{"ً":{"ٌ":359,"ٍ":"حقيقة البدعة - ضمن «آثار المعلمي»","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"files":["https://archive.org/download/moalemee/06_137186s.pdf"]},"ّ":"الكتاب: حقيقة البدعة\n[آثار عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني (٦)]\nالمؤلف: عبد الرحمن بن يحيى المُعَلِّمي اليماني (١٣١٣ - ١٣٨٦ هـ)\nالمحقق: عدنان بن صفا خان البخاري\nراجعه: مُحَمَّد أجمَل الإصلَاحِي - سُعُود بن عَبد العزيز العُريفي\nالناشر: دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع\nالطبعة: الأولى، ١٤٣٤ هـ\nقدمه للشاملة: مؤسسة «عطاءات العلم»، جزاهم الله خيرا\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":178,"ٕ":1,"ٖ":1780758583,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["6"],"ٚ":[{"title":"مقدمة المؤلف، بذكر سبب تأليف الرسالة، وما عابه على المؤلفات التي سبقته.","level":1,"page":2},{"title":"زعم صاحب البدعة أن بدعته من الدين يبطله أن الدين وضع إلهي، وضعه الله تعالى، وبلغه النبي - ﷺ -.","level":1,"page":3},{"title":"إما أن يعترف المنافح عن بدعة بأنها ليست من الدين، أو يصر فيطلب منه إبراز دليله عليه.","level":1,"page":3},{"title":"ما يراه صاحب البدعة دليلا على مشروعية بدعته لا يخرج عن أحد أربعة أضرب، وهي","level":1,"page":3},{"title":"الضرب الأول: ما ليس شبهة دليل عند العلماء، كالاستحسان، والرؤيا، ونحوهما.","level":2,"page":3},{"title":"الضرب الثاني: ما فيه شبهة دليل عند العامي، وهو تقليده لأهل العلم أوالفضل.","level":2,"page":4},{"title":"الضرب الثالث: ما يجوز التمسك به، لكنه لم يثبت، أوعارضه قول المجتهد، وهو أولى منه.","level":2,"page":4},{"title":"الضرب الرابع: ما هو دليل، لكنه لم يثبت أوعارضه أولى منه، كتاب أوسنة أوإجماع أوقياس.","level":2,"page":4},{"title":"دفع الضرب الأول إجمالا: أن الاستدلال به ليس من الدين الذي بلغه محمد - ﷺ -.","level":1,"page":4},{"title":"البرهان على مشروعية البدعة لا بد من أن يكون قطعيا؛ لأن الله قال: ﴿إن الظن لا يغني من الحق شيئا﴾.","level":1,"page":4},{"title":"العمل في الفروع بخبر الواحد لا يفيد إلا الظن لكن وجوب العمل بخبر الواحد ثابت قطعا.","level":1,"page":4},{"title":"ما يستحسنه الإنسان لا يكون من الدين، وتفصيل القول في الاستحسان عند أبي حنيفة ومالك.","level":1,"page":5},{"title":"رد الاحتجاج بالرؤيا المنامية للتشريع بأنها قد تكون من الشيطان أولها تأويل، وأمثلة عليها.","level":1,"page":6},{"title":"يرد الاحتجاج للتشريع بالتجربة بأن صحة التجربة ابتلاء أواستدراج، وأمثلة عديدة على ذلك.","level":1,"page":8},{"title":"بعض الناس يعتمد في أمور دنياه على القرعة والفأل، وقد يغلو فيعتمد مثله للتشريع، وهو باطل.","level":1,"page":13},{"title":"الاعتماد في التشريع على الفأل من الاستقسام بالأزلام، والبديل الشرعي له صلاة الاستخارة.","level":1,"page":15},{"title":"من الاحتجاج الباطل بالتجربة العوذ المشتملة على تعظيم الجن ونحوهم، والذبح لهم ونحو ذلك.","level":1,"page":16},{"title":"نشوء رقاة لا دين لهم أويقين ولا نفع لرقيتهم بالآيات والدعاء = دفع الناس لاسترضاء الشياطين.","level":1,"page":16},{"title":"قصة مرض ولد المؤلف وزوجه، وموقفه الحازم من عمل شيء محظور شرعا طلبا للعلاج.","level":1,"page":17},{"title":"الانتفاع حاصل بدعاء الصالحين ورقيتهم، وبالأعمال المحظورة شرعا، وذكر الفرق بينهما في التأثير.","level":1,"page":18},{"title":"الصرع ليس من فعل الشيطان، بل يعرض لمن يعتريه ما يضعف عقله فتتضاعف عليه عوارضه.","level":1,"page":18},{"title":"دفع الاستدلال بالضرب الثاني: وهو تقليد أهل العلم أوالفضل، وفيه شبهة دليل عند العامي.","level":1,"page":20},{"title":"لا يجوز احتجاج العامي بعالم أوصالح إن كان مقلدا لا مجتهدا، بنص العلماء على حرمة الافتاء له.","level":1,"page":20},{"title":"عدم نقل استحباب أمر عن الأئمة وسكوتهم عنه كاف في الحجة؛ لأن ما لا يستحب لا يتناهى.","level":1,"page":20},{"title":"استحسان إمام أمرا قد يكون معذورا فيه، ولكن مقلده لا يعذر بعد بيان بدعيته، لأمور.","level":1,"page":21},{"title":"اشتهار عمل في جهة لا يصلح حجة على استحسان البدع بها، حتى عمل أهل المدينة ليس بمسلم.","level":1,"page":23},{"title":"المبتدعة أربعة أقسام","level":1,"page":24},{"title":"الأول: من يعلم بدعية فعله ويزعم أن الشارع يحبه، فقد جمع كذبا وتشريعا.","level":2,"page":24},{"title":"القسم الثاني: من يشك في بدعية فعله ولكنه يجزم أنها من دين الإسلام، فهو كالقسم الأول.","level":2,"page":26},{"title":"القسم الثالث: من يجزم أن بدعته من دين الإسلام، وليس عنده برهان عليه، وهذا ثلاثة أضرب","level":2,"page":26},{"title":"الأول: مجتهد بشبهة دليل، فهو معذور إن خفي عليه اختلال شرط أوقيام معارض دون علمه.","level":3,"page":26},{"title":"متى تبين للمجتهد - أو لمقلده - خطأ اجتهاده المعذور فيه ابتداء = فأصر على رأيه فهو هالك.","level":4,"page":26},{"title":"الثاني: من لم يبلغ درجة الاجتهاد وينظر في الأدلة ويحكم دون موافقة مجتهد، فهذا ضال مضل.","level":3,"page":27},{"title":"أكثر البدع من اختراع العباد، الذين لا يعتد بأقوالهم، إذ لم يكونوا في العلوم بدرجة الاجتهاد.","level":4,"page":28},{"title":"الثالث: من يقيس على نصوص المجتهدين ويستنبط منها، وهو الذي يسمى «مجتهد المذهب».","level":3,"page":28},{"title":"الاستنباط من نص المجتهد تحصيل لدلالات ظنية قد تضعف جدا، كعموم فاته فيه بعض أفراده.","level":4,"page":29},{"title":"عموم نصوص الله ورسوله - ﷺ - يشمل الصور النادرة؛ لأنه مبني على علم معصوم بخلاف غيرهما.","level":4,"page":29},{"title":"مناقشة ومنع الاستنباط من نص المجتهد بدلالة ظنية، كالإشارة ومفهوم الموافقة والمخالفة.","level":4,"page":29},{"title":"مناقشة ورد استحسان البدع والمحدثات بناء على القياس على نصوص مجتهدي المذاهب.","level":4,"page":31},{"title":"قياس مجتهد المذهب على نص إمامه المستند في اجتهاده على قياس= باطل؛ لأنه قياس على قياس.","level":4,"page":32},{"title":"أكثر مسائل الفروع لا من نص إمام المذهب ولا مستنبطة من كلامه، بل كل متأخر يستنبط ممن قبله!","level":4,"page":32},{"title":"من أسباب استحسان البدع: ميل العالم لأهل البدع، أو لأهل الدنيا، أو منافسة علماء عصره.","level":4,"page":33},{"title":"الشريعة كجداول نبعت من جبل، فيها ما صفي وفيها ما كدر، فمن لم يقدر على المنبع فليحتط.","level":4,"page":33},{"title":"استنباط المتأهل للاستنباط من المذاهب جائز إن اضطر إليه ولم يقدر على تحصيل ما هو أوثق منه.","level":4,"page":34},{"title":"قد يكون المستحسن لبدعة خيرا في نفسه صالحا وليا لله، ولكن لا يلزم من ذلك عصمته عن الخطأ.","level":4,"page":35},{"title":"لا يلزم من كون المجتهد معذورا مأجورا في اجتهاده أن يكون كل من وافقه على ذلك كذلك.","level":4,"page":35}],"ٛ":{"6,85":1,"6,87":2,"6,88":3,"6,89":4,"6,90":5,"6,91":6,"6,92":7,"6,93":8,"6,94":9,"6,95":10,"6,96":11,"6,97":12,"6,98":13,"6,99":14,"6,100":15,"6,101":16,"6,102":17,"6,103":18,"6,104":19,"6,105":20,"6,106":21,"6,107":22,"6,108":23,"6,109":24,"6,110":25,"6,111":26,"6,112":27,"6,113":28,"6,114":29,"6,115":30,"6,116":31,"6,117":32,"6,118":33,"6,119":34,"6,120":35,"6,121":36},"ٜ":{"6":[85,121]},"ٝ":["6,85","6,87","6,88","6,89","6,90","6,91","6,92","6,93","6,94","6,95","6,96","6,97","6,98","6,99","6,100","6,101","6,102","6,103","6,104","6,105","6,106","6,107","6,108","6,109","6,110","6,111","6,112","6,113","6,114","6,115","6,116","6,117","6,118","6,119","6,120","6,121"],"ٞ":{"2":[1],"3":[2,3,4,5],"4":[6,7,8,9,10,11],"5":[12],"6":[13],"8":[14],"13":[15],"15":[16],"16":[17,18],"17":[19],"18":[20,21],"20":[22,23,24],"21":[25],"23":[26],"24":[27,28],"26":[29,30,31,32],"27":[33],"28":[34,35],"29":[36,37,38],"31":[39],"32":[40,41],"33":[42,43],"34":[44],"35":[45,46]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"الرسالة الثانية\nحقيقة البدعة","vol":"6","page":85},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nالحمد لله الهادي من يشاء سواء سبيله، الموفق من ارتضى لاتباع كتابه وسنة رسوله، وأشهد ألَّا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله.\nاللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صلَّيت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنَّك حميد مجيد.\nأمَّا بعد، فإنَّني ألَّفتُ رسالة في (رفع الاشتباه عن معنى العبادة والإله، وتحقيق معنى التوحيد والشرك بالله)، ونَبَّهتُ في مقدمتها على الأمور التي يحتجُّ بها الناس، ويستندون إليها، وهي غير صالحة لذلك، فجاء في ضمن ذلك الحديث الضعيف، فرأيت الكلام فيه يطول، فأفردته في رسالة.\nثم وجدتُ إيضاح الحقِّ فيه يتوقَّف على تحقيق البدعة التي قال فيها النبي - ﵌ -: \"كل بدعة ضلالة\" (^١) ورأيتُ الكتب والرسائل التي أُلِّفت في التَّحذير من البِدَع منها ما لا يكاد يستفيد منه إلَّا العلماء ككتاب \"الاعتصام\" للشاطبي. ومنها ما هو غير محرَّرٍ كـ\"الباعث\" لأبي شامة. ورأيتُ الكلام فيها يحتاج إلى بسط، فآثرت إفرادها برسالةٍ أقتصر فيها على ما لا بد منه، ومن الله تعالى أستمدُّ التوفيق.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٨٦٧) وغيره، من حديث جابر ﵁.","vol":"6","page":87},{"text":"فصل\nذكر الشاطبي في \"الاعتصام\" كثيرًا من الأحاديث والآثار عن الصَّحابة والتابعين والأئمة والصَّالحين، وأنا أرى الأمر أوضح من ذلك، فإنَّ البِدْعَة هي: \"إلصاق أمر بالدين وليس من الدين\"، وهذا ما لا يخالف عاقل في قبحه وذمِّه.\nولن تجد صاحب بدعة فتسأله عن بدعته، أمِنَ الدين هي في نفسها، أم هو جعلها منه= إلَّا أجابك بأنَّها من الدين في نفسها، وإنَّما وقع الاشتباه فيما هو من الدين ممَّا ليس منه.\nفأقول: لا خلاف أنَّ الدِّين وضعٌ إلهيٌّ، وأنَّ دين الحق ــ وهو الإسلام ــ هو ما وضعه الله ﷿، وبلَّغه خاتم الأنبياء - ﵌ -.\nفلْنسأل صاحب البدعة: أرأيتَ هذا الأمر أَمِن الدِّين الذي بلَّغه محمد - ﵌ - عن ربِّه؟ فإن قال: لا، فقد انتهى الأمر.\nوإن قال: نعم، قيل له: فاذكر لنا دليله.\nوإن قال: لا أدري، وإنَّما أفعله احتياطًا، قيل له: أرأيتَ هذا الاحتياط أَمِنَ الدين الذي بلَّغه الرسول؟ فإن قال: لا، فقد كفانا شأنه، وإن قال: نعم، طالبناه بالدليل، وإن قال: لا أدري، وإنِّما أحتاط احتياطًا، أَعَدْنا عليه السؤال، وهكذا.\nوإذا ذكر ما يراه دليلًا فهو على أضرب:\nالضَّرْب الأول: ما ليس بشُبهةِ دليلٍ عند أهل العلم، مثل قوله: أنا أرى أنَّ هذا أمر حَسَن، وكالرؤيا، وكالتجربة ونحوها.","vol":"6","page":88},{"text":"الثاني: ما فيه شُبْهةُ دليلٍ للعامِّي، كاستناده إلى قول بعض المقلِّدين من أهل العلم، أو إلى قول بعض من اشتهر بالصلاح والولاية، أو إلى عمل الناس في بعض الجهات بدون إنكار من العلماء، ونحو ذلك.\nالضَّرْب الثالث: ما هو ــ من حيث الجملة ــ من الأمور التي يجوز للعامَّة التمسُّك بها، ولكنه لم يثبت، أو عارَضَه ما هو أولى منه، وذلك قول المجتهد.\nالضَّرْب الرابع: ما هو ــ من حيث الجملة ــ من الدَّلائل مطلقًا، ولكنَّه لم يثبت، أو عارَضَه ما هو أولى منه، وذلك الكتاب والسنة والإجماع والقياس الصحيح.\nفصل\nفأمّا الضَّرْب الأول: فدَفْعُه إجمالًا أن تقول له: أرأيتَ هذا الضَّرْب من الاستدلال أَمِن الدِّين الذي بلَّغه محمد ﵌ عن ربِّه؟ فإن قال: نعم، فطالبه بالبُرهان على ذلك، بعد أن تُعلمَه أنَّ البرهان ههنا لا بدَّ من أن يكون قطعيًّا؛ لأن المسألة من أصول الفقه.\nفإن طالبك بالحُجَّة على ذلك فاتْلُ عليه قول الله ﷿: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [يونس: ٣٦]، وبيِّن له أنَّ الآية على عمومها.\nفأمَّا العمل في الفروع بخبر الواحد ونحوه ممَّا لا يفيد إلَّا الظنَّ فذلك لأنَّ وجوب العمل بخبر الواحد ثابتٌ قطعًا، والقطع مستفاد من مجموع أدلَّته منضمًّا بعضها إلى بعض.","vol":"6","page":89},{"text":"ونظير ذلك شهادة العَدْلَين على أمر، هي في نفسها تفيد الظَّن، لكن وجوب الحكم بها قطعي، فلم تُغْن من الحق شيئًا من حيث هي ظنٌّ، بل من حيث إنَّ وجوب العمل مقطوع به، وهكذا خبر الواحد بشَرْطه.\nوأمَّا التَّفصيل فإذا قال: أنا أراه حسنًا، قيل له ــ مع ما تقدَّم ــ: هل ترى أنَّ للإنسان أن يجزم في كلِّ (^١) ما يراه حسنًا أنَّه من الدِّين الذي بلَّغَه النبي ﵌ عن ربِّه؟ وقد قال تعالى: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٣]، وقال سبحانه: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٤]، وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ [فاطر: ٨]، والآيات في هذا المعنى كثيرة.\nوقد قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: \"من استحسن فقد شَرَّع\" (^٢). نقله المحلِّي في \"شرح جمع الجوامع\" وغيره (^٣)، وزاد فيه بعض\n_________\n(^١) في الأصل: \"فيما كل\"، وهو سبق قلم.\n(^٢) بتشديد الراء وتخفيفها، يُنْظَر: \"حاشية البنَّاني على شرح المحلِّي لجمع الجوامع\" (٢/ ٣٥٣)، و\"حاشية العطَّار\" عليه (٢/ ٣٩٥).\n(^٣) \"شرح جمع الجوامع\" (٢/ ٣٥٣). وقد ذكره الغزالي في \"المستصفى\" (٢/ ٢٦٧)، و\"المنخول\" (ص ٣٧٤)، وغيرُه.\nوكأنَّ هذه العبارة تلخيصٌ من بعض العلماء لقول الشافعي في \"الأم\" (٦/ ٢٠٠): \"ومن قال هذين القولين قال قولًا عظيمًا؛ لأنَّه وَضَع نفسه في رأيه واجتهاده واسْتِحْسانه على غير كتابٍ ولا سنَّة موضعهما في أن يُتَّبع رأيُه كما اتُّبعا .. \".\nقال العطَّار في \"حاشيته على شرح المحلِّي\" (٢/ ٣٩٥): \"قال المصنِّف في الأشباه والنَّظائر: أنا لم أجد حتى الآن هذا في كلامه نصًّا، ولكن وجدتُ في الأمِّ: أنَّ من قال بالاستحسان فقد قال قولًا عظيمًا .. الخ\" وأشار إلى ما تقدَّم نقله.","vol":"6","page":90},{"text":"العلماء (^١): \"ومَن شرَّع فقد كفر\".\nفأمَّا الاستحسان الذي حُكِي عن مالك وأبي حنيفة فذاك دليل يقوم في نفس المجتهد، من أثر معرفته بالقواعد الشرعية والأحكام المتعدِّدة، ولكنَّه لا يمكنه أن يُسْنِده إلى نصٍّ معيَّن، وليس هناك دليل أقوى منه يخالفه. وقد حقَّق الشَّاطبي هذا المعنى في \"الاعتصام\" فراجعه (^٢).\nوأمَّا ما رُوِي عن ابن مسعود: \"وما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن\" (^٣)، فمُرَاده ما رآه جميع المسلمين، وذلك هو الإجماع.\nوإذا استند إلى رُؤْيَا قيل له ــ مع ما تقدَّم ــ: قد صحَّ عن النبي ﵌ أنَّ الرُّؤيا منها ما هو حقٌّ، ومنها ما هو من حديث النَّفْس، ومنها ما هو من الشيطان (^٤).\n_________\n(^١) نَسَبه الزَّركشي إلى أصحابه الشَّافعيَّة، فقال في \"البحر المحيط\" (٦/ ٨٧): \"قال أصحابنا .. \" وذكره. وقال البدخشي في \"مناهج العقول\" (٣/ ١٤٠): \"من أثبت حكمًا بالاستحسان فهو الشَّارع لهذا الحكم، فهو كفرٌ أوكبيرةٌ\".\n(^٢) \"الاعتصام\" (٣/ ٦٢ - ٦٦، ٩١).