظف من العسل والسمن فالقرآن حلاوته تنظف، فالمستكثر من القرآن والمستقل، وأما السبب الواصل من السماء إلى الأرض فالحق الذي أنت عليه تأخذ به، فيعليك الله، ثم يأخذ به رجل آخر فيعلو به، ثم يأخذ به رجل آخر فيعلو به، ثم يأخذ به رجل فينقطع به، ثم يوصل له فيعلو به، فأخبرني يا رسول الله بأبي أنت وأمي أصبت أم أخطأت؟ قال النبي - ﷺ -: «أصبت بعضًا وأخطأت بعضًا» قال: فوالله يا رسول الله لتحدثني بالذي اخطأت قال: «لا تقسم».\n(٣) انظر: فتح الباري (٤/ ٤٩٤).","vol":"1","page":410},{"text":"قال الحافظ ابن حجر: \"وفي الحديث أن الرؤيا ليست لأول عابر كما تقدم تقريره، لكن قال إبراهيم بن عبد الله الكرماني: المعبر لا يغير الرؤيا عن وجهها عبارة عابر ولا غيره، وكيف يستطيع مخلوق أن يغير ما كانت نسخته من أم الكتاب؟ غير أنه يستحب لمن يتدرب في علم التأويل ألاَّ يتعرض لما سبق إليه ممن لا يشك في أمانته ودينه\".\nقال الحافظ تعليقًا على قول الكرماني: \"وهذا مبني على تسليم أن المرائي تنسخ من أم الكتاب على وفق ما يعبرها العارف، وما المانع أنها تنسخ على وفق ما يعبرها أول عابر\" (١).\nوأجابوا عن حديث «إذا عبرت وقعت» بأن وقوعها بعد التعبير عبارة عن زوال التردد للرائي، فإنه لا تزال نفسه تتردد في تعبيره، فإذا عبر وقع تعبيره عنده، وليس فيه أن الواقع أيضًا يتبع تعبيره، وإنما المضرة في تعبير الرؤيا المشوهة هو التحزين لا غير (٢).\nالقول الثالث: قال جمهور العلماء في هذه المسألة تفصيل:\nفجمعوا بين أدلة أصحاب القولين السابقين، وقالوا بينها عموم وخصوص فقوله - ﷺ -: «الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر، فإذا عبرت وقعت» فهذا الوقوع مخصوص بما إذا أصاب حقيقة الرؤيا، ودل على هذا الخصوص قوله - ﷺ - لأبي بكر: «أصبت بعضًا وأخطأت بعضًا».\nولهذا المعنى أشار البخاري ﵀ حيث قال في كتاب التعبير باب: من لم ير الرؤيا لأول عابر، إذا لم يصب (٣)، ثم ساق حديث ابن عباس السابق في قصة تعبير أبي بكر للرؤيا، بين يدي الرسول - ﷺ -.\n_________\n(١) فتح الباري (١٢/ ٤٣٧).\n(٢) انظر: فتح الباري (٤/ ٤٩٤) ولسان العرب (٤/ ٥٣٠).\n(٣) صحيح البخاري (٤/ ٣٠٩).","vol":"1","page":411},{"text":"قال الكرماني: \"قوله –يعني البخاري- العابر الأول، قيل ذلك إذا كان مصيبًا في وجه العبارة، أما إذا لم يصب فلا، إذ ليس المدار إلا على إصابة الصواب، فمعنى الترجمة، باب من لم يعتقد أن تفسير الرؤيا هو للعابر الأول إذا كان مخطئًا ولهذا قال النبي - ﷺ - للصديق «أخطأت بعضًا» \" (١).\nوقال الحافظ ابن حجر: \"أشار البخاري إلى تخصيص ذلك بما إذا كان المعبر مصيبًا في تعبيره، وأخذه من قوله - ﷺ - لأبي بكر في حديث الباب «أصب بعضًا وأخطأت بعضًا» فإنه يؤخذ منه أن الذي أخطأ فيه لو بينه له لكان الذي بينه له هو التعبير الصحيح، ولا عبرة بالتعبير الأول\" (٢).\nوقال ابن الأثير ﵀: \"وهي لأول عابر يحسن عبارتها\" (٣).\nوقال الطيبي في قوله - ﷺ -: «فإن الرؤيا على رجل طائر» معناه أنها إذا كانت محتملة وجهين ففسرت بأحدهما وقعت على وفق تلك الصفة (٤).\nوقال أبو عبيد (٥): \"معنى قوله: «الرؤيا لأول عابر» إذا كان العابر الأول عالمًا فعبر فأصاب وجه التعبير وإلا فهي لمن أصاب بعده، إذ ليس المدار إلا\n_________\n(١) شرح صحيح البخاري للكرماني (٢٤/ ١٣٦).\n(٢) فتح الباري (١٢/ ٤٣٢).\n(٣) جامع الأصول (٢/ ٥٢٣).\n(٤) المرجع السابق (٢/ ٥٢٢).\n(٥) أبو عبيد القاسم بن سلام بن عبد الله الهروي (١٥٧ - ٢٢٤هـ) كان أبوه سلامًا مملوكًا روميًا لرجل هروي، وأبو عبيد من شيوخ الإمام أحمد، وأحد أئمة الاجتهاد، ومن أحسن تصانيفه كتاب غريب الحديث، قال الإمام عبد الله بن الإمام أحمد: \"عرضت كتاب غريب الحديث لأبي عبيد علي أبي، فاستحسنه، وقال: جزاه الله خيرًا\".\nانظر: ترجمته في سير أعلام النبلاء (١٠/ ٤٩٠ - ٥٠٩) والبداية والنهاية (١٠/ ٣٠٤) والعقد الثمين (٧/ ٢٣ - ٢٥) وتاريخ بغداد (١٢/ ٤٠٧).","vol":"1","page":412},{"text":"على إصابة الصواب في تعبير المنام، ليتوصل بذلك إلى مراد الله فيما ضربه من المثل، فإذا أصاب فلا ينبغي أن يسأل غيره، وإذا لم يصب فليسأل الثاني، وعليه أن يخبره بما عنده، ويبين ما جهل الأول\" (١).\nويقول الطحاوي (٢)، ﵀ في كتابه مشكل الآثار.\nباب بيان مشكل ما روى عن رسول الله - ﷺ - من قوله الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر فإذا عبرت وقعت، ثم ساق الحديث ثم قال: فسأل سائل: عن معنى قوله: «الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر» ما هو؟\nفكان جوابنا له في ذلك: أنه قد يحتمل أن يكون الرؤيا قبل أن تعبر معلقة في الهواء غير ساقطة وغير عاملة شيئًا حتى تعبر، فإذا عبرت عملت وحينئذ ذكرها بأنها على رجل طائر أي أنها غير مستقرة.\nفقال هذا القائل: فقد عبر أبو بكر حديث الظلة، فقال له النبي - ﷺ -: «أصبت بعضًا وأخطأت بعضًا» فكان معقولا أن ما كان من ذلك خطأ غير عامل فيما عبر من تلك الرؤيا ما عبره منها عليه.\nوالجواب في ذلك أن العبارة إنما يكون عملها في الرؤيا إذا عبرت بها إنما يكون تعمل إذا كانت العبارة صوابًا، أو كانت الرؤيا تحمل وجهين اثنين، واحد منهما أولى بها من الآخر، فتكون معلقة على العبارة التي\n_________\n(١) فتح الباري (١٢/ ٤٣٢).\n(٢) هو أبو جعفر، أحمد بن محمد سلامة بن سلمة بن عبد الملك الأزدي الطحاوي نسبة إلى طحا قرية من قرى الصعيد بمصر (٢٣٩ - ٣٢١ هـ) عاصر الأئمة من الحفاظ من أصحاب الكتب الستة.\nانظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (١٥/ ٢٧ - ٣٣) والبداية والنهاية (١١/ ١٨٦).","vol":"1","page":413},{"text":"يرد إلى أحدهما حتى يعبر عليه ويرد إليه فيسقط بذلك، وتكون تلك العبارة هي عبارتها، وينتفي عنها الوجه الذي قد كان محتملا لها، والله نسأل التوفيق (١).\nويقول ابن قتيبة (٢) في تأويل مختلف الحديث:\nقالوا: رويتم أن النبي - ﷺ - قال: «الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر، فإذا عبرت وقعت».\nقالوا: كيف تكون الرؤيا على رجل طائر؟ وكيف تتأخر عما تبشر به أو تنذر معه بتأخر العبارة لها؟ وتقع إذا عبرت؟ وهذا يدل على أنها إن لم تعبر، لم تقع.\nقال أبو محمد: ونحن نقول إن هذا الكلام خرج مخرج كلام العرب، وهم يقولون للشيء إذا لم يستقر: هو على رجل طائر، وبين مخاليب طائر، وعلى قرن ظبي يريدون أنه لا يطمئن ولا يقف.\nقال رجل في الحجاج بن يوسف:\n_________\n(١) مشكل الآثار (١١/ ٢٩٥).\n(٢) هو أبو محمد، عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري النحوي اللغوي (٢١٣ - ٢٧٦ هـ) تولى قضاء الدينور مدة فنسب إليها، حدث عن إسحاق بن راهوية، وأبي حاتم السختياني وطائفة.\nمن مؤلفاته: الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية والمشبهة، وكتاب تأويل مختلف الحديث.\nانظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (١٣/ ٢٩٦ - ٣٠٢) والبداية والنهاية (١١/ ٤٨ - ٥٧) ووفيات الأعيان (٣/ ٣٢، ٤٣).","vol":"1","page":414},{"text":"كأن فؤادي بين أظفار طائر ... من الخوف في جو السماء محلق\nحذار امرئ قد كنت أعلم أنه ... متى ما يُعِدُّ من نفسه الشر يصدق\n\nوكذلك الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر، يراد أنها تحول في الهواء حتى تعبر، فإذا عبرت وقعت، ولم يرد أن كل من عبرها من الناس وقعت كما عبر، وإنما أراد بذلك العالم بها المصيب الموفق، وكيف يكون الجاهل المخطئ في عبارتها لها عابرًا وهو لم يصب ولم يقارب؟ وإنما يكون عابرًا لها، إذا أصاب.\nيقول ﷿: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣] يريد إن كنتم تعلمون عبارتها ولا أراد أن كل رؤيا تعبر وتؤول؛ لأن أكثرها أضغاث أحلام.\nفمنها ما يكون عن حديث النفس، ومنها ما يكون من الشيطان، وإنما تكون صحيحة التي يأتي بها الملك، ملك الرؤيا عن نسخة أم الكتاب في الحين بعد الحين، وهذه الرؤيا الصحيحة هي التي تحول حتى يعبرها العالم بالقياس الحافظ للأصول الموفق للصواب فإذا عبرها وقعت كما عبر (١).\nوممن رجح هذا القول الشيخ الألباني ﵀ حيث قال في قوله - ﷺ -: «على رجل طائر» أي أنها لا تستقر ما لم تعبر، كما قال الطحاوي والخطابي وغيرهما، والحديث صريح بأن الرؤيا تقع على مثل ما تعبر، ولذلك أرشدنا رسول الله - ﷺ - إلى ألا نقصها إلا على ناصح أو عالم؛ لأن المفروض فيهما أن يختار أحسن المعاني في تأويلها فتقع على وفق ذلك، لكن مما لا ريب فيه أن\n_________\n(١) تأويل مختلف الحديث ص (٤١٥، ٤١٦).","vol":"1","page":415},{"text":"ذلك مقيد بما إذا كان التعبير مما تحتمله الرؤيا ولو على وجه، وليس خطأ محضًا، وإلا فلا تأثير له حينئذ، والله أعلم (١).\n_________\n(١) سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها (١/ ١٨٨).\nويظهر –والله أعلم- أن القول في هذه المسألة شبيه بما يقال في الفأل الحسن وتفصيل ذلك يطول فليراجع ذلك بالتفصيل في: صحيح البخاري، كتاب الطب، باب الفأل، مع شرحه فتح الباري (١٠/ ٢١٤، ٢١٥) وصحيح مسلم كتاب السلام، باب الطيرة والفأل، وما يكون فيهما من الشؤم، مع شرحه النووي (١٤/ ٢١٨) ومفتاح دار السعادة لابن القيم (٢/ ٢٤٤ - ٢٧٣) وكتاب تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد ص (٤٣٤ - ٤٣٧) وفتح المجيد ص (٤٣٤ - ٤٣٧).","vol":"1","page":416},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-100>المبحث الثالث\nأمثلة من تأويل الرؤى في السنة</span>\nجاء عن النبي - ﷺ - أحاديث كثيرة في تأويل الرؤيا، ومن تلك الأحاديث:\nالحديث الأول: تأويله - ﷺ - اللبن بالعلم:\nأخرج الإمام أحمد والبخاري ومسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «بينما أنا نائم أتيت بقدح لبن فشربت منه حتى أني لأرى الري يخرج في أظافري (١)، ثم أعطيت فضلي عمر ابن الخطاب» قالوا: فما أولت ذلك يا رسول الله؟ قال: «العلم» (٢).\nومن فقه الإمام البخاري ﵀ أنه ترجم لهذا الحديث في كتاب التعبير بأربعة أبواب.\n_________\n(١) هذه اللفظة في إحدى الروايات عند البخاري (٤/ ٣٠١) وفي رواية له (٤/ ٣٠١) ولأحمد (٢/ ١٣٠) من «أطرافي» وفي رواية للبخاري (١/ ٤٦) (٧/ ٤١) ومسلم (٤/ ١٨٦٠) «أظفاري».\n(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٢/ ١٣٠) والبخاري في صحيحه في ستة مواضع، في كتاب العلم ٢٢ - باب فضل العلم (٨٢) (١/ ٤٦) وكتاب فضائل الصحابة ٦ - باب مناقب عمر بن الخطاب رقم (٣٦٨١) (٣/ ١٥) وكتاب التعبير في أربعة أبواب ١٥ - باب اللبن رقم (٧٠٠٦) (٤/ ٣٠١) ١٦ - باب إذا جرى اللبن في أطرافه وأظفاره رقم (٧٠٠٧) (٤/ ٣٠١) ٢٤ - باب إذا أعطى فضله غيره في النوم رقم (٧٠٢٧) (٤/ ٣٠٥) ٣٧ - باب القدح في النوم رقم (٧٠٣٢) (٤/ ٣٠٧).\nومسلم في صحيحه في كتاب فضائل الصحابة ٢٢ - باب من فضائل عمر بن الخطاب ﵁ رقم (٢٣٩١) (٤/ ١٨٥٩).","vol":"1","page":417},{"text":"الأول: باب اللبن، قال الحافظ: أي إذا رؤي في المنام، بماذا يعبر؟\nالثاني: باب إذا جرى اللبن في أطرافه أو أظافره، وذكر الأطراف؛ لأنه جاء في لفظ الحديث «من أطرافي» وفي لفظ آخر «من أظافري».\nالثالث: باب إذا أعطى فضله غيره في النوم.\nالرابع: باب القدح في النوم.\nواستدل به كذلك في كتاب العلم، على فضل العلم (١) أي ما فضل منه.\nقال الحافظ ابن حجر ﵀: \"وتفسير اللبن بالعلم لاشتراكهما في كثرة النفع بهما\" (٢).\nوكونهما سببًا للصلاح، فاللبن للغذاء البدني، والعلم للغذاء المعنوي.\nويقول ابن العربي ﵀: \"والعارضة فيه أن اللبن رزق ينشئه الله طيبًا بين أخابث (٣) كالعلم نور يظهره الله في ظلمة فضرب به المثل في المنام\" (٤).\n_________\n(١) قال الحافظ ابن حجر ﵀ في فتح الباري (١/ ١٨٠) فضل هنا بمعنى الزيادة أي ما فضل منه، والفضل الذي تقدم في أول كتاب العلم بمعنى الفضيلة، فلا يظن أن كرره.\n(٢) فتح الباري (١/ ١٨٠) (٧/ ٤٦) وقال: المراد بالعلم هنا العلم بسياسة الناس بكتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - واختص عمر بذلك لطول مدته بالنسبة إلى أبي بكر.\nوقال ابن أبي جمرة، وأما إعطاؤه فضله عمر ففيه إشارة إلى ما حصل لعمر من العلم بالله، حيث كان لا تأخذه في الله لومة لائم الفتح (١٢/ ٣٩٤).\n(٣) يشير إلى قوله تعالى: ﴿نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ ولهذا يقول الإمام البخاري ﵀ في صحيحه: باب شرب اللبن وقوله ﷿، ثم ذكر الآية صحيح البخاري مع شرحه الفتح (١٠/ ٦٩).\n(٤) عارضة الأحوذي (٩/ ١٣٥).","vol":"1","page":418},{"text":"ويقول ابن أبي جمرة ﵀: تأويل النبي - ﷺ - اللبن بالعلم اعتبارًا بما بين له أول الأمر حين أتى بقدح خمر وقدح لبن، فأخذ اللبن، فقال له جبريل: (أخذت الفطرة) الحديث (١).\nولهذا قال المهلب: \"اللبن يدل على الفطرة والسنة والقرآن والعلم\" (٢).\nقال الحافظ: \"وقد جاء في بعض الأحاديث المرفوعة تأويله بالفطرة كما أخرجه البزار من حديث أبي هريرة رفعه، اللبن في المنام فطرة\" (٣).\nوعند الطبراني من حديث أبي بكرة رفعه «من رأى أنه شرب لبنًا فهو الفطرة» (٤) ومضى في حديث أبي هريرة في أول الأشربة أنه - ﷺ - لما أخذ قدح اللبن قال له جبريل «الحمد لله الذي هداك للفطرة» (٥).\nويقول ابن القيم ﵀: \"ومن هذا تأول اللبن بالفطرة، لما في كل منهما من التغذية الموجبة للحياة وكمال النشأة، وأن الطفل إذا خلي وفطرته لم يعدل عن اللبن، فهو مفطور على إيثاره على ما سواه وكذلك فطرة الإسلام التي فطر الله عليها الناس\" (٦).\n_________\n(١) فتح الباري (١٢/ ٣٩٤) والحديث أخرجه البخاري في صحيحه كما سيأتي، إن شاء الله.\n(٢) المرجع السابق (١٢/ ٣٩٣).\n(٣) انظر: كشف الأستاذ (٣/ ١٣/ ٢١٢٧) ومجمع الزائد (٧/ ١٨٣) وجاء الحديث موقوفًا على أبي هريرة في مصنف ابن أبي شيبة (١١/ ٧٧/١٠٥٦١) والدارمي في سننه (٢/ ١٢٨) وحسنه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (٢٢٠٧) (٥/ ٢٤١) وصحيح الجامع (٥/ ١١٣) (٥٣٦٤).\n(٤) أورده في مجمع الزوائد (١١/ ١٨٦) وقال: رواه الطبراني وفيه الحكم بن ظهير، وهو متروك.\n(٥) صحيح البخاري كتاب الأشربة ١٢ - باب شرب اللبن (٥٦٠٣) (٤/ ١٥).\n(٦) إعلام الموقعين (١/ ١٩١).","vol":"1","page":419},{"text":"الحديث الثاني: تأويله - ﷺ - القميص بالدين:\nفأخرج أحمد والبخاري في صحيحه ومسلم من حديث أبي سعيد الخدري أنه قال سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «بينما أنا نائم رأيت الناس عرضوا علي وعليهم قمص فمنها ما يبلغ الثُدِيُّ (١) ومنها ما يبلغ دون ذلك، وعرض علي عمر بن الخطاب وعليه قميص يجره، قالوا: فما أولته يا رسول الله؟ قال: الدين» (٢).\nوقد ترجم البخاري ﵀ لهذا الحديث في صحيحه في كتاب التعبير ببابين:\nالأول: باب القميص في المنام.\nالثاني: باب جر القميص في المنام.\nواستدل به في كتاب الإيمان على تفاضل أهل الإيمان في الأعمال (٣).\n_________\n(١) الثدي بضم الثاء وكسر الدال وتشديد الياء، جمع (ثدي) وهو للمرأة والرجل، انظر: الصحاح للجوهري (٦/ ٢٢٩١).\n(٢) مسند الإمام أحمد (٣/ ٨٦) وصحيح البخاري كتاب الإيمان ١٥ - باب تفاضل أهل الإيمان (٢٣) (١/ ٢٤) وكتاب فضائل الصحابة ٦ - باب مناقب عمر بن الخطاب ﵁ (٣٦٩١) (٣/ ١٧) وكتاب التعبير ١٧ - باب القميص في المنام (٧٠٠٨) وباب جر القميص في المنام (٧٠٠٩) (٤/ ٣٠١) ومسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة ٢٢ - باب من فضائل عمر ﵁ (٢٣٩٠) (٤/ ١٨٥٩).\n(٣) قال الحافظ ابن حجر ﵀ في فتح الباري (١/ ٧٤) ومطابقته الترجمة ظاهرة من جهة تأويل القمص بالدين، وقد ذكر أنهم يتفاضلون في لبسها، فدل على أنهم يتفاضلون في الإيمان.\nوقال في شرحه للحديث (٧/ ٥١) (١٢/ ٣٩٦) \"وقد استشكل هذا الحديث بأنه يلزم منه أن عمر أفضل من أبي بكر الصديق، والجواب عنه تخصيص أبي بكر من عموم قوله: «عرض على الناس» فلعل الذين عرضوا إذ ذاك لم يكن فيهم أبو بكر، وأن كون عمر عليه قميص يجره لا يلزم أن لا يكون على أبي بكر قميص أطول منه وأسبغ، فلعله كان كذلك، إلا أن المراد كان حينئذ بيان فضيلة عمر فاقتصر عليها، والله أعلم\".","vol":"1","page":420},{"text":"ووجه تعبير القميص بالدين أن القميص يستر العورة في الدنيا، والدين يسترها في الآخرة ويحجبها عن كل مكروه، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾. [الأعراف: ٢٦]\nوالعرب تُكني هنا الفضل والعفاف بالقميص (١).