{"ً":{"ٌ":36,"ٍ":"لباب التفاسير للكرماني (ناقص)","َ":4,"ُ":3,"ّ":"الكتاب: لباب التفاسير\nالمؤلف: أبو القاسم محمود بن حمزة الكرماني، المتوفى بعد سنة (٥٣١ هـ)\nالتحقيق: أربع رسائل دكتوراة بقسم القرآن وعلومه بكلية أصول الدين في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض\n١ - ناصر بن سليمان العمر - من أول سورة الفاتحة إلى آخر سورة النساء - ١٤٠٤ هـ.\n٢ - عبد الله بن حمد المنصور - من أول سورة المائدة إلى آخر سورة الإسراء - ١٤٢٩ هـ.\n٣ - إبراهيم بن محمد بن حسن دومري - من أول سورة الكهف إلى آخر سورة الصافات - ١٤٢٩ هـ.\n٤ - إبراهيم بن علي بن ولي الحكمي - من أول سورة ص إلى آخر سورة الناس - ١٤٢٩ هـ.\nتنبيه: الكتاب ينقصه قسم من أوله، إذ لم نقف على الرسالة الجامعية الأولى في تحقيقه\nعدد الصفحات: ١٥٧٣","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":1186,"ٕ":3,"ٖ":1780758311,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة التحقيق","level":1,"page":2},{"title":"المائدة - الإسراء (عبد الله المنصور)","level":2,"page":2},{"title":"المقدمة","level":3,"page":2},{"title":"شكر وتقدير","level":4,"page":2},{"title":"أهمية الموضوع وأسباب اختياره","level":4,"page":4},{"title":"خطة البحث","level":4,"page":5},{"title":"منهج البحث","level":4,"page":6},{"title":"أولا: منهج كتابة النص المحقق","level":5,"page":6},{"title":"ثانيا: منهج التعليق في الحاشية","level":5,"page":6},{"title":"الدراسة (التعريف بالكرماني)","level":3,"page":8},{"title":"الفصل الأول عصر المؤلف","level":4,"page":9},{"title":"تمهيد","level":5,"page":10},{"title":"المبحث الأول الحالة السياسية وأثرها في حياته","level":5,"page":12},{"title":"المبحث الثاني الحالة الاجتماعية وأثرها في حياته","level":5,"page":15},{"title":"المبحث الثالث الحالة العلمية وأثرها في حياته","level":5,"page":17},{"title":"الفصل الثاني حياة المؤلف","level":4,"page":18},{"title":"المبحث الأول اسمه ونسبه ومولده ونشأته","level":5,"page":19},{"title":"المبحث الثاني شيوخه وتلامذته","level":5,"page":20},{"title":"أخذ الكرماني عن جماعة من القراء والعلماء، منهم","level":6,"page":20},{"title":"١ - والده","level":7,"page":20},{"title":"٢ - محمد بن حامد بن الحسن الخيامي الطوسي","level":7,"page":21},{"title":"٣ - أبو سهل محمد بن عبدالرحمن بن أبي الفضل النيسابوري","level":7,"page":21},{"title":"٤ - قال الكرماني في أثناء تفسير الآية (٢٤) من سورة الأنعام: (وسمعت شيخ الإسلام القاضي أبا المعالي رحمة الله عليه يقول","level":7,"page":21},{"title":"أما تلاميذه، فمنهم","level":6,"page":22},{"title":"١ - أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري، صاحب «الكشاف»","level":7,"page":22},{"title":"٢ - أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي، صاحب «مجمع البيان»","level":7,"page":23},{"title":"٣ - نصر بن علي بن محمد، أبو عبدالله الشيرازي، المعروف بأبي مريم، أو ابن مريم، أو ابن أبي مريم","level":7,"page":23},{"title":"٤ - رضي الدين أبو عبدالله محمد بن أبي نصر الكرماني","level":7,"page":24},{"title":"٥ - بديع الزمان الكرماني، أبو المعالي إسماعيل بن الحسين","level":7,"page":24},{"title":"المبحث الثالث عقيدته ومذهبه الفقهي","level":5,"page":25},{"title":"المبحث الرابع مكانته العلمية ومؤلفاته","level":5,"page":30},{"title":"الأول: ثناء المترجمين له عليه","level":6,"page":30},{"title":"الثاني: ثناء تلاميذه عليه","level":6,"page":30},{"title":"الثالث: كثرة النقولات عن الكرماني","level":6,"page":31},{"title":"الرابع: شخصيته العلمية البارزة في كتبه","level":6,"page":32},{"title":"المبحث الخامس وفاته","level":5,"page":36},{"title":"الفصل الثالث التعريف بالكتاب وقيمته العلمية","level":4,"page":38},{"title":"المبحث الأول اسم الكتاب","level":5,"page":39},{"title":"المبحث الثاني نسبة الكتاب إلى مؤلفه","level":5,"page":41},{"title":"المبحث الثالث قيمة الكتاب العلمية وأثره في التفاسير المؤلفة بعده","level":5,"page":42},{"title":"المبحث الرابع النسخ الخطية للكتاب","level":5,"page":44},{"title":"١ - النسخة الأصل (أ)","level":6,"page":44},{"title":"٢ - النسخة الثانية (ب)","level":6,"page":44},{"title":"٣ - النسخة الثالثة (ج)","level":6,"page":45},{"title":"٤ - النسخة الرابعة (د)","level":6,"page":45},{"title":"الكهف - الصافات (إبراهيم دومري)","level":2,"page":57},{"title":"المقدمة","level":3,"page":57},{"title":"أهمية الموضوع وأسباب اختياره","level":4,"page":58},{"title":"أهداف البحث","level":4,"page":58},{"title":"الدراسات السابقة","level":4,"page":59},{"title":"خطة البحث","level":4,"page":59},{"title":"تعريف موجز بالمخطوط","level":4,"page":62},{"title":"التعريف بالنسخ الخطية للكتاب","level":4,"page":63},{"title":"١ - النسخة الأصل (أ): (النسخة الكاملة)","level":5,"page":63},{"title":"٢ - النسخة الثانية (ب): (النسخة الملفقة)","level":5,"page":63},{"title":"٣ - النسخة الثالثة (ج)","level":5,"page":64},{"title":"٤ - النسخة الرابعة (د)","level":5,"page":64},{"title":"ترجمة موجزة للمؤلف","level":4,"page":65},{"title":"اسمه ونسبه","level":5,"page":65},{"title":"مولده ونشأته","level":5,"page":65},{"title":"مؤلفاته","level":5,"page":65},{"title":"وفاته","level":5,"page":65},{"title":"الدراسة (مصادر الكرماني)","level":3,"page":66},{"title":"المبحث الأول: مصادره في القراءات","level":4,"page":67},{"title":"المبحث الثاني: مصادره في التفسير","level":4,"page":68},{"title":"المبحث الثالث: مصادره في علوم القرآن","level":4,"page":69},{"title":"المبحث الرابع: مصادره في الرواية والأثر","level":4,"page":70},{"title":"أهم مصادره في الرواية والأثر","level":5,"page":70},{"title":"ومن كتب السنة التي ذكرها في تفسيره","level":5,"page":70},{"title":"مصادر أخرى","level":5,"page":70},{"title":"المبحث الخامس: مصادره في مسائل الإعتقاد","level":4,"page":71},{"title":"المبحث السادس: مصادره في اللغة والنحو","level":4,"page":72},{"title":"من مصادر الكرماني التي اعتمد عليها في اللغة والنحو","level":5,"page":72},{"title":"إضافة إلى ذلك فإنه يستشهد في التفسير بشعر المتقدمين، ومنهم","level":5,"page":72},{"title":"المبحث السابع: مصادره في الاسرائيليات","level":4,"page":73},{"title":"المبحث الثامن: مصادره في مسائل الفقه","level":4,"page":74},{"title":"المبحث التاسع: منهجه في الإفادة من المصادر","level":4,"page":75},{"title":"القسم الأول: مصادر أكثر النقل منها، وهي","level":5,"page":75},{"title":"القسم الثاني: مصادر لم يكثر النقل عنها، وهي بقية المصادر المذكورة في المباحث السابقة","level":5,"page":75},{"title":"أولا: أنه ينقل فقط بذكر اسم المؤلف، ولايذكر اسم الكتاب الذي نقل منه، ومن الأمثلة على ذلك","level":6,"page":75},{"title":"ثانيا: أنه عند النقل قد يذكر اسم المؤلف والكتاب وهو قليل، ومن الأمثلة عليه","level":6,"page":77},{"title":"ثالثا: أنه قد ينقل عن هذه المصادر دون ذكر اسم الكتاب أو اسم المؤلف ويكتفي فقط بقوله \"قيل\"","level":6,"page":78},{"title":"رابعا: أنه قد ينقل من هذه المصادر دون الإشارة إلى اسم الكتاب أو أو المؤلف، ومن الأمثلة عليه","level":6,"page":78},{"title":"خامسا: أنه قد يتعقب ماينقله ويبين مافيه من ضعف، ومن الأمثلة عليه.","level":6,"page":79},{"title":"القسم الثالث: مصادر لم ينقل منها مباشرة، وإنما كان نقله بواسطة مصادر أخرى، ومن الأمثلة عليه","level":5,"page":80},{"title":"ص - الناس (إبراهيم الحكمي)","level":2,"page":81},{"title":"المقدمة","level":3,"page":81},{"title":"أولًا: أهمية الموضوع وأسباب اختياره","level":4,"page":82},{"title":"ثانيًا: أهداف البحث","level":4,"page":83},{"title":"ثالثًا: الدراسات السابقة","level":4,"page":83},{"title":"رابعًا: خطة البحث","level":4,"page":85},{"title":"خامسًا: منهج البحث","level":4,"page":86},{"title":"أ): منهج كتابة النَّص المُحَقَّق","level":5,"page":86},{"title":"ب): منهج التعليق في الحاشية","level":5,"page":87},{"title":"سادسًا: التعريف بالنُّسَخِ الخَطِّية للقِسْمِ المُحَقَّقِ","level":4,"page":88},{"title":"١ - النسخة الأصل (أ)","level":5,"page":88},{"title":"٢ - النسخة الثانية (ب)","level":5,"page":88},{"title":"سابعًا: نَماذج للنُّسَخِ الخَطِّية","level":4,"page":89},{"title":"الدراسة (منهج الكرماني في كتابه \" لباب التَّفاسير\")","level":3,"page":98},{"title":"تَمْهيد","level":4,"page":99},{"title":"المبحث الأول: منهجه في القراءات","level":4,"page":101},{"title":"المبحث الثاني: منهجه في تفسير القرآن بالقرآن.","level":4,"page":102},{"title":"المبحث الثالث: منهجه في التفسير بالسُّنة.","level":4,"page":103},{"title":"المبحث الرابع: منهجه في التفسير بأقوال الصحابة والتابعين.","level":4,"page":104},{"title":"المبحث الخامس: منهجه في أسباب النزول.","level":4,"page":105},{"title":"المبحث السادس: منهجه في الكلام على الناسخ والمنسوخ.","level":4,"page":106},{"title":"المبحث السابع: منهجه في إيراد الإسرائيليات.","level":4,"page":107},{"title":"المبحث الثامن: منهجه في تقرير مسائل الاعتقاد.","level":4,"page":109},{"title":"المبحث التاسع: منهجه في تفسير آيات الأحكام.","level":4,"page":110},{"title":"المبحث العاشر: منهجه في الاعتناء بالعربية وفروعها.","level":4,"page":111},{"title":"سورة المائدة","level":1,"page":112},{"title":"سورة الأنعام","level":1,"page":243},{"title":"سورة الأعراف","level":1,"page":363},{"title":"سورة الأنفال","level":1,"page":494},{"title":"سورة براءة","level":1,"page":558},{"title":"سورة يونس ﵇","level":1,"page":664},{"title":"سورة هود","level":1,"page":719},{"title":"سورة يوسف.","level":1,"page":807},{"title":"سورة الرعد.","level":1,"page":895},{"title":"سورة إبراهيم ﵇","level":1,"page":935},{"title":"سورة الحجر","level":1,"page":975},{"title":"سورة النحل، ويروى سورة النعم.","level":1,"page":1013},{"title":"سورة بني إسرائيل","level":1,"page":1088},{"title":"سورة الكهف","level":1,"page":1181},{"title":"سورة مريم","level":1,"page":1322},{"title":"سورة طه","level":1,"page":1386},{"title":"سورة الأنبياء","level":1,"page":1472},{"title":"سورة الحج","level":1,"page":1542},{"title":"سورة المؤمنون","level":1,"page":1613},{"title":"سورة النور","level":1,"page":1663},{"title":"سورة الفرقان","level":1,"page":1751},{"title":"سورة الشعراء","level":1,"page":1812},{"title":"سورة النمل","level":1,"page":1870},{"title":"سورة القصص","level":1,"page":1935},{"title":"سورة العنكبوت","level":1,"page":2005},{"title":"سورة الروم","level":1,"page":2047},{"title":"سورة لقمان","level":1,"page":2089},{"title":"سورة السجدة","level":1,"page":2120},{"title":"سورة الأحزاب","level":1,"page":2142},{"title":"سورة سبأ","level":1,"page":2238},{"title":"سورة فاطر","level":1,"page":2292},{"title":"سورة يس","level":1,"page":2330},{"title":"سورة الصافات","level":1,"page":2377},{"title":"سورة ص","level":1,"page":2441},{"title":"سورة الزمر","level":1,"page":2520},{"title":"سورة المؤمن","level":1,"page":2588},{"title":"سورة حم السجدة","level":1,"page":2635},{"title":"سورة حم عسق","level":1,"page":2678},{"title":"سورة الزخرف","level":1,"page":2723},{"title":"سورة الدخان","level":1,"page":2772},{"title":"سورة الجاثية","level":1,"page":2800},{"title":"سورة الأحقاف","level":1,"page":2824},{"title":"سورة محمد - ﷺ -","level":1,"page":2862},{"title":"سورة الفتح","level":1,"page":2896},{"title":"سورة الحجرات","level":1,"page":2935},{"title":"سورة ق","level":1,"page":2959},{"title":"سورة الذاريات","level":1,"page":2991},{"title":"سورة الطور","level":1,"page":3022},{"title":"سورة النجم","level":1,"page":3045},{"title":"سورة القمر","level":1,"page":3086},{"title":"سورة الرحمن","level":1,"page":3113},{"title":"سورة الواقعة","level":1,"page":3134},{"title":"سورة الحديد","level":1,"page":3166},{"title":"سورة المجادلة","level":1,"page":3186},{"title":"سورة الحشر","level":1,"page":3204},{"title":"سورة الممتحنة","level":1,"page":3223},{"title":"سورة الصف","level":1,"page":3245},{"title":"سورة الجمعة","level":1,"page":3255},{"title":"سورة المنافقون","level":1,"page":3266},{"title":"سورة التغابن","level":1,"page":3273},{"title":"سورة الطلاق","level":1,"page":3280},{"title":"سورة التحريم","level":1,"page":3294},{"title":"سورة الملك","level":1,"page":3307},{"title":"سورة ن","level":1,"page":3319},{"title":"سورة الحاقة","level":1,"page":3345},{"title":"سورة المعارج","level":1,"page":3362},{"title":"سورة نوح","level":1,"page":3377},{"title":"سورة الجن","level":1,"page":3393},{"title":"سورة المزمل","level":1,"page":3409},{"title":"سورة المدثر","level":1,"page":3424},{"title":"سورة القيامة","level":1,"page":3444},{"title":"سورة الإنسان","level":1,"page":3459},{"title":"سورة المرسلات","level":1,"page":3477},{"title":"سورة عم يتساءلون","level":1,"page":3489},{"title":"سورة النازعات","level":1,"page":3501},{"title":"سورة عبس","level":1,"page":3517},{"title":"سورة التكوير","level":1,"page":3528},{"title":"سورة الانفطار","level":1,"page":3540},{"title":"سورة المطففين","level":1,"page":3546},{"title":"سورة الانشقاق","level":1,"page":3558},{"title":"سورة البروج","level":1,"page":3564},{"title":"سورة الطارق","level":1,"page":3571},{"title":"سورة الأعلى","level":1,"page":3577},{"title":"سورة الغاشية","level":1,"page":3583},{"title":"سورة الفجر","level":1,"page":3590},{"title":"سورة البلد","level":1,"page":3600},{"title":"سورة الشمس","level":1,"page":3606},{"title":"سورة والليل","level":1,"page":3611},{"title":"سورة والضحى","level":1,"page":3617},{"title":"سورة الشرح","level":1,"page":3623},{"title":"سورة والتين","level":1,"page":3628},{"title":"سورة العلق","level":1,"page":3633},{"title":"سورة القدر","level":1,"page":3639},{"title":"سورة لم يكن","level":1,"page":3643},{"title":"سورة الزلزال","level":1,"page":3648},{"title":"سورة العاديات","level":1,"page":3652},{"title":"سورة القارعة","level":1,"page":3658},{"title":"سورة التكاثر","level":1,"page":3662},{"title":"سورة العصر","level":1,"page":3665},{"title":"سورة الهمزة","level":1,"page":3668},{"title":"سورة الفيل","level":1,"page":3672},{"title":"سورة قريش","level":1,"page":3678},{"title":"سورة الماعون","level":1,"page":3682},{"title":"سورة الكوثر","level":1,"page":3686},{"title":"سورة الكافرون","level":1,"page":3690},{"title":"سورة النصر","level":1,"page":3693},{"title":"سورة تبت","level":1,"page":3697},{"title":"سورة الإخلاص","level":1,"page":3703},{"title":"سورة الفلق","level":1,"page":3708},{"title":"سورة الناس","level":1,"page":3713},{"title":"خاتمة التحقيق","level":1,"page":3717},{"title":"المائدة - الإسراء (عبد الله المنصور)","level":2,"page":3717},{"title":"الكهف - الصافات (إبراهيم دومري)","level":2,"page":3718},{"title":"ص - الناس (إبراهيم الحكمي)","level":2,"page":3719},{"title":"مصادر ومراجع التحقيق","level":1,"page":3720},{"title":"المائدة - الإسراء (عبد الله المنصور)","level":2,"page":3720},{"title":"الرسائل الجامعية","level":3,"page":3720},{"title":"المخطوطات","level":3,"page":3720},{"title":"الكتب","level":3,"page":3720},{"title":"الكهف - الصافات (إبراهيم دومري)","level":2,"page":3734},{"title":"ص - الناس (إبراهيم الحكمي)","level":2,"page":3757}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,5":5,"1,6":6,"1,7":7,"1,8":8,"1,9":9,"1,10":10,"1,11":11,"1,12":12,"1,13":13,"1,14":14,"1,15":15,"1,16":16,"1,17":17,"1,18":18,"1,19":19,"1,20":20,"1,21":21,"1,22":22,"1,23":23,"1,24":24,"1,25":25,"1,26":26,"1,27":27,"1,28":28,"1,29":29,"1,30":30,"1,31":31,"1,32":32,"1,33":33,"1,34":34,"1,35":35,"1,36":36,"1,37":37,"1,38":38,"1,39":39,"1,40":40,"1,41":41,"1,42":42,"1,43":43,"1,44":44,"1,45":45,"1,46":46,"1,47":47,"1,48":48,"1,49":49,"1,50":50,"1,51":51,"1,52":52,"1,53":53,"1,54":54,"1,55":55,"1,56":56,"1,57":57,"1,58":58,"1,59":59,"1,60":60,"1,61":61,"1,62":62,"1,63":63,"1,64":64,"1,65":65,"1,66":66,"1,67":67,"1,68":68,"1,69":69,"1,70":70,"1,71":71,"1,72":72,"1,73":73,"1,74":74,"1,75":75,"1,76":76,"1,77":77,"1,78":78,"1,79":79,"1,80":80,"1,81":81,"1,82":82,"1,83":83,"1,84":84,"1,85":85,"1,86":86,"1,87":87,"1,88":88,"1,89":89,"1,90":90,"1,91":91,"1,92":92,"1,93":93,"1,94":94,"1,95":95,"1,96":96,"1,97":97,"1,98":98,"1,99":99,"1,100":100,"1,101":101,"1,102":102,"1,103":103,"1,104":104,"1,105":105,"1,106":106,"1,107":107,"1,108":108,"1,109":109,"1,110":110,"1,111":111,"1,112":112,"1,113":113,"1,114":114,"1,115":115,"1,116":116,"1,117":117,"1,118":118,"1,119":119,"1,120":120,"1,121":121,"1,122":122,"1,123":123,"1,124":124,"1,125":125,"1,126":126,"1,127":127,"1,128":128,"1,129":129,"1,130":130,"1,131":131,"1,132":132,"1,133":133,"1,134":134,"1,135":135,"1,136":136,"1,137":137,"1,138":138,"1,139":139,"1,140":140,"1,141":141,"1,142":142,"1,143":143,"1,144":144,"1,145":145,"1,146":146,"1,147":147,"1,148":148,"1,149":149,"1,150":150,"1,151":151,"1,152":152,"1,153":153,"1,154":154,"1,155":155,"1,156":156,"1,157":157,"1,158":158,"1,159":159,"1,160":160,"1,161":161,"1,162":162,"1,163":163,"1,164":164,"1,165":165,"1,166":166,"1,167":167,"1,168":168,"1,169":169,"1,170":170,"1,171":171,"1,172":172,"1,173":173,"1,174":174,"1,175":175,"1,176":176,"1,177":177,"1,178":178,"1,179":179,"1,180":180,"1,181":181,"1,182":182,"1,183":183,"1,184":184,"1,185":185,"1,186":186,"1,187":187,"1,188":188,"1,189":189,"1,190":190,"1,191":191,"1,192":192,"1,193":193,"1,194":194,"1,195":195,"1,196":196,"1,197":197,"1,198":198,"1,199":199,"1,200":200,"1,201":201,"1,202":202,"1,203":203,"1,204":204,"1,205":205,"1,206":206,"1,207":207,"1,208":208,"1,209":209,"1,210":210,"1,211":211,"1,212":212,"1,213":213,"1,214":214,"1,215":215,"1,216":216,"1,217":217,"1,218":218,"1,219":219,"1,220":220,"1,221":221,"1,222":222,"1,223":223,"1,224":224,"1,225":225,"1,226":226,"1,227":227,"1,228":228,"1,229":229,"1,230":230,"1,231":231,"1,232":232,"1,233":233,"1,234":234,"1,235":235,"1,236":236,"1,237":237,"1,238":238,"1,239":239,"1,240":240,"1,241":241,"1,242":242,"1,243":243,"1,244":244,"1,245":245,"1,246":246,"1,247":247,"1,248":248,"1,249":249,"1,250":250,"1,251":251,"1,252":252,"1,253":253,"1,254":254,"1,255":255,"1,256":256,"1,257":257,"1,258":258,"1,259":259,"1,260":260,"1,261":261,"1,262":262,"1,263":263,"1,264":264,"1,265":265,"1,266":266,"1,267":267,"1,268":268,"1,269":269,"1,270":270,"1,271":271,"1,272":272,"1,273":273,"1,274":274,"1,275":275,"1,276":276,"1,277":277,"1,278":278,"1,279":279,"1,280":280,"1,281":281,"1,282":282,"1,283":283,"1,284":284,"1,285":285,"1,286":286,"1,287":287,"1,288":288,"1,289":289,"1,290":290,"1,291":291,"1,292":292,"1,293":293,"1,294":294,"1,295":295,"1,296":296,"1,297":297,"1,298":298,"1,299":299,"1,300":300,"1,301":301,"1,302":302,"1,303":303,"1,304":304,"1,305":305,"1,306":306,"1,307":307,"1,308":308,"1,309":309,"1,310":310,"1,311":311,"1,312":312,"1,313":313,"1,314":314,"1,315":315,"1,316":316,"1,317":317,"1,318":318,"1,319":319,"1,320":320,"1,321":321,"1,322":322,"1,323":323,"1,324":324,"1,325":325,"1,326":326,"1,327":327,"1,328":328,"1,329":329,"1,330":330,"1,331":331,"1,332":332,"1,333":333,"1,334":334,"1,335":335,"1,336":336,"1,337":337,"1,338":338,"1,339":339,"1,340":340,"1,341":341,"1,342":342,"1,343":343,"1,344":344,"1,345":345,"1,346":346,"1,347":347,"1,348":348,"1,349":349,"1,350":350,"1,351":351,"1,352":352,"1,353":353,"1,354":354,"1,355":355,"1,356":356,"1,357":357,"1,358":358,"1,359":359,"1,360":360,"1,361":361,"1,362":362,"1,363":363,"1,364":364,"1,365":365,"1,366":366,"1,367":367,"1,368":368,"1,369":369,"1,370":370,"1,371":371,"1,372":372,"1,373":373,"1,374":374,"1,375":375,"1,376":376,"1,377":377,"1,378":378,"1,379":379,"1,380":380,"1,381":381,"1,382":382,"1,383":383,"1,384":384,"1,385":385,"1,386":386,"1,387":387,"1,388":388,"1,389":389,"1,390":390,"1,391":391,"1,392":392,"1,393":393,"1,394":394,"1,395":395,"1,396":396,"1,397":397,"1,398":398,"1,399":399,"1,400":400,"1,401":401,"1,402":402,"1,403":403,"1,404":404,"1,405":405,"1,406":406,"1,407":407,"1,408":408,"1,409":409,"1,410":410,"1,411":411,"1,412":412,"1,413":413,"1,414":414,"1,415":415,"1,416":416,"1,417":417,"1,418":418,"1,419":419,"1,420":420,"1,421":421,"1,422":422,"1,423":423,"1,424":424,"1,425":425,"1,426":426,"1,427":427,"1,428":428,"1,429":429,"1,430":430,"1,431":431,"1,432":432,"1,433":433,"1,434":434,"1,435":435,"1,436":436,"1,437":437,"1,438":438,"1,439":439,"1,440":440,"1,441":441,"1,442":442,"1,443":443,"1,444":444,"1,445":445,"1,446":446,"1,447":447,"1,448":448,"1,449":449,"1,450":450,"1,451":451,"1,452":452,"1,453":453,"1,454":454,"1,455":455,"1,456":456,"1,457":457,"1,458":458,"1,459":459,"1,460":460,"1,461":461,"1,462":462,"1,463":463,"1,464":464,"1,465":465,"1,466":466,"1,467":467,"1,468":468,"1,469":469,"1,470":470,"1,471":471,"1,472":472,"1,473":473,"1,474":474,"1,475":475,"1,476":476,"1,477":477,"1,478":478,"1,479":479,"1,480":480,"1,481":481,"1,482":482,"1,483":483,"1,484":484,"1,485":485,"1,486":486,"1,487":487,"1,488":488,"1,489":489,"1,490":490,"1,491":491,"1,492":492,"1,493":493,"1,494":494,"1,495":495,"1,496":496,"1,497":497,"1,498":498,"1,499":499,"1,500":500,"1,501":501,"1,502":502,"1,503":503,"1,504":504,"1,505":505,"1,506":506,"1,507":507,"1,508":508,"1,509":509,"1,510":510,"1,511":511,"1,512":512,"1,513":513,"1,514":514,"1,515":515,"1,516":516,"1,517":517,"1,518":518,"1,519":519,"1,520":520,"1,521":521,"1,522":522,"1,523":523,"1,524":524,"1,525":525,"1,526":526,"1,527":527,"1,528":528,"1,529":529,"1,530":530,"1,531":531,"1,532":532,"1,533":533,"1,534":534,"1,535":535,"1,536":536,"1,537":537,"1,538":538,"1,539":539,"1,540":540,"1,541":541,"1,542":542,"1,543":543,"1,544":544,"1,545":545,"1,546":546,"1,547":547,"1,548":548,"1,549":549,"1,550":550,"1,551":551,"1,552":552,"1,553":553,"1,554":554,"1,555":555,"1,556":556,"1,557":557,"1,558":558,"1,559":559,"1,560":560,"1,561":561,"1,562":562,"1,563":563,"1,564":564,"1,565":565,"1,566":566,"1,567":567,"1,568":568,"1,569":569,"1,570":570,"1,571":571,"1,572":572,"1,573":573,"1,574":574,"1,575":575,"1,576":576,"1,577":577,"1,578":578,"1,579":579,"1,580":580,"1,581":581,"1,582":582,"1,583":583,"1,584":584,"1,585":585,"1,586":586,"1,587":587,"1,588":588,"1,589":589,"1,590":590,"1,591":591,"1,592":592,"1,593":593,"1,594":594,"1,595":595,"1,596":596,"1,597":597,"1,598":598,"1,599":599,"1,600":600,"1,601":601,"1,602":602,"1,603":603,"1,604":604,"1,605":605,"1,606":606,"1,607":607,"1,608":608,"1,609":609,"1,610":610,"1,611":611,"1,612":612,"1,613":613,"1,614":614,"1,615":615,"1,616":616,"1,617":617,"1,618":618,"1,619":619,"1,620":620,"1,621":621,"1,622":622,"1,623":623,"1,624":624,"1,625":625,"1,626":626,"1,627":627,"1,628":628,"1,629":629,"1,630":630,"1,631":631,"1,632":632,"1,633":633,"1,634":634,"1,635":635,"1,636":636,"1,637":637,"1,638":638,"1,639":639,"1,640":640,"1,641":641,"1,642":642,"1,643":643,"1,644":644,"1,645":645,"1,646":646,"1,647":647,"1,648":648,"1,649":649,"1,650":650,"1,651":651,"1,652":652,"1,653":653,"1,654":654,"1,655":655,"1,656":656,"1,657":657,"1,658":658,"1,659":659,"1,660":660,"1,661":661,"1,662":662,"1,663":663,"1,664":664,"1,665":665,"1,666":666,"1,667":667,"1,668":668,"1,669":669,"1,670":670,"1,671":671,"1,672":672,"1,673":673,"1,674":674,"1,675":675,"1,676":676,"1,677":677,"1,678":678,"1,679":679,"1,680":680,"1,681":681,"1,682":682,"1,683":683,"1,684":684,"1,685":685,"1,686":686,"1,687":687,"1,688":688,"1,689":689,"1,690":690,"1,691":691,"1,692":692,"1,693":693,"1,694":694,"1,695":695,"1,696":696,"1,697":697,"1,698":698,"1,699":699,"1,700":700,"1,701":701,"1,702":702,"1,703":703,"1,704":704,"1,705":705,"1,706":706,"1,707":707,"1,708":708,"1,709":709,"1,710":710,"1,711":711,"1,712":712,"1,713":713,"1,714":714,"1,715":715,"1,716":716,"1,717":717,"1,718":718,"1,719":719,"1,720":720,"1,721":721,"1,722":722,"1,723":723,"1,724":724,"1,725":725,"1,726":726,"1,727":727,"1,728":728,"1,729":729,"1,730":730,"1,731":731,"1,732":732,"1,733":733,"1,734":734,"1,735":735,"1,736":736,"1,737":737,"1,738":738,"1,739":739,"1,740":740,"1,741":741,"1,742":742,"1,743":743,"1,744":744,"1,745":745,"1,746":746,"1,747":747,"1,748":748,"1,749":749,"1,750":750,"1,751":751,"1,752":752,"1,753":753,"1,754":754,"1,755":755,"1,756":756,"1,757":757,"1,758":758,"1,759":759,"1,760":760,"1,761":761,"1,762":762,"1,763":763,"1,764":764,"1,765":765,"1,766":766,"1,767":767,"1,768":768,"1,769":769,"1,770":770,"1,771":771,"1,772":772,"1,773":773,"1,774":774,"1,775":775,"1,776":776,"1,777":777,"1,778":778,"1,779":779,"1,780":780,"1,781":781,"1,782":782,"1,783":783,"1,784":784,"1,785":785,"1,786":786,"1,787":787,"1,788":788,"1,789":789,"1,790":790,"1,791":791,"1,792":792,"1,793":793,"1,794":794,"1,795":795,"1,796":796,"1,797":797,"1,798":798,"1,799":799,"1,800":800,"1,801":801,"1,802":802,"1,803":803,"1,804":804,"1,805":805,"1,806":806,"1,807":807,"1,808":808,"1,809":809,"1,810":810,"1,811":811,"1,812":812,"1,813":813,"1,814":814,"1,815":815,"1,816":816,"1,817":817,"1,818":818,"1,819":819,"1,820":820,"1,821":821,"1,822":822,"1,823":823,"1,824":824,"1,825":825,"1,826":826,"1,827":827,"1,828":828,"1,829":829,"1,830":830,"1,831":831,"1,832":832,"1,833":833,"1,834":834,"1,835":835,"1,836":836,"1,837":837,"1,838":838,"1,839":839,"1,840":840,"1,841":841,"1,842":842,"1,843":843,"1,844":844,"1,845":845,"1,846":846,"1,847":847,"1,848":848,"1,849":849,"1,850":850,"1,851":851,"1,852":852,"1,853":853,"1,854":854,"1,855":855,"1,856":856,"1,857":857,"1,858":858,"1,859":859,"1,860":860,"1,861":861,"1,862":862,"1,863":863,"1,864":864,"1,865":865,"1,866":866,"1,867":867,"1,868":868,"1,869":869,"1,870":870,"1,871":871,"1,872":872,"1,873":873,"1,874":874,"1,875":875,"1,876":876,"1,877":877,"1,878":878,"1,879":879,"1,880":880,"1,881":881,"1,882":882,"1,883":883,"1,884":884,"1,885":885,"1,886":886,"1,887":887,"1,888":888,"1,889":889,"1,890":890,"1,891":891,"1,892":892,"1,893":893,"1,894":894,"1,895":895,"1,896":896,"1,897":897,"1,898":898,"1,899":899,"1,900":900,"1,901":901,"1,902":902,"1,903":903,"1,904":904,"1,905":905,"1,906":906,"1,907":907,"1,908":908,"1,909":909,"1,910":910,"1,911":911,"1,912":912,"1,913":913,"1,914":914,"1,915":915,"1,916":916,"1,917":917,"1,918":918,"1,919":919,"1,920":920,"1,921":921,"1,922":922,"1,923":923,"1,924":924,"1,925":925,"1,926":926,"1,927":927,"1,928":928,"1,929":929,"1,930":930,"1,931":931,"1,932":932,"1,933":933,"1,934":934,"1,935":935,"1,936":936,"1,937":937,"1,938":938,"1,939":939,"1,940":940,"1,941":941,"1,942":942,"1,943":943,"1,944":944,"1,945":945,"1,946":946,"1,947":947,"1,948":948,"1,949":949,"1,950":950,"1,951":951,"1,952":952,"1,953":953,"1,954":954,"1,955":955,"1,956":956,"1,957":957,"1,958":958,"1,959":959,"1,960":960,"1,961":961,"1,962":962,"1,963":963,"1,964":964,"1,965":965,"1,966":966,"1,967":967,"1,968":968,"1,969":969,"1,970":970,"1,971":971,"1,972":972,"1,973":973,"1,974":974,"1,975":975,"1,976":976,"1,977":977,"1,978":978,"1,979":979,"1,980":980,"1,981":981,"1,982":982,"1,983":983,"1,984":984,"1,985":985,"1,986":986,"1,987":987,"1,988":988,"1,989":989,"1,990":990,"1,991":991,"1,992":992,"1,993":993,"1,994":994,"1,995":995,"1,996":996,"1,997":997,"1,998":998,"1,999":999,"1,1000":1000,"1,1001":1001,"1,1002":1002,"1,1003":1003,"1,1004":1004,"1,1005":1005,"1,1006":1006,"1,1007":1007,"1,1008":1008,"1,1009":1009,"1,1010":1010,"1,1011":1011,"1,1012":1012,"1,1013":1013,"1,1014":1014,"1,1015":1015,"1,1016":1016,"1,1017":1017,"1,1018":1018,"1,1019":1019,"1,1020":1020,"1,1021":1021,"1,1022":1022,"1,1023":1023,"1,1024":1024,"1,1025":1025,"1,1026":1026,"1,1027":1027,"1,1028":1028,"1,1029":1029,"1,1030":1030,"1,1031":1031,"1,1032":1032,"1,1033":1033,"1,1034":1034,"1,1035":1035,"1,1036":1036,"1,1037":1037,"1,1038":1038,"1,1039":1039,"1,1040":1040,"1,1041":1041,"1,1042":1042,"1,1043":1043,"1,1044":1044,"1,1045":1045,"1,1046":1046,"1,1047":1047,"1,1048":1048,"1,1049":1049,"1,1050":1050,"1,1051":1051,"1,1052":1052,"1,1053":1053,"1,1054":1054,"1,1055":1055,"1,1056":1056,"1,1057":1057,"1,1058":1058,"1,1059":1059,"1,1060":1060,"1,1061":1061,"1,1062":1062,"1,1063":1063,"1,1064":1064,"1,1065":1065,"1,1066":1066,"1,1067":1067,"1,1068":1068,"1,1069":1069,"1,1070":1070,"1,1071":1071,"1,1072":1072,"1,1073":1073,"1,1074":1074,"1,1075":1075,"1,1076":1076,"1,1077":1077,"1,1078":1078,"1,1079":1079,"1,1080":1080,"1,1081":1081,"1,1082":1082,"1,1083":1083,"1,1084":1084,"1,1085":1085,"1,1086":1086,"1,1087":1087,"1,1088":1088,"1,1089":1089,"1,1090":1090,"1,1091":1091,"1,1092":1092,"1,1093":1093,"1,1094":1094,"1,1095":1095,"1,1096":1096,"1,1097":1097,"1,1098":1098,"1,1099":1099,"1,1100":1100,"1,1101":1101,"1,1102":1102,"1,1103":1103,"1,1104":1104,"1,1105":1105,"1,1106":1106,"1,1107":1107,"1,1108":1108,"1,1109":1109,"1,1110":1110,"1,1111":1111,"1,1112":1112,"1,1113":1113,"1,1114":1114,"1,1115":1115,"1,1116":1116,"1,1117":1117,"1,1118":1118,"1,1119":1119,"1,1120":1120,"1,1121":1121,"1,1122":1122,"1,1123":1123,"1,1124":1124,"1,1125":1125,"1,1126":1126,"1,1127":1127,"1,1128":1128,"1,1129":1129,"1,1130":1130,"1,1131":1131,"1,1132":1132,"1,1133":1133,"1,1134":1134,"1,1135":1135,"1,1136":1136,"1,1137":1137,"1,1138":1138,"1,1139":1139,"1,1140":1140,"1,1141":1141,"1,1142":1142,"1,1143":1143,"1,1144":1144,"1,1145":1145,"1,1146":1146,"1,1147":1147,"1,1148":1148,"1,1149":1149,"1,1150":1150,"1,1151":1151,"1,1152":1152,"1,1153":1153,"1,1154":1154,"1,1155":1155,"1,1156":1156,"1,1157":1157,"1,1158":1158,"1,1159":1159,"1,1160":1160,"1,1161":1161,"1,1162":1162,"1,1163":1163,"1,1164":1164,"1,1165":1165,"1,1166":1166,"1,1167":1167,"1,1168":1168,"1,1169":1169,"1,1170":1170,"1,1171":1171,"1,1172":1172,"1,1173":1173,"1,1174":1174,"1,1175":1175,"1,1176":1176,"1,1177":1177,"1,1178":1178,"1,1179":1179,"1,1180":1180,"1,1181":1181,"1,1182":1182,"1,1183":1183,"1,1184":1184,"1,1185":1185,"1,1186":1186,"1,1187":1187,"1,1188":1188,"1,1189":1189,"1,1190":1190,"1,1191":1191,"1,1192":1192,"1,1193":1193,"1,1194":1194,"1,1195":1195,"1,1196":1196,"1,1197":1197,"1,1198":1198,"1,1199":1199,"1,1200":1200,"1,1201":1201,"1,1202":1202,"1,1203":1203,"1,1204":1204,"1,1205":1205,"1,1206":1206,"1,1207":1207,"1,1208":1208,"1,1209":1209,"1,1210":1210,"1,1211":1211,"1,1212":1212,"1,1213":1213,"1,1214":1214,"1,1215":1215,"1,1216":1216,"1,1217":1217,"1,1218":1218,"1,1219":1219,"1,1220":1220,"1,1221":1221,"1,1222":1222,"1,1223":1223,"1,1224":1224,"1,1225":1225,"1,1226":1226,"1,1227":1227,"1,1228":1228,"1,1229":1229,"1,1230":1230,"1,1231":1231,"1,1232":1232,"1,1233":1233,"1,1234":1234,"1,1235":1235,"1,1236":1236,"1,1237":1237,"1,1238":1238,"1,1239":1239,"1,1240":1240,"1,1241":1241,"1,1242":1242,"1,1243":1243,"1,1244":1244,"1,1245":1245,"1,1246":1246,"1,1247":1247,"1,1248":1248,"1,1249":1249,"1,1250":1250,"1,1251":1251,"1,1252":1252,"1,1253":1253,"1,1254":1254,"1,1255":1255,"1,1256":1256,"1,1257":1257,"1,1258":1258,"1,1259":1259,"1,1260":1260,"1,1261":1261,"1,1262":1262,"1,1263":1263,"1,1264":1264,"1,1265":1265,"1,1266":1266,"1,1267":1267,"1,1268":1268,"1,1269":1269,"1,1270":1270,"1,1271":1271,"1,1272":1272,"1,1273":1273,"1,1274":1274,"1,1275":1275,"1,1276":1276,"1,1277":1277,"1,1278":1278,"1,1279":1279,"1,1280":1280,"1,1281":1281,"1,1282":1282,"1,1283":1283,"1,1284":1284,"1,1285":1285,"1,1286":1286,"1,1287":1287,"1,1288":1288,"1,1289":1289,"1,1290":1290,"1,1291":1291,"1,1292":1292,"1,1293":1293,"1,1294":1294,"1,1295":1295,"1,1296":1296,"1,1297":1297,"1,1298":1298,"1,1299":1299,"1,1300":1300,"1,1301":1301,"1,1302":1302,"1,1303":1303,"1,1304":1304,"1,1305":1305,"1,1306":1306,"1,1307":1307,"1,1308":1308,"1,1309":1309,"1,1310":1310,"1,1311":1311,"1,1312":1312,"1,1313":1313,"1,1314":1314,"1,1315":1315,"1,1316":1316,"1,1317":1317,"1,1318":1318,"1,1319":1319,"1,1320":1320,"1,1321":1321,"1,1322":1322,"1,1323":1323,"1,1324":1324,"1,1325":1325,"1,1326":1326,"1,1327":1327,"1,1328":1328,"1,1329":1329,"1,1330":1330,"1,1331":1331,"1,1332":1332,"1,1333":1333,"1,1334":1334,"1,1335":1335,"1,1336":1336,"1,1337":1337,"1,1338":1338,"1,1339":1339,"1,1340":1340,"1,1341":1341,"1,1342":1342,"1,1343":1343,"1,1344":1344,"1,1345":1345,"1,1346":1346,"1,1347":1347,"1,1348":1348,"1,1349":1349,"1,1350":1350,"1,1351":1351,"1,1352":1352,"1,1353":1353,"1,1354":1354,"1,1355":1355,"1,1356":1356,"1,1357":1357,"1,1358":1358,"1,1359":1359,"1,1360":1360,"1,1361":1361,"1,1362":1362,"1,1363":1363,"1,1364":1364,"1,1365":1365,"1,1366":1366,"1,1367":1367,"1,1368":1368,"1,1369":1369,"1,1370":1370,"1,1371":1371,"1,1372":1372,"1,1373":1373,"1,1374":1374,"1,1375":1375,"1,1376":1376,"1,1377":1377,"1,1378":1378,"1,1379":1379,"1,1380":1380,"1,1381":1381,"1,1382":1382,"1,1383":1383,"1,1384":1384,"1,1385":1385,"1,1386":1386,"1,1387":1387,"1,1388":1388,"1,1389":1389,"1,1390":1390,"1,1391":1391,"1,1392":1392,"1,1393":1393,"1,1394":1394,"1,1395":1395,"1,1396":1396,"1,1397":1397,"1,1398":1398,"1,1399":1399,"1,1400":1400,"1,1401":1401,"1,1402":1402,"1,1403":1403,"1,1404":1404,"1,1405":1405,"1,1406":1406,"1,1407":1407,"1,1408":1408,"1,1409":1409,"1,1410":1410,"1,1411":1411,"1,1412":1412,"1,1413":1413,"1,1414":1414,"1,1415":1415,"1,1416":1416,"1,1417":1417,"1,1418":1418,"1,1419":1419,"1,1420":1420,"1,1421":1421,"1,1422":1422,"1,1423":1423,"1,1424":1424,"1,1425":1425,"1,1426":1426,"1,1427":1427,"1,1428":1428,"1,1429":1429,"1,1430":1430,"1,1431":1431,"1,1432":1432,"1,1433":1433,"1,1434":1434,"1,1435":1435,"1,1436":1436,"1,1437":1437,"1,1438":1438,"1,1439":1439,"1,1440":1440,"1,1441":1441,"1,1442":1442,"1,1443":1443,"1,1444":1444,"1,1445":1445,"1,1446":1446,"1,1447":1447,"1,1448":1448,"1,1449":1449,"1,1450":1450,"1,1451":1451,"1,1452":1452,"1,1453":1453,"1,1454":1454,"1,1455":1455,"1,1456":1456,"1,1457":1457,"1,1458":1458,"1,1459":1459,"1,1460":1460,"1,1461":1461,"1,1462":1462,"1,1463":1463,"1,1464":1464,"1,1465":1465,"1,1466":1466,"1,1467":1467,"1,1468":1468,"1,1469":1469,"1,1470":1470,"1,1471":1471,"1,1472":1472,"1,1473":1473,"1,1474":1474,"1,1475":1475,"1,1476":1476,"1,1477":1477,"1,1478":1478,"1,1479":1479,"1,1480":1480,"1,1481":1481,"1,1482":1482,"1,1483":1483,"1,1484":1484,"1,1485":1485,"1,1486":1486,"1,1487":1487,"1,1488":1488,"1,1489":1489,"1,1490":1490,"1,1491":1491,"1,1492":1492,"1,1493":1493,"1,1494":1494,"1,1495":1495,"1,1496":1496,"1,1497":1497,"1,1498":1498,"1,1499":1499,"1,1500":1500,"1,1501":1501,"1,1502":1502,"1,1503":1503,"1,1504":1504,"1,1505":1505,"1,1506":1506,"1,1507":1507,"1,1508":1508,"1,1509":1509,"1,1510":1510,"1,1511":1511,"1,1512":1512,"1,1513":1513,"1,1514":1514,"1,1515":1515,"1,1516":1516,"1,1517":1517,"1,1518":1518,"1,1519":1519,"1,1520":1520,"1,1521":1521,"1,1522":1522,"1,1523":1523,"1,1524":1524,"1,1525":1525,"1,1526":1526,"1,1527":1527,"1,1528":1528,"1,1529":1529,"1,1530":1530,"1,1531":1531,"1,1532":1532,"1,1533":1533,"1,1534":1534,"1,1535":1535,"1,1536":1536,"1,1537":1537,"1,1538":1538,"1,1539":1539,"1,1540":1540,"1,1541":1541,"1,1542":1542,"1,1543":1543,"1,1544":1544,"1,1545":1545,"1,1546":1546,"1,1547":1547,"1,1548":1548,"1,1549":1549,"1,1550":1550,"1,1551":1551,"1,1552":1552,"1,1553":1553,"1,1554":1554,"1,1555":1555,"1,1556":1556,"1,1557":1557,"1,1558":1558,"1,1559":1559,"1,1560":1560,"1,1561":1561,"1,1562":1562,"1,1563":1563,"1,1564":1564,"1,1565":1565,"1,1566":1566,"1,1567":1567,"1,1568":1568,"1,1569":1569,"1,1570":1570,"1,1571":1571,"1,1572":1572,"1,1573":1573,"1,1574":1574,"1,1575":1575,"1,1576":1576,"1,1577":1577,"1,1578":1578,"1,1579":1579,"1,1580":1580,"1,1581":1581,"1,1582":1582,"1,1583":1583,"1,1584":1584,"1,1585":1585,"1,1586":1586,"1,1587":1587,"1,1588":1588,"1,1589":1589,"1,1590":1590,"1,1591":1591,"1,1592":1592,"1,1593":1593,"1,1594":1594,"1,1595":1595,"1,1596":1596,"1,1597":1597,"1,1598":1598,"1,1599":1599,"1,1600":1600,"1,1601":1601,"1,1602":1602,"1,1603":1603,"1,1604":1604,"1,1605":1605,"1,1606":1606,"1,1607":1607,"1,1608":1608,"1,1609":1609,"1,1610":1610,"1,1611":1611,"1,1612":1612,"1,1613":1613,"1,1614":1614,"1,1615":1615,"1,1616":1616,"1,1617":1617,"1,1618":1618,"1,1619":1619,"1,1620":1620,"1,1621":1621,"1,1622":1622,"1,1623":1623,"1,1624":1624,"1,1625":1625,"1,1626":1626,"1,1627":1627,"1,1628":1628,"1,1629":1629,"1,1630":1630,"1,1631":1631,"1,1632":1632,"1,1633":1633,"1,1634":1634,"1,1635":1635,"1,1636":1636,"1,1637":1637,"1,1638":1638,"1,1639":1639,"1,1640":1640,"1,1641":1641,"1,1642":1642,"1,1643":1643,"1,1644":1644,"1,1645":1645,"1,1646":1646,"1,1647":1647,"1,1648":1648,"1,1649":1649,"1,1650":1650,"1,1651":1651,"1,1652":1652,"1,1653":1653,"1,1654":1654,"1,1655":1655,"1,1656":1656,"1,1657":1657,"1,1658":1658,"1,1659":1659,"1,1660":1660,"1,1661":1661,"1,1662":1662,"1,1663":1663,"1,1664":1664,"1,1665":1665,"1,1666":1666,"1,1667":1667,"1,1668":1668,"1,1669":1669,"1,1670":1670,"1,1671":1671,"1,1672":1672,"1,1673":1673,"1,1674":1674,"1,1675":1675,"1,1676":1676,"1,1677":1677,"1,1678":1678,"1,1679":1679,"1,1680":1680,"1,1681":1681,"1,1682":1682,"1,1683":1683,"1,1684":1684,"1,1685":1685,"1,1686":1686,"1,1687":1687,"1,1688":1688,"1,1689":1689,"1,1690":1690,"1,1691":1691,"1,1692":1692,"1,1693":1693,"1,1694":1694,"1,1695":1695,"1,1696":1696,"1,1697":1697,"1,1698":1698,"1,1699":1699,"1,1700":1700,"1,1701":1701,"1,1702":1702,"1,1703":1703,"1,1704":1704,"1,1705":1705,"1,1706":1706,"1,1707":1707,"1,1708":1708,"1,1709":1709,"1,1710":1710,"1,1711":1711,"1,1712":1712,"1,1713":1713,"1,1714":1714,"1,1715":1715,"1,1716":1716,"1,1717":1717,"1,1718":1718,"1,1719":1719,"1,1720":1720,"1,1721":1721,"1,1722":1722,"1,1723":1723,"1,1724":1724,"1,1725":1725,"1,1726":1726,"1,1727":1727,"1,1728":1728,"1,1729":1729,"1,1730":1730,"1,1731":1731,"1,1732":1732,"1,1733":1733,"1,1734":1734,"1,1735":1735,"1,1736":1736,"1,1737":1737,"1,1738":1738,"1,1739":1739,"1,1740":1740,"1,1741":1741,"1,1742":1742,"1,1743":1743,"1,1744":1744,"1,1745":1745,"1,1746":1746,"1,1747":1747,"1,1748":1748,"1,1749":1749,"1,1750":1750,"1,1751":1751,"1,1752":1752,"1,1753":1753,"1,1754":1754,"1,1755":1755,"1,1756":1756,"1,1757":1757,"1,1758":1758,"1,1759":1759,"1,1760":1760,"1,1761":1761,"1,1762":1762,"1,1763":1763,"1,1764":1764,"1,1765":1765,"1,1766":1766,"1,1767":1767,"1,1768":1768,"1,1769":1769,"1,1770":1770,"1,1771":1771,"1,1772":1772,"1,1773":1773,"1,1774":1774,"1,1775":1775,"1,1776":1776,"1,1777":1777,"1,1778":1778,"1,1779":1779,"1,1780":1780,"1,1781":1781,"1,1782":1782,"1,1783":1783,"1,1784":1784,"1,1785":1785,"1,1786":1786,"1,1787":1787,"1,1788":1788,"1,1789":1789,"1,1790":1790,"1,1791":1791,"1,1792":1792,"1,1793":1793,"1,1794":1794,"1,1795":1795,"1,1796":1796,"1,1797":1797,"1,1798":1798,"1,1799":1799,"1,1800":1800,"1,1801":1801,"1,1802":1802,"1,1803":1803,"1,1804":1804,"1,1805":1805,"1,1806":1806,"1,1807":1807,"1,1808":1808,"1,1809":1809,"1,1810":1810,"1,1811":1811,"1,1812":1812,"1,1813":1813,"1,1814":1814,"1,1815":1815,"1,1816":1816,"1,1817":1817,"1,1818":1818,"1,1819":1819,"1,1820":1820,"1,1821":1821,"1,1822":1822,"1,1823":1823,"1,1824":1824,"1,1825":1825,"1,1826":1826,"1,1827":1827,"1,1828":1828,"1,1829":1829,"1,1830":1830,"1,1831":1831,"1,1832":1832,"1,1833":1833,"1,1834":1834,"1,1835":1835,"1,1836":1836,"1,1837":1837,"1,1838":1838,"1,1839":1839,"1,1840":1840,"1,1841":1841,"1,1842":1842,"1,1843":1843,"1,1844":1844,"1,1845":1845,"1,1846":1846,"1,1847":1847,"1,1848":1848,"1,1849":1849,"1,1850":1850,"1,1851":1851,"1,1852":1852,"1,1853":1853,"1,1854":1854,"1,1855":1855,"1,1856":1856,"1,1857":1857,"1,1858":1858,"1,1859":1859,"1,1860":1860,"1,1861":1861,"1,1862":1862,"1,1863":1863,"1,1864":1864,"1,1865":1865,"1,1866":1866,"1,1867":1867,"1,1868":1868,"1,1869":1869,"1,1870":1870,"1,1871":1871,"1,1872":1872,"1,1873":1873,"1,1874":1874,"1,1875":1875,"1,1876":1876,"1,1877":1877,"1,1878":1878,"1,1879":1879,"1,1880":1880,"1,1881":1881,"1,1882":1882,"1,1883":1883,"1,1884":1884,"1,1885":1885,"1,1886":1886,"1,1887":1887,"1,1888":1888,"1,1889":1889,"1,1890":1890,"1,1891":1891,"1,1892":1892,"1,1893":1893,"1,1894":1894,"1,1895":1895,"1,1896":1896,"1,1897":1897,"1,1898":1898,"1,1899":1899,"1,1900":1900,"1,1901":1901,"1,1902":1902,"1,1903":1903,"1,1904":1904,"1,1905":1905,"1,1906":1906,"1,1907":1907,"1,1908":1908,"1,1909":1909,"1,1910":1910,"1,1911":1911,"1,1912":1912,"1,1913":1913,"1,1914":1914,"1,1915":1915,"1,1916":1916,"1,1917":1917,"1,1918":1918,"1,1919":1919,"1,1920":1920,"1,1921":1921,"1,1922":1922,"1,1923":1923,"1,1924":1924,"1,1925":1925,"1,1926":1926,"1,1927":1927,"1,1928":1928,"1,1929":1929,"1,1930":1930,"1,1931":1931,"1,1932":1932,"1,1933":1933,"1,1934":1934,"1,1935":1935,"1,1936":1936,"1,1937":1937,"1,1938":1938,"1,1939":1939,"1,1940":1940,"1,1941":1941,"1,1942":1942,"1,1943":1943,"1,1944":1944,"1,1945":1945,"1,1946":1946,"1,1947":1947,"1,1948":1948,"1,1949":1949,"1,1950":1950,"1,1951":1951,"1,1952":1952,"1,1953":1953,"1,1954":1954,"1,1955":1955,"1,1956":1956,"1,1957":1957,"1,1958":1958,"1,1959":1959,"1,1960":1960,"1,1961":1961,"1,1962":1962,"1,1963":1963,"1,1964":1964,"1,1965":1965,"1,1966":1966,"1,1967":1967,"1,1968":1968,"1,1969":1969,"1,1970":1970,"1,1971":1971,"1,1972":1972,"1,1973":1973,"1,1974":1974,"1,1975":1975,"1,1976":1976,"1,1977":1977,"1,1978":1978,"1,1979":1979,"1,1980":1980,"1,1981":1981,"1,1982":1982,"1,1983":1983,"1,1984":1984,"1,1985":1985,"1,1986":1986,"1,1987":1987,"1,1988":1988,"1,1989":1989,"1,1990":1990,"1,1991":1991,"1,1992":1992,"1,1993":1993,"1,1994":1994,"1,1995":1995,"1,1996":1996,"1,1997":1997,"1,1998":1998,"1,1999":1999,"1,2000":2000,"1,2001":2001,"1,2002":2002,"1,2003":2003,"1,2004":2004,"1,2005":2005,"1,2006":2006,"1,2007":2007,"1,2008":2008,"1,2009":2009,"1,2010":2010,"1,2011":2011,"1,2012":2012,"1,2013":2013,"1,2014":2014,"1,2015":2015,"1,2016":2016,"1,2017":2017,"1,2018":2018,"1,2019":2019,"1,2020":2020,"1,2021":2021,"1,2022":2022,"1,2023":2023,"1,2024":2024,"1,2025":2025,"1,2026":2026,"1,2027":2027,"1,2028":2028,"1,2029":2029,"1,2030":2030,"1,2031":2031,"1,2032":2032,"1,2033":2033,"1,2034":2034,"1,2035":2035,"1,2036":2036,"1,2037":2037,"1,2038":2038,"1,2039":2039,"1,2040":2040,"1,2041":2041,"1,2042":2042,"1,2043":2043,"1,2044":2044,"1,2045":2045,"1,2046":2046,"1,2047":2047,"1,2048":2048,"1,2049":2049,"1,2050":2050,"1,2051":2051,"1,2052":2052,"1,2053":2053,"1,2054":2054,"1,2055":2055,"1,2056":2056,"1,2057":2057,"1,2058":2058,"1,2059":2059,"1,2060":2060,"1,2061":2061,"1,2062":2062,"1,2063":2063,"1,2064":2064,"1,2065":2065,"1,2066":2066,"1,2067":2067,"1,2068":2068,"1,2069":2069,"1,2070":2070,"1,2071":2071,"1,2072":2072,"1,2073":2073,"1,2074":2074,"1,2075":2075,"1,2076":2076,"1,2077":2077,"1,2078":2078,"1,2079":2079,"1,2080":2080,"1,2081":2081,"1,2082":2082,"1,2083":2083,"1,2084":2084,"1,2085":2085,"1,2086":2086,"1,2087":2087,"1,2088":2088,"1,2089":2089,"1,2090":2090,"1,2091":2091,"1,2092":2092,"1,2093":2093,"1,2094":2094,"1,2095":2095,"1,2096":2096,"1,2097":2097,"1,2098":2098,"1,2099":2099,"1,2100":2100,"1,2101":2101,"1,2102":2102,"1,2103":2103,"1,2104":2104,"1,2105":2105,"1,2106":2106,"1,2107":2107,"1,2108":2108,"1,2109":2109,"1,2110":2110,"1,2111":2111,"1,2112":2112,"1,2113":2113,"1,2114":2114,"1,2115":2115,"1,2116":2116,"1,2117":2117,"1,2118":2118,"1,2119":2119,"1,2120":2120,"1,2121":2121,"1,2122":2122,"1,2123":2123,"1,2124":2124,"1,2125":2125,"1,2126":2126,"1,2127":2127,"1,2128":2128,"1,2129":2129,"1,2130":2130,"1,2131":2131,"1,2132":2132,"1,2133":2133,"1,2134":2134,"1,2135":2135,"1,2136":2136,"1,2137":2137,"1,2138":2138,"1,2139":2139,"1,2140":2140,"1,2141":2141,"1,2142":2142,"1,2143":2143,"1,2144":2144,"1,2145":2145,"1,2146":2146,"1,2147":2147,"1,2148":2148,"1,2149":2149,"1,2150":2150,"1,2151":2151,"1,2152":2152,"1,2153":2153,"1,2154":2154,"1,2155":2155,"1,2156":2156,"1,2157":2157,"1,2158":2158,"1,2159":2159,"1,2160":2160,"1,2161":2161,"1,2162":2162,"1,2163":2163,"1,2164":2164,"1,2165":2165,"1,2166":2166,"1,2167":2167,"1,2168":2168,"1,2169":2169,"1,2170":2170,"1,2171":2171,"1,2172":2172,"1,2173":2173,"1,2174":2174,"1,2175":2175,"1,2176":2176,"1,2177":2177,"1,2178":2178,"1,2179":2179,"1,2180":2180,"1,2181":2181,"1,2182":2182,"1,2183":2183,"1,2184":2184,"1,2185":2185,"1,2186":2186,"1,2187":2187,"1,2188":2188,"1,2189":2189,"1,2190":2190,"1,2191":2191,"1,2192":2192,"1,2193":2193,"1,2194":2194,"1,2195":2195,"1,2196":2196,"1,2197":2197,"1,2198":2198,"1,2199":2199,"1,2200":2200,"1,2201":2201,"1,2202":2202,"1,2203":2203,"1,2204":2204,"1,2205":2205,"1,2206":2206,"1,2207":2207,"1,2208":2208,"1,2209":2209,"1,2210":2210,"1,2211":2211,"1,2212":2212,"1,2213":2213,"1,2214":2214,"1,2215":2215,"1,2216":2216,"1,2217":2217,"1,2218":2218,"1,2219":2219,"1,2220":2220,"1,2221":2221,"1,2222":2222,"1,2223":2223,"1,2224":2224,"1,2225":2225,"1,2226":2226,"1,2227":2227,"1,2228":2228,"1,2229":2229,"1,2230":2230,"1,2231":2231,"1,2232":2232,"1,2233":2233,"1,2234":2234,"1,2235":2235,"1,2236":2236,"1,2237":2237,"1,2238":2238,"1,2239":2239,"1,2240":2240,"1,2241":2241,"1,2242":2242,"1,2243":2243,"1,2244":2244,"1,2245":2245,"1,2246":2246,"1,2247":2247,"1,2248":2248,"1,2249":2249,"1,2250":2250,"1,2251":2251,"1,2252":2252,"1,2253":2253,"1,2254":2254,"1,2255":2255,"1,2256":2256,"1,2257":2257,"1,2258":2258,"1,2259":2259,"1,2260":2260,"1,2261":2261,"1,2262":2262,"1,2263":2263,"1,2264":2264,"1,2265":2265,"1,2266":2266,"1,2267":2267,"1,2268":2268,"1,2269":2269,"1,2270":2270,"1,2271":2271,"1,2272":2272,"1,2273":2273,"1,2274":2274,"1,2275":2275,"1,2276":2276,"1,2277":2277,"1,2278":2278,"1,2279":2279,"1,2280":2280,"1,2281":2281,"1,2282":2282,"1,2283":2283,"1,2284":2284,"1,2285":2285,"1,2286":2286,"1,2287":2287,"1,2288":2288,"1,2289":2289,"1,2290":2290,"1,2291":2291,"1,2292":2292,"1,2293":2293,"1,2294":2294,"1,2295":2295,"1,2296":2296,"1,2297":2297,"1,2298":2298,"1,2299":2299,"1,2300":2300,"1,2301":2301,"1,2302":2302,"1,2303":2303,"1,2304":2304,"1,2305":2305,"1,2306":2306,"1,2307":2307,"1,2308":2308,"1,2309":2309,"1,2310":2310,"1,2311":2311,"1,2312":2312,"1,2313":2313,"1,2314":2314,"1,2315":2315,"1,2316":2316,"1,2317":2317,"1,2318":2318,"1,2319":2319,"1,2320":2320,"1,2321":2321,"1,2322":2322,"1,2323":2323,"1,2324":2324,"1,2325":2325,"1,2326":2326,"1,2327":2327,"1,2328":2328,"1,2329":2329,"1,2330":2330,"1,2331":2331,"1,2332":2332,"1,2333":2333,"1,2334":2334,"1,2335":2335,"1,2336":2336,"1,2337":2337,"1,2338":2338,"1,2339":2339,"1,2340":2340,"1,2341":2341,"1,2342":2342,"1,2343":2343,"1,2344":2344,"1,2345":2345,"1,2346":2346,"1,2347":2347,"1,2348":2348,"1,2349":2349,"1,2350":2350,"1,2351":2351,"1,2352":2352,"1,2353":2353,"1,2354":2354,"1,2355":2355,"1,2356":2356,"1,2357":2357,"1,2358":2358,"1,2359":2359,"1,2360":2360,"1,2361":2361,"1,2362":2362,"1,2363":2363,"1,2364":2364,"1,2365":2365,"1,2366":2366,"1,2367":2367,"1,2368":2368,"1,2369":2369,"1,2370":2370,"1,2371":2371,"1,2372":2372,"1,2373":2373,"1,2374":2374,"1,2375":2375,"1,2376":2376,"1,2377":2377,"1,2378":2378,"1,2379":2379,"1,2380":2380,"1,2381":2381,"1,2382":2382,"1,2383":2383,"1,2384":2384,"1,2385":2385,"1,2386":2386,"1,2387":2387,"1,2388":2388,"1,2389":2389,"1,2390":2390,"1,2391":2391,"1,2392":2392,"1,2393":2393,"1,2394":2394,"1,2395":2395,"1,2396":2396,"1,2397":2397,"1,2398":2398,"1,2399":2399,"1,2400":2400,"1,2401":2401,"1,2402":2402,"1,2403":2403,"1,2404":2404,"1,2405":2405,"1,2406":2406,"1,2407":2407,"1,2408":2408,"1,2409":2409,"1,2410":2410,"1,2411":2411,"1,2412":2412,"1,2413":2413,"1,2414":2414,"1,2415":2415,"1,2416":2416,"1,2417":2417,"1,2418":2418,"1,2419":2419,"1,2420":2420,"1,2421":2421,"1,2422":2422,"1,2423":2423,"1,2424":2424,"1,2425":2425,"1,2426":2426,"1,2427":2427,"1,2428":2428,"1,2429":2429,"1,2430":2430,"1,2431":2431,"1,2432":2432,"1,2433":2433,"1,2434":2434,"1,2435":2435,"1,2436":2436,"1,2437":2437,"1,2438":2438,"1,2439":2439,"1,2440":2440,"1,2441":2441,"1,2442":2442,"1,2443":2443,"1,2444":2444,"1,2445":2445,"1,2446":2446,"1,2447":2447,"1,2448":2448,"1,2449":2449,"1,2450":2450,"1,2451":2451,"1,2452":2452,"1,2453":2453,"1,2454":2454,"1,2455":2455,"1,2456":2456,"1,2457":2457,"1,2458":2458,"1,2459":2459,"1,2460":2460,"1,2461":2461,"1,2462":2462,"1,2463":2463,"1,2464":2464,"1,2465":2465,"1,2466":2466,"1,2467":2467,"1,2468":2468,"1,2469":2469,"1,2470":2470,"1,2471":2471,"1,2472":2472,"1,2473":2473,"1,2474":2474,"1,2475":2475,"1,2476":2476,"1,2477":2477,"1,2478":2478,"1,2479":2479,"1,2480":2480,"1,2481":2481,"1,2482":2482,"1,2483":2483,"1,2484":2484,"1,2485":2485,"1,2486":2486,"1,2487":2487,"1,2488":2488,"1,2489":2489,"1,2490":2490,"1,2491":2491,"1,2492":2492,"1,2493":2493,"1,2494":2494,"1,2495":2495,"1,2496":2496,"1,2497":2497,"1,2498":2498,"1,2499":2499,"1,2500":2500,"1,2501":2501,"1,2502":2502,"1,2503":2503,"1,2504":2504,"1,2505":2505,"1,2506":2506,"1,2507":2507,"1,2508":2508,"1,2509":2509,"1,2510":2510,"1,2511":2511,"1,2512":2512,"1,2513":2513,"1,2514":2514,"1,2515":2515,"1,2516":2516,"1,2517":2517,"1,2518":2518,"1,2519":2519,"1,2520":2520,"1,2521":2521,"1,2522":2522,"1,2523":2523,"1,2524":2524,"1,2525":2525,"1,2526":2526,"1,2527":2527,"1,2528":2528,"1,2529":2529,"1,2530":2530,"1,2531":2531,"1,2532":2532,"1,2533":2533,"1,2534":2534,"1,2535":2535,"1,2536":2536,"1,2537":2537,"1,2538":2538,"1,2539":2539,"1,2540":2540,"1,2541":2541,"1,2542":2542,"1,2543":2543,"1,2544":2544,"1,2545":2545,"1,2546":2546,"1,2547":2547,"1,2548":2548,"1,2549":2549,"1,2550":2550,"1,2551":2551,"1,2552":2552,"1,2553":2553,"1,2554":2554,"1,2555":2555,"1,2556":2556,"1,2557":2557,"1,2558":2558,"1,2559":2559,"1,2560":2560,"1,2561":2561,"1,2562":2562,"1,2563":2563,"1,2564":2564,"1,2565":2565,"1,2566":2566,"1,2567":2567,"1,2568":2568,"1,2569":2569,"1,2570":2570,"1,2571":2571,"1,2572":2572,"1,2573":2573,"1,2574":2574,"1,2575":2575,"1,2576":2576,"1,2577":2577,"1,2578":2578,"1,2579":2579,"1,2580":2580,"1,2581":2581,"1,2582":2582,"1,2583":2583,"1,2584":2584,"1,2585":2585,"1,2586":2586,"1,2587":2587,"1,2588":2588,"1,2589":2589,"1,2590":2590,"1,2591":2591,"1,2592":2592,"1,2593":2593,"1,2594":2594,"1,2595":2595,"1,2596":2596,"1,2597":2597,"1,2598":2598,"1,2599":2599,"1,2600":2600,"1,2601":2601,"1,2602":2602,"1,2603":2603,"1,2604":2604,"1,2605":2605,"1,2606":2606,"1,2607":2607,"1,2608":2608,"1,2609":2609,"1,2610":2610,"1,2611":2611,"1,2612":2612,"1,2613":2613,"1,2614":2614,"1,2615":2615,"1,2616":2616,"1,2617":2617,"1,2618":2618,"1,2619":2619,"1,2620":2620,"1,2621":2621,"1,2622":2622,"1,2623":2623,"1,2624":2624,"1,2625":2625,"1,2626":2626,"1,2627":2627,"1,2628":2628,"1,2629":2629,"1,2630":2630,"1,2631":2631,"1,2632":2632,"1,2633":2633,"1,2634":2634,"1,2635":2635,"1,2636":2636,"1,2637":2637,"1,2638":2638,"1,2639":2639,"1,2640":2640,"1,2641":2641,"1,2642":2642,"1,2643":2643,"1,2644":2644,"1,2645":2645,"1,2646":2646,"1,2647":2647,"1,2648":2648,"1,2649":2649,"1,2650":2650,"1,2651":2651,"1,2652":2652,"1,2653":2653,"1,2654":2654,"1,2655":2655,"1,2656":2656,"1,2657":2657,"1,2658":2658,"1,2659":2659,"1,2660":2660,"1,2661":2661,"1,2662":2662,"1,2663":2663,"1,2664":2664,"1,2665":2665,"1,2666":2666,"1,2667":2667,"1,2668":2668,"1,2669":2669,"1,2670":2670,"1,2671":2671,"1,2672":2672,"1,2673":2673,"1,2674":2674,"1,2675":2675,"1,2676":2676,"1,2677":2677,"1,2678":2678,"1,2679":2679,"1,2680":2680,"1,2681":2681,"1,2682":2682,"1,2683":2683,"1,2684":2684,"1,2685":2685,"1,2686":2686,"1,2687":2687,"1,2688":2688,"1,2689":2689,"1,2690":2690,"1,2691":2691,"1,2692":2692,"1,2693":2693,"1,2694":2694,"1,2695":2695,"1,2696":2696,"1,2697":2697,"1,2698":2698,"1,2699":2699,"1,2700":2700,"1,2701":2701,"1,2702":2702,"1,2703":2703,"1,2704":2704,"1,2705":2705,"1,2706":2706,"1,2707":2707,"1,2708":2708,"1,2709":2709,"1,2710":2710,"1,2711":2711,"1,2712":2712,"1,2713":2713,"1,2714":2714,"1,2715":2715,"1,2716":2716,"1,2717":2717,"1,2718":2718,"1,2719":2719,"1,2720":2720,"1,2721":2721,"1,2722":2722,"1,2723":2723,"1,2724":2724,"1,2725":2725,"1,2726":2726,"1,2727":2727,"1,2728":2728,"1,2729":2729,"1,2730":2730,"1,2731":2731,"1,2732":2732,"1,2733":2733,"1,2734":2734,"1,2735":2735,"1,2736":2736,"1,2737":2737,"1,2738":2738,"1,2739":2739,"1,2740":2740,"1,2741":2741,"1,2742":2742,"1,2743":2743,"1,2744":2744,"1,2745":2745,"1,2746":2746,"1,2747":2747,"1,2748":2748,"1,2749":2749,"1,2750":2750,"1,2751":2751,"1,2752":2752,"1,2753":2753,"1,2754":2754,"1,2755":2755,"1,2756":2756,"1,2757":2757,"1,2758":2758,"1,2759":2759,"1,2760":2760,"1,2761":2761,"1,2762":2762,"1,2763":2763,"1,2764":2764,"1,2765":2765,"1,2766":2766,"1,2767":2767,"1,2768":2768,"1,2769":2769,"1,2770":2770,"1,2771":2771,"1,2772":2772,"1,2773":2773,"1,2774":2774,"1,2775":2775,"1,2776":2776,"1,2777":2777,"1,2778":2778,"1,2779":2779,"1,2780":2780,"1,2781":2781,"1,2782":2782,"1,2783":2783,"1,2784":2784,"1,2785":2785,"1,2786":2786,"1,2787":2787,"1,2788":2788,"1,2789":2789,"1,2790":2790,"1,2791":2791,"1,2792":2792,"1,2793":2793,"1,2794":2794,"1,2795":2795,"1,2796":2796,"1,2797":2797,"1,2798":2798,"1,2799":2799,"1,2800":2800,"1,2801":2801,"1,2802":2802,"1,2803":2803,"1,2804":2804,"1,2805":2805,"1,2806":2806,"1,2807":2807,"1,2808":2808,"1,2809":2809,"1,2810":2810,"1,2811":2811,"1,2812":2812,"1,2813":2813,"1,2814":2814,"1,2815":2815,"1,2816":2816,"1,2817":2817,"1,2818":2818,"1,2819":2819,"1,2820":2820,"1,2821":2821,"1,2822":2822,"1,2823":2823,"1,2824":2824,"1,2825":2825,"1,2826":2826,"1,2827":2827,"1,2828":2828,"1,2829":2829,"1,2830":2830,"1,2831":2831,"1,2832":2832,"1,2833":2833,"1,2834":2834,"1,2835":2835,"1,2836":2836,"1,2837":2837,"1,2838":2838,"1,2839":2839,"1,2840":2840,"1,2841":2841,"1,2842":2842,"1,2843":2843,"1,2844":2844,"1,2845":2845,"1,2846":2846,"1,2847":2847,"1,2848":2848,"1,2849":2849,"1,2850":2850,"1,2851":2851,"1,2852":2852,"1,2853":2853,"1,2854":2854,"1,2855":2855,"1,2856":2856,"1,2857":2857,"1,2858":2858,"1,2859":2859,"1,2860":2860,"1,2861":2861,"1,2862":2862,"1,2863":2863,"1,2864":2864,"1,2865":2865,"1,2866":2866,"1,2867":2867,"1,2868":2868,"1,2869":2869,"1,2870":2870,"1,2871":2871,"1,2872":2872,"1,2873":2873,"1,2874":2874,"1,2875":2875,"1,2876":2876,"1,2877":2877,"1,2878":2878,"1,2879":2879,"1,2880":2880,"1,2881":2881,"1,2882":2882,"1,2883":2883,"1,2884":2884,"1,2885":2885,"1,2886":2886,"1,2887":2887,"1,2888":2888,"1,2889":2889,"1,2890":2890,"1,2891":2891,"1,2892":2892,"1,2893":2893,"1,2894":2894,"1,2895":2895,"1,2896":2896,"1,2897":2897,"1,2898":2898,"1,2899":2899,"1,2900":2900,"1,2901":2901,"1,2902":2902,"1,2903":2903,"1,2904":2904,"1,2905":2905,"1,2906":2906,"1,2907":2907,"1,2908":2908,"1,2909":2909,"1,2910":2910,"1,2911":2911,"1,2912":2912,"1,2913":2913,"1,2914":2914,"1,2915":2915,"1,2916":2916,"1,2917":2917,"1,2918":2918,"1,2919":2919,"1,2920":2920,"1,2921":2921,"1,2922":2922,"1,2923":2923,"1,2924":2924,"1,2925":2925,"1,2926":2926,"1,2927":2927,"1,2928":2928,"1,2929":2929,"1,2930":2930,"1,2931":2931,"1,2932":2932,"1,2933":2933,"1,2934":2934,"1,2935":2935,"1,2936":2936,"1,2937":2937,"1,2938":2938,"1,2939":2939,"1,2940":2940,"1,2941":2941,"1,2942":2942,"1,2943":2943,"1,2944":2944,"1,2945":2945,"1,2946":2946,"1,2947":2947,"1,2948":2948,"1,2949":2949,"1,2950":2950,"1,2951":2951,"1,2952":2952,"1,2953":2953,"1,2954":2954,"1,2955":2955,"1,2956":2956,"1,2957":2957,"1,2958":2958,"1,2959":2959,"1,2960":2960,"1,2961":2961,"1,2962":2962,"1,2963":2963,"1,2964":2964,"1,2965":2965,"1,2966":2966,"1,2967":2967,"1,2968":2968,"1,2969":2969,"1,2970":2970,"1,2971":2971,"1,2972":2972,"1,2973":2973,"1,2974":2974,"1,2975":2975,"1,2976":2976,"1,2977":2977,"1,2978":2978,"1,2979":2979,"1,2980":2980,"1,2981":2981,"1,2982":2982,"1,2983":2983,"1,2984":2984,"1,2985":2985,"1,2986":2986,"1,2987":2987,"1,2988":2988,"1,2989":2989,"1,2990":2990,"1,2991":2991,"1,2992":2992,"1,2993":2993,"1,2994":2994,"1,2995":2995,"1,2996":2996,"1,2997":2997,"1,2998":2998,"1,2999":2999,"1,3000":3000,"1,3001":3001,"1,3002":3002,"1,3003":3003,"1,3004":3004,"1,3005":3005,"1,3006":3006,"1,3007":3007,"1,3008":3008,"1,3009":3009,"1,3010":3010,"1,3011":3011,"1,3012":3012,"1,3013":3013,"1,3014":3014,"1,3015":3015,"1,3016":3016,"1,3017":3017,"1,3018":3018,"1,3019":3019,"1,3020":3020,"1,3021":3021,"1,3022":3022,"1,3023":3023,"1,3024":3024,"1,3025":3025,"1,3026":3026,"1,3027":3027,"1,3028":3028,"1,3029":3029,"1,3030":3030,"1,3031":3031,"1,3032":3032,"1,3033":3033,"1,3034":3034,"1,3035":3035,"1,3036":3036,"1,3037":3037,"1,3038":3038,"1,3039":3039,"1,3040":3040,"1,3041":3041,"1,3042":3042,"1,3043":3043,"1,3044":3044,"1,3045":3045,"1,3046":3046,"1,3047":3047,"1,3048":3048,"1,3049":3049,"1,3050":3050,"1,3051":3051,"1,3052":3052,"1,3053":3053,"1,3054":3054,"1,3055":3055,"1,3056":3056,"1,3057":3057,"1,3058":3058,"1,3059":3059,"1,3060":3060,"1,3061":3061,"1,3062":3062,"1,3063":3063,"1,3064":3064,"1,3065":3065,"1,3066":3066,"1,3067":3067,"1,3068":3068,"1,3069":3069,"1,3070":3070,"1,3071":3071,"1,3072":3072,"1,3073":3073,"1,3074":3074,"1,3075":3075,"1,3076":3076,"1,3077":3077,"1,3078":3078,"1,3079":3079,"1,3080":3080,"1,3081":3081,"1,3082":3082,"1,3083":3083,"1,3084":3084,"1,3085":3085,"1,3086":3086,"1,3087":3087,"1,3088":3088,"1,3089":3089,"1,3090":3090,"1,3091":3091,"1,3092":3092,"1,3093":3093,"1,3094":3094,"1,3095":3095,"1,3096":3096,"1,3097":3097,"1,3098":3098,"1,3099":3099,"1,3100":3100,"1,3101":3101,"1,3102":3102,"1,3103":3103,"1,3104":3104,"1,3105":3105,"1,3106":3106,"1,3107":3107,"1,3108":3108,"1,3109":3109,"1,3110":3110,"1,3111":3111,"1,3112":3112,"1,3113":3113,"1,3114":3114,"1,3115":3115,"1,3116":3116,"1,3117":3117,"1,3118":3118,"1,3119":3119,"1,3120":3120,"1,3121":3121,"1,3122":3122,"1,3123":3123,"1,3124":3124,"1,3125":3125,"1,3126":3126,"1,3127":3127,"1,3128":3128,"1,3129":3129,"1,3130":3130,"1,3131":3131,"1,3132":3132,"1,3133":3133,"1,3134":3134,"1,3135":3135,"1,3136":3136,"1,3137":3137,"1,3138":3138,"1,3139":3139,"1,3140":3140,"1,3141":3141,"1,3142":3142,"1,3143":3143,"1,3144":3144,"1,3145":3145,"1,3146":3146,"1,3147":3147,"1,3148":3148,"1,3149":3149,"1,3150":3150,"1,3151":3151,"1,3152":3152,"1,3153":3153,"1,3154":3154,"1,3155":3155,"1,3156":3156,"1,3157":3157,"1,3158":3158,"1,3159":3159,"1,3160":3160,"1,3161":3161,"1,3162":3162,"1,3163":3163,"1,3164":3164,"1,3165":3165,"1,3166":3166,"1,3167":3167,"1,3168":3168,"1,3169":3169,"1,3170":3170,"1,3171":3171,"1,3172":3172,"1,3173":3173,"1,3174":3174,"1,3175":3175,"1,3176":3176,"1,3177":3177,"1,3178":3178,"1,3179":3179,"1,3180":3180,"1,3181":3181,"1,3182":3182,"1,3183":3183,"1,3184":3184,"1,3185":3185,"1,3186":3186,"1,3187":3187,"1,3188":3188,"1,3189":3189,"1,3190":3190,"1,3191":3191,"1,3192":3192,"1,3193":3193,"1,3194":3194,"1,3195":3195,"1,3196":3196,"1,3197":3197,"1,3198":3198,"1,3199":3199,"1,3200":3200,"1,3201":3201,"1,3202":3202,"1,3203":3203,"1,3204":3204,"1,3205":3205,"1,3206":3206,"1,3207":3207,"1,3208":3208,"1,3209":3209,"1,3210":3210,"1,3211":3211,"1,3212":3212,"1,3213":3213,"1,3214":3214,"1,3215":3215,"1,3216":3216,"1,3217":3217,"1,3218":3218,"1,3219":3219,"1,3220":3220,"1,3221":3221,"1,3222":3222,"1,3223":3223,"1,3224":3224,"1,3225":3225,"1,3226":3226,"1,3227":3227,"1,3228":3228,"1,3229":3229,"1,3230":3230,"1,3231":3231,"1,3232":3232,"1,3233":3233,"1,3234":3234,"1,3235":3235,"1,3236":3236,"1,3237":3237,"1,3238":3238,"1,3239":3239,"1,3240":3240,"1,3241":3241,"1,3242":3242,"1,3243":3243,"1,3244":3244,"1,3245":3245,"1,3246":3246,"1,3247":3247,"1,3248":3248,"1,3249":3249,"1,3250":3250,"1,3251":3251,"1,3252":3252,"1,3253":3253,"1,3254":3254,"1,3255":3255,"1,3256":3256,"1,3257":3257,"1,3258":3258,"1,3259":3259,"1,3260":3260,"1,3261":3261,"1,3262":3262,"1,3263":3263,"1,3264":3264,"1,3265":3265,"1,3266":3266,"1,3267":3267,"1,3268":3268,"1,3269":3269,"1,3270":3270,"1,3271":3271,"1,3272":3272,"1,3273":3273,"1,3274":3274,"1,3275":3275,"1,3276":3276,"1,3277":3277,"1,3278":3278,"1,3279":3279,"1,3280":3280,"1,3281":3281,"1,3282":3282,"1,3283":3283,"1,3284":3284,"1,3285":3285,"1,3286":3286,"1,3287":3287,"1,3288":3288,"1,3289":3289,"1,3290":3290,"1,3291":3291,"1,3292":3292,"1,3293":3293,"1,3294":3294,"1,3295":3295,"1,3296":3296,"1,3297":3297,"1,3298":3298,"1,3299":3299,"1,3300":3300,"1,3301":3301,"1,3302":3302,"1,3303":3303,"1,3304":3304,"1,3305":3305,"1,3306":3306,"1,3307":3307,"1,3308":3308,"1,3309":3309,"1,3310":3310,"1,3311":3311,"1,3312":3312,"1,3313":3313,"1,3314":3314,"1,3315":3315,"1,3316":3316,"1,3317":3317,"1,3318":3318,"1,3319":3319,"1,3320":3320,"1,3321":3321,"1,3322":3322,"1,3323":3323,"1,3324":3324,"1,3325":3325,"1,3326":3326,"1,3327":3327,"1,3328":3328,"1,3329":3329,"1,3330":3330,"1,3331":3331,"1,3332":3332,"1,3333":3333,"1,3334":3334,"1,3335":3335,"1,3336":3336,"1,3337":3337,"1,3338":3338,"1,3339":3339,"1,3340":3340,"1,3341":3341,"1,3342":3342,"1,3343":3343,"1,3344":3344,"1,3345":3345,"1,3346":3346,"1,3347":3347,"1,3348":3348,"1,3349":3349,"1,3350":3350,"1,3351":3351,"1,3352":3352,"1,3353":3353,"1,3354":3354,"1,3355":3355,"1,3356":3356,"1,3357":3357,"1,3358":3358,"1,3359":3359,"1,3360":3360,"1,3361":3361,"1,3362":3362,"1,3363":3363,"1,3364":3364,"1,3365":3365,"1,3366":3366,"1,3367":3367,"1,3368":3368,"1,3369":3369,"1,3370":3370,"1,3371":3371,"1,3372":3372,"1,3373":3373,"1,3374":3374,"1,3375":3375,"1,3376":3376,"1,3377":3377,"1,3378":3378,"1,3379":3379,"1,3380":3380,"1,3381":3381,"1,3382":3382,"1,3383":3383,"1,3384":3384,"1,3385":3385,"1,3386":3386,"1,3387":3387,"1,3388":3388,"1,3389":3389,"1,3390":3390,"1,3391":3391,"1,3392":3392,"1,3393":3393,"1,3394":3394,"1,3395":3395,"1,3396":3396,"1,3397":3397,"1,3398":3398,"1,3399":3399,"1,3400":3400,"1,3401":3401,"1,3402":3402,"1,3403":3403,"1,3404":3404,"1,3405":3405,"1,3406":3406,"1,3407":3407,"1,3408":3408,"1,3409":3409,"1,3410":3410,"1,3411":3411,"1,3412":3412,"1,3413":3413,"1,3414":3414,"1,3415":3415,"1,3416":3416,"1,3417":3417,"1,3418":3418,"1,3419":3419,"1,3420":3420,"1,3421":3421,"1,3422":3422,"1,3423":3423,"1,3424":3424,"1,3425":3425,"1,3426":3426,"1,3427":3427,"1,3428":3428,"1,3429":3429,"1,3430":3430,"1,3431":3431,"1,3432":3432,"1,3433":3433,"1,3434":3434,"1,3435":3435,"1,3436":3436,"1,3437":3437,"1,3438":3438,"1,3439":3439,"1,3440":3440,"1,3441":3441,"1,3442":3442,"1,3443":3443,"1,3444":3444,"1,3445":3445,"1,3446":3446,"1,3447":3447,"1,3448":3448,"1,3449":3449,"1,3450":3450,"1,3451":3451,"1,3452":3452,"1,3453":3453,"1,3454":3454,"1,3455":3455,"1,3456":3456,"1,3457":3457,"1,3458":3458,"1,3459":3459,"1,3460":3460,"1,3461":3461,"1,3462":3462,"1,3463":3463,"1,3464":3464,"1,3465":3465,"1,3466":3466,"1,3467":3467,"1,3468":3468,"1,3469":3469,"1,3470":3470,"1,3471":3471,"1,3472":3472,"1,3473":3473,"1,3474":3474,"1,3475":3475,"1,3476":3476,"1,3477":3477,"1,3478":3478,"1,3479":3479,"1,3480":3480,"1,3481":3481,"1,3482":3482,"1,3483":3483,"1,3484":3484,"1,3485":3485,"1,3486":3486,"1,3487":3487,"1,3488":3488,"1,3489":3489,"1,3490":3490,"1,3491":3491,"1,3492":3492,"1,3493":3493,"1,3494":3494,"1,3495":3495,"1,3496":3496,"1,3497":3497,"1,3498":3498,"1,3499":3499,"1,3500":3500,"1,3501":3501,"1,3502":3502,"1,3503":3503,"1,3504":3504,"1,3505":3505,"1,3506":3506,"1,3507":3507,"1,3508":3508,"1,3509":3509,"1,3510":3510,"1,3511":3511,"1,3512":3512,"1,3513":3513,"1,3514":3514,"1,3515":3515,"1,3516":3516,"1,3517":3517,"1,3518":3518,"1,3519":3519,"1,3520":3520,"1,3521":3521,"1,3522":3522,"1,3523":3523,"1,3524":3524,"1,3525":3525,"1,3526":3526,"1,3527":3527,"1,3528":3528,"1,3529":3529,"1,3530":3530,"1,3531":3531,"1,3532":3532,"1,3533":3533,"1,3534":3534,"1,3535":3535,"1,3536":3536,"1,3537":3537,"1,3538":3538,"1,3539":3539,"1,3540":3540,"1,3541":3541,"1,3542":3542,"1,3543":3543,"1,3544":3544,"1,3545":3545,"1,3546":3546,"1,3547":3547,"1,3548":3548,"1,3549":3549,"1,3550":3550,"1,3551":3551,"1,3552":3552,"1,3553":3553,"1,3554":3554,"1,3555":3555,"1,3556":3556,"1,3557":3557,"1,3558":3558,"1,3559":3559,"1,3560":3560,"1,3561":3561,"1,3562":3562,"1,3563":3563,"1,3564":3564,"1,3565":3565,"1,3566":3566,"1,3567":3567,"1,3568":3568,"1,3569":3569,"1,3570":3570,"1,3571":3571,"1,3572":3572,"1,3573":3573,"1,3574":3574,"1,3575":3575,"1,3576":3576,"1,3577":3577,"1,3578":3578,"1,3579":3579,"1,3580":3580,"1,3581":3581,"1,3582":3582,"1,3583":3583,"1,3584":3584,"1,3585":3585,"1,3586":3586,"1,3587":3587,"1,3588":3588,"1,3589":3589,"1,3590":3590,"1,3591":3591,"1,3592":3592,"1,3593":3593,"1,3594":3594,"1,3595":3595,"1,3596":3596,"1,3597":3597,"1,3598":3598,"1,3599":3599,"1,3600":3600,"1,3601":3601,"1,3602":3602,"1,3603":3603,"1,3604":3604,"1,3605":3605,"1,3606":3606,"1,3607":3607,"1,3608":3608,"1,3609":3609,"1,3610":3610,"1,3611":3611,"1,3612":3612,"1,3613":3613,"1,3614":3614,"1,3615":3615,"1,3616":3616,"1,3617":3617,"1,3618":3618,"1,3619":3619,"1,3620":3620,"1,3621":3621,"1,3622":3622,"1,3623":3623,"1,3624":3624,"1,3625":3625,"1,3626":3626,"1,3627":3627,"1,3628":3628,"1,3629":3629,"1,3630":3630,"1,3631":3631,"1,3632":3632,"1,3633":3633,"1,3634":3634,"1,3635":3635,"1,3636":3636,"1,3637":3637,"1,3638":3638,"1,3639":3639,"1,3640":3640,"1,3641":3641,"1,3642":3642,"1,3643":3643,"1,3644":3644,"1,3645":3645,"1,3646":3646,"1,3647":3647,"1,3648":3648,"1,3649":3649,"1,3650":3650,"1,3651":3651,"1,3652":3652,"1,3653":3653,"1,3654":3654,"1,3655":3655,"1,3656":3656,"1,3657":3657,"1,3658":3658,"1,3659":3659,"1,3660":3660,"1,3661":3661,"1,3662":3662,"1,3663":3663,"1,3664":3664,"1,3665":3665,"1,3666":3666,"1,3667":3667,"1,3668":3668,"1,3669":3669,"1,3670":3670,"1,3671":3671,"1,3672":3672,"1,3673":3673,"1,3674":3674,"1,3675":3675,"1,3676":3676,"1,3677":3677,"1,3678":3678,"1,3679":3679,"1,3680":3680,"1,3681":3681,"1,3682":3682,"1,3683":3683,"1,3684":3684,"1,3685":3685,"1,3686":3686,"1,3687":3687,"1,3688":3688,"1,3689":3689,"1,3690":3690,"1,3691":3691,"1,3692":3692,"1,3693":3693,"1,3694":3694,"1,3695":3695,"1,3696":3696,"1,3697":3697,"1,3698":3698,"1,3699":3699,"1,3700":3700,"1,3701":3701,"1,3702":3702,"1,3703":3703,"1,3704":3704,"1,3705":3705,"1,3706":3706,"1,3707":3707,"1,3708":3708,"1,3709":3709,"1,3710":3710,"1,3711":3711,"1,3712":3712,"1,3713":3713,"1,3714":3714,"1,3715":3715,"1,3716":3716,"1,3717":3717},"ٜ":{"1":[1,1573]},"ٝ":["1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,500","1,501","1,502","1,503","1,504","1,505","1,506","1,507","1,508","1,509","1,510","1,511","1,512","1,513","1,514","1,515","1,516","1,517","1,518","1,519","1,520","1,521","1,522","1,523","1,524","1,525","1,526","1,527","1,528","1,529","1,530","1,531","1,532","1,533","1,534","1,535","1,536","1,537","1,538","1,539","1,540","1,541","1,542","1,543","1,544","1,545","1,546","1,547","1,548","1,549","1,550","1,551","1,552","1,553","1,554","1,555","1,556","1,557","1,558","1,559","1,560","1,561","1,562","1,563","1,564","1,565","1,566","1,567","1,568","1,569","1,570","1,571","1,572","1,573","1,574","1,575","1,576","1,577","1,578","1,579","1,580","1,581","1,582","1,583","1,584","1,585","1,586","1,587","1,588","1,589","1,590","1,591","1,592","1,593","1,594","1,595","1,596","1,597","1,598","1,599","1,600","1,601","1,602","1,603","1,604","1,605","1,606","1,607","1,608","1,609","1,610","1,611","1,612","1,613","1,614","1,615","1,616","1,617","1,618","1,619","1,620","1,621","1,622","1,623","1,624","1,625","1,626","1,627","1,628","1,629","1,630","1,631","1,632","1,633","1,634","1,635","1,636","1,637","1,638","1,639","1,640","1,641","1,642","1,643","1,644","1,645","1,646","1,647","1,648","1,649","1,650","1,651","1,652","1,653","1,654","1,655","1,656","1,657","1,658","1,659","1,660","1,661","1,662","1,663","1,664","1,665","1,666","1,667","1,668","1,669","1,670","1,671","1,672","1,673","1,674","1,675","1,676","1,677","1,678","1,679","1,680","1,681","1,682","1,683","1,684","1,685","1,686","1,687","1,688","1,689","1,690","1,691","1,692","1,693","1,694","1,695","1,696","1,697","1,698","1,699","1,700","1,701","1,702","1,703","1,704","1,705","1,706","1,707","1,708","1,709","1,710","1,711","1,712","1,713","1,714","1,715","1,716","1,717","1,718","1,719","1,720","1,721","1,722","1,723","1,724","1,725","1,726","1,727","1,728","1,729","1,730","1,731","1,732","1,733","1,734","1,735","1,736","1,737","1,738","1,739","1,740","1,741","1,742","1,743","1,744","1,745","1,746","1,747","1,748","1,749","1,750","1,751","1,752","1,753","1,754","1,755","1,756","1,757","1,758","1,759","1,760","1,761","1,762","1,763","1,764","1,765","1,766","1,767","1,768","1,769","1,770","1,771","1,772","1,773","1,774","1,775","1,776","1,777","1,778","1,779","1,780","1,781","1,782","1,783","1,784","1,785","1,786","1,787","1,788","1,789","1,790","1,791","1,792","1,793","1,794","1,795","1,796","1,797","1,798","1,799","1,800","1,801","1,802","1,803","1,804","1,805","1,806","1,807","1,808","1,809","1,810","1,811","1,812","1,813","1,814","1,815","1,816","1,817","1,818","1,819","1,820","1,821","1,822","1,823","1,824","1,825","1,826","1,827","1,828","1,829","1,830","1,831","1,832","1,833","1,834","1,835","1,836","1,837","1,838","1,839","1,840","1,841","1,842","1,843","1,844","1,845","1,846","1,847","1,848","1,849","1,850","1,851","1,852","1,853","1,854","1,855","1,856","1,857","1,858","1,859","1,860","1,861","1,862","1,863","1,864","1,865","1,866","1,867","1,868","1,869","1,870","1,871","1,872","1,873","1,874","1,875","1,876","1,877","1,878","1,879","1,880","1,881","1,882","1,883","1,884","1,885","1,886","1,887","1,888","1,889","1,890","1,891","1,892","1,893","1,894","1,895","1,896","1,897","1,898","1,899","1,900","1,901","1,902","1,903","1,904","1,905","1,906","1,907","1,908","1,909","1,910","1,911","1,912","1,913","1,914","1,915","1,916","1,917","1,918","1,919","1,920","1,921","1,922","1,923","1,924","1,925","1,926","1,927","1,928","1,929","1,930","1,931","1,932","1,933","1,934","1,935","1,936","1,937","1,938","1,939","1,940","1,941","1,942","1,943","1,944","1,945","1,946","1,947","1,948","1,949","1,950","1,951","1,952","1,953","1,954","1,955","1,956","1,957","1,958","1,959","1,960","1,961","1,962","1,963","1,964","1,965","1,966","1,967","1,968","1,969","1,970","1,971","1,972","1,973","1,974","1,975","1,976","1,977","1,978","1,979","1,980","1,981","1,982","1,983","1,984","1,985","1,986","1,987","1,988","1,989","1,990","1,991","1,992","1,993","1,994","1,995","1,996","1,997","1,998","1,999","1,1000","1,1001","1,1002","1,1003","1,1004","1,1005","1,1006","1,1007","1,1008","1,1009","1,1010","1,1011","1,1012","1,1013","1,1014","1,1015","1,1016","1,1017","1,1018","1,1019","1,1020","1,1021","1,1022","1,1023","1,1024","1,1025","1,1026","1,1027","1,1028","1,1029","1,1030","1,1031","1,1032","1,1033","1,1034","1,1035","1,1036","1,1037","1,1038","1,1039","1,1040","1,1041","1,1042","1,1043","1,1044","1,1045","1,1046","1,1047","1,1048","1,1049","1,1050","1,1051","1,1052","1,1053","1,1054","1,1055","1,1056","1,1057","1,1058","1,1059","1,1060","1,1061","1,1062","1,1063","1,1064","1,1065","1,1066","1,1067","1,1068","1,1069","1,1070","1,1071","1,1072","1,1073","1,1074","1,1075","1,1076","1,1077","1,1078","1,1079","1,1080","1,1081","1,1082","1,1083","1,1084","1,1085","1,1086","1,1087","1,1088","1,1089","1,1090","1,1091","1,1092","1,1093","1,1094","1,1095","1,1096","1,1097","1,1098","1,1099","1,1100","1,1101","1,1102","1,1103","1,1104","1,1105","1,1106","1,1107","1,1108","1,1109","1,1110","1,1111","1,1112","1,1113","1,1114","1,1115","1,1116","1,1117","1,1118","1,1119","1,1120","1,1121","1,1122","1,1123","1,1124","1,1125","1,1126","1,1127","1,1128","1,1129","1,1130","1,1131","1,1132","1,1133","1,1134","1,1135","1,1136","1,1137","1,1138","1,1139","1,1140","1,1141","1,1142","1,1143","1,1144","1,1145","1,1146","1,1147","1,1148","1,1149","1,1150","1,1151","1,1152","1,1153","1,1154","1,1155","1,1156","1,1157","1,1158","1,1159","1,1160","1,1161","1,1162","1,1163","1,1164","1,1165","1,1166","1,1167","1,1168","1,1169","1,1170","1,1171","1,1172","1,1173","1,1174","1,1175","1,1176","1,1177","1,1178","1,1179","1,1180","1,1181","1,1182","1,1183","1,1184","1,1185","1,1186","1,1187","1,1188","1,1189","1,1190","1,1191","1,1192","1,1193","1,1194","1,1195","1,1196","1,1197","1,1198","1,1199","1,1200","1,1201","1,1202","1,1203","1,1204","1,1205","1,1206","1,1207","1,1208","1,1209","1,1210","1,1211","1,1212","1,1213","1,1214","1,1215","1,1216","1,1217","1,1218","1,1219","1,1220","1,1221","1,1222","1,1223","1,1224","1,1225","1,1226","1,1227","1,1228","1,1229","1,1230","1,1231","1,1232","1,1233","1,1234","1,1235","1,1236","1,1237","1,1238","1,1239","1,1240","1,1241","1,1242","1,1243","1,1244","1,1245","1,1246","1,1247","1,1248","1,1249","1,1250","1,1251","1,1252","1,1253","1,1254","1,1255","1,1256","1,1257","1,1258","1,1259","1,1260","1,1261","1,1262","1,1263","1,1264","1,1265","1,1266","1,1267","1,1268","1,1269","1,1270","1,1271","1,1272","1,1273","1,1274","1,1275","1,1276","1,1277","1,1278","1,1279","1,1280","1,1281","1,1282","1,1283","1,1284","1,1285","1,1286","1,1287","1,1288","1,1289","1,1290","1,1291","1,1292","1,1293","1,1294","1,1295","1,1296","1,1297","1,1298","1,1299","1,1300","1,1301","1,1302","1,1303","1,1304","1,1305","1,1306","1,1307","1,1308","1,1309","1,1310","1,1311","1,1312","1,1313","1,1314","1,1315","1,1316","1,1317","1,1318","1,1319","1,1320","1,1321","1,1322","1,1323","1,1324","1,1325","1,1326","1,1327","1,1328","1,1329","1,1330","1,1331","1,1332","1,1333","1,1334","1,1335","1,1336","1,1337","1,1338","1,1339","1,1340","1,1341","1,1342","1,1343","1,1344","1,1345","1,1346","1,1347","1,1348","1,1349","1,1350","1,1351","1,1352","1,1353","1,1354","1,1355","1,1356","1,1357","1,1358","1,1359","1,1360","1,1361","1,1362","1,1363","1,1364","1,1365","1,1366","1,1367","1,1368","1,1369","1,1370","1,1371","1,1372","1,1373","1,1374","1,1375","1,1376","1,1377","1,1378","1,1379","1,1380","1,1381","1,1382","1,1383","1,1384","1,1385","1,1386","1,1387","1,1388","1,1389","1,1390","1,1391","1,1392","1,1393","1,1394","1,1395","1,1396","1,1397","1,1398","1,1399","1,1400","1,1401","1,1402","1,1403","1,1404","1,1405","1,1406","1,1407","1,1408","1,1409","1,1410","1,1411","1,1412","1,1413","1,1414","1,1415","1,1416","1,1417","1,1418","1,1419","1,1420","1,1421","1,1422","1,1423","1,1424","1,1425","1,1426","1,1427","1,1428","1,1429","1,1430","1,1431","1,1432","1,1433","1,1434","1,1435","1,1436","1,1437","1,1438","1,1439","1,1440","1,1441","1,1442","1,1443","1,1444","1,1445","1,1446","1,1447","1,1448","1,1449","1,1450","1,1451","1,1452","1,1453","1,1454","1,1455","1,1456","1,1457","1,1458","1,1459","1,1460","1,1461","1,1462","1,1463","1,1464","1,1465","1,1466","1,1467","1,1468","1,1469","1,1470","1,1471","1,1472","1,1473","1,1474","1,1475","1,1476","1,1477","1,1478","1,1479","1,1480","1,1481","1,1482","1,1483","1,1484","1,1485","1,1486","1,1487","1,1488","1,1489","1,1490","1,1491","1,1492","1,1493","1,1494","1,1495","1,1496","1,1497","1,1498","1,1499","1,1500","1,1501","1,1502","1,1503","1,1504","1,1505","1,1506","1,1507","1,1508","1,1509","1,1510","1,1511","1,1512","1,1513","1,1514","1,1515","1,1516","1,1517","1,1518","1,1519","1,1520","1,1521","1,1522","1,1523","1,1524","1,1525","1,1526","1,1527","1,1528","1,1529","1,1530","1,1531","1,1532","1,1533","1,1534","1,1535","1,1536","1,1537","1,1538","1,1539","1,1540","1,1541","1,1542","1,1543","1,1544","1,1545","1,1546","1,1547","1,1548","1,1549","1,1550","1,1551","1,1552","1,1553","1,1554","1,1555","1,1556","1,1557","1,1558","1,1559","1,1560","1,1561","1,1562","1,1563","1,1564","1,1565","1,1566","1,1567","1,1568","1,1569","1,1570","1,1571","1,1572","1,1573","1,1574","1,1575","1,1576","1,1577","1,1578","1,1579","1,1580","1,1581","1,1582","1,1583","1,1584","1,1585","1,1586","1,1587","1,1588","1,1589","1,1590","1,1591","1,1592","1,1593","1,1594","1,1595","1,1596","1,1597","1,1598","1,1599","1,1600","1,1601","1,1602","1,1603","1,1604","1,1605","1,1606","1,1607","1,1608","1,1609","1,1610","1,1611","1,1612","1,1613","1,1614","1,1615","1,1616","1,1617","1,1618","1,1619","1,1620","1,1621","1,1622","1,1623","1,1624","1,1625","1,1626","1,1627","1,1628","1,1629","1,1630","1,1631","1,1632","1,1633","1,1634","1,1635","1,1636","1,1637","1,1638","1,1639","1,1640","1,1641","1,1642","1,1643","1,1644","1,1645","1,1646","1,1647","1,1648","1,1649","1,1650","1,1651","1,1652","1,1653","1,1654","1,1655","1,1656","1,1657","1,1658","1,1659","1,1660","1,1661","1,1662","1,1663","1,1664","1,1665","1,1666","1,1667","1,1668","1,1669","1,1670","1,1671","1,1672","1,1673","1,1674","1,1675","1,1676","1,1677","1,1678","1,1679","1,1680","1,1681","1,1682","1,1683","1,1684","1,1685","1,1686","1,1687","1,1688","1,1689","1,1690","1,1691","1,1692","1,1693","1,1694","1,1695","1,1696","1,1697","1,1698","1,1699","1,1700","1,1701","1,1702","1,1703","1,1704","1,1705","1,1706","1,1707","1,1708","1,1709","1,1710","1,1711","1,1712","1,1713","1,1714","1,1715","1,1716","1,1717","1,1718","1,1719","1,1720","1,1721","1,1722","1,1723","1,1724","1,1725","1,1726","1,1727","1,1728","1,1729","1,1730","1,1731","1,1732","1,1733","1,1734","1,1735","1,1736","1,1737","1,1738","1,1739","1,1740","1,1741","1,1742","1,1743","1,1744","1,1745","1,1746","1,1747","1,1748","1,1749","1,1750","1,1751","1,1752","1,1753","1,1754","1,1755","1,1756","1,1757","1,1758","1,1759","1,1760","1,1761","1,1762","1,1763","1,1764","1,1765","1,1766","1,1767","1,1768","1,1769","1,1770","1,1771","1,1772","1,1773","1,1774","1,1775","1,1776","1,1777","1,1778","1,1779","1,1780","1,1781","1,1782","1,1783","1,1784","1,1785","1,1786","1,1787","1,1788","1,1789","1,1790","1,1791","1,1792","1,1793","1,1794","1,1795","1,1796","1,1797","1,1798","1,1799","1,1800","1,1801","1,1802","1,1803","1,1804","1,1805","1,1806","1,1807","1,1808","1,1809","1,1810","1,1811","1,1812","1,1813","1,1814","1,1815","1,1816","1,1817","1,1818","1,1819","1,1820","1,1821","1,1822","1,1823","1,1824","1,1825","1,1826","1,1827","1,1828","1,1829","1,1830","1,1831","1,1832","1,1833","1,1834","1,1835","1,1836","1,1837","1,1838","1,1839","1,1840","1,1841","1,1842","1,1843","1,1844","1,1845","1,1846","1,1847","1,1848","1,1849","1,1850","1,1851","1,1852","1,1853","1,1854","1,1855","1,1856","1,1857","1,1858","1,1859","1,1860","1,1861","1,1862","1,1863","1,1864","1,1865","1,1866","1,1867","1,1868","1,1869","1,1870","1,1871","1,1872","1,1873","1,1874","1,1875","1,1876","1,1877","1,1878","1,1879","1,1880","1,1881","1,1882","1,1883","1,1884","1,1885","1,1886","1,1887","1,1888","1,1889","1,1890","1,1891","1,1892","1,1893","1,1894","1,1895","1,1896","1,1897","1,1898","1,1899","1,1900","1,1901","1,1902","1,1903","1,1904","1,1905","1,1906","1,1907","1,1908","1,1909","1,1910","1,1911","1,1912","1,1913","1,1914","1,1915","1,1916","1,1917","1,1918","1,1919","1,1920","1,1921","1,1922","1,1923","1,1924","1,1925","1,1926","1,1927","1,1928","1,1929","1,1930","1,1931","1,1932","1,1933","1,1934","1,1935","1,1936","1,1937","1,1938","1,1939","1,1940","1,1941","1,1942","1,1943","1,1944","1,1945","1,1946","1,1947","1,1948","1,1949","1,1950","1,1951","1,1952","1,1953","1,1954","1,1955","1,1956","1,1957","1,1958","1,1959","1,1960","1,1961","1,1962","1,1963","1,1964","1,1965","1,1966","1,1967","1,1968","1,1969","1,1970","1,1971","1,1972","1,1973","1,1974","1,1975","1,1976","1,1977","1,1978","1,1979","1,1980","1,1981","1,1982","1,1983","1,1984","1,1985","1,1986","1,1987","1,1988","1,1989","1,1990","1,1991","1,1992","1,1993","1,1994","1,1995","1,1996","1,1997","1,1998","1,1999","1,2000","1,2001","1,2002","1,2003","1,2004","1,2005","1,2006","1,2007","1,2008","1,2009","1,2010","1,2011","1,2012","1,2013","1,2014","1,2015","1,2016","1,2017","1,2018","1,2019","1,2020","1,2021","1,2022","1,2023","1,2024","1,2025","1,2026","1,2027","1,2028","1,2029","1,2030","1,2031","1,2032","1,2033","1,2034","1,2035","1,2036","1,2037","1,2038","1,2039","1,2040","1,2041","1,2042","1,2043","1,2044","1,2045","1,2046","1,2047","1,2048","1,2049","1,2050","1,2051","1,2052","1,2053","1,2054","1,2055","1,2056","1,2057","1,2058","1,2059","1,2060","1,2061","1,2062","1,2063","1,2064","1,2065","1,2066","1,2067","1,2068","1,2069","1,2070","1,2071","1,2072","1,2073","1,2074","1,2075","1,2076","1,2077","1,2078","1,2079","1,2080","1,2081","1,2082","1,2083","1,2084","1,2085","1,2086","1,2087","1,2088","1,2089","1,2090","1,2091","1,2092","1,2093","1,2094","1,2095","1,2096","1,2097","1,2098","1,2099","1,2100","1,2101","1,2102","1,2103","1,2104","1,2105","1,2106","1,2107","1,2108","1,2109","1,2110","1,2111","1,2112","1,2113","1,2114","1,2115","1,2116","1,2117","1,2118","1,2119","1,2120","1,2121","1,2122","1,2123","1,2124","1,2125","1,2126","1,2127","1,2128","1,2129","1,2130","1,2131","1,2132","1,2133","1,2134","1,2135","1,2136","1,2137","1,2138","1,2139","1,2140","1,2141","1,2142","1,2143","1,2144","1,2145","1,2146","1,2147","1,2148","1,2149","1,2150","1,2151","1,2152","1,2153","1,2154","1,2155","1,2156","1,2157","1,2158","1,2159","1,2160","1,2161","1,2162","1,2163","1,2164","1,2165","1,2166","1,2167","1,2168","1,2169","1,2170","1,2171","1,2172","1,2173","1,2174","1,2175","1,2176","1,2177","1,2178","1,2179","1,2180","1,2181","1,2182","1,2183","1,2184","1,2185","1,2186","1,2187","1,2188","1,2189","1,2190","1,2191","1,2192","1,2193","1,2194","1,2195","1,2196","1,2197","1,2198","1,2199","1,2200","1,2201","1,2202","1,2203","1,2204","1,2205","1,2206","1,2207","1,2208","1,2209","1,2210","1,2211","1,2212","1,2213","1,2214","1,2215","1,2216","1,2217","1,2218","1,2219","1,2220","1,2221","1,2222","1,2223","1,2224","1,2225","1,2226","1,2227","1,2228","1,2229","1,2230","1,2231","1,2232","1,2233","1,2234","1,2235","1,2236","1,2237","1,2238","1,2239","1,2240","1,2241","1,2242","1,2243","1,2244","1,2245","1,2246","1,2247","1,2248","1,2249","1,2250","1,2251","1,2252","1,2253","1,2254","1,2255","1,2256","1,2257","1,2258","1,2259","1,2260","1,2261","1,2262","1,2263","1,2264","1,2265","1,2266","1,2267","1,2268","1,2269","1,2270","1,2271","1,2272","1,2273","1,2274","1,2275","1,2276","1,2277","1,2278","1,2279","1,2280","1,2281","1,2282","1,2283","1,2284","1,2285","1,2286","1,2287","1,2288","1,2289","1,2290","1,2291","1,2292","1,2293","1,2294","1,2295","1,2296","1,2297","1,2298","1,2299","1,2300","1,2301","1,2302","1,2303","1,2304","1,2305","1,2306","1,2307","1,2308","1,2309","1,2310","1,2311","1,2312","1,2313","1,2314","1,2315","1,2316","1,2317","1,2318","1,2319","1,2320","1,2321","1,2322","1,2323","1,2324","1,2325","1,2326","1,2327","1,2328","1,2329","1,2330","1,2331","1,2332","1,2333","1,2334","1,2335","1,2336","1,2337","1,2338","1,2339","1,2340","1,2341","1,2342","1,2343","1,2344","1,2345","1,2346","1,2347","1,2348","1,2349","1,2350","1,2351","1,2352","1,2353","1,2354","1,2355","1,2356","1,2357","1,2358","1,2359","1,2360","1,2361","1,2362","1,2363","1,2364","1,2365","1,2366","1,2367","1,2368","1,2369","1,2370","1,2371","1,2372","1,2373","1,2374","1,2375","1,2376","1,2377","1,2378","1,2379","1,2380","1,2381","1,2382","1,2383","1,2384","1,2385","1,2386","1,2387","1,2388","1,2389","1,2390","1,2391","1,2392","1,2393","1,2394","1,2395","1,2396","1,2397","1,2398","1,2399","1,2400","1,2401","1,2402","1,2403","1,2404","1,2405","1,2406","1,2407","1,2408","1,2409","1,2410","1,2411","1,2412","1,2413","1,2414","1,2415","1,2416","1,2417","1,2418","1,2419","1,2420","1,2421","1,2422","1,2423","1,2424","1,2425","1,2426","1,2427","1,2428","1,2429","1,2430","1,2431","1,2432","1,2433","1,2434","1,2435","1,2436","1,2437","1,2438","1,2439","1,2440","1,2441","1,2442","1,2443","1,2444","1,2445","1,2446","1,2447","1,2448","1,2449","1,2450","1,2451","1,2452","1,2453","1,2454","1,2455","1,2456","1,2457","1,2458","1,2459","1,2460","1,2461","1,2462","1,2463","1,2464","1,2465","1,2466","1,2467","1,2468","1,2469","1,2470","1,2471","1,2472","1,2473","1,2474","1,2475","1,2476","1,2477","1,2478","1,2479","1,2480","1,2481","1,2482","1,2483","1,2484","1,2485","1,2486","1,2487","1,2488","1,2489","1,2490","1,2491","1,2492","1,2493","1,2494","1,2495","1,2496","1,2497","1,2498","1,2499","1,2500","1,2501","1,2502","1,2503","1,2504","1,2505","1,2506","1,2507","1,2508","1,2509","1,2510","1,2511","1,2512","1,2513","1,2514","1,2515","1,2516","1,2517","1,2518","1,2519","1,2520","1,2521","1,2522","1,2523","1,2524","1,2525","1,2526","1,2527","1,2528","1,2529","1,2530","1,2531","1,2532","1,2533","1,2534","1,2535","1,2536","1,2537","1,2538","1,2539","1,2540","1,2541","1,2542","1,2543","1,2544","1,2545","1,2546","1,2547","1,2548","1,2549","1,2550","1,2551","1,2552","1,2553","1,2554","1,2555","1,2556","1,2557","1,2558","1,2559","1,2560","1,2561","1,2562","1,2563","1,2564","1,2565","1,2566","1,2567","1,2568","1,2569","1,2570","1,2571","1,2572","1,2573","1,2574","1,2575","1,2576","1,2577","1,2578","1,2579","1,2580","1,2581","1,2582","1,2583","1,2584","1,2585","1,2586","1,2587","1,2588","1,2589","1,2590","1,2591","1,2592","1,2593","1,2594","1,2595","1,2596","1,2597","1,2598","1,2599","1,2600","1,2601","1,2602","1,2603","1,2604","1,2605","1,2606","1,2607","1,2608","1,2609","1,2610","1,2611","1,2612","1,2613","1,2614","1,2615","1,2616","1,2617","1,2618","1,2619","1,2620","1,2621","1,2622","1,2623","1,2624","1,2625","1,2626","1,2627","1,2628","1,2629","1,2630","1,2631","1,2632","1,2633","1,2634","1,2635","1,2636","1,2637","1,2638","1,2639","1,2640","1,2641","1,2642","1,2643","1,2644","1,2645","1,2646","1,2647","1,2648","1,2649","1,2650","1,2651","1,2652","1,2653","1,2654","1,2655","1,2656","1,2657","1,2658","1,2659","1,2660","1,2661","1,2662","1,2663","1,2664","1,2665","1,2666","1,2667","1,2668","1,2669","1,2670","1,2671","1,2672","1,2673","1,2674","1,2675","1,2676","1,2677","1,2678","1,2679","1,2680","1,2681","1,2682","1,2683","1,2684","1,2685","1,2686","1,2687","1,2688","1,2689","1,2690","1,2691","1,2692","1,2693","1,2694","1,2695","1,2696","1,2697","1,2698","1,2699","1,2700","1,2701","1,2702","1,2703","1,2704","1,2705","1,2706","1,2707","1,2708","1,2709","1,2710","1,2711","1,2712","1,2713","1,2714","1,2715","1,2716","1,2717","1,2718","1,2719","1,2720","1,2721","1,2722","1,2723","1,2724","1,2725","1,2726","1,2727","1,2728","1,2729","1,2730","1,2731","1,2732","1,2733","1,2734","1,2735","1,2736","1,2737","1,2738","1,2739","1,2740","1,2741","1,2742","1,2743","1,2744","1,2745","1,2746","1,2747","1,2748","1,2749","1,2750","1,2751","1,2752","1,2753","1,2754","1,2755","1,2756","1,2757","1,2758","1,2759","1,2760","1,2761","1,2762","1,2763","1,2764","1,2765","1,2766","1,2767","1,2768","1,2769","1,2770","1,2771","1,2772","1,2773","1,2774","1,2775","1,2776","1,2777","1,2778","1,2779","1,2780","1,2781","1,2782","1,2783","1,2784","1,2785","1,2786","1,2787","1,2788","1,2789","1,2790","1,2791","1,2792","1,2793","1,2794","1,2795","1,2796","1,2797","1,2798","1,2799","1,2800","1,2801","1,2802","1,2803","1,2804","1,2805","1,2806","1,2807","1,2808","1,2809","1,2810","1,2811","1,2812","1,2813","1,2814","1,2815","1,2816","1,2817","1,2818","1,2819","1,2820","1,2821","1,2822","1,2823","1,2824","1,2825","1,2826","1,2827","1,2828","1,2829","1,2830","1,2831","1,2832","1,2833","1,2834","1,2835","1,2836","1,2837","1,2838","1,2839","1,2840","1,2841","1,2842","1,2843","1,2844","1,2845","1,2846","1,2847","1,2848","1,2849","1,2850","1,2851","1,2852","1,2853","1,2854","1,2855","1,2856","1,2857","1,2858","1,2859","1,2860","1,2861","1,2862","1,2863","1,2864","1,2865","1,2866","1,2867","1,2868","1,2869","1,2870","1,2871","1,2872","1,2873","1,2874","1,2875","1,2876","1,2877","1,2878","1,2879","1,2880","1,2881","1,2882","1,2883","1,2884","1,2885","1,2886","1,2887","1,2888","1,2889","1,2890","1,2891","1,2892","1,2893","1,2894","1,2895","1,2896","1,2897","1,2898","1,2899","1,2900","1,2901","1,2902","1,2903","1,2904","1,2905","1,2906","1,2907","1,2908","1,2909","1,2910","1,2911","1,2912","1,2913","1,2914","1,2915","1,2916","1,2917","1,2918","1,2919","1,2920","1,2921","1,2922","1,2923","1,2924","1,2925","1,2926","1,2927","1,2928","1,2929","1,2930","1,2931","1,2932","1,2933","1,2934","1,2935","1,2936","1,2937","1,2938","1,2939","1,2940","1,2941","1,2942","1,2943","1,2944","1,2945","1,2946","1,2947","1,2948","1,2949","1,2950","1,2951","1,2952","1,2953","1,2954","1,2955","1,2956","1,2957","1,2958","1,2959","1,2960","1,2961","1,2962","1,2963","1,2964","1,2965","1,2966","1,2967","1,2968","1,2969","1,2970","1,2971","1,2972","1,2973","1,2974","1,2975","1,2976","1,2977","1,2978","1,2979","1,2980","1,2981","1,2982","1,2983","1,2984","1,2985","1,2986","1,2987","1,2988","1,2989","1,2990","1,2991","1,2992","1,2993","1,2994","1,2995","1,2996","1,2997","1,2998","1,2999","1,3000","1,3001","1,3002","1,3003","1,3004","1,3005","1,3006","1,3007","1,3008","1,3009","1,3010","1,3011","1,3012","1,3013","1,3014","1,3015","1,3016","1,3017","1,3018","1,3019","1,3020","1,3021","1,3022","1,3023","1,3024","1,3025","1,3026","1,3027","1,3028","1,3029","1,3030","1,3031","1,3032","1,3033","1,3034","1,3035","1,3036","1,3037","1,3038","1,3039","1,3040","1,3041","1,3042","1,3043","1,3044","1,3045","1,3046","1,3047","1,3048","1,3049","1,3050","1,3051","1,3052","1,3053","1,3054","1,3055","1,3056","1,3057","1,3058","1,3059","1,3060","1,3061","1,3062","1,3063","1,3064","1,3065","1,3066","1,3067","1,3068","1,3069","1,3070","1,3071","1,3072","1,3073","1,3074","1,3075","1,3076","1,3077","1,3078","1,3079","1,3080","1,3081","1,3082","1,3083","1,3084","1,3085","1,3086","1,3087","1,3088","1,3089","1,3090","1,3091","1,3092","1,3093","1,3094","1,3095","1,3096","1,3097","1,3098","1,3099","1,3100","1,3101","1,3102","1,3103","1,3104","1,3105","1,3106","1,3107","1,3108","1,3109","1,3110","1,3111","1,3112","1,3113","1,3114","1,3115","1,3116","1,3117","1,3118","1,3119","1,3120","1,3121","1,3122","1,3123","1,3124","1,3125","1,3126","1,3127","1,3128","1,3129","1,3130","1,3131","1,3132","1,3133","1,3134","1,3135","1,3136","1,3137","1,3138","1,3139","1,3140","1,3141","1,3142","1,3143","1,3144","1,3145","1,3146","1,3147","1,3148","1,3149","1,3150","1,3151","1,3152","1,3153","1,3154","1,3155","1,3156","1,3157","1,3158","1,3159","1,3160","1,3161","1,3162","1,3163","1,3164","1,3165","1,3166","1,3167","1,3168","1,3169","1,3170","1,3171","1,3172","1,3173","1,3174","1,3175","1,3176","1,3177","1,3178","1,3179","1,3180","1,3181","1,3182","1,3183","1,3184","1,3185","1,3186","1,3187","1,3188","1,3189","1,3190","1,3191","1,3192","1,3193","1,3194","1,3195","1,3196","1,3197","1,3198","1,3199","1,3200","1,3201","1,3202","1,3203","1,3204","1,3205","1,3206","1,3207","1,3208","1,3209","1,3210","1,3211","1,3212","1,3213","1,3214","1,3215","1,3216","1,3217","1,3218","1,3219","1,3220","1,3221","1,3222","1,3223","1,3224","1,3225","1,3226","1,3227","1,3228","1,3229","1,3230","1,3231","1,3232","1,3233","1,3234","1,3235","1,3236","1,3237","1,3238","1,3239","1,3240","1,3241","1,3242","1,3243","1,3244","1,3245","1,3246","1,3247","1,3248","1,3249","1,3250","1,3251","1,3252","1,3253","1,3254","1,3255","1,3256","1,3257","1,3258","1,3259","1,3260","1,3261","1,3262","1,3263","1,3264","1,3265","1,3266","1,3267","1,3268","1,3269","1,3270","1,3271","1,3272","1,3273","1,3274","1,3275","1,3276","1,3277","1,3278","1,3279","1,3280","1,3281","1,3282","1,3283","1,3284","1,3285","1,3286","1,3287","1,3288","1,3289","1,3290","1,3291","1,3292","1,3293","1,3294","1,3295","1,3296","1,3297","1,3298","1,3299","1,3300","1,3301","1,3302","1,3303","1,3304","1,3305","1,3306","1,3307","1,3308","1,3309","1,3310","1,3311","1,3312","1,3313","1,3314","1,3315","1,3316","1,3317","1,3318","1,3319","1,3320","1,3321","1,3322","1,3323","1,3324","1,3325","1,3326","1,3327","1,3328","1,3329","1,3330","1,3331","1,3332","1,3333","1,3334","1,3335","1,3336","1,3337","1,3338","1,3339","1,3340","1,3341","1,3342","1,3343","1,3344","1,3345","1,3346","1,3347","1,3348","1,3349","1,3350","1,3351","1,3352","1,3353","1,3354","1,3355","1,3356","1,3357","1,3358","1,3359","1,3360","1,3361","1,3362","1,3363","1,3364","1,3365","1,3366","1,3367","1,3368","1,3369","1,3370","1,3371","1,3372","1,3373","1,3374","1,3375","1,3376","1,3377","1,3378","1,3379","1,3380","1,3381","1,3382","1,3383","1,3384","1,3385","1,3386","1,3387","1,3388","1,3389","1,3390","1,3391","1,3392","1,3393","1,3394","1,3395","1,3396","1,3397","1,3398","1,3399","1,3400","1,3401","1,3402","1,3403","1,3404","1,3405","1,3406","1,3407","1,3408","1,3409","1,3410","1,3411","1,3412","1,3413","1,3414","1,3415","1,3416","1,3417","1,3418","1,3419","1,3420","1,3421","1,3422","1,3423","1,3424","1,3425","1,3426","1,3427","1,3428","1,3429","1,3430","1,3431","1,3432","1,3433","1,3434","1,3435","1,3436","1,3437","1,3438","1,3439","1,3440","1,3441","1,3442","1,3443","1,3444","1,3445","1,3446","1,3447","1,3448","1,3449","1,3450","1,3451","1,3452","1,3453","1,3454","1,3455","1,3456","1,3457","1,3458","1,3459","1,3460","1,3461","1,3462","1,3463","1,3464","1,3465","1,3466","1,3467","1,3468","1,3469","1,3470","1,3471","1,3472","1,3473","1,3474","1,3475","1,3476","1,3477","1,3478","1,3479","1,3480","1,3481","1,3482","1,3483","1,3484","1,3485","1,3486","1,3487","1,3488","1,3489","1,3490","1,3491","1,3492","1,3493","1,3494","1,3495","1,3496","1,3497","1,3498","1,3499","1,3500","1,3501","1,3502","1,3503","1,3504","1,3505","1,3506","1,3507","1,3508","1,3509","1,3510","1,3511","1,3512","1,3513","1,3514","1,3515","1,3516","1,3517","1,3518","1,3519","1,3520","1,3521","1,3522","1,3523","1,3524","1,3525","1,3526","1,3527","1,3528","1,3529","1,3530","1,3531","1,3532","1,3533","1,3534","1,3535","1,3536","1,3537","1,3538","1,3539","1,3540","1,3541","1,3542","1,3543","1,3544","1,3545","1,3546","1,3547","1,3548","1,3549","1,3550","1,3551","1,3552","1,3553","1,3554","1,3555","1,3556","1,3557","1,3558","1,3559","1,3560","1,3561","1,3562","1,3563","1,3564","1,3565","1,3566","1,3567","1,3568","1,3569","1,3570","1,3571","1,3572","1,3573","1,3574","1,3575","1,3576","1,3577","1,3578","1,3579","1,3580","1,3581","1,3582","1,3583","1,3584","1,3585","1,3586","1,3587","1,3588","1,3589","1,3590","1,3591","1,3592","1,3593","1,3594","1,3595","1,3596","1,3597","1,3598","1,3599","1,3600","1,3601","1,3602","1,3603","1,3604","1,3605","1,3606","1,3607","1,3608","1,3609","1,3610","1,3611","1,3612","1,3613","1,3614","1,3615","1,3616","1,3617","1,3618","1,3619","1,3620","1,3621","1,3622","1,3623","1,3624","1,3625","1,3626","1,3627","1,3628","1,3629","1,3630","1,3631","1,3632","1,3633","1,3634","1,3635","1,3636","1,3637","1,3638","1,3639","1,3640","1,3641","1,3642","1,3643","1,3644","1,3645","1,3646","1,3647","1,3648","1,3649","1,3650","1,3651","1,3652","1,3653","1,3654","1,3655","1,3656","1,3657","1,3658","1,3659","1,3660","1,3661","1,3662","1,3663","1,3664","1,3665","1,3666","1,3667","1,3668","1,3669","1,3670","1,3671","1,3672","1,3673","1,3674","1,3675","1,3676","1,3677","1,3678","1,3679","1,3680","1,3681","1,3682","1,3683","1,3684","1,3685","1,3686","1,3687","1,3688","1,3689","1,3690","1,3691","1,3692","1,3693","1,3694","1,3695","1,3696","1,3697","1,3698","1,3699","1,3700","1,3701","1,3702","1,3703","1,3704","1,3705","1,3706","1,3707","1,3708","1,3709","1,3710","1,3711","1,3712","1,3713","1,3714","1,3715","1,3716","1,3717",null,null,"1,1128","1,1129","1,1130","1,1131","1,1132","1,1133","1,1134","1,1135","1,1136","1,1137","1,1138","1,1139","1,1140","1,1141","1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,1551","1,1552","1,1553","1,1554","1,1555","1,1556","1,1557","1,1558","1,1559","1,1560","1,1561","1,1562","1,1563","1,1564","1,1565","1,1566","1,1567","1,1568","1,1569","1,1570","1,1571","1,1572","1,1573"],"ٞ":{"2":[1,2,3,4],"4":[5],"5":[6],"6":[7,8,9],"8":[10],"9":[11],"10":[12],"12":[13],"15":[14],"17":[15],"18":[16],"19":[17],"20":[18,19,20],"21":[21,22,23],"22":[24,25],"23":[26,27],"24":[28,29],"25":[30],"30":[31,32,33],"31":[34],"32":[35],"36":[36],"38":[37],"39":[38],"41":[39],"42":[40],"44":[41,42,43],"45":[44,45],"57":[46,47],"58":[48,49],"59":[50,51],"62":[52],"63":[53,54,55],"64":[56,57],"65":[58,59,60,61,62],"66":[63],"67":[64],"68":[65],"69":[66],"70":[67,68,69,70],"71":[71],"72":[72,73,74],"73":[75],"74":[76],"75":[77,78,79,80],"77":[81],"78":[82,83],"79":[84],"80":[85],"81":[86,87],"82":[88],"83":[89,90],"85":[91],"86":[92,93],"87":[94],"88":[95,96,97],"89":[98],"98":[99],"99":[100],"101":[101],"102":[102],"103":[103],"104":[104],"105":[105],"106":[106],"107":[107],"109":[108],"110":[109],"111":[110],"112":[111],"243":[112],"363":[113],"494":[114],"558":[115],"664":[116],"719":[117],"807":[118],"895":[119],"935":[120],"975":[121],"1013":[122],"1088":[123],"1181":[124],"1322":[125],"1386":[126],"1472":[127],"1542":[128],"1613":[129],"1663":[130],"1751":[131],"1812":[132],"1870":[133],"1935":[134],"2005":[135],"2047":[136],"2089":[137],"2120":[138],"2142":[139],"2238":[140],"2292":[141],"2330":[142],"2377":[143],"2441":[144],"2520":[145],"2588":[146],"2635":[147],"2678":[148],"2723":[149],"2772":[150],"2800":[151],"2824":[152],"2862":[153],"2896":[154],"2935":[155],"2959":[156],"2991":[157],"3022":[158],"3045":[159],"3086":[160],"3113":[161],"3134":[162],"3166":[163],"3186":[164],"3204":[165],"3223":[166],"3245":[167],"3255":[168],"3266":[169],"3273":[170],"3280":[171],"3294":[172],"3307":[173],"3319":[174],"3345":[175],"3362":[176],"3377":[177],"3393":[178],"3409":[179],"3424":[180],"3444":[181],"3459":[182],"3477":[183],"3489":[184],"3501":[185],"3517":[186],"3528":[187],"3540":[188],"3546":[189],"3558":[190],"3564":[191],"3571":[192],"3577":[193],"3583":[194],"3590":[195],"3600":[196],"3606":[197],"3611":[198],"3617":[199],"3623":[200],"3628":[201],"3633":[202],"3639":[203],"3643":[204],"3648":[205],"3652":[206],"3658":[207],"3662":[208],"3665":[209],"3668":[210],"3672":[211],"3678":[212],"3682":[213],"3686":[214],"3690":[215],"3693":[216],"3697":[217],"3703":[218],"3708":[219],"3713":[220],"3717":[221,222],"3718":[223],"3719":[224],"3720":[225,226,227,228,229],"3734":[230],"3757":[231]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"المملكة العربية السعودية - وزارة التعليم العالي\nجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية - كلية أصول الدين - قسم القرآن وعلومه\n\nلباب التفاسير، لأبي القاسم محمود بن حمزة الكرماني، المتوفى بعد سنة (٥٣١ هـ) «دراسة وتحقيقًا»\n\nتحقيق:\nرسائل دكتوراة بقسم القرآن وعلومه بكلية أصول الدين في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض:\n١ - ناصر بن سليمان العمر - من أول سورة الفاتحة إلى آخر سورة النساء - ١٤٠٤ هـ. [*]\n٢ - عبد الله بن حمد المنصور - من أول سورة المائدة إلى آخر سورة الإسراء - ١٤٢٩ هـ.\n٣ - إبراهيم بن محمد بن حسن دومري - من أول سورة الكهف إلى آخر سورة الصافات - ١٤٢٩ هـ.\n٤ - إبراهيم بن علي بن ولي الحكمي - من أول سورة ص إلى آخر سورة الناس - ١٤٢٩ هـ.\n_________\n[*] قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: لم نقف على هذه الرسالة من أي طريق، ولعل الله - ﷿ - ييسر الوقوف عليها مستقبلا","vol":"1","page":1},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>شكر وتقدير</span>\nأحمد الله تعالى وأشكره، وأثني عليه الخير كله، على ما أنعم وتفضل من عون وتوفيق لإكمال هذه الدراسةالعلمية، وأسأله بمنه وكرمه أن ينفعني وإياكم جميعًا بها، كيف لا، وهي في بيان القرآن الكريم وتدبره، فاللهم لا تحرمنا فضلك.\nثم أشكر والديَّ الكريمين على مؤازرتهما لي، وشدِّهما لعضدي، وحرصهما على إتمام البحث، ولا أنسى دعواتهما المستمرة لي بالتوفيق والسداد، والتي أسأل الله تعالى أن يكون أجابها وتقبَّلها، فاللهم اغفر لهما ووفقهما لكل خير.\nكما أشكر زوجي أم أحمد على معونتها وصبرها ومصابرتها، فلقد كانت نِعم المعين، فأسأل الله تعالى أن يغفر لها ويوفِّقها لكل خير.\nكما أشكر شيخي وأستاذي الفاضل فضيلة الشيخ الدكتور/ زاهر بن عواض الألمعي على حسن تعامله وطيب أخلاقه طوال فترة الإشراف، فإنك تجد فيه لطف التوجيه وحكمة القرار، فاللهم اغفر له ووفقه لكل خير.\nكما أشكر كل من أعانني من مشايخنا الفضلاء وإخواني الزملاء من منسوبي مفخرة البلاد ومهد العلم والعلماء: جامعة الإمام محمد بن سعود، وأخص منهم رئيس وأعضاء هيئة تدريس قسم القرآن الكريم وعلومه بكلية أصول الدين.\nكما أشكر جميع مَن مدَّ يد العون لإتمام هذا البحث من إخواني وأخواتي، ومشايخي وطلبة العلم، ومنسوبي وزارة التربية والتعليم، فاللهم اغفر لهم جميعًا ووفِّقهم لكل خير.\nوختامًا: أسأل الله تعالى التوفيق للجميع، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.","vol":"1","page":2},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\nالحمدُ لله نستعينه، ونستغفره، ونعوذُ بالله من شُرورِ أنفسِنا ومن سيئات أعمالنا، مَن يهدهِ الله فلا مُضلَّ له، ومَنْ يُضلل فلا هادي له، وأشْهدُ أن لا إله إلا الله وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسوله ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، [آل عمران: ١٠٢]. ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. [النساء: ١]. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. [الأحزاب: ٧٠ - ٧١].\nأما بعد:\nفأي نعمة عظيمة وأيُّ منحة جليلة أكبر من إنزال القرآن الكريم، إنَّه كتاب الله العظيم، تكلَّم به وتكفَّل بحفظه، وأمر بتدبُّره، ووعد من استهدى به أن يهديه، وتوعَّد من لم يحكم به أن يرديه، فلله الحمد والمنَّة أن جعلنا من أمة محمد -ﷺ- التي اختار الله تعالى لها هذا الكتاب المبين، ولله الحمد والمنة أن يسَّر لنا هذا القرآن، لنتدبَّره ونستهدي بهدايته، ونتعبَّد بتلاوته، فيا لها من نِعم عِظام ومِننٍ جسام، فاللهم ارزقنا العلم بهذا الكتاب، ووفقِّنا به لجزيل الثواب، إن في ذلك لعبرة لأولي الألباب.\nثم إني أحمد الله تعالى أن يسَّر لي إتمام هذا البحث على نحو أسأل الله تعالى أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وأن لا يجعل للدنيا فيه حظًّا أو نصيبًا، كما أسأله تعالى أن يجعل هذا العمل مباركًا ونافعًا لي ولجميع من يطلع عليه، وأن يستر الزلة ويقيل العَثرة، إنه جواد كريم يحب العفو والمغفرة.\nلقد كان تقديمي لكتاب أبي القاسم الكرماني «لباب التفاسير» للدراسة والتحقيق، خيرًا عظيمًا فيما أحسب، إذ اكتشفت منذ الوهلة الأولى أنني أمام أحد أعلام المفسرين، فكان هذا دافعًا لي لبذل المزيد من الجهد، ولا أخفيكم: لقد انتفعت كثيرًا بهذا البحث، فقلَّ أن يغادر الكرماني آية دون إيراد أقوال الصحابة والتابعين فيها، هذا عدا المنهجية الثابتة التي سار عليها في الاستدلال بالقرآن والآثار وشواهد اللغة، فغدا كتابه محلّ عناية العلماء، وكان مصدرًا لعدد من المفسرين الذين جاءوا بعده، كأبي حيّان، والسمين الحلبي، والألوسي وغيرهم، مما يدل على القيمة العلمية لهذا الكتاب.\nوسبق تحقيق ودراسة القسم الأول من هذا التفسير في رسالة علمية قُدِّمت لقسم القرآن وعلومه في كلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية لنيل درجة الدكتوراه، وقد تقدَّم بها في حينه فضيلة الشيخ: ناصر بن سليمان العمر، وكان التحقيق من بداية الكتاب إلى نهاية تفسير سورة النساء، إلا أنه عاق استكمال تحقيقه من طلاب آخرين عدم توفر النسخ الخطية الكافية لتحقيق باقي الكتاب، وقد منَّ الله تعالى عليَّ بالعثور على نسختين خطيَّتين كاملتين للكتاب، بالإضافة لبعض النسخ الأخرى الناقصة والتي مكَّنتني من العمل على ثلاث نسخ خطية لأكثر السور التي سأعمل على تحقيقها - إن شاء الله تعالى - فلهذا تقدمت إلى قسم القرآن وعلومه راغبًا الموافقة على تسجيل هذا الموضوع، وهو: دراسة وتحقيق القسم الثاني من تفسير الكرماني «لباب التفاسير» من أول سورة المائدة إلى نهاية سورة الإسراء، فيسَّر الله تعالى الموافقة عليه، واليوم أقدِّم هذا العمل سائلًا الله تعالى التوفيق والسداد، وأن ينفعنا جميعًا بالقرآن الكريم، وأن يجعلنا ممَّن يتدبَّره ويعمل بما فيه، إنه وليّ ذلك والقادر عليه.","vol":"1","page":3},{"text":"وتكمن<span data-type=\"title\" id=toc-5> أهمية الموضوع وأسباب اختياره </span>في النقاط التالية:\n- إن تحقيق الكتاب والدراسة العلمية له سوف تكون إضافة علمية مهمة للمكتبة القرآنية، خصوصًا فيما يتعلق بعلم التفسير، وذلك لما امتاز به الكتاب من ميزات لعل من أهمها: تحرير المعاني بعبارة غير طويلة، مع العناية بالاستدلال بالقرآن والآثار واللغة.\n- تقدم وفاة المؤلف، حيث توفي بعد سنة (٥٣١ هـ) بقليل، وكونه من الأعلام البارزين في ميدان القرآن وعلومه.\n- يعتبر «لباب التفاسير» من التفاسير الشاملة، فلم يقتصر على فنٍّ دون آخر، ولذلك أكثر في تفسيره هذا من العناية بالقراءات، وآثار السلف، وأسباب النزول، والناسخ والمنسوخ، وآيات الأحكام، والإعراب والشواهد الشعرية، وبعض فنون اللغة الأخرى.\n- اشتهر المؤلف بكتابَيه الآخرين: «البرهان في متشابه القرآن» و«غرائب التفسير» مما دفعني لتحقيق هذا التفسير الذي سار فيه الكرماني وفق المنهج المعروف عند عامة المفسرين، فتحقَّقَ بذلك صِحة ثناء العلماء على منزلته في التفسير وعلوِّ كعبه فيه، وهو ذات الأمر الذي دفع عددًا من المفسرين إلى نقل اختياراته ومناقشتها كأبي حيان والسمين الحلبي والألوسي وغيرهم.\n- كان من الأسباب التي دفعتني لتحقيق الكتاب: العثور على نسخٍ خطية للكتاب في مدينة اسطنبول من بلاد الجمهورية التركية، وهو أمر كان عائقًا لبعض من رغب في إكمال تحقيق الكتاب من الزملاء الباحثين.\nويهدف هذا البحث إلى التعريف بالمصنف، وكشف المزيد من جوانب حياته العلمية والعملية مع التعريف بكتابه «لباب التفاسير» وبيان قيمته العلمية والأثر العلمي الذي تركه فيمن أتى بعده، بالإضافة إلى إخراج كتابه «لباب التفاسير» محققًا تحقيقًا علميًا، وذلك من أول سورة المائدة إلى نهاية سورة الإسراء.\nوحيث سبق تحقيق ودراسة القسم الأول من هذا التفسير كما تقدم، وحيث لم أجد من تقدم لإكمال بقية الكتاب بسبب عدم توفر نسخه الخطية كما أفادني بذلك الباحث الأول، فقد تمكنت بفضل الله تعالى من العثور على نسخ خطية للكتاب، مما دفعني للعمل على تحقيق القسم الثاني من هذا الكتاب، وكان عملي من حيث انتهى الباحث الأول - وهو يمثل في النسخة الخطية الأولى التي صورتها من اسطنبول (١١٠) لوحات - فابتدأت العمل من اللوحة (١١٠) إلى اللوحة (٢٨٢)، وهو يشمل تفسير: المائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال، والتوبة، ويونس، وهود، ويوسف، والرعد، وإبراهيم، والحجر، والنحل، والإسراء، ومجموع أوراق هذا القسم (١٧٢) لوحة، وتمثل (٣٤٤) صفحة.","vol":"1","page":4},{"text":"وقد تكونت<span data-type=\"title\" id=toc-6> خطة البحث </span>من مقدمة، وقسمين، وخاتمة، وذلك على النحو التالي:\n- المقدمة، وتشمل أهمية الموضوع وأسباب اختياره، وأهداف البحث، والدراسات السابقة، وخطة البحث، والمنهج الذي سأسير عليه في تحقيق الكتاب ودراسته.\n- القسم الأول: قسم الدراسة، ويتكون من ثلاثة فصول:\nالفصل الأول: عصر المؤلف، وفيه ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: الحالة السياسية، وأثرها في حياته.\nالمبحث الثاني: الحالة الاجتماعية، وأثرها في حياته.\nالمبحث الثالث: الحالة العلمية، وأثرها في حياته.\nالفصل الثاني: حياة المؤلف، وفيه خمسة مباحث:\nالمبحث الأول: اسمه، ونسبه، ومولده، ونشأته.\nالمبحث الثاني: شيوخه وتلاميذه.\nالمبحث الثالث: عقيدته، ومذهبه الفقهي.\nالمبحث الرابع: مكانته العلمية ومؤلفاته.\nالمبحث الخامس: وفاته.\nالفصل الثالث: التعريف بالكتاب وقيمته العلمية، وفيه أربعة مباحث:\nالمبحث الأول: اسم الكتاب.\nالمبحث الثاني: نسبة الكتاب إلى مؤلفه.\nالمبحث الثالث: النسخ الخطية للكتاب.\nالمبحث الرابع: قيمة الكتاب العلمية، وأثره في التفاسير المؤلفة بعده.\n- القسم الثاني: النص المحقق.\nالخاتمة، وفيها أهم نتائج البحث وتوصياته.\nالفهارس:\nحيث سيتم خدمة الكتاب بالفهارس العلمية الآتية:\nأ - فهرس أسماء السور.\nب - فهرس الآيات.\nج - فهرس القراءات.\nد - فهرس الأحاديث.\nهـ - فهرس الآثار.\nو- فهرس الأعلام.\nز - فهرس الأشعار.\nح - فهرس الجماعات والقبائل والفرق.\nط - فهرس الأمكنة والمواضع.\nي - ثبت المصادر والمراجع.\nك - فهرس الموضوعات.","vol":"1","page":5},{"text":"أما<span data-type=\"title\" id=toc-7> منهج البحث </span>فإني سأسلك في القسم الدراسي المنهج الوصفي التحليلي، وأما قسم التحقيق فسيكون العمل فيه كالتالي:\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>أولًا: منهج كتابة النص المحقق:</span>\n- اعتماد النصّ المختار بين نسخ الكتاب مع الإشارة في الهامش إلى اختلاف النسخ، مع إهمال الفروق الطفيفة، كاختلاف النسخ في صيغة الصلاة على النبي -ﷺ-، أو الترضِّي عن الصحابة، أو إهمال الهمز (لأنه - لانه)، أو تسهيله (الملائكة - الملايكة).\n- نسخ المخطوط وفق قواعد الإملاء المتعارف عليها في العصر الحاضر.\n- كتابة الآيات وفق رسم المصحف، مع توثيقها بذكر اسم السورة ورقم الآية بين هلالين خلال نص الكتاب.\n- ضبط الكلمات المشكلة والغريبة في نص الكتاب.\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>ثانيًا: منهج التعليق في الحاشية:</span>\n- توثيق القراءات القرآنية عن طريق ذكر من قرأ بها، والحكم عليها من جهة التواتر أو الشذوذ، مع الإحالة إلى كتاب أو كتابين من مصادر القراءات المعتمدة، وأحيانًا يكون تفسير الكرماني وفق إحدى القراءات ثم يشير للمعنى وفق القراءات الأخرى، فمثل هذا استلزم مني الإشارة في الهامش إلى ربط المعاني بالقراءات.\n- تخريج الأحاديث والآثار من مصادرها الأصيلة، علمًا أنه إذا كان الحديث في الصحيحين أو أحدهما فسأكتفي بالعزو إليهما أو إلى أحدهما، وإذا كان في غيرهما فسأتوسع في التخريج، مع نقل كلام أهل العلم على الأحاديث من جهة القبول أو الرد.\n- عزو أقوال أهل العلم المنسوبة في الكتاب لقائليها إلى مصادرها الأصيلة، فإن لم أعثر عليها فسيتم العزو إلى الكتب التي نقلت عنهم، فإن لم أجدها تركتها دون عزو لعل الله ييسر لي أو لغيري العثور عليها، أما الأقوال غير المنسوبة التي يهمل الكرماني الإشارة لمن قال بها فلم أذكر من قال بها سوى ما كان مستغربًا أو رأيت أنه ليس في المصادر المشهورة فإني أشير لمن قال به.\n- توثيق المسائل العقدية والفقهية من الكتب المعتمدة، مع ترتيبها وفق وفيات مؤلفيها.","vol":"1","page":6},{"text":"- التعليق على الكلمات المشكلة والغريبة في نصّ الكتاب بالبيان والتوضيح نقلًا عن المصادر المعتمدة في هذا الباب.\n- التعريف بالأعلام، والبلدان، والأماكن التي ترد في نصّ الكتاب المحقق، مع مراعاة توثيق ذلك كله من مراجع متقدمة ومتأخرة، وذكر الأسماء الحديثة للمسميات القديمة.\n- التعريف بالفِرق، وذلك بذكر الاسم المشهور للفرقة وما يُرادفه، وذكر نبذة عن نشأتها وأشهر رجالها، وبيان ما تعرف به من آراء، ويعتمد ذلك كله من مصادر الفرق والملل والنحل المعتبرة.\n- نسبة الأبيات الشعرية لقائليها وتوثيقها من دواوين أصحابها أو دواوين اللغة والأدب، وإن لم يكن فمن مظانها من الكتب المتقدمة.\n- ستتم الإحالة للمصادر وفق الآتي:\n- إذا كان النقل بالنص أو بالمعنى فسيذكر اسم الكتاب والجزء والصفحة، ويذكر اسم المؤلف إذا لم يذكر في ثنايا نص الكتاب، أو كان اسم الكتاب مشتركًا بين أكثر من كتاب.\n- نقل الكرماني عن بعض الكتب غير المطبوعة، مثل تفسير «البسيط» للواحدي، كما نقل عن كتب مطبوعة ولكنها كثيرة التحريف والخطأ، مثل تفسير «الكشف والبيان» للثعلبي، فرجعت إلى الرسائل العلمية التي حققت الكتابين، والعزو لمثل هذه الرسائل سيكون بذكر رقم الصفحة فقط، حيث سيتم التعريف بالرسالة العلمية واسم الباحث ضمن مراجع البحث إن شاءالله تعالى.\n- كان من مصادر الكرماني: تفسير الرماني، وهو علي بن عيسى الرماني المتوفى سنة (٣٨٤ هـ)، وكان الكرماني ينقل عنه باسم: ابن عيسى، فجمعت مخطوطات تفسيره، ولم أعثر على ما يوافق عملي إلا المخطوطة الموجودة في مكتبة المسجد الأقصى فقطعت الأمل في تحصيلها، ثم لاح الأمل من جديد حيث وجدتها مصورة في معهد المخطوطات بجامعة الدول العربية بمصر، فطلبتها بمساعدة أخي الفاضل الدكتور/ مساعد الطيار، فوصلتني، فوجدتها تبدأ من الآية (١٧) من سورة إبراهيم إلى الآية (٣٧) من سورة الكهف، فالحمد لله على توفيقه.","vol":"1","page":7},{"text":"القسم الأول\nقسم الدراسة\nوفيه ثلاثة فصول\n- الفصل الأول: عصر المؤلف.\n- الفصل الثاني: حياة المؤلف.\n- الفصل الثالث: التعريف بالكتاب وقيمته العلمية.","vol":"1","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>الفصل الأول\nعصر المؤلف</span>\nوفيه ثلاثة مباحث:\n- المبحث الأول: الحالة السياسية، وأثرها في حياته.\n- المبحث الثاني: الحالة الاجتماعية، وأثرها في حياته.\n- المبحث الثالث: الحالة العلمية، وأثرها في حياته.","vol":"1","page":9},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>تمهيد:</span>\nينسب الكرماني إلى بلدة كرمان، وعنها يقول ياقوت الحموي: (بفتح الكاف ومنهم مَن يكسرها وسكون الراء، صقع كبير وإقليم واسع يشتمل على مدن كثيرة وبلدان واسعة وخيرات كثيرة، وفيها نخل كثير وتمر جيد يفوق تمر البصرة، وهي بين فارس وسجستان ومكران، وحدٌّ منها يتصل بحدود خراسان، والمنسوبون إليها لا يحصون كثرة) (١).\nومساحة هذه المنطقة الواسعة تبلغ ١٨٠ في ١٨٠ فرسخًا، وبذلك تغطي زهاء (١٧٩٦٥٢) كيلو مترًا مربعًا (٢)، ويوجد بالمنطقة العديد من المدن والقرى، منها: كرمان، وبردسير، وسيرجان، وبَمّ، وجيرفت، وزماشير، وهرمز، وسورو (التي تسمى حاليًا بندر عباس) وغيرها.\nوهذه المنطقة كلها تعتبر حاليًا جزءًا من الجمهورية الإيرانية، وتذكر بعض الكتابات الجغرافية القديمة كرمان وبردسير على السواء على أنهما عاصمة كرمان، والسبب في ذلك هو أن الحاكم في بعض الأحيان كان يقيم في كرمان وأحيانًا في بردسير، وفي الحقيقة بردسير مدينة مختلفة عن كرمان وتفصل بينهما مسافة (٥٠) كم (٣).\n_________\n(١) «المشترك وضعًا والمفترق صقعًا» لياقوت الحموي (ص ٣٧٢)، و«التمييز والفصل» لابن باطيش ١/ ٤٤٥.\n(٢) «كرمان في العهد البويهي» للدكتور إبراهيم البلوشي (ص ١٩).\n(٣) المصدر السابق (ص ٣٢)، و=بلدان الخلافة الشرقية= لكي لسترنج (ص ٣٣٨).","vol":"1","page":10},{"text":"ولكي يتم تصور موقع كرمان أكثر، أنقل للقارئ جدول المسافات التالي (١):\nمن كرمان إلى طهران = ١٠٤٤ كم تقريبًا.\nمن كرمان إلى سورو (بندر عباس) = ٥٤٧ كم تقريبًا.\nمن كرمان إلى بم = ١٩٣ كم تقريبًا.\nمن كرمان إلى سعيدأباد = ١١١ كم تقريبًا.\nمن كرمان إلى شيراز = ٥٦٠ كم تقريبًا.\nومن المهم أن أشير إلى أن السلاجقة حكموا كرمان قرابة (١٥٠) عامًا، تبدأ من عام ٤٣٣ هـ إلى عام ٥٨٢ هـ، وهي الفترة التي عاش فيها محمود بن حمزة الكرماني (٢)، ومن المهم أيضًا أن أشير إلى أن محمودًا هذا يقال إنه لم يغادر بلده كرمان، وفي ذلك يقول ياقوت: (لم يفارق وطنه ولا رحل) (٣)، بينما نجد الكرماني يذكر عن نفسه في كتابه «النهاية شرح الغاية» أنه رحل إلى بغداد والتقى بعلمائها، واطلع على كتاب «الهداية في شرح مشكلات الغاية» لأحمد بن أبي بكر الضرير البغوي، فهذه رحلة علمية غَفَل عنها ياقوت (٤).\n* * *\n_________\n(١) المصدر السابق (ص ٤٤ - ٤٥).\n(٢) «موجز التاريخ الإسلامي» لأحمد العسيري (ص ٢٢٢).\n(٣) «معجم الأدباء» لياقوت الحموي ٦/ ٢٦٨٦.\n(٤) قاله الدكتور: شمران العجلي محقق كتاب «غرائب التفسير» ١/ ٣٠.","vol":"1","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>المبحث الأول\nالحالة السياسية وأثرها في حياته</span>\nلا نعرف تحديدًا دقيقًا لسنة ميلاد الكرماني ولا سنة وفاته، ولكننا نعلم أنه عاش النصف الثاني من القرن الخامس، وبعضًا من النصف الأول من القرن السادس.\nوفي هذه الفترة كانت كرمان تحت حكم السلاجقة، وهم سُنَّةٌ، حيث حكمها عماد الدين قره أرسلان قاورد بن جغري بيك ابتداءً من عام ٤٣٣ هـ إلى حين وفاته ٤٦٥ هـ، وذلك بأمر من سلطان السلاجقة في ذلك الوقت طغرك بك، ولم يَخْلُ عصر قاورد من بعض المناوشات السياسية، مما كان سببًا في مقتله بالسمّ كما سيأتي.\nثم أُسند حكم كرمان لسلطان شاه بن قاورد وكان يلقَّب بركن الدين، فحكم مدة ثم توفي في عام ٤٧٧ هـ.\nثم تلاه تورانشاه بن قاورد، وكان يلقب بمحيي الدين عماد الدولة، وكان عادلًا ومنصفًا بين الرعية، وعمد إلى تعمير البلاد، ومات في عام ٤٨٩ هـ.\nتلاه ابنه إيران شاه الملقب ببهاء الدين، وكان فاسقًا ظالمًا لا يهتم بالرعية، ويميل إلى اللهو والمتعة، ويتعاطف مع الإسماعيلية، فخرج عليه أهل كرمان وقتلوه بعد حكم دام خمس سنوات، وكان مصرعه في عام ٤٩٤ هـ.\nوكان إيران شاه أثناء حياته على خلاف مع ابن عمه أرسلان شاه بن كرمان شاه قاورد، وحاول إيران شاه قتل ابن عمه، وفرَّ أرسلان شاه، فلما هلك إيران شاه خرج أرسلان شاه ونصَّبَهُ أمراء كرمان وأعيانها سلطانًا للبلاد، وكان عادلًا محسنًا، واستمر يحكم البلاد مدة ٤٢ سنة، إلى أن توفي في عام ٥٣٦ هـ (١).\n_________\n(١) هذا العرض المختصر أخذته من كتاب «السلاجقة في التاريخ والحضارة» للدكتور أحمد كمال حلمي (ص ٨١ - ٨٤).","vol":"1","page":12},{"text":"في هذه الأجواء السياسية كانت حياة الكرماني في كرمان.\nولم يختلف الأمر كثيرًا عن البلاد المجاورة لكرمان، فعموم بلاد فارس كانت فيها مناوشات عسكرية، حيث كان طغرل بك سلطان السلاجقة يُخضِع الدول المجاورة كالزيادية في طبرستان وجرجان عام ٤٣٣ هـ، وفي العام التالي ٤٣٤ هـ ضمَّ طغرل خوارزم إلى ممتلكاته، ثم أتبعها الري واتخذ منها عاصمة له، وتمكن كذلك من الاستيلاء على قزوين وأبهر وزنجان، فأصبح أمراء الديلم طوع أمره وأبناء علاء الدين كاكويه رهن إشارته، وهكذا اتَّسع نطاق نفوذه فبات يسيطر على إيران كلها تقريبًا.\nثم امتدت سيطرته إلى خراسان وهمدان ٤٤١ هـ، وأصفهان ٤٤٣ هـ، ثم بغداد عام ٤٤٧ هـ، وإزاء قوة طغرل وانتصاره لم يجد الخليفة العباسي «القائم بأمر الله» بدًّا من أن يصدر أمره بقراءة الخطبة باسمه وحذف اسم الملك الرحيم البويهي نهائيًا، وترسَّخت العلاقة بين الخليفة القائم بأمر الله وبين طغرل بك، لدرجة أن الخليفة تزوج من ابنة أخي طغرل بك جغري بك.\nولقد أغضب هذا الأمر المستنصر بالله الخليفة الفاطمي، إذ ساءه أن يكون المذهب السني يزدهر في هذه المناطق، فحرَّك أحد المماليك ويدعى أبا الحارس البساسيري لمهاجمة بغداد، وذلك حين كان طغرل خارجها، مما جعل الخليفة العباسي يفر من بغداد ناجيًا بنفسه، وأمر البساسيري بقراءة الخطبة باسم المستنصر بالله الخليفة الفاطمي الذي كان يحكم آنذاك في مصر، وكان ذلك في الثامن من ذي القعدة من عام ٤٥٠ هـ، وسارع طغرل بالتوجه إلى بغداد فوقع قتال عنيف بينه وبين البساسيري انتهى بقتل البساسيري وإرسال رأسه إلى الخليفة القائم، وتم الاستيلاء على بغداد في الخامس عشر من ذي الحجة من عام ٤٥١ هـ، وزال نفوذ الفاطميين عنها، وعاد الخليفة القائم إليها مرة أخرى.\nوقد وثَّق طغرل علاقته بخليفة بغداد عن طريق زواجه من ابنته في عام ٤٥٤ هـ، إلا أنه توفي بعد عام من زواجه في ٤٥٥ هـ عن عمر يبلغ السبعين، تاركًا البلاد لعدد من المتنازعين على العرش، واستمر حكمه ٢٦ سنة.","vol":"1","page":13},{"text":"وقد حصل نزاع على العرش بعد وفاة طغرل بين ابني أخيه جغري، وهما ألب رسلان بن جغري وسليمان بن جغري، إلا أن هذا النزاع لم يدم طويلًا إذ استقر الأمر لألب أرسلان، مما مكَّنه من السعي إلى استقرار البلاد وإخماد حركات المعارضة، بل سعى إلى مدّ بصره إلى البلاد الواقعة خارج نطاق نفوذه وفي مقدمتها البلاد المسيحية والبلاد غير الإسلامية بوجه عام. وعلم الإمبراطور الروماني رومانوس ديوجينس برغبة ألب أرسلان فتجهَّز الفريقان لمعركة ملاذكرد الشهيرة والتي انتصر فيها ألب أرسلان وأُسِرَ الإمبراطور وقُتِلَ عدد هائل من أفراد جيشه البالغ ٢٠٠ ألف مقاتل.\nوبعد حكم دام أكثر من تسع سنوات وفي عام ٤٦٥ هـ قُتِلَ ألب أرسلان إثر طعنة من قائد من قواد إحدى القلاع المفتوحة يدعى يوسف الخوارزمي، وقد كان أوصى لابنه ملكشاه على عرش السلاجقة، ولكن هذا الأمر لم يعجب قاورد والي كرمان وهو عَمُّ ملكشاه، إذ رأى قاورد أنه أحق بعرش السلاجقة من ملكشاه، فتقابلا في معركة كبيرة في همدان انتهت بأسر ملكشاه لقاورد، ثم قتله لاحقًا بناءً على مشورة الوزير نظام الملك، ورأى ملكشاه وبمشورة وزيره نظام الملك أنه من الحكمة ترك ولاية كرمان في أبناء عمه قاورد يحكمونها، واستمر حكمهم لها حتى عام ٥٨٣ هـ، وهم الذين عُرفوا في التاريخ باسم سلاجقة كرمان (١).\nومع كثرة النزاعات في العهد السلجوقي، إلا أنها نزاعات على السلطنة والملك، وكانت كلها ضمن المذهب السُّني، وليست معارك دينية، وقد كانت كرمان خلال هذه الفترة أكثر استقرارًا من البلدان المجاورة رغم ما حصل فيها من بعض المناوشات كما سبق، ولم أجد إشارة من الكرماني في كتابه هذا لأمر يتعلق بأحد السلاطين، ولم يمدح أو يذم أحدهم، مما يشير إلى عدم تأثره الكبير بهذه الأحداث السياسية.\n* * *\n_________\n(١) هذا المختصر أخذته من كتاب «تاريخ إيران» (٢١ - ٩٠٦ هـ) للدكتور فاروق عمر والدكتور مرتضى النقيب (ص ١٦٢ - ١٧٣)، وكتاب «السلاجقة» للدكتور أحمد حلمي (ص ٢٧ - ٣٨)، وكتاب «كرمان» للدكتور إبراهيم البلوشي (ص ١٥٢ - ١٥٥).","vol":"1","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>المبحث الثاني\nالحالة الاجتماعية وأثرها في حياته</span>\nلقد كان لسيطرة السلاجقة على المشرق الإسلامي أكثر الأثر في انتشار المذهب السني واندحار المذهب الباطني الفاطمي الذي ازدهر في فترة حكم بني بويه، ولقد كان لهذا الأمر صور عديدة، لعل من أبرزها:\n- أصدر السلطان طغرلبك أمره سنة ٤٤٥ هـ بلعن الرافضة من على منابر خراسان (١).\n- في عام ٤٤٨ هـ أصدر الخليفة القائم بأمر الله أمره إلى أهل الكرخ والمشهد وغيرهما بأن يؤذن: الصلاة خير من النوم، وأن يتركوا: حي على خير العمل، ففعلوا ما أمرهم به خوف السلطنة وقوّتها (٢).\n- كانت سياسة السلاجقة إبعاد أصحاب المذاهب الباطنية والديلمية عن الجهاز الإداري للدولة السلجوقية، وفي ذلك يذكر نظام الملك (٣) أنه لم يكن أحد في زمن السلطان طغرلبك يجرؤ على أن يعين أحدًا من خبثاء المذهب المخالفين لأهل السنة.\nلقد أدت مثل هذه الأعمال والسياسات إلى انكفاء دعاة الفلاسفة والباطنية\n_________\n(١) «الكامل» لابن الأثير ١٠/ ٣٣.\n(٢) «الكامل» لابن الأثير ٩/ ٦٣٢.\n(٣) في كتابه «سياسة نامه» (ص ٢٠٤) بواسطة رسالة الدكتوراه التي كتبها الدكتور محمد المدخلي بعنوان: (المشرق الإسلامي في عصر السلاطين السلاجقة الأوائل) (ص ٤٧٠)، من مكتبة جامعة أم القرى.","vol":"1","page":15},{"text":"والمتكلمين على أنفسهم، وفقدوا الجرأة على الظهور العلني، بل وصل الأمر إلى أهل الذمة، ففي ٤٤٨ هـ ألزم طغرلبك أهل الذمة بلبس الغيار ببغداد، وهو علامة لأهل الذمة يُشَدُّ على وسطهم، قال ابن كثير: بَيَّض الله وجهه (١).\nوكان للمعتزلة حضورهم في تلك الفترة، ولكنه لم يكن بدرجة ظهور الباطنية، وقد كان التشيُّع والاعتزال قد فشا في عهد البويهيين، وفشا مذهب الاعتزال بخاصة في العراق وخراسان وما وراء النهر، وذهب إليه جماعة من مشاهير الفقهاء، واستمر الأمر كذلك حتى أصدر الخليفة القادر كتابًا سماه: الاعتقاد القادري، احتوى على نقض لكثير من آراء المعتزلة، وفيه جملة جيدة من اعتقاد السلف، وأُخذت خطوط العلماء والزُّهاد بأنه اعتقاد المسلمين (٢).\nوكانت كرمان في هذه الفترة -كذلك - في ازدهار معيشي رغم ماكانت تعانيه من اختلاف مذهبي، فهي منطقة زراعية ممتازة كما ذكرت سابقًا.\nولقد تأثر الكرماني بهذه الحالة الاجتماعية، وظهر أثر ذلك في تفسيره في بعض المواطن، حيث يشير أحيانًا لمذهب الرافضة والمعتزلة، ويرفق ذلك بالرد عليهم كما سيأتي عند دراسة عقيدته.\n* * *\n_________\n(١) انظر: «البداية والنهاية» لابن كثير ١٥/ ٧٣٨.\n(٢) انظر: «البداية والنهاية» لابن كثير ١٥/ ٦٨٥، و«الحاكم الجشمي» للدكتور عدنان زرزور (ص ٣٦ - ٣٧).\nوقد ساق ابن الجوزي في «المنتظم» ١٥/ ٢٧٩ - ٢٨٢ هذا الاعتقاد كاملًا.","vol":"1","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>المبحث الثالث\nالحالة العلمية وأثرها في حياته</span>\nكان العصر السلجوقي عصر رواج للعلوم المذهبية والأدبية بخاصة، وعصر انطلاق للحركة المدرسية في الإسلام، إذ كان التعليم في المدارس امتدادًا لحركة التعليم في المساجد.\nوكان حكام السلاجقة يعتنقون المذهب الحنفي، وتبعهم وزراؤهم إلا البعض منهم، فالكندري مثلًا كان حنفي المذهب متعصبًا للغاية، ثم لان في آخر أمره وفارق التعصب، بينما كان نظام الملك شافعي المذهب (١).\nوإننا نجد في عصر السلاجقة علماء من المذهَبَيْن الحنفي والشافعي، وفي هذا العصر أنشئت مدارس يدرس فيها كتب المذهَبين وأُلفت كتب في كلا المذهبين، كما أنه برز جماعة من علماء التفسير وعلوم القرآن، ولعل من أبرزهم:\n١ - علي بن أحمد الواحدي النيسابوري (ت ٤٦٨ هـ)، صاحب البسيط والوسيط والوجيز وأسباب النزول وغيرها.\n٢ - أبو المظفر منصور بن محمد السمعاني المروزي (ت ٤٨٩ هـ)، له تفسير مطبوع.\n٣ - الراغب الأصفهاني الحسين بن محمد بن مفضل (ت ٥٠٢ هـ)، له تفسير مشهور، وكتاب المفردات في ألفاظ القرآن الكريم.\n٤ - الكيا الهراسي عماد الدين علي بن محمد الطبري (ت ٥٠٤ هـ) له أحكام القرآن.\n٥ - محيي السنة الحسين بن مسعود البغوي (ت ٥١٦ هـ)، له تفسير مطبوع.\nوفي هذا العصر تم تأسيس المدارس النظامية، نسبة إلى وزير السلاجقة نظام الملك، ويمكن القول إنه تم إنشاء مدرسة في كل مدينة بالعراق وخراسان (٢)، وخصصت أوقاف لهذه المدارس تُدِرُّ عليها الأموال، وقد كانت هذه المدارس مخصصة لأصحاب المذهب الشافعي فقط، وقد كان للحنفية مدارسهم الخاصة بهم كذلك (٣).\nوبهذا نعلم أن احترام العلم والعلماء كان سجية واضحة في الدولة السلجوقية منذ قيامها، ولا شك أن صاحبنا الكرماني عايش هذه النهضة العلمية وتأثَّر بها وأثَّر فيها، كما سيأتي لاحقًا عند سرد مشايخه وتلامذته - إن شاء الله تعالى -.\n* * *\n_________\n(١) انظر: «تاريخ دولة آل سلجوق» للعماد الأصفهاني اختصار الفتح بن علي البنداري الأصفهاني، و«السلاجقة» للدكتور أحمد حلمي (ص ٢٢٣) و(ص ٣٧٦).\n(٢) «الحياة العلمية في عصر السلطان ألب أرسلان السلجوقي» للدكتور طلال الشعبان، (ص ٢٨) وما بعدها.\n(٣) انظر: «السلاجقة» للدكتور أحمد حلمي (ص ٣٧٤).","vol":"1","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>الفصل الثاني\nحياة المؤلف</span>\nوفيه خمسة مباحث:\n- المبحث الأول: اسمه ونسبه ومولده ونشأته.\n- المبحث الثاني: شيوخه وتلامذته.\n- المبحث الثالث: عقيدته ومذهبه الفقهي.\n- المبحث الرابع: مكانته العلمية ومؤلفاته.\n- المبحث الخامس: وفاته.","vol":"1","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-17>المبحث الأول\nاسمه ونسبه ومولده ونشأته</span>\nاتفقت كتب التراجم على أن اسمه: محمود بن حمزة بن نصر، أبو القاسم الكرماني (١). وزاد بعضهم برهان الدين، ولقبه عندهم: تاج القراء، وسبق أن ذكرت أنه ينسب إلى كرمان، حيث ورد في ترجمته أنه لم يغادرها، وبيَّنا هناك أن هذا القول تنقصه الدقة، فقد ذكر الكرماني في كتابه «النهاية» أنه رحل إلى بغداد.\nولم تذكر مصادر الترجمة سنة وفاته بدقة كما سيأتي، فمن باب أولى أن لا تورد سنة ولادته، ولكن من خلال بعض الدلائل التي سنوردها - إن شاءالله تعالى - في تحديد سنة وفاته، يظهر - والله أعلم - أن الكرماني ولد في منتصف القرن الخامس تقريبًا، والظاهر أن خروجه من كرمان كان قليلًا جدًا أو نادرًا، ولذلك جزم ياقوت في ترجمته بأنه لم يغادر موطنه.\nولا نعرف شيئًا عن أسرته إلا ما ورد في ترجمة والده حمزة بن نصر، حيث ذكر ابن الجزري (٢) أنه مقرئ متصدِّر، وأن ابنه محمودًا ممن قرأ عليه، فظهر بذلك أن الكرماني تأثر بوالده في نشأته العلمية، فالظاهر أنها نشأة علم ودين.\n* * *\n_________\n(١) مصادر ترجمته:\n«خريدة القصر» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧ هـ)، ذكر فضلاء أهل فارس ٣/ ٦٦ - ٦٧.\n«معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦ هـ) ٦/ ٢٦٨٦.\n«غاية النهاية» لابن الجزري (ت ٨٣٣ هـ) ٢/ ٢٩١.\n«بغية الوعاة» للسيوطي (ت ٩١١ هـ) ٢/ ٢٧٧ - ٢٧٨.\n«طبقات المفسرين» للداودي (ت ٩٤٥ هـ) ٢/ ٣١٢ - ٣١٣.\n«كشف الظنون» لحاجي خليفة (ت ١٠٦٧ هـ) ١/ ٢٤١، ٢/ ١١٩٧، ٢/ ١٥٤١.\n«طبقات المفسرين» لأحمد الأدنه وي (كان حيًا سنة ١٠٩٥ هـ) ص ١٤٩ - ١٥٠.\n«هِدْيَةُ العارفين» لإسماعيل باشا (١٣٣٩ هـ) ٦/ ٤٠٢.\n«الأعلام» للزركلي (ت ١٣٩٧ هـ) ٧/ ١٦٨.\n«معجم المؤلفين» لكحالة (ت ١٤٠٨ هـ) ٣/ ٨٠٤.\n(٢) «غاية النهاية» ١/ ٢٦٤ - ٢٦٥.","vol":"1","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>المبحث الثاني\nشيوخه وتلامذته</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>أخذ الكرماني عن جماعة من القراء والعلماء، منهم:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>١ - والده</span>، قال ابن الجزري (١): (حمزة بن نصر، أبو محمود الأصبهاني، مقرئ متصدر، قرأ بالعشر وغيرها على أبي نصر محمد بن أحمد الكركانجي، قرأ عليه ابنه محمود).\nوقال الكرماني في صدر كتابه «النهاية في شرح الغاية» (٢): (قرأت القرآن بجميع روايات الكتاب وطرقه واحدًا واحدًا على والدي حمزة بن نصر ﵀).\nوصدر قريبًا كتاب «قراءة الكسائي» (٣) من تأليف رضي الدين أبي عبدالله محمد بن أبي نصر الكرماني المتوفى بعد سنة (٥٦٣ هـ)، وتوقعت أن أجد الكرماني في إسناده، وفعلًا، ففي أول الكتاب: (هذا ما آثر أبو الحسن علي بن حمزة الأسدي النحوي المعروف بالكسائي رحمة الله عليه برواية أبي عمر الدوري من طريق ابن مقسم من حروف القرآن مما اختلف فيه قَرأَةُ الأمصار، على ما قرأت به على الشيخ الإمام تاج القراء برهان الدين زين الفريقين ضياء الأمة سعد الإسلام أبي القاسم محمود بن حمزة بن نصر رحمة الله ورضوانه عليه، قال: قرأت على والدي حمزة بن نصر الفَرْغاني، رحمة الله عليه ونوَّر ضريحه، قال: قرأت على الشيخ أبي نصر محمد بن أحمد الحامدي الكُرْكانجي بمرو، قال ....).\n_________\n(١) «غاية النهاية» ١/ ٢٦٤ - ٢٦٥.\n(٢) «النهاية شرح الغاية» (ق ٣). نقلًا عن مقدمة محقق «غرائب التفسير» ١/ ٢٩.\n(٣) وهو من تحقيق الأستاذ الدكتور حاتم صالح الضامن، وهو الثالث ضمن سلسلة كتب القراءات التي يعتني الدكتور حاتم بإصدارها.","vol":"1","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-21>٢ - محمد بن حامد بن الحسن الخيامي الطوسي</span>، قال ابن الجزري (١): (مقرئ متصدر، روى القراءات عن عبيدالله بن محمد الطوسي وعبدالله بن الحسين النيسابوري، روى القراءات عنه محمود بن حمزة النيسابوري) ولم أعرف سنة وفاته (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-22>٣ - أبو سهل محمد بن عبدالرحمن بن أبي الفضل النيسابوري</span>، ذكره الكرماني في صدر تفسيره في بيان أسماء سورة الفاتحة، قال الكرماني: (لهذه السورة فيما حدثنا به أبو سهل محمد ... النيسابوري عن الواحدي عن الثعلبي عشرة أسماء: سورة الحمد ...)، كما ذكره الكرماني مرة أخرى في صدر تفسير سورة آل عمران، فقال: (حدثنا الشيخ الإمام أبو سهل محمد بن عبدالرحمن بن أبي الفضل النيسابوري ثم الكاشغري (٣) حدثنا الشيخ الإمام علي الواحدي في كتاب أسباب النزول أنه قدم وفد نجران ...).\nوذكر محقق «غرائب التفسير» ١/ ٣١ أن الكرماني ذكر شيخه أبا سهل في صدر كتابه «النهاية في شرح الغاية». ولم أظفر بترجمته.\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>٤ - قال الكرماني في أثناء تفسير الآية (٢٤) من سورة الأنعام: (وسمعت شيخ الإسلام القاضي أبا المعالي رحمة الله عليه يقول </span>...)، وبعد البحث والنظر ترجح لي أنه هبة الله بن علي بن إبراهيم بن محمد الشيرازي، أحد القضاة المشهورين\n_________\n(١) «غاية النهاية» ٢/ ١١٤.\n(٢) ذكر السمعاني في «المنتخب» ٢/ ٦٦٦ أن أبا طاهر الحسن بن المظفر الرازي ممن أخذ عن محمد بن حامد، ولكن السمعاني لم يذكر تاريخ وفاة أبي طاهر، ثم ذكر في ٢/ ٩٨٨ في ترجمة أبي سعد عبدالرحمن الحصيري الرازي أنه أخذ عن محمد بن حامد، وأرخ السمعاني وفاة أبي سعد بسنة (٥٤٦ هـ).\n(٣) كاشْغَر: من بلاد الصين. انظر: «تاريخ بيهق» (ص ١٣١).","vol":"1","page":21},{"text":"بالفضل والعلم والفقه والأدب، وكان ممن سكن كرمان، ومات بعد شعبان سنة (٥٢٠ هـ) (١)، ومنه يعلم أن الكرماني بقي إلى وقت وفاته، حيث يقول الكرماني (رحمة الله عليه) وقد اتفقت على ذلك النسخ الخطية الثلاث، ففي الأولى ما ذكرته، أما الثانية والثالثة ففيها (﵀)، فيبعد أن يكون الدعاء بالرحمة من تصرف النساخ، وسأذكر هذه المسألة بتوسع في سنة وفاة الكرماني - إن شاء الله تعالى -.\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>أما تلاميذه، فمنهم:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>١ - أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري، صاحب «الكشاف» </span>وهو من رؤوس المعتزلة، المولود سنة (٤٦٧ هـ) والمتوفى سنة (٥٣٨ هـ).\nقال السيوطي في «مراصد المطالع في تناسب المقاطع والمطالع» (٢): (فإن من علوم القرآن العظيم مناسبة مطالع السور ومقاطعها كما أوضحته في «الإتقان» وكتاب «أسرار التنزيل»، وقد صرَّح بذلك المحققون كصاحب «الكشاف» وشيخه محمود بن حمزة الكرماني صاحب «البرهان في متشابه القرآن» و«الغرائب والعجائب في التفسير» والإمام فخر الدين والأصبهاني وغيرهم).\nفظهر بهذا النص أن الزمخشري صاحب الكشاف تلميذٌ للكرماني، ولم أجد هذه المعلومة عند غير السيوطي، وكان الكرماني أحيانًا في تفسيره يذكر بعض الأعاريب أو التوجيهات للآيات ثم نجد ذلك الوجه في «الكشاف» للزمخشري (٣)، وهذا مما يؤيد أن الزمخشري استفاد من الكرماني، وهذا وإن لم يكن\n_________\n(١) انظر: «خريدة القصر» قسم فضلاء أهل فارس ٣/ ٣٤، و«طبقات الشافعية الكبرى» ٧/ ٣٢٧.\n(٢) صفحة ٤٥ - ٤٦ من الكتاب، وهي أول وثاني صفحة من النص المحقق للكتاب، إذ الصفحات السابقة دراسة للكتاب قام بها المحقق الدكتور عبدالمحسن العسكر وفقه الله.\n(٣) وهذا من الممكن حدوثه بكثرة بين كتب التفسير، ولكن الكرماني قد يذكر وجهًا إعرابيًا كما في تفسير الآية (٦١) من سورة يونس ثم نجد هذا الوجه الإعرابي عند الزمخشري في «الكشاف»، وكان الكرماني قد قال أثناء تفسير الآية (لم أسبق إليه فيما علمت)، فالله أعلم.","vol":"1","page":22},{"text":"صريحًا في إثبات أن الزمخشري تلميذ الكرماني، إلا أنه يصلح شاهدًا لما ذكره السيوطي.\nولعلَّ قادم الأيام تثبت لنا المزيد حول هذا الموضوع.\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>٢ - أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي، صاحب «مجمع البيان» </span>أحد أشهر تفاسير الشيعة، المولود سنة (٤٦٩ هـ) والمتوفى سنة (٥٤٨ هـ).\nقال علي بن زيد البيهقي في «تاريخ بيهق» (١) في أثناء ترجمة الطبرسي: (اختلف إلى تاج القراء الكرماني)، وهذا يثبت تتلمُذه، فضلًا عن وجود تأثر واضح في الاستفادة من كتاب الكرماني في التفسير عند الطبرسي في مجمع البيان عند نقل أقوال المفسرين، إذ تتشابه العبارات أحيانًا سطرًا كاملًا، رغم الاختلاف المذهبي بين الرجلين.\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>٣ - نصر بن علي بن محمد، أبو عبدالله الشيرازي، المعروف بأبي مريم، أو ابن مريم، أو ابن أبي مريم</span>، على اختلاف بين المترجمين له في ذلك (٢)، خطيب شيراز وعالمها وأديبها، والمرجوع إليه في الأمور الشرعية والمشكلات الأدبية، له عدد من المصنفات، منها: الإفصاح في شرح الإيضاح للفارسي، والموضح في القراءات الثمان، وهو مطبوع، والمنتقى في علل القراءات الشواذ، وله تفسير للقرآن الكريم كذلك.\nذكر المترجمون له أنه أخذ عن الكرماني، وتبين لي أنه هو راوي كتاب «البرهان في متشابه القرآن» عن مؤلفه الكرماني، وقال العماد الأصفهاني في كتابه «خريدة القصر» قسم فارس ٣/ ٣١: (سمعت في سنة اثنتين وسبعين (يعني وخمسمائة) أنه يعيش وقد ناهز السبعين).\n_________\n(١) وقد صدر هذا الكتاب قديمًا بالفارسية، وصدر حديثًا بعد ترجمته إلى العربية بتحقيق وترجمة يوسف الهادي عن دار اقرأ الدمشقية سنة ١٤٢٥ هـ، والنقل عنه في صفحة (٢٤٧).\n(٢) ذكر ابن العماد في «خريدة القصر» (٣/ ٣١ - قسم فارس) أنه: أبو مريم، أما القفطي في «إنباه الرواة» ٣/ ٣٤٤ فقال: ابن مريم، أما ياقوت ٦/ ٢٩٤٦ وابن الجزري في «غاية النهاية» ٢/ ٣٣٧ فقالا: ابن أبي مريم، ورجح محقق كتابه في القراءات «الموضح» أنه: ابن أبي مريم.","vol":"1","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-28>٤ - رضي الدين أبو عبدالله محمد بن أبي نصر الكرماني</span>، المتوفى بعد سنة (٥٦٣ هـ) (١)، له كتابان مطبوعان، هما: «قراءة الكسائي»، طبع بتحقيق الدكتور حاتم صالح الضامن، في بغداد سنة (١٤٢٧ هـ)، والكتاب الثاني هو: «شواذ القراءات»، طبع بتحقق الدكتور شمران العجلي سنة (١٤٢٢ هـ) في بيروت عن مؤسسة البلاغ للنشر والتوزيع، وقد ورد في الكتابين معلومات تشير إلى أن رضي الدين الكرماني هو أحد تلاميذ تاج القراء محمود بن حمزة الكرماني، ففي الكتاب الأول قال رضي الدين: (على ما قرأت به على الشيخ الإمام تاج القراء برهان الدين زين الفريقين ضياء الأمة سعد الإسلام أبي القاسم محمود بن حمزة بن نصر رحمة الله ورضوانه عليه)، وفي الكتاب الثاني «شواذ القراءات» نقل عنه في (ص ٣٧): (قال الإمام تاج القراء قدس الله سره: لا يتصور تليين الهمزة في الابتداء)، كما نقل عنه في أثناء بيان القراءات الشاذة في سورة العصر: (سمعت شيخنا الشيخ الإمام تاج القراء أبا القاسم محمود بن حمزة بن نصر قدس الله روحه العزيز) وهذه العبارة سقطت من المطبوع وأثبتها من المخطوط (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>٥ - بديع الزمان الكرماني، أبو المعالي إسماعيل بن الحسين</span>، له ترجمة عند العماد في «خريدة القصر» ٣/ ٦٠، ولم يذكر شيئًا عن سنة وفاته، إلا أنه ذكر أنه كان حيًا سنة (٥٤٣ هـ)، وذكر العماد الأصفهاني في ترجمة تاج القراء محمود بن حمزة الكرماني أن البديع الكرماني تلميذٌ لتاج القراء.\nهذا ما وقفت عليه من شيوخ الكرماني وتلاميذه بعد بذل الجهد، ولا أشك أنهم أكثر من ذلك بكثير، ولعل قادم الأيام يظهر لنا المزيد منهم.\n* * *\n_________\n(١) وذلك بناءً على تاريخ كتابة المخطوط الذي وجد فيه كتابه (قراءة الكسائي)، وكان الناسخ يقول عن رضي الدين الكرماني (أعانه الله على طاعته) و(حرس الله أنفاسه، ودامت كلمته، ووفقه للخيرات، وآمنه الفزع الأكبر) وهذه كلمات تُشْعِرُ أنه كان حيًا وقت كتابة الكتاب المخطوط، والله أعلم.\n(٢) الورقة (١٣٥) من مخطوطة كتاب «شواذ القراءات» الموجود في المكتبة الأزهرية تحت رقم (٢٤٤) خصوصية، و(٢٢٢٢٥١) عمومية قراءات.","vol":"1","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-30>المبحث الثالث\nعقيدته ومذهبه الفقهي</span>\nتميزت مؤلفات الكرماني المطبوعة بعدم ظهور مذهبه فيها بجلاء، سواءً العقدي أو الفقهي أو حتى النحوي، ولعل هذا ما دعى تلاميذه أن يصِفوه بقولهم (زين الفريقين) (١) أو (رئيس الفريقين) (٢)، والله أعلم.\nورغم أنه أحد النحاة المعروفين إلا أنه قد صدرت دراستان حاول فيهما الباحث معرفة مذهبه النحوي فلم يظهر بوضوح هل الكرماني كوفي أم بصري.\nفهناك بحث تكميلي لنيل درجة الماجستير في كلية اللغة العربية بجامعة أم القرى مقدم من الباحث حسن بن إبراهيم قابور سنة (١٤٢٥ هـ) عنوانه (المسائل النحوية في كتاب «غرائب التفسير وعجائب التأويل» لتاج القراء محمود بن حمزة الكرماني)، وقد قال الباحث في بيان مذهبه النحوي: (من خلال ما درسته من مسائل وما استخرجته من مصطلحات نحوية ذكرها الكرماني في تفسيره - يقصد الغرائب والعجائب - يتضح لنا أنه لم يكن تابعًا لأيّ من المذاهب النحوية، ولم يتعصب لأحدها، حيث لم يذكر كما ذكر غيره لفظ «شيوخنا» و«أصحابنا» وغيرها من مصطلحات التبعية، بل كان منتقيًا للرأي الذي يراه صوابًا من خلال إقامة الحجة وقوة الدليل، وإن كان أكثر ميلًا للمذهب البصري فقد وافقهم في أكثر المسائل الخلافية التي درستها) (٣).\n_________\n(١) هذا في أول تفسيره «لباب التفاسير»، بالإضافة لكتاب «قراءة الكسائي» لرضي الدين الكرماني، حيث ساق إسناده في أول الكتاب عن طريق محمود بن حمزة الكرماني ووصفه بأنه (زين الفريقين).\n(٢) هذا في أول كتابه «غرائب التفسير».\n(٣) ص (٢٥٣) من البحث المذكور أعلاه.","vol":"1","page":25},{"text":"وهذه هي نفس النتيجة التي توصل لها محققا كتاب الكرماني «العنوان في النحو»، حيث قالا: (ولم يتبين لنا مذهبه النحوي من خلال نصّ الرسالة لأنه مزج بين مصطلحات المدرستين البصرية والكوفية، وعرض آراءهما من غير ترجيح رأي على آخر) (١).\nونفس المشكلة ظهرت لي، فهل الرجل أشعري أم ماتريدي؟ وهل هو حنفي أم شافعي؟ وطوال فترة البحث وأنا أجمع المرجِّحات من أقواله، وأقوال الذين ينقلون عنه، والمترجمين له، ولم أظفر بما أعتبره يقينًا في هذه المسألة، وإن كان الغالب عندي الآن أنه أشعري، رغم كونه حنفيًا، وهذا غريب في تراجم العلماء، ولكن تزول الغرابة إذا علمنا أنه لم يكن من المتعصبين في عقيدته وفقهه ومذهبه النحوي كذلك، ويزول الاستغراب أيضًا إذا علمنا أن إقليم كرمان فيه حنفية وشافعية (٢).\nوقبل الحديث عن أشعرية الكرماني، أشير إلى أنه لم يكن معتزليًا في تفسيره رغم نقولاته عن بعض وجوه المعتزلة، ومما يظهر ذلك بوضوح ما يلي:\n١ - صدَّرَ الكرماني تفسيره بقوله: (الحمد لله منزل القرآن غير محدث ولا مخلوق)، ومذهب المعتزلة هو القول بخلق القرآن.\n٢ - وقال أيضًا في مطلع تفسيره: (فالجنة والنار مخلوقتان)، ومذهب المعتزلة أن الله ينشئهما يوم القيامة.\n٣ - وقال في مطلع تفسيره: (بشَّرَ المؤمنين في الحياة الدنيا بالرؤية في الآخرة فقال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]) وحَرَّمَ الرؤية والنعيم على الجاحدين فقال: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥])، والمعتزلة هم الذين ينكرون الرؤية.\n٤ - قال الكرماني في أثناء تفسير الآية (٣) من سورة البقرة: (كل ما يصل إلى العبد من عطية فهو رزق الله حلالًا كان أو حرامًا)، وهذا خلاف قول المعتزلة الذين يرون أن الحرام ليس برزق.\nكما أورد بعض الردود على الرافضة، ومن ذلك:\n١ - قال في أثناء تفسيره للآية (٨٢) من سورة النساء: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾. قال الكرماني: (وهذا قاطع لقول من زعم من الرافضة أن القرآن لا يفهم معناه إلَاّ بتفسير الرسول له).\n٢ - وقال في أثناء تفسير الآية (١٠) من سورة الحديد: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾. قال الكرماني: (وفي هذه الآية دليل واضح وبرهان لائح على فضل أبي بكر وتقديمه، لأنه أول من أسلم، وعن علي ﵁ أنه قال: سبق رسول الله -ﷺ- وثنَّى أبو بكر وثلَّث عمر ﵄، فلا أوتى برجل فضلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته جلد المفتري وطرح الشهادة).\n_________\n(١) ص (٢٧) من مقدمة المحققين لكتاب «العنوان في النحو» للكرماني.\n(٢) انظر: «أحسن التقاسيم» للمقدسي (ص ٤٦٨) وهامشه.","vol":"1","page":26},{"text":"ونعود الآن إلى مسألة مذهب الكرماني العقدي، فرغم التشابه الكبير والمعروف بين الأشاعرة والماتريدية، إلا أن العلماء قد ذكروا عددًا من المسائل التي يمكن التفريق فيها بين المذهبين، بل قد كتبت بعض المؤلفات حول هذه الفروق (١)، وكان اهتمامي كبيرًا بدراسة هذه الفروق عند الكرماني، واستخلصت عددًا من النقاط التي ترجح - فيما أرى - ميل الكرماني للمذهب الأشعري، وهذه النقاط كالتالي:\n١ - قال الكرماني في أثناء تفسير الآية (١٧٣) من سورة الأعراف: (وهذا دليل على أن التقليد في التوحيد كفر).\nوهذا القول هو قول الأشاعرة، إذ يرون عدم صحة إيمان المقلد، بينما خالفهم الماتريدية (٢).\n٢ - قال الكرماني في أثناء تفسير الآية (١٦٤) من سورة النساء: (﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى﴾ من غير واسطة ﴿تَكْلِيمًا﴾ قيد بالمصدر قطعًا للمجاز).\nوهذه المسألة تعرف عند الأشاعرة والماتريدية بأنه: هل يجوز أن يُسْمَعَ كلام الله تعالى أم لا؟ فالأشعرية على الجواز، والماتريدية على عدم الجواز (٣)، والذي يظهر من تفسير الكرماني أنه يرى رأي الأشاعرة.\n٣ - قال الكرماني في أثناء تفسيره الآية (٢٨٦) من سورة البقرة: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ قال الكرماني: (وقيل: ولا تكلفنا ما لا نطيق، وهذا أظهر)، وظهر لي من هذا التفسير أن الكرماني يرى أنه يجوز التكليف بما لا يطاق وهؤلاء يدعون الله بأن لا يكلفهم ما لا يطيقون، ومسألة التكليف بما لا يطاق من المسائل الخلافية بين الأشاعرة والماتريدية، فالأشاعرة على جواز أن يكلف الله العباد بما لا يطاق، والماتريدية على المنع (٤).\nوقد وقع الكرماني في التأويل المذموم، حيث أوَّل عددًا من آيات الصفات، فقد أوَّل الرحمة بأنها إرادة الخير بالعباد (٥)، وأوَّل صفة الغضب، حيث قال:\n_________\n(١) منها على سبيل المثال: القصيدة النونية لتاج الدين السبكي، وهي موجودة في «طبقات الشافعية الكبرى»، وكتاب «الروضة البهية في ما بين الأشاعرة والماتريدية» لأبي عذبة، وكتاب «نظم الفرائد» لشيخ زاده، وغيرها من الكتب، وقد طبعت الكتب الثلاثة المذكورة في كتاب واحدة اسمه: المسائل الخلافية بين الأشاعرة والماتريدية.\n(٢) ينظر كتاب: «الماتريدية - دراسة وتقويمًا» للدكتور أحمد الحربي (ص ٥٠١).\n(٣) ينظر كتاب «الماتريدية وموقفهم من توحيد الأسماء والصفات» للشمس السلفي الأفغاني ١/ ٤٢٣.\n(٤) ينظر كتاب «الماتريدية وموقفهم من توحيد الأسماء والصفات» ١/ ٤٢٦.\n(٥) انظر تفسيره للبسملة في أول الفاتحة.","vol":"1","page":27},{"text":"(والغضب إرادة الانتقام، وقيل: الغضب من الله الذم للعصاة) (١)، وقال في قوله تعالى: ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]: (... حب الله المؤمنين: ثناؤه - سبحانه - عليهم وإثابته إياهم)، وهذا تأويل فاسد، والصواب إثبات صفة المحبة لله تعالى دون تعطيل ولا تمثيل ولا تكييف، إلى غير ذلك من الأمثلة.\nولكون هذه التأويلات يشترك فيها الأشاعرة والماتريدية فقد اعتنيت في أول هذا المبحث ببيان بعض المسائل التي انفرد بها مذهب الأشاعرة عن الماتريدية لكي يتأيد القول الذي رجحته وهو أن الكرماني من الأشاعرة.\nأما المذهب الفقهي للكرماني، فظهر لي أنه من الأحناف، بدلالة عدد من المسائل، ومنها:\n١ - ذكر أربعة من العلماء أنه حنفي، وهم:\nأ - السيوطي (ت ٩١١ هـ) في كتابه «الحاوي للفتاوى» ٢/ ١٤٠، حيث يقول السيوطي: (فاعلم أن العلماء اختلفوا في بعثة النبي -ﷺ- إلى الملائكة على قولين، أحدهما أنه لم يكن مبعوثًا إليهم، وبهذا جزم الحليمي والبيهقي، كلاهما من أئمة أصحابنا، ومحمود بن حمزة الكرماني في كتابه «العجائب والغرائب» وهو من أئمة الحنفية).\nب - ابن حجر الهيتمي (ت ٩٧٤ هـ) في كتابه «الفتاوى الحديثية» (ص ٢٨٣).\nجـ - شمس الدين محمد بن أحمد الرملي (ت ١٠٠٤ هـ) في كتابه «الفتاوى» الموجودة بهامش كتاب «الفتاوى الكبرى الفقهية» للهيتمي ٤/ ٣٠٥.\nد - الألوسي (ت ١٢٧٠ هـ) في «روح المعاني» ١٥/ ١٧٣.\nولكن أشير إلى أن وصف الكرماني بأنه حنفي ورد عند هؤلاء الأربعة في مسألة واحدة، فلعل الهيتمي والرملي والألوسي نقلوا عن السيوطي هذا الوصف، وقد يقال: إن نقلهم ذلك والسكوت عليه تصحيح له، فالله أعلم.\n_________\n(١) انظر صفحة (٩٩) من رسالة الشيخ ناصر العمر في تحقيق أول هذا التفسير.","vol":"1","page":28},{"text":"٢ - استبعدت أن يكون الكرماني حنبليًا أو مالكيًا، فنظرت إلى المسائل التي اختلف فيها قول الحنفية والشافعية، فظهر لي:\nأ - في تفسيره [المائدة: ٦] في مسألة مسح الرأس قال إن المفروض هو ربع الرأس، وهذا مذهب الحنفية، وفي ذلك يقول الكرماني: (والمفروض قدر الربع، ولا يستوعب الرأس، خلافًا لمالك، ولا يقتصر على ما دونه، خلافًا للشافعي ﵀)، وما ذكره من أن المفروض هو ربع الرأس مذهب أبي حنيفة (١).\nب - في بيان حكم العمرة (٢) قال الكرماني: (وهي سنة عندنا)، وهذا مذهب الأحناف (٣)، فإن الشافعية يوجبون العمرة.\nجـ - عند تعريفه للاعتكاف (٤) قال الكرماني: (لزوم عبادة الله في مسجد تقام فيه الجماعة مع الصوم)، وهذا مذهب الأحناف، فإنهم يشترطون الصوم للاعتكاف، بخلاف الشافعية (٥).\nولا بد من الإشارة هنا إلى أن بعض المترجمين المتأخرين وصف الكرماني بأنه شافعي، فمثلًا حاجي خليفة (ت ١٠٦٧ هـ) في كتابه «كشف الظنون» وصف الكرماني مرتين بأنه شافعي (ص ٢٤١) و(ص ١٥٤١)، بينما وصفه بأنه حنفي مرة واحدة (ص ١٤٣٧)، وفي حين سكت الزركلي (ت ١٣٩٧ هـ) في «الأعلام» ٧/ ١٦٨ عن بيان مذهبه الفقهي، فإن كحالة (ت ١٤٠٨ هـ) جزم في «معجم المؤلفين» ٣/ ٨٠٤ بأنه شافعي المذهب، ولست أدري: هل تبع كحالة ما ورد في «كشف الظنون»، أم أنه وقف على شيء لم نقف عليه.\n_________\n(١) انظر: «المغني» لابن قدامة ١/ ١٧٧.\n(٢) انظر: «لباب التفاسير» للكرماني (ص ٦٥٣) من رسالة الشيخ الدكتور ناصر العمر.\n(٣) انظر: «المجموع شرح المهذب» للنووي ٧/ ١٢.\n(٤) انظر: «لباب التفاسير» للكرماني (ص ٥٤٧) من رسالة الشيخ الدكتور ناصر العمر.\n(٥) انظر: «المغني» لابن قدامة ٤/ ٤٥٩.","vol":"1","page":29},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-31>المبحث الرابع\nمكانته العلمية ومؤلفاته</span>\nيمكن استظهار مكانة الكرماني العلمية من أربعة أمور:\n<span data-type=\"title\" id=toc-32>الأول: ثناء المترجمين له عليه:</span>\nقال العماد الأصفهاني في «خريدة القصر» ٣/ ٦٦: (كان كبيرًا في زمانه جليلًا في شأنه، له التصانيف العزيزة في تفسير كتاب الله العزيز وقراءته ... مما لم يسبق إلى مثله)، وقال ياقوت في «معجم الأدباء» ٦/ ٢٦٨٦: (هو تاج القراء وأحد العلماء الفقهاء النبلاء، صاحب التصنيف والفضل، كان عجبًا في دقة الفهم وحسن الاستنباط)، وقال ابن الجزري في «غاية النهاية» ٢/ ٢٩١: (إمام كبير محقق ثقة كبير المحل)، وقال السيوطي في «الحاوي للفتاوي» ٢/ ١٤٠: (وهو من أئمة الحنفية).\nوقد أصبح لقب (تاج القراء) لا ينصرف إلاّ إليه، ولا شك أنه لم يحصل على هذا اللقب إلا لبراعته في هذا الفن، وحتى لو قيل إن المقصود قرَّاء وقته أو حتى بلده، فإن هذا اللقب أصبح مقبولًا لدى معاصريه فضلًا عن من جاء بعدهم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-33>الثاني: ثناء تلاميذه عليه:</span>\nففي إحدى نسخ كتابه «غرائب التفسير» قال الناسخ في بداية الكتاب: (قال سيدنا الشيخ الإمام الأجل، سعد الإسلام، برهان الدين، ضياء الأئمة، جمال العلماء، قطب الأفاضل، زين المفسرين، رئيس الفريقين، تاج القراء، أبو القاسم محمود بن حمزة بن نصر، أدام الله أيامه، وعصم ساحته عن المكاره والنوائب).\nووصفه بنحو هذه العبارات تلميذه رضي الدين محمد بن أبي نصر الكرماني في صدر كتابه «قراءة الكسائي» حيث قال: (... على ما قرأت به على الشيخ الإمام تاج القراء برهان الدين زين الفريقين ضياء الأمة سعد الإسلام أبي القاسم محمود بن حمزة بن نصر رحمة الله ورضوانه عليه).","vol":"1","page":30},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-34>الثالث: كثرة النقولات عن الكرماني:</span>\nتعددت النقولات عن الكرماني وكتبه، وقد نقلها النُّحاة في كتبهم والمفسِّرون في تفاسيرهم. فقد نقل عنه ابن مالك (ت ٦٧٢ هـ) في «شرح التسهيل» (١)، ونقل عنه ابن هشام (ت ٧٦١ هـ) في «مغني اللبيب» (٢)، وابن فلاح النحوي (ت ٦٨٠ هـ) في كتابه «المغني» (٣)، وغيرهم.\nكما نقل عنه المفسرون في مواطن عديدة من كتبهم، كأبي حيان (ت ٧٤٥ هـ)، والسمين الحلبي (ت ٧٥٦ هـ)، وابن عادل (ت ٨٨٠ هـ)، والبقاعي (ت ٨٨٥ هـ)، والخطيب الشربيني (ت ٩٧٧ هـ)، وأبي السعود (ت ٩٨٢ هـ)، والألوسي (ت ١٢٧٠ هـ) وغيرهم.\nونقل عنه المصنِّفون في علوم القرآن، كالزركشي (ت ٧٩٤ هـ) في «البرهان»، والسيوطي (ت ٩١١ هـ) في «الإتقان»، وغيرهم كأبي شامة المقدسي (ت ٦٦٥ هـ) في «إبراز المعاني» (٤).\nوهذه النقول وكثرتها تدل على أن الكرماني كان يتبوَّأ منزلة علمية جيدة عند المفسرين والنحاة، ولذلك كانت أقواله محلّ اهتمام ودراسة.\n_________\n(١) انظر: «شرح التسهيل» ٢/ ٣٨٧.\n(٢) انظر: «مغني اللبيب» ٦/ ٩٢، ٦/ ٩٤، وهناك نقل آخر عند ابن هشام في كتابه «إعراب لا إله إلا الله» المحقق في «مجلة الجامعة الإسلامية» العدد (٨١ - ٨٢) محرم - جمادى الآخرة عام (١٤٠٩ هـ) ص ٣٩ - ٧٢.\n(٣) انظر: «المغني» لابن فلاح النحوي (ق ٤٤١/أ) مخطوط مكتبة مصطفى عاطف. نقلًا عن «المسائل النحوية في كتاب غرائب التفسير» (ص ٦) للباحث حسن قابور.\n(٤) انظر شرحه للأبيات (٥٧٩) و(٦٧٤) من المنظومة المشروحة (حرز الأماني).","vol":"1","page":31},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-35>الرابع: شخصيته العلمية البارزة في كتبه:</span>\nوهذا أمر ظاهر في تفسيره «لباب التفاسير» وكتابه «البرهان»، وإنما انتقد عليه تأليفه لكتاب «غرائب التفسير» وفي ذلك يقول السيوطي في «الإتقان» (١) عند النوع التاسع والسبعين (في غرائب التفسير): (ألف فيه محمود بن حمزة الكرماني كتابًا في مجلدين سمّاه «العجائب والغرائب» ضَمَّنه أقوالًا ذكرت في معاني الآيات منكرة لا يحل الاعتماد عليها ولا ذكرها إلا للتحذير منها).\nوقد فهم بعض من جاء بعد السيوطي أن الأخير ينتقد الكرماني على هذا الكتاب، وبنظرة تأمليَّة إلى كلام السيوطي فإننا لا نجد انتقادًا، وإنما هي جمل تصف الكتاب فحسب، ولعلها مقتبسةٌ من مقدمة الكرماني لكتابه «غرائب التفسير» حيث يقول الكرماني: (وبعد، فإن أكثر العلماء والمتعلمين في زماننا يرغبون في غرائب تفسير القرآن وعجائب تأويله، ويميلون إلى المشكلات والمعضلات في أقاويله، فجمعت في كتابي هذا منها ما أُقَدِّرُ أن فيه مقنعًا لرغبتهم ومكتفىً لطلبتهم، لما روي عن النبي -ﷺ- أنه قال: (أعربوا القرآن والتمسوا غرائبه، فإن الله يحب أن تعرب آي القرآن) ولما ذكر ابن عباس ﵁: (إن هذا القرآن ذو شجون وفنون وظهور وبطون، لا تنقضي عجائبه، فمن أوغل فيه برفق نجا، ومن أوغل فيه بعنف هوى). وأوجزت ألفاظه من غير إطناب، فإن مجتنى كنوز العلم في اختياره وحسن جمعه واختصاره، ولم أشتغل بذكر الآيات الظاهرة والوجوه المعروفة المتظاهرة، ولا بذكر الأسباب والنزول والقصص والفصول، فإني قد أودعت جميع ذلك في كتابي الموسوم بـ «لباب التفاسير» من غير إفراط مني فيه ولا تقصير).\nوهذه المقدمة تعطينا تصورًا عن هذا الكتاب، فهو كتاب له غرض معين، فلا\n_________\n(١) انظر: «الإتقان» للسيوطي (ص ٨٧٦).","vol":"1","page":32},{"text":"ريب أن تجتمع فيه الأقوال الغريبة والعجيبة والمنكرة، ولكن ليس هذا هو وجه الكرماني في التفسير، بل إن كتابه «لباب التفاسير» هو الكتاب الذي نَزِنُ به مكانة الكرماني العلمية في التفسير، ولذلك فقد مرَّ معنا أن المترجمين الأوائل للكرماني وصفوه ببعض العبارات التي تبين هذه المنزلة العالية.\nوقد ترك الكرماني عددًا من المؤلفات، أذكر منها ما وقفت عليه في كتب التراجم وبعض كتب أهل العلم:\nأولًا: «لباب التفسير»: وسيأتي الحديث عنه مفصلًا إن شاءالله تعالى.\nثانيًا: «غرائب التفسير وعجائب التأويل»: وهو مطبوع في مجلدين بتحقيق الدكتور شمران العجلي، ونشرته دار القبلة في جدة بالاشتراك مع مؤسسة علوم القرآن في بيروت، وذلك سنة ١٤٠٨ هـ.\nثالثًا: «البرهان في متشابه القرآن»: وهو مطبوع عدة طبعات، وحقق في رسائل جامعية، أما المطبوع فلدي نسخة بتحقيق الدكتور أحمد عزالدين خلف الله، صدرت عام ١٤١٧ هـ عن دار صادر ببيروت، وهناك طبعات أخرى للكتاب، مثل طبعة دار الاعتصام بالقاهرة سنة ١٩٧٦ م بتحقيق الأستاذ عبدالقادر عطا، وعنوان الكتاب في هذه الطبعة: أسرار التكرار في القرآن، وأظنه قام بتغيير هذا العنوان إلى العنوان الأصلي لاحقًا، وذلك نظرًا لكثرة الانتقادات التي وجهت له.\nوقام مركز الكتاب بالقاهرة سنة ١٩٩٧ م بنشر الكتاب أيضًا بتحقيق السيد الجميلي.\nأما الرسائل الجامعية، فالأولى قدمت إلى قسم القرآن وعلومه بكلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود في الرياض سنة ١٣٩٧ هـ، ونوقشت سنة ١٣٩٩ هـ من قبل الباحث الشيخ ناصر بن سليمان العمر، وهو كذلك الذي قدم الجزء الأول من تفسير الكرماني «لباب التفاسير» وتمت مناقشته في عام ١٤٠٤ هـ كرسالة دكتوراه.","vol":"1","page":33},{"text":"والثانية قدِّمت إلى كلية دار العلوم بجامعة القاهرة للحصول على درجة الماجستير سنة ١٩٧٥ م من قبل الباحث: منصور محمد منصور.\nرابعًا: «العنوان في النحو»: وهو كتيِّب صغير يحوي متنًا نحويًا، وطبع كهدية مرفقة مع مجلة «الأحمدية» العدد (٢١) الصادرة عن دار البحوث للدراسات الإسلامية وإحياء التراث في الإمارات، وعدد صفحاته (٩٣) صفحة، وقام بتحقيقه: الدكتور حازم البياتي، والدكتورة: منال عزيز، وصدرت طبعته الأولى سنة ١٤٢٦ هـ.\nخامسًا: «النهاية في شرح الغاية»: وهو في القراءات، شرح به الكرماني كتاب ابن مهران (ت ٣٨٢ هـ) «الغاية في القراءات العشر»، وهذا الكتاب له نسخة خطية في مكتبة علي أصغر في طهران برقم (٣٧)، وله صورة عن هذه النسخة في قسم المخطوطات بالجامعة الإسلامية في المدينة النبوية، ورقمها (٣٨٣٦)، وقد سمَّاه المؤلف نفسه بهذا الاسم في مطلع تفسيره عندما تكلم على لفظ الجلالة (الله) من البسملة، بينما سمَّاه المترجمون للكرماني بـ (الهداية شرح الغاية)، وأخصّ بالذكر منهم: ابن الجزري، وعندما اطلعت على الصفحات الأولى من مخطوطة الكتاب لم أجد ما يدل على اسم الكتاب بوضوح، لكثرة السواد الذي أصاب النسخة من جرَّاء التصوير.\nسادسًا: «الإفادة في النحو»: ذكره بعض المترجمين له، كياقوت وغيره، وسماه البغدادي في «هدية العارفين» ٢/ ٤٠٢ (الإفادة في النجوم) ولا أظنه إلا وهمًا.\nسابعًا: «الإيجاز في النحو»: وهو مختصر لكتاب «الإيضاح» لأبي علي الفارسي، وقد ذكره أكثر المترجمين للكرماني.\nثامنًا: «خطّ المصاحف»: ذكره ابن الجزري والداودي والزركلي.\nتاسعًا: «شرح اللمع»: وهو شرح لكتاب «اللمع» لابن جني (ت ٣٩٢ هـ).\nعاشرًا: «النظامي»: وهو مختصر لكتاب «اللمع» أيضًا.\nحادي عشر: «أسرار الحروف»: ذكره له ابن فلاح اليمني النحوي (ت ٦٨٠ هـ) في كتابه «المغني» (ق ٤٤١/أ) (١).","vol":"1","page":34},{"text":"كما نسبت للكرماني أربع مؤلفات أخر، هي:\n١ - رسالة البسملة: ذكرت في «الفهرس الشامل - علوم القرآن» ١/ ١٣٠، وأحالوا على الظاهرية، فلما رجعت إلى «فهرس الظاهرية - علوم القرآن» ٢/ ١٤١ وجدتهم ذكروا أن المؤلف هو الكرماني ثم وضعوا بعده علامة استفهام، مما يدل على أنهم لم يميزوا اسمه الأول، والكرمانيون كُثُر، فأيّهم ألَّف هذه الرسالة؟ ولذلك ذَكَرْتُ هذه الرسالة ضمن الكتب المنسوبة للكرماني ولا أستطيع الجزم بنسبتها إلى محمود بن حمزة حتى وإن فعل ذلك غيري، إلى أن أقف عليها وتتم دراستها دراسة علمية.\n٢ - جزء الكرماني: ذكره ابن حجر في «المجمع المؤسس» ١/ ٢٧٥ - ٢٨٦، وفي «المعجم المفهرس» (ص ٣٤٤)، وهو من مرويات الحافظ ابن حجر عن شيخه أحمد بن أبي بكر بن عبدالحميد إجازة مكاتبة، أنبأنا التقي سليمان بن حمزة المقدسي سماعًا، أنبأنا عمر بن كرم الدينوري في كتابه، أنبأنا أبو الوقت، أنبأنا الكرماني به.\nهكذا الرواية، ولم يذكر من هو الكرماني، علمًا أن الدكتور يوسف المرعشلي محقق «المجمع المؤسس»، والأستاذ محمد شكور المياديني محقق «المعجم المفهرس» قد جزما في الهامش بأن الكرماني هو محمود بن حمزة، ومرةً أخرى أجدني في شكٍّ من ذلك، فهذا إسناد مليء بكبار المحدثين، فأبو الوقت السجزي (ت ٥٥٣ هـ) من كبار المحدثين، ولم يذكر في ترجمة الكرماني أنه كذلك، فياليت المحقِّقَيْن الفاضِلَيْن ذكرا مستندهما في تعيين الكرماني.\n٣ - غنية الطالب شرح رسالة أبي بكر الصديق لعلي بن أبي طالب: وقد نسبها للكرماني الدكتور شمران العجلي، محقِّق كتاب «غرائب التفسير» وأحال على فهرس دار الكتب، وذكر أن للكتاب نسختين، وعند عودتي للفهرس المذكور وجدت النسختين ولكن وجدت أن المؤلف هو: محمود بن محمد الحسيني الحمزاوي، فلا أدري ما هو سبب الوهم.\n٤ - مصنف في موانع الصرف: ذكره كحالة في «معجم المؤلفين» منسوبًا للمؤلف، ولعل إثبات هذا الكتاب إنما جاء نتيجة ما ذكره ياقوت حيث يقول: (وله في موانع الصرف) ثم ذكر بيتين من الشعر، مما يدل على أن قصده إثبات الأبيات التي ذكرها الكرماني لا إثبات مصنف في موانع الصرف.\n* * *\n_________\n(١) استفدت هذه المعلومة من الباحث حسن قابور، مؤلف كتاب «المسائل النحوية في كتاب غرائب التفسير» وهو بحث تكميلي مقدم لنيل درجة الماجستير في تخصص النحو، وقدم إلى كلية اللغة العربية بجامعة أم القرى سنة (١٤٢٥ هـ)، وذلك في (ص ٦) من البحث المذكور.","vol":"1","page":35},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-36>المبحث الخامس\nوفاته</span>\nلم يورد أحد من المترجمين للكرماني - فيما وقفت عليه - سنة وفاته بدقة، بل تواردوا على كلمة قالها ياقوت: (كان في حدود الخمسمائة وتوفي بعدها)، ولكن توجد لدينا بعض الإشارات التي قد تجعلنا نقترب من تحديد سنة وفاته.\nفمن ذلك: أن الكرماني ذكر في أثناء تفسيره كما سبق شيخه القاضي أبا المعالي هبة الله بن علي الشيرازي، وهذا الشيخ قد توفي بعد شعبان سنة (٥٢٠ هـ)، واللافت للنظر أن الكرماني عندما ذكره ترحَّم عليه، مما يدل على أن الكرماني قد بقي إلى ما بعد سنة وفاة شيخه المذكور، ويَبْعُدُ أن يكون ذكر الترحُّم من تصرُّف النسَّاخ لاتفاق النسخ الخطية الثلاث على ذكره.\nومن ذلك أيضًا: ما ذكره العماد الأصفهاني في «خريدة القصر» ٣/ ٣١ من أنه قد سمع في سنة (٥٧٢ هـ) أن ابن أبي مريم تلميذ الكرماني يعيش وقد ناهز السبعين، فبذلك يمكن تحديد سنة ولادة ابن أبي مريم أنها في حدود سنة (٥٠٢ هـ)، فإذا علمنا أنه أخذ عن الكرماني وروى عنه، فلا بد من أنه كان في حدود العشرين من عمره أو ما بعدها، وذلك يقتضي أن أخذه العلم عن الكرماني كان في حدود سنة (٥٢٠ هـ) أو ما بعدها أيضًا، مما يدل على بقاء الكرماني حيًّا إلى هذه السنة وما بعدها.\nومن الإشارات أيضًا: أنه توجد نسخة خطية لكتاب الكرماني «غرائب التفسير» (١) ذكر ناسخ المجلد الأول منها عبارات في أولها تفيد بأن الكرماني كان\n_________\n(١) وهذه المعلومة استفدتها من الدكتور شمران العجلي محقق كتاب «غرائب التفسير» للكرماني عندما تكلم على سنة وفاة الكرماني ١/ ٣٤.","vol":"1","page":36},{"text":"حيًّا حين وقت النسخ، فقد قال الناسخ: (قال سيدنا الشيخ الإمام الأجلّ سعد الإسلام برهان الدين ضياء الأئمة جمال العلماء قطب الأفاضل زين المفسرين رئيس الفريقين تاج القرَّاء أبو القاسم محمود بن حمزة بن نصر أدام الله أيامه وعصم ساحته عن المكاره والنوائب) فهذه العبارات توحي أن كتابة هذه النسخة كان في أثناء حياة الكرماني، وجاء في آخر المجلد الأول من هذه النسخة: (كمل الكتاب وهو النصف الأول من الغرائب والعجائب في القرآن بحمد الله وحسن توفيقه كتبه العبد المذنب المحتاج إلى رحمة الله تعالى أبو الفوارس عبدالرحمن بن أحمد بن محمد الكازروني في المحرم سنة خمس وثلاثين وخمسمائة غفر الله لكاتبه ولقارئه ولمن نظر فيه فقال آمين رب العالمين)، ويؤيِّد ما ورد في هذه النسخة أن نسخة أخرى من هذا الكتاب كتب الناسخ في آخرها: (فرغ المصنف وهو الشيخ الإمام تاج القراء برهان الدين رحمه الله تعالى من تحريره وتصنيفه في شهر ربيع الآخر سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة)، فظهر بذلك - والله أعلم - أن الكرماني كان حيًّا سنة (٥٣١ هـ)، ولا يبعُد أن يكون بقي إلى سنة (٥٣٥ هـ)، وإنما لم أجزم بذلك لكون المجلد الذي نقلت عنه أنه كتب في سنة (٥٣٥ هـ) إنما ذُكر فيه سنة النسخ في آخره ولم يذكر في آخره ما يدل على حياة الكرماني، بل ورد ذلك في أول المجلد فقط، ولا نعرف متى شرع الناسخ في بداية المجلد، فقد يحتمل أن يكون استمر في كتابته لعام أو عامين، والله أعلم.\n* * *","vol":"1","page":37},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-37>الفصل الثالث\nالتعريف بالكتاب وقيمته العلمية</span>\nوفيه أربعة مباحث:\n- المبحث الأول: اسم الكتاب.\n- المبحث الثاني: نسبة الكتاب إلى مؤلفه.\n- المبحث الثالث: قيمة الكتاب العلمية، وأثره في التفاسير المؤلفة بعده.\n- المبحث الرابع: النسخ الخطية للكتاب.","vol":"1","page":38},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-38>المبحث الأول\nاسم الكتاب</span>\nدارت مناقشات علمية حول الاسم الصحيح لتفسير الكرماني، أهو «لباب التفسير» أم «لباب التفاسير»، وقد رجَّح الدكتور شمران العجلي محقق «غرائب التفسير» أنه «لباب التفاسير» وكذلك فعل الأستاذ أحمد عزالدين خلف الله محقق كتاب «البرهان في متشابه القرآن»، بينما ذهب الشيخ الدكتور ناصر بن سليمان العمر محقق القسم الأول من التفسير إلى أن اسمه «لباب التفسير».\nوأود هنا أن أشير إلى أنه قد يحمل لفظ «التفسير» على أن المقصود به «التفاسير» عند نساخ المخطوطات الأوائل، فقد جرت عادة النسَّاخ والكتَّاب قديمًا على إسقاط الألف في وسط الكلمة، فيكتبون كتاب (كتب)، ويكتبون الرحمان (الرحمن)، ويكتبون القاسم (القسم)، وهكذا، فمن الممكن في حالتنا هذه أن يقال إنهم كتبوا (التفسير) وقصدهم (التفاسير) بينما لا يصح العكس.\nوالحقيقة أنه توجد مصادر علمية ذكرت الكتاب باسم «لباب التفسير» كياقوت في «معجم الأدباء»، والداودي في «طبقات المفسرين»، والسيوطي في «بغية الوعاة» إلا أن الأغلب ذكره باسم «لباب التفاسير» وهكذا سمّاه المؤلف في تفسيره وفق المخطوطات التي وقفت عليها، وهكذا ورد اسمه في (ص ٥٣) من رسالة الشيخ الدكتور ناصر بن سليمان العمر في تحقيقه للكتاب نقلًا عن المصنف، حيث قال الكرماني: (وسميت الكتاب لباب التفاسير).\nبعد كل هذا: أرى أن الاسم الصحيح للكتاب هو: «لباب التفاسير»، وأهم شيء عندي يرجح هذا القول هو أن نسخ الكتاب التي وقفت عليها ورد الاسم","vol":"1","page":39},{"text":"فيها «لباب التفاسير» (١)، بالإضافة إلى أن الكرماني نفسه سمّاه في أول التفسير «لباب التفاسير»، فإن قيل ماذا تفعل بالمواطن التي ذكر فيها أن اسم الكتاب هو «لباب التفسير» خاصة أن بعضها مخطوطات لكتاب «غرائب التفسير» أو لكتاب «البرهان في متشابه القرآن» وبعضها الآخر مصادر علمية، مثل «معجم الأدباء» لياقوت، فأقول جوابًا عن ذلك: قد يحمل الأمر على وجود الألف عند النطق وإسقاطها عند الكتابة كما ذكرت في أول هذا المبحث، وقد يقال إنهم وهموا في الاسم الصحيح، خاصة إذا علمنا أن ما ورد في كتابي «غرائب التفسير» و«البرهان» إنما ورد في بعض النسخ فقط، أما باقي النسخ الخطية فقد ورد على الصواب، وكذلك سمّاه المؤلف «لباب التفاسير» في ثنايا هذين الكتابين في أكثر من موطن، وهذا ما دعا محققي الكتابين إلى ترجيح ما رجحناه في اسم الكتاب، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(١) من المعلوم أن النسخة الخطية الواحدة قد يرد فيها اسم الكتاب أكثر من مرة، فعلى الغلاف، وعند نهاية الربع الأول، أو عند نهاية النصف الأول، وعند نهاية النسخة كذلك، وفي كل هذه المواطن لمخطوطات التفسير التي وقفت عليها كان الاسم الذي يتكرر دائمًا هو: «لباب التفاسير».","vol":"1","page":40},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-39>المبحث الثاني\nنسبة الكتاب إلى مؤلفه</span>\nكل الدلائل العلمية تشير إلى أن مؤلف «لباب التفاسير» هو محمود بن حمزة الكرماني، ولم أجد من نسبه لغيره، أو شكَّك في نسبته له.\nويمكن إجمالًا ذكر بعض هذه الدلائل:\n١ - مخطوطات الكتاب نسبته للمؤلف.\n٢ - أن الكرماني ذكر هذا التفسير في كتبه الأخرى «غرائب التفسير» و«البرهان في متشابه القرآن».\n٣ - ذكر المترجمون للكرماني أن من مؤلفاته: «لباب التفاسير».\n٤ - أن النقولات المبثوثة في كتب التفسير الأخرى مثل «البحر المحيط» لأبي حيان، و«الدر المصون» للسمين الحلبي، و«اللباب» لابن عادل، وغيرهم، كلها تشير إلى أن الكرماني هو مؤلف «لباب التفاسير» وتتطابق تمامًا مع نصوص هذا التفسير أيضًا.\n٥ - لم أعثر على من نسب هذا التفسير لغير الكرماني.\n* * *","vol":"1","page":41},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-40>المبحث الثالث\nقيمة الكتاب العلمية وأثره في التفاسير المؤلفة بعده</span>\nتنبع القيمة العلمية لكتاب الكرماني «لباب التفاسير» من المكانة العلمية البارزة التي يحتلها الكرماني، فهو تاج القراء، وقال عنه ابن الجزري: (إمام كبير محقق ثقة كبير المحل) (١)، وقال ياقوت: (أحد العلماء الفقهاء النبلاء، صاحب التصانيف والفضل، كان عجبًا في دقة الفهم وحسن الاستنباط) (٢)، فعالم بهذه المنزلة لا بد أن يكون للتفسير الذي يكتبه مكانة عالية كذلك، وهو ما حصل بالفعل، فإنك تجد في هذا التفسير العبارة المختصرة الدقيقة، والتي سعى فيها الكرماني بقوة إلى جمع لباب التفاسير من خلالها، إلى درجة أنني كنت أحتاج دائمًا إلى مراجعة بعض التفاسير الأخرى لفهم عبارته المختصرة، فضلًا عن بعض ترجيحاته واختياراته، وقد كان الكرماني أحيانًا يشير إلى ذلك بعبارة علمية مهذبة، فيها تنبيه للقارئ إلى أن هذا القول هو من الكرماني، فأحيانًا يقول الكرماني: (ولم أسبق إليه) (٣)، وأحيانًا يقول: (ولم يبينه المفسرون) (٤)، إلى غير ذلك من العبارات.\nولعلي أذكر هنا عددًا من النقاط التي تبين قيمة الكتاب العلمية.\n١ - يعتبر «لباب التفاسير» من الكتب التي حوت فنونًا عديدة مما يتعلق بالتفسير، فتجد في هذا الكتاب: تفسير القرآن بالقرآن وبالأحاديث وبأقوال السلف،\n_________\n(١) انظر: «غاية النهاية» لابن الجزري ٢/ ٢٩١.\n(٢) انظر: «معجم الأدباء» لياقوت الحموي ٦/ ٢٦٨٦.\n(٣) انظر التفسير في المواطن التالية: سورة يونس (آية ٦١)، وسورة الأعراف (آية ١٩٠).\n(٤) انظر تفسير سورة هود (آية ٧١).","vol":"1","page":42},{"text":"وتجد فيه القراءات وأسباب النزول والناسخ والمنسوخ، وتجد فيه مباحث في العقيدة والفقه واللغة والإعراب، فهو بحق يعتبر لبابًا للتفاسير الأخرى.\n٢ - انفرد الكرماني ببعض النقولات، سواءً عن السلف أو عن بعض الكتب المتقدمة للمفسرين أو اللغويين، فتجد في التفسير أقوالًا لابن عباس والحسن لم أعثر عليها عند غير الكرماني، وتجد نقولات عن كتب علمية لبعض المفسرين أو اللغويين، ككتاب «نظم القرآن» للجرجاني، وكتاب أبي عيسى الرماني، وكتاب التفسير لابن بحر الأصفهاني، وهذه الكتب إما مفقودة كليًا، أومفقود أغلبها، وهذا يعطي كتاب الكرماني أهمية علمية.\n٣ - بَرَعَ الكرماني في توظيف الإعراب لخدمة المعنى، مما حدا بالمفسرين الذين أتوا بعده لمناقشته ودراسة أقواله، وهذا ظاهر عند أبي حيان والسمين الحلبي وغيرهم.\n٤ - بظهور هذا التفسير للباحثين، ستتسع دائرة الأقوال التي يحكيها المفسرون في معنى الآية، فكتابناهذا شبيه بكتاب «زاد المسير» لابن الجوزي، من جهة سرد الأقوال في معنى الآية.\n٥ - لقد كان للكرماني مصادر علمية اعتمدها أساسًا في كتابه، وهي: تفسير الطبري، والثعلبي، وأبي الليث السمرقندي، والماوردي، والواحدي، ومعاني القرآن للفراء، والزجاج، ومجاز القرآن لأبي عبيدة، و«الحجة» لأبي علي الفارسي، و«أسباب النزول» للواحدي، والناظر لهذه المصادر يتبين له بجلاء أنها مصادر علمية لها مكانتها البارزة في حقل التفسير، فاكتسب كتاب «لباب التفاسير» هذه المكانة عن طريق اقتباسه من هذه الكتب واختياره منها، فإن حُسْنَ الاختيار يحكي ثقافة العالِم ويبرز درجته العلمية.\n٦ - استفاد تلاميذ الكرماني، كالزمخشري والطبرسي من كتاب «لباب التفاسير» وإن لم يشيروا إلى ذلك (١)، بينما كان أبو حيان أبرز المفسرين الذين استعانوا بكتاب الكرماني، ثم تبعه السمين الحلبي، وابن عادل، والألوسي، وغيرهم، وكل هذا يُظْهِرُ بجلاءٍ المكانة العلمية لكتاب «لباب التفاسير» وأثره في التفاسير التي جاءت بعده.\n* * *\n_________\n(١) سبق أن بيَّنت هذا الأمر عند الحديث عن تلاميذ المؤلف.","vol":"1","page":43},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-41>المبحث الرابع\nالنسخ الخطية للكتاب</span>\nحصلت ولله الحمد على أربع نسخ خطية للقسم المحقق، اثنتان منها تشمله كاملًا، واثنتان ناقصتان، ووصفها كالتالي:\n<span data-type=\"title\" id=toc-42>١ - النسخة الأصل (أ):</span>\nوهي موجودة في مكتبة والدة عتيق التابعة لمكتبة سليم آغا في مدينة اسطنبول برقم (٥٤ (٢٨ - ٢٩»، وتحوي مجلدين، وهي شاملة للكتاب كله، وتقع في (٦٥٠) لوحة، في كل لوحة صفحتان، وفي كل صفحة (٣٠) سطرًا، وعدد كلمات السطر الواحد (١٤) كلمة تقريبًا، وناسخها هو: أشرف الحسيني الحنفي الغزنوي، ونسخت في المدينة النبوية، وكان انتهاء نسخ المجلد الأول في السادس من شوال سنة (٧٩٣ هـ)، وكان انتهاء نسخ المجلد الثاني في يوم عيد الأضحى سنة (٧٩٤ هـ).\nوهي نسخة نفيسة، بخط نسخي، وقّفتها لوجه الله تعالى والدة السلطان مراد خان ابن السلطان سليم خان، وقد تمت مقابلة النسخة على نسخة أخرى بخط الشيخ أبي طاهر محمد بن روز بهان، وكان انتهاء المقابلة في شهر رجب من سنة (٧٩٥ هـ).\n<span data-type=\"title\" id=toc-43>٢ - النسخة الثانية (ب):</span>\nوهي موجودة في مكتبة ولي الدين التابعة لمكتبة بايزيد الحكومية في اسطنبول برقم (٢٤٩)، وتحوي المجلد الأول من الكتاب إلى نهاية تفسير سورة الكهف، وتقع في (٢٨١) لوحة، في كل لوحة صفحتان، وفي كل صفحة (٢٧) سطرًا، وعدد كلمات السطر الواحد (١٧) كلمة تقريبًا، وناسخها هو: حسين بن إياز النحوي (١)،\n_________\n(١) له ترجمة في «الوافي بالوفيات» للصفدي ١٢/ ٣٤٢ - ٣٤٣، حيث يقول الصفدي: (العلامة جمال الدين النحوي، شيخ العربية بالمستنصرية ببغداد، له مصنفات في النحو منها كتاب «المطارحة» وجَوَّده، وكتب عنه أبوالعلاء الفرضي، وابن الفُوطي، وجماعة، وقرأ عليه الشيخ تاج الدين الأرموي، وتوفي سنة إحدى وثمانين وستمائة).","vol":"1","page":44},{"text":"وكان الانتهاء من نسخ هذا المجلد في العشر الأوسط من رجب سنة (٦٧٣ هـ).\nوهي نسخة مضبوطة بالشكل، وخطها نسخي جميل، ولا ريب في ذلك، فناسخها من علماء النحو البارزين، وهذا يوحي بأهمية الكتاب كما لا يخفى.\n<span data-type=\"title\" id=toc-44>٣ - النسخة الثالثة (ج):</span>\nوهي موجودة في دار الكتب المصرية برقم (٧٢١) تفسير، وهي تبدأ من أول التفسير وتنتهي بتفسير الآية (٥٤) من سورة الأعراف، وتقع في (١٢٨) لوحة، في كل لوحة صفحتان، وفي كل صفحة (٣٠) سطرا، وناسخها هو: سليمان بن أحمد بن نفاذ السلمي، سنة (٦٨٥ هـ)، ولهذه النسخة صورة في مكتبة جامعة الإمام محمد بن سعود تحت رقم (٢٧٠١/ف).\n<span data-type=\"title\" id=toc-45>٤ - النسخة الرابعة (د):</span>\nوهي موجودة في مكتبة شستربتي بإيرلندا برقم (٤١٤٧)، وتبدأ بتفسير الآية (٧٨) من سورة التوبة، وتنتهي بتفسير سورة الكهف، وتقع في (١٨٧) لوحة، في كل لوحة صفحتان، وفي كل صفحة (١٩) سطرًا، وكتبت النسخة بقلم نسخي في سنة (٥٩٣)، ولهذه النسخة صورة في مكتبة جامعة الإمام محمد بن سعود تحت رقم (٤١٤٧/ف).\nوبذلك يظهر أن التحقيق سيكون على ثلاث نسخ، ويستثنى من ذلك: من الآية (٥٥) من سورة الأعراف إلى الآية (٧٧) من سورة التوبة، فسيكون العمل فيها على نسختين فقط، والله الموفق.\n* * *","vol":"1","page":45},{"text":"صور النسخ الخطية\nالأولى: صورة غلاف نسخة (أ).\nالثانية: صورة الصفحة الأولى من نسخة (أ).\nالثالثة: صورة الصفحة الأخيرة من نسخة (أ).\nالرابعة: صورة غلاف نسخة (ب).\nالخامسة: صورة الصفحة الأولى من نسخة (ب).\nالسادسة: صورة الصفحة الأخيرة من الجزء الأول من نسخة (ب).\nالسابعة: صورة غلاف نسخة (جـ).\nالثامنة: صورة الصفحة الأولى من نسخة (جـ).\nالتاسعة: صورة الصفحة الأخيرة من الربع الأول من نسخة (جـ).\nالعاشرة: صورة الصفحة الأولى من نسخة (د).","vol":"1","page":46},{"text":"صورة غلاف النسخة (أ)","vol":"1","page":47},{"text":"صورة الصفحة الأولى من نسخة (أ)","vol":"1","page":48},{"text":"صورة الصفحة الأخيرة من نسخة (أ)","vol":"1","page":49},{"text":"صورة غلاف نسخة (ب)","vol":"1","page":50},{"text":"صورة الصفحة الأولى من نسخة (ب)","vol":"1","page":51},{"text":"صورة الصفحة الأخيرة من الجزء الأول من نسخة (ب)","vol":"1","page":52},{"text":"صورة غلاف نسخة (ج)","vol":"1","page":53},{"text":"صورة الصفحة الأولى من نسخة (ج)","vol":"1","page":54},{"text":"صورة الصفحة الأخيرة مع الربع الأول من نسخة (ج)","vol":"1","page":55},{"text":"صورة الصفحة الأولى من نسخة (د)","vol":"1","page":56},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\nالحمد لله الذي كشف عن قلوب أهل العلم ظلمات الجهل المدلهمة، وطَهَّرَها من أدناس الرّين، وأجناس الرّيب وملأها إيمانًا وحكمة. فضّل هذه الأمة وجعلها خير أمة أخرجت للناس، وأنزل لها خير كتبه، وجعله خاتمًا للكتب قبله ومهيمنًا عليها، وملأه نورًا وحكمة؛ لا نجاة إلا لمن تمسك به، أحمده على ألطافه ونعمه، وأشكره على جوده وإحسانه وأصلى وأسلم على خير أنبيائه ورسله نبي الرحمة والملحمة صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وأزواجه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.\nأما بعد:\nفإن الله خص هذه الأمة أن جعلها خير الأمم، وجعلها شاهدة عليها يوم القيامة، وبعث إليهم أقربهم إليه محبة وإيثارًا، وأعظمهم لديه شرفًا ومقدارًا، وأنزل عليه كتابه الكريم، وجعله نورًا وهدى للناس يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام، ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم، وجعله حجة على من ضل، ومحجة لمن اهتدى، وحث على تعلمه وتعليمه ليعم نفعه؛ فاجتهد في فهم معانيه السلف الأوائل، وبذلوا في سبيل ذلك كل غالٍ ونفيس، فأخرجوا للأمة كنوزًا عظيمة، ولآلئ ثمينة، أنارت لمن بعدهم الطريق، ويسَّرت عليهم سبيل العلم والمعرفة، فأعظم الله لهم الأجر والمثوبة، ورفعهم بكل حرف درجات عالية، ومن أولئك العلماء الإمام برهان الدين محمود بن حمزة بن نصر أبو القاسم الكرماني النحوي، المعروف بتاج القراء، أحد علماء التفسير والعربية، صاحب التصانيف النافعة في القراءات، والتفسير، والعربية وغيرها، ولعل من أفضل ماكتبه تفسيره المسمى (لباب التفاسير) الذي فَسَّر فيه القرآن الكريم الكريم كاملًا؛ ولأهمية هذا الكتاب في خدمة القرآن وعلومه أردت أن أشارك في إخراج هذا السِّفْر العظيم ليكون في متناول الباحثين، خدمة للعلم وطلابه، فكان اختياره ليكون موضوعًا لرسالة الدكتوراه وذلك بتحقيق جزء منه والذي يبدأ من أول سورة (الكهف) إلى آخر سورة (الصافات) سائلًا الله تعالى أن يكون عملًا خالصًا لوجهه الكريم.","vol":"1","page":57},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-48>أهمية الموضوع وأسباب اختياره:</span>\nتبرز أهمية الموضوع من خلال ما يلي:\n١ - أهمية هذا الكتاب بالنسبة لطلاب العلم وبخاصة في تخصص التفسير وعلوم القرآن، فقد اهتم فيه مؤلفه بالمعاني وبيانها والاستدلال على ذلك بكلام السلف وأئمة اللغة وغيرهم.\n٢ - تقدم مؤلفه؛ إذ هو من علماء القرن السادس الهجري، وكان من العلماء الذين تبوءوا مكانة عالية وبرعوا في علوم كثيرة ومنها العلوم المتعلقة بالقرآن وتفسيره.\n٣ - إضافة كتاب مهم إلى المكتبة القرآنية والذي يعد مصدرًا مهمًا للتفسير وطلابه، ففيه اعتنى بالقراءات والناسخ والمنسوخ وبيان آيات الأحكام، وغير ذلك من العلوم المعينة على فهم كلام الله تعالى.\n٤ - تيسر الحصول على نسخ خطية لهذا الكتاب مما شجع على تحقيقه ليخرج في أحسن صورة أرادها مؤلفه.\n٥ - ماتضمنه الكتاب من علوم في التفسير وعلوم القرآن والحديث والفقه وغيرها بأسلوب بديع في عرض تلك العلوم المتنوعة، فقد اعتنى بذكر القراءات، وتفسير القرآن بالقرآن، فكثيرًا ما يستشهد في تفسير الآيات بما شابهها من الآيات الأخرى، أما الأحاديث والآثار فقد حفل كتابه بكثير من الأحاديث في بيان أسباب النزول، أو معاني الآيات، أو الاستدلال على حكم فقهي أو غير ذلك مما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.\nلهذه الأسباب وغيرها أردت تحقيق ودراسة جزءٍ من هذا الكتاب خدمة للعلم وطلابه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-49>أهداف البحث:</span>\n١ - التعريف بمكانة مؤلفه وما كان له من فضل في خدمة كتاب الله تعالى.\n٢ - دراسة مصادر المصنف في كتابه وذلك من خلال الجزء المحقق، وذكر الجوانب التي تميز بها.\n٣ - تحقيق جزء من الكتاب - من أول سورة الكهف إلى آخر سورة الصافات وإخراجه على الصورة التي أرادها مؤلفه.","vol":"1","page":58},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-50>الدراسات السابقة:</span>\nبعد البحث في المراكز والمكتبات العلمية المتخصصة تبين لي أنه لم يحقق من هذا الكتاب إلا الجزء الأول منه - من أول سورة الفاتحة إلى آخر سورة النساء - وهي عبارة عن رسالة دكتوراه في قسم القرآن وعلومه بالكلية تقدم بها فضيلة الشيخ الباحث / ناصر بن سليمان العمر سنة ١٤٠٤ هـ ثم قُدم مشروع لإكمال هذا الكتاب، وذلك بتحقيق القسم المتبقي منه والذي يبدأ من أول سورة المائدة إلى سورة آخر سورة الناس.\nوستكون خطة رسالتي لإكمال تحقيق الكتاب من أول سورة (الكهف) إلى آخر سورة (الصافات)، وعدد ألواحها (١٨٠) لوحًا وعدد صفحاتها (٣٦٠) صفحة، مشتملةً على الإضافات التالية:\n١ - دراسة منهج المؤلف ومصادره في التفسير وإبراز شخصيته من خلال الجزء المحقق.\n٢ - تحقيق جزء من الكتاب من أول سورة (الكهف) إلى آخر سورة (الصافات).\n<span data-type=\"title\" id=toc-51>خطة البحث:</span>\nتتكون خطة البحث من:\nمقدمة - وقسمين- وخاتمة- وذلك على النحو التالي:\nالمقدمة:\nوتتضمن: أهمية الموضوع، وأسباب اختياره، وأهداف البحث، والدراسات السابقة، وخطة البحث، والمنهج المتبع في إخراجه.\nالقسم الأول: الدراسة وفيها تعريف بمصادر المؤلف في كتابه (لباب التفاسير) والتعريف بها من خلال الجزء المحقق:\nويشتمل على ثمانية مباحث:\nالمبحث الأول: مصادره في القراءات.\nالمبحث الثاني: مصادره في التفسير.\nالمبحث الثالث: مصادره في علوم القرآن.\nالمبحث الرابع: مصادره في الرواية والأثر.\nالمبحث الخامس: مصادره في مسائل الاعتقاد.\nالمبحث السادس: مصادره في اللغة والنحو.\nالمبحث السابع: مصادره في الاسرائيليات.\nالمبحث الثامن: مصادره في مسائل الفقه.\nالمبحث التاسع: منهجه في الإفادة من المصادر.","vol":"1","page":59},{"text":"القسم الثاني: النص المحقق:\nسيكون التحقيق للجزء الثالث من الكتاب من أول سورة (الكهف) إلى آخر سورة (الصافات) وعدد صفحاته (٣٦٠) صفحة في (١٨٠) لوحة وذلك حسب المنهج العلمي في التحقيق كما يلي:\n\nأولًا: منهج كتابة النص المحقق:\nبالنسبة لمنهج الدراسة فسيكون وفق المنهج الوصفي التحليلي، أما قسم التحقيق فسيكون وفق المنهج التالي:\n١ - اعتماد النص المختار بين نُسَخ الكتاب مع الإشارة في الهامش إلى الاختلاف ماعدا ألفاظ الترضي والصلاة ونحوها فستكون موحدة.\n٢ - نسخ المخطوط وفق قواعد الإملاء، وعدم اعتماد ما يكون من فروق يسيرة كإهمال الهمز أو تسهيله في نحو (الابتدا والابتداء) و(عجايب وعجائب) ونحوها فهذه تكتب وفق الرسم الإملائي دون الإشارة إليها في الهامش.\n٣ - كتابة الآيات المفسرة وفق رسم المصحف.\n٤ - ضبط الكلمات المُشْكِلة والغريبة في النص المحقق.\n\nثانيًا: منهج التعليق في الحاشية:\n١ - توثيق القراءات القرآنية من الكتب المعتمدة، وبيان المتواتر منها والشاذ.\n٢ - تخريج الأحاديث والآثار من مصادرها الأصلية، فإن كان الحديث في الصحيحين أو أحدهما اكتفيت بالعزو إليهما أو إلى أحدهما، وإن كان في غيرهما فإني أذكر من خرجه إن وجد مع نقل كلام أهل العلم عليه من جهة القبول والرد.\n٣ - توثيق أقوال أهل العلم المنسوبة التي ينقلها المصنف بعزوها إلى مصادرها الأصلية ما أمكن، فإن لم أعثر عليها عزوت إلى الكتب المتقدمة التي نقلت عنهم.\n٤ - توثيق المسائل العقدية والتعليق عليها في ضوء عقيدة السلف.\n٥ - توثيق المسائل الفقهية من الكتب المعتمدة.\n٦ - ضبط المشكل وبيان الغريب الوارد في نص الكتاب.\n٧ - التعريف بالأعلام، والفِرَق، والبلدان، والأماكن التي ترد في نص الكتاب المحقق، وتوثيقه من مراجعه المعتبرة.","vol":"1","page":60},{"text":"٨ - نسبة الأبيات الشعرية لقائليها وتوثيقها من مصادرها المعتبرة.\n٩ - إذا اقتضى السياق إضافة كلمة أو حرف فإني أضعها بين معقوفتين وأشير إلى ذلك في الحاشية.\n١٠ - بالنسبة للمعلومات المتعلقة بالمصادر والمراجع التي أنقل عنها فإني أكتفي بذكرها في فهرس المصادر والمراجع، وذلك ببيان اسم الكتاب، واسم المؤلف، والمحقق وبيان اسم الناشر، ومكان وتاريخ النشر إن وجد.\n١١ - عند الإحالة للمصدر الذي أنقل منه فإني أذكر اسم الكتاب ورقم الجزء والصفحة، فإن كان النقل بالنص فإني أجعله بين حاصرتين، وإن كان النقل بالمعنى فأبين ذلك بذكر كلمة (انظر) دون جعله بين حاصرتين.\n\nالخاتمة:\nوفيها بيان أهم نتائج البحث وتوصياته.\n\nالفهارس العامة:\nوتشتمل على الفهارس الآتية:\n١ - فهرس الآيات القرآنية.\n٢ - فهرس الأحاديث والآثار.\n٣ - فهرس الأبيات الشعرية.\n٤ - فهرس الأعلام.\n٥ - فهرس الأماكن والقبائل والفرق.\n٦ - فهرس المصادر والمراجع.\n٧ - فهرس الموضوعات.\nوفي الختام أحمد الله ﷾ أن أعان ووفق على إتمام هذا العمل، كما أسأله أن يكون خالصًا صوابًا، كما أتوجه بالشكر والثناء إلى فضيلة المشرف على الرسالة الأستاذ الدكتور زاهر بن عواض الألمعي، لما بذله من جهد ووقت وحُسْنِ توجيه كان لها الأثر البالغ في إخراج هذا العمل، فله مني أجزل الشكر على كل ما بذله وأسأل الله أن يثقل به موازين حسناته، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.","vol":"1","page":61},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-52>تعريف موجز بالمخطوط:</span>\n\nعنوان الكتاب [لباب التفاسير] وهو من المؤلفات المهمة في تفسير كتاب الله تعالى، ومن أهم ما تميز به هذا الكتاب ما يلي:\n١ - ينقل المؤلف ماورد عن الصحابة والتابعين في التفسير، كابن عباس ... وابن مسعود، وأبي بن كعب، وعلي بن أبي طالب، وغيرهم من أئمة التفسير من الصحابة.\nكما أنه ينقل عن مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، والسدي، وسعيد ابن المسيب، وغيرهم من أئمة التابعين.\n٢ - ظمن المؤلف كتابه كثيرًا من العلوم المتعلقة بالتفسير كالقراءات، والناسخ والمنسوخ، وأسباب النزول، والمكي والمدني، وغيرها من علوم القرآن.\n٣ - اهتمام المؤلف بذكر المباحث اللغوية التي لها تعلق ببيان معاني الآيات، ... كبيان المعاني اللغوية، والمفردات، والإعراب، والاشتقاق، ومعاني الحروف، والاستشهاد بأقوال العرب وأشعارهم، وغير ذلك من المباحث اللغوية التي أكثر منها المؤلف في تفسيره.\n٤ - اهتمامه بتفسير القرآن بالقرآن، فغالبًا ما يذكر آية إلا ويفسرها بآية أخرى.\n٥ - يذكر أسباب نزول الآيات بل ويكثر من ذلك معتمدًا على تفسير الإمام الطبري وكتاب الواحدي في أسباب النزول، وغيرها من كتب التفسير.\n٧ - إيراده لآيات الأحكام لكن دون إطالة أو تفصيل وينقل - غالبًا - أقوال الصحابة والتابعين، مع ذكر أدلة كل قول.","vol":"1","page":62},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-53>التعريف بالنسخ الخطية للكتاب:</span>\nتم بحمد الله الحصول على أربع نسخ خطية للكتاب، اثنتان منها تشمله كاملًا، واثنتان ناقصتان، ووصفها كالتالي:\n<span data-type=\"title\" id=toc-54>١ - النسخة الأصل (أ): (النسخة الكاملة)</span>.\nوهي موجودة في مكتبة والدة عتيق التابعة لمكتبة سليم أغا في مدينة اسطنبول برقم [(٥٤) ٢٨ - ٢٩]، وتحوي مجلدين، وهي شاملة للكتاب كله، وتقع في (٦٥٠) لوحة، في كل لوحة صفحتان، وفي كل صفحة (٣٠) سطرًا، وعدد كلمات السطر الواحد (١٤) كاملة تقريبًا، وناسخها هو: أشرف الحسيني الحنفي الغرنوي في المدينة النبوية، وكان انتهاء نسخ المجلد الأول في السادس من شوال سنة (٧٩٣ هـ)، وكان انتهاء نسخ المجلد الثاني في يوم عيد الأضحى سنة (٧٩٤ هـ).\nوهي نسخة نفيسة، بخط نسخي، وقّفتها لوجه الله تعالى والدة السلطان مراد خان ابن السلطان سليم خان، وقد تمت مقابلة النسخة على نسخة أخرى بخط الشيخ أبي طاهر محمد بن روزبهان، وكان انتهاء المقابلة في شهر رجب من سنة (٧٩٥ هـ).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-55>٢ - النسخة الثانية (ب): (النسخة الملفقة):</span>\nوالمجلد الأول منها موجود في مكتبة ولي الدين التابعة لمكتبة بايزيد الحكومية في اسطنبول برقم (٢٤٩)، ويحوي هذا المجلد من أول الكتاب إلى نهاية تفسير سورة الكهف، ويقع في (٢٨١) لوحة، في كل لوحة صفحتان، وفي كل صفحة (٢٧) سطرًا، وعدد كلمات السطر الواحد (١٧) كلمة تقريبًا، وناسه هو: حسين بن إياز النحوي، وكان الانتهاء من نسخ هذا المجلد في العشر الأوسط من رجب سنة (٦٧٣ هـ).\nوهي نسخة مضبوطة بالشكل، وخطها نسخي جميل، ولا ريب في ذلك، فناسخها من علماء النحو البارزين، وهذا يوحي بأهمية الكتاب كما لا يخفى.\nأما باقي الكتاب (من مريم إلى الناس) ففي مجلدين آخرين لناسخ آخر؛ ويبدأ الأول منهما من سورة (مريم) وينتهي بسورة (الصافات)، في حين يبدأ الآخر بسورة (ص) وينتهي بسورة (الناس).","vol":"1","page":63},{"text":"وهذان المجلدان محفوظان بمكتبة فاتح باسطنبول بالرقمين (٤١٧ و٤١٨) على التوالي، ويقع المجلد الأول منهما في (٣١٥) لوحة، بينما يقع الثاني (٣٨٤) لوحة، وفي كل لوحة صفحتان، وعدد الأسطر في كل صفحة (٢١) سطرًا تقريبًا بمتوسط (١٠) كلمات في السطر.\nوقد كتبت بخط نسخي جميل، وأُرِّخ انتهاء نسخها بيوم السبت منتصف جمادى الأولى من سنة (٦٥٤ هـ)، وناسخها هو: علي بن عبدالله ابن محمود (المؤذن بجامع غربي عسكر مكرم (﵀)، وبتلفيق هذه المجلدات الثلاثة يمكن الحصول على نسخة كاملة للكتاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-56>٣ - النسخة الثالثة (ج):</span>\nوهي موجودة في مكتبة شستربتي بإيرلندا برقم (٤١٤٧)، وتبدأ بتفسير الآية (٧٨) من سورة التوبة، وتنتهي بتفسير سورة الكهف، وتقع في (١٨٧) لوحة، في كل لوحة صفحتان، وفي كل صفحة (١٩) سطرًا، وكتبت النسخة بخط نسخي سنة (٥٩٣ هـ)، ولهذه النسخة صورة في مكتبة جامعة الإمام محمد بن سعود تحت رقم (٤١٤٧/ف).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-57>٤ - النسخة الرابعة (د):</span>\nوهي موجودة في دار الكتب المصرية برقم (٧٢١) تفسير، وهي تبدأ من أول التفسير وتنتهي بتفسير الآية (٥٤) من سورة الأعراف، وتقع في (١٢٨) لوحة، في كل لوحة صفحتان، وفي كل صفحة (٣٠) سطرًا، وناسخها هو: سليمان بن أحمد ابن نفاذ السلمي، سنة (٦٨٥ هـ)، ولهذه النسخة صورة في مكتبة جامعة الإمام محمد بن سعود تحت رقم (٢٧٠١، ف).\n\nنماذج للنسخ الخطية للكتاب","vol":"1","page":64},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-58>ترجمة موجزة للمؤلف:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-59>اسمه ونسبه:</span>\nهو تاج القراء برهان الدين محمود بن حمزة بن نصر الكرماني، النحوي، الفقيه، أبوالقاسم (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-60>مولده ونشأته:</span>\nلم تذكر المصادر التي ترجمت للكرماني تاريخ ولادته، ولكن يعتقد أنه ولد قبل سنة (٥٠٠ هـ)، وقد عاش في بلده كرمان ولم يخرج منها؛ ففيها ولد وفيها نشأ وتعلم (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-61>مؤلفاته:</span>\n١ - لباب التفاسير (٣):\n٢ - غرائب التفسير وعجائب التأويل (٤).\n٣ - البرهان في متشابه القرآن لما فيه من الحجة والبيان (٥).\n٤ - خط المصاحف (٦).\n٥ - الهداية في شرح غاية ابن مهران (٧).\n٦ - الإفادة في النحو (٨).\n٧ - الإيجاز في النحو، وهو مختصر من الإيضاح لأبي علي الفارسي (٩).\n٨ - النظامي في النحو، وهو مختصر من اللمع لابن جني (١٠).\n<span data-type=\"title\" id=toc-62>وفاته:</span>\nلم تذكر المصادر التي ترجمت للكرماني تاريخ وفاة، والمذكور أنه كان في حدود الخمسمائة، وتوفي بعدها (١١).\n_________\n(١) انظر: معجم الأدباء، لياقوت الحموي (١٩/ ١٢٥)، غاية النهاية في طبقات القراء، لابن الجزري (٢/ ٢٩١)، طبقات المفسرين، للداودي (٢/ ٣١٢)، بغية الوعاة، للسيوطي (٢/ ٢٧٧).\n(٢) انظر: معجم الأدباء (١٩/ ١٢٥).\n(٣) انظر: معجم الأدباء (١٩/ ١٢٥)، طبقات المفسرين، للداودي (٢/ ٣١٢).\n(٤) انظر: الأعلام، للزركلي (٨/ ١٦٨)، معجم المؤلفين، لكحالة (٣/ ٨٠٤).\n(٥) انظر: معجم الأدباء (١٩/ ١٢٥).\n(٦) انظر: غاية النهاية في طبقات القراء (٢/ ٢٩١).\n(٧) انظر: طبقات المفسرين، للاودي (٢/ ٣١٢).\n(٨) انظر: بغية الوعاة، للسيوطي (٢/ ٧٧).\n(٩) انظر: طبقات المفسرين، للداودي (٢/ ٣١٣).\n(١٠) انظر: معجم الأدباء (١٩/ ١٢٥)، بغية الوعاة (٢/ ٢٧٧).\n(١١) انظر: معجم الأدباء (١٩/ ١٢٥)، طبقات المفسرين، للداودي (٢/ ٣١٢)، بغية الوعاة (٢/ ٢٧٧).","vol":"1","page":65},{"text":"القسم الأول: الدراسة، ويشتمل على ثمانية مباحث:\nالمبحث الأول: مصادره في القراءات.\nالمبحث الثاني: مصادره في التفسير.\nالمبحث الثالث: مصادره علوم القرآن.\nالمبحث الرابع: مصادره في الرواية والأثر.\nالمبحث الخامس: مصادره في مسائل الاعتقاد.\nالمبحث السادس: مصادره اللغة والنحو.\nالمبحث السابع: مصادره في الإسرائيليات.\nالمبحث الثامن: مصادره في مسائل الفقه.\nالمبحث التاسع: منهجه في الإفادة من المصادر.","vol":"1","page":66},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-64>المبحث الأول: مصادره في القراءات</span>.\nلم يذكر الكرماني في مقدمة كتابه لباب التفاسير المصادر التي اعتمد عليها ونقل منها، لكن عند الرجوع إلى تفسيره تجد أنه حافل بكثير من المصادر في أغلب العلوم المتعلقة بالتفسير، وعليه فلم يذكر من المصادر التي اعتمد عليها في ذكر القراءات إلا القليل، وخاصة المتواتر منها أما الشواذ، فلم يذكر كتابًا مما اعتمد عليه في ذلك، لكنه يكتفي بالإشارة إلى كونها شاذة، وقد يذكر من قرأ بها، ومن أهم المصادر التي اعتمد عليها الكرماني في ذكر القراءات:\n١ - الحجة للقراء السبعة، لأبي علي الحسن بن عبد الغفار الفارسي، المتوفى سنة ٣٧٧ هـ.","vol":"1","page":67},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-65>المبحث الثاني: مصادره في التفسير:</span>\nمن أهم مصادر التفسير التي اعتمد عليها الكرماني في تفسيره ما يلي:\n١ - تفسير مجاهد بن جبر المكي، المتوفى سنة ١٠١ هـ.\n٢ - تفسير مقاتل سليمان البلخي، المتوفى سنة ١٥٠ هـ.\n٣ - جامع البيان عن تأويل آي القرآن لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري، المتوفى سنة ٣١٠ هـ.\n٤ - تفسير النقاش المسمى شفاء الصدور لمحمد بن الحسن الموصلي، المتوفى سنة ٣٥١ هـ.\n٥ - تفسير القفال، أبو بكر محمد بن علي بن إسماعيل الشاشي، المتوفى سنة ٣٦٥ هـ.\n٦ - أحكام القرآن لأبي بكر أحمد الرازي الجصاص، المتوفى سنة ٣٧٠ هـ.\n٧ - بحر العلوم لأبي الليث نصر بن محمد بن أحمد السمرقندي، المتوفى سنة ٣٧٥ هـ.\n٨ - الكشف والبيان لأبي إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، المتوفى سنة ٤٢٧ هـ.\n٩ - النكت والعيون لأبي الحسن علي بن أحمد بن حبيب الماوردي، المتوفى سنة ٤٥٠ هـ.\n١٠ - الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لأبي الحسن علي بن أحمد الواحدي النيسابوري، المتوفى سنة ٤٦٨ هـ.\n١١ - الوسيط في تفسير القرآن المجيد لأبي الحسن علي بن أحمد الواحدي النيسابوري، المتوفى سنة ٤٦٨ هـ.\n١٢ - التفسير الكبير لأبي علي محمد بن عبد الوهاب الجبائي المعتزلي، المتوفى سنة ١٣٣ هـ.\n١٣ - جامع التأويل لمحكم التنزيل لأبي مسلم محمد بن بح الأصفهاني، المتوفى سنة ٣٢٢ هـ.\n١٤ - تفسير أبي القاسم عبد الله بن أحمد بن محمد الكعبي البلخي المعتزلي، المتوفى سنة ٣١٩ هـ.\n١٥ - تفسير علي بن عيسى الرماني المعتزلي، المتوفى سنة ٣٨٤ هـ.\n١٦ - نظم القرآن لأبي علي الحسين بن يحيى الجرجاني.\n١٧ - التنزيل لمحمد بن الهيصم.","vol":"1","page":68},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-66>المبحث الثالث: مصادره في علوم القرآن:</span>\n١ - غريب القرآن لمؤرج بن الحارث السدوسي، المتوفى سنة ١٩٥ هـ.\n٢ - معاني القرآن لأبي زكريا يحيى بن زياد الفراء، المتوفى سنة ٢٠٧ هـ.\n٣ - مجاز القرآن لأبي عبيدة معمر بن المثنى، المتوفى سنة ٢١٠ هـ.\n٤ - معاني القرآن للأخفش سعيد بن مسعدة، المتوفى سنة ٢١٠ هـ.\n٥ - غريب القرآن لأبي حاتم السجستاني، المتوفى سنة ٢٤٨ هـ.\n٦ - تفسير غريب القرآن لأبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، المتوفى سنة ٢٧٦ هـ.\n٧ - تأويل مشكل القرآن لأبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، المتوفى سنة ٢٧٦ هـ.\n٨ - معاني القرآن لأبي إسحاق إبراهيم بن السري الزجاج، المتوفى سنة ٣١١ هـ.\n٩ - معاني القرآن لأبي جعفر أحمد بن محمد بن إسماعيل النحاس، المتوفى سنة ٣٣٨ هـ.\n١٠ - الناسخ والمنسوخ لأبي جعفر أحمد بن محمد بن إسماعيل النحاس، المتوفى سنة ٣٣٨ هـ.\n١١ - المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني، المتوفى سنة ٤٢٥ هـ.\n١٢ - العرائس في قصة الخضر والاختلاف في نبوته وحيويته لأبي إسحاق أحمد ابن محمد الثعلبي، المتوفى سنة ٤٢٧ هـ.\n١٣ - أسباب النزول لأبي الحسن علي بن أحمد الواحدي النيسابوري، المتوفى سنة ٤٦٨ هـ.","vol":"1","page":69},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-67>المبحث الرابع: مصادره في الرواية والأثر:</span>\nمن المعلوم أن التفسير بالرواية والأثر يشمل تفسير القرآن بالسنة، وكذلك بأقوال الصحابة والتابعين، ولأهمية ذلك في معرفة معنى الآية فقد اهتم الكرماني في تفسيره بذكر الروايات سواء كانت من كتب التفسير أو من كتب السنة، وقد ينقل من غير عزو للمصدر الذي ينقل منه، ومن<span data-type=\"title\" id=toc-68> أهم مصادره في الرواية والأثر:</span>\n١ - جامع البيان عن تأويل آي القرآن لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري، المتوفى سنة ٣١٠ هـ.\n٢ - الكشف والبيان لأبي إسحاق أحمد بن محمد الثعلبي، المتوفى سنة ٤٢٧ هـ.\n٣ - النكت والعيون لأبي الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي، المتوفى سنة ٤٥٠ هـ.\n٤ - أسباب النزول لأبي الحسن علي بن أحمد الواحدي النيسابوري، المتوفى سنة ٤٦٨ هـ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-69>ومن كتب السنة التي ذكرها في تفسيره:</span>\n١ - الجامع الصحيح المسند للإمام إبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، المتوفى سنة ٢٥٦ هـ.\n٢ - صحيح الإمام مسلم، لأبي الحسن مسلم بن الحجاج النيسابوري، المتوفى سنة ٢٦١ هـ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-70>مصادر أخرى:</span>\n١ - السيرة لابن إسحاق.","vol":"1","page":70},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-71>المبحث الخامس: مصادره في مسائل الإعتقاد:</span>\nلم يتطرق الكرماني في لباب التفاسير إلى مسائل الاعتقاد بكثرة، وإن ذكر شيئًا منها فإنه يذكرها باختصار ولا يتعمق في البحث فيها، ومن خلال التتبع والاستقراء نجد أنه ينقل بكثرة عن كتب المعتزلة ولايناقش أقوالهم ولا يرد عليهم، ومن هذه الكتب:\n١ - التفسير الكبير لأبي علي محمد بن عبد الوهاب الجبائي، المتوفى سنة ١٣٣ هـ.\n٢ - التفسير الكبير لأبي القاسم عبد الله بن أحمد بن محمود البلخي، الكعبي، المتوفى سنة ٣١٩ هـ.\n٣ - جامع التأويل لمحكم التنزيل لأبي مسلم محمد بن بحر الأصفهاني، المتوفى سنة ٣٢٢ هـ.\n٤ - تفسير ابن عيسى علي بن عيسى الرماني المعتزلي، المتوفى سنة ٣١٩ هـ.\n٥ - نظم القرآن لأبي علي الحسين بن يحيى الجرجاني.","vol":"1","page":71},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-72>المبحث السادس: مصادره في اللغة والنحو:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-73>من مصادر الكرماني التي اعتمد عليها في اللغة والنحو:</span>\n١ - العين للخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم الفراهيدي، المتوفى سنة ١٧٥ هـ.\n٢ - الكتاب لسيبويه، عمرو بن عثمان بن قنبر، أبو بشر المتوفى سنة ١٨٠ هـ.\n٣ - المقتضب لمحمد بن يزيد بن عبد الأكبر، أبو العباس المبرد، المتوفى سنة ٢٨٥ هـ.\n٤ - معاني القرآن وإعرابه لأبي إسحاق إبراهيم بن السِّرِّي الزجاج، المتوفى سنة ٣١١ هـ.\n٥ - إعراب القرآن لأبي جعفر أحمد بن محمد بن إسماعيل النحاس، المتوفى سنة ٣٣٨ هـ.\n٦ - تهذيب اللغة لأبي منصور محمد بن أحمد بن الأزهر بن طلحة الأزهري، المتوفى سنة ٣٧٠ هـ.\n٧ - إصلاح الإغفال لأبي علي الحسن بن عبد الغفار الفارسي، المتوفى سنة ٣٧٧ هـ.\n٨ - الصحاح لأبي نصر إسماعيل بن حماد الجوهري الفارابي، المتوفى سنة ٣٩٣ هـ.\n٩ - التبيان في غريب إعراب القرآن لأبي البركات عبد الرحمن بن محمد الأنباري، المتوفى سنة ٥٧٧ هـ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-74>إضافة إلى ذلك فإنه يستشهد في التفسير بشعر المتقدمين، ومنهم:</span>\n١ - امرئ القيس.\n٢ - عنترة بن شداد العبسي.\n٣ - طرفة بن العبد البكري.\n٤ - الأعشى ميمون بن قيس.\n٥ - زهير بن أبي سلمى.\n٦ - عبيد بن الأبرص.\n٧ - عبد الله بن العجاج.\n٨ - رؤبة بن العجاج.\n٩ - ذي الرمة.\n١٠ - عبد الله بن قيس الرُّقيات.\n١١ - المتلمس الضبعي.\n١٢ - أمية بن أبي الصلت.\n١٣ - عبد الله بن الزبعرى السهمي.\n١٤ - تميم بن مقبل.\n١٥ - حسان بن ثابت الأنصاري.\n١٦ - بشار بن برد.\n١٧ - أبو العتاهية.\n١٨ - جرير بن عطية الكلبي.\n١٩ - عبد الله بن عمر العرجي.\n٢٠ - علقمة الفحل.\n٢١ - عبد الصمد بن المعذل.\n٢٢ - المتنبي، أحمد بن الحسن الجُعْفِي.","vol":"1","page":72},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-75>المبحث السابع: مصادره في الاسرائيليات:</span>\nاعتمد الكرماني في ذلك على:\n١ - الكشف والبيان لأبي إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، المتوفى سنة ٤٢٧ هـ.\n٢ - تفسير شفاء الصدور لمحمد بن الحسن الموصلي، المعروف بالنقاش، المتوفى سنة ٣٥١ هـ.","vol":"1","page":73},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-76>المبحث الثامن: مصادره في مسائل الفقه:</span>\nلم يسهب الكرماني في ذكر المسائل الفقهية، ويكتفي فقط بالإشارة إلى المسألة دون ذكر الأقوال أو الأدلة أو مناقشة تلك الأدلة، وهو غالبًا ما يتعتمد علي:\n١ - جامع البيان عن تأويل آي القرآن لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري، المتوفى سنة ٣١٠ هـ.\n٢ - أحكام القرآن لأبي بكر أحمد الرازي الجصاص، المتوفى سنة ٣٧٠ هـ.\n٣ - الكشف والبيان لأبي إسحاق أحمد بن محمد الثعلبي، المتوفى سنة ٤٢٧ هـ.\n٤ - النكت والعيون لأبي الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي، المتوفى سنة ٤٥٠ هـ.","vol":"1","page":74},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-77>المبحث التاسع: منهجه في الإفادة من المصادر:</span>\nيمكن تقسيم المصادر التي اعتمد عليها الكرماني إلى ما يلي:\n<span data-type=\"title\" id=toc-78>القسم الأول: مصادر أكثر النقل منها، وهي:</span>\nأولًا: جامع البيان عن تأويل آي القرآن لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري.\nثانيًا: معاني القرآن وإعرابه لأبي إسحاق إبراهيم بن السِّرِّي الزجاج.\nثالثًا: الكشف والبيان لأبي إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي.\nرابعًا: النكت والعيون لأبي الحسن علي بن حبيب الماوردي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-79>القسم الثاني: مصادر لم يكثر النقل عنها، وهي بقية المصادر المذكورة في المباحث السابقة</span>.\nويتلخص منهج الكرماني في الإفادة من القسمين السابقين فيما يلي:\n<span data-type=\"title\" id=toc-80>أولًا: أنه ينقل فقط بذكر اسم المؤلف، ولايذكر اسم الكتاب الذي نقل منه، ومن الأمثلة على ذلك:</span>\n١ - قال في تفسير قوله تعالى (ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا) [الكهف: ١٢] \"ابن جرير: ليعلم عبادنا\". (١)\n٢ - وقال في تفسير قوله تعالى (وكذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم) [الكهف: ١٩].\n\"ابن جرير: كما أنمناهم مدة طويلة بقدرتنا كذلك بعثناهم من مرقدهم بقدرتنا\". (٢)\n٣ - قال في تفسير قوله تعالى (قل الله أعلم بما لبثوا له غيب السماوات والأرض) [الكهف: ٢٦].\n\"ابن جرير: قالت اليهود أنهم منذ دخلوا الكهف لإلى يومن ثلثمائة سنة فقال الله: بل لبثوا في كهفهم إلى يوم موتهم ثلثمائة سنة وتسع سنين، والله أعلم بما لبثوا بعد موتهم إلى يومنا\". (٣)\n٤ - وقال في تفسير قوله تعالى (جعل فتنة الناس كعذاب الله) [العنكبوت: ١٠]\n\"الزجاج: جزع من ذلك كما يجزع من عذاب الله\". (٤)\n٥ - وقال في تفسير قوله تعالى (وإن الدار الآخرة لهي الحيوان) [العنكبوت: ٦٤]\n_________\n(١) انظر:\n(٢) انظر:\n(٣) انظر:\n(٤) انظر:","vol":"1","page":75},{"text":"\"الزجاج: تقديره: هي دار الحيوان، أي: الحياة\". (١)\n٦ - وقال في تفسير قوله تعالى (يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا) [فاطر: ٣٣]\n\"الزجاج: من ذهب في صفاء الؤلؤ، كما قيل: من فضة في صفاء قوارير\". (٢)\n٧ - وقال في تفسير قوله تعالى (والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه) [النور: ٤٥].\n\"أبو عبيدة: لايكون المشي بالبطن\". (٣)\n٨ - وقال في تفسير قوله تعالى (سورة أنزلناها وفرضناها) [النور: ١].\n\"ابن عيسى: السورة الجامعة لجملة آيات بفاتحة لها وخاتمة، واشتقاقها من سور المدينة\". (٤)\n٩ - وقال في تفسير قوله تعالى (ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعًا أو أشتاتًا) [النور: ٦١].\n\"عن النقاش: نزلت في قوم كانوا يتحرجون أن يأكلوا جميعًا مخافة أن يأكل أكثر من صاحبه، فنزلت \". (٥)\n١٠ - ... وقال في تفسير قوله تعالى (وجعلنا بينهم موبقا) [الكهف: ٥٢].\n\"الواحدي: (موبقًا) حاجزًا، وأصله من وبق يبق إذا هلك\". (٦)\nوأحينًا قد يؤخر العزو إلى نهاية الكلام، ومن الأمثلة عليه:\n١ - قال في تفسير قوله تعالى (وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتمًا مقضيًا) [مريم: ٧١]\n\"وقيل: (واردها) يعود إلى يوم القيامة، حكاه أبو جعفر النحاس\". (٧)\n٢ - وقال في تفسير قوله تعالى (فاستفتهم أهم أشد خلقًا أمن خلقنا) [الصافات: ١١].\n\"سل قومك، نزلت في أبي الأشد بن كلدة بن أسيد، حكاه الثعلبي\". (٨)\n٣ - وقال في تفسير قوله تعالى (وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين) [الصافات: ٩٩].\n\"وقيل: إلى قول حسبي الله ونعم الوكيل، حكاه الماوردي\". (٩)\n_________\n(١) انظر:\n(٢) انظر:\n(٣) انظر:\n(٤) انظر:\n(٥) انظر:\n(٦) انظر:\n(٧) انظر:\n(٨) انظر:\n(٩) انظر:","vol":"1","page":76},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-81>ثانيًا: أنه عند النقل قد يذكر اسم المؤلف والكتاب وهو قليل، ومن الأمثلة عليه:</span>\n١ - قال في تفسير قوله تعالى ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٤)﴾ [الحج: ٤].\n\"قال الزجاج: الفاء للعطف، وأن مكررة للتأكيد، ورد عليه أبو علي في إصلاح الإغفال\". (١)\n٢ - قال في تفسير قوله تعالى (ولقد صدق عليهم إبليس ظنه) [سبأ: ٢٠].\n\"وفي الحجة: ويجوز أن يكون مفعولًا به\". (٢)\n٣ - قال في سياق قصة الخضر وموسى ﵇ \"وأطال الثعلبي الكلام في ذلك في كتاب العرائس في قصة الخضر والاختلاف فيه وفي نبوته وحيويته\". (٣)\n٤ - قال في تفسير قوله تعالى (لم نجعل له من قبل سميًا) [مريم: ٧].\n\"ولدًا، والعرب تسمي الولد سميًا، حكاه النقاش في تفسيره\". (٤)\n٥ - قال في تفسير قوله تعالى (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم) [الأحزاب: ٦].\n\"وذكر النقاش في تفسيره أن سبب نزول هذه الآية أن النبي ﷺ لما أراد غزوة تبوك وأمر الناس بالخروج قال قوم: نستأذن آباءنا وأمهاتنا، فأنزل الله فيهم هذه الآية\". (٥)\n٦ - قال في تفسير قوله تعالى (يدبر الأمر السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون) [السجدة: ٥].\n\"قال صاحب النظم: (يدبر الأمر) يعني: الشمس، (من السماء) طلوعًا، (إلى الأرض) غروبًا، ثم ترجع إلى موضعها من حيث طلعت\". (٦)\n_________\n(١) انظر:\n(٢) انظر:\n(٣) انظر:\n(٤) انظر:\n(٥) انظر:\n(٦) انظر:","vol":"1","page":77},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-82>ثالثًا: أنه قد ينقل عن هذه المصادر دون ذكر اسم الكتاب أو اسم المؤلف ويكتفي فقط بقوله \"قيل</span>\"، وعند الرجوع إلى تلك المصادر نجد تلك الأقوال معزوة إلى أصحابها، وهذا كثير جدًا، ومن الأمثلة عليه:\n\n١ - قال في تفسير قوله تعالى (فاتخذت من دونهم حجابًا) [مريم: ١٧]\n\"قيل: استترت بجبل، وقيل: بجدران، وقيل: جعلت بينها وبين أهلها حجابًا يسترها لتغتسل وراءه\". (١)\n٢ - وقال في تفسير قوله تعالى (لئن لم تنته لأرجمنك) [مريم: ٤٦].\n\" لأعيبنك، وقيل: لأشتمنك بمخالفتك لي، وقيل: لأقتلنك كسائر ما في القرآن، وقيل: لأرمينك بالحجارة\". (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-83>رابعًا: أنه قد ينقل من هذه المصادر دون الإشارة إلى اسم الكتاب أو أو المؤلف، ومن الأمثلة عليه:</span>\n١ - قال في تفسير قوله تعالى (وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيًا) [مريم: ٦٤].\n\" وقال عكرمة، والضحاك، وقتادة، ومقاتل، والكلبي: \" احتبس جبريل عن النبي ﷺ حين سأله قومه عن قصة أصحاب الكهف، وذي القرنين، والروح ولم يدر ما يجيبهم ورجا أن يأتيه جبريل بجواب ما سألوه فأبطأ عليه، فشق على رسول الله مشقة شديدة ولما نزل جبريل قال: أبطأت علي حتى ساء ظني واشتقت إليك فقال جبريل: إني كنت أشوق إليك ولكني عبد مأمور إذا بعثت نزلت، وإذا حُبست احتبست فأنزل الله ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾، وهذا كله منقول من أسباب النزول للواحدي (٣٤٨)، ولم يبن ذلك الكرماني. (٣)\n٢ - قال في تفسير قوله تعالى (قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك) [النمل: ٣٩]\n\"العفريت: النافذ في الأمر المبالغ فيه مع خُبْث ودهاء\" (٤)، وهو منقول من معاني القرآن للزجاج (٣/ ٩٢). (٥)\n_________\n(١) انظر:\n(٢) انظر:\n(٣) انظر:\n(٤) انظر:\n(٥) انظر:","vol":"1","page":78},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-84>خامسًا: أنه قد يتعقب ماينقله ويبين مافيه من ضعف، ومن الأمثلة عليه</span>.\n١ - قال في تفسير قوله تعالى (ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفذت كلمات الله إن الله عزيز حكيم) [لقمان: ٢٧].\n\"قال أبو عبيدة \" البحر هاهنا: الماء العذب لأن الملح لا ينبت الأقلام \" (١).\nقال القفال: \" قول أبي عبيدة: البحر الملح لا ينبت الأقلام يُوجب أنه جعل المعنى: والبحر يمده من بعده سبعة أبحر فأنبتت أقلامًا \".\nقول أبي عبيدة ضعيف لأن الله سبحانه أراد التكثير والمبالغة وليس فيما ذكر أبو عبيدة كثير مبالغة، وعذر القفال عنه حَسَن كأنه جعل هذه الآية مشتملة على ذكر الأقلام فحسب، كما أنَّ ما في الكهف للمداد فحسب اكتفاء بذكر أحدهما عنِ الآخر، كما اكتفى بذكر الأقلام والمداد عن القرطاس أو ما يكتب عليه أو عن الكَتَبة، لأن تقدير الآية: لو جعلت الأشجار أقلامًا، والبحر بعد المداد مدادًا، والسموات والأرض قرطاسًا، والملائكة والجن والإنس كتابًا ثم كتبوا به منه عليه لنفدت هذه الأشياء واعيت الكتبة قبل أن تنفد كلمات ربي، والله أعلم. (٢)\n٢ - قال في تفسير قوله تعالى ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣)﴾ [الفرقان: ٦٣]. \"وقيل: قالوا سلامًا أي: براءة منكم برئنا من خيركم وشركم لا خير بيننا ولا شر، وهذا قول سيبويه، والآية عنده منسوخة وليس في كتاب سيبويه ذكر الناسخ والمنسوخ إلا هذا، قال: \"لأن الآية مكية ولم يؤمر المسلمون يومئذ أن يسلِّموا على المشركين ولكنه على قوله لا خير بيننا ولا شر\" (٣).\n_________\n(١) انظر: مجاز القرآن لأبي عبيدة (٢/ ١٢٨).\n(٢) انظر:\n(٣) انظر: الكتاب لسيبويه (١/ ٣٢٥).","vol":"1","page":79},{"text":"قال المبرد: \" أخطأ سيبويه في هذا وأساء العبارة لأنه لا معنى لقوله: \"ولم يؤمر المسلمون يومئذ أن يسلموا على المشركين\"، وإنما كان ينبغي أن يقول: ولم يؤمر المسلمون يومئذ أن يحاربوا المشركين ثم أُمروا بحربهم، وهذا تجني من المبرد كعادته معه في مواضع من الكتاب وإنما معنى كلام سيبويه: لم يؤمر المسلمون يومئذ أن سلموا على المشركين بل أمروا أن يتسلموا ويتبرؤوا، ثم نسخ ذلك بالأمر بالحرب والله أعلم، وسلَّمَ المبرد: أن الآية منسوخة\" (١)، (٢).\n٢ - قال في تفسير قوله تعالى ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠)﴾ [سبأ: ١٠]\n\"يساعدك على ذلك. قال: وكان إذا نادى بالنياحة أجابته الجبال بصداها وعطفت عليه الطير من فوقه فصدى الجبال الذي يسمعه الناس من ذلك اليوم حكاه الثعلبي (٣)، وفيه ضعف\". (٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-85>القسم الثالث: مصادر لم ينقل منها مباشرة، وإنما كان نقله بواسطة مصادر أخرى، ومن الأمثلة عليه:</span>\nفي تفسير قوله تعالى ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (٤٥)﴾ [الحج: ٤٥] نقل عن الواقدي بواسطة تفسير النقاش فقال: \"وروى الواقدي بإسناده عن نوف البكالي عن كعب الأحبار أن القصر بناه عاد الثاني وهو منذر بن عاد بن آدم بن عاد، حكاه النقاش، ووصف البناء بما لا فائدة في وصفه، ثم قال: \"فكذبوه فأهلكهم الله وإنه ليخرج منها دخان أسود منتن فمن دنا اليوم من القصر سمع أنين القوم\" (٥).\n_________\n(١) انظر: المقتضب للمبرد (٤/ ٧٩)، والناسخ والمنسوخ للنحاس (٢/ ٥٧٠).\n(٢) انظر:\n(٣) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٨/ ٧١).\n(٤) انظر:\n(٥) انظر:","vol":"1","page":80},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-87>المُقَدِّمَة</span>\nالحمد لله الذي أنزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرًا، ورقّاه في مراتب البلاغة إلى مقام لو اجتمعت الإنس والجنُّ على معارضته لم يقدروا، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا، فسبحان من أوضح لنا به معالم الدِّين، وأبان بمشارق أنواره مناهج الأدلة للمجتهدين.\nأحمده ﷾ وأشكره، وأستعينه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك الحق المبين، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه الذين عرفوا مقاصد التنزيل فحصَّلوه، وأسَّسُوا قواعده وفصَّلوه، وجالت أفكارهم في آياته، وأعملوا الجِدَّ في تحقيق مبادئه وغاياته، وعلى من اقتفى أثرهم، ممن لا يزالون ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم إلى يوم الدِّين.\nأمَّا بعد:\nفإن أكرمَ ما تمتدُّ إليه أعناق الهمم، وأعظمَ ما تتنافس فيه الأمم، العلم الذي هو حياةُ القلب، وصحةُ اللبِّ، وأجلُّ أصنافه وأرفعها، وأكمل معالمه وأنفعها هي العلوم الشرعية؛ إذ بها انتظام مصالح العباد واغتنام الفلاح في المعاد.\nوعلم التفسير من بينها، أعلاها شأنًا، وأقواها برهانًا، وأوثقها بنيانًا، وأوضحها تبيانًا؛ فإنه مأخذُها وأساسها، بل هو رئيسها ورأسها، كيف لا وموضوعه \" الكتاب المجيد \"، كلية الشريعة، وعمدة الملّة، ويُنبوع الحكمة، وآية الرسالة، ونور الأبصار والبصائر (١).\nولما كان العلماء أعلم الناس بمنزلته وفضله، وعلو درجته على غيره، تنافسوا في الغوص في معانيه، واستخراج درره وأحكامه وتطبيق مبانيه؛ طلبًا لنيل ثواب الله،\n_________\n(١) من مقدمة تفسير القاسمي (باختصار وتصرف).","vol":"1","page":81},{"text":"وحملًا للأمانة والميثاق كما قال سبحانه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٨].\nوكان من هؤلاء العُلماء برهان الدِّين محمود بن حمزة بن نصر، أبو القاسم الكرماني، النحوي، المعروف بـ\" تاجِ القُرَّاء \"، أحد علماء التفسير والعربية، صاحب التصانيف النافعة في القراءات، والتفسير، والعربية، وغيرها، ولعل أفضل ما كتبه هو تفسيره المسمى: «لُبَابُ التَفَاسِيْر» الذي فسَّر فيه القرآن الكريم كاملًا، واعتمد عليه كثير من المفسرين بعده؛ ولأهمية هذا الكتاب في خدمة القرآن وعلومه أردت أن أشارك في إخراجه؛ ليكون في متناول الباحثين، خدمة للعلم وطلابه، واعترافًا لصاحبه بالعلم والمنزلة في علم التفسير، فاخترته ليكون قسم منه موضوعًا لرسالة الدكتوراه، تحت عنوان:\n\" لُبَابُ التَفَاسِيْر؛ لأبي القاسم محمود بن حمزة الكرماني - من أول سورة (ص) إلى آخر سورة الناس - دراسة وتحقيقًا \".\n\nوأشير في هذه المقدمة إلى أمور منها:\n<span data-type=\"title\" id=toc-88>أولًا: أهمية الموضوع وأسباب اختياره:</span>\nتظهر أهمية الموضوع من خلال ما يأتي:\n١ - أنَّ تحقيقَ الكتاب والدراسة العلمية له سوف تكون - بعون الله - إضافة علمية مهمة للمكتبة القرآنية، خصوصًا فيما يتعلق بعلم التفسير، وذلك لما امتاز به الكتاب من ميزات لعل من أهمها: تحرير المعاني بعبارة غير طويلة، مع العناية بالاستدلال بالقرآن والآثار واللغة.\n٢ - تقدم وفاة المؤلف، حيث توفي بعد سنة (٥٣١ هـ) تقريبًا، وكونه من الأعلام البارزين في ميدان القرآن وعلومه.","vol":"1","page":82},{"text":"٣ - يعتبر \" لباب التفاسير \" من التفاسير الشاملة، فلم يقتصر على فَنٍ دون آخر، ولذلك أكثر في تفسيره هذا من العناية بالقراءات، وأسباب النزول، والناسخ والمنسوخ، وآيات الأحكام، وأكثر فنون اللغة.\n٤ - اشتهر المؤلف بكتابيه الآخرين: \" البرهان في متشابه القرآن \" و\" غرائب التفسير \" مما دفع الباحث لتحقيق هذا التفسير الذي سار فيه الكرماني وفق المنهج المعروف عند عامَّة المفسرين، فتحقق بذلك صحة ثناء العلماء على منزلته في التفسير وعلو كعبه فيه، وهو ذات الأمر الذي دفع عددًا من المفسرين إلى نقل اختياراته ومناقشتها كأبي حيان والسمين الحلبي وأبي السعود والألوسي وغيرهم.\n٥ - كان من الأسباب التي دفعتني لتحقيق الكتاب: العثور على نسخ خطية للكتاب في مدينة اسطنبول من بلاد الجمهورية التركية، وهو أمر كان عائقًا لبعض من رغب في إكمال تحقيق الكتاب من الزملاء الباحثين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-89>ثانيًا: أهداف البحث:</span>\n١ - إخراج كتاب \" لباب التفاسير \" لتاج القُرَّاء أبي القاسم محمود بن حمزة الكرماني محققًا تحقيقًا علميًا، وذلك من أول سورة ص إلى نهاية سورة الناس.\n٢ - التعريف بالمصنف، وكشف المزيد من جوانب حياته العلمية والعملية.\n٣ - دراسة منهج المصنف في كتابه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-90>ثالثًا: الدراسات السابقة:</span>\nسبق تحقيقُ ودراسةُ القسم الأول من هذا الكتاب في رسالة علمية قُدِّمَت لقسم القرآن وعلومه في كلية أصول الدِّين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية لنيل درجة الدكتوراه، وقد تقدَّم بها في حينه فضيلة الشيخ: ناصر بن سليمان العمر، وكان التحقيق من بداية الكتاب إلى نهاية تفسير سورة النساء، وكان مجموع الألواح المُحَقَّقة (١١٠)، وتمثل (٢٢٠) صفحة من المخطوط الكامل للكتاب والذي اعتمدته أصلًا لعملي.","vol":"1","page":83},{"text":"ولم أجد من تقدم لإكمال بقية الكتاب بسبب عدم توفر نسخه الخطية كما أفاد بذلك الباحث الأول، وقد تمكنت بفضل الله - تعالى - من العثور على نُسَخٍ خَطِّية للكتاب، عن طريق زميلي الشيخ عبد الله بن حمد المنصور مما دفعني للعمل معه في مشروع تحقيق هذا الكتاب، إضافة للشيخ إبراهيم محمد الدومري، من سورة المائدة إلى سورة الناس على تحقيق القسم الثاني من هذا الكتاب كمشروع، وسيكون عملي من حيث انتهى الباحثون الثلاثة (١)، وهو يشمل التفسير من أول سورة (ص) إلى آخر سورة (الناس)، ومجموع ألواح هذا القسم هي: (١٨٤) لوحة، وتمثل (٣٦٨) صفحة.\nوتَكْمُن الإضافة العلمية لموضوع الرسالة فيما يلي:\n* تحقيق القسم الرابع من كتاب \" لباب التفاسير \" والذي يبدأ من أول سورة\n(ص) إلى نهاية سورة (الناس).\n* التعريف بمنهج المؤلف في كتابه.\n* إظهار ترجيحات الكرماني وإبرازها من خلال التحقيق.\n_________\n(١) حقَّق الشيخ ناصر العمر هذه التفسير من أول سورة الفاتحة إلى آخر سورة النِّساء، ثمَّ الشيخ عبد الله المنصور من أول سورة المائدة إلى آخر سورة الإسراء، ثم الشيخ إبراهيم الدومري من أول سورة الكهف إلى آخر سورة الصافات، وكان نصيبي التحقيق من أول سورة ص إلى آخر سورة الناس.","vol":"1","page":84},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-91>رابعًا: خطة البحث:</span>\nتتكون خطة البحث من مقدمة، وقسمين، وخاتمة، وفهارس، وذلك على النحو التالي:\n- المقدمة:\nوتشمل أهمية الموضوع، وأسباب اختياره، وأهداف البحث، والدراسات السابقة، وخطة البحث، والمنهج الذي سرت عليه في تحقيق الكتاب ودراسته، ووصف النُّسخ الخَطِّية، ونماذج منها.\n- القسم الأول: قسم الدراسة [منهج الكرماني في كتابه \" لباب ... التَّفاسير \"]، وفيه عشرة مباحث:\nالمبحث الأول: منهجه في القراءات.\nالمبحث الثاني: منهجه في تفسير القرآن بالقرآن.\nالمبحث الثالث: منهجه في التفسير بالسُّنة.\nالمبحث الرابع: منهجه في التفسير بأقوال الصحابة والتابعين.\nالمبحث الخامس: منهجه في أسباب النزول.\nالمبحث السادس: منهجه في الكلام على الناسخ والمنسوخ.\nالمبحث السابع: منهجه في إيراد الإسرائيليات.\nالمبحث الثامن: منهجه في تقرير مسائل الاعتقاد.\nالمبحث التاسع: منهجه في تفسير آيات الأحكام.\nالمبحث العاشر: منهجه في الاعتناء بالعربية وفروعها.\n- القسم الثاني: النص المحقق.\nمن أول سورة (ص) إلى آخر سورة (النَّاس).\n- الخاتمة:\nوفيها أهم نتائج البحث وتوصياته.\n- الفهارس:\nحيث تمت خدمة الكتاب بالفهارس العلمية الآتية:\nأ - ... فهرس الآيات.\nب- ... فهرس القراءات.\nج- ... فهرس الأحاديث.\nد - ... فهرس الآثار.\nهـ- فهرس الأعلام.\nو- ... فهرس الأشعار.\nز- ... فهرس الغريب والمصطلحات المشروحة.\nح - فهرس الجماعات والقبائل والفرق.\nط- فهرس البلدان والأمكنة والمواضع.\nي- ... ثبت المصادر والمراجع.\nك - ... فهرس الموضوعات.","vol":"1","page":85},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-92>خامسًا: منهج البحث:</span>\nسلكتُ في القسم الدراسي المنهج الوصفي التحليلي، وأما قسم التحقيق فكان العمل فيه كالتالي:\n<span data-type=\"title\" id=toc-93>أ): منهج كتابة النَّص المُحَقَّق:</span>\n١ - اعتمدتُ النَّصَّ المختار بين نسخ الكتاب مع الإشارة في الهامش إلى اختلاف النسخ، مع إهمال الفُرُوْقِ الطَّفِيْفَةِ، كاختلاف النُّسخ في صيغة الصلاة على النبي - ﷺ -، أو الترضي عن الصحابة، أو إهمال الهمز (لأنه - لانه)، أو تسهيله (الملائكة - الملايكة).\n٢ - نسختُ المخطوط وفق قواعد الإملاء المتعارف عليها في العصر الحاضر.\n٣ - كتَبْتُ الآيات وفق رسم المصحف، مع توثيقها بذكر اسم السورة ورقم الآية بين هلالين خلال نص الكتاب، واستثنيت من ذلك بعض الكلمات التي أورد المؤلِّف تفسيرها بغير قراءة حفص، ثم ذكر تفسيرها على قراءة حفص فكتبتها بقراءتها.\n٤ - ضبطتُ الكلمات المُشْكِلة والغريبة في نصّ الكتاب.","vol":"1","page":86},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-94>ب): منهج التعليق في الحاشية:</span>\n١ - وثَّقْتُ القراءات القرآنية، عن طريق ذكر من قرأ بها، والحكم عليها من جهة التواتر أو الشذوذُ، مع الإحالة إلى كتابين أو ثلاثة من مصادر القراءات المعتمدة.\n٢ - خَرَّجتُ الأحاديث والآثار من مصادرها الأصلية، فإن كان الحديث في الصحيحين أو أحدهما فاكتفيتُ بالعزو إليهما أو إلى أحدهما، وإذا كان في غيرهما فاجتهدتُ في تخريجه، مع نقل كلام أهل العلم على الأحاديث من جهة القبول أو الرد.\n٣ - عزوتُ أقوال أهل العلم المنسوبة والتي ينقلها المصنف عنهم إلى مصادرها الأصلية، فإن لم أعثر عليها عزوتها إلى الكتب التي نقلت عنهم.\n٤ - وثَّقتُ المسائل العقدية والتعليق عليها في ضوء عقيدة السلف.\n٥ - وثَّقتُ المسائل الفقهية من الكتب المعتمدة، مع ترتيبها وفق وفيات مؤلفيها.\n٦ - عَلَّقتُ على الكلمات المشكلة والغريبة في نصّ الكتاب بالبيان والتوضيح نقلًا عن المصادر المعتمدة في هذا الباب.\n٧ - عَرَّفتُ بالأعلام، والبلدان والأماكن الغير مشهورة، والتي ترد في نصّ الكتاب المحقق، مع مراعاة توثيق ذلك كله من مراجعه المعتبرة.\n٨ - عَرَّفتُ بالفرق، وذلك بذكر الاسم المشهور للفرقة وما يرادفه، واعتمدت ذلك من مصادر الفرق والملل والنحل المعتبرة.\n٩ - نسبتُ الأبيات الشعرية لقائليها ووثَّقتها من دواوين أصحابها أو دواوين اللغة والأدب، وإن لم يكن فمن مظانها من الكتب المتقدمة.\n١٠ - سَلَكتُ في الإحالة للمصادر والمراجع الآتي:\nأ) - إذا كان النقل بالنص ذكرت اسم الكتاب والجزء والصفحة، مع جعل النص بين حاصرتين، وذكرتُ اسم المؤلف إذا لم يذكر في ثنايا نص الكتاب، أو كان اسم الكتاب مشتركًا بين أكثر من كتاب.\nب) إذا كان النقل بالمعنى جَعَلتُ الإحالة للمصدر مسبوقًا بكلمة: انظر، دون جعله بين حاصرتين.\nج) ذَكَرْتُ المعلومات المتعلقة بمراجع البحث ومصادره في آخر البحث وفق التالي: اسم الكتاب، اسم المؤلف، اسم المُحَقِّق إن وجد، الناشر، مكان النشر ... أو الطباعة، تاريخ النشر.","vol":"1","page":87},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-95>سادسًا: التعريف بالنُّسَخِ الخَطِّية للقِسْمِ المُحَقَّقِ:</span>\nحصلت ولله الحمد على نسختين خطيتين للقسم المحقق، ووصفها كالتالي:\n<span data-type=\"title\" id=toc-96>١ - النسخة الأصل (أ):</span>\nوهي موجودة في مكتبة والدة عتيق التابعة لمكتبة سليم آغا في مدينة اسطنبول برقم (٥٤ (٢٨ - ٢٩»، وتحوي مجلدين، وهي شاملة للكتاب كله، وتقع في ... (٦٥٠) لوحة، في كل لوحة صفحتان، وفي كل صفحة (٣٠) سطرًا، وعدد كلمات السطر الواحد (١٤) كلمة تقريبًا، وناسخها هو: أشرف الحسيني الحنفي الغزنوي في المدينة النبوية، وكان انتهاء نسخ المجلد الأول في السادس من شوال سنة (٧٩٣ هـ)، وكان انتهاء نسخ المجلد الثاني في يوم عيد الأضحى ... سنة (٧٩٤ هـ).\nوهي نسخة نفيسة، بخط نسخي، وقّفتها لوجه الله تعالى والدة السلطان مراد خان ابن السلطان سليم خان، وقد تمت مقابلة النسخة على نسخة أخرى بخط الشيخ أبي طاهر محمد بن روز بهان، وكان انتهاء المقابلة في شهر رجب من سنة (٧٩٥ هـ).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-97>٢ - النسخة الثانية (ب):</span>\nوهي موجودة في مكتبة ولي الدين التابعة لمكتبة بايزيد الحكومية في اسطنبول برقم (٢٤٩)، وتحوي المجلد الأول من الكتاب إلى نهاية تفسير سورة الكهف، وتقع في (٢٨١) لوحة، في كل لوحة صفحتان، وفي كل صفحة (٢٧) سطرًا، وعدد كلمات السطر الواحد (١٧) كلمة تقريبًا، وناسخها هو: حسين بن إياز النحوي، وكان الانتهاء من نسخ هذا المجلد في العشر الأوسط من رجب سنة (٦٧٣ هـ).\nوهي نسخة مضبوطة بالشكل، وخطها نسخي جميل، ولا ريب في ذلك، فناسخها من علماء النحو البارزين، وهذا يوحي بأهمية الكتاب كما لا يخفى.","vol":"1","page":88},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-98>سابعًا: نَماذج للنُّسَخِ الخَطِّية:</span>","vol":"1","page":89},{"text":"* صورة غلاف النُّسخة (أ)","vol":"1","page":90},{"text":"* صورة الصَّفحة الأولى من نسخة (أ)","vol":"1","page":91},{"text":"* صورة الصَّفحة الأخيرة من نسخة (أ)","vol":"1","page":92},{"text":"* صورة غلاف نسخة (ب)","vol":"1","page":93},{"text":"* صورة الصَّفحة الأولى من نسخة (ب)","vol":"1","page":94},{"text":"* صورة الصَّفحة الأخيرة من نسخة (ب)","vol":"1","page":95},{"text":"وفي الختام أبتهل إلى الله - - ﷿ - - بالثناء والحمد على نِعَمه العظيمة، ومِنَنِه الوافِرَة الجَزِيْلَة، وأجلُّها نعمةُ الدِّين، ثمَّ إكرامُه لي بجعلي من حاملي كتابه وخُدّامِه.\nوأحمده على ما يسَّرَ وأعان في الانتهاء من هذا البحث على هذه الصورة.\nثم أُثَنِّي بالشُّكْر بعد شُكْرِه تعالى لوالديَّ الكريمين في إحسانهما إليَّ وعطفهما عليَّ، وتنشأتي على القرآن وحِلَقه، وأخلاق أهله، أعظم الله أجرهما ورزقني بِرَّهما، والقيامَ بحقِّهما، كما أشكر زوجي أمّ المثنى على عونها لي ووقوفها معي، كما أفيض بالثاء على جامعتي جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية على رعايتها لي طالبًا، ومعلمًا بالمعاهد العلمية، ثمَّ دارسًا ومُعِيدًا ثم محاضرًا بالمرحلة الجامعية، وأخصُّ بالشُّكْر سواد عينها كليةَ أصول الدِّين ممثلة في فضيلة عميدها ووكيله، ثمَّ قسم القرآن وعلومه، الذي نهلت منه، واغترفت من بحور علمائه وأساتذته.\nوأوفر الشُّكر أُسْدِيه لمن غَمَرَنِي فضله، وأطاف بي إحسانه - بعد الله - فضيلة الشيخ المفسِّر الأديب الوجيه الأستاذ الدكتور / زاهر بن عواض الألمعي، فقد أفادني بتوجيهاته وإرشاداته، وتواضعه وسعة صدره، وغزير علمه، فهو زاهرٌ مُزْهِرٌ.\nرفعَ الله قَدْرَهُ وأَجْزَلَ مثوبته.\nولا أنسى أهل الفضل مشايخي الأجلاء وأساتذتي النبلاء، وكل من علَّمني آية ... أو فقَّهني بمسألة، كما أشْكُر كلَّ من أعانني في هذه الرِّسالة برأي أو توجيه، ... أو طباعة، أو إعارة كتابٍ، أو تخصيص بدعوة، فجزاهم الله عني وعن العلم وأهله خير الجزاء.\nوالله أسأل أن يجعل عملي وعملهم خالصًا لوجهه، نائلًا رضاه ومثوبته، وأن يتجاوز عن تقصيري وزللي.\nوخاتمة ما ابتدأت به إن كان ما قيل في هذا البحث صوابًا فمن الله تعالى وتوفيقه لي، ثم بتوجيهات شيخي الفاضل المشرف على البحث، وإن كانت الأخرى فالحقَّ أردْتُ والصَّوابَ قَصَدْتُ، وحَسْبي أنَّي اجتهدت، ولا أملك إلا أن أقول مثل قول ابن القيم ﵀ في مقدمة كتابه (طريق الهجرتين):","vol":"1","page":96},{"text":"\" فيا أيها القارئ له، والناظر فيه، هذه بضاعة صاحبها المزْجَاة مَسُوقة إليك، وهذا فهمه وعقله معروض عليك، لك غُنْمُه وعلى مؤلِّفه غُرْمُه، ولك ثمرته وعليه عائدته، فإن عُدِمَ منك حمدًا وشكرًا فلا يُعْدَمُ منك عذرًا، وإن أَبَيْتَ إلا الملام فبابه مفتوح \" (١).\nفانْظُرْ إِلَيْهَا نَظَرَ المُسْتَحْسِنِ ... وحَسِّنِ الظَّنَّ بِهَا وَأَحْسِنِ\nوإنْ تَجِدْ عَيْبًَا فَسُدَّ الخَلَلَ ... فجَلَّ مَنْ لا عَيْبَ فيه وَعَلا\nوالحمْدُ لله عَلَى ما أَوْلَى ... فنِعْمَ ما أَوْلَى وَنِعْمَ الموْلَى\nثُمَّ الصَّلاةُ بَعْدَ حَمْدِ الصَّمَدِ ... على النَّبِيَّ المُصْطَفى مُحَمَّدِ\nوَآلِه الأئِمَّةِ الأَطْهَار ... القائمين في دُجَى الأسْحَارِ\nثُمَّ على أَصْحَابِهِ وَعِتَرَتِه ... وَتَابِعِي مَقَالِهِ وَسُنَّتِهِ (٢)\nوصلى الله وسلَّم على نبينا محمدٍ، وآله وصحبه الطيبين الطاهرين.\n\nوكتبه/\nإبراهيم بن علي بن ولي الحكمي\n_________\n(١) مقدمة طريق الهجرتين وباب السعادتين؛ لابن القيم (ص: ٦).\n(٢) انظر: شرح مُلحة الإعراب؛ للحريري (ص: ٣٧١).","vol":"1","page":97},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-99>الدراسة (منهج الكرماني في كتابه \" لباب التَّفاسير</span>\")، وفيه عشرة مباحث:\nالمبحث الأول: منهجه في القراءات.\nالمبحث الثاني: منهجه في تفسير القرآن بالقرآن.\nالمبحث الثالث: منهجه في التفسير بالسُّنة.\nالمبحث الرابع: منهجه في التفسير بأقوال الصحابة والتابعين.\nالمبحث الخامس: منهجه في أسباب النزول.\nالمبحث السادس: منهجه في الكلام على الناسخ والمنسوخ.\nالمبحث السابع: منهجه في إيراد الإسرائيليات.\nالمبحث الثامن: منهجه في تقرير مسائل الاعتقاد.\nالمبحث التاسع: منهجه في تفسير آيات الأحكام.\nالمبحث العاشر: منهجه في الاعتناء بالعربية وفروعها.","vol":"1","page":98},{"text":"القسم الأول: منهج الكرماني في كتابه \" لباب التفاسير \"\n<span data-type=\"title\" id=toc-100>تَمْهيد:</span>\nقبل الحديث عن منهج المؤلِّف في كتابه أقدِّم بين يدي ذلك ترجمة موجزة للمؤلِّف.\n* اسمه ونسبه: هو المُقْرِئُ، المُفَسِّر، الفقيه، النَّحوي بُرهان الدِّين، أبو القاسم محمود بن حمزة بن نصر الكِرماني - بفتح الكاف وكسرها - المعروف بـ \"تاج القُرَّاء \".\n* نشأته: نشأ الكرماني في بيت علم وفضل، فقد أخذ القراءات عن والده حمزة بن نصر وعن غيره من العلماء.\nكما أخذ عن الكرماني جماعة، منهم: نصر بن علي الشيرازي المعروف بابن أبي مريم صاحب كتاب \" الموضح في القراءات \" وهو كتاب مطبوع متداول.\n* منْزلته العلمية: قال عنه ابن الجزري في غاية النِّهاية: \" إمام كبير محقق ثقة كبير المحل \".\nوقال عنه ياقوت الحموي في معجم الأدباء: \" تاج القراء، وأحد العلماء الفقهاء النبلاء، صاحب التصانيف والفضل، كان عجبًا في دقة الفهم وحسن الاستنباط \".\n* مذهبه العقدي:\nمع أنَّ الكرماني كان يكثر نقل مذاهب السلف من الصحابة والتابعين عند إيراد للأقوال في تفسير الآيات، إلا أنه يعتبر من الأشاعرة، ويظهر ذلك من تأويله لآيات الصفات في تفسيره، فقد كان يختم سرده للأقوال بمذهب التأويل ويميل إليه، كما أن له جهودًا في الرَّدِّ على مذهب المعتزلة، رغم كثرة نقله لأقوال ابن عيسى الرُّماني الموصوف بالاعتزال، كما أن الكرماني يهتبل فرصة الرد على الرافضة، ويشنع عليهم أقوالهم المنحرفة في التفسير.\n* مذهبه الفقهي:\nكانت عناية الكرماني بنقل أقوال ومذاهب الصحابة والتابعين في تفسيره لآيات الأحكام ولم يظهر لي من خلال الجزء المُحقَّق مذهبه الفقهي، ولم أقف على من ذكر مذهبه الفقهي من المُتقدِّمين، أمَّا المتأخرين فتارة يذكرون أنه حنفي، وتارة شافعي، فقد وصفه السُّيوطي في \" الحاوي للفتاوي \" (٢/ ١٤٠) بأنه حنفي، حيث قال: \" فاعلم أن العلماء اختلفوا في بعثة النبي - ﷺ - إلى الملائكة على قولين: أحدهما: أنَّه لم يكن مبعوثًا إليهم، وبهذا جزم الحليمي والبيهقي،","vol":"1","page":99},{"text":"كلاهما من أئمة أصحابنا، ومحمود بن حمزة الكرماني في كتابه \" العجائب والغرائب \" وهو من أئمة الحنفية \"، ووصفه الألوسي في روح المعاني (١٥/ ١٧٣) بأنه حنفي، وقد وصفه حاجي خليفة في موضعين من كتابه \" كشف الظنون \" (ص: ٢٤١)، و(ص: ١٥٤١)، بأنَّه شافعي وذلك عند ذكر البرهان ولباب التفاسير، ووصفه مرة بأنه حنفي عند ذكر كتاب العجائب والغرائب (ص: ١٤٣٧).\nووصفه الأدنه وي في \" طبقات المفسرين بأنَّه شافعي، ولعلَّ الاختلاف في الوصف نتيجة للنظر إلى البلد؛ إذ غالب بلاد كرمان وما حولها أحناف، وفيهم شافعية، والله أعلم.\n* مؤلفاته: صَنَّفَ أبو القاسم الكرماني عددًا من الكتب، منها: لباب التفاسير، والبرهان في متشابه القرآن (مطبوع)، وغرائب التفسير (مطبوع)، والنهاية في شرح الغاية لابن مهران (مخطوط)، وخطّ المصاحف (مخطوط)، وخمس مصنفات في علم النحو.\n* وفاته: لم تذكر المصادر التي ترجمت له سنة ولادته ولا وفاته، إلا أنهم نصّوا على أنه كان في حدود المائة الخامسة ومات بعدها، وجاء في إحدى النسخ التي كتبت في حياته من كتاب \" غرائب التفسير \" ذكر الناسخ، وهو أحد تلاميذ الكرماني - أنَّ النسخة كتبت في سنة ٥٣٥ هـ، حيث قال: \" كمُل الكتاب، وهو النِّصف الأول من الغرائب والعجائب في القرآن - بحمد الله وحُسن توفيقه - كتبه العبد المُذْنِب المُحتاج إلى - رحمة الله تعالى - ... أبو الفوارس عبد الرحمن بن أحمد بن محمد الكازروني في المحرم سنة خمس وثلاثون وخمسمائة غفر الله لكاتبه ولقارئه، ولمن نظر فيه، فقال: آمين رب العالمين \"، وهذا يدل على أنه كان حيًا في تلك السنة أو ما يقاربها (١).\n_________\n(١) للتوسع في ترجمته ينظر: معجم الأدباء، لياقوت الحموي (٥/ ٤٨٨)، غاية النهاية، لابن الجزري (٢/ ٢٩١)، بغية الوعاة، للسيوطي (٢/ ٢٧٧)، طبقات المفسرين، للداودي (٢/ ٣١٢)، طبقات المفسرين؛ للأدنه وي (ص: ١٤٩)، الأعلام؛ للزركلي (٦/ ١٦٨).","vol":"1","page":100},{"text":"المبحث الأول: (١) (٢) منهجه في القراءات:\nجاء في ترجمة الكرماني أنَّه يلقب \" بتاجِ القُرَّاء \" لمكانته في ذلك، ومن تتبع تفسيره، وجد أنه يمكن استخراج كتاب منه في القراءات، وتوجيهها، مع أنَّه لم يلتزم ذكر القراءات في كل الآيات، وكذلك لم يلتزم نسبة القراءات إلى أصحابها، فيكتفي بذكر القراءة وتوجيهها معتمدًا في كثيرٍ من ذلك على كتابَيْ، معاني القراءات؛ للأزهري، والحُجة؛ لأبي علي الفارسي، ولم ينس مع ذلك ذكر بعض القراءات الشاذَّة، والحكم عليها بالشذوذ، أو ذكرها من دون بيان حكمها، ومن أمثلة ذلك:\n* في سورة الزمر عند قوله: \"  ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ﴾  قُرئ بالتَّخفيف والتَّشديد، وللتخفيف وجهان: أحدهما: أنه ألف استفهام، أي: أمَّن هو قانت كمن جعل لله أندادًا؟، وفيه ضعفٌ؛ لأنَّ ألف الاستفهام لا يدخل في \" مَنْ \" إلاّ مع الواو والفاء.\nوالثاني: أن يكون للنداء فهو كما تقول: فلان لا يُصَلِّي ولا يصوم، فيا من تصوم وتصلِّي أبشر وللتَّشديد وجهان: أحدهما: أن يكون أم هي المُعادِلة، والتقدير: الجاحِد الكافر أم الذي هو قانت \".\n* وفي سورة الهمزة: قال \" ومعنى: ﴿جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ (٢)﴾ أحرزه واتخذه عدة.\nوالتشديد يقتضي الجمع شيئًا بعد شيء \".\n* وفي سورة (ص) عند قوله: \" ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ﴾ وقُرِئ في الشَّواذِّ ﴿ولا تَشْطُطْ﴾، وشطّ وأشطَّ لغتان وأصلهما البعد \".\n_________\n(١) سبق الحديث عن منهج المؤلف في القسم الأول من تحقيق الكتاب من قبل الباحث الشيخ / ناصر بن سليمان العمر، ونظرًا لطلب المجالس العلمية إعادته مرة أخرى فقد أعدته باختصار؛ إذ يظهر منهج المؤلف في الغالب في بدايات السور، وكان نصيب زميلي الشيخ عبد الله المنصور الحديث عن عصر المؤلف وحياته مبرزًا في ذلك اسمه ونسبه ومولد ونشأته وشيوخه وتلاميذه وعقيدته ومذهبه الفقهي ومكانته العلمية ومؤلفاته، ثم وفاته، وكذا التعريف بالكتاب وقيمته العلمية، وكان نصيب أخي الشيخ إبراهيم الدومري من الدراسة الحديث عن مصادر المؤلف في تفسيره.\n(٢) اكتفيت في ترجمة الأعلام والتخريج بما جاء في القسم الثاني من البحث وهو جانب التحقيق كما هو متعارف عليه في جانب الدراسة.","vol":"1","page":101},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-102>المبحث الثاني: منهجه في تفسير القرآن بالقرآن</span>.\nمن المتقرر في علم التفسير أنَّ تفسير القرآن بالقرآن هو أعلى مراتب التفسير، فالله تعالى أعلم بمراد كلامه من عباده، وما أُجْمِل في موطن بُيِّن في موطنٍ آخر.\nوالناظر لتفسير الكرماني يجد أنَّ من السِّمات البارزة فيه تفسيره للقرآن بالقرآن إمَّا بيانًا لمعنى أو ترجيحًا لقول، والأمثلة على ذلك كثيرة جدًا، ومنها:\n* في سورة ص ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ (٩)﴾: \" يعني خزائن النبوة فيعطوا من يشاءوا كقوله:  ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾  [الزخرف: ٣٢] \".\n* وفي سورة المجادلة: \" ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ﴾: هذا فعلٌ مشتقٌّ من اسم نحو ما تقول: رأستُه، وبطنته، ورجلته، وكذلك (ظَاهَرَ)، أي: قال لها: أنتِ عليَّ كظهر أمي، وقيل: هو من الظَّهر الذي يذكر، والمراد به المركوبُ، أي: حرُمَ عليَّ ركوبك، كما حرُم عليَّ ركوبُ أمي.\nوقيل: هو من الظَّهَرِ، الذي هو العلوّ والغلَبة، من قوله: ﴿فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ [الصف: ١٤]، أي: عُلُوِّي عليكِ حرامٌ، كعُلُوِّي على أمي.\nوهذان الوجهان أولى من الأول؛ ليدخلَ فيه البطنُ، والفخِذُ، والفرجُ، وغيرُها \".\n* وفي سورة الملك: \" ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾: طاعةً له، و﴿أَيُّكُمْ﴾ رفع بالابتداء، والفعل قبله مقدر، والتقدير: ليبلوكم فيعلم:\nأيكم أحسن عملًا، كقوله: ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى﴾ [الكهف: (١٢)].\nوقيل: ليبلوكم فينظر أيُّكم، كقوله: ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُمْ﴾ [القلم: (٤٠)] \".","vol":"1","page":102},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-103>المبحث الثالث: منهجه في التفسير بالسُّنة</span>.\nالسُّنة مُبَيِّنة للقرآن، وهي في المرتبة الثانية بعد تفسير القرآن بالقرآن، وقد أكثر المؤلف - ﵀ - من إيراد الأحاديث؛ للتفسير أو ترجيح الأقوال إلا أنَّه قد أُخِذَ عليه عدم عزوِ الأحاديث إلا ما ندر، وكذلك عدم الحكم على الأحاديث صحةً وضعفًا، ويورد أحاديث ضعيفة جدًا، وأحيانًا يذكر حديثًا، فيقول: روى الزَّجَّاج، أو رواه أبو الليث مع أنّه مُخَرَّجٌ في الصِّحاح والمسانيد.\n* ففي سورة التغابن: \" ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾: قال: \" فيه قولان: أحدهما: خلقكم في بطون أمهاتكم كفارًا ومؤمنين.\nوجاء في التفاسير: \" أن يحيى بن زكريا - ﵇ - خُلق في بطن أمِّه مؤمنًا، وأن فرعون خلق في بطن أمِّه كافرًا \".\nوالثاني: \" ﴿خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ﴾ بأن الله خلقه ﴿وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ بأن الله خلقه.\nوالفاء يدلُّ على المعنى الثاني.\nوروي عن النبي - ﷺ - أنه قال: «إن بني آدم خُلقوا على طبقاتٍ شتى: فمنهم مَن وُلِدَ مؤمنًا ويموت مؤمنًا، ومنهم مَنْ وُلِدَ كافرًا ويموت كافرًا، ومنهم من وُلِدَ مؤمنًا ويموت كافرًا ومنهم مَن وُلِدَ كافرًا ويموت مؤمنًا»، رواه أبو الليث في تفسيره \".\nفقد عزاه لأبي الليث مع أنَّه مُخَرَّجٌ في المسند، وسنن الترمذي وغيرهما.\n* وفي سورة ن والقلم: \" ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ﴾ نزلت حين أراد الكفار أن يُعِينوا رسول الله - ﷺ - فيصيبوه بالعين، فنظر إليه قوم من قريش، وقالوا: ما رأينا مثله، ولا مثل حُجَجِه، وكانت العين في بني أسد حتى إنَّ الرجل منهم ينظر إلى الناقة السمينة أو البقرة السمينة، ثم يَعِينُها، ثم يقول للجارية: خذي المكتل والدرهم فأتينا من لحم هذه، فما تبرح حتى تقع فتنحر.\nوكان الواحد إذا أراد أن يَعِين شيئًا يجوع له ثلاثة أيام، ثم يَعْرِضُ له فيقول: تالله ما رأيت مالًا أكثر ولا أحسن من هذا فيتساقط ذلك الشيء، فأرادوا مثل ذلك برسول الله - ﷺ - فعصمه الله من ذلك.\nهذا قول الجمهور.\nوقال بعضهم: إنما يصيب الإنسان بالعين ما يستحسنه وتميل نفسه إليه، وكان نظرهم إلى النبي - ﷺ - نظرة البغض والغيظ، وذلك ضدَّه.\nوأنكر بعضهم العين أصلًا، وقالوا معنى الآية: نظروا إليك نظر عداوة وتوعّد كما يقال: نظر إليَّ نظرًا كاد يأكلني به.\nوالقول هو الأول؛ فإنَّ النبي - ﷺ - قال: «إن العين حقُّ، ولو كان شيء يسبق القدر لكان ذلك العين» \".","vol":"1","page":103},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-104>المبحث الرابع: منهجه في التفسير بأقوال الصحابة والتابعين</span>.\nفي عودٍ على مسمَّى الكتاب \" لُباب التفاسير \" كما أسماه مؤلفه - ﵀ - يجد القارئ له أن له من اسمه نصيب فقد جمع كثيرًا مما حوته التفاسير من النقول والآثار، وخصوصًا عن الصحابة، والتابعين - ﵃ أجمعين - وخصوصًا الحبر ابن عباس وتلاميذه، وابن مسعود وتلاميذه، وغيرهم من الصحابة والتابعين، وقد يورد أقوالهم ولا ينسبها إليهم مع أن القول مشهور عن ذلك الصحابي، ولعل غالب أقواله ونقوله عنهم من خلال كتابي ابن جرير ... \" جامع البيان \" والماوردي \" النُّكت والعيون \"، وهذا لا تخلوا منه أكثر الآيات في جميع السُّور، ومن ذلك:\n* في سورة التكوير: \" ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١)﴾: ابن عباسٍ - ﵄ -: \"ذهب ضوؤها \".\nمجاهد: \" اضمحلت وبطلت \".\nقتادة: \"غُوِّرت، وقال: إنه فارسيّ (كوركرد). حكاه سعيد عنه \".\nالضحاك: \" تكويرها: ذهابها \".\nالزَّجَّاج: \"جُمع ضوؤها، ولُفّت كما تُلف العمامةُ \"\nابن عيسى: \" تكويرها تلفيفُها على جهة الاستدارة، تقول: كورت العمامة، ومنه كارة القصّار \".\n* وفي سورة الفلق: \" ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ﴾: ابن عباس والفراء والزجاج: \" هو الليل \".\nوالغسق: الظلام. الزجاج: \" لأن الليل أبرد من النهار، والغاسق: البارد \".\nابن عيسى: \" الغاسق: الهاجم بضرر، من قولهم: غسقت عينه جرى دمعها، وغسقت القرحة: جرى صديدها \".\nأبو هريرة - ﵁ - مرفوعًا: \" الغاسق الثُّريا، فإن الأسقام تكثر عند وقوعها وترتفع عند طلوعها \"، وقيل: الغاسق: القمر، وروي عن عائشة - ﵂ - أنها قالت: ... \" أخذ النبي - ﷺ - بيدي، ونظر إلى القمر، فقال: «تعوذي بالله من هذا، فإنه الغاسق إذا وقب \"، وقيل: هو الشمس. والكلّ مراد فإن اللفظ يحتمله \".","vol":"1","page":104},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-105>المبحث الخامس: منهجه في أسباب النزول</span>.\nمما يعين على فهم الآية كما قرر العلماء معرفة سبب نزولها، وقد أكثر المؤلف - ﵀ - في نقله عن ابن جرير والواحدي والماوردي، فقد يذكر في الآية أكثر من سبب، ويُرَجِّح أحيانًا، ومثال ذلك:\n* في سورة الزمر: \" ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ﴾  في سبب النُّزول: عن ... ابن عبَّاس - ﵄ -: \"نزلت في أبي بكر الصديق - ﵁ - \".