{"ً":{"ٌ":358,"ٍ":"حقيقة التأويل - ضمن «آثار المعلمي»","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"files":["https://archive.org/download/moalemee/06_137186s.pdf"]},"ّ":"الكتاب: حقيقة التأويل\n[آثار عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني (٦)]\nالمؤلف: عبد الرحمن بن يحيى المُعَلِّمي اليماني (١٣١٣ - ١٣٨٦ هـ)\nالمحقق: عدنان بن صفا خان البخاري\nراجعه: مُحَمَّد أجمَل الإصلَاحِي - سُعُود بن عَبد العزيز العُريفي\nالناشر: دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع\nالطبعة: الأولى، ١٤٣٤ هـ\nقدمه للشاملة: مؤسسة «عطاءات العلم»، جزاهم الله خيرا\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":178,"ٕ":1,"ٖ":1780758583,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["6"],"ٚ":[{"title":"مقدمة المؤلف.","level":1,"page":2},{"title":"الباب الأول: في معنى التأويل، لغة واصطلاحا.","level":1,"page":3},{"title":"الفرق بين «آل» و«حال»، وبين «حال» و«استحال».","level":2,"page":3},{"title":"اشتقاق التأويل، وإطلاقاته، ومعنى تأويل الرؤيا، وتأويل الفعل، وتأويل اللفظ.","level":2,"page":4},{"title":"معنى قوله - ﷺ - لابن عباس: «علمه التأويل».","level":2,"page":6},{"title":"الباب الثاني: مقدمة في الصدق والكذب.","level":1,"page":7},{"title":"نعمة الكلام على الناس وفضيلة الصدق.","level":2,"page":8},{"title":"تشديد الشارع في الكذب.","level":2,"page":9},{"title":"علامات المنافق المذكورة في الحديث تدور كلها على الكذب.","level":2,"page":10},{"title":"الترخيص في بعض ما يسمى كذبا.","level":2,"page":11},{"title":"المقصود بالكذب المرخص به عند الضرورة.","level":2,"page":12},{"title":"عدم خلو الكذب من المفاسد ولو كان لضرورة.","level":2,"page":12},{"title":"كذبات إبراهيم ﵊ كانت من باب التورية، مع تسميتها كذبات.","level":2,"page":14},{"title":"ثلاثة أنواع أخرى من الكلام داخل تحت التورية، وأمثلة عليها.","level":2,"page":15},{"title":"مؤدى ما سبق استحالة كذب الله تعالى أو رسوله - ﷺ - في كلامهما.","level":2,"page":18},{"title":"الباب الثالث: في حكم التأويل.","level":1,"page":19},{"title":"اللفظ المراد تأويله لا يخلو عن أن يكون: في العقائد، أو الأخبار، أو الأحكام.","level":2,"page":19},{"title":"الفصل الأول: تأويل النصوص الواردة في العقيدة.","level":2,"page":20},{"title":"نصوص العقيدة على ضربين: ما ورد في عقيدة كلف الناس باعتقاده، أوبخلافه.","level":3,"page":20},{"title":"العقيدة الواجبة هي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت والقدر","level":3,"page":20},{"title":"تفاصيل العقيدة راجعة إلى أركان الإيمان الستة الآنف ذكرها.","level":3,"page":21},{"title":"عامة ما ذكر من العقيدة الواجبة يمكن إدراكه بالعقل.","level":3,"page":22},{"title":"محدودية عقل المخلوق، والجهل بحكمة بعض الأمور لا يخدش في موافقتها للعقل.","level":3,"page":23},{"title":"الضروريات في الإيمان معلومة من الدين بالضرورة وتأويلها بما ينافي ذلك كفر.","level":3,"page":25},{"title":"الاختلاف في نصوص الصفات بين مجريها على الظاهر وبين مؤوليها بقرائن متوهمة.","level":3,"page":26},{"title":"الجواب من وجهين عن احتجاج المؤولين للصفات بتأويل السلفيين لمعية الله.","level":3,"page":26},{"title":"قام البرهان على وجوب حمل النصوص على ظواهرها","level":3,"page":26},{"title":"من تفصيلات ضروريات الإيمان ما لا يتوقف الإيمان بها أو بالعلم بها.","level":3,"page":26},{"title":"اللفظ الظاهر قد يكون ظاهرا في نفسه ولكن اقترن به ما يصير له معنى آخر، ومثاله","level":3,"page":27},{"title":"العقل لا يصح أن يكون قرينة لصرف اللفظ عن ظاهره إلا إذا كان بديهيا للمخاطبين","level":3,"page":27},{"title":"عدم إرادة المتكلم للظاهر مع انتفاء القرينة المدركة لصرفه عنه = يجعل كلامه كذبا.","level":3,"page":27},{"title":"وجوه في الجواب عن شبهة من جعل آية ﴿ليس كمثله شيء﴾ ونحوها قرينة للتأويل.","level":3,"page":28},{"title":"الفرق بين آيات الصفات وآيات التحليل والتحريم.","level":3,"page":29},{"title":"كثير من القوانين لا تطابق الحكمة في كل فرد، وإنما روعي مطابقتها في الأغلب.","level":3,"page":29},{"title":"إبطال قول من زعم أن الشرع استحسن الكذب بما يوافق اعتقاد الناس لإصلاحهم.","level":3,"page":31},{"title":"عند هؤلاء أن عامة الصحابة والتابعين وغالب الأمة مخطئون في اعتقادهم.","level":3,"page":31},{"title":"لو سلم أن الكذب قد يكون حسنا، فإنما ذلك من الإنسان العاجز المحتاج.","level":3,"page":32},{"title":"كان في الصحابة جماعة من أهل الذكاء يلازمون النبي - ﷺ - فكان ينبغي أن يبوح لهم بالحقيقة.","level":3,"page":32},{"title":"إبطال قول من زعم أن الصحابة أمروا بكتمان حقيقة ما يعتقده العامة من الكذب.","level":3,"page":33},{"title":"مذهب بعض نفاة الصفات أن ما ورد في هذا الباب من الأمور المحيرة.","level":3,"page":34},{"title":"مذاهب من أثبت الصفات على ظاهرها، بين مؤول ومثبت لها على الظاهر دون تأويل","level":3,"page":34},{"title":"إبطال قول من جعل مذهب مثبتي الصفات على ظاهرها كمذهب المشبهة والمجسمة.","level":3,"page":35},{"title":"غالب صفات الأشياء يختلف تصورها تبعا لاختلاف تصور الموصوف بها.","level":3,"page":35},{"title":"لا ندرك من صفات الله تعالى إلا بما يشبه ما يتصف به المخلوق بقدر مشترك في الجملة.","level":3,"page":35},{"title":"باتفاق العقلاء لا يدرك شيء إلا إن تناوله الإحساس أوبفرد مماثل له مع قدر مشترك.","level":3,"page":35},{"title":"اليأس من إيجاد صورة ذهنية لصفة تليق بالله ينتج اعترافا بالعجز أوإنكارا للصفة.","level":3,"page":37},{"title":"ضرب أمثلة واقعية لبيان أن الإنسان يجحد بما لا يحس به من الأمور وبما لا يشبهه.","level":3,"page":38},{"title":"ضلال النفاة لأحد أمور: قلة معرفة بالشرع، أوتقديس للفلاسفة، أوتطلعهم لما لا يدرك.","level":3,"page":40},{"title":"مدى العقل كضعف البصر، فلكليهما حد ينتهي إليه، ثم يتوهم بعد ذلك خطأ.","level":3,"page":40},{"title":"كل شبهة عقلية زعم أنها برهان قاطع وجد من ينقضها ثم ثالث يدفع النقض وهكذا.","level":3,"page":41},{"title":"من شبه العقلانيين الاستقراء، وهو استقراء مبني على ما تطاله حواسهم، وأمثلة عليه.","level":3,"page":42},{"title":"العقل ينفي بعض الأشياء لأنه لم يدركها، أو لم يدرك صحتها، أو مطابقتها للحكمة.","level":3,"page":43},{"title":"من صفات الله ما لا شبهة فيه للمنكر، ومنها ما شبهتها من الفلاسفة فيجب ردها.","level":3,"page":45},{"title":"من صفات الله ما تعرض فيه الشبهة لكل أحد، وهذه يجب صرف الذهن عنها.","level":3,"page":45},{"title":"الاختلاف بين أوائل الفلاسفة وأواخرهم وتخطئة بعضهم بعضا يدل أن عقولهم قاصرة.","level":3,"page":45},{"title":"تفصيل القول في آية: ﴿هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب ..﴾.","level":3,"page":46},{"title":"﴿هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات ..﴾ كادت تصير متشابهة للاختلاف فيها!","level":3,"page":46},{"title":"القرآن كله محكم وكله متشابه، ومنه محكم ومنه متشابه، ومعنى ذلك بالتفصيل.","level":3,"page":47},{"title":"معنى كون الآيات متشابهات، ومعاني المتشابه فيها.","level":3,"page":47},{"title":"متى يكون ابتغاء الآيات المتشابهة من الزيغ المذموم؟ ومعنى قوله: ﴿والراسخون في العلم﴾؟","level":3,"page":49},{"title":"الرسوخ في العلم حال قلبية، وليس عن كثرة العلم، والناس متفاوتون فيه.","level":3,"page":53},{"title":"علامة الراسخ في العلم والزائغ فيه، وما دلت عليه الدلائل من علامتهما.","level":3,"page":55},{"title":"ذكر كلام الراغب الأصبهاني، ومناقشته في أضرب مشتبه المعنى واللفظ في القرآن.","level":3,"page":57},{"title":"من شبه أو أؤل صفات الله التي لا يعلم حقيقتها إلا هو فقد زعم أنه أدرك حقيقة معناها.","level":3,"page":60},{"title":"مثبت صفة الله على ظاهرها ومحيل علمه بكنهها إليه هو أحق بقوله: ﴿آمنا به كل من عند ربنا﴾.","level":3,"page":61},{"title":"بيان الفائدة من إنزال المتشابه في القرآن مع أنه نزل هدى للعالمين وأمرنا بتدبره مطلقا.","level":3,"page":61},{"title":"من فوائد إنزال المتشابه في القرآن الإيمان به وإن لم يدرك كنهه، ومن فوائده الابتلاء به.","level":3,"page":62},{"title":"الفصل الثاني: تأويل النصوص الشرعية الواردة في الإخبار عن الوقائع.","level":2,"page":64},{"title":"الإخبار بما لا نحس به وبما ليس من جنسه حكمه كالعقائد في وجوب الإيمان وترك التأويل.","level":3,"page":64},{"title":"رد حجة المؤولين للأخبار عن بعض المحسوسات بحجة مخالفتها للعقل أوالحس أوالتواتر.","level":3,"page":64},{"title":"حل شبهة أن ترك بعض الأخبار على ظاهرها دون تأويل يسلط أعداء الإسلام عليه.","level":3,"page":66},{"title":"اليقين الحاصل بالبراهين على صحة خبر الله ورسوله - ﷺ - يوجب رد الشبهات المخالفة له.","level":3,"page":67},{"title":"حل كل الشبهات حلا يقنع الخصم لا يمكن إلا بتحرى الخصم لطلب الحق وتركه التقليد.","level":3,"page":67},{"title":"رد المؤلف على من كذب أهل الفلك والطبيعة فيما ظنه مخالفا من قولهم لظاهر الوحي.","level":3,"page":68},{"title":"الشرع لبيان أحكام الدين، ولم يأت لتعليم العلوم الكونية، وما يقع منه يكون عرضا.","level":3,"page":68},{"title":"من العلوم الكونية ما لا فائدة في علمه، ومنها ما فيه فائدة، ولكنه لا يتوقف على الوحي.","level":3,"page":69},{"title":"العلوم الكونية متسعة جدا وقد قضى الله تعالى أن يكون ظهورها في أوقات متراخية.","level":3,"page":69},{"title":"من الأحكام الشرعية ما لا يدرك بالنظر، وما يدرك به فهو مظنة الاختلاف وجور الحكام.","level":3,"page":69},{"title":"ليس كل حاكم كاملا في العقل والفهم والنظر حتى يدرك بنظره جميع الأحكام بعدل.","level":3,"page":69},{"title":"اجتماع جماعة العقلاء لوضع القوانين لا يكفي؛ لقصر نظرهم، واحتمال ميلهم وتعصبهم.","level":3,"page":69},{"title":"غالب القوانين الوضعية تختل الحكمة المقصودة منها في كثير من الجزئيات الداخلة فيها.","level":3,"page":69},{"title":"القوانين الشرعية يؤمن فيها الغلط والميل والعصبية ويقبلها الناس طيبة بها نفوسهم.","level":3,"page":70},{"title":"أمثلة على حصول الظن والخطأ من النبي - ﷺ - عند الكلام على بعض أمور الدنيا.","level":3,"page":70},{"title":"مناقشة المؤلف للطحاوي في حمل همه - ﷺ - النهي عن الغيل على الظن من ثلاثة وجوه.","level":3,"page":71},{"title":"أمثلة على إتيان الشرع بما يشير لمسائل طبيعية بمعرض ديني إجمالا إن دعت ضرورة إليه.","level":3,"page":73},{"title":"ليس المقصود مما جاء في الشرع من علوم الطبيعة التعريف بكنهها وحقيقتها وكيفيتها، وإنما ورد تنبيها على الآيات والمثلات، وليس من مقتضى هذا جواز أن يكون الواقع ظاهرها.","level":3,"page":74},{"title":"المتكلم يعتني بالمعنى المقصود بالذات، وما ذكر عرضا لا يعتني به، فيوكل تحقيقه إلى موضعه.","level":3,"page":74},{"title":"المسألة إذا ذكرت في غير بابها استطرادا، ثم ذكرت في بابها مع مخالفة فالمعتمد فيها ما في بابها.","level":3,"page":74},{"title":"المتكلم في علم قد يذكر أثنائه قاعدة من علم آخر يكون ظاهر كلامه أنها كلية ولكن لا يعتد بها.","level":3,"page":74},{"title":"قاعدتا: قلب الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، وحذف أحد الساكنين إذا التقيا= ليستا مطلقتين.","level":3,"page":75},{"title":"الكتب الموضوعة يذكر فيها ما يكون أقرب لفهم المبتدئين، وإن لم يكن صحيحا في نفسه.","level":3,"page":75},{"title":"على المعلم تجنب ما يشغل أذهان الطلبة عما لا يفيدهم في علمهم، وكان النبي - ﷺ - يفعل ذلك.","level":3,"page":76},{"title":"قد يخبر الوحي عن علوم الطبيعة بشيء يكون ظاهره مرادا مخالفا للحقيقة وقد لا يكون مرادا.","level":3,"page":76},{"title":"أجاز الجمهور تأخير البيان إلى وقت الحاجة، كورود نص عاما ثم تخصيصه عند العمل.","level":3,"page":76},{"title":"جرى من عادة خطاب الناس بينهم أن مجمل كلامهم أوعمومه يحصل بيانه وقت الحاجة إليه.","level":3,"page":77},{"title":"إذا ورد نص ظاهر على حكم كان ظاهرا لفظا لا معنى، فإن جاء وقت العمل به ولم يبين أنه خلاف الظاهر علم أنه مراد من جهة المعنى أيضا، ولا يعد تأخير بيانه كذبا.","level":3,"page":78},{"title":"أمثلة على أن معرفة الصفة الطبيعية للشيء والاطلاع عليه يحصل به مراد الشارع من كلامه.","level":3,"page":78}],"ٛ":{"6,3":1,"6,5":2,"6,6":3,"6,7":4,"6,8":5,"6,9":6,"6,10":7,"6,11":8,"6,12":9,"6,13":10,"6,14":11,"6,15":12,"6,16":13,"6,17":14,"6,18":15,"6,19":16,"6,20":17,"6,21":18,"6,22":19,"6,23":20,"6,24":21,"6,25":22,"6,26":23,"6,27":24,"6,28":25,"6,29":26,"6,30":27,"6,31":28,"6,32":29,"6,33":30,"6,34":31,"6,35":32,"6,36":33,"6,37":34,"6,38":35,"6,39":36,"6,40":37,"6,41":38,"6,42":39,"6,43":40,"6,44":41,"6,45":42,"6,46":43,"6,47":44,"6,48":45,"6,49":46,"6,50":47,"6,51":48,"6,52":49,"6,53":50,"6,54":51,"6,55":52,"6,56":53,"6,57":54,"6,58":55,"6,59":56,"6,60":57,"6,61":58,"6,62":59,"6,63":60,"6,64":61,"6,65":62,"6,66":63,"6,67":64,"6,68":65,"6,69":66,"6,70":67,"6,71":68,"6,72":69,"6,73":70,"6,74":71,"6,75":72,"6,76":73,"6,77":74,"6,78":75,"6,79":76,"6,80":77,"6,81":78,"6,82":79,"6,83":80,"6,84":81},"ٜ":{"6":[3,84]},"ٝ":["6,3","6,5","6,6","6,7","6,8","6,9","6,10","6,11","6,12","6,13","6,14","6,15","6,16","6,17","6,18","6,19","6,20","6,21","6,22","6,23","6,24","6,25","6,26","6,27","6,28","6,29","6,30","6,31","6,32","6,33","6,34","6,35","6,36","6,37","6,38","6,39","6,40","6,41","6,42","6,43","6,44","6,45","6,46","6,47","6,48","6,49","6,50","6,51","6,52","6,53","6,54","6,55","6,56","6,57","6,58","6,59","6,60","6,61","6,62","6,63","6,64","6,65","6,66","6,67","6,68","6,69","6,70","6,71","6,72","6,73","6,74","6,75","6,76","6,77","6,78","6,79","6,80","6,81","6,82","6,83","6,84"],"ٞ":{"2":[1],"3":[2,3],"4":[4],"6":[5],"7":[6],"8":[7],"9":[8],"10":[9],"11":[10],"12":[11,12],"14":[13],"15":[14],"18":[15],"19":[16,17],"20":[18,19,20],"21":[21],"22":[22],"23":[23],"25":[24],"26":[25,26,27,28],"27":[29,30,31],"28":[32],"29":[33,34],"31":[35,36],"32":[37,38],"33":[39],"34":[40,41],"35":[42,43,44,45],"37":[46],"38":[47],"40":[48,49],"41":[50],"42":[51],"43":[52],"45":[53,54,55],"46":[56,57],"47":[58,59],"49":[60],"53":[61],"55":[62],"57":[63],"60":[64],"61":[65,66],"62":[67],"64":[68,69,70],"66":[71],"67":[72,73],"68":[74,75],"69":[76,77,78,79,80,81],"70":[82,83],"71":[84],"73":[85],"74":[86,87,88,89],"75":[90,91],"76":[92,93,94],"77":[95],"78":[96,97]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"الرسالة الأولى\nحقيقة التأويل","vol":"6","page":3},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nالحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجًا، ويسّر الدّين لعباده ولم يجعل في معرفته ضيقًا ولا حرجًا، وأشهد ألَّا إله إلَّا الله وحده لا شريك له، شهادة من تحقّق بها فقد نجا، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، السّالك بمتبعيه سراطًا قيِّمًا وسبيلًا منهجًا، فأقامهم على أوضح المسالك، وتركهم على البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلَّا هالك، صلّى الله وسلّم وبارك عليه وعلى آله، ورضي الله عن صحابته المتقدمين بقاله وحاله.\nأمّا بعد:\nفهذه رسالةٌ في حقيقة التأويل، وتمييز حقه من باطله، وتحقيق أنّ الحقَّ منه لا يلزم من القول به نسبة الشريعة إلى ما نزَّهها الله ﷿ عنه من الإيهام والتورية، والإلغاز والتّعمية، ومن الله ﷿ أستمدُّ المعونة والتوفيق.","vol":"6","page":5},{"text":"الباب الأول: في معنى التأويل\nالتأويل في اللغة: مصدر أوّل يُؤوِّل، وأوّل فعَّل ــ بتشديد أوسطه ــ ثلاثيُّه آل يَؤوْلُ أوْلًا.\nقال أهل اللغة: الأوْلُ الرجوع. وهذا تفسيرٌ تقريبي.\nوأغلب ما تستعمل في الرجوع، الذي فيه معنى الصَّيرورة.