\nويقول ابن القيم ﵀: \"ألا ترى أن الثياب في التأويل كالقمص تدل على الدين، فما كان فيها من طول أو قصر أو نظافة أو دنس فهو في الدين، كما أول النبي - ﷺ - القميص بالدين والعلم، والقدر المشترك بينهما أن كلًاّ منهما يستر صاحبه ويجمله بين الناس\" (٢).\nوقال ابن العربي ﵀ في تأويله - ﷺ - القميص بالدين: \"وذلك لأن الدين يستر عورات الجهل، كما يستر الثوب عورات البدن، فالذي كان يبلغ للثدي هو الذي يستر قلبه عن الكفر، والذي كان يبلغ أسفل من ذلك هو الذي يستر فرجه، وما دون ذلك هو الذي يستر رجليه عن المشي فيما لا ينبغي، والذي يستره ويجره هو الذي احتجب بالتقوى من الوجوه كلها، ومن هو إلا عمر\" (٣).\nقال الحافظ ابن حجر: \"وهذا الحديث من أمثلة ما يحمد في المنام ويذم في اليقظة شرعًا؛ أعني جر القميص، لما ثبت من الوعيد في تطويله\" (٤) (٥).\n_________\n(١) انظر: فتح الباري (١٢/ ٣٩٦).\n(٢) إعلام الموقعين (١/ ١٩٠).\n(٣) عارضة الأحوذي (٩/ ١٣٦).\n(٤) لما أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب اللباس ٥ - باب من جر ثوبه من الخيلاء رقم (٥٧٨٨) (٤/ ٥٤) من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: «لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر إزاره بطرًا».\n(٥) فتح الباري (١٢/ ٣٩٦).","vol":"1","page":421},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-101>الفصل الثالث\nآداب الرؤى</span>\nوفيه تمهيد وأربعة مباحث:\nالمبحث الأول: إذا رأى ما يحب.\nالمبحث الثاني: إذا رأى ما يكره.\nالمبحث الثالث: شروط المعبر للرؤيا.\nالمبحث الرابع: آداب المعبر.","vol":"1","page":423},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-102>تمهيد</span>\nجاءت الأحاديث الكثيرة عن النبي - ﷺ - في بيان الآداب التي ينبغي أن يتأدب بها المسلم إذا رأى رؤيا أو قصت عليه رؤيا.\nوقد يتهاون بعض الناس بشأن هذه الآداب سواء كانت الرؤيا صالحة أو غير صالحة، وقد يجهل بعض الناس الآداب التي تتعلق بالرؤيا وتأويلها، وما ينبغي ذكره منها وما لا ينبغي ذكره.\nوقد يسارع بعضهم إلى السؤال عما يرونه من الرؤيا المكروهة، وذلك لعدم علمهم بأنه لا يجوز ذكرها ولا السؤال عنها، وربما حملهم حب الاطلاع على ذكرها لبضع المتخرصين الذين لا علم لهم بآداب الرؤيا وتأويلها فيعبرونها لهم على الوجه المكروه فيحصل لهم الغم والحزن من تعبيرهم.\nولذا رأيت أن أختم هذا البحث ببيان الآداب التي يلتزم بها المسلم إذا رأى ما يحب وإذا رأى ما يكره، والشروط التي يجب توافرها فيمن يعبر الرؤيا، والآداب التي ينبغي أن يتحلى بها المعبر للرؤيا.","vol":"1","page":425},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-103>المبحث الأول\nإذا رأى ما يحب</span>\nإذا رأى المسلم الرؤيا يحبها وتسره وتعجبه، فإن النبي - ﷺ - أرشد إلى الآداب التي ينبغي أن يفعلها الرائي، وذلك كما دلت عليها الأحاديث التالية:\n(١) ما أخرجه الإمام البخاري من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أنه سمع النبي - ﷺ - يقول: «إذا رأى أحدكم رؤيا يحبها فإنما هي من الله، فليحمد الله عليها، وليحدث بها، وإذا رأى غير ذلك مما يكره فإنما هي من الشيطان فليستعذ من شرها، ولا يذكرها لأحد، فإنها لا تضره» (١).\n(٢) أخرج البخاري ومسلم من حديث أبي قتادة ﵁ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «الرؤيا الحسنة من الله، فإذا رأى أحدكم ما يحب فلا يحدث به إلا من يحب، وإذا رأى ما يكره فليتعوذ بالله من شر الشيطان، وليتفل ثلاثًا، ولا يحدث بها أحدًا، فإنها لن تضره» (٢).\nوفي رواية لمسلم «فإن رأى رؤيا حسنة فليبشر، ولا يخبر إلا من يحب».\n(٣) أخرج الإمام في مسنده من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: «الرؤيا ثلاثة: فبشرى من الله، وحديث النفس، وتخوف من\n_________\n(١) مسند الإمام أحمد (٣/ ٨) وصحيح البخاري كتاب التعبير ٣ - باب الرؤيا من الله رقم الحديث (٦٩٨٥) (٣/ ٢٩٦) ٤٦ - باب إذا رأى ما يكره فلا يخبر بها ولا يذكرها رقم الحديث (٧٠٤٥) (٤/ ٣٠٩).\n(٢) صحيح البخاري كتاب التعبير ٤٦ - باب إذا رأى ما يكره رقم الحديث (٧٠٤٤) (٤/ ٣٠٩) وصحيح مسلم كتاب الرؤيا رقم الحديث (٢٢٦١) (٤/ ١٧٧٢).","vol":"1","page":426},{"text":"الشيطان، فإذا رأى أحدكم رؤيا تعجبه فليقصها إن شاء، وإذا رأى شيئًا يكرهه، فلا يقصه على أحد وليقم فليصل» (١).\n(٤) أخرج الإمام أحمد والطبري من حديث عبد الله بن عمرو عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قال الرؤيا الصالحة يبشرها المؤمن هي جزء من تسعة وأربعين جزءًا من النبوة، فمن رأى ذلك فليخبر بها، ومن رأى سوى ذلك فإنما هي من الشيطان ليحزنه، فلينفث عن يساره ثلاثًا وليسكت ولا يخبر بها أحدًا (٢).\n(٥) أخرج الإمام أحمد في مسنده من حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي - ﷺ - قال: «الرؤيا الصالحة جزء من سبعين جزءًا من النبوة، فمن رأى خيرًا فليحمد الله عليه، وليذكره، ومن رأى غير ذلك فليستعذ بالله من شر رؤياه، ولا يذكرها، فإنها لا تضره» (٣).\n(٦) أخرج الإمام ابن عبد البر في التمهيد من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا رأى أحدكم الرؤى تعجبه فليذكرها، وليفسرها وإذا رأى أحدكم الرؤيا تسوؤه، فلا يذكرها، ولا يفسرها» (٤).\n_________\n(١) مسند الإمام أحمد (٢/ ٣٩٥) وصحح إسناده أحمد شاكر في تحقيقه للمسند (١٧/ ١٤٧) رقم (٩١١٨) والألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (٣/ ٣٢٩) رقم (١٣٤١) وقد سبق تخريج بعض طرق هذا الحديث.\n(٢) إسناده صحيح وقد سبق تخريجه.\n(٣) مسند الإمام أحمد (٢/ ١٣٧) وصحح إسناده أحمد شاكر في تحقيقه للمسند (٩/ ٨٦) رقم (٦٢١٥) وقد مضى بعض طرق هذا الحديث.\n(٤) التمهيد (١/ ٢٨٧ - ٢٨٨) وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (٣/ ٣٢٨) رقم (١٣٤٠) وصحيح الجامع (١/ ٢٠٩) رقم (٥٦٢).","vol":"1","page":427},{"text":"فدلت هذه الأحاديث على الآداب التي يلتزم بها المسلم إذا رأى ما يحب، وهذه الآداب كما يلي:\nالأول: أن يحمد الله عليها.\nالثاني: أن يستبشر بها.\nالثالث: أن يتحدث بها ويخبر بها من يحب دون من يكره.\nوإليك تفصيل هذه الآداب.\nالأول: أن يحمد الله عليها:\nلما جاء في حديث أبي سعيد «فليحمد الله» والحمد هو الثناء على الله، سبحانه بالقلب واللسان (١).\nالثاني: أن يستبشر بها:\nلقوله - ﷺ - في حديث أبي قتادة «فإن رأى رؤيا حسنة فليُبْشِر».\nقال النووي ﵀ قوله - ﷺ -: «فليبشر» هكذا هو في معظم الأصول فليبشر بضم الياء وبعدها باء ساكنة من الإبشار والبشرى، وفي بعضها بفتح الياء، وبالنون من النشر وهو الإشاعة، قال القاضي عياض في المشارق والشرح وهو تصحيف (٢)، وفي بعضها «فليستر» بسين مهملة من الستر والله أعلم (٣).\nوقال الحافظ ابن حجر: \"وقوله: «فليبشر» بفتح التحتانية وسكون الموحدة وضم المعجمة من البشرى وقيل بنون بدل الموحدة أي يحدث بها، وزعم عياض أنها تصحيف، ووقع في بعض النسخ عن مسلم «فليستر» بمهملة ومثناة من الستر\" (٤).\n_________\n(١) انظر: ما يتعلق بتفسير الحمد والشكر في تفسير الطبري (١/ ٤٦) وتفسير ابن كثير (١/ ٢٢).\n(٢) انظر: مشارق الأنوار على صحاح الآثار (١/ ١٠٢).\n(٣) شرح صحيح مسلم للنووي (١٥/ ١٩).\n(٤) فتح الباري (١٢/ ٣٦٩) وانظر: لسان العرب (٤/ ٦٠).","vol":"1","page":428},{"text":"ولهذا سمى النبي - ﷺ - الرؤيا الصالحة من المبشرات، وقد سبق تفصيل كون الرؤيا الصالحة من المبشرات، وذكر الآيات والأحاديث والآثار الواردة في ذلك.\nولهذا قال الإمام أحمد ﵀: \"الرؤيا تسر المؤمن ولا تغره\" (١).\nالثالث: أن يحدث بها ويخبر بها من يحب دون من يكره.\nوالتحدث بالرؤيا والإخبار بها جاء مطلقًا ومقيدًا، ففي حديث أبي سعيد الخدري مطلقًا دون تقييد «وليحدث بها»، وكذا في حديث أبي هريرة عند أحمد «فليقصها إن شاء» وعند ابن عبد البر «فليذكرها، وليفسرها» وفي حديث عبد الله بن عمرو «فليخبرها بها» وفي حديث ابن عمر «وليذكره».\nبينما جاء هذا الإخبار والتحديث مقيدًا بمن يحب كما في حديث أبي قتادة «فلا يحدث بها إلا من يحب» وفي رواية «ولا يخبر إلا من يحب».\nوعلى هذا التحديث بالرؤيا الصالحة مستحب، وقد يقال مباح لأنه في بعض الروايات قال: «إن شاء» والأول أقرب، ولا شك أن تقييدها بالأحباب أولى وهم أخص الناس بذكرها لهم.\nوقد جاء في حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: «لا تقصوا الرؤيا إلا على عالم أو ناصح» (٢).\n_________\n(١) الآداب الشرعية لابن مفلح (٣/ ٤٦١).\n(٢) أخرجه الترمذي (٢/ ٤٥) والدارمي (٢/ ١٢٦) وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وقال الألباني: إسناده على شرط الشيخين، انظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة (١/ ١٨٦) رقم (١١٩).","vol":"1","page":429},{"text":"وجاء سبب هذا النهي في حديث أنس أن النبي - ﷺ - قال: «إن الرؤيا تقع على ما تعبر، ومثل ذلك مثل رَجل رفع رِجله فهو ينتظر متى يضعها، فإذا رأى أحدكم رؤيا فلا يحدث بها إلا ناصحًا أو عالمًا» (١).\nوفي حديث أبي رزين قال: «ولا يقصها إلا على وادٍّ أو ذي رأي».\nوفي رواية قال: «ولا تحدثوا بها إلا عالمًا أو ناصحًا أو لبيبًا» (٢).\nقال القاضي أبو بكر بن العربي ﵀: \"فإن كانت بشرى أو شككت فلا تحدث بها إلا عالمًا أو ناصحًا.\nالعالم يعبرها له على الخير إذا أمكنه.\nوالناصح يرشده إلى ما ينفعه، ويعينه عليه.\nأما الحبيب فإذا عرف قال: وإن جهل سكت.\nوأما اللبيب وهو العاقل العارف بتأويلها فإنه ينبئك بما تعول عليه فيها، وإن ساءته سكت عنك وتركها\" (٣).\nوقال النووي ﵀: \"قوله - ﷺ - في الرؤيا المحبوبة الحسنة «لا تخبر بها إلا من تحب» فسببه أنه إذا أخبر بها من لا يحب ربما حمله البغض والحسد على تفسيرها بمكروه، فقد يقع على تلك الصفة، وإلا فيحصل له في الحال حزن ونكد من سوء تفسيرها والله أعلم\" (٤).\nوكذا قال الحافظ ابن حجر ﵀ (٥).\n_________\n(١) سبق تخريجه.\n(٢) سبق تخريجه.\n(٣) عارضة الأحوذي (٩/ ١٢٩).\n(٤) شرح صحيح مسلم للنووي (١٥/ ١٨).\n(٥) انظر: فتح الباري (١٢/ ٤٣١).","vol":"1","page":430},{"text":"ولهذا نصح نبي الله يعقوب ﵇ ابنه يوسف ﵇ ألا يقص الرؤيا على إخوته قال تعالى: ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [يوسف: ٥].\nقال أبو عبد الله القرطبي ﵀: \"وهذه الآية أصل في ألا تقص الرؤيا على غير شفيق ولا ناصح، ولا على من لا يحسن التأويل فيها\" (١) ثم استشهد بحديث أبي رزين السابق.\nوقال أيضًا: \"إن يعقوب ﵇ كان أحسَّ من بنيه حسد يوسف وبغضه، فنهاه عن قص الرؤيا عليهم خوف أن تغل بذلك صدورهم، فيعملوا الحيلة في هلاكه\" (٢).\nوقال ابن كثير ﵀: \"خشي يعقوب ﵇ أن يحدث بهذا المنام أحدًا من إخوته فيحسدونه على ذلك، فيبغون له الغوائل حسدًا منهم له، ولهذا قال له: ﴿لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ أي يحتالون لك حيلة يردونك فيها\" (٣).\nثم استشهد بالأحاديث السابقة، ثم قال: \"ومن هذا يؤخذ الأمر بكتمان النعمة حتى توجد، وتظهر كما ورد في الحديث «استعينوا على قضاء الحوائج بكتمانها، فإن كل ذي نعمة محسود» \" (٤).\n_________\n(١) الجامع لأحكام القرآن (٩/ ١٢٦).\n(٢) المرجع السابق (٩/ ١٢٧).\n(٣) تفسير القرآن العظيم (٢/ ٤٦٩).\n(٤) الحديث أخرجه ابن حبان في روضة العقلاء، من حديث أبي هريرة ﵁ وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (٣/ ٤٣٦) رقم (١٤٥٣) وصحيح الجامع رقم (٩٥٦).","vol":"1","page":431},{"text":"وقال ابن رجب ﵀ في شرح حديث معاذ في رؤية النبي - ﷺ - لربه: \"وفي حديث معاذ (١) دليل على أنه من رأى رؤيا تسره فإنه يقصها على أصحابه وإخوانه المحبين له، ولا سيما إن تضمنت رؤياه بشارة لهم، وتعظيمًا لما ينفعهم وقد كان النبي - ﷺ - إذا صلى الصبح يقول لأصحابه «من رأى منكم الليلة رؤيا» \" (٢).\n_________\n(١) سبق تخريجه.\n(٢) اختيار الأولى ص (٣٩) والحديث سبق تخريجه.","vol":"1","page":432},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-104>المبحث الثاني\nإذا رأى ما يكره</span>\nجاءت الأحاديث السابقة ببيان أن هناك نوعًا من الرؤى يكرهها الرائي، وقد تبين لنا علامات هذا النوع، وأنه من تهويل الشيطان وتحزينه لابن آدم، لأن الشيطان يحب إحزان المؤمنين، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ﴾ [المجادلة: ١٠].\nفكل شيء ينكد على الإنسان في حياته، ويعكر صفوها عليه فإن الشيطان حريص عليه سواء ذلك في اليقظة أو في المنام، لأن الشيطان عدو كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: ٦].\nومن عداوته أن يصور للإنسان في منامه ما يفزعه في نفسه أو ماله أو في أهله أو في مجتمعه، وهذا يحصل لكثير من الناس ويكثر السؤال عنه، وهذا النوع من الرؤيا أرشدنا النبي - ﷺ - إلى التحرز منه، ومع ذلك تجد كثيرًا من الناس يجهل هذه الآداب التي أرشدنا إليها رسول الله - ﷺ -.\nوقد دلت الأحاديث التي ذكرتها في المباحث السابقة على بعض الآداب وكذلك ما أذكره من أحاديث أخرى في بيان الآداب التي يتأدب بها المسلم إذا رأى ما يكره وهي أحاديث كثيرة منها:\n(١) حديث أبي سعيد الخدري السابق وفيه: «وإذا رأى غير ذلك مما يكره فإنما هي من الشيطان فليستعذ من شرها ولا يذكرها لأحد، فإنها لا تضره».","vol":"1","page":433},{"text":"(٢) حديث أبي هريرة ﵁ السابق عند أحمد وفيه: «وإذا رأى شيئًا يكرهه فلا يقصه على أحد وليقم فليصلِّ».\n(٣) حديث عبد الله بن عمرو ﵄ السابق وفيه: «ومن رأى سوى ذلك، فإنما هي من الشيطان ليحزنه، فلينفث عن يساره ثلاثًا، وليسكت ولا يخبر بها أحدًا».\n(٤) حديث عبد الله بن عمر ﵄ السابق وفيه: «ومن رأى غير ذلك، فليستعذ بالله من شر رؤياه، ولا يذكرها، فإنها لا تضره».\n(٥) حديث أبي هريرة ﵁ السابق عن ابن عبد البر وفيه: «وإذا رأى أحدكم الرؤيا تسوؤه، فلا يذكرها ولا يفسرها».\n(٦) وحديث أبي هريرة ﵁ السابق وفيه: «فإذا رأى أحدكم ما يكره فلا يحدثه أحدًا وليقم فليصل» (١).\nوفي لفظ: «فمن رأى شيئًا يكرهه فلا يقصه على أحد وليقم فليصل» (٢).\n(٧) ما أخرجه الإمام أحمد ومسلم من حديث جابر بن عبد الله ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: «إذا رأى أحدكم الرؤيا يكرهها فليبصق عن يساره ثلاثًا، وليستعذ بالله من الشيطان ثلاثًا، وليتحول عن جنبه الذي كان عليه» (٣).\nوفي رواية أحمد «فليبزق» وقال يونس أحد رواة الحديث «فليبسق».\n_________\n(١) سبق تخريجه هذا الأحاديث.\n(٢) سبق تخريجه.\n(٣) مسند الإمام أحمد (٣/ ٣٥٠) وصحيح مسلم كتاب الرؤيا الحديث رقم (٢٢٦٢) (٤/ ١٧٧٢).","vol":"1","page":434},{"text":"(٨) ما أخرجه الإمام أحمد من حديث أم سلمة ﵂ قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا رأى أحدكم في منامه ما يكره فلينفث عن يساره ثلاثًا وليستعذ مما رأى» (١).\n(٩) ما أخرجه ابن ماجة من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: «إذا رأى أحدكم رؤيا يكرهها فليتحول، وليتفل عن يساره ثلاثًا، وليسأل الله من خيرها، وليتعوذ بالله من شرها» (٢).\n(١٠) أخرج الإمام مالك والبخاري ومسلم من حديث يحيى بن سعيد عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: سمعت قتادة بن ربعي يقول: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «الرؤيا الصالحة من الله، والحلم من الشيطان، فإذا رأى أحدكم الشيء يكرهه فلينفث عن يساره ثلاث مرات إذا استيقظ وليتعوذ بالله من شرها، فإنها لن تضره إن شاء الله» قال أبو سلمة: إن كنت لأرى الرؤيا هي أثقل علي من الجبل فلما سمعت هذا الحديث فما كنت أباليها (٣).