\n(^٣) أخرجه أحمد (١/ ٣٧٩)، والحاكم (٣/ ٧٩)، والبزَّار (٥/ ٢١٢) وغيرهم، من طرقٍ عن عاصم بن أبي النجود عن زِر بن حُبيش عن ابن مسعود موقوفًا، وقد صحَّح إسناده أوحسَّنه موقوفًا: الحاكم ووافقه الذَّهبي، وابن القيم في \"الفروسية\" (ص ٢٣٨)، وابن عبد الهادي (كما في \"كشف الخفاء\" ٢/ ٢٤٥)، وابن كثير في \"تحفة الطالب\" (ص ٤٥٥)، وابن حجر في \"الدِّراية\" (٢/ ١٨٧)، والألباني في \"الضَّعيفة\" (٥٣٣)، وغيرهم.\n(^٤) يشير إلى ما أخرجه البخاري (٧٠١٧) ومسلم (٢٢٦٣) وغيرهما، من حديث أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: \"والرُّؤيا ثلاثة، فرؤيا الصَّالحة بُشرى من الله، ورؤيا تحزينٍ من الشَّيطان، ورؤيا ممَّا يحدِّث المرءُ نفسه\". لفظ مسلم.\nوثَمَّ اختلاف في رفع الحديث ووقفه، ذكره الدَّارقطني في \"العِلل\" (١٠/ ٣١ - ٣٤)، ثمَّ صحَّح رفعَه.","vol":"6","page":91},{"text":"وتَضَافرت الأدلة على أنَّ الرُّؤيا الحق تكون غالبًا على خلاف ظاهرها، حتى رُؤيا الأنبياء ﵈، كرُؤيا يوسف إذ رأى الكواكب والشمس والقمر، وتأويلها أَبَواه وإخوته (^١)، وكرُؤيا النبي - ﵌ - دِرْعًا حصينة فأَوَّلها المدينة، وسيفًا هَزَّهُ ثم انكسر، ثم هَزَّهُ فعاد سالمًا، فأَوَّلها بقوَّة أصحابه، وبقرًا تُنْحَر، فأَوَّلها بمَن يُقتَل من أصحابه، وسِوارَين من ذهبٍ فأوَّلَهما بمسيلمة والأسود العنسي (^٢). وأمثال ذلك كثير.\nفَمَن رأى النبي - ﵌ - على صفته التي كان عليها فرُؤياه حقٌّ، ولكن إذا\n_________\n(^١) يعني: في قوله: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾، وقوله بعد ذلك: ﴿يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ [يوسف: ٤، ١٠٠].\n(^٢) أمَّا رُؤْيَاهُ - ﷺ - الدِّرع الحصينة: ففيما أخرجه أحمد (١/ ٢٧١)، والنسائي في الكبرى (٧٦٤٧)، والدَّارمي (٢٢٠٥)، وغيرهم، من طريق أبي الزبير عن جابر ﵁. وقد صحَّح إسناده ابن حجر في \"الفتح\" (١٣/ ٣٤١)، و\"التغليق\" (٥/ ٣٣٢)، وحسَّنه الألباني في \"الصَّحيحة\" (١١٠٠). وفي الباب حديث ابن عباس ﵄، يُنْظَر: \"التغليق\" و\"الفتح\" لابن حجر، و\"الصَّحيحة\" للألباني، نفس المواضع الآنف ذكرها.\nوأمَّا رُؤْيَاهُ - ﷺ - للسَّيف الذي هزَّه والبقر التي تنحر: ففيما أخرجه البخاري (٣٦٢٢) ومسلم (٢٢٧٢)، وغيرهما، من حديث أبي موسى الأشعري ﵁.\nوأمَّا رُؤْيَاهُ - ﷺ - للسِّوارين: ففيما أخرجه البخاري (٣٦٢١) ومسلم (٢٢٧٤)، من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"6","page":92},{"text":"رآه فعل أو قال شيئًا فذلك الفعل أو القول يحتاج إلى تعبير، فقد تراه يأمرك بشيء، ويكون تعبيره أنَّه ينهاك عنه، وعكس ذلك.\nولهذا أجمع الأئمَّة على عدم الاحتجاج بالرُّؤيا، وإنَّما يُسْتَأنس بها إذا وافقت الدليل الثابت من الكتاب والسنة، كأن تراه - ﵌ - يحضُّك على صلاة الجماعة، أو يزجرك عن أكل الحرام، ونحو ذلك.\nوإذا استند إلى التَّجربة، كما حكى لي بعضهم أنَّ رجلًا اعتاد تقبيل ظُفْرَي إبهامَيْه عند قول المؤذن: \"أشهد أنَّ محمدًا رسول الله\" ثم تَرَكه لما قال له بعض أهل العلم: إنَّه بدعة، والحديث الذي يُرْوَى في ذلك حَكَم عليه المحدِّثون بأنَّه كذبٌ (^١)، فلمَّا تَرَك ذلك أصابه وَجَعٌ في عَيْنَيه فأخذ يعالجهما بأدوية مختلفة، فلم تَنْجَع، حتى قال له بعض المتصوِّفة: التزمْ تقبيل إبهامَيْك عند الأذان، فوقع في نفسه أنَّ ذلك الوَجَع إنَّما أصابه عقوبةً على ترك تلك العادة، فعاد لها فبَرِئَت عَيْناه= فقل له ــ مع ما تقدَّم ــ: إنَّ الله ﷿ يبتلي عباده بما شاء، ويستدرج أهل الضَّلال من حيث لا يعلمون،\n_________\n(^١) تُنْظَر الأحاديث التي في هذا الباب مجموعةً فيما ذكره السَّخاوي في \"المقاصد الحسنة\" (١/ ٦٠٤ - ٦٠٦).\nوقد أشار المؤلف ﵀ إلى هذه القصَّة بإجمالٍ في حاشية تحقيقه لـ\"الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة\" للشوكاني (ص ٣٨ - حاشية ٦)، وبيَّن أنَّ الرجل الحاكي للقصَّة لَقِيَه في الهند. قال المؤلِّف ﵀: \"فقلتُ له: إنَّ الدِّين لا يثبت بالتَّجربة، وسَلْ عبَّاد الأصنام تجد عندهم تجارب كثيرة، وذكرتُ قصَّة ابن مسعودٍ وامرأته\".\nوسيأتي ذكر قِصَّة ابن مسعود مع امرأته (ص ٩٦ - ٩٧).","vol":"6","page":93},{"text":"وقد سمعنا عن عِدَّة أشخاص أنَّ أحدهم كان تاركًا للصلاة، ثم رَغَّبَه الواعظون فيها وخوَّفوه من عقوبة تركها فشرع يحافظ على الصلاة، فأصابته مصائب في أهله وماله، فرأى أنَّ ذلك من أثر الصلاة فتركها.\nونحن نقول: يجوز أن يكون ما أصابه من أثر الصلاة. وتفسير ذلك ما جاء في الحديث: \"إن الله طيِّب لا يقبل إلَّا طيبًا\" (^١)، فمِن شأنه سبحانه أنَّ العبد إذا تَرَك معصيةً يمتحنه ليظهر حقيقة حاله، وما الباعث له على ترك المعصية، الإيمان أم غيره؟\nفإذا صبر على تلك المصائب تبيَّن أنَّ الباعث له على ترك المعصية إيمان ثابت، فيجبره الله ﷿ في الدنيا أو الآخرة، ويكفِّر عنه بتلك المصائب بعض ذنوبه المتقدِّمة، ويدفع عنه بتلك المصائب مصائب أعظم منها كان معرَّضًا للوقوع فيها.\nكان رجل من قوَّاد يزيد بن معاوية، فسَقَط من سطح فانكسرت رجلاه فدخل عليه أبو قلابة ــ المحدِّث المشهور ــ يَعُودُه، وقال له: لعلَّ لك في هذا خيرًا، قال: وأيُّ خيرٍ في كسر رجليَّ معًا؟ قال: الله أعلم. فبعد أيام جاء رسولُ يزيدٍ إلى ذلك القائد فأَمَرَه بالخروج لقتال الحسين بن عليٍّ ﵉ فقال للرسول: أنا كما تراني، فعذروه، وكان ما كان من قتل الحسين، فكان القائد بعد ذلك [يقول]: رحم الله أبا قلابة، قد جعل الله لي في كسر رجليَّ خيرًا أيَّ خير، نجوتُ من دم ابن رسول الله - ﵌ -، أو كما قال (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٠١٥) وغيره، من حديث أبي هريرة ﵁.\n(^٢) القِصَّة بنحو ما ذكرها المؤلِّف في: \"تاريخ دمشق\" لابن عساكر (٢٨/ ٣٠٧)، و\"المنتظم\" لابن الجوزي (٧/ ٩٢)، وغيرهما.\nإلَّا أنَّ فيها أنَّ الرجل من قوَّاد \"عبيدالله بن زياد\"، ولا تعارض بينهما؛ فعبيد الله بن زياد من قوَّاد يزيد بن معاوية.","vol":"6","page":94},{"text":"وقد يبدل تلك المصائب نعمًا.\nوإن سقط فالله غنيٌّ عن العالمين. وقد قال الله ﷿: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج: ١١].\nوهؤلاء السَّحَرة والذين يرتكبون بعض الفظائع تقرُّبًا إلى الشياطين كثيرًا ما يحصل لهم بسبب ذلك نفع في دنياهم (^١)؛ لأنَّ الله ﷿ يخلِّي بينهم وبين الشياطين، فتنفعهم الشياطين نفعًا ظاهرًا في دنياهم وتهلكهم الهلاك الأبدي.\nوقد يبتلي الله ﷿ كبارَ المؤمنين فيسلِّط بعض السَّحَرة الفُجَّار عليهم، حتى لقد وَرَد أنَّ بعض اليهود عمل عملًا من أعمال السِّحر فاعترى النبي - ﵌ - مرض بسببه (^٢).\nوقد مكَّن الله ﷿ المشركين فأصابوا من المسلمين يوم أُحُدٍ ما أصابوا، فقُتِل حمزة عم النبي - ﵌ - وكثير من أصحابه، وشُجَّ وجه النبي - ﵌ -، وكُسِرت رباعيته، بأبي هو وأمي، فأنزل الله تعالى: [﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ\n_________\n(^١) في الأصل: \"دينهم\". وهو سبق قلمٍ.\n(^٢) هو لبيد بن الأعصم اليهوديّ. والخبر عند البخاري (٣٢٦٨) ومسلم (٢١٨٩)، من حديث عائشة ﵂.","vol":"6","page":95},{"text":"قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (١٤١) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩ ــ ١٤٢]] (^١).\nوتأمّل الأحاديث التي وردت في صِفة الدَّجَّال (^٢).\nوقد روى أبو داود وغيره (^٣)\nعن زينب امرأة عبد الله بن مسعود قالت: [عن عبد الله قال: سمعت رسول الله - ﵌ - يقول: \"إنَّ الرُّقى والتَّمائم والتِّوَلَة شِركٌ\" قالت: قلتُ: لم تقول هذا؟ والله لقد كانت عيني تقذفُ وكنتُ أختلف إلى فلانٍ اليهودي يرقيني، فإذا رقاني سَكَنَتْ. فقال عبد الله: إنَّما ذاك عمل الشيطان، كان يَنْخَسُها بيده، فإذا رقاها كفَّ عنها، إنَّما كان يكفيك أن تقولي\n_________\n(^١) بيَّض المؤلِّف للآيات، ولعلَّه أراد كتابة ما أثبتُّه. والله أعلم.\n(^٢) يعني: ما يجريه الله على يديه من الأمور التي تكون استدراجًا له ولأتباعه، وفتنة للكافرين به.