\nومن أمثلة اللغويين: \"طُبِخَ الشَّراب فآل إلى قَدْر كذا وكذا\". ولذلك عدَّ بعض النُّحاة \"آل\" في الأفعال التي تجيء بمعنى \"صار\"، وتعمل عملها.\nو\"آل\" قريبٌ من معنى \"حال\"، أي: تَحَوَّل من حالٍ إلى حال، وأكثر ما يقال: اسْتَحَال. وفي الحديث: \"فاسْتَحالَت غَرْبًا\" (^١)، إلَّا أنَّ \"حال\" و\"اسْتَحَال\" يختص بما تحوَّل إلى حالٍ غير ناشئةٍ عن حالهِ الأولى؛ و\"آل\" تكون حاله الثانية ناشئة عن الأولى، كقولك: \"ربما تَؤُول البدعة إلى الكفر\". أو ناشئة عما جُعل \"آل\" غاية له، كقولهم: \"طُبِخَ الشَّراب حتى آل إلى قَدْر كذا وكذا\".\nوفرقٌ ثان، وهو أنّ \"حال\" و\"اسْتَحَال\" قد يكون بسرعة، كما في الحديث: \"فاسْتَحَالَت غَرْبًا\". و\"آل\" يقتضي أنَّه بعد مُدَّةٍ، كما في \"طُبِخَ الشَّراب\"، أو ما هو كالمُدَّة، وذلك أن يكون في رجوع الشيء إلى الشيء بغموضٍ وخفاء، كقولك: إنّ إخراج النصوص الشرعية عن ظواهرها بمجرّد الرأي والهوى يؤول إلى الكفر؛ تريد أنّه كفر، إلَّا أنّ كونه كفرًا إنّما يُعْلَم بعد\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٦٨٢) من حديث ابن عمر ﵄، وبرقم (٧٤٧٥) ومسلم (٢٣٩٢) من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"6","page":6},{"text":"تروٍّ وتدبُّرٍ؛ ولذلك لا يكفر كلُّ من فعل ذلك؛ لأنّه قد يكون معذورًا.\nوالتّأويل مأخوذٌ من هذا، فهو أن يجعل الكلام يؤول إلى معنى لم يكن ظاهرًا منه، فآل الكلامُ إلى أنْ حُمِلَ على ذلك المعنى بعد أن كان غير ظاهرٍ فيه.\nوالتّأويل قد يكون للرُّؤيا، وقد يكون للفعل، وقد يكون للَّفظ.\nفأمّا تأويل الرُّؤيا: فالأصلُ فيه أنّه مصدر أَوَّلَ العابرُ الرُّؤيا تأويلًا، أي: ذكر أنَّها تؤول إلى كذا، ويذكر ما يزعم أنّه رمز بها إليه.\nوكثيرًا ما يُطلق على المعنى الذي تؤول به، ومنه ــ والله أعلم ــ قول الله ﷿ حكاية عن جلساء ملك مصر: ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ﴾ [يوسف: ٤٤]، ومواضع أخرى في سورة يوسف.\nويطلق على نفس الواقعة التي كانت الرؤيا رمزًا إليها، ومنه ــ والله أعلم ــ قول الله ﷿ حكاية عن يوسف ﵇: ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ﴾ [يوسف: ١٠٠]؛ فجعل نفس سجود أبويه وإخوته له هو تأويل رؤياه التي ذكرها بقوله: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤].\nوأمّا تأويل الفعل: فهو توجيهه بذكر الباعث عليه والمقصود منه؛ فيتبين بذلك أنه على وفق الحكمة بعد أن كان متوهما فيه أنّه مخالفٌ لها، ومنه ما حكاه الله ﷿ عن الخضر: ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٧٨].\nوقد يطلق على العاقبة التي يؤول إليها الفعل؛ وبه فسّر قتادة وغيره قول الله ﷿: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩].","vol":"6","page":7},{"text":"وأمّا تأويل اللفظ: فالأصل فيه أن يحمل على معنى لم يكن ظاهرًا منه، فالكلام الذي لا يظهر معناه لكثيرٍ من سامعيه يكون بيان أنّ معناه كذا تأويلًا، والكلام الذي يظهر منه معنىً يكون بيان أنّ معناه غير ذلك الظاهر تأويلًا.\nويُطلَق على نفس المعنى الذي حُمِل عليه.\nويُطلَق على نفس الحقيقة التي عُبّر عنها باللفظ؛ فإذا قال المفسِّر في قوله تعالى: ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ [القلم: ٢٥]، ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ١٥]، ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩]، ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان: ٦٨]، ﴿سَأُرْهِقُهُ (^١) صَعُودًا﴾ [المدثر: ١٧]. \"الحَرْدُ\": المنعُ، \"ويلٌ وغيٌّ وأثام\": أوديةٌ في جهنم. و\"صَعُودٌ\": جبلٌ فيها. فحَمْلُه إيّاها على هذه المعاني هو التّأويل بالإطلاق الأوّل.\nونفسُ تلك المعاني هي التأويل بالإطلاق الثاني.\nيُقال: ما تأويل الحَرْد؟ فيُقال: المنع، وما تأويل صَعُود؟ فيُقال: تأويله أنّه جبل في جهنم.\nونفس المنع، وتلك الأودية، وذلك الجبل: هي التأويل بالإطلاق الثالث.\nويحتمل الأوّل والثّاني دعاءُ النبي - ﵌ - لابن عباس: \"اللهم فقِّهْهُ في الدّين وعلّمه التّأويل\" (^٢).\n_________\n(^١) في الأصل: \"سنرهقه\".\n(^٢) أخرجه البخاري (١٤٣) ومسلم (٢٤٧٧) من حديث ابن عباس، دون قوله: \"وعلمه التأويل\". وأخرجه بهذا التمام أحمد (١/ ٢٦٦) وابن حبان في \"صحيحه\" (٧٠٥٥) والحاكم في \"المستدرك\" (٣/ ٦١٥) وصحَّح إسناده، وقال البوصيري في \"إتحاف الخيرة المهرة\" (٧/ ٢٨٥): \"بسند صحيح\".","vol":"6","page":8},{"text":"وفي رواية: \"اللَّهم علِّمه الحكمة وتأويل الكتاب\" (^١).\nوقد ذكر الحافظ طرق الحديث في \"الفتح\"، في كتاب العلم، في شرح باب قول النبي - ﵌ -: \"اللَّهم علّمه الكتاب\" (^٢).\nويحتمل أن يكون المراد: \"عَلِّمه كيف يؤول\"؛ فيكون من الإطلاق الأول، ويحتمل أن يكون المراد: \"علِّمه المعاني التي تؤول إليها ألفاظ الكتاب\"، فيكون من الإطلاق الثاني، والله أعلم.\nومن الثالث: قول الله ﵎: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٥٢ ــ ٥٣]، وقوله ﷿: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى .... بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ [يونس: ٣٧ ــ ٣٩].\n_________\n(^١) أخرجها البخاري (٣٧٥٦) من حديث ابن عباس، دون قوله: \"وتأويل الكتاب\". وأخرجها بهذا التمام ابن ماجه (١٦٦) من طريق عبد الوهاب الثقفي عن خالد الحذَّاء عن عكرمة عن ابن عباس ﵄. قال الحافظ في \"الفتح\" (١/ ١٧٠): \"هذه الزيادة مستغربة من هذا الوجه، فقد رواه الترمذي والإسماعيلي وغيرهما من طريق عبد الوهاب بدونها، وقد وجدتها عند ابن سعد من وجهٍ آخر عن طاوس عن ابن عباس ... \".\n(^٢) الفتح (١/ ١٧٠).","vol":"6","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>الباب الثاني: مقدمة في الصدق والكذب</span>\nاعلمْ أنَّ من أعظم نِعَم الله ﷿ على عباده تيسيره لهم الكلام، الذي يتفاهمون به، ولولاه لكانوا كالأنعام أو أضل سبيلًا. أَلَا ترى أنَّ الإنسان إذا نَشَأ مُنْفَرِدًا عن أبناء جِنْسه لا يُدرِك إلَّا ما وقعت عليه حواسُّه، والحواسُّ لا تهتدي إلى حقائق الأشياء، فإذا رأى مثلًا شجرةً لم يهْتَدِ إلى معرفة نفعها من ضرّها إلَّا بتجربةٍ، والتجربة قد تُودِي بحياته، ثمَّ لا يهتدي إلى صفة استنباتها، والقيام عليها وإصلاحها إلَّا بتجربةٍ، قد يفوز فيها، وقد لا يفوز. ولعلَّه يقضي عمره كلَّه في بضع تجارب، ولا يتفرَّغ مع ذلك للنظر في غير قوته، فلا يمكنه تحصيل علمٍ، ولا إتقان صناعةٍ، ولا معرفة ما لم يقع عليه بصرُه من الأرض. فأمّا الدِّين فلا وَصْلَة بينه وبينه إلَّا بعض أمورٍ كليةٍ، إذا قُضِيَ له أن يتفرّغ لها، ورُزِقَ عقلًا صحيحًا، وذكاءً مرهفًا.\nثُمّ إذا اجتمع هذا بأمثاله، ولم يكن هناك كلامٌ يتفاهمون به، فقد يتعاونون على تحصيل القُوت ونحوه تعاون النمل والنحل، ولكنَّه لا يستطيع أحدهم أنْ يُطْلِعَ الآخر على ما اطَّلَعَ عليه، إلَّا بأن يذهب به إلى ذلك الشيء حتى يَقِفَه عليه، فإذا كان الذي اطَّلَعَ عليه الأول معنىً من المعاني تعذَّر إطْلَاعُه الآخر عليه.\nنعم هنالك الإشارة، ولكنَّها ضئيلة الفائدة عسرة الفهم، وأنت ترى الأخرس وما يُعانيه من مشقَّة الحياة، وترى الغريب إذا دخل بلد قومٍ لا يعرفها، ولا يعرف لغتهم، ولا يعرفون لغته ما تكون حاله! فيسَّر الله ﷿ للنَّاس بالكلام أنْ يَطَّلِعَ أحدهم على جميع ما اطَّلَعَ عليه ألوفٌ منهم بأيسر وقتٍ.","vol":"6","page":10},{"text":"فالقضية التي لا يُمكن أن يفهمها بالإشارة، أو يمكن أن يفهمها بعد صرف ساعةٍ أو ساعتين يفهمها بكلمةٍ واحدةٍ، وبذلك بَلَغَ الإنسانُ إلى ما تراه من العِلْم والمدنيَّة.\nإذن فلولا الكلام لكان الناس كالأنعام. فنعمةٌ هذا شأنها وخطرها ما عسى أن يكون حالُ من استعملها في نقيض مقصودها؟!\nأَلَا ترى لو أنَّ امرأةً سافرت برضيعها، فنَزَلَت في بيتٍ من مدينة، ثم تَرَكَت طفلها وخَرَجَت، ولمَّا أرادت الرجوع إلى البيت لإرضاع طفلها لم تهتد إلى الطريق، فسألت شخصًا، وذكرت له اسم المحلَّة، فأرشدها إلى الطريق، فرَجَعَت إلى طفلها، فوجدته يكاد يموت، وعَلِمَت أنها لو تأخَّرَت ساعةً مات؛ فأرضعته. ثم تدبَّرَت نعمة الكلام، أليست تعلمُ أنَّها لو كانت بكماء لمات ابنها.\nفافرض أنّ الذي سَأَلَتْه كذب عليها، فأراها طريقًا تؤدي إلى محلَّة أخرى فذهبت فيها، فمَشَت ساعةً أو أكثر، ثمَّ تبيَّن لها الأمر فسألت آخر فأرشدها، فلم تبلغ البيت إلَّا وقد مات طفلها، أليست تتمنَّى أنَّ الذي كذب عليها لم يُخْلَق، أو أنّه كان أصمَّ لا يسمع سؤالها، أو نحو ذلك؟ بلى، وكلُّ إنسان يتمنَّى معها ذلك.\nثم افرض أنَّ الذي أخبرها أوَّلًا وَرَّى في خبره، كأن قال لها: هذا القطار يذهب إلى تلك المحلَّة، وأومأ إلى قطار ذاهب إلى جهةٍ أخرى، وعَنَى أنَّه عند رجوعه يذهب إلى تلك المحلَّة أَلَا تكون النتيجة واحدة، والمفسدة واحدة؟ سواء أَوَرَّى أم لم يُوَرِّ.","vol":"6","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>تشديد الشارع في الكذب</span>\nأمّا الكذب على الله ﷿؛ بأن تُخبر عن الله بما لا علم لك به، ومنه الكذب على رسوله في أمور الدين، فقد نصَّ القرآن على أنَّه من أشد الكفر، وقد أوضحنا هذا في رسالة \"العبادة\"، بما لا مزيد عليه.\nوأمّا الكذب في غير ذلك؛ ففي \"الصحيحين\" (^١) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﵌ -: \"آية المنافق ثلاثٌ: إذا حدَّث كَذَب، وإذا وَعَد أخلَفَ، وإذا اؤتُمِن خان\".\nزاد مسلم (^٢) ــ بعد قوله: \"ثلاثٌ\" ــ: \"وإنْ صام وصلَّى وزَعَم أنَّه مسلم\".\nوفيهما (^٣): عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله - ﵌ -: \"أربعٌ من كنّ فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهنَّ كانت فيه خصلةٌ من النفاق حتى يَدَعَها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدَّث كَذَب، وإذا عاهد غَدَر، وإذا خاصم فَجَر\".\nورُوِيَ من حديث أبي أمامة، وسعد بن أبي وقاص، عن النبي ﵌ قال: \"يُطْبَع المؤمن على الخِلال كلِّها، إلّا الخيانة والكذب\" (^٤).\n_________\n(^١) البخاري (٣٣)، ومسلم (٥٩).\n(^٢) حديث (٥٩).\n(^٣) البخاري (٣٤) ومسلم (٥٨)، وهذا لفظ البخاري.\n(^٤) أما حديث أبي أمامة فأخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١٣/ ١٥٢) وأحمد في \"المسند\" (٥/ ٢٥٢) من طريق الأعمش قال: حُدِّثتُ عن أبي أمامة ﵁ بنحوه. ورجاله ثقات غير أنه منقطع.\nوأمَّا حديث سعد فأخرجه أبو يعلى (٧١١) والبزَّار (٣/ ٣٤٠) والبيهقي (١٠/ ١٩٧) والضياء في \"المختارة\" (٣/ ٢٥٨) وغيرهم، من طريق علي بن هاشم بن البريد عن الأعمش عن أبي إسحاق عن مصعب بن سعد عن أبيه ﵁ به مرفوعًا. قال البزَّار: \"رُوِيَ عن سعد من غير وجهٍ موقوفًا، ولا نعلم أسنده إلّا علي بن هاشم بهذا الإسناد\". وأشار الدارقطني في \"العلل\" (٤/ ٣٣٠) إلى مخالفة ابن البريد بذكره أبا إسحاق في إسناده، ثم رجَّح وقفه على سعد، وكذا رجَّحه أبو زرعة الرازي كما في \"العلل\" لابن أبي حاتم (٢/ ٣٢٨).\nورُوِيَ من طريق أبي شيبة إبراهيم بن عثمان بن أبي شيبة العبسي ــ وهو متروك ــ عن سلمة بن كهيل عن مصعب بن سعد عن سعد بن مالك به.\nورُوِيَ أيضًا من حديث ابن عمر وابن أبي أوفى وأبي بكر وابن مسعود وغيرهم مرفوعًا وموقوفًا ولا يصحُّ في المرفوع شيءٌ.\nوينظر في تخريج الحديث والكلام على طرقه: \"السلسلة الضعيفة\" للألباني (٣٢١٥)، وتخريج الشيخ شعيب الأرناؤوط لـ\"مسند أحمد\" (٣٦/ ٥٠٤ ــ ٥٠٥).","vol":"6","page":12},{"text":"وإذا تدبَّرتَ وجدتَ الأمور المذكورة كلَّها تدور (^١) على الكذب، فمن كان إذا وَعَدَ أخْلَفَ فإنَّه يكذب في وعده، فيقول: سأفعل، وهو يريد أن لا يفعل!\nوالخائن موطِّنٌ نفسه على الكذب، يقال له: عندك كذا، أو فعلت كذا؟ فيقول: لا.\nومن كان إذا عاهَدَ غَدَر فهو كالوعد، بل لو كانت نيَّتُه عند المعاهدة أن يَفِي ثم غدر لكان كاذبًا، لأنَّ قضية المعاهدة أنَّه سَيَفِي حتمًا، بخلاف الوعد،\n_________\n(^١) في الأصل: \"يدور\".","vol":"6","page":13},{"text":"فإنَّ العادة كالمقاضية (^١) بأنّ مراده أنّه سيفعل إذا لم يعرض له ما يغيّر رأيه.\nوأمَّا الفجور في الخصومة فمعناه: أنّه يفتري على خصمه ويَبْهَتُه بما ليس فيه، وذلك هو الكذب.\nوحسبُك أنّ الإنسان المعروف بالكذب قد سَلَخَ نفسه من الإنسانية، فإنَّ من يعرفُه لم يَعُد يَثِقُ بخبره، فلا يستفيد النَّاس منه شيئًا، ومَن لم يعرفه يَقَعُ بظنِّه صدْقَهُ في المفاسد والمضارّ، فأنت ترى أنَّ موت هذا الرجل خيرٌ للنّاس من حياته، وهَبْهُ يتحرّى من الكذب ما لا يضرُّ فإنَّه لا يستطيع ذلك، ولو اسْطَاعَهُ لكان إضراره بنفسه إذ أفقدها ثقة الناس به. على أنَّ الكذبة الواحدة كافيةٌ لتُزَلْزِلَ ثقةَ الناس به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>التَّرخيص في بعض ما يسمَّى كذبًا</span>\nفي \"الصحيحين\" (^٢) من حديث أم كلثوم بنت عقبة عن النّبي - ﵌ - أنّه قال: \"ليس الكذَّابُ الذي يُصِلحُ بين الناس، ويقول خيرًا أو ينمي خيرًا\".\nقال الحافظ في \"الفتح\" (^٣): \"قال العلماء: المراد هنا أنّه يخبر بما عَلِمَه من الخير، ويسكت عمَّا علِمَه من الشرّ، ولا يكون ذلك كذبًا\".\nوزاد مسلمٌ (^٤) في رواية: \"قال ابن شهاب: ولم أسمع يرخَّص في شيء ممَّا يقول النّاس كذبٌ، إلَّا في ثلاثٍ: الحرب، والإصلاح بين الناس،\n_________\n(^١) كذا في الأصل.\n(^٢) البخاري (٢٦٩٢) ومسلم (٢٦٠٥).\n(^٣) (٥/ ٢٩٩).\n(^٤) حديث (٢٦٠٥).","vol":"6","page":14},{"text":"وحديث\nالرجل امرأته، وحديث المرأة زوجها\".\nثم ذكر أنَّ بعض الرُّواة أدرج هذا الكلام، فجعله من قول أم كلثوم بلفظ: \"وقالت: ولم أسمعه يرخِّص ... \".\nوبيَّن الحافظ في \"الفتح\" أنَّ الذي أدْرَجَه في الحديث وَهِم، والصواب أنَّه من قول الزُّهري، ونقل الحُكْمَ بالإدراج عن النسائي وموسى بن هارون وغيرهما، ثم قال: \"قال الطَّبري: ذهبت طائفةٌ إلى جواز الكذب لقصد الإصلاح، وقالوا: إنّ الثلاث المذكورة كالمثال، وقالوا: الكذب المذموم إنّما هو فيما (^١) فيه مضرَّة، أو ما ليس فيه مصلحة. وقال آخرون: لا يجوز الكذب في شيءٍ مطلقًا، وحملوا الكذب المراد هنا على التَّورية والتَّعريض، كَمَن يقول للظالم: دَعَوْتُ لك أمس، وهو يريد قوله: اللهم اغفر للمسلمين ... \".\nثم قال الحافظ: \" ... واتفقوا على جواز الكذب عند الاضطرار، كما لو قصد ظالمٌ قتل رجل ــ وهو مختفٍ عنده ــ فله أن ينفي كونه عنده ويحلف على ذلك، ولا يأثم، والله أعلم\".\nأقول: مهما خلا الكذب عن المفسدة، فلا يكاد يخلو عن إفقاد صاحبِهِ ثقةَ الناسِ بكلامه، وحرمانِهِم الاستفادة من خَبَرِه بقيَّة عُمره، فهو يستفيد من أخبارهم، ولا يثقون به فيستفيدوا من خبره.\nولعل سقوط ثقتهم بخَبَرِه يوقعُهُم في مضارَّ، ويصرف عنهم مصالح ممَّا يُخبرهم به صادقًا فلا يصدِّقونه.\nولو أبيح الكذب في الإصلاح، فكَذَبَ المصلحُ لأَوْشَكَ أن يُعْرَف كذبه فتسقط الثقة به.\n_________\n(^١) في الأصل: \"ما\". والتصويب من \"الفتح\" (٥/ ٣٠٠).","vol":"6","page":15},{"text":"وافرض أنَّه عُلِم عُذْرُه، فإنَّها على ذلك تسقط الثِّقة به في الإصلاح، فإذا قال خيرًا أو نَمَى خيرًا بعد ذلك لم يُصَدَّق، وإن كان صادقًا؛ لأنّه قد عُرِف استحلاله الكذب في ذلك، ومع هذا فإنها تَتَزَلْزَل (^١) الثقة بخبره في غير الإصلاح أيضًا، إذ يقول الناس: لعلَّه يَرَى في خبره هذا إصلاحًا، فيستحلّ الكذب فيه!\nوقريبٌ مِنْ هذا: حالُ الكذب في الحرب، وكذبُ كلٍّ من الزوجين على الآخر.\nوأنا نفسي كانت إذا سألتني زوجتي ما لا أريد أقول لها: أفعل إن شاء الله! قاصدًا التَّعليق، فلمَّا قلتُ ذلك ثلاث مرَّاتٍ أو أزْيَدَ فَطِنَت للقضَّية! فصارَت لا تثق بوعدي إذا قلتُ: سأفعل إن شاء الله، فوقعتُ في مشكلةٍ؛ لأنّني أحتاج إلى أن أقول: \"إن شاء الله\" في كل وعدٍ وإن أردت الوفاء به؛ للأمر الشرعي بذلك (^٢).\nوقولك لظالمٍ: \"دعوتُ لك أمس\" فيه مفاسد؛ لأنَّه إن كان يُحْسِن الظَّن بك، وحَمَل قولَك على ظاهره جَرَّأَه ذلك على الظُّلم، قائلًا: إنّ دعاء هذا الصَّالح لي يدلُّ على أنَّه يراني من أهل الخير، وأنَّ ما يخطر لي من التأويل في هذه الأمور التي يزعم الناس أنَّها ظلمٌ هو تأويلٌ صحيحٌ! وما من ظالمٍ إلَّا والشيطان يوسوسُ له بتأويلٍ ما يبرِّر به صنيعه.\n_________\n(^١) كذا في الأصل، والضمير للقصة.\n(^٢) يعني لأمر الشارع في قوله: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤].","vol":"6","page":16},{"text":"وإن استبعد دعاءك له اعتقد كَذِبَك ومداهَنَتَك له، وطَمِعَ منك في غيرها، وزالت من قلبه هيبَتُه لك في الله، وأوشك أن تنالك منه مضرَّةٌ؛ لسقوطك من عينه، ويجترئ مع ذلك على المظالم، قائلًا: الناس سواسية، هذا الذي يُقَال صالحٌ يكذب ويُدَاهِن الظَّلَمَة! فلو استطاع الظُّلمَ لَظَلَم!