\nقال ابن عمر - ﵄ -: \" نزلت في عثمان بن عفَّان - ﵁ - \".\nقال مقاتل: \" نزلت في عمَّار بن ياسر - ﵁ - \" \".\n* وفي سورة العلق: \" ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (١٠)﴾: عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال أبو جهل: هل يُعَفِّر محمد - ﷺ - وجهَه بين أظهركم؟ قالوا: نعم.\nقال: واللات والعُزى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأنَّ رقبتَه. قال: فقيل له: هاهو ذا يصلي، فانطلق ليطأ رقبته.\nقال: فما فَجِئَهُمْ إلاّ وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه، فقيل له: ما لك يا أبا الحكم؟ قال: إن بيني وبينه خندقًا من النار وهولًا وأجنحةً. قال النبي - ﷺ -: لو دنا مني لاختطفته الملائكة فجعلته عضوًا عضوًا، فأنزل الله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾.\nالحسن: \" كان أُمِية بن أبي الصَّلت ينهى عن الصلاة \".\nوقيل: عام في الناس جميعًا.\nوالظاهر: أرأيت أبا جهل ينهى محمدًا - ﷺ - عن الصلاة \"؟!.","vol":"1","page":105},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-106>المبحث السادس: منهجه في الكلام على الناسخ والمنسوخ</span>.\nأثبت الكرماني وقوع النسخ في القرآن، وقد أكثر من ذكر القول فيها مع اختصارٍ في ذكرها في الغالب، ومن تأمل في نقوله في ذلك وجد أن أبرز مصادرها وأكثرها إيرادًا هو من كتاب الناسخ والمنسوخ؛ للنَّحَّاس \" ومن أمثلة ذلك:\n* في سورة الشورى: \" وفي كتاب الناسخ والمنسوخ: \" إنَّ في هذه الآية قولين: أحدهما: أنها منسوخة بقوله: ﴿عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ [الإسراء: (١٨)] وهو رواية جُوَيْبِر عن الضحاك عن ابن عباس - ﵄-.\nوالقول الثاني: أنها ثابتة \"وهو القول الذي لا يجوز غيره؛ لأنَّه خبر والخبر لا يدخله النسخ\".\n* وفي سورة الشورى أيضًا: عند قوله: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ \" في الناسخ والمنسوخ: \" أنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ﴾ \"، وفي معناه أربعة أقوال:\nأحدها: أن معنى قوله: ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ إلا تودّوني في نفسي لقرابتي منكم وهذا لقريش خاصة وهو قول ابن عباس وعكرمة ومجاهد.\nالثاني: عن سعيد بن جبير: أنه قال: لمَّا نزلت هذه الآية قالوا يا رسول الله: من هؤلاء الذين نودُّهم؟\nقال: علي وفاطمة وولدهما \".\nالثالث: عن الحسن - ﵁ -: \" إلا أن تودّوا إلى الله، وتتقربوا إليه بالطاعة، والعمل الصالح \".\nالرابع: إلا أن تودُّوا أقرباءكم، وتصلوا أرحامكم \".","vol":"1","page":106},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-107>المبحث السابع: منهجه في إيراد الإسرائيليات</span>.\nقلَّ من المفسرين من سلم من إيراد الإسرائيليات ذكرًا وإيرادًا؛ لكون علم التفسير أكثر العلوم تأثرًا بذلك، ولئن كان يُحمد للمؤلف تعليقه عليها في الغالب إلا أن ذكره لها من قبيل نشرها، وخصوصًا ما لا يصح من أخبار بني إسرائيل؛ إذ ما صحَّ خبره جازت روايته، ومن أمثلة ذلك:\n* في سورة (ص) عند قوله: \" * ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾: \" واختلفوا في ذنبه: فذهب جماعة من المفسرين إلى أن داود - ﵇ - دخل محرابه وأغلق بابه وقام يصلِّي فجاء طائر في أحسن صورة مُزَيِّن كأحسن ما يكون فوقع قريبًا منه فنظر إليه فأعجبه فوقع في نفسه منه شيء فدنا منه ليأخذه، فوقع قريبًا وأطمعه أن يأخذه ففعل ذلك ثلاث مرَّات، حتى إذا كان في الرابعة ضرب يده عليه فأخطأه فوقع على سور المحراب، وكان خلف المحراب حوض يغتسل فيه النساء فضرب يده عليه وهو على سور المحراب فأخطأه وهبط الطائر فأشرف داود فإذا بامرأة تغتسل فلمّا رأته نفضت شعرها فغطى جسدها فوقع في نفسه منها ما شغله عن الصلاة فنزل من محرابه ولبست المرأة ثيابها وخرجت إلى بيتها فخرج داود حتى عرف بيتها وسألها من أنت؟ فأخبرته فقال: هل لك زوج؟ فقالت: نعم. قال: أين هو؟ قالت: هو في جند كذا، فرجع وكتب إلى عامله: إذا جاءك كتابي هذا فاجعل فلانًا في أول الخيل ففعل فقتل.\nوفي بعض القصص: كتب ذلك ثلاث مرات، ثمَّ انتظر حتى انقضت عدتها ثمَّ خطبها وتزوجها فلمَّا أتاه الخصمان وظن أن الله فتنه سجد أربعين ليلة لا يرفع رأسه إلا للصلاة المكتوبة ولم يذق طعامًا ولا شرابًا حتى أوحى الله إليه: أنْ ارفع رأسك فإني قد غفرت لك.\nوفي بعض التفاسير: أن جبريل - ﵇ - قال له: اذهب إلى أوريا، وهو زوج المرأة واستحل منه فإنك تسمع صوته في موضع كذا فأتاه واستحل منه فقال: أنت في حلٍّ، فلمَّا رجع قال له جبريل: هل أخبرته بجرمك؟ قال: لا.","vol":"1","page":107},{"text":"قال: فإنك لم تعمل شيئًا فارجع وأخبره بالذي صنعتَ، فرجع داود فأخبره بذلك فقال: أنا خصمك يوم القيامة فرجع مغتمَّا وبكى أربعين يومًا فأتاه جبريل وقال: إن الله يقول: أنا استوهبك من عبدي فيَهَبُك لي، وأجزيه على ذلك أفضل الجزاء فسرَّى ذلك عنه، وكان حزينًا في عمره باكيًا على خطيئته.\nوذهب المحقِّقون إلى إنكار هذا أصلًا.\nوروي أن عليًا - ﵁ - أنكر هذا وقال: \"من حَدَّث بحديث داود - ﵇ - على ما يرويه القُصَّاص معتقدًا صحَّته جلدته مائة وستين \" أي حدَّين لعظم ما ارتكب من الإثم وكبير ما احتقب من الوِزْر \".\nوجاء عن ابن عباس وابن مسعود - ﵃ - إنكاره أيضًا \".\n* وفي سورة (ص) أيضًا عند قوله: ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (٣٤)﴾ \" اختلف المفسرون في سبب ذلك، وفي الجسد، وأولى ما ذكر فيه ما روي عن النبي - ﷺ -، وهو أنه قال: قال سليمان بن داود - ﵉ - \" لأطوفن الليلة على سبعين امرأة، ويروى على مائة، ويروى على ألف امرأة تأتي كل واحدة بفارس يجاهد في سبيل الله فقال له صاحبه: قل إن شاء الله، ولم يقل.\nفطاف عليهن فلم تحمل منهنَّ إلا امرأة واحدة جاءت بشق ولد فو الذي نفس محمدٍ بيده لو قال: إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرسانًا \"، فلم يستثن، فلم يرض الله ذلك منه، وهو الجسد الذي ألقي على كرسيه، أي سرير ملكه \".\nففي المثال الأول ذكر الإنكار بالتعقيب بعد ذكر الرواية، وفي الثاني ذكر القول الصحيح، ثم ذكر الرواية الواردة في أخبار بني إسرائيل.","vol":"1","page":108},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-108>المبحث الثامن: منهجه في تقرير مسائل الاعتقاد</span>.\nمن خلال تفسير الكرماني يلاحظ القارئ له أنَّه تبع منهج الأشاعرة في آيات الصفات، وقد نقل بعض أقوال المعتزلة كأقوال علي بن عيسى وابن بحر دون الردِّ عليها، ومن أمثلة ذلك:\n* في سورة الزمر: \" ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ أي: ما وصفوه بوصفه الذي يجب له، وما عظَّموه حقَّ عظمته.\nوالقَدْر والقَدَر في اللغة: ما عليه الشيء من مساواة أو زيادة أو نقصان، فكأنَّه قال: ما أعطوه في الوصف ما استحقَّه، وما قدَّروا فيه التقدير الذي هو حقّ التقدير فيه.\nفي سبب النزول عن الأعمش عن علقمة عن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: \" أتى النبيَّ - ﷺ - رجلٌ من أهل الكتاب، وقال: يا أبا القاسم بلغك أنَّ الله يحمل الخلائق على إِصْبِعٍ، والأرضين على إِصْبِعٍ، والسماء على إِصْبِعٍ، والبحور على إِصْبِعٍ، والثرى على إِصْبِعٍ فضحك رسول الله - ﷺ - حتى بدت نواجذه، فأنزل الله: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ \".\nالقبضة تُذكر، والمراد بها ما قبضتَ عليه بجمع كفِّك، وتُذْكَرُ والمراد بها: ما في تصرُّفك، كما يكتب في الشروط صارت الدار في مُلكه وقبضه، والتي في الآية منها؛ لأن المراد بها: شدَّة التَّمكن من مُلك الشيء، والمبالغة في القُدرة على التَّصرُّف فيه تصرُّفك في الشيء الحاصل في الكفِّ.\nوقيل: المراد به قوله:  ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾  [إبراهيم: ٤٨].\n﴿وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ قيل: بقدرته وقوَّته، من قول الشاعر:\n. . . . . . . . . . . . . . . . ... تلقَّاها عُرابةُ باليمين\nوقيل: بقَسَمه؛ لأنَّه حَلف أنَّه يطويها، ويفنيها.\nوقيل: بيمينه بيده، ولله يدان كلتاهما يمينان، وهذا جواب لليهود حين قالوا: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤].\nوقيل: ملكه من قولهم: مُلْكُ اليمين.\nومعنى: ﴿مَطْوِيَّاتٌ﴾: مستولٍ عليها استيلاؤك على الشيء المطوي عندك وبيدك.\nوقيل: ﴿مَطْوِيَّاتٌ﴾: يوم القيامة، من قوله: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤].\nوقيل: فيه تقديم وتأخير، تقديره: والأرض جميعًا قبضته والسماوات مطويات بيمينه يوم القيامة.\nوالمذهب والمعتقد في هذا وأمثاله التَّنزيه عن التشبيه، والوصف بالجسم، والعَرض والكيف والكَمِّ والزَّمان، وما رواه المفسِّرون في هذه الآية فكُلُّها مؤولٌ \".\nوهذا ليس على إطلاقه، وما قرره مخالف لمذهب السلف الصالح، كما سيأتي تحقيقه -بإذن الله - عند هذه الآية، ونظائرها من آيات الصفات الذي وافق فيها المؤلف مذهب الأشاعرة.","vol":"1","page":109},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-109>المبحث التاسع: منهجه في تفسير آيات الأحكام</span>.\nيتضح من منهج المؤلف في تفسيره ميله للاختصار في آيات الأحكام فهو يشير إليها إشارات، ولا يستطيع القارئ في الجملة أن يخرج بمذهب المؤلف أو ترجيح ظاهر إلا ما ندر إذ يغلب ذكر حكاية الأقوال وسردها:\n* ففي سورة فصلت: \" ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ﴾ أراد مُدَّة حمله وفصاله، وهو الفطام.\n﴿ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ ذكر أقل الحمل، وهو ستة أشهر، ونهاية الرَّضاع، وهي حولان لقوله: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: (١٤)]، وما يزاد في أحدهما نقص من الآخر، وليس هذا حتمًا واجبًا، وللفقهاء فيه خلاف \".\n* وفي سورة المجادلة: \" ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾: بيّن في الآية الأولى ما أن ذلك من قائليه منكرٌ وزورٌ، وبيّن في الثانية حكمَ مَن قال ذلك، ولم يقل منكم في هذه الآية؛ لأنه بيانٌ للأول، ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ حمله بعضُهم على معنى القول، وبعضُهم على عين القول. فمَن حمله على معنى القول، قالوا: تقديره: يعودون لنقض ما قالوا وإفساده. وقيل: يعودون إلى ما قالوا، وفيما قالوا من التحريم. وقيل: يرجعون عمّا قالوا. ثم اختلفوا على ثلاثة أقوال: أحدها: أن العَوْدَ إنما يكونُ بالعزم على الوطء، فيلزمه الكفارةُ بالعزم.\nوالثاني: أن العَوْدَ يكونُ بالإمساك، فيلزمُه الكفارةُ بالإمساك.\nوالثالث: أن العَوْدَ يكونُ بالوطء، فيلزمُه الكفارةُ بالوطء.\nومَن حمله على ظاهر القول وعينه اختلفوا على قولين:\nأحدهما: أن العودَ إنما يكونُ بتكرار اللّفظ، وهو أنْ يقولَ: أنتِ عليَّ كظهر أمي، أنتِ عليَّ كظهر أمي. فإذا قالها مرتين صار مُظاهرًا، ولزمه الكفارةُ لتكراره اللّفظَ.\nوالثاني: أنهم كانوا في الجاهلية يقولون للنساء إذا أرادوا الطلاقَ: أنتِ عليَّ كظهر أمي، فإذا عاد في الإسلام إلى مثل ذلك القول لزمه الكفارةُ، فعلى هذا يلزمه الكفارةُ بمجرَّد الظهار \".","vol":"1","page":110},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-110>المبحث العاشر: منهجه في الاعتناء بالعربية وفروعها</span>.\nيعدُّ الكرماني من علماء اللغة المتمكنين من هذا العلم، وله في ذلك مؤلفات، ويظهر أثر ذلك من خلال الإعراب للآيات، وبيان مفرداتها واشتقاها، وبيان الغريب، وحدود التعريفات، وتأكيد أقواله بالشعر والأمثال، وكثيرًا ما يتعقَّب على الفَرَّاء وغيره؛ فهو ينتصر لمذهب البصريين كثيرًا كما ظهر لي، ومن أمثلة ذلك:\n* في سورة (ص): \"والجمهور على أنَّ ﴿وَالْقُرْآَنِ﴾ قسمٌ، واختلفوا في الجواب:\nفقال بعضهم: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ﴾، وقال بعضهم: ﴿إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾، وقيل: مضمر أي لَيُبْعَثُنَّ.\nوقيل: مقدَّمٌ على أن يكون ﴿ص﴾ اسمًا للقرآن ...\nوقيل جوابه: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا﴾ والتقدير: لكم أهلكنا كما في قوله ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ ... [الشمس: ٩] في سورة الشمس، أي لقد أفلح، لكن لمَّا حِيل بين القَسَم والمقسَم عليه حُذف اللام فصار ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ فكذلك ها هنا، وهذا قول الفرَّاء، وهو غير مرضي عند البصريين؛ لأن كم لتضمُّنه معنى الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله فَلَهُ صَدْرُ الكلام لا حاجة به إلى اللام \".\n* وفي سورة (ن والقلم): \" ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ﴾ على قصدٍ من قول الشاعر:\n. . . . . . . . . . . . . . . . ... يحرد حرد الجنة المغله\nوقيل: على غضبٍ على المساكين، والحَرْد الغضب، والفتح فيه أكثر.\nوقيل: على منعٍ من قولهم: حاردت السنة، إذا لم يكن فيها مطرٌ.\nوقيل: على قدرة ونشاطٍ وجدٍّ في أنفسهم.\nالحسن: \" على فاقة وحاجة \".\nوقيل: على أمرٍ أسَّسوه وأجمعوا عليه.\nوقيل: على حرصٍ، وقيل: هو اسم جنَّتهم، والأقوال الثلاثة الأولى، أقوال اللغة \".","vol":"1","page":111},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-111>سورة المائدة</span>\nمدنية، وقيل مدنية (١) إلا آية وهي قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [الآية: ٣] فإنها نزلت بمكة يوم عرفة (٢)، وقيل السورة مدنية كلها.\nوقرأ رسول الله -ﷺ- في خطبته يوم حجة الوداع وقال: (يا أيها الناس إن سورة المائدة من آخر القرآن نزولًا، فأحلوا حلالها وحرموا حرامها) (٣).\nوآيها مائة وعشرون كوفي وثلاث وعشرون بصري (٤).\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾.\n_________\n(١) اختلفت بداية النسخ الثلاث، ففي (أ) (سورة المائدة مائة وعشرون وثلاث آيات مدنية، وقيل مكية إلا آية ....) وفي (ب): (سورة المائدة مدنية وقيل مدنية إلا آية ...) وفي (جـ): (سورة المائدة وهي مدنية، وقيل مدنية إلا آية ...)، ودائمًا تنفرد (أ) بذكر عدد الآيات.\nوقد حكى الإجماع على كونها مدنية: ابن عطية في «المحرر الوجيز» ٤/ ٣١١، والقرطبي في «الجامع لأحكام القرآن» ٦/ ٣٠، والاستثناء الوارد للآية ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ لا ينقض الإجماع، لكون ما نزل بعد الهجرة فهو مدني على التقسيم الصحيح في بيان المكي من المدني.\n(٢) أخرجه البخاري (٤٥) ومسلم (٣٠١٧) من حديث عمر بن الخطاب ﵁.\n(٣) روي مرفوعًا وموقوفًا:\nأما المرفوع فأخرجه أبو عبيد في «فضائل القرآن» (ص ٢٣٩) مرسلًا من حديث عطية بن قيس أحد التابعين قال: قال رسول الله -ﷺ- ... فذكر الحديث، وفي إسناده كذلك أبو بكر بن عبدالله بن أبي مريم الغساني: ضعيف.\nأما الموقوف: فقد ورد عن أم المؤمنين عائشة ﵂، أخرجه الإمام أحمد (٢٥٥٤٧)، والنسائي في الكبرى (١١١٣٨)، والحاكم في «المستدرك» ٢/ ٣١١، والبيهقي في «السنن الكبرى» ٧/ ١٧٢، وقال محققو المسند: إسناده صحيح.\n(٤) قال الإمام أبوعمرو الداني في كتابه: «البيان في عدِّ آي القرآن» (ص ٦٧): «الأعداد التي يتداولها الناس بالنقل ويعدون بها في الآفاق قديمًا وحديثًا ستةٌ: عدد أهل المدينة الأول، والأخير، وعدد أهل مكة، وعدد أهل الكوفة، وعدد أهل البصرة، وعدد أهل الشام» ثم شرع في الكلام عنها وذكر أسانيده إليها.","vol":"1","page":112},{"text":"ابن عباس (١) في جماعة: أوفوا بالعقود، أي: بعقود الله فيما أحلّ وحرم (٢).\nالحسن (٣): عقود الدين (٤).\nابن جريج (٥): الخطاب لأهل الكتاب، والمراد بالعقود: العهود التي أمر أهل الكتاب أن يعملوا بها من تصديق النبي وتبيين نعته (٦).\nابن زيد (٧): العقود خمسة، عقد النكاح، وعقد الشركة، وعقد اليمين، وعقد العهد، وعقد الحلف، وزيد عقد البيع (٨).\nوقيل العقود المذكورة: هي الفرائض المبينة في هذه السورة، وهي إحدى عشرة وقيل ثماني عشرة (٩).\n_________\n(١) هو: عبدالله بن عباس بن عبدالمطلب الهاشمي القرشي، ابن عم رسول الله -ﷺ-، حبر الأمة وترجمان القرآن، لازم رسول الله -ﷺ- وأكثر من الرواية عنه، توفي بالطائف سنة (٦٨ هـ).\nانظر: «حلية الأولياء» ١/ ٣١٤، و«تقريب التهذيب» (ص ٣٠٩).\n(٢) أخرجه الطبري ٨/ ٩، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٤٠٤٧)، وزاد السيوطي نسبته في «الدر المنثور» ٥/ ١٥٩ إلى: ابن أبي حاتم وابن المنذر.\n(٣) هو: أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن البصري، اسم أبيه يسار، سيد أهل زمانه علمًا وعملًا، مناقبه كثيرة، توفي سنة (١١٠ هـ).\nانظر: «سير أعلام النبلاء» ٤/ ٥٦٣، و«تقريب التهذيب» (ص ١٦٠).\n(٤) عزاه للحسن كذلك: الماوردي ٢/ ٦، وابن الجوزي ٢/ ٢٦٨، والقرطبي ٦/ ٣٢.\n(٥) هو: عبدالملك بن عبدالعزيز بن جريج الأموي مولاهم المكي، ثقة فقيه فاضل، يقال: أول من صنَّف التصانيف في العلم، توفي سنة (١٥٠ هـ).\nانظر: «سير أعلام النبلاء» ٥/ ٢٦٢، و«تقريب التهذيب» (ص ٣٦٣).\n(٦) أخرجه الطبري ٨/ ١١.\n(٧) هو: عبدالرحمن بن زيد بن أسلم العُمري المدني، كان صاحب قرآن وتفسير، وأخذ عن والده، توفي سنة (١٨٢ هـ).\nانظر: «سير أعلام النبلاء» ٨/ ٣٤٩، و«تقريب التهذيب» (ص ٣٤٠).\n(٨) أخرجه الطبري ٨/ ١٠، أما ذكر عقد البيع فقد ورد كذلك عند الطبري ٨/ ١٠ عن عبدالله بن عبيدة، وزاد السيوطي نسبته في «الدر المنثور» ٥/ ١٦٠ إلى: عبد بن حميد وابن المنذر.\n(٩) ورد عن أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل. أخرجه أبو عبيد في «فضائل القرآن» (ص ٢٤٠)، وزاد السيوطي نسبته في «الدر المنثور» ٥/ ١٥٨ إلى: الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وأبي الشيخ.","vol":"1","page":113},{"text":"والعقد: الجمع بين الشيئين بما يُعَسِّرُ الانفصال، وأصله الشد.\nوالوفاء: إتمام العقد بفعل ما عقد عليه، تقول: وَفَى وأوفى (١).\n﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾.\nالجمهور: استئناف (٢)، ويحتمل التفصيل، والبهيمة: هي كل حي لا يميز، والأنعام: أصلها الإبل، أُخِذَ من نَعْمَةِ الوطء (٣)، وإضافة البهيمة إلى الأنعام من باب: ثوبُ خَزٍّ، ثم استعمل للبقر والشاء، ولا يدخل فيها الحافر لقوله تعالى:\n﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ﴾ [النحل: ٥] ثم عطف عليها ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ﴾ [النحل: ٨].\nالحسن: بهيمة الأنعام: الإبل والبقر والغنم (٤).\nابن عباس ﵄: بهيمة الأنعام: الوحش (٥).\nابن عمر (٦) ﵄: بهيمة الأنعام: الجنين إن خرج ميتًا جاز أكله (٧).\n_________\n(١) ويقال كذلك: وفّى بالتضعيف، وكلها وردت في القرآن الكريم، انظر: «حاشية ابن المنير على الكشاف» ١/ ٦٠٠، و«عمدة الحفاظ» للسمين الحلبي ٤/ ٣٧٧.\n(٢) في (ب): (استئناف حكم).\n(٣) هكذا في الأصول الثلاثة، والظاهر أن المقصود: نعومة الوطء، قال الجصاص في «أحكام القرآن» ٢/ ٢٩٧: «وقيل إن الأنعام تقع على هذه الأصناف الثلاثة وعلى الظباء وبقر الوحش، ولا يدخل فيها الحافر؛ لأنه أُخذ من نعومة الوطء» ونقله الرازي في «التفسير الكبير» ١١/ ٩٩ عن الواحدي كذلك.\nوفي «المحكم» لابن سيده ٢/ ١٣٨: التَّنَعُّم: التَّرفُّه، والاسم: النَّعْمَةُ.\nوالمقصود والله أعلم: أنها سميت الأنعام: لما في مشيها من نعومة ولين كما قاله السمين الحلبي في «الدر المصون» ٣/ ٦١.\n(٤) أخرجه الطبري ٨/ ١٢، وزاد السيوطي نسبته في «الدر المنثور» ٥/ ١٦٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(٥) قال الطبري ٨/ ١٥: «وقد قال قومٌ: بهيمة الأنعام: وحشها؛ كالظباء وبقر الوحش والحُمر» ولم يسند لهذا القول آثارًا إلى أحد من الصحابة أو التابعين.\n(٦) هو: عبدالله بن عمر بن الخطاب بن نُفيل العَدوي القرشي، أحد المكثرين من الرواية، ولد بعد البعثة بثلاث سنين، فلم يشهد بدرًا ولا أحدًا لصغره، توفي سنة (٧٣ هـ).\nانظر: «الإصابة» ٤/ ١٨١، و«تقريب التهذيب» (ص ٣١٥).\n(٧) أخرجه الطبري ٨/ ١٣ - ١٤.","vol":"1","page":114},{"text":"وروي عن ابن عباس أيضًا (١).\n﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ يذكر تحريمه لكم.\nابن عباس والحسن في جماعة هو قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ الآية (٢).\nأبو العالية (٣) هو قوله: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ أي: إلا ما كان من الأنعام صيدًا فهو حرام وأنتم حُرُم.\nوقوله: غيرَ: منصوب على الحال من قوله: أوفوا بالعقود غير محلي الصيد،\nوفيه تقديم وتأخير، وقيل بالاستثناء، أي: إلَاّ محلي الصيد وأنتم حرم، حكاه ابن عيسى (٤)، وقيل على الحال من قوله: أحلت لكم غير محلي الصيد، وهو الأظهر (٥).\nقوله: ﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ ابن عباس: وأنتم في الحَرَم، غيره: في الإحرام، وقيل: في الحَرَم والإحرام، تقول: رجل حرامٌ وقومٌ حُرُمٌ (٦).\n﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ (١)﴾ ابن عباس في جماعة: يحل ويحرم ما يريد، وقيل: يحكم فيما خلق ما يريد على الإطلاق (٧).\n_________\n(١) أخرجه الطبري ٨/ ١٤، وزاد السيوطي نسبته في «الدر المنثور» ٥/ ١٦٢ إلى سعيد بن منصور وعبد ابن حميد وابن المنذر وابن مردويه.\n(٢) أخرجه الطبري ٨/ ١٦، وعزاه السيوطي في «الدر المنثور» ٥/ ١٦٢ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في «شعب الإيمان» عن ابن عباس.\nأما رواية الحسن فقد ذكرها الجصاص في «أحكام القرآن» ٢/ ٢٩٨، وقد ورد هذا القول كذلك عن مجاهد وقتادة وغيرهم، ورواياتهم وردت عند الطبري ٨/ ١٥ - ١٦.\n(٣) هو: رفيع بن مِهران، أبو العالية الرِّياحي البصري، الإمام المقرئ الحافظ المفسّر، أحد الأعلام، كان مولى لامرأة من بني رياح من بني تميم، أدرك زمان النبي -ﷺ- وهو شاب وأسلم في خلافة أبي بكر، قال أبو بكر ابن أبي داود: وليس أحد بعد الصحابة أعلم بالقرآن من أبي العالية، مات سنة (٩٠ هـ).\nانظر: «سير أعلام النبلاء» ٤/ ٢٠٧، و«طبقات المفسرين» للداودي ١/ ١٧٢.\n(٤) هو: علي بن عيسى بن علي الرماني النحوي، أبو الحسن، علامة في العربية، وله عدد من المصنفات، وكان متفننًا في علوم كثيرة من القراءات والفقه والنحو والكلام على مذهب المعتزلة، توفي سنة (٣٨٤ هـ).\nانظر: «سير أعلام النبلاء» ١٦/ ٥٣٣، و«طبقات المفسرين» للداودي ١/ ٤٢٠.\n(٥) قال أبو حيان في «البحر المحيط» ٣/ ٤٣٠: «اتفق جمهور من وقفنا على كلامه من المعربين والمفسرين على أنه منصوب على الحال، ونقل بعضهم الإجماع على ذلك، واختلفوا في صاحب الحال، فقال الأخفش: هو ضمير الفاعل في (أوفوا)، وقال الجمهور: الزمخشري وابن عطية وغيرهما: هو الضمير المجرور في (أحل لكم)».\n(٦) «الجامع لأحكام القرآن» للقرطبي ٦/ ٣٦.\n(٧) «البحر المحيط» لأبي حيان ٣/ ٤٣٣.","vol":"1","page":115},{"text":"﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ في سبب النزول عن ابن عباس ﵄: أنها نزلت في الحُطَم (١)، واسمه شريح بن ضُبيعة، أتى النبي -ﷺ- من اليمامة إلى المدينة فخلَّف خيله خارج المدينة ودخل وحده على النبي -ﷺ- فقال له: إلامَ تدعو الناس؟ فقال: (إلى شهادة أن لا إله إلا الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة) فقال: حسنٌ، إلَاّ أنَّ لي أمراء لا أقطع أمرًا دونهم، ولعلي أسلم وآتي بهم، وقد كان النبي -ﷺ- قال لأصحابه (٢): (يدخل عليَّ رجل يتكلم بلسان شيطان)، ثم خرج من عنده، فلما خرج قال رسول الله -ﷺ-: (لقد دخل بوجه كافر وخرج بعقبي غادر، وما الرجل بمسلم)، فمرَّ بسرح المدينة فاستاقه، فطلبوه فعجزوا عنه، فلما خرج رسول الله -ﷺ- عام القضية، سمع تلبية حجاج اليمامة، فقال لأصحابه: (هذا الحطم وأصحابه) وكان قد قلد ما نهب من سرح المدينة وأهداه إلى الكعبة، فلما توجهوا في طلبه أنزل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ (٣).\nوفي غير هذه الرواية: فمر بسرح المدينة واستاقه وانطلق وهو يرتجز ويقول:\nباتوا نيامًا وابنُ هندٍ لم يَنَمْ ... بات يقاسيها غلامٌ كالزُّلَمْ\nخَدَلَّجُ الساقين خفاق القدم ... قد لفَّها الليلُ بسوَّاقٍ حُطَمْ\nليس براعي إبلٍ ولا غنم ... ولا بجزَّارٍ على ظهر (٤) وَضَمْ\nهذا أوَانُ الشَّدِّ فاشتدي زِيَمْ (٥)\nوقوله: شعائر الله - على هذا -: ما يحرم في الإحرام، وهو قول ابن عباس (٦).\nوقيل: مناسك الحج، وهو أيضًا قول ابن عباس ﵄ (٧)، وقيل:\n_________\n(١) قال ابن عاشور في «التحرير والتنوير» ٦/ ٨٣: شريح بن ضُبَيْعَة الملقب بالحُطَم، بوزن زُفَر، والمكنى أيضًا بابن هند، نسبة إلى أمه هند بنت حسان بن عمرو بن مَرْثَد، وكان الحطم هذا من بكر بن وائل من نزلاء اليمامة.\nقال القرطبي في «الجامع لأحكام القرآن» ٦/ ٤٣: وأدرك الحطم هذا ردّة اليمامة فقتل مرتدًّا.\n(٢) قوله (قال لأصحابه) سقط من (ب).\n(٣) هذه رواية الواحدي في «أسباب النزول» (ص ١٨٩) عن ابن عباس دون إسناد.\n(٤) في نسخة (ب): لحم وضم.\n(٥) الزُّلَم: القدح، والجمع: الأزلام، خَدَلَّج الساقين: عظيمهما، خفاق القدم: عريض صدر القدمين، والوَضَم: كل شيء يوضع عليه اللحم من خشبة ونحوها وقاية له من الأرض، وزِيَمْ: يعني فرسًا أو ناقة.\nانظر في معاني هذه الكلمات: «الكامل» لأبي العباس المبرد ٢/ ٤٩٨، و«لسان العرب» (زلم - خدلج - وضم). والرواية أخرجها الطبري ٨/ ٣١ عن السدي.\n(٦) أخرجه الطبري ٨/ ٢٣، وزاد السيوطي نسبته في «الدر المنثور» ٥/ ١٦٤ إلى ابن أبي حاتم.\n(٧) أخرجه الطبري ٨/ ٢٢.","vol":"1","page":116},{"text":"الأعلام المنصوبة للفرق بين الحل والحرم، نهاهم أن يتجاوزوها إلى مكة بغير إحرام (١).\nالحسن: دين الله كله (٢).\nومعنى: ﴿لَا تُحِلُّوا﴾: لا تستحلوا.\n﴿وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ أي: القتال فيه، وقيل تأخيره، من قوله: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ٣٧] والمراد (٣) به هاهنا ذو القعدة، وقيل: رجب، وقيل: أشهر الحرم كلها.\n﴿وَلَا الْهَدْيَ﴾ هو ما يهدى إلى مكة للذبح.\n﴿وَلَا الْقَلَائِدَ﴾ ابن عباس: هي مُقَلَّداتُ الهدي (٤)، وكانوا في الجاهلية إذا خرجوا من الحرم قلدوا إبلهم من لحاء سَمُرة الحرم فلا يتعرض لهم أحد، وإذا خرجوا إلى الحرم قلدوها بقلائد ليعلم أنها هدي.\nوقال عطاء (٥): هي القلائد نفسها، كانوا يأخذون من لحاء سَمُرة الحرم فنهى الله أن ينزع من شجرها (٦).\n_________\n(١) ذكر ابن الجوزي في «زاد المسير» ٢/ ٢٧٢ هذا القول وأشار إلى أن الماوردي والقاضي أبا يعلى قد ذكراه أيضًا.\n(٢) نقله الماوردي ٢/ ٦، وابن الجوزي ٢/ ٢٧٢ عن الحسن.\n(٣) كلمة (والمراد) سقطت من نسخة (أ).\n(٤) أخرجه الطبري ٨/ ٢٧، وزاد السيوطي نسبته في «الدر المنثور» ٥/ ١٦٤ لابن أبي حاتم.\n(٥) هو: عطاء بن أبي رباح، واسمه أسلم القرشي مولاهم، مفتي أهل مكة ومحدثهم، الإمام، أبو محمد، روى عن جماعة من الصحابة، قال ابن عباس: تجتمعون إليّ يا أهل مكة وعندكم عطاء! قال أبو حنيفة: ما رأيت أفضل من عطاء، كان أسود، فصيحًا، كثير العلم، من أحسن الناس صلاة، ومن أعلم الناس بالمناسك، مناقبه كثيرة جدًا، مات سنة (١١٤ هـ، وقيل سنة ١١٧ هـ).\nانظر: «السير» ٥/ ٧٨، و«تقريب التهذيب» (ص ٣٩١).\n(٦) عزاه السيوطي في «الدر المنثور» ٥/ ١٦٦ إلى عبد بن حميد، وقد أخرجه كذلك الطبري ٨/ ٢٩ من طريق ابن حميد.","vol":"1","page":117},{"text":"وقيل القلائد (١): ما يقلد به من حذاءٍ ونعل.\n﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ أي: قاصديه.\n﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ﴾ رزقًا بالتجارة، ﴿وَرِضْوَانًا﴾ بزعمهم.\nقتادة (٢): هو أن يصلح معاشهم في الدنيا فلا يعجل لهم العقوبة (٣).\nوقيل: الفضل للمشركين والمؤمنين عام، ورضوانًا للمؤمنين خاصة، لأن الآمين من المؤمنين والكافرين.\nوالجمهور على أنها منسوخة بقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (٤) (٥) [التوبة: ٥].\n﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ﴾ خرجتم من الإحرام ﴿فَاصْطَادُوا﴾ أمر إباحة، وكذلك كل أمر وقع بعد حظر (٦).\n_________\n(١) كلمة (القلائد) سقطت من نسخة (جـ).\n(٢) هو: قتادة بن دعامة بن قتادة، أبو الخطاب السدوسي البصري الضرير الأكمه، حافظ العصر، قدوة المفسرين والمحدثين، وممن يضرب به المثل في قوة الحفظ، قال له سعيد بن المسيب: ما كنتُ أظن الله خلق مثلك. مات سنة (١١٨ هـ).\nانظر: «السير» ٥/ ٢٦٩، «تقريب التهذيب» (ص ٤٥٣).\n(٣) أخرجه عبدالرزاق ١/ ١٨٢ وابن جرير ٨/ ٤١، وزاد السيوطي نسبته في «الدر المنثور» ٥/ ١٦٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(٤) في النسخ الخطية الثلاثة (اقتلوا) بدون الفاء.\n(٥) وذهب ابن القيم في «زاد المعاد» ٣/ ٣٤١، والدكتور مصطفى زيد في: «النسخ في القرآن الكريم» ٢/ ٦٦٤ إلى أنه لا نسخ.\nانظر: «تفسير آيات الأحكام في سورة المائدة» (ص ٤٤) للشيخ الدكتور سليمان بن إبراهيم اللاحم.\n(٦) قال ابن كثير ٥/ ١٧: «هذا أمرٌ بعد الحظر، والصحيح الذي يثبت على السَّبْر: أنه يُرَدُّ الحكم إلى ما كان عليه قبل النهي، فإن كان واجبًا رده واجبًا، وإن كان مستحبًا فمستحب، أو مباحًا فمباح. ومن قال إنه على الوجوب، ينتقض عليه بآيات كثيرة، ومن قال إنه للإباحة يَرِدُ عليه آيات أُخَر، والذي ينتظم الأدلة= =كلها هذا الذي ذكرناه، كما اختاره بعض علماء الأصول، والله أعلم». انتهى.\nوهو كذلك ما رجَّحه الشنقيطي في: «أضواء البيان» ٢/ ٤.","vol":"1","page":118},{"text":"﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ لا يحملنَّكم ولا يكسبنَّكم (١)، قال (٢):\nولقد طعَنْتَ أبا عُينيةَ طعنةً ... جَرَمَتْ فَزارةَ بعدها أن يَغْضَبوا\n﴿شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ من فتح جعله مصدرًا، أي: إبغاض قوم، ومن سكن فالمعنى: بغيض قوم (٣)، فإن المصدر على فعلان قليل، وقد جاء اللَّيَان.\n﴿أَنْ صَدُّوكُمْ﴾ أي: لأن صدوكم عام الحديبية.\n﴿عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾ المعنى: لا يحملنكم إبْغَاضُ قوم أو بَغِيْضُ قوم على الاعتداء لأجل صدهم إياكم عن المسجد الحرام، ومن قرأ: (إن صدوكم) بكسر الألف (٤)، فتقديره: إن يقع مثل هذا لا يحملنكم على الاعتداء، فحذف الجزاء لدلالة الكلام عليه، ولا يجرى على الظاهر، لأن الشرط في الماضي محال، ومنه بيت الكتاب (٥):\n_________\n(١) هكذا في (أ) وفي (ب) و(جـ): يحملنكم ويكسبنكم.\n(٢) القائل هو: أبو أسماء بن الضَّريبَة، ويقال: للحَوْفَزان، ويقال: لعطية بن عفيف.\nانظر: «اللسان»، و«تاج العروس» (جرم) و«الشواهد الشعرية في تفسير القرطبي» رقم (٤٧٤)، وهو كتابٌ وضعه الدكتور عبدالعال سالم مكرم، دَرَس فيه الشواهد الشعرية في تفسير القرطبي.\n(٣) قرأ ابن عامر ونافع في رواية إسماعيل وعاصم في رواية أبي بكر بسكون النون على وزن «فَعْلان»، وقرأ بقية العشرة بفتح النون على وزن «فَعَلان».\nانظر: «المبسوط» لابن مهران (ص ١٦١)، و«النشر» لابن الجزري ٢/ ٢٥٣.\nواللَّيَان: كَسَحَاب: رخاء العيش كما في القاموس (لان).\n(٤) قرأ ابن كثير وأبو عمرو بكسر الألف، وقرأ باقي العشرة بفتحها.\nانظر: «المبسوط» لابن مهران (ص ١٦١)، و«النشر» لابن الجزري ٢/ ٢٥٤.\n(٥) القائل هو: الفرزدق، انظر: «الكتاب» ٣/ ١٦١، و«الدر المصون» ٤/ ١٩٣.","vol":"1","page":119},{"text":"أتغضبُ إنْ أُذْنَا قتيبةَ حُزَّتا ... جِهارًا ولم تغضبْ لقتلِ ابن خازم\nأي: إن يقع مثل هذا تغضب، وكذلك قول الآخر (١):\nإذا ما انتسبنا لم تَلِدْني لئيمةٌ ... ولم تَجِدي من أَنْ تُقِرِّى بِهِ بُدَّا\nالمعنى: إن تنسبني لم تجد ني مولود لئيمة.\n﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ﴾ أي: ليعنْ بعضكم بعضًا على متابعة الأمر، ﴿وَالتَّقْوَى﴾ وهي (٢) مجانبة الهوى، ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ﴾ المعصية، ﴿وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾.\n﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ بيان لقوله: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ (٣).\n﴿وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ سبق في البقرة (٤).\n﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾ وهي التي تنخنق في حبالة الصائد، أو يدخل رأسها بين شعبتين من شجرة، أو تخنق عمدًا فتموت.\n﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾ المضروبة بالخشبة أو بغيرها إلى أن تموت، من قولهم: وَقَذْتُه، أي: ضَرَبْته.\nابن عمر ﵄: المضروبة بالبُنْدُقَة موقوذة (٥)، والمجوس تَقِذُ ليبقى الدم فيها فتكون (٦) أطيب بزعمهم.\n_________\n(١) القائل هو: زائد بن صعصعة الفقعسي، انظر: «معاني القرآن» للفرَّاء ١/ ٦١، و«الحجة» لأبي علي الفارسي ٣/ ٢١٣.\n(٢) سقطت كلمة (وهي) من نسخة (ب).\n(٣) زاد في نسخة (ب): (والميتة) قبل قوله تعالى: (والدم).\n(٤) تقدم في تفسير الآية (١٧٣) من سورة البقرة وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\n(٥) قال الجصاص في «أحكام القرآن» ٢/ ٣٠٤: «وقد روى أبو عامر العقدي عن زهير بن محمد عن زيد ابن أسلم عن ابن عمر أنه كان يقول في المقتولة بالبندقة: تلك الموقوذة».\nقال في «القاموس المحيط»: البُنْدُق: بالضم: الذي يُرْمَى به، الواحدةُ: بهاءٍ.\n(٦) في (جـ): (فيكون).","vol":"1","page":120},{"text":"﴿وَالْمُتَرَدِّيَةُ﴾ التي تردى (١) من علوّ أو وقعت في بئر فماتت.\n﴿وَالنَّطِيحَةُ﴾ ما نطحت حتى تموت، فعيلة بمعنى مفعول، وألحق الهاء به لأنه اسم، وقيل: إذا انفرد عن الموصوف ألحق به الهاء نحو الكحيلة والدهينة، وقيل هي بمعنى الفاعل، أي تنطح حتى تموت.\n﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ أراد وما أكل منه السبع فمات.\nوقوله (٢): ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ علي (٣) وابن عباس ﵃: الاستثناء عائد إلى الكل، أي: ما أدركتم ذكاته بأن يوجد له (٤) عين تطرف أو ذنب تحرك (٥).\nوقيل: يعود إلى ما أكل السبع فحسب.\nوالذكاة: اسم شرعي لقطع الأوداج - وهي: الحلقوم والمريء والعِرْقَان -\n_________\n(١) في نسخة (ب): (تردت).\n(٢) كلمة (وقوله) لم ترد في نسخة (ب).\n(٣) أمير المؤمنين علي بن أبي طالب الهاشمي، رابع الخلفاء الراشدين، ابن عم رسول الله -ﷺ- وزوج ابنته، رجح جمعٌ أنه أول من أسلم، وهو أحد العشرة، توفي سنة (٤٠ هـ).\nانظر: «الإصابة» ٤/ ٥٦٤، و«تقريب التهذيب» (ص ٤٠٢).\n(٤) في نسخة (ب): بأن لو وجد له.\n(٥) أخرجه الطبري ٨/ ٦٣ عن علي وابن عباس ﵃، وأخرجه البيهقي في «السنن الكبرى» ٩/ ٢٤٩ عن ابن عباس ﵄، كما رواه ابن أبي حاتم عن علي ﵁ وذكره ابن كثير ٣/ ٢٢.","vol":"1","page":121},{"text":"بسكين أو ما قام مقامه على اسم الله مُسْلِمًا.\n﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ كانت (١) عند البيت ثلاثمائة وستون حجرًا يعبدونها ويقربون الذبائح لها.\nالحسن: كانوا يذبحون لأصنامهم (٢).\n﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ﴾ فيه أقوال: أحدها: أنها قداح ثلاثة مكتوب على أحدها أمرني ربي، وعلى الآخر: نهاني ربي، والثالث غفل، فإذا أرادوا أمرًا ذا خطر من سفر أو نكاح أو تجارة أو عقل أجالوها، فإذا خرج أمرني ربي مضى على ذلك، وكذلك إذا خرج نهاني ربي امتنع، فإن خرج الغفل أجالوها (٣) ثانيًا، ومعنى تستقسموا: تطلبوا ما قُسِمَ لكم.\nالمبرد (٤): الاستقسام: إلزام كقسم اليمين، كأنهم ألزموا (٥) أنفسهم ما يأمرهم به القداح (٦).\nوالثاني: الأزلام: سهام الجزور، واحدها (٧) زَلَم، كجمل، وزُلَم، كصُرَد، وهي عشرة يقسمون عليها لحم الجزور، وقد سبق (٨).\nوالثالث: الأزلام: كعاب فارس والروم التي يتقامرون بها، قاله مجاهد (٩) (١٠).\n_________\n(١) في نسخة (ب): (كان).\n(٢) لم أجده عن الحسن، وهو مروي عن غيره كذلك.\n(٣) هكذا في (أ) وفي (ب) و(جـ) أجالها.\n(٤) المبرد هو: محمد بن يزيد بن عبدالأكبر الثمالي، يكنى بأبي العباس، أحد أئمة العربية، صاحب مصنفات منها: الكامل والمقتضب، توفي سنة (٢٨٥ هـ).\nانظر: «إنباه الرواة» ٣/ ٢٤١، و«الأعلام» ٧/ ١١٤.\n(٥) في (ب): ألزمهم.\n(٦) نقله الماوردي في «النكت والعيون» ٢/ ١٢.\n(٧) كلمتي (الجزور واحدها) من (أ) فقط، ولم ترد في (ب)، أما (جـ) ففيها بياض أذهب الكلام.\n(٨) تقدم في تفسير الآية (٢١٩) من سورة البقرة وهي قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ الآية.\n(٩) أخرجه الطبري ٨/ ٧٤، وزاد السيوطي نسبته في «الدر المنثور» ٥/ ١٧٨ إلى عبد بن حميد في تفسيره.\n(١٠) مجاهد بن جبر، الإمام، شيخ القراء والمفسرين، أبو الحجاج المكي، روى عن ابن عباس، فأكثر عنه الرواية، وأخذ عنه القرآن والتفسير والفقه، قال: عرضت القرآن ثلاث عرضات على ابن عباس، أقفه عند كل آية أسأله فيمَ نزلت وكيف كانت. مات مجاهد وهو ساجد سنة إحدى - أو اثنتين أو ثلاث أو أربع - ومائة.\nانظر: «سير أعلام النبلاء» ٤/ ٤٤٩ - ٤٥٧، و«تقريب التهذيب» (ص ٥٢٠).","vol":"1","page":122},{"text":"الرابع: قال سفيان بن وكيع (١): الأزلام: الشطرنج (٢).\nسعيد بن جبير (٣): الأزلام: حصيات كانوا يستقسمون بها (٤).\nوالأول هو الذي عليه الجمهور.\n﴿ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ الإشارة إلى الاستقسام، ويحتمل أن يعود إلى الكل.\n﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ابن عباس ﵄: هو يوم فتح مكة (٥).\nمقاتل ابن حيان (٦): يوم عرفة (٧).\nوقيل: اليوم عبارة عن الوقت.\nومعني ﴿يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾ أي (٨): من إبطال دينكم، وقيل: من رجوعكم عن دينكم.\n﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ﴾ أن يظهروا عليكم، ﴿وَاخْشَوْنِ﴾ في مخالفة أمري.\n﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ في سبب النزول أنها نزلت يوم الجمعة وكان يوم عرفة بعد العصر في حجة الوداع سنة عشر والنبي ﵊ واقف بعرفات على ناقته العضباء (٩).\n_________\n(١) سفيان بن وكيع بن الجرَّاح، أبو محمد الرؤاسي، من شيوخ ابن جرير الطبري. توفي سنة (٢٤٧ هـ).\nانظر: «تهذيب التهذيب» ٢/ ٦٢.\n(٢) أخرجه عنه الطبري ٨/ ٧٣.\n(٣) سعيد بن جبير الأسدي مولاهم الكوفي، المقرئ الفقيه، أحد الأعلام، سمع ابن عباس وقرأ عليه، وكان من سادات التابعين، علمًا، وفضلًا، وصدقًا، وعبادة، قتله الحجاج بن يوسف سنة خمس وتسعين.\nانظر: «سير أعلام النبلاء» ٤/ ٣٢١ - ٣٤٣، و«تقريب التهذيب» (ص ٢٣٤).\n(٤) أخرجه الطبري ٨/ ٧٣.\n(٥) لم أجده عن ابن عباس، ووجدته عن الضحاك عند القرطبي ٦/ ٦٠، وهو قول مذكور في كتب التفسير.\n(٦) مقاتل بن حيان، أبو بسطام النَّبطي البلخي، المحدث العالم الثقة، كان صاحب سنة، هرب من خراسان إلى كابل وأسلم على يده خلقٌ من أهلها، توفي سنة (١٥٠ هـ).\nانظر: «تقريب التهذيب» (ص ٥٤٤)، و«طبقات المفسرين» ٢/ ٣٢٩.\n(٧) في نسخة (ب) (هو يوم عرفة).\n(٨) قوله: (أي) سقط من نسخة (ب).\n(٩) هذا الكلام ورد عند الواحدي في «أسباب النزول» (ص ١٩٠) وسيأتي دليله من البخاري.","vol":"1","page":123},{"text":"وروى البخاري (١) أن رجلًا من اليهود (٢) جاء إلى عمر ﵁ (٣)\nوقال: يا أمير المؤمنين: إنكم لتقرؤون آية في كتابكم لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا، قال: وأي آية هي، قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ فقال عمر ﵁: والله إني لأعلم اليوم الذي نزلت على رسول الله -ﷺ- والساعة التي نزلت هي عشية عرفة في يوم جمعة (٤).\nوروي (٥) مثل هذا عن ابن عباس (٦).\nومعني ﴿أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ أي: بالبيان والشرائع والفرائض حتى لا يزاد فيه بعد اليوم.\nوروي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: لم ينزل بعد هذه الآية حلال ولا حرام، وعاش النبي -ﷺ- بعدها أحدًا وثمانين يومًا (٧).\nوقيل: ﴿أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾: حَجَّكم، فحججتم وليس معكم مشرك؛ لأنهم منعوا عنه بما في سورة براء ة.\n﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ بالإسلام وقيل تُخافون ولا تَخافون.\nالحسن: ﴿نِعْمَتِي﴾: الجنة (٨).\n﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ ما استقر عليه الشرع، ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ﴾\n_________\n(١) هو أمير المؤمنين في الحديث وصاحب الصحيح: محمد بن إسماعيل البخاري، رأسٌ في الفقه والحديث مع الورع والتأله ومتين الديانة، مات ليلة الفطر سنة (٢٥٦ هـ).\nانظر: «سير أعلام النبلاء» ١٢/ ٣٩١، و«الكاشف» للذهبي ٢/ ١٥٦.\n(٢) قوله: (من اليهود) سقط من نسخة (ب).\n(٣) أمير المؤمنين، عمر بن الخطاب بن نُفيل القرشي العدوي، أبو حفص الفاروق، ثاني الخلفاء الراشدين، قال عبدالله بن مسعود: ما عبدنا الله جهرةً حتى أسلم عمر، استشهد في ذي الحجة سنة (٢٣ هـ).\nانظر: «الإصابة» ٤/ ٥٨٨، و«تقريب التهذيب» (ص ٤١٢).\n(٤) أخرجه البخاري (٤٦٠٦)، ومسلم (٣٠١٧)، والواحدي في «أسباب النزول» (ص ١٩٠).\n(٥) من قوله (وروي) إلى قوله: (بعد اليوم) سقط من نسخة (جـ).\n(٦) أخرجه الترمذي (٣٠٤٤)، والواحدي في «أسباب النزول» (ص ١٩٠).\n(٧) انظر: «الكشف» ٤/ ١٦، و«النكت» ٢/ ١٢، و«معالم التنزيل» ١/ ٦٣٧، و«زاد المسير» ٢/ ٢٨٧.\nفائدة: قال ابن يعيش في «شرح المفصل» ٤/ ٤: «وقد استعملوا أحدًا بمعنى واحد».\n(٨) لم أجده عن الحسن، وهو مروي عن ابن عباس.\nانظر: «البسيط» للواحدي (ص ٥٣٢)، و«لباب التأويل» ١/ ٤٢٩، و«فتح البيان» ٣/ ٣٤٣.","vol":"1","page":124},{"text":"أحوج وألجئ في مجاعة، مشتقّة من: خماص البطن، فَأَكَل ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ﴾ مائل له، بأن يأكلها تلذذًا مجاوزًا حد الشبع، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ أي لمن أكل ﴿رَحِيمٌ﴾ حيث رخص، ويحتمل ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣)﴾ فليأكل منها.\n﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ﴾ في سبب النزول: أن النبي -ﷺ- أَمَر بقتل الكلاب، فجاء ناسٌ إلى رسول الله -ﷺ- فقالوا: ما هذه الأمة التي تقتلها (١)؟ فسكت، فأنزل الله هذه الآية، فأُذِنَ في اقتناء الكلاب التي ينتفع بها، ونهي عن إمساك ما لا نفع فيه منها (٢).\nوعن سعيد بن جبير: أنها نزلت في سؤال عدي بن حاتم وزيد الخيل (٣) حين جاءا إلى رسول الله -ﷺ- فقالا: إنا قوم نصيد (٤) بالكلاب فمنه ما ندرك ذكاته، ومنه ما لا ندرك ذكاته، وقد حرم الله الميتة، فماذا يحل لنا منه؟ فأنزل الله هذه الآية (٥).\n﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ الحلال، وقيل: المأذون في أكله، وقيل: المستلذ، لأن التي حرمت غير مستلذة، وقيل: الطيبات: ما لم يجر ذكره في المحرمات.\n﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ﴾ أي: وصيد ما علّمتم، أي: علمتموه الصيد (٦)، ﴿مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ الكواسب للصيد على أهلها، وهي الكلاب والفهود والبزا ة والصقور وغيرها،\n_________\n(١) يعني: ماذا يَحِلُّ لنا منها، كما هو صريح في مصادر الرواية.\n(٢) أخرج الرواية التي ذكر فيها سبب النزول: الطبري ٨/ ١٠٠، والطبراني في «الكبير» (٩٧٢)، والحاكم ٢/ ٣١١، والبيهقي ٩/ ٢٣٥، والواحدي في «أسباب النزول» (ص ١٩١)، وزاد السيوطي نسبته في «الدر المنثور» ٥/ ١٩٠ إلى: الفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم. والحديث صححه الحاكم ووافقه الذهبي.\n(٣) هو الذي غيَّر النبي -ﷺ- اسمه إلى: زيد الخير.\nانظر: «الإصابة» ٢/ ٦٢٢، أما عدي بن حاتم، فهو الجواد ابن الجواد، توفي سنة (٦٨ هـ).\nانظر: «الكاشف» للذهبي ٢/ ١٥.\n(٤) في نسخة (جـ): (نصيب).\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم كما نقله ابن كثير ٥/ ٦٠ - ٦١، ولم يعزه السيوطي لغيره.\n(٦) سقط من نسخة (ب) قوله: (ي وصيد ما علمتم، أي علمتموه الصيد).","vol":"1","page":125},{"text":"واحدها جارحة، والجرح: الكسب؛ من قوله: ﴿مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام: ٦٠].\nوروي عن محمد بن الحسن (١): الجوارح من الجراحة، وقال: إذا صاد ولم يجرحه ومات: لم يؤكل، لأنه لم يجرح بناب ولا مخلب (٢).\n﴿مُكَلِّبِينَ﴾ معلمين إياه الصيد، والمُكلِّبُ: الذي يُعلِّم الصيد ويؤدب (٣)، وقيل: مُضَرِّين من التضرية (٤)؛ فيكون أعم من الأول.\nوذهب ابن عمر والضحاك (٥) إلى أنه لا يحل إلا أكل صيد الكلاب وحدها، والجمهور على القول الأول (٦).\n﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ العليم الذي بَيَّنَ حكمها لكم.\nوللتعليم حَدٌّ عند بعضهم: وهو أنه إذا أُرْسِلَ تَبِعَ الصيد، وإذا أَخَذَ أمسكَ\n_________\n(١) محمد بن الحسن بن فرقد الشيباني بالولاء، الحنفي، من تلاميذ الإمام أبي حنيفة، وتتلمذ عليه الشافعي وأبو عبيد، وكان من الأذكياء الفصحاء وأحد أعلام المذهب الحنفي، وتوفي سنة (١٨٩ هـ).\nانظر: «سير أعلام النبلاء» ٩/ ١٣٤، و«الموسوعة الميسرة» ٣/ ٢٠٢٥.\n(٢) انظر: «أحكام القرآن» للجصاص ٢/ ٣١٣، و«بدائع الصنائع» ٥/ ٤٤.\n(٣) في نسخة (ب): (للصيد ويؤدبه).\n(٤) قال في «لسان العرب» (ضرا): (وكلبٌ ضارٍ بالصيد، وقد ضَرِيَ ضرًا وضِرَاءً وضَراءً - الأخيرة عن أبي زيد - إذا اعتاد الصيد ... يقال: ضَرِيَ الكلب وأَضْراهُ صاحبه، أي: عَوَّده وأغراه به+.\n(٥) الضحاك بن مزاحم البلخي الخراساني الهلالي، أبو محمد، وأبو القاسم، أخذ عن ابن عباس وأبي سعيد وابن عمر وغيرهم، وقيل لم يلق ابن عباس، كانت له اليد الطولى في التفسير، وكان سفيان الثوري يقول: خذوا التفسير من أربعة: سعيد بن جبير، ومجاهد، وعكرمة، والضحاك، وتوفي سنة (١٠٢ هـ وقيل ١٠٥ هـ، وقيل ١٠٦ هـ).\nانظر: «تقريب التهذيب» (ص ٢٨٠)، و«الموسوعة الميسرة» ٢/ ١٠٦٩.\n(٦) انظر: «تفسير الطبري» ٨/ ١٠٥، و«أحكام القرآن» للجصاص ٢/ ٣١٣ - ٣١٤، و«الجامع» للقرطبي ٦/ ٦٧، و«تفسير آيات الأحكام في سورة المائدة» لفضيلة الدكتور: سليمان اللاحم (ص ١٠٢ - ١٠٤).","vol":"1","page":126},{"text":"على صاحبه، وإذا دُعي استجاب، وعند بعضهم: ليس في تعليمه شيء يحد، والحسنُ لا يجوّزُ أن يؤكل ما صاده كلاب المجوس (١).\n﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ لا لأنفسهن وإنما يعرف ذلك بالأكل.\nوعند أبي حنيفة (٢) ﵁: لا يؤكل إذا أكل منه الكلب، ويؤكل إذا أكل منه البازي، حيث لا يمكن تعليمه وضربه عند الأكل.\nوعند الشافعي (٣) ﵀: لا يؤكل إن أكلا.\nمالك (٤) والأوزاعي (٥) رحمهما الله: يؤكل منه وإن أكلا (٦).\n﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ على الإرسال، وفيه تقديم (٧)، وقيل: يريد التسمية عند\n_________\n(١) يعني إذا أرسله المسلم، والمنقول عن الحسن الكراهة.\nانظر: «المصنف» لابن أبي شيبة (١٩٦١٧)، و«المغني» لابن قدامة ١٣/ ٢٧٢، و«الجامع لأحكام القرآن» للقرطبي ٦/ ٧٢، فيحتمل أن المصنف يرى أنها كراهة تحريم.\n(٢) هو النعمان بن ثابت بن زُوطى التيمي مولاهم الكوفي، الإمام المشهور، والفقيه العابد الورع، وصاحب مذهب له أتباعه بين المسلمين، توفي سنة (١٥٠ هـ).\nانظر: «سير أعلام النبلاء» ٦/ ٣٩٠، و«بديعة البيان» (ص ٣٦).\n(٣) هو محمد بن إدريس القرشي المطلبي الشافعي المكي، الإمام المجتهد، أحد أئمة المذاهب الأربعة المشهورة بين المسلمين، وله فضائل كثيرة، توفي سنة (٢٠٤ هـ).\nانظر: «سير أعلام النبلاء» ١٠/ ٥، و«بديعة البيان» (ص ٦٤).\n(٤) هو مالك بن أنس بن مالك الحميري الأصبحي المدني، الحافظ المحدث الفقيه، إمام دار الهجرة، ومذهبه مشهور، وهو صاحب «الموطأ»، توفي سنة (١٧٩ هـ).\nانظر: «سير أعلام النبلاء» ٨/ ٤٨، و«بديعة البيان» (ص ٤٥).\n(٥) هو أبو عمرو: عبدالرحمن بن عمرو بن يُحْمِد الأوزاعي الدمشقي، إمام أهل الشام، الحافظ الفقيه الزاهد، كان رأسًا في العلم والعبادة، توفي سنة (١٥٧ هـ).\nانظر: «الكاشف» ١/ ٦٣٨، و«بديعة البيان» (ص ٣٨).\n(٦) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» للجصاص ٣/ ٢٠١، و«المغني» لابن قدامة ١٣/ ٢٦٣ - ٢٦٤.\n(٧) في (جـ): (تقديم وتأخير).","vol":"1","page":127},{"text":"الأكل، وقول الحسن في المجوس من هذا (١).\n﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ في أكل الميتة.\nسعيد بن جبير: واتقوا ولا تأكلوا ما لم يذكر اسم الله عليه (٢).\n﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٤)﴾ يعطي ما لك ويأخذ ما عليك.\nويحتمل أن ما (٣) في (ما علمتم) للشرط ﴿فَكُلُوا﴾ جزاؤه، والكلام تم على الطيبات، ويحتمل أيضا أنه الموصول ﴿فَكُلُوا﴾ خبره.\n﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ الحلالات واللذيذات كما سبق.\n﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾.\nابن عباس والحسن في جماعة: ذبائح اليهود والنصارى (٤).\nوقيل: أراد به كل طعام، فتفيد الآية تناول طعامهم (٥)، والأول أظهر؛ لأن سائر الطعام كالخبز والجبن (٦) والدهن لا يختلف حكمه بأن يتولاه مجوسي أو كتابي أو مسلم بإجماع.\n﴿وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾.\n_________\n(١) سقط من (ب) قوله: (وقول الحسن في المجوس من هذا).\n(٢) انظر: «زاد المسير» ٢/ ٢٩٤.\n(٣) سقطت (ما) من (ب).\n(٤) أخرجه الطبري ٨/ ١٣٦ - ١٣٧ عن ابن عباس والحسن وقتادة وغيرهم، وزاد السيوطي في «الدر المنثور» نسبة أثر ابن عباس إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس ٥/ ١٩٧.\n(٥) في (ب): (كلامهم).\n(٦) سقطت كلمة (والجبن) من (ب).","vol":"1","page":128},{"text":"ابن عباس وسعيد بن جبير: ذبائح المسلمين حلّ لهم (١).\nوقيل: وطعامكم حلٌّ لهم أن تطعموهم وتتصدقوا عليهم.\n﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ سبق ذكرها (٢).\n﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾.\nالحسن والشعبي (٣) والسدي (٤): العفائف الكتابيات (٥).\nمجاهد: الحرائر الكتابيات (٦).\n﴿إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ أي: إذا التزمتم مهورهن.\n﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ أي: بالنكاح لا بالزنا جهرًا وسرًا.\n﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ﴾.\n_________\n(١) سقطت (لهم) من (أ)، ولم أعثر على من أخرج هذا القول عن ابن عباس وسعيد بن جبير.\n(٢) سبق من المصنف الكلام على معنى: (المحصنات) في سورة النساء، الآية: ٢٤.\n(٣) هو: عامر بن شراحيل الشعبي، أبو عمرو، ثقة مشهور وفقيه فاضل من أعلام التابعين، توفي سنة (١٠٣ هـ) وقيل (١٠٤ هـ) وهو المشهور.\nترجمته في: «سير أعلام النبلاء» ٤/ ٢٩٤، و«تقريب التهذيب» (ص ٢٨٧).\n(٤) هو: إسماعيل بن عبدالرحمن بن أبي كريمة الهاشمي السُّدِّي، الكبير، أبو محمد الكوفي، روى عن جماعة من الصحابة، وهو من أعلام المفسرين في عصر التابعين، وتوفي سنة (١٢٧ هـ).\nانظر ترجمته في: «طبقات المفسرين» ١/ ١٠٩، و«تقريب التهذيب» (ص ١٠٨).\n(٥) أما قول الحسن فأخرجه الطبري ٨/ ١٤٩، وابن أبي حاتم (٥١٢٩).\nوأما قول الشعبي فأخرجه عبدالرزاق في «المصنف» (١٠٠٦٦، ١٢٦٩٥)، وابن أبي شيبة في «المصنف» كذلك ٤/ ٢٣ (١٧٤٠٦)، وابن جرير ٨/ ١٤٣.\nوأما قول السدّي فأخرجه ابن جرير ٨/ ١٤٣.\n(٦) هو في تفسير آدم عن مجاهد (ص ٢٧٢)، وأخرجه كذلك ابن جرير ٨/ ١٣٩، والبيهقي في «السنن» ٧/ ١٧٤، وزاد السيوطي نسبته في «الدر المنثور» ٥/ ١٩٨ إلى عبد بن حميد.","vol":"1","page":129},{"text":"مجاهد: بالله (١).\nوغيره: أبى الإيمان وامتنع منه، ويحتمل أنه مصدرٌ وقع موقع المفعول (٢)، ويحتمل ينكر وجوبه وفرضه.\n﴿فَقَدْ حَبِطَ﴾ بَطَلَ ﴿عَمَلُهُ﴾ (٣).\nابن بحر (٤): هو مستعار من قولهم: حبط بطنه.\n﴿وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٥)﴾.\nالحسن: كل خسران في القرآن فهو خسران النفس والجنة (٥).\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ أي: أردتم القيام كقوله: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل: ٩٨]، وقيل: أردتم الطهور فذكر بلفظ الصلاة لأن القصد به إليها، وفي الآية إضمار تقديره: إلى الصلاة محدثين، وهذا إجماع؛ إلا ما روي عن عمر وعلي ﵄: أنهما كانا يتوضآن لكل صلاة، وذلك محمول على الندب والاستحباب (٦).\n_________\n(١) أخرجه الطبري ٨/ ١٥٠ - ١٥١، وزاد السوطي نسبته في «الدر المثنور» ٥/ ٢٠٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(٢) قال السمين في «الدر المصون» ٤/ ٢٠٦: (قيل: المراد بالإيمان المؤمَنُ به، فهو مصدرٌ واقعٌ موقع المفعول كـ «درهم ضَربُ الأمير»).\n(٣) في نسخة (ب): أورد الآية دون قوله: (بطل).\n(٤) هو أبو مسلم محمد بن بحر الأصفهاني، من وجوه المعتزلة، وله تفسير على طريقتهم اسمه «جامع التأويل لمحكم التنزيل» وتوفي سنة (٣٢٢ هـ).\nانظر ترجمته في: «طبقات المفسرين» ٢/ ١٠٦، و«الموسوعة الميسرة» ٢/ ١٩٨٥.\n(٥) قال الراغب في «المفردات» (ص ٢٨٢): (كل خسران ذكره الله تعالى في القرآن فهو على هذا المعنى الأخير) يعني: خسران الميزان يوم القيامة وخفته.\n(٦) أما أثر عمر ﵁ فقد أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (٣٠٣) والطبري ٨/ ١٥٨، وأما أثر علي ﵁ فقد أخرجه أبو عبيد في كتاب «الطهور» (٤٤) والطبري ٨/ ١٥٧.","vol":"1","page":130},{"text":"وروي عن ابن عباس في جماعة (١): أي: قمتم من النوم؛ يريد من نوم يوجب الوضوء، وقيل: قمتم من الطعام؛ وهذا على زعم من يوجب الوضوء مما مسته النار، وذلك قول لا يعتد به (٢).\n﴿فَاغْسِلُوا﴾ الفاء: جواب الشرط، وقد اتصل بالغسل والمسح معًا؛ لأن الواو لا تدل على الترتيب بإجماع من أهل اللغة (٣).\nوالغسل: إمرار الماء على العضو، والدلك ليس بفرض، خلافًا لمالك.\nولا يقتصر على مسح بالماء كالدَّهن، خلافًا لأبي يوسف ﵀ (٤).\n﴿وُجُوهَكُمْ﴾ جمع وجه، وهو: ما واجهت به غيرك من قصاص الشعر إلى الذقن طولًا، ومن شحمة الأذن إلى الشحمة عرضًا، ويمسح على ظاهر اللحية. والمضمضة والاستنشاق والتخليل سنة؛ لأنها لا يقع عليها اسم المواجهة، وكذا التكرار سنة. ولا يجب إيصال الماء إلى داخل العينين، خلافًا لابن عمر ﵄ (٥).\n_________\n(١) لم أجده عن ابن عباس بهذا التأويل، والمشهور عنه: إذا قمتم إلى الصلاة محدثين، وهو يشمل النوم، أما الذين ورد عنهم تخصيص النوم فقد ذكرهم الطبري ٨/ ١٥٦ وهم: زيد بن أسلم والسدّي.\n(٢) في (أ): (وهذا قول ...). قال الإمام البغوي في «شرح السنة» ١/ ٣٤٧: (أكل ما مسته النار لا يوجب الوضوء، وهو قول الخلفاء الراشدين، وأكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين فمن بعدهم، وذهب بعضهم إلى إيجاب الوضوء منه).\n(٣) قال ابن هشام في «مغني اللبيب» ٤/ ٣٥٤ في باب الواو المفردة: (وقول السيرافي: إن النحويين واللغويين أجمعوا على أنها لا تفيد الترتيب مردودٌ، بل قال بإفادتها إياه: قطرب والرَّبَعي والفراء وثعلب وأبو عمر الزاهد وهشام والشافعي).\n(٤) انظر: «أحكام القرآن» ٢/ ٣٣٢ للجصاص، و«الجامع» للقرطبي ٦/ ٨٣. وأبو يوسف هو: يعقوب ابن إبراهيم الأنصاري الكوفي القاضي، فقيه العراقيين، وصاحب أبي حنيفة، توفي سنة (١٨٢ هـ).\nانظر: «بديعة البيان» (ص ٤٩).\n(٥) أخرجه ابن أبي شيبة (١٠٧٢) عن ابن عمر ﵄ ولفظه: كان إذا اغتسل من الجنابة أدخل= =الماء في عينيه.\nوقال الجصاص في «أحكام القرآن» ٢/ ٣٣٩: (وقد كان ابن عمر متقصيًا في أمر الطهارة، كان يدخل الماء عينيه، ويتوضأ لكل صلاة، وكان ذلك منه استحبابًا لا إيجابًا).","vol":"1","page":131},{"text":"﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ اليد عبارة: من (١) الأنملة إلى المنكب، فدخل المرفق في الغسل لهذا، وصار ﴿إِلَى﴾ (٢) لإخراج ما وراء المرفق عن الغسل، خلافًا لزفر ﵀ (٣).\nوما ذهب إليه بعضهم من أن ﴿إِلَى﴾ هاهنا بمعنى (مع): فضعيفٌ؛ لأنه إذا جعل بمعنى (مع) لم يبق فيه معني التحديد، فيجب غسل المرفق مع العضد لأن مطلق اليد يشتمل عليها كلها (٤).\n_________\n(١) في نسخة (ب): (عن).\n(٢) سقطت (إلى) من نسخة (ب).\n(٣) قال الألوسي في «روح المعاني» ٦/ ٧١: (ذكر بعض المحققين أن (إلى) جاءت وما بعدها داخل في الحكم فيما قبلها، وجاءت وما بعدها غير داخل، فمنهم من حكم بالاشتراك، ومنهم من حكم بظهور الدخول، ومنهم من حكم بظهور انتفاء الدخول، وعليه النحويون، ودخول المرافق ثابتٌ بالسنة، فقد صح عنه -ﷺ- أنه أدار الماء عليها. ونقل أصحابنا حكاية عدم دخولها عن زفر).\nوكان زفر ﵀ يقول: إن المرافق غير داخلة في الوضوء.\nانظر: «أحكام القرآن» للجصاص ٢/ ٣٤١، و«الاختيار لتعليل المختار» ١/ ١١ للموصلي.\nوزفر هو ابن الهذيل العنبري المصري، أخذ عن أبي حنيفة، وسمع من سفيان الثوري وغيره، وروى عنه محمد بن الحسن وأبو نعيم الفضل بن دكين، وهو ثقة مأمون، توفي سنة (١٥٨ هـ).\nانظر: «الإيثار بمعرفة رواة الآثار» لابن حجر العسقلاني (ص ١٩).\n(٤) قال القرطبي في «الجامع لأحكام القرآن» ٦/ ٨٦: (قد قال بعضهم إنَّ (إلى) بمعنى: مع، كقولهم: الذود إلى الذود إبل، أي مع الذود، وهذا لا يحتاج إليه كما بيَّناه في النساء، ولأن اليد عند العرب تقع على أطراف الأصابع إلى الكتف، وكذلك الرجل تقع على الأصابع إلى أصل الفخذ، فالمرفق داخل تحت اسم اليد، فلو كان المعنى مع المرافق لم يفد، فلما قال (إلى) اقتطع من حدّ المرافق عن الغسل، وبقيت المرافق مغسولة إلى الظفر، وهذا كلام صحيح يجري على الأصول لغة ومعنى).","vol":"1","page":132},{"text":"﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ المسح: مباشرة الرأس بالماء (١) من غير إمرار (٢).\nوالمفروض: قدر الربع، ولا يستوعب الرأس، خلافًا لمالك، ولا يقتصر على ما دونه، خلافًا للشافعي ﵀.\nولا تكرار في المسح.\nوالأذنان من الرأس.\nولا يمسح على العمامة، خلافًا للأوزاعي والثوري (٣).\n﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ النصب عطف على (أيديكم) ويحتمل العطف على محل ﴿بِرُءُوسِكُمْ﴾، والخفض عطف على ﴿بِرُءُوسِكُمْ﴾ ويحتمل الجوار، فصار من المجمل الذي بيانه إلى النبي -ﷺ-، وقد بين بقوله: (ويل للعراقيب من النار) (٤)، إذ لو كان ممسوحًا لم ينله الوعيد، وتحديده بالكعبين يرجح جانب الغسل (٥).\n_________\n(١) سقطت كلمة: (بالماء) من نسخة (ب).\n(٢) لعله يعني: من غير إمرار الماء على الرأس بل يكفي البلل الذي في اليد ثم يمسح الرأس دون جريان الماء وإمراره على الرأس.\n(٣) انظر فيما سبق: «مختصر اختلاف العلماء» للجصاص ١/ ١٣٦، و«المغني» لابن قدامة ١/ ١٧٥ - ١٨٤.\nوالثوري هو: سفيان بن سعيد الثوري، أحد الأئمة الأعلام الزهاد، بل سيد أهل زمانه علمًا وعملًا، قال ابن المبارك: ما كتبت عن أفضل منه، وتوفي سنة (١٦١ هـ).\nانظر: «الكاشف» ١/ ٤٩٩، و«بديعة البيان» (ص ٣٩).\n(٤) أخرجه البخاري (٦٠ - ٩٦ - ١٦٣)، ومسلم (٢٤١ - ٢٤٢) بلفظ: الأعقاب إلا في رواية عند مسلم فقد جاءت بلفظ: العراقيب، والحديث ورد عن جماعة من الصحابة منهم ابن عمرو وأبو هريرة رضي الله تعالى عنهم أجمعين.\n(٥) «مشكل إعراب القرآن» لمكي ١/ ٢١٩ - ٢٢٠، و«التبيان» للعكبري ١/ ٤٢٢، و«الدر المصون» للسمين ٤/ ٢١٠ - ٢١٦، وقال في «النشر» ٢/ ٢٥٤: (قرأ نافع وابن عامر والكسائي ويعقوب وحفص بنصب اللام، وقرأ الباقون بالخفض).","vol":"1","page":133},{"text":"والكعبان داخلان في الغسل، كالمرفقين، وهما: العظمان الناتئان عن جانبي الساق، خلافًا لمحمد ﵀، فإنه ذهب إلى أنه الناتئ فوق القدم حيث يقع عليه الشراك (١).\nفهذه الأربعة هي المفروضة في الوضوء.\n﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ أي: فاغتسلوا.\nوالاغتسال: غسل ما يمكن من البدن، فيدخل فيه المضمضة والاستنشاق.\n﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ سبق تفسيره وذكر سبب (٢) نزول آية التيمم في سورة النساء (٣).\n﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ ضيق، فرخص في التيمم.\n﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ عن الأحداث والجنابة.\nوقيل: معناه (٤) لم يفرض عليكم الطهارة ليضيق عليكم، ولكن يريد ليطهركم عن الذنوب؛ فإن الوضوء تكفير لما قبله.\n﴿وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ في الدين والإسلام.\n﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٦)﴾ لكي تشكروا نعمتي (٥).\nوالآية مشتملة (٦) على سبعة فصول كلها مثنى: طهارتين: الوضوء والغسل،\n_________\n(١) قال ابن قدامة في «المغني» ١/ ١٨٩: (حُكِيَ عن محمد بن الحسن أنه قال: هُما في مُشْطِ القدم، وهو مَعْقِدُ الشِّرَاكِ من الرجل).\n(٢) (سبب) سقطت من (جـ).\n(٣) سبق عند آية (٤٣) من سورة النساء.\n(٤) كلمة (معناه) سقطت من نسخة (ب).\n(٥) في (أ): (نعمتي عليكم).\n(٦) كلمة (مشتملة) سقطت من (ب).","vol":"1","page":134},{"text":"ومطهرين: الماء والتراب، وحكمين: الغسل والمسح، وموجبين: الحدث والجنابة، ومبيحين: المرض والسفر، وكنايتين: الغائط والملامسة، وكرامتين: تطهير الذنوب وإتمام النعمة، والحمد لله على نعمه (١).\n﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ بالإسلام وسائر نعمه، وقيل: أكثروا تعدادها، وقيل: اشكروا.\n﴿وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ﴾ أي: العهد الذي عاهدتموه.\nمجاهد: هو من قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ (٢) [الأعراف: ١٧٢].\nابن عباس: هو متابعة النبي ﵊ فيما يأمر وينهى (٣).\nوقيل: هو الإيمان يوم بيعة الرضوان.\nابن بحر: ذلك مفسر في الآية، وهو قوله: ﴿إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ أي: سمعنا أوامرك ونواهيك وأطعنا بالانقياد والإذعان.\n﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ في ميثاقه ونقضه.\n﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٧)﴾ بخفيات القلوب، وقيل: بحقيقة ما في الصدور، وذات الشيء نفسه وحقيقته.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ﴾ أي: قائمين بما يلزمكم القيام به.\n﴿شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾ الحسن: الشهادة بحقوق الناس (٤).\nالزجاج: الشهادة لأمر الله أنه حق (٥).\nوالقسط: العدل.\n_________\n(١) هذا مذكور عند البيضاوي وأبي السعود وصديق حسن خان رحم الله الجميع.\n(٢) تفسير مجاهد (ص ٣٠٢) وأخرجه كذلك الطبري ٨/ ٢٢٠، وعزاه السيوطي في «الدر المنثور» ٥/ ٢١٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(٣) أخرجه الطبري ٨/ ٢٢٠، والطبراني في «المعجم الكبير» (١٣٠٣١).\n(٤) نقله الجصاص ٢/ ٣٩٦، والماوردي ٢/ ١٩ عن الحسن.\n(٥) قال الزجاج في «معاني القرآن» ٢/ ١٥٥: (قوله ﷿: ﴿قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾ أي: بالعدل\n﴿شُهَدَاءَ﴾ أي: مبينين عن دين الله؛ لأن الشاهد يبين ما شهد عليه).","vol":"1","page":135},{"text":"﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ يحملنكم.\n﴿شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ إبغاض قوم وبغيض قوم.\n﴿عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ أي على الجور.\n﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ﴾ أي العدل أقرب.\n﴿لِلتَّقْوَى﴾ أي: هو التقوى، وقيل: أقرب لاتقاء النار.\n﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (٨)﴾.\nالحسن: هذا تكرار الآية الأولى. وقد سبق (١).\nغيره: نزلت في غيرهم، وروي عن عبد الله بن كثير أنه قال: نزلت في اليهود، ذهب رسول الله -ﷺ- يستعينهم في دية فهموا بقتله (٢).\nوقيل: هو عامّ، أي: لا يحملنكم بغض قوم على ترك العدل.\n﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٩)﴾ في مفعول وعد قولان، أحدهما: أنه محذوف ودل عليه لفظ: وعد، خلاف ما يدل عليه لفظ: أوعد، أي: خيرًا، وقيل: محذوف يفسره (٣) ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾.\nوالثاني: الجملة مفعولة واقعة موقع المفرد، كقول الشاعر (٤):\nوَجَدنا الصالحين لهم جزاءٌ ... وجناتٍ وعينًا سلسبيلا.\nفعطف جنات وعينًا على محل (٥): لهم جزاء.\nوقيل: تقديره: وعد الله أن لهم مغفرة، فلما حذف (أن) ارتفع مغفرة بالابتداء.\nوقيل: ما بعده رفع على الحكاية؛ لأن الوعد قول، أي: قال الله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾. ثم أوعد الكافرين: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١٠)﴾ أي: لا يفارقونها كما لا يفارق الصاحب ماله.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ اختلف المفسرون في سبب نزول الآية:\nفذهب الحسن إلى أنها نزلت في الذين صدّوه عن الحج وهموا بالتعرض له وللمؤمنين، فألقى الله في قلوبهم الرعب فكفوا عما هموا (٦).\n_________\n(١) قال الجصاص ٢/ ٣٩٦: (حمله الحسن على معنى الآية الأولى، والأولى أن تكون نزلت في غيرهم وأن لا تكون تكرارًا).\n(٢) ذكرها الطبري ٨/ ٢٢٣، وعبدالله بن كثير هو أبو معبد القارئ، المكي، روى عن أبي الزبير ومجاهد وعنه ابن أبي نجيح وابن جريج وجماعة، وكان ثقة، توفي سنة (١٢٠ هـ). «تهذيب التهذيب» ٢/ ٤٠٨.\n(٣) هكذا في (أ): يفسره، وفي (ب) و(جـ): تفسيره.\n(٤) هو: عبدالعزيز بن زرارة الكلابي، توفي في عهد معاوية، والبيت من شواهد «الكتاب» لسيبويه ١/ ٢٨٨، و«المقتضب» للمبرد ٣/ ٢٨٤.\n(٥) في (ب): (محل قوله).\n(٦) نقله الماوردي ٢/ ١٩ عن الحسن بنحوه.","vol":"1","page":136},{"text":"وقال الواقدي (١): بلغ رسول الله -ﷺ- أن دعثور بن الحارث جمع جمعًا من بنى ثعلبة ومحارب لينالوا من الأطراف شيئًا، فخرج النبي -ﷺ- إليهم، فلما علموا به هربوا إلى الجبال والنبي -ﷺ- يراهم فلا يقفوا أثرهم، وأصاب النبي -ﷺ- والمؤمنين مطر، فخلا في موضع وألقى ثيابه على الشجر، فباغته دعثور ومعه سيفه، وقال للنبي -ﷺ-: من يمنعك منى؟ فقال: (الله) وألقى جبريل السيف من يده وأخذه رسول الله -ﷺ-، وقال لدعثور: (من يمنعك مني؟) قال: لا أحد، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسوله، ثم أتى قومه وجعل يدعوهم إلى الإسلام (٢).\nوعن جابر (٣) أن رجلًا جاء إلى رسول الله -ﷺ- وسيفه في حجره، فقال: يا محمد: أَنْظُرُ إلى سيفك هذا. قال: (نعم) فأخذه فاستله، ثم جعل يهزه ويهم به، فكبته الله، ثم قال: يا محمد: أتخافني؟ قال: (لا). قال: أما تخافني وفي يدي السيف؟ قال: (يمنعني الله منك). ثم غمد السيف ورده إلى رسول الله -ﷺ- (٤).\nوقال مجاهد والكلبي (٥) وعكرمة (٦): قَتَلَ رجلان من أصحاب رسول الله -ﷺ-\n_________\n(١) محمد بن عمر بن واقد الأسلمي الواقدي المدني، قاضي العراق، متروك الحديث، مع سعة علمه، وقال الذهبي عنه: (وإن كان لا نزاع في ضعفه، فهو صادق اللسان كبير القدر)، وتوفي سنة (٢٠٧ هـ).\nانظر: «الكاشف» ٢/ ٢٠٥ - ٢٠٦، و«تهذيب التهذيب» ٣/ ٦٥٦.\n(٢) «المغازي» للواقدي ١/ ١٩٤ - ١٩٥، وقد اختصر المصنف رواية الواقدي.\n(٣) جابر بن عبدالله بن عمرو بن حَرام الأنصاري، صحابي ابن صحابي، توفي بالمدينة بعد السبعين. «تقريب التهذيب» (ص ١٣٦).\n(٤) هذه رواية الواحدي في «أسباب النزول» (ص ١٩٢)، وقد أخرج البخاري في صحيحه (٤١٣٥ - ٤١٣٦) نحو هذه الرواية عن جابر ﵁، وفيها أن اسم الرجل هو: غورث بن الحارث، وليس فيها ذكرٌ لنزول الآية.\n(٥) محمد بن السائب الكلبي الكوفي، أبو النضر، المفسر الإخباري، كان رأسًا في الأنساب، إلا أنه شيعي متروك الحديث، وقال عنه ابن عدي: حدث عن الكلبي سفيان وشعبة وجماعة ورضوه في التفسير، وأما في الحديث فعنده مناكير. توفي سنة (١٤٦ هـ).\nانظر: «تقريب التهذيب» (ص ٤٧٩)، و«الموسوعة الميسرة» ٣/ ٢٠٩١.\n(٦) عكرمة: مولى ابن عباس، أصله بربري، ثقة ثبت عالم بالتفسير، توفي سنة (١٠٤ هـ).\nانظر: «تقريب التهذيب» (ص ٣٩٧)، و«الموسوعة الميسرة» ٢/ ١٥٣٥.","vol":"1","page":137},{"text":"رجلين من بني سُلَيم، وبين النبي -ﷺ- وبينهم (١) موادعة، فجاء قومهما يطلبون الدية، فأتى النبي -ﷺ- ومعه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي (٢) وطلحة وعبد الرحمن بن عوف، فدخلوا على كعب ابن الأشرف وبني النضير يستعينهم في عَقْلِهما، فقال: نعم يا أبا القاسم، قد آن لك أن تأتينا وتسألنا حاجة، اجلس حتى نطعمك ونعطيك التي سألتنا. فجلس هو وأصحابه، فخلا بعضهم ببعض وقالوا: إنكم لن تجدوا محمدًا أقرب إليكم منه (٣) الآن، فمن يظهر على هذا البيت فيطرح عليه صخرة ويريحنا منه؟ فقال عمرو بن جحاش بن كعب (٤): أنا. فجاء إلى رحًا عظيمة ليطرحها عليه، فأمسك الله يده، وجاء جبريل وأخبره بذلك، فخرج النبي -ﷺ-، وأنزل الله (٥) هذه الآية (٦).\nوإلى هذا ذهب الزجاج (٧). وسياق الآية يدل عليه، وهو قوله: ﴿إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ\n_________\n(١) كلمة (وبينهم) سقطت من (ب).\n(٢) قوله: (وعلي) سقط من (ب).\n(٣) في نسخة (ب): (أقرب منه إليكم).\n(٤) قوله: (بن كعب) سقط من (ب).\n(٥) سقط لفظ الجلالة من نسخة (أ).\n(٦) هذه أيضًا رواية الواحدي في «أسباب النزول» (ص ١٩٣)، وقد أخرج الطبري ٨/ ٢٢٨ رواية مجاهد، وزاد السيوطي ٥/ ٢٢٣ نسبتها إلى عبد بن حميد وابن المنذر، كما أخرج الطبري ٨/ ٢٣٠ رواية عكرمة وزاد السيوطي ٥/ ٢٢٥ نسبتها إلى ابن المنذر كذلك.\nأما رواية الكلبي فقد ذكرها الثعلبي في «الكشف» ٤/ ٣٥، والواحدي (ص ١٩٣).\n(٧) قد ذكر الزجاج نحوًا من هذه الرواية في سبب نزول الآية في «معاني القرآن» ٢/ ١٥٦.\nوالزجاج هو: إبراهيم بن السري وقيل ابن محمد بن سهل الزجاج، النحوي المشهور، أخذ عن المبرد وثعلب وغيرهما، وعنه: أبو القاسم الزجاجي وأبو علي الفارسي وغيرهم، وتوفي سنة (٣١١ هـ).\nانظر: «سير أعلام النبلاء» ١٤/ ٣٦٠، و«الموسوعة الميسرة» ١/ ٨٠.","vol":"1","page":138},{"text":"يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾ بالقتل والإهلاك (١).\n﴿فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ﴾ مضرتهم (٢) ﴿عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١)﴾ فإنه الكافي والدافع والمانع.\n﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ قيل: المراد بالبعث: الرسالة وكانوا أنبياء، وقيل: المراد به الإمارة والولاية والخلافة. والنقيب: الضامن؛ عن (٣) الحسن (٤).\nقتادة: الشهيد على قومه (٥).\nوقيل: الأمين والكفيل.\nالزجاج (٦): هذا الأصل معناه التأثير الذي له عمق ودخول، واستدل بالرجل النقاب، وهو: العالم، والنُّقْبَةُ من الجَرَبْ (٧)، والكلب النقيب: هو الذي نقب في حنجرته لينتقص صوته في نباحه.\nوسمي الرجل نقيبًا: لأنه يعلم دخيلة أمر القوم ويعلم مناقبهم.\nوأصحاب الجيوش خمسة: الأمراء ثم الأسفهسلارون (٨) ثم النقباء ثم العرفاء ثم المناكب.\n_________\n(١) هكذا في (ب) و(جـ)، وفي (أ): (الهلاك).\n(٢) ورد في (ب) زيادة: (مضرتهم حتى لا تجبنوا عن قتالهم عنكم) ولم ترد في (أ) و(جـ).\n(٣) سقطت (عن) من نسخة (ب).\n(٤) نقله الماوردي ٢/ ٢٠ وابن الجوزي ٢/ ٣١٠ عن الحسن بلفظ: الضمين.\n(٥) أخرجه ابن جرير ٨/ ٢٣٦، وزاد السيوطي نسبته في «الدر المنثور» ٥/ ٢٢٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(٦) انظر: «معاني القرآن» للزجاج ٢/ ١٥٧ - ١٥٩، والمصنف نقل معنى كلام الزجاج لا نصه.\n(٧) النُّقْبةُ: أوَّلُ بدء الجَرَبْ. انظر: «لسان العرب» ٦/ ٤٥١٣ (نقب).\n(٨) في (ب): الاسفسلارون، و(الأسْفَهْسلار: بسينين مهملتين بينهما فاء ثم هاء، من ألقاب أرباب السيوف ... ومعناه: مقدم العسكر، وهو مركب من لفظين: فارسي وتركي، فأسفه بالفارسية بمعنى المقدم، وسِلار بالتركية بمعنى العسكر). قاله القلقشندي في «صبح الأعشى» ٦/ ٧ - ٨.","vol":"1","page":139},{"text":"وجاء في القصص: أن الله تعالى وعد موسى ﵇ أن يورثه وقومه الأرض المقدسة وهي الشام، وكان يسكنها الكنعانيون والجبارون، ووعده أن يهلكهم ويجعل أرض الشام مساكن بني إسرائيل، فلما استقرت ببني إسرائيل الدار بمصر، أمرهم الله بالسير (١) إلى أريحا، وقال: يا موسى: إني كتبتها لكم دارًا وقرارًا، فاخرج إليها وجاهد من فيها من العدو فإني ناصركم عليهم (٢)، وخذ من قومك اثني عشر نقيبًا، من كل سبط (٣) واحدًا يكون كفيلًا على قومه بالوفاء بما أمروا به، فاختار موسى ﵊ النقباء، وبعثهم إليها يتحسسون الأخبار ويعلمون علمها (٤)، ثم توافقوا على أن لا يخبروا بني إسرائيل بما شاهدوه من شدة بأس القوم، وقيل: من عظم أجسامهم، لئلا يجبنوا عن قتالهم، وأخذ بعضهم على بعض الميثاق بذلك، فوفى اثنان بالعهد ونكث العشرة (٥) العهد، وجعل ينهى كل واحد سبطه عن قتالهم ويخبرهم بما رأى.\n_________\n(١) في نسخة (ب): (بالمسير).\n(٢) سقطت (عليهم) من (ب).\n(٣) في (أ): (من كل سبط نقيبًا واحدًا).\n(٤) انفردت نسخة (ب) بزيادة في هذا الموضع وهي: (فلقيهم رجل من الجبارين يقال له عاج، فأخذهم جميعًا في كمه وانطلق إلى امرأته فقال: انظري إلى هؤلاء الذين يريدون أن يقاتلونا، ألا أطحنهم برجلي؟ قالت: لا، حتى يخبروا قومهم، وكان الشطر من قشر الرمانة فيهم يدخل فيه خمسون من النقباء، وعنقود من العنب لا يطيق حملها جميعهم فتوافقوا أن يكتموا أمرهم من قومهم ثم توافقوا على أن لا يخبروا) ثم اتصل الكلام، ولعله من زيادات النساخ في الهوامش وألحقت بالأصل فتوارد النساخ على ذلك.\n(٥) انفردت (ب) بزيادة في هذا الموضع: (وهما يوشع بن نون وكالب بن يوفنا العهد ...) ثم اتصل الكلام. وظاهرٌ أن الناسخ أراد التعريف بالنقيبين اللذين لم ينكثا العهد، وهذا لعله من زيادات النساخ، وذلك لكون الكلام غير متوائم بوجود هذه الزيادة.","vol":"1","page":140},{"text":"والجمهور على هذا إلا الحسن (١) فإنه قال: جعل النبي -ﷺ- على الأنصار اثني عشر نقيبًا ليلة العقبة ليراعوا أمور الناس ويرفعوا أخبارهم وما يعرض لهم من الحوائج إلى النبي -ﷺ-. والأول أظهر.\n﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ﴾ أي قال لهم. الربيع (٢): خطاب للنقباء (٣). والجمهور على أنه خطاب لبني إسرائيل.\n﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ﴾ وكانتا فريضتين عليهم.\n﴿وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي﴾ يريد من مضى منهم ومن يبعثهم الله من غير تفريق بين أحد منهم.\n_________\n(١) كيف يقول الحسن هذا المعنى والآية صريحة في كونها في بني إسرائيل ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾.\nقال الماوردي: (وفيما بعث فيه هؤلاء النقباء قولان:\nأحدهما: أنهم بعثوا إلى الجبارين، ليقفواعلى أحوالهم ويرجعوا بذلك إلى موسى، فرجعوا عن قتالهم لما رأوا من شدة بأسهم وعظم خلقهم، إلا اثنين منهم، وهذا قول مجاهد والسدي.\nوالثاني: أنهم بعثوا لقومهم بما أخذ به ميثاقهم منه، وهذا قول الحسن).\nوبمثله قال ابن الجوزي في «زاد المسير» ٢/ ٣١٢ وعبارته: (والثاني: أنهم بعثوا ضمناء على قومهم بالوفاء بميثاقهم، قاله الحسن وابن إسحاق).\nفظهر بذلك أن الحسن أراد أن النقباء بعثوا لقومهم، ولعل المؤلف التبس عليه المعنى عند النقل عن كتاب «أحكام القرآن» للجصاص ٢/ ٣٩٧، فقد أورد الجصاص في تفسير الآية ما فعله النبي -ﷺ- ليلة العقبة من جعله على الأنصار اثني عشر نقيبًا، ولذلك قال المؤلف هنا بعد نقله قول الحسن والأول أظهر.\n(٢) هو الربيع بن أنس البكري، روى عن أنس بن مالك والحسن البصري وغيرهم، وعنه أبو جعفر الرازي والأعمش ومقاتل بن حيان وابن المبارك وغيرهم، توفي سنة (١٣٩ هـ) أو (١٤٠ هـ).\nانظر: «تهذيب التهذيب» لابن حجر ١/ ٥٨٩.\n(٣) الطبري ٨/ ٢٤٢، وزاد السيوطي نسبته في «الدر المنثور» ٥/ ٢٣١ إلى ابن أبي حاتم.","vol":"1","page":141},{"text":"﴿وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾ أبو عبيدة (١): عظمتموهم (٢). الزجاج: نصرتموهم، قال: وأصله من الذب والرد، أي: ذببتم الأعداء عنهم، ومنه التعزير وهو كالتنكيل (٣).\n﴿وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ قيل: الصدقة لتقدم ذكر الزكاة، وقيل: الخير كله.\nوقرضًا: جائز أن يكون مفعولًا، وجائز أن يكون مصدرًا بحذف الزيادة (٤).\nوذهب بعضهم إلى أن هذه شرائط لقوله: ﴿إِنِّي مَعَكُمْ﴾، وذهب بعضهم إلى أن الكلام تم عند قوله: ﴿إِنِّي مَعَكُمْ﴾ ثم استأنف فقال: ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ﴾ فأدخل عليه لام توطئة القسم، والمقسم محذوف، وجواب القسم قوله (٥):\n﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ أي: بترك المؤاخذة بها.\n﴿وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ﴾ بعد الميثاق المذكور. ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١٢)﴾ عدل عن الطريق المستقيم.\n﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ أي: نقضوا العهد وبسبب نقضهم لعناهم، و(ما) زائدة أفادت تفخيم الأمر، أي: بنقضهم العهد، أيَّ عهدٍ، وقيل: بنقضهم الفظيع الشأن، كما قال: لأمرٍ ما يُسَوَّدُ من يَسُوْدُ (٦).\n_________\n(١) هو معمر بن المثنى اللغوي البصري مولاهم، أبو عبيدة، النحوي اللغوي المفسر، ومن المكثرين في التصنيف، اتهم برأي الخوارج، توفي سنة (٢٠٩ هـ) وقيل (٢١٣ هـ).\nانظر: «طبقات المفسرين» ٢/ ٣٢٦، و«الموسوعة الميسرة» ٣/ ٢٦٦٩.\n(٢) قال في «مجاز القرآن»: (وعزرتموهم): نصرتموهم وأعنتموهم ووقرتموهم وأيدتموهم) ١/ ١٥٦، ونقله الطبري ٨/ ٢٤٤ عن أبي عبيدة وزاد فيه قوله: وعظمتموهم قبل قوله: وأيدتموهم.\n(٣) «معاني القرآن» ٢/ ١٥٩ للزجاج.\n(٤) ذكر الوجهين السمين في «الدر المصون» ٢/ ٥٠٨ - ٥٠٩ في سورة البقرة آية (٢٤٥).\n(٥) قوله: (محذوف وجواب القسم قوله) سقط من (ب).\n(٦) القائل هو: أنس بن مدركة، وصدره:\nعزمت على إقامة ذي صباحٍ\nانظر: «الكتاب» لسيبويه ١/ ٢٢٧، و«الشواهد الشعرية» ٤/ ٩٢.","vol":"1","page":142},{"text":"﴿لَعَنَّاهُمْ﴾ ابن عباس (١) ﵄: المراد بهم الذين كانوا في زمن النبي -ﷺ-، وفسر ﴿لَعَنَّاهُمْ﴾ بالجزية، الحسن: لعناهم بالمسخ، أي: أوائلهم، فصاروا قردة وخنازير من قوله: ﴿أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ﴾ [النساء: ٤٧]، وقيل: ﴿لَعَنَّاهُمْ﴾ أبعدناهم من الرحمة فيكون لهم جميعًا (٢).\n﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ يابسة لا رحمة فيها ولا لين، فاعلة من قسا يقسو، وقَسِيَّة (٣): فعيلة بمعنى فاعلة، وقيل: قسية: رَدِّية، من قولهم: درهم قَسِيّ، أي: زائف ردئ يشوبه غشٌّ، قال (٤):\nفما زوّدوني غَيْرَ سَحْقِ عمامةٍ ... وخمس مئىٍ منها قَسِيٌّ وزائفُ\n﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ قيل: بالتأويل، فأولوه على مرادهم، وقيل: بتغييرهم لفظ التنزيل.\n﴿وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ أي: تركوا بعض ما أمروا به.\nابن عباس: من اتباع محمد -ﷺ- (٥). وقيل: لم ينالوا منه نصيبًا حين حرفوه.\n﴿وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى﴾ أي: أبدًا تشاهد وتشرف.\n﴿خَائِنَةٍ مِنْهُمْ﴾ خيانة، كالخاطئة والعافية، وقيل: على فرقة خائنة، وقيل: على خائن، والهاء للمبالغة، كقوله (٦):\nحَدّثتَ نفسكَ بالوفاءِ ولم تكنْ ... للغدرِ خائنةً مُغِلَّ الإصبعِ\nالدمياطي (٧): خانوه حين هموا بقتله.\n﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ لم يخونوا، ابن عباس ﵄: عبد الله بن سلام وأصحابه (٨)، وقيل: الاستثناء من قوله: ﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ (٩).\n_________\n(١) في (ب): ابن عامر.\n(٢) أورد هذه الأقوال: الثعلبي في «الكشف والبيان» ٤/ ٣٨، وقال ابن الجوزي في «زاد المسير» ٢/ ٣١٣: (وفي المراد بهذه اللعنة ثلاثة أقوال:\nأحدها: أنها التعذيب بالجزية، قاله ابن عباس.\nوالثاني: التعذيب بالمسخ، قاله الحسن ومقاتل.\nوالثالث: الإبعاد من الرحمة، قاله عطاء والزجاج).\n(٣) قرأ حمزة والكسائي بغير ألف، مشددة الياء على وزن (فَعِيلة)، وقرأ الباقون بألف بوزن (فاعلة).\nانظر: «الكشف» لمكي ١/ ٤٠٧ - ٤٠٨.\n(٤) نسبه في «اللسان» (سحق): لمُزَرِّد، وهو ابن ضرار أخو الشماخ، أدرك الإسلام وأسلم، وله ترجمة مختصرة في «الاستيعاب» ٤/ ١٤٧٠.\n(٥) انظر: «التفسير الكبير» للرازي ١١/ ١٤٨ فقد نقل هذا القول عن ابن عباس ﵄.\n(٦) منسوب إلى الكلابي. انظر: «اللسان» خون، و«الشواهد الشعرية في تفسير القرطبي» ٤/ ٩٣، وقد ورد عند الطبري ٨/ ٢٥٤ دون نسبة نقلًا عن أبي عبيدة في «مجاز القرآن» ١/ ١٥٨، مع أن أبا عبيدة نسبه للكلابي.\n(٧) هو بكر بن سهل الدمياطي، صاحب تفسير، روى عنه الطحاوي والطبراني وغيرهم، وتوفي سنة (٢٨٩ هـ).\nانظر: «طبقات المفسرين» ١/ ١١٧ - ١١٨.\n(٨) نقله عن ابن عباس أيضًا: أبو حيان في «البحر» ٣/ ٤٦٢.\n(٩) سقط سطر كامل من نسخة (جـ) بسبب انتقال النظر عند قوله تعالى: ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ التي وردت أولًا، والله أعلم.","vol":"1","page":143},{"text":"قوله: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ﴾ قيل: منسوخة، والناسخ آية السيف، وقيل: بقوله: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً﴾ [الأنفال: ٥٨]، وقيل: محكم (١)، والمعنى: فاعف عنهم واصفح بعد أن أعطوا الجزية وحقنوا الدم. ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣)﴾.\n﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ قيل: تقديره: ومن الذين قالوا إنا نصارى قوم أخذنا، أو: من أخذنا، وقيل: (من) متصل بـ ﴿أَخَذْنَا﴾ وهذا (٢) أظهر.\nالحسن: إنما قال: ﴿قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ ليدل على أنهم ابتدعوا النصرانية وتسموا بها (٣).\nويحتمل: أي لهم الدعوى لا المعنى، لأنهم لم يقوموا بما أمروا به في شرعهم.\n﴿أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ﴾ أمرناهم بتوحيد الله والإيمان برسله وشرائعه.\n﴿فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا﴾ ألصقنا، والغراء: ما يلصق به الشيء، وقيل: حرّشنا.\n﴿بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ مجاهد: بين اليهود والنصارى (٤)، الربيع: بين النصارى خاصة (٥).\n﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ يوم البعث؛ بالأهواء المختلفة والمقاتلة، فإن النصارى اختلفوا فصاروا فرقًا: يعقوبية ونَسْطورية وملكا نية (٦).\n_________\n(١) انظر: «النسخ في القرآن الكريم» للدكتور: مصطفى زيد ٢/ ٥٣٥ فقد ذهب إلى أنه لا نسخ في الآية أيضًا.\n(٢) في (جـ): (وهو أظهر).\n(٣) نقله ابن الجوزي في «زاد المسير» ٢/ ٣١٥ عن الحسن بمعنى ما هو مذكور أعلاه.\n(٤) «تفسير مجاهد» (ص ٣٠٤)، والطبري ٨/ ٢٥٩.\n(٥) الطبري ٨/ ٢٦٠ عن الربيع بن أنس ورجحه الطبري كذلك.\n(٦) في (ب) و(جـ): (وملكية)، وفي ذلك يقول الشهرستاني في «الملل والنحل»: (افترقت النصارى اثنتين وسبعين فرقة، وكبار فرقهم ثلاثة: الملكانية، والنسطورية، واليعقوبية) ثم عرّف بالأولى فقال: (أصحاب ملكا الذي ظهر بأرض الروم واستولى عليها. ومعظم الروم ملكانية) (ص ١٠١)، وقال ابن عاشور ٦/ ١٥٣: (وهم الجاثلقية «الكاثوليك»).","vol":"1","page":144},{"text":"﴿وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١٤)﴾ أي: في القيامة بالجزاء والعقاب.\n﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾ يعني: اليهود والنصارى، ووحد الكتاب لأنه للجنس.\n﴿قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا﴾ يعني: محمدًا -ﷺ-.\n﴿يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ يعني: صفة محمد -ﷺ-، ونعته، وآية الرجم في التوراة، وبشارة عيسى بمحمد -ﷺ- في الإنجيل حيث قال: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦].\n﴿وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ فلا يخبر به، وقيل: فلا يبكتكم بكتمانه، وقيل: يعفوا عن كثير من عداوتكم إياه فلا يؤاخذكم به (١).\n﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ﴾ محمد -ﷺ-، وقيل: القرآن. ﴿وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ هو القرآن.\n﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ﴾ يرشد بالقرآن، وقيل: بمحمد -ﷺ-، ووحد؛ لأن حكمهما (٢) حكم واحد.\n﴿مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ﴾ رضاه.\n﴿سُبُلَ السَّلَامِ﴾ من سلكها سلم، وقيل: سبل السلام: دين الله تعالى، والسلام هو: الله تعالى، وقيل: طريق الجنة.\n﴿وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ﴾ من الكفر.\n﴿إِلَى النُّورِ﴾ الإسلام.\n﴿بِإِذْنِهِ﴾ بعلمه، وقيل: بوعده.\n﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾.\n_________\n(١) هنا سقط من نسخة (ب) القول الأول والثاني من معاني قوله تعالى: ﴿وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ ولعل السبب - والله أعلم - هو انتقال النظر إلى القول الثالث بحكم مشابهة أوله للآية.\n(٢) في (جـ): (حكمها).","vol":"1","page":145},{"text":"﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ أجمعت (١) الفرق الثلاث: اليعقوبية والنسطورية والملكية وقيل: الملكانية - وإن اختلفت (٢) مقالاتهم لعنهم الله - على أن معبودهم: جوهر واحد؛ أقانيم ثلاثة (٣)، والأقانيم: الأب والابن والروح، أي: الحياة، ويسمونها: روح القدس، وأن (٤) الابن لم يزل مولودًا من الأب، ولم يزل الأب والدًا للابن، ولم يزل الروح منبثقة بين الأب والابن (٥)، وأجمعوا (٦) على أن المسيح لاهوت وناسوت، أي: إله وإنسان، فلما قالوا المسيح إله، والإله واحد، فقد قالوا الله هو المسيح.\n﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ أي: لا أحد يقدر على مغالبة الله ودفعه.\n﴿إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ وإذا ثبت أنه ممكن إهلاكه؛ فقد ثبت أن المتمكن من الإهلاك هو الله لا هو.\nومعنى يهلك: يميت، وقيل: يعذب.\n﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ أي: بين النوعين، قال (٧):\nطَرَقَا فتلك هَمَاهِمي أقريهما ... قُلُصًا لواقحَ كالقِسيّ وحُولَا\n﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧)﴾.\n﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ ذهب بعض المفسرين إلى أنهم عنوا بهذا القرب أي: قربًا كقرب الولد والعطف، وذهب بعضهم إلى أنهم اعتقدوا ذلك.\nقال السدي: قالت اليهود: أوحى الله إلى إسرائيل: إن ولدك بكري من الولد فَأُدْخِلُهم النار، فيكونون فيها أربعين يومًا حتى تطهرهم وتأكل خطاياهم، ثم ينادي منادٍ أن أخرجوا كل مختون من ولد إسرائيل، فَأُخْرِجُهم (٨).\n_________\n(١) في (ب): (اجتمعت).\n(٢) في (أ): (واختلفت).\n(٣) في (جـ): (وأقانيم) بزيادة واو.\n(٤) في (ب): (لأن).\n(٥) في (ب): (بين الابن والأب).\n(٦) في (ب): (واجتمعوا).\n(٧) هو عبيد بن الحصين، الراعي النميري، شاعر فحل مشهور، من شعراء الإسلام.\nانظر: «جمهرة أشعار العرب» ٣/ ٩٢٩.\nالهماهم: الهموم، والقلوص: الفَتيّة من الإبل، واللواقح: الحوامل، والحُول: جمع حائل، وهي الناقة التي حُمل عليها فلم تَلْقَح.\nانظر: «لسان العرب» (هـ م م)، (ق ل ص)، (ل ق ح)، (ح ول)، وقد ذكر البيت في مادة (هـ م م). والشاهد من إيراد البيت قد بينه ابن جرير ٨/ ٢٦٨ فقال: (قد ذكر السماوات بلفظ الجمع، ولم يقل وما بينهن؛ لأن المعنى: وما بين هذين النوعين من الأشياء، كما قال الراعي .... فقال: طَرَقَا. مخبرًا عن شيئين، ثم قال: فتلك هما همي، فرجع إلى معنى الكلام).\n(٨) أخرجه الطبري ٨/ ٢٦٩ - ٢٧٠، وعزاه ابن كثير ٥/ ١٣٩ إلى ابن أبي حاتم كذلك.","vol":"1","page":146},{"text":"وذكر (١) بعضهم: إن في الإنجيل: أذهبُ إلى أبي وأبيكم فتأولوا على ذلك.\nوذكر بعضهم: أن عيسى ﵇ كان يقول: إذا توضأت فقل: يا أبانا الذي (٢) في السماء ليتقدس اسمك. وزاد بعضهم: وإذا صمت فادهن وجهك كي لا يعلم به غير أبيك الذي في السماء.\nوذهب بعضهم: إلى أن المراد نحن أبناء أنبياء الله.\nفاحتج الله عليهم فقال: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾ والأب لا يعذب ولده، وكانوا مقرين بالتعذيب على ما سبق (٣).\nوقيل: يريد تعذيب من سبق منهم بالقتل والأسر والمسخ قردة وخنازير.\n﴿بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ أي: أنتم خلق من خلقه لا مزية لكم على غيركم.\n﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ منكم ومنهم بعد الإيمان به ورسله.\n﴿وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ من الفريقين على الكفر والذنوب.\n﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٨)﴾ فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته وكلكم في ذلك سواء.\n﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا﴾ محمد -ﷺ- ﴿يُبَيِّنُ لَكُمْ﴾ شرائعكم فإنّ ما أنتم عليه ضلال لا يرضاه دينًا (٤).\n_________\n(١) في (جـ): (وذهب بعضهم).\n(٢) سقطت كلمة (الذي) من (جـ).\n(٣) قال ابن عاشور ٦/ ١٥٦: (ليس المقصود من هذا أن يردَّ عليهم بوقوع العذاب عليهم في نفس الأمر من تقدير العذاب لهم في الآخرة على كفرهم؛ لأن ذلك لا يعترفون به، فلا يصلح للردّ به، إذ يصير الرد مصادرة، بل المقصود الردّ عليهم بحصول عذاب يعتقدون حصوله في عقائد دينهم، سواء أكان عذاب الآخرة أم عذاب الدنيا. فأما اليهود فكتبهم طافحة بذكر العذاب في الدنيا والآخرة كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠]، وأما النصارى فلم أرَ في الأناجيل ذكرًا لعذاب الآخرة إلا أنهم قائلون في عقائدهم بأن بني آدم كلهم استحقوا العذاب الأخروي بخطيئة أبيهم آدم، فجاء عيسى بن مريم مخلصًا وشافعًا وعرَّضَ نفسه للصلب ليكفِّر عن البشر خطيئتهم الموروثة، وهذا يُلزمهم الاعتراف بأن العذاب كان مكتوبًا على الجميع لولا كفارة عيسى، فحصل الرد عليهم باعتقادهم به بله اعتقادنا).\nوقد أطال الشيخ محمد رشيد رضا الكلام على هذه الآية في «تفسير المنار» ٦/ ٢٦١ - ٢٦٤.\n(٤) في (جـ): (لا يرضاه ربنا).","vol":"1","page":147},{"text":"﴿عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ﴾ على انقطاع، وفتر الشيء: انقطع حدته، من الماء الفاتر والعين الفاترة، وقيل: فتر: سكن، وقيل: على فترة: على دروس مما جاءوا به (١).\nابن عباس ﵄: مدة الفترة: خمس مائة سنة وتسع وستون (٢).\nوعن سلمان ﵁: ستمائة سنة (٣).\nوعن قتاده: خمسمائة وستون سنة (٤).\nوالضحاك: أربعمائة وبضع وثلاثون سنة (٥).\n﴿أَنْ تَقُولُوا﴾ كراهة أن تقولوا ولأن لا تقولوا (٦).\n﴿مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ﴾ يُعلِّم موضع المخافة.\n﴿فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ﴾ للمؤمنين، ﴿وَنَذِيرٌ﴾ للكافرين يعني محمدًا -ﷺ-.\n﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٩)﴾.\n﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ﴾ يرشدونكم، وفيه شرف الدنيا وسعادة العقبى.\n_________\n(١) جاءت العبارة في (جـ): (على فترة من الرسل: على دروس مما جاءوا به)، فسقط بعض الكلام، ولعله من انتقال البصر عند كلمة (فترة).\n(٢) في (أ): وستون سنة. وقول ابن عباس نقله ابن الجوزي ٢/ ٣٢٠، وعزاه القرطبي ٦/ ١٢١ إلى ابن سعد في «الطبقات».\n(٣) سلمان هو الفارسي، الصحابي الجليل، ولي إمرة المدائن، فأقام فيها إلى أن توفي سنة (٣٦ هـ).\nانظر: «ترتيب الأعلام» ١/ ١٢٢، وأثر سلمان أخرجه البخاري (٣٩٤٨)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» ٤٧/ ٤٨٤ - ٤٨٥.\n(٤) أخرجه عن قتادة: عبدالرزاق ١/ ١٨٦، وابن جرير ٨/ ٢٧٤ - ٢٧٥، وزاد السيوطي ٥/ ٢٤٠ نسبته إلى عبد بن حميد.\n(٥) أخرجه عن الضحاك ابن جرير ٨/ ٢٧٥.\n(٦) في (ب): (ولأن تقولوا).","vol":"1","page":148},{"text":"﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ قيل: منكم وفيكم، كداود وسليمان وغيرهما.\nالمؤرج (١): أحرارًا بلغة هذيل.\nالحسن: ملكوا أنفسهم من استعباد القبط (٢).\nقتاده: كانوا أول من مَلَكَ الخدم (٣).\nوعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي -ﷺ- قال: (كانت بنو إسرائيل إذا كان لأحدهم خادم وامرأة ودابة يُكتبُ ملكًا) (٤).\nابن عباس ومجاهد: من كان له بيت وخادم وامرأة فهو ملك (٥).\nوقيل: جعلكم ملوكًا: أي: أغنياء لا تحتاجون إلى غيركم.\nالضحاك: من كان مسكنه واسعًا وفيه ماء جار فهو ملك (٦).\nوقيل: من لم يدخل أحد داره إلا بإذنه فهو ملك.\n﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (٢٠)﴾ يريد عالمي زمانهم، من المنّ والسلوى وتظليل الغمام وما ذكر آنفًا.\n_________\n(١) هو ابن عمرو السدوسي، عالم بالعربية والأنساب، من أصحاب الفراهيدي، وله كتاب في غريب القرآن، توفي سنة (١٩٥ هـ) وقيل (٢٠٤ هـ).\nانظر: «ترتيب الأعلام» ١/ ٢١٢، و«الموسوعة الميسرة» ٣/ ٢٧٣١. وقد نقل قوله هذا: النقاش في «شفاء الصدور» (ج ١/ق ٢٤٤/أ).\n(٢) انظر: «أحكام القرآن» للجصاص ٢/ ٣٩٨.\n(٣) أخرجه عبدالرزاق ١/ ١٨٦، والطبري ٨/ ٢٧٨، وزاد السيوطي في «الدر المنثور» ٥/ ٢٤١ نسبته إلى: عبد بن حميد وابن المنذر.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم كما ذكر ذلك ابن كثير والسيوطي ٥/ ٢٤١، ثم قال ابن كثير ٥/ ١٤٥: وهذا حديث غريب من هذا الوجه.\n(٥) أما أثر ابن عباس فقد أخرجه عبدالرزاق ١/ ١٨٧، والطبري ٨/ ٢٨٠، وأما أثر مجاهد فهو في تفسيره (ص ٣٠٤)، وأخرجه الطبري ٨/ ٢٨٠ - ٢٨١.\n(٦) نقله ابن الجوزي ٢/ ٣٢٢، والخازن ١/ ٤٤٣ عن الضحاك.","vol":"1","page":149},{"text":"سعيد بن جيير: ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (٢٠)﴾ خطاب لأمة محمد -ﷺ- (١)، فيكون تمام الكلام ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ (٢).\n﴿يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾.\nمجاهد: المباركة (٣).\nغيره: المطهرة، من التقديس (٤)، وقد سبق.\nوقيل: تطهر الإنسان من الذنوب.\nابن عباس ﵄: هي دمشق وفلسطين وبعض من الأردن (٥).\nمجاهد: هي الطور وما حوله (٦).\nقتادة: أرض الشام (٧).\nابن زيد: أريحا، وهي أرض بيت المقدس (٨).\n﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾.\nالسدي: أمركم بدخولها (٩).\n_________\n(١) أخرجه الطبري ٨/ ٢٨١.\n(٢) يعني: انتهى الكلام عند قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ ثم التفت إلى أمة محمد -ﷺ-.\n(٣) أخرجه الطبري ٨/ ٢٨٦.\n(٤) في (أ): (من التدنيس).\n(٥) هذه رواية أبي صالح عن ابن عباس، أوردها ابن الجوزي ٢/ ٣٢٣.\n(٦) تفسير مجاهد (ص ٣٠٥)، والطبري ٨/ ٢٨٤.\n(٧) أخرجه عن قتادة: عبدالرزاق في تفسيره ١/ ١٨٦، والطبري ٨/ ٢٨٥.\n(٨) الطبري ٨/ ٢٨٥.\n(٩) الطبري ٨/ ٢٨٧.","vol":"1","page":150},{"text":"ابن إسحاق (١): وهبها لكم (٢).\nوقيل: فرض عليكم دخولها.\nوقيل: كتب الله في اللوح المحفوظ أنها لكم مسكن.\nولا منافاة بين (كتب) و(محرمة) (٣) لأن التقدير: كتب الله لكم إن آمنتم وأطعتم.\nوقيل: اللفظ عام والمراد لبعضكم، وقد دخلها بعضهم على ما يُذْكر.\nوقيل: وهبها لهم (٤) فلما عصوا حَرَمهم.\n﴿وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ﴾ لا ترجعوا عن دخولها خوفًا ممن فيها، وقيل: لا ترجعوا عن ولايتي ولا تتركوا طاعتي.\n﴿فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (٢١)﴾ بمعصية الله وفوت رضاه وتفويت الأرض التي هي مسكن الصالحين.\n﴿قَالُوا يَامُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾.\nالمفضل (٥): ممتنعين من أن يقهروا أو يذلوا. وكل ممتنع جبار، والجَبَّارُ من\n_________\n(١) ابن إسحاق: هو محمد بن إسحاق بن يسار المطلبي بالولاء، مؤرخ مشهور، وله كتاب في السيرة النبوية، توفي سنة (١٥١ هـ).\nانظر: «ترتيب الأعلام» ١/ ١٩٦، و«بديعة البيان» (ص ٣٦).\n(٢) الطبري ٨/ ٢٨٧.\n(٣) يعني قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٢٦].\n(٤) في (جـ): (لكم).\n(٥) هو المفضل بن سلمة، كان لغويًا فاضلًا، توفي سنة (٢٩٠ هـ) وقيل (٣٠٠ هـ).\nانظر: «ترتيب الأعلام» ١/ ٢٥٣، و«الموسوعة الميسرة» ٣/ ٢٦٧١.","vol":"1","page":151},{"text":"النخل: ما علا جدًا (١).\nابن عيسى: الجبار من (٢) يَجْبُرُ على ما يريد ويَعْظُمُ عن أن ينال، والإجبار الإكراه. وقيل: جبار من جبرت العظم، أي: يُصْلِحُ أمر نفسه، وقيل: جبارين: طوال، وصفوا بذلك لكثرتهم وقوتهم وعظم خلقهم وطول جثثهم.\nابن عباس ﵄: إن جبريل أخبر موسى خبر القوم فخافوهم وجبنوا، فبعث موسى الاثني عشر نقيبًا، من كل سبط نقيب، فمكثوا أربعين يومًا يتفحصون عن (٣) أحوالهم ويتحسسون أخبارهم، حتى (٤) علموا منها ما شاء الله، ثم رجعوا ومعهم عنقود عنب يحمله اثنا عشر رجلًا، فقال عشرة منهم: هذا عنب القوم، والرجل الواحد منهم يدخل مائة رجل منا في كمه فلا يَدِيَّ (٥) لنا بهم (٦).\nعكرمة: أمر موسى أن يدخل مدينة الجبارين، فسار بمن تبعه حتى نزل\n_________\n(١) قال في «القاموس» (جبر): (والجبَّارُ: النخلة الطويلة الفتيَّة، وتُضَمُّ).\n(٢) في (ب): (ما يجبر).\n(٣) سقطت (عن) من (ب).\n(٤) في (جـ): (حين).\n(٥) قال في «اللسان» (يدي): (قال أبو الهيثم: وتجمع اليد يَديًّا) واليد هنا بمعنى القدرة، فالمعنى: لا قدرة لنا بهم.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم كما ذكره ابن كثير ٥/ ١٥٠ - ١٥١، والطبري ٨/ ٢٩٠، ثم قال ابن كثير هنا: (وقد ذكر كثير من المفسرين هاهنا أخبارًا من وضع بني إسرائيل في عظمة خلق هؤلاء الجبارين، وأنه كان فيهم عوج بن عنق بن آدم - ﵇ - وأنه كان طوله ثلاثة آلاف ذراع وثلاثمائة وثلاثة وثلاثون ذراعًا وثلث ذراع، تحرير الحساب، وهذا شيء يستحيى من ذكره، ثم هو مخالف لما ثبت في الصحيحين أن رسول الله -ﷺ- قال: «إن الله خلق آدم وطوله ستون ذراعًا، ثم لم يزل الخلق ينقص حتى الآن»).","vol":"1","page":152},{"text":"قريبًا من المدينة (١)، وهي أريحا، وبعث إليهم اثني عشر رجلًا فدخلوا المدينة ورأوا أمرًا عظيمًا من هيئتهم وعظمهم، فدخلوا حائطًا لبعضهم، فجاء صاحب الحائط ليجتني الثمار من حائطه، فنظر إلى آثارهم فتبعهم، وكلما أصاب واحدًا منهم أخذه فجعله في كُمِّه مع الفاكهة، حتى التقط الاثني عشر فذهب إلى ملكهم فنثرهم بين يديه، فقال الملك: قد رأيتم بستاننا (٢) وأمرنا، اذهبوا فأخبروا صاحبكم، فرجعوا إلى موسى وأخبروه بما عاينوا من أمرهم (٣).\nالسدي: أن النقباء ساروا، فلقيهم رجل من الجبارين يقال له: عاج، فأخذهم جميعًا فجعلهم في حجزته وعلى رأسه حملة من الحطب، فانطلق بهم إلى امرأته فطرحهم بين يديها، فقال: انظري إلى هؤلاء القوم الذين يزعمون أنهم يريدون أن يقاتلونا، ثم قال ألا أطحنهم (٤) برجلي، فقالت امرأته: لا، بَلْ خلّ عنهم حتى يخبروا قومهم (٥) بما رأوا، ففعل ذلك بهم (٦).\nوذكر أن أمه عنق، وقيل: عناق، إحدى بنات آدم ﵇، وكان كل إصبع من أصابعها ثلاثة أذرع، وكان موضع مجلسها من الأرض (٧) جريبًا، فحينئذ قالوا: ﴿إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾.\n_________\n(١) في (ب): (حتى قربوا من المدينة).\n(٢) في الطبري: (شأننا).\n(٣) أخرجه الطبري ٨/ ٢٩٠ عن عكرمة عن ابن عباس.\n(٤) في (ب): (ألا أرجلهم برجلي)، وفي (جـ): (لأطحننّهم برجلي).\n(٥) في (ب): (يخبروا عنهم بما رأوا).\n(٦) أخرجه الطبري ٨/ ٢٩٠ عن السدي.\n(٧) في (ب): (مجلسها جريبًا).","vol":"1","page":153},{"text":"﴿وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (٢٢) قَالَ رَجُلَانِ﴾.\nابن عباس ﵄: يوشع بن نون وكالوب بن يوقنا (١).\n﴿مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ أي الجبابرة، وقيل: يخافون الله، وقيل: هما رجلان (٢) من الجبابرة أسلما وصارا إلى موسى وقالا هذا القول، ويقويه قراءة ابن جبير (٣): (يُخَافُونَ) بالضم، والمَخُوفون: الجبابرة لا غير.\n﴿أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ الجمهور: بالإسلام، وقيل: أنعم الله عليهما فلم يخافا منهم.\n﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾ باب القرية، أي: امنعوهم من الإصحار وضاغطوهم في المضيق.\n﴿فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ﴾ أي: إذا أخذتم عليهم الباب فقد غلبتم.\nوروي (٤) عن بعض المفسرين أن معنى ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾ ادخلوا من الوجه الذي يؤتون منه، كما نقول: ائت هذا الأمر من بابه، أي: وجهه وصوابه.\n﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا﴾ أي: ثقوا بوعد الله فإنه أخبركم بالنصرة.\n﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٣)﴾ فإن الإيمان بالله يوجب ذلك.\n﴿قَالُوا يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا﴾ دهرًا طويلًا، ثم عيّنوا فقالوا: ﴿مَا دَامُوا فِيهَا﴾ أي مدة كونهم فيها.\n_________\n(١) أخرجه الطبري ٨/ ٢٩٦ عن ابن عباس.\n(٢) هناك سقط في (جـ) حيث ورد النص فيها: (قال رجلان من الذين يخافون من الجبابرة أسلما وصارا ...).\n(٣) في (ب): سقط اسم ابن جبير.\nوقراءة ابن جبير وردت عند الطبري ٨/ ٢٩٧، وهي من الشواذ كما عند ابن خالويه في «القراءات الشاذة» (ص ٣١)، وابن جني في «المحتسب» ١/ ٢٠٨.\n(٤) في (ب): (وعن بعض المفسرين).","vol":"1","page":154},{"text":"﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (٢٤)﴾ هذا كفر منهم وسوء أدب، وقيل: تقديره: اذهب أنت وربك يعينك؛ وفيه ضعف.\nوسمعت شيخ الإسلام القاضي أبا المعالي (١) - رحمة الله عليه - يقول: المراد بقولهم: ﴿وَرَبُّكَ﴾ هارون؛ لأنه كان أكبر منه سنًّا (٢).\n﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي﴾ أي: لن يطيعني إلا نفسي وأخي هارون، وقيل: هو عطف على اسم إن؛ أي: وإن أخي لا يملك إلا نفسه، وقيل: عطف على النفس؛ أي: اصرفهما في طاعتك (٣).\n﴿فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٥)﴾ قيل: معناه اقض بيننا وافصل (٤)، وقيل: باعد، وقيل دعا الله أن يفرق بينهم في الآخرة، وقيل: دعاء عليهم بالهلاك.\nوسماهم فاسقين بخروجهم عن طاعة الله وطاعة رسوله.\n﴿قَالَ فَإِنَّهَا﴾ أي الأرض المقدسة ودخولها.\n﴿مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ أي هم ممنوعون من دخولها بسبب عصيانهم، قال (٥):\nجَالت لتصرعني فقلتُ لها اقصري ... إنّي أمرؤٌ صَرْعي عليكِ حرام\nأي ممتنع.\n_________\n(١) لعله: هبة الله بن علي بن إبراهيم بن محمد بن الحسين الشيرازي، أحد القضاة المشهورين بالفضل والعلم والفقه والأدب، وكان ممن سكن كرمان، ومات بعد شعبان سنة (٥٢٠ هـ).\nانظر: «خريدة القصر» قسم: فضلاء أهل فارس ٣/ ٣٤، و«طبقات الشافعية الكبرى» ٧/ ٣٢٧.\n(٢) وقف الكلام في نسخة (ب) و(جـ) عند: (هارون)، وسقط قوله: (لأنه ...) إلخ.\n(٣) في (جـ): في أمرك.\n(٤) في (أ): (قيل معناه اقض، وقيل معناه اقض بيننا وافصل).\n(٥) القائل هو: امرؤ القيس، والبيت من شواهد «مغني اللبيب» ٦/ ٦٥١. وفي (أ): (لتصرفني)، وفي (ب): (جاءت).","vol":"1","page":155},{"text":"وقيل: محرمة عليهم تحريم التعبد وكانوا يقدرون على دخولها.\n﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾.\nالزجاج: محرمة عليهم أبدًا، وأربعين سنة نصب يتيهون (١).\nالفراء: يحتمل الوجهين (٢).\nومعنى ﴿يَتِيهُونَ﴾: يترددون متحيرين. والتيه: المفازة من هذا، والتيه: الكبر أيضًا، الخليل (٣): التيهاء والتوهاء: الفلاة (٤).\nالحسن وقتادة: ما دخلها أحد منهم حتى مات البالغون ونشأ أولادهم (٥).\nالدمياطي: نجا منهم الرجلان اللذان أنعم الله عليهما، فدخلا بعد انقضاء الأربعين بأولاد الفاسقين (٦).\nوعن ابن عباس - ﵄ - بخلاف: أن موسى وهارون (٧) ماتا في\n_________\n(١) انظر: «معاني القرآن» للزجاج ٢/ ١٦٥.\n(٢) انظر: «معاني القرآن» للفراء ١/ ٣٠٥.\nوالفراء هو: يحيى بن زياد بن عبدالله بن منصور أبو زكريا الأسلمي النحوي الكوفي، شيخ النحاة، وصاحب مصنفات منها: «معاني القرآن»، توفي سنة (٢٠٧ هـ).\nانظر: «غاية النهاية» ٢/ ٣٧٢، و«ترتيب الأعلام» ١/ ٢١٨.\n(٣) هو الخليل بن أحمد الفراهيدي، من أئمة اللغة والأدب، وواضع علم العروض، وله تصانيف، توفي سنة (١٧٠ هـ). انظر: «الأعلام» ٢/ ٣١٤.\n(٤) انظر: «العين» ٤/ ٨٠.\n(٥) أما أثر قتادة فهو عند الطبري ٨/ ٣١٠ بنحوه، وأما أثر الحسن فلم أقف عليه بهذا اللفظ ولا بنحوه، وقد ذكره المصنف في كتابه الآخر: «غرائب التفسير» ١/ ٣٢٨، وأشار القرطبي ٦/ ١٣٠ إلى قول قتادة والحسن باختصار.\n(٦) نقله المصنف في كتابه: «غرائب التفسير» ١/ ٣٢٨ أيضًا ولم أجده عند غيره.\n(٧) في (ب): (موسى وعيسى).","vol":"1","page":156},{"text":"التيه (١).\nمحمد بن جرير: حرم عليهم أربعين سنة ثم دخلها موسى وهارون مع القوم، وقتل موسى عوجًا (٢).\nوقيل: لم يكن موسى وهارون في التيه، والصحيح الأول.\nوذكر المفسرون (٣) أن الأرض التي تاهوا فيها ستة فراسخ، وكانوا ستمائة ألف يمسون حيث أصبحوا ويصبحون حيث أمسوا، وطعامهم المن والسلوى، وماؤهم من الحجر (٤) الذي يحملونه، وذلك التحير من باب قلب العادات للمعجزات.\nوقيل: كانوا إذا قاربوا الخروج من التيه حول الله تلك الأرض فجعلها بالبعد مما كانوا قربوا منه.\nوقيل: يجوز أن يكونوا أمروا بالتردد في تلك الفلاة عقوبة لهم لفسقهم، لا أنهم لم يهتدوا للخروج منها.\n﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٦)﴾ لا تحزن عليهم.\nالجمهور: خطاب لموسى ﵇، الزجاج: خطاب لمحمد -ﷺ- (٥).\n_________\n(١) أخرجه الطبري ٨/ ٣٠٩ - ٣١٠ وزاد السيوطي ٥/ ٢٥٣ نسبته إلى ابن أبي حاتم، ونقله ابن كثير ٥/ ١٥٧ عن ابن أبي حاتم مسندًا إلى ابن عباس ﵄.\n(٢) هذا مختصر قول ابن جرير الطبري ٨/ ٣١٤.\n(٣) انظر: البغوي ١/ ٦٥٨ - ٦٥٩، و«زاد المسير» لابن الجوزي ٢/ ٣٣٠.\n(٤) قال الربيع بن أنس فيما أخرجه الطبري ١/ ٧٠٨ عنه: معهم حجرٌ من حجارة الطور يحملونه معهم، فإذا نزلوا ضربه موسى بعصاه، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينًا.\n(٥) عبارة الزجاج: «جائز أن يكون هذا خطابًا لموسى، وجائز أن يكون خطابًا لمحمد -ﷺ-». انظر: «معاني القرآن» ٢/ ١٦٦.","vol":"1","page":157},{"text":"﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ﴾ أخبرهم، ويحتمل: اتل عليهم القرآن ففيه خبرهما.\n﴿نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ﴾ يعنى: خبرهما. والنبأ: الخبر له خطر. وجل المفسرين على أن ابني آدم كانا لصلبه وهما: قابيل وهابيل. وفي قابيل لغات (١): قابيلُ وقابِلُ وقَابِين وقابِن وقبْنُ وهابِيْل وهَابِلُ وهَابِنُ (٢).\nقال الحسن (٣): كانا رجلين في بني إسرائيل، واستدل بالقربان، فقال: لم يكن ذلك إلا لبني إسرائيل، وبقوله: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (٤).\nواستدلَّ الآخرون بقوله: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا﴾ لأنه لم يمتد جهل الناس (٥) بما يفعلون بموتاهم إلى زمان بني إسرائيل.\n﴿بِالْحَقِّ﴾ أي: إخبارًا على وجهه المفصل في الحق. والحق: القرآن.\n﴿إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا﴾ وذلك أن حواء كانت تلد في كل بطن اثنين؛ غلام وجارية، فولدت في أول بطن قابيل وأخته إقليما، وقيل: كان ذلك في الجنة قبل أن أُهبطا، وقيل: في الأرض بعد أن أهبطا، ثم مكثت سنين فولدت هابيل وأخته ليوذا، فلما أدركوا، أمر الله آدم ﵇ (٦) أن يُنكِح قابيل أخت هابيل وهابيل أخت قابيل، فرضي هابيل بذلك ولم يرض قابيل؛ لأن أخته كانت أحسنهما، وقيل: لأنها ولدت معه في الجنة، فقال آدم - ﵇ -: قربا قربانًا فأيكما يتقبل قربانه زوجتها منه.\nوعن محمد بن على بن الحسين بن علي (٧) ﵃: أن آدم قال لهابيل وقابيل: إن ربي (٨) عهد إلى إنه يكون من ذريتي من يقرب القربان، فقربا قربانا حتى تقر عيني إذا تقبل قربانكما (٩).\nوذكر الثعلبي (١٠): أن معاوية بن عمار قال: سألت الصادق (١١) عن آدم ﵇ (١٢) أكان يزوج بناته من بنيه؟ فقال: معاذ الله، لو فعل ذلك آدم ما رغب عنه رسول الله -ﷺ-، ولا كان دين آدم إلا دين محمد -ﷺ-، ولكن لما أدرك قابيل أظهر الله له جنيةً من ولد الجان يقال لها جمانة في صورة أنسية، فأوحى الله إلى آدم أن زوجها من قابيل (١٣)، فلما أدرك هابيل أهبط الله حوراء في صورة أنسية لها رحم،\n_________\n(١) في (ب): (وفي قابيل ثلاث لغات).\n(٢) في (ب) زيادة (هبل) وما ذكره المصنف لعله نقله عن الثعلبي في «الكشف» ٤/ ٤٨.\n(٣) في (ب): (الحسن البصري).\n(٤) أخرجه ابن جرير ٨/ ٣٢٤، وزاد السيوطي ٥/ ٦١، نسبته إلى عبد بن حميد. وقد ردّ ابن جرير هذا القول ورجح قول الجمهور.\n(٥) العبارة في (ب): (لأنه جهل بما يفعلون ...) إلخ.\n(٦) في (ب): (فلما أدركوا أمر الله أن ينكح ...) إلخ.\n(٧) هو أبو جعفر الباقر، أحد أوعية العلم، وأحد أسياد بني هاشم علمًا وفضلًا وسنة، توفي سنة (١١٨ هـ) وقيل: أربع، وقيل: خمس، وقيل: عشر.\nانظر: «غاية النهاية» لابن الجزري ٢/ ٢٠٢.\n(٨) في (ب): (قال لهابيل وقابيل عهد إلي ...) إلخ.\n(٩) أخرجه ابن أبي حاتم ونقله عنه ابن كثير في تفسيره ٥/ ١٦٣.\n(١٠) الكشف والبيان ٤/ ٤٩.\nوالثعلبي هو: أحمد بن محمد بن إبراهيم، أبو إسحاق الثعلبي النيسابوري، المفسر المشهور، وله عدد من المؤلفات، منها: «عرائس المجالس»، و«الكشف والبيان في تفسير القرآن»، وتوفي سنة (٤٢٧ هـ).\nانظر: «غاية النهاية» ١/ ١٠٠، و«ترتيب الأعلام» ١/ ٣١٩.\n(١١) الصادق هو: جعفر بن محمد الباقر بن علي زين العبادين بن الحسين، أبو عبدالله المدني، توفي سنة (١٤٨ هـ).\nانظر: «غاية النهاية» ١/ ١٩٦، و«ترتيب الأعلام» ١/ ١٩٤.\n(١٢) في (ب): (سألت الصادق ﵁ أكان آدم يزوج بناته من بنيه).\n(١٣) في (ب) حصل سقط إلى قول المؤلف: (زوجها من هابيل)، فوردت العبارة هنا: (هابيل) بدلًا من قابيل.","vol":"1","page":158},{"text":"فأوحى الله إلى آدم أن زوجها من هابيل، ففعل ذلك، فقال قابيل: فضلته وآثرته على بهواك، فقال آدم: إن كنت تريد أن تعلم ذلك فقربا قربانا فأيكما تقبل قربانه فهو أولى بالفضل من صاحبه.\nقلت: هذه رواية فيها ضعف (١)؛ لأن الإجماع على أن آدم ﵇ كان يزوج بناته من بنيه، إلا التوأم، ولو لم يفعل لا نقطع النسل (٢) أو بقيت بناته أيامى.\nوقال ابن جريح: لم يزل بنوا آدم في نكاح الأخوات حتى مضى أربعة آباء (٣)، ثم نكح ابنة العم وذهب نكاح الأخوات (٤).\n﴿إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا﴾ عن ابن عباس - ﵄ - قال: كان قابيل صاحب زرع وهابيل صاحب ضرع، فقصد قابيل إلى أردأ قمح عنده، وقيل: قرب سنبلًا من سيئ زرعه، وقصد هابيل إلى حملٍ سمين، وقيل: بقرة (٥).\n﴿فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ﴾ وذلك أنهما وضعا قربانهما على الجبل فدعا آدم فنزلت نار من السماء بيضاء فرفعت قربان هابيل، وقيل: هو الذبح الذي فدى الله سبحانه به ابن إبراهيم، وكان يرتع في الجنة أربعين خريفا، وقيل: ثمانين خريفًا.\nقال مجاهد: كانت النار تأكل المردود لا المقبول (٦). وإنما تقبل من هابيل ولم يتقبل من قابيل لأنه لم يخلص النية في قربانه، وقيل: لأنه تقرب بأخس ما عنده، وقيل: لأنه كان مصرًّا على كبيرة لا يتقبل الله معها طاعة.\n﴿قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧)﴾ المخلصين الذين يتقون الشرك والمعاصي، وتقديره: قال: لم تقتلني؟ قال: لأن الله قبل قربانك ولم يقبل قرباني. فأجاب فقال (٧): ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧)﴾.\n_________\n(١) وكذلك ضعّف هذه الرواية القرطبي ٦/ ١٣٥. ووردت العبارة في (ب): (قال الشيخ تاج القراء ﵀) بدلًا من قلت.\n(٢) في (جـ) سقطت كلمة: (النسل).\n(٣) في (جـ): أربعة أيام.\n(٤) ذكره الماوردي أيضًا في «النكت والعيون» ٢/ ٢٩.\n(٥) أثر ابن عباس أخرجه - بنحوه - الطبري ٨/ ٣١٩، ٨/ ٣٢٢.\n(٦) قال ابن كثير ٥/ ١٦٦: (هذا خلاف المشهور، ولعله لم يحفظ عنه جيدًا). ولم أستطع العثور على هذا= =القول لمجاهد فيما بين يدي من المصادر، وابن كثير عزا لابن جرير رواية عن مجاهد أن قابيل هو الذي تقبل الله تعالى قربانه، ولم أجد ذلك عند ابن جرير، والله أعلم.\n(٧) في (ب): (ولم يتقبل قرباني)، وسقط من (أ): (فقال).","vol":"1","page":159},{"text":"﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (٢٨)﴾ أي: لئن بدأتني بقتل لم أبدأك به، وليس فيها تعرض للدفع (١)، وقيل: لئن أردت قتلي لم أدفعك عن نفسي.\nالحسن ومجاهد: لأن الانتصار كان يومئذ ممنوعًا (٢).\n﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (٢٩)﴾ أي: ترجع إلى الله ﴿بِإِثْمِي﴾: بعقاب قتلي ﴿وَإِثْمِكَ﴾ الذي خرجت به من المتقين.\nوقيل: أختار لك ما اخترته لنفسك.\nوالإثم في الحقيقة: استحقاق العقاب (٣)، وأَثِمَ الرجل: فعل ما يستحق به العقاب (٤)، وأثمه الله: عاقبه؛ وآثمه بالمد أيضًا، والآثام: العقاب.\n﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ﴾ أي سهلت، وقيل، شجعت، وقيل: تابعته نفسه\n_________\n(١) في (ب): (تعرض للمنع).\n(٢) أخرجه الطبري ٨/ ٣٢٩ عن مجاهد، وأورد الجصاص هذا الأثر عن الحسن ومجاهد في «أحكام القرآن» ٢/ ٤٠١، وعزاه الماوردي ٢/ ٢٩، وابن الجوزي ٢/ ٣٣٥ لمجاهد والحسن أيضًا.\n(٣) لعل المؤلف قال هذا المعنى في الإثم خروجًا من الإجابة عن السؤال الذي طرحه بعض المفسرين هنا، وملخصه: كيف أراد الإثم لأخيه بالقتل والمعصية، وهو أمر لا يجوز؟ وهذا السؤال أورده الزمخشري في تفسيره، فقال: (فإن قلت: فكيف جاز أن يريد شقاوة أخيه وتعذيبه بالنار؟\nقلت: كان ظالمًا، وجزاء الظالم حسن جائز أن يراد، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ وإذا «=جاز أن يريده الله، جاز أن يريده العبد، لأنه لا يريد إلا ما هو حسن) هكذا قال الزمخشري، فردّ عليه ابن المنير في =الانتصاف» فقال: (هذا من دسّه للمعتقد الفاسد في بيان كلامه، والفاسد من هذا اعتقاده أن في الكائنات ما ليس مرادًا لله تعالى، وتلك القبائح بجملتها فإنها على زعمه واقعة على خلاف المشيئة الربانية، وهذا هو الشرك الخفي، فإياك أن تحوم حول شركه والعياذ بالله، فأما إرادته لإثم أخيه وعقوبته، فمعناه: إني لا أريد أن أقتلك فأعاقب، ولما لم يكن بدٌّ من إرادة أحد الأمرين: إما إثمه بتقدير أن يدفع عن نفسه فيقتل أخاه، وإما إثم أخيه بتقدير أن يستسلم، وكان غير مريد للأول، اضطر إلى الثاني، فلم يرد إذًا إثم أخيه لعينه، وإنما أراد أن الإثم هو بالمدافعة المؤدية إلى القتل، ولم تكن حينئذ مشروعة، فلزم من ذلك إرادة إثم أخيه).\nفكلام الزمخشري جارٍ على قاعدة القدرية النفاة من المعتزلة وغيرهم في أن المعاصي والقبائح خارجة عن مشيئة الله.\nولا بد من الإشارة هنا إلى مذهب ابن المنير - وهو أشعري -: فالإرادة عندهم هي عين المحبة والرضا، فكل ما شاءه الله تعالى فقد أحبه ورضيه. أما أهل السنة والجماعة فقد كانوا وسطًا بين الفريقين، فإرادة الله تعالى عندهم قسمين: كونية قدرية، وهي المرادفة للمشيئة، وإرادة دينية شرعية وهي المتضمنة للمحبة والرضا.\nوأما معنى الآية، فقال الشيخ السعدي: (إذا دار الأمر بين أن أكون قاتلًا أو تقتلني؛ فإني أوثر أن تقتلني فتبوء بالوزرين).\nقال الألوسي: (وقيل: المراد بالإثم ما يلزمه ويترتب عليه من العقوبة، ولا يخفى أنه لا يتضح حينئذ تفريع قوله تعالى: ﴿فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ على تلك الإرادة).\nانظر فيما سبق: «الكشاف» ١/ ٦٢٥ ومعه حاشية ابن المنير، و«روح المعاني» للألوسي ٦/ ١١٤، و«تيسير الكريم الرحمن» للسعدي ١/ ٤١٤، و«المسائل الاعتزالية في تفسير الكشاف» للأستاذ صالح الغامدي ١/ ٣٥١.\n(٤) في (أ): (ما يستحق به العقاب).","vol":"1","page":160},{"text":"وهو فَعَّلَتْ، من قول العرب: طاعت للظبية أصول الشجرة؛ أي سهل عليها تناولها.\n﴿فَقَتَلَهُ﴾.\nابن عباس وابن مسعود - ﵄ -: شدخ رأسه غيلة (١).\nمجاهد: علمه إبليس عليه اللعنة كيف يقتله (٢).\n﴿فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٣٠)﴾ خسر رضا والديه وأخاه ودينه ودنياه.\n﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا﴾ ثم إن ابن آدم سقط في يديه ولم يدر كيف يواري أخاه لأنه أول قتيل من بني آدم وأول ميت.\nمجاهد: كان يحمله على عاتقه مائة سنة لا يدرى ما يصنع به (٣).\nالضحاك: كان يحمل أخاه في جراب على رقبته سنة (٤).\n﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ﴾.\nابن بحر: كان الغراب يواري شيئًا من مطعومه، قال: ومن طبعه دفن الطعام والادخار (٥).\nالحسن: يواري نفس المقتول، يعنى: هابيل (٦)، وإليه ذهب الزجاج (٧).\nوقيل: يوارى غرابًا ميتًا، وقيل: بعث الله غرابين فقتل أحدهما الآخر فحفر\n_________\n(١) أخرجه الطبري ٨/ ٣٣٧.\n(٢) أخرجه الطبري ٨/ ٣٣٨.\n(٣) أخرجه الطبري ٨/ ٣٤٣، وعزاه ابن كثير ٥/ ١٧٦ إلى ابن أبي حاتم أيضًا.\n(٤) أخرجه الطبري ٨/ ٣٤٠ - ٣٤١ من طريق الضحاك عن ابن عباس ﵄.\n(٥) نقله الرازي ١١/ ١٦٥ عن أبي مسلم محمد بن بحر الأصفهاني.\n(٦) ونقله عن الحسن أيضًا: هود بن محكم في «تفسير كتاب الله العزيز» ١/ ٤٦٣.\n(٧) إنما حكاه الزجاج قولًا في معنى الآية فيما وقفت عليه. انظر: «معاني القرآن» ٢/ ١٦٧.","vol":"1","page":161},{"text":"له ثم حثا عليه، وقيل: كان ملكًا، والقولان الأولان هما الأوليان.\nقوله: ﴿لِيُرِيَهُ﴾ الفعل للغراب، ويحتمل أن الضمير يعود إلى الله.\nومعنى ﴿يُوَارِي﴾: يستر ﴿سَوْءَةَ أَخِيهِ﴾: نفسه.\nوقيل: فرجه، وقيل: مقابحه ومعايبه، وقد كان أروح وظهرت منه أشياء تظهر من الموتى إذا أتت عليهم الأيام، فلما رأى قابيل ذلك:\n﴿قَالَ يَاوَيْلَتَا﴾ هذه كلمة تستعمل عند الهلاك، أراد يا ويلتى تَعَالي فهذا أوانك.\n﴿أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي﴾ أي: لم لا أهتدي إلى دفن أخي كما اهتدى إليه الغراب.\n﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (٣١)﴾ على حمله، وقيل: حين لم يظفر بمراده من أخته، وتبرأ منه أبواه، وقيل: مكث آدم ﵇ بعده (١) مائة سنة لا يضحك حتى أتاه الملك فقال: حياك الله وبياك، أي: أضحكك، قاله الأصمعي (٢).\n﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ﴾ قيل: هو متصل بالآية الأولى، أي: فأصبح من النادمين (٣) لأجل حمله، وقيل: من أجل قتله وعظم فعله ﴿كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.\nومعنى من أجل ذلك: من جناية ذلك، وقيل: بسبب ذلك.\nابن عيسى: أصل أجل: الجر، ومنه أجل العقد؛ لأنه يجر ما وقع العقد عليه (٤).\n﴿كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ فرضنا وأوجبنا، وقيل: حكمنا وقضينا.\n_________\n(١) سقطت (بعده) من (ب).\n(٢) نقله صاحب «لسان العرب» عن الأصمعي في مادة (بيى) ١/ ٤٠٨.\nوالأصمعي هو: عبدالملك بن قُرَيب الباهلي، راوية العرب، من أهل البصرة، وكان كثير التطواف في البوادي، وله تصانيف كثيرة، وتوفي سنة (٢١٦ هـ).\nترجمته في: «تقريب التهذيب» (٣٦٤)، و«ترتيب الأعلام» ١/ ٢٢٢.\n(٣) في (ب) و(جـ): من الخاسرين، والمثبت من (أ) وهو الموافق لما في القرطبي ٦/ ١٤٦.\n(٤) انظر: «الجامع لأحكام القرآن» للقرطبي ٦/ ١٤٥ فقد نقله عن الرماني أيضًا.","vol":"1","page":162},{"text":"وخص بني إسرائيل بالذكر وإن كان الناس فى ذلك سواء: لكثرتهم فى زمان النبي -ﷺ-، وقيل: لأن التوراة أول كتاب فيه الأحكام، وما تقدمها من الكتب كانت مواعظ وحِكَمًا، أو لما ذهب إليه الحسن (٢).\n﴿أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾، أي: بغير قَوَدْ.\n﴿أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ﴾ قيل: الشرك، وقيل: كل فساد في الأرض يوجب القتل. ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾.\nابن عباس: من قتل نبيًا أو إمامًا عادلًا فكأنما قتل الناس جميعًا (٣).\nابن زيد: في القود، أي: يقتل به كما لو (٤) قتل الناس جميعًا (٥).\nابن مسعود (٦) ﵁: في حق المقتول (٧).\nالحسن: في الذنب، أي بلغ النهاية فيه (٨).\nوقيل: لأنه يجب عليهم طلب ثأره فهم كلهم خصوم له، وقيل: لأنه مخلد (٩) في النار كما لو قتلهم جميعًا، وقيل: هو من قوله ﵇: (من سن سنة سيئة) (١٠).\n﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ أي: خلصها من غرق أو حرق أو عفا عن قود، وفيه الوجوه كلها.\n﴿وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (٣٢)﴾ بالشرك والقتل والظلم، وقيل: هي عام (١١) في الكفار، وقيل: في بني إسرائيل.\n_________\n(٢) تقدم قول الحسن قريبًا.\nوفي نسخة (أ): (أولما ذهب إليه الحسن يزعم أن هذه القصة في بني إسرائيل).\n(٣) أخرجه الطبري ٨/ ٣٤٨ - ٣٤٩ عن ابن عباس ﵄.\n(٤) سقطت (لو) من نسخة (جـ).\n(٥) أخرجه الطبري ٨/ ٣٥٣ - ٣٥٤.\n(٦) هو عبدالله بن مسعود الهذلي، أسلم بمكة قديمًا وهاجر الهجرتين، وشهد بدرًا والمشاهد كلها، وكان صاحب نعل رسول الله -ﷺ-، توفي سنة (٣٢ هـ)، وقيل (٣٣ هـ) في المدينة.\nانظر: «تهذيب التهذيب» ٢/ ٤٣١، و«ترتيب الأعلام» ١/ ١٢٠.\n(٧) أخرجه الطبري ٨/ ٣٤٩ - ٣٥٠ عن ابن مسعود وعن ناسٍ من الصحابة ﵃.\n(٨) أخرجه الطبري ٨/ ٣٥٦ - ٣٥٧ عن الحسن بألفاظ مقاربة.\n(٩) في (جـ): (يخلد).\n(١٠) في (ب): (سنة حسنة). والحديث أخرجه الإمام مسلم في صحيحه (رقم ١٠١٧) من حديث جرير بن عبدالله بلفظ: (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء).\n(١١) هكذا في (أ) و(ب) ولم تظهر واضحة في (جـ)، ولعل توجيهه أن يقال: حكم الآية عامٌّ في الكفار.","vol":"1","page":163},{"text":"﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ في سبب النزول عن قتادة عن أنس (١) ﵁: أن رهطًا من عُكْلٍ وعُرَيْنَة أتوا رسول الله -ﷺ- فقالوا (٢): قد استوخمنا المدينة، فأمر لهم رسول الله -ﷺ- بذود أن يخرجوا فيها فيشربوا من ألبانها وأبوالها - وهو حلال عند محمد بن الحسن صاحب أبى حنيفة رحمهما الله، ويستدل بهذا، وذلك فيما يؤكل لحمه، وذلك غير جائز عند الشافعي ﵀ إلا عند الضرورة (٣) - فقتلوا راعي رسول الله واستاقوا الذود، فبعث رسول الله -ﷺ- في آثارهم، فأتي بهم؛ فقطع أيديهم وأرجلهم وسَمَلَ أعينهم وتركهم في الحرة حتى ماتوا على حالهم فنزلت فيهم (٤).\nوعن الكلبي: أن النبي -ﷺ- وادع هلال بن أمية وهو أبو بردة الأسلمي، على أن لا يعينه ولا يعين عليه، ومن أتاه من المسلمين فهو آمن، ومن أتى المسلمين (٥) منهم فهو آمن، فمر أناس من بني كنانة يريدون الإسلام بأناس من أسلم فقتلوهم وأخذوا أموالهم، فبلغ ذلك رسول الله -ﷺ- ونزلت فيهم هذه الآية (٦).\nومعنى ﴿يُحَارِبُونَ اللَّهَ﴾ أي: أولياءه، وهم المؤمنون.\nوأصل الحرب: السلب، والمحارب يسلب الروح والمال، وقيل معناه: يعادون الله ورسوله، وقيل: يخالفون.\nمجاهد: المحاربة هنا: الزنا والقتل والسرق (٧).\n_________\n(١) أنس بن مالك الأنصاري، خادم رسول الله -ﷺ-، وآخر الصحابة موتًا بالبصرة بعد رحيله إليها، قيل توفي سنة (٩١ هـ)، وقيل: (٩٢ هـ)، وقيل: (٩٣ هـ).\nانظر: «تهذيب التهذيب» ١/ ١٩١، و«ترتيب الأعلام» ١/ ١٦٣.\n(٢) سقطت (فقالوا) من (ب).\n(٣) هاهنا سقط في (ب) ابتداءً من أول قوله: (وهو حلال) إلى قوله: (عند الضرورة).\nوانظر مذاهب الفقهاء في هذه المسألة في: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ١٢٥، و«المغني» ٢/ ٤٩٢.\n(٤) الحديث أخرجه البخاري (٢٣٣)، ومسلم (١٦٧١) وليس عندهما أن الآية نزلت في ذلك، وإنما ذلك ورد عند أبي داود (٤٣٦٦)، وابن جرير الطبري ٨/ ٣٦٢، والواحدي في «أسباب النزول» (ص ١٩٤).\n(٥) سقطت كلمة (المسلمين) من نسخة (أ).\n(٦) في (ب): (ونزلت الآية)، وفي (جـ): (ونزلت فيهم الآية).\nوقول الكلبي نقله الثعلبي في «الكشف والبيان» ٤/ ٥٥، والبغوي ١/ ٦٦٧، إلا أن الرجل عندهم هو: هلال بن عويمر، وهو أيضًا كذلك عند ابن الجوزي في تفسيره ٢/ ٣٤٤. وقد وقع في نسخة (أ): (أبو برزة).\n(٧) في (ب): (المحاربة هاهنا: الزنا والقتل والسرقة).\nوقول مجاهد هذا أخرجه الطبري ٨/ ٣٧٢، وزاد السيوطي نسبته في «الدر» ٥/ ٢٨٩ إلى عبد بن حميد.","vol":"1","page":164},{"text":"والجمهور على أنه: المجاهر بقطع الطريق، وكذلك المكابر باللصوصية في المصر وغيرها.\n﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ فالقتلُ لمن قتلَ، وأفاد التشديد: الواحد بعد الواحد، والصلبُ لمن قَتَلَ وأخذَ المال، وهو أن يُشَدَّ مستويًا على خشبة مرفوعة، والقطع لمن أخذ المال ولم يَقْتُل، وهو أن يقطع يده اليمنى ورجله اليسرى، والنفي لمن أخاف الطريق فحسب، وهو إخراجه من بلاد المسلمين إلى بلاد الكفر، وقيل: إلى بلد غير بلده، وقيل: يحبس في السجن، وقيل: يهدر دمه، وهو أن يقال لا قَوَدَ على من قتله، وقيل: الإمام بالخيار أيها شاء فعل (١).\n﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا﴾، فضيحة وهوان (٢)، ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)﴾ فالتائب: إن كان من أهل الشرك: فتوبته الإسلام، وليس عليه حد في الدنيا ولا عذاب في الآخرة، وإن كان من أهل الإسلام: سقط من الحد ما كان لله، وما كان حق الآدمي كالقَوَدِ فهو إلى الولي إن شاء اقتص وإن شاء عفا، وإن تاب بعد الظفر لا تقبل توبته ولا يسقط حده ولا يصح عفوه.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾: القربة.\nأبو عبيدة: الوسيلة: الحاجة (٣).\nالدمياطي: الوسيلة: أفضل درجات الجنة (٤).\n_________\n(١) انظر الأقوال في جزاء المحاربين عند البغوي في تفسيره ١/ ٦٦٨ - ٦٦٩، وابن عطية في «المحرر الوجيز» ٤/ ٤٢٥ - ٤٢٦، وابن كثير ٥/ ١٩٤.\n(٢) في (جـ): (ذلك لهم خزي) فضيحة وهوان (في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم).\n(٣) «مجاز القرآن» ١/ ١٦٤.\n(٤) نقله الثعلبي ٤/ ٥٩ عن عطاء، ولم أجده عن الدمياطي.\nوروى الإمام مسلم في صحيحه (رقم ٣٨٤) من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص أنه سمع النبي -ﷺ- يقول: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلّوا عليّ، فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه= =بها عشرًا، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلةٌ في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلّت عليه الشفاعة).","vol":"1","page":165},{"text":"والمعنى: توسلوا بتقواه وطاعته إلى ثوابه (١).\n﴿وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ﴾ بمحاربة الكفار، ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣٥)﴾ لكي تفلحوا وتبقوا في الجنة.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ يعني: صنوف الأموال،\n﴿وَمِثْلَهُ مَعَهُ﴾ أي: مثلها معها، ﴿لِيَفْتَدُوا بِهِ﴾ فيه إضمار، أي: وأنفقوها ليفتدوا به، ﴿مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ﴾ لا يثابون به بالتخليص من النار، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٣٦)﴾، وخبر إن: لو، وجوابه، وجواب لو: ما، وجاز مع لو بخلاف إن، لأن لولا يخرجها عن المصدر كما يخرجها القسم (٢).\n_________\n(١) في (ب): (إلى سواه).\n(٢) اختلفت النسخ في سياق هذه العبارة:\nففي (أ): (... وجاز مع أن بخلاف إن ...).\nوفي (ب): (... لأن لولا يخرجها عن المصدر كما لا يخرجها القسم).\nوفي (جـ): (وخبر إن وجوابه ...).\nوجاء في هامش نسخة (أ): (إذا قلت: سمعت أنك ذاهب، بفتح أن، فتقديره: سمعت ذهابك، وأن وما بعده يكون في حكم مفرد، وإن بكسر الألف في حكم جملة، ثمّ إن لولا يخرج أن من المصدرية، ويخرجها القسم، مثاله: والله لو أنك جئتني لأكرمتك، فلا يكون في تأويل مصدر، فافهم. ونظير المصدر قوله: (فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم) أي: إصابتهم، وقوله: (لو يضلونكم) أي: إضلالكم).\nوينظر أيضًا: «الفريد في إعراب القرآن المجيد» ٢/ ٣٦ - ٣٧ للمنتجب الهمداني، و«الإعراب المفصل» لبهجت صالح.","vol":"1","page":166},{"text":"﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ قيل معنى يريدون: يرجون، وقيل: يتمنون، وقيل: يكادون، وقيل: يسألون، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٣٧)﴾ دائم.\n﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ السارق: الذى يأخذ مال غيره بغير إذنه غير مستحق له من حرز.\nواختلفوا في مقداره، فعلي ﵁ - بخلاف - وابن عباس وابن مسعود ﵃: ذهبوا إلى أن لا قطع في أقل من عشرة دراهم (١).\nمالك ﵀: ثلاثة دراهم، قيمة المجن (٢).\nالأوزاعي: ربع دينار (٣).\nعلي وعمر ﵄: لا يقطع الخمس إلا في خمسة، أي: خمسة دراهم (٤).\nالحسن: تقطع في درهم (٥).\nوالقطع من الرُّسْغِ، وهو مَفْصِلُ الكَفِّ والسَّاعِدِ.\nوروي عن علي ﵁ قطع أطراف الأصابع (٦).\nوالخوارج تقطع من المنكب أخذًا بلفظ اليد (٧).\n_________\n(١) انظر: «أحكام القرآن» للجصاص ٢/ ٤١٦، و«تفسير القرآن العظيم» لابن كثير ٥/ ٢١١ - ٢١٣.\n(٢) ذكره الطبري ٨/ ٤٠٨ عن مالك بن أنس ﵀.\n(٣) نقله الطبري ٨/ ٤٠٨ أيضًا عن الأوزاعي ﵀.\n(٤) انفردت نسخة (أ) بقوله: (أي: خمسة دراهم) وهي غير موجودة في (ب) و(جـ). وقول عمر وعلي ﵄ نقله الجصاص في «أحكام القرآن» ٢/ ٤١٦.\n(٥) كثرت الروايات في هذا الباب عن أهل العلم - بما فيهم الخلفاء الأربعة - وهي أقوال متنوعة حتى في حق العالم الواحد، فالحسن ينقل عنه في هذه المسألة عدة روايات كما يعرف ذلك بالرجوع إلى تفسير ابن عطية ٤/ ٤٣٦، والقرطبي في «الجامع لأحكام القرآن» ٦/ ١٦١.\nأما قوله هنا بأنها تقطع في درهم فقد نقله الجصاص في «أحكام القرآن» ٢/ ٤١٦، ثم قال: (وهو قول شاذ قد اتفق الفقهاء على خلافه).\n(٦) نقله أيضًا ابن عطية في «المحرر الوجيز» ٤/ ٤٣٨.\n(٧) نقله الجصاص في «أحكام القرآن» ٢/ ٤٢١.","vol":"1","page":167},{"text":"والمراد باليد ههنا: اليمين، بدليل قراءة ابن مسعود ﵁: (والسارقون والسارقات تقطع أيمانهم) (١)، وبدليل الجمع؛ لأن أعضاء الوتر إذا نسبت إلى اثنين جمعت في موضع التثنية، كقوله: ﴿صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] لأن الأصل في التثنية الجمع حيث لا يلتبس، وأفرد لها صيغة حيث التبست (٢).\nوارتفع السارق والسارقة بالابتداء، والخبر محذوف، أي: في القرآن السارق والسارقة، أي: حكمهما، ثم عطف جملة على جملة فقال: ﴿فَاقْطَعُوا﴾ وكذلك:\n﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ [النور: ٢] وكذلك: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ [النساء: ١٦].\nوقدم السارق وأخر الزاني لآن السُّرَّقَ (٣) من الرجال أكثر، ولأن ظهور أثر (٤) الزنا فيهن من زوال البكارة والحبل.\nوقطعت اليد لأنها آلة السرقة، ولم تقطع آلة الزنا لاستواء الرجل والمرأة في اليد دون آلة الزنا.\n﴿جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ هما منصوبان على المصدر، ودل على فعلهما القطع أو على العرض (٥).\n﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨) فَمَنْ تَابَ﴾ أي: إلى الله، ﴿مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ﴾ أي: سرقته،\n﴿وَأَصْلَحَ﴾ برد المسروق، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾ يقبل توبته، ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٩)﴾.\n﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ خطابٌ للنبي -ﷺ- والمراد به غيره، ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ قدم هنا العذاب على المغفرة بخلاف سائر الآيات: لأن العذاب هنا: القطع، وهو في الدنيا، ﴿وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ في القيامة، ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤٠)﴾.\n_________\n(١) تناقلت كتب الحديث والتفسير قراءة ابن مسعود هذه، فمثلًا: هي عند سعيد بن منصور في قسم التفسير من السنن (رقم ٧٣٧) وابن جرير ٨/ ٤٠٧ بلفظ: (والسارقون والسارقات فاقطعوا أيمانهما).\nوقال ابن كثير ٥/ ٢٠٨: (وهذه قراءة شاذة، وإن كان الحكم عند جميع العلماء موافقًا لها، لا بها، بل هو مستفادٌ من دليل آخر).\n(٢) وينظر في ذلك أيضًا: «الفريد في إعراب القرآن المجيد» للمنتجب الهمداني ٢/ ٣٧.\n(٣) في (جـ): (السرقة)، وهذه النسخة موافقة لما في كتاب المؤلف «غرائب التفسير» ١/ ٣٣١.\n(٤) في (ب): (ظهور ظهر الزنا)، وفي (جـ): (ظهور أكثر الزنا)، وما أثبته هو الموافق لما في كتاب المؤلف «غرائب التفسير» ١/ ٣٣١.\n(٥) يحتمل رسمها في المخطوطات الثلاث: الفرض.\nولعل مراد المؤلف أنهما منصوبان على المصدر بفعلٍ مقدر، أي: جازوهما جزاءً، أو يكون دلَّ عليه (فاقطعوا).\nينظر في ذلك: «معاني القرآن» للزجاج ٢/ ١٧٤، و«الدر المصون» ٤/ ٢٦٤.","vol":"1","page":168},{"text":"﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ في سبب النزول عن البراء بن عازب ﵁ قال: مُرَّ على النبي -ﷺ- بيهودي مُحَمَّمٍ (١) مجلود، فدعاهم فقال: (هكذا تجدون في كتابكم حد الزاني) (٢) قالوا: نعم، قال (٣): فدعا رجلًا من علمائهم هو عبد الله بن صوريا، فقال: (أنشدك الله الذي أنزل التوراة على موسى: هكذا تجدون حد الزنا في كتابكم) (٤) قال: لا، ولولا أنك نشدتني الله لم أخبرك به (٥)، نجد حد الزنا في كتابنا الرجم (٦)، ولكنه كثر في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الشريف تركنا، وإذا أخذنا الوضيع أقمنا عليه الحد، فقلنا: تعالوا نجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع، فاجتمعنا على التحميم والجلد مكان الرجم، فقال -ﷺ-: (اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه)، فأمر به فرجم، فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ﴾ (٧) أي: يكثرون أعمال الكفر (٨)، أي: لا يحزنك صنيعهم، والمعنى: لا تحزن عليهم.\n﴿مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ يعني: المنافقين، ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ انتسبوا إلى اليهودية، يعني: اليهود (٩)، ومن: للتبيين، وسماعون: خبر مبتدأ محذوف، أي: هم سماعون، وقيل: من (١٠) الأول للتبيين، والثاني للتبعيض، وهو خبر المبتدأ، والمبتدأ: سماعون، ومعنى\n﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾: يجالسونك ليسمعوا كلامك ويردوه مكذوبًا فيه على الأحبار، ومعنى اللام: من أجل، ﴿سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ﴾ أي: هم عيونٌ للغُيَّب (١١)، وقيل: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾: يقبلون (١٢) الكذب من أحبارهم في أمور دينهم، وهم علماء خيبر، لم يأتوا رسول الله -ﷺ-، وحرفوا معاني التوراة، وقالوا ليهود يثرب: اقبلوا ما وافق هذا مما يدعوكم إليه محمد، وما خالفه فاتركوه، واللام زيادة.\n_________\n(١) قال في «لسان العرب» (حمم): (حَمَّمَ الرجُلَ: سَخَّمَ وجهه بالحُمَم، وهو الفَحْمُ). وقد سقطت هذه الكلمة من نسخة (ب).\n(٢) في (ب): (حد الزنا في كتابكم)، وفي (جـ): (حد الزاني في كتابكم).\n(٣) سقطت (قال) من (ب).\n(٤) في (جـ): (حدّ الزاني).\n(٥) سقطت (به) من (ب).\n(٦) في (جـ): (حدّ الزاني).\n(٧) أخرجه مسلم (١٧٧٠)، وأبو داود (٤٤٤٧)، وابن ماجه (٢٥٥٨) وغيرهم، وليس عندهم ذكرٌ لاسم العالم اليهودي، وإنما ورد ذكره في بعض الروايات الأخرى، كاللتي عند الطبري ٨/ ٤١٥، والثعلبي في تفسيره ٤/ ٦٤.\n(٨) في (أ): (على أعمال الكفر).\n(٩) سقط (يعني: اليهود) من (أ).\n(١٠) في (ب): (وقيل: الأول للتبيين).\n(١١) قال في «لسان العرب» (غيب): (وقومٌ غُيَّبٌ ....: غائبون).\n(١٢) في (ب): (أي: يسمعون الكذب).","vol":"1","page":169},{"text":"﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾ يغيرون ألفاظه، وقيل: يفسرون على غير المراد بها، ومعنى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾ أي: من بعد (١) أن وضع الله مواضعها التي أوجبتها إرادته وحكمه، وهو ما حرفوه من نعت محمد -ﷺ-، وهذا صفة لقوم آخرين (٢).\n﴿يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾ هذا قول اليهود، أي: ائتوا محمدًا (٣)، فإن أفتاكم بالتحميم والجلد فخذوا به، وإن أفتاكم بالرجم (٤) فاحذروا، أي: قبول قوله، ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ﴾ ضلاله، وقيل: عذابه، وقيل: فضيحته، ﴿فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ أي: دفع عذابه، وقيل: هداية ضلاله، ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ من الكفر والشرك، وقيل: لم يرد أن يوسعها فيزيل ضيقها عقوبة لهم (٥)، ﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾ هوان بالجزية وزيّ اليهودية، ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٤١)﴾ دائم، وهو النار.\n﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ كرر تأكيدًا، ﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾، عن النبي ﵊: أنه الرشوة في الحكم (٦)، وهو قول الجمهور.\n_________\n(١) في (ب): «من بعد مواضعه) بعد أن وضعها الله مواضعها التي أوجبتها إرادته وحكمته)، وهي مطموسة من نسخة (جـ) فلم أستطع قراءتها.\n(٢) سقطت (آخرين) من (ب).\n(٣) في (ب): (هو قول اليهود آمنوا بمحمد).\n(٤) سقطت (بالرجم) من (ب).\n(٥) سقطت (لهم) من (جـ).\n(٦) أخرجه من حديث عمر بن حمزة عن عبدالله بن عمر: الطبري ٨/ ٤٣٤ (وفي المطبوع خطأ)، وابن مردويه كما ذكر الزيلعي في تخريج الكشاف ١/ ٤٠٠، وعبد بن حميد في تفسيره كما ذكر الحافظ ابن حجر في «تغليق التعليق» ٣/ ٢٨٦. ... =\n«قال ابن حجر في =الكاف الشاف في تخريج أحاديث الكشاف» المطبوع مع «الكشاف» ١/ ٦٥٣: (رجاله ثقات، إلا أن عمر لم يسمع من ابن عمر).\nوأخرجه ابن أبي حاتم في «تفسيره» ٤/ ١١٣٤ (٦٣٧٩) من حديث ابن عباس ﵄ مرفوعًا إلى النبي -ﷺ-.","vol":"1","page":170},{"text":"وعن على ﵁: هو الرشوة في الحكم وثمن الكلب وثمن الخمر وثمن الميتة وحُلْوانُ الكاهن، ومهر البَغِيّ، وعَسْبُ الفحل، وكسبُ الحَجَّام (١).\nوقيل: السحت: الربا.\nأبو عبيدة: كسب ما لا يحل (٢).\nوقيل: السحت الحرام.\nومعنى أكلهم السحت: كمعنى قوله: ﴿يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: ١٠]، وأصله من: سَحَتَه وأَسْحَتَهُ إذا أهلكه واستأصله، قال: ﴿فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ﴾ [طه: ٦٢].\n﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ فذهب بعضهم إلى أنه منسوخ بقوله: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٨]، وليس لحاكم من حكام المسلمين أن يعرض عن الحكم بينهم، وقيل: الآية مثبتة والتخيير باق، وقيل: التخيير في حقوق الله دون حقوق المؤمنين (٣)، ومعنى ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ أي: إن حكمت (٤).\n_________\n(١) أخرجه الطبري ٨/ ٤٣٤، وزاد السيوطي نسبته في «الدر المنثور» ٥/ ٣١١ إلى أبي الشيخ، وفي أوله: (أبواب السحت ثمانية ...).\nفي (ب): (الخنزير) بدلًا من (الخمر)، وفي (جـ): (وثمن الخنزير وثمن الخمر)، ولم يرد في مصادر التخريج ذكر لثمن الخنزير في أثر علي ﵁، وإنما ورد في أثر ابن عباس ﵄، كما أورد السيوطي في «الدر المنثور» ٥/ ٣١٣.\n(٢) «مجاز القرآن» ١/ ١٦٦ بلفظه.\n(٣) في (ب): (الآية مثبتة والتخيير في حقوق الله دون ...).\n(٤) ذهب أكثر أهل العلم إلى أن التخيير باقٍ لم ينسخ، وأن الأمر في قوله تعالى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ = =أمرٌ بصفة الحكم لا بأصله، فيكون المعنى: وأن احكم بينهم بما أنزل الله إن اخترت أن تحكم بينهم.\nوللتفصيل في هذه المسألة: انظر: «تفسير آيات الأحكام في سورة المائدة» (ص ٣١٨ - ٣١٩) لفضيلة الشيخ الدكتور/ سليمان بن إبراهيم اللاحم.","vol":"1","page":171},{"text":"﴿وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا﴾ لأن الله يعصمك من الناس، ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ بالعدل؛ وما أمرك الله به وهو رجم المحصنين دون الجلد والتحميم (١)، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٤٢)﴾.\n﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾ أي: هم يعلمون ما عليهم ولا يجهلونه، لأنه في التوراة، ولكنهم يحكمونك رجاء أن تحكم بينهم بما يهوون من الجلد، فلما حكمت بالرجم (٢) أعرضوا عن قبوله إعراضهم عن التوراة، ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ عن ابن كثير أن ذلك إشارة إلى حكم الله (٣)، وقيل: إشارة إلى التحكيم، ﴿وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٣)﴾ بك ولا بما في أيديهم من التوراة.\n﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ بيان وبصيرة.\nالزجاج: أي: بيان أن أمر محمدٍ (٤) ﵊ حق، وبيان للحكم الذي يستفتون فيه النبي ﵊ (٥)، ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ﴾ عامٌ، وقيل: المراد بهم محمد ﵊، ﴿الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ وصفَ الأنبياءَ بالإسلام لقوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، وقيل: أسلموا: استسلموا،\n_________\n(١) في (جـ): (رجم المحصن). وفي (ب): (رجم المحصنين دون الرجم والجلد).\n(٢) في (ب): (بالجلد).\n(٣) هو عبدالله بن كثير كما ورد عند الطبري في «جامع البيان» ٨/ ٤٤٨.\n(٤) سقطت من (أ): (أمر).\n(٥) «معاني القرآن» ٢/ ١٧٨ بمعناه.","vol":"1","page":172},{"text":"وقيل: وصف للنبي ﵊، ﴿لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ في اللام ثلاثة أقوال، أحدها: أنه متعلق (١) بالحكم، والثاني: بالإنزال، والثالث: فيه تقديم وتأخير، أي: هدى ونور للذين هادوا، وقيل بَيِّنْ للذين هادوا، أي: يَحْكُمُ بين اليهود إذا احتكموا إليه، وقيل: هادوا: تابوا من الكفر، ﴿وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ عطف على قوله: ﴿النَّبِيُّونَ﴾، وسبق بيان الربانيين (٢)، والأحبار: جمع حَبْرٍ وحِبْرٍ وحابرٍ، وهو من حَبَرتُهُ (٣)، أي: زينته، وقيل: الرباني: العالم بما في الإنجيل، والأحبار: بما في التوراة.\n﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾ أي: بسبب ما أمرهم الله بحفظ كتابه ووفقهم لعلمه واستنباط معانيه.\nالزجاج: استودعوا (٤)، فالباء للسبب والسين للطلب، والباء تتعلق بالحكم، أي: يحكم بها بما (٥) استحفظوا، وقيل: تتعلق بالمعنى، أي: علماء بما استحفظوا.\n﴿وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾ أي: على التوراة أنها كتاب الله.\nابن عباس ﵄: يشهدون على حكم النبي بما في التوراة (٦).\n﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ﴾ فتحكموا بغير حكم الله، ﴿وَاخْشَوْنِ﴾ في مخالفة\n_________\n(١) في (أ): (يتعلق بالحكم).\n(٢) سبق كلام المؤلف على الربانيين ومعناها في سورة آل عمران آية (٧٩)، في الجزء الثاني (ص ٩١٢ - ٩١٣).\n(٣) في «المصباح المنير» للفيومي (ص ٦٥): (حَبَرْت الشيء حَبْرًا من باب قَتَلَ: زَيَّنْتُهُ ... وحَبَّرْتُهُ بالتثقيل: مبالغة).\n(٤) «معاني القرآن» ٢/ ١٧٨.\n(٥) في (ب): (يحكم بما استحفظوا).\n(٦) أخرجه الطبري ٨/ ٤٥٤، وابن أبي حاتم في «تفسيره» ٤/ ١١٤١ (٦٤١٧).","vol":"1","page":173},{"text":"أمري، ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ أي: لا تأخذوا المال وتحكموا بخلاف الحق، والثمن القليل جميع الدنيا.\n﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾.\n﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ﴾ قضينا على اليهود وفرضنا، ﴿فِيهَا﴾ في التوراة، ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ أي: النفس تقتل إذا قتلت نفسًا بغير حق، و﴿بِالنَّفْسِ﴾ خبر أن،\n﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ كلها معطوف على اسم أن، والجار والمجرور خبر، ومن رفع فعلى الاستئناف، أوالعطف على المضمر في الخبر، أو الحمل على الحكاية، لأن: (كتبنا) بمعنى: قلنا.\n﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ يريد فيما أمكن مما لم يذكر كالشفة والقدم وغيرهما،\n﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ﴾ أي: بحقه، يريد ولي المقتول أو المجروح، ولم يطالب بالقصاص، ﴿فَهُوَ﴾ أي: تصدقه، ﴿كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ للمتصدق.\nابن عباس في جماعة: يعود إلى الجاني (١).\nابن الأنباري: يعود إلى المقتول، أي: إذا عفا وليه زاد الله في ثواب المقتول.\nمجاهد: ﴿بِهِ﴾ يعود إلى القتل، و﴿لَهُ﴾ يعود إلى القاتل، والمعنى عنده: من تصدق بتبيين (٢) القتل منه فهو كفارة له، لأنه انقاد لحكم الله (٣).\n﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)﴾.\n﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ﴾ على آثار النبيين الذين أسلموا، وقيل: على آثار الذين\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» ٥/ ٤٦٢ (٢٧٩٩٢)، والطبري ٨/ ٤٧٥، وابن أبي حاتم في «تفسيره» ٤/ ١١٤٦ (٦٤٤٩) عن ابن عباس ﵄.\n(٢) في (جـ): (بتمكين).\n(٣) نقل هذا المعنى عن مجاهد: الطبري ٨/ ٤٨١.","vol":"1","page":174},{"text":"فرض عليهم الحكم، ﴿بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ أي: موافقًا، وقد سبق (١)، ﴿وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى﴾ كرر (هدى): لأن الأول عام والثاني خاص، ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٤٦)﴾ لأنهم ينتفعون به.\n﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ﴾ أي: وقلنا لهم احكموا بموجبه، وقيل: إنه استئناف أمرٍ لهم، لأنه لم يكن نُسِخَ بَعْدُ.\n﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤٧)﴾ مَنْ في الآيات الثلاث للشرط والعموم عند بعضهم، وعند بعضهم بمعنى الذين وهو خاص.\nوأَكْثَرَ المفسرون القول في تكرار هذه الآية (٢) واختلاف ألفاظها، فذهب بعضهم إلى أن الكافر والظالم والفاسق كلها بمعنى الكفر، عُبِّرَ عنه بألفاظ مختلفة لزيادة الفائدة واجتناب صورة التكرار، وقيل: ﴿الْكَافِرُونَ﴾ نزلت في حكام المسلمين، و﴿الظَّالِمُونَ﴾ في اليهود، و﴿الْفَاسِقُونَ﴾ في النصارى.\nوقيل: ومن لم يحكم إنكارًا له فهو كافر، ومن لم يحكم بالحق واعتقد الحق وحكم بضده فهو ظالم، ومن لم يحكم جهلًا وحكم بضده فأولئك هم الفاسقون.\nوقيل: ومن لم يحكم بما أنزل الله فهو كافر بنعمة الله ظالم في حكمه فاسق في فعله.\nوقيل المراد بالكفر ههنا: ساعة حكمه بخلاف ما أنزل الله، وليس المراد به الشرك (٣).\n_________\n(١) في تفسير سورة البقرة، آية (٤١)، (ص ٢١٦) من رسالة الشيخ الدكتور/ ناصر بن سليمان العمر.\n(٢) في (جـ): (في هذه تكرار الآية).\n(٣) انظر للمزيد حول هذه المسألة: «جامع البيان» ٨/ ٤٥٦ - ٤٦٨، و«منهاج السنة النبوية» ٥/ ١٣٠ - ١٣٢ لشيخ الإسلام ابن تيمية، و«تفسير القرآن العظيم» ٥/ ٢٣٠ - ٢٣٢ لابن كثير، و«الحكم بغير ما أنزل الله، أحواله وأحكامه» للدكتور/ عبدالرحمن بن صالح المحمود.","vol":"1","page":175},{"text":"﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾، أي: محقًا، وقيل: بسبب الحق وإثباته.\n﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾.\nابن عباس ﵄: أمينًا (١).\nالكسائي: شاهدًا (٢).\nابن جرير: حافظًا (٣).\nوهو من أسماء الله تعالى، وفي الآية حالٌ عن الكتاب (٤).\nوقيل: عن النبي -ﷺ-.\nوأصله: مؤيمن، قلبت همزته هاء، أي: عال على سائر الكتب وحاكم عليها.\n﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾، أي: في القرآن، ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ فتحكم بما حرفوه وزعموا أنه (٥) من كتابهم.\nقيل: هي الناسخة للإعراض في قوله: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾.\n﴿عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ أي: مائلًا عنه، ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً﴾ أي: لكل أمة، و﴿مِنْكُمْ﴾ خطاب لأمة محمد -ﷺ-، وسائر الأمم مندرج معهم (٦) كما يغلب الخطاب، وقيل: لكلكم (٧)، والمراد به أمة محمد -ﷺ- فحسب.\nوالشرعة: الشريعة، وهي الطريقة إلى الماء، وشبه الدين بها لما فيه من الطريق\n_________\n(١) أخرجه الطبري ٨/ ٤٨٧، وابن أبي حاتم ٤/ ١١٥٠ (٦٤٧٤).\n(٢) نقله الثعلبي ٤/ ٧٣ عن الكسائي والسدي.\n(٣) الطبري ٨/ ٤٨٦.\n(٤) يعني: المهيمن.\n(٥) في (أ): (وزعموا أنهم).\n(٦) في (ب): (مندرج فيه).\n(٧) في (ب): (كلكم).","vol":"1","page":176},{"text":"إلى الحياة في الدين (١).\nابن عيسى: أصله الظهور.\nأبو عبيدة: هي من قولهم: شرعت له شريعة، أي: فتحت له بابًا وجعلت له مسلكًا (٢).\n﴿وَمِنْهَاجًا﴾ المنهاج: الطريق الواضح، يقول: نهج الأمر: أي: وضح، وقيل: الشريعة: المنهاج، وكرر: لاختلاف اللفظين.\n﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ أي على دين واحد في جميع الأزمان في الأصل (٣) والفروع من غير نسخ وتبديل.\nقيل: جواب لو محذوف، أي: لَفَعَلَ، وقيل: لو شاء لأجبركم على الإسلام، ﴿وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾ ليعاملكم معاملة المختبر تَعَبُّدَ كل أمة بما اقتضته الحكمة في وقته.\n﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ بادروا إلى الطاعات وما أمرتكم به قبل الموت والفوات (٤).\nوقيل: كيلا يفوتكم حظ السبق والتقدم.\n﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٤٨)﴾ أي: مرجعكم إليه بالموت والبعث فيظهر المحق من المبطل.\n﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ\n_________\n(١) في (ب): (وشبه الدين بما فيه الطريق).\n(٢) لم أجد قول ابن عيسى، ولا قول أبي عبيدة.\n(٣) في (ب): (في الأصول).\n(٤) سقطت (الفوات) من نسخة (ب).","vol":"1","page":177},{"text":"إِلَيْكَ﴾، في سبب النزول عن ابن عباس ﵄: أن جماعة من اليهود منهم كعب ابن أسيد (١) وابن صوريا وشأس بن قيس قال بعضهم لبعض (٢): اذهبوا بنا إلى محمد لعلنا نفتنه عن دينه، فأتوه، فقالوا: يا محمد: إنا أحبار اليهود وأشرافهم، فإن اتبعناك اتبعتنا اليهود ولم يخالفونا، وإن بيننا وبين قومنا خصومة، نحاكمهم إليك فتقضي لنا عليهم (٣)، ونحن نؤمن بك ونصدقك، فأبى النبي -ﷺ- ذلك، فأنزل الله: ﴿وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ﴾ (٤) أن (٥) يردوك فيصرفوك عن بعض ما أنزل الله إليك، وهو ما دعوه إليه واختلفوا فيه.\n﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ عن حكمك ولم يرضوا به.\n﴿فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ﴾ إصابتهم.\n﴿بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ في الدنيا بالسبي والقتل والجلاء، وقيل: بجميع ذنوبهم في القيامة.\n﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩)﴾ لخارجون عن أمر الله.\nيحتمل الاتصال فيكون اليهود، ويحتمل الاستئناف.\n﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ عبدة الأصنام (٦) والمشركين.\nوقيل: حكم الجاهلية هو العفو (٧) عن الأشراف وأخذ الضعفاء به.\n_________\n(١) في (ب): (كعب بن الأشرف)، والذي عند الطبري: ابن أسد.\n(٢) سقطت (لبعض) من نسخة (ب) و(جـ).\n(٣) سقطت (عليهم) من نسخة (جـ).\n(٤) أخرجه الطبري ٨/ ٥٠٢ وابن أبي حاتم ٤/ ١١٥٤ (٦٤٩٨).\n(٥) سقطت (أن) من نسخة (ب) و(جـ).\n(٦) في (ب): (الأصناف).\n(٧) في (ب): (هوالحكم).","vol":"1","page":178},{"text":"وقيل: حكم الجاهلية تغيير حكم الله.\n﴿يَبْغُونَ﴾ يطلبون.\n﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا﴾ شرعًا ودينًا، حَكَمَ بما هو خيرٌ لكم وإن لم تعرفوا وجهه.\nوقيل: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا﴾ أي: لا يُحابي ولا يَحيف.\n﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ أي: من أيقن بالله علم ذلك، وقيل: يوقنون: يؤمنون.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ في سبب النزول قال عطية العوفي: جاء عبادة بن الصامت ﵁ فقال: يا رسول الله إن لي مواليَ من اليهود كثيرٌ عددهم، حاضرٌ نصرهم، وأنا أبرأُ إلى الله وإلى رسوله من ولاية يهود، وأوالي الله ورسوله، فقال عبد الله بن أُبي: إني رجل أخاف الدوائرَ ولا أبرأُ من ولاية اليهود، فقال رسول الله -ﷺ-: (يا أبا الحباب (١): ما نحلت (٢) به من ولاية اليهود على عبادة بن الصامت فهو لك دونه)، قال: قد قبلت، فأنزل الله فيها ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ (٣).\n﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾.\n_________\n(١) هذه كنية عبدالله بن أبيّ، وهو اسم ولده، وقد غَيَّر النبي -ﷺ- اسم الحباب إلى عبدالله، فكان عبدالله بن عبدالله بن أبيّ من فضلاء الصحابة.\nانظر: «سير أعلام النبلاء» ١/ ٣٢١ - ٣٢٣ للذهبي.\n(٢) هكذا في النسخ الثلاث، وعند الطبري: (ما بخلت) وكلاهما محتمل.\n(٣) أخرجه الطبري ٨/ ٥٠٤ عن عطية العوفي، وذكره الواحدي في «أسباب النزول» (ص ١٩٨).\nوأخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» ٦/ ٣٩١ (٣٢٣٠١) مختصرًا، وهذا الحديث له شواهد عديدة، انظرها في: «تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في تفسير الكشاف» للزيلعي ١/ ٤٠٤ - ٤٠٥، و«الاستيعاب في بيان الأسباب» ٢/ ٥٨ - ٦٠ لسليم الهلالي ومحمد آل نصر.","vol":"1","page":179},{"text":"عكرمة: نزلت في أبي لبابة (١).\nومعنى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ أي: لا تعتمدوا عليهم ولا تطلعوهم على بواطن أموركم الدينية والدنيوية، وقيل: هو في باب الدين خاصة بعضهم أولياء بعض وكلهم أعداء لكم.\n﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ﴾ أي والاهم في الدين وكان (٢) معهم على المسلمين.\n﴿فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ في الدين ومعهم في النار.\n﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥١)﴾ لا يرشدهم.\n﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ عبد الله بن أُبيّ وأصحابه (٣).\n﴿يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾ في موالاتهم ومعاونتهم على المسلمين.\n﴿يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ نخاف أن تكون الدولة لليهود.\nالزجاج: نخاف أن لا يتم أمر النبي -ﷺ- (٤).\nوالدوائر: جمع دائرة وهي حالة تقع على خلاف الأُوْلَى.\n﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ﴾ أجمع المفسرون على أن عسى من الله واجب (٥)،\n_________\n(١) أخرجه الطبري ٨/ ٥٠٦، وزاد السيوطي نسبته في «الدر المنثور» ٥/ ٣٤٩ إلى ابن المنذر.\nوأبو لبابة هو ابن عبدالمنذر كما ورد عند الطبري.\n(٢) في (جـ): (فكان).\n(٣) في (ب) و(جـ) لم ترد كلمة (وأصحابه)، وهي موجودة على هامش نسخة (أ)، وفوقها (صح) مما يدل على أنها من أصل الكلام، والله أعلم.\n(٤) انظر: «معاني القرآن» للزجاج ٢/ ١٨١.\n(٥) قال الألوسي في «روح المعاني» ٢٨/ ١٥٥ في تفسير قوله تعالى: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ [التحريم: ٥] (المشهور أن ﴿عَسَى﴾ في كلامه تعالى للوجوب، وأن الوجوب هنا إنما هو بعد تحقق الشرط، وقيل: هي كذلك إلا هنا).","vol":"1","page":180},{"text":"والمعنى: عسى الله أن يفتح مكة ويظهر الإسلام على سائر الأديان، وقيل: يفتح بلاد المشركين ويظفر المسلمين، وقيل: بالفتح: بالفصل، من قوله: ﴿افْتَحْ بَيْنَنَا﴾ [الأعراف: ٨٩].\n﴿أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ هو السبي والجلاء، وقيل: يأمر النبي -ﷺ- بإظهار أمر المنافقين. وقيل: إلزام الجزية.\n﴿فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ من النفاق والشرك.\n﴿نَادِمِينَ (٥٢)﴾ في الدنيا والآخرة.\n﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الرفع على الاستئناف ويقويه حذف الواو، والنصب على العطف على المعنى (١)، أو أن يجعل ﴿أَنْ يَأْتِيَ﴾ بدلًا من اسم الله، والمعنى: يقول المؤمنون بعضهم لبعض عند ذلك.\n﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ أغلظ الأيمان، وجهدٌ: مصدر (٢) وقع موقع الحال.\n﴿إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ﴾ من المسلمين وأعوان على المخالفين.\n﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ التي كانوا يعملونها رياءً وسمعةً لا إيمانا وعقيدة.\n﴿فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ (٥٣)﴾ إذا جاء الفتح والأمر خسروا بفوات الدنيا والدين.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ أي: من يرجع عن الإسلام إلى ما كان\n_________\n(١) اختلفوا في إثبات الواو: فقرأ نافع وابن كثير وابن عامر وأبو جعفر (يقول) بغير واو، وقرأ الباقون بالواو.\nواختلفوا في رفع اللام أو نصبها، فقرأ أبو عمرو ويعقوب بنصب اللام، وقرأ الباقون بالرفع.\nانظر: «المبسوط» لابن مهران (ص ١٦٢)، و«النشر» لابن الجزري ٢/ ٢٥٤.\n(٢) سقطت كلمة (مصدر) من نسخة (ب).","vol":"1","page":181},{"text":"عليه من الكفر.\nوارتدّ لازم ردّه، كاغتر لازم غرّه (١).\n﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ﴾ فسيأتي قومٌ (٢).\n﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ أي: يحبهم الله بإكرامه إياهم وإدخالهم الجنة، ويحبون الله بإيثارهم طاعته واجتنابهم معصيته.\n﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي (٣): هم للمؤمنين كالوالد لولده والعبد لسيده، من الذِّلِّ بالكسر، وهو سهولة الأخلاق ولين الجانب.\n﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ غلاظ شداد كالسبع على فريسته، من عزَّهُ، أي (٤): غَلَبَه، والعزاز الأرض الصلبة.\n﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يقاتلون الكفار في طلب رضاه.\n﴿وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ ملامة من يلوم من قريب أو صديق، فيتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (٥).\nواختلفوا فيمن (٦) نزلت الآية:\nعلي والحسن البصري في جماعة: نزلت في أبي بكر وأصحابه رضى الله\n_________\n(١) في (ب): (لازم راده كما عبر لازم عره).\n(٢) في (أ): (بقوم).\n(٣) سقطت (أي) من (جـ).\n(٤) في (أ): (إذا غلبه).\n(٥) شَطَبَ الناسخ في نسخة (جـ) على (فيتركوا الأمر) وكتب على الهامش: (فيأمرون) ووضع كلمة صح، إشارة منه إلى تصحيح العبارة، والصواب ما أثبته هاهنا؛ لوروده في نسخة (أ) و(ب)، ولكون المعنى صحيحًا بدون تصحيح ناسخ نسخة (جـ).\n(٦) في (أ): (فيما).","vol":"1","page":182},{"text":"عنهم (١).\nالسدي: في الأنصار (٢).\nوروي مرفوعًا أنهم قوم أبي موسى الأشعري ﵁ (٣).\nوذكر المفسرن أن وفودهم أتت في أيام عمر ﵁، وكان لهم في الإسلام أثر حسن (٤).\nمجاهد: في أهل اليمن (٥).\nوالأظهر: القول الأول؛ لأن الارتداد وقع في زمانه حين ارتدَّت العرب، والقصّة معروفة (٦).\n_________\n(١) أما أثر علي ﵁ فقد أخرجه الطبري ٨/ ٥٢١ و٨/ ٥٢٤. وأما أثر الحسن فقد أخرجه سعيدبن منصور ٤/ ١٥٠٠، والقطيعي في زياداته على «فضائل الصحابة» للإمام أحمد (٦٧٤)، والطبري ٨/ ٥١٩، وابن أبي حاتم ٤/ ١١٦٠ (٦٥٣٧)، وقد تصحف عنده إلى الحسين، والمعروف أنه من رواية الحسن.\n(٢) أخرجه الطبري ٨/ ٥٢٤.\n(٣) أخرجه ابن سعد في «الطبقات» ٤/ ١٠٧، والطبري ٨/ ٥٢١ - ٥٢٢، وابن أبي حاتم ٤/ ١١٦٠ (٦٥٣٥)، والطبراني في الكبير ١٧/ ٣٧١ (١٠١٦)، والحاكم في «المستدرك» ٢/ ٣١٣ من حديث عياض بن عمرو الأشعري، وقال الحاكم: حديث صحيح على شرط مسلم، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» ٧/ ١٦ عن رواية الطبراني: رجاله رجال الصحيح.\nوقد وقع في بعض روايات الحديث أن عياضًا يرويه عن أبي موسى الأشعري، ولذلك فقد قيل: إن عياضًا هذا تابعيّ وليس من الصحابة.\nوانظر: «الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم ٣/ ٤٠٧، و«العلل» له كذلك ٢/ ٣٠٠ (١٦٥٨)، و«تقريب التهذيب» (ص ٤٣٧).\n(٤) انظر في ذلك: «جامع البيان» للطبري ٨/ ٥٢٦، و«الجامع» للقرطبي ٦/ ٢٢٠ وغيرهم.\n(٥) تفسير مجاهد (ص ٣١١)، والطبري ٨/ ٥٢٣.\n(٦) وهذا الترجيح يخالف ترجيح الإمام الطبري الذي ذهب إلى ما روي مرفوعًا إلى النبي -ﷺ- من أنهم قوم أبي موسى الأشعري ﵁، والله أعلم.","vol":"1","page":183},{"text":"﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ ذلك: إشارة إلى ما تقدَّم من الأوصاف.\nوقيل: إلى الجهاد.\n﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٥٤)﴾.\n﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ في سبب النزول عن محمد بن مروان عن محمد بن السائب عن أبي صالح عن ابن عباس ﵄ قال: أقبل عبد الله بن سلام ومعه نفر من قومه ممن قد آمنوا، فقالوا: يا رسول الله إن منازلنا بعيدة وليس لنا مجلس ولا متحدث، وإن قومنا لما رأونا آمنا بالله ورسوله رفضونا وآلوا على أنفسهم أن لا يجالسونا ولا يناكحونا ولا يؤاكلونا، فشقَّ ذلك علينا، فقال لهم النبي -ﷺ-:\n﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية، ثم إن النبي -ﷺ- خرج إلى (١) المسجد والناس بين قائم وراكع، فنظر إلى سائل (٢) فقال: (هل أعطاك أحد شيئًا)؟ قال: نعم، خاتمًا من ذهب، وقيل: من فضة. قال: (من أعطاك)؟ قال: ذلك الغلام، وأومأ بيده إلى علي ﵁، فقال: (على أي حال (٣) أعطاك)؟ قال: كان راكعًا، فكبَّرَ النبي -ﷺ- ثم قرأ الآيتين (٤).\n_________\n(١) في (أ): (من).\n(٢) في (جـ): (السائل).\n(٣) في (ب): (على أي شيء حالٍ أعطاك).\n(٤) أخرجه الواحدي في «أسباب النزول» (ص ١٩٩)، وابن مردويه في تفسيره، نقله عنه ابن كثير ٥/ ٢٦٦، والسيوطي في «الدر المنثور» ٥/ ٣٦١، وقال ابن كثير: (هذا إسناد لا يُفرح به، ثم رواه ابن مردويه من حديث علي بن أبي طالب ﵁ نفسه، وعمار بن ياسر، وأبي رافع، وليس يصح شيء منها بالكلية، لضعف أسانيدها وجهالة رجالها).\nوانظر: «الاستيعاب في بيان الأسباب» ٢/ ٦٤ - ٦٩.","vol":"1","page":184},{"text":"وقيل: نزلت في عباده بن الصامت (١).\nوالمعنى: ناصركم والذي يلي أمركم.\nوقيل: محبكم الله ورسوله والذين آمنوا.\n﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (٥٥)﴾ أي: في الصلاة، وهو علي ﵁ (٢).\nوقيل: هو لجميع المؤمنين، واللفظ ينبئ عن هذا لكونه جمعًا، وقيل: راكعون: خاضعون، وقيل: متنفِّلون، من قولهم: هو يركع: أي: يتنفَّل.\n﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ اتخذه وليًا وتوكل عليه (٣).\nوقيل: يتولى القيام بطاعته.\nوقيل: يكون وليًّا لله ورسوله.\n﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ﴾ جند الله وجموعه.\nوقيل: الحزب: الولي.\nوقيل: الناصر، واشتقاقه من قولهم: تحزب القوم: اجتمعوا، والحَزَابِيَةُ: الحمار المجتمع الخلق، والحَيْزَبُوْنُ: العجوز، لاجتماع الأخبار والأمور عندها (٤).\n﴿هُمُ الْغَالِبُونَ (٥٦)﴾ يقهرون أعداءهم في الدنيا.\n_________\n(١) تقدم قبل قليل الكلام على رواية عبادة بن الصامت عند تفسير المؤلف للآية (٥١).\n(٢) قال الإمام ابن كثير ٥/ ٢٦٤: (وأما قوله: ﴿وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ فقد توهم بعضهم أن هذه الجملة في موضع الحال من قوله: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ أي: في حال ركوعهم، ولو كان هذا كذلك، لكان دفع الزكاة في حال الركوع أفضل من غيره؛ لأنه ممدوح، وليس الأمر كذلك عند أحد من العلماء ممن نعلمه من أئمة الفتوى).\n(٣) في (أ): (اتخذه وليًا وتوكل على الله).\n(٤) انظر: مادة (حزب) في «تاج العروس» للزبيدي ٢/ ٢٦٥ - ٢٦٧.","vol":"1","page":185},{"text":"وتقديره: ومن يتول الله فهو غالب.\nويحتمل أنه لما كان الحزب والمتولي واحدًا جاز حذف العائد.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾.\nابن عباس ﵄: كان رفاعة بن زيد وسويد (١) بن الحارث قد أظهرا الإسلام ثم (٢) نَافَقَا، وكان رجال من المسلمين يوادّونهما فأنزل الله هذه الآية (٣).\n﴿وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ﴾ من نصبَ عطفَ على الذين الأول، ومن جر فعلى الثاني (٤). والمعنى: لا تتخذوا هؤلاء الذين يستهزؤن بكم ويسخرون منكم أولياء.\n﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ بترك موالاتهم.\n﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٥٧)﴾ بوعده ووعيده.\n﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا﴾ قال الكلبي: كان منادي رسول الله -ﷺ- إذا نادى إلى الصلاة وقام المسلمون إليها قالت اليهود: قد قاموا لا قاموا، قد صلُّوا لا صلوا، قد ركعوا لاركعوا (٥)، استهزاءً وضُحكة، فأنزل الله الآية (٦).\n_________\n(١) في (ب): (وزيد بن الحارث).\n(٢) سقطت (ثم) من نسخة (جـ).\n(٣) أخرجه الطبري ٨/ ٥٣٣، وابن أبي حاتم ٤/ ١١٦٣ (٦٥٥٦)، وزاد السيوطي نسبته في «الدر المنثور» ٥/ ٣٦٤ إلى: ابن إسحاق وابن المنذر وأبي الشيخ. وذكره الواحدي في «أسباب النزول» (ص ٢٠٠) تعليقًا دون إسناد.\n(٤) قرأ أبو عمرو والكسائي ويعقوب بخفض الراء، وقرأ الباقون بنصبها.\nانظر: «المبسوط» (ص ١٦٣)، و«النشر» ٢/ ٢٥٥.\n(٥) هكذا في (أ)، وفي (ب) بدون (قد) الثالثة، وفي (جـ) بدون قد الثانية والثالثة.\n(٦) انظر: «الكشف والبيان» ٤/ ٨٢، و«أسباب النزول» للواحدي (ص ٢٠٠).","vol":"1","page":186},{"text":"السدي: نزلت في رجل من النصارى (١) بالمدينة، كان إذا سمع المؤذن يقول: أشهد أن محمدًا رسول (٢) الله قال: أُحْرِقَ الكاذبُ، فدخل خادمه بنار ذات ليلة وهو نائم وأهله نيام (٣)، فتطاير منها شررٌ في البيت، فأحرقت البيت (٤) واحترق هو وأهله (٥).\nوقيل: حسدوا رسول الله -ﷺ- على الأذان (٦).\n﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (٥٨)﴾ إن الهزء واللعب لا يكونان من العقلاء؛ إنما ذلك من الجهَّال.\nوقيل: لا يعقلون فضل الأذان والصلاة عند الله.\n﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا﴾ أي: تنكرون، وقيل: تكرهون، وقيل: تسخطون.\nتقول: نَقَمَ: أنكر ولم يرضَه، وانتقمَ: كافأه.\n﴿إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ (٥٩)﴾ أي: ولأن أكثركم فاسقون نقمتم إيماننا، وقيل: نقمتم إيماننا وفسقكم لأنكم عرفتم أنكم مبطلون، وقيل: تقديره: وبأن أكثركم فاسقون، فهو عطف على ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ﴾، والمعنى: تنكرون\n_________\n(١) في (أ): (الأنصارى).\n(٢) في (ب): (أشهد أن لا إله إلا محمدًا رسول الله).\n(٣) سقطت (وأهله نيام) من نسخة (ب).\n(٤) سقطت (البيت) من نسخة (ب).\n(٥) أخرجه ابن جرير ٨/ ٥٣٦، وابن أبي حاتم ٤/ ١١٦٣ (٦٥٥٧)، ونسبه السيوطي في «الدر المنثور» ٥/ ٣٦٥ لأبي الشيخ أيضًا.\n(٦) وذلك أن الكفار قالوا للرسول -ﷺ-: من أين لك صياحٌ كصياح العِير؟ والرواية طويلة عند الواحدي في «أسباب النزول» (ص ٢٠١).","vol":"1","page":187},{"text":"اعتقادنا فسقكم، ومعنى: ﴿وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾ خارجون عن أمر الله بإنكاركم (١) نبوة محمد -ﷺ-.\n﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾.\nابن عباس: أن نفرًا من اليهود سألوا رسول الله -ﷺ- عمن يؤمن به من الأنبياء؟ فعدَّ فيهم المسيح، فقالوا: لا نؤمن به، وجحدوا نبوته، وقالوا: والله لا نعلم دينًا شرًّا من دينكم. فأنزل الله تعالى الآية (٢).\nومعنى: ﴿أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ﴾ أخبركم بإنسان شر من ذلك ثمَّ فسَّر بِمَنْ، وقيل: بفعل شر من ذلك، ثم أضمر في قوله: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ أي: فعل من لعنه الله، وذلك إشارة إلى الإيمان عند الزجاج، أي بشر من إيماننا ثوابًا (٣).\nابن بحر: إن كان ما نحن فيه شَرًَّا عندكم، فشر منه ثوابًا - أي: عاقبة - من لعنه الله.\nوقيل: بشر من المؤمنين.\nوقيل: بشر من الناقم مع أنه فاسق هو: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ﴾.\nوالمثوبة: الثواب، وزنها: مَفْعُلة، بالضم، وقيل: أصلها (٤): مفعولة، ومعنى ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ أبعده الله من رحمته.\n﴿وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ عاقبه.\n_________\n(١) في (ب): (بإنذاركم).\n(٢) أخرجه ابن جرير ٨/ ٥٣٧ - ٥٣٨، وابن أبي حاتم ٤/ ١١٦٤ (٦٥٥٩).\nوزاد السيوطي ٥/ ٣٦٦ نسبته لابن إسحاق وابن المنذر وأبي الشيخ، وذكره الواحدي في «أسباب النزول» (ص ٢٠١) معلقًا دون إسناد.\n(٣) انظر: «معاني القرآن» ٢/ ١٨٦ - ١٨٧.\n(٤) سقطت (أصلها) من (ب).","vol":"1","page":188},{"text":"﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ﴾ خلق منهم، وقيل: صَيَّرَ منهم (١).\n﴿الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ﴾ أي: مسخ بعضهم قردة وبعضهم خنازير.\n﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ الطاغوت الذي عبده اليهود العجل، ومن قرأ (عَبَدَ) عطفه على ﴿لَعَنَهُ﴾، وفيه ضمير مَنْ، ومن قرأ (عَبُدَ الطاغوت) فهو اسم وضع للمبالغة يراد به الكثرة (٢)، كَيَقُظ، ونَدُس (٣)، أضيف إلى الطاغوت، وقرئ في الشواذ على وجوه كثيرة (٤)، وليس هذا موضع ذكرها.\n﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا﴾ منهم، أي: أسوأ حالًا، وقيل: مكانهم من النار.\n﴿وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٦٠)﴾ عن قصد الطريق، واستعمل لفظ التفضيل وليس في المؤمنين شرٌّ: لازدواج الكلام والمظاهرة في الحجاج، وقيل: ﴿أُولَئِكَ﴾ وهم آباؤهم (٥): شرٌّ مكانًا من هؤلاء الذين نقموا (٦).\n_________\n(١) قال ابن عطية في «المحرر الوجيز» ٤/ ٤٩٨: (قوله تعالى: [وجَعَلَ] هي بمعنى: صيَّر، وقال أبو علي في كتاب «الحجة» [٣/ ٢٣٦]: هي بمعنى خَلَقَ. قال القاضي أبو محمد ﵀: وهذه منه ﵀ نزعةٌ اعتزاليَّة؛ لأن قوله: [وعبد الطاغوت] تقديره: ومن عبد الطاغوت، والمعتزلة لا ترى أن الله يُصَيِّر أحدًا عابد طاغوت).\n(٢) قرأ حمزة وحده (عَبُدَ الطاغوتِ). وقرأ الباقون بفتح الباء والتاء.\nانظر: «المبسوط» (ص ١٦٣)، و«النشر» ٢/ ٢٥٥.\n(٣) هما للمبالغة في اليقظة والفهم. انظر: «القاموس» (ندس) و(يقظ).\n(٤) فَصَّلَ الكلام فيها: السمين الحلبي في «الدر المصون» ٤/ ٣٣٠ - ٣٣٨.\n(٥) في (ب): (هم وآباؤهم).\n(٦) قال ابن كثير ٥/ ٢٧٥: (هذا من باب استعمال أفعل التفضيل فيما ليس من الطرف الآخر مشاركة، كقوله ﷿: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤]).\nولم يذكر السمين هذا التوجيه، بل نقل الوجهين المذكورين عند المصنف وزاد وجهًا ثالثًا ملخصه: أن مكانهم في الآخرة شرٌّ من مكان المؤمنين في الدنيا لما يصيبهم من الأذى والتعب.\nانظر: «الدر المصون» ٤/ ٣٣٨.","vol":"1","page":189},{"text":"﴿وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ نزلت في المنافقين، وقيل: في اليهود، وقيل: في منافقي اليهود، وهذا أظهر.\nوالباء للحال، أي: دخلوا كافرين وخرجوا كافرين.\n﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ (٦١)﴾ أي: بما يضمرونه فيجازيهم عليه، وقيل: كانوا يكتمون (١) من صفة محمد -ﷺ- ونعته.\n﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ﴾ من اليهود والمنافقين.\n﴿يُسَارِعُونَ﴾ يبادرون كأنّهم محقون.\n﴿فِي الْإِثْمِ﴾ الجرم والذَّنب.\n﴿وَالْعُدْوَانِ﴾ الظلم ومجاوزة الحدّ.\n﴿وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ الرشوة في الحكم، وقيل: الربا، وهو مصدر سمي به.\n﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٦٢)﴾ أي: بئس شيئًا عملوه.\n﴿لَوْلَا﴾ هلا.\n﴿يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ أي: علماؤهم.\n﴿عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ﴾ أي: عن قولهم ما يأثمون فيه.\n﴿وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (٦٣)﴾ أي: بئس شيئًا صنعهم.\nوقيل: إن (ما) فيهما (٢) للكف، كما في (إنما).\nوالصنع والعمل واحد، إلا أن الصنع يتضمن الجودة.\n﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ ابن عباس ﵄: كانت اليهود في سَعَةٍ\n_________\n(١) في (جـ): (بما كانوا يكتمون).\n(٢) يعني في هذه الآية والآية السابقة لها.\nوقد وردت الجملة في نسخة (ب): (وقيل إن ما فيهما ما الكف كما في إنما).","vol":"1","page":190},{"text":"ونعمة، فلما كذَّبوا محمدًا -ﷺ- كفَّ اللهُ عنهم ما بسط عليهم، فقال فنحاص: يد الله مغلولة، أي: مقبوضة ممسكة عن الرزق، أي: عطاؤه (١).\nنسبوه إلى البخل، كقوله: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ [الإسراء: ٢٩].\nوقيل: نسبوه إلى الفقر كما سبق في آل عمران (٢).\nوقيل: القائل فنحاص فحسب، لكنهم لما لم ينهوه ورضوا بقوله صاروا كالقائلين لهذا القول.\nالحسن: معناه يد الله مغلولة عن عذابنا فليس يعذبنا ألا بما يبر به قسمه قدر ما عبد آباؤنا العجل (٣).\nوقيل: معناه: أَيَدُ الله مغلولة؟ على الاستفهام، أي: حين قَتَّرَ علينا (٤).\n﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ دعاء عليهم، وقيل: خبر، والمعنى: ضربت عليهم المسكنة، وقيل: أجيبوا به ازدواجًا للكلام، وقيل: غلت أيديهم في النار، وقيل: غلت أيديهم بالبخل، فلا يرى يهودي إلا وهو بخيل.\n﴿وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ أي: طردهم من رحمته بسبب مقالتهم، وقيل: يجوز أن يكون\n_________\n(١) في (ب): (أي عن عطاء ونسبوه إلى البخل).\nوأثر ابن عباس بهذه الرواية أشار له ابن الجوزي ٢/ ٣٩٢، وهو عند الثعلبي ٤/ ٨٧ أيضًا. وفنحاص هذا من أحبار اليهود من بني قينقاع، له ذِكْرٌ في «البداية والنهاية» لابن كثير ٥/ ٦.\n(٢) انظر: سورة آل عمران، آية (١٨١)، وكلام المؤلف في تفسيرها ٣/ ١٠٥٣ من بحث الشيخ الدكتور: ناصر بن سليمان العمر.\n(٣) نقله الجصاص ٢/ ٤٤٨، والقرطبي ٦/ ٢٣٨ عن الحسن مختصرًا، وهو بتمامه عند الثعلبي ٤/ ٨٨ وعنه البغوي ١/ ٦٩٤.\n(٤) في (ب): (القائل فنحاص ونسب إليهم رضوا بقوله فصاروا كالقائلين بهذا القول. الحسن: يد الله مغلولة على استفهام أي حين منن عليها) وواضح أن هناك سقطًا وتحريفًا تم تصويبه من نسختي (أ) و(جـ).","vol":"1","page":191},{"text":"قالوه على سبيل الهزء، أي (١): إن (٢) إله محمد الذي أرسله مغلولة يداه، أي: ليس يوسع عليه وعلى أصحابه، وزعم اليهود أن ربهم أبيض الرأس واللحية جالس على كرسي.\n﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾. ابن جرير: نعمتاه (٣).\nوقيل: نعمة الدين والدنيا.\nوقيل: نعمة الدنيا والعقبى.\nوقيل: الملك والسلطان.\nوقيل (٤): أراد المبالغة فثنى، كما تقول: لبيك وسعديك وحنانيك.\nواليد: الجارحة والنعمة والقوة والملك والسلطان (٥).\nوتحقيق الإضافة ومجيئها في القرآن موحَّدًا، نحو: ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ [آل عمران: ٢٦]، ﴿وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ٢٩]، ومثنى، نحو: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤]، و﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]، ومجموعًا، نحو: ﴿عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ [يس: ٧١] دليل قاطع على أنها ليست بالجارحة تعالى الله عن ذلك (٦).\n_________\n(١) سقطت (أي) من (جـ).\n(٢) سقطت (إن) من (ب).\n(٣) إنما حكاه ابن جرير ٨/ ٥٥٥ قولًا من الأقوال في الآية، ثم بعد سرده للأقوال رجح أن ذلك صفةٌ لله ﷿، وصنيع الكرماني هنا يوهم أن هذا هو مذهب ابن جرير، وليس كذلك، فلزم التنبيه.\n(٤) سقطت (وقيل) من (ب).\n(٥) سقطت (السلطان) من (ب) وفي (جـ): (والسلطان والملك).\n(٦) عقيدة أهل السنة في هذه المسألة: أن لله تعالى يدين مختصَّتين به ذاتيَّتين له كما يليق بجلاله وعظيم سلطانه، كما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية في «الفتاوى» ٦/ ٣٦٣، وقال أيضًا: (ومعنى بسطهما: بذل الجود وسعة العطاء).\nوقد أطال شيخ الإسلام ابن تيمية الحوار والمناقشة حول هذه المسألة في «مجموع الفتاوى» ٦/ ٣٦٢ - ٣٧٢.=\n=ومن قبله، بيَّن الإمام الطبري في تفسيره مذهب أهل السنة في صفة اليدين، وذلك عند تفسيره لهذه الآية ٨/ ٥٥٥ - ٥٥٧.","vol":"1","page":192},{"text":"﴿يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ يوسع على من يشاء ويضيق على من يشاء.\n﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ﴾ يعنى علماؤهم ورؤساؤهم.\n﴿مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ يعنى القرآن.\n﴿طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ يحملهم الحسد على الكفر بالقرآن، فيزدادوا (١) كفرًا وغلوًّا.\n﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ يريد بين اليهود، كقوله (٢): ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ [الحشر: ١٤].\nالحسن: بين اليهود النصارى (٣).\n﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ أي: كلما أرادوا حرب محمد -ﷺ- ردَّهم الله (٤).\nالزجاج: هذا مَثَلٌ، أي: كلما جمعوا على النبي (٥) -ﷺ- للحرب فَرَّقَ الله جمعهم وأفسد ذات بينهم (٦).\nقتادة وابن جرير (٧): حكم الله بإذلالهم عقوبة لهم، فلا يُنصرون على كل من يُحارِبون إلى يوم القيامة (٨).\n_________\n(١) في (أ): (فيزداد).\n(٢) في (أ): (كقولهم).\n(٣) نقله الماوردي في تفسيره ٢/ ٥٢ عن الحسن.\n(٤) في (ب): (ردهم) بدون لفظ الجلالة.\n(٥) في (ب): (جمعوا للنبي).\n(٦) انظر: «معاني القرآن» ٢/ ١٩٠.\n(٧) في (ب): (ابن جرير) فقط دون ذكر قتادة.\n(٨) انظر: «جامع البيان» للطبري ٨/ ٥٥٩ - ٥٦٠، وقد أخرج قول قتادة كذلك. وزاد السيوطي في «الدر المنثور» ٥/ ٣٧٨ نسبته إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم (٦٥٩١) وأبي الشيخ.","vol":"1","page":193},{"text":"﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ في دفع الإسلام وإنكار نبوة محمد -ﷺ-، وقيل: بالظلم وركوب المعاصي، وقيل: بسفك الدماء واستحلال الحرام.\n﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٦٤)﴾ لا يجازيهم خيرًا.\n﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا﴾ أي: بمحمد -ﷺ-.\n﴿وَاتَّقَوْا﴾ المعاصي.\n﴿لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ لم نعاقبهم عليها.\n﴿وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٦٥)﴾ أي: حكمنا لهم بالدخول فيها.\n﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ أي: عملوا بما فيهما من الأحكام من غير تبديل وتحريف ولم ينكروا صفة محمد -ﷺ- ونعته، وقيل: أقاموهما نصب أعينهم بالعمل بما فيهما (١).\n﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ أي: آمنوا بالقرآن المنزل إليهم وإلى غيرهم.\n﴿لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ يريد المطر.\n﴿وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ يريد النبات، أي: لَوَسَّعْنَا عليهم الرزق، وكانوا قد أصابهم جَدْبٌ (٢).\nوقيل: من فوقهم: ثمرة الأشجار، ومن تحتهم: الزرع.\nوقيل: من فوقهم: ما يأتيهم من كبرائهم، ومن تحت أرجلهم: ما يأتيهم من العامة.\nوقيل: هو كقولهم: فلان في الخير (٣) من قرنه إلى قدمه.\n_________\n(١) في (ب): (بما فيها).\n(٢) في (جـ): (الجدب).\n(٣) في (أ): (في خير).","vol":"1","page":194},{"text":"﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ﴾ وهم الذين آمنوا بمحمد -ﷺ-.\nوالاقتصاد: الاستواء في العمل من غير إفراط وتفريط (١).\nوقيل: هم الذين آمنوا بعيسى (٢) من اليهود، وقالوا إنه عبد الله ورسوله، ولم يتَّخذوه ربًّا، ولم ينسبوه إلى غير رشده؛ لأنهم تفرَّقوا ثلاث فرق.\n﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ (٦٦)﴾ أي: هم كفار.\n﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ في سبب النزول عن الحسن قال: إن رسول الله -ﷺ- قال: (لما بعثني الله برسالته ضقت به (٣) ذرعًا وعرفت أن من الناس من يكذبني)، وكان -ﷺ- يهاب قريشًا واليهود والنصارى فأنزل الله هذه الآية (٤).\nوعن عائشة ﵂: أن رسول الله -ﷺ- سهر ذات ليلة فقلت: ما شأنك؟ قال: (ألا رجل صالح يحرسني الليلة)، قالت: فبينما نحن في ذلك؛ سمعت صوت السلاح فقال: (من هذا؟) قال: سعد وحذيفة: جئنا نحرسك. فنام رسول الله -ﷺ- حتى سمعت غطيطه (٥)، فنزلت هذه الآية، فأخرج رسول الله -ﷺ- رأسه من قبة أدم وقال: (انصرفوا أيها الناس فقد عصمني الله) (٦).\n_________\n(١) في (ب): (إفراط ولا تفريط).\n(٢) في (ب): (آمنوا بمحمد).\n(٣) هكذا في النسخ الثلاث، والمعنى - والله أعلم - ضقت بحمل همِّ الرسالة.\n(٤) عزاه السيوطي في «الدر المنثور» ٥/ ٣٨٢ إلى أبي الشيخ. وهو من مراسيل الحسن، فهو ضعيف.\nوأخرج إسحاق بن راهويه في مسنده (رقم ٤٤٣) نحو هذا الأثر من حديث أبي هريرة ﵁، وهو منقطع؛ لأن الراوي عن أبي هريرة لم يسمع منه.\nوعلقه الواحدي في «أسباب النزول» (ص ٢٠١ - ٢٠٢) وفي «الوسيط» ٢/ ٢٠٨ بدون إسناد عن الحسن البصري.\n(٥) قال ابن الأثير في «النهاية» (ص ٦٦١): (الغطيط: الصوت الذي يخرج مع نفس النائم).\n(٦) أخرجه البخاري (٢٨٨٥) و(٧٢٣١)، ومسلم (٢٤١٠)، والطبري ٨/ ٥٦٩ وغيرهم. ... =\n«والمؤلف اختار سياق الواحدي في =أسباب النزول» (ص ٢٠٢) علمًا أنه قد علّق الرواية دون إسناد، وذكر فيها حذيفة، ولم أجد ذِكرًا لحذيفة عند غيره، وإنما الذين أخرجوا الأثر ذكروا سعد بن أبي وقاص لوحده. فالله تعالى أعلم.","vol":"1","page":195},{"text":"عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: كان أبو طالب يرسل مع النبي -ﷺ- رجلًا من بني هاشم يحرسه حتى نزلت هذه الآية فقال: (يا عمَّاه: إنَّ الله قد عَصَمَني من الجنِّ والإنس) (١).\nمحمد بن كعب القرظي: أن أعرابيًا همَّ بقتل النبي -ﷺ- فسقط السيف من يده فجعل يضرب برأسه شجرة حتى انتثر (٢) دماغه فنزلت هذه الآية (٣).\nومعنى ﴿بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ أي: دم عليه وواظب وبلغ عشيرتك الأقربين وبلغ المشركين وأهل الكتاب وكافة الناس ولا تهبهم وبلغ ما أنزل إليك كله.\n﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ﴾ أي: هذا التبليغ، وقصرت في تبليغ بعضه أو بعضهم شفقًا وحذرًا من الرد.\n﴿فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ لأن ترك إبلاغ بعضه محبط لإبلاغ ما بلغت، وقيل: الدعوة بمنزلة الصلاة إذا نقص ركن من أركانها بطل الجميع.\n﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ يحرسك ويحفظك (٤) من أن ينالوك بقتلٍ أو قهر.\n_________\n(١) أخرجه الطبراني في «الكبير» ١١/ ٢٠٥ رقم (١١٦٦٣)، والواحدي في «أسباب النزول» (ص ٢٠٢)، وابن مردويه في تفسيره كما نقله عنه ابن كثير ٥/ ٢٩٠.\nقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» ٧/ ١٧: (فيه النضر بن عبدالرحمن وهو ضعيف).\nوقال ابن كثير ٥/ ٢٩١ عن هذه الرواية: (وهذا أيضًا حديث غريب، والصحيح أن هذه الآية مدنية، بل هي من أواخر ما نزل بها، والله أعلم).\n(٢) في (أ): (انتثرت).\n(٣) أخرجه الطبري ٨/ ٥٧٠.\n(٤) في (أ): (يحفظك ويحرسك).","vol":"1","page":196},{"text":"وقيل: يعصمك من بين الناس عن الذنوب، وكل نبي معصوم عن الكبائر.\n﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٦٧)﴾ لا يمكنهم مما يريدون.\n﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ﴾ أي: على حجة وحق، وقيل: على شيء من الدين، وقيل: على شيء ينفعكم وينجيكم.\n﴿حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ أي: تؤمنوا بمحمد -ﷺ-، فإنكم قد أمرتم به فيهما (١).\n﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ القرآن (٢).\n﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ سبق (٣).\n﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٦٨)﴾ أي: إذا فعلت ما أمرت به من التبليغ فلا تحزن عليهم، يقول: أسِيَ يأسى أسىً (٤) فهو آسٍ وأسٍ وأسيان وأسوان (٥).\n﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٩)﴾ سبق تفسير الآية (٦).\nوقوله ﴿وَالصَّابِئُونَ﴾ رفع عند الكسائي (٧) بالعطف على الذين (٨) وقال: إن\n_________\n(١) في (ب): (بما فيهما).\n(٢) في (جـ): (من القرآن).\n(٣) سبق في آية (٦٤) من السورة نفسها.\n(٤) سقطت (أسىً) من (جـ).\n(٥) لم أجد: (أسٍ) في: «القاموس» و«تاج العروس»، و«المفردات»، و«عمدة الحفاظ»، و«لسان العرب».\n(٦) في سورة البقرة، آية (٦٢).\n(٧) هو علي بن حمزة، أبو الحسن الكسائي، إمام الكوفيين في النحو واللغة، وأحد القراء السبعة المشهورين، قيل إنه توفي سنة (١٨٩ هـ)، وقيل (١٩٢ هـ).\nترجمته في: «طبقات المفسرين» للداودي ١/ ٣٣٩.\n(٨) في (ب): (على الذين آمنوا).","vol":"1","page":197},{"text":"عمل إن ضعيف فجاز العطف عليه بالرفع.\nالفراء: قال: إذا لم يستبن في اسم إِنَّ الإعراب جاز العطف عليه بالرفع (١).\nوعن الكسائي أيضًا: أنه عطف على الضمير في ﴿هَادُوا﴾ أي: هادوا هم والصابئون.\nوهذه الوجوه غير مرضيَّة عند البصريين.\nووجهه عند سيبويه: إنه رفع بالابتداء وخبره: ﴿مَنْ آمَنَ﴾ (٢)، وخبر إن: مقدر دل عليه ما بعده، كقول الشاعر (٣):\nنحنُ بما عندنا وأنت بما ... عندك راضٍ والرأي مختلفُ\nأي: نحن بما عندنا راضون (٤).\nوقيل: خبر إن: ﴿مَنْ آمَنَ﴾، وخبر ﴿وَالصَّابِئُونَ﴾ مقدر كقول الشاعر (٥):\nفمن يكُ أمسى بالمدينة رَحْلَه ... فإني وقيارٌ بها لغريبُ\nأي: فإني لغريب وقيارٌ كذلك.\nودلَّ (٦) اللام على أنه خبر إن.\n_________\n(١) سقط قول الفراء كاملًا من نسخة (ب)، وورد في نسخة (جـ) بعد قول الكسائي الثاني.\n(٢) في (أ): (من آمن بالله).\n(٣) قيل إنه لقيس بن الخطيم، وهو من شواهد «الكتاب» ١/ ٣٨ لسيبويه. وقيل إنه لمالك بن العجلان.\nانظر: «الدر المصون» للسمين الحلبي ٢/ ٦٠٨، وتعليق محققه الدكتور الفاضل: أحمد الخراط، و«الشواهد الشعرية في تفسير القرطبي» القسم الرابع (ص ١٢٠) للدكتور: عبدالعال مكرم.\n(٤) في (ب): (... راضون وأنت بما عندك راض).\n(٥) هو ضابي بن الحارث البرجمي، والبيت من شواهد الكتاب. انظر: «الشواهد الشعرية في تفسير القرطبي» القسم الرابع (ص ٢٤).\n(٦) في (أ): (ودلت).","vol":"1","page":198},{"text":"ويحتمل أن معناه: نعم، ﴿وَالَّذِينَ﴾ رفع بالابتداء.\nويحتمل أيضًا إنه (الذين) (١)، أي: إن الأمر والشأن (٢)، وسيأتي هذا في قوله: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ [طه: ٦٣] (٣).\n﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ﴾ أي: كل حين جاءهم فيه.\n﴿رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى﴾ تحب وترضى.\n﴿أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا﴾ محمدًا وعيسى صلى الله عليهما وسلم.\n﴿وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ (٧٠)﴾ يحيى وزكريا ﵉، وقيل: فريقًا (٤) كذبوا: اليهود والنصارى، وفريقًا يقتلون: اليهود وحدها، لأن النصارى لم تقتل نبيًا.\nوقوله ﴿يَقْتُلُونَ﴾ أي: قتلوا، وجاء بلفظ المستقبل لرويِّ الآية (٥).\n﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أي: لا يكون شرك في قتلهم الأنبياء وتكذيبهم\n_________\n(١) في (جـ): (ويحتمل أيضًا قوله إن الذين أنه، أي: إن الأمر ...).\n(٢) سقط من (ب): (أي: إن الأمر والشأن) والنص فيها كالتالي: (إنه الذين وسيأتي هذا ...).\n(٣) أطال الكرماني من إيراد الوجوه الإعرابية في الآية، ويمكن الرجوع للمصادر التالية للمزيد: «التبيان في إعراب القرآن» للعكبري ١/ ٤٥٠، و«الدر المصون» للسمين الحلبي ٤/ ٣٥٣.\n(٤) سقطت كلمة (فريقًا) من (ب). والعبارة في (جـ) كالتالي: (وقيل فريقًا يقتلون كذبوا يحيى وزكريا وقيل فريقًا كذبوا اليهود والنصارى ...).\n(٥) الروي: هو الحرف الذي تُبنى عليه القصيدة، فيقال: قصيدة لامية كمعلقة امرئ القيس، أو ميمية كمعلقة لبيد، أو غير ذلك.\nوأرى - والله أعلم - أنه يمتنع استعمال لفظ الرَّويِّ في وصف كلام الله تعالى؛ لأن الله تعالى سَلَبَ عنه اسم الشعر، فوجب سلْب الرويّ أيضًا عنه؛ لأنها منه، وخاصةٌ به في الاصطلاح، ولو قال بدلًا منها: الفواصل، لكان أنسب.\nانظر: «معجم علوم اللغة العربية» (ص ٢٢٩)، و«البرهان في علوم القرآن» ١/ ١٥٤.","vol":"1","page":199},{"text":"إياهم (١)، وقيل معناه: إن تكذيبهم إياهم (٢) وقتلهم لا يجلب إليهم العذاب.\n﴿فَعَمُوا وَصَمُّوا﴾ أي (٣): عموا عن الدلائل والهدى وصموا عن استماع الحق.\nالزجاج: أي (٤) لم يعملوا بما رأوا ولا بما سمعوا فصاروا كالعُمْيِ والصُّمِّ (٥).\n﴿ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ أي: تابوا وأقلعوا، وقيل: ثم تاب الله عليهم بإرسال محمد -ﷺ-.\n﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ أي: آمن بعضهم وكفر كثير منهم.\nوكثير: بدل عن الواو، بدل البعض من الكل، وقيل: هم كثير منهم، وقيل: هو على لغة أكلوني البراغيث.\n﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (٧١)﴾ فيجازيهم على وفق أعمالهم.\nويستعمل بعد باب ظننتُ: أن المخفّفة (٦) والمحقّقة، فمن نصب فهي المحققة (٧)، ومن رفع فهي (٨) المحققة خففت، وتقديره: أنه لا تكون (٩).\n﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ سبق تفسيره (١٠).\n﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ أي: غير الله.\n﴿فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ أي: منعها منه.\n_________\n(١) في (جـ): (قتلهم الأنبياء هو تكذيبهم إياه).\n(٢) في (جـ): (إياه).\n(٣) سقطت كلمة (أي) من (ب).\n(٤) سقطت كلمة (أي) من (جـ).\n(٥) انظر: «معاني القرآن» للزجاج ٢/ ١٩٥.\n(٦) في (جـ): (أن الخفيفة).\n(٧) رسمها محتمل لـ (المخففة) في (أ) و(جـ).\n(٨) في (أ): (فهو)، وفي (جـ): (فهو) في كلا الموضعين، والمثبت من (ب).\n(٩) الكلام هنا على اختلاف القراء في قوله تعالى: ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾، حيث قرأ أبو عمرو ويعقوب وحمزة والكسائي وخلف برفع النون في (لا تكونُ) وقرأ الباقون بنصبها (لا تكونَ).\nانظر: «المبسوط» (ص ١٦٣)، و«النشر» ٢/ ٢٥٥. ومراد الكرماني بالمحققة: أي: الناصبة على بابها.\nانظر: «الحجة» لأبي علي الفارسي ٣/ ٢٤٦، و«الدر المصون» ٤/ ٣٦٥ وما بعدها.\n(١٠) في الآية (١٧) من السورة نفسها.","vol":"1","page":200},{"text":"﴿وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ مرجعه.\n﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ﴾ أي: الكافرين.\n﴿مِنْ أَنْصَارٍ (٧٢)﴾.\n﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ أي: ثالث ثلاثة آلهة (١).\n﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣)﴾ وهو الله سبحانه، وإنما كرر الآية لاختلاف أقوالهم؛ ولأن اليعقوبية من النصارى لعنهم الله زعموا أن الله ربما تجلى بعض (٢) الأزمان في شخص، فتجلى يومئذ في شخص عيسى، فظهرت (٣) منه الآيات والمعجزات.\nوالملكانية قالت (٤): إن الله اسم يجمع أبًا وابنًا وروح القدس، اختلف بالأقانيم والذات واحدة، فأخبر الله أن كلا الفريقين كافران.\n﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ﴾ بالإيمان بمحمد -ﷺ-.\n﴿وَيَسْتَغْفِرُونَهُ﴾ عن كفرهم.\n﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤)﴾ لمن آمن واستغفر.\n﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ﴾ بشر أكرمه الله برسالته وأيده (٥) بمعجزاته.\n﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ أي: من مضى من الرسل كان بهذه الصفة، فلِمَ اتخذتموه إلهًا (٦).\n﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ صدقت بكلمات ربها.\n﴿كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ أي: كانا محتاجين إلى الطعام كسائر الحيوان، وقيل: هو كناية عن الحَدَث، أي: من كان بهذه الصفة لا يصلح للربوبية (٧).\n﴿انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ﴾ على كون عيسى -ﷺ- عبدًا مخلوقًا.\n﴿ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٧٥)﴾ يصرفون عن التأمل فيها والتدبر.\n_________\n(١) في حاشية (أ): (لو قال قائل: إن الله ثالث ثلاثة؛ لم يكفر؛ لأن الله يقول: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ وأمثاله. بل يكفر إذا قال: ثالث ثلاثة آلهة وما أشبهه). وقد قال الواحدي في «الوسيط» ٢/ ٢١٣ نحوًا من هذا القول، ومثله البغوي ١/ ٦٩٩ أيضًا. والظاهر - والله أعلم - أنه يتعين اجتناب هذا اللفظ مطلقًا، لما يوحيه من معنىً منتفٍ في حق الله ﷿، فينبغي الحذر من إطلاق هذا القول ولو كان المراد غير ظاهره.\n(٢) في (ب): (في بعض الأزمان).\n(٣) في (أ): (وظهرت).\n(٤) في (ب): (قالوا).\n(٥) في (أ): (فأيده).\n(٦) سقطت (فلم اتخذتموه إلهًا) من (أ).\n(٧) زاد في (أ): (فلم اتخذتموه إلهًا).","vol":"1","page":201},{"text":"وأصل الكلمة الصَّرْفُ، أَفَكَهُ: صَرَفَهُ وَقَلبَهُ، والإفك: الكذب، والمؤتفكات من هذا.\n﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ قيل: هو متصل بما قبله، والمراد به عيسى -ﷺ-.\nوما بمعنى من.\nوقيل: استئناف واعتراض، والمراد به الأصنام.\n﴿وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾ لدعائكم الأصنام.\n﴿الْعَلِيمُ (٧٦)﴾ بمجازاتكم.\n﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ الغلو: تجاوز (١) الحدّ، وغلو اليهود: قولهم فيه إنه ساحر كذاب وأنه لغير رِشْدة (٢).\nوغلو النصارى: اتخاذهم إيّاه آلها.\nوقوله ﴿غَيْرَ الْحَقِّ﴾ يجوز أن يكون معناه: غير محقين، وقيل: ﴿غَيْرَ الْحَقِّ﴾ إلا الحق؛ فيجوز الغلو فيه، وقيل: تقديره ولا تقولوا غير الحق.\n﴿وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ﴾ يعنى أسلافهم.\n﴿وَأَضَلُّوا كَثِيرًا﴾ يعني تُبَّاعهم (٣).\n﴿وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٧٧)﴾ قيل: هو تبيان للأول، أي: ضلالهم عن قصد السبيل وهو الإسلام وطريق الجنة لا عن شيء آخر، وقيل: الضمير في ﴿وَضَلُّوا﴾ يعود إلى قوله (كثيرًا)، وقيل: يريد ضلُّوا من قبل وضلُّوا من بعد.\n﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ أي: لعنهم الله في الزبور والإنجيل وأبعدهم من خيره ورحمته.\nوالأصح: أن المراد باللعن ههنا: المسخ؛ فإن اليهود مسخت قردة في زمان داود لاعتدائهم في (٤) السبت، ومسخت خنازير في زمان عيسى لما كفروا بعد إنزال المائدة.\n_________\n(١) في (ب): (مجاوزة).\n(٢) قال ابن الأثير في «النهاية» (ص ٣٥٦) مادة (رشد): (يقال: هذا ولد رِشْدة إذا كان لنكاح صحيح، كما يقال في ضدّه: ولدُ زِنْية، بالكسر فيهما. وقال الأزهري في فصل بغى: كلام العرب المعروف: فلان ابن زَنْية وابن رَشْدة، وقد قيل: زِنْية ورِشْدة، والفتح أفصح اللغتين).\n(٣) في (ب): (أتباعهم).\n(٤) سقطت (في) من (ب).","vol":"1","page":202},{"text":"الكلبي: لما اعتدوا في السبت قال داود -ﷺ-: اللهم ليلبسوا اللعنة مثل الرداء ومثل مِنْطَقةِ الحَقْوين (١)؛ اللهم اجعلهم آية ومثلًا لخلقك، فأصبحوا قردة (٢).\n﴿ذَلِكَ﴾ أي: اللعن.\n﴿بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨)﴾ أي: بعصيانهم الله ورسوله واعتدائهم ما حرم عليهم من الصيد في السبت.\n﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ لا ينهي هذا ذاك ولا ذاك هذا، والمنكر: صيد الحيتان في السبت.\nوقيل: أخذ الرشا وأكل الربا.\nوقيل: هو قولهم: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ [الأعراف: ١٦٤].\n﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)﴾ هذا ذم لصنيعهم.\n﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ﴾ من اليهود والنصارى.\nالحسن: من اليهود خاصة (٣).\n﴿يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يوالون المشركين بغضًا لرسول الله -ﷺ- والمؤمنين، وتوهينًا لأمرهم (٤).\n﴿لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (٨٠)﴾ أي: بئس شيئًا قدموا ليردوا عليه يوم القيامة؛ سخط الله والخلود في النار.\nوقيل: بئس شيئًا ذلك؛ لأن كسبهم: السخطة (٥) والخلود في النار.\n_________\n(١) الحقوان: بفتح الحاء وكسرها، هما الخاصرتان من الإنسان، والمِنْطَقَة: ما يُشَدُّ به الوسط.\nانظر: «لسان العرب» مادة (حقو) و(نطق).\n(٢) ذكره أبو حيان كذلك في «البحر المحيط» ٣/ ٥٤٨ وصدّره بقوله: (وروي)، ونقله الطبرسي في «مجمع البيان» ٣/ ٣٥٧ عن أبي جعفر الباقر.\n(٣) نقله الجصاص في «أحكام القرآن» ٢/ ٤٥١ عن الحسن.\n(٤) في (ب): (لأمورهم).\n(٥) في (أ): (السخط).","vol":"1","page":203},{"text":"﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ﴾ أي: نبيهم.\n﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ﴾ يعني: كتابهم (١).\n﴿مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٨١)﴾ خارجون عن دينهم، فليس لهم دين البتة.\nوقيل: نزلت في منافقي اليهود والنبي محمد -ﷺ-؛ ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ﴾ القرآن.\n﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾، في سبب النزول عن سعيد بن المسيب (٢) وعروة بن الزبير (٣) وغيرهما، قالوا: بعث رسول الله -ﷺ- عمرو بن أمية الضَّمْريّ (٤) وكتب معه (٥) إلى النجاشي؛ فقدم على النجاشي وقرأ كتاب رسول الله -ﷺ-، ثم دعا جعفر بن أبي طالب والمهاجرين معه وأرسل إلى الرهبان والقسيسين فجمعهم، ثم أمر جعفرًا أن يقرأ عليهم القرآن، فقرأ عليهم جعفر سورة مريم؛ فآمنوا بالقرآن وفاضت أعينهم من الدمع، وهم الذين أنزل فيهم ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ إلى قوله: ﴿الشَّاهِدِينَ﴾ (٦).\nوعن سعيد بن جبير: بعث النجاشي إلى رسول الله -ﷺ- من خيار أصحابه ثلاثين رجلًا، فقرأ عليهم سورة يس فبكوا، فنزلت فيهم الآية (٧).\nوالمعنى: لتعلمنَّ اليهودَ والمشركين (٨) أشدَّ الناس عداوةً للمؤمنين، ولتعلمنَّ النصارى أقربَ الناس مودةً للمؤمنين؛ لأن اليهود قاسية القلوب.\nوقيل: يريد به اليهود الذين كانوا بالمدينة حين قدمها النبي -ﷺ-، وأما النصارى: فالمراد المسلمون منهم؛ لأنهم الذين آمنوا حين (٩) سمعوا القرآن.\n_________\n(١) في (ب): (يعني نبيهم).\n(٢) سعيد بن المسيّب المخزومي، أحد الفقهاء السبعة بالمدينة، ومن سادات التابعين، توفي سنة (٩٤ هـ).\nانظر: «ترتيب الأعلام» (ص ١٦٣).\n(٣) عروة بن الزبير بن العوام، أحد الفقهاء السبعة بالمدينة، كان صالحًا كريمًا، توفي سنة (٩٣ هـ).\nانظر: «ترتيب الأعلام» (ص ١٦٣).\n(٤) عمرو بن أمية بن خويلد الضمري، شهد بدرًا وأحدًا مع المشركين، ثم أسلم، له (٢٠) حديث، وهو الذي بعثه النبي -ﷺ- إلى النجاشي، توفي سنة (٥٥ هـ) أو نحوها.\nانظر: «ترتيب الأعلام» (ص ١٣٦).\n(٥) في (ب): (وكنت معه).\n(٦) أخرجه الطبري ٨/ ٤٠٥ وابن أبي حاتم ٤/ ١١٨٥ (٦٦٧٨)، والواحدي في «أسباب النزول» (ص ٢٠٣).\n(٧) في (أ): (فيهم هذه الآية).\nوالأثر أخرجه بهذا اللفظ: الواحدي في «أسباب النزول» (ص ٢٠٤)، وقد رواه ابن جرير ٨/ ٦٠٠ بلفظ: سبعين رجلًا، بينما أخرجه ابن أبي حاتم ٤/ ١١٨٤ (٦٦٧٣) بلفظ قريب من لفظ المصنف، وقد ذكر أنهم ثلاثون رجلًا أيضًا.\n(٨) في (ب): (والمشركون) وهي كذلك في نسخة (جـ).\n(٩) في (جـ): (حتى سمعوا).","vol":"1","page":204},{"text":"الزجاج: أول الآية في جميع النصارى؛ لأنهم أقل (١) مظاهرة للمشركين من اليهود، وآخرها في المؤمنين منهم (٢).\nثم ذكر سبب ذلك فقال، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾ القَسُّ والقِسِّيس: اسم الكبير الزاهد العالم منهم، وجمع تكسيره: القساسيس من حيث القياس، ومن حيث السماع: القساوسة، بالواو، حكاه الأزهري في «تهذيب اللغة» وأنشد فيه بيتًا (٣).\nوالقسّ في اللغة: نشر الحديث في النميمة.\nوالرهبان: جمع راهب؛ وهو الذي يَرْهَبُ اللهَ؛ أي: يخافه.\n﴿وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢)﴾ لا يتعظمون ولا يأنفون من اتباع النبي -ﷺ- والإيمان به وبما جاء به.\n﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ﴾ يعني القرآن.\n﴿تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ تمتلئ عيونهم دموعًا فتسيل.\n﴿مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ من القرآن وصفة محمد -ﷺ- والبشارة به في كتابهم.\n﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا﴾ بمحمد -ﷺ-.\n﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣)﴾ أي: اجعلنا من الذين شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.\nوقيل: اكتبنا في اللوح المحفوظ معهم.\nوقيل: أثبتنا معهم.\nثم إن قومهم عنَّفوهم على إيمانهم؛ فأجابوا بقولهم: ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾.\nوقيل: كأن سائلًا سألهم، والمعنى: لأي شيء نمتنع عن الإيمان بالله (٤).\n﴿وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ﴾ يعني محمدًا والقرآن.\n_________\n(١) في (ب): (لأنهم أول مظاهرة).\n(٢) انظر: «معاني القرآن» للزجاج ٢/ ٢٠٠، وقد صدّر الزجاج هذا القول بقوله: (وجائز أن يكون ...).\n(٣) انظر: «تهذيب اللغة» للأزهري ٨/ ٢٠٦، ولكن لم يذكر الأزهري أن الجمع هو: القساسيس. وقد حصل في نسخة (ب) سقط فكان النص كالتالي: (... تكسيره القساوسة والقس في اللغة).\n(٤) في (ب): (عن الإيمان) فقط، ولفظ الجلالة مثبت في (أ) و(جـ).","vol":"1","page":205},{"text":"﴿وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا﴾ الجنة.\n﴿مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (٨٤)﴾ الأنبياء والمؤمنين.\n﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٨٥)﴾ المؤمنين، أي: بقولهم ربنا آمنا واعتقادهم ذلك (١).\n﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ يعنى: اليهود والمشركين ومن لم يؤمن من النصارى.\n﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (٨٦)﴾.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ في سبب نزول: أن رسول الله -ﷺ- جلس يومًا، فَذَكَّرَ الناسَ ووصف القيامة ولم يزدهم على التخويف، فرقَّ الناسُ وبكوا، فاجتمع عشرة من الصحابة في بيت عثمان بن مظعون الجمحي (٢)، واتفقوا على أن يصوموا النهار ويقوموا الليل ولا يناموا على الفرش ولا يأكلوا اللحم ولا الودك، ولا يقربوا النساء والطيب، ويلبسوا المسوح ويرفضوا الدنيا، ويسيحوا في الأرض ويترهبوا ويجبّوا المذاكير، فبلغ ذلك رسول الله -ﷺ- فقال (٣): (ألم أنبأ أنكم اتفقتم على كذا وكذا؟) قالوا: بلى يا رسول الله؛ وما أردنا إلا الخير، فقال: (إني لم أومر بذلك، إن لأنفسكم عليكم حقًا، فصوموا وأفطروا وقوموا وناموا فإني أقوم وأنام، وأصوم وأفطر، وآكل اللحم والدسم، ومن رغب عن سنَّتي فليس منِّي) ثم\n_________\n(١) في (جـ): «المُحْسِنِين) أي المؤمنين ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ أي بقولهم ربنا آمنا واعتقادهم ذلك يعني اليهود ...).\n(٢) هو: عثمان بن مظعون بن حبيب بن وهب، من بني جُمح، أبو السائب، وهو وإخوته من السابقين إلى الإسلام، وتوفي في السنة الثانية من الهجرة، وهو أول من مات بالمدينة من المهاجرين.\nانظر: «معجم أعلام متن الحديث» (ص ٢٢٦).\n(٣) سقطت (فقال) من (ب).","vol":"1","page":206},{"text":"جمع الناس وخطبهم (١) فقال: (ما بال أقوام حرَّموا النساء والطعام والطيب والنوم وشهوات الدنيا، أما إني لست آمركم أن تكونوا قسيسين ورهبانًا، فإنه ليس (٢) في ديني ترك اللحم والنساء، ولا اتخاذ الصوامع، وإن سياحة أمتي الصوم، ورهبانيَّتهم الجهاد، اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، وحجّوا واعتمروا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، وصوموا شهر رمضان، فإنما أُهْلِكَ مَنْ كانَ قبلكم بالتَّشدُّد، شددوا (٣) على أنفسهم فشدد الله عليهم فأولئك بقاياهم في الدَّيْرات والصوامع)، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فقالوا: يا رسول الله: فكيف نصنع بأيماننا التي (٤) حلفنا عليها؟ وكانوا حلفوا على ما عليه اتفقوا، فأنزل الله (٥): ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ (٦).\nوعن ابن عباس ﵄ أن رجلًا أتى رسول الله -ﷺ- فقال: إني إذا أكلت اللحم انتشرت إلى النساء، وإني حرمت عليَّ اللحم، فنزلت: ﴿لَا تُحَرِّمُوا﴾ (٧). والمعنى: لا تمتنعوا (٨) من أكل اللذيذات من الأطعمة والأشربة، ولا من التمتع في الملابس والنساء والجواري باليمين والنذر.\n_________\n(١) في (أ): (فخطبهم).\n(٢) في (ب): (فليس).\n(٣) في (ب): (فشددوا).\n(٤) في (جـ): (كيف نصنع بأيماننا الذي حلفنا ...).\n(٥) في (ب): (فأنزل الله هذه الآية).\n(٦) هذه رواية الواحدي في «أسباب النزول» (ص ٢٠٥ - ٢٠٦) ولم يسندها، وأصل القصة دون تفاصيلها المذكورة أعلاه ثابت في الصحيحين، البخاري (٥٠٦٣)، ومسلم (١٤٠١) من حديث أنس بن مالك ﵁. وقد ردّ رسول الله -ﷺ- على عثمان بن مظعون التبتل، كما رواه سعد بن أبي وقاص ﵁ عند البخاري (٥٠٧٣) ومسلم (١٤٠٢).\n(٧) أخرجه الترمذي (٣٠٥٤) والطبري ٨/ ٦١٣، وابن أبي حاتم (٦٦٨٧) ٤/ ١١٨٦ وإسناده ضعيف، لضعف عثمان بن سعد أحد رواته.\n(٨) في (ب): (لا تحرموا أي لا تمتنعوا من ...).","vol":"1","page":207},{"text":"﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾ ولا تجاوزوا الحد الذي حدّ (١) عليكم في تحريم ولا تحليل.\n﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧)﴾.\n﴿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ مستلذًّا وتمتعوا به.\n﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٨٨)﴾ ولا تجروا ما أحل الله مجرى ما حرمه الله.\n﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ هو ما يبدو من المرء من غير قصد بالقلب وقد سبق في البقرة (٢).\n﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ بالقلب واللسان.\nو(ما) يجوز أن يكون للمصدر، أي: بعقدكم، ويجوز أن تكون الموصولة، أي: عاقدتم عليه، ثم حذف وحذف (٣).\n﴿فَكَفَّارَتُهُ﴾ أي: فالذي يستر إثمه ويذهب به.\n﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ الزجاج: الأوسط (٤): الأعدل.\nوقيل: الخيار.\nومعنى الأوسط: في القيمة، وقيل: في الشبع؛ وهو الخبز والإدام (٥).\nوقيل: الخبز واللحم.\n_________\n(١) في (ب): (ولا تجاوزوا ما حرم عليكم ...).\n(٢) في سورة البقرة، آية (٢٢٥).\n(٣) في (ب): (ثم حذف) فقط، وسقطت الثانية.\nقال أبو علي الفارسي في «الحجة» ٣/ ٢٥٣: (حذف الجار، فوصل الفعل إلى المفعول، ثم حذف من الصلة الضمير الذي كان يعود إلى الموصول).\n(٤) سقطت كلمة (الأوسط) من (أ).\nوانظر قول الزجاج في «معاني القرآن» ٢/ ٢٠٢، وقد قال الزجاج: (قال بعضهم: أعدله).\n(٥) سقطت كلمة (الإدام) من (أ).","vol":"1","page":208},{"text":"ابن عباس ﵄: الأوسط في المقدار: على قدر العسر واليسر (١).\nوقيل: يطعم كل واحد نصف صاع من بر أو صاعًا من تمر أو شعير وغيرهما من الحبوب التي يقتات أهل البلد.\n﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ يريد ثوبًا.\nوقيل: ثوبين إزارًا ورداء.\nوقيل: عباءة يلتحف بها أو عمامة يشدّ بها رأسه.\n﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ يريد إعتاق إنسان، وخص الرقبة بالذكر: لأن المملوك مشبه بالأسير المشدود رقبته؛ وإعتاقه (٢) كإطلاقه.\n﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ أي: واحدًا من الثلاثة المذكورة.\nوقيل: من لم يجد قوته وقوت من يقوته.\nوقيل: مائتي درهم.\n﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ أي: فكفارته صيام ثلاثة أيام (٣)، وفي مصحف ابن مسعود ﵁: متتابعات (٤).\n﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ يريد إذا حلفتم وحنثتم.\n﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ أي: لا تحلفوا أصلًا.\n_________\n(١) أخرجه الطبري ٨/ ٦٣٥ وابن أبي حاتم ٤/ ١١٩٣ (٦٧٢٤).\n(٢) سقطت الواو من (ب).\n(٣) سقطت كلمة (أيام) من (ب).\n(٤) أخرج الطبري ٨/ ٦٥٢ عن مجاهد قال: في قراءة عبدالله: (فصيام ثلاثة أيام متتابعات)، والقول بالتتابع هو قول جمهور الفقهاء، ومال إليه ابن كثير، حيث يقول: (وهذه إذا لم يثبت كونها قرآنًا متواترًا، فلا أقل من أن يكون خبرًا واحدًا، أو تفسيرًا من الصحابة، وهو في حكم المرفوع). انظر: «تفسير ابن كثير» ٥/ ٣٢٩.","vol":"1","page":209},{"text":"وقيل: احفظوها عن الحنث وترك الكفارة.\n﴿كَذَلِكَ﴾ أي: كمثل ذلك كفارة اليمين (١).\n﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ﴾ وقيل: كبيان الأحكام التي مضت من (٢) أول السورة.\n﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩)﴾.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ في سبب النزول: أن عمر ﵁ قال: اللهم بَيِّنْ لنا في الخمر بيانًا شافيًا، فأنزل الله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ [البقرة: ٢١٩] فقرئت على عمر ﵁، ثم قال عمر (٣) ﵁: اللهم بيِّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا، فنزلت: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣] وقرئت على عمر فقال: اللهم بيِّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا، فنزلت هذه الآية، فقرئت على عمر (٤) إلى قوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ قال عمر ﵁: انتهينا انتهينا (٥).\nوقيل: نزلت في حمزة وشارفي علي ﵄ (٦).\n_________\n(١) في (ب): (أي: كذا كفارة اليمين) وفي (جـ): (أي: كفارة اليمين).\n(٢) في (ب): (مضت في أول السورة).\n(٣) في (ب): (فقرئت على عمر فقال: اللهم ...).\n(٤) في (ب): (فنزلت هذه الآية إلى قوله ....).\n(٥) أخرجه أبو داود (٣٦٧٠)، والترمذي (٣٠٤٩)، والنسائي (٥٥٤٠)، والطبري ٨/ ٦٥٧ وغيرهم.\nقال ابن كثير ٥/ ٣٣٥: (صحح هذا الحديث علي بن المديني والترمذي).\n(٦) في (جـ): (وقيل نزلت في حمزة وعلي ﵄)، أما نسخة (ب) فقد وردت فيها زيادة كبيرة، ونصُّها: (وقيل نزلت في حمزة بن عبدالمطلب لما قعد شاربًا مع جماعة وعندهم قينة كانت تغنيهم فجاعت وكانت عند حمزة شارفان لعلي أعدهما لزفاف فاطمة فبعثته القينة على نحرهما بأبيات غنته بها فنحرهما وكان سكرانًا، فأخبر علي النبي ﵇ بذلك فشق عليه ذلك فأنزل هذه الآية).\nقال في «اللسان» مادة (شرف): (والشارف من الإبل: المُسِنُّ والمُسِنَّة). وقصة حمزة وعلي وردت عند البخاري (٢٣٧٥)، ومسلم (١٩٧٩)، والواحدي في «أسباب النزول» (ص ٢٠٨).","vol":"1","page":210},{"text":"وقيل: في سعد بن أبي وقاص (١).\nوأكثر المفسرين على أنَّ المُحَرِّمَة هذه الآية.\nوالخمر: عصير العنب بعدما اشتد وصار مسكرًا.\nوالميسر: القمار كله، وقد سبق في البقرة بيانه (٢).\n﴿وَالْأَنْصَابُ﴾ أصنام كانت تُنصب للعبادة.\nوقيل: كانت تنصب فيصبّ عليها دم القرابين.\n﴿وَالْأَزْلَامُ﴾ سبق تفسيره (٣).\n﴿رِجْسٌ﴾ قَذَرٌ ونجس، وقيل: حرام.\nوقيل (٤): رجس: رجز، وفيه بُعْد.\n﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ أي: هو الذي دعا إلى عمله بتزيينه.\n﴿فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)﴾ أي (٥): اجتنبوا الشيطان.\nابن الأنباري: اجتنبوا ما (٦) ذكرنا، ويحتمل: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ أي: الرِّجس (٧).\n﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ بما يجري فيهما من المشاتمة والمغابنة (٨).\n_________\n(١) أخرجه مسلم في صحيحه ٤٤/ ١٧٤٨، كتاب فضائل الصحابة، باب من فضل سعد بن أبي وقاص.\n(٢) سورة البقرة، آية (٢١٩).\n(٣) في هذه السورة، المائدة آية (٣).\n(٤) سقطت (وقيل) من (أ).\n(٥) سقطت (أي) من (ب).\n(٦) في (أ): (اجتنبوا الذي ذكرنا).\n(٧) ونقله ابن الجوزي عن ابن الأنباري كذلك، وهو في «زاد المسير» ٢/ ٤١٨.\n(٨) المغابنة: نقص العقول.\nانظر: «اللسان» مادة (غبن).","vol":"1","page":211},{"text":"﴿وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ﴾ حالة السكر والقَمْر (١).\n﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ استفهام بمعنى الأمر، أي: انتهوا.\n﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا﴾ مخالفته.\n﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ عن ذلك ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٩٢)﴾ أي: ليس عليه إلا التبليغ، وإلى الله التوفيق والخذلان.\n﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ عن البراء بن عازب ﵁ (٢) قال: مات ناس من أصحاب رسول الله -ﷺ- وهم كانوا يشربون الخمر (٣)، فلما حُرِّمت قال ناس: كيف بأصحابنا؟ ماتوا وهم يشربونها، فنزلت هذه الآية (٤).\nوالمعنى: ليس على المؤمنين الصالحين ﴿جُنَاحٌ﴾ إثم ﴿فِيمَا طَعِمُوا﴾ أي: شربوا من الخمر وأكلوا من الميسر قبل تحريمهما ﴿إِذَا مَا اتَّقَوْا﴾ الشرك ﴿وَآمَنُوا﴾ (٥) بالله\n﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا﴾ الخمر والميسر بعد التحريم ﴿وَآمَنُوا﴾ بتحريمه ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا﴾ سائر المحرمات ﴿وَأَحْسَنُوا﴾ إلى الناس وإلى أنفسهم.\nوقيل: إذا ما اتقوا المحرمات قبل تحريم الخمر، ثم اتقوا الخمر بعد التحريم، ثم اتقوا ما عسى يحرم.\n_________\n(١) يعني عند شربهم المسكر ولعبهم القمار، نسأل الله تعالى السلامة والعافية.\n(٢) هو البراء بن عازب بن الحارث الخزرجي، غزا مع الرسول -ﷺ- خمس عشرة غزوة، أولها الخندق، له ما يقارب (٣٥٠) حديثًا في الصحيحين، توفي سنة (٧١ هـ)، وقيل: (٧٢ هـ).\nانظر: «تقريب التهذيب» (ص ١٢١)، و«ترتيب الأعلام» (ص ١٥١).\n(٣) كلمة (الخمر) من نسخة (أ) فقط.\n(٤) أخرجه الترمذي (٣٠٥٠ - ٣٠٥١) وصححه، والطبري ٨/ ٦٦٧ وغيرهم.\n(٥) انتقل نظر ناسخ نسخة (ب) إلى لفظ (وآمنوا) الآخر من الآية وسقط عنده ما بينهما.","vol":"1","page":212},{"text":"ابن عيسى: الأول: عمل الاتّقاء.\nوالثاني: دوام الاتِّقاء.\nوالثالث: ضمّ الإحسان إلى الاتّقاء (١).\n﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣)﴾.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ﴾ يعاملكم (٢) معاملة المبتلي المختبر.\n﴿بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ﴾ يريد حمام مكة والحَرَم وفراخها.\n﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ﴾ من السقوف والكوى (٣) وفروع الأشجار.\n﴿وَرِمَاحُكُمْ﴾ إذا بَعُد وفات اليد.\nمجاهد: كانوا بالحديبية فجعلت الوحوش تغشى رحالهم (٤) كثرة (٥).\nوقيل: هو صيد الحرم (٦) كائنًا ما كان من بيض النعام وفراخه وسائر الوحش (٧) حتى الجراد.\n﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ﴾ علم مشاهدة.\n﴿بِالْغَيْبِ﴾ غائبًا عنه، وقيل: غائبًا عن المؤمنين، فلا يصيده سرًا كما لا يصيده جهرًا.\n_________\n(١) حكى أبو حيان في «البحر المحيط» ٤/ ١٩ الأقوال الواردة لأهل العلم حول تكرار لفظ التقوى في الآية.\n(٢) في (ب): (يعاملكم الله معاملة ...).\n(٣) في «المصباح المنير» (ك وى): (الكُوَّة: تفتح وتضم: الثُّقبة في الحائط).\n(٤) في (ب): (تغشى وجوههم كثرة).\n(٥) نقله جماعة من المفسرين عن مقاتل بن حيان، انظر ابن أبي حاتم ٤/ ١٢٠٤ (٦٧٨٩)، وابن كثير ٥/ ٣٥٥.\n(٦) سقطت كلمة (الحرم) من (جـ).\n(٧) في (جـ): (الوحوش).","vol":"1","page":213},{"text":"﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ﴾ الظاهر أنه يعود إلى الابتلاء؛ لأن التقدير: ليبلونكم الله بتحريم شيء من الصيد.\n﴿فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٩٤)﴾ أي: فصاد فله عذاب أليم (١)؛ قيل: في الآخرة، وقيل: في الدنيا بالضرب والتأديب.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ يريد صيد الحرم وغيره.\nوحُرُم: جمع حرام (٢).\n﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ ابن عباس في جماعة: ذاكرًا إحرامه (٣).\nوقيل: يتعمَّد القتل وينسى الإحرام.\n﴿فَجَزَاءٌ﴾ أي: فعليه جزاء.\n﴿مِثْلُ مَا قَتَلَ﴾ يماثل ما قتل (٤) ﴿مِنَ النَّعَمِ﴾ صفة للجزاء.\nومن أضاف فمثل زيادة (٥).\nوالنعم: الإبل والبقر والشاة.\nالزجاج: والظباء أيضًا نعَم (٦).\n_________\n(١) في (أ): (فصاد له عذاب ...) وفي (ب): (فله عذاب، وقيل: ...).\n(٢) في (أ): (جمع إحرام). قال أبو حيان ٤/ ٢١: (والحرم: جمع حرام، والحرام: المحرم).\n(٣) لم أجده مسندًا بهذا اللفظ عن ابن عباس، وقال السيوطي في «الدر المنثور» ٥/ ٥١٢: (أخرج أبو الشيخ عن ابن عباس: (ومن قتله منكم متعمدًا). قال: إذا كان ناسيًا لإحرامه فقتل الصيد متعمدًا).\n(٤) سقط من (ب) قوله: (يماثل ما قتل).\n(٥) قرأ أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وابن كثير وابن عامر (فجزاءُ مِثْلِ ما قتلَ من النعم) على الإضافة، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي ويعقوب وخلف (فجزاءٌ) منوّن (مِثلُ) رَفْعٌ.\nانظر: «المبسوط» (ص ١٦٣ - ١٦٤) لابن مهران.\nأما القول بأن (مثل) زائدة، فقد قال عنه السمين الحلبي في «الدر المصون» ٤/ ٤٢٠ بأنه خلاف الأصل.\n(٦) لم أجد هذا القول عن الزجاج في مظانه.","vol":"1","page":214},{"text":"﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ عدلان مسلمان.\n﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ يساق إلى مكة (١) فيذبح ويفرق على الفقراء والمساكين.\nوالمثل: في الصورة والخلقة.\nوقيل: في القيمة.\nوقيل: ما وجد له مثل في الصورة فمثله صورة، وما لم يوجد له مثل في الصورة فمثله في القيمة (٢).\nوالكعبة: اسم لبيت الله الحرام، وسمي كعبة لكونه (٣) مربعًا.\nوقيل: لنتوئه وتكعّبه.\nوقيل: كل بيت منفرد فهو كعبة.\n﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ يُقَوِّمُ العدلان الهدي (٤) بالمكان الذي أصابه فيه؛ فيشتري بالثمن الطعام ويُقسم على مساكين مكة.\n﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ أو ما ساواه من الصَّوم، فيصوم عن كل صاعٍ يومًا.\nوقيل: عن نصف صاع.\nوقيل: عن مدّ يومًا.\nوالعدل: بالفتح: ما ساوى شيئًا من غير جنسه، وبالكسر: من جنسه.\n﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ لينال الثقل الشديد على مخالفته أمر الله.\n_________\n(١) في (ب): (إلى كعبة).\n(٢) حصل سقط في (جـ) فكانت العبارة: (وقيل ما وجد له مثل في الصورة فمثله في القيمة).\n(٣) في (أ): (لكونها)، وفي (ب) حصل سقط فكانت العبارة كالتالي: (وسمي كعبة لنتوئه ...).\n(٤) في (ب): (يقوم الهديان العدل).","vol":"1","page":215},{"text":"والوبيل: الثقيل، وسُمِّيت خشبةُ القَصَّار وبيلًا من هذا (١).\n﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ أي: عما مضى من قتل الصيد في الحرم والإحرام قبل التحريم.\n﴿وَمَنْ عَادَ﴾ أي (٢): إلى القتل بعد التَّحريم.\n﴿فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ أي: فعليه الكفارة والإثم، وقيل: عليه الكفارة فحسب، وهي الانتقام، وقيل: عليه الإثم فحسب.\n﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٩٥)﴾ لمن (٣) جاوز أمره.\n﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ أي: صيد الماء.\nوالصيد: المصدر، والصيد: المَصِيْدُ.\n﴿وَطَعَامُهُ﴾ ما نضب عنه الماء (٤)، وقيل: طعامه: كل ما فيه.\nابن عباس ﵄: صيد البحري: الطري، وطعامه: المملوح (٥).\nوقيل: طعامه: أكله، وقيل: طعامه: مما (٦) سقي من ماء البحر.\n﴿مَتَاعًا لَكُمْ﴾ منفعة لكم.\n﴿وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ المسافرين، وقيل: المسافرين في البحر.\n﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ أي: في إحرامكم.\n_________\n(١) قال في «اللسان» (قصر): (والقصَّار والمقصِّرُ: المُحَوِّرُ للثياب، لأنه يدقها بالقَصَرَة التي هي القطعة من الخشب).\n(٢) سقطت (أي) من نسخة (ب).\n(٣) في (أ): (لما جاوز أمره).\n(٤) يعني: بَعُدَ عنه الماء. انظر: «اللسان» مادة (نضب).\n(٥) هو مجموع أثرين عن ابن عباس، أخرجهما الطبري ٨/ ٧٢٣ - ٨/ ٧٣١.\n(٦) في (ب): (ما سقى).","vol":"1","page":216},{"text":"والصيد: الفعل ههنا، وجاز تناول ما صاده غيره (١)، وقيل: هو المصيد أيضًا.\n﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩٦)﴾.\n﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ﴾ أي: خلق، ونصب ﴿الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ بدل منها ﴿قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ أي: مصلحة وبقاء لأبدانهم، فيكون الناس أهل مكة والبادية، وقيل: مصلحة لأديان الناس (٢).\n﴿وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ﴾ سبق تفسيره (٣).\n﴿ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: يعلم مصالح ما في السماوات وما في الأرض.\n﴿وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٩٧)﴾ علم مصالحهم فيما فعل.\nوالقيام: الثبات والاستقرار.\nومن قرأ (قِيَمًا) فهو مصدر، كالشبع (٤).\nوالشهر الحرام والهدي والقلائد: عطف على الكعبة، والمفعول الثاني محذوف، وهو ﴿قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾.\n﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٨)﴾ إنما قدم ذكر العقوبة تخويفًا وتحريضًا على التوبة والانقلاع (٥) عن الذنوب.\n_________\n(١) العبارة في (أ): (ما صاده غيره حلالًا).\n(٢) زاد هنا في نسخة (ب): (فيكون الناس عامًا).\n(٣) في السورة نفسها، آية رقم (٢).\n(٤) هي قراءة ابن عامر وحده دون بقية العشرة، حيث قرأوا (قيامًا) بالألف.\nانظر: «المبسوط» لابن مهران (ص ١٦٤).\n(٥) في (ب): (والانقلاع عنها).","vol":"1","page":217},{"text":"﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ أي: لم نأمره إلا بتبليغ ما حمل (١).\n﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (٩٩)﴾ فلا يخفى عليه نفاق ولا وفاق.\n﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ﴾ الحسن: الحلال والحرام (٢).\nابن جرير: الكافر والمؤمن (٣).\nوقيل: أهل الطاعة وأهل المعصية.\nأي: لا يستويان (٤) في المنزلة والمكان.\n﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ أي: أعجبتك كثرتهم فإنها إلى نقص وزوال.\n﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠٠)﴾.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ في سبب نزولها قولان:\nقال ابن عباس ﵄: كانوا يسألون النبي -ﷺ- عن أشياء لا يعنيهم علمها، إعناتا واستهزاءً وامتحانًا وأن رسول الله -ﷺ- كان يخطب ذات يوم غضبان من كثرة ما كانوا يسألونه، فقال في أثناء كلامه: (لا تسألونني (٥) عن شيء إلا أجبتكم عنه (٦) ما دمت في مقامي هذا) فقام رجل يقال له عبد الله من بني سهم (٧) فسأله عن أبيه، وكان يتنازع فيه، فقال: (حذافة بن قيس) وكان يدعى بغيره، وقام آخر يطعن في نسبه، فقال من أبي؟ فقال: (جثامة) وكان يعرف بغيره.\n_________\n(١) في (جـ): (أي ما نأمره إلا تبليغ ما حمّل).\n(٢) نقله القرطبي ٦/ ٣٢٧، وأبو حيان ٤/ ٣٠ - ٣١ وغيرهم عن الحسن.\n(٣) إنما حكاه ابن جرير قول السدي، انظر: «جامع البيان» ٩/ ١٢.\n(٤) في (ب): (أي لا يستوي).\n(٥) في (ب): (لا تسألوني).\n(٦) في (ب): (عليه).\n(٧) في (ب): (عبدالله بن سلام).","vol":"1","page":218},{"text":"ويروى: فقال أين أنا؟ فقال: (في النار).\nويروى: فقال أين أبي؟ فقال: (في النار)، فرجع إلى أمه وحدثها بما جرى، فقالت: صدق، وكانت في الجاهلية مناكحات نسخها الإسلام (١).\nوذهب جماعة إلى أنه لما نزلت ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] سأل سراقة بن مالك فقال: أفي كل عام يا رسول الله؟ فسكت رسول الله -ﷺ-، فسأله مرَّات (٢)، حتى قال في الرابعة: (لا، ولو قلت نعم لوجب)، فأنزل الله تعالى هذه الآية (٣).\nوفي بعض الروايات: فاشتد غضب رسول الله -ﷺ- فجثا عمر ﵁ على ركبتيه فقال: رضينا بالله ربًّا وبالإسلام دينًا، وبمحمد -ﷺ- نبيًا، وبالقرآن إمامًا، إنا يا رسول الله حديثو عهد بجاهلية وشرك فاعف عنا عفا الله عنك، فسكن غضبه وقال -ﷺ-: (لقد صورت لي الجنة والنار آنفًا في عرض هذا الحائط، فلم أرَ كاليوم في (٤) الخير والشر) (٥).\nوالمعنى: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ كالسائل عن أبيه ﴿إِنْ تُبْدَ لَكُمْ﴾ إن يخبركم النبي\n_________\n(١) رواية ابن عباس وردت عند البخاري (٤٦٢٢).\nوقد فصَّلَ الإمام مسلم في صحيحه روايات هذا الحديث، فانظر الحديث رقم (٢٣٥٩) ورقم (٢٣٦٠)، كما أورد عددًا منها كذلك الطبري في «جامع البيان» ٩/ ١٤ - ١٧.\n(٢) في (ب): (فسأله فسكت مرات حتى قال في ....).\n(٣) أخرجه الترمذي (٨١٤) وابن ماجه (٢٨٨٤) وغيرهم من حديث علي ﵁، وقال الترمذي: حديث غريب من هذا الوجه.\nوقد روي الحديث عن عدد من الصحابة، انظر: «الدر المنثور» ٥/ ٥٤٨ - ٥٥٢. علمًا أنني لم أجد في شيء من الروايات أن السائل هو: سراقة بن مالك، فالله تعالى أعلم.\n(٤) في (ب): (فلم أر في اليوم كالخير والشر).\n(٥) انظر: البخاري (٩٣) (٥٤٠) (٦٣٦٢) والطبري ٩/ ١٧.","vol":"1","page":219},{"text":"﴿تَسُؤْكُمْ﴾ تغمكم ﴿وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ يخبركم.\nوقيل معناه: إن لم تبتدئوا بالسؤال عن التحريم والتحليل وتوقعتم بيانه حين (١) ينزل القرآن كان أصلح لكم.\n﴿عَفَا اللَّهُ عَنْهَا﴾ قيل: فيه تقديم وتأخير (٢)، والمعنى: لا تسألوا عن أشياء عفا الله عنها، أي: تجاوز عن الذنب الواقع بسببها، وقيل: خفف بها عنكم فلم يتعبكم فيها، وقيل: هو واقع موقعه، وتقديره: عفا الله عما سألتم فلا تسألوا (٣) بعدها.\nابن عيسى: يجوز أن تعود الهاء في ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْهَا﴾ إلى (أشياء) فيكون حقّه التقديم، ويجوز أن تعود إلى المسألة؛ فهو في موقعه (٤).\n﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٠١)﴾.\nوأشياء: جمع شيء، قال الخليل: اسم موضوع لجمع (٥) شيء وليس جاريًا عليه.\nقال: ولم يصرف لأنه على وزن فعلاء، وأصله شيئاء، فقدم الهمزة الأولى استثقالًا للجمع بين الهمزتين فصار أشياء، ووزنها لفعاء (٦).\nقال الأخفش (٧): وزنها أفعلاء، كهين وأهوناء، فحذف إحدى اليائين.\n_________\n(١) في (أ): (حتى).\n(٢) سقطت كلمة (وتأخير) من نسخة (ب).\n(٣) في (ب): (عفا الله عما سألتكم ولا تسألوا بعدها).\n(٤) لم أجد مصدرًا آخر لكلام ابن عيسى الرماني.\nوفي نسخة (أ): (يجوز أن يكون الهاء عائدًا في (عفا الله عنها) ...).\n(٥) في (جـ): (لجميع).\n(٦) انظر: «الدر المصون» للسمين الحلبي ٤/ ٤٣٤، وهو أيضًا مذكور في «الكتاب» لسيبويه ٤/ ٣٨٠ - ٣٨١.\n(٧) هو: سعيد بن مسعدة المجاشعي بالولاء، نحوي عالم باللغة والأدب، له كتاب «معاني القرآن»، توفي سنة (٢١٥ هـ).\nانظر: «ترتيب الأعلام» (ص ٢٢١).","vol":"1","page":220},{"text":"وقال الكسائي: وزنها أفعال لكنهالا تنصرف تشبيهًا بحمراء.\nوهذا ضعيف يبطله أسماء وأنباء، وقول الأخفش يضعفه التصغير، حيث يقول: أُشيَّاء، وعلى قياس قوله يجب أن يصغر شييئات، كصُديقات في تصغير أصدقاء.\nوقول الخليل قول سيبويه (١) وجميع البصريين.\n﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ قيل: سأل مثلها، فحذف المضاف، وقيل: سأل عنها، وحذف الجار، وقيل: سألها وسأل عنها بمعنىً.\nقيل: هو سؤالهم المائدة، وقيل: يعني ثمودًا حين سألوا صالحًا الناقة.\n﴿ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ (١٠٢)﴾ أي: بسببها، حيث لم يأتمروا بما سألوا.\n﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ هذه أسماء وضعها عمرو بن لحي (٢) على أنواع من النعم يأتي ذكرها إن شاءالله.\nوذكر المفسرون أن أبا هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول لأكثم بن جون الخزاعي (٣): (يا أكثم: رأيت عمرو بن لحي بن قَمَعَةَ بن خِنْدَف يجرّ قُصْبَهُ (٤) في النار يؤذي بريحها أهل النار، فما رأيت من رجل أشبه بك منه، ولا أشبه\n_________\n(١) هو: عمرو بن عثمان الحارثي بالولاء، إمام النحاة، أصله من شيراز، له كتاب «الكتاب» لم يوضع مثله في النحو، توفي سنة (١٨٠ هـ).\nانظر: «ترتيب الأعلام» (ص ٢٠٥).\n(٢) هو: عمرو بن لحي بن قمعَة بن خِنْدَف، عاش في الجاهلية، وهو الذي جلب بعض الأوثان إلى الكعبة، كهُبل ونَسر، نسأل الله تعالى العافية.\nانظر ترجمته في: «معجم أعلام متن الحديث» (ص ٢٤٣).\n(٣) هو أكثم بن الجون الخزاعي، وهو أبو معبد زوج أم معبد في قول. تأخرت وفاته إلى أن شهد خيبر.\nانظر: «الإصابة» ١/ ١٠٦ - ١٠٨، و«معجم أعلام متن الحديث» (ص ٦٠).\n(٤) القُصْب: اسم للأمعاء. انظر: «النهاية» لابن الأثير (قصب) (ص ٧٤٢).","vol":"1","page":221},{"text":"به منك)، فقال أكثم: أيضرني شبهه؟ قال: (لا، لأنك مؤمن وهو كافر، وإنه كان أول من غيَّر دين إسماعيل ونصب الأوثان وسيَّب السَّائبة) (١).\nواختلف المفسرون في البحيرة، فقال أبو عبيدة: هي الناقة إذا أنتجت خمسة أبطُن، فإن كان آخرها ذكرًا شقُّوا أُذن الناقة وخلّوْا سبيلها فلا تُركب ولا تُحلب (٢).\nقتادة: هي الناقة إذا أنتجت خمسة أبطن؛ نظر في الخامس فإن كان ذكرًا ذبحوه وأكلوه، وإن كانت أنثى شقُّوا أُذن الأنثى وقالوا هذه بحيرة فلم تُركب ولم تُحلب (٣).\nوقيل: هي الناقة إذا ولدت خمسة أبطن إناثًا بُحِرَتْ (٤).\nوقال محمد بن إسحاق (٥) قولًا يجمع بيان البحيرة والسائبة، قال: السائبة: الناقة إذا تابعت بين عشر إناث ليس فيهن ذكر؛ سيّبت فلم يُركب ظهرها ولم يُجزّ وبرها، ولم يَشرب لبنها إلا ضيف، وما نتجت بعد ذلك من أنثى، شقّ أذنها وخلّي سبيلها مع أمها في الإبل، فلم تُركب ولم تُحلب كما فُعِلَ بأمها، فهي البحيرة بنت السائبة (٦).\n_________\n(١) أخرجه البخاري في مواطن (٣٥٢٠) (٣٥٢١) (٤٦٢٣)، ومسلم (٢٨٥٦)، والطبري ٩/ ٢٧.\n(٢) انظر: «مجاز القرآن» لأبي عبيدة ١/ ١٨٠، وصدَّر أبو عبيدة هذا القول بقوله: (وقال آخرون).\n(٣) أخرجه الطبري عن قتادة ٩/ ٣٥.\nوقد وقع سقط في نسخة (ب) حيث ورد النص فيها كالتالي: (خمسة أبطن فإن كان ذكرًا ذبحوه وأكلوه وإن كانت أنثى ....) فدخل قول أبي عبيدة في قول قتادة.\n(٤) زاد في نسخة (ب): (أذنها).\n(٥) هو: محمد بن إسحاق بن يسار، أبو بكر المطلبي مولاهم، المدني، نزيل العراق، إمام المغازي، توفي سنة (١٥٠ هـ) ويقال بعدها.\nانظر: «تقريب التهذيب» (ص ٤٦٧).\n(٦) نقله القرطبي ٦/ ٣٣٦ عن ابن إسحاق.","vol":"1","page":222},{"text":"واشتقاقها من: بحرت، أي: شققت، ومنه البحر.\nأبو عبيدة: السائبة: الناقة يسيّبها الرجل في مرضه أو عند قدومه من سفره (١).\nوقيل: هو البعير يُنْجَحُ (٢) عليه الحاجة فيسيّب.\nوقيل: هو ما كانوا يسيبونه من المال والعبيد والإماء وغيرها للأصنام وخدّامها.\nواشتقاقه من: سيّبت الشيء: أهملته وخلّيته، والسائبة: المسيبة.\nوالوصيلة: من الشاة خاصة، فإنها إذا ولدت (٣) أربعة أبطن ثم ولدت الخامس ذكرًا أو أنثى قيل: وصلت أخاها.\nابن عباس ﵄: كانوا يحكمون بذلك في البطن السابع (٤).\nابن إسحاق: إذا أتْأمَت الشاة عشرةً، إناثًا متتابعات في خمسة أبطن ليس بينهن ذكر (٥).\nوالحام: قال أبو عبيدة: إذا ضرب في إبل الرجل عشر سنين قيل: حمى ظهره، فلا يُنتفع بظهره (٦).\nوقيل: إذا نتج من صلبه عشرة أبطن.\nوقيل: إذا ركب ولد ولده.\n_________\n(١) انظر: «مجاز القرآن» لأبي عبيدة ١/ ١٨٠.\n(٢) يعني: يقضي البعير حاجة صاحبه، فيسيبه.\n(٣) في (ب): (وأنها إذا أنتجت).\n(٤) أخرجه الطبري بنحوه عن ابن عباس ٩/ ٣٤، كما أخرجه ابن أبي حاتم ٤/ ١٢٢٢ - ١٢٢٣ (٦٨٩٨).\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم ٤/ ١٢٢٣ (٦٩٠٠).\n(٦) انظر: «مجاز القرآن» ١/ ١٧٩.","vol":"1","page":223},{"text":"والمعنى: ما أمر الله بشيء من ذلك.\n﴿وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ في نسبتهم هذا التحريم إليه.\n﴿وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٣)﴾ الحلال من الحرام، وقيل: أكثرهم لا يعقلون؛ لأنهم التابعون والمفترون هم المتبوعون (١).\n﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ أي قالوا: إن آباءنا كانوا عقلاء ذوي بصائر، فنحن ندين بما دانوا به.\nفقال الله: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٠٤)﴾ أي: في الناس علماء وسفهاء، فما (٢) يؤمنكم أن يكون آباؤكم الذين غيروا دين الله سفهاء، أفتتبعونهم على جهالة.\nفدلت الآية على وجوب النظر والتدبر وبطلان التقليد.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ أي: احفظوها، وهي نصبت على الإغراء.\nالدمياطي: أي: ليعظ بعضكم بعضًا وليعلمه ما يقربه من الله ويبعده من الشيطان.\n﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ﴾ من الكفار وأهل الكتاب.\n﴿إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ آمنتم وأمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر، فإنه من شرط الاهتداء.\nوروي عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قال: إنكم تقرؤون هذه الآية فتضعونها (٣) غير موضعها، وإني سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: (إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه يوشك أن يعمّهم الله (٤) بالعقاب) (٥).\nوقيل: هو إذا أمر بالمعروف (٦) فلم يُطع.\nابن جرير: هو في آخر الزمان إذا لم ينفع الأمر بالمعروف.\nوقوله: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ﴾ يجوز أن يكون رفعًا على الاستئناف، ويجوز أن يكون جزمًا بالجواب، ويجوز أن يكون نهيًا.\n﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ رجوعكم ﴿جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥)﴾ لا يأخذ أحدًا بذنب غيره.\n_________\n(١) في (أ): (هم المتبعون).\n(٢) في (أ): (فلا).\n(٣) في (ب): (وتضعونها).\n(٤) في (أ) و(ب): (أن يعمهم بالعقاب).\n(٥) أخرجه الترمذي (٢١٦٨)، وأبو داود (٤٣٣٨) وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٥٦٤).\n(٦) سقطت كلمة (بالمعروف) من (ب).","vol":"1","page":224},{"text":"﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ﴾ أجمع المفسرون على أن هذه الآيات نزلت في ثلاثة نفر من التّجار خرجوا من المدينة إلى الشام، وهم: تميم بن أوس الدَّاري (١)، من لخم، وعدي بن بَديّ (٢)، منهم من روى: بُدَيّ على التصغير، ومنهم من روى: بُدَّى، مثل: عُزَّى، ومنهم من روى: بَدَّاء على وزن فعلاء (٣)، وكانا نصرانيَّيْن يختلفان إلى الشام قبل الإسلام، ومعهما (٤) بديل ابن أبي مارية الرومي (٥)، وكان مسلمًا مولى لبنى سهم، فلما قدموا الشام مرض بديل، فكتب صحيفة فيها جميع ما معه، وطرح في جوالقه (٦)، فلما اشتد وجعه أوصى إلى تميم وعدي الذميّين، وأمرهما أن يدفعا متاعه إلى أهله إذا رجعا (٧) إليهم، ومات بديل.\nوقيل: كان خروجهم إلى النجاشي في السفينة، فمات بديل في السفينة وطرح في البحر، فقبضا تركته ففتَّشاه وأخذا منه إناء كان من فضة منقوشًا بالذهب (٨)، فيه ثلاثمائة مثقال مموهًا بالذهب، ثم قضيا حاجتهما من البلد، وانصرفا، فقدما المدينة فدفعا (٩) المتاع إلى أهل الميت،\n_________\n(١) صحابي مشهور، أسلم سنة تسع، انتقل إلى الشام بعد قتل عثمان ﵁.\nله ترجمة في «الإصابة» لابن حجر ١/ ٣٦٨.\n(٢) له ترجمة في «الإصابة» لابن حجر ٤/ ٤٦٨ وذكر اختلاف المترجمين له في إسلامه من عدمه.\nوقال ابن حجر: (والذي عندي أن بداء، بفتح الموحدة وتشديد الدال مقصور، وقيل ممدود).\n(٣) في (ب): (وزن فعل).\n(٤) في (ب): (وقبلهما بديل فكتب صحيفة ...). ففي النسخة تحريف وسقط في هذا الموضع.\n(٥) في (أ): (الرومي وهو مولى عمرو بن العاص وكان مسلمًا ...).\nولم ترد هذه الزيادة في نسخة (جـ)، وسبق أن ذكرت أن نسخة (ب) فيها سقط في هذا الموضع، والكرماني نقل هذه الرواية في كتابه «غرائب التفسير» ١/ ٣٤٠ ولم يذكر هذه الزيادة.\nوبُدَيل له ترجمة في «الإصابة» لابن حجر ١/ ٢٧٤.\n(٦) الجُوالِقُ والجُوالَقُ، بكسر اللام وفتحها، وعاءٌ من الأوعية.\nانظر: «اللسان» ١/ ٦٦٢ (جلق). وحكى في «القاموس» كسر الجيم واللام أيضًا.\n(٧) في (جـ): (إذا رجعوا إليهم).\n(٨) في (ب): (إناء كان منقوشًا بالذهب فيه ...).\n(٩) في (أ): (فدفع).","vol":"1","page":225},{"text":"فسألوا عنه (١) وقالوا لهما: هل باع شيئًا من متاعه الذي كان معه؟ قالا: لا، قالوا (٢): فهل طال مرضه فباع شيئًا من متاعه؟ قالوا (٣): لا، إنما مرض من (٤) حين قدم البلد فلم يلبث أن مات، ولم يطل مرضه، ففتشوا متاعه وأصابوا الصحيفة فيها تسمية ما كان معه (٥) من متاعه وفيه الإناء، فأتاهم بنو سهم موالي الميت، فقالوا لهما: ألستم زعمتم أن صاحبنا لم يبع شيئًا من متاعه ولا طال مرضه فأنفق على نفسه بعض ماله، قالا (٦): بلى، قالوا: إنا وجدنا في متاعه صحيفة فيها ذكر إناء قيمته ثلاثمائة مثقال، ولم تدفعوا إلينا، قالا: لا ندري، إنما أوصى إلينا بشيء وأمرنا أن ندفعه إليكم فدفعناه، وما لنا بالإناء من علم، فرفعوهما إلى رسول الله -ﷺ- فذكروا ذلك، فنزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ الآية، فصلى رسول الله -ﷺ- العصر ودعا بهما فاستحلفهما بالله الذي لا إله إلا هو أنهما لم يختانا (٧) شيئًا مما دفع إليهما، فحلفا على ذلك، فخلّى رسول الله -ﷺ- سبيلهما، ثم إنهما أظهرا الإناء، فبلغ بني سهم فأتوهما فقالوا لهما: ألم تزعما أن صاحبنا لم يبع شيئًا من متاعه، قالا: بلى، قالوا لهما: ما بال هذا الإناء معكما وهو مما خرج صاحبنا به وقد حلفتما عليه (٨)، قالا: إنا كنا ابتعناه منه (٩) ولم يكن لنا عليه بينة، فكرهنا أن نُقِرَّ به لكم فتأخذوه منا (١٠) وتسألونا عليه البينة فلا نقدر عليه، فرفعوهما إلى رسول الله -ﷺ- فنزلت هذه الآية ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا﴾ فقام عمرو بن العاص والمطلب ابن أبي وداعة السهميان، وقيل: عبدالله بن عمرو بن العاص دون عمرو، وقيل (١١): وسِنّ عبدالله احتمل ذلك؛ لأنه ولد لعمرو ولعمرو اثنتا عشرة سنة، فحلفا (١٢) أن المال كان أكثر مما أتيتمونا به، وإن شهادتنا أصدق (١٣) من شهادتهما، فدفع الإناء إلى أولياء الميت.\nثم أن تميمًا أسلم وكان يقول: صدق الله وبلغ رسوله، وأنا والله اختنت بالإناء وأنا أستغفر الله.\n_________\n(١) في (أ): (عنهما).\n(٢) في (أ): (قال).\n(٣) في (أ): (قالا).\n(٤) سقطت (من) من (أ).\n(٥) في (ب): (ما كان فيها من).\n(٦) في (ب): (قالوا).\n(٧) في (أ): (لا يختانا)، وفي (جـ): (لم يخونا).\n(٨) في (ب): (على ذلك).\n(٩) سقطت كلمة (منه) من نسخة (ب).\n(١٠) سقطت كلمة (منا) من نسخة (ب).\n(١١) سقطت كلمة (وقيل) من نسخة (ب).\n(١٢) في (ب): (فحلف).\n(١٣) في (ب): (أحق).","vol":"1","page":226},{"text":"وروي عن ابن عباس ﵄ أيضًا: أنه يروى عن تميم أنه قال: فلما أسلمت تأثمت من ذلك، فأتيت أهله فأخبرتهم الخبر، وأديت خمس مائة درهم وأخبرتهم أن عند صاحبي مثلها، فوثبوا إليه فأمرهم أن يستحلفوه بما يعظم به على أهل دينه، فنزلت هذه الآية، فقام عمرو بن العاص ورجل آخر فحلفا، فنزعت خمس مائة الدرهم من عدي بن بدي (١).\nومعنى الآية: أن من أحس بالموت فعليه أن يستشهد عدلين من المسلمين، فإن كان في سفر لا يجد مسلمَيْن؛ فله أن يُشْهِدَ كتابيَّين، فإن لم يثق الورثة بقولهما حَلَفا يمين دينهما بعد العصر أنهما صادقان فيما يشهدان به، فإن ادَّعى الورثة بعد ذلك أنهما كذبا بما قد ظهر من أمارات الكذب، اختير منهم رجلان معروفان بالصدق والسَّداد وحَلَفَا بأوكد الأيمان أن الشاهدَين كاذبان، وأن الورثة في دعواهم عليهما (٢) صادقون، ثم يمضي الحكم على ذلك.\nواعتمدت في إعراب الآية ما ذكره أبو علي في «الحجة»، والزجاج في «المعاني» (٣).\nقوله: ﴿شَهَادَةُ﴾ رفع بالابتداء.\nالزجاج: فيما فرض عليكم شهادة بينكم.\nوالمراد بالشهادة: الإشهاد والاستشهاد، إذ الغرض (٤) منها الوصيَّة.\n_________\n(١) أصل القصة في صحيح البخاري (٢٧٨٠).\nوللحديث روايات عند الطبري ٩/ ٨٧ - ٩٣ وابن أبي حاتم ٤/ ١٢٣٠ (٦٩٤١). والترمذي (٣٠٥٩) (٣٠٦٠)، والواحدي في «أسباب النزول» (ص ٢١٢ - ٢١٣) وغيرهم.\n(٢) في (جـ): (عليهم).\n(٣) انظر: «الحجة» لأبي علي الفارسي ٣/ ٢٦٢، و«معاني القرآن» للزجاج ٢/ ٢١٤.\n(٤) النص في نسخة (ب) حصل فيه سقط، فكان كالتالي: (... رفع بالابتداء إذ الغرض منها ...).","vol":"1","page":227},{"text":"﴿بَيْنِكُمْ﴾ ظرف أضيف إليه، كما رفع في قوله: (تقطع بَيْنُكُم) (١)، وقال (٢):\nفصادف بينُ عينيه الجَبُوبَا\nقوله: ﴿إِذَا﴾ (٣) ظرف للشهادة، وتقديره: شهادة بينكم حين حضر أحدكم الموت، أي: أسبابه كما سبق.\nالزجاج: الشهادة في وقت الوصية هي للموت (٤)؛ ليس أن الموت حاضره.\n﴿حِينَ الْوَصِيَّةِ﴾ بدل من إذا.\nوقيل: نصب بالموت، وقيل: بِحَضَرَ.\n﴿اثْنَانِ﴾ خبر المبتدأ، أي: شهادة بينكم شهادة اثنين، فحذف المضاف.\nوقيل: ذوا شهادة بينكم اثنان، وعلى قول الزجاج ارتفعا بالمصدر وهما فاعلان (٥).\n﴿ذَوَا عَدْلٍ﴾ صفة للاثنين، وكذلك ﴿مِنْكُمْ﴾، والمراد: من دينكم، وقيل: من قبيلتكم.\n﴿أَوْ آخَرَانِ﴾ عطف على قوله اثنان ﴿مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ صفة لهما، ومعناه: من غير دينكم، وقيل: من غير قبيلتكم، و﴿أَوْ﴾ للتفضيل (٦).\n_________\n(١) قرأ أبو جعفر ونافع وحفص عن عاصم والكسائي (بينَكُم) بالنصب، وقرأ باقي العشرة بالرفع.\nانظر: «المبسوط» لابن مهران (ص ١٧٢).\n(٢) هو لأبي خراش الهذلي كما في «اللسان» (جبب)، ونصه: (فَلاقَتْهُ ببلقعةٍ براحٍ*تُصادِمُ بين عينيه الجبوبا) وهو يصف عُقابًا أصاب صيدًا.\n(٣) النص في نسخة (ب): (الجبوبا ظرف للشهادة ...) فحصل فيه سقط ظاهر.\n(٤) في (أ): (هي الموت).\n(٥) في (أ): (وهما غير فاعلان).\n(٦) فيكون المعنى: أو آخران من غيركم إن لم تجدوا أحدًا منكم.\nانظر: «الفريد في إعراب القرآن المجيد» للهمداني ٢/ ٩٦.","vol":"1","page":228},{"text":"﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: سافرتم فيها (١).\n﴿فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ أي: قاربتم الأجل، وهذا اعتراض بين الصفة والموصوف؛ لأن قوله: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾ صفة لقوله: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾، وأفاد الاعتراض أن شهادة من هو من (٢) غيركم إنما يسمع في حال السفر والضرورة.\nوحذف جواب ﴿إِنْ﴾ لأن قوله: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ دل عليه.\nوالمراد بالصلاة: العصر.\nوقيل: الظهر.\nوقيل: عام في الصلوات.\n﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ أي: إن ارتاب الورثة حُبِسا على القسم.\n﴿لَا نَشْتَرِي﴾ لا نؤثر ﴿بِهِ﴾ بتحريف شهادتنا، وقيل: كناية عن الله ﷾.\nوقيل: كناية عن الإقسام، وأُقْسِمُ يُتَلَقَّى به القسم (٣) ﴿ثَمَنًا﴾ ذا ثمن، وقد سبق ﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ أي: المشهود له ﴿وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ﴾ أضاف الشهادة إلى الله لأنه أمر بإقامتها ﴿إِنَّا إِذًا﴾ أي: إنا إن كتمنا ﴿لَمِنَ الْآثِمِينَ (١٠٦)﴾ (٤).\n_________\n(١) سقطت كلمة (فيها) من نسخة (أ).\n(٢) سقط حرف (من) من نسخة (أ).\n(٣) في (جـ): (يتلقى بما يتلقى به القسم). ولعل المصنف يشير إلى الرد على زفر من الحنفية حيث يقول: أحلف وأقسم وأشهد لا يكون يمينًا إلا أن يذكر اسم الله تعالى.\nانظر: «الاختيار لتعليل المختار» للموصلي ٤/ ٦٣.\n(٤) في (جـ): (إنا إذًا لمن الآثمين) فسقط منها قول المؤلف: (أي إنا إن كتمنا).","vol":"1","page":229},{"text":"﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾ أي: عثر أهل الميت على أن الشاهدين استحقا إثمًا: عقوبة بتحريفهما ﴿فَآخَرَانِ﴾ جزاء الشرط ﴿يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ﴾ أي: استحق الإيصاء أو الإثم (١) ﴿عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾ بالميت.\nابن عباس ﵄: بالشهادة (٢).\nوقيل: باليمين.\nوهما رفع بالابتداء، والتقدير (٣): فالأوليان آخران يقومان مقامهما.\nوقيل: هما الأوليان فيكون الآخران مبتدأ.\nوقيل: بدل من الضمير الذي (٤) في ﴿يَقُومَانِ﴾.\nوقيل: أسند إليه ﴿اسْتَحَقَّ﴾ وتقديره: إثم الأوليان.\nوأجاز الأخفش أن يكون صفة لقوله ﴿أَوْ آخَرَانِ﴾ لأن الوصف قربه من المعرفة.\nومن قرأ ﴿الْأَوْلَيَانِ﴾ فهو جر على الوصف.\nأبو علي: سموا أولين من حيث كانوا الأولين في الذكر في قوله: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ وكذلك ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾.\nومن قرأ ﴿اسْتَحَقَّ﴾ بالفتح فالأوليان الفاعل، وتقديره: استحق (٥) الأوليان اليمين.\n_________\n(١) في (أ): (بالإيصاء أو الإثم).\n(٢) نقله الماوردي ٢/ ٧٧ عن ابن عباس ﵄.\n(٣) حصل سقط في نسخة (ب) فكان النص كالتالي: (الأوليان بالميت فالأوليان آخران ...).\n(٤) سقطت كلمة (الذي) من (ب).\n(٥) في (ب): (استحق عليهما الأوليان).","vol":"1","page":230},{"text":"وقيل: الأحلاف (١).\n﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ أي: الأوليان ﴿لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ أي: أصدق وأولى بأن تقبل ﴿وَمَا اعْتَدَيْنَا﴾: ما تجاوزنا الحق فيها ﴿إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٧)﴾ الواضعين الباطل موضع الحق ﴿ذَلِكَ﴾ أي: تحليف الشاهد في جمع (٢) من الناس.\nوقيل: ذلك الحكم وذلك الفعل ﴿أَدْنَى﴾ أقرب ﴿أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا﴾ كما حملوها من غير تحريف وخيانة فيها (٣) ﴿أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ أي: إذا عملوا برد اليمين على المدعين بعد أيمانهم احترزوا (٤) الكذب والخيانة، إما لله، وإما مخافة الافتضاح ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ لا الفضيحة ﴿وَاسْمَعُوا﴾ واقبلوا ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (١٠٨)﴾ الذين يشهدون الزور.\nللصحابة والتابعين (٥) والفقهاء في هذه الآية خمسة أقوال (٦):\nمنها: أن شهادة أهل الكتاب على المسلمين جائزة في السفر إذا (٧) كانت وصية.\nوقال قوم: كان هذا (٨) هكذا ثم نُسخ، ولا يجوز شهادة كافر بحال.\nوقال قوم: الآية كلها في المسلمين إذا شهدوا (٩).\nوقيل: ليس هذه الشهادة (١٠) التي تؤدى، وإنما الشهادة هاهنا: بمعنى الحضور.\nوالقول الخامس: الشهادة هاهنا (١١): بمعنى اليمين (١٢).\n﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ أي: اذكروا.\nوقيل: احذروا.\nوقيل: اتقوا.\nوقوله الرسل أي: الرسل في (١٣) الأمم.\n﴿فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾ ما الذي أجابتكم أممكم حين دعوتموهم إلى الإيمان.\nوهذا السؤال توبيخ لمن أنكرهم، وقيل: سؤال استشهاد.\n_________\n(١) قرأ أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وابن كثير وابن عامر والكسائي (من الذين استُحِقَّ) بضم التاء وكسر الحاء (عليهم الأوْلَيَان) على اثنين من الأَولى.\nوقرأ عاصم - في رواية أبي بكر - وحمزةُ ويعقوبُ وخلفٌ (استُحِقَّ) بضم التاء أيضًا (الأوَّلِيْنَ) على الجمع من الأول.\nوقرأ حفص عن عاصم وحده (استَحَقَّ) بفتح التاء والحاء (الأوْلَيَان) تثنية الأَوْلى.\nانظر: «المبسوط» لابن مهران (ص ١٦٤).\n(٢) في (ب): (موضع من الناس).\n(٣) في (ب): (ولا خيانة فيها).\n(٤) في (ب): (من الكذب).\n(٥) سقطت (التابعين) من (ب).\n(٦) انظر: «الجامع لأحكام القرآن» للقرطبي ٦/ ٣٤٦ وما بعدها، و«تفسير آيات الأحكام في سورة المائدة» للدكتور سليمان اللاحم (ص ٤٦٤) وما بعدها.\n(٧) في (ب): (في السفر إذا شهدوا إذا كانت وصية).\n(٨) سقطت (هذا) من (ب).\n(٩) سقطت (إذا شهدوا) من (ب).\n(١٠) في (ب): (هذه الوصية التي ...).\n(١١) سقطت (هاهنا) من (ب).\n(١٢) حصل هاهنا سقط في نسخة (ب) يبتدئ من قول المصنف (يوم يجمع الله الرسل) أي: اذكروا ... إلخ. وينتهي السقط عند قو ل المصنف (ما أجابونا به).\nولم يذكر في النسخة (ب) من هذا النص الساقط سوى قول المصنف: «قالوا لا علم لنا) لا يجوز إجراؤه على الظاهر لا يكذب فيها؛ ولأن الأنبياء لا يكذبون).\nوكأن الناسخ شعر بوجود سقط فاستدرك الساقط على الهامش من تفسير آخر تبين لي أنه «معالم التنزيل» للإمام البغوي ١/ ٧٢٩ - ٧٣٠.\n(١٣) سقطت (في) من نسخة (جـ).","vol":"1","page":231},{"text":"﴿قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا﴾ لا يجوز إجراؤه على الظاهر؛ لأن القيامة لا يُكْذَبُ فيها، ولأن الأنبياء لا يَكْذِبُون.\nوتقديره عند ابن عباس ﵄: لا علم لنا إلا علم أنت أعلم به منَّا (١).\nالحسن: ذهلوا عن الجواب، ثم لما ثاب عقلهم قالوا: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١٠٩)﴾ (٢).\nوقيل: لا علم لنا إلا ما علمتنا.\nوقيل: لا علم لنا بما غيبوا عنا من أفعالهم وأضمروا من اعتقاداتهم.\nوقيل: لا علم لنا بما فعلوا بعدنا.\nوقيل: لا علم لنا أنت لا تعلمه، فأنت تعلم ما أجابونا به.\n﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١٠٩)﴾ ذكر بلفظ المبالغة لكثرة المعلومات.\n﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (١١٠)﴾ هذه الآية سبق تفسيرها (٣).\nوقوله: ﴿تُخْرِجُ الْمَوْتَى﴾ أي: تحييهم، أو تخرجهم أحياء من القبور.\nومعنى: ﴿كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ﴾ أي: اليهود حين همّوا بقتلك.\n_________\n(١) أخرجه الطبري ٩/ ١١١، وابن أبي حاتم ٤/ ١٢٣٦ (٦٩٧٥).\n(٢) نقله الماوردي ٢/ ٧٨ عن الحسن والسدي.\n(٣) لعل المصنف يقصد ما تقدم في تفسير الآيات (٤٥ - ٤٩) من سورة آل عمران.","vol":"1","page":232},{"text":"﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ﴾ أي: اذكر ذلك أيضًا، فإني أنعمت عليك بهم إذ نصروك.\nوقيل: أنعمت عليهم بالإيمان.\nوالحواريون: سبق ذكرهم (١).\nومعنى: ﴿أَوْحَيْتُ﴾ هاهنا: ألهمت (٢).\nوقيل: أمرت.\nوقيل: أوحيت إليهم بالوحي إليك.\n﴿أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (١١١)﴾.\n﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾.\nقيل: يطيعك، واستطاع: بمعنى أطاع (٣).\nوقيل: هل يستجيب؟\nوقيل: هل يفعل ذلك فلا يرى دونه مانعًا؟\nوقيل: هل (٤) ينزل؟ ويستطيع صلة.\nوقيل: هل يقدر ربك؟\nوكان ذلك في ابتداء أمرهم قبل معرفتهم صفات الله، فأنكر عليهم فقال (٥):\n﴿اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١١٢)﴾.\n_________\n(١) في سورة آل عمران، الآية (٥٢).\n(٢) في (ب): أنعمت) بدلًا من ألهمت.\n(٣) في (ب): (قيل يطيع ويستطيع بمعنى أطاع ...).\n(٤) سقطت (هل) من (ب).\n(٥) في (جـ): (صفات الله فقال الله اتقوا الله ...).","vol":"1","page":233},{"text":"ومن قرأ بالتاء والنصب فالتقدير: هل تستطيع سؤال ربك (١).\nوروي عن عائشة ﵂ أنها قالت: كانوا أعلم من أن يقولوا هل يستطيع ربك (٢).\nو﴿أَنْ يُنَزِّلَ﴾ متصل بالسؤال لأنه في تقدير الملفوظ (٣).\nوقوله: ﴿أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ المائدة: الخوان الذي عليه الطعام (٤)، واشتقاقها من قول العرب ماده يميده: إذا أعطاه، وامتاد فلان فلانًا: إذا طلب عطاءه، فيكون فَاعِلَة بمعنى مَفْعولة، أي: مميدة، كعيشة راضية وماء دافق.\nوقيل: فاعلة: لأنها إذا أُطْعِمَ الناس عليها فكأنها أعطتهم الطعام، وقيل: مِنْ: ماد يميد: إذا تحرك (٥)، كأنها تميد بما عليها.\n﴿قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي: قال عيسى، ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١١٢)﴾ أي: لا يجوز اقتراح المعجزات بعد ظهور الآيات، وقيل معناه: لا تسألوا ذلك على طريق الشك والتعنت.\n﴿قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا﴾ قيل: للحاجة الداعية إلى الأكل.\nوقيل: تبركًا به، وهذا أظهر.\n_________\n(١) قرأ الكسائي وحده (هل تستطيعُ) بالتاء (رَبَّك) بالنصب، وقرأ باقي العشرة (هل يستطيعُ) بالياء (ربُّكَ) بالرفع.\nانظر: «المبسوط» لابن مهران (ص ١٦٥).\n(٢) أخرجه ابن جرير ٩/ ١١٧ - ١٨٨، وابن أبي حاتم ٤/ ١٢٤٣ (٧٠١٤)، وزاد السيوطي نسبته في «الدر المنثور» ٥/ ٥٩٢ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبي الشيخ وابن مردويه.\n(٣) في (ب): (الملفوظ به).\n(٤) في (ب): (الخوان عليها الطعام) وفي (جـ): (الخوان عليه الطعام).\n(٥) في (ب): (إذا تحرك يميد كأنها تميد بما عليها).","vol":"1","page":234},{"text":"﴿وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا﴾ تزداد (١) يقينًا، كقول إبراهيم ﵊: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠].\nوقيل: لتطمئن قلوبنا بأن الله قد بعثك إلينا نبيًا.\n﴿وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا﴾ (٢) في أنك نبيّ.\nوقيل: لتطمئن قلوبنا بأن الله اختارنا لك أعوانًا (٣)، ونعلم أن قد صدقتنا في أننا أعوان لك.\nوقيل: لتطمئن قلوبنا أن الله قد أجاب مسألتنا ونعلم أن قد صدقتنا في أن الله يجيب دعوتنا.\n﴿وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (١١٣)﴾ أنها نزلت من عند الله.\nوقيل: نشهد لله بالتوحيد ولك بالنبوة.\nوقيل: من الشاهدين إذا استشهدتنا.\n﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا﴾ أي: نتخذ اليوم الذي تنزل فيه عيدًا نعظمه نحن ومن يأتي بعدنا.\nابن عباس ﵄: يأكل منه آخر الناس كما أكل أولهم (٤).\nوقيل: عيدًا لنا جميعًا (٥).\nوقيل: (عيدًا) أي: عائدة من الله علينا وحجة وبرهانًا.\nوقيل: عظة لأولنا وآخرنا.\n_________\n(١) في (جـ): (... أظهر نريد تزاد يقينًا ...).\n(٢) في (جـ) كتب الناسخ (وتطمئن قلوبنا) بدلًا من (ونعلم أن قد صدقتنا).\n(٣) في (ب): (لتطمئن قلوبنا أن الله اختارك لنا أعوانًا).\n(٤) أخرجه الطبري ٩/ ١٢١ و٩/ ١٢٤، وابن أبي حاتم ٤/ ١٢٤٦ (٧٠٢٤).\n(٥) في (ب): (وقيل عيد الناس جميعًا).","vol":"1","page":235},{"text":"﴿وَآيَةً مِنْكَ﴾ على قدرتك وتوحيدك، ويحتمل: وآية منك لصحة نبوتي.\n﴿وَارْزُقْنَا﴾ المائدة، وقيل: الشكر على ذلك، ويحتمل: أدم رزقك لنا، ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١٤)﴾ خير من يرزق.\n﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾ أي (١): أجابه إلى ما سأله الحواريون، فأنزلها عليهم يوم الأحد.\nأبيّ بن كعب: نزلت مائدةً منكوسةً تطير بها الملائكة بين السماء والأرض (٢).\nسلمان: نزلت سُفْرَةً حمراءَ بين غمامتين، غمامةٍ من فوقها، وغمامةٍ من تحتها، وهم ينظرون إليها وهي تهوي مُنْقَضَّة حتى سقطت من بين أيديهم فبكى عيسى ﵊، وقال: اللهم اجعلني من الشاكرين، اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها مُثْلَةً وعقوبة (٣).\nوكان عليها خبز ولحم.\nوقيل: عليها سبعة أرغفة وسبع أحوات.\nوقيل: عليها سمكة فيها طعم كل طعام.\nوقيل: رغيفان وحوتان.\nوقيل: عليها كل طعام إلا اللحم.\n_________\n(١) سقطت (أي) من (ب).\n(٢) لم أجده عن أبي بن كعب، وإنما وجدته عند الثعلبي في «الكشف والبيان» ٤/ ١٢٨ من رواية كعب الأحبار، وهو كذلك عند البغوي في «معالم التنزيل» ١/ ٧٣٣.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم في مواطن من تفسيره ٤/ ١٢٤٥ (٧٠٢٠ - ٧٠٢٩ - ٧٠٣٩)، وأبو الشيخ في كتاب «العظمة» (رقم ٩٩٩)، وأبو بكر الشافعي في «الغيلانيات» (رقم ١١٣٥) وغيرهم.\nقال ابن كثير ٥/ ٤٢٢: (هذا أثر غريب جدًا).","vol":"1","page":236},{"text":"وقيل (١): عليها خبز أرز وسمك مشوي (٢) ليس عليها قشور ولا لها شوكة، تسيل من الدسم، قد نضد حولها (٣) البقول ما خلا الكراث، وعند رأسها خلّ، وعند ذنبها ملح وسبعة أرغفة، على كل واحد زيتون وحب رمان، وكانت تأتيهم أربعين يومًا غبًّا، وكل فقير أكل منها صار غنيًا مدة عيشه، وكل مريض أكل (٤) برأ فلم يمرض (٥) حتى مات، ثم أوحى الله إلى عيسى ﵊ أن اجعل مائدتي في الفقراء واليتامى والزمنى دون الأغنياء والأصحاء، فاضطرب الناس لذلك، فمسخ منهم ثلاثة وثمانون رجلًا خنازير فأصبحوا يأكلون العذرات (٦).\nوروي عن عمار بن ياسر ﵁: أن الله أمرهم أن لا يخونوا ولا يدَّخروا ففعلوا ذلك فمُسخوا قِردة وخنازير (٧).\nوعن الحسن: أن الله تعالى لما قال: ﴿إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾ اشترط (٨) بقوله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ﴾ الآية، فلما سمع القوم الشرط (٩) خافوا واستعفوا فلم تنزل (١٠).\nوعن مجاهد أنه قال: لم تنزل مائدة، وإنما هذا مثل ضربه لمقترحي المعجزات (١١).\nوالقول الأول الصواب، لقوله سبحانه: ﴿إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾ وهذا إخبار لا يحتمل الخلف، وليس في الآية ما يدل على الاستعفاء.\nوقوله: ﴿فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (١١٥)﴾.\nقيل: عالمي زمانهم وأمتهم.\nوقيل: عام، وهو أن جعلوا قردة وخنازير ولم يجعل بغيرهم تلك (١٢).\nوعن عبدالله بن عمرو ﵄: أن أشد الناس عذابًا يوم القيامة المنافقون ومن كفر من أصحاب المائدة، وآل فرعون (١٣).\n﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أكثر المفسرين وجمهورهم على أن هذا السؤال يكون في القيامة ولم يقع بعد، وسياق الآية وسباقها يدلان عليه (١٤).\n_________\n(١) في (جـ): (وقيل كان عليها).\n(٢) حصل سقط في نسخة (ب) حيث كان النص فيها: (... مثلة وعقوبة عليها خبز وأرز وسمك مشوي ليس عليها ...).\n(٣) في (ب): (قد نضد عليها البقول)، وفي (جـ): (حولها من البقول).\n(٤) سقطت كلمة (أكل) من (جـ).\n(٥) في (أ): (فلم يمرض أبدًا حتى مات).\n(٦) قال الإمام الطبري ٩/ ١٣١: (وأما الصواب من القول فيما كان على المائدة، فأن يقال: كان ما عليها مأكولٌ، وجائز أن يكون كان سمكًا وخبزًا، وجائزٌ أن يكون كان ثمرًا من ثمر الجنة، وغيرُ نافعٍ العلم به، ولا ضارٌّ الجهلُ به، إذا أقر تالي الآية بظاهر ما احتمله التنزيل).\n(٧) أخرجه الترمذي (٣٠٦١)، والطبري ٩/ ١٢٨، وابن أبي حاتم ٤/ ١٢٤٥ (٧٠٢٢) وقال الترمذي بعد أن رواه مرفوعًا وموقوفًا: (هذا حديث غريب ... ولا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث الحسن بن قزعة ... ولا نعلم للحديث المرفوع أصلًا).\n(٨) في (ب): (فشرط).\n(٩) في (ب): (فلما الشرط خافوا) ففي النسخة سقط كلمتين.\n(١٠) أخرجه الطبري ٩/ ١٣٠، وابن أبي حاتم ٤/ ١٢٥٢ معلقًا دون إسناد، وزاد السيوطي نسبته في «الدر المنثور» ٥/ ٦٠٤ لعبد بن حميد وابن الأنباري.\n(١١) أخرجه الطبري ٩/ ١٣٠، وابن أبي حاتم ٤/ ١٢٤٨ (٧٠٣٣).\n(١٢) حصل سقط في نسخة (جـ) حيث انتقل نظر الناسخ من أثر عمار السابق إلى هنا بسبب وجود كلمتي (قردة وخنازير) في الموطنين، وجاء النص في (جـ) هكذا: (ففعلوا ذلك فمسخوا قردة وخنازير ولم يجعل لغيرهم تلك وعن عبدالله ...). والجملة في (أ): (ولم نجعل بغيرهم تلك).\n(١٣) أخرجه الطبري ٩/ ١٣٢، وزاد السيوطي نسبته في «الدر المنثور» ٥/ ٦٠٤ إلى: عبد بن حميد وأبي الشيخ.\n(١٤) النص في (ب): (... إلى أن هذا السؤال يكون في القيامة ولم يكن بعد الآية وسياقها ...).","vol":"1","page":237},{"text":"ووضع لفظ الماضي موضع المستقبل، كقوله: (أتى أمر الله) لأن لفظ الماضي أدلّ على الوقوع من لفظ (١) المستقبل، وإذ: بمعنى إذا، كما قال (٢):\nثم جزاه الله عنا إذ جزى ... جنات عدنٍ في العلاليِّ العُلا\nابن عيسى (٣): لأنه لتحقق أمره وظهور برهانه بمنزلة ما قد وقع وشوهد.\nومعنى سؤال عيسى ﵊: توبيخ لمن قال عليه ذلك.\nوقيل: إخبار له بأن قومه غيَّروا بعده القول فيه.\nوذهب السدّي وقطرب وابن جرير: إلى أنه خاطبه به حين رفعه إلى السماء، قالوا (٤): والدليل على ذلك لفظ ﴿وَإِذْ﴾ وأن قوله: ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ إنما قال ذلك والكفار بهذا القول أحياء، أي: إن وفقتهم (٥) للإيمان لم يمتنع عليك (٦).\n﴿قَالَ سُبْحَانَكَ﴾ تنزيهًا لك عن أن يكون لك في الإلهية شريك.\n﴿مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ أي: لا يليق بي قول لا أستحقه، ومعنى ﴿بِحَقٍّ﴾ (٧): بمستحق، وقيل تقديره: بحقٍّ (٨) إن كنت قلته فقد علمته، ومعنى ﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ أي: لا أحتاج إلى الاعتذار عن هذا المقال؛ لأنك تعلم أنّي لم\n_________\n(١) في (ب): (... الوقوع بمعنى المستقبل ...).\n(٢) هو لأبي النجم كما ذكر ذلك الطبري في التفسير ٩/ ١٣٤.\n(٣) في (ب): (ابن عباس) وهو تصحيف.\n(٤) في (ب): (قيل).\n(٥) في (ب): (وفقتم).\n(٦) انظر: «جامع البيان» للطبري ٩/ ١٣٥، و«زاد المسير» لابن الجوزي ٢/ ٤٦٣، و«فتح القدير» للشوكاني ٢/ ١٣٤.\n(٧) في (أ): (أي بمستحق).\n(٨) في (أ): (وقيل تقدير بحق).","vol":"1","page":238},{"text":"أقله، ولو قلته علمته، وتقديره: إن أكن قلته؛ لأن الشرط لا يصحّ مع لفظ الماضي، ومن ذهب إلى أن (كان) مستثنى من هذا الباب فقوله غير مرضيّ عند النُّحاة.\nوقيل: ﴿إِنْ﴾ بمعنى: ما، وفيه بعد.\n﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي﴾ ما أخفيه وأغيِّبه وأضمره (١)، إذ لا تخفى عليك خافية.\n﴿وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ ما تخفيه وتغيبه عن الناس.\nو﴿نَفْسِي﴾ غيبي، و﴿نَفْسِكَ﴾ غيبك (٢).\nوقيل: ذكر النفس ازدواجًا للكلام، كقوله: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥]، و﴿وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤] وقد سبق.\nوقيل: النفس هاهنا: ما يذكر للتأكيد كالعين.\nوقيل تقديره: تعلم ما في نفسي (٣) ولا أعلم ما في نفسي فأضافها إلى الله ملكًا وخلقًا، وهذا مزيف (٤).\n﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦)﴾ ذكر بلفظ المبالغة لجمع الغيوب (٥).\n﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ﴾ أي: بأن أقوله.\n_________\n(١) في (أ): (ما أخفيه وأغيبه وأضمر)، وفي (جـ): (ما أخفيه وأغيب وأضمر).\n(٢) في (جـ): (ونفسي عيني ونفسك عينك).\n(٣) في (ب): (ما في نفسك).\n(٤) قال شيخ الإسلام ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» ٩/ ٢٩٢ - ٢٩٣: (قال تعالى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ وقال: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ .... فهذه المواضع المراد فيها بلفظ النفس عند جمهور العلماء: الله نفسه، التي هي ذاته، المتصفة بصفاته، ليس المراد بها ذاتًا منفكة عن الصفات، ولا المراد بها صفة للذات، وطائفة من الناس يجعلونها من باب الصفات، كما يظن طائفة أنها الذات المجردة عن الصفات، وكلا القولين خطأ).\n(٥) في (ب): (لجميع القلوب).","vol":"1","page":239},{"text":"﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ أن هي المفسرة بمعنى: أي، وجاز أن يكون بدلًا من الهاء، وجاز أن يكون بدلًا من ما.\n﴿رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ خالقي وخالقكم.\n﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ أي: مشاهدًا أحوالهم من كفر وإيمان.\nوقيل: شهيدًا عليهم، أي: شاهدًا عليهم (١).\n﴿مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ مدة حياتي ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي﴾ قيل: من الوفاء (٢).\nوقيل: من الوفاة التي هي النوم.