\n(^٣) أبو داود (٣٨٨٣). وأخرجه أحمد (١/ ٣٨١)، والبيهقي (٩/ ٣٥٠)، وغيرهم، من طريق أبي معاوية وعبد الله بن بشر عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن يحيى بن الجزار عن ابن أخي زينب امرأة عبد الله بن مسعود عن زينب امرأة عبد الله عن ابن مسعود ﵁ بنحوه. وخالفه عبد الله بن بشر - عند ابن ماجه (٣٥٣٠) - فرواه عن الأعمش به، لكن قال: عن \"ابن أخت زينب\" عن زينب. وخالفهما محمد بن مسلمة الكوفي - عند الحاكم في المستدرك (٤/ ٤١٧ - ٤١٨) - فرواه عن الأعمش به، لكن قال: عن \"عبد الله بن عتبة بن مسعود\" عن زينب، دون ذكر قِصَّة اليهودي.\n\nوقد ضعَّفه الألباني في \"الصَّحيحة\" بجهالة ابن أخي زينب، والاضطراب في إسناده، ونكارة القصَّة. يُنظَر كلامه في \"الصَّحيحة\" تحت الحديث (٢٩٧٢).","vol":"6","page":96},{"text":"كما كان رسول الله - ﵌ - يقول: \"أذْهِب البأس، ربَّ الناس، اشْفِ أنت الشافي، لا شفاء إلَّا شفاؤك، شفاءً لا يغادر سقمًا\"] (^١).\nومن ذلك ما حكاه لي بعضهم: أنَّه إذا صلَّى المكتوبة منفردًا يَرِقُّ ويخشع، وإذا صلَّى في الجماعة لا يخشع!\nوالسبب في هذا: أنَّ الشيطان يحاوله على ترك الجماعة، فيخشِّعه إذا صلَّى منفردًا، ويهوِّش عليه (^٢) إذا صلَّى جماعةً ليَحمِلَه على ترك الجماعة، مع اعتقاد أنَّ الانفراد أفضل، فيكون في ذلك من مخالفة الشريعة ما هو أضرّ عليه من ترك الجماعة.\nومن ذلك: ما وجدتُه أنا، فإنِّي كنتُ في حال حسنةٍ في أهلي ومالي، فأنفقتُ نفقةً في وجهٍ من وجوه الخير، وهَمَمْتُ بغيرها فأصابني بعض نوائب في أهلي ومالي، ولكنِّي بحمد الله ﷿ لم ألتفت إلى ذلك، فنفَّذتُ ما همَمَتُ به، ثم فعلتُ مثله مرَّةً ثالثة، وإلى الآن وتلك النَّوائب لم يتم انجلاؤها.\nوظهر لي توجيهٌ لتلك النَّوائب، وهو أنَّه يمكن أنَّ تلك النفقة وقعت موقع القبول عند الله ﷿، فأراد أن يكافئني عليها بأن يطهِّرني من بعض الذنوب التي عليَّ، وهذه النَّوائب من ذلك التَّطهير.\nومن ذلك: أنَّني كنتُ رأيتُ بعض المشايخ يكتب كلمة (بدُّوح) (^٣) على\n_________\n(^١) بيَّض المؤلِّف للحديث، واكتفى بقوله: \"عن زينب امرأة عبد الله بن مسعود قالت: \"، ولعلَّه أراد كتابة ما أثبتُّه. والله أعلم.\n(^٢) يعني: يخلِّط عليه.\n(^٣) كلمة \"بدُّوح\": تميمة تكتب على وفق معين، كمثلَّث، أومربع، أومخمَّس، أونحو ذلك، لجلب خير أولدفع شر، وتكتب أوتعلَّق مكتوبةً فيمن يراد تعويذه، إنسانًا كان أوغيره، وهي مستعملة كثيرًا عند أرباب الشَّعبذة.","vol":"6","page":97},{"text":"صفةٍ مخصوصةٍ، ويتعلَّقها المَحْمُوم، فكنت أنا أكتب ذلك لِمَن به حُمَّى، فكانوا يقولون: إنَّها تنقطع الحُمَّى عنهم، حتى لقد كتبتها لرجل في تهامة فعاد إليَّ بعد مدَّةٍ، وأخبرني أنَّه علَّقَها فلم تعاوده الحُمَّى، وأنَّ رجلًا من أصحابه أصابته الحُمَّى، فأعطاه تلك التَّميمة عينها فانقطعت عنه، وأظنُّه ذكر ثالثًا، وقال: إنَّ تلك التَّميمة اشْتَهَرت في قريتهم، فصار كل من أصابته الحُمَّى يستعيرها، ثم إنِّي تدبَّرت أحكام السنة والبدعة ووقفت على ما ورد في التَّمائم فامتنعت من كتابة (بدُّوح)، حتى إنَّه يُصاب ولدي وغيره ممَّن يعزُّ عليَّ بالحُمَّى فتحدِّثُني نفسي أن أكتبها فأمتنع، أسأل الله تعالى أن يوفقني لما يحبُّه ويرضاه. وأقول كما قال النبي - ﵌ -: \"يا مقلِّب القلوب ثبِّت قلبي على دينك\" (^١)، اللَّهم لا تكلني إلى نفسي، فإنَّك إن تكِلْني إلى نفسي تكلني إلى ضعفٍ وعورةٍ وعجزٍ.\nوالمقصود: أنَّ الاستناد إلى التَّجربة وإن كثر من المتصوِّفة ونحوهم ليس حُجَّة، ولا شِبْه حُجَّة، ولم يقل بأنَّه حُجَّة أحدٌ من سلف الأمة، ولا أحد من الأئمَّة والعلماء الرَّاسخين.\nوقد رأيتُ جماعة من الناس يعتمدون في أمور دنياهم على القُرْعة\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٢١٤٠)، وأحمد (٣/ ٢٥٧)، والحاكم (١/ ٥٢٦)، وغيرهم، من حديث أنس ﵁. وقد حسَّنه الترمذي، وصحَّحه الحاكم.\nوفي الباب حديث النواس بن سمعان، وعبد الله بن عمرو، وأم سلمة، وعائشة، وغيرهم ﵃.\nويُنْظَر: \"السلسلة الصَّحيحة\" للألباني (٢٠٩١).","vol":"6","page":98},{"text":"والفأل، إمَّا بالنَّظر في المصحف أو كتاب آخر، وإمَّا بالسُّبحة ونحوها.\nويمكن أن يغلو بعضهم فيعتمد مثل ذلك في إثبات الأحكام الدينية، وذلك جهل وضلال.\nوقد حُكِي أنَّ بعض الطُّغاة ــ وكان اسمه الوليد ــ تفاءَلَ في المصحف يومًا، فوقع على قول الله ﷿: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٥]، فمزَّق المصحف ورمى به، وقال:\nتُهَدِّدُني بجبَّارٍ عنيدٍ ... فَهَا أنَا ذاكَ جَبَّارٌ عنيدُ\nإذا ما جئتَ ربَّك يوم حَشْرٍ ... فقل: يا ربِّ مزَّقني الوليدُ (^١)\nوهذه الطريقة التي اعتادها الناس في التَّفاؤل قبيحة جدًّا، فإنَّه ربَّما يريد شراء دار ــ مثلًا ــ فيتفاءل، فيَظْهَر الفألُ بما يراه أمرًا بالشراء، ثم يظهر له بالدلائل العادية أنَّ شراءها ضررٌ عليه في دينه ودنياه، فإن غلا بعضهم واستعمل مثل هذا في الأمور الدِّينية كالحج، بأن يستخبر الفأل، أَيَحجُّ أم لا؟ فربَّما خرج الفأل [ينهى] (^٢) عن الحج.\n_________\n(^١) الطاغية المقصود هو: الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان، أحد ملوك بني أميَّة، قتل سنة ١٢٦ هـ.\nوالخبر في: \"المنتظم\" لابن الجوزي (٧/ ٢٤١)، و\"الكامل\" لابن الأثير (٤/ ٤٨٦)، و\"الأغاني\" للأصفهاني (٦/ ١٢١)، و\"نهاية الأرب\" للنويري (٢١/ ٢٩٤)، وغيرها من مصادر التاريخ والأدب بنحو سياق المؤلِّف، وفيها: أنَّه نصب المصحف ثم رماه بسهمٍ، ثم أنشد البيتين. ولفظهما في بعضها: \"أَتُوْعِدني\" بدل \"تهددني\"، و\"خرَّقني\" بدل \"مزَّقني\".\n(^٢) زيادة يقتضيها السياق.","vol":"6","page":99},{"text":"وأشد من ذلك إن استعملها في إثبات الأحكام، كأَنْ يستخبر في صيام يوم معيَّن، أَمِنَ السُّنَّة هو أم لا؟ فيخرج الفأل بأحدهما على خلاف الدليل الشرعي، فيقع في الحيرة؛ لأنَّه يزعم أنَّ الفأل بمثابة أمرٍ من الله ﷿، وهو كاذب في هذا الزَّعم، مخطئ في تفاؤله.\nهذا الضَّرْب من التَّفاؤل الذي هو من باب الاستقسام بالأزلام، قال الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠].\nولكن انظر إلى ما شَرَعَه الله ﷿ لعباده عوضًا عن ذلك، وهو الاستخارة الشرعية، فيصلِّي ركعتين من غير الفريضة، ثم يدعو الله ﷿ فيقول: \"اللَّهم إنِّي أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنَّك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علَّام الغيوب، اللَّهم إن كنت تعلم أنَّ هذا الأمر خيرٌ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري ــ أو قال: عاجل أمري وآجله ــ فاقدره لي ويسِّره لي، ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أنَّ هذا الأمر شرٌّ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري ــ أو قال: في عاجل أمري وآجله ــ فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم أرضني به\" قال: \"ويسمِّي حاجته\" (^١).\nفهذا هو النُّور والهُدى الذي لا يوقع في حيرة ولا ارتباك، ولا فيه دعوى أنَّ الله أمر أو نهى، وإنَّما فيه دعاء يرجو العبد أن يستجاب له.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١١٦٢) وغيره، من حديث جابر ﵁ قال: \"كان رسول الله - ﷺ - يعلِّمُنا الاستخارة في الأمور كما يعلِّمُنا السُّورة من القرآن، يقول: إذا هَمَّ أحدُكم بالأمر فلْيَركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: .. \" وذكره.","vol":"6","page":100},{"text":"وقد كنتُ أولًا جريًا على العادة أتفاءل بالقرآن، فتفاءلتُ يومًا فوقعتُ على قول الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]. فبدا لي أنَّ فيها كالدلالة على النَّهي عن التَّفاؤل بالقرآن، فنظرتُ في هذه المسألة فظهر لي النَّهي من الأدلة الثابتة، فتركتُ ذلك. والحمد لله.