\nوإذا تَنَبَّه لاحتمال كلامك التَّورية لَمْ تأمن أنْ يَحْمِل قولَك: \"دعوتُ لك\" على \"دعوتُ عليك\"، يقول: كأنَّه أراد \"دعوت لأجلك\" أي: دعوت الله تعالى أن يريح الناس من شَرِّكَ، أو نحو ذلك.\nوالحاصل أن الكذب لا يخلو عن المفاسد، ولكن إذا تعيَّن طريقًا لدفع مفسدةٍ عظيمةٍ ــ كالقتل ظلمًا ــ جاز، على قاعدة تعارض المفسدتين.\nوالمنقول من هذا إنَّما هو في التَّورية، كقول إبراهيم لزوجته: هي أختي؛ لعِلْمِه أنه لو قال: زوجتي لقتلوه.\nوقوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩]؛ لأنَّه أراد أن يتوصَّل إلى تكسير أصنامهم، وفي ذلك دفع مفسدة عظيمة.\nوقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٣]؛ لأنّه أراد أن يتوصَّل بذلك إلى إنقاذهم من الشرك، والشرك أعظم المفاسد، مع أنَّهم إذا خَلَصُوا من الشرك خَلَصَ هو من القتل، وظنِّي أنَّ هذه كلَّها كانت قبل أن يُنَبَّأَ إبراهيمُ ﵇، كما قرَّرْتُه في \"رسالة العبادة\".\nوكلٌّ من هذه الثلاث فيها تورية قريبة، والحال التي كان عليها شِبْه قرينة تشكِّك في حَمْل كلامه على ظاهره، فيصير بها الكلام كالمُجْمَل.","vol":"6","page":17},{"text":"وإيضاح هذا: أنَّه قد علم أنَّه لو تبيَّن للظَّلَمة أنَّها امرأته لقتلوه، وإذا عرف ذلك فيبعُدُ أن يعترف بأنَّها امرأته. ومثل هذه الحال تُوْقِعُ عادةً في الكذب المَحْض؛ ولهذا لا يثق الناس بخبر مَنْ وَقَعَ في مثلها، فإذا عَرَفَوا منه التحفُّظ من الكذب قالوا: لعلَّه ورَّى، فهذا شِبْهُ قرينة.\nأَوَلَا ترى الناس لا يرتابون في قول الغنيِّ لبعض المال الذي تحت يده: هذا مال امرأتي؟ ويرتابون في مثل هذا القول إذا وَقَعَ من مفلسٍ أو مُصَادَرٍ.\nومع هذا كلّه؛ فقد سمَّى الشارع هذه الثلاث الكلمات كذبات، فقال النّبي - ﵌ -: \"لم يكذب إبراهيمُ إلَّا ثلاث كذباتٍ، كُلُّهنَّ في ذات الله ... \" والحديث في \"الصحيحين\" (^١).\nوجاء في الشرع ما يدلُّ أنَّ مثل هذا من الكذب لا يخلو من مخالفة، ففي \"الصحيحين\" (^٢) في حديث الشفاعة: \"فيأتون آدم فيقولون: ... اشفع لنا عند ربّك ...، فيقول: لست هُناكم، ويذكر خطيئته التي أصاب، أكلُهُ من الشَّجرة وقد نُهِيَ عنها ... فيأتون نوحًا، فيقول: لست هناك، ويذكر خطيئته التي أصاب، سؤاله ربه بغير علم ... فيأتون إبراهيم، فيقول: إنِّي لست هناكم، ويذكر ثلاث كذبات كذبهنَّ ... \".\nوهناك ثلاثة أنواع دون ما ذُكِر:\nأوَّلُها: الإيهام: كأَنْ يريد غزوةً جهة الشَّرق، فيسأل عن الطَّريق التي في جهة الغرب، حتى إذا كان جاسوسٌ يرى الاستعداد للغزو، يسمع ذلك\n_________\n(^١) البخاري (٣٣٥٨) ومسلم (٢٣٧١)، من حديث أبي هريرة ﵁.\n(^٢) البخاري (٤٤٧٦) ومسلم (١٩٣)، من حديث أنس ﵁ بنحوه.","vol":"6","page":18},{"text":"السؤال، فيَتَوَهَّمُ أنَّ القصد جهة الغرب، فإذا رجع إلى العدو الشرقيِّ أخبرهم بذلك، فيكفوا عن الاستعداد.\nوبهذا أو نحوه فُسِّر ما جاء في \"الصَّحيح\" (^١) أنّ النبي - ﵌ - كان إذا أراد غزوةً وَرَّى بغيرها. وليس ذلك بكذبٍ. على أنَّ مِن شأن مَن يريد غزوةً أن يكتم قصْدَه، ويحرص على إيهام العدوِّ أنَّه لا يقصدهم، وهذا شِبْهُ قرينةٍ تُشكِّك في الإيهام المذكور.\nثانيها: الكلامُ الموجَّهُ، وهو الذي يحتمل معنيين فأكثر على السواء، وليس هذا أيضًا من الكذب في شيءٍ ألبتة.\nثالثها: أن يكون الكلام ظاهرًا في المعنى المراد، ولكنَّه صِيغَ مَصَاغًا يستخفُّ المُخَاطَب، فإذا استعجل فَهِمَ خلاف المقصود.\nوقد نُقِل شيءٌ من هذا عن النبي - ﵌ -، كان ربّما تعمّده تأديبًا للمُخَاطَبِين، وتعليمًا لهم أن لا يستعجلوا في فهم الكلام قبل التروِّي فيه.\nفمن ذلك: ما رُوِيَ أنَّ رجلًا سأله أن يحمِلَه على بعيرٍ، فقال - ﵌ -: \"لأحملنَّك على ولد ناقةٍ\"، فاستعجل الرجل وقال: وما أصنع بولد ناقةٍ؟ ! فقال: \"وهل تَلِدُ الإبلَ إلَّا النُّوقُ؟ \" (^٢).\n_________\n(^١) البخاري (٢٩٤٧) ومسلم (٢٧٦٩)، من حديث كعب بن مالك ﵁.\n(^٢) أخرجه أحمد (٣/ ٢٦٧) وأبو داود (٤٩٩٨) والترمذي (١٩٩١) وغيرهم، من طرقٍ عن خالد الطحَّان عن حميد الطويل عن أنسٍ ﵁ به.\nوقد صحَّحه الترمذي عقبه، والألباني على شرط الشيخين في \"مختصر الشمائل\" للترمذي (٢٠٣) و\"صحيح الأدب المفرد\" (٢٠٢).","vol":"6","page":19},{"text":"العرفُ قد صيَّر الظَّاهر من قولنا: \"ولد ناقةٍ\"، أو \"ولد بقرةٍ\"، أو نحو ذلك هو الصَّغير، ولكنّ قوله: \"لأَحْمِلَنَّك\" قرينةٌ واضحةٌ أنَّه لم يُرِد الصَّغيرة؛ لأنَّ الصَّغير لا يُحْمَل عليه.\nومثله ما يُروَى: أنَّ امرأةً مَرَّت تسأل عن زوجها، وقد كان خرج من عندها قبل قليل؟ فقال لها - ﵌ -: \"هو ذاك في عينيه بياض\" (^١).\nفالعُرْفُ قد جعل الظَّاهر من قولنا: \"في عَيْنَي فلان بياضٌ\" هو البَيَاض العارِض، ولكنَّ العادة قاضيةٌ بأنَّ البَيَاض العارض لا يَحْدُث في ساعةٍ.\nومنه ما يُروَى أنَّه قال لامرأةٍ من المسلمات قد قرأت القرآن وفهمته: \"لا تدخل الجَنَّة عجوزٌ\"! فلمَّا فَزِعَت قال لها: \"أَمَا تقرئين القرآن: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا﴾ [الواقعة: ٣٥، ٣٦]؟ \" (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه الزبير بن بكار في \"الفكاهة والمزاح\" من حديث زيد بن أسلم مرسلًا، وابن أبي الدنيا من حديث عبدة بن سهم الفِهري، مع اختلاف؛ كما في \"تخريج أحاديث الإحياء\" للعراقي (٣/ ١٥٧٤)، وقد أورده ابن الأثير في \"جامع الأصول\" (١١/ ٥٥) وجعله من زوائد رزين بن معاوية في \"التجريد\".\nوينظر في الكلام على زوائد رزين في \"التجريد\": \"سير أعلام النبلاء\" (٢٠/ ٢٠٥)، و\"تاريخ الإسلام\" (٣٦/ ٣٧٦)، كلاهما للذهبي.\n(^٢) أخرجه عبد بن حميد كما في \"تفسير ابن كثير\" (٧/ ٥٣٢) ومن طريقه الترمذي في \"الشمائل\" (٢٤٠) ومن طريقه البغوي في \"تفسيره\" (٤/ ٢٨٣) والبيهقي في \"البعث والنشور\" (٣٤٦) وغيرهم، من طريق مبارك بن فضالة عن الحسن البصري مرسلًا.\nوأخرجه الطبراني في \"الأوسط\" (٥/ ٣٥٧) من طريق مسعدة بن اليسع عن ابن أبي عروبة عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن عائشة بنحوه مرفوعًا. وفي إسناده \"مسعدة\"، وهو متروك.\nوأخرجه البيهقي في \"البعث\" (٣٤٣) وأبو الشيخ في \"أخلاق النبي - ﷺ -\" (١٨٦) من طريق الليث عن مجاهد عن عائشة بنحوه مرفوعًا. وفيه \"ليث\" وهو ابن أبي سليم، ضعيف في الرواية.\nوقد صحَّحه الألباني في \"الصحيحة\" (٢٩٨٧) بعد أن كان يحسِّنه في \"غاية المرام\" (٣٧٥) و\"مختصر الشمائل\" (٢٠٥).","vol":"6","page":20},{"text":"فقد علمتَ فيما تقدَّم حقيقة الكذب وقبحه، وأنّه غير محمود حتى في حال الضرورة، كما في قول إبراهيم ﵇: \"هي أختي\"، وتعلم أنّ الله ﷿ سمّى نفسه الحقّ، وبعث الرسول بالحقّ، وأنزل الكتاب بالحق، وأنزل الكتاب هدىً للناس، وبعث الرسول هدى للنّاس، وهو ﷾ الغني عن العالمين، فكيف يجوز عليه ﵎ أن يكذب، أو يأمر رسوله بالكذب، أو يقرّه على الكذب؟! وكيف يجوز على رسوله الكذب؟!\nوقد جعل الله تعالى الكذب عليه من أشد الكفر، فقال: ﴿فَمَنْ (^١) أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ﴾ [الزمر: ٣٢]، وقال لرسوله: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦].\nفأنّى يُجَوِّزُ مسلمٌ أنْ يكذِبَ ربُّ العالمين، أو أنْ يكذِبَ رسوله الصّادق الأمين؟!\n_________\n(^١) في الأصل: \"ومن\".","vol":"6","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>الباب الثالث: في حكم التأويل</span>\nقد تقرّر في الأصول أنّه لا تكليف إلّا بفعل، والفعل إنَّما يتأتَّى في التَّأويل بالإطلاق الأوّل، فأقول:\nاللّفظ الذي يُرَاد تأويله لا يخلو عن ثلاثة أحوال:\nالأوّل: أن يكون في العقائد.\nالثاني: أن يكون إخبارًا عمّا قد وقع، كخلق السماوات والأرض، أو عن أمرٍ كوني، فإنّه واقعٌ، كأحوال الشمس والقمر، أو أنّه سيقع، كخروج يأجوج ومأجوج.\nالثالث: أن يكون فيما عدا ذلك، من الأحكام ونحوها.\n* * * *","vol":"6","page":22},{"text":"فصلٌ في تأويل النصوص الواردة في العقائد\nالنُّصوص في العقائد على ضربين:\nالأوّل: ما ورد في عقيدةٍ كُلِّف النَّاس باعتقادها.\nوالثاني: بخلافه.\nفالأوّل هو: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والبعث بعد الموت، والقدر. والنصوص على ذلك من الكتاب والسنة كثيرة شهيرة.\nوالمقصود من هذا الإيمان هو تحقيق ما أُنشِئَ الإنسان هذه النشأة الدُّنيا لأجله، وهو الابتلاء؛ ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: ٤٢].\nوالهلاكُ هو العصيان، والحياة هي الطاعة، ويتفاوت الهلاك والحياة بتفاوت العصيان والطاعة.\nولا يُتصوَّر عصيانٌ وطاعة إلَّا ممَّن عَلِم الأمر والنَّهي، ولا يُتصوَّر العِلم بأمر الله ونهيه إلّا بعد الإيمان بأنّه موجودٌ حيٌّ، كما هو واضح، وبأنّه قادر؛ إذ لا يُعْلَم استحقاقُه الطاعة إلَّا بذلك، وبأنّه عالمٌ، إذ لا تنبعث النَّفس على الطاعة وتنزجر عن المعصية إلَّا بذلك، وبأنّه حكيم، إذ لا يُعْلَم صِحَّة النُّبوة ويُوثَق بالجزاء إلّا بذلك.\nوبأنّ الملائكة حقٌّ؛ لأنّهم الوسائط بين الله وأنبيائه، والمُبلِّغون لكتبه، فلا يُعْلَم صحَّة الأمر والنهي وأنّه من عند الله إلَّا بعد الإيمان بهم.","vol":"6","page":23},{"text":"وبأنّ كتب الله حقٌّ؛ لأنّها هي الجامعة للأمر والنّهي، فلا يُعْلَم صحَّة ذلك إلَّا بالإيمان بها.\nوبأنّ الأنبياء حقٌّ؛ لأنَّهم المبلِّغون للأمر والنّهي، فلا يُعْلَم صحَّة ذلك إلَّا بالإيمان بهم.\nوثَمَّ تفاصيل ترجع إلى ما ذُكِرَ، كالإيمان بعِصْمَة الملائكة المبلِّغين، والأنبياء بعد البعثة؛ لأنّ حكمة الله ﷿ تقتضي ذلك، ولا يتمُّ الوثوق بالأمر والنّهي إلَّا بذلك.\nوبالبعث بعد الموت؛ لأنّه لا يُوْثَق بالجزاء إلَّا بذلك.\nوبالقَدَر؛ لأنَّه لا يُسَلَّم الإيمان بقُدْرة الله وعِلْمِه وحِكْمَتِه إلّا به، وقد اشتهر عن الشافعي ــ ﵀ ــ أنّه قال: \"إذا سلَّم القدرية العِلْم حُجُّوا\" (^١).\n_________\n(^١) لم أره بهذا اللفظ، ولا مسندًا إليه. وقد حكاه عنه عز الدين بن عبد السلام في \"قواعد الأحكام\" (٢/ ٦٥) بلفظ: \"القدرية إذا سلَّمُوا العلم خُصِمُوا\"، وابن تيمية في \"مجموع الفتاوى\" (٢٣/ ٣٤٩)، وابن أبي العز في \"شرح الطحاوية\" (٢/ ٣٥٤) بلفظ: \"ناظروا القدرية بالعلم؛ فإن أقرَّوا به خصموا، وإن أنكروا كفروا\"، والحافظ في \"الفتح\" (١/ ١١٩).\nوقد نسبه ابن رجب في \"جامع العلوم والحكم\" (٢٧) إلى كثير من أئمة السَّلف.\nوأسنده بنحوه إلى عمر بن عبد العزيز ﵀ في قصة له مع غيلان الدمشقي: عبدُ الله بن أحمد في \"السُّنَّة\" (٢/ ٤٢٩)، واللَّالكائي في \"اعتقاد أهل السُنة\" (٤/ ٧١٣) وابن عساكر في \"تاريخ دمشق\" (٤٨/ ٢٠٨)، ومختصرًا عثمان الدارمي في \"الرد على الجهمية\" (١٣٩).\nوأسنده عن أبي يوسف القاضي: الخطيبُ في \"تاريخه\" (٧/ ٦١) في قصة له مع بشر المريسي، وهو في \"الأنساب\" للسمعاني (١١/ ٢٦٣).\nوعزاه لإياس بن معاوية: ابنُ عبد البَر في \"الاستذكار\" (٢٦/ ٩٤).\nوأسنده لسلَّام بن سليمان المزني: عبد الله بن أحمد في \"السُّنَّة\" (٢/ ٣٨٥) وقوام السُنة في \"الحجة\" (٢/ ٧٧).\nوإنما أطلت تخريجه حيث لم أره مجموعًا في موضعٍ واحدٍ مع شهرته.","vol":"6","page":24},{"text":"ولهذا القول غورٌ أبعدُ مما فهموه منه، وقد لوَّحْتُ إليه، وعسى أن أُلمَّ به في موضعٍ آخر.\nوعامة ما ذُكر يمكن إدراكه بالعقل، ولاسيَّما بعد تنبيه الأنبياء، فآيات الآفاق والأنفس تدلُّ على وجود الله؛ إذ لا بُدَّ للأثر من مُؤَثِّر، فأيُّ أثرٍ نُحسُّ به في الكون لا بد له من مُؤَثِّر، فإذا فُرِضَ مُؤثِّرٌ حادِثٌ كان هو أيضًا محتاجًا إلى آخر، وهكذا حتى ينتهي الفِكْر إلى مُؤَثِّر غنيٍّ بنفسه؛ فهو الله ﷿.\nوالآثار في الآفاق والأنفس تدلُّ على حياة المُؤَثِّر الأعظم، وقُدْرَتِه، وعِلْمِه، وحِكْمَتِه.\nوما تدلُّ عليه الآثار من حِكْمَتِه يُوجب العِلْم بأنَّه لم يُنْشِئ الناس هذه النشأةَ عبثًا، ولا يَدَعُهم سُدًى وهَمَلًا، ولا يَكِلُهم إلى عقولهم المحدودة المختلفة، بل لا بدَّ أن يرشدهم، ولا توجد في الكون صورةٌ للإرشاد إلَّا النُّبوة، وبذلك تثبت النُّبوة، والملائكة، والكتب أيضًا.\nوأمّا العِلْم بنبوَّة رجلٍ مُعيَّنٍ فتُعْلَم بالمعجزات، وبالعِلْم بطهارة سِيرَته، وحِرْصِه على العمل بما جاء به سرًّا وعَلَنًا، وباستقراء ما جاء به، وظهور أنَّ عامَّته مُطابقٌ للحقِّ والعدل والحكمة.\nولا يخدش في ذلك الجهل بوجه الحكمة في بعض ذلك؛ فإن ذلك","vol":"6","page":25},{"text":"ضروريٌّ؛ لأنّ الدّين من شرع الحكيم العليم الذي أحاط بكل شيءٍ علمًا، وعقل المخلوق وعلمه محدود.\nوأنت ترى عقول النّاس مختلفة، فكم من أمرٍ يجزم كثيرٌ من النّاس بأنَّه خلاف الحِكْمة فيجيء مَن هو أعقل أو أعلم منهم فيُبيِّن لهم وجه الحِكْمة، وقد قال الله ﷿: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦].\nوكثيرٌ من الأحكام يحصل المقصود بالعمل بها، ولا يحتاج إلى العلم بوجه حِكْمتها، وقد يكون العلم بوجه الحِكْمة يفتقر إلى صَرْف مُدَّةٍ طويلةٍ من العمر.\nومثل ذلك مثل الطبيب والمريض؛ فإنَّ الطبيب يعلم من طبائع الأمراض والأدوية ما لا يعلمه المريض، ومن ذلك ما لا يُدْرَك إلَّا بعد صَرْف مُدّةٍ طويلةٍ في التعلُّم، وقد يكون المريض ضعيف الفهم لا يتهيَّأ له معرفة ذلك، ولو أتعب نفسه فيه، ففي مثل هذا ليس على الطبيب إلَّا إعطاء المريض الدَّواء المناسب، وليس عليه أن يشرح له حقيقة المرض، وأسبابه، وسبب تأثير الدَّواء؛ لأنّ هذا يطول ويُتْعِب في غير فائدة.\nوبحَسْب المريض أنْ يعلم أنَّ الذي أعطاه الدواء طبيبٌ ناصحٌ، والعلم بذلك لا يحتاج إلى استقراء مستغرقٍ.\nولو قال المريض: لا آخذ الدَّواء حتى تشرح لي حقيقة المرض، وأسبابه، وحقيقة الدَّواء، وتأثيره، لعُدَّ أحمق الناس! ولطَرَدَه الطبيب قائلًا: أنا أعالجك رحمةً وشفقة، وقد قام عندك من الدَّلائل ما يكفي في عِلْمِك أنِّي طبيبٌ ناصحٌ، وتعلم أنَّ معرفة ما تريد أن أُعرِّفك به تفتقر إلى علومٍ","vol":"6","page":26},{"text":"ليست عندك، ولعلّ\nفهمك لا يبلغها، واشتغالي بذلك إضاعةٌ لوقتي ووقتك فيما لا حاجة إليه، وصرفُ الوقت في مداواة العقلاء أولى بي من التَّحامق مع الحَمْقى!\nهذا كلُّه مع أنّ الطبيب بشر يجوز عليه الغش والخطأ.\nوبالجملة؛ فالعلم بنبوَّة النَّبي له طرقٌ بعضها أكمل من بعض، ولست الآن في صَدَد الاستيفاء.\nوالمقصود: أنّ الإيمان بما ذُكر هو الذي يتوقّف عليه معرفة الأمر والنّهي.\nوقد بقي معنىً مهمٌّ، وهو الإيمان بالوحدانية، فالوحدانية في الربوبية قد تكلّم فيها أهل الكلام، ولا حاجة للإطالة فيها، وأمّا وحدانية الألوهية فقد حقَّقتُها في \"رسالة العبادة\"، والحمد لله.\nواعْلم أنّ هذه الأمور الضرورية في الإيمان معلومةٌ من الدين بالضرورة، فمَن أراد أن يتأوّل بعض نصوصها تأويلًا يُنافي ما عُلم بالضرورة فلا نزاع في كفره.\nواعْلم أنَّ في الشريعة نصوصًا عُبِّر فيها عن بعض الصفات المتقدِّمة بلفظ يُرى أنَّ الظَّاهر معنًى آخر.\nمن ذلك قول الله ﷿: ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء: ١٠٨]، وقوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤]، وقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة: ٧]، وقوله لموسى وهارون","vol":"6","page":27},{"text":"﵉: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا﴾ [طه: ٤٦]، وقوله حكايةً عن موسى عليه\nالسلام: ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي﴾ [الشعراء: ٦٢]، وقوله في شأن محمد - ﵌ -: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠]، وقوله: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩]، وقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٩٤] في مواضع من القرآن.\nغَلِطَ في هذه الآيات طائفتان:\nالأولى: ما نُقِل عن جهم بن صفوان، مِن زَعْمِه أنَّ الله ﷿ في كل مكان.\nالطائفة الثانية: المُؤَوِّلون، قالوا: إنَّ هذه الآيات ظاهرها كما قالت الطائفة الأولى، وإنَّما يمكن صَرْفها عن ظاهرها بنحو الدَّلائل التي تُذْكَر في صَرْف آيات الاستواء والعُلُو واليد والوجه ونحوها؛ فإذ قد وافَقَنا السَّلفيُّون على صَرْف آيات المعيَّة عن ظاهرها بتلك الدَّلائل= فيلزمهم موافقتنا في صَرْف سائر الآيات في الصِّفات التي نؤوِّلها نحن.\nفإنَّ الأدلة هنا وهناك واحدة، أو مستوية؛ فإنْ لم يوافقونا فهم متحكِّمون، وينبغي على الأقل أنْ لا ينكروا علينا ويشنِّعوا في قولٍ قد اضطرُّوا إلى مثله سواء.\nهذا تقرير ما قالوه، أو يمكن أنْ يقولوه.\nوأقول: لو تَلَوْا هذه الآيات مع ما قبلها وما بعدها لعلموا أنَّها لا تصلح أنْ تكون شبهةً على ما قالوه، فكيف تكون حُجَّةً؟!