\n_________\n(١) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١٧٨) رواه الإمام أحمد ورجاله ثقات.\n(٢) سنن ابن ماجة كتاب تعبير الرؤيا ٤ - باب من رأى رؤيا يكرهها، الحديث رقم (٣٩١٠) (٢/ ١٢٨٦) وإسناده ضعيف، لكن له شاهد من حديث جابر عند مسلم، وانظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة رقم (١٣١١)، (٣/ ٢٩٤).\n(٣) موطأ الإمام مالك، كتاب الرؤيا (٢/ ٩٥٧) وصحيح البخاري كتاب الطب ٣٩ - باب النفث في الرقية الحديث رقم (٥٧٤٧) (٤/ ٤٥) وكتاب التعبير ٣ - باب الرؤيا من الله الحديث رقم (٦٩٨٤) (٤/ ٢٩٦) وصحيح مسلم كتاب الرؤيا (٤/ ١٧٧١).","vol":"1","page":435},{"text":"ورواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة مختصرًا (١).\nوزاد مسلم في رواية له: «وليتحول عن جنبه الذي كان عليه» (٢).\nوفي رواية ابن ماجة قال: «الرؤيا من الله، والحلم من الشيطان، فإن رأى أحدكم شيئًا يكرهه، فليبصق عن يساره ثلاثًا، وليستعذ بالله من الشيطان الرجيم ثلاثًا، وليتحول عن جنبه الذي كان عليه».\nورواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم أيضًا من طريق الزهري عن أبي سلمة قال: كنت أرى الرؤيا أعرى منها (٣)، غير أني لا أزمل (٤) حتى لقيت أبا قتادة فذكرت ذلك له، فقال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «الرؤيا من الله\n_________\n(١) مسند الإمام أحمد (٥/ ٣١٠) وسنن أبي داود، كتاب الأدب، باب ما جاء في الرؤيا (٥٠٢١) (٢/ ٧٢٤) وجامع الترمذي، كتاب الرؤيا ٥ - باب إذا رأى في المنام ما يكره ما يضع الحديث رقم (٢٢٧٧) (٤/ ٥٣٥) وسنن ابن ماجة، كتاب التعبير الحديث رقم (٣٩٠٩) (٢/ ١٢٨٦).\n(٢) صحيح مسلم كتاب الرؤيا (٤/ ١٧٧٢).\n(٣) أعْرى: قال ابن الأثير في النهاية في غريب الحديث (٣/ ٢٢٦) \"أي يصيبني البرد والرعدة من الخوف، يقال عُرِي فهو معروّ، والعرواء: الرعدة\" وقال النووي في شرح صحيح مسلم (١٥/ ١٦) أعرى أي أُحمُّ لخوف من ظاهرها، قال أهل اللغة: عُري الرجل إذا أصابه عُراء، وهو نفض الحمَّى وقيل رعدة\" وقال الجوهري في الصحاح (٦/ ٢٤٢٤) \"والعراء: قرة الحمى ومسها في أول ما تأخذ بالرعدة\" ولهذا جاء في بعض ألفاظ هذا الحديث عند البخاري «كنت أرى الرؤيا تمرضني» وفي لفظ لعبد الرزاق «ألقى منها شدة» وفي رواية «غير ألا أعاد» وفي رواية لمسلم (١٥/ ١٦) «أُزمَّل: أُغطى وأُلف كالمحموم» وانظر غريب الحديث لأبي عبيد (٢/ ٧١) والنهاية في غريب الحديث لابن الأثير (٢/ ٣١٣) والصحاح للجوهري (٤/ ١٧١٨).\n(٤) أزَمَّلُ: قال النووي في شرح صحيح مسلم (١٥/ ١٦) أزمل: أغطى وألف كالمحموم. وانظر غريب الحديث لأبي عبيد (٢/ ٧١) والنهاية في غريب الحديث لابن الأثير (٢/ ٣١٣) والصحاح للجوهري (٤/ ١٧١٨).","vol":"1","page":436},{"text":"والحلم من الشيطان، فإذا حلم أحدكم حلمًا يكرهه فلينفث عن يساره ثلاثًا وليتعوذ بالله من شرها، فإنها لن تضره» (١).\nوفي رواية لأحمد قال: «فمن رأى رؤيا يكرهها فلا يخبر بها، وليتفل عن يساره ثلاثًا، وليستعذ بالله من شرها، فإنها لا تضره» قال سفيان مرة أخرى: «فإنه لن يرى شيئًا يكره» (٢).\nورواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم أيضًا من طريق عبد ربه بن سعيد عن أبي سلمة قال: إن كنت لأرى الرؤيا تمرضني، قال: فلقيت أبا قتادة، فقال: وأنا فكنت لأرى الرؤيا تمرضني حتى سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «الرؤيا الصالحة من الله، فإذا رأى أحدكم ما يحب فلا يحدث بها إلا من يحب، وإذا رأى ما يكرهه فليتفل عن يساره ثلاثًا، وليتعوذ بالله من شر الشيطان الرجيم وشرها، ولا يحدث بها أحدًا فإنها لا تضره» (٣).\nوفي رواية لمسلم قال: «الرؤيا الصالحة من الله، والرؤيا السوء من الشيطان، فمن رأى رؤيا فكره منها شيئًا فلينفث عن يساره وليتعوذ بالله من الشيطان، لا تضره، ولا يخبر بها أحدًا» (٤).\n_________\n(١) مسند الإمام أحمد (٥/ ٣٠٥) وصححه البخاري كتاب التعبير ١٤ - باب الحلم من الشيطان «الحديث رقم» الحديث رقم (٧٠٠٥) (٤/ ٣٠١) وصحيح مسلم كتاب الرؤيا الحديث رقم (٢٢٦١) (٤/ ١٧٧١).\n(٢) المسند (٥/ ٢٩٦).\n(٣) مسند الإمام أحمد (٥/ ٣٠٣) وصحيح البخاري كتاب التعبير ٤٦ - باب إذا رأى ما يكره فلا يخبر بها ولا يذكرها الحديث رقم (٢٢٦١) (٤/ ٣٠٩) وصحيح مسلم كتاب الرؤيا (٤/ ١٧٧٢).\n(٤) صحيح مسلم كتاب الرؤيا (٤/ ١٧٧٢).","vol":"1","page":437},{"text":"ورواه الإمام أحمد والبخاري أيضًا من طريق يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي قتادة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: «من رأى رؤيا تعجبه فليحدث بها، فإنها بشرى من الله ﷿، ومن رأى رؤيا يكرهها فلا يحدث بها، وليتفل عن يساره، وليتعوذ بالله من شرها» وهذا لفظ أحمد (١).\nولفظ البخاري قال: «الرؤيا الصالحة من الله، والحلم من الشيطان، فإذا حلم أحدكم فليتعوذ منه وليبصق عن شماله فإنها لا تضره» (٢).\nورواه البخاري أيضًا من طريق عبيد الله بن جعفر بن أبي سلمة عن أبي قتادة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: «الرؤيا الصالحة من الله، والحلم من الشيطان، فمن رأى شيئًا يكرهه فلينفث عن شماله ثلاثًا، وليتعوذ من الشيطان فإنها لا تضره» (٣).\nورواه الإمام أحمد والبخاري أيضًا من طريق يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: «إن الرؤيا الصالحة من الله، والحلم من الشيطان، فإذا حلم أحدكم حلمًا يخافه فليبصق عن شماله ثلاث مرات، وليتعوذ بالله من الشيطان فإنه لا يضره» وهذا لفظ أحمد (٤).\n_________\n(١) مسند الإمام أحمد (٥/ ٣٠٩).\n(٢) صحيح البخاري كتاب التعبير ٤ - باب الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة الحديث رقم (٦٩٨٦) (٤/ ٢٩٦).\n(٣) صحيح البخاري، كتاب التعبير ١٠ - باب من رأى النبي - ﷺ - في المنام الحديث رقم (٦٩٩) (٤/ ٢٩٩).\n(٤) مسند الإمام أحمد (٥/ ٣٠٠).","vol":"1","page":438},{"text":"وعند البخاري قال: «... فليبصق عن يساره وليتعوذ بالله من شرها فإنها لا تضره» (١).\nفهذه جملة الآداب التي ينبغي أن يتأدب بها المسلم إذا رأى ما يكره، وقوله - ﷺ -: «مما يكره» أي يهوله، ويفزعه على ما تقدم في تفسير الحلم وأنه من تخيل الشيطان وتحزينه.\nوحاصل هذه الآداب التي أمر بها النبي - ﷺ - هي ستة آداب كما يلي:\n(١) أن يستعيذ بالله من الشيطان ثلاثًا.\n(٢) أن يستعيذ بالله من شر ما رأى.\n(٣) أن يبصق عن يساره ثلاثًا.\n(٤) أن يقوم فيصلي.\n(٥) أن يتحول عن جنبه الذي كان عليه إلى الجنب الآخر.\n(٦) ألاَّ يحدث بها أحدًا.\nوإليك تفصيل هذه الآداب، وبيان الحكمة منها.\nأولا: أن يستعيذ بالله من الشيطان ثلاثًا:\nوذلك لأن الرؤى المكروهة من تخييل الشيطان وتحزينه وتهويله ليحزن بها الرائي، كما سبق في الأحاديث «والحلم من الشيطان» وفي بعضها «ورؤيا تحزين من الشيطان» وفي بعضها «تخويف من الشيطان»، وفي بعضها «أهاويل من الشيطان»\n_________\n(١) صحيح البخاري كتاب بدء الخلق ١١ - باب صفة إبليس وجنوده الحديث رقم (٣٢٩٢) (٢/ ٤٤١).","vol":"1","page":439},{"text":"وأما معنى الاستعاذة من الشيطان، وصيغ الاستعاذة فهذا مبسوط في مواضعه (١).\nثانيًا: أن يستعيذ بالله من شر ما رأى:\nفالاستعاذة بالله مشروعة عند كل أمر يكره، وقد جاء في هذه الأحاديث الأمر لمن رأى رؤيا يكرهها أن يستعيذ بالله من شرها، كما استعاذ بالله من شر الشيطان.\nأما صفة التعوذ بالله من شر ما رأى فقد جاء في غير هذه الأحاديث.\nفأخرج ابن أبي شيبة وعبد الرزاق عن إبراهيم النخعي قال: \"إذا رأى أحدكم رؤيا يكرهها فليقل أعوذ بما عاذت به ملائكة الله ورسله من شر رؤياي التي رأيت الليلة أن تضرني في ديني ودنياي يا رحمن\" (٢).\nوورد في الاستعاذة من التهويل في المنام ما أخرجه مالك في الموطأ، قال: بلغني أن خالد بن الوليد قال لرسول الله - ﷺ -: إني أروع في منامي، فقال له رسول الله - ﷺ -: «قل أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه، وعقابه، وشر عباده، ومن همزات الشيطان، وأن يحضرون» (٣).\n_________\n(١) انظر: جامع البيان في تفسير القرآن للطبري (٣١ - ٣٨) وتفسير القرآن العظيم لابن كثير (١/ ١٢ - ١٦) وتفسير المعوذتين لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، والتفسير القيم لابن القيم (٥٣٨ - ٦٢٤).\n(٢) الكتاب المصنف (٦/ ١٨٣) الأثر رقم (٣٠٥٢٨) والمصنف لعبد الرزاق (١١/ ٢١٤) وصحح أسانيدهما الحافظ في فتح الباري (١٢/ ٣٧١).\n(٣) الموطأ (٢/ ٩٥٠) قال ابن حجر ﵀ في فتح الباري (١٢/ ٣٧٢) وأخرجه النسائي من رواية عمر بن شعيب عن أبيه عن جده قال: (كان خالد بن الوليد يفزع في منامه) فذكر نحوه، وزاد في أوله «إذا اضطجعت فقل: بسم الله» فذكره.","vol":"1","page":440},{"text":"ورواه الإمام أحمد عن الوليد بن الوليد ﵁ أنه قال: يا رسول الله إني أجد وحشة، قال: «فإذا أخذت مضجعك فقل أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وعقابه وشر عباده، ومن همزات الشيطان، وأن يحضرون، فإنه لا يضرك وبالحري ألاَّ يقربك» (١).\nوأخرج الإمام أحمد وأبو داود والترمذي من حديث عمر بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁ قال: كان رسول الله - ﷺ - يعلمنا كلمات نقولهن عند النوم من الفزع: «بسم الله أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وعقابه وشر عباده ومن همزات الشيطان وأن يحضرون» (٢).\nولفظ الترمذي، أن رسول الله - ﷺ - قال: «إذا فزع أحدكم في النوم فليقل أعوذ بكلمات الله التامات من غضبه وعقابه وشر عباده، ومن همزات الشياطين وأن يحضرون، فإنها لن تضره».\nثالثًا: أن يبصق عن يساره ثلاثًا:\nفي الأحاديث السابقة، أمر - ﷺ - من أُري رؤيا يكرهها أن يبصق عن يساره ثلاثًا إذا استيقظ.\n_________\n(١) مسند الإمام أحمد (٤/ ٥٧) (٦/ ٦).\n(٢) مسند الإمام أحمد (٢/ ١٨١) وقال أحمد شاكر في تحقيق المسند (١٠/ ١٧٠) \"إسناده صحيح\" الحديث رقم (٦٦٩٦) وسنن أبي داود، كتاب الطب، باب كيف الرقي (٢/ ٤٠٥) رقم الحديث (٣٨٩٣) وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (٢/ ٧٣٧) وسنن الترمذي، كتاب الدعوات الحديث رقم (٣٥٢٨) (٥/ ٥٤١) وقال أبو عيسى \"حديث حسن غريب\" وحسنه الألباني كذلك في صحيح الترمذي (٣/ ١٧١) وأخرجه الحاكم في مستدركه وصححه.","vol":"1","page":441},{"text":"وقد جاء الأمر بالبصق في حديث جابر، أما في حديث أبي قتادة فجاء بلفظ «فلينفث» وفي بعض رواياته بلفظ «وليتفل ثلاثًا» (١).\nوفي حديث جابر عند الإمام أحمد بلفظ («فليبزق) ولفظ «فليبسق» (٢).\nفحاصل الألفاظ الواردة في هذه الأحاديث خمسة ألفاظ:\n١ - فلينفث. ... ٢ - فليبصق.\n٣ - فليبزق. ... ٤ - فليبسق.\n٥ - فليتفل.\nأما البصق والبزق والبسق فهي بمعنى واحد، كما جاء في القاموس المحيط: البصاق والبساق والبزاق: ماء الفم إذا أخرج منه، وما دام فيه: فريق (٣).\nفحصل بذلك ثلاثة ألفاظ وهي:\n١ - فلينفث ... ٢ - فليبصق ... ٣ - فليتفل.\nقال الجوهري في الصحاح: «التَفل: شبيه بالبزق، وهو أقل منه، أوله البزق، ثم التفل، ثم النفث، ثم النفخ» (٤).\nوقال النووي ﵀: \"وأكثر الروايات (فلينفث) وهو نفخ بلا ريق، فيكون التفل والبصق محمولين عليه\" (٥).\n_________\n(١) قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (١٢/ ٣٧٠) وهذه أتم الروايات عن أبي سلمة لفظًا.\n(٢) مسند الإمام أحمد (٣/ ٣٥٠).\n(٣) القاموس المحيط (١١٢١).\n(٤) الصحاح (٤/ ١٦٤٤) وانظر: غريب الحديث لأبي عبيد (١/ ٢٩٨) والنهاية في غريب الحديث لابن الأثير (٥/ ٨٨).\n(٥) شرح صحيح مسلم (١٥/ ١٨) وانظر: (١٤/ ١٨٢) في التفريق بين هذه الألفاظ.","vol":"1","page":442},{"text":"وقال ابن حجر ﵀: \"والذي يجمع الثلاثة الحمل على التفل فإنه نفخ معه ريق لطيف، فبالنظر إلى الريق قيل له بصاق، وبالنظر إلى النفخ قيل له نفث\" (١).\nوأمره - ﷺ - بذلك طردًا للشيطان، وتحقيرًا له، واستقذارًا، وخص باليسار لأنها محل الأقذار والمكروهات، واليمين ضدها والتثليث فيها للتأكيد (٢).\nقال الحافظ ابن حجر ﵀: \"واستدل به على أن للوهم تأثيرًا في النفوس لأن التفل، وما ذكر معه يدفع الوهم الذي يقع في النفس من الرؤيا، فلو لم يكن للوهم تأثير لما أرشد إلى ما يدفعه، وكذا في النهي عن التحديث بما يكره، والأمر بالتحديث بما يحب لمن يحب\" (٣).\nوقال الألوسي ﵀: \"ولا يبعد جعل الله تعالى ما ذكر سببًا للسلامة عن المكروه، كما جعل الله الصدقة سببًا لدفع البلاء، وإن لم نعرف وجه مدخلية البصق عن اليسار، والتحول عن الجنب الذي كان عليه مثلًا في السببية\" (٤).\nوالواجب على المسلم هو التسليم والامتثال لأمر الله ورسوله، ثم بعد ذلك لا مانع أن يسأل عن الحكمة والله أعلم.\nرابعًا: أن يقوم فيصلي:\nوالأمر بالصلاة لما فيها من التضرع، والمناجاة لله ﷿، وإغاضة الشيطان بعدم رجوعه إلى النوم ليعيد عليه التحزين.\nقال ابن العربي ﵀: \"لأن التحريم بها عصمة من الأسواء، ونهي عن المنكر والفحشاء\" (٥).\n_________\n(١) فتح الباري (١٢/ ٣٧١).\n(٢) انظر: المرجع السابق (١٢/ ٣٧١) وعارضة الأحوذي (٩/ ١٢٩).\n(٣) فتح الباري (١٢/ ٣٧٢).\n(٤) روح المعاني (١٢/ ١٨٢) المجلد (٤) وانظر: عارضة الأحوذي (٩/ ١٢٩).\n(٥) عارضة الأحوذي (٩/ ١٢٩).","vol":"1","page":443},{"text":"وقال ابن حجر ﵀: \"أما الصلاة فلما فيها من التوجه إلى الله واللجوء إليه، ولأن في التحريم بها عصمة من الأسواء، وبها تكمل الرغبة، وتصح الطلبة لقرب المصلي من ربه عند سجوده\" (١).\nخامسًا: أن يتحول عن جنبه الذي كان عليه إلى الجنب الآخر:\nأي يتحول عن الجنب الذي رأى فيه ما يكره إلى الجنب الثاني، والتحول للتفاؤل بتحول تلك الحال التي كان عليها، وسبق في الأدب الثالث أن الواجب على المسلم التسليم والامتثال لأمر الله ورسوله، وهذه الأمور جعلها الله أسبابًا للسلامة من الضرر.\nسادسًا: ألا يحدث بها أحدًا.\nفقد جاء في الأحاديث السابقة نهي من رأى رؤيا يكرهها أن يحدث بها أحدًا، بخلاف الرؤيا التي يحبها؛ فإنه يحدث بها من يحب، وذكرت بعض الحكم في ذلك.\nومن ذلك ما قاله النووي ﵀ في قوله - ﷺ -: «ولا يحدث بها أحدًا».\nسببه أنه ربما فسرها تفسيرًا مكروهًا على ظاهر صورتها، وكان ذلك محتملًا وجهين ففسرت بأحدهما وقعت على قرب تلك الصفة.\nقالوا: وقد يكون ظاهر الرؤيا مكروهًا ويفسر بمحبوب وعكسه، وهذا معروف لأهله (٢).\nوذكر القاضي عياض ﵀ فائدة أخرى في عدم الإخبار بها وهي:\n_________\n(١) فتح الباري (١٢/ ٣٧١).\n(٢) شرح صحيح مسلم (١٥/ ١٨).","vol":"1","page":444},{"text":"خوف الشغل بمكروه تفسيرها، والتعذيب به مدة لا يعلم قربها من بعدها، فإن الرؤى تخرج بعد سنين، فإذا لم يخبر بها كان ذلك دواء لمكروهها.\nوأيضًا إذا لم يخبر بها أحدًا بقي بين الرجاء والطمع في أنه لعل لها تفسيرًا حسنًا أو أنها من أضغاث الأحلام، وحديث النفس، فكان ذلك أسكن لنفسه، وأقل لتعذيب قلبه (١).\nوقد جاء النهي أيضًا عن إخبار الرجل بتلعب الشيطان به في النوم من حديثين:\nأحدهما: ما أخرجه الإمام أحمد ومسلم من حديث أبي الزبير عن جابر ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: «إذا حلم أحدكم فلا يخبر أحدًا بتلعب الشيطان به في المنام» (٢).\nوفي رواية لمسلم عن جابر عن رسول الله - ﷺ - أنه قال لأعرابي جاءه، فقال: إني حلمت أن رأسي قطع، فأنا أتبعه، فزجره النبي - ﷺ - وقال: «لا تخبر بتلعب الشيطان بك في المنام» (٣).\nورواه الإمام أحمد ومسلم أيضًا من حديث أبي سفيان عن جابر ﵁ قال أتى رسول الله - ﷺ - رجل فقال: يا رسول الله، رأيت البارحة فيما يرى النائم كأن عنقي خرجي فسقط رأسي فأتبعه فأخذته، فأعدته مكانه، فقال رسول الله - ﷺ -: «إذا لعب الشيطان بأحدكم فلا يحدثن به الناس» (٤).\n_________\n(١) انظر: إكمال المعلم بفوائد مسلم للأبي (٦/ ٧١).\n(٢) مسند الإمام أحمد (٣/ ٣٥٠) (٣/ ٣٨٣) وصحيح مسلم كتاب الرؤيا ١ - باب قول النبي - ﷺ - «من رآني في المنام فقد رآني» الحديث رقم (٢٢٦٨) (٤/ ١٧٧٦).\n(٣) صحيح مسلم كتاب الرؤيا (٤/ ١٧٧٦).