\nومن التَّجربة التي وقع فيها الناس من كتابة العُوَذِ (^١) التي تشتمل على تعظيم الملائكة والكواكب والجن، أو على ألفاظ غير معروفة المعنى، أو غير ذلك ممَّا لم يكن معروفًا في سلف الأمة، وإنَّما أخذه الناس عن الصَّابئة كما ذكره الشَّهْرِسْتَاني في \"المِلَل والنِّحَل\" (^٢)، وقد يتعدَّون ذلك، فيذبحون للجن، ويقرِّبون لهم الأطعمة وغير ذلك، يعملون هذا للمصاب بالصَّرَع ونحوه، وقريبٌ من ذلك عند الزواج أو بناء دار أو نحو ذلك؛ ليدفعوا شرَّ الجن.\nوقد كان العلماء إذا أُتوا بمصروع قرأوا عليه الرُّقية النَّبوية ونحوها من الآيات والأدعية، ويكتفون عند الزَّواج والبناء ونحوه بذكر اسم الله ودعائه، فنَشَأ من المعزِّمين (^٣) من ليس له دين ولا يقين، فلم تنفع رقيتهم بالآيات والدعاء فرجعوا إلى استرضاء الشياطين بما يُعدُّ عبادة لهم، والعياذ بالله.\n_________\n(^١) جمع: \"عُوْذَة\"، وهي: الرُّقْيَة. كما في \"القاموس المحيط\" (مادة: عوذ).\n(^٢) (٢/ ٣٥٩).\n(^٣) جمع \"معزِّم\"، وهو قارئ \"العزائم\" أي: الرُّقى. كما في \"القاموس المحيط\" وغيره (مادة: عزم).","vol":"6","page":101},{"text":"ولقد أصيب ولدي بالمرض الذي يعتري الأطفال ويسميه الأطباء \"أمَّ الصبيان\" (^١)، فقالت بعض العجائز لامرأتي: ينبغي أن تَفْدُوا عنه بذبيحة، فقالت لي زوجتي: فقلت لها: الفِدية إنَّما تكون مرَّةً واحدة، وهي العقيقة، وقد عملناها، ثم رأيتُ زوجتي اشترت دجاجة فظننتُ أنَّها تريد تذبحها لأهل البيت، ثم فقدتُ الدجاجة، فتوهَّمتُ أنَّها أَرْسَلَت بها، فأُطْلِقَت في الصِّحراء، فأنكرت عليها ذلك، وعرَّفتها أنَّ هذا الفعل خطر على الدِّين، وأنِّي أرى هلاك ولدي وهلاك أمِّه وهلاكي وهلاك كل من نحبُّه خيرًا لنا من مثل هذا الفعل.\nثم لم تلبث زوجتي أن عَرَفَت أنَّ الذي بالطِّفل مرضٌ من الأمراض، ينشأ عن القَبْض وغيره، وينفع الله فيه بالأدوية، فزال عنها اتِّهام الشيطان.\nثم بعد مدَّة طويلة أصيبت هي بالمرض الذي يسمَّى \"اختناق الرَّحِم\" (^٢)، واشتدَّ عليها حتى خُولِطَت في عقلها، وكانت تعرض لها عوارض شديدة من التشنُّج والحركات المضطربة وغير ذلك، وصادف حدوث ذلك بعد أن وقعت بينها منافرة وبين بعض النساء فتوهَّمَتْ أنَّ ذلك سِحْرٌ.\n_________\n(^١) أم الصِّبيان: الحاصل من كلام المتقدمين أنَّه: تشنُّجٌ يصيب الطفل بسبب الحمَّى. فأهل اللغة ذكروا أنَّه: ريح تَعْرِضُ للصبيان فربما يُغشى عليهم، وقدماء الأطباء كابن البيطار وابن سينا والأنطاكي قالوا: إنَّه نوع من الصَّرع، وقد يقتل من أصيب به. وقال في \"بحر الجواهر في تحقيق المصطلحات الطبِّية\" (ص ٣٦): \"هو الصرع الصفراوي\". ويُنظَر أيضًا: \"القانون\" لابن سينا (٢/ ٧٨).\n(^٢) اختناق الرَّحِم: الحاصل من كلام الأطبَّاء المتقدمين كابن سينا وغيره أنَّه: آلام وأوجاع في الرَّحِم تتعدَّى إلى غيره فيصيب المرأة غشي، سببه احتباس دم الطَّمث عن المرأة.\nويُنظَر: \"القانون\" لابن سينا (٢/ ٧٧)، و\"الحاوي\" للرازي (٩/ ٥٦).","vol":"6","page":102},{"text":"واختلط الأمر على أمِّها ونسائها، فتارةً يقُلْنَ: إنَّه سِحْرٌ، وتارة يقُلْنَ: إنَّه من الشيطان، وتارة يقُلْنَ: مرضٌ. أمَّا أنا فلم أشك أنَّه مرض، ولكنِّي جوَّزت أن يكون الشيطان ربَّما يَعْرِض للمريض فيخيِّل له ويسوِّل، كما يَعْرِض لمن يقع سببٌ يُغْضِبه فينفخ فيه ويزيد في إشعال غَضَبه.\nوأرى أنَّ ما اشتهر عن جماعة من الصَّالحين قبلنا أنَّهم كانوا يرقون المصروع ونحوه فيفيق= أنَّ ذلك حقٌّ، وأنَّ ما يقع للمُعَزِّمين من معالجة المصروع ونحوه بالأعمال المحظورة شرعًا فيفيق= أمر واقع.\nوإنَّما الفرق: أنَّ الصالحين عندهم من الإيمان واليقين ما يستجاب به دعاؤهم فيُطْرَد الشيطان، وأنَّ المُعَزِّمين يُرْضُون الشيطان بالأعمال المحظورة فيفارق المريض، وإذا فارق الشيطان المريض خَفَّت وطأة المرض.\nلا أرى أنَّ الصَّرَع من أصله من فعل الشَّيطان، بل أرى أنَّ الشيطان يَعْرِض لمن يعتريه ما يُضْعِف عقله فتتضاعف عليه عوارض المرض.\nوجوَّزت أن يكون اقترنت بالمرض عينٌ خبيثة؛ لأنَّه كانت قُبَيْل المرض في بيتي دعوة، وكانت المريضة تكرِّر في هذيانها طلب الشكوى من عدم إعطائها من الأطعمة التي طُبِخَت للدَّعوة، مع أنَّ الأطعمة كانت تحت يدها، وكان يظهر من بعض كلامها أنَّها تتخيَّل امرأةً تؤذيها.\nفقلت: العين حق، ويمكن أن تكون مرَّت على الباب امرأة فشاهدت الأطعمة ولم تُعْطَ منها فبَقِيَتْ نفسُها متعلِّقة بها.\nوعلى كلِّ حالٍ فقد كنتُ أعالج زوجتي بالأدوية التي يشير بها الطبيب، وأرقيها بالرقية النبوية وغيرها من الآيات والأدعية، وألحَّت أمها ونساؤها","vol":"6","page":103},{"text":"في أن نذهب بها إلى بعض من عُرِف بالرُّقية، فتطييبًا لنفوسهنَّ قلتُ: على شرط أنَّه إذا أشار بذبحٍ أو تقريبٍ أو فعل شيء لا ينفَّذ ذلك، فإنِّي أخشى أن يكون في ذلك ضررٌ أكبر من هذا الضَّرر.\nفمِن لطف الله تعالى بي أنَّ ذلك الرجل لم يُشِر بشيء من ذلك، وإنَّما أعطاهم تميمةً لا أدري ما كُتِب فيها، وأشار بِشمِّ الحِلْتِيت (^١) ونحوه.\nفأمَّا شمُّ الحِلْتِيت ونحوه فقد أشار به الأطباء، وأمَّا التَّميمة فإنَّهنَّ رَمَيْنَ بها لمَّا رأينَ أنَّ المرض زاد بعد تعليقها.\nثم قال لي بعض أصحابي: إنَّ هاهنا رجلًا صالحًا يرقي من هذه الأمراض، وقد انتفع به كثير، حتى إنَّه إذا وصل قريب البيت الذي فيه المريض يصيح الجنِّي بلسان المريض: سأخرج ولا أعود، لا تحرقني، وأشباه ذلك.\nفقلتُ له: وما رقيته؟ قال: يقرأ شيئًا من كتاب الله والأدعية، ثم بعد أن يفيق المريض يعطيه سِوارًا من صُفْر قد نُقِش عليه أسماء.\nفقلتُ: أمَّا السِّوار الصُفْر فلا يجوز، وأمَّا الرقية بالقرآن والدعاء فلا بأس. فذهب صاحبي ليدعو ذلك الرَّاقي، ثم بدا لي فأرسلت إلى صاحبي أن لا يَدْعُوه، فلم يدْعُهُ، ولكنَّه أخذ منه تميمة وكانت مكشوفة، فأخذتها منه فإذا فيها أسماء وأدعية وآيات، ولكنها في جداول، وبعضها بحروفٍ مقطَّعةٍ، وبعضها بالأرقام الهندية، والكتابة كأنَّها بليفة الزَّعفران، فأحَرْقْتُها.\n_________\n(^١) الحِلْتِيت: صمغ يستخرج من نبات يسمَّى الأنجدان، له خواص علاجية عديدة. يُنْظَر: \"التَّذكرة\" لداود الأنطاكي (ص ١٣٠)، و\"الجامع لمفردات الأدوية والأغذية\" لابن البيطار (١/ ٢٨٣)، و\"معجم الأعشاب المصوَّر\" لمحسن عقيل (٢/ ١٦٣).","vol":"6","page":104},{"text":"ثم منعتُهُنَّ من كلِّ شيءٍ غير تناول الأدوية، وما أرقيها أنا به، ورَزَقَ الله تعالى العافية، وزالت تلك الأوهام عنها وعن أمِّها ونسائها، وعَلِمْنَ أنَّ هذا مرض من الأمراض المعتادة. والحمد لله.\nفصل\nوأمَّا الضَّرْب الثاني (^١): فدَفْعُه إجمالًا بما تقدَّم في الضَّرْب الأول، وتفصيلًا بأن تقول لمقلِّد المقلِّد: إنَّ هذا العالم الذي تحتجُّ بقوله لم يكن مجتهدًا، وإنَّما كان مقلِّدًا، وقد نصَّ العلماء أنَّ المقلد لا يجوز له أن يفتي، وإنَّما له أن ينقل قول المجتهد، ولا يجوز العمل بفتواه التي لم ينقلها عن المجتهد، ثم تذكر له من خالف ذلك العالم ممَّن هو مثله أو فوقه.\nوإن وجدتَ نصًّا عن إمامه يقتضي ولو بعمومه أو إطلاقه خلافه ذكرتَه، وإلَّا فإذا كانت تلك البدعة ممَّا يدَّعِي استحبابه ــ وهو الغالب في البدع ــ قلتَ له: إنَّ سلف الأمَّة ــ ومنهم إمامك وإمام ذلك العالِم ــ مجمعون على عدم استحباب هذا الأمر.\nوالدليل على ذلك أنَّه لم يُنْقَل عن أحد منهم استحبابه ولا فعله، وعدم النَّقل كافٍ في الحُجَّة؛ لأنَّ الأمور التي لا تستحبُّ لا تتناهى، فيستحيل استيعابها بالنص عليها فردًا فردًا، وإنَّما جاءت الشريعة ببيان المستحبَّات؛ لأنَّها أقرب إلى الحصر.