\nوإيضاح ذلك بوجوه:","vol":"6","page":28},{"text":"الأول: أنَّ هناك قرينة اعتقادية راسخة في فِطَر العَرَب وعقولهم، كافرهم\nومسلمهم؛ وهي اعتقادهم أنَّ الله ﷿ على عرشه فوق سماواته.\nالثاني: أنَّ أهل الحديث ينقلون ما قالوه في هذه الآيات عن سلفهم من الصَّحابة والتَّابعين.\nفصلٌ\nواعْلم أنَّه يتّصل بالأمور الضَّرورية للإيمان تفصيلاتٌ لا يتوقَّف الإيمان على العِلم بها، مثل كيفية الحياة والعِلم وغير ذلك، وهناك أمورٌ أخرى لا يتوقَّف الإيمان على العِلم بها أصلًا، وإنَّما وَجَب الإيمان بها بخبر الصادق المصدوق، وعلى هذين تدور رَحَى التّأويل.\nفمِنْ قائلٍ: هي حياةٌ كَحَيَاتي، ويدٌ كَيَدي، ووَجْهٌ كَوَجْهي، إلى غير ذلك.\nومِنْ قائلٍ: هذا يستلزم حدوث الربِّ ونقصه، تعالى عن ذلك، فلا بدَّ من تأويله!\nومِنْ قائلٍ: حياةٌ تليق به ﷿، ويدٌ تليق به سبحانه، ولا أُؤَوِّلُ.\n\nويحتجُّ الأوَّل بأنَّ الله ﷿ قد وصف نفسه بذلك، ووصفه به رسله، وقد<span data-type=\"title\" id=toc-27> قام البرهان على وجوب حَمْل النُّصوص على ظواهرها</span>؛ إذ لو كان المراد بها غير ظاهرها لكانت كذبًا! على ما حقَّقناه في [الباب (^١)] الثاني (^٢)، وذلك محال.\n_________\n(^١) في الأصل: \"الفصل\".\n(^٢) (ص ١٠).","vol":"6","page":29},{"text":"وأجاب الثاني عن هذا بأجوبة:\nأحدُها: أنّ اللَّفظ إنَّما يبقى على ظاهره ما لم تكن هناك قرينة تصرفه إلى معنى آخر.\nوتحقيق هذا: أنَّ اللَّفظ قد يكون له ظاهر في نفسه، ولكنَّه اقترن به ما صار الظاهر معنى آخر، فقولُك: \"إنَّ زيدًا رجع اليوم\" ظاهره أنَّه رجع هو نفسه.\nوقولك: \"إنَّ أمس رجع اليوم\" لا يظهر منه ذلك، بل يظهر منه أنَّ اليوم مشابهٌ لأمس في كونه صحوًا أو غيمًا أو نحو ذلك، وهذا حقٌّ في نفسه، ولكن لما سُئِل المُؤَوِّلون عن القرينة ذكروا أمورًا.\nمنها العقل، فقيل: إنَّ العقل لا يصحُّ أن يكون قرينةً إلَّا إذا كان بديهيًّا حاصلًا للمخاطبين، وفي المعاني العقلية التي تجعلونها هي القرينة ما اعترفتم أنّه لا يحصل للإنسان إلَّا بعد ممارسته المعقولات، من المنطق والفلسفة وغير ذلك. هذه النُّصوص الدَّالة على أنَّ الله ﷿ في جِهة العُلُو تُؤَوِّلُونها لمخالفتها العقل، زعمتم!\nوأنتم تعترفون أنَّ الإيمان بموجودٍ ليس في جهةٍ لا يتهيَّأ للإنسان حتى يمارس المعقولات، ويُوغِل فيها، فعند ذلك تَأْنَسُ نفسه بالتَّصديق بذلك! ذكر هذا الغزالي في كتبه، وغيره (^١).\nوإذا كان الحال هكذا، فلو كانت تلك النصوص غير مراد بها ظواهرها لكانت كذبًا؛ لأنَّ القرينة التي يعلم المتكلِّم أنَّ المخاطَب لا يُدركها لا\n_________\n(^١) يُنظَر: \"إحياء علوم الدين\" (١/ ١٨٥ ــ ١٨٦) و\"الاقتصاد في الاعتقاد\" (ص ٥٩).","vol":"6","page":30},{"text":"تُخْرِج الكلام عن الكذب، كما تقدم.\nقالوا: هناك قرينةٌ أخرى، وهي قول الله ﷿: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، وقوله ﷿: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤].\nقيل لهم: هاتان الآيتان غير ظاهرتين في المعنى الذي تريدون.\nأمَّا الأول: فلو قلتَ لرجلٍ: \"عندي شيء ليس كمثله شيءٌ\" لَمَا فهم أنَّه ليس في الكون ما يشبهه من بعض الوجوه، وإنَّما يفهم أنَّه ليس كمثله من جميع الوجوه شيءٌ. وقريبٌ من هذا يُقال في الآية الثانية.\nفكيف يجوز أن يُكْتَفى في هذا المطلب العظيم بقرينةٍ ظاهرها أنَّها ليست بقرينة؟!\nوفوق هذا: فقد تقرَّر في الأصول أنَّه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، والحاجةُ في النُّصوص الاعتقادية هي وقت الخطاب، فلو كان المراد جعل هاتين الآيتين قرينةً لوجب قَرْنُهُما، أو إحداهما، أو ما يقوم مقامهما بكلِّ آيةٍ أو حديثٍ يتعلَّق بالصفات، وإلَّا لزم الكذب.\nفإن قالوا: إذا سمع الإنسان القرينة الواضحة أوّلًا أغنى ذلك عن إعادتها مع كل آيةٍ من آيات الصفات.\nقيل لهم: بعد فرض تسليم الوضوح لم يكن العمل على هذا، أي: أن لا يتلو النَّبي - ﵌ - شيئًا من آيات الصفات على أحدٍ حتى يتلو [عليه (^١)] الآيتين\n_________\n(^١) في الأصل: \"عليهما\".","vol":"6","page":31},{"text":"المذكورتين أو إحداهما، بل قد نزل قبلهما كثير من القرآن، وقد كان الرجل\nيُسْلِم ثم يصلِّي مع النَّبي - ﵌ - فيتلو في صلاته من القرآن ما شاء الله، ولا يبدأ بإحدى الآيتين، ولعلَّ كثيرًا من الأعراب الذين أسلموا لم يسمعوا الآيتين ولا إحداهما، ولم يقل أحدٌ من العلماء: إنَّه يجب على قارئ القرآن أن لا يقرأه بمَحْضَرٍ من العامَّة إلَّا بعد أن يذكر لهم الآيتين أو إحداهما، أو ما يقوم مقام ذلك.\nفإن قالوا: فإنَّه يلزم مثل هذا في آيات التَّحليل العامَّة التي دلَّت آياتٌ أُخَر على تخصيصها، وليست في سياقها، فيمكن أن يكون بعض الأعراب سمع الآية العامَّة فذهب يستحِلُّ كلَّ ما تناولته، مع أنَّ بعضه مُحَرَّم بآيةٍ لم يسمعها، ومثل هذا يُقَال في الأحاديث، وهكذا ما يشبه العموم من كُلِّ دليلٍ ظاهُرُه تحليل شيءٍ، وقد بيَّنه دليلٌ آخر.\nفالجواب: أنَّ الخطأ في التَّحليل والتَّحريم سهلٌ، فلا يكون المخطئُ كافرًا ولا فاسقًا؛ بل هو معذور مأجور، كما سيأتي إيضاحه. وليس الخطأ في الكفر كذلك، بل قال جَمٌّ غفيرٌ: إنَّ كلَّ مجتهدٍ في الأحكام مصيب. وله غَوْرٌ، وقد أوضحنا ذلك في موضع آخر.\nحاصله: أنَّ كثيرًا من القوانين لا يكون مطابقًا للحكمة في كلِّ فردٍ من الأفراد، وإنَّما رُوعِيَ مطابقتُه في الأَعَمِّ الأغلب، ومثَّلناه بحدِّ الزِّنا، فرُبَّ شيخٍ غنيٍّ، ضعيف الشَّهوة، قادرٍ على التزوُّج فتَرَكَه، واحتال للاجتماع بامرأة قبيحة يستطيع التزوج بها ولا يعشقها، فزَنَى بها، ولمَّا كان غير مُحْصنٍ فحدُّه الجلد.\nوآخر شابٌّ فقير، شديد الشهوة، لا يقدر على التزوُّج، صادَفَتْه امرأةٌ","vol":"6","page":32},{"text":"جميلة يعشقها، ولا يستطيع زواجها، فلم يتمالك نفسه أن وقع عليها، وكان قد تزوَّج امرأةً، وبات معها ليلةً واحدةً ثمَّ ماتت، ولمَّا كان مُحْصنًا فحدُّه الرَّجم.\nفأنت ترى الثاني أحقّ من الأول بالتَّخفيف، ولكنَّ الشرع لم يُخفِّف عنه؛ وإنَّما كان ذلك لأنَّ الجُرأة على المعصية أمرٌ يخفى ولا ينضبط، فأناط الشرعُ الأمر بصفةٍ واضحةٍ منضبطة، وهي الإحصان وعَدَمه؛ لأنَّ الغالب في الزَّاني المُحْصَن أن تكون نفسُه أرغب عن الزِّنا من غير المُحْصَن، فإذا زنى مع ذلك كانت جُرأته أشدّ من غير المُحْصَن.\nولكنَّ الحَكَمَ العَدْل ﵎ يَجْبُر ما يستلزمه القانون العام من خَلَلٍ في بعض الجزئيات بقَدَرِه الذي لا يعجزه علم الحقيقة، ولا تقدير ما يوافق الحكمة.\nولذلك صورٌ قد ذكرت بعضها في غير [هذا] الموضع، والذي يختصُّ بهذا الموضع هو أنَّ الله ﷿ قد يعلم أنَّ هذا الشيء الذي دلَّت الآية بعمومها على أنَّه حلالٌ، وبيَّنت آيةٌ أُخرى أنّه حرام= يعلم سبحانه أنَّ الحِكْمة لا تقتضي تحريم ذلك الشيء على هذا الشخص، فيَسَّره سبحانه بقَدَرِه إلى أن يسمع الآية العامَّة ولا يسمع الآية الأخرى، فهو وإن كان مخطئًا بالنَّظر إلى الحكم الشرعيِّ، فهو مصيبٌ بالنَّظر إلى الحكم الذي علم الله ﷿ أنّه أنسب به، ولا يأتي مثل هذا في الكفر.\nواعْلَم أنَّ المُؤَوِّلين يُكابِرون، والمكابرة لا علاج لها إلَّا الكَيُّ، ولكنَّ جماعةً من متبحِّريهم أَنِفُوا من المكابرة ووقعوا في شرٍّ منها؛ لأنَّهم أصرُّوا على شُبهاتهم الفلسفية.","vol":"6","page":33},{"text":"ثم قال بعضهم: إنَّ المقصود من الشريعة هو إصلاح حال البشر حتى يمتثلوا الأمر ويجتنبوا النَّهي، وإنَّما ضمَّت من العقائد ما يتوقَّف ذلك عليه، وأمَّا ما عدا ذلك فإنها جاءت بما يوافق اعتقاد غالب الناس وإن كان خطأً في\nنفسه! وإنَّما فَعَلَت ذلك لئلَّا تصدَّ النّاس عن قبول الشريعة إذا جاءت بما يُخالف عقائدهم!\nقالوا: فجاءت بأنَّ الله ﷿ مُستوٍ على عرشه فوق سماواته، وأنَّ له وجهًا ويدًا وقدمًا، وغير ذلك ممَّا هو عندهم من خواصِّ الأجسام!\nقالوا: لأنَّ غالب النَّاس ــ بل كلَّهم إلَّا من تغلغل في المعقولات ــ لا يُصدِّقون بموجودٍ قائمٍ بذاته، ليس بجسمٍ، ولا في جهةٍ!\n\nو<span data-type=\"title\" id=toc-36>عند هؤلاء أنَّ عامَّة الصَّحابة والتَّابعين وغالب الأمَّة مخطئون في اعتقادهم</span>، يلزمهم القول بحدوث الحقِّ ﷿ ونقصه ﵎، ولكنَّ الشريعة أقرَّتهم على ذلك؛ فليسوا بكفَّارٍ، ولا فُسَّاقٍ في حكم الشَّرع.\nوأنت ترى أنَّ هؤلاء أدنى من المكابرين إلى العقل في بادئ الرَّأي، ولكنَّهم أخبث منهم؛ فإنَّهم يقولون: لا ريب أنَّ آيات الصِّفات وأحاديثها ظاهرةٌ في الباطل، ولم تكن هناك قرينةٌ كافيةٌ لصَرْفها عن ذلك، وعامَّة الصَّحابة والتابعين وغالب مَنْ بَعْدَهم فَهِموا منها المعنى الباطل، وهي في نفسها مسوقة سياقًا يُفْهَم منه المعنى الباطل، وذلك كذبٌ لا محالة، ولكنَّ الكذب لإصلاح النّاس حَسَنٌ!\nفجَوَّز هؤلاء ــ بل نسبوا ــ الكذب إلى الله وكتابه ورسوله ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ [الكهف: ٥].","vol":"6","page":34},{"text":"ثُمّ يقال لهم:<span data-type=\"title\" id=toc-37> لو سُلِّم أنَّ الكذب قد يكون حسنًا، فإنَّما ذلك من الإنسان العاجز المحتاج</span>.\nولو لم يستحل أن يقع من الله ﷿ ورسوله شيءٌ من هذا الكذب فقد كان يجب أن لا يكون إلَّا عند الحاجة، ولا حاجة إلى تلك الآيات والأحاديث، فكان يكفي أن يُثبت لله ﷿ ما لا بُدَّ منه، ويُعْرِض عمَّا عدا ذلك ممَّا يخطئ النَّاس فيه من الاعتقاد، فلا يردّه عليهم!\nفأمَّا أن يُصرِّح بما يوافق اعتقادهم الخاطئ، ويؤكِّده، ويكرِّره في مواضع لا تُحْصَى، فهذا ما لا يُتوهَّم جوازه؛ لأنَّ الإصلاح المقصود لا يتوقَّف عليه.\nوقد حكم الله ﷿ بكفر مَن نسب إليه الولد، وقال في ربه بما لا برهان له به وغير ذلك، قبل بعثة محمد - ﵌ - وبعدها.\nوإذا تدبّرت ما قدَّمناه في تشديد الله ورسوله في الكذب ازددت بصيرةً في هذا إن شاء الله تعالى.\nووجهٌ آخر، وهو: أنَّه قد كان في أصحاب رسول الله - ﵌ - جماعةٌ من أهل الذَّكاء والفِطْنة وسلامة العقل، يلازمون النَّبي - ﵌ - حضرًا وسفرًا، ويصدِّقونه في كلِّ ما يقول؛ أَفَمَا كان ينبغي أن يبوح لهم بالحقيقة، ويأمرهم أن يبوحوا بها لِمَن وثقُوا بذكائه وفِطْنته، وهكذا يتسلسل هذا الأمر في كبار العلماء في كلّ قرن.\nفما بالُنا نجد كبار العلماء ــ من الصَّحابة والتَّابعين فمَن بعدهم ــ هم أشدُّ الناس بُعدًا عن هذا الاعتقاد.","vol":"6","page":35},{"text":"وعامَّة من خاض في ذلك هم ممَّن لم ينشأ على العلم، ولا لازم العلماء، ولا تبحَّر في الكتاب والسُّنة، وإنَّما أئمتهم الجعد بن درهم، وجهم بن صفوان، وأشباههم مِمَّن لا تُعرَف له عناية بالعلوم الدِّينية، ولا ملازمة لأئمَّتها، فقام\nالأئمة المشهورون بالعلم ومُلازمة أهل العلم فبدَّعوا هؤلاء وضلَّلوهم وكفَّروهم، كما هو معروف.\nفإن قال قائلٌ: لعلَّ النَّبي - ﵌ - أوصاهم بالكتمان! قيل له ــ مع العلم ببطلان قوله ــ: وهل كان الكتمان فرضًا، حتى إذا سمعوا مَن يذكر الحق ضلَّلوه وكفَّروه؟\nفإن قال: نعم. قيل: فهل كان ذلك حقًّا أم باطلًا؟\nفإن قال: بل حقًّا. قيل له: فأنت وأئمَّتك على هذا مُبْطِلون ضالَّون مُضلُّون، محاربون لله ورسوله.\nواعْلم أنَّ مِن هؤلاء مَن كابَر أيضًا، ومنهم مَن رأى أنَّ المكابرة لا تجدي ففرَّ إلى ما هو أخبث وأخبث، فقال: إنَّ الأنبياء أناسٌ فضلاء أخيارٌ أرادوا إصلاح البشر، وصَفَت أنفسهم إلى درجة أنَّهم صاروا يتوهَّمون أنَّهم يسمعون كلام الله تعالى وملائكته، وإنّما كان ذلك تخيُّلًا محضًا، غير أنَّ نفوسهم لمَّا كانت طاهرة كانت تتخيَّل ما يناسب ما يريدونه من الإصلاح بحسب معرفتهم، وكانوا يعتقدون ما أخبروا به، ويرون أنّه الحقّ.\nولمَّا رأى بعض هؤلاء أنَّ ما تواتر من صفات الأنبياء ــ ممَّا يدلُّ على نهاية العقل والفِطْنة والمعرفة ــ يأبى ذلك قال: هم أناسٌ عقلاء اخترعوا لأُمَمِهِم ما يصلحونها به في دنياها.","vol":"6","page":36},{"text":"ورأى غير هؤلاء أنَّ ما تواتر عن الأنبياء ممَّا يُبَرْهِن على ملازمتهم للصِّدق والعبادة وشِدَّة الخوف من الله ﷿، وتقديم طاعته على كل ما عداه، مع ما جاؤوا به من الحكمة التي تبهر العقول= تحيِّر، فقال قائلهم:\nنِهايةُ إقدامُ العُقُول عِقَالُ ... [وأكثرُ سَعي العَالَمين ضَلالُ\nوأرواحُنا في وَحْشةٍ من جُسُومِنا ... وحَاصِلُ دُنْيَانا أذًى ووَبَالُ\nولم نَسْتَفِد مِن بَحْثِنا طُولَ عُمْرِنا ... سوى أن جَمعنا فيه قِيلَ وقالوا\nوكم قد رأينا مِن رجالٍ ودولةٍ ... فبَادُوا جميعًا مُسْرِعين وزالوا\nوكم من جِبالٍ قد عَلَت شُرُفاتها ... رِجالٌ فَزَالُوا والجِبالُ جِبالُ] (^١)\nومنهم من تداركته رحمة الله ﵎، فرضي من الغنيمة بالإياب، على أنّه لم يرجع سالمًا مِن كلِّ عاب، وإلى الله المآب، وعليه الحساب.\nوأمَّا مَن قال: حياةٌ تليق به، ويدٌ تليق به تعالى، ونحو ذلك، ولا تُؤولُ، فهم فِرَقٌ:\nالفرقة الأولى: من يُسلِّم أنَّ ظواهر آيات الصِّفات وأحاديثها تقتضي المُحَال، وأنَّ التَّأويل سائغٌ ولكنَّه خطرٌ. وقال قائلهم: \"مذهب السَّلف أسلم ومذهب الخلف أعلم\".\n_________\n(^١) لفخر الدين الرازي، محمد بن عمر التيمي البكري، المتوفى سنة ٦٠٦ هـ.\nوقد ذكر ابنُ تيمية ﵀ في مواضع من كتبه كـ\"درء التَّعارض\" (١/ ١٥٩) وغيرُه أنَّ الرازي أنشد هذه الأبيات في غير كتاب من كتبه، منها كتاب \"أقسام اللذَّات\".\nونسبها إليه من ترجم له، ينظر: \"معجم الأدباء\" لياقوت (٦/ ٢٥٩٠)، و\"وفيات الأعيان\" لابن خلكان (٤/ ٢٥٠)، و\"الوافي بالوفيات\" للصفدي (٤/ ١٨١).\nوقد كتب المؤلف صدر البيت الأول، وبيَّض للبقية، فأتممتها.","vol":"6","page":37},{"text":"الفرقة الثانية: كالأولى، إلَّا أنَّها تقول: لا يجوز التّأويل أصلًا.\nالفرقة الثالثة: من يقول: كلُّ ما أثبته الله ﷿ لنفسه، وأثبته له رسولُه ﵊ فهو حقٌّ وصِدقٌ على ظاهره.\nأمّا الفرقتان الأُوليان فيلتحقان بالمُؤَوِّلين، وقد تقدَّم ما لهم وعليهم.\nوأمَّا الفرقة الثالثة فإنَّها نُسِبَت إلى موافقة مَن قال: حياة كحياتي، ويدٌ كَيَدي، وهي أبعد الناس عن ذلك.\nوهاك الإيضاح: غالب الصِّفات يختلف تصوُّرها تبعًا لاختلاف تصوُّر الموصوف بها، فيُقال للصَّبي الغِرِّ والأعرابي الجِلْف: يد إنسانٍ، فيتصوَّر شيئًا، ثم يُقال له: يدُ فَرَسٍ، فيتصوَّر شيئًا آخر، ثم يقال له: يدُ طائر؛ فيتصوَّر شيئًا ثالثًا، وهكذا.\nفإذا قيل له: يدُ الله، فقد يتخيَّل شيئًا ما، فإذ رجع إلى عقله عَلِم أنَّ ذلك التَّخيل خَرْصٌ وتَخْمين، ثم يقول: ما رأيتُ الله ﷿، ولا رأيتُ ما يُماثله فكيف يتهيَّأ لي تصوُّر يَدِه؟!\nوهذه حقيقة متفقٌ عليها بين العقلاء، وهي أنَّ الإنسان لا يُدرِك إلّا ما أحسَّ به، أو أحسّ بفردٍ أو أفراد مماثلة له، ولا يدرك ممَّا أحسَّ به أو أحسَّ بما يماثله إلَّا ما تناوله الإحساس، ولا يُدرِك ممَّا أحسَّ بما يماثله إلَّا ما يعلم أنَّه قدرٌ مشتركٌ بينهما؛ فلسنا ندرك من صفات الله ﷿ إلَّا ما يتّصف المخلوق بما يشبهه في الجملة، فاستدللنا بآثاره على وجوده؛ لأنَّنا نعرف الوجود في الجملة بوجود الخلق الذين نُحسُّ بهم، ونعلم أنَّ الأمر يدلُّ على وجود مؤثِّر.\nوهكذا بقيَّة الصفات التي تقدَّم ذكرها، مع العلم بأنَّ صفات الربّ عزَّ","vol":"6","page":38},{"text":"وجلَّ واجبةٌ كاملةٌ مُبرَّأةٌ، وأنَّ صفات المخلوق فانيةٌ ناقصةٌ معيبة، ولكنَّ ذلك لا يمنع وجود اشتراك في الجملة يتهيَّأ به الإدراك، على أنَّنا إنَّما نُدرِك صفات الله ﷿ على وجهٍ إجمالي.\nفأمَّا اليد ــ مثلًا ــ فإنَّنا لا نجد ذاتًا تشبه ذات الرَّب ﷿ في الصُّورة ــ\nتفصيلًا ولا إجمالًا ــ حتى نُدرِك يده تعالى بالقياس على يد تلك الذات التي نعرفها. هذا في الإثبات.\nوأمَّا في النَّفي فلم نُدرِك ذاتًا تشبه ذاته ﷿، وليس لها يدٌ حتى نُدرِك بالقياس عليها أنَّه ليس له سبحانه يدٌ، غاية الأمر أنَّنا نُدرِك أنَّه سبحانه منزَّهٌ عن النَّقص، ولكنَّنا لا نُدرِك أنَّه لو كان له يدٌ تليق به لكان ذلك نقصًا، ومَن زَعَم أنَّه يُدرِك هذا فإنَّه تخيَّل يدًا كيد المخلوق، فلذلك جَزَم بأنَّها نقصٌ.\nوالإنسان إذا حاول أن يتصوَّر شيئًا؛ فإن كان قد أدركه بواسطة الحواسِّ فذاك، وإلّا فإنْ كان قد أدرك ما يشابهه فإنَّه يتصوَّره بتلك الصُّورة، ولكنَّ العقل إذا عَلِم أنهما لا يتشابهان في كل شيءٍ جَرَّد الصورة المُتَخيَّلة من بعض الأوصاف.\nوإذا كانت الصُّور المشابهة لِمَا يحاول تصوُّره كثيرة فإنَّ الفكر يتصوَّر صورةً على القدر المشترك بين تلك الصُّورة التي أدركها مجرَّدة عن الخواص التي تختلف، وربما ضَمَّ إليها صِفةً، أو نقص منها صفةً إذا قام لديه ما يوجب ذلك.