\nوقيل: الموت، وقد سبق ما فيه في قوله: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ [آل عمران: ٥٥].\n﴿كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ أي: حافظًا لهم وعالمًا بأحوالهم، وأصله المراقبة، وهي المراعاة، والرقبة منه لأنها في مثل (٣) موضع الرقيب من علو المكان.\n﴿وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧)﴾ قيل: مشاهد لما حضر وغاب.\nوقيل: شهيد على من عصى وأطاع.\n﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ قال المفسرون: معناه إن تعذبهم فأنت مالكهم (٤) وليس لأحد عليك اعتراض.\nوقيل: ذكر ذلك على وجه الاستعطاف.\n﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ على قول السدي وصاحبيه (٥) ظاهر، أي: إن (٦) توفقهم\n_________\n(١) حصل سقط من النص في (ب) فكان كالتالي: (خالقي وخالقكم وكنت عليهم شهيدًا مادمت فيهم مدة ...).\n(٢) في (ب): (قيل من الموتى).\n(٣) في (أ): (في موضع ...).\n(٤) في (أ): (إن كنت تعذبهم) وفي (جـ): (قال المفسرون إن تعذبهم).\n(٥) هما قطرب وابن جرير كما يظهر من نقل المصنف لقولهما فيما سبق.\n(٦) سقطت (إن) من (ب)، وسقطت (أي) من (جـ).","vol":"1","page":240},{"text":"للإيمان، وعلى قول الجمهور مشكل.\nقال المبرد: أراد وإن تغفر لهم ما قالوا (١) عليَّ خاصة.\nالزجاج: ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ أي: لمن أقلع منهم وآمن.\nوقيل: جائز أن يكون الله لم يُعْلِمْ عيسى أنه لا يغفر الشرك، وهذا مزيف.\nوتقدير الآية: إن تعذبهم فإنما تعذب عبادك، وإن تغفر لهم فإنما تغفر لعبادك. لا بد من هذا التقدير ليصح المعنى الذي ذهبوا إليه.\nويحتمل معنىً دقيقًا: وهو أن قوله: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ﴾ شرط جزاءه ﴿فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾، فصار قوله: ﴿عِبَادُكَ﴾ معلقًا بالتعذيب، ثم ذكر المغفرة، والمراد بها ضد التعذيب، فصار كأنه قال (٢): إن (٣) تعذبهم فإنهم عبادك، وإن لم تعذبهم (٤)، أي: هم عبادك في جميع الأحوال، فناب قوله: ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ عن قوله: وإن لم تعذبهم، وليس المراد بها طلب المغفرة للكفار، ولهذا لم يختم الآية بما يليق بالغفران من الغفور والرحيم، بل ختمها بما يليق بالتعذيب ﴿فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)﴾ (٥).\nومثله قوله: إن دخلتَ الدار فأنت حر وإن لم تدخل، عتق في الحال؛ لأن هذا كلام من شرط ثم أنجز.\n﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾.\n_________\n(١) في (ب): (ما قال).\n(٢) سقطت (قال) من (ب).\n(٣) سقطت (إن) من (جـ).\n(٤) سقطت (وإن لم تعذبهم) من (ب)، والعبارة في (جـ): (فإنهم عبادك وإن لم تعذبهم فإنهم عبادك في جميع الأحوال).\n(٥) في (جـ): (بالتعذيب من العزيز الحكيم).","vol":"1","page":241},{"text":"السدي: هذا فصل من كلام عيسى ﵊، أي: يقول عيسى يوم القيامة: قال الله هذا يوم ينفع (١).\nوقال (٢) غيره - وهو الظاهر - إنه من قول الله.\nومَن (٣) نصب ﴿يَوْمُ يَنْفَعُ﴾ جعل ﴿هَذَا﴾ مفعولًا و﴿يَوْمُ﴾ ظرف لقال (٤)، أي: يقول الله هذا يوم ينفع.\nوذهب الكوفيون إلى أن ﴿يَوْمُ﴾ مبني على الفتح، وعند البصريين: إنما يبنى على الفتح (٥) مع الماضي، ولكل احتجاج (٦).\nابن عيسى: صدقهم: إيمانهم.\nوقيل: ما عاهدوا الله عليه، والمعنى (٧): صدقهم في الدنيا ينفعهم يوم القيامة.\nوقيل: صدقهم في القيامة يريد به شهادتهم على أنفسهم بما صنعوا، وللأنبياء بما شاهدوا.\n﴿لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ﵃﴾ بقبول حسناتهم ﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾ بما آتاهم من الكرامة والنعيم ﴿ذَلِكَ﴾ أي: نيل الجنة والخلاص من النار ﴿الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١٩)﴾.\n﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ﴾ أحدثها بعد أن لم تكن، ويفنيها إذا أراد ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ من الإحداث والإفناء والمنع والإعطاء (٨) ﴿قَدِيرٌ (١٢٠)﴾ قادر على الكمال، والله المحمود على كل حال.\n_________\n(١) أخرجه الطبري ٩/ ١٤٠، وابن أبي حاتم ٤/ ١٢٥٦ (٧٠٦٥).\n(٢) في (ب): (يوم ينفع والظاهر أنه من قول الله تعالى).\n(٣) في (جـ): (وهو نصب).\n(٤) في (ب) و(جـ): (ظرفًا له) والمثبت من (أ) وهو الموافق لما في «الحجة» لأبي علي الفارسي ٣/ ٢٨٣، وهو مصدر الكرماني في توجيه القراءات.\n(٥) انتقل نظر الناسخ لنسخة (ب) فكان النص كالتالي: (مبني على الفتح مع الماضي).\n(٦) قرأ نافع وحده (قال الله هذا يَوْمَ ينفعُ)، بالنصب، وقرأ الباقون (يَوْمُ ينفعُ) بالرفع.\nانظر: «المبسوط» لابن مهران (ص ١٦٥)، و«الحجة» لأبي علي الفارسي ٣/ ٢٨٢ - ٢٨٤.\n(٧) في (ب): (والمعنى إن صدقهم ...).\n(٨) في (جـ): (من الإحداث قدير قادر على المالك والله المحمود على كل حال).","vol":"1","page":242},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n<span data-type=\"title\" id=toc-112>سورة الأنعام</span>\nمكية.\nقال عطاء: مكية إلا ثلاث آيات، من قوله: ﴿قُلْ تَعَالَوْا﴾ [الأنعام: ١٥١].\nوقيل: مكية إلا آيتين، إحداهما: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١]، والثانية: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ﴾ (١) [الأنعام: ١٤١].\nوروى زرّ بن حبيش عن أبي بن كعب عن رسول الله -ﷺ- أنه قال: (نزلت علي سورة الأنعام جملة واحدة ليلًا شيعها سبعون ألف ملك لهم زجل بالتسبيح والتحميد، ومن قرأ سورة الأنعام صلى عليه واستغفر له أولئك السبعون ألف ملك بعدد كل آية من الأنعام يومًا وليلة) (٢).\n_________\n(١) اختلفت بدايات النسخ الثلاث هنا، كما سبق في مطلع سورة المائدة.\nففي (أ): (سورة الأنعام مائة وخمس وستون آيةمكية، قال عطاء ....).\nوفي (ب): (سورة الأنعام قال عطاء ...).\nوفي (جـ): (سورة الأنعام مكية قال عطاء ....).\nونزول سورة الأنعام جملة واحدةمسألة قد اختلفت فيها أقوال المفسرين، فبعضهم يقول بذلك، وبعضهم يرى أنه يُستثنى منها بعض الآيات المدنية.\nانظر كتاب: «المكي والمدني في القرآن الكريم» ١/ ٢٨٧ - ٣٠٥ ففيه دراسة موسعة حول هذه المسألة، وانتهى فيه إلى ترجيح القول بأن السورة نزلت جملة واحدة بمكة، وأنه لا يصح استثناء شيء من آيات السورة.\n(٢) أورده الثعلبي ٤/ ١٣١، والزمخشري ٢/ ٨٥، وقال ابن حجر: (فيه أبو عصمة، وهو متَّهم بالكذب). انظر: هامش «الكشاف» للزمخشري ٢/ ٨٥، ولعل البغوي لم يورده لهذا السبب، وأخرجه الواحدي في «الوسيط» ٢/ ٢٥٠ بسند فيه سلاّم بن سليم المدائني، وهو متروك كما في «التقريب» (ص ٢٦١). وقد روي الحديث عن ابن عمر مختصرًا إلى قوله: (والتحميد).\nأخرجه الطبراني في «المعجم الصغير» ١/ ٨١ وعنه ابن مردويه كما ذكر ذلك ابن كثير ٦/ ٧. وقال ابن «=حجر: فيه يوسف بن عطية وهو ضعيف. وللحديث عدد من الألفاظ، فصّل الكلام عليها: الزيلعي في =تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في تفسير الكشاف» ١/ ٤٥٠ - ٤٥١، وابن كثير ٦/ ٥ - ٧، والمناوي في «الفتح السماوي» ٢/ ٦٢٨ - ٦٣٠.","vol":"1","page":243},{"text":"وزاد بعضهم: (وخرَّ ساجدًا ثم دعا الكتاب فكتبوها من ليلتهم) (١)، والله أعلم بالصواب (٢).\n﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ ثناء وشكر، وهو خبر بمعنى أمر (٣)، أي: قولوا: الحمد لله ليقع تعليم المعنى واللفظ معًا.\nوروى وهب: إن أوَّل التَّوراة فاتحة الأنعام وآخرها (٤) آخر سورة هود.\nوقيل: آخرها آخر سورة بني إسرائيل (٥).\n﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ كونهما، وجمع السموات لأنها سبع، وقدم (٦) لأنها أشرفهما وأعلاهما.\nوقيل: لأنها خلقت قبل الأرض.\nووحد الأرض لاتصال بعضها ببعض.\nوقيل: هي واحدة.\n_________\n(١) انظر: «الكشف والبيان» للثعلبي ٤/ ١٣١، و«الجامع» للقرطبي ٦/ ٣٨٢.\n(٢) في (أ) زيادة في موطنين: أحدهما في الحديث الأول: (صلى الله عليه واستغفر له ...)، والثاني: بعد قوله من ليلتهم، حيث ورد (والله أعلم بالصواب).\nوفي (ب) زيادة في الحديث الأول: (بعدد كل آية من سورة الأنعام).\n(٣) في (ب): (بمعنى الأمر).\n(٤) في (أ): (وآخرها سورة).\n(٥) أما قول وهب بن منبه فهو عند الماوردي في «النكت» ٢/ ٩١، وهو مروي عن كعب الأحبار، أخرجه الطبري ٩/ ١٤٧، وابن الضريس في «فضائل القرن» (١٩٩) (٢٠٢).\nوأما أن آخرها آخر سورة الإسراء فهو مروي عن كعب الأحبار كذلك، فقد عزاه في «الدر المنثور» /١١ إلى ابن الضريس (١٩٧)، وابن المنذر وأبي الشيخ.\n(٦) في (ب): (وجمع السماء لأنها سبع وقدمت ...)، وفي (جـ): (وجمع لأنهما سبع).","vol":"1","page":244},{"text":"﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ أي: خلقهما، والفرق بينهما: أن خلق معناه أحدث فحسب، وجعل: يتضمن التكرير.\nوقيل: جعل هاهنا: صلة، والتقدير: خلق السموات والأرض والظلمات والنور.\nوقيل: حال، والتقدير: خلق السموات والأرض وقد جعل الظلمات والنور، لأنهما قبل السموات والأرض (١).\nوجمعها: لأن الظلمة تحدث عن أشياء وإن اتحد جنسها، والنور متحد، وهو ما يُرى ويُرى به (٢).\nوقدمها: لأنها خلقت قبل النور، وليست الظلمة إلا عدم النور، وهما: الليل والنهار.\nوقيل: الكفر والإيمان.\nوقيل: الجنة والنار (٣).\nوقيل الأجساد والأرواح.\n﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١)﴾ أي: ثم الذين كفروا بعد هذا البيان يعدلون بربهم الأوثان.\nتقول: عدلت هذا بهذا، أي: ساويته (٤).\nوالباء في ﴿بِرَبِّهِمْ﴾ صلة للعدول لا للكفر، ويحتمل: كفروا بربهم يعدلون عنه، فيكون الباء صلة للكفر و(عنه) صلة للعدول (٥) وهي محذوفة.\n﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ﴾ أي: ابتدأ خلقكم منه.\nيعني آدم -ﷺ- وهو الأصل.\nوقيل: خلق آباءكم فحذف المضاف.\n_________\n(١) حصل سقط في (ب) فكانت العبارة: (... صلة والتقدير خلق السماوات والأرض والظلمات والنور لأنهما قبل الظلمات والنور وجمعها ...).\n(٢) العبارة في (ب) كالتالي: (... تحدث عن أشياء كظلمة الليل وظلمة السحاب وظلمة البحر وإن اتحد جنسها والنور جنس واحد وهو ما يرى ...).\n(٣) في (ب): (وقيل النار والجنة).\n(٤) في (ب): (ساويته به).\n(٥) في (ب): (للعدل).","vol":"1","page":245},{"text":"﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا﴾ أصل القضاء: إحكام الصنعة والفراغ منها، ويأتي بمعنى: حكم وأمر وفعل وصنع وأعلم وأومى، والكل قريب.\nوالأجل: الوقت المعين.\nواختلف المفسرون في الأجلين (١):\nقال ابن عباس ﵄: ﴿قَضَى أَجَلًا﴾ هو النوم، ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ الموت (٢).\nوقيل: ﴿قَضَى أَجَلًا﴾ مدة الدنيا، ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾ القيامة.\nوقيل: ﴿قَضَى أَجَلًا﴾ للحياة، وهو وقتها، ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ للممات (٣)، وهو وقته (٤).\nوقيل: ﴿قَضَى أَجَلًا﴾ من مولده إلى مماته، ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ من الممات إلى البعث.\nوقيل: ﴿قَضَى أَجَلًا﴾ لمن مضى، ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ لمن بقي أو يأتي.\nوقيل: الأجل المسمى: عمر الإنسان، و﴿قَضَى أَجَلًا﴾ يقطع الأجل المسمى وهو الآفات، فتحول بينه وبين الوقت المسمى، واستدل بقوله: ﴿لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى﴾ [الأنعام: ٦٠] ومعنى مسمى عنده: مثبت معلوم لا يعلمه غيره.\n﴿ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (٢)﴾ تشكون، وقيل: تختلفون.\n﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (٣)﴾.\nالجمهور: على أن (هو) كناية عن الله سبحانه، و﴿اللَّهُ﴾ خبره.\nوذكر أبو على: أن (هو) كناية عن الأمر والشأن، و﴿اللَّهُ﴾ مبتدأ (٥).\nوالمشكل في الآية الظرف:\nفقيل: إنه متصل بـ (الله) على تقدير: وهو الإله في السموات وفي (٦) الأرض، أي: المعبود، كقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤].\nوقيل: إن هذا في اسم الله لا يصح، لأنه حذف منه الهمزة وعوض عنها الألف واللام عوضًا لازمًا كما سبق، وأجرى مجرى الأعلام.\n_________\n(١) في (ب): (في الأجل).\n(٢) أخرجه الطبري ٩/ ١٥٣، وابن أبي حاتم ٤/ ١٢٦١ (٧٠٩٣، ٧٠٩٧).\n(٣) في (ب): (عنده في الممات).\n(٤) حصل سقط في نسخة (جـ)، فانتقل الناسخ من كلمة (الموت) الواردة في آخر قول ابن عباس إلى قول المؤلف: (وقيل قضى أجلًا من مولده ...)، فأسقط الناسخ قولين كاملين.\n(٥) وكذلك نقل أبو حيان في «البحر المحيط» ٤/ ٧٧ هذا القول عن أبي علي الفارسي.\n(٦) سقطت (في) من نسخة (ب).","vol":"1","page":246},{"text":"والأعلام لا تعمل فيما بعدها؛ لكنه يدل على أوصاف (١): كالقدرة، والإرادة والتدبير، فكأنَّه قال: هو المدبِّر القادر في السموات وفي الأرض.\nوروي عن محمد بن جرير أنه قال: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ فجعله متصلًا بالأول، ﴿وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ﴾ أي: يعلم في الأرض، ولعله (٢) اعتبر ما في الملك من قوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦] والمراد: عرشه وصنعه، فإن الله منزَّه عن الظَّرف والمكان (٣).\nوقال أبو على: (هو): كناية عن الأمر والشأن، (والله) مبتدأ و(يعلم) خبره، والظرف متصل بالخبر، أي: الله يعلم في السموات وفي (٤) الأرض.\nوقيل: ظرف للمصدر، وهو خطأ؛ لأن صلة المصدر لا يتقدم على المصدر.\nوقيل: ظرف لقوله: ﴿تَكْسِبُونَ (٣)﴾.\nوأهل السموات: الملائكة.\nوأهل الأرض: الإنس والجن.\nويحتمل أن يكون الظرف حالًا من المصدر تقدم على ذي الحال وعلى العامل وهذا على أرباب الصنعة غير خاف.\nوالسر: إخفاء الشيء في النفس، والجهر: إظهار المعنى الذي في النفس.\n﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٤)﴾ المراد بالآية هاهنا: المعجزة.\nوقيل: القرآن.\nوقيل: انشقاق القمر.\nو﴿مِنْ﴾ الأولى زيادة، والثانية للتبعيض، و(كان) زيادة (٥).\n_________\n(١) في (أ): (لكنها يدل على أوصاف).\n(٢) في (ب): (وكأنه اعتبر).\n(٣) مذهب أهل السنة والجماعة أن الله تعالى فوق جميع مخلوقاته، مستوٍ على عرشه، في سمائه، والأدلة على هذه المسألة كثيرة جدًا من الكتاب والسنة، وقد جمعهاعدد من الأئمة الأعلام، منهم ابن قدامة المقدسي في كتابه: «إثبات صفة العلو» والذهبي في كتابه «العلو» وغيرهم. والكرماني يقلد متأخري الأشاعرة في هذه المسألة، وإلا فإن المتقدمين منهم كانوا يثبتون العلو.\nانظر: «موقف ابن تيمية من الأشاعرة» ٣/ ١٢٢٨ - ١٢٥٢ للدكتور: عبدالرحمن المحمود.\n(٤) في (ب): (في السموات والأرض).\n(٥) قال الزركشي في «البرهان» ٣/ ١٤٧ حول لفظ (الزيادة): (الأكثرون ينكرون إطلاق هذه العبارة في= =كتاب الله، ويسمونه التأكيد، ومنهم من يسميه بالصلة، ومنهم من يسميه المقحم ... والأوْلى اجتناب مثل هذه العبارة في كتاب الله تعالى، فإن مراد النحويين بالزائد من جهة الإعراب، لا من جهة المعنى).","vol":"1","page":247},{"text":"وقيل: أعرضوا كما (١) علم منهم، والمعنى: تركوا النظر فيها.\nوحقيقة الإعراض: الانصراف بالوجه عن الشيء، وقد سبق.\n﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾.\nقيل: هو القرآن (٢).\nوقيل: الإسلام.\nوقيل: محمد -ﷺ-.\nوالمعنى: نسبوا محمدًا -ﷺ- إلى الكذب بسبب ردهم الحق.\n﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٥)﴾ يريد العذاب في الآخرة.\nابن عباس ﵄: في الدنيا، بقتلهم بالسيف يوم بدر (٣).\nابن بحر: سيعلمون ما يؤول إليه عاقبة أمرهم واستهزائهم في الدارين (٤) والعذاب فيهما.\n﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا﴾ ألم يبصروا كم أهلكنا.\n﴿مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ القرن: الزمان، والقرن: أهل الزمان (٥)، والقرن من الزمان: ثمانون سنة، وقيل: سبعون سنة، والمراد به: أهل ذلك الزمان.\n_________\n(١) سقطت كلمة (كما) من (جـ).\n(٢) سقطت كلمة (هو) من (أ).\n(٣) نقل أبو حيان في «البحر المحيط» ٤/ ٧٩ هذا القول ولم ينسبه لمعين.\n(٤) في (ب): (عاقبة استهزائهم في الدين) وسقطت كلمة (أمرهم) من (جـ) أيضًا.\n(٥) في (جـ): (القرن الزمان أهل الزمان).","vol":"1","page":248},{"text":"الزجاج: القرن: أهل كل مدة فيها نبي أو كان طبقة من أهل العلم قلت السنون أم كثرت (١).\nواشتقاقه من: قرنت.\n﴿مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ يريد: أعطيناهم من نعيم الدنيا والأمر والنهي بين أهلها ما لم نعطكم.\nابن عيسى: التمكين إعطاء ما يصح به الفعل كائنًا ما كان، ومعنى مكنته الشيء: أزلت الحائل بينهما (٢)، ومكنت له الشيء بمعناه، وجاءت الآية بهما، ووزن مكان عند الخليل: مَفْعَل.\nقال: ولكثرته في الكلام أجرى الميم مجرى الفاء، كقولهم: تمسكن وتمدرع، وفيه ضعف لشذوذه، والأصح أن يكون من: المكن.\n﴿وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ﴾ الإرسال: الإنزال، والسماء: المطر.\nوحكوا عن العرب: مازلنا نطأ السماء حتى أتيناكم (٣).\nوالمدرار: الدائم، وهو من: در يدر درورًا مأخوذ من الحلب، والمعنى: عاشوا في الخصب والريف بين الأنهار والثمار وسقيا الغيث المتصل المدرار.\n﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾ أي: لم يغن ذلك عنهم شيئًا.\n﴿وَأَنْشَأْنَا﴾ خلقنا وأحدثنا.\nوالإنشاء: إحداث من غير سبب.\n﴿مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (٦)﴾ وخلقنا آخرين بدلًا منهم (٤).\n﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ﴾.\nفي سبب النزول قال الكلبي: إن مشركي قريش قالوا: يا محمد (٥)، والله لن نؤمن لك حتى تأتينا بكتاب من عند الله ومعه أربعة من الملائكة يشهدون إنه من عند الله وإنك رسوله فأنزلت هذه الآية (٦).\n_________\n(١) انظر: «معاني القرآن» للزجاج ٢/ ٢٢٩.\n(٢) في (ب): (الحائل منه).\n(٣) انظر: «الكشف والبيان» للثعلبي ٤/ ١٣٥.\n(٤) حصل خلل في ترتيب الكلام في النسخ الثلاث، رغم أن النسخ متفقة على ألفاظ الكلام، وبدأ اختلاف= =الترتيب عند قول المصنف: (والمدرار ...) إلى قوله: (بدلًا منهم). وقد اخترت سياق نسخة (أ) لكونه موافقًا لسياق الآية، أما (ب) و(جـ) فكان فيها تقديم وتأخير، وإلا فالجمل واحدة في النسخ الثلاث كلها.\n(٥) في (جـ): (قالوا والله يا محمد).\n(٦) ورد عند الثعلبي في «الكشف» ٤/ ١٣٥ والواحدي في «أسباب النزول» (ص ٣٦٧) والبغوي ٢/ ٩، وابن الجوزي في «زاد المسير» ٣/ ٧.","vol":"1","page":249},{"text":"والمعنى لو أجبناهم إلى ما سألوا وأنزلنا كتابًا مكتوبًا في كاغد.\nابن عباس ﵄: طلبوا كتابًا معلقًا من السماء إلى الأرض (١).\nابن عيسى: التشديد لطول المكث بين السماء والأرض (٢).\nقوله (٣): ﴿فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ﴾ أي: عاينوه ومسوه (٤).\nوخص اللمس لأنه يتقدمه الإبصار ولا يقع معه التزوير، وأسند إلى اليد توكيدًا له (٥)، فإنه قد يستعمل للفحص كقوله: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ﴾ [الجن: ٨].\nقوله: ﴿لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا﴾ ما هذا (٦).\n﴿إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧)﴾ ظاهر، سُحِرَتْ أعيننا، أي: لو أجبناهم إلى ما سألوا لم يؤمنوا.\n﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ أي: هلا، ومعناه التحضيض على الفعل، أي: أنزل معه ملك يكلمنا أنه نبي (٧).\nفقال الله: ﴿وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ لعوجلت (٨) عقوبتهم.\nوقيل: لقامت القيامة؛ لأن الملك يرى في القيامة وحالة الموت، ولأن الآية المقترحة إذا جاءتهم فلم يؤمنوا بها عاقبتهم في الحال من غير إهمال.\n﴿ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ (٨)﴾ لا يؤخرون طرفة عين.\n﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ﴾ أي: المطلوب أو الرسول ﴿مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا﴾ أي: ميّزناه آدميًا ذكرًا، فإن الملائكة ليسوا بإناث.\nالزجاج: لو أرسلناه ملكًا لم نرسله إلا في صورة إنسان؛ لأن الملائكة روحانيون لا يمكن النظر إليهم ولا المكالمة معهم، ولأنهم عظام الأجسام، لا يدرك بصر الإنسان منهم إلا اليسير من جملتهم (٩)، ولهذا كانوا يأتون الأنبياء على صورة الآدميين كدحية وأضياف إبراهيم ولوط وخصمي داود ﵈، ورؤيتهم على هيئتهم معجزة فلا تكون إلا لنبي (١٠).\n_________\n(١) ورد عند القرطبي ٦/ ٣٩٢، وقد سقطت كلمة (عباس) من (ب).\n(٢) نقله القرطبي ٦/ ٣٩٣ غير معزوٍّ لأحد.\n(٣) كلمة (قوله) وردت في (أ) فقط.\n(٤) في (ب): (لمسوه).\n(٥) سقطت كلمة (له) من (جـ).\n(٦) سقطت كلمة (ما هذا) من (جـ).\n(٧) في (ب): (أنك نبي).\n(٨) في (ب): (أي جلت عقوبتهم).\n(٩) في (ب) و(جـ): (منه إلا اليسير من جملته).\n(١٠) انظر: «معاني القرآن» للزجاج ٢/ ٢٣١، وقد نقله الكرماني بالمعنى.","vol":"1","page":250},{"text":"﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ﴾ أي: لشبهنا وأشكلنا عليهم من أمره إذ كان سبيله كسبيلك يا محمد.\n﴿مَا يَلْبِسُونَ (٩)﴾ أي: على أنفسهم.\nوقيل: على ضعفائهم، يقولون: إنما هذا بشر مثلكم.\nأي: لبسنا لبسًا كلبسهم، و﴿مَا﴾ للمصدر.\nوعن ابن عباس ﵄: هم أهل الكتاب، لبس الله عليهم ما لبسوا (١) على أنفسهم بتحريف الكلام عن مواضعه (٢).\nوحكى أقضى القضاة لجويبر (٣): للبسنا على الملائكة من الثياب ما يلبسه الناس (٤). وهذا لا تحتمله العربية؛ لأنك تقول: لبَست الأمر بالفتح؛ ألبِسه بالكسر؛ ولبِست الثوب بالكسر؛ ألبَسه بالفتح، وقرئ في الشواذ بالتشديد للمبالغة (٥).\nوقيل: لخلطنا عليهم ما يخلطون.\n﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ ثم عزى نبيه على ما أصابه من استهزاء قومه.\n﴿فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (١٠)﴾ أي: نزل بهم وبال فعلهم.\nالزجاج: الحيق: ما يشتمل على الإنسان من مكروه فعله (٦).\nوقيل: معناه: وجب.\nوقيل: حاق وحَقَّ بمعنىً.\n﴿مَا كَانُوا﴾ أي: الذي (٧)، ويجوز أن يكون للمصدر، أي: استهزاؤهم.\n﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: أبعدوا فيها نحو اليمن مرة ونحو (٨) الشام أخرى.\n﴿ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١١)﴾ لتروا كيف أهلكهم الله بعذاب الاستئصال، ومثل ذلك بالمرصاد لمن سلك سبيلهم بالكفر والفساد.\nالحسن: سيروا في الأرض، أي: اقرءوا القرآن فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين (٩).\n_________\n(١) في (ب): (بالسوء).\n(٢) أخرجه الطبري ٩/ ١٦٤، وابن أبي حاتم ٤/ ١٢٦٧ (٧١٣٦).\n(٣) جويبر: تصغير جابر، ويقال اسمه جابر وجويبر لقب، ابن سعيد الأزدي، أبو القاسم البلخي، نزيل الكوفة، راوي التفسير عن الضحاك بن مزاحم، ضعيف الرواية، مات بعد الأربعين ومائة.\nانظر: «تهذيب الكمال» للمزي ٥/ ١٦٧، و«تقريب التهذيب» (ص ١٤٣).\n(٤) انظر: «النكت والعيون» للماوردي ٢/ ٩٦.\n(٥) هي قراءة الزهري. انظر: «البحر المحيط» لأبي حيان ٤/ ٨٤، و«الدر المصون» للسمين ٤/ ٥٤٤. بينما ذكر في «الكشف والبيان» ٤/ ١٣٦ أنها للأزهري، ولكن المطبوعة فيها تحريف كثير.\n(٦) انظر: «معاني القرآن» للزجاج ٢/ ٢٣١.\n(٧) سقطت كلمة (الذي) من (ب).\n(٨) سقطت كلمة (نحو) من (ب).\n(٩) في (ب): (... القرآن وتأملوا ما وقع بهم فانظروا كيف كان حال المكذبين).\nوهذا القول عن الحسن نقله الكرماني أيضًا في كتابه الآخر: «غرائب التفسير» ١/ ٣٥٣.","vol":"1","page":251},{"text":"وذكر بلفظ ﴿ثُمَّ﴾ لأنهم أمروا بسيرٍ (١) بعد سيرٍ وذلك يقع في زمان بعيد (٢)، والفاء يوجب سيرًا واحدًا يتعقبه النظر.\nوالسير: استمرار الانتقال لطلب الإبعاد.\nوالنظر: طلب إدراك الشيء (٣) من جهة البصر (٤) أو الفكر.\n﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: ملكها، وقيل: تسخيرها.\n﴿قُلْ لِلَّهِ﴾.\nابن عباس ﵄: إن أجابوك، وإن لا فقل لله (٥).\nوقيل: فقل لله فإنهم لا ينكرون.\nقال صاحب النظم: فقيل لهم ما أُمِرَ، فقالوا: فلمن هي؟ فأجابهم الله بقوله: ﴿قُلْ لِلَّهِ﴾ (٦).\n﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ أي: قضى وأوجب عليه سبحانه تفضلًا وتكرمًا (٧). وذكر النفس لارتفاع الوسائط، والمعنى من رحمته إمهاله إياهم بعد كفرهم.\n﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ استئناف وقسم، أي: ليجمعنكم (٨) في القبور إلى يوم القيامة الذي أنكرتموه.\nوقيل: ليجمعنكم في يوم القيامة، وإلى بمعنى في (٩).\nوقيل: ليجمعنكم متصل بالرحمة، أي: من رحمته بعثه إياكم وإنعامه عليكم.\n﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ أي: في اليوم، وقيل: في الجمع.\n﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ غبنوها.\n_________\n(١) في (ب): (سيرًا بعد سير).\n(٢) في (جـ): (طويل).\n(٣) في (جـ): (طلب الإدراك للشيء).\n(٤) في (ب): (النظر).\n(٥) في (ب): (وإلا فقل لله). ولم أجد أثر ابن عباس عند غير المصنف، وإن كان مشهورًا في التفاسير إلا أنه غير معزوٍّ لابن عباس ﵄.\n(٦) سقط من (أ) كلمة (قل لله) وسقط من (جـ) كلمة (بقوله).\nوقد نقل أبو حيان ٤/ ٨٦ هذا القول، وصدره بقوله: (وقال قوم) ولم يعزه لصاحب النظم، ولعل المراد بصاحب النظم هو الحسن بن يحيى الجرجاني، والله تعالى أعلم.\n(٧) هكذا في (أ)، أما (ب) و(جـ) ففيها (كرمًا).\n(٨) انتقل نظر الناسخ لنسخة (جـ) من كلمة (ليجمعنكم) هنا إلى مثيلتها الواردة في قول المؤلف (ليجمعنكم متصل بالرحمة) فسقط ما يقارب السطر الكامل من نسخة (جـ).\n(٩) سقط قوله: (وإلى بمعنى في) من نسخة (ب).","vol":"1","page":252},{"text":"﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٢)﴾ قيل: إنه استئناف ومحله رفع بالابتداء، ﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ خبره.\nوقيل: ذم.\nوقيل: بدل من ضمير المخاطب ومحله نصب.\n﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ في سبب النزول قال الكلبي عن ابن عباس ﵄: إن كفار مكة أتوا رسول الله -ﷺ-، فقالوا يا محمد: إنا قد علمنا أنه إنما يحملك (١) على ما تدعونا إليه الحاجة، فنحن نجعل لك نصيبًا في أموالنا حتى تكون من أغنانا رجلًا وترجع عما أنت عليه فنزلت هذه الآية (٢).\nوالمعنى: له ماسكن في الليل والنهار وتحرك فيهما، فاكتفى بأحد الضدَّين عن الآخر.\nوقيل: ذكر السكون؛ لأنه أعم من الحركة (٣).\nوقيل: السكون: الحلول، أي: له ما يشتمل عليه الليل والنهار من الأجسام والأعراض.\n﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ لأقوالهم ﴿الْعَلِيمُ (١٣)﴾ بأفعالهم.\n﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا﴾ ناصرًا ومعبودًا، وذلك أنه دُعي (٤) إلى الشرك وعبادة الأصنام.\n_________\n(١) سقطت كلمة (أنه) من (أ).\n(٢) نقله الثعلبي في تفسيره ٤/ ١٣٧، والواحدي في «أسباب النزول» (ص ٣٦٧)، وابن الجوزي في «زاد المسير» ٣/ ٩ - ١٠.\n(٣) انفردت (ب) بزيادة هنا وهذا نصها: (وإن مال كل متحرك إلى السكون. وقيل: ما سكن أي دخل، من قوله: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾).\nوهي زيادة ليست موجودة في (أ) و(جـ).\n(٤) في (ب): (دعا) وهذا غلط قطعًا.","vol":"1","page":253},{"text":"﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ خالقهما وموجدهما.\nوأصل الفطر: الشق.\nوذكر المفسرون عن ابن عباس ﵄ أنه قال: ما كنت أعرف معنى فطر حتى أتاني أعرابيان يتخاصمان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها، أي: أنا ابتدأتها (١).\n﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾ أي: يَرزُقُ ولا يُرزَقُ.\nوقيل: خص الطعام بالذكر؛ لأن الحاجة إليه أشد كقوله: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات: ٥٧].\n﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ﴾ أول من يدخل في دين إبراهيم ﵊.\nالحسن: أول من آمن من أمته (٢).\n﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٤)﴾ تقديره كن أول من أسلم، ولا تكونن من المشركين.\n﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥)﴾ أي: إني أخاف عذاب يوم عظيم وهو القيامة (٣) إن عصيت ربي، وقد أمرني أن أكون أول مسلم عاقبني عليه، فالجزاء محذوف، والشرط معترض بين الفاعل والمفعول به (٤).\n﴿مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ﴾ أي: من يصرف العذاب عنه، أو يصرفه الله\n_________\n(١) أخرجه أبو عبيد في «فضائل القرآن» (ص ٣٤٥)، والطبري ٩/ ١٧٥ وغيرهم.\n(٢) نقله القرطبي ٦/ ٣٩٧، وأبو حيان ٤/ ٩٠ عن الحسن البصري.\n(٣) في (جـ): (يوم القيامة).\n(٤) سقطت (به) من (ب).","vol":"1","page":254},{"text":"﴿فَقَدْ رَحِمَهُ﴾ أنعم عليه ونجاه ﴿وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (١٦)﴾.\n﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾ بلية وفقر ومرض ﴿فَلَا كَاشِفَ لَهُ﴾ لا دافع له ﴿إِلَّا هُوَ﴾ إلا الله.\nومعنى مسه بكذا: أصابه ذلك.\n﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ﴾ عافية وغنى وصحة ﴿فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ من ذلك\n﴿قَدِيرٌ (١٧)﴾ (١).\n﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ﴾ الغالب المقتدر ﴿فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ أي: عال عليهم بالقدرة (٢)، خبر بعد خبر، والعباد: المملوكون، وهي مخصوصة بالإضافة إلى الله، وسائر جموعه عام.\n﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ﴾ في أمره ﴿الْخَبِيرُ (١٨)﴾ بعباده.\n﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً﴾.\nفي سبب النزول: قال الكلبي: إن رؤساء مكة (٣) قالوا، يا محمد: ما نرى أحدًا يصدقك بما تقول من أمر الرسالة، ولقد سألنا عنك اليهود والنصارى، فزعموا أن ليس لك عندهم ذكر ولا صفة، فأرنا من يشهد لك إنك رسول الله كما تزعم، فأنزل الله ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً﴾ (٤) أعظم شهادة لا يجري فيها الخطأ والسهو والكذب (٥)، وقيل: أفضل.\n_________\n(١) في (أ): (قدير قادر).\n(٢) سبق بيان خطأ المؤلف في تأويل مثل هذه الآيات حول العلو.\nانظر تفسير الآية (٣) من سورة الأنعام.\n(٣) في (ب): (رؤساء اليهود) وهو خطأ واضح.\n(٤) نقله الثعلبي في «الكشف» ٤/ ١٤٠، والواحدي في «أسباب النزول» (ص ٣٦٧ - ٣٦٨) بدون إسناد.\n(٥) في (ب): (السهو والخطأ والكذب).","vol":"1","page":255},{"text":"﴿قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ﴾ روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: فإن أجابوك وإلا فقل: الله (١).\nوقيل: كان القوم مقرين بأن الله أكبر شهادة، فلهذا لم ينتظر الجواب.\nووقف بعض القراء على ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ و﴿شَهِيدٌ﴾ خبر مبتدأ (٢)، أي: هو شهيد (٣).\nوذهب بعض المفسرين إلى أن الله أمره أن يَشْهَدَ عليهم بتبليغ الرسالة إليهم بقوله: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً﴾.\n﴿بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ﴾ أي: بالقرآن، أراد: لأنذركم ولأبشركم، فاكتفى بأحد الضدين.\nويحتمل (٤) أنهم يُنْذَرون إلى أن يؤمنوا.\n﴿وَمَنْ بَلَغَ﴾ أي: ومن بلغه القرآن، فهو نصب عطفًا على ضمير المخاطبين، ومن بلغه القرآن فقد (٥) أنذره محمد -ﷺ-، وفي الخبر: (من بلغه القرآن فقد بلغه محمد -ﷺ-) (٦).\n_________\n(١) نقله أبو حيان في «البحر المحيط» ٤/ ٩٥.\n(٢) في (ب): (خبر مبتدأ محذوف).\n(٣) نقله الأشموني في «منار الهدى في بيان الوقف والابتدا» (ص ٢٦٦) عن نافع القارئ.\n(٤) في (ب) زيادة: (قال الشيخ الإمام ويحتمل ...).\n(٥) انتقل نظر الناسخ لنسخة (ب) من كلمة فقد هذه إلى كلمة فقد الوارة في السطر الثاني، فسقط عنده ما بينهما.\n(٦) روي مرفوعًا من حديث ابن عباس ﵄، رواه الخطيب في «تاريخ بغداد» ٢/ ٥١ وزاد السيوطي ٦/ ٢٩ نسبته إلى ابن مردويه وأبي نعيم، ولفظه: (من بلغه القرآن فكأنما شافهته به) ثم قرأ: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾.\nوحكم عليه الخطيب البغدادي ٢/ ٥١ بأنه باطل بهذا الإسناد.\nوأخرجه موقوفًا على محمد بن كعب القرظي ابن جرير ٩/ ١٨٢، وابن أبي حاتم ٤/ ١٢٧١ ولفظه: من بلغه القرآن فكأنما رأى النبي -ﷺ- ثم قرأ: ﴿وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ﴾. وعند ابن جرير ٩/ ١٨٣ لفظ آخر: من بلغه القرآن فقد أبلغه محمد -ﷺ-.","vol":"1","page":256},{"text":"﴿أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى﴾ يعني: الأصنام، استفهام إنكار وتبكيت ﴿قُلْ لَا أَشْهَدُ﴾ بما تشهدون ﴿قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ بل أشهد أن لا إله إلا هو (١) ﴿وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (١٩)﴾ أي: وأتبرأ من الأصنام التي تزعمون أنها له شركاء.\n﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ التوراة والإنجيل ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ يعني محمدًا -ﷺ-، وقيل: يعرفون القرآن ﴿كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ﴾ سبق تفسيره في البقرة (٢).\n﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ أي: بلغوا النهاية في الخسران، لأن من خسر ماله تعزى بسلامة نفسه.\nوقيل: خسروا منازلهم وأهاليهم في الجنة ﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠)﴾.\n﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾ استفهام يتضمن معنى النفي، أي: لا أحد أظلم لنفسه ﴿مِمَّنِ افْتَرَى﴾ اختلق ﴿عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ فيصفه بغير صفاته، والافتراء: تحسين الكذب ﴿أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ﴾ أي: كذب نبيه برد آياته ﴿إِنَّهُ﴾ كناية عن الأمر والشأن ﴿لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢١)﴾ لا ينالون خيرًا.\n﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾ أي: اذكر (٣)، وقيل: أنذرهم.\nابن جرير: تقديره: لا يفلح الظالمون أبدًا ويوم نحشرهم، أي: من قبورهم، يريد الظالمين والخلق جميعًا (٤).\n﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ أي: أشركوا مع الله غيره.\n﴿أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ﴾ سؤال تنكير، أي: أين أعيانها، وقيل: شفاعتها (٥).\nومعنى ﴿شُرَكَاؤُكُمُ﴾ أي: سميتموهم شركاء لله.\n﴿الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٢٢)﴾ أي: تزعمونهم شركاء.\n﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ أي: مقالتهم، وقيل: الفتنة: الخلاص.\n_________\n(١) في (ب): (إلا الله).\n(٢) انظر: «لباب التفسير» القسم الأول (ص ٤٦٢) عند تفسير سورة البقرة (آية ١٤٦).\n(٣) في (ب): (اذكروا).\n(٤) انظر: «جامع البيان» للطبري ٩/ ١٨٨ - ١٨٩. وقد سقطت كلمة (جميعًا) من نسخة (جـ).\n(٥) في (جـ): (سؤال تبكيت)، كما سقطت كلمة (أي) من (أ).","vol":"1","page":257},{"text":"وقيل: معذرتهم.\nوقيل: عاقبة فتنتهم.\n﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)﴾ أي: عند أنفسنا بل ظننا مصيبين (١).\nوقيل: تخلقوا في القيامة بأخلاقهم في الدنيا من الكذب فجحدوا كفرهم.\nوقيل: هؤلاء قوم كانوا مشركين ولم يعلموا أنهم مشركون فيحلفون على اعتقادهم في الدنيا.\n﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا﴾ أي: انظر يا محمد، وقيل: الخطاب (٢) للملائكة. كذبوا ﴿عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ (٣) أي: في الدنيا، لأن القيامة لا يكذب فيها أحد.\nوقيل: المراد به كذبهم بقولهم ﴿مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣].\nوالقيامة مواطن: فما لم يصيروا إلى الجنة أو النار يجري فيها الخصام والمراء والصدق والكذب.\nوقيل: صار وبال كذبهم على أنفسهم.\nوقيل: كذبوا على أنفسهم، أي: جحدوا.\n﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤)﴾ أي: ما يدعونه من الشركاء، ومعناه: ذهب عنهم.\nوقيل: اشتغل عنهم.\nوقيل: معنى ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ﴾ نسوا (٤).\n﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾.\nفي سبب النزول: قال ابن عباس ﵄ في رواية أبي صالح: إن أبا سفيان والنضر بن الحارث وعتبة وشيبة ابني ربيعة وأمية وأبيًا ابني خلف استمعوا إلى رسول الله -ﷺ-، فقالوا للنضر: ما تقول؟ فقال (٥): والذي جعلها بَيْتَهُ (٦) ما أدري ما يقول، إلا أني أرى تحريك شفتيه يتكلم بشيء، وما يقول إلا أساطير الأولين مثل ما كنت أحدِّثكم عن القرون الماضية.\nقال: وكان النضر كثير الحديث عن القرون الأول (٧) وكان يحدث قريشا ويستملحون حديثه فأنزل الله ﴿وَمِنْهُمْ﴾ أي: من الكفار ﴿مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ يتعرض لسماع القرآن (٨).\n_________\n(١) هكذا في (أ) و(جـ) أما (ب) فكانت العبارة فيها: (بل ظننا أنا مصيبون).\n(٢) في (أ): (وقيل خطاب للملائكة).\n(٣) في (جـ): (كذبوا أي في الدنيا).\n(٤) السياق في (ب): (... الشركاء ومعنى أذهب عنهم ما كانوا يفترون وقيل يشتغل وقيل معنى ...).\n(٥) سقطت كلمة (فقال) من (ب).\n(٦) يعني الكعبة، كما ورد عند الثعلبي في «الكشف» ٤/ ١٤١.\n(٧) في (ب): (الماضية).\n(٨) نقله الواحدي في «أسباب النزول» (ص ٣٦٨) بدون إسناد.","vol":"1","page":258},{"text":"﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾ أغطية، جمع كنان، وهو ما سَتَرَ الشيء (١) ﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ أي: كراهة أن يفقهوه، وقيل: أن لا يفقهوه (٢) ﴿وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ ثقلًا يمنع من السمع ﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ﴾ يريد انشقاق القمر وسائر ما رأوا من دلائل النبوة ﴿لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ﴾ أي: انتهى كفرهم إلى أن جاءوك مجادلين (٣) ﴿يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٥)﴾ كتبهم.\nأبو عبيدة: أساطير: ترَّهات (٤).\nوالأساطير جمع لا واحد له، كعباد يد.\nوقيل: جمع أَسْطَار وإِسْطَارة وأَسْطُور (٥) وأُسْطُورة، وسَطَّرَ الرجل: أتى بالحديث الباطل، وهو سَطْر وسَطَر (٦) وأَسْطُر وأَسْطَار وسُطُور (٧).\nوذهب بعضهم إلى أنها نزلت (٨) فيمن قصدوا النبي -ﷺ- ليؤذوه ويرجموه، وكانوا يستدلون بقراءته على موضعه، فألقى الله عليهم النوم إذا قعدوا يرصدونه (٩)، ومثلها قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا﴾ [الإسراء: ٤٥] الآيتان (١٠). وقيل: هذا ذم، كقوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة: ١٨] وقد سبق (١١).\nالزجاج: فعل ذلك بهم مجازاة لكفرهم (١٢).\n_________\n(١) في (أ): (ما ستر بالشيء) وفي (ب): (وهو ستر الشيء).\n(٢) في (ب): (أنى يفقهوه).\n(٣) في (أ): (يجادلونك).\n(٤) انظر: «مجاز القرآن» لأبي عبيدة ١/ ١٨٩.\n(٥) سقطت (أسطور) من (ب).\n(٦) سقطت كلمة (سطر) من (ب) و(جـ).\n(٧) تم ضبط الكلمات بالرجوع إلى «لسان العرب» مادة (سطر).\n(٨) سقطت كلمة (نزلت) من (ب).\n(٩) في (أ): (ليرصدونه).\n(١٠) نقله الماوردي ٢/ ١٠٣ وجهًا في معنى الآية وليس سببًا للنزول، ونقله الرازي ١٢/ ١٥٤ عن الجبائي ثم ردّ عليه الرازي قوله هذا، فالله تعالى أعلم.\n(١١) انظر: «لباب التفاسير» القسم الأول ١/ ١٤٦ بتحقيق الدكتور ناصر العمر.\n(١٢) انظر: «معاني القرآن» ٢/ ٢٣٧ للزجاج، وورد النص في (ب): (على كفرهم).","vol":"1","page":259},{"text":"﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٢٦)﴾ في سبب نزولها قولان:\nأحدهما: أنها نزلت في أبي طالب كان ينهى المشركين أن يؤذوا رسول الله ويتباعد عما جاء به.\nقال مقاتل: اجتمعت قريش إلى أبي طالب يريدون سُوْءًا بالنبي (١) -ﷺ-، فقال أبو طالب:\nوالَّلهِ لَنْ يَصِلُوا إليك بِجَمْعهمْ ... حتى أوسدَ في الترابِ دفينا\nفاصدع بأمركَ ما عليكَ غضاضةٌ ... أَبْشِرْ (٢) وقَرَّ بذاكَ منكَ (٣) عيونا\nلولا الملامةُ أو حَذَارِيَ سُبَّةً ... لوجدتني سمحًا بذاكَ مُبينا (٤)\nوالثاني: قول محمد بن الحنفية والسدي والضحاك: نزلت في كفار مكة، كانوا ينهون الناس عن اتباع محمد ويتباعدون بأنفسهم عنه (٥).\nوالهاء في ﴿عَنْهُ﴾ تعود إلى النبي -ﷺ-، وقيل: إلى القرآن، أي: ينهون عن سماعه ويتباعدون عنه مخافة ميل القلوب إليه.\n﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا﴾ أي: يوقفون ﴿عَلَى النَّارِ﴾ أي: عاينوها.\nوقيل: صاروا فوق النار وصارت النار تحتهم (٦).\n_________\n(١) في (ب): (بالنبي سوءًا).\n(٢) في (ب): (وابشر).\n(٣) في (أ): (بذاك أنت عيونا).\n(٤) الأبيات في: «البداية والنهاية» ٤/ ١٠٨ - ١٠٩ لابن كثير، و«سبل الهدى والرشاد» للصالحي ٢/ ٣٢٧.\n(٥) نقل القول الأول والثاني ابن الجوزي في «زاد المسير» ٣/ ٢٠ - ٢١.\n(٦) هذا سياق (أ) وفي (ب) زيادة كلمة على الجملة (... النار وقيل صارت النار تحتهم) وفي (جـ) حذف كلمة (النار) الثانية.","vol":"1","page":260},{"text":"وقيل: حُبِسوا في النار.\nوذكر أقضى القضاة وجهًا آخر: أي جعلوا وقفًا على النار من الوقوف المؤبدة، ويدفعه قوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾ (١) [الأنعام: ٣٠].\n﴿فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ﴾ تمنوا الرد إلى الدنيا ليؤمنوا ويخلصوا إيمانهم.\n﴿وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧)﴾ استئناف كلام منهم، ومن نصب: جعل الواو ينوب عن الفاء، كأنهم تمنوا الرد وأن لا يكذبوا وأن (٢) يكونوا مؤمنين، وجواب لو: محذوف تقديره: لرأيت عجيبًا.\n﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ﴾ بل: للإضراب عن الوفاء بما تمنوا، وبدا لهم: ظهر لهم.\n﴿مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ﴾ قيل: في الدنيا، أي: الشرك والنفاق والمعاصي.\nوقيل: هو قولهم: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾، أي: بدا بشهادة الجوارح، أي: بدا عنهم.\nوقيل: بدا جزاء ذنوبهم.\nابن بحر: ﴿بَدَا لَهُمْ﴾ ظهر وبان لهم (٣) ﴿مَا كَانُوا يُخْفُونَ﴾ أي: يجدونه خافيًا، كما يقول: أحمدته: وجدته محمودًا، وأعمرت البلاد: وجدتها عامرة (٤).\n﴿وَلَوْ رُدُّوا﴾ أي: إلى الدنيا.\n_________\n(١) نقله ابن الجوزي ٣/ ٢٢ عن الماوردي، وليس مذكورًا في «النكت والعيون» المطبوع، وهذا الكتاب يحتاج إلى مزيد عناية وتحقيق، فإن النسخ الخطية لتفسير الماوردي تتفاوت في سرد الأقوال، وفي بعضها أقوال ليست في المطبوع.\n(٢) في (ب): (وأن لا يكونوا).\n(٣) سقطت (لهم) من (ب).\n(٤) نقل قول ابن بحر أيضًا: الكرماني في كتابه الآخر «غرائب التفسير» ١/ ٣٥٧.","vol":"1","page":261},{"text":"﴿لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ أي: إلى (١) الكفر.\n﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٢٨)﴾.\nقيل: في الدنيا.\nوقيل (٢): في قولهم: ﴿وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام: ٢٧].\n﴿وَقَالُوا﴾ أي: في الدنيا.\n﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ ما هي، وهي كناية عن المدة، وقيل: عن الحياة.\n﴿وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٢٩)﴾ وهو عطف على ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾.\nوقيل: متصل بقوله: ﴿لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ أي: لعادوا وقالوا إن هي إلا حياتنا (٣).\n﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾ قضاء ربهم فيهم.\nوقيل: مسألة ربهم إياهم عن أعمالهم.\nوقيل: وقفوا لحساب ربهم.\nوفسر بعض المشبهة ﴿وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾ أي: وقفوا عليه فشاهدوه، وهذا فاسد لأنا إنما نثبت الرؤية لله في حق المؤمن دون الكافر (٤).\n_________\n(١) سقطت (إلى) من (ب).\n(٢) سقطت (وقيل) من (ب).\n(٣) في (جـ): (حياتنا الدنيا).\n(٤) في (جـ): (الكافرين).\nوإثبات الرؤية في حق المؤمنين دون الكافرين إنما هو في الجنة، أما في العرصات والموقف فذهب الجمهور إلى إثباتها للمؤمنين دون الكافرين، وذهب بعض العلماء إلى إثباتها في حق الكفار أيضًا، ولكنها في الموقف والعرصات فقط، ثم بعدها يحتجب عنهم ﷾، فهي «رؤية تعريف» فقط كما بيّن شيخ الإسلام ابن تيمية.\nانظر تفصيل هذه المسألة في: «مجموع الفتاوى» ٦/ ٤٦٦ حيث يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (وقد تنازع الناس في الكفار، هل يرون ربهم مرة ثم يحتجب عنهم، أم لا يرونه بحال تمسكًا بظاهر قوله:\n﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾).\nوانظر: تفصيلًا لهذه المسألة في مواطن أخرى من «مجموع الفتاوى» ٦/ ٤٨٦ - ٥٠٦.","vol":"1","page":262},{"text":"﴿قَالَ أَلَيْسَ هَذَا﴾ هو إشارة إلى البعث وما يتبعه من الثواب والعقاب.\n﴿بِالْحَقِّ﴾ بالكائن الموجود لا بالباطل المعدوم.\n﴿قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا﴾ أقروا وأكدوا الإقرار باليمين.\n﴿قَالَ﴾ أي (١): الله ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾.\nابن عيسى: إنما قال ﴿فَذُوقُوا﴾ لأنهم في كل حال يجدونه وجدان الذائق في شدة الإحساس ولا يصيرون إلى نقصان الإدراك (٢).\n﴿بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٠)﴾ بسبب كفرهم (٣).\nوقيل: الباء للبدل، أي: مكانه وبدلًا منه.\n﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾ أي: فاتهم النعيم وهلكوا.\nولقاء الله: البعث بعد الموت.\n﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ﴾ يعني: القيامة، وسميت القيامة ساعة: لسرعة الحساب فيها للجزاء، كقوله: ﴿أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الأنعام: ٦٢].\nوقيل: أراد الساعة التي إذا جاءت بطلت الدنيا، فحذف الصفة.\n﴿بَغْتَةً﴾ فجأة، وهي نصبٌ على الحال، أي: بَاغِتَةً، وهي ورود الشيء على صاحبه من غير علمه بوقته.\n﴿قَالُوا يَاحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا﴾ تحسروا على تقصيرهم ونادوا (٤) الحسرة، أي: تعالي\n_________\n(١) كلمة (أي) ليست في (جـ).\n(٢) في (ب): (الإشراك). وقول ابن عيسى نقله الرازي ١٢/ ١٦٢ دون نسبته لأحد.\n(٣) في (ب): (قيل بسبب كفرهم).\n(٤) في (ب): (ونادى).","vol":"1","page":263},{"text":"فهذا أوانك.\nوقيل معناه: انتبهوا على حسراتنا.\nومعنى ﴿فَرَّطْنَا﴾: قصرنا.\nابن بحر: فَرَطَ: سَبَقَ، والفَارِطُ: السابق، وفَرَّطَ: خلى السبق لغيره (١).\n﴿فِيهَا﴾ قيل: في الدنيا (٢).\nوقيل: في الصفقة، ودل ﴿خَسِرَ﴾ عليها.\nوقيل: في الساعة، أي: فرطنا في التقدمة لها.\n﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ﴾ أي: آثامهم، وَزَرَ الرجل يَزِرُ وِزْرًَا: أَثِمَ، وَوُزِرَ فهو موزور: إذا أثم أيضًا، وأصله الثِّقْلُ، والوزارةُ حَمْلُ الثِّقْلِ.\nوقيل الوَزَرُ: الملجأ، والوِزَارةُ منه، وخُصَّ الظهرُ لأنه لايحملُ عليه إلا الأثقل، وخُصَّ بالإضافة نفيًا للمجاز، كقوله: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤].\nوروي: وزِرَ يَزِر، بالكسر فيهما، لغة، وقيل: هو مجاز بمعنى اللزوم.\n﴿أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٣١)﴾ أي: بئس شيئًا (٣) يحملونه، وأفاد ﴿أَلَا﴾ تعظيم ما يذكر بعده (٤).\n﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ جواب لقولهم: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ أي: وما أعمال الحياة الدنيا إلا لعب ولهو، وقيل: وما أهل الحياة الدنيا إلا بأهل لعب ولهو، أي: سريعة الانقضاء قليلة البقاء.\n_________\n(١) نقله ابن عادل في «اللباب» ٨/ ١٠٣ عن ابن بحر أيضًا.\n(٢) حصل سقط في (جـ) للجمل الأربع السابقة، وكان السياق فيها كما يلي: (... أوانك وقيل في الصفقة ..).\n(٣) في (ب): (أي شيئًا يحملونه).\n(٤) سقطت كلمة (بعده) من (جـ).","vol":"1","page":264},{"text":"وقيل: لأنه لا منفعة (١) في عاقبته.\nوقيل: عاقبة اللعب واللهو الغم والندم (٢).\nابن عيسى: اللعب: عمل يشغل عما ينتفع به إلى ما لا ينتفع به، واللهو: صرف النفس عن الجد إلى الهزل، وأصله من لهيت عنه، ومنه: إذا استأثر الله بشيء فَالْهَ عنه (٣).\n﴿وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ لدوامها وبقائها ولحسن عاقبة المتقين (٤) فيها.\n﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٣٢)﴾ أي الحالتين خير.\n﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣)﴾.\nفي سبب النزول قال السدي: التقى الأخنس ابن شريق وأبو جهل ابن هشام، فقال الأخنس لأبي جهل: يا أبا الحكم: أخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب، فإنه ليس هاهنا أحد يسمع (٥) كلامك غيري.\nفقال أبو جهل: والله إن محمدًا لصادق، وما كذب (٦) محمد قطّ، ولكن إذا ذهب بنو قُصَيٍّ باللواء والسقاية والحجابة والندوة والنبوة، فماذا يكون لسائر قريش، فأنزلت هذه الآية (٧).\n_________\n(١) في (ب): (لا منفعة له في عاقبته).\n(٢) في (ب): (وقيل عاقبة اللهو واللعب الندم والغم).\n(٣) هو من قول عمر بن عبدالعزيز.\nانظر: «الكامل» للمبرد ٣/ ١٤٠٠. وقد نقل أبو حيان في «البحر» ٤/ ١١٣ قول ابن عيسى الرمّاني دون قول عمر بن عبدالعزيز.\n(٤) في (ب): (ولحسن عاقبتها للمتقين فيها).\n(٥) في (ب): (يقطع كلامك).\n(٦) تكررت كلمة (وما كذب) في (ب) مرتين.\n(٧) أخرجه الطبري ٩/ ٢٢٢، وذكره الواحدي في «أسباب النزول» عن السدي بدون إسناد (ص ٣٧٠).","vol":"1","page":265},{"text":"وقال أبو ميسرة: إن رسول الله -ﷺ- مَرَّ بأبي جهل وأصحابه، فقالوا يا محمد: إنا والله لا نكذبك (١)، إنك عندنا لصادق، ولكن نكذب ما جئت به، فنزلت: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣)﴾ (٢).\nوعن مقاتل: إنها نزلت في الحارث بن عامر بن نوفل، كان يُكذِّبُ النبيَّ -ﷺ- في العلانية، فإذا خلا مع أهل بيته قال: مامحمد من أهل الكذب ولا أحسبه إلا صادقا، فأنزل الله هذه الآية (٣).\nوكلمة ﴿قَدْ﴾ تأتي للتوقع وتأتي للتقريب من الحال وتأتي للتقليل، والآية تحتمل الأوجه الثلاثة.\nوفي الآية تسلية للنبي -ﷺ- على تكذيبهم إياه وقولهم له: إنه كاذب وساحر ومجنون وشاعر (٤).\n﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾ لايخصّونك بالتكذيب، وإنما يجحدون آيات الله.\nوقيل معناه: لا يكذبونك بحجة ولا يعتد بتكذيبهم.\nوقيل: لا ينسبونك إلى الكذب (٥).\n_________\n(١) في (ب): (ما نكذبك).\n(٢) ذكره الواحدي في «أسباب النزول» (ص ٣٧٠) عن أبي ميسرة بدون إسناد، وزاد السيوطي نسبته في «الدر المنثور» ٦/ ٤٠ لعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه. وأبو ميسرة هو: عمرو بن شرحبيل، تابعي جليل، وقد بين ذلك الدارقطني في «العلل» ٤/ ١٤٣ - ١٤٤.\nوقد روي هذا الأثر مرفوعًا عن علي ﵁: أخرجه الترمذي (٣٠٦٤) والحاكم ٢/ ٣١٥ بسند ضعيف كما قال الألباني.\n(٣) انظر: «تفسير مقاتل بن سليمان» ١/ ٥٥٨، ونقله الواحدي في «أسباب النزول» (ص ٣٧٠) عن مقاتل بدون إسناد.\n(٤) في (ب): (ساحر وشاعر ومجنون).\n(٥) في (ب): (إلى التكذيب).","vol":"1","page":266},{"text":"و(يُكْذِبُونَكَ) بالتخفيف معناه: لا يجدونك كاذبًا، وقيل: هما بمعنىً (١).\n﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ كهود ولوط وصالح وشعيب.\n﴿فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا﴾ فتأس بهم واصبر ﴿حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا﴾ معونتنا ﴿وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ لا مخلف لوعده، يعني قوله: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٧١]، وقوله: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية [غافر: ٥١]، وقوله: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ الآية (٢) [المجادلة: ٢١].\n﴿وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (٣٤)﴾ أي: قصصهم وما حل بقومهم، والفاعل مضمر، وقيل: ﴿مِنْ﴾ زيادةٌ، وفيه بُعْدٌ.\n﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ﴾ عظم وشق ﴿عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ﴾ عنك وعن الإيمان بك وبالقرآن (٣)، وحرصت على إيمانهم ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ﴾ تطلب ﴿نَفَقًا فِي الْأَرْضِ﴾ تغوص فيها، والنفق: سَرَبٌ له مَخْلَصٌ إلى مكان آخر ﴿أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ﴾ مصعدًا تصعد فيه، وقيل: درجًا، وقيل: سببًا (٤)، وسمي سلمًا لتسليمه إلى المقصد.\n﴿فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ﴾. ابن عباس ﵄: بآية خير مما معك فافعل (٥)، والمعنى (٦): لا يؤمنون وإن اجتهدت كل الاجتهاد وجئتهم بما اقترحوا من الآيات.\n﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ بإنزال آية تضطرهم إلى الإيمان.\n_________\n(١) قرأ نافع والكسائي (فإنهم لا يُكْذِبُونَكَ) وقرأ باقي العشرة ﴿يُكَذِّبُونَكَ﴾ مشددة.\nانظر: «المبسوط» لابن مهران (ص ١٦٨).\n(٢) كلمة (الآية) إنما وردت في (ب) فقط.\n(٣) في (ب): (عنك وعن إيمان بقرآن وحرصت ...).\n(٤) سقط (وقيل سببًا) من (جـ).\n(٥) أخرجه الطبري ٩/ ٢٢٦، وابن أبي حاتم ٤/ ١٢٨٤ (٧٢٤٩).\n(٦) سقطت كلمة (والمعنى) من (أ).","vol":"1","page":267},{"text":"وقيل: لو شاء الله (١) أن يطبعهم على الهدى لفعل (٢).\n﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٥)﴾ أي: بحكم الله في عباده، وقيل: لا تجزع في مواطن الصبر فتقارب حال الجاهل، ويحتمل أن المعنى: فلا تكن ممن لا يعلم هذا، وليس المراد به الجهل المذموم، وقيل: الخطاب للنبي -ﷺ- والمراد به غيره.\n﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ أي: يجيب المؤمنون الذين ينتفعون بسمعهم.\n﴿وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٣٦)﴾ أي: فأما الكفار الذين هم كالموتى الذين لا يسمعون ولا يبصرون فيبعثهم مع الموتى (٣)، فإنهم في عدادهم، ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٣٦)﴾ أي: إلى أرض المحشر.\n﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ﴾ أي: هلا أنزل عليه (٤) ﴿آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ يريدون مااقترحوا عليه من جعل الصفا ذهبًا وأن يوسع لهم أرض مكة ويفجر الأنهار خلالها تفجيرًا.\n﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً﴾ من الآيات التي اقترحتم، لكنها سؤال إعنات وطلب مدافعة، وهو سبحانه لا ينزل مثل هذه الآيات، وقد أنزل عليك القرآن، وهو من أبلغ الآيات وأظهر المعجزات ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٧)﴾ لأنها تستدعي تأملًا فيها وتفكرًا.\n﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ﴾ ثم ذكر ما يستدل (٥) على قدرته على الآيات.\n_________\n(١) سقط لفظ الجلالة من (جـ).\n(٢) هذا القول الثاني هو الصحيح والله أعلم، أما القول الأول فهو من أقوال المعتزلة.\nانظر: «المسائل الاعتزالية في تفسير الكشاف» للأستاذ: صالح الغامدي ١/ ٤١٠.\n(٣) العبارة في (ب): (... كالموتى لا يسمعون ولا يبصرون فيبعثهم الله مع الموتى ...) أما في (جـ): (... كالموتى ولا يبصرون فيبعثهم مع الموتى ...) والمثبت أعلاه هو ما ورد في (أ).\n(٤) سقط (أنزل عليه) من (أ).\n(٥) في (ب): (ما يستدل به على قدرته).","vol":"1","page":268},{"text":"والدابة: اسم لما يدبّ، يقع على المذكر والمؤنث، ولا يطلق على الآدمي إلا شتمًا، وكذلك الحيوان.\n﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ قيد الطيران بالجناحين قطعًا لمجاز السرعة، والجناح: أحد ناحيتي الطير، مشتق من جنح: إذا مال.\n﴿إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ في الخلق والرزق والموت وفي الحاجة إلى مُدَبِّر يُدَبِّرُ أَمْرَ مَرَاشِدِهَا، وإن انفرد كل نوع بخاصة لا توجد في غيره.\nوالأمة: جماعة (١) تشترك في نوع.\nوقيل: أمثالكم في الأكل والشرب.\nالدمياطي: في أنها تعرف الله تعالى وتوحده وتسبح له (٢)، من قوله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] قال: وتسبيحه يا حليم يا غفور.\nالزجاج: أمثالكم في الخلق والموت والبعث (٣).\nومن ظن أن أصناف الحيوان مكلفة متعبدة لقوله: ﴿أَمْثَالُكُمْ﴾ وقوله (٤): ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤] فجاهل بتأويل القرآن، لأن المماثلة لا توجب الاتفاق في كل شيء، ولأن قوله: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤] من الإنس والجن.\n﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾.\nقيل: الكتاب: اللوح المحفوظ، وهو مشتمل على ما يجري في العالم من جليل\n_________\n(١) في (ب): (الجماعة).\n(٢) في (أ): (وتسبح له وتوحده).\n(٣) انظر: «معاني القرآن» للزجاج ٢/ ٢٤٥.\n(٤) سقطت كلمة (وقوله) من (ب).","vol":"1","page":269},{"text":"ودقيق من جميع الحيوانات وغيرها.\nوقيل: الكتاب: القرآن.\nوقوله: ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ أي: من شيء احتجتم إلى بيانه (١)، وهو مشتمل على ما تَعَبَّدَنَا به كناية وتصريحًا أو مجملًا وتفصيلًا.\nابن بحر: الكتاب: هو كتاب الأجل، لقوله: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ [الرعد: ٣٨]، ولقوله: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥]، ولقوله: ﴿كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ [آل عمران: ١٤٥] (٢).\n﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (٣٨)﴾ للبعث والقصاص.\nابن عباس ﵄: حشرها: موتها (٣).\nوقيل: تحشر وتعوض عما لحقها من الآلام وينصف بعضها من بعض (٤) وتدخل الجنة وتكون من جملة دواب الجنة.\n﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ﴾ عن الخير ﴿فِي الظُّلُمَاتِ﴾ خبر بعد خبر، ويريد بالظلمات: ظلمة الجهل والحيرة والكفر وظلمات المحشر والنار.\n﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ﴾ فيموت على الكفر ﴿وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٩)﴾ أي: الإسلام.\n﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ﴾ كلمة استفهام وتعجيب ليس لها نظير، والكاف فيها: حرف خطاب لا محل له من الإعراب، والتاء قبلها: ضمير الفاعل، لزم طريقة واحدة\n_________\n(١) في (أ): (احتجتم إليه وإلى بيانه).\n(٢) نقله الطبرسي في «مجمع البيان» ٤/ ٤٦٠ عن أبي مسلم وهو محمد بن بحر، سبقت ترجمته.\n(٣) أخرجه الطبري ٩/ ٢٣٥، وابن أبي حاتم ٤/ ١٢٨٦ (٧٢٦١).\n(٤) سقطت كلمة (من بعض) من (ب).","vol":"1","page":270},{"text":"استثقالًا للجمع بين علامتي خطاب، ومعناه: تنبه وتفكر.\nوقال الكوفيون: الكاف اسم، ومحله نصب، وكأنهم أضمروا المفعول الثاني (١).\n﴿إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ﴾ أي: كما جاء من قبلكم ﴿أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ﴾ التي تحيون فيها وتخرجون من قبوركم ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾ فيكشف ما نزل بكم ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٠)﴾ في أن الأصنام آلهة.\nوجزاء الشرط: مضمر تقديره: فادعوها.\nثم قال: ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ﴾ لأنهم كانوا إذا مسهم الضر دعوا الله لا غيره، دليله قوله: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ﴾ [الزمر: ٨]، وقوله: ﴿إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ [النحل: ٥٣]، وقوله: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ﴾ [لقمان: ٣٢]، وأمثاله.\n﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ﴾ أي: فيكشف الضر الذي تدعون الله إليه.\nتقول: دعوت الله إلى أن يغفر لي، ودعوت الله بأن يسهل لي.\n﴿إِنْ شَاءَ﴾ يريد: فيكشف (٢) العذاب في الدنيا؛ لأن الساعة لا تُكشف ولا يُكشف ما ينزل بهم فيها.\n﴿وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ (٤١)﴾ وتتركون، وقيل: تنسون: من النسيان، وقيل: تعرضون عنه إعراض الناسي ﴿مَا تُشْرِكُونَ (٤١)﴾ أي: الذي تشركونه مع الله.\nوقيل: ﴿مَا﴾ للمصدر، أي: تنسون إشراككم.\n﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ﴾ يعني: رسلًا ﴿مِنْ قَبْلِكَ﴾ مِنْ: زيادة (٣)، أي: زمانهم قبل\n_________\n(١) انظر: «معاني القرآن» للفراء ١/ ٣٣٣، و«الدر المصون» للسمين ٤/ ٦٢٠ - ٦٢١.\n(٢) في (ب): (يريد يكشف).\n(٣) سبق التعليق على قول بعض المفسرين (زيادة) في القرآن الكريم عند تفسير الكرماني للآية (٤) من هذه السورة: سورة الأنعام.","vol":"1","page":271},{"text":"زمانك ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ﴾ أي: فكفروا بهم وكذبوهم فأخذناهم ﴿بِالْبَأْسَاءِ﴾ الشدة والفقر ﴿وَالضَّرَّاءِ﴾ الضرّ والآفات ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (٤٢)﴾ ليعودوا إلى الله.\nوالضَّراعة: الذلَّة، وتضرَّع: تَصَاغر وخضع، والمعنى: فعلنا ما ذكرنا فلم تخشع قلوبهم ولم تضرع نفوسهم (١).\n﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا﴾ أي: هلا تضرعوا بالتوبة والإنابة.\n﴿وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ فلم ينزجروا بما ابتلوا به.\n﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٤٣)﴾ خَيَّلَ إليهم أنها تقربهم من الله.\n﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي: فلما لم يتعظوا بالبلايا فتحنا عليهم أبواب كل شيء.\nالزجاج: أي: فتحنا عليهم ماكان مغلقًا عنهم (٢).\nابن جرير: فتحنا عليهم أبوابًا من النعم كنا سددناها عليهم (٣).\nوروي عن النبي -ﷺ- أنه قال: (مُكِرَ بالقوم ورب الكعبة) (٤).\n_________\n(١) سقط من (ب) قوله: (ولم تضرع نفوسهم).\n(٢) انظر: «معاني القرآن» ٢/ ٢٤٨ للزجاج، وعبارة الزجاج: (فتحناعليهم أبواب كل شيء كان مغلقًا عليهم من الخير).\n(٣) نقله عن الطبري ٩/ ٢٤٦ بالمعنى.\n(٤) لم أجده مرفوعًا، وإنما أخرجه ابن أبي حاتم ٤/ ١٢٩١ (٧٢٩٣) عن الحسن من قوله ولم يرفعه، وتمام الأثر: (أُعطوا حاجتهم ثم أُخذوا).\nوزاد السيوطي نسبته في «الدر المنثور» ٦/ ٥١ إلى أبي الشيخ.\nوالألوسي عندما ذكر هذا الأثر في «روح المعاني» ٧/ ١٥٠ قال: (وروي عن الحسن). ونقل المناوي في «الفتح السماوي» ٢/ ٦٠٥ قول السيوطي: (لم أقف عليه مرفوعًا).","vol":"1","page":272},{"text":"﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا﴾ أعجبوا ﴿بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾ فجأة.\nوقيل: في الآية تقديم وتأخير تقديره: فرحوا بما أوتوا ونسوا ما ذكروا به أخذناهم بغتة.\n﴿فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤)﴾ إذا هذه تسمى المفاجأة، كما تقول: خرجت فإذا زيد قائم.\nومعنى ﴿مُبْلِسُونَ﴾: آيسون.\nالزجاج: المبلس: الشديد الحسرة اليائس الحزين (١).\nقطرب: الإبلاس: الخشوع (٢).\nأبو عبيدة: الكئيب والحزين (٣).\nابن جرير: الساكت عند انقطاع الحجة (٤).\nالدمياطي: أي: يئسوا من الخير كما يئس إبليس.\nابن عيسى: الإبلاس: اليأس من النجاة عند ورود الهلاك.\nالحسن: مبصبصون (٥).\nوقيل: الإبلاس: الإطراق من الحزن والندم.\n_________\n(١) انظر: «معاني القرآن» للزجاج ٢/ ٢٤٩.\n(٢) انظر: «البحر المحيط» لأبي حيان ٤/ ١٣٤.\n(٣) انظر: «مجاز القرآن» لأبي عبيدة ١/ ١٩٢.\n(٤) انظر: «جامع البيان» للطبري ٩/ ٢٤٩.\n(٥) سقط قول الحسن كاملًا من (ب).\nوقد نقله الثعلبي في «الكشف» ٤/ ١٤٧ عن الحسن بلفظ: منصتون.\nوجاء في «تاج العروس» ١٧/ ٤٩٢ - ٤٩٣: (وبَصْبَصَ الكلب: حرك ذنبه، وإنما يفعل ذلك من طمع أو خوف ... والبَصْبَصَةُ: التَّملُّقُ).\nوقد نقل أبو حيان ٤/ ١٣٤ عن الحسن أن معنى (مبلسون): مكتئبون.","vol":"1","page":273},{"text":"﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أي: آخر من بقي منهم، يقول: دَبَرَهُ دَبْرًَا ودُبُورًَا: إذا تَبِعَهُ.\n﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥)﴾ أي: هو محمود على ما فعل، فإنه سبحانه قد أعذر وأنذر وأنعم وأمهل.\nوقيل: الحمد لله على هلاك أعدائه وأعداء أنبيائه.\nوقيل: عَلَّمَ المؤمنين كيف يحمدونه على نعمه بالمؤمنين ونقمه (١) من الكافرين (٢). ويحتمل أن المعنى: أهلكهم (٣) والحمد لله كما كان، لم ينقطع بهلاكهم.\n﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ﴾ فأصمكم ﴿وَأَبْصَارَكُمْ﴾ فأعماكم ﴿وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ﴾ فسلب العقول عنها والتمييز.\nوقيل: ختم على قلوبكم فأماتكم.\n﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾ أي: من يأتيكم به، لأنهم علموا أن لا أحد يعطيهم عوضها.\nوالهاء في ﴿بِهِ﴾ قيل تعود إلى الأخذ، والمراد المأخوذ.\nوقيل: إلى الختم، والمراد المختوم عليه (٤).\nوقيل: إلى السمع، ويكون ما عطف عليه داخلًا معه.\nوقيل: يأتيكم (٥) بأحد هذه الأشياء.\n﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ﴾ نكررها ﴿ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ (٤٦)﴾ يعرضون.\n_________\n(١) في (جـ): (ونقمته).\n(٢) في (ب): (بالكافرين).\n(٣) في (ب): (أهلكهم الله والحمد لله ...).\n(٤) في (أ): (والمراد به المختوم عليه) وفي (ب): (والمراد المختوم) والمثبت من (جـ).\n(٥) في (أ): (ما يأتيكم).","vol":"1","page":274},{"text":"والصدوف: الإعراض عن الشيء.\n﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً﴾ من غير مقدمة ﴿أَوْ جَهْرَةً﴾ تتقدمها أدلة وعلامات.\nالحسن: ﴿بَغْتَةً﴾ ليلًا ﴿أَوْ جَهْرَةً﴾ نهارًا (١).\nوقيل: ﴿بَغْتَةً﴾ آمنين (٢) ﴿أَوْ جَهْرَةً﴾ تنظرون (٣).\n﴿هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ (٤٧)﴾ أي: لو أُجِبْتُمْ إلى ما تقترحون من إسقاط السماء كسفًا وغيرها، لم يهلك به إلا الكافرون المعاندون.\n﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ﴾ بالجنة ﴿وَمُنْذِرِينَ﴾ بالنار، وليست بأيديهم الآيات ﴿فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ﴾ أي: دام على إيمانه ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٤٨)﴾.\n﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ أي: كذبوا رسلنا برد آياتنا ﴿يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ﴾ ينالهم العذاب (٤) ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٤٩)﴾ بسبب فِسقهم وخروجهم عن طاعة الله.\n﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ﴾ خزائن رزقه (٥).\nوقيل: خزائن عذابه.\nوقيل: خزائن آياته فَأَفْعَلُ كل ما أريد.\nوقيل: خزائنه: مقدورا ته (٦).\n_________\n(١) انظر: «معالم التنزيل» للبغوي ٢/ ٢٣، و«الوسيط» للواحدي ٢/ ٢٧٢ عن الحسن وابن عباس.\n(٢) في (ب): (آمنون).\n(٣) في (أ): (تنتظرون)، وفي (ب) يحتمل رسمها كلا الوجهين، وما أثبته أعلاه هو الموافق لمعنى الكلمة عند الطبري والبغوي وغيرهما.\n(٤) هكذا في (أ)، وفي (ب) و(جـ): (ينالهم ويصيبهم) وسقطت كلمة (العذاب) منهما.\n(٥) في (ب) تحتمل (نعمه) أو (نقمه)، ولم ترد كلمة (رزقه).\n(٦) في (ب): (خزائن مقدوراته).","vol":"1","page":275},{"text":"﴿وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ أي: كل الغيب، إلَاّ ما علمنيه سبحانه ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ أي: أقدر على ما يقدر عليه الملائكة.\nوالمعنى: لست أدعي شيئًا مما لا يليق بي.\n﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ ما يأمرني به (١) بالوحي.\n﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ العالم والجاهل، وقيل: الضال والمهتدي، وقيل: معناه لست مثلكم، فإني مهتد وأنتم ضالون.\n﴿أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ (٥٠)﴾ فتعقلوا ذلك.\n﴿وَأَنْذِرْ بِهِ﴾ أي: بما يوحى إليك، وهو القرآن ﴿الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ أي: المؤمنين، وخصهم لانتفاعهم بالإنذار.\nوقيل: هم الكفار، شكوا في البعث وقالوا: آلهتنا شفعاؤنا عند الله.\n﴿لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ﴾ يلي أمرهم ﴿وَلَا شَفِيعٌ﴾ يشفع لهم (٢).\nوقوله: ﴿لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾ واقع موقع المفعول الثاني\nلـ (أنذر) (٣).\n﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٥١)﴾.\n﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ في سبب النزول عن سعد (٤) قال: نزلت هذه الآية فيَّ وفي ابن مسعود وصهيب وعمار والمقداد وبلال، قالت قريش لرسول الله -ﷺ-: إنا لا نرضى أن نكون أتباعًا لهؤلاء فاطردهم عنك، فدخل قلب رسول الله -ﷺ- من\n_________\n(١) سقطت كلمة (به) من (ب).\n(٢) سقطت كلمة (لهم) من (ب).\n(٣) في (ب) زيادة: (وقيل محله نصب على الحال من يخافون).\n(٤) هو ابن أبي وقاص كما يُعلم من مصادر التخريج.","vol":"1","page":276},{"text":"ذلك ما شاء الله أن يدخله، فأنزل الله هذه الآية (١).\nوعن خبَّاب بن الأَرَتّ قال: فينا نزلت، كنا ضعفاء عند النبي -ﷺ- بالغداة والعشي يعلمنا القرآن والخير، وكان يخوفنا بالجنة والنار، فجاء الأَقْرَعُ بن حابس وعُيَيْنَةُ بن حِصن فقالا: إنَّا من أشراف قومنا وإنَّا نكره أن يرونا معهم فاطردهم إذا جالسناك، قال: (نعم)، قالوا: لا نرضى حتى تكتب كتابًا، فَأُتِىَ بأديم ودواةٍ (٢)، فنزلت: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ (٣).\nوالطرد: إقصاء على جفاء.\n﴿بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ أي: يصلون الصلوات الخمس في الجماعة.\nوقيل: يدعون بالتمجيد والتحميد.\nوقيل: صلاة الفجر والعصر.\nوقيل: هو قراءة القرآن.\nوقيل: عام في العبادات.\nوالغَدَاةُ: تنكر وتدخلها الألف واللام للتعريف، وغُدْوَة: معرفة لا تدخلها\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٢٤١٣) وابن ماجه (٤١٢٨)، والواحدي في «أسباب النزول» (ص ٣٧١).\n(٢) الأديم: الجلد المدبوغ.\nوالدواة: التي يُكتب منها.\nانظر: «المصباح المنير» (ص ١٩) و(ص ١٧٢).\n(٣) أخرجه ابن ماجه (٤١٢٧) والطبري ٩/ ٢٥٩ - ٢٦٠، والواحدي في «أسباب النزول» (ص ٣٧١ - ٣٧٢) وغيرهم.\nوصححه الشيخ الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه». وقال الحافظ ابن كثير: (هذا حديث غريب، «=فإن هذه الآية مكية، والأقرع بن حابس وعيينة إنما أسلما بعد الهجرة بدهر). =تفسير ابن كثير» ٦/ ٤٥. وفي إسناده عند الجميع: أبو سعيد الأزدي، قال عنه الحافظ ابن حجر في «تقريب التهذيب»: (مقبول). فالرواية فيها نظر، والله أعلم.","vol":"1","page":277},{"text":"الألف واللام، وكذلك: بُكْرَة، ومن العرب من لا يصرفها.\nوابن عامر قاس غدوة على الغداة، وفيه بعد عند النحاة (١).\n﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ يريدون الله.\nوالوجه ذكر تعظيمًا، كقوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] (٢).\nوقيل: الوجه: الجهة، أي: يقصدون جهة الله بطاعتهم. (٣)\n﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ في الحساب هاهنا ثلاثة أقوال:\nأحدها: حساب أعمالهم (٤)، كقوله: ﴿إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي﴾ [الشعراء: ١١٣].\nوالثاني: حساب أرزاقهم.\nوالثالث: من كفايتهم، تقول: حسبي، أي: كفاني.\n﴿فَتَطْرُدَهُمْ﴾ فتبعدهم، وقيل: تؤخرهم عن الصف الأول إلى الأخير.\n﴿فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (٥٢)﴾ بسبب طردهم.\nوقوله ﴿فَتَطْرُدَهُمْ﴾ جواب النفي (٥)، وقوله: ﴿فَتَكُونَ﴾ جواب النهي (٦)، وقيل: عطف.\n﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ أي: امتحنا الفقير بالغني والغني بالفقير.\n_________\n(١) انظر: «المبسوط» لابن مهران (ص ١٦٨) حيث قرأ ابن عامر (بالغُدْوَةِ والعَشِي) بخلاف باقي العشرة.\nقال ابن الجوزي في «زاد المسير» ٣/ ٤٦: (وقال الخليل: يجوز أن تقول: أتيتك اليوم غُدوة وبُكرة، فجعلها بمنزلة ضُحوة، فهذا وجه قراءة ابن عامر).\nوقد أجاب السمين الحلبي في «الدر المصون» ٤/ ٦٤٠ على من طعن في قراءة ابن عامر.\n(٢) في (أ) زيادة: (ويبقى وجه ربك) وهي غير موجودة في (ب) و(جـ).\n(٣) قال القرطبي ٦/ ٤٣٢: (وقيل: يريدون الله الموصوف بأن له الوجه كما قال: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ وهو كقوله: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾) انتهى.\nوقال شيخنا محمد بن عثيمين ﵀ في «تفسير سورة الكهف» (ص ٥٨) عند قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ = = نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف: ٢٨]: (وفي الآية إثبات الوجه لله تعالى، وقد أجمع علماء أهل السنة على ثبوت الوجه لله تعالى بدلالة الكتاب والسنة على ذلك، قال الله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧]، وقال النبي -ﷺ-: (أعوذ بوجهك» انتهى.\n(٤) في (ب): (حساب أموالهم).\n(٥) سقط من (جـ) قول المصنف: (وقوله «فتطردهم» جواب النفي) وهو مثبت في (أ) و(ب).\n(٦) النفي هو الوارد في قوله تعالى: ﴿مَا عَلَيْكَ﴾، والنهي هو الوارد في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ﴾. أفاده المنتجب في «الفريد في إعراب القرآن المجيد» ٢/ ١٥٣.","vol":"1","page":278},{"text":"﴿لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾ المعنى: لو كان هذا الأمر الذي دخلوا فيه - يعنى الإسلام - نعمة وفضلًا لما خصوا به من بيننا، كقوله: ﴿لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١١].\n﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣)﴾ أي: هو أعلمُ بمن يشكرُ نعمته ممن يكفرها، فمنَّ عليهم بالهداية لشكرهم وخَذَلَ غيرهم لكفرهم.\nواللام (١): لام العاقبة، وقيل: لام كي.\n﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا﴾ في سبب النزول قال عكرمة: نزلت في الذين نهى الله نبيه عن طردهم، فكان إذا رآهم بدأهم بالسلام وقال: (الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني أن أبدأهم بالسلام) (٢).\nوقال ماهانُ الحنفيُّ: أَتَى قومٌ النبي -ﷺ- فقالوا: إِنَّا أصبنا ذنوبًا عظامًا، فما إخاله رَدَّ عليهم بشيء، فلما ذهبوا وتولوا نزلت: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا﴾ (٣). أي: يصدقون بالقرآن، وقيل: بحججنا وبراهيننا.\n﴿فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ أمره الله أن يبدأهم بالتسليم عليهم.\nالحسن: ﴿فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ أي: من ربكم (٤).\nالمبرد: السلام في اللغة أربعة أشياء: اسم من أسماء الله تعالى، وجمع سَلَامة، ومصدر سَلَّم، واسم شجر (٥)، ومعنى سلام عليك: سَلِمْتَ من الآفاتِ دينًا ودُنْيًا.\n﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ أوجبها.\nوقيل: كتب في اللوح المحفوظ وما كتب أبقى وأثبت.\n﴿أَنَّهُ﴾ الهاء: للأمر والشأن.\n﴿مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا﴾ ذنبًا ﴿بِجَهَالَةٍ﴾ جهل كنه ما يؤول إليه.\nوقيل: بجهالة في اختياره.\n_________\n(١) يعني التي في قوله تعالى: ﴿لِيَقُولُوا﴾.\n(٢) نقله الثعلبي في «الكشف والبيان» ٤/ ١٥١ - ١٥٢.\nوذكره الواحدي في «أسباب النزول» (ص ٣٧٣)، والقرطبي في «الجامع لأحكام القرآن» ٦/ ٤٣٥.\n(٣) رواه الطبري ٩/ ٢٧٢ - ٢٧٣، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣٠٠ (٧٣٤٥)، وزاد السيوطي ٦/ ٦٠ نسبته إلى الفريابي وعبد بن حميد ومسدد في «مسنده»، وابن المنذر وأبي الشيخ.\nوماهان من طبقة التابعين، روى عن ابن عباس وأم سلمة، قطع الحجاج بن يوسف يديه ورجليه وصَلَبَه وذلك سنة (٨٣) من الهجرة. انظر: «تهذيب التهذيب» ٤/ ١٦.\n(٤) سقطت (أي) من (ب). وقول الحسن نقله الماوردي ٢/ ١١٩.\n(٥) ذكر ابن منظر في «لسان العرب» ٣/ ٢٠٧٨ مادة (سلم) هذه المعاني الأربعة عن محمد بن يزيد المبرد.","vol":"1","page":279},{"text":"الحسن: من عَمِلَ عَمَلَ (١) خطيئة فهو جاهل (٢).\n﴿ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ بعد السوء أوالعمل أو الجهل.\n﴿وَأَصْلَحَ﴾ عزم أن لا يعود إلى الذنب.\n﴿فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٤)﴾ فتح أن الأولى على البدل من الرحمة، والكسر على الاستئناف، وكسر الثاني على الابتداء، والفتح على تقدير: فالأمر أنه (٣)، و(مَنْ): يجوز أن يكون للشرط، والفاء: دخل للجزاء، ويجوز أن يكون بمعنى: الذي، والفاء دخل للخبر (٤).\n﴿وَكَذَلِكَ﴾ أي: وكما بينا الحجج في هذه السورة وما قبلها.\n﴿نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾ نبينها.\nوالفصل: بون ما بين الشيئين.\nوالفصل في القضاء من هذا.\nوالتفصيل: التبيين بين المعاني الملتبسة.\n﴿وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (٥٥)﴾ اللام عطف على المعنى، أي: نفصل الآيات ليظهر الحق وليستبين.\nويحتمل: وليستبين سبيل المجرمين فصلنا (٥).\nوالمعنى: سبيل المجرمين وسبيل المؤمنين، فاكتفى بأحد الضدين.\nواستبان: لازم ومتعد.\n_________\n(١) في (ب): (عملًا).\n(٢) نقل الماوردي ٢/ ١٢٠ عن الحسن تفسير الجهالة بالخطيئة، ولكن لم يورد الأثر كاملًا.\n(٣) قرأ أبو جعفر ونافع (أنه من عمل) بفتح الألف (فإِنَّه غفور رحيم) بكسر الألف.\nوقرأ عاصم وابن عامر ويعقوب (أنَّه) (فَأَنَّه) بفتح الألف فيهما.\nوقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وخلف (إنَّه) (فإِنَّه) بكسر الألف فيهما.\nانظر: «المبسوط» لابن مهران (ص ١٦٨ - ١٦٩).\n(٤) في (أ): (دخل الخبر) وفي (ب): (دخل على الخبر) والمثبت من (جـ).\n(٥) في (ب): (... ليظهر الحق ولتستبين سبيل المجرمين فصلناه والمعنى ...) فحصل فيها سقط، وفيها أيضًا: (فصلناه)، وفي (أ) و(جـ): (فصلنا) بدون الهاء.","vol":"1","page":280},{"text":"والبيان: فصل المعنى مما التبس به.\nوالسبيل: يذكر ويؤنث.\n﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ﴾. ابن عيسى: النهي: الزجر عن الفعل بطريقة لا تفعل.\n﴿أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: تعبدون.\nوقيل: تدعون من الدعاء، وقيل: تدعونها آلهة، أي: تسمونها، كما تقول: دعوت (١) ولدي زيدًا، أي: سميته.\n﴿قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ﴾ ابن عيسى: الهوى: أريحية النفس إلى ما تحن إليه.\n﴿قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا﴾ مع وضوح أعلامه وكثرة شواهده (٢).\n﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (٥٦)﴾ إلى شيء من مراشدي (٣).\nالزجاج: ما أنا من النبيين الذين سلكوا الهدى (٤).\n﴿قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ في سبب النزول قال الكلبي: نزلت في النضر بن الحارث ورؤساء قريش، كانوا يقولون: يا محمد: ائتنا بالعذاب الذي تعدنا به، استهزاء منهم، فنزلت (٥).\n﴿قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ معجزة.\nوقيل: القرآن.\nوقيل: دين صحيح.\nالحسن: النبوة (٦).\n_________\n(١) في (جـ): (دعيت).\n(٢) في (ب): (مع كثرة وضوحه وأعلام شواهده) والمثبت أعلاه ما ورد في (أ) و(جـ).\n(٣) في (أ): (من المهتدين أي إلى شيء من مراشدي) بزيادة كلمة (أي).\n(٤) انظر: «معاني القرآن» للزجاج ٢/ ٢٥٥.\n(٥) ذكره الواحدي في «أسباب النزول» (ص ٣٧٤) بدون إسناد، وذكر الثعلبي في «الكشف والبيان» ٤/ ١٥٣ أنها نزلت في النضر بن الحارث، ولكنه لم يسند ذلك للكلبي، أما ابن الجوزي في «زاد المسير» ٣/ ٥١ فقد نسب سبب النزول إلى ابن عباس بلفظ زائد عن الألفاظ التي ذكرها الكرماني عن الكلبي.\n(٦) نقله الطبرسي في «مجمع البيان» ٤/ ٤٧٩ عن الحسن كذلك.","vol":"1","page":281},{"text":"﴿وَكَذَّبْتُمْ بِهِ﴾. الزجاج: الهاء: تعود إلى البيان (١).\nوقيل: إلى مدلول البينة.\nوقيل: إلى القرآن.\nوقيل: إلى ربي.\n﴿مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ أي: ليس عندي الذي تطلبونه ولا في قدرتي هذا العذاب.\nوقيل: ما اقترحوا عليه من الآيات.\nوالاستعجال: طلب الشيء قبل وقته.\n﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ أي: ليس الحاكم بيننا إلا الله، وهو يظهر المحق من المبطل.\n﴿يَقُصُّ الْحَقَّ﴾ (٢) يقضي القضاء الحق، وقيل: يصنع الحق.\nو﴿يَقُصُّ الْحَقَّ﴾ يبين الحق، ويجوز: يقص القصص الحق (٣).\n﴿وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ (٥٧)﴾ لا حيف ولا جور في حكمه.\n﴿قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ أي: لو كان العذاب بيدي وفي مقدوري.\n﴿لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ لأنزلته عليكم ولم أكن لأحلم (٤) عنكم، ولصار (٥) الأمر إلى آخره وانقطع ما بيني وبينكم.\n_________\n(١) انظر: «معاني القرآن» للزجاج ٢/ ٢٥٦.\n(٢) كتبت في (أ): (يقضي بالحق) وفي (ب) و(جـ): (يقضي الحق).\n(يَقُصُّ الحق) هي قراءة أبي جعفر ونافع وابن كثير وعاصم، بينما قرأ باقي العشرة (يَقْضِ الحق).\n«انظر: المبسوط» لابن مهران (ص ١٦٩)، و«النشر» لابن الجزري ٢/ ٢٥٨.\nأما قراءة: (يقضي بالحق) فهي من الشواذ، وهي لابن مسعود وأُبي ويحيى بن وثاب والنخعي والأعمش وطلحة.\nانظر: «البحر المحيط» ٤/ ١٤٦، و«الدر المصون» ٤/ ٦٥٧.\n(٣) سقطت كلمة (الحق) من (ب)، وكانت العبارة في (جـ): (يفصل القصص الحق).\n(٤) في (أ): (لأحكم).\n(٥) في (ب): (وصار).","vol":"1","page":282},{"text":"﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ (٥٨)﴾ أي: بمن (١) ينبغي أن يؤخذ وبمن (٢) يمهل.\n﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ فهو يظهر ما أراد منها.\nوالمفاتح: جمع مفتح، وهو ما يفتح به.\nوالغيب: ما غاب عن معارف الخلق.\nابن عباس ﵄: مفاتح الغيب خزائن العذاب والرزق (٣).\n﴿لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ لا ينزل العذاب والرزق إلا الله (٤).\nوقيل: مفاتح الغيب: الأمور التي بها يستدل على الغائب فيعلم حقيقته، من قولك: فتحتُ على الإمام: إذا عرّفته ما نسي.\nوعن النبي -ﷺ-: (مفاتح الغيب خمس، ثم تلا (٥) ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾) الآية (٦).\n﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ﴾ ما في القِفَارِ (٧) من النبات والدواب.\n﴿وَالْبَحْرِ﴾ من الحيوان والجواهر.\nوقيل: ﴿الْبَرِّ﴾: الفلاة، ﴿وَالْبَحْرِ﴾: القرى (٨).\n﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾ ثابتة وساقطة.\nوقيل: كم انقلبت ظهرًا لبطن إلى أن وقعت على الأرض.\nوروي عن كعب: ما على الأرض شجرة إلا وكِّلَ بها ملكان، يكتب أحدهما ما سقط منها والآخر ما يطلع، فقيل له: ولا الحشيش، فقال: ولا الحشيش، فتلا هذه الآية (٩).\n﴿وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ﴾ تحت الأرض السابعة.\nوقيل: تحت التراب.\n_________\n(١) في (جـ): (بمن هو ينبغي).\n(٢) في (ب): (وبمن ينبغي يمهل).\n(٣) نقله الماوردي بمعناه عن ابن عباس ﵄ ٢/ ١٢١، كما نقله ابن الجوزي ٣/ ٥٣ أيضًا.\n(٤) في (ب): (إلا هو).\n(٥) في (جـ): (وتلا).\n(٦) أخرجه البخاري (٤٦٢٧) من حديث عبدالله بن عمر ﵄.\n(٧) القَفْرُ: الخلاء من الأرض. انظر: «لسان العرب» مادة (قفر).\n(٨) قال الماوردي ٣/ ١٢١: (لوجود الماء فيها، فلذلك سميت بحرًا، قاله مجاهد).\n(٩) لم أجده.","vol":"1","page":283},{"text":"﴿وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ﴾ أي: جميع الأجسام، لأنها إنما تكون رطبًا أو يابسًا.\n﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ في اللوح المحفوظ تطلع عليه الملائكة المقربون، وليعلم العباد أن أعمالهم محصاة للجزاء.\nوقيل: الكتاب مجاز عن الحفظ.\nوقوله: ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ مع قوله: ﴿إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾ استثناء بعد استثناء، كقول الشاعر (١):\nما بالمدينة دارٌ غيرُ واحدةٍ ... دارُ الخليفةِ إلا دارُ مروانا\nوقرئ: (ولا حَبّةٌ) (ولا رطبٌ ولا يابسٌ) بالرفع فيكون ما بعد (إلا) خبر المبتدأ (٢).\n﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾ أي: ينيمكم.\nوخص الليل بالنوم والنهار باليقظة على الأغلب ومجرى العادة.\nوالتّوفِّي هاهنا: مستعار من الوفاة التي هي الموت، وحسن هذه الاستعارة: لما بين النوم والموت من المناسبة من زوال الإحساس والمعرفة والفكر والتمييز وما يلحقه من استرخاء الأعضاء ويمنعه عن الكسب، ومثله ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر: ٤٢] فاستعمل الحقيقة والمجاز جميعًا (٣).\nوالتوفي: قبض الشيء على التمام، وأصله من استيفاء العدد، قال (٤):\nإن بني الأَدْرَم ليسوا مِنْ أَحَدْ ... ولا توفتهم قريشٌ في العَدَدْ\n﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ أي: كسبتم.\nوقيل: أثمتم، من قوله: ﴿اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ﴾ [الجاثية: ٢١].\n﴿ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ﴾ ينبِّهكم ويوقظكم.\nوضع البعث في مقابلة التوفي (٥).\n_________\n(١) ينسب للفرزدق، وليس في ديوانه كما ذكر عبدالسلام هارون في «معجم شواهد العربية» (ص ٣٨١).\nوورد البيت عند سيبويه ٢/ ٣٤٠ والمبرد في «المقتضب» ٤/ ٤٢٥.\n(٢) هي قراءة عبدالله بن أبي إسحاق الحضرمي (ت ١٢٩ هـ)، والحسن وابن السميفع.\nانظر: «إعراب القرآن» للنحاس ٢/ ٧١، و«القراءات الشاذة» لابن خالويه (ص ٣٧)، والدر المصون+ للسمين ٤/ ٦٦١.\n(٣) في القول بوجود المجاز في القرآن الكريم خلافٌ بين أهل العلم.\nانظر: «معالم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة» للباحث: محمد بن حسين الجيزاني (ص ١١٤ - ١١٩).\n(٤) نسب ابن منظور هذا البيت لمنْظُورٍ الوَبْري، ولفظه في «اللسان»:\nإن بني الأدرد ليسوا من أحد ... ولا توفَّاهُمْ قريشٌ في العدد\nانظر: «لسان العرب» مادة (وفى). وفي نسخة (ب): (إن بني أدرم).\n(٥) سقطت كلمة (التوفي) من (جـ).","vol":"1","page":284},{"text":"﴿فِيهِ﴾ (١) في النهار.\nالحسن: في الأجل (٢).\nوقيل: في الآية تقديم وتأخير، تقديره: ثم يبعثكم في النهار ويعلم ما جرحتم فيه.\nويحتمل أن النهار هو السابق على الليل، ولفظ الماضي يدل عليه.\nوقوله: ﴿ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾ أي: في نهار آخر، كقوله: عليَّ (٣) درهم ونصفه، أي: نصف درهم آخر، وكل شاة وسخلتها بدرهم، أي: سخلة شاة أخرى.\nأو يعود إلى الأجل كما روي عن الحسن.\n﴿لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى﴾ ليبلغ آخر أجله المسمَّى في الدنيا.\n﴿ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ بالموت.\n﴿ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٦٠)﴾ أي: يجازيكم على أعمالكم.\n﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ﴾ الغالب ﴿فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ علوّ شأن لا مكان (٤).\n﴿وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ﴾ وينزل عليكم ﴿حَفَظَةً﴾ يحفظونه ويحفظون عليه أعماله\n﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ حتى: لغاية الحفظ (٥)، ويريد بالموت: وقت الموت\n﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ يريد ملك الموت، وجمع: لأن له أعوانًا.\n_________\n(١) حصل سقط في (ب) من هذا الموطن إلى قوله: (أي في نهار آخر)، ولعل السبب هو انتقال بصر الناسخ عند كتابته كلمة (فيه).\n(٢) نقله عن الحسن: هود بن مُحَكَّم في «تفسير كتاب الله العزيز» ١/ ٥٣١.\n(٣) في (أ): (كقوله له علي ...).\n(٤) سبق بيان خطأ المؤلف في تأويل مثل هذه الآيات حول صفة العلو الثابتة في حق الله ﷿، انظر تفسير الآية (٣) و(١٨) من سورة الأنعام.\n(٥) العبارة في (ب): (... الموت إجابة الحفظ ...)، والمثبت من (أ) و(جـ).","vol":"1","page":285},{"text":"وقيل: المتوفون: هم الحفظة أيضًا.\n﴿وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١)﴾ ابن عباس ﵄: لا يُضَيِّعون (١).\nوقيل: لا يؤخرون.\nوقيل: لا يتوانون.\nوقيل: لا يعجزون.\nابن بحر: لا يدعون أحدًا يفرط عنهم، أي: يسبقهم ويفوتهم (٢).\n﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ انقلبوا برد الله إياهم بالبعث.\nوقيل: ردهم الملائكة.\n﴿مَوْلَاهُمُ﴾ الذي يتولى أمرهم.\nوقيل: سيدهم.\n﴿الْحَقِّ﴾ أي: الثابت من كل جهة، وكل مولى غير الله فمن بعض الجهات.\n﴿أَلَا لَهُ الْحُكْمُ﴾ القضاء والفصل يوم القيامة.\n﴿وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ (٦٢)﴾ يحاسب جميع الخلق في مقدار حلب شاة (٣).\n﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ﴾ يخلصكم.\nوالنجاة: السلامة من الهلكة، واشتقاقه من النجوة: وهي المرتفعة من الأرض، والناجي مرتفع عن موضع الهلكة.\n﴿مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ إذا تهتم (٤) فيهما.\n_________\n(١) أخرجه الطبري ٩/ ٢٩٣، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣٠٧ (٧٣٨٨).\n(٢) نقله عن ابن بحر أيضًا: أبو حيان في «البحر المحيط» ٤/ ١٥٣.\n(٣) لا أعرف دليلًا على مثل هذا التحديد، وقدرة الله تعالى فوق ذلك.\n(٤) في (ب): (نمتم).","vol":"1","page":286},{"text":"وظلمات البر والبحر: شدائدهما.\nوالظلمة: الشدة.\nوقيل: البر: الفلاة، وظلمات البر: ظلمة الليل، وظلمة السحاب، وظلمة الغبار.\nوظلمات (١) البحر: ظلمة الليل، وظلمة السحاب، وظلمة الأمواج.\n﴿تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا﴾ معلنين الضراعة ﴿وَخُفْيَةً﴾ مسرِّين في أنفسكم.\nالحسن: تضرعًا: علانية، وخفية: نية (٢).\n﴿لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٣)﴾ أي: إذا حزبكم أمر عظيم أعرضتم عن الكل وأخلصتم العبادة والدعاء لله ونذرتم النذور، فلما كشف ما بكم وخلصكم رجعتم إلى شرككم، وهو معنى قوله: ﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا﴾ أي: من هذه الظلمات\n﴿وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ﴾ غم وحزن سواها ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٦٤)﴾ ولا تشكرون (٣)، أي: تعاودون الشرك ولا تفون بالعهود.\n﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ يعني: الحجارة والطوفان والصيحة والريح كما فعل بعادٍ وثمود وقوم شعيب وقوم لوط وقوم نوح.\n﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ يعني: الرجفة والزلزلة والخسف.\nابن عباس ﵄: من فوقكم: الأئمة السوء، ومن تحت أرجلكم: الخدم السوء (٤).\n_________\n(١) في (ب): (وظلمة البحر).\n(٢) نقله أبو حيان ٤/ ١٥٤ عن الحسن أيضًا.\n(٣) سقطت (ولا تشكرون) من (ب).\n(٤) أخرجه الطبري ٩/ ٢٩٨، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣٠٩ (٧٤٠٠) و٤/ ١٣١٠ (٧٤٠٧). وفي (ب): (... أئمة السوء ... خدم السوء ...) بإسقاط (أل) التعريف.","vol":"1","page":287},{"text":"﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ﴾ يخلطكم ﴿شِيَعًا﴾ أحزابًا متفرقين فيفرق كلمتكم ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ يقاتل بعضكم بعضًا.\nالحسن في جماعة: الآية نزلت في المسلمين (١).\nغيرهم: في المشركين.\n﴿انْظُرْ﴾ يا محمد، أي: تأمل.\n﴿كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ﴾ بالوعد والوعيد.\n﴿لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (٦٥)﴾ ليكونوا أقرب إلى التأمل والاعتبار.\n﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ﴾ أي: بالقرآن، وقيل: بما أخبر به محمد -ﷺ-، وقيل: يجوز أن يكون بمحمد -ﷺ- على تلوين الخطاب.\n﴿وَهُوَ الْحَقُّ﴾ الصدق ذو (٢) الحقيقة.\n﴿قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (٦٦)﴾ بمسلط، وقيل: حافظ (٣)، وقيل: لا آخذكم بالإيمان أخذ الوكيل الذي يلزمه بلوغ آخره والحفظ من لحوق الضرر به.\n﴿لِكُلِّ نَبَإٍ﴾ خبر (٤) ﴿مُسْتَقَرٌّ﴾ وقت يقع فيه ويظهر.\nوقيل: لكل عمل جزاء.\n﴿وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٦٧)﴾ عند وقوعه في الدنيا بالسيف وفي الآخرة بالعذاب.\n_________\n(١) أخرج الطبري ٩/ ٣٠٥ عن الحسن ما يشير إلى أنه يرى أنها في المسلمين، بينما أخرج ابن أبي حاتم ٤/ ١٣١٠ (٧٤٠٥) عن الحسن أنها للمشركين.\nونقل ابن عطية في «المحرر الوجيز» ٥/ ٢٣٠ عن الحسن أن بعضها للكفار وبعضها للمؤمنين. وقد ذهب إلى كل قول من هذه الأقوال جماعة من المفسرين.\n(٢) في (ب): (الصدق والحقيقة).\n(٣) في (أ): (بحافظ).\n(٤) سقطت كلمة (خبر) من (ب).","vol":"1","page":288},{"text":"﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا﴾ أي: يكذبون فيها (١) ويسخرون منها ويستهزؤن بها، يعني القرآن.\nوالخوض: الدخول في الشيء على تلوث، وأصل الخوض: المشي في الماء.\nوقيل: الخوض: التخليط.\n﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أي: قم عنهم ولا تقعد معهم ﴿حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ غير القرآن مما يحل (٢) ﴿وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ﴾ ما نهيت عنه بوسوسته ﴿فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى﴾ بعد التذكر (٣) ﴿مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٦٨)﴾.\nوقيل: بعد ما ذكرناك.\nوالذكرى: التذكير.\n﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ عن ابن عباس ﵄: أن المسلمين قالوا: يا رسول الله: لئن كنا كلما استهزئ المشركون بالقرآن قمنا وتركناهم، لا نطيق أن نجلس في المسجد الحرام ولا نطوف بالبيت، فأنزلت هذه الآية (٤).\nوالمعنى: ما على الذين يتقون معاصي الله من حسابهم من حساب هؤلاء الذين يخوضون في القرآن تكذيبًا واستهزاء من شيء (٥).\nوقيل: وما على (٦) المتقين من الحساب يوم القيامة مكروه.\n_________\n(١) سقطت (فيها) من (ب).\n(٢) في (ب): (مما يحل بعد).\n(٣) في (جـ): (بعد الذكر).\n(٤) أخرجه الثعلبي ٤/ ١٥٧ معلقًا دون إسناد عن ابن عباس ﵄، وتبعه البغوي ٢/ ٣٢.\n(٥) سقطت (من شيء) من (ب).\n(٦) في (جـ): (ما على) بدون واو.","vol":"1","page":289},{"text":"﴿وَلَكِنْ ذِكْرَى﴾ أي: ولكن ذكِّروهم ذكرى، فمحلها (١) نصب، ويحتمل الرفع، وتقديره: ولكن عليهم ذكرى.\n﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٦٩)﴾ مساءتكم إذا رأوكم.\n﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا﴾.\nقتادة: نسختها ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] (٢).\nوقيل: هذا تهديد وليس بمنسوخ، كقوله: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [المدثر: ١١].\nابن بحر: ذر ملاطفتهم وذكر به، فصار كقوله: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ﴾ [النساء: ٦٣] والمراد به مشركوا العرب.\nوقيل: هم الذين يخوضون في آياتنا.\nابن عباس ﵄: هم كفار مكة واليهود والنصارى (٣).\nوالمعنى: اعتقدوا بطلان الأديان.\nالفراء: دينهم: عيدهم، فإن (٤) كل قوم اتخذوا عيدهم فرحًا ولهوًا وباطلًا (٥) إلا أمة محمد -ﷺ-، فإنهم اتخذوا عيدهم صلاة لله وصدقة (٦).\nوقيل: دينهم: عادتهم.\n_________\n(١) في (ب): (فمحله نصب).\n(٢) أخرجه عبدالرزاق في تفسيره ٢/ ٢١٢، والطبري ٩/ ٣١٩ - ٣٢٠، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣١٧ (٧٤٤٨).\n(٣) لم أجده عن ابن عباس ﵄.\n(٤) في (أ): (لأن).\n(٥) في (ب): (لهوًا وفرحًا) وسقطت كلمة (باطلًا).\n(٦) زاد في (ب): (وذكرا). وانظر: «معاني القرآن» للفراء ١/ ٣٣٩.","vol":"1","page":290},{"text":"﴿وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ بتكذيبهم البعث.\nوقيل: غرتهم بما مكنوا منها.\n﴿وَذَكِّرْ بِهِ﴾ ابن عباس ﵄: بالقرآن (١).\nوقيل: بالحساب.\nوقيل: بالدين.\n﴿أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ﴾ ترهن حتى لا محيص لها.\nوأصل الكلمة: البَسْل، وهو المنع.\nوتقديره عند بعض المفسرين: أن لا تبسل نفس، كقوله: ﴿أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦]. وعند بعضهم: بين لهم أن تكون أعمالهم ترهنهم في النار ولا يجدون فكاكًا بالإيمان.\n﴿لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ﴾ ينصرها بقوة ﴿وَلَا شَفِيعٌ﴾ يدفع عنها بمسألة.\n﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ﴾ تَفْدِ كُلَّ الفِدَاء.\n﴿لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾ الحسن: إن آمن ليفدي نفسه لا يقبل (٢).\n﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا﴾ ارتهنوا ﴿لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠)﴾ أي: هم بين نار يأكلونها وماء مغلي يشربونه (٣).\n﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا﴾ إن دعوناه دعوة عبادة.\nوقيل: دعوة استعانة.\n_________\n(١) قال أبو حيان في «البحر المحيط» ٤/ ١٦٠: (الضمير في (به) عائد على القرآن، أوعلى الدين أو على حسابهم، ثلاثة أقوال، أولاها: الأول).\n(٢) نقله الماوردي ٢/ ١٣١ عن الحسن بمعناه.\n(٣) في (أ): (يشربونها).","vol":"1","page":291},{"text":"﴿وَلَا يَضُرُّنَا﴾ إن خذلناه ﴿وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ أي: نرجع إلى الكفر بعد أن رزقنا الله الإسلام.\nتقول العرب لمن أدبر: قد رجع إلى خلف وقد رجع القَهْقَرَى.\n﴿كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ﴾ استهوى: استفعل، من هَوَى يَهْوى هَوِيًَّا.\nوقيل: استفعل، من هَوِىَ يَهْوَى هَوَىً.\n﴿حَيْرَانَ﴾ متحيِّرًا في ظلمة الليل وسعة الفلاة.\n﴿لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا﴾ أي: ويقولون له ائتنا.\nوالمفسرون على أن الآية نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر وأبويه، كانا يدعوانه إلى الإيمان وهو يدعوهما إلى الشرك (١).\nوالمعنى: مثل الكافر كرجل أضله الشيطان في مفازة ليلًا وله أعوان وأصدقاء يدعونه ويقولون له ائتنا فإنا على الطريق فأبى أن يأتيهم.\nوعن ابن عباس ﵄ أيضًا: عني بالأصحاب من يدعونه إلى الضلال ويزعمون أن الذي (٢) يأمرون به هدى (٣).\n﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ أي: ما دل عليه الله فهو المؤدي إلى الهدى\n_________\n(١) نقله الماوردي ٢/ ١٣٢ من قول ابن عباس ﵄، وكذلك نقله ابن الجوزي ٣/ ٦٧ والقرطبي ٧/ ١٨.\nقال ابن عطية ٥/ ٢٤٤: (وهذا ضعيف؛ لأن في الصحيح أن عائشة ﵂ لما سمعت قول القائل: إن قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا﴾ [الأحقاف: ١٧] نزلت في عبدالرحمن بن أبي بكر قالت: (كذبوا، ما نزل فينا من القرآن شيء إلا براءتي».\n(٢) في (ب): (الذين).\n(٣) الطبري ٩/ ٣٣١، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣٢٢ (٧٤٧٥).","vol":"1","page":292},{"text":"والفوز (١).\n﴿وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٧١) وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ﴾ قيل تقديره: أمرنا لأن نسلم ولأن نقيم الصلاة.\nوقيل: أمرنا بالإسلام وبإقامة الصلاة.\nويحتمل: أمرنا ما أمرنا (٢) لنسلم، وقد سبق (٣).\nوقيل: ﴿وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ عطف على قوله: ﴿ائْتِنَا﴾.\n﴿وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٢)﴾ يعني: يوم القيامة.\n﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ قيل: بالحكمة، وقيل: بكلامه وهو قوله: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾] فصلت: ١١ [.\nالحسن: معناه: للحق (٤).\nوقيل: ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي: محقًا.\n﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. قيل: عطف على قوله: ﴿وَاتَّقُوهُ﴾، وقيل: اذكر يوم يقول، وقيل: خلق السموات والأرض مبديًا ويخلق معيدًا يوم (٥) يقول: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾.\nوقيل: خبر من قوله: ﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ﴾ (٦).\nومعنى: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ أي: يقول اليوم ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ أي: فتقوم\n_________\n(١) في (أ): (والفوز بالنعيم) وليست في (ب) و(جـ).\n(٢) العبارة في (ب): (ويحتمل أمرنا لنسلم) فسقطت (ما أمرنا) الثانية.\n(٣) سبق كلام الكرماني على هذه اللام التي دخلت على (نسلم) في سورة النساء الآية (٢٦).\n(٤) نقله عن الحسن صاحب «مجمع البيان» الطبرسي ٤/ ٤٩٥.\n(٥) في (ب): (ويوم).\n(٦) في (جـ): (خبر من قوله قل قوله الحق).","vol":"1","page":293},{"text":"القيامة (١).\n﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ﴾ أي: وعده ووعيده.\n﴿وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ فيه قولان:\nأحدهما: أنه قرن ينفخ فيه فيصعق الخلق، ثم ينفخ فيه فيحيون.\nوعن ابن عباس ﵄: تكون السماوات صورًا ينفخ فيه مثل القرن وتبدّل سماء أخرى (٢).\nوالثاني: أنه جمع صُوْرَة كسُوْرَة وسُوَر وصُوْفَة وصُوَف، أي: ينفخ الأرواح في الصُّوْر (٣).\n﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (٧٣)﴾.\n﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ﴾ اختلف المفسرون في آزر:\nفذهب بعضهم: إلى أنه اسم أبيه، وظاهر القرآن يدلّ عليه.\nوذهب بعضهم: إلى أن اسم أبيه تارخ، وروي عن النبي -ﷺ- أنه قال: (كذب النسَّابون) (٤).\n_________\n(١) هذه الجملة وردت في (ب) بسياق آخر، حيث ورد فيها: (ومعنى كن فيكون وقيل نصب على الظرف خبر عن المبتدأ وهو قوله (قوله الحق) وقوله مبتدأ والحق صفته واليوم خبره، وقيل يعيدها يوم يقول، أي يقول اليوم (كن فيكون) أي فيكون القيامة (قوله الحق) أي وعده ...). وهذه الزيادة لم ترد في (أ) و(جـ).\n(٢) لم أجده بهذا المعنى عن ابن عباس، وإنما الوارد عنه ما ذكره الكرماني قبل سوقه لقول ابن عباس، وهو: أن هناك نفختان، أخرجه عنه الطبري ٩/ ٣٤١.\n(٣) استشهدوا لهذا القول بالقراءة التي تروى عن الحسن (الصُّوَر) بفتح الراء. وقد أفاض السمين الحلبي في مناقشة هذا القول ونقل عن الأزهري تضعيفه لهذا القول، وأن القول بأنه قرن ينفخ فيه هو قول أهل السنة والجماعة.\nانظر: «الدر المصون» للسمين الحلبي ٤/ ٦٩٣ - ٦٩٤.\n(٤) أخرجه ابن سعد في «الطبقات» ١/ ٥٦ وقال الشيخ الألباني في «سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة» رقم (١١١) إنه موضوع.","vol":"1","page":294},{"text":"وذهب بعضهم: إلى أن تارخ وآزر كيعقوب وإسرائيل.\nوذهب بعضهم: إلى أن آزر وصف ذم ومعناه المعوج.\nوذكر الثعلبي أن معناه: الشيخ بالفارسية (١).\nوقيل: آزر: اسم صنم، وأن أباه كان ينحت الخشب أصنامًا فيعبدها هو وغيره، ويكون منصوبًا بفعل مضمر دل عليه ما بعده، وتقديره: أتتخذ آزر إلهًا.\n﴿أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً﴾ فحذف الأول لأن الثاني يدل عليه.\n﴿إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ﴾ أي (٢): عن الحق ﴿مُبِينٍ (٧٤)﴾ ظاهر الفساد.\n﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ﴾ أي: كما أريناه البصيرة في دينه والحق في خلاف قومه، نريه ﴿مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (٣).\nوقيل: كما أريناك كذلك أرينا إبراهيم.\nوملكوت السماوات والأرض: ما يشاهد منهما من العجائب والحوادث والشمس والقمر والنجوم والشجر والبحار والجبال.\nوالملكوت: أعظم الملك.\nيقول العرب: الملكوت: العراق واليمن (٤).\nابن عباس ﵄: ملكوت السماوات والأرض: خلقهما (٥).\n_________\n(١) انظر: «الكشف والبيان» للثعلبي ٤/ ١٦٠.\n(٢) سقطت كلمة (أي) من (جـ). والعبارة في (ب): (إني أراك وقومك في ضلال مبين أي عن الحق ظاهر الفساد).\n(٣) حصل سقط في نسخة (ب) فجاء النص فيها كالتالي: (وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض قيل كما أريناك كذلك ...).\n(٤) انظر: «البحر المحيط» لأبي حيان ٤/ ١٧٠.\n(٥) الطبري ٩/ ٣٤٧ عن ابن عباس ﵄.","vol":"1","page":295},{"text":"وقيل: الملكوث، بالثاء، وقرئ به، اسم عبري فعُرِّب فقُلِبت تاء (١).\n﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥)﴾ عطف على المعنى، أي: ليحتج على قومه وليكون من الموقنين (٢).\nوقيل: وليكون من الموقنين أريناه ملكوت السماوات (٣).\nوقال مجاهد: تفرجت لإبراهيم السماوات السبع حتى العرش فنظر فيهن، وتفرجت له الأرضون السبع فنظر فيهن (٤).\n﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ ستره بظلامه.\nيقول: جَنَّ عليه الليل وأَجَنَّهُ وجَنَّهُ جَنًّا وجَنَانًَا وجُنُونًا، وأصله: الستر.\n﴿رَأَى كَوْكَبًا﴾ قيل: كان زهرة (٥).\nوقيل: كان المشتري.\n﴿قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ وفي صدور هذا القول عن إبراهيم -ﷺ- أقوال:\nأحدها: أنه كان في النظر والاستدلال والبحث عن الأحوال، وهذه مرتبة (٦)\n_________\n(١) أخرجه الطبري ٩/ ٣٤٨ عن عكرمة، ولكنه قال إنه بالنبطية.\nوقد نقل ابن خالويه (ص ٣٨) أن قراءة عكرمة: ملكوث بالثاء. ونقل السمين الحلبي في «الدر المصون» ٥/ ٦ عن النخعي: هي ملكوثا بالعبرانية.\n(٢) انتقل نظر الناسخ لنسخة (ب) من كلمة الموقنين هنا إلى التي في القول الذي يليه، فكان النص في (ب) كالتالي: (... وليكون من الموقنين أريناه ملكوت السموات والأرض قال مجاهد ...).\n(٣) في (ب): (السموات والأرض) وفي (جـ): (السماء).\n(٤) هو في تفسير آدم (ص ٣٢٤) المنسوب لمجاهد، والطبري ٩/ ١٠٤، وابن أبي حاتم (٧٥٠١ - ٧٥٠٣). وفي (أ): (... الأرض السبع) وفي (جـ) سقط قوله: (وتفرجت له الأرضون ...).\n(٥) في (ب): (قيل الزهرة).\n(٦) في (ب): (رتبة).","vol":"1","page":296},{"text":"كل مُتَرقٍّ ومستدلٍّ، وكان استدلال إبراهيم -ﷺ- على معرفة ربه وخالقه، حتى عرفه من يوم وليلة، ابتداؤها حال بلوغه.\nوالثاني: أنه قال في حال الطفولة، فإن أمه ولدته في مغار (١) خوفًا من نمرود فلما خرج قال هذا القول.\nوالثالث: قاله على وجه الإنكار على قومه وتقديره: أهذا ربي، وقيل تقديره: قال يقولون هذا ربي (٢).\nوقيل: عبد كل واحد منهما حتى غاب.\nوالأول هو الوجه (٣).\n﴿فَلَمَّا أَفَلَ﴾ أي: غاب (٤) ﴿قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦)﴾ لأن أفوله دل على حركته وانتقاله وذلك من صفات الأجسام (٥).\n﴿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا﴾ طالعًا.\nوالبزوغ: ابتداء الطلوع (٦).\n_________\n(١) في (ب): (غار).\n(٢) في (ب): (وقيل تقديره: أيقولون هذا ربي)، بينما سقطت الجملة من (جـ) فتوقف النص فيها عند قول المصنف (أهذا ربي).\n(٣) سقطت من (ب) قوله: (والأول هو الوجه). وينبغي أن نتنبه إلى قبح وشناعة وبطلان القول الرابع في حق إبراهيم ﵇.\n(٤) سقط من (ب) قوله: (فلما أفل أي غاب).\n(٥) مفهوم كلام الكرماني أن إبراهيم ﵇ إنما ترك الكوكب ورأى أنه لا يصلح ليكون ربًا لكونه أفَلَ، والأفول دليل على الحركة، والحركة من صفات الأجسام، والرب ليس بجسم، وهذا الاستدلال غير صحيح. يقول ابن القيم في «بدائع التفسير» ٢/ ١٥١ - ١٥٢: (الإله لا يليق به أن يغيب ويأفل، بل لا يكون إلَاّ شاهدًا غير غائب، كما لا يكون إلاّ غالبًا قاهرًا غير مغلوب، ولا مقهور، نافعًا لعباده ... فلما رأى إمام الحنفاء أن الشمس والقمر والكواكب ليست بهذه المثابة، صعد منها إلى فاطرها وخالقها ومبدعها فقال: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا﴾). انتهى.\n(٦) سقط من (ب) قوله: (ابتداء الطلوع).","vol":"1","page":297},{"text":"﴿قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧)﴾ استعجز نفسه فاستعان (١) ربه في درك الحق.\n﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ﴾ قوله: ﴿هَذَا أَكْبَرُ﴾ دليل على أنه في النظر والاستدلال.\n﴿فَلَمَّا أَفَلَتْ﴾ أي: رأى منها ما رأى من الكوكب والقمر ﴿قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨)﴾ يعني: الأصنام.\nوفي تذكير ﴿هَذَا﴾ والشمس مؤنثة ثلاثة (٢) أقوال:\nأحدها: أنه ذهب (٣) إلى لفظ الشمس وهو مذكر.\nوالثاني: أنه ذهب إلى الضوء.\nوالثالث: إلى الشخص.\nوالوجه: أن الربوبية والتأنيث لا يجتمعان، وإبراهيم ﵊ اعتقد فيه الربوبيَّة أو أظهر أو حكى على ما سبق.\n﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ﴾ أخلصت طاعتي، وقيل: قصدت بعبادتي.\n﴿لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ خلقهما ﴿حَنِيفًا﴾ سبق بيانه (٤).\n﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩)﴾.\n﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ﴾ خاصموه في دينه.\n﴿قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ﴾ (٥) عرَّفني التَّوحيد والحقّ.\n_________\n(١) في (أ): (واستعان).\n(٢) في (ب): (... والشمس مؤنث أقوال).\n(٣) سقطت كلمة (ذهب) من (ب).\n(٤) ورد بعد قوله: (سبق بيانه) زيادة في نسخة (ب): (مخلصًا وقيل على دين الإسلام وقيل مستسلمًا حنيفًا مسلمًا) ثم اجتمعت النسخ في (وما أنا من المشركين).\n(٥) في (ب) و(جـ): (هداني) بإثبات الياء. وهي قراءة أبي عمرو وأبي جعفر ويعقوب ونافع برواية إسماعيل، وقرأ باقي العشرة بحذفها. انظر: «المبسوط» لابن مهران (ص ١٧١).","vol":"1","page":298},{"text":"أنكر (١) عليهم طمعهم في أن يزيلوه عن الحق بالمحاجة.\n﴿وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ﴾ يعني الأصنام.\nوذلك أنهم قالوا له: إنا (٢) نخاف أن تمسك آلهتنا بسوء من برص أو خبل لعيبك إياها.\n﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾ فإنه يصيبني بمشيئة الله.\nقيل: الاستثناء منقطع، أي: لكن أخاف مشيئة الله يعذبني على ذنب يكون مني.\n﴿وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ أي: أحاط علمه كل شيء.\n﴿أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (٨٠)﴾.\n﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ﴾ أي: الأصنام ﴿وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا﴾ أي: ما يكون لكم حجة في وجوب عبادة الأصنام ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ﴾ أنا وأهل ديني، أم أنتم ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨١)﴾.\n﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ قيل: هذا من كلام إبراهيم ﵇ لما سأل فقال (٣): ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ﴾.\nوقيل: هذا استئناف من الله سبحانه مجيبًا وحاكمًا (٤).\nوقيل: هذا من كلام قوم إبراهيم، أجابوا بما فيه الحجة عليهم.\nوقوله: ﴿بِظُلْمٍ﴾ أي: بشرك، فإن ابن مسعود ﵁ قال: لما نزلت هذه\n_________\n(١) في (ب): (وأنكر).\n(٢) سقطت (أنا) من (ب).\n(٣) سقطت (فقال) من (أ).\n(٤) في (ب): (وحكمًا).","vol":"1","page":299},{"text":"الآية شق ذلك (١) على أصحاب رسول الله -ﷺ- وقالوا: أينا لم يظلم نفسه، فقال رسول الله -ﷺ-: (ليس ما تظنون (٢)، إنما هو ما قال لقمان لابنه ﴿لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾) [لقمان: ١٣] (٣).\nوقيل: الظلم عام والمراد بالآية إبراهيم -ﷺ-، وهذا القول مروي عن علي ﵁ (٤).\n﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾ هي إشارة إلى قول إبراهيم: أي الفريقين أحق بالأمن: أمّن يعبد الله، أمّن يعبد الأصنام.\nوقيل: هي إشارة إلى ما أُرِىَ من ملكوت السموات والأرض.\nوقيل: هي إشارة إلى قوله: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا﴾] الأنعام: ٨١].\n﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ بالحجة والبيان.\nوقيل: بالمنزلة والمكان.\n﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ﴾ في تدبيره ﴿عَلِيمٌ﴾ بعباده.\n﴿وَوَهَبْنَا لَهُ﴾ أي: لإبراهيم ﴿إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا﴾ أي: كلهم وفقنا وأرشدنا وهو إبراهيم وإسحاق ويعقوب ﴿وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبل إبراهيم.\n_________\n(١) سقطت (ذلك) من (جـ).\n(٢) حصل سقط في (ب) فكان النص فيها: (شق ذلك على أصحاب رسول الله ﵇ ليس هذا ما تظنون وإنما هو ما قال ...).\n(٣) أخرجه البخاري (٤٧٧٦).\n(٤) أخرجه الطبري ٩/ ٣٧٨، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣٣٣ (٧٥٤٤)، والحاكم في «المستدرك» ٢/ ٣١٦، وزاد السيوطي ٦/ ١١٨ نسبته للفريابي وعبد بن حميد وأبي الشيخ وابن مردويه.","vol":"1","page":300},{"text":"والفائدة في ذكر نوح -ﷺ- هاهنا أنه أبو إبراهيم -ﷺ-.\n﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ﴾ قيل: من ذرية نوح وهو الأظهر.\nوقيل: من ذرية إبراهيم (١).\n﴿دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤)﴾ أي: كما جزينا إبراهيم على إحسانه برفع درجاته في الدنيا والآخرة نجزي كل محسن ما يستحقه.\n﴿وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ﴾ ذهب بعضهم إلى أن إلياس وإدريس واحد كإسرائيل ويعقوب.\n﴿كُلٌّ﴾ أي: كلهم ﴿مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٥)﴾ أي: من الأنبياء.\n﴿وَإِسْمَاعِيلَ﴾ إنما تأخر ذكر إسماعيل - والله أعلم - أن الأولين هم أنبياء بني إسرائيل وهو أبو العرب.\n﴿وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (٨٦)﴾ بالنبوة والرسالة ﴿وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ﴾ أي: كما هدينا (٢) هؤلاء هدينا بعض آبائهم وإخوانهم\n﴿وَاجْتَبَيْنَاهُمْ﴾ أي: اخترناهم، وهو عطف على قوله: ﴿كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ﴾.\n﴿وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٨٧)﴾.\n﴿ذَلِكَ﴾ أي: ما دان به هؤلاء المذكورون ﴿هُدَى اللَّهِ﴾ دين الله ﴿يَهْدِي بِهِ﴾ يدلّ عليه ويعرّف ﴿مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ الأنبياء والمؤمنين (٣).\n﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٨٨)﴾ أي: هؤلاء مع مرتبتهم وعظم شأنهم لو كان منهم أدنى شرك لبطلت أعمالهم وصاروا من أهل النار والخسار.\nثم مدحهم فقال ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ يعني المنزل ﴿وَالْحُكْمَ﴾ أراد الحكمة.\nوقيل: الحكم: ما سنّوا.\nوقيل: الحكم: فهم الكتاب.\n﴿وَالنُّبُوَّةَ﴾ هي أعلى مرتبة البشر.\n﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا﴾ قيل: بالنبوة، وقيل: بالكتاب والحكم (٤) والنبوة، وقيل: بآيات القرآن.\n﴿هَؤُلَاءِ﴾ يعني قريشًا ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا﴾ بمراعاة أمر النبوة والآيات ﴿قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (٨٩)﴾ قيل: هم (٥) الأنبياء الثمانية عشر، وقيل: هم الملائكة، وقيل: هم الأنصار.\n_________\n(١) سقط تفسير قوله تعالى ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ﴾: من نسخة (ب) وكانت الآية فيها متصلة بما بعدها ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ الآية.\n(٢) في (أ): (هديناهم).\n(٣) في (ب): (المؤمنون).\n(٤) في (ب): (الحكمة).\n(٥) سقطت (هم) من (ب).","vol":"1","page":301},{"text":"﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ يعنى الأنبياء الذين (١) تقدم ذكرهم ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ أي: اقتد بهداهم.\nيقول: قَدَا بِهِ قِدَهً وقُدْوَةً، واقتدى به: إذا تأسى به، والهاء للاستراحة (٢)، ومن أشبع الهاء جعلها كناية عن المصدر لا غير، أي: فبهداهم اقتد اقتداء.\n﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ على تبليغ الرسالة (٣) والدعاء إلى التوحيد ﴿أَجْرًا﴾ جُعلًا ومنفعة يصل إلي من جهتكم ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (٩٠)﴾ أي: لا غرض إلا تذكيركم (٤).\nوقيل: ما محمد إلا عظة للعالمين.\nوقيل: ما القرآن إلا عظة للجن والإنس.\n﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ في سبب النزول عن ابن عباس ﵄ في رواية الوالبي: قالت اليهود: يا محمد: أنزل الله عليك كتابا، قال: (نعم)، قالوا: والله ما أنزل الله من السماء كتابًا، فأنزل الله: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ﴾ (٥).\nوقال سعيد بن جبير: جاء رجل من اليهود يقال له مالك ابن الضيف (٦) يخاصم النبي -ﷺ-، فقال له النبي: (أَنْشُدُك بالذي أنزل على موسى التوراة أما (٧) تجد في التوراة أن الله يُبْغِضُ الحَبْرَ السمين) وكان حبرًا سمينًا، فغضب وقال: والله ما أنزل الله على بشر من شيء، فقال له أصحابه الذين معه: ويحك ولا على موسى،\n_________\n(١) في (أ): (الذي) وهي مطموسة في (جـ) والمثبت من (ب).\n(٢) هي هاء السكت، وهي هاء الوقف، وتكون هذه الهاء في ثلاثة مواضع، منها: أن تكون في الفعل المعتل الذي حذف آخره. ... =\n«انظر: المعجم المفصل في النحو العربي» (ص ١١٣٩ - ١١٤١ - ١١٤٢).\n(٣) في (ب): (من الدعاء).\n(٤) في (ب): (إلا تذكير).\n(٥) أخرجه الطبري ٩/ ٣٩٦، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣٤١ - ١٣٤٢ (٧٥٩١ - ٧٥٩٥ - ٧٥٩٦) وذكره الواحدي (ص ٣٧٤) بدون إسناد.\n(٦) ذكره ابن إسحاق فيما نقله عنه ابن كثير في «البداية والنهاية» ٥/ ٦ - ٧ وعدّه من أحبار اليهود الذين كانوا في زمن النبي -ﷺ-، وفي بعض المصادر (ابن الصيف).\n(٧) في (جـ): (... التوراة وما تجد في التوراة ...).","vol":"1","page":302},{"text":"فقال: والله ما أنزل الله على بشر من شيء، فأنزل الله هذه الآية (١).\nويقال: إن قائل هذا الكلام فنحاص ابن عازورا (٢).\nوذهب بعضهم إلى أنها في يهود كانوا بمكة.\nوقيل: هذه الآية نزلت بالمدينة.\nوقيل: نزلت في المشركين الذين دفعوا النبوات.\nوقوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ أي: ما عظموه حق عظمته.\nابن عباس ﵄: وما آمنوا بأن الله على كل شيء قدير (٣).\nأبو عبيدة: ما عرفوه حق معرفته (٤).\nوأصل القَدْر: الكمية.\nوقَدَرُ الشيءِ وقَدْرُهُ: عِدْل كميته (٥).\nثم (٦) يستعمل في الشرف وعلو الرتبة.\n﴿تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ﴾ تكتبونه في القراطيس.\nالفراء: القرطاس (٧) هاهنا: الصحيفة (٨).\nالحجة: تجعلونه ذا قراطيس، أي: تودعونه إياها (٩).\nوقوله: ﴿تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ أي: تجعلونه عضين تؤمنون بالبعض فتظهرون (١٠) للناس وتكفرون بالبعض وتخفون، كصفة محمد -ﷺ- ونعته وآية الرجم.\nوقيل: تجعلونه كتبًا متفرقة تظهرون بعضها وتكتمون بعضها.\n﴿وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا﴾ أي: وعلمتم يا أهل الكتاب بالكتاب أمور دينكم ودنياكم ما لم تعلموا ﴿أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ﴾.\nالزجاج في جماعة: الخطاب للمسلمين، أي: علمتم على لسان محمد -ﷺ- ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم (١١).\n﴿قُلِ اللَّهُ﴾ أي: أجب عنهم إن (١٢) سكتوا إذ لا جواب إلا هذا.\n﴿ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (٩١)﴾ أي: لا تعجل بإهلاكهم فإن لهم أجلًا.\n_________\n(١) أخرجه الطبري ٩/ ٣٩٣ - ٣٩٤ عن سعيد بن جبير، كما أخرجه ابن أبي حاتم ٤/ ١٣٤٢ (٧٥٩٧)، وذكره الواحدي في «أسباب النزول» (ص ٣٧٥) بدون إسناد.\n(٢) في (جـ): (عازوراء).\nوهو ممن ذكره ابن إسحاق فيما نقله عنه ابن كثير في «البداية والنهاية» ٥/ ٦ - ٧ وعدّه من أحبار اليهود في زمن النبوة.\n(٣) أخرجه الطبري ٩/ ٣٩٦، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣٤١ (٧٥٨٦).\n(٤) انظر: «مجاز القرآن» ١/ ٢٠٠ لأبي عبيدة.\n(٥) سقطت كلمة (عدل) من (ب).\n(٦) في (ب): (ويستعمل ...).\n(٧) في (ب): (القراطيس).\n(٨) انظر: «معاني القرآن» للفراء ١/ ٣٤٣.\n(٩) انظر: «الحجة» لأبي علي الفارسي ٣/ ٣٥٥، وفي (ب): (ذوي قراطيس) وسقطت (ذا) من (أ).\n(١٠) في (جـ): (وتظهرون).\n(١١) لم يصرح الزجاج في «معاني القرآن» ٢/ ٢٧١ بأن الخطاب للمسلمين، فالله أعلم.\n(١٢) في (جـ): (إذ سكتوا).","vol":"1","page":303},{"text":"وهذا قبل أن أُمر -ﷺ- بالقتال.\n﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ عَطْفٌ على قوله: ﴿مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى﴾ أي: وهذا أيضًا أنزله الآن على نبيه وهو (١) محمد -ﷺ- ﴿مُبَارَكٌ﴾ يكثر به وفيه الخير.\n﴿مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ يعني التوراة.\n﴿وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى﴾ أي: هم (٢) أهل مكة، لأن الأرض دحيت من تحتها ولأنها أعظمها منزلة وشأنًا، ولأنها قبلة أهل الأرض.\n﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ أهل الشرق والغرب.\nوقيل: أهل الوبر والمدر.\nوهي عطف على المعنى، أي (٣): لننبئك به ولتنذر.\n﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ أي: من كان يقر بأن له معادًا ومن شأنه إثبات الآخرة (٤) اعتقادًا عَلِمَ أنه من عند الله فآمن به ولزم طاعته.\nوالهاء: كناية عن القرآن.\nوقيل: عن النبي -ﷺ-.\n﴿وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩٢)﴾ يراعون أوقاتها والقيام بإتمام ركوعها وسجودها.\nوخصت بالذكر: لأنها عَلَمُ الإيمان.\n﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾ نزلت في مسيلمة الكذَّاب (٥) والأسود العنسي (٦).\n_________\n(١) سقطت (وهو) من (أ).\n(٢) سقطت (هم) من (ب).\n(٣) سقطت (أي) من (ب).\n(٤) سقطت كلمة (الآخرة) من (ب).\n(٥) مسيلمة بن ثُمامة الحنفي الوائلي، متنبئ من المعمّرين، ولد ونشأ في اليمامة في وسط الجزيرة العربية في قرية تدعى اليوم «الجبيلة» في نجد.\nتوفي النبي -ﷺ- قبل إخماد فتنته، فانتدب له أبو بكر القائد خالد بن الوليد.\nانظر: «معجم أعلام متن الحديث» (ص ٢٨٩).\n(٦) هو عَيْهلةُ بن كعب بن عوف العنسي المّذْحجي، متنبئ من أهل اليمن، أسلم لما أسلمت اليمن، ثم ارتد في زمن النبي -ﷺ-، فكان أول مرتد في الإسلام وادعى النبوة، كان مقتله قبل وفاة النبي -ﷺ- بشهر واحد، على يد أحد المسلمين في خبر طويل ذكره ابن الأثير في «الكامل».\nانظر: «معجم أعلام متن الحديث» (ص ٥٤).","vol":"1","page":304},{"text":"وروى معمر عن الزهري: أن النبي -ﷺ- قال: (بينا أنا نائم رأيت كأنَّ في يديَّ سوارَيْن من ذهب، فَكَبُرَ عَلَىَّ، فأُوحِيَ إليَّ أَنْ انفخها فنفختها فطارا فأَوَّلتُ ذلك كَذَّابَ اليمامةِ وكَذَّابَ صنعاءَ الأَسود العنسيَّ) (١).\n﴿وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾.\nيعني: عبد الله بن سعد بن أبي سرح (٢)، وذلك أن النبي -ﷺ- أملى عليه: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ﴾ [المؤمنون: ١٢] فلما بلغ قوله: ﴿خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٤] قال ابن أبي سرح: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون ١٤] تعجبًا من تفصيل خلق الإنسان، فقال -ﷺ-: (هكذا (٣) أنزلت) فشكَّ وارتدَّ وقال: إن كان محمد صادقًا لقد أوحي إلي كما أوحي إليه ولئن كان كاذبًا لقد قلت كما قال (٤).\nوقيل: المراد بقوله: ﴿وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ هم الذين قالوا: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾ [الأنفال: ٣١].\nوقوله ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ استفهام، والمعنى: النفي، أي: لا أحد أظلم منه.\n_________\n(١) هذه رواية الطبري ٩/ ٤٠٧، والحديث أصله عند البخاري (٤٣٧٥)، ومسلم (٢٢٧٤/ ٢٢) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) هو عبدالله بن سعد بن أبي سَرْحِ بن الحارث، القرشي العامري، أخو عثمان بن عفان من الرضاعة، له صحبة، ورواية حديث. كان النبي -ﷺ- أمر بقتله بعد أن لحق بالكفار، فاستأمن عثمان له يوم الفتح من النبي -ﷺ-، وحسنت سيرته بعد ذلك.\nانظر: «سير أعلام النبلاء» ٣/ ٣٣ - ٣٥.\n(٣) في (ب): (كذا).\n(٤) أخرجه مختصرًا: أبو داود (٤٣٥٨) وحسَّن الشيخ الألباني إسناده. وذكره الواحدي في «أسباب النزول» (ص ٣٧٥ - ٣٧٦) بنحو سياق المؤلف.","vol":"1","page":305},{"text":"﴿أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ﴾ إذ واقع (١) موقع إذا ﴿فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾ شدائده، مِنْ: غَمَرَهُ الشيء: إذا غَشِيَهُ ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾ لقبض الأرواح، وقيل: باسطوا أيديهم بالضرب والعذاب.\nوقال ابن الأنباري (٢): ﴿بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾ يعود إلى الظالمين، وفيه بُعْدٌ (٣).\n﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ أي: يقولون لهم أخرجوا أنفسكم، والمُخْرِجُ هو الله سبحانه، والمعنى: تغليظ الحال، أي أنهم بمنزلة من يتولى إزهاق نفسه إكراهًا له.\nوقيل معناه: ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ خلصوها من هذه الغمرة والشدة على وجه التوبيخ.\n﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ الهون (٤) بالضم: الهوان، وهو إلحاق ألم على وجه الاستخفاف والإهانة والحقارة (٥)، والهون بالفتح: الدعة والرفق والسكون (٦).\nوقيل: هو خطاب لهم بعد أن دخلوا النار (٧).\n﴿بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ من أن له شريكًا وصاحبة وولدًا، أي: بسبب ما كنتم.\n﴿وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (٩٣)﴾ أي: عن العمل بموجبها والتأمل فيها والتدبر.\n﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا﴾ أي: للحساب والجزاء.\n﴿فُرَادَى﴾ واحدًا واحدًا من غير معين ولا ناصر.\n_________\n(١) في (ب): (وقع).\n(٢) في (ب): (وقال السدي).\n(٣) لم أجد من قال بهذا القول، فضلًا عن عزوه لابن الأنباري.\n(٤) سقطت كلمة (الهون) من (أ).\n(٥) سقطت كلمة (الحقارة) من (ب).\n(٦) سقطت كلمة (والسكون) من (ب).\n(٧) في (أ): (بعد دخول النار).","vol":"1","page":306},{"text":"يقول: فَرَد وفَرِد وفارد وفريد وأَفْرَد وفرداء (١)، وفرادى جمع فريد، كأسير وأسارى (٢).\nالفراء: فرادي اسم مفرد على فعالى.\nوقيل: جمع فَرْدَان، كسكران وسكارى.\n﴿كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ عراة حفاة غرلًا بهما.\n﴿وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾ ملكناكم، من: الخَوَل، والخَوَل: من يزهى بهم الإنسان ويعجب (٣).\n﴿وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ﴾ يعني: ما كنتم تعبدونها على أنها شركاء لله وأنها تشفع لكم عند الله، أي: ما بالها (٤) لا تظهر في أشد ما كنتم إليها محتاجون (٥).\nوقيل: هم الملائكة.\n﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ أي: تفرق جمعكم وتشتت (٦).\nوالبين: الوصل، والبين: الفراق.\n﴿وَضَلَّ عَنْكُمْ﴾ ضاع وبطل ﴿مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٩٤)﴾ أن لا بعث ولا جزاء.\nوقيل: من أنها شفعاؤكم عند الله.\n﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ أكثر المفسرين على أن التقدير: فالق الحب عن السنبلة، والنواة عن النخلة، وكل نبات فمن حبة ونواة.\nوالفلق والفطر والخلق بمعنى واحد.\nوقيل: المراد به الشقاق (٧) الذي في الحب والنواة.\n﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ أي: يخرج النبات وهو كالحي لكونه ناميا من الحب والنواة وهما كالميت لكونهما غير ناميين.\n﴿وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ﴾ الحب والنواة من النبات.\nوقيل: يخرج الولد من النطفة والدجاج من البيض (٨).\n﴿وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ﴾ النطفة من الإنسان والبيض من الدجاج.\nوقيل: يخرج المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن.\n_________\n(١) في (ب) سقطت كلمة (فريد) وكتبت (فرداء) على صيغة (فرد) بينما تطابقت (أ) و(جـ)، وليس (فَرْد) بسكون الراء من هذه الأوزان على ما نقله صاحب «اللسان» عن الفراء وهو في «معاني القرآن» ١/ ٣٤٥ ولكن هناك خطأ في ضبط الكلمة، بينما أثبته الثعلبي في «الكشف» ٤/ ١٧١. فالله أعلم.\n(٢) في (ب): (وفرادى جمع فريد كرديف ورداف وقرين وقران وقيل كأسير وأسارى). أما (جـ): (وفرادى جمع فريد وقيل كأسير وأسارى).\n(٣) في (ب): (ما يزهى به الإنسان ويعجب).\n(٤) في (أ): (ما لها).\n(٥) في (ب): (ما كنتم محتاجين).\n(٦) يبدو أن هذا المعنى على إحدى القرائتين الواردة في (بينكم)، فقراءة أبي جعفر ونافع وحفص عن عاصم والكسائي (بينَكم) بالنصب، وقرأ باقي العشرة وشعبة عن عاصم (بينُكم) بالرفع. انظر: «المبسوط» (ص ١٧٢) لابن مهران، و«الحجة» لأبي علي الفارسي ٣/ ٣٥٧. وهذا المعنى الذي ذكره الكرماني للكلمة يتأتى على قراءة الرفع، كما يظهر ذلك من مراجعة «الدر المصون» ٥/ ٥٦.\n(٧) يعني الفُرْجَة التي في النواة وغيرها، والله أعلم. انظر: «اللسان» (شقق).\n(٨) في (ب): (... الوليد .... من البيضة).","vol":"1","page":307},{"text":"﴿ذَلِكُمُ﴾ أي: الذي فعل (١) هذه الأشياء (٢) ﴿اللَّهُ﴾ لا الأصنام ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٩٥)﴾ تصرفون عن الحق إلى الباطل.\n﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾ أي: شاق عمود الصبح من بين الظلمة.\nوالإصباح: مصدر أصبح، أي (٣): دخل في الصبح، والصبح إضاءة الفجر.\nوقرئ في الشواذ (فالِقُ الأصباح) بالفتح جمع صبح، والمعنى: فالق ما به (٤) يحصل الإصباح.\nوقيل: خالق نور النهار.\nوقيل: الإصباح ضوء (٥) الشمس بالنهار وضوء القمر بالليل، عن (٦) ابن عباس ﵄ (٧).\n(وجاعلُ الليلَ سَكَنًا) يسكن فيه الخلق بالنوم وترك التصرف.\nومن قرأ ﴿وَجَعَلَ﴾ فلأن الفالق بمعنى فلق (٨).\n﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾ أي: بحسبان (٩)، كقوله ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (٥)﴾ [الرحمن: ٥] (١٠).\n_________\n(١) هكذا في (ب) و(جـ) أما في (أ) فهي (فصل).\n(٢) في (جـ) زيادة (... الأشياء ربكم هو الله لا الأصنام).\n(٣) سقطت (أي) من (ب).\n(٤) سقطت (ما) من (جـ). وهذه القراءة وردت عن الحسن وعيسى بن عمر وأبي رجاء العطاردي. انظر: «جامع البيان» للطبري ٩/ ٤٢٦، و«البحر المحيط» لأبي حيان ٤/ ١٨٩.\n(٥) في (ب): (نور).\n(٦) سقطت (عن) من (ب).\n(٧) أخرجه الطبري ٩/ ٤٢٥ وابن أبي حاتم ٤/ ١٣٥٣ (٧٦٧٠).\n(٨) في (ب): (فلأن فالق ...).\nو(جاعل) هي قراءةنافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وأبي جعفر ويعقوب، وقراءة (جَعَل) هي قراءةعاصم وحمزة والكسائي وخلف.\nانظر: «المبسوط» لابن مهران (ص ١٧٢) و«النشر» لابن الجزري ٢/ ٢٦٠.\n(٩) في (أ): (بحساب) وهو موافق لما نقله أبو حيان عن الكرماني في «البحر» ٤/ ١٩٠.\n(١٠) سقط من (ب): (كقوله الشمس والقمر بحسبان).","vol":"1","page":308},{"text":"والمعنى: جعل سيرهما بحساب ومقدار، لأن الشمس تقطع البروج كلها في ثلاثمائة وخمس وستين يومًا وربع يوم، وتعود إلى مكانها، والقمر يقطع البروج في ثمانية وعشرين يومًا، وبدورانهما يعرف الناس حساب الأيام والشهور والأعوام.\nوقيل: يجريان بحساب وعدد لبلوغ نهاية آجالهما.\nقتادة: جعلهما ضياء، من قوله ﴿حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الكهف: ٤٠]، أي (١): نارًا، حكاه الماوردي (٢).\nوالحسبان: مصدر حَسَبتُ حِسْبانًا.\nأبو عبيده: الحُسْبَان جمع حِسَاب، كشِهَاب وشُهْبَان (٣). والحُسْبانة: الوِسادة، وجمعها: حُسْبَان، وحَسَّبْتُهُ: أجلسته عليها (٤).\nوقيل: وجعل (٥) الشمس والقمر حسبانًا: بالنصب من غير الباء يفيد اعتدال نظام العالم، وذلك أن الله تعالى قدر أن يكون (٦) لها ثلاث حركات، إحداها: تحريك المحيط للكل من النقطة وإليها (٧) في كل يوم وليلة مرة واحدة، والثانية: حركة فلكهما الخاص لهما، بخلاف تلك الحركة من المغرب إلى المشرق، والثالثة: مالكل واحد منهما من الحركة في فلكها.\n﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ﴾ الذي لا يغلب.\n﴿الْعَلِيمِ (٩٦)﴾ الذي لا يخفى عليه الدقيق والجليل.\n﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ﴾ أي (٨): خلقها.\n﴿لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ وتخصيصها بالاهتداء بها لا يدل على نفي ما عداه من المنافع.\n﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٩٧)﴾ تفصيل الآيات: تمييز كل واحدةٍ من الأخرى.\n_________\n(١) سقطت (أي) من (أ).\n(٢) انظر: «النكت» للماوردي ٢/ ١٤٨.\n(٣) انظر: «مجاز القرآن» لأبي عبيدة ١/ ٢٠١.\n(٤) سقط من (ب): (وحسبته أجلسته عليها).\n(٥) سقطت (وجعل) من (ب).\n(٦) في (ب): (لهما).\n(٧) في (ب): (... المحيط الكل من النقطة ويعود إليها ...).\n(٨) سقطت (أي) من (جـ).","vol":"1","page":309},{"text":"﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ يعني آدم -ﷺ-.\n﴿فَمُسْتَقَرٌّ﴾ قرئ: بالفتح والكسر (١)، فالكسر: اسم الفاعل بمعنى القار، والفتح: المصدر أو المكان، لأن استقر لازم.\n﴿وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ يصلح للمفعول والمصدر والمكان، فمن قرأ ﴿فَمُسْتَقَرٌّ﴾ بالكسر فالمستودع مفعول، فيكون تقديره: فمنكم مستقر ومنكم مستودع، ومن قرأ بالفتح: فالمستودع مثله في أن يكون مصدرًا أو مكانًا (٢)، أي: فلكم مستقر ولكم مستودع.\nواختلفوا في معناهما:\nفقال ابن مسعود ﵁: فمستقر: في الرحم، ومستودع: في القبر (٣).\nابن عباس ﵄: فمستقر: في الأرض، ومستودع: في الأصلاب (٤).\nابن بحر: فمستقر: في أصلاب الرجال، ومستودع: في أرحام النساء (٥).\nقتادة: على الضد (٦).\nوقيل: فمستقر: في الدنيا، ومستودع: في القبر.\nوقيل: فمستقر: في الدنيا، ومستودع: في الآخرة.\nوقيل: فمستقر: مَنْ خُلِق، ومستودع: مَنْ لم يُخْلَق بَعْد.\nوقيل: فمستقر: الأب، ومستودع: الأم.\nويحتمل: فمستقر: الجنة أو النار، ومستودع: من يوم خلق إلى أن صار إلى جنة أو نار.\n﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (٩٨)﴾ قال في الأولى ﴿يَعْلَمُونَ﴾ لأن الدلالة في الأولى أظهر، وفي الثانية ﴿يَفْقَهُونَ (٩٨)﴾ لأن الدلالة أغمض (٧).\nوفَقِهَ الشيءَ: عَلِمَهُ بما يتشعب منه، فَيُوْصَلُ إليه بإنعام النظر بعد معرفة ظاهره.\n_________\n(١) في (ب): (بالكسر والفتح).\nوقراءة الكسر هي قراءة ابن كثير وأبوعمرو وروحٌ عن يعقوب، وقرأ الباقون بفتح القاف. انظر: «المبسوط» لابن مهران (ص ١٧٢). وقد اتفقوا على فتح الدال من (مستودع). انظر: «النشر» لابن الجزري ٢/ ٢٦٠.\n(٢) هكذا في (جـ) أما في (أ) و(ب) فهي بالواو (مصدرًا ومكانًا)، ولعل المناسب للسياق هو ما أثبته من (جـ)، والله أعلم.\n(٣) أخرجه البطري ٩/ ٤٣٣ وابن أبي حاتم ٤/ ١٣٥٦ (٧٦٨٥) و٤/ ١٣٥٧ (٧٦٩٤).\n(٤) أخرجه الطبري ٩/ ٤٣٥ وابن أبي حاتم ٤/ ١٣٥٧ (٧٦٩٢) وسعيد بن منصور في «السنن - قسم التفسير» ٥/ ٤٥ (٨٩٢).\n(٥) انظر: «البحر المحيط» لأبي حيان ٤/ ١٩٢.\n(٦) يعني على العكس من قول ابن بحر، وكان الأولى بالمصنف أن يقدم قول قتادة. وقول قتادة أخرجه عبدالرزاق في تفسيره ١/ ٢١٤، والطبري ٩/ ٤٤١.\n(٧) في (ب): (الدلالة فيها أغمض).","vol":"1","page":310},{"text":"﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾ من السحاب، وقيل: من جانب السماء\n﴿مَاءً﴾ مطرًا ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ﴾ بالماء ﴿نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي: كل شيء من النبات من الحبوب (١) والثمار.\nوقيل: رزق كل شيء من الحيوان.\nقوله: ﴿فَأَخْرَجْنَا﴾ بعد قوله: ﴿أَنْزَلَ﴾ محمول على تلوين الخطاب (٢) وله نظائر.\nوقيل: لا يمتنع (٣) أن يكون تقديره: قولوا فأخرجنا نحن بني آدم منه نبات كل شيء بكراب (٤) الأرض وطرح البذر وغرس الشجر، لأن النخل والرمان والعنب والحنطة والشعير والأرز لا ينبت حتى يغرس ويطرح البذر، ولولا الماء لما نفع طرح البذر ولا غرس الشجر، فيكون معنى ﴿أَخْرِجْنَا﴾: أخرجنا ما أنبته الله بفلاحتنا إلى الانتفاع به.\n﴿فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ﴾ قيل: من الماء، وقيل: من النبات.\n﴿خَضِرًا﴾ أَخْضَر، تقول: خَضِرَ يَخْضَرُّ خُضْرَةً، فهو خَضَر (٥)، وأَخْضَرَ واخْضَرَّ فهو مُخْضَرٌّ.\n﴿نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا﴾ كالحنطة والذرة والشعير.\n﴿وَمِنَ النَّخْلِ﴾ أي: وأخرجنا من النخل نخلًا ﴿مِنْ طَلْعِهَا﴾، أي: ثمرها وكُفَرَّاها (٦) وما يطلع منها ﴿قِنْوَانٌ﴾ أعذاق، وهي لها كالأغصان، واحدها: قنو، ومثله: صنو وصنوان (٧)، لا نظير لهما.\n﴿دَانِيَةٌ﴾ الحسن: ملتفة متداخلة (٨).\nغيره: مائلة (٩).\nوقيل: دانية من الجناة يجنونها قائمين وقاعدين.\nوقيل: دانية وغير دانية فاكتفى بأحد الضدين.\nوقيل: تقديره: ولهم من النخل ما هذه صفتها.\n_________\n(١) في (أ) و(جـ): (من الحيوان) والمثبت من (ب).\n(٢) في (ب): (على سعة الكلام وتلوين الخطاب) ولم ترد هذه الزيادة في (أ) و(جـ).\n(٣) في (ب): (لأن يمتنع).\n(٤) قال في «اللسان» (مادة: كرب): (وكَرَبَ الأرض يَكْرُبُها كَرْبًا وكِرَابًا: قلبا للحرث، وأثارها للزرع).\n(٥) جاء في «تاج العروس» ١١/ ١٧٨ (مادة: خضر): (والخَضَرُ، بالتحريك: النعومة، مصدر خَضِرَ الزرع خَضَرًا إذا نَعِمَ، كالخُضْرة، بالضمّ). وقد سقطت كلمة (يخضر) من (ب).\n(٦) في (أ): (أي من ثمرها). والكُفُرَّى: وعاء طلع النخل. انظر: «القاموس» (مادة: كفر).\n(٧) في (ب): (صنوان وصنو).\n(٨) الوارد عن الحسن: (قريب بعضها من بعض) انظر: «تفسير كتاب الله العزيز» لهود الهواري ١/ ٥٤٨، أو (دانية بعضها من بعض لتقاربها). انظر: «النكت» للماوردي ٢/ ١٤٩.\n(٩) في (ب): (غير مائلة)، كما سقط اسم (الحسن) فصارت العبارة كأنها أربع كلمات من قول الكرماني.","vol":"1","page":311},{"text":"﴿وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ﴾ أي (١): وأخرجنا جنات من أعناب.\n﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ﴾ الزجاج: قرن الزيتون بالرمان لأنهما شجرتان متشابهتان (٢).\n﴿مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾ أي: يشبه بعضها بعضًا من وجه ويختلف من وجهٍ.\nوقيل: متشابه لونها ويختلف طعمها كالحامض والحلو من الرمان.\n﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ﴾ أي: إلى ثمر كل واحد مما تقدم.\n﴿إِذَا أَثْمَرَ﴾ أخرج ثمره.\n﴿وَيَنْعِهِ﴾ اليَنْعُ: مصدر: يَنَعَ، أي: أدرك، وذا ينعه (٣): وهو النضيج منه.\nوقيل: يَنْع جمع يَانِع، كتاجر وتَجْر.\nوقرئ: (يُنْعِه) و(يَانِعِه) في الشواذ (٤).\n﴿إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٩٩)﴾ أي: من شأنه الإيمان بالآية ففيما سبق ذكره آيات (٥).\n﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾ في سبب النزول عن الكلبي: إن الآية نزلت في الزنادقة، قالوا: إن الله وإبليس أَخَوَان، والله خالق النور والناس والدواب والأنعام، وإبليس خالق الظلمة والحيات والسباع والعقارب، فذلك (٦) قوله:\n﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾ (٧).\nومعنى ﴿وَجَعَلُوا﴾: زعموا وسموا الجن شركاء لله.\nوالواو في ﴿وَجَعَلُوا﴾ ضمير المشركين.\nوقيل: الجن بدل (٨) من شركاء.\n_________\n(١) سقطت (أي) من (ب).\n(٢) سقطت كلمة (متشابهتان) من (ب). وانظر قول الزجاج في كتابه «معاني القرآن» ٢/ ٢٧٦.\n(٣) في (ب): (أي وذا ينعه). ولم أضبطها لكوني لم أجدها في المعاجم وهي محتملة، والأقرب - والله أعلم - أن تضبط: (وذا يَنْعُهُ) كأنه يقول: هذا أحسنه وأنضجه.\n(٤) انظر: «القراءات الشاذة» لابن خالويه (ص ٣٩) و«الكشاف» للزمخشري ٢/ ٥٢، و«البحر المحيط» لأبي حيان ٤/ ١٩٥.\n(٥) سقطت كلمة (آيات) من (ب).\n(٦) هكذا في (ب) وفي (أ): (فكذلك) وفي (جـ): (فلذلك).\n(٧) ذكره الثعلبي في «الكشف» ٤/ ١٧٥ والواحدي في «أسباب النزول» (ص ٣٧٦) بدون إسناد.\n(٨) في (جـ): (الجن هي بدل).","vol":"1","page":312},{"text":"والزنادقة: هم المجوس هاهنا، فمنهم من قال: الشيطان قديم، ومنهم من قال: إنه تعالى فكر في عظم ملكه فتولد من فكره إبليس، ومنهم من قال: بل شك في قدرته فتولد من شكه الشيطان.\nوهؤلاء أثبتوا نسبًا على سبيل ما يتولد (١) الابن عن الأب.\nالحسن: أطاعوا الشيطان في عبادة الأوثان، فكأنهم جعلوهم (٢) شركاء لله في العبادة (٣).\nوقيل: الجن صنف من الملائكة وإبليس منهم، وهذا كقوله ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات: ١٥٨].\n﴿وَخَلَقَهُمْ﴾ أي: الجاعلين لله شركاء.\nوقيل: الجن.\n﴿وَخَرَقُوا لَهُ﴾ افتعلوا وافتروا له (٤).\n﴿بَنِينَ وَبَنَاتٍ﴾ قالت العرب: الملائكة بنات الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله (٥)، وإن الله صاهر الجن فولدت الجنة أولادًا إناثًا هم (٦) الملائكة.\n﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أي: بغير (٧) علم أن له بنين وبنات، فجمع لازدواج البنات.\nوقيل: بغير حجة دلتهم على ذلك.\nويحتمل أن معنى قوله: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أي: جهلًا منهم.\n﴿سُبْحَانَهُ﴾ نزه نفسه مُعَجَّبًَا (٨).\n﴿وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ (١٠٠)﴾.\n_________\n(١) سقطت كلمة (ما يتولد) من (جـ).\n(٢) في (جـ): (جعلوا).\n(٣) نقله القرطبي ٧/ ٥٣، وأبو حيان ٤/ ١٩٦ عن الحسن.\n(٤) في (جـ): (افتعلوا أي افتروا له).\n(٥) نقل الناسخ لنسخة (ب) بعد لفظ الجلالة جملة (فجمع لازدواج البنات). ولم ترد هذه الجملة في هذا المكان في النسختين (أ) و(جـ) وإنما سترد بعد سطر واحد تقريبًا.\n(٦) في (ب): (وهم).\n(٧) حصل سقط بمقدار لوحتين من بعد هذا الموطن في نسخة (جـ) ولدينا نسخة (أ) و(ب) والحمد لله تعالى. والعبارة في (ب): (الملائكة بغير علم أن له بنين ...) فسقط منها قوله: (أي بغير علم).\n(٨) في (ب): (متعجبًا).","vol":"1","page":313},{"text":"﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: مبدعهما لا على مثال غيره (١).\nسبق فَعِيْل بمعنى مُفْعِل (٢).\nوالإبداع: إيجاد الشيء بلا (٣) واسطة.\nوقيل: ﴿بَدِيعُ﴾ أي: مبدوعة سماواته.\n﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾ لأن الولد إنما يكون من الصاحبة، والصاحبة كفؤ الصاحب، وهو يقتضي المجانسة والمماثلة، والله سبحانه منزه عن الجنس والمثل والكفؤ.\n﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ والمخلوق لا يكون كفؤًا للخالق.\n﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٠١)﴾.\n﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ﴾ أي: وحدوه ولا تشركوا به شيئًا.\n﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ فكلوا أموركم إليه.\n﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ الإدراك: اللحاق والإصابة، والأبصار: جمع بصر، وهو حاسة تدرك بها الرؤية.\nوالمعنى: لا يدرك حقيقة ذاته أحد من خلقه.\nوليس هذا نفيًا للرؤية.\nوقد جاءت الأخبار المتواترة بإثباتها، منها قوله -ﷺ-: (سترَوْن ربَّكم كما ترون القمر ليلة البدر) (٤).\n_________\n(١) سقطت كلمة (غيره) من (ب).\n(٢) ذكره عند قوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ من سورة البقرة، الآية: (١١٧).\n(٣) في (ب): (بغير واسطة).\n(٤) أخرجه البخاري في مواطن من صحيحه (٥٥٤، ٥٧٣، ٤٨٥١، ٧٤٣٤، ٧٤٣٥، ٧٤٣٦)، ومسلم (٦٣٣) من حديث جرير بن عبدالله.","vol":"1","page":314},{"text":"وفي رواية: (كما ترون الشمس ليس دونها سحاب) (١).\nومثله قوله ﷿: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣].\nوقوله: ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ أي: يعلم حقيقته وأنتم لا تعرفون حقيقة (٢) البصر وما الشيء الذي صار به الإنسان يبصر من عينيه دون سائر أعضائه (٣).\nوذهب بعضهم إلى أن الإدراك إذا قرن بالبصر فالمراد به الرؤية، فهذا نفي الرؤية وليس هذا مذهب أهل الحق (٤).\nوقيل: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ في الدنيا وتدركه في الآخرة (٥)، أي: تراه.\nوقيل: إن الله تعالى يحدث للعبد حاسة سادسة سوى حواسهم الخمس فيرونه بها.\n﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ﴾ للتدبير (٦) ﴿الْخَبِيرُ﴾ العالم بالبادي والخافي من المخلوقات.\n﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ جمع: بصيرة، وهي المقالة (٧) أو الحالة التي تُبَصِّر الحق، والمراد بها هاهنا: القرآن.\n﴿فَمَنْ أَبْصَرَ﴾ أي: استبصر بها واهتدى ﴿فَلِنَفْسِهِ﴾ أي: فلنفسه مهد (٨)\n_________\n(١) في (أ): (سحابة). وهذه الرواية عند البخاري (٨٠٦)، ومسلم (١٨٢) من حديث أبي هريرة.\n(٢) سقطت كلمة (حقيقة) من (ب).\n(٣) في (ب): (سائر جسده).\n(٤) انظر أدلة المعتزلة الذين قَصَدهم المؤلف بقوله: (وذهب بعضهم) في كتاب «المعتزلة» للمعتق (ص ١٢٨) وما بعدها، وانظر فيه أيضًا مذهب أهل السنة والجماعة (ص ١٣٥) وما بعدها.\n(٥) في (أ): (الأخرى).\n(٦) في (ب): (التدبير).\n(٧) في (أ): (المقابلة).\n(٨) في (ب): (مشهد).","vol":"1","page":315},{"text":"﴿وَمَنْ عَمِيَ﴾ أي: أعرض عنها ﴿فَعَلَيْهَا﴾ أي: فعليها جنى ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (١٠٤)﴾ الحسن: بِرَبٍّ أُجازيكم (١).\nوقيل: لا آخذكم بالإيمان أخذ الحفيظ عليكم.\n﴿وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ﴾ أي: كما صرفنا الآيات التي سبقت.\nوهو: الإتيان بها واحدة بعد واحدة.\nوقيل: تصريفها: تقليب معانيها، بالعبارات المختلفة نصرف الآيات في القرآن.\n﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾ قرئ: (دَرَسْتَ) و(دارسْتَ) و(دَرَسَتْ) (٢).\nتقول: دَرَسْتُ: إذا قرأتَ على غيرك، ودَرَسَ الناقة: إذا (٣) ارتاضها، ودَرَسَ السورة: أي: قرأ السورة لتخفَّ على لسانه.\nفمن قرأ ﴿دَرَسْتَ﴾ أي: تلوت وقرأت كتب أهل الكتاب.\nومن قرأ (دارسْتَ) أي: قَارَأْتَ أهل الكتاب فتعلمت منهم، زعموا أنه يتعلم من أبي فكيهة (٤) وجبر (٥)، فتكون اللام لام العاقبة والصيرورة (٦).\n_________\n(١) انظر: «البحر المحيط» لأبي حيان ٤/ ٢٠٠.\n(٢) قرأ ابن كثير وأبو عمرو بألف بعد الدال وإسكان السين وفتح التاء (دارسْتَ). وقرأ ابن عامر ويعقوب بغير ألف وفتح السين وإسكان التاء (دَرَسَتْ). وقرأ أبو جعفر ونافع وعاصم وحمزة والكسائي وخلف بجزم السين وفتح التاء (دَرَسْتَ). انظر: «النشر» لابن الجزري ٢/ ٢٦١.\n(٣) سقطت (إذا) من (ب).\n(٤) أبو فكيهة هو يسار، عبدٌ من سبي الروم.\nانظر: «تفسير القرآن» للسمعاني ٢/ ١٣٣، و«البداية والنهاية» لابن كثير ٤/ ٢٥٧.\n(٥) قال ابن إسحاق فيما نقله عنه ابن كثير في «البداية والنهاية» ٤/ ٢٥٧ - ٢٥٨: (كان رسول الله -ﷺ- كثيرًا ما يجلس عند المروة إلى مَبِيْعَةِ غلام نصراني يقال له: جبر، عبدٌ لبني الحضرمي، وكانوا يقولون: والله ما يُعَلِّم محمدًا كثيرًا مما يأتي به إلا جبر، فأنزل الله تعالى في ذلك من قولهم: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣]).\n(٦) يعني اللام التي في قوله تعالى: ﴿وَلِيَقُولُوا﴾.","vol":"1","page":316},{"text":"ابن عيسى: أي (١): يقرون بورود الآيات فتقوم الحجة الواضحة عليهم.\nوقيل: تكررت (٢) الآيات ليقولوا إذا سمعوا آية بعد آية دَرَسَتْ هذه علينا فيتذكرون الماضية، فعلى هذين: اللام لام كي.\nومن قرأ (دَرَسَتْ) أي: هذه آيات تقادمت فانمحت، ولم يأت محمد بآية سوى ما أتى به، فيكون تقديره: لئلا تقولوا، وكراهة أن تقولوا دَرَسَتْ.\n﴿وَلِنُبَيِّنَهُ﴾ أي: القرآن ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١٠٥)﴾.\nوالواو في قوله: ﴿وَلِيَقُولُوا﴾ عطف على المعنى، أي: لتتم حجتنا عليهم وليقولوا.\n﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ أي: اعمل بالقرآن.\n﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (١٠٦)﴾ منسوخة بآية السيف (٣).\n﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ ربًا، وقيل: رقيبًا.\n﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (١٠٧)﴾ قيم بأمورهم.\n﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ في سبب النزول عن ابن عباس ﵄ في رواية الوالبي: قالوا يا محمد: لتنتهين عن سبِّك (٤) آلهتنا\n_________\n(١) سقطت (أي) من (ب).\n(٢) في (ب): (تكرر).\n(٣) قال مكي في «الإيضاح» (ص ٢٤٧): (أكْثَرُ الناس على أنها محكمة، وأن المعنى: لا ينبسط إلى المشركين، من قولهم: أوليته عرض وجهي. وهذا المعنى لا يجوز أن ينسخ؛ لأنه لو نُسخ لصار المعنى: انبسط إليهم وخالطهم، وهذا لا يؤمر به ولا يجوز).\n(٤) في (ب): (سب)، والمثبت من (أ) و«أسباب النزول» للواحدي (ص ٣٧٧).","vol":"1","page":317},{"text":"أو لنَهَجُونَّ ربك، فنهاهم الله (١) أن يسبُّوا أوثانهم فيسبُّوا الله عَدْوًا (٢).\nالسَبُّ: الذِّكر بالقبيح.\nوالذين يدعون: هم الأصنام، ويحتمل: أنهم الكفار.\nوالعَدْو والعُدوان والعُدُوّ: مصدر عَدَا، إذا تجاوز الحد.\nومعنى ﴿يَدْعُونَ﴾: يعبدون.\nوقيل: من الدعاء.\nوإنما نُهُوا عن سبِّ الأصنام لأنه (٣) إغراء على الكفر والنفار عن الإيمان، ولأن (٤) السبّ ليس من فعل العاقل ولا من سبيل المناظر، ولأنها ما أذنبت فتسب.\n﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ من الطاعة والمعصية والخير والشر ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٠٨)﴾ فيجازيهم.\n﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ بأوكد الأيمان وأعظمها حرمة عندهم (٥).\nوجَهْد: مصدر وقع (٦) موقع الحال، أي: مجتهدين.\n﴿لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا﴾ أي: من التي اقترحوها من قوله ﴿حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠)﴾ [الإسراء: ٩٠] الآيات، فلما نزلت هذه الآية (٧) اشتد طمع\n_________\n(١) سقط لفظ الجلالة من (ب)، والمثبت من (أ) و«أسباب النزول» للواحدي (ص ٣٧٧).\n(٢) أخرجه ابن جرير ٩/ ٤٨٠، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣٦٦ (٧٧٦٠).\n(٣) في (ب): (لأنها).\n(٤) سقطت الواو من (ب).\n(٥) في (ب): (عند ربهم).\n(٦) في (ب): (واقع).\n(٧) في (ب): (الآيات).","vol":"1","page":318},{"text":"المسلمين في إيمان القوم فسألوا النبي -ﷺ- أن يسأل الله إجابتهم إلى إنزال آية فأنزل الله (١):\n﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد ﴿إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ في قدرته وسلطانه ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ﴾ أي: وما يشعركم أنهم يؤمنون عندها.\nثم استأنف فقال (إنَّها إذا جاءَت لا يُؤمِنُون) لأنهم معاندون.\nومن فتح (٢) فتقديره: لعلها إذا جاءت، وهو مذهب سيبويه (٣) والبصريين، وذهب الفراء (٤) والكوفيون إلى أن التقدير: وما يشعركم أنها إذا جاءت يؤمنون.\n﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ ابن عباس ﵄: نحول بينهم وبين الإيمان، ولو جاءهم (٥) ما اقترحوا ما آمنوا به كما لم يؤمنوا به أول مرة، يريد انشقاق القمر وغيره.\nوقيل: بالقرآن.\nوقيل: بمحمد -ﷺ-.\nوقيل: كما لم يؤمنوا به زمن موسى -ﷺ- أسلافهم (٦).\n_________\n(١) هكذا أورده الطبري ٩/ ٤٨٧ مصدرًا إياه بقوله: (وقال آخرون) ولعله كان يقصد الفراء، فإن هذا السياق يشبه ما ورد في «معاني القرآن» للفراء ١/ ٣٥٠. ونقله كذلك الثعلبي في «الكشف» ٤/ ١٧٩ بدون إسناد كذلك.\n(٢) قرأ ابن كثير وأبو عمرو وأبو بكر عن عاصم ويعقوب ونصير عن الكسائي وخلف (وما يشعركم إنها إذا جاءت) بكسر الألف، وقرأ أبو جعفر ونافع وابن عامر وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم (أنها) بفتح الألف. انظر: «المبسوط» لابن مهران (ص ١٧٣).\n(٣) نقله سيبويه ٣/ ١٢٣ عن الخليل.\n(٤) انظر: «معاني القرآن» للفراء ١/ ٣٥٠.\n(٥) في (أ): (جاءتهم).\n(٦) في (ب): (أي أسلافهم).","vol":"1","page":319},{"text":"وقيل: نقلب أفئدتهم وأبصارهم في النار كما لم يؤمنوا به أول مرة في الدنيا، أي: جزاء لذلك.\nوقيل: معناه أنا نحيط علمًا بذات الصدور وخائنة الأعين منهم.\n﴿وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ﴾ في تجاوزهم (١) الحد في الكفر ﴿يَعْمَهُونَ (١١٠)﴾ يترددون متحيرين.\n﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ﴾ كما (٢) اقترحوا عليك فعاينوهم ﴿وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى﴾ بصحة نبوتك ووجوب الإيمان بك ﴿وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا﴾ قبلًا: أي: معاينة.\nوقيل في قبل: إنها جمع قَبِيْل (٣)، وقَبِيْل جمع قبيلة، أي: جماعة جماعة وصنفًا صنفًا، وقيل: جمع قَبِيْل وهو الكفيل.\n﴿مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ لما سبق لهم من الشقاء (٤).\n﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ إيمانهم فيهديهم، والاستثناء منقطع.\n﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (١١١)﴾ فيقترحون الآيات.\nوالكناية تعود إلى الذين حرصوا على إيمانهم.\nوقيل: تعود إلى الكفار الذين (٥) قالوا ﴿لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا﴾ [الأنعام: ١٠٩].\n_________\n(١) في (أ): (مجاوزتهم).\n(٢) في (أ): (لمّا).\n(٣) في (ب): (إنه جمع قبيل وهو الكفيل) فحصل فيها سقط أيضًا وانتقل نظر الناسخ إلى القول الثالث في معنى (قبيل).\n(٤) في (ب): (الشقاوة).\n(٥) في (أ): (الكفار والذين).","vol":"1","page":320},{"text":"﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا﴾ (١) أي: كما جعلنا لك عدوًا كذلك جعلنا لكل نبي عدوًا.\nوقيل: كما جعلنا العداوة بين بعض الناس وبعضهم كذلك جعلنا بين الأنبياء وأممهم.\n﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ قال بعضهم: شياطين الإنس: مردتهم، وكذلك شياطين الجن (٢).\nوقيل: شياطين الإنس من وكل بهم من أولاد إبليس وكذلك شياطين الجن من وكل بهم من أولاد إبليس (٣).\nوشياطين: نصب على البدل من العدو.\nوقيل: هو المفعول الأول، والعدو الثاني.\n﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ يوسوس ويوهم ﴿زُخْرُفَ الْقَوْلِ﴾ الباطل المموه\n﴿غُرُورًا﴾ قيل: حال، وقيل: علة، وقيل: نصب على المصدر، وقيل: بدل من الزخرف.\n﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ أي: لو شاء إيمانهم آمنوا، والهاء: تعود إلى الكفر.\n﴿فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١١٢)﴾ أي: كفرهم، إلى أن يأتي أمر الله بالقتال.\nوقيل: ما فعل الشياطين الوحي (٤).\n_________\n(١) حصل سقط في (ب) بعد كلمة (عدوًا) في الآية، حيث جاء بعدها (وقيل كما جعلنا ...) وهذا هو القول الثاني، ولعل الناسخ حصل له انتقال نظر عند كلمة (عدوًا).\n(٢) سقط من (ب) قوله: (وكذلك شياطين الجن).\n(٣) سقط من (ب) قوله: (وكذلك شياطين الجن من وكل بهم من أولاد إبليس).\n(٤) يعني: ولو شاء ربك ما فعل الشياطين الوحي.","vol":"1","page":321},{"text":"﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ أي: ولتميل إلى الزخرف (١) قلوب الكفار.\nيقول: صَغَا يَصْغُو وصَغِيَ يَصْغَى.\nقال: ﴿وَلِيَرْضَوْهُ﴾ وليحبوه ﴿وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ (١١٣)﴾ وليكتسبوا ما هم مكتسبون (٢)، والاقتراف: الاكتساب، من قوله: ﴿وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا﴾ [التوبة: ٢٤]، وقيل: الاقتراف: عمل معه تهمة، ويدفعه قوله: ﴿وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً﴾ [الشورى: ٢٣].\nواللام: لام العاقبة، وقيل: لا م الأمر، ويدفعه: إثبات الألف إلا شاذًا، نحو: ألم يأتيك (٣).\n﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي﴾ أطلب ﴿حَكَمًا﴾ حاكمًا.\nوالحَكَم أبلغ من الحاكم (٤)؛ لأنه اسم لمن عُرِفَ بالحُكْمِ مَرَّةً بعد أخرى.\nوالحاكم اسم الفاعل، وهو نصب على الحال، وتقدير الآية: قل لهم أفغير الله ابتغي حَكَمًا.\n﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ﴾ القرآن ﴿مُفَصَّلًا﴾ فيه بيان كل ملتبس، وفَصْلًا بيني وبينكم.\n_________\n(١) في (ب): (المحرف).\n(٢) في (ب) جاء النص هكذا): (وليقترفوا وليكتسبوا ما هم مقترفون مكتسبون وما هم فيه).\n(٣) النص في (ب): (ويدفعه الألف إلا شاذًّا أفغير الله ...) فحصل فيها سقط.\nوقصد المصنف باللام هي: لام (ولتصغي) و(ليرضوه) و(ليقترفوا). ففيها عند المفسرين كلام طويل، و(ألم يأتيك) مطلع بيت لقيس بن زهير، وتمام البيت:\nألم يأْتِيْكَ والأنباءُ تَنْمي ... بما لاقَتْ لبونُ بني زيادِ\nوهو من شواهد «الكتاب» لسيبويه ٣/ ٣١٥ - ٣١٦.\n(٤) سقط قوله: (أبلغ من الحاكم) من (ب) والنص فيها: (والحكم لأنه اسم ...).","vol":"1","page":322},{"text":"﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ هم مؤمنوا أهل الكتاب.\nوقيل: هم أصحاب رسول الله -ﷺ-.\n﴿يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ أي: بإظهار الحق ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١١٤)﴾ الشاكين في أن أهل الكتاب يعلمون ذلك.\nوقيل: لا تشك أنهم يعلمون نبوتك.\nابن جرير: لا تكن في شك مما قصصنا عليك (١).\nوقيل: لا تكن شاكًا في أن الذين يبتغون حَكَمًا غير الله لا يؤمنون.\n﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ قيل: هو القرآن، وقيل: عِدَاتُه (٢)، وقيل: دينه.\n﴿صِدْقًا﴾ صادقة فيما وعد ﴿وَعَدْلًا﴾ عادلةً فيما حكم.\nوقيل: صدقًا فيما حكاه عدلًا فيما قضاه.\n﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ لاتبديل ولاتغيير ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ لما يقولون ﴿الْعَلِيمُ (١١٥)﴾ بما يضمرون.\n﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ يعني: الكفار.\nوقيل: الجهال، لأن العلماء قليلون.\nوقيل: الأرض (٣): أهل مكة.\n﴿يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ دينه.\n_________\n(١) الطبري ٩/ ٥٠٧.\n(٢) جمع عِدَة، يعني: مواعيده ﷾، وهذا تفسير لقوله تعالى: (وتمَّت كلمات ربِّكَ) باعتبار أن الكرماني يفسر وفق قراءة من قرأها بالألف على الجمع، وقرأها كذلك أبو عمرو وأبوجعفر ونافع وابن كثير وابن عامر، وقرأها (كلمت) عاصم وحمزة والكسائي ويعقوب وخلف. انظر: «المبسوط» (ص ١٧٤).\n(٣) في (ب): (وقيل أهل الأرض ...).","vol":"1","page":323},{"text":"﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ ما يتبعون إلا ظنًا لا يعلمون صحته ولا فساده، فهم شاكّون.\n﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (١١٦)﴾ يكذبون.\nوقال بعض المفسرين: وذلك حين جادلوه في أكل الميتة وقالوا: تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتل ربكم (١).\n﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١١٧)﴾ أي: هو يعلم الكفار والمؤمنين.\nو﴿مَنْ﴾ محله نصب بفعل دل عليه ﴿أَعْلَمُ﴾، أي: يَعْلَمُ مَنْ يَضِلّ.\nوقيل: محله رفع لأنه استفهام.\nوقيل: جر بإضمار الباء، ودل عليه قوله: ﴿أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١١٧)﴾.\nولا يجوز أن يكون محله جرًا بالإضافة تعالى الله عن ذلك (٢).\n﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ يريد دون ما لم يذكر ودون الميتة.\n﴿إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ (١١٨)﴾.\nأجمع المفسرون على أن المراد به ما ذكر اسم الله على ذبحه، إلا عطاء فإنه قال: هو عام في كل مطعوم ومشروب ومذبوح (٣).\n﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ الحسن: عَنَى به مشركي العرب، قال:\n_________\n(١) انظر: «معاني القرآن» للفراء ١/ ٣٥٢، و«الوسيط» للواحدي ٢/ ٣١٥. وقد أخرج أبو داود (٢٨١٩) والترمذي (٣٠٦٩) نحوه من حديث ابن عباس، وصححه الشيخ الألباني.\n(٢) سقط في نسخة (أ) كلمتين من هذه الجملة، وهي (محله) ولفظ الجلالة. وقد فصّل السمين في «الدر المصون» ٥/ ١٢٧ هذا المنع فقال: (ذلك أن أفعل التفضيل لا تُضافُ إلا إلى جنسها، فإذا قلت: (زيد أعلمُ الضالين) لزم أن يكون زيد بعضَ الضالين، أي متصف بالضلال، فهذا الوجه مستحيل في هذه الآية الكريمة).\n(٣) انظر: «جامع البيان» للطبري ٩/ ٥١١، و«الجامع لأحكام القرآن» للقرطبي ٧/ ٧٢.","vol":"1","page":324},{"text":"ومعناه حلال لكم فكلوه (١).\nغيره: عنى به المؤمنين، وهو تأكيد للآية الأولى.\nومعنى: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا﴾ أي شيء يتم لكم في أن لا تأكلوا.\nوقيل: ما منعكم أن لا تأكلوا (٢).\n﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ يعني: ما سبق (٣) من القرآن.\n﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ إلى أكله.\nوالاضطرار: العَوَزُ الذي يخاف معه التلف.\n﴿وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ وهم الذين جادلوا في إحلال الميتة.\n﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (١١٩)﴾ الذين تجاوزا (٤) الحق إلى الباطل.\n﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ ابن عباس ﵄: اتركوا معصية الله سرًا وجهرًا (٥).\nغيره: الزنا في الحوانيت واتخاذ الأخدان، فإن العرب لم تكن تستنكف من الزنا سرًا.\nالزجاج في جماعة: هو عام في أنواع المعاصي (٦).\nوقيل: ظاهره بالجوارح، وباطنه بالقلب.\nوالأليق بالآية أن يحمل ظاهر الإثم (٧) وباطنه على أكل الميتة وما لم يذكر اسم الله عليه.\n_________\n(١) في (ب): (وكلوا). وقول الحسن: نقله هود في «تفسير كتاب الله العزيز» ١/ ٥٥٤ - ٥٥٥.\n(٢) سقط قوله: (وقيل ما منعكم أن لا تأكلوا) من (ب).\n(٣) في (ب): (فيما سبق).\n(٤) في (ب): (يجاوزون).\n(٥) هو منقول عن مجاهد وقتادة وأبي العالية وغيرهم، ولم أجده عن ابن عباس. انظر: «زاد المسير» لابن الجوزي ٣/ ١١٤.\n(٦) انظره بمعناه في «معاني القرآن» للزجاج ٢/ ٢٨٧.\n(٧) في (أ): (أن يحمل ظاهره بالإثم وباطنه ...).","vol":"1","page":325},{"text":"﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ (١٢٠)﴾.\n﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ ابن عباس ﵄: الميتة (١).\nغيره: ما ذبح لغير الله من الأصنام.\nوقيل: ما ذبحه غير موحد، وأما ذبيحة المسلم (٢) إذا كانت متروكة التسمية عمدًا فحرام بخلاف الناسي، فإن عليًا وابن عباس ﵃ في جماعة قالوا: لا باس بأكل ما ذبح ونسي التسمية عليه (٣).\nوقال على ﵁: هو على الملة (٤).\nوقال ابن عباس ﵄: ذكر الله في قلبه.\nوقال: كما لا ينفع الاسم مع الشرك لا يضر النسيان مع (٥) الإسلام (٦).\nوذهب بعضهم إلى أن متروك التسمية عمدًا حلال، وكذلك عنده النسيان، لما روي عن النبي -ﷺ- أنه قال: (ذبيحة المسلم حلال وإن نسي ولم يذكر اسم الله عليه فإنه لو ذكر لم يذكر إلا الله) (٧).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم ٤/ ١٣٧٨ (٧٨٣٣) وزاد السيوطي نسبته في «الدر المنثور» ٦/ ١٨٦ لابن أبي شيبة وابن المنذر وأبي الشيخ وابن مردويه.\n(٢) انظر أقوال أهل العلم في ذبيحة المسلم إذا كانت متروكة التسمية في: «المغني» لابن قدامة ١٣/ ٢٩٠، و«الجامع لأحكام القرآن» للقرطبي ٧/ ٥٧ - ٧٦.\n(٣) انظر: «البحرالمحيط» لأبي حيان ٤/ ٢١٥.\n(٤) في (ب): (على الملصف).\n(٥) في (ب): (في الإسلام).\n(٦) هذه الآثار الثلاثة نقلها الكرماني من كتاب «أحكام القرآن» للجصاص ٣/ ٦، والله أعلم.\n(٧) حديث ضعيف، أخرجه أبو داود في المراسيل (٣٦٩)، والبيهقي ٩/ ٢٤٠ وغيرهم بألفاظ مقتاربة. وقد خرَّجه وتكلَّم عليه الشيخ الألباني في «إرواء الغليل» ٨/ ١٦٩ - ١٧١.","vol":"1","page":326},{"text":"وذهب بعضهم إلى أن متروك التسمية (١) عمدًا أو نسيانًا حرام، حملًا على ظاهر الآية.\n﴿وَإِنَّهُ﴾ أي: أكله ﴿لَفِسْقٌ﴾ الحسن: كفر.\nيريد مع الاستحلال (٢).\nغيره: معصية.\n﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ﴾ بالوسوسة ﴿إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ يعني الكفار ﴿لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ بقولهم (٣): تأكلون ذبيحتكم وصيد الباز (٤) والكلب وتدعون ما قتله الله.\nعكرمة: إن الشياطين أهل فارس كاتبوا أولياءهم من قريش بأن حُجُّوا محمدًا بتفضيله قتيل أصحابه على قتيل الله (٥).\nفالوحي على هذا: الكتابة (٦).\n﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ﴾ في استحلال ماحرم من هذه ﴿إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١)﴾ كافرون.\n﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ نزلت في حمزة وأبي جهل.\nوقيل: في عمر وأبي جهل.\nوقيل: في عمار بن ياسر وأبي جهل.\n_________\n(١) سقطت كلمة (التسمية) من (ب).\n(٢) نقله أبو حيان ٤/ ٢١٥، كما نقل تقييد الكرماني بأنه مع الاستحلال.\n(٣) في (ب): (بقولكم).\n(٤) في (ب): (البازي).\n(٥) أخرجه الطبري ٩/ ٥٢٠ - ٥٢١، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣٧٩ (٧٨٤٢)، ورواية ابن أبي حاتم مختصرة، وذكره الواحدي في «أسباب النزول» (ص ٣٧٩) بدون إسناد.\n(٦) في (ب): (والوحي الكتابة).","vol":"1","page":327},{"text":"وقيل: في رسول الله -ﷺ- وأبي جهل.\nوقيل: عام في كل مؤمن وكافر (١).\nشبه الكافر بالميت لأنه لا ينتفع بحياته.\n﴿وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا﴾ يعني الإيمان والحجج والبيان.\nوقيل: القرآن (٢).\n﴿يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ يقال: هو كل فضيلة بين المسلمين.\nوقيل: يمشي به في القيامة.\n﴿كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ﴾ أي: كمن مثله مثل من في الظلمات.\nوقيل: مثل زيادة، أي: كمن هو في الظلمات: الكفر والجهل.\n﴿لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ لا يفارقها ﴿كَذَلِكَ﴾ (٣) أي: كما زين للمؤمن إيمانه ﴿زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢)﴾ زين لهم الشيطان أعمالهم.\nابن بحر: زُين في مثل هذا لا يحتاج إلى فاعل كأُعْجِبَ وزُهيَ وغير ذلك، أي: حسن (٤).\n﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا﴾ كذلك إشارة إلى الذين.\n_________\n(١) انظر: الطبري ٩/ ٥٣٣ وابن أبي حاتم ٤/ ١٣٨١ - ١٣٨٣، والواحدي في «أسباب النزول» (ص ٣٨٠ - ٣٨١)، والبغوي ٢/ ٦٠ - ٦١، و«البحر المحيط» لأبي حيان ٤/ ٢١٦، و«اللباب» لابن عادل ٨/ ٤٠٨ - ٤٠٩.\n(٢) حصل تقديم وتأخير للقولين في (ب) مع اتفاقها مع (أ) في حكاية القولين.\n(٣) كتبت الآية متصلة في (ب): ﴿كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ولم تفصل كما في (أ) مع أن النص التفسيري في النسختين واحد.\n(٤) في (ب): (كأعجب وزين وغير ذلك) ولم يرد فيها (أي: حسن).\nوقول ابن بحر هذا، نقله الكرماني في كتابه الآخر: «غرائب التفسير» ١/ ٣٨٣.","vol":"1","page":328},{"text":"وقيل: إلى المصدر، أي: كما جعلنا بمكة أكابر المجرمين (١) جعلنا في سائر البلاد أكابر المجرمين.\nوأضاف الأكابر إلى مجرميها: لأن أفعل (من) لا يجمع إلا مع الألف واللام أو مع الإضافة (٢).\nوقوله ﴿لِيَمْكُرُوا فِيهَا﴾ هي لام العاقبة.\n﴿وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ لعود (٣) الوبال إليها.\n﴿وَمَا يَشْعُرُونَ (١٢٣)﴾ أنه يعود إليها.\nوذهب بعضهم إلى أن تقديرها: جعلنا مجرميها أكابر.\nوهذا التأويل يدفعه الإعراب.\n﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ﴾ أهل مكة ﴿آيَةٌ﴾ معجزة (٤)، وقيل: آية من القرآن تأمرهم بالإيمان ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ﴾ أي: لن نصدقك ﴿حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ أي: حتى يوحى (٥) إلينا ويؤتى كل واحد منّا (٦) كتابًا، وقيل: أراد حتى نؤتى من الكرامة والمنزلة مثلهم.\n﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ وهو محمد -ﷺ-، أي: يُرْسِلُ من يعلم أنه يصلح للرسالة.\nوحيث: مفعول به.\n_________\n(١) في (ب): (كما جعلنا لمكة أكابر مجرميها جعلنا ...).\n(٢) قال أبو حيان ٤/ ٢١٧ متعقبًا الكرماني: (كان ينبغي أن يقيد فيقول: أو مع الإضافة إلى معرفة).\n(٣) في (ب): (يعود).\n(٤) النص في (ب): (وإذا جاءتهم آية أهل مكة أنه معجزة ...).\n(٥) سقطت كلمة (يوحى) من (ب).\n(٦) سقطت كلمة (منا) من (ب).","vol":"1","page":329},{"text":"﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ﴾ ذل.\nوالصغار في القدر، والصِغَرُ في السن وغيره.\n﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ في القيامة ﴿وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ (١٢٤)﴾ أي (١): جزاء على مكرهم.\nو﴿عِنْدَ﴾ صلة صغار.\nوقيل: تقديره: من عند الله.\nوالوجه الأول.\n﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ﴾ يعرفه طريق الإيمان ويوفقه له.\nوقيل: يهديه لنيل الثواب.\n﴿يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ يفتحه ويوسعه وينور قلبه لقبول الإسلام.\nوروى المفسرون عن ابن مسعود ﵁: أن رسول الله -ﷺ- سئل عن شرح الصدر ما هو، فقال: (نورٌ يقذفه الله في قَلْبِ المؤمن فينشرح له وينفسح) قالوا: فهل لذلك من أمارة يعرف بها، فقال: (نعم، الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزول الموت) (٢).\n_________\n(١) من هنا عادت نسخة (جـ) بعد سقوط لوحتين منها كما سبق بيانه. واكتفى في نسخة (ب) بسياق الآية دون تفسيرها، فكان النص فيها ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾ أي جزاء مكرهم. وعند ...). وقوله: (جزاء على مكرهم) مثبت من (أ) و(جـ).\n(٢) أخرجه عبدالرزاق ١/ ٢١٧ - ٢١٨، والطبري ٩/ ٥٤١ - ٥٤٣ من عدة طرق، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣٨٤ (٧٨٧٢) وغيرهم.\nوقال ابن كثير ٦/ ١٦٩ بعد أن ساق عددًا من طرقه: (فهذه طرق لهذا الحديث مرسلة ومتصلة، يشدّ بعضها بعضًا) بينما ضعف الألباني هذا الحديث في «سلسلة الأحاديث الضعيفة» برقم (٩٦٥)، كما حكم عليه بالوضع محقق سنن سعيد بن منصور الشيخ الدكتور سعد آل حميد، وفصَّل الحديث عن طرقه ٥/ ٨٦ - ٩١.","vol":"1","page":330},{"text":"﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ﴾ عن هدايته ويخذله (١).\nوقيل: عن نيل الثواب.\n﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا﴾ لا ينجع فيه الإيمان ﴿حَرَجًا﴾ إثمًا.\nوقيل: شاكًا.\nوقيل: مُلْتَبِسًَا.\nالفتح مصدر، والكسر صفة، كقَمَن وقَمِن (٢).\n﴿كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ كأنه كُلِّف الصعود إليها في البعد والامتناع.\nوقيل: كأنه لا يجد منفذًا لضيق المسالك عليه إلا (٣) السماء.\n﴿كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (١٢٥)﴾ الحسن: رجاسة الكفر وقذارته (٤).\nرَجِسَ يَرْجَس، مثل: نَجِسَ يَنْجَس.\nوقيل: العذاب.\nوقيل: السخط.\nوقيل: الشيطان.\nالزجاج: اللعنة في الدنيا والعذاب في الآخرة (٥).\n_________\n(١) في (جـ): (ومن يرد أي الله أن يضله ...).\n(٢) سقطت (وقمن) من (ب).\nوقد قرأ أبو جعفر ونافع وأبو بكر عن عاصم (حَرِجًا) بكسر الراء، وقرأ الباقون (حَرَجًا) بفتح الراء. انظر: «المبسوط» لابن مهران (ص ١٧٥).\n(٣) في (ب): (إلى السماء).\n(٤) انظر: «تفسير كتاب الله العزيز» ١/ ٥٥٨ لهود بن محكم.\n(٥) انظر: «معاني القرآن» للزجاج ٢/ ٢٩٠.","vol":"1","page":331},{"text":"﴿وَهَذَا﴾ يريد ما سبق من ذكر الإسلام والإيمان والأحكام ﴿صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا﴾ أي: الطريق الذي لا عوج له (١).\nوقيل: القرآن.\nومستقيمًا: حال عن (هذا)، ويجوز أن يكون عن الصراط.\n﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٢٦)﴾.\n﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ يريد: الجنة، والسلام: هو الله سبحانه، والجنة داره.\nوقيل: يريد: السلامة، فحذف الهاء (٢).\nوقيل: السلام: التحية.\nوسميت دار السلام لقوله: ﴿تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾ [إبراهيم: ٢٣]، ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾ [الأحزاب: ٤٤]، و﴿إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا﴾ [الواقعة: ٢٦].\n﴿وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٧)﴾ أي: ناصرهم ومعينهم.\n﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾ يعني الإنس والجن يوم القيامة.\n﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ﴾ أي فيقول: يامعشر الجن (٣).\n﴿قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ﴾ أي: من إغوائهم وإضلالهم.\n﴿وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ﴾ وهم الذين أطاعوا الجن، اعترفوا رجاء أن ينفعهم.\n﴿رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾ أي: الإنس بالجن، والجن بالإنس.\nوقيل: استمتع بعض الإنس ببعضهم.\nوقيل: أما استمتاع الجن بالإنس فإغواؤهم إياهم وإضلالهم، وأما استمتاع\n_________\n(١) في (ب): (فيه).\n(٢) في (ب): (التاء).\n(٣) سقط (يا معشر الجن) الواردة بعد كلمة (فيقول) من نسخة (ب).","vol":"1","page":332},{"text":"الإنس بالجن فهو أن العرب إذا نزلت واديًا أو سلكوا مفازة استعاذوا بالجن وقالوا: نعوذ بسيد هذا الوادي أو هذه المفازة من شر سفهاء قومه، وكانوا يعتقدون أن الأرض ملأى جنًا، وأن من لم يدخله جني في (١) جواره خبله الآخرون، وكذلك إذا قتلوا صيدًا استعاذوا بهم لأنهم يعتقدون أن هذه البهائم للجن، منها مراكبهم.\nوقيل: هو ما كانوا يأخذونه من الجن من السحر والكهانة والأراجيف، واستمتاع الجن بالإنس أيضًا أنهم قالوا قد سدنا الجن والإنس حتى عاذوا بنا، فيزدادون شرفًا في قومهم وعِظَمًا في أنفسهم.\n﴿وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا﴾ يعني: الموت.\nوقيل: البعث.\n﴿قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ﴾ منزلكم (٢) ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾.\nوالأحسن: أن نجعل مثواكم مصدرًا لعمله في الحال، وتقديره: ذات مثواكم.\n﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ قيل: من الزيادة على النَّار من العذاب والنَّكال.\nوقيل: سوى ما شاء الله (٣).\nوقيل: إلا ما شاء الله قبل الدخول.\nوعن ابن عباس ﵄ أنه قال (٤): جعل أمرهم في مبلغ عذابهم ومدتهم إلى مشيئة الله حتى لا يحكم على الله في خلقه أحد (٥).\n_________\n(١) سقطت (في) من (ب).\n(٢) في (ب): (يعني منزلكم).\n(٣) انتقل نظر الناسخ في نسخة (جـ) إلى القول الذي يلي هذا القول فأدخلهما معًا، فكان النص فيها: (سوى ما شاء الله قبل الدخول).\n(٤) سقطت كلمة (قال) من (أ).\n(٥) أخرجه الطبري ٩/ ٥٥٧ - ٥٥٨، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣٨٨ (٧٨٩٧)، وزاد السيوطي ٦/ ٢٠١ نسبته لابن المنذر وأبي الشيخ.","vol":"1","page":333},{"text":"والمعنى: لم ينفعكم اعترافكم.\n﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٢٨)﴾.\n﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٢٩)﴾ أي: كما خذلنا عصاة الجن والإنس نولي بعض الظالمين.\nقتادة: هو من الموالاة، أي: نتبع بعضهم بعضًا في النار (١).\nابن عباس ﵄: من التولية، أي: نسلط بعضهم على بعض (٢).\nكما قيل: إذا فسد الزمان أُمِّرَ عليهم شرارهم.\nوعن النبي -ﷺ-: (عمَّالكم أعمالكم) (٣).\nوعنه -ﷺ-: (يقول الله: أنا الله لا إله إلا أنا مالك الملوك، قلوبهم ونواصيهم بيدي، فمن أطاعني جعلتهم عليه رحمة، ومن عصاني جعلتهم عليه نقمة، فلا تشتغلوا بسب الملوك ولكن توبوا إلي أعطفهم عليكم) (٤).\nوقيل: من الولاية، المؤمن ولي المؤمن حيث كان، والكافر ولي الكافر حيث كان.\n_________\n(١) أخرجه عبدالرزاق ١/ ٢١٨، والطبري ٩/ ٥٥٨ - ٥٥٩، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣٨٨ (٧٨٩٨).\n(٢) انظر: «الجامع لأحكام القرآن» للقرطبي ٧/ ٨٥ فقد ذكر نحوه عن ابن عباس ﵄.\n(٣) ذكره العجلوني في «كشف الخفاء» ٢/ ١٢٧ أثناء كلامه على حديث: (كما تكونوا يولَّى عليكم) وذكر العجلوني أنه عند الطبراني من رواية الحسن البصري.\nوقد ذكره كذلك ابن الجوزي في كتابه «آداب الحسن» بغير إسناد (ص ١١٦). فالحديث مرسل، والله أعلم.\n(٤) أخرجه الطبراني في «الأوسط» (٨٩٦٢)، وأبو نعيم في «الحلية» ٢/ ٣٣٨، وقال الدارقطني في «العلل» ٦/ ٢٠٦ (سؤال ١٠٧٣): (لا يصح هذا الحديث مرفوعًا، ورواه جعفر بن سليمان عن مالك ابن دينار أنه قرأ في بعض الكتب هذا الكلام. وهو أشبه بالصواب).","vol":"1","page":334},{"text":"وقيل: معناه: نكل بعضهم إلى بعض.\n﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ﴾ يقرؤون ﴿عَلَيْكُمْ آيَاتِي﴾ كتبي ﴿وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ يعني: يوم القيامة.\nالضحاك: بَعث إلى الجن رسلًا منهم كما بَعث إلى الإنس رسلًا منهم (١).\nالزجاج والفراء في جماعة: رسل الجن من الإنس (٢).\nوقوله: ﴿رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ لايدفع هذا التأويل، فإنه غَلَّبَ الإنس على الجن.\nابن عباس: رسل الجن هم المُنْذِرُون (٣)، من قوله: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾ [الأحقاف: ٢٩].\n﴿قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا﴾ بالجرم والعصيان.\n﴿وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ بحيث لا يمكن التلافي والاستدراك.\nيجوز أن يكون من كلامهم ويجوز أن يكون متصلًا بما بعده.\n﴿وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (١٣٠)﴾ أي: بمن أتاهم من الرسل.\n﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى إرسال الرسل ﴿أَنْ لَمْ﴾ بسبب أن لم ﴿يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ (١٣١)﴾ أي: لا يهلكهم ولا يعذبهم حتى يبعث إليهم الأنبياء ويعذر إليهم.\nوقوله: ﴿بِظُلْمٍ﴾ أي: من الله.\nوقيل: بظلمهم.\n_________\n(١) أخرجه الطبري ٩/ ٥٦٠.\n(٢) انظر: «معاني القرآن» للفراء ١/ ٣٥٤، و«معاني القرآن» للزجاج ٢/ ٢٩٢.\n(٣) أخرجه الطبري ٩/ ٥٦١.","vol":"1","page":335},{"text":"ومعنى ﴿غَافِلُونَ﴾ أي: عن الإنذار والإعذار (١).\n﴿وَلِكُلٍّ﴾ أي: المؤمن (٢) والكافر ﴿دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ أي: هم متفاوتون في الثواب والعقاب على قدر أعمالهم، والجنة درجات والنار دركات، فَغُلِّبت الدرجات.\nوقيل: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ للمؤمنين خاصة.\nثم أوعد الكفار فقال: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٣٢)﴾.\n﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ﴾ عن العباد ﴿ذُو الرَّحْمَةِ﴾ بهم ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ يستأصلكم ﴿وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ﴾ يريد: ويقيم مكانكم غيركم.\nو﴿مَا﴾ بمعنى مَنْ.\n﴿كَمَا أَنْشَأَكُمْ﴾ أي: خلقكم ﴿مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ (١٣٣)﴾ أي: قرنًا بعد قرن. وقيل: يذهب بكم ويأت بخلق مخالف لجنسكم هو أطوع لله منكم، ولهذا قال: ﴿مَا يَشَاءُ﴾.\n﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ﴾ أي: من البعث والحساب والثواب والعقاب (٣) لكائن لا محالة.\n﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (١٣٤)﴾ بفائتين، وتقديره: لا تعجزون طالبكم.\n﴿قُلْ يَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ﴾ هذا أمر تهديد ووعيد، ومثله: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩]، والمعنى: اعملوا، فعملكم عائد عليكم بالوبال، إني عامل بخلاف عملكم.\nوقيل: اعملوا في أمري إني عامل في أمركم.\n_________\n(١) في (ب): (عن الإعذار والإنذار).\n(٢) في (أ): (أي للمؤمن).\n(٣) في (ب): (من البعث والثواب والحساب والعقاب).","vol":"1","page":336},{"text":"وقوله: ﴿عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾ على قدر منزلتكم، من قول العرب: مَكُنَ مَكَانةً فهو مَكِيْنٌ.\nابن عباس ﵄: ناحيتكم (١).\nأبو عبيدة: على حيالكم (٢).\nالزجاج وابن عيسى: طريقتكم (٣).\nالكلبي: منازلكم (٤).\nوقيل: على تؤدةٍ وتثبيت.\n﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾ أي: فسيظهر أينا أحسن عملًا.\nو﴿مَنْ﴾ بمعنى: الذي، ومحله نصب، كقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠]، ويجوز أن يكون استفهامًا ومحله رفع، كقوله: ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ﴾ [الكهف: ١٢].\nوالعاقبة: مصدر، والمراد بها: الجنة.\n﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (١٣٥)﴾ لا يفوزون (٥).\nعكرمة: لا يبقون في الثواب (٦).\n﴿وَجَعَلُوا﴾ يعني قريشًا ومشركي العرب.\n﴿لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ﴾ خلق وأظهر ﴿مِنَ الْحَرْثِ﴾ الزرع ﴿وَالْأَنْعَامِ﴾ الإبل\n_________\n(١) أخرجه الطبري ٩/ ٥٦٧، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣٩٠ (٧٩٠٩).\n(٢) انظر: «مجاز القرآن» لأبي عبيدة ١/ ٢٠٦.\n(٣) انظر: «معاني القرآن» للزجاج ٢/ ٢٩٣ - ٢٩٤.\n(٤) انظر: «النكت والعيون» للماوردي ٢/ ١٧٣ عن الكلبي.\n(٥) في (ب): (لا يفوز).\n(٦) انظر: «الكشف والبيان» للثعلبي ٤/ ١٩٣ عن عكرمة.","vol":"1","page":337},{"text":"وغيرها ﴿نَصِيبًا﴾ حظًا، يريد: وللأصنام نصيبًا، فاكتفى (١) بما دل عليه.\nقوله: ﴿فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ﴾.\nاختلفت عبارات المفسرين عن هذا النصيب، ومحصول كلامهم أن الكفار جعلوا للضيفان والمساكين في حروثهم وأنعامهم نصيبًا ونسبوه (٢) إلى الله سبحانه، وجعلوا للأوثان نصيبًا ينفقونه ويصرفونه إلى وجوه عينوها لها، ثم جعلوا الأرجح الأجود للأصنام، والأَخسَّ الأرذل لله، وقصروا في نصيب الضيفان والمساكين بعد توفيرهم نصيب الأوثان عليها، وإن وقع في نصيب الأوثان خلل واحتاجت إلى زيادة صرف (٣) من نصيب الله (٤) إليها، وإن وقع فيما نسبوه إلى الله خلل لم يصرف إليه من نصيب الأوثان (٥).\nثم ذم صنيعهم فقال: ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (١٣٦)﴾.\n﴿وَكَذَلِكَ﴾ أي: كما زين لهم الشيطان عبادة الأوثان وبخس (٦) حق الله.\n﴿زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ﴾ البنات بالوأد مخافة الفقر (٧) والعار، والبنين بالنذور عند قضاء الحاجات.\n﴿شُرَكَاؤُهُمْ﴾ شياطين الجن، لأنهم شاركوهم في الكفر وزينوا بالوسوسة\n_________\n(١) سقطت كلمة (فاكتفى) من (ب).\n(٢) في (ب): (ونسبوا).\n(٣) في (أ): (صرفت).\n(٤) في (ب): (من نصيب الأوثان إليها) والمثبت من (أ) و(جـ).\n(٥) انظر: الطبري ٩/ ٥٦٩، والثعلبي ٤/ ١٩٣، وأبو حيان ٤/ ٢٢٩.\n(٦) في (ب): (وتخسير).\n(٧) في (أ): (للفقر).","vol":"1","page":338},{"text":"لهم ذلك (١).\nوقيل: شركاؤهم: قوم كانوا يخدمون الأوثان.\nوقراءة ابن عامر (٢): (زُين) بضم الراء و(قتل) رفع (أولادهم) نصب (شركائهم) جر، وإن ضعفت في العربية للإحالة بين المضاف والمضاف إليه فقوية في الرواية عالية (٣).\n﴿لِيُرْدُوهُمْ﴾ ليهلكوهم بالعذاب، واللام لام العاقبة، وقيل: هي لام كي.\n﴿وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ﴾ أي: يغطوا (٤) عليهم دينهم الذي يحب أن يتدينوا به.\n﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ﴾ بسلب قدرتهم على ذلك.\n﴿فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١٣٧)﴾ أي: دعهم وما هم فيه.\n﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ﴾ يعني: ذبائح الأوثان، وقيل: البحيرة وأخواتها.\n﴿وَحَرْثٌ﴾ هو ما جعلوه للأوثان.\n﴿حِجْرٌ﴾ حرام، وأصله المنع.\n﴿لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ﴾ يريدون الرجال دون النساء.\nوقيل: من يخدم الأوثان والأصنام.\n﴿بِزَعْمِهِمْ﴾ أي: لا حجة لهم على ذلك.\nوقيل: بكذبهم.\n_________\n(١) في (ب): (لهم في ذلك).\n(٢) هو عبدالله بن عامر اليحصبي، إمام أهل الشام في القراءة، وأحد السبعة المشهورين، توفي بدمشق يوم عاشوراء سنة (١١٨ هـ).\nانظر: «غاية النهاية» لابن الجزري ١/ ٤٢٣ - ٤٢٥.\n(٣) حصل سقط في (ب) فكان النص فيها: (وقراءة ابن عامر وإن ضعفت ...)، وحصل زيادة في (جـ) بعد قول المصنف (عالية) حيث جاء فيها (مروية عن عثمان).\nوهذه القراءة هي لابن عامر وحده من العشرة. انظر: «المبسوط» لابن مهران (ص ١٧٥).\n(٤) في (أ): (ليغطوا).","vol":"1","page":339},{"text":"قال شريح: لكل شيء كناية وكناية الكذب الزعم (١).\n﴿وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا﴾ يعني: السائب والحامي (٢).\n﴿وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾ مجاهد: كانت لهم طائفة من الأنعام لا يذكرون اسم الله عليها، لا حالة الذبح ولا حالة الحلب والبيع والرحل (٣).\nعاصم عن أبي وائل: هو ما لم يحج عليه (٤).\nغيرهما: هو ما لم يذكر اسم الله على ذبحه.\n﴿افْتِرَاءً عَلَيْهِ﴾ مصدر وقع موقع الحال، أي: مفترين، لأنهم زعموا أن الله أمرهم بذلك.\nوقيل: افتروا بتركهم التسمية.\n﴿سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (١٣٨)﴾.\n﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ﴾ قيل: الأجنة، وقيل: اللبن، وقيل: هما جميعًا.\n﴿خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا﴾ أي: هي للذكور خاصة.\nوتأنيث ﴿خَالِصَةٌ﴾ لتأنيث معنى ﴿مَا﴾ (٥)، وتذكيره للفظه (٦).\n_________\n(١) انظر قول شريح في «لسان العرب» (زعم) مختصرًا.\n(٢) سقط قوله: (يعني السائب والحامي) من (ب) بينما كتب قوله تعالى: ﴿وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا﴾ على هامش نسخة (ب) حيث سقط من أصل النسخة كذلك.\n(٣) أخرجه الطبري ٩/ ٥٨٣.\n(٤) أخرجه الطبري ٩/ ٥٨٢، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣٩٤ (٧٩٣٠) وعزاه السيوطي في «الدر المنثور» ٦/ ١٥، لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.\nوأبو وائل: هو شقيق بن سلمة الكوفي، إمام كبير، عدّه بعضهم في الصحابة، توفي سنة (٨٢ هـ). انظر: «غاية النهاية» ١/ ٣٢٨.\n(٥) في (ب): (معنى «ما» لأنها للأجنة وتذكيره للفظه). والمثبت من (أ) و(جـ).\n(٦) التذكير بلفظ (خالص) قراءة شاذة، قرأ بها: عبدالله بن مسعود وابن جبير وأبو العالية والضحاك وابن= =أبي عبلة.\nانظر: «المحتسب» ١/ ٢٣٢، و«الدر المصون» ٥/ ١٨٣. أو لعل الكرماني يريد أن (خالصة) تأنيث، و(محرم) تذكير كما ذكر ابن عاشور في «التحرير والتنوير» ٨/ ١١٠، فالله أعلم.","vol":"1","page":340},{"text":"وقيل: هي مصدر، كالعاقبة.\nقال (١):\nكنت أميني وكنت خالصتي ... وليس كل امرئٍ بمؤتمنِ\nوقيل: للمبالغة في الخلوص.\n﴿وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ﴾ أي: خرج ميتًا، زال عنه التحريم، فحلَّت للنساء والرجال (٢).\n﴿سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ﴾ هو كقوله: ﴿وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ﴾ [النحل: ٦٢] وتقديره: بوصفهم، فحذف الجار.\nوقيل: جزاء وصفهم، فحذف المضاف.\n﴿إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٣٩)﴾.\n﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ﴾ بالوأد والنذر.\n﴿سَفَهًا﴾ جهلًا وخفة عقل، وهو مصدر وقع موقع الحال.\nوقيل: نصب على المصدر، أي: سفهوا سفهًا.\nوقيل: نصب على العلة، وفيه بُعد.\n_________\n(١) البيت غير منسوب في التفاسير التي رجعت لها، ولكن ذكر محقق «الكشف والبيان» للثعلبي ٤/ ١٩٦ أن البيت من أبيات قالها سليمان بن قتة يرثي بها الحسن بن علي، وعزا ذلك إلى «شرح نهج البلاغة» ٦/ ٥٢ لابن أبي الحديد، وفيه بدل العجز المذكور هنا قوله: لكل حي من أهله سكن.\n(٢) في (أ): (للرجال والنساء).","vol":"1","page":341},{"text":"﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أي: بغير علم أن الله أمرهم (١).\n﴿وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾ أي: البحيرة وأخواتها.\n﴿افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ﴾ أي: كذبوا في نسبة التحريم إلى الله.\n﴿قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٤٠)﴾ إلى الصواب.\n﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ﴾ خلق ابتداء.\n﴿جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ﴾ مرفوعات على ما يحملها كالكرم وما يشبهه، أي: من شأنها أن تَعْرُش.\n﴿وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ﴾ النخل وما يشبهه (٢).\nوقيل: المعروشات: ما يرفع بعض أغصانها على بعض.\nابن عباس: المعروشات: ما غرس الناس، وغير المعروشات: ما خرج في البر والجبال من الأشجار والثمار (٣).\nوقيل: معروشات: ما حولها حائط، وغير معروشات: ما لا حائط حولها.\n﴿وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا﴾ حال مقدر، كقوله: معه (٤) صقر صائدًا به غدًا.\n_________\n(١) في (ب): (وفيه بعد (بغير علم) أن الله أمرهم به).\n(٢) في (أ): (وما يشبهها).\n(٣) أخرجه الطبري ٩/ ٥٩٣ عن ابن عباس.\nوالنص المثبت أعلاه هو ما ورد في (أ)، وقد حصل سقط في (ب) فكان النص فيها كالتالي: (ابن عباس: المعروشات ما حولها ما غرز الناس وغير المعروشات ما حولها حائط وغير معروشات ما لا حائط حولها) فتداخل الكلام بين قول ابن عباس والقول الذي بعده. أما (جـ) فقد جاء النص فيها كالتالي: (ابن عباس: المعروشات ما عرف الناس وغير معروشات ما لا حائط لها) فحصل فيها سقط.\n(٤) سقطت (معه) من (ب).","vol":"1","page":342},{"text":"﴿أُكُلُهُ﴾ ثمره، والهاء (١) تعود إلى الزرع.\nوقيل: أكل ذلك، وقيل: أكل كل واحد منها.\n﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾ قيل: متشابه في اللون غير متشابه في الطعم، كالحلو والحامض والمزّ من الرمان (٢).\nوقيل: أنواع تَشَّبَّه طعومها، وأنواع تختلف طعومها.\nوقيل: المتشابه (٣): ما كان من جنس واحد، وغير متشابه: ما اختلف جنسه وثمره.\n﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ﴾ من ثمر كل واحد من ذلك.\n﴿إِذَا أَثْمَرَ﴾ هذه رخصة للمالك أن يأكل عند إدراكه قبل (٤) إخراج حق الله منه. ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ أي: حق الله، وفيه خمسة أقوال:\nسعيد بن جبير: منسوخة بالزكاة (٥).\nابن عباس ﵄: نُسخت بالعشر ونصف العشر (٦).\nأنس بن مالك والحسن: هو الزكاة المفروضة (٧).\nسفيان: هو أن يدع المساكين يتبعون أثر الحصادين، فما سقط من المنجل\n_________\n(١) سقطت الواو من (أ).\n(٢) قال الليث: (المُزُّ من الرمان: ما كان طعمه بين حموضة وحلاوة). انظر: «لسان العرب» (مزز).\n(٣) في (أ): (وقيل: متشابه: ما كان ...) فسقطت (أل) التعريف.\n(٤) في (ب): (وقبل).\n(٥) أخرجه أبو عبيد في «الناسخ والمنسوخ» (ص ٣٢)، والطبري ٩/ ٦٠٨ - ٦٠٩.\n(٦) أخرجه الطبري ٩/ ٦٠٨، والنحاس في «الناسخ والمنسوخ» ٢/ ٣٢٣، رقم الأثر (٤٧١).\n(٧) أما قول أنس، فأخرجه: الطبري ٩/ ٥٩٥، والنحاس في «الناسخ» ٢/ ٣٢٤ (٤٧٣).\nوأما قول الحسن، فأخرجه: أبو عبيد في «الناسخ» (ص ٣١)، والطبري ٩/ ٥٩٥.","vol":"1","page":343},{"text":"أخذوه، ويكره حصاد الليل لهذا (١).\nوقيل: هذا ندب.\nويوم حصاده: يوم قطعه وجذاذه.\nوقيل: يوم حصاده: كيله.\n﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾ بإشراك الآلهة في الحرث.\nوقيل: لا تسرفوا في الأكل قبل إخراج حق الله.\nوقيل: لاتسرفوا فتنفقوا في معصية الله.\nوقيل: ولاتسرفوا فتتجاوزا قدر المفروض.\nوأنها نزلت في معاذ بن جبل، جدّ نخلة فلم يزل يتصدق حتى لم يبق منه شيء، فنزلت: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾ (٢).\n﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (١٤١)﴾.\n﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾ هي كبار الإبل التي يحمل عليها (٣).\nوالفرش: صغارها.\nابن عباس ﵄: الحمولة: ما حمل عليه من الإبل والبقر، الفرش: الغنم (٤).\n_________\n(١) أخرجه النحاس في «الناسخ» ٢/ ٣٢٦ عن سفيان الثوري.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم ٤/ ١٣٩٩ (٧٩٦٦) عن ابن جريج.\nوقيل: نزلت في ثابت بن قيس بن شمّاس. أخرجه الطبري ٩/ ٦١٥ عن ابن جريج كذلك.\n(٣) النصّ في (ب): (... وفرشًا الحمولة ما حمل عليه من الإبل والفرش صغارها والإفراش الاضطجاع للذبح ابن جرير ...) فحصل في النسخة سقط وتداخل.\n(٤) أخرجه الطبري ٩/ ٦٢١، وابن أبي حاتم ٥/ ١٤٠٠ (٧٩٧٢) و٥/ ١٤٠١ (٧٩٧٦).","vol":"1","page":344},{"text":"والإفراش: الإضجاع (١) للذبح.\nابن جرير: الفرش من الأنعام ما قربت جثته من الأرض (٢).\nوقيل: الحمولة: الإبل والخيل والبغل والحمير والبقر، والفرش: ما اتخذ من أصوافها وجلودها.\n﴿كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٤٢)﴾ أي: كلوا ما أحل لكم (٣) منها ولا تحرموها فعل الجاهلية.\n﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ أفراد، والزوج ما معه آخر من جنسه، ويقال لمجموعهما زوج وللمفرد زوج، لأن كل واحد منهما زوج للآخر.\nونصب ثمانية على البدل من الحمولة والفرش، أوتقديره (٤): أنشأنا ثمانية أزواج.\n﴿مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ﴾ الضأن ذوات الصوف والألايا (٥).\nوالضأن جمع، واحدها: ضائن، وقيل: ضائنة، وقيل: إنها (٦) جمع لا واحد لها من لفظها، ويجمع على: ضَئين كعَبيد وكَليب.\n﴿وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ هي ذوات الشعر، واحدها: ماعز، ومن فتح العين (٧)\n_________\n(١) هكذا في (أ) وعند الماوردي ٢/ ١٧٩، أما في (ب) و(جـ) فهي: (الاضطجاع).\n(٢) هو معنى كلام ابن جرير في تفسيره ٩/ ٦٢٢.\n(٣) في (أ): (ما أحل الله لكم).\n(٤) في (أ): (وتقديره).\n(٥) سقطت كلمة (الضأن) الثانية من (أ) وسقطت كلمة (الألايا) من (ب).\n(٦) في (أ): (إنه).\n(٧) قرأ أبو جعفر ونافع وعاصم وحمزة والكسائي وخلف وابن كثير في رواية ابن فليح وحده (ومن المعز) ساكنة العين، وقرأ ابن كثير في رواية القواس والبزّي وأبوعمرو وابن عامر ويعقوب (ومن المعَز) بفتح العين. انظر: «المبسوط» لابن مهران (ص ١٧٦).","vol":"1","page":345},{"text":"جعله: كحارس وحَرَس وطالب وطَلَب، وجاء فيها: الِمعْزى والأُمْعوز والمَعِيز، وكلها جمع.\n﴿قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ هذا جواب لمن (١) قالوا: ﴿مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا﴾ [الأنعام: ١٣٩].\nوقيل: نزلت في مالك ابن عوف وأصحابه (٢)، والمعنى: قل لهم: أحرم الله الذكور أم حرم الإناث أم حرم جميع ما في الأرحام، ولو كان تحريمه من جهة الله لكان عامًا في نوعه، كتحريم البنات والأخوات والربا والزنا، ولم يكن مخصوصًا في بعض دون بعض وفي عام دون عام وعلى قوم دون قوم كما يزعمون، وإذا لم يكن هذا على منهاج سائر المحرمات ظهر كذبكم على الله وافتراؤكم.\n﴿نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٤٣)﴾ أي: أخبروني بما علمتم به أن (٣) هذا من جهة الله سبحانه.\n﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا﴾ أي (٤): أم شاهدتموه فسمعتم يوصي بهذا التحريم إذ كنتم لا تؤمنون بنبي.\n﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ يريد علماءهم وكبراءهم.\n_________\n(١) في (ب): (لما قالوا).\n(٢) سقطت كلمة (وأصحابه) من (ب). والقول بأنها نزلت في عوف بن مالك وأصحابه نقله الثعلبي ٤/ ٢٠٠ والماوردي ٢/ ١٨١.\n(٣) سقطت (أن) من (ب).\n(٤) سقطت (أي) من (ب).","vol":"1","page":346},{"text":"وقيل: يريد عمرو بن لحي (١) فإنه غَيَّرَ دين إبراهيم -ﷺ- وسَنَّ هذا التحريم.\n﴿لِيُضِلَّ النَّاسَ﴾ العوام ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٤٤)﴾.\n﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ أي: في القرآن (٢) ﴿مُحَرَّمًا﴾ حيوانًا حرم أكله (٣) ﴿عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ آكل يأكله ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ﴾ المحرم ﴿مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ﴾ فإن (٤) الخنزير، وقيل: فإن اللحم ﴿رِجْسٌ﴾ منتن قذر ﴿أَوْ فِسْقًا﴾ أي: مذبوح فسق، فحذف المضاف، وفسقًا: نصب بالعطف على ما قبله، وقوله: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ جرى مجرى الوصف.\nوقيل: وما أهل لغير الله به فسقًا (٥).\n﴿أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ أي: ذبح على اسم الصنم.\nاختلفت الأئمة في هذه الآية على خمسة أقوال (٦):\nالأول: أنها منسوخة، وأن المائدة نزلت بعدها وفيها الناسخة، وهذا ضعيف، لأن قوله: ﴿لَا أَجِدُ﴾ خبر، والخبر لا يدخله النسخ.\nالثاني: أنها محكمة، وليس شيء من الحيوان بمحرم إلا ما فيها (٧)، وليس هذا\n_________\n(١) عمرو بن لحي بن قِمَّعة بن خندف الخزاعي عاش في الجاهلية، وهو الذي جلب الأوثان إلى الكعبة. انظر: «معجم أعلام متن الحديث» (ص ٢٤٣).\n(٢) في (ب): (... أوحي إلى اليوم أي القرآن).\n(٣) في (جـ): (حرم الله).\n(٤) في (ب): (أي: فإن الخنزير ...).\n(٥) في (ب): (وما أهل به لغير الله فسقًا).\n(٦) لخصها الكرماني - والله أعلم - من كتاب النحاس «الناسخ والمنسوخ» ٢/ ٣٣٨ - ٣٥٠.\n(٧) زيادة انفردت بها (أ) ولم ترد هذه الزيادة في (ب) و(جـ)، حيث ذكر بعد قوله: (إلا ما فيها): وهذا مذهب مالك.","vol":"1","page":347},{"text":"المأخوذ به في المذهبين (١).\nوالثالث: أن المحرمات داخلة فيها (٢)؛ لأن التذكية إنما تؤخذ توقيفًا، وكل مالم (٣) يؤخذ تذكيته بالتوقيف فهو ميتة داخل في الآية.\nالرابع: ما صح تحريمه عن النبي -ﷺ- داخل في الاستثناء.\nالخامس: أن الآية جواب لما سألوا، وثَمَّ محرمات لم يسألوا عنها.\n﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤٥)﴾ سبق في البقرة (٤).\n﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا﴾ أي: حرمنا عليهم في أيام موسى -ﷺ- عقوبة لهم.\n﴿كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ يريد ما ليس بمنفرج (٥) الأصابع مشقوقها، كالإبل والنعام والبط وجميع أنواع السباع كالسنانير والكلاب، وما يصطاد بظفره من الطير داخل فيه.\nوقيل: كل ذي مخلب من الطير وكل ذي حافر من الدواب، وسمي الحافر ظفرًا مجازًا.\n﴿وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا﴾ يريد الثروب (٦).\nوقيل: كل شحم لم يختلط بلحم ولا عظم.\nوقيل: شحم الكليتين.\n﴿إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾ يريد شحم الجنب وما علق بالظهر من خارج، وقيل: من داخل.\n_________\n(١) لعله يعني الحنفي والشافعي، والله أعلم، باعتبار أن هذا القول هو لمالك. انظر: «الجامع لأحكام القرآن» للقرطبي ٧/ ١١٦.\n(٢) سقطت (فيها) من (ب).\n(٣) في (جـ): (وكل ما يؤخذ ...).\n(٤) سورة البقرة، آية (١٧٣).\n(٥) في (ب): (بمفرج).\n(٦) الثَّرْبُ: شحمٌ رقيق يُغشِّي الكَرِشَ والأمعاء. انظر: «القاموس» (ثرب).","vol":"1","page":348},{"text":"﴿أَوِ الْحَوَايَا﴾ هي ما يتحوى في البطن، أي: يجتمع ويستدير، ويسمى بَنَاتُ اللَّبَنْ (١).\nوقيل: هي المباعر، واحدتها: حاوية، وقيل: واحدتها: حاوياء، كقاصعاء وقواصع، وقيل: حوية، كسفينة وسفائن (٢).\n﴿أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ قيل: هي الإلية لاتصالها بالعصعص.\nوقيل: المخ.\nوقيل: فيها تقديم (٣)، والتقدير: حرمنا عليهم شحومهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم إلا ما حملت ظهورهما.\nو﴿أَوْ﴾ للتخيير.\n﴿ذَلِكَ﴾ أي: التحريم ﴿جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ﴾ وبظلمهم ومخالفتهم أنبياءهم.\nالحسن: بكفرهم (٤).\n﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (١٤٦)﴾ فيما أخبرنا به.\n﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ﴾ يا محمد ﴿فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ﴾ لا يعجل بالعقوبة\n﴿وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١٤٧)﴾ أي: يمهل ولا يهمل.\n﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ في الآية أعظم معجزة لرسول الله -ﷺ-، لأنه أخبر عنهم قبل قولهم فكان كما أخبر (٥).\nوعطف ﴿آبَاؤُنَا﴾ على الضمير المتصل.\nوعُدَّ (لا) حائلًا (٦).\nالمعنى: رضي منا ومن آبائنا الشرك وأراد منا تحريم ماحرمنا.\nوقيل: معناه: لو شاء أن لا يفعل لحال بيننا وبينه.\n﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ ذهب بعض المفسرين إلى أن هذا ليس بجواب لهم لأنه مشدد، أي: كذّبك قومك فيما أخبرتهم به، كذلك كذّب الأمم السالفة أنبياءهم.\nوذهب بعضهم إلى أنه جواب، لأنهم (٧) كَذَبوا في هذا وكَذَّبوا بهذا رسول الله -ﷺ-، لأنهم قالوا: أراد الله منا أن نشرك ورضي به.\nوقيل: قالوا هذا القول تعنتًا واستهزاء، ولو قالوها (٨) تيقُّنًا واعتقادًا كان إيمانًا.\nوقوله (٩): ﴿حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا﴾ أي: عذابنا.\n_________\n(١) بنات اللبن: مِعَىً في البطن معروفة. قال ابن سيده: وبنات لبنٍ: الأمعاء التي يكون فيها اللبن.\nانظر: «لسان العرب» (لبن).\n(٢) انتقل الكلام في نسخة (ب) من هنا إلى قول المصنف: (وقيل فيها تقديم) فحصل فيها سقط وكان النص فيها كالتالي: (... وسفائن وقيل فيها تقديم ...).\n(٣) في (جـ): (تقديم وتأخير).\n(٤) نقله أبو حيان في «البحر المحيط» ٤/ ٢٤٧ عن الحسن أيضًا.\n(٥) في (ب) زيادة: (فكان كما أخبر عنهم قبل قولهم وعطف ...).\n(٦) قال ابن عادل في «اللباب» ٨/ ٤٩٩: (فعطف قوله: ﴿وَلَا آبَاؤُنَا﴾ على فاعل الضمير في قوله: ﴿مَا أَشْرَكْنَا﴾ ولم يأت هنا بتأكيدٍ بضمير رفع منفصل، ولا فاصل بين المتعاطفين اكتفاءً بوجود (لا) الزائدة للتأكيد فاصلة بين حرف الطعف والمعطوف، وهذا على قواعد البصريين، وأما الكوفيون فلا يشترطون شيئًا من ذلك).\n(٧) في (جـ): (أنهم).\n(٨) في (أ): (ولو قالوا).\n(٩) سقطت كلمة (وقوله) من (ب).","vol":"1","page":349},{"text":"﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ﴾ بيان لدعوتكم ﴿فَتُخْرِجُوهُ لَنَا﴾ فتظهروه ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ أي: ما تتبعون إلا ظنًا لايؤدي إلى علم ﴿وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (١٤٨)﴾ تكذبون على الله.\n﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ لأن ما احتججتم به باطل، وإذا بطلت حجتكم عَلَت حجة الله وغَلَبت (١)، وهي ما احتجَّ بها على الكافرين في الآية الأولى وفي سائر الآيات.\nوالحجة: ما يثبت به صحة دعوى المدعي.\nوالبالغة: التي بلغت النهاية في التصحيح والبيان.\n﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩)﴾ هداية إلجاء واضطرار (٢).\n﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا﴾ أي: ائتوا بمن يشهد لكم على صحة دعواكم أن الله حرم الحرث والأنعام.\nوقيل: هلم شهادتكم.\n﴿فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ أي: شهادتهم غير مقبولة لأنهم يشهدون لأنفسهم حيث كانوا على دين واحد واعتقاد واحد.\nوالمعنى: إن اقتصروا على قولهم وشهادتهم فخالفهم في ذلك.\nو﴿هَلُمَّ﴾ يأتي مبنيًا على الفتح يستوي معه الواحد والجمع والتأنيث والتذكير، وقد يجري مجرى سائر الأفعال، فيقال: هلمَّا وهلمُّوا وهلمِّي وهَلْمُمْن.\nوأصله (ها) و(لَمَّ)، وقال الكوفيون: أصلها (هل) و(أَمَّ)، ويكون متعديًا كما في الآية، ولازمًا (٣) بمعنى: تعالوا، كقوله: ﴿هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ [الأحزاب: ١٨].\n﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ وإن أقروا بالآخرة، كأهل الكتاب.\n_________\n(١) في (ب): (غلبت حجة الله وعلت).\n(٢) في (ب): (واضرار).\n(٣) سقطت كلمة (لازمًا) من (ب).","vol":"1","page":350},{"text":"﴿وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ كعبدة الأوثان.\n﴿وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١٥٠)﴾ يجعلون له عديلًا، وهو: المثل.\n﴿قُلْ﴾ يا محمد للذين حرموا الحرث والأنعام ﴿تَعَالَوْا﴾ احضروا ﴿أَتْلُ﴾ أقرأ ﴿مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ﴾ الذي (١) حرم، ومحله نصب بـ ﴿أَتْلُ﴾، وقيل: نصب بـ ﴿حَرَّمَ﴾، و﴿أَتْلُ﴾ بمعنى: أقل.\nوقوله: ﴿عَلَيْكُمْ﴾ من صلة ﴿حَرَّمَ﴾، وقيل: استئناف للإغراء، ويحتمل أن يكون صلة ﴿أَتْلُ﴾.\nقوله: ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ بدل من ﴿مَا﴾ ومحله نصب.\nالزجاج: لأن لا، ومحله خفض، وقيل: رفع، أي: ذلك أن لا تشركوا، وقيل: تشركوا: جزم إذا حملت على النهي، ونصب إذا أعملت (أن) وكذلك ما بعدها.\nوقيل: (أن) هاهنا هي المفسرة، بمعنى: أي، وقيل: (لا) صلة، والمعنى: لا تشركوا مع الله في العبادة والطاعة غير الله.\n﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ أي: أوصيكم بالوالدين إحسانًا.\nوقيل: أحسنوا بالوالدين إحسانًا، فحذف لأن المصدر دل عليه، والمعنى: عقوقهما حرام والبر بهما والإحسان إليهما فرض.\n﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ فقرٌ بكم.\n﴿نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ والإملاق: الفقر يحمل صاحبه على الخضوع.\n﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ أي: الزنا سرًا وجهرًا.\nوقيل: ما ظهر: بالجوارح، وما بطن: بالنية.\n_________\n(١) في (أ): (ما الذي حرم).","vol":"1","page":351},{"text":"وقيل: الآثام كلها فواحش فنهى عنها ظاهرها وباطنها (١).\nوما ظهر وما بطن بدل من الفواحش.\n﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ القود بالنفس الحرام، والزنا بعد الإحصان، والكفر بعد الإيمان.\n﴿ذَلِكُمْ﴾ أي: ما ذكر مفصلًا ﴿وَصَّاكُمْ بِهِ﴾ وصاكم ربكم بحفظه ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥١)﴾ لتصيروا من الراشدين.\n﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ يريد التجارة وتثمير ماله.\nالزجاج: ركوب دابته واستخدام خادمه وقد سبق (٢).\n﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ ثماني عشرة سنة (٣).\nوقيل: إذا احتلم.\nوقيل: يبلغ الحنث.\nوقيل: ثلاثين سنة.\nجمع شِدَّة، كنِعْمَة وأَنْعُم.\nوقيل: جمع شَدّ (٤).\nوقيل: هو واحد، كالآنُك (٥).\n﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ﴾ أوفوهما بالعدل تامًا.\n_________\n(١) في (ب): (باطنها وظاهرها).\n(٢) سبق في تفسير سورة النساء، الآيات: (٢، ٦، ١٠) والله أعلم.\n(٣) في (أ): (ثمانية عشر سنة).\n(٤) في (أ) زيادة: (جمع شد نحو فلس وأفلس) ولم ترد في (ب) و(جـ).\n(٥) في (ب): (... واحد كآنك) وفي (جـ): (واحد كابل).","vol":"1","page":352},{"text":"والميزان: مصدر، كالكيل.\n﴿لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ أي: إذا توخيتم الإيفاء فلا تؤاخذون بما ليس في وسعكم بالتعديل على أقل القليل فإنه يصعب (١) خصوصًا في الكيل.\n﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ أي: إذا حكمتم بين الناس فتكلمتم (٢) فقولوا الحق.\nوقيل: تجتنبوا الزيادة والنقصان.\nوقيل: لا تحيفوا وإن كان المقول فيه قريبًا لكم.\n﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا﴾ هو ما عهد إليكم من تأدية أحكام الشرع، وقيل: النذر (٣) والحلف.\n﴿ذَلِكُمْ﴾ أي: ما تقدم ﴿وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١٥٢)﴾ تتعظون.\n﴿وَأَنَّ هَذَا﴾ أي: ما سبق في السورة، لأنها كلها في التوحيد وأدلة النبوة وإثبات الدين.\nوقيل: الإشارة إلى هذه الآيات، لأنها المحكمات التي لم تنسخ في ملة من الملل.\nوقيل: هو القرآن.\n﴿صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾ طريقي الذي يؤدي سالكه إليَّ لا عوج فيه، و﴿مُسْتَقِيمًا﴾ حال ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾ اعملوا بموجبه ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ الكتب المتقدمة والشرائع المنسوخة.\nوقيل: البدع والشبهات.\n_________\n(١) في (ب): (يضعف).\n(٢) في (ب): (وتكلمتم).\n(٣) في (ب): (النذور).","vol":"1","page":353},{"text":"﴿فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ تزيلكم عن الإسلام وتبعدكم عن القرآن.\n﴿ذَلِكُمْ﴾ أي: الاتباع ﴿وَصَّاكُمْ بِهِ﴾ أمركم بلزومه ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ لتكونوا على رجاء إصابة التقوى.\n﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ ثم: لتراخي الأخبار، أي (١): ثم أخبركم أنَّا آتينا موسى الكتاب.\nوقيل: ثم قل آتينا موسى.\nوقيل: ثم مع الجملة يأتي بمعنى الواو (٢).\n﴿تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ قيل: الفعل مسند إلى ضمير ﴿الَّذِي﴾ وهو واقع موقع الجمع، أي: على الذين (٣) أحسنوا وهم الأنبياء، كقول الشاعر (٤):\nوإن الذي حانتْ بِفَلْجٍ دِمَاؤهُمْ ... هُمُ القومُ كلُّ القومِ يا أُمَّ خالدِ\nوقيل: الفعل لله، أي: تمامًا على الذي أحسن الله إلى موسى -ﷺ-.\nوقيل: الفعل لموسى، أي: تمامًا على الذي أحسن موسى من قيامه بأمرنا ونهينا.\nوقيل: أحسن موسى، أي: عَلِم.\nوقيل: الفعل لإبراهيم -ﷺ-.\nوجوَّز الكوفيون أن يكون ﴿أَحْسَنَ﴾ اسمًا في محل جر صفة لـ ﴿الَّذِي﴾ وهذا\n_________\n(١) سقطت (أي) من (أ).\n(٢) في (ب) هاهنا زيادة لم ترد في (أ) ولا (جـ)، ونصّ الزيادة: (كقول الشاعر إن من ساد ثم ساد أبوه ثم ساد قبل ذلك جده).\n(٣) في (أ): (أي الذي أحسنوا).\n(٤) هو أشهب بن رميلة، والبيت من شواهد «الكتاب» لسيبويه ١/ ١٨٦ - ١٨٧.","vol":"1","page":354},{"text":"خطأ عند البصريين (١).\nوقرئ (أحسنُ) أي: هو أحسن (٢).\nوقيل: ﴿الَّذِي﴾ بمعنى: ما، أي: على إحسانه، وفيه بُعْدٌ أيضًا.\n﴿وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ أي: بيانًا لكل ما يحتاجون إليه في دينهم.\n﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ﴾ أي: بني إسرائيل ﴿بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (١٥٤)﴾ بالثواب والعقاب والبعث والحساب.\n﴿وَهَذَا﴾ يعني القرآن ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ كثير الخير ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾ أي: اعملوا بما فيه ﴿وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥)﴾ أي (٣): بعد الاتباع.\n﴿أَنْ تَقُولُوا﴾ أي: أنزلنا القرآن كراهة أن تقولوا، أو: لئلا تقولوا، وقيل: لعلكم تتقون أن تقولوا (٤) يا أهل مكة.\n﴿إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾ اليهود والنصارى، وخُصَّا بالذكر لحصولهما بين أظهرهم (٥)، وهذا يدل على أن المجوس ليسوا بأهل كتاب (٦).\n﴿وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ (١٥٦)﴾ ما ندري ما هي وما معنى كتبهم.\n﴿أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ﴾ أصوب دينًا.\nوقيل: أشد اهتداء.\nوالأحسن أن يجعل من الهداية؛ لأنه لا يهدي (٧) إلا مهتد.\n﴿فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ حجة واضحة بليغة تعرفونها.\n﴿وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾ لمن عمل به.\n_________\n(١) انظر: «معاني القرآن» للفراء ١/ ٣٦٥، و«معاني القرآن» للزجاج ٢/ ٣٠٥.\n(٢) هي قراءة منسوبة ليحيى بن يعمر كما في «المحتسب» ١/ ٢٣٤، و«إعراب القراءات الشواذ» ١/ ٥٢٣ (الهامش)، وتنسب كذلك لابن أبي إسحاق كما في «البحر المحيط» ٤/ ٢٥٦.\n(٣) سقطت (أي) من (جـ).\n(٤) النصّ في (جـ) كالتالي: (أو كيلا تقولوا وقيل لعلكم أن تقولوا يا أهل مكة).\n(٥) في (جـ): (أظهركم).\n(٦) وكذلك استدل ابن القيم بهذه الاية على أن المجوس ليسوا بأهل كتاب في أوائل كتابه «أحكام أهل الذمة».\n(٧) في (ب): (لا يهتدي).","vol":"1","page":355},{"text":"﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ﴾ أي: النبي -ﷺ- ﴿بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ أي: برد آيات الله ﴿وَصَدَفَ﴾ أعرض ﴿عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ﴾ يعرضون ﴿عَنْ آيَاتِنَا﴾ غير متفكرين فيها ﴿سُوءَ الْعَذَابِ﴾ شدته ﴿بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ (١٥٧)﴾ بإعراضهم.\nوصدف: لازم ومتعد، والآية تحتملهما إذا قدرت مفعولًا.\n﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ أي: ما ينتظر أهل مكة.\nوالنظر إذا لم يكن مقيدًا بإلى كان انتظارًا، ولم يكونوا منتظرين لذلك (١) في الحقيقة، ولكن يقال لما سيلحق لا محالة إنه ينتظره، أي: يلحقه لحوق المنتظر.\n﴿إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ لقبض أرواحهم، وقيل: بالعذاب.\n﴿أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ يعني: عذابه أو إهلاكه أو أمره، فحذف لأن التهديد دلَّ عليه.\nوالإتيان الذي هو انتقال لا يجوز (٢) على الله سبحانه (٣).\n﴿أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ يعني: أشراط الساعة.\nوروي عن حذيفة والبراء بن عازب ﵄ قالا: كنا نتذاكر الساعة إذ أشرف علينا رسول الله -ﷺ- فقال: (ما تذاكرون؟) قلنا: نتذاكر الساعة، فقال (٤): (إنها لا تقوم حتى تروا قبلها عشر أمارات: الدُّخان (٥)، ودابَّة الأرض، وخسفًا بالمشرق، وخسفًا بالمغرب، وخسفًا بجزيرة العرب، والدَّجَّال (٦)، ويأجوج ومأجوج، ونار تخرج من قعر عدن، ونزول عيسى وطلوع الشمس من مغربها) (٧).\n﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ قيل: ذلك إذا ظهرت أولى (٨) الآيات.\nوقيل: إذا خرجت الآيات كلها، لأنه يغلق باب التوبة.\n_________\n(١) سقطت (لذلك) من (جـ).\n(٢) في (ب): (والإتيان هو الانتقال ولا يجوز ...).\n(٣) الإتيان صفة فعلية ثابتة لله ﷿ بالكتاب والسنة، ويجب إمرارها كما جاءت على ما يليق بالله تعالى من غير تعرّض لها بالتأويل أو نحوه.\nانظر: «مجموع الفتاوى» لشيخ الإسلام ابن تيمية ١٦/ ٤٠٩.\n(٤) النص في (ب) و(جـ): (... عازب كنا نتذاكر الساعة فقال إنها لا تقوم ...). وآثرت ما ورد في (أ) لكونه موافق لمصادر التخريج.\n(٥) في (ب): (الدجال).\n(٦) سقطت كلمة (الدجال) من (ب) في هذا الموطن، وكان الناسخ لنسخة (ب) قد ذكرها أول آية بدلًا من الدخان، ولم يذكر الدخان، فكان عدد الآيات في النسخة (ب) تسع آيات فقط.\n(٧) الحديث أخرجه مسلم في صحيحه برقم (٢٩٠١). وانظر: «الكشف والبيان» للثعلبي ٤/ ٢٠٩ - ٢١٠.\n(٨) سقطت كلمة (أولى) من (ب).","vol":"1","page":356},{"text":"وروي أن رسول الله -ﷺ- قال يومًا لأصحابه: (بادروا بالعمل الصالح قبل أن يغلق باب التوبة بطلوع الشمس من مغربها) قالوا يا رسول الله: كيف يكون ذلك؟ قال: (إنَّ الشمس إذا غربت صارت إلى تحت العرش فخرَّت ساجدة إلى أن يقال لها ارتفعي فاطلعي (١) من مطلعك، فإذا أراد الله قيام الساعة لا يقال لها كما كان يقال (٢)، فيطول الليل على الناس فيقع الفزع، ثم يقال لها اطلعي وارتفعي (٣) من مغربك، فتطلع من المغرب مع القمر مقرونَيْن (٤)، كبعيرين مقرونين، فبعد ذلك لا ينفع نفسًا إيمانها ولا عملها بالصالحات) (١).\nقوله: ﴿أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ قيل: إخلاصًا، وقيل: طاعة، وقيل: توبة.\nوقوله: ﴿لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ دليل لمن قال إن الإيمان لا يشترط في صحته إلى العمل (٥).\nوقوله: ﴿أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ دليل على أن العمل مع الإيمان مشروط.\nو﴿أَوْ﴾ يدل على صحة القولين (٦).\n﴿قُلِ انْتَظِرُوا﴾ إحدى هذه الآيات الثَّلاث (٧) ﴿إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٥٨)﴾ ثوابه وكرامته.\nوقيل: إنا (٨) منتظرون بكم إحداها.\nوقيل: إنا منتظرون هلاككم وموتكم فانتظروا هلاكي وموتي.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾ أي: آمنوا ببعض وكفروا ببعض.\nو(فارقوا) معناه: باينوا وخرجوا عنه (٩).\n﴿وَكَانُوا شِيَعًا﴾ فرقًا يدين بعضهم بخلاف ما يدين به البعض، فتهوَّد قوم وتنصَّر قوم (١٠)، وكان دين الله دين إبراهيم -ﷺ-.\nوقيل: هم أهل البدع من هذه الأمة (١١).\n_________\n(١) في (أ): (واطلعي).\n(٢) هكذا في (أ)، وفي (ب): (لا يقال لها كما كان يقال لها)، وفي (جـ): (لا يقال كما كان يقال لها).\n(٣) هكذا في (أ) وفي (ب) و(جـ): (ارتفعي واطلعي).\n(٤) في (ب): (مقرنين).\n(٥) لم أجده بهذا السياق، ولكن أجزاء الحديث لها شواهد كثيرة. انظر: البخاري ٤٦٣٥، ومسلم ١٥٩، وتفسير الطبري ١٠/ ١٧ و١٠/ ٢٤.\n(٦) سقطت كلمة (العمل) من (ب)، وفي (جـ): (... في صحته العمل).\n(٧) النص في (ب): (دليل على أن الإيمان مشروط يدل على صحة القولين) ففيها سقط. والتفسير الصحيح للآية هو ما ذكره أبو المظفر السمعاني في «تفسير القرآن» ٢/ ١٦٠ حيث يقول: (أي: لا يقبل توبة كافر بالإيمان، ولا توبة فاسق بالرجوع عن الفسق).\nوبنحو هذا المعنى قال ابن كثير ٦/ ٢٣٧: (أي: إذا أنشأ الكافر إيمانًا يومئذ لا يقبل منه، فأما من كان مؤمنًا قبل ذلك، فإن كان مصلحًا في عمله فهو بخير عظيم، وإن كان مخلطًا فأحدث توبة حينئذ لم تقبل منه توبته، كما دلت عليه الأحاديث المتقدمة، وعليه يحمل قوله تعالى: ﴿أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ أي: ولا يقبل منها كسب عمل صالح إذا لم يكن عاملًا به قبل ذلك).\nوهو كذلك معنى ما ذكره الطبري ١٠/ ٢٨ - ٢٩ ولولا طول كلامه لنقلته.\nوبذلك يظهر أنه لا دلالة في الآية للقولين الذين ذكرهما الكرماني.\nوقد ردَّ ابن عاشور على من استدل بالآية على ذلك في كتابه «التحرير والتنوير» ٨/ ١/١٨٨.\n(٨) في (ب): (أي إحدى آيات ثلاث).\n(٩) سقطت (إنا) من (ب).\n(١٠) قرأ حمزة والكسائي (فارقوا) بالألف، وقرأ باقي العشرة (فرّقوا) بتشديد الراء. انظر: «المبسوط» لابن مهران (ص ١٧٧).\nوحصل سقط في (ب) حيث ورد فيها: (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا فرقًا يدين ...).\n(١١) في (ب): (فتهود بعض وتنصر بعض).\n(١٢) سقطت كلمة (الأمة) من (ب) ثم انتقل الناسخ إلى قول المؤلف (وقيل أصله من شيعته ...) فحصل فيها سقط أيضًا.","vol":"1","page":357},{"text":"وقيل: هم اليهود والنصارى اختلفوا فيما بينهم.\nالحسن: جميع المشركين (١).\nوأصله من: شاع وذاع.\nوقيل: أصله مِنْ: شَيَّعْتُه، أي: اتَّبَعْتُه.\n﴿لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ أي: أنت بريء منهم.\nقال (٢):\nإذا حاولتَ في أسدٍ فُجورًا ... فإني لستُ مِنْكَ ولستَ مِنِّي\nوقيل: هو نهي عن قتالهم، ثم نسخ بآية السيف (٣).\nوقيل: ليس عليك من جنايتهم ضرر.\n﴿إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ﴾ أي: يتولى جزاءهم.\n﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (١٥٩)﴾ أي: يعاقبهم.\n﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦٠)﴾.\nابن عباس ﵄: الحسنة: قول لا إله إلا الله، والسيئة: الشرك (٤).\nغيره: الحسنة: عام في كل طاعة يأتيها المؤمن (٥)، والحسنة: الفعلة الواحدة.\nوتقع على الإيمان الذي يضم جميع الطاعات.\nوقوله: ﴿فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ قيل: يكتب بالواحدة عشر حسنات.\nروي عن أبي هريرة ﵁ أن النبي -ﷺ- قال: (مَنْ صَامَ رمضان وأتْبَعَهُ بسِتٍّ من شوال فقد صام السَّنة كلَّها فاحسِبوا إنْ شئتم) (٦).\nوقيل: عشر من النعيم.\nوقيل: المراد بالعشر: التضعيف، لا العدد المعلوم المحدود، كما يقال: إن أسديت إلي معروفًا كافأتك عشرًا.\nوقيل: العشر لبعض الطاعات كما سبق.\nوقيل: لبعض المطيعين.\n_________\n(١) نقله الماوردي ٢/ ١٩٢ وابن الجوزي ٣/ ١٥٨ عن الحسن.\n(٢) القائل هو: النابغة الذبياني، والبيت من شواهد «الكتاب» لسيبويه. انظر: «الدر المصون» ٢/ ٥٢٦.\n(٣) ردَّ ابن جرير ١٠/ ٣٥ - ٣٦ القول بأن الآية منسوخة.\n(٤) أخرجه الطبري ١٠/ ٤١، وابن أبي حاتم (٨١٦٥) و(٨١٧١)، وزاد السيوطي نسبته في «الدر المنثور» ٦/ ٢٩٦ إلى ابن المنذر من وجه مختصر.\n(٥) النص في (ب): (الحسنة عام في الطاعة يأتيها المؤمن ...).\n(٦) أما حديث أبي هريرة فقد أخرجه البزار (١٠٦٠ - كشف الأستار) ولكن ليس فيه قوله -ﷺ-: (فأحسبوا إن شئتم) حيث لم أجدها في ألفاظ الحديث الأخرى، حيث ورد الحديث عن أبي أيوب الأنصاري عند مسلم (١١٦٤) وعن جابر بن عبدالله عند أحمد (١٤٣٠٢) وغيرهم.","vol":"1","page":358},{"text":"فإن عمر ﵁ قال: نزلت هذه الآية (١) في الأعراب والأضعاف (٢) للمهاجرين (٣).\nوقيل: من جاء بالإيمان فقد جاء بعشر حسنات، وهي المذكورة في قوله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ الآية [الأحزاب: ٣٥] (٤).\nوقوله: ﴿أَمْثَالِهَا﴾ أي: في كونها حسنة.\nوقيل: المراد به المجانسة، أي: من أَحْسَنَ أُحْسِنَ (٥) إليه.\nوأنث عشرًا: لأن الأمثال مضافة (٦) إلى مؤنث، وقيل: تقديره: فله (٧) عشر حسنات أمثالها، فحذف الموصوف.\nوعن سفيان الثوري ﵀ قال: لما نزل: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ قال النبي -ﷺ-: (رب زِدْني) فنزلت: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ﴾ الآية [البقرة: ٢٦١]، فقال: (رب زِدْني)، فنزلت: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ الآية [البقرة: ٢٤٥]، قال: (رب زِدْ أمَّتي) فنزلت: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠] (٨).\n_________\n(١) في (جـ): (الآيات).\n(٢) في (أ): (وضعاف المهاجرين).\n(٣) المشهور عند المفسرين أن هذا القول هو لابن عمر وليس لأبيه. وقد أخرجه الطبري ١٠/ ٤٣ وابن أبي حاتم ٥/ ١٤٣٢ (٨١٦٨) وغيرهم.\n(٤) سقط هذا القول كاملًا من (ب).\n(٥) سقطت (أُحسن) من (جـ).\n(٦) في (ب): (وأنث عشرًا لأنه مضاف إلى مؤنث).\n(٧) سقطت (فله) من (أ).\n(٨) أخذه المؤلف من «الكشف والبيان» للثعلبي ٤/ ٢١٢ ولم أجده عند غيرهما، وسنده ضعيف لجهالة مَنْ بين سفيان والنبي -ﷺ-.","vol":"1","page":359},{"text":"والسيئة: الكفر، وجزاؤها: النار (١).\nوقيل: عام، كالحسنة.\nوالمراد بمثلها: أنها تسوء كالسيئة.\n﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦٠)﴾ لا ينقصون من حسناتهم ولا يزاد في سيئاتهم.\n﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي: دلني وأرشدني إلى دين مستقيم ليس فيه شِعْبٌ يخاف منه الضلال، وهو دين إبراهيم -ﷺ-.\n﴿دِينًا﴾ بدل من الصراط (٢) على المعنى، يقول: هَدَيْتُ الطريق وإلى الطريق.\nوقيل: محمول على المعنى، أي: عرفني دينًا.\n﴿قِيَمًا﴾ قائمًا، فَيْعِل للمبالغة، و(قِيَمًا): مصدر كالشِّبَع (٣).\n﴿مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ شريعة إبراهيم (٤)، مشتقّة من: الإملال، لأنها تُبْتَنَى على مكتوب ومسموع.\nوقيل: مِنَ المَلَّةِ، لتأثيرها.\nونصبها على البدل (٥).\n﴿حَنِيفًا﴾ مائلًا عن الأديان (٦)، وقيل: مستقيمًا، وقد سبق (٧).\n_________\n(١) سقطت كلمة (النار) من (جـ).\n(٢) سقطت (من الصراط) من (ب).\n(٣) قرأ أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو ويعقوب (قَيِّمًا) بفتح القاف وكسر الياء مشددة، وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي وخلف (قِيَمًا) بكسر القاف وفتح الياء خفيفة.\nانظر: «المبسوط» لابن مهران (ص ١٧٧).\n(٤) سقط قوله: (شريعة إبراهيم) من (جـ).\n(٥) في (ب) زيادة (وقيل) قبل قوله: (ونصبها ...).\n(٦) في (ب): (مائلًا عن الأديان كلها) وفي (جـ): (حنيفًا عن الأديان).\n(٧) سورة البقرة، آية (١٣٥).","vol":"1","page":360},{"text":"﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١)﴾.\n﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي﴾ يريد ذات الركوع والسجود ﴿وَنُسُكِي﴾ عبادتي.\nوقيل: ديني.\nوقيل: قرباني.\n﴿وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي﴾ حياتي وموتي لله وهو مدبري في الحالتين.\nوقيل: عملي في حياتي وما أوصي به بعد مماتي (١) ﴿لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢)﴾ مَالِكُهُم.\n﴿لَا شَرِيكَ لَهُ﴾ في العالمين، وقيل: لا شريك له في المذكور أَوَّل.\n﴿وَبِذَلِكَ﴾ أي: بذلك القول ﴿أُمِرْتُ﴾ وقيل: بالإخلاص ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ من أمتي.\nوقيل: أول من استحق هذا الاسم.\n﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا﴾ أطلب ربًا ﴿وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ خالق كل شيء، فلا تصح الربوبية لمربوبه، وهذا استفهام بمعنى التوبيخ، وجواب لمن دعوه إلى عبادة الأصنام (٢).\n﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ هذا كقوله: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦]، ويحتمل أن التقدير: ولا تكسب كل نفس إلا لها وعليها (٣).\nوقوله: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ جواب للوليد بن المغيرة حين قال:\n_________\n(١) النص في (جـ): (... وما أوصي به رب العالمين ...) فحصل فيها سقط.\n(٢) في (ب): (الأوثان).\n(٣) في (ب): (... كل نفس إلا عليها).","vol":"1","page":361},{"text":"﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ [العنكبوت: ١٢] (١).\n﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ﴾ أي: في القيامة.\n﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (١٦٤)﴾ يبين الرشد من الغي عيانًا.\n﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ﴾ أي: سكان الأرض (٢) بدل الجنّ.\nوقيل: خلائف الأرض: أمة محمد -ﷺ-.\nوقيل: يخلف بعضكم بعضًا ويخلف في (٣) أهل كل عصر من كان قبله.\n﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ في النَّسب والحسب والفقر والغني والذلّ والعزّ وغير ذلك.\n﴿لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾ ليختبر شكركم وصبركم (٤)، والله عالم بما يكون منكم، والمعنى: يعاملكم معاملة المُبْتَليِ.\n﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ﴾ لأن (٥) ما هو آتٍ قريب، ومثله: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ [النحل: ٧٧].\nابن بحر: معناه: إذا شاء عاقب (٦).\nوقيل: معناه: يسرع عقاب من استحقه (٧).\n﴿وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٥)﴾ لمن استغفر وتاب.\nوقيل: سريع العقاب لأعدائه غفور رحيم لأوليائه (٨).\n_________\n(١) نقله الواحدي في «الوسيط» ٢/ ٣٤٥، والقرطبي ٧/ ١٥٧ عن ابن عباس ﵄.\n(٢) في (جـ): (أي سكانها بدل الجن).\n(٣) سقطت (في) من (ب).\n(٤) في (أ): (ليختبركم ويختبر شكركم وصبركم).\n(٥) في (جـ): (كل ما هو ...).\n(٦) نقله الماوردي ٢/ ١٩٧ عن ابن بحر.\n(٧) في (جـ): (من استحق).\n(٨) في (ب): (تمَّ الربع الأول من هذا التفسير المبارك والحمد لله على نعمه والصلاة على نبي الرحمة سيدنا محمد وعلى آله وصحبه رب اختم بالخير برحمتك).","vol":"1","page":362},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n<span data-type=\"title\" id=toc-113>سورة الأعراف</span>، مكية (١).\nقال ابن عباس ﵄: هي مكية، إلا خمس آيات من قوله: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ [الأعراف: ١٦٣] (٢).\nوقيل: كلها مكية (٣).\n(بسم الله الرحمن الرحيم)\n﴿المص (١)﴾ سبق الكلام في الحروف الواقعة أوائل السور على العموم (٤).\nوقيل في هذه السورة على الخصوص إن (٥) معناه: المصور.\nوقيل: أنا الله أَعْلَمُ وأَفْصِل.\nوقيل معناه: ألم نشرح لك صدرك (٦).\n﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ أي: هذا كتاب، وقيل: القرآن كتاب.\n﴿فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ﴾ الفاء لعطف جملة على جملة.\nوقيل: فيه معنى الشرط، وتقديره: إذا كان أنزل إليك لتنذر به فلا يكن في صدرك ﴿حَرَجٌ مِنْهُ﴾.\n_________\n(١) اختلفت بدايات النسخ، ففي (أ): (سورة الأعراف مائتان وخمس آيات مكية قال ابن عباس ...)، وفي (ب): (سورة الأعراف قال ابن عباس ...)، وفي (جـ): (سورة الأعراف مكية قال ابن عباس ...).\n(٢) انظر: «النكت والعيون» للماوردي ٢/ ١٩٨، و«زاد المسير» لابن الجوزي ٣/ ١٦٤.\n(٣) وهو قول آخر لابن عباس ﵄، وقد ناقش الأستاذ/ عبدالرزاق حسين في كتابه «المكي والمدني في القرآن الكريم» (ص ٦٤٨ - ٦٥٥)، من قال بأن هناك آيات مستثناة من مكيّة سورة الأعراف وأنها مدنية، ورجح أن السورة كلها مكية. وقول الكرماني (وقيل كلها مكية) لم يرد في (جـ).\n(٤) سبق الكلام عليها بتفصيل في مطلع سورة البقرة.\n(٥) سقطت (إن) من (أ).\n(٦) قال الثعلبي ٤/ ٢١٤: (ورأيت في بعض التفاسير معنى (المص): (ألم نشرح لك صدرك».","vol":"1","page":363},{"text":"ابن عباس ﵄: شك (١).\nالحسن: ضيق، خوفًا أن لا تقوم بحقه (٢).\nوقيل: ضيق بأن يكذبوك.\nفإن أبا هريرة ﵁ روى عن النبي ﵊ قال: (أخاف أن يثلغوا رأسي فيجعلوه كالخبزة) (٣).\nوالهاء في ﴿مِنْهُ﴾: تعود إلى الكتاب (٤)، وقيل: إلى تكذيب المشركين، وقيل: إلى الإنذار لأنه في تقدير التقديم.\n﴿لِتُنْذِرَ بِهِ﴾ أي: أنزل لتنذر به.\nوقوله:\n﴿فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾ اعتراض.\nوقيل: لتنذر على انشراح صدر بالإنذار.\n﴿وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾ أي: ولتذكر المؤمنين.\nوخصهم بالإنذار (٥) لانتفاعهم بها.\nومحلها نصب بالمصدر، ويجوز الرفع بالعطف (٦) على الكتاب، ويجوز الجر، أي: للإنذار والذكرى.\n_________\n(١) أخرجه الطبري ١٠/ ٥٤، وابن أبي حاتم ٥/ ١٤٣٨.\n(٢) نقله الماوردي ٢/ ١٩٩، وابن الجوزي ٣/ ١٦٥ عن الحسن.\n(٣) أخرجه مسلم (٢٨٦٥) من حديث عياض بن حمار المجاشعي ﵁، وفيه: (وإن الله أمرني أن أُحَرِّق قريشًا، فقلت: ربِّ، إذًا يَثْلَغُوا رأسي فيدعوه خبزة) الحديث. قال ابن الأثير في «النهاية»: (ثلغ - ص ١٢٤): (الثلغ: الشدخ، وقيل: هو ضربك الشيء الرطب بالشيء اليابس حتى ينشدخ).\n(٤) في (أ): (والهاء تعود إلى الكتاب).\n(٥) في (جـ): (وخصهم بالذكرى).\n(٦) سقطت كلمة (بالعطف) من (أ).","vol":"1","page":364},{"text":"﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ يعني: القرآن، أي: قل اتبعوا، وقيل: خطاب له وللمؤمنين.\n﴿وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ يعني: الأصنام.\n﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾ أي: تذكرون قليلًا، وما: صلة.\nوقيل معناه: قليلا تذكركم، وقيل: قليل من يتذكر منكم، وقيل: ﴿مَا﴾ نفي، وفيه بُعْد.\n﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾ كم تستعمل للكثرة والاستفهام، والمراد به هاهنا الكثرة.\n﴿أَهْلَكْنَاهَا﴾ أي (١): أهلها، والمراد: أردنا إهلاكها، وقيل: أهلكناها بالخذلان (٢).\nوقيل: الإهلاك ومجيء البأس معًا، كما تقول: أعطيتك وأحسنت إليك.\nوقيل: ﴿أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا﴾ أي: فصح أنه جاءها ﴿بَأْسُنَا﴾ عذابنا.\nوقيل: أهلكناهم بإرسال الملائكة للعذاب.\n﴿بَيَاتًا﴾ ليلًا.\n﴿أَوْ هُمْ قَائِلُونَ (٤)﴾ نائمون وقت الظهيرة.\nالمعنى: أخذناهم بغتة في حال سكون وراحة.\nوحذف واو الحال لأن العائد ينوب عنه.\nالفراء: الواو مضمر، وتقديره: أو وهم، وفيه بعد (٣).\nوالمعنى: بعضهم بياتًا وبعضهم قائلون (٤).\n_________\n(١) سقطت (أي) من (ب).\n(٢) حصل سقط في (أ) وجاء النص فيها: (والمراد أردنا إهلاكها بالخذلان).\n(٣) انظر: «معاني القرآن» للفراء ١/ ٣٧٢.\n(٤) في (ب): (قائلين).","vol":"1","page":365},{"text":"﴿فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ﴾ أي: دعاؤهم وقولهم.\n﴿إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٥)﴾ اعترفوا بأنهم كانوا ظالمين، وقيل: ظنوا أن الإقرار ينفعهم فلم يقبل منهم.\n﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ﴾ عن إجابتهم الرسل وقبول الرسالة والحرمة لهم (١).\n﴿وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦)﴾ عن أداء الرسالة والشفقة على الأمم؛ ليجازى كل على فعله.\nوقيل: هذا سؤال محاسبة ومطالبة، واستشهاد الرسل: كاستنطاق الجوارح.\n﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ﴾ روي عن النبي -ﷺ- أنه قال: (إن الله يسأل كل أحد بكلامه ليس بينه وبينه ترجمان) (٢).\nوعن ابن عباس ﵄ أنه قال: يقرأ على العبد ما هو مكتوب في كتاب عمله (٣).\nوفي قوله: ﴿بِعِلْمٍ﴾ قولان، أحدهما: بأنا عالمون، والثاني: بمعلومنا، كقوله:\n﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥].\n_________\n(١) بعد هذا الموطن حصل لبس في نسخة (أ) فجاء النص فيها كالتالي: (ولنسئلن المرسلين الرسل كاستنطاق الجوارح فلنقض عليهم بعلم روي أن النبي -ﷺ- أنه قال: إن الله يسأل عن أداء الرسالة والشفقة على الأمم ليجازى كل على فعله، وقيل هذا سؤال مطالبة ومحاسبة واستشهاد كل أحد بكلامه ليس بينه وبينه ترجمان وعن ابن عباس) ولعله حصل للناسخ تداخل بين الأسطر، والتصويب من (ب) و(جـ).\n(٢) أخرجه البخاري (٧٤٤٣)، ومسلم (١٠١٦) من حديث عدي بن حاتم ﵁.\n(٣) أخرجه الطبري ١٠/ ٦٤، وابن أبي حاتم ٥/ ١٤٤٠.\nوقال الطبري: (هذا قولٌ غيرُ بعيدٍ من الحق ... والتسليم لخبر رسول الله -ﷺ- أولى من التسليم لغيره).","vol":"1","page":366},{"text":"﴿وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ (٧)﴾ عن الأمم والرسل.\n﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ (٩)﴾ والوزن: يعني (١) وزن الأعمال، وهو مقابلة شيء بشيء ليظهر مقداره منه.\nوقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أي: يوم إذ سألنا وقصصنا، يعني: يوم القيامة، فحذفت الجملة وعوض عنها (٢) التنوين فصار للتعريف (٣).\n﴿الْحَقُّ﴾ أي لا نقصان ولا رجحان.\n﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ جمع ميزان، والجمهور على أنه ميزان له لسان وكفتان، والوازن: جبريل ﵇.\nوذهب بعضهم إلى أن الميزان: عبارة عن العدل، وقيل: الميزان كتاب أعمال الخلق.\nوذهب بعضهم إلى أنه: عبارة عن رفع المنزلة (٤).\nوجمع الميزان لتعدد من يوزن لهم، وقيل: لاختلاف الموزونات، كقوله:\n﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ﴾ [البقرة: ١٨٩]، وقيل: هي (٥) جمع موزون لا جمع ميزان.\nوفيما يوضع في الميزان والأعمال أعراض أقوال، أحدها: الذي (٦) يوزن\n_________\n(١) في (جـ): (قوله والوزن يعني ....).\n(٢) في (أ): (عنه).\n(٣) في (ب): (التعريف).\n(٤) والصحيح هو قول الجمهور كما ذكره عنهم المؤلف.\nوانظر: «جامع البيان» للطبري ١٠/ ٧٠، و«الجامع لأحكام القرآن» للقرطبي ٩/ ١٥٦.\n(٥) سقطت كلمة (هي) من (أ).\n(٦) في (جـ) (أن الذي ...).","vol":"1","page":367},{"text":"صحائف الأعمال.\nوقيل: وزن الحسنات والسيئات بأن يجعل الله في موضع الحسنات ثقلًا وفي موضع السيئات خفة، وقيل: يوزن الإنسان (١).\n﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: مكناكم من سكناها وزراعتها، وقيل: ملكناكموها، والتمكين: التمليك.\nابن عيسى: هو إعطاء ما يصح به الفعل مع دفع المنع.\n﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ﴾ جمع معيشة، وهي (٢) ما يتعيشون به، وقيل: ما يتوسلون به إليها، وقيل: المعيشة ما منه العيش من مطعم (٣) أو مشرب، وزنها مَفْعِلة ومَفْعُلة.\n﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (١٠)﴾ أي: ما أقل شكركم وقد فعلت بكم هذه كلها، وقيل: قل من يشكر منكم.\n﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ﴾ عن ابن عباس ﵄: خلقنا أباكم آدم (٤).\nفحذف المضاف، أو نزل خلقه منزلة خلق الكل لما كان (٥) الخلق كلهم (٦) من أجزاء انفصلت عنه.\n﴿ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ أي: في أرحام الأمهات، وتصوير الشيء: إعطاؤه صورته.\nوقيل: خلقنا أباكم ثم صورناكم في ظهره (٧).\n_________\n(١) في (جـ) بعده: (والله أعلم).\n(٢) في (جـ): (وهو).\n(٣) في (جـ): (و) بدلًا من (أو).\n(٤) أخرجه الطبري ١٠/ ٧٥، وابن أبي حاتم ٥/ ١٤٤٢.\n(٥) في (أ): (لمكان).\n(٦) سقطت كلمة (كلهم) من (ب).\n(٧) في (ب): (خلقناكم ثم صورناكم في ظهره).","vol":"1","page":368},{"text":"وقيل: خلقناكم في أصلاب الآباء ثم صورناكم في بطون الأمهات.\nوقيل: خلقنا أباكم وصورنا أباكم.\n﴿ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ ﴿ثُمَّ﴾ موضوعة للتراخي.\nوذهب الأخفش: إلى أنه هاهنا بمعنى الواو (١)، وقيل: فيه تقديم وتأخير، وقيل: ﴿ثُمَّ﴾ لترتيب الخبر، أي: ثم أخبركم أنا قلنا للملائكة.\nومن جعل الخلق والتصوير والخطاب كلها لآدم فثم وقع (٢) موقعه؛ لأن (٣) هذه فعلت بآدم (٤) في أوقات متباينة، وأما ذكر التصوير بعد الخلق فليس بمشكل، لأن التصوير وقع بعد خلق شيء منه (٥) لا محالة.\n﴿فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (١١)﴾ سبق في البقرة (٦).\nوروى النقاش أن بعض المفسرين قال: إن الله ﷾ أسجد الملائكة لآدم ﵇ مرتين، مرة عند تمام خلقه وهو قوله: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ﴾ [الحجر: ٢٩] الآية، ومرَّة عند قوله: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١)﴾ [البقرة: ٣١] وهذه الرواية مخالفة لإجماع المفسرين (٧).\n_________\n(١) انظر: «معاني القرآن» للأخفش ١/ ٣٢٠ - ٣٢١.\n(٢) هكذا في (أ)، وفي (ب): (واقعة)، وفي (جـ): (واقع).\n(٣) سقط حرف النون من كلمة (لأن) في (أ).\n(٤) في (ب): (لآدم).\n(٥) سقطت (منه) من (ب).\n(٦) في (ب): (سبق في سورة البقرة).\nوالكلام قد تقدم عند تفسير الآية (٣٤) من سورة البقرة (ص ١٩٧) من القسم الأول بتحقيق الشيخ الدكتور/ ناصر العمر حفظه الله.\n(٧) انظر: «المحرر الوجيز» لابن عطية ١/ ٢٤٥، فقد نقل كلام النقاش، ثم قال ابن عطية: (والإجماع يرد هذا).","vol":"1","page":369},{"text":"﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ أَيُّ شيءٍ حال بينك وبين السجود لآدم.\nو(لا) صلة، كقوله ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ﴾ [الحديد: ٢٩].\nوقيل: المنع بمعنى القول، أي: من قال لك لا تسجد، وهذا مزيّف (١)؛ لأن النهي مجزوم.\nوقيل: الممنوع من الشيء مضطر إلى خلاف مامنع منه، فكأنه قيل: أي شيء اضطرك إلى أن لا تسجد.\nوقيل: ما الذي جعلك في مَنَعَةٍ من عذابي.\n﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ ذهب بعض المفسرين إلى أن هذا ليس بجواب للأول.\nوذهب بعضهم إلى أنه جواب من حيث المعنى، أي: المانع هو أني خير منه.\nوذكر العلَّة، فقال: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ﴾ وهي نورانيَّة.\n﴿وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢)﴾ وهو ظلماني (٢).\nوقيل: أخطأ إبليس، فإن الجواهر كلها من حيث كونها جوهرًا سواء، وإنما اختلافها بالأعراض والأوصاف.\nوذهب بعضهم إلى أن الطين أفضل من النار.\nوقول من قال إن إبليس قاس، قول ركيك؛ لأنه ليس في الآية قياس ولا احتجاج (٣).\n﴿قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا﴾ قيل: من السماء، وقيل: من الجنة، وقيل: من الأرض، فإنه\n_________\n(١) في (أ): (وهي مزيف).\n(٢) في (أ): (وهي ظلماني).\n(٣) قال شيخ الإسلام ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» ١٥/ ٥: (حجة إبليس في قوله: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ هي باطلة؛ لأنه عارض النص بالقياس، ولهذا قال بعض السلف: أول من قاس إبليس).","vol":"1","page":370},{"text":"أُخرج إلى البحر، وقيل: من المرتبة التي أنت فيها.\n﴿فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا﴾ أن تترفع وتمتنع عما أمرت به.\n﴿فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (١٣)﴾ الأذلاء، جمع صاغر، وقيل: من المعذبين.\n﴿قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤)﴾ سأل من الله أن يُبقيه (١) إلى يوم القيامة.\n﴿قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (١٥)﴾ الجمهور على أنه منظر إلى وقت غير معلوم.\nوقيل: مُنظرٌ إلى النفخة الأولى.\nوقيل: مُنظر (٢) إلى يوم القيامة.\n﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ قيل: الباء بمعنى مع، وقيل: باء البدل (٣)، ويحتمل السبب، وقيل: بمعنى اللام، وقيل: للقسم.\nوذكر الثعلبي: أن (ما) للجزاء، وهو سهو (٤)، إذ لا جزاء بعده، ولأن (ما) الشرط لا يدخل عليه الباء من فعل يقع قبله، لا يجوز: مررتُ بمن تمرر، ولكن تقول: بمن تمرر أمرر به.\nوقيل: للاستفهام، وهو ضعيف، لأن الألف تحذف (٥) منه في الاستفهام إلا في ضرورة الشعر (٦).\nوقيل: للمصدر، وهو الصواب، أي: بإغوائك إياي.\n_________\n(١) في (أ): (سأل من الله إلى أن يبقيه ...).\n(٢) في (جـ): (وقيل هو منظر ...).\n(٣) هنا زيادة في (أ): (... البدل قال الشيخ الإمام ﵀ ويحتمل السبب ...).\n(٤) حصل سقط في (أ) فجاء النص فيها كالتالي: (... وهو سهو وقيل للاستفهام). وانظر: «الكشف والبيان» للثعلبي ٤/ ٢٢٠.\n(٥) في (أ): (لا تحذف).\n(٦) في (جـ): (إلا في الشعر وضرورته).","vol":"1","page":371},{"text":"ومعنى أغويتني: أضللتني.\nوقيل: أهلكتني.\nوقيل: خيبتني.\nوقيل: ألقيتني غاويًا.\nوقيل: سميتني غاويًا (١).\nوقيل: جعلتني في الغَيِّ، وهو العذاب، من قوله: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩]، أي: عذابًا.\n﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦)﴾ أي: أترصد لهم فأصدهم عن سلوك الصراط المستقيم، وهو الدين القيم، وقيل: طريق الجنة، وقيل: طريق مكة.\nوتقديره: على صراطك وفي صراطك، فحذف الجار قياسًا على المبهم من ظرف (٢) المكان.\n﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ أكثر المفسرون في هذه الآية، ومحصول كلامهم أنه يتصرف بهم في الإضلال من جميع الجهات.\nوقال في الأوليين ﴿مِنْ﴾ لابتداء الغاية، وفي الأخريين ﴿وَعَنْ﴾ لأن ﴿وَعَنْ﴾ يدل على (٣) الانحراف.\nابن عباس ﵄: ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾ من قبل الآخرة، ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ من قبل الدنيا، ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾ من قبل حسناتهم، ﴿وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ من قبل الباطل (٤).\n_________\n(١) قوله: (وقيل سميتني غاويًا) لم يرد في (ب).\n(٢) في (جـ): (ظروف).\n(٣) في (ب): (يدل عن).\n(٤) أخرجه الطبري ١٠/ ٩٧، وابن أبي حاتم ٥/ ١٤٤٤ - ١٤٤٥.","vol":"1","page":372},{"text":"وعنه أيضا: ولم يقل من فوقهم (١)؛ لأن رحمة الله تنزل عليهم من فوقهم (٢).\nولم يقل: من تحتهم؛ لأن الإتيان منه توحُّش (٣).\n﴿وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (١٧)﴾ موحدين مطيعين.\nالحسن: لما أغوي آدم ﵇ علم أن ذريته أضعف منه فقال الله سبحانه ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ [سبأ: ٢٠] (٤).\nوقيل: إنما علم من جهة الملائكة.\n﴿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا﴾ معيبًا.\nوالذَّأْمُ والذَّيْمُ والذَّمُّ: العيب، والمهموز أشدها.\n﴿مَدْحُورًا﴾ مطرودًا مبعدًا من رحمة الله (٥).\nوقيل: مطرودًا من السماء.\n﴿لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (١٨)﴾ هو إبليس وذريته ومن تبعه من ذرية آدم، وغلب الخطاب على الغيبة، وكرر الخروج ثلاث مرات لأن الأول خروج (٦) مطلق، والثاني خروج بصفة صغار وذل، والثالث بصفة (٧) طرد وذم شديد.\n﴿وَيَاآدَمُ اسْكُنْ﴾ أي: وقلنا بعد إخراج إبليس من الجنة ﴿وَيَاآدَمُ اسْكُنْ﴾ (٨).\n_________\n(١) في (ب): (من قولهم).\n(٢) أخرجه الطبري ١٠/ ١٠١، وزاد السيوطي ٦/ ٣٣٩ نسبته إلى عبد بن حميد، واللالكائي في «أصول اعتقاد أهل السنة» (٦٦١) ولفظه عند الأخير: قال ابن عباس: لم يستطع أن يقول: من فوقهم، علم أن الله من فوقهم.\n(٣) في (جـ): (موحش).\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم، كما ذكر السيوطي في «الدر المنثور» ١٢/ ٢٠٤ في تفسير سورة سبأ.\n(٥) قوله: (من رحمة الله) لم يرد في (أ).\n(٦) في (جـ): (لأن الأول مطلق).\n(٧) في (أ): (والثالث خروج بصفة).\n(٨) لم يرد في (جـ) بعد كلمة (الجنة) شيء فسقط منها قوله: ﴿وَيَاآدَمُ اسْكُنْ﴾.","vol":"1","page":373},{"text":"﴿أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ أي: اتخذها (١) مسكنًا.\n﴿فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ سبق تفسيرها في البقرة (٢).\nوعن أهل الكتابين: أنها شجرة الحنظل، أي: استدلّا على (٣) مرارة أحوال الدنيا، حكاه الماوردي (٤).\n﴿فَتَكُونَا﴾ أي: فتصيرا (٥).\n﴿مِنَ الظَّالِمِينَ (١٩)﴾ يجوز أن يكون نصبًا، وأن يكون جزمًا (٦).\n﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا﴾ أي: إليهما (٧) ﴿الشَّيْطَانُ﴾.\nقيل (٨): كان وسواسًا وإلهامًا.\nوقيل: كان كلامًا، لقوله عقيبه ﴿وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا﴾، الآية (٩).\nابن بحر: أصل الوسواس: الإكثار من الكلام على غير نظام.\nغيره (١٠): الوسوسة: حديث النفس.\n﴿لِيُبْدِيَ لَهُمَا﴾ ليظهر، واللام لام العاقبة.\n_________\n(١) في (جـ): (اتخذاها).\n(٢) انظر: تفسير سورة البقرة، الآية: (٣٥).\n(٣) في (جـ): (أي ليستدلا بها على ...).\n(٤) انظر: «النكت والعيون» ٢/ ٢٠٩ للماوردي، وقد نقله الماوردي عن محمد بن إسحاق.\n(٥) سقطت (أي) من (ب)، وفي (جـ) سقط قوله: (أي فتصيرا) كاملًا.\n(٦) قال الكرماني في تفسير سورة البقرة، الآية (٣٥): (فتكونا: فتصيرا، يجوز أن يكون جزمًا عطفًا على النهي، ويجوز أن يكون نصبًا جوابًا للنهي).\n(٧) سقط قوله: (أي إليهما) من (جـ).\n(٨) في (جـ): (وقيل).\n(٩) قوله: (الآية) لم يرد في (ب) ولا (جـ).\n(١٠) سقطت كلمة (غيره) من (ب).","vol":"1","page":374},{"text":"﴿مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا﴾ من جملة (١) بدنهما.\nقتادة: كانا لا يريان سوءاتهما قبل المعصية (٢).\nوقيل: لم يكن يرى كل واحد منهما عورة صاحبه قبل المعصية، فلما عصيا بدت عوراتهما.\n﴿وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا﴾ إلا كراهة (٣) أن تكونا.\nالكوفيون: إلا أن لا تكونا (٤).\n﴿مَلَكَيْنِ﴾ تَعْلَمان الخير والشر.\nوقيل: ملكين تستغنيان عن الغذاء.\n﴿أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (٢٠)﴾ من الذين لا يموتون.\n﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (٢١)﴾ قاسم من باب: طارقت (٥)، وعافاه الله.\nوالمعنى: أقسم لهما يمينا فاجرة، وظَنَّا أن أحدًا لا يحلف بالله كاذبًا.\nوإبليس أول من حلف بالله كاذبًا.\nوقيل: قاسمهما: قال لهما إن كان ما قلته خيرًا فهو لكما دوني، وإن كان شرًّا فهو عليَّ دونكما، ومن فعل ذلك معكما فهو من الناصحين لكما، فكانت هذه مقاسمة، حكاه (٦) الماوردي (٧).\n﴿فَدَلَّاهُمَا﴾ أي: دلاهما في المعصية.\n_________\n(١) في (أ): (من حلة)، وفي (جـ): (عن جملة).\n(٢) أخرجه عبدالرزاق ١/ ٢٢٦، والطبري ١٠/ ١١٢ - ١١٤.\n(٣) في (جـ): (أي إلَاّ كراهة ...).\n(٤) في (جـ): (... أن تكونا).\n(٥) قال في «اللسان» (طرق): (طارق الرجل بين نعلين وثوبين: لبس أحدهما على الآخر)، والله أعلم.\n(٦) في (ب): (حكاهما)، والماوردي قد حكى القولين في تفسيره.\n(٧) انظر: «النكت» للماوردي ٢/ ٢١٠.","vol":"1","page":375},{"text":"والتدلية والإدلاء: الإنزال من أعلى (١) إلى أسفل، كقوله: ﴿فَأَدْلَى دَلْوَهُ﴾ [يوسف: ١٩].\nابن عيسى: حطهما إلى المعصية.\nالثعلبي: دللهما فقلب اللام الأخير ياء (٢).\nالواحدي: جرأهما على المعصية، ولا أدري من أين أخذ (٣).\n﴿بِغُرُورٍ﴾: هو إظهار النصح مع إبطان الشر.\n﴿فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾ فروجهما.\nوسمي الفرج سوءة: لأنه يسوء صاحبه ظهوره.\nابن عباس ﵄: كانا كسوتهما من النور (٤).\nقتادة: كان لباس آدم وحواء في الجنة ظفرًا كُلُّه (٥).\nوقيل: كان حُلَّة (٦).\n﴿وَطَفِقَا﴾ داما.\n_________\n(١) في (ب): (إنزال من الأعلى ...).\n(٢) كلمة (اللام) لم ترد في (ب) ولا (جـ)، وإنما وردت في (أ) وهي في «الكشف» للثعلبي ٤/ ٢٢٤.\n(٣) انظر: «البسيط» للواحدي (ص ٦٠٧ - رسالة جامعية).\nوقد ذكر الواحدي من أين أخذه، فقال: (والأصل فيه: دللهما، من الدال والدالة، وهي الجرأة، قال شمر: يقال: ما دلّك عليّ، أي: ما جرَّأك علي) إلى آخر كلامه.\n(٤) ذكره الواحدي في «البسيط» (ص ٦٠٨ - رسالة جامعية)، ولفظه: (يريد: ظهرت عورتهما وتقلص ذلك النور عنهما). هذا أقرب لفظ وجدته عن ابن عباس يماثل ما نقله الكرماني عنه.\n(٥) أخرجه الطبري ١٠/ ١١٣.\n(٦) في (جـ): (جله)، وهذا يحتمل أنه تعقيب على قول قتادة أما إذا كان (حُلَّة) فيحتمل - وهو الأظهر - أنه قول جديد في لباسهما في الجنة، ويؤيّده أن ابن المنذر أخرج عن أبي غنيم سعيد بن حدير الحضرمي أثرًا حول هذا، وفيه: (فسقط منهما لباسُ الجمال الذي كان عليهما في الجنة). انظر: «الدر المنثور» للسيوطي ٦/ ٣٤٣ - ٣٤٤.","vol":"1","page":376},{"text":"﴿يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا﴾ يجعلان ورقة على ورقة ليسترا فروجهما.\nوالخصف: ترقيع النعل، فصارت الأوراق كهيئة الثوب.\n﴿مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ أي: من ورق شجر الجنة (١)، وهو ورق التين، وقيل: ورق الموز.\n﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ﴾ أي: عن أكلها.\n﴿وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٢)﴾ ظاهر العداوة.\n﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ أسأنا إليها بالمعصية.\n﴿وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا﴾ تستر عيوبنا.\n﴿وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ من الهالكين.\n﴿قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٢٤)﴾ سبق في البقرة تفسير أكثر هذه الآيات (٢).\n﴿قَالَ فِيهَا﴾ في الأرض.\n﴿تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ (٢٥)﴾ للثواب والعقاب، فهبط آدم بأرض الهند وحواء بجدة والحية بأصفهان وإبليس بالأبلة، وقيل: بالمدائن (٣).\n﴿يَابَنِي آدَمَ﴾ خطاب للحاضرين ولمن يأتي بعدهم.\n﴿قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا﴾ أي: خلقنا.\nوذكر بلفظ الإنزال: لعلو الشأن، ومثله: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ﴾ [الزمر: ٦].\nوقيل: أنزل (٤) الماء، وهو السبب (٥) لكلّ ملبوس من قطن أو كتان وصوف وإبريسم.\nوقيل: أنزل أصل كل شيء من السماء عند إهباط آدم ﵇ إلى الأرض.\n_________\n(١) في (أ): (أي ورق شجر الجنة).\n(٢) في (أ): (الآية). وقد تقدم كلام المصنف على ذلك في تفسير سورة البقرة، الآية (٣٤) وما بعدها.\n(٣) قال ابن كثير ٦/ ٢٧٦: (وقد ذكر المفسرون الأماكن التي هبط فيها كل منهم، ويرجع حاصل تلك الأخبار إلى الإسرائيليات، والله أعلم بصحتها، ولو كان في تعيين تلك البقاع فائدة تعود على المكلفين في أمر دينهم أو دنياهم لذكرها الله تعالى في كتابه أو رسوله -ﷺ-).\n(٤) سقطت كلمة (أنزل) من (ب).\n(٥) في (جـ): (سبب) بدون (أل) التعريف.","vol":"1","page":377},{"text":"﴿يُوَارِي سَوْآتِكُمْ﴾ لتستروا به عوراتكم ويدفع (١) عنكم الحر والبرد.\nواللباس: كل ما يلبس (٢) من ثوب ودرع وغيرهما، وأصله: مصدر لَبِست الشيء لِبْسًَا ولِبَاسًَا.\n﴿وَرِيشًا﴾ هو اسم للمال.\nقال الشاعر (٣):\nفريشي منكمُ وهوايَ مَعْكُمْ ... وإنْ كانت زِيارتُكُمْ لِمامَا\nوقيل: الأثاث والدثار والشعار.\nالزَّجَّاج: هو اللباس (٤).\nابن زيد: الريش: كل ما فيه الجمال (٥).\nوالرياش: الخصب في المعاش، وقد قرئ به (٦)، وأصله: من ريش الطائر، وهو كسوته.\n﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾ وهو الإيمان ببعث الرسول وإنزال القرآن.\nوقيل: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾: ما يلبس للتواضع كالصوف والخشن من القطن (٧).\nوقيل: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾: ستر العورة.\nويحتمل أن اللباس زيادة والمراد عين التقوى، كقوله ﴿لِبَاسَ الْجُوعِ﴾ [النحل: ١١٢].\nوقيل: هو الحياة.\nوقيل: خشية الله.\nوقيل: السمت الحسن\nابن بحر: هو لبس ما يُتقى به من (٨) الحرّ والبرد (٩).\n_________\n(١) في (أ): (فيدفع).\n(٢) سقطت (كل) من (أ)، وفي (ب): (كلما).\n(٣) نسبه سيبويه في «الكتاب» ٣/ ٨٧ للراعي، وقال محقق «الكتاب» عبدالسلام هارون: (الحق أنه لجرير ... وليس في ديوان الراعي).\n(٤) انظر: «معاني القرآن» للزجاج ٢/ ٣٢٨.\n(٥) أخرجه الطبري ١٠/ ١٢٥، وابن أبي حاتم ٥/ ١٤٥٧.\n(٦) تنسب هذه القراءة للنبي -ﷺ- كما عند الطبري ١٠/ ١٢٧، وابن جني في «المحتسب» ١/ ٢٤٦، ولكن إسنادها لا يصح كما قال الطبري، ثم عزاها الطبري لزر بن حبيش والحسن البصري.\n(٧) قال القرطبي ٩/ ١٨٦: (قد كان الفضلاء من العلماء يلبسون الرفيع من الثياب مع حصول التقوى).\n(٨) لم ترد (من) في (جـ).\n(٩) نقله المارودي ٢/ ٢١٤ عن ابن بحر.","vol":"1","page":378},{"text":"﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ أي: خير لصاحبه.\nوقيل: ﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى لباس التقوى.\nوقيل: إشارة إلى جميع ما تقدم.\nوقيل: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ﴾ الحياء.\nوقيل: الدرع والمغفر والساعدان (١).\nومن قرأ ﴿وَلِبَاسُ﴾ بالرفع (٢): جاز أن يكون ذلك فصلًا وعمادًا (٣)، وجاز أن يكون بدلًا، وجاز أن يكون مبتدأ.\nوذكر بعض المفسرين: أن جماعة من المشركين كانوا يتعبدون بالتعري وخلع الثياب في الطواف بالبيت، فأنزل الله هذه الآية (٤).\n﴿ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ أي: من فرائضه التي أوجبها بآياته، يريد ستر العورة.\n﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٢٦)﴾ يتعظون.\nوذهب (٥) بعضهم إلى أنه ليس في الآية ما يدل على وجوب ستر العورة.\n﴿يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ﴾ لا يضلنكم بإبداء العورة في الطواف، والمعنى (٦): لا تفتتنوا بفتنته.\n﴿كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ﴾ أي: تسبب إلى خروجهما ﴿مِنَ الْجَنَّةِ﴾، وتقديره: فتنة مثل فتنة أبويكم.\n﴿يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا﴾ مجاهد: نزع عنهما لباس التقوى (٧).\nغيره: لباسهما: ما سبق ذكره.\n﴿لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا﴾ فروجهما.\nمجاهد: معصيتهما حين خرجا من أمر الله (٨).\n﴿إِنَّهُ﴾ إبليس ﴿يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ﴾ جنوده، من قوله ﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ﴾ [الشعراء: ٩٥].\n_________\n(١) قال البغوي ٢/ ٩٧: (قال زيد بن علي: لباس التقوى: الآلات التي يُتَّقى بها في الحرب، كالدرع والمغفر والساعد والساقين).\n(٢) قرأ أبو جعفر ونافع وابن عامر والكسائي (ولباسَ) نصب، وقرأ باقي العشرة (ولباسُ) بالرفع. انظر: «المبسوط» لابن مهران (ص ١٨٠).\n(٣) سمي بذلك لأنه يعتمد عليه في الفصل بين خبر المبتدأ والنعت، فيأتي ضمير الفصل أو العماد ليبين أن ما بعد المبتدأ هو الخبر لا التابع. انظر: «المعجم المفصل في النحو العربي» (ص ٦٩٧).\n(٤) انظر: «النكت» للماوردي ٢/ ٢١٣، و«الوسيط» للواحدي ٢/ ٢٥٨ - ٣٥٩.\n(٥) في (ب): (وذكر بعضهم).\n(٦) سقطت كلمة (والمعنى) من (أ).\n(٧) أخرجه الطبري ١٠/ ١٣٤، وابن أبي حاتم ٥/ ١٤٦٠.\n(٨) لعل الكرماني نقله عن الماوردي ٢/ ٢١٥، وقد قال الماوردي: هو معنى قول مجاهد، ولم يقل إنه قوله، وذلك أن مجاهد كان يرى أن اللباس هو لباس التقوى كما سبق.","vol":"1","page":379},{"text":"وقيل: خيله ورجله، من قوله ﴿بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ [الإسراء: ٦٤].\nوقيل: ذريته، من قوله ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ﴾ [الكهف: ٥٠].\nوقيل: جنسه الذي هو منهم.\n﴿مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ لا ترون أجسادهم (١) ولا تعلمون مكانهم، لأن أجسامهم رقيقة وفي أبصارنا ضعف عن إدراك الرقيق اللطيف.\n﴿إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٧)﴾ فلا يقبل قولهم ولا يجيب دعوتهم مؤمن.\n﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾ عبادة صنم.\nوقيل: عام في المعاصي.\nوقيل: الفاحشة هاهنا: كشف العورة في الطواف.\nوقيل: تحريم البحيرة.\n﴿قَالُوا وَجَدْنَا﴾ أي: ونهوا عنها قالوا وجدنا.\n﴿عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ بالفاحشة.\n﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٢٨)﴾ استفهام إنكار يتضمن نهيًا.\n﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ﴾ بلا إله إلا الله.\nوقيل: بالعدل، أي (٢): لا يأمر بالفحشاء بل يأمر بالقسط (٣).\n﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ﴾ استقبلوا القبلة (٤).\n_________\n(١) في (أ): (أجسامهم).\n(٢) في (ب): (أن لا يأمر).\n(٣) في (أ): (لا يأمركم بالفحشاء بل يأمركم بالقسط).\n(٤) في (أ): (الكعبة)، وقد أخرج ابن جرير ١٠/ ١٤٠ عن مجاهد قوله: إلى الكعبة.","vol":"1","page":380},{"text":"﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ سجدة وصلاة، أي: اجعلوها خالصة لله.\nوقيل: ﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾: مكان صلاة.\nوقيل: عند وقت كل صلاة (١).\n﴿وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ بالتوحيد والطاعة.\nوقيل: ادعوه بعد الإخلاص.\n﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩)﴾ شقيًا وسعيدًا.\nوقيل: مؤمنًا وكافرًا، من قوله: ﴿خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: ٢].\nوقيل: يبعثون على ما ماتوا عليه، المؤمن على إيمانه والمنافق على نفاقه.\nوقيل: كما بدأكم ولم تكونوا شيئًا تعودون خلقًا جديدًا، يخاطب منكري البعث.\nوقيل: من التراب خلقكم وإليه تعودون.\nوقيل: هو مفسر بقوله ﵊: (تحشر الناس حفاة عراة غرلًا) ثم تلا (٢) ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩)﴾ [الأعراف: ٢٩] (٣).\n﴿فَرِيقًا هَدَى﴾ وفقهم وأرشدهم.\n﴿وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ أضلهم وخذلهم.\n﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٠)﴾ أي: على طريق (٤) مستقيم.\n_________\n(١) في (جـ): (عند كل وقت صلاة).\n(٢) سقط قوله: (تلا) من (ب).\n(٣) أخرجه البخاري (٣٣٤٩)، ومسلم (٢٨٦٠/ ٥٨) وعندهم أن الآية المستشهد بها هي قوله تعالى:\n﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] وليست الآية التي ذكرها الكرماني.\n(٤) في (جـ): (صراط مستقيم).","vol":"1","page":381},{"text":"﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ في سبب النزول عن ابن عباس ﵄، قال: كان ناس من الأعراب يطوفون بالبيت عراة، حتى كانت المرأة تطوف بالبيت وهي (١) عريانة فتعلق على سفلتها سيورًا مثل هذه السيور (٢) التي تكون على وجه الحمر دفعًا من الذباب وهي تقول:\nاليومَ يبدو بعضُه أو كُلُّه ... فما بَدَا منه فلا أُحِلُّه\nفأنزل الله هذه الآية (٣).\nابن عيسى: قالوا إن الثياب قد دنستها المعاصي فتجردوا منها.\nوقال أيضا: فعلوا تفاؤلًا بالتعرِّي (٤) من الذنوب.\nقال الكلبي: كانوا لا يأكلون من الطعام إلا قوتًا ولا يأكلون في حجهم لحمًا ولا دسمًا يعظمون بذلك حجتهم، فأنزل الله هذه الآية (٥).\nومعنى ﴿زِينَتَكُمْ﴾ لبس الثياب وستر العورة في الطواف وعند الصلاة.\nوقيل: هو التزين بأحسن اللباس في الجمع والأعياد.\nوقيل: هو التزين لكل صلاة ولكل دخول مسجد، لقوله تعالى: ﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾.\n﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ أي: اللحم والدَّسم واللَّبن (٦).\n_________\n(١) سقطت (وهي) من (ب).\n(٢) قال في «لسان العرب» (سير): (السَّيْرُ: ما يُقَدُّ من الجلد).\n(٣) أخرجه مسلم (٣٠٢٨)، والطبري ١٠/ ١٥٠، وابن أبي حاتم ٥/ ١٤٦٤، واللفظ الذي ذكره الكرماني هو لفظ الواحدي في «أسباب النزول» (ص ٣٨٣).\n(٤) في (ب): (للتعري).\n(٥) نقله الواحدي في «أسباب النزول» (ص ٣٨٥) عن الكلبي، وكذلك نقله عنه ابن الجوزي في «زاد المسير» ٣/ ١٨٧.\n(٦) في (جـ): (والتزين) بدلًا من (واللبن).","vol":"1","page":382},{"text":"﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾ في الامتناع عن الحلال.\nوقيل: بالشروع في الحرام.\nأَمْرٌ بالتزين بالملابس وتقوية الأبدان والأرواح (١) بالغذاء وأن يكون ذلك من حِلِّه.\nابن عيسى: الإسراف: الخروج عن حدّ (٢) الاستواء.\n﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١)﴾ ومن لا يحبه الله فهو في النار.\nوذكر الثعلبي أن الرشيد (٣) كان له طبيب نصراني حاذق، فقال لعلي بن الحسين الواقدي (٤): ليس في كتابكم من علم الطب شيء، والعلم علمان: علم الأبدان وعلم الأديان، فقال له علي بن الحسين (٥): جمع الله الطب في نصف آية من كتابه، وهو قوله: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾، فقال النصراني: ولا يروى عن نبيكم شيئ من الطب، فقال علي: جمع رسول الله -ﷺ- (٦) الطب في كلمات، وهي قوله: (المعدة بيت الداء (٧) والحمية رأس كل دواء وأعط كل بدن ما عودته)، فقال النصراني: ما ترك كتابكم ولا رسولكم لجالينوس طبًا (٨).\n_________\n(١) سقطت كلمة (والأرواح) من (ب).\n(٢) سقطت كلمة (حد) من (ب).\n(٣) هارون الرشيد، الخليفة المشهور، توفي سنة (١٩٣ هـ) وله خمس وأربعون سنة.\nانظر: «تاريخ الخلفاء» للسيوطي (ص ٢٤٣ - ٢٥٣).\n(٤) سقطت كلمة (الواقدي) من (ب). وعلي بن الحسين هو ابن واقد المروزي، المتوفى سنة (٢١١ هـ).\nانظر: «تقريب التهذيب» لابن حجر (ص ٤٠٠).\n(٥) لم ترد (بن الحسين) في (ب) ولا (جـ).\n(٦) قوله: (رسول الله ﷺ) لم يرد في (ب).\n(٧) في (أ): (المعدة بيت الداء ...).\n(٨) انظر: «الكشف والبيان» للثعلبي ٤/ ٢٣٠. ... =\n«وقد تتابع كثير من المفسرين على إيراد هذه القصة، وقال ابن الجوزي في =زاد المسير» ٣/ ١٨٨ بعد إيراها: (هكذا نقلت هذه الحكاية، إلاّ أن هذا الحديث المذكور فيها عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لا يثبت).","vol":"1","page":383},{"text":"﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ﴾ إضافة ملك وتمليك.\n﴿الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ خَلَقَهُ وأَظْهَرَه.\n﴿وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ اللذيذات والحلالات، وقيل: هي الشاة وألبانها، لأنهم حرموها في حجهم، وقيل: هي البَحِيْرة الآية (١).\n﴿قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أي: للمؤمنين (٢) والكافرين.