\n(٤) مسند الإمام أحمد (٣/ ٣١٥) وصحيح مسلم كتاب الرؤيا (٤/ ١٧٧٧).","vol":"1","page":445},{"text":"الحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد، وابن أبي شيبة وابن ماجة من حديث أبي هريرة ﵁ قال: جاء رجل إلى رسول الله - ﷺ - فقال: إني رأيت رأسي ضرب فرأيته يتدهده، فتبسم رسول الله - ﷺ - ثم قال: «يطرق أحدكم الشيطان فيتهول ثم يغدو يخبر الناس» (١).\nفإذا عرفنا هذه الآداب التي أرشد إليها نبينا - ﷺ - يبقى أن نعرف بعض المسائل المتعلقة بهذه الآداب كما يلي:\nالمسألة الأولى: هل يكفي العمل ببعض هذه الآداب أو لا بد منها جميعًا؟\nقال النووي ﵀: \"وينبغي أن يجمع بين هذه الروايات، ويعمل بها كلها، وإن اقتصر على بعضها أجزأه في دفع ضررها بإذن الله تعالى كما صرحت به الأحاديث\" (٢).\nقال ابن حجر ﵀ معقبًا على هذا: \"لم أر في شيء من الأحاديث الاقتصار على واحدة، نعم أشار المهلب إلى أن الاستعاذة كافية في دفع شرها وكأنه أخذه من قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ *﴾ [النحل: ٩٨، ٩٩] فيحتاج مع الاستعاذة إلى صحة التوجه، ولا يكفي إمرار الاستعاذة باللسان\" (٣).\n_________\n(١) مسند الإمام أحمد (٢/ ٣٦٤) وكتاب المصنف لابن أبي شيبة (٦/ ١٧٥) الحديث رقم (٣٠٤٧٤) وسنن ابن ماجة، كتاب تعبير الرؤيا ٥ - باب من لعب الشيطان به في منامه فلا يحدث به الناس الحديث رقم (٣٩١٣) (٢/ ١٢٨٧).\n(٢) شرح صحيح مسلم للنووي (١٥/ ١٨).\n(٣) فتح الباري (١٢/ ٣٧١).","vol":"1","page":446},{"text":"وقال أبو عباس القرطبي ﵀: \"الصلاة تجمع ذلك كله؛ لأنه إذا قام فصلى تحول عن جنبه، وبصق، ونفث عند المضمضة في الوضوء، واستعاذ قبل القراءة ثم دعا الله في أقرب الأحوال إليه، فيكفيه الله شرها بمنة وكرمه\" (١).\nالمسألة الثانية: قوله - ﷺ -: «فإنها لا تضره»:\nهذا إخبار بأن من فعل ما أمر به إذا رأى الرؤيا المكروهة، واجتنب ما نهى عنه من التحديث بها فإنها لا تضره؛ لأن الله تعالى جعل هذه الأشياء سببًا لسلامته من كل مكروه يترتب على تلك الرؤيا، كما جعل الصدقة وقاية للمال، وسببًا لدفع البلاء، إذا فعل ذلك مصدقًا ومتكلا على الله سبحانه في دفع المكروه.\nولهذا قال أبو سلمة ﵀: \"إني كنت لأرى الرؤيا هي أثقل علي من الجبل، فلما سمعت هذا الحديث فما كنت أباليها\".\nوفي بعض الروايات قال أبو سلمة: \"إن كنت لأرى الرؤيا تمرضني. قال: فلقيت أبا قتادة فقال: وأنا كنت لأرى الرؤيا تمرضني حتى سمعت رسول الله - ﷺ - يقول ... الحديث\".\nوقوله: \"فما كنت أباليها\" أي فما التفت إليها، ولا ألقي لها بالًا (٢).\nوفي بعض الروايات، قال أبو سلمة: \"كنت أرى الرؤيا أعرى منها، غير أني لا أزمل حتى لقيت أبا قتادة، فذكرت له ذلك\".\nوذكر المازري في قوله - ﷺ -: «فإنها لن تضره» قولين:\nالأول: أن معنى تضره، أن الروع يذهب بهذا النفث المذكور في الحديث، إذا كان فاعله مصدقًا به متكلًا على الله جلت قدرته في دفع المكروه عنه.\n_________\n(١) المرجع السابق (١٢/ ٣٧١).\n(٢) انظر: إكمال إكمال المعلم (٦/ ٧٠).","vol":"1","page":447},{"text":"الثاني: يحتمل أن يريد أن هذا الفعل يمنع من نفوذ ما دل عليه المنام من المكروه، ويكون ذلك سببًا فيه، كما تكون الصدقة تدفع البلاء إلى غير ذلك من النظائر (١).\nوقد جاء في بعض الروايات الحديث «(فإنه لن يرى شيئًا يكرهه».\nوإذا كانت تلك الرؤيا المكروهة من الشيطان ليحزن المؤمن، فإن الله قد رد كيده في نحره، ولن يضر المؤمن بإذن الله، إذا تمسك بأمر الله، ولهذا قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المجادلة: ١٠].\nالمسألة الثالثة: قوله - ﷺ -: «إذا رأى ما يكره»:\nاستثنى بعض العلماء من عموم قوله - ﷺ -: «ما يكره» الرؤيا الصادقة، لكونها قد تقع إنذارًا كما تقع تبشيرًا، وفي الإنذار نوع ما يكرهه الرائي، فقالوا: لا يشرع إذا عرف أنها صادقة ما ذكر من الاستعاذة ونحوها، واستندوا في ذلك إلى ما ورد من مرائي النبي - ﷺ - كالبقر التي تنحر، ونحو ذلك (٢).\nولكن يرد على من قال هذا القول أن الحديث عام فيما يكره، ولهذا يرى بعض العلماء أن يلتزم بهذه الآداب في عموم الرؤيا التي يكرهها، ثم كون الرؤيا المكروهة صادقة هذا لا يقطع به إلا بعد الوقوع. وعلى هذا يبقى الحديث على عمومه.\n_________\n(١) انظر: المعلم (٣/ ١١٦).\n(٢) انظر: فتح الباري (١٢/ ٣٧٢).","vol":"1","page":448},{"text":"قال أبو عباس القرطبي ﵀: \"ظاهر الخبر أن هذا النوع من الرؤيا يعني ما كان من تهويل أو تخويف أو تحزين هو المأمور بالاستعاذة منه؛ لأنه من تخيلات الشيطان، فإذا استعاذ الرائي منه صادقًا في التجائه إلى الله، وفعل ما أمر به من التفل والتحول والصلاة، أذهب الله عنه ما به وما يخافه من مكروه ذلك، ولم يصبه منه شيء\".\nوقيل: بل الخبر على عمومه فيما يكرهه الرائي بتناول ما يتسبب به الشيطان، وما لا تسبب له فيه، وفعل الأمور المذكورة مانع من وقوع المكروه، كما جاء في أن الدعاء يدفع البلاء، والصدقة تدفع ميتة السوء، وكل ذلك بقضاء الله وقدره (١).\nوقال القاضي عياض ﵀: \"يحتمل قوله «الرؤيا الحسنة» والصالحة أن يرجع إلى حسن ظاهرها أو صدقها كما أن قوله: «الرؤيا المكروهة» أو «رؤيا السوء» يحتمل سوء الظاهر أو سوء التأويل، وأما كتمها مع أنها قد تكون صادقة فخفيت حكمته، ويحتمل أن يكون لمخافة تعجيل اشتغال سر الرائي بمكروه تفسيرها؛ لأنه قد تبطئ فإذا لم يخبر بها زال تعجيل روعها، وتخويفها ويبقى إذا لم يعبرها له أحد بين الطمع في أن لها تفسيرًا حسنًا أو الرجاء في أنها من الأضغاث فيكون ذلك أسكن لنفسه\" (٢).\nويرى بعض العلماء أن كون الرؤيا مما يكره الرائي دليل على عدم صدقها، واستدلوا بحديث أبي سعيد الخدري السابق وفيه قال - ﷺ -: «وإذا رأى غير ذلك مما يكره فإنما هي من الشيطان».\n_________\n(١) المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم (٢٢٠) المخطوط.\n(٢) فتح الباري (١٢/ ٣٧٢) وإكمال إكمال المعلم (٦/ ٦٩ - ٧٠).","vol":"1","page":449},{"text":"قال ابن حجر ﵀ في هذا الحديث: \"ظاهر الحصر أن الرؤيا الصالحة لا تشمل على شيء مما يكره الرائي، ويؤيده مقابلة رؤيا البشرى بالحلم، وإضافة الحلم إلى الشيطان، وعلى هذا ففي قول أهل التعبير، ومن تبعهم أن الرؤيا الصادقة قد تكون بشرى، وقد تكون إنذارًا نظر؛ لأن الإنذار غالبًا يكون فيما يكره الرائي\".\nثم أجاب على ذلك بقوله: \"ويمكن الجمع بأن الإنذار لا يستلزم وقوع المكروه كما تقدم تقريره، وبأن المراد بما يكره ما هو أعم من ظاهر الرؤيا، ومما تعبر به\" (١).\nوقد تقرر سابقًا أن كون الرؤيا الصادقة تأتي في صورة إنذار لا يلزم من ذلك ترك ما أمر ما أمر به من الاستعاذة ونحوها، فقد يكون ذلك سببًا لدفع المكروه الإنذار مع حصول مقصود الإنذار.\nوقال أيضًا: \"فالمنذورة قد ترجع إلى معنى المبشرة لأن من أنذر بما سيقع له، ولو كان لا يسُره أحسن حالا ممن هجم عليه ذلك، فإنه ينزعج ما لا ينزعج من كان يعلم بوقوعه فيكون ذلك تخفيفًا عنه، ورفقًا به» \" (٢).\nثم ليعلم أن هذه الآداب فيما يكره الرائي، أما ما لا يكره فإن هذا لا حكم له، فلا يضر ولا ينفع.\nكما قال أبو العباس القرطبي ﵀: \"وأما ما يرى أحيانًا مما يعجب الرائي، ولكنه لا يجده في اليقظة، ولا ما يدل عليه، فإنه يدخل في قسم\n_________\n(١) فتح الباري (١٢/ ٣٧٢).\n(٢) المرجع السابق (١٢/ ٣٧٢).","vol":"1","page":450},{"text":"آخر، وهو ما كان الخاطر به مشغولا قبل النوم، فيراه فهذا لا يضر ولا ينفع\" (١).\nوعلى ذلك لا بأس أن يحدث به، لأنه لا حكم له، ولهذا جاء تقسيم الرؤيا في حديث أبي قتادة إلى قسمين: من الله، ومن الشيطان، لأن هذه الأقسام لها أحكامها التي ذكرت سابقًا، أما القسم الثالث فلا حكم له.\n_________\n(١) المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم ص (٢٢٠) المخطوط.","vol":"1","page":451},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-105>المبحث الثالث\nشروط المعبر للرؤيا</span>\nتعبير الرؤيا من باب الفتيا، والاستفتاء يشمل السؤال عن الأحكام والرؤى جميعًا.\nوقد استعمل القرآن الاستفتاء بمعنى السؤال عن الرؤيا في قوله ﷿ حكاية عن يوسف ﵇: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ [يوسف: ٤١] وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣] وقوله: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا﴾ [يوسف: ٤٦].\nوإذا كان الأمر كذلك، فقد وضع العلماء شروطًا للمفتي ينبغي أن يتحلى بها المعبر للرؤيا (١) بل قد يكون الأمر أشد في باب الرؤيا كما قيل للإمام مالك ﵀، أيعبر الرؤيا كل أحد؟ فقال: أبالنبوة يُلعب؟! وقال مالك: \"لا يعبر الرؤيا إلا من يحسنها، فإن رأى خيرًا أخبر به، وإن رأى مكروهًا فليقل خيرًا أو ليصمت\".\nقيل: فهل يعبرها على الخير وهي عنده على المكروه؟ لقول من قال إنها على ما أولت عليه؟\n_________\n(١) انظر: الموافقات في أصول الشريعة للشاطبي (٤/ ٢٤٤ - ٢٦١) وإعلام الموقعين لابن القيم (٤/ ١٥٧ - ٤١٤) وكتاب صفة الفتوى والمفتي والمستفتي، تأليف أحمد بن حمدان الحراني الحنبلي، خرج أحاديث وعلق عليه محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، الطبعة الرابعة ١٤٠٤ هـ، وكتاب أدب الفتيا، لجلال الدين السيوطي، وكتاب الفتيا ومنهاج الإفتاء تأليف محمد سليمان الأشقر.","vol":"1","page":452},{"text":"فقال: لا، ثم قال: \"الرؤيا جزء من النبوة، فلا يتلاعب بالنبوة\" (١).\nوقال السعدي ﵀: \"تعبير الرؤيا داخل في الفتوى، واستشهد بالآيات السابقة، ثم قال: فلا يجوز الإقدام على تعبير الرؤيا من غير علم\" (٢).\nولهذا لا ينبغي ألا يعبر الرؤيا إلا من توفرت فيه الشروط التي بينها النبي - ﷺ - في الأحاديث التالية:\n(١) أخرج الحاكم في مستدركه من حديث أنس ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن الرؤيا تقع على ما تعبر، ومثل ذلك مثل رجل رفع رجله فهو ينتظر متى يضعها، فإذا رأى أحدكم رؤيا فلا يحدث بها إلا عالمًا، أو ناصحًا» (٣).\n(٢) أخرج الترمذي والدارمي من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: «لا تقصوا الرؤيا إلا على عالم، أو ناصح» (٤).\n(٣) أخرج الإمام أحمد وابن أبي شيبة والترمذي وابن ماجة من حديث أبي رزين العقيلي ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: «رؤيا المسلم جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، وهي على رجل طائر ما لم يحدث، فإذا حدث وقعت، ولا تحدثوا بها إلا عالمًا أو ناصحًا أو لبيبًا» (٥).\nوفي رواية قال، وأحسبه قال: «لا يقصها إلا على وادٍّ أو ذي رأي».\nوفي رواية قال: «لا يحدث بها إلا حبيبًا أو لبيبًا».\n_________\n(١) التمهيد لابن عبد البر (٢/ ٢٨٨).\n(٢) تيسير الكريم الرحمن (٤/ ٧٧).\n(٣) سبق تخريجه.\n(٤) سبق تخريجه.\n(٥) سبق تخريجه.","vol":"1","page":453},{"text":"فدلت هذه الأحاديث على أن الرؤيا الحسنة لا يحدث بها إلا العالم الناصح، الحبيب، اللبيب، الواد، ذو الرأي.\nوإليك تفصيل هذه الشروط.\nالأول: العالم، وهو المتفقه في الكتاب والسنة، مع مزيد فهم ومعرفة بالتعبير، وقد يكون الرجل عالمًا ولا يعبر الرؤيا.\nقال ابن العربي ﵀: أما العالم فإنه يؤولها له على الخير مهما أمكنه (١).\nوقال أيضًا في ذكر فضائل أبي بكر الصديق ﵁: أنه أول عالم بالرؤيا وتأويلها، ولا يكون ذلك إلا لمتبحر في العلوم كلها، فإن تفسير الرؤيا لا يستمد من بحر واحد، بل أصله الكتاب والسنة، وأمثال العرب، وأشعارها، والعرف والعادة (٢).\nالثاني: الناصح: لأنه يرشده إلى ما ينفعه ويعينه عليه، فلا يقع في قلبه إلا كل خير، ولا يعبر له إلا ما يسره.\nالثالث: اللبيب: وهو العاقل (٣) العارف بتأويلها، فإنه يخبر بتأويلها، وإن ساءته سكت وتركها.\nالرابع: الحبيب وقد سبق أن الرؤيا لا يخبر بها إلا من يحب، فالحبيب إن عرف قال، وإن جهل سكت.\n_________\n(١) عارضة الأحوذي (٩/ ١٢٩).\n(٢) عارضة الأحوذي (٩/ ١٥٢).\n(٣) انظر: الصحاح للجوهري (١/ ٢١٦) والنهاية في غريب الحديث (٤/ ٢٢٣) والقاموس المحيط ص (١٧١).","vol":"1","page":454},{"text":"أما غير الحبيب فربما حمله البغض والحسد على تفسيرها بمكروه فيحصل للرائي حزن ونكد، وسبق تفصيل ذلك.\nقال ابن حجر ﵀: \"والأولى الجمع بين الروايتين، فإن اللبيب عبر به عن العالم، والحبيب عبر به عن الناصح\" (١).\nولكن جاء التفريق بينهما في حديث أبي رزين عند الإمام أحمد والترمذي حيث قال - ﷺ -: «ولا تحدثوا بها إلا عالمًا، أو ناصحًا، أو لبيبًا» ففرق بين العالم واللبيب.\nالخامس: الواد، وهو الحبيب، فالود هو الحب (٢).\nقال أبو إسحاق الزجاج: \"الواد لا يحب أن يستقبلك في تفسيرها إلا بما تحب، وغن لم يكن عالمًا بالعبارة، لم يعجل لك بما يغمك\" (٣).\nالسادس: ذو الرأي: هو ذو العقل والتدبير، قال في المصباح المنير: \"ورجل ذو رأي، أي بصيرة وحذق في الأمور\" (٤).\nقال أبو إسحاق الزجاج: \"ذو الرأي، معناه ذو العلم بعبارتها، فهو يخبرك بحقيقة تفسيرها أو بأقرب ما يعلم منها، ولعله أن يكون في تفسيرها موعظة تردعك عن قبيح أنت عليه، أو يكون فيها بشرى، فتشكر الله عليها\" (٥).\nوهذه الأوصاف الستة الواردة في الأحاديث السابقة ترجع إلى ثلاثة أوصاف: العالم، الناصح، اللبيب.\n_________\n(١) فتح الباري (١٢/ ٣٦٩).\n(٢) انظر: القاموس المحيط ص (٤١٤).\n(٣) شرح السنة للبغوي (١٢/ ٢١٤).\n(٤) المصباح المنير ص (٢٤٧).\n(٥) شرح السنة للبغوي (١٢/ ٢١٤).","vol":"1","page":455},{"text":"لأن الواد هو الحبيب الناصح، واللبيب هو العاقل ذو الرأي، ولهذا جاءت هذه الأوصاف الثلاثة في حديث أبي رزين وهي قوله - ﷺ -: «لا تحدثوا بها إلا عالمًا أو ناصحًا أو لبيبًا».\nوقد قال بعض العلماء أن «أو» الواردة في الحديث للتنويع (١).\nوهذه الشروط المنصوص عليها في هذه الأحاديث شروط إجمالية، فيدخل فيها ما يذكره العلماء من الشروط التفصيلية (٢).\n_________\n(١) انظر: تحفة الأحوذي (٦/ ٥٥٩).\n(٢) انظر: شروط المعبر في كتاب الحكومة النبوية ص (٦٠).","vol":"1","page":456},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-106>المبحث الرابع\nآداب المعبر</span>\nلا شك أن نبينا محمد - ﷺ - أحسن الناس أخلاقًا وآدابًا، في كل شأن من شئون حياته، وقد جاء في الأحاديث التي ذكرتها في أثناء البحث جملة من الآداب التي كان - ﷺ - يقولها أو يفعلها إذا رأى رؤيا، أو قصت عليه رؤيا فعبرها فعلى المعبر للرؤيا أن يلتزم بما كان عليه النبي - ﷺ - من تلك الآداب، ومن ذلك:\n(١) قوله - ﷺ - لما قص عليه الصحابة رؤياهم للأذان قال: «إن هذه الرؤيا حق إن شاء الله» (١).\n(٢) قوله - ﷺ - لما قص عليه الصحابة أيضًا رؤياهم السابقة قال: «فلله الحمد» (٢).\n(٣) قوله - ﷺ - في حديث عائشة للمرأة التي رأت رؤيا ففسرها النبي - ﷺ - فقال: «خير يرجع زوجك وتلدين غلامًا برًا» وقال لعائشة عندما فسرت للمرأة رؤياها «يا عائشة إذا عبرتم للمسلم الرؤيا فاعبروها على خير، فإن الرؤيا تكون على ما يعبرها صاحبها» وقد جاء في الحديث قول عائشة أيضًا: «لئن صدقتك رؤياك» (٣).\n_________\n(١) الحديث سبق تخريجه، وهذه الزيادة في مسند الإمام أحمد (٤/ ٤٣) وسنن أبي داود (١/ ١٨٩).\n(٢) سنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب كيف الأذان (١/ ١٩٠).\n(٣) سبق تخريجه.","vol":"1","page":457},{"text":"(٤) قوله - ﷺ - في قصة رؤيا عبد الله بن سلام: «رأيت خيرًا» (١).\n(٥) كتب عمر ﵁ إلى أبي موسى الأشعري ﵁: \"أما بعد فإني آمركم بما أمركم به القرآن، وأنهاكم عما نهاكم عنه محمد - ﷺ -، وآمركم باتباع الفقه والسنة والتفهم في العربية، وإذا رأى أحدكم الرؤيا فقصها على أخيه، فليقل خير لنا، وشر لأعدائنا\" (٢).\n(٦) ما تقدم ذكره سابقًا من قول مالك ﵀ في المعبر للرؤيا: \"إذا رأى خيرًا أخبر به، وإذا رأى مكروهًا فليقل خيرًا أو ليصمت\".\nفقيل: فهل يعبرها على خير وهي عنده مكروه؟ فقال: لا (٣).\n(٧) قال ابن القيم ﵀ في آداب المعبر للرؤيا: \"وهو - يعني علم التعبير - يعتمد على طهارة صاحبه، ونزاهته، وأمانته، وتحريه للصدق، والطرائق الحميدة، والمناهج السديدة، وعلم راسخ، وصفاء باطن، وحس مؤيد بالنور الإلهي، ومعرفة بأحوال الخلق وهيئاتهم، وسيرهم\" (٤).