\nفإذا سمعت برجلٍ إنجليزيٍّ لم تَرَهُ، ولا رأيتَ صورتَه، ولا وُصِف لك، وكلَّفتَ ذهنك أنْ يتصورَّه، وكنت قد رأيت جماعةً من الإنجليز= فإنَّ ذِهْنَك يتخيَّل صُورةً على القدر المشترك بين الذين رأيتهم حتى يتخيّل اللباس.","vol":"6","page":39},{"text":"ولو أردت تصوُّر رجلٍ حبشيٍّ لاختلفت الصُّورة التي تخيَّلتها.\nفإذا وُصِف لك الرجل أنَّه أعور، أو أعرج، أو طويل، أو قصير، أَضَفْتَ هذه الصِّفة إلى تلك الصُّورة، ولكن بحسب القَدْر المشترك بين العُور والعُرْج،\nوالطِّوال والقِصَار الذين قد أدركتهم، على أنَّك لو كلَّفتَ نفسك تصوُّره كبيرًا جدًّا كالجبل، أو صغيرًا جدًّا كالذَّرَّة لأمكنك ذلك.\nوإذا تدبَّرتَ وجدتَ الذِّهن إنِّما يستمد التَّصوُّر من القياس على الصُّوَر المخزونة في الحِفظ، ولكنَّه يركِّب ويُقسِّم، فيمكنه أن يتصوَّر شِقَّ رجلٍ، ويتصوَّر رجلًا له وجه فَرَس، وهكذا.\nفإذا كلَّفته أن يتصوَّر ما لم يُحسَّ به، ولا بما يشبهه فإنَّه يفرضُ عليك صورًا يستمدّها من خزانته، وقد يركِّب ويُقسِّم، ويزيد وينقص، وكلَّما عَرَض عليك صورةً، فقال العقل: ليس هذا أريد، عاد فاستمدَّ من الخزانة صورةً أخرى.\nفإذا كُلِّف الذِّهن تصوُّر يد الله ﷿ فأوَّل ما يفرِضُ يد إنسانٍ؛ لأنَّها أقرب الأيدي حضورًا بالذهن؛ لكثرة تكرُّر إحساسه بها، فإذا لم تقبلها أخذ يزيد في تلك الصورة وينقص، ويستمدُّ الزيادة والنّقص من الأجرام التي قد أدركها، كأنْ يجعلها نورًا على صفةٍ ما، قد أدركه من نور الشمس والقمر وغيرهما، ويعظمها ــ لإدراكه صِفة العَظَمة ــ حتى يجعلها كالجبل أو أعظم منه، وغير ذلك.\nوالعقل يحكم كلَّ مرَّةٍ أنَّ تلك الصورة فيها نقصٌ وعيبٌ، وأنَّ الله ﷿ مُبرَّأٌ عن ذلك، فإذا يَئِسَ مِن وجدان صورةٍ تليق بربِّ العِزَّة فهو بين أمرين:","vol":"6","page":40},{"text":"إمَّا أنْ يعترف بعجزه وقصوره، وأنَّ الموجودات لا تنحصر فيما يمكنه تصوُّره وتخيُّله، فهذا يُجوِّز أن يكون لله ﷿ يدٌ تليق به، فإذا عَلِم أنَّ الصَّادق المصدوق قد أخبر بذلك آمن به.\nوإمَّا أن يغلب عليه الغُرُور والدَّعوى، ويزعم أنّه ما من موجود إلَّا ويمكنه أن يتصوَّره، فهذا يُنْكِر أن تكون لله ﷿ يدٌ، ويزعم أنّ مَن أثبت لله ﷿ يدًا يلزمه أن يثبت له يدًا من تلك الأيدي التي تخيَّل صُوَرَها العقل.\nفلو أنّ رجلًا خُلِقَ أكْمَه وكبر، وعُلِّم الكلام ما عدا الألوان، ولم يُخبَر بأنَّ الناس يبصرون، ثم قال له رجلٌ بصيرٌ ذات يومٍ: هذا شيءٌ أبيض، فإنَّه يقول: وما معنى أبيض؟ أكبيرٌ؟ فيُقَال: لا، فيقول: فصغيرٌ؟ فيُقال: لا، فيقول: فأملس؟ فخشن؟ فجامد؟ فمائعٌ؟ إلى غير ذلك من المعاني التي قد عرفها وأحسَّ بها.\nفإذا قيل له ــ في كلّ ذلك ــ لا، لا! قال: فهذا عدمٌ!\nوإن كان قد أُخْبِر بالألوان، وتواتر عنده أنَّ النَّاس يُبصِرُون، وأنَّ للأشياء ألوانًا فإنَّه يصدِّقهم، ولكنَّه لا يستطيع تصوُّر ذلك. فهذا مثل الإنسان إذا أُخْبِر بصفات الرَّب ﷿.\nوكأنَّه لهذا المعنى زَعَم بعض المتكلِّمين أنَّ رؤية المؤمنين لربِّهم ﷿ في الآخرة إنَّما تكون بحاسَّةٍ سادسةٍ يخلُقُها لهم! (^١).\n_________\n(^١) نسب هذا القول أبو الحسن الأشعري في \"مقالات الإسلاميين\" (ص ١٦٢) وغيره إلى ضرار بن عمرو وحفص الفرد.","vol":"6","page":41},{"text":"ولبيان خطئه أضرب مثلًا ثانيًا:\nافرض أنَّه لا يوجد في الدُّنيا من الألوان إلَّا السَّواد والبياض، ثم أُخْبِر إنسان بأنَّ هناك شيء يُرَى، أليس يقول: أسود؟ فإذا قيل: لا! فيقول: أبيض؟\nفيقال: لا، فيقول: فليس في الوجود شيءٌ يُرَى إلَّا إمَّا أبيض وإمَّا أسود!\nفهذا مثل القوم؛ فإنَّهم لمَّا لم يعرفوا في المرئيَّات إلَّا هذه المحسوسات قالوا: لو أمكن رؤية الله ﷿ لكان من جنس هذه المحسوسات!\nوالمقصود من المثال التَّفهيم، وإلّا فلا يخفى أنَّ الحُمْرة من جِنْس الألوان، وليس الله ﷿ من جِنْس الخَلْق، ولو فُرِض أنَّ إنسانًا لم يَرَ صقيلًا تنطبع فيه صورته، ثمّ أُخْبِر بأنَّ الإنسان يمكنه أن يدرك بمعونة حاسَّة بصره لون حَدَقَته، فيَعْلَم أنَّها سوداء أو زرقاء أو غير ذلك بدون أن تخرج إحدى عَيْنَيه من موضعها، ولا يتغيَّر شكله، أليس يبادر فيقول: هذا محالٌ!\nوالمقصود من هذه الأمثلة تقريب المعنى الذي ذكرناه، من أنَّ الإنسان يجحد ما لا يحسُّ به، [وبما لا يشبهه] (^١).\nولو قلتَ لبدويٍّ لم يسمع بالآلات المخترعة: إنَّه يمكننا أن نسمع كلام أهل أمريكا ونحن بحضرموت بدون معجزةٍ، ولا سحرٍ، ولا كرامةٍ = لقال: هذا كذب! ولو لم يكن قد سَمِع بالمعجزات والكرامات والسِّحر ما احْتَجْتَ أن تقول له: بدون كذا ولا كذا.\nإذا علمتَ هذا؛ فإنَّا نقول: كان الصَّحابة ومَن بعدهم مِمَّن لم يتحكَّك بالبدع يعلمون حقَّ العِلم أنَّه لا سبيل للعقل إلى تصوُّر يد الله ﷿، ولا\n_________\n(^١) في الأصل: \"ولا بما يشبهه\".","vol":"6","page":42},{"text":"سبيل للعقل أن يُدرك أنَّه سبحانه ليس له يدٌ تليق به، فلمَّا أخبرهم الله ورسوله بأنَّ لله يدًا آمنوا وصدَّقوا.\nفليس في تلك النُّصوص بحمد الله ﷿ لا كذبٌ ولا إضلال، وليس\nفي عقيدة السَّلف جهلٌ ولا ضلالٌ؛ فإنَّ الجهل بما ليس في قدرة الإنسان العِلم به لا يُعدُّ نقصًا، وإنَّما الجاهل من يجهل ذلك ويجهل أنَّه جاهل، ويخبُّ ويضَعُ فيما ليس فيه مَطْمعٌ، ويؤول به الأمر إلى ما سمعت وتسمع.\nواعْلَم أنَّ سبب ضلال القوم أمور:\nالأول: قِلَّة حظِّهم من معرفة الكتاب والسنة.\nالثاني: تقديسهم للفلاسفة فوق تقديس الأنبياء بدرجات.\nالثالث: ما في فطرة الإنسان من دعوى أنَّ عقلَه يستطيع إدراك كلِّ شيءٍ، فَطَرَه الله على ذلك لئلَّا يكسل ويَتَوَانَى عن المعارف والعلوم، كما فَطَرَه على طُول الأمل ليبقى في عمارة الدُّنيا، وعدّل ذلك بالعقل ليَكْبَحَهُ عن تجاوز الحدِّ في ذينك الأمرين، وهؤلاء القوم نشأوا على التطلُّع والتعمُّق، فاعتَضَدَت الفِطْرة بالعادة، فأغفلهم ذلك عمَّا يُقرِّرونه من أنَّ الإدراك لا يكون إلَّا بإحساس أو قياس كما سلف، فكلَّفوا عقولهم أن تُدرك ما ليس من شأنها إدراكه، فصارت تتَّقيهم بالتَّخْييلات، وقد أُثِرَ عن الشافعي رحمه الله تعالى أنّه قال: \"إنّ للعقل حدًّا ينتهي إليه\" (^١).\n_________\n(^١) كذا نسبه إلى الشافعي الآلوسيُّ في \"روح المعاني\" (١/ ١٤٢).\nورأيته بنحو هذا مسندًا معزوًّا من الشافعي لابن عباس، فقد أخرجه أبو نعيم في \"الحلية\" (٩/ ١٤١) عن الشافعي قال: قال ابن عباس لرجلٍ أي شيء هذا؟ فأخبره، قال: ثم أراه شيئًا أبعد منه، فقال: أيُ شيءٍ هذا؟ قال: انقطع الطَّرْف دُونَه.\nقال: \"فكما جُعِل لطَرْفِك حَدٌّ ينتهي إليه كذلك جُعِل لعقلك حدٌّ ينتهي إليه\".","vol":"6","page":43},{"text":"أقول: وقد جرَّبنا أنَّ مَن كلَّف بصره إدراك ما لا يستطيع إدراكه يُخيَّل إليه أنَّه يُدْرِك ذلك، فكم مرَّة تَرَاءَى النَّاس الهلال فتَرَاءَيتُه معهم، فإذا حدَّقتُ وأمعنتُ في النَّظر يُخيَّل إليَّ أنِّي قد رأيته، ولكنَّها خَطْفةٌ لا تثبت، ثم أيأس من ذلك الموضع، فأنظر إلى موضعٍ آخر، فيخيَّل إليَّ مثل ذلك؛ فعلمتُ أنَّ تلك الخَطْفة هي صورة خيالية لما أتخيَّله؛ تبرز إلى العيان لقوة التَّخيل وكدِّ البصر.\nفكثيرًا ما يعرض للعقل مثل هذا إذا كُلِّف إدراك ما لا يُدْرك، والفرق أنَّ خطأ البَصَر يتنبَّه له العقل، ولا يكاد ينتبه لخطأ نفسه.\nلو بغير الماء حلقي شَرِقٌ ... كنتُ كالغصَّان بالماء اعتصاري (^١) (^٢)\nوكثيرًا ما يُدرك العقل خطأ ما تصوَّره ولكنَّه لا ييأس، فلا يزال في أخذٍ وردٍّ إلى أن يكِلَّ ويَمَلَّ؛ ولا يَسْمحُ بذهاب تعبه سُدىً فيقنع بالشُّبهة التي وقف عندها، ومثله مثل المسافر يأبى أن ينزل ليستريح إلَّا في موضعٍ حسنٍ جميلٍ، وليس أمامه موضعٌ كذلك، فلا يزال كُلَّما أتى على موضعٍ لم يره على الشَّرط حتى يعقله التعب والإعياء؛ فينزل ويسلِّي نفسه ويُغالطها، يزعم أنَّ ذلك الموضع حسنٌ وجميلٌ.\nوأنت إذا كنت قد وقفتَ على بعض الكتب المطوَّلة في الفلسفة وتدبَّرتها تحقَّقتَ هذا المعنى، ولا تكاد تجد شبهةً عقليةً قد قرَّرها أحدُهم\n_________\n(^١) في الأصل: \"اعتصار\".\n(^٢) البيت لعدي بن زيد العبادي في \"ديوانه\" (ص ٩٣). وهو كذلك منسوب إليه في: \"الأغاني\" (٢/ ١٠٦)، و\"الحيوان\" للجاحظ (٥/ ١٣٨، ٥٩٣)، وغيرهما.","vol":"6","page":44},{"text":"على أنَّها برهانٌ قاطعٌ إلَّا وجدتَ غيره قد نقضها، ثم يجيء ثالثٌ فيدفع هذا النقض،\nفيجيء رابع فيردُّ الدَّفع، وهكذا.\nحُجَجٌ تهافت كالزُّجاج ... فكُلٌّ كاسرٌ مكسور (^١)\nثم اعْلم أنَّ أعظم ما يستندون إليه هو الاستقراء؛ فيستقرئون ما يدخل تحت حواسهم حتى تنتظم لهم مقدِّمةٌ كليَّةٌ بالنِّسبة إلى ما استقرؤوه، ثم يزعمون أنَّه لا يخرج موجودٌ عن تلك الكُليَّة، وذلك أمرٌ بديهي البُطلان؛ فإنَّهم يقولون: الحيوان كلُّه يُحرِّك فكَّه الأسفل إلَّا التِّمساح (^٢)، فلو فَرَضْنا أنَّهم لم يَرَوا التِّمساح ولا سمعوا به، كأن كان في أمريكا قبل اكتشافها= فهذا الاستقراء يكون في زعمهم برهانًا قاطعًا على أنَّه لا يوجد حيوانٌ يحرِّك فكَّه الأعلى! وهم يبالغون بزعمهم في نفي مشابهة الربِّ ﷿ لشيءٍ من خلقه، ثم يحكمون عليه بما استقرؤوه من خلقه.\nومن أعظم بلايا العقل دعواه أنَّه لا يَتَعالى عن إدراكه شيء، كثيرًا ما ينظر فإذا لم يُدْرِك جَحَد، ولا سيَّما عقول هؤلاء القوم الذين تسرَّب إليهم\n_________\n(^١) كذا بالأصل وهو غير موزون، مع وضوح معناه، والمشهور:\nحججٌ تهافت كالزجاج تخالها ... حقًّا وكُلٌّ كاسرٌ مكسورُ\nولم أر مع شهرة هذا البيت نسبته لقائلٍ.\nولابن الرُّومي في \"ديوانه\" (٢/ ١٦٦):\nلِذَويِ الجِدَال إذا غَدَوا لجدالهم ... حُججٌ تضلُّ عن الهُدَى وتجُوْرُ\nوُهْنٌ كآنية الزُّجاج تصادمت ... فَهَوَت وكُلٌّ كاسِرٌ مكسورُ\nفالقاتل المقتول ثَمَّ لضعفه ... وَلِوَهْيِهِ والآسِرُ المأسورُ\n(^٢) يُنْظَر: \"الحيوان\" للجاحظ (٧/ ١٠٣).","vol":"6","page":45},{"text":"تقديس الفلاسفة، والرَّيب في النُّبوة، على تفاوتهم فيه، ومثل ذلك مثل نفرٍ من النَّاس\nفيهم رجلٌ يرى أنَّه أحدُّهم نَظَرًا، فيرى آخر منهم الهلال فيخبر أصحابه، فَيَتَراءَاه ذلك الرجل فلا يراه، فيبادر بتكذيب القائل: إنِّي أراه، قائلًا: لو كان الهلال طالعًا لرأيتُه؛ لأنَّني أحدُّ الجماعة نَظَرًا!\nوهذا من أعظم غلط العقل، فتراه ينفي وجود بعض الأشياء، وينكر بعض الأحكام، ويردُّ كثيرًا من الأخبار؛ لأنّه لم يدركها، أو لم يدرك وجه صِحَّتها، أو مطابقتها للحِكْمة. ولولا هذا الخطأ ومثلُه لم يكد يغلط عاقل ولا يضل، ولا استحلَّ مسلمٌ أن يذمَّ المعقولات، ويحذّر من شدة الاعتماد عليها، فإنَّ الدِّين لا يقوم إلَّا على العقل كما قدّمنا.\nوممَّا يُتَّقى به خطأ العقل ــ إذا زعم أنَّ إدراكه قاطعٌ ــ أن يفرض صاحبه أنَّه اجتمع بِمَن هو أكمل منه وأعقل، فأخبره برأيه في تلك القضية، فقال له الأكمل: أخطأت؛ فإن أحسَّ في نفسه أثرًا لقول الأكمل: \"أخطأت\" فليعلم أنَّ إدراكه ذلك ليس بقاطع.\nوقد بحث معي مسلمٌ في مسألة معروفة، فزعم أنَّ العقل القاطع يدلُّ على نفيها، فقلت له: لو فرضنا أنّ النبي - ﵌ - لا يزال حيًّا، وأنّنا سألناه عن هذه المسألة فقال: هي حقٌّ ثابتٌ، فهل تصدِّقه؟\nفقال: وكيف لا أصدِّقه؟\nفقلتُ له: فأين العقل القاطع هذا؟ أو نحوه.\nفإن قلتَ: إنَّهم يجيبون عن مثل هذا: بأنَّه يستحيل أن يقوله النَّبي - ﵌ -.\nقلتُ: فإنَّهم يردُّون النصوص الصَّريحة من القرآن بنحو ذلك.\nفإن قلتَ: ولكنّهم يتأوَّلونها.","vol":"6","page":46},{"text":"قلتُ: قد تقدَّم أنَّ حملها على التأويل معناه نسبة الكذب إلى الله ورسوله.\nوبعد فالمكابرة لا دواء لها، والمقصود إرشاد مَن في قلبه خير إلى أن يفرض ما تقدَّم، ثم ينظر فلعلَّه يتبيَّن له خطَاؤُه في توهُّم القطع.\nفإن قال قائلٌ: إنّما استقامت لك الحُجَّة لأنَّك مثَّلتَ بالحياة واليد، ومن الصفات ما لا يظهر استقامة تلك الحُجَّة فيه، ومن ذلك كون الله ﷿ على عرشه فوق السماوات، وكونه ينزل كُلَّ ليلةٍ إلى سماء الدُّنيا، ويجيء يوم القيامة، وغير ذلك.\nأقولُ: الحُجَّة مثبتةٌ في هذه كلِّها؛ لأنَّ الفلاسفة ومقلِّديهم أثاروا شبهًا ليست ممَّا فُطِرَت عليه العقول، ولا كان يعرفها العرب الذين تلقوا الشريعة غَضَّةً، وقد كنت أحببت أن أوضح ذلك مفصَّلًا، ثم أضْرَبْتُ عن ذلك لمعنىً سأذكره فيما بعد إن شاء الله تعالى. فلْأَكتف بجوابٍ إجمالي:\nقد عَلِمتَ أنَّ الإخبار بكلامٍ له معنى ظاهر، وليس عند المخاطَب قرينةٌ تُوْجِب صَرْفَه عن ظاهره يكون كذبًا، ولا يغني تورية المتكلِّم في نفسه، أو ملاحظته قرينةً يعلم أنَّ المُكلَّم (^١) لا يشعر بها، كأن يَقْدَم رجلٌ من اليمن إلى الحجاز، فيسأله رجلٌ عن أبيه، فيقول: إنَّه قد مات، ويريد في نفسه أنّه نامَ، ويزعم أنَّ وجود الأب في اليمن حيًّا يرزق قرينة!\nوعلمتَ أنَّ الكذب مُحالٌ أن يقع من الله ﷿ ورسله، والله ﷿ إنّما أنزل الكتب وأرسل الرسُّل لهداية الناس إلى السِّراط المستقيم، لا لإضلالهم، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى\n_________\n(^١) الأصل: \"المتكلم\" سهو.","vol":"6","page":47},{"text":"فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الزمر: ٤١].\nفإذا أحَطْتَ بهذا فكلُّ نصٍّ في كتاب الله ﷿ أو في السُنّة المقطوع بها يخبر بصفة من صفات الله ﷿، وله معنى ظاهر يُعْلَم أنَّ العرب الذين دعاهم النبي - ﵌ - لا يفهمون غيره، فلا مفرَّ للمسلم من الإيمان به.\nثم اعْلم أنَّ من الصِّفات ما لا شُبْهَة لِمَن أنكره أصلًا، كما قدّمنا في الحياة واليد مفصَّلًا.\nومنها ما لم تكن فيه شُبْهة، ولكن نشأت الشُبْهة فيه لمن اطَّلع على كلام الفلاسفة، وهذا لا بدَّ للمسلم من الإيمان به وتكذيب الفلاسفة.\nعلمًا بأنَّ العقل الإنساني قاصرٌ، وأنَّ إدراكه يتفاوت، وأنَّه كثيرًا ما يتوهَّم أنّه قد أدرك إدراكًا قطعيًّا وهو مخطئ.\nومن تأمّل اختلاف الفلاسفة والمتكلِّمين من كُل أُمَّةٍ، وتخطئة آخرهم لأولهم، مع زعم كلٍّ منهم أنّ عقله أدرك ما قاله إدراكًا قاطعًا= تبيَّن له هذا، ولو اطَّلعت على آراء فلاسفة العصر لرأيت من ذلك كثيرًا جدًّا.\nومنها ما تعرض الشُبهة فيه لكلِّ أحدٍ، وهذا لا بدَّ للمسلم من الإيمان به، وصَرْفِ نفسه عن استرسالها في الفِكْر.\nففي \"الصَّحيحين\" (^١) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﵌ -: \"يأتي الشيطان أحدَكم، فيقول: مَن خلق كذا؟ مَن خلق كذا؟ حتى يقول: مَنْ خَلَق ربك؟ فإذا بلغه فليستعذ بالله وَلْيَنْتَهِ\".\n_________\n(^١) البخاري (٣٢٧٦) ومسلم (١٣٤)، وهذا لفظ البخاري.","vol":"6","page":48},{"text":"وفيهما (^١) من حديثه أيضًا قال: قال رسول الله - ﵌ -: \"لا يزال الناس\nيتساءلون حتى يُقال هذا خَلَقَ اللَّهُ الخَلْقَ فمَن خَلَقَ اللَّهَ؟ فمَن وَجَدَ من ذلك شيئًا؛ فليقل: آمنت بالله ورُسُلِه\".\nوفي روايةٍ لأبي داود (^٢): \"لا يزال الناس يتساءلون، حتى يُقَال هذا خَلَقَ اللَّهُ الخَلْقَ فمَن خَلَق اللَّهَ؟ فإذا قالوا ذلك، فقولوا: الله أحدٌ، الله الصَّمدُ، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، ثم ليَتْفُلْ عن يساره، ولْيَستعذ بالله من الشيطان الرجيم\".\nوذلك أنَّ الفكر إذا أراد أن يتصوَّر أن الله ﷿ لم يزل ولا نهاية لأوَّليَّته تاه وتحيَّر.\nفصلٌ\nقال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧].\nاختلف النّاسُ في هذه الآية حتى كادت تصير هي نفسها من المتشابه، وقد يُسِّرَ لي في فهم معناها سبيلٌ واضحٌ إن شاء الله تعالى.\n_________\n(^١) مسلم (١٣٤) بنحوه، وأخرجه البخاري من حديث أنس (٧٢٩٦) بلفظ: \"لن يبرح الناس يتساءلون حتى يقولوا: هذا اللهُ خالقُ كلِّ شيءٍ، فمَن خَلَق اللَّهَ؟ \".\n(^٢) حديث (٤٧٢٢) بنحوه.","vol":"6","page":49},{"text":"فأقول: قد ثبت أنَّ القرآن كلَّه محكمٌ، لقوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ [هود: ١]، وأنَّه كلَّه متشابهٌ؛ لقوله تعالى: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ\nالَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ...﴾ [الزمر: ٢٣].\nوثبت بالآية المصدَّر بها أنَّ منه ما هو محكمٌ غير متشابهٍ، ومنه ما هو متشابهٌ غير محكمٍ.\nواتُّفِقَ على أنَّ المراد بالإحكام في قوله تعالى: ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ عدم الخَلَل في الحُسْن والصِّدق ومطابقة الحِكْمة، وبالتَّشابه في قوله: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ أنَّ بعضه يشبهُ بعضًا في الحُسْن والصِّدق ومطابقة الحِكْمة، فلا منافاة بين هذا الإحكام وهذا التَّشابه.\nوأمَّا الإحكام والتَّشابه في الآية المصدَّر بها فهي صريحةٌ في تنافيهما، وبذلك يُعْلَم أنَّ لكلٍّ منهما معنًى غير المعنى المتقدِّم، فبَحَثْنَا عن ذلك فوَجَدْنَا المُحْكَم مُحْكَمًا لا يحتمل إلَّا ذلك المعنى الواحد، وأنَّه لا خَلَل فيه، والقرآن كلُّه مُحْكَمٌ لا خلل فيه ألبتَّة.