\nوجَزَمتُ بأنَّ ما عدا ذلك فهو من المحدثات التي هي شرُّ الأمور، كما في الحديث الصحيح الذي تواتر عن جعفر الصادق عن أبيه محمد الباقر\n_________\n(^١) وهو الذي تقدم ذكره (ص ٨٩).","vol":"6","page":105},{"text":"عن جابر بن عبد الله الأنصاري: \"أما بعد: فإنَّ خير الحديث كتاب الله، وخير الهَدْي هَدْي محمد - ﵌ -، وشرَّ الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة\" (^١).\nوسكوت السَّلَف ــ ومنهم إمامك ــ عن بيان استحباب هذا الأمر، وعدم فعلهم له كاف في الدلالة على أنَّه ليس من الدين، وأنَّ زَعْمَ أنَّه من الدِّين إحداثٌ في دين الله، وكذبٌ على الله.\nعلى أنَّنا نرى أنَّ لهذا العالِم الذي تحتجُّ بقوله عذرًا يخرجه من زُمْرة المبتدعين الخاطئين، ويكون به من جملة المخطئين المعذورين، المأجورين إن شاء الله تعالى. وأمَّا أنت فلا عذر لك.\nوإنَّما مَثَلُه مَثَل رجل عالِم تزوج امرأة، فأُهْدِيَت إليه أختها، فظنَّها زوجته فعاشرها معاشرة الأزواج حتى مضى لسبيله ولم يعلم بالحقيقة، فهذا معذور مأجور؟\nومَثَلُك مَثَل رجل أُهْديَت إليه أخت امرأته، فأُخْبِر بذلك قبل أن يقرَبَها، أو بعدما عاشرها مدَّة، فهل له بعد الإخبار أن يستمر على معاشرة أخت امرأته مقتديًا بذلك العالِم؟\nوإذا لم يؤثِّر فيه هذا فقل له: إن لم يتبيّن لك الأمر فعليك الاحتياط، واعلم أنَّك إن تركت هذا الأمر كان لك أسوة بِمَن تَرَكَه، من نبي الله - ﵌ - وأصحابه، ومن بعدهم من الصدِّيقين والشهداء والصالحين إلى قرون عديدة، وحسن أولئك رفيقًا.\n_________\n(^١) تقدَّم تخريجه (ص ٨٧) وأنَّه عند مسلمٍ.","vol":"6","page":106},{"text":"وإن عَمِلْتَه لم تكن [لك] (^١) أسوة إلَّا بذلك العالِم المقلِّد، ولعلَّ له عذرًا ليس لك مثله.\nوأقصى ما في هذا الأمر أنَّ الظاهر أنَّه بدعة، وهناك شُبْهَة ضعيفة بأنَّه مستحب، فما هو الأحوط؟ وقد صحَّ في الحديث [عن عقبة بن الحارث أنه تزوج ابنةً لأبي إهاب بن عزيز، فأتته امرأة فقالت: قد أرضعتُ عقبة والتي تزوَّجَ، فقال لها عقبة: ما أعلم أنكِ أرضعتِني، ولا أخبرتِني، فأرسل إلى آل أبي إهاب يسألهم، فقالوا: ما علمنا أرْضَعَتْ صاحبنا، فركب إلى النبي - ﵌ - بالمدينة، فسأله، فقال رسول الله - ﵌ -: \"كيف وقد قيل؟ \" ففارقها ونكحت زوجًا غيره (^٢)] (^٣).\nوأمَّا تقليد من اشتهر بالصلاح وليس بمجتهد فالفتوى من حيث هي مَدَارها على العلم والعدالة، فإذا كان المشهور بالصلاح عالمًا بالعلوم الشرعية فهو بمنزلة من كان مثله في العلم من العُدُول ولم يشتهر بالصلاح، وإنَّما الإخبار عن الشرع بمنزلة الشهادة.\nفكما أنَّ الشريعة قَضَت في القضاء أنَّ شهادة شاهِدَين عَدْلَين لم يشتهرا بالصلاح وشهادة شاهِدَين عَدْلَين مشهورَيْن بالصلاح والولاية سواء= فهكذا حال الفتوى.\nبل لو قيل برجحان فتوى العَدْل الذي لم يشتهر بالصَّلاح لَمَا كان بعيدًا؛ لأنَّ الصالحين اشتهروا بسلامة القلب إلى حدِّ الانخداع، وتحسين\n_________\n(^١) في الأصل: \"له\".\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٦٤٠) وغيره.\n(^٣) بيَّض المؤلف للحديث، وأشار إليه في هامش الصفحة بقوله: \"كيف وقد قيل\"، فأكملته.","vol":"6","page":107},{"text":"الظَّن المُفْرِط، والغفلة عن حِيَل المحتالين، إلى أمور أُخَر قد بيَّنتُ بعضها في \"رسالة العبادة\"، فعليك بها.\nوأمَّا عمل أهل جهةٍ من الجهات فلم يسلِّم الأئمة لمَالكٍ احتجاجه بعمل أهل المدينة، مع أنَّها معدن الإسلام، وأهلُها حينئذٍ الصَّحابة والتابعون، وكثير منهم أئمَّة مجتهدون، وكانوا من العلم والمعرفة والحرص على اتباع السنة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في أعلى الطبقات، فما بالك بعمل أهل جهةٍ أخرى بعد أن عزَّ العلم الصحيح، وكثر علماء السوء، وانتشر دعاة البدع، وفُقِد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وصار من بقي من العلماء شعارهم: عليك بخويصة نفسك، ودَعْ عنك أمر العامة.\nفصل\nساق المحقِّق الشاطبي في \"الاعتصام\" (^١) كثيرًا من الآيات والأحاديث والآثار عن الصحابة والتابعين والأئمَّة المهديين في ذمِّ البدع والتحذير منها، وفاته كثير.\nوأنا أرى أنَّ الأمر أوضح من ذلك فإنَّ البدعة هي: إحداث حُكْم في دين الإسلام وليس منه.\nولا خلاف أنَّ دين الإسلام هو: ما شرعه الله ﷿ وبلَّغه خاتم أنبيائه صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين، وأنَّ كل أمرٍ لم يبلِّغ النبي - ﵌ - أمَّته أنَّه من دين الإسلام فليس منه، وزَعْمُ أنَّه منه هو البدعة، ومثل هذا لا يخالف مسلم في أنَّه منكر مذموم.\n_________\n(^١) يُنْظَر: (١/ ١٣ - ٣٥، ٦٨ - ٨٩، ٩٩ - ١٤٦).","vol":"6","page":108},{"text":"وإنَّما اشتبه على الناس أمران:\nالأول: في حكم صاحبه.\nالثاني: في الطريق التي يُعْلَم بها في الأمر أنَّه بدعة.\nفلنعقد لكل منهما بابًا.\nالباب الأول\nفأما الأمر الأول فأصحاب البِدَع على أربعة أقسام (^١):\nالقسم الأول: الذي يعلم أنَّ بدعته ليست من دين الإسلام الذي بلَّغه محمد - ﵌ - عن ربه، ومع ذلك فيزعم أنَّها ممَّا يحبُّه الله ويرضاه، فهذا قد جمع بين الكذب على الله والتكذيب بآياته.\nأما الكذب على الله: فبزعمه أنَّ الله يحبُّ ذلك الفعل ويرضاه، وليس عنده من الله ﷿ برهان على ذلك، فقد اعترف أنَّه ليس من دين الإسلام الذي بلَّغه محمد - ﵌ -.\nفإمَّا أن يزعم أنَّ له أو لغيره أن يشرع من الدين ما لم يأذن به الله، وفي ذلك دعوى الرُّبوبية؛ لأنَّ شرع الدين من خواصها، قال الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١]. وقال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١].\nوإمَّا أن يزعم أنَّه أو شيخه علم أنَّ الله ﷿ يحبُّ ذلك الأمر ويرضاه بإعلام الله تعالى، ففيه دعوى أنَّه أو شيخه نبي ورسول بشريعةٍ تَنْسَخُ بعض\n_________\n(^١) لم يذكر المؤلِّف ــ فيما وجدته من رسالته ــ القسم الرابع.","vol":"6","page":109},{"text":"الشريعة المحمَّدية.\nوأمَّا كونه مكذِّبًا بآيات الله: فواضح.\nوالآيات القرآنية والأحاديث النبوية كثيرة في أنَّ شرع الدين خاص بالله ﷿، وفي أنَّ الدين قد كَمَل، وأنَّ عِلْم حُكْمِ الله قد انسدَّ إلَّا بواسطة كتاب الله تعالى وسنة رسوله، وفي أنَّ النبوة قد خُتِمَت ولم يبق منها إلَّا الرُّؤيا الصالحة، والكشف نوع منها يحتاج إلى التعبير مثلها، فإذا تضمَّن الزيادة في الدِّين على ما بلَّغه رسول الله - ﵌ - فذلك برهانٌ على كَذِبه أو على أنَّ له تعبيرًا يخرجه عن ظاهره.\nوقد حقَّقنا هذا في \"رسالة العبادة\"، وحقَّقنا فيها أنَّ التَّحديث المذكور في قوله: \"إنَّه كان فيمن قبلكم محدَّثون ... \" (^١) إنَّما يحصل به الظَّن، ولا يعلم المُحَدَّث أنَّ ذلك الظن من التحديث، لأنَّ الظَّن كما يحصل به فقد يحصل بالوسوسة، وبالتوهُّم المبنيِّ على سببٍ خفيٍّ قد لا يتنبَّه له المتوهِّم، وإن كانت نفسه قد بَنَتْ عليه ما بَنَتْ.\nومثال ذلك: أن ينالك أذى وضُرٌّ من إنسان، ثم بعد بُرْهةٍ من الزَّمان رأيتَ إنسانًا آخر، فوقع في نفسك أنَّه يريد بك شرًّا وأذى.\nوالسبب أنَّ بينه وبين المؤذي مشابهة ما في الصورة أدْرَكَتْها نفسُك لأول نظرةٍ، ولم يضبطها عقلك، ولهذا الاشتباه لم يكن عمر نفسُه يحتجُّ بظنِّه، ولا يبني عليه الأحكام.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٤٦٩) من حديث أبي هريرة ﵁، ومسلم (٢٣٩٨) من حديث عائشة ﵂، وغيرهما.","vol":"6","page":110},{"text":"هذا وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ٩٣].\nوقد حقَّقنا هذا المعنى في \"رسالة العبادة\"، والحمد لله.\nالقسم الثاني: من يشكُّ في بدعته، أمِنْ دين الإسلام الذي بلَّغه محمد - ﵌ - عن ربِّه أم لا؟ ولكنَّه يجزم بأنَّها ممَّا يحبُّه الله ويرضاه، وحُكْمُه كالأول.