\n_________\n(١) الحديث سبق تخريجه وهذه الرواية عند النسائي في السنن الكبرى، كتاب التعبير (٤/ ٣٨٥) وسنن ابن ماجة كتاب تعبير الرؤيا (٢/ ١٢٩٢).\n(٢) مصنف عبد الرزاق، كتاب الرؤيا (١١/ ٢١٣) وشرح السنة للبغوي، كتاب الرؤيا (١٢/ ٢٠٧).\n(٣) التمهيد لابن عبد البر (٢/ ٢٨٨).\n(٤) التبيان في أقسام القرآن (٢١١).","vol":"1","page":458},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-107>الخاتمة</span>","vol":"1","page":459},{"text":"الخاتمة\nوبعد هذا الاستعراض لجوانب متعددة في موضوع الرؤى من خلال كتاب الله وسنة رسول ص وفهم السلف الصالح، ومع استعراض موجز لآراء المخالفين ومناقشتهم تبين النتائج التالية:\n(١) أنه قد جاء في كتاب الله الحكيم آيات كثيرة تبين حقيقة الرؤى، وأنها بالنسبة للأنبياء وحي، بل إن الله جعل معجزة نبيه يوسف ﵇ تأويل الرؤيا.\n(٢) جاء عن النبي - ﷺ - أحاديث كثيرة في شأن الرؤى سواء في رؤيته - ﷺ - لربه ﷿ في المنام، أو بيان أن رؤيا الأنبياء وحي، وبيانه أن رؤيا المؤمن جزء من أجزاء النبوة، أو ذكره للآداب، وسؤال أصحابه عن الرؤيا كثيرًا وتفسيره لكثير من رؤى أصحابه، وكثرة الرؤى التي رآها ﵌.\n(٣) أن علماء الحديث اهتموا بتلك الأحاديث فصنفوا لها الكتب والأبواب، ووضعوا العناوين للأبواب التي تبين أحكام الرؤى وحقيقتها وعلاقتها بالنبوة.\n(٤) أن الرؤى لها أهمية في حياة الناس، لكثرة وقوعها وانشغال بعضهم بها بين غلو وتفريط وإفراط، وكيف أن بعض المغرضين يستغلون اهتمام الناس بالرؤى فينشرون باطلهم من هذا الطريق.\n(٥) أن الرؤى والأحلام في اللغة بمعنى واحد، وهو ما يراه الإنسان في منامه، أما في الشرع فإن الرؤيا تطلق غالبًا على الصادقة التي هي من الله، والأحلام على الكاذبة التي هي من الشيطان.","vol":"1","page":461},{"text":"(٦) أن الرؤى عند أهل السنة والجماعة عبارة عن أمثال مضروبة للرائي، خلافًا لمن شذ من المعتزلة أو الفلاسفة، فالمعتزلة تجعل الرؤيا كلها خيالات باطلة، وقالت الفلاسفة إنها بسبب الأخلاط، وكلا القولين خلاف لما دلت عليه النصوص.\n(٧) أن الرؤيا قد تطلق ويراد بها الرؤية وهي ما يراه الإنسان في اليقظة، وقد جاءت بعض الأدلة بهذا الإطلاق، لكن الغالب استعمال الرؤيا في المنام، والرؤية في اليقظة.\n(٨) أن روح النائم قد تفارق جسده في النوم من وجه دون وجه، والله أعلم بكيفية هذه المفارقة، وقد تعرج روح النائم إلى السماء، وليس عروجها كعروج البدن، بل بكيفية الله أعلم بها، كما بسط شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ هذه المسألة.\n(٩) أن هناك جمعًا كثيرًا من علماء أهل السنة قالوا بتلاقي أرواح الأحياء والأموات، وذكرت أدلتهم في ذلك.\n(١٠) أن النصوص الشرعية دلت على أن الرؤى تنقسم إلى ثلاثة أقسام:\n١) الرؤيا من الله، وهي الصادقة.\n٢) الأحلام من الشيطان، وهي من تحزينه وتخويفه وتهويله.\n٣) حديث النفس، وهي ما يحدث به المرء نفسه في اليقظة ويراه في المنام.\nوهذا التقسيم خلافًا لما تقوله الفلاسفة أو علماء النفس من إغفال بعض جوانب الرؤيا الصحيحة التي دلت عليها الأدلة الشرعية.\n(١١) أنه لا ينكر الرؤيا الصادقة إلا أهل الإلحاد وشرذمة من المعتزلة.\n(١٢) أن الرؤيا الصالحة وصفت بصفات عدة منها:\n(أ) كونها من الله.","vol":"1","page":462},{"text":"(ب) كونها مما يحب المرء وتعجبه.\n(ج) كونها من المبشرات.\n(د) كونها صادقة.\n(هـ) كونها صالحة ... .\n(و) كونها جزءا من أجزاء النبوة.\n(ز) كونها حسنة.\n(ح) كونها حقًا.\n(١٣) أن صلاح الرؤيا يرجع إلى صلاح ظاهرها، أو صلاح تعبيرها، وكذا الرؤيا المكروهة يرجع إلى ظاهرها، أو إلى تعبيرها.\n(١٤) أن مخالفة الرؤيا للشرع دليل على فسادها وبطلانها، وكونها من الشيطان.\n(١٥) أن القطع بكون الرؤيا صالحة لا سبيل إليه، وإنما ذلك على سبيل غلبة الظن.\n(١٦) أن هناك علامات تفيد غلبة الظن بكون الرؤيا صالحة ومن ذلك:\n(أ) التواطؤ عليها.\n(ب) كونها من المبشرات، ومن ذلك فسر قوله ﷿: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [يونس: ٦٤] فقد جاءت الأحاديث والآثار بأن البشرى في الحياة الدنيا هي الرؤيا الصالحة.\n(ج) كونها من أهل الصدق والصلاح.\n(١٧) أن رؤيا المؤمن عن اقتراب الزمان لا تكاد تكذب.","vol":"1","page":463},{"text":"(١٨) من أراد أن تصدق رؤياه فليتحر الصدق، وأن يكون لله وليًا تقيًا، متحرزًا من الشيطان.\n(١٩) أن الشخص قد يكون من أولياء الله، وإن لم يحصل على شيء من ذلك، وعدم ذلك لا يضره ولا ينقص في مرتبته عند الله.\n(٢٠) أن الشيطان حريص على تحزين وتخويف الإنسان حتى في المنام، ولذلك جاءت التوجيهات النبوية بالتحرز من الشيطان بكثرة ذكر الله وقراءة القرآن والمعوذات.\n(٢١) أن الناس في الرؤى ينقسمون إلى ثلاثة أقسام:\n(أ) من رؤياهم كلها صدق وحق وهم الأنبياء.\n(ب) من الغالب على رؤياهم الصدق وهم الصالحون.\n(ج) من الغالب على رؤياهم الأضغاث وهم عدا الأنبياء والصالحين.\n(٢٢) أن الرؤيا الصالحة لا يسوغ العمل بها، إلا إذا وافقت نصًا شرعيًا، وعند ذلك تكون العبرة بالنص لا بها، فإنما حاصلها الاستئناس والاستبشار كما وصفت بأنها مبشرات.\n(٢٣) أن رؤيا الأنبياء وحي، بل هي أول مبدأ الوحي للأنبياء، لعصمتهم من الشيطان، ولذلك ما جاء من الرؤى عن الأنبياء فيجب الإيمان بما دلت عليه والعمل بذلك أمرًا ونهيًا.\n(٢٤) أن الأحاديث جاءت متواترة في كون الرؤيا الصالحة جزءًا من أجزاء النبوة ومعنى كونها جزءًا من أجزاء النبوة تشبيه الرؤيا بالنبوة في صدقها، أو أنها علم من أعلام النبوة باق والنبوة غير باقية، كما يقال في الهدي الصالح والسمت الصالح والاقتصاد من أجزاء النبوة، وكما يقال في إماطة الأذى من شعب الإيمان.","vol":"1","page":464},{"text":"(٢٥) أن اختلاف الروايات في عدد أجزاء النبوة التي نسبت إليها الرؤيا الصالحة أمر لا نعلم الحكمة منه، وقد ذكر العلماء عدة توجيهات أحسنها قول الطبري- عالم الكتاب والسنة- أن ذلك يرجع إلى حال الرائي من الصدق والصلاح.\n(٢٦) أن الذي تنسب رؤياه إلى أجزاء النبوة هو المؤمن الصالح، أما الكافر والفاسق فلا تنسب رؤياهم إلى النبوة وإن صدقت.\n(٢٧) أن الرؤيا الصالحة تدخل في معنى الوحي العالم كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْيًا﴾ [الشورى: ٥١].\nفذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن هذا الوحي عام في اليقظة والمنام للأنبياء وغيرهم.\nوتسمية الرؤيا وحيًا وإلهامًا لا يعني أنها معصومة من الخطأ، أو أنها مصدر تلقي وليس لأحد أن يطلق القول بأن ما يقع له أنه وحي لا في اليقظة، ولا في المنام، لأن الوسواس غالب على الناس.\n(٢٨) أن هناك نظريات خاطئة قدمها علم النفس في تفسير الرؤى، وكلها تغفل جوانب من الرؤيا دلت الأدلة الشرعية على صحتها، كالرؤيا الصادقة، والرؤيا من الشيطان، وانحصرت دراساتهم في نوع واحد فقط، مع تخبط في هذا.\n٢٩ - أن الصوفية تغالي في الرؤى حتى تجعلها مصدرًا يقينيًا يبنون عليها كثيرًا من عقائدهم الباطلة، ويستندون إليها في ترويج ضلالاتهم، ومعرفة الحلال والحرام، وتفسير آيات القرآن، وتصحيح وتضعيف الأحاديث، ونسج الفضائل والمناقب لشيوخهم وغير ذلك.","vol":"1","page":465},{"text":"(٣٠) أن الرؤيا ليست مصدرًا للتلقي والتشريع لما يلي:\n(أ) أن الله ﷿ قد أكمل لهذه الأمة دينها، ولم يمت - ﷺ - إلا وقد بلغ دين الله.\n(ب) أن الاعتماد على الرؤى في التلقي يلزم منه أن الله لم يكمل الدين، وأن الرسول - ﷺ - لم يبلغه عن الله.\n(ج) أن الحق الذي لا يشوبه باطل، هو كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - أما المنامات وغيرها ففيها حق وباطل.\n(د) ليس هناك دليل من الشرع يدل على أن الاحتجاج بالرؤى جائز.\n(هـ) أن الرؤى منقسمة إلى رحماني ونفساني وشيطاني، والتمييز بينها مشكل.\n(و) يلزم من القول بحجية الرؤى تجديد الوحي بعد النبي - ﷺ - وهذا باطل.\n(ز) أن النائم ليس من أهل الضبط والتحمل للرواية.\n(٣١) أن رؤية النبي - ﷺ - لربه في المنام ثابتة.\n(٣٢) أن المؤمن قد يرى ربه في المنام بحسب إيمانه، وليس في ذلك نقص ولا عيب؛ لأن الله ليس كمثله شيء، كما بسط هذه المسألة شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.\n(٣٣) أن الأحاديث جاءت متواترة في جواز رؤية النبي - ﷺ - في المنام، وأن الشيطان لا يتمثل به.\n(٣٤) أن رؤية النبي - ﷺ - في المنام، تكون حقًا وصدقًا إذا كانت على صورته المعروفة، أما إذا رؤي على غير صورته، أو رؤي وهو يأمر بباطل فهذا دليل على بطلانه، لأن الشيطان قد يتمثل بغير صورة النبي - ﷺ - ويقول أنا النبي.","vol":"1","page":466},{"text":"(٣٥) أن قول النبي - ﷺ -: «من رآني في المنام فسيراني في اليقظة» أن المراد بذلك أهل عصره، أو يراه في القيامة رؤيا خاصة، أو المراد بها تشبيه من رآه في المنام فكأنه رآه في اليقظة.\n(٣٦) أن القول بإمكان رؤية النبي - ﷺ - بعد موته يقظة في الحياة الدنيا باطل شرعًا وعقلًا.\n(٣٧) أن رؤية الملائكة والأنبياء في المنام جائزة وممكنة.\n(٣٨) أن الكذب في الرؤيا كبيرة من كبائر الذنوب، لأنه كذب على الله أنه أراه ولم يره، وقد جاء الوعيد المغلظ في ذلك بأنه:\n١) أفرى الفرى.\n٢) أنه يكلف يوم القيامة أن يعقد بين شعيرتين.\n٣) أن من كذب على النبي - ﷺ - في المنام فليتبوأ مقعده من النار.\n٤) أنه من أعتى الناس عند الله.\n(٣٩) أن علم التعبير علم صحيح دلت النصوص الشرعية على صحته.\n(٤٠) أن تأويل الرؤيا مبني على القياس والمشابهة بين الرؤيا وتأويلها، كما بسط ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم والسعدي ﵏.\n(٤١) أن الرؤيا إذا عبرت وقعت، وذلك مشروط بما إذا أصاب المعبر وجه التعبير، وقد قيل في ذلك أنه من باب التفاؤل.\n(٤٢) قد جاءت الأحاديث الكثيرة عن النبي - ﷺ - في تأويل الرؤيا، وأنه كان كثيرًا ما يسأل أصحابه عن رؤياهم.\n(٤٣) جاءت الأحاديث الكثيرة في بيان الرؤيا وآداب من رأى رؤيا يحبها كما يلي:\n(أ) أن يحمد الله عليها.","vol":"1","page":467},{"text":"(ب) أن يستبشرها.\n(ج) ألا يخبر بها إلا من يحب.\n(٤٤) جاءت الأحاديث في بيان آداب من رأى رؤيا يكرهها وذلك كما يلي:\n١) أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم ثلاثًا.\n٢) أن يستعيذ بالله من شرها.\n٣) أن يتفل عن يساره ثلاثًا.\n٤) أن يقوم فيصلي.\n٥) أن يتحول عن جنبه الذي كان عليه إلى الجنب الآخر.\n٦) ألا يخبر بها أحدًا فإنها لا تضره.\n(٤٥) أن تعبير الرؤيا من باب الفتوى، ولذلك يشترط في المعبر للرؤيا العلم بكتاب الله وسنة رسوله - ﷺ -.\nوأخيرًا: هذه حقيقة الرؤى وأقسامها وعلاقتها بالنبوة، وأحكامها وآدابها، فينبغي للمسلم أن يكون وقافًا عند كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ -، لا يجاوزه بإفراط، ولا يقصر عنه بتفريط فكلا الأمرين تضييع لشرع الله، وعدم تعظيم له.\nوالحمد لله أولا وآخرًا، وظاهرًا وباطنًا، كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه لا نحصي ثناء عليه، هو كما أثنى على نفسه.\nوغفر الله لكاتبه، وقارئه، وللناظرين فيه، ولجميع المسلمين، وجعله حجة لي لا حجة علي.\nوالحمد لله رب العالمين، وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"1","page":468},{"text":"الفهارس\nوتشمل:\n(١) فهرس المصادر والمراجع.\n(٢) فهرس الموضوعات.","vol":"1","page":469},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-108>فهرس المراجع والمصادر</span>\n(أ)\n١ - القرآن الكريم.\n٢ - الآداب الشرعية والمنح المرعية، لشمس الدين أبي عبد الله محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي، توزيع رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد الرياض.\n٣ - آراء أهل المدينة الفاضلة، لأبي نصر الفارابي، مكتبة ومطبعة محمد علي صبيح وأولاده القاهرة.\n٤ - الآيات البينات في عدم سماع الأموات عند الحنفية السادات، للعلامة نعمان بن المفسر الشهير محمد الألوسي، تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، ببيروت الطبعة الرابعة (١٤٠٥ هـ).\n٥ - الإبريز، لأحمد بن المبارك الملطي، وبهامشه كتابان: درر الخواص في فتاوى الخواص، وكتاب: الجواهر والدرر، وهما من تأليف: عبد الوهاب الشعراني، طبع مكتبة ومطبعة محمد علي صبيح وأولاده.\n٦ - أبو حامد الغزالي والتصوف (دراسة حول العديد من كتب الغزالي وخاصة كتابه إحياء علوم الدين) لعبد الرحمن بن محمد سعيد دمشقية، دار طيبة- الرياض، الطبعة الثانية ١٤٠٩ هـ.\n٧ - إتحاف الجماعة بما جاء في الفتن والملاحم وأشراط الساعة، للشيخ حمود بن عبد الله التويجري، مطابع الرياض، الطبعة الأولى ١٣٩٤هـ.\n٨ - الإتقان في علوم القرآن، لجلال الدين السيوطي عالم الكتب بيروت.\n٩ - الاحتجاج بالأثر على من أنكر المهدي المنتظر، لحمود بن عبد الله بن حمود التويجري، مكتبة دار العليان الحديثة بريدة الطبعة الثانية ١٤٠٦ هـ.\n١٠ - أحكام الجنائز وبدعها، لمحمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي بيروت، الطبعة الرابعة (١٤٠٦ هـ).","vol":"1","page":471},{"text":"١١ - أحكام القرآن، لأبي بكر ن العربي المالكي، تحقيق: علي محمد البجاوي، دار المعرفة بيروت.\n١٢ - الأحلام، للدكتور توفيق الطويل، مكتبة الآداب، القاهرة، الطبعة الأولى ١٣٦٤هـ.\n١٣ - الأحلام، سيجموند فرويد، عرض وتقديم، الدكتور مصطفى غالب، دار مكتبة الهلال بيروت ١٩٨٥م.\n١٤ - إحياء علوم الدين، لأبي حامد محمد بن محمد الغزالي، وبهامشه كتاب: المغني عن حمل الأسفار في الأسفار في تخريج ما في الإحياء من الأخبار لأبي المفضل عبد الرحيم بن الحسين العراقي، دار القلم- بيروت الطبعة الأولى.\n١٥ - اختيار الأولى في شرح حديث اختصام الملأ الأعلى، لابن رجب الحنبلي، تحقيق: جاسم الفهيد الدوسري، مكتبة دار الأقصى- الكويت الطبعة الأولى ١٤٠٦هـ.\n١٦ - إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري، لأبي العباس شهاب الدين أحمد بن محمد القسطلاني دار الفكر بيروت، المطبعة الكبرى الأميرية، بولاق مصر المحمية (١٣٠٥هـ).\n١٧ - إرشاد الفحول لتحقيق الحق من علم الأصول، لمحمد بن علي الشوكاني، دار المعرفة بيروت (١٣٩٩هـ).\n١٨ - الإرشاد والتطريز في فضائل ذكر الله تعالى وتلاوة كتابه العزيز وفضل الأولياء والناسكين والفقراء والمساكين، لعبد الله بن أسعد اليافعي، راجعه وقدم له عبد الوهاب عبد اللطيف مكتبة القاهرة مصر (١٣٨٧ هـ)\n١٩ - إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل، لمحمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي بيروت الطبعة الأولى ١٣٩٩ هـ.\n٢٠ - إزالة الستار عن الجواب المختار لهداية المحتار (مسائل متعددة في العقيدة تمس الواقع) لمحمد بن صالح العثيمين دار طيبة- الرياض، الطبعة الأولى ١٤١٠ هـ.\n٢١ - الاستقامة، لشيخ الإسلام ابن تيمية تحقيق الدكتور، محمد رشاد سالم، من مطبوعات جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الرياض، الطبعة الأولى ١٤٠٣ هـ.","vol":"1","page":472},{"text":"٢٢ - الأسماء والصفات، لأبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي مطبعة السعادة مصر.\n٢٣ - إشارات المرام من عبارات الإمام، لأحمد البياضي الحنفي، تحقيق: يوسف عبد الرزاق، مطبعة مصطفى البابي الحلبي مصر، الطبعة الأولى (١٣٦٨هـ).\n٢٤ - الإشارات والتنبيهات لأبي علي بن سينا، بشرح نصير الدين الطوسي، تحقيق: سليمان دنيا، دار المعارف- مصر الطبعة الثانية (١٩٦٨م).\n٢٥ - أشراط الساعة، ليوسف بن عبد الله بن يوسف الوابل، دار ابن الجوزي الدمام الطبعة الثانية ١٤١٠ هـ.\n٢٦ - اصطلاحات الصوفية، لعبد الرزاق الكاشي، مطبعة مجلس إشاعة العلم بحيدر آباد الدكن – الهند.\n٢٧ - الأصول والفروع لابن حزم الأندلسي دار النهضة القاهرة الطبعة الأولى ١٩٧٨م.\n٢٨ - أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، لمحمد الأمين بن محمد المختار الجكني الشنقيطي عالم الكتب- بيروت.