\nولكن يمكن أن يقال: الخَلَل المنتفي عن القرآن ألبتَّة هو الخَلَل الحقيقي.\nفأمَّا ما يُتَوَهَّم خَلَلًا وليس في الحقيقة بخَلَلٍ فهو موجود في القرآن.\nفيجوز أن يُقَال: أُحْكِمَت آياته في الحقيقة، ومنه آياتٌ محكماتٌ ليس فيها خَلَلٌ ولا ما يُتَوَهَّم خَلَلًا، وأُخرُ فيها ما يُتَوَهَّم خَلَلًا؛ فهي المتشابهات.\nوقبل أنْ نَبُتَّ الحُكْمَ في هذا ننظر في معنى ﴿مُتَشَابِهَاتٌ﴾ فنجد المعنى","vol":"6","page":50},{"text":"المتبادر: أنَّ كلَّ آيةٍ منها تشبه الأخرى، وهذا عامٌّ في آيات القرآن كُلِّها، كما قال تعالى: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾.\nفإنْ قيل: إنَّ هناك وجهًا تتشابه فيه الآيات التي يكون فيها ما يُتَوَهَّم خَلَلًا\nمختصَّة به، وهو تَوَهُّم الخَلَل في كُلِّ آيةٍ منها.\nقلتُ: ولكنَّ هذا لا يكفي لتخصيصها بلفظ: ﴿مُتَشَابِهَاتٌ﴾؛ فإنَّ المحكمات أيضًا فيها وجهٌ تتشابه فيه، وهو خاصٌّ بها، وهو أنَّه ليس في كُلٍّ منها خَلَلٌ، ولا ما يُتَوَهَّم خَلَلًا.\nويمكن أنْ يُقَال: كلُّ آيةٍ من المتشابهات متشابهةٌ في نفسها، على أن يكون المعنى: متشابهات معانيها، أي: يتشابه فيها معنيان، أو معاني، كما يُقَال: اشتبه عليَّ الأمر، أي: اشتبه صوابُه بخطائه، ويُقَال: اشتبه عليَّ الأمران، أي: لم تُميِّز بينهما.\nفإنْ قلتَ: ولكنَّه لا يُقَال: تشابه عليَّ الأمر!\nقلتُ: لا أستحضر شاهدًا لذلك، ولكن \"اشتبه\" و\"تشابه\" بمعنًى، قال تعالى: ﴿مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾ [الأنعام: ٩٩].\nوقد قال المولَّد (^١):\nرَقَّ الزُّجَاجُ ورَاقَت الخَمْرُ ... فَتَشَابَهَا وتَشَاكَلَ الأَمْرُ (^٢)\nالشاهد في قوله: \"وتشاكل الأمر\".\nفلنترك هذا ههنا، ولننظر في بقية الآية، لعلَّنا نجد فيها ما يبيِّن المقصود،\n_________\n(^١) هو الصاحب بن عبَّاد، في \"ديوانه\" (ص ١٧٦).\n(^٢) كذا في الأصل، وفي \"الديوان\": \"وتشابها فتشاكل\".","vol":"6","page":51},{"text":"قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾.\nدلَّت الآية أنَ المتشابه من شأنه أن يتَّبعه الزَّائغون؛ ابتغاء الفتنة، وابتغاء تأويله.\nومن المعقول أنَّ الآية التي تتشابه معانيها يتَّبعها الزَّائغ ابتغاء الفتنة؛ ليحملها على المعنى الذي يوافق هواه، ولكنّ قوله تعالى: ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ يدلُّ أنَّ ابتغاء تأويل المتشابه زيغٌ.\nفإن قيل: إنَّما يكون زيغًا في حقِّ الزَّائغين؛ لأنَّهم يبتغون الفتنة.\nقلتُ: لا أرى هذا شيئًا؛ إذ لو كان كذلك لكان المدار على ابتغاء الفتنة، ولَمَا ظهر معنًى لزيادة ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾، بل ولا تخصيص المتشابه؛ لأنَّ مبتغي الفتنة يبتغيها في كل آية من القرآن، وإن كان ابتغاؤه إيَّاها فيما تشابهت معانيه أكثر.\nفإن قيل: فإنَّما يكون ابتغاء تأويله زيغًا في حقِّ هؤلاء؛ لأنَّهم غير راسخين في العلم.\nقلتُ: لا أراه كذلك؛ لأنَّ مَن ليس براسخٍ في العلم قد يخطئُ في فهم المحكم أيضًا.\nوأوضح من هذا كلِّه قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾، فقصر علم تأويل المتشابه على الله ﷿.\nفإن قلتَ: فقد قال: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾؟","vol":"6","page":52},{"text":"قلتُ: ليس هذا عطفًا ألبتَّة، وإنَّما هو معادل قوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾، فكأنه قال: (وأما الراسخون في العلم ...).\nفالآية كقولك: أمّا زيدٌ ففي المسجد وعمرو ذهب إلى السوق، اختار هذا المعنى ابن هشام في \"المغني\" (^١)، وهو المختار؛ لأنَّ \"أمَّا\" للتَّفصيل، وذِكْرُ القسمين أو الأقسام بعدها هو الأصل، والحذف خلاف الأصل. فلمّا كان قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾ يحتمل أنَّه القسم الثاني، ويحتمل خلافه، فحمله على أنَّه القسم الثاني هو الظَّاهر حتمًا.\nويؤيِّد ذلك أنَّ القائلين بالعطف قالوا: إنَّ قوله: ﴿يَقُولُونَ﴾ خبرُ مبتدأ محذوف، أي: هم يقولون، ولا يخفى أنَّ الأمر إذا دار بين الإضمار وعدمه فالأصل عدمُهُ.\nومنهم مَن جَوَّز أن يكون حالًا، وهو باطل؛ لأنَّ الحال قيدٌ في عاملها، فيصير المعنى: \"وما يعلم تأويله في حال قول الراسخين كذا وكذا إلَّا الله والراسخون\"، فيُفْهَم منه أنَّ غير الله والراسخين قد يعلم تأويله في غير تلك الحال! ولا وجه لهذا.\nوإن قُدِّرَ أنَّه حالٌ من ضميرٍ محذوفٍ، والتَّقدير: \"هم يعلمونه حال كونهم يقولون\" [فـ]ـتعسُّفٌ بتكثير الإضمار، ولزوم أنَّ الله والرَّاسخين لا يعلمون تأويله إلَّا في تلك الحال! وهذا محالٌ.\nفإن حُمِلَ قولنا: \"هم يعلمونه\" على الرّاسخين وحدهم، فكذلك يلزم منه أنَّهم لا يعلمونه إلَّا في تلك الحال!\n_________\n(^١) \"مغني اللبيب عن كتب الأعاريب\" (ص ٨١ - ٨٢).","vol":"6","page":53},{"text":"وهناك مصارعات ومقارعات، انظرها في: \"روح المعاني\" (^١) إنْ\nأحببت.\nوأوضح من هذا كلِّه: أنّه صحَّ ــ كما في \"المستدرك\" وغيره (^٢) ــ عن ابن عباس ــ وهو المَدْعوُّ له بتعلُّم التأويل (^٣) ــ كان يقرأ: (وما يعلم تأويله إلَّا الله ويقول الراسخون ..).\nوحُكيَ مثله عن أُبيِّ بن كعب (^٤). وقد صحَّ عن النبي - ﵌ - قوله: \"أقرؤكم أُبيّ\" (^٥). وجاء عن ابن مسعود ــ وهو هو ــ أنه كان يقرأ: (وإن\n_________\n(^١) للآلوسي (٣/ ٨٣ ــ ٨٧).\n(^٢) \"المستدرك\" (٢/ ٢٨٩)، وأخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره\" (١/ ١١٦) ومن طريقه ابن أبي داود في \"المصاحف\" (١/ ٣٤٨)، والطبري في \"تفسيره\" (٥/ ٢١٨)، وأخرجه ابن الأنباري في \"الأضداد\" (ص ٤٢٦) وغيرهم، من طريق معمر عن ابن طاووس عن أبيه عن ابن عباس ﵁ به.\n(^٣) تقدم ذكره (ص ٨ - ٩) من هذه الرسالة.\n(^٤) أخرجه الطبري (٥/ ٢١٩) وابن أبي حاتم (٢/ ٥٩٩) من طريق ابن وهب عن ابن أبي الزناد عن هشام بن عروة عن أُبَيٍّ ﵁ بنحوه.\n(^٥) أخرجه أحمد (٣/ ١٨٤) والترمذي (٣٧٩١) وابن ماجه (١٥٤) وابن حبان (٧١٣١، ٧١٣٧، ٧٢٥٢) والحاكم في \"المستدرك\" (٣/ ٤٢٢) وغيرهم، من طريق خالد الحذاء عن أبي قلابة عن أنس ﵁ بلفظ: \"أرحم أمتي بأمتي أبو بكر ... \" وفيه: \"وأقرؤهم لكتاب الله أُبي بن كعب\". قال الترمذي عقِبه: \"حسنٌ صحيحٌ\"، وقال الحاكم: \"صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذه السياقة؛ وإنَّما اتفقا بإسناده هذا على ذكر أبي عبيدة فقط، وقد ذكرتُ علَّته في كتاب التلخيص\".\nوصحَّح إسناده ابن حجر في \"الفتح\" (٧/ ٩٣)، وقال: \"إلَّا أنَّ الحفَّاظ قالوا: إنَّ الصَّواب في أوَّله الإرسال، والموصول ما اقتصر عليه البخاري\".\nوقال في \"التلخيص الحبير\" (٣/ ٧٩ ــ ٨٠): \"أُعِلَّ بالإرسال، وسماع أبي قلابة من أنسٍ صحيحٌ؛ إلَّا أنه قيل: لم يسمع منه هذا، وقد ذكر الدارقطني الاختلاف فيه على أبي قلابةً في \"العِلل\"، ورجَّح هو وغيره ــ كالبيهقي والخطيب في \"المدرج\" ــ أنَّ الموصول منه ذكرُ أبي عبيدة، والباقي مرسلٌ.\nورجَّح ابن الموَّاق وغيره رواية المرسل\" ثم ذكر طرقًا للحديث لا يخلو شيءٌ منها من ضعفٍ.\nوصحَّح الألباني الحديث في \"الصحيحة\" (١٢٢٤) متصلًا، واستغرب إعلاله بالإرسال.\nتنبيه: الحديث الذي اقتصر عليه البخاري هو ما أخرجه (٣٧٤٤) ومسلم (٢٤١٩)، بلفظ: \"لكل أمةٍ أمينٌ، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجرَّاح\".","vol":"6","page":54},{"text":"تأويله\nإلَّا عند الله والراسخون في العلم) (^١).\nفلو كان المعنى على العطف لقال: \"والراسخين\"، كما لا يخفى.\nوقد رُوِيَت عن النَّبي - ﵌ - وأصحابه آثارٌ كثيرة تصرِّح بأنَّ المتشابه لا يعلمه إلَّا الله تعالى وحده. انظرها في \"الدُّر المنثور\" (^٢).\nوسياق الآيات يدلُّ على ذلك؛ فإنّ قول الراسخين: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ ظاهرٌ في عدم علمهم بتأويله، وإنَّما علموا أنَّه حقٌّ لأنَّه من عند ربهم، فكأنَّهم قالوا: أمَّا ما عَلِمْنَا تأويله فقد عَلِمْنَا أنَّه حقٌّ بعِلْمِنَا بتأويله، وأمَّا المتشابه فإنَّنا نؤمن به؛ لأنَّه أيضًا من عند ربِّنا، فهو حقٌّ وإن لم نعلم تأويله.\n_________\n(^١) ينظر: \"كتاب المصاحف\" لابن أبي داود (١/ ٣٠٩) ولفظه فيه: \"قراءة عبد الله: (وإنْ حقيقة تأويله إلَّا عند الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به ...).\nوذكره الطبري في \"تفسيره\" (٥/ ٢٢١) بلفظ المؤلف.\n(^٢) (٣/ ٤٥٩ ــ ٤٦١).","vol":"6","page":55},{"text":"وقولهم بعد ذلك: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران: ٨] ظاهرٌ في أنَّ المُتَشابه مَظِنَّة لأنْ يكون سبب الزَّيغ.\nولو كانوا قد علموا تأويلَه لكان بالنَّظر إليهم كالمُحْكم.\nوتعليل اتِّباع الزَّائغين للمتشابه بقوله: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ ظاهرٌ في أنّ ابتغاء تأويله زيغٌ؛ إذ لو كان الزَّيغ إنَّما هو في اتِّباعه ابتغاء الفتنة لَمَا كان لقوله: ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ معنى!\nفإن قيل: سَلَّمنا أنَّ ابتغاء تأويله زَيغٌ، ولكن لغير الراسخين.\nقلتُ: الرُّسوخ في العِلْم أمرٌ خفيٌّ، ليس هو كثرة العِلْم، فكم مِن رجلٍ كثير العِلْم ليس براسخٍ، قال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ [الأعراف: ١٧٥، ١٧٦]، وقال ﷿: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية: ٢٣].\nوفي الحديث: \"إنَّ أخوف ما أخاف على أمّتي كلُّ منافقٍ عليم اللِّسان\" (^١).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١/ ٢٢، ٤٤)، وعبد بن حميد (المنتخب: ١١)، والبزَّار (١/ ٤٣٤)، وغيرهم، من طرقٍ عن ميمون الكردي عن أبي عثمان النَّهدي عن عمر ﵁ مرفوعًا. قال الهيثمي في \"المجمع\" (١/ ١٨٧): \"رجاله موثقون\" وصحَّح إسناده الألباني في \"الصحيحة\" (١٠١٣).\nوللحديث طرقٌ أخرى اختلف في رفعه ووقفه على عمر ﵁، قال الدارقطني في \"العِلل\" (٢/ ٢٤٦): \"والموقوف أشْبَه بالصَّواب\".\nوله شاهد من حديث عمران ﵁ مرفوعًا، وَهَّمَه الدارقطني في \"العِلل\" (٢/ ١٧٠). ومن حديث عليٍّ ﵁ مرفوعًا، ولا يصح، ويُنظر: \"مجمع الزوائد\" للهيثمي (١/ ١٨٧).\nوالحاصل في هذه الرواية كما قال الحافظ ابن كثير في \"مسند الفاروق\" (ص ٦٦٣): \"هي صحيحة عن عمر، وفي رفع الحديث نظر\".","vol":"6","page":56},{"text":"وقال الحسن البصري: \"العِلْم عِلْمان: فعِلْمٌ في القلب، فذلك العِلم النَّافع، وعلمٌ على اللِّسان، فذلك حُجَّة الله على ابن آدم\". \"سنن الدارمي\" (ج ١ ص ١٠٢) (^١).\nوالأحاديث والآثار في هذا كثيرة.\nوقد كان عبد الملك بن مروان وأبو جعفر المنصور العباسي من كبار العلماء، وهما طاغيتان. وكذلك الواقدي، والشَّاذكوني، ومحمد بن حميد الرازي، وهؤلاء رماهم أئمَّة الحديث بأنَّهم كانوا يكذبون على رسول الله - ﵌ -، وأمثالهم كثير. ومن العلماء مَن هو دون هؤلاء في العلم ولكنَّه معدودٌ من الراسخين.\n_________\n(^١) حديث (٣٧٦) ط حسين سليم.\nوقد رُوي الحديث مرفوعًا من مرسل الحسن البصري، ومن حديث جابر وأنس ﵄، ولا يسلم واحدٌ منها من مقال وضعفٍ. ويُنظر: \"الضعيفة\" للألباني (١٠٩٨).\nوقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية في \"درء التعارض\" (٧/ ٤٥٣): \"رُوِيَ ذلك عن الحسن عن النبي - ﷺ - مرسلًا، وقد قيل إنَّه من كلام الحسن، وهو أقرب\".","vol":"6","page":57},{"text":"فالرسوخ إذن حالٌ قلبية؛ كما قال النبي - ﵌ - في الغِنَى: \"ليس الغِنَى عن كثرة العَرَض، ولكنَّ الغِنَى غِنَى النَّفس\" (^١)؛ فكذلك نقول: ليس الرُّسوخ عن كثرة العِلْم، ولكنَّ الرُّسوخَ رسوخُ الإيمان في القلب، ويوشك أن يكون هو\nاللُّب في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧].\nوإنَّه ليشمُّ روائح الرسوخ من قولهم: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧) رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨) رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران: ٧ ــ ٩].\nفالرّاسخ دائم الخوف والخشية من ربه ﷿، مسيءٌ للظَّنِّ بنفسه، فكم من راسخٍ لا يرى أنَّه من أرسخ الرَّاسخين؟\nفالخائف الخاشي المسيءُ الظَّنَّ بنفسه جديرٌ بأن لا يستخفَّه ما عنده من العِلْم على الخوض فيما ليس له به علم، وعلى البحث فيما لم يُكلَّف البحث فيه، وهو من موارد الخَطَر، ومزالق النَّظَر.\nهذا لو كان يمكن العِلْم به؛ فكيف إذا كان ممَّا لا سبيل إلى العِلْم به؟! وإنَّما الزَّائغ الجريء على ربه، المُتَّكِل على عقله، الفَرِح بما عنده من العِلْم هو الجدير بأن يَتَعَاطى الخوض في كُلِّ شيءٍ، ويحمِلُه ثقتُهُ بنفسه، وأَمْنُهُ مكرَ ربِّه، ودعواه أنَّه لا يَتَعَالى عن فهمه شيءٌ، وحرصه على أن يطير ذكرُهُ في النَّاس، وكبره عن أن يعترف بالجهل= تحمِلُهُ هذه الأشياء على الجهل بحقيقة حاله، وبأنّ العقل له حدٌّ ينتهي إليه، كما أنَّ للبَصَر حدًّا ينتهي إليه،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٤٤٦) ومسلم (١٠٥١) من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"6","page":58},{"text":"ورُبَّما حَمَلَتْه على الخوض والكلام، والنَّقض والإبرام فيما يعلم أنَّه لا سبيل له إليه، وكم من راسخ يرميه النّاس بالكفر والضَّلال، وكم من زائغٍ يتَّخذونه إمامًا في الدِّين!\nفالحقُّ أنَّ هذه الآيات أفادت علامة الزَّائغ، وآية الرَّاسخ.\nفعلامة الزَّائغ اتِّباع المتشابه ابتغاء الفِتْنة وابتغاء تأويله، وإذا خَفِيَ علينا\nابتغاء الفتنة لم يَخْفَ ابتغاء التأويل. وآية الرَّاسخ الكفُّ عن ذلك، والاكتفاء بقوله: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا ...﴾.\nوفي \"الصَّحيحين\" وغيرهما (^١) من حديث أم المؤمنين عائشة ﵂ أنَّ النبي - ﵌ - تلا هذه الآيات، ثم قال: \"إذا رأيتم الذين يتَّبِعُون ما تَشَابَه منه فأولئك الذين سمَّاهم الله فاحذروهم\".\nفأطْلَق الحديث ولم يقيِّد؛ لكنَّه قد عُلِم إخراجُ الاتِّباع على معنى التِّلاوة والإيمان، وبقي الاتِّباع ابتغاءَ التَّأويل، ولم يُقيِّده بابتغاء الفِتْنة ولا غيرها، فعُلِم صِحَّة ما قلناه، وهو: أنَّ ابتغاء التأويل زيغٌ، كما أنَّ ابتغاء الفِتْنة زيغٌ، ولم يقيِّده - ﵌ - بعدم الرسوخ، فعُلِم أنَّ كلَّ من ابتغى تأويله فهو زائغٌ وليس براسخٍ، وأكَّد هذا ما يُفْهَم من الحديث: أنَّ النَّبي - ﵌ - كان واثقًا بأصحابه الذين خاطبهم أنَّهم لا يتبِّعون المتشابه، وإنَّما حذَّرهم ممَّن نَشَأَ بعدهم، وهم ﵃ أولى بالرسوخ من غيرهم؛ فعُلِمَ أنَّ الرَّاسخ لا يتَّبع المتشابه أصلًا إلَّا على معنى تلاوته والإيمان به.\n_________\n(^١) البخاري (٤٥٤٧)، ومسلم (٢٦٦٥)، وأبو داود (٤٥٩٨)، والترمذي (٢٩٩٣)، وأحمد في \"مسنده\" (٦/ ٤٨، ٢٥٦) وغيرهم، بألفاظ متقاربة.","vol":"6","page":59},{"text":"فإن قلتَ: المتشابه في اختيارك هو ما اشتبه معناه، بأن يتساوى المعنيان أو الثلاثة في الاحتمال، فهل يدخل فيه ما اشتبه مَعْنَيَاه أو معانيه، ولكنَّه يمكن ترجيح أحدها بدليلٍ آخر؟\nقلتُ: كلَّا، ليس هذا بمتشابه، بل هذا ممَّا يعلم تأويله الرَّاسخُ وغيرُه، وممَّا أُمِرْنا بالتَّدبُّر فيه والنَّظَر في تأويله.\nفإن قلتَ: فالمتشابه عندك ما اشتبه معناه، بحيث لا يوجد دليل يُبيِّنه؟ قلتُ: نعم.\nفإن قلتَ: وما فائدةُ إنزال مثل هذا في القرآن، والقرآن إنَّما نَزَلَ هُدًى للعالمين، وأُمِرْنا بتدبره مطلقًا؟\nقلتُ: ينبغي أولًّا أن تُعيِّن المتشابه، ثم أجيب عن هذا السُّؤال إن شاء الله تعالى.\nفأقول: مشتبه المعنى على أنواعٍ، كما فصَّلَه الرَّاغب في \"المفردات\" (^١):\nالأول: المُتَشابه من جهة اللَّفظ، وذكر له خمسة أضرب:\n١ ــ الكلمة الغريبة، كالأَبِّ.\n٢ ــ المشتركة، كالقُرْءِ.\n٣ ــ ما اختُصر فيه الكلام، نحو: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣].\n_________\n(^١) (ص ٤٤٣ - ٤٤٥).","vol":"6","page":60},{"text":"٤ ــ ما بسط فيه، نحو: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١].\n٥ ــ ما يشتبه في نظم الكلام، مثل: ﴿أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا﴾ [الكهف: ١ - ٢]، فيتوهَّمُ السَّامع أنَّ ﴿قَيِّمًا﴾ نعتٌ لـ ﴿عِوَجًا﴾، وإنَّما هو حال من ﴿الْكِتَابَ﴾.\nومنه قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾، إلّا أنَّ المتبادر في هذه الآية هو الصَّواب\nكما قدّمنا، بخلاف قوله: ﴿عِوَجًا (١) قَيِّمًا﴾.\nالثاني: المتشابه من جهة اللَّفظ والمعنى جميعًا، وذكر له خمسة أضرب أيضًا:\n١ ــ من جهة الكميَّة، كالعموم والخصوص، نحو: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥].\n٢ ــ من جهة الكيفية، كالوجوب والتَّحريم في قوله ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠].\n٣ ــ من جهة الزمان، كالنَّاسخ والمنسوخ.\n٤ ــ من جهة المكان والأمور التي نَزَلَت فيها الآيات، نحو: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ [البقرة: ١٨٩]، وقوله: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ٣٧].\nقال: \"فإنَّ من لا يعرف عادتهم في الجاهلية يتعذَّرُ عليه معرفة تفسير هذه الآية\".","vol":"6","page":61},{"text":"٥ ــ من جهة الشُروط التي يصحُّ بها الفِعْل أو يفسد، كشُرُوط الصَّلاة والنِّكاح.\nالثالث: ما ذكره بقوله: \"والمتشابه من جهة المعنى: أوصاف الله تعالى، وأوصاف يوم القيامة، فإنَّ تلك الصِّفات لا تُتَصَوَّر لنا، إذ كان لا يحصل في نفوسنا صورةُ ما لم نُحسّه أو لم يكن من جنس ما نُحسُّه\".\nأقول: وأنت إذا كنت قد تَدَبّرت ما تقدَّم ــ تعلم أنَّ النَّوعين الأوَّلين لا\nيصحُّ تفسير المتشابه في الآية بهما، فإنَّ الأَبَّ والقُرْء وسائر ما ذُكِر في النَّوعين الأوَّلين ليست ممَّا يُتَّبَع ابتغاءَ الفِتنة، ولا ممَّا يتَّبعه الزَّائغون ابتغاءَ تأويله، ولا غير ذلك ممَّا تقدَّم، بل في ذلك ما يخفى على الرَّاسخ، ولا يخفى على الزَّائغ، وفيه ما يُخطئ فيه الرَّاسخ ويصيب فيه الزَّائغ، ولم يزل العامَّة يسألون عمَّا يُشْبِهُ ذلك، ولم يتَّهِمهُم أحدٌ بالزَّيغ.\nوالحاصل: أنّ ذلك لا يَصدُق على المُتَشَابه الذي وَرَدَت به الآية والأحاديث والآثار، بل ولا يَصدق عليه أنَّ معانيه مُشْتَبِهَةٌ؛ لأنَّ الاشتباه فيه يزول بالتَّدبُّر، فالأَبُّ مثلًا يُعْرَف معناه بسؤال أهل اللُّغة، والنَّظَر في القرائن، وهكذا.\nوليس في القرآن شيءٌ من ذلك يتوقَّف العلماء عن اتّباعه والنَّظر في تأويله، مع أنَّ الجمهور يقولون في الآية بما قلناه، وهو أنّ المتشابه لا يعلم تأويله إلَّا الله، وقد تقدَّم حديث \"الصَّحيحين\" (^١)، ونحن نعلَم أنَّ الصحابة عملوا بمقتضاه، ونعلم أنَّهم تكلَّموا في النَّوعين الأوَّلين، واختلفوا في\n_________\n(^١) (ص ٥٩).","vol":"6","page":62},{"text":"بعضها كثيرًا، ثمَّ رَأَوا مَن بَعْدَهم يتَّبِعُون ذلك ويبتغون تأويله فلم ينكروا عليهم ذلك.\nفما بقي إلَّا النَّوع الثالث، فهو الذي لم يكن يُؤَوِّلُه النَّبيُّ - ﵌ - لأصحابه، ولا كانوا يبتغون تأويله، ولا يختلفون فيه، ولمَّا رَأَوا من يتَّبعه مِنْ بَعدِهم ويتكلَّم في تأويله حَذَّرُوهم، وحذَّروا الناس منهم.\nفإن قلتَ: فإنَّكم تتكلَّمون في معنى ذلك، فتقولون: لله ﷿ حياةٌ\nتليق به، ويدٌ تليق به، وتقولون: إنَّ لوجوده وحياته وقدرته وعلمه وحكمته مناسبةً ما لهذه الصِّفات في المخلوق، ولذلك أمكننا تصوُّرها إجمالًا.\nقلتُ: الآن حَصْحَصَ الحقُّ، ارجع إلى معنى كلمة \"تأويل\".\nفقد قدَّمنا أنَّ تأويل اللَّفظ قد يُطْلَق على المعنى، وقد يُطْلَق على نفس ذلك المعنى، وقد يُطْلَق على الحقيقة المعبَّر عنها باللَّفظ.\nوقلنا: إنَّ قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ١٥]، فإذا قال قائلٌ: \"ويلٌ\" وادٍ في جهنَّم، فقد أوَّله، ويُطْلَق على قوله إنَّه تأويلٌ، ويُطْلَق على نفس ذلك المعنى أنَّه تأويل.\nيقال: ما تأويل ﴿وَيْلٌ﴾؟ فيُقال: تأويلُه وادٍ في جهنم، ويطلق على تلك الحقيقة ــ وهي عين ذلك الوادي ــ أنَّها تأويل.\nولم نجد في القرآن مثالًا للإطلاقين الأَوَّلَين، وفيه ثلاثة أمثلة جاءت على الإطلاق الثالث، كما ذكرنا هناك.\nإذن فالتَّأويل في آية المتشابه من الإطلاق الثالث، فقولنا في حياة الله ﷿: \"صفةٌ ثابتة له سبحانه لها مناسبةٌ ما بحياة المخلوق\"= قولنا ذلك","vol":"6","page":63},{"text":"تأويلٌ لِلَّفظ على الإطلاق الأوَّل، وهذا المعنى تأويله بالإطلاق الثَّاني، وتلك الصِّفة نفسها هي تأويلُه بالإطلاق الثَّالث، والتَّأويل بالإطلاق الثالث هو الذي لا يعلمه إلَّا الله، وابتغاؤه زيغٌ، ولم يكن الصَّحابة والرَّاسخون في العِلْم يبتغونه، ولمَّا رَأَوا من يبتغيه حذَّرُوه، وحذَّرُوا منه.\nوقد عَرَفْتَ أقسام متَّبعيه ممَّا سبق.\nفمَن قال: يدٌ كيدي، فقد حكم على الحقيقة المعبَّر عنها باليد بأنَّها كَيَدِه، وتصوَّرَها هذا التَّصور المحدود.\nومَن قال: إنَّما هي القُدرة أو النِّعمة، فقد حكم عليها هذا الحكم، وزعم أنّه قد أدرك حقيقتها.\nومَن قال: لله ﷿ يدٌ تليق به لا يمكنني تصورها، ولا العلم بكنهها، ولكن لمَّا أخبر الله ﷿ عن نفسه أنَّ له يدًا آمنت بأنَّ له يدًا تليق به، فهذا هو القائل: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧].\nوهذا أوان الجواب عن سؤالك بقولك: وما فائدة إنزال مثل هذا في القرآن والقرآن إنّما نزل هدى للعالمين وأمرنا بتدبّره مطلقًا؟\nفأقول: أمّا الصفات التي نُدْرِكها إجمالًا لمناسبة ما بينها وبين صفاتنا، مع العلم بأنّها في حقّه ﷿ كاملة كما يليق، وفي حقّنا ناقصةٌ كما يليق بنا، كالقدرة والعلم ونحوها = فلا إشكال في إنزالها في القرآن؛ إذ يُقال: المقصود منه الإيمان بها مع العلم الإجمالي، وهو كافٍ في ذلك.\nوقد عَلِمتَ أنّ من تلك الصفات ما يتوقّف ثبوت الشريعة على العلم بها، ويتبعها صفات أخرى مثلها في إمكان العلم بها إجمالًا، وفي العلم بها","vol":"6","page":64},{"text":"تثبيتٌ للشريعة، وتأكيد للإيمان، ودونها صفات أخرى تُذْكَر في القرآن في صَدَد تقرير معنًى من المعاني لا يتوقَّف فَهمُه على العلم بكُنْهها، ولكن ذكرها معه يفيدُه قوةً لا تحصل بدونها، كقول الله تعالى: ﴿قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]. فأصل المقصود إظهار زيادة الاعتناء بآدم ﵇، وتشريفه على ما سواه، وهذا المعنى معروف من الكلام، لا يتوقّف على العلم\nبكُنهِ اليدين، ولا نقول كما يقول بعضهم: هذا الكلام تمثيلٌ لابد، فيه إظهار العناية والتّشريف وليس هناك يدان، وإنَّما هو تخييل كما قالوه في قول الشاعر (^١):\nإذْ أَصْبَحَتْ بِيَدِ الشِّمَالِ زِمَامُهَا\nلا والله لا نقول ذلك، فإنَّه من الزَّيغ، بل نقول: إنَّ لله ﷿ يَدَين خلق بهما آدم ﵇، ولكنّنا لا نعلم كُنْهَهُمَا، وجَهْلُنا بكُنهِهِما لا يمنع من فهم معنى الكلام، ولا يلزمُ منه أنَّ ذِكرهُمَا لا فائدة له، بل له أعظم الفائدة كما عَلِمْتَ.\nومع هذا فلا نقول: إنَّ فائدة ذكر الصفة مقصورة على ما ذُكر، بل هناك فائدةٌ أخرى، وهي الابتلاء؛ ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾ [المدثر: ٣١].\nوأمّا التدبُّر فقد أُمِرنا به مطلقًا، ولا يتوقَّف فائدة التدبُّر على العِلْم بكُنْهِ\n_________\n(^١) هو لبيد بن ربيعة، من معلقته، كما في \"ديوانه\" (ص ١١٤)، وهو عجز بيتٍ صَدْرُه:\nوَغَدَاةِ رِيْحٍ قد وَزَعْتُ وَقَرَّةٍ","vol":"6","page":65},{"text":"اليَدَين مثلًا، إذ لا يتوقَّف العِلْم بمعنى الكلام على ذلك، أَلَا تَرَى أنّك إذا أخبرت الأَكْمَهَ بأنّك ترى ولدَه مُقبلًا يعلم معنى هذا الكلام تحقيقًا، وإن كان لا يدري كُنْهَ الإبصار.\n* * * *","vol":"6","page":66},{"text":"الفصل الثاني: في تأويل الإخبار عن الوقائع\nأمّا الوقائع المتعلقة بالرّب ﷿ من حيث تعلُّقها به من العقائد، وقد مرَّ الكلام عليها.\nوأمّا ما عدا ذلك، فإن كان يتعلّق بما لا نُحسُّ به، ولا هو من جنس ما نُحسُّ به فحكمه حكم العقائد، وذلك كالملائكة، والجنّ، والأرواح، وأحوال الجنة والنار، ونحو ذلك، إلَّا أنّ للملائكة مثلًا صفات يصدق عليهم بالنَّظر إليها أنَّهم من جِنْس ما نُحسُّ به؛ ككونهم موجودين (^١) مخلوقين مربوبين، فمن هذه الجهة يكون حُكْمُهُم كحكم غيرهم ممّا نُحسُّ به، أو نُحسُّ بما هو من جنسه.\nوالوقائع المتعلقة بما نُحسُّ به أو هو من جنس ما نُحسُّ به هي موضوع هذا الفصل.\nفنقول: يزعم كثيرٌ من النّاس أنّ في الكتاب والسنّة إخبارًا عن أشياء من هذا القبيل، والعقل أو الحِسُّ أو الخبر المتواتر يدلُّ على خلاف ظاهر ذلك الخبر، فغالبهم يذهبون إلى تأويل الأخبار بحَمْلِها على معانٍ خلاف ظاهرها، ولكنّها موافقةٌ للمعقول أو المحسوس أو المتواتر، وحُجَّة هؤلاء أنَّهم إذا تركوا تلك الأخبار على ظاهرها يلزم من ذلك في حق الله ﷿ ورسوله ﵇ الكذب أو الجهل! وإذ كان من المعلوم امتناع ذلك يجعل الخصمُ هذا حُجَّة على بطلان دين الإسلام!\n_________\n(^١) في الأصل: \"موجود\".","vol":"6","page":67},{"text":"أقول: وهذا القول قد أَرْعَبَ غالب المسلمين، وزَلْزَلَ قلوبهم وحُلُومَهُم، فخضعوا لوجوب التأويل، ولكنّ هذا لم يغنهم شيئًا، فإنّ أهل الكفر والإلحاد قالوا: إنّ هذه التأويلات التي تبدونها خلاف ظاهر الكلام!\nفإن قلتم: إنَّ الدليل العقلي أو الحِسِّيَّ أو التَّواتري قرينةٌ تجعل [خلاف] (^١) ظاهر الكلام هو المعنى الذي حملناه عليه.\nقيل لكم: هذا الدليل لم يكن معلومًا للمُخَاطَبين، بل لم يكن معلومًا لأحد من أهل الأرض حينئذٍ، ولا يكفي أن يُقال: كان الله يعلمه، أو كان رسوله يعلمه؛ فإنّ الاعتماد على قرينةٍ يعلمها المتكلِّم، ويعلم أنّ المخَاطَبين لا يعلمونها لا يجوز، ولا يخرج الكلام بذلك عن الكذب؛ فظهر أنّ ما تُبْدُونه من التأويل لا ينفي لزوم الكذب أو الجهل في قرآنكم ونبيّكم.\nلعلَّ أكثر النَّاس ينكر عليَّ تقرير هذا المعنى؛ فأقول له: اعلم أنّ الكفّار والمُلْحدين يقرِّرون ذلك، ويَسْطُون به على علماء المسلمين فضلًا عن غيرهم، ولاسيَّما الشباب الذين سيقوا إلى أن يكونوا في مدارس معلِّمُوها من هؤلاء الملحدين أو الكفّار.\nوالدِّين الحقّ لا يضرُّه تقرير الشُّبه، وإنّما يحظر على العالِم أن يثير شُبْهةً لا يزال أهل الكفر والضلال غافلين عنها، فأمّا مثل هذه الشُبْهَة ممّا قد أثاروه وأضلُّوا به فلا بدّ للعالِم مِن ذِكره وإقامة البُرهان بما يزيله.\n_________\n(^١) زيادة يقتضيها السياق.","vol":"6","page":68},{"text":"حَلُّ الشُّبهَة\nاعْلم أنّ عامّة شبهات الكفّار والملحدين في هذا العصر تدور على هذه الشُّبْهة، فيجب الاعتناء بحلِّها وإيضاح الحق، وأسأل الله ﷿ التوفيق والهداية.\nلعلّه يطّلع على هذا مُلْحدٌ فيقول: إنّ هذا الكاتب وأمثاله مقلِّدون متعصِّبون، ليس لهم من حريّة الفِكْر نصيب، يَرِدُ عليهم البُرهان الذي يَدْمَغ دِيْنهم فيفرُّون إلى المعاذير، وكان عليهم أن يتدبَّروا ذلك البرهان ويعترفوا بمقتضاه، هذا مقتضى الحرية والشجاعة الأدبية، وطلب الحقّ من حيث هو حقٌّ، فهم يزعمون أنَّهم يتَّبعون الحقَّ، ويَدْعُون إلى الحقّ، وهم أبعد الناس منه.\nفأقول له: أنت تعلم أنّ لثبوت الحقائق طُرُقًا مختلفة، فمعرفة أنّ فلانًا حاضرٌ ــ مثلًا ــ قد تحصل بواسطة الإبصار، وبواسطة سَمْعِ كلامه، وبواسطة إخبارٍ متواتر وغير ذلك، والإدراك بواسطة البصر لا يحصل للأعمى، وبواسطة سماع كلامه لا يحصل للأصمّ، وقِسْ على ذلك.\nوقد يحصل الإدراك اليقينيُّ لحقيقةٍ بطريقٍ صحيحٍ، وإذا نُظِر من طريق أخرى وَجَدْتَ شُبهات تنفي تلك الحقيقة، فأمّا مَن حصل له الإدراك بذاك الطريق الصحيح فإنَّه إذا عُرِضَت عليه تلك الشُبهات لا يلتفت إليها، ولا يبالي بها، إلَّا أنّه إذا عجز عن إطْلاع المعترض على ذاك الطريق الصحيح فقد يحاول حلَّ تلك الشُبهات، وربَّما يعجز عن حلِّها، وهو مع ذلك غير مُتَزَلْزِلٍ فيما قد تيقَّنه، بل هو مؤمن أنّ لتلك الشبهات حلًّا لم يتيسَّر له، ومَن شكَّكَتْه الشُبهات فيما قد عَلِمَه يقينًا يُعدُّ عند العقلاء أحمق!","vol":"6","page":69},{"text":"فمن ذلك قول علماء الطبيعة: إنّ تقرير كيفيّة الإبصار يقتضي أن ترى الصُّوَر معكوسة، وهو خلاف المُشاهَد، فيا تُرى من يشاهد الصُّوَر ــ ويعلم أنّه يشاهدها مستقيمةً ــ إذا عُرِضَت عليه تلك الشبهة هل يَتَزَلْزَل عمّا يشاهده من أنّه يرى الصور مستقيمة؟!\nوفي الفلسفة الحِسِّية العصرية أمثلة كثيرة من هذا.\nفهكذا نحن، قد قام عندنا من البراهين ما تَيَقَنَّا به أنّ القرآن كلام الله، وأنّ محمدًا - ﵌ - رسول الله، فهذا اليقين هو الذي جعلنا نبادر إلى ردّ الشبهات، وإنّما نعتني بحلِّها رعاية لحال من لم يسلك الطُرُق التي سلكناها، وبها حصل لنا ذلك اليقين، وهي تحتاج إلى ممارسة وعناية، فلا يمكننا أن نحصِّلَها لِمَن لم تحصل له في مقالةٍ أو رسالةٍ؛ فلذلك نحتاج إلى حلِّ الشُّبهات.\nوالمقصود تقرير عُذْرِنا، ودفع تهمة التقليد والتعصُّب عنّا.\nعلى أنّنا لا ندَّعي أنّنا نستطيع حلَّ جميع الشبهات حلًّا يقنع الخصم، ولكنّنا ندَّعي أنّه لو سَلَكَ الطُرُق التي سلكناها، وتَحَرَّى إصابة الحقّ، وتخلَّى عن التقليد والتعصب لوصل إلى ما وصلنا إليه، ولَعَلِم أنّ تلك الشبهات التي أثارها أوّلًا باطلة، سواء أعلم وجه حلّها أم لا.\nفمثلُنا ومثلُ الخصم مَثَلُ رجل قال لآخر: إنّ الأرض تدور، فعَارَضَه ذاك بأنّها لو كانت تدور لتَسَاقطت الأجرام التي عليها، وكان كذا وكذا! ولْنَفْرِض أنّ المُخْبِر قد كان وقف على الدلائل التي تثبت دوران الأرض، ولم يقف على جواب الشُّبهة، فإنّه يقول للخصم: تعال معي وانظر وتفكَّر","vol":"6","page":70},{"text":"لِتَقِفَ على ما وقفت عليه، فأبى هذا، مُصِرًّا على الإنكار؛ بحُجَّة أنّها لو كانت تدور لكان\nكذا وكذا! أفلا يكون من واجب المعترض إذا كان طالبًا للحق أن يجيب الأوّل إلى ما يدعوه إليه من النظر، وإن كان في ذلك مشقَّة وتعب؟!\nوبعد هذا التمهيد نشرعُ في حَلِّ الشُّبهة.\n* * * *\nأقوال العلماء\nرأيت كتابًا لبعض الفضلاء يُكذِّب صاحبُه أهلَ الطَّبيعة والفَلَك والجغرافية وغيرها في كلِّ ما يقولونه ممَّا يراه مؤلِّف الكتاب مخالفًا لظاهر القرآن أو السنة، وفي كلامه مؤاخذات:\nمنها دعواه في مواضع ظُهُور دلالة القرآن، وليس كذلك.\nومنها في السنة كذلك.\nومنها الاستناد إلى أحاديث غير ثابتة، وغير ذلك.\nوغالب العلماء يذهبون إلى التَّأويل كما قدَّمنا، وفيه ما عَرَفْتَ من الإشكال.\nوسمعتُ بعض العلماء يقول: إنّ القرآن لم يُنزَّل لتعليم الطبيعة والفَلَك والتاريخ والتشريح والطِّبِّ، ونحو ذلك من العلوم الكونية، وإنّما نُزِّل لبيان الدين، عقائد وأحكامًا، وإنّما يُذْكَر بعض ما يتعلَّق بالطبيعة والفلك والتاريخ ونحوها لمغزًى دينيّ، كالتَّنبيه على آيات الله وآلائه، والتذكير بالعِبَر والمَثُلات، وهكذا السُّنَّة، فالأنبياء إنّما بُعِثُوا لتعليم الدِّين.","vol":"6","page":71},{"text":"ومقصود هذا العالِم على ما فهمتُه: أنّه لا يصحّ الاستناد إلى ظاهر آية من\nالقرآن أو حديث من السنة في تقرير أمرٍ من تلك العلوم الكونية، ممَّا هو بالنسبة إلى غالب الناس غيب.\nفأمّا قوله: \"إنّ الشريعة إنّما جاءت لتعليم الدين عقائد وأحكامًا، ولم تجئ لتعليم العلوم الكونية\" فحقّ.\nوالحكمة في ذلك: أنّ العُلُوم الكونية منها ما لا فائدة في عِلْمِه، ومنها ما في عِلْمِه فائدة، ولكنّ عِلْمَه لا يتوقَّف على الوحي، بل يُعْلَم بالبحث والنَّظر، وقد قضى الله ﷿ أن يكون ظهور ذلك في أوقات متراخية، كما وقع من اكتشاف الكهرباء والهاتف والمذياع وغير ذلك.\nوالعلوم الكونية مُتَّسعةٌ جدًّا لا يكفي لتعلُّمها كلها عشر سنين أو عشرون سنة، فكان الواجب صَرْف هذه المدَّة في تعليم ما لا بدّ منه، ممَّا يتعلَّق بالغيب، ولا يُعْلَم إلَّا بطريق النُّبوة، وهذا هو الدِّين.\nأمّا العقائد والعبادات فظاهرٌ؛ وأمّا الأحكام فلأَنَّ منها ما لا يُدرَك بالنظر، وما قد يُدْرَك بالنظر فهو مظِنَّة الاختلاف والتنازع، وجَوْر الحُكّام واتِّهامهم، وغير ذلك مما يكون سببًا للفتن والفساد، وامتناع الأقوياء عن قبول الحكم وغير ذلك.\nعلى أنّ الناس محتاجون إلى كثرة الحُكَّام، وليس كلُّ حاكم كاملًا في العقل والفهم والنظر حتى يُدْرِك جميع الأحكام بنَظَره، واجتماع جماعة من العقلاء لوضع القوانين لا يكفي؛ لقِصَر نَظَرِهم، واحتمال ميلهم وتعصُّبهم؛ ولأنّ غالب القوانين تختلُّ الحكمة المقصودة منها في كثير من الجزئيَّات","vol":"6","page":72},{"text":"الداخلة فيها، فأمّا القوانين الشرعية فإنَّها يُؤْمَن الغلط والمَيْل والعصبية فيها، ويمتثلها\nالمتدينون تديُّنًا، ويقبلونها طيِّبةً أنفسُهُم منشرحةً صدورُهم؛ لأنّهم يرون القبول خيرًا لهم في دينهم ودنياهم، ويلتزمونها غالبًا بدون إلزام حاكم، لا فرق في ذلك بين قويِّهم وضعيفهم، وما فَرَضَها على الغالب بحيث يمكن تخلُّف الحكمة في بعض الجزئيات فإنّ الله ﷿ يُجيزُه بقَدْرِه.\nوالمقصود: أنّ الخلق مفتقرون إلى تلقِّي الأحكام من طريق الرب ﷿، وليسوا مفتقرين إلى تلقِّي العلوم الطبيعية ونحوها.\nوقد قيل في تفسير قول الله ﷿: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ [البقرة: ١٨٩]: إنّ القوم إنّما سألوا عن الأَهِلَّة ما بالُها تبدو صِغَارًا ثم تكبر، ثم تعود فتصغر ثم تكبر، وهكذا (^١)؟ فتُرِك الجواب عن هذا المعنى الطبيعي، وأُجيبوا بما يتعلَّق بالأهلَّة من الأحكام الدينية، ثم أُمِروا بأن يأتوا البيوت من أبوابها، فإذا سألوا النَّبي\n_________\n(^١) أخرجه أبو نعيم في \"معرفة الصحابة\" (١/ ٤٩٣)، وابن عساكر في \"تاريخ دمشق\" (١/ ٢٥) من طريق السُّدِّي عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ﵄ بنحوه.