\n﴿خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أي: لا يشاركهم فيها يوم القيامة من ليس بمؤمن.\nوقيل: هي للمؤمنين في الدنيا مشوبًا بالكدر والحزن خالصة يوم القيامة من التعب والنصب والحزن والوصب (٣).\nو﴿خَالِصَةً﴾ خبر المبتدأ، وقيل: خبر بعد خبر، ومن نصبها فعلى الحال (٤)، والعامل فيها اللام، وهذه مسألة طويلة كتب النحو أولى بها.\n﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢)﴾ أي (٥): كما بينا هذا الحكم نبين سائر الأحكام.\n﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ الفواحش: الكبائر سرًا وجهرًا.\n_________\n(١) هكذا في النسخ الثلاث، ولم يظهر لي معنى قوله (الآية)، إلا أن يكون أراد: الواردة في الآية، أو أعود لتفسير بقية الآية، والله أعلم.\n(٢) في (أ): (أي المؤمنين والكافرين).\n(٣) سقطت كلمة (الوصب) من (ب).\n(٤) قرأ نافع وحده (خالصةٌ) بالرفع، وقرأ باقي العشرة (خالصةً) بالنصب.\nانظر: «المبسوط» لابن مهران (ص ١٨٠).\n(٥) سقطت (أي) من (أ).","vol":"1","page":384},{"text":"وقيل: نكاح المحرمات والزنا.\nوقيل: الطواف عراة.\n﴿وَالْإِثْمَ﴾ الذنوب كلها.\nالفراء: الإثم: هو ما دون الحد (١).\nوقيل: الإثم: الخمر (٢).\nواحتجوا ببيت من شعر (٣) من لا يحتج بشعره، وهو أبو نواس (٤):\nشربتُ الإثم حتى ضلَّ عقلي ... كذاك الإثمُ يذهبُ بالعقول\nالمفضل: الإثم: الخمر (٥)، وأنشد:\nنهانا رسولُ الله أَنْ نقرب الخنا ... وأن نشرب الإثمَ الذي يوجبُ الوِزْرا\nوالصحيح أن الخمر حرمت بالمدينة وهذه السورة مكية (٦).\n﴿وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾، التسلط على الناس والاستيلاء عليهم.\n﴿وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ حجة وبرهانًا؛ لأنهم زعموا أن الله أمرهم بعبادة الأوثان.\n_________\n(١) انظر: «معاني القرآن» للفراء ١/ ٣٧٨.\n(٢) في (جـ): (وقيل إنه الخمر).\n(٣) في (أ): (ببيت شعر) حيث سقطت (من).\n(٤) لم ترد (أبو نواس) في نسخة (جـ).\nوأبو نواس: هو الحسن بن هانئ الحكمي، الأديب، شاعر العراق، يذكر في ترجمته أنه كان كثير المجون، وتوفي سنة (١٩٦ هـ).\nانظر: «شذرات الذهب» لابن العماد ٢/ ٤٥١ - ٤٥٤.\nوالبيت عند القرطبي ٩/ ٢١٠، والسمين ٥/ ٣٠٦ غير منسوب، وقال الشيخ الشنقيطي في «العذب النمير» ٣/ ١٧٧: (قال بعض العلماء: هذا البيت مصنوع، وبعضهم يقول: هو بيت عربي شاهد)، ومثله في «المحرر الوجيز» لابن عطية ٥/ ٤٨٩.\n(٥) نقله السمين في «الدر المصون» ٥/ ٣٠٦، وأورد البيت غير منسوب، وعنده: نقرب الزنى.\n(٦) وقاله أيضًا ابن عطية في «المحرر الوجيز» ٥/ ٤٨٨ - ٤٨٩.","vol":"1","page":385},{"text":"﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ من تحريم هذه الأشياء والتعري في الطواف.\n﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ﴾ أي: وقت معين يأتيهم فيه عذاب الاستئصال إن لم يؤمنوا.\nابن عيسى: الأجل الواحد يدل على تقارب أعمار أهل ذلك العصر.\nويحتمل (١) أن المراد بالأمة: الآحاد، كقوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل: ١٢٠]، أي: لكل أحد أجل لا يتقدمه ولا يتأخر عنه، وهو قوله:\n﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٣٤)﴾.\nقوله ﴿لَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ أي: لا يطلبون التأخر لشدة بأسهم.\nويحتمل أن تأخر (٢) واستأخر بمعنى.\n﴿يَابَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ من بني آدم (٣).\n﴿يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي﴾ يقرؤون عليكم كتبي.\nوقيل: المراد بهم مشركوا العرب، والمراد بالرسل: محمد -ﷺ-.\nوقيل: يقصون دلائل (٤) ربوبيتي.\n﴿فَمَنِ اتَّقَى﴾ أي: الشرك.\n﴿وَأَصْلَحَ﴾ العمل.\n﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٥)﴾ أصلًا.\n_________\n(١) في (أ) هناك زيادة قبل قوله (ويحتمل) وهي: (قال الشيخ ﵀) وسترد هذه الزيادة قبل قوله الآتي بعد ثلاثة أسطر (ويحتمل أن تأخر واستأخر ...) وسترد أيضًا في قوله الآتي عند تفسير الآية (٣٧) (ويحتمل أن التقدير أولئك ...) وهذه الزيادة انفردت بها نسخة (أ) ولم ترد في نسختي (ب) و(جـ).\n(٢) في (أ): (التأخر).\n(٣) سقط قوله: (من بني آدم) من (ب).\n(٤) في (ب): (دليل).","vol":"1","page":386},{"text":"وقيل: لا يحزنون على ما فاتهم من نعيم الدنيا.\n﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ أي: كذبوا رسلنا برد آياتنا.\n﴿وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا﴾ تعظموا عن الإيمان بها.\n﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٦)﴾ لا يبرحون.\n﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ أي: أشد في كفره.\nوقيل: لا أحد أظلم منه (١).\n﴿أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ﴾ فأنكر النبوة ورد الرسالة.\n﴿أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾ قيل: الكتاب: اللوح المحفوظ، أي: ما كتب لهم من العمر والرزق والعمل والشقاوة والسعادة.\nوقيل: الكتاب: القرآن وما كتب لهم فيه.\nابن عباس ﵄: زرقة العيون وسواد الوجوه (٢).\nوقيل: هو العذاب الأكبر الذي أعده الله للكفار.\nوقيل: هو ما أوجب من حفظ عهودهم إذا أعطوا (٣) الجزية.\nوقيل: الكتاب: كتاب الحفظة، أي: الجزاء على الطاعات والمعاصي.\nويحتمل أن التقدير: أولئك ينالهم ما قسم لهم كما ينال المؤمنين ما قسم لهم (٤)، ثم تتغير أحوالهم عند الموت، وهو قوله:\n﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا﴾ أي: ملك الموت وأعوانه.\n﴿يَتَوَفَّوْنَهُمْ﴾ يقبضون أرواحهم ويتوفون عددهم.\n_________\n(١) سقطت (منه) من (جـ).\n(٢) أخرجه الطبري ١٠/ ١٧٤ بلفظ: (قد كُتِبَ لمن يفتري على الله أن وجهه مُسْوَدٌّ).\n(٣) في (أ): (أعطوه).\n(٤) في (جـ): (كما ينال المسلمين ثم تتغير ...).","vol":"1","page":387},{"text":"وقيل: يتوفونهم عذابًا وإن لم يموتوا.\n﴿قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: عبدتموهم.\n﴿قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا﴾ ضاعوا فلا نراهم.\n﴿وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (٣٧)﴾.\n﴿قَالَ ادْخُلُوا﴾ أي: قال الله.\nوقيل: قالت الملائكة وخزنة جهنم.\n﴿فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ مضت.\n﴿مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ﴾.\nلم يتكلم المفسرون في تكرار ﴿فِي﴾، ووجهه: أن الثانية متعلقة بالدخول، والأولى بمعنى مع وهي حال (١)، أي: ادخلوا النار مجتمعين معهم.\n﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ﴾ أي: النار (٢).\n﴿لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ أي: في الدين، الكافر يلعن الكافر واليهودي اليهودي.\nوالأخوة تستعمل في النسب والمشابهة (٣) والمشاركة في الشيء.\nوأنث لتأنيث الأمة.\n﴿حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا﴾ أي: تداركوا واجتمعوا.\n﴿قَالَتْ أُخْرَاهُمْ﴾ دخولًا ﴿لِأُولَاهُمْ﴾ دخولًا.\nوقيل: أخراهم: التباع، والأولى: القادة، واللام: لام السبب (٤).\n_________\n(١) في (جـ): (... بمعنى مع وقيل هي حال ...).\n(٢) قوله: (أي النار) لم يرد في (جـ).\n(٣) سقطت كلمة (المشابهة) من (ب) وفي (جـ): (في النسب وفي المشابهة ...).\n(٤) في (أ): (النسب).\nقال أبو حيان ٤/ ٢٩٨: (واللام في (لأولاهم) لام السبب، أي: لأجل أولاهم؛ لأن خطابهم مع الله لا معهم).","vol":"1","page":388},{"text":"﴿رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا﴾ زينوه لنا وسنوا الضلالة (١) فاقتدينا بهم.\n﴿فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ﴾ أي: عذابا ذا (٢) زيادة مثله عليه.\nابن عباس ﵄: زيادة حياتٍ وأفاعٍ (٣).\nوقيل: الضعف: المثل.\nوقيل: القسط.\nوحكى الماوردي أن الضعف هاهنا: العذاب، وهو بعيد (٤).\n﴿قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ (٣٨)﴾ للقادة بكفرهم وإغوائهم، وللتابع بكفرهم وتقليدهم والاقتداء بهم (٥).\nأي: كفيتم ما تسألون ﴿وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ (٣٨)﴾.\nالتاء (٦) يصلح للاتصال والانفصال والياء للكل (٧).\n﴿وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ﴾ فإنكم كفرتم مثل كفرنا وتساوينا في الكفر.\nوقيل: ﴿فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ﴾ أي: لم تؤمنوا إذ كفرنا وإنكم في دعائكم علينا ظالمون.\n﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٣٩)﴾ أي: فذوقوا بكسبكم وكفركم ولا تحيلوا الذنب على غيركم.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا﴾ أي: عن (٨) الإيمان بها.\n﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾ لصعود طاعاتهم وأدعيتهم وأرواحهم كما تفتح للمؤمنين.\nوقيل: لنزول الرحمة.\nوقيل: لدخول الجنة.\n﴿وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ﴾ يدخل البعير\n﴿فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ في ثقبة الإبرة، أي: لا يدخلونها أبدًا.\nوقال الماوردي: ﴿فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ قولان، أحدهما: ثقب الإبرة، والثاني (٩): السم القاتل الذي يدخل (١٠) في مسام البدن، وهذا سوء ضبط منه فإنه لم يفهم كلام ابن عيسى (١١).\n_________\n(١) في (أ): (الضلال).\n(٢) سقطت (ذا) من (جـ).\n(٣) لم ترد (وأفاع) في (جـ).\nوالأثر نسبه المصنف إلى ابن عباس، بينما أبهم الطبري ١٠/ ١٧٩ فقال: عن عبدالله، والقرطبي ٩/ ٢١٧ يقول إنه عن ابن مسعود ﵃ جميعًا.\n(٤) حكاه الماوردي ٢/ ٢٢٢ عن مجاهد.\n(٥) في (أ): (واقتدائهم).\n(٦) كلمة (التاء) لم ترد في (ب) ولا (جـ).\n(٧) قرأ عاصم في رواية أبي بكر (لا يعلمون) بالياء، وقرأ باقي العشرة (لا تعلمون) بالتاء.\nانظر: «المبسوط» لابن مهران (ص ١٨٠).\n(٨) سقطت (عن) من (أ).\n(٩) في (جـ): (والآخر).\n(١٠) كلمة (يدخل) سقطت من (أ).\n(١١) ابن عيسى: هو الرماني، وانظر: «النكت والعيون» للماوردي ٢/ ٢٢٣، ولم أقف على كلام ابن عيسى لنحاكمه.","vol":"1","page":389},{"text":"﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (٤٠)﴾ مثل هذا (١) الذي ذكرنا (٢) نجزي الكافرين (٣).\n﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ﴾ فرش (٤).\n﴿وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ قيل: لحف ولباس، وقيل: ظلل.\nوانصرف ﴿غَوَاشٍ﴾ لأن الياء لما جاز حذفه من الآحاد تخفيفًا صار حذفه من الجموع (٥) لازمًا، فلما حذف الياء صار لها في الآحاد نظير (٦) فدخله التنوين.\nوقيل: التنوين بدل من الياء الساقط.\nوالقول هو الأول.\n﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٤١)﴾ أي: الكافرين\nثم ذكر جزاء المؤمنين فقال:\n﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ طاقتها.\nوالتكليف: إلزام ما فيه كلفة، أي: مشقة.\n﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٤٢)﴾.\nقوله ﴿لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ اعتراض.\nوقيل: تقديره: منهم، فيكون خبرًا، واللذان بعده خبر بعد خبر.\n﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ نخرج أسباب العداوة من قلوبهم.\nوالغلّ: الحقد الذي يتغلغل إلى صميم القلب.\nوقيل: هو العصبية (٧) والحسد، يعني أصحاب الجنة.\nوعن الحسن البصري، عن علي ﵁ أنه قال: فينا أهل بدر نزلت هذه الآية (٨).\nابن بحر: هو معطوف على الذين آمنوا، أي: آمنوا وبرئت (٩) قلوبهم من الغلّ.\n﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ﴾ فإن النظر إلى الماء الجاري من الملاذ.\n﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾ وفَّقنا وأرشدنا لما هذا جزاءه.\n﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ﴾ بأنفسنا.\n﴿لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ لضللنا.\nوقيل: ﴿هَدَانَا﴾ دعانا إليه ودلنا عليه.\n﴿لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ أي: أتوا بالحق ووقع الموعود على ما سبق الوعد به (٨).\n_________\n(١٢) سقطت (هذا) من (ب).\n(١٣) في (ب): (ذكرناه) والكلمة ساقطة من (جـ).\n(١) في (ب): (المؤمنين).\n(٢) في (جـ): (فراش).\n(٣) في (أ): (المجموع).\nوانظر لهذه المسألة والأقوال فيها: «الدر المصون» ٥/ ٣٢٢ للسمين الحلبي.\n(٤) في (أ): (نظر).\n(٥) في (أ): (المعصية).\n(٦) أخرجه عبدالرزاق ١/ ٢٢٩، والطبري ١٠/ ١٩٨ - ١٩٩، وابن أبي حاتم ٥/ ١٤٧٨.\n(٧) حصل سقط في (أ)، فجاء النص فيها: (... علىلذين آمنوا وبرئت قلوبهم ...).\n(٨) في (ب): (ما سبق به الوعد).","vol":"1","page":390},{"text":"﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا﴾ أعطيتموها، وقيل: أورثتم منازل أهل النار.\n﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣)﴾.\nوقوله ﴿تِلْكُمُ﴾ إشارة إليها بعد المعاينة.\nوقيل: إشارة إلى ما وعدوا به في الدنيا (١)، أي: هذا جزاء طاعتكم في الدنيا.\n﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا﴾ أي (٢): في الدنيا ﴿حَقًّا﴾ صدقًا.\n﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا﴾ هذا (٣) سؤال تقرير يتضمن تحسير الكفار (٤).\n﴿قَالُوا نَعَمْ﴾ فيه لغتان (٥)، وذلك أنهم إذا (٦) صاروا إلى النار زال عنهم الصمم والبكم والعمى التي (٧) في قوله: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾ [الإسراء: ٩٧].\n﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ﴾ نادى مناد، وهو صاحب الصور، نداءً أسمع الفريقين.\nوقيل: أعلم معلم بينهم من أهل الجنة والنار.\n﴿أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (٤٤)﴾ إذا شددت أن فهو مفعول ﴿فَأَذَّنَ﴾، ومن خفف فكذلك (٨)، واسمه مضمر، ويحتمل أن يكون بمعنى: أي (٩).\n_________\n(١) في (أ): (بما وعدوا به)، وفي (جـ) سقطت (به) والمثبت من (ب).\n(٢) لم ترد (أي) في (ب).\n(٣) سقطت (هذا) من (أ).\n(٤) في (أ): (تحسيرًا للكفار).\n(٥) الثانية: كسر العين، وهي قراءة الكسائي في كل القرآن.\nانظر: «البسيط» للواحدي (ص ٦٧٠ - رسالة جامعية) فقد نقله عن الأخفش، و«المبسوط» لابن مهران (ص ١٨٠).\n(٦) سقطت (إذا) من (أ).\n(٧) سقطت (التي) من (أ).\n(٨) قرأ أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وعاصم ويعقوب (أن) خفيفة (لعنةُ الله) رفع، وقرأ ابن كثير وابن عامر وحمزة والكسائي وخلف (أنَّ) مشدد (لعنةَ الله) بالنصب.\nانظر: «المبسوط» لابن مهران (ص ١٨٠).\n(٩) قال الزجاج في «معاني القرآن» ٢/ ٣٤١: (ويجوز أن تكون المخففة في معنى أي الخفيفة التي هي تفسير، كأنها تفسير لما أذَّنوا فيه).","vol":"1","page":391},{"text":"﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ صفة للظالمين.\nويصدون بمعنى صدوا.\nوقيل: تقديره: كانوا يصدون في الدنيا.\nوقيل: تم الكلام على الظالمين ثم (١) استأنف فقال: ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ دينه.\n﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ يطلبون لها (٢) الاعوجاج والتدافع في التناقض (٣) في اللفظ والمعنى ويلبسون على الجهال.\nو﴿عِوَجًا﴾ مفعول ثان ليبغون، تقول: (٤) بغيتك الشيء.\nوقيل: مصدر، كقولهم: رجع القهقرى.\n﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ﴾ بالدار الآخرة.\n﴿كَافِرُونَ (٤٥)﴾.\n﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ﴾ هو السور الذي في قوله ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ﴾ [الحديد: ١٣] وهو الأعراف أيضًا.\nوقيل: الأعراف: أعالي السور، وأعالي كل شيء: أعرافه.\nوالأعراف في الآية واحد، ومثله: ثوبٌ أَسْمالٌ، أي (٥): خَلَق، وثوبٌ أخماسٌ (٦) وبُرْمَةٌ أَعْشَار (٧).\n_________\n(١) سقطت (ثم) من (أ).\n(٢) في (أ): (بها).\n(٣) في (جـ): (والتدافع والتناقض).\n(٤) في (جـ): (يقولون).\n(٥) سقطت (أي) من (جـ).\n(٦) جاء في «لسان العرب» (خمس): (قال ابن السكيت: يقال في مَثَلٍ: ليتنا في بُردةٍ أخماسٍ، أي: ليتنا تقاربنا، ويراد بأخماس: أي طولها خمسةُ أشبار).\n(٧) البرمة: القدر كما في «اللسان» (برم)، أما أعشار، فجاء في «اللسان» (عشر): (قيل: قدرٌ أعشارٌ: عظيمة، كأنها لا يحملها إلا عَشْرٌ أو عَشَرةٌ، وقيل: قدرٌ أعشارٌ متكسرة فلم يشتق من شيء).","vol":"1","page":392},{"text":"أبو عبيدة: كل عالٍ مرتفع (١) من الأرض أعراف (٢).\nوقيل: جمع (٣) واحدها عُرْف، وكل مرتفع عُرْف، ومنه عُرْفُ الفرس والديك.\nوقيل: هو من المعرفة، وعليها قوم جعلهم الله على تعريف أهل الجنة وأهل النار.\n﴿وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ﴾ قيل: هم الأنبياء، وقيل: هم ملائكة رجال، أي: ذكور (٤)، كقوله: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا﴾ [الأنعام: ٩].\nوقيل: هم الفقهاء والعلماء، وقيل: هم الصالحون وأفاضل المؤمنين، وقيل: هم الشهداء، وهم عدول الآخرة، فهؤلاء علوا في الدنيا وفي الآخرة (٥) بعلمهم وعملهم فتعالى وارتفع (٦) منازلهم في الآخرة، وقيل: هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم.\nوقيل: هم قوم جعلهم الله تعالى على معرفة أهل الجنة وأهل النار كما سبق، يميزون بعضهم من بعض.\nوعن النبي -ﷺ-: (أنهم قوم خرجوا إلى الجهاد في سبيل الله وهم عصاة لآبائهم فقتلوا فأعتقهم الله من النار لأنهم قتلوا في سبيله وحُبِسوا عن الجنة بمعصية آباءهم) (٧).\n_________\n(١) في (أ): (كل ما ارتفع من الأرض أعراف).\n(٢) انظر: «مجاز القرآن» لأبي عبيدة ١/ ٢١٥، وفيه: (كل مرتفع من الأرض عند العرب أعراف).\n(٣) في (ب): (وقيل هو جمع).\n(٤) في (أ): (هم الملائكة رجال ...)، وفي (جـ): (هم ملائكة يعرفون كلًا أي ذكور ...).\n(٥) في (ب): (وعلوا في الآخرة)، وفي (جـ): (علوا في الدنيا والآخرة).\n(٦) في (ب): (فتعالت وارتفعت).\n(٧) هذا الحدث يروى عن عبدالرحمن المزني، وأبي سعيد الخدري، وأبي هريرة. أما حديث عبدالرحمن المزني: فقد أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٩٥٤ - التفسير)، والطبري ١٠/ ٢١٨، وابن أبي حاتم ٥/ ١٤٨٤، وفيه اضطراب وضعف لبعض رواته كما أفاده الحافظ ابن حجر في «الإصابة» ٤/ ٣٧٢.\nأما حديث أبي سعيد الخدري، فأخرجه الطبراني في «الأوسط» رقم (٤٦٤٤) وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» ٧/ ٢٣: (فيه محمد بن مخلد الرعيني وهو ضعيف).\nوأما حديث أبي هريرة، فأخرجه البيهقي في «البعث والنشور» رقم (١١٥) وقال: إن في إسناده ضعفًا.","vol":"1","page":393},{"text":"وقيل: هم (١) قوم بطأت بهم صغائرهم إلى (٢) آخر الناس، وقيل: هم (٣) قوم رضي عنهم (٤) آباؤهم دون أمهاتهم أو أمهاتهم دون آبائهم، وقيل: هم أولاد الزنا، وقيل: هم الذين كانوا في (٥) الفترة ولم يبدلوا دينهم، وقيل: هم أولاد المشركين، وقيل: هم المراءون.\n﴿يَعْرِفُونَ كُلًّا﴾ أي: كلهم، وهم أصحاب الجنة وأصحاب النار.\n﴿بِسِيمَاهُمْ﴾ بما أُعطوا من الثواب والنعيم أو من عذاب الجحيم، وقيل: سيماء المؤمنين بياض الوجوه ونظارتها وسيماء الكافرين زرق العين وسواد الوجه (٦).\nوسيما يُمدّ ويُقصر (٧)، وسيمياء فيه لغة، واشتقاقه من السومة، وهي العلامة، وقيل: هو مقلوب من (٨) الوسم، كالجاه (٩) من الوجه.\n_________\n(١) سقطت (هم) من (أ).\n(٢) في (أ): (لكي) بدلًا من (إلى).\n(٣) سقطت (هم) من (أ).\n(٤) سقطت (عنهم) من (ب).\n(٥) في (أ): (على الفترة).\n(٦) في (جـ): (زرقة العيون وسواد الوجوه).\n(٧) يعني: سيما، وسيماء.\n(٨) سقطت (من) من (ب).\n(٩) في (جـ): (وقيل كالجاه ...).","vol":"1","page":394},{"text":"﴿وَنَادَوْا﴾ يعني أصحاب الأعراف.\n﴿أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ أهلها.\n﴿أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ تهنئة منهم لأهل (١) الجنة.\n﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ (٤٦)﴾ على الوجوه الأولى: حال للمخاطبين، فيكون خطابًا لهم قبل الدخول، وليس في الآية ما يدل على دخولهم بعد، وعلى الوجوه الأخرى: حال للمسلمين، وهذا أظهر.\nقوله ﴿وَهُمْ يَطْمَعُونَ (٤٦)﴾ أي: في دخول الجنة.\n﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ أي (٢): مواجهتهم (٣) قبل الدخول وبعده (٤)، على القولين.\n﴿قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٧)﴾ أي: إذا نظروا إلى أصحاب النار استعاذوا بالله من (٥) أن يكونوا من أهلها.\n﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ ذكر المفسرون أن الرجال هاهنا: الوليد بن المغيرة وأبو جهل بن هشام والعاص بن وائل ونظرائهم، وذلك أنهم قالوا إن بلالًا وسلمان وعمارًا وأمثالهم يدخلهم الله الجنة ويدخلنا النار، كلا والله إن الله لا يفضل خدمنا ورعاتنا علينا، وأقسموا أن لا يخصهم (٦) بفضل دونهم، فناداهم\n_________\n(١) في (ب): (لأجل).\n(٢) سقطت (أي) من (جـ).\n(٣) في (ب): (أي من مواجهتهم).\n(٤) في (أ): (وبعد).\n(٥) سقطت (من) من (أ).\n(٦) في (جـ): (أن الله لا يخصهم).","vol":"1","page":395},{"text":"أصحاب الأعراف (١).\n﴿قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ﴾ لم يدفع عنكم كثرتكم وشوكتكم، وقيل: جمعكم المال.\n﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (٤٨)﴾ استكباركم عن الإيمان، أي: تعظمكم.\n﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ﴾ حلفتم في الدنيا.\n﴿لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾ يعني الجنة، والمشار إليهم: سلمان وبلال وصهيب وخباب (٢).\n﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٤٩)﴾ هذا قبل الدخول، ويحتمل: أقسمتم لا ينالهم الله برحمة وقد قال (٣) الله لهم ادخلوا الجنة، وقيل: أقسم أهل النار لا يدخل أصحاب الأعراف الجنة، فقال الله تعالى ﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾، وقيل: ﴿أَهَؤُلَاءِ﴾ من كلام الملائكة.\nابن بحر: ﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ﴾ من كلام أصحاب الأعراف لأنفسهم ثم يرجعون إلى مخاطبة أنفسهم فيقول بعضهم لبعض: ادخلوا الجنة (٤).\n﴿أَهَؤُلَاءِ﴾ رفع بالابتداء (٥)، ﴿الَّذِينَ﴾ خبره، لا يجوز غيره.\nوقوله ﴿وَنَادَى﴾ بلفظ الماضي تحقيقًا للوعد، وكذلك أكثر ألفاظ القيامة.\n﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا﴾ صبوا.\n_________\n(١) انظر: «الكشف والبيان» للثعلبي ٤/ ٢٣٧، و«زاد المسير» لابن الجوزي ٣/ ٢٠٧.\n(٢) انظر: «زاد المسير» لابن الجوزي ٣/ ٢٠٧، و«تفسير القرآن» لأبي المظفر السمعاني ٢/ ١٨٦.\n(٣) في (جـ): (... برحمة ادخلوا الجنة وقد قال الله ...).\n(٤) وهو قول الحسن كما نقله أبو حيان في «البحر المحيط» ٤/ ٣٠٦.\n(٥) في (أ): (على الابتداء).","vol":"1","page":396},{"text":"﴿عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ﴾ مقدار ما تبرد أبداننا ويزيل عطشنا.\nوالإفاضة: إجراء الماء من معالي (١).\n﴿أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ من الطعام.\n﴿قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا﴾ أي: ماء الجنة وطعامها تحريم منع.\n﴿عَلَى الْكَافِرِينَ (٥٠) الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا﴾ فحرموا وأحلوا ما شاءوا، وقيل: دينهم عيدهم (٢).\n﴿وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ اغتروا (٣) بطول البقاء، ثم استأنف فقال:\n﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ﴾ نتركهم في العذاب، وقيل: نعامل (٤) معهم معاملة المنسي، وقيل: نجازيهم على نسيانهم (٥).\n﴿كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾ أي: تركوا العمل له.\n﴿وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (٥١)﴾ ينكرون المعرفة بأنها من عند الله.\n﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ﴾ يعني القرآن.\n﴿فَصَّلْنَاهُ﴾ بيناه بالتحليل والتحريم (٦) والوعد والوعيد وغيرها، وقيل:\n_________\n(١) في (ب): (من عال)، وفي (جـ): (من معال).\n(٢) في (ب): (وعيدهم).\n(٣) في (أ): (أغروا).\n(٤) في (ب): (نعاملهم)، والمثبت من (أ) و(جـ).\n(٥) قال الشيخ الشنقيطي ﵀ في «العذب النمير» ٣/ ٣١٣: (المراد بالنسيان هنا: الترك مع العلم التام؛ لأن الله لا ينسى، كما قال: ﴿عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ [طه: ٥٢]، والعرب تطلق النسيان على ذهاب الشيء عن علم الإنسان بعد أن كان يعلمه، وهذا المعنى مستحيل على الله، وتطلق النسيان على الترك عمدًا، وهو المقصود هنا).\n(٦) في (ب): (بيناه بالتحريم والتحليل والوعد).","vol":"1","page":397},{"text":"﴿فَصَّلْنَاهُ﴾ جعلناه يفهم شيئًا شيئًا.\n﴿عَلَى عِلْمٍ﴾ أي: بعلم منا ونحن عالمون بتفصيله، وقيل: على علم في الكتاب.\n﴿هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢)﴾ يجوز أن يكون حالًا، ويجوز أن يكون وصفا للكتاب، ويجوز أن يكون مفعولًا له (١).\n﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ ما ينتظرون، أي: يلحقهم لحوق (٢) المنتظر.\n﴿إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾ ما يؤول إليه أمرهم من العذاب في الدنيا والنار في العقبى، وقيل: ثوابه، وقيل: عاقبته، وقيل: حقيقته.\n﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ﴾ تركوا الاستعداد له.\n﴿قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ أقروا حين لا ينفعهم.\n﴿فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ تمنوا شفيعًا أو ردًا (٣) إلى دار الدنيا وضمنوا عملًا يخالف ما عملوا فلم يجابوا إلى ملتمسهم.\n﴿قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ أي: خسروا أعظم ما يخسره الخاسرون.\n﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٥٣)﴾ أي: لم تنفعهم عبادتهم (٤) الأصنام.\n﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ أراد السموات والأرض وما بينهما، وقد فصلها (٥) في سورة السجدة (٦)، وأول هذه الأيام الأحد وآخرها\n_________\n(١) يعني: مفعولًا لأجله.\n(٢) في (أ): (أن) بدلًا من (أي)، وسقطت كلمة (لحوق) من (جـ).\n(٣) في (ب): (أوردوا إلى).\n(٤) في (ب): (عبادة).\n(٥) في (ب): (فصلنا).\n(٦) يعني أن سياق آية السجدة فيه (وما بينهما) وهي قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [السجدة: ٤]، أو يكون قصده بسورة السجدة الآيات التي فيها تفصيل خلقه سبحانه للخلائق من سورة فصلت؛ لأنها تسمى السجدة كذلك، وهذا الثاني أظهر.","vol":"1","page":398},{"text":"الجمعة (١) وكل يوم من هذه الأيام الستة كألف سنة.\nوقيل: خلقه في أيام لتشاهد الملائكة حدوث شيء بعد شيء.\nوزيف ابن بحر هذا القول فقال: ليس يعقل كون الملائكة قبل كون السموات والأرض لأنهم لا يستغنون عن مكان يحويهم، وحمل على (٢) أن المراد من الست تعليم العباد، قال: وأصل جميع الحساب من ستة ومنها يتفرع سائر العدد بالغًا ما بلغ (٣)، ويحتمل أن الله تعالى فرق خلق هذه الأشياء فكان خلقه سبحانه لشيء منها في كل يوم من الأيام الستة كلمح بالبصر، والله أعلم.\n﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ مذهب السنة والجماعة أن الاستواء هاهنا لا يفسر بما لم يصف الله ذاته به (٤).\nالحسن: استوى أمره (٥).\nوقيل: استولى، وأنشد:\nقد استوى بشرٌ على العراق ... من غير سيفٍ ودمٍ مهراقِ (٦)\nوأضاف الاستيلاء إلى العرش وإن كان سبحانه مستوليًا على الكل لأنه أعظم\n_________\n(١) في (ب): (وآخرها يوم الجمعة).\n(٢) سقطت (على) من (ب).\n(٣) في (ب): (ما يبلغ).\n(٤) قال أبو المظفر السمعاني في «تفسير القرآن» ٢/ ١٨٨ ناقلًا قول أهل السنة: (الاستواء على العرش صفة لله تعالى بلا كيف، والإيمان به واجب) وردّ على المعتزلة استدلالهم ببيت الشعر الآتي.\n(٥) نقله المارودي ٢/ ٢٢٩.\n(٦) قيل هو للبَعِيث واسمه: خداش بن بشير المجاشعي، نسبه له الواحدي في «البسيط» (ص ٦٨٩ - رسالة جامعية)، وقيل هو للأخطل النصراني كما قال ابن كثير في «البداية والنهاية» ١٢/ ٢٤١، ثم قال ابن كثير: (والجهمية تستدل على الاستواء على العرش بأنه الاستيلاء ببيت الأخطل ... وليس فيه دليل، فإن هذا استدلال باطل من وجوه كثيرة، وقد كان الأخطل نصرانيًّا).","vol":"1","page":399},{"text":"شيء خلقه، وهذا ضعيف، لأن ثم للتراخي، واستيلاء الله تعالى على الأشياء ليس بمحدث.\nوروي عن ابن عباس ﵄: ﴿اسْتَوَى﴾: استقر (١).\nوهذا لا يقتضي مكانًا بل هو كما قال ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ (٢) مُسْتَقَرٌّ﴾ [الأنعام: ٦٧].\nوقيل: معناه علا، كقوله ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ [هود: ٤٤].\nوقيل: ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ أقبل على خلق (٣) العرش فيمن قال خلق العرش بعد السماء، ومن قال خلقه قبل السماء، قال: أقبل على نقله.\nوقيل: معناه لم يخلق بعد (٤) السموات والأرض وما بينهما إلا العرش كما سبق في البقرة (٥).\nوفي العرش أقوال (٦): قيل: هو السرير.\nوقيل (٧): العرش: الملك، ويقال: لمن ذهب ملكه أو عزّه: ثُلَّ عرشه، وقيل:\n_________\n(١) أخرجه البيهقي في «الأسماء والصفات» ٢/ ٣١١.\n(٢) في (أ) و(ب): (لكل شيء مستقر)، والمثبت من (جـ).\n(٣) سقطت كلمة (خلق) من (ب).\n(٤) في (أ): (قبل السموات).\n(٥) قال الكرماني (ص ١٧٩ - رسالة جامعية) في تفسير آية البقرة رقم (٢٩): ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ (وأفاد قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى﴾ أنه لم يخلق بعد الأرض وما فيها إلا السماء، وهذا قول حسن).\n(٦) قال ابن أبي العز في «شرح الطحاوية» ٢/ ٣٦٦ عن العرش: (هو سريرٌ ذو قوائم تحمله الملائكة).\nثم ذكر بعض الأدلة على ذلك، فمنها ما رواه أبو داود (٤٧٢٧) عن النبي -ﷺ-: (أُذن لي أن أُحدث عن ملكٍ من ملائكة الله ﷿ من حملة العرش: إن ما بين أُذُنيه إلى عاتقه مسيرة سبع مئة عام).\nثم قال ابن أبي العز: (وأما من حَرَّف كلام الله، وجعل العرش عبارة عن الملك، كيف يصنع بقوله تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٧]).\n(٧) في (ب): (ويقال).","vol":"1","page":400},{"text":"العرش: السقف، يعني السموات، من قوله ﴿فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ [الحج: ٤٥]، وقال هذا القائل في قوله: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود: ٧]، أي: عرش هذا الخلق العظيم يريد بناءه وسقفه (١).\n﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾ أي: جعل الليل يغطي نور النهار ويذهب بضوئه.\nوتقديره: يغشي الليل النهار (٢) ويغشي النهار الليل، كقوله تعالى ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾ [الزمر: ٥]، فاكتفى بأحد الضدين.\nابن بحر: يغطي النهار وضياءه بالليل، فعلى هذا يكون الليل ظرفًا.\n﴿يَطْلُبُهُ﴾ يعقبه.\n﴿حَثِيثًا﴾ محمولًا على السرعة، فعيل بمعنى مفعول، مِنْ: حَثَّه.\n﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ﴾ أي: وخلق الشمس والقمر والنجوم ﴿مُسَخَّرَاتٍ﴾ مذللات جاريات مجاريهن.\nوقيل: مسخرات للخلق، كقوله ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣] بأمره، أي: كل ذلك كان بأمره، وقيل: قال لها كوني مسخرة فتسخرت بأمره، وقيل: بإرادته، وقيل: لأمره.\n﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ أي: الخلق العظيم والأمر النافذ، وقيل: له الخلق كله والأمر (٣) الذي لا يخالف، وقيل: له الخلق وله الأمر فيهم، وقيل: الخلق والأمر واحد فعطف لتقدم ذكر الخلق والأمر في الآية.\n_________\n(١) في (أ): (وسعته).\n(٢) في (أ): (يغشي الله النهار).\n(٣) في (أ): (وله الأمر).","vol":"1","page":401},{"text":"﴿تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ (١) تعالى بالوحدانية وعظم بدوام (٢) البقاء، وقيل: معناه أن ذكر رب العالمين بركة عليكم وعلى من ذكره منكم.\n﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا﴾ تذللًا.\nابن عيسى: التضرع: التذلل، وأصله الميل في الجهات ذلًا، من قولهم: ضَرَعَ الرجل، إذا مال بإصبعه يمينًا وشمالًا ذلًا وخوفًا.\nوقيل: ﴿تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ سرًا وإخلاصًا، ونصبها (٣) على الحال أو على المفعول له.\n﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥)﴾ الذين يسألون الله درجة الأنبياء والمرسلين، وقيل: يدعوا على (٤) من لا يستحقه، وقيل: هو الذي يرفع صوته عند الدعاء، فإن أبا موسى الأشعري ﵁ قال: كان النبي -ﷺ- في غزاة فأشرفوا على واد، فجعل الناس يكبرون ويهللون ويرفعون أصواتهم، فقال -ﷺ-: (أيها الناس: أربعوا على أنفسكم إنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا إنكم تدعون سميعًا قريبًا إنه معكم) (٥).\nوقيل: الاعتداء: السجع في الدعاء، حكاه هشام في تفسيره (٦).\n_________\n(١) هنا تنتهي النسخة التي رمزت لها بـ (جـ)، وباقي السورة سيكون العمل فيه على نسختين فقط إن شاءالله تعالى، وهما (أ) و(ب)، حيث ستبدأ نسخة (د) في أثناء تفسير سورة التوبة.\n(٢) سقطت كلمة (بدوام) من (ب).\n(٣) في (ب): (ونصبهما).\n(٤) سقطت (على) من (ب).\n(٥) أخرجه البخاري (٢٩٩٢)، ومسلم (٢٧٠٤).\n(٦) لا أدري من هو هشام، فيحتمل أن يكون هشامًا الكلبي، فقد ذكر له كتاب «لغات القرآن» وليس تفسيرًا كما ذكر الكرماني، وهذه العبارة ذكرها الكرماني أيضًا في كتابه «غرائب التفسير» ١/ ٤٠٨، وذكر المحقق الدكتور شمران العجلي أنه هشام بن بشير، ونقل عن الداودي ٢/ ٦٦٩ أن له تفسيرًا للقرآن، وأنه توفي سنة (١٨٣ هـ)، وهذا خطأ، فالذي عند الداودي أنه هشيم بن بشير، المحدث المفسر المعروف، وربما يكون هشام بن الحكم أحد المتكلمين فالله أعلم.","vol":"1","page":402},{"text":"﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ أي: بالكفر وتعويق الناس عن الإيمان، وقيل: بالمعصية، وقيل: بالظلم.\n﴿بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ بعد أن أصلحها الله ببعث الأنبياء وبيان الشرائع ومنع الناس عن المعصية والظلم، ولولا الأنبياء والشرائع لأكل الناس بعضهم بعضا، وقيل: معناه لا تعصوا في الأرض فيمسك الله المطر بمعاصيكم.\n﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا﴾ من عقابه.\n﴿وَطَمَعًا﴾ في ثوابه، قيل: خوفًا من الرد وطمعًا في الإجابة، ونصبها على الحال أو على المفعول له.\n﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾ أي: يلحق المحسن دون المسيء، وقيل معناه: ما وعد الله المحسن قريب من المحسن لأن ما هو آت قريب.\nوفي تذكير ﴿قَرِيبٌ﴾ قولان: أحدهما: أنه محمول على المعنى، والمراد به: الثواب والنعيم.\nالأخفش: المراد به (١): المطر (٢)، وهذا مذهب البصريين.\nوقال الكوفيون: القريب والبعيد إذا أردت بهما النسب تثنى وتجمع وتؤنث، وإذا أردت بهما قرب المكان وبعده فلا تثنى ولا تجمع ولا تؤنث، وأنشد (٣):\n_________\n(١) في (أ): (المراد بها).\n(٢) انظر: «معاني القرآن» للأخفش ١/ ٣٢٧.\n(٣) نسبه الطبري ١٠/ ٢٥٠ لعروة بن الورد، وذكر المحققون لكتاب الطبري أن البيت لعروة بن حزام كما عند الفراء في «معاني القرآن» ١/ ٣٨١ و«خزانة الأدب» ٣/ ٢١٥، وقد وجدته عند الواحدي كذلك في كتاب «البسيط» (ص ٦٩٩ - رسالة جامعية).\nوعروة بن حزام بن مهاجر الضني، من بني عذرة، شاعر من متيّمي العرب، كان يحب ابنة عم له اسمها عفراء، توفي نحو سنة (٣٠ هـ). انظر: «معجم الشعراء» ٣/ ٣٧٩ للدكتور كامل الجبوري.","vol":"1","page":403},{"text":"عَشِيَّةَ لا عفراءُ مِنْكَ قريبةٌ ... فتدنو ولا عفراءُ مِنْكَ بعيدُ\nويحتمل: أن المراد به المفعول، أي: مُقَرَّبة (١)، فيصير من باب (٢): كف خصيب وعين كحيل.\n﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ﴾ أي: يثيرها سهلة (٣) من عال.\n﴿بُشْرًا﴾ بالبشارة، كقوله ﴿يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾ [الروم: ٤٦].\n﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ قدام المطر وأمام الغيث.\nو(نشرًا) (٤) تهّب من كل صوب، كقوله ﴿وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا (٣)﴾ [المرسلات ٣]، من قولهم: أنشر الله الموتى فنشرت، أي: أحياها فحيت، وقيل: لها نَشْر، أي: رائحة طيبة، وقيل: مِنْ: نشرت: ضد الطي، أي: تنشر السحاب.\nوعن أبي بكر بن عياش (٥): لا تقطر من السماء قطرة حتى تعمل فيها أربع رياح، فالصبا (٦) تهيج السحاب والشمال تجمعه والجنوب تدره والدبور تفرقه (٧).\n﴿حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا﴾ أي: رفعت الريح سحابًا وحملته.\n_________\n(١) وقد نقل أبو حيان ٤/ ٣١٤ قول الكرماني ثم قال: (وليس بجيد).\n(٢) كلمة (باب) لم ترد في (أ).\n(٣) في (أ): (سهلها).\n(٤) قرأ أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو ويعقوب (نُشُرًا بين يدي) بضم النون والشين حيث كان، وقرأ حمزة والكسائي وخلف (الريح نَشْرًا) بفتح النون وسكون الشين، وقرأ ابن عابر (نُشْرًا) بضم النون وسكون الشين، وقرأ عاصم (الرياح بُشْرًا) بالباء وسكون الشين.\nانظر: «المبسوط» لابن مهران (ص ١٨١).\n(٥) هو شعبة بن عياش، الإمام المقرئ المشهور، راوي عاصم، توفي سنة (١٩٣ هـ).\nانظر: «غاية النهاية» لابن الجزري ١/ ٣٢٥ - ٣٢٦.\n(٦) في (ب): (فالسحاب)، والمثبت من (أ) وتفسير الثعلبي كما سيأتي.\n(٧) ذكره الثعلبي في «الكشف والبيان» ٤/ ٢٤٢ - ٢٤٣.","vol":"1","page":404},{"text":"والإقلال: رفع الشيء بتمامه من غير تعب، والسحاب: جمع سحابة.\n﴿ثِقَالًا﴾ أي: بالماء، جمع: ثقيل، نحو: حِمْل.\n﴿سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ﴾ أي: إلى بلد، وقيل: لإحياء بلد، وذّكر للجنس.\n﴿مَيِّتٍ﴾ لا نبات به.\n﴿فَأَنْزَلْنَا بِهِ﴾ بالبلد، وقيل: بالسحاب.\n﴿الْمَاءَ﴾ المطر.\n﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ﴾ على الوجهين.\n﴿مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ أنواع (١) حمل الأشجار.\n﴿كَذَلِكَ﴾ أي: كما أحيينا هذا البلد بإخراج الثمرات، وحياة الأرض: خروج نباتها.\n﴿نُخْرِجُ الْمَوْتَى﴾ من الأجداث.\nوروى الثعلبي في تفسيره عن أبي هريرة وابن عباس ﵃: إذا مات الناس كلهم في النفخة الأولى أمطر عليهم (٢) أربعين عامًا كمني الرجال من ماء تحت العرش يدعى ماء الحيوان، فينبتون من قبورهم بذلك المطر كما ينبتون في بطون أمهاتهم وكما ينبت الزرع من الماء، حتى إذا استكملت أجسادهم نفخ فيهم الروح ثم تلقى عليهم نومة فينامون في قبورهم، فإذا نفخ في الصور الثانية عاشوا وهم يجدون طعم النوم في رؤوسهم وأعينهم كما يجد النائم إذا استيقظ من (٣) نومه، فعند ذلك يقولون: ﴿يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾\n_________\n(١) سقط حرف العين من كلمة (أنواع) من نسخة (ب).\n(٢) سقط قوله: (أمطر عليهم) من (ب).\n(٣) في (ب): (في نومه).","vol":"1","page":405},{"text":"فيناديهم المنادي ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (٥٢)﴾ [يس: ٥٢] (١).\n﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٥٧)﴾.\n﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ﴾ يريد الأرض العذب التراب لا حجارة به (٢) ولا ملح، ﴿يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ بعلمه ومشيئته، وقيل: بإطلاقه له وحفظه من الآفات.\n﴿وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا﴾ يريد السبخة، ﴿إِلَّا نَكِدًا﴾ قليلًا عسيرًا.\nوأصل النكد: العسر والشؤم.\nوقيل: هذا مثل ضربه الله للمؤمنين يسمع القرآن فينتفع به ومثل للكافر (٣) يسمعه فلا ينتفع به.\nوقيل: الأرض الطيبة والخبيثة كلتاهما من الأرض، وهو مثل لآدم ﵇ وذريته كله منه (٤) فمنهم طيب مؤمن ومنهم خبيث كافر.\n﴿كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ﴾ نبينها.\n﴿لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (٥٨)﴾ نعمتي ويطيعوني (٥).\n﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ بعثه الله وكان ابن خمسين سنه.\n﴿فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ وحدوه وأطيعوه.\n﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ لا إله سواه فلا تعبدوا معه (٦) غيره.\n_________\n(١) أصل الحديث مرفوع إلى النبي -ﷺ- من حديث أبي هريرة، وهو في صحيح مسلم (٢٩٥٥)، وهذا اللفظ الذي ساقه الكرماني هو لفظ الثعلبي في «الكشف والبيان» ٤/ ٢٤٣.\n(٢) في (ب): (لا حجارة فيه).\n(٣) في (أ): (الكافر).\n(٤) في (ب): (كله منهم).\n(٥) في (ب): (ويطيعونني).\n(٦) تكررت كلمة (معه) في (أ) مرتين.","vol":"1","page":406},{"text":"﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ﴾ إن لم تؤمنوا.\n﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٥٩)﴾ يوم القيامة.\n﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ﴾ الأشراف منهم.\n﴿إِنَّا لَنَرَاكَ﴾ نجدك.\n﴿فِي ضَلَالٍ﴾ خطأ وذهاب عن الرشاد.\n﴿مُبِينٍ (٦٠)﴾ بين.\n﴿قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦١)﴾.\n﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ﴾ النُّصح: خلاف الغش، تقول: نصحته ونَصَحْتُ له.\n﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦٢)﴾ لأنه أوحى إلي دونكم، وقيل: أعلم ثوابه وعقابه.\n﴿أَوَعَجِبْتُمْ﴾ استفهام إنكار، والمعنى: بَعُدَ في عقولكم وجوده.\n﴿أَنْ جَاءَكُمْ﴾ من أن جاءكم.\n﴿ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ وحي ورسالة.\n﴿عَلَى رَجُلٍ﴾ أي: أنزل عليه، وقيل: مع رجل ﴿مِنْكُمْ﴾: من جملتكم.\n﴿لِيُنْذِرَكُمْ﴾ ليخوِّفكم المكروه.\n﴿وَلِتَتَّقُوا﴾ عبادة الأصنام.\n﴿وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٦٣)﴾ إن أطعتموه.\n﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ نسبوه إلى الكذب.\n﴿فَأَنْجَيْنَاهُ﴾ أي: نوحًا.","vol":"1","page":407},{"text":"﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ بنيه: سام وحام ويافث وستة رجال (١)، وقيل: كانوا ثمانين، أربعين (٢) رجلًا وأربعين امرأة.\n﴿فِي الْفُلْكِ﴾ في السفينة.\n﴿وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ (٦٤)﴾ عمى القلب، تقول: رجل أعمى: الذي (٣) لا يرى بعينيه، ورجلٌ عَمٍ: لا يهتدي بقلبه، وقيل:\n﴿عَمِينَ﴾: جاهلين، وقيل: ضالين عن الحق.\n﴿وَإِلَى عَادٍ﴾ يريد: وأرسلنا إلى عاد، فهو عطف على نوح.\nوعاد: هي عاد (٤) الأولى، عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح (٥).\n﴿أَخَاهُمْ﴾ أي: في النسب.\n﴿هُودًا﴾ هو هود بن عبدالله، وقيل: هود بن شالخ (٦).\n﴿قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٦٥)﴾ أي: أفلا تتقون عذاب الله.\n﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ﴾ أي: في ضلال بتركك ديننا. والسفاهة: خفة العقل والحلم، والسفاهة بلغة حمير: الجنون.\n﴿وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٦٦)﴾ في ادعائك.\n﴿قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٧) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا\n_________\n(١) أخرجه الطبري ١٠/ ٢٦٣ عن إبن إسحاق.\n(٢) في (أ): (أربعون ... وأربعون ...).\n(٣) في (ب): (تقول جاء رجل أعمى للذي ...).\n(٤) كلمة (عاد) لم ترد في (ب).\n(٥) هكذا ذكر الطبري ١٠/ ٢٦٨.\n(٦) انظر: «الكشف والبيان» للثعلبي ٤/ ٢٤٥.","vol":"1","page":408},{"text":"لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ (٦٨) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ﴾ سبق (١).\n﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ أي: في (٢) مساكنهم ومنازلهم وأموالهم. وكان مساكنهم بالأحقاف من رمل عالج من حضرموت إلى شِحْرِ عُمَان (٣).\n﴿وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً﴾ طولًا وقوة وامتدادًا وسعة، وقيل: كان طول الواحد منهم اثني عشر ذراعًا، وقيل: سبعين ذراعًا، وقيل: ثمانين.\nالكلبي: أطولهم مائة ذراع وأقصرهم ستون ذراعًا (٤).\nوقيل: ﴿وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ﴾ في الناس ﴿بَسْطَةً﴾ قوة عليهم وغلبة.\n﴿فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ﴾ نِعَمَه، واحدها: إلى (٥)، مثل: مِعَى، وهو الصحيح، وقيل: أَلَى (٦)، بالفتح كقفا، وقيل: إلْيٌ، كحِسْى (٧).\n﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٦٩)﴾ لكي تبقوا في الجنة.\n﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ من الأصنام،\n_________\n(١) سبق في نفس السورة، الآيات: (٦١ - ٦٢ - ٦٣) وألفاظها متشابهة إلى حد كبير، فلذلك اكتفى الكرماني بالإحالة إليها. وقد سقطت كلمة (سبق) من نسخة (ب).\n(٢) سقطت (في) من (ب).\n(٣) قال في «اللسان» (شحر): (الشِّحْر: ساحل اليمن، قال الأزهري: في أقصاها، وقال ابن سيده: بينها وبين عُمان).\n(٤) نقله الثعلبي ٤/ ٢٤٦ عن الكلبي، ونقله ابن الجوزي ٣/ ٢٢٢، والقرطبي ٩/ ٢٦٤ عن ابن عباس ﵄.\n(٥) في (أ): (إلا).\n(٦) في (أ): (إلا).\n(٧) انظر: الطبري ١٠/ ٢٦٧، و«الدر المصون» للسمين ٥/ ٣٦٠.\nوقال المنتجب الهمداني في «الفريد» ٢/ ٣٢٤: (والحِسْيُ بالكسر: ما تَنشفُهُ الأرض من الرمل).","vol":"1","page":409},{"text":"استفهام إنكار، أي: لا نفعل ذلك.\n﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾ يعني العذاب ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧٠)﴾.\nودل (١) قوله ﴿أَفَلَا تَتَّقُونَ (٦٥)﴾ عليه.\n﴿قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ نزل ووجب، أي: دنا ذلك.\n﴿رِجْسٌ﴾ عذاب، وكل مستقذر رجس، والرجس: الصوت الشديد أيضًا.\nابن بحر: الرِّجس ضد (٢) التزكية.\nأبو عمرو: الرجس: الرجز، قلب زاءه سينًا (٣).\n﴿وَغَضَبٌ﴾ إرادة انتقام (٤).\n﴿أَتُجَادِلُونَنِي﴾ أتخاصمونني.\n﴿فِي أَسْمَاءٍ﴾ أي: في أصنام (٥).\n﴿سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾ أسماء لا تستحقها.\n﴿مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ أي: سميتموها آلهة من غير حجة ولا بيان.\nالثعلبي: سمو صنمًا ضدًا وصنمًا صمودًا وصنمًا الهبّار (٦).\n﴿فَانْتَظِرُوا﴾ نزول العذاب.\n_________\n(١) في (ب): (ودل عليه قوله أفلا تتقون عليه).\n(٢) سقطت كلمة (ضد) من (ب).\n(٣) نقله الطبري ١٠/ ٢٨٠ وابن الجوزي ٣/ ٢٢٣ عن أبي عمرو بن العلاء.\n(٤) قال الشيخ الشنقيطي في «العذب النمير» ٣/ ٤٩٤: (والغضب وصفٌ وصف الله به نفسه إذا انتهكت حرماته، فنحن معاشر المسلمين نمشي على ما كان عليه السلف الصالح، نُمر كل الصفات كما جاءت، ونصدق ربنا فيما وصف به نفسه مع التنزيه التام الكامل عن مشابهة صفات المخلوقين).\n(٥) في (ب): (في أسماء أصنام).\n(٦) انظر: «الكشف والبيان» للثعلبي ٤/ ٢٤٦.","vol":"1","page":410},{"text":"﴿إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٧١)﴾.\n﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ يعني من آمن به.\n﴿بِرَحْمَةٍ مِنَّا﴾ بنعمة منا عليهم.\n﴿وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ أي: أهلكناهم هلاك استئصال، والدابر: الأصل، وقيل: الدابر: آخر من بقي منهم.\n﴿وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ (٧٢)﴾ زيادة ذم لهم.\nابن بحر: أي: لو بقوا ما كانوا ليؤمنوا.\nثم سلَّط الله عليهم الريح سبعَ ليالٍ وثمانية أيام حسومًا فَأُهلكوا.\n﴿وَإِلَى ثَمُودَ﴾ وأرسلنا إلى ثمود، اسم قبيلة عظيمة، مشتق من الثمد، وهو: الماء القليل، وجَدُّهُم ثمود بن عاد (١) بن إرم بن سام بن نوح.\n﴿أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ هو صالح بن عبيد (٢).\n﴿قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ هذا جواب لقولهم له (٣) ﴿فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٥٤)﴾ [الشعراء: ١٥٤].\n﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ﴾ إضافة تخصيص، كبيت الله، ولأنها لم تكن من اجتماع ذكر وأنثى بل أخرجها الله من صخرة منفردة في ناحية الحِجْر، وكان ديارهم الحجر بين الحجاز والشام، يقال لتلك الصخرة الكاتبة (٤)، فتمخَّضت الصخرة تمخُّض (٥)\n_________\n(١) في (ب): (ثمود بن عاش ...)، وفي الطبري ١٠/ ٢٨٢: (ثمود بن جاثر ...)، وفي القرطبي ٩/ ٢٦٥: (ثمود بن عاد ...).\n(٢) انظر: «الكشف والبيان» للثعلبي ٤/ ٢٥١، والقرطبي ٩/ ٢٦٦.\n(٣) سقطت (له) من (ب).\n(٤) هكذا بالمثناة في (أ)، ولم تنقط في (ب)، أما عند الطبري ١٠/ ٢٨٧ والثعلبي ٤/ ٢٥٢، وأبي حيان ٤/ ٣٣١ فهي بالمثلثة (الكاثبة).\n(٥) في (ب): (تموج النتوج).","vol":"1","page":411},{"text":"النتوج بولدها، ثم تحرَّكت الهضبة فانصدعت عن ناقة عشراء، ثم نتجت سقبًا مثلها في العظم.\n﴿لَكُمْ آيَةً﴾ تدل على صدق (١) نبوتي.\n﴿فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ﴾ عشبها وخلاها، أي: سهل الله لكم أمرها فليس عليكم منها مؤنة.\n﴿وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ﴾ لا تقربوها بنحر وعقر.\n﴿فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣)﴾.\n﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ أنزلكم وأسكنكم، من: البواء، وهو: المنزل (٢)، واشتقاقه من باء: إذا رجع.\n﴿تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا﴾ أي (٣): وسع عليكم فصرتم أرباب قصور وحصون (٤).\n﴿وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا﴾ أي: تنقبون الجبال للبيوت (٥)؛ لأن الأبنية لم تكن تفي بعمرهم.\n﴿فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٧٤)﴾.\n﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ﴾ أي: الكفار منهم.\n_________\n(١) لم ترد كلمة (صدق) في (ب).\n(٢) قال في «اللسان» (بوء): (والبيئَةُ والباءَة والمباءَة: المنزل)، وكان قد قال: (وأصلُ البواء: اللزوم)، وقال أيضًا: (البواء: السواء، وفلانٌ بواءُ فلان: أي كُفْؤُه إن قُتِلَ به).\n(٣) سقطت (أي) من (ب).\n(٤) في (أ): (وحصور).\n(٥) في (ب): (تنقبون في الجبال البيوت).","vol":"1","page":412},{"text":"﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ أي: المؤمنين، ثم أَبْدَلَ (١) فقال:\n﴿لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ إليكم (٢).\n﴿قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٧٥)﴾.\n﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٧٦)﴾.\n﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ﴾ عقرها قدار بن سالف ومصدع بن دهر (٣)، وتأتي القصة في موضعها (٤).\n﴿وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ﴾ جاوزوا الحد في كفرهم وتعظموا أن يؤمنوا (٥).\n﴿وَقَالُوا يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾ تكذيبًا واستهزاءًا.\n﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧٧)﴾ صادقًا في ادعائك النبوة ووعيدك إيانا بالعذاب.\n﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ الزلزلة (٦)، وفي الآية الأخرى ﴿الصَّيْحَةُ﴾ [هود: ٦٧] و[الحجر: ٨٣]، وفي آية ثالثة ﴿بِالطَّاغِيَةِ (٥)﴾ [الحاقة: ٥]، ووجه ذلك أن الطاغية\n_________\n(١) قال أبو حيان ٤/ ٣٣٢: «لمن آمن) بدل من (الذين استضعفوا) والضمير في (منهم) إنْ عاد على المستضعفين كان بدل بعض من كل، ويكون (الذين استضعفوا) قسمين: مؤمنين وكافرين، وإن عاد على (قومه) كان بدل كل من كل، وكان الاستضعاف مقصورًا على المؤمنين).\n(٢) كلمة (إليكم) لم ترد في (ب).\n(٣) قال القرطبي ٩/ ٢٧٠: (اخْتُلفَ في عاقر الناقة على أقوال: أصحها ما في صحيح مسلم من حديث= =عبدالله بن زمعة قال: خطب رسول الله -ﷺ- فذكر الناقة وذكر الذي عقرها، فقال: ﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾ [الشمس: ١٢]، انبعث لها رجلٌ عزيزٌ عارمٌ منيعٌ في رهطه مثلُ أبي زَمْعه). ثم حكى القرطبي الأقوال في اسم عاقر الناقة.\n(٤) وردت القصة في عدة مواطن من القرآن الكريم: [الأعراف: ٣٧]، [هود: ٦٤]، [الإسراء: ٥٩]، [الشعراء: ١٥٥]، [الشمس: ١٣]، [القمر: ٢٧].\n(٥) في (ب): (... في الكفر وتعظموا عن أن يؤمنوا).\n(٦) سقطت (الزلزلة) من (ب).","vol":"1","page":413},{"text":"صفة لكل عذاب جاوز الحد في الفساد، والرجفة: الصيحة التي زعزعتهم وحركتهم للهلاك، وقيل: ما توا بالرجفة والصيحة جميعًا، وقيل: الصيحة الأمر والدعاء والنداء، أي: الله أمرها وناداها بأن تهلك بالرجفة الشديدة المفرطة، وقيل: الطاغية: سيول وقعت بعقب الرجفة.\n﴿فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ﴾ بلدهم، وقيل: منازلهم، فوحد للجنس.\n﴿جَاثِمِينَ (٧٨)﴾ ميتين خامدين كرماد (١) الجاثم، والجواثم: الأثافي (٢)، وكل مالاط بالأرض ساكنًا جاثم.\n﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ﴾ أي (٣): لما عقروا الناقة فارقهم.\n﴿وَقَالَ﴾ لهم عند فراقه (٤) إياهم.\n﴿يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ (٧٩)﴾.\nوقيل: أعرض بعد نزول العذاب بهم، وقال هذا القول كما خاطب النبي -ﷺ- قتلى بدر (٥).\n﴿وَلُوطًا﴾ أي: وأرسلنا لوطًا.\nالأخفش: واذكر لوطًا (٦).\n_________\n(١) في (ب): (... خامدين وقيل كرماد ...).\n(٢) الأثافي: جمع أُثْفِيَّة، وهي: ما يوضع عليه القدر من الحجارة، وما كان من حديد ذي ثلاث قوائم فإنه يسمى: المِنْصَب، ولا يسمى أُثْفِيَّة. انظر: «اللسان» (ثفا).\n(٣) سقطت (أي) من (ب).\n(٤) في (ب): (فراقهم).\n(٥) فإن النبي -ﷺ- خاطب قتلى قريش يوم بدر وهم في القليب: هل وجدتم ما وعد ربكم حقًا، وهذا أخرجه البخاري (٣٩٨٠)، وقصد الكرماني أنه خاطبهم بعد موتهم ونزول العذاب بهم، نسأل الله تعالى السلامة والعافية.\n(٦) انظر: «معاني القرآن» للأخفش ١/ ٣٣١، وعند الأخفش (وقال بعضهم: واذكر لوطًا).","vol":"1","page":414},{"text":"هو لوط بن هاران ابن أخي إبراهيم ﵉ (١).\n﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾ وهم أهل سدوم (٢).\n﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ استفهام تقريع وتوبيخ وإنكار على ارتكاب القبيح، والفاحشة هاهنا: اللواط.\n﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٨٠)﴾ أي: لم يعرف (٣) هذا الفعل قبل اليوم، ولا يرى ذكر على ذكر في الدنيا حتى كان قوم لوط (٤).\nوقيل: عالمي زمانهم، وهذا هاهنا بعيد، والمراد بالعالمين: الناس.\n﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً﴾ أي: لشهوة الجماع التي حقها أن تنال من النساء.\n﴿مِنْ دُونِ النِّسَاءِ﴾ أي: لا من النساء.\n﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (٨١)﴾ بل رَدٌّ لجوابٍ عَسَى -زعموا- أن يكون لهم عذر (٥)، أي: لا عذر لكم ولا حجة.\nابن عيسى: ﴿بَلْ﴾ إضراب عن الأول إلى جميع المعايب من عبادة الأوثان وإتيان الذكران. والإسراف (٦) والجهل توأمان، ولهذا قال في النمل ﴿تَجْهَلُونَ (٥٥)﴾ [النمل: ٥٥].\n_________\n(١) انظر: «تفسير القرآن العظيم» لابن كثير ٦/ ٣٤٥.\n(٢) سدوم: يقال إنها تقع اليوم تحت الماء في جنوب البحر الميت.\nانظر: «المعجم الجامع لما صُرّح به وأبهم في القرآن الكريم من المواضع» (ص ٢٦١).\n(٣) في (ب): (لم يعلم ...).\n(٤) من قوله: (ولا يرى ذكر ...) إلى قوله: (لوط) لم يرد في نسخة (ب).\n(٥) في (أ): (لجواب عيسى بن عموا أن يكون لهم عذر)، وفي (ب): (لجواب عيسى زعموا أن يكون لهم فيه عذر)، ونقل أبو حيان ٤/ ٣٣٧، والسمين ٥/ ٣٧٢ كلام الكرماني هكذا: (قال الكرماني: (بل) رد لجواب زعموا أن يكون لهم عذر) وهذا واضح المعنى، ولكن النسختين فيها كلمة (عسى)، والله تعالى أعلم.\n(٦) سقطت كلمة (والإسراف) من (ب).","vol":"1","page":415},{"text":"﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ لوطًا (١) وابنتيه ذهورا (٢) وريثا، وقيل: ريثاء (٣) وعيثاء ومن آمن معه.\nأي: لم يكن لهم جواب فعدلوا إلى السفاهة والاستهزاء.\n﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٨٢)﴾ يتنزهون عن أعمالكم (٤)، وقيل: يتعززون عن إتيان أدبار الرجال وأدبار النساء، وقيل: يتحرجون.\nابن بحر: يرتقبون أطهار النساء ليجامعوهن فيها (٥).\nابن عباس: عابوهم بما يتمدح به (٦).\n﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ﴾ أي: من آمن به.\n﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾ واسمها واهلة فإنها كانت تسر الكفر.\n﴿كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٨٣)﴾ من الباقين، وغَلَّبَ المذكر، وقيل: من الباقين في عذاب الله، وقيل: من الغائبين عن النجاة، تقول: غبر عنا، أي: غاب، وقيل: من المعمرين.\n﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ فُسِّرَ بقوله سبحانه ﴿حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [هود: ٨٢ - ٨٣].\n﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٨٤)﴾ أي: الكافرين.\n_________\n(١) في (ب): (يريد لوطًا).\n(٢) في (ب): (زعورا)، وعلى كل حال ففي اسمهما اضطراب كبير بين التفاسير.\n(٣) سقط من (ب) قوله: (وقيل ريثاء).\n(٤) في (أ): (يتنزهون أعمالكم).\n(٥) نقله أبو حيان في «البحر» ٤/ ٣٣٧ عن ابن بحر.\n(٦) نقله أبو حيان في «البحر» ٤/ ٣٣٨ عن ابن عباس ﵄، وأخرج الطبري ١٠/ ٣٠٧ نحوه عن قتادة.","vol":"1","page":416},{"text":"﴿وَإِلَى مَدْيَنَ﴾ وأرسلنا إلى مدين (١).\nالفراء: إلى أهل مدين، ومدين اسم بقعة، وأنشدنا:\nرُهْبَانُ مَدْيَن لو رأوْكِ تَنزلَّوا ... والعُصْمُ من شَعَفِ العَقُولِ الفادرِ (٢)\nغيره: مدين بن إبراهيم الخليل ﵇، وقيل: اسم رجل كان يقال له مدينان (٣)، وكان سبط نوح ﵇، وجعل اسمًا للقبيلة وهم أصحاب الأيكة (٤).\nقتادة: أرسل مرتين، مرة إلى مدين ومرة إلى أصحاب الأيكة (٥).\n﴿أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ هو شعيب ابن توبة، وقيل: شعيب ابن ميكيل (٦).\nوكان يقال له خطيب الأنبياء لحسن مراجعته قومه، وقيل: كان نبيًا لم تكن له معجزة، وأنكر الزجاج هذا القول، وقال: الدليل على أن له معجزة قوله ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، قال: ولا تقبل نبوة بغير معجزة (٧).\n﴿قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ يعني: ما أوتي من المعجزة.\n﴿فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ﴾ الإيفاء: إتمام (٨) الشيء إلى حد الواجب فيه.\n﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ لا تنقصوا حقوقهم بتطفيف الكيل ونقصان الوزن.\n﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ بالكفر.\n﴿بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ بعد بعث الأنبياء والأمر بالعدل والإحسان.\nوالأليق بالآية: ولا تفسدوا بالظلم والعدوان في الكيل والميزان.\n﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨٥)﴾ أي: الإيمان السابق على إيفاء الكيل والوزن (٩)، وكانوا أهل كفر وبخس للمكيال والميزان.\n﴿وَلَا تَقْعُدُوا﴾ ولا تجلسوا.\n﴿بِكُلِّ صِرَاطٍ﴾ طريق.\n﴿تُوعِدُونَ﴾ تتهددون بالمكاره.\n_________\n(١) سقط قوله: (وأرسلناإلى مدين) من (ب).\n(٢) أورده الفراء في «معاني القرآن» ٢/ ٣٠٤ عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ﴾ [القصص: ٢٢]، ونسب السمين الحلبي في «الدر المصون» ٤/ ٣٩٢ البيت لجرير.\n(٣) هكذا في (أ) و(ب)، أما الطبري فعنده (مديان)، وكذك عند ابن الجوزي ٣/ ٢٢٨.\n(٤) انظر: الطبري ١٠/ ٣١٠، والثعلبي ٤/ ٢٦٠، والقرطبي ٩/ ٢٨٠.\n(٥) ذكره الثعلبي ٤/ ٢٦٠، وأبو حيان ٤/ ٣٣٩ عن قتادة، وقال ابن كثير في «البداية والنهاية» ١/ ٤٣٨: (ومن زعم من المفسرين كقتادة وغيره أن أصحاب الأيكة أُمّة أخرى غير أهل مدين فقوله ضعيف).\n(٦) في (أ): (ميكل).\n(٧) انظر: «معاني القرآن» للزجاج ٢/ ٣٥٣.\n(٨) سقطت كلمة (إتمام) من (ب).\n(٩) يعني: لا ينفعكم إيفاء الكيل والوزن عند الله إلا بعد أن تكونوا مؤمنين، وإلا فلا ينفع عمل دون إيمان.\nانظر: «البحر المحيط» لأبي حيان ٤/ ٣٤٠.","vol":"1","page":417},{"text":"﴿وَتَصُدُّونَ﴾ تمنعون.\n﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ عن الإيمان به.\nالزجاج: سبيله الذي آمن به (١).\n﴿مَنْ آمَنَ بِهِ﴾ أي: يريد الإيمان.\n﴿وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ أي: تلتمسون للسبيل زيغًا، وقيل (٢): تريدون الاعوجاج والعدول عن القصد، وقيل: هو إخبارهم (٣) أن ما أتى به شعيب باطل غير مستقيم، وذلك أنهم كانوا يجلسون على الطريق ويقولون لمن قصد شعيبًا ليؤمن به: إن شعيبًا كذَّاب لا يفتننك عن دينك.\nالسدي: كانوا عشارين (٤).\nابن زيد: يقطعون الطريق (٥).\n﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾ فأكثر عددكم، وقيل: كنتم فقراء فأغناكم، وقيل: كنتم عجزه فجعلكم ذوو مقدرة.\n﴿وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (٨٦)﴾ أي: آخر أمر (٦) قوم لوط.\n﴿وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (٨٧)﴾ خطاب للمؤمنين، أي: اصبروا على أذى هؤلاء الكفار، وقيل: خطاب للكفار تهديدًا لهم، أي: اصبروا حتى تروا ماذا يستقبلكم.\n﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ﴾ أي: الذين تعظموا عن الإيمان.\n﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ عاد موضوعة لفعلٍ عُمِلَ (٧) مرة، وقد تستعمل للابتداء بمعنى صار، قال الشاعر:\nتلك المكارم لا قَعْبَانِ من لَبَنٍ ... شِيبَا بماءٍ فعادا بَعْدُ أبوالا (٨)\n_________\n(١) قال الزجاج في «معاني القرآن» ٢/ ٣٥٤: (أي: عن الطريق التي آمن الله من آمن بها).\n(٢) سقطت (وقيل) من (أ).\n(٣) في (أ): (اختيارهم).\n(٤) أخرجه الطبري ١٠/ ٣١٤، وذكره ابن الجوزي ٣/ ٢٢٩.\n(٥) ذكره الثعلبي ٤/ ٢٦١، وابن الجوزي ٣/ ٢٢٩ عن عبدالرحمن بن زيد.\n(٦) سقطت كلمة (أمر) من (ب).\n(٧) لم ترد كلمة (عمل) في (ب).\n(٨) في (ب): (فصارا بعد ...).\nوالبيت مختلف في نسبته، فقيل إنه: لأمية بن أبي الصلت، وقيل لأبيه: أبي الصلت الثقفي، وقيل: للنابغة الجعدي.\nانظر: «العقد الفريد» ١٧/ ٣٠١ - ٣٠٢، و«شرح المفصل» لابن يعيش ٥/ ٢٥، و«معجم شواهد العربية» (ص ٢٦٨).","vol":"1","page":418},{"text":"ولم يكن اللبن بولًا (١)، وقيل: خطاب للذين معه دونه، وقيل: خاطبوه على زعمهم، والملة: الشريعة.\n﴿قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (٨٨)﴾ أي: كيف نعود في ملتكم ونحن له كارهون، والكاره للشيء لا يصير إليه اختيارًا، وقيل: معناه أتجبروننا على العود وإن كرهنا، قالوا: نعم، قال (٢) شعيب: ﴿قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ قد اختلقنا على الله الكذب.\n﴿إِنْ عُدْنَا﴾ دخلنا.\n﴿فِي مِلَّتِكُمْ﴾ في (٣) دينكم.\n﴿بَعْدَ إِذْ﴾ إذ (٤) بمعنى الوقت، وأضاف بعد إليه.\n﴿نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا﴾ خلصنا.\n﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا﴾ وما ينبغي.\n﴿أَنْ نَعُودَ فِيهَا﴾ نصير إلى ملتكم.\n﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا﴾ أي: يشاء الكفر لنا فحينئذ نصير والكفر بمشيئة الله، وقيل: كان في ملتهم أشياء يجوز تعاطيها، وقيل: هذا على وجه البعد وأنه لا يكون، كقوله سبحانه: ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ﴾ [الأعراف: ٤٠]، وكقولهم (٥): حتى يَبْيَضَّ\n_________\n(١) جملة: (ولم يكن اللبن بولًا) لم ترد في (ب).\n(٢) في (ب): (ثم قال).\n(٣) سقطت (في) من (ب).\n(٤) سقطت (إذ) من (ب).\n(٥) في (ب): (وكقوله).","vol":"1","page":419},{"text":"القارُ ويَشيبَ الغُراب (١).\nويحتمل: إلا أن يشاء الله أن يؤمنوا، وقيل: ﴿نَعُودَ فِيهَا﴾ كناية عن القرية.\n﴿وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ أي: أحاط علمه بما يكون منا ومنكم.\n﴿عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا﴾ هو جواب لقولهم ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ﴾، أي: فوضنا أمورنا إليه.\n﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾ بَيِّن مصيرنا ومصيرهم، وهذا حين أذن الله له في الدعاء عليهم (٢)، وقيل: افتح: اعمل واحكم (٣) واقض، والفتاح: القاضي بلغة عُمان (٤)، لأنه يتولى فصل (٥) الأمور وفتح المشكلات.\nوروي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: ماكنت أعرف معنى ﴿افْتَحْ﴾ حتى سمعت ابنة ذي يزن تقول لزوجها: لعلي أفاتحك، أي: أخاصمك إلى القاضي (٦).\n﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (٨٩)﴾ الحاكمين.\n﴿وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا﴾ وتركتم دينكم.\n﴿إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (٩٠)﴾ مغبونون، وقيل: جاهلون، وقيل: عجزة.\n﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ الزلزلة، وفي آية أخرى ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ [الحجر: ٨٣]،\n_________\n(١) وهذه أمثال تضرب لما لا يكون.\nانظر: «ثمار القلوب» للثعالبي ٢/ ٦٧٥.\n(٢) في (ب): (عليه).\n(٣) كلمة (واحكم) لم ترد في (ب).\n(٤) ذكره الفراء في «معاني القرآن» ١/ ٣٨٥، والطبري ١٠/ ٣٢٠.\n(٥) في (ب): (فتح الأمور).\n(٦) أخرجه الطبري ١٠/ ٣٢٠، وابن أبي حاتم ٥/ ١٥٢٣.","vol":"1","page":420},{"text":"قيل: صيحة (١) جبريل، وقيل: الصيحة: اسم العذاب، وقيل: هو الأمر والنداء، وقيل: لا تخلو زلزله من صياح ورياح.\nوذكر المفسرون أن الله سبحانه سلط عليهم حرًا شديدًا أخذ بأنفسهم فدخلوا البيوت فدخل عليهم البيوت فلم ينفعهم ظل ولا بناء وأنضجهم الحر، فبعث الله سحابًا (٢) فيها ريح طيبة فوجدوا برد الريح وطيبها وظل السحابة، فنادوا: عليكم بها، فخرجوا إلى البرية فلما اجتمعوا تحت السحابة رجالهم ونساؤهم وصبيانهم، ألهبها الله عليهم نارًا ورجفت بهم الأرض فاحترقوا كما يحترق الجراد المقلو وصاروا رمادًا، وهو عذاب يوم الظلة (٣).\nوقيل: أهلك مدين بالزلزلة وأصحاب الأيكة بالحر وكان شعيب ﵇ مبعوثا إليهما.\n﴿فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ﴾ مدينتهم.\n﴿جَاثِمِينَ (٩١)﴾ ميتين.\n﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ يقيموا فيها وينعموا، وأصله من المَغْنَى، والمغَاني: وهي المنازل (٤)، تقول: غَنِىَ يَغْنَى غِنَىً وغُنْيًا وغُنْيانًا، قال:\nوغَنِيتُ دهرًا قبل مَجْرى داحسٍ ... لو كان للنفس اللجوجِ خلودُ (٥)\nآخر: ولقد تغنى بها جيرانك الـ ... ممسكو منكَ بأسبابِ الوصالِ (٦)\n_________\n(١) في (ب): (قيل هي صيحة).\n(٢) في (ب): (فبعث الله سبحانه فيها ...).\n(٣) انظر: الطبري ١٠/ ٣٢٢ - ٣٢٣، والثعلبي ٤/ ٢٦٢ - ٢٦٣، وأبو حيان ٤/ ٣٤٧.\n(٤) في (أ): (والمغاني المنزل تقول ...).\n(٥) في (أ): (... بعد مجرى ...).\nوالقائل هو: لبيد بن ربيعة، كما عند القرطبي ٩/ ٢٨٧، وعنده: (وغنيت سبتًا).\n(٦) هكذا البيت في (أ)، أما (ب) ففيها: (منها بأسباب الوصال).\nوالبيت لعبيد بن الأبرص في ديوانه (ص ١٢٠) ولفظه:\n(ولقد يغنى به أصحابك الـ ... ـممسكو منك بأسباب الوصل).","vol":"1","page":421},{"text":"﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ (٩٢)﴾ الهالكين، لا كما زعموا وقالوا ﴿لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (٩٠)﴾.\n﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ﴾ بعد أن نزل بهم العذاب.\n﴿وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي﴾ في نزول العذاب.\n﴿وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى﴾ أحزن.\n﴿عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ (٩٣)﴾ عَزَّى نفسه عنهم، وقيل: وتولى عنهم وقال حين رأى أوائل العذاب.\n﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا﴾ يريد فكذبوه (١) فأخذنا.\n﴿أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ أي: عاقبناهم (٢)، والبأساء: الشدة في أنفسهم، والضراء: ما نالهم في أموالهم.\nالحسن: الجوع والفقر (٣).\n﴿لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (٩٤)﴾ لكي يتضرعوا، وقيل: عاملناهم معامله الشاكّ (٤).\n﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا﴾ حولنا.\n_________\n(١) في (ب): (كذبوه).\n(٢) في (أ): (عاقبنا).\n(٣) هذا مذكور عن ابن عباس عند الماوردي ٢/ ٢٤٢، أو عن السدي كما عند الطبري ١٠/ ٣٢٨، أما الحسن فقد نقل الماوردي عنه أن البأساءء: القحط، والضراء: الأمراض والشدائد، وقد نقل الطبرسي ٤/ ٦٩٥ عن الحسن: أن البأساء: الجوع، فالله أعلم.\n(٤) قال الرازي ١٤/ ١٥٠: (ولما علمت أن قوله (لعلهم) لا يمكن حمله على الشكّ في حق الله تعالى، وجب حمله على أن المراد أنه تعالى فعل هذا الفعل لكي يتضرعوا). فهي على بابها: للتعليل، والله أعلم.","vol":"1","page":422},{"text":"﴿مَكَانَ السَّيِّئَةِ﴾ الشدة والفقر.\n﴿الْحَسَنَةَ﴾ الراحة والغنى.\n﴿حَتَّى عَفَوْا﴾ أي: كَثُروا.\nقتادة: سُرُّوا (١).\nالحسن: حتى سمنوا وسمنت دوابهم (٢).\n﴿وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ﴾ أي: هذه عادة الدهر، أي (٣): بعد كل خصب جدب، وبعد كل جدب خصب، فكونوا على ما أنتم عليه.\n﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾ فجأة، وهي الأخذ على غرة.\n﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٩٥)﴾ بنزول العذاب.\n﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾ الشرك والمعاصي.\n﴿لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ﴾ لأنزلنا عليهم.\n﴿بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ يعني المطر.\n﴿وَالْأَرْضِ﴾ يعني النبات.\nأي: لوسعنا عليهم النعمة ورفعنا عنهم الجدب والقحط، وقيل: بركات السماء: قبول الدعاء، وبركات الأرض: تسهيل الحاجات (٤).\n﴿وَلَكِنْ كَذَّبُوا﴾ أي: الأنبياء.\n﴿فَأَخَذْنَاهُمْ﴾ عاقبناهم.\n_________\n(١) أخرجه عبدالرزاق ١/ ٢٣٣، والطبري ١٠/ ٣٣١، وابن أبي حاتم ٥/ ١٥٢٧.\n(٢) نقله الماوردي ٢/ ٢٤٢ عن الحسن.\n(٣) لم ترد (أي) في (ب).\n(٤) في (ب): (تسهيل الدعاء).","vol":"1","page":423},{"text":"﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾ بكفرهم وسوء صنيعهم.\n﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى﴾ يريد الكافرين منهم.\n﴿أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا﴾ عذابنا.\n﴿بَيَاتًا﴾ ليلًا ﴿وَهُمْ نَائِمُونَ (٩٧)﴾.\n﴿أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى﴾ نهارًا (١).\n﴿وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨)﴾ ساهون لا هون.\n﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾ استدراجه، وقيل: عذابه، وقيل: جزاء مكرهم.\n﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (٩٩)﴾ أي: الذين لا يؤمنون به.\n﴿أَوَلَمْ يَهْدِ﴾ يُبَيِّن.\n﴿لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ﴾ يسكنون فيها وينالون من ثمارها.\n﴿مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا﴾ أي: الأمم الخالية الذين أهلكوا بقبيح فعلهم فعمل هؤلاء أعمالهم وعتوا على ربهم.\n﴿أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾ أهلكناهم كما أهلكنا مَنْ قَبْلَهُم.\n﴿وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ نختم عليها.\n﴿فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (١٠٠)﴾ أي: الهدى، وقيل: لا يجيبون، من قولنا: سمع الله لمن حمده.\nقال:\nدعوتُ اللهَ حتى خفتُ أَلَاّ ... يكونَ اللهُ يسمعُ ما أقولُ (٢)\n_________\n(١) كلمة (نهارًا) لم ترد في (ب).\n(٢) قال الماوردي ٢/ ٢٤٣: قال الشاعر، ولم يبين من هو، وقال في «اللسان» (سمع): (أنشده أبو زيد). قلت: هو سعيد بن أوس بن ثابت الأنصاري، أحد أئمة النحو، ويظهر أنه ناقل وراوٍ للبيت فحسب، ولم أقف على قائل البيت.","vol":"1","page":424},{"text":"﴿تِلْكَ الْقُرَى﴾ أي: قرى قوم نوح وعاد وثمود وقوم (١) لوط وقوم شعيب.\n﴿نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا﴾ نخبرك أخبارها ونبين لك آثارها.\n﴿وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ بالمعجزات والدلالات والأمر والنهي.\n﴿فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ﴾ فيه أقوال:\nأحدها: أن قوله: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ يعود إلى الرسل، تقديره: أن مجيء الرسل (٢) لم يسلب عنهم اسم الكفر والتكذيب بل بقوا كافرين مكذبين كما كانوا قبل الرسل.\nوالثاني: أن الفعل (٣) في قوله: ﴿فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ لقوم، والفعل في قوله:\n﴿كَذَّبُوا﴾ لقوم آخرين (٤)، أي: تواطئوا على تكذيب الرسل.\nوالثالث: لو أهلكناهم ثم أحييناهم لم يؤمنوا بما كذبوا من قبل الإهلاك، كقوله ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨].\nوالرابع: أن الله علم منهم قبل خلقه إياهم أنهم يكفرون ويكذبون بتوحيد الله فلم يخالفوا معلوم الله فيهم.\nوالخامس: أن المراد من قوله ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ يوم الميثاق، أي: أضمروا التكذيب يوم أقروا بالإيمان (٥).\n﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ﴾ أي: كما وصفنا يطبع الله ﴿عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ (١٠١)﴾.\n﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ﴾ أي: وفاء عهد، وهو ما عهد إليهم في الكتب، وقيل: عهد يوم الميثاق، وقيل: هو ما ركبه في العقول، وقيل: من عهد: من طاعة.\n﴿وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ (١٠٢)﴾ يريد وجدنا فأكده بإن ثم خفف (٦) وألزم بعده اللام، والكوفيون يجعلون إن للنفي واللام بمعنى إلا، وهذا لا يعرف له أصل (٧).\n_________\n(١) كلمة (قوم) لم ترد في (أ).\n(٢) قوله: (تقديره أن مجيء الرسل) ساقط من (أ).\n(٣) في (أ): (أن فعل ...).\n(٤) في (أ): (الآخرين).\n(٥) انظر: «جامع البيان» للطبري ١٠/ ٣٣٦ - ٣٣٨، و«زاد المسير» ٣/ ٢٣٦.\n(٦) سقط قوله: (ثم خفف) من (أ).\n(٧) انظر: «الدر المصون» للسمين الحلبي ٢/ ١٥٥ - ١٥٦ و٥/ ٤٠٠.","vol":"1","page":425},{"text":"﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ بعد قوم شعيب وقوم لوط وغيرهم ممن تقدم ذكرهم.\n﴿مُوسَى بِآيَاتِنَا﴾ يريد ما كان معه من المعجزات الواضحات.\n﴿إِلَى فِرْعَوْنَ﴾ واسمه الوليد بن مصعب ابن ريان، وقيل: اسمه قابوس (١).\n﴿وَمَلَئِهِ﴾ أكابر قومه.\n﴿فَظَلَمُوا بِهَا﴾ أي: كفروا بالآيات وجحدوا بها (٢).\n﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٠٣)﴾ حيث صار إلى الهلاك.\n﴿وَقَالَ مُوسَى يَافِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠٤)﴾ إليك (٣).\n﴿حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ﴾ جدير بأن لا أقول.\n﴿عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ الصدق، قاله حين كذبه، و(حقيقٌ عليَّ) بالتشديد: واجب علي (٤).\nابن حبيب: أي: حقيق عليك أن لا أقول (٥)، فصرف الخطاب (٦).\nوقيل: حقيق بالرسالة، وتم الكلام (٧).\n﴿قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ يريد العصا.\n﴿فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٠٥)﴾ أطلقهم ولا تستعبدهم، وكان قد استعبدهم.\n_________\n(١) انظر: «الكشف والبيان» للثعلبي ٤/ ٢٦٦ - ٢٦٧، و«المحرر الوجيز» لابن عطية ٦/ ٢٥، وعند الرازي ١٤/ ١٥٥: قايوس.\n(٢) في (ب): (وحجدوها).\n(٣) لم ترد كلمة (إليك) في (أ).\n(٤) وهي قراءة نافع وحده من بين القراء العشرة.\nانظر: «المبسوط» لابن مهران (ص ١٨٣).\n(٥) في (ب): (أن لا تقول).\n(٦) نقله الثعلبي ٤/ ٢٦٧، وفي المطبوع تحريف، حيث ورد: (مصرف الخطاب).\n(٧) قال الأشموني في «منار الهدى» (ص ٣٠٥): (والوقف على (حقيق) أحسن على قراءة نافع)","vol":"1","page":426},{"text":"الثعلبي (١): قال وهب (٢): كان سبب استعباد فرعون بني إسرائيل: أن فرعون موسى كان فرعون يوسف فلما توفي يوسف ﵇ وانقرضت الأسباط وكثر نسلهم غلبهم فرعون فاستعبدهم فأنقذهم الله بموسى، قال (٣): وكان بين اليوم الذي دخل يوسف مصر واليوم الذي دخل (٤) موسى رسولًا أربعمائة عام (٥).\n﴿قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٠٦)﴾ في دعواك.\nالزجاج: ناقض فرعون في قوله ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨] حين طالب موسى بالبيِّنة (٦).\n﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ﴾ يعني موسى، مِنْ يده.\n﴿فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ﴾ حية عظيمة كأعظم مايكون.\nابن عيسى: سمي ثعبانًا لأنه يجري كَثَعْبِ الماء (٧).\n﴿مُبِينٌ (١٠٧)﴾ ظاهر.\nفقصدت فرعون فاغرة فاها لتأخذه، فوثب ونزل من سريره وهرب منها، وأحدث، وهرب الناس، فأخذها موسى فعادت عصًا كما كانت، فعاد فرعون إلى مكانه، فقال: هل معك آية أخرى (٨).\n﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾ من جيبه.\n﴿فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (١٠٨)﴾ لها شعاع يغلب الشمس ثم ردها إلى جيبه فعادت يده كما كانت.\n﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ﴾ أي: قال فرعون وصدقه القوم.\n﴿إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (١٠٩)﴾ يعنونه وحيله، يسحر الناس بخداعه وأخذه عيون الناس حتى يخيل إليهم العصا حية واليد بيضاء.\n﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ﴾ مصر.\n﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (١١٠)﴾ تشيرون علي أن أفعل به.\n_________\n(١) هو المفسر المشهور: أحمد بن محمد الثعلبي، أبو إسحاق، له كتاب «الكشف والبيان» وهو مطبوع أكثر من طبعة كلها رديئة، ويحتاج إلى عناية، توفي سنة (٤٢٧ هـ).\nانظر: «طبقات المفسرين» للداودي ١/ ٦٥ - ٦٦.\n(٢) هو: وهب بن منبه الصنعاني، العلاّمة المشهور، ولد في زمن عثمان ﵁ سنة (٣٤ هـ)، وأخذ عن جماعة من الصحابة، توفي سنة (١١٠) وقيل (١١٣) وقيل (١١٤ هـ).\nانظر: «سير أعلام النبلاء» للذهبي ٤/ ٥٤٤ - ٥٥٧.\n(٣) كلمة (قال) لم ترد في (ب).\n(٤) في (ب): (دخله).\n(٥) انظر: «الكشف والبيان» للثعلبي ٤/ ٢٦٧.\n(٦) قاله الزجاج بمعناه في «معاني القرآن» ٢/ ٣٦٢، وفي ٤/ ١٤٥ سورة القصص عند تفسيره قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾.\n(٧) قال في «اللسان» (ثعب): (والثَّعْبُ: مَسِيْلُ الوادي).\n(٨) انظر: «جامع البيان» للطبري ١٠/ ٣٤٣ - ٣٤٥، و«الكشف والبيان» للثعلبي ٤/ ٢٦٧، و«تفسير القرآن العظيم» لابن كثير ٦/ ٣٥٩.","vol":"1","page":427},{"text":"﴿قَالُوا أَرْجِهْ﴾ أَخِّر أَمْرَه، وقيل: احبسه.\n﴿وَأَخَاهُ﴾ هارون.\nوقيل: معنى ﴿أَرْجِهْ﴾ بغير همز (١): أَطْمِعْهُ (٢) ولا تقتلهما حتى يظهر كذبهما فإن قتلتهما قبل أن يظهر كذبهما ظن الكافرون أنهما صادقان.\n﴿وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (١١١)﴾ أي: الشُّرَط.\n﴿بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (١١٢)﴾ حاذق.\nوقيل: وأرسل في مدائن مملكتك حاشرين، الذين يجمعون السحرة.\nوالحشر: الجمع، ومنه: يوم الحشر.\nقال ابن عباس ﵄: إن فرعون لما رأى من سلطان الله في العصا ما رأى قال: إنا لا نغالب موسى إلا بمن هو منه، فاتخذ غلمانًا من بني إسرائيل وبعث بهم إلى قرية فيها السحرة يُعلِّمون السحر كما يُعَلَّمُ الصبيانُ في المكتب، فتعلموا سحرًا كثيرًا وواعد فرعون موسى موعدًا (٣) وبعث إلى السحرة فجاء بهم وبِمُعَلِّمِهِم، فقال له: ماذا صنعت؟ قال: قد علمتهم سحرًا لا يطيقه سحر أهل الأرض إلا أن يكون أمر من السماء، فإنه لا طاقه لهم به (٤)، ثم بعث في مملكته فلم\n_________\n(١) قرأ أبو جعفر ونافع والكسائي وخلف (أَرْجِهِ وأخاه) بغير همز وكسر الهاء، ونافع والكسائي وخلف يشبعون كسرةالهاء، وأبو جعفر وقالون عن نافع يكسران الهاء ولا يشبعان، وقرأ عاصم وحمزة (قالوا أَرْجِهْ) بغير همز وجزم الهاء، وقرأ ابن عامر وابن كثير وأبو عمرو ويعقوب (أَرْجِئْهُ) بالهمز وضمّ الهاء، ولا يشبعها إلا ابن كثير على أصله ومذهبه في مثله.\nانظر: «المبسوط» (ص ١٨٣).\n(٢) في (أ): (أطعمه).\n(٣) في (ب): (وعدًا).\n(٤) في (أ): (بها).","vol":"1","page":428},{"text":"يترك ساحرًا إلا أتى به (١).\nالكلبي: كانوا سبعين رجلًا، وقيل: اثنين وسبعين (٢).\nالسدي: كانوا بضعًا وثلاثين ألفًا (٣).\nعكرمة: كانوا سبعين ألفًا (٤).\nوقيل: ثمانين ألفًا، واسم رئيسهم شمعون (٥).\n﴿وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ﴾ يريد فأرسل إليهم فحضروا.\n﴿قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا﴾ مالًا وجُعْلًا ﴿إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (١١٣)﴾.\n﴿قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (١١٤)﴾ أي: في المنزلة عندي، وقيل: أول من يدخل عَليَّ وآخر من يخرج.\n﴿قَالُوا﴾ أي: السحرة.\n﴿يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ﴾ عصاك ﴿وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (١١٥)﴾ لما معنا (٦).\n﴿قَالَ أَلْقُوا﴾ أي: قال موسى لهم: ألقوا إن كنتم محقين، وقيل: ألقوا (٧) ما يصح ويجوز.\n_________\n(١) أخرجه الطبري ١٠/ ٣٥٣ - ٣٥٤ عن ابن عباس ﵄.\n(٢) في (ب): (اثنين وسبعين رجلًا).\nوقول الكلبي: نقله الثعلبي ٤/ ٢٦٩، أما القول بأنهم اثنان وسبعون فهو قول ابن عباس فيما رواه أبو صالح عنه، وذكره ابن الجوزي ٣/ ٢٤٠.\n(٣) أخرجه الطبري ١٠/ ٣٥٦، وابن أبي حاتم ٥/ ١٥٣٥ عن السدي.\n(٤) أخرجه الطبري ١٠/ ٣٥٥ عن عكرمة.\n(٥) حكى ابن الجوزي في عددهم ثلاثة عشر قولًا في كتابه «زاد المسير» ٣/ ٢٤٠ - ٢٤١، وقال ابن عطية ٦/ ٣٤: (وهذه الأقوال ليس لها سند يوقف عنده).\n(٦) في (أ): (بما معنا).\n(٧) سقطت كلمة (ألقوا) من (ب).","vol":"1","page":429},{"text":"﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ أي: أرهبوهم وأفزعوهم.\nالزجاج: طلبوا منهم الرهبة (١).\n﴿وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (١١٦)﴾ ألقوا حبالًا غلاظًا (٢) وخشبًا طوالًا كأنها حيات تملأ الوادي، ويحتمل أن قوله ﴿عَظِيمٍ (١١٦)﴾ تعظيم لعصا موسى كما جرت العادة في تعظيم الخصم بعد الغلبة، وقيل: ﴿عَظِيمٍ (١١٦)﴾ في عين من رآه.\n﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ ألقينا في قلبه، وقيل: جاءه جبريل.\n﴿فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ﴾ أي: فألقاها (٣) ﴿فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ﴾ تبلع تناولا بفيها بسرعة منها.\n﴿مَا يَأْفِكُونَ (١١٧)﴾ مأفوكهم (٤)، أي: الحبال والعصي وسائر ما أتوا به من الإفك، وهو الكذب، وتقديره: ما يأفكون فيه وبه، وقيل: ﴿مَا يَأْفِكُونَ (١١٧)﴾: يقلبون ويزورون على الناس، من الإفك، وهو الصرف وقلب الشيء عن وجهه (٥).\n﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ﴾ أي: ظهر، وهو أمر الله ونبوة موسى ﵇، وقيل: قرعهم وصدعهم كوقع المِيْقَعَة (٦).\n﴿وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٨)﴾ من السحر، وكان حمل أربعين جملًا ابتلعها عصا موسى وما نَتَا وسطها (٧).\n_________\n(١) قال الزجاج في «معاني القرآن» ٢/ ٣٦٦: (أي: استدعوا رَهْبَتَهُم حتى رهبهم الناس).\n(٢) سقطت (غلاظًا) من (أ).\n(٣) في (أ): (أي هي فألقاها).\n(٤) في (ب): (أي مأفوكهم).\n(٥) في (ب): (على وجهه).\n(٦) يعني: المطرقة. انظر: «اللسان» (وقع).\n(٧) يعني: ما وَرِمَ وسطها. انظر: «اللسان» (نتا).\nوقال ابن عطية ٦/ ٣٥: (وروي أنهم جلبوا ثلاثمائة وستين بعيرًا موقرة بالحبال والعصي).","vol":"1","page":430},{"text":"﴿فَغُلِبُوا هُنَالِكَ﴾ فغلب فرعون وجنوده والسحرة كلهم.\n﴿وَانْقَلَبُوا﴾ إلى المدينة.\n﴿صَاغِرِينَ (١١٩)﴾ أذلاء مقهورين.\n﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (١٢٠)﴾ ألقاهم الله، أي: أسرعوا ولم يتمالكوا أن وقعوا ساجدين لله، وقيل: موافقة لموسى وهارون، فإنهما سجدا شكرًا على وقوع الحق.\n﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١)﴾ قال فرعون: إياي تعنون (١)، قالوا: ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٢)﴾ فهو بدل.\n﴿قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ﴾ بموسى، وقيل: بالله.\n﴿قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ من غير أمري.\n﴿إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ﴾ صَنْعَةٌ.\n﴿مَكَرْتُمُوهُ﴾ صنعتموه.\n﴿فِي الْمَدِينَةِ﴾ في مصر.\n﴿لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا﴾ بالمكر والسحر.\n﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (١٢٣)﴾ عاقبة أمركم، هذا، تهديد، ثم صَرَّحَ فقال:\n﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ اليد اليمنى والرجل اليسرى، وهو أول من فعل هذا (٢).\nويحتمل: من (٣) أجل خلاف ظهر منكم.\n_________\n(١) في (أ): (تعنوني).\n(٢) أخرجه الطبري ١٠/ ٣٦٣ عن ابن عباس ﵄.\n(٣) سقطت (من) من (أ).","vol":"1","page":431},{"text":"﴿ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (١٢٤)﴾ أعلقكم على خشب منصوبة.\n﴿قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (١٢٥)﴾ بالموت فيثيبنا الله فلا نبالي بوعيدك.\n﴿وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا﴾ أي: ما تنكر منا منكرًا إلا إيماننا بربنا.\n﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾ أنزل علينا ما يحبسنا عن الكفر وهون علينا ما يريده من عذابنا.\n﴿وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ (١٢٦)﴾ اقبضنا إليك على دين موسى وهارون.\n﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ﴾ قال أكابر قومه له (١): ﴿أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ أرض (٢) مصر بالاستعلاء فيها وتغيير (٣) دين أهلها.\nواللام لام العاقبة.\n﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ كان له أصنام يعبدها، ويعبدها قومه تقربًا إليه، ولهذا قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤)﴾ [النازعات: ٢٤].\nقيل: كان يعبد بقرة، وإذا رأى بقرة حسناء أمرهم أن يعبدوها (٤).\nأبو عبيدة عن الحسن: أنه كان يعبد تيسًا (٥)، وقيل: كان في عنقه صنم صغير يعبده، وقيل: كان قبط يعبدون الكواكب ويزعمون أنها تستجيب دعاء من دعاها، وأن فرعون كان يدّعي أن الشمس استجابت له ومَلَّكَتْهُ عليهم.\n_________\n(١) سقطت (قال) من (أ)، وفيها: (قوم له)، و(له) لم ترد في (ب).\n(٢) سقطت كلمة (أرض) من (أ).\n(٣) في (أ): (وبغير).\n(٤) في (أ): (كان يعبد بقرة حسناء أمرهم ...) فحصل فيها سقط.\n(٥) ذكره الثعلبي عن أبي عبيد قال: وبلغني عن الحسن، وليس أبو عبيدة، إلا أن يكون المطبوع محرفًا.\nانظر: «الكشف والبيان» ٤/ ٢٧١.","vol":"1","page":432},{"text":"وقراءة من قرأ (وإلاهتك) (١)، أي: عبادتك، وقيل: شمسك التي تعبدها وهي مختصة بك.\nوقيل: (وإلاهتك): كبار قومك.\n﴿قَالَ﴾ يعني فرعون مجيبًا للملأ (٢).\n﴿سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ﴾ لينقطع نسلهم.\n﴿وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾ للاستخدام، وقد سبق (٣).\n﴿وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ (١٢٧)﴾ غالبون.\n﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ﴾ فيه (٤) تسل ووعد، والأرض: مصر، وقيل: جميع الأرض، وقيل: الجنة.\n﴿يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ يهبها، والإرث: مصير الشيء للخلف بعد السلف.\n﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (١٢٨)﴾ النصر والظفر، وقيل: السعادة والشهادة، وقيل: الجنة.\nوعن ابن عباس ﵄ قال: لما آمنت السحرة بموسى تبعه ستمائة ألف من بني إسرائيل (٥).\n﴿قَالُوا﴾ أي: بنوا إسرائيل.\n_________\n(١) في المخطوطتين (وإلهتك)، وهي قراءة علي وابن مسعود وابن عباس ﵃.\nانظر: «القراءات الشاذة» لابن خالويه (ص ٤٥)، وزاد القرطبي ٩/ ٣٠٠ نسبتها للضحاك.\n(٢) قوله: (مجيبًا للملأ) لم يرد في (أ).\n(٣) عند تفسير الآية (٤٩) من سورة البقرة.\n(٤) في (أ): (فيها).\n(٥) أخرجه الطبري ١٠/ ٣٧١.","vol":"1","page":433},{"text":"﴿أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا﴾ بالرسالة، بقتل الأبناء واستخدام البنات.\n﴿وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾ بإعادة القتل والإتعاب بالأعمال الشاقة كنحت الحجارة وحمل الأثقال وضرب اللبن من غير تبن وأداء الجزية والخراج.\nقيل: قالوها استبطاء وشكوى من فرعون (١).\n﴿قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ عسى هاهنا يقين، فحقق الله ظن موسى ﵇ وفتح عليه (٢) مصر مع يوشع ومَلَّكَهُم مصر وغيرها زمن داوود وسليمان ﵍.\n﴿فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٢٩)﴾ أي: يعلم (٣) عملكم في الشكر والطاعة والمخالفة والعصيان، وقيل: ينظر إلى أعما لكم واقعة موجودة مستحقًا عليها الجزاء والثواب.\n﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾ بالقحط والجدب، تقول أَسْنَت القومُ: إذا أجدبوا (٤).\nقال:\nعمرو العُلَا هَشَمَ الثريدَ لقومهِ ... ورجالُ مكةَ مُسْنِتُونَ عِجَافُ (٥)\nوجمعت لأنهم ابتلوا بها أعواما.\n_________\n(١) قوله: (من فرعون) لم يرد في (ب).\n(٢) في (ب): (عليهم).\n(٣) في (أ): (يعمل).\n(٤) انظر: «اللسان» (سنه)، و«الحجة» لأبي علي الفارسي ٢/ ٣٧٢ عند الكلام على قوله تعالى: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ [البقرة: ٢٥٩].\n(٥) القائل: هو عبدالله بن الزِّبَعرى يمدح هاشم بن عبدمناف.\nانظر: «المقتضب» للمبرد ٢/ ٣١٢ - ٣١٦، وكلام المحقق محمد عبدالخالق عضيمة على قصة البيت.","vol":"1","page":434},{"text":"وقيل: كان سبع سنين، وإنما جُمِعَ جَمْعَ السلامة جبرًا لسقوط لامه وكُسِر الفاء دليلًا على (١) ذلك.\nمجاهد: السنون: الجوائح (٢).\n﴿وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ بالآفات، وقيل: السنون وقعت بالبوادي وأهل المواشي، ونقص من الثمرات في القرى والأمصار.\n﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٣٠)﴾ فينتبهون ويرجعون.\n﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ﴾ الخصب والنعمة والعافية والأمن.\n﴿قَالُوا لَنَا هَذِهِ﴾ ونحن نستحقها.\n﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ قحط وألم وخوف.\n﴿يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾ تشاءموا بهم، وأصل ذلك أن الواحد إذا خرج في طلب أمر تفاءل بالسانح من الطير وغيره والبارح وسمي ذلك الطيرة، ومن تشاءم بشئ منه قيل: تطير.\n﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣١)﴾ أي: هو الذي يأتي بطائر البركة وطائر الشؤم من الخير والشر، وسماه طائرًا على اعتقادهم (٣)، وقيل: ﴿طَائِرُهُمْ﴾: أنصباؤهم من الرخاء والخصب وغير ذلك، وقيل: ﴿طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي: ما يتشاءمون به من عند الله (٤) وهو العذاب في العقبى وهذا بالإضافة إلى ذلك غير مُعْتدٍّ به.\n_________\n(١) سقطت (على) من (أ).\n(٢) أخرجه الطبري ١٠/ ٣٧٤، وابن أبي حاتم ٥/ ١٥٤٢.\n(٣) في (أ): (لاعتقادهم).\n(٤) في (أ): (ما يتشاموا به عند الله ...).","vol":"1","page":435},{"text":"﴿وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (١٣٢)﴾ في ﴿مَهْمَا﴾ قولان:\nأحدهما: أن أصله (ما) الذي للشرط زيد عليه (ما) كما يزاد مع إنْ وغيره فصار (ما ما) ثم قلب الألف همزة ثم هاء.\nوالثاني: أن أصله (مه)، أي: دع وكف، و(ما) للشرط.\nوروي عن بعض أصحاب الكسائي الوقف على (مه) والمعنى: أي شيء جئتنا به لتسحر أعيننا وتشبه علينا فما نحن لك بمؤمنين، وقول (١) من قال: تقديره متى جئتنا، فسهو (٢).\n﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ﴾ أي: ماء يغشى كل مكان، وذلك أن السماء أرسلت عليهم من السبت إلى السبت لم تقلع حتى تهدمت ديارهم، فسألوا موسى أن يرفع ذلك عنهم ليؤمنوا، فأنجم السحاب وهبت الريح فجفت الأرض وزكا الزرع، فقالوا: كان ذلك رحمة لا عذابًا، وقيل: دخل الماء بيوت القبط ولم يدخل بيوت بني إسرائيل من الماء قطرة، وقيل: الطوفان: الموت الذريع.\nوعن ابن عباس ﵄: أنه الغرق (٣)، وعنه أيضا: أنه أمر عظيم من أمر الله تعالى طاف بهم (٤).\nوقيل: هو الطوف (٥) في الأرض، وهو مصدر، كالرجحان.\nالأخفش: جمع طوفانة (٦).\n_________\n(١) في (أ): (وقيل).\n(٢) انظر: «الجامع لأحكام القرآن» للقرطبي ٩/ ٣٠٨، و«الدر المصون» للسمين ٥/ ٤٣١ - ٤٣٢.\n(٣) أخرجه الطبري ١٠/ ٣٧٩، وابن أبي حاتم ٥/ ١٥٤٤ و٥/ ١٥٤٥.\n(٤) أخرجه الطبري ١٠/ ٣٨١ ورجحه، وابن أبي حاتم ٥/ ١٥٤٤.\n(٥) في (أ): (الطوفان).\n(٦) انظر: «معاني القرآن» للأخفش ١/ ٣٣٦.","vol":"1","page":436},{"text":"وهب: هو الطاعون أرسل على أبكار آل فرعون ليلة فأقصعه (١) فلم يبق منهم إنسان، حكاه الثعلبي.\nأبو قلابة (٢): هو الجدري (٣)، وهم أول من عذبوا به فبقي.\n﴿وَالْجَرَادَ﴾ هو المعروف.\n﴿وَالْقُمَّلَ﴾ الدبا (٤)، وهو صغار الجراد لا أجنحة لها، وقيل: نوع من القراد وهو القَمْقَام (٥)، وقيل: هو السوس يكون في الحنطة، وقيل: البرغوث، وقيل: القَمْل (٦)، وكذلك قرأه الحسن (٧)، وقيل: دواب سود صغار.\n﴿وَالضَّفَادِعَ﴾ جمع ضفدع، وهو المعروف، وكانت تقع في طعامهم وشرابهم حتى إذا تكلم الرجل وقع الضفدع في فِيْه.\n﴿وَالدَّمَ﴾ قيل: الرعاف، وقيل: مياههم انقلبت دمًا، حتى القبطي يشرب من الكوز دمًا ويشرب الإسرائيلي من ذلك الكوز ماء ويمج الإسرائيلي من فيه الماء في\n_________\n(١) هكذا في (أ) وكتب على الهامش: أقصعه: قتله مكانه، وفي (ب) رسمت هكذا: (ما قبضهم) بدون نقط، أما في «الكشف» للثعلبي فإن هذا المقطع ساقط من المطبوع، ورجعت إلى كتاب الثعلبي في قصص الأنبياء (ص ١٦٨) فوجدته نقل قول وهب بن منبه بلفظ: فافتضهن في ليلة فلم يبق منهن باقية.\n(٢) هو: عبدالله بن زيد الجَرْمي، أبو قلابة البصري، ثقة فاضل، مات بالشام هاربًا من القضاء، توفي سنة (١٠٤ هـ)، وقيل بعدها.\nانظر: «تقريب التهذيب» (ص ٣٠٤).\n(٣) في (ب): (أبو قلابة الجحدري) وهذا تصحيف، وقد ذكره البغوي ٢/ ١٤٠ عن أبي قلابة.\n(٤) قال القرطبي ٩/ ٣١٢: (والدَّبَى: الجراد قبل أنْ يطير، الواحدة دَبَاة).\n(٥) في (ب): (وهو القمقام صغار الدبا وقيل ...). والقمقام: (صغار القردان، وضَرْبٌ من القمل شديد التشبث بأصول الشعر) كما في «اللسان» (قمم).\n(٦) في (أ): (هم القمل).\n(٧) انظر: «القراءات الشاذة» لابن خالويه (ص ٤٥).","vol":"1","page":437},{"text":"فم القبطي فينقلب دمًا، ويمج القبطي في فم الإسرائيلي دمًا فينقلب ماء (١).\n﴿آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ﴾ مبينات، وقيل: منفصلات، وبين كل واحدة إلى الأخرى شهر.\n﴿فَاسْتَكْبَرُوا﴾ عن الإيمان.\n﴿وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (١٣٣)﴾ لم يؤمنوا مع تظاهر هذه الآيات وتتابعها.\n﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ﴾ أي: العذاب الذي تقدم ذكره واحدًا بعد واحد.\n﴿قَالُوا يَامُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ بما تقدم إليك أن تدعوه به فيجيبك كما أجابك في آياتك، وقيل: بما جعل لك من النبوة.\n﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٣٤)﴾ سألوه أن يرفع ذلك عنهم ليؤمنوا.\n﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ﴾ العذاب، وقيل: الموت\nوروى النقاش في تفسيره أن الرجز (٢) في قوله: ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ﴾: الثلج.\n﴿إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (١٣٥)﴾ يعني ضربوا أجلًا لإيمانهم فلما جاء الأجل نكثوا عهودهم ولم يؤمنوا.\nوقيل: ﴿إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ﴾: الغرق، وقيل: الموت.\n_________\n(١) قد أورد الطبري ١٠/ ٣٨٦ - ٣٩٧ روايات حول هذه العقوبات عن ابن عباس ﵄ وسعيد بن جبير وقتادة والسدي ومحمد بن كعب القرظي وابن إسحاق وغيرهم.\n(٢) سقطت (في) من (أ). وهذا القول عن النقاش نقله الكرماني في كتابه الآخر «غرائب التفسير» ١/ ٤١٩.","vol":"1","page":438},{"text":"و﴿إِذَا﴾ في هذه الآية (١): للمفاجأة، وهو ظرف مكان، تقول: خرجت فإذا زيد، تريد: وبالحضرة زيد (٢).\n﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ عاقبناهم على سوء فعلهم.\n﴿فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾ البحر، قيل: هو القلزم، وذهب جماعة من المفسرين إلى أن ﴿الْيَمِّ﴾: البحر بلسان (٣) العبرانية، وليس كذلك، لقوله ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾ [الشعراء: ١٩٥]، وقد جاء في الشعر:\nداوِيَّةٌ ودُجَى ليلٍ كأنهما ... يمٌّ تَراطَنُ في حافاتهِ الرومُ (٤)\n﴿بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ بسبب تكذيبهم آياتنا وحملهم إياها على العادات وعلى السحر.\n﴿وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (١٣٦)﴾ عن النقمة، وقيل: عن الآيات، أي: كانوا لا يعتبرون بها.\n﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ﴾ أي: يجدونهم ضعفاء، يعني بني إسرائيل، أورثهم الله ديار (٥) أعدائهم بعد أن أهلكهم.\nقوله: ﴿مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ يريد أرض الشام، لقوله:\n﴿الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: ١]، والألف واللام للعهد، وقيل: عام في جميع الأرض وأنهم ملكوها زمن داوود وسليمان ﵉، وقيل: لكل قطعة أرض مشرق ومغرب يجري مجرى الحدود لها، وقيل: مشارق الأرض ومغاربها ظرف\n_________\n(١) في (ب): (في الآيات).\n(٢) في (ب): (فبالحضرة زيد).\n(٣) في (ب): (... إلى أن البحر اليم بلسان ...).\n(٤) القائل هو: ذو الرُّمَّة، ذكره ابن جرير الطبري في «جامع البيان» ١٠/ ٤٠٣.\n(٥) في (ب): (دار).","vol":"1","page":439},{"text":"لقوله: ﴿يُسْتَضْعَفُونَ﴾، أي: يستضعفون في مشارق الأرض ومغاربها، وليست بمفعول لأورثنا.\nقوله ﴿الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ أي: بالماء والشجر.\n﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ قيل: نعمة ربك، وقيل: هي ما وعد الله بني إسرائيل بقوله (١): ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ الآيات [القصص: ٥]، وقيل: هي قول موسى ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ﴾ الآية [الأعراف: ١٢٩]، وقيل: (كلمته): وعده، كما تقول: جاء ما قلت، ووصفه بالحسنى لأنها وعد بمحبوب.\n﴿بِمَا صَبَرُوا﴾ أي: بصبرهم على الإيمان والشدائد.\n﴿وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ﴾ أي: خربنا قصورهم وأبنيتهم.\nوالتدمير: الإهلاك وإخراب البناء.\n﴿وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ (١٣٧)﴾ يبنون.\nالحسن: عرش الكروم (٢).\nوقيل: ﴿مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ﴾ يدبر في إبطال أمر موسى ﵇.\n﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ﴾ أي: عبرنا بهم البحر، وهو القلزم (٣).\n_________\n(١) كلمة (بقوله) سقطت من (ب).\n(٢) ذكره الثعلبي ٤/ ٢٧٣ عن الحسن بلفظ: وما كانوا يعرشون من الثمار والأعشاب. ولعل الكلمة الأخيرة: الأعناب، فإن المطبوع فيه تصحيف كثير، والله أعلم.\n(٣) يعرف اليوم بالبحر الأحمر، وقيل: هو نهر النيل، وهذا خطأ، فأغلب المفسرين والمؤرخين على الرأي الأول، وقيل: بحري فارس والروم، وهذا التحديد يبعد كثيرًا عن مكان الأحداث وكونها في شبه جزيرة سيناء.\nانظر: «المعجم الجامع لما صرح به وأبهم في القرآن الكريم من المواضع» (ص ١٢٠ - ١٢١).","vol":"1","page":440},{"text":"﴿فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ فبلغوا قرية فيها قوم يعبدون الصنم.\nوقيل: يعبدون تماثيل البقر، وهذا أول شأن العجل.\nوقيل: كانوا من العمالقة (١).\nوقيل: هم قبيلة لَخْم (٢)، نزلوا بالرَّقة (٣) فسألهم بنوا إسرائيل عن فعلهم فقالوا: عبادتنا لها قُربة إلى الله تعالى.\n﴿قَالُوا﴾ أي: بنوا إسرائيل.\n﴿يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨)﴾ إن عبادة شيء مع الله سبحانه باطل.\n﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ﴾ مهلك، من التَّبار، وأصله الكسر، ومنه التِّبْرُ (٤).\n﴿وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٩)﴾ أي (٥): عملهم.\n﴿قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا﴾ أطلب لكم معبودًا غير الله، من: بغيته الشيء، أي: طلبته له.\n﴿وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (١٤٠)﴾ جعل لكم الزيادة على عَالَمِي زمانكم.\n﴿وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ واذكروا ذلك.\n_________\n(١) قال في «اللسان» (عملق): (العمالقة من عادٍ، وهو بمنو عملاق. قال الأزهري: عملاق أبو العمالقة، وهم الجبابرة الذين كانوا بالشام على عهد موسى ﵇).\n(٢) قال في «اللسان» (لخم): (قال ابن سيده: لخم حيٌّ من اليمن، ومنهم كانت ملوك العرب في الجاهلية). واستبعد البلنسي في «تفسير مبهمات القرآن» ١/ ٤٨٦ - ٤٨٧ أن يكونوا من لخم.\n(٣) قال ياقوت في «معجم البلدان» ٣/ ٥٩: (مدينة مشهورة على الفرات).\n(٤) قال في «اللسان» (تبر): (التَّبَار: الهلاك. وتبره تتبيرًا: أي: كسَّرهُ وأهلكه، وهؤلاء متبر ما هم فيه، أي: مكسَّر مُهْلَكٌ). وقال عن ابن الأعرابي: (التبر: الفتات من الذهب والفضة قبل أن يصاغا).\n(٥) سقطت (أي) من (ب).","vol":"1","page":441},{"text":"﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ يحملونكم عليه ويريدونه منكم، وقد سبق (١).\n﴿يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (١٤١)﴾ سبق تفسيره.\n﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً﴾ ذو القعدة.\n﴿وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ أي: من ذي الحجة.\n﴿فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي﴾ كن خليفتي فيهم.\n﴿وَأَصْلِحْ﴾ واحملهم على طاعة الله.\n﴿وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (١٤٢)﴾ لا تسلك طريق العاصين (٢)، وذلك أن الله تعالى وعد موسى أن يؤتيه كتابًا فيه بيان ما يأتون وما يذرون إذا أهلك عدوهم، فلما أهلكهم (٣) سأل موسى ربه الكتابَ فأمره بصوم ثلاثين يومًا وكان ذا القعدة، فلما صام أنكر خلوف فمه فاستاك بعود خَرُّوب (٤)، فقالت الملائكة: كُنَّا (٥) نشم من فيك رائحة المسك، فأفسدته بالسواك، فأمره الله بصوم عشرة أيام من ذي الحجة، وقال: أما علمت أن خلوف فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك (٦).\nوكانت فتنة قومه في العشر الذي زاده الله.\n_________\n(١) في تفسير سورة البقرة، الآية (٤٩).\n(٢) في (ب): (سبيل العاصين).\n(٣) في (ب): (أهلكه).\n(٤) نبات حلو يؤكل كما في «اللسان» (خرب)، وعند القرطبي ٩/ ٣١٩: خَرْنوب.\n(٥) في (ب): (... الملائكة له كنا ...).\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم ٥/ ١٥٥٦ عن ابن عباس ﵄.\nوأورده الثعلبي ٤/ ٢٧٤، والديلمي في «الفردوس» (٥٣٠٩)، والقرطبي ٩/ ٣١٩.","vol":"1","page":442},{"text":"وقوله: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [البقرة: ٥١] عبارة عن الوعد الأول والذي أتم به (١)، فلا تناقض بينهما والحمد لله.\n﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ (لما) علم للظرف (٢)، أي: حين جاء (٣) وكلمه ربه. والميقات: الوقت المعين للشيء، كميقات الحج.\n﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ أي: أرني نفسك (٤) أنظر إليك، وقيل: مكني من رؤيتك.\n﴿قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ أي: في الدنيا، وقيل: لن تقدر (٥) أن تراني.\n﴿وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ﴾ وهو جبل زبير (٦).\n﴿فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ﴾ بقي على حاله.\n﴿فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ﴾ ظهر وبان، وقيل: تجلى مقدار إبهام من العرش، وقيل: تجلى آية من آيات الله، وقيل: خلق الله ﴿لِلْجَبَلِ﴾ قلبًا وعينًا (٧).\nالمبرد: ﴿تَجَلَّى﴾: أظهره، جعله متعديًا كالتبدل والتوعد (٨).\nوقيل: تجلى لأهل الجبل، يريد موسى والسبعين الذين معه.\n_________\n(١) الوعد الأول: يعني الثلاثين، والذي أتم به: يعني العشر، فالمجموع: أربعون.\n(٢) هذه (لما) الظرفية أو التوقيتية أو الحينية، وهي ظرف بمعنى (حين).\nانظر: «المعجم المفصل في النحو العربي» ٢/ ٨٨٩.\n(٣) سقط حرف الواو من (ب).\n(٤) كلمة (نفسك) سقطت من (ب).\n(٥) في (أ): (تقدير).\n(٦) انظر: «الكشف والبيان» للثعلبي ٤/ ٢٧٥ و٤/ ٢٧٧، و«زاد المسير» لابن الجوزي ٣/ ٢٥٧.\n(٧) هذا القول الأخير نقله أبو حيان عن بعض المتكلمين كالقاضي أبي بكر بن الطيب وغيره.\nانظر: «البحر المحيط» ٤/ ٣٨٣.\n(٨) قال أبو حيان ٤/ ٣٨٣: (قال المبرد: المعنى: ظهر للجبل من ملكوت الله ما تدكدك به).","vol":"1","page":443},{"text":"﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾ قطعًا، وقيل: ترابًا ورملًا، (١) وقيل: ساخ في الأرض، ودكاء: ملساء مستوية مع الأرض (٢).\nوقيل: تفرق في الأرض، فأُحُدٌ ورَضْوَي ووَرِقانُ بالمدينة، وثَوْرٌ وثَبِيرٌ وحِراءٌ بمكة منه (٣).\n﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ مغشيًا عليه، وقيل: ميتًا، ويقوي القول الأول قوله: ﴿فَلَمَّا أَفَاقَ﴾ أي: زال غَشْيُه (٤).\n﴿قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ من الإقدام على السؤال بغير إذن، وقيل: عن صغائري (٥).\nوقيل: هذا تسبيح (٦) منه على ما جرت به عادة المؤمن عند رؤية العظائم.\n﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (١٤٣)﴾ بأنك لا تُرى في الدنيا، وقيل: من قومي.\nاختلف المفسرون في هذه الآية:\nفذهب بعضهم إلى نفي الرؤية ونفي الجهة، وقالوا: كلمة (لن) لنفي التأبيد، وأن الله تعالى قال لموسى في مناجاته: لست في مكان واحد فأتجلى لعين تنظر إلي يا\n_________\n(١) سقطت كلمة (ورملًا) من (ب).\n(٢) في (ب): (من الأرض).\nو(دكاء) بالمد والهمز، هي قراءة حمزة والكسائي وخلف، وقرأ باقي العشرة (دكًا) منونًا غير مهموز ولا ممدود. انظر: «المبسوط» (ص ١٨٥).\n(٣) في هذا حديث مرفوع أخرجه ابن أبي حاتم ٥/ ١٥٦٠، والواحدي في «الوسيط» ٢/ ٤٠٧، وقال ابن كثير ٦/ ٣٨٧: (هذا حديث غريب بل منكر).\n(٤) في (أ): (غشيته).\n(٥) في (أ): (صغائر).\n(٦) في (ب): (التسبيح).","vol":"1","page":444},{"text":"ابن عمران، تكلمت بكلام عظيم (١)، وأن الملائكة مرت به وهو مغشي عليه فجعلوا يركلونه بأرجلهم ويقولون له: يا ابن النساء الحيض: أطمعت في رؤية ربّ العزَّة (٢)، وأن موسى علم أن السؤال محال (٣) وإنما سأل ليكون الرد بحضرة قومه الذين قالوا: أرنا الله جهرة، أو سأل آية كسؤال إبراهيم ﵇ حين قال: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]، وأن التجلِّي كان من العرش (٤).\nوذهب بعض المفسرين إلى إثبات الرؤية وإثبات الجهة، وأن (لن) لنفي الرؤية في الدنيا، كقوله ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾ [البقرة: ٩٥]، ثم قال حكاية عنهم: ﴿يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧]، و﴿يَالَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (٢٧)﴾ [الحاقة: ٢٧] يعني: الموت، وذكروا ما روي عن ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ﴾ ما تجلى منه إلَاّ قدرُ الِخنْصَر (٥).\n_________\n(١) هذا من الإسرائيليات كما ذكر الطبري ١٠/ ٤٢٠ - ٤٢٢ حيث يقول: (قال ابن إسحاق عن بعض أهل العلم الأول بأحاديث أهل الكتاب ...) ثم ساقه.\n(٢) وهذا ورد عند الطبري ١٠/ ٤٣٣ بلفظ قريب من هذا، وقال الألوسي ٩/ ٤٦: (وهو كلام ساقط لا يعول عليه بوجه، فإن الملائكة ﵈ مما يجب تبرئتهم من إهانة الكليم بالوكز بالرجل والغض في الخطاب).\n(٣) قال ابن القيم: (الله لم ينكر عليه سؤاله، ولو كان محالًا لأنكره عليه، ولهذا لما سأل إبراهيم الخليل ربه ﵎ أنه يريه كيف يحيي الموتى لم ينكر عليه، ولما سأل عيسى بن مريم ربه إنزال المائدة من السماء لم ينكر سؤاله، ولما سأل نوح ربه نجاة ابنه أنكر عليه سؤاله وقال: ﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٤٦) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [هود: ٤٦ - ٤٧]).\nانظر: «بدائع التفسير» ٢/ ٢٦٤ - ٢٤٧.\n(٤) يريد والله أعلم: أن التجلِّي الوارد في الآية فعلٌ من أفعال العرش، وهذا مردود طبعًا لكونه لا يوافق ظاهر الآية، وللحديث الوارد بعد قليل.\n(٥) أخرجه الطبري ١٠/ ٤٢٧، وابن أبي حاتم ٥/ ١٥٦٠ وغيرهم.\nوقد حصل سقط في نسخة (أ) فجاء النص فيها كالتالي: (عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﵇ في قوله: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ وضع النبي ﵇ الإبهام ...) فتداخل أثر ابن عباس مع الحديث المرفوع، والمثبت من نسخة (ب).","vol":"1","page":445},{"text":"وذكروا عن أبيّ (١) عن النبي -ﷺ- في قوله: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ وضع النبي -ﷺ- الإبهام على المفصل الأعلى من الخنصر، رواه حماد عن ثابت عن أنس، قال حماد لثابت: أتقول هذا؟ فضرب ثابت صدره بيده فقال: يقوله رسول الله ويقوله أنس وأنا أكتمه (٢).\nوذهب بعض المفسرين: إلى إثبات الرؤية ونفي الجهة (٣) وما يورث تشبيهًا، وهو مذهب أهل (٤) السنة والجماعة، والدلائل على صحته وبطلان (٥) مذهب المبتدعة يطول تعدادها، ولكل مكان مقال (٦).\n﴿قَالَ يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ﴾ اخترتك واستخلصتك وأخذتك صفوة على بني آدم.\n﴿بِرِسَالَاتِي﴾ نبوتي.\n﴿وَبِكَلَامِي﴾ من غير واسطة.\n_________\n(١) هكذا في (ب)، ولعل الصواب (أنس).\n(٢) أخرجه أحمد (١٢٢٦٠)، والترمذي (٣٠٧٤)، والطبري ١٠/ ٤٢٩، وصححه الألباني.\n(٣) في (ب): (المكان).\n(٤) سقطت كلمة (أهل) من (أ).\n(٥) في (ب): (وإبطال).\n(٦) نفي الجهة يحتاج إلى بيان، فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية في «التدمرية» (ص ٦٦): (يقال لمن نفى الجهة: أتريد بالجهة أنها شيء موجود مخلوق، فالله ليس داخلًا في المخلوقات، أم تريد بالجهة ما وراء العالم، فلا ريب أن الله فوق العالم بائن من المخلوقات، وكذلك يقال لمن قال: إن الله في جهة: أتريد بذلك أن الله فوق العالم، أو تريد به أن الله داخل في شيء من المخلوقات. فإن أردت الأول فهو حق، وإن أردت الثاني فهو باطل).","vol":"1","page":446},{"text":"﴿فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ﴾ اعمل بما فيه بجد واجتهاد.\n﴿وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٤٤)﴾ على ذلك.\n﴿وَكَتَبْنَا لَهُ﴾ فرضنا عليه.\nوقيل: كتبنا بالقلم.\nوقيل: كان كنقش الخاتم.\nوقيل: كتب الله التوراة بيده وأهل السموات يسمعون صرير القلم.\n﴿فِي الْأَلْوَاحِ﴾ جمع لوح، وهو ما يلوح المكتوب فيه فوق غيره، وكانت عشرة أذرع (١) على طول موسى، وقيل: سبعة، وقيل: ثمانية، وكانت ألواحه من زبرجد، وقيل: من ياقوت أحمر.\nالحسن: من الخشب (٢).\nوقيل: من نور، وقيل: من الصخرة.\nالربيع بن أنس: من البُرْد (٣).\n﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ احتاج إليه في بيان الدين.\n﴿مَوْعِظَةً﴾ وعظًا.\n﴿وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ من الحلال والحرام والأوامر والنواهي والقصص والأخبار وما كان وسيكون.\n_________\n(١) في (أ): (ألواح)، وقد ذكره البغوي ٢/ ١٥١ بلفظ: أذرع.\n(٢) نقله الماوردي ٢/ ٢٦٠ والبغوي ٢/ ١٥١، والقرطبي ٩/ ٣٢٨.\n(٣) البُرْدُ من الثياب، وهو ثوب فيه خطوط. انظر: «اللسان» (برد). هذا ما ظهر لي، وقد تكون من: البَرَد، وقد تكون غير ذلك. والأثر أخرجه ابن أبي حاتم ٥/ ١٥٦٣، وعنده (البردى)، ولكنه في «الدر المنثور» ٦/ ٥٦٦ كماعندنا هنا (البرد) رغم أنه عزاه لابن أبي حاتم، وقال في «اللسان» (برد) أيضًا: والبَرْديُّ: بالفتح: نبتٌ معروف. فالله أعلم.","vol":"1","page":447},{"text":"﴿فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ﴾ جد ومواظبة.\n﴿وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾ قيل: أحسن: صلة، أي: يأخذوا بها، وقيل: لحسنها، كقوله ﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤)﴾ [الفرقان: ٢٤]، وقيل: فيها الفرض والمندوب والمباح والفرض أحسنها، وقيل: المأمور به أحسن من المنهي عنه.\n﴿سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ (١٤٥)﴾ أي: منازلهم ومصارعهم، وقيل: ﴿دَارَ الْفَاسِقِينَ (١٤٥)﴾: جهنم، وقيل: مصر، وقيل: هو من الدوران، أي: ما دار إليه أمرهم.\n﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ يريد بالآيات: ما في السموات وما في الأرض من دلائل الوحدانية، صرفهم عنها جزاء على تكبرهم عن الإيمان، وقيل: صرفهم عن التفكر فيها، وقيل: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ﴾ أي: عن خبر آياتي عقوبة على فعلهم.\nأبو عبيدة: عن الخوض في القرآن (١).\nسفيان بن عيينة: عن فهم القرآن (٢).\n﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ﴾ معجزة.\n﴿لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ﴾ طريق الهدى والبيان.\n﴿لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ طريقة ودينًا.\n﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ﴾ الباطل والشيطان.\n﴿يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ﴾ بسبب أنهم.\n﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (١٤٦)﴾ غير ناظرين فيها، فيكون ﴿ذَلِكَ﴾ رفعًا بالابتداء، ويجوز: فعلنا ذلك بأنهم، فيكون نصبًا.\n_________\n(١) ذكره المؤلف أيضًا في «غرائب التفسير» ١/ ٤٢٣، ولم أجده عند غيره.\n(٢) أخرجه الطبري ١٠/ ٤٤٣، وابن أبي حاتم ٥/ ١٥٦٧، والثعلبي ٤/ ٢٨٤.","vol":"1","page":448},{"text":"﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ جحدوا بالإيمان بها.\n﴿وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ﴾ الثواب والعقاب والبعث والنشر (١) والحساب.\n﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ بطلت.\n﴿هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٤٧)﴾ أي: جزاء أعمالهم.\n﴿وَاتَّخَذَ﴾ أي: صنع وصاغ.\n﴿قَوْمُ مُوسَى﴾ يريد السامري ومن أعانه على ذلك ومن رضي به وصدقه.\n﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ بعد انطلاقه للميقات، وهو العشر التي أتم الله بها الميقات (٢).\n﴿مِنْ حُلِيِّهِمْ﴾ الحلي: ما اتخذ للزينة من الذهب أوالفضة.\nوذلك أنهم كانوا قد استعاروا من القبط بعض حليهم لعرس كان لبني إسرائيل، وقيل: ليوم زينة، فلما أهلك الله فرعون وقومه بقي الحلي معهم، وكان حرامًا عليهم، فقال السامري لهارون: إنا كنا استعرنا حليهم وإن بني إسرائيل أخذوا في بيع الحلي وتمحيقها (٣) وإنها عارية وليست لنا، فأمر هارون مناديًا ينادي: من كانت عنده عارية من آل فرعون فليأتنا بها، فأتوه بشيء كثير، فقال هارون: أنت أحق بحفظ هذه، فقبضها السامري وكان صائغًا، فصاغ منها تمثال عجل مجوفًا كأحسن ما يكون (٤)، وهو قوله:\n﴿عِجْلًا﴾ والعجل: ولد البقرة القريب العهد بالولادة.\n﴿جَسَدًا﴾ لحمًا ودمًا، وقيل: ﴿جَسَدًا﴾ من غير روح.\n_________\n(١) سقطت كلمة (والنشر) من (ب).\n(٢) في (أ): (التي تم الله به الميقات).\n(٣) قال في «اللسان» (محق): (المَحْقُ: النقصان وذهاب البركة).\n(٤) انظر: «الكشف والبيان» ٤/ ٢٨٥، و«الوسيط» للواحدي ٢/ ٤١١، ويقول القرطبي ٩/ ٣٣٣ عن السامري: (اسمه موسى بن ظفر، ينسب إلى قرية تدعى سَامِرة، ولد عام قَتْل الأنبياء).","vol":"1","page":449},{"text":"والجسد: بدن الحيوان، والجسم عام.\nوقيل: ﴿جَسَدًا﴾ أي: أصفر من الجساد (١).\n﴿لَهُ خُوَارٌ﴾ أي (٢): صوت، والخوار: صوت البقرة، وقيل: إنما (٣) خار مرة واحدة، وخواره فيمن جعله لحمًا ودمًا ظاهر، وفيمن جعله تمثالًا من ذهب خار بحيلة احتال بها حتى خار، فقيل: جعل في بطنه بييتًا يفتح ويغلق، وكان إذا أراد السامري أن يخور العجل أدخل جوفه غلامًا يخور إذا أراد السامري بعلامة بينهما، وقيل: كان (٤) يضعه في مهب الريح، وقيل: عمل بالماء والفُوَارَات (٥) وقصته مذكورة في سورة طه (٦).\n﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ﴾ لا يأمرهم ولا ينهاهم.\n﴿وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا﴾ إلى خير.\n﴿اتَّخَذُوهُ﴾ أي: اتخذوه إلهًا معبودًا (٧).\n﴿وَكَانُوا ظَالِمِينَ (١٤٨)﴾ واضعين العبادة غير موضعها.\n﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ﴾ الجمهور على أنه عبارة عن الندم، والندم في القلب وإسناده إلى اليد كإسنادهم الملك والمحبوب والمكروه إليها، تقول في يده ملك وفي\n_________\n(١) قال في «اللسان» (جسد) نقلًا عن الليث: (الجِسَادُ: الزعفرانُ ونحوه من الصبغ الأحمر والأصفر الشديد الصفرة).\n(٢) سقطت (أي) من (ب).\n(٣) في (ب): (إنه).\n(٤) لم ترد (كان) في (ب).\n(٥) الفوارات: قال في «الصحاح» (فور): (فُوَارَةُ القِدْرِ، بالضم والتخفيف: ما يَفُورُ من حرّها).\n(٦) الآيات (٨٣) إلى (٩٧) من سورة طه.\n(٧) سقط من (ب) قوله: (أي: اتخذوه).","vol":"1","page":450},{"text":"يده محبوبه وحصل في يده المكروه.\nابن عيسى: وقع البلاء في أيديهم، أي: وجدوه وجدان ما يحصل في الكف (١)، وقيل: أصله من الأسر والكَتْفِ (٢)، وقيل: من ندم وضع يده على رأسه، ويحتمل أن الإنسان إذا حزبه أمر عظيم (٣) مسح كفه بكفه وحولق (٤).\n﴿وَرَأَوْا أَنَّهُمْ﴾ وعلموا أنهم.\n﴿قَدْ ضَلُّوا﴾ بعبادة العجل.\nالحسن: لأنهم كلهم عبدوا العجل إلا هارون (٥).\nوقيل: عبده بعضهم.\n﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (١٤٩)﴾ ومن قرأ بالتاء نصب (ربنا) على النداء (٦).\n﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى﴾ من الطور.\n﴿إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ حزينًا، وقيل: متغيظًا (٧)، من قوله: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾\n_________\n(١) ذكره المؤلف أيضًا في «غرائب التفسير» ١/ ٤٢٣ عن ابن عيسى الرماني.\n(٢) قال القرطبي ٩/ ٣٣٥: (وقيل: أصله من الاستئسار، وهو أن يضرب الرجلُ الرجلَ أو يصرعه فيرمي به من يديه إلى الأرض ليأسره أو يَكْتِفَه، فالمرميُّ مسقوط به في يد الساقط)، وقد ذكر الطبري ١٠/ ٤٤٨ هذا المعنى أيضًا.\n(٣) قوله: (أمر عظيم) سقط من (أ).\n(٤) الحولقة: لفظة مبنية من: لا حول ولا قوة إلا بالله، كالبسملة من بسم الله، هكذا في «اللسان» (حلق)، ثم أشار إلى أن بعضهم يقدم القاف فيقول: حوقلة.\n(٥) ذكره الطبرسي في «مجمع البيان» ٤/ ٧٣٩ عن الحسن.\n(٦) قرأ حمزة والكسائي وخلف (لئن لم ترحمنا ربنا وتغفر لنا) بالتاء في الفعلين، و(ربَّنا) بالنصب، وقرأ باقي العشرة (لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا) بالياء في الفعلين، و(ربُّنا) بالرفع.\nانظر: «المبسوط» لابن مهران (ص ١٨٥).\n(٧) في (أ): (مبغظًا).","vol":"1","page":451},{"text":"[الزخرف: ٥٥]، والأسف: الحزن، والأسف: الغضب.\n﴿قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي﴾ أي: بئس ما نبتم عني وقمتم مقامي بعد انطلاقي.\n﴿أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ﴾ أي: تركتموه.\nالزجاج: عجلته: سبقته (١).\nوقيل: تجاوزتم أمر ربكم.\nالحسن: أَعَجِلتم وعد (٢) ربكم الذي وعدنيه من الأربعين ليلة، لأنهم قدروا أنه مات (٣).\n﴿وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ﴾ أي: التي ذكرت في قوله: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ﴾ [الأعراف: ١٤٥]، غضبًا على قومه، فتكسر بعضها ورفع كثير منها إلى السماء حتى روى المفسرون أن ستة أسباعها رفعت وبقي (٤) سبع، وحقيقة هذا أن الألواح لما كُسِرَت ذهب أثر المكتوب.\n﴿وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ﴾ أي: بشعر رأسه.\nوقيل: بناصيته، وقيل: بذؤابته، وقيل: العرب تقول: فلان حسن الرأس، أي: الشعر.\n_________\n(١) انظر: «معاني القرآن» للزجاج ٢/ ٣٧٨.\n(٢) في (ب): (أعجلتم أمر ربكم ...) والمثبت من (أ) وتفسير الماوردي كما سيأتي.\n(٣) ذكره الماوردي ٢/ ٢٦٣ عن الحسن والسدي، وذكره الواحدي في «البسيط» (ص ٨٤٦ - رسالة جامعية) عن الحسن وحده.\n(٤) في (أ): (وبقيت سبع).\nوانظر: «الكشف والبيان» للثعلبي ٤/ ٢٨٦، والماوردي ٢/ ٢٦٤.\nوقد روي هذا القول عن ابن عباس ﵄، أخرجه الطبري ١٠/ ٤٥٦، وابن أبي حاتم ٥/ ١٥٧٠ ولفظه: فرفعت إلا سُدُسها، وعند ابن الجوزي في «زاد المسير» ٣/ ٢٦٤ بمثل لفظ المؤلف.","vol":"1","page":452},{"text":"﴿يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾ غضبًا عليه أنه لم يمنعهم ولم يخرج من بينهم فيلحق به.\nوقيل: أخذ رأسه وجره ليناجيه، وقيل: جره عتابًا عليه لا هوانًا به، وقيل: أخذه كما يأخذ (١) الإنسان شعره ولحيته عند الغضب، لأنهما كانا كشخص واحد.\nوقوله: ﴿فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ﴾ يدفع هذه الأقاويل، وقيل: غضب عليه لتركه اتباعه.\n﴿قَالَ ابْنَ أُمَّ﴾ ذكر الأم ليرققه عليه وكان لأبيه وأمه.\n﴿إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي﴾ أي: وجدوني ضعيفًا لوحدتي.\n﴿وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي﴾ وقاربوا قتلي لإنكاري عليهم، وقيل: ﴿وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي﴾ أي: أرادوا وهموا.\n﴿فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ﴾ لا تسرهم بإهانتك إياي (٢).\nوالشماتة: سرور العدو بسوء العاقبة.\nوأراد بالأعداء: الذين عبدوا العجل.\n﴿وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١٥٠)﴾ أي: في عدادهم.\n﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾ أي: ما صنعت إلى أخي، وقيل: إلقاء الألواح، وقيل: استغفر سالف ذنوبهما.\n﴿وَلِأَخِي﴾ حين لم يمنعهم ولم يلحق بي.\n﴿وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ﴾ أنعم علينا بفضلك.\n﴿وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (١٥١)﴾ أرحم بنا منا بأنفسنا.\nالحسن: أرحم بنا من الأبوين (٣).\n_________\n(١) في (أ): (كما أخذ).\n(٢) في (ب): (بي) وكأنها (لي).\n(٣) لم أجده.","vol":"1","page":453},{"text":"﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ﴾ إلهًا.\n﴿سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (١٥٢)﴾ هو أَنْ أُمِروا بقوله ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤]، فقتل (١) الأب ابنه والابن أباه، وقيل: هو الجزية زمن النبي -ﷺ-، أي: أولادهم، وقيل: تقديره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ﴾ ولم يتوبوا ﴿سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ﴾ الآية، والذين تابوا غفر لهم، ودل عليه قوله:\n﴿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا﴾ أي: بعد السيئات (٢).\n﴿وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا﴾ أي: بعد السيئات، وقيل: بعد التوبة.\n﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٥٣)﴾ ذهب بعضهم إلى أن الآيتين من كلام موسى وصدقه الله بقوله: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (١٥٢)﴾، وقال بعضهم: هذا من كلام الله قاله لموسى فأجابه (٣) الله بهذا.\n﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ﴾ أي: سكن باعتذار هارون إليه (٤)، وقيل: بتوبتهم عن كفرهم.\nوسكن وسكت: قطع الكلام، وقيل: كُلُّ كافٍّ عن شيء: ساكت، ومنه: سكت عن الكلام.\nابن عيسى: سكت مستعار (٥) هاهنا، لأن الغضب لما كان دالًا على ما في النفس للمغضوب عليه كان بمنزلة النطق (٦).\nوقيل: هذا من المقلوب، أي: سكت موسى عن الغضب.\n﴿أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا﴾ أي: فيما نسخ فيها وكتب.\n_________\n(١) في (أ): (يقتل).\n(٢) قوله: (أي بعد السيئات) سقط من (ب).\n(٣) في (ب): (أي فأجابه ...).\n(٤) كلمة (إليه) سقطت من (ب).\n(٥) في (أ): (يستعار).\n(٦) ذكره الرازي ١٥/ ١٣ دون عزوه لأحد، وقد عزاه لابن عيسى الرماني المؤلف في كتابه الآخر: «غرائب التفسير» ١/ ٤٢٣ - ٤٢٤.","vol":"1","page":454},{"text":"﴿هُدًى﴾ بيان للطاعة (١) من المعصية.\n﴿وَرَحْمَةٌ﴾ تخليص من الذنوب.\n﴿لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (١٥٤)﴾ اللام (٢) دخل المفعول لمّا تَقَدَّم، وقيل: الفعل محمول على المصدر، أي: رهبتهم لربهم، ويحتمل: أن المفعول محذوف، وتقديره: يرهبون معاصي الله لربهم، أي: لأمر ربهم، وقد سبق (٣).\n﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا﴾ أي: من قومه، فحذف، قال:\nومنَّا الذي اختيرَ الرجالَ سماحةً ... وجُودًا إذا هبَّ الرياحُ الزعازعُ (٤)\n﴿لِمِيقَاتِنَا﴾ لميعادنا، وهو الميقات الأول لأن فيه ذكر الرؤية، وقيل: هو ميقات آخر للتوبة (٥) عن عبادة العجل.\nوفي سبب اختياره السبعين أقوال، أحدها: أنه اختارهم لتمام الموعد، والأكثر على أنه اختارهم ليعتذروا عن (٦) عبادة العجل، وقيل: قالت طائفة من بني إسرائيل: إن الله لا يكلمك، فأوحى الله إلى موسى أن اختر من خيارهم (٧) سبعين رجلًا ثم ارتق بهم إلى الجبل أنت وهارون واستخلف على بني إسرائيل يوشع بن نون، ففعل ثم ذهب (٨) بهم ليسمعوا كلام الله، فلما أتوا ذلك المكان وسمعوا كلام الله قالوا: لن نؤمن لك بأنك قد كلمته حتى نرى الله جهرة، فأخذتهم الصاعقة (٩) فماتوا.\nعن ابن عباس ﵄: إن السبعين الذين قالوا لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتهم الصاعقة غير السبعين الذين أخذتهم الرجفة (١٠).\n_________\n(١) في (ب): (الطاعة).\n(٢) في (أ): (واللام).\n(٣) قد تقدم كلامه على مثل هذه اللام في مثل قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ [آل عمران: ٧٣]. وقد ذكر السمين الحلبي في «الدر المصون» ٥/ ٤٧٢ - ٤٧٣ أربعة أوجه في هذه اللام.\n(٤) القائل هو: الفرزدق، كما في «الكتاب» لسيبويه ١/ ٣٩، والطبري ١٠/ ٤٧٣، و«الدر المصون» ٥/ ٤٧٣ - ٤٧٤، وقوله: (ومنا) حرف الواو موجود في النسختين، وليس موجودًا في مصادر التخريج إلا عند الطبري.\n(٥) سقطت كلمة (للتوبة) من (ب).\n(٦) في (ب): (من).\n(٧) في (أ): (أن اختر من قومه من خيارهم ...).\n(٨) في (أ): (ففعل وذهب).\n(٩) حصل انتقال بصر للناسخ لنسخة (ب)، فأسقط ما بين جملة (فأخذتهم الصاعقة) الواردة هنا، والواردة بعد سطر، فكان سياق الكلام في (ب) كالتالي: (نرى الله جهرة فأخذتهم الصاعقة غير السبعين الذين أخذتهم الرجفة).\n(١٠) ذكره الثعلبي ٤/ ٢٨٩.","vol":"1","page":455},{"text":"وعن علي رضي عنه: إنما أَخَذَتْهُم من أجل (١) دعواهم على موسى قتل هارون، وذلك أن موسى وهارون وشبير وشبر (٢) ابني هارون انطلقوا إلى صفح جبل، فنام هارون على سرير وتوفاه الله، فلما مات دفنه موسى فلما رجع موسى إلى بني إسرائيل قالوا: أين هارون؟ قال: توفاه الله، قالوا: بل أنت قتلته حسدًا على خلقه ولينه، فاختار منهم سبعين وذهب بهم، فلما انتهوا إلى القبر قالوا: يا هارون: أقتلت أم مت؟ فقال هارون: ما قتلني أحد ولكن (٣) توفاني الله، فقالوا: يا موسى لن تُعْصَى بعد اليوم، فأخذتهم الصاعقة فماتوا ﴿فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ قال موسى: يارب: ما أقول لبني إسرائيل إذا رجعت إليهم، يقولون: أنت قتلتهم، فأحياهم الله وجعلهم أنبياء (٤)، والصحيح أنهم لما سمعوا كلام الله هم وموسى (٥)، وقالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ أخذتهم الرجفة.\nوالرجفة: الموت، وقيل: الزلزلة، وقيل: النار، وقيل (٦): الصاعقة، وقال الفراء: لم يموتوا (٧).\nفقام موسى يبكي: ﴿قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ﴾ أي (٨): إن شئت أمتهم وأمتني بغير الرجفة.\nالزجاج: إن شئت أمتهم من قبل أن تبتليهم بما أوجبت عليهم (٩).\n_________\n(١) هكذا في (أ)، وفي الثعلبي ٤/ ٢٨٩: (إنما أخذتهم الرجفة من أجل ...) أما (ب) فحصل فيها زيادة، حيث جاء النص: (وعن علي ﵁ إن السبعين الذين قالوا لن نؤمن لك إنما أخذتهم من أجل ...) وواضح أن هذه الزيادة تخص الأثر السابق عن ابن عباس ﵃ أجمعين.\n(٢) في (ب): (شبر وشبير).\n(٣) في (ب): (ما قتلني الله ولكن).\n(٤) أخرجه الطبري ١٠/ ٤٧٠، وابن أبي حاتم ٥/ ١٥٧٣، وذكره الثعلبي ٤/ ٢٨٩.\n(٥) في (ب): (كلام الله موسى قالوا ...) فحصل فيها سقط.\n(٦) في (ب): (... النار وهي الصاعقة).\n(٧) في (أ): (لما ماتوا)، ولم أجد قول الفراء بعد البحث، إلا أن يكون الكرماني فهمه من كلام الماوردي الذي نقله عن الفراء، حيث ورد عند الماوردي ما يشعر بأنهم لم يهلكوا.\n(٨) كلمة (أي) لم ترد في (أ).\n(٩) انظر: «معاني القرآن» للزجاج ٢/ ٣٨٠.\nوفي (ب) زيادة: (... عليهم الرجفة).","vol":"1","page":456},{"text":"وقيل: إن شئت أهلكتهم عند اتخاذ العجل ولم تمهلهم إلى المصير إلى الميقات وإياي وأهلكتني حين قتلتُ القبطي بمصر.\n﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾ استفهام معناه النفي، وقيل: استفهام إنكار، وهذا لا يجوز، وقيل: استفهام يتضمن معنى قوله ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥].\nوالسفهاء: الذين (١) عبدوا العجل.\n﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ﴾ ما هي إلا عذابك (٢)، وقيل: ابتلاؤك، وهي كناية عن الفَعْلة، وقيل: البلية، وقيل: العقوبة (٣).\n﴿تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ﴾ أي: من سلم منها فهو سعيد ومن بقي فيها فهو شقي.\n﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا﴾ مدبر أمرنا.\n﴿فَاغْفِرْ لَنَا﴾ ذنوبنا.\n﴿وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ (١٥٥)﴾.\n﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ توفيق الطاعة وإسباغ النعمة.\n﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾ الجنة والرؤية والثواب، سَأَلَ خيرَ الدارين.\n﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ أي: تُبنا، مِنْ: هاد يهود: إذا رجع، وقيل: من التَّهَوُّدِ في السير، وهو تمكث، وقيل: من الهوادة، وفعله: هاد يهود.\n﴿قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ﴾ يعني الكفار.\n﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ أي: عمت في الدنيا على الكفار والمؤمنين وخصت على المؤمنين في العقبى.\n﴿فَسَأَكْتُبُهَا﴾ أي: أُثبتها في الآخرة.\n﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ الشرك والمعصية.\n﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ المفروضة، وقيل: يطهرون أنفسهم عن دنس المعاصي.\n﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا﴾ بكتبنا، وقيل: بدلالتنا ﴿يُؤْمِنُونَ (١٥٦)﴾.\n_________\n(١) في (ب): (هم الذين).\n(٢) في (أ): (ما هذا إلا عذابك).\n(٣) في (ب): (... البلية، وقيل البلية العقوبة) فحصل فيها تكرار، والله أعلم.","vol":"1","page":457},{"text":"﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ يعني محمدًا -ﷺ-.\nوفي الأمي ثلاثة أقوال (١):\nأحدها: لا يكتب ولا يقرأ من الكتاب، وقيل: منسوب إلى أم القرى وهي مكة، وقيل: منسوب إلى الأمة وهي الجماعة لأن أكثرهم لا يكتبون، وبعض المفسرين على أنه -ﷺ- ما مات حتى كتب (٢).\n﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا﴾ أي: يجدون وصفه واسمه مكتوبًا، لأن الشخصَ لا يُكْتَب.\n﴿عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ روي أن (٣) عمر بن الخطاب ﵁، سأل أبا مالك (٤) عن صفة النبي -ﷺ- في التوراة وكان من علماء اليهود، فقال: صفته في كتاب بني هارون الذي لم يبدل ولم يغير: أحمد من ولد إسماعيل ابن إبراهيم وهو آخر الأنبياء، وهو النبي العربي الذي يأتي بدين إبراهيم الحنيف، يأتزر على وسطه\n_________\n(١) انظر: الطبري ٢/ ١٥٣ - ١٥٤ عند قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾ [البقرة: ٧٨]، والماوردي ٢/ ٢٦٨، وابن الجوزي ٣/ ٢٧٢، والقرطبي ٩/ ٣٥٣ - ٣٥٤.\n(٢) قال الألوسي ٩/ ٧٩: (أخرج أبو الشيخ من طريق مجاهد قال حدثني عون بن عبدالله بن عتبة عن أبيه قال: ما مات النبي -ﷺ- حتى قرأ وكتب، فذكرت هذا الحديث للشعبي فقال: صدق، سمعت أصحابنا يقولون ذلك).\nقال ابن كثير في تفسير سورة العنكبوت (الآية: ٤٨): (ما أورده بعضهم من الحديث أنه لم يمت - ﵇ - حتى تعلم الكتابة، فضعيف لا أصل له) وكان ابن كثير قد قال قبل ذلك: (من زعم من متأخري الفقهاء كالقاضي أبي الوليد الباجي ومن تابعه، أنه - ﵇ - كتب يوم الحديبية (هذا ما قاضى عليه محمد بن عبدالله) فإنما حمله على ذلك رواية في صحيح البخاري: (ثم أخذ فكتب)، وهذه محمولة على الرواية الأخرى: (ثم أمر فكتب)، ولهذا اشتد النكير من فقهاء المغرب والمشرق على من قال بقول الباجي، وتبرؤوا منه، وأنشدوا في ذلك أقوالًا وخطبوا به في محافلهم).\n(٣) في (أ): (روي عن عمر).\n(٤) أبو مالك: هو القُرظي، والد ثعلبة، وقد ذكر الأثر: ابن حجر في «الإصابة» ٧/ ٣٥٧ مختصرًا، وقد ساقه الثعلبي كاملًا ٤/ ٢٩٢ - ٢٩٣.","vol":"1","page":458},{"text":"ويغسل أطرافه، في عينيه حمرة وبين كتفيه خاتم النبوة مثل زر الحجلة، ليس بالقصير ولا بالطويل، يلبس الشملة ويجتزي بالبلغة ويركب الحمار ويمشي في الأسواق، معه حرب وقتل وسبي، سيفه على عاتقه لا يبالي من لقي من الناس، معه صلاة لو كانت في قوم نوح ما أهلكوا بالطوفان ولو كانت في عاد ما أهلكوا بالريح ولو كانت في ثمود ما أهلكوا بالصيحة، مولده بمكة ومنشأه بها وبدوّ نبوته بها ودار هجرته بيثرب بين حَرَّةٍ (١) ونخلٍ وسبخة (٢)، هو أمي لا يكتب بيده، هو الحمّاد يحمد الله على كل شدة ورخاء، سلطانه بالشام، صاحبه من الملائكة جبريل ﵇.\nوحكى الماوردي (٣) وابن عيسى في تفسيرهما: أن في الإنجيل بشارة بالفارقليط في مواضع، منها: يعطيكم فارقليط أجرًا يكون معكم الدهر كله، وفيها قول المسيح للحواريين: أنا أذهب وسيأتيكم الفارقليط روح الحق الذي لا يتكلم من قبل نفسه، إنه نذير لجميع الخلق ويخبركم بالأمور المزمعة ويمدحني ويشهد لي.\nوأبلغ من هذين الخبرين قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح: ٢٩] إلى قوله:\n﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ﴾ الآية.\n﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ بالإسلام والشرع ومحاسن الأخلاق.\n﴿وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ الكفر والفساد ومساوئ الأخلاق.\n﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾ أي: ما يستطاب من الرزق ويستلذ، وقيل: ما كان محرمًا عليهم في قوله ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ﴾ [النساء: ١٦٠]، وقيل: الطيب: الحلال.\n_________\n(١) الحَرَّةُ: أرضٌ بظاهر المدينة النبوية، بها حجارة سود كبيرة. انظر: «اللسان» (حرر).\n(٢) السبخة: هي الأرض التي تعلوها الملوحة ولا تكاد تُنْبِت إلا بعض الشجر. انظر: «النهاية» لابن الأثير (سبخ).\n(٣) انظر: «النكت والعيون» للماوردي ٢/ ٢٦٨.","vol":"1","page":459},{"text":"﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ المحرمات، والمعنى: أن شريعته بهذه الصفة.\n﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ أي: خفف عنهم ما شُدِّدَ عليهم في التوراة من العهود والأثقال، كالقاتل لا ينجيه إلا القصاص ولا دية ولاعفو، وقطع الأعضاء الخاطئة، وقَرْض الثوب إذا أصابه نجاسة، وشَبَّهها بالأغلال للزومها لزوم الغل في العنق.\n﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ﴾ بمحمد -ﷺ-.\n﴿وَعَزَّرُوهُ﴾ قيل: عظموه.\n﴿وَنَصَرُوهُ﴾ قيل: منعوه.\nابن عيسى: أصل التعزر (١): المنع، ومنه: تعزير المفسد، ومعنى الآية: نصروه بمنعهم كل من أراد كيده.\n﴿وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ﴾ أي: القرآن، سماه نورًا لأنه يبين للناس أمور دينهم ودنياهم وعقباهم (٢)، و(مع) يدل على البقاء، أي: أنزل عليه وبقي معه.\n﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧)﴾ الظافرون بالأماني والباقون في النعيم.\n﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ عام، وقيل: المراد به أهل الكتاب.\n﴿إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ صفة لله (٣)، ومحله جر، ويجوز أن يقف على ﴿جَمِيعًا﴾ فيكون ﴿الَّذِي﴾ مبتدأ وما بعده خبر.\n﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ﴾ الذي ينبئ عن الله ما كان وما يكون.\n_________\n(١) في (ب): (التعزير).\n(٢) في (ب): (وآخرتهم وعقباهم).\n(٣) قال العكبري في «التبيان في إعراب القرآن» ١/ ٥٩٩: (يَبْعُد أن يكون صفة لله أو بدلًا منه، لما فيه من الفصل بينهما بإليكم وحاله، وهو متعلق برسول).","vol":"1","page":460},{"text":"﴿بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ﴾ التوراة والإنجيل وسائر كتب الله.\n﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾.\n﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ﴾ أي: يهدون الناس محقين، وقيل: بسبب الحق الذي هم عليه.\n﴿وَبِهِ﴾ أي: وبالحق ﴿يَعْدِلُونَ (١٥٩)﴾ بين الناس.\nفي هذا القوم ثلاثة أقوال:\nأحدها: هم قوم كانوا في زمان (١) موسى ﵇، وقيل: هم قوم وراء الصين، رآهم رسول الله -ﷺ- ليلة المعراج فآمنوا به وصدقوه وقرأ عليهم عشر سور بما نزل عليه بمكة (٢)، وقيل: هم الذين آمنوا برسول الله كعبد الله بن سلام وأصحابه وأضرابه (٣).\n﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا﴾ أعرب اثنا عشر من بين أخواتها لأن عشرة بدل من النون، فأعرب كما يعرب التثنية، وبنى عشرة على الفتح لأنها بدل من النون، وأنّث حملًا على الأمة.\nوقيل: على القطعة (٤)، وجمع أسباطًا لأنها بدل من اثنتي عشرة وليس بتمييز، وقيل: جعل كل واحدة من اثنتي عشرة أسباطًا، كما تقول: لزيد دراهم ولعمرو\n_________\n(١) سقطت كلمة (زمان) من (ب).\n(٢) في (ب): (... عشر سور فأنزل بمكة وقيل ...)، ولعل الصواب: مما نزل عليه بمكة.\n(٣) كلمة (وأضرابه) لم ترد في (ب).\nوانظر لهذه الأقوال: «النكت والعيون» للماوردي ٢/ ٢٧٠، و«المحرر الوجيز» لابن عطية ٦/ ١٠٨ - ١٠٩، و«الجامع» للقرطبي ٩/ ٣٥٨ - ٣٥٩.\n(٤) في (أ): (على القطيعة).","vol":"1","page":461},{"text":"دراهم ولفلان وفلان دراهم، فهذه (١) عشرون دراهم (٢).\nوالسبط مشتقٌّ من: السَّبَط، وهو شجر يعتلفه الإبل، وكذلك القبيلة اسم شجرة (٣)، جعل (٤) الأب كالشجرة والأولاد كالأغصان، فإسماعيل ﵇ شجرة وإسحاق شجرة.\n﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١٦٠)﴾ الآية مفسرة في سورة البقرة (٥)، ومعنى الآية: جعل الله بني إسرائيل اثنتي عشرة فرقة، وأنهم إذ (٦) كانوا في التيه لم يكن لهم طعام ولا شراب ولا ظل يأوون إليه، فأنزل الله عليهم غمامًا ظللهم وأنزل عليهم المن والسلوى طعامًا لهم وإدامًا، وأمرهم بالأكل منهما، وما ظلمونا بما أوجب لهم الحبس في التيه ولكن ظلموا أنفسهم بذلك.\n﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (١٦١) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ (١٦٢)﴾\n_________\n(١) في (ب): (... ولعمرو دراهم وهذه عشرون دراهم) فحصل فيها سقط، والله أعلم.\n(٢) انظر: «الفريد في إعراب القرآن المجيد» للمنتجب الهمداني ٢/ ٣٧٣، و«الدر المصون» للسمين الحلبي ٥/ ٤٨٤ - ٤٨٧.\n(٣) قال في «اللسان» (قبل): (واشتق الزجاج القبائل من قبائل الشجرة وهي أغصانها) وقال الزجاج في «معاني القرآن» ٢/ ٣٨٣: (ويقال للشجرة: لها قبائل).\n(٤) في (أ): (جعلت).\n(٥) انظر الآيات (٥٧ - ٦٠) من سورة البقرة.\n(٦) في (أ): (إذا).","vol":"1","page":462},{"text":"سبق تفسير الآيتين (١)، والمعنى: أمرنا بني إسرائيل بدخول القرية مستغفرين متواضعين لنغفر لمذنبهم ونزيد إحسانًا لمحسنهم، فبدلوا ما أمروا فاستحقوا العذاب الأليم.\n﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ﴾ أي: عن ما وقع بأهلها.\n﴿الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ أي: عنده، وهي أَيْلة (٢)، وقيل: أَرِيحا (٣).\n﴿إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾ جاوزوا الحق يوم السبت.\n﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ﴾ جمع حوت، وهو (٤) السمك، وأضاف إليهم لأنهم أرادوا صيدها.\n﴿يَوْمَ سَبْتِهِمْ﴾ هو من الأيام وأضاف إليهم؛ لأنهم المخصوصون (٥) بأحكام فيه، والوجه أنه مصدر، والمعنى: يوم يسبتون، بدليل قوله: ﴿وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ﴾، وبدليل الإضافة.\nوالسَبْتُ: تعظيم السبت، تقول: سَبَتَ: أي (٦) عَظَّم السبت، وقيل: يوم راحتهم بتركهم أعمالهم.\n_________\n(١) في سورة البقرة كما سبق الإشارة إليه قبل قليل.\n(٢) أيْلَة: مدينة على ساحل بحر القُلزُم (البحر الأحمر حاليًا) مما يلي الشام، وقيل: هي آخر الحجاز وأول الشام، تعرف اليوم بالعقبة، وهي الآن مدينة عامرة كثيرة التجارة.\nانظر: «معجم البلدان» لياقوت ١/ ٢٩٢، و«المعجم الجامع لما صرح به وأبهم في القرآن الكريم من المواضع» (ص ٢٥٧).\n(٣) أريحا: بالفتح ثم الكسر وياء ساكنة، وهي مدينة الجبارين، في الغور من أرض الأردن بالشام.\nانظر: «معجم البلدان» لياقوت ١/ ١٦٥.\nوقد ذكر ابن الجوزي ٣/ ٢٧٦ خمسة أقوال في القرية، ولم يذكر أريحا.\n(٤) في (ب): (وهي السمك).\n(٥) في (أ): (وأضاف لا مخصوصون بأحكام فيه)، ففيها سقط والله أعلم.\n(٦) كلمة (أي) لم ترد في (أ).","vol":"1","page":463},{"text":"﴿شُرَّعًا﴾ واردة، وقيل: ظاهرة، وقيل: رافعة رؤوسها، وقيل: خافضة رؤوسها كأنها الكباش (١) البيض، وقيل: كالمَخَاض (٢) السمان.\n﴿وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ﴾ وقرئ: (يُسبتون) (٣).\nوسبت وأَسبت بمعنىً، وقيل: سَبَتَ: عَظَّم السبت، وأَسْبَتَ: دخل في السبت.\n﴿كَذَلِكَ﴾ قيل متصل بالأول على تقدير: لا تأتيهم شرعًا مثل إتيان يوم السبت، وقيل: متصل بما بعده وهو قوله:\n﴿نَبْلُوهُمْ﴾ أي: نختبرهم مثل هذا الاختبار، أي: نعاملهم معاملة المختبر (٤).\n﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣)﴾ بخروجهم عن طاعة الله، وذلك أنه حرم عليهم الصيد يوم السبت وأمروا بتعظيمه فوسوس إليهم (٥) الشيطان وقال: إنما نهيتم عن صيدها يوم السبت، فحفروا الحياض ونصبوا الشبائك (٦) وكانوا يسوقون إليها الحيتان يوم السبت وتبقى فيها ولا يمكنها الخروج منها، فيأخذونها يوم الأحد، وصار (٧) أهل القرية ثلاث فرق: فرقة صادوا، وهم أصحاب الخطيئة، وفرقة نهوهم، وفرقة قالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا﴾ وهو قوله:\n﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ﴾ من أهل القرية، للأمة الواعظة.\n﴿لِمَ تَعِظُونَ﴾ لأي شيء تعظون.\n﴿قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ في الدنيا.\n_________\n(١) الكبش: الحَمَلُ إذا أثنى. انظر: «القاموس» (كبش).\n(٢) المخاض: الحواملُ من النُّوْق. انظر: «القاموس» (مخضَ).\n(٣) قال ابن خالويه في «القراءات الشاذة» (ص ٤٧): (لا يُسبتون) علي بن أبي طالب ﵁ والجعفي عن عاصم، (لا يَسْبُتون) بالضم الحسن، (ويوم لا يُسَبِّتون) ذكره عيسى بن سليمان الحجازي، (ويوم إسباتهم) عمر بن عبدالعزيز).\n(٤) لا حاجة لمثل هذا التأويل، وجمهور المفسرين على أن المعنى: نختبرهم، ولا يزيدون على هذا المعنى شيئًا من مثل هذه التوجيهات التي ذكرها الكرماني.\n(٥) في (ب): (لهم).\n(٦) في (ب): (الشباك).\n(٧) في (أ): (وصاروا).","vol":"1","page":464},{"text":"﴿أَوْ مُعَذِّبُهُمْ﴾ في العقبى، أي: معذبهم (١) في العاجل والآجل.\n﴿عَذَابًا شَدِيدًا﴾ ذهب بعض المفسرين إلى أن هذا إنكار الموعظة على الأمة الواعظة، وذهب بعضهم إلى أنهم قالوا هذا بعد أن وعظهم الواعظة فلم ينفعهم وعظهم وأيسوا، ويكون (٢) هذا أبلغ في الموعظة.\n﴿قَالُوا﴾ أي: الواعظة.\n﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٦٤)﴾ أي: موعظتنا معذرة إلى ربكم لإقامة العذر عند الله ولرجاء تقواهم، ومن نصب: فمفعول له (٣)، والمعذرة: بمعنى الاعتذار، لأن معنى (٤) عَذَرَ: قَبِلَ العُذْر، واعتذر: أقام العُذْر، وقيل: عَذَرَ: إذا تعدى بنفسه معناه: قَبِلَ العُذْر، وإذا تعدى بإلى معناه: اعْتَذَر، وقيل: المعذرة بمعنى العذير، وعذير الرجل: ما يحاوله مما يعذر عليه إذا فعله.\n﴿فَلَمَّا نَسُوا﴾ تركوا.\n﴿مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ ما وعظوا به من العذاب على صيد الحيتان.\n﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ عن العذاب الشديد، فيكون ﴿عَنِ﴾ متصلًا ... بـ ﴿أَنْجَيْنَا﴾، ويحتمل أن يكون متصلًا بـ ﴿يَنْهَوْنَ﴾، أي: عن المعصية.\n﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أي: صادوا في السبت وخالفوا أمر الله.\n﴿بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٥)﴾ بخروجهم عن طاعة الله، وهو أنهم صاروا قردة، والفرقة الأخرى مختلف فيها.\nقال الحسن: نجت فرقتان وهلكت فرقة (٥).\nوقال بعضهم: هلكت فرقتان.\nوقال بعضهم بالتوقف في أمرهم.\nوالروايات الثلاث عن ابن عباس ﵄ (٦).\n_________\n(١) في (ب): (يعذبهم).\n(٢) في (ب): (فيكون).\n(٣) النصب في قوله تعالى: ﴿مَعْذِرَةً﴾ هي قراءة عاصم في رواية حفص، وقرأ باقي العشرة (معذرةٌ) بالرفع.\nانظر: «المبسوط» لابن مهران (ص ١٨٦)، و«النشر» لابن الجزري ٢/ ٢٧٢.\n(٤) في (ب): (المعنى).\n(٥) ذكره البغوي ٢/ ١٦٣، والقرطبي ٩/ ٣٦٦ عن الحسن.\n(٦) أما القول الأول والثاني فقد ذكرهما الطبري عن ابن عباس ﵄ ١٠/ ٥١٢ - ٥٢٢. وأما القول بالتوقف فقد ذكره الماوردي ٢/ ٢٧٣ عن ابن عباس، حيث نقل عنه قوله: لا أدري ما فُعِلَ بها، وعند ابن عطية ٦/ ١١٧ عن ابن عباس: ما أدري ما فُعِل بهم.","vol":"1","page":465},{"text":"﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ﴾ استكبروا واجترؤوا على الذنب ومردوا على المعصية وبالغوا في الإثم.\n﴿قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً﴾ جمع قرد ﴿خَاسِئِينَ (١٦٦)﴾ مبعدين مطرودين.\nوقال بعضهم: خوطبوا بهذا القول فيكون أبلغ في النازلة، وقال بعضهم صُيِّروا قردة وكانت قردة تعرف أقربائها وتعلم ما حل بها (١)، وجمهور المفسرين على أنها ماتت بعد ثلاث (٢).\nوروي عن (٣) ابن مسعود ﵁ عن النبي -ﷺ- أنه قال: (لم يمسخ الله شيئًا فجعل له نسلًا وعاقبة) (٤).\nوقال بعضهم: بقيت وتناسلت.\nمجاهد: مسخت قلوبهم لا أبدانهم (٥).\n﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ﴾ أعلم، ويأتي تَفَعَّل وأَفْعَل بمعنىً، نحو: توعده وأوعده، وترضاه وأرضاه، وتيقنته وأيقنته، وقيل: ﴿تَأَذَّنَ﴾ أمر من الإذن، وقيل: حلف ليبعثن، وقيل: تكفل، من: الأذن، وهو الكفيل (٦).\n﴿لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ ليسلطن عليهم.\n﴿مَنْ يَسُومُهُمْ﴾ يكلفهم.\n﴿سُوءَ الْعَذَابِ﴾ شديده، هم اليهود بعث الله عليهم محمدًا -ﷺ- وأمته يقاتلونهم حتى يسلموا أو يعطوا الجزية.\nسعيد بن جبير: هم أهل الكتاب بعث الله عليهم العرب يجبونهم الخراج إلى\n_________\n(١) في (ب): (وكانت القردة تعلم ما حل بها وتعرف أقربائها).\n(٢) ذكره الثعلبي ٤/ ٢٩٨ عن ابن عباس ﵄.\nوقال مقاتل ٢/ ٧١: (عاشوا سبعة أيام ثم ماتوا يوم الثامن).\n(٣) سقطت (عن) من (ب).\n(٤) أخرجه مسلم في صحيحه (٢٦٦٣).\n(٥) أخرجه الطبري ٢/ ٦٥، وابن أبي حاتم ١/ ١٣٣ في تفسير الآية (٦٥) من سورة البقرة عن مجاهد.\nوقال الطبري: (وهذا القول الذي قاله مجاهد قولٌ لظاهر ما دل عليه كتاب الله مخالف).\nوقال الكرماني في تفسير آية البقرة: (قول الجمهور أولى، لقوله: (فجعلناها نكالًا) فإن مسخ القلوب مما لا يوقف عليه). انظر: صفحة (٢٨٠) من القسم الأول بتحقيق الشيخ الدكتور ناصر العمر.\n(٦) الذي في «الصحاح» للجوهري ٥/ ٢٠٦٨ (أذن): (الأذِينُ: الكفيلُ).","vol":"1","page":466},{"text":"يوم القيامة (١).\nوكلا القولين واحد.\n﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ﴾ لهؤلاء في الدنيا.\n﴿وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٧)﴾ للمؤمنين.\n﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ﴾ يعني بني إسرائيل.\n﴿فِي الْأَرْضِ أُمَمًا﴾ جعلناهم متفرقين (٢) في الأرض، وقيل: معناه جعلناهم (٣) على أديان مختلفة.\n﴿مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ﴾ وهم الذين أسلموا، وقيل: هم الذين رآهم رسول الله ليلة المعراج.\n﴿وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ﴾ أي: في مكان منحط عن الصلاح، هذا أصل الكلمة، أي: ومنهم عاصون ومفسدون.\n﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ﴾ بالخصب والنعمة.\n﴿وَالسَّيِّئَاتِ﴾ بالجدب (٤) والمحنة.\n﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٦٨)﴾ كي يتذكروا ويعودوا إلى الطاعة.\n﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ قوم سوء.\nابن عيسى: اشتقاقه من: خَلَفَ اللَّبنُ: إذا طال مكثه في السقاء فَتَغَيَّر، ومنه: الخُلُوف، والخَلَف بالفتح يستعمل في الخير وبالسكون في الشر، وقد يستعمل في\n_________\n(١) أخرجه الطبري ١٠/ ٥٣٢.\n(٢) في (أ): (وجعلنا متفرقين ...).\n(٣) سقطت (هم) من (ب)، ففيها: (معناه جعلنا على ...).\n(٤) سقط حرف الباء من أول كلمة (بالجدب) في نسخة (ب).","vol":"1","page":467},{"text":"الخير مع الإضافة، وهو مصدرٌ وُصِفَ به.\nوقيل (١): جمع خَالِفْ، وهو الذي يأتي خَلْفَ من سبقه.\n﴿وَرِثُوا الْكِتَابَ﴾ أخذوا عن آبائهم التوراة وعلمها.\n﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى﴾ أي: الأمر الأقرب، وهو الدنيا.\nوقيل (٢): تقديره: هذا العرض الأدنى، يأخذون الرشى في الحكم ويتجوزون (٣) فيه ويترخصون في أكل الحرام.\n﴿وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾ يتمنون على الله المغفرة، وقيل: قالوا سيغفر لنا وإن لم نستغفر.\n﴿وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ﴾ من الحرام.\n﴿يَأْخُذُوهُ﴾ أي: هم مصرون على الذنب، وقيل: لا يشبعهم شيء، وقيل: وإن يأتهم، يعني به قومًا آخر ﴿عَرَضٌ مِثْلُهُ﴾ مثل العرض الأول.\n﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ﴾ كتاب الله.\n﴿أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ الصدق.\n﴿وَدَرَسُوا مَا فِيهِ﴾ وقرءوا ما في الكتاب، أي: لم يفعلوا على (٤) جهل.\n﴿وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ﴾ أي (٥): الجنة.\n﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ الشرك والمعصية.\n﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٦٩)﴾ أنها خير من العرض الأدنى.\n_________\n(١) سقطت (قيل) من (ب) والواو مثبتة فيها: (... وصف به وجمع خالف ...).\n(٢) سقطت (قيل) من (ب) والواو مثبتة فيها: (... الدنيا وتقديره ...).\n(٣) في (أ): (ويجوزون)، ولعل الأنسب ما أثبته من (ب).\n(٤) في (ب): (من جهل).\n(٥) سقطت (أي) من (ب).","vol":"1","page":468},{"text":"﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ﴾ يؤمنون به ويقومون بأحكامه.\n﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (١٧٠)﴾ يريد منهم، وقيل: المصلحون هم الذين يمسكون فقام مقام العائد، وقيل: الخبر محذوف (١) دلَّ عليه ما بعده، أي: نعطيهم أجورهم إنا لا نضيع أجر المصلحين (٢).\n﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ﴾ اذكر إذ قلعنا (٣) ورفعنا.\nوالنتق: الجذب بمرة، أي: جذب وقلع، وامرأةٌ (٤) ناتق: تجذب ماء الرجل فتحفظه، وقيل: سميت ناتقًا كأن أولادها تجذب منها، ومنه (٥) قوله -ﷺ-: (عليكم بالأبكار فإنهن أعذب أفواهًا وأنتق أرحامًا وأرضى باليسير) (٦).\n﴿كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ يَخافُ مَنْ تحته وقوعه عليه، لأن الجبل لا يثبت في الهواء.\n﴿وَظَنُّوا﴾ وعلموا.\n﴿أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾ ساقط عليهم.\n﴿خُذُوا﴾ أي: وقلنا لهم خذوا.\n﴿مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ أي: اقبلوه باجتهاد، وقيل: بالقدرة التي لكم على أخذها.\n﴿وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ﴾ اعملوا (٧) بما فيه ولا تنسوه.\n_________\n(١) في (ب): (المحذوف).\n(٢) انظر: «الفريد في إعراب القرآن المجيد» للمنتجب الهمداني ٢/ ٣٨٢، و«الدر المصون» للسمين ٥/ ٥٠٧ - ٥٠٨.\n(٣) في (أ): (إذ فعلنا ورفعنا).\n(٤) في (أ): (والمرأة).\n(٥) سقطت كلمة (ومنه) من (أ).\n(٦) أخرجه ابن ماجه (١٨٦١) وحسنه الشيخ الألباني، كما توسع في دراسته في كتابه «السلسلة الصحيحة» برقم (٦٢٣).\n(٧) في (أ): (اعلموا) والمثبت موافق لنسخة (ب) ولما ذكره الكرماني في تفسير الآية (٦٣) من سورة البقرة.","vol":"1","page":469},{"text":"﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧١)﴾ لكي تتقوا النار، وقد سبق تفسيره (١) في البقرة (٢).\n﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ﴾ أي: ذَكِّرهُم يا محمد إذ أخذ ربك.\n﴿مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾ بَدَلٌ من بني آدم.\n﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ أولادهم وأولاد أولادهم.\n﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ أشهد بعضهم على بعض.\n﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ استفهام تقرير.\n﴿قَالُوا بَلَى﴾ إثبات وجواب لكلام يتضمن نفيًا.\n﴿شَهِدْنَا﴾ هذا من كلام الذرية، وقيل: هذا من كلام الملائكة (٣).\n﴿أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢)﴾ أي: كراهة أن تقولوا (٤)، ولئلا تقولوا (٥)، وقيل: هو متصل بقوله: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ كراهة أن تقولوا، وقيل: متصل بقوله ﴿شَهِدْنَا﴾ إذا جُعِلَ من كلام الملائكة، وكذلك الآية الأخرى وهي قوله:\n﴿أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (١٧٣)﴾\nوهذا دليل على أن التقليد في التوحيد كفر (٦).\n_________\n(١) سقطت كلمة (تفسيره) من (ب).\n(٢) عند الآية (٦٣) من سورة البقرة.\n(٣) في (ب): (هذا من كلام الذرية وقيل من كلام الذرية وقيل من كلام الملائكة) فحصل فيها تكرار، وسقط منها قوله (هذا) عند حكاية القول الثاني.\n(٤) في (أ): (كراهة أن لا تقولوا) وهو خطأ.\n(٥) في (ب): (ولأن لا تقولوا).\n(٦) في (ب): (... التقليد في الكفر). وأما قول الكرماني إن التقليد في التوحيد كفر: فالصحيح: أن إيمان المقلد معتبر، وهذه المسألة مشهورة عند أهل الكلام والمعتزلة، وبقيت عند الأشعري، وردّها جمهور أصحابه.\nانظر: «النبوات» لشيخ الإسلام ابن تيمية ١/ ٢٤٩، و«فتح الباري» لابن حجر ١٣/ ٣٤٩، و«لوامع الأنوار» للسفاريني ١/ ٢٦٧.","vol":"1","page":470},{"text":"جل المفسرين على أن الله تعالى أخرج ذرية آدم من ظهر آدم، وأولاده أخرجهم من ظهره، ثم أخرج من ظهور أولاده أولادهم واحدًا بعد واحد على ما يكونون عليه إلى يوم القيامة.\nقيل: كان ذلك قبل الدخول في الجنة بين مكة والطائف، وقيل: ببطن نَعْمَان واد بجنب (١) عَرَفَة، وقيل: أخرجهم من ظهره في الجنة، وقيل: بعد النزول من الجنة بدهيا (٢) أرض بهند (٣).\nوروي عن النبي -ﷺ- أنه قال: (مسح الله ظهر آدم بيده اليمنى وكلتا يديه يمين بعدما أهبطه إلى الأرض بنعمان فأخرج من صلبه جميع من يخلق إلى يوم القيامة كأمثال الذر (٤) نثرهم بين يديه وجعلهم على هيئة الرجال والنساء، يعني في عقولهم، ثم كلمهم، وقال: ألست بربكم؟ فقالوا: بلى (٥» (٦).\nوزاد بعضهم: (وكان أنورهم ذرة داود ﵇، فقال: من هذا؟ فقيل:\n_________\n(١) في (ب): (إلى جنب).\n(٢) هكذا في النسختين الخطيتين، وعند القرطبي ٩/ ٣٧٨: بِدَهْنا، وعند الطبري ١٠/ ٥٤٨: بِدَحْنَاء.\n(٣) انظر: الطبري ١٠/ ٥٤٨ - ٥٥٠، والثعلبي ٤/ ٣٠٣، والقرطبي ٩/ ٣٧٨.\n(٤) في (أ): (الذرة).\n(٥) في (ب): (وقال لهم ألست بربكم قالوا بلى).\n(٦) أقرب الروايات لما ذكره المصنف، هي رواية أبي هريرة ﵁ والتي أخرجها الترمذي (٣٠٧٨)، وابن أبي حاتم ٥/ ١٦١٤ وكذلك رواية ابن عباس ﵄ والتي أخرجها أحمد (٢٤٥٥)، وقد صححها الألباني في الصحيحة برقم (١٦٢٣)، بينما ذهب ابن كثير ٦/ ٤٣٦ - ٤٣٨ إل أنها موقوفة على ابن عباس.","vol":"1","page":471},{"text":"هذا داود (١)، نبي من ذريتك، قال: كم عمره؟ قال (٢): ستون سنة، قال: رب زده، قال: قد جرى القلم وجف عن زيادة بني آدم، قال: رب زده من عمري أربعين سنة، فأثبت لداود الأربعون وكان عمر آدم ﵇ ألف سنة، فلما استكمل آدم تسع مائة وستين سنة (٣) جاءه ملك الموت، فلما رآه قال: مالك؟ قال: قد استوفيت أجلك، قال له آدم: بقي من عمري أربعون سنة، قال: أليس وهبتها لداود، قال: لا، فجحد آدم فجحدت ذريته ونسي آدم فنسيت ذريته وخطئ آدم فخطأت ذريته) (٤).\nوذهب بعض المفسرين إلى أن ظاهر الآية لا يدل على هذا، لأنه قال ﴿مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾ ولم يقل من ظهر آدم، قالوا: والذرية إذا كانوا كالذر (٥) لا يخاطبون، وقالوا: إنا لا نتذكر (٦) ذلك فكيف يحتج علينا، وقالوا: إنما المراد بأخذ الذرية وجودهم في الدنيا قرنًا بعد قرن إلى يوم القيامة، وأولوا الإشهاد على وجهين، أحدهما: بما ركب فيهم من العقل، والثاني: ببعث الرسل (٧)، والأول هو مذهب السنة والجماعة (٨)؛ لأن جلّ المفسرين على ذلك، لأن الأخبار في ذلك شاعت\n_________\n(١) حصل سقط في نسخة (ب) فجاء النص فيها: (وكان أنورهم داود نبي من ذريتك).\n(٢) في (أ): (قيل).\n(٣) في (ب): (تسع مائة سنة وستين سنة).\n(٤) هذه الزيادة وردت في رواية أبي هريرة المذكورة سابقًا، وللتوسع في روايات هذا الحديث يمكن الرجوع لتفسير الطبري ١٠/ ٥٤٧ - ٥٦٢، وتفسير ابن كثير ٦/ ٤٣٣ - ٤٤٧، و«الدر المنثور» للسيوطي ٦/ ٦٤٩ - ٦٧٢.\n(٥) في (ب): (إذا كانت من الذر لا يخاطبون).\n(٦) في (ب): (وقالوا لأنا لا نتذكر).\n(٧) ذكر ابن كثير ٦/ ٤٤٧ - ٤٤٨ نحوًا من هذا القول.\n(٨) قال ابن أبي العز في «شرح العقيدة الطحاوية» ١/ ٣٠٩: (اعلم أن من المفسرين من لم يذكر سوى القول بأن الله استخرج ذرية آدم من ظهره، وأشهدهم على أنفسهم ثم أعادهم، كالثعلبي والبغوي وغيرهما، ومنهم من لم يذكره، بل ذكر أنه نصب لهم الأدلة على ربوبيته ووحدانيته، وشهدت بهاعقولهم وبصائرهم التي ركبها الله فيهم، كالزمخشري وغيره، ومنهم من ذكر القولين، كالواحدي والرازي والقرطبي وغيرهم، لكن نَسَبَ الرازيُّ القول الأول إلى أهل السنة والثاني إلى المعتزلة).","vol":"1","page":472},{"text":"وذاعت، وأما قولهم: لم يقل من ظهر أدم: فلأنهم لم يخرجوا كلهم من ظهر آدم بل بعضهم من بعض على ما سبق، وأما كونهم كالذر: فلا ننكر قدرة الله تعالى على أن يجعل الذرة وأصغر من الذرة عاقلًا يفهم الخطاب ويسمع ويجيب، وقيل: كانوا كالذر كثرة لا صغرًا وكانوا على أشخاصهم التي يكونون عليها، وأما قولهم: لا يُتَذَكَّرُ ذلك: فإن تذكير الله أبلغ، وقيل: أَخَذَهُم من ظهور الآباء وجعلهم في بطون الأمهات وحولهم من خِلْقة إلى خلقة، ومن (١) حالة إلى حالة، وأشهدهم على أنفسهم عند البلوغ وكمال العقل، وقيل: على لسان (٢) الأنبياء وفي كتبهم، وقد سبق الجواب، والله اعلم (٣).\n﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾ أي: كبيان هذه القصة نبين سائر الآيات.\n﴿وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٧٤)﴾ بيَّنَّاها (٤).\n﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا﴾ اختلف المفسرون فيه، فقال ابن عباس ﵄: هو بلعم بن باعورا من العمالقة دعا على قوم موسى فبقوا في التيه ودعا عليه موسى فسلب الله إيمانه (٥).\nعبد الله بن عمرو بن العاص: نزلت في أمية بن أبي الصلت الثقفي، وكان قد قرأ الكتب وعلم أن الله مرسل رسولًا في ذلك الوقت ورجا أن يكون هو ذلك\n_________\n(١) سقطت (ومن) من (أ).\n(٢) سقطت كلمة (لسان) من (ب).\n(٣) قوله: (والله أعلم) لم يرد في (ب).\n(٤) في (ب): (ببيانها).\n(٥) أخرجه الطبري ١٠/ ٥٧٥، وابن أبي حاتم ٥/ ١٦١٦ - ١٦١٧، وذكره الثعلبي ٤/ ٣٠٤ مطولًا.","vol":"1","page":473},{"text":"الرسول، فلما أرسل محمد -ﷺ- حسده وكفر به (١).\nوقيل: نزلت في رجل قد أعطي ثلاث دعوات مستجابة، وكان (٢) له امرأة اسمها البسوس لها منه ولد، فقالت له: اجعل لي منها واحدة، فقال لها (٣): ما تريدين، قالت: ادع الله أن يجعلني أجمل امرأة في بني إسرائيل، فدعا لها، فجعلت كذلك، ثم رغبت عنه، فدعا عليها فصارت كلبة نباحة، فجاء بنوها فقالوا: صارت (٤) أُمُّنا كلبة والناس يعيروننا (٥) فادع الله أن يردها كما كانت، فدعا الله فعادت كما كانت فذهبت فيها الدعوات (٦).\nسعيد بن المسيب: نزلت في أبي عامر الراهب (٧) الذي بني له مسجد الشقاق حين ذهب إلى الشام ليأتي بجند فيخرج محمدًا وأصحابه من المدينة فمات بها طريدًا وحيدًا (٨).\nعبادة بن الصامت ﵁: نزلت في قريش (٩).\nالحسن: نزلت في منافقي أهل الكتاب (١٠).\n_________\n(١) أخرجه الطبري ١٠/ ٥٧٠ مختصرًا، وذكره الثعلبي ٤/ ٣٠٦ وابن الجوزي ٣/ ٢٨٧، واللفظ الذي ساقه الكرماني هو لفظ الواحدي في «أسباب النزول» (ص ٣٨٦) وزاد الواحدي نسبته لزيد بن أسلم.\n(٢) في (ب): (وكانت).\n(٣) سقطت (لها) من (ب).\n(٤) في (ب): (قد صارت).\n(٥) في (ب): (يعيروننا بها).\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم ٥/ ١٦١٧، وذكره الواحدي في «أسباب النزول» (ص ٣٨٦).\n(٧) في (ب): (أبي عمرو الراهب).\n(٨) ذكره الثعلبي ٤/ ٣٠٧، والقرطبي ٩/ ٣٨٤ - ٣٨٥.\n(٩) ذكره الثعلبي ٤/ ٣٠٧، والقرطبي ٩/ ٣٨٥.\n(١٠) أخرجه الطبري ١٠/ ٥٨٧ عن الحسن، وذكره الثعلبي ٤/ ٣٠٨، وابن الجوزي ٣/ ٢٨٧.","vol":"1","page":474},{"text":"وقيل: هو مثل ضربه الله.\nمجاهد: كان نبيًا في بني إسرائيل اسمه بلعم، أوتي النبوة، فرشاه قومه على أن يسكت ففعل (١).\nوجوز بعضهم أن يكون فرعون، والآيات آيات موسى (٢).\nقوله ﴿آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا﴾ قيل: اسم (٣) الله الأعظم، وقيل: كتاب من كتب الله، وقيل: النبوة، وقيل: العلم بمجيء النبي.\n﴿فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ خرج من علمها كانسلاخ الشاة من جلدها.\nوالانسلاخ: التعري من الشيء حتى لا يعلق به منه شي.\n﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ﴾ استتبعه، وقيل: اتبعه.\n﴿فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥)﴾ الفاسدين، وقيل: الهالكين (٤).\n﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ﴾ شرفناه وقدمناه وجعلنا له الدرجة الرفيعة.\n﴿بِهَا﴾ بسبب تلك الآيات، وقيل: الباء للحال.\nالزجاج: ولو شئنا أن نحول بينه وبين المعصية (٥).\nوقيل: لرفعنا (٦) عنه الحال التي صار إليها من الكفر بالله وآياته.\n﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾ اختار السفال على الرفعة ومال إلى لذات الدنيا.\n﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ في إيثار الدنيا ولذاتها على الآخرة ونعيمها.\n﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ﴾ زجرته وطردته.\n﴿يَلْهَثْ﴾ يدلع لسانه.\n﴿أَوْ تَتْرُكْهُ﴾ غير مطرود ﴿يَلْهَثْ﴾، وكل حيوان يلهث عند عطش أو إعياء إلا الكلب فإنه يلهث (٧) في الأحوال كلها، شبهه الله بأخس حيوان في أخس أحواله.\nالحسن: شبهه بدابة لا فؤاد له، فهو يلهث على كل حال، فكذلك هو سواء عنده الوعظ وتركه (٨).\nابن بحر: شبهه بالكلب فحسب، ثم وصف الكلب فقال ﴿إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ (٩).\n﴿ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ أي: الشبه المذكور (١٠) في المثل المضروب مثل الذين كذبوا بآيات الله.\n_________\n(١) أخرجه الطبري ١٠/ ٥٨٣ - ٥٨٤ عن مجاهد، قال ابن كثير ٦/ ٤٥١: (وأغربَ، بل أبعد، بل أخطأ من قال: كان قد أوتي النبوة فانسلخ منها، حكاه ابن جرير عن بعضهم، ولا يصح).\n(٢) نقل الرازي ١٥/ ٤٥ هذا القول عن أبي مسلم الأصبهاني.\n(٣) في (أ): (بسم).\n(٤) في (ب): (وقيل من الهالكين).\n(٥) انظر: «معاني القرآن» للزجاج ٢/ ٣٩١، وتمام الكلام عند الزجاج: (لفعلنا).\n(٦) في (أ): (لرفعناه).\n(٧) في (ب): (لاهث).\n(٨) نقله الثعلبي ٤/ ٣٠٩، والواحدي في «البسيط» (ص ٩٢٦) رسالة جامعية، بلفظ مقارب لما ذكره الكرماني عن الحسن.\n(٩) قال الطبرسي في «مجمع البيان» ٤/ ٧٧٠: (وقيل: إنما شبهه بالكلب في الخسّة وقصور الهمة وسقوط المنزلة، ثم وصف الكلب باللهث على عادة العرب في تشبيههم الشيء بالشيء ثم يأخذون في وصف المشبه به وإن لم يكن ذلك الوصف في المشبه، وذلك يكثر في كلامهم، عن أبي مسلم).\nوقد جرت العادة عند الكرماني في كتبه أنه يميز بين رجلين يختلطان على المفسرين كثيرًا، وكلاهما من مفسري المعتزلة، الأول: محمد بن بحر الأصفهاني (ت ٣٢٢ هـ)، وكنيته: أبو مسلم، ويسميه الكرماني: ابن بحر، والثاني: محمد بن علي الأصبهاني (ت ٤٥٩ هـ) وكنيته: أبو مسلم، ويسميه الكرماني: أبو مسلم.\nبينما الطبرسي - وهو تلميذ الكرماني - ينقل هذا القول عن أبي مسلم، فالله أعلم.\n(١٠) في (أ): (المذكورين).","vol":"1","page":475},{"text":"﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ﴾ اتل عليهم خبرهم.\n﴿لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١٧٦)﴾ كي يتأملوا فيتعظوا.\n﴿سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ (١٧٧)﴾ تقديره: ساء مثلًا مثل القوم، فحذف المضاف، وقيل: ساء مثلًا ما تقدم ذكره من الكلب واللهث.\n﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي﴾ أي: من هداه إلى الإيمان ووفقه فهو المهتدي الثابت على الإيمان.\n﴿وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٧٨)﴾ ومن أضله عن الإيمان وخذله فقد خسرنفسه ومنزله من الجنة.\n﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا﴾ خلقنا ﴿لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ يعني الكفار من الفريقين، وذرأه لها (١) خلقه إياه كافرًا.\nولا منافاة بينه وبين قوله ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦]، لأن ذلك لكثير منهم وهذا لكثير، وقيل: لام ﴿لِجَهَنَّمَ﴾ لام العاقبة، أي: خلقنا للعبادة فآل أمرهم إلى جهنم، وقيل: هذا من المقلوب تقديره (٢): ذرأنا جهنم لكثير من الجن والإنس (٣).\nوروى عبد الله بن عمرو ﵁ عن النبي -ﷺ-: (أن الله تعالى لما ذرأ لجهنم ما ذرأ كان ولد الزنا ممن ذرأ لجهنم) (٤).\nثم ذمهم فقال: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ لتركهم التدبر في كتاب الله.\n﴿وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ أي: لا ينتفعون بأعينهم وآذانهم، فهم كالفاقدين السمع والبصر.\n﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ﴾ في قله انتفاعها بالمعقولات والمرئيات والمسموعات.\n﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ لأنهم أعرضوا عنها وفوتوها على أنفسهم، وقيل: لأن (٥) الأنعام تعرف الله تعالى والكافر لا يعرفه (٦)، وقيل: ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ لأن الأنعام تبصر منافعها ومضارها فتلتزم بعض ما تبصره والكافر لا يعلم مضارها حيث اختار النار، وقيل: لأن الكفار بقبيح فعلهم يصيرون إلى النار والأنعام لا تصير إليها.\n﴿أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ أي: عَمَّا لَهُم وعليهم.\n﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ جميع أسماء الله تعالى صفات، إلا كلمة (الله) فإنهم اختلفوا فيه، وقد سبق (٧).\nوالفرق بينهما: أن الاسم يدل دلالة إشارة، والصفة تدل دلالة إفادة (٨)،\n_________\n(١) في (ب): (وذرأه له).\n(٢) في (أ): (وقيل تقديره).\n(٣) قد ردَّ أبو حيان ٤/ ٤٢٥ القول بأن هذه الآية من المقلوب وقال عن هذا القول بأنه غير سديد.\n(٤) أخرجه الطبري ١٠/ ٥٩٢، وابن أبي حاتم ٥/ ١٦٢٢، وابن أبي عاصم في «السنة» (٤١٧) وإسناده ضعيف كما قال الشيخ الألباني في «ظلال الجنة» تحت الحديث (٤١٧).\n(٥) في (أ): (أن الأنعام).\n(٦) في (ب): (لا يعرف الله).\n(٧) قال الكرماني في تفسير معنى (بسم الله الرحمن الرحيم) في مطلع التفسير (ص ٦٦ - رسالة الشيخ الدكتور ناصر العمر) عند حديثه عن لفظ الجلالة (الله): (والأكثر على أنه مشتق؛ لأن أسماء الله تعالى كلها صفات ومشتقة ليعرف المكلف معناه فيتوسل به إليه).\n(٨) في (أ): (دلالة فائدة).\nوهذه الدلالات التي ذكرها هي مبحث لغوي، وإلا فالأصل أن كل اسم لله تعالى فهو صفة له تعالى كما ذكره الكرماني قبل قليل.\nانظر: «معجم القواعد العربية» (ص ٣٢) لعبدالغني الدقر.","vol":"1","page":476},{"text":"وصفة الله صفة ذات وصفة فعل، ويجب على المكلف معرفة معاني أسمائه وصفاته (١).\nوسماها ﴿الْحُسْنَى﴾ لأنها تدل على توحيد الله وحسن أفعاله تعالى عما يقول الظالمون فادعوه بها.\nروى أبو هريرة ﵁ عن النبي -ﷺ- أنه قال: (إن لله تسعة وتسعين اسمًا مائة إلا واحدة (٢)، من أحصاها دخل الجنة) (٣).\n﴿فَادْعُوهُ بِهَا﴾ بعينها ولا تخترعوا لله تعالى اسمًا غير ما وصف نفسه به.\n﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ﴾ يميلون عن الصواب.\n﴿فِي أَسْمَائِهِ﴾ هو أنهم عدلوا بها عما هي عليه فسموا بها أوثانهم وزادوا ونقصوا واشتقوا من الله اللات ومن العزيز العزى ومن المنان مناة.\nوقيل: هو تسميتهم أصنامهم آلهة، والإلهية صفة لله وحده (٤).\nوقيل: هو أن يسمي الله بما ليس من أسمائه، كتسمية النصارى إياه أبا المسيح.\nوقيل: الإلحاد في أسمائه أن يقال له ولد وله شريك.\n﴿سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾.\n_________\n(١) قد تكلم ابن القيم في «بدائع الفوائد» ١/ ٢٨٨، والقرطبي في كتابه «الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى وصفاته العلى» (ص ٣٠ - ٣٣) عن حكم معرفة معاني أسماء الله تعالى وصفاته، وبينا أن له مراتب مختلفة داخلة تحت معنى الإحصاء الوارد في الحديث الذي سيذكره الكرماني بعد قليل، وينبغي أن يقال في توضيح كلام الكرماني هنا وإيجابه معرفة معاني الأسماء والصفات: بأنه واجب على من أراد بلوغ درجة عالية من الإيمان، والله أعلم.\n(٢) هكذا في النسختين، أما مصادر التخريج ففيها: (واحدًا).\n(٣) أخرجه البخاري (٢٧٣٦)، ومسلم (٢٦٧٧).\n(٤) في (ب): (صفة الله وحده).","vol":"1","page":477},{"text":"﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٨١)﴾ قال رسول الله -ﷺ-: (إنها أمتي، وقد أعطي القوم بين أيديكم مثلها يعني قوله ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ﴾ الآية [الأعراف: ١٥٩]) (١).\n﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ بالقرآن والرسول ومعجزاته.\n﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ نأخذهم قليلًا قليلًا حتى يبلغوا الغاية بِأَخْذِهم (٢) بالعقوبة.\nابن عباس ﵄: كلما أحدثوا خطيئة جدد لهم نعمة وأنساهم الاستغفار (٣). والدَّرْجُ والدَّرْجَان: مِشْيَةُ الشيخ والصبي، والدَّرْج: الطي، من هذا لأنه يؤخذ شيء فشيء (٤)، والدَّرَجَةُ منها (٥)؛ لأنه يصعد فيها شيء فشيء.\n﴿مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٢)﴾ أنهم يؤخذون.\n﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (١٨٣)﴾ أطيل لهم المدة فلا أعاجلهم، مشتق من: الملاوة، وهو الزمان الطويل، والكيد: التدبير، وقيل: العذاب، وقيل: الكيد: عمل في خفية.\n_________\n(١) هذا مجموع روايتين أخرجهما الطبري ١٠/ ٦٠٠، الأولى عن ابن جريج قال: ذُكِر لنا أن نبي الله -ﷺ- قال: (هذه أمتي) قال: (بالحق يأخذون ويعطون ويقضون)، والرواية الثانية عن قتادة: بلغنا أن نبي الله -ﷺ- كان يقول إذا قرأها: (هذه لكم وقد أُعطي القوم بين أيديكم مثلها ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾). وزاد السيوطي في «الدر المنثور» ٦/ ٦٩٠: نسب الرواية الأولى لابن المنذر وأبي الشيخ، والثانية لعبد بن حميد وابن المنذر.\n(٢) هذا ما ظهر لي من النسختين، ويحتمل (يأخذهم) أو (نأخذهم)، والمخطوطتين لا تحتمل (فآخذهم) لأن الحرف الأول إما أن يكون (ن) أو (ب) أو (ي) فقط.\n(٣) لم أجده عن ابن عباس ﵄، وإنما معناه مرويٌّ عن الضحاك فيما رواه الثعلبي ٤/ ٣١٢، وذكر الواحدي في «الوسيط» ٢/ ٤٣١ عن ابن عباس: سنمكر بهم.\n(٤) هكذا في النسختين، ولعل التقدير: والأخذ شيءٌ فشيء، وإلا فالأصل أنها حال: شيئًا فشيئًا. ومثلها قوله بعد قليل (يصعد فيها شيء فشيء).\n(٥) هكذا في اللسان، أما في القاموس، فهي: الدُّرجة، والمقصود بها المرقاة.","vol":"1","page":478},{"text":"والمتين: القوي له متن.\n﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ﴾ لما نسبوا النبي -ﷺ- إلى الجنون، أنزل الله: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾ (١) استفهام بمعنى التقريع.\nوقيل: بمعنى التحريض، أي: أولم يتفكروا بقلوبهم فيعلموا ما بصاحبهم، يعني: النبي -ﷺ- ﴿مِنْ جِنَّةٍ﴾ جنون، وقيل: جمع جن، كالجنة والناس.\nوقيل: تم الكلام على قوله ﴿يَتَفَكَّرُوا﴾ (٢) ثم استأنف فقال ﴿مَا بِصَاحِبِهِمْ﴾ لأن التفكر لا يُعَلَّق.\nوقيل: العلم مضمر، وهو معلق كما سبق (٣).\n﴿إِنْ هُوَ﴾ ما هو.\n﴿إِلَّا نَذِيرٌ﴾ منذر من الله.\n﴿مُبِينٌ (١٨٤)﴾ موضح إنذاره.\n﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: يُفَكِّروا فيها.\nوالملكوت: الملك، ولا يستعمل إلا في حق الله.\n﴿وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي: وفيما خلق الله من شيء من الأشياء.\n﴿وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾ أي: وفي أن عسى أن يكون أجلهم قد اقترب، فإن ﴿عَسَى﴾ في محل جر، و﴿أَنْ يَكُونَ﴾ اسم عسى، واسم كان مضمرفيه، تفسيره: أجلهم، كما تقول: قام وقعد زيد، ويحتمل: أن يكون اسمه مضمرًا، أي: أن يكون الأمر والشأن، أي: لا تأمنوا انقضاء العمر وبادروا إلى التوبة.\nوما قيل في إعراب ﴿وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾ سوى ما أوردته فباطل (٤).\n﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ﴾ أي: بعد القرآن، والمعنى: سواه.\n﴿يُؤْمِنُونَ (١٨٥)﴾ إذا لم يؤمنوا به وهو النهاية في الإيضاح والبيان.\n﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ من خذله فسلك غير الطريق المستقيم.\n﴿فَلَا هَادِيَ لَهُ﴾ لا يهديه أحد سوى الله.\n_________\n(١) أخرجه الطبري ١٠/ ٦٠٢، وابن أبي حاتم ٥/ ١٦٢٤ عن قتادة مرسلًا، وزاد السيوطي ٦/ ٦٩١ نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر وأبي الشيخ.\n(٢) قاله أيضًا ابن الأنباري في «إيضاح الوقف والابتداء» (ص ٦٧١)، والداني في «المكتفى» (ص ٢٨١).\n(٣) قال السمين الحلبي في «الدر المصون» ٥/ ٥٢٥: (قال الحوفي: (إن ﴿مَا بِصَاحِبِهِمْ﴾ معلقة لفعل محذوف دلَّ عليه الكلام، والتقدير: أولم يتفكروا فيعلموا ما بصاحبهم) وقال: (وتفكر) لا يُعَلَّق لأنه لم يدخل على جملة).\nوقد ردّ أبو حيان في «البحر المحيط» ٤/ ٤٢٩ على الحوفي، ثم قال: «تفكر) مما ثبت في اللسان تعليقه، فلا ينبغي أن يعدل عنه).\n(٤) قد ذكر السمين الحلبي ٥/ ٥٢٦ - ٥٢٧ الأقوال الأخرى في إعراب الآية، وانظر أيضًا: «الإعراب المفصل» ٤/ ١٣٩ - ١٤٠.","vol":"1","page":479},{"text":"﴿وَيَذَرُهُمْ﴾ يتركهم ويمهلهم.\n﴿فِي طُغْيَانِهِمْ﴾ كفرهم وعتوهم.\n﴿يَعْمَهُونَ (١٨٦)﴾ عمهًا (١) متحيرين.\n﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ في سبب النزول: قال قتادة: قالت قريش لمحمد -ﷺ-: إن (٢) بيننا وبينك قرابة، فَأَشِر إلينا متى الساعة، فأنزل الله هذه الآية (٣).\nابن عباس ﵄ قال: قال جبل بن أبي قشير وسموءل بن زيد، وكانا من اليهود: أخبرنا يا محمد: متى الساعة، إن كنت نبيًا، فإنا نعلم متى هي، فأنزل الله هذه الآية (٤).\nوالمعنى: يطلبون منك علم يوم القيامة.\nقوله ﴿أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ متى وقوعها (٥) ومستقرها وظهورها وقيامها ومنتهاها.\nوأصله من: الإرساء، وهو إقرار (٦) الشيء الثقيل وإمساكه، واستعير لها هذا اللفظ لثقلها على الخلائق.\n﴿قُلْ﴾ يا محمد لهم ﴿إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾ لا يعلمها غيره.\n﴿لَا يُجَلِّيهَا﴾ لا يظهرها ولا يقيمها ولا يرسيها.\n﴿لِوَقْتِهَا﴾ لمعرفة وقتها ﴿إِلَّا هُوَ﴾ أي: إلا الله.\nوجَلَّي: أظهر المعنى الغامض.\n﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: خفيت على أهلها.\nأبو عبيدة: إذا خفي عليك شيء فقد ثقل عليك (٧).\nوقيل: ثقلت (٨) على من يعرفها لما بعدها من الحساب والعقاب، وقيل: صعبت، وقيل: ثقلت في السموات والأرض لأنها سبب خرابها وفسادها (٩)، من قوله: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الانفطار: ١]، و﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١]، وأمثالها.\n_________\n(١) سقطت كلمة (عمهًا) من (ب).\n(٢) في (أ): (قال إن بيننا ...).\n(٣) أخرجه عبدالرزاق ١/ ٢٤٥، والطبري ١٠/ ٦٠٤، وذكره الواحدي في «أسباب النزول» (ص ٣٨٧). وعند عبدالرزاق (فاسرر)، وعند الطبري والواحدي (فأَسِرَّ).\n(٤) أخرجه الطبري ١٠/ ٦٠٤ - ٦٠٥، وذكره ابن هشام في «السيرة» ٢/ ٢٥٠ وعنده (شمويل بن زيد)، والواحدي في «أسباب النزول» (ص ٣٨٧).\n(٥) في (أ): (وقعها).\n(٦) في (ب): (... الإرساء وإقرار الشيء ...).\n(٧) انظر: «مجاز القرآن» لأبي عبيدة ١/ ٢٣٥.\n(٨) في (أ): (ثقل).\n(٩) في (ب): (خرابهما وفسادهما).","vol":"1","page":480},{"text":"﴿لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾ فجأة، وهي أشد.\n﴿يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾ الحفي: العالمُ بالشيء المعنيُّ به، تقول: حَفِيَ عن الشيء: سأل، وحَفِيَ بالشيء: عُني به، وحَفِيَ بالشيء حَفَاوة: فَرِحَ به، وقيل: حَفِيَ: مِنْ حَفَا يحفو: إذا حكم (١)، ويحتمل: أنه فَعِيْل بمعنى مُفْعِل (٢)، أي: أحفيتَ في السؤال عنها وبالغتَ فيه.\nوقوله ﴿عَنْهَا﴾ فيه قولان:\nأحدهما: فيه تأخير، وتقديره: يسألونك عنها كأنك حفي، أي: عالم.\nوالثاني: واقع موقعه بمعنى الباء، أي (٣): كأنك حفي بها، وقيل: أكثرت البحث عنها.\nالزجاج: يسألونك عنها كأنك حفي، أي: فرح بسؤالهم (٤).\n﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٧)﴾ كرر لأن المراد بالأول علم وقتها، وبالثاني علم كونها.\n﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ في سبب النزول: قال الكلبي: إن أهل مكة قالوا: يا محمد: ألا أخبرتنا بالسعر الرخيص قبل أن يغلو فنشتري ونربح به (٥)، وبالأرض التي يُريد أن يُجْدِب فَنَرْتَحِلَ عنها إلى ما قد أَخْصَبَت، فأنزل الله تعالى هذه الآية (٦).\nوالمعنى: لا أملك نفع نفسي ولا ضرها إلا ما شاء الله أن أملكه، وقيل: لا أملك هدى ولا ضلالًا (٧).\n﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ أي: الذي سألتموني عنه.\n﴿لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾ لادخرت (٨) في زمان الخصب من الطعام ما يكفيني وما أربح.\n﴿وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ الجدب والقحط.\nوقيل: الغيب ها هنا: علم الساعة، وقيل: الغيب: الموت، والخير: العمل الصالح، وقيل: لو كنت أعلم الغيب الذي تسألونني عنه لاستكثرت من الخير، أي: لأخبرتكم عما سُئلت وما مسني السوء، أي: لم يلحقني تكذيب.\n﴿إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ﴾ للكافرين.\n﴿وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨)﴾ أي: للمؤمنين.\n﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ يعني آدم ﵇.\n﴿وَجَعَلَ﴾ وخلق (٩).\n_________\n(١) قال في «اللسان» (حفا): (يقال: تحافينا إلى السلطان فرفعنا إلى القاضي، والقاضي يسمى الحافي).\n(٢) قال النحاس في «إعراب القرآن» ٢/ ١٦٦: (يقال: أحفى في المسألة وفي الطلب فهو مُحْفي وحَفيّ، على التكثير، مثل: مُخْصِب وخَصِيب).\n(٣) سقطت (أي) من (ب).\n(٤) انظر: «معاني القرآن» للزجاج ٢/ ٣٩٣.\n(٥) كلمة (به) لم ترد في (ب).\n(٦) ذكره الثعلبي ٤/ ٣١٣ عن ابن عباس، وذكره الواحدي في «أسباب النزول» (ص ٣٨٨) عن الكلبي.\n(٧) في (أ): (ضلالة).\n(٨) في (ب): (أي لادخرت).\n(٩) سقطت الواو في نسخة (ب).","vol":"1","page":481},{"text":"﴿مِنْهَا﴾ من النفس، وقيل: من جنس ما خلق منها النفس.\n﴿زَوْجَهَا﴾ حواء.\n﴿لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ ليأنس بها أنس الشيء بشكله، وقيل: أنس الذكر بالأنثى.\nالحسن: ليس المراد بالنفس الواحدة وزوجها آدم وحواء، بل هو عام لجميع الناس، لأن كل واحد خلق من نفس واحدة أنثاها من جنسها (١).\n﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا﴾ لابسها ملابسة مباشرة.\n﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا﴾ يعني النطفة.\n﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ أي: مرت وجاءت وقعدت وقامت، والباء للحال، وقيل: مرت: استمرت، وكذلك قرأ ابن عباس ﵄ (٢)، والاستمرار: المصاحبة، وقيل: هو من المقلوب، أي: استمر بها الحمل.\nقتادة: ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾: استبان حملها (٣).\n﴿فَلَمَّا أَثْقَلَتْ﴾ صارت ذات ثقل، كأثمر: صار ذا ثمر (٤)، أي: كبر الولد في بطنها.\n﴿دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا﴾ ولدًا سويًا يشبه أبويه.\n﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٨٩)﴾ لك على نعمتك (٥).\n﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا﴾ أجاب دعائهما.\n﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ جل المفسرين على أن هذا في آدم وحواء ﵉، وذلك أن حواء لما أثقلت أتاها إبليس فقال لها (٦): ما يدريك ما في بطنك،\n_________\n(١) ورد بمعناه عن الحسن: عند الماوردي ٢/ ٢٨٧، وابن الجوزي ٣/ ٣٠٣.\n(٢) نقله ابن خالويه في «القراءات الشاذة» (ص ٤٨)، وابن جني في «المحتسب» ١/ ٢٧٠.\n(٣) أخرجه الطبري ١٠/ ٦١٨، وابن أبي حاتم ٥/ ١٦٣١.\n(٤) في (أ): (كأثمر ذات ثمر).\n(٥) في (ب): (نعمك).\n(٦) كلمة (لها) لم ترد في (ب).","vol":"1","page":482},{"text":"لعله كلب أو خنزير أو بقرة أو حمار، وما يدريك من أين يخرج، أمن أذنك أم من عينك أم من كذا أو من كذا كذا (١) أم يشق بطنك فيقتلك، فخافت حواء من ذلك، ثم قال لها: أطيعيني وسمي ولدك عبد الحارث تلدي شبيهكما (٢)، وكان اسمه في الملائكة الحارث، فذكرت ذلك لآدم فقال: لعله صاحبنا الذي قد علمت، فعاودهما (٣) فلم يزل بهما حتى غرهما فسمياه عبد الحارث (٤).\nابن عباس ﵄: كانت حواء تلد لآدم فيسميه عبد الله وعبيد الله وعبد الرحمن، فيصيبهم الموت، فأتاهما إبليس وقال: أيسركما (٥) أن يعيش لكما ولد، فسمياه عبد الحارث، فولدت ابنًا فسمياه عبد الحارث (٦) وقال آدم: لعله لا يضر التسمية ويبقى لنا وَلَدٌ نأنس به في حياتنا ويخلفنا بعد مماتنا (٧).\nوقيل: سمياه عبد الحارث كما قال حاتم (٨):\n_________\n(١) في (أ): (أمن أذنك أمن عينك أمن كذا أو من كذا كذا أم يشق)، وفي (ب): (أمن أذنك أم عينك أم من كذا أو من كذا أم يشق ...)\n(٢) في (أ): (شبيهكما مثلكما) ولم ترد في (ب).\n(٣) في (ب): (فعاودهما إبليس).\n(٤) نقل الطبري ١٠/ ٦٢١ - ٦٢٨ ذلك عن ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة والسدي وعكرمة ومجاهد، وقد نقل عن غيرهم، وورد فيه حديث مرفوع، ضعفه جماعة من أهل العلم، منهم ابن كثير= =٦/ ٤٨١، ثم قال ابن كثير: وقد تلقى هذا الأثر عن ابن عباس جماعة من أصحابه، كمجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة، ومن الطبقة الثانية قتادة والسدي وغير واحد من السلف، وجماعة من الخلف، ومن المفسرين من المتأخرين جماعات لا يحصون كثرة؛ وكأنه والله أعلم أصله مأخوذ من أهل الكتاب.\n(٥) في (ب): (أن يسركما أن يعيش).\n(٦) قوله: (فولدت ابنًا فسمياه عبدالحارث) لم يرد في (أ).\n(٧) أخرجه الطبري ١٠/ ٦٢٤.\n(٨) البيت في «ديوان حاتم الطائي» (ص ٤٤) وعنده: (إلا تلك).\nونقله جماعة من المفسرين، منهم: الواحدي في «البسيط» (٩٦٤ - رسالة جامعية) وابن الجوزي ٣/ ٣٠٣.","vol":"1","page":483},{"text":"وإني لعبدُ الضَّيفِ ما دام ثاويًا ... وما فيَّ إلَاّتيكَ من شيمةِ العبدِ\nوهذا معنى قوله ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ وهو شرك تسمية لا شرك عبودة.\nثم استأنف فقال ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٩٠)﴾ يعني الكفار.\nالحجة (١): تقديره: جعلا (٢) أولادهما بحذف (٣) المضاف، والدليل عليه سياق الآية ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٩٠)﴾ بلفظ الجمع.\nوقيل: الضمير في ﴿جَعَلَا﴾ يعود إلى الولد الذي دل عليه قوله ﴿آتَاهُمَا صَالِحًا﴾ وثنى الضمير لأن حواء كانت متآمًا حملت خمسمائة بطن (٤)، وقيل: جعلا لغيره شركاء، أي: لغير الله، وهو إبليس لعنه الله.\nوقوله ﴿شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ أي: ذا شرك، لأنه مصدر، أو (٥): ذوي شرك، بالجمع، لتوافق قراءة ﴿شُرَكَاءَ﴾ بالجمع (٦)، والمراد بالجمع واحد فيمن قال هو إبليس، ومن لم (٧) يجعل القصة لآدم وحواء بل للمشركين من بني آدم، فشركاء جمعٌ لفظًا وحكمًا.\n_________\n(١) انظر: «الحجة» لأبي علي الفارسي ٤/ ١١٣.\n(٢) في (ب): (جعل).\n(٣) في (ب): (فحذف).\n(٤) ذكره ابن الجوزي ٣/ ٣٠٣ - ٣٠٤ قولًا في معنى الآية.\n(٥) في (ب): (أي ذوي شرك).\n(٦) قرأ أبو جعفر ونافع وعاصم برواية أبي بكر (شِرْكًا) منونًا بكسر الشين، وقرأ باقي العشرة (شركاء) بضم الشين وفتح الراء، والمدّ والهمز.\nانظر: «المبسوط» لابن مهران (ص ١٨٧).\n(٧) سقطت (من) من نسخة (أ).","vol":"1","page":484},{"text":"وقيل: تقديره: ﴿جَعَلَا﴾ جعل أحدهما، يعني حواء، وقوله ﴿لَهُ﴾ قيل: الهاء تعود إلى الله تعالى، وقيل: إلى إبليس، أي: جعلا لإبليس شركاء فيما آتاهما الله، يقوي قوله من قال (١): تقديره: لغيره.\nويحتمل: أن الهاء تعود إلى الولد على تقدير: جعلا للولد الصالح الذي آتاهما الله شركاء نصيبًا فيما آتاهما من الرزق في الدنيا وكانا (٢) قبله يأكلان ويشربان وحدهما، ثم استأنف فقال ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٩٠)﴾ يعني الكفار، ومن قرأ (شِرْكًا) فالمعنى صارا له (٣)، أي: معه شِرْكًا فيما آتاهما، وهذا القول لم أُسبق إليه، وهو حسن، لأنه تنزيه لآدم وحواء عن الشرك، وثناء عليهما، والله أعلم (٤).\n﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا﴾ يعني الأصنام.\n﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١)﴾ ذهب المفسرون إلى أن قوله وهم ﴿يُخْلَقُونَ (١٩١)﴾ للمعبودين، وإنما جمع جمع السلامة بعد قوله ﴿مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا﴾ لما وصفها بأنها تُعبد، وقيل: لأن فيما يُعبد الشياطين والملائكة والمسيح، ويحتمل: أن الضمير يعود إلى العابدين، وهم المشركون، وتقديره: أيشركون مالا يقدر على خلق وهم مخلوقو الله، أي: فليعبدوا خالقهم.\n﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا﴾ لا تنصر من أطاعها.\n﴿وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٢)﴾ ولا يدفعون عن أنفسهم مضرة من قصدهم بكسر\n_________\n(١) في (ب): (يقويه قول من قال ...)، والمعنى واحد.\n(٢) في (أ): (وكان).\n(٣) في (أ): (صار له).\n(٤) استبعد أبو حيان ٤/ ٤٣٨ هذا القول بعد أن نقله ولم ينسبه لأحد معين.","vol":"1","page":485},{"text":"أو غيره، هذا صفة الأصنام.\n﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ﴾ أيها المشركون، أي: أصنامكم (١).\n﴿إِلَى الْهُدَى﴾ إلى الرشد والصواب.\n﴿لَا يَتَّبِعُوكُمْ﴾ لأنها لا تعقل ولا تفهم.\nوقيل: هذا خطاب للمسلمين، وضمير المفعول يعود إلى قوم من الكفار علم الله أنهم لا يؤمنون.\n﴿سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ (١٩٣)﴾ أي: دعاء الصنم (٢) والسكوت عن الدعاء سيان، لأنه لا يسمع ولا يجيب، وقيل: دعاء هذا الكافر، والتقدير: أدعوتموهم أم صَمَتُّم، واسم الفاعل ناب عن الفعل (٣).\n﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: تعبدون، وقيل: تدعون: من الدعاء، وقيل: تسمونهم آلهة، فحذف المفعول الثاني.\n﴿عِبَادٌ﴾ جمع عبد، وهو المملوك من بني آدم (٤).\n﴿أَمْثَالُكُمْ﴾ في كونها مخلوقة لله، وأجرى ﴿الَّذِينَ﴾ ولفظ ﴿عِبَادٌ﴾ للأصنام على زعم الكفار أنها تعقل وتضر وتنفع، وله في القرآن نظائر (٥)، ومن زعم أن ذلك لاشتمال المعبودين على الملائكة والجن وعيسى ﵇ فمدفوع ها هنا، لقوله\n_________\n(١) في (ب): (إلى أصنامكم) ولعل الصواب (أي)، وفي (أ) لم ترد (أي).\n(٢) في (أ): (دعا للصنم).\n(٣) يعني: اسم الفاعل صامت قام مقام الفعل صمت، قال الفراء ١/ ٤٠١: (وقوله ﴿سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ﴾ ولم يقل: أم صمتُّم، وعلى هذا أكثر كلام العرب أن يقولوا: سواء على أقمت أم قعدت، ويجوز: سواء على أقمت أم أنت قاعد).\n(٤) في (ب): (ولد آدم).\n(٥) في (ب): (وله نظائر في القرآن).","vol":"1","page":486},{"text":"﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا﴾ الآية.\nوقيل: المراد بهم الكفار ثم عدل إلى ذكر الأصنام.\nوقيل: هذا على طريق الاستفهام، أي: أإن الذين (١) تدعون (٢)، والمعنى: أنتم أعلى وأفضل منها فلم تعبدونها.\n﴿فَادْعُوهُمْ﴾ أمر إنكار.\n﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ أي: فليجيبوا، أمر تعجيز.\n﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٩٤)﴾ أنها تعقل وتسمع وتجيب.\n﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا﴾ مشيكم.\n﴿أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا﴾ يتناولون بها.\n﴿أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ قيد الأعضاء والحواس بمنافعها لأن المشركين يجعلون للأصنام صورة الأعضاء والحواس (٣).\n﴿قُلِ﴾ يا محمد: أيها المشركون ﴿ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ﴾ وأضاف إليهم لأنهم يزعمونها شركاء الله.\n_________\n(١) في (أ): (الذين ...) بدون (أإن)، وفي (ب): (إن الذين)، وإنما أثبتها (أإن) لما سيأتي في الهامش التالي.\n(٢) قصده بالاستفهام ما أورده الواحدي في «البسيط» (ص ٩٧٤ - رسالة جامعية) نقلًا عن الجرجاني صاحب النظم، وفي ذلك يقول الواحدي: (وسلك صاحب النظم في قوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ طريقة أخرى، فقال: (تأويل قوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾: أإن (في الرسالة المطبوعة: إن) على الاستفهام، وفي الاستفهام طرف من الإنكار، كقوله: ﴿أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾ [التعابن: ٦] إلا أنه استثقل همزتان فاقتصر على إحداهما).\n(٣) قال شيخ الإسلام ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» ٥/ ٢٢٣: (للناس في هذه الآية قولان: أحدهما: أنه وصفهم بهذه النقائص ليبين أن العابد أكمل من المعبود.\nالثاني: أنه ذكر ذلك لأن المعبود يجب أن يكون موصوفًا بنقيض هذه الصفات).\nوقال السمعاني في «تفسير القرآن» ٢/ ٢٤١: (قدرةالمخلوقين إنما تكون بهذه الآلات والجوارح، وليست لهم تلك الآلات، بل أنتم أكبر قدرة منهم لوجود هذه الأشياء فيكم).","vol":"1","page":487},{"text":"﴿ثُمَّ كِيدُونِ﴾ بالغوا في مكروهي سرًا وجهرًا.\n﴿فَلَا تُنْظِرُونِ (١٩٥)﴾ لا تؤخروا عني ما تقدرون عليه من المكروه.\n﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ﴾ نصيري.\n﴿الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ﴾ القرآن.\n﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (١٩٦)﴾ يحفظ المؤمنين الذين لا يشركون.\n﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ دون الله.\n﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٧)﴾.\n﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ﴾ يعني الأصنام.\n﴿إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾ يقابلونك، من قولهم: داري تنظر إلى دارك، وقيل: تراها كأنها تنظر إليك، وقيل: فاتحة أعينها فعل الناظر.\n﴿وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (١٩٨)﴾ لأنها لا حياة لها، وقيل: ﴿وَتَرَاهُمْ﴾ يعني: الكفار\n﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾ بأعينهم ﴿وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (١٩٨)﴾ لأنهم (١) لا يقرون بنبوتك، من قوله: ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ [البقرة: ٧].\n﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ عن جماعة من العلماء أنهم قالوا: ليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية (٢).\nولما نزلت هذه الآية قال ﵇ لجبريل ﵇: ما هذا؟ قال: لا أدري حتى أسأل (٣)، ثم رجع فقال: يا محمد: إن ربك يأمرك أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك (٤).\n_________\n(١) قوله: (لأنهم) لم يرد في (ب).\n(٢) نقله الثعلبي ٤/ ٣١٨ عن جعفر الصادق.\n(٣) في (ب): (حتى أرسل).\n(٤) أخرجه عبدالرزاق ١/ ٢٤٦، والطبري ١٠/ ٦٤٣ - ٦٤٤، وابن أبي حاتم ٥/ ١٦٣٨ من طرق مرسلة كما قال ابن كثير في تفسيره ٦/ ٤٩٠ ثم قال: (وقد روي له شواهد من وجوه أخر، وقد روي مرفوعًا عن جابر وقيس بن سعد بن عبادة عن النبي -ﷺ-، أسندهما ابن مردويه).\nوقد أورد الحديثين المرفوعين: الحافظ الزيلعي في «تخريج الكشاف» ١/ ٤٧٧.","vol":"1","page":488},{"text":"قوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ هو العفو عن المذنب (١)، أي: اترك عقوبته، وهو منسوخ بآية القتال (٢)، وقيل: خذ العفو من أموالهم، أي: ما فضل وطاب وسهل، من قوله ﴿مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩]، وهو منسوخ بآية الزكاة، وقيل: ما عفا من أخلاق الرجال وما لا يَجْهَدُهم.\n﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ بالمعروف، وهو ما حسن فعله وعرفته (٣) القلوب ولم تنكره.\n﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ بترك مؤاخذتهم، قيل: منسوخة بالقتال، وقيل: أعرض عنهم بترك مقاتلتهم (٤)، وقيل: بترك موافقتهم.\n﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ﴾ نالك منه وسوسة وفساد وغضب.\nوالنزغ: الإزعاج بالإغراء.\n﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ فاستجر بالله من الشيطان الرجيم من مكايده واستغث به، وقيل: معنى الآية: وإن دعاك الشيطان إلى خلاف ما أمرناك بقولنا (٥) ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ الآية، فاستعذ به منه.\n﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠)﴾ يسمع الدعاء ويعلم ما في الضمائر.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا﴾ ابن عباس ﵄: إذا زلوا تابوا (٦).\nوالطَّيْفُ (٧): ما يتخيل في العقل مما لا تلحقه العين، أو يرى في المنام، وقيل: اللمم والوسوسة والخبل (٨).\nتقول: طافَ الخيالُ يَطيفُ طَيْفًا، وطافَ الرجلُ يَطوفُ طَوْفًا: إذا أقبل وأدبر، وطَيْف: من طاف الخيال، ويجوز أن يكون من طاف الرجل، فيكون أصله طَيِّف بالتشديد فخففت (٩) كَمِّيت، وطائف اسم فاعل (١٠) من أحدهما (١١).\n_________\n(١) سقط من (أ) قوله: (هو العفو).\n(٢) قال ابن الجوزي ٣/ ٣٠٨: (هذه الآية عند الأكثرين كلها محكمة، وعند بعضهم أن وسطها محكم، وطرفيها منسوخان).\nوقد ذهب الطبري ١٠/ ٦٤٣ إلى عدم النسخ، وكذلك ذهب مصطفى زيد في كتابه: «النسخ في القرآن الكريم» (ص ٧٣٢ - ٧٣٧).\n(٣) في (أ): (عرفه).\n(٤) في (أ): (مقابلتهم).\n(٥) سقطت (بقولنا) من (أ).\n(٦) قال ابن عباس ﵄: الطائف: اللَّمةُ من الشيطان، وقال أيضًا: نزغٌ من الشيطان، أخرجهما الطبري ١٠/ ٦٤٩، ثم أخرج الطبري عن السدّي: إذا زلُّوا تابوا، ثم قال الطبري: وهذان التأويلان متقاربا المعنى.\n(٧) هذا التفسير على قراءة ابن كثير وأبو عمرو والكسائي ويعقوب (إذا مسهم طَيْفٌ) بغير ألف، وقرأ باقي العشرة ﴿طَائِفٌ﴾ بالألف.\nانظر: «المبسوط» لابن مهران (ص ١٨٧).\n(٨) انظر: «البسيط» للواحدي (ص ٩٨٩ - ٩٩٠) رسالة جامعية.\n(٩) في (ب): (فخفف).\n(١٠) في (ب): (الفاعل).\n(١١) انظر: «البسيط» للواحدي (ص ٩٩٠) رسالة جامعية، و«الدر المصون» للسمين ٥/ ٥٤٥ - ٥٤٧.","vol":"1","page":489},{"text":"الحجة: يجوز أن يكون طائف مصدرًا كالطيف (١).\n﴿تَذَكَّرُوا﴾ عقوبة الله، وقيل: تذكروا المخرج منه بالتوبة.\nابن بحر: أعاذوا بذكر الله (٢).\n﴿فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١)﴾ على بصيرة، والمبصر: صاحب البصيرة، وقيل: مهتدون، وقيل: منتهون.\n﴿وَإِخْوَانُهُمْ﴾ يعني الشياطين، يجوز أن يكون الإخوان للشيطان والضمير للكفار، ويجوز أن يكون الإخوان للكفار والضمير للشيطان (٣).\n﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾ من: المَدَد (٤)، وهو الزيادة، ومِنَ: المَدِّ، وهو الجذب، أي: يزينون لهم الكفر والمعاصي ويغرونهم، و(يُمِدونهم) بالضم: يعينونهم (٥).\n﴿فِي الْغَيِّ﴾ الضلال والهلاك، وهو نقيض الرشد.\n﴿ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ (٢٠٢)﴾ لا يقلعون ولا ينتهون، و﴿فِي﴾ متعلقة بالمد، وقيل: حال الإخوان (٦).\n﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ﴾ أي: مما اقترحوا عليك، وقيل: بآية من القرآن، وقيل: بفريضة.\n﴿قَالُوا لَوْلَا﴾ هلا.\n_________\n(١) انظر: «الحجة» لأبي علي الفارسي ٤/ ١٢١.\n(٢) نقله أبو حيان كذلك ٤/ ٤٤٦.\n(٣) حصل سقط في (ب) فجاء النص فيها كالتالي: (وإخوانهم يعني الشياطين الكفار والضمير للشياطين يمدونهم ...).\n(٤) في (ب): (من المد).\n(٥) في (أ): (يعينون).\n«وقرأ أبو جعفر ونافع (يُمدونهم) بضم الياء وكسر الميم، وقرأ باقي العشرة ﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾ بفتح الياء وضم الميم. انظر: «المبسوط» لابن مهران (ص ١٨٨).\n(٦) في (ب): (حال للإخوان).","vol":"1","page":490},{"text":"﴿اجْتَبَيْتَهَا﴾ تقولتها من نفسك، تقول: اجتبيت الشيء واخترعته وارتجلته واختلقته، بمعنىً، وقيل: اخترتها لنفسك، وقيل: طلبتها من الله.\nالحسن: هي الآية من القرآن إذا جاءت كذبوا بها وإذا تأخرت طلبوها استهزاء.\n﴿قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي﴾ لست آتيكم بها من قبل نفسي فأجعل لكم ما تريدون.\n﴿هَذَا بَصَائِرُ﴾ أي: القرآن بصائر.\n﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ فيه بيان كل شيء، أي: فأي آية أعظم منه.\n﴿وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٠٣)﴾.\n﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)﴾ في سبب النزول: عن أبي هريرة ﵁ قال: نزلت (١) في رفع الأصوات في الصلاة خلف رسول الله -ﷺ- (٢).\nقتادة: كانوا يتكلمون في صلاتهم أول ما فرضت، كان الرجل يقول لصاحبه: كم صليتم، فيقول: كذا وكذا، فأنزلت (٣) الآية (٤).\nالزهري: نزلت في فتى من الأنصار كان ﵇ (٥) كلما قرأ شيئًا قرأه،\n_________\n(١) في (أ): (لما نزلت).\n(٢) أخرجه الطبري ١٠/ ٦٦٠، وابن أبي حاتم ٥/ ١٦٥٤، والواحدي في «أسباب النزول» (ص ٣٨٩).\n(٣) في (ب: (فأنزلت هذه الآية).\n(٤) أخرجه عبدالرزاق ١/ ٢٤٧، والطبري ١٠/ ٦٦١ - ٦٦٢، وذكره الواحدي في «أسباب النزول» (ص ٣٨٩).\n(٥) في (ب): (كان رسول الله ﵇).","vol":"1","page":491},{"text":"فنزلت هذه الآية (١).\nسعيد بن جبير في جماعة: نزلت في الإنصات للإمام في الخطبة يوم الجمعة (٢).\nوقيل: هو عند قراءة القرآن، ومعنى ﴿وَأَنْصِتُوا﴾ أي: للاستماع.\n﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً﴾ أي: خلف الإمام، وقيل: واذكره (٣) بقلبك ولا تنسه، وقيل: واذكره بالتحميد والتسبيح (٤) تضرُّعًا وخيفة (٥) خاشعًا متذللًا خائفًا فرقًا.\n﴿وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ أي: اذكره بقلبك وبلسانك غير مجهور به ولا مرفوع به صوتك.\n﴿بِالْغُدُوِّ﴾ بالبكرة.\n﴿وَالْآصَالِ﴾ والعشي (٦)، وهي جمع أَصِيْل، وقيل: جمع أُصُل، وأُصُل: جمع أَصِيْل، وهو اسم لما بين العصر إلى المغرب، وأَصَلَ: دخل فيه (٧)، وقيل: اذكر ربك في نفسك صلاة الظهر والعصر، و﴿وَدُونَ الْجَهْرِ﴾: الفجر والعشائين، أي: ارفع الصوت وسطًا.\n﴿وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ (٢٠٥)﴾ بقلبك ولسانك، والخطاب للنبي -ﷺ-، والمراد به: هو\n_________\n(١) أخرجه الطبري ١٠/ ٦٥٩، وذكره الواحدي في «أسباب النزول» (ص ٣٩٠).\n(٢) أخرجه الطبري ١٠/ ٦٦٦، والجماعة الذين قالوا بهذا القول قد بينهم الواحدي في «أسباب النزول» (ص ٣٩٠): مجاهد وعطاء وعمرو بن دينار وجماعة - يعني غير من ذكر -.\n(٣) في (ب): (اذكره) بدون واو.\n(٤) في (ب): (بالتسبيح والتحميد).\n(٥) في (ب): (وخفية).\n(٦) في (ب): (العشي) بدون واو.\n(٧) أي: آصَلَ: دخل في الأصيل.","vol":"1","page":492},{"text":"والمؤمنون، وقيل: واذكر ربك أيها المستمع المنصت.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ يعني: الملائكة، و﴿عِنْدَ﴾ للقربة والمنزلة، وقيل: عند رحمته وفضله، وقيل: عنده: على معنى: رسله (١).\n﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ لا يتعظمون.\n﴿عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ عبادة الله.\n﴿وَيُسَبِّحُونَهُ﴾ وينزهونه عما لا يليق به.\nالمفضل: يرفعون أصواتهم بذكره.\nوقيل: ﴿وَيُسَبِّحُونَهُ﴾: يصلون له، من: السبحة، وهي الصلاة.\n﴿وَلَهُ يَسْجُدُونَ (٢٠٦)﴾ (٢).\n_________\n(١) هذه الأقوال تفسير باللازم، وأخشى أن تكون فرارًا من إثبات صفة العلو، وفي ذلك يقول ابن القيم في «القصيدة النونية» عند إشارته إلى الطرق النقلية الدالة على أن الله تعالى فوق سماواته على عرشه (١/ ٢٣١ بشرح الشيخ خليل هراس):\nهذا وعاشرها اختصاصُ البعضِ مِنْ ... أملاكِه بالعندِ للرحمن\n(٢) قال الإمام ابن كثير ٦/ ٥٠٧: (هذه أول سجدة في القرآن مما يشرع لتاليها ومستمعيها السجود بالإجماع).","vol":"1","page":493},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n<span data-type=\"title\" id=toc-114>سورة الأنفال</span>، مدنية (١).\nقال ابن عباس ﵄: إلا سبع آيات من قوله ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآيات [الأنفال: ٣٠] (٢).\nبسم الله الرحمن الرحيم\n﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ في سبب النزول عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: لما كان يوم بدر قُتِلَ أخي عُمَير، وقَتَلتُ سعيد بن العاص فأخذت سيفه وكان يُسمى ذا الكَتِيْفَة، فأتيت به رسول الله -ﷺ-، قال: (اذهب فاطرحه في القَبَض)، فرجعت وبي ما لايعلمه إلا الله من قتل أخي وأخذ سلبي، فما جاوزت إلا قريبًا حتى نزلت سورة الأنفال فقال لي رسول الله -ﷺ-: (اذهب وخذ سيفك) (٣).\nوعن ابن عباس ﵄ قال: لما (٤) كان يوم بدر قال -ﷺ-: (من قتل قتيلًا\n_________\n(١) في (أ): (سورة الأنفال خمس وسبعون آية مدنية قال ابن عباس ...).\n(٢) قال ابن عطية في «المحرر الوجيز» ٦/ ٢٠٠: (هي مدنية كلها، كذا قال أكثر الناس، وقال مقاتل: هي مدنيةغير آية واحدة وهي قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾) ونقل القرطبي ٧/ ٣٦٠ عن ابن عباس قوله باستثناء الآيات السبع.\nوالصحيح هو قول جمهور المفسرين من أن السورة مدنية كلها، ولا صحة لاستثناء بعض آياتها. انظر: «المكي والمدني في القرآن الكريم» لعبدالرزاق أحمد ٢/ ٥٤١ - ٥٦٧.\nوقد نقل بعض المفسرين الإجماع على كونها مدنية. انظر: «بصائر ذوي التمييز» ١/ ٢٢٢ للفيروزآبادي.\n(٣) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (التفسير/٩٨٣) والطبري ١١/ ١٦ - ١٧ والواحدي في «أسباب النزول» (ص ٣٩١) وغيرهم.\nوأصل القصة في صحيح مسلم (١٧٤٨) في الجهاد والسير، باب الأنفال، وفي فضائل الصحابة، باب في فضل سعد بن أبي وقاص.\n(٤) سقطت (لما) من (أ) وأثبتها من (ب) ومصادر التخريج.","vol":"1","page":494},{"text":"فله كذا وكذا) فذهب الشبَّان وجلس الشيوخ تحت الرايات فلما كانت الغنيمة جاء الشبان يطلبون نفلهم وقالت الشيوخ: لا تستأثروا علينا فإنا كنا تحت الرايات ولو انهزمتم كنا ردءًا لكم، فأنزل الله ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾، فقسمها بينهم على السواء (١).\nوعن عبادة بن الصامت ﵁ قال: لما هزم العدو يوم بدر ذهبت طائفة خلف العدو وأحدقت طائفة برسول (٢) الله -ﷺ-، واستولت طائفة بالعسكر والنهب (٣) ثم اختلفوا في الغنيمة وادَّعى كل واحد أنها له، فأنزل الله سورة الأنفال (٤).\nقوله ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ الواو ضمير المؤمنين وإن لم يتقدم في السورة ذكرهم، لأن الحال وسبب النزول يدلان على ذلك، ولأن القرآن كله كسورة واحدة.\nوالسؤال على وجهين: سؤال استعلام وسؤال طلب، وهذا سؤال استعلام لأنه عُدّي بعن.\nوقيل معناه: يسألونك عن حِلها وحرمها ليعلموا ما حكمها مع تحريمها على من كان قبلهم.\nوقيل: ﴿عَنِ﴾ هاهنا زيادة والسؤال للطلب (٥) وكذلك قرأَهُ ابن مسعود ﵁ (٦).\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (٢٧٣٧) والطبري ١١/ ١٣ وحكم عليه الشيخ الألباني بأنه: صحيح.\n(٢) في (أ): (... طائفة رسول الله -ﷺ- ...).\n(٣) النهب: الغنيمة، كما في «اللسان» (نهب).\n(٤) أخرجه سعيد بن منصور (٩٨٢ - التفسير) وحسنه محقق الكتاب الشيخ الدكتور سعد آل حميد، كما أخرجه الطبري ١١/ ١٤ - ١٥ والترمذي (١٥٦١) وصححه الشيخ الألباني.\n(٥) في (أ): (الطلب).\n(٦) أشار الطبري إلى قراءة ابن مسعود ﵁، وهي (يسألونك الأنفال).\nوذكر ابن جني في «المحتسب» ١/ ٢٧٢ أنها قراءة ابن مسعود وسعد بن أبي وقاص وعلي بن الحسين وأبي جعفر محمد بن علي وزيد بن علي وجعفر بن محمد وطلحة بن مصرف. وهي قراءة شاذة.","vol":"1","page":495},{"text":"وقيل: ﴿عَنِ﴾ بمعنى (من).\nوالأنفال: جمع نَفَل ونَفْل (١)، وهو العطية، والنوفل: الرجل الكثير العطاء، وقيل: النَفْل: الزيادة، ومنه النافلة لولد الولد، وكذلك النافلة في الصلاة.\n﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ﴾ بدأ بذكر الله تعظيما.\n﴿وَالرَّسُولِ﴾ ابن عباس ﵄ أي: الأمر في الغنائم إلى الرسول -ﷺ- (٢).\nابن جرير (٣): الأنفال غير الغنائم إنما هي زيادات يزيدها الإمام من رأى (٤).\nالحسن: هي ما شذ من العدو من عبد أو دابة بغير قتال فللإمام أن ينفل من شاء (٥).\nوقيل: الأنفال: أنفال السرايا خاصة.\nمجاهد: هي الخمس (٦).\nفمن جعلها الغنائم قال: هي منسوخة بقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾ [الأنفال: ٤١].\n_________\n(١) لم يذكر في (ب) إلاّ كلمة واحدة، وجاء النص فيها: (والأنفال جمع نفل وهو العطية). وفي «اللسان» مادة (نفل): (والنَفَل بالتحريك: الغنيمة، والنَفْل بالسكون وقد يحرك: الزيادة).\n(٢) أخرجه الطبري ١١/ ١٩ - ٢٠ وابن أبي حاتم ٥/ ١٦٤٩ (٨٧٥٤).\n(٣) ورد زيادة في (ب): (ابن جرير عن بمعنى من الأنفال غير ...)، وقد سبق ذكر أن عن بمعنى من، فلعل الناسخ زادها على النص ها هنا سهوًا.\n(٤) انظر قول ابن جرير في «جامع البيان» ١١/ ١١.\n(٥) المشهور عند عامة المفسرين كالطبري والثعلبي وغيرهما أن هذا القول ينسب لعطاء، فالله أعلم، وعند الماوردي ٢/ ٢٩٢ أنه أحد قولي ابن عباس، ثم وجدت النحاس في «الناسخ والمنسوخ» ٢/ ٣٧٤ ينسبه لعطاء والحسن.\n(٦) الطبري ١١/ ١٠","vol":"1","page":496},{"text":"ومن لم يجعلها الغنائم قال: هي محكمة (١).\nوالفرق بين الفيء والنفل والغنيمة، أن الفيء: ما عاد إلى المسلمين من أموال المشركين من غير حرب (٢) ولا إيجاف خيل، وذلك لبيت المال، والغنيمة: ما أصيب بحرب عن ظفر، وذلك يقسم على حكم قوله تعالى ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾ الآية، والنفل: زيادة على ما يصيب من القسمة.\n﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ أي: الحالة التي بينكم ليكون سببًا لإلفكم (٣) واجتماع كلمتكم، وقيل: أموركم.\n﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ﴾ في فرائضه.\n﴿وَرَسُولَهُ﴾ في سنته.\n﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١)﴾ فإن الإيمان يوجب ذلك.\n﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ خافت فانقادت (٤) لأوامره وارتدعت عن نواهيه واطمأنت إلى وعده وفرقت من (٥) وعيده.\n﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ﴾ أي: القران.\n﴿زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ إذا تدبروا وتأملوا (٦) معانيه يزيد في إيمانهم ويقينهم وقوة بصائرهم، وقيل: تصديقًا، وقيل: يقينًا، وقيل: خشية.\n﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢)﴾ يفوضون أمورهم إليه.\n_________\n(١) وقد ردّ ابن جرير الطبري ١١/ ٢٣ - ٢٤ القول بأن الآية منسوخة.\n(٢) في (أ): (ضرب).\n(٣) في (أ): (لأنفسكم).\n(٤) في (ب): (وانقادت).\n(٥) في (أ): (عن).\n(٦) في (ب): (إذا تأملوا وتدبروا).","vol":"1","page":497},{"text":"﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾ يخرجون حق الله بالزكاة والصدقة، قيل: يقرون أنه من عند الله.\n﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ سرًا وجهرًا بخلاف المنافق، وقيل: هم الذين استحقوا هذه التسمية، وقيل: هو تأكيد (١) للكلام، أي: أحق هذا الخبر حقًا.\nوالحق في الكلام على وجهين: أحدهما: المستحق، والثاني: ماله حقيقة الوجود، بخلاف الباطل فإنه لا وجود له.\nوقيل: تم الكلام على المؤمنين (٢)، وحقًا متعلق بقوله:\n﴿لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أي: منازل في الجنة، وقيل: مراتب.\n﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾ للذنوب.\n﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ خالص من شوائب الكدر (٣)، وقيل: مرتفع القدر عند الناس.\n﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ﴾ كما أمرك بالخروج ودعاك إليه من بيتك.\nقيل: من مكة، حكاه الماوردي (٤).\nوالجمهور على أنه: من المدينة، حين سمع بأبي سفيان مقبلًا من الشام في عير قريش ومعه أموال وتجارات كثيرة، وهي اللَّطيمةُ (٥)، فقال للمهاجرين والأنصار:\n_________\n(١) في (أ): (تأبيد).\n(٢) هكذا في النسختين، ويريد المؤلف بيان أن الوقف بنهاية قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ و(حقًا) متعلق بما بعده.\n(٣) في (ب): (خالص من الشوائب وقيل ...).\n(٤) انظر: «النكت والعيون» للماوردي ٢/ ٢٩٥.\n(٥) اللطيمة: الجمال التي تحمل العطر والبزَّ، غير المِيْرَة.\nانظر: «النهاية» لابن الأثير (ص ٨٢٣).","vol":"1","page":498},{"text":"(اخرجوا معي إليها لعلنا نأتي بخبر) فخرج معه ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلًا، وكان الجمل بين ثلاثة يتعاقبون عليه ولم يكن معهم إلا فرسان، فخرجوا من غير قوت (١) ولا سلاح لا يريدون إلا أبا سفيان ولا يريدون (٢) أن يكون ثمّ قتال، فلما سمع أبو سفيان مسير النبي -ﷺ- بعث ضمضم بن عمرو الغفاري إلى مكة ليخبرهم أن محمدًا قد عرض لِعيرهم (٣) فغضب أهل مكة فانتدبوا ولم يتخلف عنهم إلا الضعيف، فلما بلغ رسول الله -ﷺ- واديًا يقال له ذَفِرَانُ (٤) أتاه جبريل ﵇ فقال: إن الله وعدكم إحدى الطائفتين: إما العير، وإما قريشًا، فشق ذلك على بعضهم وقالوا: يا رسول الله هلا أخبرتنا أنه يكون قتال حتى نخرج سلاحنا ونتأهب (٥)، إنا خرجنا نريد العير، فاستشار -ﷺ- أصحابه فقالوا: امض لما أمرك الله ونحن معك، والله لا نقول (٦) كما قالت بنو إسرائيل لموسى ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (٢٤)﴾ [المائدة: ٢٤]، فقال -ﷺ-: (سيروا على بركة الله وأبشروا فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين، ولكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم) فسار -ﷺ- حتى نزلوا بدرًا بجانب الوادي الأدنى (٧)، ونزل به المشركون على جانبه الأقصى على الماء، وبينهما الوادي (٨).\n_________\n(١) في (ب): (قوة).\n(٢) في (ب): (ولا يرون).\n(٣) في (أ): (بعيرهم).\n(٤) بكسر الفاء، وادٍ في بدر.\nانظر: «النهاية» لابن الأثير (ص ٣٢٦).\n(٥) في (ب): (ونتأهب له).\n(٦) في (ب): (والله ما نقول).\n(٧) في (ب): (الأيمن).\n(٨) أخرجه الطبري ١١/ ٤١ - ٤٥، وزاد السيوطي في «الدر المنثور» ٧/ ٤٦ نسبته لابن إسحاق وابن المنذر عن ابن عباس ﵄.","vol":"1","page":499},{"text":"وفي قوله: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ﴾ خلاف بين المفسرين:\nفذهب بعضهم إلى أن التشبيه وقع بين الحقين، أي: هم المؤمنون حقًا كما أخرجك ربك من بيتك بالحق، وقيل: قسمتك الغنائم حق كما كان خروجك حقًا.\nوقيل: بين الكراهتين، أي: الأنفال لله ورسوله وإن كره بعضهم، كما أخرجك ربك وفريق من المؤمنين (١) كارهون.\nوقيل: بين المجادلتين، لأنهم جادلوا في الأموال وادعى كل فريق أنها لهم كما جادلوا في لقاء العدو عند دنوهم منهم، وقيل: يجادلونك في القتال كما جادلوا في الخروج.\nوقيل: بين الصلاحين، أي: صلاحهم في إصلاح ذات بينهم كصلاحهم في إخراج الله إياهم (٢).\nوقيل: ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص: ٨٥] وهو مكة (٣)، كما أخرجك من بيتك وهو مكة.\nوقيل: هو يمين، أي: والذي أخرجك، وهذا سهو وإن كان قائله أبو عبيدة (٤).\nوقيل: امض على ما أخرجك ربك، والكاف بمعنى على، حكاه قطرب ونسبه إلى ابن عباس.\nقوله ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي: بالواجب، وقيل: الخروج لذلك (٥) حق لا باطل.\n_________\n(١) في (ب): (وفريق منهم).\n(٢) في (ب): (... بينهم كصلاح الله في إخراجهم إياهم).\n(٣) في (ب): (لرادك إلى مكة كما ...) والمثبت من (أ) وكتاب «غرائب التفسير» للمصنف ١/ ٤٣٤.\n(٤) انظر: «مجاز القرآن» لأبي عبيدة ١/ ٢٤٠ - ٢٤١.\n(٥) في (ب): (كذلك).","vol":"1","page":500},{"text":"﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (٥)﴾ أي: الخروج، قيل: لأن النبي -ﷺ- أمرهم بالخروج بغتة كي لا ينتشر الخبر فيبلغ أبا سفيان ولم يكونوا متأهبين للخروج، وقيل: كارهون كراهة نفار الطبع عن المشاق لا كراهة ضد الإرادة، وقيل: كرهوا أولًا ثم أرادوه.\n﴿يُجَادِلُونَكَ﴾ يخاصمونك، والمجادلة: المخاصمة والمنازعة التي يعتلى بها عن مذهب إلى مذهب، أي: يجادلونك حين فاتهم العير ونزل بازائهم النفير، ويقولون: لو علمنا أنا نقاتل لتأهبنا للقتال وأعددنا له عدته، وقيل: كرهوا القتال لقلتهم وكونهم رَجَّالة (١).\n﴿فِي الْحَقِّ﴾ في الجهاد، وقيل: في الخروج.\n﴿بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ﴾ أن الجهاد واجب والخروج صواب، وقيل: بعدما تبينوا وعلموا أن أمرك أمر الله.\nوالتبين: ظهورالمعنى للنفس.\n﴿كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٦)﴾ أي: يكرهون القتال كراهية من يساق إلى الموت وهم ينظرون إلى أسبابه.\nوالسوق: الحث على السير.\nوقيل ﴿يُجَادِلُونَكَ﴾ يعني الكفار ﴿فِي الْحَقِّ﴾ في الإسلام ﴿بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ﴾ بان وظهر الإسلام ﴿كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ﴾ حين دُعُو إلى الإسلام ﴿وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٦)﴾ تلك الحالة.\n﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ﴾ إما العير وإما النفير.\n_________\n(١) الرَجَّالة: إذا لم يكن لهم ظهر في السفر يركبونه.\nانظر: «اللسان» (رجل).","vol":"1","page":501},{"text":"﴿أَنَّهَا لَكُمْ﴾ بدل من إحدى الطائفتين، أي: يصير ما معهم لكم.\nوالوعد: الخبر بما يسر، بخلاف الوعيد: فإنه خبر بما يغم، ولا يكونان إلا بما يستأنف.\nوالبشارة: تقع للماضي والمستقبل.\n﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ﴾ وتمنون أن الطائفة غير ذات الشوكة (١): السلاح: السيف والسنان والنصال.\nوقيل: الشوكة: شدة الحرب.\nوالشوكة: الحدة، واشتقاقها من الشوك، وهو النبت الذي له حدة.\n﴿تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ﴾ ينصر أهل الإسلام، وقيل: يظهر الإسلام، وقيل: يأمر بالجهاد.\n﴿بِكَلِمَاتِهِ﴾ بأوامره ونواهيه، وقيل: بمواعيده.\n﴿وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (٧)﴾ يستأصلهم، والدابر: الآخر، والدابر: الأصل (٢)، وقيل: الدابر: آخر من بقي.\n﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ﴾ ليعبد الله وحده وذلك تحقيق الحق.\n﴿وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ﴾ الكفر.\nوقيل: الحق: القرآن، والباطل: إبليس.\nوقيل: لينصر محمدًا -ﷺ- ويبطل فعل المشركين.\nوقيل: تَحقق وَعده.\nومعنى ﴿لِيُحِقَّ﴾ يثبت ويظهر، وكررت (٣): لأن الأول متصل بقوله ﴿وَتَوَدُّونَ\n_________\n(١) سقطت كلمة (الشوكة) من (أ).\n(٢) حصل سقط في (ب) للمعنى الثاني لكلمة الدابر، حيث سقط قوله (والدابر: الأصل).\n(٣) في (ب): (وكرر).","vol":"1","page":502},{"text":"أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ أي: أنتم تريدون العير والله يريد إهلاك النفير، والثاني (١) متصل بالكل.\n﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨)﴾ ذلك.\nالحسن في جماعة: هاتان الآيتان متقدمتان في النزول على قوله: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ﴾ وفي القراءة بعدهما (٢).\n﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ الاستغاثة: طلب المغوثة (٣)، وهي: سد الخلة في وقت شدة الحاجة، وقيل: الاستغاثة: طلب الغوث، وهو: التخليص من المكروه، وقيل: تستغيثون: تستجيرون، من: الغوث، واغوثاه.\nوالمستغيث: المسلوب القدرة، والمستعين: الضعيف القدرة، والمستجير: طالب الخلاص، والمستنصر: طالب الظفر.\n﴿فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ أجاب، وقيل: الاستجابة ما تقدمها امتناع والإجابة ما لم (٤) يتقدمها (٥) امتناع.\n﴿أَنِّي مُمِدُّكُمْ﴾ معينكم.\n﴿بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩)﴾ متتابعين، وقيل: مع كل ملك ملك فتكون ألفين، وقيل: مردفين: جاءوا على آثارهم، قال (٦):\nإذا الجوزاءُ أردفتِ الثُّريا ... ظننتُ بآلِ فاطمةَ الظُنونا\n_________\n(١) في (ب): (والتاء)، وهي محتملة لكلمة (الثاء) أو (الباء).\n(٢) نقل الماوردي ٢/ ٢٩٧ قول الحسن، كما نقله هود في «تفسير كتاب الله العزيز» ٢/ ٧٦.\n(٣) في (ب): (المعونة)، والتصويب من (أ) و«غرائب التفسير» للكرماني ١/ ٤٣٥.\n(٤) سقطت (ما) من (ب).\n(٥) في (أ): (يقدمها).\n(٦) هو: خزيمة بن مالك بن نَهْد، كما في «اللسان» (ردف).","vol":"1","page":503},{"text":"والجوزاء تطلع على إثر الثريا.\nومن قرأ بالفتح (١): أردف (٢) بعضهم ببعض، أو أردفهم المسلمون، تقول: ردفته: إذا ركبتَ خلفه، وأردفته: أركبته خلفك.\nالحسن: أمدوا بخمسة آلاف، هذا ألف وثلاثة في آل عمران (٣) ثم أردفهم ألفًا، فصاروا خمسة آلاف.\nوقيل: صاروا (٤) ثمانية آلاف.\n﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ﴾ أي: الإمداد، وقيل: الإرداف.\n﴿إِلَّا بُشْرَى﴾ ما يؤذن بالمسرة.\n﴿وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ﴾ ولتسكن به.\n﴿قُلُوبُكُمْ﴾.\nوحذف ﴿لَكُمْ﴾ في هذه السورة لتقدم قوله ﴿فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ وقدم\n﴿بِهِ﴾ هاهنا لأنه القياس، وأخر في آل عمران كما أخر ﴿لَكُمْ﴾ (٥).\n﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ لا يغلب.\n﴿حَكِيمٌ (١٠)﴾ يضع الشيء موضعه.\n_________\n(١) هي قراءة أبي جعفر ونافع ويعقوب (مُرْدَفين)، وقرأ باقي العشرة بكسر الدال (مُرْدِفين).\nانظر: «المبسوط» لابن مهران (ص ١٨٩).\n(٢) في (ب): (أي أردف).\n(٣) يعني قوله تعالى في الآية (١٢٤) من آل عمران: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾.\n(٤) سقطت كلمة (صاروا) من (ب).\n(٥) يشير المؤلف إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾. [آل عمران/١٢٦].","vol":"1","page":504},{"text":"﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ﴾ اذكر إذ.\nوقيل: لتطمئن إذ.\n(يغشاكم): علاكم.\nو﴿يُغَشِّيكُمُ﴾ الله ﴿النُّعَاسَ﴾ (١).\nوالنعاس: النوم، تقول: نَعَسَ يَنْعُسُ بالضم، فهو ناعسٌ ونعسان.\n﴿أَمَنَةً مِنْهُ﴾ أمنًا من عند الله.\nلما وعد الله المسلمين بالنصر: سكنوا إلى وعد (٢) الله فناموا، لأن الأمنَ يُنِيْم والخوفَ يُسْهِر.\nابن مسعود ﵁: النوم عند القتال أمنة من الله، والنوم في الصلاة من الشيطان (٣).\nوجاء في الخبر: ناموا حتى احتلم أكثرهم فأصبحوا مجنبين (٤).\n﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ مطروا مطرًا جودًا (٥).\n_________\n(١) قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي ويعقوب وخلف (إذ يُغَشِّيكُم) بضم الياء وبفتح الغين وتشديد الشين (النعاسَ) بالنصب. وقرأ أبو جعفر ونافع (إذ يُغْشِيكُم) بضم الياء وسكون الغين وتخفيف الشين (النعاسَ) بالنصب. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو (إذ يغشاكم) بالألف وفتح الياء والشين (النعاسُ) بالرفع.\nانظر: «المبسوط» لابن مهران (ص ١٨٩).\n(٢) في (أ): (إلى الله) فسقطت كلمة (وعد).\n(٣) أخرجه عبدالرزاق في تفسيره ١/ ٢٥٦ والطبري ١١/ ٦٠ وابن أبي حاتم ٥/ ١٦٦٤ (٨٨٣٧) ولكن في المصادر بلفظ النعاس بدلًا من النوم.\n(٤) أخرجه الطبري ١١/ ٦٤ - ٦٧ عن ابن عباس والسدي والضحاك.\n(٥) في (ب): (جوادًا).\nقال في «اللسان» (جود): (مطرٌ جَوْدٌ: بَيِّنُ الجَوْدِ غزير، وفي المحكم: يروي كل شيء. وقيل: الجَوْدُ من المطر: الذي لا مطر فوقه الْبَتَّةَ).\nوفي «تفسير مقاتل بن سليمان» ٢/ ١٠٤: (مطرًا جوادًا).","vol":"1","page":505},{"text":"﴿لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ بالماء من الأحداث والجنابة.\n﴿وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ﴾ كيده ووسوسته، وقيل: عذابه بالوسوسة (١)، وقيل: رجز الشيطان: الجنابة من الاحتلام لأنه من الشيطان، وذلك أن المشركين غلبوا على الماء، فوسوس إليهم الشيطان وقال: كيف ترجون الظفر وقد غلبتم على الماء وأنتم تصلون مجنبين محدثين وتزعمون أنكم أولياء (٢) وفيكم رسوله (٣).\n﴿وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ﴾ باليقين، والربط: الشد.\n﴿وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ (١١)﴾ وكانوا على كثيب أعفر تغيب فيه الأقدام، فلبده المطر.\nوقيل ﴿رِجْزَ الشَّيْطَانِ﴾: الكفر.\n﴿وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ﴾ بالإيمان ﴿وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ (١١)﴾ ويقوى القلب فيكون سببًا لثبات القدم.\n﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ﴾ بالنصرة.\n﴿فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالبشارة.\nفكان الملك يمشي أمام الصف ويقول: أبشروا أبشروا، إنكم كثير وعدوكم قليل والله ناصركم (٤).\nوقيل: كانوا يخبرون النبي -ﷺ- بالنصرة، وكان النبي -ﷺ- يخبر المؤمنين\n_________\n(١) قول الكرماني (وقيل: عذابه بالوسوسة) لم يرد في (ب)، وقد ورد في هامش (أ) وعليه كلمة (صح) للدلالة على أنه من أصل النص كما هي عادة ناسخ (أ).\n(٢) في (ب): (أولياء الله).\n(٣) أخرجه الطبري ١١/ ٦٤ - ٦٧ عن ابن عباس والسدي والضحاك.\n(٤) نقل نحوه القرطبي ٧/ ٣٧٨، وهو في «تفسير مقاتل بن سليمان» ٢/ ١٠٤","vol":"1","page":506},{"text":"بذلك (١).\n﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ الخوف (٢).\nوالرعب: امتلاء القلب من الخوف، من قول العرب: رَعَبَ السَّيْلُ الواديَ، إذا مَلَأهُ ماءً (٣).\n﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ قيل ﴿فَوْقَ﴾ صلة.\nوقيل ﴿فَوْقَ﴾ بمعنى: على.\nوقيل: ما بدا من أعناقهم.\nوقيل: جلدة الأعناق.\nوقيل: فاضربوا الرؤوس فوق الأعناق، ويحتمل: أن فوقًا مفعول به لا ظرف، تقول: فَوْقُكَ رأسُكَ، بالرفع، وفوقَكَ قَلَنْسُوَتُكَ، بالنصب.\n﴿وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (١٢)﴾ أي: اضربوا الرؤوس فإنها المقتل واقطعوا الأنامل لأنها مواضع استعمال السلاح.\nوالبنان: الأصابع، واحدها بنانة، من: أَبَنَّ بالمكان إذا أقام.\nوقيل ﴿كُلَّ بَنَانٍ (١٢)﴾ كل طرف ومفصل.\nوقيل: حيث استقبلتم من أعضائهم وحيث استقبلكم منها.\n﴿ذَلِكَ﴾ أي: الضرب والقتل.\n﴿بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ بسبب أنهم خالفوا الله ورسوله.\nوالشقاق (٤): الخلاف، وأصله من مفارقة الشيء الشيء، وحقيقته أن تكون في\n_________\n(١) نقله ابن عادل في «اللباب» ٩/ ٤٧١.\n(٢) سقطت كلمة (الخوف) من (ب).\n(٣) ذكره في «لسان العرب» (رعب).\n(٤) في (أ): (والشاق).","vol":"1","page":507},{"text":"شق وغيرك في شق، وعلى هذا أكثر هذا الباب.\n﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٣)﴾ في الدنيا بالقتل والأسر وفي الآخرة بالنار والنكال.\n﴿ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ﴾ إي: الأمر ذلكم، وهو إشارة إلى ما عجل لهم يوم بدر، ويجوز أن يكون نصبًا، نحو: زيدًا فاضربه.\n﴿وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ (١٤)﴾ عطف على ذلك.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا﴾ فيه ثلاثة أقوال:\nعطاء في جماعة: منسوخة، نسختها (١) آية تحريض (٢) المؤمنين على القتال (٣).\nالحسن في جماعة: مخصوصة بأهل بدر (٤).\nابن عباس في جماعة: محكمة، والفرار من الزحف من الكبائر (٥).\nالزحف: الجيش يزحف لقتال جيش آخر، والزحف: السير الثقيل، وهكذا سير العساكر، وقيل: الزحف: الدنو قليلًا قليلًا، وقيل: هومن زحف الصبي إذا جر أسفله على الأرض.\n﴿فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥)﴾ لا تنهزموا ولا تجعلوا أدباركم (٦) مما يلي أعداءكم.\n_________\n(١) في (أ): (نسخها).\n(٢) في (ب): (حرض)، فلعل قصده الآية (٦٥) من سورة الأنفال، ولابد هنا من إكمال الآية التي بعدها حتى يفهم مراد عطاء، فيكون قصده تمام الآيتين (٦٥ - ٦٦) من سورة الأنفال، لأن فيها: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾.\n(٣) أخرجه الطبري ١١/ ٨٠، وذكره النحاس في «الناسخ والمنسوخ» ٢/ ٣٧٦ بدون إسناد.\n(٤) أخرجه الطبري ١١/ ٧٨ والنحاس في «الناسخ والمنسوخ» ٢/ ٣٧٦ - ٣٧٧ عن الحسن، وهو قول أبي سعيد الخدري أيضًا كما في مصادر التخريج سابقة الذكر.\n(٥) أخرجه الطبري ١١/ ٨١ والنحاس في «الناسخ والمنسوخ» ٢/ ٣٧٧ عن ابن عباس ﵄.\nورجح القول بأنها محكمة كثير من المفسرين كالطبري والنحاس ومكي بن أبي طالب وغيرهم.\n(٦) في (ب): (أعداكم) وهو سهو.","vol":"1","page":508},{"text":"وخص الدبر بالذكر دون الظهر تقبيحًا للفرار.\n﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ﴾ مستطردًا أو تولى مكيدة ومكرًا، أورأى غير موضعه أصلح له.\nوالتحرف المصير إلى الحرف وهو الحدّ.\n﴿أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾ أو (١) منضمًا إلى جماعة غيرهم بالقرب منهم (٢)، مشتق من: حُزْتُ الشيء: جمعته، وأصله مُتَحَيْوِزٌ.\n﴿فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ استحق ورجع واحتمل وقد سبق.\n﴿وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ﴾ مرجعه إلى النار.\n﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦)﴾.\n﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ في سبب نزوله ثلاثة أقوال:\nأحدها: أن النبي -ﷺ- أخذ قبضة من حصباء الوادي يوم بدر فرماهم بها (٣) وقال: (شاهت الوجوه) فلم تبق عين مشرك إلا دخلها منه (٤) شيء (٥).\nوقال حكيم بن حزام: لما كان يوم بدر سمعنا صوتًا وقع من السماء إلى الأرض كأنه صوت حصاة وقعت في طست، ورمى -ﷺ- تلك الحصيات (٦) فانهزمنا (٧).\n_________\n(١) سقطت (أو) من (أ).\n(٢) في (أ): (منه).\n(٣) سقطت (بها) من (ب).\n(٤) في (ب): (منها).\n(٥) في صحيح مسلم (١٧٧٧) (٨١) عن سلمة بن الأكوع أن ذلك يوم حنين، وفي كتب السيرة ببدر.\n(٦) في (ب): (بتلك الحصاه).\n(٧) أخرجه الطبري ١١/ ٨٤ - ٨٥ وابن أبي حاتم ٥/ ١٦٧٢ (٨٩٠٦).","vol":"1","page":509},{"text":"وعن سعيد بن المسيب: أن النبي -ﷺ- طعن أُبيّ بن خلف يوم أحد بحربته فسقط أُبيّ عن فرسه ولم يخرج من طعنته دم، فجعل يخور خوار الثور، فقيل له: ما أعجزك إنما هو خدش، فقال: والذي نفسي بيده لو كان هذا الذي بي بأهل ذي (١) المجاز لماتوا جميعًا (٢)، فمات أُبيّ، فأنزل الله في ذلك (٣): ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ (٤).\nوقيل: نزل يوم خيبر (٥): رمى النبي -ﷺ- بسهم نحو الحصن (٦) فأقبل السهم يهوي حتى قتل كنانة ابن أبي الحُقَيق وهو على فراشه، فأنزل الله هذه الآية (٧).\nوجمهور المفسرين على القول الأول، أي: فلم تقتلوهم فتستحقوا الأنفال، ولكن الله قتلهم، أي: تولى نصركم وإمدادكم بالملائكة، وقيل: ساقهم إليكم ومكنكم منهم.\n﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ أي: ما رميت في أعينهم كلهم لأن ذلك ليس في طوق البشر.\n_________\n(١) سقطت (ذي) من (ب).\n(٢) في (ب): (أجمعون).\n(٣) سقطت (في ذلك) من (ب).\n(٤) أخرجه الحاكم في «المستدرك» ٢/ ٣٢٧ والواحدي في «أسباب النزول» (ص ٣٩٣) وعنده عن سعيد بن المسيب عن أبيه، وأخرجه ابن أبي حاتم ٥/ ١٦٧٣ (٨٩١٠).\n(٥) في (ب): (حنين).\n(٦) في (ب): (نحو الحصن بهم).\n(٧) قال الطبري ٧/ ٣٨٥: (وهذا أيضًا فاسد، وخيبر وفتحها أبعد من أحد بكثير، والصحيح في صورة قتل ابن أبي الحقيق غير هذا).\nوالأثر أخرجه ابن أبي حاتم ٥/ ١٦٧٣ (٨٩١١).","vol":"1","page":510},{"text":"﴿إِذْ رَمَيْتَ﴾ من يدك (١).\n﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ فلا اعتداد لرميك.\nوقيل: وما رميت قلوب المشركين إذ رميت وجوههم بالحصباء ولكن الله رمى رمي الإصابة (٢).\nوقيل: ﴿وَمَا رَمَيْتَ﴾: ما ظفرت، ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ أظفرك، من قول العرب: رمى الله لك، أي: نصرك.\n﴿وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا﴾ ليسدي إليهم وينصرهم وينعم عليهم.\nتقول: أبلاه (٣): إذا أنعم عليه، وبلاه: امتحنه.\nوالبلاء: يستعمل للخير والشر فقيده بقوله ﴿حَسَنًا﴾، وتقديره: وليبلي المؤمنين فَعَلَ ما فَعَل.\n﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٧)﴾.\n﴿ذَلِكُمْ﴾ أي: فعل الله ذلك الذي شاهدتموه، ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي: الأمر ذلكم.\n﴿وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ (١٨)﴾ مضعف كيد الكافرين بإبطال حيلهم وإلقاء الرعب في قلوبهم وتفريق كلمتهم ونقض ما أبرموا.\n﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ إن تستنصروا فقد جاءكم نصر الله، وقيل: إن تستقضوا فقد جاءكم قضاء الله، الخطاب للكفار حيث قالوا: اللهم افتح بيننا\n_________\n(١) في (ب): (من ربك).\n(٢) سقط هذا القول كله من (ب) فجاء النص فيها: (.. فلا اعتداد لرميك وقيل ما رميت ما ظفرت ..).\n(٣) في (ب): (أبلاه الله).","vol":"1","page":511},{"text":"وبين محمد -ﷺ- (١)، وقال أبو جهل يوم بدر: انصر أعلى الجندين وأهدى الفئتين وأكرم الحزبين وأفضل الدّينين (٢).\n﴿وَإِنْ تَنْتَهُوا﴾ عن الكفر والقتال.\n﴿فَهُوَ﴾ أي: الانتهاء ﴿خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا﴾ للقتال ﴿نَعُدْ﴾ للقتل والهزيمة ﴿وَلَنْ تُغْنِيَ﴾ تدفع ﴿عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ﴾ جمعكم ﴿شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ﴾ الفئة ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (١٩)﴾.\nوقيل: الخطاب للمؤمنين، ومعنى الآية: إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح يوم بدر وإن تنتهوا عن أمر الأنفال وفداء الأسارى ببدر فهو خير لكم، وإن تعودوا إلى معصية (٣) نعد إلى الإنكار، ولن تغني عنكم فئتكم شيئا ولو كثرت لكثرة أعدائكم وأن الله مع المؤمنين.\nوالأول أظهر.\nوقيل: وإن تعودوا للاستفتاح نعد لنصر محمد -ﷺ- والمؤمنين.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ فيما يدعوكم إلى الجهاد، وقيل: هو قبول الأمر والنهي.\nوخص المؤمنين بالذكر رفعًا لأقدارهم وإن كان غير المؤمنين داخلًا معهم.\n﴿وَلَا تَوَلَّوْا﴾ لا تعرضوا.\n﴿عَنْهُ﴾ ولا تخالفوه.\nووحد الكناية لأنه يعود إلى الله، وقيل: إلى رسوله، لأنه المنبئ عن الله، وقيل:\n_________\n(١) أخرجه الطبري ١١/ ٩٠ عن مجاهد بن جبر.\n(٢) ذكره الطبري ١١/ ٩٢ - ٩٤ بأسانيد مختلفة عن جماعة منهم السُّدي والضحاك.\n(٣) في (ب): (معصية الله).","vol":"1","page":512},{"text":"إلى الله ورسوله، ووحد لأن أمر كل واحد أمر الآخر، وقيل: يعود إلى الجهاد والأمر الذي أمروا به.\nويحتمل أنه لما لم يجز إطلاق لفظ التثنية على الله تعالى وحده لم يجز إجراء لفظ التثنية عليه (١) مع غيره، بخلاف لفظ الجمع فإنه لما جاز إطلاق لفظ الجمع عليه وحده تعظيمًا جاز إجراء لفظ الجمع عليه مع غيره، ولهذا نظائر في القرآن، منها قوله ﴿إِذَا دَعَاكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤] ومنها: ﴿أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢].\nوجاء النكير عن النبي -ﷺ- على من ذكره مع غيره بلفظ التثنية، وهو أن رجلًا قام بين يديه فقال: من أطاع الله ورسوله فقد رشد ومن عصاهما فقد غوى فقال: (بئس خطيب القوم أنت، هلا قلت ومن عصى الله ورسوله) (٢)، والله اعلم.\n﴿وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (٢٠)﴾ القرآن، وقيل: الأمر والنهي.\n﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (٢١)﴾ هم (٣) المنافقون وقيل: هم أهل الكتاب، وقيل: هم المشركون، يسمعون (٤) بأذانهم فلا ينتفعون فصاروا كمن لا يسمع، وقيل: هم الذين قالوا ﴿قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾ [الأنفال: ٣١].\nوقيل: نزلت في النضر بن الحارث.\nوقيل: في بني عبد الدار بن قصي، لم يسلم منهم إلا رجلان، مصعب بن عمير\n_________\n(١) سقطت كلمة (عليه) من (أ)، كما حصل في (ب) سقط، حيث جاء النص فيها كالتالي: (... لفظ التثنية عليه مع غيره، بخلاف لفظ الجمع عليه مع غيره ولهذا نظائر ...).\n(٢) أخرجه مسلم في صحيحه (٨٧٠) ولفظه: (بئس الخطيب أنت، قل: ومن يعص الله ورسوله).\n(٣) في (ب): (قيل هم المنافقون).\n(٤) في (أ): (اسمعوا).","vol":"1","page":513},{"text":"وابن حرملة (١).\n﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (٢٢)﴾ كل ما دب على الأرض فهو دابة، ولا يطلق على الإنسان إلا ذمًا، وعلى الذم حملت الآية، لأنهم كالأنعام حيث لم يسمعوا الموعظة ولم ينطقوا بالحق ولم يتدبروا القران فيعرفوا الرشد من الغي.\n﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ إيمانًا وقبول موعظة، وقيل: سعادة سبقت لهم.\n﴿لَأَسْمَعَهُمْ﴾ جعلهم ينتفعون بالسمع.\n﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ﴾ أي: كلام الموتى بصحة نبوة محمد -ﷺ-.\nوقيل: ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ﴾ جواب كل ما سألوه عنه.\n﴿لَتَوَلَّوْا﴾ عن الإيمان ﴿وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)﴾.\nوقيل: تولوا عن الجهاد.\nويحتمل: ولو أسمعهم من غير أن علم فيهم خيرًا لتولوا. والله أعلم.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ ولم يقل دعواكم لما سبق.\nوقوله: ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ أي (٢): للإيمان، فإنه الحياة، والكفر الموت (٣).\nوقيل: ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ الجهاد.\nوقيل: الشهادة، فإن الشهداء أحياء.\n_________\n(١) أنظر الأقوال فيمن نزلت الآية بشأنه في: «الكشاف» للزمخشري ٢/ ٢٠٩ - ٢١٠، و«زاد المسير» ٣/ ٣٣٦ - ٣٣٧، و«الجامع» للقرطبي ٧/ ٣٨٨، و«البحر المحيط» لأبي حيان ٤/ ٤٧٤.\n(٢) سقطت (أي) من (أ).\n(٣) في (أ): (والكفر موت).","vol":"1","page":514},{"text":"وقيل: العلم، فإنه سبب الحياة الدائمة.\nوقيل: لما يبقيكم، وهو قتل الأعداء وكسرهم حتى لا يجترؤا على الإقدام على مقاتلتكم (١).\nوقيل: على ما ينالون (٢) من الغنيمة في الجهاد ويعيشون بها.\nوروى أبو هريرة ﵁ أن أُبيًّا كان يصلي فدعاه رسول الله -ﷺ-، فلم يجبه حتى فرغ من صلاته ثم جاءه وسلم عليه (٣)، فقال -ﷺ-: (لمَ لمْ تجبني إذ دعوتك، أما تقرأ قوله ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾) فقال: لم أعلم ولا أعود بعده إلى مثله (٤).\n﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ أي أنه في القرب بهذه الصفة، كقوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦)﴾ [ق: ١٦].\nوقيل: بين المؤمن والكفر وبين الكافر والإيمان.\nوقيل: يسلبه عقله فلا يقدر على كفر ولا إيمان.\nوقيل: يحول بينه وبين ما تمناه من طول الحياة.\nوقيل: يحول بين المرء وقلبه بالموت فتفوته التوبة.\nوقيل: يقلب قلبه (٥) من حال إلى حال.\n_________\n(١) في (أ): (مقابلتكم).\n(٢) في (ب): (ماتناولو).\n(٣) سقطت (عليه) من (أ).\n(٤) أخرجه الطبري ١١/ ١٠٦ وابن خزيمة (٨٦١).\nوأخرجه البخاري في صحيحه باختلاف اسم الصحابي الذي دعاه النبي -ﷺ-، فعند البخاري (٤٦٤٧) هو: أبو سعيد بن المُعَلّى رضي الله عن الجميع.\n(٥) سقطت كلمة (قلبه) من (ب).","vol":"1","page":515},{"text":"﴿وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)﴾ فيجازيكم وفق أعمالكم.\n﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ الفتنة: البلية والامتحان والاختبار الذي يظهر باطن (١) أمر الناس فيستحق عليه الجزاء.\nوالمراد به (٢) هاهنا عند المفسرين: إقرار المنكر، أي: لا تقروا المنكر بين أظهركم فيعمكم بالعذاب.\nوقيل: اتقوا أن يبتلى الظالمون (٣) بنقمة من الله.\nابن مسعود ﵁: الفتنة: الأموال والأولاد، يقويه قوله ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥] (٤).\nالحسن: هي التي بلي بها الناس يوم الجمل (٥).\nوقيل: ظهور البدع.\n﴿لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أي: الفتنة.\nوقيل: عقوبة الفتنة، أي: يتعدى ضررها إلى غير الظالمين فيكون للظالمين جزاء على ذنبهم (٦) ويكون للصالحين امتحانًا يثابون عليه.\nوقيل: ﴿لَا تُصِيبَنَّ﴾ نهي والضمير فيه للفتنة، من باب قولهم: لا أُرَيَنَّك هاهنا، أي: لا تفعلوا ما تفتنوا به.\n_________\n(١) في (ب): (يظهر به باطن).\n(٢) سقطت (به) من (أ).\n(٣) النص في (ب): (... أن يبتلى من القرآن الظالمون بنقمة من الله). ولم أعرف وجه إدخال (من القرآن) في النص.\n(٤) أخرجه الطبري ١١/ ١١٥ - ١١٦ وابن أبي حاتم ٥/ ١٦٨٥ (٨٩٨٤).\n(٥) أخرجه الطبري ١١/ ١١٣ - ١١٤.\n(٦) في (ب): (ذنوبهم).","vol":"1","page":516},{"text":"وقيل: قسم، حكاه علي بن عيسى (١).\nولا يصح أن يكون جوابًا للأمر ولا جزاء لشرط مقدر كما ذهب إليه بعضهم وقاسوا على قوله ﴿ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ﴾ [النمل: ١٨] المعنى (٢). ولا يصح أن يكون وصفًا، للنون (٣).\n﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢٥)﴾ إذا عاقب.\n﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ بقلة العدد والعدة.\nقيل: الخطاب لمن بمكة (٤) من المسلمين والضعفاء وهم المهاجرون.\nوقيل: لأهل بدر.\nوقيل: للعرب عامة.\n﴿تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ﴾ كفار قريش.\nوقيل: فارس والروم.\nوالخطف والتخطُّف: الأخذ بسرعة.\n﴿فَآوَاكُمْ﴾ إلى المدينة، وقيل: حفظكم ونصركم وجعل لكم مأوىً تتحصَّنون به وتسكنون فيه.\n﴿وَأَيَّدَكُمْ﴾ وقوَّاكم.\n﴿بِنَصْرِهِ﴾ على الكفار.\n﴿وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ الحلال الذي ساق إليكم، وقيل: الغنائم، أحلها لكم دون غيركم.\n_________\n(١) نقله المصنف في كتابه «غرائب التفسير» ١/ ٤٣٨ عن علي بن عيسى الرماني.\n(٢) لعل التقدير: وقاسوا المعنى على قوله (ادخلوا ...) الآية. والله أعلم.\n(٣) وجود النون ليس مانعًا من أن تكون وصفًا كما ذكر ذلك بعض المفسرين.\n(٤) في (ب): (لمن كانوا بمكة).","vol":"1","page":517},{"text":"﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٢٦)﴾ كي (١) تشكروا نعمتي.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ في سبب النزول: أنها نزلت في أبي لبابة ابن عبد المنذر الأنصاري (٢)، وذلك أن رسول -ﷺ- حاصر يهود قريظة إحدى وعشرين ليلة، فسألوا رسول الله الصلح على ما صالح عليه إخوانهم من بني النضير على أن يسيروا إلى إخوانهم بأَذْرِعَات وأريحا (٣) من أرض الشام، فأبى أن يعطيهم ذلك إلا أن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ، فأبوا وقالوا: أرسل إلينا أبا لبابة، وكان مناصحًا لهم، لأن عياله وولده وماله كانت عندهم، فبعثه رسول الله فأتاهم فقالوا: يا أبا لبابة: ما ترى، أننزل على حكم سعد، فأشار أبو لبابة إلى حلقه، أي إنه الذبح ولا تفعلوا (٤)، قال أبو لبابة: والله ما زالت قدماي حتى علمت أني قد خنت الله ورسوله، فنزل فيه هذه الآية، فلما نزلت شد نفسه على سارية من سواري المسجد وقال: والله لا أذوق (٥) طعامًا ولا شرابًا حتى أموت أو يتوب الله علي، فمكث سبعة أيام لا يذوق فيها طعامًا حتى خر مغشيا عليه ثم تاب الله عليه، فقيل: يا أبا لبابة قد تيب عليك، فقال: لا والله لا أحل نفسي حتى يكون رسول الله -ﷺ- هو الذي يحلني، فجاءه\n_________\n(١) في (ب): (لكي).\n(٢) هو رفاعة بن عبدالمنذر، وقيل: اسمه بشير، كان نقيبًا شهد العقبة، وتوفي في خلافة علي ﵁.\nانظر: «الإصابة» لابن حجر ٧/ ٣٤٥.\n(٣) أَذْرِعَات: بلد في أطراف الشام يجاور أرض البلقاء وعَمَّان، وأريحا: مدينة بالغور من أرض الأردن بالشام.\nانظر: «معجم البلدان» لياقوت ١/ ١٣٠ - ١٦٥.\n(٤) في (ب): (فلا تفعلوا).\n(٥) في (ب): (ما أذوق).","vol":"1","page":518},{"text":"فحله بيده، ثم قال أبو لبابة: إن من تمام توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب، وأن أنخلع من مالي، فقال -ﷺ-: (يجزيك الثلث أن تتصدق به) (١).\nوعن عطاء بن أبي رباح قال: نزلت حين هم رسول -ﷺ- بالذهاب إلى أبي سفيان فكتب إليه رجل من المنافقين أن محمدا يريدكم فخذوا حذركم (٢).\nالسدي: كانوا يسمعون الشيء من النبي -ﷺ- فيفشونه حتى يبلغ المشركين (٣).\nالمغيرة بن شعبة ﵁: نزلت هذه الآية في قتل عثمان بن عفان ﵁، حكاه الثعلبي (٤).\nوالمعنى: لا تخونوا الله والرسول فتضمروا له خلاف ما تظهرون.\nوقيل: لا تخونوا الله بترك فرائضه والرسول بترك سنته.\n﴿وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾ قيل: هي الغنائم، وهو الغلول.\nوقيل: لا تخونوا أماناتكم فيما بينكم ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧)﴾.\nوقيل: لا تخونوا الله والرسول فتكونوا قد خنتم أماناتكم.\nوقيل: أماناتكم (٥): فرائض الله ودينه.\nابن عيسى: الخيانة: منع الحق الذي ضمن فيه التأدية.\nوقيل: الخيانة: انتقاص الحق في خفية.\nوأصلها النقصان، تقول (٦): خانه واختانه وتَخَوَّنه: إذا تنقصه (٧).\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (٣٣١٩) (٣٣٢٠) مختصرًا، وأخرجه أحمد ٣/ ٤٥٢، وحسنه محققو المسند، وذكره الواحدي في «أسباب النزول» (ص ٣٩٦) معلقا دون إسناد بمثل سياق الكرماني.\n(٢) أخرجه الطبري ١١/ ١٢١.\n(٣) أخرجه الطبري ١١/ ١٢٣\n(٤) أخرجه الطبري ١١/ ١٢٢، وذكره الثعلبي في «الكشف والبيان» ٤/ ٣٤٧، وقال محققو تفسير الطبري: (المراد أن ذلك نوع خيانة لله ورسوله -ﷺ-، فقتل عثمان ﵁ كان بعد نزول القرآن).\n(٥) سقط قوله: (وقيل أماناتكم) من (أ).\n(٦) في (ب): (يقال).\n(٧) في (ب): (إذا انتقصه).","vol":"1","page":519},{"text":"وقيل: أصله القطع.\n﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧)﴾ حال، أي: عن تعمد وقصد، وقيل: وأنتم تعلمون ما في الخيانة من الإثم.\nويجوز في ﴿تَخُونُوا﴾ الجزم والنصب (١).\n﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ ابتلاء وامتحان، فلا يحملنكم حبها على الخيانة مثل أبي لبابة.\nوقيل: بأن تأخذوا المال من غيرحله، أو تقعدوا عن جهاد وطاعة لمكانهما بل قوموا بالحق فيهما يَصِيْرا نعمة خالصة.\n﴿وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٨)﴾ لمن آثر رضى الله فيهما.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ حجة وسلطانا بإعزاز دين الله وأهله وخذلان الشرك وحزبه، وقيل: مخرجًا مما تحذرون، وقيل: نجاة، وقيل: فصلًا يفرقون به بين الحق والباطل.\n﴿وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ يسترها بالعفو عنها.\n﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ ذنوبكم بفضله.\n﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)﴾ على عباده.\nوالتكرار (٢) للتأكيد لاختلاف اللفظين.\n_________\n(١) في (ب): (النصب والجزم).\nقال السمين الحلبي في «الدر المصون» ٥/ ٥٩٤: (يجوز فيه أن يكون منصوبًا بإضمار «أنْ» على جواب النهي، أي: لا تجمعوا بين الجنايتين ... والثاني: أن يكون مجزومًا نسقًا على الأول، وهذا الثاني أَوْلى، لأنه فيه النهي عن كل واحد على حدته بخلاف ما قبله، فإنه نهيٌ عن الجمع بينهما). والله أعلم.\n(٢) لعله يقصد: (يكفر) و(يغفر)، كما ظهر لي من مراجعة «البحر المحيط» لأبي حيان ٤/ ٤٨١.","vol":"1","page":520},{"text":"وقيل: السيئات: الصغائر، والذنوب: الكبائر.\nويحتمل أن السيئات: التي مضت، والذنوب: التي تقع، لأنها في أهل بدر والله قد غفرها لهم.\n﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ في سبب النزول: أن رؤساء قريش اجتمعوا في دار الندوة (١) ليتشاوروا في أمر محمد -ﷺ-، وأغلقوا الباب كيلا يدخل عليهم أحد من بني هاشم (٢)، فدخل إبليس في صورة شيخ عليه ثياب أطمار وجلس معهم، فقالوا: من أنت؟ قال: شيخ من نجد سمعت باجتماعكم فأردت أن أحضركم ولن تعدموا مني رأيًا ونصحًا، فقالوا: هذا رجل من نجد لا بأس عليكم (٣)، فتكلموا فيما بينهم، فقال بعضهم: الرأي أن تأخذوه وتجعلوه في بيت وتسدوا بابه وتدعوا له كوة لطعامه وشرابه حتى يموت، فقال الشيخ النجدي: بئس الرأي رأيتموه، تعمدون إلى رجل له فيكم آصِرَةٌ (٤) وأهل بيت وقد سمع به من حولكم فتحبسونه، يوشك أهل بيته أن يقاتلوكم (٥) ويفسدوا جماعتكم، قالوا: صدق والله الشيخ النجدي (٦)، وقال بعضهم: الرأي أن تحملوه على بعير ثم تخرجوه من أرضكم حتى يموت أو يذهب حيث يشاء، فقال إبليس: بئس الرأي رأيتموه، تعمدون إلى رجل قد أفسد\n_________\n(١) هي دارٌ كانوا يجتمعون فيها ويتشاورون.\nانظر: «النهاية» لابن الأثير (ص ٨٩٤).\n(٢) في (ب): (عليهم من بني هاشم أحد).\n(٣) في (ب): (عليكم منه).\n(٤) الآصرة: الرحم.\nانظر: «لسان العرب» (أصر).\n(٥) في (أ): (يقاتلونكم)\n(٦) كلمة (النجدي) من (أ) فقط.","vol":"1","page":521},{"text":"جماعتكم ومعه منكم طائفة فتخرجونه إلى غيركم فيأتيهم فيفسد منهم أيضًا جماعة، فيقبل عليكم فيكون فيه هلاككم، قالوا: صدق والله الشيخ، فقال أبو جهل (١): الرأي أن يجتمع عليه فتيان من قريش فيضربوه ضربة رجل واحد، فلا تقدر بنو هاشم أن يطلبوا ثأرهم (٢) من جميع قريش فيرضوا بالعَقْلِ (٣)، فقال الشيخ: صدق والله الشاب، فتفرقوا على ذلك، فأتى النبيَّ جبريلُ وأخبره الخبر وأمره بالهجرة، فَبَيَّتَ النبي -ﷺ- عليًا ﵁ على مضجعه، فخرج هو وأبو بكر إلى الغار (٤)، ونزل ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية (٥).\nالمكر: إيصال المكروه خفية (٦).\n﴿لِيُثْبِتُوكَ﴾ في الوثاق، وقيل: في الحبس.\nالمبرد: هو الإثخان بالجراحات، تقول: ضربه حتى أثبته، أي: جرحه جراحة متلفة.\n﴿أَوْ يَقْتُلُوكَ﴾ بسيوفهم.\n﴿أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ من مكة.\n﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ ويرد مكرهم عليهم، فسمى رد المكر مكرًا.\n_________\n(١) هو عمرو بن هشام بن المغيره، قتل يوم بدر وعمره سبعون سنة، كنّاه النبي -ﷺ- أبا جهل، وكان يكنى قبل ذلك أبا الحكم).\nانظر: «معجم أعلام متن الحديث النبوي» (ص ٣٢).\n(٢) في (ب): (ثأره).\n(٣) العَقْل: الدِّيَة.\nانظر: «لسان العرب» (عقل).\n(٤) في (أ): (إلى غار).\n(٥) أخرجه ابن جرير ١١/ ١٣٤ - ١٣٥ وابن أبي حاتم ٥/ ١٦٨٦ (٨٩٩٤) وغيرهم.\n(٦) في (ب): (المكروه في خفية).","vol":"1","page":522},{"text":"وقيل: معنى مكر الله: جازاهم على مكرهم، وقد سبق (١).\nوقيل: مكره أن أخرجهم إلى بدر فقتلوا.\n﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٣٠)﴾ المجازين على المكر.\n﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا﴾ القرآن.\n﴿قَدْ سَمِعْنَا﴾ في سبب النزول: أن قائل هذا الكلام النضر بن الحارث (٢).\nوقيل: إنما قالها (٣) الذين ائتمروا في أمر محمد -ﷺ-.\n﴿لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٣١)﴾ ما سطره الأولون وكتبوه. باهتوا بهذا الكلام فإنهم قد دُعُوا مرة بعد أخرى إلى الإتيان بسورة مثله فعجزوا.\n﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ﴾ هذه الآية متصلة بالأولى (٤)، وهي من كلام النضر.\n_________\n(١) سبق في سورة آل عمران، الآية (٥٤): ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾.\nوهناك وهنا أورد الكرماني عددًا من الأقوال في معنى الآية، والصحيح أن المكر صفةٌ فعلية ثابتة لله تعالى، وفي ذلك يقول الشنقيطي: (مكر الله: هو أن نجاه منهم، وأنقذه منهم، وأدخله في الغار لحكمة يعلمها جل وعلا، مع أنه قادر على أن يهلكهم بالجنود ... وهذا معنى قوله (والله) جل وعلا (خير الماكرين) لأن مكره بالغ من الجمال ما لا يخفي، لأنه لا يوصل الشر فيه إلاِّ لمن يستحق الشر، ولا يدفع= =الشر فيه إلَاّ عمن هو أهل أن يدفع عنه الشر كما لا يخفى).\nانظر: «العذب النمير» ٤/ ٥٧٨.\nوقال شيخنا ابن عثيمين ﵀: (يجب أن نصف الله بما وصف به نفسه من المكر في الحال التي وصف الله نفسه فيها بالمكر، وذلك في مقابلة مكر أعدائه).\nانظر: «تفسير القرآن الكريم - سورة آل عمران» ١/ ٣١٩.\n(٢) أخرجه الطبري ١١/ ١٤٢ بأسانيده عن ابن جريح والسدي.\n(٣) في (ب): (إنما قال الذين).\n(٤) في (ب): (متصلة بالأخرى).","vol":"1","page":523},{"text":"وروي أن النضر (١) لما قال: إن هذا إلا أساطير الأولين، قال له النبي -ﷺ-: (ويلك إن هذا كلام الله وتنزيله) فرفع النضر رأسه إلى السماء وقال: إن كان هذا هو الحق من عندك (٢).\nوعن عطاء قال: نزلت في النضر بضع عشرة آية (٣).\nوعن أنس ﵁: إن قائله أبو جهل (٤).\n﴿إِنْ كَانَ هَذَا﴾ أي: القرآن ﴿هُوَ الْحَقَّ﴾ هو فصل وعِمَاد (٥)، والحق: خبر كان ﴿مِنْ عِنْدِكَ﴾ وحيك.\n﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ أي: من السماء لا من الهواء استهزاء منه.\n﴿أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٢)﴾ سوى الحجارة.\n﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ أي: استعجلوا العذاب وماكان الله ليعذبهم، أي: لا يفعل وليس من شأنه وأنت يا محمد فيهم وبين أظهرهم ومعهم، لأنك بعثت رحمة للعالمين، ولم يعذب قوم نبيهم بين ظهرانيهم.\n_________\n(١) حصل سقط في (أ) سببه انتقال البصر، فجاء النص فيها: (وهي من كلام النضر لما قال ...) والمثبت من (ب).\nقال ابن هشام في السيرة: (النضر بن الحارث بن كَلَدة بن علقمة بن عبدمناف بن عبدالدار ابن قُصيّ ... ويقال: النضر بن الحارث بن علقمة بن كَلَدة ... من شياطين قريش، وممن كان يؤذي رسول الله -ﷺ- وينصب له العداوة).\nانظر: «السيرة النبوية» لابن هشام ١/ ٣٧٠ - ٣٧١.\n(٢) لم أجده بهذا السياق، وفي معناه أخرج الطبري أثرًا عن عطاء ولكنه مختصر وليس فيه الحديث المرفوع، انظر: الطبري ١١/ ١٤٥، وقد أورد مثله عن السدّي أيضًا.\n(٣) أخرجه الطبري ١١/ ١٤٥.\n(٤) أخرجه البخاري (٤٦٤٨) عن أنس ﵁.\n(٥) العماد: هو ضمير الفصل. انظر: «معجم علوم اللغة العربية» (ص ٢٨٩).","vol":"1","page":524},{"text":"﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)﴾ قال بعض المفسرين: وفيهم من يستغفر، يريد من (١) بمكة من المؤمنين.\nوقيل: وما كان الله معذبهم، يعني: المؤمنين، فلما هاجر أولئك منها قال الله ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ يعني الكفار.\nوعن ابن عباس ﵄: هو استغفار الكفار، لأنهم كانوا يطوفون بالبيت (٢) ويقولون: لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك (٣) إلا شريك هو لك تملكه وما ملك، قال: وكانوا يقولون (٤): غفرانك اللهم غفرانك (٥).\nوعن بعضهم (٦): كان لهم أمانان: النبي -ﷺ-، والاستغفار، فهاجر رسول الله -ﷺ- وبقي لهم (٧) الاستغفار (٨).\nوقيل: ﴿وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)﴾ سيولد منهم أولاد مؤمنون.\nوقال محمد بن إسحاق بن يسار: هذه حكاية عن المشركين، كانوا يقولون:\n_________\n(١) سقطت (من) من (أ).\n(٢) في (ب): (لأنهم يطوفون في البيت ...).\n(٣) سقطت (لك) من (ب).\n(٤) في (أ): (... وما ملك قال وقالوا غفرانك ...).\n(٥) أخرجه الطبري ١١/ ١٥١ وابن أبي حاتم ٥/ ١٦٩١ (٩٠١٧) وقد أخرجه الإمام مسلم (١١٨٥) دون قوله: وكانوا يقولون: غفرانك.\n(٦) في (ب): (يعني ابن مسعود) ولعلها من زيادات النساخ فأدخلها بعضهم في النصّ.\n(٧) كلمة (لهم) سقطت من (أ).\n(٨) هذا الأثر مروي عن أبي هريرة: أخرجه الحاكم في «المستدرك» ١/ ٥٤٢، وعن ابن عباس: أخرجه ابن أبي حاتم ٥/ ١٦٩٢ (٩٠٢٥)، وعن أبي موسى الأشعري عند ابن جرير ١١/ ١٥٢.\nوقد روي مرفوعًا عند الترمذي (٣٠٨٢) وقال الترمذي: هذا حديث غريب.","vol":"1","page":525},{"text":"والله إن الله لا يعذبنا ونحن نستغفر (١) ولا يعذب أمة ونبيها معها، حكاه (٢) الثعلبي، وفيه بُعْد (٣).\n﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ وقد خرج محمد -ﷺ- من بين أظهرهم.\nوقيل: مالهم أن لا يعذبهم الله في الآخرة.\nوقيل: يوم بدر.\nويحتمل: وما لهم أن لا يعذبهم الله وقد استحقوه، ولولا كونك وكون من يستغفر فيهم لعجل لهم (٤) العذاب.\nوالعذاب: تجديد الآلام حالًا بعد حال، وأصله الاستمرار.\n﴿وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ يمنعون المسلمين عنه.\n﴿وَمَا كَانُوا﴾ يعني المشركين.\n﴿أَوْلِيَاءَهُ﴾ أولياء المسجد، وقيل: أولياء الله.\n﴿إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٤)﴾ أن ولايته للمتقين.\n﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ في سبب النزول: عن ابن عمر ﵄ قال: كانوا يطوفون بالبيت فيصفقون، ووصف الصَّفْقَ بيده، ويَصْفِرون، ووصف صفيرهم، ويضعون خدودهم بالأرض، فنزلت (٥).\n﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ﴾ أي: الذي يسمونه صلاة ﴿إِلَّا مُكَاءً﴾ وهو تصويت يشبه صوت المُكَّاء، وهو طائر معروف، يقول: مَكَا يَمْكُو، قال (٦):\nتَمْكُو فَريصتُه كشِدْقِ الأَعْلمِ\nوقيل: هوأن يجعل بعض أصابع اليمين وبعض أصابع الشمال في الفم ثم يَصْفِرُ فيه.\nوقيل: المكاء: الصفير، والتصدية: التصفيق، وهو ضرب إحدى اليدين على الأخرى، واشتقاقه من الصَّدَى، وهو أن تسمع مثل صياحك في أماكن تمنع الصوت من النفوذ، وكانوا يعارضون به القرآن، يقويه قول سعيد بن جبير في التصدية: إنها صلاتهم عند المسجد الحرام (٧).\nوقيل: مكاهم: أذانهم، وتصديتهم: إقامتهم، حكاه الثعلبي (٨).\nالحسن: إذا أراد النبي -ﷺ- الصلاة خلطوا عليه وأروا أنهم يصلون لله عبادة (٩).\nابن بحر: أي أن صلاتهم ودعاءهم (١٠) غير رادين عليهم ثوابًا إلا كما يجيب الصدى الصائح (١١).\n_________\n(١) سقطت كلمة (نستغفر) من (أ).\n(٢) في (أ): (حكاها).\n(٣) انظر: «الكشف والبيان» ٤/ ٣٥٢.\n(٤) في (ب): (لعجل فيهم العذاب).\n(٥) أخرجه الطبري ١١/ ١٦٣ وابن أبي حاتم ٥/ ١٦٩٥ (٩٠٤٠) و٥/ ١٦٩٦ (٩٠٤٥)، والواحدي في «أسباب النزول» (ص ٣٩٨).\n(٦) القائل هو عنترة، وصدر البيت: وحَليلِ غانيةٍ تركتُ مُجدَّلًا.\nوالبيت ورد عند الطبري ١١/ ١٦١ والقرطبي ٧/ ٤٠٠، وهو في ديوان عنترة من معلقته المشهورة (ص ١٩٠).\nانظر: «الشواهد الشعرية في تفسير القرطبي» ١/ ٢٤٧.\n(٧) المشهور في التفاسير التي رجعت لها أن قول سعيد: التصدية: صدهم عن البيت الحرام.\nانظر: الطبري ١١/ ١٦٤ و«الدر المنثور» ٧/ ١١٥.\n(٨) انظر: «الكشف والبيان» للثعلبي ٤/ ٣٥٤.\n(٩) وجدته عن مجاهد عند الثعلبي ٤/ ٣٥٣.\n(١٠) هكذا في (ب)، وهو كذلك في «البحر المحيط» لأبي حيان، وفي (أ): (أي صلوته ودعاءهم وصلوتهم).\n(١١) نقله الماوردي في «النكت والعيون» ٢/ ٣١٥ وأبو حيان في «البحر المحيط» ٤/ ٤٨٦.","vol":"1","page":526},{"text":"وقيل: أصل المكاء من: مكَّ، وأصل التصدية من: صدَّ، إذا صاح أو منع، قلب اللام ياء، وهذا سائغ عند اجتماع ثلاث متماثلات.\n﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ أي يوم بدر، وقيل: في الآخرة.\n﴿بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٥)﴾.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ في سبب النزول: قال مقاتل والكلبي: نزلت في المطعمين يوم بدر، وكانوا اثني عشر رجلا وكلهم من قريش وكان يطعم كل واحد منهم كل يوم عشر جزور (١).\nسعيد بن جبير: نزلت في أبي سفيان، استأجر يوم أحد ألفين من الأحابيش يقاتل بهم (٢) النبي -ﷺ- سوى من استجاش من العرب، وفيهم يقول كعب بن مالك (٣):\nفَجِئْنا إلى مَوْجٍ من البحرِ وَسْطَهُ ... أحابيشُ منهم حاسِرٌ ومُقَنَّعُ\nثلاثةُ آلافٍ ونحن بَقِيَّةٌ ... ثلاثُ مئينَ إن كَثُرنا فأربعُ\nوأنفق على المشركين أبو سفيان يوم أحد: أربعين أوقية، فنزلت هذه الآية (٤).\nوقال محمد بن إسحاق: لما أصيبت قريش يوم بدر فرجع فَلُّهُم (٥) إلى مكة،\n_________\n(١) ذكره الثعلبي ٤/ ٣٥٥ والواحدي في «أسباب النزول» (ص ٣٩٩) عن مقاتل والكلبي.\n(٢) سقطت (بهم) من (أ).\n(٣) كعب بن مالك الأنصاري السَّلمي، بالفتح، المدني، صحابي مشهور، وهو أحد الثلاثة الذين خُلِّفوا، مات في خلافة على ﵁.\nانظر: «تقريب التهذيب» (ص ٤٦١).\nوهذا الأثر عن سعيد بن جبير: أخرجه الطبري ١١/ ١٧٠ وابن أبي حاتم ٥/ ١٦٩٧ (٩٠٥٤) والواحدي في «أسباب النزول» (ص ٣٩٩).\n(٤) أخرجه الطبري ١١/ ١٧١ عن الحكم بن عتيبة.\n(٥) في (ب): (كلهم).","vol":"1","page":527},{"text":"ورجع أبو سفيان بعيره إليها، وجمع من بقي من الأكابر وقال: إن محمدًا قد وَتَرَكُم وقتل أشرافكم فأعينونا بهذا المال لعلنا ندرك منه ثأرًا بمن أصيب بنا (١)، ففعلوا فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية (٢).\nقوله: ﴿لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ دين الله والإسلام.\n﴿فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ﴾ الأموال، وقيل: إنفاقها، أي: وما ينفقونه الآن وينفقونه بعد، وقيل: فسينفقونها بتمامها (٣).\n﴿عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾ غمًا على ما فاتهم.\n﴿ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ يقهرون.\nوفيه تقديم وتأخير، لأن الحسرة عليها بعد الغلبة، وهذا دليل من دلائل النبوة: إذ أخبر عن الله تعالى قبل وقوعه فكان كما أخبر.\n﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (٣٦)﴾ أي: يساقون إليها ويجمعون فيها.\n﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ﴾ أي: يغلبون ليميز الله.\n﴿الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ الكافر من المؤمن، وقيل: الكفر من الإيمان، وقيل: الصلاح من الفساد، وقيل: الطيب: إنفاق المؤمن، والخبيث: إنفاق الكافر، والخبيث: الرديء من كل شيء، كخبث الحديد والفضة والذهب، والطيب: المستلذ من كل شيء.\n_________\n(١) هكذا في المخطوطتين، وفي مصادر التخريج (منا).\n(٢) أخرجه الطبري ١١/ ١٧٣ وابن أبي حاتم ٥/ ١٦٩٨ (٩٠٥٥) وذكره الواحدي في «أسباب النزول» (ص ٤٠٠).\n(٣) جاء النص في (ب) هكذا: (فسينفقونها أي ما ينفقونه الآن وينفقون بعد وقيل سينفقونها بتمامها (ثم تكون) الأموال وقيل نفقاتها).","vol":"1","page":528},{"text":"﴿وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا﴾ يجمعه.\n﴿فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ﴾ كله، يعني: الكافر وما أنفقه.\nوفي الآثار: يؤتى بالدنيا يوم القيامة قضها بقضيضها فيميز ما كان منها لله ويطرح الباقي في النار (١).\n﴿أُولَئِكَ﴾ أي: المنفقون أموالهم.\n﴿هُمُ الْخَاسِرُونَ (٣٧)﴾ خسروا أنفسهم وأموالهم (٢).\n﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أبي سفيان وأصحابه.\n﴿إِنْ يَنْتَهُوا﴾ عن الكفر بالله.\n﴿يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ من ذنوبهم وإن عظمت.\n﴿وَإِنْ يَعُودُوا﴾ إلى الكفر.\n﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ (٣٨)﴾ بالإهلاك في الدنيا والعذاب في العقبى.\nوقيل: وإن يعودوا إلى الحرب فقد مضت سنة الأولين بالإهلاك يوم بدر.\nوسنة الله: ما يفعلها دائمًا.\n﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ لا يبقى شرك ولا مشرك.\n﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ ولا يعبد غير الله، وتكون أنت الحاكم على الأديان.\n﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣٩)﴾.\n﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أعرضوا عن الإيمان، وقيل: أعرضوا عن الانتهاء.\n_________\n(١) أخرجه عبدالله بن المبارك في «الزهد» (رقم ٥٤٤) عن عبادة بن الصامت ﵁.\n(٢) في (ب): (خسروا أموالهم وأنفسهم).","vol":"1","page":529},{"text":"﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ﴾ يلي نصركم ومعونتكم.\n﴿نِعْمَ الْمَوْلَى﴾ لا يُضِيْعُ من تولاه.\n﴿وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٤٠)﴾ لا يُغْلَبُ من نصره.\n﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾ أي: ما أصبتم وأخذتم من الكفار قهرًا.\n﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ قليل وكثير.\n﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ أجمع المفسرون على أن ذكر الله هاهنا للتعظيم والتيمن، وأن الغنيمة تقسم خمسة أقسام، أربعة للمقاتلة وخمس لخمسة هم المذكورون في قوله\n﴿وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾.\nإلا الربيع وأبا العالية (١) الرياحي فإنهما ذهبا إلى أن الخمس الباقي يقسم ستة أقسام: قسم لله يصرف (٢) إلى عمارة الكعبة وترتيبها (٣).\nوقد قيل: اسم الرسول أيضًا للتيمن والتبرك، وأنها تقسم على (٤) أربعة أقسام.\nوأكثرهم على أنها اليوم تقسم ثلاثة أقسام: اليتامى والمساكين وابن السبيل، وسقط سهم الرسول صلوات الله عليه بموته، وكذلك سهم ذوي (٥) القربى رفعة لهم عنها، وفقراؤهم وأيتامهم وابن السبيل منهم فيها كغيرهم (٦).\n_________\n(١) في (ب): (وأبا عالية).\n(٢) في (ب): (قسم يصرف لله إلى عمارة ...).\n(٣) أما خبر أبي العالية فقد أخرجه الطبري ١١/ ١٩٠ وابن أبي حاتم ٥/ ١٧٠٣ (٩٠٨٦) وغيرهم، وأما الربيع فقد نقله عنه القرطبي ٨/ ١٠.\n(٤) سقطت (على) من (ب).\n(٥) في (ب): (ذي) بدون واو.\n(٦) ذكر القرطبي أن هذا هو قول أبي حنيفة.\nانظر: «الجامع لأحكام القرآن» ٨/ ١١، و«الاختيار لتعليل المختار» ٤/ ١٦٠.","vol":"1","page":530},{"text":"وذهب بعضهم إلى أن: سهم ذوي القربى باق، وأن سهم الرسول يصرف إلى العُدَّةِ من الكُرَاعِ والسلاحِ وغير ذلك.\nوقال بعضهم: يصرف الإمام إلى من شاء من المسلمين، وأن ذكر هؤلاء للاختصاص كذكر جبريل وميكائيل بعد الملائكة في قوله ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ﴾ الآية [البقرة: ٩٨].\nوذهب المبرد إلى أن: قول من قال: اسم الله هاهنا (١) للتعظيم، سهو، ولم يأت في بيان كلامه بما فيه مَقْنَع.\n﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ قربى النبي -ﷺ-، وهي مصدر قَرُبَ، ووحد ذو لأن الجمع في هذا كالواحد.\nقال ابن عباس ﵄: هم بنو هاشم (٢).\nجبير بن مطعم: بنو هاشم وبنو (٣) المطلب (٤).\nولم يختلفوا في بني أميه وبني نوفل.\nواختلف النحويون في قوله ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ﴾:\nفذهب الفراء (٥) إلى أن ما للشرط (٦) والفاء للجزاء، وهذا باطل عند\n_________\n(١) سقطت كلمة (هاهنا) من (ب).\n(٢) المشهور عن ابن عباس أنهم قريش كلها، ولذلك لم أجد من ذكر قوله هذا سوى أبي حيان وهو كثير النقل عن الكرماني، بينما وجدت عددًا من المفسرين ذكر أثرًا عن ابن عباس أنهم قريش كلها. فالله أعلم.\n(٣) في (ب): (بنو عبدالمطلب).\n(٤) أخرجه البخاري (٣١٤٠).\n(٥) انظر: «معاني القرآن» للفراء ١/ ٤١١.\n(٦) في (أ): (أن ما الشرط).","vol":"1","page":531},{"text":"البصريين، لأن أن لا تدخل ما الشرط.\nوذهب الجمهور إلى أن ﴿أَنَّمَا﴾ مفعول ﴿وَاعْلَمُوا﴾، والخبر محذوف، والفاء للعطف، وهذا فيه كلام.\nوالوجه أن تكون ما هي الموصولة، وغنمتم صلته، والعائد محذوف، والفاء داخل في خبره، و﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ مع ما بعده خبره، والتقدير: فالأمر أن لله خمسه، ومثله ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ﴾ [التوبة: ٦٣]، وكذلك ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ﴾ [الحج: ٤].\nوقال ابن عيسى: تقديره: فعلى أن لله خمسه (١) فحذف الجار.\nقوله ﴿إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ﴾ قيل: هو متعلق بقوله ﴿فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ ﴿إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ﴾.\nوقيل: ﴿إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ﴾ فاقبلوا ما أمرتم به في الغنائم.\n﴿وَمَا أَنْزَلْنَا﴾ النصر والإمداد من الملائكة، وقيل: الأمر بقسمة الغنائم على خمسة أسهم.\n﴿عَلَى عَبْدِنَا﴾ محمد -ﷺ-.\n﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾ يوم بدر، فُرِّقَ فيه بين الحق والباطل.\n﴿يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ المسلمون والكفار.\n﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤١)﴾.\n﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا﴾ بشفير الوادي الأقرب إلى المدينة.\n﴿وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى﴾ بشفير الوادي الأبعد إلى المدينة.\nوالقصوى: شاذ خرج على أصله (٢).\n_________\n(١) سقطت كلمة (خمسة) من (ب).\n(٢) أصله والقياسي فيه: قصيا، كما يظهر من كلام السمين الحلبي في «الدر المصون» ٥/ ٦١٠ - ٦١١، ثم قال السمين: (ونعني بالشذوذ: شذوذ القياس لا شذوذ الاستعمال).","vol":"1","page":532},{"text":"﴿وَالرَّكْبُ﴾ أي: العير.\n﴿أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ أي: مكانًا أسفل من مكانكم، لأنكم على نشز من الأرض، وقيل أقرب إلى ساحل البحر.\n﴿وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ﴾ أنتم والمشركون القتال.\n﴿لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ﴾ أي: كانوا لا يصدقون في مواعدتكم طلبًا لغرتكم والحيلة عليكم، وقيل: لو تواعدتم ثم بلغكم كثرة عدوكم لنقضتم الميعاد، وقيل: لو تواعدتم من غير قضاء الله أمر الحرب لاختلفتم في الميعاد (١).\n﴿وَلَكِنْ﴾ جمع بينكم.\n﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا﴾ نصر المؤمنين وكسر الكافرين.\n﴿كَانَ مَفْعُولًا﴾ كائنًا، وسماه مفعولًا من حيث تحقق كونه.\nوقيل: هو إشارة إلى قوله ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾ [التوبة: ٤٠]، والمعنى: جمع الله بينكم من غير إرادة ولا قصد منكم.\n﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ قيل: هذا اللام بدل من قوله ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ﴾ وقيل: هو للعطف والواو مختزل (٢)، ويحتمل أن يكون متصلًا بقوله ﴿مَفْعُولًا﴾ وتقديره (٣): فعل ليهلك، والمعنى: إن وقعة بدر بينة واضحة\n_________\n(١) لم يذكر في نسخة (ب) إلَاّ القول الأول والأخير وسقط عنده من قوله (وقيل لو تواعدتم) إلى قوله (لنقضتم الميعاد).\n(٢) لعله يعني أن حرف العطف الواو محذوف، كما ظهر لي من مراجعة «البحر المحيط» ٤/ ٤٩٧.\n(٣) في (ب): (والتقدير).","vol":"1","page":533},{"text":"ومعجزة ظاهره فمن ضل بعدها فإنما يضل بعد أن تبين له الأمر ومن اهتدى بعدها فإنما يهتدي عن بينة، وقيل: ليموت من يموت كافرًا عن حجة قائمة عليه ويعيش من يعيش عن بينة ثبتت عنده، وقيل: ليهلك ببدر من هلك بعد أن رأى الآيات ويحيى من حيى كذلك.\n﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ﴾ لكلامهم.\n﴿عَلِيمٌ (٤٢)﴾ بأفعالهم.\nقلت: لم أر فيما سعمت وطالعت من التفاسير مع جموعها من تكلم على لفظي: يهلك وهلك، وكذلك في مغايرة لفظي: ويحيى وحييى، وذلك يحتمل ثلاثة أوجه:\nأحدها: أن تقديره ليهلك من حكم الله بهلاكه ويحيى من حكم الله بحياته.\nوالثاني: ليحكم بهلاك من هلك ويحكم بحياة من حييى.\nوالثالث: وقع الماضي موقع المستقبل، وفيه بُعْدٌ، لأن الشيء لا يقوم مقام غيره إلا بدليل.\n﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا﴾ الحسن في جماعة: عينك (١)، لأنه مَفْعَل، وهو للمصدر والزمان والمكان (٢).\nغيره: في رؤياك، لأن النبي -ﷺ- رآهم في نومه في قلة وذلة، فأولها أنهم يغلبون، وبشر المؤمنين فسكنوا إليه وعلموا (٣) أن رؤيا الأنبياء حق (٤).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم ٥/ ١٧٠٩ (٩١١٩) عن الحسن، ونقله الماوردي ٢/ ٣٢٣ وابن الجوزي في «زاد المسير» ٣/ ٣٦٣.\nوقال ابن كثير ٧/ ٩٤ بعد أن نقل قول الحسن: (وهذا القول غريب، وقد صرح بالمنام هاهنا، فلا حاجة إلى التأويل الذي لا دليل عليه).\n(٢) صيغة مَفْعَل بفتح العين، يصاغ عليها الفعل الثلاثي إذا كان مضارع الفعل مفتوح العين (ينام ــ منام).\nانظر: «دروس في علم الصرف» لأبي أوس إبراهيم الشمسان ١/ ٧٦ - ٧٧.\n(٣) في (ب): (فسكنوا إليه وأعلموا) وفي (أ): (فسكنوا عليه).\n(٤) أخرجه عبدالرزاق ١/ ٢٥٩ - ٢٦٠ والطبري ١١/ ٢٠٩ وابن أبي حاتم ٥/ ١٧٠٩ (٩١١٨) عن مجاهده.","vol":"1","page":534},{"text":"﴿وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا﴾ أي: على صورة عرفت أن الغلبة لهم ثم أخبرتهم به.\n﴿لَفَشِلْتُمْ﴾ جبنتم.\n﴿وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ أمر القتال والفرار.\nوهذا أظهر، لأن المنام موضع النائم، لا موضع النوم (١).\n﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾ أي: سلمكم من الفشل والتنازع، وقيل: سلم لكم أمرهم حتى غلبتم أعداءكم، وقيل: ولكن الله سلمكم عن العدو.\n﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٤٣)﴾ بخفيات القلوب.\n﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا﴾ قلل الله الأعداء في أعين المؤمنين ساعة اللقاء حتى روي أن ابن مسعود ﵁ قال: لقد قللوا في أعيننا يوم بدر حتى قلت لرجل إلى جنبي: تراهم سبعين؟ قال أراهم مائة، فأسرنا رجلًا فقلنا له: كم كنتم؟ قال: ألفًا (٢).\n﴿وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ﴾ وقلل المؤمنين في أعين الكافرين حتى قال أبو جهل (٣): إن محمدًا وأصحابه أَكَلَةُ رأس (٤).\nولم يكثر المؤمنين في أعين الكفار ليثبت الكفار فيقتلهم المؤمنون أو يأسروهم\n_________\n(١) في (أ): (وهذا أظهر، لأن المنام موضع النوم).\n(٢) أخرجه الطبري ١١/ ٢١١ وابن أبي حاتم ٥/ ١٧١٠ (٩١٢٧).\n(٣) في (ب): (أبو جهل وأصحابه).\n(٤) انظر: «الكشف والبيان» للثعلبي ٤/ ٣٦٣.\nوجاء في «لسان العرب» (أكل): (يقال: ماهم إلا أَكَلَةُ رأس، أي قليل، قَدْرُ ما يشبعهم رأسٌ واحد).","vol":"1","page":535},{"text":"ويغنموا (١).\nوقيل: قللهم لئلا يستعدوا كل الاستعداد.\nوقيل: قللوا مع إلقاء الرعب في قلوبهم، فيكون أعظم للحجة عليهم.\n﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤٤)﴾ سبق (٢).\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً﴾ جماعة من الكفار في الحرب.\n﴿فَاثْبُتُوا﴾ للقائهم وقاتلوا ولا تنهزموا.\n﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ بالقلب واللسان، وهو التكبير عند المسايفة: الله أكبر الله أكبر.\nوعن عطاء قال: يكره الكلام في الحرب إلا ذكر الله (٣).\n﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥)﴾ تظفرون في الدنيا وتبقون في الجنة.\n﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ في إقامة الجهاد.\n﴿وَلَا تَنَازَعُوا﴾ فتكونوا فيه على آراء مختلفة.\n﴿فَتَفْشَلُوا﴾ فتجبنوا.\n﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ استعارة عن الدولة، وقيل: عن القوة والحدة والجد والمهابة، وقيل: عن النصرة، وكل قريب.\n_________\n(١) في (ب): (ويغنموهم).\n(٢) الأنفال/٤٢.\n(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» ٦/ ٥١٣ (رقم ٣٣٤١٩) ولفظه عن عطاء قال: وجب الإنصات والذكر عند الرجف (هكذا في المصنف ولعلها: الزحف، والرجف أيضًا صحيح لأن الأرض ترجف بالمقاتلين)، قال: ثم تلا ﴿فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ قال قلت: ويجهر بالذكر، قال قال: نعم.\nوأخرجه كذلك ابن أبي حاتم ٤/ ١٧١١ (٩١٣٣).","vol":"1","page":536},{"text":"وقيل: هي الريح (١) حقيقة، وتلك الريح (٢) إذا كانت في قوم ظفروا، ومنه قوله -ﷺ-: (نُصِرْتُ بالصَّبا وأُهلكت عادٌ بالدَّبُور) (٣).\n﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (٤٦)﴾ ينصرهم ولا يخذلهم.\n﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا﴾ يعني: أبا جهل وأصحابه يوم بدر (٤).\n﴿مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ من مكة.\n﴿بَطَرًا﴾ فخرًا وأشرًا.\nوالبطر: الغلو في النعمة واحتقار الغير.\n﴿وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾ ليثنوا عليهم.\n﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ دين الله.\nوالمصدران والفعل حال (٥).\n﴿وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٤٧)﴾ عالم به من كل الوجوه.\nقال ابن عباس ﵄: لما رأى أبو سفيان أنه أَحْرَزَ عِيْرَهُ، أرسل إلى قريش: إنكم خرجتم لتمنعوا عيركم فقد نَجَّاها الَلُه، فارجعوا، فوافى الركب الذي بعثهم أبو سفيان قريشًا بالجحفة فقالوا لهم: انصرفوا، فقال أبو جهل: والله لا ننصرف حتى نرد بدرًا لنقيم به ثلاثًا وننحر الجُزُر ونُطْعِمَ الطعامَ ونَسْقِيَ الخمور (٦)\n_________\n(١) في (ب): (هي عن الريح حقيقية) وتحتمل: (وهي غير الريح) وتحتمل: (هي عنى الريح) فرسمها محتمل لكل ذلك، والمعنى يرجح ما ورد في (أ) من إسقاط هذه الكلمة.\n(٢) في (ب): (وتلك ريح).\n(٣) أخرجه البخاري (١٠٣٥) ومسلم (٩٠٠).\n(٤) سقطت كلمة (بدر) من (ب).\n(٥) المصدران هي: (بطرًا) و(رئاء)، والفعل (يصدون).\n(٦) في (ب): (الخمر).","vol":"1","page":537},{"text":"وتَعْزِفَ علينا القِيَانُ وتسمع بذلك العرب فلا يزالون يهابوننا أبدًا (١).\nوكان بدر موسمًا من مواسم العرب يجتمع لهم بها سوق كل عام، فنهى الله المؤمنين أن يكونوا مثلهم.\n﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ ثم إن بعض قريش قالوا: بيننا وبين كنانة إِحْنَة (٢) فلا نأمن أن يتعرضوا لنا وقد أغنانا الله عن هذا الخطر، فأتى إبليس قريشًا في صورة سُرَاقة بن مالك بن جُعْشُم (٣) في جماعة ﴿وَقَالَ﴾ لهم ﴿لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ﴾ أي: لا أحد يغلبكم.\nقوله: من الناس، أي: من كثرتكم، وقيل: من جنس الناس.\n﴿وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ﴾ مجير لكم عن بني كنانة وضامن أن لا يتعرضوا لكم.\n﴿فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ﴾ أي: اجتمعوا واصطفوا.\n﴿نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ رجع القَهْقَرى، وهي الرجوع إلى وراء.\nوقيل: رجع بخزي، وقيل: رجع من حيث جاء.\n﴿وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ﴾ أفارقكم ولا أدنو منكم.\nوذكر في القصص (٤) والمغازي: أن أبا جهل أو غيره قال: يا سراق: أفرارًا من غير قتال (٥).\n_________\n(١) أخرجه الطبري ١١/ ٢١٧ - ٢١٨.\n(٢) أي: حقد. انظر: «لسان العرب» (إحن).\n(٣) الكناني ثم المُدْلجِي، أبو سفيان، صحابي مشهور، من مسلمة الفتح، مات في خلافة عثمان سنة أربع وعشرين وقيل بعدها.\nانظر: «تقريب التهذيب» (ص ٢٢٩).\n(٤) في (ب): (وذكر في بعض القصص ...).\n(٥) انظر: «زاد المسير» لابن الجوزي ٣/ ٣٦٧ و«زاد المعاد» لابن القيم ٣/ ١٨١.","vol":"1","page":538},{"text":"قال: ﴿إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾ يعني الملائكة.\n﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ﴾ قيل: كذب عدو الله، وقيل: خاف أن يناله مكروهًا من الملائكة لأنهم كانوا يعرفونه، وقيل: خاف أن يكون الوقت الذي أُنْظِرَ إليه قد حان، وقيل: معناه: إني أخاف الله عليكم.\n﴿وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٤٨)﴾ يجوز أن يكون متصلًا بكلامه، ويجوز أن يكون مُسْتَأْنَفًَا. وهذا إجماع من المفسرين إلا الحسن وابن بحر، فإنهما قالا: زين لهم بوسوسته، قالا: ونكوصه على عقبيه إخلافه ما وعد لهم (١).\n﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ قيل: هم المنافقون أيضًا، وقد عطف الوصف على الوصف بالواو، وقيل: هم قوم لم يكونوا مطمئنين إلى الإيمان بعد، وهؤلاء كانوا بمكة فخرجوا مع القوم ليكونوا مع أكثر الفئتين فلما رأوا محمدًا -ﷺ- وأصحابه (٢) في قلة قالوا:\n﴿غَرَّ هَؤُلَاءِ﴾ يعني المؤمنين ﴿دِينُهُمْ﴾ حين تعرضوا لما لا طاقة لهم به، فحكى الله عنهم ذلك، فقتل هؤلاء فيمن (٣) قتل.\n﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ يفوض أمره إليه لا يغلب.\n﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٩)﴾.\n﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بقبض أرواحهم.\n﴿الْمَلَائِكَةُ﴾ ببدر.\n﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ﴾ إذا أقبلوا.\n_________\n(١) انظر: «تفسير الكبير» للرازي ١٥/ ١٤٠ عن الحسن والأصم.\n(٢) في (ب): (والصحابة).\n(٣) في (ب): (بمن).","vol":"1","page":539},{"text":"﴿وَأَدْبَارَهُمْ﴾ ظهورهم وأستاههم إذا أدبروا، يريد حالة قبض أرواحهم (١).\nوقيل: هو قتلهم إياهم ببدر، فإذا أقبلوا ضربوا وجوههم وإن أدبروا ضربوا ظهورهم.\nوقيل: هذا عام في كل كافر عند موته، تضربه الملائكة.\nوقيل: الفعل لله، والملائكة ابتداء، ويضربون خبره.\nوالأول أظهر بدلالة من قرأ بالتاء (٢).\n﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (٥٠)﴾ أي: ويقولون لهم ذوقوا عذاب الحريق، وقيل: هذا يكون في القيامة، والأول أظهر.\n﴿ذَلِكَ﴾ أي: الضرب.\n﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ أي: كسبته، أضاف إلى اليد مجازًا.\n﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾ أي: وبأن الله، وقيل: ذلك أن الله.\n﴿لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٥١)﴾ فيأخذهم بغير ذنب.\n﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ كعادتهم وآداب عملهم، وقيل: كصنيع آل فرعون.\nومحل الكاف رفع، أي: صنيع هؤلاء في كفرهم كصنيع آل فرعون.\nوقيل: محله نصب، أي: يفعل بهم كما فعل بآل فرعون، أو يفعلُ هؤلاء كما فعل آل فرعون.\n﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ جر بالعطف على آل فرعون، والضمير يعود إلى آل فرعون، ويحتمل أن يعود إلى كفار قريش، ويجوز أن يرتفع بالابتداء.\n_________\n(١) في (ب): (قبض الروح).\n(٢) قرأ ابن عامر وحده (إذ تتوفى) بالتاء، وقرأ باقي العشرة (إذ يتوفى) بالياء.\nانظر: «المبسوط» لابن مهران (ص ١٩٠).","vol":"1","page":540},{"text":"﴿كَفَرُوا﴾ خبره.\nويجوز أن يكون ﴿كَفَرُوا﴾ لكفار قريش، ويجوز أن يكون لآل فرعون والذين من قبلهم، ويجوز أن يكون للذين من قبلهم فحسب.\n﴿بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ بما نصب من الأدلة وبعث مع الأنبياء معجزة لهم.\n﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ عاقبهم عليها.\n﴿إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٥٢)﴾ لا يغلبه شيء.\n﴿ذَلِكَ﴾ أي الأخذ.\n﴿بِأَنَّ اللَّهَ﴾ بسبب أن الله.\n﴿لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا﴾ مبدلًا.\n﴿نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا﴾ يبدلوا.\n﴿مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ أي: التي هي ثابتة عندهم، يريد أهل مكة، بعث الله محمدًا -ﷺ- نعمة عليهم وأطعمهم من جوع وآمنهم من خوف فكفروا بمحمد -ﷺ- وجحدوا نعمة الله سبحانه فسلبهم النعمة بمحمد -ﷺ- وجعله في الأنصار، وكذلك سلبهم الأمن حتى قتل بعضهم، هم سبعون، وأسر بعضهم، هم سبعون، وهزم بعضهم، هم من بقي، يريد يوم بدر.\nوأصل ﴿يَكُ﴾ يكون، فحذف الحركة للجزم، وحذف الواو لالتقاء الساكنين، وحذف النون لشبهه بحروف المد واللين، ولأن كلمة الكون يكثر دورها لأنه عام في كل الأشياء (١).\n_________\n(١) لعل الكرماني يقصد ما قاله علي بن عيسى الرماني: (إن (كان) و(يكون) أم الأفعال، من أجل أن كل فعل قد حصل فيه معنى (كان)، فقولنا: ضرب، معناه: كان ضرب، ويضرب معناه: يكون ضرب، وهكذا القول في الكُلِّ، فثبت أن هذه الكلمة أم الأفعال، فاحتيج إلى الاستعمال في أكثر الأوقات، فاحتملت هذا الحذف).\nانظر كلام الرماني في: «اللباب» لابن عادل الحنبلي ٩/ ٥٤٤.","vol":"1","page":541},{"text":"﴿وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٥٣)﴾.\n﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ سبق (١).\n﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾ كل أمة أهلكت بنوع من العذاب.\n﴿وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ أي: أهلكناهم بماء البحر.\n﴿وَكُلٌّ﴾ أي: كل قوم منهم.\n﴿كَانُوا ظَالِمِينَ (٥٤)﴾ كافرين.\nوالتكرار للتأكيد، وقيل: شبه الكفرَ والأَخْذَ بالكفرِ والأَخْذِ في الأولى، وشبه التغيير بالتغيير في الثانية.\nويحتمل أن الفعل في قوله ﴿كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ لكفار قريش كما سبق، ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ لآل فرعون والذين من قبلهم، فأعاد ذكرهم لما حيل بينهم وبين أفعالهم بأفعال غيرهم.\n﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٥٥)﴾ أي: لا يوقنون، لكونهم شر الدواب، وقيل: الفاء لعطف جملة على جملة من غير إضمار، فيكون في قوم أخبر الله عنهم (٢) أنهم لا يؤمنون، كقوله: ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦)﴾ [البقرة: ٦].\n﴿الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ﴾ أي: بني قريظة، عاهدهم النبي -ﷺ- على (٣) أن لا يعاونوا عليه عدوًا، ثم نقضوا العهد وأعانوا مشركي مكة بالسلاح على قتال النبي -ﷺ-، ودعاهم أبو سفيان إلى مقاتلة النبي -ﷺ- يوم الأحزاب فأجابوه ومالؤا الكفار (٤) على رسول الله -ﷺ- يوم الخندق (٥).\nوقوله ﴿مِنْهُمْ﴾ قيل: من هاهنا صلة، أي: عاهدتهم، وقيل: ﴿مِنْهُمْ﴾ أي: معهم، وقيل: محمول على المعنى، أي: أخذت منهم العهد، ويحتمل أنه للتبعيض على أصله.\n_________\n(١) لعله يقصد ما ورد في سورة آل عمران، الآية (١١)، أو يقصد ما سبق في نفس سورة الأنفال، الآية رقم (٥٢).\n(٢) النص في (ب): (أخبره الله أنهم لا يؤمنون).\n(٣) سقطت (على) من (ب).\n(٤) في (ب): (ومالوا للكفار).\n(٥) أخرجه الطبري ١١/ ٢٣٥ عن مجاهد.","vol":"1","page":542},{"text":"﴿ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ﴾ يجوز أن يكون معنى في كل مرة: في كل معاهدة، ويجوز أن يكون في كل مرة: عند كل فتنة وخصومة.\n﴿وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ (٥٦)﴾ الله في نقض العهد، وقيل: لا يتقون أن ينصرَ اللهُ المؤمنينَ فيقتلونهم (١).\n﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ﴾ تظفر بهم وتجدهم، وأصله أخذ الشيء بسرعة، قاله المفضل (٢).\nورجل ثقف: سريع العمل.\n﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾ فنكل بهم (٣) مَنْ وراءهم، أي: من سواهم، وقيل: أنجز (٤) فيهم القتل حتى يهابك غيرهم من الكفار، وقيل: غيرهم من ناقضي العهد.\nوأصله التفريق، مِنْ: شرد البعير، وكذلك معجمًا، وقرئ به في (٥) الشواذ (٦)، وقيل: التشريد: التخويف الذي لا يبقى معه القرار، أي: لا ترض منهم إلا الإيمان أوالسيف.\n﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٥٧)﴾ يعتبرون.\n﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ﴾ تعلمن.\n﴿مِنْ قَوْمٍ﴾ معاهدين لك.\n﴿خِيَانَةً﴾ نقض عهد بما يظهر لك منهم من الأمارات.\n﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ﴾ ألق واطرح إليهم (٧) عهدهم بإعلامك إياهم (٨) أنك فاسخ للعهد، يريد: قبل المناجزة.\n﴿عَلَى سَوَاءٍ﴾ لتكون أنت وهم في الخوف على سواء مستوين (٩) فيه.\n_________\n(١) في (أ): (فيقتلوهم).\n(٢) سبق أن ذكرت «ص ١١٤» أنه المفضل بن سلمة، ولم يذكر الكرماني اسمه كاملًا في جميع المواضع التي نقل عنه فيها.\n(٣) في (ب): (به).\n(٤) رسم الكلمة في (ب): يحتمل أن يكون (أثخن).\n(٥) في (ب): (من الشواذ).\n(٦) هذه قراءة ابن مسعود والأعمش، بإعجام حرف الدال من (شرد) فتصبح (شرذ).\nانظر: «مختصر الشواذ» لابن خالويه (ص ٥٠) و«المحتسب» لابن جني ١/ ٢٨٠.\n(٧) في (أ): (ألق إليهم واطرح إليهم).\n(٨) في (ب): (إليهم).\n(٩) في (أ): (مستورين فيه).","vol":"1","page":543},{"text":"والسواء: الاستواء، وقيل: ﴿عَلَى سَوَاءٍ﴾: عدل في العداوة (١)، وقيل: معنى ﴿عَلَى سَوَاءٍ﴾: جهرًا لا سرًا، وقيل: افعل بهم مثل ما يفعلون، وقيل: ﴿عَلَى سَوَاءٍ﴾: على مَهَل، من قوله ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [التوبة: ٢].\n﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (٥٨)﴾ الناقضين للعهود.\n﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا﴾ أي: لا تحسبن (٢) يا محمد الذين كفروا فاتوا فإنهم في القبضة وإن طالت المدة، وقيل: سبقوا إلى الأفضل، وقيل: لا تحسبن الذين أفلتوا (٣) من هذه الحرب سبقوا إلى الحياة.\nومن قرأ بالياء فـ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: الفاعل، و﴿سَبَقُوا﴾ سد مسد المفعولين بإضمار: أن (٤)، وعليه قراءة ابن مسعود (٥)، ويجوز أن يكون المفعول الأول محذوفًا، أي: إياهم سبقوا، ويجوز أن يكون الفاعل: النبي -ﷺ- كالوجه الأول، لكن ذكر بلفظ الغيبة.\n﴿إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ (٥٩)﴾ أي: لا يفوتونك، وقيل: لا يفوتون الله.\nوالإعجاز: سلب القدرة.\n﴿وَأَعِدُّوا﴾ أيها المؤمنون.\n﴿لَهُمْ﴾ للناقضي العهد، وقيل: لجميع الكفار\n﴿مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ ما سهل عليكم تحصيله.\n﴿مِنْ قُوَّةٍ﴾ هي ما يتقوى به في الحرب من السلاح والخيل والنفقة.\nوروى عقبة بن عامر عن النبي -ﷺ- أنه قال على المنبر: (أَلا إِنَّ القُوَّةَ الرمي، أَلا\n_________\n(١) ورد النص هكذا في (ب): (وقيل على المقاتلة سواء عدل في العداوة وقيل على معنى على سواء جهرًا).\n(٢) القراءة التي ابتدأ بها الكرماني تفسيره، هي قراءة من قرأ بالتاء على الخطاب (ولا تحسبن)، وهي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وأبي بكر عن عاصم والكسائي ويعقوب وخلف، وقرأ أبو جعفر وابن عامر وحمزة وحفص عن عاصم (ولا يحسبن) بالياء.\nانظر: «المبسوط» لابن مهران (ص ١٩٠).\n(٣) في (ب): (قتلوا).\n(٤) سقط من (ب) قوله: (بإضمار أن).\n(٥) انظر لقراءة ابن مسعود (أنهم سبقوا): الطبري ١١/ ٢٤٢ و«الكشاف» ٢/ ٢٣١، و«البحر المحيط» ٤/ ٥٠٥.","vol":"1","page":544},{"text":"إِنَّ القُوَّةَ الرمي) قالها ثلاثًا (١).\nوعن عكرمة: إنها الحصون، ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾: الأفراس (٢).\nورباط: مصدر ربط ورابط جميعًا، وهو: شد الخيل وإمساكه.\nالفراء في جماعة: رباط الخيل الإناث منها، والخيل عام في الذكور والإناث (٣).\n﴿تُرْهِبُونَ بِهِ﴾ تخوفون غاية التخويف.\nو﴿بِهِ﴾ يعود إلى الإعداد، أو إلى ﴿مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، أو إلى رباط الخيل، أو إلى القوة حملًا على المعنى، أو إلى القوة والرباط فَوَحَّد، وله نظائر.\n﴿عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ أي: الذين تعرفونهم بالعداوة.\n﴿وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ﴾ غيرهم، محله نصب عطفًا على عدو الله، وقيل: جر عطفًا على ﴿لَهُمْ﴾ عند الكوفيين.\n﴿لَا تَعْلَمُونَهُمُ﴾ لا تعرفونهم بأعيانهم.\n﴿اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ يعرفهم.\nواختلفوا فيهم:\nابن زيد: هم المنافقون (٤).\nمجاهد: قريظة (٥).\n_________\n(١) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه (١٩١٧).\n(٢) أخرجه الطبري ١١/ ٢٤٦ وابن أبي حاتم ٥/ ١٧٢٢ (٩١٩٩) و(٩٢٠٣) بلفظ: الإناث.\n(٣) لم أجده في «معاني القرآن» للفراء، ولكن ابن عادل الحنبلي في «اللباب» ٩/ ٥٥٣ نقل عن الواحدي أن هذا هو قول الفراء أيضًا.\n(٤) أخرجه الطبري ١١/ ٢٤٩ وابن أبي حاتم ٥/ ١٧٢٤ (٩١١٢).\n(٥) تفسير مجاهد (ص ٣٥٧) والطبري ١١/ ٢٤٨ وابن أبي حاتم ٥/ ١٧٢٣ (٩١٠٨).","vol":"1","page":545},{"text":"السدي: أهل فارس (١).\nابن جرير: هم الجن، لأن قوله ﴿عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ اشتمل جميع الأعداء من الآدميين.\nولو سكت المفسر عن بيانه بعد قول الله ﴿لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ جاز (٢).\n﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾ يوفر عليكم جزاءه.\n﴿وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (٦٠)﴾.\n﴿وَإِنْ جَنَحُوا﴾ مالوا، ومنه الجناح، وقيل: انقادوا، وقيل: عدلوا إلى ما تحب.\n﴿لِلسَّلْمِ﴾ الصلح والاستسلام والانقياد بالدخول في الإسلام أو بالتزام الجزية.\n﴿فَاجْنَحْ لَهَا﴾ فمل إليها وأعطهم ما سألوك في الوقت.\nوالسلم مؤنث، وقيل: يعود إلى الفعلة (٣).\n﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ فوض أمرك إليه واتخذه وكيلا.\n﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦١)﴾ قتادة: نسختها ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] (٤).\nابن عباس ﵄: الناسخ لها ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ﴾ [محمد: ٣٥] (٥).\n_________\n(١) أخرجه الطبري ١١/ ٢٤٨ وابن أبي حاتم ٥/ ١٧٢٤ (٩١١٠).\n(٢) في (أ): (جائز).\n(٣) سقط تفسير قوله تعالى (فاجنح لها) من (ب) كاملًا، وجاء النص فيها: (فاجنح لها وتوكل على الله فوض ...).\n(٤) أخرجه الطبري ١١/ ٢٥٢ - ٢٥٣ والنحاس في «الناسخ والمنسوخ» ٢/ ٣٨٥.\n(٥) قال أبو جعفر النحاس في «الناسخ والمنسوخ» ٢/ ٣٨٥: (وروي عن ابن عباس أن الناسخ لها ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ﴾ [محمد/٣٥]).\nوقد ورد أثر آخر عن ابن عباس يذكر فيه أن الناسخ لهذه الآية هو قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة/٢٩].\nأخرجه أبو عبيد في «الناسخ والمنسوخ» (٣٦١) وابن أبي حاتم ٥/ ١٧٢٥.","vol":"1","page":546},{"text":"وقيل: هي ثابتة، لأنها في موادعة أهل الكتاب (١).\n﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ﴾ يمكروا بك ويغدروا.\n﴿فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾ كافيك الله.\n﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ﴾ قواك.\n﴿بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢)﴾ جميعًا.\nوقيل: هم الأنصار.\n﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ قلوب الأوس والخزرج.\n﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ أي: بلغت عداوتهم نهاية لو أنفق منفق في إصلاح ذات بينهم ما في الأرض من الأموال لم يقدر على الألفة والإصلاح ورفع الإحنة.\n﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ بفضله ورحمته وعزته وحكمته.\n﴿إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٣)﴾.\n﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٦٤)﴾ في سبب النزول عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: أسلم مع النبي -ﷺ- تسعة وثلاثون رجلًا ثم أسلم عمر ﵁ فنزلت هذه الآية (٢).\n_________\n(١) وهو ما رجحه الطبري ١١/ ٢٥٣ - ٢٥٤ وابن كثير ٧/ ١١٤.\n(٢) أخرجه الواحدي في «أسباب النزول» (ص ٤٠٠) والطبراني في «المعجم الكبير» (١٢٤٧٠) وقال ابن كثير ٧/ ١١٨: (في هذا نظر، لأن هذه الآية مدنية، وإسلام عمر كان بمكة بعد الهجرة إلى أرض الحبشة وقبل الهجرة إلى المدينة، والله أعلم).\nوقال أبو سليمان الدمشقي: (هذا لا يحفظ، والسورة مدنية بإجماع). انظر: «زاد المسير» ٣/ ٣٧٧.","vol":"1","page":547},{"text":"أي: الذي يكفيك كل مهم ومحذور: الله والمؤمنون (١).\nومحل ﴿وَمَنِ﴾ نصب، أي: يكفيك ومن اتبعك، ويجوز الرفع عطفًا على (الله)، ويجوز الجر عند الكوفيين، ويجوز الرفع بالابتداء، أي: ومن اتبعك من المؤمنين كذلك، والمعنى: حسبهم الله.\nوكرر ﴿حَسْبُكَ﴾ لأن الأول في كفاية الخداع والثاني عام.\n﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ التحريض: الحث على المبادرة إلى الفعل والصبر عليه.\nوفي اشتقاقه قولان: أحدهما: أنه من الحَارِض، وهو الذي قارب الهلاك، وقريب منه الحَرَض (٢).\nوالثاني: من الحَرْض، وهو الأُشْنان والحَرَّاضُ مُحْرِقُةُ (٣).\n﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ شرط في معنى الأمر، أي: ليصبر عشرون وليثبتوا في مقابلة مائتين.\nوعن ابن عباس ﵄ قال: كان فرضًا على المسلمين أن يقاتل الرجل منهم العشرة من المشركين فشق ذلك عليهم فأنزل الله التخفيف فجعل على الرجل\n_________\n(١) في (ب): (والمؤمنين).\n(٢) الحَرِض، والحَرَض: الفاسد. انظر: «لسان العرب» (حرض).\nقال السمين الحلبي في «الدر المصون» ٥/ ٦٣٥: (قال أبو إسحاق: «تأويل التحريض في اللغة أن يُحَثَّ الإنسانُ على شيء يُعْلَمَ منه أنه حارض، والحارض المقارب للهلاك». واستبعد الناس هذا منه). وانظر: «معاني القرآن» لأبي إسحاق الزجاج ٢/ ٤٢٣.\n(٣) قال في «لسان العرب» (حرض): (قال الأزهري: شجر الأُشنان يقال له الحَرْض).\nوقال قبل ذلك: (والحَرَّاضُ: الذي يُحْرِقُ الجِصَّ ويُوْقِدُ عليه النار).","vol":"1","page":548},{"text":"أن يقاتل الرجلين (١).\n﴿وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (٦٥)﴾ وهذه الآية (٢) تدل على أن الأولى ليست بمنسوخة، بل خفف حكمها فصار كإفطار الصائم في السفر.\nومنهم من قال: الأولى منسوخة بالثانية، وهي ناسخة للفرار من الزحف.\nقال ابن شُبْرُمَةَ: وكذا (٣) النهي عن المنكر لا يحل للواحد أن يفر من اثنين إذا كانا على منكر وله أن يفر من الأكثر (٤).\nالحسن: هذا التغليظ كان على أهل بدر خاصة، ثم جاءت الرخصة (٥).\nابن جرير: لم يكن أمرًا عزمًا (٦)، بل كان تحريضًا على الثبات في الحرب (٧).\nقال الخليل: عشرون جمع عِشْر من أَظْماءِ الإبل وهو تسع في الحساب لكنه جمع كما جمع ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] (٨).\nوقيل: هو اسم مفرد وضع علمًا لعدد معلوم كثلاثين وأربعين وبابه.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٤٦٥٢) (٤٦٥٣) والطبري ١١/ ٢٦٢ وابن أبي حاتم ٥/ ١٧٢٨.\n(٢) في (ب): (وهذه اللفظة).\n(٣) في (أ): (وهذا).\n(٤) القائل هو: عبدالله بن شبرمة قاضي الكوفة، ثقة فقيه، توفي سنة (١٤٤) هـ.\nانظر: «فتح الباري» لابن حجر ٨/ ٣١٢، و«تقريب التهذيب» (ص ٣٠٧).\nوقوله هذا أخرجه البخاري بعد الحديث السابق برقم (٤٦٥٢).\n(٥) قول الحسن هذا عزاه السيوطي في «الدر المنثور» ٧/ ١٩٦ إلى أبي الشيخ فقط.\n(٦) في (ب): (أمرًا جزمًا).\n(٧) الذي فهمته من كلام الطبري أنه بمعنى الأمر.\nانظر: «جامع البيان» ١١/ ٢٦٨ - ٢٦٩.\n(٨) انظر: «العين» للخليل ١/ ٢٤٥ - ٢٤٦، و«لسان العرب» (عشر).","vol":"1","page":549},{"text":"ذلك ﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (٦٥)﴾ أن لهم الجنة والثواب والحياة بعد الممات فلا يثبتون إن صَدَقْتُمُوهُم القتال.\n﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ عدم قوة.\nوقرئ (ضعفاء) بالجمع (١)، ويحتمل ضُعفاء عن مقاومة الواحد العشرة.\n﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ قيد من كل آية واحدًا بالصبر ليقاس الثاني عليه وذكر المائة في الآية الأولى وفي العشرين مقنع والألف في الآية الثانية وفي المائة مقنع أيضًا ليعلم أن هذا الحكم مطرد في جميع الأعداد وليس (٢) بمقصور على المذكور.\n﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٦٦)﴾ أي: فمن يغلبهم.\n﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ في سبب النزول عن ابن عباس ﵄ قال: حدثني عمر بن الخطاب ﵁ قال: لمّا كان يوم بدر والتقوا فهزم الله المشركين وقتل منهم سبعون رجلًا وأسر سبعون رجلًا، استشار رسول الله -ﷺ- أبا بكر وعمر وعليًا ﵃، فقال أبو بكر: يا نبي الله: هؤلاء بنو العم والعشيرة والإخوان، وإني أرى أن تأخذ منهم الفِدْية فيكون ما أخذنا منهم قُوّةً لنا على الكفار وعسى أن يَهْدِيَهُم الله فيكونوا عضدًا، فقال رسول الله: (ما ترى ياابن الخطاب)، قال: قلت: والله ما أرى ما رأى أبو بكر، ولكن أرى أن تمكنني من فلان قريب لعمر فأضرب عنقه، وتمكن عليًا من عَقِيل فيضرب عنقه وتمكن حمزة من فلان أخيه فيضرب عنقه حتى يعلم الله أَنَّهُ لَيْسَ في قلوبنا هَوَادةٌ للمشركين، هؤلاء صناديدهم وأئمتهم وقادتهم، فَهَوِىَ رسول الله -ﷺ- ما قال أبو\n_________\n(١) هي قراءة أبي جعفر المدني وحده.\nانظر: «المبسوط» لابن مهران (ص ١٩١).\n(٢) كلمة (وليس) سقطت من (أ).","vol":"1","page":550},{"text":"بكر ولم يهو ما قلت (١)، فَأَخَذَ منهم الفداء، فلما كان من الغد قال عمر: غدوت إلى النبي -ﷺ- فإذا هو قاعد وأبو بكر الصديق وإذا هما يبكيان، فقلت: يا رسول الله: أخبرني ماذا يبكيك أنت وصاحبك فإن وجدت بكاء بكيت وإن لم أجد بكاء تباكيت، فقال النبي -ﷺ-: (أبكي للذي عَرَضَ علىَّ أصحابُك من الفداء لقد عُرِضَ عليَّ عذابكم أدنى من هذه الشجرة)، لشجرة قريبة (٢)، وأنزل الله ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ (٣).\nوالمعنى: لم يكن لنبي أن يشتغل بالأسر والفداء لأن ذلك يذهب بالمهابة حتى يكثر القتل.\nابن عباس: حتى يغلب عليها ليقع له في القلوب مهابة ورعب (٤).\nوالإثخان: الإكثار من القتل، مشتق من الثخانة، وهي: الصلابة والكثافة، وقيل: الشدة والقوة.\n﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾ المال، فسماه عرضًا لأنه سريع الانقضاء قليل اللباث (٥).\n﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ أي: يريد لكم ثواب الآخرة من الجنة والنعيم.\n﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧)﴾ أمر بإثخان الكفار.\n﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ في هذا الكتاب ستة أقوال (٦):\n_________\n(١) في (ب): (ما قال عمر).\n(٢) سقطت (لشجرة قريبة) من (ب).\n(٣) أخرجه مسلم في صحيحه (١٧٦٣ - ٥٨) وأحمد في «المسند» ١/ ٣٠ والواحدي في «أسباب النزول» (ص ٤٠٢ - ٤٠٣) وغيرهم.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم ٥/ ١٧٣٢ مختصرًا بلفظ: حتى يظهر على الأرض.\n(٥) في (ب): (قليل الثبات).\n(٦) ذكر الماوردي فيها أربعة أقوال ٢/ ٣٣٢ وذكر ابن الجوزي ٣/ ٣٨١ خمسة أقوال.","vol":"1","page":551},{"text":"ابن عباس: أنه سيحل لهم الغنائم (١).\nوقيل: هو أن لا يؤاخذ على جهالة.\nوقيل: سبق لأهل بدر أن لا يعذبهم.\nوقيل: هو ما كتب في اللوح المحفوظ أن لا يعذبهم على ذلك.\nوقيل: سبق أنه لا يعذب من أذنب ثم تاب.\nوقيل: الكتاب قوله ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ الآية [الأنعام: ٥٤].\n﴿لَمَسَّكُمْ﴾ لنالكم وأصابكم، وقيل: المس: الطلب.\n﴿فِيمَا أَخَذْتُمْ﴾ أي: من فداء الأسرى.\n﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨)﴾ وروي أنه -ﷺ- قال: (لو عذبنا في هذا الأمر يا عمر ما نجا غيرك) (٢)، وروي (إلا سعد بن معاذ) (٣).\nثم أحل لهم الغنائم، فقال:\n﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ﴾ أصبتم وأخذتم من الكفار قهرًا.\nو(مِنْ) للتبيين (٤).\n﴿حَلَالًا طَيِّبًا﴾ لم يحل لغيركم وإنما كانت نار تنزل من السماء فتأكلها.\n_________\n(١) أخرجه الطبري ١١/ ٢٧٧ عن ابن عباس ﵄.\n(٢) أخرجه الطبري ١١/ ٢٨٣ وابن أبي حاتم ٥/ ١٧٣٥ عن ابن زيد.\nوأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ وابن مردويه قوله -ﷺ-: (إن كاد ليمسنا في خلاف ابن الخطاب عذاب عظيم، ولو نزل العذابُ ما أفلت إلَاّ عمر). «الدر المنثور» ٧/ ٢٠٢ - ٢٠٣.\n(٣) أخرجه الطبري ١١/ ٢٨٣ عن ابن اسحاق قال: لما نزلت: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ الآية، قال رسول الله -ﷺ-: «لو نزل عذابٌ من السماء لم ينج منه إلَاّ سعد بن معاذ» لقوله: يا نبي الله، كان الإثخانُ في القتل أحبَّ إلىَّ من استبقاء الرجال.\n(٤) أي (مِنْ) التي في قوله تعالى (فكلوا مما) بعد فكّها (من) و(ما).","vol":"1","page":552},{"text":"﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي: مخالفته.\n﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ غفر لكم ذنبكم.\n﴿رَحِيمٌ (٦٩)﴾ رخص لكم أخذ الغنائم.\n﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى﴾ في سبب النزول قال الكلبي: نزلت في العباس بن عبد المطلب وعقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث، فكان العباس أُسِرَ يوم بدر ومعه عشرون أوقية من ذهب كان خرج بها معه إلى بدر ليطعم به الناس (١)، وكان أحد العشرة الذين ضمنوا إطعام أهل بدر ولم تكن بلغته النوبة حتى أسر فأخذت معه، فأخذها رسول الله -ﷺ- منه، قال: فكلمت رسول الله أن يجعل لي العشرين أوقية من الذهب التي أخذها مني في فدائي، فأبى عليَّ وقال: (أما شيء خرجت به تستعين به علينا فلا)، وكلفني فداء ابن أخي عقيل بن أبي طالب (٢) عشرين أوقية من فضة، فقلت له: تركتني والله أسأل قريشًا بكفي والناس ما بقيت، قال: (فأين الذهب الذي دفعته إلى أم الفضل مخرجك (٣) إلى بدر وقلت لها: إن حدث بي حدث في وجهي هذا فهو لك ولعبد الله والفضل وقُثَم)، قلت: وما يدريك؟ قال: (أخبرني الله سبحانه بذلك)، قال: أشهد إنك صادق وإني دفعت\n_________\n(١) في (ب): (... معه ليطعمها أهل بدر ولم يكن بلغته النوبة ليطعم بها الناس وكان أحد العشرة ...)، والكرماني يأخذ أسباب النزول -فيما ظهر لي- من كتاب الواحدي «أسباب النزول» وهو متطابق مع نسخة (أ) فلذا رجحت ما ورد فيها لتطابقه مع كتاب الواحدي.\n(٢) وضع ناسخ (ب) هنا علامة وكتب في الهامش (ونوفل بن الحارث) وهذا خطأ من الناسخ فإنه لم يرد عند الواحدي ولا في نسخة (أ)، وإنما ورد اسم نوفل في أول الرواية فقط، وورد في رواية أخرى عند الحاكم في «المستدرك» ٣/ ٣٢٤ أنه فدى نفسه وابني أخويه: نوفل بن الحارث وعقيل بن أبي طالب، وحليفه عتبة ابن عمرو.\n(٣) في (ب): (وقت مخرجك).","vol":"1","page":553},{"text":"إليها الذهب ولم يطلع عليه أحد (١) إلا الله، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، قال العباس: فأعطاني الله خيرًا مما أخذ مني كما قال عشرين عبدًا كلهم يضارب بمال كثير مكان عشرين أوقية وأنا أرجوا المغفرة من ربي (٢).\n﴿إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا﴾ إيمانًا وإسلامًا.\n﴿يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ﴾ من المال.\n﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ أي: خير الدنيا بما يفتح عليكم (٣) وخير الآخرة بما يغفر لكم.\n﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٠)﴾ روي أن العباس كان يقول: أنجز أحد الوعدين وأنا على ثقة من الآخر (٤).\n﴿وَإِنْ يُرِيدُوا﴾ يعني الأسرى.\n﴿خِيَانَتَكَ﴾ نقض ما عهدوا معك.\n﴿فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ﴾ بالكفر والشرك.\n﴿مِنْ قَبْلُ﴾ من قبل العهد، وقيل: من قبل (٥) بدر، وقيل: معناه إن منعوك ما تدعوهم إليه من الإيمان فقد فعلوا مثله قبل.\n﴿فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾ أي: فأمكنك منهم ونصرك عليهم فهزمتهم وأسرتهم.\nوالمعنى: إن عادوا عدنا لهم.\n﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٧١)﴾.\n_________\n(١) سقطت كلمة (أحد) من (ب).\n(٢) هذا سياق الواحدي في «أسباب النزول» (ص ٤٠٤)، وقد وردت القصة بعدة روايات ذكرها السيوطي في «الدر المنثور» ٧/ ٢٠٨ - ٢١٢.\nوقد أخرجها الطبري ١١/ ٢٨٤ - ٢٨٧ عن ابن عباس وجابر بن عبدالله بن رئاب وقتادة.\n(٣) في (ب): (بما يفتح لكم).\n(٤) أخرجه الطبري ١١/ ٢٨٧ عن الضحاك.\n(٥) سقطت (من) في (أ).","vol":"1","page":554},{"text":"﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا﴾ ديارهم وأوطانهم، يريد المهاجرين.\n﴿وَجَاهَدُوا﴾ قاتلوا الكفار.\n﴿بِأَمْوَالِهِمْ﴾ صرفوها إلى أثمان الخيل والسلاح وأنفقوها على الفقراء فبذلوها كبذلهم أنفسهم (١).\n﴿وَأَنْفُسِهِمْ﴾ بمباشرة القتال.\n﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا﴾ هم الأنصار آووا المهاجرين وأسكنوهم منازلهم وجعلوا لكل واحد مأوى يأوي إليه ويسكنه، ﴿وَنَصَرُوا﴾ أي: نصروهم على أعدائهم وحاربوا معهم.\n﴿أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ أي: في الميراث، وكانوا يتوارثون بالإيمان وبالهجرة وبالمؤاخاة التي كان رسول الله -ﷺ- يؤاخي بينهم دون القرابة المفردة، حتى نسخ بقوله ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥] أي: في الميراث.\nوقيل: يريد بالولاية: المؤازرة والنصرة والمعاونة.\n﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا﴾ من مكة.\n﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ من ميراث وغنيمة وفيء.\n﴿حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ فكان لا يرث المؤمن الذي لا يهاجر ممن آمن وهاجر.\nوقيل: هي المؤازرة كما سبق.\n﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ طلبوا معونتكم، أي: إن وقع بينهم وبين الكفار قتال.\n﴿فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ أي: فعلى المؤمنين أن ينصروهم.\n﴿إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ عهد إلى مدة أو موادعة فلا تغدروا.\n_________\n(١) النص في (ب): (... الفقراء فذكر مناكد لهم أنفسهم) وهذا غير واضح.","vol":"1","page":555},{"text":"﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٧٢)﴾.\n﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ﴾ في الميراث وقيل في المؤازرة ﴿أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ﴾ أي (١): ما أمرتم به من التوارث بالإيمان والهجرة، وقيل: بالتعاون والتوازر ﴿تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ﴾ زوال نظام المؤمنين وتفريق كلمتهم ﴿وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (٧٣)﴾ في الدين من جهة الكفار وسفك الدماء.\nقسم الناس في هذه الآية أربعة أقسام:\nقسم آمنوا وهاجروا من مكة، وهم المهاجرون.\nوقسم آمنوا ونصروا المؤمنين، وهم الأنصار.\nوقسم آمنوا ولم يهاجروا، وهم الذين أَمَرَ بنصرهم إن استنصروهم.\nوقسم هم الكفار.\nفاختار من بينهم المهاجرين والأنصار ثم ألحق بهم من يأتي بعدهم فقال:\n﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ صدقًا، أي: المبالغون في إيمانهم، وقيل: حقًا تأكيد للكلام.\n﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤)﴾ الجنة.\nومعنى كريم: لا مِنَّةَ فيه ولا تنغيص.\nوقيل ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤)﴾: لا يصير حدثًا بل رشحًا كالمسك.\n﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ﴾ بعد نزول هذه الآية، وقيل: هي الهجرة الثانية.\n﴿وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ﴾ ذكر في الآية الأولى سبيل الله والأموال والأنفس وترك في الثانية الأموال والأنفس اكتفاء بالذكر في الأولى وترك في الثالثة سبيل الله\n_________\n(١) في (أ): (إلَاّ ما أمدتم) والمثبت من (ب).","vol":"1","page":556},{"text":"أيضًا (١) اكتفاء بالذكر فيهما.\n﴿فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ﴾ في حكمكم وجملتكم.\n﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ يعني الأقرباء الذين تجمعهم بالقرب رحم (٢) واحدة أو يُنسبون إلى أبٍ واحد بعضهم أولى ببعض في الميراث من الأجانب.\n﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ حُكْمِه، وقيل: في القرآن، وهو ما في سورة النساء من الفرائض، وقيل: في اللوح المحفوظ.\nوهذه الآية ناسخة للتوارث بالهجرة والإخاء (٣).\n﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧٥)﴾ من الفرائض والمواريث وغير ذلك.\n_________\n(١) في (أ): (وترك في الثالثة أيضًا) فحصل سقط والله أعلم.\n(٢) في (ب): (وهم واحدة).\n(٣) قال الشنقيطي في «العذب النمير» ٥/ ٢٣٣: (وهذه الآية ثبت في الصحيح وغيره - ولا يكاد يُختلف فيه بين العلماء- أنها نسخت الموارثة التي كانت تقع بالهجرة والمؤاخاة والحلف).\nوذهب بعض المفسرين إلى أنه لا نسخ في هذه الآية، ومنهم: الإمام الطبري ١١/ ٣٠٠، وتبعه الدكتور مصطفى زيد في كتابه «النسخ في القرآن الكريم» (ص ٧٣٧ - ٧٤١).","vol":"1","page":557},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-115>سورة براءة </span>(١)\nمدنية (٢).\nمقاتل: إلا آيتين ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨ - ١٢٩].\nوهي آخر ما نزلت من السور.\nولهذه السورة أسماء: سورة براءة، وسوره التوبة، والفاضحة، والمبعثرة، والمنقرة، والمثيرة، والبَحوث (٣).\nوفي ترك التسمية في ابتدائها أقوال:\nعلي وابن عباس ﵄ قالا: لأن بسم الله أمان وبراءة نزلت برفع الأمان (٤).\nأبيّ بن كعب: لأنها نزلت في آخر ما نزل ولم يأمر النبي -ﷺ- بكتب (٥) بسم الله\n_________\n(١) في (أ): (سورة براءة مائة وتسع وعشرون آية مدنية ...).\n(٢) حَكى بعض المفسرين الاتفاق أو الإجماع على كونها مدنية، مثل: النحاس في «الناسخ والمنسوخ» ٢/ ٣٩٦ والماوردي ٢/ ٣٣٦ والبقاعي في «مصاعد النظر» ٢/ ١٥١ والقرطبي ٨/ ٦١ وغيرهم، بينما نقل بعض المفسرين أن الآيتين في آخر السورة ليستا مدنيتين، ومن هؤلاء: مقاتل بن سليمان في تفسيره ٢/ ١٥٣ - ١٥٤ وابن عطية في «المحرر الوجيز» ٦/ ٣٩٦.\n(٣) نقل البلسني في كتابه «صلة الجمع» ١/ ٥٣١ أنها بفتح الباء وضمها، وذكر لها أسماء غير هذه الأسماء، وانظر: «المختصر في أسماء السور» للدكتور/ إبراهيم بن سليمان الهويمل، وهو بحث منشور في «مجلة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية» العدد (٣٠) من صفحة (١٣١) إلى صفحة (٢٢٦).\n(٤) أما أثر علي ﵁ فقد أخرجه الحاكم في «المستدرك» ٢/ ٣٣٠ وعزاه السيوطي ٧/ ٢٢٧ إلى أبي الشيخ وابن مردويه كذلك. أما أثر ابن عباس فلم أجده، ولكني وجدت ابن عباس هو الراوي عن علي أثره السابق، فلعل المؤلف نسب القول إليهما جميعًا لهذا السبب، أو أن الكرماني نقل عن الماوردي أن هذا القول هو قول ابن عباس، انظر: «النكت والعيون» للماوردي ٢/ ٣٣٧.\n(٥) في (ب): (فيها بكتب).","vol":"1","page":558},{"text":"وكانت قصتها تشبه قصة الأنفال في ذكر العهود ورفع العهود فضمت إليها وكتبت في السبع الطوال (١).\nوقيل: اختلفت الصحابة فيهما، فقال بعضهم: الأنفال والتوبة سورة واحدة، وقال الآخرون (٢): هما سورتان، ففصل بينهما على قول من قال هما سورتان، ولم يكتب بسم الله على قول من قال هي سورة، فرضوا بذلك جميعا وسميتا قرينتين (٣).\nوعن عائشة ﵂ قالت: نسي الكاتب أن يكتب بسم الله في أولها فتركت بحالها، حكاه أبو الليث في تفسيره، وفيه بُعْدٌ (٤).\nقوله: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١)﴾ أي: هذه السورة أو الآيات براءة فيكون رفعًا بالخبر، وقيل: ارتفع بالابتداء، والخبر ﴿إِلَى الَّذِينَ﴾.\nوالبراءة: انقطاع العصمة، أي: برئ الله إلى المشركين من العهود التي عاهدهم النبي -ﷺ- والمؤمنون وانقطعت العصمة بينهما.\nوقيل: انقطعت لانقضاء مدة العهد.\nواختلف في الذين عاهدوهم، قال ابن عباس: كان لقوم عهود فَأُمِرَ أن\n_________\n(١) هذا مروي عن عثمان ﵁، أخرجه أبو داود (٧٨٦) والترمذي (٣٠٨٦) وأحمد (٣٩٩) وضعفه محققو المسند.\nأما روايته عن أبي بن كعب فوجدته في تفسير أبي القاسم الحسن بن محمد بن حبيب النيسابوري (ت ٤٠٦ هـ) وهو مخطوط، والأثر فيه غير مسند (ق ٣٦) ولفظه قريب من لفظ المؤلف، كما ذكره الماوردي ٢/ ٣٣٦ وابن العربي في «أحكام القرآن» ٢/ ٣٣٦ أيضًا.\n(٢) في (ب): (آخرون).\n(٣) في (ب): (القرينتين).\nوهذا القول نقله الشوكاني في «فتح القدير» ٢/ ٤٧٦ وقال بعده: (قاله خارجة وأبو عصمة وغيرهما).\n(٤) انظر: «تفسير السمرقندي» ويسمى «بحر العلوم» لأبي الليث السمرقندي ٢/ ٣٧.","vol":"1","page":559},{"text":"يؤجلهم أربعة أشهر ولا عهد لهم بعدها، وكان قوم لا عهود لهم فأجَّلهم خمسين يومًا عشرين من ذي الحجة والمحرم كله (١).\nوقيل: هم صنفان، صنف عاهده -ﷺ- أقل من أربعة أشهر، وصنف عاهده إلى غير أجل (٢)، فَرَدَّ الجميع إلى أربعة اشهر.\nوقيل: هم صنفان، صنف عوهدوا إلى أقل من أربعة أشهر فأتمت (٣) لهم أربعة أشهر، وصنف عوهدوا إلى أكثر فأُمِروا بالوفاء له، وهو قوله ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ [التوبة: ٤]. وقيل: هم الذين نقضوا العهد فأُمِرَ بنبذ العهد إليهم وتأجيلهم أربعة أشهر، ومن لم ينقض العهد فهو على عهده، ومن لم يكن له عهد أُجِّلَ خمسين يومًا.\n﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ أي أَمِنْتُم فسيروا في الأرض كيف شئتم.\nوالسَّيْحُ: السير على مهل، والسِّياحة: الذهاب في الأرض للعبادة.\nوقيل: أقبلوا وأدبروا أربعة أشهر.\nواختلف في قوله ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾: فذهب بعضهم إلى أن ابتداءه كان يوم عرفة إلى عشرين من شهر ربيع الآخر، وقيل: شوال وذو القعدة وذو الحجة والمحرم، وقيل: ابتداؤه من العشرين من ذي القعدة، لأن الحج في تلك السنة كان في ذلك اليوم لما كانوا عليه في الجاهلية من النسيء، ثم صار في السنة الثانية في العشر (٤) من ذي الحجة وفيها كان حجة الوداع ثم إن النبي -ﷺ- بعث عليًا ﵁ بعشر\n_________\n(١) أخرجه الطبري ١١/ ٣٠٦ وابن أبي حاتم ٦/ ١٧٤٦ و٦/ ١٧٥١، وزاد السيوطي نسبته في «الدر المنثور» ٧/ ٢٣٣ إلى ابن المنذر.\n(٢) سقطت كلمة (غير) من (ب).\n(٣) في (ب): (فأتى).\n(٤) في (ب): (في العشرين) وهذا خطأ ظاهر.","vol":"1","page":560},{"text":"آيات، وقيل: تسع آيات، وقيل: ثماني عشرة آية، وقيل بأربعين آية من أول براءة فقرأها في الموسم يوم النحر على جمرة العقبة وكان أبو بكر ﵁ صاحب الموسم فقال -ﷺ-: (لا يُبلغُ عنِّي إلا رجلٌ مِنِّي) وبعث عليًا وألحقه بأبي بكر وأمره أن يتولى قراءة الآيات، فلما لحق أبا بكرٍ قال له: أميرًا جئت أم مأمورًا، فقال علي: بل مأمورًا وقص عليه القصة وكان أبو هريرة مع علي ﵃ (١).\n﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾ غير فائتيه ولا سابقيه.\n﴿وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ (٢)﴾ مهلكهم، وقيل: مذلهم بالقتل والأسر.\nابن عيسى: الإخزاء: الإذلال بما فيه الفضيحة والعار.\n﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي: إعلام، وقيل: الأذان هاهنا: النداء، وقيل: القصص، حكاه الماوردي (٢).\n﴿إِلَى النَّاسِ﴾ إلى العرب.\n﴿يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ قيل: يوم عرفة، وقيل: يوم العيد، وقيل: أيام الحج، فيكون اليوم بمعنى: الوقت، والحج الأكبر: الحج، والأصغر: العمرة، وقيل: الحج الأكبر: القران، والأصغر: الإفراد، وقيل: الحج الأكبر: يوم النحر، وقيل: اجتمع عيد المؤمنين وعيد اليهود وعيد النصارى في ذلك اليوم فسمي يوم الحج الأكبر، وقيل: كان ذلك الاجتماع في حجة الوداع، ويحتمل أن الحج الأكبر هو الحج في\n_________\n(١) لهذا الحديث روايات كثيرة، منها ما ورد في الصحيحين، البخاري (٣١٧٧) ومسلم (١٣٤٧) من حديث أبي هريرة، وليس فيه: (لا يبلغ عني إلا رجل مني)، وهو بهذه الزيادة ورد عند الترمذي (٣٠٩٠) وأحمد ٢٠/ ٤٣٤ (رقم ١٣٢١٤) من حديث أنس ﵁. وللحديث روايات أخرى، أوردها السيوطي في «الدر المنثور» ١١/ ٢٢٨.\n(٢) انظر: «النكت والعيون» للماوردي ٢/ ٣٣٩.","vol":"1","page":561},{"text":"ذلك اليوم فحسب، أي: أكبر من سائر الحج لما جرى فيه ما هو إعزاز للإسلام وإذلال للشرك (١).\n﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ أي: من عهودهم.\n﴿وَرَسُولُهُ﴾ أي: هو ورسوله.\n﴿فَإِنْ تُبْتُمْ﴾ رجعتم عن الكفر وأخلصتم التوحيد.\n﴿فَهُوَ﴾ أي: التوب.\nوالتوبُ والمتابُ والتوبة: الرجوع عن المعصية إلى الطاعة.\n﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ من الإقامة على الكفر.\n﴿وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ عن الإيمان.\n﴿فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾ لا تفوتونه طلبًا ولا تعجزونه هربًا.\n﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣)﴾ استهزاء بهم (٢).\n﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ الحسن: استثناء من قوله ﴿إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١].\nالحسن: استثناء من قوله ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] (٣).\nقال: وهذه الآية نزلت قبل تلك (٤).\n_________\n(١) في هامش نسخة (أ) في هذا الموطن: (وقيل: الحج الأكبر أن يكون يوم عرفة يوم الجمعة) وكتب (صح) للدلالة على أنها من أصل النسخة المنسوخ منها فسقطت، علمًا أن هذه الزيادة ليست في (ب).\n(٢) جعل الإنذار بشارة على سبيل الاستهزاء كما قال أبو حيان في «البحر المحيط» ٥/ ١٠.\n(٣) حصل سقط في (أ) فجاء النص فيها كالتالي: (... من المشركين استثناء من قوله فاقتلوا ...)، فسقط منها بعض الكلمات بسبب انتقال بصر الناسخ، فانتقل من عند كلمة (قوله) الأولى إلى الثانية وأسقط ما بينهما.\n(٤) لم أجده عن الحسن بهذا اللفظ، ولكن نقل أبو القاسم الحسن بن محمد بن حبيب النيسابوري معناه عن الحسن، انظر تفسيره (ق ٣٩ - مخطوط).","vol":"1","page":562},{"text":"وهم بنو مدلج وكنانة، كانت بقي لهم تسعة أشهر فأُتمت لهم.\n﴿ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا﴾ أي: شيئًا من شروط العهد، يريد: وفوا بالعهد وأخلصوا النية ولم ينقضوا العهد.\nوقرئ بالضاد في الشواذ (١)، وهو رائق، لكن الصاد أولى لتقع في مقابلة التمام.\n﴿وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا﴾ لم يعاونوا عليكم أحدا (٢).\n﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ إلى تمام مدتهم.\n﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٤)﴾ الذين يتقون نقض العهد.\n﴿فَإِذَا انْسَلَخَ﴾ الانسلاخ: خروج الشيء مما لابسه، مِنْ سلخ الشاة.\n﴿الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ قيل: هو رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم، وقيل: هي الأشهر التي تقدم ذكرها وهي مدة التأجيل.\n﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ حيث ظفرتم بهم من حِلٍّ وحَرَم.\n﴿وَخُذُوهُمْ﴾ قيل هو مقدم (٣)، أي: خذوهم واقتلوهم، وقيل: تأخر لأن الواو لا توجب الترتيب، وقيل: خذوهم: أي: اأسروهم.\nوالأخيذ: الأسير.\n﴿وَاحْصُرُوهُمْ﴾ أي: احبسوهم.\nابن عيسى: أصله المنع من الخروج عن محيط.\n_________\n(١) انظر: «المحتسب» لابن جني ١/ ٢٨٣ حيث نسبها لعكرمة، ونسبها الثعلبي إلى عطاء بن يسار كما في «الكشف والبيان» ١/ ٤٥ (رسالة جامعية).\n(٢) هكذا في (ب) وفي (أ): (لم يعاونوا أعدائكم عليكم).\n(٣) في (أ): (قيل مقدم).","vol":"1","page":563},{"text":"﴿وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ أي: خذوا عليهم الطرق، وقيل: طريق الحج، وتقديره: على كل مرصد، وقيل: هو كقولك: اقعد مقعدك واجلس مجلسك.\nوللعلماء في نسخ هذه الآية ثلاثة أقوال (١):\nأحدها: أنها منسوخة بقوله ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤] ولا يحل قتل أسير صبرًا.\nوالثاني: أنها ناسخة لقوله ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤] ولا يؤخذ من الأسير الفداء ولا يمن عليهم وإنما هو السيف أو الإيمان (٢).\nوقال بعضهم: هما محكمان (٣) والأمر في ذلك إلى الإمام.\n﴿فَإِنْ تَابُوا﴾ عن الشرك.\n﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ المفروضة.\n﴿وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ الواجبة.\n﴿فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ دعوهم وما شاءوا ولا تتعرضوا لقتلهم وأسرهم وحصرهم (٤).\n﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾ غفر لهم (٥) ما تقدم من ذنوبهم ورحمهم.\n﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ أي: وإن استجارك، والمعنى: إن طلب\n_________\n(١) نقلها الكرماني - والله أعلم- من كتاب النحاس «الناسخ والمنسوخ» ٢/ ٤٢٣.\n(٢) حصل سقط في (ب) حيث جاء النص فيها كالتالي: (... ثلاثة أقوال أحدها أنها منسوخة بقوله فإما منا وإما فداء ولا يؤخذ من الأسير ...) هذا نص النسخة، وفيه كما ترى بالإضافة للسقط الحاصل خطأ في كتابة الآية.\n(٣) كذا في النسختين، بالتذكير، ولعله يرجع إلى حكم الآيتين، فهما محكمان.\n(٤) حصل سقط في (ب) حيث جاء النص فيها كالتالي: (فخلوا سبيلهم دعوهم إن الله غفور رحيم ...).\n(٥) في (ب): (غفر الله لهم).","vol":"1","page":564},{"text":"منك واحد ممن أُمِرْتَ بقتلهم أن يكون في جوارك.\n﴿فَأَجِرْهُ﴾ آمنه.\n﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ أي: القرآن، فيتبين ويعرف صدقك وتقوم عليه الحجة.\n﴿ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ أي: فإن أبى أن يسلم فرده إلى موضع أمنه.\n﴿ذَلِكَ﴾ أي: المأمور في حقه.\n﴿بِأَنَّهُمْ﴾ بسبب أنهم.\n﴿قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ (٦)﴾ توحيد الله ونبوتك.\n﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ﴾ استفهام بمعنى النفي، ولهذاحسن بعده ﴿إِلَّا﴾، والمعنى: ليس لمن لا يفي بعهده أن (١) يفي الله ورسوله بالعهد.\n﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ وهم الذين استثناهم الله.\nويجوز في محل ﴿الَّذِينَ﴾ النصب والجر، وقيل: الاستثناء منقطع، أي: لكن من عاهدتموهم عند المسجد الحرام.\n﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ﴾ على وفاء العهد.\n﴿فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ على الوفاء.\n﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧)﴾.\n﴿كَيْفَ﴾ أي: كيف لهم عهد وحالهم هذا، وقيل: كيف لا تقتلونهم.\n﴿وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ يظفروا بكم.\n﴿لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ﴾ لا يحفظوا فيكم.\n_________\n(١) في (ب): (أي).","vol":"1","page":565},{"text":"﴿إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾ أي لا يبقون عليكم لا لأجل قرابة ولا لأجل عهد.\nوالإِلُّ: القرابة والعشيرة، والإل: العهد، والإل: الحلف واليمين، والإل: الجُؤَار (١)، وقيل: الإل: هو الله سبحانه، واستبعده الحذاق وقالوا: إنما هو إِيل في العبراني.\nالخليل: الإل: الربوبية.\nوفي اشتقاق إل قولان: أحدهما: من قوله: أل الشيء (٢): إذا حدده، والثاني: أل البرق: إذا لمع.\nوالذمة: العهد والميثاق، وأصله من الذم، أي: ما يخاف (٣) الذم والعيب فيه.\n﴿يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ بالوعد بالإيمان والطاعة والوفاء بالعهد.\n﴿وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ﴾ إلا الكفر والعصيان والغدر.\n﴿وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ (٨)﴾ خارجون عن العهد، وقيل: معنى ﴿وَأَكْثَرُهُمْ﴾: كلهم، وقيل: معنى قوله ﴿فَاسِقُونَ (٨)﴾: متمردون في الكفر، وتلك صفة رؤسائهم.\n﴿اشْتَرَوْا﴾ استبدلوا.\n﴿بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ القرآن.\n﴿ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ عرضًا يسيرًا، وقيل: استبدلوا الدنيا بالآخرة، وهم الذين جمعهم أبو سفيان على طعامه (٤)، وقيل: هم اليهود، وآيات الله: التوراة، وهم قوم\n_________\n(١) قال السمين الحلبي في «الدر المصون» ٦/ ١٩: (وهو رفع الصوت عند التحالف، وذلك أنهم كانوا إذا تماسحوا وتحالفوا جَأَرُوا بذلك جُؤَارًا).\n(٢) في (أ): (من قوله ألل الشيء).\n(٣) سقطت (ما) من (ب) فكان النص كالتالي: (أي يخاف الذم).\n(٤) أخرجه الطبري ١١/ ٣٦٠ عن مجاهد، ونصه: (عن مجاهد في قوله (اشتروا بآيات الله ثمنًا قليلًا) قال: أبو سفيان بن حرب، أطعم حلفاءَه، وتركَ حلفاء محمد -ﷺ-).","vol":"1","page":566},{"text":"منهم دخلوا في العهد ثم رجعوا عنه.\n﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ﴾ دينه وطاعته، وقيل: سبيله بالمنع عن بيت الله.\n﴿إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩)﴾ أي: بئس الصنيع صنيعهم، فقال:\n﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (١٠)﴾ فكانت (١) تفسيرًا لا تكرارًا، وقيل: المراد بهم اليهود، فيكون الإِلُّ هو الله ﷿، إذ لم يكن بين اليهود وبين العرب قرابة.\n﴿فَإِنْ تَابُوا﴾ أسلموا.\n﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ أي: فهم إخوانكم.\n﴿فِي الدِّينِ﴾ لا في النسب.\n﴿وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾ نُبيِّنها.\n﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١١)﴾ يفهمون فيتفكرون (٢) فيها.\n﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ﴾ أي: إن (٣) نقضوا العهود.\n﴿وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ﴾ أظهروا الذم له، وقيل: قصدوا إفساده.\nالزجاج: الطعن في الدين: نسبة النبي -ﷺ- إلى الكذب وأن القرآن غير كلام الله (٤) وتقبيح أحكام المسلمين، وهذا يوجب قتل الذمي (٥).\n_________\n(١) في (ب): (وكان).\n(٢) في (أ): (فيفكرون).\n(٣) سقطت (إن) من (ب).\n(٤) لم يرد لفظ الجلالة في نسخة (أ).\n(٥) انظر: «معاني القرآن» للزجاج ٢/ ٤٣٤ وليس فيه تفصيل معنى الطعن، وإنما قال الزجاج: (وهذه الآية توجب قتل الذمي إذا أظهر الطعن في الإسلام لأن العهد معقود عليه بألَاّ يطعن، فإذا طعن فقد نكث).","vol":"1","page":567},{"text":"﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ أي: القادة.\nابن عباس ﵄: هم أبو سفيان وأبو جهل والجماعة الذين هموا بإخراجه (١).\nوقيل: هم أهل البدع والأهواء، وقيل: ذكر البعض وأراد الكل، وقيل: كل كافر إمام نفسه، فهو عام.\n﴿إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾ صادقة، وقيل: لا وفاء لهم بالأيمان.\nو(لا إيمان لهم): لا إسلام لهم (٢).\nالفراء: يجوز أن يكون مصدر آمن، أي: لا يوثق بأمانهم (٣).\nوقيل: لا أيمان لهم من جهة المسلمين.\n﴿لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (١٢)﴾ لكي ينتهوا عن الكفر والطعن ويدخلوا في الإسلام.\n﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ﴾ هذا تحريض على القتال.\n﴿قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾ نقضوا العهود وحنثوا (٤) في أيمانهم، وقيل: نكثهم العهد: إعانتهم بني بكر على خزاعة (٥).\n_________\n(١) نقله الواحدي في «أسباب النزول» (ص ٤٠٧) عن ابن عباس بدون إسناد، وكذلك فعل الثعلبي في «الكشف والبيان» ١/ ٦٦ (رسالة جامعية)، وأخرجه الطبري ١١/ ٣٦٣ عنه بلفظ: يعني أهل العهد من المشركين.\n(٢) قرأ ابن عامر وحده (إنهم لا إيمان لهم) بكسر الألف، وقرأ باقي العشرة بفتح الألف.\nانظر: «المبسوط» لابن مهران (ص ١٩٣).\n(٣) انظر: «معاني القرآن» للفراء ١/ ٤٢٥.\nوجاء النص في (ب) كالتالي: (يجوز أن يكون مصدرًا أي لا يوثق بإيمانهم).\n(٤) في (ب): (ونكثوا).\n(٥) قال البغوي ٢/ ٢٥٥: (قال جماعة من المفسرين: أراد أنهم بدأوا بقتال خُزَاعة حلفاء رسول الله -ﷺ-).","vol":"1","page":568},{"text":"وأصل النكث: نقض الغزل بعد فتله.\n﴿وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ﴾ قيل: هو ما سبق ذكره في قوله ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال: ٣٠].\nوقيل: هُم اليهود، هَمُّوا بإخراج الرسول -ﷺ- من المدينة ونكثوا عهده وظاهروا أبا سفيان عليه يوم الأحزاب، وقيل: هَمَّت قريش يوم الحديبية بأن يُدخلوا محمدًا مكة للحج ثم يخرجوه قبل أن يُتِمَّ الحج استخفافًا به، وقيل: معنى ﴿وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ﴾: تسببوا لخروجه، وقيل: ﴿وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ﴾ فأخرجوه (١).\n﴿وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ بالقتال، وقيل: بدأوا خلافكم فوجدتم الرخصة، لقوله ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾ [البقرة: ١٩١].\n﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ﴾ أي: أتخشون قتالهم وأن ينالكم منهم مكروه.\n﴿فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ﴾ أي: عقابه وعذابه.\n﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣)﴾ مصدقين بعذابه.\n﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ﴾ يقتلهم.\n﴿بِأَيْدِيكُمْ﴾ بسيوفكم.\n﴿وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ أي: إن تقاتلوهم فالظفر لكم، وهذا وعد بالنصرة للمؤمنين.\n﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤)﴾ بما فعل بنبيهم، وقيل: ببني خزاعة.\nجعل الموتور سقيمًا وإصابة الثأر شفاء (٢).\n_________\n(١) انظر: «الجامع لأحكام القرآن» للقرطبي ٨/ ٨٦ فقد ذكر هذه الأقوال في معنى الآية.\n(٢) جاء في «لسان العرب» (ثأر): (الموتور الثائر، أي طالب الثأر).","vol":"1","page":569},{"text":"﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ حزنها وكربها.\n﴿وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ يوفقهم للإيمان كأبي سفيان وجماعة هداهم الله للإسلام.\n﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٥)﴾.\n﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا﴾ في المخاطبين به قولان:\nابن عباس ﵄: هم المنافقون.\nغيره: المؤمنون، خوطبوا به حين كره بعضهم القتال وشق عليهم (١).\nو﴿أَمْ﴾ هي المنقطعة، بمعنى: بل والألف، كأنه أضرب عن (٢) الاستمرار في تلك القصة واستفهم عن الثانية، والمعنى: أحسبتم أن تتركوا بلا مجاهدة ولا براءة من المشركين.\nوقوله: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ﴾ أي: لم يعلم علمًا يجازي عليه، وقيل: ولم تجاهدوا، فنفى العلم لنفي المعلوم، وقيل: لم يعلمه موجودًا (٣).\n﴿وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً﴾ دخيلًا من غيرهم يوالونهم ويفشون أسرارهم إليهم.\nوالوليجة والبطانة والدخيلة نظائر، واشتقاقها: من وَلَجَ (٤)، والتَّوْلَجَ:\n_________\n(١) نقل هذه الأقوال في الآية: الثعلبي ١/ ٧١ (رسالة جامعية) وابن الجوزي ٣/ ٤٠٦.\n(٢) في (ب): (على).\n(٣) قال ابن كثير ٧/ ١٥٨: (والحاصل أنه تعالى لما شرع لعباده الجهاد بين أن له فيه حكمة وهو اختبار عبيده من يطيعه ممن يعصيه، وهو تعالى العالم بما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف كان يكون، فيعلم الشيء قبل كونه ومع كونه على ما هو عليه، لا إله إلا هو ولا رب سواه، ولا راد لما قدّره وأمضاه).\n(٤) حصل سقط في (ب)، فجاء النص فيها كالتالي: (... ولا المؤمنين وليجة دخيلة من ولج ...).","vol":"1","page":570},{"text":"الكِنَاسُ (١)، وقيل: الوليجة: المدخل يدخل فيه على سبيل الاستسرار، شبه به النفاق، وقيل: خيانة، وقيل: خديعة، وقيل: خليطًا وودًا، والوجه ما سبق.\n﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٦)﴾ من خير وشر فيجازيكم عليه.\n﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ في سبب النزول أنه لما أُسِرَ العباس يوم بدر عَيَّرَهُ المسلمون بكفره بالله وقطيعة الرحم وأغلظ له علي ﵁ القول، فقال العباس: ما لكم تذكرون مساوئنا ولا تذكرون محاسننا، فقال له علي ﵁: ألكم محاسن؟ فقال: نعم، إنا لنعمر المسجد الحرام ونَحْجُبُ الكعبة ونسقي الحاج ونفك العاني فأنزل الله ردًا على العباس ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ (٢).\nأي: لا يحق ولا يليق بهم عمارة المسجد الحرام (٣)، أي: دخوله والقعود فيه، وقيل: عمارة المسجد: رفع بنائه وإصلاح ما استرم منه، وقيل: عمارته: التعبد فيه والصلاة والطواف لا ترميمه وتجصيصه.\n﴿شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾ هو شركهم بالله، حيث قالوا في الطواف: لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك.\nوقيل: هو إذا سئلوا عن دينهم قالوا: نعبد اللات والعزى، وقيل: إذا كذبوا محمدًا -ﷺ- فقد شهدوا على أنفسهم بالكفر، وقيل: الشهادة: البيان.\n﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ أي: بطل ثوابها، مشتق من: حَبِطَ بطنُ الشَّاةِ، وقد سبق.\n﴿وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (١٧)﴾ دائمون.\n﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ أي: بالبعث والنشور.\n﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ﴾ أي: في أبواب الدين ﴿إِلَّا اللَّهَ﴾.\nأي: يجوز لهم ويليق بهم عمارتها، وجَمَعَ لأن سائر المساجد في هذا كالمسجد الحرام.\n﴿فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨)﴾ المتمسكين بطاعة الله، وعسى من الله واجب. وقيل: عسى راجع إلى المؤمنين، أي: هم بهذا العمل على رجاء الجنة.\n_________\n(١) جاء في «لسان العرب» (ولج): (التَّوْلَجُ: كِنَاسُ الظَّبي أو الوحش الذي يَلِجُ فيه).\n(٢) ذكره الثعلبي في «الكشف والبيان» ١/ ٧٥ (رسالة جامعية) والواحدي في «أسباب النزول» (ص ٤٠٧) بدون إسناد.\n(٣) الكرماني يفسر على قراءة ابن كثير وأبي عمرو ويعقوب (مسجد الله) بغير ألف، على واحد، وقرأ باقي العشرة (مساجد الله) على الجمع.\nانظر: «المبسوط» لابن مهران (ص ١٩٣).","vol":"1","page":571},{"text":"﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ﴾ السقاية هنا مصدر سقيتُ، وكان المشركون يسقون الحاج الشراب والعسل والسويق والماء.\n﴿وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ ترميمه وتجصيصه (١).\n﴿كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: كإيمان من آمن، ويجوز أن يكون (٢) تقديره: أهل سقاية الحاج كمن آمن (٣).\n﴿لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ﴾ نزلت في مناظرة علي والعباس (٤).\nوقيل: نزلت في اليهود حين أفتوا قريشًا بأنهم أفضل من المؤمنين لذلك (٥).\n﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٩)﴾ لا يرشدهم.\n﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾ أعلى رتبة وأرفع منزلة لأنهم في الجنة.\n﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠)﴾ الظافرون بالأماني.\n﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا﴾ في الجنات، وقيل: في الجنات والرحمة والرضوان والبشرى، لأن الجنات جمع القليل وضمير جمع القليل: هن، والوجه هو الأول.\n﴿نَعِيمٌ مُقِيمٌ (٢١)﴾ لين العيش على الدوام.\n﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ دائمًا سرمدًا.\nوالأبد: الدهر المستقبل من غير آخر، وقط للماضي، وجمعه الآبادُ والأُبُوْدُ، وكذلك أَبِيْد، من قولهم (٦): لا أفعل أَبَدَ الأَبِيد.\n﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٢)﴾ دائم لا ينقطع.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ في سبب النزول قال الكلبي: لما أمر رسول الله -ﷺ- بالهجرة إلى المدينة جعل الرجل يقول لابنه ولأخيه (٧) ولقرابته: إنا قد أمرنا بالهجرة فمنهم من يسرع إلى ذلك ويعجبه ومنهم من يتعلق به زوجته وعياله وولده فيقولون: أنشدك الله أن تدعنا إلى غير شيء فنضيع، فيرق فيجلس (٨) معهم ويدع الهجرة، فنزلت يعاتبهم ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية.\n_________\n(١) في (أ): (ترميمها وتجصيصها).\n(٢) سقطت كلمة (يكون) من (ب).\n(٣) سقطت كلمة (آمن) من (ب).\n(٤) سبق الكلام عليها قبل آيتين [التوبة/ ١٧].\n(٥) نقله ابن عطية ٦/ ٤٤٠ والقرطبي ٨/ ٩٢.\n(٦) في (ب): (من قولك).\n(٧) في (أ): (وأخيه).\n(٨) في (ب): (ويجلس).","vol":"1","page":572},{"text":"ونزلت في الذين تخلفوا بمكة (١) ولم يهاجروا (٢).\nقوله: ﴿إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ﴾ أحبوه واختاروه.\n﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٣)﴾ أي: من تولى المشرك فهو مشرك لأنه رضي بشركه.\n﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ﴾ ابن عيسى: الأب: المختص بانفصال نطفة الولد عنه.\n﴿وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾ الابن: الولد الذكر (٣).\n﴿وَإِخْوَانُكُمْ﴾ الأخ الشقيق في النسب من الأبوين أو من أحدهما.\n﴿وَأَزْوَاجُكُمْ﴾ الزوجة: المرأة التي زوجت (٤) على عقد نكاح صحيح.\n﴿وَعَشِيرَتُكُمْ﴾ أقرباؤكم.\nالعشيرة: الجماعة، يرجع إلى عَقْدٍ كعقد العَشَرة (٥).\n﴿وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا﴾ اكتسبتموها، وقد سبق (٦).\n_________\n(١) في (ب): (في مكة).\n(٢) ذكره الواحدي في «أسباب النزول» (ص ٤١٠) ولكنه قال: (ونزل في الذين تخلفوا بمكة ولم يهاجروا قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾ إلى قوله ﴿فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾).\nفلعل الكرماني جمع الكلام في موطن واحد، وقَصَدَ هذه الآية والتي تليها، أو يكون الكلام متصلًا بما بعده في النص، ويكون السياق كالتالي (ونزلت في الذين تخلفوا بمكة ولم يهاجروا قوله (إن استحبوا الكفر على الإيمان) أحبوه واختاروه).\nوهذا جائز ولكن سياق الكلام على الوجه الأول أجود، إذ لا معنى لاختيار جزء من الآية كسبب نزول. والله أعلم.\n(٣) في (ب): (الولد الأكبر).\n(٤) كلمة (زوجت) ليست في (أ).\n(٥) ضبطها الدكتور الخرّاط محقق كتاب السمين الحلبي «الدر المصون» ٦/ ٣٥: (العِشْرة)، والظاهر أنها تضبط كما ذكرت أعلاه، إذ قال القرطبي ٨/ ٩٥: (هي الجماعة التي ترجع إلى عَقد واحد كعقد العشرة فما زاد).\n(٦) لعله يقصد ما تقدم في سورة الأنعام (وليقترفوا ما هم مقترفون) آية (١١٣) فقد توسع في الكلام عليها.","vol":"1","page":573},{"text":"﴿وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا﴾ فوات وقت النَفَاق، وقيل: ﴿وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا﴾ البنات الأيامى إذا كسدن عند آبائهن ولم يخطبن، حكاه (١) أقضى القضاة (٢).\n﴿وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا﴾ توقفوا وانتظروا.\n﴿حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ هذا وعيد، أي: عذاب عاجل أو عقاب آجل، وقيل: ﴿بِأَمْرِهِ﴾: فتح مكة.\n﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٢٤)﴾ لا يرشد من عصاه.\n﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ﴾ في الخبر: أن المواطن التي نصر الله فيها النبي -ﷺ- والمؤمنين ثمانون موطنًا (٣).\nوالموطن: مكان الإقامة، وكذلك الوطن.\n﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾ واد بين مكة والطائف، وقيل: واد إلى جنب ذي المجاز، وكانت الحرب فيه مع هوازن وثقيف، وذلك أن رسول الله -ﷺ- خرج متوجهًا إلى حنين بعد ما افتتح مكة وكان معه اثنا عشر ألفًا من المهاجرين والأنصار، وقيل: أحد عشر (٤) ألفًا وخمسمائة، وقيل: عشرة ألاف، وكانوا يومئذٍ أكثر ما كانوا قط وكان المشركون أربعة ألاف فلما التقى الجمعان\n_________\n(١) في (أ): (حكاها).\n(٢) انظر: «النكت والعيون» ٢/ ٣٤٩ للماوردي.\n(٣) انظر: «البحر المحيط» لأبي حيان ٥/ ٢٥، و«فتح البيان» لصديق حسن خان ٥/ ٢٦٢ حيث يقول الأخير: =ويقال إن جميع غزواته وسراياه وبعوثه سبعون وقيل ثمانون)، بينما يقول أبو حيان: (ووصفت بالكثرة، لأن أئمة التاريخ والعلماء والمغازي نقلوا أنها كانت ثمانين موطنًا).\n(٤) في (أ): (إحدى).","vol":"1","page":574},{"text":"قال -ﷺ-: (لن نغلب اليوم من قلة) (١) وقيل: قالها رجل من المسلمين اسمه: سلمة بن سلامة، فاقتتل المسلمون قتالًا شديدًا، فانهزم المشركون وخلوا عن الذراري ثم نادوا: يا حماة السوء اذكروا الفضائح، فرجعوا وانكشف المسلمون، قال الكلبي: فبقي مع رسول الله ثلاثمائة من المسلمين وانهزم سائر الناس عنه ثم قال النبي -ﷺ- للعباس: (ناد يامعشر الأنصار يامعشر المهاجرين) وكان العباس رجلًا صيتًا، فجعل ينادي: ياعباد الله يا أصحاب الشجرة (٢) يا أصحاب سورة البقرة، فعطف المسلمون حين سمعوا صوته عطفة البقرة على أولادها فالتقوا مع المشركين فقال -ﷺ-: (هذا حين حمي الوطيس)، ثم أخذ بيده (٣) كفًا من الحصى فرماهم بها وقال: (شاهت الوجوه)، ثم قال: (انهزموا وربّ الكعبة انهزموا وربّ الكعبة)، فهزمهم الله ﷿ وأنجز وعده وأنزل نصره وجنده وهو قوله: ﴿إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ يعني قوله: (لن نغلب اليوم من قلة) (٤).\n﴿فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا﴾ لم تدفع الكثرة عنكم شيئًا من العدو، ويجوز: شيئًا من العناء (٥).\n﴿وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾ برحبها وسعتها، والباء: للحال، أي: رحيبة.\n_________\n(١) أخرجه ابن إسحاق بسند منقطع كما في «السيرة» لابن هشام ٤/ ١٢٤ وذكره الطبري ١١/ ٣٨٦ والثعلبي ١/ ٩٧ (رسالة جامعية) بدون إسناد، فلا يثبت مرفوعًا.\n(٢) في (ب): (العشرة).\n(٣) في (ب): (بكفه).\n(٤) وردت روايات كثيرة في كتب الحديث عن تفاصيل غزوة حنين، منها ما ورد عند البخاري (٤٣٣٠) ومسلم (١٧٧٥) وأحمد (١٧٧٥)، كما ورد عند الطبري في تفسيره ١١/ ٣٨٧ - ٣٩٥ عدد من الروايات أيضًا.\n(٥) في (أ): (الغناء).","vol":"1","page":575},{"text":"والمعنى: لم تجدوا موضعا لفراركم عن أعدائكم، وقيل: لم تثبتوا فيها كما لا يثبت من لم يسعه مكان.\n﴿ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥)﴾ أي: وليتم للكفار ظهوركم مدبرين عن النبي -ﷺ- منهزمين.\nوالإدبار: الذهاب إلى خلف، خلاف الإقبال (١).\n﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: رحمته، وقيل: أمنه وطمأنينته، وقيل: وقاره، فأَمِنُوا وسكنت قلوبهم بعد الخوف.\n﴿وَأَنْزَلَ جُنُودًا﴾ يعني: الملائكة، وكانوا خمسة الآف، وقيل: زيادة.\n﴿لَمْ تَرَوْهَا﴾ بأعينكم، وقيل: رأى بعضهم الكفار يُقَاتَلون، وقيل: لم يعاينوه.\n﴿وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بالخوف والقتل والأسر.\n﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (٢٦)﴾ أي: ما فُعِلَ بهم جزاؤهم في الدنيا.\n﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ وهم الذين أسلموا منهم بعد ذلك.\n﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٧)﴾.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ قذر، فاجتنبوههم (٢) كما تجتنب الأنجاس.\nالحسن: نجس العين، فمن صافحهم وجب عليه غسل يده (٣).\nقتادة: نجس لا يغتسلون (٤) من الجنابة ولا يتوضؤن من الحدث (٥).\n_________\n(١) في (أ): (خلاف إقبال).\n(٢) في (أ): (فاجتنبوه).\n(٣) أخرجه الطبري ١١/ ٣٩٩ عن الحسن بلفظ: لا تصافحوهم، فمن صافحهم فليتوضأ، وزاد السيوطي ٧/ ٣٠٩ نسبته لأبي الشيخ.\n(٤) في (ب): (نجس لأنهم لا يغتسلون ...).\n(٥) أخرجه عبدالرزاق ١/ ٢٧١ والطبري ١١/ ٣٩٧ بلفظ: (النَجَس: الجنابة) عن قتادة.","vol":"1","page":576},{"text":"وقيل: نجس: خبيث، والخبيث: الرديء من الشيء.\nوحكى قطرب في ماضي نجس ثلاثة أوجه، ونجس مصدر ونجس اسم ونجس موافقة رجس (١).\n﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ نهاهم عن الاقتراب، والمراد: منع المؤمنين إياهم عن مقاربة المسجد، قيل: هو المسجد فحسب، وقيل: الحرم كله، وقيل: خاص لمن حج، وقيل: عام فيهم.\n﴿بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ قيل: هو سنة تسع، وهي سنة براءة، وقيل: سنة عشر، وهي (٢) سنة حجة الوداع.\n﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ فقرًا.\nعال يعيل والاسم العائل (٣) والجمع العُيَّل.\nقال المفسرون: لما نزلت هذه الآية قال بعضهم: الآن تنقطع عنا الميرة، فنزلت ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ بما تأخذون من الجزية وتنالون من الغنيمة، وقيل: ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ من رزقه، فمطرت البلاد وأخصبت فحملت الميرة إلى مكة من كل صوب، وقيل: هذا وعد من الله قد أنجزه (٤).\n_________\n(١) قال في «تاج العروس» للزبيدي ١٦/ ٥٣٥: (فيه خمس لغات: فتح النون وكسرها مع سكون الجيم، والحركات الثلاث في الجيم مع فتح النون).\n(٢) في (أ): (وقيل سنة حجة الوداع) والمثبت من (ب).\n(٣) في (أ): (عائل) بدون (ال) التعريف.\n(٤) هذا من مجموع الروايات التي ذكرها أهل التفسير، كالطبري ١١/ ٤٠٥، والثعلبي ١/ ١٢٢، والواحدي في «البسيط» ٢/ ٤٥٥.","vol":"1","page":577},{"text":"﴿إِنْ شَاءَ﴾ قيده بالمشيئة لأن الغنى يقع في حق بعض دون بعض وفي عام دون عام، وقيل: هذا تعليم بتعليق الأمور بمشيئة الله.\n﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ﴾ بما أمر.\n﴿حَكِيمٌ (٢٨)﴾ فيما قدر.\nوروي عن بعض القراء الوقف على قوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ (١) ثم استأنف فقال: ﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (٢).\n﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ يريد بهم: أهل الكتاب، فنفى عنهم الإيمان بالله واليوم الآخر لأن سبيلهم سبيل من لا يؤمن، وقيل: لأنهم يصفون الله بما لا يليق به سبحانه، ويصفون نعيم الجنة بخلاف ما هو عليه، يزعمون: لا أكل فيها ولا شرب، وقيل: هذا على سبيل الذم.\n﴿وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ لأنهم أحلوا ما حرم الله عليهم وحرموا ما أحل، وقيل: أحلوا الخمر.\n﴿وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ﴾ الحق: هو الله، أي: لا يدينون دين الإسلام وهو دين محمد -ﷺ- الناسخ لسائر الأديان، وقيل: دين الحق: طاعة الحق، تقول: دان له: إذا أطاع.\n﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ يعني: اليهود والنصارى.\nو(مِنْ) للتبيين.\nوأما المجوس: فملحقون بأهل الكتاب (٣) في الجزية وحسب، لقوله -ﷺ-:\n_________\n(١) في (ب) زيادة: «وإن خفتم عيلة) على تقدير لا تقربوا وإن خفتم عيلة ثم استأنف ...).\n(٢) انظر: «القطع والائتناف» للنحاس (ص ٣٦١)، فقد نقل الوقف فيها عن أحمد بن موسى، ولعله أبو بكر بن مجاهد صاحب كتاب «السبعة»، والله أعلم.\n(٣) حصل سقط في (ب) من بعد كلمة (الكتاب) الواردة هنا، إلى كلمة الكتاب الواردة في الحديث بعدها.","vol":"1","page":578},{"text":"(سنوا بهم سنة أهل الكتاب) (١)، وكذلك الترك والهند والروم، فأما العرب: فالسيف أو الإسلام.\n﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ هي ما يؤخذ منهم، مشتق من: جَزَى دينه: إذا قضاه (٢)، وقيل: هي من قولهم: هذا يَجْزِي (٣) عن هذا: أي يكفي عنه.\nوقوله ﴿عَنْ يَدٍ﴾ قيل: عن سلطان وقوة لكم عليهم، وقيل: من إنعام منكم (٤) عليهم، واليد: السلطان، واليد: النعمة، وقيل: ﴿عَنْ يَدٍ﴾: أي: نقدًا، وقيل: معنى ﴿عَنْ يَدٍ﴾ يعطونها بأيديهم، يعطي كل رجل ما عليه بيده لا يرسله، وقيل: ﴿عَنْ يَدٍ﴾ عن غنى، وقيل: ﴿عَنْ يَدٍ﴾ عطاء لا يقابله جزاء، يؤخذ من الرجال البالغين دون النساء والأطفال في ابتداء الحول، وقيل: بعد حولانه.\nوروي أن عمر ﵁ أوجب على من كان من أهل الذهب أربعة دنانير وعلى أهل الفضة أربعين درهما (٥).\n﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ أذلاء (٦) يمشون بها خاضعين لا يركبون ولا يجلسون\n_________\n(١) أخرجه مالك في «الموطأ» (رقم ٧٥٦) وعنه البيهقي ٩/ ١٨٩ وغيرهم، وضعفه الشيخ الألباني في «إرواء الغليل» (١٢٤٨).\nولكن ثبت عند البخاري (٣١٥٦) أن عمر بن الخطاب ﵁ كان لا يأخذ الجزية من المجوس حتى شهد عبدالرحمن بن عوف أن رسول الله -ﷺ- أخذها من مجوس هجر.\n(٢) في (ب): (أي قضاه).\n(٣) في (أ): (فلا يجزي عن هذا).\n(٤) في (ب): (لكم).\n(٥) أخرجه مالك في «الموطأ» (٧٥٧).\nوانظر في قدر الجزية: «المغني» لابن قدامة ١٣/ ٢١١ - ٢١٢.\n(٦) في (ب): (إذ يمشون).","vol":"1","page":579},{"text":"حتى يعطون (١)، وقيل: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ أي: ذلك الصغار بعينه، فيكون استئنافًا، وعلى الوجه الأول يكون حالًا.\n﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ قال ذلك بعض منهم فنسب إلى الكل لكونهم منهم، وقيل: انقرض قائلوه، وقيل: قالها فنحاص وحده (٢).\nقالوا ذلك لما أحياه الله بعد مائة عام فأملى عليهم التوراة حفظًا، وقد سبق في البقرة (٣).\nواختلف القراء في التنوين (٤): فمن أثبت فلأنه مبتدأ وابن خبره والتنوين يحذف في النسب، ومن حذف التنوين فلالتقاء الساكنين وهذا كثير في الشعر، وقد روي عن أبي عمرو: (أحَدُ. اللهُ) [الإخلاص: ١ - ٢]، بحذف التنوين (٥)، وقيل: حذف لأنه لا ينصرف، للعجمة والتعريف، وقيل: حذف للنسبة على زعم اليهود والخبر مضمر، أي: عزير ابن الله نبينا، وهذا الوجه وإن كان قائلوه كبارًا مزيف، لأن الإنكار ينصرف إلى الخبر فيبقى النسب مسلمًا، سبحانه عن ذلك (٦).\n_________\n(١) في (ب): (حتى يعطون الزراغه) ولم يتضح لي المعنى.\n(٢) في (ب): زيادة: (... انقرض قائلوه وقيل قالها فنحاص في جماعة وقيل فنحاص وحده)\n(٣) سبق في سورة البقرة، آية (٢٥٩).\n(٤) قرأ عاصم والكسائي ويعقوب وقالت اليهود (عزيرٌ ابن الله) بالتنوين، وقرأ الباقون (عزيرُ) بغير تنوين.\nانظر: «المبسوط» لابن مهران (ص ١٩٤)، وانظر لتوجيه القراءات: «الحجة» للفارسي ٤/ ١٨١.\n(٥) قال مكي بن أبي طالب في «الكشف عن وجوه القراءات السبع» ٢/ ٣٩١: (وقد روي عن أبي عمرو حذف التنوين من (أحد) لسكونه وسكون اللام من (الله)، وروي عنه أنه كان يقف على (أحد) والذي قرأت به له كالجماعة، بالوصل وكسر التنوين لالتقاء الساكنين).\n(٦) قد ناقش الألوسي ١٠/ ٨١ هذا الكلام، ونقل عن الجرجاني في «دلائل الإعجاز» (ص ٣٧٥) أنه أشار إلى هذا الملحظ، وأشار إلى اعتراض بعض العلماء له.","vol":"1","page":580},{"text":"﴿وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ قيل: ذلك قول بعضهم، وقيل: هو (١) قول عامتهم، قالوا ذلك حين أبرأ الأكمه والأبرص وأحيا الموتى.\n﴿ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ أي: لا حجه لهم ولا برهان على قولهم، وقيل: قيد القول بالأفواه نفيًا للمجاز، لأن القول يستعمل لغير المنطق، قال (٢):\nامتلأ الحوض وقال قطني ... مهلا رويدا قد ملأت بطني\nوالأفواه: جمع فُوه، حذف الهاء من آخره وقلب الواو ميما فصار فما.\n﴿يُضَاهِئُونَ﴾ يشبهون ويشاكلون، والهمز لغة (٣)، والمضاهاة: المشاكلة، وامرأة ضهياء: لاتحيض، وقيل: التي لا ثدي لها.\n﴿قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ﴾ هم الذين قالوا: الملائكة بنات الله، ومنهم من قال: الأصنام بنات الله وسموا الله أبا العزى سبحانه، وقيل: ضاهى النصارى اليهود، وقيل: ضاهى خلفهم سلفهم.\n﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾ دعاء عليهم، أي: لعنهم الله، وقيل: أهلكهم الله، لأن من قاتله الله هلك، وقاتل بمعنى قَتَل، وقيل: تعليم، أي: قولوا قاتلهم الله.\n﴿أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠)﴾ يصرفون عن الحق إلى الباطل، والإفك: الصرف، وقيل: يؤفكون: يكذبون.\n﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ﴾ جمع حبر، وقد سبق (٤).\n_________\n(١) سقطت كلمة (هو) من (ب).\n(٢) لم أعرف القائل.\nوقد ورد في «الكامل» للمبرد ٢/ ٦١٥، و«الخصائص» لابن جني ١/ ٢٣، وغيرها.\n(٣) قرأ عاصم وحده (يضاهِئون) بالهمز وكسر الهاء، وقرأ باقي العشرة بضم الهاء بغير همز.\nانظر: «المبسوط» لابن مهران (ص ١٩٤).\n(٤) في تفسير الآية (٤٤) من سورة المائدة.","vol":"1","page":581},{"text":"﴿وَرُهْبَانَهُمْ﴾ جمع رَاهِب، كفَارِس وفُرسان، وهو كالعَلَم لِزهاد (١) النصارى، مشتق من الرهبة، ومصدره: الرهبانية.\n﴿أَرْبَابًا﴾ آلهة.\n﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ سوى الله، حيث أطاعوهم في تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله من غير دليل وبيان كطاعة الله، وقيل: كانوا يأمرونهم بالسجود لهم.\n﴿وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ عطف على أحبارهم ورهبانهم.\n﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا﴾ ليوحدوا ويطيعوا.\n﴿إِلَهًا وَاحِدًا﴾ وهو الله ﷿.\n﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ يجوز أن يكون وصفا لقوله ﴿إِلَهًا﴾ ويجوز أن يكون مستأنفًا.\n﴿سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾ تنزيهًا له عن أن يكون له شريك.\n﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا﴾ يَردّوا ويُخْمدوا.\n﴿نُورَ اللَّهِ﴾ دلائله (٢) وحججه، وقيل: القرآن، وقيل: بيان صفة محمد -ﷺ-.\n﴿بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ بشركهم وكذبهم، وقيل: خص الفم دون اللسان لأن الإطفاء بالشفة يكون (٣).\n﴿وَيَأْبَى اللَّهُ﴾ لا يرضى ولا يترك.\n﴿إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ بإعلاء كلمة الله وإعزاز دينه.\n﴿وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٣٢)﴾ ذلك، وجواب ﴿وَلَوْ﴾ محذوف، ودخل ﴿إِلَّا﴾ في الإثبات لأن في الإباء معنى النفي، وتقديره: ويأبى الله كل شيء إلا إتمام نوره.\n﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ﴾ محمد -ﷺ-.\n﴿بِالْهُدَى﴾ بالقرآن.\n﴿وَدِينِ الْحَقِّ﴾ الإسلام، وقيل: هو من باب: مسجد الجامع وصلاة الأولى.\n﴿لِيُظْهِرَهُ﴾ ليعليه.\n﴿عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ على سائر الأديان.\n﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ﴾ يتملكون.\n﴿أَمْوَالَ النَّاسِ﴾ وقيل: بِتَبَاعِ (٤) أموال الناس.\n﴿بِالْبَاطِلِ﴾ بالرشى في الحكم، وقيل: هي المآكل التي كانوا يصيبونها من عوامهم (٥).\n_________\n(١) في (أ): (للزهاد).\n(٢) في (ب): (دليله).\n(٣) معناه - والله أعلم-: أن من يريد إطفاء الشمعة مثلًا فإنه ينفخ فيها من فيه عن طريق جمع شفتيه وإجراء الهواء منهما على نور الشمعة.\nوانظر: «التحرير والتنوير» لابن عاشور ١٠/ ١٧١.\n(٤) هكذا ظهر لي رسمها في النسختين، والمقصود -والله تعالى أعلم- أن الأحبار والرهبان يحاولون تتبع أموال الناس بالباطل بشتى الطرق.\n(٥) في (أ): (من أعوامهم).","vol":"1","page":582},{"text":"﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ في سبب النزول: أن معاوية (١) قال: نزلت في أهل الكتاب، وقال أبو ذر (٢) ﵁: فينا وفيهم، فجرى بينهم في ذلك (٣) كلام وخصام (٤).\nواختلف المفسرون فيه أيضًا، والأكثر على أنها نزلت في مانعي الزكاة (٥).\nابن عباس ﵄: الكنز: الذي لا يؤدى زكاته (٦).\nوقيل: كان هذا في أول الإسلام، كان الواجب عليهم أن يؤدوا الفضل ثم نسخ بآية الزكاة (٧).\nوروي عن علي ﵁ أنه قال: أربعة الآف وما دونها نفقة وما فوقها كنز (٨).\nوروى ثوبان عن النبي -ﷺ- أنه لما نزل ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ قال -ﷺ-: (تبًا للذهب تبًا للفضة)، قالوا: يا رسول الله: فأي المال ندخره؟ قال: (قلبًا ذاكرا ولسانا شاكرا وزوجة صالحة) (٩).\n_________\n(١) معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب، أمير المؤمنين، حدّث عن النبي -ﷺ-، وكتب له مراتٍ يسيرة، عمل نيابة الشام عشرين سنة، والخلافة عشرين سنة، وتوفي سنة (٦٠ هـ) وعاش سبعًا وسبعين سنة.\nانظر: «سير أعلام النبلاء» ٣/ ١١٩ - ١٦٢.\n(٢) أبو ذر: جُنْدب بن جُنادة، أحد السابقين الأولين، من نجباء أصحاب محمد -ﷺ-، كان خامس خمسة في الإسلام، وكان يفتي في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان، وكان رأسًا في الزهد والصدق والعلم والعمل، قوَّالًا بالحق لا تأخذه في الله لومة لائم، توفي سنة (٣٢ هـ).\n(٣) لم ترد (في ذلك) في نسخة (أ).\n(٤) أخرجه البخاري (١٤٠٦).\n(٥) انظر: «النكت والعيون» للماوردي ٢/ ٣٥٧ - ٣٥٨، و«زاد المسير» لابن الجوزي ٣/ ٤٢٩.\n(٦) أخرجه الطبري ١١/ ٤٣٢.\n(٧) أخرج البخاري في صحيحه عن ابن عمر ﵄ (١٤٠٤) قال: إنما كان هذا قبل أن تُنْزَلَ الزكاة، فلما أُنزلت جعلها الله طُهْرًا للأموال.\nوانظر: «الجامع» للقرطبي ٨/ ١٢٥ وابن الجوزي ٣/ ٤٢٩.\n(٨) أخرجه عبدالرزاق ١/ ٢٧٣ والطبري ١١/ ٤٢٧.\n(٩) أخرجه الإمام أحمد (٢٢٣٩٢) و(٢٢٤٣٧) وقال محققو المسند: حسن لغيره، وأخرجه الترمذي (٣٠٩٤) وابن ماجه (١٨٥٦) وغيرهم، وضعفه الزيلعي في «تخريج الكشاف» ٢/ ٧١.","vol":"1","page":583},{"text":"والوجه ما قال ابن عباس، فقد قال -ﷺ-: (كل مال (١) أديت زكاته فليس (٢) بكنز) (٣).\nوأصل الكنز: جمع الشيء وتكثيفه، تقول: هو مكتنز اللحم، والكنز: المال الكثير مدفونًا وغير مدفون.\n﴿وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قيل: كناية عن الأموال والكنوز، وقيل: عن الفضة، أي: لا ينفقون الفضة فضلًا عن الذهب، وقيل: عن المصدر، أي: لا ينفقون نفقة، وقيل: تقديره: يكنزون الذهب ولا ينفقونه والفضة ولا ينفقونها، فاكتفى بذكر أحدهما، وهذا كثير، ويحتمل: أن الذهب والفضة لما كانا جنسين جمعهما، كقوله: ﴿خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا﴾ [الحج: ١٩]، ويُخَرَّج على هذا ﴿تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: ١١]، وقوله: ﴿بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا﴾ [البقرة: ٤٥].\n﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤)﴾.\n﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا﴾ على الذهب والفضة.\n﴿فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ أي: توقد النار عليها.\nوالإحماء فوق الإسخان.\n﴿فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ﴾ الكي: الوسم.\nابن عيسى: الكي أيضًا: إلصاق الحار بعضو من البدن.\nقال: والجبهة: صفيحة أعلى الوجه قبل الحاجب، والجنب: الجانب المشبك بالعظام المقوسة، والظهر: الصفيحة المقابلة للبطن.\nوخص هذه المواضع بالكي لأن البخيل إذا سأله السائل زوى جبهته ثم\n_________\n(١) في (ب): (كل ما أديت ...).\n(٢) في (أ): (ليس).\n(٣) روي هذا الحديث مرفوعًا وموقوفًا، فأخرجه الطبري ١١/ ٤٢٥ وابن أبي حاتم ٦/ ١٧٨٨ موقوفًا وأخرجه البيهقي ٤/ ٨٢ مرفوعًا عن ابن عمر، ثم بين أن الصحيح أنه موقوف.","vol":"1","page":584},{"text":"أعرض عنه ثم ولاه ظهره.\n﴿هَذَا مَا كَنَزْتُمْ﴾ أي: يقال لهم هذا جزاء ما كنزتم.\n﴿لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (٣٥)﴾ أي: جزاءه.\n﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ﴾ أي: مبلغ عددها.\n﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ يريد المرضية عنده.\n﴿اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ أي: الأحكام من الصوم والحج ووجوب الزكاة وانقضاء العدة كلها منوطة بالشهور القمرية والأهلة المرئية التي تعرفها العرب دون الشمسية التي تعدها الروم وفارس وأهل الكتاب.\nوسمي الشهر شهرًا لشهرة أمره، وإنما قسمت السنة اثنا عشر ليوافق أمر الأهلة نزول الشمس في البروج الاثني عشر كما قال: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (٥)﴾ [الرحمن: ٥].\n﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ في اللوح المحفوظ الذي نسخ فيه كتب الأنبياء المنزلة عليهم (١)، وقيل: في إيجابه، وقيل: في حُكْمِه.\n﴿يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ أي: كتبه لأمة محمد -ﷺ- يوم خلق السموات والأرض.\n﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ واحد فرد، وهو رجب مضر بين جمادى وشعبان، وثلاثة متتابعة: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم.\n﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ أي: الدين المستقيم، لا ما يفعله أهل الجاهلية من التقديم والتأخير، وقيل: الدين هاهنا: الحساب.\n_________\n(١) في (ب): (المنزلة ﵈).","vol":"1","page":585},{"text":"﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ أي: في الأربعة بارتكاب المعاصي.\nابن بحر: لا تظلموا أنفسكم بترك قتال من يقاتلكم فيهن، يدل عليه ما بعده (١).\nوقيل: ﴿فِيهِنَّ﴾ يعود إلى الجميع.\nوالأول أظهر، لأن (هن) ضمير جمع القليل وهي وهاء ضمير جمع الكثير، ولهذا قال ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ﴾.\n﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ جميعا.\n﴿كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ جميعا.\nو﴿كَافَّةً﴾ مصدر، كالعاقبة (٢)، وهي حال لا يثنى ولا يجمع ولا يدخلها الألف واللام لأنها من المصادر التي لا تتعرف، وهي في لزوم النكرة كأجمعين في لزوم المعرفة، واشتقاقها من كُفَّةِ (٣) الشيء، وهي حَرْفُه، كأنه كُفَّ عن الزيادة.\n﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (٣٦)﴾ هذه بشارة وضمان لهم بالنصرة.\nوهذه ناسخة أبيح فيها (٤) القتال في الشهر الحرام.\nوقيل: هي محكمة كما كانت، وتقدير هذه الآيات: إن بدؤكم فقاتلوهم.\nوالأول أصح، لأن النبي -ﷺ- قد حاصر الطائف فيه (٥).\n_________\n(١) نقله الماوردي ٢/ ٣٦٠ عن ابن بحر.\nونقله الوزير المغربي في تفسيره «المصابيح» (ق ١٦١/النسخة الأزهرية).\n(٢) في (أ): (كالعافية).\n(٣) انظر: «معاني القرآن» للزجاج ٢/ ٤٤٦.\nوفي نسخة (أ): (كُفَيّةُ الشيء).\n(٤) في (ب): (لها).\n(٥) قد أجاب الحافظ ابن كثير عن ذلك فقال ٧/ ١٩٩: (وهكذا الجواب عن حصار رسول الله -ﷺ- أهل الطائف واستصحابه الحصار إلى أن دخل الشهر الحرام، فإنه من تتمة قتال هوازن وأحلافها من ثقيف، فإنهم هم الذين ابتدءوا القتال) إلى أن قال: (واستمر الحصار بالمجانيق وغيرها قريبًا من أربعين يومًا، وكان ابتداؤه في شهر حلال، ودخل الشهر الحرام فاستمر فيه أيامًا ثم قَفَل عنهم، لأنه يغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء).","vol":"1","page":586},{"text":"﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ﴾ ابن عباس ﵄: هو تأخيرهم حرمة شهر حرمه الله إلى شهر لم يحرمه الله لحاجة تَعْرِضُ لهم (١).\nوكانوا يبدلون المحرم من صفر وصفر من المحرم وكانت بنو فُقَيم من بني كنانة تتولى ذلك فيتبعهم الناس، وكان أول من فعل نعيم بن ثعلبة.\nوقيل: القَلَمَّسُ، أحد بني مالك بن كنانة.\nوقيل: كانوا يؤخرون الحج في كل سنة شهرًا فيجعلونه في المحرم ثم في صفر ثم في شهر (٢) ربيع الأول على هذا السبيل شهرًا بعد شهر وسنة (٣) بعد سنة يحجون في كل شهر عامين حتى وافق (٤) حج أبي بكر ﵁ الآخر من العامين في ذي القعدة قبل حجة النبي -ﷺ- ثم حج (٥) النبي -ﷺ- من قابل في ذي الحجة فقال في خطبته: (ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السموات والأرض) (٦).\nوالنسيء: مصدر نَسَأَه، أي: أخره (٧)، تقول: نسأ الله في أجله، وأنسأ الله أجله (٨)، وقيل: فعيل بمعنى (٩) مفعول، والأول أولى.\n_________\n(١) أخرجه الطبري مطولًا عن ابن عباس ١١/ ٤٥٢ وابن أبي حاتم ٦/ ١٧٩٣.\n(٢) كلمة (شهر) ليست في (ب).\n(٣) سقطت الواو من (ب) حيث ورد فيها: (... بعد شهر سنة بعد سنة ...).\n(٤) في (ب): (ثم وافى حج أبي بكر).\n(٥) في (أ): (ثم خرج النبي).\n(٦) أخرجه البخاري (٣١٩٧) ومسلم (١٦٧٩).\n(٧) سقطت الهاء في كلمة (أخره) من نسخة (ب).\n(٨) لم ترد جملة: (وأنسأ الله أجله) في (أ).\n(٩) في (أ): (فعيل في معنى ...).","vol":"1","page":587},{"text":"﴿زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ أي: هذا الفعل منهم زيادة في الكفر (١).\n(يَضِلُّ بهِ الذينَ كَفَرُوا) أي: بالنسيء فهم ضالون، وقرئ ﴿يُضَلُّ﴾ فهم مضلون، أي: يضلهم الشيطان أو النَسْأَة (٢).\n﴿يُحِلُّونَهُ عَامًا﴾ يعني: المحرم، وقيل: هو رجب.\n﴿وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا﴾ لأنه كان يحرم سنة ويحل سنة ويجعل مكان المحلل محرمًا.\n﴿لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ أربعة أشهر وإن كانت مُغَيَّرة مُبَدَّلة.\nوالمواطأة: الموافقة، وقيل: اللام في ﴿لِيُوَاطِئُوا﴾ متعلق بقوله (٣) ﴿يُحِلُّونَهُ﴾ و﴿وَيُحَرِّمُونَهُ﴾ جميعًا.\nوقيل: متعلق بقوله ﴿وَيُحَرِّمُونَهُ﴾ فحسب، وعليه ظاهر الآية، فيكون الوقف على قوله ﴿يُحِلُّونَهُ عَامًا﴾ (٤).\n_________\n(١) في (أ): (... الفعل منه زيادة في كفرهم).\n(٢) قرأ أبو جعفر ونافع وابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وأبو بكر عن عاصم وروح وزيد عن يعقوب= = (يَضِلُّ) بفتح الياء وكسر الضاد، وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم وخلف (يُضَلُّ) بضم الياء وفتح الضاد.\nوروى أوقية - عامر الموصلي المتوفى سنة ٢٥٠ هـ- عن اليزيدي عن أبي عمرو، ورويس عن يعقوب (يُضِلُّ) بضم الياء وكسر الضاد.\nانظر: «المبسوط» لابن مهران (ص ١٩٤).\n(٣) كلمة (بقوله) ليست في (ب).\n(٤) قال السمين الحلبي في «الدر المصون» ٦/ ٤٨: (قوله (ليواطئوا) في هذه اللام وجهان: أنها متعلقةٌ بيحرمونه، وهذا مقتضى مذهب البصريين، فإنهم يُعْملون الثاني من المتنازعين.\nوالثاني: أن يتعلق بيحلونه، وهذا مقتضى مذهب الكوفيين، فإنهم يُعْمِلون الأول لسبقه.\nوقول من قال إنها متعلقة بالفعلين معًا، فإنما يعني من حيث المعنى لا اللفظ).","vol":"1","page":588},{"text":"﴿زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ﴾ أي: الشيطان زين لهم ذلك.\n﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٣٧)﴾.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾ في سبب النزول: أنها نزلت في الحَثِّ على غزوة تبوك، وذلك أن رسول الله -ﷺ- لما رجع من الطائف وغزوة حنين أَمَرَ بالجهادِ لغزوة الروم وذلك في زمان عُسْرَةٍ من الناس وجَدْبٍ من البلاد وشِدَّةٍ من الحر، وكان قد أَخْرَجَت (١) النخلُ وطابت الثمار وعظم على الناس الغزو وأحبوا الظلال والمقام في المساكن والمال (٢) وشق عليهم الخروج إلى القتال (٣)، فلما علم الله تثاقل الناس أنزل هذه الآية (٤).\nوقيل: لما دعاهم رسول الله -ﷺ- وحثهم على الجهاد صاروا ثلاث (٥) فرق: فرقة أسرعت إلى المسير وهم المهاجرون والأنصار، وفرقة ثقلت عليهم فآثروا طاعة الله وطاعة رسوله (٦) على هواهم فخرجوا، وفرقة استأذنوا في التخلف فأذن لهم رسول الله -ﷺ-، فنزلت فيهم هذه الآيات (٧).\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ خطابٌ لمن تثاقل دون من أسرع وبادر.\n﴿مَا لَكُمْ﴾ استفهام إنكاري، أي: أي شيء لكم، وما بعده حال، و﴿إِذَا﴾\n_________\n(١) هكذا في النسختين واضحة، وعند الواحدي في «أسباب النزول»: (أخرفت).\n(٢) في (ب): (والمنازل).\n(٣) في (أ): (القتل).\n(٤) أخرجه الطبري ١١/ ٤٦٠ وابن أبي حاتم ٦/ ١٧٩٦ وزاد السيوطي ٧/ ٣٥٣ نسبته لسنيد وابن المنذر وأبي الشيخ عن مجاهد.\n(٥) في (ب): (ثلثه).\n(٦) في (ب): (طاعة الله ورسوله).\n(٧) لم أجده.","vol":"1","page":589},{"text":"ناب مناب قد لدلالته على الاستقبال.\nوقوله: ﴿انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ اخرجوا إلى الجهاد، وأصل النَّفْرِ: مفارقة الوطن لأمر هاج على ذلك، تقول: نَفَرَ إليه، وعلى الضد: نَفَر عنه.\n﴿اثَّاقَلْتُمْ﴾ تثاقلتم وتباطأتم وملتم ﴿إِلَى الْأَرْضِ﴾ إلى الإقامة بالمدينة، وقيل: ﴿إِلَى الْأَرْضِ﴾ حين أخرجت الثمر والزرع، وقيل: اطمأننتم إلى الدنيا.\n﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ وغرورها.\n﴿مِنَ الْآخِرَةِ﴾ بدل الجنة ونعيمها.\n﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ يريد اللذات فيها والتمتع بها.\n﴿فِي الْآخِرَةِ﴾ في جنب الدار الآخرة.\n﴿إِلَّا قَلِيلٌ (٣٨)﴾ تافه سريع الانقضاء.\n﴿إِلَّا تَنْفِرُوا﴾ أي: إن لا تنفروا إلى الحرب.\n﴿يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ بإمساك المطر والجدوبة والقحط، وقيل: بظفر الأعداء.\n﴿وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ ويجعل مكانكم وبدلًا منكم آخرين مطيعين.\n﴿وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا﴾ أي: الرسول، وقيل: يعود إلى الله سبحانه، وقيل: إلى قوله ﴿قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾.\n﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ من التبديل والتغيير ﴿قَدِيرٌ (٣٩)﴾.\nابن عباس ﵄: هذه الآية منسوخة بقوله: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢] (١).\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (٢٥٠٥) وابن أبي حاتم ٦/ ١٧٩٨ والنحاس في «الناسخ والمنسوخ» ٢/ ٤٣٦ ثم قال النحاس: (وكذا قال الحسن وعكرمة) يعني أنها منسوخة. ثم قال النحاس: (وقال غيرهم: الآيتان محكمتان، لأن قوله تعالى (إلاّ تنفروا يعذبكم عذابًا أليمًا) معناه: إذا احتيج إليكم، وإذا استنفرتم، فهذا مما لا ينسخ، لأنه خبر ووعيد، وقوله تعالى: (وما كان المؤمنون لينفروا كافة) محكم، لأنه لابد من أن يبقى بعض المؤمنين لئلا تخلو دار الإسلام من المؤمنين فتلحقهم مكيدة، وهذا قول جماعة من الصحابة والتابعين).","vol":"1","page":590},{"text":"وقيل: هما محكمتان.\n﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ أي: إن لا تنصروا محمدًا ينصره الله على عادته، فقد نصره الله بإرشاده إلى الهجرة، وقيل: بإمداد الملائكة.\n﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ حين أخرجه قريش، أي: حملوه على الخروج من مكة، وذلك أنهم اجتمعوا في دار الندوة فتشاوروا في أمره فعزموا على قتله فأخبره الله ذلك، فخرج هو وأبو بكر نحو المدينة فدخلا (١) غار ثور - وهو جبل بأسفل مكة - فأمر الله شجرة فخرجت في وجه رسول الله فسترت وجهه وأمر العنكبوت فنسجت ما بينهما فسترت وجه النبي -ﷺ- وأرسل حمامتين وحشيتين فوقعا على باب الغار وهو قوله:\n﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ ومعنى ثاني اثنين: واحد في جملة اثنين، كما تقول خامس خمسة، أي (٢): واحد فيهم، وهو نصب على الحال، ﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ أي: حصلا فيه.\n﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ﴾ أي: يقول النبي لأبي بكر.\n﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ وذلك أن الطلب دنوا منهما بحيث إن أمية بن خلف بال فانتهى إلى أبي بكر بوله فبكى فقال النبي -ﷺ- ما يبكيك؟ فقال: أخاف أن\n_________\n(١) في (ب): (فدخلوا).\n(٢) في (أ): (أو).","vol":"1","page":591},{"text":"نقتل، فقال: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ فَأَمِنَ حينئذ (١).\n﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ﴾ أمنه.\nوالسكينة: ما يوجب السكون والأمن.\n﴿عَلَيْهِ﴾ على النبي -ﷺ-، وقيل: على أبي بكر، فإن النبي -ﷺ- لم يخف بل كان النبي -ﷺ- ساكن القلب رابط الجأش.\n﴿وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا﴾ يعني الملائكة، وقيل: بالثقة بوعده واليقين بنصره، وقيل: أيده بالملائكة يوم بدر فيكون الكلام كافيا على قوله ﴿عَلَيْهِ﴾ فخرجا من الغار وسارا نحو المدينة وانصرف القوم آيسين من لحاقه.\n﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى﴾ يعني: الشرك.\n﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾ يعني: لا إله إلا الله، وقيل: ﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ﴾ قوله: ﴿لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١]، وقيل: علو الكلمة: الغلبة، وسَفَال الكلمة: القهر.\nابن بحر: ﴿كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: اعتزاؤهم في الحرب يالفلان،\nو﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ﴾: الدعاء إليه والاستعانة به، أي: خُذِلوا ونُصِرَ المؤمنون.\nوقيل: الغار في الآية بمعنى: الغيرة، أي: غارا على دين الله، حكاه الماوردي،\n_________\n(١) هذه الرواية فيها الصحيح وفيها ألفاظ متكلم فيها، انظر: البخاري (٣٦١٥، ٣٦٥٣، ٣٩٠٦، ٣٩٢٢، ٤٦٦٣)، ومسلم (٢٣٨١، ٢٠٠٩) وغيرهما من كتب الحديث.\nوقال الشيخ الألباني في «سلسلة الأحاديث الضعيفة» ٣/ ٣٣٩: (لا يصح حديث في عنكبوت الغار والحمامتين).\nبينما حَسَّنَ ابن كثير الرواية التي عند أحمد ١/ ٣٤٨ حيث يقول ابن كثير: (وهذا إسناد حسن، وهو من أجود ما روي في قصة نَسْجِ العنكبوت على فم الغار). انظر: «البداية والنهاية» ٤/ ٤٥١.\nكما حَسَّن الرواية ابن حجر في «فتح الباري» ٧/ ٢٣٦.","vol":"1","page":592},{"text":"وهو تعسف (١).\n﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٠)﴾ في سلطانه وتدبيره.\n﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ في سبب النزول: أنها نزلت في الذين اعتذروا واعتلوا بالضيعة والشغل وانتشار الأمر (٢).\nالسدي: جاء المقداد بن الأسود إلى النبي -ﷺ- وكان عظيمًا سمينًا فشكا إليه وسأله أن يأذن له في التخلف فنزل فيه: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ (٣).\nوعن أبي الضحى وأبي مالك قالا: أول مانزل من سورة براءة قوله ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ (٤).\nوقيل: أرادا أول ما نزل في غزوة تبوك قوله: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾.\nالحسن في جماعة: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا﴾ شبانًا ﴿وَثِقَالًا﴾ شيبًا (٥).\nابن عباس ﵄: نشاطًا وغير نشاط (٦).\nابن عمر (٧) ﵄: ركبانًا ومشاة (٨).\n_________\n(١) انظر: «النكت والعيون» للماوردي ٢/ ٣٦٤.\n(٢) هذا كلام الواحدي في «أسباب النزول» (ص ٤١٣).\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم ٦/ ١٨٠٣ وزاد السيوطي نسبته في «الدر المنثور» ٧/ ٣٨٨ لأبي الشيخ، وذكره الواحدي دون إسناد في «أسباب النزول» (ص ٤١٤).\n(٤) أما أثر أبي الضحى فقد عزاه السيوطي في «الدر المنثور» ٧/ ٣٨٧ للفريابي وأبي الشيخ، وهو عند الطبري ١١/ ٤٧٥ كذلك.\nأما أثر أبي مالك فقد عزاه السيوطي ٧/ ٣٨٧ لابن أبي شيبة وابن المنذر.\n(٥) أخرجه الطبري ١١/ ٤٦٨ عن الحسن وجماعة غيره.\n(٦) أخرجه الطبري ١١/ ٤٧١ وابن أبي حاتم ٦/ ١٨٠٢.\n(٧) في (ب) ابن عباس.\n(٨) أخرجه الطبري ١١/ ٤٧٢ عن أبي عمرو، وبين ابن كثير ٧/ ٢٠٨ أن المقصود هو الأوزاعي، الإمام المشهور، فلعل الكرماني أراد: أبو عمرو، لا ابن عمر.","vol":"1","page":593},{"text":"الفراء: ذا عيال وغير ذي عيال (١).\nجويبر: أصحاء ومرضى (٢).\nوقيل: أغنياء وفقراء، وقيل: مشاغيل وغير مشاغيل، وقيل: ذا ضيعة وغير ذي ضيعة (٣).\nابن عيسى: خفة اليقين وثقل اليقين (٤).\nوقيل: خفافًا إلى الطاعة وثقالًا عن المخالفة.\n﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ من تركه، وقيل: ليس الخير هاهنا للتفضيل.\n﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤١)﴾ شرط جزاءه مقدر، أي: إن كنتم تعلمون كون ذلك خيرًا فبادروا إليه، ثم نسخ بقوله ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ﴾ الآية [التوبة: ٩١] (٥).\n﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا﴾ هذه الآية نزلت في المتخلفين عن غزوة تبوك من المنافقين (٦)، أي: لو كان المدعو إليه شيئًا من منافع الدنيا.\nوالعَرَض: ما يحدث من المنافع قريبًا، أي: قريب المتناول سهل المأخذ.\n_________\n(١) انظر: «معاني القرآن» للفراء ١/ ٤٣٩.\n(٢) نقله الماوردي ٢/ ٣٦٥ عن جويبر.\n(٣) في (أ) كأن رسمها: (صنعة).\n(٤) الذي عند الماوردي ٢/ ٣٦٦ عن علي بن عيسى أنه: خفة البعير وثقله، بينما نقل أبو حيان ٥/ ٤٦ عن علي بن عيسى: هو من خفة اليقين وثقله عند الكراهة.\n(٥) قال القرطبي ٨/ ١٥٠: (واختلف في هذه الآية، فقيل إنها منسوخة بقوله تعالى: (ليس على الضعفاء ولا على المرضى) وقيل: الناسخ لها قوله (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة) والصحيح أنها ليست بمنسوخة) ثم ساق عددًا من المرويات في جهاد الصحابة والتابعين امتثالًا للآية.\n(٦) انظر: «أسباب النزول» للواحدي (ص ٤١٤).","vol":"1","page":594},{"text":"﴿وَسَفَرًا قَاصِدًا﴾ سهلًا قريبًا، وقيل: باقتصاد من غير طول في أمره، وقيل: هَيّنًا غير شاق.\nوالقَاصِدُ والقَصْد: المعتدل.\n﴿لَاتَّبَعُوكَ﴾ لوافقوك في الخروج.\n﴿وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾ المسافة البعيدة، وقيل: الشقة: السفر البعيد.\nابن عيسى: الشقة: القطعة من الأرض يشق ركوبها على صاحبها لبعدها (١)، قال: ويحتمل أن يكون اشتقاقها من الشِّقِّ أو من المَشَقَّة.\n﴿وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ﴾ هذا إخبار قبل الوقوع، أي: إذا رجعت إلى المدينة جاءتك هذه الطائفة يحلفون بالله لو سهل علينا الخروج وكان (٢) لنا سعة لخرجنا معكم.\n﴿يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ بإيقاعها في العذاب، لأن من حلف بالله كاذبًا استحق العذاب، وقيل: يهلكون أنفسهم بالقعود عن الجهاد.\n﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٤٢)﴾ لأنهم كانوا مستطيعين الخروج.\n﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ﴾ محا الله ذنبك.\nقدم العفو على العتاب (٣) كي لا يسبق إلى قلبه حزن، وقيل: هذا توقير ودعاء له كما يقول الرجل: عفا الله عنك ما صنعت في حاجتي ورضي الله عنك أَلَا زُرتني، وقيل: معناه: أدام الله لك العفو.\nوحكى أبو الليث ﵀ عن أبي سعيد الفاريابي أن معناه: عافاك الله يا سليم\n_________\n(١) أورده الماوردي ٢/ ٣٦٧ ولم ينسبه لأحد، بينما عزاه أبو حيان ٥/ ٤٧ لابن عيسى.\n(٢) في (أ): (... الخروج ولو كان لنا سعة ...).\n(٣) في (ب): (العقاب).","vol":"1","page":595},{"text":"القلب (١).\nوهذا بعيد، لأن هذه اللفظة وإن كانت مدحًا كقوله سبحانه: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)﴾ [الشعراء: ٨٩] فقد صارت تستعمل لمن له ركاكة في الرأي وضعف في العزم (٢).\n﴿لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (٤٣)﴾ جمهور المفسرين على أن النبي -ﷺ- كان أذن لقوم تخلفوا عن الغزو من غير إذن الله فعاتبه ﷾ (٣).\nو﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ﴾ متعلق بمضمر تقديره: كان يجب عليك أن لا تأذن حتى (٤) يتبين لك الصادق في إيمانه من الكاذب المنافق، وقيل: الصادق في عذره من الكاذب المتعلل، وقيل: تم الكلام عند قوله ﴿لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ ثم نهاه فقال: لا تأذن لهم حتى يتبين.\n﴿لَا يَسْتَأْذِنُكَ﴾ في التخلف عن الجهاد.\n﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا﴾ في أن لا يجاهدوا وكراهة أن يجاهدوا.\n﴿بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (٤٤)﴾.\n﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ﴾ في التخلف.\n_________\n(١) انظر: تفسير أبي الليث السمرقندي المسمى «بحر العلوم» ٢/ ٦٢.\n(٢) استعمالها بهذا المعنى في وقت المصنف لا يعني أن هذا هو معناها في وقت أبي الليث السمرقندي، كيف وقد قال الله تعالى في حق إبراهيم الخليل ﵊: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (٨٣) إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الصافات/٨٣ - ٨٤].\n(٣) انظر: «جامع البيان» للطبري ١١/ ٤٧٧ و«المحرر الوجيز» لابن عطية ٦/ ٥٠٥.\n(٤) في (ب): (لا تأذن لهم حتى).","vol":"1","page":596},{"text":"﴿الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ يوم القيامة، وقيل: آخر أيام الدنيا.\n﴿وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ شكوا في دينهم واضطربوا في اعتقادهم.\n﴿فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (٤٥)﴾ التردد: التصرف بالذهاب والرجوع مرات متقاربة.\nابن بحر: عوتب لأنه أذن لقوم في الخروج معه ولم يكن لهم أن يستأذنوا في الخروج ولا في التخلف بل كان عليهم أن يقتصروا في الخروج على الدعاء العام.\nقال: ثم ذم من استأذن في الخروج والذي استأذن في التخلف (١).\n﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ﴾ أي: لو عزموا على الخروج.\n﴿لَأَعَدُّوا لَهُ﴾ للخروج، ويحتمل: للجهاد.\n﴿عُدَّةً﴾ أهبة، لأنهم كانوا مياسير (٢)، والأهبة: الآلة والوصلة إلى الشيء.\n﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ﴾ نهوضهم للخروج، والانبعاث: الانطلاق في الحاجة.\n﴿فَثَبَّطَهُمْ﴾ حبسهم، والتثبيط: التوقيف عن الأمر بالتزهيد فيه.\n﴿وَقِيلَ اقْعُدُوا﴾ قال بعضهم لبعض، وقيل: قال النبي -ﷺ- غضبًا عليهم لعلمه بذلك منهم، وقيل: ألهمهم الله أسباب الخذلان (٣).\n_________\n(١) نقله الرازي في «التفسير الكبير» ١٦/ ٦١ عن أبي مسلم الأصفهاني بعبارة نحوها.\n(٢) في (أ): (مياسرين).\n(٣) أمره تعالى لهم بالخروج هو مقتضى إرادته الدينية الشرعية، وهذه الإرادة ليست مستلزمة لحصول مراده، فإنه ليس كل من أمره الله بشيء لابد أن يعينه عليه ويوفقه له، بل هو سبحانه يأمر عباده بما يحبه ويرضاه لهم فيوفق له من شاء من أهل طاعته، ويصرف عنه من شاء من أهل معصيته، ولذلك قال ابن كثير: (ولكن كره الله انبعاثهم) أي: أبغض أن يخرجوا معك قدرًا ﴿فَثَبَّطَهُمْ﴾ أي: أخرهم\n﴿وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ أي: قدرًا).\nوانظر: «المسائل الاعتزالية في تفسير الكشاف» ١/ ٥٣٦/٥٣٨، و«تفسير القرآن العظيم» لابن كثير ٧/ ٢١٢.","vol":"1","page":597},{"text":"﴿مَعَ الْقَاعِدِينَ (٤٦)﴾ لعذر، كالنساء والصبيان، وقيل: مع القاعدين بغير عذر.\n﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ﴾ في سبب النزول: أن رسول الله -ﷺ- لما خرج ضرب (١) عسكره على ثنية الوداع، وضرب عبدالله بن أُبيّ عسكره على ذي جُدَّه (٢) أسفل من ثنية الوداع ولم يكن بأقل العسكرين، فلما سار النبي -ﷺ- تخلف عنه عبدالله بن أبي بن سلول فيمن تخلف من المنافقين وأهل الريب، فأنزل الله يعزي نبيه ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ﴾ أي: في جملتكم (٣).\n﴿مَا زَادُوكُمْ﴾ أي: بخروجهم معكم.\n﴿إِلَّا خَبَالًا﴾ قيل: الاستثناء منقطع، والخبال: الفساد، أي: فسادًا في رأي ضعفة المؤمنين، وقيل: اضطرابًا لانتظام أمركم.\n﴿وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ﴾ أسرعوا ركابهم السير بينكم (٤) يوهمون الهزيمة في القلوب، والإيضاع: السير الشديد، وقيل: يسرعون بينكم بالنميمة.\n﴿يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾ الشرك، وقيل: التثبيط، وقيل: الاختلاف.\nوالخلال: الوسط.\n﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ من يقبل قولهم، وقيل: يخبرونهم بأخباركم وهم منافقون، وقيل: عيون لهم وهم مؤمنون.\n_________\n(١) في (ب): (ضربوا).\n(٢) هكذا في (أ) وعند الواحدي، أما الطبري وابن هشام فعندهما حِدَه، أما نسخة (ب) فجاءت مهملة.\n(٣) أخرجه الطبري ١١/ ٤٨٩ - ٤٩٠، وذكره الواحدي في «أسباب النزول» (ص ٤١٥)، وأورده ابن هشام في «السيرة» ٤/ ٢٢١ عن ابن إسحاق.\n(٤) انتقل نظر الناسخ لنسخة (ب) في هذا المكان، فكان النص عنده: (.. السير بينكم بالنميمة ...) فحصل سقط في النسخة.","vol":"1","page":598},{"text":"﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٤٧)﴾.\n﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ﴾ إفساد أمرك وغلبة الكافرين عليك ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ يوم أحد.\n﴿وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ﴾ احتالوا في إيصال المكاره إليك بكل حيلة، وقيل: أفسدوا أمورًا لك بالتضريب (١) والوشاية.\nوالتقليب: أن يجعل أسفله أعلاه وباطنه ظاهره.\nوقيل: قلبوا لك: غالوا الغوائل، وقيل: هو طلب المكيدة، من قولهم: هو حُوَّلٌ قُلَّبٌ (٢)، وقيل: هو النفاق، فإن المنافق (٣) ظاهره خلاف باطنه.\n﴿حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ﴾ أي: غلب الإسلام الشرك.\n﴿وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ علا دين الله وهو الإسلام، وقيل: علن.\n﴿وَهُمْ كَارِهُونَ (٤٨)﴾ أي: على رغم منهم وذلك أن عبد الله بن أبي تأخر يوم أحد وقال (٤): لو نعلم قتالًا لاتبعناكم (٥)، أي: إن (٦) تخلفوا عنك في هذه النوبة فلهم سابقة في التخلف.\n﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي﴾ أجمع المفسرون على أنها نزلت في جد بن قيس المنافق، وذلك أن النبي -ﷺ- حين تأهب لغزوة تبوك قال له: (يا جد هل لك في جِلَادِ بني الأصفر تتخذ منها سراري ووصفاء) فقال: يا رسول الله: لقد عرف قومي أني رجل مغرم بالنساء وإني أخشى إن رأيت بنات الأصفر أن لا أصبر عنهن فلا تفتني\n_________\n(١) جاء في «لسان العرب» (ضرب): (التضريب بين القوم: الإغراء).\n(٢) في «لسان العرب» (حول): (ورجل حُوَّل، بتشديد الواو، أي: بصير بتحويل الأمور، وهو حُوَّلٌ قُلَّب).\n(٣) في (أ): (فإن النفاق).\n(٤) في (ب): (وقالوا).\n(٥) انظر: الطبري ١١/ ٤٨٨ و«البحر المحيط» لأبي حيان ٥/ ٥١ - ٥٢.\n(٦) سقطت كلمة (أي) من (ب).","vol":"1","page":599},{"text":"بهذا وأذن لي في القعود عنك وأعينك (١) بمالي، فأعرض عنه النبي -ﷺ- وقال: (قد أذنت لك)، فأنزل الله هذه الآية (٢).\nوكان الأصفر رجلًا من الحبشة ملك الروم فاتخذ من نسائهم كل وضيئة حسناء فولدت له (٣) بنين وبنات أخذن من بياض الروم وسواد الحبشة فكن صفرًا لعسًا (٤) يضرب بهن المثل في الحسن (٥).\n﴿وَمِنْهُمْ﴾ أي: ومن المنافقين ﴿مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي﴾ في القعود ﴿وَلَا تَفْتِنِّي﴾ بنساء الروم والنظر إليهن.\nوقيل: لا تفتني: لا تكبني (٦) بالعصيان في المخالفة.\nوقيل: لا تصرفني عن شغلي.\n﴿أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ قيل: في النار والعذاب،.\nوقيل: في الكفر والنفاق.\n﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (٤٩)﴾ مطبقة بهم جامعة لهم.\n﴿إِنْ تُصِبْكَ﴾ إن نالك.\n﴿حَسَنَةٌ﴾ غنيمة وظفر.\n﴿تَسُؤْهُمْ﴾ غمهم ذلك.\n_________\n(١) سقطت كلمة (وأعينك) من (ب).\n(٢) انظر: الطبري ١١/ ٤٩١ و«أسباب النزول» للواحدي (ص ٤١٥).\n(٣) سقطت كلمة (له) من (ب).\n(٤) في (ب): (صفرًا ولعسًا).\nوالَّلعَسُ: سوادٌ مستحسن في الشَّفَة كما في «القاموس المحيط» (لعس).\n(٥) انظر: «الجامع لأحكام القرآن» للقرطبي ٨/ ١٥٨.\n(٦) في (ب): (لا تكسبني).","vol":"1","page":600},{"text":"﴿وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ﴾ شر (١) وهزيمة.\nوالإصابة: وقوع الشيء فيما قصد به، وقيل: الإصابة: الإحطاط من أعلى إلى أسفل، مشتق من الصَّوْب (٢).\n﴿يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا﴾ أي: أخذنا بالحزم.\n﴿مِنْ قَبْلُ﴾ بالتخلف عن الجهاد.\n﴿وَيَتَوَلَّوْا﴾ عن الإيمان.\n﴿وَهُمْ فَرِحُونَ (٥٠)﴾ معجبون شامتون.\n﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا﴾ شدة ورخاء وخير وشر.\n﴿إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ في اللوح المحفوظ، وقيل: ما كتب الله لنا في القرآن من قوله ﴿إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ [التوبة: ٥٢].\n﴿هُوَ مَوْلَانَا﴾ ناصرنا والذي يلي أمرنا.\n﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ أي: فليفوضوا أمرهم إليه (٣) وليرضوا بتدبيره.\n﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا﴾ تنتظرون بنا.\n﴿إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ الشهادة أوالغنيمة.\n﴿وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ بعقوبته، وقيل: ﴿مِنْ عِنْدِهِ﴾: الموت.\n﴿أَوْ بِأَيْدِينَا﴾ القتل.\n_________\n(١) في (ب): (كشر).\n(٢) قال في «اللسان» (صوب): (الصَّوْبُ: نزول المطر).\n(٣) سقطت كلمة (إليه) من (ب).","vol":"1","page":601},{"text":"﴿فَتَرَبَّصُوا﴾ انتظروا مواعيد الشيطان.\n﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ (٥٢)﴾ مواعيد الله في إعلاء كلمته وإعزاز دينه.\n﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ﴾ تقديره: إن تنفقوا طائعين أو كارهين لن يتقبل منكم، قيل: هو جواب جد بن قيس حين قال: ائذن لي في القعود وأعينك بمالي.\nوقوله ﴿طَوْعًا﴾ هو: مالا يلزمه كالصدقة (١)، ﴿أَوْ كَرْهًا﴾ هو ما يلزمه كالزكاة، وقيل: ﴿طَوْعًا﴾ هو (٢) مايسهل ويخف، و﴿كَرْهًا﴾ ما يصعب ويثقل.\n﴿لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ﴾ لأنها لم تصدر عن اعتقاد.\n﴿إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ (٥٣)﴾ خارجين عن طاعة الله.\n﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ تقديره عند المفسرين: وما منعهم الله قبول نفقاتهم إلا لأنهم كفروا بالله، ويحتمل: وما منعهم قبول نفقاتهم إلا كفرهم بالله ورسوله.\n﴿وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى﴾ متثاقلين.\n﴿وَلَا يُنْفِقُونَ﴾ أي: الزكاة.\n﴿إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ (٥٤)﴾ لأنهم لا يريدون بهما وجه الله.\n﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الخطاب للنبي -ﷺ- والمراد به الأمة.\nقال بعض المفسرين: فيه تقديم وتأخير تقديره: فلا تعجبك أموالهم ولا\n_________\n(١) في (ب): (.. كالصدقة وقيل أو كرهًا ...).\n(٢) سقطت كلمة (هو) من (أ).","vol":"1","page":602},{"text":"أولادهم في الحياة الدنيا إنما يريد الله (١) ليعذبهم بها في الآخرة.\nوتكون ﴿فِي﴾ متصلة بالإعجاب.\nوقال الآخرون: الآية على ترتيبها و﴿فِي﴾ متصلة بقوله (٢) ﴿لِيُعَذِّبَهُمْ﴾.\nواختلفوا في المعنى، فقال بعضهم: يعذبهم بالمصائب فيها، وقيل: بأخذ الزكاة والأمر بالإنفاق، وقيل: بنهب أموالهم وسبي أولادهم، وقيل: يعذبهم بجمعها وحفظها وحبها والبخل بها والخوف عليها، وكل هذا عذاب.\n﴿وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٥٥)﴾ وأصل الزهوق: الخروج بصعوبة، والزُّهُوقُ: الهلاك.\nوقيل: ﴿وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ﴾: تخرج بادرة من أبدانهم، تقول (٣): زهق الحجر من تحت حافر الدابة: إذا بدر، والزهوق: البعد أيضًا، والزَّهُوق: البِئْرُ البعيدُ الَمهْوَاة.\n﴿وَهُمْ كَافِرُونَ (٥٥)﴾ حال لهم.\n﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ﴾ كذبًا.\n﴿إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ (٥٦)﴾ القتل والنهب والسبي.\n﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً﴾ حصنا وحرزا يلجئون إليه، وقيل: ملجأ من الكفار يلجئون إليه، تقول: لجأت إليه ولجيت (٤)، أي: تحصنت به، وألجأته: أحرزته.\n﴿أَوْ مَغَارَاتٍ﴾ جمع مغارة، وهي البقعةُ يَغِيْبُ مَنْ دخلها، وقيل: هي السَّرَبُ تحت الأرض، وقيل: المغارة: الغار، وهي: الثقب الواسع في الجبل.\n_________\n(١) لم يرد لفظ الجلالة في (ب).\n(٢) في (ب): (بقولهم).\n(٣) في (أ): (يقولون).\n(٤) لم أجدها فما وقفت عليه من كتب اللغة.","vol":"1","page":603},{"text":"﴿أَوْ مُدَّخَلًا﴾ موضعًا يدخل فيه، وقيل: يدخل فيه بشدة.\n﴿لَوَلَّوْا إِلَيْهِ﴾ أقبلوا نحوه.\n﴿وَهُمْ يَجْمَحُونَ (٥٧)﴾ يسرعون، من قولهم: فرس جموح يركب رأسه.\n﴿وَمِنْهُمْ﴾ (ومنهم) أي: من المنافقين.\n﴿مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ ومعنى يلمزك: يَعِيْبُك.\nوقيل: يُحَرِّكُ شفتيه بالطلب، وقيل: يطعن عليك، وقيل: يغتابك، وكل قريب.\nوقوله ﴿فِي الصَّدَقَاتِ﴾ أي: في تفريق الصدقات بين أهلها.\n﴿فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ (٥٨)﴾ أي: إن أُعطي رضي وإن مُنِعَ سَخِط.\n﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ﴾ كما قال المسلمون.\n﴿سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ خزائنه.\n﴿وَرَسُولُهُ﴾ من الصدقة والغنيمة.\nويحتمل: أن ذكر الله في أول الآية وذكر الرسول في آخرها للتعظيم والتيمن وإن كان الكل من إيتاء الله.\n﴿إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ (٥٩)﴾ أي: نسأل الله أن يغنينا من فضله بفضله.\nوجواب (لو) محذوف تقديره: لكان (١) أولى بهم.\nثم بين الله مواضعها التي توضع فيها فقال:\n﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ﴾ وهي مال الزكاة (٢) والجزية وسائر ما سبيله إلى بيت المال.\n_________\n(١) في (ب): (لو كان أولى بهم).\n(٢) في (ب): (مال الصدقات والجزية).","vol":"1","page":604},{"text":"﴿لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ للمفسرين فيهما ثلاثة أقوال:\nأحدها: أن الفقير هو الذي له أدنى شيء، واستدل صاحب هذا القول بقول الشاعر (١):\nأما الفقيرُ الذي كانت حَلُوبَتُهُ ... وَفْقَ العيالِ فلم يُتْرَك لَهُ سَبَدُ\nواشتقاقه من الفَقَارِ، تقول: فَقَرته: إذا أصبتَ فَقَاره، وهو أصل الظهر، كما تقول: رَأَسته وَرَجَلته، أي: ضربت رأسه ورجله (٢)، فكأنه كسر ظهره، وأن المسكين: هو الذي لا شيء له، وانضم إلى فقره ذله وعدم هداية إلى وجه المعاش، واستدل (٣) بقوله ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦)﴾ [البلد: ١٦]، أي: لصق بالتراب من فقره وليس بينه وبين التراب حائل.\nوالثاني: أن المسكين من له أدني شيء وهو أحسن حالًا من الفقير، واستدل صاحب هذا القول بقوله تعالى ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾ [الكهف: ٧٩]، وأن الفقير: هو الذي لا شيء له، وكان النبي -ﷺ- يتعوذ من الفقر (٤) ويسأل المسكنة فيقول: (اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين) (٥).\nواشتقاقها من السكون، قال: وسمي مسكينا لأنه لا يتحرك إلى ما يتحرك إليه الغني، وقيل: لأنه أسكنه الفقر، وأجابوا عن البيت بأنه سماه فقيرا بعد سلب الحلوبة بقوله: فلم يُتْرَك لَهُ سَبَدْ، وأجاب صاحب القول الأول عن الاستدلال بقوله: ﴿فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾ [الكهف: ٧٩] بأنهم كانوا أُجَرَاء، وقيل فيه غير هذا ويأتي في موضعه.\nوالثالث: أنهما اسمان مترادفان لقوم واحد، فكل فقير مسكين وكل مسكين فقير، والله سبحانه سماهم باسمين ليكون لهم سهمان من الصدقة نظرًا لهم ورحمة عليهم.\nوقيل: الفقراء: أهل الحاجة من المهاجرين، والمساكين: من غير المهاجرين.\n_________\n(١) هو الراعي النميري يمدح عبدالملك بن مروان ويشكو إليه سُعاتَهُ.\nانظر: «لسان العرب» (فقر).\n(٢) في (أ): (وجلده) ثم تم تصويبها في هامش النسخة.\n(٣) سقط حرف الواو من نسخة (أ).\n(٤) أخرج أبو داود (١٥٤٤) من حديث أبي هريرة عنه -ﷺ- قال: (اللهم إني أعوذ بك من الفقر)، وصححه الشيخ الألباني.\n(٥) أخرجه الترمذي (٢٣٥٢) وابن ماجه (٤١٢٦)، وحكم عليه الشيخ الألباني في «إرواء الغليل» رقم (٨٦١) بأنه حديث حسن.","vol":"1","page":605},{"text":"وقيل: المسكين: من المسكنة: وهو الذلة، وهو على وجهين: مسكين لذلة الفقر، ومسكين لذلة الحال، والمسكنة التي ضربت اليهود بها منها (١)، وكذلك قوله ﴿لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ [الكهف: ٧٩]، وكذلك قول علي ﵁: مسكين ابن آدم ينظر بشحم ويتكلم بلحم ويسمع بعظم مستور الأجل مكنون العلل محفوظ العمل تؤلمه البقة وتقتله الشرقة وتميته الغرقة (٢).\n﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ هم السعاة الذين يجمعون المال ويجبون الخراج إلى بيت المال فلهم سهم من ثمانية، فقراء كانوا أم أغنياء، يعطيهم الإمام على قدر عملهم.\n﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ كانوا سادات العرب لما أسلموا استمال قلوبهم النبي -ﷺ- فأجزل حِبَاهُم (٣).\nوأكثر المفسرين على أنه سقط سهمهم لقوة الإسلام وأن ذلك كان خاصًا (٤) للنبي -ﷺ- في زمانه فسقط بوفاته (٥).\nوذهب بعضهم (٦) إلى أن للإمام أن يعطي من يتألفه على الإسلام، ولا يُدفع إلى الكفار.\nواشتقاقها: من الأُلْفَةِ، وهي: الجمع، تقول: أَلِفْتُهُ: أحببته، لما في الحب من الاجتماع.\n﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ يريد: المكاتبين.\nوالمكاتب (٧): هو الذي يشتري نفسه من مولاه فَيُعَانُ على فِكَاكِ رقبته.\n﴿وَالْغَارِمِينَ﴾ هم المفاليس الذين ذهبت أموالهم في غير معصية ولا إسراف، وقيل: هو الذي استدان لقوت عياله فلا يقدر على أدائه.\n﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ نفقة الغزاة وثمن الخيل والسلاح وبناء المصانع واتخاذ القناطر.\n_________\n(١) سقطت كلمة (منها) من (أ).\n(٢) نقله الكرماني في كتابه الآخر «غرائب التفسير» ١/ ٤٥٩ وعزاه المحقق إلى «نهج البلاغة» ٤/ ١١٩.\nووجدت في كتاب «آداب الحسن البصري» لابن الجوزي (ص ١٢٧) قول الحسن: (مسكين ابن آدم، ما أضعفه، مكتوم العلل، مكتوم الأجل، تؤذيه البقة، وتقتله الشرقة، يرحل كل يوم إلى الآخرة مرحلة، ويقطع من الدنيا منزلة، وربما طغى وتكبر، وظلم وتجبر).\n(٣) في «اللسان» (حبا): (الحِباءُ: العطاء).\n(٤) في (أ): (خالصًا).\n(٥) في (ب): زيادة: (فسقط بوفاته وذهب بوفاته وذهب بعضهم ...).\n(٦) انظر: «الجامع لأحكام القرآن» ٨/ ١٨١، و«العذب النمير» للشنقيطي ٥/ ٥٩١.\n(٧) في (ب): (والمكاتبات).","vol":"1","page":606},{"text":"﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ المنقطع يمر بك والضيف ينزل عليك، ونسب إلى السبيل (١) لملابسته إياها.\n﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ أي: فَرَضَ دفعها إلى المذكورين، ودلت الآية على معنى\nفرض، ونصبت على المصدر، وقيل: على الحال، كما تقول: هو لك طلقًا.\n﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠)﴾ يضع الصدقات في مواضعها.\n﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ﴾ في سبب النزول: أنها نزلت (٢) في جماعة من المنافقين فيهم الجلاس ابن سويد فقال: نقول ما شئنا ثم نأتيه فيصدقنا بما نقول وإنما محمد أذن سامعة (٣).\nمحمد بن إسحاق: نزلت في نبتل ابن الحارث وكان رجلًا أدلم (٤) أحمر العينين أسفع الخدين مشوه الخلقة، وهو الذي ذكر -ﷺ- فيه: (من أراد أن ينظر إلى الشيطان فلينظر إلى نبتل ابن الحارث)، وكان ينم الحديث من النبي -ﷺ- إلى المنافقين فقيل له: لا تفعل، فقال: إنما محمد أذن، من حدثه شيئا يصدقه (٥)، نقول ما شئنا ثم نأتيه فنحلف له فيصدقنا فأنزلت هذه الآية (٦).\n_________\n(١) في (ب): (نسب إليها).\n(٢) سقط قوله (أنها نزلت) من (أ).\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم عن السدي ٦/ ١٨٢٦، وذكره الواحدي في «أسباب النزول» (ص ٤١٨) دون عزوه لأحد، ثم نسبه للسدي بلفظ آخر.\n(٤) الأَدْلَمُ: الشديد السواد من الرجال.\nانظر: «اللسان» (دلم).\n(٥) في (ب): (صدقه).\n(٦) انظر: «السيرة» لابن هشام ٤/ ٢٦٢ عن ابن إسحاق، ولم يورد الحديث المرفوع، وذكره الواحدي في «أسباب النزول» (ص ٤١٨) بمثل رواية المؤلف، ولم يسنده، وأخرجه الطبري مسندًا إلى ابن إسحاق فحسب، ولم يورد فيه الحديث المرفوع ١١/ ٥٣٥، بينما ساقه ابن أبي حاتم مسندًا إلى ابن عباس ﵄ ٥/ ١٨٢٦ ولكنه لم يذكر الحديث المرفوع.","vol":"1","page":607},{"text":"ومعنى قوله ﴿أُذُنٌ﴾: أي: يسمع كلام كل أحد ويعمل به (١).\nقال الشاعر (٢):\nفقد صِرْتِ أُذْنًا للوُشاةِ سميعةً ... ينالونَ مِنْ عِرْضِي ولو شِئتِ ما نالوا\nوفي التسمية بـ ﴿أُذُنٌ﴾ قولان:\nأحدهما: أنه سمي بعضو منه لكثرة استعماله ذلك العضو، كتسميتهم الجاسوس عينًا والدابة ظهرًا.\nوالثاني: أنه (فُعُل) من: أَذِنَ يَأْذَنُ إِذْنًا: إذا استمع، كما تقول: أُنُفٌ وشُلُل.\n﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾ يسمع ما فيه صلاح المؤمنين لا ما فيه فسادهم.\n﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ ولا يكفر به.\n﴿وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: يصدقهم فلا يكذبهم، واللام زيادة، كقوله:\n﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٠].\nوقيل: يُصَدِّقُ بما يأتي من عند الله ويؤمن للمؤمنين بما وعدهم الله، وقيل: يُصَدِّقُ المؤمنين بما يخبرون لا المنافقين.\n﴿وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ﴾ أي: هو رحمة، ومَنْ جرها عطفها على ﴿أُذُنُ خَيْرٍ﴾.\n﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ بالقول والفعل.\n﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦١)﴾.\n﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ﴾ عما قالوا من قولهم ﴿هُوَ أُذُنٌ﴾، وقيل: عن التخلف من الجهاد، وقيل: عما وقع منهم مما يدل على النفاق.\n﴿لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ وحد الكناية وقد سبق في الأنفال بيانه (٣).\n_________\n(١) سقطت كلمة (به) من (ب).\n(٢) القائل هو عمرو بن أبي بكر العدوي القرش كما في «معجم الشعراء» للمرزباني (ص ٥٥) وهذا البيت مذكور في «البحر المحيط» ٥/ ٦٤ و«الدر المصون» ٦/ ٧٤ دون عزو.\n(٣) انظر: الآية (٢٠) و(٢٤) من سورة الأنفال.","vol":"1","page":608},{"text":"﴿إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ (٦٢)﴾ أي: صادقين في إيمانهم.\n﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ﴾ أن الأمر والشأن.\n﴿مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي: من يحارب أولياء الله (١) ورسوله.\n﴿فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ قال بعض النحويين: (أن) بدل من الأول، وهو سهو.\nوقال الزجاج: أعيد (أن) توكيدًا لما طال الكلام (٢).\nوقيل: فبأن ولأن (٣).\nوهذا كله باطل، فإن ﴿مَنْ﴾ للشرط و﴿يُحَادِدِ﴾ مجزوم به والفاء جزاء للشرط، وكان القياس كسر (أن) وقد قرئ به (٤)، ولكنه أضمر مبتدأ وجعل (أن) خبره، وتقديره: فالأمر أن له نار جهنم، هذا معنى كلام أبي علي في \" إصلاح الإغفال \" (٥).\n﴿خَالِدًا فِيهَا﴾ في النار.\n﴿ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ (٦٣)﴾ الإهلاك الدائم.\n﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ﴾ في سبب النزول قال الكلبي: قال بعض المنافقين: والله لوددت أني قدمت فجلدت مائة ولا ينزل فينا شيء يفضحنا، فأنزل الله هذه الآية (٦).\n_________\n(١) سقط لفظ الجلالة من (أ).\n(٢) انظر: «معاني القرآن» للزجاج ٢/ ٤٥٩، والذين قال عنهم الكرماني إن قولهم سهو، هم الخليل وسيبويه كما هو في «إعراب القرآن» للنحاس ٢/ ٢٢٤.\n(٣) قال أبو حيان في «البحر المحيط» ٥/ ٦٦: (وقيل: هو على إسقاط اللام، أي: فلأن له نار جهنم، فالفاء جواب الشرط، ويحتاج إلى إضمار ما يتم به جواب الشرط جملة، أي: فمحادته لأن له نار جهنم).\n(٤) قال السمين الحلبي في «الدر المصون» ٦/ ٧٩: (قرأ أبو عمرو فيما رواه أبو عبيدة والحسن وابن أبي عبلة (فإن) بالكسر).\n(٥) انظر: «الإغفال» لأبي علي الفارسي ٢/ ٤٢٢ و٢/ ٤٤٨.\n(٦) هذا سياق الواحدي في «أسباب النزول» (ص ٤١٩) ولم يسنده.","vol":"1","page":609},{"text":"وقال مجاهد: كانوا يقولون القول بينهم ثم يقولون (١): عسى الله أن لا يفشي علينا سرنا، فنزلت ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ﴾ (٢).\n﴿أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ﴾ قال المفسرون: السورة تنزل على الرسول -ﷺ-، لكن لما كان في شأنهم قال ﴿تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾.\nويحتمل: أنه من قولك: هذا عليك لا لك.\n﴿تُنَبِّئُهُمْ﴾ تخبرهم (٣) السورة.\n﴿بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ من الكفر والنفاق، أي: تفضحهم.\nويحتمل: أن تكون التاء لخطاب (٤) النبي -ﷺ-.\n﴿قُلِ اسْتَهْزِئُوا﴾ أمر تهديد، أي: أظهروا خلاف ما تضمرون.\nواختلف المفسرون في معنى ﴿يَحْذَرُ﴾ هاهنا بعد أن (٥) المنافق لا يعتقد أن الله ينزل شيئا، فقال الزجاج: هو أمر في صيغة الخبر كما في الصف (٦)، وقيل: المنافق\n_________\n(١) في (ب): (يقول).\n(٢) أخرجه الطبري ١١/ ٥٤١ وابن أبي حاتم ٦/ ١٨٢٩.\n(٣) سقطت كلمة (تخبرهم) من (ب).\n(٤) في (أ): (بخطاب).\n(٥) تأتي (بعد) بمعنى (مع)، قال تعالى: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ [القلم/١٣].\nانظر: «المعجم المفصل في النحو العربي» ١/ ٣٠٨.\n(٦) حاولت استظهار معنى قول الكرماني (كما في الصف) فلم يظهر لي إلَاّ ما تكلم به النحويون حول قوله تعالى في سورة الصف: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ ثم قال ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾. فالزجاج يرى أنها مثل هذه الآية. والمسألة مبسوطة في كتب النحو.\nيقول الزجاج في تفسير قوله تعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾: (هذا جواب ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ﴾ لأن معناه معنى الأمر، المعنى: آمنوا بالله ورسوله وجاهدوا في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم يغفر لكم ذنوبكم، أي: إن فعلتم ذلك يغفر لكم، والدليل على ذلك قراءة عبدالله بن مسعود: آمنوا بالله ورسوله). انظر: «معاني القرآن» للزجاج ٥/ ١٦٦، و«شرح المفصل» لابن يعيش ٤/ ٢٧٤.","vol":"1","page":610},{"text":"شاك فلم يأمنوا أن يكون محمد -ﷺ- صادقا، وقيل: قال المنافقون: نخاف أن يأتي محمد -ﷺ- بسورة من عنده (١) ثم يقول أنزلت فيهم كذا، فحكى الله عنهم قولهم، وقيل: كانوا يقولون استهزاء ولهذا قال سبحانه ﴿قُلِ اسْتَهْزِئُوا﴾.\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ (٦٤)﴾ أي: منزل (٢) هذه السورة ومظهر نفاقكم، وقيل: ناصر من تخذلون.\n﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ عن ابن عمر ﵄ قال: رأيت عبد الله بن أبيّ يشتد قدام رسول الله والحصى والحجارة تنكب رجليه يقول: يارسول الله: إنما كنا نخوض ونلعب، والنبي -ﷺ- يقول: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥)﴾ (٣).\nوقال زيد بن أسلم ومحمد بن كعب: قال رجل من المنافقين في غزوة تبوك: ما رأيت مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونا ولا أكذب لسانا ولا أجبن عند اللقاء يعنون رسول الله (٤) وأصحابه، فقال له عوف: كذبت، ولكنك منافقٌ، لأخبرنَّ رسول الله، فذهب عوف ليخبره فوجد القرآن قد سبقه، فجاء ذلك الرجل وقد ارتحل النبي\n_________\n(١) قوله (من عنده) لم يرد في (أ).\n(٢) في (أ): (هذل).\n(٣) هذا سياق الواحدي في «أسباب النزول» (ص ٤٢٠ - ٤٢١) وأخرجه ابن أبي حاتم ٦/ ١٨٣٠، وفيه تسمية الرجل، حيث يقول أبو حيان في «البحر المحيط»: (وذلك خطأ لأنه لم يشهد تبوك) يعني عبدالله بن أبيّ.\nوالرواية الأخرى عن ابن عمر ليس فيها تسمية الرجل، أخرجها الطبري ١١/ ٥٤٣ وابن أبي حاتم ٦/ ١٨٢٩.\n(٤) في (ب): (يعنون محمدًا وأصحابه).","vol":"1","page":611},{"text":"وركب ناقته فقال: يارسول الله إنما (١) كنا نخوض ونلعب ونتحدث بحديث الركب نقطع عنا الطريق فأنزل الله ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ (٢) وقلت لهم: لم قلتم ذلك، لقالوا: ﴿إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ نتجارى الأحاديث فعل المسافرين ﴿قُلْ﴾ يا محمد ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥)﴾ أي: ما تعللتم به ليس عذرًا بل كان ذلك منكم استهزاء وكفرًا.\n﴿لَا تَعْتَذِرُوا﴾ لا تطلبوا إقامة العذر، فعذركم غير مقبول.\n﴿قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ بعد إظهاركم الإيمان، وقيل: كفرتم بتأخركم عن تبوك، وقيل: بإيذاءكم رسول الله -ﷺ-.\n﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ﴾ لتوبتهم.\n﴿نُعَذِّبْ طَائِفَةً﴾ بإقامتهم على النفاق.\n﴿بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (٦٦)﴾ أي: نعذب بسبب أنهم كانوا مجرمين، وقيل: كانوا ثلاثة نفر فهزئ اثنان وضحك واحد، وقيل: بل أنكر عليهما بعض ما سمع، وقيل: اسمه مَخْشِي بن حمير، فلما نزلت هذه الآية برئ من النفاق (٣)، فتكون الطائفة الأولى واحدة، وكذلك في قوله ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ﴾ [النور: ٢].\nوعن عطاء في جماعة: أقل الطائفة اثنان (٤).\n﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ﴾ عن ابن عباس ﵄: أن الرجال المنافقين كانوا ثلاثمائة والنساء المنافقات كن (٥) مائة وسبعين (٦).\n_________\n(١) في (أ): (إنا).\n(٢) أخرجه الطبري ١١/ ٥٤٣ و١١/ ٥٤٥، وذكره الواحدي في «أسباب النزول» (ص ٤٢٠) دون إسناد.\n(٣) انظر: «جامع البيان» للطبري ١١/ ٥٤٦ - ٥٤٧، و«السيرة النبوية» لابن هشام ٤/ ٢٢٩ و٤/ ٢٦٢.\n(٤) أخرجه عبدالرزاق ٢/ ٥٠ عن عطاء، في تفسير سورة النور، آية (٢).\n(٥) سقطت كلمة (كن) من (ب).\n(٦) نقله الماوردي ٢/ ٣٧٩ عن ابن عباس.","vol":"1","page":612},{"text":"﴿بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ أي: هم يد واحدة، وقيل: يأخذ بعضهم من بعض، وقيل: رجالهم ونساؤهم صنف واحد في إظهار الإيمان واستسرار الكفر، وغلب المذكر على المؤنث في الجميع، وقيل: هذا جواب لقولهم في قوله (١) ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ﴾ [التوبة: ٥٦].\n﴿يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ﴾ الكفر والعصيان.\n﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ﴾ الطاعة والإيمان.\n﴿وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾ عن إخراج الزكاة والنفقة في الجهاد، وقبض اليد كناية عن البخل، وقيل: يقبضون أيديهم عن رفعها في الدعاء (٢) إلى الله.\n﴿نَسُوا اللَّهَ﴾ تركوا العمل بأوامره.\n﴿فَنَسِيَهُمْ﴾ خذلهم، وقيل: جازاهم على نسيانهم (٣).\n﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٦٧)﴾ الخارجون عن دين الله.\n﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ حال مقدر (٤).\n﴿هِيَ﴾ أي: النار.\n﴿حَسْبُهُمْ﴾ فيها كفاية لجزاء كفرهم.\n﴿وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ أبعدهم الله (٥) من رحمته.\n﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٦٨)﴾ دائم لا ينقطع.\n﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا﴾ في الكاف قولان:\nأحدهما: أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: أنتم كالذين من قبلكم.\nوقيل: حالكم كحال الذين من قبلكم.\nوقيل: محله نصب، أي: وعد الله المنافقين وعدًا كما وعد الذين من قبلكم.\n_________\n(١) في (ب): (لقولهم في قولهم).\n(٢) في (ب): (رفعها بالدعاء).\n(٣) قال الشيخ الشنقيطي في «العذب النمير» ٥/ ٦٢٢: (الله جل وعلا يستحيل في حقه النسيان، الذي هو ذهاب الشيء عن العلم، فمعنى (نسيهم): تركهم عمدًا وإرادة، لأن الله جل وعلا لا ينسى، كما قال تعالى: ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ [طه/٥٢] ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم/٦٤] وهذا معنى قوله:\n﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾).\n(٤) قال السمين الحلبي في «الدر المصون» ٦/ ٨٢: (قوله تعالى ﴿خَالِدِينَ﴾ حالٌ من المفعول الأول للوعد، وهي حال مقدرة، لأن هذه الحال لم تقارن الوعد).\n(٥) سقط لفظ الجلالة من (ب).","vol":"1","page":613},{"text":"وروي أنه قيل لرسول الله -ﷺ-: أهم (١) أهل فارس والروم وأهل الكتاب؟\nفقال -ﷺ-: (هل الناسُ إلا هُمْ) (٢).\nوروي عن ابن عباس أنه قال: ما أشبه الليلة بالبارحة هؤلاء بنو إسرائيل شُبِّهْنا بهم (٣).\n﴿فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ﴾ تلذذوا بملاذ الدنيا.\nوالخلاق: التام الوافر من النصيب، مشتق من: الخَلْقِ، وهو التقدير.\nالحسن: أي: دانوا بما أرادوا من الأديان ولم يتدينوا بدين الله (٤).\n﴿فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ﴾ في الباطل.\n﴿كَالَّذِي خَاضُوا﴾ وقيل: انغمستم في الدنيا وبعتم بها الأخرى كفعلهم، وقيل: لعبتم كما لعبوا، والتقدير: خضتم كخوضهم، وقيل: كالذين خاضوا فحذف النون، أو أجرى الذي مجرى مَنْ.\n﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا﴾ لأنهم اخْتُرِمُوا عنها (٥).\n﴿وَالْآخِرَةِ﴾ لأنهم يدخلون النار.\nوقيل معناه: حبطت في الآخرة أعمالهم التي عملوها في الدنيا، واللفظ لا يحتمله.\n﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦٩)﴾ خسروا الدنيا والآخرة.\nثم ذكر نبأ من قبلهم فقال:\n﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ﴾ أغرقوا بالماء.\n﴿وَعَادٍ﴾ أهلكوا بالريح.\n﴿وَثَمُودَ﴾ أهلكوا بالرجفة.\n﴿وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ﴾ أهلك نمرود ببعوضة، وأهلك أصحابه (٦) فجعلهم الأخسرين.\n_________\n(١) في (ب): (هم) بدون همز.\n(٢) أخرجه البخاري (٧٣١٩) وأحمد (٨٣٠٨) والطبري ١١/ ٥٥١ - ٥٥٢ ولفظ الأخير هو أقرب الألفاظ لما أورده المصنف.\n(٣) أخرجه الطبري ١١/ ٥٥٢ وابن أبي حاتم ٦/ ١٨٣٤.\n(٤) أخرجه الطبري ١١/ ٥٥٢ - ٥٥٣ عن الحسن مختصرًا بلفظ: بدينهم.\n(٥) في (ب): (اخترموا في الدنيا).\n(٦) في (ب): (أصحابهم).","vol":"1","page":614},{"text":"﴿وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ﴾ أهلكوا بالحر والنار يوم الظُّلَّة.\n﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتِ﴾ وهي قريات قوم لوط (١) أهلكت فجعل (٢) عاليها\nسافلها وأمطرها حجارة من سجيل، والمعنى: ائتفكت بهم، أي: انقلبت (٣)، وقيل: المؤتفكات: عام في كل من هلك.\nمقاتل (٤): المؤتفكات: المكذبات.\n﴿أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ يعني: الكل، وقيل: يعود إلى أهل المؤتفكات، أي: أتاهم رسول بعد رسول، والأول هو الوجه.\n﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ بإهلاكهم.\n﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٧٠)﴾ بالكفر وتكذيب الرسل.\n﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ في التعاضد والتناصر.\n﴿يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ بالإيمان والطاعة.\n﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ الشرك والمعصية.\n﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾ يريد إذا صاروا إليه.\n﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ لا يمتنع عليه شيء.\n﴿حَكِيمٌ (٧١)﴾ يضع الشيء موضعه.\n﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً﴾ طاهرة (٥) يطيب فيها العيش.\n﴿فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ الحسن: قال: سألت أبا هريرة وعمران بن حصين ﵄ عن قوله: ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً﴾ فقالا: على الخبير سقطت، سألنا رسول الله -ﷺ-\n_________\n(١) في (ب): (قوم نوح).\n(٢) ف (أ): (فجعلها).\n(٣) هناك زيادة في (أ) بعد قوله (انقلبت) وهي (وقيل انقلبت) ولا معنى لها، ولم ترد في (ب).\n(٤) في (أ): (مقابل).\nوقول مقاتل هذا مذكور في تفسيره ٢/ ١٨١.\n(٥) في (أ): (ظاهرة).","vol":"1","page":615},{"text":"عن ذلك فقال (١): (قصرٌ في الجنة من لؤلؤة بيضاء، فيه (٢) سبعون دارًا من ياقوتة حمراء، في كل دار سبعون بيتًا من زبرجد خضراء، في كل بيت سبعون سريرًا، على كل سرير سبعون فراشًا من كل لون، على كل فراش زوجة من الحور العين وفي كل بيت سبعون مائدة، على كل مائدة سبعون لونًا من الطعام، في كل بيت سبعون وصيفة، ويعطى المؤمن من القوة في كل غداة ما يأتي على ذلك كله أجمع) (٣).\nقوله: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾: بُطْنَانُ الجنة، يريد: وسطها.\nابن عباس ﵄: قال (٤): سألت كعب الأحبار (٥) عن جنات عدن فقال: هي الكروم والأعناب بالسريانية (٦).\nالحسن: جنات عدن وما أدراك ما جنات عدن، قصر من ذهب لا يدخله إلا نبي أو صديق أو شهيد أو حَكَمٌ عَدْلٌ، رفع الحسن به صوته (٧).\nوقيل: مدينة الجنة، وقيل: أعلى درجة في الجنة وفيها عين التسنيم والجنان حولها محدقة.\nوعن النبي -ﷺ-: (جنات عدن: دار الله التي لم ترها عين ولم (٨) تخطر على قلب بشر لا يسكنها غير ثلاثة النبيون والصديقون والشهداء، يقول الله تعالى: طوبى لمن دخلك) (٩).\n_________\n(١) حصل سقط في (ب) حيث ورد النص فيها كالتالي: (.. عن قوله (ومساكن طيبة فقال قصر ...)، فسقط منها قولهما (فقالا: على الخبير ... عن ذلك فقال ...).\n(٢) في (أ): (فيها) والتصويب من (ب) ومصادر التخريج.\n(٣) أخرجه الطبري ١١/ ٥٥٨ والطبراني في «الأوسط» (٤٨٤٩) وابن الجوزي في «الموضوعات» (١٨٠٤)، وقال ابن كثير في «البداية والنهاية» ٢٠/ ٢٨٦: (هذا الحديث غريب، بل الأشبه أنه موضوع).\n(٤) سقطت كلمة (قال) من (أ).\n(٥) كعب الأحبار: هو كعب بن ماتع الحميري، أبو إسحاق، ثقة مخضرم، كان من أهل اليمن فسكن الشام، مات في آخر خلافة عثمان سنة (٣٢ هـ) وقد زاد على المائة، وهو تابعي أسلم في أيام أبي بكر، وقيل في أيام عمر، مع أنه أدرك الجاهلية.\nانظر: «تهذيب التهذيب» لابن حجر ٣/ ٤٧١.\n(٦) أخرجه الطبري ١١/ ٥٦١.\n(٧) أخرجه سعيد بن منصور (التفسير -١١٦٨) والطبري ١١/ ٥٦٢.\n(٨) في (ب): (ولا تخطر).\n(٩) أخرجه الطبري ١١/ ٥٦٠ والطبراني في «الأوسط» (٨٦٣٥) وابن الجوزي في «العلل المتناهية» ١/ ٢٥، وضعفه الذهبي في «ميزان الاعتدال» ٢/ ٩٨.","vol":"1","page":616},{"text":"وأصله من: العَدْن، وهو: الإقامة، ومنها: المعدن، ومثله (١): جنة الخلد.\n﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ أي: ﵃ أكبر مما ذكر، لأنه (٢) لا يوصل إلى شيء من ذلك إلا بالرضوان.\nوروى أبو سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله -ﷺ-: (إن الله يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك ربنا وسعديك، فيقول لهم (٣): هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من خلقك، فيقول: أنا أعطيكم أفضل من ذلك، قالوا: يا رب: وأي شيء أفضل من ذلك؟ قال: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدًا) (٤).\n﴿ذَلِكَ﴾ أي: الرضوان، وقيل: جميع ما تقدم.\n﴿هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾.\n﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ﴾ بالسيف (٥).\n﴿وَالْمُنَافِقِينَ﴾ الحسن: بإقامة الحدود عليهم.\nابن مسعود ﵁: يجاهدهم بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه فإن لم يستطع فليَكْفَهِرَّ (٦) في وجهه (٧).\n﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ بالغ في قتالهم وجهادهم (٨).\nوالغلظة: قوة القلب على إحداث الألم.\n﴿وَمَأْوَاهُمْ﴾ مرجعهم.\n﴿جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٣)﴾.\n_________\n(١) في (ب): (ومثله المعدن ومنه جنة الخلد).\n(٢) سقطت (لأنه) من (ب).\n(٣) في (أ): (فيقولون).\n(٤) أخرجه البخاري (٦٥٤٩) ومسلم (٢٨٢٩).\n(٥) قوله (بالسيف) لم يرد في (أ).\n(٦) قال في «اللسان» (كفهر): (قول ابن مسعود: إذا لقيت الكافر فالقه بوجهٍ مكفهر، أي بوجه منقبض لا طلاقة فيه، يقول: لا تلقه بوجهٍ منبسط).\n(٧) أخرجه الطبري ١١/ ٥٦٦ وابن أبي حاتم ٦/ ١٨٤١.\n(٨) في (أ): (قتالهم وجدالهم).","vol":"1","page":617},{"text":"﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا﴾ في سبب النزول أقوال:\nقال الضحاك: سب المنافقون في غزوة تبوك (١) رسول الله -ﷺ- وطعنوا في الدين في خلوة، فنقل حذيفة إلى رسول الله -ﷺ- ما قالوه، فقال -ﷺ-: (يا أهل النفاق: ما هذا الذي بلغني عنكم)، فحلفوا ما قالوا شيئًا من ذلك، فنزلت هذه الآية (٢).\nقال قتادة: ذكرلنا (٣) أن رجلين اقتتلا، رجل من جهينة ورجل من غفار، فظهر الغفاري على الجهني، فنادى عبد الله بن أبيّ (٤) (٥): يابني الأوس: انصروا\nأخاكم، فوالله ما مثلنا ومثل محمد إلا كما قيل: سَمِّنْ كلبك يأكلْكَ، والله لو رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعزُّ منها الأذلَّ، فسعى بها رجل من المسلمين إلى رسول الله -ﷺ-، فجعل يحلف بالله ما قال، فأنزل الله هذه الآية (٦).\nوقيل: نزلت في الجلاس بن سويد (٧)، قال: لئن كان ما جاء به محمد حقًا لنحن شر من الحمير، ثم حلف بالله ما قاله (٨).\n﴿وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ﴾ يعني سب النبي -ﷺ-، وقيل: هو قوله: ليخرجن الأعز منها الأذل.\nابن عيسى: كل كلمة فيها جحد لنعمة الله فهي كفر (٩).\n_________\n(١) سقطت كلمة (تبوك) من (أ).\n(٢) ذكره الواحدي في «أسباب النزول» (ص ٤٢١) بلفظ قريب من لفظ المؤلف، وذكر السيوطي في «الدر المنثور» ٧/ ٤٤٧ نحوه عن الضحاك وعزاه لابن أبي حاتم وأبي الشيخ.\n(٣) في (أ): (ذكرنا).\n(٤) في (ب): (عبدالله بن أبي بكر بني الأوس).\n(٥) عبدالله بن أبيّ بن مالك، أبو الحباب المشهور بابن سلول، وسلول جدته لأمه، أظهر الإسلام بعد وقعة بدر، وهو رأس المنافقين في الإسلام، توفي سنة (٩ هـ).\nانظر: «معجم أعلام متن الحديث» (ص ٣٣ - ٣٤).\n(٦) أخرجه الطبري ١١/ ٥٧٢ وابن أبي حاتم ٦/ ١٨٤٣.\n(٧) جلاس بن سويد بن الصامت الأنصاري، كان من المنافقين ثم تاب وحسنت توبته، توفي في أيام عثمان بن عفان ﵃ أجمعين.\nانظر: «الإصابة» لابن حجر ١/ ٤٩٣ - ٤٩٤.\n(٨) أخرجه عبدالرزاق في «المصنف» (١٨٣٠٣) وابن أبي حاتم ٦/ ١٨٤٦ وابن سعد في «الطبقات الكبرى» ٤/ ٣٧٥.\n(٩) ذكره الوزير المغربي في تفسيره المخطوط «المصابيح» ولم ينسبه لأحد.","vol":"1","page":618},{"text":"﴿وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾ أي: بعد إظهارهم الإسلام، وقيل: هم قوم آمنوا ثم كفروا.\n﴿وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا﴾ من قتل محمد -ﷺ-.\nوالهم: دون العزم، والعزم فوقه.\nوقيل: هموا بقتل الذي سعى به، وقيل: بالإخراج، من قوله: ليخرجن الأعز منها الأذل.\n﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: ما عابوا محمدًا -ﷺ- ولم يروا منه (١) ما أورث المعاداة، بل أغناهم الله بالغنائم حتى كثرت أموالهم.\nوقيل: كان قتل لجلاس مولى فقضى له (٢) النبي -ﷺ- بإثني عشر ألف درهم فاستغنى بذلك (٣).\n﴿فَإِنْ يَتُوبُوا﴾ أي: عن النفاق ﴿يَكُ خَيْرًا لَهُمْ﴾ أي: التوب خيرًا لهم.\n﴿وَإِنْ يَتَوَلَّوْا﴾ يصروا على النفاق والكفر.\n﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا﴾ بالفضيحة ﴿وَالْآخِرَةِ﴾ بالنار.\n﴿وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٧٤)﴾ فينجيهم من الفضيحة والنار.\n﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾ عن أبي أمامة الباهلي ﵁: أن ثعلبة بن حاطب الأنصاري (٤) أتى رسول الله -ﷺ- فقال: يا رسول الله: ادع الله أن يرزقني مالًا، فقال رسول الله -ﷺ-: (ويحك يا ثعلبة، قليلٌ تؤدي شكره خيرٌ من كثير لا تطيقه)، ثم قال مرة أخرى، فقال: (أما ترضى أن تكون مثل نبي الله، فوالذي نفسي بيده لو شئت أن تسيل معي الجبال ذهبًا وفضة لسالت)، فقال: والذي بعثك بالحق لئن دعوت الله أن يرزقني مالًا لأوتين كل ذي حق حقه، فقال -ﷺ-: (اللهم ارزق ثعلبة مالًا) (٥)، فاتخذ غنما فنمت كما ينمي الدود فضاقت عنه المدينة فتنحى عنها فنزل واديًا من\n_________\n(١) في (ب): (منه إلا ما أورث).\n(٢) في (ب): (فقضى الله له النبي).\n(٣) أخرجه الطبري ١١/ ٥٧٤، وابن أبي حاتم ٦/ ١٨٤٦.\n(٤) له ترجمة في «الإصابة» لابن حجر ١/ ٤٠٠ - ٤٠١، وقد حاول ابن حجر الدفاع عنه بأن أثبت رجلين اسمهما ثعلبة بن حاطب، ولا حاجة لذلك، خصوصًا إذا علمنا أن أكثر أهل العلم على تضعيف هذه الرواية كما سيأتي قريبًا.\n(٥) في (أ): (اللهم ارزق مالًا لثعلبة).","vol":"1","page":619},{"text":"أوديتها حتى جعل (١) يصلي الظهر والعصر في جماعة ويترك ما سواهما، ثم نمت وكثرت حتى ترك الصلوات إلا الجمعة وهي تنمي كما ينمي الدود حتى ترك الجمعة، فسأل رسول الله -ﷺ- فقال: (ما فعل ثعلبة؟) فقالوا: اتخذ غنما وضاقت عليه المدينة وأخبروه بخبره، فقال: (يا ويح ثعلبة) ثلاثًا، ثم أتاه المتصدق من عند رسول الله فأبى وقال: ما هذه إلا جزية ما هذه إلا أخت الجزية، فنزل: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾ فبلغ ذلك ثعلبة فخرج حتى أتى النبي -ﷺ- فسأله (٢) أن يقبل منه صدقته، فقال: (إن الله قد منعني أن أقبل منك صدقتك)، فجعل يحثو (٣) التراب على رأسه، فقال -ﷺ-: (هذا عملك، قد أمرتك فلم تطعني)، فَقُبِضَ رسول الله -ﷺ- ولم يقبل منه شيئًا، ثم أتى أبا بكر فلم يقبل منه صدقته، ثم أتى عمر فلم يقبلها (٤)، ثم أتى عثمان فلم يقبلها منه (٥).\nقال الكلبي: كان لثعلبة مال بالشام خاف هلاكه، فنذر أن يتصدق منه، فلما قدم عليه بخل به (٦).\n_________\n(١) سقطت كملة (جعل) من (ب).\n(٢) في (ب): (فأخرجه فسأله).\n(٣) في (ب): (يحثي).\n(٤) في (ب): (فلم يقبلها منه).\n(٥) الحديث أخرجه الطبري ١١/ ٥٨٠ وابن أبي حاتم ٦/ ١٨٤٧ والثعلبي ٢/ ٣٣٣ (رسالة جامعية) وغيرهم، وفي إسناده عدد من العلل ضعفه لأجلها جماعة من أهل العلم، ومنهم: ابن حزم في «المحلى» ١١/ ٢٠٨، والبيهقي في «دلائل النبوة» ٥/ ٢٨٩ - ٢٩٢ وقال: (هذا حديث مشهور فيما بين أهل التفسير، وإنما يروى موصولًا بأسانيد ضعاف)، كما ضعفه ابن عبدالبر والقرطبي في «الجامع لأحكام القرآن» ٨/ ٢١٠، والذهبي في «التجريد» ١/ ٦٦، والهيثمي في «مجمع الزوائد» ٧/ ٣٢، وابن حجر في «فتح الباري» ٣/ ٣١٣، وأحمد ومحمود شاكر في تخريجهما لتفسير الطبري ١٤/ ٣٧٣ وغيرهم كثير.\n(٦) ذكره الثعلبي في «الكشف والبيان» ٢/ ٣٣٩ والماوردي ٢/ ٣٨٤.","vol":"1","page":620},{"text":"وقوله ﴿عَاهَدَ اللَّهَ﴾: أي: عاهد وخلف.\n﴿لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: المال.\n﴿لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ لنخرجن الصدقة.\n﴿وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥)﴾ بإخراج الصدقة وحق الله وصرف الباقي في الصلاح وما فيه (١) رضى الله.\n﴿فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أعطاهم الله المال ونالوا مناهم.\n﴿بَخِلُوا بِهِ﴾ منعوا حق الله ولم يفوا بالعهد.\n﴿وَتَوَلَّوْا﴾ عن طاعة الله.\n﴿وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦)﴾ مصرون على الإعراض.\n﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ جعل الله عاقبة فعلهم ذلك نفاقًا في قلوبهم، ويجوز أن يكون فاعل (٢) أعقب ما سبق من البخل والتولي والإعراض.\n﴿إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ يلقون الله، وقيل: فعلهم، وقيل: جزاء فعلهم، وهو يوم القيامة، وقيل: يوم الموت.\nوالمعنى: بخلهم مع (٣) التولي والإعراض أورثهم نفاقًا لزمهم إلى الممات.\n﴿بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (٧٧)﴾ أي: بسبب إخلافهم في وعدهم وكذبهم في قولهم.\n﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا﴾ يعني المنافقين كلهم، وقيل: من عاهد الله.\n﴿أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ﴾ ما أسروا في أنفسهم.\n﴿وَنَجْوَاهُمْ﴾ ما أسروا به إلى الغير.\n﴿وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (٧٨)﴾ فلا يخفى عليه شيء.\n_________\n(١) في (ب): (وما فيها).\n(٢) سقطت كلمة (فاعل) من (ب).\n(٣) في (ب): (بخلهم على التولي).","vol":"1","page":621},{"text":"﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ في سبب النزول عن قتادة في جماعة: أن النبي -ﷺ- لما حث على الصدقة جاء عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف درهم وقال: يا رسول الله: مالي ثمانية آلاف جئتك (١) بنصفها فاجعلها في سبيل الله وأمسكت نصفها لعيالي، فقال له رسول الله -ﷺ-: (بارك الله (٢) فيما أعطيت وفيما أمسكت)، فبارك الله في ماله (٣) حتى إنه خلف امرأتين يوم مات، فبلغ ثمن ماله لهما: مائة ألف وستون ألف درهم (٤)، وتصدق يومئذ عاصم بن عدي بن العجلان بمائة وسق من تمر، وجاء أبو عقيل الأنصاري بصاع من تمر وقال: يا رسول الله بت ليلتي أجر بالجرير (٥) حتى نلت صاعين من تمر، فأمسكت أحدهما لأهلي وأتيتك بالآخر، فأمره رسوله الله -ﷺ- أن ينثره في الصدقات، فلمزهم المنافقون وقالوا: ما أعطى عبد الرحمن وعاصم إلا رياء ولقد كان الله ورسوله غنيًا عن صاع أبي عقيل ولكنه أحب أن يذكر نفسه، فأنزل الله\n﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ﴾ (٦).\nأي: يعيبون ﴿الْمُطَّوِّعِينَ﴾ الذين يتطوعون بالصدقات، والتطوع من الصدقة: ما لايلزمه لزوم الزكاة، ويقولون فعلوا ذلك رياء وسمعة.\n﴿وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ إلا غاية وسعهم وطاقتهم، والجُهد: بالضم: غاية ما يقدر عليه الإنسان، وبالفتح: مصدر جهد في الأمر: إذا بالغ، وقيل: هما لغتان، يعنون أبا عقيل.\n﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ﴾ يستهزؤون بهم.\n﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ جازاهم جزاء سخريتهم.\n﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٩)﴾ مؤلم.\n﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ الصيغة صيغة الأمر، والمعنى معنى الشرط، أي: إن شئت فاستغفر لهم وإن شئت فلا تستغفر لهم، وقيل: أمر معناه الاستواء، أي: استغفارك لهم وترك الاستغفار سواء، وقيل: هذه مبالغة في الإياس (٧)، ومعناه: أنك لو طلبت الاستغفار لهم طلب المأمور به (٨) أو تركته ترك المنهي عنه لم يغفر لهم.\n_________\n(١) من هنا تبدأ نسخة (د) (جئتك بنصفها ...).\n(٢) في (ب): (بارك الله لك فيما ...).\n(٣) في (أ): (فبارك الله له في ماله)، ويوجد طمس في (د) في هذا الموطن.\n(٤) هكذا في (أ)، أما (ب) فجاء فيها: (مائة ألف وستون درهمًا)، و(د): (مائة وستين ألف درهم).\n(٥) يعني أنه كان يستقي الماء بالحبل، كما في «النهاية» لابن الأثير (ص ١٤٤).\n(٦) أخرجه عبدالرزاق ١/ ٢٨٣ - ٢٨٤ والطبري ١١/ ٥٩١ عن قتادة، وذكره الواحدي في «أسباب النزول» (ص ٤٢٦) عن قتادة أيضًا بدون إسناد.\nوقد جاء معناه في حديث أبي مسعود الأنصاري عند البخاري (١٤١٥) ومسلم (١٠١٨).\n(٧) في (د): (اليأس).\n(٨) سقطت (به) من (د).","vol":"1","page":622},{"text":"﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ قال قتادة ومجاهد: لما نزلت هذه الآية قال -ﷺ-: (لأزيدن على السبعين لعل الله يغفر لهم)، فأنزل الله ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [المنافقون: ٦] (١).\nوقيل: ليس هذا عددًا مؤقتًا، وإنما الغرض منه الكثرة، كما تقول: قد قلت لك مائة مرة ونهيتك عن ذلك ألف مرة.\nوذهب الأزهري في جماعة من أهل اللغة (٢) أن السبعين هاهنا جمع السبعة التي تستعمل للكثرة لا السبعة التي فوق الستة، وقد سبق في البقرة عند قوله\n﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] (٣).\nوفي استغفار النبي -ﷺ- لهم (٤) قولان:\nأحدهما: أنه لم يَكُ يعرف نفاقهم فدعى واستغفر لهم.\nوالثاني: أن المؤمنين من قومهم كانوا يسألون النبي -ﷺ- أن يستغفر لهم في حياتهم رجاء أن يخلصوا في إيمانهم وبعد مماتهم رجاء الغفران، فنهاه الله عن جميع ذلك وآيسهم منه.\n﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى الإياس (٥) من المغفرة.\n﴿بِأَنَّهُمْ﴾ بسبب أنهم.\n﴿كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ والكافر لا يغفر له.\n﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٨٠)﴾ المتمردين في الكفر.\n﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ﴾ أي: المتروكون، وقيل: الذين (٦) خلفهم رسول الله بأن أذن لهم في التخلف.\n﴿بِمَقْعَدِهِمْ﴾ بقعودهم.\n_________\n(١) أما أثر قتادة: فأخرجه عبدالررزاق في تفسيره ١/ ٢٨٤ والطبري ١١/ ٦٠١، وأما أثر مجاهد فهو في تفسيره (ص ٣٧٣) وأخرجه كذلك الطبري ١١/ ٦٠٠.\n(٢) هكذا في (أ) و(د)، بينما كان السياق في (ب) كالتالي: (... في جماعة إلى أن السبعين ...).\n(٣) سبق الكلام على السبعة ونقل كلام الأزهري عنها في تفسير سورة البقرة، الآية (١٩٦) (ص ٥٦٨) من القسم الأول من الكتاب بتحقيق الشيخ الدكتور ناصر العمر.\nوكلام الأزهري موجود في كتابه «تهديب اللغة» ٢/ ١١٦.\n(٤) سقطت (لهم) من (د).\n(٥) في (د): (اليأس).\n(٦) سقطت كلمة (الذين) من (ب).","vol":"1","page":623},{"text":"﴿خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ أي: بعد خروجه.\nوخلافك: بمعنى: خَلْفَكَ، ونصبه على الظرف، وقيل: خلافك: مصدر خَالفَ (١)، والمعنى: فرحوا بقعودهم في المدينة والتخلف عن الجهاد وأَنْ لم ينلهم حر الصيف في السفر بخلاف رسول الله -ﷺ-، فيكون نصبًا على العلة أو على المصدر.\n﴿وَكَرِهُوا﴾ أي: لم يريدوا\n﴿أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ﴾ قال بعضهم لبعض: لا تخرجوا إلى الجهاد في صميم الصيف، وقيل: قالوا للمؤمنين.\n﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا﴾ وقد اخترتموها بهذه المخالفة والتخلف.\n﴿لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ (٨١)﴾ يعلمون مآلهم إليها ما اختاروها وما تخلفوا.\n﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢)﴾ نهاهم عن الفرح بما تقدم منهم، لأن الضحك من الفرح، وقوله ﴿قَلِيلًا﴾ أي: في الدنيا، وهي قليلة، وقيل:\n﴿قَلِيلًا﴾ فإن الهموم والأحزان يمنعانكم عنه، وقيل: عنى بالقلة: العدم، كقول الشاعر (٢):\nقليلًا بها الأصوات إلا بُغامُها\nأي: ليس بها صوت.\n﴿وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ لأنه في القيامة وهو يوم مديد، وقيل: في النار، وهي لا نهاية\n_________\n(١) في (د): (مصدر خالفت).\n(٢) هو: ذو الرُّمة، كما في «خزانة الأدب» ٣/ ٤١٨ - ٤٢١.\nوأول البيت: أُنِيخَتْ فألقت بلدةً فوق بلدةٍ.\nوفي النسخ الخطية الثلاث وردت كلمة (قليلًا) هكذا، أما في «الخزانة» و«مغني اللبيب» ٣/ ٤٦٦ فوردت (قليلٌ)، ووردت في «اللسان» (بغم) (قليلٍ). فالله أعلم.","vol":"1","page":624},{"text":"لها (١)، وقيل: الضحك والبكاء كنايتان (٢) عن السرور والغم، وقيل: الصيغة صيغة الأمر ومعناها الخبر.\n﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ﴾ أي: إن ردك الله إلى المدينة من غزوة تبوك وفيها طائفة منهم، قيل: كانوا اثني عشر رجلًا، وقيل: أكثر من ذلك، تخلفوا بغير عذر.\n﴿فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ﴾ إلى غزوة أخرى بعد تبوك.\n﴿فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا﴾ أي: فلا تأذن لهم في الخروج وقل لهم لن تخرجوا معي أبدًا.\n﴿وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾ لقعودكم عن تبوك ولنفاقكم (٣).\n﴿إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أي: عن الوقت الذي تستأذنون فيه، فإن غزوة تبوك لم تكن بأول غزوة غزاها رسول الله -ﷺ- وقيل: أول مرة دعيتم، وقيل:\n﴿أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ يعني: قبل (٤) الاستئذان.\n﴿فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ (٨٣)﴾ مع من تخلف بعذر، وقيل: النساء والصبيان.\nتقول: خلفه: ناب عنه، قال الله تعالى ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي﴾ [الأعراف: ١٤٢].\nابن عباس ﵄: مع الخالفين الذين لا خير فيهم (٥).\n_________\n(١) في (أ): (وقيل لا نهاية لها) والمثبت من (ب) و(د).\n(٢) في (د): (حليتان).\n(٣) في (أ): (ونفاقكم).\n(٤) سقطت كلمة (قبل) من (ب).\n(٥) في (ب): (مع المخالفين أي الذين لا خير فيهم).\nوالمروي عن ابن عباس عند الطبري ١١/ ٦٠٩ أنهم الرجال، وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم ٦/ ١٨٥٧ عنه: هم الرجال الذين تخلفوا عن الغزو.\nوقد يكون الكرماني استقى هذا الكلام من الواحدي في «البسيط» (ص ٦٧٩) إذ قد أشار إلى نصّ قول ابن عباس ثم بين معناه، فنقل الكرماني المعنى. والله أعلم.","vol":"1","page":625},{"text":"وقيل: مع أهل الفساد.\n﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ أي (١): من المنافقين.\nأجمع المفسرون على أنها نزلت حين صلى النبي (٢) -ﷺ- على عبدالله بن أبي أو كاد يصلي، وذلك أنه لما مات جاء ابنه وكان مؤمنًا مخلصًا إلى رسول الله -ﷺ- وسأله أن يكفنه في قميصه الذي يلي جسده وأن يصلي عليه ويقوم على قبره (٣).\nوقيل: إنه في مرضه أرسل إلى النبي -ﷺ- ليأتيه، فأتاه فقال: (أهلكك حب اليهود)، فقال: لا تؤنبني، واستغفر لي وأعطني الثوب الذي يلي جسدك، ففعل ﵊ رجاء أن يؤمن بذلك قوم، فكان كما رجا، فإن ألفًا من الخزرج أسلموا لما رأوه عند وفاته يستشفي بثوب رسول الله -ﷺ- (٤)، فلما قام يصلي عليه جذبه عمر (٥)، ويقال جذبه جبريل (٦)، فصلى عليه (٧) فنزلت ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ من المنافقين، يريد: صلاة الجنازة، وقيل: يريد الدعاء.\n﴿وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ لا تقف عند قبره (٨) حتى يُفْرَغَ مِنْ دَفْنِه، وقيل: ﴿وَلَا تَقُمْ عَلَى\n_________\n(١) سقطت كلمة (أي) من (د).\n(٢) سقطت كلمة (النبي) من (د).\n(٣) أخرجه البخاري (١٢٦٩) ومسلم (٢٤٠٠) من حديث ابن عمر ﵄.\n(٤) إلى هنا مرويٌ عن قتادة عند عبدالرزاق في تفسيره ١/ ٢٨٥ والطبري ١١/ ٦١٤ وعزاه السيوطي في «الدر المنثور» ٧/ ٤٧٩ لأبي الشيخ كذلك.\n(٥) هذا مذكور في رواية البخاري (١٢٦٩) ومسلم (٢٤٠٠).\n(٦) هذا مذكور في رواية الطبري ١١/ ٦١٢.\n(٧) سقطت كلمة (عليه) من (ب).\n(٨) في (أ): (على قبره).","vol":"1","page":626},{"text":"قَبْرِهِ﴾ لا تتول دفنه وقبره (١)، فيكون مصدرًا، تقول: قَبَرَه: إذا دَفَنَه.\n﴿إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (٨٤)﴾.\n﴿وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٨٥)﴾ سبق تفسيرها (٢)، وليست بتكرار، لأنها في جماعة وهذه في أخرى.\nابن جرير: أراد أولاد عبدالله وأمواله (٣).\n﴿وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ﴾ يريد من القرآن.\nوهذا دليل على أن السورة (٤) كانت مسورة على عهد رسول الله -ﷺ-، لا كما زعم بعض المبتدعة أنها سورت بعد رسول الله -ﷺ- (٥)، وكذلك قوله ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ﴾ [هود: ١٣] (٦).\n﴿أَنْ آمِنُوا﴾ أي: بأن آمنوا (٧).\n﴿بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا﴾ يجوز أن يكون الخطاب للمنافقين، أي: آمنوا سرا كما آمنتم جهرا، ويجوز أن يكون للمؤمنين، أي: دوموا على الإيمان وجاهدوا.\n﴿مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ﴾ في التأخر.\n﴿أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ﴾ ذو القدرة والسعة في المال.\n﴿وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ (٨٦)﴾ أي: الزمنى والضَعْفَى.\n_________\n(١) سقطت (وقبره) من (ب).\n(٢) يعني بذلك الآية (٥٥) من نفس السورة.\n(٣) لم يذكر الطبري ذلك صريحًا، وإنما قد يُفهم منه تعميم الآية في المنافقين.\nانظر: تفسير الطبري ١١/ ٦١٥.\n(٤) يعني: التوبة.\n(٥) أخطأ الكرماني بوصفهم بأنهم مبتدعة، فسامح الله الجميع.\n(٦) قال الكرماني في «البرهان في متشابه القرآن» (ص ١١٥): (وذهب جماعة من المفسرين إلى أن قوله تعالى في سورة هود ﴿قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ﴾ معناه: مثل البقرة إلى سورة هود وهي العاشرة، ومعلوم أن سورة هود مكية، وأن البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنفال والتوبة مدنيات نزلن بعدها).\n(٧) سقط قوله (أي بأن آمنوا) من (د).","vol":"1","page":627},{"text":"﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ﴾ أي: النساء، جمع خالفة، من قولهم: فلان خالفة قومه: إذا كان لا خير فيه، وقيل: طائفة خالفة، ثم جمع على خوالف (١).\n﴿وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (٨٧)﴾ استُوْثِقَ منها فلا يدخلها الإيمان.\n﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ﴾ في الإنفاق.\n﴿وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ بالقتال.\n﴿وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ﴾ جمع خَيْرَة، تخفيف خَيِّرة، والمراد بهن: الحور، كقوله ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ (٧٠)﴾ [الرحمن: ٧٠].\nويجوز أن يكون عامًا في جميع الملاذ من الأطعمة والأشربة والمنازل والجواري والغلمان، وقيل: ﴿الْخَيْرَاتُ﴾: الغنائم.\n﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨٨)﴾ الباقون في النعيم.\n﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٨٩)﴾ لفظ:\n﴿أَعَدَّ﴾ دل على أنها مخلوقة معدة (٢).\nابن عيسى: الإعداد: تهيئة الشيء لغيره، وأصله: العَدَد، كأنه عَدَّ ما احتيج إليه.\n﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ﴾ في وزن فعله (٣) خلاف:\nأحدهما: أنه مُفَعَّل من التعذير، والثاني: مُفْتَعِل من الاعتذار، نقلت حركة التاء إلى الفاء وأدغمت التاء في العين (٤).\nوالفرق بين التعذير والاعتذار، أن التعذير: التقصير مع طلب إقامة العذر، والاعتذار: طلب العذر من غير تَضْجِيع (٥).\nفمن جعله من التعذير قال: هو ذم، وهو قول قتادة (٦).\nومن جعله من الاعتذار قال: هو عذر، وهو قول مُجاهد (٧).\nوقرأ ابن عباس في جماعة (المُعْذِرُون) خفيفًا (٨).\n_________\n(١) النص في (أ): (جمع خوالف) وفي (د): (جمع الخوالف) والمثبت من (ب).\n(٢) قال ابن أبي العز الدمشقي في «شرح العقيدة الطحاوية» ٢/ ٦١٤: (اتفق أهل السنة على أن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان الآن، ولم يزل على ذلك أهل السنة، حتى نبغت نابغة من المعتزلة والقدرية فأنكرت ذلك، وقالت: بل ينشئهما الله يوم القيامة).\n(٣) كلمة (فعله) سقطت من (ب).\n(٤) شطب عليها في (د) وكتب على الهامش (في الذال) والمثبت موافق لما في (أ) و(ب) والكرماني يتكلم على الحركات في الوزن (مفتعل) التي صارت (مُفَعّلِ) ولا يتكلم عن حروف الكلمة (معتذر) التي صارت (مُعَذِّر).\n(٥) قال في «لسان العرب» (ضجع): (التضجيع في الأمر: التقصير فيه).\n(٦) أخرجه الطبري ١١/ ٦٢١ عنه بلفظ: اعتذروا بالكذب.\n(٧) أخرجه الطبري ١١/ ٦٢٢ بلفظ: هم أهل العذر.\n(٨) انظر: «القراءات الشاذة» لابن خالويه (ص ٥٤)، والطبري ١١/ ٦٢٠.","vol":"1","page":628},{"text":"ومعنى: أعذر: أتى بعذر صحيح.\nوكان ابن عباس ﵄ يقول: لعن الله المُعَذِّرِين (١)، يريد بالتشديد، كان يذهب إلى التعذير (٢).\nوفيهم (٣) قولان:\nأحدهما: أنهم كانوا (٤) منافقين والكل ذم بدليل ما تقدم، وقال بعضهم:\nهؤلاء قوم من الأعراب غير قُطَّان المدينة تأخروا عن تبوك فلما سمعوا الوعيد أتوا معتذرين وسألوا أن يؤذن لهم في التخلف والقعود، وقيل: يؤذن لهم في الخروج.\nابن بحر: هؤلاء الأعراب صنفان: أحدهما: معتذر التمس الإذن في القعود، والآخر: مصرح بالنفاق غير جانح إلى عذر متجمل بتعذير.\nابن عيسى: العذر: سقوط اللوم بانتفاء التمكن من الفعل.\nقوله: ﴿وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي: أضمروا خلاف ما أظهروا ثم أوعدهم عذابًا فقال: ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٩٠)﴾.\n﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ﴾ أي: الضعيف في نفسه كالشيخ أو في عينه كالأعمى أو في عقله كالمجنون.\n﴿وَلَا عَلَى الْمَرْضَى﴾ جمع مريض.\n﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ﴾ أي: الفقراء والمساكين.\n﴿حَرَجٌ﴾ إثم في التأخر وضيق، بل هم موسع عليهم في التأخر.\n﴿إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ في إخلاصهم في أقوالهم وأفعالهم بما يعود إلى ما فيه (٥) صلاح الإسلام والمسلمين.\n﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ وهم الذين أطاعوا الله ورسوله، وقيل: هم الذين نصحوا لله ورسوله.\n﴿مِنْ سَبِيلٍ﴾ أي: ليس لأحد إلى لائمتهم أو عقابهم سبيل، لأنهم محسنون.\n﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩١)﴾ لهم، وقيل: غفور رحيم للمسيء فكيف للمحسن.\n﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ في سبب النزول: أنها نزلت في البكائين\n_________\n(١) أخرجه ابن الأنباري في «الأضداد» (ص ٣٢١).\n(٢) قال في «اللسان» (عذر): (قال الأزهري: ذهب ابن عباس إلى أن المُعْذِرين: الذين لهم العذر، والمُعَذَّرين بالتشديد: الذين يعتذرون بلا عذر).\n(٣) في (ب): (وفيه).\n(٤) في (د): (وفيهم قولان قال بعضهم كانوا ...).\n(٥) حصل سقط في (د) حيث ورد النص فيها كالتالي: (... بما يعود إلى ما ورسوله وقيل هم الذين نصحوا لله ...) فسقط من الكلام ما يقارب السطر الكامل.","vol":"1","page":629},{"text":"وكانوا ستة (١): معقل بن يسار وصخر بن خنساء وعبد الله بن كعب الأنصاري وسالم بن عمير وثعلبة بن غنمة وعبد الله بن مغفل، أتوا رسول الله -ﷺ- وقالوا: يا نبي الله نذرنا الخروج فاحملنا على الخفاف المرقوعة والنعال المخصوفة نغزوا معك، فقال: (لا أجد ما أحملكم عليه) فتولوا وهم يبكون.\nمجاهد: نزلت في بني مُقَرِّن: معقل وسويد والنعمان (٢).\nالحسن: نزلت في أبي موسى وأصحابه (٣).\nوقيل: نزلت في عرباض بن سارية.\nقوله ﴿وَلَا عَلَى﴾ عطف على الضعفاء لا على المحسنين، وقوله ﴿لِتَحْمِلَهُمْ﴾ أي: على النعال كما سبق.\nوروى أبو هريرة ﵁ أن رسول الله -ﷺ- قال في غزوة تبوك: (أكثروا من النعال فإن الرجل لا يزال راكبًا ما كان منتعلًا) (٤).\n_________\n(١) في (د): (سبعة).\nوفي عدد البكائين وأسمائهم اختلاف عند المفسرين، وأكثر المصادر على أنهم سبعة.\nانظر: الطبري ١١/ ٦٢٦، والواحدي في «أسباب النزول» (ص ٤٣٠)، و«المحرر» لابن عطية ٦/ ٥٩٩ و«الدر المنثور» للسيوطي ٧/ ٤٨٥ - ٤٨٨.\n(٢) أخرجه الطبري ١١/ ٦٢٥ وابن أبي حاتم ٦/ ١٨٦٢.\nوأولاد مُقَرِّن بن عائذ المزني سبعة، ليس في الصحابة سبعة إخوة سواهم، وهم: عبدالله وعبدالرحمن وعقيل ومعقل والنعمان وسويد وسنان.\nانظر: «القاموس المحيط» (ص ١٥٨٠) (قرن).\nوالمرويات عن مجاهد لم تخصص هؤلاء الثلاثة، إلَاّ ما كان عند الواحدي في «البسيط» (ص ٦٩٢ - رسالة جامعية) فيبدو أن الكرماني نقل عنه ذلك.\n(٣) نقله الماوردي ٢/ ٣٩٢ والواحدي في «البسيط» (ص ٦٩٣ - رسالة جامعية).\n(٤) لم أجده من حديث أبي هريرة ﵁.\nوإنما أخرجه مسلم في صحيحه (٢٠٩٦) من حديث جابر ﵁.","vol":"1","page":630},{"text":"وروي: أنهم طلبوا ما يتزودونه.\n﴿قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ أي: لا أملك، تقول: حَمَلَهُ حُمْلانًا: إذا أعطاه ما يركبه من دابة أو نعل وحمله على ظهره حَمْلًا.\n﴿تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ تسيل، ولم يقل: يفضن، أجراها مجرى جمع الكثير.\nوالفيض: سيل الماء عن (١) امتلاء الإناء.\n﴿حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا﴾ أي: بسبب أن لا يجدوا.\n﴿أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (٩٢)﴾ في مغزاهم.\n﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ﴾ أي: اللائمة والعذاب.\n﴿عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ﴾ في التخلف.\n﴿وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٩٣)﴾.\n﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ﴾ يقيمون لأنفسهم عذرا باطلًا.\n﴿إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ﴾ من هذه السفرة.\n﴿قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا﴾ بالأكاذيب والأباطيل.\n﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ﴾ لن نصدقكم.\n﴿قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ﴾ أي: أخبارًا (٢) من أخباركم وأطلعنا على أسراركم.\n_________\n(١) في (ب): (على).\n(٢) في (د): (أخبرنا من أخباركم).","vol":"1","page":631},{"text":"﴿وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ بعد اليوم، فإياكم ومعاودة (١) القبيح وما يعتذر منه.\n﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ أي: مصيركم إلى الله المطلع على أعمال عباده سرها وجهرها.\n﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٤)﴾ يوبخكم به ويعاقبكم عليه.\n﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ﴾ أي: سيكون منهم حلف بالكذب والباطل بعد انصرافكم إليهم من هذه السفرة إلى المدينة.\n﴿لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ ولا تعاتبوهم.\n﴿فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ ولا تؤنبوهم.\n﴿إِنَّهُمْ رِجْسٌ﴾ عملهم خبيث.\n﴿وَمَأْوَاهُمْ﴾ مصيرهم.\n﴿جَهَنَّمُ﴾ النار (٢).\n﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٥)﴾ جزاء على فعلهم.\nابن عباس ﵄: كانوا ثمانين رجلًا فأمر النبي -ﷺ- حين قدم المدينة أن لايجالسوهم ولا يكلموهم (٣).\nوقيل: نزلت في عبدالله بن أبي (٤)، حلف أن لا يتخلف عنه بعدها وأن يكون\n_________\n(١) في (ب): (ومواعدة).\n(٢) سقطت كلمة (النار) من (د).\n(٣) ذكره الثعلبي (ص ٣٧٠ - رسالة جامعية) والقرطبي ٨/ ١٤٧ عن ابن عباس ﵄.\n(٤) في (ب): (نزلت في أبي عبدالله بن خلف أن لا يتخلف ..) وفي (د): (... بن أبي بن حلف أن لا يتخلف ...).","vol":"1","page":632},{"text":"معه على عدوه وطلب إلى النبي -ﷺ- أن يرضى عنه (١).\n﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ﴾ أي: يطلبون رضاكم بحلفهم الباطل (٢).\n﴿فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ﴾ يريد: فلا ترضوا عنهم.\n﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٩٦)﴾ بل يسخط عليهم.\nوالرضى: ضد السَّخَط.\nأمر بالإعراض ونهى (٣) عن الرضى.\n﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا﴾ في سبب النزول: أنها نزلت في أعاريب من أسد وغطفان وأعاريب من أعراب (٤) حاضري المدينة، وليست (٥) بعام (٦).\nوالأعراب: هم أولاد عدنان وقحطان وهم ساكنوا البادية، ومن ولد بغيرها فهو عربي.\nقوله: ﴿أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا﴾ لأنهم لم يسمعوا كلام الله ولا مواعظ أنبيائه ولا حكمهم فيكون الكفر فيهم أكثر.\nوقيل: ﴿أَشَدُّ كُفْرًا﴾ لأن طباعهم جافية وقلوبهم قاسية.\nوكلا القولين واحد.\n﴿وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا﴾ أي: بأن لا يعلموا، ومعنى ﴿وَأَجْدَرُ﴾: أقرب وأولى.\n_________\n(١) ذكره مقاتل في تفسيره ٢/ ١٩١ ونقله عنه الثعلبي (ص ٣٧١ - رسالة جامعية).\n(٢) في (ب): (رضاكم بالباطل).\n(٣) في (أ): (والنهي).\n(٤) في (د): (من الأعراب حاضري ...).\n(٥) في (ب): (وليس).\n(٦) نقله الواحدي في «البسيط» (ص ٦٩٧ - رسالة جامعية) وابن الجوزي في «زاد المسير» ٣/ ٤٨٨ عن ابن عباس ﵄.","vol":"1","page":633},{"text":"قال أهل اللغة: هو (١) من الجدار، أي: ألصق وأعلى.\n﴿حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ من الفرائض والعبادات، وقيل: من الوعد والوعيد.\n﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٩٧)﴾.\n﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا﴾ أي: منهم منافقون غير مخلصين يَعُدُّون ما أنفقوا وتصدقوا به غُرْمًا ثِقْلًا أُلزِمَ من غير وجوب ولا يرجو عليه ثوابًا ولا يحتسبه عند الله.\nوأصل الغرم: اللزوم.\n﴿وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ﴾ ينتظر انقلاب الأمر عليكم.\n﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ أي: عليهم تدور المصائب والحروب التي يتوقعون وقوعها في المسلمين، وهذا وعد للمسلمين وإخبار، ويحتمل: أن يكون دعاء عليهم، أي: قولوا عليهم دائرة السوء، أي: المكروه.\nوحقيقة الدائرة: ما تدور به الأيام، وقيل: تدور به الفلك في سيره.\nوالدائرة: انقلاب النعمة إلى ضدها، وقيل: هي الجائحة، ووزنها: فاعلة.\nالحجة: يجوز أن يكون مصدرًا كالعاقبة والعافية، ويجوز أن يكون: صفة، أي: خَلَّةً تدور وتحيط بالإنسان حتى لا يكون له منها محيص (٢).\nوالسوء: بالفتح: المصدر، وبالضم: البلاء والمكروه (٣)، وإضافتها للبيان، كشمس النهار.\n_________\n(١) سقطت (هو) من (د).\n(٢) انظر: «الحجة» لأبي علي الفارسي ٤/ ٢٠٦.\n(٣) قرأ ابن كثير وأبو عمرو بضم السين (السُّوء) وقرأ باقي العشرة بفتحها.\nانظر: «المبسوط» لابن مهران (ص ١٩٥).","vol":"1","page":634},{"text":"﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٩٨)﴾.\n﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ البعث والحساب والثواب والعقاب.\n﴿وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ﴾ في الجهاد مع الرسول -ﷺ- وما يتصدق به.\n﴿قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي: يقربه من رحمته ورضوانه، وقيل: القربة: طلب الثواب والكرامة، وقيل: هي الطاعة.\n﴿وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ﴾ دعاؤه واستغفاره.\nوفي محلها أقوال:\nأحدها: أنه نصب بالعطف على ﴿مَا يُنْفِقُ﴾، أي: يتخذ ماينفق (١) وصلوات الرسول قربات (٢)، وقيل: نصب بالعطف على قربات، أي: يتخذ بذلك قربات الله وصلوات الرسول، أي: يطلب الغفران من الله والاستغفار من الرسول، وهذا قول المبرد، وفيه تعسف، لأن المفعول الثاني في (اتخذ) يجب أن يكون (٣) هو الأول، وقيل: محله جر بالعطف على الله تعالى، أي: يتخذ ذلك قربات عند الله وعند (٤) صلوات الرسول.\n﴿أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ﴾ إن نفقتهم، وقيل: إن صلوات الرسول.\nوالمعنى: هذا تصديق لمخيلتهم.\n﴿سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٩)﴾.\n_________\n(١) سقط من (أ): قول المؤلف: (أي يتخذ ما ينفق).\n(٢) في (د): (قربة).\n(٣) سقط قوله (يجب أن يكون) من (د).\n(٤) سقطت كلمة (عند) من (أ).","vol":"1","page":635},{"text":"﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ أكثر المفسرين على أنهم هم الذين صلوا إلى القبلتين وشهدوا بدرا، وقيل: هم الذين أسلموا قبل الهجرة، وقيل: هم الذين تقدم موتهم (١).\nوالأنصار: مجرور، أي: السابقون منهما، وقرئ بالرفع (٢)، فيكون السابقون: من المهاجرين فحسب.\n﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ فيه قولان:\nأحدهما: مِن المهاجرين والأنصار أيضًا، فيكون سائر الصحابة، والثاني: مَن اتبعوهم بالإيمان والطاعة إلى يوم القيامة.\nوذكر المفسرون والقراء: أن عمر ﵁ كان يقرأ: والأنصارُ الذين اتبعوهم، بحذف الواو ورفع الأنصار، فقال له (٣) زيد بن ثابت: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ﴾ فقال عمر (٤): الذين اتبعوهم، فقال زيد: أمير المؤمنين أعلم، فقال عمر ﵁: ائتوني بأبي ابن كعب، فأتاه، فسأله، فقال أبي: ﴿وَالَّذِينَ﴾، فقال عمر: فنعم إذًا (٥).\n﴿﵃﴾ بقبول الطاعة.\n﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾ بما نالوا من الثواب فوق (٦) ما تمنوا.\n﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ قرأ ابن كثير (من تحتها) (٧) وليس لها في القرآن نظير.\n_________\n(١) انظر الأقوال عند الطبري ١١/ ٦٣٧ والماوردي ٢/ ٣٩٤ وابن كثير ٧/ ٢٧٠ وغيرهم.\n(٢) هي قراءة عمر بن الخطاب والحسن وقتادة ويعقوب.\nانظر: «المبسوط» (ص ١٩٥ - ١٩٦) و«القراءات الشاذة» (ص ٥٤).\n(٣) كلمة (له) لم ترد في (د).\n(٤) سقطت كلمة (عمر) من (ب).\n(٥) أخرجه أبو عبيد في «فضائل القرآن» (ص ٣٠١) والطبري ١١/ ٦٤١.\n(٦) سقطت كلمة (فوق) من (أ).\n(٧) انظر: «المبسوط» لابن مهران (ص ١٩٦).","vol":"1","page":636},{"text":"﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ﴾ في سبب النزول: أنها نزلت في جُهَينة ومُزَينة وأَشْجَع وأَسْلَم وغِفَار ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ﴾ ابن أُبيّ وجد بن قيس ومعتب بن قشير والجلاس بن سويد وأبو عامر الراهب (١).\nقال قتادة: أسّر النبي -ﷺ- إلى حذيفة اثني عشر رجلا من المنافقين لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط، وقال: ستة منهم يقتلهم الدُّبَيْلة سراج من نار تأخذ في كتف أحدهم حتى تخرج من صدره (٢).\nوكان عمر ﵁ إذا مات رجل يظنه منهم، نظر إلى حذيفة فإن صلى عليه اتبعه.\nقال حذيفة: قال لي عمر: أنشدك الله أمنهم أنا، قلت: لا والله ما جعلك الله منهم (٣).\nوقوله ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ﴾ أي: من أهل البوادي ممن حوالي المدينة.\n﴿مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ﴾ منافقون.\n﴿مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾ يجوز أن يكون وصفًا للمنافقين وحقه التقديم، وهذا قول الزجاج (٤).\nويجوز أن يكون وصفًا لمنافقي المدينة فحسب، وهذا قول جماعة، فيكون الوقف على قوله ﴿مُنَافِقُونَ﴾ ثم يستأنف ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا﴾ أي: قوم مردوا (٥).\nويحتمل أن يكون ﴿مَرَدُوا﴾ للكل (٦)، ويحتمل: الاستئناف.\nومعنى ﴿مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾ أقاموا عليه فلم يتوبوا منه، وقيل: لجوا فيه وأبوا غيره (٧)، وقيل: استمروا على ذلك وعتوا فيه (٨)، وقيل: اشتدوا فيه، وقيل: دربوا به.\n_________\n(١) ذكره الثعلبي (ص ٣٩٠ - رسالة جامعية) غير معزو لأحد وذكره الواحدي في «أسباب النزول» (ص ٤٣١) عن الكلبي، وذكره ابن الجوزي ٣/ ٤٩١ عن ابن عباس ﵄.\n(٢) أخرجه مسلم في صحيحه (٢٧٧٨) ولكن عنده (ثمانية) بدلًا من (ستة).\nوالدُّبَيْلة: مفسرةٌ في حديث النبي -ﷺ- بأنها سراج من نار.\nوقال ابن الأثير في «النهاية» (ص ٢٩٧) (دبل): (خُراجٌ ودُمَّلٌ كبير تظهر في الجوف فتقتل صاحبها غالبًا).\n(٣) هذان الأثران عن عمر أخرجهما ابن عساكر في «تاريخ دمشق» ١٢/ ٢٧٦ في ترجمة: حذيفة بن اليمان ﵃ أجمعين.\n(٤) انظر: «معاني القرآن» للزجاج ٢/ ٤٦٧.\n(٥) انظر: «زاد المسير» ٣/ ٤٩٢.\n(٦) في (د): (الكل).\n(٧) في (د): (وأتوا).\n(٨) سقط هذا القول من (ب) فجاء النص فيها كالتالي: (... وأبوا غيره وقيل اشتدوا فيه ...).","vol":"1","page":637},{"text":"وأصله: من الشيطان المارد، واشتقاقه من: الملاسة، وقد سبق (١).\n﴿لَا تَعْلَمُهُمْ﴾ لا تعرفهم بأعيانهم ﴿نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾.\nويحتمل: لا تعلمهم (٢) منافقين.\nوتَقَدُّمُ لفظ النفاق قام (٣) مقام الملفوظ، فيكون على أصله متعديًا إلى مفعولين.\n﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ (١٠١)﴾ محمد بن جرير: لم يبين الله العذاب لنا ما هما (٤).\nغيره: المرة الأولى: في الدنيا بالقتل والفضيحة والهوان وأخذ الزكاة والحمل على الجهاد، والمرة الثانية: عذاب القبر، والثالثة: دخول النار على الدوام.\n﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ في سبب النزول: قال (٥) ابن عباس ﵄: نزلت في قوم كانوا (٦) تخلفوا عن غزوة تبوك، ثم ندموا وقالوا: نكون في الظلال مع النساء ورسول الله -ﷺ- وأصحابه في الجهاد، والله لنوثقن أنفسنا بالسواري (٧) ولا نطلقها حتى يكون الرسول هو الذي يطلقنا ويعذرنا، فأوثقوا أنفسهم بسواري المسجد، فلما رجع رسول الله -ﷺ- مر بهم فرآهم، فقال: (من هؤلاء؟)، قالوا: هؤلاء تخلفوا عنك فعاهدوا الله لا يطلقون أنفسهم حتى تكون أنت الذي تطلقهم وترضى عنهم، فقال -ﷺ-: (وأنا أقسم لا أطلقهم ولا أعذرهم حتى أؤمر بإطلاقهم، رغبوا عني وتخلفوا عن الغزو مع المسلمين)، فنزلت هذه الآية (٨)، فلما نزلت أرسل إليهم النبي -ﷺ- فأطلقهم وعذرهم، فلما أطلقوا قالوا: يا رسول الله هذه أموالنا التي خلفتنا عنك فتصدق بها عنا وطهرنا واستغفر لنا، فقال: (ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئًا)، فأنزل الله ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ (٩).\n_________\n(١) انظر تفسير سورة النساء، الآية (١١٧): ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾. في رسالة الشيخ الدكتور: ناصر العمر (ص ١٢٧٦).\n(٢) في (د): (لا تعلمونهم).\n(٣) في (د): (وقام).\n(٤) انظر: تفسير الطبري ١١/ ٦٤٩، ثم بيّن الطبري أن قوله ﷿: ﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾. فيه دلالة على أن العذاب في المرتين كلتيهما قبل دخولهم النار.\n(٥) سقطت كلمة (قال) من (أ).\n(٦) سقطت كلمة (كانوا) من (أ).\n(٧) في (ب): (في السواري).\n(٨) في (د): (الآيات).\n(٩) زاد في (أ): (الآية).\nوالأثر عن ابن عباس ﵄: أخرجه ابن جرير ١١/ ٦٥١ وابن أبي حاتم ٦/ ١٨٧٢.","vol":"1","page":638},{"text":"قوله (١) ﴿وَآخَرُونَ﴾ أي: قوم (٢) آخرون سوى المذكورين.\nقال ابن عباس ﵄: كانوا عشرة (٣).\nمجاهد: هو أبو لبابة (٤) وحده، لما أصابه حين بُعِثَ إلى بني قريظة (٥).\n﴿اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ في النفاق والتأخر عن الجهاد.\n﴿خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا﴾ التوبة.\n﴿وَآخَرَ سَيِّئًا﴾ النفاق.\nوقيل: تقديره: وآخرون خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا واعترفوا بذنوبهم.\n﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ وعسى من الله واجب (٦).\nوالخلط: مزج الشيء بالشيء حتى تدخل أجزاؤهما بعضها في بعض، وهاهنا: مستعار، والمراد به الجمع، ولهذا ذكر بالواو ولم يذكر بالباء، كما تقول (٧): خلطت الشيء بالشيء، وقيل: الواو بمعنى مع (٨).\n﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٠٢)﴾.\n﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ هي كفارة لذنوبهم، وقيل: هي الزكاة المفروضة.\n﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾ يريد: عن الذنوب.\n_________\n(١) سقطت كلمة (قوله) من (أ).\n(٢) في (ب): (أي وقوم ...).\n(٣) هذا وارد في الأثر السابق.\n(٤) سقطت كلمة (هو) من (أ).\n(٥) تفسير مجاهد (ص ٣٧٤) والطبري ١١/ ٦٥٦.\n(٦) هذا وارد عن ابن عباس ﵄ في الأثر السابق عنه.\n(٧) سقطت (كما) من (ب).\n(٨) في (ب): (بمعنى الواو).","vol":"1","page":639},{"text":"والتطهير: إزالة النجاسة (١).\nوالتاء: خطاب للنبي -ﷺ-، فيكون حالًا، وقيل: التاء: للتأنيث، فتكون صفة للصدقة، وكذلك قوله: ﴿وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ أي: تنمي حسناتهم، وقيل: (تزكيهم بها) تكثر أموالهم، والزكاء: نماء المال، وقيل: تحكم يا محمد بأنهم أزكياء، وقيل: التاء في ﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾ للصدقة، والتاء (٢) في ﴿وَتُزَكِّيهِمْ﴾ للنبي -ﷺ-.\n﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ ادع لهم واستغفر لهم.\nوالصلاة: الدعاء.\n﴿إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ طمأنينة لهم بأن الله قبل توبتهم، وقيل: ﴿سَكَنٌ لَهُمْ﴾ رحمة عليهم، وقيل: يسكنون إليها ويسارعون إلى أداء الصدقات.\nوروي أن عبد الله بن أبي أوفى قال: أتيت رسول الله -ﷺ- بصدقات قومي فقلت: يا رسول الله صَلّ عليَّ. فقال: (اللهم صلِّ على آل (٣) أبي أوفى) (٤).\nويحتمل: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ بعد موتهم خلافا لمن نهى عن الصلاة عليه في قوله\n﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤].\n﴿إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ يثقون بأن من صليت عليه مغفور له (٥).\n﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣)﴾.\n﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ عداه هاهنا بعن لتضمن القبول معنى التجاوز.\n﴿وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾ يقبلها، وقيل: جعل أخذ الرسول أخذ الله لأنه أخذ بأمره.\n﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٠٤)﴾ كثير قبول التوبة، وقيل: سريع القبول.\n﴿وَقُلِ اعْمَلُوا﴾ أي: الطاعة واحذروا المعصية.\n﴿فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ﴾ بالموت.\n_________\n(١) في (أ): (إزالة الشيء).\n(٢) في (د): (وقيل التاء ...).\n(٣) كلمة (آل) سقطت من (ب).\n(٤) أخرجه البخاري (١٤٩٧) ومسلم (١٠٧٨).\n(٥) سقطت (له) م (أ) و(د).","vol":"1","page":640},{"text":"﴿إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥)﴾ ينبئ تنبئة (١) تذكير ومجازاة عليه.\n﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ﴾ في سبب النزول: أنها نزلت في كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية، تخلفوا عن غزوة تبوك وهم الذين ذكروا في قوله ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة: ١١٨] (٢).\nأي: هم ثلاثة (٣) زمر: فزمرة مردوا على النفاق، وزمرة اعترفوا، وزمرة توقف في أمرهم.\nقوله: ﴿مُرْجَوْنَ﴾ أي: ومنهم آخرون مرجون.\nالهمز وترك الهمز لغتان (٤)، وقيل: من همز فمعناه: مؤخرون، ومن ترك الهمز فمعناه: جعلوا يرجون، أرجأ الله أمرهم، وقيل: أرجأ النبي أمرهم.\n﴿لِأَمْرِ اللَّهِ﴾ ليأمر الله فيهم وينزل في شأنهم.\n﴿إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ﴾ إن أصروا على النفاق.\n﴿وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ إن تابوا.\nوقيل: إما يخذ لهم وإما يوفقهم.\nوالتشكيك في حق العباد والله عالم بما تصير إليه أمورهم.\n﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠٦)﴾.\n﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا﴾ في سبب النزول: عن سعد بن أبي وقاص قال: إن المنافقين عرضوا المسجد يبنونه (٥) ليضاهوا به مسجد قباء وهو قريب منه لأبي عامر الراهب يرصدونه إذا قدم ليكون إمامهم فيه (٦)، فلما فرغوا من بنائه أتوا رسول الله -ﷺ- فقالوا: إنا قد بنينا مسجدًا فصل فيه حتى نتخذه مصلى، فأخذ ثوبه ليقوم معهم فنزلت هذه الآية ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ [التوبة: ١٠٨] (٧).\n_________\n(١) في (ب): (ينبى ينبى تذكير ...).\n(٢) أخرجه الطبري ١١/ ٦٦٩ وابن أبي حاتم ٦/ ١٨٧٨ عن ابن عباس ﵄، وأصل القصة في الصحيحين كما سيأتي قريبًا إن شاء الله تعالى.\n(٣) هكذا في النسخ الثلاث (ثلاثة) وحقها (ثلاث)، ولكن لعله أراد معنى الزمرة، وهو الفوج، فيكون الكلام: ثلاثة أفواج، فيصح استخدام (ثلاثة) والله أعلم.\n(٤) قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وأبو بكر عن عاصم ويعقوب (مرجئون) بالهمز، وقرأ أبو جعفر ونافع وحفص عن عاصم وحمزة والكسائي وخلف (مرجون) بغير همز.\nانظر: «المبسوط» لابن مهران (ص ١٩٦).\n(٥) في (د): (يبنونها).\n(٦) سقطت (فيه) من (أ).\n(٧) هذا سياق الواحدي في «أسباب النزول» (ص ٤٣٤) وفي إسناده عند الواحدي: داود بن الزبرقان، متروك الحديث.","vol":"1","page":641},{"text":"وفي غير هذه الرواية: فدعا رسول الله -ﷺ- مالك ابن الدخشم ومعن بن عدي وعامر بن السكن والوحشي قاتل حمزة، وقال لهم: (انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله (١) فاهدموه وأحرقوه)، فخرجوا وانطلق مالك فأخذ سعفة من النخل فأشعل فيها نارًا ثم دخلوا (٢) المسجد وفيه أهله فحرقوه وهدموه فتفرق عنه أهله، وأمر النبي -ﷺ- أن يتخذ ذلك كناسة يلقى فيها الجيف والنتن والقمامة، ومات أبو عامر بالشام وحيدًا غريبًا (٣).\n﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا﴾ قرئ بالواو (٤) وبحذفه (٥)، فمن قرأ بالواو جعله عطف جملة على جملة، ومحله رفع بالابتداء وخبره يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون تقديره: ومنهم الذين اتخذوا، والثاني: أن يكون تقديره: جازيناهم على فعلهم، ومن قرأ بغير واو جاز أن يكون مبتدأ، وخبره: جازيناهم، وجاز أن يكون خبره: ومنهم، فأضمر الخبر وأضمر الواو، وجاز أن يكون بدلًا من الأول (٦) بدل البعض من الكل.\n﴿مَسْجِدًا ضِرَارًا﴾ أي: للشر والبلاء والإضرار بالمسلمين، وقيل: ضرارًا لمسجد رسول الله.\nوالضرار: مصدر: ضَرَّهُ ضِرارًا، وهو محاولة الضَّر.\n﴿وَكُفْرًا﴾ للكفر الذي يضمرونه.\n﴿وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ليفرقوا جمعهم.\n﴿وَإِرْصَادًا﴾ ترقبًا وانتظارًا.\nوأصله من: الرَّصَدِ، وهو: الطريق، تقول: رَصَدَه: إذا وقف في طريقه يترقبه، وأَرْصَدَهُ كذا: أَعَدَّ لَهُ مُنْتَظِرًَا له به.\n﴿لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ أبو عامر الراهب، كان يوم الأحزاب يجمع\n_________\n(١) في (د): (أهلها).\n(٢) في (أ): (دخل).\n(٣) هذه الألفاظ وردت عند الثعلبي في «الكشف والبيان» (ص ٤١٠ - رسالة جامعية).\n(٤) في (د): (قرئ بالوجهين بالواو ...).\n(٥) قرأ أبو جعفر ونافع وابن عامر بغير واو، وقرأ باقي العشرة بالواو.\nانظر: «المبسوط» لابن مهران (ص ١٩٦).\n(٦) في (ب): (من الواو بدل ...).\nوالأول هو قوله تعالى (وآخرون مرجون)، وقد ردّ هذا القول أبو علي الفارسي في «الحجة» ٤/ ٢٤٠.","vol":"1","page":642},{"text":"الجيوش، فلما هزم الكفار خرج إلى الشام.\n﴿وَلَيَحْلِفُنَّ﴾ بالله كاذبين (١)، يعني: بناة المسجد.\n﴿إِنْ أَرَدْنَا﴾ ببناء هذا المسجد.\n﴿إِلَّا الْحُسْنَى﴾ الخلة الحسنى.\n﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٠٧)﴾ في حلفهم.\n﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ للصلاة.\n﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى﴾ بناه المتقون على تقوى الله وطاعته.\nالجمهور على أنه: مسجد قباء، وقيل: هو مسجد رسول الله -ﷺ-، وروي أن رجلين تماريا فيه، فقال الرسول -ﷺ-: (هو مسجدي هذا) (٢).\n﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ من حين بني، والقياس: مذ (٣)، وعنه (٤) جوابان:\nأحدهما: أن ﴿مِنْ﴾ عامٌّ في الزمان والمكان وغيرهما.\nوالثاني: أن التقدير: من تأسيس أول (٥) يوم، وأنشد قول الشاعر لعموم مِنْ (٦):\nلِمَنِ الدِّيارُ بِقُنَّةِ الحِجْر ... أَقْوينَ من حِجَجٍ ومن شَهْر (٧)\n_________\n(١) في (د): (كاذبا).\n(٢) أخرجه مسلم في صحيحه (١٣٩٨) وأحمد (١١٠٤٦) والطبري ١١/ ٦٨٦ وغيرهم من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.\n(٣) لكون (مذ) من حروف الجر المختصة بالزمان.\nانظر: «المعجم المفصل في النحو العربي» ٢/ ٩٦٠.\n(٤) في (ب): (وفيه).\n(٥) في (د): (... تأسيس يوم يوم ...).\n(٦) قوله (لعموم من) لم يرد في (ب).\nوالقائل هو زهير بن أبي سلمى كما في «البسيط» للواحدي (ص ٧٣٣ - رسالة جامعية)، و«زاد المسير» ٣/ ٥٠٠، و«خزانة الأدب» ٩/ ٤٣٩.\n(٧) في (ب): (من دهر).\nوهذه إحدى الروايات في البيت كما في «خزانة الأدب» ٩/ ٤٤٣.","vol":"1","page":643},{"text":"﴿أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ أولى بأن تصلي فيه (١).\n﴿فِيهِ﴾ في المسجد.\n﴿رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (١٠٨)﴾ وهم الأنصار.\nروي عن (٢) النبي -ﷺ- أنه قال عند نزول هذه الآية للأنصار: (ما سبب هذا الثناء عليكم من الله؟)، فقالوا: إنا نتبع الأحجار بالماء ونغسل عنا أثر الغائط والبول (٣).\nوقيل: يطهرون أحوالهم من المعاصي بالطاعة.\n﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ﴾ هذا سؤال تقرير، وجوابه مسكوت عنه لظهوره ووضوحه.\nومعنى ﴿أَسَّسَ بُنْيَانَهُ﴾ وضع أساس ما يبنيه ﴿عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ﴾ أي: متقيًا عن (٤) المعاصي طالبًا (٥) رضى الله ﴿خَيْرٌ﴾ أفضل ﴿أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ﴾ شفا كل شيء: شفيره (٦)، وأشفى عليه: بلغ شفاه، والجُرُف: ما تهدم من جوانب الوادي من جَرْفِ السيل، أي: جَرَفَ جَرْفًا عميقًا له ظاهر رقيق وأصله واه ضعيف، ومعنى ﴿هَارٍ﴾ هائر يسقط بعضه على بعض، وهو اسم الفاعل من: هار، يهور، وقيل: هار، يهار، فقلب، وقيل: هو كُبَاب.\n_________\n(١) سقطت (فيه) من (د).\n(٢) في (ب): (روي أن ...).\n(٣) ورد بعدة روايات عن عدد من الصحابة، ذكرالعديد منها السيوطي في «الدر المنثور» ٧/ ٥٣٠ - ٥٣٦، والحديث صححه الشيخ الألباني بشواهده في «إرواء الغليل» ١/ ٨٥.\n(٤) في (د): (منعًا عن ...).\n(٥) في (د): (برضى).\n(٦) في (ب): (حفيره).","vol":"1","page":644},{"text":"﴿فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ فانهار الشفا بالبناء، وقيل: فانهار البناء بالباني وأهله.\nقال جابر بن عبد الله ﵁: رأيت الدخان يخرج من مسجد الضرار حين انهار (١).\n﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠٩)﴾.\n﴿لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ أبو علي (٢) في «الحجة»: البنيان: مصدر، بدليل دخول التاء عليه، تقول: بنيانة، فلو (٣) كان جمعًا لم يدخله (٤)، ثم يستعمل للاسم: كضرب الأمير ونسخ اليمين (٥)، وفي الآية: مصدر، ليصح الخبر عنه بالريبة، ويجوز أن يكون الاسم والمضاف محذوف، أي: بناء البنيان، والمعنى: لا يزال ما اعتقدوه وبنوا له مسجد الضرار من الكفر والنفاق لازمًا لقلوبهم لا يفارقها حتى يموتوا.\n«الحجة»: لا يزال بناء المبنى شكًا في قلوبهم من إظهار الإسلام والثبات على النفاق إلَاّ أن (٦) تقطع قلوبهم بالموت والبلى (٧).\nوقيل: لا يزال تخريبك لمسجدهم يورثهم (٨) عداوة في قلوبهم إلى يوم موتهم (٩).\nوقيل: لا تزال نفقة بنيانهم حسرة في قلوبهم حتى الموت.\nوقيل: ﴿رِيبَةً﴾ حزازة في قلوبهم، وقيل: ﴿رِيبَةً﴾ خوفًا من المؤمنين لما ظهر نفاقهم.\n_________\n(١) أخرجه الطبري ١١/ ٦٩٧ وابن أبي حاتم ٦/ ١٨٨٤ والحاكم في «المستدرك» ٤/ ٤٩٦.\n(٢) قوله (أبو علي في) لم يرد في (د).\n(٣) في (د): (ولو).\n(٤) في (د): (لم تدخله).\n(٥) في (ب): (ونسج اليمن) وهو كذلك في «الحجة» لأبي علي الفارسي ٤/ ٢٢٢.\n(٦) في (أ): (إلى أن)، والمثبت من (ب) و(د) و«الحجة».\n(٧) انظر: «الحجة» لأبي علي الفارسي ٤/ ٢٣٠.\n(٨) في (ب): (يؤثر).\n(٩) سقطت كلمة (موتهم) من (د).","vol":"1","page":645},{"text":"وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ ابن عيسى: ﴿إِلَّا﴾ هاهنا: بمعنى: حتى، لأنه استثناء من الزمان المستقبل.\nوقيل: الاستثناء منقطع، وقيل: معنى ﴿إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ بالتوبة فتفارقها الريبة.\n﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بنياتهم.\n﴿حَكِيمٌ (١١٠)﴾ فيما أمر بالهدم.\n﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ﴾ في سبب النزول: قال محمد بن كعب القرظي: لما بايعت الأنصار رسول الله -ﷺ- ليلة العقبة بمكة وهم سبعون نقيبًا، قال عبدالله بن رواحة: يا رسول الله: اشترط لنفسك ولربك ماشئت، فقال: (أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم)، قالوا: فإذا فعلنا ذلك فماذا لنا؟ قال: (الجنة)، قالوا: ربح البيع، لا نقيل ولا نستقيل، فنزلت هذه الآية (١).\nومعنى اشترى أنفسهم وأموالهم: أي: ملكهم أنفسهم وأموالهم (٢) فصارت لهم ثم اشترى منهم أنفسهم بأن يجاهدوا بها.\n﴿وَأَمْوَالَهُمْ﴾ بأن ينفقوا في سبيل الله وبأن يتصدقوا بها.\n﴿بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ أي: بالجنة.\n﴿يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ أي: لهم الجنة قاتلين (٣) أو مقتولين إذا باشروا الحرب، وقيل: ضرب المثل بالشراء: لأنه أخذ وإعطاء، وقد سبق (٤).\nوالشراء: مشتق من: الشّروى، وهي: المِثْل.\n﴿وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ أي: وعد وعدًا حقًا ثابتًا لا خُلْفَ فيه.\n﴿فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ﴾ أي: مبايعتكم هذه مذكورة في الكتب الثلاثة، وقيل: اشترى من أمة موسى وأمة (٥) عيسى كما اشترى من أمة محمد -ﷺ-.\n_________\n(١) أخرجه الطبري ١٢/ ٦ - ٧، وذكره جماعة من المفسرين، منهم: الثعلبي (ص ٤٣٢ - رسالة جامعية) والواحدي في «أسباب النزول» (ص ٤٣٥).\n(٢) حصل سقط في (ب) فجاء النص فيها: (ومعنى اشترى أنفسهم وأموالهم فصارت ...).\n(٣) في (ب): (و).\n(٤) سبق الكلام على هذه المفردة عند الكرماني في تفسير سورة البقرة (آية ١٦): ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾.\n(٥) في (ب): (ومن أمة عيسى ...).","vol":"1","page":646},{"text":"و﴿فِي﴾ متعلقة بالاشتراء، وقيل: بالوعد.\n﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: لا أحد أولى بإنجاز الوعد من الله.\n﴿فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ﴾ فافرحوا به غاية الفرح.\n﴿وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١١)﴾ نهاية كل طالب، ومرغوب كل راغب.\n﴿التَّائِبُونَ﴾ ابن عباس ﵄: لما نزل ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى﴾ جاء رجل من المهاجرين فقال: يا رسول الله: وإن زنى وإن سرق (١)؟ فنزلت ﴿التَّائِبُونَ﴾ (٢).\nأي: هم التائبون، وقيل: بدل من المضمرين في ﴿يُقَاتِلُونَ﴾.\nو﴿التَّائِبُونَ﴾: الراجعون عن فعلهم، وقيل: الراجعون إلى الله وإلى طاعته.\n﴿الْعَابِدُونَ﴾ الموحدون، وقيل: المطيعون.\nالحسن: العابدون بطول الصلاة (٣).\n﴿الْحَامِدُونَ﴾ على الإسلام والإيمان وعلى ما نالهم من السراء والضراء.\n﴿السَّائِحُونَ﴾ قيل: هم الصائمون، لما روي عن النبي -ﷺ- أنه قال: (سياحة أمتي الصوم) (٤).\n_________\n(١) في (ب) و(د): (وإن زني هو وسرق) والمثبت من (أ) والماوردي كما سيأتي.\n(٢) لم أجده مسندًا بعد البحث، وقد ذكره الماوردي ٢/ ٤٠٨، فلعل المؤلف نقله عنه.\n(٣) هذا لفظ الماوردي ٢/ ٤٠٧ عن الحسن، وأخرجه ابن أبي حاتم ٦/ ٨٨٨ ولفظه: قال: الصلاة يعني: طولها. وقد أخرجه الطبري ١٢/ ٩ وابن أبي حاتم ٦/ ١٨٨٨ ولفظه: عبدوا الله على أحايينهم كلها، في السراء والضراء.\n(٤) هذا الحديث روي مرفوعًا وموقوفًا:\nأما المرفوع فمن حديث أبي هريرة ﵁، أخرجه الطبري ١٢/ ١١ والعقيلي في «الضعفاء» ١/ ٣١٧ وحصل عند العقيلي تصحيف فجاء بلفظ (السابحون الصائمون)، بينما لفظ الطبري: (السائحون هم الصائمون).\nكما أخرجه ابن عدي في «الكامل» ٢/ ٢٢٠ والبيهقي في «شعب الإيمان» (٣٣٠٣). أما الموقوف فمن حديث عبيد بن عمير مرسلًا عن النبي -ﷺ-، أخرجه الطبري ١٢/ ١٠ ومسدد كما في «المطالب العالية» (٣٦٢١) والحاكم ٢/ ٣٣٥ وغيرهم.\nورجح ابن عدي والبيهقي الموقوف على المرفوع.","vol":"1","page":647},{"text":"ابن عباس في جماعة: صوم شهر رمضان (١).\nوقيل: صوم أيام البيض، وقيل: صوم الدهر.\nوأصل السياحة: الاستمرار بالذهاب في الأرض، وقيل: الاستمرار على الطاعة (٢)، وقيل: السائحون: المجاهدون.\nوروي أن رجلًا استأذن رسول الله -ﷺ- في السياحة، فقال: (سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله) (٣).\nوقيل: هم المهاجرون.\nعكرمة: هم طلاب العلم (٤).\n﴿الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ﴾ هم المصلون.\n﴿الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ بالإيمان والطاعة.\n﴿وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ الشرك والمعاصي.\n﴿وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾ فيما أمر ونهى.\n﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٢)﴾ المصدقين العاملين بها.\nوفي الواو في قوله ﴿وَالنَّاهُونَ﴾ ثلاثة أقوال:\nقال ابن عيسى: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يذكران معًا وهما كالشيء الواحد، قال (٥): ﴿وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾ لأنه أقرب إلى المعطوف (٦).\n_________\n(١) أخرجه الطبري ١٢/ ١٢ - ١٥ عن ابن عباس وابن مسعود وعائشة ﵃ أجمعين.\n(٢) في (أ): (في الطاعة).\n(٣) أخرجه أبو داود (٢٤٨٦) وابن أبي حاتم ٦/ ١٨٨٩ والحاكم ٢/ ٧٣، وحكم عليه الشيخ الألباني في تخريجه لسنن أبي داود بأنه حديث حسن.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم ٦/ ١٨٩٠ والثعلبي (ص ٤٤١ - رسالة جامعية).\n(٥) في (ب) تكررت كلمة (قال) مرتين.\n(٦) ذكر القرطبي ٨/ ٢٧١ هذا القول دون نسبته لأحد.","vol":"1","page":648},{"text":"وقال صاحب النظم: ﴿التَّائِبُونَ﴾ مبتدأ، وما بعده نعت لهم، ﴿الْآمِرُونَ﴾ خبر المبتدأ، وما بعده عطف عليه (١).\nوذهب بعض المفسرين إلى أن هذا واو الثمانية، واستدلوا بقوله ﴿وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢]، وبقوله ﴿وَأَبْكَارًا (٥)﴾ [التحريم: ٥] وبقوله ﴿وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: ٧٣] وستأتي في مواضعها إن شاء الله.\nوهذا لعب (٢) لا يعرفه النحاة، اللهم إلا أن يقال (٣): السبعة عدد مستقل، وما بعده يجري مجرى الاستئناف، لأن العدد (٤): إما زوج كالاثنين وهو أول الأعداد، وإما فرد كالثلاثة وهو أول الأفراد، وإما زوج زوج كالأربعة وهو أول تضعيف الزوج، وإما زوج الفرد كالست وهو أول تضعيف الأفراد (٥)، فالست النهاية، ومنه نسبة الستين، ثم ضم إليه واحد وهو (٦) مبدأ العدد ومنشؤه وليس بعدد، فتم مبادئ الحساب وما بعده تكرير وتضعيف، والله اعلم.\n﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ روى البخاري في صحيحه ومسلم (٧) جميعًا، قالا: لما حضر أبا طالب الوفاة دخل عليه (٨) رسول الله\n_________\n(١) صاحب النظم: هو أبو علي الحسن بن يحيى بن نصر الجرجاني، وقد نقل قوله هذا الواحدي في «البسيط» (ص ٧٥٥ - رسالة جامعية)، وقد رجح الباحث في مقدمة البحث أن صاحب النظم هو من ذكرناه.\n(٢) في (د): (لقب).\n(٣) سقطت كلمة (يقال) من (ب) وفي (أ): (تقول).\n(٤) في (ب): (فلأن العدد).\n(٥) في (د): (الأزواج).\n(٦) في (أ): (واحد هو) بدون واو.\n(٧) في (أ) و(د): (والمسلم).\n(٨) سقطت كلمة (عليه) من (د).","vol":"1","page":649},{"text":"وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية (١)، فقال: (أي عم: قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله)، فقال أبو جهل وابن أبي أمية: يا أبا طالب: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزالا يكلمانه حتى قال آخر شيء كلمهم به: أنا على ملة عبد المطلب، فقال النبي -ﷺ-: (لأستغفرن لك ما لم أنه عنه) فنزلت ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ﴾ الآية (٢).\nوعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: خرج رسول الله -ﷺ- ينظر في المقابر وخرجنا معه، فأمرنا فجلسنا، ثم تخطى القبور حتى انتهى إلى قبر منها فناجاه طويلا ثم ارتفع نحيب رسول الله باكيًا فبكينا لبكاء رسول الله -ﷺ-، ثم إنه أقبل إلينا فتلقاه عمر بن الخطاب ﵁ فقال: يا رسول الله: ما الذي أبكاك فقد أبكانا وأفزعنا؟ فجلس (٣) إلينا فقال: (أفزعكم بكائي؟) فقلنا: نعم، فقال: (إن القبر الذي رأيتموني أناجي فيه قبر آمنة بنت وهب، وإني استأذنت ربي في زيارتها فأذن لي فيها واستأذنت ربي في الاستغفار لها فلم يأذن لي فيه، ونزل علي ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ﴾ الآيتين، فأخذني ما يأخذ الولد للوالدة من الرقة، فذلك الذي أبكاني) (٤).\nقوله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ﴾ نفي معناه نهي.\n﴿وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ أي: ولو كان المُسْتَغْفَرُ لهم آباءهم أو أبناءهم أو أقرباءهم.\n﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣)﴾ بعد ما ظهر لهم أنهم ماتوا على الكفر.\n_________\n(١) في (أ): (ابن أمية) وكذلك في السطر التالي في (أ) فقط.\n(٢) كلمة (الآية) لم ترد في (ب) و(د). والحديث أخرجه البخاري (١٣٦٠) ومسلم (٢٤).\n(٣) في (د): (فجاء فجلس ...).\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم ٦/ ١٨٩٣، والحاكم ٢/ ٣٣٦، والبيهقي في «دلائل النبوة» ١/ ١٨٩ وزاد السيوطي ٧/ ٥٥٥ نسبته لابن مردويه.","vol":"1","page":650},{"text":"ثم ذكر عذر إبراهيم -ﷺ- فقال:\n﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ﴾ أي: وَعَدَ إبراهيم -ﷺ- أباه أن يستغفر له رجاء أن يرزقه الإيمان (١)، وهو قوله: ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ [مريم: ٤٧].\nوقيل: وعده أبوه أن يؤمن بالله، وأوَّلَ قوله ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦)﴾ [مريم: ٤٦] على أنه استمهله ليتدبر ويتفكر.\n﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ﴾ لإبراهيم.\n﴿أَنَّهُ﴾ أن أباه.\n﴿عَدُوٌّ لِلَّهِ﴾ بأن مات على كفره.\n﴿تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ وقطع الاستغفار.\n﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ﴾ يكثر قول: أَوَّهْ.\nقال كعب: كان إبراهيم ﵇ إذا سمع ذكر النار قال: أَوَّهْ من النار (٢).\nوالعرب تقول أَوَّهْ بكذا وأَوَّهْ من كذا، قال (٣):\nفَأَوْهِ بِذكراها إذا ما ذَكَرتُها ... ومِنْ بُعْدِ أرضٍ دونها وسماءِ\nوأوه: مبني على الكسر، ويقال: أوه: بالضم، ويقال: أيه، والعامة تقول: آوَّهْ، بالمد.\n_________\n(١) في (ب): (يرزقه الله الإيمان).\n(٢) أخرجه الطبري ١٢/ ٤٣ والثعلبي (ص ٤٥٧ - رسالة جامعية).\nوورد في (ب) و(د): (أوه من النار أوه)، والمثبت موافق لما في (أ) والطبري والثعلبي حيث لم يتكرر عندهم (أوه).\n(٣) لم أعرف القائل، وقد ورد البيت في عدد من المصادر، منها: «المحتسب» لابن جني ١/ ٣٩، و«اللسان» (أوه)، وقد نقل الطبري البيت كذلك ١٢/ ٤٥.","vol":"1","page":651},{"text":"وحكى قطرب: الفعل منه آه يَؤُوه أوهًا، كقال يقول قولًا، وأنكره سائر النحاة، وقالوا: ليس من لفظه فعل، إنما يقال أَوَّه تأويهًا وتأوَّه تأوُّهًا وأنشدوا قول الراجز (١):\nفَأَوَّهَ الراعي وضَوْضَى أَكْلُبُه\nوقول الشاعر (٢):\nإذا ما قُمْتُ أَرْحَلُها بليلٍ ... تَأَوَّهُ آهَةَ الرجلِ الحزينِ\nوأوَهَ بالفتح (٣).\nواختلفوا في معناه:\nفروي مرفوعًا عن النبي (٤) -ﷺ-: (أنه الدَّعاء (٥) للخير) (٦).\nالنخعي: الأواه: الفقيه (٧)، وقيل: المؤمن بلغة حبش، وقيل: التلاء للكتاب، وقيل: الرحيم، وقيل: الشفيق.\nأبو عبيدة: هو المتأوه شفقًا، المتضرع يقينًا ولزومًا للطاعة (٨).\n_________\n(١) لم أعرف القائل، وقد ورد عند الطبري ١٢/ ٤٥، وفي «الدر المصون» ٦/ ١٣١.\n(٢) هو المثقب العبدي، كما عند الطبري ١٢/ ٤٥.\nوانظر: «الشواهد الشعرية في تفسير القرطبي» شواهد نحوية (ص ١٢٧).\n(٣) في (د) زيادة: (والتشديد لغة).\n(٤) في (ب): (إلى النبي).\n(٥) في (د): (أنه قال الدعاء للخير).\n(٦) أخرجه الطبري ١٢/ ٤٣ وابن أبي حاتم ٦/ ١٨٩٥ بلفظ قريب من لفظ المؤلف.\n(٧) نقله المؤلف عن الثعلبي (ص ٤٦٢) رسالة جامعية.\n(٨) انظر: «مجاز القرآن» لأبي عبيدة ١/ ٢٧٠.","vol":"1","page":652},{"text":"واختار الزجاج قول أبي عبيدة (١).\n﴿حَلِيمٌ (١١٤)﴾ هو الصبور على الأذى الصفوح عن الذنوب.\n﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ﴾ مقاتل والكلبي: لما أنزل الله الفرائض فعمل بها الناس ثم جاء ما نسخها من القرآن وقد غاب ناس وهم يعملون بالأمر الأول من القبلة والخمر وأشباه ذلك، فسألوا عنه رسول الله -ﷺ-، فأنزل الله هذه الآية (٢).\nوقيل: سبب نزولها: أن قومًا من الأعراب أسلموا وعادوا إلى بلادهم فعملوا بما شاهدوا رسول الله -ﷺ- يفعله من الصلاة إلى بيت المقدس وصيام أيام البيض ثم قدموا بعد ذلك على رسول الله -ﷺ- فوجدوه يصلي إلى الكعبة ويصوم شهر رمضان، فقالوا: يا رسول الله دُنَّا الله بعدك بالضلال، إنك على أمر وإنا على غيره، فأنزل الله هذه الآية، حكاه أقضى القضاة (٣).\nوقيل: الآية متصلة بما قبلها.\n﴿حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ ما يأتون ويذرون.\n﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١٥)﴾.\n﴿إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١١٦)﴾ سبق تفسيره (٤).\n﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ﴾ من إذنه للمنافقين في التخلف عنه في قوله ﴿لِمَ\n_________\n(١) انظر: «معاني القرآن» للزجاج ٢/ ٤٧٣ - ٤٧٤.\n(٢) انظر: «تفسير مقاتل بن سليمان» ٢/ ٢٠٠، و«الكشف والبيان» للثعلبي (ص ٤٦٥ - رسالة جامعية)، وهذا السبب مروي عن ابن عباس ﵄ كما ذكر ابن الجوزي ٣/ ٥١٠.\n(٣) ذكره الماوردي ٢/ ٤١١.\n(٤) انظر: تفسير سورة البقرة، آية (١٠٧).","vol":"1","page":653},{"text":"أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣]، وقيل: هو من تمام قوله ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ﴾ [التوبة: ١١٢]، وقيل: تاب عليهم فاستنقذهم من شدة العسرة، وقيل: تاب عليهم فغفر لهم ذنوبهم، وهو قوله ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ﴾.\n﴿وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ يريد غزوة تبوك، وقيل: هي وغيرها من الحروب.\nوساعة العسرة: زمان عسرة الظهر، وكان الجمل بين جماعة يتعاقبون عليه، وعسرة الماء وشدة الحر حتى شربوا الفَظَّ، وهو ماء الكَرِش، وعسرة الزاد، حتى جاء في الآثار: أن الرجلين منهم كانا يقتسمان تمرة وربما مص (١) التمرة جماعة ليشربوا عليها الماء (٢).\n﴿مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ (٣) قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ﴾ تميل عن الجهاد وتهم بالانصراف، وقيل: شك جماعة في الإسلام، والأول هو الوجه.\n﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾ أي: على الفريق الذين زاغت قلوبهم، وقيل: تاب عليهم جميعًا حين أحسنوا النية.\nوذُكِرَ أن أبا بكر وعمر ﵄ سألا رسول الله -ﷺ- أن يستسقي الله، ففعل فمطروا حتى ملؤا ما معهم (٤).\n﴿إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١١٧)﴾.\n_________\n(١) في (د): (وربما خص مص الثمرة ...).\n(٢) أخرجه الطبري ١٢/ ٥١ وابن أبي حاتم ٦/ ١٨٩٩ نحوه عن مجاهد وقتادة.\n(٣) في النسخ الخطية (تزيغ) بالتاء، والقراءة بالياء هي قراءة حمزة وحفص عن عاصم، بينما قرأ باقي العشرة بالتاء (تزيغ). انظر: «المبسوط» لابن مهران (ص ١٩٧).\n(٤) أخرجه الطبري ١٢/ ٥١ - ٥٣، والحاكم ١/ ١٥٩، والبيهقي في «دلائل النبوة» ٥/ ٢٣١، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين.\nوالسائل هو أبو بكر ﵁ وحده فيما وقفت عليه.","vol":"1","page":654},{"text":"وقوله: (كَادَ تزيغُ قُلوبُ فريقٍ منهُم) في فاعل ﴿كَادَ﴾ أقوال:\nأحدها: أنه: قلوب فريق، وفي الآية تقديم وتأخير، أي: كاد قلوب فريق منهم تزيغ، فذكر الفعل الأول لتقدمه، وأَنَّثَ الثاني لتأخره.\nوالثاني: أن فاعله: الأمر والشأن، قياسا على (كان) (١)، لأن ﴿كَادَ﴾ يستدعي خبرًا كباب (كان).\nالثالث: ضمير من تقدم ذكرهم من النبي والمهاجرين والأنصار (٢) لأنهم قوم واحد (٣).\nوالرابع: المصدر، على تقدير: أن تزيغ، وهذا بعيد، لايزاد (٤) (أن) مع ﴿كَادَ﴾ إلا في الشعر، قال (٥):\nقد كادَ مِنْ طُول البِلَى أَنْ يَمْصَحا\n﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ أي: وتاب (٦) على الثلاثة وهم كعب بن مالك وهلال بن أمية ومرارة بن الربيع، وهم المُرْجَون، والإرجاء والتخليف واحد.\nوقيل: معنى ﴿خُلِّفُوا﴾: تخلفوا عن الخروج من غير عذر، وقيل: خلفوا عن قبول التوبة عند مقدم النبي -ﷺ-.\n﴿حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾ أي: بِرُحْبِها، لأنهم كانوا مهجورين لا يكلمهم أحد ولا يعاملون، وأمرهم أن يعتزلوا نسائهم، وبقوا كذلك خمسين يومًا\n_________\n(١) في (أ): (على كاد).\n(٢) في (ب): (النبي والأنصار والمهاجرين).\n(٣) سقطت كلمة (واحد) من (ب).\n(٤) في (ب): (لا يكاد يزاد).\n(٥) القائل هو رؤبة، كما في «خزانة الأدب» ٩/ ٣٤٧.\n(٦) سقط حرف الواو من (أ).","vol":"1","page":655},{"text":"بعد مقدمه (١) -ﷺ- من تبوك، وهي آخر مغازيه -ﷺ-، وكانوا ربطوا أنفسهم بالسواري.\nوقيل: ﴿ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ﴾ مَثَلٌ يضرب لمن تَحيّر في أمر لا يعرف عنه مخلصًا.\n﴿وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ تبرموا منها (٢) بالهم الذي حصل فيها.\n﴿وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ﴾ أي: أيقنوا أنه (٣) لا ينجيهم من عذاب الله إلا رحمته وفضله.\n﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾ أنزل قبول (٤) توبتهم، وقيل: رزقهم التوبة، وقيل: ﴿ثُمَّ﴾ ها هنا زيادة، وقيل: تقديره: ثم تاب عليهم أيضًا (٥) مع من تاب عليهم ممن تقدم.\n﴿لِيَتُوبُوا﴾ ليكونوا في جملة التوابين.\n﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١١٨)﴾.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي: مِنْ مِثْلِ هذا الفعل فقد رأيتم مَغَبَّته.\n﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ في إيمانهم، دون المنافقين.\nسعيد بن جبير في جماعة: كونوا كأبي بكر وعمر وأصحابهما (٦).\nوقرئ في الشواذ: (من الصادِقِيْن) (٧).\n_________\n(١) في (أ): (بعد مقدم النبي).\n(٢) سقطت كلمة (منها) من (ب).\n(٣) في (ب): (أنهم).\n(٤) في (د): (قبل توبتهم).\n(٥) لم ترد كلمة (أيضًا) في (د).\n(٦) أخرجه الطبري ١٢/ ٦٨ عن سعيد بن جبير والضحاك.\n(٧) هي قراءة ابن مسعود ﵁ كما عند الطبري ١٢/ ٦٨ وابن الجوزي ٣/ ٥١٤.\nوفي كتاب «القراءات الشاذة» لابن خالويه (ص ٥٥): (مع الصادفين) بالفاء عن ابن مسعود وابن عباس، وأظنها خطأ، وورد في «شواذ القراءات» لرضى الدين الكرماني (ص ٢٢٢): (وعن ابن مسعود وابن عباس (وكونوا مع الصادقين) بفتح القاف وكسر النون على التثنية، يعني أبا بكر وعمر).","vol":"1","page":656},{"text":"وقال كعب بن مالك: فينا نزلت ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ (١).\nوقيل: نزلت في اليهود (٢).\n﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾ هذا نفي والمراد به النهي، وخَصَّ هؤلاء بالذكر وكل الناس في ذلك سواء لقربهم منه وأنه لا يخفى عليهم خروجه.\n﴿وَلَا يَرْغَبُوا﴾ ولا أن يرغبوا.\n﴿بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ أي: لا يصونوا أنفسهم بما لم يصن هو منه، وقيل: لن يرضوا لأنفسهم بالخفض والدعة، ورسول الله في الحر والشدة (٣)، ويحتمل: ولا يرغبوا بأنفسهم عن فداء نفسه، وقيل: ﴿وَلَا يَرْغَبُوا﴾ نهي.\n﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ﴾ أي (٤): ذلك النهي عن التخلف بأنهم.\n﴿لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ﴾ عطش.\n﴿وَلَا نَصَبٌ﴾ تعب يثقل على البدن تحمله.\n﴿وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ جوع شديد، مشتق من: خمص بطنه (٥) يخمص: إذا دق.\n_________\n(١) هذا جزء من الحديث الطويل في الثلاثة الذين خلفوا، وهو حديث أخرجه البخاري (٤٤١٨) ومسلم (٢٧٦٩).\nوقال السيوطي في «الدر المنثور» ٧/ ٥٨١: (أخرج ابن المنذر عن كعب بن مالك قال: فينا نزلت أيضًا: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾).\n(٢) ذكر الماوردي ٢/ ٤١٣ وابن الجوزي ٣/ ٥١٤ أنها في أهل الكتاب: اليهود والنصارى، ونسبه الماوردي لمقاتل بن حيان.\n(٣) سقطت كلمة (الشّدة) من (ب).\n(٤) سقطت (أي) من (د).\n(٥) سقطت كلمة (بطنه) من (د).","vol":"1","page":657},{"text":"﴿وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا﴾ لا يدخلون ديارهم وأماكنهم، والموطئ: المكان.\n﴿يَغِيظُ الْكُفَّارَ﴾ يغضب الكفار دخوله.\n﴿وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا﴾ قتلًا وأسرًا ومالًا وكسرًا.\n﴿إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ ثواب جزيل.\n﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١٢٠)﴾ في فعلهم.\n﴿وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً﴾ أي (١): في سبيل الله.\n﴿صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً﴾ أي: قليلًا ولا كثيرًا (٢).\n﴿وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا﴾ في مسيرهم، وقيل: ﴿وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا﴾ من جانب إلى جانب.\n﴿إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ﴾ أثبت لهم (٣).\n﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ﴾ بذلك أجرًا ﴿أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢١)﴾.\nوذهب بعض النحاة إلى أن اللام في ﴿لِيَجْزِيَهُمُ﴾ لام القسم (٤)، وأنشد (٥):\nإذا قال قَطْنِي قلتُ آليتُ حَلْفَةً ... لِتُغْنِيَ عَنِّي ذا إِنائِكَ أَجمعَا\n﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ في سبب النزول في رواية الكلبي: لما نزل عيوب المنافقين لتخلفهم عن الجهاد قال المؤمنون: والله لا نتخلف عن غزوة\n_________\n(١) سقطت (أي) من (د).\n(٢) في (د): (قليلًا ولا كبيرًا).\n(٣) سقطت (أثبت لهم) من (د)، وكتبت على هامشها بخط مغاير.\n(٤) في (د): (لام أنفسهم).\n(٥) القائل هو: حُريث بن عَنّاب الطائي، كما ذكر البغدادي في «الخزانة» ١١/ ٤٤٢، وذكر بعض النحاة الذين يرون أن اللام هي لام القسم، وعدَّ منهم أبا علي الفارسي.","vol":"1","page":658},{"text":"يغزوها رسول الله -ﷺ- ولا سرية أبدا، فلما أمر رسول الله -ﷺ- بالسرايا إلى الغزو (١) نفر المسلمون جميعًا وتركوا رسول الله -ﷺ- وحده بالمدينة، فأنزل الله هذه الآية (٢).\nأي: ما كان ينبغي لهم أن ينفروا كافة جميعًا.\n﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ أي: هلا خرج من كل قبيلة منهم جماعة وأقام سائرهم ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ أي: ما يتجدد من أحكام الدين بنزول القرآن ﴿وَلِيُنْذِرُوا﴾ بذلك ﴿قَوْمَهُمْ﴾ الغائبين ﴿إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ من غزوهم ﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢)﴾ ما يجب اجتنابه.\nالحسن وابن جرير: التفقه والإنذار راجعان إلى الطائفة النافرة، أي: ليتبصروا ويتيقنوا بما يريهم الله من الظهور على الكفار ونصرة المؤمنين ولينذروا قومهم الكفار إذا رجعوا إليهم من الجهاد ويخبروهم بنصر الله المؤمنين لعلهم يحذرون (٣).\nوقال الكلبي: ذكر أن أحياء من بني أسد وردت المدينة فملأوا (٤) الطرق بالعذرات وغلت الأسعار، فأنزل الله هذه الآية (٥).\nأي: لا ينبغي أن يحضروا بأجمعهم بل تحضر طائفة فيتفقهون وينذرون قومهم ويعلمونهم (٦) إذا رجعوا إليهم.\n_________\n(١) في (د): (العدو) وهي موافقة لما في «أسباب النزول» للواحدي.\n(٢) ذكره الواحدي في «أسباب النزول» (ص ٤٣٩) عن ابن عباس من رواية الكلبي، وذكره قبله: الثعلبي في «الكشف» (ص ٤٩١ - رسالة جامعية).\n(٣) أما قول الحسن، فقد أخرجه عبدالرزاق ١/ ٢٩١، والطبري ١٢/ ٨٢، وابن أبي حاتم ٦/ ١٩١٢.\nوقد أيده الطبري في هذا التفسير وصوّب قوله، فلذلك قرنهما الكرماني.\n(٤) في (ب): (فملأت).\n(٥) ذكره الثعلبي في «الكشف» (ص ٤٩٢ - رسالة جامعية) عن الكلبي.\n(٦) سقطت كلمة (ويعلمونهم) من (ب).","vol":"1","page":659},{"text":"عكرمة: لما نزل قوله ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢٠]، وقوله ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [التوبة: ٣٩]، قال ناس من المنافقين: إذًا هلك كل من تخلف من أهل البدو (١)، فنزلت هذه الآية (٢).\nابن زيد: هذه الآية ناسخة لما قبلها (٣).\nغيره: هما محكمتان.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ أُمِروا بقتال الأقرب فالأقرب إليهم دارًا ونسبًا.\nابن عباس ﵄: مثل قريظة والنضير (٤).\n﴿وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ شدة وعنفًا.\nالحسن: صبرًا على جهادهم (٥).\nوالمعنى: اشتدوا عليهم.\n﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٢٣)﴾ بالغلبة والنصرة.\n﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ﴾ أي: من المنافقين ﴿مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ﴾\n_________\n(١) في (د): (البدر).\n(٢) أخرجه الطبري ١٢/ ٨١، وزاد السيوطي ٧/ ٥٩٦ نسبته لابن المنذر وأبي الشيخ.\n(٣) أخرجه الطبري ١٢/ ٧٣ وابن أبي حاتم ٦/ ١٩٠٧ عن ابن زيد.\nقال النحاس في «الناسخ والمنسوخ» ٢/ ٤٦٩: (مذهب غيره أنه ليس هاهنا ناسخ ولا منسوخ، وأن الآية الأولى توجب إذا نفر النبي -ﷺ- أو احتيج إلى المسلمين فاستنفروا لم يسع أحدًا التخلف، وإذا بعث النبي -ﷺ- سرية تخلفت طائفة، وهذا مذهب ابن عباس والضحاك وقتادة).\n(٤) ذكره الثعلبي (ص ٤٩٥ - رسالة جامعية) وابن الجوزي ٣/ ٥١٨ عن ابن عباس ﵄.\n(٥) ذكره الثعلبي (ص ٤٩٥ - رسالة جامعية) والواحدي في «البسيط» (ص ٧٧٩ - رسالة جامعية) عن الحسن ﵀.","vol":"1","page":660},{"text":"هذه (١) السورة ﴿إِيمَانًا﴾ أي: يخاطب بعضهم بعضًا بهذا القول، وقيل: كان المنافقون يخاطبون ضعفة (٢) المؤمنين به، استهزاء منهم، أي: أزادتك هذه إيمانًا، فأخبر الله جوابا للسائل:\n﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤)﴾ بالله وبصيرة في دينهم، وقيل: فزادتهم إيمانًا بالسورة (٣) لأنه لم يكن يلزمه العمل بها قبل النزول.\n﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ شك ونفاق ببغض الإسلام (٤) والمسلمين.\n﴿فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ شكًا إلى شكهم، وقيل: إثمًا إلى إثمهم.\n﴿وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (١٢٥)﴾.\n﴿أَوَلَا يَرَوْنَ﴾ يعني: المنافقين.\n﴿أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ﴾ يبتلون ويختبرون بالقحط والجوع (٥).\nقتادة: بالغزو في سبيل الله والجهاد (٦).\nالحسن: يمتحنون بالقتل والسبي (٧).\nحذيفة: تصحح عليهم كذبة أو كذبتان (٨).\n_________\n(١) سقطت (هذه) من (ب) واكتفى الناسخ بالأولى التي وردت في ثنايا الآية.\n(٢) النص في (ب): (كان المخاطبون ضعفة المؤمنين به).\n(٣) النص في (أ): (فزادتهم إيمانًا إيمانًا بالسورة) فحصل فيها تكرار.\n(٤) في (د): (وبغض للإسلام).\n(٥) في (ب): (بالجوع والقحط).\n(٦) أخرجه الطبري ١٢/ ٩٢، وابن أبي حاتم ٦/ ١٩١٦، وزاد السيوطي ٧/ ٥٩٩ نسبته لابن المنذر وأبي الشيخ.\n(٧) كلمة (السبي) واضحة في (ب) و(د) أما في (أ) فهي محتملة لتكون (النبي).\nوالأثر أخرجه الطبري ١٢/ ٩٢ وعبدالرزاق ١/ ٢٩١ وابن أبي حاتم ٦/ ١٩١٥ بلفظ: يبتلون بالغزو في كل عام مرة أو مرتين.\n(٨) أخرجه الطبري ١٢/ ٩٣ وابن أبي حاتم ٦/ ١٩١٦.","vol":"1","page":661},{"text":"ابن عيسى: ما يظهر للمسلمين من نفاقهم وسوء نياتهم (١)، وهذا حسن.\n﴿ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ﴾ عن نفاقهم.\n﴿وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٢٦)﴾ لا ينتهون على ما فيه خلاصهم.\nومن قرأ بالتاء: جعله تعجيبًا للمؤمنين (٢).\n﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ أي: طعنوا فيها وعابوها ثم خافوا على إبلاغ ما يقولون فيقول بعضهم لبعض هل يراكم من أحد.\nالفراء: إذا أنزلت سورة فيها ذكرهم وعيبهم أشار بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد إن قمتم من حضرة النبي -ﷺ-، فإن خفي قاموا وانصرفوا (٣).\nوقيل: ثقل سماع القرآن عليهم فطلبوا الفرار لئلا يسمعوها.\nوالنظر ها هنا: دلالة تدل على القول من غمز وإيماء.\n﴿ثُمَّ انْصَرَفُوا﴾ أي (٤): عن حضرة النبي -ﷺ- مخافة الفضيحة وأن ينزل فيهم شيء، وقيل: انصرفوا عن الإيمان.\n﴿صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ أضلهم مجازاة على فعلهم، وقيل: صَرَفَ عن الإيمان بالسورة، وقيل: ﴿صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ دعاء عليهم.\n﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (١٢٧)﴾ دين الله ولا العمل به.\n﴿جَاءَكُمْ رَسُولٌ﴾ يعني: محمدًا -ﷺ-.\n﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ من العرب تعرفون كلامه وصدقه وأمانته، وذلك شرف\n_________\n(١) نقله الماوردي ٢/ ٤١٧ عن علي بن عيسى.\n(٢) قرأ حمزة ويعقوب (أو لا ترون أنهم يفتنون) بالتاء، وقرأ باقي العشرة (أو لا يرون) بالياء.\nانظر: «المبسوط» لابن مهران (ص ١٩٧).\n(٣) انظر: «معاني القرآن» للفراء ١/ ٤٥٥.\n(٤) سقطت (أي) من (ب).","vol":"1","page":662},{"text":"لكم ومنقبة، وقيل: آدمي مثلكم (١).\n﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ أي: عنتكم، وهو المكروه والشدة.\nوالمعنى: إثمكم، وقيل: ضلالكم.\n﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾ أي: على إيمانكم.\nوالحرص: أشدُّ الطلب.\n﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ﴾ هو أشد الرحمة.\n﴿رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ هو كقوله: ﴿الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾.\n﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ عن الإيمان بك وكادوا عليك (٢).\n﴿فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ﴾ الذي يكفيني كيد (٣) من كادني.\n﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ فوَّضت أمري إليه واتَّكلت (٤) على كفايته.\n﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (١٢٩)﴾ السرير الكبير والملك العظيم (٥).\nالحسن: آخر ما نزلت هاتان الآيتان (٦).\nوالحمد لله حق حمده (٧).\n_________\n(١) حصل سقط في (ب)، وجاء النص فيها: (من أنفسكم من آدمي مثلكم).\n(٢) في (د): (وصاروا عليك).\n(٣) تكررت كلمة (كيد) في (ب) مرتين.\n(٤) في (د): (واتكأت).\n(٥) قال ابن القيم في «مختصر الصواعق المرسلة» ١/ ٣٥: (إن كان للعرش من حيث الجملة عدة معانٍ، فاللام للعهد، وقد صار بها العرش معيّنًا، وهو عرش الرب تعالى، الذي هو سرير ملكه الذي اتفقت عليه الرسل، وأقرت به الأمم، إلَاّ من نابذ الرسل).\n(٦) إنما رواه الحسن عن أبيّ بن كعب فيما أخرجه أحمد بن منيع في مسنده كما في «المطالب العالية» (٣٦١٧).\nوراه الطبري أيضًا ١٢/ ١٠١ - ١٠٢ من طريق ابن عباس عن أبيّ بن كعب.\n(٧) لم ترد هذه الخاتمة في (ب) و(د).","vol":"1","page":663},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n<span data-type=\"title\" id=toc-116>سورة يُونُسَ ﵇</span>، مكيّة (١).\nابن عبّاس ﵄: إلاّ ثلاث آياتٍ من قوله: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ﴾ [يونس: ٩٤] (٢).\nبسم الله الرّحمن الرّحيم\n﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (١)﴾: سبق أوّل البقرة الكلامُ فيه.\nو﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾: جاريةٌ مجرى «ذلك الكتاب» في الإشارة إلى البعيد، واستدعاء شيءٍ سابقٍ غير أن ﴿تِلْكَ﴾ للتّأنيث و«ذلك» للتّذكير (٣).\nو﴿الْكِتَابِ﴾: القرآن، وقيل: التّوراة والإنجيل، وقيل: الزّبور.\n﴿الْحَكِيمِ (١)﴾ المُحْكَمُ المُتْقَنُ الممنوع من الخَلَلِ، وقيل: الحكيم النّاطق بالحِكَمِ.\n﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ﴾:\nفي سبب النّزول:\nقال ابن عبّاس ﵄: لمّا بعث الله محمّدًا رسولًا أنكرت الكفّارُ\n_________\n(١) زاد في (أ): (مائة وتسع آية) ولم ترد في (ب) و(د). وقال الألوسي ١١/ ٥٨: (مكية على المشهور، واستثنى منها بعضهم ثلاث آيات (فلعلك تارك) (أفمن كان على بينة من ربه) و(أقم الصلاة طرفي النهار) قال: إنها نزلت في المدينة، وحكى ابن الفرس والسخاوي أن من أولها إلى رأس أربعين آية مكي والباقي مدني، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما روايتان: فأخرج ابن مروديه من طريق العوفي ومن طريق ابن جريج عن عطاء عنه أنها مكية، وأخرج من طريق عثمان بن عطاء عن أبيه عنه أنها مدنية، والمعول عليه عند الجمهور الرواية الأولى).\n(٢) ذكره الماوردي ٢/ ٤٢٠ والقرطبي ١٠/ ٤٤٥.\n(٣) في (د): (للتذكير).","vol":"1","page":664},{"text":"وقالوا: الله أعظمُ من أن يكون رسولُه بَشَرًا مثلَ محمّدٍ، فأنزل الله هذه الآيةَ (١).\nأي: أكان إيحاؤنا إلى رجلٍ ﴿أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ﴾ أي: بأن أنذر الناس ﴿عَجَبًا﴾ أي: ليس بعَجَبٍ (٢) لأنّه أَرْسَلَ إلى مَنْ قبلهم مَنْ هو مثله، والتّعجّبُ إنّما يكون ممّا لا يُعْهَدُ مثلُه ولا يُعرف سببُه، أنكروا إرسالَ الله بَشَرًا إلى الخَلْقِ (٣) أصلًا.\nالزّجّاج: قالوا: لم يجد الله رسولًا حتّى أوحى إلى يتيم أبي طالبٍ.\n﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ابن عباس (٤): السعادة.\nقتادة وابن زيد: شفاعة محمّد -ﷺ- (٥).\nابن جرير: أعمالًا يستحقّون بها الثّواب (٦).\nالزّجّاج: منزلة رفيعة (٧).\nوالقَدَمُ: ما قدّمه الإنسان من عمل خير أو شرّ؛ وقوله: ﴿صِدْقٍ﴾ دليلٌ على أنّه الخير هاهنا، والمرادُ بـ ﴿صِدْقٍ﴾ صلاحٌ ونفعٌ، وليس الصّدقُ هاهنا ضدّ الكذب.\n_________\n(١) أخرجه الطبري ١٢/ ١٠٧ وابن أبي حاتم ٦/ ١٩٢٢.\n(٢) حصل سقط في (أ) فجاء النص فيها كالتالي: (... رجل بأن أنذر الناس عجبًا أي ليس بعجب ...).\nوسقط من (ب) كلمة (عجبًا) فقط، بينما سقط من (د) كلمة (أي) فقط.\n(٣) في (د): (بشرًا في الخلق).\n(٤) سقطت (ابن عباس) من (أ).\nوقول ابن عباس هذا أخرجه الطبري ١٢/ ١١٠ وابن أبي حاتم ٦/ ١٩٢٢.\n(٥) أخرجهما الطبري ١٢/ ١١٠، ولكن عن قتادة أو الحسن في الأثر الأول، وعن زيد بن أسلم في الأثر الثاني، وليس عن ابن زيد كما ذكر الكرماني.\n(٦) انظر: «جامع البيان» للطبري ١٢/ ١١١.\nوسقطت ورقة كاملة مكونة من وجهين من المخطوطة (د) حيث انتهى الكلام عند قوله (يستحقون بها) ثم بدأت الوقة التالية عند قوله (أن أحكام الشرع) كما سيأتي، فالمقابلة ستكون على (أ) و(ب) فقط في هذا النص التالي.\n(٧) انظر: «معاني القرآن» للزجاج ٣/ ٦.","vol":"1","page":665},{"text":"وقيل: هي استعارةٌ كما تقول: له عندي يدٌ وله عنده (١) قَدَمٌ.\n﴿قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا﴾ الوحي ﴿لَسَاحِرٌ مُبِينٌ (٢)﴾.\nومن قرأ بالألف، أي: هذا الرّجل كساحر مبين (٢).\nابن جرير: تقديرُه: فلمّا أنذرهم قال الكافرون: إنّ هذا لساحرٌ مبينٌ (٣).\n﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ أي: في مدّة مقدار ستّة أيّام؛ لأنّ الأيّام تكوّنتْ بعد خَلْقِ السّماوات والأرض من دوران الفَلَكِ (٤)، وتخصيصُها بالسّتّة لأنّ السّتّة نهايةٌ في العدد.\n﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ سبق بيانُ هذا كلِّه (٥).\n﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ يقضيه وحده.\nابن عيسى: يرتّب الأمور مراتبَها على أحكام عواقبها (٦).\n﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ اختلف المفسّرون في اتّصاله بما قبله:\nفقال بعضهم: هذا ردٌّ على من زعم أنّ آلهتهم وهي من جملة المخلوقات تشفع لهم، وأنّى لها الشّفاعة والشّفاعةُ لا تكون إلاّ بإذنه وليس لها محلّ الإذن، وقيل: خلقها لا بشفاعة شفيع ولا تدبير مدبّر.\nابن بحر: خلقها ولم يكن معه شفيعٌ، أي: لا حيَّ معه، ثمّ خلق الملائكة\n_________\n(١) في (ب): (عندي).\n(٢) قرأ أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وابن عامر ويعقوب (إن هذا لسحر مبين) بغير ألف.\nوقرأ ابن كثير وعاصم وحمزة والكسائي وخلف (لساحر مبين) بالألف.\nانظر: «المبسوط» لابن مهران (ص ١٩٨).\n(٣) انظر: الطبري ١٢/ ١١٣.\n(٤) سقطت كلمة (الفلك) من (ب).\n(٥) انظر ما تقدم في تفسير سورة الأعراف، الآية (٥٤).\n(٦) نقله الواحدي في «البسيط» (ص ٧٩٩ - رسالة جامعية) دون عزوه لأحد.","vol":"1","page":666},{"text":"والجنّ والإنس (بإذنه) بأمره (١).\nويحتمل أنّ فيه تقديما وتأخيرًا تقديرُه: أنّ لهم قَدَمَ صدقٍ عند ربّهم وهي شفاعةُ محمّد ﵇ ما من شفيع إلاّ من بعد إذنه، والله أعلم.\n﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ أي الذي خلق السّماواتِ والأرضَ ربُّكم لا الأصنام.\n﴿فَاعْبُدُوهُ﴾ وحّدوه وأطيعوه ولا تعبدوا معه غيره.\n﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾ تتدبّرون فتعلموا أن لا يستحقّ غيرُه العبادةَ.\n﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾ بالموت والبعث والنّشور، والمرجع: الرّجوع، شَذَّ عن الباب (٢).\nابن عيسى: المرجع: مكان الرّجوع.\n﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾ أي: وعد وعدًا حقًّا لا خُلْفَ فيه.\n﴿إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ أي يخلقه ثمّ يميته ثمّ يعيده، وقُرئ بالفتح (٣)، أي: لأنّه، وقيل: فاعل حقًّا، كما قال (٤):\nأحقًّا عبادَ الله أن لستُ لاقيًا ... بُثَيْنَةَ أو يلقى الثريّا رقيبُها\n_________\n(١) نقل الماوردي ٢/ ٤٢٣ نحوه ابن بحر.\n(٢) قال ابن منظور في «لسان العرب» (رجع) عند كلامه على قوله تعالى: (إلى الله مرجعكم): (أي: رجوعكم، حكاه سيبويه فيما جاء من المصادر التي من فَعَلَ يَفْعِلُ على مَفْعِلٍ، بالكسر، ولا يجوز أن يكون هاهنا اسم المكان، لأنه قد تعدى بإلى وانتصبت عنه الحال، واسم المكان لا يتعدى بحرف ولا تنتصب عنه الحال).\n(٣) قرأ أبو جعفر وحده (أَنَّه) بفتح الألف، وقرأ باقي العشرة بكسر الألف.\nانظر: «المبسوط» (ص ١٩٨) لابن مهران.\n(٤) هو: جميل بن عبدالله العذري، المعروف بجميل بثينة.\nانظر: «أساس البلاغة» للزمخشري (رقب).","vol":"1","page":667},{"text":"﴿لِيَجْزِيَ﴾ أي: يعيده ليجزي.\n﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ﴾ بالعدل، يريد الإحسان، كقوله: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠)﴾ [الرحمن: ٦٠] أي: الجنّة ونعيمها.\n﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ﴾ ماء حارّ، فعيل بمعنى مفعول، تقول: حُمَّ الماءُ إذا أُسْخِنَ (١)، والحميمُ: العرق منه لسخنته، والحمّام لحرارة مائه أو (٢) لأنّه يتعرّق فيه.\n﴿وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٤)﴾ بسبب كفرهم.\n﴿هُوَ الَّذِي﴾ أي: الله الذي.\n﴿جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً﴾ أي: خلقها ضياء، فيكون حالًا، أو صيّرها ضياء، فيكون المفعول الثّاني.\nوضياء: مصدرُ ضاءَ، وضاءَ وأضاءَ لغتان، فيكون التّقديُر: ذات ضياءٍ، أو يجعل ذات (٣) الشّمس ضياءً لكثرة ضوئها، ويجوز أن يكون ضياء جمع ضوء.\n﴿وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ يستضاء به في اللّيالي.\n﴿وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ﴾ أي قدّرهما، والتّقدير: جعل الشّمس ضياء وقدّرها منازل، وجعل القمر نورًا وقدّره منازل على ما سبق، ويجوز أن يعود إلى القمر فحسب.\nوخصّه بالذّكر لمعانٍ:\nأحدها: أنّ (٤) أحكام الشّرع منوطةٌ به.\n_________\n(١) في (ب): (إذا سخن).\n(٢) في (ب): (مائة ولأنه).\n(٣) سقطت (ذات) من (ب).\n(٤) من هنا عادت نسخة (د) وانتهى السقط الذي أشرت له قبل (٥) صفحات.","vol":"1","page":668},{"text":"والثّاني: لسرعة سيره وأنّه يقطع الفَلَكَ في ثمانيةٍ (١) وعشرين ليلةً.\nوالثّالث: أنّ منازله تُدرك بالعيان، وكذلك الزّيادةُ فيه والنّقصان.\nومعنى ﴿وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ﴾ قدّره يسير منازلَ، فهي ظرفٌ للسّير، وقيل: قدّر له منازلَ (٢).\n﴿لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ﴾ أي: عدد الشهور والسنين، فاكتفى بذكر السنين لأن السنة تشتمل على الشهور (٣) ﴿وَالْحِسَابَ﴾ أي: المعاملات.\nقال الأصمعي: سئل أبو عمرو عن ﴿وَالْحِسَابَ﴾ أتنصبه أم تجرّه؟ فقال: ومن يدري ما عدد الحساب (٤).\n﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ أي على أتمّ ما يكون. وقيل: محقًّا لا مبطلًا.\nابن جرير: الحقّ هاهنا (٥) هو الله، أي: ما خلق الله ذلك إلاّ بالله، أي: وحده لا شريك معه (٦).\n﴿يُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾ يبيّن آيات (٧) القرآن، وقيل: يبين الحجج (٨).\n﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥)﴾ فهم ينتفعون بالتّأمّل فيها والتّدبّر.\n_________\n(١) هكذا في النسخ الثلاث، والصواب: (في ثمانٍ وعشرين ليلة).\n(٢) في (أ): (قدره منازل).\n(٣) في (د): (السنة تشمل الشهور).\n(٤) قال السمين الحلبي في «الدر المصون» ٦/ ١٥٤: (يعني أنه سئل: هل تعطفه على (عَدَدَ) فتنصبه، أم على (السنين) فتجره؟ فكأنه قال: لا يمكن جَرُّه، إذ يقتضي ذلك أن يُعلم عدد الحساب، ولا يقدر أحد أَنْ يعلمَ عدده).\n(٥) سقط قوله (هاهنا) من (ب).\n(٦) انظر: «جامع البيان» للطبري ١٢/ ١١٩.\n(٧) في (أ): (الآيات).\n(٨) اختلفت النسخ في (يبين) فجاءت في (ب) بالياء، بينما جاءت ف (أ) و(د) (نبين) بالنون، ولعل ذلك يرجع لاختلاف القراء فيها.","vol":"1","page":669},{"text":"﴿إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ في مجئ كلّ واحدٍ منهما خلف الآخر، وقيل: في اختلاف ألوانهما.\n﴿وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ من الخلائق والعجائب والدّلالات.\n﴿لَآيَاتٍ﴾ توجب العلم اليقين.\n﴿لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ (٦)﴾ لمن تأمّل (١)، وخصّهم بالذّكر لانتفاعهم بها.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾ أنكروا (٢) البعث والعقاب والثّواب، وقيل: معناه لا يخافون لقاءنا (٣) يوم القيامة.\n﴿وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ بدل الآخرة.\n﴿وَاطْمَأَنُّوا بِهَا﴾ وسكنوا إليها ومالوا نحوها.\n﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (٧)﴾ لا يتفكّرون فيها. والغفلة: ذهابُ المعنى عن القلب بحضور ما يضادّه.\n﴿أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨)﴾ مرجعهم النّار بفعلهم.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ﴾ قيل: إلى الجنّة، وقيل: يثبّتهم على الهداية، وقيل: يرشدهم.\n﴿بِإِيمَانِهِمْ﴾ بسبب إيمانهم، وقيل: لهم نور يمشون به (٤)، وقيل: يقدّمهم إلى الثّواب من قول العرب: «القدم تهدي السّاق» (٥).\n_________\n(١) في (د): زيادة (يتقون أي الشرك لمن تأمل ...).\n(٢) في (د): (لا يذكرون البعث).\n(٣) في (د): (عذابنا).\n(٤) في (أ): (يمشون بها).\n(٥) ومنه قول طرفة بن العبد:\nللفتى عَقْلٌ يعيش به ... حيث تهدي ساقَه قَدَمُه. ... =\n=قال الطبري في تفسيره: أي: تَرِدُ به الموارد.\nانظر: «جامع البيان» للطبري ١/ ١٦٩.","vol":"1","page":670},{"text":"﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٩)﴾ أي (١): من تحت منازلهم. وقيل: منابعها من تحتها. وقيل: بأمرهم. وقيل: بين أيديهم وهم يرونها.\n﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾ أي دعاؤهم، والدّعوى: مصدر كالدّعاء والمراد به النّداء، أي: يدعون الله بقولهم: سبحانك اللهمّ؛ تلذّذًا بذِكْرِه لا عبادةً، والمعنى: هم في أكثر ممّا يشتهون فلا يستزيدون. وقيل: دعواهم: كلامهم وقولهم. وقال الكلبي: إذا اشتهوا شيئًا قالوا: سبحانك اللهمّ فيُؤتَوْنَ به (٢).\n﴿وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا﴾ ما يحيّي بعضهم بعضًا ﴿سَلَامٌ﴾.\nوقيل: تحييهم الملائكة، وقيل: يحييهم الله ﷿. وقيل: تحيّتهم: مُلكهم، ﴿سَلَامٌ﴾ سالم (٣). والتحيّة: الملك.\n﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ﴾ أي إذا نالوا منه شهوتهم قالوا:\n﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠)﴾ وقيل: أوّل كلامهم التّسبيح، وآخره التّحميد، وهم يتكلّمون بينهما بما أرادوا أن يتكلّموا به، وليس يعني أنّه ينقطع.\nابن بحر: هو قولهم: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾ [الأعراف: ٤٣]. و﴿أَنِ﴾ في قوله: ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠)﴾ زيادةٌ عند بعضهم، ومخفَّفٌ من المشدّد عند بعضهم، وقد قرئ به (٤)، وتقديره: أنّه الحمد. وقيل: آخر دعواهم أن يقولوا الحمد.\n_________\n(١) لم ترد (أي) في (د).\n(٢) نقله الواحدي في «البسيط» (ص ٨٠٩ - رسالة جامعية) عن الكلبي.\n(٣) في (د): (سلام سلام).\n(٤) يعني تشديد (أن)، وقد قرأ بها عكرمة وأبو مجلز وأبو حيوة وقتادة ومجاهد وابن يعمر وبلال بن أبي بردة وابن محيصن ويعقوب. ... =\n«انظر: =القراءات الشاذة» لابن خالويه (ص ٥٦)، و«المحتسب» لابن جني ١/ ٣٠٨، و«الدر المصون» للسمين الحلبي ٦/ ١٥٦ - ١٥٧.","vol":"1","page":671},{"text":"﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ﴾ قال بعض المفسّرين: هو كقوله: ﴿عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا﴾ [ص: ١٦]. وكقوله: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ﴾ [الإسراء: ١١].\nوالمراد بقوله: «النّاس» الكفّار، وكانوا يستعجلون بالعذاب كفرًا منهم بذلك (١) واستهزاء.\n﴿لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ أي: أهلكهم وأفناهم، وقيل: لا بقطع (٢) الدّنيا، ولكن لم يفعل بهم ما سألوا وأخّرهم (٣) ليُتمّ إقامة الحجّة عليهم. نزلتْ في النّضر. (٤) وذهب بعضهم إلى أنّ هذا عامّ، وذلك أنّ الرّجل يدعو على نفسه وأقاربه وأمواله (٥) في حال ضجره ومَلاله فيقول: أهلكه الله ولعنه وأماته (٦).\n﴿اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ﴾ كما يدعوا لهم بالخير.\n﴿لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ لهلكوا، وتقدير الآية: ولو يعجّل الله للنّاس الشّرّ حين استعجلوه استعجالًا كاستعجالهم الخير، أي: كما يجب أن يستعجل الخير. والشّرُّ: ظهورُ ما فيه ضرر، مشتقّ من: شررت الشّيء في الشمس (٧)، أي: أظهرته. وعُدِّي «قضي» بإلى لما فيه من معنى السّرعة.\n﴿فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾ يعني مشركي مكّة.\n_________\n(١) سقطت كلمة (بذلك) من (ب).\n(٢) في (د): (لا انقطع). وتحتمل في (أ) و(ب): (لا يقطع).\n(٣) في (د): (فأخبرهم).\n(٤) قاله مقاتل بن سليمان في تفسيره ٢/ ٢٢٩.\n(٥) سقطت كلمة (وأمواله) من (أ) وهي مثبتة في (ب) و(د).\n(٦) في (د): (وأماتهم).\n(٧) سقط قوله (في الشمس) من (أ) وهو موجود في (ب) و(د).","vol":"1","page":672},{"text":"﴿فِي طُغْيَانِهِمْ﴾ شركهم وضلالهم. وقيل: ظلمهم.\n﴿يَعْمَهُونَ (١١)﴾ يتردّدون. وقيل: يلعبون. وقيل: يتمادون.\n﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ﴾ الكافر.\n﴿الضُّرُّ﴾ إذا ناله ضرر ومكروه.\n﴿دَعَانَا﴾ دعا الله لإزالته ولم يدع غيره.\n﴿لِجَنْبِهِ﴾ مضطجعًا.\n﴿أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا﴾ يريد في جميع الأحوال، وحروفُ الجرِّ كلّها تقع أحوالًا. وقيل: مسّه الضّرُّ لجنبه أو قائمًا أو قاعدًا دعانا، فيكون العاملُ في الحال ﴿مَسَّهُ﴾، وعلى الأوّل العاملُ ﴿دَعَانَا﴾.\n﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ﴾ أَزَلْنا ما به.\n﴿مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ أي: استمرّ على كفره معرضًا عن الشّكر.\nوقيل: مَرّ على ما كان عليه، ويحتمل: مرّ كأن لم يكن به ضرر، أي: معافى، ثمّ لم يشكرنا عليه.\n﴿كَذَلِكَ﴾ أي: كما زُيّن لهذا الكافر الدّعاء عند البلاء والإعراض عند الرّخاء.\n﴿زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ﴾ للكافرين.\n﴿مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢)﴾ عملهم.\nوأصل (كَأَنَّ): كأَنّه، خفف وحذف الاسم (١).\n_________\n(١) اسمها هو الهاء ضمير الشأن حذف على ما هو الغالب.\nانظر: «الإعراب المفصل» ٥/ ١٩، و«التحرير والتنوير» ١١/ ١١١.","vol":"1","page":673},{"text":"قيل: نزلت في هشام (١) بن المغيرة المخزومي.\n﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ يا أهل مكّة.\n﴿لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ بالمعجزات.\n﴿وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ أي: لم يكونوا يؤمنون ولو بقّاهم أبدًا.\n﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (١٣)﴾ أي: نفعل بمن كذّب بمحمّدٍ كما فعلنا بمن قبلهم.\n﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ﴾ جمع خَليفة، أي: تخلفونهم قرنًا بعد قرن.\n﴿فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ في أماكنهم.\n﴿لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٤)﴾ لتعملوا أعمالكم فنراها مشاهدةً موجودةً، فارغبوا في الطّاعة، واحذروا عن المعصية.\n﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾ واضحات الدّلائل، أي: القرآن.\n﴿قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾ أي: الكفّار.\n﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا﴾ لا يكون فيه ذِكْرُ البعث والنّشور، وقيل: لا يكون فيه عيبُ آلهتنا، أي: ضُمَّ إليه قرآنًا آخر.\n﴿أَوْ بَدِّلْهُ﴾ كتابًا آخر لا يكون فيه وعيدٌ، وقيل: بدّل منه ذِكْر البعث.\n﴿قُلْ﴾ يا محمّد.\n﴿مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾ أي: ليس هذا من كلامي فأغيّره.\nتلقاء: مصدرٌ كالتِّبيان يستعمل ظرفًا بمعنى المقابلة مشتقّ من التّلقّي.\n﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ لا أتّبع إلاّ وحيَ الله من غير زيادة ولا نقصان ولا تبديل.\n_________\n(١) هكذا في النسخ الثلاث.\nوعند مقاتل ٢/ ٢٣٠ وابن الجوزي ٤/ ١٢: هاشم بن المغيرة.","vol":"1","page":674},{"text":"﴿إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾ أي إن فعلتُ (١) عصيتُ ربّي ثمّ لا آمَنُ ﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥)﴾.