\n٢٩ - الاعتصام، لإبراهيم بن موسى الشاطبي دار المعرفة بيروت (١٤٠٦هـ).\n٣٠ - اعتقادات فرق المسلمين والمشركين، لفخر الدين الرازي، تحقيق: طه عبد الرءوف سعد ومصطفى الهواري، مكتبة الكليات الأزهرية القاهرة (١٣٩٨هـ).\n٣١ - الاعتقاد الخالص من الشك والانتقاد، للشيخ الإمام علاء الدين بن العطار، تحقيق وتعليق: علي حسن علي عبد الحميد الحلبي الأثري، دار الكتب الأثرية- الأردن الطبعة الأولى ١٤٠٨ هـ.\n٣٢ - الأعلام، لخير الدين الزركلي، دار العلم للملايين بيروت الطبعة السابعة (١٩٨٦م).\n٣٣ - أعلام الحديث في شرح صحيح البخاري، للإمام أبي سليمان حمد بن محمد الخطابي تحقيق ودراسة: الدكتور محمد بن سعد بن عبد الرحمن آل سعود، جامعة أم القرى، معهد البحوث العلمية وإحياء التراث الإسلامي، مركز إحياء التراث الإسلامي مكة المكرمة.","vol":"1","page":473},{"text":"٣٤ - إعلام الموقعين عن رب العالمين، للإمام ابن قيم الجوزية، تحقيق: طه عبد الرءوف سعد، دار الجيل، بيروت.\n٣٥ - إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان، لابن قيم الجوزية، تحقيق: محمد حامد الفقي دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى (١٤٠٧هـ)\n٣٦ - ألفاظ الصوفية ومعانيها، للدكتور حسن محمد الشرقاوي، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية الطبعة الثانية ١٩٨٣م.\n٣٧ - إكمال إكمال المعلم بفوائد مسلم (مع شرحه مكمل إكمال الإكمال للسنوسي). لأبي عبد الله الأبي دار الكتب العلمية- بيروت.\n٣٨ - إلجام العوام عن علم الكلام (ومعه كتاب المنقذ من الضلال وكتاب المضمون به على غير أهله) لأبي حامد محمد بن محمد الغزالي.\n٣٩ - الإنسان بين المادية والإسلام، لمحمد قطب، دار الشروق، الطبعة الثالثة ١٤٠٣ هـ.\n٤٠ - أهوال القبور وأحوال أهلها إلى النشور، لعبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي تحقيق: بشير محمد عيون، مكتبة المؤيد الطائف الطبعة الأولى (١٤١٢هـ).\n٤١ - إيضاح الحق في دخول الجن في الإنس والرد على من أنكر ذلك، للشيخ عبد العزيز ابن عبد الله بن باز مكتبة الصديق- الطائف.\n٤٢ - إيقاظ الهمم في شرح الحكم (وبهامشه كتاب الفتوحات الإلهية في شرح المباحث الأصلية) لابن عجيبة الحسني دار المعرفة- بيروت.\n(ب)\n٤٣ - بحوث في علم النفس العام، للدكتور فائز محمد علي الحاج، المكتب الإسلامي، بيروت الطبعة الثالثة (١٤٠٠ هـ).\n٤٣ - البرهان في معرفة عقائد أهل الأديان، لعباس بن منصور السكسكي الحنبلي، تحقيق: محمد أحمد دحمان، دار البصائر دمشق، الطبعة الثانية ١٤٠٠ هـ.\n٤٤ - البداية والنهاية لابن كثير، دار الكتب العلمية- بيروت الطبعة الأولى ١٤٠٥ هـ.","vol":"1","page":474},{"text":"٤٥ - البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع، لمحمد بن علي الشوكاني، مطبعة السعادة مصر، الطبعة الأولى ١٣٨٤هـ.\n٤٦ - بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة، لجلال الدين السيوطي، دار المعرفة بيروت.\n٤٧ - بهجة النفوس وتحليها بمعرفة مالها وما عليها (شرح مختصر صحيح البخاري) لابن أبي جمرة دار الجيل- بيروت الطبعة الثانية ١٩٧٢م.\n٤٨ - بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية (أو نقص تأسيس الجهمية) لشيخ الإسلام ابن تيمية، بتصحيح وتكميل وتعليق: محمد بن عبد الرحمن بن القاسم.\n٤٩٠ البيان لأخطاء بعض الكتاب لصالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان، دار ابن الجوزي- الدمام، الطبعة الأولى ١٤١١هـ.\n(ت)\n٥٠ - تاريخ بغداد، للخطيب البغدادي، المكتبة السلفية- المدينة.\n٥١ - تاريخ علم النفس، وريس روكلان، ترجمة علي زيعور وعلي مقلد، منشورات عويدات - بيروت ١٩٧٢م.\n٥٢ - تاريخ الفلسفة اليونانية، ليوسف كرم، دار القلم بيروت.\n٥٣ - التاريخ الكبير، للإمام محمد بن إسماعيل البخاري، دار الكتب العلمية- بيروت.\n٥٤ - تأويل مختلف الحديث للإمام أبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة، تحقيق: محمد محيي الدين الأصفر، المكتب الإسلامي- بيروت الطبعة الأولى ١٤٠٩ هـ.\n٥٥ - التبيان في أقسام القرآن، لابن قيم الجوزية، تصحيح وتعليق: محمد حامد الفقي، دار المعرفة بيروت ١٤٠٢هـ.\n٥٦ - تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي لأبي العلي محمد عبد الرحمن بن عبد الرحيم المباركفوري، ضبطه وراجعه: عبد الوهاب عبد اللطيف، دار الفكر- بيروت.\n٥٧ - التحفة المهدية شرح الرسالة التدمرية، للشيخ فالح بن مهدي آل مهدي، تصحيح وتعليق: الشيخ عبد الرحمن بن صالح المحمود، مكتبة الحرمين- الرياض، الطبعة الثانية ١٤٠٥هـ.","vol":"1","page":475},{"text":"٥٨ - تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة، لأبي الريحان البيروني، مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية حيدر آباد الدكن، الهند ١٣٧٧هـ.\n٥٩ - التدمرية، لشيخ الإسلام تقي الدين أبي العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية، تحقيق الدكتور: محمد بن عودة السعودي الطبعة الأولى ١٤٠٥هـ.\n٦٠ - التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة، لشمس الدين أبي عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري القرطبي، دار الريان، للتراث، القاهرة الطبعة الثانية، ١٤٠٧هـ.\n٦١ - تربيتنا الروحية، لسعيد حوى، دار الكتب العلمية بيروت ١٣٩٩هـ.\n٦٢ - التصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق، للدكتور زكي مبارك، دار الجيل، بيروت.\n٦٣ - التصوف المنشأ والمصدر، لإحسان إلهي ظهير، إدارة ترجمان السنة، لاهور، باكستان الطبعة الأولى (١٤٠٦هـ).\n٦٤ - التعرف لمذهب أهل التصوف، لأبي بكر الكلاباذي، تحقيق: محمود أمين النواوي، مكتبة الكليات الأزهرية، الطبعة الثانية ١٤٠٠هـ.\n٦٥ - التعريفات، للعلامة علي بن محمد الشريف الجرجاني، مكتبة لبنان بيروت ١٩٨٥ م.\n٦٦ - تفسير القرآن العظيم، للحافظ عماد الدين إسماعيل بن كثير القرشي الدمشقي، دار المعرفة بيروت لبنان ١٤٠٥هـ.\n٦٧ - التفسير القيم، للإمام ابن القيم، جمعه: محمد أويس الندوي، تحقيق: محمد حامد الفقي، مكتبة السنة المحمدية مصر.\n٦٨ - التفسير الكبير، لفخر الدين الرازي، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الثانية.\n٦٩ - تقريب التهذيب، للحافظ ابن حجر العسقلاني تحقيق: محمد عوامة، دار الرشيد، سوريا الطبعة الثانية ١٤٠٨ هـ.\n٧٠ - تلبيس إبليس للإمام ابن الجوزي تحقيق: الدكتور السيد الجميلي، دار الكتب العربي بيروت الطبعة الثانية ١٤٠٧ هـ.","vol":"1","page":476},{"text":"٧١ - التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، لأبي عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر، تحقيق: سعيد أحمد أعراب الطبعة الأولى ١٤٠١هـ.\n٧٢ - التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع، لأبي الحسين محمد بن أحمد الملطي، مكتبة المثنى بغداد ١٣٨٨هـ.\n٧٣ - التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل، للعلامة الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي العتمي اليماني، تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني ومحمد عبد الرزاق حمزة، دار الكتب السلفية القاهرة.\n٧٤ - تنوير الحلك في جواز رؤية النبي والملك، لجلال الدين السيوطي، ضمن الحاوي في الفتاوى دار الكتب العلمية بيروت ١٤٠٣هـ.\n٧٥ - تنبيه هام على كذب الوصية المنسوبة لشيخ أحمد خادم الحرم النبوي الشريف لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، مطبوعات رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.\n٧٦ - تهذيب الأسماء واللغات، للإمام النووي، دار الكتب العلمية بيروت.\n٧٧ - تهذيب التهذيب، لأحمد بن علي بن حجر العسقلاني دار صادر بيروت الطبعة الأولى.\n٧٨ - التجانية (دراسة لأهم عقائد التيجانية على ضوء الكتاب والسنة) للدكتور علي بن محمد الدخيل الله، دار طيبة الرياض.\n٧٩ - تهذيب موعظة المؤمنين من إحياء علوم الدين، لجمال الدين محمد القاسمي دار ابن القيم م الطبعة الثالثة ١٤١١هـ.\n٨٠ - تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد، للشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب المكتب الإسلامي بيروت الطبعة السادسة ١٤٠٥هـ.\n٨١ - تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي، تحقيق: محمد زهري النجار، المؤسسة السعدية، الرياض.","vol":"1","page":477},{"text":"(ج)\n٨٢ - جامع الأصول في أحاديث الرسول - ﷺ - لأبي السعادات المبارك ابن الأثير الجزري، تحقيق: عبد القادر الأرناؤوط دار الفكر، بيروت الطبعة الثانية ١٤٠٣هـ.\n٨٣ - جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله، لأبي عمر يوسف بن عبد البر، دار الفكر، بيروت.\n٨٤ - جامع البيان في تفسير القرآن، لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري، دار الحديث القاهرة ١٤٠٧هـ.\n٨٥ - جامع الرسائل، لابن تيمية تحقيق: الدكتور محمد رشاد سالم، دار المدني، جدة، الطبعة الأولى ١٤٠٥هـ.\n٨٦ - الجامع الصحيح المسند من حديث رسول الله - ﷺ - وسننه وأيامه لأبي عبد الله محمد ابن إسماعيل البخاري، المكتبة السلفية القاهرة الطبعة الأولى ١٤٠٠هـ.\n٨٧ - جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثًا من جوامع الكلم، لزين الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن شهاب الدين ابن أحمد بن رجب الحنبلي البغدادي، دار المعرفة بيروت.\n٨٨ - جامع كرامات الأولياء، ليوسف بن إسماعيل النبهاني، دار الكتب العربية مصر ١٣٢٩هـ.\n٨٩ - الجامع لأحكام القرآن، لأبي عبد الله محمد بن أحمد القرطبي، دار الكتب المصرية الطبعة الثانية.\n٩٠ - الجامع لشعب الإيمان لأبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي، تحقيق وتخريج: الدكتور عبد العلي عبد الحميد حامد، الدار السلفية الهند الطبعة الأولى ١٤٠٧هـ.\n٩١ - جلاء العينين في محاكمة الأحمدين، لنعمان خير الدين ابن الألوسي، دار الكتب العلمية بيروت.\n٩٢ - جواهر المعاني وبولغ الأماني في فيض سيدي أبي العباس التيجاني (وبهامشه رماح حزب الرحيم على نحور حزب الرجيم) لعلي حرازم دار الجيل بيروت ١٤٠٨هـ.","vol":"1","page":478},{"text":"(ح)\n٩٣ - حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح، لابن قيم الجوزية، تحقيق: علي السيد صبح المدني، مطبعة المدني القاهرة.\n٩٤ - الحديث النبوي وعلم النفس، للدكتور محمد عثمان نجاتي، دار الشروق بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٩هـ.\n٩٥ - الحلم وتأويله، سيجموند فرويد، ترجمة: جورج طرابيشي، دار الطليعة، الطبعة الرابعة ١٩٨٢م.\n٩٦ - حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، لأبي نعيم الأصبهاني، دار الكتاب العربي، بيروت الطبعة الثالثة ١٤٠٠هـ.\n(خ)\n٩٧ - خطبة الحاجة، للشيخ محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي.\n(د)\n٩٨ - درء تعارض العقل والنقل، لشيخ الإسلام ابن تيمية تحقيق: الدكتور محمد رشاد سالم، من مطبوعات جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الرياض، الطبعة الأولى ١٤٠١هـ.\n٩٩ - درر الغواص في فتاوى الخواص، لعبد الوهاب الشعراني، تحقيق: محمد عبد الله إسماعيل، دار الهدي، مصر الطبعة الأولى ١٤٠٥هـ.\n١٠٠ - الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة، لابن حجر العسقلاني تحقيق: محمد سيد جاد الحق، دار الكتب الحديثة مصر، ١٣٨٧هـ.\n١٠١ - الدر المنثور في التفسير المأثور، للإمام عبد الرحمن بن الكمال جلال الدين السيوطي دار الفكر، بيروت الطبعة الثانية ١٤٠٣هـ.\n١٠٢ - درة الغواص في أوهام الخواص، للقاسم بن علي الحريري، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، دار نهضة مصر.","vol":"1","page":479},{"text":"١٠٣ - دفع شبه من شبه وتمرد ونسب ذلك إلى السيد الجليل الإمام أحمد، لأبي بكر بن محمد بن عبد المؤمن الحصني، دار الكتب العربية مصر الطبعة الأولى ١٣٥٠هـ.\n١٠٤ - دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة، لأبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي تحقيق: الدكتور عبد المعطي قلعجي، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٥هـ.\n١٠٥ - ديوان أبي الطيب المتنبي (بشرح أبي البقاء العكبري المسمى بالتبيان في شرح الديوان) ضبطه وصححه: مصطفى السقا وإبراهيم الأبياري وعبد الحفيظ شلبي، دار المعرفة بيروت.\n(ر)\n١٠٦ - الرؤى والأحلام، لأحمد عز الدين البيانوني، دار السلام، القاهرة، الطبعة الثانية ١٤٠٥هـ.\n١٠٧ - الرؤية، للإمام الحافظ أبي الحسن علي بن عمر الدارقطني، تحقيق: إبراهيم محمد العلي وأحمد فخري الرفاعي، مكتبة المنار، الأردن الزرقاء، الطبعة الأولى ١٤١١هـ.\n١٠٨ - رؤية الله تعالى وتحقيق الكلام فيها، للدكتور أحمد بن ناصر محمد آل حمد، جامعة أم القرى، معهد البحوث العلمية وإحياء التراث الإسلامي، مركز بحوث الدراسات الإسلامية مكة المكرمة الطبعة الأولى ١٤١١ هـ.\n١٠٩ - الرد على الجهمية، لابن مندة، تحقيق: الدكتور علي محمد ناصر الفقيهي، الطبعة الأولى ١٤٠١هـ.\n١١٠ - الرد على المنطقيين للإمام شيخ الإسلام تقي الدين أبي العباس أحمد بن تيمية الحراني، إدارة ترجمان السنة، لاهور الطبعة الثانية ١٣٩٦هـ.\n١١١ - الرد على من كذب بالأحاديث الصحيحة الواردة في المهدي، لعبد المحسن بن حمد العباد، مطابع الرشيد، المدينة المنورة الطبعة الأولى ١٤٠٢هـ.\n١١٢ - الرد القويم على المجرم الأثيم، لحمود بن عبد الله بن حمود التويجري، دار العيان الحديثة، بريدة الطبعة الثانية ١٤٠٦هـ.","vol":"1","page":480},{"text":"١١٣ - الرسائل المرغينية تشمل على اثنتي عشرة رسالة في آداب الطريقة الختمية مطبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر الطبعة الثانية ١٣٩٩هـ.\n١١٤ - الرسالة القشيرية لأبي القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري دار الكتاب العربي، بيروت ١٣٦٧هـ.\n١١٥ - الرسالة اللدنية (الجزء الرابع من القصور العوالي) لأبي حامد الغزالي، تحقيق وتخريج: محمد مصطفى أبو العلا، مكتبة الجندي، القاهرة.\n١١٦ - رماح حزب الرحيم على نحور حزب الرجيم، لعمر بن سعيد بن عثمان الطوري، مطبوع بهامش كتاب جواهر المعاني وبلوغ الأماني، دار الجيل بيروت ١٤٠٨هـ.\n١١٧ - الروح، لابن قيم الجوزية، دراسة وتحقيق: بسام علي سلامة العموش، دار ابن تيمية الرياض، الطبعة الأولى ١٤٠٦هـ.\n١١٨ - الروح، لابن قيم الجوزية، مكتبة الرياض الحديثة، الرياض.\n١١٩ - روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، لمحمود بن عبد الله الألوسي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الثانية.\n١٢٠ - روض الرياحين في حكايات الصالحين، لعبد الله بن أسعد اليافعي، مؤسسة عماد الدين قبرص.\n١٢١ - روضة الطالبين وعمدة السالكين (ج ٤ من كتاب القصور العوالي) لأبي حامد الغزالي تحقيق وتخريج: محمد مصطفى أبو العلا، مكتبة الجندي، القاهرة.\n١٢٢ - زاد المسير في علم التفسير، للإمام أبي فرج الجوزي، المكتب الإسلامي بيروت الطبعة الرابعة ١٤٠٧هـ.\n١٢٣ - زاد المعاد في هدي خير العباد، لابن قيم الجوزية، تحقيق وتخريج: عبد القادر الأرناؤوط وشعيب الأرناؤوط مؤسسة الرسالة، بيروت، مكتبة المنار الإسلامية الكويت الطبعة الخامسة عشر ١٤٠٧هـ.\n١٢٤ - الزهد، للإمام أحمد بن حنبل الشيباني، مطبعة أم القرى، مكة المكرمة.","vol":"1","page":481},{"text":"(س)\n١٢٥ - سر الروح، للإمام الحافظ أبي الحسن إبراهيم بن عمر بن حسن البقاعي، تحقيق: محمود محمد نصار، مكتبة التراث الإسلامي، عابدين.\n١٢٦ - سعادة الدارين في الصلاة علي سيد الكونين، ليوسف بن إسماعيل النبهاني ١٣١٨هـ.\n١٢٧ - سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها، لمحمد ناصر الدين الألباني المكتب الإسلامي بيروت.\n١٢٨ - سلسلة الأحاديث الضعيفة وأثرها السيئ في الأمة، لمحمد ناصر الدين الألباني المكتب الإسلامي، بيروت.\n١٢٩ - السنة، لابن أبي عاصم أحمد بن عمرو، تخريج: محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي بيروت الطبعة الأولى ١٤٠٠ هـ.