\nوالأثر ضعَّف إسناده السيوطي في \"الدُّر المنثور\" (٢/ ٣٠٤)، وفيه محمد بن مروان السُّدي الصَّغير ومحمد بن السَّائب الكلبي، وهما ضعيفان، بل متَّهمان بالكذب، وأبو صالح هو: باذام، وهو ضعيف الحديث.\nوقد قال ابن حجر في \"العُجاب\" (١/ ٢٦٣) عن هذا الإسناد: \"سِلْسلة الكذب\"!","vol":"6","page":73},{"text":"ــ المبعوث لتعليم الدِّين ــ فلْيَسألوه عمّا يتعلَّق بالدِّين، ولا يأتوا البيوت من ظهورها؛ بأن يسألوه عمّا لم يُبعث لأجله، ولا تتعلّق به ضرورة دينية.\nولمّا وَرَدَ النَّبي - ﵌ - المدينة رآهم يُؤَبِّرون النخل، فظنَّ أن لا حاجة لذلك؛ لأنَّه كان قد رأى كثيرًا من الأشجار فرآها تُؤتي ثَمَرَها بدون تلقيح، فقال لهم: \"ما أظنُّ يغني ذلك شيئًا\"، فَتَركوه، قال: فخرج شِيصًا (^١)، فمرّ بهم فقال: \"ما لِنَخْلِكم؟ \" قالوا: قلتَ كذا وكذا! قال: \"أنتم أعلم بأمر دنياكم\" (^٢).\nوفي رواية (^٣): \"إنّما ظننتُ ظنًّا، فلا تؤاخذوني بالظَّن، ولكن إذا حدَّثْتُكم عن الله شيئًا فخذوا به، فإنّي لن أكذب على الله ﷿\".\nوفي رواية (^٤): \"إنّما أنا بشر؛ إذا أمرتكم بشيءٍ من دِينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رَأْيٍ فإنَّما أنا بشر\".\nوالحديث في \"صحيح مسلم\" وغيره، من حديث أمّ المؤمنين عائشة، وطلحة بن عبيد الله، وثابت بن قيس (^٥)، ورافع بن خديج ﵃.\nوصحَّ عنه - ﵌ - أنّه قال: \"لقد هَمَمتُ أن أنهى عن الغِيلة، فنظرتُ في الرُّوم وفارس فإذا هم يغيلون أولادهم فلا يضرُّ أولادَهم ذلك\" (^٦).\n_________\n(^١) يعني: تمرًا رديئًا، وهو الذي لا يشتد نواه، كما في \"النهاية\" لابن الأثير (٢/ ٥١٨).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٣٦٣) من حديث عائشة وأنس ﵄.\n(^٣) أخرجه مسلم (٢٣٦١) من حديث طلحة بن عبيد الله ﵁.\n(^٤) أخرجه مسلم (٢٣٦٢) من حديث رافع بن خديج ﵁.\n(^٥) لم أرَهُ فيه عن ثابت بن قيس، فلعلَّه سبق عينٍ؛ إذ فيه من حديث ثابت عن أنس، لا ثابت بن قيس.\n(^٦) أخرجه مسلم (١٤٤٢) من حديث جدامة بنت وهبٍ ﵂.","vol":"6","page":74},{"text":"وجاء عنه - ﵌ - أنّه قال: \"لا تقتلوا أولادكم سرًّا فإن الغَيْل (^١) يُدْرك\nالفارس فيُدَعْثِرُه (^٢) عن فرسه\" (^٣).\nقال الطحاوي (^٤): إنّ هذا الحديث الثاني يُظهِر أنّ النبي - ﵌ - قاله أولًا لمّا كان يظنّ أنّ الغَيْلَ يضرُّ، ثم لمّا تبيَّن له أنَّه لا يضرُّ قال: لقد هَمَمْتُ ... إلخ.\nوالظَّاهر خلاف هذا؛ لوجوه:\nالأوّل: أنّ أقواله - ﵌ - التي يبنيها على الظنّ بيَّن أنّه إنّما قالها بناءً على الظنّ، والحديث الثاني جزم.\nالثاني: أنّ قوله: \"إنَّ الغَيْلَ يُدْرِكُ الفارسَ فيُدَعْثِرُهُ\" ممّا لا يظهر بناؤُه على الظَّن.\nالثالث: أنّ قوله في الحديث الأول: \"لقد هَمَمْتُ ... \" ظاهرٌ في أنَّه لم يكن قد نهى، فالظاهر أنّه أراد أن ينهى أولًا بناءً على ما كان مشهورًا بين العرب\n_________\n(^١) الغَيل ــ بالفتح ــ هو: أن يجامع الرجل زوجته وهي مرضع، كما في \"النهاية\" لابن الأثير (٣/ ٤٠٢).\n(^٢) أي: يصرعه ويهلكه، كما في \"النهاية\" لابن الأثير (٢/ ١١٨).\n(^٣) أخرجه أبو داود (٣٨٨١) وابن ماجه (٢٠١٢) وأحمد (٦/ ٤٥٣، ٤٥٨) وابن حبان (٥٩٨٤) وغيرهم، من طريق المهاجر بن أبي مسلم الأنصاري عن أسماء بنت يزيد ابن سَكَن الأنصارية ﵂ به.\nوقد حسَّن إسناده الحافظ ابن حجر في \"الإصابة\" (٧/ ٤٩٨).\nوضعَّفه الألباني في \"غاية المرام\" (٢٤٢) لجهالة المهاجر بن أبي مسلم.\n(^٤) \"شرح مشكل الآثار\" (٩/ ٢٩١)، و\"شرح معاني الآثار\" (٣/ ٤٧).","vol":"6","page":75},{"text":"من أنَّ الغَيْلَ يضرُّ، ثم تفكَّر في حال فارس والروم فقال الحديث الأول، ثُمّ أَعْلَمَه الله ﷿ بأنّ الغَيْلَ يَضُرُّ ولو بعد حين، فقال الحديث الثاني.\nوقد يجيء في الشريعة ما يشير إلى مسائل طبيعية إذا دَعَت إليها ضرورة،\nولكنّها تُعْرَض بمَعْرِضٍ ديني، أو يُنبَّه عليها إجمالًا.\nفمِن الأوّل النّهي عن الشرب قائمًا، وقوله: \"إنَّ الشيطان يشرب معه\" (^١).\nومن الثاني النّهي عن النفخ في الطعام والشراب (^٢)، وغير ذلك.\nوالمقصود: أنَّ قول ذلك العالم: إنَّ الشريعة إنَّما جاءت لتعليم الدين عقائد وأحكامًا، وإنَّ ما جاء فيها ممّا يتعلَّق بشيءٍ من علوم الطبيعة والتاريخ\n_________\n(^١) أمَّا النَّهي عن الشُّرب قائمًا فأخرجه مسلم (٢٠٢٤، ٢٠٢٥، ٢٠٢٦) من حديث أنس وأبي سعيد الخدري وأبي هريرة ﵃.\nوأمَّا ذكر أنَّ علَّة ذلك شُرب الشَّيطان معه فقد أخرجه أحمد (٢/ ٣٠١) والدارمي (٢١٧٤) ومسدَّد وابن أبي شيبة (كما في \"إتحاف الخيرة\" للبوصيري ٤/ ٣٤١) والبزار كما في \"كشف الأستار\" (٣/ ٣٤٢) وغيرهم، من طرق عن شعبة عن أبي زياد الطحَّان عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا.\nقال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٥/ ٧٩): \"رجال أحمد ثقات\".\nوقال الحافظ في \"الفتح\" (١٠/ ٨٢): \"أبو زياد لا يُعرف اسمه، وقد وثَّقه يحيى بن معين\".\nوصحَّحه الألباني في \"الصحيحة\" تحت الحديث (١٧٥).\n(^٢) أخرجه أحمد (١/ ٢٢٠) وأبو داود (٣٧٢٧) والترمذي (١٨٨٨) وغيرهم، من طريق ابن عيينة عن عبد الكريم الجزري عن عكرمة عن ابن عباس ﵄.\nقال الترمذي: \"حسنٌ صحيح\"، وصحَّحه الألباني في \"الإرواء\" (١٩٧٧) على شرط البخاري.","vol":"6","page":76},{"text":"ونحوها لا يكون المقصود من ذكره التَّعريف بكُنهِهِ وحقيقته وكيفيَّته مُفَصَّلًا، وإنّما يُذْكَر تنبيهًا على الآيات والمَثُلات = كلُّ هذا صحيح، ولكن هل يقتضي هذا جواز أن يكون الواقع في تلك الأمور خلاف ظاهر الخبر الشرعي؟\nقد كنت أنكر هذا أشدَّ الإنكار، وأقول: إنَّ الظاهر حجةٌ قطعيةٌ، وإنَّه إذا كان الواقع خلاف ظاهر الخبر كان الخبر كذبًا، وإن لم يكن المقصود من الخبر بيان ذلك الأمر.\nثم رأيتُ في أصول الفقه مسألةً تعضُدُ ما قاله ذلك العالم، وهو قول بعضهم: إنَّ النَّص إذا سِيقَ لمعنًى غير بيان الحكم، وكان عامًّا لا يُحتجُّ بعمومه في الحكم (^١).\nويمكن أن يطرد ذلك في سائر الدلالات الظاهرة، ووجه ذلك: أنَّ المتكلِّم إنَّما يعتني بالمعنى المقصود بالذَّات، وأمَّا ما ذُكر عَرَضًا فإنَّه لا يعتني به، كأنَّه يَكِلُ تحقيق حُكْمِه إلى موضعه.\n\nويقرب من هذا ما يقوله الفقهاء وغيرهم: إنَّ<span data-type=\"title\" id=toc-88> المسألة إذا ذُكِرَت في غير بابها استطرادًا، ثم ذُكِرَت في بابها مع مخالفةٍ فالمعتمد فيها ما في بابها</span>.\nوههنا معنى آخر يعضد ذلك أيضًا، وهو: أنَّ المتكلِّم في عِلْمٍ قد يذكر في أثناء كلامه مسألة من عِلْمٍ آخر، فربّما ذكر قاعدةً يكون ظاهر كلامه أنّها\n_________\n(^١) لعله يقصد اختلاف الأصوليين في مسألة النص لو ورد في سياق المدح أو الذم عامًّا هل يفيده في الحكم أم لا؟ الأكثر على إفادته العموم.\nينظر في ذلك: \"التحبير شرح التحرير\" للمرداوي (٥/ ٢٥٠٢ - ٢٥٠٥)، و\"شرح الكوكب المنير\" لابن النجار (٣/ ٢٥٤)، و\"الأحكام\" للآمدي (٢/ ٣٤٣)، و\"البحر المحيط\" للزركشي (٣/ ١٩٥).","vol":"6","page":77},{"text":"كُلِّية، ومع ذلك فلا يعتدّ بهذا الظاهر، ولا يُنسبُ إلى المتكلِّم أنَّه ادّعى كُلِّيتها، ولا يُعترض عليه بذكرها على ذلك الوجه.\nكأن يقول المفسِّر في قوله تعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]: أصل (هدى) هُدَيٌ، والقاعدة الصرفية: أنَّه إذا تحركت الياء وانفتح ما قبلها قُلِبَت ألفًا، والقاعدة الأخرى: أنَّه إذا التقى السَّاكنان حُذف الأول.\nوهاتان القاعدتان ليستا على إطلاقهما، بل لكلٍّ منهما قيودٌ وشروطٌ معروفةٌ في عِلْم الصَّرْف، ومع ذلك لا يُنْسَب إلى ذلك المفسِّر قصور ولا تقصير، ولا دعوى خلاف ما تقرّر في علم الصَّرْف؛ لأنّه يقال: ليس هو في صَدَد الكلام في علم الصَّرْف حتى يُنْسَب إليه ذلك، وإنّما هو في صَدَد التفسير، ولكن انجرَّ الكلام إلى هاتين القاعدتين فذكرهما على قدر ما دعا إليه الحال. وهكذا في القواعد النحوية والبيانية وغيرها.\nوأبلغ من هذا: أنَّ أصحاب الكتب المختصرة في العلوم يذكر أحدهم كثيرًا من قواعد ذلك العلم، بحيث يكون ظاهر الكلام أنّها كلية، ومع ذلك لا ينسب إليهم قصور ولا تقصير، ولا دعوى كُلِّيَّتها، بل يُقال: هذا المختصر وُضِع للحفظ ولتعليم المبتدئين، وكلٌّ من هذين يستدعي الإجمال وترك التفصيل بذكر القيود والشروط، بل يُوْكَل ذلك إلى الشروح والمطوَّلات.\nوأبلغ من هذا وأبلغ: أنّ الكتب الموضوعة للمبتدئين قد يُذكَر فيها ما ليس بصحيح في نفسه، ولكن سَلَكَه المؤلِّف لأنّه أقرب إلى فهم المبتدئ، فيقول النحوي مثلًا: الكلام قد يركّب من كلمتين، اسمٍ وفعلٍ، مثل: قام الرجل، والرجل قام، أو اسمين، مثل: زيدٌ قائمٌ، أو: القائمُ زيدٌ، مع أنَّ \"قامَ الرجلُ\" ثلاث كلمات، و\"الرَّجلُ قام\" أربع كلمات، فعل وحرف واسمان،","vol":"6","page":78},{"text":"و\"زيدٌ قائمٌ\" ثلاثة أسماء، و\"القائمُ زيدٌ\" أربعة أسماء.\nومن كان له ممارسة للنّحو والصَّرْف وَجَد فيها كثيرًا من هذا، ومن عَالَج التعليم يعلم يقينًا أنّه لا غِنَى به عن سلوك هذه الطريق في كثيرٍ من المسائل.\nوكما أنَّ المعلّم النّاصح يتجنَّب أن يخرج بالطالب في الدَّرس عن ذلك العلم، فهكذا النبي - ﵌ - كان يتجنّب أن يَشْغلَ الناس بما لم يُبعث لأجله، بل كثيرًا ما يُقِرُّهم على ما يعلم أنّه خطأٌ وغلطٌ؛ لأنّ ذلك لا يضرُّهم في دينهم، فإذا دعت المصلحة إلى ذكر ما يتعلّق بشيءٍ من الأمور الطبيعية ذَكَرَه على وجهٍ لا يجرُّ إلى إيقاع السامعين في الخوض في أحواله الطبيعية، فيشتغلوا بذلك عن المقصود.\nومن ضرورة هذا المعنى أن لا يذكر لهم في الأمور الطبيعية خلاف ما يعرفون، أو لا يذكر لهم ممَّا لا يعرفون شيئًا فيه دقةٌ وغرابة، فلا يذكر لهم مثلًا: الأرض كروَّية، أو أنَّها تدور.\nفإن قلتَ: فهل يجوز أن يُخبر عن شيء من الطبيعيَّات بكلامٍ ظاهره مخالف للحقيقة؟ هذا هو موضوع السؤال!\nقلتُ: أمَّا إذا ثبت أنّ الظَّاهر في مثل ذلك لا يُعتدُّ به، بل يحتمل أنّه مراد، ويحتمل أنّه ليس بمراد، فلا مانع من ذلك؛ إذ لم يبق ذلك الظاهر ظاهرًا، تدبّر!\nوقد أجاز جمهور العلماء تأخير البيان إلى وقت الحاجة، فأجازوا أن","vol":"6","page":79},{"text":"يَرِدَ نصٌّ في الحجّ ــ مثلًا ــ يكون وروده في شهر محرَّم، ولذلك النص ظاهرٌ غير مراد، كأن يكون النص عامًّا وهو في علم الله ﷿ غير عامّ، أو مطلقًا وهو في علمه ﷿ مقيّد، أو فيه كلمة مستعملة في علم الله ﷿ في غير ما\nوُضِعَت له، ولم تصحب النَّص قرينة، ثم حين حضور الحج يبيِّن الله ﷿ الخصوص والتقييد، وإرادة المجاز.\nوالوجه في ذلك: أنّ المخاطَبِين لمّا علموا من عادة الشريعة أنَّه قد يقع فيها مثل هذا صار ذلك الظاهر غير ظاهر عندهم، بل هو محتملٌ فقط، فإذا جاء وقت العمل ولم يبيَّن ما يخالف ذلك الظاهر علموا حينئذ أنَّه مراد.\nبل قد يقال: لا حاجة إلى علم المخاطَبِين بعادة الشريعة في ذلك، ويكفي أنَّ ذلك جارٍ في العادة مطلقًا، فلو كان لرجلٍ خمسةٌ من الولد صغار، فقال لخادمه: اذهب بالأولاد يوم الخميس إلى المستشفى للتطعيم ضد الجُدَري، وعندما تريد الذهاب أخبرني، فإنَّ الخادم إذا تدبَّر هذا الكلام قال في نفسه: كلمة \"الأولاد\" تشمل الخمسة كلَّهم، ويمكن أن يكون أراد الخمسة كلَّهم، ويمكن أن يكون ثلاثةً أو أربعةً منهم، وعلى كل حال فحين أريد الذهاب أُخْبِرُه فيظهر ما هو مراده.\nوإنّما زدتُ في المثال: \"وعندما تريد الذَّهاب أخبرني\" لأنَّه لو لم يقل ذلك لضَعُفَ احتمال الخصوص جدًّا؛ لأنّ الإنسان يعلم أنّه ربّما ينسى، أو يغفل، أو ينام، أو يمرض، أو يموت، أو يغيب، وإذا عَرَض له شيء من ذلك عند حضور الوقت فإنّ الخادم يذهب بالأولاد الخمسة، فلو كان يريد الخصوص لاحتاط.","vol":"6","page":80},{"text":"فأمّا الربُّ ﷿ فإنّه مُنَزَّهٌ عن تلك العوارض، فأمرُهُ على الاحتمال حتى يحضر وقت العمل بدون حاجة إلى ما يقوم مقام قول الإنسان: \"وعندما تريد الذهاب أخبرني\".\nوكذلك أمرُ نبيِّه ﵊؛ لأنَّه مبلِّغ عن الربّ، والربُّ تعالى متكفِّلٌ بحفظه، أن يَعْرِض له شيء من تلك العوارض يمنع من البيان قبل وقت الحاجة.\nوالحاصل أنَّ النَّص على الحكم وقد بَقِيَتْ مدَّةٌ إلى حضور وقته إذا كان لذلك النص ظاهرٌ = فهو ظاهر من جهة اللفظ، ولكنّه غير ظاهر من جهة المعنى، بل هو محتمل فقط، فإذا جاء الوقت ولم يُبيَّن عُلِمَ أنّ ما ظهر من اللفظ هو المراد من جهة المعنى أيضًا.\nفإذا أطلق الشارع نصًّا في حُكْمٍ لم يحضر وقته، وللنّصِّ ظاهرٌ لفظيٌّ، ثم بيَّن عند الحاجة ما يرفع ذلك الظاهر = لم يلزم من إطلاق النصّ كذبٌ ولا شُبْهَة كذبٍ، فتدَّبر وأمعِن النَّظر.\nثم نقول: معرفة صفات الأمور الطبيعية ليس لها حاجةٌ في الشريعة أصلًا، فلا مانع من ترك بيان ما يتعلق بها أصلًا، وإنَّما يظهر البيان عندما يطَّلِعُ الإنسان على صفة ذلك الشيء، فيتبيَّن له حينئذٍ المعنى المراد من النص، ولا يلزم كذبٌ ولا شُبْهَة كذبٍ إذا تبيَّن أنَّ الواقع خلاف الظاهر اللَّفظي من النَّص.\nفلو قال النبي - ﵌ - لرجل: اذهب إلى فلان فستجده يأكل لحم إنسان، فذهب إليه فلم يجده يأكل لحمًا، ولكن وجده يغتاب إنسانًا، لقال: صدق الله ورسولُه، إنَّ اغتياب الإنسان كأكل لحمه.","vol":"6","page":81},{"text":"ولو قال - ﵌ - لرجل: أتحبُّ فلانًا؟ فقال: نعم! فقال: أَمَا إنّك ستقتله، فلمّا كان بعد وفاة النبي - ﵌ - سَقَطَت من الرجل كلمة كانت سببًا لقتل صاحبه، لقال: صدق الله ورسولُه، أنا قتلته بكلمتي.\nوفي هذا نصٌّ واقع، وهو قول النبي - ﵌ - لأزواجه لمَّا سألْنَهُ أيتُهُنّ أسرع لحوقًا به: \"أسرعكنَّ لحوقًا بي أطولُكُنَّ يدًا\".\nقالت عائشة: \"فكُنَّا إذا اجتمعنا في بيت إحدانا بعد وفاة رسول الله - ﵌ - نمدُّ أيدينا في الجدار نتطاول، فلم نزل نفعل ذلك حتى توفيت زينب بنت جحش، وكانت امرأة قصيرة، ولم تكن أطولنا، فعرفنا حينئذ أنَّ النبي - ﵌ - إنّما أراد بطول اليد الصَّدَقة، وكانت زينب امرأة صنَّاعة باليد، وكانت تدبغ وتخرز وتصدَّق في سبيل الله\".\nهذا لفظ رواية الحاكم في \"المستدرك\" (^١)، كما حكاها الحافظ في \"الفتح\" (^٢). والحديث في \"الصحيحين\" (^٣)، ولكن وقع في رواية البخاري اختصار ووهمٌ، نبَّه عليه الحافظ في \"الفتح\" (^٤).\nقال الحافظ: \"وفي الحديث عَلَمٌ من أعلام النبوة ظاهر، وفيه جواز إطلاق اللَّفظ المشترك بين الحقيقة والمجاز بغير قرينة، وهو لفظ \"أطولُكُنَّ\"\n_________\n(^١) (٤/ ٢٥) وقال: \"صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه\"، ووافقه الذهبي.\n(^٢) \"الفتح\" (٣/ ٢٨٦).\n(^٣) البخاري (١٤٢٠)، ومسلم (٢٤٥٢) من حديث عائشة ﵂.\n(^٤) والوهم والاختصار الذي وقع في رواية البخاري والذي نبَّه عليه الحافظ هو لفظه الموهم أنَّ أول نسائه موتًا بعده \"سودة بنت زمعة\" ﵂، والصواب أنَّها \"زينب بنت جحش\" ﵂.","vol":"6","page":82},{"text":"إذا لم يكن محذورٌ. قال الزين ابن المُنَيِّر: لمَّا كان السؤال عن آجالٍ مقدَّرةٍ لا تُعْلَم إلَّا بوحيٍ أجابهُنَّ بلفظٍ غير صريح، وأحالهُنَّ على ما لا يتبيَّن إلَّا بآخره، وساغ\nذلك لكونه ليس من الأحكام التكليفيَّة\". \"الفتح\" ج ٣ ص ١٨٥ (^١).\nوقد يقال: إنّ في الحديث قرينة، بل قرينتين:\nالأولى: قوله: \"أطولُكُنَّ يدًا\"، ولم يقل: \"أطولُكُنَّ\"، مع أنَّه أخصر، ففي العدول إلى ذكر طول اليد إشارة إلى المعنى المراد.\nالثاني: أنَّ سُرعة اللُّحوق به فضيلة، والفضيلة إنَّما تُدْرَك بعملٍ صالح، والطُّول الحِسِّي ليس بعمل صالح.\nويمكن أن يجاب بأنَّ الأُولى مبنيَّة على أنّ الطُّول الحسِّي في اليد ملازمٌ لطول القامة، وليس كذلك ولكنَّه الغالب، وأمَّا الثانية فليست بظاهرة؛ لأنّ الموت عند تمام الأجل، فليس بمرتبط بالفضيلة ارتباطًا ظاهرًا، إذ لا مانع من طول عمر الفاضلة وقصر عمر المفضولة.\nوعلى كل حالٍ فإنّما استُنبط هذا بعد العلم بحقيقة الحال، وأمَّا قبل ذلك فقد كان الظَّاهر هو طول اليد الحِسِّي، كما فَهِمَتْهُ أمّهات المؤمنين ﵅، ولم يَزَلْنَ على ذلك حتى تبيَّن خلاف ذلك بموت زينب.\nفإن قيل: كيف هذا وقد تقدَّم في كلمات خليل الله إبراهيم ﵇ (^٢) ما عَلِمتَ، وتقرَّر هناك أنَّها لا تخلو عن شيءٍ، كأنّ المراد ما\n_________\n(^١) \"الفتح\" (السَّلفية ٣/ ٢٨٧).\n(^٢) يعني كذباته وقد تقدم ذكرها.","vol":"6","page":83},{"text":"يعبِّرون عنه بخلاف الأَوْلَى، وسياق الأحاديث فيها يقتضي أنّ نبينا - ﵌ - كان يتنزَّه عن مثلها، والله ﷾ أولى أن يُنزَّه.\nقلتُ: يمكن أن يُجاب بأنّ كلمات الخليل ﵇ تتعلّق بوقائع عادية وَقَعَت له، وليست متعلِّقة بما هو غيب عند عامة الناس أو غالبهم، والبحث المتقدِّم إنّما هو فيما كان غيبًا مطلقًا، أو بالنظر إلى غالب الناس.","vol":"6","page":84}]}