\nالقسم الثالث: من يجزم بأنَّ بدعته من دين الإسلام الذي بلَّغه محمد - ﵌ -، ولكن ليس عنده برهان على ذلك، وهذا على أضْرُب:\nالضَّرْب الأول: المجتهد الذي قامت عنده شُبْهَةٌ هي من جنس الأدلة المقرَّرة في الشريعة، على ما هو مفصَّل في أصول الفقه، ولكن اختلَّ شرط من شروطها، ولم يعلم باختلاله، أو قام لها معارض ولم يعلم به ونحو ذلك، وقد بَحَثَ ونَظَرَ بقدر وُسْعِه، وذلك كأن يبلُغَه حديثٌ عن النبي - ﵌ -، فينظر في سنده فيراه مستجمعًا لشروط الصِّحة أو الحُسْن، ويتدبَّر الكتاب والسُّنة فلا يجد له معارضًا، ولم تكن الأمة أجمعت على خلافه= فيقول به.\nويطَّلِع غيرُه على ما خفي عليه، إمَّا على قدحٍ في أحد الرُّواة، أو على عِلَّةٍ تُوْهِن الحديث، أو على دليل آخر يعارضه، أو على أنَّه ليس ظاهرًا في المعنى الذي فهمه ذاك.\nفالأول معذور مأجور، اللهم إلَّا أن يُنَبَّه على خطئه فيُصرَّ ويستكبر، فهذا هالك لا محالة.\nوفي حكم المجتهد من قلَّده عارفًا لدليله، فإن كان المقلِّد يرى صحَّة","vol":"6","page":111},{"text":"دليل مُقلَّده فهو معذور مأجور، وإن تبيَّن له بطلان دليل مُقلَّده وأصرَّ على تقليده فهو هالك، وإن لم يعلم دليل مُقلَّده أصلًا، أو عَلِمَه ولم يتبيَّن له أصحيح هو أم باطل فهو معذور، ولكن إذا علم بأنَّ بعض المجتهدين يُخالِف إمامه في ذلك فعليه أن ينظر في أدلَّتهم ــ إن تيسَّر له ــ ثم يقلِّد من ظَهَر له رُجْحَانُ دليله، فإن لم يتيسَّر له ذلك فقد قال جماعة من العلماء: يلزمه الاحتياط، وقال بعضهم غير ذلك.\nوالذي تقتضيه الأدلَّة أنَّ عليه الاحتياط، وفي \"الصحيح\" (^١): \"الحلال بيِّن والحرام بيِّن، وبينهما مشتبهات لا يعلمهُنَّ كثير من الناس، فمن اتَّقى الشُّبهات فقد استبرأ لدِينِه وعِرْضه ... \" الحديث. والمختلف فيه مشتبه.\nاللَّهم إلَّا أن يشقَّ عليه الاحتياط مشقَّة شديدة فقد يقال له حينئذٍ أن يأخذ بالأخف؛ لقول الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]. وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].\nالضَّرْب الثاني: من لم يبلغ درجة الاجتهاد، وإنَّما يتعاطى النَّظَر في الأدلَّة، ويحكم بما يظهر له بدون استنادٍ إلى موافقة مجتهدٍ من المجتهدين فهذا ضالٌّ مُضِلٌّ، وهو من الرُّؤساء الجُهَّال الذين وَرَد فيهم الحديث (^٢).\n_________\n(^١) البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩) من حديث النعمان بن بشير ﵁، ولفظ المؤلف أحد ألفاظ مسلم.\n(^٢) يعني: ما أخرجه البخاري (١٠٠) ومسلم (٢٦٧٣)، وغيرهما، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"إنَّ الله لا يقبض العلم انتزاعًا، ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبْقِ عالمًا، اتخذ النَّاس رؤوسًا جهالًا فسُئِلُوا، فأفتوا بغير علم، فضلُّوا وأضلُّوا\".\nتنبيهٌ: قوله: \"لم يُبقِ عالمًا\" وصحَّت الرواية بلفظ: \"حتى إذا لم يبقَ عالمٌ\".\nوقوله: \"رُؤُوسًا\" جمع \"رأس\"، ولفظ المؤلِّف: \"رُؤَسَاء\" جمع \"رئيس\" هي روايةُ أبي ذرٍّ للصَّحيح، وهي رواية ابن حبَّان في \"صحيحه\" (٤٥٧١). ويُنْظَر فيما تقدَّم: \"الفتح\" لابن حجر (١/ ١٩٥).","vol":"6","page":112},{"text":"وأكثر البِدَع من اختراع هؤلاء، وإنَّما تبعهم الناس فيها لاشتهار بعضهم بالزُّهد والتصوُّف، أو بعلمٍ آخر غير العلم المشروط في الاجتهاد.\nوقد حقَّقنا في \"رسالة العبادة\" أنَّ الزُّهاد والعُبَّاد لا يعتدُّ بأقوالهم ما لم يكونوا من العلوم المعروفة بدرجة الاجتهاد، وأنَّ الكَشْف ليس من الحُجَج الشرعية، وأنَّ الوَلِيَّ يخطئُ كما يخطئُ غيره، بل الخطأ أقرب إليه؛ لغلبة حُسْن الظن عليه.\nوحقَّقنا أنَّ الأحوال المكتسبة بالرِّياضة التي لم يندب إليها الشرع ليست من الولاية الصحيحة في شيءٍ، وإن صارت حياة صاحبها كُلَّها خوارق وغرائب، وأوضحنا ذلك ببراهينه.\nنعم قد يكون للرجل من هذا الضَّرْب عذر يرفع عنه الملامة، وكذا لِمَن تَبِعَه جاهلًا بحقيقة الأمر معذورًا بجهله.\nوقد حقَّقنا في \"رسالة العبادة\" ما يكون من الجهل عذرًا، وما لا يكون، فمهما أمكن أن يكون له عذر فلا يجوز الحكم عليه بالهلاك أو الإثم، بل لعلَّه يكون في نفسه من الصَّالحين الأخيار، ولكن احتمال كونه معذورًا لا يكون مسوِّغًا لاتِّباعه.\nالضَّرْب الثالث: من يقيس على نصوص المجتهدين ويستنبط منها، وهو","vol":"6","page":113},{"text":"الذي يسمُّونه: \"مجتهد المذهب\"، وهو كما يُؤْخَذ من كلامهم: مَنْ أحرز شروط الاجتهاد المطلق، إلَّا أنَّه قاصر في معرفة التفسير، وفي معرفة السُّنة، ويكون مع ذلك واسع الخبرة بمذهب إمامه أصولًا وفروعًا.\nومن شرطه ــ أيضًا ــ أن يعلم مَأْخَذ إمامه في المسألة التي يريد الاستنباط منها.\nومدار الاستنباط على تحصيل دلالة ظنية من نصوص المجتهد بأنَّ الحُكم في هذه المسألة هو كيت وكيت، وقد تكون تلك الدلالة عمومًا أو مفهومًا، والغالب فيها هو القياس، وكلٌّ من هذه الدلالات قد يَضْعُف جدًّا.\nفأمَّا العموم فإنَّه قد يدخل تحت النص العام صور نادرة قد لا تكون خَطَرَت على ذهن المجتهد.\nوإنَّما قلنا إنَّ عموم نص الكتاب أو السنة يشمل الصورة النادرة لأنَّ الله ﵎ لا يعزُبُ عن علمه شيء، وهو رقيب على لسان رسوله، يعْصِمُه عن الخطأ، ومع ذلك فقد قال جماعة من العلماء بعدم دخول الصورة النادرة في النص الشرعي أيضًا.\nوأمَّا غير المعصوم فإنَّنا لا نثق بأنَّه خَطَرت على ذهنه الصورة النادرة.\nوإذا لم تكن خَطَرت على ذهنه فلا يثبت أنَّ لها عنده ذلك الحكم، فلعلَّه لو سُئِل عنها لرأى لها حكمًا آخر، واعتذر عن ذلك العموم بأنَّها صورة نادرة لم تخطر على ذهنه.\nفإن قيل: فقد قال جماعة من العلماء بدخول الصور النادرة في عموم كلام غير المعصوم، في نحو النَّذر واليمين والوكالة.","vol":"6","page":114},{"text":"قلتُ: نعم، قد قالوا ذلك، ولكن الوجه في ذلك أنَّهم رأوا أنَّ الصِّيغة سبب تامٌّ في انعقاد العقد، ولهذا قالوا بدخول الصُّوَر التي لم يقصدها العاقد، وبالانعقاد بالصيغة التي لم يقصد بها الإيقاع، وإنما قصد بها الهزل.\nوفتوى المجتهد ليست بسبب تامٍّ لثبوت الحكم؛ إذ ليست بإنشاءٍ للحُكْم كما كانت صيغة النَّذر إنشاءً للنذر مثلًا، وإنَّما الفتوى إخبار من المجتهد بما فهمه من الشريعة، فيحصل ظنٌّ بصحة ذلك؛ لأنَّه عدل عالم، وهذا خاص بما قَصَدَه في عبارته، فكيف تدخل الصُّوَر التي لم يظهر أنَّه قصدها؟ !\nوهكذا يقال في دلالة الإشارة، فإنَّها عندهم: دلالة اللَّفظ على ما يلزم معناه، ولا يظهر من اللَّفظ أنَّه قصد به، فنقول بها في كلام الله تعالى؛ لإحاطة علمه بما يلزم، وكذا في كلام رسوله - ﵌ -؛ لأنَّ الله تعالى رقيبٌ عليه كما تقدَّم، وكذلك يقول بها في العقود من يرى العقود أسبابًا تامَّةً؛ لأنَّها إنشاء لأحكامها، ولا يصح أن يقال بها في فتاوى العلماء؛ لما سبق.\nوأمَّا المفهوم فمفهوم الموافقة إن كان واضحًا فهو كالمنطوق الصَّريح، وإلَّا فهو من القياس، وسيأتي ما فيه.\nوأمَّا مفهوم المخالفة فقد نقل ابن السُّبكي عن والده: أنَّه لا عبرة به في غير الشرع (^١)، قال المحلِّي في \"شرح جمع الجوامع\": \"من كلام المصنِّفين والواقفين لغلبة الذُّهول عليهم بخلافه في الشرع من كلام الله ورسوله المبلِّغ عنه؛ لأنَّه تعالى لا يغيب عنه شيء\" (^٢).\n_________\n(^١) \"جمع الجوامع\" (ص ٢٤) حيث قال: \"والشيخ الإمام في غير الشرع\".\n(^٢) \"شرح المحلِّي\" مع \"حاشية البنَّاني\" عليه (١/ ٢٥٥)، و\"حاشية العطَّار\" عليه (١/ ٣٣٥).","vol":"6","page":115},{"text":"وهذا قوي جدًّا بالنسبة إلى كلام المصنِّفين، ومَن في معناهم مِن المفتين.\nويؤيِّده أنَّ القائلين بمفهوم المخالفة يشترطون أن لا يكون المتكلِّم جاهلًا بحكم المسكوت عنه، والجهل ممكن في المصنِّفين والمفتين.