\n١٣٠ - سنن ابن ماجة، للحافظ أبي عبد الله محمد بن يزيد بن ماجة القزويني، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار الفكر العربي، بيروت.\n١٣١ - سنن أبي داود، للحافظ أبي داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق الأزدي السجستاني دراسة وفهرسة: كمال يوسف الحوت، دار الجنان، بيروت، مؤسسة الكتب الثقافية بيروت الطبعة الأولى ١٤٠٩هـ.\n١٣٢ - سنن الترمذي (جامع الترمذي) لأبي عيسى محمد بن عيسى الترمذي تحقيق وشرح: أحمد شاكر، دار الحديث القاهرة.\n١٣٣ - سنن الدارقطني للإمام علي بن عمر الدارقطني.\n١٣٤ - سنن الدارمي، للإمام عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، تحقيق: فؤاد أحمد زمرلي وخالد السبع العلمي، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٧هـ.\n١٣٥ - السنن الكبرى، للإمام أبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي، دار المعارف العثمانية حيدر آباد الدكن، الهند، الطبعة الأولى (١٣٥٥هـ).","vol":"1","page":482},{"text":"١٣٦ - السنن الكبرى، للإمام أبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي، تحقيق: الدكتور عبد الغفار سليمان البنداري وسيد كسروي حسن، دار الكتب العلمية، بيروت الطبعة الأولى ١٤١١هـ.\n١٣٧ - سنن النسائي، للإمام أبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي، المطبعة المصرية بالأزهر.\n١٣٨ - سير أعلام النبلاء، لشمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، تحقيق: شعيب الأرناؤوط مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الثانية ١٤٠٢هـ.\n١٣٩ - السيرة النبوية، لابن هشام، تعليق: الدكتور عمر عبد السلام تدمري، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٨هـ.\n١٤٠ - شذرات الذهب في أخبار من ذهب، لابن عماد الحنبلي، دار المسيرة بيروت، الطبعة الثانية ١٣٩٩هـ.\n١٤١ - شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، للإمام أبي قاسم هبة الله بن الحسن الطبري اللالكائي، تحقيق: الدكتور أحمد سعد حمدان، دار طيبة- الرياض.\nش\n١٤٢ - شرح أصول الإيمان للشيخ محمد بن صالح العثيمين، دار الوطن – الرياض.\n١٤٣ - شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار المعتزلي تحقيق: الدكتور عبد الكريم عثمان مكتبة وهبة مصر الطبعة الأولى ١٣٨٤هـ.\n١٤٤ - شرح ثلاثيات مسند الإمام أحمد، للسفاريني، المكتب الإسلامي، بيروت الطبعة الثالثة ١٣٩٩هـ.\n١٤٥ - شرح حديث النزول، لشيخ الإسلام ابن تيمية المكتب الإسلام بيروت الطبعة السادسة ١٤٠٢هـ.\n١٤٦ - شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك، لمحمد الزرقاني، دار المعرفة بيروت، طبعة ١٤٠٧هـ.\n١٤٧ - شرح السنة، للإمام الحسين بن محمد البغوي تحقيق: شعيب الأرناؤوط ومحمد زهير الشاويش المكتب الإسلامي بيروت، الطبعة الثانية ١٤٠٣هـ.","vol":"1","page":483},{"text":"١٤٨ - شرح الصدور بشرح حال الموتى والقبور، للإمام جلال الدين السيوطي، شرح وتعليق: محمد حسن الحمصي، مؤسسة الإيمان بيروت، دار الرشيد دمشق، بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٤هـ.\n١٤٩ - شرح العقيدة الطحاوية، لابن أبي العز الحنفي، تخريج: محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت الطبعة الثامنة ١٤٠٤هـ.\n١٥٠ - شرح العقيدة الطحاوية، لابن أبي العز الحنفي، تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي وشعيب الأرناؤوط مؤسسة الرسالة، بيروت الطبعة الأولى ١٤٠٨هـ.\n١٥١ - شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري، للدكتور عبد الله بن محمد الغنيمان، مكتبة لينة، دمنهور، الطبعة الأولى ١٤٠٩هـ.\n١٥٢ - شرح لمعة الاعتقاد، للشيخ محمد بن صالح العثيمين، تحقيق: أشرف بن عبد المقصود مكتبة الإمام البخاري الطبعة الأولى ١٤١٢هـ.\n١٥٣ - شرح المواهب اللدنية، لمحمد عبد الباقي الزرقاني، دار المعرفة، بيروت، الطبعة الثانية ١٣٩٣هـ.\n١٥٤ - الشريعة لأبي بكر محمد بن الحسين الآجري، تحقيق: محمد حامد الفقي، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٣ هـ.\n١٥٥ - الشفاء لأبي علي الحسين بن عبد الله بن سيناء باريس ١٩٨٢م.\n١٥٦ - الشفا بتعريف حقوق المصطفى، للقاضي عياض بن موسى اليحصبي المطبعة العثمانية تركيا ١٣١٢هـ.\n١٥٧ - شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل، للإمام ابن قيم الجوزية، دار المعرفة بيروت ١٣٩٨هـ.\n١٥٨ - الشمائل المحمدية، لأبي عيسى محمد بن سورة الترمذي، إخراج وتعليق، محمد عفيف الزعبي، الطبعة الأولى ١٤٠٣هـ.\n(ص)\n١٥٩ - الصحاح (تاج اللغة وصحاح العربية) لإسماعيل بن حماد الجوهري تحقيق أحمد عبد الغفور عطار، دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة الأولى ١٣٧٦هـ.","vol":"1","page":484},{"text":"١٦٠ صحيح ابن حبان للإمام محمد بن حبان بن أحمد البستي، تحقيق: عبد الرحمن محمد عثمان، المكتبة السلفية المدينة المنورة، ١٣٩٠هـ.\n١٦١ - صحيح ابن خزيمة، للإمام محمد بن إسحاق بن خزيمة: تحقيق وتخريج: الدكتور محمد مصطفى الأعظمي، المكتب الإسلامي، بيروت الطبعة الأولى ١٣٩٩هـ.\n١٦٢ - صحيح ابن ماجة، تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي بيروت الطبعة الأولى ١٤٠٧هـ.\n١٦٣ - صحيح البخاري بشرح الكرماني المطبعة البهية، مصر ١٣٥٦هـ.\n١٦٤ - صحيح الترغيب والترهيب للمنذري، تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي بيروت الطبعة الثانية ١٤٠٦هـ.\n١٦٥ - صحيح الجامع الصغير وزيادته (الفتح الكبير) لمحمد ناصر الدين الألباني المكتب الإسلامي بيروت، الطبعة الثانية (١٣٩٩) هـ.\n١٦٦ - صحيح سنن أبي داود باختصار السند، صحح أحاديثه، محمد ناصر الدين الألباني مكتبة التربية العربي لدول الخليج، الرياض، المكتب الإسلامي بيروت الطبعة الأولى ١٤٠٩هـ.\n١٦٧ - صحيح سنن ابن ماجة باختصار السند، صحيح أحاديثه: محمد ناصر الدين الألباني مكتبة التربية العربي لدول الخليج، الرياض، المكتب الإسلامي، بيروت الطبعة الثالثة ١٤٠٨هـ.\n١٦٨ - صحيح سنن الترمذي باختصار السند صحح أحاديثه: محمد ناصر الدين الألباني، مكتبة التربية العربي لدول الخليج، الرياض، المكتب الإسلامي، بيروت الطبعة الأولى ١٤٠٨هـ.\n١٦٩ - صحيح سنن النسائي باختصار السند، صحح أحاديثه: محمد ناصر الدين الألباني، مكتبة التربية العربي لدول الخليج، الرياض، المكتب الإسلامي، بيروت الطبعة الأولى ١٤٠٩ هـ.","vol":"1","page":485},{"text":"١٧٠ - صحيح مسلم للإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء الكتب العربية، القاهرة.\n١٧١ - صحيح مسلم بشرح الإمام النووي، للإمام مسلم بن الحجاج، دار الكتب العلمية بيروت.\n١٧٢ - الصفدية، لشيخ الإسلام ابن تيمية تحقيق: الدكتور محمد رشاد سالم، شركة مطابع حنيفة الرياض ١٣٩٦ هـ.\n١٧٣ - الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، للشيخ الإمام شمس الدين أبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد الشهير بابن قيم الجوزية، تحقيق: الدكتور علي بن محمد الدخيل الله، دار العاصمة، الرياض، النشرة الأولى ١٤٠٨ هـ.\n(ض)\n١٧٤ - ضعيف الجامع وزيادته، لمحمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي.\n١٧٥ - ضوء الساري إلى معرفة رؤية الباري ﷿، للإمام العلامة الحافظ شهاب الدين أبو محمد عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم الشافعي عرف بأبي شامة تحقيق: الدكتور أحمد عبد الرحمن الشريف، دار الصحوة، القاهرة الطبعة الأولى ١٤٠٥هـ.\n١٧٦ - الضوء اللامع لأهل القرن التاسع، لشمس الدين محمد عبد الرحمن السخاوي، مكتبة القدس، القاهرة ١٣٥٣هـ هـ.\n(ط)\n١٧٧ - طبقات الأولياء، لابن الملقن تحقيق: نور الدين شريبة، مكتبة الخانجي مصر، الطبعة الأولى ١٣٩٣هـ.\n١٧٨ - طبقات ابن سعد، لابن سعد، دار صادر بيروت ١٣٧٧ هـ.\n١٧٩ - طبقات الخواص أهل الصدق والإخلاص، لأبي العباس أحمد بن أحمد بن عبد الله الشرجي المطبعة الميمنية مصر ١٣٢١ هـ.\n١٨٠ - طبقات الشاذلية الكبرى، للحسن بن الحاج محمد الكوهن الفاسي الشاذلي، المطبعة العلامية مصر الطبعة الأولى ١٣٤٧هـ.","vol":"1","page":486},{"text":"١٨١ - طبقات الشافعية الكبرى، لتاج الدين ابن تقي الدين السبكي، دار المعرفة، بيروت، الطبعة الثانية.\n١٨٢ - طبقات الشعراني الكبرى (المسمى لواقح الأنوار في طبقات الأخيار) لعبد الوهاب بن أحمد بن علي الشعراني، دار الجيل بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٨هـ.\n١٨٣ - طبقات الصوفية، لأبي عبد الرحمن السلمي، تحقيق: نور الدين شريبة دار الكتاب النفيس، القاهرة، الطبعة الثانية ١٤٠٦هـ.\n١٨٤ - الطبقات الكبرى، لعبد الوهاب الشعراني دار الطباعة المنيرية مصر.\n١٨٥ - طرح التثريب في شرح التقريب، لأبي زرعة العراقي، دار إحياء التراث العربي بيروت.\n(ظ)\n١٨٦ - ظلال الجنة في تخريج أحاديث السنة (مطبوع مع كتاب السنة لابن أبي عاصم) للشيخ محمد ناصر الدين الألباني المكتب الإسلامي بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٠هـ.\n(ع)\n١٨٧ - عارضة الأحوذي بشرح صحيح الترمذي، للإمام الحافظ ابن العربي المالكين، دار الكتب العلمية بيروت.\n١٨٨ - العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين، لتقي الدين محمد بن أحمد الحسني الفاسي، تحقيق: فؤاد سيد، مطبعة السنة المحمدية، القاهرة ١٣٨١هـ.\n١٨٩ - العقل الباطن، سادلر، نقله إلى العربية: عباس حافظ القاهرة ١٩٤٦م.\n١٩٠ - عقيدة أهل الإيمان في خلق آدم على صورة الرحمن، لحمود بن عبد الله بن حمود التويجري، دار اللواء الرياض الطبعة الثانية ١٤٠٩هـ.\n١٩١ - عقيدة ختم النبوة بالنبوة المحمدية، لأحمد بن سعد بن حمدان الغامدي، دار طيبة الرياض الطبعة الأولى ١٤٠٥ هـ.\n١٩٢ - العقيدة السلفية في كلام رب البرية وكشف أباطيل المبتعدة الردية، لعبد الله بن يوسف الجديع الطبعة الأولى ١٤٠٨هـ.","vol":"1","page":487},{"text":"١٩٣ - علم النفس، للدكتور محمد أبو العلا أحمد، والدكتور محمد خليفة بركات، مكتبة عين شمس ١٩٧٦م.\n١٩٤ - علم النفس في التصور الإسلامي، للأستاذ الدكتور عبد الحميد الهاشمي سلسلة بحوث المؤتمر العالمي الأول لتعليم الإسلامي مكة المكرمة ١٣٩٧هـ الطبعة الأولى ١٤٠٣ هـ.\n١٩٥ - علم النفس في حياتنا اليومية، للدكتور محمد عثمان نجاتي، دار النهضة العربية، الطبعة الرابعة ١٩٦٩م.\n١٩٦ - عمدة القاري شرح صحيح البخاري (المسمى بالعيني على البخاري) للشيخ الإمام بدر الدين العلامة أبي محمد محمود بن أحمد العيني، دار الفكر، بيروت.\n١٩٧ - عون الباري لحل أدلة صحيح البخاري، لأبي الطيب صديق بن حسن بن علي القنوجي، تحقيق: عبد الله بن إبراهيم الأنصاري ١٤٠٤هـ.\n١٩٨ - عون المعبود شرح سنن أبي داود، للعلامة أبي الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي، تحقيق: عبد الرحمن محمد عثمان، المكتبة السلفية، المدينة المنورة، الطبعة الثانية ١٣٨٩هـ.\n(غ)\n١٩٩ - غريب الحديث، لأبي عبيد القاسم بن سلام الهروي، دار الكتاب العربي بيروت، مطبوعات دائرة المعارف العثمانية، حيدر أباد الدكن الهند ١٣٩٦هـ.\n٢٠٠ - الغيث المسجم في شرح لامية العجم، لصلاح الدين خليل الصفدي، دار الكتب العلمية بيروت.\n(ف)\n٢٠١ - فتاوى أئمة المسلمين بقطع لسان المبتدعين، لمحمود محمد خطاب السبكي، المطبعة العربية الحديثة، القاهرة الطبعة الخامسة.\n٢٠٢ - فتاوى ابن الصلاح، لابن الصلاح، مطبوعة ضمن الرسائل المنيرية.\n٢٠٣ - فتح الباري بشرح صحيح البخاري، للحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني دار المعرفة، بيروت.","vol":"1","page":488},{"text":"٢٠٤ - الفتح الرباني ترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني لأحمد عبد الرحمن البنا، دار الشهاب القاهرة.\n٢٠٥ - الفتح الرباني فيما يحتاج إليه المريد التيجاني، لمحمد عبد الله حسنين التجاني، مطبعة مصطفى البابي الحلبي مصر، الطبعة الثالثة ١٣٧٧ هـ.\n٢٠٦ - فتح المجيد شرح كتاب التوحيد، للشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ مؤسسة قرطبة، الهرم.\n٢٠٧ - الفتوحات المكية، لمحي الدين بن عربي، دار صادر، بيروت.\n٢٠٨ - الفرق بين الفرق، لعبد القاهر بن طاهر محمد البغدادي، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد دار المعرفة بيروت.\n٢٠٩ - الفروق، للإمام أبي العباس أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن الصنهاجي القرافي عالم الكتب، بيروت.\n٢١٠ - الفصل في الملل والأهواء والنحل، للإمام أبي محمد علي ابن أحمد بن حزم الظاهري، تحقيق: الدكتور محمد إبراهيم نصر والدكتور عبد الرحمن عميرة، دار الجيل بيروت الطب.\n٢١١ - فصوص الحكم، لمحي الدين بن عربي، تحقيق: أبو العلاء عفيفي، دار إحياء الكتب العربية مصر ١٣٦٥هـ.\n٢١٢ - الفقه الأكبر مع شرحه لعلي القاري، للإمام أبي حنيفة، دار الكتب العلمية، بيروت الطبعة الأولى ١٤٠٤هـ.\n٢١٣ - الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة، لعبد الرحمن عبد الخالق، مكتبة ابن تيمية الكويت الطبعة الثالثة ١٤٠٦هـ.\n٢١٤ - فوات الوفيات، لمحمد شاكر الكتبي، تحقيق: الدكتور إحسان عباس، دار صادر، بيروت ١٩٧٣م.\n٢١٥ - فيض الباري شرح صحيح البخاري، لمحمد أنور الكشميري، دار المعرفة بيروت.","vol":"1","page":489},{"text":"(ق)\n٢١٦ - القاموس المحيط، للعلامة اللغوي مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروز آبادي تحقيق: مكب تحقيق التراث في مؤسسة الرسالة، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الثانية ١٤٠٧هـ.\n٢١٧ - قطر الولي على حديث الولي، لمحمد بن علي الشوكاني، تحقيق: الدكتور إبراهيم هلال، دار الكتب الحديثة، القاهرة.\n٢١٨ - قطف الأزهار المتناثرة في الأخبار المتواترة للإمام جلال الدين السيوطي تحقيق: الشيخ خليل محيي الدين الميس، المكتب الإسلامي بيروت الطبعة الأولى ١٤٠٥هـ.\n٢١٩ - قواعد الأحكام في مصالح الأنام، للإمام أبي محمد عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام السلمي، دار الكتب العلمية بيروت.\n٢٢٠ - قواعد التصرف، لأحمد بن أحمد زروق، تصحيح: محمد زهري النجار، مكتبة النهضة الجديدة مصر ١٣٨٨ هـ.\n٢٢١ - القواعد الحسان لتفسير القرآن، للشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي، مكتبة المعارف الرياض ١٤٠٠هـ.\n(ك)\n٢٢٢ - كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد، لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، تحقيق وتعليق: محمد منير الدمشقي، مكتبة دار التراث، الكويت الطبعة الثانية.\n٢٢٣ - كتاب التوحيد ومعرفة أسماء الله ﷿ وصفاته على الاتفاق والتفرد، لأبي عبد الله محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن مندة تحقيق: الدكتور علي بن محمد بن ناصر الفقيهي مطابع الجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، الطبعة الأولى.\n٢٢٤ - كتاب الرؤيا، للشيخ حمود بن عبد الله بن حمود التويجري، دار اللواء، الرياض، الطبعة الأولى ١٤١٢هـ.\n٢٢٥ - الكتاب المصنف في الأحاديث والآثار، للإمام أبي بكر عبد الله عبد الله بن محمد بن أبي شيبة الكوفي العبسي، تقديم وضبط: كمال يوسف الحوت، دار التاج بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٩هـ.","vol":"1","page":490},{"text":"٢٢٦ - كرامات أولياء الله ﷿، للإمام أبي القاسم هبة الله بن الحسن الطبري اللالكائي، تحقيق: الدكتور أحمد سعد حمدان، دار طيبة، الرياض، الطبعة الأولى ١٤١٢هـ.\n٢٢٧ - الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، لأبي القاسم جار الله محمود بن عمر الزمخشري الخوارزمي، دار الفكر، بيروت ١٣٩٩هـ.\n٢٢٨ - كشاف اصطلاحات الفنون لمحمد علي الفاروقي التهانوي، تحقيق: الدكتور لطفي عبد البديع مكتبة النهضة مصر ١٣٨٢ هـ.\n٢٢٩ - كنز العمال في سنين الأقوال والأفعال، للعلامة علاء الدين علي المتقي بن حسام الدين الهندي، ضبطه: الشيخ بكري حياني، صححه: الشيخ صفوة السقا، مؤسسة الرسالة بيروت ١٤٠٩هـ.