\nالكلبي: نزلتْ في المستهزئين، قالوا: يا محمّد ائت بقرآن غير هذا فيه ما نسألكه (٢).\nمجاهد: نزلت في مشركي مكّة (٣).\n﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ﴾ أي: القرآن.\n﴿وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ﴾ أي: لا أَعْلَمَكم الله، تقول: دريتُ الشّيء: علمتُه (٤)، وأدريتُه غيري (٥): أعلمتُه إيّاه.\n﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ﴾ مكثت وبقيت بينكم لا أتلو القرآن ولا أتعلّمه.\n﴿عُمُرًا﴾ أي: بعضًا من عمري وهو أربعون سنةً لأنّه أوحي إليه بعد أربعين سنةً.\n﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ من قبل القرآن، وقيل: من قبل التّلاوة، وقيل: من قبل هذا الوقت، وقيل: من قبل نزوله.\n﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٦)﴾ أنّي صادقٌ وهذا (٦) كلامُ الله أمرني أن أتلوه عليكم.\n﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ أي: لا أحد أظلم ممّن كَذَبَ على الله.\n_________\n(١) سقطت كلمة (فعلت) من (ب).\n(٢) ذكره الواحدي في «أسباب النزول» (ص ٤٤٢).\n(٣) ذكره الواحدي في «أسباب النزول» (ص ٤٤١) وابن الجوزي ٤/ ١٤.\n(٤) في (أ): (إذا علمته).\n(٥) في (د): (أي أعلمته).\n(٦) في (د): (وهكذا).","vol":"1","page":675},{"text":"﴿أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ﴾ أي: الكاذبُ على الله والمكذِّب بآيات الله في الكفر سواءٌ.\n﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ (١٧)﴾ لا ينالون رشدا.\n﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ يشركون مع الله في العبادة.\n﴿مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾ لأنّها أمواتٌ.\n﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾:\nالحسن: يريدون في أمر الدّنيا ومعاشها لأنّهم (١) لا يقرّون بالبعث (٢).\nوقيل: معناه هؤلاء شفعاؤنا عند الله إن يكن بعثٌ ونشورٌ.\nوقيل: في الكفّار من يعتقد البعث.\n﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: أتخبرونه بما لم يكن ولا يكون لأنّه ليس فيهما من يستحقّ العبادة؛ فنفَى العلمَ لنفي المعلوم.\n﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٨)﴾ نزّه نفسه عن أن يكون معه معبودٌ أو شريكٌ.\n﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ﴾ يعني بني آدم بعد آدم ﵇، وقيل: بعد إلياس (٣)، وقيل: النّاس هاهنا العرب.\n﴿إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ على دين واحد وهو دين (٤) الإسلام، وقيل: الشّرك، وقد سبق (٥).\n_________\n(١) في (د): (ومعايشها لأنها).\n(٢) ذكره الواحدي في «البسيط» (ص ٨٢٦ - رسالة جامعية) وابن الجوزي ٤/ ١٦.\n(٣) في (د): (الناس).\n(٤) سقطت كلمة (دين) من (د).\n(٥) في تفسير سورة البقرة، الآية (٢١٣) (ص ٥٩٦ من القسم الأول).","vol":"1","page":676},{"text":"﴿فَاخْتَلَفُوا﴾ وصاروا مللًا كفّارا.\n﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ بتأخير العذاب إلى يوم القيامة، يريد عذاب هذه الأمّة من قوله ﷿: ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (١٠٤)﴾ [هود: ١٠٤].\nوقيل: سبقتْ أنّه لا يعاجل العصاة بالعقوبة.\nوقيل: هو قوله لآدم ﵇ حين عطس: يرحمك ربّك (١)، فسبقت رحمتُه غضبَه.\n﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٩)﴾ لأَهْلَكَ المُبْطِلَ في اختلافهم، والاختلاف: الذّهاب في جهتين فصاعدا.\n﴿وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ (٢) أي ممّا اقترحوا عليه في قوله:\n﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [الإسراء: ٩٠] الآيات، وقيل: تعنّتوا في طلب الآيات.\n﴿فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ﴾ أي هو أعلم بمصالح العباد.\n﴿فَانْتَظِرُوا﴾ وقوع الآية (٣).\n﴿إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٢٠)﴾ فوقعت يوم بدر وظهر المحقّ من المبطل.\n﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ﴾ أهل مكّة.\n_________\n(١) أخرجه ابن حبان في صحيحه (٦١٦٥) والحاكم ٤/ ٢٦٣ من حديث أنس بن مالك، وله شاهد من حديث أبي هريرة عند ابن حبان (٦١٦٧) والترمذي (٣٣٦٨).\n(٢) وردت زيادة في نسخة (ب) وهي تكرار لما سبق أن ذكره الكرماني عند تفسير قوله تعالى: (ولولا كلمة سبقت من ربك) تبدأ هذه الزيادة من قوله: (بتأخير العذاب) إلى قوله (﷿) وواضح أنها خطأ، حيث لم ترد في (أ) و(د).\n(٣) في (ب): (الآيات).","vol":"1","page":677},{"text":"﴿رَحْمَةً﴾ خصبا وسعة.\n﴿مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ﴾ الجوع والقحط، وقيل: شفاء بعد سقم.\n﴿إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا﴾ أي: مكروا بآياتنا بدفعها وإنكارها (١).\n﴿قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا﴾ استدراجًا لكم جزاءً على مكركم.\n﴿إِنَّ رُسُلَنَا﴾ أي: الحفظة.\n﴿يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ (٢١)﴾ فيجازيكم الله عليه.\n﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ﴾ يحملكم على السّير ويجعلكم قادرين على قطع المسافات بالأرجل والدّوابّ والفلك الجارية في البحار، وهو قوله:\n﴿فِي الْبَرِّ﴾ الأرض الواسعة.\n﴿وَالْبَحْرِ﴾ مستقرّ الماء.\n﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ﴾ السّفن (٢)، والفلك واحدٌ وجمعٌ، وقد سبق (٣).\n﴿وَجَرَيْنَ﴾ أي السّفن.\n﴿بِهِمْ﴾ بمن فيها، رجع إلى الغيبة بعد الخطاب، وهذا تلوين، وهو كثير (٤) حسن، وفي القرآن أحسن؛ لأنّ القرآن للنّاس كلّهم.\n﴿بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ ليّنة الهبوب لا ضعيفة ولا عاصفة.\n﴿وَفَرِحُوا بِهَا﴾ بتلك الرّيح للينها واستقامتها. ﴿جَاءَتْهَا﴾ أي: السفينة، وقيل: الريح الطيبة.\n_________\n(١) في (ب): (في آياتنا) وفي (د): (أي بدفعها).\n(٢) في (د): (في السفن).\n(٣) في تفسير سورة البقرة، الآية (١٦٤).\n(٤) في (د): (وهذا تلوين حسن وفي القرآن أحسن).","vol":"1","page":678},{"text":"﴿رِيحٌ عَاصِفٌ﴾ ذات عصف، أي: شديدة الهبوب.\n﴿وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ﴾ وهو ما علا من الماء (١).\n﴿مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾ أي: من البحر. وقيل: من كلّ جهة (٢).\n﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ﴾ أهلكوا وسُدّت عليهم مسالكُ النّجاة من جميع الجهات.\n﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أخلصوا له الدّعاء منقادين مذعنين دون الأوثان.\n﴿لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ﴾ لئن خلّصتنا (٣) من هذه الواقعة، وقيل: من هذا الرّيح وأنعمت علينا يا ربّنا.\n﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢)﴾ لنعمتك (٤) مؤمنين بك مستمسكين بطاعتك.\n﴿فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ﴾ أجاب الله دعاءهم.\n﴿إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ عادوا إلى الكفر والفساد.\n﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ جهلًا وباطلًا، أي: مبطلين.\n﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ أي: وبال بغيكم عليكم، وقيل: بغي بعضكم على بعض.\n﴿مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أي: ذلك متاع الحياة الدّنيا تتمتّعونه في الدّنيا، فيكون\n﴿بَغْيُكُمْ﴾ مبتدأً ﴿عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ خبره، و﴿مَتَاعَ﴾ خبر مبتدأ محذوف، ويجوز أن يكون (على) من صلة المصدر و﴿مَتَاعَ﴾ خبره، ومن نصب فعلى العلّة أو المصدر،\n_________\n(١) في (د): (من المكان).\n(٢) في (ب): (وجهة).\n(٣) في (د): (أخلصتنا).\n(٤) في (د): (لنعمائك).","vol":"1","page":679},{"text":"ويحتمل أن يكون نصبًا على الظّرف، أي: مدّة متاع الحياة (١).\n﴿ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ﴾ في القيامة.\n﴿فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٣)﴾ نخبركم به ونجازيكم عليه.\n﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ المثل: قولٌ سائرٌ يُشَبَّه فيه حال الثّاني بالأوّل، وقيل: (مثل الحياة) أي: صفة الحياة.\nابن عيسى: في المشبَّه والمشبَّه به ثلاثة أقوال:\nأحدها: الحياة الدّنيا بالنّبات على تلك الأوصاف.\nوالثّاني: الحياة الدّنيا بالماء فيما يكون به من الإمتاع (٢) ثمّ الانقطاع.\nالثّالث: الحياة الدّنيا بحياة مقدّرة على هذه الأوصاف.\nوقوله: ﴿كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ﴾ على التّقدير الأوّل: كنبات ماءٍ فحُذف المضاف، وعلى القول الثّاني: ظاهر، وعلى القول الثّالث: كحياة قوم بماء أنزلناه، ويقوّيه قوله:\n﴿وَظَنَّ أَهْلُهَا﴾.\nقوله: ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ أي: من السّحاب، وقيل: من جانب السّماء.\n﴿فَاخْتَلَطَ بِهِ﴾ بالماء اختلاط جوار، لأنّ الاختلاط: تداخل الأشياء بعضها في بعض. وقيل: اختلط به، أي: بسببه.\n﴿نَبَاتُ الْأَرْضِ﴾ فطالت وامتدّت.\n﴿مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ﴾ الحبوب والثّمار والبقول.\n﴿وَالْأَنْعَامُ﴾ الحشيش والمراعي.\n_________\n(١) قرأ حفص عن عاصم (متاعَ) بالنصب، وقرأ باقي العشرة (متاعُ) بالرفع.\nانظر: «المبسوط» لابن مهران (ص ١٩٩).\n(٢) في (أ): (المتناع).","vol":"1","page":680},{"text":"﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا﴾ زينتها بالنّبات واختلاف ألوانه.\n﴿وَازَّيَّنَتْ﴾ وتزيّنت به.\n﴿وَظَنَّ أَهْلُهَا﴾ أهل الأرض (١).\n﴿أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا﴾ على حصاد نباتها، واجتناء ثمارها، إذ لا مانع دونها.\n﴿أَتَاهَا أَمْرُنَا﴾ ما يهلك الزّرع ويفنيه.\n﴿لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا﴾ أي: الأرض، وقيل: الغلّة، وقيل: الزّينة.\n﴿حَصِيدًا﴾ محصودة مقلوعة منزوعة الأصول.\n﴿كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾ كأن لم تقم بهذه الصّفة، من قولهم: غنينا بمكان كذا: إذا أقمنا، والمغنى: المكان، وقيل: مِنْ غَنِيَ بمعنى (٢): اكتفى.\nمقاتل: ﴿تَغْنَ﴾: تَنْعَم، أي: كأن لم توجد ولم تكن تلك الأرض بهذه الصّفة.\n﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢٤)﴾ فينتفعون بضرب الأمثال.\n﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾ ببعث الرّسل، وقيل: بنصب الأدلّة. ودارُ السّلام الجنّة. السّلام: هو الله، والجنّة دارُه، وهذه الإضافة كبيت الله، وناقة الله. وقيل: دار السّلامة من الآفات (٣) والأحزان فحذف الهاء. وقيل: دار السّلام: هو من التّحيّة التي يحيّيهم الله والملائكة، من قوله: ﴿تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ (٢٣)﴾ [إبراهيم: ٢٣].\n﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ يرشد (٤) ويوفّق من يشاء.\n_________\n(١) في (د): (أهل هذه الأرض).\n(٢) سقطت كلمة (بمعنى) من (د).\n(٣) سقطت كلمة (الآفات) من (ب).\n(٤) سقطت كلمة (يرشد) من (د).","vol":"1","page":681},{"text":"﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥)﴾ الإسلام وكتاب الله ومحمّد ﵇ وأصحابه، وقيل: الحقّ، وقيل: إلى طريق الجنّة.\n﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾ آمنوا بالله ورسله (١)، ﴿الْحُسْنَى﴾ الجنة.\nو﴿الْحُسْنَى﴾ كالبشرى، وقيل: تأنيث الأحسن.\n﴿وَزِيَادَةٌ﴾ هي النّظر إلى وجه الله الكريم. وقيل: الحسنى: جزاء حسناتهم، والزّيادة: بالواحد عشرا لتكون الزّيادة من الجنس الأوّل. وقيل: الحسنى: عشرة، والزّيادة: تضعيف العشرات، وقيل: الزّيادة: المغفرة والرّضوان، وقيل: الزّيادة: ما نالوا في الدّنيا فلا يحاسبون عليه. وإجماعُ المفسّرين على أنّ الزّيادة النّظر إلى الله ﷿ (٢).\n﴿وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ﴾ لا يعلوها ولا يغشاها، وأصل الكلمة: اللُّحوق.\n﴿قَتَرٌ﴾ غبار (٣)، واحدها قترة، وأصل الكلمة: الغبار.\n﴿وَلَا ذِلَّةٌ﴾ هوان.\n﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٦)﴾.\n﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ﴾ الكفر والشّرك.\n﴿جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا﴾ أي: يجازون بمثلها، والضّمير مقدَّر والباء متعلِّقٌ (٤) بالمضمر، وقيل: تقديرُه: لهم جزاءُ سيّئة مثلها، والباء زيادة، ويحتمل أنّ في الآية\n_________\n(١) في (د): (ورسوله).\n(٢) لعله يقصد أكثر المفسرين، لكونه ذكر خلافًا في معنى الزيادة، وحتى لو قيل إنه أراد مفسري الصحابة، ففي الآية خلاف أيضًا.\n(٣) في (أ): (عناء)، والمثبت من (ب) و(د).\n(٤) في (د): (متعلقة).","vol":"1","page":682},{"text":"تقديمًا وتأخيرًا. ويحتمل أنّ محلّ ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا﴾ جرٌّ (١).\n﴿وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ ويلحقهم ذلّ وهوان.\n﴿مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ﴾ من عقابه.\n﴿مِنْ عَاصِمٍ﴾ مانع ودافع.\n﴿كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا﴾ أي: جعل عليها غطاء من سواد اللّيل، أي: هم سود الوجوه، ومن قرأ ﴿قِطَعًا﴾ بالفتح جعلها جمع قِطْعَةٍ، وجعل\n﴿مُظْلِمًا﴾ حالًا عن اللّيل، ومن سكّن الطّاء أخذه من قوله: ﴿بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود: ٨١] وهو جزء من اللّيل بعد طائفة منه (٢).\n﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧)﴾.\n﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾ أي: الكفّار وغيرهم.\n﴿جَمِيعًا﴾ حال.\n﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ﴾ كلمة وعيد عند العرب، معناه: انتظروا وامكثوا، وهي من الأسماء التي سمّيّت الأفعال بها، وفيه ضمير مرفوع.\n﴿أَنْتُمْ﴾ تأكيد له ﴿وَشُرَكَاؤُكُمْ﴾ عطف عليه.\n﴿فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ﴾ تقول: أزال فلان الشّيء يزيله: نحّاه، وزيّله مبالغة وتكثير للفعل.\n﴿وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ أي: الأصنام، وقيل: الملائكة والشّياطين.\n﴿مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ (٢٨)﴾ أي: لم يكن برضانا ولا أمرنا ولا شعرنا ذلك.\n_________\n(١) من قوله (ويحتمل أن محل ...) لم يرد في (د).\n(٢) قرأ ابن كثير والكسائي ويعقوب (قِطْعًا) ساكنة الطاء، وقرأ باقي العشرة (قِطَعًا) بفتح الطاء.\nانظر: «المبسوط» لابن مهران (١٩٩ - ٢٠٠)، و«الحجة» لأبي علي الفارسي ٤/ ٢٦٨ - ٢٧١.","vol":"1","page":683},{"text":"﴿فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ أي: الله الشّاهد على صدقنا بأنّا لم نشعر بعبادتكم.\n﴿إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ (٢٩)﴾.\nابن عيسى: هذا الجحود على جهة الإهانة والرّدّ عليهم، أي: لا نعتقد (١) بذلك.\nوقال أيضًا: دُهشوا كدهشة الصّبيّ.\n﴿هُنَالِكَ﴾ عند تلك (٢) المخاصمة.\nالمفضّل: ﴿تَبْلُو﴾ تَخْبرُ.\n﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ تقول: بلوته وابتليته وخبرته واختبرته بمعنىً واحد. وقرئ: (تتلوا) (٣) أي: تقرأ كتاب الحفظة، وقيل: تتبع عمله، وروي أنّ عمل الإنسان يأتي يوم القيامة على صورة حيوان يقود عامله إلى الجنّة أو إلى النّار (٤).\n﴿مَا أَسْلَفَتْ﴾ قدّمت (٥)، والإسلاف: تقديمٌ (٦) لما بعده.\n﴿وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ إلى ما وعدهم الله. وقيل: إلى الموضع الذي يجازي فيه.\n﴿مَوْلَاهُمُ﴾ مدبّرهم ومتولّي أمرهم.\n﴿الْحَقِّ﴾ على الحقيقة لا ما اتّخذوه مولى.\n﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ﴾ بطل وذهب.\n_________\n(١) هكذا ظهرت لي قراءتها، وفي (د): (لا نعتد).\n(٢) سقطت كلمة (تلك) من (د).\n(٣) قرأ حمزة والكسائي وخلف وروح عن يعقوب (تتلوا) بالتاء، وقرأ باقي العشرة (تبلوا) بالباء.\nانظر: «المبسوط» لابن مهران (ص ٢٠٠).\n(٤) لم أجده بعد البحث.\n(٥) سقطت كلمة (قدمت) من (ب).\n(٦) في (د): (تقديم أمر لما بعده).","vol":"1","page":684},{"text":"﴿مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٣٠)﴾ افتراؤهم في الدّنيا.\n﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ﴾ المطر.\n﴿وَالْأَرْضِ﴾ النّبات. وقيل: من يرزقكم من أهل السّماء وأهل الأرض.\n(أم) (١) جواب لما يتضمنه (مَنْ) من الاستفهام.\n﴿أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ﴾ يملك القدرة عليها بالسّلب والإعطاء.\n﴿وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ أي: من المحيي المميت.\n﴿وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ أمر العالمين (٢). وهذا السّؤال تبكيت للكفّار وتقريع لهم على اتّخاذهم الأصنام مع إقرارهم بأنّ خالق هذه الأشياء هو الله سبحانه.\n﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ أي: فسيجيبونك عند سؤالك أنّ القادر على هذه: الله (٣) ولا يكذبون فيه.\n﴿فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١)﴾ الله أن يعاقبكم على اتّخاذكم الأصنام.\n﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ﴾ على الحقيقة.\n﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ أي: إذا كان الحقُّ عبادة الله فعبادةُ غيره ضلالٌ باطل.\n﴿فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣٢)﴾ كيف (٤) تصرفون من الحقّ إلى الباطل.\n﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ أي: كما صحّ أنّ الله (٥) الخالق حقّت كلمتُه.\n_________\n(١) في (أ): (أمر).\n(٢) في (ب): (العاملين).\n(٣) في (ب): (هذه الآية ولا يكذبون).\n(٤) في (ب): (أي تصرفون).\n(٥) في (د): (ايالة) بدلًا من (أن الله).","vol":"1","page":685},{"text":"﴿عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا﴾ وهي مفسَّرة بقوله:\n﴿أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٣)﴾ وهذا (١) قومٌ أخبر الله أنّهم لا يؤمنون.\n﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ كانوا مقرّين بأنّ الله يبدأ الخلق وأنّ الأصنام لا تخلق شيئا وفيهم من يقرّ بالإعادة.\n﴿قُلْ﴾ أي: فإن أجابوك وإلاّ فقل أنت، إذ لا جواب إلاّ هذا.\n﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٣٤)﴾ كيف تصرفون عن قصد السّبيل.\n﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ﴾ يرشد إليه، فإذا قالوا لا؛ ولا بدّ لهم منه:\n﴿قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ﴾ يرشد إليه.\n﴿أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى﴾ أي: لا (٢) يهتدي بنفسه إلاّ أن يهديه هادٍ ولا يقبل الهداية، وقيل: لا يقدر على التّنقّل من موضع إلى موضع حتّى ينقل، وقيل: أراد به الرّؤساء المضلّين.\n﴿فَمَا لَكُمْ﴾ في عبادة الأوثان، وقيل: تعجيب (٣).\n﴿كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٥)﴾ أي: ليسا في القضيّة سواء فَلِمَ سوّيتم بينهما.\n﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا﴾:\nقال بعض المفسّرين: أكثرهم: كلّهم.\nوقال بعضهم: أراد بالأكثر: أتباع الرّؤساء.\nوقيل: الرّؤساء.\nوقيل: أكثرهم: أكثر النّاس، لأنّ المؤمنين هم الأقلّون.\n_________\n(١) في (ب): (وهم قوم).\n(٢) في (أ): (أن لا) وسقطت (لا) من (ب) فقط.\n(٣) في (د): (وقيل في تعجيبه).","vol":"1","page":686},{"text":"وقوله: ﴿إِلَّا ظَنًّا﴾ أي: يظنّون الباطل (١) حقًّا وأنّ الأصنام آلهة فيدينون به ويدعون النّاس إليه.\n﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ أي: لا يقوم الظّنّ مقام العلم، يريد الظّنّ فيما تُعُبِّدَ الإنسان بعلمه كالتّوحيد وأصول الدّين، أمّا الفروع فالعمل بالظّنّ فيها جائزٌ (٢).\n﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (٣٦)﴾ من اتّباع الظّنّ واعتقاد الباطل.\n﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ جوابٌ لقولهم: ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا﴾ [يونس: ١٥]، أي: ما كان (٣) هذا القرآن افتراء من البشر.\n﴿وَلَكِنْ﴾ كان.\n﴿تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾:\nأي بين يدي القرآن من البعث والحساب والقرآن يقدمه.\nوقيل: ﴿تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي: كتب الله المنزلة قبله.\nوقيل: تصديق الشّيء الذي القرآن بين يديه من الأخبار والأقاصيص.\n﴿وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ﴾ تبيين ما كتب عليكم وفرض.\n﴿لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٧)﴾ لا تهمة أنّه من عند الله لأنّه في أعلى طبقات البلاغة بحسن النّظام والجزالة.\n﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ قيل: تقديره بل أيقولون، وقيل: تقديره: أيقرّون به أم يقولون افتراه محمّد من قِبَلِ نفسه.\n_________\n(١) في (ب): (يظنون ظنًا ظل حقا ...).\n(٢) في (ب): (فالعمل فيها بالظن جائز).\n(٣) سقطت (ما) من (د).","vol":"1","page":687},{"text":"﴿قُلْ﴾ يا محمّد محتجًّا عليهم.\n﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ مثل القرآن في النّظم والبيان (١).\n﴿وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: من هو في التّكذيب مثلكم، يريد: استعينوا بمن شئتم وأطعتم سوى الله ليعاونوكم عليه.\n﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٨)﴾ أنّ محمّدًا تقوّله من تلقاء (٢) نفسه.\n﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ أي: عرفوا عجزهم عن الإتيان بمثله ولكن كذّبوا محمّدا بردّهم ما جهلوا ولم يحيطوا به علمًا من ذكر البعث والحساب والجنّة والنّار.\n﴿وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾:\nأي لم يأتهم وسيأتيهم ما يؤول إليه حقيقة ما وُعدوا.\nوقيل: ﴿تَأْوِيلُهُ﴾: مصداق مواعيد القرآن.\nوقيل: «ما لم يحيطوا بعلمه» هو القرآن ﴿وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ معاني القرآن؛ لأنّهم سمعوا ما لم يعرفوا تأويله.\n﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يعني كفّار الأمم الخالية كذّبوا رسلهم.\n﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٣٩)﴾.\n﴿وَمِنْهُمْ﴾ من أهل مكّة.\n﴿مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ﴾ سوى من آمن.\n﴿وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ﴾ وهم الذين ماتوا على الكفر.\n﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ (٤٠)﴾ أي: الكافرين المكذّبين.\n_________\n(١) في (أ): (والتبيان).\n(٢) سقطت كلمة (تلقاء) من (د).","vol":"1","page":688},{"text":"﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ﴾ الآية منسوخة بآية القتال (١)، أي: لي جزاء عملي ولكم جزاء أعمالكم.\n﴿أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٤١)﴾ لا تؤاخذون بعملي ولا أؤاخذ بعملكم.\n﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ استماع تعنّت فلا ينتفعون بما يسمعون (٢)، فصاروا كالأصمّ الذي لا يسمع أصلا.\n﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾ وليس في طوقك سلب الصّمم.\n﴿وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ (٤٢)﴾ كيف تهديهم.\n﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ﴾ ويرى صحّة نبوّتك بالمعجزات والدّلائل الواضحات ولا ينتفع بنظره، فصار كالأعمى الذي لا يبصر أصلا.\n﴿أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ﴾ وليس في وسعك إزالة عماه.\n﴿وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ (٤٣)﴾ كيف تهديهم، أي: هم معاندون فلا ينفع إنذارهم ودعاؤهم، وفضّل السّمع على البصر لأنّه يزول بزواله العقل، ولا يزول بزوال العين إلاّ البصر.\n﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٤)﴾ أي: لم يظلمهم بسلب حواسّهم بل هم ظلموا أنفسهم بتفويت منافعها عليهم.\n﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ﴾ يعني في الدّنيا، استقصروا مدّة لبثهم فيها (٣).\n_________\n(١) ذكر ذلك ابن الجوزي عن ابن عباس، ثم ردَّ القول بالنسخ من ثلاثة أوجه مذكورة في «ناسخ القرآن ومنسوخه» (ص ٤٤٠).\n(٢) في (د): (فلا ينتفع بما يستمعون).\n(٣) سقطت كلمة (فيها) من (ب).","vol":"1","page":689},{"text":"ابن عبّاس: لم يلبثوا في قبورهم (١).\n﴿يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ يتعارف بعضهم بعضًا، فهو متعدٍ، وقيل: يعرف بعضهم بعضًا (٢) معرفتهم في الدّنيا ثمّ تنقطع المعرفة.\n«الحجّة»: يتعرّف بعضهم من بعض مدّة لبثهم في القبور (٣).\n﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾ البعث والنّشور وحظوظ الخيرات.\n﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (٤٥)﴾ إلى الإيمان.\n﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ﴾ رؤية البصر.\n﴿بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ من العذاب في حياتك.\n﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ ولم نرك ذلك.\n﴿فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ﴾ في القيامة.\n﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ (٤٦)﴾ أي: عالم بفعلهم وتكذيبهم فيجازيهم عليه.\nوالذي أراهم في حياته يوم بدر، والعذابُ الأليم مدّخر لهم للمعاد (٤).\n﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ من الأمم الماضية.\n﴿رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ﴾ أو بلغتهم دعوته فلم يؤمنوا.\n﴿قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٤٧)﴾ أي: أُهلكوا ونجا المؤمنون وكان ذلك من الله عدلًا (٥). وقيل: هو من قوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ [النساء: ٤١].\n_________\n(١) نقله الثعلبي (ص ٥٧٠ - رسالة جامعية) وابن الجوزي ٤/ ٣٦.\n(٢) حصل سقط في (أ) فجاء النص كالتالي: (يتعارف بعضهم بعضا معرفتهم في الدنيا)، بينما سقطت كلمة (يعرف) فقط من (ب).\n(٣) انظر: «الحجة للقراء السبعة» لأبي علي الفارسي ٤/ ٣٠٢ - ٣٠٣.\n(٤) في (ب): (مدخر ليوم لهم للمعاد)، وفي (د): (المدخر لهم للميعاد).\n(٥) في (أ): (عدلًا من الله).","vol":"1","page":690},{"text":"﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾ أي: وعد العذاب استهزاء، وقيل: يوم القيامة.\n﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٨)﴾ خطاب منهم (١) للنّبيّ والمؤمنين.\n﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ أي: لا أقدر لها على (٢) ضرّ ولا نفع.\n﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ أن أملكه فكيف آتيكم (٣) بالعذاب.\n﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ﴾ مدّة.\n﴿إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾ وقت فناء أعمارهم (٤).\n﴿فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٤٩)﴾ أي: لا يتأخّرون ولا يتقدّمون.\n﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ﴾ أخبروني.\n﴿إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ﴾ الذي تستعجلون به.\n﴿بَيَاتًا﴾ وقت بيات، وهو اللّيل.\n﴿أَوْ نَهَارًا﴾ ضرّكم ذلك، وهو جواب الشّرط.\n﴿مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ﴾ من العذاب، وقيل: من الله.\n﴿الْمُجْرِمُونَ (٥٠)﴾ أي: ما أعظم ما يستعجلونه.\n﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ﴾:\nابن عيسى: استفهام إنكار، قد أكثروا القول في هذا الاستفهام، والوجهُ أن\n_________\n(١) حصل بعد قوله (منهم) سقط في نسخة (د) واستمر إلى أثناء تفسير الآية (٥٩)، وسأنبه هناك -إن شاء الله تعالى- على بداية النسخة مرة أخرى.\n(٢) سقطت (على) من (أ).\n(٣) في (ب): (اتاكم).\n(٤) في (ب): (أعمالهم).","vol":"1","page":691},{"text":"يقدّر هاهنا فعلٌ تقديرُه: فيقع العذاب ويؤمنون به (١)، فيقال لهم (٢):\n﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ﴾ بالعذاب، وقيل: بالله (٣).\n﴿آلْآنَ﴾ تؤمنون به.\n﴿وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (٥١)﴾ بالعذاب تكذيبًا واستهزاء، وقيل: ثمّ هاهنا بمعنى هنالك، وهذا شيء لا تحتمله العربيّة.\n﴿ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ﴾ أي: على الدّوام.\n﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٥٢)﴾ بكفركم واستهزائكم.\n﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ﴾:\nقال مقاتل: لمّا قدم حييّ بن أخطب (٤) مكّة قال لرسول الله -ﷺ-: أحقٌّ ما تقول أم باطل؟ أي: أبجدٍّ (٥) منك هذا أم أنت هازل (٦).\n﴿قُلْ﴾ يا محمّد.\n﴿إِي وَرَبِّي﴾ نعم والله.\n﴿إِنَّهُ﴾ إنّ العذاب، وقيل: إنّ القرآن، وقيل: البعث والحساب.\n﴿لَحَقٌّ﴾ كائنٌ لا محالة.\n﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥٣)﴾ فائتين.\n_________\n(١) في (ب): (ويؤمنوا به).\n(٢) في (ب): (له).\n(٣) في (ب): (وقيل من الله).\n(٤) حيي بن أخطب النضري، يهودي من أشد العتاة، أدرك الإسلام وآذى المسلمين، أُسر يوم قريظة ثم قتل.\nانظر: «ترتيب الأعلام» (ص ١٠٥).\n(٥) في (أ): (بجد) دون همزة.\n(٦) لم أجده عن مقاتل، وإنما ورد عن الكلبي عند ابن حبيب في تفسيره (ق ٩٥/أ).","vol":"1","page":692},{"text":"﴿وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ﴾ أشركت وكفرت.\n﴿مَا فِي الْأَرْضِ﴾ من الملك والمال.\n﴿لَافْتَدَتْ بِهِ﴾ لإزالة العذاب عن نفسه، ولكن لا يؤخذ الفداء.\n﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ﴾ أي: كتموها، وقيل: أظهروها، وهذا أولى لأنّه ليس ثَمَّ وقت تصنّع، وقيل: انطووا لا عن قصد.\n﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٥٤)﴾ ليس هذا تكرارًا، لأنّ الأوّل في قوم وهذا في آخرين.\n﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فلا مانع من عذابه، وقيل: فلا يقبل فداء.\n﴿أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ أي: وعده ووعيده (١) كائنان لا خُلْفَ فيهما.\n﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٥٥)﴾.\n﴿هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ في الدّنيا.\n﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٥٦)﴾ في العقبى.\n﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي: ما فيه (٢) وعظ وزجر.\n﴿وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ ودواء للجهل والشّكّ (٣).\n﴿وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧)﴾ نجاة لهم، وهذا كلّه من صفة القرآن وهو المراد به.\n﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ﴾ الإسلام.\n﴿وَبِرَحْمَتِهِ﴾ القرآن. وقيل: ﴿بِفَضْلِ اللَّهِ﴾ القرآن ﴿وَبِرَحْمَتِهِ﴾ الإسلام.\n﴿فَبِذَلِكَ﴾ أي: بهما.\n﴿فَلْيَفْرَحُوا﴾ لا بما أوتوا من المال.\n﴿هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨)﴾ من حطام الدّنيا فإنّها فانية زائلة عن قريب، وإنّ ثواب هذا لصاحبه باقٍ ثابتٌ.\n﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ﴾ أخبروني.\n_________\n(١) في (ب): (وعقابه).\n(٢) لم ترد (ما) في (ب).\n(٣) في (ب): (ودواء لداء الجهل والشك).","vol":"1","page":693},{"text":"﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ﴾ مطر هو سببٌ للنّبات وفيه معاش الحيوان.\n﴿فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ﴾ من الرّزق. وقيل: ممّا أنزل.\n﴿حَرَامًا وَحَلَالًا﴾ يعني قوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا﴾ [الأنعام: ١٣٦] (١)، وقوله: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ﴾ الآية [المائدة: ١٠٣].\n﴿قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ فيه وأمركم به.\n﴿أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩)﴾ تكذبون.\n﴿وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ أي: ينسبون ذلك إليه، هذا تهديد، أي: لا يظنّوا لأنفسهم خيرًا ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾.\nوقيل: أيحسبون أن يصفح عنهم، كلاّ.\n﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ بتأخير العذاب، وبما أنزل من الرّزق، ووسّع على العباد.\n﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ﴾ أي النّاس.\n﴿لَا يَشْكُرُونَ (٦٠)﴾ الله على نعمه.\n﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ﴾ في حالٍ وأمرٍ من أمورك.\nالزّجّاج: العبادة (٢). وقيل: الشّأن كلُّ أمر قُدِّر، تقول: شأنتُ زيدًا أشأنه: قصدته، واشأن شأنك: اعمل عملك.\n﴿وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ﴾ أي من الشّأن، وقيل: من الله، وقيل: من القرآن، أي: بعضًا منه.\n﴿وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ﴾ عمّم الخطاب.\n﴿إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ﴾ أي: شهداء، وقيل: حاضرين، فيكون على بمعنى مع، ومعنى ﴿تُفِيضُونَ﴾ تخوضون وتنتشرون في الحديث، وقيل: تندفعون في تكذيب العذاب.\nقوله (٣) ﴿فِيهِ﴾ في العمل، وقيل: في القرآن.\n﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ﴾ لا يغيب عن علمه.\n﴿مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ﴾ وزن نملة صغيرة، وقيل: الذّرّة: الهباء (٤).\n_________\n(١) من قوله (وأنعام نصيبا) بدأت نسخة (د) بعد انتهاء السقط الذي أشرت إليه قبل صفحات قليلة.\n(٢) انظر: «معاني القرآن» للزجاج ٣/ ٢٦.\n(٣) سقطت كلمة (قوله) من (أ) وهي في (ب) و(د).\n(٤) الهباءة: هي ما يرى في ضوء الشمس كغبار دقيق جدًا.\nانظر: «التحرير والتنوير» ١١/ ٢١٤.","vol":"1","page":694},{"text":"﴿فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦١)﴾ في اللّوح المحفوظ، قرئ بالرّفع والنّصب (١)، الرّفع من وجهين:\nأحدهما: أن يكون عطفًا على محل ﴿مِثْقَالِ ذَرَّةٍ﴾.\nوالثّاني: أن يكون بالابتداء وخبرُه ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ حكاهما الزّجّاج وغيره (٢).\nوالنّصب من وجهين:\nأحدهما: أن يكون عطفًا على لفظ ﴿مِثْقَالِ﴾ أو عطفًا على ﴿ذَرَّةٍ﴾ فيكون مجرورًا في الحكم فتح لأنّه لا ينصرف.\nوالثّاني: نصبٌ على التّبرئة (٣) و﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ خبره.\nوهذا الوجه غير ممتنع وإن لم أسبق إليه فيما علمتُ؛ فمن رفع أو فتح على المحلّ فقوله: ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ مشكلٌ.\nوذهب النّحاةُ إلى أنّ التّقدير: ما ذلك كلّه إلاّ في كتاب، فيحسن الوقف على ﴿وَلَا أَكْبَرَ﴾ (٤).\n﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ﴾ هم المؤمنون المخلصون.\n﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ على الدّوام.\n﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾ إذا حزن النّاس.\n﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣)﴾ الشّرك والمعاصي، يجوز أن يكون وصفًا لهم، ويجوز أن يكون مبتدأً ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى﴾ خبره.\nقوله: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾:\nقيل: هو قوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النور: ٥٥].\nوقيل: لهم البشرى عند النّزع.\n_________\n(١) قرأ حمزة ويعقوب وخلف (ولا أصغرُ من ذلك ولا أكبرُ) بالرفع، وقرأ باقي العشرة بالنصب.\nانظر: «المبسوط» لابن مهران (ص ٢٠١).\n(٢) انظر: «معاني القرآن» للزجاج ٣/ ٢٦، و«الدر المصون» للسمين الحلبي ٦/ ٢٣٠.\n(٣) حرف التبرئة هو: (لا) النافية للجنس، واسمها (أصغر) مبني على الفتح.\n(٤) انظر: «الدر المصون» للسمين الحلبي ٦/ ٢٣٠ - ٢٣٢.","vol":"1","page":695},{"text":"وقيل: هي الرّؤيا الصّالحة يراها المؤمن لنفسه أو يراها له مؤمنٌ، جاء ذلك عن النّبيّ -ﷺ- مرفوعًا (١).\n﴿لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ لا مانع لإمضائها ولا خُلف لوعده.\n﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى مدلول البشرى (٢) أو إلى التّبشير.\n﴿هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٤)﴾ الظّفر بالبغية.\n﴿وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ تكذيبهم إيّاك وإشراكهم بالله، وتمّ الكلام (٣) ثمّ استأنف فقال: ﴿إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ﴾ القدرة والغلبة له ﴿جَمِيعًا﴾.\nوقرئ في الشّواذّ: \" أنّ العزّة \" بالفتح (٤)، أي: لأنّ العزّة لله (٥)، وذكر القتيبيُّ في هذا فصلًا لا طائل تحته (٦).\n﴿هُوَ السَّمِيعُ﴾ لقولهم. ﴿الْعَلِيمُ (٦٥)﴾ بفعلهم.\n﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ من الملائكة والإنس والجنّ، أي: كلّهم مملوكون له. ﴿وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ﴾ قوله: ﴿شُرَكَاءَ﴾\n_________\n(١) ورد من حديث أبي الدرداء، وعبادة بن الصامت، وأبي هريرة: أما حديث أبي الدرداء فأخرجه الترمذي (٢٢٧٣) وأحمد (٢٧٥١٠) والطبري ١٢/ ٢١٤ وغيرهم.\nوأما حديث عبادة بن الصامت فأخرجه الترمذي (٢٢٧٥) وأحمد (٢٢٦٨٧) والطبري ١٢/ ٢١٥ وغيرهم.\nوأما حديث أبي هريرة فأخرجه الطبري ١٢/ ٢١٧.\nوقال الترمذي في السنن بعد إخراجه: (هذا حديث حسن).\n(٢) في (أ): (مدلول البشر).\n(٣) سقط قوله (وتم الكلام) من (أ).\n(٤) انظر: «القراءات الشاذة» لابن خالويه (ص ٥٧)، و«الدر المصون» ٦/ ٢٣٣ عن أبي حيوة.\n(٥) لم يرد لفظ الجلالة في (ب).\n(٦) بحثت عنه في كتب ابن قتيبة المطبوعة فلم أجده، وقد كان ابن قتيبة يقول: من فتح (أن) هاهنا فقد كفر. نقله عنه ابن خالويه في «القراءات الشاذة» (ص ٥٧)، وأبو حيان ٥/ ١٧٤.\nوابن قتيبة: هو عبدالله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، من الأئمة المكثرين من التصنيف، توفي سنة (٢٧٦ هـ).\nانظر: «ترتيب الأعلام» (ص ٢٤٧).","vol":"1","page":696},{"text":"مفعول ﴿يَدْعُونَ﴾، ومفعول: ﴿يَتَّبِعُ﴾ محذوف تقديرُه: علمًا ويقينًا.\nوقيل: ما للاستفهام والتّقدير: يتّبعه.\n﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ في عبادة الأصنام، لأنّهم زعموا أنّ الله أعظم من أن يُعبد من دون واسطة.\n﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (٦٦)﴾ وما هم إلاّ كاذبون.\n﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ﴾ أي خلق.\n﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ وتستريحوا من تعب النّهار ونصبه.\n﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ لتبصروا فيه، كقولك: ليله قائم ونهاره صائم، وقيل: النّهار مبصرًا: مضيئًا، من قولهم: أبصر النّهارُ: إذا أضاء.\n﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٦٧)﴾ يعقلون أن لولا تعاقبهما لما كان نباتٌ ولا حيوان.\n﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ أي تبنّاه.\n﴿سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ عن الولد والشّريك.\n﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ ملكا (١).\n﴿إِنْ عِنْدَكُمْ﴾ ما عندكم.\n﴿مِنْ سُلْطَانٍ﴾ حجّة وبرهان.\n﴿بِهَذَا﴾ على هذا القول.\n﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦٨)﴾ جهلًا منكم.\n﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ في اتّخاذ الولد.\n_________\n(١) في (ب): (ملك).","vol":"1","page":697},{"text":"﴿لَا يُفْلِحُونَ (٦٩)﴾ لا ينجون من النّار ولا يفوزون بالجنّة.\n﴿مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا﴾ لهم مهلة مدّة بقائهم.\n﴿ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ﴾ بالموت والبعث.\n﴿ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ﴾ النّار على الدّوام.\n﴿بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠)﴾ بكفرهم.\n﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ﴾ واقرأ عليهم.\n﴿نَبَأَ نُوحٍ﴾ خبره مع قومه.\n﴿إِذْ قَالَ﴾ حين قال.\n﴿لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ﴾ عظم عندكم.\n﴿مَقَامِي﴾ كوني بين أظهركم، وقيل: ثباتي على ما أنا عليه.\n﴿وَتَذْكِيرِي﴾ إيّاكم.\n﴿بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ وتلاوتي عليكم كتاب الله.\n﴿فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ﴾ وثقت به وفوّضت إليه أمري (١).\n﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ﴾ اعزموا عليه، وقيل: أعدّوا له.\n﴿وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ وأَجْمِعوا شركاءكم، تقول: أجمعت الأمر وجمعت القوم (٢)، فيكون منصوبًا بمضمر، وقيل: مع شركائكم، ويقوّيه قراءةُ من قرأ بالرّفع (٣).\n_________\n(١) في (ب): (أمري إليه).\n(٢) في (ب): (الشركاء) بدلًا من (القوم).\n(٣) هو يعقوب وحده من العشرة، والباقون بالنصب.\nانظر: «المبسوط» لابن مهران (ص ٢٠١).","vol":"1","page":698},{"text":"﴿ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً﴾ ملتبسًا لا تدرون (١) وجهه واجعلوه ظاهرًا منكشفًا، وقيل: غمًّا عليكم، وقيل: معناه افعلوا ما تريدون عن مشورةٍ (٢) لتكونوا على بيّنة.\n﴿ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ﴾ أي: اقضوا ما أنتم قاضون، وافعلوا ما تريدون، وقيل: افرغوا عنّي، من: قضيتُ دَيْني، وقيل: اقتلوني إن قدرتم.\nابن بحر: أعلموني بآخر ما عندكم، من قوله: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الإسراء: ٤] أي: أعلمناهم.\n﴿وَلَا تُنْظِرُونِ (٧١)﴾ لا تؤخّرون.\nابن بحر: لا تؤخّروا (٣) إعلامي، والمعنى: لا أخاف (٤) غائلة عداوتكم.\n﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ عن الإيمان وقبول كلامي.\n﴿فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ﴾ فيه وجهان:\nأحدهما: ما سألتكم من أجر فأوجب التّولّي.\nوالثّاني: ما سألتكم من أجر ففاتني بتولّيكم.\n﴿إِنْ أَجْرِيَ﴾ ثوابي.\n﴿إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٧٢)﴾ المستسلمين لأوامره ونواهيه.\n﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ داموا على تكذيبه.\n﴿فَنَجَّيْنَاهُ﴾ من الغرق ومقاساة الكفّار.\n_________\n(١) في (د): (لا يدعون وجهه).\n(٢) هكذا في (د) وفي (ب): (على مشورة)، بينما في (أ): (ما تريدون مشورة).\n(٣) في (ب): (لا تؤخرون) وفي (د): (لا تؤخرا).\n(٤) في (ب): (ما أخاف).","vol":"1","page":699},{"text":"﴿وَمَنْ مَعَهُ﴾ ونجّينا من معه (١).\n﴿فِي الْفُلْكِ﴾ أي: في السّفينة، وكانوا ثمانين نفرا.\n﴿وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ﴾ عمّن كانوا في الأرض.\n﴿وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ أهلكناهم بالماء.\n﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣)﴾ الكافرين، وخوّف أمّتك مثل ما نزل بهم.\n﴿ثُمَّ بَعَثْنَا﴾ أرسلنا.\n﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ بعد نوح.\n﴿رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ﴾ كلّ رسول إلى قوم، والقوم يقع على الكثير الجَمَّاء الغفير (٢) وعلى القليل بعد أن يكونوا جمعًا.\n﴿فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ بالمعجزات.\n﴿فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ﴾ أي قبل مجيئهم، والمعنى: أصرّوا على الكفر بعد المجئ كما كانوا عليه قبل المجئ.\nوقيل: يريد بقوله: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ ما حكم الله عليهم بالشّقاوة والتّكذيب.\nوقيل: ﴿بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ﴾ كناية عن قوم نوح، أي: قبل هؤلاء.\n﴿كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ (٧٤)﴾ هكذا نطبع على قلوب الكافرين.\n﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ بعد هؤلاء الرّسل.\n﴿مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ﴾ الوليد بن مصعب (٣).\n﴿وَمَلَئِهِ﴾ جمعه.\n﴿بِآيَاتِنَا﴾ اليد والعصا وغيرهما.\n﴿فَاسْتَكْبَرُوا﴾ تمرّدوا وطلبوا الكبر.\n_________\n(١) سقط قوله (ونجينا من معه) من (د).\n(٢) قال في «لسان العرب» (جمم): (الجَمَّاءُ الغَفير: جماعةُ الناس).\n(٣) سبق في تفسير سورة البقرة، آية (٤٩) (وإذ نجيناكم من آل فرعون) الآية، سبق أن أشار الكرماني إلى أن هذا هو اسم فرعون، ونقله عن المفسرين.","vol":"1","page":700},{"text":"﴿وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (٧٥)﴾ مذنبين، أجرم: أتى بالجُرم، واكتسب الجُرم، وهو الذّنب العظيم الذي يقتطع الوصلة، مِنْ: جَرَمَه، أي: قَطَعَه (١).\n﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ﴾ أي: معجزاته.\n﴿مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ﴾ حيلة وتمويه.\n﴿مُبِينٌ (٧٦)﴾ ظاهر.\n﴿قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا﴾ محكيّ القول مضمرٌ تقديرُه: أتقولون (٢) للحقّ لمّا جاءكم سحر (٣)، ثمّ قال موسى منكرًا عليهم: ﴿أَسِحْرٌ هَذَا﴾.\nوقيل: الألف زيادة وما بعده محكيُّ القول.\nوقيل: هو (٤) استفهام تعجّب وهو محكيّ القول.\n﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ (٧٧)﴾ من تمام كلام موسى.\nالزّجّاج: أي مع علمي بأنّ السّاحر لا يفلح كيف آتي بالسّحر (٥). وقيل: معنى ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ (٧٧)﴾ يضمحلّ سحرُهم (٦) ولا يبقى.\n﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ لتصدّنا وتصرفنا، واللّفت: الصّرف، تقول: لَفَتَ عنقَه، أي: صرفه، من بناء فَتَل (٧).\n﴿وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ﴾ الملك والعظمة والعلوّ.\n﴿فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ (٧٨)﴾ بمصدِّقين.\n﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (٧٩)﴾ حاذق في سحره (٨).\n_________\n(١) في (ب): (إذا قطعه).\n(٢) سقطت الهمزة من (أ) وورد فيها (تقولون).\n(٣) في (ب): (أسحر).\n(٤) هكذا في (أ)، وفي (ب): (هي)، وفي (د): (هذا).\n(٥) انظر: «معاني القرآن» للزجاج ٣/ ٢٩، ونصّ كلامه: (والمفلح: الذي يفوز بإرادته، أي: فكيف يكون هذا سحرًا وقد أفلح الذي أتى به).\n(٦) في (ب): (يضمحل أصل سحرهم ولا يبقى). ... =\n=وقد حصل سقط في نسخة (د)، حيث جاء النص فيها كالتالي: (ولا يفلح الساحرون يضمحل سحرهم ولا يبقى).\n(٧) في (أ): (من بناء لفت).\n(٨) في (أ): (حاذق ساحر).","vol":"1","page":701},{"text":"﴿فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٨٠)﴾ أي (١): إن كنتم لابدّ ملقين.\n﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا﴾ أي: حبالهم وعصيّهم.\n﴿قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ﴾ أي الذي جئتم به السّحر (٢) لا ما قلتم فيه إنّه سحر. ومن قرأ: (آلسِّحْرُ) بالاستفهام (٣)، تكون ﴿مَا﴾ للاستفهام و(آلسّحر) بدل منه و﴿جِئْتُمْ﴾ الخبر. وإن شئت جعلت من (السِّحْرُ) مبتدأً وأضمرت له خبرًا تقديرُه: آلسِّحْرُ جئتم به.\nقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ﴾ يظهر للنّاس بطلانه ويجعله هباء منثورًا.\n﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (٨١)﴾ الكافرين.\n﴿وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ﴾ ما أتى به موسى، أي: يثبّت ما جئت به (٤) ويبين للنّاس صحّته وينصره عليكم فتصيروا (٥) مغلوبين.\n﴿بِكَلِمَاتِهِ﴾ بأمره، وقيل: بوعده موسى، وقيل: بحكمه في اللّوح المحفوظ.\n﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨٢)﴾ ذلك.\n﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى﴾ أي بموسى. وقيل: لأجل موسى (٦).\n﴿إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ﴾ قوم موسى، وقيل: من (٧) قوم فرعون، يريد القبط، والذّرّيّة: الأولاد (٨) والشّبّان من القوم.\n_________\n(١) سقطت (أي) من (أ).\n(٢) سقط قوله (أي الذي جئتم به السحر) من (د).\n(٣) في (ب): (بالألف).\nوقد قرأ أبو جعفر وأبو عمرو (ما جئتم به آلسِّحْرُ) بقطع الألف ومدّه على الاستفهام، وقرأ باقي العشرة (به السِّحْرُ) موصولة.\nانظر: «المبسوط» لابن مهران (ص ٢٠١).\n(٤) في (د): (ما جاء به).\n(٥) في (ب): (فتصيرون).\n(٦) في (د): (فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه قوم موسى) فحصل فيها سقط.\n(٧) سقطت (من) من (ب).\n(٨) في (ب): (الأولى).","vol":"1","page":702},{"text":"مجاهد: طال الزّمان ففني الآباء وآمن به الأولاد (١).\nابن جرير: كانت الذّرّيّة آباؤهم من القبط وأمّهاتهم من بني إسرائيل (٢).\nابن عبّاس ﵄: معناه ما آمن به إلاّ قليل من قومه (٣).\n﴿عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ﴾ أي: أشرافهم.\nوفي هذا الجمع أقوال:\nقال بعضهم: هو كما يقول من له أتباع مطيعون: نحن نفعل وإنّا لنأمر.\nوقيل: يريد فرعون وجنوده وملئهم فيعود إلى الجنود.\nوقيل: على خوف من آل فرعون وملئهم فحذف المضاف.\nوقيل: وملأ الذّرّيّة، أي: آباؤهم، وكانوا من قبط فخافوهم وخافوا فرعون، أي: أسرّوا إيمانهم خوفًا منهم.\n﴿أَنْ يَفْتِنَهُمْ﴾ يهلكهم. وقيل: يعذّبهم فيحملهم على الرّجوع إلى الكفر.\n﴿وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ﴾ مرتفع الأمر.\n﴿فِي الْأَرْضِ﴾ أرض مصر، وقيل: ﴿لَعَالٍ﴾ جبّار مستكبر طاغ باغ.\n﴿وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ (٨٣)﴾ المعتدين، وقيل: يكثر القتل.\n﴿وَقَالَ مُوسَى يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا﴾ فوّضوا أمركم إليه والزموا الإيمان.\n﴿إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (٨٤)﴾ جعل الإيمان والإسلام شرطًا في التّوكّل، وهو (٤) على التّرتيب، كما تقول: إن دخلتِ الدّار فأنت طالقٌ إن كلّمت زيدًا (٥)، فهما شرطان والجزاء واحد، وليس هذا شرطًا دخل على شرط.\n﴿فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٨٥)﴾ أي لا تسلّطهم علينا فيفتنونا، وقيل: لا تنصرهم علينا فيظنوا أنهم على الحق، وقيل: لا تسلطهم علينا فنرتاب.\n_________\n(١) أخرجه الطبري ١٢/ ٢٤٦، وذكره الثعلبي (ص ٦٠٥ - رسالة جامعية).\n(٢) انظر: «جامع البيان» لابن جرير الطبري ١٢/ ٢٤٨.\n(٣) أخرجه الطبري ١٢/ ٢٤٥، وابن أبي حاتم ٦/ ١٩٧٥.\n(٤) سقطت كلمة (وهو) من (ب).\n(٥) في (د): (كلمت فلانًا).","vol":"1","page":703},{"text":"﴿وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٨٦)﴾ حُلْ بيننا وبينهم وخلّصنا من مشاهدتنا إيّاهم.\n﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا﴾.\nأبو عليّ: بوّأ وتبوّأ كلاهما متعديان (١)، كقطعته وتقطّعته وخلّصته وتخلّصته (٢).\nوقيل: بوّأتُ لنفسي منزلا وتبوّأت لغيري منزلًا.\n﴿بِمِصْرَ﴾ قيل: هو الإسكندريّة، وقيل: مصر فرعون.\n﴿بُيُوتًا﴾ يسكنون فيها، وقيل: بيوتًا يصلّون فيها، وكان فرعون أمر بهدم المواضع التي كانوا يصلّون فيها فأُمروا أن يصلّوا في بيوتهم.\n﴿وَاجْعَلُوا﴾ أنتما وقومكما.\n﴿بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ أي صلّوا فيها.\nالحسن: توجّهوا إلى الكعبة (٣).\nسعيد بن جبير: اجعلوا بيوتكم يقابل بعضها بعضًا (٤).\n﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٨٧)﴾ يا موسى.\nابن جرير (٥): بشّر يا محمّد المؤمنين بالنّصرة في الدّنيا والجنّة في العقبى.\n_________\n(١) في (ب): (متعدٍ).\n(٢) انظر: «الحجة» لأبي علي الفارسي ٤/ ٣٠٩.\n(٣) نقله هود بن محكم في تفسيره ٢/ ٢٠٥، والواحدي في «البسيط» (ص ٩٥٨ - رسالة جامعية).\n(٤) أخرجه الطبري ١٢/ ٢٦٠.\n(٥) هكذا في (ب) و(د)، أما في (أ): (ابن بحر).\nوعند البحث تبين لي أن هذا القول ينسب لابن جبير كما ورد عند الماوردي ٢/ ٤٤٧، وأنا أستبعد أن تكون النسخ الثلاث اتفقت على تصحيف اسم (ابن جبير) فلا يذكر فيها كلها، فالله أعلم.","vol":"1","page":704},{"text":"﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً﴾ حليًّا من اللّباس والمراكب.\n﴿وَأَمْوَالًا﴾ ذهبًا وفضّة ونعمًا وضياعًا.\n﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾:\nاللاّم لام العاقبة كقوله: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا﴾ [القصص: ٨]، أي ليكون عاقبة ذلك الضّلال.\nوقيل: هي لام كي والاستفهام مقدّر.\nوقيل: لام الأمر على وجه الدّعاء عليهم.\nوقيل: لئلاّ يضلّوا ولا مقدّر.\n﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾ اجعلها حجارة.\nمجاهد وقتادة ومقاتل: صارت دنانيرهم ودراهمهم وزروعهم وسكّرهم حجارة وبقي شكلها ونقشها (١).\nوالطمس: إذهاب الشيء.\n﴿وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ اطبع عليها.\nالضّحّاك: أهلكهم (٢)، وقيل: اشدد على قلوبهم ليصبروا على الأموال المطموسة ولا ينفروا إلى الخصب والسّعة.\n_________\n(١) أما أثر مجاهد، فهو في «تفسير مجاهد» (ص ٣٨٣) بلفظ: أَهْلِكْها.\nوقد أخرجه الطبري ١٢/ ٢٦٦ كذلك، ونقل ابن الجوزي ٤/ ٥٦ عن مجاهد: مسخ الله النخل والثمار والأطعمة حجارة، فكانت إحدى الآيات التسع.\nوأما أثر قتادة، فقد أخرجه عبدالرزاق ١/ ٢٩٦ والطبري ١٢/ ٢٦٥ وابن أبي حاتم ٦/ ١٩٧٩.\nوأما قول مقاتل، فلم أجده إلاّ في تفسير ابن حبيب (مخطوط ق ٩٩/ب).\n(٢) أخرجه الطبري ١٢/ ٢٦٨، وابن أبي حاتم ٦/ ١٩٧٩.","vol":"1","page":705},{"text":"﴿فَلَا يُؤْمِنُوا﴾ قيل: منصوب بالجواب، وقيل: دعاء عليهم، أي: لا آمنوا. وقال صاحب النّظم: فلن يؤمنوا فصار النّون ألفًا، وهذا ضعيف (١).\nوقيل: فلا يؤمنون، وحذف النون تخفيفًا، وهذا أيضًا ضعيف، وقيل: تقديره ليضلّوا فلا يؤمنوا وفي الآية تقديم وتأخير، وهذا هو الوجه.\n﴿حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٨٨)﴾ هو الغرق.\n﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ ثنّى لأنّ التّقدير: قال موسى وهارون ربّنا (٢)، وقيل: كان موسى يدعو وهارون يؤمّن والمؤمّن داع. ومعنى ﴿أُجِيبَتْ﴾ استجاب الله دعاءكما. وقيل: هو من قولهم: أجب الدّاعي، أي: مر إليه.\n﴿فَاسْتَقِيمَا﴾ على ما أنتما عليه ولا تتركا دعاء فرعون وموعظته إلى أن يأتي العذاب، وكان بين هذا (٣) الدّعاء والغرق أربعون سنة، وقيل: استقيما على طاعتي واتّباع أمري.\n﴿وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨٩)﴾ الصّوابَ، وقيل: سبيل الكفّار والجهّال، وقيل: لا تستعجلا قضائي فلا خلف لوعدي ووعيدي، ومن قرأ بالتّخفيف (٤) فهو نفي، أي: أنتما لا تتّبعان سبيل الذين لا يعلمون، وقيل: حال، أي: غير متّبعين، وقيل: هي المخفّفة دخلت للتّأكيد (٥).\n﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ﴾ أي صيّرناهم إلى الشّطّ الآخر، تقول: جاز الشّيء وجاوزه واجتازه: فارقه فصار قدّامه، وجاوز بغيره الشّيء: جعله قُدّامه.\n﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ﴾ أي: تبعهم، ومعنى أتبعهم: أدركهم، واتّبعهم: موصول: أخذ في أثرهم.\n_________\n(١) نقله أيضًا: الواحدي في «البسيط» (ص ٩٦٥ - ٩٦٦ رسالة جامعية).\n(٢) لم ترد كلمة (ربنا) في (د).\n(٣) سقطت (هذا) من (ب).\n(٤) قرأ ابن عامر وحده (ولا تَتَّبِعانِ) خفيفة النون، وقرأ باقي العشرة (تَتَّبِعانِّ) مشددة النون.\nانظر: «المبسوط» لابن مهران (ص ٢٠١).\n(٥) في (ب): (للتوكيد).","vol":"1","page":706},{"text":"﴿بَغْيًا وَعَدْوًا﴾ باغيًا عاديًا، أي: مستكبرًا ظالمًا، وذلك أنّ الله أمر موسى أن يخرج ببني إسرائيل من مصر ليلًا فاستعار بنو إسرائيل من القبط حُليَّهم بعلّة عرس لهم، وسرى بهم موسى وهم ستّمائة ألف وعشرون ألفًا لا يُعدّ فيهم ابن ستّين ولا ابن عشرين سنةً متوجّهين إلى البحر، ومات أبكار القبط تلك اللّيلة وشغلوا عن بني إسرائيل حتّى أصبحوا، وهو قوله: ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (٦٠)﴾ [الشعراء: ٦٠] بعدما دفنوا أولادهم، فلمّا بلغ فرعون خروجهم ركب في طلبهم ومعه ألف ألف وستّمائة ألف (١).\nقال محمّد بن كعب (٢): كان في عسكر فرعون مائة ألف حصان أدهم (٣) سوى سائر الشّيات (٤)، وكان فرعون يكون في الدَّهْم (٥)، وكان هارون على مقدّمة بني إسرائيل وموسى في السّاقة (٦)، فلمّا انتهوا وقربت منه مقدّمة فرعون وكانوا سبعمائة ألف رجل كلّ رجل (٧) على حصان على رأسه بيضة وبيده حربة وفرعون خلفهم في الدَّهْم، فقالت بنو إسرائيل لموسى: أين ما وعدتّنا؟ هذا البحرُ أمامنا إن دخلناه غرقنا وفرعون خلفنا إن أدركنا قتلنا؟ قال: كلاّ إنّ معي ربّي سيهدين، فأوحى الله إليه أن اضرب بعصاك البحر، فضرب فلم ينفلق وقال: أنا أقدم منك وأشدّ خلقًا، فأوحى الله تعالى إلى موسى أن كَنِّهِ وقل: انفلق أبا خالد بإذن الله، ففعل فانفلق البحر وصار فيه اثنا عشر طريقًا، لكلّ سبط طريق، وكشف الله عن وجه الأرض فصارت طرقًا يابسة، وارتفع من كلّ طريق الماء كالجبل، فكانوا لا يرى بعضهم بعضًا ولا يسمع بعضهم كلام بعض، فقال كلّ فريق قد (٨) غرق أصحابنا، فأوحى الله إلى الجبال من الماء تشبّكي فتشبّكت وصار فيه كهيئة الطّبقات (٩)، فجعل ينظر بعضهم (١٠) إلى بعض، فلمّا وصل فرعون بجنوده إلى البحر ورأوا البحر بتلك الهيئة قال فرعون: هابني البحر، وخافوا دخول البحر، وكان فرعون على حصان (١١) ولم يك في خيل فرعون فرسٌ أنثى،\n_________\n(١) هذا السياق ذكره الثعلبي في «الكشف والبيان» (ص ٦١٦ - رسالة جامعية).\n(٢) هو محمد بن كعب بن سليم بن أسد، أبو حمزة القُرظي، المدني، وكان قد نزل الكوفة مدة، ثقة عالم، وهم من قال إنه ولد في عهد النبي -ﷺ-، وتوفي سنة (١٢٠ هـ)، وقيل قبل ذلك.\nانظر: «تقريب التهذيب» لابن حجر (ص ٥٠٤).\n(٣) في (د): (أسود) بدلًا من (أدهم)، وجاء في «لسان العرب» (دهم): (الأدهم: الأسود).\n(٤) سقطت كلمة (سائر) من (أ).\nوالشيات ورد رسمها هكذا في النسخ الخطية، وجاء في هامش (د): (قوله شيات قال في الصحاح: الشئيت من الخيل: الفرس العَثُور، وقال الأصمعي: الشئيت: الذي يقصر حافرا رجليه عن حافري يديه). وهذا موجود في «الصحاح» للجوهري ١/ ٢٥٤ (شأت).\n(٥) قال في «اللسان» (دهم) عن الليث: (الدَّهم: الجماعة الكثيرة).\n(٦) قال في «القاموس» (سوق): (ساقة الجيش: مُؤَخَّرُه).\n(٧) سقط قوله (كل رجل) من (د).\n(٨) سقطت (قد) من (أ).\n(٩) في (أ): (الطباق).\n(١٠) في (ب): (فجعل بعضهم ينظر إلى بعض).\n(١١) في (د): (حصان أدهم).","vol":"1","page":707},{"text":"فجاء جبريل (١) على فرسٍ وَدِيْقٍ (٢) وخاض البحر وميكائيل يسوقهم لا يشذّ رجل منهم (٣)، فلمّا شمّ أدهم فرعون ريح فرس جبريل وفرعون لا يراه انسلّ خلف فرس جبريل في الماء، ولم يملك فرعون من أمره شيئًا، واقتحمت الخيول خلفه في الماء، فلمّا دخل آخرهم البحر (٤) وهمّ أوّلهم أن يخرج انطبق الماء عليهم، فلمّا أَلجمَ فرعونَ الغرقُ قال: آمنتُ بالذي آمنت به بنو إسرائيل، فدسّ جبريل في فيه من حَمْأَة البحر (٥) وقال: آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين، فلمّا أَخْبَر موسى قومه بهلاك فرعون وقومه قالت بنو إسرائيل: ما مات فرعون ولا يموت، فأمر الله البحر فألقى فرعون على (٦) السّاحل فرأته (٧) بنو إسرائيل (٨) وهو قوله:\n﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ﴾ لحقه الموت بالماء.\n﴿قَالَ آمَنْتُ﴾ صدّقتُ موسى.\n_________\n(١) في (د): (فجاء فزعون) وكتب على هامشها (لعله جبريل).\n(٢) قال في «اللسان» (ودق): (الوِدَاقُ في كل ذات حافر: إرادةُ الفحل).\n(٣) في (ب): (لا يشذ منهم رجل).\n(٤) سقطت كلمة (البحر) من (أ).\n(٥) الحَمْأة: الطين الأسود المنتن.\nانظر: «لسان العرب» (حمأ).\n(٦) سقطت كلمة (على) من (د).\n(٧) في (ب): (فرآه).\n(٨) وهذا السياق أيضًا أخذه المصنف عن الثعلبي في «الكشف والبيان» (ص ٦١٧ - ٦١٩ - رسالة جامعية)، وقد أورد الطبري ١/ ٦٥٤ - ٦٦٢ عددًا من الروايات المسندة حول هذه الواقعة عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [البقرة/٥٠].","vol":"1","page":708},{"text":"﴿أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ أي: بأنّه، ومن كسر فبإضمار القول (١)، أي: آمنت وقلت: إنّه لا إله إلاّ الذي، ويجوز أن يكون آمنتُ تامًّا ثمّ استأنف فقال فرعون: إنّه لا إله إلاّ الذي (٢).\nقطرب (٣): ﴿أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي﴾ من قول الله، وهذا ضعيف.\n﴿وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠)﴾ المنقادين المطيعين له.\n﴿آلْآنَ﴾ أي: قال جبريل: آلآن تؤمن، وقيل: قال الله، أي: أفي هذا الزّمان تؤمن.\n﴿وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾ أي كفرت.\n﴿وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١)﴾ المانعين النّاس من الإيمان.\n﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ﴾:\nابن عبّاس في جماعة: نلقيك على نجوة من الأرض ليراك بنو إسرائيل ميّتًا (٤).\n﴿بِبَدَنِكَ﴾ أي: بدرعك، والمعنى عليك سلاحك، وذلك آية، لأنّ الحديد يرسب ولا يطفو، وقيل: ﴿بِبَدَنِكَ﴾ أي: عريانًا، وقيل: نخرجك (٥) صحيحًا لم يأكله شيء من دوابّ الماء، وقيل: نخرجك على سوء عملك، وقيل: ﴿نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ نخرجك من ملكك فريدًا وحيدًا من قوله: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى﴾ [الأنعام: ٩٤]. وقيل: ﴿نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ نلقيك في البحر من النَّجَا، وهو ما سَلَخْتَهُ عن الشّاة أو ألقيته عن نفسك من ثياب وسلاح، وقيل: عطف على الاستفهام قبله، أي: أترجو النّجاة، هيهات لا تنجو، وهذا ضعيف لقوله سبحانه: ﴿لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾، ويقال: اللاّم لام القسم على ما سبق، وقيل: نتركك حتّى تغرق، والنّجاء التّرك، وقيل: نجعلك علامة، والنّجاء: العلامة، وقيل: نغرقك، من قولهم: نجا البحر أقوامًا: إذا أغرقهم، ويحتمل أنّه من النَّجَاءِ الذي معناه الإسراع، أي: ننجّي إهلاكك.\n_________\n(١) قرأ حمزة والكسائي وخلف (ءآمنت إِنه) بكسر الألف، وقرأ باقي العشرة (أَنه) بفتح الألف.\nانظر: «المبسوط» (ص ٢٠١) لابن مهران.\n(٢) سقط من (ب) قوله (ويجوز ...) إلى نهاية قوله (إلا الذي).\n(٣) قُطْرب: هو محمد بن المستنير البصري اللغوي، صاحب سيبويه، من أئمة اللغة، وله عدد من المصنفات، توفي سنة (٢٠٦ هـ).\nانظر: «شذرات الذهب» ٣/ ٣٣ لابن العماد الحنبلي.\n(٤) ذكره ابن حبيب النيسابوري عن ابن عباس (ق ١٠٠/ب) من المخطوط.\n(٥) في (د): (نخرجه).","vol":"1","page":709},{"text":"وقوله: ﴿بِبَدَنِكَ﴾ تأكيد، كما تقول: قال بلسانه وجاء بنفسه، والله أعلم.\n﴿لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ﴾ في طول الزّمان. ﴿آيَةً﴾ عبرة ونكالًا. وقيل: لمن تأخّر عن قومك (١).\n﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا﴾ في موسى وفرعون (٢) وسائر الآيات.\n﴿لَغَافِلُونَ (٩٢)﴾ لاهون.\n﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا﴾ أنزلنا.\n﴿بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾ مرضيّ في نفسه صالح، وكذلك في كلّ شيء تقول: رجل صدق وثوب صدق.\nوحكى أقضى القضاة: ﴿مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾ تَصَدَّقَ به عليهم، وهو ركيك (٣).\nالحسن: يريد به مصر (٤).\nقتادة: الشّام وبيت المقدس (٥).\nالضّحّاك: الشّام ومصر (٦).\nومبوّأ: نُصِبَ على أنّه مفعول، ويجوز أن يكون مصدرًا والمفعول محذوف.\n﴿وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ أي: اللّذيذ، وقيل: الحلال.\n﴿فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾: أي: المعلوم عندهم، وهو محمّد ﵊، أي: ما اختلفوا في كونه نبيًّا حتّى جاءهم.\nوقيل: ﴿الْعِلْمُ﴾: القرآن.\nوقيل: التّوراة اختلفوا في أحكامها.\n_________\n(١) يعني: ممن لم يدركه الغرق لعدم خروجه، والله أعلم.\n(٢) سقطت كلمة (فرعون) من (أ).\n(٣) انظر: «النكت والعيون» للماوردي ٢/ ٤٤٩.\n(٤) حكاه هود بن محكم في تفسيره ٢/ ٢٠٧ والواحدي في «البسيط» (ص ٩٧٩ - رسالة جامعية) عن الحسن.\n(٥) أخرجه عبدالرزاق ١/ ٢٩٧، والطبري ١٢/ ٢٨٤، وابن أبي حاتم ٦/ ١٩٨٥.\n(٦) أخرجه الطبري ١٢/ ٢٨٤، وابن أبي حاتم ٦/ ١٩٨٥.","vol":"1","page":710},{"text":"وقيل: الدّليل المؤدّي إلى العلم من جهة الرّسول والكتاب فآمن به بعض وكفر به بعض.\n﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٩٣)﴾ أي: يظهر لهم.\n﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾:\nروي أنّ النّبيّ ﵊ لمّا نزلت هذه الآية قال: (لا أشكّ ولا أسأل) (١) فلم يسأل.\nوقيل: الخطاب للنّبيّ ﵊ والمراد به غيره، كقوله:\n﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ١] ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾ [الطلاق: ١].\nوقيل: إن هاهنا للنّفي، أي (٢): ما كنت في شكّ، كقوله: ﴿وَإِنْ أَدْرِي﴾ [الأنبياء: ١٠٩].\nوقيل: هذا تبكيت للشّاكّين كقوله لعيسى ﵇: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ﴾ [المائدة: ١١٦] تبكيتًا لقائله.\nوقيل: ﴿فِي شَكٍّ﴾ في ضيق صدر، أي: إن ضقت به ذرعًا فاصبر وسل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك كيف صَبْرُ (٣) الأنبياء.\nقال الفرّاء في جماعة: هذا كقول الرّجل لعبده وابنه: إن كنت عبدي فأطعني وإن كنت ابني فلا تخالفني، وليس هو بشاكٍّ فيهما (٤).\nواختار هذا القول جماعةٌ من المفسّرين، وفيه ضعف، لأنّ قول القائل لعبده وابنه: إن كنت، تقديره: أنت عبدي وأنت ابني، فيصير تقدير الآية: أنت في شكّ، إذ ليس في الآية على تأويلهم ما يدلّ على النّفي (٥)، ويحتمل أن يقال: ليس هذا خطابًا للنّبيّ ﵊، بل خطابه مضمر وتقديره: قل يا محمّد للشّاكّ في نبوّتك: فإن كنت في شكّ ممّا أنزلنا إليك، والقرآن منزل على الأنبياء ومنزل إلى كلّ واحد (٦) من الخلق كقوله: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ [البقرة: ١٣٦] وقد سبق (٧)، ويقوّي هذا ما بعده من قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي﴾ [يونس: ١٠٤].\nوقوله: ﴿فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾:\nأي: مؤمني أهل الكتاب ومتديّنيهم.\n_________\n(١) أخرجه عبدالرزاق ١/ ٢٩٨، والطبري ١٢/ ٢٨٨ عن قتادة، فهو مرسل.\n(٢) سقطت كلمة (أي) من (د).\n(٣) في (أ): (صبروا الأنبياء).\n(٤) انظر: «معاني القرآن» للفراء ١/ ٤٧٩.\n(٥) في (ب): (على النصب).\n(٦) سقطت كلمة (واحد) من (ب).\n(٧) انظر (ص ٤٤٣ - رسالة الشيخ الدكتور ناصر العمر- القسم الأول).","vol":"1","page":711},{"text":"وقيل: عبد الله بن سلام ﵁ وأضرابه ليخبروك بصحّة نبوّة محمّد ﵊، وعلى هذا باقي الآيات.\n﴿لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٩٤)﴾ الشّاكّين، وقل:\n﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٩٥)﴾ فإنّ النّبيّ -ﷺ- أعزّ وأجلّ قدرًا عند الله سبحانه من أن يخاطبه بمثل هذا الخطاب أصلًا ورأسًا. وقولهم (١) هو بمنزلة قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾ [الطلاق: ١] و﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ١] فليس كذلك، لأنّ النّبيّ ﵊ مأمور بالتّقوى كسائر المؤمنين، وهو في حكم الطّلاق كغيره من المؤمنين، وسيأتي في موضعه، والحمد لله حق حمده (٢).\n﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ وجب عليهم الوعيد.\nقيل: هو قوله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣].\nوقيل: كلمته: لعنته في قوله: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (١٨)﴾ [هود: ١٨].\nوقيل: سخطه بما عصوه.\nوقيل: ﴿كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ إخباره أنّهم لا يؤمنون، يريد به مشركي العرب.\n﴿لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٩٧)﴾ فحينئذ لا ينفعهم إيمانهم كما لم ينفع فرعون إيمانه.\n﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ﴾ أي: فهلاّ أهل قرية آمنوا بأجمعهم قبل مجيء العذاب فنفعها إيمانها كما فعل قومُ يونس، يحرّضهم على الإيمان.\nوقيل: فما كانت قرية آمنت بعد مجئ العذاب فنفعها إيمانها كما لم ينفع فرعون، إلاّ قوم يونس، فإنّهم لمّا رأوا أمارات العذاب آمنوا فنفعهم إيمانهم، وهو قوله: ﴿كَشَفْنَا عَنْهُمْ﴾.\n﴿عَذَابَ الْخِزْيِ﴾ الهلاك والهوان.\n﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (٩٨)﴾ إلى آجالهم، وقيل: كشفنا عنهم العذاب إلى يوم القيامة، فيجازون بالثّواب والعقاب.\nوذلك أن يونس ﵇ فيما ذكره المفسرون بعثه الله إلى أهل نينوى\n_________\n(١) في (د): (وقوله).\n(٢) في (أ): (... موضعه إن شاء الله تعالى).","vol":"1","page":712},{"text":"من أرض الموصل، فدعاهم إلى الإسلام فأبوا، ثم دعاهم فأبوا (١)، فأوحي إليه (٢) أن أخبرهم أنّ العذاب مصبحهم إلى ثلاث، فأخبرهم وخرج من بين أظهرهم، فقالوا: إنّا لم نجرّب عليه كذبًا، فانظروا: فإن خرج من بيننا فاعلموا أنّ العذاب (٣) مصبحكم، فلمّا أصبحوا أغامت (٤) السّماء غيمًا أسود هائلًا له دخان شديد، فهبط حتّى غشي مدينتهم، فلمّا رأوا ذلك أيقنوا بالهلاك، فطلبوا يونس فلم يجدوه، وقذف الله في قلوبهم التّوبة، فخرجوا إلى الصّعيد بأنفسهم ونسائهم وصبيانهم ودوابّهم، ولبسوا المسوح، وأخلصوا النّيّة، وأظهروا الإيمان والتّوبة، وفرّقوا بين كلّ والدة وولدها من النّاس والأنعام يَحِنُّ بعضها إلى بعض، وعلت أصواتها، واختلطت أصواتها بأصواتهم، وحنينها بحنينهم، وعجّوا وتضرّعوا إلى الله وقالوا: يا حيّ حين لا حيّ، يا حيّ محيي الموتى، يا حيّ لا إله إلاّ أنت، فكشف الله عنهم العذاب، وكان يونس قد خرج وأقام ينتظر العذاب، فلمّا كشف الله (٥) عنهم العذاب (٦) قال: كيف أرجع إلى قومي وقد كذبتهم، فذهب مغاضبًا لقومه، وركب (٧) السّفينة، ويأتي في موضعه إن شاء الله (٨).\n_________\n(١) سقط قوله (ثم دعاهم فأبوا) من (ب).\n(٢) في (أ): (فأوحى الله إليه).\n(٣) في (ب): (... فإن خرج نبينا فإن العذاب ...).\n(٤) في (ب): (غامت)، وكلها صحيحة في اللغة كما في «اللسان» (غيم).\n(٥) لم يرد لفظ الجلالة في (د).\n(٦) حصل سقط في (ب) من كلمة العذاب السابقة لهذه الكلمة بعدد من الكلمات، فجاء النص فيها كالتالي: (... إلا أنت فكشف الله عنهم العذاب قال كيف ..).\n(٧) في (ب): (ركبوا).\n(٨) قوله (إن شاء الله) لم يرد في (ب) ولا (د)، وآثرت إبقاءه كما ورد في (أ)، وسترد قصة يونس ﵊ وركوبه السفينة في سورة الصافات، الآية (١٣٩) إن شاء الله تعالى.","vol":"1","page":713},{"text":"قوله: ﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾ استثناء منقطع، ويجوز أن يكون صحيحًا (١).\n﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾:\nيريد إيمان اضطرار وإكراه (٢)، وكان النّبيّ ﵇ حريصًا على إيمان قومه.\nوقيل: نزلت في أبي طالب (٣).\n﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾:\nبعلمه وإرادته.\nوقيل: بإطلاقه لها ذلك.\nوقيل: بإذنٍ أَذِنَ لها فيه، فلا تجهد نفسك في هداها فإنّ ذلك إلى الله.\n﴿وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ﴾ العذاب، وقيل: الإثم، وقيل: النّتن والعذاب، وقيل: الشّيطان، وقيل: الغضب والسّخط.\n_________\n(١) الاستثناء المنقطع: هو الذي يكون المستثنى منه من غير جنس المستثنى، مثل: (حضر المعلمون إلا سياراتهم)، وفيه ينتفي وجود علاقة البعضيّة فقط بين ركني الاستثناء، وأداته تكون بمعنى (لكن).\nانظر: «المعجم المفصل في النحو العربي» (ص ٨٣).\n(٢) هذ العبارة شبيهة بأقوال المعتزلة، فالزمخشري مثلًا يقول: (مشيئة القسر والإلجاء)، والآية واضحة المعنى: ففيها دليل على أن أمر العباد كله بيد الله، وأنه وحده الذي له المشيئة النافذة والتصرف المطلق فيهم، فهو سبحانه قادر على أن يجعل كل من في الأرض مؤمنين، لكن حكمته البالغة اقتضت أن يكون منهم مهتدون ومنهم ضالون.\nوفي الآية دليل على أن كفر من كفر إنما هو بمشيئة الله الكونية القدرية، وهي تشبه قوله تعالى: ﴿شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة/١٣] وقوله ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ [الأنعام/٣٥].\nانظر: «نكت القرآن» لمحمد بن علي الكرجي القصّاب ١/ ٥٩٨، و«المسائل الاعتزالية في تفسير الكشاف للزمخشري» ١/ ٥٦٠ - ٥٦١ للأستاذ: صالح الغامدي.\n(٣) قال القرطبي ١١/ ٥٧: (وقيل: المراد بالناس هنا: أبو طالب، وهو عن ابن عباس).\nوقال أبو حيان ٥/ ١٩٢: (قيل: نزلت في أبي طالب).","vol":"1","page":714},{"text":"﴿عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٠)﴾ دلائله وأوامره ونواهيه.\n﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: تفكّروا في عجائب صنع الله فيها، فإنّها كلّها تدلّ على وحدانيته وقدرته.\n﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ﴾ يجوز أن تكون ﴿وَمَا﴾ نفيًا ويجوز أن تكون استفهاما، ومعنى ﴿تُغْنِي﴾ تنفع، وقيل: تدفع، أي: الآيات مع كثرتها لا تنفع ولا تدفع المعاند الجاحد (١).\nو﴿وَالنُّذُرُ﴾ جمع نذير.\nوقوله: ﴿عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ أي: حَكَمَ الله بكفرهم.\n﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: ما ينتظرون إلاّ أيّامًا يقع عليهم فيها العذاب.\n﴿مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا﴾ مضوا من قبلهم، وأيّام الله: عقوباته، وأيّام العرب: وقائعها.\n﴿قُلْ فَانْتَظِرُوا﴾ مثلها إن لم تؤمنوا.\n﴿إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (١٠٢)﴾ لذلك، وقيل: انتظروا هلاكي إنّي معكم من المنتظرين هلاككم، جواب لهم حين قالوا (٢): نتربّص بكم الدّوائر (٣).\n﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: كنّا (٤) أهلكنا الذين خلوا ثمّ نجّينا الرّسل والمؤمنين.\n﴿كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٣)﴾ أي: ننجّي محمّدًا ﵊ ومن آمن معه.\n_________\n(١) سقطت كلمة (الجاحد) من (ب).\n(٢) سقطت كلمة (لهم) من (أ) وسقطت كلمة (حين) من (د).\n(٣) لم يظهر لي متى قالوا: نتربص بكم الدوائر.\n(٤) هكذا في (أ) و(ب)، أما (د) ففيها: (كما).","vol":"1","page":715},{"text":"وقوله: ﴿حَقًّا﴾ يجوز أن يكون صفة مصدر، أي: إنجاء حقًّا، ويجوز أن يكون تأكيدًا للكلام، أي: حقًّا غير شكّ.\nوقوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ يجوز أن يكون متّصلًا بالأوّل، ويجوز أن يكون بالثّاني.\n﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي﴾:\nخطاب لأهل مكّة، أي: إن كنتم (١) لا تعرفون ما أنا عليه فأنا أبيّنه لكم.\nوقيل: إن كنتم في شكّ من ديني فأنا على (٢) يقين، ثمّ وصف دينه فقال: ﴿فَلَا أَعْبُدُ﴾.\nوقيل: إن شككتم في أنّ ديني أفضل أم دينكم فاسمعوا، وجعلهم شاكّين لاضطرابهم عند نزول الآيات.\nوقيل: كان فيهم شاكّون، كقوله حكاية عن الكفّار: ﴿وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٩)﴾ [إبراهيم: ٩].\n﴿فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي تعبدونه من الأصنام لأجل شكّكم.\n﴿وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ﴾ يميتكم ويقبض أرواحكم، وصفه بوصف لا يمكنهم دفعه، وفيه إنذار لهم، لأنّ وفاة الكافرين ميعاد عذابهم.\n﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٤)﴾ بما أتى به الأنبياء قبلي.\n﴿وَأَنْ أَقِمْ﴾ عطف على المعنى، لأنّ تّقدير (٣) قوله: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ\n_________\n(١) سقطت (إن) من (د).\n(٢) في (أ): (فأنا عليه على يقين).\n(٣) في (أ): (لأن التقدير وأمرت ...).","vol":"1","page":716},{"text":"الْمُؤْمِنِينَ (١٠٤)﴾: كن مؤمنًا ثمّ أقم.\n﴿وَجْهَكَ لِلدِّينِ﴾ أي: استقبل الكعبة في الصّلاة وتوجّه نحوها (١)، وقيل: استقم مقبلًا بوجهك على ما أمرك الله.\n﴿حَنِيفًا﴾ على ملّة إبراهيم، وقيل: تقديره: وأوحينا إليك أن أقم وجهك.\nويحتمل: أوحي إليّ أن أقم، ليكون في مقابلة: (أمرت).\n﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٥) وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ﴾ أي: لا ينفعك إن دعوته، ولا يضرك إن خذلته.\nأي: لا تدع آلهة كما يدعو المشركون الأوثان آلهة، وقيل: هذا تحقير للأوثان وهوان.\n﴿فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٦)﴾ الذين وضعوا الدّعاء غير موضعه.\n﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾ يصبك به.\n﴿فَلَا كَاشِفَ لَهُ﴾ لذلك الضّرّ.\n﴿إِلَّا هُوَ﴾ إلاّ الله.\n﴿وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ﴾ أي: إن يرد بك خيرًا يوصله إليك.\n﴿فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ لا رادّ لمراده.\n﴿يُصِيبُ بِهِ﴾ بالخير.\n﴿مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٠٧)﴾ فلا تيأسوا من غفرانه ورحمته.\n﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ يا أهل مكّةِ ﴿قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ يعني محمّدًا -ﷺ- والقرآن.\n_________\n(١) في (أ): (وتجوجه نحوها)، وفي (ب): (وتجوه نحوه)، وفي (د): (وتوجه نحوه).","vol":"1","page":717},{"text":"﴿فَمَنِ اهْتَدَى﴾ آمن بمحمّد -ﷺ- وعمل بما في الكتاب (١).\n﴿فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ أي: فلنفسه ثواب اهتدائه.\n﴿وَمَنْ ضَلَّ﴾ كفر بهما.\n﴿فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ أي: على نفسه وبال ضلاله.\n﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (١٠٨)﴾ بحافظ رعاية ما وُكِّلَ به فانظروا لأنفسكم، وقيل: ﴿بِوَكِيلٍ (١٠٨)﴾ مسيطر (٢).\n﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ﴾ من التّبليغ والتّبشير والإعذار والإنذار.\n﴿وَاصْبِرْ﴾ على تبليغ الرّسالة وتحمّل المكاره.\n﴿حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ﴾ بالعذاب أو يأمر بالقتل والجهاد، ثمّ نسخ فأمر بقتل المشركين وأخذ الجزية من أهل الكتاب (٣).\n﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (١٠٩)﴾ لأنّه المطّلع على السّرائر فلا يحتاج إلى بيّنة وشهود.\n_________\n(١) في (د): (آمن وعمل بما في الكتاب).\n(٢) في (أ): (وقيل بمو كل مسيطر)، وفي (د): (وقيل هو كل مسيطر).\n(٣) القول بأن الآية منسوخة رده ابن الجوزي في «ناسخ القرآن ومنسوخه» (ص ٤٤٢) وفي «زاد المسير» ٤/ ٧١.","vol":"1","page":718},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-117>سورة هود </span>(١). مكية.\nابن عباس ﵄: إلا آية من قوله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ [هود: ١١٤] (٢).\nوروي أن النبي -ﷺ- قيل له: عجل إليك الشيب فقال: (شيبتني سورة هود وأخواتها الحاقة والواقعة وعم يتساءلون والغاشية) (٣).\n(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) ﴿الر كِتَابٌ﴾ أي: هذا كتاب.\nوقيل: ﴿الر﴾ اسم كتاب.\nوقيل: ﴿الر﴾ بعض حروف ﴿كِتَابٌ﴾ فهو مبتدأ وخبر (٤).\n﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ عن التناقض والكذب والباطل.\nوقيل: ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ بالنظم العجيب واللفظ الرصين والمعنى البديع.\nوقيل: ﴿أُحْكِمَتْ﴾ بالحجج والدلائل.\nوقيل: أحكم القرآن من أن ينسخ بكتاب سواه كما نُسِخَ سائر الكتب به.\nوقيل: ﴿أُحْكِمَتْ﴾ آيات هذه السورة، فليس فيها منسوخ.\n_________\n(١) في (أ): زيادة (مائة وثلاث وعشرون) ولم ترد في (ب) ولا (د).\n(٢) اختلفت الرواية عن ابن عباس، فقد روي عنه أنها مكية كلها، وروي عنه ما ذكره المصنف أعلاه، والقول بأنها مكية: هو قول الحسن وعكرمة وعطاء ومجاهد وجابر بن زيد وقتادة في رواية، وروي عن قتادة مثل القول الثاني لابن عباس.\nانظر: «النكت والعيون» للماوردي ٢/ ٤٥٥، و«زاد المسير» ٤/ ٧٢، و«الجامع» للقرطبي ١١/ ٦٢.\n(٣) هذا الحديث أخرجه جماعة، منهم: الترمذي في سننه (٣٢٩٧) وسعيد بن منصور في سننه (١١٠٩ - ١١١٠) قسم التفسير، والحاكم في «المستدرك» ٢/ ٤٧٦ وغيرهم.\nوقد عدّ ابن حجر العسقلاني هذا الحديث من الأحاديث المضطربة كما في كتابه «النكت على ابن الصلاح» ٢/ ٧٧٤ - ٧٧٦.\n(٤) في (د): (وخبره).","vol":"1","page":719},{"text":"﴿ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ أنزلت فصلًا فصلًا ونجمًا نجمًا.\nمجاهد: معنى ﴿فُصِّلَتْ﴾: فسرت (١).\nابن عباس (٢): بينت بالأحكام والحلال والحرام (٣).\nالحسن: ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ بالأمر والنهي ﴿ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ بالوعد والوعيد والثواب والعقاب (٤).\n﴿مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١)﴾ أي: هذا الكتاب من عند الله، (الحكيم): يضع الشيء موضعه، (الخبير): يعلم ما كان وما يكون.\n﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ أي: ضمن أن لا تعبدوا إلا الله (٥)، وقيل (٦): فَصَّلَ بأن لا تعبدوا، وقيل: كتب أن لا تعبدوا إلا الله، فتكون (أن) للمصدر، ويجوز أن تكون المفسرة، ويجوز أن تكون رفعًا، أي: في الكتاب أن لا تعبدوا إلا الله.\n﴿إِنَّنِي لَكُمْ﴾ أي: قل يا محمد: ألر كتاب إنني لكم.\nوقيل: قل لا تعبدوا إلا الله إنني لكم ﴿مِنْهُ﴾ من الله ﴿نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (٢)﴾ منذر ومبشر ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ حكم (أن) حكم الأول، والمعنى: سلوه مغفرة من (٧) ذنوبكم.\n_________\n(١) أخرجه الطبري ١٢/ ٣١٠ - ٣١١، وابن أبي حاتم ٦/ ١٩٩٥، وزاد السيوطي نسبته إلى ابن المنذر وأبي الشيخ، كما في «الدر المنثور» ٨/ ١٠.\n(٢) في (ب): (ابن بحر).\n(٣) ذكره الثعلبي (ص ٩ - رسالة جامعية)، والواحدي في «البسيط» (ص ١٢٤ - رسالة جامعية) وابن الجوزي ٤/ ٧٤.\n(٤) أخرجه الطبري ١٢/ ٣٠٩، وابن أبي حاتم ٦/ ١٩٩٤ - ١٩٩٥.\n(٥) في (ب) سقط من قوله هنا (إلا الله) إلى قوله (فتكون (أن) للمصدر).\n(٦) في (أ): (وقد فصل) والمثبت من (د) وهو ساقط من (ب) كما ذكرت في الهامش السابق.\n(٧) (من) ساقطة من نسخة (د).","vol":"1","page":720},{"text":"﴿ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ ارجعوا إليه بالطاعة والعبادة، وأَخَّرَ التوبة لأن التقدير: سلوا الله المغفرة وتوسلوا إليها بالتوبة، فالمغفرة أول في الطلب وآخر في السبب.\nوقيل: استغفروا لما مضى (١) من الذنوب ثم توبوا إليه لما عسى يقع من الذنوب في المستأنف، حكاهما ابن عيسى (٢).\nوقيل: ﴿ثُمَّ﴾ مع الجملة يدل على التقديم.\nالفراء: ﴿ثُمَّ﴾ ها هنا بمنزلة الواو (٣).\n﴿يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا﴾ يعشكم في خفض ودعة وأمن وسعة.\n﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ هو الموت.\nسعيد بن جبير: يوم القيامة (٤).\nابن عباس: إلى وقت لا يعلمه إلا الله (٥).\n﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ أي: كل ذي حسنة وخير جزاء فضله في الدنيا والآخرة.\nوقيل: الضمير في ﴿فَضْلَهُ﴾ لله.\nالضحاك: كل ذي عمل جزاء عمله (٦).\nوقيل: يريد تضعيف الحسنات.\n_________\n(١) في (أ): (الماضي).\n(٢) نقله الماوردي ٢/ ٤٥٦ والقرطبي ١١/ ٦٧ دون نسبته لأحد.\n(٣) ليس في كتابه «معاني القرآن» وإنما هو في كتاب الواحدي «البسيط» (ص ١٢٧ - رسالة جامعية)، حيث ينقل الكرماني عن الواحدي كثيرًا، ولفظه عند الواحدي: (وحكي عن الفراء ...).\n(٤) نقله الماوردي ٢/ ٤٥٧، وابن الجوزي ٤/ ٧٥ عن سعيد بن جبير.\n(٥) ذكره الماوردي ٢/ ٤٥٧ عن ابن عباس.\n(٦) ذكره أبو الليث السمرقندي ٢/ ١٣٧ عن الضحاك.","vol":"1","page":721},{"text":"الزجاج: من كان (١) ذا فَضْلٍ في دينه فَضَّلَهُ الله في الدنيا بالمنزلة كما فَضَّلَ أصحاب نبيه -ﷺ- وفي الآخرة بالثواب الجزيل (٢).\n﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (٣)﴾ قيل: أصله: تتولوا، فحذف التاء، والدليل عليه قراءة ابن كثير: (وإن تَّوَلَّوا) بالتشديد (٣).\nوقيل: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ ماض، وقوله: ﴿عَلَيْكُمْ﴾ بلفظ الخطاب على التلوين (٤).\nواليوم الكبير: يوم القيامة، وقيل: في الدنيا، فابتلوا بالقحط حتى أكلوا الجيف.\nوقيل: ﴿أَخَافُ﴾: أعلم.\n﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ رجوعكم، شذ عن القياس (٥)، وقيل: موضع رجوعكم.\n﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤)﴾.\n﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ في سبب النزول: قال الكلبي: إنها نزلت في الأخنس بن شَرِيق (٦) وكان منافقًا حلو الكلام (٧).\n_________\n(١) سقطت (كان) من (أ).\n(٢) انظر: «معاني القرآن» للزجاج ٣/ ٣٨.\n(٣) نقلها ابن خالويه في «القراءات الشاذة» (ص ٥٩) عن ابن كثير وابن محيصن.\n(٤) في (د): (التكوين).\n(٥) قال الشيخ الشنقيطي فيما نقله تلميذه عبدالله قادري في كتاب «معارج الصعود إلى تفسير سورة هود» (ص ٤٣): (مرجع مصدر ميمي، أي: رجوعكم، والقياس فيه وفيما ماثله فتح العين، ولكنه كسر سماعًا، والسماع مقدم على القياس).\n(٦) الأخنس بن شَرِيق الثقفي، أبو ثعلبة، اسمه: أبي، أسلم فكان من المؤلفة قلوبهم، وشهد حنينًا، ومات في أول خلافة عمر ﵄ جميعًا.\nانظر: «الإصابة» لابن حجر ١/ ٣٨ - ٣٩.\n(٧) ذكره الواحدي في «أسباب النزول» (ص ٤٤٣) وفي «البسيط» (ص ١٣١ - رسالة جامعية)، وابن الجوزي ٤/ ٧٦.","vol":"1","page":722},{"text":"وقال المفسرون: نزلت في طائفة من المشركين، قالوا: إذا أغلقنا أبوابنا وأرخينا ستورنا واستغشينا ثيابنا وطوينا صدورنا على عداوة محمد، كيف يعلم بنا، فأنزل الله ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ (١).\nفيه وجهان:\nأحدهما: وهو قول الجمهور، أي: يطوونها ويعطفونها على عداوة محمد، وقيل: على (٢) الكفر (٣)، وقيل: على حديث النفس، من قولهم (٤): ثنيت الشيء: عطفته، ومنه: الأثناء (٥) والاستثناء والثِّنَاءُ.\nوالثاني: ولوا ظهورهم، وهو قول عبد الله بن شداد (٦).\n﴿لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ﴾ جل المفسرين على أن معناه: ليستتروا من الله بزعمهم.\nوهذا يحتاج إلى بيان: فإن ثني الصدور على الكفر والعداوة لا يكون علة لاستتارة النفوس، ووجه ذلك أن يقال: تقديره (٧): ليستخفي سرهم، فحذف\n_________\n(١) ذكره الزجاج ٣/ ٣٨، كما ذكره الماوردي ٢/ ٤٥٧ أن رجلًا قال ...، وساق نحوه، وأورده ابن الجوزي ٤/ ٧٦ وأبو حيان ٥/ ٢٠٣.\n(٢) سقطت (على) من (د).\n(٣) سقط ما بعد كلمة (الكفر) إلى قوله (... الصدور على الكفر) من نسخة (ب).\n(٤) في (د): (وقيل) بدلًا من (من قولهم).\n(٥) في (أ): (الاثناف)، والأثناء: المطاوي والمعاطف، وأثناء الحيّة: مطاويها إذا تحوت، وأثناء الوادي: معاطفه، والأثناء: جمع الاثنين أحد أيام الأسبوع، والثناء: عقال البعير. انظر: «اللسان» (ثنى).\n(٦) عبدالله بن شداد بن الهاد الليثي، أبو الوليد المدني، ولد على عهد النبي -ﷺ-، مذكور في طبقة كبار التابعين الثقات، ومعدود في الفقهاء، مات بالكوفة سنة إحدى وثمانين، وقيل بعدها.\nانظر: «تقريب التهذيب» (ص ٣٠٧).\nوقوله هذا ذكره الطبري ١٢/ ٣١٦ - ٣١٧، وابن أبي حاتم ٦/ ١٩٩٩ بألفاظ متقاربة مع ما ذكره الكرماني.\n(٧) سقطت كلمة (تقديره) من (ب).","vol":"1","page":723},{"text":"المضاف وأسند الفعل إلى الضمير فارتفع به، أو يقال: تقديره: ليستخفوا بما أسرّوا (١)، فحذف لأن معنى استخفى به وأخفاه واحد، ومن جعل معناه: ولوا ظهورهم، لم يحتج إلى هذا التأويل ويكون ﴿مِنْهُ﴾ عائدًا إلى النبي -ﷺ- وهو قول ابن شداد (٢).\n﴿أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ﴾ جواب على وفق كلامهم ﴿يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ﴾ في قلوبهم ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ بأفواههم.\nابن عباس: عمل الليل وعمل النهار (٣).\nوقيل: يريد الليل والوقت الذي يأوي إلى فراشه في الظلمة ويتغطى بثيابه ويستخفي بسره، وذلك النهاية في الخفاء وهو لله ظاهر جلي.\nوقيل: نزلت في قوم كانوا لا يتعرون ولا يبدون أجسادهم (٤) للسماء، وكانوا يتمسكون بستر أجسادهم بالثياب ويزعمون أن ذلك يقربهم من الله سبحانه، فأعلمهم أن هذا اعتقاد باطل وأنه يجزي بالنيات ويعلم الطويات، وهذا قول زيّفه المفسرون (٥).\n﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٥)﴾ بأسرار (٦) ذات الصدور.\nوقيل: ذات الصدور: القلوب.\n_________\n(١) في (أ): (ليستخفوا هم بما أسروا).\n(٢) قال الإمام الطبري ١٢/ ٣٢٢: (الهاء في قوله (منه) عائدةٌ على اسم الله، ولم يجر لمحمدٍ ذكرٌ قَبْلُ فيجعل من ذكره -ﷺ-).\n(٣) أخرجه الطبري ١٢/ ٣٢١ - ٣٢٢، وابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٠٠.\n(٤) في (أ): (أجسادهن).\n(٥) لا أدري لماذا استبعد الكرماني هذا القول، مع أنه مروي في صحيح البخاري (٤٦٨١ - ٤٦٨٢) عن ابن عباس ﵄.\n(٦) في (د): (بالأسرار).","vol":"1","page":724},{"text":"﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ﴾ ما من حيوان يأكل ﴿إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ غذاؤها وما تحتاج إليه، تكفل الله بأرزاقهم فضلًا منه ورحمة.\nوقيل: إلا من الله رزقها.\nوقيل: إلى الله رزقها إن شاء وسعه وإن شاء ضيقه.\n﴿وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا﴾ مأواها (١) في حياتها ﴿وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ قبرها بعد موتها، وقد سبق في قوله ﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ [الأنعام: ٩٨] ..\n﴿كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦)﴾ يعني اللوح المحفوظ.\n﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ يريد: وما بينهما.\n﴿فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ ابن عباس: من أيام الآخرة (٢).\nالحسن: من أيام الدنيا (٣)، وقد سبق (٤).\n﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ أي: فوق الماء قبل أن (٥) خلق السموات والأرض، وكان الماء على متن الريح.\nوقيل: هو كقولك: السماء فوق الأرض، لا أنه (٦) متصل به.\nوقيل: ثم خلق العرش وصار عرشه على الماء.\n﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾ أي: وخلقكم ليبلوكم ﴿أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ صاحب النظم:\n_________\n(١) في (أ): (أي مأواها ...).\n(٢) أخرج ابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٠٤ عن ابن عباس ﵄: (في ستة أيام) قال: يوم مقداره ألف سنة.\n(٣) ذكره أبو الليث السمرقندي ٢/ ١٣٩ عن الحسن.\n(٤) في أثناء تفسير الآية (٥٤) من سورة الأعراف، ولم يذكر هناك قول الحسن.\n(٥) لم ترد (أن) في (أ).\n(٦) في (د): (لانه).","vol":"1","page":725},{"text":"كل في كتاب مبين ليبلوكم (١).\nابن عباس: ليبلوكم أيكم أعمل بطاعة الله (٢).\nمقاتل: أتقى لله (٣).\nالحسن: أزهد في الدنيا (٤).\nابن عمر: عن النبي -ﷺ-: (أيكم أحسن عقلًا وأورع عن محارم الله وأسرع في طاعة الله) (٥).\n﴿وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧)﴾ أي: ما هذا الذي تقول إلا سحر مبين (٦)، أي: إحياء الموتى سحر.\nوقيل: إلا باطل.\nوقيل: السحر ها هنا: الخداع.\nومن قرأ: (ساحر) بالألف (٧) فإنهم عنوا به النبي -ﷺ-.\n_________\n(١) سقطت (ليبلوكم) من (د)، ولم أعثر على قول الجرجاني صاحب النظم في المصادر التي بين يدي، سوى ما نقله المصنف في كتابه الآخر: «غرائب التفسير» ١/ ٤٩٨ بتفصيل وبيان لهذا القول.\n(٢) في (ب): (بطاعته).\nوقول ابن عباس أخرجه: ابن حبيب في تفسيره (ق ١٠٤/ب) والثعلبي (ص ٢١ - رسالة جامعية)، والواحدي في «الوسيط» ٢/ ٥٦٥.\n(٣) ذكره ابن حبيب (ق ١٠٤/ب) والثعلبي (ص ٢١ - رسالة جامعية).\n(٤) ذكره ابن حبيب (ق ١٠٤/ب) والثعلبي (ص ٢١ - رسالة جامعية) وابن الجوزي ٤/ ٧٩.\n(٥) أخرجه الطبري ١٢/ ٣٣٥، وابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٠٦، وداود بن المحبر في كتاب «العقل» كما ذكر الزيلعي في «تخريج الكشاف» ٢/ ١٤٥ ثم نقل عن الدارقطني أنه موضوع، لكون أسانيده تدور على داود بن المحبر.\n(٦) حصل تكرار في (د) لقوله (أي ما هذا ... مبين).\n(٧) قرأ حمزة والكسائي وخلف (ساحر) بالألف، وقرأ باقي العشرة بغير ألف (سحر). انظر: «المبسوط» لابن مهران (ص ٢٠٣).","vol":"1","page":726},{"text":"﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾ إلى حين كقوله ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف: ٤٥]، أي: جماعة من الزمان، وقيل: إلى مجيء أمة وانقراض أمة.\nوقوله ﴿مَعْدُودَةٍ﴾ أي: معلومة، وقيل: قلائل.\n﴿لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ﴾ ما يمنع العذاب من الوقوع، قالوه (١) استهزاءًا.\n﴿أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ﴾ أي (٢): العذاب يوم بدر ﴿لَيْسَ مَصْرُوفًا﴾ أي: ليس العذاب مصروفًا ﴿عَنْهُمْ﴾، وقيل: ليس اليوم مصروفًا عنهم.\nثم قال ﴿وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٨)﴾ أي: العذاب، وقيل: أحاط بهم ونزل بهم (٣) جزاء استهزائهم.\n﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً﴾ أعطيناه نعمة وسعة وصحة وأذقناه حلاوتها ومكناه من (٤) التلذذ بها.\n﴿ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (٩)﴾ أي: ثم سلبناه إياها يئس من النعمة وكفربها (٥)، لأنه لا ثقة له بالله بل وثوقه (٦) بما في كفه من المال.\n﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ﴾ وسعنا عليه النعمة.\nوالنعماء: النعمة مع النعمة، يريد المال والصحة.\n﴿بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ﴾ بعد الفقر الذي ناله.\nوالضراء: الفقر المضر بالبدن لعدم المال.\n_________\n(١) في (أ): (قالوا).\n(٢) لم ترد (أي) في (ب).\n(٣) في (د): كأنها (ويرديهم).\n(٤) في (ب): (في) بدلًا من (من).\n(٥) في (أ): (وكفرها).\n(٦) في (أ): (بل أوثق به).","vol":"1","page":727},{"text":"﴿لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي﴾ أي: لو كشفنا عنه الضر الذي به (١) ظن أنه فاز بخير لا يفارقه، لأنه لا يعرف نقم الله وتغييراته.\n﴿إِنَّهُ لَفَرِحٌ﴾ مرح أشر، والفرح مذموم حيث جاء في القرآن كقوله ﴿لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (٧٦)﴾ [القصص: ٧٦]، وكقوله ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ﴾ [التوبة: ٨١]، والسرور محمود، حيث قال: ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (١١)﴾ [الإنسان: ١١].\n﴿فَخُورٌ (١٠)﴾ متكبر متطاول.\n﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ على الضراء ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ وشكروا على النعماء\n﴿أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ لذنوبهم ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١١)﴾ يعني الجنة.\nوالاستثناء صحيح، لأن الإنسان اسم للجنس، أي الإنسان بهذه الصفة إلا المؤمنين.\nوقيل: منقطع، أي: لكن الذين صبروا.\n﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ﴾ قال بعض المشركين: ائتنا بكتاب ليس فيه (٢) عيب آلهتنا نجالسك ونتبعك، وقال بعضهم: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ﴾ [الفرقان: ٧ - ٨] الآية، فَهَمَّ بما قال الأولون حرصًا على إيمانهم، وهو أن (٣) لايقرأ عليهم ما (٤) يكرهون، واهتم بما قال الآخرون، فأنزل الله ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ غير مبلغه إياهم (٥).\n_________\n(١) في (ب): (الذي نزل به).\n(٢) في (د): (ليس فيها).\n(٣) سقطت (أن) من (أ).\n(٤) في (د): (بما).\n(٥) ذكره مقاتل في تفسيره ٢/ ٢٧٣ - ٢٧٤، والسمرقندي ٢/ ١٤٠، والواحدي في «البسيط» (ص ١٤٤) و«الوسيط» ٢/ ٥٦٦ ونقله الأخير عن أهل التفسير.","vol":"1","page":728},{"text":"اللفظ خبر والمعنى نهي، أي: لا تركن إلى كلامهم ولا تضيق صدرك باقتراحهم ولا تهتم إن لم تؤت ما سألوكه:\n﴿أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ﴾ ينفقه ﴿أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ يصدقه.\nهذا تفسير الهاء في قوله: ﴿وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ وتقديره: وضائق بـ ﴿أَنْ يَقُولُوا﴾ الآية: صدرك.\nوقيل: لأن يقولوا.\nوقيل: هو أن يقولوا.\nقال ابن الأنباري (١): يجوز في الضمير في ﴿بِهِ﴾ ثلاثة أوجه:\nأحدها: أن يعود إلى بعض ما يوحى.\nوالثاني: إلى التبليغ.\nوالثالث: إلى التكذيب.\nوالوجه ما ذكرت (٢) أنها كناية فسرها ما بعدها.\n﴿إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ﴾ ليس عليك إلا البلاغ ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٢)﴾ عالم حافظ.\nابن عيسى: ﴿وَضَائِقٌ﴾ في مقابلة ﴿تَارِكٌ﴾، ولأن الضائق وصف عارض، والضيق وصف لازم (٣).\n﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ اختلقه محمد ﴿قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ﴾ في البلاغة\n_________\n(١) هو أبو بكر، محمد بن القاسم، ابن الأنباري، الحافظ العلامة اللغوي والمقرئ النحوي، صاحب عدد من المؤلفات، منها: «الوقف والابتداء» توفي ليلة عيد النحر ببغداد سنة (٣٢٨ هـ). انظر: «سير أعلام النبلاء» ١٥/ ٢٧٤.\n(٢) في (د): (ما ذكر الشيخ ﵁ ذكرت أنها ...).\n(٣) نقل نحوه: ابن عطية ٧/ ٢٥٠، والقرطبي ١١/ ٨١ ولكن دون نسبة لأحد.","vol":"1","page":729},{"text":"والإخبار عما كان وما يكون ﴿مُفْتَرَيَاتٍ﴾ مختلقات بزعمكم.\nالكلبي: ﴿بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ﴾ مثل سورة البقرة إلى سورة هود، وهي العاشرة، وهذا ضعيف، لأن البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنفال والتوبة مدنيات نزلت بعد سورة هود بزمان، وسورة هود مكية (١).\n﴿وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ إلى المعاونة على المعارضة ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٣)﴾ أنه مفترى متقول، أي: ادعوا كل مخلوق يقدر على معاونتكم في هذا، لأنه (٢) لما قال\n﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أدخل فيه كل من سواه، وأخرج بلفظ الاستطاعة من لا يتكلم بالعربية منهم.\n﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ أي: فإن لم يفعل المدعوون ما دعوتموهم إليه لعجزهم ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ أنزله جبريل ﵇ بإذن الله وبعلمه (٣).\nوقيل: من علم الله، والباء بمعنى من.\n﴿وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ واعلموا أنه لا إله إلا الله (٤) منزل القرآن على محمد -ﷺ-.\n﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٤)﴾ أي: إذا رأيتم العرب قاطبة عجزت عن الإتيان بمثل شيء من القرآن فأسلموا.\nوفي الآية قولان:\nأحدهما: أنه خطاب للكفار.\nوقيل: خطاب للنبي -ﷺ- والمؤمنين، أي: فإن لم يستجيبوا لكم فقولوا لهم\n﴿فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾.\n_________\n(١) قال نحوه أبو الليث السمرقندي ٢/ ١٤١ بعد أن نقل قول الكلبي السابق.\n(٢) في (أ): (في الانه لما قال ...)، وفي (ب): (وهذا لأنه ...).\n(٣) في (ب): (وعلمه).\n(٤) في (ب): (إلا هو).","vol":"1","page":730},{"text":"وقيل: الخطاب للنبي وحده بلفظ التعظيم، وفي هذا القول ضعف.\n﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ بإحسانه إلى الناس كإطعام الفقير وكسوتهم (١) والعدل بين الناس ولم يؤمن بالآخرة ﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥)﴾ أي: وفّاه الله جزاء عمله الصالح في الدنيا بالحظ منها وبالجاه والرئاسة من غير بخس ولا نقص.\nوقيل: نزلت في المنافقين الذين كانوا يغزون مع النبي -ﷺ- فيقول: يعطون من الغنيمة.\n﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ﴾ لأنهم استوفوا جزاءهم في الدنيا ﴿وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا﴾ في الدنيا، لأنهم لم يريدوا به وجه الله ولم يؤمنوا به ﴿وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٦)﴾ أي: حبط (٢) لأن أعمالهم كانت باطلة.\nوجزم ﴿نُوَفِّ﴾ لأنه جواب للشرط وهو قوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ﴾.\n﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ يعني محمدًا -ﷺ-، والبينة: القرآن.\n﴿وَيَتْلُوهُ﴾ ويقرأه عليه ﴿شَاهِدٌ﴾ جبريل ﴿مِنْهُ﴾ من الله، هذا قول ابن عباس في جماعة (٣).\nوقيل (٤): ﴿وَيَتْلُوهُ﴾ يتبعه ملك يحفظه.\nالحسن: ﴿شَاهِدٌ مِنْهُ﴾ لسان محمد -ﷺ- (٥)، فيكون معنى ﴿وَيَتْلُوهُ﴾: يقرأه.\nوعن ابن الحنفية (٦) أنه قال: قلت لأَبِي: أنت التالي، قال: وما تعني بالتالي، قلت قوله تعالى ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾ قال: وددت أني هو ولكنه لسان النبي -ﷺ- (٧).\n_________\n(١) في (أ): (كإطعامه إلى الفقراء وكسوتهم ...).\n(٢) سقط قوله (أي حبط) من (ب).\n(٣) أخرجه الطبري ١٢/ ٣٥٧، وابن أبي حاتم ٦/ ٢٠١٤ عن ابن عباس ﵄.\nثم أخرجه الطبري ١٢/ ٣٥٧، وابن أبي حاتم ٦/ ٢٠١٤ عن مجاهد.\nوأخرجه عبدالرزاق ١/ ٣٠٣، والطبري ١٢/ ٣٥٨ عن إبراهيم النخعي.\nوأخرجه الطبري ١٢/ ٣٥٨ عن الضحاك.\n(٤) في (ب): (وقال).\n(٥) أخرجه الطبري ١٢/ ٣٥٤.\n(٦) محمد بن علي بن أبي طالب، أبو القاسم ابن الحنفية، ثقة عالم، توفي بعد الثمانين.\nانظر: «تقريب التهذيب» (ص ٤٩٧).\n(٧) أخرجه الطبري ١٢/ ٣٥٤، وابن أبي حاتم ٦/ ٢٠١٤، والطبراني في «الأوسط» (٦٨٢٨)، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» ٧/ ٣٧: فيه خليد بن دعلج وهو متروك.","vol":"1","page":731},{"text":"وعن الحسين بن علي رضي لله عنهما: ﴿شَاهِدٌ مِنْهُ﴾: محمد -ﷺ- (١).\nفيكون ﴿أَفَمَنْ كَانَ﴾ هو المؤمن ﴿عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ على بيان وبصيرة من دينه ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾ ويشهد له محمد -ﷺ- يوم القيامة، من قوله (٢) ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١)﴾ [النساء: ٤١] ..\nوقيل: ﴿وَيَتْلُوهُ﴾ يتبع محمدًا ﴿شَاهِدٌ مِنْهُ﴾ علي بن أبي طالب ﵁، حكاه الثعلبي في تفسيره وأطنب (٣).\nوقيل: ﴿شَاهِدٌ مِنْهُ﴾ أبو بكر ﵁، حكاه محمد بن الهيصم في تنزيله (٤).\nوقيل: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾: بيان وبصيرة ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾ عقله، وتقدير الآية: أفمن كان بهذه الصفة كمن كان بضدها، فحذف الجواب.\n﴿وَمِنْ قَبْلِهِ﴾ قيل: قبل نزول القرآن.\nوقيل: قبل محمد -ﷺ-.\n﴿كِتَابُ مُوسَى﴾ التوراة، عطف على الشاهد، وقيل: مبتدأ (٥).\nوقيل: كان (٦) الأصل النصب (٧)، عُطِفَ على الهاء من ﴿وَيَتْلُوهُ﴾ فرفع على الاستئناف، أي: ومن قبله كتاب موسى كذلك لأن فيه ذكر محمد -ﷺ- ونعته.\n﴿إِمَامًا وَرَحْمَةً﴾ للناس جميعًا.\nوقيل: لليهود.\n﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ بالقرآن.\nوقيل: بالتوراة.\n_________\n(١) أخرجه الطبري ١٢/ ٣٥٥، وابن أبي حاتم ٦/ ٢٠١٤.\n(٢) سقط قوله (من قوله) من (ب).\n(٣) انظر: «الكشف والبيان» للثعلبي (ص ٣٣ - ٣٧ - رسالة جامعية).\nونسب ابن حبيب النيسابوري هذا القول في تفسيره (ق ١٠٥/ب) إلى الروافض، وضعف ابن كثير ٧/ ٤٢٥ هذا القول.\n(٤) محمد بن الهيصم، أبو عبدالله، من رؤوس فرقة الكرامية، وتنسب إليه فرقة اسمها: الهيصمية، وله ترجمة في «الوافي بالوفيات» ٥/ ١٧١، ولم تذكر سنة وفاته، إلاّ أنه من رجال القرن الخامس كما يتضح من ترجمته، كما أني لم أعثر على من ذكر كتابه الذي ذكره الكرماني أعلاه، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في «درء تعارض العقل والنقل» ٢/ ٤٧ كتابًا لابن الهيصم وسمّاه: جمل الكلام، والكرماني في كتابه الآخر: «غرائب التفسير» ١/ ٥٠٠ يقول: (حكاه محمد بن الهيصم في تفسيره).\n(٥) قوله (وقيل مبتدأ) سقط من (أ).\n(٦) في (ب): (وقيل: كان كتاب موسى كذلك ...) فحصل فيها سقط.\n(٧) وقد قرئ به كما قال النحاس ٢/ ٢٧٦، ونسبها أبو حيان ٤/ ٢١١ لمحمد بن السائب الكلبي.","vol":"1","page":732},{"text":"وقيل (١): نزلت في عبد الله بن سلام، وهذا ضعيف لأن السورة مكية (٢).\nوقيل: فيمن (٣) آمن من اليهود بمكة.\n﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ﴾ بمحمد -ﷺ-، وقيل: بالقرآن (٤).\n﴿مِنَ الْأَحْزَابِ﴾ من الكفار الذين تحزبوا واجتمعوا على رسول الله -ﷺ- وعداوته من اليهود والنصارى وسائر الملل.\n﴿فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ مصيره ومورده، وهذا دليل على بطلان مذهب (٥) أحمد بن حمدان الهروي (٦)، فإنه زعم أن الكفار في الحقيقية هم الدهرية، وأما اليهود والنصارى وسائر أصناف الكفرة فليسوا بكفار حقيقة، ومنزلتهم منزلة المبتدعة ينجيهم الله يومًا من النار، حكى مذهبه محمد بن الهيصم وغيره من المتكلمين.\n﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾ أي من أن موعده النار.\nوقيل: من القرآن.\nقالوا: الخطاب للنبي -ﷺ- والمراد به غيره، ويحتمل أن التقدير: قل للشاك في ذلك: فلا تك في مرية منه ﴿إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (١٧)﴾.\n﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾ أي: أعتى وأشد كفرًا ﴿مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ أن (٧) له ولدًا وشريكًا ووصفه بغير صفته وافترى عليه ما لم ينزله ﴿أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ﴾ في المحشر (٨) للحساب ﴿وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ﴾ الحفظة.\nوقيل: الأنبياء.\nوقيل: الخلائق يعرفونهم بسيماهم.\nوقيل: ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم.\n_________\n(١) سقطت كلمة (قيل) من (ب)، بينما سقط حرف الواو فقط من (د).\n(٢) قاله السمرقندي ٢/ ١٤٣.\n(٣) في (د): (وقيل من آمن ...).\n(٤) في (أ): (بالقرآن، وقيل بمحمد ﵇).\n(٥) كلمة (مذهب) ساقطة من (ب).\n(٦) لعله: أحمد بن حمدان الرازي، أبو حاتم، المتوفى سنة (٣٢٢ هـ)، صاحب كتاب «الزينة»، وله ترجمة في «لسان الميزان» لابن حجر العسقلاني ١/ ٢٤٧.\n(٧) في (د): (أنه).\n(٨) في (أ): (الحشر).","vol":"1","page":733},{"text":"﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ﴾ عذابه وسخطه ﴿عَلَى الظَّالِمِينَ (١٨)﴾ الكاذبين على ربهم، فهم (١) الكفار.\n﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ دين الله ﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ عدولًا عن طريق الصواب ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (١٩)﴾.\n﴿أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ فائتين هربًا ﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ يمنعونهم من عذابه ﴿يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ﴾ قيل: للذين أضلوهم، وقيل: يضاعف بتضاعيف الإجرام، وقيل: كلما مضى ضعف جاء ضعف.\n﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ (٢٠)﴾ أي: ثَقُل عليهم سماع الحق وإبصاره، و﴿مَا﴾ نفى.\nوقيل: يضاعف لهم العذاب بما كانوا يستطيعون السمع فلم يسمعوا وبما كانوا يبصرون الحق فلم يبصروا.\nوقيل: يريد به الآلهة (٢).\n﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ وهو أعظم الخسران، ومعنى ﴿خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾: خسروا راحة أنفسهم وسعادتها ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢١)﴾ عنى بذلك الأوثان.\nوقيل: بطل سعيهم وخاب رجاؤهم.\nوقيل: لم ينتفعوا بكذبهم.\n﴿لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (٢٢)﴾ لأنهم ضلوا وأضلوا.\nوقوله ﴿لَا جَرَمَ﴾: معناه حقًا.\nوقيل: معناه حق له (٣).\nوقيل: معناه لابُدَّ ولا محالة.\n_________\n(١) في (د): (وهم).\n(٢) في (أ): (الهة).\n(٣) سقطت (له) من (أ).","vol":"1","page":734},{"text":"وذهب بعض النحويين (١) إلى أن ﴿لَا﴾ رد لكلام سابق، ومعنى ﴿جَرَمَ﴾: كَسَب، وفاعله مضمر تقديره: كَسَبَ فِعْلُهُم أنهم في الآخرة هم الأخسرون، وكذلك قوله ﴿لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ﴾ [النحل: ٦٢]، ومنه قول الشاعر (٢):\nولقد طعنتُ أبا عيينةَ طعنةً ... جَرَمَتْ فَزَارةَ بعدها أن يغضبوا\nوقيل: معنى (٣) ﴿جَرَمَ﴾: قَطَع، أي: لا قَطَعَ قَاطعٌ عن ذلك.\nوقال بعضهم: ﴿جَرَمَ﴾ اسم بني مع ﴿لَا﴾ على الفتح، كقوله (٤): لا بُدَّ ولا محالة.\nوروي عن العرب: لا جرم إنه، بالكسر.\nوروي أيضًا: لا جر أنه (٥)، بحذف الميم.\nوقيل: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ﴾ في محل رفع، كما تقول: حقًا إنه كذا.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا﴾ تواضعوا وخشعوا.\nابن عباس ﵄: أنابوا (٦).\nوقيل: اطمأنوا.\nوقيل: سكنت جوارحهم.\nواشتقاقه من: الخبت، وهي (٧) الأرض المنخفضة، وقيل: المستوية، كما تقول: أَنْجَد وأَتْهَم.\n﴿إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٣)﴾ و(إلى) واقع موقع اللام لما بينهما من القرب.\nوقيل: قصدوا بإخباتهم إلى ربهم.\n_________\n(١) منهم الفراء في «معاني القرآن» ٣/ ٤٦.\n(٢) القائل: هو أبو أسماء بن الضَّرِيبة، كما في «لسان العرب» (جرم)، وقيل: عطية بن عُفيف، كما في «الخزانة» للبغدادي ١٠/ ٢٨٣ - ٢٩٢، وقد سبق تخريج البيت بتوسع في (ص ٧٨).\n(٣) سقط قوله (معنى) من (ب).\n(٤) في (ب): (كقولهم) وفي (د): (كقولك).\n(٥) سقطت (أنه) من (ب).\n(٦) أخرجه الطبري ١٢/ ٣٧٤.\n(٧) في (ب): (وهو).","vol":"1","page":735},{"text":"وقيل: بمعنى مِنْ، أي: أخبتوا من خوف ربهم، قاله (١) الكلبي.\n﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ﴾ الكافر والمؤمن ﴿كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ﴾ يجوز أن يكون التقدير: كالذي يجمع عماه إلى صممه والذي يجمع إبصاره إلى سمعه، فيكون الواو لعطف الصفة على الصفة، كقول الشاعر (٢):\nإلى الملكِ القَرْمِ وابن الهُمامِ ... وليثِ الكتيبةِ في المُزْدَحَمْ\nويجوز أن يكون المراد به واحدًا، أي: كالأعمى والبصير (٣) والأصم والسميع، والعمى والصمم آفتان تمنعان عن الإبصار والسمع وليسا ضدين لهما (٤)، لأنه لا تعاقب بينهما.\n﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ أي: في المثل، وهو نصب على التمييز ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٢٤)﴾ فتنتفعوا (٥) بضرب المثل.\n﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ المبعوث إليهم ﴿إِنِّي لَكُمْ﴾ بأني لكم ﴿نَذِيرٌ﴾ أنذركم عذاب الله ﴿مُبِينٌ (٢٥)﴾ أبين لكم مصالحكم (٦)، ومن كسر فبإضمار القول، أي: فأتاهم فقال إني لكم نذير مبين (٧).\nابن عباس ﵄: أوحى الله تعالى إلى نوح وهو ابن أربع مائة وثمانين سنة ودعا قومه مائة وعشرين سنة وركب السفينة وهو ابن ستمائة سنة (٨) وبقي بعد هلاك قومه ثلاث مائة وخمسين سنة فذلك ألف سنة إلا خمسين عامًا (٩).\n_________\n(١) في (أ): (قال له).\n(٢) البيت ورد في أكثر من مصدر غير منسوب، ولم أهتد لقائله، انظر «معاني القرآن» للفراء ١/ ١٠٥، و«الجامع لأحكام القرآن» للقرطبي ٢/ ٨٥ و٢/ ١٠٨، و«خزانة الأدب» للبغدادي ١/ ٤٥١.\n(٣) سقطت كلمة (والبصير) من (ب).\n(٤) سقط قوله (لهما) من (ب).\n(٥) في (ب): (فتنفعون).\n(٦) سقطت كلمة (مصالحكم) من (أ).\n(٧) قرأ أبو جعفر وأبو عمرو وابن كثير والكسائي ويعقوب وخلف (أني لكم) بفتح الألف، وقرأ نافع وابن عامر وعاصم وحمزة (إني لكم) بكسر الألف.\nانظر: «المبسوط» لابن مهران (ص ٢٠٣).\n(٨) سقطت كلمة (سنة) من (د).\n(٩) ذكره أبو الليث السمرقندي في تفسيره ٢/ ١٤٦ عن ابن عباس ﵄.","vol":"1","page":736},{"text":"وهب (١): أوحي إليه وهو ابن خمسين سنة ولبث في قومه تسع مائة وخمسين سنة (٢) وعاش بعد هلاك القوم خمسين سنة وكان عمره ألفًا وخمسين سنة (٣).\nعكرمة: سمي نوحًا لأنه كان ينوح على نفسه (٤)، قال: وكان اسمه ساكتًا (٥).\nوالجمهور على أنه اسم عجمي (٦).\n﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ يجوز أن يكون نصبًا على تقدير: أرسلناه بأن لا تعبدوا وقيل: أبين لكم أن لا تعبدوا (٧)، ويجوز أن يكون جزمًا على النهي، و﴿أَنْ﴾ هي المفسرة.\n﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٢٦)﴾ يريد الغرق و﴿يَوْمٍ أَلِيمٍ (٢٦)﴾، كقوله (٨): نهاره صائم، لأن الألم أوالإيلام يقع فيه.\n﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ﴾ أشراف قومه ﴿مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا﴾ آدميًا\n﴿مِثْلَنَا﴾.\nوسمى الإنسان بشرًا لظهور بشرته، خلافًا للبهائم والطيور والصدف (٩).\n﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا﴾:\nابن عيسى: جمع رَذْل على أَرْذُل ثم أراذل، كَكَلْب وأَكْلُب وأكالب.\nوقيل: جمع الأَرْذَل وهو الناقص القدر.\nوالأول أظهر، لأن الأفعل (١٠) يقتضي الشركة أولًا ثم الزيادة.\n_________\n(١) في (ب): (ابن وهب).\n(٢) سقطت كلمة (سنة) من (د).\n(٣) ذكره أبو الليث السمرقندي في تفسيره ٢/ ١٤٦ عن وهب بن منبه.\n(٤) في (د): (قومه).\n(٥) في (د): (ساكنًا)، وهذا نقله أبو الليث أيضًا ٢/ ١٤٦ بلفظ: (... على أهله ونفسه، ويقال كان اسمه شاكرًا).\n(٦) قال السمين الحلبي في «عمدة الحفاظ» ٤/ ٢٦٥: (الصحيح أنه غير مشتق لعجمته، وإنما صرف لخفته).\n(٧) قوله: (وقيل أبين لكم أن لا تعبدوا) ساقط من (أ).\n(٨) في (أ): (لقولهم).\n(٩) في (ب): (خلافًا للطيور والبهائم)، وفي (د): (والصدق).\n(١٠) في (أ) و(ب) كأن رسمها (الأفضل)، والمثبت من (د)، والمقصود: أفعل التفضيل، والله أعلم، حيث يقول الكرماني في كتابه الآخر: «غرائب التفسير» ١/ ٥٠٣: (لأن أفعل يقتضي المشاركة أولًا ثم الزيادة، ولم يقصدوا هذا المعنى)، وقد نقل كلام علي بن عيسى الرماني كذلك.","vol":"1","page":737},{"text":"ومعنى أراذلنا: أخساؤنا الذين لا شرف لهم ولا مال.\n﴿بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ قرئ بالهمز، أي: أول الرأي، وقرئ بالياء، أي: ظاهر الرأي، وكلاهما قريب، لأن الشيء إذا بدا ظهر (١).\nوفي الرأي قولان:\nأحدهما: من الرؤية، كقوله ﴿رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ [آل عمران: ١٣].\nوالثاني: من التفكر، وهذا أظهر (٢).\nوفي انتصابه ثلاثة أقوال:\nأحدها: أنه نصب على المصدر، وهو قول ابن عيسى (٣).\nوالثاني: على الظرف، وهو قول أبي علي في الحجة (٤)، وإنما حمله على الظرف وليس بزمان ولا مكان: لأن (في) مقدر عنده (٥)، أي: في ظاهر الأمر (٦) وفي أول الأمر.\nوالثالث: الحال، وهو حال عن نوح ﵇، ومن جعله لنوح فنصبه على النداء أولى، وفي تقديره ثلاثة أوجه:\nأحدها: ما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا أول رأينا وظاهر رأينا، فالرأي من رؤية العين، وهو نصب على المصدر كما تقول: ضربته أول الضرب.\nابن عيسى: أول ما نراهم نزدريهم (٧).\nوالثاني: اتبعك الأراذل أول رأيهم وظاهر رأيهم، أي: من غير تفكر ولا رأي سديد وهم يرجعون عنك عند التفكر والتدبر.\nوالثالث: اتبعوك ظاهر رأي، فيكون حالًا عن نوح، وهو ما قلتُ (٨) إن النداء أولى به، عنوا: يا بادي الرأي، أي: ما في (٩) نفسك من الرأي ظاهر لكل\n_________\n(١) قال ابن مهران في «المبسوط» (ص ٢٠٣): (قرأ أبو عمرو ونصيرٌ عن الكسائي (بادِئَ الرأي) بالهمز، وقرأ الباقون من العشرة (بادِي) بغير همز.\n(٢) في (ب): (وهو أظهر).\n(٣) ذكره المنتجب الهمداني في «الفريد» ٣/ ٤٥٨ ولم ينسبه لأحد معين.\n(٤) انظر: «الحجة» لأبي علي الفارسي ٤/ ٣١٨ - ٣١٩.\n(٥) في (د): (معه).\n(٦) في (ب): (الرأي).\n(٧) نقله الكرماني في كتابه «غرائب التفسير» ١/ ٥٠٤ ولم ينسبه لأحد معين.\n(٨) في (ب): (قلنا).\n(٩) سقطت (في) من (د).","vol":"1","page":738},{"text":"أحد، قالوه تعجيزًا له.\n﴿وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ﴾ عنوا نوحًا وأتباعه، أي: ليس لكم علينا زيادة في مالٍ ولا نسب ولا دين.\n﴿بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ (٢٧)﴾ أي: نوحًا في دعواه وأنتم في تصديقكم إياه.\n﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ ثقة.\nابن عيسى: حجة (١).\n﴿وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ﴾ النبوة والرسالة.\n(فَعَمِيَتْ عَلَيْكم) خفيت، وكذلك (عمّيت) بالتشديد (٢)، أي: أعماها الله وأخفاها عليكم.\nابن عيسى: هو من المقلوب، أي: فعميتم عنها، كما تقول: أدخلت الخاتم في الأصبع (٣).\n﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا﴾ أي: البينة والرحمة، أي: لانلزمكم (٤) ذلك ﴿وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ (٢٨)﴾ لا تريدونها، وقبولكم لها لا يصح مع الكراهة.\nمقاتل: لو استطاع نبي الله لألزمها قومه، ولكن لم يملك ذلك (٥).\n﴿وَيَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ على تبليغ الرسالة، كناية عن غير مذكور (٦) ﴿مَالًا﴾\n_________\n(١) نقله الماوردي ٢/ ٤٦٥ عن علي بن عيسى الرماني.\n(٢) قرأ عاصم في رواية حفص، وحمزة والكسائي وخلف (فَعُمِّيَتْ) بضم العين وتشديد الميم، وقرأ باقي العشرة (فَعَمِيَتْ) بفتح العين وتخفيف الميم. انظر: «المبسوط» لابن مهران (ص ٢٠٣).\n(٣) نقله الكرماني في كتابه الآخر «غرائب التفسير» ١/ ٥٠٤، وقال الثعلبي (ص ٤٦ - رسالة جامعية): (وإنما يدخل الإصبع في الخاتم).\n(٤) في (ب): (لا يلزمكم).\n(٥) أخرجه الطبري ١٢/ ٣٨٣، وابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٢٣.\n(٦) من هنا سقطت ورقة من نسخة (د)، وقابلت النص على النسختين الباقيتين (أ) و(ب)، وينتهي السقط عند قول المصنف الآتي: (فلا تبتئس بما كانوا يفعلون) قيل هذا ...).","vol":"1","page":739},{"text":"جُعْلًا ﴿إِنْ أَجْرِيَ﴾ ثوابي ﴿إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ جواب لهم حين سألوا طردهم ليؤمنوا به أَنَفَةً من المجالسة معهم ﴿إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ يقرون بالبعث والنشور، وقيل: ملاقوا ربهم فيخاصمونني عند الله.\n﴿وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (٢٩)﴾ أي: في سؤالكم طردهم وكفركم بآيات الله وتجهلون أن هؤلاء خير منكم لإيمانهم.\n﴿وَيَاقَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ﴾ من عذاب الله ﴿إِنْ طَرَدْتُهُمْ﴾ أبعدتهم ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٣٠)﴾ ألا تراجعون عقولكم فتعرفوا الصواب.\n﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ﴾ خزائن أمواله فأعطيكم على الإيمان.\nوقيل: خزائن المطر فأسوقها إليكم.\nوقيل: مفاتح الغيب.\n﴿وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ هو ما غاب عن الإدراك، فأخبركم به، وهو عطف على القول لا المقول (١).\n﴿وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ﴾ جواب لقولهم: ﴿مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا﴾ [هود: ٢٧].\nوالمعنى: لست أَدَّعي ما ليسَ فِيّ.\n﴿وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ﴾ يعني مَنْ آمن معه.\nومعنى ﴿تَزْدَرِي﴾: تحتقر، والازدراء: افتعال من قولهم: زريت على الشيء: إذا عبته، وأزريت عليه (٢): إذا قصرت به.\n﴿لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا﴾ توفيقًا وايمانًا، جواب لقولهم: اتبعوك في ظاهر الرأي\n_________\n(١) فالتقدير كما قال المنتجب الهمداني في «الفريد» ٣/ ٤٦١: (ولا أقول لكم عندي خزائن الله، ولا أقول أنا أعلم الغيب).\n(٢) في (ب): (به).","vol":"1","page":740},{"text":"وباطنهم على خلاف ذلك.\n﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ من الخير والشر، لست مأخوذًا به.\n﴿إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٣١)﴾ إن قلت من هذه شيئا.\n﴿قَالُوا يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا﴾ خاصمتنا، والجدال: فتل (١) الخصم عن رأيه بالحجاج (٢).\nالكلبي: دعوتنا (٣).\nوقيل: وعظتنا.\n﴿فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا﴾ أتيت بأنواع الجدال وفنونه.\nوقيل: أطلت الجدال.\nالكلبي: فأكثرت الدعوة (٤).\nوقيل: فأكثرت الوعظ فما صحت لنا دعواك.\n﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾ من العذاب ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣٢)﴾ في وعيدك.\n﴿قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ أي: العذاب ﴿إِنْ شَاءَ﴾ عاجلًا أو آجلًا.\n﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٣٣)﴾ لم تقدروا على الهرب منه.\nوقيل: لا تفوتون.\n﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي﴾ دعائي ﴿إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ يضلكم، أي: إرادة الله فوق كل إرادة.\nوهذا شرط دخل على شرط فيكون الثاني مقدمًا في الحكم، تقديره: إن كان الله\n_________\n(١) الفتل: بمعنى الصرف. انظر: «اللسان» (فتل).\n(٢) في (ب): (بالجدال).\n(٣) ذكره أبو الليث السمرقندي ٢/ ١٤٨ عن الكلبي، وله بقية سيأتي بها المصنف قريبًا.\n(٤) ذكره أبو الليث السمرقندي ٢/ ١٤٨ كما ذكرت في الهامش السابق.","vol":"1","page":741},{"text":"يريد أن يغويكم لا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم.\n﴿هُوَ رَبُّكُمْ﴾ خالقكم، فيتصرف فيكم على قضية إرادته.\n﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٣٤)﴾ بالموت والبعث فيجازيكم على أعمالكم.\n﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ يعني ما أخبر به محمد -ﷺ-.\n﴿قُلْ﴾ يا محمد ﴿إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي﴾ وبال جرمي وجزاؤه دونكم.\nتقول: أجرم الرجل: إذا أذنب، والاسم: الجرم والذنب.\n﴿وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ (٣٥)﴾ وليس علي من إجرامكم شيء.\nوعن ابن عباس ﵄: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ يعني: نوحًا ﵇ (١)، فيحتاج إلى إضمار، أي: فقلنا لنوح ﴿قُلْ (٢) إِنِ افْتَرَيْتُهُ﴾، والأول أظهر وأنه اعتراض في خلال قصة نوح ﵇.\n﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ آيسه الله من إيمان قومه فدعا عليهم وقال: ﴿لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ (٣) [نوح: ٢٦].\n﴿فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦)﴾ قيل: هذا خطاب له بعد الدعاء، لأنه لما دعا عليهم حزن واغتم.\nوقيل: متصل بالأولى (٤).\n_________\n(١) ذكره ابن حبيب في تفسيره (ق ١٠٦ ب)، وقال القرطبي ١١/ ١٠٧: (وقال ابن عباس: هو من محاورة نوحٍ لقومه. وهو أظهر، لأنه ليس قبله ولا بعده إلا ذكر نوح وقومه، فالخطاب منهم ولهم)، بينما ذهب الطبري ١٢/ ٣٨٩ وابن كثير ٧/ ٤٣٣ إلى أنه خطاب لمحمد -ﷺ-.\n(٢) سقطت (قل) من (أ).\n(٣) هنا ينتهي السقط الذي كان في (د) بمقدار ورقة، وتبدأ النسخة بقوله تعالى (فلا تبتئس) الآية.\n(٤) يعني - والله أعلم- أن حزنه راجع إلى أنه لن يؤمن من قومك إلاّ من قد آمن، ويكون قصد الكرماني بالأولى: الآية الأولى، وليست الثانية التي هي الدعاء عليهم.","vol":"1","page":742},{"text":"والابتئاس (١): افتعال من البؤس، والبؤس: الحزن، والبؤس: الفقر أيضًا، والبأس: الشدة.\nابن عيسى: الابتئاس: الحزن في استكانة (٢).\n﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ﴾ واعمل السفينة ﴿بِأَعْيُنِنَا﴾ بحيث نراها، والعين عبارة (٣) عن الرؤية.\nوقيل: بعلمنا وحفظنا.\nوقيل: بأعين أوليائنا، يعني الملائكة.\nوقيل: جمع عين الماء، وفيه بعد (٤).\n﴿وَوَحْيِنَا﴾ على ما أوحينا إليك من صفتها.\nابن عباس ﵄: لم يعلم كيف صَنْعَةُ الفلك، فأوحى الله إليه أن (٥) اصنعه مثل جؤجؤ (٦) الطائر (٧).\nوقيل: أوحينا (٨) إليك أن اصنعها.\n﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ لا تراجعني فيهم (٩) ﴿إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٣٧)﴾.\n_________\n(١) من هنا وإلى قوله (ابن عيسى) سقط من نسخة (ب)، ولعل السبب هو انتقال البصر بسبب ورود كلمة (الابتئاس) في الموطنين.\n(٢) نقله الماوردي ٢/ ٤٦٩ دون نسبته لأحد معين.\n(٣) تكررت كلمة (عبارة) في (ب).\n(٤) وفي الآية إثبات صفة العين لله تعالى على ما يليق به سبحانه من غير تمثيل ولا تكييف.\nانظر: «نقض الإمام الدارمي على المريسي» (ص ٨٢٧ - ٨٣١)، و«معارج الصعود إلى تفسير سورة هود» للشيخ الشنقيطي (ص ١١٣ - ١١٤).\n(٥) في (أ): (أي).\n(٦) يعني صدر الطائر، كما في «النهاية» لابن الأثير (ص ١٣١) (جأث).\n(٧) أخرجه الطبري ١٢/ ٣٩٢ وابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٢٥ عن ابن عباس ﵄.\n(٨) في (د): (بوحينا).\n(٩) سقط قوله (لا تراجعني فيهم) من (د).","vol":"1","page":743},{"text":"وقيل: المراد بقوله ﴿فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ واعلة زوجته وكنعان ابنه.\n﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ﴾ حكاية حال.\nوجاء في التفسير: أن الله أمره بغرس الأشجار، فغرسها حتى أدركت وكانت أشجار ساج فقطعها حتى يبست ثم اتخذ منها السفينة واستأجر أجراء ينحتون معه (١).\nالحسن: كان طولها ألف ذراع ومائتي ذراع وعرضها ستمائة ذراع (٢).\nوقيل: كان طولها ثلاثمائة ذراع وعرضها خمسون ذراعًا وارتفاعها ثلاثون ذراعًا وبابها في عرضها (٣).\nابن عباس ﵄: كانت (٤) ثلاث طبقات، طبقة للناس وهي العليا منها، وطبقة للطير، وطبقة للدواب والوحش (٥).\nوهب: تمت في مائة سنة (٦).\nوقيل: في أربعمائة سنة (٧).\n﴿وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ﴾ استهزؤا به (٨) وقالوا: يا نوح صرت نجارًا بعد النبوة، وإنما سخروا لأنه كان يعملها في البر ولا ماء هناك يحمل مثلها.\nوقيل: لم يكونوا رأوا سفينة قبلها وكانوا (٩) يتضاحكون ويتعجبون من عمله لها.\n﴿قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (٣٨)﴾.\n_________\n(١) انظر: الثعلبي (ص ٥٢ - رسالة جامعية)، وابن كثير ٧/ ٤٣٤، والقرطبي ١١/ ١١١.\n(٢) أخرجه الطبري ١٢/ ٣٩٥، وابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٢٥.\n(٣) هذا مروي عن قتادة عند الطبري ١٢/ ٣٩٤.\n(٤) في (د): (كان).\n(٥) ذكره البغوي ٢/ ٤٠٠ عن ابن عباس ﵄.\n(٦) ذكره أبو الليث السمرقندي في تفسيره ٢/ ١٤٩ عن وهب بن منبه.\n(٧) قال أبو حيان ٥/ ٢٢٢: (واختلفوا في هيئتها من التربيع والطول، وفي مقدار مدة عملها، وفي المكان الذي عملت فيه، ومقدار طولها، وعرضها، على أقوال متعارضة لم يصح منها شيء).\n(٨) في (ب): (منه).\n(٩) في (د): (فكانوا).","vol":"1","page":744},{"text":"قيل: نجازيكم (١) على سخريتكم.\nالزجاج: إن تستجهلونا (٢) فإنا نستجهلكم كما تستجهلون (٣).\nوقيل: إنا نسخر منكم عند الغرق.\n﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾ يهلكه ويفضحه ﴿وَيَحِلُّ عَلَيْهِ﴾ وينزل عليه ﴿عَذَابٌ مُقِيمٌ (٣٩)﴾ دائم عليهم.\nو﴿مَنْ﴾ بمعنى: الذي، ومحله نصب.\nوقيل: استفهام، ومحله رفع.\n﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا﴾ بالعذاب ﴿وَفَارَ﴾ ابن عباس: نبع الماء (٤).\nغيره: ارتفع، من: فارت القدر تفور فورًا وفورانًا.\n﴿التَّنُّورُ﴾ ابن عباس في جماعة: ﴿التَّنُّورُ﴾ (٥): وجه الأرض (٦).\nوعن علي ﵁: ﴿التَّنُّورُ﴾: طلوع (٧) الفجر (٨).\nقتادة: ﴿التَّنُّورُ﴾: أشرف موضع في الأرض وأعلى مكان فيها (٩).\nوالأكثر على أنه: تنور (١٠) الخبز، وكان ذلك علامةً لمجيء العذاب.\nواختلف في موضعه:\nفقيل: كان (١١) في الكوفة في موضع مسجدها.\nوقيل: كان في الهند.\nوقيل: بعين وردة من أرض الجزيرة.\nوقيل: ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ كناية عن اشتدد الأمر وصعوبته، كما يقال: حمي الوطيس: إذا اشتدت الحرب.\nوالتنور: معرب (١٢).\n_________\n(٢) تحتمل في النسخ (نجاريكم) بالراء.\n(٣) في (ب): (تستجهلو منا).\n(٤) انظر: «معاني القرآن» للزجاج ٣/ ٥٠.\n(٥) أخرجه الطبري ١٢/ ٤٠٦، وابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٢٨.\n(٦) كلمة (التنور) الثانية هذه لم ترد في (ب).\n(٧) أخرجه سعيد بن منصور (١٠٨٧ - قسم التفسير)، والطبري ١٢/ ٤٠١ - ٤٠٢، وابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٢٩.\n(٨) في (د): (هو طلوع الفجر).\n(٩) أخرجه الطبري ١٢/ ٤٠٣، وابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٢٨.\n(١٠) أخرجه الطبري ١٢/ ٤٠٤، وابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٢٩.\n(١١) في (د): (تنوره).\n(١٢) سقطت (كان) من (د).\n(١٣) وقاله الأزهري أيضًا في «تهذيب اللغة» ٤/ ٢٦٩ - ٢٧٠.","vol":"1","page":745},{"text":"﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا﴾ في السفينة ﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ الزوج: الفرد، من قوله: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الأنعام: ١٤٣]، والزوج أيضًا: اثنان مما لا يتباينان في الأكثر، كزوج نَعْل وزوج حمام، والزوج: الصنف (١) أيضًا، من قوله: ﴿مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥)﴾ [الحج: ٥] أي: من كل صنفين ذكر وأنثى (٢) اثنين، فيكون ﴿اثْنَيْنِ﴾ مفعول ﴿احْمِلْ﴾، ومن نوّن (٣) فالمعنى: من كل حيوان فردين ذكر وأنثى، فـ ﴿زَوْجَيْنِ﴾ المفعول و﴿اثْنَيْنِ﴾ تأكيد (٤).\n﴿وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ تقدم (٥) قولي لك لا تخاطبني فيه، وهو: امرأته وابنه.\nوقيل: إلا من سبق عليه (٦) القول فيهم فإنهم مهلكون (٧)، وهم الكفار.\nوقيل: القول هاهنا: الوعيد.\nوقيل: ﴿وَأَهْلَكَ﴾ هاهنا: فعل ماض، أي: أهلك الله إلا من سبق عليه القول بالنجاة، وهم: المؤمنون منهم.\nوالقول: هو الأول، لأن من سبق عليه القول يستعمل في الوعيد دون الوعد.\n﴿وَمَنْ آمَنَ﴾ أي: واحمل من آمن.\n﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ (٤٠)﴾ قيل: ثمانون من رجل وامرأة.\nوقيل: لم يكن في السفينة إلا نوح وامرأته (٨) وثلاثة من بنيه ونساؤهم، فجميعهم ثمانية.\nوقيل: سبعة.\nوأسماء بنيه: يافث وسام وحام، وأصاب حام امرأته في السفينة فدعا نوح أن يغير نطفته، فجاء بالسودان (٩).\n_________\n(١) سقطت كلمة (الصنف).\n(٢) حصل سقط في (ب) حيث جاء النص فيها كالتالي: (... ذكر وأنثى فزوجين المفعول واثنين).\n(٣) هي قراءة حفص عن عاصم كما في «المبسوط» لابن مهران (ص ٢٠٣)، وقرأ باقي العشرة (من كلِّ زوجين) غير منون.\n(٤) سقطت كلمة (تأكيد) من (ب).\n(٥) في (ب): (تقديره).\n(٦) سقطت (عليه) من (ب).\n(٧) في (د): (بأنهم يهلكون).\n(٨) قال ابن كثير ٧/ ٤٣٨: (هذا فيه نظر، بل الظاهر أنها هلكت، لأنها كانت على دين قومها، فأصابها ما أصابهم، كما أصاب امرأة لوط ما أصاب قومها، والله أعلم وأحكم).\nبينما قال القرطبي ١١/ ١١٧: (زوجته غير التي عوقبت).\n(٩) هذا أحد الأقوال في المسألة، والظاهر أن السبب في ذلك هو ما رواه أبو داود (٤٦٩٣) والترمذي (٢٩٥٥) وغيرهم عن النبي -ﷺ-: (إن الله تعالى خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، فجاء منهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك، والسَّهْلُ والحَزْنُ والخبيث والطيب)، وصححه الترمذي والألباني.","vol":"1","page":746},{"text":"وروى المفسرون عن ابن عباس ﵄ قال: قال الحواريون لعيسى ﵇: لو بعثت لنا رجلًا شهد السفينة فحدثنا عنها (١)، فانطلق بهم حتى انتهى إلى (٢) كثيبٍ من تراب، فأخذ كفًاّ من ذلك التراب بكفه، قال: أتدرون ماهذا، قالوا (٣): الله ورسوله أعلم، قال: هذا كعب حام (٤) بن نوح، قال: فضرب الكثيب بعصاه، فقال (٥): قم بإذن الله، فإذا هو قائم ينفض التراب عن رأسه قد شاب، قال (٦) له عيسى: هكذا هلكت، قال: لا، متُّ وأنا شاب، ولكني ظننت أنها الساعة فمن ثَمَّ شِبْتُ، قال: حدثنا عن سفينة نوح، قال: كان طولها ألف ذراع ومائتي ذراع وعرضها ستمائة ذراع وكانت (٧) ثلاث طبقات: فطبقة فيها الدواب والوحش، وطبقة فيها الإنس، وطبقة فيها الطير (٨)، فلما كثرتْ أرواث الدواب أوحى الله إلى نوح أن اغمز ذنب الفيل، فغمز فوقع منه خنزير وخنزيرة فأقبلا على الروث، فلما وقع الفأر في السفينة جعل يقرضها وحبالها، وذلك أن الفأر توالدت في السفينة أوحى الله إلى نوح أن اضرب بين عيني الأسد، فضرب فخرج من منخره سنور وسنورة، فأقبلا على الفأر (٩)، فقال له عيسى: كيف علم نوح أن البلاد قد غرقت، قال: بعث الغراب ليأتيه (١٠) بالخبر، فوجد جيفة فوقع عليها، فدعا عليه بالخوف، فلذلك لا يألف البيوت، ثم بعث حمامة فجاءت بورق زيتون بمنقارها وطين برجليها، فعلم أن البلاد قد غرقت، قال: فطوقها الحلقة (١١) التي في عنقها ودعا لها أن تكون في إنْسٍ وأَمَان، فمن ثَمَّ يألف البيوت، قال: فقالوا: يا رسول الله: ألا تنطلق به إلى أهلنا فيجلس معنا ويحدثنا، قال: كيف يتبعكم من لا رزق له، قال: فقال له: عد بإذن الله، فعاد ترابًا (١٢).\n﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا﴾ أي: صيروا فيها، وجعل ذلك ركوبًا لأنها تجري جري المركوب من الدواب، وقال ﴿فِيهَا﴾: لاستقرارهم (١٣) فيها، فلما ركبها نوح وأصحابه أرسل الله السماء عليهم مدرارًا وفجر الأرض عيونًا والتقى الماآن حتى غرق الجبال ومن عليها.\n_________\n(١) في (ب): (بها).\n(٢) في (ب): (من).\n(٣) في (ب): (قال).\n(٤) في (أ): (سام).\n(٥) في (أ): (وقال).\n(٦) في (د): (وقد شاب فقال ...).\n(٧) في (أ): (وكان).\n(٨) في (أ): (للإنس وطبقة فيها للطير).\n(٩) في (أ): (الفأرة).\n(١٠) في (د): (يأتيه).\n(١١) في (د): (الخضرة) وهكذا ورد عند الطبري ١٢/ ٣٩٦، وأثبت أعلاه ما ورد في (أ) و(ب).\n(١٢) أخرجه الطبري ١٢/ ٣٩٥ - ٣٩٦، وقال ابن كثير ٧/ ٤٣٥: أثر غريب، أقول: في إسناده عند الطبري: علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف الحديث.\n(١٣) في (ب): (لأن استقرارهم).","vol":"1","page":747},{"text":"﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ اركبوا باسم الله.\nوقيل (١): ابدؤا بسم الله.\nوقيل: ﴿مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ أي: إجراؤها وإرساؤها بالله، فهو مبتدأ وخبر.\nالضحاك: إذا أراد أن تجري قال: بسم الله، فجرت، وإذا أراد (٢) أن ترسو قال: بسم الله، فرست (٣).\nوالمجرى والمرسى صالحان للمصدر والزمان والمكان، وكذلك من (٤) قرأ\n﴿مَجْرَاهَا﴾ بالفتح (٥).\n﴿إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ﴾ لمن آمن منهم ﴿رَحِيمٌ (٤١)﴾ حين خلصهم.\n﴿وَهِيَ﴾ (٦) أي (٧): السفينة ﴿تَجْرِي بِهِمْ﴾ أي: وهم فيها ﴿فِي مَوْجٍ﴾ جمع موجة، كتمر وتمرة، والموج: حركة الماء الكثير بدخول الرياح الشديدة في خلاله\n﴿كَالْجِبَالِ﴾ في العظم ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾ كنعان، وقيل: اسمه يام.\nوجل المفسرين على أنه ابنه لصلبه (٨).\n_________\n(١) في (ب): (وقال).\n(٢) حصل سقط في (د) وجاء النص فيها كالتالي: (الضحاك إذا أراد أن ترسو ...).\n(٣) أخرجه الطبري ١٢/ ٤١٦، وابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٣٣.\n(٤) سقطت (من) من (د).\n(٥) قرأ عاصم في رواية حفص، وحمزة والكسائي وخلف (مَجراها) بفتح الميم وكسر الراء على الإمالة، وقرأ باقي العشرة (مُجراها) بضم الميم، ولم يختلفوا في ضم الميم من (مُرساها).\nانظر: «المبسوط» لابن مهران (ص ٢٠٤).\n(٦) سقط قوله (وهي) من (ب).\n(٧) سقطت (أي) من (د).\n(٨) منهم: ابن عباس وعكرمة وسعيد بن جبير والضحاك وميمون بن مهران وابن إسحاق ومقاتل والطبري والثعلبي وابن كثير وابن الجوزي.\nانظر: الطبري ١٢/ ٤٣٣، والثعلبي (ص ٧٧ - ٧٨ - رسالة جامعية) وابن كثير ٧/ ٤٤٥، وابن الجوزي ٤/ ١٤٤.","vol":"1","page":748},{"text":"وعن علي ﵁ أنه قال: لم يكن ابنه وإنما كان ابن امرأته، وكان يقرأ (ابنها) (١).\nوعن بعض القراء: (ابنه) بفتح الهاء، يريد ابنها، وهو شاذ (٢).\nوعن الحسن أيضًا: أنه ليس بابنه (٣).\nوروى عنه أيضًا أنه قال: كان لغير رِشْدَه (٤)، وهذا قول مرغوب عنه، لأن الله عصم أنبياءه من مثل هذا.\nوحمل المفسرون قوله ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم: ١٠]: على الدين لا على الفرج.\n﴿وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ﴾ عن أبيه وعن السفينة.\nوقيل: بمعزل عن دين أبيه.\nوالعزلة (٥): البعد.\n﴿يَابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا﴾ في السفينة ﴿وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ (٤٢)﴾ أي: أسلم واركب.\nوقيل: كان ينافق.\n﴿قَالَ سَآوِي﴾ سأصير ﴿إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾ يمنعني من الغرق.\nوالعصمة: المنع من الآفة.\n﴿قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾ فيه قولان:\nأحدهما: أنه استثناء منقطع، لأن من رحم معصوم، والمفعول ليس من جنس الفاعل، وتقديره: لكن من ﵀ معصوم، ومحل ﴿مِنْ﴾ نصب.\n_________\n(١) قوله (وكان يقرأ (ابنها» سقط من (ب).\nوانظر: «شواذ القراءات» لابن خالويه (ص ٦٠) فقد نسبها لعلي ﵁ أيضًا.\n(٢) ذكرها النحاس في «إعراب القرآن» ٢/ ٢٨٤، والقرطبي ١١/ ١٢٣، وأبو حيان ٥/ ٢٢٦، ونسبها السمين ٦/ ٣٢٩ لمحمد بن علي وعروة والزبير.\n(٣) أخرجه الطبري ١٢/ ٤٢٦، وابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٣٤.\n(٤) يعني أنه من الزنا، كما يظهر من «اللسان» (رشد).\nوهذا القول أخرجه عن الحسن: عبدالرزاق في «تفسيره» ١/ ٣٠٦، والطبري ١٢/ ٤٢٧ وقد تتابعت أقوال العلماء والمفسرين على ردّ هذا القول.\n(٥) في (أ): (والعزالة).","vol":"1","page":749},{"text":"والثاني: أن (١) الاستثناء صحيح، ومحل ﴿مَنْ﴾ رفع، وفي تقديره أربعة أوجه:\nأحدها: أن من رحم هو الله ﷿، أي: لا عاصم إلا الله.\nوالثاني: أن العاصم نوح، وقد دعاه إلى النجاة.\nوالثالث: أن المراد به: لا ذا عصمة إلا من ﵀، فإنه ذو عصمة.\nوالرابع: عاصم بمعنى معصوم، كـ ﴿عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٢١)﴾ [الحاقة: ٢١]، و﴿مَاءٍ دَافِقٍ (٦)﴾ [الطارق: ٦]، وناقةٌ راحلة، وسِرٌّ كاتم، وأمرٌ عارف، وتطليقةٌ بائنة، ويمينك آشرة، وما زيد بحازم الأمر، وهذا قول الكوفيين (٢).\n﴿وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ﴾ بين ابنه والجبل، وقيل: بين نوح وابنه.\n﴿فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (٤٣)﴾ أي: صار (٣) من المهلكين بالماء.\n﴿وَقِيلَ يَاأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ﴾ أدخلي (٤) الماء في أجزائك بسرعة شيئًا فشيئًا.\n﴿وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي﴾ يا سحاب (٥) أمسكي عن إنزال الماء (٦).\nوقيل: كانت المياه يومئذ تنزل من السماء (٧) وتنبع العيون من الأرض السابعة.\nتقول: أقلعت السماء: إذا ذهب مطرها، وأقلع عن الأمر: تركه (٨).\n﴿وَغِيضَ الْمَاءُ﴾ نقصه الله، وغاض: لازم ومتعد، والغيض: غيبة الماء في الأرض على وجه (٩) النشف.\n﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ فرغ من إهلاك (١٠) من هلك وإنجاء من نجا.\n﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ (١١) استقرت السفينة عليه.\nوالجودي: جبل معروف بناحية الموصل.\nوقيل: في جزيرة الشام.\nوقيل: بناحية آمل.\nوقيل: من وراء آمل (١٢).\nوقيل: اسم لكل جبل، حكاه الماوردي (١٣)، وهو سهو.\n_________\n(١) سقطت (أن) من (ب).\n(٢) انظر: الطبري ١٢/ ٤١٧ - ٤١٨، و«البسيط» للواحدي (ص ٢١٤ - ٢١٥ رسالة جامعية).\n(٣) سقطت (صار) من (ب).\n(٤) في (د): (أي أدخلي ...).\n(٥) في (ب): (ويا سحاب ...).\n(٦) في (د): (المياه).\n(٧) سقطت (السماء) من (ب).\n(٨) في (ب): (إذا تركه).\n(٩) في (ب): (جهة).\n(١٠) في (د): (هلاك).\n(١١) حصل سقط في (أ)، فكان الكلام فيها: (واستوت على الجودي جبل معروف ...).\n(١٢) في (ب): (وقيل من آمد)، وآمد: من أعظم مدن ديار بكر بجوار دجلة، بينما آمُل: هي أكبر مدينة بطبربستان.\nانظر: «معجم البلدان» لياقوت ١/ ٥٦ - ٥٧.\n(١٣) انظر: «النكت والعيون» للماوردي ٢/ ٤٧٤.","vol":"1","page":750},{"text":"﴿وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٤)﴾ أي: أبعدهم الله من الخير والرحمة، وهو نصب على المصدر، وهو من كلام الله لهم.\nوقيل: قال المؤمنون على وجه الدعاء عليهم.\nوجاء في الخبر أن نوحًا ﵇ ركب في السفينة في العاشر من رجب ونزل عنها في العاشر من المحرم (١).\nأجمع المعاندون على أن طوق البشر قاصر عن الإتيان بمثل هذه الآية بعد أن فتّشوا جميع كلام العرب والعجم فلم يجدوا مثلها في فخامة ألفاظها وحسن نظمها وجودة معانيها في تصوير الحال مع الإيجاز من غير إخلال.\n﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾ أي: دعا ربه فقال: يا رب (٢) إن ابني من أهلي الذين أمرتني بحملهم ووعدتني نجاتهم، وإن وعدك حق (٣) لا خلف فيه.\n﴿وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (٤٥)﴾ لا شطط في حكمك ولا ميل.\nقيل: سأل هذا حين صار عنه بمعزل.\nوقيل: سأل قبل أن عرف هلاكه.\nوقيل: سأل (٤) مغفرته بعد أن عرف هلاكه، وهذا أليق بالآية.\nوقيل (٥): ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ من زوجتي (٦)، حكاه الثعلبي (٧).\n﴿قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ لأنه كافر، والكفر (٨) يقطع الولاية بين المؤمن والكافر.\n_________\n(١) أخرجه الطبري ١٢/ ٤١٩ - ٤٢٠ مرفوعًا إلى النبي -ﷺ- وفي إسناده عبدالعزيز بن عبدالغفور كان يضع الحديث، ولذلك أورده السيوطي في «اللآلي المصنوعة في الأحاديث الموضوعة» ٢/ ١١٦ - ١١٧.\n(٢) في (ب): (أي رب)، وفي (د): (رب).\n(٣) في (د): (الحق).\n(٤) سقطت (سأل) من (ب).\n(٥) من هنا سقط في (ب) إلى قوله (وقيل ليس من أهل دينك).\n(٦) في (د): (من زوجي).\n(٧) يعني أنه كان ابن امرأته، وعزاه الثعلبي (ص ٧٧ - رسالة جامعية) إلى أبي جعفر الباقر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب.\n(٨) سقطت كلمة (والكفر) من (د).","vol":"1","page":751},{"text":"وقيل: ليس من أهل دينك.\nوقيل: ليس من أهل الذين وعدتك انجاءهم (١).\nالحسن: لغير رشده، وقد سبق (٢).\n﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ فيه قولان:\nأحدهما: أنه يعود إلى ابن نوح، أي: إنه ذو عمل غير صالح (٣) لكثرة وقوعه منه.\nوالثاني: إن سؤالك إياي تخليصه بعد كفره عمل غير صالح، أي: غير مرضي.\nوقيل: سؤالك تخليصه بعد قولك ﴿لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦)﴾ [نوح: ٢٦] عَمَلٌ غير صالح.\nومن قرأ (عَمِلَ غَيْرَ صالح) على الفعل فهو لابن نوح لا غير (٤).\n﴿فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ بجواز مسألته.\nوقيل: لا تعلم كونه صوابًا.\nوقيل: لا تعلم أنه جائز في حكمي.\n﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٤٦)﴾ بوعدي لك.\nوقيل: أعظك بمواعظي لئلا تكون من الجاهلين بما أمرتك به.\nوقيل: من الجاهلين فتظن أن لا أفي وعدي (٥).\nوقيل: من الجاهلين بنسبك، وهذا يشبه (٦) قول الحسن.\n_________\n(١) في (ب): (من أهلك الذين وعدتك أنجيهم).\n(٢) عند تفسيره لقوله تعالى: (ونادى نوح ابنه) آية (٤٢).\n(٣) انفردت (د) بزيادة هنا، وجاء النص فيها: (... غير صالح وهو كونه مع الكافرين ومخالفته إياه وقيل جعل عملًا غير صالح لكثرة وقوعه منه).\n(٤) وهي قراءة الكسائي ويعقوب من العشرة.\nانظر: «المبسوط» لابن مهران (ص ٢٠٤).\n(٥) في (د): (بوعدي).\nوهذا القول قال عنه ابن عطية ٧/ ٣١٥: (وهذا تأويل بشع، وليس في الألفاظ ما يقتضي أن نوحًا اعتقد هذا، وعياذًا بالله).\n(٦) سقطت كلمة (يشبه) من (ب).","vol":"1","page":752},{"text":"﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ﴾ أعتصم وأمتنع ﴿أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي﴾ ذنبي بسؤالي ﴿وَتَرْحَمْنِي﴾ بفضلك ﴿أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٤٧)﴾.\nوقوله: ﴿بِهِ عِلْمٌ﴾ الجار متعلق بمضمر دلّ عليه العلم، كقوله: ﴿وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (٢٠)﴾ [يوسف: ٢٠] وأخواته (١)، وأجاز أبو علي في الحجة أن يتعلق بالمضمر في الظرف، وهو الاستقرار، كما تقول: ليس لك فيه رضى (٢).\n﴿قِيلَ يَانُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا﴾ انزل من السفينة بسلامة وخلاص من المكاره، أي: سالمًا.\nوقيل: بتحية منا.\n﴿وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ﴾ وزيادات في نسلك حتى صار أبا البشر بعد آدم.\nوروي عن النبي -ﷺ- أنه قال: (سام بن نوح أبو العرب ويافث أبو الروم وحام أبو الحبش) (٣).\nولم يتصل من غيره ممن كان معه نسل، يقويه قوله: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (٧٧)﴾ [الصافات: ٧٧].\nوقيل: البركات هاهنا (٤): السعادة.\nوقيل: النعمة الباقية.\n_________\n(١) يعني الآيات التي تشبه هذه الآية، وهي منقولة عن كتاب «الحجة» لأبي علي الفارسي، وساق هناك عددا منها، كقوله تعالى: (وإني لكما لمن الناصحين) [الأعراف/٢١]، وقوله تعالى: (وأنا على ذلكم من الشاهدين) [الأنبياء/٥٦].\nانظر: «الحجة» لأبي علي الفارسي ٤/ ٣٤٣.\n(٢) قال السمين الحلبي ٦/ ٣٣٨ بعد أن حكى هذا القول عن الفارسي: (وفيه نظر).\n(٣) أخرجه الترمذي (٣٢٣١) وأحمد (٢٠٠٩٩) وضعفه الشيخ الألباني.\n(٤) في (ب): (البركات هنا).","vol":"1","page":753},{"text":"﴿وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ﴾ أي: وعلى أمم يلدون ممن معك، يريد أولاد أولادك ما تناسلوا، جعلهم قسمين، قسم دخل تحت السلام والبركات، وهم المؤمنون من ذريته إلى يوم القيامة، وقسم هو المذكور بقوله:\n﴿وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ﴾ أي: في الدنيا بالسعة في (١) الرزق والخفض في العيش.\n﴿ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤٨)﴾ أي: في القيامة، وهم الكفار من ذريته.\nوقيل (٢): سائر الحيوان (٣) داخل تحت البركات.\n﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ﴾ إشارة إلى قصة نوح وقومه.\nوقيل: إشارة إلى السفينة، أي: خبرها.\nومعنى ﴿مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ﴾ أي: غِبْتَ عنها.\n﴿نُوحِيهَا إِلَيْكَ﴾ ينزل بها جبريل عليك معجزة لك وصحة لنبوتك.\n﴿مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ﴾ أي: لم يكن هذا من علمك ولا من علم قومك\n﴿مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ قبل القرآن، وقيل: قبل هذا (٤) الوقت.\n﴿فَاصْبِرْ﴾ على أذى قومك كما صبر نوح ﴿إِنَّ الْعَاقِبَةَ﴾ النصر والظفر\n﴿لِلْمُتَّقِينَ (٤٩)﴾ للموحدين.\n﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ أي: وأرسلنا هودًا إلى عاد.\nوقيل: هو عطف على ما قبله، وسماه ﴿أَخَاهُمْ﴾ لأنه كان من نسبهم.\n_________\n(١) في (ب): (من الرزق).\n(٢) سقطت الواو من (د).\n(٣) في (أ): (الحيوانات).\n(٤) سقطت (هذا) من (ب).","vol":"1","page":754},{"text":"الزجاج: هو أخوهم من حيث إنه من ولد آدم وهم أولاده (١).\n﴿قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ أي: وحدوه ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ﴾ معبود ﴿غَيْرُهُ﴾ غير الله ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ (٥٠)﴾ كاذبون في إشراككم مع الله الأوثان.\n﴿يَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ على تبليغ الرسالة ﴿أَجْرًا﴾ جُعْلًا، وقيل: رزقًا.\n﴿إِنْ أَجْرِيَ﴾ ثوابي ورزقي ﴿إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي﴾ خلقني ولم أك شيئًا ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٥١)﴾ أفلا تستعملون عقولكم فتعرفوا الخطأ من الصواب (٢).\n﴿وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ أي: اطلبوا المغفرة وتوسلوا إليها بالتوبة.\nالفرآء: ﴿ثُمَّ﴾ بمعنى الواو، وقد سبق (٣).\nوقيل: ﴿اسْتَغْفِرُوا﴾: آمنوا ثم توبوا إليه من سالف ذنوبكم.\n﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ﴾ أي: المطر (٤) ﴿مِدْرَارًا﴾ دائمًا ساكبًا، وذلك أنفع ما يكون.\nوأصله من: دَرَّ اللبنُ: إذا نَزَل مُتتابعًا.\nوقيل: هو المطر في وقته.\nوقيل: كثير البركة.\nومفعال من بناء المبالغة، يستوي فيه المذكر (٥) والمؤنث.\n﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ شدة إلى شدتكم.\n_________\n(١) ذكره الزجاج في «معاني القرآن» ٣/ ٥٦.\n(٢) في (أ): (الصواب من الخطأ).\n(٣) سبق في أول هذه السورة عند قوله تعالى في الآية الثالثة: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ الآية.\n(٤) قوله (أي المطر) سقط من (ب).\n(٥) في (أ): (... فيه المذ والمؤنث).","vol":"1","page":755},{"text":"وقيل: عزًا إلى عزكم بكثرة عددكم وأموالكم.\nعكرمة: ولد الولد (١).\nوذلك أن الله حبس عنهم (٢) القطر وأعقم أرحام نسائهم ثلاث سنين، فوعدهم هود ﵇ المطر والأولاد على الإيمان والاستغفار والتوبة.\n﴿وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (٥٢)﴾ مشركين.\n﴿قَالُوا يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ﴾ برهان وحجة ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ﴾ أي: لانترك عبادة آلهتنا عن جهة قولك، كما تقول: جئته عن يمينه.\n﴿وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (٥٣)﴾ بمصدقين.\n﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ﴾ أي: ما نقول فيك إلا قولنا: ﴿اعْتَرَاكَ﴾: أصابك.\n﴿بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾ بجنون وخبل بسبب سبّك إياها، فصرت تتكلم بما نسمع.\n﴿قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ﴾ أني برئ من آلهتكم التي تخوفونني بها.\nوقيل: معناه: أني برئ (٣) من الأصنام، فسموني ما شئتم.\n﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا﴾ يريد: أنتم وآلهتكم، أي: احتالوا في هلاكي.\n﴿ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (٥٥)﴾ (٤) ولا تؤخروني فإني على ثقة من ربي ولا تقدرون على إساءتي.\n﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ﴾ فوضت أمري إلىه (٥) ﴿رَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾ خالقي وخالقكم ﴿مَا\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٤٥، وزاد السيوطي ٨/ ٨٥ نسبته لأبي الشيخ.\n(٢) في (ب): (عنه).\n(٣) سقطت كلمة (برئ) من (د).\n(٤) سقطت الواو الأولى الواردة في قوله (ولا تؤخروني) من نسخة (د).\n(٥) في (ب): (... أمري إلى الله).","vol":"1","page":756},{"text":"مِنْ دَابَّةٍ﴾ حيوان يدب (إلا هو آخذ بناصيتها) أي: هو (١) مقتدر عليه متمكن من تصريفه (٢) فيما يريد.\nوالناصية: شعر مقدم الرأس.\nوقيل: قُصاصُ الشعر.\nوقيل (٣): ﴿آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ يحييها ويميتها.\nوقيل: يقهرها، لأن من أخذت ناصيته فقد قهر، ومنه: ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (١٥)﴾ [العلق: ١٥]، و﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ (٤١)﴾ [الرحمن: ٤١].\n﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦)﴾ يثيب المحسن ويعاقب المسيء.\nوقيل: هو (٤) كقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (١٤)﴾ [الفجر: ١٤].\nوقيل: يحملكم على صراط مستقيم، وهو الإسلام.\n﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ تعرضوا ولم تؤمنوا ﴿فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ﴾ من الإعذار والإنذار.\n﴿وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ إن لم تؤمنوا أقام خلفاء يكونون سكان الأرض بعدكم.\n﴿وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا﴾ لا يضره إهلاككم وكفركم.\n﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (٥٧)﴾ أي: مستول عليه.\nوقيل: لكل شيء حافظ.\nوقيل: يحفظ أعمال العباد ليجازى عليها.\n_________\n(١) سقط قوله (أي هو) من (أ).\n(٢) في (د): (تصرفه).\n(٣) سقط قوله (وقيل) من (ب).\n(٤) سقطت (هو) من (د).","vol":"1","page":757},{"text":"وقيل: معناه يحفظني منكم.\nوهذه الآية من كلام هود لعاد.\nوقيل: استئناف، أي: قل يا محمد لأمتك: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ الآية.\n﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا﴾ أي: عذابنا.\nوقيل: أمرنا بعذاب عاد.\n﴿نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا﴾ جاء في التفسير أنهم كانوا أربعة آلاف (١).\n﴿وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (٥٨)﴾ وهو الريح التي أهلكت عاد بها.\nوقيل: هو عذاب يوم القيامة.\n﴿وَتِلْكَ عَادٌ﴾ قبيلة عاد ﴿جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ أنكروها ﴿وَعَصَوْا رُسُلَهُ﴾ هودًا، أي: كفروا به، وجَمَعَ لأن الكفر بواحدٍ منهم كفر بالجميع ﴿وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ﴾ كافر قهار يجبر غيره على ما يريد.\nوباب فَعَّال: فَعَلَ، وقد جاء من أَفْعَل: أجبر فهو جبّار، وأدرك فهو درّاك.\nوالجبار في حق الله: من الجبر، وهو الإصلاح، ويجوز أن يكون: من أجبر أيضًا (٢).\n﴿عَنِيدٍ (٥٩)﴾ طاغ باغ.\nتقول: عَنَدَ عَنَدًَا وعَنْدًَا وعُنُودًا (٣): إذا تجبر وطغى، وعَنَدَ عن الحق: مال.\n_________\n(١) انظر: الثعلبي (ص ٨٨ - رسالة جامعية)، والقرطبي ١١/ ١٤٦ وقال: (وقيل ثلاثة آلاف).\n(٢) قال الإمام الطبري عند تفسيره للآية (٢٢) من سورة المائدة ٨/ ٢٨٩ (قالوا يا موسى إن فيها قومًا جبارين): (ومن أسماء الله تعالى ذكره الجبار، لأنه المصلحُ أمر عباده، القاهر لهم بقدرته).\n(٣) في (د): (أي إذا تجبر ...).","vol":"1","page":758},{"text":"وقيل: هو فعيل من لفظ عندي كان فيه معنى الإعجاب وحسن الظن بنفسه وما عنده.\nوالمعنى: عصوا من في طاعته سعادتهم وأطاعوا من في طاعته شقاوتهم.\n﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً﴾ أي: بعد هلاكهم تلعنهم الملائكة والمؤمنون.\n﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ يجوز أن تكون عطفًا على محل (١) ﴿فِي هَذِهِ الدُّنْيَا﴾، كقول الشاعر (٢):\nإذا ماتلاقينا من اليوم أو غدا.\nويجوز أيضًا (٣): أن يكون تقديره: ولعنة يوم القيامة، فحذف المضاف (٤)، أي: ويلعنون أيضًا يوم القيامة.\n﴿أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾ ﴿أَلَا﴾: يذكر قبل الكلام يعظم موقعه، ﴿كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾ أي: كفروا بربهم، فحذف الجار، وقيل: كفروا نعمة ربهم.\n﴿أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ (٦٠)﴾ أي: أبعدهم بعدًا، كقوله: ﴿أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧)﴾ [نوح: ١٧]، ويحتمل: أبعدهم فبعدوا بعدًا.\n﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ وأرسلنا صالحًا إلى ثمود، وكانت منازل ثمود بوادي القرى بين المدينة والشام، ومنازل عاد كانت باليمن.\n﴿قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ وحده وأطيعوه.\n﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ﴾ خلقكم من غير استعانة بشيء من الأسباب.\n_________\n(١) في (ب): (على كل).\n(٢) هو كعب بن جُعيل كما في «الكتاب» لسيبويه ١/ ٦٨، وأوله: ألا حَىَّ ندماني عمير بن عامر.\n(٣) سقطت (أيضًا) من (د).\n(٤) في (د): (فحذف أيضًا المضاف).","vol":"1","page":759},{"text":"﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾ يريد آدم أبا البشر وولده تبع له.\nوقيل: أنشأكم في الأرض.\nوقيل: أنشأكم بنبات الأرض، حكاه الماوردي (١).\n﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ أعاشكم، من: العمر، فيكون استعمر وأعمر بمعنىً، نحو: استحياه وأحياه: إذا تركه حيًا، ومثل ذلك: استغواه وأغواه، واستهلكه وأهلكه.\nوقيل: من العمارة، أي: أقدركم على العمارة وجعلكم عمارها.\nمجاهد: من العُمْرَى (٢)، تقول: أعمرت فلانًا دارًا: إذا (٣) جعلتها له عمره.\n﴿فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ سبقت (٤).\n﴿إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ﴾ لراجيه ﴿مُجِيبٌ (٦١)﴾ لداعيه.\nابن عيسى: قريب هاهنا: من الإسراع لا من قرب المكان، أي: سريع الإجابة (٥).\n﴿قَالُوا يَاصَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا﴾ لما كنت عليه من العقل والرأي والعفة والسداد وكنا نرجوا أن تكون لنا سيدًا.\nوقيل: كنا نرجوا أن تعود إلى ما نحن (٦) عليه، لأنه كان يخالفهم في عبادة\n_________\n(١) انظر: «النكت والعيون» للماوردي ٢/ ٤٧٨.\n(٢) في (ب): (العمرة). وأثر مجاهد: أخرجه آدم في «تفسير مجاهد» (ص ٣٨٩)، والطبري ١٢/ ٤٥٣، وابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٤٨.\n(٣) في (أ): (داري)، وسقطت (إذا) من (ب).\n(٤) في (ب): (سبق)، ولعله يقصد الآية (٣) أو الآية (٥٢) من نفس السورة.\n(٥) القريب: من أسماء الله تعالى، والتقرب أو القرب والدُّنو من صفات الله الفعلية الاختيارية، ثابتة له بالكتاب والسنة كما يليق بجلاله وعظمته، من غير تأويل ولا تمثيل.\nانظر: «صفات الله ﷿» لعلوي السقاف (ص ٧٥ - ٧٧).\n(٦) في (ب): (ما كنا).","vol":"1","page":760},{"text":"الأصنام ولا ينهاهم عنها قبل هذا (١) اليوم.\nالماوردي: من الإرجاء، وهو سهو (٢).\n﴿أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ يريد الأصنام ﴿وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ﴾ تهمة وحيرة\n﴿مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ﴾ يعنون عبادة الله وتوحيده ﴿مُرِيبٍ (٦٢)﴾ موقع في (٣) التهمة موجب لها.\n﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ﴾ أعلمتم، وهو هاهنا معلق، لأن باب الظن يعلق عن (٤) الشرط كما يعلق عن الاستفهام واللام وما النفي (٥).\n﴿إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ بيان وبصيرة ﴿وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً﴾ نبوة ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ﴾ أي: من يعينني على الله ويمنعني من عذابه ﴿إِنْ عَصَيْتُهُ﴾ في تبليغ رسالته ومنعكم عن عبادة الأوثان.\nوالفاء في قوله ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنِي﴾ جزاء الشرط الأول، وجزاء الشرط الثاني محذوف دل عليه الأول، كما تقول: إن دخلت الدار فأنت طالق إن كلمت فلانًا.\n﴿فَمَا تَزِيدُونَنِي﴾ باحتجاجكم بقولكم ﴿أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ ﴿غَيْرَ تَخْسِيرٍ (٦٣)﴾ نسبتي إياكم إلى الخسران.\nتقول: خسَّرته كما تقول: فسّقته وزَنّيته، إذا نسبته إلى شيء من ذلك.\n_________\n(١) في (د): (ذلك اليوم).\n(٢) انظر: «النكت والعيون» ٢/ ٤٧٩، وقال الناسخ على هامش (أ): (لو كان من الإرجاء كقول الماوردي لكان مُرجيّ، فسهوه ظاهر إذًا).\n(٣) سقطت (في) من (د).\n(٤) في (ب): (على).\n(٥) في (ب): (واللام والنفي)، وفي (د): (وما للنفي).","vol":"1","page":761},{"text":"ابن عباس: ﴿غَيْرَ تَخْسِيرٍ (٦٣)﴾: بصارة في خسارتكم (١).\nالفراء: غير تضليل (٢).\nوقيل: معناه: ما يزدادون إلا خسارًا، فنسبه إلى نفسه لأنهم أعطوه ذلك وكان يسألهم الإيمان.\nوقيل: إن أجبتكم إلى ما تدعونني إليه كنت بمنزلة من يزداد الخسران.\nوقيل: ما تزيدونني على ما أنا عندكم إلا تخسيرًا.\nابن بحر: إن انتصرت بكم لمّا (٣) تزيدونني إلا خسارًا.\n﴿وَيَاقَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً﴾ سألوا صالحًا آية ليؤمنوا بها (٤)، فأظهر الله الناقة فلم يؤمنوا، وهو قوله: ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً﴾ تدل على صدقي وصحة نبوتي، وهي نصب على الحال والعامل فيها معنى الإشارة.\n﴿فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ﴾ ترع، والأكل عام في كل ما يغتذى، أي: ترعى نبات الأرض وتشرب ماءها ولكم درها.\n﴿وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ﴾ عقر أونحر ﴿فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ (٦٤)﴾ يريد في الدنيا.\n﴿فَعَقَرُوهَا فَقَالَ﴾ صالح ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ﴾ أي: عيشوا في منازلكم.\nوقيل: المراد بدراكم: دار الدنيا.\nوقيل: إنما وحد لأن المراد بها البلد.\nويحتمل كل واحد في داره.\n_________\n(١) ذكره ابن حبيب في تفسيره (١٠٩/أ)، والثعلبي (ص ٩٥ - رسالة جامعية).\n(٢) انظر: «معاني القرآن» للفراء ٢/ ٢٠.\n(٣) في (د): (لم)، وهي موافقة لما نقله المصنف في «غرائب التفسير» ١/ ٥١٠ عن ابن بحر.\n(٤) في (د): (به).","vol":"1","page":762},{"text":"﴿ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ ثم يهلكون (١).\n﴿ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (٦٥)﴾ أي: غير مكذوب فيه.\nوقيل: ﴿مَكْذُوبٍ (٦٥)﴾ مصدر، كالمعقول والمحصول.\n﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا﴾ أي: العذاب.\nوقيل: أمرنا بالعذاب.\n﴿نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾ أي: نجيناه من العذاب بالصيحة ومن الخزي.\nابن عيسى: الخزي: العيب الذي تظهر فضيحته ويستحيا من مثله.\nوبنى ﴿يَوْمِئِذٍ﴾ على الفتح فيمن فتح (٢) لأنه أضيف إلى مبني، ونون (إذ) لأنه عوض مما حذف وهي الجملة المقدرة، ومن جرّه فللإضافة (٣).\n﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (٦٦)﴾ فلا يغلب ولا يمتنع عليه شيء.\n﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ صاح بهم جبريل ﵇.\nوالصيحة: خرور (٤) صوت في فم وحلق حيوان.\nابن بحر: الصيحة: العذاب، كما تقول: صاح فلان بفلان: إذا زجره وردعه.\n﴿فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ﴾ منازلهم ﴿جَاثِمِينَ (٦٧)﴾ ميتين صرعى.\nوالجثوم: السقوط على الوجه، وقيل: القعود على الركب.\n_________\n(١) في (ب): (تهلكوا).\n(٢) نقل ابن مهران في «المبسوط» (ص ٢٠٤) أن الفتح هو قراءة أبي جعفر ونافع برواية ورش وقالون والكسائي ومحمد بن حبيب الشموني ومحمد بن عبدالله القلا عن الأعشى عن أبي بكر والبرجمي عن أبي بكر أيضًا، بينما قرأ باقي العشرة وإسماعيل عن نافع ومحمد بن غالب عن الأعشى بكسر الميم.\n(٣) في (أ): (فلإضافة)، وفي (ب): (للإضافة).\n(٤) في (د): (خروج).","vol":"1","page":763},{"text":"فأماتهم الله إلا رجلًا كان في حرم الله فمنعه حرم الله من عذاب الله، وجاء في الخبر أنه أبو ثقيف (١).\n﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ كأن لم يقيموا فيها لانقطاع آثارهم بهلاكهم بأجمعهم، إلا ما بقي من أجسادهم الدالة على الخزي النازل بهم.\n﴿أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ (٦٨)﴾ سبق (٢).\n﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ﴾ يعني جبريل وميكائيل وإسرافيل ﵈.\nوقيل: كان جبريل في اثني عشر ملكًا.\n﴿بِالْبُشْرَى﴾ بالبشارة بالولد.\nوقيل: بشروه (٣) بهلاك قوم لوط.\n﴿قَالُوا سَلَامًا﴾ أي: سلموا سلامًا، فهو نصب على المصدر، كما تقول: كلموا كلامًا، وأعطوا عطاء، وأنبت نباتًا.\nوقيل: نصب لأنه مفعول القول (٤)، وإذا وقعت بعد القول جملة: حكيتها، وإن وقع بعده مفرد بمعنى الجملة: نصبته، نحو: قل الحمد لله، حكيت الجملة، وفي المفرد نحو: قُلتَ (٥) حقًا، إذا قال المؤذن الله أكبر، لأن حقًا بمعنى (٦) الله أكبر، وهو لم يلفظ به (٧).\n_________\n(١) المشهور في كتب الحديث والتفسير أنه أبو رغال، وجاء في رواية عند الواحدي في «الوسيط» ٢/ ٥٨٠ أنه قيل: يا رسول الله: مَنْ أبو رغال؟ قال: أبو ثقيف.\n(٢) لعل الكرماني يقصد الآية (٦٠) من نفس السورة: (ألا إن عادًا كفروا ربهم ألا بعدًا لعاد قوم هود).\n(٣) في (ب): (بشروا).\n(٤) في (د): (للقول).\n(٥) في (د): (قل).\n(٦) في (د): (معنى).\n(٧) سقطت (به) من (د).","vol":"1","page":764},{"text":"﴿قَالَ سَلَامٌ﴾ أي: وعليكم سلام.\nوللرفع مزية على النصب لأنه إخبار عن شيء ثابت، والنصب طلب إيقاع ما لم يقع، فصار مندرجًا في قوله تعالى ﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾ [النساء: ٨٦].\nوقرئ (سِلْم) (١) وله وجهان:\nأحدهما: سلم وسلام لغتان، كحرْم وحرام وحل وحلال.\nوالثاني: سِلْم: صُلحٌ، وعن النبي -ﷺ- (٢)، أي: نحن سلم والأمر سلم.\nالزجاج: أمري معكم سلام (٣).\nالفرّاء: هو سلام إن شاء الله فمن أنتم (٤).\n﴿فَمَا لَبِثَ﴾ ما أبطأ، ومعنى لبث ومكث: أقام أكثر من ساعة.\n﴿أَنْ جَاءَ﴾ أي: عن أن جاء، فهو خفض عند الخليل ونصب عند غيره.\n﴿بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩)﴾ محنوذ، وهو المشوي بالحجارة المحماة.\nمجاهد: مطبوخ (٥).\n_________\n(١) وهي قراءة حمزة والكسائي، وقرأ باقي العشرة (سلامًا) بالألف وفتح السين.\nانظر: «المبسوط» لابن مهران (ص ٢٠٥).\n(٢) يعني - والله أعلم - أن النبي -ﷺ- قرأ بها كما قال الفراء في «معاني القرآن» ٢/ ٢٠ وهذا غريب، فكلا القراءتين عنه -ﷺ-، أو يكون قصد الكرماني أن الصلح في حق النبي إبراهيم -ﷺ- على هذا المعنى: أننا نحن سلم والأمر سلم، والله أعلم.\n(٣) انظر: «معاني القرآن» للزجاج ٢/ ٦٠.\n(٤) انظر: «معاني القرآن» للفراء ٢/ ٢١.\nوقوله: (إن شاءالله فمن أنتم) مكانه بياض في (ب).\n(٥) ورد عند الطبري ١٢/ ٤٦٨ عن مجاهد: (حنيذ): (الشَّويُّ النضيج) وعنه أيضًا: (نضيج سخن، أُنضج بالحجارة)، ولكن نقل الألوسي ذلك عن مجاهد فقال ١٢/ ٩٤: (وفي رواية عن مجاهد تفسيره بالمطبوخ)، ونقلها أبو حيان كذلك ٥/ ٢٤٢.","vol":"1","page":765},{"text":"الحسن: نضيج مشوي (١).\nشمر (٢): مشوي (٣) يقطر ودكه (٤)، من قولهم: حنذت الفرس: إذا عرقته بالجلال (٥).\nوقيل: حنيذ: سميط (٦).\nالسدي: حنيذ: سمين (٧).\nظنهم أضيافًا والملائكة لا يأكلون ولا يشربون.\nالحسن: أتوه على صورة الأضياف لأنه كان يحب قرى الضيوف (٨).\n﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ﴾ أي: فلما رآهم لا يأكلون الطعام ولا يمدون أيديهم إليه.\n﴿نَكِرَهُمْ﴾ أنكر ذلك منهم.\nونكر وأنكر لغتان.\n_________\n(١) نقله أبو حيان ٥/ ٢٤٢ عن الحسن.\n(٢) هو شِمْرُ بن عطية الأسدي الكاهلي الكوفي، من الرواة عن سعيد بن جبير، ثقة، توفي أثناء ولاية خالد بن الوليد على العراق.\nانظر: «تهذيب التهذيب» ٢/ ١٧٩ - ١٨٠.\n(٣) قوله (شمر مشوي) سقط من (ب).\n(٤) أخرجه الطبري ١٢/ ٤٦٩، وابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٥٣.\n(٥) في (د): (عرقه)، وفي (ب): (بالجلاد).\nقال في «اللسان» (حنذ): (وحِنَاذُها أن يُظاهَرَ عليها جُلٌّ فوق جل حتى تُجلَّلَ بأجلالٍ خمسةٍ أو ستةٍ ليعرق الفرس تحت تلك الجلال، ويُخْرِجَ العَرَق شحمه كيلا يتنفس تنفسًا شديدًا إذا جرى).\n(٦) هو المنتوف عنه صوفه.\nانظر: «اللسان» (سمط).\n(٧) ذكره أبو الليث السمرقندي ٢/ ١٦١.\n(٨) سقطت كلمة (صورة) من (ب)، وكذلك سقطت (كان)، وورد فيها: (قرى الضيف). وقول الحسن نقله الواحدي في «البسيط» (ص ٢٦٠ - رسالة جامعية).","vol":"1","page":766},{"text":"قال الأعشى (١):\nوأَنْكَرَتْنِي وماكان الذي نَكِرَتْ ... من الحوادثِ إلا الشَّيْبَ والصَّلَعَا\nفجمع اللغتين في البيت.\nابن عيسى: نكرته أشد مبالغة، وإنما نكرهم لأنهم لم يتحرموا بطعامه (٢) فلم يأمن أن يكون ذلك لبلاء (٣).\n﴿وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ وقع في نفسه خوف منهم (٤).\nوالإيجاس: الإدراك، أي (٥): أدرك وأحسّ (٦) بخوف حدث في نفسه.\nوجاء في الخبر أن إبراهيم ﵇ سأل الملائكة عن تركهم الأكل فقالوا: لا نأكل إلا بثمن، قال إبراهيم ﵇: فإن ثمنه أن تسموا الله، فقالوا: الله أعلم بهذا حين اتخذه خليلًا (٧).\nوذكر المفسرون أنه أرعد من خوفهم (٨).\n﴿قَالُوا﴾ له (٩) ﴿لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (٧٠)﴾ أي: نحن ملائكة الله بُعثنا لعذاب قوم لوط.\n﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ﴾ لخدمة الأضياف، وكان لا تحتجب نساؤهم كعادة الأعراب\n_________\n(١) سقط اسم الأعشى من (ب)، والبيت في ديوانه (ص ١٩٨).\n(٢) في (ب): (بزاده).\n(٣) في (د): (للبلاء)، ولم أجد قول ابن عيسى عند غير المصنف.\n(٤) سقطت (منهم) من (أ).\n(٥) سقطت (أي) من (ب).\n(٦) في (د): (وأوجس).\n(٧) أخرجه الطبري ١٢/ ٤٧٣ - ٤٧٤، والثعلبي (ص ١٠٧ - رسالة جامعية) عن السدي.\n(٨) انظر: الطبري ١٢/ ٤٧١، والواحدي في «البسيط» (ص ٢٦١ - رسالة جامعية)، وابن عطية ٧/ ٣٤٤.\n(٩) سقطت (له) من (د).","vol":"1","page":767},{"text":"ونازلة البوادي والصحراء، ولم يكن التبرز مكروهًا، وكانت عجوزًا وخدمة الضيفان مما يعد من مكارم الأخلاق.\nوقيل: كانت سارة قائمة وراء الستر تسمع ما يجري بين إبراهيم وبين الضيفان.\nوقيل: دعا جبريل فأحيا الله العجل المشوي فقام يَطْفِر (١)، فخرجت سارة لهذه العجيبة.\nالمبرد: وامرأته قائمة (٢) عن الولد (٣).\nوقيل: كانت قائمة تصلى (٤).\nوفي الشواذ: (وامرأته قائمة وهو جالس) (٥).\nقوله ﴿فَضَحِكَتْ﴾ أي: تبسمت سرورًا بالأمن لأنها خافت كما خاف إبراهيم ﵇.\nوقيل: ضحكت تعجبًا من إحياء الله العجل المشوي وطَفْرِه وعدوه إلى مرعاه.\nوقيل: ضحكت من خوف إبراهيم وهو (٦) بين أهله وحشمه.\nوقيل: ضحكت من امتناع الضيف من الأكل ولم تكن رأت مثل ذلك.\nوقيل: ضحكت من البشارة بالولد، وفيها (٧) تقديم وتأخير، أي: بشرناها (٨) بإسحاق فضحكت.\n_________\n(١) الطَّفْرُ: وثبةٌ في ارتفاع. انظر: «اللسان» (طفر).\n(٢) لم ترد كلمة (وامرأته) في (أ).\n(٣) نقله أبو حيان ٥/ ٢٤٣ عن المبرد كذلك.\n(٤) في (ب): (كانت امرأته)، وفي (د): (قائمة ويصلي)، وهذا قول محمد بن إسحاق كما عند الماوردي ٢/ ٤٨٤.\n(٥) هي قراءة ابن مسعود، نقلها عنه السدّي كما عند الطبري ١٢/ ٤٧٣، وابن عطية ٧/ ٣٤٤.\n(٦) سقط حرف الواو من (أ) في بداية قوله (وهو).\n(٧) سقط حرف الواو من (أ).\n(٨) في (د): (فبشرناها).","vol":"1","page":768},{"text":"وقال محمد بن قيس: لما امتنعوا من الطعام وكانت لهم شارة وشباب وجمال ظنت أنهم على رأي قوم لوط في اللواط (١) فضحكت تعجبًا من ذلك (٢).\nوالضحك خاصة للإنسان، إذا رأى العجيب (٣) البديع حصل في مادة البدن هيئة (٤) الضحك.\nعكرمة ومجاهد: ضحكت: حاضت، ورواه الخليل أيضًا (٥).\nوقالوا: ضحكت الأرنب: إذا حاضت.\nوقيل: ضحكت، أي: أشرق (٦) وجهها، كما تقول: الروضة تضحك (٧).\nوقيل: معنى حاضت: أقرب إلى البشارة بالولد، أي: رأت أمارة ذلك بعد البشارة أوقبلها (٨)، وأنشد (٩):\nوعهدي بسلمى ضاحكًا في لَبابة (١٠) ... ولم تعد حُقًا ثديها أن تحلما\n_________\n(١) في (أ): (اللواطة).\n(٢) أخرجه الطبري ١٢/ ٤٧٥، وضعّف ابن كثير ٧/ ٤٥٢ هذا القول جدًا.\n(٣) في (د): (العجب).\n(٤) في (ب): كهيئة.\n(٥) قول عكرمة: أخرجه عبدالرزاق ١/ ٣٠٦، وذكره الثعلبي (ص ١٠٩ - رسالة جامعية). أما قول مجاهد: فأخرجه الطبري ١٢/ ٤٧٦، وذكره الثعلبي أيضًا، وقال الخليل في «العين» ٣/ ٥٨: (وقوله (فضحكت فبشرناها) يعني طمثت).\n(٦) في (د): (أشرقت).\n(٧) في (د): (للروضة يضحك).\n(٨) في (ب): (البشارة وقبلها).\n(٩) ورد البيت في: «البحر المحيط» ٥/ ٢٣٧، و«الدر المصون» ٦/ ٣٥٥، وابن عادل ١٠/ ٥٢٥، والألوسي ١٢/ ٩٨، ولم أهتد لقائله.\n(١٠) في النسخ الثلاث: لبابة، قال في «اللسان» (لبب): (كل مجمّع لثيابه: متلبب ... واسم ما يتلبب: اللَّبابَةُ)، وعند السمين في «الدر المصون» ٦/ ٣٥٥: (لَبانه)، وقال محققه الدكتور أحمد الخراط: ضرب من الثياب، فالله أعلم.\nأما العلقة: فهو قميص بلا كمين، والشوذر: فهو بُرْدٌ يشق ثم تلقيه المرأة في عنقها من غير كُمّين ولا جيب.\nانظر: «اللسان» (علق) و(شذر).","vol":"1","page":769},{"text":"أي: حائضًا في لبابة، واللَّبابَةُ والعِلْقَةُ والشوذر (١) واحد، ومنه: ضحكت الكافورة: إذا انشقت، وضحكت السَّمُرَة (٢): إذا سال صمغها، وهو يشبه الدم.\n﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (٧١)﴾ وبعد بشارة إسحاق بيعقوب (٣).\nوروى جماعة من المفسرين وكثير (٤) من أهل اللغة أو كلهم أن الوراء: ولد الولد، والعرب تقول: هذا ابني من الوراء، أي: ابن ابني، وهو مشكل في الآية جدًا (٥)، ولم يبينه المفسرون، لأن الوراء إذا حملته على ولد الولد يكون أولاد يعقوب لا يعقوب، ووجه ذلك أن يقال: سمى ولد إسحاق وراء لأنهم وراءها، أي: أولاد أولادها، فبشر من بينهم بيعقوب لأنها رأته ولم تر غيره (٦).\nو﴿وَمِنْ﴾ للتبعيض، ووراء: يقع للجمع (٧)، كالولد، ومن رفع يعقوب فهو مبتدأ والجار والمجرور خبره تقدم عليه، ومن نصبه فبفعل مضمر، أي: وهبنا له يعقوب (٨).\n_________\n(١) في (أ): (والشوفة)، والمثبت من (ب) و(د).\n(٢) هكذا في النسخ الخطية، وفي بعض التفاسير مثل «البحر المحيط» ٥/ ٢٣٧ وغيره: الشجرة.\n(٣) في (ب): (وبعد البشارة إسحاق يعقوب).\n(٤) في (ب): (... المفسرين وجماعة من أهل ...).\n(٥) قوله (في الآية) سقط من (ب).\n(٦) بينما قال الواحدي في «البسيط» (ص ٢٦٧ - رسالة جامعية) نقلًا عن ابن الأنباري: (قد كان الوراء لإبراهيم ﵇ من جهة إسحاق وإسماعيل ﵉، فلو قال من الوراء يعقوب، لم يُعلم أهذا الوراء منسوب إلى إسحاق أم إلى إسماعيل، فأضيف إلى إسحاق لينكشف المعنى).\n(٧) في (د): (للجميع).\n(٨) قرأ ابن عامر وحمزة وحفص عن عاصم (ومن وراء إسحاق يعقوبَ) بالنصب، وقرأ باقي العشرة (يعقوبُ) بالرفع.\nانظر: «المبسوط» لابن مهران (ص ٢٠٥).","vol":"1","page":770},{"text":"وقيل: هو محمول على إسحاق لفظًا وتقديرًا، أما اللفظ: فلأنه لا ينصرف، وأما التقدير: فلأنه المبشر به وهو مفعول، وفيه ضعف (١)، لأن الظرف حيل به بين الواو والمعمول، وباب (٢) هذا الشعر، كقوله (٣):\nيومًا (٤) تراها كَشِبْهِ أَرْدِيَةِ ... العصب ويومًا أَديمُها نَغِلا\nومن جعل هذا من باب العطف على العاملين (٥) فقد سها.\nوإنما خصت بالبشارة لظهور أثر الحبل (٦) عليها وهو الحيض على ماسبق.\nوقيل: جزاء على خدمتها للضيف (٧).\nوقيل: لأن النساء أعظم سرورًا بالولد من الرجال.\nويحتمل أن سارة خصت بالبشارة حيث لم يكن لها ولد وكان لإبراهيم ولد وهو إسماعيل صلوات الله عليهم أجمعين.\nويجوز أن الله سبحانه سمّاهما إسحاق ويعقوب (٨).\nويجوز أن الله بشرها (٩) بالولد وولد الولد (١٠) ثم إنهما سمياهما (١١) بإسحاق ويعقوب.\n﴿قَالَتْ يَاوَيْلَتَا﴾ إيذان بأمر فظيع.\nوالويل: حلول الشر، والألف في آخره بدل من ياء الإضافة.\n_________\n(١) في (ب): (وهو ضعيف).\n(٢) تكررت كلمة (وباب) في (أ).\n(٣) هو الأعشى كما في ديوانه (ص ٢٦٦).\n(٤) في (أ) و(د): (ويومًا) والمثبت من (ب) والديوان.\n(٥) في (ب): (على عاملين).\n(٦) سقطت كلمة (الحبل) من (أ).\n(٧) في (د): (الضيف).\n(٨) في (ب): (يعقوب وإسحاق).\n(٩) في (أ): (بشرهما).\n(١٠) سقط قوله (وولد الولد) من (ب).\n(١١) في (ب): (إنها سمتهما).","vol":"1","page":771},{"text":"وقيل (١): يجري مجرى ألف الندبة، وهو ضعيف (٢).\n﴿أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ﴾ ابنة تسعين سنة.\nوقيل: تسع وتسعين سنة.\n﴿وَهَذَا بَعْلِي﴾ زوجي.\nوالبعال: الجماع، وأصله: القائم بالأمر (٣)، ومنه: بَعْلُ النَّخْلَة: لاستغنائه عن تكلف السقي له (٤).\n﴿شَيْخًا﴾ ابن مائة سنة.\nوقيل: ابن مائة وعشرين سنة.\nوقيل: عرضت بقولها ﴿شَيْخًا﴾ عن ترك غشيانه لها، حكاه الماوردي (٥).\nو﴿شَيْخًا﴾: حال، والعامل (هَذَا) والجملتان حالان، والعامل فيهما\n﴿أَأَلِدُ﴾.\n﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (٧٢)﴾ الولد من شيخين (٦) أمر عجيب لم يعهد مثله.\nاستغربت من حيث العرف لا إنكارًا لقدرة الله.\n﴿قَالُوا﴾ يعني الملائكة (٧) ﴿أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ استفهام تنبيه، و﴿أَمْرِ اللَّهِ﴾: حكمه وقضاؤه.\n﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ يريد: يا أهل البيت، دعاء لهم.\nوقيل: اخبار وتذكير للنعمة، ومن بركاته: أن جميع الأنبياء بعده من نسله.\n﴿إِنَّهُ حَمِيدٌ﴾ محمود على كل حال.\nوقيل: ﴿حَمِيدٌ﴾ يحمد المؤمنين من عباده.\n﴿مَجِيدٌ (٧٣)﴾ يكثر الخير من قبله، ومنه: في كُلِّ شَجَرٍ نارٌ، واسْتَمْجَدَ المَرْخُ والعَفَارُ (٨).\n_________\n(١) في (د): (قيل) بدون واو.\n(٢) سقط قوله (وهو ضعيف) من (د).\n(٣) في (أ): (بأمره).\n(٤) سقطت (له) من (د).\n(٥) انظر: «النكت والعيون» للماوردي ٢/ ٤٨٦.\n(٦) في (أ): (الشيحين).\n(٧) سقط قوله (يعني الملائكة) من (ب).\n(٨) هذا مثلٌ تضربه العرب في الشرف العالي، ومعناه: أن نبات المرخ والعفار يفوقان غيرهما وتكثر فيهما النار على ما في سائر الشجر.\nانظر: «مجمع الأمثال» للميداني ٢/ ٥١٣، و«اللسان» (عفر).","vol":"1","page":772},{"text":"والمجد: نيل الشرف، مَجَد فهو ماجِدٌ، ومَجُدَ فهو مَجِيد (١).\nالحسن: المجيد: الكريم (٢).\nوقيل: العظيم.\n﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ﴾ الرَّوْعُ: الفَزَعُ، وبالضم (٣): القَلْبُ، تقول العرب: رِيْعَ رُوْعِي: خافَ قلبي، وأحسن ما تكون الظبية إذا ريعت.\n﴿وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى﴾ سبق (٤).\n﴿يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ (٧٤)﴾ القياس: جادلنا، لأن (لما) علم للظرف إذا وقع الشيء بوقوع غيره، وتقدير الآية: أخذ يجادلنا، وهو حكاية حال، والمعنى: يجادل رسلنا، أي: يكرر السؤال ليعلم بأي شيء استحقوا عذاب الاستئصال، وأن ذلك واقع لا محالة أم على سبيل الإخافة.\nوقيل: جادلهم بقوله (٥): أرأيتم إن كان فيها خمسون من المسلمين أتهلكونهم، قالوا: لا، قال: أربعون، قالوا: لا (٦)، حتى بلغ الواحد، قالوا: لا، قال: ﴿إِنَّ فِيهَا لُوطًا﴾ الآية [العنكبوت: ٣٢].\nوقيل: ﴿يُجَادِلُنَا﴾: يتشفع في قوم لوط، وقيل: يكلمنا.\n﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ (٧٥)﴾ سبق في براءة (٧).\n﴿يَاإِبْرَاهِيمُ﴾ أي: قالت الملائكة: يا إبراهيم ﴿أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ الجدال.\n﴿إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ بعذابهم ﴿وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (٧٦)﴾ غير مصروف عنهم.\nثم خرجوا من عند إبراهيم متوجهين نحو قوم لوط وكان بين قرية إبرهيم وقوم لوط أربع فراسخ، قاله الكلبي (٨).\n_________\n(١) في (د): (نيل الشرف مجد الشرف مجد فهو مجيد).\n(٢) ذكره الواحدي في «البسيط» (ص ٢٧٥ - رسالة جامعية).\n(٣) يعني: الرُّوعُ، كما في «اللسان» (روع)، وقال إنه القلب والعقل.\n(٤) يعني - والله أعلم - ما سبق في الآية (٦٩) من نفس السورة: (ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى).\n(٥) في (أ): (بقولهم).\n(٦) سقطت (لا) من (د).\n(٧) سورة التوبة، الآية (١١٤): ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾.\n(٨) ونقله الماوردي ٢/ ٤٨٨.","vol":"1","page":773},{"text":"﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا﴾ أي: لما أتوه وضافوه فرآهم وهيآتهم وجمالهم.\n﴿سِيءَ بِهِمْ﴾ ساءه مجيئهم وأحزن بسببهم (١).\n﴿وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ وضاق بمكانهم صدره، لأنه (٢) علم أنه سَيُدْفَعُ إلى الذبِّ عنهم (٣) والطرد دونهم (٤) وأن قومه (٥) يسارعون إلى أمثالهم.\nابن عيسى: يقال: ضاق بأمره ذرعًا: إذا لم يجد من المكروه سبيلًا، ونسب إلى الذرع (٦) على عادة العرب في وصف القادر على الشيء المنبسط فيه بالتذرع والتبوع وطول اليد والباع والذراع، ثم (٧) يوضع ضيق الذرع (٨) مكان ضيق الصدر، وهو نصب على التمييز.\n﴿وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ (٧٧)﴾ شديد في الشر، وكذلك عَصَبْصَبٌ، وأصله من العَصْبِ وهو الشدّ.\nوقيل: خافهم كما خاف إبرهيم (٩).\nثم إن عجوز السوء خرجت وأخبرت (١٠) القوم بمجيئهم وقالت: ما رأيت أحسن منهم وجهًا ولا أطيب ريحًا ولا أنظف ثيابًا، فأقبلوا نحوهم مسرعين، وهو قوله:\n﴿وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ﴾ أي: لطلب الفاحشة منهم.\nوالإهراع: الإسراع.\n_________\n(١) في (ب): (بهم) بدلًا من (بسببهم).\n(٢) في (أ): (كأنه).\n(٣) في (د): (عنه).\n(٤) في (أ): (عنهم).\n(٥) في (ب): (قومهم).\n(٦) في (د): (الذراع).\n(٧) سقطت (ثم) من (أ).\n(٨) في (ب): (الذراع).\n(٩) في (ب): (يخافهم كما خافهم إبراهيم).\n(١٠) سقط حرف التاء من كلمة (وأخبرت) من (د).","vol":"1","page":774},{"text":"الكسائي: الإهراع: الإسراع مع رعدة (١).\nوقيل: هو الشوق العنيف.\nوجاء على لفظ المجهول كما جاء عُنيت بكذا وزُهيت علينا.\nوقيل: كان يسوق بعضهم بعضًا ويحث بعضهم بعضًا (٢).\n﴿وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ قبل مجيء الملائكة كانوا يعملون السيئات (٣)، كناية عن إتيان الذكران.\nوقيل: من قبل كانوا يأتون النساء في (٤) أدبارهن.\nوالمعنى: أَلِفُوا (٥) الفاحشة فجاهروا بها ولم يستحيوا منها.\n﴿قَالَ يَاقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي﴾ قيل: أراد بنات صلبه، وهما ابنتان: زعورا وريثا (٦).\nوذكر المفسرون: أنه أراد أن يقي أضيافه ببناته (٧).\nوقيل: أراد بنات قومه، وكل نبي أبو أمته، ومنه قراءة من قرأ: (وأزواجه أمهاتهم وهو لهم أب) (٨) [الأحزاب: ٦]، وهذا أولى لجمع البنات.\n_________\n(١) انظر: «تهذيب اللغة» للأزهري (هرع) ١/ ١٤١، والواحدي في «البسيط» (ص ٢٨٣ - رسالة جامعية).\n(٢) سقط قوله (ويحث بعضهم بعضًا) من (د).\n(٣) سقط قوله (قبل مجيئ الملائكة كانوا يعملون السيئات) من (د).\n(٤) في (ب): (من) بدلًا من (في).\n(٥) في (ب): (ركبوا).\n(٦) هكذا عند الثعلبي (ص ١٢٢ - رسالة جامعية)، وعند الطبري ١٢/ ٤٩٦: ريثا وزُغرتا، وفي اسمهما اختلاف عند المفسرين.\n(٧) نقله الثعلبي (ص ١٢١ - رسالة جامعية)، وهو عند ابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٦٢ عن كعب وحذيفة بن اليمان، ونقله الواحدي في «البسيط» (ص ٢٨٥ - رسالة جامعية) عن ابن عباس ﵄.\n(٨) في التفاسير: كالطبري ١٢/ ٥٠٤، والثعلبي (ص ١٢٢ - رسالة جامعية)، والواحدي في «البسيط» (ص ٢٨٦ - رسالة جامعية): (وهو أب لهم). وهي قراءة شاذة تروى عن ابن مسعود وأبي بن كعب.\nانظر: «معاني القرآن» للنحاس ٣/ ٣٦٨.","vol":"1","page":775},{"text":"وقيل: كان في قومه رجلان مطاعان فأراد (١) أن يزوج ابنتيه منهما، وكان النكاح جائزًا بين المسلمة والكافر.\nالحسن: كانوا من قبل يخطبون بناته فيأبى، فحمله ضيق الأمر على أن ضمن إسعافهم (٢).\nوقيل: شرط عليهم الإيمان، بدليل قوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾.\nقوله ﴿هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ أي (٣): أنظف فعلًا، وقيل: أحلّ، وقيل: أعفّ.\n﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي﴾ ولا تذلوني ولا تهينوني.\nوقيل: ولا تشوروني (٤) فيهم، من (٥) الخزاية، وهي: الاستحياء.\nوقيل: ﴿وَلَا تُخْزُونِ﴾: لا تهلكوني في حقهم، عد ذلك إهلاكًا (٦).\n﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (٧٨)﴾ قيل: مؤمن، وقيل: آمر بالمعروف وناهٍ عن المنكر.\nعكرمة: من يقول: لا إله إلا الله (٧).\nو(ليس) في الآية بمعنى (ما) النفي، والاستفهام للإنكار.\n﴿قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ﴾ أي: لسن (٨) لنا بأزواج فنستحقهن.\n_________\n(١) في (أ): (فأرادا)، وفي (د): (وأراد).\n(٢) نقله الواحدي في «البسيط» (ص ٢٨٥ - رسالة جامعية)، والقرطبي ١١/ ١٧٨ ولكن عن ابن عباس، وعند الواحدي: عن ابن عباس وغيره.\n(٣) قوله (أي) لم يرد في (ب) و(د).\n(٤) سقطت الواو الأولى من (د)، وقال في اللسان (شور): (شوَّر به: فعل به فعلًا يستحيا منه).\n(٥) في (أ): (عن).\n(٦) سقط (كا) من (ب)، فجاءت فيها (اهلا).\n(٧) أخرجه أبو الشيخ عن عكرمة كما ذكر السيوطي في «الدر المثنور» ٨/ ١١١.\n(٨) في (أ): (ليس).","vol":"1","page":776},{"text":"وقيل: ﴿مِنْ حَقٍّ﴾: حاجة وشهوة.\n﴿وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ (٧٩)﴾ أي: الذكران.\nوقيل: ادعوا في الضيفان حقًا حين نهوه عن إيواء (١) المرد من الضيفان (٢) وشرطوه أن يستبيحوهم، فلما أضاف أولئك ادعوا فيهم حقا للنهي المتقدم، فهذا باطل تعلقوا به.\n﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠)﴾ أي: لو قدرت على دفعكم ببدني وقوتي أو انضم وأرجع إلى عشيرة ومنعةٍ ينصرونني لدفعتكم.\nوجواب (لو) محذوف.\nوعن زيد بن ثابت: أنه لو كان للوط مثل رهط شعيب لجاهد بهم قومه (٣).\nوعن ابن عباس ﵄: ما بعث الله بعد هذه الكلمة من لوط نبيًا إلا في عزٍّ وثروة من قومه (٤).\nوروي عن النبي -ﷺ- أنه قال عند قراءة هذه الآية: (رحم الله أخي لوطًا لقد كان يأوي إلى ركن شديد) (٥)، يريد: نصر الله وعونه.\nوقيل: جواب (لو): لأجبرتكم على ترك ما أنتم عليه، والله لا يجبر (٦).\n_________\n(١) سقطت (إيواء) من (ب).\n(٢) في (د): (في الضيفان).\n(٣) أخرجه سعيد بن منصور (١١٠٠ - قسم التفسير).\n(٤) أخرجه سعيد بن منصور (١٠٩٨ - قسم التفسير)، ويشهد له ما أخرجه الإمام أحمد (٨٣٩٢) من حديث أبي هريرة مرفوعًا إلى النبي -ﷺ- بمعنى ما روي عن ابن عباس.\n(٥) أخرجه البخاري (٣٣٧٢)، ومسلم في كتاب الفضائل، باب (٤١): من فضائل إبراهيم الخليل -ﷺ- (١٥٣).\n(٦) قد أنكر أئمة السنة كالأوزاعي والثوري وأحمد وغيرهم لفظ (الجبر) في النفي والإثبات، وقد شرح شيخ الإسلام ابن تيمية ذلك في مجموع الفتاوى ٨/ ٤٦٠ - ٤٦٥.","vol":"1","page":777},{"text":"وكان لوط ﵇ قد أغلق بابه دون ضيفه يناظر قومه ويناشدهم من وراء الباب وهم يعالجون تسوّر الجدار، فلما رأت الملائكة ما لقي لوط من المشقة والتعب بسببهم ﴿قَالُوا يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾ لا تراهم بعد هذا، لأنا مهلكوهم.\nقيل: لن يصلوا (١) إليك وإلى ضيفك بمكروه، فهوّن عليك، فلما سمع مقالتهم خَلَّى بين القوم وبين الدخول إلى منزله فدخلوا فضرب جبريل ﵇ بجناحه وجوههم فطمس أعينهم وأعماهم فصاروا لا يبصرون الطريق ولا يهتدون إلى بيوتهم، ويقولون في بيت لوط سحرة (٢)، كما أنت يا لوط حتى نصبح، يوعدونه، ثم قالوا (٣): إنا أُمِرْنَا أن نُهلكهم حين ينبلج الصبح، فاخرج أنت بمن آمن بك (٤) من أهلك، فذلك قوله:\n﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾ الإسراء والسُّرَى: سير الليل، أي: سر بهم (٥) ليلًا.\n﴿بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ قيل: بطائفة من الليل، وقيل: بنصف (٦) الليل، كأنه قطع نصفين، وقيل: بسواد الليل.\n﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ﴾ لا يتخلف منكم أحد (٧)، وقيل: لاينظر إلى ورائه (٨)، وقيل: معناه: لا يلتفت إلى ماله هناك، أي (٩): لا يبال به.\n_________\n(١) في (ب): (... مهلكوهم قبل أن يصلوا ...).\n(٢) سقطت كلمة (سحرة) من (ب).\n(٣) في (ب): (قالوا له).\n(٤) سقطت (بك) من (ب).\n(٥) في (ب): (سر بأهلك ليلًا).\n(٦) سقط حرف الباء من (أ)، وفي (د): (وقيل نصفه).\n(٧) سقطت كلمة (أحد) من (ب).\n(٨) سقط قوله: (وقيل لا ينظر إلى ورائه) من (د)، وفي (ب): (وقيل معناه لا ينظر ...).\n(٩) سقطت (أي) من (ب).","vol":"1","page":778},{"text":"﴿إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾ النصب على الاستثناء من قوله: فأسر بأهلك إلا امرأتك، ومن (١) رفع فعلى البدل من ﴿أَحَدٌ﴾، ويجوز النصب من هذا الوجه أيضًا، والرفع أقيس (٢).\nمجاهد: تعبدوا بأن لا يلتفتوا إلى ورائهم (٣).\nوفي الخبر: أنها كانت مع لوط فلما رفع جبريل الأرض سمعت الهدّة فقالت: واقوماه، فأدركها حجر فقتلها (٤).\n﴿إِنَّهُ﴾ إن الأمر ﴿مُصِيبُهَا﴾ من العذاب ﴿مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ﴾ موعد هلاكهم ﴿الصُّبْحُ﴾ وقت الصبح، فقال لوط: أريد الآن، فقالوا: ﴿أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (٨١)﴾ أي: الوقت الذي أمرنا بإهلاكهم فيه قريب، وهو أول الفجر.\n﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا﴾ إهلاكنا، وقيل: جاء أمرنا بالعذاب، أي: قيل له: كن، وقيل: جاء أمرنا: هو الملائكة.\n﴿جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ أدخل جبريل جناحه تحت قرى قوم لوط: سدوم وعاموراء وداذوماء وصبوايم (٥)، وهي المؤتفكات، فرفعها حتى سمع أهل السماء\n_________\n(١) سقطت (من) من (د).\n(٢) قرأ ابن كثير وأبو عمرو (امرأتُك) بالرفع، وقرأ باقي العشرة (امرأتَك) بالنصب. انظر: «المبسوط» لابن مهران (ص ٢٠٥).\n(٣) أخرجه الطبري ١٢/ ٥٢٤، وابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٦٦ بلفظ: لا ينظر وراءه أحد.\nوعندما نقله الواحدي في «البسيط» (ص ٢٩٦) قال: (قال مجاهد: لا ينظروا وراءهم كأنهم تعبدوا بذلك) فنقله الكرماني عن الواحدي كما تراه أعلاه.\n(٤) أخرجه الطبري ١٢/ ٥١٥، وابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٦٦ عن سعيد بن جبير.\n(٥) هكذا وردت الأسماء عند الثعلبي (ص ١٣٠)، وفي كتب التفسير اختلافٌ في عددها وأسماءها، وانظر: الطبري ١٢/ ٥٣٧، والقرطبي ١١/ ١٨٥، وقال أبو حيان ٥/ ٢٤٩: (وفي ضبطها إشكال، فأهملت ذكرها).","vol":"1","page":779},{"text":"صياح الديكة ونباح الكلب، ثم جعل عاليها سافلها ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا﴾ على المدن، وقيل: على شذاذها ومسافريها ﴿حِجَارَةً﴾ أي: جعلنا الحجارة بدل المطر حتى أهلكهم من آخرهم ﴿مِنْ سِجِّيلٍ﴾ فيه ثمانية أقوال:\nالأول: حجارة صلبة ليست من جنس حجارة الثَّلج والبَرَد.\nابن عباس: فارسي معرب سنك وكل (١)، بدليل قوله ﴿حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣)﴾ (٢) [الذاريات: ٣٣] ..\nالثاني: شديد من الحجارة، عن أبي عبيدة (٣).\nالثالث: من مثل السَّجْلِ في الإرسال، والسَّجْلُ: الدلو.\nالرابع: من: أَسْجَلْتُهُ: أَرْسَلْتُه.\nالخامس: من: أَسْجَلْتُهُ: أَعْطَيْتُهُ، وتقديره: من مثل العطية في الإدرار.\nالسادس: من: السِّجِلِّ، وهو الكتاب، وتقديره: من مكتوب الحجارة، وهي حجارة (٤) كتب الله أن يعذبهم بها.\nالسابع: من سجين، أي: من جهنم، أبدلت نونه لامًا.\nالثامن: من السماء الدنيا، وهي تسمى سجيلًا.\nحكاها ابن عيسى (٥)، وأحسن الأقاويل ما وافق القرآن، وهو قول ابن عباس: سنك وكل، لقوله ﴿حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣)﴾ [الذاريات: ٣٣]، ويقرب منه قول من قال:\n_________\n(١) أخرجه الطبري ١٢/ ٥٢٧.\n(٢) سقط قوله (بدليل ... طين) من (ب).\n(٣) انظر: «مجاز القرآن» لأبي عبيدة ١/ ٢٩٦.\n(٤) قوله (وهي حجارة) سقط من (د).\n(٥) يعني - والله أعلم - حكى هذه الأقوال علي بن عيسى الرماني.","vol":"1","page":780},{"text":"من: السجل (١).\n﴿مَنْضُودٍ (٨٢)﴾ نُضِدَ بعضه على بعض حتى صار حجرًا.\nوقيل: ﴿مَنْضُودٍ (٨٢)﴾: مصفوف في تتابع.\nنُضِدَتْ (٢) حين أمطرت كالمطر قطرة بعد قطرة.\n﴿مُسَوَّمَةً﴾ معلمة ببياض إلى حمرة من السماء.\nوقيل: مكتوب عليها اسم من أهلك بها.\n﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ في خزائنه، وقيل: في علمه.\nوهب بن منبه: أمطر عليهم الكبريت والنار (٣).\n﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (٨٣)﴾ يريد ظالمي أمة (٤) محمد -ﷺ-.\nوقيل: هو ترهيب لقريش.\nوقيل: هو في قوم لوط، وهم الظالمون، أي: لم يَبْعُد عن ظالم منهم بل أصاب جميعهم حيث كانوا، وذَكَّرَ بعيد: أي: بمكان بعيد.\nوقيل: حُمِلَ على لفظ الحجر.\nوقيل: ليس في لفظ ﴿هِيَ﴾ علامة التأنيث.\n﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ أي: وأرسلنا شعيبًا إلى بني مدين، وقيل: ساكني مدين.\nومدين هذا: يقال إنه (٥) ابن لإبراهيم، فصار اسمًا للقبيلة، أو سميت البلدة\n_________\n(١) في (ب): (من قال إنه من السجل).\n(٢) في (د): (وقيل نضدت).\n(٣) نقله السمرقندي في تفسيره ٢/ ١٦٥ عن وهب بن منبه.\n(٤) سقطت (أمة) من (ب).\n(٥) في (د): (يقال له).","vol":"1","page":781},{"text":"باسمه، وهو شاذ في القياس، كمزيد ومريم (١).\n﴿قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ﴾ المكيل بالمكيال والموزون (٢) بالميزان، أي: لا تبخسوا الناس حقوقهم.\nكانوا مع كفرهم مطففين.\nوالكيل: تعديل الشيء بالمكيال في القلة والكثرة، والميزان: آلة الوزن، والوزن (٣): تعديل الشيء بالشيء في الخفة والثقل.\n﴿إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ﴾ نعمة وخصب فلا حاجة بكم إلى التطفيف مع النعمة ورخص السعر.\n﴿وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (٨٤)﴾ قيل: هو غلاء السعر، وقيل: الاستئصال في الدنيا، وقيل: العذاب في الآخرة.\n﴿وَيَاقَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ﴾ أتموها (٤).\nوالوفاء: تمام الحق، والإيفاء: إتمامه.\n﴿بِالْقِسْطِ﴾ بالعدل، مصدر أميت فعله، والفعل منه بالزيادة: أقسط.\n﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ حقوقهم، ذكر بأعم الألفاظ.\nوالبخس: ضد الإيفاء، وهو نقصان الحق.\n﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٨٥)﴾ العِثِيُّ والعَيْثُ: أشد الفساد (٥).\n_________\n(١) قيل إن مدين: أعجمي، قاله السمين الحلبي في «الدر المصون» ٥/ ٣٧٥، ثم قال: (وعلى تقدير كونه عربيًا قالوا: فهو شاذ، إذ كان من حقه الإعلال كمتاع ومقام، ولكنهم شذّوا فيه كما شذوا في مريم ومَكْوَزة، وليس بشاذ عند المبرد لعدم جريانه على الفعل، وهو حَقٌّ وإن كان الجمهور على خلافه).\n(٢) سقطت (والموزون) من (أ)، وفي (د): (والميزان الموزون بالميزان).\n(٣) سقطت (والوزن) من (أ).\n(٤) في (د): (أتموهما).\n(٥) انظر: «الكتاب الفريد» للمنتجب الهمداني ١/ ٢٧٢.","vol":"1","page":782},{"text":"﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ البقية: تَرِكَةُ شيء من شيء قد مضى، أي: ما أبقى الله لكم بعد إيفاء (١) الكيل والوزن خير لكم من التطفيف، لأن الله يجعل فيها البركة.\nوقيل: طاعة الله، لأنها تبقى.\nالحسن: فرائض الله (٢).\nوقيل: رزق الله.\nوقيل: رحمة الله (٣)، من قوله ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الشورى: ٣٦].\nوقيل: وصية الله.\n﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي: خير لكم بشرط الإيمان.\n﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (٨٦)﴾ يحفظ عليكم نعمكم، فاحفظوها بترك المعصية.\nوقيل: بحفيظ يحفظكم عن البخس.\n﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ من الأصنام، وكان كثير الصلاة.\nوقيل: أقراءتك تأمرك.\nوقيل: أدينك يأمرك.\n﴿أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ عطف على ﴿مَا﴾، أي: نترك فعلنا ما نشاء في أموالنا، وليس بعطف على ﴿أَنْ﴾ في قوله ﴿أَنْ نَتْرُكَ﴾.\nوقرئ في الشواذ بالتاء (٤) فيكون عطفًا عليه أو يضمر (لا).\n_________\n(١) في (ب): (بعد إيفاء الحق من الكيل ...).\n(٢) نقله الألوسي ١٢/ ١١٦ عن الحسن.\n(٣) في (ب): (نعمة الله)، وفي (د) رسمها محتمل (رحمة) و(نعمة)، والمنقول عن ابن زيد أنها: رحمة الله. انظر: «الجامع لأحكام القرآن» للقرطبي ١١/ ١٩٢.\n(٤) يعني: (ما تشاء)، وهي قراءة علي بن أبي طالب ﵁ والضحاك بن قيس الفهري، هو صحابي صغير أيضًا. انظر: «القراءات الشاذة» لابن خالويه (ص ٦١)، و«زاد المسير» ٤/ ١٥٠، والقرطبي ١١/ ١٩٤.","vol":"1","page":783},{"text":"وقيل: الأمر يتضمن (١) معنى النهي والنهي يتضمن معنى الأمر، فصار تقديره: تأمرك بها (٢) وتنهاك عن هذا، فعلى هذه الوجوه يكون عطفًا على ﴿أَنْ﴾.\nو﴿أَوْ﴾ في الآية: قيل: بمعنى الواو، وقيل: هو كقولك (٣): يركب البغل أو الفرس، أي: مرة هذا ومرة ذلك (٤).\n﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (٨٧)﴾ قيل: بزعمك.\nوقيل: أرادوا ضدهما استهزاءًا به.\nوقيل: قالوا له: إنك لأنت السفيه الجاهل، فرد لله عليهم وقال: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (٨٧)﴾ وهو (٥) ضعيف، بل مردود.\nويحتمل: أن التقدير: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (٨٧)﴾ أي: كنا نظنك قبل هذا بهذه الصفة، كما قالوا لصالح: ﴿يَاصَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا﴾ [هود: ٦٢].\nوما كانوا يفعلون في أموالهم هو البخس والتطفيف، وقيل: كانوا يقطعون الدراهم والدنانير فنهاهم عن ذلك.\nسفيان الثوري: كان يأمرهم بالزكاة، حكاه الماوردي (٦)، وإنما يصح هذا على القراءة الشاذة (٧).\n_________\n(١) في (د): (مضمن).\n(٢) في (ب): (بهذا).\n(٣) سقطت (هو) من (أ)، وسقطت (كقولك) من (ب).\n(٤) في (ب): (ذاك).\n(٥) في (د): (وهذا)، ومن قوله: (وهو ضعيف) ساقط في (ب) إلى قوله: (أي كنا نظنك ...).\n(٦) انظر: «النكت والعيون» ٢/ ٤٩٦ للماوردي.\n(٧) يعني قراءة: (ما تشاء) التي سبق الكلام عليها قبل قليل.","vol":"1","page":784},{"text":"ورشيد: فعيل، يصلح للفاعل والمفعول، تقول: رَشَدَ رُشْدًا ورَشَدًَا فهو رَشِيدٌ، وأرشده الله فهو رشيد مُرْشَد ومُرْشِد فيهما جميعًا.\n﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ بيان وبرهان ﴿وَرَزَقَنِي مِنْهُ﴾ من الله، وقيل: من البيان (١).\n﴿رِزْقًا حَسَنًا﴾ حلالًا من غير بخس وتطفيف.\nوقيل: علمًا ومعرفة (٢).\nوقيل: نبوة.\nوجواب الشرط محذوف تقديره: أتكرهون ذلك، وقيل: تقديره: أفأعدل عنها (٣) وأتبع الضلال.\n﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ معناه: لا أنهاكم عن شيء ثم آتيه.\nوقيل: معناه: لا أجعل فعلي مخالفًا لقولي.\n﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ أي: ما أريد إلا إصلاح (٤) أمركم قدر طاقتي (٥) على حسب قبولكم مني.\nويحتمل: أن المراد به المدة والدوام، كما تقول: ما طلعت شمس وما ذرّ شارق، لأن الاستطاعة من شروط الفعل دون الإرادة.\nوقيل: ﴿مَا اسْتَطَعْتُ﴾ متعلق بالإصلاح.\n_________\n(١) في (د): (من النبات).\n(٢) في (أ): (علمًا ومغفرة).\n(٣) في (د): (أو أعدل)، وفي (أ): (عنهما).\n(٤) في (د): (الإصلاح).\n(٥) في (ب) و(د): (قدر طاعتي)، والمثبت من (أ)، وهو موافق لما عند الواحدي في «البسيط» (ص ٣١٨ - رسالة جامعية).","vol":"1","page":785},{"text":"﴿وَمَا تَوْفِيقِي﴾ لدعائكم إلى الإسلام وترك التطفيف.\n﴿إِلَّا بِاللَّهِ﴾ ومعنى ﴿تَوْفِيقِي﴾: لا تكون أفعالي موافقة للصواب إلا بمعونة الله.\n﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ استعنت به (١) ووثقت به.\n﴿وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨)﴾ أرجع في السراء والضراء، وقيل: أرجع في المعاد، وقيل: له أدعوا.\n﴿وَيَاقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ لا يكسبنكم ولا يحملنكم ﴿شِقَاقِي﴾ مشاقتي وعداوتي وخلافي ﴿أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ﴾ الغرق ﴿أَوْ قَوْمَ هُودٍ﴾ الريح ﴿أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ﴾ الرجفة ﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (٨٩)﴾ لا في الزمان ولا في المكان.\n﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ سبق (٢)، وقيل: ﴿ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ أي: دوموا على التوبة.\n﴿إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ﴾ بالمؤمنين ﴿وَدُودٌ (٩٠)﴾ متحبب إلى عباده بالإحسان إليهم.\nوقيل: محب للمؤمنين.\nوقيل: محبوب المؤمنين، حكاه الثعلبي (٣).\n﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ﴾ ما نفهم وما نعقل ﴿كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ﴾ يريد التوحيد وترك البخس.\n﴿وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾ ضعيف (٤) البصر، وقيل: أعمى، عَمِيَ مِنْ كثرة\n_________\n(١) في (د): (استعنت له).\n(٢) في تفسير نفس السورة، الآية (٣) و(٥٢).\n(٣) انظر: «الكشف والبيان» للثعلبي (ص ١٤٤ - رسالة جامعية).\n(٤) سقطت كلمة (ضعيف) من (ب).","vol":"1","page":786},{"text":"البكاء خشيةَ الله (١).\nوقيل: ضعيف البدن، وحِمْيَرُ تسمي الأعمى ضعيفًا (٢).\n﴿وَلَوْلَا رَهْطُكَ﴾ عشيرتك، وكان في عز ومنعة (٣) من قومه.\nقال (٤) قتادة: بلغنا أنهم كانوا أربعة آلاف ألف.\nابن عيسى: أصل الرهط: الشَّدُّ، ومنه: التَرْهِيْطُ (٥): شِدَّةُ الأكل، والرَّاهِطاءُ، والرَّهْطُ أيضًا (٦): اسم لما دون العشرة (٧) من الرجل (٨)، وجمعه أَراهِطُ، وهو شاذ، ولا يقع الرَّهْطُ والعصبة والنفر إلا على الرجال (٩).\n﴿لَرَجَمْنَاكَ﴾ قتلناك، وقيل: سبيناك.\n﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ (٩١)﴾ لست عندنا من أهل الكرامة والتوقير.\nوقيل: وما أنت علينا بذي غلبة.\nوقيل: ملك، وكانوا يسمون الملك عزيزًا.\n_________\n(١) في (ب): (... البكاء من خشية الله)، ولم يرد لفظ الجلالة في (د).\n(٢) حمير: قبيلة باليمن، تنسب إلى حمير بن الغوث الأدنى، وهم أهل فصاحة وشعر، وإليهم تنسب أكثر هذه اللغة الحميرية.\nانظر: «معجم البلدان» لياقوت ٢/ ٣٠٦ - ٣٠٧.\n(٣) في (ب): (ونعمة).\n(٤) سقطت (قال) من (ب)، وأثر قتادة: أخرجه الطبري ١٢/ ٥٣٦ - ٥٣٧.\n(٥) في (د): (الرهيط).\n(٦) سقطت كلمة (والراهطاء) من (ب)، كما سقطت كلمة (أيضًا) منها، والراهطاء: أول حفرة من حجر اليربوع كما ورد في «اللسان» رهط.\n(٧) في (ب): (لما دونه لعشرة).\n(٨) في (د): (الرجال).\n(٩) نقل بعضه عن علي بن عيسى الرماني: أبو حيان في «البحر المحيط» ٥/ ٢٥١.","vol":"1","page":787},{"text":"﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ﴾ أمنع، وهذا إنكار، أي: حفظكم إياي في الله أولى منه في رهطي.\n﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ الظهري: المنسي المتروك الذي جعل كأنه خلف الظهر، فيكون الضمير في قوله ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ﴾ يعود إلى الله سبحانه، وقيل: إلى أمر الله، وقيل: إلى ما جاء به شعيب.\nوالمعنى: لم تلتفتوا (١) إليه، وهذا قول جمهور المفسرين في الظهري (٢).\nوقيل: الظهري أيضًا: العون وما يتقوى به، وهو (٣) ظهري: أي: عُدتي، وفلان بين ظهريهم وظهرانيهم على التثنية.\nقال المبرد: فعلى هذا اتخذتم العصيان عدة لدفعي (٤)، وينبغي أن يكون وراء بمعنى قدام.\n﴿إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٩٢)﴾ عالم به مجاز عليه.\nالحسن (٥): هو من قولهم حملت فلانًا على ظهرك إذا أظهرت عناده.\n﴿وَيَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾ سبق في الأنعام تفسيره (٦).\nوقوله ﴿يُخْزِيهِ﴾ أي: يهلكه ويفضحه.\n﴿وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ﴾ قيل: تقديره: ويخزي من هو كاذب، وقيل: عطف على\n_________\n(١) في (د): (ما تلتفتوا).\n(٢) اختاره الطبري ١٢/ ٥٥٨، ونقل الواحدي في «البسيط» (ص ٧٢٣ - رسالة جامعية) أنه قول جميع أهل المعاني.\n(٣) في (د): (وهذا).\n(٤) نقله عن المبرد: أبو حيان ٥/ ٢٥٧.\n(٥) سقطت كلمة (الحسن) من (أ)، ولم أجد قول الحسن في مصدر آخر.\n(٦) عند تفسير الآية (١٣٥) من سورة الأنعام.","vol":"1","page":788},{"text":"الأول، وهو الأظهر.\n﴿وَارْتَقِبُوا﴾ انتظروا هلاكي ﴿إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ (٩٣)﴾ لهلاككم.\n﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ قيل: الصيحة: الصياح، صاح بهم جبريل ﵇ فماتوا.\nوقيل: الصيحة ها هنا: العذاب، وإنما هلكوا (١) بالحرّ، وهم أهل يوم الظُّلة.\nوقيل: بعث الله شعيبًا إلى مدين وإلى أصحاب الأيكة، فأهلك أصحاب مدين بالصيحة كما في الآية، وأصحاب الأيكة بالحر، ويقويه ما بعده: ﴿أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ (٩٥)﴾ [هود: ٩٥]، وثمود أهلكوا بالصيحة.\n﴿فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩٤)﴾ ميتين صرعى هلكى ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ لم يقيموا ولم يكونوا فيها، شبّه هلاكهم بانقطاع آثارهم منها بما لم يكونوا فيها.\n﴿أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ﴾ هلاكًا وإبعادًا ﴿كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ (٩٥)﴾ هلكت.\nبَعُد بالضم: ضد قَرُب، وبَعِد بالكسر: هلك.\n﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا﴾ و(٢) هي المعجزات التسع.\n﴿وَسُلْطَانٍ﴾ حجة واضحة نيّرة، واشتقاقه من: السليط، وهو: الزيت.\n﴿مُبِينٍ (٩٦)﴾ واضح وموضح، وأبان: لازم ومتعد.\n﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا﴾ أي: الملأ.\n﴿أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (٩٧)﴾ جواب لفرعون في قوله ﴿وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ (٢٩)﴾ [غافر: ٢٩] ..\nوقيل: معناه: وما أمره ذا صلاح (٣).\n_________\n(١) في (د): (أهلكوا).\n(٢) سقط حرف الواو من (ب).\n(٣) في (ب): (ذو صلاح).","vol":"1","page":789},{"text":"وقيل: الرشيد هاهنا: بمعنى المُرْشِد على ما سبق (١).\n﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ يتقدمهم يقودهم إلى النار ﴿فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ (٢) وذِكْرُهُ بلفظ الماضي يحتمل (٣) وجهين:\nأحدهما: فأوردهم في الدنيا (٤) النار، أي (٥): إلى موجبه وهو الكفر.\nوالثاني: أن ألفاظ القيامة أكثرها جاء بلفظ الماضي تحقيقًا، فيكون المعنى: يقودهم إلى أن يوردهم فيدخل قبلهم وهم خلفه.\n﴿وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (٩٨)﴾ المدخل المدخول (٦) فيه النار، وهو ذمٌّ للنار، وقيل: للواردين، وأصله: من الورود: وهو إتيان الماء.\nابن عباس ﵄: الوِرد: الدخول (٧).\n﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً﴾ يعني في هذه الدنيا ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ سبق (٨)، وقيل: ويلعنون (٩) يوم القيامة.\n﴿بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ (٩٩)﴾ العطاءُ المُعْطى والعَوْنُ المُعَان.\nوأصل الرِّفْد: شيءٌ يضاف إلى شيءٍ ليعمده ويقويه، تقول: رفدت الحائط، واسم ذلك: رِفْدٌ، ثم جُعِلَ كل إعانة رِفْدًا، والمعنى: بئس العطاء المعطى، اللعنة بعد اللعنة.\n_________\n(١) يقصد - والله أعلم - قوله تعالى في نفس سورة هود ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ الآية (٨٧).\n(٢) سقط قوله تعالى: (فأوردهم النار) من (أ).\n(٣) في (د): (ويحتمل).\n(٤) سقطت كلمة (الدنيا) من (د).\n(٥) سقطت (أي) من (ب).\n(٦) في (ب): (المدخل المدخل فيه النار).\n(٧) أخرجه عبدالرزاق في تفسيره ١/ ٣١٣، والطبري ١٢/ ٥٦٢ - ٥٦٣، وابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٨٠.\n(٨) في نفس هذه السورة: هود، الآية (٦٠).\n(٩) سقط حرف الواو في (ب): (وقيل يلعنون).","vol":"1","page":790},{"text":"﴿ذَلِكَ﴾ أي: ذلك النبأ ﴿مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ﴾ نخبرك به ﴿مِنْهَا قَائِمٌ﴾ أي: عامر ﴿وَحَصِيدٌ (١٠٠)﴾ ومنها حصيد خراب (١)، وأصل الحصد: قطع الشيء من أصله، ومعنى الحصيد: المحصود.\nوقيل: قائم بناؤها خالٍ عن أهلها، وحصيد: مطموس العين والأثر.\nوقيل: القائم: ما بقيت حيطانه، كقوله ﷿ ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (٤٥)﴾ [الحج: ٤٥]، والحصيد: المخسوف به وما قد محي أثره.\nويحتمل: أن المراد بالقرى قرى من تقدم ذكرهم، وأن القائم منها: ديار قوم هود وصالح وموسى ﵈، والحصيد: ديار قوم نوح ولوط.\n﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ﴾ بإهلاكنا إياهم ﴿وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ باتخاذهم الأصنام\n﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ﴾ ما نفعتهم ولا دفعت عنهم ﴿آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ العذاب ﴿وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ (١٠١)﴾ هلاك، وقيل: خسارة (٢)، من قوله ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد ١]، وقيل: تدمير وتخسير.\n﴿وَكَذَلِكَ﴾ أي: كما بيّنا من أخذه وإهلاكه ﴿أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى﴾ أي: أهلها (٣) ﴿وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ أي: أهلها كافرون ﴿إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ﴾ مؤلم ﴿شَدِيدٌ (١٠٢)﴾ يعسر زواله ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ﴾ أي: إن في ذلك الذي نزل بالأمم المهلكة من أنواع العذاب لعبرة لمن خاف عذاب الآخرة، أي: اعتقد صحته ووجوده، وقيل: ﴿لَآيَةً﴾: علامة أن الله ينجز وعده للمؤمنين، وقيل: للأنبياء أن ينصرهم.\n_________\n(١) في (د): (جواب).\n(٢) في (د): (خسار) بدون التاء المربوطة.\n(٣) في (أ): (أهلكها).","vol":"1","page":791},{"text":"﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ﴾ يحشر الخلائق كلهم فيه وليس يوم (١) بهذه الصفة إلا يوم القيامة.\n﴿وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (١٠٣)﴾ يشهده أهل السموات والأرضين (٢).\nوفي تفسير ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (٣)﴾ [البروج: ٣]: أن الشاهد محمد -ﷺ- والمشهود يوم القيامة.\n﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ﴾ أي: اليوم المذكور، وقيل: الجزاء.\n﴿إِلَّا لِأَجَلٍ﴾ لوقت مؤخر عُيّن لوقوع أَمْرٍ ما فيه.\n﴿مَعْدُودٍ (١٠٤)﴾ معلوم محسوب.\n﴿يَوْمَ يَأْتِ﴾ أي (٣): يوم يأتي الجزاء، ويحتمل: أن اليوم بمعنى الحين، أي: حين يأتي ذلك اليوم ﴿لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾ بنفع من (٤) شفاعة أو وسيلة ﴿إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ وقيل: إن فيه وقتًا يمنعون عن الكلام إلا (٥) بإذن الله.\n﴿فَمِنْهُمْ﴾ أي: من الذين جُمِعُوا لمجيئ (٦) الأجل، وقيل: يعود إلى النفس (٧)، والمراد بها الإنسان ﴿شَقِيٌّ﴾ مستحق للنار (٨) سبقت له الشقاوة ﴿وَسَعِيدٌ (١٠٥)﴾ أي: ومنهم سعيد مستحق للجنة سبقت له السعادة.\nوقيل: شقي معذب وسعيد منعم.\n﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦)﴾ الزفير: ابتداء صوت الحمار (٩) في النهيق، وأصله من المَزْفُور: وهو الشديد (١٠) الخَلْقِ، والشهيق: آخر صوت الحمار، وأصله الطول، من الجبل الشاهق.\nوقيل: الشهيق: الصوت الشديد يصدر عن اشتداد الكرب، وربما تبعته الغشية وتلاه الموت.\n_________\n(١) في (د): (يومًا).\n(٢) في (د): (والأرض).\n(٣) سقطت (أي) من (د).\n(٤) في (أ): (بنفع أو شفاعة ...).\n(٥) في (أ): (من الكلام)، وفي (د): (عن الكلام فيه إلاّ ...).\n(٦) في (د): (المجيء).\n(٧) في (ب) زيادة: (يعود على إلى النفس).\n(٨) في (أ): (النار).\n(٩) في (أ): (الحمار والنهيق).\n(١٠) في (ب): (الشدل).","vol":"1","page":792},{"text":"﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ حال مقدر، تقول العرب: مررت برجل معه صقر صائدًا به غدًا، والعامل فيه معنى الاستقرار في قوله ﴿فَفِي النَّارِ﴾.\n﴿مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ أي: دوام السموات والأرض، وأراد بالدوام: وقت الدوام، وقيد الخلود بالدوام: لأن العرب لا تفهم خلودًا لا نهاية له، وهذه لفظة (١) وضعت للدوام ولها أمثال.\nوفي هذه الآية والتي تليها سؤالان:\nأحدهما: أن السموات والأرض فانيات وأن بقاء أهل الدارين بصفة الدوام فكيف علق ما يبقى بما يفنى.\nوالثاني: بم يتصل الاستثناء.\nوقد أكثر المفسرون والنحاة الكلام فيها (٢).\nأما السؤال الأول فالجواب عنه من وجوه:\nأحدها: أن العرب كانت تعتقد دوامهما، فخاطبهم على ما اعتقدوا وإن كان الله علم من شأنهما ما جهلوا.\nوالثاني: أنهما تعادان، وإذا أعيدتا بقيتا إلى غير نهاية، يقويه قوله ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨] ..\nوالثالث: ما دامت السماء سماء والأرض أرضًا وهذا شيء (٣) لا يفارقهما في ذواتهما بقيتا أو فنيتا (٤).\nوالرابع: ما دامت سماء الجنة وأرض النار.\nويحتمل: أن المراد منه المعنى، لأن الكلام على ضَرْبَين: ضَرْبٌ يصل إلى الغرض بدلالة اللفظ وحده (٥)، نحو: قام زيد وجلس عمرو، وضرب آخر لا يصل إلى الغرض بدلالة اللفظ وحده ولكن يدل (٦) اللفظ على معناه الذي يقتضيه موضوعه في اللغة ثم (٧) تجد لذلك المعنى معنىً تَصِلُ به إلى الغرض، كقوله ﴿سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ﴾ [الأعراف: ١٤٩]، ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ﴾ [الكهف: ١١]، وفلان طويل النجاد كثير الرماد،\n_________\n(١) في (أ): (لفظت).\n(٢) في (د): (فيهما).\n(٣) سقطت كلمة (شيء) من (أ).\n(٤) في (د): (نفيتا).\n(٥) حصل سقط في (د) فجاء النص فيها كالتالي: (... وحده لكن بدلالة اللفظ على معناه) فانتقل نظر الناسخ عند كلمة (وحده) وأسقط سطرًا كاملًا -والله أعلم-، ثم تنبه وأضاف على الهامش بعد كلمة (وحده) الأولى: (وضرب لا بدلالة اللفظ وحده) وأوصلها بقوله (لكن بدلالة اللفظ على معناه ...).\n(٦) في (ب): (يدلك).\n(٧) سقطت (ثم) من (أ).","vol":"1","page":793},{"text":"وكل (١) واحد من هذه يدل لفظه على معنى والمعنى على معنى آخر، وكذلك ﴿مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ دلَّ (٢) على الأبد بواسطة ألفاظ هي (٣) غير مرادة لها بل لمعنى المعنى.\n﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ وهو السؤال الثاني، وعنه (٤) عشرة أجوبة:\nأحدها: أن قوله ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ يصرف إلى السموت والأرض والخلود بحاله، أي (٥): إلا أن يشاء الله فيهما ما يشاء.\nوقيل: إلا ما شاء الله من زيادة الدوام على دوام السماوات والأرض.\nوقيل: ﴿إِلَّا﴾ ها هنا بمعنى سوى، تقول: لك عليّ ألف إلا الألفان اللذان (٦) تعرفهما فيلزمك ثلاثة آلاف.\nوقيل: هذا الإطلاق يوجب أن يكونوا في حال الإخبار في الجنة أو في النار فاستثنى مدة لبثهم في الدنيا والبرزخ.\nوقيل: مدة وقوفهم في القيامة قبل الدخول.\nوقيل: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ بزيادة العذاب على أهل النار وبزيادة النعيم على أهل الجنة.\nقال الفراء: ﴿إِلَّا﴾ بمعنى الواو، أي: وما شاء ربك (٧).\nوقيل: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ بمعنى: مَنْ، وهم قوم يخرجون من النار ويدخلون الجنة فيقال لهم: الجَهَنَّمِيُّون (٨)، وهم المستثنون من أهل الجنة أيضًا لمفارقتهم إياها\n_________\n(١) في (د): (فكل).\n(٢) في (أ): (دلت).\n(٣) سقطت (هي) من (د).\n(٤) في (ب): (... الثاني وهو عشرة ...).\n(٥) سقطت (أي) من (د).\n(٦) في (د): (إلا ألفان اللتان).\n(٧) انظر: «معاني القرآن» للفراء ٢/ ٢٨.\n(٨) وقد ورد ذلك في صحيح البخاري (٦٥٥٩) عن أنس بن مالك عن النبي -ﷺ- قال: (يخرج قومٌ من النار بعدما مَسَّهُم منها سَفْعٌ فيدخلون الجنة فيسميهم أهل الجنة الجهنميون).","vol":"1","page":794},{"text":"بكونهم في النار أيامًا، فهؤلاء (١) لم يشقوا شقاء من يدخل النار على التأبيد ولا سعدوا سعادة من لا تمسه النار.\nوقيل: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ وهو (٢) ما روي عن ابن عباس ﵄ أنه (٣) قال: ليأتينّ على جهنم زمان تطبق أبوابها ليس فيها أحد وذلك بعد ما يلبثون فيها أحقابًا فيأمر الله النار فتأكلهم (٤).\nوقال الشعبي: جهنم أسرع الدارين عذابًا وأسرعهما خرابًا (٥). ولهذا قال في الجنة ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨)﴾ [هود: ١٠٨] ولم يقل مثله في النار.\nوروي عن الدهان وجه فيه جواب المسألتين (٦): وذلك أنه جعل ﴿مَا﴾ للنفي، و﴿إِلَّا﴾ جوابًا له على تقدير: لاتدوم السموات والأرض إلا مقدار ما شاء ربك، قال: ويكون المعنى: يدخلونها (٧) عن قريب (٨).\n_________\n(١) في (أ): (وهؤلاء).\n(٢) لم يرد حرف الواو في (د) وجاء فيها (هو) فقط.\n(٣) سقطت (أنه) من (ب).\n(٤) أخرجه الطبري ١٢/ ٥٨٢ من قول عبدالله بن مسعود وليس ابن عباس رضي الله عن الجميع.\nوعد الطبري (تَخْفِق) بدلًا من (تطبق).\n(٥) أخرجه الطبري ١٢/ ٥٨٢ عن الشعبي، وعنده: (عمرانًا) بدلًا من (عذابًا).\n(٦) في (ب): (جواب المسلمين).\n(٧) في (ب) زيادة واو: (ويدخلونها).\n(٨) لم أجد هذا القول في المصادر التي بين يدي، والدهان: لقب لجماعة من أهل العلم، منهم: أبو الحسن عبدالجبار بن عبدالوهاب النيسابوري (مترجم في «سير أعلام النبلاء» للذهبي ٢٠/ ٤٦) ولم تذكر سنة وفاته، ويمكن أن يكون: أبو نصر عبيدالله بن أبي عاصم الهروي الصوفي («السير» ٢٠/ ١٦٩) المتوفى سنة (٥٣٩ هـ)، ويمكن أن يكون: أبو محمد سعيد بن المبارك البغدادي النحوي وهو أشهرهم، وله تصانيف في النحو، منها «شرح الإيضاح» لأبي علي الفارسي، وللكرماني مختصر لهذا الكتاب أيضًا، وقد توفي سعيد هذا سنة (٥٦٩ هـ)، وهذا متأخر عن الكرماني، وهو مترجم في «السير» ٢٠/ ٥٨١، فالله أعلم أقصد الكرماني أحدهم أم غيرهم.","vol":"1","page":795},{"text":"وقيل: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ وهو لا يشاء غير تخليدهم.\nوقيل: لهم فيها زفير وشهيق إلا ما شاء ربك من أنواع العذاب.\n﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧)﴾ من غير اعتراض عليه.\n﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ تقول: سَعَده الله فَسَعِد، ومسعود منه، وأَسْعَدَ هو المعروف في كلام العرب، كقوله (١): أَحَبَّ فهو محبوب، وقد جاء حَبَّهُ كما جاء سَعَده (٢).\n﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨)﴾ غير مقطوع عنهم، و﴿عَطَاءً﴾ نصب على المصدر، أي: أعطوا عطاء.\nوقيل: حال عن الجنة، كقوله (٣) ﴿نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ (١٠٩)﴾ [هود: ١٠٩] ..\n﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ﴾ المرية: الشك (٤) تطلب معه اليقين، والفعل منه: امترى وتمارى ومارى غيره مماراة (٥) ومراء، وفيه ثلاثة أقوال:\nأحدها: أن المعنى (٦): لا تشك أن عبادة ما يعبدونه ضلال.\nوالثاني: لا تشك أنها تقليد لآبائهم واقتداء منهم بهم.\nوالثالث: أن الكفار نوعان:\nنوع: ينفون الصانع (٧)، ونوع: يقرون بالله ويعبدون الأصنام، أي: فلا تشك\n_________\n(١) في (ب): (كقولك).\n(٢) قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم وخلف (سُعدوا) بضم السين، وقرأ باقي العشرة (سَعِدوا) بفتح السين.\nانظر: «المبسوط» لابن مهران (ص ٢٠٦).\n(٣) في (ب): (كقولهم).\n(٤) في (ب): (المرية والشك تطلب ...).\n(٥) في (د): (مارى غير مماراة).\n(٦) سقطت (أن المعنى) من (ب).\n(٧) يوصف الله تعالى بأنه صانع كل شيء، وليس (الصانع)، من أسمائه تعالى.\nانظر: «شفاء العليل» لابن القيم ١/ ٣٩٤ - ٣٩٥، و«صفات الله ﷿» لعلوي السقاف (ص ١٦٣ - ١٦٤).","vol":"1","page":796},{"text":"في أن هؤلاء في الكفر كهؤلاء.\n﴿مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: هم كآبائهم في الكفر والتقليد، ومعنى ﴿كَمَا يَعْبُدُ﴾ كما كان يعبد، فحذف لأن ﴿قَبْلُ﴾ يدل عليه.\n﴿وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ حظهم ﴿غَيْرَ مَنْقُوصٍ (١٠٩)﴾ قيل: من الرزق، وقيل: من الخير والشر، وقيل: من العذاب.\n﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ التوراة ﴿فَاخْتُلِفَ فِيهِ﴾ فصدقه قوم وآمن به، وكفر به قوم، وهذه تسلية لرسول الله -ﷺ-.\n﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ بتأخير العذاب عن أمة محمد -ﷺ- إلى يوم القيامة ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ لأُهلكوا وفُرغ من عذابهم ﴿وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١١٠)﴾ أي: ريب يوقع الريبة (١) ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا﴾ المؤمن والكافر.\nاختلف القراء (٢) في تخفيف ﴿وَإِنَّ﴾ وتشديده بعد إجماعهم على نصب كل (٣) إلا شاذًا، واختلفوا في تخفيف ﴿لَمَّا﴾ (٤) وتشديده، فمن خفف فلكراهة اجتماع اللامين، زيد بينهما (ما) وهي صلة، واللام الأولى لام الابتداء وهو الذي يدخل في خبر (إن) والثانية لام القسم، وقيل: (ما) بمعنى الذي، أي: للذي (٥) ليوفينهم، وقيل: بمعنى مَنْ، أي: لمن ليوفينهم، ومن شدّد فهو مشكل.\n_________\n(١) في (د): (في ريب وموقع الريبة).\n(٢) قرأ أبو جعفر وابن عامر وحمزة، وحفص عن عاصم (وإنَّ كُلًاّ لمَّا) مشددتين في (إنّ) و(لمَّا)، وقرأ أبو عمرو والكسائي وخلف ويعقوب (وإنَّ كلًاّ) مشددة (لَمَا) خفيفة.\nوقرأ ابن كثير ونافع (وإن كُلًاّ لَمَا) خفيفتين.\nوقرأ عاصم في رواية أبي بكر (وإن كُلًاّ) خفيفة (لمّا) مشددة.\nانظر: «المبسوط» لابن مهران (ص ٢٠٦).\n(٣) سقطت كلمة (نصب) من (أ)، ووردت (كل) في (د): (كلًا).\n(٤) سقطت كلمة (تخفيف) من (ب)، ووردت (لما) في (أ): (إن)، وهو خطأ، والمثبت من (ب) و(د).\n(٥) في (د): (الذي).","vol":"1","page":797},{"text":"قال الكسائي: لا أعرف للتشديد وجهًا.\nقال أبو علي: لم يُبعد فيما قال (١).\nوقال (٢) بعضهم: معناه: إلا كما تقول نشدتك الله لمَّا فعلت كذا وإِلَاّ فعلت كذا، بالكسر، أي: ما أسألك (٣) بالله إلا كذا، وهذا بعيد، لأن الناصبة لا يقع بعدها (لما) ولا (إلا)، إنما يقعان إذا تقدمهما (٤) نفي وطلب.\nقال المازني (٥): أصله (لما) بالتخفيف فشدد، وهذا (٦) بعيد.\nوقال الفراء: أصله (لمن ما) فأدغم النون فصار ميمًا ثم (٧) حذف وأدغم الميم المفتوحة، وهذا أيضًا (٨) كما ترى بعيد (٩).\n_________\n(١) انظر: «الحجة» لأبي علي الفارسي ٤/ ٣٨٨.\n(٢) سقط حرف الواو من قوله (وقال) من (أ).\n(٣) في (أ): (أي أسألك).\n(٤) في (أ): (تقدمها).\n(٥) المازني: هو بكر بن محمد، أبو عثمان المازني، النحوي اللغوي المفسر، المقرئ، صاحب تصانيف، ومن مشايخه: أبو عبيدة والأصمعي، ومن تلاميذه: المبرد، توفي سنة (٢٤٧ هـ) وقيل (٢٤٨ هـ) وقيل (٢٤٩ هـ).\nانظر: «الموسوعة الميسرة» ١/ ٥٧٢ - ٥٧٧.\nوقوله هذا ذكره الزجاج في «معاني القرآن» ٣/ ٨١.\n(٦) في (ب): (وهو بعيد).\n(٧) سقطت (ثم) من (د).\n(٨) سقطت (أيضًا) من (ب).\n(٩) انظر: «معاني القرآن» للفراء ٢/ ٢٩، وانظر لمعرفة أسباب تضعيف هذا القول: «الدر المصون» ٦/ ٤٠٥.","vol":"1","page":798},{"text":"وقيل: إنما هو لَمىّ، فَعْلَى من لمَمْتُ أو لَمًّا، فأُجري الوصل مجرى الوقف، وقد قريء (لَمًّا) في الشاذ (١)، كقوله ﴿أَكْلًا لَمًّا (١٩)﴾ [الفجر: ١٩].\nومعنى ﴿لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ﴾ أي: جزاء أعمالهم ﴿إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١١)﴾.\n﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ أي: أمرك (٢) ربك، وبلغ الرسالة وادع الناس إلى الإيمان بالله.\nعائشة في جماعة: استقم على القرآن (٣).\nالسدي: الخطاب للنبي -ﷺ- والمراد به الأمة (٤).\nقال ابن عباس (٥): ما نزلت على رسول الله -ﷺ- في جميع القرآن (٦) آية كانت أشد ولا أشق عليه من هذه الآية، قال (٧): ولهذا قال: (شيبتني سورة هود) (٨).\n﴿وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾ أي: آمن بك فليستقيموا.\n﴿وَلَا تَطْغَوْا﴾ لا تجاوزوا أمر الله.\n_________\n(١) عزاها المنتجب الهمداني في «الكتاب الفريد» ٣/ ٥٢٦ إلى الزهري وسليمان بن أرقم.\n(٢) في (أ): (أمر ربك).\n(٣) أما أثر عائشة فقد ذكره ابن حبيب في تفسيره (ق ١١٤/أ) والثعلبي (ص ١٦٨).\nوأما الجماعة الذين أشار إليهم، فلم أعرف منهم إلاّ سفيان بن عيينة وقد ورد الأثر عنه عند الطبري ١٢/ ٥٩٩، وسفيان الثوري عند الثعلبي (ص ١٦٨).\n(٤) ذكره ابن حبيب (ق ١١٤/أ) والثعلبي (ص ١٦٨) عن السدّي.\n(٥) سقط قوله (قال ابن عباس) من (أ).\n(٦) سقط قوله (في جميع القرآن) من (ب).\n(٧) سقطت كلمة (قال) من (أ).\n(٨) أما قول ابن عباس فقد ذكره ابن حبيب (ق ١١٤/أ) والثعلبي (ص ١٦٨)، وأما الحديث المرفوع (شيبتني سورة هود) فقد سبق تخريجه والكلام عليه في مطلع السورة والحمد لله.","vol":"1","page":799},{"text":"﴿إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢)﴾ يعلم أعمالكم فيجازيكم عليه (١).\n﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ ابن عباس ﵄: لا تميلوا (٢).\nوقيل: لا ترضوا أعمالهم.\nوقيل: لا تدهنوا، من قوله ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (٩)﴾ [القلم: ٩].\nوقيل: لا تلحقوا بالمشركين.\nوحقيقة الركون: السكون إلى الشيء بالمحبة له، تقول: رَكَنَ يَرْكُنُ بالفتح والضم: إذا مال، والرُّكْنُ: ناحية من الجبل أو الحائط قوية.\n﴿فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ فيصيبكم العذاب.\n﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ أعوان يمنعونكم من عذاب الله.\n﴿ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (١١٣)﴾ حال وليس بعطف، أي: حالكم حينئذ هذا.\n﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ في سبب النزول بروايات جمّة وطرق مختلفة: أنها نزلت في رجل أتى النبي -ﷺ- فقال: إني قد أصبت من امرأة، غير أني لم آتها، فأنزل الله ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾.\nوفي رواية أخرى: فقال الرجل: أَلِي خاصة يا رسول الله (٣) أم للناس عامة، فضرب عمر صدره، وقال: لا ولا نعمة عين، ولكن للناس عامة، فضحك رسول الله -ﷺ-، فقال: صدق عمر (٤).\nوذكر الثعلبي أن اسم الرجل: أبو اليَسَرِ (٥) عمرو بن غزية الأنصاري (٦).\n_________\n(١) في (ب): (عليها).\n(٢) أخرجه الطبري ١٢/ ٦٠١.\n(٣) سقط لفظ الجلالة من (ب).\n(٤) أخرجه البخاري (٥٢٦) و(٤٦٨٧) ومسلم (٢٧٦٣) بروايات عدّة، كما أخرجه الطبري ١٢/ ٦١٧ - ٦٢٧ والواحدي في «أسباب النزول» (ص ٤٤٣ - ٤٤٧).\n(٥) في (د): (أبو البشر).\n(٦) ذكر ذلك الثعلبي في تفسيره (ص ١٧٢)، ولكن الترمذي سمّاه (كعب بن عمرو) كما في سنن الترمذي (٣١١٥).","vol":"1","page":800},{"text":"قوله ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ أي: المفروضة ﴿طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾: صلاة الصبح، واختلف في الطرف الثاني:\nابن عباس: المغرب (١).\nالقرظي: الظهر والعصر (٢).\nالضحاك: صلاة العصر (٣).\nمقاتل: صلاة الفجر والظهر طرف وصلاة العصر والمغرب طرف (٤).\n﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ العشاء الاخرة.\nالحسن: ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ المغرب والعشاء (٥).\nوالزُّلفة: الساعة من الليل، والزُّلفة: المنزلة والقربة، ومنه الزُّلفى والمزدلفة.\n﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ إن الصلوات الخمس (٦) تذهب بالذنوب.\nوفي الحديث: إن الصلوات الخمس تكفر مابينها من الذنوب (٧).\n_________\n(١) أخرجه الطبري ١٢/ ٦٠٣، وابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٩١.\n(٢) أخرجه الطبري ١٢/ ٦٠٢، ومحمد بن نصر في «تعظيم قدر الصلاة» ١/ ١٤٧ - ١٤٨ (رقم ٨٢)، وعن محمد بن كعب القرظي رواية أخرى أنه العصر كما عند الطبري ١٢/ ٦٠٤.\n(٣) أخرجه الطبري ١٢/ ٦٠٤، وعن الضحاك رواية أخرى أنه الظهر والعصر كما عند الطبري ١٢/ ٦٠٣.\n(٤) في تفسير مقاتل بن سليمان ٢/ ٣٠٠: («طرفي النهار» يعني صلاة الغداة وصلاة الأولى والعصر، ثم قال (وزلفًا من الليل) يعني صلاة المغرب والعشاء)، فلعل المراد: مقاتل بن حيّان، أو يكون قولًا ثانيًا لمقاتل بن سليمان.\n(٥) أخرجه الطبري ١٢/ ٦٠٩، وابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٩١، وعن الحسن أنها العشاء كما عند الطبري ١٢/ ٦٠٨.\n(٦) حصل هنا سقط في (ب) من بعد كلمة الخمس إلى السطر التالي، فكان النص كالتالي (... الخمس تكفر ما بينها ...).\n(٧) هذا له شواهد كثيرة، منها ما أخرجه البخاري (٥٢٨) ومسلم (٢٨٣) عنه -ﷺ-: (الصلوات الخمس يمحو الله بهن الذنوب والخطايا).","vol":"1","page":801},{"text":"الحسن: إذا كان قبل الأذان ينادى منادٍ: يا بني آدم قوموا فأطفئوا نيرانكم إن الحسنات يذهبن السيئات (١).\nوقيل: الحسنات: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله (٢) والله أكبر.\n﴿ذَلِكَ﴾ أي: الذي ذكرنا.\nوقيل: القرآن.\n﴿ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤)﴾ أي: لمن شأنه أن ينتبه (٣) إذا نبه.\n﴿وَاصْبِرْ﴾ على الصلوات ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١١٥)﴾ المصلين.\nهو كقوله ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٣٢].\nوقيل: واصبر فإن بالصبر تنال درجة المحسنين.\nوقيل: واصبر على ما يصيبك من أذى قومك.\n﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: فهلا كان، وهو موضوع للتحضيض ومختص بالفعل.\nوقيل: هو مركب من (لو) (٤) الذي للتمني و(لا) النافية، أي: لم يكن (٥) المتمني كونه.\nوالبقية: الباقي من الشيء، أي: بَقِيَتْ له بقية من الرأي والعقل والتمييز والبصيرة فيعرف الحق من الباطل والصواب من الخطأ.\nابن عيسى: ﴿أُولُو بَقِيَّةٍ﴾: أصحاب جماعة تبقى من نسلهم.\nابن بحر: من يبقي على نفسه وقومه من عذاب الله تعالى.\nوالمعنى: لو كان منهم مَنْ هذه صفته لما نزل بهم العذاب.\n﴿إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ﴾ أي: لكن قليلًا منهم أنجيناهم لأنهم كانوا بهذه الصفة، والاستثناء منقطع.\n﴿وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ﴾ أي: عودوا التُّرْفَةَ بالنعيم واللذة، والتُّرْفَةُ عادة النَّعْمَة.\n_________\n(١) لم أجده عن الحسن، ولكن روي معناه مرفوعًا، فقد أخرج الطبراني في «الأوسط» (٩٤٥٢) من حديث أنس بن مالك قال: قال رسول الله -ﷺ-: (إن لله تعالى مَلكًا ينادي عند كل صلاة: يا بني آدم: قوموا إلى نيرانكم التي أوقدتموها على أنفسكم فأطفئوها).\nوهو حيث خرجه الألباني وتكلم عليه وحكم بضعفه في «سلسلة الأحاديث الضعيفة» (٣٠٥٧)، بينما حسنه لشواهده في «صحيح الترغيب والترهيب» (٣٥٨).\n(٢) سقط قوله (ولا إله إلا الله) من (أ).\n(٣) في (د): (يتنبه).\n(٤) في (أ): (مركب بلو الذي ...).\n(٥) سقطت كلمة (يكن) من (أ).","vol":"1","page":802},{"text":"وقيل: أُبطروا فيه (١).\nوالمعنى: آثروا الدنيا والتنعم فيها على الآخرة.\n﴿وَكَانُوا مُجْرِمِينَ (١١٦)﴾ كافرين.\n﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (١١٧)﴾ أي: بظلم من الله وأهلها مصلحون مؤمنون (٢) محسنون.\nوقيل: بظلم منهم، أي: بعضهم، والأكثر على الصلاح.\nوقيل: بظلم منهم، وهو الشرك، وأهلها مصلحون في المعاملات فيما بينهم لا (٣) يظلم بعضهم بعضًا، لأن مكافأة الكفر والشرك: النار، وإنما أهلك من أهلك (٤) بالتعدي في الشرك.\nوقيل: وفيهم مصلحون يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.\n﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ أي: مسلمين كلهم، لكن لم (٥) يشأ ذلك.\n﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨)﴾ في الأديان، كاليهود والنصارى والمجوس.\nوالاختلاف: اعتقاد كل واحد نقيض ما يعتقده (٦) الآخر.\n﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ فهداه إلى الإيمان فإنه ناج من الاختلاف بالباطل، والاستثناء منقطع.\nالحسن: لا يزالون مختلفين (٧) في الأرزاق والأحوال من تسخير بعضهم لبعض (٨).\nوقيل: معنى ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨)﴾: لايزال الخَلَفُ فيهم يتبع السلف (٩).\n_________\n(١) هكذا في (أ) و(ب) وهي كذلك عند الثعلبي في «الكشف والبيان» (ص ١٧٥ - رسالة جامعية)، أما نسخة (د) ففيها: أنظروا فيه.\n(٢) سقطت كلمة (مؤمنون) من (ب).\n(٣) في (ب): (ولا).\n(٤) قوله (من أهلك) سقط من (أ).\n(٥) في (د): (... كلهم أي ولكن ...) وفي (ب): (لكن ما يشآ ذلك).\n(٦) في (ب) (خلاف ما يعتقد الآخر).\n(٧) حصل سقط في (ب) من بعد كلمة (مختلفين) وانتهى في السطر التالي عند كلمة (مختلفين) أيضًا، ولعله انتقل نظر الناسخ بين الكلمتين فأسقط ما بينهما.\n(٨) أخرجه الطبري ١٢/ ٦٣٦، وابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٩٤.\n(٩) هذا قول ابن بحر فيما نقله الماوردي ٢/ ٥١١.","vol":"1","page":803},{"text":"والاختلاف: افتعالٌ مِنْ: خَلَفَهُ يَخْلُفُهُ، إذا قام بالشيء (١) بعده مقامه، فخلفوا واختلفوا، كقولهم (٢): قتلوا واقتتلوا، فعلى هذا يكون اعتراضًا، والتقدير: ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة كفارًا إلا من رحم ربك (٣) فهداه، ولايزالون مختلفين.\nقوله ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ أي: للرحمة خلقهم، واللام لام العاقبة.\nابن عيسى: على الاختلاف خلقهم (٤)، واللام تعاقب على في مواضع، تقول: أكرمتك لبرك وعلى برك (٥).\nوقيل: للاختلاف (٦) والرحمة خلقهم، فوحد، كقوله ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾ (٧) [البقرة: ٦٨].\nوقيل: للسعادة والشقاوة.\nوقيل: للجنة والنار.\n﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ وعيده.\nوقيل: هي قوله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩)﴾.\nوقيل: يمينه وهي: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ (٨) أي: منهما لا من أحدهما، وليس ذلك للإحاطة.\nوقيل: من عصاة الجنة والناس أجمعين، فيكون للإحاطة.\n﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ﴾ أي: نتلوا عليك من أخبارهم ﴿مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ نسكن به فؤادك فيقوى به قلبك فتطيب به وتصبر صبرهم.\n_________\n(١) في (د): (قام الشيء).\n(٢) في (ب): (كقوله).\n(٣) حصل سقط وتكرار في (ب) هنا، فجاء النص كالتالي: (... من رحم ربك ولذلك خلقهم ولذلك خلقهم أي للرحمة ...).\n(٤) في (د): (جعلهم) بدلًا من (خلقهم).\n(٥) قال الثعلبي في «الكشف والبيان» (ص ١٧٧): (وقيل: (اللام) بمعنى (على)، يعني: وعلى ذلك خلقهم، كقول الرجل للرجل: أكرمتك على برِّكَ بي ولبرِّك بي).\n(٦) في (د): (وللاختلاف) بزيادة حرف الواو.\n(٧) يعني قوله تعالى: (لا فارض ولا بكر عوانٌ بين ذلك) [البقرة/٦٨].\n(٨) زاد في (د): (أجمعين).","vol":"1","page":804},{"text":"و﴿وَكُلًّا﴾ منصوب بالمصدر (١)، أي: وكل القصص نقصّ (٢).\nوقيل: هو مفعول نقص.\nو﴿مَا نُثَبِّتُ﴾ منصوب بدل عن ﴿وَكُلًّا﴾.\nابن عيسى: الفؤاد: العضو الذي يحمى بالغضب الذي يحل (٣) فيه، مِنْ المُفْتَأَد، وهو المشوي (٤)، وأنشد (٥):\nكأَنَّه خارجًا من جنبِ صَفْحَتِهِ ... سَفُّودُ شَرْب نَسُوهُ عِنْدَ مُفْتَأَدِ\n﴿وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ﴾ أي: في هذه السورة.\nوقيل: في هذه الانباء.\nوقيل: في هذه السورة مع سائرها.\nوقيل: في هذه الدنيا.\n﴿الْحَقُّ﴾ النبوة ﴿وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (١٢٠)﴾ عبرة لمن اعتبر وتذكرة لمن تذكر.\n﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ (١٢١)﴾.\n﴿وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٢٢)﴾ سبق (٦).\n﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ابن عباس: خزائنهما (٧).\n_________\n(١) في (ب): (نصب بالمصدر).\n(٢) في (ب): (نقص عليك).\n(٣) نقله الكرماني في كتابه الآخر: «غرائب التفسير» ١/ ٥٢٤ عن ابن عيسى كذلك.\n(٤) في (أ): (المشتوي).\n(٥) القائل هو النابغة الذبياني كما في ديوانه (ص ٣٢). وسقطت كلمة (نسوه) من (د).\n(٦) لعله يقصد آية رقم (١٥٨) من سورة الأنعام: ﴿قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾.\n(٧) ذكره ابن حبيب في تفسيره (ق ١١٥/ب)، والثعلبي (ص ١٨٠ - رسالة جامعية) عن ابن عباس ﵄.","vol":"1","page":805},{"text":"وقيل: ما غاب عن العباد.\nوقيل: غيب نزول العذاب.\nوقيل: ما اشتملت عليه السموات والارض.\n﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ يوم الدين فلا يبقى لأحد فيه ملك ولا أمر.\n﴿فَاعْبُدْهُ﴾ وحده وأطعه ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ ثق به وفوض أمورك (١) إليه ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٢٣)﴾.\nروي عن عن كعب الأحبار أنه قال: خاتمة التوراة هذه الآية (٢).\nوالحمد لله حق حمده (٣).\n_________\n(١) في (ب): (أمرك).\n(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (٣٠٢٧٤)، والدرامي في مسنده (٣٤٤٥)، وابن الضريس في «فضائل القرآن» (ص ٩٥ - رقم ١٩٩)، والطبري ١٢/ ٦٤٩.\n(٣) قوله (والحمد لله حق حمده) لم يرد في (ب).","vol":"1","page":806},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n<span data-type=\"title\" id=toc-118>سورة يوسف </span>(١).\nمكية عند الجمهور (٢).\nقال ابن عباس: مكية إلا أربع آيات من أول السورة (٣).\nعكرمة والحسن: مدنية (٤).\nروى البخاري في صحيحه عن سعد بن أبي وقاص ﵁ في قوله: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف: ٣]، قال: أُنزل القرآن على رسول الله -ﷺ- فتلاه عليهم زمانًا، فقالوا (٥): يا رسول الله: لو قصصت، فأنزل الله هذه السورة وفيها ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف: ٣]، فتلاه عليهم زمانًا، فقالوا: يا رسول الله: لو حدثتنا، فأنزل الله تعالى ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ [الزمر: ٢٣]، قال: كل ذلك يؤمرون (٦) بالقرآن (٧).\n_________\n(١) ورد في (أ) زيادة: (﵇ مائة وإحدى عشر آية).\n(٢) قال ابن عطية ٧/ ٤٣٠: (هذه السورة مكية)، وقال ابن الجوزي ٤/ ١٧٦: (بالإجماع)، وقال الألوسي ٢/ ١٧٠: (مكية كلها على المعتمد).\n(٣) نقله الماوردي ٣/ ٥، والقرطبي ١١/ ٢٤٠ عن ابن عباس وقتادة.\n(٤) لم أجد هذا القول بعد البحث.\n(٥) في (د): (قالوا).\n(٦) في (د): (كذلك يؤمرون).\n(٧) الذي عند الواحدي في «أسباب النزول» (ص ٤٤٩): (رواه الحاكم أبو عبدالله في صحيحه)، والكرماني كثير النقل عن الواحدي، فلعله التبس عليه فنسبه إلى البخاري أبي عبدالله في صحيحه، وإلَاّ فإن الأثر ليس في صحيح البخاري، فقد بحثت عنه فلم أجده، وكذلك من خرّج الأثر لم يذكروا أن البخاري أورده، وإنما خرّجه الحاكم في «المستدرك» ٢/ ٣٤٥، والطبري ١٣/ ٨، وعزاه ابن حجر في «المطالب العالية» لإسحاق بن راهويه وأبي يعلى والبزار وابن مردويه، ثم قال الحافظ ابن حجر: هذا حديث حسن. انظر: «المطالب العالية» (٣٦٣٤).","vol":"1","page":807},{"text":"ويروى أن الصحابة قالوا: يا رسول الله: لو ينزل الله سورة ليس فيها أمر ولا نهي ولا وعد ولا وعيد فنتنزه بقراءتها وتنفتح بها قلوبنا، فأنزل الله هذه السورة (١).\nوروي أيضًا: أن علماء اليهود قالوا لأصحاب النبي -ﷺ-: سلوا صاحبكم محمدًا: لماذا انتقل يعقوب من أرض كنعان إلى مصر؟ فأنزل الله هذه السورة (٢).\nوروي أيضًا: أن اليهود افتخرت بأن في كتابنا قصة يوسف وليس ذلك في كتابكم، فأنزل الله قصة يوسف في سورة واحدة على أحسن ترتيب وأعجب نظام (٣).\n(بسم الله الرحمن الرحيم) ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (١)﴾ سبق بيان الحروف أول البقرة وغيرها.\nوقوله ﴿الْمُبِينِ (١)﴾ أي: حلاله وحرامه وما تحتاجون إليه من أمر دينكم.\nوأبان لازم ومتعد.\nوقيل: ظاهر في نفسه أنه كلام الله.\nوقال معاذ بن جبل ﵁: المبين للحروف التي سقطت من ألسن الأعاجم، وهي ستة، حكاه المفسرون (٤).\nوأراد بالستة: الصاد والضاد والطاء والظاء والعين والحاء، وكذلك الثاء والقاف (٥)، وأما الذال المعجمة فلا تقع أيضًا في أوائل الكلم (٦) العجمية، وإذا وقع في الحشو والآخر: فمنهم من جعله دالا ومنهم من جعله ذالًا.\nوالمعنى: نبيّن بهذه الحروف أن هذا القرآن عربي وبلسانكم يا معشر العرب.\n_________\n(١) ذكر نحوه أبو الليث السمرقندي في تفسيره ٢/ ١٧٨.\n(٢) ذكره النحاس في «إعراب القرآن» ٢/ ٣١٤، والقرطبي ١١/ ٢٤٢.\n(٣) ذكره الثعلبي (ص ٢٠١ - رسالة جامعية)، وأبو الليث السمرقندي ٢/ ١٧٨.\n(٤) أخرجه الطبري ١٣/ ٦، وذكره الثعلبي (ص ١٨٥)، والماوردي ٣/ ٥.\n(٥) وكذلك زادها الألوسي ١٢/ ١٧١ عن بعض الكتب المؤلفة في اللغة الفارسية.\n(٦) سقطت كلمة (الكلم) من (ب).","vol":"1","page":808},{"text":"﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ يعني الكتاب، وقيل: نبأ يوسف، وقيل: يعود إلى القرآن (١).\nو﴿قُرْآنًا﴾ مصدر قرأتُ، أي: تقرأ قرآنًا.\nوقيل: أنزلناه مجموعًا.\nويحتمل أنه كناية عن (٢) المصدر، أي: أنزلنا قرآنا عربيًا إنزالًا (٣).\nو﴿عَرَبِيًّا﴾ بلسان العرب وبلغتهم.\nوالعربي منسوب إلى العرب، والعرب جمع عربي، كرومي وروم، وهو منسوب إلى أرض يسكنونها، وهي عَرَبَةُ، باحةُ (٤) دار إسماعيل ابن إبراهيم ﵉.\nقال الشاعر (٥):\nوعَرْبَةُ أرضٌ (٦) ما يُحِلُّ حَرامها ... من الناس إلا اللوذعيُّ الحُلاحِلُ (٧)\nيعني النبي -ﷺ- أُحلت له (٨) مكة، وسكنها الشاعر ضرورة (٩).\n_________\n(١) في (ب): (إلى الكتاب).\n(٢) في (د): (على المصدر).\n(٣) في (ب): (أي أنزلناه إنزالًا).\n(٤) في (د): (ناحية).\n(٥) نسبه ياقوت في «معجم البلدان» ٤/ ٩٧ إلى أبي طالب عم النبي -ﷺ-، وقد ورد البيت في كتب التفسير وإعراب القرآن غير منسوب، فالحمد لله تعالى.\n(٦) في (ب): (دار).\n(٧) اللوذعي: الخفيف الذكي، الظريف الذهن، الحديد الفؤاد، واللَّسِنُ الفصيح، كأنه يلذع بالنار من ذكائه. والحلاحل: السيد الشجاع.\nانظر: «القاموس»: (لذع) و(حلل).\n(٨) في (أ): (أحلت لنا).\n(٩) قال ياقوت في «معجم البلدان» ٤/ ٩٨: (مجيء عَرْبَة في هذه الأشعار كلها ساكنة الراء دليل على أنها ليست ضرورة وأن الأصل سكون الراء).","vol":"1","page":809},{"text":"وإن شئت قلت نُسب القرآن إليها ابتداء، أي: على لغة أهل هذه القرية.\n﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢)﴾ لكي تفهموا معانيه، وقيل: لتكونوا على رجاء فهم معانيه.\n﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ نتلوا عليك ونتبع بعض الحديث بعضًا.\n﴿أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ أحسن البيان، فهو مصدر، وقيل: القصص: المفعول، كالسَّلَب والطَّلَب للمصدر والمفعول (١)، والأحسن: الأعظم في الحُسن (٢).\nوقيل: أحسن من الأمور السالفة والكتب الماضية.\nوقيل: هو بمعنى الحسن، كقوله: ﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤].\nوأحسن القصص: جميع القرآن، وهو الظاهر (٣).\nوقيل: هو (٤) قصة يوسف ﵇، وسماها أحسن القصص لاشتمالها على ذكر حاسد ومحسود ومالك ومملوك وعاشق ومعشوق وشاهد ومشهود وحبس وإطلاق وسجن وخلاص وخصب وجدب وغيرها (٥) مما يعجز عن بيانها طوق البشر.\n﴿بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ﴾ أي: بإيحاءنا، و(ما) للمصدر، وقيل: بمعنى الذي، وفيه بعد (٦).\n_________\n(١) قال المنتجب الهمداني في «الفريد» ٣/ ٥٤٠: (القصص هنا: يحتمل أن يكون بمعنى المقصوص كالنفض والسلب، بمعنى المنفوض والمسلوب، تسمية للفعول بالمصدر كخَلْق الله، وضرب الأمير، وأن يكون مصدرًا على بابه كالطلب وشبهه مما هو على وزنه.\n(٢) توقفت نسخة (ب) عند قوله (والطلب) وسقط باقي الكلام.\n(٣) سقط قوله (وهو الظاهر) من (أ).\n(٤) سقطت (هو) من (ب).\n(٥) في (د): (وغيرهما).\n(٦) قوله (وفيه بعد) سقط من (ب).","vol":"1","page":810},{"text":"﴿وَإِنْ كُنْتَ﴾ هي المخففة من المثقلة، ويلزم بعدها لام الفرق (١)، وليست بالتي تدخل خبر (إن) وهي مثقلة.\n﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ من قبل القرآن، وقيل: القصص.\n﴿لَمِنَ الْغَافِلِينَ (٣)﴾ أي: عن قصة يوسف، وقيل: عَمَّا عَرَّفك الله بالقرآن.\n﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ﴾ واذكر إذ قال، ويجوز أن يكون بدلًا من ﴿أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾، فيكون مفعولًا به على الاتساع (٢)، ويجوز أن يكون ظرفًا لقوله ﴿قَالَ يَابُنَيَّ﴾ [يوسف: ٥] (٣).\n﴿لِأَبِيهِ﴾ يعقوب، وهو اسم عجمي (٤)، وقيل: سمي يعقوب لأخذه عقب عيص عند الولادة.\nويوسف اسم (٥) أعجمي، وقيل: من الأَسَفِ أوالأَسِيْف، ولعل هذا على (٦) قراءة من همز (٧)، وتكون العلتان: التعريف ووزن الفعل.\nوزعم أهل الكتاب أن معنى يوسف بالعجمية: فيروز.\nوروى أبو هريرة ﵁ عن النبي -ﷺ- أنه قال: (الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم) (٨).\n_________\n(١) وهي التي تدخل على خبر (إنْ) المخففة من (إنَّ) فارقة بينها وبين (إنْ) المشبهة بـ (ليس)، وتسمى اللام الفاصلة. ... انظر: «المعجم المفصل في النحو العربي» ٢/ ٨٧٥.\n(٢) في (أ): (على اتساع).\n(٣) قال السمين ٦/ ٤٣١: (أي: قال يعقوب: يا بني، وقت قول يوسف له كيت وكيت، وهذا أسهل الوجوه، إذ فيه إبقاء (إذ) على كونها ظرفًا ماضيًا).\n(٤) في (ب): (أعجمي).\n(٥) سقطت كلمة (اسم) من (أ).\n(٦) سقطت (على) من (أ).\n(٧) قال القرطبي ١١/ ٢٤٤: (قرأ طلحة بن مصرف (يؤْسِف) يالهمز وكسر السين، وحكى أبو زيد: (يؤْسَف) بالهمز وفتح السين).\n(٨) أخرجه أحمد (٩٣٨٠)، والترمذي (٣١١٦)، وصححه الشيخ الألباني في الصحيحة (١٦١٧). =\n=وأخرجه البخاري (٣٣٥٢) ومسلم (٢٣٧٨) ولفظه عن أبي هريرة قال، قيل: يا رسول الله: من: أكرم الناس؟ قال: (أتقاهم)، قالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: (فيوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله). الحديث.","vol":"1","page":811},{"text":"﴿يَاأَبَتِ﴾ التاء عند النحويين بدل من ياء الإضافة وخُصَّ بالنداء، وقيل: هي تاء التأنيث كعمة وخالة، ولكن (١) لما جعل للأم (٢) اسم مفرد جعل الأب والأبة (٣) للأب، ويحتمل أن يكون بدلًا من الواو التي هي لام الفعل في أبوان وأبوين.\n﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾ أصله أحد وعشر فركبا وبنيا على الفتح لتضمن الحروف.\nوالكوكب: النجم، وليس له نظير إلا بابل (٤).\n﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ هما المعروفان.\n﴿رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (٤)﴾ كرر الرؤية لأن الأولى متعلقة بالذات والآخر بالحال.\nوقيل: لما طال الكلام أعادها.\nويحتمل أنه جواب ليعقوب، كأنه قال له (٥): كيف رأيتها؟ فقال: ﴿رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (٤)﴾ أي (٦): متواضعين.\nوقيل: سجدة تحية، وذَكَّرَ الكناية وجمع جمع العقلاء لما وصفها بوصفهم.\nقال ابن عباس: الشمس والقمر أبواه والأحد عشر كوكبًا إخوته (٧).\n_________\n(١) سقط حرف الواو من (د).\n(٢) في (أ): (اللام).\n(٣) في (أ): (والأبت).\n(٤) في (د): (تايل).\n(٥) سقطت (له) من (ب).\n(٦) سقطت (أي) من (ب).\n(٧) أخرجه الطبري ١٣/ ١٢ عن السدي أن ابن عباس فسَّره بذلك، وذكر السيوطي ٨/ ١٨٣ أن ابن المنذر أخرجه عن ابن عباس ﵄.","vol":"1","page":812},{"text":"السدي: الشمس أبوه والقمر خالته (١) وكانت أمه راحيل توفيت (٢).\nوقيل: القمر أبوه، للتذكير، والشمس أمه أوخالته على القولين، للتأنيث.\nوأسماء إخوته: روبين، ويقال باللام، وشمعون ولاوي ويهوذا وبشسوخور (٣) وزبولون ودون (٤) وتفتولي وكودواء وشير (٥) وبنيامين ويوسف.\nوذكر السدي عن جابر ﵁ قال: أتى النبي -ﷺ- رجل من اليهود فقال: يا محمد أخبرني عن الكواكب التي رآها يوسف ساجدة له ما أسماؤها، فسكت رسول الله -ﷺ- ولم يجبه بشيء، فنزل عليه جبريل فأخبره بأسمائها، فقال رسول الله: (هل أنت تؤمن (٦) إن أخبرتك بأسمائها؟) قال: نعم، قال: (جربان والطارق والذبال وذو الكتفات وقابش ووثاب وعمودان والمصبح والفليق والضروح والفرغ والضياء والنور (٧)، نزلن (٨) من السماء فسجدن له)، فقال\n_________\n(١) في (ب): (الشمس والقمر أبوه وخالته).\n(٢) هكذا ورد هذا القول عند الثعلبي (ص ١٩٥ - رسالة جامعية)، وقد أخرج الطبري ١٣/ ٣٥٢ عن السدي في قوله تعالى: ﴿آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ﴾ [يوسف: ١٠٠] قال: أبوه وخالته، وأخرجه كذلك ابن أبي حاتم ٧/ ٢٢٠١.\n(٣) في (ب): (بشوخير)، وفي (د): (بشسوخون).\n(٤) في (ب): (وبولون).\n(٥) في (ب): (وكود وأوشير).\n(٦) في (د): (مؤمن).\n(٧) في هذه الأسماء اختلاف بين النسخ: ففي (د): خربان ... الذيال ... قابس ... الفيلق.\nأما نسخة (ب) فهي متوافقة مع (أ)، وأثبت الأسماء منهما، ولو كانت مختلفة مع بعض المصادر وكتب التفسير، وأود الإشارة إلى أن الشهاب الخفاجي في حاشيته على البيضاوي ٥/ ١٥٤ - ١٥٥ قد تكلم على ضبط هذه الأسماء واختلاف النساخ في كتابتها، وإن كان هذا الأمر قد سكت عنه القرآن الكريم، وسيأتي تخريج الحديث الذي وردت فيه هذه الأسماء بعد قليل.\n(٨) في (د): (نزلت).","vol":"1","page":813},{"text":"اليهودي: أي والله إنها لأسماؤها (١).\n﴿قَالَ يَابُنَيَّ﴾ تصغير ابن، صغّره لصغر (٢) سنة، وكان ليوسف يومئذٍ اثنتا عشرة سنة.\n﴿لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ﴾ ابن عيسى (٣): الرؤيا تصور (٤) المعنى في المنام على توهم الإبصار، قال: وذلك أن (٥) العقل معمور في النوم فإذا تصور الإنسان المعنى توهم أنه يراه (٦).\n﴿فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ فيحتالوا في هلاكك حيلة.\nتقول: كاده وكاد له، مثل نصحته ونصحت له.\n﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٥)﴾ ظاهر العداوة.\n﴿وَكَذَلِكَ﴾ أي: مثل هذا الاجتباء الذي دل عليه (٧) رؤياك.\n﴿يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾ يختارك، من: جبيتُ الشيء: إذا (٨) جمعته لنفسك، وجبيت الماء في الخابية (٩).\n_________\n(١) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١١١١ - التفسير)، والطبري ١٣/ ١٠، وغيرهم، وقد تتابعت كلمة النقاد المحدثين على تضعيف هذا الحديث، وحكم بعضهم عليه بأنه موضوع.\nانظر: «العلل» لابن أبي حاتم (٢٧١٢) حيث يقول أبو زرعة: هذا حديث منكر ليس بشيء.\nوقال ابن الجوزي في «الموضوعات» ١/ ٢١٧: هذا حديث موضوع على رسول الله -ﷺ-.\n(٢) في (أ): (تصغير سنه).\n(٣) سقط قوله: (ابن عيسى) من (ب).\n(٤) في (ب): (تصغير المعنى).\n(٥) في (ب): (لأن).\n(٦) نقله الطبرسي في «مجمع البيان» ٥/ ٣١٩، ولم ينسبه لأحد.\n(٧) سقطت كلمة (الاجتباء) وكلمة (عليه) من (ب)، وفي (أ): (دلت).\n(٨) سقطت (إذا) من (د).\n(٩) الخابية: هي الحُبُّ، والحُبُّ: الجرة الضخمة، وقال ابن دريد: هو الذي يجعل فيه الماء. انظر: «اللسان» (خبأ) و(حبب). ... =\n«وفي (د): (الجابية)، والكالم يحتمل ذلك أيضًا، فإن (الجابية) كما في =اللسان»: هي الحوض الذي يجبى فيه الماء للإبل. انظر: «اللسان» (جبي).","vol":"1","page":814},{"text":"﴿وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ معاني الكلام في آيات الله وكتبه.\nوالأكثر على أنه تعبير الرؤيا، أي: ما يؤول إليه أمرها، وكان أعبر الناس للرؤيا.\nوقيل: ﴿تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ عواقب الأمور وما يؤول إليه آخره.\n﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ بالنبوة.\nالحسن: هذا شيء أعلمه الله (١) يعقوب من أنه سيعطى يوسف النبوة (٢).\n﴿وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ﴾ أهل بيته وولده.\nوقيل: أهل دينه بأن يجعل فيهم النبوة.\n﴿كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ﴾ كما اختارهما للنبوة والرسالة.\n﴿مِنْ قَبْلُ﴾ من قبلك، وقيل: من قبل (٣) هذا الوقت.\nو﴿أَبَوَيْكَ﴾ تثنية أب، والمراد آباء أبيك وأباه، أي: جدك وجد أبيك.\n﴿إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ﴾ بدل من أبويك، وهما اسمان عجميان.\nقيل: معناه: أب رحيم، وقيل: من البَرْهَمَةِ، وهي شدة النظر (٤).\nوإسحاق: قيل: معناه: الضاحك.\n_________\n(١) سقط لفظ الجلالة (الله) من (أ).\n(٢) نقل الماوردي ٣/ ٨ عن الحسن أنه فسَّرَ قوله تعالى: (وكذلك يجتبيك ربك) بأنه النبوة، وقد ذكر هود بن محكم في تفسيره ٢/ ٢٥٧ هذا القول ولم ينسبه لأحد، ونقل ابن أبي زمنين في تفسيره ٢/ ٣١٦ نحوه عن الحسن.\n(٣) قوله (وقيل من قبل) سقط من (أ).\n(٤) في «اللسان» (برهم): البرهمة: إدامَةُ النظر.","vol":"1","page":815},{"text":"﴿إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ﴾ بمن يستحق الاجتباء.\n﴿حَكِيمٌ (٦)﴾ يضع الأشياء مواضعها.\nوالآية دالة على نبوة يوسف ونبوة إخوته (١).\n﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ﴾ عجائب واضحة ودلائل قاطعة.\n﴿لِلسَّائِلِينَ (٧)﴾ عن قصة يوسف، وقيل: للسائلين وغير السائلين.\nومن وَحَّدَ الآية (٢) أراد: قصة يوسف آية.\n﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ﴾ بنيامين (٣).\n﴿أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا﴾ ثم بلغ إخوه يوسف رؤياه فحسدوه أشد الحسد لعلمهم تأويلها، فقالوا هذه المقالة بينهم.\n﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ جماعة أقوياء.\nوالعصبة في النسب، والعصبة هي العشرة (٤).\nالمبرد: من عشرة إلى أربعين (٥)، واشتقاقه من العصب والتعصب، ولا يقال للضعاف: عصبة.\n_________\n(١) قال القرطبي ١١/ ٢٥٩: (وأعلمه الله تعالى بقوله (وعلى آل يعقوب) أنه سيعطي بني يعقوب كلهم النبوة، قاله جماعةٌ من المفسرين).\n(٢) هي قراءة ابن كثير وحده، وقرأ باقي العشرة (آيات) على الجمع.\nانظر: «المبسوط» لابن مهران (ص ٢٠٨).\n(٣) قوله (بنيامين) سقط من (ب).\n(٤) قوله (والعصبة) سقط من (د)، وقوله (العشرة) ورد في (د) أيضًا: العشيرة.\n(٥) هذا القول مشهور، لكن لم أجد من نسبه للمبرد، فالله أعلم، ويقول الواحدي في «البسيط» (ص ٤٠٧): (قال الفراء: العصبة عشرة فما زاد، وقال أهل اللغة: العصبة من العشرة إلى الأربعين، وقال المبرد: العصبة الجماعة، وتعصب القوم إذا اجتمعوا على هيئة يشد بعضهم بعضًا، ومنه العصبة في النسب، وهم الذين يجمعهم التعصب، فمعنى العصبة: جماعة متعاونة).","vol":"1","page":816},{"text":"﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٨)﴾ أي (١): عن التعديل في المحبة بين الأولاد.\nوقيل: في غلط من أَمر دنياه، فإنا نقوم بأمواله ومواشيه.\nوقيل: في ضلال باختياره الصغير على الكبير والقليل على الكثير وغير المعين على المعين (٢).\nوقيل: في ضلال عن الطريق الذي يكون عليه الآباء في أبنائهم.\nوقيل: في ضلال محبة.\n﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ قال بعضهم لبعض، وقيل: قاله شمعون، وقيل: روبين.\n﴿أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا﴾ أبعدوه عن أرض أبيه إلى أرض بعيدة عنه (٣)، وتقديره: في أرض، فحذف الجار وتعدى الفعل إليه.\n﴿يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾ ... تَصْفُ مودته لكم ويقبل بكليته عليكم.\n﴿وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ﴾ من بعد قتله أو طرحه.\n﴿قَوْمًا صَالِحِينَ (٩)﴾ تقديره: ثم توبوا لتكونوا قومًا صالحين.\nهيأوا (٤) التوبة قبل المعصية.\nوقيل: ﴿صَالِحِينَ (٩)﴾: تائبين.\nوقيل: صالحين مع أبيكم في أمر دنياكم.\n﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ﴾ يعني روبين، وهو ابن خالة يوسف، وكان أحسنهم فيه رأيًا وأكبرهم سنًا، وقيل: يهوذا، وكان أعقلهم.\nمجاهد: شمعون (٥).\n_________\n(١) سقطت (أي) من (ب).\n(٢) سقط قوله (على المعين) من (أ).\n(٣) سقطت (عنه) من (د).\n(٤) سقطت كلمة (هيأوا) من (ب).\n(٥) في (ب): (... وقيل يهوذا وقيل شمعون).\nوقول مجاهد: أخرجه الطبري ١٣/ ٢١، وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٠٦.","vol":"1","page":817},{"text":"﴿لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ فإن القتل عظيم.\n﴿وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ في قعر البئر.\nوقيل: (غيابة الجب): الموضع يغيب (١) خبره ويذهب أثره.\nابن عيسى: كل ما غيّب (٢) شيئًا عن الحسّ بكونه فيه (٣) فهو غيابة، والجب: البئر تجب، أي (٤): تقطع وتحفر من غير طي.\nقتادة: بئر (٥) بيت المقدس.\nوقيل: بين مدين ومصر، وقيل: بالأردن، وقيل: على ثلاث فراسخ من منزل يعقوب (٦)، وقيل: كانت ثمانين قامة أسفلها واسعًا وأعلاها (٧) ضيقًا.\n﴿يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ﴾ يأخذه بعض المجتازين، يقال: لقطت الشيء والتقطته.\nابن عيسى: الالتقاط: تناول الشيء من الطريق، ومنه: اللقطة واللقيط.\n(والسيارة): رفقة مسافرون يسيرون في الأرض.\n﴿إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (١٠)﴾ به شيئًا، وقيل: إن كنتم فاعلين بمشورتي، وقيل: إن كنتم فاعلين ما قصدتم من التفريق بينه وبين أبيه.\n_________\n(١) في (د): (الموضع الذي يغبب ...).\n(٢) في (د): (كل من غيّب ...).\n(٣) قوله (بكونه فيه) لم يرد في (ب).\n(٤) (أي) لم ترد في (د).\n(٥) في (أ): (بين) بدلًا من (بئر).\nوقول قتادة: أخرجه الطبري ١٣/ ٢١، وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٠٧.\n(٦) في (ب): (بيت يعقوب).\n(٧) سقطت الواو من (أ) في كلمة (وأعلاها).","vol":"1","page":818},{"text":"واختلفوا في إخوة يوسف حين قالوا هذا وفعلوا: فذهب بعضهم إلى أنهم قاربوا الحلم (١) ولم يكونوا بالغين، وذهب بعضهم إلى أنهم كانوا بالغين أقوياء ولم يكونوا بعد أنبياء.\n﴿قَالُوا يَاأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ (١١)﴾ فلما عزموا على طرحه في البئر جاءوا أباهم وقالوا: يا أبانا مالك لا تأمنّا، أي: لا (٢) تأمُننا أن ترسله معنا، أي: لم تخافنا عليه، وأدغم النون في النون بإشمام وغير إشمام (٣).\n﴿وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ (١١)﴾ حافظون نحفظه (٤) ونرده عليك سالمًا، وقيل: محبون ومشفقون.\nوالنصح: طلب الصلاح، وقيل: هو إصلاح العمل، والناصح: الخياط (٥).\nقال مقاتل: فيها تقديم وتأخير، لأن هذا جواب لقوله: ﴿إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ﴾ الآية [يوسف: ١٣] (٦).\n﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا﴾ خلهِ غدًا يخرج معنا إلى الصحراء.\n_________\n(١) قوله (قاربوا الحلم) سقط من (ب).\n(٢) قوله: (تأمنا أي لا) سقط من (ب)، والسبب انتقال البصر من (لا) الأولى إلى الثانية، والله أعلم.\n(٣) انظر: «الحجة» لأبي علي الفارسي ٤/ ٤٠٠، و«البسيط» للواحدي (ص ٤١٣ - ٤١٤).\n(٤) في (أ): (وإناله لحافظون نحفظه).\n(٥) في (أ): (الخليط).\n(٦) انظر: «تفسير مقاتل» ٢/ ٣٢١ حيث يقول مقاتل: (قال يعقوب لهم: إني أخاف عليه، فقالوا لأبيهم (مالك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون».\nوانظر: «زاد المسير» ٤/ ١٨٧، والقرطبي ١١/ ٢٧٢ - ٢٧٣.","vol":"1","page":819},{"text":"﴿يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾ قرئ بكسر العين وجزمه (١)، فمن كسره جعله من الرعي\nوهو افتعال منه، ومن قرأ (٢) بالجزم جعله من الرتع وهو الرعي (٣) أيضًا، قال (٤):\nوكلّفتني ذنب امريءٍ وتركته ... كذي العُرّ يكوي غيرهُ وهو راتعُ\nأبو عبيده: (نرتع) (٥): نلهو.\nابن عيسى: الرتعة: التصرف في الشهوات، ومنه المثل: القَيْد والرَّتْعة (٦)، ومن قرأ بالنون أراد (نرتع) مواشينا و(نلعب) نلهو وننشط (٧)، وقيل: نلعب بالرمي، وقيل: بالشدّ والعدو.\n_________\n(١) قرأ أبو جعفر ونافع (أرسله معنا غدًا يرتعِ ويلعب) بالياء فيهما وكسر العين.\nوقرأ ابن كثير (نرتعِ ونلعب) بالنون فيهما وكسر العين.\nوقرأ أبو عمرو وابن عامر (نرتعْ ونلعب) بالنون فيهما وجزم العين.\nوقرأ عاصم وحمزة والكسائي وخلف ورويس عن يعقوب (يرتعْ ويلعب) بالياء فيهما وجزم العين.\nوقرأ يعقوب برواية روح وزيد (نرتعْ) بالنون وجزم العين (ويلعب) بالياء.\nانظر: «المبسوط» لابن مهران (ص ٢٠٩).\n(٢) سقطت كلمة (قرأ) من (ب).\n(٣) سقط قوله (وهو الرعي) من (ب).\n(٤) القائل هو: النابغة الذبياني كما في ديوانه (ص ٨١)، وفي الديوان: لكلفتني. وفي معنى البيت أقوال خمسة، أوردها البغدادي في «الخزانة» ٢/ ٤٦٢.\n(٥) سقطت كلمة (نرتع) من (د)، وانظر قول أبي عبيدة في «مجاز القرآن» ١/ ٣٠٣ حيث يقول: «نرتع ونلعب) أي ننعم ونلهو).\n(٦) هذا المثل أول من قاله: عمرو بن الصَّعقِ، وكان قد أُسِرَ، أسرته شاكر من هَمْدان، فأحسنوا إليه، وقد كان يوم فارق قومه نحيفًا، فهرب من شاكر، فلما وصل إلى قومه، قالوا: أي عمرو: خرجت من عندنا نحيفًا وأنت اليوم بادن، فقال: القَيْد والرَّتْعة، فأرسلها مثلًا، وهذا كقولهم: العزّ والمنعة والنجاة والأمنة.\nانظر: «مجمع الأمثال» للميداني ٢/ ٥٦٤ - ٥٦٥.\n(٧) في (د): (ونبسط).","vol":"1","page":820},{"text":"وروى هارون صاحب أبي عمرو أنه قال: قلت لأبي عمرو: كيف تقرأ (نلعب) بالنون وهم أنبياء؟ قال: لم يكونوا يومئذ أنبياء (١).\nومن قرأ بالياء: أي (٢): (يرتع) يوسف ساعة (ويلعب) ساعة.\nوروي عن يعقوب: (نرتع) بالنون (ويلعب) بالياء.\n(وإنا له لحافظون) عن أن يناله مكروه.\n﴿قَالَ﴾ يعقوب ﴿إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ﴾ أي: يحزنني (٣) ذهابكم به ويألم قلبي بفراقه.\nوالصحيح: أن أذهبه وذهب به بمعنى واحد، كقوله ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧]، و﴿يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ (٤٣)﴾ [النور: ٤٣].\n﴿وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ (١٣)﴾ وكان أرضهم مَذْأَبَةٌ (٤)، وقيل: رأى في المنام أن الذئاب كانت تقصد يوسف.\nابن عيسى: الذئب سبع دون الأسد وفوق الكلب (٥) يطلب الغنم أشد الطلب، وهو (٦) من: تذابت الريح: إذا هبت من كل جهة.\nقيل (٧): كأنه لقنهم بقوله ﴿وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾ علة وعذرًا (٨) وكانوا لا يدرون ﴿وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ (١٣)﴾ (٩).\n﴿قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ عشرة نحفظه.\n﴿إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ (١٤)﴾ عاجزون ضعفاء مغبونون.\n_________\n(١) أبو عمرو، هو ابن العلاء، أحد القراء السبعة المشهورين، وقوله هذا أخرجه الطبري ١٣/ ٢٥، والنحاس في «معاني القرآن» ٣/ ٤٠١.\n(٢) قوله (أي) سقط من (أ).\n(٣) في (أ): (ليحزنني).\n(٤) قال في «اللسان» (ذأب): (أرضٌ مَذْ أَبَةٌ: كثيرة الذئاب).\n(٥) سقطت كلمة (الأسد) من (ب)، وسقط قوله (وفوق الكلب) من (د).\n(٦) سقطت (وهو) من (أ).\n(٧) قوله (قيل) لم يرد في (ب).\n(٨) في (ب): (أو عذرًا).\n(٩) قوله (وأنتم عنه غافلون) لم يرد في (د).","vol":"1","page":821},{"text":"وجاء في القصة: فأقبل على يوسف وقال له: أتحب ذلك (١) يا بني؟ وقد كانوا قالوا له: اطلب من أبيك أن يبعثك معنا، قال: نعم، قال يعقوب: إذا كان غدًا أذنت لك في ذلك، فلما أصبح يوسف لبس ثيابه وشَدَّ عليه منطقته (٢) وخرج مع إخوته، فشيعهم يعقوب وقال: يا بني أوصيكم بتقوى الله وبحبيبي يوسف، ثم أقبل على يوسف وضَمَّهُ إلى صدره وقَبَّلَ بين عينيه، ثم قال: أستودعك الله رب العالمين، وانصرف (٣).\n﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ أي: عزموا على إلقائه في البئر.\nيقال: أجمع أمره: إذا صحح العزم.\nأتوا به البئر وجعلوا يدلونه فيها فيتعلق (٤) بشفيرها فربطوا يديه ونزعوا قميصه، وقال: يا إخوتاه: ردوا عليَّ قميصي أتوارى به في الجب، فقالوا (٥): ادع الأحد عشر كوكبًا والشمس والقمر يكسوك ويؤنسوك، فدلوه في البئر حتى إذا بلغ نصفها ألقوه، وكان في البئر ماء فسقط فيه ثم آوى إلى صخرة في البئر فقام عليها يبكي، فجاءه جبريل ﵇ بالوحي من الله وهو قوله:\n﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ﴾ لتخبرن يا يوسف إخوتك.\n﴿بِأَمْرِهِمْ هَذَا﴾ بصنيعهم هذا، يريد بمصر، وهو قوله: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٩].\n﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٥)﴾ قيل: متصل بالوحي، أي: أوحينا وهم لا يشعرون،\n_________\n(١) كلمة (ذلك) سقطت من (د).\n(٢) في (أ): (منطقة).\n(٣) هذا السياق أقرب ما يكون إليه ما ورد عند الثعلبي في كتابه «قصص الأنبياء» (ص ٩٨ - ٩٩).\n(٤) في (د): (فيعلق).\n(٥) في (د): (فقال).","vol":"1","page":822},{"text":"وقيل: متصل بقوله: ﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ﴾.\n﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٥)﴾ أنك يوسف، أي: لا يعرفونك، وقيل: كان الوحي وحي إلهام، وقيل: كانت بئرًا قليلة الماء تُغيّبه ولا تُغْرِقُه، وقيل: جعلوه في جانب منها.\nوجواب ﴿فَلَمَّا﴾ مضمر تقديره: عظمت فتنتهم.\nوقال الكوفيون: الواو زائدة (١)، ومثله: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: ١٠٣]، قال الشاعر (٢):\nفلمّا أَجَزْنا ساحة الحيّ وانتحى ... بنا بطنُ خَبْتٍ ذي قفاف عَقَنْقَلِ\n﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً﴾ آخر النهار (٣).\n﴿يَبْكُونَ (١٦)﴾ قيل يتباكون، وقيل بكوا ببكاء أبيه عليه، فلما سمع أصواتهم فزع وقال: مالكم يا بني؟ وأين يوسف؟ .\n﴿قَالُوا يَاأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ﴾ من السباق في الرمي، وقيل: في العدو (٤)، لنعلم أينا أشد عدوًا.\n﴿وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا﴾ رحلنا.\n_________\n(١) يعني الواو التي في قوله تعالى: (وأوحينا) كما يظهر ذلك بمطالعة «الدر المصون» للسمين الحلبي ٦/ ٤٥٣.\n(٢) كلمة (الشاعر) لم ترد في (د).\nوالبيت لامرئ القيس من معلقته المشهورة، انظر: «ديوانه» (ص ٤١).\nوفي الديوان: حقاف بدلًا من قفاف، والحقف: رمل مشرف معوج، والقف: هو ما غلظ وارتفع من الأرض ولم يبلغ أن يكون جبلًا، والعقنقل: الرمل المنعقد المتلبد. هذا كله من هامش الديوان.\nولم يكمل ناسخ (د) بقية البيت وإنما وقف عند قوله (بنا).\n(٣) قوله (آخر النهار) سقط من (ب).\n(٤) في (أ): (بالعدو).","vol":"1","page":823},{"text":"﴿فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ الجمهور: بمصدق لنا (١)، أي: تسيء ظنًا بنا لشدة محبتك ليوسف.\n﴿وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ (١٧)﴾ جوابه: ما صدقتنا لاتهامك لنا في أمر يوسف.\nقال صاحب النظم: (لو) فيه طرف من التمني وطرف من النفي، لأن قولك: لو كان، دليل على أنه لم يكن، ولا يتمنى إلا ما هو غير موجود، فدل على (٢) أنهم لم يكونوا صادقين (٣).\nوقيل: تقديره (٤): وما أنت بمصدق لنا وإن كنا قد صدقنا (٥) وهذا قميصه بالدم (٦).\n﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ أي: ذي كذب (٧)، يريد: مكذوبًا فيه، لأنه لم يكن دم يوسف بل دم سخلة.\nقتادة: دم ظبي (٨).\nوقرئ: (دم كدب) بالدال (٩)، أي: طري (١٠).\n_________\n(١) قال الواحدي في «البسيط» (ص ٤٢٣): (قال عامة المفسرين وأصحاب المعاني: مصدق لنا).\n(٢) سقطت (على) من (د).\n(٣) نقله الكرماني في كتابه الآخر: «غرائب التفسير» ١/ ٥٢٩ عن الجرجاني صاحب النظم.\n(٤) سقطت كلمة (تقديره) من (ب).\n(٥) في (ب): (وإن كنا صادقين).\n(٦) هكذا في النسخ الثلاث، ولعل المعنى: وهذا قميصه وعليه الدم.\n(٧) في (ب): (أي بدم ذي كذب).\n(٨) أخرجه ابن أبي حاتم ٧/ ٢١١١، وزاد السوطي ٨/ ٢٠٧ نسبته لأبي الشيخ.\n(٩) سقط قوله (بالدال) من (ب).\n(١٠) نسب الثعلبي هذه القراءة لعائشة ﵂، انظر: «الكشف والبيان» (ص ٢١٩)، وهي تنسب كذلك لابن عباس والحسن وأبي العالية.\nانظر: «المحتسب» ١/ ٣٣٥، و«زاد المسير» ٤/ ١٩٣.","vol":"1","page":824},{"text":"وروى (١) أبو الفضل الرازي: (بدمِ كَدْبٍ) (٢)، بالإضافه وفتح الكاف وسكون الدال غير معجمة، وفسره: الجدي، وهو غريب.\nوقوله: ﴿عَلَى قَمِيصِهِ﴾ حال لدم وليس بصلة للمصدر (٣)، وصفة النكرة إذا تقدمت انتصبت على الحال.\nوقيل: تقديره: وجاءوا بقميصه عليه دم كذب، فقدم الدم لأنه الأهم.\n﴿قَالَ (٤) بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ أي: زينت، وقيل: أمرتكم، وقيل: التسويل: جعل الشيء بالحكم سولًا، أي: مطلوبًا، وذلك أن يعقوب قال لهم: أروني قميصه، فأروه، فقال: تالله ما رأيت كاليوم ذئبًا حكيمًا، أكل ابني ولم يخرق عليه قميصه، فعند ذلك قال: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾.\nويحتمل أنه فرح بذلك لأن القميص كَذَّبهم، فدل أن يوسف حي لم يأكله الذئب.\n﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ أي: أولى وأفضل، وقيل: فصبري صبر جميل.\nالشعبي: لقميص يوسف ثلاث آيات، إحداها: حين جاءوا عليه بدم كذب، والثانية: حين قُدَّ، والثالثة: حين ألقي على وجه (٥) يعقوب (٦).\n﴿وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (١٨)﴾ تكذبون.\n_________\n(١) في (د): (وروى الشيخ أبو الفضل ...)، وهو أبو الفضل عبدالرحمن بن أحمد الرازي (ت ٤٥٤ هـ) له كتب في شواذ القراءات يسمى (اللوامح). انظر: «غاية النهاية» لابن الجزري ١/ ٣٦١ - ٣٦٣.\n(٢) سقطت كلمة (بدم) من (أ). وهذه القراءة نقلها رضي الدين أبي عبدالله محمد بن أبي نصر الكرماني في كتابه «شواذ القراءات» (ص ٢٤٣)، والمنتجب في «الكتاب الفريد» ٣/ ٥٦٠.\n(٣) في (ب): (وليس بعلة)، وفي (د): (المصدر)، بدون لام.\n(٤) في (د): (قال يعقوب بل سولت).\n(٥) في (ب): (وجه أبيه يعقوب).\n(٦) أخرجه عبدالرزاق في تفسيره ١/ ٣١٨، والطبري ١٣/ ٣٨، وابن أبي حاتم ٧/ ٢١١١ و٧/ ٢١٩٦.","vol":"1","page":825},{"text":"﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ﴾ هم المسافرون يسيرون من أرض (١) إلى أرض، وقيل: المارة في الطريق وفيهم مالك بن ذعر (٢).\n﴿فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ﴾ من يرد الماء ليستقي منه.\n﴿فَأَدْلَى دَلْوَهُ﴾ أرسل الدلو (٣) ليملأها.\n﴿قَالَ يَابُشْرَى هَذَا غُلَامٌ﴾ يريد: ثم دلاها، أي: أخرجها فتشبث بها يوسف، فلما رآه قال: يا بشراي، بشر المُدْلِي نفسه وقال: يا بشرى تعالي فهذا أوانك، وقيل: بشر أصحابه بأنه وجد غلامًا، وقيل: (بشرى): اسم صاحب له ناداه يخبره خبر الغلام.\nقال الأصمعي: سألت أبا عمرو عن (بشراي)، فقال: يا حِرْزَا وأَبتغي النَّوافِلا، هذا مَثَلٌ معناه: قد أحرزتُ ما كنتُ أطلبه فأنا أطلب الفضول (٤).\nوفي (بشرى) قراءتان (٥): الإضافة إلى ياء المتكلم وفتحه، والثانية: الإفراد، وإذا أضيفت فالألف (٦) في حكم النصب، كيا عبد الله، وقيل: في حكم الكسر كميم (٧) غلامي.\nوقرئ (٨) (يا بشراي) بسكون الياء، وقريء (يا بشريَّ) بتشديد الياء (٩).\n_________\n(١) في (د): (من الأرض).\n(٢) في «البداية والنهاية» لابن كثير ١/ ٤٦٧: (عن ابن عباس: كان اسم الذي باعه بمصر - يعني الذي جلبه إليها- مالك بن دغر بن ثويب بن عفقا بن مديان بن إبراهيم. فالله أعلم).\n(٣) في (أ): (أرسل دلوه).\n(٤) انظر: «مجمع الأمثال» للميداني ٣/ ٦١١ - ٦١٢.\n(٥) قرأ عاصم وحمزة والكسائي وخلف (يا بُشرى) بغير ياء بعد الألف، وقرأ باقي العشرة (يا بشراي) بالألف وفتح الياء. انظر: «المبسوط» لابن مهران (ص ٢٠٩).\n(٦) في (أ): (أضيف)، وفي (د): (بالألف).\n(٧) في (د): (كيا غلامي).\n(٨) في (د): (وروي).\n(٩) القراءة بسكون الياء هي قراءة الأعرج وورش عن نافع، وبتشديد الياء قرأ ابن أبي إسحاق وأبو رجاء وابن أبي عبلة.\nانظر: «القراءات الشاذة» لابن خالويه (ص ٦٢)، و«زاد المسير» ٤/ ١٩٤.","vol":"1","page":826},{"text":"ومن أفرد جاز أن يكون في محل نصب لأنها نكرة، وجاز أن يكون مضمومًا، وإن جعلته اسم علم (١) على ما سبق فهو مضموم، وأجاز الكوفيون أن يكون المنادى محذوفًا وتقديره: يا قوم بشراي هذا غلام.\n﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾ الإسرار ضد الإعلان، والبضاعة: القطعة من المال تجعل للتجارة، مشتقة من بَضَعْتُهُ، أي: قَطَعْتُهُ، ومن (٢) المَبْضَع (٣).\nوفي هذا الضمير قولان، أحدهما: أنه يعود إلى الوارد وأصحابه، أي: أخفوا حاله وكتموا شأنه وقالوا للسيارة هو بضاعة أَبْضَعَنَاهَا أهلُ الماءِ لنبيعه بمصر لئلا يستشركهم فيه الناس، وبضاعة نصب على الحال.\nالزجاج: أَسَرُّوه جاعليه (٤) بضاعة (٥).\nوالثاني: أنه يعود إلى إخوة يوسف، وذلك أن يهوذا كان يأتيه بالطعام كل يوم لأنه بقي فيها ثلاثة أيام، فأتاه يومئذ بالطعام فلم يجده فيها، فأخبر إخوته فأتوا مالكًا وقالوا: هذا عبدنا أبق (٦) مِنَّا، وكتم يوسفُ شأنه مخافة أن يقتله إخوته، ويقال: قالوا ليوسف بالعبرانية: إنْ لم تُقِرَّ بأنك عبدٌ انتزعناك من السيارة ثم لنقتلنك، فقال يوسف: إني عبد، وأراد به (٧) عبد الله، فكتموا حريته وباعوه على أنه بضاعة.\nقتادة: أَسَرُّوا بَيْعَه (٨).\nابن عباس: أسر إخوة يوسف أنه أخوهم وجعلوه بضاعة وباعوه (٩).\n_________\n(١) كلمة (علم) سقطت من (د).\n(٢) في (د): (ومنه) بدلًا من (ومن).\n(٣) هو المِشْرَطُ، كما في «اللسان» (بضع).\n(٤) في (أ): (جاء عليه)، وفي (ب): (جاعلوه).\n(٥) انظر: «معاني القرآن» للزجاج ٣/ ٩٨.\n(٦) في (ب): (فأبق).\n(٧) في (د): (أنه) بدلًا من (به).\n(٨) أخرجه عبدالرزاق ١/ ٣٢٠، والطبري ١٣/ ٤٨.\n(٩) أخرجه الطبري ١٣/ ٤٩.","vol":"1","page":827},{"text":"ويحتمل أن معنى: أسروه بضاعة: أظهروه بضاعة، سواء يعود الضمير إلى الوارد وأصحابه أو إلى الإخوة، وهذا كما تقول: هذا (١) شيء أظهرته أعجوبة وهذا مال أظهرته بضاعة، والمعنى: أظهروا حال يوسف على هذا الوجه، والله أعلم.\n﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٩)﴾ بيوسف.\n﴿وَشَرَوْهُ﴾ أي: باعوه، والشري: البيع، مشتق من: الشَرْوَى، لأن البائع أو المشتري يعطي شيئًا ويأخذ شيئًا، والضمير عند الجمهور يعود إلى إخوة يوسف، لأنهم باعوه من مالك بن ذعر.\nابن بحر: الضمير (٢) يعود إلى الوارد وأصحابه، أي: أسروه بضاعة وحملوه (٣) إلى مصر فباعوه بثمن طفيف لأنهم عرفوا أنه حر يظهر أمره، فقنعوا باليسير.\nويحتمل أن قوله: ﴿وَشَرَوْهُ﴾ على ظاهره من معنى اشتروا، أي: اشترى الوارد وأصحابه من إخوته، والله أعلم.\n﴿بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ حرام، لأنه حر، وقيل: ظلم، لأنهم ظلموه (٤) في بيعه، وقيل: ذي بخس، أي: ناقص، وقيل: قليل، وقيل: زيف.\n﴿دَرَاهِمَ﴾ بدل من الثمن.\n﴿مَعْدُودَةٍ﴾ قليلة، عشرين درهمًا، اقتسموا درهمين درهمين.\nوقيل: اثنان وعشرون درهمًا، وقيل: أربعون درهمًا، وقيل: ما كانوا يزنون دون الأوقية، وهي أربعون درهمًا (٥).\n﴿وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (٢٠)﴾ ﴿فِيهِ﴾ يعود إلى الثمن، وقيل: إلى يوسف، والضمير في ﴿وَكَانُوا﴾ يعود إلى الإخوة، إلَاّ على قول ابن بحر.\nومعنى ﴿مِنَ الزَّاهِدِينَ (٢٠)﴾ غير محتاجين إليه ولا راغبين فيه، ولا يجوز أن يكون ﴿فِيهِ﴾ من صلة الزاهدين، لأن اسم الفاعل إذا كان فيه الألف واللام لا يعمل فيما قبله (٦).\nوعند النحاة أن (٧) (من) للتبيين، وتقديره (٨): وكانوا فيه زُهَّدًا من الزاهدين، وجاز حذف العامل لأن الظرف جائز فيه هذا الاتساع، ولم يجز: كانوا زيدًا من الضاربين.\n_________\n(١) قوله (كما تقول هذا) سقط من (ب).\n(٢) في (ب): (ابن بحر وقيل الضمير ...).\n(٣) في (أ): (وحملوا).\n(٤) في (د): (ظلموا).\n(٥) كلمة (درهمًا) سقطت من (ب).\n(٦) وكذلك قال المنتجب الهمداني في «الفريد» ٣/ ٥٦٣.\n(٧) سقطت (أن) من (د).\n(٨) في (ب): (والتقدير).","vol":"1","page":828},{"text":"﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ﴾ ثم إن مالك بن ذعر حمله إلى مصر وباعه في من يزيد (١) بعشرين دينارًا، وقيل: بوزنه فضة، وقيل: بوزنه (٢) ذهبًا، وقيل: أكثر من ذلك، فاشتراه عزيز مصر، وكان صاحب خزانة الملك واسمه: قطفير، واسم الملك: الوليد ابن الريان (٣)، قال لامرأته، واسمها عند جل المفسرين: راعيل، وقيل: فكاء، وقيل: زليخا (٤).\n﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ﴾ يصلح للمصدر، أي (٥): إقامته، ويصلح للمكان، أي: موضع إقامته، والمعنى: أحسني إليه في جميع حالاته من مأكول ومشروب وملبوس.\nابن عيسى: الإكرام: إعطاء المراد على وجه الإعظام.\n﴿عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا﴾ في ضياعنا وأموالنا، وقيل: لعلنا نبيعه بثمن أزيد مما اشتريناه به.\n﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ نتبناه ولم يكن له ولد.\nوروى عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: أحسن الناس فراسة ثلاثة: العزيز حين قال في يوسف ﴿عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾، وابنة شعيب حين قالت لأبيها: ﴿يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾ الآية [القصص: ٢٦]، وأبو بكر الصديق حين استخلف عمر الفاروق ﵄ (٦).\n﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ﴾ أي تحبيب الله يوسف إلى مشتريه أول تمكينه في الأرض.\n﴿وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ عطف على مضمر، تقديره: لنوحي إليه ولنعلمه.\nوقيل: كما أنعمنا عليه بالخروج مَكَّنَّاه في الأرض لنوحي إليه ولنعلمه من تأويل الأحاديث: عبارة الرؤيا (٧) ومعاني كتب الله.\n_________\n(١) في (د): (وباعه بثمن يزيد ...).\n(٢) سقطت كلمة (بوزنه) من (د).\n(٣) في (ب): (الوليد بن ريان).\n(٤) في (ب): (وقيل: ميكا، وقيل: زليخة).\nانظر: الطبري ١٣/ ٦٢ - ٦٣، والثعلبي (ص ٢٣٤)، والقرطبي ١١/ ٢٩٩.\n(٥) (أي) لم ترد في (ب).\n(٦) أخرجه سعيد منصور في سننه (١١٣ - التفسير)، والطبري ١٣/ ٦٤.\n(٧) في (ب): (عبارة عن الرؤيا ...).","vol":"1","page":829},{"text":"الزجاج: مثل الذي وصفنا (١) مكنا ليوسف في الأرض (٢).\n﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ لا يرده شيئ، وقيل: غالب على أمر يوسف.\n﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ﴾ أهل مصر، وقيل: أهل مكة.\n﴿لَا يَعْلَمُونَ (٢١)﴾ لطائف صنع الله.\n﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ منتهى اشتداد (٣) جسمه وقوته.\nالضحاك: عشرين سنة (٤).\nمجاهد: ثلاثًا وثلاثين سنة (٥).\nوابتداء الأشد بلوغ الحلم، وقيل: ثمان عشرة سنة، وقيل: إحدى وعشرين سنة، لأنه يتقوى لسبع سنين ويبلغ لسبع بعدها ويتناهى طوله وقوته لسبع بعدها (٦)، وآخر الأشد (٧) أربعين سنة، وقيل: ستين سنة.\n﴿آتَيْنَاهُ حُكْمًا﴾ حكمة وعقلًا، وقيل: حكمًا على الناس، وقيل: نبوة، وقيل: فقهًا، وقيل: إصابة القول.\n﴿وَعِلْمًا﴾ بتأويل الأحاديث، وقيل: أُعطي النبوة في الجُبِّ ثم لما بلغ أشده أُمِرَ بإظهار الدعوة.\n_________\n(١) في (د): (وصينا).\n(٢) انظر: «معاني القرآن» للزجاج ٣/ ٩٩.\n(٣) في (أ): (اشداد).\n(٤) أخرجه الطبري ١٣/ ٦٨.\n(٥) تفسير مجاهد (٥٢٥)، والطبري ١٣/ ٦٧.\n(٦) قوله (ويتناهى طوله وقوته لسبع بعدها) سقط من (ب).\n(٧) في (ب): (وآخر الشد أربعون سنة، وقيل ستون) ولم يذكر فيها كلمة سنة، وفي (أ): (الاشتداد) وكتب على الهامش أنه في نسخة (الأشد)، وأثبتها لموافقتها نسخة (د).","vol":"1","page":830},{"text":"﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٢٢)﴾ ابن عباس: المؤمنين (١)، وقيل: الصابرين، وقيل: كما فعلنا بيوسف نفعل بمحمد ﵉.\n﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا﴾ يعني: راعيل، طلبت يوسف أن يواقعها، وأصله من: راد يرود، إذا جاء وذهب، ومنه: الرائد، لأنه يجول في الصحراء لطلب المرعى.\nابن عيسى: المروادة: المطالبة بأمر يعمل به، ولا يقال في مطالبة الدين: راوده (٢).\n﴿عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ﴾ التغليق: إطباق الباب بما يعسر فتحه، والتشديد للمبالغة في الإيثاق (٣)، وقيل: للكثرة، وكانت سبعة أبواب.\n﴿وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ تعال وأقبل، وهي من الأسماء (٤) التي سميت الأفعال بها (٥).\nوقرئ: (هِيتُ) بكسر الهاء وضم التاء بغير همز، وبهمز (٦)، وهي من قولك: هِئْتُ أهيُء هِيْئَةً (٧)، كجئتُ أجيُء جيئة، ومعناه: تهيأت، و(لك) على هذا الوجه\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن حبيب (ق ١١٨/أ)، والثعلبي (ص ٢٤٣).\nوعن ابن عباس: المهتدين، أخرجها الطبري ١٣/ ٦٩.\n(٢) في (د): (راودوه).\n(٣) في (د): (في الاتيان).\n(٤) في (أ): (من أسماء).\n(٥) سقطت (بها) من (د).\n(٦) القراءة بغير همز هي قراءة ابن محيصن وزيد بن علي وابن بحرية وغيرهم كما قال ابن الجزري في «النشر» ٢/ ٢٩٤.\nوالقراءة بالهمز هي قراءة ابن عامر التي رواها عنه هشام بن عمار بإسناده كما في «الحجة» لأبي علي الفارسي ٤/ ٤١٦، ورواها الوليد بن مسلم كذلك عن ابن عامر كما في «النشر» لابن الجزري ٢/ ٢٩٤.\n(٧) سقطت (أهيُء) من (د)، وفي (ب): (أهيء هيأة).","vol":"1","page":831},{"text":"متعلق بالفعل، وعلى الوجه الأول تبيين للمدعو.\nالزجاج: المعنى في اللام (١): تقدم لنفسك، أي: لك في التقدم حظ (٢).\n﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ﴾ أي: أعتصم به، وهو نصب على المصدر، أي (٣): أعوذ بالله عياذًا.\n﴿إِنَّهُ رَبِّي﴾ إن الله خالقي ولا أعصيه، وقيل: إن العزيز ربي وسيدي اشتراني وأحسن منزلتي فلا أخونه في أهله.\n﴿أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ حيث قال: ﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ﴾ [يوسف: ٢١].\n﴿إِنَّهُ﴾ الأمر والشأن.\n﴿لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢٣)﴾ الواضعون الشيء غير موضعه، والمراد به هاهنا: الزُناة.\n﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾ أي: هما بالذنب، والهم بالشيء: مقاربته من غير دخول.\nابن عباس ﵄: استلقت على قفاها وحل هو هميانه، أي (٤): سراويله، وجلس منها مجلس الخاتن (٥).\nالحسن: أما همها فكان أخبث هم، وأما همه فما طبع عليه الرجال من شهوة النساء (٦) من غير عزم على الزنا (٧).\n_________\n(١) في (ب): (معنى اللام).\n(٢) قال الزجاج في «معاني القرآن» ٣/ ٩٩: (المعنى: هَلُمَّ لك، أي: أَقْبِل إلى ما أدعوك إليه).\n(٣) سقطت (أي) من (ب).\n(٤) في (د): (يعني) بدلًا من (أي).\n(٥) هكذا في (ب) وهو الموافق لمصادر التخريج، أما (أ) و(د) ففيها: الخائن.\nوالأثر أخرجه: سعيد بن منصور (١١٦ - تفسير)، والطبري ١٣/ ٨٧ وابن أبي حاتم ٧/ ٣١٢٣.\n(٦) في (ب): (شهوة الزنا من غير ...).\n(٧) ذكره الماوردي ٣/ ٢٤، والمجاشعي في «النكت في القرآن» ١/ ٣١١.","vol":"1","page":832},{"text":"وقيل: هَمَّ بضربها (١) والفرار منها.\nوقيل: هم بها ﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾، وهذا حسن في المعنى ضعيف في الإعراب، لأن جواب ﴿لَوْلَا﴾ لا يتقدم عليه، بل جوابه مقدر، تقديره: لولا أن رأى برهان ربه لأمضى ما هم به (٢).\nوفي برهان ربه أقوال:\nابن عباس في جماعة: هو أن رأى يعقوب، أي: صورة يعقوب عاضًا على أنامله (٣).\nقتادة: نودي: يا يوسف أنت مكتوب في الأنبياء وتعمل عمل السفهاء (٤).\nوقيل: رأى جبريل، وقيل: تذكر جزاء الزنا، وقيل: رأى قطفير، وقيل: رأى كفًا بلا معصم يمنعه من المواقعة.\n﴿كَذَلِكَ﴾ أي: كذلك فعلنا، فهو في محل نصب.\n﴿لِنَصْرِفَ عَنْهُ﴾ عن يوسف.\n﴿السُّوءَ﴾ الذنب.\n﴿وَالْفَحْشَاءَ﴾ الزنا.\n_________\n(١) سقطت (هم) من (ب).\n(٢) قال أبو حيان ٥/ ٢٩٥ رادًا على بعض المفسرين ممن يقول إن هذا الأسلوب ضعيف أو يرده لسان= =العرب كما يذكر الكرماني هنا، يقول أبو حيان: (أما قوله: يرده لسان العرب، فليس كما ذكر، وقد استدل من ذهب إلى جواز ذلك بوجوده في لسان العرب، قال الله تعالى: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [القصص: ١٠]).\n(٣) أخرجه الطبري ١٣/ ٩٠ - ٩١، وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٢٣ عن ابن عباس، وورد مثله عن مجاهد والسدي وغيرهم.\n(٤) أخرجه الطبري ١٣/ ٨٩، وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٢٤.","vol":"1","page":833},{"text":"﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤)﴾ أخلصهم الله واختارهم.\nومن كسر (١) فالمعنى: أخلصوا دينهم لله.\n﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ﴾ طلبا المبادرة إلى الباب.\nوذلك أن يوسف لما رأى برهان ربه قصد الباب للخروج وقصدت الباب لتمنعه من الخروج، فلم تصل إلَاّ إلى ذيله من خلفه فتشبثت به فشقته، وهو قوله:\n﴿وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ﴾ القَدُّ: الشق طولًا، والقَطُّ: عرضًا.\n﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ صادفا زوج المرأة على الباب، فلما رأته خافت فاحتالت لتنزيه نفسها.\n﴿قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٥)﴾ أوهمت أنه قصدها وأن البِدار كان منها.\nو﴿مَا﴾ نفي، وتقديره: إلا السجن أو عذاب أليم، وهو الضرب الوجيع.\nوقيل: ﴿مَا﴾ للاستفهام، وتقديره: هل جزاؤه إلا السجن، وفيه ضعف.\n﴿قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ أي: طالبتني بالمواقعة ولم يكن صلوات الله عليه وسلامه يكشف الأمر ويفضحها إن لم تكذب عليه.\n﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾ أخبر مخبر من أهلها.\nابن عباس ﵄: كان صبيًا أنطقه الله (٢).\nوإليه ذهب جماعة من المفسرين.\nوقيل: كان رجلًا له رأي من خاصة الملك، وقيل: الشاهد: العزيز.\n_________\n(١) القراءة بالكسر (المخلِصين) هي قراءة ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر ويعقوب.\nانظر: «المبسوط» (ص ٢٠٩).\n(٢) أخرجه أحمد (٢٨٢١)، والطبري ١٣/ ١٠٥ - ١٠٧، وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٢٨.","vol":"1","page":834},{"text":"وفي بعض التفاسير: السنور (١).\nوعن مجاهد: القميص المقدود (٢).\n﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٧)﴾ ومعنى ﴿إِنْ كَانَ﴾: إن يصح.\nوالمبرد يجوز بقاء كان على الماضي، وإليه ذهب الزجاج، ويأباه أبو علي، وكان القياس: وشهد شاهد أنه، لكن ذهب به مذهب القول والحكاية، وقُدَّ مضمر مع قَدْ، أي: إن يكن الآن قَدْ قُدَّ قميصه (٣)، وهذه دلالة (٤) عادة أن الذي شق قميصه هو الهارب كما أن الذي في ظهره الضربة هو المهزوم في الحرب، قاله ابن عيسى (٥).\nويحتمل أن الشاهد علم قطعًا أن الذنب لها فلم يُرِد أن يصرّح بذلك فعرّض بهذا.\n﴿فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ﴾ أي: رآه بعينه، وقيل: علم صدقه.\n﴿قَالَ﴾ يعني الزوج، وقيل: الشاهد.\n﴿إِنَّهُ﴾ يعود إلى قوله ﴿قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا﴾، وقيل: إلى السوء، وقيل: إلى كذبها.\n﴿مِنْ كَيْدِكُنَّ﴾ من حيلتكن.\n_________\n(١) هذه الجملة سقطت من (د)، وقد بيّن الكرماني في كتابه الآخر: «غرائب التفسير» ١/ ٥٣٤ أن المقصود هو: النقاش، وهو أحد المفسرين المشهورين.\n(٢) أخرجه الطبري ١٣/ ١١٠ - ١١١، وهو في تفسر مجاهد (ص ٣٩٥).\n(٣) انظر: «معاني القرآن» للزجاج ٣/ ٤٢، فقد نقل قول المبرد، واعتراض أبي علي الفارسي موجود في «الإغفال» ٢/ ٣٢٩ - ٣٣١.\n(٤) سقطت كلمة (دلالة) من (ب).\n(٥) ونقله المؤلف في كتابه الآخر: «غرائب التفسير» ١/ ٥٣٤.","vol":"1","page":835},{"text":"﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ﴾ حيلتكن.\n﴿عَظِيمٌ (٢٨)﴾ يخلص (١) إلى الصالح والطالح والبريء والسقيم، وكيد الشيطان ضعيف لأنه وسوسة وغيب وكيدهن مواجهة وعين.\nثم أقبل على يوسف وقال:\n﴿يُوسُفُ﴾ يريد يا يوسف.\n﴿أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ اكتمه ولا تذكره، وقيل: دع ذلك، ثم أقبل على راعيل وقال:\n﴿وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ﴾ توبي إلى الله من خطيئتك.\n﴿إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ (٢٩)﴾ ذَكَّرَ لتغليب الرجال.\nوروي عن بعضهم أنه قال: كان السيد قليل الغيرة حيث اقتصرعلى قوله ﴿وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ﴾ (٢).\n﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ﴾ تطلب مواقعة غلامها إياها.\n﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾ دخل حبه شغاف قلبها.\nوالشغاف: باطن القلب وهو حبة القلب وسويداؤه، وقيل: الشغاف: غلاف القلب، وقيل: الشغاف: داء يكون في الجوف، و﴿حُبًّا﴾ نصب على التمييز لصرف الفعل عنه (٣)، وقيل: شَغفها (٤) مثل: رَأَسَهُ وَرَجَلَهُ ﴿حُبًّا﴾ بالحب، والأول أولى.\n_________\n(١) في (أ): (يختص)، وفي (ج): (يحيص).\n(٢) ذكر نحوه الماوردي ٣/ ٢٨.\n(٣) سقطت (عنه) من (د).\n(٤) في (د): (وقيل: شغفه مثل ...).","vol":"1","page":836},{"text":"﴿إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٠)﴾ في ضلال عن الرشد، وقيل: في محبة (١) عظيمة.\n﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ﴾ أي: سمعت راعيل بوقيعتهن، وقيل: سمي مكرًا لأنهن قلن ذلك لِتُرِيَهُنَّ يوسف، وكان يوصف لهن حسنه وجماله.\n﴿أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ﴾ تدعوهن إلى مأدبة اتخذتها، فدعت أربعين امرأة.\nقيل (٢): وفيهن أربع قد أَطْلَعَتْهُنَّ على سِرِّها واستكتمتهن فأفشين سرها وذلك مكرهن.\n﴿وَأَعْتَدَتْ﴾ وأعدت (٣)، من: العَتِيْد، وهو: المُعَدّ (٤).\n﴿لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ مجلسًا فيه مايتكئن عليه من الوسائد والنمارق وفيه الطعام والشراب (٥).\nالحسن في جماعة: ﴿مُتَّكَأً﴾: طعامًا (٦).\nقال الشاعر (٧):\nفَظَلِلْنا بنعمةٍ واتَّكأْنا ... وشربنا الحلالَ من قُلله\nوقيل: ﴿مُتَّكَأً﴾: ما يقطع بالسكين مثل الأُترج والبطيخ (٨) والموز.\nوقيل: الزُماورد، وهو: الرُّقاق (٩) الملفوف باللحم وغيره، كأنه يتكأ عليه السكين.\n_________\n(١) ويحتمل أن تكون (محنة)، فإن رسم الكلمتين متقارب.\n(٢) سقطت (قيل) من (ب).\n(٣) سقطت (وأعدت) من (ب).\n(٤) في (د): (وهو المتعدي)، وسقطت الكلمة بعد (وهو) من (ب) ومحلها بياض.\n(٥) سقطت (الشراب) من (د).\n(٦) أخرجه الطبري ١٣/ ١٢٦، وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٣٣ عن الحسن.\nوأخرج الطبري ١٣/ ١٢٦ - ١٢٧ مثله عن سعيد بن جبير ومجاهد.\n(٧) سقط من (ب) قوله (قال الشاعر).\nوالقائل هو: جميل بثينة كما ذكر البغدادي في «خزانة الأدب» ١٠/ ٢١.\n(٨) في (د): (مثل البطيخ والأترج).\n(٩) يعني الخبز، كما في «اللسان» (رقق).","vol":"1","page":837},{"text":"﴿وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا﴾ المبرد: كانوا في ذلك الزمان (١) لا يأكلون إلا بالملاعق والسكاكين كفعل الأعاجم، قال: والعرب تنهس (٢) نهسًا لا تبتغي سكينًا.\n﴿وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ﴾ فخرج عليهن يوسف.\nعكرمة (٣): قال: كان فضل يوسف على الناس في الحسن كفضل القمر ليلة البدر على نجوم السماء (٤).\n﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾ هالهن أمره، وقيل: أعظمنه (٥).\nمجاهد: حضن (٦).\nقال (٧):\nنأتي النساءَ لدى أطهارهنَّ ولا ... نأتي النساءَ إذا أَكْبَرْن إكْبارا\nوالهاء في قوله ﴿أَكْبَرْنَهُ﴾ على هذا تعود إلى المصدر، أي: أكبرن إكبارًا (٨)،\n_________\n(١) في (أ): (الزمن).\n(٢) في (د): (تنهسه).\n(٣) في (د): (قال عكرمة قال ...).\n(٤) عزاه السيوطي في «الدر المنثور» ٨/ ٢٤٥ لعبد بن حميد وابن المنذر وأبي الشيخ.\n(٥) في (ب): (أعظمنهن).\n(٦) لم أجده صريحًا عنه هكذا، ولكن الواحدي في «البسيط» (ص ٤٧٣)، وابن الجوزي ٤/ ٢١٨ نقلا عن مجاهد معناه.\n(٧) القائل غير معروف عند أهل التفسير، ولكنَّ أبا حيان يقول في «البحر المحيط» ٥/ ٣٠٢: (وأنشد بعض النساء حجة لهذا التأويل ...) ثم ساق البيت، وعنده (تأتي) في الموضعين، وفي نسخة (د): (يأتي) في الموضعين، وعند الطبري ١٣/ ١٣٢: (على أطهارهن)، ويقول الطبري عن البيت: (لا أحْسَبُ أن له أصلًا).\n(٨) من قوله: (والهاء في ...) إلى هنا ساقط من (ب).","vol":"1","page":838},{"text":"وقيل: أكبرن له، فحذف اللام، وقيل: المرأة إذا اشتدت غلمتها (١) حاضت، ومنه قول المتنبي (٢):\nخَفِ اللهَ واستُر ذا الجمالَ بِبُرْقُعٍ ... فإنْ لُحْتَ حاضت في الخدورِ العواتقُ\nوقال بعض المفسرين: أَمْنَيْنَ من حسنه كما يُمنين من الجماع (٣).\nوالاستدلال بشعر المحدثين في المعاني جائز بإجماع (٤).\nوأما ابن عيسى فإنه قال: العلماء برواية الشعر لا يعرفون هذا البيت (٥).\n﴿وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ خدشنها بالسكاكين وخِلن يقطعن الطعام.\nقتادة: أَبَنَّ أيديهن حتى ألقينها (٦)، وهذا غلو، وإنما هذا (٧) كقول القائل: قطعت يدي: إذا خدشها أو جرحها.\nوهب: بلغني أن سبعًا من الأربعين متن في ذلك المجلس وَجْدًَا بيوسف ﵇ (٨).\n﴿وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (٣١)﴾ حاش لله: تنزيه له عن حال البشر.\n_________\n(١) في (أ): (حلمتها).\n(٢) البيت في ديوانه (ص ٥٣)، وفي (د): (اتق الله)، وفي الديوان: (ذابت في الخدور).\n(٣) انظر: القرطبي ١١/ ٣٣٢، والألوسي ١٢/ ٢٣٠.\n(٤) الاستدلال بشعر المحدثين في علوم البلاغة كلها لا المعاني وحدها، جائز باتفاق، كما نقله محمد بن الطيب الفاسي (ت ١١٧٠ هـ) في شرحه لكتاب «الاقتراح» للسيوطي ١/ ٦١١ وما بعدها.\n(٥) قاله الطبري أيضًا ١٣/ ١٣٢، وابن عطية ٧/ ٤٩٥ وغيرهم.\n(٦) أخرجه عبدالرزاق ١/ ٣٢٢، والطبري ١٣/ ١٣٥.\n(٧) في (ب): (وإنما قال هذا ...).\n(٨) ذكره ابن حبيب النيسابوري (ق ١١٩/ب)، والثعلبي (ص ٣٠٥) وعندهما: تسعًا.","vol":"1","page":839},{"text":"أبو عبيدة: لهذه اللفظة معنيان: التنزيه والاستثناء (١).\nالحجة: لا يخلو حاش من أن يكون الحرف الجار في الاستثناء أو الفعل، فلا يجوز أن يكون الجار لأن الجار لا يدخل على مثله، فثبت أنه فَاعَلَ (٢) من الحشا الذي يُعنى به الناحية، وفاعله يوسف، أي: صار في حَشًَا من ذلك، هذا معنى كلام أبي علي (٣).\nوحذف ألفه اكتفاء بالفتح عليه دليلًا.\n﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ أي: مثل هذا الجمال ليس بمعهود في البشر إنما (٤) هو ملك.\n﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ أكثرتن ملامتي فيه، أي: في حبي إياه وشغفي به، وكان القياس: هذا، ولكنه غاب عن أعينهن.\n﴿وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ أقرت لهنَّ حين عرفت أَنهنَّ يَعذُرنَهَا.\n﴿فَاسْتَعْصَمَ﴾ امتنع يطلب العصمة من ركوب الفاحشة، ثم قلن له: أطع مولاتك، فقالت راعيل:\n﴿وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ﴾ ليحبسن.\nوالسَّجْنُ: مصدر سَجَنَهُ، أي: منعه من التصرف بالحبس.\n﴿وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ (٣٢)﴾ الأذلاء، والفعل منه: صَغِرَ بالكسر يَصْغَرُ صَغَرًا وصَغارًا، وفي الدقة والسن: صَغُرَ صِغَرًَا فهو صَغِير.\nوالوقف على قوله ﴿وَلَيَكُونًا﴾ بالألف، ومثله ﴿لَنَسْفَعًا﴾ [العلق: ١٥]، وليس لهما في القرآن نظير.\n_________\n(١) في (ب): (الاستثناء والتنزيه). وقول أبي عبيدة هو في «المجاز» ١/ ٣١٠.\n(٢) في (د): (فعل).\n(٣) انظر: «الحجة» لأبي علي الفارسي ٤/ ٤٢٢ - ٤٢٣.\n(٤) في (د): (إذا هو ملك).","vol":"1","page":840},{"text":"﴿قَالَ﴾ يوسف ﵇.\n﴿رَبِّ﴾ يا رب.\n﴿السِّجْنُ﴾ الكون في السجن.\n﴿أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ أي: الزنا.\nابن عيسى: إنما قال ﴿أَحَبُّ إِلَيَّ﴾ ولم يكن الزنا محبوبًا إليه، لأن المعنى لو كان ذلك مما أريده لكانت إرادتي لهذا أشد، والمعنى: وطنت نفسي على السجن.\n﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ﴾ دعاءهن إياي (١) إلى الزنا، وسماه كيدًا لأنهن يُحْسِنَّ عنده ذلك.\n﴿أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾ أمل بطبعي وغلبة شهوتي إلى إجابتهن.\nتقول: صَبَا الزوج (٢) إلى المرأة: مال إليها وغازلها، صِبًَا وصَبَاءً، إذا كسرت قصرت وإذا فتحت مددت.\nوالصَّبى: رقة الهوى (٣)، وذكر بلفظ الجمع لأنهن قلن له: أطع مولاتك.\nوقيل: أصب إلى قولهن، وقيل: كل واحدة منهن دعته إلى نفسها سرًا.\nوظاهر الآية (٤) يدل على ذلك.\n﴿وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٣)﴾ من العاصين.\n﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ﴾ فأجاب الله دعاءه.\n﴿فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ﴾ مكرهن.\n_________\n(١) في (ب): (إياه).\n(٢) في (د): (الرجل).\n(٣) الذي في «القاموس» (صبب): (والصبابة: الشوقُ أو رِقَّتُه، أو رقَّةُ الهوى).\n(٤) كلمة (الآية) سقطت من (ب).","vol":"1","page":841},{"text":"﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾ لدعائه.\n﴿الْعَلِيمُ (٣٤)﴾ بحاله وحالهن.\nوقيل: السميع لدعاء الداعي العليم بإخلاصه.\n﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (٣٥)﴾ أي: ظهر لهم بعد أن لم يكن، والضمير يعود إلى العزيز وإلى (١) النساء، وذَكّرَ تَغليبًا للمذكر، وقيل: يعود إلى العزيز وحده وجمع جمع الملوك، وقيل: إلى العزيز وأهل مشورته.\nوفي فاعل ﴿بَدَا﴾ قولان، أحدهما: رأيٌ وبداءٌ، والعرب تقول: بدا لي ولا يذكرون بداء لكثرته، قال الشاعر (٢):\nلعلَّكَ والموعودُ حقٌّ وفاؤه ... بدا لكَ من تلك القَلوصِ بَداءُ\nوالبداء في الرأي: التلون (٣) فيه.\nوقال الكوفيون: فاعل ﴿بَدَا﴾ قوله ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ﴾.\nوعند البصريين: لا تقع الجملة فاعلة قط، بل (٤) قوله ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ تفسير للبداء (٥).\nقال المبرد: ثم بدا لهم سجنه (٦).\n_________\n(١) سقطت (إلى) من (ب).\n(٢) سقطت كلمة (الشاعر) من (د). والبيت لمحمد بن بشير العدواني كما في «الخزانة» ٩/ ٢١٣، أو للشماخ بن ضرار كما في «اللسان» (بدا). وفي (ب): (حق لقاؤُهُ).\n(٣) في (أ): (التكون فيه).\n(٤) في (أ): (فقال بل قوله ...) بزيادة (فقال).\n(٥) انظر: «الفريد» للمنتجب الهمداني ٣/ ٥٨٤ - ٥٨٥، و«الدر المصون» للسمين ٦/ ٤٩٤.\n(٦) انظر قول المبرد في: «مشكل إعراب القرآن» لمكي ١/ ٣٨٧، حيث نقل عنه إن فاعله: المصدر الذي دل عليه (بدا)، وهو كذلك عند القرطبي ١١/ ٣٤٢.","vol":"1","page":842},{"text":"والآيات: قَدُّ القميص وقطع الأيدي والاستعصام (١).\nويحتمل أن كلام الشاهد هو الآية إذا حملته على الصبي، وهو الأكثر.\nوقوله ﴿حَتَّى حِينٍ (٣٥)﴾ قيل: سبع سنين، وقيل: خمس سنين.\nالسدي: وذلك أن المرأة قالت لزوجها: إن هذا العبد العبراني قد فضحني في الناس يعتذر إليهم ويخبرهم أني (٢) راودته عن نفسه، فإما أن تأذن لي فأخرج وأعتذر، وإما إن تحبسه كما حبستني، فحبسه بعد علمه ببراءته (٣).\n﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ﴾ أي: أُدخل يوسف السجن فدخل ودخل معه فتيان.\nقيل: مملوكان للملك، وقيل: شابان، صاحب شراب الملك وصاحب طعامه، بلغ الملك أن خبازه يريد أن يَسُمَّهُ وأن ساقيه مَالَأَهُ على ذلك، فحبسهما.\n﴿قَالَ أَحَدُهُمَا﴾ يعني صاحب شرابه ليوسف.\n﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ أستخرج العصير من العنب، وسمي العصير خمرًا بما يؤول إليه.\nوالعصر (٤): استخراج المائع.\nوقيل: الخمر: العنب بلغة عمان (٥).\nالزجاج: أعصر (٦) عنب الخمر (٧).\n_________\n(١) في (ب): (... الأيدي والاستعصاب والاعتصام).\n(٢) (أني) سقطت من (ب).\n(٣) أخرجه الطبري ١٣/ ١٥٠، وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٣٩.\n(٤) في (د): (والعصير).\n(٥) قال السمين الحلبي في «الدر المصون» ٦/ ٤٩٦: (وقيل: بل الخمر: العنب حقيقة في لغةغسان وأزد عمان).\n(٦) في (د): (عصير).\n(٧) انظر: «معاني القرآن» للزجاج ٣/ ١٠٩.","vol":"1","page":843},{"text":"والوجه الأول.\n﴿وَقَالَ الْآخَرُ﴾ يعني صاحب الطعام.\n﴿إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ﴾ أي: فإذا سباع الطير تنهس منه.\n﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ أخبرنا بتفسيره.\n﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٣٦)﴾ العالمين، من قولهم: فلان يحسن هذا العلم، وقيل: من المحسنين إلينا إن فسرت رؤيانا، وقيل: كان يداوي مريضهم ويعزي حزينهم ويجتهد لربه في الحبس.\n﴿قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا﴾ أي: أنا عالم بتعبير الرؤيا حتى لو رأى واحد منكما في منامه طعامًا يأكله عبرت رؤياه وأخبرته بما يؤل إليه قبل أن يكون.\nوقيل: لا يأتيكما (١) طعام في اليقظة، فيكون المعنى (٢) معنى كلام عيسى ﵇ في قوله ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ [آل عمران: ٤٩].\nابن جريج: كان الملك إذا أراد قتل إنسان صنع له طعامًا معلومًا (٣). أي: أخبركما بذلك الطعام إن أُتيتما به قبل أن يأتيكما.\n﴿ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ يجوز أن يكون (٤) ابتداء، ﴿مِمَّا عَلَّمَنِي﴾ خبره، ويجوز أن يكون ﴿ذَلِكُمَا﴾ (٥) فاعل ﴿يَأْتِيَكُمَا﴾.\nوقوله: ﴿مِمَّا عَلَّمَنِي﴾ متصل بقوله ﴿نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ أي: من جهة تعليم\n_________\n(١) في (د): (وقيل لا طعام ...).\n(٢) قوله (معنى) سقطت من (ب).\n(٣) أخرجه الطبري ١٣/ ١٦١، وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٤٧.\n(٤) في (ب): (... يكون ذلكما ابتداء).\n(٥) سقطت (ذلكما) من (ب).","vol":"1","page":844},{"text":"الله (١)، وإنما عدل عن التعبير إلى هذا الكلام لأنه كره تعبير رؤيا السوء (٢) وهو ما في رؤيا (٣) صاحب الطعام، فلما ألزمه أخبره به، وقيل: عدل عن ذلك فدعاهما إلى الإسلام أولًا، وكان ذلك أولى.\nويحتمل أنه ليس بعدول، لأن (٤) في المنام ذكر الطعام.\nوقوله ﴿مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ أي: أخبركم عن علم ووحي لا على طريق الكهانة والعرافة والتنجم.\n﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (٣٧)﴾ لما قدم الصلة أعاد ﴿هُمْ﴾. (٥).\n﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ﴾ أي: الاتباع.\n﴿مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا﴾ بالإسلام والنبوة.\n﴿وَعَلَى النَّاسِ﴾ وعلى سائر الناس الذين عصمهم الله عن الكفر ووفقهم للإسلام واتباع الأنبياء.\n﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٣٨)﴾ أي: لا يشكرون الله على نعمه.\nثم دعاهما (٦) إلى الإسلام فقال: ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ﴾ يا ساكنيه.\n﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ﴾ أأصنام شتى مختلفة الذوات والحقائق والأفعال،\n_________\n(١) قوله (أي من جهة تعليم الله) لم يرد في (ب).\n(٢) في (د): (تعبير الرؤيا للسوء).\n(٣) في (أ): (ما في الرؤيا).\n(٤) في (أ): (... بعدول إلا في المنام ...).\n(٥) الظاهر أنه يعني: لما قدم (بالآخرة) أعاد (هم)، ولو كان الكلام: وهم كافرون بالآخرة، لما أعيد الضمير، وأكثر المفسرين على أن التكرار للتوكيد، فالله أعلم.\n(٦) في (ب): (دعاهم).","vol":"1","page":845},{"text":"وقيل: ﴿مُتَفَرِّقُونَ﴾ أي: أصنام وأوثان وجن وملائكة.\n﴿خَيْرٌ﴾ أعظم وأولى بالاتباع.\n﴿أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ﴾ المنفرد بالإلاهية.\n﴿الْقَهَّارُ (٣٩)﴾ الذي يَغلب ولا يُغلب.\n﴿مَا تَعْبُدُونَ﴾ أنتما ومن على دينكما.\n﴿مِنْ دُونِهِ﴾ دون الله.\n﴿إِلَّا أَسْمَاءً﴾ لا طائل تحتها ولا معاني فيها، وقيل: إلا أصحاب أسماء، وقيل: كأنهم اعتقدوا وجود ما ليس بموجود فصاروا يعبدون اسمًا لا مسمى له.\n﴿سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ أي: لم يأمر بعبادتها.\n﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ أي: القضاء والقدر والأمر والنهي لله.\n﴿أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ المستقيم.\n﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٤٠)﴾.\nفي رؤياهما ثلاثة أقوال، أحدها: أنهما تحالما وأرادا تجربة علمه، وقيل: بل كانت رؤيا حقيقية، وقيل: رؤيا الساقي حقيقة ورؤيا صاحب الطعام تحالم (١).\nثم عبر الرؤيا فقال:\n﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا﴾ أي: الساقي.\n﴿فَيَسْقِي رَبَّهُ﴾ سيده.\n﴿خَمْرًا﴾ وجاز تسميته ربًا للإضافة، والمعنى يعود إلى منزلته.\n﴿وَأَمَّا الْآخَرُ﴾ أي: الخباز.\n_________\n(١) في (أ): (تحالما). وقد أورد الطبري ١٣/ ١٥٣ القولين الأولين، بينما ذكر الماوردي ٣/ ٣٦ الأقوال الثلاثة.","vol":"1","page":846},{"text":"﴿فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ﴾.\nفقالا: لم نر شيئا، وقيل: قال الخباز، فأجابه فقال:\n﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ (٤١)﴾ أي: قضى الله لكل واحد منكما ما عبرت رؤياه (١) به صدق فيها أم كذب، لأن هذا من الله لا من تلقاء نفسي (٢).\n﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا﴾ أي: علم وأيقن (٣)، لقوله ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ﴾، وقيل: إنما قال ﴿ظَنَّ﴾ حين أنكرا رؤياهما.\nومعنى ﴿نَاجٍ﴾: متخلص، ينجو من الهلاك ويتخلص منه.\n﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ سيدك، يعني الملك، وقل له: إن في السجن غلامًا حبس ظلما.\n﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ في الضميرين قولان، أحدهما: أنهما يعودان إلى الساقي، والثاني: يعودان إلى يوسف، أي: أنسى الشيطانُ يوسفَ ذكر الله حتى استعان بغير الله.\nوروي عن النبي -ﷺ- أنه قال: (رحم الله أخي يوسف لو لم يقل (اذكرني عند ربك) لما لبث في السجن سبعًا بعد الخمس) (٤).\n﴿فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ﴾ فمكث وبقي فيه.\n_________\n(١) سقطت كلمة (رؤياه) من (ب).\n(٢) في (ب): (نفسه).\n(٣) في (ب): (وتيقن).\n(٤) أخرجه ابن حبان (٦٢٠٦)، وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٤٨ من حديث أبي هريرة، وأخرجه الطبري ١٣/ ١٧٣ من حديث ابن عباس، وأخرجه الطبري أيضًا ١٣/ ١٧٢ - ١٧٤ مرسلًا عن قتادة والحسن وعكرمة.\nقال ابن كثير ٨/ ٤٦: (هذا الحديث ضعيف جدًا ... وهذه المرسلات هاهنا لا تقبل).\nوقول الكرماني في آخر الحديث: (سبعًا بعد الخمس) لم أجده في مصادر التخريج، إذ الوارد في المصادر (ما لبث) أو (بضع سنين).","vol":"1","page":847},{"text":"﴿بِضْعَ سِنِينَ (٤٢)﴾ سبع سنين، وقيل: هذه مدة لبثه في السجن، وقيل: سبع سنين بعد الرؤيا وكان فيه خمس سنين قبل ذلك، وهو ما جاء في الخبر (١)، وقيل:\n﴿بِضْعَ سِنِينَ (٤٢)﴾: خمس سنين.\nوالبضع: نيف مابين الثلاثة إلى العشرة، وهذا هو الأصح، وقيل: من الثلاثة إلى الخمسة، وقيل: إلى السبعة، وقيل: إلى التسعة، وهي بَضْعَةٌ من الدهر، أي: قطعة منه (٢).\n﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ﴾ أي: رأيت في المنام كأني أرى سبع بقرات.\nابن عيسى: البقر حيوان مهيأ للكراب، ومنه المثل: الكراب على البقر (٣).\nوالسِّمَنْ: زيادة البدن من اللحم والشحم.\nوأجرى الصفات (٤) على المضاف إليه، وفي قوله ﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾ ... [الملك: ٣] على المضاف، وكلاهما جائز.\n﴿يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ﴾ ضعاف مهازيل، والعَجَفُ: أشد الهُزَال، والفاعل: أَعْجَفُ وعَجْفَاء (٥)، والجمع عِجَاف، شَذَّ عن الأقيسة، وكذلك سمان، جمع سمين، والبقرة مؤنثة، وقيل: بل البقرة كالجماعة (٦)، تقع على المذكر والمؤنث، وقيل (٧): جمع سمينة كصبيحة وصباح (٨) وظريفة وظراف، حكاهما سيبويه (٩).\n_________\n(١) سبق التعليق على ذلك في الهامش السابق.\n(٢) سقطت (منه) من (د).\n(٣) انظر: «مجمع الأمثال» للميداني ٢/ ٢٩، وقال الميداني: (هذا من قولك: كَرَبْتُ الأرض، إذا قلبتها للزراعة) ويروى المثل: الكلاب على البقر. ...\nقال ابن منظور في «اللسان» (كرب): (وفي المثل: الكراب على البقر؛ لأنها تكرُبُ الأرض، أي: لا تُكْرَبُ الأرض إلا بالبقر. قال: ومنهم من يقول: الكلاب على البقر، بالنصب، أي: أوسِدِ الكلاب على بقر الوحش. وقال ابن السكيت: المثل هو الأول).\n(٤) في (ب): (الصفتان)، وفي (د): (الصفة).\n(٥) في (د): (عجفان).\n(٦) سقطت (بل) من (أ)، وفي (د): (كالحمامة).\n(٧) في (د): (وقيل هي جمع).\n(٨) في (ب): (كصحيفة وصحاف).\n(٩) انظر: «الكتاب» لسيبويه ٣/ ٦٣٦.","vol":"1","page":848},{"text":"وحكي عن قطرب: أبطح وبطاح وأجرب وجراب وأقعس وقعاس مثل عجاف (١).\n﴿وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ﴾ ابن عيسى (٢): السنبلة نبات كالقصبة حمله حبوب منتظمة.\nوتقديره: وسبع سنبلات أخر يابسات.\n﴿يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (٤٣)﴾ أي: عبروها إن كنتم عالمين بها (٣).\nابن عيسى: العبارة: نقل معنى (٤) التأويل إلى نفس السائل بالتفسير.\nوفي دخول اللام أقوال، أحدها: أن الفعل واقع موقع المصدر، أي: (٥) للرؤيا عبارتكم، والثاني: أن الفعل واقع موقع الفاعل، أي: للرؤيا معبرين، والثالث: أن المفعول محذوف واللام للعلة (٦)، أي: تعبرون ما تعبرون للرؤيا، والرابع: أن المفعول إذا تقدم ضَعُفَ الفعل فقوي باللام، وهذا مطرد فيما يرد عليك من اللامات (٧) في مثل هذه الآية، وذلك أنه لما دنا فرج يوسف رأى ملك مصر في منامه سبع بقرات سمان خرجن من نهر يابس وسبع بقرات عجاف مهازيل فابتلعت العجاف السمان فدخلن (٨) في بطونهن (٩) ولم ير منهن شيء، ورأى سبع سنبلات خضر قد أدرك حبها وسبعًا أخر يابسات قد استحصدت وأفركت فالتوت اليابسات على الخضر حتى غلبن عليها، فجمع الكهنة والسحرة فاستفتاهم فيها فعجزوا.\n﴿قَالُوا أَضْغَاثُ﴾ أي: هذه أضغاث.\n﴿أَحْلَامٍ﴾ رؤيا مختلفة أباطيل، واحدها ضغث، ومنه الضغث من الحشيش، وهو الحزمة من أنواع مختلفة منه.\n﴿وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ (٤٤)﴾ ليس تعبير الرؤيا من شأننا وعلمنا.\n_________\n(١) انظر: «تهذيب اللغة» للأزهري ١/ ٣٨٣ ففي الهامش نقلًا عن ابن خالويه في كتابه «ليس من كلام العرب» (ص ١٩): (ليس في كلام العرب أفعل صفة والجمع على فعال إلا ثلاثة أحرف من الصفات: أجرب وجراب، وأعجف وعجاف، وأبطح وبطاح). وقطرب هنا يزيد: أقعس وقعاس.\n(٢) في (د): (ابن عباس).\n(٣) (بها) سقطت من (د).\n(٤) في (أ): (لمعنى).\n(٥) في (ب): (أي إن كنتم للرؤيا).\n(٦) قوله: (واللام للعلة) سقط من (ب).\n(٧) في (د): (من الآيات في مثل هذه الآيات).\n(٨) في (د): (يدخلن).\n(٩) في (ب): (بيوتهن).","vol":"1","page":849},{"text":"والحُلُمُ (١): ما يُرى في النوم.\nابن عيسى: أصل الكلمة: الأناة، لأن النوم (٢) حالة أناة وسكون، والحَلَمَةُ تُحَلِّمُ الطفل، أي: تسكنه.\n﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا﴾ من صاحبي السجن وهو الساقي.\n﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ أي: تذكر يوسف بعد أن نسيه ونسي ما وصاه به من تذكير الملك.\nو(أُمّة): حين من الدهر، أي: جماعة مجتمعة من الزمان.\nوفي الشواذ: (أَمَه) بفتحتين، أي: بعد نسيان، وروي: (أَمْه) بسكون الميم، وهو زوال العقل (٣).\n﴿أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ﴾ ذَكَّرَ حملًا على الحلم.\nأدلكم (٤) على من يخبركم بتأويله.\n﴿فَأَرْسِلُونِ (٤٥)﴾ أي (٥): إلى السجن.\n﴿يُوسُفُ﴾ أي: فأرسل فجاء إلى السجن وقال: يا يوسف.\n﴿أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾ هو المبالغ في الصدق.\n﴿أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ﴾ أعود إلى الملك، فإن الملك رآها في منامه، وقيل: إلى الناس جميعا.\n﴿لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (٤٦)﴾ تأويل رؤيا الملك، وقيل: لعلهم يعلمون حالك ومنزلتك ومقالك.\nولعل ها هنا بمعنى لام كي، وقيل: هو على أصله من معنى الطمع.\n﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا﴾ على عادتكم المستمرة الدائبة (٦)، وقيل: تجتهدون في الزراعة اجتهادًا.\nوالدأب: العادة، والدُّءُوبُ: المبالغةُ في السَّير.\n_________\n(١) بسكون اللام وضمها كذلك.\n(٢) في (ب): (لأن الحلم).\n(٣) انظر: «القراءات الشاذة» لابن خالويه (ص ٦٤)، و«شواذ القراءات» لرضي الدين الكرماني (ص ٢٤٨)، والطبري ١٣/ ١٨٤، و«الكشف والبيان» للثعلبي (ص ٣٣٨)، حيث تنسب الأولى لابن عباس وعكرمة والضحاك، وتنسب الثانية لمجاهد وشبيل بن عزرة.\n(٤) في (د): (أي أدلكم ...).\n(٥) سقطت (أي) من (ب).\n(٦) في (د): (الدائمة).","vol":"1","page":850},{"text":"وقوله: ﴿تَزْرَعُونَ﴾ أي (١): تحرثون، والزرع من الخلق حرث ومن الله إنبات.\n﴿فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ﴾ كي لا يأكله السوس.\nوفي مصحف ابن مسعود ﵁: (فذروه في سنبله هو أبقى له) (٢).\n﴿إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (٤٧)﴾ في تلك السنين لغذائكم.\nيجوز أن يكون عبر الرؤيا فقال: البقرات السمان هي السنون المخصبة والسنابل الخضر زكاء الزرع، ثم أمرهم بما هو الصواب نصيحة لهم لكونه نبيًا فقال: ﴿فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (٤٧)﴾، ويجوز أن يكون: ﴿تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا﴾ في معنى الأمر أيضًا، كأنه قال: ازرعوا سبع سنين على العادة فما حصدتم فذروه في سنبله هو أبقى له إلا قليلًا مما تأكلون، والله أعلم.\n﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ (٤٨)﴾ السبع الشداد: البقرات العجاف، والسنابل اليابسات يأكلن ما قدمتم لهن، يريد: تأكلون فيها، فأسند الفعل إلى الظرف، كقولهم: ليله قائم ونهاره صائم، وقد سبق (٣).\nوقوله: ﴿مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ﴾ أي: في السنين المخصبة، ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ (٤٨)﴾ تدخرون استظهارًا وعدة لبذور الزراعة.\n﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ﴾ أي: السنة (٤) الثامنة.\n﴿فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ﴾ أي: يمطرون من الغيث.\nتقول العرب: غثنا ما شئنا (٥)، وقيل: هو من الغوث، تقول: استغاث فأغاثه، أي: يغيثهم الله من القحط والجوع.\n﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (٤٩)﴾ أي: تكثر الثمار والأعناب والسمسم والزيتون فيعصرونها ويتخذون الأدهان والأشربة.\nابن عباس: يحلبون المواشي من كثرة المراعي (٦).\nأبو عبيده: ﴿يَعْصِرُونَ (٤٩)﴾: ينجون، من قولهم: هو عصرة المنجود (٧)، قال (٨):\nصادِيًا يستغيثُ غيرَ مُغاثٍ ... ولقد كان عُصْرَة المنجودِ\nأي: المكروب.\n_________\n(١) سقطت (أي) من (أ).\n(٢) أخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال: في بعض القراءة الأولى: (هو أبقى له لا يؤكلُ).\nانظر: «الدر المنثور» للسيوطي ٨/ ٢٦٧. وقد أشار الكرماني لقراءة ابن مسعود في كتابه الآخر «غرائب التفسير» ١/ ٥٣٩.\n(٣) انظر: سورة يونس، الآية: (٧): (والنهار مبصرًا).\n(٤) في (أ): (أي في السنة الثامنة).\n(٥) انظر: «الفريد» للمنتجب الهمداني ٣/ ٥٩٨.\n(٦) أخرجه سعيد بن منصور (١١٢٧ - التفسير)، والطبري ١٣/ ١٩٥ - ١٩٦، وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٥٥.\n(٧) انظر: «مجاز القرآن» لأبي عبيدة ١/ ٣١٣.\n(٨) القائل هو: أبو زُبَيدٍ الطائي، كما ذكر الطبري ١٣/ ١٩٧.","vol":"1","page":851},{"text":"وحكى أقضى القضاة: تعصرون السحاب بنزول الغيث (١)، وإنما يصح هذا المعنى على قراءة من قرأ: (وفيه يُعْصَرون) على المجهول، وهو شاذ (٢).\nقال الزجاج: من قوله: ﴿مِنَ الْمُعْصِرَاتِ﴾ [النبأ: ١٤] (٣).\nفرجع الساقي وأخبر الملك بتعبير رؤياه ونصحه إياه.\n﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ﴾ ليخرجه من السجن.\n﴿قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾ يريد الملك.\n﴿فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ يريد بذلك إظهار براءته مما نسب إليه وأنه كان محبوسًا ظلمًا.\nوروي عن النبي -ﷺ- أنه قال: (رحم الله أخي يوسف لو كنت مكانه (٤) لبادرتهم إلى الباب إن كان لحليمًا ذا أناة) (٥).\nويروى: (لو كنت مكانه ما أخبرتهم حتى أشترط أن يخرجوني) (٦).\nوقوله: ﴿فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ﴾ أي: فسئله أن يسأل النسوة ما بالهن وشأنهن، وعَمَّهُن بالذكر دون امرأة العزيز صيانة لها وأنها معهن تعريضًا لا تصريحًا.\nويحتمل أن المعنى: ما بالهن لم يشهدن ببرآتي وقد عرفن ذلك بإقرار امرأة العزيز عندهن، ويحتمل أنه خاف أن تحيل الذنب عليه كالأول.\n﴿إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (٥٠)﴾ حين قلن لي: أطع مولاتك.\nوقيل: أراد بقوله ﴿إِنَّ رَبِّي﴾: العزيز.\n_________\n(١) انظر: «النكت والعيون» للماوردي ٣/ ٤٥، وعزاه الماوردي لعيسى بن عمر الثقفي.\n(٢) هي قراءة عيسى وجعفر بن محمد والأعرج، انظر: «المحتسب» ١/ ٣٤٤، و«الدر المصون» ٦/ ٥١١، حيث ذكر الأخير أن قراءة عيسى: (تعصرون) بالتاء، وهذا خلاف ما ذكره ابن جني.\n(٣) انظر: «معاني القرآن» للزجاج ٣/ ١١٤.\n(٤) حصل سقط في (ب) من قوله (مكانه) في هذا الحديث، إلى (مكانه) في الحديث التالي، فسقط ما بينهما، وأيضًا وردت (مكانه) في (ب) بلفظ (مكانهم).\n(٥) أخرجه الطبري ١٣/ ٢٠٠، والحاكم ٢/ ٣٤٦ - ٣٤٧، وأخرج البخاري (٣٣٨٧) من حديث أبي هريرة عن النبي -ﷺ-: (لو لبثت في السجن ما لبث يوسف ثم أتاني الداعي لأجبته).\n(٦) هذه رواية الطبري ١٣/ ٢٠٢ من رواية عكرمة مرفوعًا، والطبراني في «المعجم الكبير» (١١٦٤٠) من حديث ابن عباس ﵄، وضعفه الهيثمي في «مجمع الزوائد» ٧/ ٤٠.","vol":"1","page":852},{"text":"فرجع الرسول إلى الملك من عند يوسف (١) برسالته فدعى الملك النسوة اللاتي قطعن أيديهن ودعى امرأة العزيز.\n﴿قَالَ﴾ لهن ﴿مَا خَطْبُكُنَّ﴾ ما شأنكن.\nوالخطب: الأمر العظيم يخاطب فيه صاحبه.\n﴿إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ﴾ معاذ الله.\n﴿مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ﴾ ذنب، وقيل: معناه: ما دعوناه إلى أنفسنا، وإنما دعوناه إلى امرأة العزيز وما علمنا سوءًا في أن ندعوا المملوك إلى طاعة صاحبته (٢).\n﴿قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾ وقيل: أقرت مخافة أن يشهدن عليها.\n﴿أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٥١)﴾ في قوله: ﴿هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾، ومعنى ﴿حَصْحَصَ﴾: بان وظهر، عن ابن عباس (٣).\nابن عيسى: هو من قولهم: حَصَّ شَعْرَهُ: إذا استأصلَ قِطْعَةً، والحِصَّةُ: القطعة من الشيء (٤).\nثم رجع الرسول إلى يوسف فأخبره بكلام النسوة وإقرار امرأة العزيز وبشهادتها (٥) على نفسها، فقال يوسف:\n﴿ذَلِكَ﴾ أي: رد الرسول (٦) إلى الملك وامتناعي من الخروج.\n﴿لِيَعْلَمَ﴾ العزيز.\n﴿أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ غائبًا عني.\nوقيل: ليعلم الملك أني لم أخن العزيز.\n﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (٥٢)﴾ لا يهدي الخائنين بكيدهم.\n_________\n(١) قوله: (من عند يوسف) سقط من (ب).\n(٢) في (ب): (صاحبه).\n(٣) أخرجه الطبري ١٣/ ٢٠٤ بلفظ: تبيَّنَ، وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٥٦ بلفظ: تبين الحق.\n(٤) نقله الماوردي ٣/ ٤٧، ولم ينسبه لأحد.\n(٥) في (د): (وشانها).\n(٦) في (ب): (ردي)، وفي (أ): (السؤال) بدلًا من (الرسول).","vol":"1","page":853},{"text":"﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ فيه أربعة أقوال، أحدها: أن جبريل ﵇ لقاه (١) فقال له: ولا حين هممت؟ فقال: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾، عن ابن عباس ﵄ (٢).\nالسدي: خاطبته بذلك راعيل امرأة العزيز، فقالت (٣): ولا حين خلعت السراويل؟ فقال: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ (٤).\nالحسن: لما زكى نبي الله نفسه، استدرك فقال: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ (٥).\nقتادة: خاطبه الملك فقال له: أذكر ما هممت، قال: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ لا أنزِّهها (٦).\n﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ كثيرة الأمر بالمعصية.\n﴿إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ قيل: استثناء متصل، أي: إلا من ﵀ فعصمه عن السوء، وقيل: منقطع، أي: لكن من رحمه، وقيل: ﴿مَا﴾ للمصدر.\n﴿إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٣)﴾.\nوذهب جماعة من المفسرين (٧) إلى أن هذا كله من كلام امرأة العزيز وهو متصل بقولها: ﴿قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٥١) ذَلِكَ﴾ أي: الإقرار على نفسي ﴿لِيَعْلَمَ﴾ يوسف ﴿أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ بظهر الغيب\n_________\n(١) سقطت (لقاه) من (ب).\n(٢) أخرجه الطبري ١٣/ ٢١٠، وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٥٧.\n(٣) في (د): (فقال).\n(٤) أخرجه الطبري ١٣/ ٢١٤، وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٥٧ - ٢١٥٨.\n(٥) عند الطبري ١٣/ ٢١٣ عن الحسن: قال له جبريل: اذكر هَمَّك، فقال: (وما أبرئ نفسي)، وهذا الذي أورده الكرماني لعله أخذه عن الماوردي ٣/ ٤٩، فقد أورد نحوه عن الحسن.\n(٦) أخرجه عبدالرزاق ١/ ٣٢٥، والطبري ١٣/ ٢١٤، وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٥٨.\n(٧) انظر: «المحرر الوجيز» ٧/ ٥٣٦ - ٥٣٧ و٨/ ١ - ٢، والقرطبي ١١/ ٣٧٥.","vol":"1","page":854},{"text":"﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (٥٢) وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ عن ذنب هممت به ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ إذا غلبت الشهوة ﴿إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ بنزع الشهوة عن يوسف (١) ﴿إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٣)﴾ وهذا قول لطيف (٢)، وهو الأظهر، والأول قول الجمهور وفيه غموض.\nواعتراض صاحب النظم (٣) بقوله: يجوز أن يكون من كلام المرأة لولا قوله: ﴿إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٣)﴾ لا يدفعه، لأن الكفار مقرون بالله.\n﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾ أجعله خالصًا لنفسي من غير شركة.\n﴿فَلَمَّا كَلَّمَهُ﴾ عبر رؤياه شفاهًا ودَلَّهُ على الرشد في أموره.\n﴿قَالَ﴾ الملك ليوسف.\n﴿إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ﴾ ذو مكانة ومنزلة.\n﴿أَمِينٌ (٥٤)﴾ مأمون، وقيل: ﴿أَمِينٌ (٥٤)﴾ آمن لا تخاف العواقب، فمن لي بما هديت إليه وأشرت به.\n﴿قَالَ﴾ يوسف.\n﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ أرض مصر.\n﴿إِنِّي حَفِيظٌ﴾ أي: حفيظ لها ممن لا يستحقها.\n﴿عَلِيمٌ (٥٥)﴾ بوجوه التدبير فيها ومتصرفاتها، وقيل: ﴿حَفِيظٌ عَلِيمٌ (٥٥)﴾: كاتب حاسب، وقيل: حفيظ لِكُتُبِ الله عليم بمعانيها وفيها هداية العباد ومصالح\n_________\n(١) في (أ): (عن نفس يوسف).\n(٢) في (ب): (... لطيف والأول أظهر وفيه غموض واعتراض).\n(٣) في (د): (... النظم على القول الأول بقوله ...).\nوصاحب النظم: هو أبو علي الجرجاني كما تقدم في تفسير سورة التوبة.","vol":"1","page":855},{"text":"الأمور والرشاد، وقيل: عليم بالألسن، وقيل: في الآية تقديم وتأخير، تقديره: اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم قال الملك إنك اليوم لدينا مكين أمين، أي: أجابه إلى ملتمسه.\n﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ﴾ جاء في القصص: أن الملك أجلسه على السرير وفوض إليه جميع أموره (١) وجعله مكان العزيز قطفير، وقيل: أطفير، وأن العزيز توفي في تلك الليالي وزوج الملكُ يوسفَ امرأة العزيز راعيل فوجدها عذراء، وولد له منها (٢) ابنان أفرايم (٣) وميشا.\n﴿يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ﴾ ينزل منها حيث يريد ويهوى.\nومن قرأ بالنون (٤)، أي: حيث يشاء الله.\n﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾.\n﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ يريد يوسف ﵇ وغيره من المؤمنين إلى يوم القيامة.\n﴿وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٥٧)﴾ الشرك والفواحش.\nثم انقضت السنون المخصبة ودخلت المجدبة وعمَّ أهلَ مصر ونواحيها والشام وأطرافها القحط وقلة الطعام، وكان بمصر ما أعدوه بنصيحة يوسف فجعل أهل مصر يبتاعون من يوسف الطعام (٥) بالنقود حتى لم يبق لهم (٦) درهم جعلوا يبتاعون بالحلي والجواهر ثم بالمواشي والدواب ثم بالعبيد والإماء ثم بالضِّياع والعقار والدور ثم بأولادهم، فدخلت السنة السابعة ولم يبق لهم شيء فابتاعوا الطعام برقابهم حتى لم يبق في مصر حُرٌّ ولا حُرَّةٌ إلا صار عبدًا له، ثم إن الملك استشار يوسف في أمرهم وجعل يوسفَ وكيله فيما يستصوبه فيهم (٧)، فأعتقهم جميعًا وردَّ عليهم أملاكهم (٨)،\n_________\n(١) في (ب): (الأمور).\n(٢) كلمة (منها) سقطت من (ب).\n(٣) في (ب): (أفرانيم)، وفي (د): (أفراهيم).\n(٤) هي قراءة ابن كثير وحده من العشرة، وقرأ الباقون بالياء.\nانظر: «المبسوط» لابن مهران (ص ٢١٠).\n(٥) في (أ): (الطعام).\n(٦) سقطت (لهم) من (ب).\n(٧) في (ب): (فيه).\n(٨) قال ابن كثير ٨/ ٥٤: (وما ذكره بعض المفسرين من أنه باعهم في السنة الأولى بالأموال، وفي الثانية بالمتاع، وفي الثالثة بكذا ... الله أعلم بصحة ذلك، وهو من الإسرائيليات التي لا تصدق ولا تكذب) انتهى باختصار.","vol":"1","page":856},{"text":"وقصد الناسُ في تلك السنين مصرَ من كل أوب (١) يمتارون، وجعل يوسف لا يُمكِّن أحدًا وإن كان عظيمًا من أكثر من حمل بعير، وأصاب أرض كنعان من الشدة ما أصاب سائر البلاد، فأرسل يعقوب عشرة من بنيه إلى مصر للميرة وهو قوله:\n﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ أي: مجلس يوسف.\n﴿فَعَرَفَهُمْ﴾ يوسف.\n﴿وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٨)﴾ أي: عرفهم ولم يعرفوه، ولم يكن منهم فعل، ونَكِرَ وأَنْكَرَ بمعنىً، وإنما لم يعرفوه لأنه كان قد تقرر في أنفسهم هلاكه، ولأن بين إلقائهم إياه في البئر وبين دخولهم عليه أربعين (٢) سنة، قاله ابن عباس ﵄ (٣).\nوقيل: كان بينهم وبينه حجاب، وقيل: لأنه كان في زي الملوك على رأسه تاج وفي عنقه طوق من ذهب وعليه ثياب حرير جالسًا على سرير، فلما نظر إليهم يوسف وكلموه بالعبرانية، قال لهم: أخبروني من أنتم وما أمركم ولعلكم عيون جئتم تنظرون عورة بلادنا، قالوا: والله ما نحن بجواسيس وإنما نحن إخوة بنو أب واحد، وهو شيخ يقال له: يعقوب، نبي من الأنبياء، قال: فكم أنتم؟ قالوا: كنا اثني عشر (٤)، فذهب أخ لنا إلى البَرِّيَّة فهلك فيها، وكان أحبنا إلى أبينا، قال: فكم (٥) أنتم ها هنا؟ قالوا: عشرة، قال: فأين الآخر؟ قالوا: عند أبينا، وهو أخ الذي هلك من أمه، وأبونا يتسلى به، قال: فمن يعلم أن الذي تقولون حق؟ قالوا: يا أيها الملك: إنا ببلاد لا يعرفنا أحد، فقال يوسف: فأتوني بأخيكم الذي من أبيكم إن كنتم (٦) صادقين، فأنا أرضى بذلك، أظهر لهم أنه يريد أن يستبرئ (٧) به أحوالهم.\nقال صاحب النظم: سألوه أن يعطيهم وقر الأخ لهم (٨) من أبيهم، فأعطاهم ثم اعتل عليهم في الرجعة، فقال: ائتوني بهذا الأخ الذي لأبيكم حتى (٩) أعلم صدقكم من كذبكم،\n_________\n(١) أي: من كل طريق ووجه وناحية. انظر: «اللسان» (أوب).\n(٢) في (د): (أربعون).\n(٣) ذكره الثعلبي في «الكشف والبيان» (ص ٣٧٠ - ٣٧١ - رسالة جامعية).\n(٤) في (ب): (قالوا إثنا عشر فذهب ...).\n(٥) في (أ): (كم).\n(٦) في (أ) زيادة: (حتى إن كنتم ...).\n(٧) في (أ): (يتبنى).\n(٨) في (ب): (وقرأ لأخيه من أبيهم ...).\n(٩) سقطت (حتى) من (أ).","vol":"1","page":857},{"text":"وإن لم تأتوني به علمت كذبكم فلم أعطكم شيئًا بعده، قالوا: إن أبانا يحزن على فراقه وسنراود عنه أبانا وإنا لفاعلون، قال: فدعوا بعضكم عندي رهينة حتى تأتوني بأخيكم الذي من أبيكم، فاقترعوا بينهم فأصابت القرعة شمعون وكان أحسنهم رأيًا في يوسف وأبرهم به، فجعلوه عنده، وهو قوله:\n﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ﴾ أي: مار هم (١) وكال لكل واحد منهم كيل بعير، والباء زائدة (٢).\nأي: جهزهم جهازهم.\nابن عيسى: الجهاز: فاخر المتاع الذي يحمل من بلد إلى بلد.\n﴿قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ﴾ أُتِّمُه، وقيل: معناه: ألا ترون أن بيدي الكيل.\n﴿وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٥٩)﴾ المضيفين (٣).\nابن عيسى: المُنْزِلُ: واضع الشيء (٤) في منزله، رغبهم بهذا الكلام على الرجوع إليه، ونَكَّرَ قوله: ﴿بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ﴾ وحقه التعريف: لأن التقدير: بأخ لكم (٥) قد سمعت به، والوصف ينوب عن التعريف.\n﴿فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي﴾ أي: لا تباع الميرة منكم فيكال لكم.\n﴿وَلَا تَقْرَبُونِ (٦٠)﴾ لا تقربوا داري وبلادي.\n﴿قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ﴾ أي: نجتهد في طلبه من أبيه، وأصله من: رَادَ يَرُودُ، إذا جاء وذهب.\n﴿وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ (٦١)﴾ ما أمرتنا به، وقيل: لفاعلون المراودة.\n_________\n(١) في (أ): (مار بهم).\n(٢) تكرر مرارًا أنه لا يصلح القول بأن هناك حروفًا أو كلمات زائدة في القرآن الكريم.\n(٣) في (أ): (للمضيفين).\n(٤) في (أ): (شيء).\n(٥) في (د): (بأخيكم).","vol":"1","page":858},{"text":"وأراد يوسف بذلك (١) تنبيه يعقوب على حال يوسف، وقيل: أمره الله بذلك.\n﴿وَقَالَ لفتيته (٢) اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ﴾ الفتية والفتيان: جمع فتى، والفتى: الشاب القوي.\nقتادة: كانوا غلمانًا له (٣).\nوبضاعتهم: ما جعلوها في ثمن الطعام.\nقتادة: أوراقهم (٤).\nالضحاك: كانت نعالًا وأَدَمًا (٥).\nوالرَّحل: الشيء المعد للرحيل من حمل ووعاء للمتاع.\nوإنما فعل ذلك يوسف مخافة أن لا يكون عند أبيه ما يرجعون إليه (٦) مرة أخرى.\nوقيل: أراد أن يتسع به أبوه.\nوقيل: رأى لو ما أخذ ثمن الطعام من إخوته وأبيه.\nوقيل (٧): فعل ذلك لأنه علم أن ديانتهم وأمانتهم تحملانهم على رد البضاعة.\nوقيل: حرضهم بذلك على الرجوع.\n_________\n(١) في (ب): (وأراد بذلك يوسف ...).\n(٢) هكذا في النسخ الثلاث (لفتيته) بالتاء من غير ألف، وهي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر وأبي جعفر ويعقوب، وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم وخلف (لفتيانه) بالألف والنون.\nانظر: «المبسوط» لابن مهران (٢١٠)، و«النشر» لابن الجزري ٢/ ٢٩٥.\n(٣) أخرجه ابن جرير ١٣/ ٢٢٧، وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٦٥.\n(٤) أخرجه كذلك ابن جرير ١٣/ ٢٢٧، وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٦٥.\n(٥) إنما رواه الضحاك عن ابن عباس، كما عند الثعلبي (ص ٣٧٥)، والواحدي في «البسيط» (ص ٥٣٦).\n(٦) في (د): (ما يرجعون به مرة ...).\n(٧) سقط هذا القول كاملًا من (ب)، ففيها: (... وأبيه وقيل حرضهم ...).","vol":"1","page":859},{"text":"﴿لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٦٢)﴾ أي: لكي يعرفوا ذلك عند انصرافهم إلى أهلهم فيرجعون إلي.\n﴿فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ﴾ بالطعام وأخبروه خبره.\n﴿قَالُوا يَاأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ﴾ حُكِمَ بمنعه بعد هذا إن لم نذهب بأخينا ابنيامين (١)، وقيل: منع منّا إتمام الكيل الذي أردنا (٢).\n﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ﴾ نكتال لنا وله، و(يكتل) بالياء هو لنفسه وعياله (٣). والاكتيال: الكيل للنفس.\n﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٦٣)﴾ عن (٤) أن يناله مكروه.\n﴿قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ﴾ على ابنيامين.\n﴿إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ﴾ يوسف.\n﴿مِنْ قَبْلُ﴾ وقد قلتم: أرسله معنا غدًا (٥) نرتع ونلعب وإنا له لحافظون، لم يثق بهم لما كان منهم في حق يوسف.\n﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٦٤)﴾ أي: حفظ الله خير من حفظكم.\nومن قرأ بالألف (٦): فنصبه على التمييز، وقيل: على الحال.\nقال كعب: لما قال: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا﴾ قال الله: (وعزتي وجلالي لأردن عليك\n_________\n(١) في (د) زيادة: (ابنيامين إليه).\n(٢) في (ب): (أردت).\n(٣) قرأ حمزة والكسائي وخلف بالياء (يكتل)، وقرأ باقي العشرة (نكتل) بالنون.\nانظر: «المبسوط» لابن مهران (ص ٢١٠).\n(٤) في (أ): (من أن ...).\n(٥) كلمة (غدًا) لم ترد في (أ).\n(٦) قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم وخلف (حافظًا) بالألف، وقرأ باقي العشرة (حِفْظًا) بكسر الحاء من غير ألف.\nانظر: «المبسوط» (ص ٢١٠).","vol":"1","page":860},{"text":"كليهما (١) بعدما فوضت إلي (٢».\n﴿وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ﴾ أوعيتهم.\n﴿وَجَدُوا﴾ الوجدان: ظهور الشيء للنفس بحاسة أو ما يغني عن الحاسة.\n﴿بِضَاعَتَهُمْ﴾ ثمن الطعام.\n﴿رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا﴾ لأبيهم.\n﴿يَاأَبَانَا مَا نَبْغِي﴾ ﴿مَا﴾ للاستفهام، أي: ماذا نطلب وماذا نريد وهل فوق هذا من مزيد، أكرمنا وباع منا ورد علينا الثمن، وقيل: ﴿مَا﴾ للنفي، أي: لا نطلب منك ما تردنا به إلى مصر.\n﴿هَذِهِ بِضَاعَتُنَا﴾ ننصرف بها.\nوقيل: ﴿مَا نَبْغِي﴾: ما (٣) نكذب فيما نخبرك به عن صاحب مصر ﴿هَذِهِ بِضَاعَتُنَا﴾ ما حملناه في ثمن الطعام (ردت إلينا ونمير أهلنا) نجلب إليهم الميرة.\nوالميرة: الطعام يحمل من غير بلدك.\n﴿وَنَحْفَظُ أَخَانَا﴾ في ذهابنا ومجيئنا.\n﴿وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ حمل جمل.\nمجاهد: حمار (٤).\n﴿ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ (٦٥)﴾ سهل عليه.\nواليسر: إتيان الخير بغير مشقة.\n_________\n(١) في (ب): (كلاهما).\n(٢) ذكره الثعلبي (ص ٣٨٣)، والواحدي في «الوسيط» ٢/ ٦٢١، والقرطبي ١١/ ٣٩٦ عن كعب الأحبار.\n(٣) في (ب): (في ما).\n(٤) أخرجه الطبري ١٣/ ٢٣٤، وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٧٤.","vol":"1","page":861},{"text":"وهذا يدفع قول صاحب النظم (١).\n﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾ عقدًا مؤكدًا بذكر الله.\nجويبر عن الضحاك عن ابن عباس ﵄: حتى تحلفوا لي بحق محمد خاتم النبيين وسيد المرسلين أن لا تغدروا بأخيكم (٢).\n﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ إلا أن تهلكوا جميعًا.\nقتادة: إلا أن تغلبوا حتى لا تطيقوا ذلك (٣).\nابن عيسى: ﴿أَنْ يُحَاطَ﴾: محله نصب (٤)، لأنه مفعول له.\n﴿فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ﴾ عهدهم.\nابن عباس: حلفوا بمنزلة محمد -ﷺ- (٥).\n﴿قَالَ﴾ يعقوب ﴿اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (٦٦)﴾ شاهد، وقيل: كفيل حفيظ، وقيل:\n﴿وَكِيلٌ﴾: ضامن للقيام على ما أسند إليه.\n_________\n(١) سبق إيراد قول الجرجاني صاحب النظم قبل قليل، وإنما يندفع قول صاحب النظم باعتبار أن أخاهم معهم والبضاعة معهم، بينما ذكر صاحب النظم أنهم جعلوا شمعون رهينة عند يوسف ﵇.\n(٢) ذكره الثعلبي (٣٨٢)، وفيه جويبر بن سعيد الأزدي، ضعيف جدًا كما في «تقريب التهذيب» لابن حجر (ص ١٤٣).\nثم إن الحلف بغير الله تعالى أو أسمائه أو صفاته لا يجوز، ولذلك كان الوارد في أكثر التفاسير أنهم حلفوا له بالله، وهو الصحيح من جهة السياق اللغوي في الآية كما بينه الواحدي في «البسيط» (ص ٥٤٢ - ٥٤٣)، وقال الألوسي ١٣/ ١٤: (الظاهر عدم صحة الخبر).\n(٣) أخرجه عبدالرزاق ١/ ٣٢٥، والطبري ١٣/ ٢٣٥ - ٢٣٦، وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٦٧.\n(٤) في (ب): (موضعه نصب).\n(٥) سبق قبل قليل التعليق على أثر ابن عباس، وبيان ضعفه.","vol":"1","page":862},{"text":"﴿وَقَالَ يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ جل المفسرين على أنه خاف عليهم العين لأنهم كانوا ذوي صورة وجمال، وقيل: خاف عليهم حسد الناس وأن يبلغ الملك قوتهم وشدة بطشهم فيهلكهم خوفًا على مملكته.\nإبراهيم النخعي: قال ذلك رجاء أن يلقوا يوسف (١).\nوأنكر أبو علي الجبائي (٢) العين، وليس كما زعم، فإن النبي -ﷺ- قال: (العين حق) (٣)، وقال: (العين (٤) تدخل الرجل القبر (٥) والجمل القدر) (٦)، وقال في عوذته للحسن والحسين: (وأعيذكما من كل عين لامَّة) (٧)، ونزل في العين أيضًا ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ﴾ [القلم: ٥١] (٨).\n_________\n(١) أخرجه سعيد بن منصور (١١٣٣ - قسم التفسير)، وزاد السيوطي ٨/ ٢٨٧ نسبته لابن المنذر وأبي الشيخ.\nوأخرجه ابن أبي حاتم ٧/ ٢١٦٨ عن إبراهيم بلفظ: علم أنه سيلقى إخوته في بعض الأبواب.\n(٢) هو: محمد بن عبدالوهاب البصري، شيخ المعتزلة، وصاحب التصانيف، أخذ عنه جماعة منهم: أبوالحسن الأشعري، ثم تركه ومال إلى السنة، توفي الجبائي سنة (٣٠٣ هـ) بالبصرة.\nانظر: «سير أعلام النبلاء» ١٤/ ١٨٣ - ١٨٤. وقد نقل الرازي في «تفسيره» ١٨/ ١٣٨ عن أبي علي الجبائي إنكاره للعين أيضًا.\n(٣) أخرجه البخاري (٥٧٤٠) ومسلم (٥٧٠١).\n(٤) سقطت كلمة (العين) من (ب).\n(٥) في (ب): (الرجل الحقير).\n(٦) هذا الحديث أخرجه أبو نعيم في «حلية الأولياء» ٧/ ٩٠، والخطيب البغدادي في «تاريخ بغداد» ٩/ ٢٤٤، وضعفه الذهبي في «الميزان» ٢/ ٢٧٥ وقال إنه حديث منكر، وضعفه السخاوي في «المقاصد الحسنة» (ص ٢٩٤)، بينما قال الشيخ الألباني في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (١٢٤٩): إسناده حسن.\n(٧) أخرجه البخاري (٣٣٧١).\n(٨) قال القرطبي ١١/ ٤٤٠: (ففي هذين الحديثين أن العين حق، وأنها تقتل كما قال النبي -ﷺ-، وهذا قول علماء الأمة ومذهب أهل السنة، وقد أنكرته طوائف من المبتدعة، وهم محجوجون بالسنة وإجماع علماء هذه الأمة، وبما يُشاهد من ذلك في الوجود).","vol":"1","page":863},{"text":"﴿وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ أحذره عليكم، يريد أن المقدور كائن وأن الحذر لا ينفع من القدر.\n﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (٦٧)﴾ جمع بين الواو والوفاء في عطف الجملة على الجملة لما تقدم (١) الصلة وهي (عليه).\n﴿وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ﴾ كانت لمصر أربعة أبواب فدخلوها متفرقين.\n﴿مَا كَانَ يُغْنِي﴾ دخولهم من أبواب متفرقة.\n﴿عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ صَدَّقَ اللهُ نبيه يعقوب في قوله ﴿وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾.\nقوله: ﴿إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ﴾ حزازةً وهَمَّة (٢) ﴿قَضَاهَا﴾ قضى تلك الحاجة، وهي تفريقهم خوف العين أو خوف الحسد أو رجاء أن يلقوا يوسف.\n﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ﴾ ذو يقين ومعرفة بالله، وقيل: معناه: ليس يعمل على جهل بل على علم، وقيل: كان عاملًا بعلمه (٣).\n﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦٨)﴾ أن يعقوب بهذه الصفة، وقيل: لا يعلمون ما يعلم يعقوب.\n﴿وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ﴾ أنزله في الموضع الذي يأوي إليه (٤) وخلا به دونهم، وقيل: ضَمَّهُ إليه وأنزله عنده، وقيل: اعتنقه وبكى.\nوالإيواء: تصيير الشيء إلى المأوى الذي يأوي إليه.\n﴿قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ﴾ اعترف له بنسبه، وقال له: لا تخبرهم بما أخبرتك.\n_________\n(١) في (ب): (على ما تقدم).\n(٢) قوله: (حزازة وهمة) سقط من (د).\n(٣) في (ب): (عاملًا به).\n(٤) في (د): (يأوي فيه).","vol":"1","page":864},{"text":"وهب: إني أنا أخوك مكان أخيك (١) الذي زعموا أنه أكله الذئب (٢).\n﴿فَلَا تَبْتَئِسْ﴾ لا تحزن.\nوالابتئاس: افتعال من البؤس، وهو سوء العيش.\n﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٦٩)﴾ في حقنا.\n﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾ أي (٣): فلما هيأ أسبابهم، وأوفى الكيل لهم (٤)، وحمل لهم بعيرًا بعيرًا (٥) وحمل باسم ابنيامين بعيرًا، ثم أمر بسقاية الملك فجعلت في رحل أخيه ابنيامين بغير علمه، وقيل: كان ذلك بتقرير منه وتوطين نفس على ما نسب إليه من السرقة، وكان مَشْرَبَةً يشربُ منها (٦) الملك، وقيل: كان كأسًا من فضة، وقيل: من ذهب، مرصعة بالجواهر، وقيل: السقاية والصاع واحد، وقيل: كانت سقاية فجعلت صاعًا يكال به لعزة الطعام.\nوقوله: ﴿فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾: في جملة متاعه.\n﴿ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ﴾ نادى مناد، وقيل: أَعْلَم مُعْلِم.\nوالتأذين: إعلام بقول يسمع بالآذان (٧).\nوحُمِلَ هاهنا على معنى القول، ولهذا لم يقع بعده (أن) ولا (أنّ) (٨).\n﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ﴾ يريد: يا أهل العير، فحذف المضاف.\n_________\n(١) في (أ): (أخوك).\n(٢) أخرجه الطبري ١٣/ ٢٤٢ - ٢٤٣، والثعلبي (ص ٣٨٩ - ٣٩٠).\n(٣) سقطت (أي) من (ب).\n(٤) قوله: (وأوفى الكيل لهم) سقط من (أ).\n(٥) في (د): (لهم بعيرًا وحمل ...).\n(٦) في (أ): (منه).\n(٧) في (ب): (والتأذين قول يسمع بالآذان).\n(٨) في (ب): (بعدها أن ولان).","vol":"1","page":865},{"text":"والعير: الإبل، لا واحد لها.\nمجاهد: العير: الحمير (١).\n﴿إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ (٧٠)﴾ اختلفوا في تأويله، قال بعضهم: إن المنادي ناداه من غير (٢) إذن يوسف، وقيل: إنكم لسارقون ليوسف، يريد حين أخذوه من أبيه ورموه في الجُبِّ (٣)، وقيل: فيه استفهام، أي: أإنكم (٤) لسارقون، وقيل: أراد إن ظهر منكم السرق فإنكم سارقون، وقيل: إنكم في قوم من يسرق، كما يقال: قتل بنو فلان رجلًا، والقاتل واحد أو اثنان، وقيل: تعريض.\n﴿قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ﴾ أي: قابلوهم بوجوههم.\n﴿مَاذَا تَفْقِدُونَ (٧١)﴾ أيُّ شيء ضاع لكم (٥).\nوالفقد: غَيْبَةُ الشيء عن الحِسِّ بحيث لا يُدرى أين هو.\n﴿قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ﴾ الصواع: المكيال لا غير، يذكر ويؤنث.\n﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ﴾ أظهر الصواع ورده.\n﴿حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ هذا دأب الناشد في طلبه ضالته (٦).\n﴿وَأَنَا بِهِ﴾ بالحِمْل.\n﴿زَعِيمٌ (٧٢)﴾ كفيل ضمين.\nوَحَّدَ المؤذن ثم جمع الضمير العائد ثم وَحَّدَ الزعيم: لأن المؤذن أو الناشد لا يكون إلا واحدًا، والزعيم هو المؤذن ولسان القوم.\n﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ (٧٣)﴾ التاء بدل من الواو، والواو بدل من الباء، وخص اسم الله به وفيه معنى التعجب (٧).\n_________\n(١) أخرجه الطبري ١٣/ ٢٤٨، وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٧٢.\n(٢) في (ب): (ناداهم غير إذن ...).\n(٣) في (أ): (في البئر).\n(٤) في (ب): (أي إنكم).\n(٥) في (ب): (منكم).\n(٦) في (ب): (طلب)، وفي (د) زيادة: (ضالته إياه).\n(٧) قال نحوه السمين الحلبي في «الدر المصون» ٦/ ٥٢٧ - ٥٢٨.","vol":"1","page":866},{"text":"وإنما قالوا ذلك لأنهم كلما دخلوا مصر كَعَمُوا (١) أفواه دوابهم كي لا تتناول من حروث الناس وكان قد عُرِفَ ذلك منهم، وقيل: لأنهم ردوا ما وجدوا في رحالهم وهذا لا يليق بالسراق.\nقال الشيخ ﵀ (٢): ويحتمل أن التقدير: تالله ما كنا سارقين ولقد علمتم ماجئنا لنفسد في الأرض، لتكون اليمين واقعة (٣) على فعلهم لا فعل غيرهم.\n﴿قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ﴾ فما عقوبة السارق، وقيل: ما جزاء السَّرَق (٤).\n﴿إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ (٧٤)﴾ في قولكم ما كنا سارقين.\n﴿قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ أي: جزاؤه أَخْذُ مَنْ وجد في رحله رِقًّا فهو جزاءه عندنا، وكان عند آل يعقوب من يسرق يُسْتَرقُّ وعند أهل مصر أن يُضْرَبَ ويَغْرَم (٥)، وله تقديران من الإعراب:\nالأول: ﴿جَزَاؤُهُ﴾ رفع بالابتداء ﴿مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ﴾ خبر المبتدأ، ولا بد من إضمار ليأتلفا، تصحيحه: جزاؤه استرقاق من وجد في رحله، أي: جزاؤه ذاته،\nو﴿مَنْ﴾ بمعنى الذي، والفاء في قوله: ﴿فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ لعطف جملة على جملة.\nوالثاني: أن يكون ﴿جَزَاؤُهُ﴾ رفعًا بالابتداء، و﴿مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ﴾ مبتدأ (٦) ثان، ﴿فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ خبر (٧)، والعائد إلى المبتدأ الأول عين المبتدأ، كما تقول: زيد ضربت زيدًا تريد ضربته، و﴿مَنْ﴾ على هذا يحتمل وجهين، أحدهما: أن يكون شرطا، والفاء دخل للجزاء، ويجوز أن يكون بمعنى الذي والفاء دخل لتضمن المبتدأ معنى (٨) الشرط.\n﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٧٥)﴾ السارقين.\n﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ﴾ يريد المؤذن الزعيم، وقيل: ردوهم (٩) إلى مصر فبدأ يوسف واحدًا بعد واحد.\n﴿قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ﴾ لتزول الرِّيبة، ولو بدأ بوعاء أخيه لعلموا أنهم جعلوا (١٠) فيه.\n_________\n(١) الكِعَامُ: شيءٌ يُجعل على فَمِ البعير، لئلا يعض أو يأكل.\nانظر: «لسان العرب» (كعم).\n(٢) قوله (قال الشيخ ﵀) لم يرد في (د)، وفي (ب) لم ترد كلمة (الشيخ) فقط، والمقصود به - والله أعلم - هو الكرماني، وإنما هذه العبارة من عمل النساخ.\n(٣) في (د): (... اليمين على الواقعة على ...).\n(٤) في (ب): (ما جزاء السارق).\n(٥) سقطت كلمة (ويغرم) من (ب).\n(٦) في (ب): (ابتداء).\n(٧) في (د): (خبره).\n(٨) في (د): (بمعنى).\n(٩) في (أ): (ردهم).\n(١٠) في (ب): (جعلوه).","vol":"1","page":867},{"text":"﴿ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا﴾ أي: السقاية، وقيل: الصواع، وقيل: السرقة.\n﴿مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ صنعنا له، وقيل: ألهمنا (١)، وقيل: أردنا،\nكما أن قوله: ﴿يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: ٧٧] بمعنى يكاد، وقيل: كدنا لأجل يوسف (٢) إخوته بما دبرنا في أمره.\nابن عيسى: الكيد: التعريضُ للضُّرِّ في خُفْية، والكيد ها هنا رد الحكم إلى بني يعقوب.\n﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ حكمه وسلطانه وطاعته، لأن دينه في السرقة: الضرب والتغريم.\n﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ الحسن: لأن الله أمره بذلك (٣).\nوقيل: هو ما أجري على لسان إخوته أن جزاء السارق الاسترقاق (٤)، والتقدير: إلا بمشيئة الله.\n﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ بالعلم.\n﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (٧٦)﴾ وهو الله (٥) سبحانه، وقيل: فوق كل (٦) عالم عالم حتى (٧) ينتهي العلم إلى الله وحده.\n﴿قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ﴾ أي: ابنيامين.\n﴿فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ يعنون يوسف، أي: له عرق في السرقة من أخيه (٨) نزع في الشبه إليه.\nعكرمة: هذه عقوبة من الله ليوسف أجراها على ألسنتهم في مقابلة قوله:\n﴿إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ (٧٠)﴾ (٩).\n_________\n(١) في (ب): (ألهمنا له).\n(٢) ما بعد كلمة (يوسف) سقط من (د) إلى قوله (بني يعقوب).\n(٣) ذكر الواحدي في «البسيط» (ص ٥٦٣ - رسالة جامعية).\n(٤) سقطت كلمة (الاسترقاق) من (ب).\n(٥) لفظ الجلالة (الله) لم يرد في (ب).\n(٦) سقطت (كل) من (د).\n(٧) في (ب): (... عالم إلى أن ينتهي ...).\n(٨) في (د): (... السرقة لأخيه نزع ...).\n(٩) ذكره الماوردي ٣/ ٦٤.","vol":"1","page":868},{"text":"وللمفسرين في ذلك أقوال: قيل: إنه كان يسرق الطعام من المائدة ويدفعه إلى الفقراء والمساكين، وقيل: أخذ بيضة فدفعها إلى الفقير، وقيل: ديكًا، وقيل: جديًا (١).\nمجاهد: أن عمته ابنة إسحاق ورثت من أبيها مِنْطَقة (٢) له وكانت هي تكفل يوسف وتحبه ولا تصبر عنه، فأراد يعقوب أخذ يوسف منها، فساءها ذلك فشدت المنطقة على وسطه ثم أظهرت (٣) ضياع المنطقة، فصارت في حكمهم أحق به (٤).\nسعيد بن جبير: سرق صنمًا من أبي أمه فكسره وألقاه في الطريق (٥).\nالحسن: بهتوا عليه (٦).\n﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ﴾ وعاها وأكنها ولم يظهرها، إرادة التوبيخ عليها والمجازاة بها.\nوفي الضمير ثلاثة أقوال: قول الزجاج، وزيفه (٧) أبو علي في «إصلاح الإغفال»، وقولان لأبي علي.\nأما قول الزجاج: فإنه ذكر في «المعاني» (٨) أنها (٩) كناية بشريطة التفسير،\n_________\n(١) انظر: «الكشف والبيان» للثعلبي (ص ٤٠٦ - رسالة جامعية)، والواحدي في «البسيط» (ص ٥٦٥ - رسالة جامعية)، والقرطبي ١١/ ٤١٩.\n(٢) المنطقة: ما يُشَدُّ به الوسط.\nانظر: «اللسان» (نطق).\n(٣) في (د): (أظهر ضياع المنطقة فصار في ...).\n(٤) أخرجه الطبري ١٣/ ٢٧٤، وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٧٨.\n(٥) أخرجه الطبري ١٣/ ٢٧٢ - ٢٧٣، وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٧٧.\n(٦) ذكره الماوردي ٣/ ٦٥، والقرطبي ١١/ ٤١٩ عن الحسن.\n(٧) في (د): (قول للزجاج زيفها).\n(٨) انظر: «معاني القرآن» للزجاج ٣/ ١٢٣.\n(٩) في (د): (أنه).","vol":"1","page":869},{"text":"وفسرها قوله: ﴿قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا﴾ كأنه (١) أضمر هذه الكلمة، أي: أنتم شر مكانًا في السَّرَق (٢).\nقال أبو علي (٣): الإضمار على شريطة التفسير ضربان (٤):\nإما جملة يفسر مفردًا، نحو: ﴿هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإخلاص: ١] يريد الضمير الذي يتقدم المبتدأ والخبر، ويسميه النحويون ضمير الأمر والشأن، وكذلك مع (٥) العوامل الداخلة على المبتدأ والخبر.\nوإما مفرد يفسر مفردًا، نحو: نِعْمَ رجلًا ورُبَّهُ رَجُلًا، فرجل تفسير المضمر (٦) في رُبَّه، كما كان تفسيرًا لفاعل نعم، وليس لهذين المفردين نضير، ولا في التقسيم ثالث.\nوأما قولا أبي علي (٧)، فأحدهما: أنه (٨) كناية عن الإجابة، أي: أسرها إلى وقت ثانٍ (٩)، والثاني: كناية (١٠) عن المقالة وأراد بها المقول، كضرب الأمير ونسج اليمن.\nومعنى ﴿شَرٌّ مَكَانًا﴾ عند ابن عباس: شر صنيعًا، لما فعلتم من ظلم أخيكم وعقوق أبيكم (١١).\n_________\n(١) من قوله: (كأنه) إلى قوله: (مكانًا) ساقط من (د).\n(٢) في (ب): (السرقة).\n(٣) انظر: «الإغفال» لأبي علي الفارسي ٢/ ٣٣٢.\n(٤) في (ب): (الإضمار بشريطة التفسير قولان).\n(٥) سقطت (مع) من (د).\n(٦) في (د): (الضمير).\n(٧) وردا في «الإغفال» أيضًا ٢/ ٣٣٦ - ٣٣٧.\n(٨) في (د): (أنها).\n(٩) في (أ): (ثاني).\n(١٠) سقطت (كناية) من (ب).\n(١١) ذكره الواحدي في «البسيط» (ص ٥٦٩)، وابن الجوزي في «زاد المسير» ٣/ ٢٦٤.","vol":"1","page":870},{"text":"وقيل: شر مكانًا في السَّرَق، لأنكم سرقتم أخاكم يوسف من أبيه (١) على الحقيقة، وقيل: أنتم شر فعالًا، وليس أفعل هاهنا للتفضيل بل للمبالغة.\n﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ (٧٧)﴾ تقولون، وقيل: تكذبون.\n﴿قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا﴾ كلفًا بحبه.\n﴿كَبِيرًا﴾ في السن، وقيل: في المنزلة.\n﴿فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ﴾ خذ واحدًا منا (٢) عبدًا بدله.\n﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٧٨)﴾ في أفعالك، وقيل: من المحسنين بالمسلمين، وقيل: من المحسنين إلينا برد بضاعتنا وإيفاء الكيل لنا، وقيل: إن (٣) فعلت أحسنت إلينا.\n﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ﴾ أعوذ بالله وأعتصم به.\n﴿أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا﴾ الصاع ﴿عِنْدَهُ﴾ أي: أستجير بالله من أخذى بريئًا بسقيم.\n﴿إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ (٧٩)﴾ في الحكم والقضاء.\n﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا﴾ أيسوا، ويأس واستيأس بمعنىً، كسَخِرَ واستسخر (٤) وعَجِبَ واستعجب.\nوأيس مقلوب يأس وبمعناه، ومنه قراءة ابن كثير: (استايس) (٥).\n_________\n(١) في (ب): (من أبيكم).\n(٢) في (ب): (أحدًا منا).\n(٣) سقطت (إن) من (ب).\n(٤) في (أ): (كسخن واستسخن).\n(٥) في (د): (استياس).\nوهذه إحدى الروايتين للبزي عن ابن كثير، والأخرى كالجماعة.\nانظر: «التيسير» للداني (ص ١٢٩)، و«الحجة» لأبي علي الفارسي ٤/ ٤٣٢ - ٤٣٣.","vol":"1","page":871},{"text":"﴿مِنْهُ﴾ من يوسف وإجابته إياهم، وقيل: من ابنيامين.\n﴿خَلَصُوا﴾ انفردوا من غير أن يكون معهم من ليس منهم.\n﴿نَجِيًّا﴾ يتناجون، ووحد النجي (١) لأنه مصدر، والنجي (٢): الناجي أيضًا، وجمعه أنجية.\nابن عيسى: أصله من: النجو، وهو الارتفاع من الأرض، لأن المناجي يرفع ما عنده إلى صاحبه في خفية (٣).\n﴿قَالَ كَبِيرُهُمْ﴾ في الرأي، وهو شمعون رئيسهم، وقيل: كبيرهم في السن، وهو روبيل، وقيل: يهوذا.\n﴿أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾ أي: عهدًا وثيقًا، وهو قوله: ﴿فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ﴾.\n﴿وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ﴾ أي: قدمتم، ومنه الفارط، وقيل: قصرتم، وتقديره: وتعلمون (٤) تفريطكم، وقيل: ﴿مَا فَرَّطْتُمْ﴾ مبتدأ، خبره (٥) ﴿وَمِنْ قَبْلُ﴾، أي: وتفريطكم في يوسف ثابت من قبل (٦)، وقيل: ﴿فِي يُوسُفَ﴾ خبره، وهذا أظهر، وقيل: ﴿مَا﴾ صلة، وتقديره: ومن قبل (٧) فرطتم في يوسف.\n_________\n(١) في (ب): (نجيًا).\n(٢) في (ب): (والناجي).\n(٣) نقله الطبرسي في «مجمع البيان» ٥/ ٣٨٨ ولم ينسبه لأحد.\n(٤) في (ب): (تعلمون) بدون واو.\n(٥) في (د): (وخبره).\n(٦) في (د) زيادة (من قبل وفيه بعد).\n(٧) في (ب): (ومن قبل ما فرطتم ...).","vol":"1","page":872},{"text":"﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ﴾ لا أفارق أرض مصر، وبرح وزال بمعنىً، و﴿الْأَرْضَ﴾ منصوبة بواسطة الجار، أي: عن (١) الأرض، وليست ظرفًا ولا مفعولًا به.\n﴿حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ في (٢) الرجوع إليه.\n﴿أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ يقضي لي بالخروج منها فيرد (٣) علي أخي، وقيل: يأمر لي بالمقاتلة مع القوم، وذلك أن بني يعقوب كانوا يكلمون العزيز في أخيهم، فقال روبيل: أيها الملك والله لتتركنّا أو لأصيحن صيحة لا تَبْقَي بمصر امرأة حامل إلا وضعت وألقت ما في بطنها لها، وقامت كل شعرة في جسده فخرجت من ثيابه، فقال يوسف لابنه: قم إلى جنب روبيل فمسه، وكان بنو يعقوب إذا غضب أحدهم فمسه الآخر ذهب غضبه، فقال روبيل: من هذا؟ إن في هذا البلد لبذرًا من بذر يعقوب (٤)، فقال يوسف: من يعقوب؟ قال: أيها الملك لا تذكر يعقوب، فإنه إسرائيل الله ابن ذبيح الله ابن خليل الله (٥).\nوهذا معنى قول من قال: يأمر لي بالقتال.\n﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (٨٠)﴾.\n﴿ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَاأَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ﴾ أي: اشرحوا له كيفية الحال، وقوله: ﴿سَرَقَ﴾: يعنون في ظاهر الأمر، وقرئ: (سُرِّق) بالتشديد (٦)، وله وجهان:\n_________\n(١) في (ب): (على الأرض).\n(٢) في (أ): (أي في ...).\n(٣) في (ب): (فترد).\n(٤) في (د): (لبزرًا من بزر يعقوب)، والبذر: النسل، والبزر: الأولاد، فكلها محتملة كما يظهر من مراجعة «اللسان» (بذر) و(بزر).\n(٥) أخرجه الطبري ١٣/ ٢٧٧ - ٢٧٨، وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٧٩ عن السدّي.\n(٦) وهي قراءة ابن عباس والضحاك، وانظر: الطبري ١٣/ ٢٨٧، والثعلبي (ص ٤١٨)، وأسندها النحاس في «معاني القرآن» ٣/ ٤٥٢ إلى ابن عباس والكسائي، وهي شاذة ذكرها ابن خالويه في كتابه «القراءات الشاذة» (ص ٦٥).","vol":"1","page":873},{"text":"أحدهما: نسب إلى السرقة، والثاني: علم (١) منه أنه سرق.\n﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ (٨١)﴾ أي: شهادتنا بما ظهر ورأينا والغيب عند الله، وقيل: ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا﴾ أي: وما قلنا إلا بما رأينا أخرجت من رحله، وقيل: وما شهدنا أن السارق يسترق إلا بما علمنا من كتبنا، لأن يعقوب قال لهم: ومن أين علم الملك أن السارق يسترق، ولم نعلم أن ابنك يسترق (٢)، وقيل: معناه: لا ندري باطن أمر السرقة، وقيل: معناه: لم نعلم أنك تصاب به (٣) كما أصبت بيوسف (٤).\nابن عباس: الغيب: الليل بلغة حمير (٥)، أي: ما كنا نحفظه بالليل.\nعكرمة: فلعلها دست في رحله بالليل (٦).\nقال الشيخ ﵀ (٧): ويحتمل: وما كنا نحفظ (٨) إذا غاب عنا.\n﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ قيل: مصر، وقيل: قرية بالقرب منها، لأنهم كانوا خرجوا من مصر، وأراد أهل القرية فحذف المضاف إيجازًا من غير إخلال، وقيل: ليس في هذا حذف، والمعنى: ليس بمستنكر أن يكلمك جدران القرية فإنك نبي.\n﴿وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ وكان معهم جماعة من أهل كنعان.\nوالعير: الإبل، وقيل: القافلة من الحمير، وقد (٩) يستعمل للإبل مجازًا، والعَيْر: حمار الوحش.\n﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٨٢)﴾ تأكيد يجري مجرى القسم.\n﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ﴾ يريد: فلما رجعوا إلى يعقوب وقالوا له هذا القول وشرحوا الأمر، اتهمهم وقال: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ زينت، وقيل: سهلت.\nابن عيسى: التسويل: حديث النفس بما تطمع فيه، ومنه: السول، غير مهموز، وهو المُنى.\n_________\n(١) في (ب): (أحدهما أنه نسب ... والثاني أنه علم ...).\n(٢) سقط من (أ) قوله (إلا بما علمنا من كتبنا) إلى قوله: (الملك أن السارق يسترق)، وفي (ب): (ولم نعلم أن ابنك يسرق).\n(٣) في (د): (تصاب إلا كما).\n(٤) في (ب): (أصبت به).\n(٥) ذكره الثعلبي (ص ٤١٩)، والقرطبي ١١/ ٤٢٦ عن ابن عباس، وذكره الطبري ١٣/ ٢٩٠ دون نسبة.\n(٦) ذكره ابن حبيب النيسابوري (ق ١٢٥/ب)، والثعلبي (ص ٤٢٠) عن عكرمة.\n(٧) قوله: (قال الشيخ ﵀) لم يرد في (د)، وفي (ب): (قال الشيخ).\n(٨) في (ب): (نحفظه).\n(٩) في (د): (وقيل) بدلًا من (قد).","vol":"1","page":874},{"text":"﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ أي: فأمري صبر جميل، وقيل: فصبر جميل أولى وأمثل.\nوالصبر الجميل: هو الذي لا جزع فيه ولا شكوى.\n﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ يريد يوسف وابنيامين وأخاهما الذي بمصر.\n﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ﴾ بحالي.\n﴿الْحَكِيمُ (٨٣)﴾ بتدبيره.\n﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ﴾ أعرض عنهم، والتولي: الانصراف بالوجه عن الشيء.\nسعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ عن النبي -ﷺ- أنه قال (لم يعط أحد من الأمم إنا لله وإنا إليه راجعون إلا أمة محمد ألا ترى أن يعقوب حين أصابه ما أصابه لم يسترجع، إنما قال (١) ﴿وَقَالَ يَاأَسَفَا عَلَى يُوسُفَ﴾) (٢). الأسف: أشد الحزن، وقيل: الأسف: أشد الحزن (٣) على ما فات، والألف بدل من ياء الإضافة، والمعنى: يا أسفي تعال فهذا أوانك.\n﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ﴾ انقلبت إلى حال البياض، أي: عميتا فغطى البياض سواد الحدقة.\n﴿مِنَ الْحُزْنِ﴾ أي: لكثرة بكائه من الحزن، فحذف لدلالة الحال عليه.\n﴿فَهُوَ كَظِيمٌ (٨٤)﴾ فعيل بمعنى مفعول، كقوله: ﴿إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ [القلم: ٤٨] أي: مملوء حزنًا، وقيل: فعيل بمعنى (٤) فاعل، كقوله: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ [آل عمران: ١٣٤] أي: ممسك للحزن في قلبه لابنيه، وأصله من: كَظَمَ البعيرُ جِرَّتَهُ: ردها في جوفه (٥)، وكظم الغيظ: اجترعه.\n_________\n(١) كلمة (قال) سقطت من (أ).\n(٢) أخرجه الثعلبي (ص ٤٢٤ - رسالة جامعية) بهذا اللفظ، وضعفه البيهقي في «شعب الإيمان» ١٧/ ١٨٨ (٩٢٤٢).\nوأخرجه عبدالرزاق ١/ ٣٢٧، والطبري ١٣/ ٢٩٥، وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٨٥، والبيهقي في «شعب الإيمان» ١٧/ ١٨٧ (٩٢٤٢)، والواحدي في «الوسيط» ٢/ ٦٢٧ عن سعيد بن جبير موقوفًا عليه.\nوأخرج الطبراني في «الكبير» ١٢/ ٤٠، وفي كتاب «الدعاء» (١٢٢٨)، وابن مردويه في «تفسيره» كما في «تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في تفسير الكشاف» للزيلعي ٢/ ١٧٤ عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله -ﷺ-: (أعطيت أمتي شيئًا لم يعطه أحد من الأمم عند المصيبة: إنا لله وإنا إليه راجعون).\nوضعف الهيثمي إسناده في «مجمع الزوائد» ٢/ ٣٣٠.\n(٣) قوله: (وقيل الأسف أشد الحزن) ساقط من (د).\n(٤) من قوله (مفعول كقوله) إلى قوله (فعيل بمعنى) ساقط من (ب)، ولعله بسبب انتقال البصر.\n(٥) الجِرَّةُ: ما يخرجه البعير من بطنه ليمضغه ثم يبلعه.\nانظر: «اللسان» (جرر).","vol":"1","page":875},{"text":"المبرد: ﴿كَظِيمٌ﴾: أخذ الحزن بِكَظْمِهِ، وهو مجرى النَّفَس (١).\nالسدي: ﴿كَظِيمٌ﴾ بالغيظ على نفسه لم أرسله مع إخوته (٢).\nوقيل: انضاف حزنه بيوسف إلى حزنه بابنيامين وانضاف إليهما حزن ذهاب بصره، فصار كظيمًا ممتلئًا حزنًا، ولهذا (٣) حَسُنَ الفاء في ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ (٨٤)﴾.\nوذهب بعض المفسرين إلى أنه عَمِيَ وذهب بصره، وبعضهم ذهب (٤) إلى أنه ضعف بصره لبياض حصل فيه من كثرة البكاء.\nالحسن: كان بين خروج يوسف من حجر أبيه إلى يوم التقى معه ثمانون سنة لم تجف عينا يعقوب، وما على وجه الأرض أكرم على الله من يعقوب (٥).\n﴿قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ أي: لا تزال تتوجع عليه وتذكره، وقيل: لا تفتؤ.\nتقول: فَتِئ يفتؤ فَتْأً وفُتُوءًا، والتقدير (٦): لا تفتؤ، لأن القسم إذا لم يكن معه علامة الإثبات، وهي: أن أو اللام عُلِمَ أنه للنفي.\nقال (٧):\nلقد آليتُ أَغدِرُ في جَداعِ\n﴿حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (٨٥)﴾ ابن عباس: (حرضًا): دَنِفًا (٨).\nأبو عبيدة: الحرض: الذي (٩) أذابه الهم (١٠).\n_________\n(١) قال في «الصحاح» للجوهري ٥/ ٢٠٢٣: (ويقال: أخذت بكَظْمِهِ، أي بمخرج نَفَسِه).\n(٢) أخرج الطبري ١٣/ ٢٩٧ - ٢٩٨ عن السدي: من الغيظ.\n(٣) في (د): (ولذلك).\n(٤) في (ب): (وذهب بعضهم).\n(٥) أخرجه الطبري ١٣/ ٣١٣، والثعلبي (ص ٤٢٤ - ٤٢٥)، والواحدي في «الوسيط» ٢/ ٦٢٧.\n(٦) في (ب): (وتقديره).\n(٧) القائل هو: أبو حنبل جارية بن مرّ الطائي، كما في «اللسان» (جدع)، وعجزه: وإن مُنِّيتُ أُمَّات الرِّباع.\nوللبيت قصة وردت في «مجمع الأمثال» ٣/ ٥٢٤ للميداني.\nوقد نسب الكرماني البيت لامرئ القيس في كتابه الآخر: «غرائب التفسير» ١/ ٥٤٨، وامرؤ القيس هو من حصلت له القصة مع أبي حنبل الطائي كما ذكرت سابقًا.\n(٨) أخرجه عنه ابن أبي حاتم ٧/ ٢١٨٧ بلفظ: دنفًا من المرض، وأخرجه الطبري ١٣/ ٣٠١ بلفظ: يعني الجهد في المرض، البالي.\nقال في «اللسان» (دنف): (الدَّنَفُ: المرض اللازم المخامر، وقيل: هو المرض ما كان).\n(٩) في (ب): (الحرض الحدث الذي ...).\n(١٠) انظر: «مجاز القرآن» لأبي عبيدة ١/ ٣١٦.","vol":"1","page":876},{"text":"ابن عيسى: الحرض: فساد الجسم والعقل للحزن أو للحب (١)، قال (٢):\nإني امرؤٌ لجَّ بي حُبٌّ فأَحْرَضَني ... حتى بَلِيْتُ وحتى شفَّني السَّقَمُ\nابن بحر: ﴿حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (٨٥)﴾ أي: حتى تمرض أو تموت، قالوا ذلك لأبيهم شفقًا عليه (٣).\n﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ ابن عباس: ﴿بَثِّي﴾: هَمِّي (٤).\nوقيل: حاجتي، وقيل: البث من الحزن: مالا صبر على كتمانه، وقيل: تفريق الهمِّ عن القلب بإظهاره، تقول: بَثَّهُ ما في نفسه وأَبَثَّهُ، أي: أشكوا إلى من يملك الفرج من البلوى لا إليكم.\n﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٦)﴾ قيل: إن ملك الموت أخبره بحياة يوسف يقظة، وقيل: رأى (٥) ملك الموت في المنام فسأله عن يوسف فقال: هو في الأحياء (٦).\nابن عباس: علم أن رؤيا يوسف صادقة وأنه يسجد له (٧). وقيل: علم بإحسان الله ما يوجب حسن الظن بالله.\n﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ استكشفوا عن أحوالهما واستخبروا خبرهما.\nوالتحسس: طلب الإحساس مرة بعد أخرى، والإحساس (٨): الإدراك، والحَسُّ: الاسم، كالطاعة من أطاع، قيل: إن يعقوب لما سمع من بنيه ماحكوا له من أحوال الملك مع ابنيامين من طلبه أولًا ثم خلوه به دونهم ثم إمساكه إياه بالاحتيال في الصواع، قال لهم: اذهبوا فتحسسوا من يوسف ونسبه وآبائه ودينه، فإني أرجوا وأظن أنه يوسف.\n﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾ لا تقنطوا من رحمته (٩) وفرجه، والروح: الاستراحة.\nابن عيسى: الروح: نفعٌ بريح تُلَذ (١٠).\n﴿إِنَّهُ﴾ إن الأمر والشأن ﴿لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (٨٧)﴾ أي: الإيمان بالله وبصفاته يوجب للمؤمن رجاء ثوابه من غير قنوط من رحمته.\n﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ يريد: خرجوا من عند (١١) أبيهم راجعين إلى مصر حتى وصلوا إليها ودخلوا على يوسف.\n_________\n(١) في (ب): (والعقل الحسن الحب)، وفي (د): (والعقل من الحزن أو الحب).\n(٢) القائل هو: عبدالله بن عمر العَرْجي. انظر: الطبري ١٣/ ٣٠١، والقرطبي ١١/ ٤٣٤.\n(٣) في (د): (شفقًا له).\n(٤) أخرجه الطبري ١٣/ ٣٠٦.\n(٥) تكررت (رأى) في (ب).\n(٦) انظر: «الكشف والبيان» للثعلبي (ص ٤٣٥)، و«زاد المسير» لابن الجوزي ٤/ ٢٧٥.\n(٧) أخرجه الطبري ١٣/ ٣٠٧، وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٨٩.\n(٨) في (أ): (من الإحساس).\n(٩) في (ب): (من رحمة الله).\n(١٠) هكذا ظهرت لي قراءتها من النسخ الثلاث، ويحتمل (يقع).\n(١١) سقطت (عند) من (أ).","vol":"1","page":877},{"text":"﴿قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ﴾ أي: الملك بلغة حمير.\n﴿مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾ أي: أصابنا وأهلنا الجوع.\n﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾ دراهم رديئة، وقيل: زُيُوفٌ، وقيل: بضاعة الأعراب، أي: الصوف والسمن والأقط، وقيل: الحبة الخضراء والصنوبر، وقيل: خَلَقُ الغرار (١) والحبال، وقيل: النعال والأدم.\nومعنى ﴿مُزْجَاةٍ﴾ قليلة، وقيل: نُفَاية، وقيل: كاسدة، وأصله من: الدفع، ومنه: تزجية الأوقات.\n﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ﴾ أتم لنا الكيل.\n﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾ فيه قولان، أحدهما: أن الصدقة التي هي زكاة الأموال لم تحل لنبي قط، وهذا قول جل المفسرين، فحملوا قوله (٢): ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾ على معنىً يصح من الأنبياء، فقال بعضهم: تصدق علينا بما بين السعرين فأعطنا بالرديء ما تعطي بالجيد، وقيل: تصدق علينا بأخذ متاعنا وإن لم يكن من حاجتك، وقيل: تصدق علينا بأخينا، وقيل: تفضل علينا، وقيل: تجوز عنا.\nوالثاني: أن الصدقة كانت حلالًا للأنبياء، وإنما حرمت على نبيا محمد -ﷺ- (٣).\n﴿إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (٨٨)﴾ يكافئهم.\nوالصدقة: العطية للفقراء ابتغاء الأجر.\n﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ اختلف المفسرون في موجب قوله:\n﴿هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ فقال (٤) بعضهم: لما قالوا ﴿قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾ دخلته رقة فعندها قال، وقيل: كتب إليه يعقوب كتابًا في تخليص ابنيامين وذكر فيه أحواله وما هو فيه من الحزن على فقد يوسف وأخيه وذكر أحوال أبويه إسحاق وإبراهيم فأخذته رقة، وقيل: قال لهم: إن مالك ابن ذعر قال: اشتريت منكم بمكان كذا غلامًا من صفته كذا وكذا، فقالوا: نحن بعناه منه، فغضب عليهم وأمر بقتلهم، فبكوا وجزعوا،\n_________\n(١) هكذا في النسخ الثلاث، وعند الطبري ١٣/ ٣١٨: (خَلَقُ الغِرَارَةِ).\nوالغِرَارةُ: وعاء من الخيش ونحوه يوضع فيه القمح ونحوه، وهو أكبر من الجوالق.\nهكذا في «المعجم الوسيط» (ص ٦٤٨ - غرَّ).\n(٢) في (ب): (فحملوا عليه قوله)، وفي (د): (فحملوا قولهم).\n(٣) انظر: الطبري ١٣/ ٣٢٥، وابن الجوزي ٤/ ٢٧٨، والقرطبي ١١/ ٤٣٩.\n(٤) في (ب): (قال).","vol":"1","page":878},{"text":"فدمعت عيناه ورق لهم، وقال (١): ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ﴾، حكاه الثعلبي (٢).\nوحكى ابن الهيصم (٣) في قصصه أنه صلبهم، وفي القولين بعد، والله أعلم.\n﴿إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ (٨٩)﴾ قيل: شبان، ومظنة الجهل الشباب، وقيل: صبيان، وفيه بعد، وقيل: مذنبون، وقيل: ﴿إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ (٨٩)﴾: يوم كنتم جاهلين، وقيل: جاهلون بعاقبة ما يصير إليه أمركم وأمر يوسف.\nابن عيسى: هذا تذكير يتضمن التوبيخ لهم بما صنعوا به (٤) من إلقائه في الجب بعد أن كانوا عزموا على قتله، ثم بيعهم إياه من التاجر، وبما صنعوا بأخيه من إفراده عن أخيه لأمه وأبيه (٥)، ثم جفائهم به حتى كان لا يكلم أحدًا منهم إلا كلام الذليل للعزيز (٦).\n﴿قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾ قرئ بالخبر وبالاستفهام (٧)، والوجه الخبر (٨)، لأن بين الاستفهام وبين (إن) واللام تنافيًا (٩)، هذا للتردد وذلك (١٠) للتحقيق.\n_________\n(١) في (د): (وقيل).\n(٢) انظر: «الكشف والبيان» (ص ٤٤٤ - ٤٤٥/ رسالة جامعية)، ولم يحك الثعلبي هذا القول وحده، بل حكى الأقوال السابقة كلها.\n(٣) في (ب): (الهيثم)، وقد سبق التعريف به.\n(٤) سقطت (به) من (ب).\n(٥) في (ب): (لأبيه وأمه).\n(٦) في (ب): (العزيز للذليل).\n(٧) قرأ أبو جعفر وابن كثير (قالوا إنَّك لأنت يوسف) بكسر الألف على الخبر، وقرأ باقي العشرة بهمزتين على الاستفهام، على أصولهم.\nانظر: «المبسوط» (ص ٢١١)، و«النشر» ١/ ٣٧٢.\n(٨) إن كان الكرماني يرجح قراءة على قراءة، فينبغي أن يُعلم أنها قراءاتٌ متواترة صحيحة ولها وجه في اللغة، وتوجيه في المعنى.\n(٩) في (ب): (وبين اللام وإن تنافيًا).\n(١٠) في (ب): (وهذا)، وفي (د): (للتحقق).","vol":"1","page":879},{"text":"وقيل: هو ألف النداء، وتقديره: يا من تخاطبنا إنك لأنت يوسف، وقيل: من قرأ بالخبر فالاستفهام مقدر (١)، والوجه ما سبق.\nوجاء في القصة: إنه كان يتكلم معهم قبل ذلك من رواء الحجاب فرفع يومئذ الحجاب ووضع التاج وتبسم في وجوههم فعرفوه وقالوا: إنك لأنت يوسف (٢).\n﴿قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي﴾ من أبي وأمي (٣).\n﴿قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ بالسلامة والكرامة.\n﴿إِنَّهُ﴾ إن الأمر والشأن.\n﴿مَنْ يَتَّقِ﴾ الفاحشة (٤).\n﴿وَيَصْبِرْ﴾ على (٥) بلواه، وقيل: يتق الزنا ويصبر على العزبة (٦).\n﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٩٠)﴾ في الدنيا والآخرة.\nوالعائد إلى (٧) المبتدأ محمول على المعنى لأن المتقي الصابر محسن لا محالة.\n﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ اختارك (٨) وفضلك علينا بالعقل والحلم والحسن.\nوحقيقة الإيثار: تفضيل الشيء لكون أثره أجمل من أثر غيره.\n_________\n(١) في (ب): (من قرأ بالاستفهام فالخبر مقدر).\n(٢) ذكره الثعلبي (ص ٤٤٨)، وابن الجوزي ٤/ ٢٨١ عن ابن عباس ﵄.\n(٣) في (ب): (من أمي وأبي).\n(٤) في (د): (للفاحشة).\n(٥) في (ب): (حتى) بدلًا من (على).\n(٦) في (د): (الغربة).\nوفي «الكشف» للثعلبي (ص ٤٤٩) عن ابن عباس: يتق الزنا، ويصبر على العزوبية.\n(٧) في (ب): (والعائد على المبتدأ).\n(٨) في (د): (اختارك الله).","vol":"1","page":880},{"text":"﴿وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ (٩١)﴾ مذنبين.\nفمن ذهب إلى أنهم كانوا بالغين احتج بهذا، ومن ذهب إلى أنهم لم يكونوا بالغين وأن ذلك كان منهم لصباهم قال: إقامتهم على كتمان الأمر عن أبيهم موهمين له أن الأمر على ما اخبروه أولًا خطأ ومعصية.\n﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ لا تعيير عليكم، وقيل: لا أذكر لكم ذنبكم، وقيل: لا مجازاة لكم عندي على ما فعلتم، وقيل: لا تخليط عليكم ولا إفساد.\nالزجاج: لا إفساد (١).\nوقيل: لا لوم ولا عتب (٢).\nابن عيسى: التثريب: تعليق الضر بالإنسان من أجل جرم كان منه.\nابن بحر: هو مأخوذ من الثَّرْب، وهو شحم الجوف، وهو بلوغ الأقصى من الأمر.\nقال الشيخ ﵀ (٣): ويحتمل أنه من الثَّرْب، حيث لم يأت على هذا الترتيب من هذا التركيب غيره (٤)، ويكون المعنى: لا تعيير عليكم، كما يقال: فلان يتناول كبد فلان، ويأكل الكبد، جعل أكل الكبد كناية عن التوبيخ وعن اللوم وعن الانتظار، وهذا معنى جلي، والله اعلم (٥).\n_________\n(١) انظر: «معاني القرآن» للزجاج ٣/ ١٢٨.\n(٢) في (د): (ولا عيب).\n(٣) قوله (قال الشيخ ﵀) لم يرد في (د)، وفي (ب): (قال الشيخ).\n(٤) قال الراغب الأصفهاني في «المفردات» (ص ١٧٣ - ثرب): (ولا يعرف من لفظه إلَاّ قولهم: الثَّرْب، وهو شحمة رقيقة).\n(٥) قوله (والله أعلم) لم يرد في (ب). وقد ذكر الكرماني في كتابه الآخر «غرائب التفسير» ١/ ٥٥١ هذه الأقوال عن ابن عيسى وابن بحر، وزاد القول الأخير بيانًا.","vol":"1","page":881},{"text":"﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ ماكان منكم، دعاء لهم من غير مسألة (١)، وقيل: خبر، والمعنى: كان الله آخذكم بحقي إلا أن أصفح، وقد صفحت عنكم.\n﴿وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٩٢)﴾.\n﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا﴾ وذلك أنه سألهم عن حال (٢) أبيه، فقالوا: إنه عَمِيَ من كثرة البكاء.\nوفي القميص قولان، أحدهما: كان قميصه الذي يلبسه، والثاني: كان القميص من الجنة لا يمسه ذو عاهة إلا صح.\nوجاء في التفسير إنه القميص الذي ألبس الله إبراهيم يوم طرح في النار، فكساه إسحاق، ثم كساه يعقوب، ثم جعله يعقوب في تعويذ وعلقه من جيد يوسف ولم يعلم إخوته بذلك (٣).\n﴿فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا﴾ يرجع إلى حال الصحة والبصر، وقال بعضهم: معناه يأتيني بصيرًا.\n﴿وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (٩٣)﴾ نسائكم وأولادكم وعبيدكم وإمائكم.\n﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ﴾ خرجت الرفقة من مصر نحو كنعان.\n﴿قَالَ أَبُوهُمْ﴾ لمن حضره من أسباطه وأن (٤) أولاده بَعْدُ في الطريق.\n﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ أُدْرِكه شَمًَّا.\nابن عباس: حملت الريح رائحة يوسف من مسيرة ثمان ليال (٥).\n_________\n(١) في (د): (مسألة منهم).\n(٢) سقطت كلمة (حال) من (د).\n(٣) قال ابن عطية ٨/ ٧١: (وهذا كله يحتاج إلى سند، والظاهر أنه قميص يوسف الذي هو منه بمنزلة قميص كل أحد، وهكذا تبين الغرابة في أن وجد ريحه من بُعد، ولو كان من قُمُص الجنة لما كان في ذلك غرابة ولوجده كل أحد).\n(٤) في (د): (فإن).\n(٥) أخرجه الطبري ١٣/ ٣٣٣، وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٩٧، والثعلبي (ص ٤٥٤).","vol":"1","page":882},{"text":"الحسن: مسيرة (١) شهر (٢).\nمجاهد: مسيرة ثلاثة أيام (٣).\nوذلك أنهم حين نشروه فاحت منه رائحة الجنة فحملتها الريح إلى يعقوب، فَعَلِمَ أن ليس في الأرض من ريح الجنة إلا ما كان من ذلك القميص، فمن ثَمَّ قال: ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾.\nومن ذهب إلى أنه قميصه الذي كان يلبسه قال: بلغت ريح يوسف يعقوب (٤) على بُعْدِ المسافة معجزة حيث كانوا أنبياء.\n﴿لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ (٩٤)﴾ تُجَهِّلون وتُسَفِّهون وتُهَرِّمون وتكذبون وتحمقون وتضعفون وتقبحون وتعجزون وتضللون، هذه كلها أقوال المفسرين.\nوالتفنيد في اللغة: تضعيف الرأي، والفَنَدُ: ضَعْفُ الرأي، والتفعيل ها هنا (٥): للنسب إلى الشيء (٦)، وجواب (لو) محذوف، وتقديره: لقلت إنه قريب.\n﴿قَالُوا﴾ أي: أسباطه.\n﴿تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ (٩٥)﴾ خطأك القديم من حب يوسف لا تنساه، غلظوا له القول بهذه الكلمة إشفاقًا عليه، وكان عندهم أنه قد مات.\n_________\n(١) في (ب): (من مسيرة شهر).\n(٢) هذا قول الحسن الذي نقله ابن عطية ٨/ ٧٢، والقرطبي ١١/ ٤٤٧، وعنه قول آخر: نقله الطبري ١٣/ ٣٣٥، والثعلبي (ص ٤٥٦) أن المسافة: ثمانون فرسخًا.\n(٣) أخرجه الثعلبي (ص ٤٥٣ - ٤٥٤).\n(٤) حصل سقط من قوله (ومن ذهب) إلى (ريح يوسف) من (د)، وسقطت كلمة (يعقوب) من (أ).\n(٥) قوله (هاهنا) سقط من (ب).\n(٦) في (ب): (إلى النسب).","vol":"1","page":883},{"text":"سعيد بن جبير: ﴿ضَلَالِكَ﴾: حيرتك (١).\nالحسن: هذا عقوق (٢)، كأنه لم يرض هذا القول.\nوقيل: ﴿لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ (٩٥)﴾: محبتك القديمة.\nقال الشيخ (٣): ويحتمل إنهم عنوا بهذا الضلال ما حكى الله عن بنيه في قوله:\n﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [يوسف: ٨]، ولهذا قالوا: ﴿لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ (٩٥)﴾، لأن القديم: هو الموجود الذي لم يزل، ثم يستعمل للعتيق مبالغة، كقوله: ﴿كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس: ٣٩]، والله أعلم.\n﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ﴾ جُلُّ المفسرين على أن البشير: يهوذا بن يعقوب، قال: أنا ذهبت إليه بالقميص ملطخًا بالدم، فأكون أنا الذاهب بالقميص (٤) مبشرًا (٥).\nوروي عن ابن عباس أيضًا: أن البشير مالك ابن ذعر (٦).\n﴿أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ﴾ أي: ألقى البشير القميص على وجه يعقوب.\n﴿فَارْتَدَّ بَصِيرًا﴾ عاد كما كان، وقيل: ﴿فَارْتَدَّ بَصِيرًا﴾ بخبر يوسف، حكاه أقضى القضاة (٧).\n﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٩٦)﴾ من حياة يوسف وأن الله\n_________\n(١) هكذا نقل الكرماني عن سعيد، وهي كذلك في كتابه الآخر «غرائب التفسير» ١/ ٥٥٢، أما ابن أبي حاتم ٧/ ٢١٩٨ وغيره من المفسرين فنقلوا عن سعيد: جنونك القديم.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم ٧/ ٢١٩٨.\n(٣) قوله (قال الشيخ) لم يرد في (د).\n(٤) سقطت (بالقميص) من (ب).\n(٥) انظر: الطبري ١٣/ ٣٤٣، فقد نقله عن مجاهد وابن جريج والضحاك والسدي، ونسبه ابن الجوزي ٤/ ٢٨٦ إلى ابن عباس ووهب بن منبه والجمهور.\n(٦) نقله عنه: الثعلبي في «الكشف والبيان» (ص ٤٦١ - رسالة جامعية).\n(٧) انظر: «النكت والعيون» للماوردي ٣/ ٧٨.","vol":"1","page":884},{"text":"يجمع بيننا، وقيل (١): إني أعلم من صحة رؤيا يوسف، وقيل: بلوى الأنبياء بالمحن ونزول (٢) الفرج، وقيل: من إخبار ملك الموت إياي.\n﴿قَالُوا يَاأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ (٩٧)﴾ أي: سل الله لنا مغفرة (٣) ما ارتكبناه في حقك وحق ابنك، إنا تبنا واعترفنا بخطأنا (٤).\n﴿قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ أَخَّرَهُ إلى صلاة الليل، وقيل: إلى السحر، وقيل: إلى ليلة الجمعة، وقيل: أدوم إلى (٥) الاستغفار خلف كل صلاة، وعند (٦) كل دعاء، وقيل: أسأل يوسف فإن عفا عنكم أستغفر لكم ربي (٧).\n﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٩٨)﴾.\nثم إن يوسف حمل إلى يعقوب جهاز السفر ومائتي راحلة وسأله أن يأتيه بأهله أجمعين، فهيأ يعقوب أسباب السفر فخرج بأهله.\nقال ابن سيرين (٨): كانوا ثلاثة وسبعين إنسانًا.\nفلما بلغ قريبًا من مصر كلم يوسف الملك الكبير، فخرج يوسف والملك في جند عظيم وأدخلوهم مصر، وهو قوله:\n﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ﴾ ضم إليه.\n﴿أَبَوَيْهِ﴾ يريد أباه وخالته، وكانت تحت يعقوب.\n_________\n(١) في (ب): (وقال).\n(٢) في (أ): (وبزوال).\n(٣) في (د): (سل لنا مغفرة الله).\n(٤) في (ب): (واعترفنا بخطائك).\n(٥) في (د): (على).\n(٦) في (أ): (... صلاة وقيل عند كل دعاء).\n(٧) تم الكلام في (أ) عند قوله (لكم) ولم ترد (كلمة) ربي.\n(٨) هكذا في النسخ الثلاث، ولم أجده، ولعلها: ابن مسعود، فإن هذا القول ينسب إليه كما عند السمرقندي ٢/ ٢١٠.","vol":"1","page":885},{"text":"الحسن: كانت أم يوسف راحيل باقية إلى دخول مصر (١).\n﴿وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ﴾ قيل: هذا كان (٢) قبل الدخول، وقيل: بعد أن دخلوا مصر، أي: ادخلوا مقيمين فيها.\n﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (٩٩)﴾ من ملوكها، وكانوا لا يدخلون إلا بجواز، وقيل: آمنين من القحط.\nوالاستثناء من الأمن، وقيل: كان قبل الدخول، وقيل: هو راجع إلى قول يعقوب: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨] إن شاء الله.\nقال الشيخ ﵀ (٣): ويحتمل أن هذا على وجه التسبيح، كقوله -ﷺ- حين دخل المقابر: (وإنا بكم لاحقون إن شاء الله) (٤)، وإلى هذا المعنى ذهب بعض المفسرين في قوله: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الفتح: ٢٧].\n﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ الواو لا تقتضي الترتيب، وفيه تقديم وتأخير، أي: خروا له سجدًا ورفع أبويه على العرش، على السرير، وكان تحيتهم السجود.\nالحسن: أمرهم الله بالسجود له لتأويل الرؤيا (٥).\nابن عباس: خروا لله (٦) سجدًا (٧).\n_________\n(١) ذكره هود بن محكم في تفسيره ٢/ ٢٨٧.\nوعن الحسن قول آخر: إن الله تعالى أحياها له ليصدق رؤياه، وقال الألوسي ١٣/ ٥٧ عن هذا القول: لم يثبت، ولو ثبت مثله لا شتهر.\n(٢) سقطت (كان) من (أ).\n(٣) قوله (قال الشيخ ﵀) لم يرد في (د)، أما في (ب) فلم يرد قوله (﵀).\n(٤) أخرجه مسلم (٩٧٤) وأبو داود (٣٢٣٧) بتقديم لفظ المشيئة على قوله (بكم لاحقون).\n(٥) ذكره عن الحسن: هود بن محكم في تفسيره ٢/ ٢٨٧، والماوردي ٣/ ٨٢، وابن الجوزي ٤/ ٢٩٠.\n(٦) في (ب): (له) بدلًا من لفظ الجلالة (الله).\n(٧) ذكره عن ابن عباس: الثعلبي (ص ٤٧٢)، وابن الجوزي ٤/ ٢٩٠.","vol":"1","page":886},{"text":"﴿وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ صادقة.\nوكان بين الرؤيا وبين التأويل أربعون سنة.\nالحسن: ثمانون سنة (١)، وقيل: ست وثلاثون سنة، وقيل: اثنتان وعشرون سنة، وقيل: ثماني عشرة سنة (٢).\n﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾ ولم يذكر الجب لقوله: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ [يوسف/٩٢].\n﴿وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾ وكانوا (٣) يسكنون البراري، وقيل: جاءوا من البادية وكانوا يسكنون المدن، قيل: فلسطين، وقيل: الجزيرة من حران.\n﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ﴾ أفسد وحرش ﴿بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾، وقيل: أفسد ذات بيننا.\n﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ﴾ بالغ إرادته، وقيل: لطف ليوسف حتى نجا من الشدائد ونال ما نال.\n﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (١٠٠)﴾.\n﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ﴾ ملك مصر، ودخل ﴿مِنَ﴾ للتبعيض، لأنه لم يؤت الملك كله، وقيل: ﴿مِنَ﴾ للبيان.\n﴿وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ تفسير كتبك المنزلة على الأنبياء، وقيل: تعبير الرؤيا، و﴿مِنْ﴾ للتبعيض أو للتبيين، كالأول.\n_________\n(١) أخرجه الطبري ١٣/ ٣٥٩ - ٣٦٠ عنه أن وقت الغياب عن أبيه: ثمانون سنة، وذكر نحوه ابن أبي حاتم ٧/ ٢٢٠٢.\n(٢) سقطت كلمة (سنة) من (د).\n(٣) في (أ): (وكان).","vol":"1","page":887},{"text":"﴿فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي﴾ ناصري ومعيني ومتولي تدبيري.\n﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾ (١) اقبضني على الإسلام مخلصًا في الطاعة.\nابن جرير: سأل الموت وما سأله غيره (٢).\nوقيل: ليس هذا سؤالًا، وإنما المعنى توفَّني يوم توفَّني مسلمًا (٣).\n﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١)﴾ الأنبياء، وقيل: وقيل: آبائي (٤) إبراهيم وإسحاق ويعقوب، وقيل: أهل الجنة.\n﴿ذَلِكَ﴾ يعني نبأ يوسف ﴿مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ﴾ من الأخبار (٥) العظيمة، وقد غبت عنها ﴿نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ نرسل به جبريل إليك ولم يكن من علمك ولا من علم قومك (٦).\n﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ لدى بني يعقوب ﴿إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ﴾ عزموا على ما هموا به من إلقاء يوسف في الجب ﴿وَهُمْ يَمْكُرُونَ (١٠٢)﴾ بيوسف، وقيل: بأبيهم.\n﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣)﴾ كان رسول الله -ﷺ- يرجوا إيمان قريش واليهود لما سألوا عن قصة يوسف فقص (٧) الله عليهم أحسن قصص (٨) وبينها أحسن بيان، فلم يكونوا عند ظنه، فنزلت هذه الآية (٩). وتقديرها: وما أكثر\n_________\n(١) في (أ): (توفني مسلمًا وألحقني بالصالحين الأنبياء وقيل ...) وسقط ما بين (توفني مسلمًا) و(ألحقني بالصالحين).\n(٢) انظر: الطبري ١٣/ ٣٦٥ - ٣٦٦ عن ابن عباس وقتادة.\n(٣) في (ب): (مخلصًا).\n(٤) في (د): (بآبائي).\n(٥) في (د): (من أخبار).\n(٦) في (ب): (قوتك).\n(٧) في (أ): (قص)، وفي (ب): (فقصص).\n(٨) في (ب): (القصص).\n(٩) ذكره الواحدي في «البسيط» (ص ٦٣٠ - رسالة جامعية)، وابن الجوزي ٤/ ٢٩٣ نقلًا عن ابن الأنباري.","vol":"1","page":888},{"text":"الناس بمؤمنين ﴿وَلَوْ حَرَصْتَ﴾ اجتهدت كل الاجتهاد، فإن ذلك إلى الله فحسب.\n﴿وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ﴾ على القرآن، وقيل: على التبليغ، وقيل: على الإنباء.\n﴿مِنْ أَجْرٍ﴾ جُعْلٍ ومالٍ فيثقلهم ذلك.\n﴿إِنْ هُوَ﴾ ما هو.\n﴿إِلَّا ذِكْرٌ﴾ أي: ما في القرآن إلا عظة (١).\n﴿لِلْعَالَمِينَ (١٠٤)﴾ للخلائق أجمعين.\n﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ﴾ معناه: كم، وتقديره: كأي عدد شئت، ويلزم ما بعده (من).\nقوله: ﴿مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية: ما يوجب العلم اليقين (٢) عند التأمل.\n﴿يَمُرُّونَ عَلَيْهَا﴾ على الآيات، وقيل: على الأرض، ويقوي هذا القول قراءة من قرأ بالرفع والنصب، وكذلك قراءة ابن مسعود ﵁ (يمشون عليها)، والكل شاذ (٣).\n﴿وَهُمْ عَنْهَا﴾ عن الآيات ﴿مُعْرِضُونَ (١٠٥)﴾ غير متفكرين فيها.\n_________\n(١) سقطت (ما في) من (ب)، وفي (د): (ما للقرآن إلا عظة).\n(٢) في (د): (لليقين).\n(٣) قال ابن جني في «المحتسب» ١/ ٣٤٩: (قراءة عكرمة وعمرو بن فائد (والأرضُ يمرون عليها) بالرفع، وقرأ (الأرضَ) نصبًا: السدي، وقراءة الناس: (والأرضِ».\nثم أشار أيضًا إلى قراءة ابن مسعود: (يمشون عليها).\nوانظر: «القراءات الشاذة» لابن خالويه (ص ٦٥) حيث نسب القراءة بالرفع لابن عباس أيضًا.\nوذكر هذه القراءات: الثعلبي (ص ٤٨٢ - ٤٨٣) مسندة إلى أصحابها، عدا ابن عباس.","vol":"1","page":889},{"text":"الحسن: من الآيات إهلاك من أهلك من الأمم (١).\n﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾ أكثر المفسرين على أنها نزلت في الكفار، لأنهم مقرون بأن الله خالقهم ورازقهم وإذا حزبهم أمر شديد دعوا الله (٢).\nوقيل: نزلت في الثنوية وقولهم بالنور والظلمة، والمجوس وقولهم الخير من الله والشر من إبليس، وقيل: في النصارى، آمنوا ثم أشركوا بالتثليث (٣).\nابن عباس: نزلت في تلبية المشركين وهي قولهم: لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك (٤).\nوقيل: نزلت في المنافقين، أظهروا الإسلام (٥) وأسروا الكفر والشرك.\nوقيل: نزلت في أهل الكتاب، آمنوا ببعض الأنبياء وكفروا ببعض، فجمعوا بين الإيمان والشرك.\nابن جرير: هو كقول القائل: لولا الله وفلان لكان كذا (٦).\nوقيل: تقديره: وما يؤمن أكثرهم بالله إلا (٧) وهم كانوا مشركين، وله نظائر.\n_________\n(١) ذكر نحوه القرطبي ١١/ ٤٦٧ ولم يعزه لأحد.\n(٢) انظر: الطبري ١٣/ ٣٧٢ - ٣٧٦، والثعلبي (ص ٤٨٤ - رسالة جامعية)، والقرطبي ١١/ ٤٦٧.\n(٣) انظر: أبو حيان ٥/ ٣٤٥، والألوسي ١٣/ ٦٦ - ٦٧.\n(٤) ذكره الثعلبي (ص ٤٨٤)، وابن الجوزي ٤/ ٢٩٤، والقرطبي ١١/ ٤٦٧.\n(٥) في (د): (الإيمان).\n(٦) لم أجده عند ابن جرير الطبري، وأقول: الظاهر أن الكرماني نقله عن الماوردي ٣/ ٨٧ حيث نقل هذا القول ثم نسبه لأبي جعفر، وهذا محتمل لأن يكون الطبري، إلَاّ أن ابن أبي حاتم نقله في تفسيره ٧/ ٢٢٠٨ عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر، فتبين بذلك أنه أبو جعفر الباقر، وليس الطبري، والله أعلم.\n(٧) سقطت (إلا) من (أ).","vol":"1","page":890},{"text":"وروي عن ابن عمر ﵄ عن رسول الله -ﷺ-: (من حلف بغير الله فقد أشرك) (١).\n﴿أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ﴾ عقوبة تغشاهم وتشملهم.\n﴿أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ﴾ القيامة.\n﴿بَغْتَةً﴾ فجأة من غير سابقة علامة.\n﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٠٧)﴾ بإتيانها، أي (٢): وهم غير مستعدين لها.\n﴿قُلْ﴾ يا محمد ﴿هَذِهِ﴾ الطريقة وهذه الدعوة ﴿سَبِيلِي﴾ طريقي (٣) ومنهاجي ﴿أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾ أي: أدعوا الناس إلى الله ﴿عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا﴾ على هدى وبيان.\nابن عيسى: البصيرة: المعرفة التي يتميز بها الحق من الباطل، وهي مصدر بَصُرَ.\n﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ آمن بي وصدقني، أي: وهم يدعون الناس أيضًا إلى الله، وقيل: تم الكلام على قوله ﴿أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾ ثم استأنف فقال: ﴿عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ فيكون ﴿عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ خبر المبتدأ، وهذا أحسن، وعلى الوجه الأول حال (٤).\n﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾ أي: وقل سبحان الله، نزهه عما لا يليق بوصفه.\n﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ مع الله غير الله.\n﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ أي: حال من سبق من الأنبياء كحالك وبعثوا من أهل القرى لأنهم أعلم وأحلم، ولم يبعث الله نبيًا من البادية ولا من من النساء.\n_________\n(١) أخرجه الترمذي (١٥٣٥)، وابن حبان (٤٣٥٨)، وقال الترمذي: هذا حديث حسن.\n(٢) سقطت (أي) من (د).\n(٣) في (د): (تخويفي ومنهاجي).\n(٤) انظر: «الدر المصون» للسمين الحلبي ٦/ ٥٦١.","vol":"1","page":891},{"text":"قال الحسن: ولا من الجن (١).\nو(من) لابتداء الغاية، وقيل: اسم للزمان الذي تقدم زمان ما أضيف قبل إليه، وأفاد دخول (من) استيعاب الطرفين (٢).\n﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يحذر أمة محمد -ﷺ- من تكذيبه بما وقع بمن كذب الرسل قبلهم، ويحرضهم على الامتداد في الأرض والنظر إلى مصارع من أهلكوا قبلهم.\nوأفاد دخول الفاء أن ما قبله يقتضي ما بعده.\n﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ﴾ يعني الجنة ﴿خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ الشرك وآمنوا بالله ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٠٩)﴾ فتعرفوا أنها خير فتتوسلوا بالإيمان إليها (٣)، وقيل: أولم تقرأوا (٤) القرآن فتعرفوا كيف كان (٥) حال من كذب الرسل قبلهم.\nوأضاف الدار هاهنا إلى الآخرة على تقدير حذف الموصوف، كأنه قال: ولدار النشأة الأخرى وفي غيرها صفة للدار.\n﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ يأسوا وانقطع رجاؤهم من صلاح القوم وإيمانهم.\n_________\n(١) ذكره الماوردي ٣/ ٨٨، وابن الجوزي ٤/ ٢٩٥ عن الحسن.\n(٢) سقطت كلمة (الطرفين) من (ب).\nوفي كتاب الكرماني الآخر «غرائب التفسير» ١/ ٥٥٤: (الظرفين).\n(٣) في (ب): (أفلا يعقلون فيعرفوا أنها خير فيتوسلوا بالإيمان إليها).\nوهذا على قراءة من قرأ: (يعقلون) بالياء، وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وحمزة والكسائي وخلف وعاصم في رواية الأعشى والبرحمي عن أبي بكر، وقرأ باقي العشرة بالتاء.\nانظر: «المبسوط» لابن مهران (ص ١٦٧) و(٢١١).\n(٤) في (أ): (تقرؤن).\n(٥) سقطت (كان) من (ب).","vol":"1","page":892},{"text":"﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ وأيقن الرسل أن قومهم كذبوهم (١).\nومن قرأ بالتخفيف يحتمل وجهين:\nأحدهما: أن الضمير للمرسل إليهم، ودل الرسل على المرسل (٢) إليهم، وقيل: تقدم (٣) ذكرهم في قوله ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾.\nوالثاني: أن يعود إلى الرسل، والمعنى: ظن الرسل أن قومهم كَذَبُوهُم فيما وعدوهم من الإجابة إلى الإيمان.\nوكَذَبَ يتعدى إلى مفعولين: كذبته الحديث.\nوما ذكره القتبي (٤) في جماعة في هذه الآية فبعيد لا نعتقد مثله في الأنبياء والمرسلين.\n﴿جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ نصرتنا للأنبياء والمؤمنين (٥).\n﴿فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ﴾ النبي ومن آمن به (٦).\n_________\n(١) هذا المعنى الذي قدمه الكرماني هو على قراءة من شدّد الذال: (كُذِّبوا)، وهي قراءة نافع وابن كثير وابن عامر وأبي عمرو ويعقوب، بينما قرأ باقي العشرة بالتخفيف: (كُذِبوا).\nانظر: «المبسوط» (ص ٢١١).\n(٢) سقط قوله (على المرسل) من (د).\n(٣) في (د): (تقديم).\n(٤) في (د): (القتيبي)، والمقصود به: ابن قتيبة، وقوله مذكور في كتاب «تأويل مشكل القرآن» (ص ٤١٠ - ٤١٢)، وكان ابن قتيبة قد قال: (هذه مذاهب مختلفة، والألفاظ تحتملها كلّها، ولا نعلم ما أراد الله ﷿، غير أن أحسنها في الظاهر، وأولاها بأنبياء الله صلوات الله عليهم، ما قالت أم المؤمنين عائشة ﵂)، وكان قد نقل عن عائشة ﵂ قولها: ظنت الرسل أن من قد آمن بهم من قومهم قد كذَّبوهم، ونقل عنها أيضًا: لم يزل البلاء بالرسل حتى خافوا أن يكون من معهم من المؤمنين قد كذَّبوهم.\n(٥) في (أ): (والمؤمنين بهم).\n(٦) سقطت (به) من (ب).","vol":"1","page":893},{"text":"﴿وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١١٠)﴾ أي: وأهلكنا الكاذبين حيث لا راد لعذابنا عنهم إذا نزل بهم.\n﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ﴾ أي: في (١) قصص الأنبياء وأممهم، وقيل: في قصة يوسف وإخوته وأبيه.\n﴿عِبْرَةٌ﴾ ما يُعْبَرُ به عن (٢) الجهل إلى العلم.\n﴿لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ ذوي العقول.\nولُبُّ كل شيء: خلاصته وخياره.\nأي: الذي قدر على إعزاز يوسف بعد الجب والسجن وتمليكه مصر بعد العبودية (٣) والذل والجمع بينه وبين أبويه وإخوته على المحبوب بعد المدة المديدة والشقة البعيدة (٤) قادر على إعزاز محمد -ﷺ- وإعلاء كلمته على من عاداه (٥) من الكفار والجهال.\n﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى﴾ أي: ما كان القرآن حديثًا مفترى كما زعم الكفار ﴿وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي: ولكن كان تصديق الكتب التي تقدمته (٦)\n﴿وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ وبيان دين الله وشرائعه ﴿وَهُدًى﴾ من الضلال ﴿وَرَحْمَةً﴾ من العذاب ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١١١)﴾ يصدقون بتوحيد الله ويقرون بنبوة محمد -ﷺ-.\n_________\n(١) سقطت (أي) من (د)، وسقطت (في) من (ب).\n(٢) في (د): (من).\n(٣) سقطت كلمة (العبودية)، وما بعدها من نسخة (أ)، وانتهى السقط عند قوله (المدة المديدة)، حيث جاء النص فيها: (... مصر بعد المدة المديدة ...)، وكلمة (أبويه) من (د) فقط.\n(٤) في (ب): (بعد المدة البعيدة)، وفي (د): (بعد المدة المديدة والمشقة البعيدة).\n(٥) في (ب): (عاد له).\n(٦) في (ب): (الكتب المتقدمة).","vol":"1","page":894},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n<span data-type=\"title\" id=toc-119>سورة الرعد </span>(١).\nمدنية في قول قتادة.\nوقال عطاء: هي مكية إلا آية من قوله ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا﴾ [الرعد ٤٣] (٢).\n(بسم الله الرحمن الرحيم).\n﴿المر﴾ ابن عباس ﵄: أنا الله أعلم وأرى (٣).\nوالكلام فيها سبق (٤).\n﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ قيل: ﴿الْكِتَابِ﴾: التوراة والإنجيل وقيل (٥): الزبور، وقيل: القرآن، وقيل: اللوح المحفوظ.\n﴿وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ القرآن بإجماع، لقوله: ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾، فمن جعل\n﴿الْكِتَابِ﴾ القرآن جعل الواو مقحمًا أو جوز (٦) العطف على الوصف بالواو،\n_________\n(١) في (أ) زيادة: (ثلاث وأربعون آية).\n(٢) الأقوال كثيرة في مدنية السورة أو مكيتها، فحتى قتادة قد نقل عنه أن السورة مكية، كما في «زاد المسير» ٤/ ٢٩٩، وورد عنه أنها مدنية إلاّ قوله تعالى: (ولا يزال الذين كفروا) آية (٣١)، كما عند الداني في «البيان» (ص ١٦٩).\nأما عطاء فقد ورد عنه أنها مكية كما عند ابن الجوزي في «زاد المسير» ٤/ ٢٩٩، والداني في «البيان» (ص ١٦٩)، وقال السيوطي في «الإتقان» (ص ٤٣): (والذي يجمع به بين الاختلاف: أنها مكية إلاّ آيات منها)، ورجح الباحث: عبدالرزاق أحمد في كتابه «المكي والمدني» ١/ ٤٨٤ أنها مكية كلها.\n(٣) أخرجه الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس كما في تفسير ابن حبيب (ق ١٣٠/أ)، ونقله الثعلبي (ص ٥٠٤).\n(٤) انظر تفسيره لمطلع سورة البقرة ١/ ١٠٢ من رسالة الشيخ الدكتور ناصر العمر.\n(٥) سقطت (وقيل) من (أ).\n(٦) في (ب): (أو جوّز عطف الوصف بالوصف كقول ...).","vol":"1","page":895},{"text":"كقول الشاعر (١):\nإلى الملك القَرْم وابنِ الهُمامِ ... وليثِ الكتيبة في المزدَحَمْ\nوقيل: ﴿آيَاتُ الْكِتَابِ﴾: ما نزل من القرآن قبل هذه السورة، ﴿وَالَّذِي أُنْزِلَ﴾: هذه السورة.\nومحل ﴿وَالَّذِي﴾ رفع بالابتداء، ﴿الْحَقُّ﴾ خبره.\nوقيل: جر عطفًا على الكتاب، و﴿الْحَقُّ﴾ خبر المبتدأ (٢).\n﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (١)﴾ نزلت حين قالت العرب إن محمدًا يتقوَّل القرآن من تلقاء نفسه (٣).\n﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ﴾ أي: وضعها من جانب العلو.\n﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾ جمع عماد، وقيل: جمع عمود، فإن العرب تقول: عمود البيت وعماد البيت (٤)، وجمعهما: عَمَد، بفتحتين، كَأَدم وأَفَق وأَهَب (٥)، وهو قليل.\nابن عيسى: هو جسم مستطيل يمنع المرتفع أن يميل.\n﴿تَرَوْنَهَا﴾ الضمير يعود إلى السموات، أي: ترونها كذلك فلا حاجة إلى بيان.\nوقيل: يعود إلى العمد، وفيه قولان:\nأحدهما: لها عمد غير مرئية وهي قدرة الله سبحانه.\nوقيل: هي جبل قاف والسموات مقببة عليه وأن خضرة السماء من جبل قاف (٦).\n﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ سبق بيانه (٧).\n_________\n(١) البيت في «الخزانة» ١/ ٤٥١، وذكره ابن الأنباري في «الإنصاف» (ص ٣٧٦) وذكر بعده بيتًا، وهو غير منسوب، وقد سبق تخريج البيت في (ص ٧٥٣).\n(٢) في (د): (الابتداء).\n(٣) قاله مقاتل كما في تفسيره ٢/ ٣٦٦، وعنده: لقول كفار مكة: إن محمدًا تقول القرآن من تلقاء نفسه، ونقله الثعلبي (ص ٥٠٦) عن مقاتل أيضًا.\n(٤) في (ب): (تقول: عماد البيت وعمود البيت).\n(٥) الأديم: الجلد ما كان، وأَدَم: اسم للجمع، والأفيق: قيل: هو ما دبغ بغير القَرَظ، وقيل: الأفيق: الأديم حين يخرج من الدباغ مفروغًا منه وفيه رائحته، والجمع: أَفَق، والإهاب: الجلد ما لم يدبغ، والجمع القليل: آهِبَة، والكثير: أُهُب، وأَهَب.\nانظر: «لسان العرب» (أدم) و(أفق) و(أهب).\n(٦) قال الإمام الطبري ١٣/ ٤١١: (هي مرفوعة بغير عَمَدٍ نراها، كما قال ربنا جلًّ ثناؤه، ولا خبر بغير ذلك، ولا حجة يجبُ التسليم لها بقولٍ سواه).\n(٧) انظر تفسيره لسورة الأعراف، آية (٥٤).","vol":"1","page":896},{"text":"﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ ذلَّلهما لما يراد منهما تذليل الفرس للركوب (٣)، وقيل: سخرهما لمنافع العباد.\n﴿كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ لانقضاء الدنيا.\nوالأجل: الوقت المضروب لحدوث أمر أو انقطاعه.\nابن عباس: ﴿يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾: يريد درجاتهما ومنازلهما ينتهيان إليها لا يتجاوزانها (٤).\n﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ يقضيه وحده.\n﴿يُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾ يبينها ويميز بعضها عن بعض.\n﴿لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (٢)﴾ كي تتفكروا فتعرفوا قدرته على البعث والإعادة.\n﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ﴾ بسطها طولًا وعرضًا لتثبت عليها أقدام الخلق.\nواختلفوا في شكل الأرض: فقيل: بسيط، وقيل: كري، والآية حجة لمن قال بسيط (٥).\n﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ جبالًا ثوابت، من رسا الشيء: إذا ثبت (٦)، وكانت الأرض تضطرب فخلق الله الجبال أوتادًا فاستقرت.\nابن عباس ﵄: كان أبو قبيس أول جبل وضع على الأرض (٧).\nو﴿رَوَاسِيَ﴾ جمع راسية، والتاء للتأنيث، أي: جبل راس وأجبل راسية وجبال رواسي، فجبال جمع أجبل، وقيل: التاء للمبالغة، كنسَّابة وعلَاّمة، والأول أولى.\n﴿وَأَنْهَارًا﴾ جمع نهر، وهو مسيل الماء، من: نَهَرت الشيء، أي: وسعته.\n﴿وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ أي: لونين وضربين، حلوًا وحامضًا ومرًا وعذبًا وحارًا وباردًا، يريد اختلاف كل جنس من الثمر.\nوالزوج واحد والزوج اثنان، ولهذا قُيِّدَ لِيُعْلَمَ أن المراد بالزوج هاهنا: الفرد لا التثنية، فيكون أربعًا، وخص اثنين بالذكر وإن كان من أجناس الثمار ما يزيد على ذلك لأنه الأقل، إذ لا نوع تنقص أصنافه عن اثنين.\nوقيل: ﴿زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾: الشمس والقمر، وقيل: الليل والنهار على أن الكلام تم على (٨) قوله ﴿وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾.\n_________\n(٣) في (ب): (المركوب)، وفي (د): (الركوب).\n(٤) في (د): (لا يجاوزانها).\nوقول ابن عباس: أورده ابن حبيب (ق ١٣٠/أ)، والثعلبي (ص ٥٠٩) وغيرهما.\n(٥) انظر: «الجامع لأحكام القرآن» للقرطبي ١٢/ ٨.\n(٦) سقطت (إذا) من (ب).\n(٧) ذكره الثعلبي (ص ٥١٠) والقرطبي ١٢/ ٨، وأخرجه ابن أبي حاتم ٧/ ٢٢١٦ عن عطاء.\n(٨) في (د): (عند قوله).","vol":"1","page":897},{"text":"قوله: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾ (١) أي: يأتي بالليل في إثر النهار فيستره بظلامه.\nوقيل: يغشي الليل النهار ويغشي النهار الليل فاكتفى بذكر أحدهما.\nقال الشيخ ﵀ (٢): ويحتمل أن الاكتفاء بأحدهما إنما وقع لاحتمال أن\nالليل ظرف والنهار مفعول به، وأن النهار ظرف والليل مفعول به.\n﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٣)﴾.\n﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾ قطع: جمع قطعة.\n﴿مُتَجَاوِرَاتٌ﴾: متدانيات بعضها منبت طيب (٣) وبعضها سبخة غير منبت.\nوقيل: ﴿قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾: قُرَىً (٤) متدانيات بعضها من بعض.\n﴿وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ﴾ وبساتين من ثمر الكرم (٥).\n﴿وَزَرْعٌ﴾ الزر ع: إلقاء الحب للنبات في الأرض.\n﴿وَنَخِيلٌ﴾ جمع نخلة.\n﴿صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾ الصنوان (٦): النخلات أصلها واحد، ﴿وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾: المتفرقات، واحدها صنو، ومثله قنو وقنوان وهو العذق.\nوقيل: ﴿صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾: وصف للجنات (٧)، أي: أشكال وغير أشكال، والصنو: الشكل، والأول أكثر (٨).\n﴿يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ﴾ اختلاف ألوان الماء وطعومه (٩) بالمجاورة، والماء في أصله متحد الوصف.\n_________\n(١) حصل سقط بعد قوله (النهار) إلى كلمة النهار في السطر التالي، وذلك في نسخة (د).\n(٢) قوله (قال الشيخ ﵀) لم يرد في (د)، وفي (ب) لم يرد قوله (﵀).\n(٣) في (ب): (منبت بعض وبعضها).\n(٤) في (ب): (أي).\n(٥) في (د): (الكروم).\n(٦) سقطت كلمة (الصنوان) من (ب).\n(٧) في (ب): (وقيل صنو وصنوان وصف للجنات).\n(٨) سقط قوله (والأول أكثر) من (ب).\n(٩) في (أ): (ووضعه بالمجاورة).","vol":"1","page":898},{"text":"﴿وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾ في الثمر، وهو خلاصة (١) الشجر، وهذا مَثَلٌ لبني آدم صالحهم وطالحهم وأبوهم (٢) واحد، وقيل: مَثَلٌ لقلوب بني آدم ينزل عليها تذكير واحد فيرق بعضها ويقسو (٣) البعض.\n﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤)﴾ دلالات لمن يتفكر.\n﴿وَإِنْ تَعْجَبْ﴾ عن (٤) إنكارهم البعث والنشور.\n﴿فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أي: إذا كنا ترابًا نبعث ونحيى، وحذف لأن قوله ﴿لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ يدل عليه، وليس ﴿جَدِيدٍ﴾ بعامل في (إذا) لأن ما بعد (إن) لا يعمل فيما قبله.\nواختلف القراء في الاستفهامين (٥)، وكتب القراءة أولى بهذه المسألة (٦).\nوتقدير الآية: وإن تعجب فقولهم أإذا (٧) كنا ترابًا إنا لفي خلق جديد عجب، فالقول مبتدأ وعجب خبره.\nواختلفوا في وصف الله بالعجب (٨):\n_________\n(١) في (د): (خالصة).\n(٢) في (ب): (وهم).\n(٣) في (د): (ويقسى).\n(٤) في (ب): (من).\n(٥) في (ب): (في الاستفهام).\n(٦) انظر: «المبسوط» لابن مهران (ص ٢١٣ - ٢١٥) ففي اجتماع الهمزتين مذاهب مختلفة للقراء.\n(٧) في (أ): (إذا).\n(٨) في (أ): (في العجب).","vol":"1","page":899},{"text":"فذهب قتادة إلى جوازه، وأنكره غيره، وقالوا: إنما يكون العجب منا إذا شاهدنا ما لم نشاهد مثله ولم نعرف سببه، وهذا منتف عن الله ﷿، قالوا: والمعنى: فعجب قولهم عندكم (١).\n﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ﴾ لأنهم أنكروا البعث.\n﴿وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ هي جمع غُل (٢)، والغُلُّ: ما يجمع اليمين والعنق في القيد والتعذيب.\n﴿وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٥)﴾.\n﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ﴾ الاستعجال: طلب التعجيل، والتعجيل: تقديم الشيء قبل وقته.\n﴿بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾ بالعقوبة قبل العافية، وهو اختيار كثير من المفسرين (٣).\nوقال بعضهم: بالشر قبل الخير.\nوقيل: بالكفر قبل الإجابة.\nابن عيسى: يطلبون ما يسوؤهم من العذاب قبل الإحسان بالإنظار.\nوقيل: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ﴾: بالعذاب، بقولهم: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ (٤) [الشعراء: ١٨٧]، وقولهم: ﴿إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا﴾ الآية [الأنفال: ٣٢].\nقيل: ﴿الْحَسَنَةِ﴾: التوحيد، أي: الله يدعوهم إلى التوحيد (٥) ليكرمهم وهم يستعجلون بالعذاب.\n_________\n(١) القول الأول هو الصحيح، قال الإمام الكرجي القصاب (ت ٣٦٠ هـ) في كتابه: «نكت القرآن» ١/ ٦٢٩: (قوله تعالى (وإن تعجب فعجب قولهم) رد على الجهمية، إذ قد عجب -جل وتعالى- من كفرهم بالبعث، والعجب عندهم منفي عنه من أجل أنه من صفات المخلوقين، وقد حكاه عن نفسه= =-جل وتعالى- كما ترى، وليس شيء من صفاته مخلوقًا وإن شاركه المخلوق فيه بالاسم، إذ هو من المخلوق مخلوق، ومنه - جل وتعالى- غير مخلوق).\n(٢) سقطت (هي) من (ب)، وسقطت (غل) من (د).\n(٣) انظر: الطبري ١٣/ ٤٣٤ - ٤٣٥، والواحدي في «البسيط» (ص ٦٦٦).\n(٤) في (ب): (من العذاب).\n(٥) حصل سقط هنا عند كلمة التوحيد إلى كلمة التوحيد التالية، فجاء النص في (ب) فقط كالتالي: (يدعوهم إلى التوحيد وقيل معنى (قبل) هاهنا ...).","vol":"1","page":900},{"text":"وقيل: ﴿بِالسَّيِّئَةِ﴾: الشرك، و﴿الْحَسَنَةِ﴾: التوحيد.\nوقيل: معنى ﴿قَبْلَ﴾ ها هنا: الوقت، أي: ويستعجلونك بالعذاب وقت إحسان الله إليهم بتأخيره عنهم إلى يوم القيامة.\nوقيل: معناه التفضيل، أي: تطلبون العذاب مؤثرين له على ما توعدون من الإحسان.\nقال الشيخ ﵀ (١): ويحتمل ﴿قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾: دون الحسنة (٢)، كما يستعمل دون بمعنى قبل، نحو قوله -ﷺ-: (من قتل دون ماله فهو شهيد) (٣)، و: اختر الجود قبل البخل، أي: دونه.\n﴿وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ﴾ قد مضت وتقدمت عقوبات الله بالأمم الكافرة قبلهم.\nالحسن: وقائع الله في الأمم الخالية.\nواحدها مَثُلَة، نحو صَدُقة وصَدُقَات، تقول: مَثَلَ به يَمْثُلُ مَثْلًا بفتح الميم وسكون الثاء إذا فعل به (٤) فعلًا ينكِّل به غيره، والاسم: المُثْلَة، ويجوز التسكين والنقل (٥).\nأبو عبيدة: هي الأمثال والأشباه والنظائر (٦).\n_________\n(١) سقط قوله (﵀) من (ب)، وسقطت الجملة (قال الشيخ ﵀) كلها من (د).\n(٢) في (ب): (دون السيئة).\n(٣) أخرجه البخاري (٢٤٨٠) من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص.\n(٤) في (د): (إذا فعله فعلًا).\n(٥) قال الزجاج في «معاني القرآن» ٣/ ١٤٠: (ومن قرأ (المُثْلات) بإسكان الثاء فلأن كل ما كان مضمومًا أو مكسورًا نحو: رُسُل وعَضُد وفَخِذ فإسكانه جائز لنقل الضمة والكسرة).\n(٦) قال أبو عبيدة في «مجاز القرآن» ١/ ٣٢٣: (واحدتها مَثُلة ومجازها مجاز الأمثال)، ولعل الكرماني نقل هذا عن الواحدي في «البسيط» (ص ٦٦٧) فقد ساقه كذلك.","vol":"1","page":901},{"text":"﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ يريد تأخير العذاب إلى يوم الدين لا غفران الذنوب، وقيل: هو كقوله: ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ١٢٩].\nقوله ﴿عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾: حال للناس، ما لم يكن شركًا.\nابن بحر: ﴿عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾: بالتوبة منه.\nوقيل: ﴿عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾: على الصغائر.\n﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ (٦)﴾ يعني على المشركين.\n﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ أي: هلا أنزل، يريد ما اقترحوا (١) من الآيات.\n﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ﴾ أي: ليس عليك إلا إبلاغ الرسالة وإنذار الكفار وتبشير المؤمنين.\n﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (٧)﴾ يهدي إلى الطاعة، وفيه أربعة أقوال:\nأحدها: أن الهادي هو المنذر، وهو النبي -ﷺ-، أي: أنت منذر وهاد لكل قوم.\nالثاني: الهادي هو الله تعالى، أي: والله هاد لكل قوم.\nوروي عن بعض الوقف على قوله ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (٧) اللَّهُ﴾، فيكون المبتدأ متأخرًا لا مضمرًا (٢).\nالثالث: عام، أي: ولكل أمة نبي بعث إليهم يهديهم (٣) بما يعطيه الله من الآيات، لا بما يتحكمون فيه وعليه.\nوعن ابن عباس (٤) ﵄: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (٧)﴾: داع إلى\n_________\n(١) في (ب): (ما اقترحوا عليه من الآيات).\n(٢) انظر: «الكتاب الفريد» للمنتجب الهمداني ٣/ ٦٥٥.\n(٣) سقطت (يهديهم) من (أ).\n(٤) سقط قول ابن عباس والتعليق عليه من نسخة (ب)، ففيها: (... فيه وعليه والرابع ...).","vol":"1","page":902},{"text":"الحق (١)، وهو من القول الثالث.\nوالرابع: حكاه الثعلبي (٢): ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (٧)﴾: وهو علي ﵁.\n﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى﴾ من العدد والذكر والأنثى والصورة والشكل والسعادة والشقاوة.\n﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾ غاض لازم ومتعد، فإن جعلته اللازم:\nفـ ﴿وَمَا﴾ للمصدر، أي: وغيض الأرحام وازديادها، وإن جعلته المتعدي، فتقديره: وما تغيضه الأرحام، أي (٣): تنقصه.\nوالمراد بالنقصان: السقط والخديج، والازدياد (٤): التمام.\nوقيل: نقصان مدة الحمل فيأتي لستة أشهر، وازدياد مدة الحمل فيأتي لسنتين، وقيل أكثر.\nوقيل: نقصان دم الحيض وازدياده.\nوقيل: الحَبَل والحَبَال (٥).\nوقيل: كلما (٦) حاضت على حملها يومًا ازدادت في طهرها يومًا حتى تستكمل تسعة أشهر طهرًا.\n_________\n(١) أخرج الطبري ١٣/ ٤٤٣ عنه قوله: داعٍ.\n(٢) انظر: «الكشف والبيان» للثعلبي (ص ٥٢١ - ٥٢٣). قال ابن الجوزي ٤/ ٣٠٧: هذا من موضوعات الرافضة.\n(٣) في (ب): (أي وما تنقصه).\n(٤) في (ب): (وبالازدياد)، وسقط حرف الواو في (أ).\n(٥) هكذا في النسخ، ولم أعرف معنى (الحبال)، وورد في هامش نسخة (أ): (الحبال المرأة التي ليست لها حمل)، رغم أن كلمة (المرأة) غير ظاهرة، ولكن اجتهدت في قراءتها كذلك، ولم أجد هذا المعنى في معاجم اللغة فيما اطلعت عليه، والله أعلم.\n(٦) في (د): (فلما).","vol":"1","page":903},{"text":"ومعنى حاضت على حملها: رأت دمًا.\nويحتمل (١): ما تغيض الأرحام عن الواحد بالإسقاط والإخداج، وما تزداد على (٢) الواحد والإثنين.\n﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (٨)﴾ من غيض الأرحام وازديادها، وقيل: طول الجنين وعرضه وحياته وموته ورزقه وأجله، وقيل: عامٌّ.\n﴿عَالِمُ الْغَيْبِ﴾ ما غاب عن العباد فلا اطلاع لهم عليه.\n﴿وَالشَّهَادَةِ﴾ ما عاينوه وعلموه لا يخفى على (٣) الله من ذلك شيء.\n﴿الْكَبِيرُ﴾ عظيم الشأن.\n﴿الْمُتَعَالِ (٩)﴾ عن المكان والزمان (٤)، وعما يقول الظالمون.\n﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ﴾ من أضمر معنى القول في نفسه من غير لفظ.\n﴿وَمَنْ جَهَرَ بِهِ﴾ رفع الصوت بالقول.\nومعنى ﴿سَوَاءٌ﴾: ذو سواء، لأنه مصدر، والمعنى: مستويان، أي: المسرّ والجاهر سواء (٥).\n﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ﴾ متوار (٦)، وهو الذي يطلب الخفاء كي لا يُرى.\nو﴿بِاللَّيْلِ﴾ ظرف، أي: في الليل، ويحتمل (٧) إنه للآلة، أي: يستتر به.\n_________\n(١) في (ب) زيادة: (وقال الشيخ ويحتمل ...).\n(٢) في (ب): (عن الواحد).\n(٣) سقطت (على) من (أ).\n(٤) هذه مصطلحات حادثة، يغني عنها أنه سبحانه هو الأول والآخر والظاهر والباطن.\nانظر: «درء تعارض العقل والنقل» لابن تيمية ٦/ ٢٤٨ - ٢٤٩، و«طريق الهجرتين» لابن القيم (ص ٥٠).\n(٥) في (د): (أي مسر به والجاهر به سواء).\n(٦) في (ب): (متوان).\n(٧) في (ب) زيادة: (قال الشيخ ويحتمل ...).","vol":"1","page":904},{"text":"﴿وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (١٠)﴾ ظاهر خارج، من: سَرَبَ سُرُوبًا: إذا خرج وبرز.\nوقيل: السارب: السائر، من: سَرَبَ الماء، إذا خرج من الحوزة (١).\nوقيل: يخفي عمله بالليل ويظهره (٢) بالنهار، وقيل فيهما (٣) على الضد، فالمستخفي (٤) من: خَفَيْتُ الشيء: أظهرته، والمختفي: النَّبَّاش، من هذا، والسَّارب: الداخل في السَرَب.\n﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ﴾ الهاء تعود إلى (مَن)، وقيل: إلى الله تعالى (٥).\nوالمعقبات: جمع مُعَقِّبَة، بُنِيَ (٦) على فَعَّل للمبالغة، وأصله من: عَقَبَهُ يَعْقُبُه، إذا جاء بعده، وهم الحفظة الكرام البررة على كل إنسان، ملكان بالليل وملكان بالنهار.\nوقيل: عشرة بالليل وعشرة بالنهار.\nوعن ابن عباس ومجاهد: هم الحرس والرجال يتعقبون على الأمراء (٧).\n_________\n(١) الحوزة: الناحية، كما في «اللسان» (حوز). فيكون المعنى - والله أعلم - إذا خرج الماء من المكان الذي يحويه.\nوالنسخ الثلاث محتملة لغير هذه الكلمة هنا، فيحتمل: (الخدرة) أو (الجزرة) أو (الخوزة) أو (الخرزة)، ولم يظهر لي معنى لهذه الكلمات يناسب السياق، والله أعلم.\n(٢) في (أ): (ويظهر بالنهار).\n(٣) في (أ): (فهما).\n(٤) في (ب) و(د): (والمستخفي).\n(٥) لفظ (تعالى) لم يرد في (أ) و(د).\n(٦) كلمة (بني) سقطت من (د).\n(٧) أما أثر ابن عباس: فأخرجه الطبري ١٣/ ٤٦٠ - ٤٦١، وابن أبي حاتم ٧/ ٢٢٣٠.\nوأما مجاهد: فأخرج الطبري ١٣/ ٤٥٨ عنه قوله: مع كل إنسان حفظة يحفظونه من أمر الله، وهذا القول هو المنسوب لمجاهد في عدد من التفاسير، ولم أجد ما نقله المؤلف عنه.","vol":"1","page":905},{"text":"عكرمة: هم الجلاوزة (١).\nوقوله (٢) ﴿مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ أي: قدامه وورائه.\n﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ ما لم يجيء القدر، فإذا جاء القدر خلوا بينه وبينه.\nوقيل: يحفظونه من المخلوقات، كالعقارب والحيات، وكلها من أمر الله.\nوقيل: فيه تقديم وتأخير، أي: له معقبات من أمر الله، كما تقول: له غلام يحفظه ممن يضره (٣)، وهذا أظهر (٤).\nوقيل: من أمر الله: بأمره (٥)، وهو معنى قول من قال: (من) لابتداء الغاية، أي: ابتداء حفظهم إياه من أمر (٦) الله، ومن فسر المعقبات على الحرس والرجال (٧) والجلاوزة فقوله ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ على زعمه أو (٨) زعمهم. وقيل: الهاء في (له) تعود إلى النبي -ﷺ-، أي: لمحمد -ﷺ- معقبات من الله يحفظونه عن الأعداء، وذلك حين هَمَّ به أربد وعامر، فكفاهما الله (٩)، ويأتي ذكرهما.\n﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ أي: لا يسلب ما أعطاهم من النعمة والعافية (١٠) حتى يغيِّروا ما بأنفسهم من الأحوال الجميلة والطاعة فيعصون الله ويظلمون الناس، والمعنى: لا يغير الله ذلك حتى يكونوا هم يغيرونه بالمعصية وترك الشكر.\nوقال النحاس: لا يغير ما بقوم مؤمنين صالحين فيسميهم كافرين فاسقين إلا أن يفعلوا ما يوجب ذلك ولا يأمر بإذلالهم إلا أن يغيروا ما بأنفسهم (١١).\n_________\n(١) أخرجه الطبري ١٣/ ٤٦٥، وابن أبي حاتم ٧/ ٢٢٣٠.\n(٢) كلمة (وقوله) لم ترد في (أ).\n(٣) في (د): (من مضر).\n(٤) قوله (هذا أظهر) لم يرد في (ب).\n(٥) قوله (بأمره) سقط من (أ).\n(٦) كلمة (أمر) سقطت من (ب).\n(٧) سقطت كلمة (والرجال) من (ب).\n(٨) سقط من (أ) قوله (زعمه أو).\n(٩) في (ب): (وكفاهما بالله).\n(١٠) سقط قوله (العافية) من (أ)، وزاد في (د) كلمة (الرحمة) بعد قوله (أعطاهم من).\n(١١) قاله في «إعراب القرآن» ٢/ ٣٥٤.","vol":"1","page":906},{"text":"﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ﴾ عذابًا وعقابًا فلا يدفعه (١).\n﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ دون الله (٢).\n﴿مِنْ وَالٍ (١١)﴾ يلي أمره وينصره (٣)، وهو اسم الفاعل من ولي يلي إذا تولى تدبير شيء (٤)، والولي بمعناه.\n﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾ هو لمع كعمود النار ينقدح من السحاب.\n﴿خَوْفًا﴾ للمسافر (٥) من أذاه.\n﴿وَطَمَعًا﴾ للمقيم في الرزق (٦).\nوقيل: خوفًا من الصواعق التي تكون مع البرق وطمعًا في الغيث. ونصبهما يحتمل وجهين:\nأحدهما: المصدر وقع موقع الحال، أي: خائفين طامعين، كقوله:\n﴿يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾ [البقرة: ٢٦٠] ..\nوالثاني: المفعول له، أي: إخافة وإطماعًا، كما تقول: فعلت ذلك رغمًا للشيطان، أي: إرغامًا له.\n﴿وَيُنْشِئُ السَّحَابَ﴾ الغيم المسحب (٧) في الهواء.\n﴿الثِّقَالَ (١٢)﴾ بالماء.\n﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ﴾ الرعد: مَلَكٌ مُوَكَّلٌ بالسحاب.\nوقيل: الرعد: صوته، وجاء في الحديث إن النبي -ﷺ- كان إذا سمع الرعد قال: (سبحان من يسبح الرعد بحمده (٨» (٩).\n_________\n(١) في (ب): (فلا يدفعه شيء).\n(٢) في (ب): (من دون الله).\n(٣) في (أ): (يلي أمرهم وينصرهم)، وفي (د): (يلي أمره فينصره).\n(٤) في (أ): (الشيء).\n(٥) في (أ): (للمسافرين).\n(٦) في (د): (الرزق به).\n(٧) في (د): (المنسحب).\n(٨) في (ب): (بصوته) بدلًا من (بحمده).\n(٩) أخرجه مرفوعًا: الطبري ١٣/ ٤٧٧، وابن مردويه كما في «تخريج أحاديث الكشاف» للزيلعي ٢/ ١٨٣ - ١٨٤، وإسناده فيه رجل مبهم، فهو ضعيف مرفوعًا.\nوروي موقوفًا على جماعة منهم: على وابن عباس والأسود بن يزيد، وغيرهم، أخرج آثارهم الطبري ١٣/ ٤٧٧ - ٤٧٨.","vol":"1","page":907},{"text":"وعن ابن عباس أنه قال (١): من سمع صوت الرعد فقال: سبحان الذي (٢) يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته وهو على كل شيء قدير، فإن أصابته صاعقة فَعَليَّ دِيَتُه (٣).\nوقيل: الرعد: صوت أجرام السحاب، وتسبيحه: دلالته على وحدانية الله، والوجه الأول.\n﴿وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ﴾ أي: ويسبح الملائكة من خوف (٤) الله.\nوقيل: من خيفة الرعد، حكاه الماوردي (٥).\n﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ﴾ في سبب النزول عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله -ﷺ- بعث رجلًا مرة إلى رجل من فراعنة العرب، فقال: (اذهب إليه (٦) فادعه لي)، فقال: يا رسول الله إنه أعتى من ذلك، قال: (اذهب (٧) فادعه لي)، قال: فذهب إليه فقال: يدعوك رسول الله -ﷺ-، فقال: وما الله أمن ذهب هو أو من (٨) فضة أو من نحاس؟ قال: فرجع إلى رسول الله فأخبره وقال: قد أخبرتك إنه أعتى من ذلك، قال (٩) لي كذا وكذا، فقال (١٠): (ارجع إليه الثانية فادعه)، فرجع إليه فأعاد عليه مثل الكلام الأول (١١)، ورجع إلى النبي فأخبره، فقال: (ارجع إليه) فرجع إليه الثالثة فأعاد عليه ذلك (١٢) الكلام، فبينا هو يكلمه إذ بعث الله سحابة حيال رأسه (١٣) فرعدت فوقعت منها صاعقة فذهبت بِقِحْفِ (١٤) رأسه، فأنزل الله ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ﴾ (١٥).\n_________\n(١) سقطت (وعن) من (د)، وسقطت (عباس) و(أنه) من (ب).\n(٢) في (ب): (من) بدلًا من (الذي).\n(٣) أخرجه سعيد بن منصور (١١٦٥ - التفسير)، وإسناده فيه سلاّم الطويل وهو متروك، وزاد السيوطي نسبته في «الدر المنثور» ٨/ ٤٠٦ لابن المنذر.\n(٤) في (أ): (خيفة الله).\n(٥) انظر: «النكت والعيون» للماوردي ٣/ ١٠١.\n(٦) سقطت (إليه) من (د).\n(٧) في (ب): (قال فاذهب).\n(٨) في (ب): (أمن ذهب أو فضة ...).\n(٩) في (أ): (فقال).\n(١٠) في (أ): (قال).\n(١١) في (أ): (فأعاد إليه مثل كلام الأول).\n(١٢) سقطت (ذلك) من (د).\n(١٣) في (أ): (بعث الله سبحانه حيال رأسه سحابة فرعدت ...).\n(١٤) القِحْفُ: العظم الذي فوق الدماغ من الجمجمة. انظر «اللسان» (قحف).\n(١٥) أخرجه الطبري ١٣/ ٤٨٠، والنسائي في الكبرى (١١١٩٥)، والواحدي في «أسباب النزول» (ص ٤٥١)، وصححه الضياء المقدسي في «المختارة» (١٧١٠).","vol":"1","page":908},{"text":"وقال ابن عباس ﵄: نزلت هذه الآية والتي قبلها في عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة، وذلك أنهما أقبلا يريدان رسول الله -ﷺ-، فقال رجل من أصحابه: يا رسول الله هذا عامر بن الطفيل قد أقبل نحوك، فقال: (دعه فإن يرد الله به خيرًا يهده)، فأقبل حتى قام عليه فقال: يا محمد ما لي (١) إن أسلمت؟ قال: (لك ما للمسلمين وعليك ما عليهم)، قال: تجعل لي الأمر بعدك، قال: (لا، ليس ذلك إلي، إنما ذلك إلى الله يجعله حيث يشاء)، قال: فتجعلني على الوَبَر وأنت على المَدَر (٢)، قال: (لا)، قال: فماذا تجعل لي؟ قال (٣): (أجعل لك أعنة الخيل تغزو عليها)، قال: أوليس ذلك إليَّ اليوم، وكان أوصى إلى أربد إذا رأيتني أكلمه فدر من خلفه فاضربه بالسيف، فدار أربد ليضربه، فاخترط من سيفه شبرًا ثم حَبَسَهُ الله فلم يقدر على سَلِّه، فجعل عامر يومئ إليه، فالتفت رسول الله -ﷺ- فرأى أربد وما يصنع بسيفه، فقال: (اللهم أكفنيهما بما شئت)، فأرسل الله على أربد صاعقة في يوم صائف صاح، فأحرقته، وولى عامر هاربًا وقال: يا محمد دعوت الله (٤) فقتل أربد والله لأملأنها عليك خيلًا جردًا وفتيانًا مردًا، فقال -ﷺ-: (يمنعك الله من ذلك وابنا قيلة)، يريد الأوس والخزرج، فنزل عامر بيت امرأة سلولية، فلما أصبح ضمَّ عليه سلاحه وخرج وهو يقول: واللات لئن أصحر محمد إلي وصاحبه، يعني ملك الموت، لأنفذنهما برمحي، فلما رأى الله ذلك منه أرسل ملكًا فلطمه بجناحه فأذراه في التراب وخرجت على ركبتيه (٥) غدة في الوقت عظيمة، فعاد إلى بيت السلولية وهو يقول: غُدَّةٌ كغدة البعير وموت في بيت سلولية، ثم مات على ظهر فرسه، وأنزل الله فيه هذه الآية (٦).\n_________\n(١) في (ب): (يا محمد مالي يا محمد إن ...).\n(٢) الوبر: البادية، والمدر: المُدُن أو الحضر. انظر: «اللسان» (مدر).\n(٣) حصل سقط في (د) بعد كلمة (قال) ينتهي عند قول المؤلف: و(يدعون) للكفار، في أثناء تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ الآية.\n(٤) في (ب): (دعوت ربك).\n(٥) في (ب): (ركبته غدة عظيمة في الوقت فعاد ...).\n(٦) أخرج الطبري نحوه عن ابن جريح ١٣/ ٤٨١ - ٤٨٢، وعن ابن زيد ١٣/ ٤٦٧ - ٤٧٠، وأثر ابن زيد كذلك عند ابن أبي حاتم ٧/ ٢٢٣٠ - ٢٢٣١.\nوأخرجه الطبراني في «الكبير» (١٠٧٦٠) من طريق عطاء بن يسار عن ابن عباس، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» ٧/ ٤٥: (في إسناده عبدالعزيز بن عمران وهو ضعيف)، ولكن أصل القصة في صحيح البخاري (٤٠٩١).","vol":"1","page":909},{"text":"والصواعق: جمع صاعقة، وهي: نار تسقط من شدة البرق تحرق ما أصابته، وتستعمل أيضًا في الأمر الشديد المهلك.\n﴿فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ﴾ الجدال: التشدد في الخصومة، مشتق من الجَدْل (١)، وهو الفَتْل.\nوقيل: الجدال: المصارعة، مشتق من الجدالة، وهي (٢) وجه الأرض.\nوجدالهم في الله: دفع الإيمان (٣).\nالحسن: الجدال في الله: مجادلتهم لرسوله (٤) في عبادتهم الأوثان.\nوالواو يصلح للحال ويصلح لعطف الجملة على الجملة (٥).\n﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ (١٣)﴾ والله شديد القوة.\nوقيل: شديد الغضب، وقيل: شديد الأخذ والانتقام، وقيل: شديد العداوة، وقيل: شديد الإهلاك بالمحل، وهو القحط، حكاه أقضى القضاة (٦).\nوفي الميم قولان: أحدهما: أن الميم أصل، تقول: مَحَل به إذا عَرَّضَه للهلاك، وكذلك ما حله مِحَالًا.\n_________\n(١) في (أ): (الجدال).\n(٢) في (ب): (وهو).\n(٣) في (ب): (الإيمان به).\n(٤) في (ب): (جدالهم في الله مجادلتهم لرسول الله ...).\n(٥) قوله (على الجملة) لم يرد في (ب).\n(٦) انظر: «النكت والعيون» ٣/ ١٠٢.","vol":"1","page":910},{"text":"والثاني: أن الميم زيادة في الكلمة، من الحول والحيلة، وهو مروي عن ابن عباس وقتادة وغيرهما (١)، ولعلهم عنوا به معنى المحال لا لفظه (٢)، فإن هذا عند النحاة فاسد لأن مِفْعَلًا ومِفْعَالًا يصحان كالمخيط والمقود (٣) والمحور (٤).\n﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ لا إله إلا الله، أي (٥): هو المستحق الدعاء، ودعاء غيره باطل، وإضافته كثوب خز.\nوقيل: دعوة الطلب الحق، أي: مرجوّ الإجابة ودعاء غير الله لا يجاب، وهو قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ﴾.\n﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ يحتمل وجهين:\nأحدهما: أن الذين يدعون هم الكفار، والمفعول محذوف، أي: يدعون الأصنام، وقوله: ﴿لَا يَسْتَجِيبُونَ﴾ يعود إلى الأصنام كما سبق.\nوالثاني: أن قوله ﴿وَالَّذِينَ﴾ للأصنام، و﴿يَدْعُونَ﴾ للكفار (٦)، والضمير محذوف، أي: يدعونهم، و﴿لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾ خبره (٧)، أي: لا يفعلون شيئًا مما يسألون.\n_________\n(١) انظر أقوالهم عند الطبري ١٣/ ٤٨٤.\n(٢) بسط الواحدي في «البسيط» (ص ٦٩٠) هذا الكلام فقال: (على هذا القول إنما جاز وصف الله= =بالاحتيال، لأن الله تعالى معجل لعدوه في الدنيا ما يحب، ويغيب عنه ما أعد له في الآخرة من العذاب، فشاكلت مماحلة الله مماحلة المخلوق، من جهة أن المماحل من المخلوق يضمر لصاحبه من الشرّ غير الذي يظهر، فمن هذه الجهة سميت باسمها، وإن كانت مخالفها في المعنى، هذا كلام أبي بكر). يعني الأنباري، والله أعلم.\n(٣) في (ب): (والمقول).\n(٤) قال الأزهري في «تهذيب اللغة» ٥/ ٩٥: (... مِفْعلًا إذا كان من بنات الثلاثة فإنه يجيء بإظهار الواو والياء مثل: المزود والمرود والمجول والمحور والمزبل والمعير وما شاكلها).\n(٥) سقطت (أي) من (ب).\n(٦) إلى هنا انتهى السقط الذي في نسخة (د)، وتبدأ النسخة من قوله (والضمير).\n(٧) في (ب): (ولا يستجيبون لهم خبر الذين في الوجهين)، وهذا موافق لكتابه الآخر «غرائب التفسير» ١/ ٥٦٤، وفي (د): (ولا يستجيبون خبره بشيء).","vol":"1","page":911},{"text":"وقوله: ﴿إِلَّا (١) كَبَاسِطِ﴾ الاستثناء من الاستجابة، أي: لا يستجيب الصنم إلا كاستجابة الماء داعيه، وهذا مَثَل، أي: عابد الصنم وراجيه (٢) كمن يشير إلى الماء ليبلغ فاه والماء غير بالغ فاه (٣) بدعائه إياه إلا أن يغترف بيده أو بإنائه.\nوقيل: كالماء في البئر بلا دلو ولا رشاء يريد أن يتناوله بكفيه فلا يناله.\nوقيل: كالقابض على الماء فلا محصول له.\nوقيل: كباسط كفيه إلى الماء فلا يحصل في كفيه ما لم يقبضهما ويجمع الأنامل.\nوقيل: كمن كربه الموت عطشا وكَفَّاهُ في الماء فلا يقدر على شربه.\nوقيل: كمثل العطشان ينظر في خياله في الماء وهو يريد أن يتناوله (٤) فلا يقدر.\nوالمعنى: أن الصنم لا يجيبهم كما لا يجيب الماء من دعاه.\n﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ الله ﴿إِلَّا فِي ضَلَالٍ (١٤)﴾ فإن أصواتهم محجوبة عن الله تعالى.\nوقيل: وما دعاء الكافرين الأصنام إلا في ضلال لا يجدي (٥) شيئًا.\n﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ سجود تعبد وانقياد.\n﴿طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ ﴿طَوْعًا﴾ سجود الملائكة والمؤمنين، و﴿وَكَرْهًا﴾ من أكره على الإيمان.\nوقيل (٦): الطواعية والكراهية في سجود أهل الأرض، فإنَّ مَنْ في السموات يسجدون طوعًا، وقيل: طبعًا.\n_________\n(١) سقطت (إلا) من (أ).\n(٢) في (ب): (وداعيه).\n(٣) سقط (فاه) من (د).\n(٤) في (د): (يناله).\n(٥) في (د): (لا يجزي).\n(٦) قوله (وقيل) لم يرد في (أ).","vol":"1","page":912},{"text":"وقيل: المراد بالسجود كرهًا: قهر الله الأشياء لما (١) أراد منهم وإن لم يسجدوا سجود عبادة.\n﴿وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (١٥)﴾ أي: ويسجد (٢) ظلالهم، جمع الظل، وهو ما ستره (٣) الشيء عن شعاع الشمس، يقصر مرة ويمتد أخرى.\nوظل الكافر يسجد طوعًا وهو كاره وظل المؤمن يسجد طوعًا وهو طائع.\nوقيل: ظل كل شيء من كل جنس يسجد لله.\nقوله ﴿بِالْغُدُوِّ﴾: قال الفراء: هو مصدر، و﴿وَالْآصَالِ﴾: جمع، كقوله:\n﴿بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٤١)﴾ [آل عمران: ٤١]، العشي: اسم، والإبكار: مصدر، وقيل: الغدو: جمع غداة، كقُنِى وقَنَاة، والآصال: جمع أَصِيل، وقيل: جمع أُصُل، وأُصُل: جمع أَصِيل، وهو مابين العصر إلى المغرب، وقيل: (ظلالهم): أشخاصهم، وكرر لأن الأول للقلوب والثاني للأشخاص.\n﴿قُلْ﴾ يا محمد للكفار ﴿مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ استفهام تقرير واستنطاق، فإنهم يقولون: الله، فإذا قالوها ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ أي: هو الله كما قلتم، وقيل: فإن (٤) أجابوك وإلا قل: الله، إذ لا جواب غير هذا.\n﴿قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ﴾ استفهام إنكار على شركهم بعد إقرارهم، والمعنى: أعددتم لمنافعكم ودفع مضاركم ﴿مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ هذا مَثَلٌ ضربه الله لمن يعبد الأصنام ولمن يعبد الله، أي: ليسا بسواء.\n_________\n(١) في (أ): (كما).\n(٢) في (د): (أي ويسبحه ظلالهم).\n(٣) في (ب): (ما ستر الشيء).\n(٤) في (أ): (وإن).","vol":"1","page":913},{"text":"﴿أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ﴾ الشرك والإيمان.\n﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ﴾ قيل: هي المنقطعة، والمعنى: بل أجعلوا لله شركاء (١)؟ .\nوقيل: المعادلة لتقدم الاستفهام.\nوقوله: ﴿خَلَقُوا كَخَلْقِهِ﴾: خلقوا مثل ما خلق الله.\n﴿فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ﴾ اشتبه مخلوق الله بمخلوق (٢) الشركاء.\n﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي: خالق الأجسام والأعراض، فيدخل فيه أفعال العباد، ومن أثبت للعباد فعلًا فقد فعلوا كفعله وصنعوا كصنعه (٣).\n﴿وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (١٦)﴾ المنفرد بالخلق والإحداث.\n﴿الْقَهَّارُ (١٦)﴾ يقهر كل شيء بقدرته.\n﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾ أي: أنزل الواحد القهار وهو الله تعالى من السحاب، وقيل: من جانب السماء.\n﴿مَاءً﴾ مطرًا.\n﴿فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ﴾ جمع واد (٤)، وهو الموضع الذي يسيل فيه الماء بكثرة.\n﴿بِقَدَرِهَا﴾ في الصغر والكبر.\nوالقدر: اتزان الشيء بغيره من غير زيادة ولا نقصان.\nالزجاج: ﴿بِقَدَرِهَا﴾: ما قدر لها من ملئها، قال: ويجوز: بقدر ملئها.\n﴿فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ﴾ رفع، وأصله: الحمل على الظهر.\n_________\n(١) سقطت كلمة (شركاء) من (د).\n(٢) في (ب): (مخلوق) بدون حرف الباء في أولها، وحصل بعد هذه الكلمة سقط في (د) امتد إلى قوله المؤلف (يجوز أن تكون متصلة) في أثناء تفسيره للآية (٢٤) من السورة.\n(٣) قال شيخ الإسلام ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» ٨/ ١١٧: (نفس فعل العبد وإن قال أهل الإثبات إن الله خلقه، وهو مخلوق له ومفعول له، فإنهم لا ينكرون أن العبد هو المتحرك بالأفعال، وبه قامت ومنه نشأت، وإن كان الله خلقها).\n(٤) سقط قوله (جمع واد) من (أ)، وإثباتها موافق للكتاب الآخر «غرائب التفسير» ١/ ٥٦٦.","vol":"1","page":914},{"text":"﴿زَبَدًا﴾ ابن عيسى: الزبد: وضر (١) الغليان وخبثه، والمعنى: علاه زبد.\nومعنى ﴿رَابِيًا﴾: عاليًا.\nابن عيسى (٢): زائدًا بانتفاخه.\nأجمع المفسرون على أن هذا مثل ضربه الله للقرآن والقلوب والحق والباطل، فالماء هو مثل القرآن لما فيه من حياه القلوب وبقاء الشرع والدين، والأودية مثل القلوب، ومعنى (٣) ﴿بِقَدَرِهَا﴾: على سعة القلب وضيقه، فمنها ما انتفع به وحفظه ووعاه فتدبر فيه فظهرت ثمرته وأدرك تأويله ومعناه، ومنها دون ذلك بطبقة، ومنها دونه بطبقات، والزبد مثل الشكوك والشبه وإنكار الكافرين أنه كلام الله ودفعهم إياه، والماء الصافي المنتفع به مثل الحق.\nثم قال: ﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ﴾ يريد الفلزات كالذهب والفضة والرصاص والصفر والنحاس.\nومعنى ﴿يُوقِدُونَ عَلَيْهِ﴾: تلقون (٤) الحطب في النار تحته.\n﴿ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ﴾ طلب حلي هو الذهب والفضة يتخذ منهما حلية السيف والمركب والدَّواة وحلية النساء.\n﴿أَوْ مَتَاعٍ﴾ كالرصاص والنحاس والصفر (٥)، منها تتخذ الأواني وما يتمتع به في الحضر والسفر (٦).\n﴿زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾ أي: خبث، يريد لهذه الفلزات إذا أغليت زبد مثل زبد الماء.\n﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ﴾ أي: يضرب الله مثل الحق والباطل.\n﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾ باطلًا، من قولهم: جَفَأَتِ القِدْرُ وأَجْفَأَت: إذا رمت زبدها عند الغليان، وجَفَأتُ الرجل: صَرَعْتُهُ، وبناء فُعَال مما يرمى ويطرح، وقيل: جَفَأ الوادي وأَجْفَأ: إذا نشف (٧).\nمجاهد: ﴿جُفَاءً﴾: جمودًا (٨)، لأنه يجتمع (٩) على الماء ويجمد حتى يذهب به الماء.\n_________\n(١) الوَضَر: الدَّرَن والدَّسم. انظر: «اللسان» (وضر).\n(٢) قوله (ابن عيسى) لم يرد في (ب).\n(٣) في (ب): (والمعنى).\n(٤) هذا على قراءة من قرأ بالتاء (توقدون)، وهي قراءة عاصم في رواية أبي بكر وأبي جعفر ونافع وابن كثير وأبي عمرو ويعقوب وابن عامر، بينما قرأ عاصم في رواية حفص وحمزة والكسائي وخلف (يوقدون) بالياء.\nانظر: «المبسوط» لابن مهران (ص ٢١٦).\n(٥) كلمة (الصفر) لم ترد في (ب).\n(٦) في (ب): (في السفر والحضر).\n(٧) انظر: «معاني القرآن» للفراء ٢/ ٦٢، و«تهذيب اللغة» للأزهري (جفأ) ١١/ ٢٠٧، أما عند الطبري ١٣/ ٥٠٤ فهو: (جفا الوادي وأجْفَى في معنى نَشِف).\n(٨) أخرجه الطبري ١٣/ ٥٠٠، ولفظه: جمودًا في الأرض.\n(٩) في (ب): (لا يجتمع).","vol":"1","page":915},{"text":"﴿وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ من الماء والحلي والأواني.\n﴿فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ يشرب منه الحيوان ويزرع به (١) فيكون منه معاش الخلق، وانتفاع الناس بالحلي والأمتعة (٢) ظاهر.\n﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ (١٧)﴾ أي: كما بَيَّنَ هذا بضرب المثل كذلك يبين الله سائر المشكلات، وفي الآية تقديم وتأخير.\n﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى﴾ أي: أجابوا وآمنوا.\nو﴿الْحُسْنَى﴾: الجنة، وقيل: تضاعف الحسنات، وقيل: الحياة والرزق.\n﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ﴾ أي: كفروا به ولم يؤمنوا.\n﴿لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ﴾ أي (٣): لو ملكوا أموال الدنيا وملكوا معها مثلها.\n﴿لَافْتَدَوْا بِهِ﴾ لبذلوه ليدفعوا عن أنفسهم عذاب الله، وتقديره: لو أن لهم ما في الأرض جميعًا ومثله (٤) وقُبِلَ الفداء لافتدوا به.\n﴿أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ﴾ المناقشة فيها، ومن نوقش الحساب هلك.\nوقيل: ﴿سُوءُ الْحِسَابِ﴾: أن لا يغفر سيئاتهم ولا يقبل حسناتهم.\nوقيل: ﴿سُوءُ الْحِسَابِ﴾: الذي معه التوبيخ والتقريع.\nوقيل: ﴿سُوءُ الْحِسَابِ﴾: شدة العذاب.\nوالحساب: الجزاء وإعطاء الاستحقاق.\nوقيل: ﴿سُوءُ الْحِسَابِ﴾: المقايسة بالأعمال.\n﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ مرجعهم إلى النار.\n﴿وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٨)﴾ المستقر والمكان، والمذموم محذوف وهو جهنم.\n﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ﴾ (ما) بمعنى الذي، و﴿الْحَقُّ﴾ خبره، والمراد به: القرآن.\n﴿كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾ عَمَى القلب لا ينتبه على رشده بالقرآن.\n_________\n(١) سقطت (به) من (أ).\n(٢) في (ب): (بالأمتعة والحلي).\n(٣) لم ترد (أي) في (ب).\n(٤) سقطت (ومثله) من (ب).","vol":"1","page":916},{"text":"وقيل: كمن أنكر القرآن فجرى مجرى العميان.\nنزلت بمكة في حمزة وأبي جهل (١).\nأي: هما لا يستويان.\n﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٩)﴾ ذوو العقول، ولُبُّ كل شيء: أفضل ما فيه.\n﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (٢٠)﴾ ما عهد إليهم يوم الميثاق.\nوقيل: ما عهد إليهم في الكتب المتقدمة (٢).\nوقيل: ما في جِبِلَّتِهم وعقولهم.\nقتادة: إن الله تعالى لم يتقدم في ذنب ما تقدم في نقض هذا الميثاق، لقد ذكره في (٣) بضع وعشرين آية تقدمة ونصيحة وعظة (٤).\n﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ قيل: الرحم، وقيل: نصرة المؤمنين.\nوقيل: صلة محمد -ﷺ-،\nوقيل: الإيمان بجميع الأنبياء من غير تفريق بينهم في النبوة.\n﴿وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ يخافون عقابه.\nوقيل: ﴿وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾: يعظمونه.\n﴿وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (٢١)﴾ شديده، وقد سبق (٥).\n﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾ طلب رضى الله.\nوقيل: طلب تعظيم الله.\n_________\n(١) ذكره الواحدي في «البسط» (ص ٧١١)، وابن الجوزي في «زاد المسير» ٤/ ٣٢٣، والقرطبي ١٢/ ٥٣.\n(٢) سقطت كلمة (المتقدمة) من (ب).\n(٣) في (أ) زيادة: (... ذكره هذا في ...).\n(٤) أخرجه الطبري ١٣/ ٥٠٧ - ٥٠٨، وزاد السيوطي ٨/ ٤٢٥ نسبته لابن أبي حاتم وأبي الشيخ.\n(٥) سبق قبل قليل عند تفسير الآية (١٨).","vol":"1","page":917},{"text":"﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ المفروضة.\n﴿وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ الزكاة وسائر مواساة المسلمين.\n﴿سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ مسرين الإنفاق ومعلنين له.\n﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ أي: يجازون الإساءة إليهم بالإحسان منهم، كما قال (١):\nيجزون من ظُلْمِ أهلِ الظلم مَغْفِرَةً ... ومِنْ إساءةِ أهل السُّوءِ إِحسانا\nوقيل: يدرؤون بالتوبة الذنب.\nوقيل: يدفعون (٢) العذاب بالصدقة.\n﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (٢٢)﴾ العاقبة الحسنة.\nوقيل: ﴿عُقْبَى الدَّارِ (٢٢)﴾: الجنة.\nوقيل: عقبى الشيء (٣): منتهاه، أي: كانت لهم بعد دار الدنيا جنات، فهي بدل من عقبى الدار.\n﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ دار إقامة، وقد سبق (٤).\n﴿يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ أي: هم ومن صلح.\nوأجاز الزجاج أن يكون مفعولًا معه (٥)، ووصفهم بالصلاح ليعلم أن مجرد النسب لا يغني.\n_________\n(١) القائل هو: قريط بن أُنيف العنبري، انظر: «شرح حماسة أبي تمام» للأعلم الشنتمري ١/ ٣٥٧، و«شرح المفصل» لابن يعيش ٤/ ١٣٩.\n(٢) سقطت كلمة (يدفعون) من (ب).\n(٣) في (ب): (عقبى الدار منتهاه).\n(٤) سبق الكلام على ذلك في أثناء تفسير سورة التوبة، آية (٧٢).\n(٥) انظر: «معاني القرآن» للزجاج ٣/ ١٤٧.","vol":"1","page":918},{"text":"﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣)﴾ بالتحية والسلام.\n﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ أي (١): يقولون سلام عليكم.\nوقيل: هي بشارة بدوام السلامة.\n﴿بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ أي: بدل صبركم، والباء (٢) يجوز أن تكون متصلة بالسلام، ويجوز أن تكون متصلة بجنات عدن.\n﴿فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢٤)﴾ أي: الجنات.\n﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ سبق (٣).\nوقال -ﷺ-: (إذا لم تمش إلى ذي رحمك (٤) برجلك، ولم تعطه من مالك فقد قطعته) (٥).\n﴿وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ بالكفر والظلم.\n﴿أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ الإبعاد من الرحمة.\n﴿وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٢٥)﴾ يعني جهنم ونكالها.\n_________\n(١) لم ترد (أي) في (ب).\n(٢) إلى هنا انتهى السقط الذي وقع في (د)، وتبدأ النسخة من قوله (يجوز أن تكون ...)، وقد كان السقط ابتدأ عند تفسير المؤلف لقوله تعالى: ﴿فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ﴾ من الآية (١٦) من هذه السورة.\n(٣) في (ب): (سبق تفسيره).\nوقد سبق الكلام على ذلك في أثناء تفسير الآية (٢٧) من سورة البقرة.\n(٤) في (ب): (ذي رحم برجلك).\n(٥) أخرجه الطبري ١٣/ ٥١٥، وعزاه السويطي ٨/ ٤٢٦ لابن المنذر وأبي الشيخ عن ابن جريج قوله: بلغنا أن النبي -ﷺ- قال: وهذا منقطع كما ترى.","vol":"1","page":919},{"text":"﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ يوسعه.\nوالبسط: مباعده أطراف الشيء.\n﴿وَيَقْدِرُ﴾ أي: ويقدر لمن يشاء، يضيق، من قوله: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: ٧].\nالمبرد: يبسط الرزق ويقدر، أي: ويُخَيِّر (١) له في البسط.\n﴿وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أَشِروا وبَطِروا بما نالوا منها.\n﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ﴾ في جنب الآخرة.\n﴿إِلَّا مَتَاعٌ (٢٦)﴾ كزاد الراعي، وقيل: قليل النفع، ينقطع عن قريب.\nوقيل: متعة وبلغة لا تدوم.\n﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ سبق (٢).\n﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ﴾ باقتراح الآيات بعد ظهور المعجزات.\n﴿وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ (٢٧)﴾ آمن وتاب.\n﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: هم الذين آمنوا، وقيل: بدل مِن ﴿مَنْ﴾، ومحله نصب.\n﴿وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ تسكن وتهدأ ويزول عنها (٣) القلق والاضطراب.\nوالهمزة (٤) أصل عند المحققين، وقيل: زيادة.\nوأصله من الطمن، وهو الأرض المنخفضة.\nقوله ﴿بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ بوعد الله، فهو مصدر مضاف إلى الفاعل، أي: تطمئن بوعده كما توجل بوعيده.\n_________\n(١) قوله: (يُخَيِّرُ له) يعني: يُفَضِّل، أو تكون (ويَخِيْرُ له) بمعنى: يختار له، فيكون البسط في الرزق خيرةً له، والله أعلم.\n(٢) في نفس السورة، آية (٧).\n(٣) في (د): (عنه).\n(٤) يعني همزة الاطمئنان. انظر «اللسان» (طمن).","vol":"1","page":920},{"text":"وقيل: بذكرهم الله بألسنتهم أو بألسنة غيرهم، فيكون مصدرًا مضافًا إلى المفعول.\nوقيل: ذكر الله هاهنا: القرآن، وقيل: بنعمة الله.\n﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)﴾ بسبب ذكره تطمئن قلوب المؤمنين.\n﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ﴾ فيها (١) أقوال أحدها: أنها شجرة في الجنة غرسها الله بيده في دار كل مؤمن منها غصن (٢).\nوقيل: أصلها في دار النبي -ﷺ-.\nوقيل: في دار علي ﵁، حكاه الثعلبي (٣).\nوقيل: طوبى: اسم من أسماء الجنة، كلمة حبشية (٤).\nوقيل: هندية.\nوقيل: طوبى: فُعْلى من الطيب، أي: الراحة والطيب ولين العيش لهم.\nوقيل: خير لهم، وقيل: غبطة لهم (٥).\nوقيل: قرة عين وفرح لهم (٦).\nوقيل: هي تأنيث الأفعل، أي: أطيب الأشياء لهم، وهي الجنة، وهذا ضعيف، لأن الأفعل تأنيثه الفعلى، بالألف واللام أو بالإضافة.\n﴿وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩)﴾ أي: حسن مرجع.\n﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ﴾ أي: كما أرسلنا قبلك رسلًا أرسلناك إلى أمتك.\n_________\n(١) في (أ): (فيه).\n(٢) في (ب): (غصن كالشمس).\n(٣) انظر: «الكشف والبيان» للثعلبي (ص ٥٨٩ - رسالة جامعية) وإسناده عند الثعلبي ضعيف لإرساله عن أبي جعفر محمد بن علي، ولضعف رجال إسناده ففيهم الكلبي وغيره.\n(٤) في (ب): (اسم لأن أسماء الجنة كلها حبشية) والمثبت من (أ) و(د).\n(٥) في (ب): (وقيل خير لهم وغبطة وقيل قرة ...).\n(٦) في (د): (فمرح لهم)، وسقطت (لهم) من (ب).","vol":"1","page":921},{"text":"﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ﴾ أي: لست بدعًا من الرسل (١) وليست أمتك أُوْلى أمة أرسل إليها رسول.\n﴿لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ يعني القرآن.\n﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ جاء في سبب النزول أنها نزلت في صلح الحديبية حين أرادوا كتاب الصلح فقال رسول الله -ﷺ- لعلي ﵁: (اكتب بسم الله الرحمن الرحيم)، فقال سهيل ابن عمرو والمشركون: ما نعرف الرحمن إلا صاحب اليمامة، يعنون: مسيلمة الكذاب، اكتب باسمك اللهم، وهكذا كان أهل الجاهلية يكتبون، فأنزل الله فيهم هذه الآية (٢).\nابن عباس في رواية الضحاك: نزلت في كفار قريش حين قال لهم: ﴿اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٦٠] (٣).\n﴿قُلْ هُوَ رَبِّي﴾ أي: الرحمن ربي وخالقي ورازقي ومدبري.\n﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ وثقت به وفوضت أمري إليه.\n﴿وَإِلَيْهِ مَتَابِ (٣٠)﴾ وإلى الله أتوب من خطيئتي السالفة، وقيل: إليه (٤) مرجعي.\n﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ﴾ في سبب النزول: إن قريشًا اجتمعت وقالت: يا محمد: إن سرك أن نتبعك فسيّر لنا جبال مكة بالقرآن و(٥) سخر لنا الريح نركبها إلى الشام أو أحيي (٦) آبائنا لنسألهم أحق ما تقول أم باطل، فأنزل الله ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا﴾ كتابًا (٧) ﴿سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾ (٨).\nوجواب ﴿وَلَوْ﴾ محذوف، وهو محذوفًا أبين منه (٩) ملفوظًا، واختلفوا فيه، فقال بعضهم: جوابه: لكان هذا القرآن (١٠).\n_________\n(١) قوله (من الرسل) لم يرد في (أ).\n(٢) انظر: «أسباب النزول» للواحدي (ص ٤٥٤).\nوأخرجه الطبري ١٣/ ٥٣٠ - ٥٣١ عن قتادة ومجاهد.\nوالحديث في «صحيح البخاري» (٢٧٣١) دون الإشارة إلى أن القصة سبب لنزول الآية.\n(٣) ذكره الثعلبي في «الكشف والبيان» (ص ٥٩٠ - ٥٩١)، والواحدي في «أسباب النزول» (ص ٤٥٤).\n(٤) في (ب): (وقيل الله مرجعي).\n(٥) سقط قوله (بالقرآن) من (د)، وفي (أ): (أو سخر ...).\n(٦) في (د): (أو أوحى).\n(٧) في (د): (أي كتابًا).\n(٨) أخرجه الطبري ١٣/ ٥٣١، والطبراني في «المعجم الكبير» (١٢٦١٧)، والضياء في «المختارة» (٥٥١) ٩/ ٥٥٧، ٥٥٦ عن ابن عباس ﵄.\nوأورد السيوطي في «الدر المنثور» ٨/ ٤٥٣ - ٤٥٧ عدة روايات عن عدد من الصحابة والتابعين حول هذا السبب المذكور أعلاه.\n(٩) كلمة (منه) سقطت من (د).\n(١٠) ما بعد كلمة القرآن ساقط من (ب)، ثم تبدأ النسخة بقوله بعد سطر واحد (وقيل جوابه ما يدل عليه ...).","vol":"1","page":922},{"text":"وقيل: جوابه: لما آمنوا، كقوله ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ﴾ الآية [الأنعام: ١١١].\nوقيل: جوابه: ما يدل عليه قوله ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ [الرعد: ٣٠]، أي: وهم يكفرون بالرحمن ولو أن قرآنًا سيرت به الجبال.\nوقيل: هذا تفخيم للقرآن وأنه ليس في كتب الله ما يجمع من الحكم والدلائل والشواهد والبينات (١) ما يجمعه القرآن ولو سيرت (٢) جبال بقراءة كتاب لكان هذا القرآن.\n﴿بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا﴾ أي: هذا وأمثاله يفعله الله القادر الذي له كل الأمر.\nوقيل: بل لله الأمر جميعًا وليس لأحد أن يقترح عليه آية.\n﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾ اليأس: ضد الطمع، وفيه لغتان سبق بيانهما (٣).\nواختلفوا في الآية: فذهب أكثرهم إلى أنه بمعنى العلم، وأنشد (٤):\nأَلَم ييئس الأقوامُ أني أنا ابنُهُ ... وإنْ كنتُ عن أرض العشيرةِ نائيا\nيريد: ألم يعلم، وهي لغة نَخَع، وقيل: لغة هوازن.\nالمبرد: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ علمًا منهم ﴿أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (٥).\nوقيل: أفلم يعلم الذين آمنوا علمًا يئسوا معه من أن يكون غير ما علموا.\nوقيل: أفلم ييأس الذين آمنوا من إيمان هؤلاء الذين وصفهم (٦) أنهم لا يؤمنون، لأنه قد قال: ﴿أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾، فيكون ييأس على أصله.\nوقرأ ابن عباس (٧): (أفلم يتبين للذين آمنوا)، أي (٨): أفلم يعلموا، وقريء:\n_________\n(١) في (ب): (من الحكم والشواهد والدلائل والبيان ...).\n(٢) في (ب): (ولو أن قرآنًا سيرت ...).\n(٣) سبق في أثناء تفسير سورة يوسف، الآية (٨٠).\n(٤) نسبه الماوردي ٣/ ١١٣، والقرطبي ١٢/ ٧٣ لرباح بن عدي، وفي سؤالات نافع بن الأزرق أن ابن عباس نسبه لمالك بن عوف، كما في «شواهد القرآن» (ص ٤٠) لأبي تراب الظاهري، الجزء الأول والذي خصصه المؤلف لشرح هذه السؤالات والتعليق عليها.\n(٥) انظر: «البحر المحيط» لأبي حيان ٥/ ٣٨٣.\n(٦) في (ب): (وصفهم الله أنهم ...).\n(٧) نقلها الطبري ١٣/ ٥٣٧، وابن خالويه في «القراءات الشاذة» (ص ٦٧) وغيرهم.\n(٨) حصل سقط في (ب) بعد قوله (أي) وجاء النص فيها كالتالي: (أي يظهر)، وهذا بسبب الانتقال للقول التالي، والتصويب من (أ) و(د).","vol":"1","page":923},{"text":"(أفلم يتبين للذين آمنوا)، أي: يظهر (١).\nوروي عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال: ما كتبها الكاتب إلا وهو ناعس (٢).\nونسبة الراوي إلى النعاس أولى من كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه (٣).\nوقوله ﴿لَوْ (٤) يَشَاءُ اللَّهُ﴾ على لفظ المستقبل، ﴿لَهَدَى﴾ على لفظ الماضي، لأن ما يشاءه الآن فهو الذي شاءه قبل، فلفظ الماضي والمستقبل سواء.\n﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ عام، وقيل: طائفة منهم.\n﴿تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا﴾ أي (٥): بصنيعهم، وقيل: بالذي صنعوه.\n﴿قَارِعَةٌ﴾ داهية تقلقهم ونازلة تهلكهم، من: القرع، وهو الضرب بالمقرعة، أي: لا يأمنون المسلمين بعد اليوم (٦).\n_________\n(١) (للذين) هكذا في (أ)، أما (د) ففيها (الذين)، وهي ساقطة من (ب) كما قدمت في الهامش السابق، وقد وردت هذه القراءة منسوبة لابن عباس في كتاب «شواذ القراءات» لرضي الدين الكرماني (ص ٢٥٨) وقال: (بلام الجار) يعني في قوله (للذين)، والله أعلم.\n(٢) أخرجه الطبري ١٣/ ٥٣٧.\n(٣) كأن الكرماني يشكك في ما يروى عن ابن عباس ﵄ حول هذه الآية، ويوهّم الراوي لهذه الرواية، والكلام على هذا الأثر ومعناه طويل، إذ يلزم إثباته أولًا، ثم بيان معناه ثانيًا، ويمكن معرفة أقوال المفسرين حوله بالرجوع إلى تفسير القرطبي ١٢/ ٧٣ - ٧٤، وتفسير أبي حيان ٥/ ٣٨٣ - ٣٨٤ وذلك للوقوف على اتفاقهم أن هذا الأثر مؤول المعنى وليس على ظاهره، والله أعلم.\n(٤) في (أ): (ولو) وليست الآية بالواو، وفي النسخ الأخرى (وقوله يشاء الله).\n(٥) (أي) لم ترد في (د)، و(أي بصنيعهم وقيل بالذي صنعوه) ساقط كله من (ب).\n(٦) قوله (لا يأمنون المسلمين بعد اليوم) ورد في (ب) متداخلًا مع النص الذي سقط وسبق أن أشرت إليه في الهامش السابق، حيث جاء النص في (ب) كالتالي: (أي يأمن المسلمون بصنيعهم وقيل بالذي صنعوا بعد اليوم).","vol":"1","page":924},{"text":"﴿أَوْ تَحُلُّ﴾ القارعة.\n﴿قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾ هي سرايا المسلمين، وقيل: هي أنواع البلاء من القحط والجلاء والأسر والجزية وغيرها.\nابن عباس: أو تحل أنت (١) يا محمد قريبًا من دارهم (٢).\nوهذا وعد بفتح مكة، وقيل: وعد الله يوم القيامة (٣).\n﴿حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (٣١)﴾ لا خلف (٤) في موعوده.\n﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ يعزي نبيه -ﷺ- على ما ناله من استهزاء قومه.\n﴿فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أطلت لهم المدة وأخرت عنهم العذاب.\n﴿ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ﴾ عاقبتهم بأشد العقاب.\n﴿فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (٣٢)﴾ أي: عقابي إيَّاهم.\n﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ ابن عباس (٥): الله يعلم أينما كنتم (٦).\nوقيل: توكيله الحفظة عليهم: قيامه على كل نفس.\nوقيل: القائم على الشيء هو الحافظ له يدبر أمره.\nوقيل: هو المجازي على الأعمال.\nوقيل: هو القاهر له المقتدر عليه.\nوالخبر محذوف تقديره: كغيره من المخلوقين، أو كمن ليس بهذه الصفة، ثم\n_________\n(١) قوله (أنت) سقط من (ب).\n(٢) أخرجه الطبري ١٣/ ٥٤٠، والبيهقي في «دلائل النبوة» ٤/ ١٦٨ - ١٦٩.\n(٣) هذا السطر أتى في (د) بعد قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ﴾.\n(٤) في (أ): (لا يخلف).\n(٥) سقط قوله (ابن عباس) من (ب).\n(٦) أخرجه الطبري ١٣/ ٥٤٧ بنحوه عن ابن عباس ﵄.","vol":"1","page":925},{"text":"استأنف فقال:\n﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ﴾ يعني الأصنام.\n﴿قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ بما خلقوا وصنعوا وأماتوا وأحيوا لتصح الشركة.\nوقيل: طَالِبُوْهُم بحجة على أنها آلهة.\nوقيل: صفوهم فانظروا هل يستحقون الإلهية.\nوقيل: هذا تهديد، كما تقول لمن تهدده على شرب الخمر: سَمِّ الخمر بعد هذا.\n﴿أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ﴾ نفى العلم لانتفاء المعلوم، أي: لا شريك له في السموات والأرض فلا يعلمه.\nابن عباس في جماعة: أي إذا ادعيتم في الأرض إلهًا غير الله فقد أخبرتم الله بما لا وجود له.\nالحسن: إذا ادعيتم فعلًا لأصنامكم فقد أخبرتم الله بما لا يعلم.\nوالكل يعود إلى القول الأول (١).\nوقال صاحب النظم (٢): ﴿لَا﴾ بمعنى ليس، والعلم زيادة، تقديره: بما ليس في الأرض، وهذا مزيف.\n﴿أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ﴾ أي: باطل.\nوقال (٣): وتلك شَكاةٌ ظاهرٌ عنكَ عارُها.\nوقيل: ظاهر من القول: مجرد التسمية.\nوقيل: أم بظاهر من القول أنزله على بعض الأنبياء.\n_________\n(١) في (ب): (والكل يعود إلى الله تعالى).\n(٢) نقل قوله: الواحدي في «البسيط» (ص ٧٣٤ - رسالة جامعية).\n(٣) القائل هو: أبو ذُؤَيب الهذلي كما في «اللسان» (ظهر).\nوصدر البيت: وعَيَّرها الواشون أني أُحبها.","vol":"1","page":926},{"text":"وقيل: أراد بما لا يعلم: المعدوم، وبظاهر من القول: الموجود، والمعنى: أتنبئون الله بشيء موجود أم معدوم.\n﴿بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ﴾ زين الشيطان لهم كفرهم وتمويههم.\n﴿وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ﴾ أي: عن سبيل الله.\nومن قرأ بالفتح (١) فالمعنى: وصدوا المسلمين عن سبيل الله.\n﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٣)﴾ أي: من خذله لا يوفقه غيره.\n﴿لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ بالقتل والأسر (٢) والجلاء.\n﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ﴾ أشد لدوامه (٣) واستمراره.\n﴿وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (٣٤)﴾ دافع يدفع عنهم (٤) عذاب الله.\n﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ قيل: شبه الجنة.\nوقيل: صفة الجنة، وهذا ضعيف في اللغة.\nوقيل: ﴿مَثَلُ﴾ زيادة، كمثل في مواضع، وهو مرفوع بالابتداء وخبره عند سيبويه (٥): فيما أنزل.\nوقيل: خبره: ﴿تَجْرِي﴾ فيمن (٦) جعل مَثَلًا زيادة.\n_________\n(١) قرأ أبو جعفر ونافع وابن كثير وابن عامر وأبو عمرو (وصَدُّوا) بفتح الصاد، وقرأ عاصم وحمزة= =والكسائي ويعقوب وخلف (وصُدُّوا) بضم الصاد.\nانظر: «المبسوط» لابن مهران (ص ٢١٦).\n(٢) في (أ): (بالأسر والقتل ...).\n(٣) في (ب): (لمداومه).\n(٤) سقطت (عنهم) من (د).\n(٥) انظر: «الكتاب» لسيبويه ١/ ١٤٣١، حيث يقول سيبويه: (فكأنه قال: ومن القصص مَثَلُ الجنة، أو مما يُقَصُّ عليكم مَثَلُ الجنة، فهو محمول على هذا الإضمار ونحوه).\n(٦) في (أ): (فيما).","vol":"1","page":927},{"text":"وأجاز الفراء أن تكون ﴿تَجْرِي﴾ الخبر وإن لم يجعل مثلًا زيادة (١).\nوقيل: الخبر محذوف لطول الكلام.\nوقيل: هذه صفة الجنة، فهو خبر المبتدأ، ثم أخذ يصفها.\nوقيل: مثل الجنة التي وعد المتقون جنة تجري.\nقوله ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ﴾: أي: ثمرها دائم الوجود لا ينقطع صيفًا ولا شتاء.\nوقال مالك بن أنس: ليس في الدنيا شيء يشبه ثمر الجنة إلا الموز، فإنه يوجد (٢) صيفًا وشتاء (٣).\nوقيل: أكلها دائم لا ينقطع بالموت والبلى (٤).\n﴿وَظِلُّهَا﴾ أي: وظلها أيضًا دائم لا تنسخه الشمس، وإنما تستضيء أهل الجنة بنور لا حر معه ولا برد (٥).\n﴿تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ أي: الجنة الموصوفة عقبى تقواهم، أي: منتهى أمرهم ومآله (٦).\n﴿وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ (٣٥)﴾ أي: منتهى دارهم وأعمالهم.\n﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ قيل: هم اليهود والنصارى، أي (٧) يفرحون بما يوافق كتبهم ويصدق ما معهم.\nوقيل: هم الذين آمنوا منهم كابن سلام وأصحابه.\n_________\n(١) انظر: «معاني القرآن» للفراء ٢/ ٦٥.\n(٢) كلمة (يوجد) سقطت من (د).\n(٣) أخرجه ابن المنذر وأبو الشيخ، على ما ذكر السيوطي في «الدر المنثور» ٨/ ٤٦٤.\n(٤) في (د): (والبلوى).\n(٥) النص في (ب) كالتالي: (... أهل الجنة لا حر ولا برد)، والمثبت من (أ) و(د).\n(٦) في (أ): (... أمرهم وأعمالهم)، وسقط حرف الواو فقط من (ب).\n(٧) سقطت (أي) من (أ).","vol":"1","page":928},{"text":"﴿وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾ الأحزاب: هم (١) الذين تحزَّبوا على رسول الله، أي: اجتمعوا على عداوته (٢)، وهم المشركون.\n﴿مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾ يقرون بالله وينكرون نبوة محمد -ﷺ-.\nوقيل: ﴿يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾: ذكر الرجم.\nوقيل: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ﴾ يعني: مؤمنيهم، ﴿وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾: الباقون منهم.\n﴿قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ﴾ آمنتم أو كفرتم.\n﴿إِلَيْهِ أَدْعُو﴾ إلى الله أدعوكم.\n﴿وَإِلَيْهِ مَآبِ (٣٦)﴾ وإلى الله مرجعي ومرجعكم.\n﴿وَكَذَلِكَ﴾ أي: كما أنزلنا الكتاب على الأنبياء بلسانهم.\n﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ أي: القرآن عليك.\n﴿حُكْمًا﴾ يحكم ويفصل بين الحق والباطل.\n﴿عَرَبِيًّا﴾ بلسانهم.\nوقيل: ﴿وَكَذَلِكَ﴾ (٣) إشارة إلى قوله: ﴿أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ﴾، أي: كما أمرناك أن تقوله أنزلناه في القرآن.\n﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ في دعائهم إياك إلى ملة آبائهم.\n﴿بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ (٣٧)﴾ هذا وعيد حسم به طمعهم.\n_________\n(١) سقطت (هم) من (ب).\n(٢) في (أ): (عدوانه).\n(٣) كلمة (كذلك) لم ترد في (د).","vol":"1","page":929},{"text":"﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ في سبب النزول: قال الكلبي: عيَّرت اليهود رسول الله -ﷺ- (١) وقالت: ما نرى لهذا الرجل همة إلا النساء والنكاح، ولو كان نبيًا كما زعم لشغله (٢) أمر النبوة عن النساء، فأنزل الله هذه الآية (٣).\nوالمعنى: كانوا بشرًا يأكلون ويباشرون النساء ويلدون الأولاد.\n﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أي: ليس في وسعهم إتيان الآيات على ما يقترحه قومه (٤)، إنما ذلك إلى الله.\nوقوله (بإذنه): بعلمه وأمره، واللفظ لفظ الحظر، والحظر إنما يكون مع القدرة، ومثله: ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ﴾ [مريم: ٣٥]، والمعنى معنى النفي، أي: لا يفعل مالا يليق به (٥).\n﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ (٣٨)﴾ الأجل: الوقت الذي يقع فيه (٦) المقدور، والكتاب: المكتوب، أي: كتب في اللوح المحفوظ.\nقيل: هو متصل بالأول على تقدير: لكل ما اقترحوا (٧) أجل يقع فيه.\nوقيل: هذا من المقلوب، أي: لكل كتاب أنزله الله من السماء أجل وقت معلوم.\nوقيل: لكل أجل انقضاء عمر الإنسان كتاب (٨) مشتمل على جميع أعماله.\n_________\n(١) في (ب): (عيرت اليهود ﵇ وقالت ...).\n(٢) في (أ): (أشغله).\n(٣) ذكره أبو الليث السمرقندي ٢/ ٢٣٠ دون نسبه، ونسبه ابن الجوزي ٤/ ٣٣٦ إلى ابن عباس، وذكره بمثل ما أورده المؤلف الواحدي في «أسباب النزول» (ص ٤٥٦).\n(٤) في (ب): (قومهم).\n(٥) قال القرطبي ١٢/ ٨٧: (ظاهر الكلام حَظْرٌ ومعناه النفي، لأنه لا يُحظَر على أحدٍ مالا يقدر عليه).\n(٦) في (د): (يقع به).\n(٧) في (د): (ما اجترحوا).\n(٨) في (ب): (لكل أجل انقضاء عمر الإنسان مشتمل ...)، وفي (د): (لكل أجل كتاب انقضاء عمر الإنسان مشتمل ...)، والمثبت من (أ).","vol":"1","page":930},{"text":"وقيل: لكل أمر قضاه الله كتاب كتبه فهو (١) عنده.\nوقيل: معناه: لكل وقت حكم.\n﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ ما يشاء، وقال بعضهم: يمحو ويثبت إلا الشقاوة والسعادة.\nوقيل: إلا (٢) الأجل والرزق.\nوقيل: المراد به (٣): المنسوخ والناسخ.\nوقيل: المراد: يمحو السيئات من التائب ويثبت مكانها الحسنات.\nوقيل: يمحو من كتاب الحفظة ما لا يتعلق به جزاء ولا حساب ويثبت ما سواه، أي: يتركه (٤) مثبتًا.\nوقيل: يمحو من قد جاء أجله ويثبت من لم يأت (٥) أجله.\nوقيل: يغفر ذنوب (٦) من يشاء ويترك ذنوب من لم يغفر له.\nوقيل: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾: القمر، ﴿وَيُثْبِتُ﴾: الشمس.\nوقيل: ﴿يَمْحُو اللَّهُ﴾: بالنوم، ﴿وَيُثْبِتُ﴾: باليقظة.\nوقيل: ﴿يَمْحُو اللَّهُ﴾: الدنيا، ﴿وَيُثْبِتُ﴾: الآخرة، ويحتمل (٧): ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا\n_________\n(١) سقطت (فهو) من (ب).\n(٢) سقطت (إلا) من (ب).\n(٣) قوله (به) سقط من (أ).\n(٤) سقطت كلمة (يتركه) من (د).\n(٥) في (ب): (من لم يجيء أجله).\n(٦) في (أ): (يغفر الذنوب من يشاء ويترك الذنوب ...).\n(٧) في (ب): (قال الشيخ ويحتمل ...).","vol":"1","page":931},{"text":"يَشَاءُ﴾: عند الموت، ﴿وَيُثْبِتُ﴾: عند الولادة.\n﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)﴾ اللوح المحفوظ، وهو أصل كل كتاب فيه ما خلق وما يخلق، وقيل: فيه الحلال والحرام، وقيل: ﴿أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)﴾: جملة الكتاب.\n﴿وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ يعني العذاب.\n﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ قبل أن نريك (١)، فيقع بهم في الدنيا.\n﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾ يريد: تبليغ الرسالة.\n﴿وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ (٤٠)﴾ المجازاة.\nوقيل: ﴿وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ من إظهار دين الإسلام على سائر الأديان ﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ قبل ذلك.\n﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ قيل: نفتح على المسلمين شيئًا فشيئًا، وذلك نقصان أرض الكفار وزيادة أرض المسلمين.\nوقيل: ﴿نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾: يريد خراب العمران وهلاك أهلها.\nوقيل: ﴿نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾: بذهاب (٢) البركة عن ثمارها ونباتها.\nابن عباس ﵄: نقصانها موت العلماء والفقهاء وخيار الناس (٣).\nوقيل: نقصانها: موت أهلها، والمراد بالأرض: أهلها.\nوقيل: نقصانها: جور ولاتها.\n_________\n(١) في (أ): (نرينك).\n(٢) في (ب): (بأخذ البركة).\n(٣) أخرجه الطبري ١٣/ ٥٧٨ - ٥٧٩، والحاكم في «المستدرك» ٢/ ٣٥٠، والخطيب الغدادي في «الفقيه والمتفقه» (١٥٥، ١٥٤) وغيرهم، وضعفه الإمام الذهبي في تعقباته على الحاكم في مستدركه.","vol":"1","page":932},{"text":"وقيل: ينقص من جوانب الشام ويزيد في الشام وهي أرض المحشر، حكاه مجاهد.\n﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ لا مغير لإرادته ولا مانع.\nابن عيسى: التعقيب: رد الحكم بعد فصله (١).\n﴿وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٤١)﴾ حسابه لأعمالهم أسرع من لمح البصر، لا يشغله محاسبة أحدهم عن محاسبة الآخرين.\nوقيل: لا يحتاج إلى تأمل وتفكر وعقد باليد.\nوقيل: ﴿سَرِيعُ الْحِسَابِ (٤١)﴾: سريع الجزاء.\n﴿وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يريد كفار الأمم الخالية كفروا ومكروا بأنبيائهم.\nوالمكر: إرادة المكروه في خفيه.\n﴿فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا﴾ أي: أسباب المكر بيد الله لا يضره إلا من أراده.\nوقيل: مكرهم بالأنبياء مكرهم (٢) بأنفسهم لأن الله ينجي الأنبياء ويهلكهم.\n﴿يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ﴾ من الخير والشر فيجازيها عليه.\n﴿وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ (٤٢)﴾ أي: العاقبة المحمودة، واللام تدل على المحمودة، كما أن (على) تدل على المذمومة، وهذا وعيد للكفار.\n﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا﴾ جاء في التفسير أن المراد بهم: كعب بن الأشرف وأصحابه ورؤساء اليهود (٣)، جحدوا فقالوا: لست مرسلًا.\n﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ فلا حاجة مع شهادته إلى شهادة غيره.\nوالباء دخلت الفاعل، و﴿شَهِيدًا﴾ منصوب على التمييز، وقيل: على الحال، وقيل: معناه اكتف به.\n﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ (٤٣)﴾ قيل: هو عبد الله بن سلام.\n_________\n(١) في (أ): (بعد قضائه).\n(٢) في (د): (مكر بأنفسهم).\n(٣) انظر: تفسير مقاتل ٢/ ٣٨٤، والواحدي في «الوسيط» ٣/ ٢١، وابن الجوزي ٤/ ٣٤١، والألوسي ١٣/ ١٧٥.","vol":"1","page":933},{"text":"وقال عبد الله: فِيَّ نزلت هذه الآية (١).\nومجاهد والضحاك أنكراه، وقالا: كيف نزلت فيه والسورة مكية (٢).\nوقد سبق أول السورة الكلام في نزولها.\nوقيل: هم من آمن من أهل الكتاب.\nوقيل: هو الله تعالى، وتقديره: كفى بالله الذي عنده علم الكتاب شهيدًا بيني وبينكم، ودليله قراءة من قرأ: (وَمِن عِنْدِهِ عِلْمُ الكتاب)، وكذلك (٣) من قرأ: (وَمِنْ عِنْدِهِ عُلِمَ الكتاب) (٤).\nوقيل: هو علي بن أبي طالب ﵁، حكاه الثعلبي (٥).\nومحل (مَنْ) جر بالعطف على الله، ويجوز أن يكون رفعًا على المحل، لأن (٦) التقدير: كفى الله.\nوالله أعلم.\n_________\n(١) أخرجه الطبري ١٣/ ٥٨٢، وعزاه السيوطي في «الدر المنثور» ٨/ ٤٨٢ لابن مردويه، وقد أخرج الترمذي (٣٢٥٦) نحوه.\n(٢) ذكره الماوردي ٣/ ١١٩، والقرطبي ١٢/ ٩٩، وروى سعيد بن منصور (١١٧٧ - قسم التفسير) والطبري ١٣/ ٥٨٦ إنكار ذلك عن سعيد بن جبير، وذكر النحاس في «معاني القرآن» ٣/ ٥٠٧ أن الشعبي وعكرمة ينكران ذلك أيضًا. ... =\n«بينما أورد الطبري ١٣/ ٥٨٢ أثرًا عن مجاهد أنها في عبدالله بن سلام. وقد رجحّ الشيخ الشنقيطي في =أضواء البيان» ٣/ ١٠٣ أن قوله تعالى: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ عطف على لفظ الجلالة، وأن المراد به أهل العلم بالتواراة والإنجيل.\n(٣) في (ب): (وكذلك قراءة من قرأ).\n(٤) وذكروا في الآية عدّة قراءات، منها هاتان القراءتان اللتان أوردهما المصنف، وقد ذكرهما النحاس في «معاني القرآن» ٣/ ٥٠٨ - ٥٠٩، والمنتجب الهمداني في «الفريد» ٣/ ٦٩٠.\nولمعرفة القراءات الواردة الأخرى ينظر: «القراءات الشاذة» لابن خالويه (ص ٦٧)، والطبري ١٣/ ٥٨٥ - ٥٨٦.\n(٥) انظر: «الكشف والبيان» للثعلبي (ص ٦٣٤)، وضعفه محقق الكتاب.\n(٦) سقطت (لأن) من (ب).","vol":"1","page":934},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n<span data-type=\"title\" id=toc-120>سورة إبراهيم ﵇ </span>(١)، مكية.\nقتادة: مكية إلا آيتين من قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ [إبراهيم: ٢٨] (٢).\nليس فيها ناسخ ولا منسوخ، ولم تذكر في سبب النزول.\n(بسم الله الرحمن الرحيم) ﴿الر﴾ أنا الله أعلم وأرى، وقد سبق الكلام فيه (٣).\n﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ﴾ يعني القرآن.\n﴿لِتُخْرِجَ النَّاسَ﴾ أي: أنزلناه لتخرج الناس بدعائك إياهم.\n﴿مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ الجمهور على (٤) أن المراد بالظلمات: الكفر، وبالنور: الإيمان.\nوقيل: من الشك إلى اليقين.\nوقيل: من البدعة إلى السنة، والوجه الأول.\n﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ قيل بتوفيق ربهم.\nوقيل: بعلم ربهم.\nوقيل: بإطلاق الله ذلك لك.\n﴿إِلَى صِرَاطِ﴾ بدل من النور، وهو الإسلام.\n_________\n(١) في (أ) زيادة: (اثنتان وخمسون آية مكية).\n(٢) أخرجه الحارث المحاسبي في «فهم القرآن» (ص ٣٩٥) وذكره النحاس ٢/ ٤٨٠ عن قتادة، وأخرج النحاس مثله عن ابن عباس كذلك، ثم قال النحاس: (والذي قاله قتادة لا يمتنع، قد تكون السورة مكية، ثم ينزل الشيء بالمدينة، فيأمر رسول الله -ﷺ- بجعله فيها).\nوقال ابن الجوزي ٤/ ٣٤٣: (وهي مكية من غير خلاف علمناه بينهم، إلا ما روي عن ابن عباس وقتادة).\n(٣) في أول تفسير سورة البقرة.\n(٤) سقطت (على) من (أ).","vol":"1","page":935},{"text":"﴿الْعَزِيزِ﴾ الغالب الممتنع (١).\n﴿الْحَمِيدِ (١)﴾ لأفعال الخلق، وهو بمعنى فاعل، وقيل: بمعنى مفعول.\n﴿اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ قرئ بالجر على عطف البيان أو (٢) البدل، وبالرفع على الاستئناف (٣).\n﴿وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (٢)﴾ فشدة (٤) عذاب لهم، وقد سبق (٥).\n﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ﴾ أي: يختارون ويؤثرون الدنيا على العقبى ويتركون العمل لها (٦).\nابن عيسى: الاستحباب: طلب المحبة بالتعريض (٧) لها.\n﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ بتعويق الناس عن الإيمان بمحمد -ﷺ-.\n﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ يلتمسون لها (٨) زيغًا وعيبًا.\nتقول (٩): بغيته الشيء: طلبته له، وأبغيته: أعنته.\n_________\n(١) في (د): (المنيع).\n(٢) في (د): (عطف البيان والبدل).\n(٣) قرأ أبو جعفر ونافع وابن عامر بالرفع (اللهُ الذي له ما في السموات)، وقرأ باقي العشرة (اللهِ الذي) بالخفض، وكان يعقوب في الوصل يقرأ بالخفض، أما إذا وقف على الحميد، فيبدأ بالرفع (اللهُ).\nانظر: «المبسوط» لابن مهران (ص ٢١٧).\n(٤) في (ب): (شدة).\n(٥) لعل الكرماني يشير إلى ما ذكره عن الكلبي في أثناء تفسير الآية (٧٩) من سورة البقرة: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ الآية، حيث قال الكلبي في معنى الويل: الشديد من العذاب، والله أعلم.\n(٦) في (ب): (بها).\n(٧) في (د): (بالتعرض).\n(٨) في (أ): (يلتمسونها).\n(٩) في (أ): (وتقول).","vol":"1","page":936},{"text":"وقيل: ينتظرون لمحمد -ﷺ- هلاكًا، حكاه الماوردي (١).\nوقيل: يطلبون غير سبيل القصد.\n﴿أُولَئِكَ﴾ أي: الموصوفون.\n﴿فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (٣)﴾ في خطأ وطريق جائر عن الصواب.\n﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ أي: بلغتهم.\n﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ ما هو مبعوث به وله، ومحمد -ﷺ- مبعوث إلى الخلق كافة بلسان قومه الذي ولد فيهم وتربى بينهم، وليس المراد بالقوم الأمة.\nوقيل: تقدير الآية: وما أرسلنا قبلك رسولًا إلا بلسان قومه وإليهم فحسب وأنت مرسل بلسان قومك إلى الكافة.\nالكلبي: إن الله بعث جميع الكتب إلى جبريل بالعربية وأمره أن يأتي رسول كل قوم بلغتهم، حكاه النقاش في تفسيره (٢).\nوعن علي ﵁: بعث الله نبيًا حبشيًا (٣).\nثم استأنف فقال:\n﴿فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ﴾ بالخذلان عن الإيمان.\n﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ بالتوفيق.\n﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤)﴾.\n﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا﴾ يريد اليد والعصا إلى سائر (٤) آياته التسع.\n﴿أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ أن هي المفسرة بمعنى أي.\n_________\n(١) انظر: «النكت والعيون» للمارودي ٣/ ١٢١ نقلًا عن السدي.\n(٢) وذكره أبو حيان ٥/ ٣٩٤ عن الكلبي، وذكر الألوسي ١٣/ ١٨٦ أن هذا القول ينسب إلى سفيان الثوري.\n(٣) أخرجه الطبري ٢٠/ ٣٦٨ (تفسير سورة غافر، الآية ٧٨)، وابن أبي حاتم ٤/ ١١١٩.\n(٤) في (أ): (يريد العصا وسائر ...).","vol":"1","page":937},{"text":"وقيل: معناه (١): بأن تخرج (٢)، فحذف الجار.\nوالأمر واقع موقع الخبر، والمعنى: أن موسى كان مأمورًا كما (٣) أنت مأمور به (٤).\nوالقوم: القبط، والظلمات: الكفر، والنور: الإيمان على ما سبق.\nوقيل: القوم: بنو إسرائيل، فيكون المعنى: أخرج قومك من ذلِّ الاستعباد إلى عزِّ الملكة (٥)، لأن بني إسرائيل كانوا مؤمنين.\n﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ جَدِّد لهم الذكر.\nوالذكر حصول المعنى للنفس، وقد يغيب عنها بالنسيان فيعاد إليها بالتذكير (٦).\n﴿بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ يريد ما خلا من الزمان، وقيل: بنقمه وشدائده، وأكثر استعمال الأيام للوقائع والشدائد، وقيل: بنعم الله، وجاء ذلك مرفوعًا (٧).\n﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٥)﴾ أي: للمؤمنين، فإن الإيمان نصفان نصف صبر ونصف (٨) شكر.\n﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٦)﴾ سبق (٩).\nقوله ﴿وَيُذَبِّحُونَ﴾ عطف على ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ وحيث لا واو بدل عن الأول.\n_________\n(١) سقطت (معناه) من (ب).\n(٢) في (أ): زيادة: (بأن تخرج قومك).\n(٣) في (د): (بما).\n(٤) سقطت (به) من (ب).\n(٥) في (ب): (المملكة).\n(٦) في (أ): (بالتذكر).\n(٧) أخرجه الطبري ١٣/ ٥٩٨، وعبدالله بن أحمد في «المسند» (٢١١٢٨ - ٢١١٢٩)، والواحدي في «الوسيط» ٣/ ٢٣ من حديث أبي بن كعب، ورجح ابن كثير في تفسيره ٨/ ١٧٨ أنه موقوف. وفي صحيح مسلم (٢٣٨٠ - ١٧٢) مرفوعًا من حديث أبي بن كعب: وأيام الله: نعماؤه وبلاؤه.\n(٨) في (ب): (نصف صبر وصبر شكر).\n(٩) سبق في أثناء تفسيره سورة البقرة، الآية (٤٩).","vol":"1","page":938},{"text":"﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ﴾ أعلم، وتَأَذَّنَ وآذن بمعنىً، كتَوَعَّدَ وأَوْعَد (١)، وهو عطف على كلام موسى ﵇ لقومه.\nوقيل: ﴿تَأَذَّنَ﴾ قال، وقيل: سمع.\n﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ أي: إن شكرتم ما أنعمت به عليكم في قوله\n﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [إبراهيم: ٦] لأزيدنَّكم نعمة إلى نعمة.\n﴿وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ﴾ جحدتم حقِّي وحقَّ نعمتي.\n﴿إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (٧)﴾ يريد في الدنيا بسلب النعمة وفي العقبى بالنار والنكال.\n﴿وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (٨)﴾ أي: هو غني عن عبادتكم، حميد يحمده (٢) أهل السموات والأرض.\nوقيل: ﴿حَمِيدٌ﴾ بإحسانه لمن عبده.\n﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ﴾ للمفسرين فيه قولان (٣):\nأحدهما: أن هذا من كلام موسى لقومه.\nوالثاني: أنه خطاب محمد، ﵉.\n﴿وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ لكثرتهم، ولا يعرف رسلهم إلا الله وحده.\nوأكثر المفسرين رووا أن النبي -ﷺ- قال عند نزول هذه الآية: (كَذَب النَّسَّابون) (٤).\n﴿جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ بالمعجزات التي تثبت (٥) بها نبوَّتهم ووجبت إجابتهم، ثم لم يؤمنوا، وهو (٦) قوله:\n﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾ وفيها أقوال (٧):\nأحدها: أن الضميرين يعودان إلى الكفرة، أي: رد القوم أيديهم في أفواههم غيظًا عليهم بها (٨)، كقوله: ﴿عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [آل عمران: ١١٩]، وهو قول ابن مسعود ﵁ (٩).\n_________\n(١) في (ب): (وآذن وتأذن بمعنى واحد كوعد وأوعد).\n(٢) في (د): (حمده).\n(٣) في (ب): (... فيه أقوال).\nوانظر: «الجامع لأحكام القرآن» ١٢/ ١١٠، و«لباب التأويل» للخازن ٣/ ٧٠.\n(٤) ذكره الكلبي في «جمهرة النسب» (ص ١٧) ومن طريقه أخرجه ابن سعد في «الطبقات» ١/ ٥٦، وخليفة بن خياط في «الطبقات» ١/ ٣، وحكم عليه الشيخ الألباني في «السلسلة الضعيفة» (حديث ١١١) بأنه موضوع.\n(٥) في (د): (بينت).\n(٦) سقطت (وهو) من (ب).\n(٧) انظر: الطبري ١٣/ ٦٠٤، والماوردي ٣/ ١٢٤، والواحدي في «البسيط» (ص ١٩١ - رسالة جامعية)، والقرطبي ١٢/ ١١١.\n(٨) سقطت (بها) من (د).\n(٩) أخرجه عبدالرزاق ١/ ٣٤١، والطبري ١٣/ ٦٠٥.","vol":"1","page":939},{"text":"قال ابن عباس ﵄: عَجِبوا من كلام الله فوضعوا أيديهم متفكِّرين فيه (١).\nوقال بعضهم: أشاروا إليهم بالسِّكوت ووضعوا أناملهم (٢) على شفاههم وقد طبقوها (٣).\nوقيل: الضمير الثاني يعود إلى الأنبياء، أي: رد القوم أيديهم في أفواه الرسل كي لا يتكلموا بما أرسلوا به، وهو قول الحسن (٤) والفرَّاء (٥)، وأشار الفرَّاء بظهر كفِّه إلى مَنْ كان يخاطبه.\nوقيل: الضميران يعودان إلى الرُّسل، فيكون المعنى: لم يقبلوا كلامهم بل ردوا عليهم ما أتوا به، فيكون هذا مثلًا.\nوقيل: ردوا نعمهم في أفواههم؛ لأن ما أتوا به كانت (٦) نعمة.\nوقيل: ﴿فِي﴾ هاهنا بمعنى الباء، أي: ردوا النعم بأفواههم بالنطق بالتكذيب، فيكون بأفواههم للقوم.\nوقيل: كانت بعثة الرسل نعمة حصلت في أفواههم فلفظوها من أفواههم وردوها.\n﴿وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾ أي: بما تدَّعون أنه رسالة.\n﴿وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٩)﴾ موقع في الريبة.\nأَرَابَ: أتى بالرِّيْبَة، وأَتْهَم: أَتَى بالتُّهْمَة.\n﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ هذا جواب لهم على قولهم ﴿وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ﴾، أي: لا تشكُّوا في وجود الله ووحدانيته سبحانه فقد دلَّ على توحيده ووجوده وقدرته خلق (٧) السموات والأرض ابتداء.\n_________\n(١) أخرجه الطبري ١٣/ ٦٠٧.\n(٢) في (ب): (أيديهم).\n(٣) حصل هنا سقط في (د) واستمر إلى قول المصنف (ومن آمن معكم) في أثناء تفسير الآية (١٣) من السورة.\n(٤) نقله الماوردي ٣/ ١٢٥، وابن الجوزي ٤/ ٣٤٩.\n(٥) انظر: «معاني القرآن» للفراء ٢/ ٦٩.\n(٦) في (ب): (كان).\n(٧) في (ب): (خلقه).","vol":"1","page":940},{"text":"﴿يَدْعُوكُمْ﴾ إلى الإيمان ببعِثه إيَّانا إليكم (١).\n﴿لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ إذا آمنتم به.\n﴿وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ وهو الموت، فلا يأخذكم بالعذاب كما أخذ به من كفر قبلكم، و﴿مِنْ﴾ زيادة (٢).\nابن عيسى: ﴿مِنْ﴾ (٣) للبدل، أي: يجعل لكم المغفرة بدل الذنوب (٤)، ويحتمل (٥) أنه للتبعيض، أي: ما سَلَف من ذنوبكم.\n﴿قَالُوا﴾ أي: القوم.\n﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ أي: أنتم مثلنا في الصورة والهيئة ولستم ملائكة تحبون صدَّنا عن عبادة الأصنام التي كان يعبدها آباؤنا.\n﴿فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (١٠)﴾ حجة واضحة نتيقَّن بها أنَّكم محقُّون في دعواكم.\n﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ أي: سلَّمنا لكم أنَّا بشر مثلكم.\n﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ بالإيمان والنبوة والتوفيق كما مَنَّ علينا بها.\n﴿وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ﴾ جواب لقولهم ﴿فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (١٠)﴾، اقترحوا عليهم آيات سوى ما كان معهم من المعجزات، فقالوا: ﴿وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ\n_________\n(١) في (ب): (إيانا إلى).\n(٢) قد بينت في تعليقي على تفسير الآية (٤) من سورة الأنعام أنه يتعين اجتناب لفظ الزيادة في أحرف القرآن أو كلماته.\n(٣) سقطت (من) من نسخة (ب).\n(٤) نقل الكرماني هذا القول في كتابه الآخر «غرائب التفسير» ١/ ٥٧٥، ونقله المنتجب الهمداني في «الكتاب الفريد» ٤/ ١٤.\n(٥) في (ب) زيادة: (قال الشيخ ويحتمل ...).","vol":"1","page":941},{"text":"نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ﴾ بيان ومعجزة من تلقاء أنفسنا، وقيل: معناه: إن الذين أتينا به من عند الله لأنَّا لا نقدر على الإتيان بالآيات.\n﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ بأمره وعلمه.\n﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١)﴾ من كان يريد اتِّباع الحق إذا قام الدليل فإنه يتوكل على الله ويرضى (١) بما يعطيه ولا يعاند باقتراح الآيات (٢).\n﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ﴾ أي: لا عذر لنا إن تركنا التوكل عليه.\n﴿وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا﴾ أرشدنا للإيمان ورزقنا النبوَّة.\nوأفاد دخول (أن) إثبات التوكُّل عليه (٣).\n﴿وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا﴾ جواب قسم مضمر، حلفوا على الصبر على أذاهم وأن لا يُمسِكوا عن دعائهم.\n﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (١٢)﴾ يريد في صبرنا على أذاكم والتوكل على الله وتفويض الأمر إليه والتسليم له، ويحتمل أنه استئناف من الله (٤).\n﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ لنخرجنكم ومن آمن معكم (٥) من بلادنا.\n﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ إلا أن ترجعوا عن دعوتكم هذه وتعودوا إلى عبادة\n_________\n(١) في (أ): (ورضي).\n(٢) في (ب): زيادة: (... الآيات ويحتمل أنه استئناف من الله) وهذه الزيادة سترد في (أ) عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ في الآية التالية.\n(٣) كلمة (عليه) لم ترد في (أ).\n(٤) قوله: (ويحتمل أنه استئناف من الله) لم يرد في (ب).\n(٥) إلى هنا ينتهي السقط الذي كان في (د) وتبدأ النسخة بقول المصنف (من بلادنا)، وكان السقط بدأ أثناء تفسير الآية (٩) من السورة.","vol":"1","page":942},{"text":"الأصنام، و﴿أَوْ﴾ هاهنا مثله (١) في ﴿أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح: ١٦]، والعود سبق بيانه في الأعراف (٢).\n﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (١٣)﴾.\n﴿وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ أوحى الله إلى الأنبياء أنه يهلك الكافرين ويورثهم ديارهم وأموالهم، فأنجز وعده.\n﴿ذَلِكَ﴾ الإهلاك والإسكان.\n﴿لِمَنْ خَافَ مَقَامِي﴾ أي: مقامه بين يدي، وأضافه سبحانه إليه لأنه يقيمه فيه.\n﴿وَخَافَ وَعِيدِ (١٤)﴾ عذابي (٣)، وقيل: زواجر القرآن، وقيل: خاف مقامي من قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ﴾ [الرعد: ٣٣]، حكاه الثعلبي (٤).\n﴿وَاسْتَفْتَحُوا﴾ سألوا الفتح (٥)، وهو النصر.\nوقيل: سألوا الفتح وهو القضاء.\nوذهب بعض المفسرين إلى أن الضمير للأنبياء (٦)، أي: سألوا الله أن ينصرهم على الكفار، وذهب بعضهم إلى أنه للكفار، كقولهم (٧): ﴿ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾ [الأعراف: ٧٧]، و﴿إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ﴾ [الأنفال: ٣٢]، وقيل: إنه يعود إلى الجميع، أي: كلهم سألوا أن ينصر المحق ويهلك المبطل (٨).\n_________\n(١) في (ب): (... هاهنا مثل أو في (أو تسلمون ...».\n(٢) سورة الأعراف، الآية (٨٨).\n(٣) في (ب): (وعيد ربي).\n(٤) ذكره الثعلبي في «الكشف والبيان» (ص ١٠ - رسالة جامعية).\n(٥) في (د): (واستفتحوا سألوا الفتح وهو القضاء) ففيها سقط.\n(٦) في (د): (الأنبياء).\n(٧) في (د): (أنه الكفار لقولهم).\n(٨) في (د): (الباطل).","vol":"1","page":943},{"text":"﴿وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (١٥)﴾ خاب ما أراد ولم يدرك ما تمنَّى.\nوالجبار: العاتي المتكبر على الله، وهو صفة ذم في المخلوقين، وقيل: هو الذي لا يرى لأحد عليه حقًا.\nتقول: أجبر فهو جَبَّار، ومثله (١) أَسْأَرَ (٢) فهو سَأّر وأدرك فهو درَّاك، وهو قليل.\nوقيل: جبار في حق الله من جبر، وقد سبق (٣).\nوالعنيد: المائل عن الحق.\nابن عيسى: تقول: عَنَدَ عن الحق: قَصَدَ عنه، والعنيد من الإبل: الذي يخرج عن الطريق، وعِرْقٌ عاند: لا يرقأ دمه، كأنه خرج عن المعتاد.\nقتادة: الجبار العنيد: الذي يأبى أن يقول لا إله إلا الله (٤).\n﴿مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ﴾ أكثرهم على أنه هاهنا بمعنى: قدام، وقيل: من وراء حياته، أي: بعد موته، وهو (٥) ظرف مكان خلاف قُدَّام.\nوقيل: هو من الأضداد، وحقيقته (٦): ما توارى عنك.\nوقيل: معناه: من وراء ما هو فيه جهنم، أي: يتلوه.\n﴿وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (١٦)﴾ جاء في التفسير أنه: القيح والدم.\nقتادة: ما يخرج من بين جلد الكافر ولحمه (٧).\n_________\n(١) سقطت (ومثله) من (ب).\n(٢) قال في «اللسان»: (أسأر منه شيئًا: أبقى). انظر: «اللسان» (سأر).\n(٣) سبق في أثناء تفسير الآية (٥٩) من سورة هود.\n(٤) أخرجه عبدالرزاق ١/ ٣٤١، والطبري ١٣/ ٦١٦.\n(٥) في (ب): (فهو).\n(٦) في (د): (وحقيقته قدام ما توارى عنك).\n(٧) أخرجه عبدالرزاق ١/ ٣٤١، والطبري ١٣/ ٦١٩.","vol":"1","page":944},{"text":"الربيع بن أنس: هو غُسالة أهل النار، وذلك من فروج الزناة (١).\nفعلى هذه الأقاويل: ﴿صَدِيدٍ (١٦)﴾ بدل من الماء، وقيل: من ماء مثل صديد فحذف المضاف.\nوقيل: ﴿صَدِيدٍ (١٦)﴾ يصد عن شربه لكراهة مذاقه، فيكون وصفًا.\n﴿يَتَجَرَّعُهُ﴾ يتحسَّاه ويشربه جرعة جرعة لمرارته وحرارته.\n﴿وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾ أي: يسيغه بعد إبطاء.\nتقول (٢): ساغ الشراب يسُوغ سوغًا: إذا جاز الحلق ووصل إلى الجوف.\nوقيل: لا يسوغ في حلقه بل يغصّ به فيطول به عذابه.\nوقيل: الإساغة إنما تكون مع تقبل النفس فيكون ﴿وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾ نفيًا.\n﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾ أي: أسبابه من الشدائد التي الواحدة منها مهلكة لو كان ثم موت.\nوقوله ﴿مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾: من جهاته الست، وقيل: ﴿مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾ من بدنه حتى من (٣) أطراف شعره.\n﴿وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ لأنه لو مات استراح وليس لهم موت.\n﴿وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ (١٧)﴾ ومن وراء المذكور الخلود في النار، وقيل: هو حبس الأنفاس (٤).\n﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ﴾ أي: فيما أنزل الله مثل الذين كفروا.\nثم ابتدأ فقال: ﴿أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ﴾ وقيل: تقديره: مثل أعمال الذين كفروا بربهم كرماد، فلما حذف التبس فأُعيد.\n_________\n(١) ذكره الثعلبي (ص ١٣)، والقرطبي ١٢/ ١٢١، وهو قول محمد بن كعب القرظي كذلك.\n(٢) في (أ): (يقال).\n(٣) سقطت (من) من (ب).\n(٤) في (أ): (حبس النفس).","vol":"1","page":945},{"text":"وقيل: المثل زيادة (١)، وتقديره: الذين كفروا أعمالهم كرماد.\nوقيل: معنى المثل: الصفة، وفيه ضعف (٢)، وقد سبق (٣).\n﴿كَرَمَادٍ﴾: ابن عيسى: هو جسم يسحقه الاحتراق سحق الغبار (٤).\n﴿اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ﴾ أي: حملته، وقيل: ﴿اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ﴾ (٥): أسرعت الذهاب به (٦).\n﴿فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ العصوف: اشتداد الريح، وجاز وصف اليوم به (٧) كما جاز (٨): نهاره صائم وليله قائم، أي: هو صائم قائم فيه، وكذلك يوم عاصف، أي: ريحه عاصف.\nوقيل: في يوم عاصف الريح، فحذفت الريح ونون الاسم.\nوقال الكوفيون: مجرور للجوار، وفيه ضعف (٩).\nويحتمل (١٠): في يوم عاصف هبوب ريحه، وقيل: عاصف: ذو عصف (١١).\n_________\n(١) تقدم في أثناء تفسير الآية (٤) من سورة الأنعام الكلام على لفظ الزيادة عند المفسرين، وأنه ينبغي اجتنابه.\n(٢) في (ب): (وقيل ضعف)، وفي (د): (ففيه ضعف).\n(٣) سبق في أثناء تفسير الآية (٢٤) من سورة يونس.\n(٤) انظر: «الجامع في علوم القرآن» لعلي بن عيسى الرماني (ق ٢/أ).\n(٥) سقط قوله: (أي حملته وقيل (اشتدت به الريح» من (د).\n(٦) في (أ): (أسرعت به الذهاب).\n(٧) سقطت (به) من (د).\n(٨) في (أ): (جاء).\n(٩) انظر: «الدر المصون» للسمين الحلبي ٧/ ٨٤.\n(١٠) في (ب) زيادة: (قال الشيخ ويحتمل ...).\n(١١) في (أ): (ذو أعصف).","vol":"1","page":946},{"text":"﴿لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ﴾ فيه قولان:\nأحدهما: أعمالهم وكسبهم هي التي كسبوها من الخيرات كالصدقات وصلة الرحم وبناء القناطر وسائر أبواب البر، لأن الكفر محبِط (١).\nوالثاني: هي أعمالهم التي عملوها للأصنام.\nومعنى الآية: أن أعمال الكفار (٢) تصير هباء منثورًا فتبطل بطلان رماد حصل في غبراء هبت به الريح (٣) فبدَّدته ومزَّقته فصيَّرته بحيث لا يُرى ولا يُنتفع به.\n﴿ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (١٨)﴾ أي: ما وصفنا هو الضلال عن القصد، البعيد عن الرشاد.\n﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ﴾ ألم تعلم أن الله.\n﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ أي: قل لكل واحد (٤) منهم.\nوقيل: الخطاب للنبي -ﷺ- والمراد به غيره.\nوقرئ (خالق) بالإضافة (٥)، والمعنى فيهما سواء.\nقوله ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي: محقًا، وقيل: لم يخلقهما عبثًا.\nوقيل: للحق، أي (٦): لِيُعَلِّم الناس الحقَّ ويأمرهم به.\n﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٩)﴾ فيه قولان:\n_________\n(١) في (ب): (محيط)، وفي (د): (يحبط).\n(٢) سقطت كلمة (الكفار) من (د).\n(٣) في (ب): (ذهبت)، وفي (د): (في عراء هبت به الرياح).\n(٤) في (أ): (لكل أحد).\n(٥) قرأ حمزة والكسائي وخلف (خالقُ السماوات والأرض) بالألف والرفع في (خالق) وبالخفض في (السموات والأرض)، وقرأ باقي العشرة (خَلَقَ) بالنصب من غير ألف (السماوات والأرضَ) بالنصب. انظر: «المبسوط» لابن مهران (ص ٢١٧).\n(٦) سقطت (أي) من (ب).","vol":"1","page":947},{"text":"أحدهما لجل (١) المفسرين، أي: يفني مَن على الأرض ويأتي بأمثال (٢) لهم.\nوقيل: يفني بني آدم ويأتي بنوع غيرهم.\nوقيل: خطاب لأهل مكة، أي: يميتكم ويخلق غيركم من (٣) هم أطوعُ له منكم.\nوالجديد: القريب العهد بالجَدِّ، وهو القطع.\n﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (٢٠)﴾ ممتنع، بل سهل عليه (٤) يسير.\n﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ أي: خرجوا من قبورهم لأمر الله ومحاسبته.\nوالبروز: الظهور، والبَرَاز (٥): الصحراء لظهورها.\n﴿فَقَالَ الضُّعَفَاءُ﴾ جمع ضعيف، أي: ضعيف الرأي والتدبير وهم السفلة والتابعون.\n﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ تكبروا.\nابن عيسى: طلبوا الكبر، والكبر: رفع النفس فوق القدر (٦)، وهم الرؤساء والسادة.\n﴿إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا﴾ أي: فعلنا ما أمرتمونا به.\nجمع تابع، وقيل: مصدر.\n﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ فهل تقدرون أن تدفعوا عنَّا شيئًا مما\n_________\n(١) في (ب): (أحدهما جل المفسرين).\n(٢) في (د): (أمثالًا لهم).\n(٣) في (أ): (ممن).\n(٤) سقطت (عليه) من (أ).\n(٥) في (ب) زيادة: (والبراز بفتح الباء الصحراء ...).\n(٦) انظر: «الجامع في علوم القرآن» لعلي بن عيسى الرماني (ق ٥/أ).","vol":"1","page":948},{"text":"نحن فيه بصرفه عَنَّا أو بحمله وإن قلَّ.\n﴿قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ﴾ أي: اخترنا لكم ما اخترناه لأنفسنا وكنا حسبنا أنا راشدون مرشدون ولكن ضللنا فأضللناكم.\nوقيل: لو هدانا الله إلى النجاة من العذاب لهديناكم إليها.\n﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ (٢١)﴾ قال مقاتل (١): إنهم يقولون في النار: تعالوا نجزع، فيجزعون خمسمائة عام فلا ينفعهم الجزع، فيقولون: تعالوا نصبر، فيصبرون خمسمائة سنة فلا ينفعهم الصبر، فحينئذ يقولون: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ (٢١)﴾ مهرب ومعدِل عن العذاب.\nوالحيص: الزوال من (٢) المكروه، وقيل: الحيص: العدول (٣) على جهة الفرار، ووقع فلان في حيص بيص: إذا وقع فيما لا يقدر أن يتخلص منه (٤).\n﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ﴾ يعني إبليس.\n﴿لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ أُحكم وفُرغ منه ودخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار.\nوجاء في التفاسير (٥): أنه يوضع له منبر في النار فيرقاه فيقول: يا أهل النار: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ﴾ أي: وعد وأنجز.\n﴿وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ﴾ أي: وعدتكم وعد الباطل وهو ما وعد وأخلف، وهما\n_________\n(١) انظر: «تفسير مقاتل بن سليمان» ٢/ ٤٠٢ - ٤٠٣.\n(٢) في (ب): (عن المكروه).\n(٣) سقطت (قيل) من (أ)، وفي (ب): (العدل) بدلًا من (العدول).\n(٤) في (أ): (لا يقدر التخلص منه).\n(٥) انظر: «تفسير مقاتل» ٢/ ٤٠٣، والثعلبي (ص ١٨ - رسالة جامعية)، والقرطبي ١٢/ ١٢٧، وغيرهم، وقد ورد في ذلك حديث مرفوع من حديث عقبة بن عامر، أخرجه الطبري ١٣/ ٦٣٠ - ٦٣١، والطبراني ١٧/ ٣٢٠ - ٣٢١، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» ١٠/ ٣٧٦: فيه عبدالرحمن بن زياد بن أنعم وهو ضعيف.","vol":"1","page":949},{"text":"ضدَّان، ووعد الله الجنة والثواب، ووعد إبليس أن لا جنة ولا نار ولا بعث ولا حساب.\n﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ حجة وبرهان، وقيل: من اقتدار وإمكان.\n﴿إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ﴾ استتناء منقطع، أي: لكني دعوتكم بالوساوس (١).\n﴿فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ أسرعتم إجابتي.\n﴿فَلَا تَلُومُونِي﴾ فإن من تجرَّد بالعداوة لا يُلام إذا دعا إلى (٢) أمر قبيح، ولأن الله قد قال لكم: ﴿لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٧].\n﴿وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ إذْ تبعتموني لا لحجة وبرهان ولا لتسليط وغلبة.\n﴿مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ﴾ بمغيثكم (٣) فأُخرجكم من النار.\n﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾ بمغيثي فتخرجوني (٤) منها.\nتقول (٥): استصرخني فأصرخته، أي: استغاثني فأغثته، وأصله من الصراخ، وهو الصوت الشديد، وقراءة حمزة (٦) محمولة على أن الياء حركت بالكسر (٧) عند اجتماع الساكنين، ووجه قراءة سائر القراء أن الياء لما وجب تحريكه رد إلى حركته التي كانت له وهو (٨) الفتح.\n_________\n(١) في (أ): (بالوسواس).\n(٢) سقط قوله: (لا يلام إذا دعا إلى) من (ب).\n(٣) في (ب): (أغيثكم).\n(٤) في (ب): (بمغيثي أي فتخرجوا منها).\n(٥) سقطت (تقول) من (د).\n(٦) قرأ حمزة (وما أنتم بمصرخيِّ) بكسر الياء، وقرأ باقي العشرة بفتحه.\nانظر: «المبسوط» لابن مهران (ص ٢١٧).\n(٧) في (أ): (بالكسرة).\n(٨) في (ب): (وهي).","vol":"1","page":950},{"text":"﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ (ما) بمعنى مَنْ، و﴿مِنْ قَبْلُ﴾ (١) متصل بالكفر، أي: كفرت بالله زمن آدم حين امتنعت (٢) عن السجود له.\nابن جرير (٣): جحدت أن أكون شريكًا لله فيما أشركتموني فيه من عبادتكم في الدنيا.\nابن بحر: إني كفرت اليوم بما كنتم في الدنيا تدعونه لي من الشركة لله (٤).\nقال: وهذا كقوله ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ [فاطر: ١٤] ..\nوقيل: كفرت بإشراككم إياي بالله، وقيل: بطاعتكم إياي في الدنيا.\nوقيل: إني كفرت قبلكم بما أشركتموني من بعد، فإن كفر إبليس قبل كفرهم.\n﴿إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٢)﴾ يحتمل إنه من تمام كلام إبليس، ويحتمل الاستئناف.\n﴿وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ (٢٣)﴾ هو تسليم بعضهم على بعض في الجنة وتسليم الملائكة عليهم.\n﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤)﴾ أي: ألم تعلم، والعلم مُعَلَّقٌ لمكان الاستفهام (٥)، والمعنى: تنبَّه لهذا المثل.\nوالكلمة الطيبة: هي لا إله إلا الله محمد رسول الله، وهذا قول الجمهور.\nوقيل: الكلمة الطيبة: جميع أفعال المؤمن وطاعته.\n_________\n(١) هكذا في (ب): (ومن قبل متصل)، وفي (د): (ومن قيل متصل)، وفي (أ): (ومن متصل).\n(٢) في (د): (امتنع).\n(٣) في (أ): (ابن بحر) وهذا كلام ابن جرير الطبري في تفسيره ١٣/ ٦٢٩.\n(٤) نقله الماوردي ٣/ ١٣١.\n(٥) أدوات الاستفهام تبطل عمل أفعال القلوب - (كالعلم) - لفظًا لا محلًا لمجيء ما له صدر الكلام، كالاستفهام هنا.\nانظر: «معجم القواعد العربية» (ص ٤٣٦) لعبدالغني الدقر.","vol":"1","page":951},{"text":"الأصم: الكلمة الطيبة: القرآن (١).\nابن بحر: الكلمة (٢): دعوة الإسلام وهو الدين وما يعتري (٣) إليه المؤمن، والمراد بالطيب أن يكون من الإخلاص (٤).\n﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾: ابن عباس ﵄: هي شجرة في الجنة (٥).\nوالجمهور على أنها النخلة.\nوفي الصحاح من حديث ابن عمر ﵄ أن النبي -ﷺ- قال ذات يوم لأصحابه: (إن شجرة من الشجرة (٦) لا يطرح ورقها وهي مَثَلُ المؤمن فأخبروني ما هي) قال: فوقع الناس في شجرة (٧) البوادي ووقع في نفسي أنها النخلة (٨) وأردت أن أقول هي النخلة ثم نظرت فإذا أنا أصغر القوم فاستحييت وسكت، فقال -ﷺ-: (هي النخلة)، فذكرت ذلك لأبي فقال: يا بني لو كنت قلتها لكانت أحب إلي من حمر النعم (٩).\nوقيل: الشجرة الطيبة هي (١٠) المؤمن.\nقوله: ﴿أَصْلُهَا﴾: أصل هذه الشجرة ثابت في الأرض، ﴿وَفَرْعُهَا﴾: أعلاها\n_________\n(١) نقله أبو حيان في «البحرالمحيط» ٥/ ٤١٠ عن الأصم.\n(٢) في (أ): (الكلمة الطيبة).\n(٣) هكذا بدون زاي (يعتري) في النسخ الثلاث، قال في «اللسان» (عرا): (عَرَاه عَرْوًا واعتراه، كلاهما غشيه طالبًا معروفه). وتحتمل: (وما يعتزي) يعني: ينتسب. انظر أيضًا: «اللسان» (عزا).\n(٤) هذا القول نقل بعضه: أبو حيان في «البحر المحيط» ٥/ ٤١٠ عن ابن بحر.\n(٥) أخرجه الطبري ١٣/ ٦٤١ عن ابن عباس ﵄.\n(٦) هكذا في (ب) و(د)، وفي (أ): (من الشجر).\n(٧) في (ب): (شجر).\n(٨) سقطت كلمة (النخلة) من (د).\n(٩) أخرجه البخاري (٦١) ومسلم (٢٨١١) من حديث عبدالله بن عمر ﵄.\n(١٠) سقطت (هي) من (د)، وفي (أ): (هو).","vol":"1","page":952},{"text":"وأفنانها في السماء، أي: عال نحو السماء، كذلك الإيمان والقرآن ثابت في قلب المؤمن وقراءته وتسبيحه وطاعته عال (١) مرتفع إلى السماء ليس لها حجاب، ومثله قوله ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠].\n﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا﴾ تُخرِج ثمرها.\n﴿كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ قيل: كل سنة، لأن الثمر في السنة مرة.\nوقيل: ستة أشهر، لأن الثمرة تبقى عليها ستة أشهر.\nوقيل: شهرين، وهما مدة الصّرام إلى وقت ظهور الطلع.\nوقيل: بكرة وعشيًا، وهذا فيمن فسر الشجرة بالمؤمن (٢)، أي: يصعد منها إلى الله صالح أعماله دائمًا.\nوأصل ﴿حِينٍ﴾ اسم للزمان مبهم، والمعنى أن المؤمن في إدامة الخير من جهته كالنخلة دائم (٣) خيرها.\n﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ﴾ فإنها أتم للبيان وأوضح للبرهان (٤).\n﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥)﴾.\n﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ يعني الكفر، وقيل: كل كلمة نهى الله عنها فهي خبيثة.\nابن بحر: دعوة الكفر وما يعتري إليه الكافر، والخبيث: القبيح، وكل كلام لا يرضاه الله فهو خبيث.\n﴿كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ روي عن النبي -ﷺ- أنه قال: (إنها الحنظل) (٥).\nوقيل: الكَشُوث (٦).\nابن عباس ﵄: هذه شجرة لم يخلقها الله، وهو مثل (٧).\n_________\n(١) سقطت (عال) من (ب).\n(٢) في (ب): (الشجر بالمؤمن)، وفي (د): (الشجرة على المؤمن).\n(٣) في (ب): (دام)، وفي (د): (دامت).\n(٤) في (د): (أتم البيان وأوضح البرهان).\n(٥) أخرجه الترمذي (٣١١٩)، والطبري ١٣/ ٦٥٤، ثم رواه الترمذي موقوفًا على أنس بن مالك، ثم صحح الترمذي الرواية الموقوفة، ووافقه الألباني.\n(٦) قال في «اللسان» (كشث): (الكَشُوثُ، والأُكْشُوث، والكَشُوثَى: كل ذلك نبات مُجْتَثٌّ مقطوع الأصل، وقيل: لا أصل له، وهو أصفر يتعلق بأطراف الشوك وغيره).\n(٧) أخرجه الطبري ١٣/ ٦٥٤.","vol":"1","page":953},{"text":"ومعنى ﴿خَبِيثَةٍ﴾: كريهة المطعم مر المذاق تنفر (١) عنها الطباع.\n﴿اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (٢٦)﴾ استؤصلت جثته وقلعت بتمامها لأن عروقها قريبة من الظاهر لا تثبت زمانًا بخلاف النخلة وكثير من سائر الأشجار، كذلك الكافر ليس لقوله ولا لعمله أصل يستقر (٢) على الأرض ولا فرع يصعد إلى السماء.\nوروي عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: ذكرت الكمأة عند رسول الله -ﷺ-، فقال رجل (٣): إني لأراها الشجرة اجتثت من فوق الأرض والله مالها من فرع ولا أصل، فقال -ﷺ-: (لا تقل ذلك، إنها من المن وماؤها (٤) شفاء للعين والعجوة من الجنة وهي (٥) شفاء من السم) (٦).\nوروى أبو موسى الأشعري ﵁ عن النبي -ﷺ- أنه قال: (مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل (٧) الأُترجة ريحها طيب وطعمها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثل (٩) التمرة طعمها طيب ولا ريح لها، ومثل الفاجر الذي يقرأ القرآن كمثل الريحان ريحها طيب وطعمها مر، ومثل الفاجر (٨) الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظل طعمه خبيث وريحه خبيث) (٩).\n﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ أي: يديمهم عليه ويمنعهم من الزوال والاضطراب.\nوالقول الثابت: هو قول لا إله إلا الله محمد رسول الله.\nوالباء باء السبب، أي: بسبب، وقيل: الباء متصل بالإيمان، أي: آمنوا بهذا القول.\nومعنى الثابت: الدائم النفع.\n﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾.\nجمهور المفسرين على أن هذه الآية نزلت في عذاب القبر (١٠).\n_________\n(١) في (ب): (المذاقة)، وفي (د): (المذق)، وفي (أ): (منفر).\n(٢) في (د): (مستقر).\n(٣) في (أ): (قال)، وفي (د): (رجلًا).\n(٤) في (أ): (وماؤه)، وفي (ب): (العين).\n(٥) في (أ): (وهو).\n(٦) عزاه السيوطي في «الدر المنثور» ٨/ ٥١٩ لابن مردويه من حديث أبي هريرة.\n(٧) في (أ): (كمثل).\n(٨) هكذا في (أ): (الفاجر) بدلًا من المنافق كما في (ب) و(د)، وحصل سقط في (ب) و(د)، حيث جاء النص: (ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظل ...)، والمثبت من (أ) ومصادر التخريج.\n(٩) أخرجه البخاري (٥٠٢٠) ومسلم (٧٩٧).\n(١٠) انظر: تفسير مقاتل ٢/ ٤٠٥، والطبري ١٣/ ٦٥٧ - ٦٦٦، والواحدي في «الوسيط» ٣/ ٣٠، والقرطبي ١٢/ ١٣٨ - ١٤٠، وغيرهم.","vol":"1","page":954},{"text":"وروى (١) البراء بن عازب ﵁ أن رسول الله -ﷺ- ذكر قبض روح المؤمن، قال: (فيعاد روحه في جسده ويأتيه ملكان فيجلسانه في قبره ويقولان له: من ربك وما دينك ومن نبيك (٢)، فيقول: ربي الله (٣) وديني الإسلام ونبيي محمد، فينتهرانه ويقولان الثانية: من ربك وما دينك ومن (٤) نبيك، وهي آخر فتنة، فينادي منادٍ من السماء: أن صدق عبدي، قال: فذلك قوله ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾.\nوقيل: ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: القبر، ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾ بعد (٥) البعث.\nوقيل: ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: يريد الإيمان في الدنيا، ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾: القبر.\nوقيل: يحيا في الدنيا على الإيمان ويحشر على الإيمان، وقيل: التثبيت في الدنيا: الفتح والنصر، وفي الآخرة: الجنة والثواب.\n﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾ فلا يثبتهم على القول الثابت، وقيل: ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾ بأن يخذلهم (٦) ولا يوفقهم.\n﴿وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (٢٧)﴾ فلا اعتراض عليه في تثبيت المؤمنين وإضلال الظالمين.\n﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ هم صناديد قريش وظلمتهم، قطع الله دابرهم يوم بدر.\nوعن عمر بن الخطاب وعلي ﵄: أنها نزلت في الأَفْجَرَين من قريش بنو المغيرة وبنو أمية، فأما بنو المغيرة فكفيتموهم يوم بدر وأما بنو أمية فمُتِّعوا إلى (٧) حين (٨).\nوقيل: هو عام في جميع المشركين.\nو﴿نِعْمَتَ اللَّهِ﴾: محمد -ﷺ- بعثه الله نعمة عليهم فكفروا وغيروا.\n_________\n(١) في (د): (وروي عن البراء). والحديث أخرجه البخاري (٤٦٩٩) ومسلم (٢٨٧١ - ٧٣) وأبو داود (٤٧٥٠) وغيرهم مختصرًا، ورواه أبو داود (٤٧٥٣) وأحمد ٤/ ٢٨٧ والحاكم ١/ ٣٧ مطولًا.\n(٢) سقط قوله (ومن نبيك) من (أ).\n(٣) في (ب): (الله ربي).\n(٤) في (أ): (وما نبيك).\n(٥) سقطت كلمة (بعد) من (أ)، وحصل سقط في (ب) من بعد قوله (بعد البعث) حيث ورد فيها النص كالتالي: (... بعد البعث وقيل يحيا في الدنيا ...).\n(٦) في (ب): (أي يخذلهم).\n(٧) في (د): (فتمتعوا)، وفي (ب): (حتى حين).\n(٨) أخرجه الطبري ١٣/ ٦٦٩.","vol":"1","page":955},{"text":"وقوله: ﴿بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ أي: بدلوا شكر نعمة الله كفرًا.\nالزجاج: هم أهل مكة أسكنهم الله حرمه وآتاهم نعمه وجعلهم قوام بيته فبدلوا ذلك كفرًا (١).\n﴿وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨)﴾ هي جهنم.\nوالبوار: الهلاك، والبور (٢): الهلكى، ورجل بور وامرأة بور ونسوة بور (٣).\nوعن علي ﵁: ﴿دَارَ الْبَوَارِ (٢٨)﴾: بدر (٤).\n﴿جَهَنَّمَ﴾ بدل من ﴿دَارَ الْبَوَارِ (٢٨)﴾، وعلى قول علي ﵁ منصوبة بفعل دل عليه: ﴿يَصْلَوْنَهَا﴾ ومعناه: يدخلونها، وقيل: يقاسون حرّها.\n﴿وَبِئْسَ الْقَرَارُ (٢٩)﴾ أي: وبئس المقر جهنم.\n﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ﴾ أي: سموا أصنامهم ﴿أَنْدَادًا﴾ أمثالًا لله ليضلوا عن سبيله، واللام لام العاقبة، والمعنى: كانت عاقبة اتخاذهم الأنداد: الضلال عن الصواب.\nومَن ضمَّ الياء (٥) فاللام لام كي.\n﴿قُلْ تَمَتَّعُوا﴾ بشهواتكم وبعبادة الأوثان.\n﴿فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (٣٠)﴾ أي: مآلكم ومرجعكم إليها.\n_________\n(١) لم أجد هذا القول عن الزجاج في كتابه «معاني القرآن»، وذكر أبو حيان ٥/ ٤١٣ هذا القول ونسبه لمجاهد.\n(٢) في (أ): (والبوار الهلكى).\n(٣) سقطت كلمة (بور) الأخيرة من (د).\n(٤) أخرجه النسائي في الكبرى (١١٢٠٣)، وعبدالرزاق في تفسيره ١/ ٣٤٢، والطبري ١٣/ ٦٧١ - ٦٧٢.\n(٥) قرأ ابن كثير وأبو عمرو ورواية لرويس عن أبي يعقوب بخلاف بفتح الياء (ليَضِلوا)، وقرأ باقي العشرة بضم الياء (ليُضِلوا).\nانظر: «المبسوط» لابن مهران (ص ٢٩٦ - سورة لقمان)، و«النشر» لابن الجزري ٢/ ٢٩٩.","vol":"1","page":956},{"text":"أمر تهديد ووعيد.\n﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ خصَّهم الله بالإضافة إليه تشريفًا لهم.\n﴿يُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ المفروضة، وإقامتها: إدامتها بشروطها.\n﴿وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ الزكاة الواجبة وسائر أبواب البر.\nوجَزْمُ ﴿يُقِيمُوا﴾ و﴿وَيُنْفِقُوا﴾ مختلف فيه، فذهب بعضهم إلى أن ﴿قُلْ﴾ بمعنى مُر، أي: مُرْهم بالصلاة يقيموها (١) لأنهم مؤمنون، وذهب (٢) بعضهم إلى أن ﴿قُلْ﴾ يقتضي مقولًا وهو أقيموا، أي: قل أقيموا يقيموا لأنهم آمنوا، وبعضهم ذهب (٣) إلى أنه أمر، والتقدير: ليقيموا ولينفقوا (٤)، فحذف اللام.\n﴿سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ مصدران وقعا موقع الحال، أي: مسرين ومعلنين.\nوالسر: ما خفي، والعلانية: ما ظهر.\nوقيل: السر: التطوع، والعلانية: الفرض.\nوقيل: السر: الصدقات، والعلانية: النفقات.\n﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ (٣١)﴾ يريد: من قبل يوم القيامة، ومعنى ﴿لَا بَيْعٌ فِيهِ﴾: لا فداء.\nوقيل: لا يقدر على ابتياع (٥) ما ينجيه، ﴿وَلَا خِلَالٌ (٣١)﴾ أي: لا مخالة، وهي المودَّة، أي (٦): لا شفاعة للكفار، لأن الخليل يشفع للخليل.\nوالخِلَال: مصدر، وقيل: جمع خُلَّة، كقُلَّة وقِلال.\n_________\n(١) في (أ): (ويقيموها).\n(٢) في (ب): (وبعضهم إلى أن قل ...) بدون (وذهب) وفي (د): (وبعضهم ذهب إلى أن قل ...).\n(٣) سقطت (ذهب) من (ب).\n(٤) في (أ): (أو لينفقوا).\n(٥) في (ب): (على بيع).\n(٦) سقطت (أي) من (د).","vol":"1","page":957},{"text":"﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾ من السحاب، وقيل: من جانب السماء، وقيل: من السماء (١) التي فيها الملائكة، ينزل إلى السحاب ثم ينزل من السحاب إلى الأرض.\n﴿مَاءً﴾ مطرًا.\n﴿فَأَخْرَجَ بِهِ﴾ بالمطر.\n﴿مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ حَمْلَ الأشجار وغيره.\n﴿رِزْقًا لَكُمْ﴾ معاشًا وغذاء.\n﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ﴾ ذلل لكم ركوب (٢) السفن.\n﴿لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (٣٢)﴾ تجري فيها المياه، وقيل: تسخير هذه الأشياء: تعليم كيفية اتخاذها.\n﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ﴾ في إصلاح ما يصلحانه من الناس والنبات لا يفتران، وقيل: دُءُوبهما في طاعة الله، وغلب تذكير القمر على تأنيث الشمس.\n﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (٣٣)﴾ هيَّأهما لمعاشكم، ولو كان الوقت كله ليلًا أو كله نهارًا ما كان على الأرض نبات ولا حيوان كما هو كذلك، حيث لا تفارقه الشمس وحيث لا تطلع (٣) عليه الشمس.\n﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾ أي: طلبتم من الله ورغبتم فيه، والتقدير: من كل شيء سألتموه شيئًا، كقوله ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣]، أي: شيء\n_________\n(١) قوله (وقيل من السماء) ساقط من (د).\n(٢) في (ب): (ركاب).\n(٣) في (د): (لا تطلع الشمس عليه الشمس).","vol":"1","page":958},{"text":"احتاجت إليه شيئًا.\nوقيل: ما من شيء إلا وقد سأله بعض الناس.\nوقيل: معنى (١) ﴿مِنْ كُلِّ﴾: التكثير، كما تقول: فلان يعرف كل شيء.\nوقرأ يعقوب (٢) بالتنوين، فيكون ﴿مَا﴾ مفعولًا، ويجوز أن يكون نفيًا، ويجوز أن يكون للعموم.\n﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ نعمة الله هاهنا للجنس، وقد يأتي المضاف جنسًا، والإحصاء: الإحاطة بمبلغ العدد، والمعنى: إن تروموا عدها بقصدكم إليه (٣) لا تحصوها لكثرتها.\nوقيل: وإن (٤) تعدوا آحادها لا تحصوا نهايتها لكثرتها وجمومها (٥).\n﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ﴾ أي: ظلوم على نفسه.\n﴿كَفَّارٌ (٣٤)﴾ كفور نعم ربه.\nالزجاج: تقديره: غير المؤمنين (٦).\n﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ﴾ أي: واذكر (٧) إذ قال إبراهيم.\n﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ﴾ صيِّر مكة ﴿آمِنًا﴾ ذات (٨) أمن لمن سكنها.\n_________\n(١) في (د): (وقيل معناه من كل ...).\n(٢) في رواية زيد بن أحمد بن إسحاق، وهو ابن أخي يعقوب: (من كُلٍّ ما سألتموه).\nانظر: «المبسوط» لابن مهران (ص ٢١٧).\n(٣) في (ب): (إليها).\n(٤) سقطت الواو من قوله (وإن) في (ب).\n(٥) هي بمعنى كثرتها، فقال في «اللسان» (الجم والحمم: الكثير من كل شيء) ونقل عن الأصمعي قوله: (جَمَّت البئر: فهي تَجُمُّ وتَجِمُّ جُمُومًا إذا كَثُرَ ماؤها واجتمع).\n(٦) انظر: «معاني القرآن» للزجاج ٣/ ١٦٤.\n(٧) سقطت (أي) وحرف الواو من (واذكر) في نسخة (ب).\n(٨) في (أ): (ذا أمن).","vol":"1","page":959},{"text":"قتادة: حرمه من استحلال حرمات الله (١) فيه والاستخفاف (٢) بحقه (٣).\n﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥)﴾ أي: بعّدنا واجعلنا منه في جانب، أي: (٤) ناحية وبعد، أي: ثبتنا على اجتنابها.\nتقول: جَنَّبَهُ الله السوء وأَجْنَبَهُ وجَنَبَهُ بمعنىً.\n﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا﴾ أي: ضل بسبب الأصنام كثير.\n﴿مِنَ النَّاسِ﴾.\nوقيل: هو (٥) ما يسمع من الصوت يخرج من أفواهها بدخول الشيطان فيها (٦).\n﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ على ديني وملتي، وقيل: وليِّي ونصيري.\n﴿وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٦)﴾ أي: له إن تاب وآمن.\n﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ يعني: إسماعيل وأمه هاجر، والمفعول محذوف، وقيل: ﴿مِنْ﴾ زيادة، والوجه الأول.\n﴿بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ يعني مكة، لا زرع بها ولا نبات، لأنها جبل وحجر، والباء وفي بمعنى (٧).\n﴿عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ هو بيت الله، لم يملكه أحد سوى الله.\nومعنى ﴿الْمُحَرَّمِ﴾ أي: حرم فيه المجامعة (٨) وأشياء مما يجوز لهم تعاطيها في\n_________\n(١) في (أ): (الحرمات فيه).\n(٢) في (أ): (واستخفاف).\n(٣) ذكره الطبري ١٣/ ٦٩٧ في معنى (المحرم).\n(٤) في (ب): (أي في ناحية ...).\n(٥) في (أ): (هي) بدلًا من (هو).\n(٦) انظر: تفسير السمرقندي ٢/ ٢٤٥.\n(٧) في (ب): (والباء بمعنى في).\n(٨) في (ب): (المجاعة).","vol":"1","page":960},{"text":"بيوتهم (١) من الدماء والأقذار وغيرها.\nابن بحر: ﴿الْمُحَرَّمِ﴾: أي: العظيم (٢) الحرمة، وأشار بقوله ﴿بَيْتِكَ﴾ إلى ما بناه آدم -ﷺ- فرفع زمن (٣) الطوفان.\nوقيل: بيتك الذي قضيت (٤) في سابق علمك أن (٥) يبنى.\nوجاء في القصص: أن سارة كانت لها جارية يقال لها هاجر فوهبتها من (٦) إبراهيم -ﷺ- فولدت منه إسماعيل فغارت سارة وناشدته أن يخرجهما من عندها، فأخرجهما إبراهيم إلى أرض مكة، ثم رجع إلى سارة.\nوذكر محمد بن الهيصم في القصص: أن سارة بعدما بُشرت بالولد جعلت تهيئ أسباب الولادة من المهد وغيره، وكان فيها أصفر وأخضر فضحك إسماعيل، فغضبت سارة وقالت: منزلتك بلغت أن تضحك مني لا أراك (٧) تمكث هاهنا، فحمله إبراهيم وأسكنه الوادي فأظهر الله عين زمزم.\nثم إن جرهم - قبيلة من العرب - نظروا فرأوا ثمَّ (٨) طيورًا، فقالوا: لا طير إلا على الماء، فقصدوا ذلك الموضع فرأوا هاجر وإسماعيل وعندهما عين ماء، فقالوا: أشركينا في ماءك هذا نشركك في ألباننا، ففعلت ذلك فنزلوا.\nواختلفوا في سنِّ إسماعيل، فقيل: كان بالغًا حين أسكنه الوادي، ألا ترى أنه\n_________\n(١) سقطت (في بيوتهم) من (ب).\n(٢) في (ب): (عظيم)، وهذا القول ذكره الرازي ١٩/ ١٠٧ ولم ينسبه.\n(٣) في (ب): (من) بدلًا من (زمن).\n(٤) قوله (الذي قضيت) ساقط من (ب).\n(٥) في (ب): (أي) بدلًا من (أن).\n(٦) في (ب): (لإبراهيم)، والمثبت من (أ) و(د)، وهو موافق لما في تفسير السمرقندي ٢/ ٢٤٥، والألوسي ١٣/ ٢٣٦، وغيرها من المصادر، فالله أعلم.\n(٧) في (ب): (مني إني لا أراك)، وفي (د): (من ابني لا أراك).\n(٨) سقطت (ثم) من (أ).","vol":"1","page":961},{"text":"كان يعين إبراهيم في بناء البيت.\nوقيل: إنه كان قد نشأ ولم يبلغ بعد.\nوقيل: إنه كان طفلًا، وهو الأكثر.\n﴿رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ هذه لام كي، وهي متصلة عند بعض النحاة بقوله:\n﴿أَسْكَنْتُ﴾، وعند بعضهم بقوله: وارزقهم من الثمرات ليقيموا الصلاة، وعند بعضهم: هي لام الأمر، كأنه دعا لهم بإقامة الصلاة.\n﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ﴾ جمع فؤاد، وسُمِّي فؤادًا لتفؤده، وفَأَدْتُ: شويتُ، والمِفْأَدُ (١): السَّفُّود.\nقال المؤرج: الأفئدة: القطع من الناس بلغة قريش، وإليه ذهب ابن بحر (٢)، وفيه نظر.\n﴿تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ تسرع إليهم بالمودة والمحبة فينزلون بها ويحجون إليها عامًا فعامًا.\nوالهُوِىُّ: النزول من علو إلى سُفل، وإذا كان على الضد فالهَوِىُّ بالفتح (٣)، وقرئ في الشواذ (تَهْوَى) بالفتح (٤)، من: هويتُ الشيء.\nمجاهد: لو لم يدخل (من) لازدحمت عليه فارس والروم (٥).\nابن جبير: لو قال: أفئدة الناس (٦): لحجت اليهود والنصارى (٧).\n_________\n(١) في (أ): (والمفائد).\n(٢) نقله أبو حيان في «البحر المحيط» ٥/ ٤٢١.\n(٣) وقيل بالعكس كما في «اللسان» (هوا).\n(٤) نسبها النحاس في «معاني القرآن» ٣/ ٥٣٦ لمجاهد، ونسبها ابن جني ١/ ٣٦٤ إلي علي بن أبي طالب، ومحمد بن علي، وجعفر بن محمد، ومجاهد.\n(٥) أخرجه الطبري ١٣/ ٦٩٨.\n(٦) سقطت كلمة (الناس) من (ب).\n(٧) أخرجه الطبري ١٣/ ٦٩٨.","vol":"1","page":962},{"text":"سأل إبراهيم (١) الله تعالى أن يحبب (٢) مكة إلى الناس فاستجاب الله دعائه ففرض على الناس الحج إليه (٣) فساروا إليه من كل فج عميق.\nوقوله: ﴿وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ هي ما تحمل إليها من الأطراف فصار سببًا لمعاشهم، وأظهر طائف (٤) بالقرب منها أو نُقل إليها على ما يذكر في القصص.\n﴿لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (٣٧)﴾.\n﴿رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ﴾ ما نُضمِر وما نُظهِر (٥).\n﴿وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (٣٨)﴾ قيل: هو اعتراض بين كلام إبراهيم -ﷺ- وبين (٦) كلام الله.\nوقيل: ذلك من تمام كلام إبراهيم -ﷺ-.\n﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ ابن عباس ﵄: ولد إسماعيل لإبراهيم (٧) وهو ابن تسع وتسعين سنة، وولد له إسحاق وهو ابن مائة واثنتي عشر سنة (٨)، وقيل: سبع عشرة ومائة سنة.\n﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٩)﴾ سامع له، وقيل: مجيب الدعاء لمن أراد.\n﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ ابن عباس: لا يزال من ولد إبراهيم\n_________\n(١) في (ب): (سأل الله إبراهيم ...).\n(٢) في (أ): (أن حبب).\n(٣) سقطت (إليه) من (ب).\n(٤) يعني البلدة المعروفة بجوار مكة.\n(٥) في (ب): (ما نظهر وما نضمر)، وفي (د): (ما نضمر ولا نظهر).\n(٦) في (د): (من) بدلًا من (وبين).\n(٧) في (ب): (ولد إبراهيم لإسماعيل).\n(٨) ذكره الثعلبي (ص ٣٩ - رسالة جامعية)، والواحدي في «البسيط» (ص ٢٥٠ - رسالة جامعية)، وابن الجوزي ٤/ ٣٦٨.","vol":"1","page":963},{"text":"ناس على الفطرة إلى أن تقوم الساعة (١).\n﴿رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (٤٠)﴾ استجب دعائي، وقيل: اجعله دعاء (٢) مقبولًا مجابًا.\nوقيل: معنى (٣) (دعائي): إيماني وعملي وعبادتي.\n﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (٤١)﴾ العذر لإبراهيم عن استغفاره لأبيه سبق (٤)، وقرئ (٥) في الشواذ: (ولِوَلَدَيَّ)، يريد: إسماعيل وإسحاق (٦).\nقوله ﴿يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (٤١)﴾: يوم القيامة.\n﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ ميمون بن مهران: هذا (٧) وعيد للظالمين وتعزية للمظلومين (٨).\n﴿إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ﴾ يؤخر عذابهم ويمهلهم.\n﴿لِيَوْمٍ﴾ لجزاء يوم، ويجوز: إلى يوم.\n﴿تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (٤٢)﴾ أي: لا تغتمض مما تناله من الكرب والهول، مثله\n_________\n(١) في (ب): (لا يزال ناس من ولد إبراهيم على الفطرة حتى تقوم الساعة). والأثر لم أجده.\n(٢) سقط من (أ) قوله (وقيل اجعله دعاء).\n(٣) سقطت كلمة (معنى) من (ب).\n(٤) سبق أثناء تفسير سورة التوبة (١١٤).\n(٥) في (ب): (وقد قرئ).\n(٦) هي قراءة الحسين بن علي والزهري وإبراهيم النخعي وأبو جعفر محمد بن علي.\nانظر: «المحتسب» لابن جني ١/ ٣٦٥.\n(٧) في (أ): (... مهران أن هذا وعيد ...).\nوميمون بن مهران هو الجزري، ثقة فقيه، ولي الجزيرة لعمر بن عبدالعزيز، وتوفي سنة (١١٧ هـ).\nانظر: «تقريب التهذيب» (ص ٥٥٦).\n(٨) أخرجه الطبري ١٣/ ٧٠٣ - ٧٠٤، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» ٤/ ٨٣ - ٨٤.","vol":"1","page":964},{"text":"﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنبياء: ٩٧].\n﴿مُهْطِعِينَ﴾ مسرعين إلى الداعي.\nوالإهطاع في اللغة: الإسراع والبدار، وقيل: المهطع: الفاتح عينه لا يطرف، وقيل: الناظر بذل.\nابن عيسى عن أبي زيد (١): المهطع: المطرق لا يرفع رأسه.\nوقيل: الإهطاع: إدامة النظر مع فتح العينين، وليس من هذا التركيب غير هذه الكلمة.\n﴿مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ مفسر بوجهين:\nأحدهما: رافعي رؤوسهم، وهو قول ابن عباس ﵄ (٢).\nوالثاني: ناكسي (٣) رؤوسهم بلغة قريش، حكاه المؤرج (٤)، والأول أكثر.\n﴿لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ أي: نظرهم، فهو مصدر، أي: بقيت عيونهم شاخصة من الخوف لا تطرف، وقيل: الطرف: العين، ووحد (٥) اكتفاء بجمع المضاف إليه.\n﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ (٤٣)﴾ لا تعي شيئًا، وقيل: نزعت أفئدتهم من أجوافهم (٦)، وقيل: هواء: جوف لا عقل لها، وقيل: خالية عن كل خير، وقيل: تدور في أجوافهم لا تستقر، وقيل: الفؤاد: موضع القلب كالصدر، والمعنى: خلع الخوف قلبهم فليس بين جوانحهم قلب.\n﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ﴾ أنذر يا محمد كفار مكة وغيرهم.\n﴿يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ﴾ يريد: يوم القيامة، وهو مفعول به، وقيل: يوم الموت.\n﴿فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أي: يقول الكفار.\n﴿رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ﴾ أي: أخر العذاب عنا وردنا إلى الدنيا، ومن حمل اليوم على يوم الموت قال: سألوا أن يؤخِّرهم فلا يُميتهم في الوقت ويبقيهم إلى أجل يؤمنون فيه.\nومعنى ﴿قَرِيبٍ﴾: مقدار ما نجيب دعوتك، وهو الإسلام.\n﴿وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾ على دينهم، وذلك (٧) زمان قليل فيجابون.\n_________\n(١) أبو زيد: هو سعيد بن أوس، عالم باللغة، ممن أخذ عنه أبو حاتم السجستاني اللغة، وتوفي سنة (٢١٥ هـ). انظر: «إنباه الرواة» ٢/ ٣٠.\nوهذا القول نقله علي بن عيسى الرماني في «الجامع في علوم القرآن» (ق ١٧/أ) وفيه: عن ابن زيد، وهذا أيضًا أخرجه الطبري ١٣/ ٧٠٦ عن ابن زيد: المهطع الذي لا يرفع رأسه.\n(٢) أخرجه الطبري ١٣/ ٧٠٨.\n(٣) في (أ): (ناكسوا).\n(٤) ذكره الماوردي ٣/ ١٤٠.\n(٥) يقف الكلام عند قوله (ووحد) في (د) وسقط قوله (اكتفاء بجمع المضاف إليه).\n(٦) ما بعد كلمة (أجوافهم) سقط من (ب) حتى كلمة (أجوافهم) التالية بعد سطر، وذلك في نسخة (ب).\n(٧) في (د) زيادة: (وذلك نجب دعوتك زمان ...).","vol":"1","page":965},{"text":"﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ (٤٤)﴾ أي: حلفتم في الدنيا أنكم إذا مِتُّم لا تزولون عن تلك الحالة إلى حياة ثانية، كقوله ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ [النحل: ٣٨].