\nويشترطون أن لا يكون القيد خرج مخرج الغالب، وقد خالف في هذا إمام الحرمين (^١)، وخلافه قويٌّ بالنسبة إلى كلام الله تعالى وكلام رسوله؛ لأنه يبعد أن يُحْمَل قوله تعالى: ﴿اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] على أنَّه لا معنى له، وإنَّما جَرَى مَجْرَى الغالب؛ إذ ليس في موافقة الغالب فائدة تُذكر، مع أنَّ زيادة ذلك تُنْقِص الفائدة، وتُوقِع في الخطأ. وعلى نحو هذا يقال في كلام رسول الله - ﵌ -.\nفأمَّا المصنِّفون ونحوهم فلا يبعد أن يجري على ألسنتهم زيادة الكلمة موافقة للغالب.\nوأمَّا القياس فمالك لا يكاد يعتدُّ به في العبادات، كما قرَّره الشاطبي في \"الموافقات\" (^٢)، وعامَّة البدع التي نحن في صدد البحث عنها إنَّما هي في العبادات.\nوشرط الاحتجاج بالقياس أن لا توجد دلالة أقوى منه من كتاب أو سنة. وعدم الوجدان إنَّما يُعْتَدُّ به في حقِّ المجتهد المستقل، وأمَّا مجتهد المذهب فلا أثر لعدم وجدانه؛ لقصور معرفته بالكتاب والسنة. على أنَّ كثيرًا\n_________\n(^١) كما في \"البرهان\" له (١/ ٤٧٧).\n(^٢) \"الموافقات\" (٢/ ٥١٩)، وبنحوه في: \"الاعتصام\" له (٣/ ٥٤).","vol":"6","page":116},{"text":"من علماء المذاهب يرجِّحون قياس قول إمامهم على نصوص شرعية قد وقفوا عليها!\nثم نقول: إن كان مجتهد المذهب قاس على قول إمامه بدون أن يعرف دليل إمامه = فإنَّنا نخشى أن يكون إمامه استند إلى قياس، فيكون قياس هذا المقلِّد مركَّبًا على قياس، وهو باطل عندهم، كما قرَّروه في كتب الأصول.\nوإنْ عَلِم دليل إمامه وكان قياسًا فالأمر واضح.\nوإن كان نصًّا فشرط القياس على النَّص أن لا توجد دلالة أقوى منه من كتاب أو سنة، ولا اعتداد بعدم وجدان من ليس بمجتهد مستقل؛ إذ لو كان لمجتهد المذهب من المعرفة بالكتاب والسنة ما يصحِّح الاعتداد بعدم وجدانه= لكان مجتهدًا مستقلًا، والمفروض خلافه.\nهذا مع أنَّ من الأقيسة ما هو ضعيف جدًّا، كقياس الشَّبَهِ وغيره.\nوالحاصل: أنَّ الاستنباط من كلام المجتهد على جانبٍ من الضعف، فإن جاز الاستناد إليه فعلى قدر الضرورة مع وجوب الاحتياط، ويشتدُّ الأمر إذا علمنا أنَّ أكثر المسائل المدوَّنة في كتب الفروع ليست من نصِّ الإمام، ولا مستنبطة من نصِّه، بل كل متأخر يستنبط مِن كلام مَن قَبْله، ففي مذهب الشافعي مثلًا تجد \"دحلان\" يستنبط من كلام \"الباجوري\"، و\"الباجوري\" يستنبط من كلام \"البجيرمي\"، و\"البجيرمي\" يستنبط من كلام \"الشبراملسي\"، و\"الشبراملسي\" من كلام \"ابن حجر\"، و\"ابن حجر\" من كلام \"الزركشي\"، و\"الزركشي\" من كلام \"النَّووي\" وهكذا.\nولعلَّك لا تصل إلى الإمام إلَّا بعشر درجات وأكثر.","vol":"6","page":117},{"text":"هذا مع أنَّ كثيرًا من العلماء يبنون الأحكام على استحسانهم.\nومنهم مَن غَلَب عليه الميل إلى بعض المبتدعة، وكثير منهم من كان يعتقد الولاية لكل من حُكِي عنه ضَرْب من الغرائب التي يسمُّونها كرامات، ويتعصَّب له، ويؤلِّف في فضائله، ويكاد يجعل أقواله براهين قطعيَّة.\nومنهم من كان يعرض له الميل إلى أهل الدنيا والتعصُّب لهم.\nومنهم من كان بينه وبين علماء عصره منافسة تَحْمِلُه على مخالفتهم، كما وقع في قضية الصلاة المُبْتَدَعَة في ليلة أول جمعةٍ من رجب، كما حكاه أبو شامة في \"الباعث\" (^١).\nوبالجملة فالعوارض المشكِّكة في صحَّة أقوالهم كثيرة.\nوما مَثَلُ الشريعة إلَّا مثل ينبوع يخرج من جبل ويجري إلى مراحل كثيرة، وقد تكفَّل المَلِك بحفظ مجراه وتنظيفه، ومنع اختلاط الأوساخ والأقذار والمياه المتغيِّرة به، وهناك سَوَاقٍ قد اسْتَقَت منه، ويجري فيها من مائه إلى مراحل كثيرة أيضًا، ولكن المَلِك لم يتكفَّل بحفظها ولا حراستها، فهي مُعرَّضة لاختلاط الأقذار والأوساخ والمياه الرديئة والمتغيِّرة بمائها، وكثير من تلك السَّواقي قد عَظُم وغزُر ماؤه، فَمِن الناس من يستقبل من تلك السَّواقي ساقية أو ساقيتين أو أكثر، فيملأ من مائها بحيرة، ومنهم من يتجشَّم السفر إلى المجرى الذي تكفَّل المَلِك بحفظه، فيملأ جرَّة أو جرَّتين أو ما قُسِمَ له.\n_________\n(^١) \"الباعث على إنكار البدع والحوادث\" (ص ٤٢ - ٤٣)، وفيه قصَّة العز بن عبد السلام مع أحد منافسيه.","vol":"6","page":118},{"text":"والمقصود: أنَّ الاستنباط من المذاهب جائز بقدر الضرورة، فمن كان أهلًا للاستنباط واضطرَّ إليه في مسألة، ولم يقدر على تحصيل ما هو أوثق منه، واحتاط بقدر إمكانه= فلا حرج عليه إن شاء الله وإن أخطأ، وكذلك من تبعه ولم يقدر على تحصيل ما هو أوثق من قوله، ومع ذلك احتاط بقدر الإمكان.\nومن حكمة الله البالغة ورحمته السَّابغة أنَّ غالب البدع لا يدَّعي أصحابها ومن شُبِّهت عليهم أنَّها من أركان الإيمان، ولا فرائض الإسلام، ولا الواجبات المحتَّمة، وإنَّما غايتهم دعوى أنَّها مستحبَّة، وذلك تيسير من الله ﷿ لطريق الاحتياط لمن أراده، فما عليك إلَّا أن تتحرَّى فيما قيل إنَّه مستحب، وقيل إنَّه بدعة.\nفإن كنت ممَّن يستطيع الوصول إلى المجرى المحفوظ فانظر، فإن وجدتَ ما يُثلج صدرك من الدلالة على أنَّه من الدِّين، أو على أنَّه ليس منه= فالزم ذلك.\nوإن اشتبه عليك فدَعْه عالمًا أنَّ اجتناب البدعة أحق من فعل المستحب، وأنَّ ارتكاب البدعة من الخطر بحيث لا يوازنه ترك المستحب.\nعلى أنَّك بتركك لذلك الشيء حذرًا من أن يكون بدعة، لك أجر عظيم أعظم مِن أجر مَنْ فَعَل مستحبًّا، وإن فعلتَه مع خشية أن يكون بدعة فعليك إثم البدعة، وإن كان في نفس الأمر غير بدعة!\nوإن لم تستطع الوصول إلى المجرى المحفوظ فإن ظفرت بمَن وصل إليه وهو ثقة مأمون بريء من التعصب، وقد اطَّلَع على قول من قال: إنَّ ذلك","vol":"6","page":119},{"text":"الأمر مستحب، وقول من قال: إنَّه بدعة، وعَرَض القولين على نصِّ الشرع= فخذ بقوله.\nوإن بقي عندك تردُّد في صحَّة قوله فالزم الاحتياط، وإن لم تظفر بواصلٍ فلابدَّ من الاحتياط، وعليك بالاحتياط لنفسك، وحسن الظَّن بغيرك على قدر الإمكان، ولا يصدنَّك أحدهما عن الآخر.\nفإذا علمتَ أنَّ فلانًا كان يقول: إنَّ هذا الأمر مستحب، ويعمل به، فلا تتَّخذ ذلك دليلًا على أنَّه ليس بدعة.\nوإذا بان لك أنَّه بدعة أو شَكَكْت فيه فلا تسئ الظن بذلك القائل، بل قل: لعلَّ له عذرًا، والأعذار ههنا كثيرة، ولعله يكون في نفسه خيِّرًا فاضلًا صالحًا من أولياء الله تعالى، ولا يلزم من ولايته عصمته عن الخطأ، ولا يلزم من كونه معذورًا مأجورًا في قول أو فعل أن يكون كل مَنْ وافقه على ذلك معذورًا مأجورًا أيضًا.\nوههنا مَثَلٌ: رجل خاف على نفسه الزِّنا، فأسرع إلى بيته ليواقع زوجته فتسكن نفسه عن الجماح، فعَمَد إلى السَّرير الذي تنام عليه زوجته، فقضى حاجته، وبعد الفراغ تأمَّل المرأة وإذا هي أُمُّه، قد نامت تلك الليلة على سرير زوجته، خلافًا للعادة، فهذا الرجل معذور مأجور.\nولو عكس فعَمَد إلى السرير الذي تنام عليه أُمُّه ليقع على أُمِّه فوقع، ثم تبيَّن له أنَّ التي وقع عليها زوجته فإنَّه آثم فاجر.\nقال الأشخر في \"شرح ذريعته\": \"لو وطئ زوجته على ظنِّ أنَّها أجنبية فتحل لمطلِّقها ثلاثًا وإن أثم (الواطئ) قطعًا، بل حكى ابن الصَّلاح وجوب","vol":"6","page":120},{"text":"الحدِّ\" (^١).\nولو اشتبه عليه الحال فلم يدر، أَزَوجته هي أمْ أُمُّهُ فإنَّه يحرم عليه الوقوع عليها حتمًا.\nولو أنَّ رجلًا تزوَّج امرأةً فأُهديت إليه أختُها وهو لا يشعر، بل يظنُّ المُهْدَاة زوجته، فعاشرها طول عمره فهو معذور مأجور.\nولو أنَّ رجلًا آخر تزوَّج وأُهديت إليه أخت زوجته فأُخْبِر بذلك، فهل له أن يستمر على معاشرتها، محتجًّا بأنَّ الأول كان عالمًا صالحًا وقد استمرّ على معاشرة أخت زوجته، وأفتى العلماء بأنَّه معذور مأجور؟ أَوَ لا يقول له العقلاء جميعًا: يا أحمق! ذاك لم يكن يعلم، وأنت قد علمتَ!\n_________\n(^١) \"شرح ذريعة الوصول إلى اقتباس زبد الأصول للأشخر الزبيدي\" (١/ ٥٤). رسالة جامعية.","vol":"6","page":121}]}