\n٢٣٠ - كيمياء السعادة لأبي حامد الغزالي، تحقيق: محمد مصطفى أبو العلا ومحمد محمد جابر مكتبة الجندي القاهرة ١٩٧٣م.\n(ل)\n٢٣١ - لسان العرب، للإمام العلامة أبي الفضل جمال الدين محمد بن مكرم ابن منظور الأفريقي المصري، دار صادر، بيروت.\n٢٣٢ - لطائف المنن في مناقب الشيخ أبي العباس المرسي وشيخه أبي الحسن، لابن عطاء الله السكندري، تحقيق: عبد الحليم محمود، مطبعة حسان، مصر.\n٢٣٣ - لطائف المنن والأخلاق في وجوب التحدث بنعمة الله على الإطلاق، لعبد الوهاب بن أحمد بن علي الشعراني، تقديم: عبد الحليم محمود، عالم الفكر، القاهرة، الطبعة الثانية.\n٢٣٤ - اللمع، لأبي نصر السراج الطوسي، تحقيق: عبد الحليم محمود وطه عبد الباقي سرور، دار الكتب الحديثة، بغداد ١٣٨٠هـ.\n(م)\n٢٣٥ - المباحث المشرقية، لفخر الدين محمد بن عمر الرازي، تحقيق وتعليق: محمد المعتصم بالله البغدادي، دار الكتاب العربي، بيروت الطبعة الأولى ١٤١٠ هـ.","vol":"1","page":491},{"text":"٢٣٦ - مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، لنور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي، دار الكتاب العربي، بيروت الطبعة الثانية ١٩٦٧م.\n٢٣٧ - المجموع الثمين من فتاوى فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين، جمع وترتيب فهد بن ناصر السليمان، دار الوطن للنشر، الرياض، الطبعة الأولى ١٤١١هـ.\n٢٣٨ - مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، جمع وترتيب، عبد الرحمن بن محمد بن قاسم.\n٢٣٩ - مجموع فتاوى ومقالات متنوعة، للشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، أشرف على تجميعه وطبعه: الدكتور محمد بن سعد الشويعر الطبعة الثانية ١٤١١هـ.\n٢٤٠ - مجموعة الرسائل الكبرى، لشيخ الإسلام تقي الدين أبي العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني الدمشقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الثانية ١٣٩٢هـ.\n٢٤١ - محاسن التأويل، لمحمد جمال الدين القاسمي، تصحيح وتعليق: محمد فؤاد عبد الباقي، مطبعة عيسى البابي الحلبي، مصر.\n٢٤٢ - محاضرات تمهيدية في التحليل النفسي، سيجموند فرويد.\n٢٤٣ - محمد رسول الله - ﷺ - لمحمد الصادق إبراهيم عرجون دار القلم، دمشق، الطبعة الأولى ١٤٠٥هـ.\n٢٤٤ - مختصر الشمائل المحمدية، للشيخ محمد ناصر الدين الألباني، المكتبة الإسلامية عمان، الأردن، الطبعة الأولى ١٤٠٥ هـ.\n٢٤٥ - مدارج السالكين، لابن قيم الجوزية، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٣هـ.\n٢٤٦ - المدخل لعبد القادر بن بدران الدمشقي، تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي، مؤسسة الرسالة بيروت الطبعة الثالثة ١٤٠٥ هـ.\n٢٤٧ - المدخل لابن الحاج دار الفكر بيروت ١٤٠١هـ.\n٢٤٨ - المدخل إلى علم النفس، للدكتور عبد الله عبد الحي موسى، مكتبة الخانجي، القاهرة، الطبعة الثالثة.","vol":"1","page":492},{"text":"٢٤٩ - مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، لعلي بن سلطان القاري، دار إحياء التراث العربي، بيروت.\n٢٥٠ - المستدرك على الصحيحين، لأبي عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم النيسابوري، دار المعرفة بيروت.\n٢٥١ - المسند (وبهامشه منتخب كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال) للإمام أحمد بن حنبل، المكتب الإسلامي، بيروت، مع فهرس الألباني.\n٢٥٢ - المسند للإمام أحمد بن حنبل، شرحه: أحمد محمد شاكر، دار المعارف مصر الطبعة الثالثة ١٣٧٤هـ.\n٢٥٣ - مسند أبي يعلى الموصلي، لأحمد بن علي بن المثنى تحقيق: حسين سليم أسد، دار المأمون للتراث دمشق الطبعة الأولى ١٤٠٤هـ.\n٢٥٤ - مشارق الأنوار على صحاح الآثار، للإمام الشهير الحافظ الكبير القاضي أبي الفضل عياض بن موسى بن عياض اليحصبي، السبتي المالكي، المكتبة العتيقة، تونس دار التراث القاهرة ..\n٢٥٥ - مشتهى الخارف الجاني في رد زلقات التجاني الجاني، لمحمد الخضر الشنقيطي تعليق: إبراهيم القطان، دار البشير، عمان الأردن الطبعة الأولى ١٤٠٥هـ.\n٢٥٦ - مشكاة المصابيح لمحمد بن عبد الله (الخطيب التبرزي) تخريج: محمد ناصر الدين الألباني المكتب الإسلامي بيروت الطبعة الأولى ١٣٨٨هـ.\n٢٥٧ - مشكل الآثار، لأبي جعفر الطحاوي، دار صادر بيروت، الطبعة الأولى ١٣٣٣هـ.\n٢٥٨ - المصادر العامة للتلقي عند الصوفية، لصادق سليم صادق، رسالة تقدم بها لنيل درجة الماچستير من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية الرياض.\n٢٥٩ - المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي، للعلامة أحمد بن محمد بن علي المقري الفيمي، المكتبة العلمية بيروت.\n٢٦٠ - مصرع التصوف (أو تنبيه الغبي إلى تكفير ابن عربي) للعلامة برهان الدين البقاعي، تحقيق: عبد الرحمن الوكيل، مطبعة السنة المحمدية القاهرة ١٣٧٢هـ.","vol":"1","page":493},{"text":"٢٦١ - المصنف، للحافظ الكبير أبي بكر عبد الرزاق بن همام الصنعاني تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، من منشورات المجلس العلمي، جوهانسبرج، جنوب إفريقيا وكراتشي باكستان وسيملاك دابهيل كوجارات، الهند، المكتب الإسلامي، بيروت الطبعة الثانية ١٤٠٣هـ.\n٢٦٢ - المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية، لابن حجر العسقلاني، تحقيق حبيب الرحمن الأعظمي، توزيع عباس أحمد الباز، مكة المكرمة.\n٢٦٣ - معالم التنزيل للإمام الجليل محيي السنة أبي محمد الحسين بن مسعود الفراء البغوي الشافعي، تحقيق: خالد عبد الرحمن العك ومروان سوار، دار المعرفة بيروت الطبعة الثانية ١٤٠٧هـ.\n٢٦٤ - معالم السنن، للإمام الخطابي، المكتبة العلمية، بيروت، الطبعة الثانية ١٤٠١هـ.\n٢٦٥ - المعجم الأوسط للحافظ الطبراني، تحقيق: الدكتور محمد الطحان، مكتبة المعارف الرياض، الطبعة الأولى ١٤٠٥ هـ.\n٢٦٦ - المعجم الفلسفي، لجميل صليبا دار الكتاب اللبناني الطبعة الأولى ١٩٧٣م.\n٢٦٧ - المعجم الكبير للحافظ أبي القاسم سليمان بن أحمد الطبراني، تحقيق: حمدي عبد المجيد السلفي، مطبعة الوطن العربي، بغداد الطبعة الأولى ١٤٠٠هـ.\n٢٦٨ - معجم المؤلفين، لعمر رضا كحالة مكتبة المثنى، بيروت، دار إحياء التراث العربي، بيروت.\n٢٦٩ - معجم مصطلحات الصوفية، لعبد المنعم الحفني، دار المسيرة، بيروت، الطبعة الثانية ١٤٠٧هـ.\n٢٧٠ - معجم مفردات ألفاظ القرآن، للعلامة الراغب الأصفهاني، تحقيق: نديم مرعشلي، دار الفكر بيروت.\n٢٧١ - المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، وضعه: محمد فؤاد عبد الباقي مؤسسة","vol":"1","page":494},{"text":"جمال للنشر، بيروت.\n٢٧٢ - معجم مقاييس اللغة، لابن فارس، مطبعة عيسى البابي الحلبي، مصر، الطبعة الأولى ١٣٦٦هـ.\n٢٧٣ - المعلم بفوائد مسلم، للإمام أبي عبد الله محمد بن علي بن عمر المازري، تقديم وتحقيق: فضيلة الشيخ محمد الشاذلي النيفر، دار الغرب الإسلام، بيروت الطبعة الثانية ١٩٩٢هـ.\n٢٧٤ - مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة، لشمس الدين محمد بن أبي بكر الشهير بابن قيم الجوزية، مكتبة الرياض الحديثة، الرياض.\n٢٧٦ - المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم، لأبي العباس القرطبي، مخطوط، مصور في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية رقم (٩٤٩٧) ف.\n٢٧٦ - مفيد العلوم ومبيد الهموم، لأبي بكر محمد بن موسى الخوارزمي، تحقيق: عبد الله الأنصاري، المكتبة العصرية، بيروت ١٤٠٠هـ.\n٢٧٧ - مفيد العلوم ومبيد الهموم، منسوب لزكريا بن محمد بن محمود القزويني تحقيق: محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية بيروت ١٤٠٥هـ.\n٢٧٨ - مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، لأبي الحسن الأشعري تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، مكتبة النهضة المصرية مصر الطبعة الأولى ١٣٦٩هـ.\n٢٧٩ - مقدمة ابن خلدون لعبد الرحمن بن خلدون، دار القلم، بيروت، الطبعة الخامسة ١٩٨٤م.\n٢٨٠ - المغني عن حمل الأسفار في تخريج ما في الإحياء من الأخبار، لزين الدين أبي الفضل عبد الرحيم بن حسين العراقي، دار القلم بيروت الطبعة الأولى.\n٢٨١ - المغني في أبواب التوحيد والعدل، للقاضي عبد الجبار المعتزلي تحقيق الدكتور أحمد فؤاد الأهواني وآخرين، مطبعة مصر، القاهرة الطبعة الأولى ١٣٨٢هـ.\n٢٨٢ - الملل والنحل، لأبي الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني تحقيق: محمد سيد كيلاني، دار المعرفة بيروت ١٤٠٢هـ.","vol":"1","page":495},{"text":"٢٨٣ - مناقب الإمام أحمد، لابن الجوزي تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي، دار هجر، الطبعة الثانية ١٤٠٩ هـ، توزيع على نفقة الملك خالد بن عبد العزيز آل سعود ﵀.\n٢٨٤ - المنتقى (شرح موطأ الإمام مالك) لأبي الوليد سليمان بن خلف الباجي، مطبعة السعادة، مصر، الطبعة الأولى ١٣٣٢هـ.\n٢٨٥ - المنتقى النفيس في مناقب قطب دائرة التقديس (أحمد بن إدريس الشريف الحسني المغربي) لصالح بن محمد الجعفري، مطبعة السعادة، مصر، الطبعة الثالثة ١٣٩٥هـ.\n٢٨٦ - المنقذ من الضلال والموصل إلى ذي العزة والجلال، لأبي حامد الغزالي تحقيق: جميل صليبا وكامل عياد، دار الأندلس بيروت.\n٢٨٧ - منهاج السنة النبوية لشيخ الإسلام ابن تيمية تحقيق: الدكتور محمد رشاد سالم، مطابع جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الرياض، الطبعة الأولى ١٤٠٦هـ.\n٢٨٨ - منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة، لعثمان بن علي حسن، مكتبة الرشد الرياض، الطبعة الأولى ١٤١٢هـ.\n٢٨٩ - الموافقات في أصول الشريعة، لإبراهيم بن موسى الشاطبي، تحقيق: عبد الله دراز، دار المعرفة بيروت.\n٢٩٠ - المواقف في علم الكلام (وبهامشه شرحه للجرجاني وحاشية عبد الحكيم السيالكوتي وحسن الفناري) لعضد الدين عبد الرحمن بن أحمد الإيجي، مطبعة السعادة مصر، الطبعة الأولى ١٣٢٥هـ.\n٢٩١ - موسوعة الفلسفة، للدكتور عبد الرحمن بدوي، المؤسسة العربية الطبعة الأولى ١٩٨٤م.","vol":"1","page":496},{"text":"٢٩٢ - الموطأ للإمام مالك بن أنسن قدمه: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء الكتب العربية، عيسى البابي الحلبي وشركاه، مصر.\n(ن)\n٢٩٣ - النبوات، للإمام العلامة شيخ الإسلام تقي الدين أبي العباس أحمد بن تيمية، تحقيق: محمد عبد الرحمن عوض، دار الكتاب العربي، بيروت الطبعة الأولى، ١٤٠٥هـ.\n٢٩٤ - نظرية الاتصال عند الصوفية في ضوء الإسلام لسارة بنت عبد المحسن بن عبد الله ابن جلوي آل سعود، دار المنارة، جدة، الطبعة الأولى ١٤١١ هـ.\n٢٩٥ - نظرية الأحلام، سيجموند فرويد، ترجمة: جورج طرابيشي، دار الطليعة، بيروت الطبعة الأولى ١٩٨٠م.\n٢٩٦ - نقض الدارمي على بشر المريسي (والمسمى أيضًا رد الدارمي عثمان بن سعيد على بشر المريسي العنيد) لأبي سعيد عثمان بن سعيد السجستاني تحقيق: الشيخ محمد حامد الفقي.\n٢٩٧ - النهاية في غريب الحديث والأثر، للإمام مجد الدين أبي السعادات المبارك بن محمد الجزري، الشهير بابن الأثير، تحقيق: طاهر أحمد الزاوي ومحمود محمد الطناحي، دار الباز، مكة المكرمة.\n٢٩٨ - نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول، لأبي عبد الله محمد الحكيم الترمذي، تحقيق وتعليق: الدكتور أحمد عبد الرحيم السايح والدكتور السيد الجميلي، دار الريان للتراث، القاهرة الطبعة الأولى ١٤٠٨هـ.\n(هـ)\n٣٩٩ - هدي الساري مقدمة فتح الباري، للحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، دار المعرفة، بيروت، مصورة عن الطبعة السلفية.","vol":"1","page":497},{"text":"٣٠٠ - هذه هي الصوفية، لعبد الرحمن الوكيل، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الرابعة ١٩٨٤هـ.\n٣٠١ - هياكل النور، للسهروردي، تحقيق: الدكتور محمد علي أبي ريان، المطبعة التجارية القاهرة ١٣٧٧هـ.\n(و)\n٣٠٢ - الوافي بالوفيات، لصلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي، تحقيق: إحسان عباس، فرانز شتاينز، فسبادن، ١٣٨٩هـ.\n٣٠٣ - وحي الله، لحسن ضياء الدين عتر، دار الفنون جدة، الطبعة الثانية.\n٣٠٤ - وفيات الأعيان لأبي العباس أحمد بن محمد بن أبي بكر بن خلكان، تحقيق: الدكتور إحسان عباس، دار صادر بيروت ١٣٩٧هـ.\n٣٠٥ - الوصية الكبرى، رسالة لشيخ الإسلام ابن تيمية إلى أطباع عدي بن مسافر الأموي، تقديم وتعليق: محمد عبد الله النمر وعثمان جمعة ضميرية، دار الفاروق الطائف الطبعة الثانية ١٤١٠هـ.\n(ي)\n٣٠٦ - اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر (وبهامشه الكبريت الأحمر في بيان علوم الشيخ الأكبر) لعبد الوهاب الشعراني، المطبعة الأزهرية، مصر، الطبعة الثالثة، ١٣٣١هـ.","vol":"1","page":498},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-109>من إصدارات الصندوق الخيري\nلنشر البحوث والرسائل العلمية</span>\n(١) بيع التقسيط وأحكامه (مجلد) ... سليمان بن تركي التركي\n(٢) أخذ المال على أعمال القرب (مجلدان) ... عادل بن شاهين شاهين\n(٣) الغش وأثره في العقود (مجلدان) ... د. عبد الله بن ناصر السلمي\n(٤) حماية البيئة والموارد الطبيعية ... فهد بن عبد الرحمن الحمودي\n(٥) أحاديث البيوع المنهي عنها: رواية ودراية (مجلد) ... خالد بن عبد العزيز الباتلي\n(٦) أحكام التعامل في الأسواق المالية المعاصرة (مجلدان) ... د. مبارك بن سليمان آل سليمان\n(٧) ضوابط الثمن وتطبيقاته في عقد البيع (مجلد) ... سمير عبد النور جاب الله\n(٨) أحكام الدين (دراسة حديثية فقهية) (مجلد) ... سليمان بن عبد الله القصير\n(٩) استيفاء الحقوق من غير قضاء (مجلد) ... د. فهد بن عبد الرحمن اليحيى\n(١٠) استثمار أموال الزكاة (مجلد) ... صالح بن محمد الفوزان\n(١١) المنح الشافيات بشرح مفردات الإمام أحمد (مجلدان) ... ت. أ. د عبد الله بن محمد المطلق\n(١٢) أحكام الرجوع في عقود المعاوضات المالية (مجلدان) ... د. فضل الرحيم محمد عثمان\n(١٣) تسليم المطلوبين بين الدول في ... زياد بن عابد المشوخي","vol":"1","page":505},{"text":"الفقه الإسلامي (مجلد)\n(١٤) أحكام نقل الأعضاء في الفقه الإسلامي (مجلدان) ... د. يوسف بن عبد الله الأحمد\n(١٥) الترتيب في العبادات في الفقه الإسلامي (مجلدان) ... د. عبد الله بن صالح الكنهل\n(١٦) الشرط الجزائي وأثره في العقود المعاصرة (مجلد) ... د. محمد بن عبد العزيز اليمني\n(١٧) النسب ومدى تأثير المستجدات العلمية في إثباته (مجلد) ... د. سفيان بن عمر بورقعة\n(١٨) أحكام الهندسة الوراثية ... د. سعد بن عبد العزيز الشويرخ\n(١٩) أحكام لزوم العقد ... د. عبد الرحمن بن عثمان الجلعود\n(٢٠) كتاب التنبيه .. لأبي الفضل السلامي ... حسين بن عبد العزيز باناجه\n(٢١) القواعد والضوابط الفقهية في الضمان المالي ... د. حمد بن محمد الجابر الهاجري\n(٢٢) التدابير الواقية من انتكاسه المسلم ... سارة بنت عبد الرحمن الفارس\n(٢٣) شرح مشكل الوسيط، لابن الصلاح (ج١+٢) ... د. عبد المنعم خليفة أحمد بلال\n(٢٤) شرح مشكل الوسيط لابن الصلاح (٣+٤) ... د. محمد بلال بن محمد أمين\n(٢٥) التحسين والتقبيح العقليان وأثرهما في مسائل أصول الفقه ... د. عايض الشهراني","vol":"1","page":506},{"text":"د. أحمد بن عبد الرحمن الرشيد\n(٢٦) الحاجة وأثرها في الأحكام\n(٢٧) أحكام المعابد ... عبد الرحمن بن دخيل العصيمي\n(٢٨) دفع الدعوى الجزائية أثناء المحاكمة ... عبد الرحمن بن سليمان البليهي\n(٢٩) الرؤى عند أهل السنة والجماعة والمخالفين ... د. سهل بن رفاع العتيبي\n(٣٠) أحكام التلقيح غير الطبيعي ... د. سعد بن عبد العزيز الشيويرخ\n(٣١) الموسوعة الشاملة لمذهب الروحية الحديثة ... د. علي بن سعيد العبيدي\n(٣٢) الانتخابات وأحكامها في الفقه الإسلامي ... فهد بن صالح العجلان\n(٣٣) آراء أبي الحسن السبكي الاعتقادية ... عجلان بن إبراهيم العجلان\n\n* * *\nتم بحمد الله\nوسبحان ربك رب العزة عما يصفون\nوسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين","vol":"1","page":507}]}