\nوقيل: حلفتم لا تزولون (١) بعذاب وليس يعني به زوال موت، لأنهم مُقرُّون بالموت.\nوقيل: لا تزولون عن هذه الدنيا إلى دار أخرى، بل نحيا فيها ونموت فيها (٢).\nالمبرد: تم الكلام عند قوله ﴿أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾، يعني قولهم ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ [النحل: ٣٨]، ثم استأنف فقال: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ (٤٤)﴾ أي: لا تُزالون (٣) عما أنتم عليه ولا تُجابون إلى ما تريدون.\n﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ بالكفر والمعاصي، أي (٤): نزلتم منازل الكفار قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم.\n﴿وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ﴾ أي: ظهر (٥) لكم حالهم، وقوله: ﴿كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ﴾ تفسير الحال، أي: شاهدتم في منازلهم آثار ما نزل بهم، فإنها باقية.\n﴿وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ (٤٥)﴾ أي: حكمكم في كفركم حكمهم في حلول (٦) العذاب.\n﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ﴾ في تأييد (٧) الكفر وبطلان أمر الأنبياء، والمعنى: فعلوا ما أمكنهم.\n﴿وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ﴾ جزاء مكرهم، وقيل: هو ثابت عنده (٨) ليوم الجزاء غير خاف عليه.\n﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (٤٦)﴾ أي: وما كان مكرهم (٩)،\n_________\n(١) كلمة (لا تزولون) ساقطة من (ب).\n(٢) (فيها) الثانية ساقطة من (د).\n(٣) في (ب): (لا تزولون)، وسقطت (أي) من (أ).\n(٤) سقطت (أي) من (أ).\n(٥) في (أ): (أظهر).\n(٦) في (أ): (حال).\n(٧) في (ب): (في تأييدهم في الكفر).\n(٨) في (ب): (ثابت عند الله).\n(٩) في (ب): زيادة (... مكرهم لتزول).","vol":"1","page":966},{"text":"و﴿وَإِنْ﴾ بمعنى ما، كقوله ﴿وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ﴾ [الأنبياء: ١٠٩] ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ﴾ [الأنبياء: ١١١]، واللام للجحد، نحو: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ [الأنفال: ٣٣].\nوالجبال: أمر النبي -ﷺ- وأعلامه ودلالاته (١).\nومن قرأ بفتح اللام (٢) فإن هي المخففة من الثقيلة (٣)، فيكون التعظيم لمكرهم، كقوله ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (٢٢)﴾ [نوح: ٢٢]، خلاف القراءة الأخرى، وهذا كله معنى كلام أبي علي (٤).\nوعن علي ﵁ في جماعة: أن المراد بالمكر هاهنا: ما كان من نمرود الجبار، وذلك أنه قال: إن كان ما يقوله إبراهيم حقًا فلا أنتهي حتى أعلم ما في السماء، فعمد إلى أربعة أفرخ من النسور وعلفها اللحم وربَّاها حتى شبت واستفحلت - ويروى: استفلحت (٥) - ثم قعد في تابوت وجعل معه رجلًا آخر وجعل له بابًا من أعلى وبابًا من أسفل، وربط التابوت بأرجل النسور وعلق اللحم فوق التابوت على عصا ثم خَلَّى عن النسور فَطِرْنَ وصعدنَ طمعًا في اللحم حتى أبعدن في الهواء، فقال نمروذ لصاحبه: افتح الباب الأعلى وانظر إلى السماء هل قربنا\n_________\n(١) قال الواحدي في «البسيط» (ص ٢٦١): (والجبال هاهنا: مَثَلٌ لأمر النبي -ﷺ- وأمرِ دين الإسلام وأعلامه ودلالته، على معنى أن ثبوته كثبوت الجبال الراسية، لأن الله تعالى قد وعد نبيه -ﷺ- إظهار دينه على كل الأديان).\n(٢) قرأ الكسائي (لَتزولُ) بفتح اللام الأولى ورفع الثانية، وقرأ باقي العشرة بكسر الأولى ونصب الثانية.\nانظر: «النشر» لابن الجزري ٢/ ٣٠٠.\n(٣) في (أ): (المثقلة).\n(٤) انظر: «الحجة» لأبي علي الفارسي ٥/ ٣١ - ٣٣.\n(٥) قوله (ويروى استفلحت) لم يرد في (ب)، وفي (د): (ويروى: استعجلت)، وعند الطبري ١٣/ ٧٢١ (استعلجت).","vol":"1","page":967},{"text":"منه (١)، ففتح ونظر، فقال: إن السماء كهيئتها، ثم (٢) قال: افتح الباب الأسفل فانظر إلى الأرض كيف تراها، ففعل ذلك، فقال: أرى الأرض مثل اللجة البيضاء، والجبال مثل الدخان، فطارت النسور وارتفعت حتى حالت الريح بينها وبين الطيران، فقال لصاحبه: افتح البابين، ففتح الأعلى فإذا السماء كهيئتها، وفتح الأسفل فإذا الأرض سوداء مظلمة، ونودي: أيها الطاغية أين تريد.\nقال عكرمة: كان معه في التابوت غلام قد حمل القوس والنشّاب فرمى بسهم فعاد إليه السهم متلطخًا بدم، فقال: كُفيت شغل إله السماء، قال عكرمة: سمكة فدت نفسها من بحر الهواء، وقيل: طائر من الطيور (٣) أصابه السهم.\nثم إن نمروذ أمر صاحبه أن يصوب العصا وينكس اللحم، ففعل ذلك فهبطت النسور بالتابوت.\nوروى الثعلبي: فسمعت الجبال حفيف التابوت والنسور (٤) ففزعت وظنت أن قد حدث بها حدث من السماء وأن الساعة قد قامت، فذلك قوله ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (٤٦)﴾ (٥).\nوالعهدة في هذا وأمثاله على الراوي (٦).\n﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ خطاب للنبي -ﷺ- والمراد به غيره.\nوقيل: تقديره: قل لكل عات منهم.\n_________\n(١) في (ب): (منها).\n(٢) سقطت (ثم) من (أ).\n(٣) في (أ): (من طيور).\n(٤) سقطت (والنسور) من (أ).\n(٥) أخرجه الطبري ١٣/ ٧١٨ عن علي بن أبي طالب، وزاد السيوطي نسبته في «الدر المنثور» ٨/ ٥٧٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري.\nوأخرج الطبري ١٣/ ٧١٩ نحوه عن مجاهد وسعيد بن جبير.\nوانظر كذلك: «الكشف والبيان» للثعلبي (ص ٤٦ - رسالة جامعية).\n(٦) وقد ضعف ابن عطية ٨/ ٢٦٥ والألوسي ١٣/ ٢٥٢ أسانيد هذه القصة.","vol":"1","page":968},{"text":"وجمهور المفسرين على أن التقدير: مخلف رسله وعده، فأضيف إلى الوعد وهو في تقدير الانفصال، أي: مخلفًا وعده رسله.\nالفراء وقطرب: لما تعدى الفعل إليهما جميعًا لم يبال بالتقديم والتأخير (١).\nويحتمل (٢) أن رسله منصوب بالوعد لا بمخلف، ويكون معناه من قوله (٣) ﴿وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾ [آل عمران: ١٩٤]، واقتصرَ المخلف على مفعول واحد كقوله ﴿لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (٩)﴾ (٤) [آل عمران: ٩].\n﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٤٧)﴾ أي: لا يمتنع عليه شيء.\nابن عيسى: الانتقام: الانتصاف من الجاني بالعقاب (٥).\n﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ أي: تزال وتجعل مكانها أخرى. والتبديل: يستعمل أيضًا (٦) في تغيير الأوصاف مع بقاء الذات كما يبدل الخاتم خاتمًا إذا كسر وصيغ صيغة (٧) أخرى.\nفذهب جماعة إلى أن الله تعالى يفني هذه ويأتي بأخرى (٨):\nفابن مسعود ﵁ في جماعة قالوا: يؤتى بأرض كالفضة نقية لم يسفك فيها دم ولم يعمل عليها خطيئة (٩).\n_________\n(١) انظر: «معاني القرآن» للفراء ٢/ ٧٩، و«البحر المحيط» لأبي حيان ٥/ ٤٢٧.\n(٢) في (ب): (وقال الشيخ ويحتمل ...).\n(٣) في (د): (كقوله).\n(٤) في (أ): ﴿لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾ وهي الآية (٢٠) من سورة الزمر.\n(٥) سقطت كلمة (بالعقاب) من (ب).\nوفي تفسير الرماني (ق ٢٠/أ): (ويقال: ما الانتقام؟ الجواب: الجزاء بما كان من المضار، والانتقام والعقاب من النظائر).\n(٦) في (ب): (أيضًا يستعمل).\n(٧) في (ب): (صياغة).\n(٨) انظر لهذه الأقوال: الطبري ١٣/ ٧٢٩ - ٧٣٩، و«زاد المسير» لابن الجوزي ٤/ ٣٧٥ - ٣٧٦، والقرطبي ١٢/ ١٦٨.\n(٩) أخرجه الطبري ١٣/ ٧٢٩، والحاكم في «المستدرك» ٤/ ٥٧٠، عن ابن مسعود، وأخرجه الطبري ١٣/ ٧٣١ عن عمرو بن ميمون وأنس بن مالك.","vol":"1","page":969},{"text":"وقيل: تلك الأرض نار (١) والجنة من وراءها ترى أكوابها (٢) وكواعبها.\nوعن علي ﵁: أن تلك الأرض من فضة والجنة من ذهب (٣).\nوعن سعيد بن جبير ومحمد بن كعب: هي أرض من خبز يأكل منها (٤) المؤمنون من تحت أقدامهم (٥).\nوجاء هذا مرفوعًا أيضًا (٦).\nوذهب بعضهم إلى أن تبدل أوصافها.\nفابن عباس ﵄ قال (٧): تمد كما يمد الأديم العكاظي وتزال عنها جبالها وآكامها (٨) وأشجارها وجميع ما فيها حتى تصير مستوية لا ترى فيها عوجًا\n_________\n(١) في (أ): (النار).\n(٢) سقط حرف الواو من (أ).\n(٣) أخرجه الطبري ١٣/ ٧٣٣، وابن أبي الدنيا في كتاب «الأهوال» (٦٦).\n(٤) في (ب): (منه).\n(٥) أخرجه الطبري ١٣/ ٧٣٥ عنهما.\n(٦) يعني التبديل، وجاء عند البخاري (٦٥٢١) ومسلم (٢٧٩٠/ ٢٨) من حديث سهل بن سعد قال: قال رسول الله -ﷺ-: (يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقُرْصَة النَّقِيِّ، ليس فيها معلم لأحد).\nقال ابن الأثير: (النقي يعني الخبز الحُوَّارى). انظر: «النهاية» لابن الأثير (نقي) (ص ٧٢٩).\n(٧) في (ب): (وابن عباس)، وفي (د): (فإن ابن عباس)، وسقطت (قال) من (أ).\n(٨) في (د): (وأحكامها).","vol":"1","page":970},{"text":"ولا أمتًا (١).\nوقيل: يزاد فيها وينقص.\n﴿وَالسَّمَاوَاتُ﴾ أي: وتبدل السموات غير السموات.\nقال علي ﵁: تصير السماء من ذهب (٢).\nكعب الأحبار: تصير السموات جنانًا ويصير مكان البحر النار (٣).\nوقيل: تبديل السموات: تكوير شمسها وانتشار كواكبها وانشقاقها وخسوف قمرها، وهو قول ابن عباس ﵄ (٤).\nوقيل: تبديلها: طيها، من قوله ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤].\nوقيل: تبديلها: أن تكون مرة كالمهل ومرة وردة كالدهان.\nوعن عائشة ﵂ قالت: سألت رسول الله -ﷺ-: أين يكون الناس (٥) حين تبدل الأرض؟، قال: (على الصراط)، ويروى: (على جسر جهنم)، ويروى: (أضياف الله)، ويروى: (في الظلمة دون الجسر) (٦).\n_________\n(١) عزاه السيوطي في «الدر المنثور» ٨/ ٥٧٧ إلى البهقي في «البعث والنشور» عن ابن عباس.\nووردت بعض ألفاظه في حديث الصور المشهور عن أبي هريرة ﵁ كما ورد في تفسير ابن كثير ٨/ ٢٣٨.\n(٢) هو نفس الأثر السابق، ولكن ورد في لفظه اختلاف في المصادر فمرة ورد بلفظ (والجنة من ذهب) ومرة بلفظ (والسماء من ذهب).\n(٣) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» ٥/ ٣٧٠، والطبري ١٣/ ٧٣٥.\n(٤) ذكره ابن الجوزي ٤/ ٣٧٦ والقرطبي ١٢/ ١٦٨ مختصرًا عن ابن عباس ﵄.\n(٥) في (ب): (أين تكون النار).\n(٦) رواية عائشة (على الصراط) وردت في صحيح مسلم (٢٧٩١).\nأما رواية (على جسر جهنم) فقد أخرجها الطبري ١٣/ ٧٣٨ من رواية عائشة كذلك.\nأما رواية (أضياف الله) فأخرجها الطبري ١٣/ ٧٣٩، وابن أبي حاتم كما ورد عند ابن كثير في تفسيره ٨/ ٢٣٥ من حديث أبي أيوب الأنصاري.\nأما رواية (في الظلمة دون الجسر) فقد وردت في صحيح مسلم (٣١٥) من رواية ثوبان ﵁.","vol":"1","page":971},{"text":"﴿وَبَرَزُوا﴾ خرجوا (١) من قبورهم.\n﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (٤٨)﴾ لمحاسبته إياهم ومجازاته (٢) على أعمالهم.\n﴿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ﴾ أي: الكفار.\n﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يوم القيامة.\n﴿مُقَرَّنِينَ﴾ مشدودين في القَرَنِ (٣)، وهو الحبل.\nوقيل: قرنوا في القيود والأغلال.\nمن قرنت الشيء بالشيء، أي: ضممته، فيقرن الكافر مع الكافر.\nوقيل: الكافر مع شيطانه.\nالمبرد: يجعل كل واحد مع قرينه (٤).\n﴿فِي الْأَصْفَادِ (٤٩)﴾ جمع صَفَد، وهو الغُلُّ، وقيل: القيد والكَبْل، والصَّفَدُ: العطاء أيضًا.\n﴿سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ﴾ قمصانهم، وقيل: لباسهم.\nوالقَطِران: ما يهنأ (٥) به الإبل.\nقتادة: القَطِران: النحاس (٦).\n_________\n(١) في (د): (وأخرجوا).\n(٢) في (د): (ومجازاتهم).\n(٣) في (ب): (القران).\n(٤) في (ب): (قرنه).\n(٥) في (أ): (ما يدهن).\n(٦) أخرجه عبدالرزاق في تفسيره ١/ ٣٤٤، والطبري ١٣/ ٧٤٤.","vol":"1","page":972},{"text":"الضحاك: القطران: النحاس (١)، والنحاس: الصُّفْر.\nوقيل: القطران: شيء في النار والله أعلم به (٢).\nوقيل: القطران: ما يُتَحَلَّب من شجر (٣) الأُبْهُل، وهو أقبل الأشياء اشتعالًا.\nوقرئ: (من قِطْرٍ آنٍ) (٤)، فالقِطْر: النحاس (٥)، والآني: الذي بلغ النهاية (٦) في الحرارة.\n﴿وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ (٥٠)﴾ تعلوها باشتعالها.\n﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ﴾ تجزى وفق أعمالها، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر.\n﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٥١)﴾ يحاسب جميع العباد في أسرع (٧) من لمح البصر.\n﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ﴾ أي: القرآن، وقيل: هذه السورة (٨)، وحمل على قوله\n﴿الر كِتَابٌ﴾ [إبراهيم: ١].\n_________\n(١) سقطت كلمة (النحاس) الأولى من (أ).\n(٢) سقطت الواو من (د)، وسقطت (به) من (ب).\n(٣) في (أ): (شجرة)، وضبطتها من حاشية الشهاب علي البيضاوي ٥/ ٢٧٩.\n(٤) نسبت هذه القراءة إلى جماعة كثيرين، منهم: ابن عباس، وأبو هريرة، وعمر، وعلي، وعكرمة، والحسن، وسعيد بن جبير، وقتادة، وغيرهم.\nواختلفت المصادر في ضبط القراءة، فبعضها بكسر القاف وبعضها بفتحها، وضبطها أبو حيان بفتح القاف وكسر الطاء.\nانظر: الطبري ١٣/ ٧٤٤، و«المبسوط» لابن مهران (ص ٢١٨)، و«المحتسب» ١/ ٣٦٦، وابن الجوزي ٤/ ٣٧٧، والقرطبي ١٢/ ١٧٢.\n(٥) في (ب): (النحاس لا غير).\n(٦) في (أ): (بلغ الغاية في ...).\n(٧) في (ب): (في أقرب من).\n(٨) في (ب): (وقيل السورة) فسقطت (هذه).","vol":"1","page":973},{"text":"وقيل: ما فيها من الوعظ بلاغ (١) أبلغ الله به إليهم في الحجة عليهم.\nوقيل: عظة كافية.\nوقيل: البلاغ: الكفاية، من قوله ﴿إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا﴾ [الأنبياء: ١٠٦]، أي: هو كاف في إنذار الناس.\n﴿وَلِيُنْذَرُوا بِهِ﴾ بالقرآن، وقيل: بالرسول.\n﴿وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ لا شريك معه ولا معين.\n﴿وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾.\nالمازني: الواو في ﴿وَلِيُنْذَرُوا بِهِ﴾ زيادة (٢).\nالمبرد: لعطف مفرد على مفرد، أي: هذا إبلاغ (٣) وإنذار (٤).\nوقيل: محمول على المعنى، أي: ليبلغوا ولينذروا به.\nويحتمل أنه عطف على أول السورة، أي: أنزلناه إليك لتخرج الناس ولينذروا به.\nوقيل: اللام لام الأمر، وهو حسن لولا قوله ﴿وَلِيَذَّكَّرَ﴾ فإنه منصوب لا غير.\n_________\n(١) سقطت (بلاغ) من (أ).\n(٢) في (ب): (زائدة)، وقد تقدم التعليق على قول بعض المفسرين في كلمات القرآن الكريم أو حروفه أنها زيادة، تقدم في أثناء تفسير الآية (٤) من سورة الأنعام.\nوالمازني: هو بكر بن محمد البصري، أبو عثمان، صاحب التصانيف، لغوي، مفسر، مقرئ، توفي سنة (٢٤٧ هـ) وقيل (٢٤٨ هـ) وقيل (٢٤٩ هـ).\nانظر: «الموسوعة الميسرة في تراجم أئمة التفسير والإقراء والنحو واللغة» ١/ ٥٧٢ - ٥٧٧. وقد ذكرت بعض المصادر هذا القول منسوبًا للماوردي، فلعله تصحيف قديم، وعلى كل حال لم أجد هذا القول في كتاب الماوردي، ولم أجد من نقله عن المازني.\n(٣) في (ب): (هذا بلاغ ...).\n(٤) نقله أبو حيان في «البحر المحيط» ٥/ ٤٢٩ عن المبرد.","vol":"1","page":974},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n<span data-type=\"title\" id=toc-121>سورة الحجر </span>مكية (١).\nليس فيها ناسخ ولا منسوخ إلا قوله (٢): ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (٨٥)﴾ [الحجر: ٨٥]، وكذلك: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤)﴾ [الحجر: ٩٤]، فإنهما منسوختان بآية القتال (٣).\n(بسم الله الرحمن الرحيم) ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ (١)﴾ أي: هذه آيات الكتاب، والكتاب: القرآن، وعطف عليه ﴿وَقُرْآنٍ﴾ كما يعطف الوصف على الوصف، وقيل: الكتاب للجنس، والمراد به (٤) ما تقدم القرآن من الكتب، أي: هذه الآيات آيات الكتب التي تقدمت القرآن، يريد معنى هذه معناها، وقيل: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ يريد: التوراة والإنجيل، وهذه آيات (قرآن مبين) يبين الرشد من الغي والهدى من الضلال.\n﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ (٢)﴾ قيل: عند (٥) النزع.\nوقيل: إذا عاينوا حسن أحوال المؤمنين.\n_________\n(١) في (أ): (سورة الحجر تسعة وتسعون آية مكية).\nقال ابن الجوزي ٤/ ٣٧٩: (وهي مكية كلها من غير خلاف نعلمه)، وقال أبو حيان ٥/ ٤٣٢: (مكية بلا خلاف).\n(٢) كلمة (قوله) سقطت من (ب).\n(٣) في (ب): (بآية السيف).\nوحول القول بأن الآيتين منسوختان يراجع: الطبري ١٤/ ١٠٦ و١٤/ ١٤٥، وابن الجوزي ٤/ ٤١٢ و٤/ ٤٢١، «والناسخ والمنسوخ» للنحاس ٢/ ٤٨٢ - ٤٨٣، وذهب محقق كتاب النحاس الدكتور سليمان اللاحم والدكتور مصطفى زيد في كتابه «النسخ في القرآن الكريم» ٢/ ٥٢٦ و٢/ ٥٣٥ إلى أنه لا نسخ في هذه الآيات.\n(٤) سقطت (به) من (أ).\n(٥) في (أ): (هي عند النزع)، وفي (ب): (عند النزول).","vol":"1","page":975},{"text":"وقيل: هو ما روى سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ أنه قال: يخرج من النار حتى يقال أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان فيتمنى الكافر لو كان مسلمًا (١).\nوروي عن النبي -ﷺ- أنه قال: (إذا كان يوم القيامة واجتمع أهل النار في النار ومعهم من شاء الله من أهل القبلة، قال الكفار لمن في النار من أهل القبلة: ألستم مسلمين، قالوا: بلى، قالوا (٢): فما أغنى عنكم إيمانكم وأنتم معنا (٣)، فيغضب الله لهم فيأمر بكل من كان من أهل القبلة فيخرجون منها، فحينئذ يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين) (٤) وقرأ رسول الله -ﷺ- هذه الآية (٥).\nويحتمل (٦) اللفظ عموم هذه الأحوال.\nوكلمة رب للقلة عند النحويين خلاف كم، وجميع ما جاء في الشعر جاء للكثرة (٧)، وكذلك في الآية تدل على الكثرة، لأن الكفار في العقبى دائمًا يودُّون لو\n_________\n(١) أخرجه الطبري ١٤/ ٩ - ١٠ من طرق عن ابن عباس، وليس فيها طريق سعيد بن جبير عنه.\n(٢) سقطت (قالوا) من (أ).\n(٣) في (ب) زيادة: (وأنتم معنا في النار).\n(٤) حصل هنا سقط في (د) إلى قوله بعد سطر (رب للقلة عند ...) فسقط ما بينالموضعين وجاء النص في (د) كالتالي: (... مسلمين ورب عند النحويين ...).\n(٥) أخرجه ابن أبي عاصم في «السنة» (٨٦٩)، والطبري ١٤/ ٨، والحاكم ٢/ ٢٤٢ من حديث أبي موسى الأشعري، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» ٧/ ٤٥: (رواه الطبراني وفيه خالد بن نافع الأشعري، قال أبو داود: متروك، قال الذهبي: هذا تجاوز في الحد فلا يستحق الترك فقد حدث عنه أحمد بن حنبل وغيره، وبقية رجاله ثقات).\nوالحديث صححه الألباني في تحقيقه لكتاب السنة لابن أبي عاصم (٢/ ٤٠٦).\n(٦) في (ب): (قال الشيخ ويحتمل ...).\n(٧) في (ب): (وجميع ما جاء للكثرة)، وفي (د): (وجميع ما جاء في الشعر للكثرة).","vol":"1","page":976},{"text":"كانوا مسلمين، فلعلهم استعملوها استعمال الشيء لضد ما وضع له (١)، أو مقصود النحاة بقولهم (٢): وضع للتقليل، أي: بالإضافة إلى كم، وقد تخفف كما قرأه نافع وعاصم (٣)، وقد يدخله (٤) ما الكافة، فإنه حرف يجر ما بعده، ويخص (٥) بالاسم النكرة فإذا كفت وقع بعده الاسم والفعل الماضي، وجاز (٦) يود على حكاية الحال، وهذا كلام أبي علي (٧).\nوقال الكوفيون: ما هو آت لا محالة فهو كالماضي.\nوقيل: كان هاهنا مضمر، وهذا (٨) بعيد.\nقال ابن السراج: الأفعال كلها جنس واحد، فجاز وقوع كل لفظ منها موقع الآخر إذا لم يورث اشتباهًا (٩).\n﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٣)﴾ الصيغة صيغة الأمر،\n_________\n(١) في (ب): (بضد)، وفي (د): (ما يوضع)، وفي (ب) زيادة: (وضع له نحو الضرير يسمى بصيرًا أو مقصود ...).\n(٢) كلمة (بقولهم) سقطت من (ب).\n(٣) ومعهما أبو جعفر من العشرة، وقرأ باقي العشرة (رُبّما) مشددة الباء مفتوحة.\nانظر: «المبسوط» لابن مهران (ص ٢٢٠).\n(٤) في (ب): (يدخلها).\n(٥) في (د): (ويختص).\n(٦) سقط حرف الزاي من كلمة (جاز) في (ب).\n(٧) انظر: «الحجة» لأبي علي الفارسي ٥/ ٣٨ - ٣٩.\n(٨) في (ب): (وهو بعيد).\n(٩) يقول ابن السراج في «الأصول» ١/ ٤١٩: (لما كانت (ربّ) إنما تأتي لما مضى، فكذلك (ربما) لما وقع بعدها الفعل كان حقه أن يكون ماضيًا، فإذا رأيت الفعل المضارع بعدها فثمّ إضمار (كان)، قالوا في قوله ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ إنه لصدق الوعد كأنه قد كان، كما قال ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ﴾).","vol":"1","page":977},{"text":"والمعنى: الوعيد، إذ (١) لم يكونوا ممنوعين من الأكل والتمتع، أي: دع الكفار يأكلوا في الدنيا ويتمتعوا (٢) من لذاتها وتشغلهم الأماني عن الإيمان والتكثير من الطاعات فسوف يعلمون ما يصيرون إليه من عذاب الله.\n﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ (٤)﴾ أي (٣): أجل مقدر، ووقت محدود (٤).\nوقيل: هو كتاب فيه أعمالهم وأعمارهم وآجالهم وهلاكهم.\nومعنى ﴿مَعْلُومٌ (٤)﴾ أي: تعلم الملائكة ذلك الوقت، وقيل: ﴿مَعْلُومٌ (٤)﴾: من العلامة، وفيه نظر.\nوذكر الماوردي: ﴿كِتَابٌ مَعْلُومٌ (٤)﴾: فرض محتوم (٥)، وهذا التاؤيل ها هنا بعيد جدًا.\nأي: ما أهلكنا قوم قرية إلا ولإهلاكهم (٦) وقت معين لا يتقدم ولا يتأخر وهو قوله: ﴿مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا﴾ وقت إهلاكها ﴿وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (٥)﴾ يريد عن الوقت المضروب لهم، و﴿مِنْ﴾ في الآيتين صلة، والواو للحال، ويجوز حذفه في (٧) غير القرآن، و﴿يَسْتَأْخِرُونَ (٥)﴾ محمول على المعنى.\nالحسن: ﴿مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا﴾ رسولها وكتابها، فتعذب (٨) قبله،\n_________\n(١) في (أ): (إذا).\n(٢) في (ب): (يأكلون في الدنيا ويتمتعون).\n(٣) سقطت (أي) من (ب).\n(٤) في (د): (محذوف).\n(٥) انظر: «النكت والعيون» للماوردي ٣/ ١٤٨.\n(٦) في (أ): (إلا ولهلاكهم).\n(٧) في (أ): (من).\n(٨) في (د): (فيعذبان).","vol":"1","page":978},{"text":"و(لايستأخرون) أي: لا يستأخر (١) القوم إذا كذبوا الرسل (٢).\n﴿وَقَالُوا﴾ يعنى الكفار.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ يعنون محمدًا -ﷺ-، والذكر: القرآن، أي: نزل عليه بزعمه ودعواه، قالوه استهزاء.\n﴿إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦)﴾ مصاب في عقلك ورأيك مستور عليك وجه الصواب أن (٣) كنت تقدر أنا ندع دين (٤) آبائنا ونصير لك تبعًا من غير بينة وبرهان.\n﴿لَوْ مَا تَأْتِينَا﴾ هلا تأتينا، وقيل: لم لا تأتينا.\n﴿بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧)﴾ أي: هلا كان معك ملائكة يصدقونك ويشهدون لك على دعواك، فإنا (٥) إذا رأينا ذلك صدقناك وآمنا بك واتبعناك.\n﴿مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ إلا بالرسالة أو العذاب أو الموت، ولو كذبوا الملك لوجب هلاكهم عاجلًا.\nابن عيسى: إلا بالحق الذي لا يثبت معه الباطل طرفة عين (٦).\nوقيل: إلا بالقرآن.\n﴿وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ (٨)﴾ أي: لو نزلت الملائكة لم ينظروا.\n﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ يعني القرآن.\n_________\n(١) في (د): (لا يستأخرون).\n(٢) نقله الماوردي ٣/ ١٤٨.\n(٣) في (ب): (أي).\n(٤) سقطت كلمة (دين) من (ب).\n(٥) في (أ): (وإنا).\n(٦) انظر: «الجامع في علوم القرآن» لعلي بن عيسى الرماني (ق ٣٦/ب)، وعنده: (لا يلبث) بدلًا من (لا يثبت).","vol":"1","page":979},{"text":"﴿وَإِنَّا لَهُ﴾ للقرآن (١).\n﴿لَحَافِظُونَ (٩)﴾ من أن يزاد فيه ما ليس منه أو ينقص منه ما هو فيه، وقيل: لحافظون من إبليس والشياطين أن يزيدوا فيه باطلًا.\nقتادة: ﴿لَهُ﴾: لمحمد -ﷺ- ﴿لَحَافِظُونَ (٩)﴾، نحفظه من أعدائه (٢).\nوقيل: لحافظون في قلب من أردنا به الخير.\n﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ (١٠)﴾ جمع شِيْعَة، وهي الأمم والفرق والطوائف والتوابع والأنصار، مشتقة من شاعه (٣)، أي: تبعه، وأصله من الشِّياع، وهو الحطب الصغار توقد به الكبار.\nو﴿الْأَوَّلِينَ (١٠)﴾ قيل (٤): من إضافة الشيء إلى صفته، وهذا ممتنع عند سيبويه (٥).\nوقيل: ﴿الْأَوَّلِينَ (١٠)﴾ هم الأقدمون الذين سنوا الضلالة لمن بعدهم ومن تبعهم شيعتهم لاقتدائهم به (٦).\n﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (١١)﴾ يعزي نبيه -ﷺ-.\n﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (١٢)﴾ أي: كما سلكنا الكفر والاستهزاء في شيع الأولين ﴿نَسْلُكُهُ﴾ أي (٧): الكفر والاستهزاء، في قلوب المجرمين من أمتك.\n﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ بالله، وقيل: بالذكر، وقيل: بالعذاب، حكاه الماوردي (٨).\nوقيل: نسلك الذكر في قلوب المجرمين بإسماع النبي إياهم ذلك وهم مع ذلك لا يؤمنون به.\nوالسَّلْك: إدخال الشيء في الشيء، وجاء: أَسْلَكَهُ أيضًا، والسُّلُوك لازم ومتعد (٩).\n﴿وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ (١٣)﴾ للمعاندين بالخذلان، وقيل: للكافرين بالعذاب.\n﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ أي: لو أظهرنا لهم أوضح آية وهو فتح باب من السماء.\n﴿فَظَلُّوا﴾ أقاموا النهار كله.\n_________\n(١) سقطت كلمة (للقرآن) من (أ).\n(٢) هذا القول حكاه ابن جرير ١٤/ ١٩ بعد قول قتادة، وليس من قول قتادة، والله أعلم.\n(٣) في (أ): (من أشاعه).\n(٤) سقطت كلمة (قيل) من (د).\n(٥) انظر: «الإنصاف» لابن الأنباري (ص ٣٥٢)، و«همع الهوامع» للسيوطي ٢/ ٤١٨.\n(٦) في (ب): (بهم).\n(٧) في (د): (في) بدلًا من (أي).\n(٨) انظر: «النكت والعيون» للماوردي ٣/ ١٥٠.\n(٩) سقطت كلمة (ومتعد) من (د).","vol":"1","page":980},{"text":"﴿فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤)﴾ يصعدون.\nقتادة: ﴿يَعْرُجُونَ (١٤)﴾ (١): يختلفون فيه جائين وذاهبين (٢).\nوالذين يعرجون: بنو آدم، وقيل: تعرج الملائكة في الباب.\nوهذا جواب لقولهم ﴿لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ﴾، أي (٣): لو أجيبوا إلى ما اقترحوا.\n﴿لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾.\nالأخفش: أمسكت، تقول: سكرت الباب: إذا حبسته بخشبة.\nأبو عمرو: غُشِّي أبصارنا وأخذت (٤).\nالحسن: سحرت (٥).\nوقيل: دير بنا (٦).\nالزجاج: تحيرت وسكنت عن أن تنظر (٧).\nالضحاك: سدت (٨).\nالكلبي: عميت (٩).\nقتادة: خدعت (١٠).\nوقرئ (١١): (سُكِرَت) بالتخفيف.\n_________\n(١) سقطت كلمة (يعرجون) من (أ).\n(٢) أخرجه عبدالرزاق ١/ ٣٤٦، والطبري ١٤/ ٢٤ عن قتادة عن ابن عباس ﵄.\n(٣) في (أ): (جواب قولهم لوما تأتينا أي لو ...)، وسقطت (أي) من (د).\n(٤) ذكره الطبري ١٤/ ٢٥، والماوردي ٣/ ١٥١، وابن الجوزي ٤/ ٣٨٦، وأبو عمرو هو ابن العلاء.\n(٥) ذكره الثعلبي (ص ٥٧)، والقرطبي ١٢/ ١٨٤.\n(٦) هذا القول سقط من (ب)، وقد نقله القرطبي ١٢/ ١٨٤ عن المؤرج.\n(٧) انظر: «معاني القرآن» للزجاج ٣/ ١٧٥.\n(٨) أخرجه الطبري ١٤/ ٢٧.\n(٩) أخرجه الطبري ١٤/ ٢٩.\n(١٠) أخرجه الطبري ١٤/ ٢٧ - ٢٨ ولفظه: سحرت أبصارنا، يقول: أخذت أبصارنا، وإنما لفظ خدعت ورد عند الماوردي ٣/ ١٥١ عن جويبر.\n(١١) في (د): (وقيل) بدلًا من (وقرئ).\nوهذه قراءة ابن كثير وحده، وقرأ باقي العشرة (سُكِّرت) مشددة الكاف.\nانظر: «المبسوط» لابن مهران (ص ٢٢٠).","vol":"1","page":981},{"text":"قال أبو علي: هما سواء، لكن التشديد يدل على المبالغة (١). وأصله من الحبس، تقول: سَكَرت النهر، والسِّكْر: ما يُسكر به.\nابن عيسى: أصله إدخال اللطيف في المسام (٢)، ومنه السُّكر، والسَّكر: السد (٣) بالتراب (٤).\n﴿بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (١٥)﴾ مخدوعون، وقيل: سحرنا محمد.\n﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ﴾ أي: خلقنا فيها.\n﴿بُرُوجًا﴾ الحسن ومجاهد وقتادة: نجومًا (٥).\nابن جرير: هي كواكب تنزلها الشمس والقمر (٦).\nغيرهم: هي (٧) البروج الاثنا عشر: الحَمَل، والثور، والجوزاء، والسرطان، والأسد، والسُّنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجَدْي، والدَّلو، والحوت، وهي منازل الشمس والقمر والنجوم التي تجري فيها، وذلك أن الفلك قسم اثني عشر قسمًا وكل قسم منها سمي برجًا ولقب كل برج ببعض الكواكب التي في ذلك القسم كالحمل والثور إلى التمام.\nوقيل: البروج: قصور في السماء.\nوأصل الكلمة من بروج الحصن، واشتقاقه من البروج وهو الظهور.\n﴿وَزَيَّنَّاهَا﴾ قيل: السماء، وقيل: البروج.\n﴿لِلنَّاظِرِينَ (١٦)﴾ للمعتبرين.\n﴿وَحَفِظْنَاهَا﴾ السماء.\n﴿مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (١٧)﴾ ملعون، وقيل: مرمي بالنجوم.\n_________\n(١) في (د): (دل) بدلًا من (يدل). وانظر كلام أبي علي الفارسي في «الحجة» ٥/ ٤٣.\n(٢) في (د): (المشام).\n(٣) سقطت كلمة (السدّ) من (ب).\n(٤) انظر: «الجامع في علوم القرآن» لعلي بن عيسى الرماني (ق ٣٨/ب).\n(٥) أما قول الحسن فقد ذكره الماوردي ٣/ ١٥٢، والقرطبي ١٢/ ١٨٦، وأما قول مجاهد وقتادة فقد أخرجه الطبري ١٤/ ٣٠ - ٣١.\n(٦) انظر: تفسير الطبري ١٤/ ٣٠.\n(٧) سقطت (هي) من (ب).","vol":"1","page":982},{"text":"﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ الزجاج: يجوز أن يكون خفضًا، أي: إلا ممن استرق (١). ويجوز أن يكون الاستثناء منقطعًا.\n﴿فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ (١٨)﴾ أي: رام اختلاسه سِرًَّا، والسمع المسموع، فيتبعه\n﴿شِهَابٌ مُبِينٌ (١٨)﴾ نار تظهر (٢) لكل ذي عينين.\nابن عيسى: الشهاب: عمود من نار (٣) يمتد بشدة ضيائه كالنار (٤).\nقال ابن عباس ﵄: كانت الشياطين لا يحجبون عن السماوات فكانوا يدخلونها ويأتون بأخبارها، لأن الملائكة يتدارسون مما انتسخوه من اللوح المحفوظ، ثم يأتون الكهنة فيخبرونهم بذلك فيخلطون به (٥) كذبهم، فلما وُلِد عيسى ﵇ مُنِعوا من ثلاث سماوات (٦) ولم يُمْنعوا من أربع، فلما ولد محمد -ﷺ- مُنِعوا من السماوات كلها، فما منهم من يريد استراق السمع إلا رمي بشهاب فيخرجه أو يخبله أو يخرق جزءًا منه ولا يقتله (٧).\nالحسن: يقتله ولا يعود الشهاب (٨).\n_________\n(١) انظر: «معاني القرآن» للزجاج ٣/ ١٧٦.\n(٢) في (د): (بين يظهر ...).\n(٣) هكذا في النسخ الخطية الثلاث، وفي «الجامع» لعلي بن عيسى: (من نور).\n(٤) انظر: «الجامع في علوم القرآن» لعلي بن عيسى الرماني (ق ٤٠/أ).\n(٥) سقطت (به) من (أ).\n(٦) في (أ) و(د): (ثلث السماوات)، وفي (ب): (ثلث سماوات)، وعند الثعلبي (ص ٥٩): (ثلاث سماوات)، وهي كذلك (ثلاث سماوات) عند الواحدي في «البسيط» (ص ٣٠٢).\n(٧) في (أ): (فيخرجه أو يخبله أو يخرقه حرًا منه ولا يقتله)، وفي (ب): (فيجزعه أو يخبله أو يحرق جزءًا منه ولا يقتله)، وفي (د): (فيجرحه أو يحيله أو يحرق جزءًا منه ولا يقتله).\nوهذا الأثر ورد عند الثعلبي (ص ٥٩)، والواحدي في «البسيط» (ص ٣٠٢).\n(٨) ذكره الماوردي ٣/ ١٥٣ عن الحسن وطائفة، كما ذكر القول الذي يليه أيضًا، وذكره ابن الجوزي ٤/ ٣٩٠.","vol":"1","page":983},{"text":"وقيل: يرجمون بها (١) وتعود الشهب إلى أماكنها.\n﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا﴾ بسطناها من تحت الكعبة، من قوله ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠)﴾ [النازعات: ٣٠].\nوعن الحسن أنه قال: أخذ الله طينة فقال لها انبسطي فانبسطت (٢).\nوالجمهور على أن الله تعالى مدها على وجه الماء.\n﴿وَأَلْقَيْنَا فِيهَا﴾ في الأرض.\n﴿رَوَاسِيَ﴾ جبالًا ثوابت، والراسي (٣): الثابت، وقيل: الغائب في الأرض (٤).\n﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (١٩)﴾ قيل: في الأرض. وقيل: في الجبال، وقيل: فيهما.\nومعنى ﴿مَوْزُونٍ (١٩)﴾ أي: شأنها أن توزن، كالحنطة والشعير والزعفران والذهب والفضة (٥) والنحاس.\nوقيل: ﴿مَوْزُونٍ (١٩)﴾: معلوم عند الله.\nوقيل: ﴿مَوْزُونٍ (١٩)﴾: مقدور بقدر.\nقتادة: ﴿مَوْزُونٍ (١٩)﴾: مقسوم (٦).\nويحتمل (٧) أن المراد به المكيل والموزون والمعدود، لأن مآل الكل إلى الوزن،\n_________\n(١) سقطت (بها) من (ب).\n(٢) ذكره أبو حيان ٥/ ٤٣٨، والألوسي ١٤/ ٢٨ عن الحسن.\n(٣) في (أ): (والرواسي).\n(٤) سقطت (في الأرض) من (ب)، وفي (د): (وقيل العامه)، ولعلها (الغائب).\n(٥) في (ب): (والفضة والذهب).\n(٦) أورد الطبري ١٤/ ٣٦ عن قتادة: معلوم، والقول الذي ذكره الكرماني عن قتادة ورد عند الماوردي ٣/ ١٥٤، والقرطبي ١٢/ ١٩١.\n(٧) في (ب): (قال الشيخ ويحتمل ...).","vol":"1","page":984},{"text":"كالخبز وحب الرمان والمج (١)، ويحتمل أيضًا (٢) أن المراد بالموزون ماله منزلة، كما تقول: ليس له وزن، أي: قدر ومنزلة.\n﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا﴾ في الأرض.\n﴿مَعَايِشَ﴾ جمع معيشة، وهي مصدر عاش، فجعل اسمًا لما يعاش به.\nابن عيسى: المعيشة: طلب أسباب الرزق من المطاعم (٣) والمشارب والملابس مدة الحياة، قد يطلبها الإنسان بالكسب والتصرف وقد تطلب له، فإن أتاه من غير طلب فهو العيش الهني (٤).\n﴿وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ (٢٠)﴾ العبيد والإماء، أي: يخدمونكم والله يرزقهم.\nمجاهد: الدواب والأنعام والبهائم (٥).\nوفيه بعد، أو يضم إليها العبيد والإماء.\nوقيل: أراد به الوحش والسباع والطير، ومحل (من) جر، وهذا (٦) ممتنع من وجهين (٧)، أحدهما: أنه لايجوز العطف على الضمير (٨) المجرور إلا بإعادة الجار، والثاني: أنه يحتاج إلى إضمار معايش، فيصير عطفًا على عاملين مختلفين، وهذا لايجوز أيضًا، بل محله (٩) نصب من وجهين، أحدهما: بالعطف على المعايش (١٠)، والثاني: بالعطف على محل (١١) لكم، ومن هذا الوجه يحتمل الرفع أيضًا، أي: ومن لستم له برازقين جعلنا له فيها معايش.\n_________\n(١) سقطت كلمة (المج) من (ب)، قال في «اللسان»: (المَجُّ والمُجَاجُ: حبٌّ كالعدس إلا أنه أشد استدارةً منه، قال الأزهري: هذه الحبة التي يقال لها الماش). انظر: «اللسان» (مجج).\n(٢) سقطت (أيضًا) من (ب).\n(٣) في (د): (أسباب الأمن المطاعم).\n(٤) انظر: «الجامع في علوم القرآن» لعلي بن عيسى الرماني (ق ٤١/أ).\n(٥) انظر: تفسير مجاهد (ص ٤١٦)، وأخرجه الطبري ١٤/ ٣٧.\n(٦) سقط قوله (وهذا) من (ب).\n(٧) حصل سقط بعد قوله (وجهين) في (د) ثم ابتدأ النص فيها عند قوله (بل محله).\n(٨) في (أ): (على ضمير ...).\n(٩) في (ب): (ومحله ...).\n(١٠) في (ب): (معايش).\n(١١) سقطت (محل) من (ب).","vol":"1","page":985},{"text":"ويحتمل (١) أن المراد بهم (٢) قوم عقلاء ليسوا من بني آدم كالجن، فيكون محل (من) نصبًا.\n﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ﴾ ذهب بعضهم إلى أن المراد به المطر، وأنه أصل جميع الأشياء، والمراد بالخزائن أنه القادر عليه وعلى إحداثه، وذهب بعضهم إلى أن التقدير: وإن من شيء مما تنبته الأرض من الثمار والأشجار إلا عندنا خزائنه، يريد الماء أيضًا، لكنه جعل خزائن الماء خزائن (٣) هذه الأشياء لما كانت منه، وهذا هو القول الأول بعنيه.\nابن بحر: لفظ الخزائن مستعار، والمعنى: أن الخير كله بيد الله (٤).\nوقيل: خزائنه: مفاتحه، وقيل: عندنا خزانه يرسلون منه.\nابن عيسى: خزائن الله: مقدوراته (٥).\nالثعلبي حاكيًا: في العرش تمثال جميع ما خلق الله في البر والبحر، قال: وهو تأويل قوله ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ﴾ (٦).\nوقيل: يريد (٧) الماء الذي في السماء ينزل إلى (٨) السحاب ثم ينزل إلى الأرض.\n﴿وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١)﴾ أي: معلوم عند الله حده ومبلغه.\nقال (٩) ابن مسعود: ليس أرض بأمطر من أرض ولا عام بأمطر من عام ولكن الله يقسمه ويقدره في الأرض (١٠) كيف يشاء عامًا هاهنا وعامًا هاهنا (١١).\n_________\n(١) في (ب): (قال الشيخ ويحتمل ...).\n(٢) في (ب): (به).\n(٣) في (أ): (جعل خزائن هذه الأشياء ...) ففيها سقط.\n(٤) اشار أبو حيان ٥/ ٤٣٨ إلى هذا المعنى ولم يذكر قائله.\n(٥) انظر: «الجامع في علوم القرآن» لعلي بن عيسى الرماني (ق ٤١/ب).\n(٦) ذكره الثعلبي (ص ٦٥) عن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي عن أبيه عن جده.\n(٧) كلمة (يريد) سقطت من (ب).\n(٨) في (أ): (من السحاب).\n(٩) كلمة (قال) سقطت من (ب).\n(١٠) قوله (في الأرض) سقط من (ب).\n(١١) أخرجه الطبري ١٤/ ٣٩ - ٤٠.","vol":"1","page":986},{"text":"وفي رواية أخرى: وربما كان في البحر (١).\nوروي أيضًا أنه ينزل مع المطر من الملائكة أكثر من عدد ولد إبليس وولد آدم يعلمون كل قطرة حيث تقع وما تنبت (٢).\n﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ جمع لاقحة، ولاقحة فيها (٣) ثلاثة أقوال، أحدها: حاملة، والمعنى: أرسلنا الرياح حوامل بالسحاب، لأنها تحمل السحاب.\nوقيل: ذات لقح، وهي كالأول.\nوقيل: لاقحة بمعنى ملقحة، لأن الرياح تلقح الأشجار، وهي ضد العقيم.\nوقيل: تلقح السحاب، وقيل تلقحهما.\nوروى أبو هريرة ﵁: الريح الجنوب من الجنة، وهي الريح اللواقح التي ذكرها الله في كتابه (٤).\nمن قرأ ﴿الرِّيَاحَ﴾ فوجهها ظاهر، ومن قرأ (الريح) حملها على الجنس، كالإنسان (٥).\n﴿فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ﴾ أي: جعلنا المطر سقيا لكم وفيه حياتكم.\n﴿وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (٢٢)﴾ أي: في السماء، بل خزنه وإنزاله إلى الله، وقيل:\n﴿وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (٢٢)﴾: حافظين في الأرض لولا حفظ الله إياه لكم.\n﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ (٢٣)﴾ أي: نحيي بالإيجاد ونميت بالإفناء ونحن الوارثون إذا مات (٦) الخلائق كلها.\n_________\n(١) أخرجه الطبري ١٤/ ٤٠ - ٤١ عن الحكم بن عتيبة. وقد سقط حرف الواو من قوله (وربما) من (أ).\n(٢) في (أ): (تقع وتنبت).\nوالأثر: أخرجه الطبري ١٤/ ٤٠ - ٤١، وأبو الشيخ في «العظمة» (٤٩٣) عن الحكم بن عتيبة.\n(٣) في (ب): (جمع لاقحة ومن لاقحة ثلاثة ...).\n(٤) هو حديث مرفوع، أخرجه الطبري ١٤/ ٤٦، وأبو الشيخ في «العظمة» (٨٠٠/ ٨٠١)، وزاد السيوطي نسبته في «الدر المنثور» ٨/ ٦٠١ إلى ابن أبي الدنيا في كتاب «السحاب»، وابن مردويه، والديلمي في «مسند الفردوس» ثم قال السيوطي: بسند ضعيف، كما ضعفه محققو تفسير ابن كثير؛ لأن في إسناده رجل متروك يقال له: أبو المهزم، كما حكم عليه الشيخ الألباني بأنه ضعيف، كما في «ضعيف الجامع/٣١٤٤».\n(٥) قرأ حمزة وخلف بالإفراد، وقرأ باقي العشرة بالجمع.\nانظر: «النشر» لابن الجزري ٢/ ٢٢٣.\n(٦) في (ب): (ماتت).","vol":"1","page":987},{"text":"﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (٢٤)﴾ في سبب النزول عن ابن عباس ﵄ قال: كانت تصلي خلف النبي -ﷺ- امرأة حسناء في آخر الناس، وكان بعضهم يتقدم في الصف الأول لئلا يراها، وكان بعضهم يكون في الصف المؤخر فإذا ركع قال هكذا فينظر من تحت إبطه، فنزلت ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (٢٤)﴾ (١).\nوقال الربيع بن أنس: حض رسول الله -ﷺ- على الصف الأول في الصلاة فازدحم الناس عليه، وكانت بنو عذرة دُورهم قاصية عن المسجد، فقالوا: نبيع دورنا ونشتري دورًا قريبة من المسجد، فأنزل الله هذه الآية (٢).\nوالمعنى: نعلم المتقدم والمتأخر ونعلم نياتهم فنجازيهم عليها يوم القيامة، وهو قوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٢٥)﴾.\nوقيل: المستقدمون هم الأموات، والمستأخرون الأحياء، وهذا المعنى أليق بما قبله وما بعده من الآيات.\nعكرمة: المستقدمون: الذين خلقوا، والمستأخرون: الذين لم يخلقوا بعد (٣).\nوقيل: هم الأولون والآخرون، وقيل: المستأخرون: أمة محمد -ﷺ-، والمستقدمون: من قبلهم، وقيل: المستقدمون في الخيرات والمستأخرون عنها (٤).\n﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ﴾ يعني آدم ﵇.\n﴿مِنْ صَلْصَالٍ﴾ حمأة صارت بمفارقة الماء طينًا يصوت إذا نقر، مشتقٌّ من: الصلصلة، وهي صوت الشيء إذا نقر.\nوقيل: من: صَلَّ اللحم: إذا أنتن.\n﴿مِنْ حَمَإٍ﴾ جمع حَمْأة، وهي الطين يطول جريان الماء عليه (٥) فينتن ويسود.\n﴿مَسْنُونٍ (٢٦)﴾ مصبوب لييبس، والسَنُّ: الصَبُّ، وقيل: متغير من حال الحَمْأة\n_________\n(١) أخرجه الترمذي (٣١٢٢)، والنسائي (٨٧٠)، وابن ماجه (١٠٤٦)، وقال ابن كثير ٨/ ٢٥٤: (هذا الحديث فيه نكارة شديدة).\n(٢) ذكره الثعلبي في «الكشف والبيان» (ص ٧١)، والواحدي في «أسباب النزول» (ص ٤٥٨).\n(٣) أخرجه عبدالرزاق ١/ ٣٤٨، والطبري ١٤/ ٤٨.\n(٤) في (ب): (فيها).\n(٥) كلمة (عليه) من (د) فقط.","vol":"1","page":988},{"text":"إلى حال الصلصة، وقيل: متغير الرائحة.\nسيبويه: مُصَوّر (١)، من سنة الوجه، وهي صورته، حكاه الثعلبي (٢).\nالفراء: ﴿مَسْنُونٍ (٢٦)﴾: حك بعضه بعضًا، من: سننت الحجر بالحجر، إذا حككتهما (٣).\nوقيل: المسنون: الرطب، وقيل: المخلص، من قولهم: سَنَّ سيفه: جَلَاه (٤).\n﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ﴾ الحسن، وقتادة، ومقاتل: إبليس (٥).\nالكلبي في جماعة: أبو الجن (٦).\nوقيل: الجن كله.\nابن عباس: آدم أبو البشر، والجان أبو الجن، وإبليس أبو الشياطين، وهم لا يموتون إلا مع أبيهم، والجن يموتون ومنهم كافر ومنهم مؤمن (٧).\n﴿مِنْ قَبْلُ﴾ قبل آدم.\n﴿مِنْ نَارِ السَّمُومِ (٢٧)﴾ الريح الحارة التي (٨) تقتل، وسميت سمومًا لدخولها في المسام.\nالكلبي: نار لا دخان لها (٩).\n_________\n(١) كلمة (مصور) سقطت من (ب).\n(٢) انظر: «الكشف والبيان» للثعلبي (ص ٧٤).\n(٣) انظر: «معاني القرآن» للفراء ٢/ ٨٨ بنحوه.\n(٤) في (د): (احلاء).\n(٥) أما قول الحسن فقد نقله الماوردي ٣/ ١٥٨، وأما قول قتادة فقد أخرجه الطبري ١٤/ ٦٣، وزاد السيوطي ٨/ ٦١٣ نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، وأما قول مقاتل فهو في تفسيره ٢/ ٤٢٨.\n(٦) قول الكلبي نقله الماوردي ٣/ ١٥٨، وأما الجماعة فمنهم ابن عباس كما نقله الثعلبي (ص ٧٤)، وسيأتي قوله.\n(٧) نقله المؤلف عن الماوردي ٣/ ١٥٨، والله أعلم، وقد ذكره ابن الجوزي ٤/ ٣٩٩ من رواية الضحاك عن ابن عباس.\n(٨) سقطت (التي) من (ب).\n(٩) نقله ابن الجوزي ٤/ ٤٠٠، ونقله الثعلبي (ص ٧٥) من رواية الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس.","vol":"1","page":989},{"text":"وقيل: هي نار فوق النار (١) التي فوق الهواء، وهي نار بين السماء وبين الحجاب.\nعمرو بن دينار: من نار الشمس (٢)، حكاه الماوردي (٣).\nابن عباس ﵄: إن إبليس من حي من أحياء الملائكة يقال لهم الجن، خلقوا من نار السموم من بين الملائكة، وخلق الجن الذي ذكر في القرآن من مارج من نار (٤).\n﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ﴾ واذكر إذ قال ربك ﴿لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا﴾ يعني آدم ﵇ ﴿مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٨)﴾.\n﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ﴾ أتممت خلقه (٥) ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ جعلت فيه الروح، وأضاف الروح إلى نفسه تخصيصًا (٦).\nوالروح: ما يصير الجسم به حيًّا مدركًا، وقيل: الروح هاهنا ما يأتي الأنبياء من الله وفيه (٧) صلاح العباد.\n﴿فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٢٩)﴾ أَمْرٌ مِنْ وَقَعَ يَقَعُ، أي: اسقطوا على الأرض، والمعنى: اسجدوا له.\n﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ﴾ كل تأكيد (٨) للاستيعاب والإحاطة بالجميع.\n﴿أَجْمَعُونَ (٣٠)﴾ مجتمعين في حال واحدة.\n﴿إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ قيل: الاستثناء صحيح، وهو من قوم من الملائكة يقال لهم الجن.\n_________\n(١) سقطت كلمة (النار) من (أ).\n(٢) في (ب): (الشموس).\n(٣) انظر: «النكت والعيون» للماوردي ٣/ ١٥٩، وعزاه السيوطي ٨/ ٦١٥ لابن أبي حاتم.\n(٤) أخرجه الطبري ١٤/ ٦٤ عن ابن عباس، وهذه الرواية ذكرها الثعلبي (٧٥) من طريق أبي روق عن الضحاك عن ابن عباس بمثل ما نقله الكرماني، وقال القرطبي ١٢/ ٢٠٧: (هذا فيه نظر ... وقد خرّج مسلم من حديث عروة عن عائشة قالت: قال رسول الله -ﷺ-: (خلقت الملائكة من نور ...) فقوله (خلقت الملائكة من نور) يقتضي العموم).\n(٥) في (د): (خلقته).\n(٦) قال أبو حيان ٥/ ٤٤١: (وأضاف الروح إليه تعالى على سبيل التشريف، نحو: بيت الله، وناقة الله، أو المِلْك، إذ هو المتصرف في الإنشاء للروح والمودعها حيث يشاء).\n(٧) في (أ): (وقيل) بدلًا من (وفيه).\n(٨) في (ب): (للتأكيد).","vol":"1","page":990},{"text":"الحسن في جماعة: الاستثناء منقطع، ولم يكن هو من الملائكة ولا طرفة عين (١).\n﴿أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣١)﴾ امتنع (٢) أن يكون معهم.\n﴿قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣٢)﴾ أَيُّ شيءٍ حصل لك فمنعك من أن تسجد.\n﴿قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٣٣)﴾.\n﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا﴾ من السماء، وقيل: من الجنة، وقيل: من صورة الملائكة.\n﴿فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٣٤)﴾ ملعون مطرود، وقيل: إن حاولت الرجوع إلى السماء رجمت بالشهاب كما ترجم الشياطين (٣).\n﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (٣٥)﴾.\n﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي﴾ فأخرني ﴿إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦)﴾ يوم القيامة، يريد أن ينجو من الموت (٤).\n﴿قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٣٨)﴾ أي: المعلوم عند الله، وهي النفخة الأولى عند الجمهور.\n﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ قسم، أي: بإغوائك، وقيل: بسبب إغوائك، وهو الإضلال. وقيل: التعريض للغواية، وقيل: النسب إليها (٥).\n﴿لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ أدعوهم بالوسوسة إلى المعاصي.\n﴿وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩)﴾ أحملهم على عصيانك.\n﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠)﴾ الذين أخلصوا أنفسهم لله وطاعته.\nوالمخلصين بالفتح، أي: أخلصتهم لطاعتك (٦) وطهرتهم من الشوائب.\n_________\n(١) أخرجه الطبري ١/ ٥٣٩ - ٥٤٠ عن الحسن.\n(٢) في (د): (امتنع من أن ...).\n(٣) في (ب) زيادة هنا، فالنص فيها كالتالي: (... الشياطين ينجو من الموت وإن عليك ..)، وهذه الزيادة محلها في (أ) و(د) بعد سطر كما سيأتي في النص بعد قليل.\n(٤) في (ب): (يوم القيامة أن) فقط، وانظر الهامش السابق.\n(٥) هذا القول الأخير هو قول المعتزلة، انظر: «تفسير القرآن» لأبي المظفر السمعاني ٣/ ١٤٠، والألوسي ١٤/ ٥٠.\n(٦) سقطت كلمة (لطاعتك) من (أ).","vol":"1","page":991},{"text":"وأكثر هذه الآيات سبق تفسيرها (١).\n﴿قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (٤١)﴾ ﴿هَذَا﴾ إشارة إلى الائتمار لأمري والطاعة لي (٢).\nوقيل: إشارة إلى الإخلاص، ومعنى ﴿عَلَيَّ﴾ إليّ، وقيل: تقديره عليّ أن أبينه وأظهره.\nوقيل: هو كقوله (٣) ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (١٤)﴾ [الفجر: ١٤].\nوقيل: هذا تهديد كما تقول لمن تهدده: عَلىَّ طريقك.\nوقرئ (عَلِيٌّ) (٤) أي: عالٍ (٥).\n﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ حجة وبرهان، وقيل: قهر وحمل على العصيان، يريد المخلصين منهم.\n﴿إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢)﴾ بتزيننك ووسوستك (٦).\n﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣)﴾ يريد الكفار الذين وعدوا بالنار.\n﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ﴾ يدخل المعذبون فيها، وقيل: هي (٧) طبقات أولها جهنم، ثم لظى (٨)، ثم الحطمة، ثم السعير، ثم السقر (٩)، ثم الجحيم، ثم الهاوية وهي أسفلها.\n﴿لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ﴾ من أتباع إبليس.\n﴿جُزْءٌ مَقْسُومٌ (٤٤)﴾ نصيب مفرد.\n_________\n(١) في سورة البقرة وسورة الأعراف.\n(٢) سقطت (لي) من (ب).\n(٣) في (د): (كقولك).\n(٤) هي قراءة يعقوب وحده، بالرفع والتنوين، وقرأ باقي العشرة (عَلَيَّ) بالنصب من غير تنوين.\nانظر: «المبسوط» لابن مهران (ص ٢٢٠).\n(٥) في (أ): (عالي).\n(٦) في (أ): (ووسوستك).\n(٧) سقطت (هي) من (أ).\n(٨) في (د): (اللظى).\n(٩) في (د): (سقر).","vol":"1","page":992},{"text":"الضحاك: أعلاها فيه أهل التوحيد يعذبون على قدر أعمالهم ثم يخرجون، والثاني فيه اليهود، والثالث فيه النصارى، والرابع فيه الصابئون، والخامس فيه المجوس، والسادس فيه مشركوا العرب، والسابع فيه المنافقون لقوله (١) تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥] (٢).\n﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٤٥) ادْخُلُوهَا﴾ أي: يقال لهم ادخلوها.\n﴿بِسَلَامٍ﴾ أي: بسلامة من النار ومن الآفات والعاهات، وقيل: ﴿بِسَلَامٍ﴾: بتحية منا تصحبكم.\n﴿آمِنِينَ (٤٦)﴾ من المرض والموت فيها والخروج منها.\n﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ أي: نزعنا في الدنيا بما أُلقي بينهم من الأُلفة، وهو قوله ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ [الأنفال: ٦٣].\nوقيل: ونزعنا في الجنة ما في صدورهم من غِلٍّ كان في الدنيا.\nوالغِلُّ: الغدر والخيانة، ومنه الحسد والمنافسة والبخل.\n﴿إِخْوَانًا﴾ حال ﴿عَلَى سُرُرٍ﴾ جمع سرير، وقيل: جمع سرور، حكاه أقضى القضاة (٣).\n﴿مُتَقَابِلِينَ (٤٧)﴾ بالوجوه يرى بعضهم بعضًا (٤)، وقيل: متقابلين بالمودة والمحبة.\nوقيل: متقابلين في المنزلة لا يفضل بعضهم بعضًا.\nوقيل: لا يرى بعضهم قفا بعض.\n﴿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا﴾ في الجنة.\n﴿نَصَبٌ﴾ تعب.\n﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ (٤٨)﴾ فإن تمام النعمة بالخلود.\nفي سبب النزول عن علي بن الحسين ﵄: أن هذه الآية نزلت في أبي بكر وعمر وعلي ﵃، قال: والله إنها لفيهم نزلت وفيمن نزلت إلا فيهم، فقيل: وأي غل (٥) هو، قال: غل الجاهلية،\n_________\n(١) في (أ): (كقوله).\n(٢) ذكر السيوطي ٨/ ٦٢٢ نحوه عن الضحاك وعزاه لابن أبي حاتم، وأخرجه مسندًا الثعلبي في «الكشف والبيان» (ص ٨١).\n(٣) انظر: «النكت والعيون» للماوردي ٣/ ١٦٢.\n(٤) حصل سقط في (أ)، وجاء النص فيها كالتالي: (... بعضهم بعضًا وقيل لا يرى بعضهم قفا بعض).\n(٥) في (د): (وأي غل فيهم هو).","vol":"1","page":993},{"text":"إن بني تيم وعدي وبني هاشم كان بينهم في الجاهلية ما كان، فلما أسلم هؤلاء القوم تحابوا، فأخذت أبا بكر الخاصرة (١) فجعل علي ﵁ يسخن (٢) يده ويكمد بها خاصرة أبي بكر، فنزلت (٣) الآية (٤).\nوروي عن علي ﵁ أنه كان يقول: فينا أهل بدر نزلت هذه الآية (٥).\nوقال له رجل: الله أعدل من أن يجمع بينك وبين طلحه والزبير في الجنة وقد سَلَاّ عليك السيف، فقال: مه بفيك التراب، إن لم نكن أصحاب هذه الآية فمن هم (٦).\n﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠)﴾ في سبب النزول روى ابن المبارك بإسناده عن رجل من أصحاب النبي -ﷺ- أنه قال: اطلع علينا (٧) رسول الله -ﷺ- من الباب الذي يدخل منه (٨) بنو شيبة ونحن نضحك، فقال: (لا أراكم تضحكون)، ثم أدبر حتى إذا كان عند الحجر رجع إلينا القهقرى، فقال: (إني لما خرجت جاء جبريل ﵇، فقال: يا محمد: يقول الله ﵎: لم تقنط عبادي (٩)، نبيء عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم) (١٠).\n_________\n(١) قال ابن الأثير في «النهاية» (ص ٢٦٦): (قيل إنه وجع في الكليتين).\n(٢) في (د): (يسجي).\n(٣) في (ب): (فنزلت هذه الآية).\n(٤) أخرجه الواحدي في «أسباب النزول» (ص ٤٥٨)، ومن طريقه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» ٣٠/ ٣٣٧ - ٣٣٨، وزاد السيوطي نسبته إلى ابن أبي حاتم.\n(٥) أخرجه عبدالرزاق ١/ ٢٢٩، والطبري ١٤/ ٧٦، وابن أبي حاتم ٥/ ١٤٧٨.\n(٦) سقطت (هم) من (ب).\nوالأثر أخرجه الطبري ١٤/ ٧٦ - ٧٧، وابن أبي حاتم ٥/ ١٤٧٨، والحاكم ٢/ ٣٥٣ - ٣٥٤.\n(٧) سقطت كلمة (علينا) من (أ).\n(٨) في (أ): (فيه).\n(٩) سقطت كلمة (عبادي) من (ب).\n(١٠) أخرجه ابن المبارك في «الزهد» (٨٩٢)، والطبري ١٤/ ٨٢، وأبو الليث السمرقندي ٢/ ٢٥٧ - ٢٥٨.","vol":"1","page":994},{"text":"قتادة: بلغنا أن نبي الله -ﷺ- قال: (لو يعلم العبد قدر عفو الله لما تورع عن حرام ولو يعلم قدر عذابه لبخع نفسه) (١).\n﴿وَنَبِّئْهُمْ﴾ أخبر أمتك.\n﴿عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ (٥١)﴾ أضيافه، يعني الملائكة الذين أتوه للبشرى بالولد ولإهلاك قوم لوط.\n﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا﴾ قولًا سلامًا، وقيل: سلموا سلامًا.\n﴿قَالَ﴾ يعني إبراهيم.\n﴿إِنَّا مِنْكُمْ﴾ أنا وأصحابي.\n﴿وَجِلُونَ (٥٢)﴾ خائفون إذ لم تنالوا (٢) من طعامنا.\n﴿قَالُوا لَا تَوْجَلْ﴾ لا تخف.\nابن عيسى: الوجل اضطراب بالنفس (٣) لتوقع ما تكره (٤).\n﴿إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (٥٣)﴾ هو إسحاق، لقوله في الأخرى ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ﴾ [هود: ٧١]، والمعنى: إذا بلغ كان عليمًا نبيًا.\n﴿قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ﴾ أي: على هذه الحالة أم أُرَدُّ إلى حال الشباب.\nمجاهد: قال ذلك (٥) تعجبًا من الولد على كبره وكبرها.\nوقال بعضهم: ﴿عَلَى﴾ ها هنا بمعنى في، أي: أبشرتموني (٦) في وقت الكبر،\n_________\n(١) أخرجه الطبري ١٤/ ٨١ - ٨٢، وهو مرسل.\n(٢) سقطت كلمة (خائفون) من (أ)، وفي (ب): (تناولوا).\n(٣) في (ب): (النفس).\n(٤) انظر: «الجامع في علوم القرآن» لعلي بن عيسى الرماني (ق ٥٤/أ).\n(٥) في (أ): (قال هكذا تعجبًا ...).\n(٦) في (ب): (أبشرتموني بعد أن ابن بحر هذا ...) فحصل فيها سقط.","vol":"1","page":995},{"text":"وقيل: ﴿عَلَى﴾ هاهنا بمعنى بعد، أي: أبشرتموني بعد أن مسني الكبر.\nابن بحر: هذا كما تقول لصاحبك وقد أخبرك بشيء يبعد عندك: ما تقول يا هذا، وانظر ما تقول (١).\nوقيل (٢): ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (٥٤)﴾؟ بما قد فات.\nاستفهام بمعنى الجحد.\nو﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (٥٤)﴾؟ أبأمر (٣) الله أم لا.\n﴿قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ بالصدق، وقيل: بأمر الله، وقيل: تيقن من جهة الله.\n﴿فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ (٥٥)﴾ من اليائسين من (٤) ذلك.\n﴿قَالَ﴾ أي (٥): إبراهيم ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ (٥٦)﴾ الجاهلون بالله الذين لا يعرفون سعة رحمة الله وقدرته.\nوقيل: لا يقنط إلا الضالون في الآخرة لأنهم لا يرجون هناك خيرًا.\nابن عيسى: القنوط: اليأس من رحمة الله مع فتح الطريق إليها والحث على طلبها (٦).\nوفيه لغتان: الفتح والكسر، وقرئ في الشاذ (٧): (يقنُط) بالضم أيضًا، وأجمع القراء (٨) على فتح ماضيه (٩).\n﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ﴾ ما شأنكم، والخطب: الأمر العظيم (١٠).\n_________\n(١) ونقله الكرماني أيضًا في كتابه الآخر «غرائب التفسير» ١/ ٥٩١.\n(٢) كلمة (وقيل) سقطت من (ب).\n(٣) في (ب): (أفبأمر).\n(٤) في (أ): (في ذلك).\n(٥) سقطت (أي) من (أ).\n(٦) انظر: «الجامع في علوم القرآن» لعلي بن عيسى الرماني (ق ٥٥/ب).\n(٧) قوله (في الشاذ) سقط من (ب).\nوهي قراءة شاذة تنسب لزيد بن علي والأشهب كما في «المحتسب» لابن جني ٢/ ٥، و«البحر المحيط» ٥/ ٤٤٧، وليحيى بن يعمر وأبي عمرو وعيسى كما في «القراءات الشاذة» لابن خالويه (ص ٧١).\n(٨) في (ب): (القراء أيضًا على ...).\n(٩) لعله - والله أعلم - يقصد أنه في سورة الشورى ﴿مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا﴾ [آية ٢٨] ليس فيها خلاف بين القراء.\n(١٠) كلمة (العظيم) ساقطة من (ب).","vol":"1","page":996},{"text":"﴿أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٥٧)﴾.\n﴿قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٥٨)﴾ يريدون قوم لوط.\n﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ﴾ يريد أهله المؤمنين.\n﴿إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٩)﴾ مما يعذب القوم به.\n﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ (٦٠)﴾ أي: قلنا وكتبنا وأخبرنا، ليصح وقوع ﴿إِنَّهَا﴾ بعدها، وقيل: قدرنا عليها.\nابن عيسى: التقدير: جعل الشيء على مقدار غيره لتظهر المساواة والمباينة (١).\nوالمعنى: من الباقين مع (٢) الكفرة لتهلك معهم.\nالزجاج: الاستثناء الأول منقطع، أي: لكن آل لوط (٣)، والثاني صحيح (٤).\nالمبرد: كلاهما صحيحان، وآل لوط مستثنى من قوم مجرمين وليسوا هم بمجرمين (٥)، وامرأته مستثناة من آل لوط مردودة إلى حكم الأولين (٦).\n_________\n(١) انظر: «الجامع في علوم القرآن» لعلي بن عيسى الرماني (ق ٥٦/ب).\n(٢) في (ب): (مع الباقين من الكفرة ...).\n(٣) في (د): (آل قوم لوط).\n(٤) انظر: «معاني القرآن» للزجاج ٣/ ١٨١، و«الفريد» للمنتجب الهمداني ٤/ ٨٤.\n(٥) في (د): (مجرمين)، وفي (أ): (بمخرجين).\n(٦) نقل ابن عطية في «المحرر الوجيز» ٨/ ٣٣٠ - ٣٣١ قول المبرد، ثم قال: (ونزعة المبرد في ذلك نبيلة).","vol":"1","page":997},{"text":"﴿فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (٦١)﴾ إنما قال جاء آل لوط وهم أتوا لوطًا لأنهم كانوا في بلدة واحدة.\nالمبرد (١): آل لوط: شخصه، وقد تقدم (٢).\n﴿قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٦٢)﴾ ابن جرير: لا نعرفكم، قالوا: نحن رسل الله (٣).\nالمبرد: سلموا فأنكرهم لأنهم لم يكن يسلم بعضهم على بعض.\nوقيل: معناه: أنكرت مجيئكم وكرهته، وإنما ذلك لخوفه عليهم من قومه.\n﴿قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ (٦٣)﴾ أي: نحن ملائكة الله (٤) جئناك بعذاب قومك الذي أوعدتهم به فشكوا فيه، وقيل: جئناك بتصحيح ما شكوا فيه.\n﴿وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ بالعذاب.\n﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٦٤)﴾ فيما أخبرناك به.\n﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ أي: اذهب بهم في طائفة من الليل، وقد سبق (٥).\n﴿وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ﴾ تأخر أنت على إثرهم وسر (٦) خلفهم.\n﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ﴾ أي: لا يمتنعن عن المضي، وقيل: لا يلتفت منكم أحد لينظر ما وراءه، وقيل: لئلا يصيبه (٧) ما أصابهم، وقيل: لئلا يرى من هول ما ينزل بهم ما لا تطيقه نفسه، وقيل: لا ينصرفن (٨) أحدكم فيصيبه ما يصيب القوم.\n﴿وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ (٦٥)﴾ حيث أمركم الله بالمضي إليه، وقيل: أمركم جبريل.\n_________\n(١) في (أ): (وقال المبرد).\n(٢) في (أ): (تقدم تفسيره)، وقد تقدم الكلام على (آل) في أثناء تفسير الآية (٢٤٨) من سورة البقرة.\n(٣) انظر: الطبري ١٤/ ٨٦.\n(٤) سقط لفظ الجلالة (الله) من (أ).\n(٥) في تفسير الآية (٨١) من سورة هود.\n(٦) في (ب): (ومن خلفهم).\n(٧) في (د): (يصيبهم).\n(٨) في (د): لا يبصرني).","vol":"1","page":998},{"text":"ابن عباس (١): الشام (٢)، مقاتل: مصر (٣).\n﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ﴾ أي: أعلمناه وأوحينا إليه، ومعنى ﴿ذَلِكَ الْأَمْرَ﴾: إهلاك القوم.\n﴿أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (٦٦)﴾ بدل من ﴿ذَلِكَ الْأَمْرَ﴾ (٤)، وأخبرناه أن دابر هؤلاء، بدليل قراءة ابن مسعود ﵁ (وقلنا له إن دابر هؤلاء) (٥)، أي: أصلهم، وقيل: آخرهم، ﴿مَقْطُوعٌ﴾: مستأصل، ﴿مُصْبِحِينَ (٦٦)﴾ وقت (٦) دخولهم في الصبح.\n﴿وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ﴾ يعني سدوم.\n﴿يَسْتَبْشِرُونَ (٦٧)﴾ بأضياف لوط طمعًا منهم في ركوب الفاحشة.\nقال عطاء بن أبي رباح: ظهرت امرأة لوط على سطح فلوحت إلى قوم (٧) تعلمهم بالأضياف.\nويقال: بعثت إليهم، وكانت العلامة بينها وبينهم: أطعمونا ملحًا (٨)، فيعرفون ما تريد.\n_________\n(١) في (أ): (ابن عيسى).\n(٢) ذكره الثعلبي (ص ٨٦)، والواحدي (ص ٣٤٦)، وابن الجوزي ٤/ ٤٠٧.\n(٣) هكذا في النسخ الثلاث، وعند الثعلبي والواحدي (صغر)، ثم قال الواحدي: (وهي إحدى قريات لوط)، والذي في تفسير مقاتل ٢/ ٤٣٣: إلى الشام.\n(٤) توجد زيادة في (د) بعد قوله (ذلك الأمر)، حيث جاء فيها: (ومحله نصب وقيل معنى وقضيناإليه فرغنا إلى لوط من ذلك الأمر وأخبرناه ...) ولم ترد في (أ) ولا (ب).\n(٥) ذكرها الطبري ١٤/ ٨٩، وأبو حيان ٥/ ٤٤٩، وعندهما (وقلنا إن دابر هؤلاء ...).\n(٦) في (أ): (وقعت).\n(٧) في (د): (قومهم)، وذكر الكرماني هذا الأثر في كتابه الآخر «غرائب التفسير» ١/ ٥٩٢ وفيه (إلى القوم).\n(٨) كلمة (ملحًا) لم ترد في (أ) ولا (د)، وهي واردة في (ب)، و«غرائب التفسير» و«العرائس» للثعلبي (ص ٩١).","vol":"1","page":999},{"text":"﴿قَالَ﴾ لوط ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي﴾ ولابد من مراعاتهم ﴿فَلَا تَفْضَحُونِ (٦٨)﴾ فيهم وعندهم.\n﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ (٦٩)﴾ ولا تهينوني ولا تخجلوني.\nيجوز أن يكون من الخزي، ويجوز أن يكون من الخزاية (١).\n﴿قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ (٧٠)﴾ عن ضيافة الغرباء فإنا نغلبك عليهم.\n﴿قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي﴾ بنات قومي (٢).\nقتادة: أراد (٣) أن يقي أضيافه ببناته، أي: تزوجوهن (٤)، وكان جائزًا إنكاح المؤمنات من الكافرين، وقيل: شرط عليهم الإسلام.\n﴿إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٧١)﴾ أي: راغبين فيهن.\nالحسن: ﴿إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٧١)﴾ كناية عن الجماع (٥).\nالمبرد: إن كنتم تريدون النكاح الحلال (٦).\nوقيل: كانت له ثلاث بنات ارتحل بهن لوط حتى إذا كان بمكان من الشام مرضت الكبرى وتوفيت، فظهر عندها عين ماء يقال لها: عين الدابة، ثم ماتت الصغرى وبقيت الوسطى.\n_________\n(١) في (أ): (من الخزاية وهو الحياء).\n(٢) في (أ): (قيل بنات قومي).\n(٣) سقطت (أراد) من (ب).\n(٤) في (أ): (تزوجوا بهن).\nوأثر قتادة أخرجه الطبري ١٤/ ٩١، وعزاه السيوطي ٨/ ٦٣٦ لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٥) ذكره الواحدي في «البسيط» (ص ٣٤٩) عن الحسن.\n(٦) ذكره الكرماني في «غرائب التفسير» ١/ ٥٩٢.","vol":"1","page":1000},{"text":"وقيل: كانوا خطبوا إليه بناته فامتنع، فأجاب إلى ذلك يومئذ، وقيل: كانت لهم سادة إليهم يؤول أمرهم فأراد (١) أن يزوجهم بناته.\n﴿لَعَمْرُكَ﴾ المفسرون (٢) على أن الله سبحانه لم يقسم بحياة أحد (٣) من الآدميين سواه تعظيمًا له وتفضيلًا على غيره.\nوالعَمْر والعُمْر: مدة بقاء الحي، ولا يستعمل في القسم إلا مفتوحًا.\nوذهب بعضهم إلى أن معناه: وحقك، كما تقول: لعمر الله، أي: حقه.\nو﴿لَعَمْرُكَ﴾ رفع بالابتداء، وخبره محذوف تقديره: لعمرك قسمي.\nالمبرد: يجوز أن يكون ﴿لَعَمْرُكَ﴾ من قولهم: قد عمر فلان دينه، إذا صلى وصام، وفلان يعمر الله، أي: يعبده، وعَمَرَ (٤) ركعتين.\nقتادة: ﴿لَعَمْرُكَ﴾ أي: عملك (٥).\nوالوجه الأول.\n﴿إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ﴾ قيل: الضمير يعود إلى قريش، وقيل: إلى قوم لوط.\nوالسكرة: الضلالة والجهل، وقيل: الغفلة.\n﴿يَعْمَهُونَ (٧٢)﴾ يترددون.\nقتادة: يلعبون (٦).\nابن عباس: يتمادون (٧).\n_________\n(١) في (ب): (فأرادهم).\n(٢) في (أ): (أجمع المفسرون ...).\n(٣) سقطت (أحد) من (د).\n(٤) في (د): (وعمرت). وقول المبرد نقله الكرماني أيضًا في «غرائب التفسير» ١/ ٥٩٣.\n(٥) نقله الماوردي ٣/ ١٦٦ عن قتادة.\n(٦) أخرجه عبدالرزاق ١/ ٣٤٩، والطبري ١٤/ ٩٢.\n(٧) أخرجه الطبري ١٤/ ٩٣.","vol":"1","page":1001},{"text":"﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ العذاب.\n﴿مُشْرِقِينَ (٧٣)﴾ مصادفين لطلوع الشمس، وقيل: داخلين في وقت شروق الشمس.\n﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ رفعها جبريل إلى السماء ثم قلبها.\n﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً﴾ فيه قولان، أحدهما: رفعها (١) جبريل إلى السماء وأمطروا حجارة ثم قلبها، والثاني: أمطروا (٢) على الغائبين من البلد.\n﴿مِنْ سِجِّيلٍ (٧٤)﴾ من السماء الدنيا.\nوقد سبق بيان أكثر هذا في سورة هود ﵇.\n﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥)﴾ للمتفكرين (٣) المعتبرين.\nوقيل: المتفرسين، وهو الذي يطلب سمة الشيء ووسمه، وهو العلامة، وقيل: للعارفين.\n﴿وَإِنَّهَا﴾ وإن سدوم.\n﴿لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (٧٦)﴾ بطريق بين واضح، وقيل: مقيم: معلوم، وقيل: مقيم: معبد دائم السلوك.\nابن عباس ﵄: ﴿لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (٧٦)﴾: هلاك دائم (٤).\n﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧) وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ﴾ أي: وإن الأمر والشأن كان أصحاب الأيكة.\n_________\n(١) في (ب): (رفعه).\n(٢) في (ب): (أمطر)، والكلمة (أمطروا) لم ترد في (د).\n(٣) في (ب): (للمتذكرين).\n(٤) ذكره الماوردي ٣/ ١٦٨ بلفظه، وذكره ابن أبي حاتم عنه بلفظ: لبهلاك، أورده السيوطي ٨/ ٦٤٠.","vol":"1","page":1002},{"text":"﴿لَظَالِمِينَ (٧٨)﴾ لكافرين (١).\nالأيكة: الشجرة المتكاثفة، أي: الملتفة، وجمعها أَيْك.\nوجاء في التفسير أن عامة شجرهم الدوم، وهو المُقَلُ، والأيكة: الغيضة، بعث الله إليهم شعيبًا فكذبوه فأهلكوا بالظلة.\nوقيل: الأيكة: اسم الناحية، وليكة (٢) اسم المدينة، كمكة (٣) وبكة، وقرئ في الشعراء وص ﴿الْأَيْكَةِ﴾ [الشعراء: ١٧٦]، [ص: ١٣]، على أنها (٤) اسم علم.\nوقيل: كانوا أصحاب غياض ورياض وأشجار وأنهار يأكلون في الصيف الفاكهة الرطبة وفي الشتاء اليابسة.\n﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ أي: كذبوا شعيبًا فانتقمنا منهم، يريد: أهلكناهم وعذبناهم.\n﴿وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ (٧٩)﴾ الجمهور على أن الكناية تعود إلى قريتي قوم لوط وشعيب (٥)، ﴿وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ (٧٩)﴾: طريق من الحق واضح، وقيل: الخبر بهلاك قوم لوط (٦) وأصحاب الأيكة لمكتوب في إمام مبين (٧) وهو اللوح المحفوظ.\nالمؤرج: الإمام: الكتاب بلغة حِمْيَر (٨).\nالمفضل: وإن آيات عذابنا لقوم لوط وشعيب بالإمام.\n_________\n(١) في (د): (كافرين).\n(٢) في (د): (وأيكة).\n(٣) سقطت كلمة (كمكة) من (ب).\n(٤) في (د): (لأنها).\n(٥) في (د) زيادة: (... وسعيب أي أنهما على ممر السائلة والإمام الطريق يأمه كل أحد وقيل الكناية ترجع إلى لوط وشعيب وإنهما لبإمام ...).\n(٦) في (ب): (قوم نوح وأصحاب ...).\n(٧) حصل سقط في (أ)، حيث جاء النص فيها كالتالي: (... إمام مبين عذابنا لقوم لوط ...).\n(٨) ذكره الماوردي ٣/ ١٦٩، وأبو حيان ٥/ ٤٥١، والألوسي ١٤/ ٧٥.","vol":"1","page":1003},{"text":"﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ﴾ وهم ثمود ﴿الْمُرْسَلِينَ (٨٠)﴾ نبيهم، وهو صالح، وجمع لأن من كذب نبيًا فقد كذب الكل، والحجر بين المدينة والشام.\nوروى عبد الله بن عمر وجابر بن عبد الله ﵄ (١) قالا: مررنا مع رسول الله -ﷺ- على الحجر فقال لنا رسول الله: (لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين حذرًا أن يصيبكم مثل ما أصابهم)، ثم قال: (هؤلاء قوم صالح أهلكهم الله إلا رجلًا (٢) كان في حرم الله منعه حرم الله من عذاب الله) (٣)، قيل: من هو يا رسول الله؟ قال: (أبو رغال وإليه تنسب ثقيف)، ثم أسرع حتى خلفها.\n﴿وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٨١)﴾ الآيات: الناقة وسقيها وشربها ودرها، وقيل: أنزل إليهم آيات من كتاب الله، وقيل: يريد بها نصب الأدلة، فأعرضوا عنها ولم يؤمنوا بها.\n﴿وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾ ينقبون في الجبل، وقيل: يبنون من الحجارة، وأصل النحت في الخشب ثم يستعار لغيره، ﴿آمِنِينَ (٨٢)﴾ من الخراب ووقوع الجبل عليهم، وقيل: من العذاب، وقيل: من الموت.\n﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ العذاب ﴿مُصْبِحِينَ (٨٣)﴾ في اليوم الرابع وقت الصبح.\n﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨٤)﴾ أي: لم تدفع عنهم أموالهم وأولادهم وبيوتهم الحصينة، بل خروا جاثمين.\n﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ أي: وما خلقنا الخلائق إلا بالعدل والإنصاف، أي: لم نهلك من تقدم ذكرهم إلا بعد إقامة الحجة عليهم.\n﴿وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ﴾ أي: الجزاء قريب.\n﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (٨٥)﴾ ولا تعجل عليهم.\n_________\n(١) أما رواية ابن عمر فهي عند البخاري (٣٣٨٠) ومسلم (٢٩٨٠). وأما رواية جابر بن عبدالله وهي التي تبدأ بقوله (هؤلاء ...) فقد أخرجه عبدالرزاق ١/ ٢٣١ - ٢٣٢، والطبري ١٠/ ٢٩٦ - ٢٩٧، والحاكم ٢/ ٣٢٠، وغيرهم.\nوصنيع الكرماني يوهم أن الرواية واحدة، وليس كذلك كما فصلت لك، ولعله تابع الثعلبي في «الكشف والبيان» (ص ٨٩ - ٩٠) فقد جمعهما كما فعل الكرماني.\n(٢) في (ب): (أهلكهم الله ورجل كان ...).\n(٣) في (ب): (منعه حرمه من عذابه).","vol":"1","page":1004},{"text":"وهذه منسوخة كما سبق (١).\nوالصفح الجميل: الإعراض، كقوله ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾ [المعارج: ٥]،\n﴿وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ [المزمل: ١٠].\nوقيل: من غير عتاب.\nوقيل: في حق نفسه.\nوقيل: لا تعرض عنهم كل الإعراض ولاتيأس من صنع الله.\nوقيل: هو كقوله ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ﴾ [النساء: ٦٣].\nوقيل: اصفح حيث الصفح (٢) أدعى إلى الإيمان واخشن حيث الخشونة أولى.\n﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ﴾ لجميع الموجودات.\n﴿الْعَلِيمُ (٨٦)﴾ العالم بأحوالهم.\n﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ فيه خمسة أقوال (٣):\nأحدها: أنه (٤) فاتحة الكتاب، وذهب إلى هذا عدة من الصحابة والتابعين واختاره كثير من المفسرين، وسمي المثاني لأنها نزلت مرتين، وقيل: لأن أكثر كلماتها مثنى، وقيل: لأن أولها ثناء على الله تعالى وقيل: لأنها تثنى في كل صلاة.\nوالثاني: أن المثاني السبع الطُّوَل البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف والتوبة، وقيل: يونس، والطُّوَل: جمع الطُّوْلَى، كالكبرى والكُبَر، وسميت المثاني لأن القصص فيها مثناة، والتثنية: إضافة مثل الشيء إلى الشيء.\n_________\n(١) سبق التعليق على هذا القول في أول تفسير هذه السورة.\n(٢) سقطت كلمة (الصفح) من (أ).\n(٣) انظر هذه الأقوال في: الطبري ١٤/ ١٠٧ - ١٢٦، و«معاني القرآن» للنحاس ٤/ ٣٨ - ٤١، والماوردي ٣/ ١٧٠ - ١٧١، وابن الجوزي ٤/ ٤١٣ - ٤١٥، والقرطبي ١٢/ ٢٥٠ - ٢٥٢، وابن كثير ٨/ ٢٧٤ - ٢٧٧.\n(٤) في (أ): (أنها).","vol":"1","page":1005},{"text":"والثالث: أن المثاني جميع القرآن، لقوله: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣].\nوالرابع: أن المثاني معاني القرآن، وهي سبعة: أمر ونهي وتبشير وإنذار وضرب أمثال وتعديد نعم وأنباء قرون.\nوالخامس: كرامات أكرم (١) الله نبيه بها، حكاه أقضى القضاة (٢).\n﴿وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧)﴾ أي: عظيم القدر، مَنَّ الله عليه بفاتحة الكتاب على الخصوص أو بالسبع الطُّوَلِ كما مَنَّ عليه بجميع القرآن.\nالزجاج: ﴿مِنَ﴾ للتبيين (٣).\nغيره: للتبعيض.\n﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ حظر على النبي -ﷺ- أن يمد عينيه إلى الدنيا ونهاه أن يرغب فيها، والمعنى: لا تطمح ببصرك إلى ما متعنا به أقوامًا لا خلاق لهم تمتيعًا سريع الزوال قليل اللباث.\nقال أنس ﵁: مرت برسول الله -ﷺ- إبل أيام الربيع وقد عَبَسَت في أبعارها وأبوالها، فغطى رسول الله -ﷺ- عينه بكمه، فقال: (بهذا أمرني ربي)، ثم تلا هذه الآية (٤).\nقوله: ﴿أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ قيل: أمثالًا في النعم.\nوقيل: أزواجًا أغنياء.\nوقيل: أصنافًا اليهود والنصارى والمشركين.\n_________\n(١) سقطت كلمة (أكرم) من (ب).\n(٢) انظر: «النكت والعيون» للماوردي ٣/ ١٧١.\n(٣) انظر: «معاني القرآن» للزجاج ٣/ ١٨٥.\n(٤) لم أجده من حديث أنس ﵁ إلا عند الثعلبي في «الكشف والبيان» (ص ١٠٩) بدون سند، وإنما وجدته مسندًا عند أبي عبيد في «غريب الحديث» ٢/ ٢٧٤ - ٢٧٥ من حديث يحيى بن أبي كثير يرفعه إلى النبي -ﷺ- بنحوه.\nقال أبو عبيد في بيان معنى (عبست): (يعني أن تجفَّ أبوالها وأبعارها على أفخاذها، وذلك إنما يكون من كثرة الشحم، فذلك (العَبَسُ).\nوزاد السيوطي ٨/ ٦٥١ نسبة الحديث إلى ابن المنذر.","vol":"1","page":1006},{"text":"وقيل: ﴿أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ هم الرجال معهم نساؤهم، فيكون بمنزلة (١) أعطينا اثنين اثنين منهم ذكرًا وأنثى.\n﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ إن لم يؤمنوا، وقيل: لا تحزن لما أنعمت عليهم دونك، وقيل: لا تحزن عليهم لما يصيرون إليه بكفرهم.\n﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾ جناحا الرجل: جانباه، أي: تواضع لهم وارفق بهم ليحبوك ويجالسوك ولا ينفضوا من حولك.\n﴿وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ﴾ المنذر، وقيل: ذو الإنذار.\n﴿الْمُبِينُ (٨٩)﴾ أبين الرشد من الغي.\n﴿كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (٩٠)﴾ أي: أنا أُنذركُم عذابًا كما أنزلنا على المقتسمين.\nوقيل: أنزلنا عليك الكتاب لتنذر به كما أنزلنا على المقتسمين.\nوقيل: آتيناك سبعًا من المثاني والقرآن العظيم كما أنزلنا على المقتسمين، وقوله ﴿لَا تَمُدَّنَّ﴾ اعتراض.\nو﴿الْمُقْتَسِمِينَ (٩٠)﴾ من القسمة، وقيل من القَسَم، وفي المقتسمين أقوال:\nابن عباس: هم اليهود والنصارى آمنوا ببعض القرآن وهو ما وافق كتابهم وكفروا ببعض (٢) وهو ما خالف (٣).\nعكرمة: هو قولهم هذه السورة لي وهذه السورة لك استهزاء (٤).\nمجاهد: هو إيمانهم ببعض كتبهم وكفرهم ببعض، قال: وكل كتب الله قرآن (٥).\nمقاتل والفراء: هم قوم اقتسموا طرق مكة وعقابها وقعدوا عليها وجعلوا يردون الناس عن الإيمان بمحمد -ﷺ-، فقال بعضهم: ساحر، وبعضهم: كاهن، وبعضهم: شاعر (٦).\n_________\n(١) في (د): (بمنزلة قوله أعطينا ...).\n(٢) في (د): (ببعضهم).\n(٣) أخرجه البخاري (٣٩٤٥)، والحاكم ٢/ ٣٥٥، والطبري ١٤/ ١٢٩.\n(٤) أخرجه الطبري ١٤/ ١٣١.\n(٥) أخرج الطبري ١٤/ ١٣١ نحوه عن مجاهد من طريقين، وفي «تفسير مجاهد» (ص ٤١٩) بلفظ: هم أهل الكتاب فرقوه وبددوه، وهم فرقوا القرآن فقالوا: هذا سحر وشعر.\n(٦) انظر: «معاني القرآن» للفراء ٢/ ٩١ - ٩٢.\nوأما أن هذا هو قول مقاتل، فالذي في تفسيره المطبوع ٢/ ٤٣٦ أنهم اليهود والنصارى، وإنما ذكر قصة القوم الذين اقتسموا طرق مكة أثناء تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ وستأتي قصتهم.","vol":"1","page":1007},{"text":"قتادة: قسموا القول في القرآن فقالوا: سحر وكهانة وشعر وأساطير الأولين (١).\nالأخفش: هم قوم تواطؤا وتقاسموا لا يؤمنون بمحمد -ﷺ- ويعادونه وأصحابه أبدًا (٢).\nابن زيد: هم الذين تقاسموا لصالح (٣) وأرادوا تبييته، من قوله: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ الآيتين [النمل: ٤٨ - ٤٩] (٤).\n﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (٩١)﴾ واحدها عِضَة، محذوف اللام، فذهب بعضهم إلى أنه من (٥) العضو، تقول: عضيت الشيء: جعلته عضوًا عضوًا، أي: عَضَّوا القرآن وجزؤه أجزاء، وذهب بعضهم إلى أنه من العَضِيْهَة، وهي الكذب والسحر، والعَاضِهَةُ: الساحرة، وجمع جمع السلامة جبرًا، كما جمع سِنُون وقِلُون (٦).\n﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾ أقسم الله سبحانه بذاته وربوبيته وملكه ليسألن يوم القيامة واحدًا واحدًا من هؤلاء المقتسمين عما قالوه في رسول الله -ﷺ- وفي القرآن.\nوقيل: في كتب الله (٧).\nوقيل: عام في جميع الكفار، فيسألهم عن عبادتهم الأصنام (٨) وترك إجابتهم المرسلين.\n﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ الزجاج (٩): من الصديع، وهو الصبح، قال (١٠):\n_________\n(١) أخرجه الطبري ١٤/ ١٣٢ مختصرًا، وهذه الرواية نقلها السيوطي ٨/ ٦٥٤ - ٦٥٥ وعزاها لعبد بن حميد وابن المنذر بلفظ مقارب.\n(٢) كلمة (أبدًا) لم ترد في (أ)، والأثر ذكره الماوردي ٣/ ١٧٣.\n(٣) في (ب) و(د): (الصالح).\n(٤) أخرجه الطبري ١٤/ ١٣٢ - ١٣٣.\n(٥) حصل سقط في (د)، وجاء النص فيها كالتالي: (... إلى أنه من العُضيهة وهي الكذب ...).\n(٦) في (أ): (سنون ومادن)، وانظر «معاني القرآن» للفراء ٢/ ٩٢.\n(٧) قوله: (وقيل في كتب الله) لم يرد في (أ).\n(٨) في (ب): (الأوثان).\n(٩) انظر: «معاني القرآن» للزجاج ٣/ ١٨٦.\n(١٠) القائل هو: عمرو بن معد يكرب كما في «اللسان» (صدع)، وأول البيت:\nتَرَى السِّرْحانَ مُفترشًا يديه.","vol":"1","page":1008},{"text":"كَأَنَّ بياضَ غِرَّتِهِ صَدِيعُ.\nأي: أَبِنْ (١) وأَظْهِر.\nمجاهد: اجهر به في الصلاة (٢).\nوما زال النبي -ﷺ- مستخفيًا حتى نزلت: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾.\nوقيل: أصله إعلان الحق، وقيل: من الفصل، أي: احكم واقض (٣).\nابن بحر: جدد (٤) لهم القول في الدعاء إلى الإيمان مبشرًا لهم بالجنة (٥).\nابن عيسى: من الفرق، أي: افرق بما تؤمر (٦).\nالنقاش: فرق القول فيهم مجتمعين وفرادى (٧).\nأبوعبيدة عن رؤبة (٨): قال: ما في القرآن أَعْرَبُ من قوله ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ (٩).\nوفي قوله ﴿بِمَا تُؤْمَرُ﴾ (١٠) قولان، أحدهما: تؤمر به، فحذف الجّار ثم حذف الضمير، والثاني: أن (ما) للمصدر، أي: اصدع بالأمر.\n_________\n(١) في (د): (ابين).\n(٢) أخرجه الطبري ١٤/ ١٤٣، وعند عبدالرزاق في «تفسيره» ١/ ٣٥١ بلفظ: بالقرآن، وفي «تفسير مجاهد» (ص ٤١٩) بلفظ: اجهر بالقرآن في الصلاة.\n(٣) في (ب): (احكم وافصل).\n(٤) في (د): (حرر)، وفي «البحر المحيط» ٥/ ٤٥٥: (جرد).\n(٥) ذكره أبو حيان ٥/ ٤٥٥ عن ابن بحر.\n(٦) انظر: «الجامع في علوم القرآن» لعلي بن عيسى الرماني (ق ٦٨/أ).\n(٧) نقله الماوردي ٣/ ١٧٤، وقال: حكاه النقاش.\n(٨) قوله: (عن رؤبة قال) سقط من (ب).\n(٩) نقله الماوردي ٣/ ١٧٤، والطبرسي في «مجمع البيان» ٦/ ٥٣٣.\n(١٠) سقط قوله (وفي قوله بما تؤمر) من (أ).","vol":"1","page":1009},{"text":"﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤)﴾ أي: اصبر على أذاهم.\nابن عباس (١): هذا من المنسوخ (٢).\nوقيل: لا تلتفت إلى ما يقولون.\nابن بحر: الإعراض: ترك الالتفات، قال: وهو هاهنا استهانة، كما تقول لا تلتفت إليه ولا تخفه (٣).\n﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥)﴾ جمهور المفسرين على أنها نزلت في خمسة، وقيل: سبعة من قريش كانوا يبالغون في إيذاء رسول الله -ﷺ- والاستهزاء به فأهلكهم الله جميعًا.\nفمن الخمسة: الوليد بن المغيرة، مر برجل من خزاعة (٤) يَرِيشُ نبلًا له فوطئ سهمًا من سهامه فانكسر وطارت منه شظية فأصاب منه عرق النساء، فجعل يقول: قتلني رب محمد، حتى مات.\nومنهم: العاص بن وائل السهمي، وكان أهل مكة مطروا ليلًا، فقال لابنه: أرحل لي بعيري حتى أطوف (٥) في شعاب مكة، فخرج متنزهًا فأناخ بعيره بشِعْبٍ من تلك الشِّعاب فلما وضع قدمه على الأرض ضربته حَيَّةٌ في رجله فانتفخت حتى صارت (٦) مثل عنق البعير، فجعل يقول: قتلني رب محمد، فمات مكانه.\nومنهم: الحارث بن قيس، أكل سمكًا مليحًا فأصابه عطاش شديد فجعل\n_________\n(١) في (أ): (ابن عيسى).\n(٢) أخرجه الطبري ١٤/ ١٤٥، وعزاه السيوطي ٨/ ٦٥٧ إلى ابن أبي حاتم وأبي داود في ناسخه. وقد سبق التعليق على القول بأن هذه الآية منسوخة في مطلع تفسير هذه السورة.\n(٣) نقله الماوردي ٣/ ١٧٥ عن ابن بحر مختصرًا.\n(٤) سقط قوله (من خزاعة) من (د).\n(٥) سقطت كلمة (أطوف) من (د).\n(٦) في (أ): (صار).","vol":"1","page":1010},{"text":"يشرب ولا يروى، وكلما تنفس قال: قتلني رب محمد، حتى انفتق بطنه فمات (١).\nومنهم: الأسود بن المطلب، خرج لتلقي ابنه زمعة (٢) قادمًا من الشام، فقعد في أصل شجرة فأتاه جبريل فجعل يضرب رأسه بالشجر (٣) وهو يقول: يا غلاماه أدركني، فقال الغلام: ما أرى أحدًا يضرب رأسك وإنما أنت تضربه، ولا يزال يضرب حتى مات، ووافق قدوم ابنه زمعة من الشام.\nومنهم: الأسود بن عبد يغوث، ذهب إلى ماء لبني كنانة يحذرهم النبي -ﷺ- ويضمن لهم الضمانات على اغتيالهم إياه، فأصابته سموم فاسود حتى صار كأنه حبشي، فأتى أهله فلم يعرفوه وأغلقوا الباب في وجهه، فصار يطوف في شعاب مكة ويقول: قتلني رب محمد، حتى مات.\nفذلك قوله ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥)﴾ (٤).\nالحسن: المراد به كل (٥) مشركي العرب.\n﴿الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٩٦)﴾ عاقبة أمرهم يوم القيامة.\n﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧)﴾ أي: يقولون (٦) على الله من الشركاء والصاحبة والولد، ويقولون فيك من النسبة إلى السحر والشعر وغير ذلك.\n_________\n(١) في (أ): (فمات مكانه).\n(٢) سقطت كلمة (زمعة) من (د).\n(٣) في (ب): (بالشجرة).\n(٤) انظر: الطبري ١٤/ ١٤٦ - ١٥٣، والثعلبي (ص ١١٦ - ١١٩)، والماوردي ٣/ ١٧٥، وابن الجوزي ٤/ ٤٢١ - ٤٢٣، والقرطبي ١٢/ ٢٦١ - ٢٦٢، وأبو حيان ٥/ ٤٥٥، و«البداية والنهاية» لابن كثير ٤/ ٢٥٩ - ٢٦٢.\n(٥) سقطت (كل) من (ب)، وقول الحسن أورده كذلك الكرماني في كتابه الآخر «غرائب التفسير» ١/ ٥٩٦.\n(٦) في (أ): (ويقولون).","vol":"1","page":1011},{"text":"﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ فالجأ إلى التسبيح والتنزيه وقل: سبحان الله وبحمده، وقيل: فَصَلِّ، وفي الخبر أن النبي -ﷺ- كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة (١).\n﴿وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨)﴾ من المصلين، وقيل: من المتواضعين.\n﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)﴾ جمهور المفسرين على أن اليقين: الموت، والمعنى: اعبد ربك دائمًا، وسمي الموت يقينًا لأنه متيقن به متفق على لحاقه كل حي مخلوق.\nابن بحر: اليقين: النصر على الكافرين (٢).\nوروي عن أبي مسلم الخولاني قال، قال رسول الله -ﷺ-: (ما أوحيَ إليَّ (٣) أن اجمع المالَ وكن من التاجرين ولكن أن سبح بحمد ربك وكن من الساجدين واعبد ربك حتى يأتيك اليقين) (٤).\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (١٣١٩)، وأحمد (٢٣٢٩٩) من حديث حذيفة، وفي إسناده ضعف، وله شاهد من حديث صهيب بن سنان الرومي عند أحمد (١٨٩٣٧) وفيه: (وكانوا يفزعون إذا فزعوا إلى الصلاة)، ولعله لذلك حكم عليه الشيخ الألباني بأنه حديث حسن.\n(٢) ذكره أبو حيان ٥/ ٤٥٦ عن ابن بحر كذلك.\n(٣) سقطت (إلى) من (ب).\n(٤) الحديث من رواية أبي مسلم الخولاني - وهو من كبار التابعين ورحل إلى النبي -ﷺ- فلم يدركه - أخرجه: أحمد في «الزهد» (ص ٥٤١/ رقم ٢٣٢٥)، وأبو نعيم في «الحلية» ٢/ ١٣١، من رواية جبير بن نفير عن أبي مسلم الخولاني، وجاء على العكس من رواية أبي مسلم الخولاني عن جبير بن نفير: أخرجه أبو الشيخ في «أخلاق النبي -ﷺ-» (٨٥٣) ومن طريقه الواحدي في «الوسيط» ٣/ ٥٤، والبغوي في «تفسيره» ٢/ ٦٠١.\nوعلى الحالين فهو مرسل، وفي إسناده شرحبيل بن مسلم ضعفه ابن معين، وقال الحافظ في «التقريب»: صدوق فيه لين.\nكما روي الحديث مرفوعًا من طريق عبدالله بن مسعود: أخرجه ابن مردويه في تفسيره كما قال العراقي في «تخريج أحاديث الإحياء» (٤/ ١٧٢ - مع الإحياء)، وأخرجه ابن عدي في «الكامل» ٥/ ٢٥٧، ومن طريقه السهمي في «تاريخ جرجان» (ص ٣٤٢)، وقال العراقي: بسند فيه لين، كما ضعفه العراقي في موطن آخر ١٠/ ٦١.\n«وروي من حديث أبي ذر كما في =الفردوس» للديلمي (٦٢٩٧) وجاء إسناده في «زهر الفردوس» من طريق إسناد الحاكم، حيث رواه من طريق مكحول عن أبي إدريس الخولاني عن أبي ذر مرفوعًا، وقد جاء هذا الإسناد لهذا الحديث عند ابن عدي في «الكامل» ٣/ ٦٩ ولكن عن أبي الدرداء، وعلى كل حال ففي إسناده: خصيب بن جحدر البصري، وقد ضعف ابن عدي عامة أحاديثه.\nكما روي الحديث مرفوعًا من طريق حذيفة بن أوس الطائفي ﵁، أخرجه الخطيب البغدادي في «المتفق والمفترق» ١/ ٤٧٥ (رقم ٢٥١) من طريق أبان بن عثمان بن حذيفة عن أبيه عن جده، ولم أجد ترجمة أبان بن عثمان.","vol":"1","page":1012},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\nسورة النحل (١)، ويروى سورة النِّعَم (٢).\nمكية إلا قوله ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ﴾ الآيات [١٢٦ - ١٢٨]، فإنها نزلت بين مكة والمدينة عند منصرف رسول الله -ﷺ- من أحد (٣).\nقتادة بإسناد النحاس: مدنية (٤).\nابن عباس وقتادة: أولها إلى قوله ﴿وَلَا تَشْتَرُوا﴾ [الآية: ٩٥] نزلت بمكة والباقي بالمدينة (٥).\n(بسم الله الرحمن الرحيم) ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ في سبب النزول قال (٦) ابن عباس ﵄: لما أنزل (٧) ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)﴾ [القمر: ١] قال الكفار بعضهم لبعض: إن هذا يزعم أن القيامة قد قَرُبَت فأمسِكوا عن بعض ما كنتم\n_________\n(١) في (أ): (سورة النحل مائة وثمان وعشرون آية مكية ويروى ...).\n(٢) لم أجد حديثًا مرفوعًا في ذلك يعتبر سندًا لهذه التسمية، وقد ذكر جمع من المفسرين أنه بسبب ما عدد الله تعالى فيها من النعم، وهذا تعليل وليس بدليل، ونقل ابن الجوزي ٤/ ٤٢٦ هذه التسمية عن علي ابن زيد، وأظنه - والله أعلم - ابن جدعان، أحد التابعين، ثم وجدت يحيى بن سلام نقل في تفسيره ١/ ٨٠ هذا الاسم عن قتادة أيضًا.\n(٣) أسنده النحاس في «الناسخ والمنسوخ» ٢/ ٤٨٤ عن ابن عباس، كما أخرجه الطبري ١٤/ ٤٠٣ عن عطاء بن يسار.\n(٤) لم أجده بإسناد النحاس، ولكن أخرج الحارث المحاسبي في «فهم القرآن» (ص ٣٩٥) بإسناده عن قتادة أن السورة مدنية.\n(٥) هكذا ذكر الماوردي ٣/ ١٧٧ عن ابن عباس ولكنه ذكر أنها ثلاث آيات فقط تبدأ بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا﴾، ولم يقل: والباقي بالمدينة، وقد ذكر هذا القول أيضًا ابن الجوزي ٤/ ٤٢٥، كما نقل عن قتادة أنها مكية إلا خمس آيات ﴿وَلَا تَشْتَرُوا﴾ الآيتين، ومن قوله: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ﴾ إلى آخرها.\n(٦) في (ب): (عن ابن عباس).\n(٧) في (د): (لما أنزل الله).","vol":"1","page":1013},{"text":"تعملون حتى ننظر ما هو كائن، فلما رأوا انه لا ينزل شيء قالوا: ما نرى شيئًا، فأنزل الله ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ الآية [الأنبياء: ١]، فأشفقوا وانتظروا قرب الساعة، فلما امتدَّت الأيام قالوا: يا محمد ما نرى شيئًا مما تخوِّفنا به، فأنزل الله سبحانه ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١]، فوثب النبي -ﷺ- ورفع الناس رؤوسهم فنزلت ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ فاطمأنوا، فلما نزلت هذه الآية قال رسول الله -ﷺ-: (بُعِثتُ أنا والساعة كهاتين - وأشار بإصبعيه - إن كادت لتسبقني) (١).\nوالأمر على هذا: يوم القيامة، واستعمل لفظ الماضي للمستقبل تحقيقًا، وقيل: لأن ما هو آتٍ قطعًا فهو كما أتى.\nوقيل معناه: أتى أمر الله وعدًا فلا تستعجلوه وقوعًا، وقيل معناه: يأتي، ومثله: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ﴾ [الأعراف: ٤٨]، وقيل: الأمر هاهنا العذاب بالسيف، وهذا جواب للنضر (٢) بن الحارث حيث استعجل بالعذاب، وقيل: الأمر هاهنا مصدر أمر، والمراد به فرائضه وأحكامه.\nالزَّجاج: هو ما وعدهم الله على كفرهم (٣).\nوقيل: المراد به بعض أشراط الساعة.\nوقيل: الأمر هاهنا ما وعد الله نبيه من النصر.\nوالاستعجال: طلب التَّعجيل، والتعجيل: إحضارُ الشيء قبل وقتِه.\n﴿﷾﴾ تنزيهًا له وتعاليًا.\n_________\n(١) ذكره الواحدي في «أسباب النزول» (ص ٤٦١) عن ابن عباس ﵄، كما ذكره ابن الجوزي ٤/ ٤٢٦، وقد أخرج الطبري ١٤/ ١٥٩ نحوه عن ابن جريج، وقوله -ﷺ-: (بعثت أنا والساعة كهاتين، وأشار بإصبعيه) أخرجه البخاري من حديث سهل بن سعد (٦٥٠٣)، ومن حديث أنس (٦٥٠٤)، ومن حديث أبي هريرة (٦٥٠٥).\n(٢) في (ب): (النضر).\n(٣) انظر: «معاني القرآن» للزجاج ٣/ ١٨٩.","vol":"1","page":1014},{"text":"﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ (١)﴾ التاء على الخطاب والياء على الغيبة (١).\n﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ ابن عباس: ﴿بِالرُّوحِ﴾:: بالوحي (٢).\nوقيل: هي النبوَّة، وقيل: هو القرآن، لما فيهما من حياة الدنيا وحياة النفوس بالإرشاد (٣) إلى أمر الله، وقيل: الروح هم حَفَظَة على الملائكة لا تراهم الملائكة كما أن الملائكة (٤) حَفَظة علينا لا نراهم.\nمجاهد: اسم مَلك (٥).\nوقيل: هي الروح تحيا بها الأجسام.\nأبو عبيدة: ﴿بِالرُّوحِ﴾: مع الروح، وهو جبريل ﵇ (٦).\nقوله: ﴿أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾ تقديره: أنذروا المشركين العذاب، وبشِّروا (٧) المؤمنين لأنه لا إله إلا أنا (٨).\nوقيل (٩): أنذِروا أهل الكفر والمعاصي بأنه لا إله إلا أنا، أي: مُرْهُم بالتَّوحيد، والأول أوجه؛ لأن قوله ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾ مما يبشر به.\n_________\n(١) قرأ حمزة والكسائي وخلف بالتاء، وقرأ باقي العشرة بالياء.\nانظر: «المبسوط» لابن مهران (ص ١٩٩ - سورة يونس، الآية ١٨).\n(٢) أخرجه الطبري ١٤/ ١٦٢، وزاد السيوطي ٩/ ٨ نسبته لابن أبي حاتم.\n(٣) في (د): (بالإرسال).\n(٤) في (ب): (كما الملائكة)، وسقط قوله (كما أن الملائكة) من (د).\n(٥) أخرج آدم بن أبي إياس في «تفسير مجاهد» (ص ٤٢٠)، والطبري ١٤/ ١٦٣ عن مجاهد: لا ينزل مَلَكٌ إلا معه رُوحٌ.\n(٦) لم أجده في «مجاز القرآن» لأبي عبيدة، ونقله عنه أيضًا: الثعلبي (ص ١٢٥)، والواحدي في «البسيط» (ص ٣٨٥).\n(٧) في (د): (وبشر).\n(٨) حصل سقط في (ب)، وجاء النص كالتالي: (... إلا أنا مما يبشر به وقيل أنذروا ...).\n(٩) في (د): (وقيل تقديره أنذروا أهل الكفر والمعاصي أنه ...).","vol":"1","page":1015},{"text":"وقيل: ﴿أَنْذِرُوا﴾: أَعْلِموا، من قولهم: نَذِرَ به، أي (١): عَلِمَ.\n﴿فَاتَّقُونِ (٢)﴾ فخافوني.\n﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ لا بالباطل، وقيل: معنى بالحق: ليعبدوني.\n﴿تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣)﴾ تنزه عن (٢) أن يكون له شريك.\n﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾ أي: نوع الإنسان.\n﴿مِنْ نُطْفَةٍ﴾ مني.\n﴿فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٤)﴾ قيل هذا مدحٌ له، أي: قوي على منازعة الخصوم يتبين الحق من الباطل، وقيل: هو ذَمٌّ، أي: يجادل أولياء الله وينكر الحق، وذكر الكلبي أنها نزلت في أُبيّ بن خلف، أخذ عظمًا باليًا ففتَّته، فقال: من يُحيي العظام وهي رميم (٣).\n﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ﴾ هي: الإبل والبقر والغنم.\n﴿فِيهَا دِفْءٌ﴾ ما يدفئ فيقي البرد من الأكسية والقُطُف وغيرها، وقيل: هو الملابس تمنع البرد والحرّ، واقتصر على ذكر (٤) أحد الضِّدَّيْن كقوله: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النمل: ٨١]، وقيل: هي البيوت المتخذة من أوبارها وأشعارها.\nالكلبي: دفء أولادها (٥).\nوقوله (٦): ﴿لَكُمْ﴾ يجوز أن يتعلَّق بِخَلَقها ويجوز أن يتعلَّق بما بعده، أي: لكم فيها دفء، وهذا أظهر لقوله: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ﴾.\nوقوله ﴿وَمَنَافِعُ﴾ أي نسلها ودرها وظهورها.\n﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٥)﴾ أي: ومنها ما تأكلون، وقيل: من لحومها تأكلون.\n﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ﴾ زينة وحُسْنُ منظر؛ لأن الإنسان يعجب (٧) به.\n_________\n(١) سقطت (أي) من (ب).\n(٢) سقطت (عن) من (د).\n(٣) نقله الماوردي ٣/ ١٧٩ عن الكلبي، وذكره الثعلبي (ص ١٢٥ - ١٢٦) بدون نسبة، وقال البغوي ٢/ ٦٠٥: الصحيح أن الآية عامة، وقد روي هذا الأثر عند بعض المفسرين في سبب نزول آخر سورة يس كما في «تخريج أحاديث وآثار الكشاف» للزيلعي ٣/ ١٦٧ (١٠٧٩).\n(٤) في (د): (على ذلك أحد).\n(٥) نقله الماوردي ٣/ ١٧٩ عن الكلبي بلفظ: الدفء صغار أولادها التي لا تركب.\nوهذا المعنى مرويٌّ عن ابن عباس وغيره، كما ذكر الواحدي في «البسيط» (ص ٣٨٩).\n(٦) في (ب): (وقيل) بدلًا من (وقوله).\n(٧) في (د): (يعجبه به).","vol":"1","page":1016},{"text":"﴿حِينَ تُرِيحُونَ﴾ تردونها من مراعيها إلى مَراحِها بالعِشي.\n﴿وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٦)﴾ تخرجونها بالغداة إلى مسارحها.\nقتادة: أعجب ما تكون الأنعام إذا راحت عظامًا ضروعها طوالًا أسنمتها (١).\nوالسَّرحُ: خروج الماشية إلى المراعى (٢) بالغداة، والإِراحةُ: رجوعها من المرعى عشيًا.\n﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ﴾ أمتعة السفر، وقيل: أحمالكم.\nالجرجاني: أبدانكم، قال: ومنه الثقلان للجنّ والإنس، ومنه قوله:\n﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (٢)﴾ [الزلزلة: ٢]، يعني: أبدان (٣) بني آدم (٤).\n﴿إِلَى بَلَدٍ﴾ هي المدينة.\nعكرمة: مكة (٥).\nوقيل: مصر (٦)، وقيل: هو على العموم.\n﴿لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾ القراءة بالكسر وهو المشقة.\nوالشقُّ: أحد نصفي الشيء.\nوقرأ يزيد (بِشَقِّ الأنفس) بالفتح (٧).\n_________\n(١) أخرجه الطبري ١٤/ ١٦٩ عن قتادة، وأخرج عبدالرزاق ١/ ٣٥٣ نحوه عن قتادة كذلك.\n(٢) في (ب): (المرعى).\n(٣) سقطت كلمة (أبدان) من (ب).\n(٤) هذا القول منسوب للجرجاني، وأظنه - والله أعلم - صاحب النظم، وقد ذكرت فيما سبق أنه الحسن بن يحيى، أبو علي الجرجاني، وهذا القول ذكره أبو حيان ٥/ ٤٦٢ دون نسبة.\n(٥) أخرجه الطبري ١٤/ ١٧٠ عن عكرمة.\n(٦) في (أ): (وقيل المصر ...).\n(٧) قرأ أبو جعفر يزيد بن القعقاع وحده بفتح الشين (بِشَقِّ الأنفس)، وقرأ باقي العشرة بكسر الشين (بِشِقِّ الأنفس).\nانظر: «المبسوط» لابن مهران (ص ٢٢٣).","vol":"1","page":1017},{"text":"قيل: هما لغتان، وقيل: الفتح مصدر شققت الشيء بنصفين (١)، والكسر بمعنى المشقة، وذهب بعضهم إلى أن معناه (٢): لم تكونوا بالغيه إلا بنصف النفس لذهاب نصفها بالتعب، أي: بنصف قوى أنفسكم، ومعنى ﴿لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ﴾ لا تسيرون إليه إلا بمشقة شديدة، فكيف كنتم تقدرون على نقل أمتعتكم، وقيل: ﴿إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾ لولاها، فحذف لولاها، لأن الحال يدل عليه.\n﴿إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٧)﴾ ومن رأفته خلق لكم ما خلق.\n﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ﴾ هي عطف على قوله: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا﴾.\n﴿لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ أي: لتركبوها ولتتزيَّنوا بها، فحذف اللام؛ لأن الأولى تدلُّ عليها.\nوقيل: وجعلها زينة.\nقال ابن عباس ﵄ (٣): ولحم الخيل حرامٌ؛ لأنها للركوب والزينة (٤).\nقال جابر ﵁: لحمه حلال، وقال (٥): كنا نأكل لحم الخيل على عهد رسول الله -ﷺ- (٦).\n﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨)﴾ بعد هذه الأشياء، فإن خلق الله في البر والبحر والهواء أكثر من أن يُعدّ ويُحصى.\nوروي عن النبي -ﷺ- أنه قال: (إن الله تعالى خلق أرضًا بيضاء مثل الدنيا ثلاثين مرة (٧) محشوة خلقًا من خلق الله لا يعلمون أن الله يعصى طرفة عين واحدة)، قالوا: يا رسول الله: أمِنْ ولد آدم؟ قال (٨): (مايعلمون أن الله خلق آدم)، قالوا (٩): فأين\n_________\n(١) هكذا في جميع النسخ (بنصفين) بالباء في أولها.\n(٢) في (د): (إلى أن المعنى).\n(٣) في (د) زيادة (ابن عباس والحكم).\n(٤) أخرجه الطبري ١٤/ ١٧٣ - ١٧٥ عن ابن عباس والحكم.\n(٥) في (ب): (وقال قتادة).\n(٦) أخرجه مسلم في صحيحه (١٩٤١)، وعبدالرزاق في «المصنف» (٨٧٣٣)، والطبري ١٤/ ١٧٦، والنسائي (٤٣٤٣)، وابن ماجه (٣١٩٧). وعن حكم لحم الخيل يمكن الرجوع إلى: «المحرر الوجيز» ٨/ ٣٧٥، و«الجامع» للقرطبي ١٢/ ٢٨١ - ٢٨٤.\n(٧) سقطت كلمة (مرة) من (أ).\n(٨) سقطت (قال) من (ب).\n(٩) سقطت (قالوا) من (د).","vol":"1","page":1018},{"text":"إبليس منهم؟ قال: (ما يعلمون أن الله خلق إبليس)، ثم قرأ رسول الله: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨)﴾ (١).\nمقاتل: إن من (٢) يمين العرش نهرًا من نور مثل السموات السبع والأرضين السبع والبحار السبع يدخله جبريل ﵇ كل سحر فيغتسل (٣) فيزداد نورًا إلى نوره وجمالًا إلى جماله وعِظَمًا إلى عظمه، ثم ينتفض فيخرج الله من كل قطرة تقع من ريشه كذا وكذا ألف مَلك، يدخل منهم كل يوم سبعون ألف ملك البيت المعمور وسبعون ألفًا الكعبة لا يعودون إلىه (٤) إلى أن تقوم الساعة (٥). قال الشيخ الإمام ﵀ (٦): ويحتمل أن السكوت عن تفسير ما يقول الله ﷿ فيه\n﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨)﴾ أولى.\n﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ بيان طريق الحق لكم وتبيينه.\nوالقصد: الطريق المستقيم.\n﴿وَمِنْهَا﴾ من (٧) السبيل.\n﴿جَائِرٌ﴾ عن الاستقامة مِعْوَجٌّ.\nمجاهد: طريق الحق (٨) على الله (٩).\nابن بحر: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ كقوله ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (١٤)﴾ [الفجر: ١٤].\nالمبرد: وعلى الله قبول قصد الإسلام والرضا به.\n﴿وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾ قيل: مِلل الكفر، وقيل: أهل الأهواء والبدع، وقيل: وعلى الله قصدُ الحق والحكم بين عباده.\nوفي مصحف عبد الله (ومنكم جائر) (١٠).\n﴿وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (٩)﴾ إلى قصد السبيل، وقيل: لوفَّقكم، وقيل: لأوصلكم إلى الجنة بغير استحقاق.\n﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾ من السحاب، وقيل: من جانب السماء، وقيل: من سماء الملائكة إلى السحاب ثم إلى الأرض.\n_________\n(١) أخرج نحوه من حديث ابن عباس: أبو الشيخ في «العظمة» (٩٨٢)، وهذا السياق الذي أورده الكرماني يشبه السياق الذي عند الماوردي ٣/ ١٨١.\n(٢) في (د): (إن عن).\n(٣) سقطت كلمة (فيغتسل) من (ب).\n(٤) سقطت (إليه) من (أ).\n(٥) هو من طريق مقاتل عن الضحاك عن ابن عباس كما ورد عند الثعلبي (ص ١٣١ - ١٣٢)، وقد ورد مرفوعًا، وهو حديث منكر كما قال جماعة من أهل العلم، كالحافظ عبدالغني المقدسي، وابن الجوزي.\nوقد أخرجه العقيلي في «الضعفاء» ٢/ ٥٩ - ٦٠، وابن عدي في «الكامل» ٣/ ١٤٤، وابن الجوزي في «الموضوعات» ١/ ٢١٨ - ٢٢٠.\nوقد أخرج البخاري (٣٢٠٧) من حديث مالك بن صعصعة الطويل قوله -ﷺ-: (فرفع لي البيت المعمور، فسألت جبريل فقال: هذا البيت المعمور يصلي فيه كل يوم سبعون ألف مَلك إذا خرجوا لم يعودوا إليه آخر ما عليهم) الحديث.\n(٦) سقط قوله (قال الشيخ الإمام ﵀) من (د)، وفي (ب): (قال الشيخ إن السكوت ...)، والمقصود هو المؤلف الكرماني.\n(٧) في (د): (عن السبيل).\n(٨) سقطت كلمة (الحق) من (د).\n(٩) أخرجه آدم بن أبي إياس في «تفسير مجاهد» (٤٢٠)، والطبري ١٤/ ١٧٨.\n(١٠) هو ابن مسعود، ونقل ذلك: عبدالرزاق ١/ ٣٥٤، والطبري ١٤/ ١٧٩، والثعلبي (ص ١٣٣)، وغيرهم.","vol":"1","page":1019},{"text":"﴿مَاءً﴾ مطرًا.\n﴿لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ﴾ أي: ماء مشروب.\n﴿وَمِنْهُ شَجَرٌ﴾ يريد ما ينبت المرعى، وكل ما ينبت على الأرض فهو (١) شجر، وأنشد الزجاج (٢):\nنَعْلُفُها اللحمَ إذا عزَّ الشَّجر ... والخيل في إِطْعامِهَا اللحمَ ضَرَر\nيريد بالشجر: النبات.\nوقيل: تقديره: لكم منه شراب ومنه شرب (٣) شجر.\n﴿فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠)﴾ ترعون إبلكم ومواشيكم (٤)، والسوم: من السُّومة، وهي العلامة، لأنها تؤثر في الأرض برعيها علامات، وقد سبق (٥).\n﴿يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ﴾ الحبوب.\n﴿وَالزَّيْتُونَ﴾ واحدها زيتونة (٦).\n﴿وَالنَّخِيلَ﴾ جمع نخل، كعبيد.\n﴿وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ الفواكه، وحمل كل شجرة (٧): ثمرتها.\n﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١١)﴾ ينظرون في حقائق الأشياء.\n﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ جعلهما متعاقبين لتنتفعوا بهما.\n﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ هيَّأهما لمنافع الخلق ولولاهما ما (٨) كان نهار ولا حيوان ولا\n_________\n(١) سقط قوله (فهو) من (ب).\n(٢) انظر: «معاني القرآن» للزجاج ٣/ ١٩٢.\nوقائل البيت هو: النمر بن تَوْلَب، كما في «اللسان» (هشش)، والبيت فيه كالتالي:\nوالخيل في إطعامها اللحم ضرر ... نطعمها اللحم إذا عزَّ الشجر\n(٣) سقطت كلمة (شرب) من (ب)، وسترد بعد قليل في غير مكانها.\n(٤) في (ب): (وشرب مواشيكم)، وانظر الهامش السابق.\n(٥) سبق أثناء تفسيره للآية (١٤) من سورة آل عمران (والخيل المسومة).\n(٦) في (ب): والزيتون جمع زيتونة).\n(٧) في (أ): (شجر).\n(٨) في (أ): (لما).","vol":"1","page":1020},{"text":"معايش (١).\n﴿وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ﴾ إنما (٢) أعاد ذكر المسخرات لأن المعنى مسخَّرة لله سخَّرها لكم، ومَنْ رَفَعَها جعلها استئنافًا (٣).\n﴿بِأَمْرِهِ﴾ بصنعه وتقديره.\n﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٢)﴾ لأن بالعقل يُهتدى إلى دلائلها، وجمع (٤) الآيات لتقدم المسخرات وكذلك الثانية (٥).\n﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ﴾ أي: خلقه لكم، والذرء: إظهار الشيء بإيجاده، تقول: ذَرَأَه يَذْرأه ذَرْءًا، وملح ذَرْآنِيّ: ظاهر البياض.\n﴿فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ﴾ أصنافه، وقيل: ألوانه من البياض والسواد، وقيل: يريد الحيوان والجماد فإنها كلها منتفعٌ بها في الأطعمة والأشربة والأدوية والأمتعة.\n﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٣)﴾ يتَّعظون.\n﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ يريد أنواع صيد السمك.\n﴿وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ هي اللآليء تُنْظَم فتصير ملبوسًا، وقيل:\n_________\n(١) في (د): (معاش).\n(٢) سقطت (إنما) من (د).\n(٣) قرأابن عامر (والشمسُ والقمرُ والنجومُ مسخراتٌ) كله بالرفع، وقرأ عاصم في رواية حفص (والشمس والقمر) بالنصب (والنجومُ مسخراتٌ) بالرفع، وقرأ باقي العشرة (والشمسَ والقمرَ والنجومَ مسخراتٍ) كله بالنصب.\nانظر: «المبسوط» لابن مهران (ص ٢٣٣).\n(٤) في (ب): (وجميع).\n(٥) قال السمين الحلبي في «الدر المصون» ٧/ ٢٠٠: (وجمع (آيات) في الثانية دون الأولى والثالثة؛ لأن ما نيط بها أكثر، ولذلك ذكر معها العقل)، أو يكون قصد الكرماني أنه سيأتي موطن ثانٍ في هذه السورة وردت فيه (الآيات) مجموعة لتقدم (مسخرات) عليها، وهي جمع، انظر الآية (٧٩) من السورة.","vol":"1","page":1021},{"text":"اللؤلؤ والمرجان.\n﴿وَتَرَى الْفُلْكَ﴾ السُّفن.\n﴿مَوَاخِرَ فِيهِ﴾ في البحر (١) جواري، والمَخْرُ: شقّ الماء من يمين وشمال،\nوهي ماخرة والجمع مواخر، وقيل: المخر استدبار الريح، ومنه قوله: (استمخروا الريح وأعدوا النُّبَل) (٢)، يعني عند البول، وقيل: المخر: صوت هبوب الريح إذا اشتد (٣) الهبوب.\nوقيل: المخر: القطع للشيء (٤) والدخول فيه.\nمقاتل: ﴿مَوَاخِرَ﴾: مُقبلة ومُدبرة بريحٍ واحدة (٥).\nالحسن: مواقر (٦).\nالفراء والأخفش: تشقُ الماء بِجُؤْجُئْها (٧).\n_________\n(١) في (د): (... السفن فيه في البحر مواخر جواري)، والآية (مواخر فيه).\n(٢) هو حديث سراقة بن مالك مرفوعًا، وقد تكلم عليه ابن أبي حاتم في «العلل» (٧٥)، وذكر الحافظ ابن حجر في «التلخيص» ١/ ١٨٨ - ١٨٩ (١٣٧) أن عبدالرزاق أخرجه في «المصنف»، وقال الحافظ ابن حجر ١/ ١٩٠: (تنبيه: قال الخطابي: والنُّبلَ بضم النون وفتحها، وأكثر الرواة يروونها بالفتح، والضم أجود، وهي الأحجار الصغار التي يستنجى بها).\n(٣) في (د): (اشتدت).\n(٤) في (ب): (قطع الشيء).\n(٥) انظر: «تفسير مقاتل» ٢/ ٤٦١.\n(٦) أخرجه الطبري ١٤/ ١٨٦، ونقله الثعلبي (ص ١٣٦)، والماوردي ٣/ ١٨٢، قال البغوي ٢/ ٦٠٨: أي مملؤة.\n(٧) قال الفراء في «معاني القرآن» ٢/ ٩٨: (مواخر فيه: واحدها ماخرة، وهو صوت جَري الفلك بالرياح)، ولعل الكرماني نقل هذه الأقوال عن الثعلبي (ص ١٣٦) فإنها فيه بنفس اللفظ، إلا أنه قال: (بجناحيها)، وجؤجؤ السفينة: صدرها.","vol":"1","page":1022},{"text":"وقيل: صوايح (١)، وقيل: معترضة.\n﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ من سعة رزقه بالتجارة (٢) والقصد إلى البلاد الشاسعة.\n﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٤)﴾ أي: تشكرون الله على ما أنعم به عليكم.\n﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ الإلقاء عند بعض النحويين: من اللقية؛ لأن معنى الإلقاء: جعل الشيء مماسًّا لغيره.\nوالرَّواسي: الثَّوابت.\nوالميْد: الميل.\nوالمعنى: خلق الله في الأرض جبالًا كراهة أن تميد وتضطرب (٣) بكم.\nوعند الكوفيين: لأن لا تميد بكم (٤).\nقال وهب: لما خلق الله الأرض جعلت تمور، فقالت الملائكة: إن هذه غير مقرة أحدًا على ظهرها، فأصبحت وقد أرسيت بالجبال لم تدر الملائكة مم خلقت الجبال (٥).\n﴿وَأَنْهَارًا﴾ أي: وجعل فيها أنهارًا (٦)، جمع نهر.\n﴿وَسُبُلًا﴾ طرقًا.\n﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥)﴾ لمقاصدكم، وقيل: لتهتدوا إلى توحيد ربكم.\n_________\n(١) هكذا واضحة في (أ)، وفي (ب) بدون نقط، وفي (د) كأنها: صوالح، ولم يظهر لي معناها بعد طول تتبع لمعاجم اللغة، وعند الثعلبي (صوائخ)، وفي نسخة (صوالح) وأخرى (صوئح) و(موائح)، وعند الواحدي في «البسيط» (ص ٤٠١): (صوائح)، فالله أعلم.\n(٢) في (ب): (في التجارة).\n(٣) في (أ): (تميل وتضرب).\n(٤) انظر: «البسيط» للواحدي (ص ٤٠٣)، وفي النسخ الثلاث (لأن لا) بدلًا من (لئلا).\n(٥) ذكره الثعلبي (ص ١٣٧) عن وهب، وأخرج عبدالرزاق ١/ ٣٥٤، والطبري ١٤/ ١٩٠ نحوه عن الحسن.\n(٦) في (ب): (... فيها الأنهار).","vol":"1","page":1023},{"text":"﴿وَعَلَامَاتٍ﴾ ابن عيسى: العَلامَة صورة يُعلم بها المعنى من خطٍّ أو لفظٍ أو إشارةٍ أو هيئة (١). والمراد بها هاهنا معالم الطريق.\nوقيل: هي الجبال.\nوانتصابها على هذا القول بالعطف على موضع ﴿أَنْ تَمِيدَ﴾، وتقدير الكلام: ألقى رواسي (٢) لئلا تميد ولتكون علامات لطرقكم بالنهار.\nوقيل: هي النجوم.\n﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦)﴾ أي: في الليل (٣)، ومن جعل العلامات النجوم فكأنه (٤) قال: وبِهَا هُم (٥) يهتدون، فَصَرَّح.\nوالنجم: اسم الجنس، والمراد به الجميع، وقيل: المراد به هاهنا (٦) الجدي، وهو السابع من بنات النعش الصغرى، والفرقدان الأولان منها، وليس بالجدي الذي هو المنْزِل، وبعضهم يصغر هذا فيقول: جُدَيّ (٧).\nقال ابن عباس ﵄: قال (٨) سألت رسول الله -ﷺ- عن قوله تعالى:\n﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦)﴾ قال: (هو الجدي يا ابن عباس عليه قبلتكم وبه تهتدون في برِّكم وبحرِكم) (٩).\nوروي أيضًا: (الجدي والفرقدان).\nقال قتادة: إنما خلق الله النجوم لثلاثة أشياء: زينة السماء، ومعالم الطرق، ورجومًا للشياطين، فمن قال غير هذا فقد قال رأيه وتكلَّف مالا عِلْمَ له به (١٠).\n﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ﴾ وهو الله سبحانه، وقد سبق ذكر بعض (١١) ما خلق الله في السورة.\n﴿كَمَنْ لَا يَخْلُقُ﴾ وهو الصنم، فإنه جماد موات، وعبَّر عنه بمن ازدواجًا للكلام (١٢) وبناءً على زعم الكفار.\n_________\n(١) انظر: «الجامع في علوم القرآن» (ق ٧٦/أ) لعلي بن عيسى الرماني.\n(٢) في (د): (ألقى في الأرض رواسي).\n(٣) في (د): (بالليل).\n(٤) في (د): (فكأنها).\n(٥) في (ب): (وبها يهتدون).\n(٦) في (د): (هنا).\n(٧) قال في «اللسان» (جدا) نقلًا عن ابن سيده: (الجَدْيُ من النجوم جديان: أحدهما الذي يدور مع بنات نعْشٍ، والآخر الذي بِلِزْقِ الدَّلو، وهو من البروج، ولا تعرفه العرب).\n(٨) هكذا في النسخ الخطية الثلاث (قال ... قال).\n(٩) ذكره الماوردي ٣/ ١٨٢ - ١٨٣، وعنه القرطبي ١٢/ ٣٠٦، وقال أبو حيان ٥/ ٤٦٧: (ولو صح هذا لم يعدل أحد عنه)، ولم أجده مسندًا بعد البحث.\n(١٠) أخرجه الطبري ١٤/ ١٩٣.\n(١١) سقطت كلمة (بعض) من (د).\n(١٢) في (د): (بالكلام).","vol":"1","page":1024},{"text":"وقيل معناه: أن الحيّ المميز الذي ليس بخالق ليس كالذي هو خالق، فكيف الجماد.\n﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٧)﴾ فتعرفوا فساد ما أنتم عليه.\n﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ المراد بها النِّعم، والمضاف قد يأتي للجنس.\n﴿لَا تُحْصُوهَا﴾ لا يمكنكم عدّها لكثرتها، وقيل: ﴿لَا تُحْصُوهَا﴾: لا تطيقوا أداء شكرها.\n﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ﴾ لمن قصَّر في شكرها.\n﴿رَحِيمٌ (١٨)﴾.\n﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (١٩)﴾ أي (١): لا يخفى عليه شكر الشاكر وكفر الكافر.\n﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾ لأنها موات عجزة.\n﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠)﴾ لأنها من جنس الأرض.\n﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾ أي: هي موات ليس فيها أرواح، وقوله ﴿غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾ تأكيد لنفي مجاز يستعمل، وهو أن الحي قد يُسمى ميتًا، نحو قوله ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠)﴾ [الزمر: ٣٠]، أي: في حكم الأموات.\n﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٢١)﴾ فيه قولان:\nأحدهما: لا يعلم الكافرون متى يبعثون.\nوالثاني: لا تعلم الأصنام متى تُبعث.\n﴿إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ الخطاب عام، والمعنى: معبودكم (٢) المستحقّ للعبادة معبودٌ واحدٌ وهو الله ﷿.\n﴿فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ هم الكفار.\n﴿قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ﴾ لتوحيد الله غير عارفة به (٣).\n﴿وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٢٢)﴾ عن الإيمان بمحمدٍ واتباعه.\n﴿لَا جَرَمَ﴾ حقًا.\n﴿أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ (٢٣)﴾ أن الله يعلم محله رفع بالمصدر.\nوعند الزجاج: (لا) للرد، و(جرم) فعل (٤).\n_________\n(١) لم ترد (أي) في (ب).\n(٢) في (د): (معبودبكم).\n(٣) في (د): (عارفة له).\n(٤) انظر: «معاني القرآن» للزجاج ٣/ ١٩٤.","vol":"1","page":1025},{"text":"﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ لهؤلاء الكفار.\n﴿مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ﴾ ما الذي أنزله الله على محمد.\n﴿قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٤)﴾ أي: ما دوَّنته الأوائل في كتبهم، ومثله: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا﴾ [الفرقان: ٥] الآية.\nقال الزجاج: (ما) مبتدأة، و(ذا) في معنى الذي، قال: وأساطير مرفوعة على الجواب (١)، كأنهم قالوا: أنزل أساطير، أي: الذي تذكرون أنتم أنه مُنْزِلُ أساطير الأولين، أي: أكاذيب الأولين (٢).\nقال الشيخ ﵀ (٣): ويحتمل وجهًا آخر، وهو أنهم أعرضوا عن الجواب إنكارًا للإنزال، وقالوا: هو أساطير الأولين، بخلاف قول المؤمنين فإنهم قالوا في الجواب (٤) خيرًا، أي: أنزل خيرًا، كما في الآية بعدها.\n﴿لِيَحْمِلُوا﴾ اللام لام العاقبة، أي: مآل فعلهم هذا العذاب.\nقال الشيخ ﵀ (٥): ويحتمل أنه لام الأمر، ومثله (٦) في المعنى ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣].\nوقوله ﴿أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أي: آثامهم تامة لا ينقص شيء منها (٧) بالتوبة والحسنات.\n_________\n(١) في (ب): (مرفوعة بالجواب)، وسقط قوله (كأنهم قالوا أنزل أساطير) من (ب).\n(٢) انظر: «معاني القرآن» للزجاج ٣/ ١٩٤.\n(٣) قوله (قال الشيخ ﵀) لم يرد في (د).\n(٤) قوله (في الجواب) سقط من (ب).\n(٥) قوله (قال الشيخ ﵀) لم يرد في (د).\n(٦) سقطت (ومثله) من (أ).\n(٧) في (د): (لا ينقص منها شيء بالتوبة ...).","vol":"1","page":1026},{"text":"﴿وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ لأنهم تسبَّبوا إلى إضلالهم (١)، فللمضلِّلين (٢) مثل وِزر الضَّالين من غير أن ينقص من وِزْرِهم (٣) شيء، وقيل: للضَّالين مثل وِزر المضلِّين (٤) لطاعتهم، حكاه أقضى القضاة (٥).\nقوله ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ بتقليد من غير استدلال، وقيل: بغير علم بما تحملوه من أوزار الضالين.\n﴿أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٢٥)﴾ ساء يجري مجرى بئس، و﴿مَا يَزِرُونَ (٢٥)﴾ محله رفع؛ لأنه فاعل ساء، والمذموم محذوف دلَّ عليه ما قبله.\n﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾ جمهور المفسرين على أن المراد به نمروذ بن كنعان حين رَامَ صعود السماء بفراخ النسور فعجز عن ذلك على ما سبق آخر سورة إبراهيم (٦)، بنى الصَّرح ببابل ورام منه الصعود إلى السماء ينظر (٧) إلى إله إبراهيم.\nقال ابن عباس ﵄: كان طول الصَّرح في السماء خمسة آلاف ذراع (٨).\nمقاتل وكعب: كان (٩) طوله فرسخين فهبت ريح وألقت رأس (١٠) الصَّرح في\n_________\n(١) في (ب): (ضلالتهم)، وفي (د): (ضلالهم).\n(٢) في (د): (فللمضلين).\n(٣) في (ب): (من أوزارهم).\n(٤) سقط قوله (مثل وزر المضلين) من (أ).\n(٥) انظر: «النكت والعيون» للماوردي ٣/ ١٨٤.\n(٦) عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ﴾ [الآية ٤٦].\n(٧) في (د): (ينظر زعم إلى ...).\n(٨) نقله الثعلبي (ص ١٤١) عن ابن عباس مقرونًا بوهب بن منبه.\n(٩) سقطت (كان) من (أ).\n(١٠) تكررت كلمة (رأس) في (ب) مرتين.","vol":"1","page":1027},{"text":"البحر، وحز (١) عليهم الباقي وائتفكت بيوتهم فأحدث نمروذ وتبلبلت ألسن الناس يومئذ من الفزع فتكلَّموا بثلاثة وسبعين لسانًا، ولذلك سُمِّي (٢) بابل، وإنما كان لسان الناس قبل ذلك بالسريانية، وبلاه الله (٣) في نفسه ببعوضة دخلت دماغه وكَبُرَت فيه فمكثَ في ذلك أربعمائة سنة تضرب رأسه بالمطارق. وذهب بعض المفسرين إلى أن المراد به بختنصر (٤).\nوذهب ابن بحر والزجاج: إلى أن هذا مَثَل، جعلت أعمالهم التي عملوها بمنزلة الباني بناء يسقط عليه، فمضرّة عملهم كمضرة بناء الباني إذا سقط عليه (٥).\nقوله: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾ قَلَعَهُ من أصله، وأتَاه بأن أزاله، والبنيان مصدر بنيت، والقواعد: جمع قاعدة.\nالمبرد: قصد لإهلاكه من الأساس.\nوقيل: من (٦) الأساطين.\n﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ﴾ أعلى البيوت، ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ أي: كانوا تحتها، وقيل: أتاهم العذاب من السماء.\n﴿وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٢٦)﴾ أي: من مأمنهم.\n﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ﴾ يُهينهم ويفضحهم على رؤوس الخلائق ويعذبهم\n_________\n(١) في (ب): (وألقى عليهم ...).\n(٢) في (د): (سميت).\n(٣) سقط لفظ الجلالة من (د).\n(٤) في (أ): (إلى أنه أراد به بختنصر).\nوانظر للأقوال في الآية: الطبري ١٤/ ٢٠٢، والثعلبي (ص ١٤١)، وهوالذي نقل عنه الكرماني هذه الأقوال عن ابن عباس ومقاتل وكعب، وابن الجوزي ٤/ ٤٤٠، والألوسي ١٤/ ١٢٦.\n(٥) إنما نقله الزجاج في «معاني القرآن» ٣/ ١٩٥ كقول في الآية ولم يظهر لي أنه مذهبه.\n(٦) سقطت (من) من (د).","vol":"1","page":1028},{"text":"بأنواع من العذاب سوى ما عذبوا به في الدنيا.\n﴿وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ﴾ أي: النبي والمؤمنين.\n﴿فِيهِمْ﴾ أي: تخالفونهم، وقيل: تعادونهم.\nوقيل: تحاربون، والأصل أن يكونوا في شق غير شق المؤمنين.\nوقرأ نافع بكسر النون (١)، وتقديره: تشاقونني، فحذف النون الأولى تخفيفًا.\nقال (٢):\nيَسُوءُ الفالياتِ إذا فَلَيْني.\nأي: فلينني، فحذف تخفيفًا.\n﴿قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ يعني الملائكة.\nالحسن: المؤمنين (٣).\n﴿إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ﴾ الذِّلَّة.\n﴿وَالسُّوءَ﴾ العذاب.\n﴿عَلَى الْكَافِرِينَ (٢٧)﴾.\n﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ تقبض أرواحهم بأمر الله.\nالحسن: تتوفَّاهم إلى النار، أي (٤): تحشرهم إليها (٥)، والمتوفِّي هو الله سبحانه لقوله: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر: ٤٢]، وليس بينهما تنافٍ، لأن\n_________\n(١) قرأ نافع وحده (تُشاقون فيهم) بكسر النون، وقرأ باقي العشرة بفتح النون. انظر: «المبسوط» لابن مهران (ص ٢٢٤).\n(٢) القائل هو: عمرو بن معد يكرب، وصدر البيت: (تراه كالثَّغامِ يُعَلُّ مِسْكًا).\nانظر: «اللسان» (فلا).\n(٣) ذكره الثعلبي (ص ١٤١) دون نسبة، ونسبه ابن عطية ٨/ ٤٠٢ إلى يحيى بن سلام.\n(٤) سقطت (أي) من (ب).\n(٥) انظر: «تفسير كتاب الله العزيز» لهود الهواري ٢/ ٣٦٧.","vol":"1","page":1029},{"text":"الملائكة يتولون ذلك بأمر الله، فجاز إسناده إلى الله؛ لأنه بأمره وقدرته، وجاز إضافته إلى الملائكة لكونهم مباشرين لذلك.\nوقيل: أسباب التوفِّي بالملائكة وإتمام التوفِّي بالله سبحانه.\n﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: وهم قد ظلموا أنفسهم.\nعكرمة: نزلت في قوم أسلموا بمكة ولم يهاجروا فأخرجهم قريش إلى بدر كرهًا فقتلوا (١).\nومعنى ﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ في مقامهم بمكة وتركهم الهجرة.\n﴿فَأَلْقَوُا السَّلَمَ﴾ الصلح.\nالأخفش: الاستسلام (٢).\nمقاتل: الخضوع (٣).\nوالمعنى: انقادوا له حين عاينوا الموت قد نزل بهم، وقيل معناه: لما عاينوا وزال شكّهم أظهروا الإيمان والإسلام وهو إلقاء السلم والخروج من العداوة.\n﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾ أي: يقولون للملائكة ما كنا نعمل من سوء، أي: كفر (٤) ومعصية، وقيل معناه: من سوء في معتقدنا؛ لأنا لو علمنا الكفر سوءًا ما اخترناه، والقيامة لا يكذب فيها.\n﴿بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨)﴾ أي: فتجيبهم الملائكة: بلى، أي (٥): كنتم\n_________\n(١) أخرجه الطبري ١٤/ ٢٠٨ - ٢٠٩.\n(٢) نسب الماوردي ٣/ ١٨٦ القول الأول للأخفش، أي: الصلح، ونسب القول بأنه الاستسلام لقطرب، بينما نسب لمقاتل القول بأنه الخضوع كما ذكر الكرماني، بينما ذكر أبو حيان ٥/ ٤٧٢ أن قول الأخفش: الاستسلام.\n(٣) في «تفسير مقاتل» ٢/ ٤٦٦: الخضوع والاستسلام.\n(٤) في (أ): (من كفر).\n(٥) سقطت (أي) من (أ)، وفي (ب): (إن).","vol":"1","page":1030},{"text":"كافرين والله يعلم كفركم ومعاصيكم.\n﴿فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ﴾ قيل: دركاتها، وقيل: أصنافها، كما يقال: فلان ينظر في باب من العلم، أي: صنف.\nوقيل: هذا عام لأصناف الكافرين، كقوله: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (٤٤)﴾ [الحجر: ٤٤].\nوقيل: المراد به عذاب القبر، فقد جاء في الخبر: (القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران) (١).\nوقيل: يخاطبون به عند البعث.\n﴿خَالِدِينَ﴾ أي: ناوين الخلود ومقدرين.\n﴿فِيهَا﴾ في جهنم، وقيل: في الأبواب فيمن جعلها الدركات وألوان العذاب.\n﴿فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٢٩)﴾ المتعظمين من اتباع محمد -ﷺ- جهنم وأبوابها.\n﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ يعني: المؤمنين من أهل مكة.\n﴿مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ﴾ على محمد.\n﴿قَالُوا خَيْرًا﴾ أي: أنزل خيرًا، وهو القرآن الجامع لجميع الخيرات، وقيل:\n_________\n(١) روي هذا الحديث من طريق أبي سعيد الخدري، رواه الترمذي (٢٤٦٠)، وقال الترمذي: (هذا حديث غريب)، وقال الألباني: ضعيف جدًا.\nوروي الحديث من مسند أبي هريرة، أخرجه الطبراني في «الأوسط» (٨٦١٣)، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» ٣/ ٤٦: (فيه محمد بن أيوب بن سويد وهو ضعيف).\nوذكر الزبيدي في «إتحاف السادة المتقين» ٦/ ٣٠١ أن الحديث ورد أيضًا عن ابن عمر وأخرجه ابن أبي الدنيا والبيهقي في الشعب، ولم أقف عليه مسندًا.\nويغني عن هذا الحديث قوله -ﷺ-: (إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، فيقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله إلى يوم القيامة) أخرجه البخاري (١٣٧٩) من حديث عبدالله بن عمر ﵄.","vol":"1","page":1031},{"text":"﴿خَيْرًا﴾: ثوابًا لمن آمن بالله (١)، ولو قُرئ خير بالرفع على تقدير: الذي أنزله خير، لكان له وجه، ولكن لما كان الرَّفع يحتمل وجهين على ما ذكرت صار إلى الوجه الذي لا يحتمل إلا وجهًا واحدًا (٢).\n﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا﴾ أي: آمنوا وعملوا الصالحات، وقيل: قالوا لا إله إلا الله.\n﴿حَسَنَةٌ﴾ ثواب مضاعف، وقيل: أمن وغنيمة (٣) وأهل ومال.\nوقيل: هو بدل من خير.\nوقيل: استئناف.\n﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ﴾ النشأة الآخرة والحياة (٤) الآخرة.\n﴿خَيْرٌ﴾ من الدار (٥) الدنيا، وقيل: الجنة خير من النار.\n﴿وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ (٣٠)﴾ الدار الآخرة، وقيل: ولنعم دار المتقين الدنيا (٦) يتزودون منها (٧) للأخرى.\nوقيل: لنعم (٨) دار المتقين: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾.\nوقيل: هي جنات عدن.\n_________\n(١) لم يرد لفظ الجلالة في (ب).\n(٢) قد قرأ زيد بن علي (خيرٌ) بالرفع كما ورد في «الدر المصون» ٧/ ٢١٤.\n(٣) في (د): (وقيل غنيمة ...) فحصل فيها سقط.\n(٤) في (ب): (وقيل الحياة الآخرة).\n(٥) في (أ): (من دار ...).\n(٦) حصل سقط في (د)، حيث سقط قوله (الدار الآخرة وقيل ولنعم دار المتقين).\n(٧) في (ب): (فيها).\n(٨) سقطت (لنعم) من (د).","vol":"1","page":1032},{"text":"وقيل: رفع بالابتداء.\n﴿يَدْخُلُونَهَا﴾ خبره.\n﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ أي: منابعها من تحت أشجارها، وقد سبق (١).\n﴿لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ﴾ يشتهون.\n﴿كَذَلِكَ﴾ مثل هذا الجزاء وهو الجنة.\n﴿يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ (٣١)﴾.\n﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ﴾ مؤمنين.\nابن عيسى: صالحين بأعمالهم الحسنة (٢).\nوقيل: ﴿طَيِّبِينَ﴾: فرحين ببشارة الملائكة إياهم بالجنة، وقيل: طيب الله أنفسهم بنظافة الإيمان وطهارة الإسلام.\nمجاهد: طيبون (٣) إذا ناموا أحياء وإذا ماتوا (٤) قدَّر الله لهم ذلك (٥).\n﴿يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ﴾ أي: تقول الملائكة، والسلام تبشير بالجنة، وقيل: إعلام بالموت.\n﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ قيل: معناه: أبشروا بالجنة، وقيل: يقال لهم في الآخرة ادخلوا الجنة.\n﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٢)﴾ بسبب عملكم، وقيل: بدل عملكم.\n﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ أي: ما ينتظر الكفار الذين تقدم ذكرهم، والمعنى: يلحقهم لا\n_________\n(١) سبق أثناء تفسير الآية (٢٥) من سورة البقرة.\n(٢) انظر: «الجامع في علوم القرآن» لعلي بن عيسى الرماني (ق ٨٢/أ) وعنده: بأعمالهم الجميلة.\n(٣) في (د): (هم طيبون).\n(٤) سقطت كلمة (ماتوا) من (ب).\n(٥) أخرجه الطبري ١٤/ ٢١٢ - ٢١٣، وزاد السيوطي ٩/ ٤٤ نسبته لابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"1","page":1033},{"text":"محالة لحوق المنتظر وإن لم يكونوا منتظرين.\n﴿إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ لقبض (١) أرواحهم.\n﴿أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ يعني يوم القيامة.\nالزجاج: ﴿أَمْرُ رَبِّكَ﴾: عذابه الذي أوعدهم وتأخَّر عنهم (٢).\nوقيل: تأتيهم الملائكة بما وعدهم من العذاب يوم القيامة ويأتي أمر ربك بذلك، فيكون ﴿أَوْ﴾ بمعنى الواو على هذا القول.\n﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ استبطؤا العذاب كاستبطاء هؤلاء، وقيل: انتظروا انتظار هؤلاء.\nوقيل: كفروا كفر هؤلاء.\n﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٣٣)﴾ بكفرهم ومعصيتهم.\n﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا﴾ أي: جزاء أعمالهم السيئة، وفيه تقديم وتأخير، أي: فأصابهم سيئات ما كسبوا وما ظلمهم الله.\n﴿وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٣٤)﴾ وأحاط بهم جزاء استهزائهم، والحيق: الإحاطة بالشيء، لا يُستعمل إلا في الشر (٣).\n﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي: ما أشركنا بعبادة الأوثان.\n﴿نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ يعني: السائبة والوصيلة وغيرها.\nوللمفسرين في هذا قولان:\n_________\n(١) في (ب): (يريد لقبض أرواحهم).\n(٢) انظر: «معاني القرآن» للزجاج ٣/ ١٩٦ بنحوه.\n(٣) في (ب): (إلا للشر).","vol":"1","page":1034},{"text":"أحدهما: مذهب السنة (١) والجماعة، وهو أنهم قالوا هذا الكلام (٢) استهزاء ولو قالوه اعتقادًا لكان إيمانًا.\nوالثاني: أنهم فعلوا خلاف (٣) ما شاء الله، وليس هذا المذهب (٤).\n﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: كذبوا الرسل وحرَّموا الحلال وقالوا (٥) مثل قولهم استهزاء.\n﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٣٥)﴾ البلاغِ بمعنى الإبلاغ، كالطاقة والجابة والطاعة، وقيل: البلاغ مصدر بلغ بلوغًا وبلاغًا، وإذا بَلَّغَ الرسولُ فالإيمان به واجب، والبلاغ يأتي بمعنى البُلْغَة، وهو الاجتزاء في الوصول إلى الشيء.\n﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾ قيل: هذا عام في كل الأمم؛ لأن من بلغته دعوة نبي وخبر شرعه فقد بلغه النبي، يريد (٦): كما بعثت إلى أمتك.\nوقيل: أراد بها الأمم المهلكة.\n﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ أي: بأن (٧) وحدوه.\n﴿وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ الشيطان وكل ما يُعبَد من دون الله، مشتقٌّ من الطغيان، أي: تباعدوا من إغوائه.\n﴿فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ﴾ وفَّقهم للإيمان وهم المؤمنون.\n_________\n(١) في (أ): (مذهب أهل السنة).\n(٢) في (أ): (كلام) بدون (ال).\n(٣) سقطت (خلاف) من (د).\n(٤) القول الثاني هو قول القدرية، وقد أبطله الزجاج في «معاني القرآن» ٣/ ١٩٧، والسمعاني في «تفسير القرآن» ٣/ ١٧١.\n(٥) في (د): (... الحلال وقيل مثل ...).\n(٦) في (د): (وقد) بدلًا من (يريد).\n(٧) في (أ): (أن) بدون حرف الباء.","vol":"1","page":1035},{"text":"﴿وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾ بالقضاء السابق فحاد عن قصد السبيل، وقيل: ﴿حَقَّتْ﴾: وجب عليه العذاب، فالضلال (١) هاهنا العذاب.\nوقيل: الضلال عن طريق الرحمة.\n﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ خطاب لأمة محمد -ﷺ-.\n﴿فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)﴾ قوم عاد وثمود وغيرهم (٢)، وقيل: معنى سيروا في الأرض: اقرؤا القرآن فتعرَّفوا كيف حال عاقبتهم.\n﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ﴾ إن تطلب هداهم أشدّ الطلب.\n﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ أي: من أضله الله بخذلانه لا يوفقه لهدايته، وقيل: ﴿لَا يَهْدِي﴾ أي (٣): لا يهتدي، وقرئ (لا يُهْدى) (٤)، أي: من يضله لا يهدى، أي: لا يهديه أحد، كقوله ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ﴾ [الأعراف: ١٨٦].\n﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٣٧)﴾ من ينصرهم من عذاب الله ويمنعهم عنه (٥).\n﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ في سبب النزول: قال الربيع بن أنس عن أبي العالية: كان لرجل على رجل من (٦) المشركين دَيْنٌ فأتاه يتقاضاه فكان فيما تكلم به: والذي أرجوه بعد الموت، فقال المشرك: وإنك لتزعم أنك تبعث بعد الموت، فأقسم بالله لا يبعث الله من يموت، فأنزل الله هذه الآية (٧).\nأي: حلفوا بأغلظ الأيمان وهو ما ليس فوقه مزيد، وقيل: جَهْدَ اليمين: ما ليس باللغو، ﴿لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾: لا يحيي الله أحدًا بعد موته.\nقال قتادة: ذكر لنا أن رجلًا قال لابن عباس: إن ناسًا من العراق (٨) يزعمون إن عليًّا مبعوث قبل يوم القيامة ويتأوَّلون هذه الآية، فقال ابن عباس: كذب ابن الإماء، إن هذه الآية عامة للناس، لو كان عليٌّ مبعوثًا قبل يوم القيامة ما أنكحنا نسائه ولا قسمنا ميراثه (٩).\n﴿بَلَى﴾ إثبات لما نفوه، أي: ليبعثن، وقيل: قل (١٠) يا محمد بلى.\n﴿وَعْدًا﴾ أي: وعد ذلك وعدًا.\n﴿عَلَيْهِ﴾ قيل: منه، وقيل: عليه إنجازه.\n﴿حَقًّا﴾ وصف للوعد (١١)، والوعد الحق: ما قرن بالإنجاز.\n_________\n(١) في (ب): (وقيل (حقلت عليهم) وجبت والضلال هاهنا ...).\n(٢) في (أ) زيادة (... وثمود وصالح وغيرهم).\n(٣) سقطت (أي) من (ب).\n(٤) قرأ أبو جعفر ونافع وابن كثير وابن عامر وأبوعمرو ويعقوب (لا يُهْدَى) بضم الياء وفتح الدال، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي وخلف (لا يَهْدِي) بفتح الياء وكسر الدال.\nانظر: «المبسوط» لابن مهران (ص ٢٢٤).\n(٥) في (ب): (منه).\n(٦) سقط قوله (رجل من) من (أ).\n(٧) أخرجه الطبري ١٤/ ٢٢٠ - ٢٢١، وزاد السيوطي ٩/ ٤٦ نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\nوذكره الواحدي في «أسباب النزول» (ص ٤٦٢).\n(٨) في (د): (بالعراق).\n(٩) أخرجه عبدالرزاق ١/ ٣٥٥، والطبري ١٤/ ٢١٩ - ٢٢٠.\n(١٠) كلمة (قل) سقطت من (ب).\n(١١) في (أ): (وصف الوعد).","vol":"1","page":1036},{"text":"﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٨)﴾ أنه وعد لا يأتي عليه خلف.\nوروى الثعلبي في تفسيره أن في الخبر أن الله تعالى يقول: (كذَّبني ابن آدم ولم يكن له أن يكذِّبني، وشتمني ابن آدم ولم ينبغ له أن يشتمني، فأما تَكذِيْبُه إيَّاي فحلفه أنِّي (١) لا أبْعَثُ الخلق، وأما شَتْمُه (٢) إيَّاي فقوله: اتَّخذ الله ولدًا، وأنا الواحد الصَّمد، لم ألِدْ ولم أُوْلَد، ولم يكنْ لي كُفُوًا أحد) (٣).\n﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ (٣٩)﴾ بلى (٤) يبعثهم ليظهر لمنكري البعث والمقتسمين صحة ما اختلفوا فيه وليعلموا كونهم كاذبين، وقيل: اللام متصل بقوله ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾ ليبين لهم.\nثم ذكر سهولة البعث عليه (٥)، فقال: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ هذه عبارة عن (٦) التكوين، وقد سبق بيانه في البقرة (٧).\n﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ الآية.\nفي سبب النزول أنها نزلت في أصحاب النبي -ﷺ- بمكة، بلال وصهيب وخبَّاب وعمار وعابس وأبي جندل بن سهيل (٨)، أخذهم المشركون بمكة فعذَّبوهم وآذوهم فبوَّأهم الله المدينة بعد ذلك (٩).\n﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا﴾ فارَقُوا أوطانهم ﴿فِي اللَّهِ﴾ في ذات الله وابتغاء دينه ﴿مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ أي: ظلمهم قريش وعذبهم (١٠) ليرتدوا عن الإيمان.\n﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ لنهيأن لهم مسكنًا يرضونه، والجمهور على أنها المدينة.\n_________\n(١) في (د): (فحلفه بي أني ...).\n(٢) في (ب) و(د): (سبه)، والمثبت موافق لنسخة (أ) وكتاب الثعلبي.\n(٣) هكذا ورد عند الثعلبي في «الكشف والبيان» (ص ١٤٥)، وأخرج البخاري (٤٩٧٤) نحوه عن أبي هريرة ﵁.\n(٤) في (د): (أي بلى ...).\n(٥) سقطت (عليه) من (أ).\n(٦) سقطت (عن) من (د).\n(٧) أثناء تفسير الآية (١١٧) من سورة البقرة.\n(٨) في النسخ الخطية الثلاث (وأبي جندل وسهيل)، والصواب ما ذكرته والله أعلم، فإنه صحابي مذكور في «الإصابة» لابن حجر ١١/ ٦٤ - ٦٥.\n(٩) ذكره الثعلبي (ص ١٤٦)، والواحدي في «أسباب النزول» (ص ٤٦٢ - ٤٦٣).\n(١٠) في (ب): (وعذبوهم).","vol":"1","page":1037},{"text":"مجاهد: لنرزقنهم رزقًا هنيئًا (١).\nوروي أن (٢) عمر ﵁ كان (٣) إذا أعطى الرجل من المهاجرين عطاءه قال له: خذ بارك الله لك فيه، هذا ما وعدك الله في الدنيا وما ذخر لك في الآخرة أفضل، ثم تلا هذه الآية (٤).\nالزجاج: هو أنهم صاروا مع النبي -ﷺ- إلى الإسلام وإلى أن سمعوا ثناء الله عليهم (٥).\nوقيل: أسكنهم المدينة (٦) ورزقهم الغنيمة.\nوقيل: هي النصرة على العدو.\nوقيل: هي لسان الصدق.\nوقيل: هي ما استولوا عليه من الفتوح.\n﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٤١)﴾ جواب لو محذوف.\n﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ على أذى الكفار.\n﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٤٢)﴾ فوَّضوا الأمر إلى ربهم ورضوا بما ينالهم في دين الله.\n﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ في سبب النزول أنها نزلت في مشركي مكة، أنكروا نبوة محمد -ﷺ-، وقالوا: الله أعظم (٧) من أن يكون رسوله بشرًا فهلا بعث إلينا ملكًا، فهذا جواب لهم (٨).\nثم (٩) قال: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ أصحاب التوراة والإنجيل والزبور، وقيل: العلماء بأخبار مَنْ سَلَف.\nابن زيد: أهل الذِّكر: أهل القرآن (١٠).\n﴿إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣)﴾.\n﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾ بالمعجزات، وقيل: الحلال والحرام.\n﴿وَالزُّبُرِ﴾ الكتب.\n_________\n(١) في (د): (حينًا) وعند الطبري ١٤/ ٢٢٤: (رزقًا حسنًا)، وهو في «تفسير مجاهد» (ص ٤٢١) كذلك.\n(٢) في (د): (وروى ابن عمر).\n(٣) سقطت (كان) من (أ).\n(٤) أخرجه الطبري ١٤/ ٢٢٤ - ٢٢٥.\n(٥) انظر: «معاني القرآن» للزجاج ٣/ ٢٠٠.\n(٦) في (أ): (أسكنهم الله المدينة ...).\n(٧) في (د): (الله أعلم).\n(٨) ذكره ابن عباس فيما أخرجه الطبري ١٤/ ٢٢٨، وذكره الثعلبي (ص ١٤٧)، والواحدي في «أسباب النزول» (ص ٤٦٣) دون نسبته لأحد.\n(٩) لم ترد (ثم) في (أ).\n(١٠) أخرجه الطبري ١٤/ ٢٢٨ - ٢٢٩ بلفظ: (الذكر: القرآن).","vol":"1","page":1038},{"text":"وفي الباء قولان:\nأحدهما: أنه متصل بقوله ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا﴾، أي: وما أرسلنا من قبلك بالبينات والزبر إلا رجالًا، وفيه ضعف لحيلولة الاستثناء بينهما، فذهب بعض النحاة إلى أن ﴿إِلَّا﴾ هاهنا وصف، كغير، كما في قوله ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ﴾ [الأنبياء: ٢٢].\nوالثاني: أنه متصل بمحذوف تقديره: إلا رجالًا أُرسلوا بالبينات والزبر، فيكون وصفًا للرجال.\nوالمعنى: إن كنتم لا تعلمون فإنهم (١) يعلمونكم أن الله لم يبعث إلى أمة إلا آدميًا رجلًا.\nوقال القرظي: قال -ﷺ-: (لا يحل للعالم إلا أن يبذل علمه، ولا يحل للجاهل إلا أن يتعلم) ثم تلا ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣)﴾ (٢).\n﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ﴾ القرآن، وقيل: العلم.\n﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ﴾ بلسان العرب.\n﴿مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ من الأحكام والمواعظ.\n﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)﴾ فيعلموا (٣) أنه كلام الله.\n﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ﴾ احتالوا لهلاك (٤) الأنبياء، وقيل: ظلموا أصحاب رسول الله -ﷺ- وراموا (٥) صدهم (٦) عن دينهم.\n﴿أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ﴾ كما فعل بقوم لوط، وقيل: كما فعل بنمروذ.\nوقيل: يغوروا في الأرض فيهلكوا.\n﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٤٥)﴾ بَغتة من غير سابقة.\n﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ﴾ مجيئهم وذهابهم في ديارهم وأسفارهم.\n_________\n(١) في (د): (فإنه).\n(٢) لم أجده، ولكن أخرج الطبراني في «الأوسط» (١٨١ - مجمع البحرين) من حديث جابر ﵁ عن النبي -ﷺ-: (لا ينبغي للعالم أن يسكت على علمه ولا ينبغي للجاهل أن يسكت على جهله) قال الهيثمي في «مجمع الزوائد»: فيه محمد بن أبي حميد وقد أجمعوا على ضعفه.\nونقل الزبيدي في «إتحاف السادة المتقين» ١٠/ ٢١ عن العراقي تضعيفه، وزاد في عزوه إلى ابن السني وأبي نعيم في رياضة المتعلمين. وزاد السيوطي ٩/ ٥٢ نسبته لابن مردويه.\n(٣) في (د): (فيتعلموا).\n(٤) في (أ): (هلاك) بدون حرف اللام.\n(٥) في (د): (ورموا).\n(٦) من هنا بدأ سقط في نسخة (د)، وامتد إلى أثناء تفسير الآية (١٢٥) من السورة.","vol":"1","page":1039},{"text":"﴿فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٤٦)﴾ جنود الله.\nتقول: أَعْجَزَهُ: وجده عاجزًا، وأَعْجَزَهُ: جعله عاجزًا.\n﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ﴾ يهلكهم ويعذبهم.\n﴿عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ مطاوع خوفته، تقول: خوفته (١) فتخوف، والمعنى: على تخوف كل قوم بأخذ قوم قبله، فكل قوم مأخوذ متخوف، وقيل: على تنقص.\nقال سعيد بن المسيب: بينما عمر بن الخطاب ﵁ على المنبر، فقال: أيها (٢) الناس، ما تقولون في قول (٣) الله تعالى ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ فسكت الناس، فقام شيخ فقال: يا أمير المؤمنين: هذه لغتنا بني هذيل، التخوف: التنقص، قال عمر: فهل تعرف العرب ذلك في أشعارها؟ قال: نعم، قال شاعرنا أبو كبير (٤) الهذلي يصف ناقة:\nتَخَوَّفَ الرحلُ منها تامِكًا قَرِدًا ... كما تَخَوَّفَ عُودَ النَّبْعَةِ السَّفَنُ\nفقال عمر: عليكم بديوانكم لا تضلوا، قالوا: وما ديواننا؟ قال: شعر الجاهلية؛ فإن فيه تفسير كتابكم ومعاني كلامكم.\nوقيل: على تخوف با لعلل والأمراض والآفات.\n_________\n(١) قوله (تقول خوفته) سقط من (ب).\n(٢) في (ب): (يا أيها).\n(٣) كلمة (قول) سقطت من (ب).\n(٤) في (أ): (أبو بكر)، والصواب ما ورد في (ب)، مع أن في نسبة البيت اختلاف.\nوأبو كبير الهذلي هو عامر بن الحليس، من بني سهل بن هذيل، شاعر فحل، من شعراء الحماسة، قيل: أدرك الإسلام وأسلم.\nانظر: «معجم الشعراء» ٣/ ٣٧ لكامل الجبوري.\nوالقصة مع البيت وردت عند عدد من المفسرين كالثعلبي (ص ١٥٠)، والقرطبي ١٢/ ٣٣٢، وغيرهم، وأخرج الطبري ١٤/ ٢٣٦ الخبر عن رجل عن عمر ﵁.","vol":"1","page":1040},{"text":"ابن بحر: على تخوف ضد البغتة (١).\nأي (٢): على حدوث حالات يخاف منها كالرياح والزلازل والصواعق؛ ولهذا ختم بقوله: ﴿فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٤٧)﴾ لأن في ذلك مهلة وامتداد وقت فيمكن فيها التلافي.\n﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي: قد رأيتم فما بالكم لا تتفكرون فتعلمون أن عبادة خالقها واجبة عليكم.\nو﴿مِنْ﴾ للتبيين.\n﴿يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ﴾ يرجع من موضع إلى موضع.\nابن عباس ﵄: يَتَمَيَّلُ (٣).\nتقول (٤): فاء الظِّلّ وتفيَّأ بمعنىً.\nوالظلُّ: ما غاب عن مسامتة الشمس فلم يُصبه شعاعها.\n﴿عَنِ الْيَمِينِ﴾: عن يمين الشيء، وجعل (٥) وجه الشيء ما يواجه (٦) طريقه الشمس؛ لأنه ينتقل الظل من اليمين إلى جانب آخر.\nوذهب كثير من المفسرين إلى أن ﴿عَنِ الْيَمِينِ﴾: أول النهار، (وعن الشمال): آخر النهار.\nابن عيسى: يتقلص بالغداة عن يمين الجبل ويتقلص بالعشي من جهة الشمال (٧).\n_________\n(١) ذكره أبوحيان ٥/ ٤٨٠ عن ابن بحر.\n(٢) في (أ): (أبي)، ولعل الصواب ما ورد في (ب)، وهو موافق لما ورد عند أبي حيان (أي).\n(٣) أخرجه الطبري ١٤/ ٢٤٠.\n(٤) تكررت (تقول) في (ب) مرتين.\n(٥) في (أ): (جعل) بدون الواو، والمثبت من (ب)، وكتاب الكرماني الآخر «غرائب التفسير» ١/ ٦٠٦.\n(٦) في (ب): (ما يواجهه أي طريقه ...)، ولم يتحرر لي صحة العبارة ولم يظهر لي معناها.\n(٧) انظر: «الجامع في علوم القرآن» لعلي بن عيسى الرماني (ق ٢٧/أ).\nتنبيه: حصل في مخطوطة كتاب الرماني تشويش في ترتيب الأوراق في هذا الموضع.","vol":"1","page":1041},{"text":"﴿ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ﴾:\nقتادة: ظل كل شيء سجوده (١).\nمجاهد: إذا زالت الشمس سجد كل شيء (٢).\nوقيل: أراد بالظلال: الأشخاص.\nابن جرير: سجود الظلال: ميلانها ودورانها (٣).\nابن عيسى: السجود بالعبادة وبالدعاء إلى العبادة، وكل شيء من المخلوقات يسجد بالدعاء إلى العبادة (٤). وخص الظل بالذِّكر لأنه سريع التغيُّر (٥) يقتضي مغيرًا غيره ومدبرًا دبره.\nالحسن: أمَّا ظلك فيسجد لله (٦) وأما أنت فلا تسجد له، فبئس والله ما صنعت (٧).\nوفي توحيد اليمين وجمع الشمائل أقوال:\nأحدها: أن الابتداء عن اليمين ثم ينقص حالًا بعد حال عن الشمائل؛ ولهذا جمع.\nوالثاني: أنه بمعنى الأيمان وجمع الشمائل يدل عليها.\nوالثالث: لما كان لفظ (ما) موحدًا ومعناه جمعًا حمل اليمين على اللفظ وحمل الشمائل على المعنى، ولهذا أيضًا جمع الظلال ووحد الضمير.\n_________\n(١) أخرجه عبدالرزاق ١/ ٣٥٦، والطبري ١٤/ ٢٤٠، وزاد السيوطي ٩/ ٥٦ نسبته لابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٢) أخرجه الطبري ١٤/ ٢٤١.\n(٣) انظر: «جامع البيان» للطبري ١٤/ ٢٤٢.\nوورد في (ب): (ابن بحر: الظلال ميلانها ودورانها) والتصويب من (أ) والطبري.\n(٤) انظر: «الجامع في علوم القرآن» لعلي بن عيسى الرماني (ق ٢٨/أ).\n(٥) في (ب): (سريع التغير والتغير يقتضي ...).\n(٦) في (ب): (له).\n(٧) ذكره الرماني في «الجامع» (ق ٢٨/أ)، والماوردي ٣/ ١٩١ عن الحسن.","vol":"1","page":1042},{"text":"ويحتمل: أن المراد بالشمائل: الشمال والقدَّام والخلف؛ لأن الظل يفيء من الجهات كلها فبدأ باليمين لأن ابتداء التفيُّؤ منها أو تيمُّنًا بذكرها ثم جمع الباقي على لفظ الشمال لما بين اليمين والشمال من التضاد، وينزل القدام والخلف (١) منزلة الشمال لما بينهما وبين اليمين من الخلاف.\n﴿وَهُمْ دَاخِرُونَ (٤٨)﴾ صاغرون، يريد سجود اضطرار لا اختيار.\n﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ﴾ بعضها بالاختيار وبعضها بالاضطرار، كقوله: ﴿طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ [فصلت: ١١] (٢).\n﴿وَالْمَلَائِكَةُ﴾ خصهم بالذكر رفعًا (٣) لمنزلتهم ولأنهم لا يذنبون.\n﴿وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩)﴾ لأن سجودهم طوعًا، وقيل: طبعًا، وفي هذا القول نظر (٤).\n﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ أي: يخافون عذاب ربهم من فوقهم، وقيل: يخافون الله أن ينزل عليهم عذابًا من فوقهم، وليس بحال من ﴿رَبَّهُمْ﴾ تعالى الله عن ذلك (٥)، والملائكة موصوفون بالخوف لأنهم قادرون على العصيان وإن كانوا لا يعصون الله ما أمرهم.\n﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٥٠)﴾ من الطاعة وغيرها.\n﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ أي: لا تعبدوا إلهين اثنين، وقيل: لا تعتقدوا المعبود اثنين، وقيل: فيه تقديمٌ وتأخير، أي: لا تتَّخذوا اثنين إلهين؛ لأن كل مَا لَهُ ثانٍ فليس بإله؛ لأن الإله هو الذي لا ثانيَ له.\n﴿إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ أي: الله واحد لا ثاني له.\n﴿فَإِيَّايَ﴾ أي: فأنا ذلك الإله الواحد ﴿فَارْهَبُونِ (٥١)﴾ فخافون.\n_________\n(١) سقطت (والخلف) من (أ)، وهي ثابتة في (ب)، وعند أبي حيان ٥/ ٤٨٢ عندما نقله عن المصنف.\n(٢) في فصلت: (فقال لها وللأرض ائتيا طوعًا أو كرهًا)، أما إن كان يقصد الآية (١٥) من سورة الرعد، فهي: (ولله يسجد من في السموات والأرض طوعًا وكرهًا)، فهي بالواو، وفي النسختين (أو) واضحة.\n(٣) سقطت (رفعًا) من (ب).\n(٤) قال الشيخ عبدالرحمن السعدي في «تفسيره» عند هذه الآية: (وسجود المخلوقات لله تعالى قسمان: سجود اضطرار ودلالة على ما له من صفات الكمال، وهذا عام لكل مخلوق من مؤمن وكافر، وبر وفاجر، وحيوان ناطق وغيره، وسجود اختيار يختص بأوليائه وعباده المؤمنين من الملائكة وغيرهم من المخلوقات.\n(٥) بل هذه الآية من الآيات التي تثبت صفة العلو لله تعالى، وقد بين أهل السنة من المفسرين هذا الأمر، فانظر: «نكت القرآن» للكرجي القصاب ٢/ ٦٨، و«تفسير القرآن» للسمعاني ٣/ ١٧٧، وغيرهم.","vol":"1","page":1043},{"text":"﴿وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ خلقًا وملكًا.\n﴿وَلَهُ الدِّينُ﴾ الطاعة والإخلاص فيها.\n﴿وَاصِبًا﴾ لازمًا، وقيل: دائمًا، وعبادة غيره تضمحل سريعًا، وقيل: ﴿وَاصِبًا﴾: شاقًا، تقول: وَصَبَ الدِّيْنُ يَصِبُ وصُوبًا ووَصَبًَا ووَصِبَ في الألم يَوْصَبُ وَصَبًَا فهو وَصِبٌ.\nابن بحر (١): هو من الوَصَب وهو الوَجَع، أي: ثابت (٢)، أي: له الطاعة لازمة بخلقه (٣).\n﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ (٥٢)﴾.\n﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ﴾ عافية وغنى وخصب.\n﴿فَمِنَ اللَّهِ﴾ أي: فمن الله ذلك، والمبتدأ إذا كان موصولًا بفعل (٤) أو ظرف حسن دخول الفاء في خبره.\n﴿ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ﴾ المرض والفقر والجدب.\n﴿فَإِلَيْهِ﴾ إلى الله.\n﴿تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ ترفعون أصواتكم بالدعاء، وأصله من جُؤَار البقر وهو صوته إذا رفعه لألمٍ يلحقه.\n﴿ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ﴾ النازل بكم.\n﴿عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ﴾ وهم الكفار.\n﴿بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٥٤)﴾ في عبادة الأصنام.\n﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ اللام لام العاقبة، أي: جعلوا عاقبة النعم الكفر بدل الشكر.\nثم أوعدهم أغلظ الوعيد، قال:\n﴿فَتَمَتَّعُوا﴾ لا تمنعون عن ذلك الآن.\n﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٥٥)﴾ إذا وافيتم الميعاد.\n_________\n(١) في (ب): (ابن عامر) بدلًا من (ابن بحر).\n(٢) في (ب): (الثابت) بدلًا من (أي ثابت).\n(٣) في (ب): (لخلقه).\n(٤) في (ب): (موصولًا بالفعل ...).","vol":"1","page":1044},{"text":"﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: يعتقدون ويحكمون لما لا (١) يعلمون ما للأصنام، والفعل للكفار، والعائد محذوف، وتقديره عند بعضهم: أنه ينفع (٢) ويضر، وعند بعضهم: لا يعرفونها، إذ لو (٣) عرفوها لما اتخذوها آلهة.\nصاحب النظم: العلم هاهنا لازم والفعل للأصنام والواو هو (٤) العائد، أي: لما ليس يعلمون، لأنها (٥) موات (٦).\nابن المِهْرَبْزُد: ﴿لِمَا لَا يَعْلَمُونَ﴾: الفعل للكفار، والمعنى: لجهلهم، وهذا صحيح لكن الكلام يبقى بعده غير تام، فإن تقدير ما ذهب إليه: لأجل جهلهم (٧) نصيبًا، فيحتاج الكلام إلى إضمار الأصنام (٨).\nوقوله: ﴿نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾: هو ما جعلوا لأصنامهم من حروثهم وأنعامهم.\n﴿تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ (٥٦)﴾ تكذبون فتعلمون أنكم مستحقون العذاب.\n﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ﴾ هم بنو خزاعة وبنو كنانة، قالوا: الملائكة بنات الله (٩).\n_________\n(١) سقطت (لا) من (ب).\n(٢) في (ب): (ينفع أو يضر).\n(٣) في (ب): (ولو).\n(٤) في (أ): (والواو وهوالعائد).\n(٥) في (ب): (أموات).\n(٦) نقله أيضًا الواحدي في «البسيط» (٤٤٥) عن صاحب النظم، وهوالجرجاني.\n(٧) في (أ): (لأجل جهنم)، والتصويب من (ب)، وكتاب الكرماني الآخر «غرائب التفسير» ١/ ٦٠٧.\n(٨) ابن المهربزد: هو محمد بن علي، أبو مسلم الأصبهاني، المتوفى سنة (٤٥٩) هـ، معتزلي، صاحب تفسير، وله ترجمة في «لسان الميزان» (٧٨٦٤).\nوقد نقل الكرماني كلامه هذا أيضًا في كتابه الآخر «غرائب التفسير» ١/ ٦٠٧.\n(٩) انظر: الثعلبي (ص ١٥٥)، والقرطبي ١٢/ ٣٣٩.","vol":"1","page":1045},{"text":"﴿سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ (٥٧)﴾ يعني البنين، ومحله رفع بالابتداء والخبر، وقيل: نصب، وأنكره الزجاج في جماعة (١)، ووجه ذلك أن يقال: من نصب فتقديره: ﴿وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ (٥٧)﴾ أي (٢): إذا اشتهوا أن يكون لهم أولاد تمنَّوا الذُّكران وكرهوا الإناث.\n﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ﴾ البشارة هاهنا مستعارٌ، وقد سبق (٣).\n﴿بِالْأُنْثَى﴾ ببنت.\n﴿ظَلَّ وَجْهُهُ﴾ دام النهار كله.\n﴿مُسْوَدًّا﴾ السواد كناية عن العبوس والكراهة بما أُخبر به وعن تغير اللون من الحزن والاغتمام (٤)، وقيل: اسود اللون، والأول أظهر.\n﴿وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨)﴾ حزين ممتلئ غيظًا، فعيل بمعنى فاعل، وقيل: بمعنى مفعول، كقوله: ﴿وَهُوَ مَكْظُومٌ (٤٨)﴾ [القلم: ٤٨]، وقد سبق (٥).\n﴿يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ﴾ يبعد عنهم.\n﴿مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ﴾ مقدرًا (٦) في نفسه.\n﴿أَيُمْسِكُهُ﴾ أيتركها (٧)، وذَكَّرَ الكناية لأنها تعود إلى لفظ ﴿مَا﴾.\n﴿عَلَى هُونٍ﴾ هوان، وقيل: على مشقة، وقيل: على قلة.\nصاحب النظم: وهو كظيم أيمسكه على هون (٨).\n_________\n(١) انظر: «معاني القرآن» للزجاج ٣/ ٢٠٦، و«معاني القرآن» للفراء ٢/ ١٠٥.\n(٢) سقطت (أي) من (ب).\n(٣) سبق أثناء تفسر الآية (٢٥) من سورةالبقرة، حيث قال الكرماني: (والبشارة: اسم يستعمل في الخير، واستعماله في الشر مجاز، وقيل: يستعمل فيهما حقيقة).\n(٤) في (أ): (والاهتمام).\n(٥) سبق الإشارة أكثر من مرة إلى أن فعيل بمعنى فاعل أو بمعنى مفعول.\nوقوله (وقد سبق) لم يرد في (ب).\n(٦) في (أ): (مقدارًا).\n(٧) في (ب): (لها) بدلًا من كلمة (أيتركها).\n(٨) نقله الواحدي في «البسيط» (ص ٤٤٩).","vol":"1","page":1046},{"text":"والكَظْمُ: ستر المكروه في القلب.\nوقوله: ﴿أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾ أم يأده (١) وينبذه، وقيل: يخفيه على الناس حتى لا يعرفوه، حكاه الماوردي (٢).\n﴿أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٥٩)﴾ من قولهم لله البنات ولهم ما يشتهون.\n﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ﴾ قيل: ﴿مَثَلُ﴾: بمعنى الصفة.\n﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ الصفة العليا (٣).\nوقيل: تَمَّ الكلامُ على قوله ﴿مَثَلُ السَّوْءِ﴾ ثم قال: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ الأفضل (٤) والأحسن وهو التَّنزيه (٥) عما لا يليق به.\nالزجاج: المثل الأعلى: قول لا إله إلا لله (٦).\nوقيل: الصِّفة التي وصف بها هؤلاء الجهّال ربَّهم هم أولى بها من الله ولله (٧) الصفة العليا وهو أنه لم يلد ولم يولد.\n﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٠)﴾.\n﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ﴾ أي: لو يعاقبهم بكفرهم.\n﴿مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ على الأرض، كنايه عن غير مذكور، وجاز لأن الدواب لا تكون إلا في الأرض.\n_________\n(١) في (ب): (أي وينبذه).\n(٢) انظر: الماوردي ٣/ ١٩٥.\n(٣) في (ب): (صفة) بدون (أل).\n(٤) في (أ) زيادة (ولله المثل الأعلى في السموات والأرض الأفضل ...).\n(٥) في (أ): (تنزيه) بدون (أل).\n(٦) انظر: «معاني القرآن» للزجاج ٣/ ٢٠٧.\n(٧) في (ب): (هم أولى من الله لله الصفة العليا ...).","vol":"1","page":1047},{"text":"وفي الدَّابة قولان:\nأحدهما: أنها عامة في بني آدم وغيرهم مما يدبُّ.\nوالثاني: أن المراد بها ها هنا البهيمة.\nوفي المعنى ثلاثة أقوال:\nأحدها: لو عجل عقوبة كفار بني آدم ما ترك على الأرض ما يدبّ عليها.\nوالثاني: معنى ﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾: من ظالم.\nوالثالث: لو أهلك الآباء بكفرهم لم تكن الأبناء.\n﴿وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ قيل: هو وقت العذاب (١).\nوقيل: حين الموت.\nوقيل: إلى يوم القيامة.\n﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٦١)﴾ أي: فإذا أتى أحد (٢) هذه الأوقات لهلكوا (٣) البتة من غير تقديم ولا تأخير.\n﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ﴾ أي: ما يكرهونه لأنفسهم وهو البنات.\n﴿وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ﴾ أي: ويقولون الكذب، والكذب مفعول به، وأضاف الوصف إلى اللسان لأن القول به يكون.\n﴿أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى﴾ بدل من الكذب، والحسنى: البنون، وقيل: الجنة، على تقدير إن كان البعث حقًا.\n﴿لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ﴾ الزجاج: ﴿لَا﴾ ردٌّ لكلامهم (٤).\n_________\n(١) سقطت (العذاب) من (ب).\n(٢) في (ب): (أجل).\n(٣) في (ب): (هلكوا).\n(٤) انظر: «معاني القرآن» للزجاج ٣/ ٢٠٧.","vol":"1","page":1048},{"text":"ومعنى جرم: كَسَبَ، أي: كَسَبَ فِعْلُهُم أَنَّ (١) لهم النار.\nقطرب: جَرَمَ: بمعنى وَجَبَ، فيكون ﴿أَنَّ لَهُمُ النَّارَ﴾ في محل رفع (٢).\nوقيل: حقَّت لهم النار، وقيل: معناه: فليس بجرم وهذا فعلهم وقولهم أن يعذبوا بالنار.\n﴿وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ (٦٢)﴾ عطف على ﴿أَنَّ لَهُمُ النَّارَ﴾ أي: أعجلوا إلى النار فهم فيها فَرَطٌ لمن تقدمهم، والفَارِط: المتقدم، من هذا، وقيل: معناه: متروكون منسيون.\nوقرئ (مُفْرِطُون) بالكسر والتخفيف، و(مُفَرِّطُون) بالكسر والتشديد، قيل: هما بمعنى (٣).\nالحجة: أَفْرَطَ (٤) كأَقْطَفَ وأَجْرَبَ، أي: صاروا ذوي فرط إلى النار وسَبْقٍ إليها، وقيل: أفرطوا في أعمالهم، أي: أسرفوا بالآثام (٥) على أنفسهم (٦).\n﴿تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ أي: أرسلنا رسلًا إلى من تقدمك من الأمم.\n﴿فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ أي: فكفروا بالمرسلين وقبلوا غرور الشيطان وما خَيَّلَ إليهم أن ماهم عليه خير.\n﴿فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ﴾ أي: فإبليس يتولى أمورهم اليوم، يريد يوم القيامة، أي: لا\n_________\n(١) سقطت (أن) من (ب).\n(٢) انظر: «البسيط» للواحدي (ص ٤٥٥) فقد نقل قول قطرب.\n(٣) قرأ نافع، وقتيبة عن الكسائي (مُفْرِطون) ساكنة الفاء خفيفة الراء مكسورة، وقرأ أبو جعفر (مُفَرِّطون) بفتح الفاء وكسر الراء وتشديده، وقرأ باقي العشرة (مُفْرَطون) مفتوحة الراء خفيفة.\nانظر: «المبسوط» لابن مهران (ص ٢٢٥).\n(٤) في (ب): (افطرط).\n(٥) في (ب): (في الآثام).\n(٦) انظر: «الحجة» لأبي علي الفارسي ٥/ ٧٤.","vol":"1","page":1049},{"text":"ولي لهم سواه، وقيل: في الدنيا، أي: هو وليُّهم وهم أوليائه والله عدوه وعدوّهم.\n﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ يوم (١) القيامة.\n﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ﴾ يا محمد.\n﴿الْكِتَابَ﴾ القرآن.\n﴿إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ﴾ للناس.\n﴿الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ أي: تبين لهم الحق من الباطل.\n﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٦٤)﴾ عطف على موضع اللام لأنه مفعول له.\n﴿وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾ من السَّحاب، وقيل: من جانب السماء.\nوقيل: من الملائكة (٢) إلى السحاب ثم إلى الأرض.\n﴿مَاءً﴾ مطرًا.\n﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ أي: أنبت فيها من كل (٣) أنواع النبات، ﴿بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ يبسها، وذلك موتها وحياتها.\n﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٦٥)﴾ لمن أصغى إلى كلام الله ووعظه ثم لا يعاند (٤).\n﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً﴾ دلالة وعلامة يعبر بها من الجهل إلى العلم.\n﴿نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾ ذهب بالإنعام إلى النَّعَم لأن الألف واللام للجنس فسواء دخل الواحد والجمع.\nأبو عبيدة: الهاء تعود إلى البعض؛ لأن لبعضها لبنًا دون جميعها (٥)، وهو الأنثى (٦).\n﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا﴾ أي: الأنعام تعتلف الحشيش والخضر فيجعل الله بعضه دمًا، وبعضه فرثًا، ويحيل بعض الدم الأحمر لبنًا أبيض.\n﴿خَالِصًا﴾ صافيًا من نتنِه وكونه حُلوًا دَسِمًا، وقيل: إذا استقر العلف في بطن الدابة طبخته فاستحال أعلاه دمًا وأوسطه لبنًا وأسفله فرثًا فَتُجْرِي الكبد الدم إلى العرق، واللبن إلى الضرع وتبقي الفرث ثم ينحدر، وفي ذلك عبرة لمن اعتبر.\n_________\n(١) في (ب): (في) بدلًا من (يوم).\n(٢) النص في (أ): (من السحاب وقيل من سماء الملائكة ...).\n(٣) لم ترد (كل) في (أ).\n(٤) في (ب): (ووعظه ولم يعاند).\n(٥) في (ب): (دون الجميع).\n(٦) هذا ورد عند أبي عبيدة في «مجاز القرآن» ١/ ٣٦٢ في إحدى نسخ الكتاب، فانظر إلى هامش محقق الكتاب محمد فؤاد سزكين.","vol":"1","page":1050},{"text":"﴿سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (٦٦)﴾ يسوغ في حلق من (١) تناوله.\nابن جرير: لم يغصّ أحد باللبن قط (٢).\nوقيل: ﴿سَائِغًا﴾: حلالًا، وقيل: لا تعافه النفس وإن خرج من بين الدم والفرث.\n﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ﴾ تقديره: ومن ثمرات النخيل والأعناب (٣) آيات بالرفع على الابتداء أو آيات بالنصب عطفًا (٤) على اسم إن، وعند الكوفيين ما\n﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ﴾ وعند البصريين شيء ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ﴾.\nوفي تذكير الضمير أقوال:\nأحدها: أنه يعود إلى (ما).\nوالثاني: إلى (شيء) على ما سبق، وقيل: إلى (ذلك).\nوقيل: إلى الثمر، كالنعم (٥)، ويحتمل أن (٦) يعود إلى البعض كما قال أبو عبيدة في النعم واستحسنه النُّحاة.\n﴿سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ فيه أقوال:\nابن عباس والحسن في جماعة: السكر: الخمر، والرزق الحسن (٧): التمر والزبيب والدبس والخل، والآية سابقة على تحريم الخمر (٨).\n_________\n(١) في (ب): (في حلق ما تناوله).\n(٢) انظر: الطبري ١٤/ ٢٧٤، وصدره بقوله (وقيل).\n(٣) في (ب): (... النخيل والآيات آيات).\n(٤) في (ب): (بالعطف).\n(٥) في (ب): (وقيل إلى النعم).\n(٦) سقطت (أن) من (ب).\n(٧) سقطت (الحسن) من (ب).\n(٨) أما قول ابن عباس: فأخرجه أبو عبيد في «الناسخ والمنسوخ» (٤٥٨)، والطبري ١٤/ ٢٨٢، وأما قول الحسن: فأورده الثعلبي (ص ١٦٢).","vol":"1","page":1051},{"text":"وعن أبي عبيد (١): السكر: الخل، والرزق الحسن: ما هو خَيْرٌ من الخل.\nالحسن: ما كان من العنب فهو خمر، وما كان من التمر فهو سكر.\nالشعبي وأبو رزين وابن جرير: السكر: ما يحل شربه، كالنبيذ، والخل (٢).\nعامر: السكر: ما شربت، والرزق الحسن: ما أكلته (٣).\nوقيل: السكر: الطُّعْم، قال (٤):\nجَعَلتَ أعراضَ الكرامِ سَكَرًا\nالأصم: السكر: كل ما حرمه الله من ثمرهما والرزق الحسن ما أحله الله (٥).\nابن بحر: السكر: المسكر، قال: فأضاف (٦) إلى نفسه سبحانه سقي اللبن وأضاف إلى العباد اتخاذ السكر وهو ادخارهم لذلك حتى يصير سكرًا.\nوقيل: السكر: ما سَدَّ الجوع، مشتق من قولهم: سكرت النهر، أي (٧): سددته.\nوقيل: هذا (٨) إنكار من الله عليهم، وتقديره: أتتخذون منه سكرًا ويرزقكم الله رزقًا حسنًا.\n﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٦٧)﴾ هذا تحريض من الله للعاقل ليتأمل في الآيات.\n﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ قيل: ألهم (٩)، وهو: إلقاء الله في روع الحيوان، وقيل: إيجاده (١٠) على تلك الحالة؛ لأن الله جعل في طِباعها اتخاذ البيوت والأكل من الثمرات (١١)، وفيها أعجوبة لمن تأمل.\n_________\n(١) في (ب): (أبي عبيدة). وهذا القول لم أجده في (مجاز القرآن+ لأببي عبيدة، ولا «غريب الحديث» و«الغريب المصنف» و«الناسخ والمنسوخ» لأبي عبيد، فالله تعالى أعلم.\n(٢) أما قول الشعبي: فهو عند الطبري ١٤/ ٢٨٣، وأما قول أبي رزين، وهو مسعود بن مالك الأسدي، فقد أخرج الطبري ١٤/ ٢٧٨ ما يفهم منه ذلك، حيث يقول أبو رزين: (نزل هذا وهم يشربون الخمر، فكان هذا قبل أن ينزل تحريم الخمر)، وأما الطبري فقد ذكر رأيه في ١٤/ ٢٨٥.\n(٣) نقله الثعلبي (ص ١٦٣) عن عامر الشعبي، وقد أخرج الطبري ١٤/ ٢٨٤ نحوه عن الشعبي أيضًا.\n(٤) القائل هو: جندل بن المثنى الطهوي، انظر: «مجاز القرآن» لأبي عبيدة ١/ ٣٦٣، و«البسيط» للواحدي (ص ٤٦٧)، وللبيت رواية أخرى عند بعض المفسرين: (جعلت عيب الأكرمين سكرًا) كما عند الطبري ١٤/ ٢٨٤.\n(٥) لم يرد لفظ الجلالة في (ب).\n(٦) في (ب): (فأضاف الله تعالى إلى نفسه ...).\n(٧) في (ب): (إذا سددته).\n(٨) في (ب): (هو إنكار).\n(٩) في (ب): (ألهمها).\n(١٠) في (ب): (هو إيجاده).\n(١١) في (ب): زيادة: (من الثمرات وغير ذلك).","vol":"1","page":1052},{"text":"والنحل: زنابير العسل، واحدها نحلة، وقيل ذباب العسل.\n﴿أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾ أي: في الجبال، ويحتمل أنه للتبعيض؛ لأن ذلك يوجد في بعض الجبال، وسمَّاها بيوتًا تشبيهًا ببيوت الإنسان.\nوقيل: لأنها مبنيَّة على حُسْنِ الصَّنعة وصحَّة القسمة.\n﴿وَمِنَ الشَّجَرِ﴾ في الغياض والجبال والصحاري.\n﴿وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦٨)﴾ ابن زيد: الكروم (١).\nغيره: ﴿يَعْرِشُونَ (٦٨)﴾ (٢): يبنون، يريد منازل الناس.\n﴿ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ أي: من الثمار والأنوار (٣) حلوها ومرّها، وقيل: أعجب ما يكون في العسل إذا كان من أنوار مختلفة الطباع والطعوم.\n﴿فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ﴾ امضي فيما سخرك الله له.\n﴿ذُلُلًا﴾ جمع ذلول، وهي حال من السُّبُل (٤).\nمجاهد: لا يتوعر عليها (٥) مكان سلكته (٦).\nغيره: ﴿ذُلُلًا﴾: حال من النحل، أي: مطيعة لله تعالى.\n﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ﴾ هو العسل تُلْقِيْهِ من فيها.\nوروي عن الحسن أنه قال: لباب البر بلُعاب النحل بخالص السمن ما عابه مسلم.\nفجعله لعابًا كالريق الدائم الذي يخرج من فم ابن آدم (٧).\nوقيل: يخرج من فيها، وسُمِّي الفم بطنًا لأنه في حكم البطن ولأنه مما يبطن ولا\n_________\n(١) أخرجه الطبري ١٤/ ٢٨٧.\n(٢) سقطت (يعرشون) من (ب).\n(٣) الأنوار: الزهور، كما في «اللسان» (نور).\n(٤) في (ب): (من السبيل).\n(٥) في (ب): (عليه).\n(٦) الأثر في «تفسير مجاهد» (ص ٤٢٣)، وأخرجه الطبري ١٤/ ٢٨٨، وزاد السيوطي ٩/ ٧٣ نسبته إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٧) ذكره أيضًا: أبو حيان ٥/ ٤٩٧.","vol":"1","page":1053},{"text":"يظهر، وقيل: تلقيه من أسفلها.\nوروي عن علي ﵁ أنه قال: أما العسل فَوَنِيْمُ ذُباب (١).\nوقيل: إنها تحمل الطل الواقع على الشجر فتضعه من فيها في كورها فيصير عسلًا.\nوقيل: العسل أنوار مختلفة تحملها (٢) النحل إلى كورها وتضع بعضها على بعض فتستحيل على الأيام شهدًا عسلًا، وهذا ضعيف، لأن الله تعالى قال (٣):\n﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا﴾ إلا أن يؤول البطن.\n﴿مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ﴾ أبيض وأصفر وأحمر (٤)، وذكر أن الأبيض من العسل يلقيه الشباب من النحل والأصفر يلقيه الكهول منها، والأحمر يلقيه الشيب منها.\n﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ جمهور المفسرين على أن الضمير يعود إلى العسل، ونكَّر\n﴿شِفَاءٌ﴾ لبعض الأدواء ولا يجب من قوله تعالى ﴿فِيهِ شِفَاءٌ﴾ أن يشفى به كل عليل.\nوروى قتادة أن رجلًا جاء إلى رسول الله -ﷺ- وذكر أن أخاه يشتكي بطنه فقال -ﷺ-: (اذهب فاسقه عسلًا) (٥)، فرجع وقال: سقيته فلم يزل ما به، فقال -ﷺ-: (اذهب فاسقه عسلًا فقد صدق الله وكذب بطن أخيك)، فسقاه ثانيًا فكأنما أنشط\n_________\n(١) في (ب): (الذباب). الونيم: خُرْءُ الذباب كما في «اللسان» (ونم)، وقول علي ﵁ أورده أبو حيان أيضًا ٥/ ٤٩٧.\n(٢) في (ب): (تحمله).\n(٣) سقطت (قال) من (ب).\n(٤) في (ب): (أبيض وأحمر وأصفر).\n(٥) حصل سقط في (ب) من بعد كلمة (عسلًا) هنا إلى كلمة (عسلًا) الآتية بعدها.","vol":"1","page":1054},{"text":"من عقال (١).\nوروي عنه -ﷺ-: (لو كان شيء ينجي من الموت لكان السنا والسنوت) (٢).\nوقال بعضهم: الضمير يعود إلى القرآن، أي: في القرآن شفاء للناس، وقيل: إليهما، لقوله -ﷺ-: (عليكم بالشفائين العسل والقرآن) (٣).\nوقيل: الضمير يعود إلى مابين الله من الدلائل والاعتبار في النحل فيكون شفاء (٤) لداء الجهل، يقويه قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٦٩)﴾.\n﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ﴾ يقبض أرواحكم من أبدانكم طفلًا رضيعًا أو صبيانًا أو شبانًا أو كهولًا أو شيوخًا.\n﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ﴾ الرد: الإعادة إلى حال تقدمت.\n﴿إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ يعني: الهرم الذي ينقص فيه عقله وقوته.\nورُذَالُ كل شيء: ما ينفى ويطرح، ضد الخيار.\nابن زيد: أرذل العمر: الخرف (٥).\nقتادة: تسعون سنة (٦).\nوعن علي ﵁: خمس وسبعون سنة (٧).\nوقيل: ثمانون سنة، حكاه أقضى القضاة لقطرب (٨).\nوقيل: أرذل العمر: أنقصه وأوضعه.\n﴿لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ يجوز في اللام أن تكون لام كي، فيصير المعنى: لئلا (٩) يعلم بعد علم شيئًا فيكون عبرة للمعتبر، وليعلم أنه كما هو قادر على نقله من العلم إلى الجهل قادر على إماتته وإحيائه، ويجوز أن تكون لام العاقبة، أي: يصير إلى حال الطفولة بنسيان ما كان يعلم، وقيل: لئلا يعمل بعد علمه شيئًا، أي: يفتر عن (١٠) العمل بالعلم؛ لأن تأثير الكِبَر في العمل أكثر منه في العلم، حكاه الماوردي (١١).\n﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٧٠)﴾.\n﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾ يريد بالتفضيل هاهنا (١٢) زيادة المال.\n﴿فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا﴾ في الرزق، يعني: المالكين.\n﴿بِرَادِّي رِزْقِهِمْ﴾ بمعطي رزقهم، يريد ما زاد على رزق عبيدهم، استعمل لفظ\n_________\n(١) رواية قتادة عند الطبري ١٤/ ٢٩٠، ورواه البخاري (٥٦٨٤) ومسلم (٢٢١٧) عن قتادة عن أبي المتوكل عن أبي سعيد الخدري، وعندهما تكرار الأمر أربع مرات.\n(٢) في (ب) زيادة (والسنوت العسل).\nوالحديث أخرجه ابن ماجه (٣٤٦١) وأحمد (٢٧٠٨٠)، وضعف إسناده محققو المسند، وورد حديث آخر عند ابن ماجه (٣٤٥٧) عن النبي -ﷺ-: (عليكم بالسنا والسنوت، فإن فيهما شفاء من كل داء إلا السام) قيل: يا رسول الله، وما السام؟ قال: (الموت). وصححه الشيخ الألباني.\n(٣) أخرجه ابن ماجه (٣٤٥٢) والحاكم ٤/ ٤٠٣، وضعفه الشيخ الألباني مرفوعًا، وصحح أنه موقوف على ابن مسعود ﵁. انظر: «السلسلة الضعيفة» (١٥١٤).\n(٤) في (ب): (الشفاء).\n(٥) نقله الثعلبي في «الكشف والبيان» (ص ١٦٧).\n(٦) نقله الثعلبي (ص ١٦٧)، والواحدي في «البسيط» (ص ٤٧٣).\n(٧) أخرجه الطبري ١٤/ ٢٩٢، ونقله الماوردي ٣/ ٢٠٠، والثعلبي (ص ١٦٧)، والواحدي في «البسيط» (ص ٤٧٣).\n(٨) انظر: الماوردي ٣/ ٢٠٠.\n(٩) في (ب): (كيلا).\n(١٠) في (ب): (على).\n(١١) انظر: الماوردي ٣/ ٢٠٠ - ٢٠١.\n(١٢) في (ب): (بالتفضيل هنا ...).","vol":"1","page":1055},{"text":"الرد موضع الإعطاء.\n﴿عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ من العبيد والإماء.\n﴿فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ فيه قولان:\nأحدهما: أنه حال، والمعنى: إنكم لا تشركون عبيدكم في أموالكم والله سبحانه أحق أن لا يشرك في الإلهية الأصنام.\nوالثاني: استئنافٌ، أي أنهم سَوَاء في أني رزقت الجميع وأنه لا يمكن أحد أن يرزق عبده إلا برزقي إيَّاه، هذا لفظ ابن عيسى (١).\nويحتمل (٢) وجهين آخرين:\nأحدهما: أن قوله ﴿فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ جملة واقعة موقع جواب النفي، وتقديره: فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فيستووا مع عبيدهم في الرزق.\nوالثاني: إضمار (٣) ألف الاستفهام، وتقديره: أفهم فيه سواء.\nوقوله: ﴿أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٧١)﴾ حيث يتخذون معه شركاء، استفهام بمعنى الإنكار.\nفي سبب النزول: أنها نزلت في وفد نجران حيث قالوا في عيسى ﵇ ما قالوا (٤).\n﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ يريد حوَّاء، خُلِقَت من آدم ﵇،\n_________\n(١) انظر: «الجامع في علوم القرآن» لعلي بن عيسى الرماني (ق ٩٠/ب).\n(٢) تكررت (ويحتمل) في (ب).\n(٣) في (ب): (والثاني على ألف الاستفهام).\n(٤) ذكره الثعلبي (ص ١٦٨)، وأبو الليث السمرقندي ٢/ ٢٨٢، والقرطبي ١٢/ ٣٧٦، وأخرجه الطبري ١٤/ ٢٩٤، ولفظه عن ابن عباس: هذه الآية في شأن عيسى ابن مريم.","vol":"1","page":1056},{"text":"وقيل: من جنسكم لتأنسوا بها أنس (١) الشبيه بالشبيه الموافق.\n﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ اختلفوا في الحَفَدة، فقيل: هم الخدم، والحَفْدُ: الإسراع في الخدمة، والحافد: الخادم، والحَفَدَةُ جمعه، كالسفرة، ونصبه بجعل، أي: جعل لكم (٢) حفدة.\nوقيل: هم أولاد الأولاد.\nوقيل: هم أزواج البنات وهم الأختان.\nوقيل: البنات؛ لأنهن يخدمن في البيوت أتمّ خدمة.\nوقيل: أولاد المرأة من زوج قبله.\nوقيل: هم البنون، أي: يأنس بهم في الصِّغر ويخدمونه في الكبر.\n﴿وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ من الحلال، وقيل: من اللذيذ، كاللبن والعسل والثمار.\nوقيل: هو ما يأتيك عفوًا.\n﴿أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾ وهو (٣) الأصنام.\n﴿وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ (٧٢)﴾ حيث أضافوا النعم إلى الأصنام ولا يضيفونها إلى المنعم بها عليهم.\nابن جرير: يصدقون أولياء الشيطان فيما يحرمونه من البحيرة وأخواتها (٤).\nالحسن: آمنوا بالشيطان وكفروا بمحمد -ﷺ- وكذَّبوه.\n﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا﴾ يريد أن الصنم جماد لا يملك رزق شيء، فالرزق مصدر والشيء مفعول المصدر.\n_________\n(١) سقطت كلمة (أنس) من (ب).\n(٢) في (ب): (عليكم) بدلًا من (لكم).\n(٣) في (ب): (وهم).\n(٤) انظر: الطبري ١٤/ ٣٠٤.","vol":"1","page":1057},{"text":"وقيل: بدل من الرزق، وأراد ﴿مِنَ السَّمَاوَاتِ﴾: المطر، ﴿وَالْأَرْضِ﴾: النبات.\n﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٧٣)﴾ أي: ليس لها الآن ملكه ولا في استطاعتهم أن يملكوا أبدًا، ووحد (يملك) على لفظ (ما)، وجمع ﴿يَسْتَطِيعُونَ (٧٣)﴾ على المعنى قياسًا على (مَنْ) (١).\n﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ الزجاج: لا تجعلوا له (٢) مثلًا فإنه واحد لا مثل له، أي: لا تجعلوا له الشركاء، وقيل: لا تقيسوه على شيء من خلقه ولا أفعاله على أفعالكم (٣).\n﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٧٤)﴾ وإنما تُضْرَبُ الأمثالُ لمن لا يَعْلَم.\n﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا﴾ فيه قولان:\nأحدهما: أنه مثل ضربه الله لنفسه ولمن عبد دونه أو معه، لأنه عاجزٌ مُدَبَّرٌ مملوك ولا يقدر على نفع ولا ضرّ، والله واسع رازق جواد مقتدر.\nوالثاني: أنه الكافر لا يعمل (٤) بطاعة الله، أي: كأنه لا يقدر على ما ينفقه في طاعة الله ومن رزقناه من المؤمنين مالًا حلالًا.\n﴿فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ﴾ (٥) يتصدَّق منه.\n﴿سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ﴾ أي: في الطاعة\nالزجاج: بين الله أن المتساويين في الخلق إذا كان أحدهما مقتدرًا على الإنفاق\n_________\n(١) انظر: «معاني القرآن» للفراء ٢/ ١١٠ - ١١١، فقد أورد بعض الآيات التي فيها (مَنْ) وفيها معنى الجمع.\n(٢) في (ب): (لا تجعلوا لله ...).\n(٣) في (ب): (ولا أفعالكم على أفعاله).\n(٤) في (ب): (يعمل لا بطاعة الله).\n(٥) في (ب) زيادة (أي يتصدق منه).","vol":"1","page":1058},{"text":"والآخر عاجزًا لا يقدر أن ينفق لا يستويان، فكيف بين الحجارة التي هي موات وبين الله (١) الذي هو على كل شيء قدير وهو رازق جميع خلقه (٢).\nومعنى قوله: (عبدًا مملوكًا): يريد: أيَّ عبدٍ كان.\nوعن عطاء: أنه أبو جهل بن هشام، ﴿وَمَنْ رَزَقْنَاهُ﴾: أبو بكر الصديق ﵁ (٣).\nقوله: ﴿مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا﴾: ملَّكناه مالًا حلالًا فهو يُنفق منه سرًّا وجهرًا، أي: دائمًا، هل يستوون، ولفظ الجمع يدلُّ على أن المراد بالعبد العموم، أي: لا يستوي القبيلان.\n﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٧٥)﴾ أي: قل الحمد لله، وقيل: الحمد لله على الكمال لا لما يعبدون (٤) بل أكثرهم لا يعلمون فيجعلون الحمد والعبادة لغير الله.\nوقيل: بل أكثرهم لا يعلمون لأنهم لا يتفكرون في الأدلة فيعرفوا أن العبادة والحمد لله (٥).\n﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ أي: أخرس ولد أصمّ فهو لا يفهم (٦) شيئًا، وقيل: هو الكافر لا ينطق بخير.\nوقيل: هو المسلوب الفؤاد الذي لا يعقل شيئًا.\n_________\n(١) لم يرد لفظ الجلالة (الله) في (ب).\n(٢) انظر: «معاني القرآن» للزجاج ٣/ ٢١٣.\n(٣) ذكره الثعلبي (ص ١٧٢ - ١٧٣) من رواية ابن جريج عن عطاء، قال أبو حيان ٥/ ٥٠٣: (ما روي في تعيينهما من أنهما عثمان بن عفان ﵁ وعبد له، أو أنهما أبو بكر الصديق ﵁ وأبو جهل لا يصح إسناده).\n(٤) في (ب): (يعبدونه).\n(٥) في (ب): (فيعرفون أن الحمد والعبادة لله).\n(٦) في (ب): (لا يقدر).","vol":"1","page":1059},{"text":"﴿وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ﴾ وبال وثقل على سيده.\n﴿أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ﴾ أي (١): يبعثه سيده.\n﴿لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ وهذا وصفٌ يجمع كل (٢) الفضائل، ولا جواب إلا أن يقال: لا.\n﴿وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٦)﴾ على منهاج واضح من دينه ودنياه، وجمهور المفسرين على أن هذا أيضًا مثل ضربه الله لنفسه وللأصنام التي تعبد معه.\nوفي سبب النزول: أنها نزلت في عثمان بن عفان ومولاه أسيد (٣) بن أبي العيص (٤)، وقيل: في عثمان وصاحبين له، أحدهما مؤمن يأمر بالخير ويحثه عليه والآخر ينهاه عن الإنفاق في سبيل الله (٥).\n﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ مقاتل: سبب نزولها أن كفار قريش سألوا رسول الله -ﷺ- عن الساعة (٦).\nقيل: تقديره: ولله علم غيب السموات والأرض، وقيل: لله ملك غيب (٧) السموات والأرض، والغيب هاهنا: ما لا يدرك بالحس ولا يفهم بالعقل.\nوقيل: غيب السموات والأرض ما في قوله ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤].\n_________\n(١) سقطت (أي) من (ب).\n(٢) في (ب): (جميع الفضائل).\n(٣) في (ب): (السيد).\n(٤) أخرجه الطبري ١٤/ ٣١٢، والواحدي في «أسباب النزول» (ص ٤٦٣ - ٤٦٤).\n(٥) حكيت أقوال كثيرة في المراد بالآية، والظاهر العموم، والله أعلم.\n(٦) انظر: «تفسير مقاتل» ٢/ ٤٧٩.\n(٧) في (ب): (لله غيب ملك السموات ...).","vol":"1","page":1060},{"text":"المفضل: لله ما غاب عن الخلق، أي: في قبضته لا يعزُب عنه (١).\nابن بحر: غيب السموات والأرض ما اشتملتا عليه ودخل فيهما فهو غيب (٢)، أي: مغيب، من قوله ﴿غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ [يوسف: ١٠]، أي: داخل الجبّ.\n﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ﴾ في قرب كونها وسرعة قيامها.\nوالساعة: اسم لوقت النشور.\nالزجاج: اسم لإماتة الخلق وإحيائهم (٣).\nوالأول أظهر.\nوسمي ساعة لأنه جزء من يوم القيامة، وأجزاء الزمان تسمى ساعات.\n﴿إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ﴾ كرجع طرف، وقيل: مسافة ما يلمحه البصر، حكاه الماوردي (٤)، والأول الوجه؛ لأن المراد بلمح البصر السرعة والسهولة، وضرب المثل به لأنه لا يعرف زمان أقلّ منه.\n﴿أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ أو بمعنى بل، وقيل بمعنى الواو.\nوقيل: للشك في حق المخاطب، ويحتمل تصحيح قوله أقرب؛ لأن اللمح فِعلان وضع الجفن ورفعه، وقيام الساعة فعل واحد.\n﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٧٧)﴾.\n﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ بالولادة، وأمهات جَمْعُ أمّ، زِيْد فيها الهاء\n_________\n(١) نقله أبو حيان ٥/ ٥٠٤ عن المفضل أيضًا.\n(٢) في (ب): (... فهو مغيب من قوله ...) فحصل فيها سقط.\n(٣) انظر: «معاني القرآن» للزجاج ٣/ ٢١٤.\n(٤) لم أجده عند الماوردي في تفسيره المطبوع، وقال يحيى بن سلام في تفسيره ١/ ٧٨: (ولمح البصر أنه يلمح مسيرة خمس مائة عام، يلمح إلى السماء، يعني سرعة البصر).","vol":"1","page":1061},{"text":"فرقًا بين أمهات الناس وأُمَّات (١) البهائم، وقد جاء في الواحدة (٢) أُمَّهة، قال (٣):\nأُمَّهتي خِنْدِفُ وإلياسُ أبي\n﴿لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ أي: جهّالًا غير عالمين مع توفر أداة العلم من السمع والبصر والفؤاد، وقيل: تم الكلام على قوله (٤) ﴿شَيْئًا﴾ ثم استأنف (٥) فقال: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ أي: جعلها بحيث تنتفعون بها.\n﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾ الإخراج، وقيل: تشكرون الجَعْل، وهو الخلق.\n﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ﴾ جمع طائر.\n﴿مُسَخَّرَاتٍ﴾ لأمر الله، وقيل: مذللات.\n﴿فِي جَوِّ السَّمَاءِ﴾ فتح ما بين السماء والأرض.\nقتادة: جَوِّ السماء: كبد السماء (٦).\nالزجاج: جوِّ السماء: الهواء البعيد من الأرض (٧).\nالفراء: جوِّ السماء: هو السماء (٨).\n_________\n(١) في (أ): (وأمهات).\n(٢) في (ب): (في الواحد أمهة).\n(٣) البيت لقصي بن كلاب، وبعده: عند تنادِيهمْ بهالٍ وهبِ\nانظر: «الدر المصون» للسمين الحلبي ٣/ ٦٣٩ - ٦٤٠ وهامش المحقق الدكتور أحمد الخراط.\n(٤) في (أ): (على قوله الكلام شيئًا ...).\n(٥) انظر: «الجامع لأحكام القرآن» للقرطبي ١٢/ ٣٨٩، بينما ذهب الواحدي في «البسيط» (ص ٤٩٠) إلى أنه معطوف على قوله (أخرجكم).\n(٦) أخرجه الطبري ١٤/ ٣١٦ - ٣١٧، وزاد السيوطي ٩/ ٩١ نسبته لابن أبي حاتم.\n(٧) انظر: «معاني القرآن» للزجاج ٣/ ٢١٤.\n(٨) نقله الكرماني أيضًا في كتابه الآخر «غرائب التفسير» ١/ ٦١٥، ولم أجده عند غيره.","vol":"1","page":1062},{"text":"﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ﴾ في الهواء عن السقوط بلا مساك ولا عماد ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾.\nالكلبي (١): ما يُمسكهن عن إرسال الحجارة عليكم إلا الله (٢).\n﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٧٩)﴾ جمع آيات لقوله: مسخرات، وقد سبق في السورة (٣).\n﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا﴾ موضعًا تسكنون فيه عن ترددكم ومجيئكم وذهابكم (٤).\n﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا﴾ البيت عامٌّ يقع على (٥) ما يُتخذ من الطين والخشب والآجر والصوف والشعر، وأراد بجلود الأنعام ما يُتخذ من الأدم.\nالحسن: هي المتخذة من النابت على الجلود، وهي الوبر والصُّوف والشَّعر (٦).\n﴿تَسْتَخِفُّونَهَا﴾ تجدونها خفيفة ويخف عليكم حملها.\n﴿يَوْمَ ظَعْنِكُمْ﴾ في السفر.\n﴿وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ﴾ ثباتكم في منازلكم.\n﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا﴾ الضائنة.\n﴿وَأَوْبَارِهَا﴾ الإبل.\n_________\n(١) سقطت (الكلبي) من (ب).\n(٢) نقله ابن الجوزي ٤/ ٤٧٦ عن ابن السائب، وهو الكلبي.\n(٣) الآية (١٢).\n(٤) في (ب): (وذهابكم ومجيئكم).\n(٥) سقطت (على) من (أ).\n(٦) ذكره يحيى بن سلام في «تفسيره» ١/ ٧٩ ولم ينسبه لأحد، ونقله الألوسي ١٤/ ٢٠٤ عن ابن سلام وغيره.","vol":"1","page":1063},{"text":"﴿وَأَشْعَارِهَا﴾ الماعز.\n﴿أَثَاثًا﴾ متاع البيت، واحدها: أثاثة.\nابن جرير: الأثاث: اجتماع بعض المتاع إلى بعض حتى يكثر، كالشعر الأَثِيث (١).\nابن عباس: الأثاث: المال والزينة (٢).\nالمؤرج: الثياب بلغة قريش.\nوقيل: الأثاث: ما يُلبس ويُفترش كالأكسية وما يشبهها.\n﴿وَمَتَاعًا﴾ المفضل: ما تَتَّجِرُون به (٣).\nغيره (٤): ما يُنتفع به.\n﴿إِلَى حِينٍ (٨٠)﴾ مدة من الزمان لصلابتها، وقيل: إلى فنائها؛ لأنها سريعة الفساد قليلة البقاء.\nوقيل: إلى حين الممات.\n﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا﴾ ما تستظلون به من الشجر والجبل والأبنية وغيرها، ولولا ظل هذه الأشياء لم يكن للحيوان في الأرض قرار.\n﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا﴾ جمع كِنٍّ، وهو ما سَتَركَ مِنْ كهفٍ وغارٍ.\n﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ﴾ كل ما يُلبس من ثوبٍ أو درع فهو سِرْبَال، وقيل: القميص خاصة.\n﴿تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ تصونكم عن الحرِّ إذا ضَحَيْتُم، وخصَّ الحر بالذِّكر وهي\n_________\n(١) انظر: الطبري ١٤/ ٣١٨.\n(٢) أخرجه الطبري ١٤/ ٣١٨ عن ابن عباس، حيث فسر الأثاث بالمال، والمتاع بالزينة في أثرين مختلفين.\n(٣) نقله أبو حيان ٥/ ٥٠٧، والألوسي ١٤/ ٢٠٤ عن المفضل.\n(٤) في (ب): (غير) بدون الهاء في الآخر.","vol":"1","page":1064},{"text":"تقي البرد أيضًا اكتفاء بأحد الضِّدَّين، ولأنه خاطب العرب وهم يستريحون إلى البرد، ولأن التَّخصيص بالذكر لا يدل على نفي ما عداه.\n﴿وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ تقي أبدانكم في الحرب من سلاح العدو، يريد الدرع وما يجري مجراها.\n﴿كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ أي: كما أتمَّ هذه النعم التي تقدمت يتم ما تحتاجون إليه.\n﴿لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ (٨١)﴾ تنقادون له بالطاعة، وقيل: ﴿لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ (٨١)﴾ أي: تؤمنون.\nوقرئ في الشواذ (تَسْلَمون) (١) أي: من الحر والبرد.\n﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أعرَضُوا عن الإسلام.\n﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٨٢)﴾ الإبلاغ (٢)، كالطاعة من أطاع.\n﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ يعني المشركين، يعرفون أن الله خالقهم ورازقهم وهو المنعم عليهم.\n﴿ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾ ولا يؤدون حقها.\nالسدي والزجاج: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ﴾: أمر محمد -ﷺ- ﴿ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾: بتكذيبهم إياه (٣).\n_________\n(١) نقلها الطبري ١٤/ ٣٢٢ عن ابن عباس ﵄، ثم قال: لتسلموا من السلاح في حروبكم، كما نقلها ابن خالويه في «القراءات الشاذة» (ص ٧٤)، ونسبها ابن الجوزي ٤/ ٤٧٨ إليه وإلى سعيد بن جبير وعكرمة وأبي رجاء.\n(٢) في (ب): (البلاغ) بدلًا من (الإبلاغ).\n(٣) أخرج الطبري ١٤/ ٣٢٥ قول السدي، وزاد السيوطي ٩/ ٩٥ نسبته لابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، وأما قول الزجاج فهو في «معاني القرآن» له ٣/ ٢١٦.","vol":"1","page":1065},{"text":"مجاهد: يقرون بنعم الله ثم ينكرونها بإسنادها إلى غير الله، نحو أن يقول: أصبته بِجَلادتي (١) وورثته من فلان ووهب لي فلان (٢).\nوقيل: ﴿ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾: بإضافتها إلى شفاعة الأصنام.\n﴿وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ (٨٣)﴾ الجمهور (٣) على أن المراد بالأكثر: الجميع، وقيل: لأن فيهم الصبي والمأووف (٤).\nوقيل: عزل البعض احتقارًا له أن يذكره.\n﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ﴾ نحشر.\n﴿مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ يعني: نبيهم، يشهد على أمته بما فعلوا، وقيل: من كل جيل في كل زمان شهيدًا على أهل زمانه بما كانوا يفعلون.\n﴿ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ في الاعتذار، وقيل: لا يسمع عذرهم.\n﴿وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٨٤)﴾ ولا يطلب منهم أن يرجعوا إلى ما يرضي الله، والعتبى: الرضا.\n﴿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذَابَ﴾ جهنم ونيرانها.\n﴿فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ﴾ أي: العذاب.\n﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٥)﴾ يؤخرون ويمهلون.\n﴿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ﴾ أوثانهم التي عبدوها.\n_________\n(١) يعني بقوتي، كما يظهر من «اللسان» (جلد).\n(٢) الأثر في «تفسير مجاهد» (ص ٤٢٤)، والطبري ١٤/ ٣٢٥ - ٣٢٦، وعزاه السيوطي ٩/ ٩٤ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٣) نقله ابن الجوزي ٤/ ٤٧٩ عن الحسن، ولم أجده عن الجمهور، وإنما أكثر المفسرين على القول الثاني. انظر: «البسيط» للواحدي (ص ٤٩٨) حيث نسبه إلى أصحاب التأويل.\n(٤) في (ب): (الصبي والأحمق). والمأووف: المصاب بآفة وهي العاهة. انظر: «اللسان» (أوف).","vol":"1","page":1066},{"text":"﴿قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ﴾ لأن الله يبعثها حين يوردهم النار فيعرفونها (١) ويقولون هذه المقالة.\n﴿فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ (٨٦)﴾ أي: أجابوهم بالتكذيب؛ لأنها كانت جمادًا ما تعرف من عبدها، وقيل: هذا في عزير وعيسى ومن عُبِدَ من الملائكة، لما رأوهم في الجنة وهم في النار قالوا هذه المقالة، فأجابوهم بأنكم كاذبون في قولكم إنا دعوناكم إلى عبادتنا والإشراك بالله.\n﴿وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ﴾ أسلم الكفار يوم البعث حين لا ينفع، وقيل: أسلموا لإمرة أنفسهم (٢)، وقيل: استسلموا بالذل لحكم الله.\n﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٨٧)﴾ ضاع سعيهم وخاب أملهم من شفاعة آلهتهم.\n﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ (٨٨)﴾ أي: بسبب صدهم ومنعهم الناس عن الإيمان، وقيل: عن الجهاد، ﴿زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ أي: عذابًا بكفرهم وعذابًا بصدهم وإفسادهم.\n﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ﴾ يعني: نبيهم يشهد عليهم.\n﴿مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ من بني آدم، وقيل: من قومهم.\n﴿وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ﴾ يعني: أمتك.\n﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ قيل: حال، وقيل: استئناف، وهذا أظهر.\n﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ يأتون ويذرون.\n﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً﴾ للجميع.\n_________\n(١) في (أ): (فيعرفون).\n(٢) قال في «اللسان» (أمر): (يقال لكل من فعل فعلًا من غير مشاورة: ائْتَمَرَ، كأن نفسه أمرته بشيء فأْتَمَرَ، أي: أطاعها).","vol":"1","page":1067},{"text":"﴿وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ خاصة.\n﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ بالتسوية والإنصاف.\nابن عباس ﵄: بشهادة أن لا إله إلا الله (١).\n﴿وَالْإِحْسَانِ﴾ نفع لا ضرر منه (٢).\nابن عباس: أداء الفرائض (٣).\nابن جرير: الصبر على أوامره ونواهيه (٤).\nوقيل: العدل: الإنصاف، والإحسان: التفضل.\nوقيل: الإحسان هاهنا: العفو.\nالحسن: العدل والإحسان: الفرض والنافلة.\n﴿وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ إعطاء القرابة ما تحتاج إليه، يريد صلة الرحم.\n﴿وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ﴾ الزنا وكل ذنب له حد، وقيل: الفحشاء: كل قبيح من قول وفعل.\nوقيل: البخل.\n﴿وَالْمُنْكَرِ﴾ (٥) مالا يعرف في شريعة من شرائع الأنبياء، وقيل: ما تنكره العقول.\nوقيل: ما يكره الإنسان ظهوره منه للناس.\n_________\n(١) أخرجه الطبري ١٤/ ٣٣٥، والبيهقي في «الأسماء والصفات» (٢٠٦).\n(٢) في (ب): (لا ضرر فيه).\n(٣) ورد في أثناء الأثر السابق في معنى (العدل)، وفي نفس المصادر.\n(٤) انظر: الطبري ١٤/ ٣٣٥.\n(٥) في (ب) حصل سقط، فسقط معنى (المنكر) كاملًا.","vol":"1","page":1068},{"text":"﴿وَالْبَغْيِ﴾ ابن عباس: الكبر والظلم (١).\nوقيل: تجاوز الحق إلى الباطل.\nابن مسعود ﵁: هذه الآية أجْمَع آية في القرآن للخير والشر (٢).\nمسروق (٣): أجمع آية في القرآن لحلال وحرام.\n﴿يَعِظُكُمْ﴾ يحذركم وينهاكم عن هذا كله.\n﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ ما أمرتم به وهو ثلاث ونهيتم عنه وهو ثلاث، فتتعظوا (٤).\nوذكر المفسرون أن النبي -ﷺ- قرأ على الوليد ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ﴾ إلى آخر الآية، قال له: يا ابن أخي أعِدْ، فأعاد عليه، فقال: إن له والله لحلاوة وإن له لطلاوة وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق وما هو بقول البشر (٥).\n﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ أتموا ما ضمنتم من أحكام الدين، وقيل: النذور، وقيل: كل عهد في طاعة الله، وقيل: هو الإيمان.\n﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ لا تحنثوا في أيمانكم المؤكدة بذكر الله.\n﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ أي: قلتم عند الحلف: الله راع علي كفيل أن\n_________\n(١) هو نفس الأثر الذي بين فيه معنى العدل سابقًا.\n(٢) أخرجه البخاري في «الأدب المفرد» (٤٨٩)، وابن جرير ١٤/ ٣٣٧، والحاكم ٢/ ٣٥٦.\n(٣) مسروق بن الأجدع بن مالك الهمداني الوادعي، أبو عائشة الكوفي، ثقة فقيه عابد، مخضرم، توفي سنة اثنتين ويقال سنة ثلاث وستين.\nانظر: «تقريب التهذيب» (ص ٥٢٨).\nوجاء عن مسروق أنه جاءه شتير بن شَكَل فحدثه عن ابن مسعود أن هذه الآية أجمع آية في القرآن للخير والشر، فقال مسروق: صدقت. انظر: «تفسير السمعاني» ٣/ ١٩٧.\n(٤) في (ب): (فاتعظوا).\n(٥) أخرجه السمرقندي ٢/ ٢٨٨، وذكره الثعلبي (ص ١٨٦ - ١٨٧)، والقرطبي ١٢/ ٤١١.","vol":"1","page":1069},{"text":"أفعل كذا، وقيل: ﴿كَفِيلًا﴾: شاهدًا وقيمًا، وقيل: يكفل لكم بالجنة إذا وفيتم، وقيل: ﴿عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ بالوفاء.\nوفي سبب نزوله قولان، أحدهما: نزلت في الذين بايعوا رسول الله -ﷺ-، أمرهم بالوفاء (١).\nمجاهد وقتادة: نزلت في (٢) حلف أهل الجاهلية (٣).\nوالأكثر على (٤) أنه عام.\n﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (٩١)﴾.\n﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا﴾ هذا مثل لناقِضي العهد، فقال بعضهم: ضرب الله هذا المثل، وقال بعضهم: أراد الله به (٥) امرأة صنعت هذا، وقيل: هي ريطة بنت عمرو (٦)، وكانت امرأة خرقاء حمقاء من قريش تُلقَّب بجعر (٧).\nوقيل: جعراء، كانت قد اتخذت مغزلًا بقدر ذراع وصنارة مثل الإصبع وفلكة كبيرة على قدرها، وكانت تغزل من الصوف والشعر والوبر وتأمر جواريها بذلك، فكُنَّ يغزلن من الغد إلى نصف النهار فإذا انتصف النهار أمرت جواريها بنقض جميع\n_________\n(١) أخرجه الطبري ١٤/ ٣٣٩ عن مَزيدة بن جابر، وزاد السيوطي ٩/ ١٠٥ نسبته لابن أبي حاتم.\n(٢) سقطت (في) من (ب).\n(٣) أما قول مجاهد فهو في «تفسيره» (ص ٤٢٤)، وأخرجه الطبري ١٤/ ٣٣٩، وأما قول قتادة فأخرجه الطبري ١٤/ ٣٤٠ بلفظ: يقول: بعد تشديدها وتغليظها، وليس فيه إشارة لحلف الجاهلية، إلا أن الطبري قرن قول مجاهد وقتادة فيمن قال إن المراد بالآية حلف أهل الجاهلية.\n(٤) سقطت (على) من (أ).\n(٥) في (ب): (أراد أيه امرأة ...).\n(٦) انظر: «تفسير مبهمات القرآن» للبلنسي ٢/ ١١٥.\n(٧) في (أ): (تلقب بجعفر).","vol":"1","page":1070},{"text":"ما غَزَلْنَ، وكان هذا دَأْبُها (١).\nالغَزْل المصدر، والغَزْل الاسم.\n﴿مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ﴾ يجوز أن يتعلَّق بقوله: نقضت من بعد قوة، ويجوز أن يتعلق بالغزل، والقوة: الطاقة الواحدة، أي: بعد أن جعلتها قوى وطاقات (٢).\nالمبرد: من بعد قوة إبرام وإحكام (٣).\nوقيل: من بعد شدة فتل.\n﴿أَنْكَاثًا﴾ جمع نِكْث، وهو ما نكث ونقض بعد الغزل والفتل.\n﴿تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ﴾ خيانة ومكرًا.\nالزجاج: غشًا وغلًا (٤).\nوقيل: ﴿دَخَلًا﴾: دغلًا وغدرًا (٥).\nوالدَّخَل: كل أمر لم يكن صحيحًا.\n_________\n(١) ذكره ابن جرير ١٤/ ٣٤٢، والثعلبي (ص ١٨٧ - ١٨٨)، وابن الجوزي ٤/ ٤٨٥، والقرطبي ١٢/ ٤١٩، ونقل ابن كثير ٨/ ٣٤٩ عن مجاهد وقتادة وابن زيد أن هذا مثل لمن نقض عهده بعد توكيده، ثم قال ابن كثير: (وهذا القول أرجح وأظهر، وسواء كان بمكةامرأة تنقض غزلها أم لا).\n(٢) قال الثعلبي (ص ١٨٧): (كان بعض أهل اللغة يقول: القوة ما يغزل على طاقة واحدة ولم يثن).\n(٣) في (ب): (قوة إحكام وإبرام).\n(٤) انظر: «معاني القرآن» للزجاج ٣/ ٢١٧.\n(٥) سقطت كلمة (وغدرًا) من (ب).","vol":"1","page":1071},{"text":"ابن بحر: الدخل: الشيء (١) الداخل في الشيء لم يكن منه (٢). تقول: دخل يدخل فهو دَخَل، ومثله سَقَطَ يَسْقُط فهو سَقَط (٣).\n﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾ أي: لا تغدروا بقوم لقلتهم وكثرتكم وقد وثقوا بكم.\nمجاهد: كانوا يحالفون الحلفاء فإذا وجدوا أكثر وأعز حالفوا الذين هم أكثر وأعز، فنهوا عن ذلك (٤).\nومعنى ﴿أَنْ تَكُونَ﴾ بأن تكون (٥) ولأن تكون، ﴿أَرْبَى﴾ أزيد عددًا.\n﴿إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ﴾ يختبركم بالوفاء بالعهد، وقيل: بالأمر.\nوقيل: بالعزّ والذلّ والغنى والفقر، وقيل: بالعهد، وقيل: بالكثرة، وقيل: بالقلّة، والمراد: القل والكثر.\n﴿وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٩٢)﴾ إذا جازاكم على أعمالكم بالثواب والعقاب.\n﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ على دين الإسلام.\n﴿وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ بالخذلان والتوفيق.\n﴿وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٣)﴾ ثم يجازيكم جزائكم، المطيع منكم بطاعته والعاصي بمعصيته، وقيل: لتسألن سؤالًا لم عملتم، فيكون تبكيتًا.\n_________\n(١) في (ب): (شيء الداخل ...).\n(٢) نقله أبو حيان ٥/ ٥١٤ عن ابن بحر.\n(٣) السَّقَط من الأشياء: ما تُسقطه فلا تعتد به من الجند والقوم ونحوه ... والسَّقَط والسِّقاطُ: الخطأ في القول والحساب والكتاب، أما السِّقْطُ والسُّقْطُ والسَّقْطُ فهو ما تلقيه المرأة من الولد لغير تمام. انظر: «اللسان» (سقط).\n(٤) انظر: «تفسير مجاهد» (ص ٤٢٤ - ٤٢٥)، والطبري ١٤/ ٣٤٥.\n(٥) سقط قوله (بأن تكون) من (أ).","vol":"1","page":1072},{"text":"﴿وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا﴾ للدخل.\n﴿بَيْنَكُمْ﴾ لتتوصلوا بها إلى قطع أموال المسلمين.\n﴿فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا﴾ فتصير فاسقًا بعد الصلاح، وزلل (١) القدم عبارة عن السُّقوط عن الصِّراط السويِّ، لأن من ثَبَتَ قدمه كان مؤمنًا مرضيًّا، ومن زلَّت كان هالكًا.\n﴿وَتَذُوقُوا السُّوءَ﴾ العذاب.\n﴿بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ بصدكم الناس عن الإيمان بالله.\n﴿وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٩٤)﴾ دائم لا ينقطع.\n﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ أي: لا تبدلوا عهد الله وتأخذوا ذا ثمن، وقد سبق بيانه (٢).\n﴿إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أي: الثواب المدخر عنده خير لكم.\n﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩٥)﴾.\n﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ﴾ ينقضي ويفنى.\n﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ لا يزول ولا يفنى.\n﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ أي: ولنجزين الصابر على المكروه أحسن الجزاء وأفضل الثواب.\n﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ قيد بالإيمان لأن أعمال الكفار غير معتد بها.\n_________\n(١) في (أ): (وزايل القدم ...).\n(٢) في تفسير الآية (٤١) من سورة البقرة، حيث نقل هناك عن أبي علي الفارسي قوله: (تقديره حيث وقع: ولا تشتروا بآياتي ذا ثمن) قال - يعني الفارسي -: (لأن الثمن لا يُشترى وإنما يشترى المبيع به).","vol":"1","page":1073},{"text":"﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ في الدنيا بأن نوسع عليه الرزق الحلال ونيسره لصالح الأعمال ونصفِّي حياته من الهموم والآفات، وقيل: حياة في الجنة.\nالحسن: الحياة الطيبة: القناعة (١).\n﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ أي: نُجازي على الطاعة، وقيل: نُضاعفه الجزاء.\n﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾ أي: إذا أردت قراءته، وقيل: إذا كنت قارئًا.\n﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ وقيل: فيه تقديم وتأخير، تقديره: فإذا استعذت بالله فاقرأ القرآن (٢).\nويروى عن سليم عن حمزة (٣) أنه كان يتعوَّذ بعد القراءة أخذًا بظاهر اللفظ، وتلك رواية مرغوب عنها (٤).\nومعنى فاستعذ بالله ﴿مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨)﴾ سَلْهُ أن يعيذك من وساوس (٥)\n_________\n(١) أخرجه الطبري ١٤/ ٣٥٢.\n(٢) ورده الطبري ١٤/ ٣٥٧، ثم قال: (لا وجه لما قال من ذلك، لأن ذلك لو كان كذلك لكان متى استعاذَ مستعيذٌ من الشيطان الرجيم لزمه أن يقرأ القرآن).\n(٣) سليم بن عيسى، أحد الرواة عن حمزة، وهو من أخص أصحابه وأضبطهم، توفي سنة (١٨٨ هـ)، أو (٢٠٠ هـ).\nوأما حمزة، فهو أبو عُمارة حمزة بن حبيب الزيات، أحد القراء السبعة المعروفين، توفي سنة (١٥٦ هـ) أو (١٥٨ هـ).\nانظر: «المبسوط» لابن مهران (ص ٥٩ - ٦٧)، و«تقريب التهذيب» (ص ١٧٩).\n(٤) قال ابن كثير ٨/ ٣٥٣: (والمعنى في الاستعاذة عند ابتداء القراءة لئلا يلبس على القارئ قراءته ويخلط عليه ويمنعه من التدبر والتفكر، ولهذا ذهب الجمهور إلى أن الاستعاذة إنما تكون قبل التلاوة، وحكي عن حمزة وأبي حاتم السجستاني أنها تكون بعد التلاوة واحتجَّا بهذه الآية، ونقل النووي في شرح المهذب مثل ذلك عن أبي هريرة أيضًا ومحمد بن سيرين وإبراهيم النخعي، والصحيح الأول، لما تقدم من الأحاديث الدالة على تقدمها على التلاوة، والله أعلم).\n(٥) في (ب): (وسواس).","vol":"1","page":1074},{"text":"إبليس ومكائده، والشيطان: هو إبليس، والرجيم: المطرود الملعون.\nوقيل: الرجيم بالشهب.\nوقيل: فعيل بمعنى فاعل، أي: يرجم بني آدم ويرميهم بالسيئات والغوائل.\nوالاستعاذة: ندبٌ واستحبابٌ وليست بفرض (١).\n﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ﴾ لإبليس.\n﴿سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩)﴾ سلطانه: إغواؤه، والمؤمن المتوكل لا يقبل منه وساوسه، وقيل: سلطانه: حجته، من قوله ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [إبراهيم: ٢٢].\n﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ يحبونه ويتبعون وساوسه.\n﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ﴾ بالله.\n﴿مُشْرِكُونَ (١٠٠)﴾ وقيل: يعود إلى إبليس، أي: بسببه هم (٢) مشركون.\n﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾ إذا نسخنا آية وأنزلنا مكانها أخرى، نزلت حين قال المشركون: إن محمدًا يسخَرُ بأصحابه، يأمرهم اليوم بأمر وينهاهم عنه غدا، ويأتيهم بما هو أهون عليهم وما هو إلا مفترٍ يتقوَّله من تلقاء نفسه، فأنزل الله هذه الآية والتي بعدها (٣).\nابن بحر: ﴿آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾: شريعة تقدمت بشريعة مستأنفة (٤).\n﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾ ناسخًا ومنسوخًا، لأنه المدبر (٥) المتعبِّد عباده بما هو\n_________\n(١) بدون خلاف، كما قاله الطبري ١٤/ ٣٥٧.\n(٢) لم ترد (هم) في (أ).\n(٣) انظر: الثعلبي (ص ١٩٦)، والواحدي في «أسباب النزول» (ص ٤٦٥)، وابن الجوزي ٤/ ٤٩١.\n(٤) نقله الماوردي ٣/ ٢١٤.\n(٥) في (أ): (المتدبر).","vol":"1","page":1075},{"text":"خير لهم.\n﴿قَالُوا﴾ يعني الكفار.\n﴿إِنَّمَا أَنْتَ﴾ يا محمد.\n﴿مُفْتَرٍ﴾ تقوله من تلقاء نفسك، وهذا جواب ﴿وَإِذَا﴾، ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾ اعتراض، ويحتمل أن يكون حالًا.\n﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١)﴾ وجه المصلحة والصواب فيه.\n﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ﴾ جبريل ﵇.\n﴿مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ لإظهار الحق وإبطال الكفر.\n﴿لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ على الإيمان.\n﴿وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (١٠٢)﴾ بأنهم من أهل الجنة.\n﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ في سبب النزول عن عبد الله بن مسلم قال: كان غلامان نصرانيان اسم أحدهما يسار والآخر جبر، وكانا يصنعان السيوف بمكة ويقرآن كتبًا لهم بلسانهم، وكان رسول الله -ﷺ- يمر بهما ويسمع قراءتهما، فكان المشركون يقولون: يتعلم منهما، فأنزل الله ﷿، فأكذبهم الله وقال: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣)﴾ (١).\nوقال طلحة بن عمرو: بلغني أن خديجة كانت (٢) تختلف إلى جبر، وكانت قريش تقول إن عبدًا الحضرمي يُعَلِّمُ خديجة وخديجة تعلم محمدًا (٣).\nوقيل: ﴿بَشَرٌ﴾: أبو ميسرة النصراني (٤).\nابن عباس: كان رسول الله -ﷺ- يعلم قينًا بمكة اسمه: بلعام، وكان نصرانيًّا فرآه المشركون يدخل على النبي -ﷺ- ويخرج من عنده، فقالوا: إنما يعلمه بلعام (٥).\n_________\n(١) أخرجه آدم بن أبي إياس في «تفسير مجاهد» (ص ٤٢٥ - ٤٢٦)، والطبري ١٤/ ٣٦٧، والواحدي في «أسباب النزول» (ص ٤٦٥ - ٤٦٦).\n(٢) سقطت كلمة (كانت) من (ب).\n(٣) ذكره الثعلبي (ص ١٩٨)، والواحدي في «البسيط» (ص ٥٢٤).\n(٤) وهذا قول السدي، كما نقله الثعلبي (ص ١٩٩).\n(٥) أخرجه الطبري ١٤/ ٣٦٥، وزاد السيوطي ٩/ ١١٥ نسبته لابن أبي حاتم وابن مردويه.","vol":"1","page":1076},{"text":"عكرمة وقتادة: كان النبي -ﷺ- يقرئ غلامًا لبني المغيرة يقال له يعيش، وكان يقرأ الكتب، فقالت قريش (١): إنما يعلمه يعيش (٢).\nقال الفرَّاء: قال المشركون: إنما يعلمه عايش، مملوك كان لحويطب ابن عبد العزَّى، وكان قد أسلم فحسن إسلامه (٣).\nوقال سعيد: إنه كان غلامًا أعجميًا لامرأة بمكة (٤) يقال له أبو فكيهة (٥).\nوذكر غيره أن أبا فكيهة هو يسار (٦).\nالضحاك: إنما يعلمه سلمان الفارسي (٧).\n﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ﴾ يميلون إليه، وقيل: يعترضون به ﴿أَعْجَمِيٌّ﴾ دخيل في العرب، أي: بلغة العجم ﴿وَهَذَا﴾ يعني القرآن ﴿لِسَانٌ عَرَبِيٌّ﴾ بلغة العرب ﴿مُبِينٌ (١٠٣)﴾ يعرف معناه من لفظه بأدنى تأمل، والمعنى: أنتم أفصح العرب وأبلغهم، وأقدرهم على الكلام نظمًا ونثرًا، وقد عجزتم وعجز جميع العرب عنه، فكيف تنسبونه إلى أعجمي ألكن.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ يعني القرآن وأنه من عند الله.\n﴿لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ﴾ لا يوفقهم.\n﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤)﴾ مؤلم دائم.\n﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ جواب لهم حين قالوا: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾.\n﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٠٥)﴾ ابن بحر: أعلم أنهم هم أهل تلك الصفة دون رسول الله -ﷺ-، فرد عليهم بالوصف دون النص أولًا، ثم رد نصًا فقال:\n﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٠٥)﴾ (٨).\n_________\n(١) في (ب): (وكان يكتب فقالوا إنما يعلمه يعيش).\n(٢) قول عكرمة: أخرجه الطبري ١٤/ ٣٦٥ - ٣٦٦، وأما أثر قتادة: فهو عند الطبري ١٤/ ٣٦٦ أيضًا، وعزاه السيوطي ٩/ ١١٦ إلى ابن أبي حاتم، وعند السيوطي: مقيس، فلعلها تصحيف.\n(٣) انظر: «معاني القرآن» للفراء ٢/ ١١٣.\n(٤) في (ب): (إنه كان غلام أعجمي بمكة ...).\n(٥) ذكره ابن الجوزي ٤/ ٤٩٣ في القول السابع عن سعيد بن جبير، وذكر ابن الجوزي في القول الرابع قولًا آخر لسعيد بن جبير حيث سماه (جابر).\n(٦) قاله مقاتل في «تفسيره» ٢/ ٤٨٧.\n(٧) أخرجه الطبري ١٤/ ٣٦٨، وضعفه جماعة من المفسرين كالثعلبي وابن الجوزي وابن كثير لأن الآية مكية وإسلام سلمان كان بالمدينة.\n(٨) نقله الكرماني أيضًا في كتابه الآخر «غرائب التفسير» ١/ ٦١٦ عن ابن بحر.","vol":"1","page":1077},{"text":"﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ﴾ في سبب النزول، قال ابن عباس ﵄: نزلت في عمار بن ياسر، وذلك أن المشركين أخذوه وأباه ياسرًا وأمه سمية وصهيبًا وبلالًا وخبابًا وسالمًا فعذبوهم، فأما سمية فإنها ربطت بين بعيرين ووجيء قُبُلُها بحربة، وقيل لها: إنك أسلمت لأجل الرجال فقتلت وقتل زوجها ياسر، وهما أول قتيل في الإسلام، وأما عمار فإنه أعطاهم ما أرادوا بلسانه مكرهًا، وأُخْبِرَ رسول الله بأن عمارًا كفر، فقال: (كلا، إن عمّارًا مليء إيمانًا من قرنه إلى قدمه واختلط الإيمان بلحمه ودمه)، فأتى عمّار رسول الله -ﷺ- وهو يبكي، فجعل رسول الله -ﷺ- يمسح عينيه وقال (١): (إن عادوا لك فعد لهم بما قلت)، فأنزل الله هذه الآية (٢).\nوقال مجاهد: نزلت في ناس من أهل مكة آمنوا وكتب إليهم المسلمون بالمدينة أن هاجروا فإنا (٣) لا نراكم منَّا حتى تهاجروا إلينا، فخرجوا يريدون المدينة فأدركتهم قريش في الطريق وفتنوهم مكرهين، ففيهم نزلت هذه الآية (٤).\nقوله: ﴿مَنْ كَفَرَ﴾:\nالزجاج: ﴿مَنْ﴾ مرفوع (٥) على البدل من ﴿الْكَاذِبُونَ (١٠٥)﴾ ومفسر له، ولا يجوز أن يرتفع بالابتداء لأنه لا خبر له (٦). وأجاز بعضهم أن يكون رفعًا بالابتداء، وقوله: ﴿مَنْ شَرَحَ﴾ بدل عنه، ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ﴾ خبر عنهما.\nوقوله ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ﴾ أي: على التلفظ (٧) بكلمة الكفر.\n_________\n(١) سقطت (وقال) من (ب).\n(٢) هذا سياق الواحدي في «أسباب النزول» (ص ٤٦٦ - ٤٦٧)، وأخرجه الطبري ١٤/ ٣٧٣، عن ابن عباس، وللأثر طرق أخرى، عند الطبري ١٤/ ٣٧٤ - ٣٧٥، وأوردها السيوطي في «الدر المنثور» ٩/ ١١٩ - ١٢٣.\n(٣) في (ب): (لأنا لا نراكم ...).\n(٤) أخرجه آدم في «تفسير مجاهد» (ص ٤٢٦) والطبري ١٤/ ٣٧٨، وزاد السيوطي ٩/ ١٢٢ - ١٢٣ نسبته لابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٥) في (ب): (رفع على البدل ...).\n(٦) انظر: «معاني القرآن» للزجاج ٣/ ٢١٩.\n(٧) في (ب): (على التلطف).","vol":"1","page":1078},{"text":"﴿وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ أي: قابل الإيمان وساكن إليه.\n﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ أي: قبله على اختيار وانشراح صدر.\n﴿صَدْرًا﴾ نصب على التمييز، أي: شرح صدره، فصرف الفعل إلى المضاف إليه فانتصب على التمييز.\n﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٦)﴾.\n﴿ذَلِكَ﴾ الغضب والعذاب.\n﴿بِأَنَّهُمُ﴾ بسبب أنهم وبدل أنهم.\n﴿اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ﴾ أي: آثروها عليها.\n﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (١٠٧)﴾.\n﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ﴾ ختم.\n﴿عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ أي: خذلهم.\n﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٠٨)﴾ عن آيات الله بتَرْكِهم التأمُّل فيها.\n﴿لَا جَرَمَ﴾ من جعله اسمًا فهو مفتوح، ومن جعله فعلًا جعل (لا) ردًا، وقد سبق (١).\n﴿أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٠٩)﴾.\nقوله ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا﴾ في سبب النزول، قال قتادة: ذكر لنا أنه لما أنزل الله إن أهل مكة لا يقبل منهم إسلام حتى يهاجروا، وكتب بها أهل المدينة إلى أصحابهم، فخرجوا فأدركتهم قريش في الطريق (٢) ففتنوهم مكرهين، ومنهم من قتل ومنهم من نجى، فأنزل الله ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا﴾ (٣). أي: عذبوا وأوذوا حتى تلفظوا بما رضيهم.\n﴿ثُمَّ جَاهَدُوا﴾ مع النبي ﴿وَصَبَرُوا﴾ على الدين والجهاد ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا﴾ بعد الفتنة التي أصابتهم، وقيل: المجاهدة، وقيل: الهجرة.\n﴿لَغَفُورٌ﴾ يغفر لهم ما تلفظوا به من الكفر تَقِيَّة (٤).\n﴿رَحِيمٌ (١١٠)﴾ يرحمهم.\nومن قرأ (فَتَنُوا) فتقديره: فتنوا أنفسهم، ولما طال الكلام أعاد (إن) واسمها (٥).\n﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ﴾ يعني يوم القيامة.\n_________\n(١) سبق في نفس السورة، الآية (٢٣)، وسورة هود، آية (٢٢).\n(٢) سقط قوله (في الطريق) من (ب).\n(٣) أخرجه الطبري ١٤/ ٣٧٨ - ٣٧٩، وزاد السيوطي ٩/ ١٢٤ نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر.\n(٤) في (ب): (يغفر ما تلفظوا به من الكفر) فلم ترد (لهم) ولا (تقية).\n(٥) قرأ ابن عامر وحده (من بعد ما فَتَنُوا) بفتح الفاء والتاء، وقرأ باقي العشرة (فُتِنُوا) بضم الفاء وكسر التاء.\nانظر: «المبسوط» لابن مهران (ص ٢٢٦).","vol":"1","page":1079},{"text":"﴿تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا﴾ لا يهمها إلا نفسه (١) تحاج الملك حالة المحاسبة.\nوالمجادلة: التشدد (٢) في الخصومة.\n﴿وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ﴾ تعطى جزاء عملها وافيًا.\n﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١١١)﴾ لا ينقصون مما تستحقه شيئًا.\n﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً﴾ ابن عباس في جماعة: هي مكة (٣).\nوروي عن حفصة زوج النبي -ﷺ- أنها قالت عند قتل عثمان ﵁: إنها القرية والذي نفسي بيده - تعني المدينة هي القرية التي ضرب الله المثل (٤) - وسترون ما يحل بأهلها (٥).\nوعن الحسن (٦): هي بلدة عظيمة قديمة آمنة كفر أهلها فعذبهم الله أولًا بالجوع والخوف ثم استأصل (٧) فضرب تلك البلدة مثلًا لأهل مكة، كانت آمنة مما ابتلي غيرهم به من الحرب والقتل والسَّبي، وهم من ذلك آمنون (٨).\n﴿كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً﴾ قارَّة بأهلها لا يحتاجون إلى الانتقال للانتجاع كما يحتاج إليه سائر العرب.\n﴿يَأْتِيهَا رِزْقُهَا﴾ أقواتها، وقيل: موادها.\n﴿رَغَدًا﴾ كثيرًا واسعًا بلا عناء.\n﴿مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾ من نواحيها وفجاجها، وقيل: من ثلاث سبل: اليمن والشام والحبشة.\n﴿فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ﴾ بما أنعم الله عليهم، وقيل: بمحمد والقرآن والإسلام، وأَنْعُم: جمع نعمة، كشِّدَّة وأَشُدّ، وقيل: جمع نَعْمَاء، كبأساء (٩) وأبؤس، وقيل: جمع نُعم، كطُعم وأَطْعُم (١٠).\n_________\n(١) هكذا في (أ) و(ب)، ولعل المقصود: لا يهمها إلاّ نفس صاحبها.\n(٢) في (ب): (النشد).\n(٣) أخرج الطبري ١٤/ ٣٨٣ هذا القول عن ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد.\n(٤) في (ب): (تعني أن المدينة هي القرية التي ضرب الله المثل بها ...).\n(٥) أخرجه الطبري ١٤/ ٣٨٤ - ٣٨٥، وزاد السيوطي ٩/ ١٢٨ نسبته لابن أبي حاتم.\n(٦) في (ب): (الحسين).\n(٧) في (ب): (استأصلهم).\n(٨) ذكره ابن الجوزي ٤/ ٤٩٩ عن الحسن بنحوه.\n(٩) في (ب): (جمع نعم كبأس ...).\n(١٠) انظر: الطبري ١٤/ ٣٨٥.","vol":"1","page":1080},{"text":"﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١١٢)﴾ وذلك أن النبي -ﷺ- دعا على قريش حين أفرطوا في أذاه فقال: (اللهم اشدد وطأتك عليهم، واجعل لهم سنين كسِني يوسف)، فقطع الله عنهم التجارات والأمطار وقحطوا سبع سنين متوالية حتى أكلوا العِلْهِزَ (١) والجيف، وأوقع خوف النبي والمؤمنين (٢) في قلوبهم (٣).\nواستعار الذوق لكل ما يلذ أو يؤلم.\n﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ﴾ يعني محمدًا -ﷺ-.\n﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (١١٣)﴾ قال المفسرون إنه القتل بالسيف يوم بدر (٤)، وقيل: الجدب الشديد.\nثم خاطب المؤمنين فقال: ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ من الغنائم.\n﴿حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١١٤)﴾ حكى الفقيه (٥) أبو الليث ﵀ في تفسيره: ثم إن أهل مكة بعثوا إلى النبي -ﷺ- فقالوا: إن عاديت الرجال فما بال الصبيان والنساء، فأذن رسول الله -ﷺ- في حمل الطعام إليهم، فحمل ولم يقطع عنهم، فقال الله ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ يعني خزاعة وثقيفًا، أي: ما أحل (٦) لكم واشكروا نعمة الله إن كنتم إياه تعبدون (٧).\n﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٥)﴾ سبق تفسيره في البقرة (٨).\n﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ﴾ أي: لوَصْفِ ألسنتكم الكذب.\n﴿هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ كما قالوا في البحيرة وكما قالوا في بطون هذه الأنعام.\n_________\n(١) قال ابن الأثير في «النهاية» (ص ٦٢٧): (العلهز: هو شيء يتخذونه في سني المجاعة، يخلطون الدم بأوبار الإبل ثم يشوونه بالنار ويأكلونه، وقيل: كانوا يخلطون فيه القردان).\n(٢) سقطت كلمة (والمؤمنين) من (ب).\n(٣) انظر: «تفسير مقاتل» ٢/ ٤٩٠، وتفسير يحيى بن سلام ١/ ٩٥، والسمرقندي ٣/ ٢٩٤ - ٢٩٥، وابن الجوزي ٤/ ٥٠١، وابن كثير ٨/ ٣٦١ - ٣٦٢.\nوالحديث عند البخاري (٨٠٤): (اللهم اشدد وطأتك على مضر ...).\n(٤) انظر: الطبري ١٤/ ٣٨٧.\n(٥) سقطت كلمة (الفقيه) من (ب).\n(٦) في (ب): (ما أحل الله لكم).\n(٧) انظر: تفسير أبي الليث السمرقندي ٢/ ٢٩٥، وقاله مختصرًا: الفراء في «معاني القرآن» ٢/ ١١٤، والثعلبي (ص ٢١٠)، وابن الجوزي ٤/ ٥٠١.\n(٨) الآية (١٧٣) من سورة البقرة.","vol":"1","page":1081},{"text":"﴿لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ قيل: هي لام العاقبة، وقيل: هي لام كي، لأنهم قالوا الله أمَرَنا بهذا.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦)﴾.\n﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾ أي: هو متاع قليل لا بقاء له لأن عمر الدنيا قصير.\n﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١٧)﴾ يريد في الآخرة.\n﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ﴾ يريد ما تقدم من قوله ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ [الأنعام: ١٤٦]، وقوله ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ يتعلق بقصصنا عليك، وقيل: بحرمنا، والأول أظهر.\n﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ﴾ بالتحريم.\n﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٨)﴾ فحرمنا عليهم عقوبة لهم على معاصيهم.\n﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ جهالة غلبة الشهوة والشباب.\nالفراء: كل من عمل سوءًا فهو جاهل (١).\nابن عيسى: عملوه بداعي الجهل (٢).\n﴿ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا﴾ من بعد التوبة وبعد الجهالة.\n﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٩)﴾.\n﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ أي: معلمًا للخير يَأْتَمُّ به أهل الدنيا.\nمجاهد: كان مؤمنًا وحده والناس كلهم كفار (٣).\nوقيل: كان يقوم مقام أمة.\nالمؤرج: الأمة: الإمام يُقتدى به في لغة قريش.\n_________\n(١) انظر: «معاني القرآن» للفراء ٢/ ١١٤.\n(٢) انظر: «الجامع في علوم القرآن» لعلي بن عيسى الرماني (ق ١١٤/ب-ق ١١٥ - أ).\n(٣) أخرجه آدم بن أبي إياس في «تفسير مجاهد» (ص ٤٢٦)، والطبري ١٤/ ٣٩٦، مختصرًا، وأخرجه ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد بمثل لفظ المؤلف فيما نقله السيوطي في «الدر المنثور» ٩/ ١٣٠.","vol":"1","page":1082},{"text":"وعن شهر بن حوشب: لم تبق الأرض إلا وفيها أربعة عشر يدفع الله بهم عن أهل الأرض وتُخْرِجُ بركتها إلا زمنَ إبراهيم ﵇ فإنه كان وحده (١).\nوقيل: سمي أمة لأنه انفرد في دهره بالتوحيد (٢)، كما قال -ﷺ- في قس بن ساعدة (٣): (يحشر يوم القيامة أمة).\n﴿قَانِتًا لِلَّهِ﴾ هو المطيع الدائم على الطاعة، وقد سبق (٤).\n﴿حَنِيفًا﴾ مائلًا عن الأديان، وقيل: مستقيمًا، وقيل: حاجًا، وقيل: مختنًا، وقد سبق (٥).\nوقد ذكر المفسرون أن ابن مسعود قرأ: إن (٦) معاذًا كان أمة قانتًا، فقيل: غلطت، إنما هو إبراهيم، فأعادها ثلاثًا، ثم قال: إنا معاشر أصحاب رسول الله -ﷺ- كنا نشبهه بإبراهيم، ثم قال: أتدري ما الأمة وما القانت؟ قلنا: الله أعلم، فقال: الأمة: الذي يُعَلِّمُ الخير، والقانت: المطيع لله، وكذلك كان معاذ بن جبل معلمًا للخير مطيعًا لله، حكاه الثعلبي وغيره (٧).\n﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠)﴾ كما زعموا، وحذف النون تشبيهًا بحروف المد واللين.\n_________\n(١) أخرجه الطبري ١٤/ ٣٩٥. وشهر بن حوشب توفي سنة (١١٢ هـ).\nوبمثل هذا الأثر يستدل بعض الصوفية على وجود الأقطاب والأوتاد وتحديد أعدادهم وأماكنهم، وهو أمرٌ قد نبه على بطلانه شيخ الإسلام ابن تيمية كما في «مجموع الفتاوى» ١١/ ٤٣٣ - ٤٤٤.\nوكان السيوطي قد أورد هذا الأثر وما شابهه في رسالة له بعنوان «الخبر الدال على وجود القطب والنجباء والأبدال».\n(٢) في (ب): (بالتوحيد في دهره).\n(٣) ذكره ابن حجر في «الإصابة» ٥/ ٥٥١، وذكر أن بعضهم عده في الصحابة، وقد ذكر الحافظ ابن كثير في «البداية والنهاية» ٣/ ٢٩٩ - ٣١٥ خبر قس بن ساعده بتفصيل، وأورد الحديث وطرقه، وذهب ابن حجر في «الإصابة» إلى ضعف طرقه كلها.\n(٤) في أثناء تفسير الآية (١١٦) من سورة البقرة.\n(٥) سبق في البقرة، آية (١٣٥)، و(مختنًا) من الختان.\n(٦) سقطت (إن) من (أ).\n(٧) ذكره الثعلبي (ص ٢١٢)، وأخرجه عبدالرزاق ١/ ٣٦٠ - ٣٦١، والطبري ١٤/ ٣٩٦ - ٣٩٧، والحاكم ٢/ ٣٥٨.","vol":"1","page":1083},{"text":"﴿شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ﴾ أي: لنعمه، وقع الجمع القليل موقع الجمع الكثير.\n﴿اجْتَبَاهُ﴾ اختاره لنبوته.\n﴿وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١)﴾ وهو الإسلام، لا (١) كما زعم اليهود والنصارى.\n﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ لسان الصدق والثناء الجميل.\nقتادة: هي أن جعله بحيث كل الملل ينتسبون إليه (٢).\nالحسن: النبوة (٣).\nسعيد بن جبير: الولد الطيب (٤).\n﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٢٢)﴾ من الأنبياء.\n﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣)﴾ أي: بعد إبراهيم بالزمن الطويل أمرناك باتباع طريقته في (٥) عبادة ربه ليعلم أهل الأديان أن\nالذي يدعو محمد إليه (٦) الناس دين إبراهيم ﵉.\n﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ هم اليهود، وإنما عداه بعلى لأن اليوم صار عليهم لا لهم لارتكابهم (٧) المعاصي فيه، وقيل: معناه: حرم الكسب عليهم، أي: العمل فيه.\n_________\n(١) سقطت (لا) من (ب).\n(٢) أخرجه الطبري ١٤/ ٣٩٨، وزاد السيوطي ٩/ ١٣١ نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٣) ذكره الماوردي ٣/ ٢١٩ عن الحسن.\n(٤) ذكره الثعلبي (ص ٢١٣) بلفظ: أولاد أبرار على الكبر، ولم ينسبه لأحد، وذكره السمرقندي ٢/ ٢٩٦، والقرطبي ١٢/ ٤٥٨ بمثل لفظ المؤلف، ولم ينسباه لأحد.\n(٥) في (ب): (باتباع محمد نعته في طريقته في عبادة ...) وليست كلمة (نعته) واضحة، ويبدو أنها زائدة.\n(٦) في (ب): (يدعو إليه محمد الناس).\n(٧) في (ب): (بارتكابهم).","vol":"1","page":1084},{"text":"الحسن: جعل السبت لعنة عليهم بأن جعل منهم القردة (١).\nوقيل: أوحينا إليهم تعظيمه.\nومعنى ﴿اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ أي (٢): حلله قوم من اليهود وحرمه قوم.\nابن عباس: إن الله تعالى قال: (ذروا الأعمال في يوم الجمعة وتفرغوا فيه لعبادتي)، فقالوا: نريد السبت لأن الله فَرغَ فيه من خلق السموات والأرض فهو أولى بالراحة، وقال بعضهم: نحب أن يكون يوم الأحد لأن فيه بدأ الله الخلق، فألزمهم السبت وشدد التكليف فيه لمخالفتهم أمره (٣).\nوروى أبو هريرة ﵁ أن النبي -ﷺ- قال: (كتب الله الجمعة على من كان قبلنا فاختلفوا فيها وإن الله هدانا لها فالناس لنا فيها تبع فلليهود غد وللنصارى بعد غد) (٤).\n﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٢٤)﴾.\n﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ أي: ادع يا محمد أمتك ومن بعثت إليه إلى الإسلام.\n﴿بِالْحِكْمَةِ﴾ النبوة.\n﴿وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ القرآن.\nابن جرير: ﴿بِالْحِكْمَةِ﴾ (٥): بالقرآن، ﴿وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾: العبر المعدودة في هذه السورة (٦).\nوقيل: الحكمة والموعظة: القرآن.\nابن عيسى: الحكمة: المعرفة بمراتب الأفعال، والموعظة الحسنة: أن تختلط الرغبة بالرهبة والإنذار بالبشارة (٧).\n_________\n(١) نقله الطبرسي في «مجمع البيان» ٦/ ٦٠٣ عن الحسن.\n(٢) سقطت (أي) من (ب).\n(٣) ذكره الواحدي في «البسيط» (ص ٥٤٧)، وابن الجوزي ٤/ ٥٠٥، من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، وأكثر التفاسير تنسبه للكلبي.\n(٤) أخرجه البخاري (٨٧٦) و(٨٩٦)، ومسلم (٨٥٥) بألفاظ مقاربة.\n(٥) في (ب): (ابن جرير الموعظة الحكمة بالقرآن والموعظة ...).\n(٦) انظر: الطبري ١٤/ ٤٠٠.\n(٧) انظر: «الجامع في علوم القرآن» لعلي بن عيسى الرماني (ق ١١٨/أ) ونصه: (ويقال: ما الحكمة؟ الجواب: المعرفة بمراتب الأفعال في الحسن والقبح والصلاح والفساد).\nوقال ابن عيسى (ق ١١٩/ب): (ويقال ما الوعظ؟ الجواب: الصرف عن القبيح بطريق الترغيب والترهيب).","vol":"1","page":1085},{"text":"﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ الزجاج: أي: جادلهم غير فظ ولا غليظ القلب في ذلك، بل ألِن لهم جانبك (١).\nمجاهد: أعرض عن أذاهم (٢) إياك (٣).\nوقيل: على قدر ما يحتملون.\nروى أبي ﵁ عن النبي -ﷺ- أنه قال: (أُمِرْنا معاشر الأنبياء (٤) أن نكلِّم الناس على قَدْرِ عقولهم) (٥).\nوالجدال: فَتْلُ الخصم عن مذهبه بطريق الحجاج.\nوذهب بعض المفسرين إلى أنه منسوخ (٦).\n﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥)﴾ أي: ثم إن لم يقبلوا رشدهم بعد اللطف فأنفسهم يضرون.\n﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦)﴾ (٧):\n_________\n(١) انظر: «معاني القرآن» للزجاج ٣/ ٢٢٣.\n(٢) في (أ): (إيذائهم).\n(٣) أخرجه آدم بن أبي إياس في «تفسير مجاهد» (ص ٤٢٧)، والطبري ١٤/ ٤٠١.\n(٤) من هنا عادت نسخة (ج) بعد السقط الذي بدأ أثناء تفسير الآية (٤٥) من السورة.\n(٥) أخرجه الديلمي (١٦١٤) وسنده في «المقاصد الحسنة» للسخاوي (ص ٩٣) وقال السخاوي: (سنده ضعيف، وقد عزاه شيخنا - يعني ابن حجر العسقلاني- لمسند الحسن بن سفيان ... قال: وسنده ضعيف جدًا) إلى أن قال السخاوي: (عند البخاري في صحيحه عن علي موقوفًا: حدثوا الناس بما= =يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله، ونحوه ما أخرجه مسلم في مقدمة صحيحه عن ابن مسعود قال: ما أنت بمحدث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة).\nوانظر: «الأجوبة المرضية» للسخاوي ١/ ٢٩٤، و«كشف الخفاء» للعجلوي ١/ ١٩٦.\n(٦) قال ابن الجوزي في «ناسخ القرآن ومنسوخه» (ص ٤٥٤): (فيه بُعْد، لأن المجادلة لا تنافي القتال)، وذهب مكي في «الإيضاح» (ص ٢٩١) إلى أنها محكمة كذلك.\n(٧) نص الآية من (د) فقط.","vol":"1","page":1086},{"text":"في سبب النزول عن ابن عباس ﵄ قال: قال النبي -ﷺ- يوم قُتِل حمزة ومُثِّلَ به: (لئن ظفرت بقريش لأمثلنَّ بسبعين رجلًا منهم) فأنزل الله هذه الآيات، فقال رسول الله -ﷺ-: (بل نصبر يارب) (١).\nقوله: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ﴾: جازيتم المسيء على إساءته.\n﴿فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦)﴾ أمر أن يكون الجزاء على الذنب مثله لا كما كانت العرب تفعله وجرى على لفظه ﵇ (٢)، وهذا فيمن جعل السورة مكية إلا هذه الآيات، ومن جعل السورة كلها مكية حمل معناها على ما يشبه هذه الآية من قوله ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ﴾ [النساء: ٦٣]، و﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢)﴾ [الغاشية: ٢٢]، و﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]، أي: الصفح (٣) عن الشيء مالم يؤد إلى ضرر أَحْمَدُ عند الله والمؤمنين.\n﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ لا تجزع على ما أصابك، وقوله: ﴿إِلَّا بِاللَّهِ﴾ بمعونته، وقيل: إلا لله (٤).\n﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ فهم شهداء عند الله يرزقون فرحين.\n﴿وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (١٢٧)﴾ من القتل والمُثْلَة.\nومن قال كلها مكية فالمعنى: فاصبر على أذى المشركين ﴿وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ بتوفيقه ومعونته ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ في تكذيبهم إياك وإفراطهم في أذاك ولا يضق صدرك بمكرهم (٥) في إبطال دين الله.\n﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ ما حرم عليهم.\n﴿وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾ فيما رزقهم الله.\nومعنى: ﴿مَعَ الَّذِينَ﴾ ناصرهم ومعينهم في الدنيا والعقبى.\n_________\n(١) أخرجه الطبراني (١١٠٥١)، وفيه: (بثلاثين رجلًا)، والبيهقي في «دلائل النبوة» ٣/ ٢٨٨، والواحدي في «أسباب النزول» (ص ٤٦٩ - ٤٧٠) عن ابن عباس.\nوله شاهد من حديث أبي بن كعب، أخرجه الترمذي (٣١٢٩)، وعبدالله بن أحمد في زوائده على «المسند» (٢١٢٣٠)، وصححه الألباني.\nوشاهد آخر من حديث أبي هريرة، أخرجه الطبري (٢٩٣٦) والحاكم ٣/ ١٩٧، والبيهقي في «دلائل النبوة» ٣/ ٢٨٨ - ٢٨٩.\n(٢) حيث إن قتلى أحد بلغوا سبعين من المسلمين، فقال النبي -ﷺ-: (لئن ظفرت بقريش لأمثلن بسبعين رجلًا منهم).\n(٣) في (ب): (أي اصفح عن ...).\n(٤) في (ب): (إلا الله).\n(٥) في (د): (مكرهم).","vol":"1","page":1087},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n<span data-type=\"title\" id=toc-123>سورة بني إسرائيل </span>(١) مكية عند الجميع.\nقتادة: مكية إلا ثمان آيات من قوله: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ [الإسراء: ٧٣] إلى آخر ثمان آيات.\nو(٢) فيها ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ [الإسراء: ٨٠] نزلت بين مكة والمدينة (٣).\n(بسم الله الرحمن الرحيم)\n﴿سُبْحَانَ الَّذِي﴾ ﴿سُبْحَانَ﴾: مصدر، كالغفران، وليس من لفظه فعل، وقيل: هو اسم (٤) من سبح والتسبيح مصدره.\nونصب ﴿سُبْحَانَ﴾ على المصدر ولم يستعمل إلا منصوبًا وأكثر مجيئه مضافًا، وقد جاء منونًا، كقول أمية (٥):\n_________\n(١) في (أ) زيادة: (سورة بني إسرائيل مائة وإحدى عشر آية مكية عند الجميع).\nوللسورة اسمان آخران: سورة الإسراء، وبه سُميت في بعض المصاحف، وسورة سبحان، وذلك أنها مفتتحة بهذا اللفظ.\nانظر: «المختصر في أسماء السور» وهو بحث منشور في «مجلة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية» العدد الثلاثون - ربيع الآخر ١٤٢١ هـ، (١٣١ - ٢٢٦)، لفضيلة الدكتور إبراهيم بن سليمان الهويمل حفظه الله تعالى.\n(٢) سقط حرف الواو من (أ).\n(٣) ورد القول باستثناء بعض الآيات من مكية السورة عن ابن عباس وقتادة ومقاتل.\nانظر: الماوردي ٣/ ٢٢٣، وابن الجوزي ٥/ ٣، وتفسير مقاتل ٢/ ٥١٢.\n(٤) في (أ): (هو الاسم).\n(٥) البيت في ديوان أمية بن أبي الصلت، كما قال محقق «الدر المصون» ١/ ٢٦٥، لكن البغدادي في «الخزانة» ٣/ ٣٩٣ صَوَّب نسبته لورقة بن نوفل. والجودي: جبل بالموصل، والجمد: جبل قريب من مكة. وفي نسخة (ب): (نعوذ به) بدلًا من (نقول له).","vol":"1","page":1088},{"text":"سبحانَه ثم سُبْحانًا نقول له ... وقبلنا سبح الجُودِيُّ والجُمُدُ\nوجاء غير (١) مضاف ولا منون، قال (٢):\nأقولُ لمَّا جاءني فَخْرُهُ ... سُبْحانَ مِنْ علقمةَ الفاخِر\nجعله علمًا وفيه الألف والنون (٣) فلم ينصرف.\nوفي معناه أقوال، وقد سبق (٤)، أحدها: تنزيه وتبرئة.\nوكيع: إنزاه الله من السوء.\nمجاهد: انكاف الله (٥).\nابن عباس: تعجب.\nالحسن: كلمة اتخذها الله لنفسه (٦).\n﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ السُّرَى والإسْرَاءُ: الذهاب في الليل، وقرئ ﴿فَأَسْرِ﴾ [هود: ٨١] بالوجهين (٧)، ويُعدَّى بالباء، وعبده محمد -ﷺ-.\n﴿لَيْلًا﴾ قَيَّدَهُ بذكر الليل والإسراء لا يكون إلا بالليل تأكيدًا، كما تقول:\n_________\n(١) في (أ): (بغير).\n(٢) البيت للأعشى في ديوانه (ص ١٨١).\n(٣) في (ب): (الألف واللام).\n(٤) سبق في أثناء تفسير الآية (٣٢) من سورة البقرة.\n(٥) سقط قول مجاهد كاملًا من (ب).\nوالأثر عن مجاهد: أخرجه الطبري ١٤/ ٤١٢، والطبراني في «الدعاء» (١٧٦٣).\nوإنكاف الله: يعني تنزيهه وتقديسه.\nانظر: «النهاية» لابن الأثير (ص ٩٢٩).\n(٦) أخرج الطبراني في «الدعاء» (١٧٦٥) عن الحسن قال: اسم ممنوع لم يستطع أحد من الخلق أن ينتحله.\n(٧) قرأ أبو جعفر ونافع وابن كثير (فاسْر) موصولة الألف، وقرأ باقي العشرة (فأَسْرِ) بقطع الألف.\nانظر: «المبسوط» لابن مهران (ص ٢٠٥).","vol":"1","page":1089},{"text":"أخذ (١) بيده وقال بلسانه، وقيل: المراد بقوله ﴿لَيْلًا﴾ أي (٢): في بعض الليل لا في كلّه، على تقليل الوقت (٣)، وقيل: أراد أول الليل، وقيل: قوله (ليلا) يدل على (٤) جوف الليل، أي: لم يكن إدْلاجًا ولا ادّلاجًا (٥).\nوقيل: لقطع مجاز يستعمل له السرى، تقول: سرى الشيء في الشيء: إذا جرى فيه برفق وخفاء.\n﴿مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ فيه قولان:\nأحدهما: أن المسجد الحرام اسم (٦) لجميع بلد مكة، وكان النبي -ﷺ- تلك الليلة في بيت أم هانئ بنت أبي طالب، قالت أم هانئ: ما أُسري برسول الله -ﷺ- إلا من بيتي، وكان في بيتي نائمًا عندي (٧) تلك الليلة، فصلى العشاء الآخرة ثم نام ونِمْنَا، فلما كان قُبيل الفجر هَبَّنَا (٨) هو، فلما صلَّى (٩) الصبح وصلينا معه قال: (يا أم هانئ لقد صليت معكم العشاء الآخرة كما رأيتِ بهذا الوادي ثم جئت بيت المقدس فصليت فيه ثم صليت صلاة الغداة (١٠) معكم الآن كما ترين) (١١).\n_________\n(١) في (أ): (أخذه).\n(٢) في (د): (أو في بعض الليل لأن في كله).\n(٣) سقط قوله (على تقليل الوقت) من (ب).\n(٤) في (د): (دل)، وفي (أ): (يدل أنه جوف ...).\n(٥) هكذا في (أ)، وفي (د): (إدْلاجًا وادّلاجًا)، وفي (ب): (لم يكن إدلاجًا) فقط، وقد كتب ناسخ (أ) تفسيرًا للأولى فقال: أول الليل، وللثانية فقال: آخر الليل، وينظر: «اللسان» (دلج).\n(٦) سقطت كلمة (اسم) من (د).\n(٧) في (د): (قائمًا)، وسقطت كلمة (عندي) من (ب).\n(٨) هَبَّنَا: أيقظنا، يقال: هب النائم: استيقظ. انظر: «النهاية» لابن الأثير (ص ٩٨٣).\n(٩) في (ب): (صلينا).\n(١٠) في (ب): (الغداة الآن معكم كما ترون)، وسقطت كلمة (الآن) من (د).\n(١١) أخرجه الطبري ١٤/ ٤١٤ والثعلبي (ص ٢٢٩) من طريق الكلبي، وقال الحافظ ابن كثير في تفسيره «=٨/ ٤٢٩: (الكلبي: متروك بمرة ساقط). وقال الحافظ ابن حجر في =الإصابة» ٨/ ١٣٨ عن رواية الكلبي: (في روايته من المنكر أنه صلى العشاء الآخرة والصبح معهم، وإنما فرضت الصلاة ليلة المعراج). ورجح الطبري القول الثاني الذي سيذكره المؤلف.","vol":"1","page":1090},{"text":"والثاني: أنه الكعبة، فإن أنسًا روى عن النبي -ﷺ- أنه قال: (بينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان إذ سمعت قائلًا يقول: قُمْ يا محمد، فجلست فلم أرَ شيئًا، فعدت لمضجعي حتى جاءني ثانية (١) فأخذ بعضدي وأخرجني إلى باب المسجد) (٢).\nقوله: ﴿إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ وهو بيت المقدس بإجماع من المفسِّرين (٣)، وقالوا: بناه سليمان بن داود ﵉.\nوقيل: بني بعد الكعبة بأربعين عامًا (٤)، ووصفه بالأقصى كأنه قال: من المسجد الأدنى منهم إلى المسجد الأقصى منهم، أي: من العرب أَوْ مِنْ أهْلِ مكة أو من النبي وأصحابه.\nوقيل: الأقصى من المسجد الحرام.\n﴿الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ بالمياه والأشجار.\nوقيل: معناه: جعلنا فيه السعة في الرزق والرخص في السعر فلا يحتاج إلى جلب المِيَرْ (٥).\nوقيل: ﴿بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ بأن صيرناه موضعًا للعبادات ومسكنًا للأنبياء ﵈، وأراد بقوله ﴿حَوْلَهُ﴾: الشام، وقيل: تقديره: ما حوله.\n﴿لِنُرِيَهُ﴾ يعني محمدًا -ﷺ-.\n_________\n(١) في (أ): (حتى جاء ثانية)، وفي (د): (جاءني الثالثة).\n(٢) حديث أنس له روايات وطرق كثيرة، منها ما ورد عند البخاري (٧٥١٧)، ومسلم (١٦٢).\n(٣) نقل الواحدي في «البسيط» (ص ٥٦٠) نحو هذا الإجماع.\n(٤) في (ب): (بينه وبين الكعبة أربعون عامًا).\n(٥) المِيَرْ: جمع ميرة.","vol":"1","page":1091},{"text":"﴿مِنْ آيَاتِنَا﴾ الدالة على توحيد الله وصدق نبوته برؤيته السماوات وما فيها (١) والعجائب والآيات ومشاهدته بيت المقدس ومقامات الأنبياء ومواضع العبادات.\n﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾ لدعائه.\n﴿الْبَصِيرُ (١)﴾ بأعماله.\nوقيل (٢): سمع مقالة الكفار وأبصر مطالبتهم بالآيات، وقيل: يسمع ما يقولون في الإسراء ويبصر ما يعملون.\nويحتمل أنه هو ﴿السَّمِيعُ﴾ (٣)، أسمعَ النبيَّ (٤) كلامه ﴿الْبَصِيرُ (١)﴾ المبصر، أبصره الآيات وأرشده. واختلفوا في المعراج:\nفذهبت عائشة ﵂ إلى أنه أسري بروحه ولم يسر بجسمه وما فقد (٥) جسمه.\nوذهب معاوية إلى أن ذلك كان رؤيا من الله صادقة، وأنكره الحسن.\nوذهب جماعة من المفسرين: إلى أنه أسرى بجسده وروحه إلى بيت المقدس ثم رجع من (٦) ليلته إلى مكة.\nوذهب الجمهور إلى أنه أسري بجسده وروحه إلى بيت المقدس ثم إلى السموات حتى انتهى إلى سدرة المنتهى على ما يأتي في سوره النجم إن شاء الله تعالى، وهذا مذهب السنة والجماعة، وعليه يدل (٧) ظاهر القرآن، وورد في صحته مالا يحصى من الأخبار، ولو كانت رؤيا ما أنكره قريش وما ارتدت جماعة ممن كانوا أسلموا حين سمعوا منه هذا الكلام، لأن الرؤيا (٨) لا ينكر منها مثل ذلك وما هو أبعد منها.\n_________\n(١) في (ب): (... وما فيها ومن العجائب ...).\n(٢) في (د): (وقد).\n(٣) في (أ): (أنه هو المسمع أسمع ...).\n(٤) سقطت كلمة (النبي) من (ب).\n(٥) في (ب): (صعد) بدلًا من (فقد).\n(٦) في (أ): (في ليلته).\n(٧) سقطت كلمة (يدل) من (أ).\n(٨) في (د): (لأن الرؤيا في المنام لا ينكر ...).","vol":"1","page":1092},{"text":"ثم ذهب جماعة إلى أن هذه الليلة ليلة المعراج، وهو قول ابن مسعود ﵁.\nوذهب بعضهم (١) إلى أن ليلة المعراج ليلة أخرى سوى هذه الليلة (٢).\n﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ التوراة.\n﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى﴾ يعني التوراة، وقيل: موسى.\n﴿لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا (٢)﴾ قرئ بالياء والتاء (٣)، الياء للغيبة، أي: لأن لا يتخذوا (٤)، ويجوز أن يكون (٥) نهيًا، فتكون أن المفسرة، والتاء للخطاب، فيجوز أن يكون (٦) القول مضمرًا، ويجوز أن يكون من تلوين الخطاب، ويجوز أن يكون خطابًا (٧) لذرية نوح ﵇ فيكون منصوبًا على النداء.\n_________\n(١) في (ب): (وذهب جماعة إلى ...).\n(٢) في هذه المسائل يمكن النظر إلى التفاسير التالية: الطبري ١٤/ ٤٢٠ - ٤٤٨، والماوردي ٣/ ٢٢٥ - ٢٢٦، والسمعاني ٣/ ٢١٤ - ٢١٥، والقرطبي ١٣/ ١٠ - ١٢، وابن كثير ٨/ ٤٣٠ - ٤٣٥، والشوكاني ٣/ ٢٨٦ - ٢٨٧، والألوسي ١٥/ ٧ - ٨، وتوسع شيخ مشايخنا محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى في تفسيره «أضواء البيان» ٣/ ٣٩١ - ٣٩٧ في بيان هذه المسائل وترجيح قول الجمهور أن الإسراء كان بجسده وروحه -ﷺ- يقظة لا منامًا، وكذلك كان المعراج أيضًا.\n(٣) قرأ أبو عمرو وحده (ألا يتخذوا) بالياء، وقرأ باقي العشرة (ألا تتخذوا).\nانظر: «المبسوط» لابن مهران (ص ٢٢٧).\n(٤) في (أ): (أي لا يتخذوا).\n(٥) في (ب): (أن يكون لا نهيًا).\n(٦) سقطت (يكون) من (أ).\n(٧) في (ب): (أن يكون الخطاب لذرية).","vol":"1","page":1093},{"text":"وقيل: تقديره: لا تتخذوا ذرية من حملنا مع نوح وكيلًا، فيكون الوكيل (١) المفعول الثاني، وفعيل قد يقع (٢) موقع الجمع كقوله تعالى: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩].\nوقيل: (ذرية) بدل من الوكيل، والمعنى: لا تتخذوا من دوني إلهًا.\nمجاهد: شريكًا (٣).\nابن جرير: حفيظًا لكم سواي (٤).\nوقيل: الوكيل: هو (٥) المعتمد عليه المرجوع إليه الموثوق به، وهذه صفة الذي (٦) لا إله غيره.\nالزجاج: أي (٧) لا تتوكلوا على غيري ولا تتخذوا غيري ربًّا (٨).\n﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ أجناس الناس عربيّهم وعجميّهم من ذريَّة من حمل مع نوح في السفينة، وقيل: عنى بذلك سام ابن نوح، لأن بني إسرائيل من ولده، ولأن الصحيح أنَّ مَنْ كان معه غير أولاده ماتوا حين هبطوا من السفينة والناس بعد نوح من ولد نوح كما كانوا من ولد آدم.\n﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (٣)﴾ كناية عن نوح ﵇، وكان لا يلبس جديدًا إلا حمد الله عند لباسه.\n_________\n(١) سقطت كلمة (الوكيل) من (ب).\n(٢) في (أ): (قد وقع).\n(٣) تفسير مجاهد (ص ٤٢٨)، والطبري ١٤/ ٤٥٠.\n(٤) الطبري ١٤/ ٤٥٠.\n(٥) سقطت (هو) من (ب).\n(٦) في (ب): (وهذه الصفة لا إله غيره).\n(٧) لم ترد (أي) في (أ).\n(٨) انظر: «معاني القرآن» للزجاج ٣/ ٢٢٦.","vol":"1","page":1094},{"text":"وقيل: كان يَحْمَدُ على طعامه، أي: كونوا يا أولاده مثله، وقيل: المراد به موسى ﵇.\n﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أوحينا إليهم وأعلمناهم وأخبرناهم وعهدنا إليهم.\n﴿فِي الْكِتَابِ﴾ في التوراة.\nوقيل: في اللوح المحفوظ، قضى الله عليهم في سابق علمه.\n﴿لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ لتعصن الله عصيانًا بعد عصيان.\n﴿وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤)﴾ لتستكبرن عن طاعة الله، من قوله: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ [القصص: ٤].\nوقيل: العلو: الظلم.\nوقيل: القهر، كانوا يقتلون الناس ظلمًا (١) ويَغْلِبُونَ على أموالهم قهرًا ويخربون الديار بغيًا، ويقتلون النبيين وفيمن قتلوا من الأنبياء زكريا، وقيل: شعيا (٢).\n﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا﴾ الوعد: بمعنى الموعد (٣)، والموعد: الوقت، أي: وقت أولى المرتين، كقوله ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ [الأنبياء: ٩٧].\nوقيل: الوعد بمعنى الموعود، أي: موعود أولاهما.\nوقيل: الوعد بمعنى الوعيد، أي (٤): عقوبة أولاهما.\nوقيل: فإذا جاء ما وعدنا على المعصية الأولى.\n﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ أي: خليناهم وسلطنا عليكم، وقيل:\n_________\n(١) في (ب): (.. الناس قهرًا ويغلبون ...).\n(٢) في (أ): (شعيا ويحيى).\n(٣) في (ب): (الوعد بمعنى الموعود). وهذا خطأ لأنه سيأتي مثله بعد قليل.\n(٤) سقطت (أي) من (د).","vol":"1","page":1095},{"text":"هيَّجنا وأثَرْنَا.\nواختلفوا في الذين بعثهم الله عليهم:\nفقال ابن عباس وقتادة: هو جالوت إلى أن قتله داوود (١).\nسعيد بن المسيب: هو بختنصر (٢).\nسعيد بن جبير: هو صنحاريب (٣).\nالحسن: هم العمالقة (٤).\nوقيل: كانوا قومًا مؤمنين بعثهم الله وأمرهم بغزو بني إسرائيل، واستدلوا على إيمانهم بقوله ﴿عِبَادًا لَنَا﴾ لأن الله تعالى لم يضفهم إلى نفسه إلَاّ (٥) بعد أن كانوا مؤمنين.\nومعنى ﴿أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ الأشداء الأقوياء الأنجاد ذوو العُدَّة والعَدَدِ والغلبة.\n﴿فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ﴾ ترددوا فيها للغارة.\nالزجَّاج: طافوا ينظرون هل بقي أحد لم يقتلوه، والجوس: طلب الشيء باستقصاء (٦). وكذلك الحوس.\nالأصمعي: جاسوا: وطئوا (٧).\n_________\n(١) أما قول ابن عباس: فقد أخرجه الطبري ١٤/ ٤٧١، وزاد السيوطي ٩/ ١٥٣ نسبته لابن أبي حاتم، وأما قول قتادة: فقد أخرجه عبدالرزاق ١/ ٢٧٣، والطبري ١٤/ ٤٧٢، وزاد السيوطي ٩/ ٢٦٣ نسبته لابن أبي حاتم.\n(٢) أخرجه الطبري ١٤/ ٤٧٥.\n(٣) أخرجه الطبري ١٤/ ٤٧٢، وعنده: سنحاريب.\n(٤) نقله الماوردي ٣/ ٢٢٩ عن الحسن.\n(٥) سقطت (إلَاّ) من (ب).\n(٦) هذا كلام الزجاج في «معاني القرآن» ٣/ ٢٢٧.\n(٧) نقل الأزهري في «تهذيب اللغة» ١١/ ١٣٩ عن الأصمعي قوله: (تركت فلانًا يحوس بني فلان ويجوسهم، أي يدوسهم ويطلب فيهم)، ونقلها صاحب «اللسان» (جوس) بلفظ: (يجوس بني فلان ويحوسهم).","vol":"1","page":1096},{"text":"وقيل: عاثوا (١).\nوالخِلال: انفراج مابين الشيئين أو أكثر لضرب من الوهن، أي: قتلوا في الأزقة والطرق.\n﴿وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (٥)﴾ أي: كان الجوس وعدًا من الله مفعولًا لا محالة.\nوقيل: ما (٢) وعدنا من أنهم يفسدون مرتين وعدًا كائنًا.\n﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾ لما تابوا وأصلحوا ما أفسدوا أعانهم الله وكروا على الذين قتلوا منهم فاستنقذوا مَنْ بقي مِن (٣) الأسرى واسترجعوا أموالهم.\nوقيل: ألقى الله في قلب (٤) الملك حتى أطلق أسراهم من غير قتال.\nابن عباس: هو غلبة طالوت وقتل داود جالوت (٥).\n﴿وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ﴾ أعناكم بالمال وكثرة الأولاد فإن القوة فيهما، والإمداد: الإعانة.\n﴿وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (٦)﴾ أكثر من الأعداء (٦) أعدادًا وأنصارًا (٧)، والنَّفير: النَّفْرُ، وهو من ينفر معك.\n_________\n(١) في (أ): (عاسوا).\n(٢) في (د): (وقيل كان ما وعدنا).\n(٣) في (د): (فاستنقذوا من الأسرى واسترجعوا).\n(٤) في (أ) و(د): (قلوب)، والمثبت من (ب).\n(٥) ذكره الطبري ١٤/ ٤٧٧، وأحال على ما ذكره بأسانيده عن ابن عباس ١٤/ ٤٧١، وقد ذكرت تخريجه قبل قليل.\n(٦) في (أ): (من الأعداد أعدادًا).\n(٧) سقطت كلمة (وأنصارًا) من (ب).","vol":"1","page":1097},{"text":"الزجاج: يجوز أن يكون نفير جمع نَفْرٍ، ككلب وكليب وعبد وعبيد (١)، وهم المجتمعون للمصير إلى الأعداء.\n﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ أي: قلنا لهم وأوحينا إليهم إنكم مجزيون على الإحسان والإساءة.\nقوله ﴿فَلَهَا﴾ أي: عليها، وجاء باللام ازدواجًا (٢).\nوقيل: معناه: فإليها.\nوقيل: فلها الجزاء والعقاب.\nالحسين بن الفضل: فلها رب يغفر الإساءة، حكاه الثعلبي وغيره (٣).\n﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ﴾ أي: المرة الثانية والعقوبة الثانية على ما سبق؛ وهو أنهم أفسدوا في الأرض ثانيًا حتى قتلوا يحيى بن زكريا، فبعث الله عليهم ططوس الرومي حتى خَرَّبَ بيت المقدس وحَرَّقَ التوراة.\nوقيل: هو (٤) بختنصر.\n﴿لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾ جواب مضمر، أي: بعثناهم ليسوءوا.\n_________\n(١) انظر: «معاني القرآن» للزجاج ٣/ ٢٢٨.\n(٢) قوله: (ازدواجًا) بينه أبو حيان ٦/ ١٠ بعد أن نقل قول الكرماني، قال أبو حيان: (يعني أنه قابل قوله (لأنفسكم) بقوله (فلها».\n(٣) انظر: «الكشف والبيان» للثعلبي (ص ١٠٤).\nوالحسين بن الفضل هو البَجَليّ الكوفي ثم النيسابوري، أبو علي، المفسر الأديب، إمام عصره في معاني القرآن، توفي سنة (٢٨٢ هـ).\nانظر: «طبقات المفسرين» للداودي ١/ ١٥٦، و«الموسوعة الميسرة في تراجم أئمة التفسير» ١/ ٧٨٩.\n(٤) سقطت (هو) من (ب).","vol":"1","page":1098},{"text":"وقيل: جاء ليسؤوا وجوهكم ليفعلوا ما تكرهون، والتقدير: أصحاب الوجوه.\nومن قرأ (لِيَسُوءَ) ففاعله يجوز أن يكون الوعد أو البعث أو الله تعالى، ويقويه قراءة من قرأ بالنون، وهو الله سبحانه لا غير (١).\n﴿وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ﴾ بيت المقدس.\n﴿كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا﴾ ليخربوا فيهلكوا، والتِّبْرُ: كل جوهر من النحاس والذهب (٢) قبل أن يستعمل.\n﴿مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (٧)﴾ ما أتوا عليه وغلبوا، وقيل: وطئوا واستولوا عليه (٣).\nوقيل: في حال علوهم.\nوقيل: ﴿مَا﴾ للمصدر التي يسميها بعض الأدباء المدة (٤).\n﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ﴾ أي (٥): وهذا أيضًا مما أخبر أنه في كتابكم، والمعنى: لعل ربكم أن يرحمكم إن تبتم، يريد بعد الثانية، فتابوا فكشف الله عنهم العذاب وأعاد إليهم الإحسان وبعث فيهم الأنبياء.\n﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾.\n_________\n(١) قرأ أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو ويعقوب وحفص عن عاصم (ليسوءُوا) بالياء وضم الهمزة وإشباعها، وقرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم وحمزة وخلف (لِيَسُوءَ) بالياء وفتح الهمزة، وقرأ الكسائي وحده (لِنَسُوءَ) بالنون وفتح الهمزة.\nانظر: «المبسوط» لابن مهران (ص ٢٢٧).\n(٢) في (ب): (كل جوهر من نحاس قبل ...).\n(٣) سقطت كلمة (عليه) من (د).\n(٤) في (ب): (للمدة).\n(٥) سقطت (أي) من (ب)، وفي (ب) تكرار لكلمة (أيضًا): (وهذا أيضًا مما أخبر أنه أيضًا في ...).","vol":"1","page":1099},{"text":"قتادة: عادوا (١) إلى الكفر بمحمد -ﷺ- فعاد الله عليهم بالجزية فهم أَذِلَاّءَ إلى يوم القيامة (٢).\n﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا (٨)﴾ الحسن: هو الذي يفرش ويبسط، أي: جعلنا جهنم لهم مهادًا (٣).\nوالجمهور (٤) على أنه الحبس، أي: جعلنا جهنم سجنًا للكفار يحصرون فيها ويحبسون، فعيل بمعنى مفعول.\n﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ أي: الطريقة أو الحالة أو الديانة (٥) التي\n﴿هِيَ أَقْوَمُ﴾ أتم استواء وأسد من سائر السبل، وهي شهادة أن لا إله إلا الله.\nالزجاج: أقوم الحالات (٦).\n﴿وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (٩)﴾ يعني: الجنة.\n﴿وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: وبأن (٧) الذين لا يؤمنون.\n﴿بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ﴾ من الإعتاد.\nوقيل: أعددنا، قلبت تاء.\n﴿عَذَابًا أَلِيمًا (١٠)﴾ يعني النار.\n_________\n(١) لم ترد كلمة (عادوا) في (ب).\n(٢) أخرجه عبدالرزاق ١/ ٣٧٣، والطبري ١٤/ ٥٠٦.\n(٣) أخرجه عبدالرزاق ١/ ٣٧٤، والطبري ١٤/ ٥٠٨.\n(٤) منهم ابن عباس وقتادة ومجاهد وابن زيد كما وردت آثارهم عند الطبري ١٤/ ٥٠٧ - ٥٠٨.\n(٥) جاء النص في (د) هكذا: (إن هذا القرآن يهدي الديانة التي هي أقوم أي الطريقة أو الحالة أو الذي أنه التي ...) والمثبت من (أ) و(ب).\n(٦) انظر: «معاني القرآن» للزجاج ٣/ ٢٢٩.\n(٧) في (ب): (أي أن الذين لا يؤمنون).","vol":"1","page":1100},{"text":"﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ﴾ أي: قد يدعو الإنسان عند الغضب والضجر على نفسه وأولاده وأعزَّته من غير أن يحب استجابته.\n﴿دُعَاءَهُ﴾ أي: دعاء مثل دعائه.\n﴿بِالْخَيْرِ﴾ أي: كما يدعوا بالخير ويحب إجابته، ومثله ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ﴾ [يونس: ١١] الآية.\nوذكر في بعض التفاسير أن سبب نزول (١) الآية: أن النبي -ﷺ- دفع إلى سودة بنت زمعة أسيرًا فرحمته لأنينه وأرخت كِتَافَهُ (٢) فهرب، فدعا عليها رسول الله -ﷺ- بقطع اليد، ثم ندم فقال: (اللهم إنما أنا بشر فمن دعوت عليه فاجعل دعائي رحمة له) فأنزل الله ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ﴾ (٣).\nأي: يدعو بما لو أُجيب لَشَقَّ عليه وساءه إذا زال غضبه.\n﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا (١١)﴾ أي: إلى أمر الدنيا.\n_________\n(١) في (ب): (... التفاسير في سبب النزول أن النبي ...)، وفي (د): (... نزول هذه الآية ...).\n(٢) الكِتَافُ: الحبل الذي يكتف ويُشَدُّ به الإنسان. انظر: «اللسان» (كتف).\n(٣) هذا مذكور في «معاني القرآن» للزجاج ٣/ ٢٢٨، و«تفسير القرآن» لأبي المظفر السمعاني ٣/ ٢٢٣، و«الكشاف» للزمخشري ٢/ ٦٥١ من قصة سودة بنت زمعة، وقال الزيلعي في «تخريج أحاديث الكشاف» ٢/ ٢٦٠: (غريب من حديث سودة، ووقع لي عن عائشة ...)، وقال ابن حجر في «تخريج أحاديث الكشاف» (بهامش تفسير الكشاف): (لم أجده من هذه الجهة).\nوقد أخرج الطبراني في «الأوسط» ٣/ ١١ (٢٣٠٩) من حديث سودة امرأة أبي الطفيل المرفوع منه (اللهم إنما أنا بشر ...) الحديث، وليس فيه تفصيل القصة، ولا ذكر لسبب نزول الآية.\nوقد روي مثل هذه القصة عن عائشة كما عند أحمد ٦/ ٥٢ (٢٤٢٥٩)، وعن حفصة كما عند أحمد ٣/ ١٤١ (١٢٤٣١)، وتوسع محققو المسند في تخريج الحديث، ثم قالوا عند حديثهم عن حسين بن واقد أحد رواة الحديث: اختلف عليه في تسمية من أودع عندها الأسير، فقيل: حفصة، وقيل: عند إنسان لم يسمه، والصواب عائشة كما في هذه الرواية (٢٤٢٥٩).","vol":"1","page":1101},{"text":"والعجلة: طلب الشيء قبل وقته، والسرعة: عمل الشيء في أول وقته.\nوقيل: المراد بالعجول آدم ﵇؛ لأنه حين نفخ الله فيه الروح نظر إلى بدنه يخلق وبقيت رجلاه فرام النهوض قبل وصول الروح إلى قدمه فصارت العجلة في ولده، قاله ابن عباس (١).\nوعن سلمان ﵁ قال: لما خلق الله آدم ﵇ بدأ بأعلاه قبل أسفله فجعل آدم ينظر فلما كان بعد العصر قال: يارب عجل قبل الليل، فذلك قوله: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا (١١)﴾ (٢).\nوقال الحسن: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا (١١)﴾ أي: من عجل، وهو الضعف، يعني النطفة (٣).\nوقيل: ﴿عَجُولًا (١١)﴾: ضجورًا لا يصبر على سرَّاء ولا ضراء (٤).\nابن بحر: هذا الدعاء من مثل ما قاله الكافرون ﴿إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ﴾ الآية [الأنفال: ٣٢]، وقوله: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾ (٥) [الحج: ٤٧].\n﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ﴾ أي: خلقهما آيتين على وحدانيته سبحانه وعلمه وقدرته، وآيتان نصب على الحال، وليس جعل هاهنا بمعنى صيَّر؛ لأن ذلك يقتضي\n_________\n(١) أخرجه الطبري ١٤/ ٥١٤ عن ابن عباس مطولًا.\n(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (٣٥٩١١)، والطبري ١٤/ ٥١٤، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» ٧/ ٣٨٤.\n(٣) ساق ابن سيده في «المحكم» ١/ ١٩٦ هذا المعنى للعجل، ولكنه لم ينسبه للحسن.\n(٤) في (أ): (ضراء ولا سراء).\n(٥) في (أ): (ويستعجلونك) فقط.","vol":"1","page":1102},{"text":"حالةً تقدمت نُقِلَ الشيءُ عنها إلى حالةٍ أخرى، ولا الذي بمعنى سمى وحكم (١).\n﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ﴾ قال ابن عباس ﵄: جعل الله نور الشمس سبعين جزءًا، ونور القمر سبعين جزءًا، فمحا من نور القمر تسعة وستين جزءًا فجعلها مع نور الشمس، فالشمس على مائة وتسعة وثلاثين جزءًا، والقمر على (٢) جزء واحد (٣).\nوذكر المفسرون أن ابن الكواء سأل عليًّا ﵁ عن اللطخة التي في القمر، فقال: ذاك آية الليل محيت (٤).\nقتادة: محو آية الليل: السواد الذي فيه (٥).\nابن جرير: أي: من نعمه عليكم مخالفته بين علامة الليل وعلامة النهار، بإظلامه علامة الليل وإضاءته علامة النهار (٦).\nابن كثير: الآيتان: ظلمة الليل وضوء النهار (٧). وتقديرها: وجعلنا الليل والنهار ذوي آيتين، ثم فصل (٨) فقال: ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ أو يُجعل تقديرها: وجعلنا الليل والنهار آيتين وجعلنا الشمس والقمر فيهما آيتين، ثم قال: ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ﴾ أي: القمر، وأضافها إلى الليل لكونها فيه.\n_________\n(١) نقله أبو حيان ٦/ ١٣ عن الكرماني.\n(٢) سقطت (على) من (د).\n(٣) ذكره الثعلبي في «الكشف والبيان» (ص ٣٠٩) معلقًا عن ابن عباس ﵄، وذكر السيوطي في «الدر المنثور» ٩/ ٢٦٩ - ٢٧٠ نحوه عن عكرمة، وعزاه لعبد بن حميد وابن المنذر.\n(٤) أخرجه الطبري ١٤/ ٥١٥ - ٥١٦ من طرق عن علي ﵁.\n(٥) نقله الماوردي ٣/ ٢٣٢ عن قتادة.\n(٦) قاله الطبري في ١٤/ ٥١٥.\n(٧) أخرجه الطبري ١٤/ ٥١٧ عن عبدالله بن كثير.\n(٨) من قوله (فقال) إلى قوله (ومعنى) بعد ثلاثة أسطر ساقط من (ب).","vol":"1","page":1103},{"text":"ومعنى ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ﴾ أي: لم نجعل للقمر نورًا؛ لأن القمر (١) شعاع الشمس انعكس عن جرم القمر (٢) إلى ما يقابله من الأرض.\nوقيل: أراد بالمحو نقصان ضوء القمر.\nوقيل: لأنه يطلع صغيرًا ثم ينمي (٣) ثم ينقص حتى يستتر.\n﴿وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ فيها ثلاثة أقوال:\nالمبصرة (٤): المضيئة.\nوالثاني: وجعلنا النهار مُبْصِرًا (٥)، أي: أصحابه بصراء، كقولهم: أجْبَنَ الرجل، إذا كان أهله جبناء، وأضعف، إذا كان دوابه ضعافًا (٦).\nوالثالث: من قولهم (٧): بصر فهو بصير، وأبصره الله ﷿: صيره بصيرًا، أي: جعل النهار بحيث يبصر الناس لأن بالضوء يبصر الناس الأشياء.\nابن عيسى: معنى (٨) ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ﴾ جعلناها (٩) لا يبصر بها المرئيات كما لا يبصر ما محي من الكتاب، قال: وهذا من البلاغة الحسنة جدًا (١٠).\n﴿لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ لتبتغوا في النهار لتطلبوا (١١) المعاش.\n﴿وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ بالقمر.\n_________\n(١) في (أ): (لأن القمراء شعاع).\n(٢) في (ب): (عن جرم الشمس إلى ما يقابله ...).\n(٣) يعني: يزيد، كما في «اللسان» (نمى).\n(٤) في (د): (أحدها المضيئة) ولم ترد كلمة (المبصرة).\n(٥) في (أ): (مبصرة).\n(٦) في (ب): (ضعفاء)، وفي الطبري ١٤/ ٥١٨: (رواته ضعفاء)، وليست (دوابه).\n(٧) في (د): (قولك).\n(٨) في (أ): (فمعنى)، والكلمة ساقطة من (د).\n(٩) في (ب): (أي جعلناها ...).\n(١٠) انظر: «الجامع في علوم القرآن» لعلي بن عيسى الرماني (ق ١٢٦/ب).\n(١١) في (ب): (وتطلبوا).","vol":"1","page":1104},{"text":"﴿وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا (١٢)﴾ أي: بيَّنا في القرآن كل (١) ما تحتاجون إليه.\nمحمد بن كعب: شمس بالليل وشمس بالنهار (٢) فمحيت شمس الليل (٣).\nابن عباس ﵄: كان في الزمن الأول لا يعرف الليل من النهار، فبعث الله جبريل فمسح جناحه فذهب ضوءه فبقي علامة جناحه، وهو السواد الذي في القمر (٤).\n﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ قتادة عن جابر ﵁ عن النبي -ﷺ- أنه قال: (لا عدوى ولا طيرة وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه) (٥).\nابن عباس: طائره: عمله وما قدر عليه، فهو ملازمه حكمًا (٦).\nوقيل: جزاء عمله.\nأبو عبيدة: حظه الذي قضي له، من قولهم: طار سهمه، إذا ظهر (٧) نصيبه (٨).\n_________\n(١) سقطت (كل) من (ب).\n(٢) في (ب): (شمس بالنهار وشمس بالليل فمحيت ...).\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي، كما في «الدر المنثور» للسيوطي ٩/ ٢٧٠.\n(٤) هو حديث مرفوع من حديث ابن عباس ﵄، أخرجه ابن أبي حاتم وابن مردويه كما ذكر السيوطي في «الدر المنثور» ٩/ ٢٦٧ - ٢٦٨، كما أخرجه الثعلبي في «الكشف والبيان» (ص ٣٠٩ - ٣١٠) وسياقه طويل.\nوحكم عليه جماعة بأنه حديث موضوع، منهم ابن المبارك كما في ترجمة (نوح بن أبي مريم) من «تهذيب التهذيب» وذلك لكونه أحد رواته، كما قال السيوطي: سنده واهٍ.\n(٥) أخرجه الطبري ١٤/ ٥١٩ بهذا اللفظ، وقوله: (لا عدوى ولا طيرة) ورد في الصحيح عند البخاري من رواية ابن عمر (٥٧٧٢) وأبي هريرة (٥٧٥٧)، وأنس بن مالك (٥٧٥٦).\n(٦) أخرجه الطبري ١٤/ ٥١٩، وعنده: فهو ملازمه أينما كان وزائل معه أينما زال.\n(٧) في (د): (ظاهر).\n(٨) انظر: «مجاز القرآن» لأبي عبيدة ١/ ٣٧٢، وعنده: أي حظه، فقط، والتفسير لعله من الطبري ١٤/ ٥٢٤.","vol":"1","page":1105},{"text":"السدي: طائره: كتابه (١).\nابن بحر: دليله، ولكل إنسان دليل من نفسه يرشده (٢).\nمجاهد: ورقة فيها مكتوب شقيٌّ أو سعيد (٣).\nالضحاك: أجله ورزقه وما يُصيبه من المصائب (٤).\nوأصل هذا أن العرب كانت تزجر بالسانح والبارح من الطير والظبي والأَرْوَى (٥) والثعلب وغيرها، فزعموا أنها تدل على الخير والشر، وسموا ذلك الطيرة (٦)، وهي مصدر على وزن الخيرة، ولا ثالث لهما.\nابن عيسى: طائره (٧): عمله من خيره وشره (٨)، كالطائر الذي يجيء من ذات اليمين فيتبرك به والطائر الذي يجيء من ذات الشمال فيتشاءم به (٩).\nوإضافته إلى العُنُقِ للملازمة، وخُصَّ العُنُق لأنه موضع القِلادة والغُلُّ\n_________\n(١) أخرج ابن أبي حاتم نحوه عن السدي كما ذكر السيوطي ٩/ ٢٧٣، وذكره الواحدي في «البسيط» (ص ٥٨٠).\n(٢) ذكره الطبرسي ٦/ ٦٢٢ ولم ينسبه لأحد.\n(٣) أخرجه الطبري ١٤/ ٥٢٠، وعزاه السيوطي ٩/ ٢٧٣ إلى أبي داود في كتاب «القدر» وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٤) ذكره السمرقندي ٢/ ٣٠٤ عنه بلفظ: الشقاوة والسعادة والأجل والرزق.\n(٥) هي أنثى الوعول الكثيرة. انظر «اللسان»: (روى).\n(٦) هذا ذكره جماعة من المفسريين، والطيرة باطلة، ولعل الصواب أن يقال إن قوله تعالى: (طائره) يعني: حظه الذي قضي له، بما فيه عمله وما قدر له، من قولهم: طار سهمه، ولا حاجة لربط ذلك بما كانت الجاهلية تفعله، وقول بعض المفسرين إن الله خاطبهم بما يستعملون ويفعلون قد يكون في غير ما هو محرم كالطيرة، هذا ما ظهر لي، والله تعالى أعلم.\n(٧) في (أ): (طائر عمله).\n(٨) في (د) (من خير وشر)، وفي كتاب ابن عيسى: (من خير أو شر).\n(٩) انظر: «الجامع في علوم القرآن» لعلي بن عيسى الرماني (ق ١٢٧/ب).","vol":"1","page":1106},{"text":"والسِّمَة.\n﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا﴾ أي: مكتوبًا.\n﴿يَلْقَاهُ﴾ بعينه ويقرأه بلسانه.\nوقرئ (يُلَقَّاهُ) أي: يلقيه الله أو الحَفَظة (١).\n﴿مَنْشُورًا (١٣)﴾ غير مطوي ليمكنه قراءته.\nوذلك أن ابن آدم إذا مات طُويت صحيفته التي فيها عمله فإذا كان يوم القيامة نشر كتابه ورفع إليه منشورًا.\nوالأحسن أن ينصب ﴿كِتَابًا﴾ على الحال، على تقدير: ونخرج طائره (٢) كتابًا، لِيُحْمل عليه قراءة أبي جعفر (ويُخْرَج)، وقراءة يعقوب (ويَخْرُج) (٣).\n﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ﴾ أي: ونقول له: اقرأ، ﴿كِتَابَكَ﴾ أي: كتاب (٤) أعمالك.\nقتادة: سيقرأ يومئذ من لم يكن قارئًا (٥).\n﴿كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤)﴾ أي: كفى نفسك، والباء زائدة (٦)، والحسيب: المحاسب.\nالحسن: شاهدًا (٧).\n_________\n(١) هذه قراءة أبي جعفر وابن عامر، وقرأ باقي العشرة (يَلْقَاهُ).\nانظر: «المبسوط» لابن مهران (ص ٢٢٧).\n(٢) سقطت (طائره) من (أ).\n(٣) انظر: «المبسوط» لابن مهران (ص ٢٢٧)، و«الفريد» للمنتجب الهمداني ٤/ ١٦٩.\n(٤) قوله (أي كتاب) سقط من (أ).\n(٥) أخرجه الطبري ١٤/ ٥٢٥، وعزاه السيوطي ٩/ ٢٧٤ إلى ابن أبي حاتم أيضًا.\n(٦) قد قدمت الكلام على استعمال لفظ الزيادة في كلمات القرآن أو حروفه، وذلك أثناء تفسير المؤلف للآية (٤) من سورة الأنعام، وبينت أنه لا يصح مثل هذا الاستعمال.\n(٧) ذكره الماوردي ٣/ ٢٣٣، وابن الجوزي ٥/ ١٦، ولكن دون ذكر قائله، وذكره الكرماني في كتابه الآخر «غرائب التفسير» ١/ ٦٢٣ عن الحسن أيضًا.","vol":"1","page":1107},{"text":"وقيل: حاكمًا، وقيل: حفيظًا.\nالحسن: قد عدل والله عليك من جعلك حسيب نفسك (١).\nويحتمل أن التقدير: اقرأ كتابك كفى عليك بنفسك اليوم حسيبًا (٢).\n﴿مَنِ اهْتَدَى﴾ إلى الرشاد.\n﴿فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ فإن ثواب اهتدائه له.\n﴿وَمَنْ ضَلَّ﴾ عن الرشاد.\n﴿فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ أي: فعليها وبَالُ الضَّلال.\n﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ لا تحمل الوازرة المتثاقلة بالذنوب ذنب نفس أخرى.\nوالمعنى: لا يُؤْخَذُ (٣) أحَدٌ بذنبِ غيره.\nوقيل معناه: ليس لأحد أن يعمل ذنبًا لأن غيره عمله.\nوشَبَّهَ حَمْلَ معصية الله المؤدية إلى النار بالوزر، وهو الحمل الثقيل.\n﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ﴾ قتادة: عذاب الآخرة (٤).\nمقاتل: عذاب الاستئصال في الدنيا (٥).\n﴿حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ يبين التوحيد والشرع.\nوقيل: يبين الشرع وحده، فإن العقل كاف لبيان التوحيد (٦).\n_________\n(١) ذكره الثعلبي في «الكشف والبيان» (ص ٣١٤)، والسمعاني في «تفسير القرآن» ٣/ ٢٢٦.\n(٢) في (د): (... كتابك عليك كفى بنفسك اليوم حسيبًا والله أعلم).\n(٣) في (د): (لا يؤاخذ).\n(٤) ذكره الماوردي ٣/ ٢٣٤، إلا أنه قال: وهو ظاهر قول قتادة.\n(٥) انظر: «تفسير مقاتل» ٢/ ٥٢٥.\n(٦) العقلُ وإن كان يمكن الاستدلال به على وجود الله ووحدانيته وعظمته، إلا أنه يعجز عن إدراك تفاصيل أسماء الله وصفاته، وما ينبغي له وما ينفى عنه، فالجزم بأن العقل كافٍ في إدراك هذه الأمور، أو أنه لا يمكن إدراكها إلا بالعقل ليس بصحيح.\nانظر: «المسائل الاعتزالية في تفسير الكشاف» ١/ ٢١٩ للشيخ صالح بن غرم الله الغامدي.","vol":"1","page":1108},{"text":"﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً﴾ يُريد في الدنيا.\nوقيل: وإذا أهلكنا، والإرادة صلة.\nوقيل تقديره: وإذا أمرنا مترفيها ففسقوا أردنا أن نهلكهم.\nقوله ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ فيه ثلاثة أقوال:\nأحدها: أكثرنا، تقول: أَمَرْتُ الشيء وآمرته بالمد والقصر: أكثرته، ومنه: (مُهْرَةٌ مَأْمُوَرة) (١).\nوالثاني: أمرنا مترفيها بالطاعة ففسقوا.\nوالثالث: أمَّرْتُهُ وأمَرْتُهُ، بالتشديد والتخفيف (٢)، جعلته أميرًا، ومنه قولهم (٣): هو أمير غير مأمور، أي: لم يؤمِّرْه أحد، والمترف: الذي أبطره (٤) النعمة وسعة الغذاء حتى تعدى طوره وطغى، والتُّرفَةُ: النَّعْمَةُ، وغلام مُتْرَفٌ: ناعم البدن، حكاه الأزهري (٥).\n﴿فَفَسَقُوا فِيهَا﴾ تمردوا في كفرهم.\n﴿فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ﴾ ظَهَرَ صِدْقُ خَبَرِ الله عنهم أنهم لا يؤمنون.\n_________\n(١) قطعة من حديث مرفوع من حديث سويد بن هبيرة: «خير مال المرء له مُهْرَةٌ مأمورة أو سِكَّةٌ مأبورة» أخرجه أحمد ٣/ ٤٦٨ (١٥٨٤٥) وضعفه محققو المسند.\nقال السندي في «حاشية المسند»: المهرة: ولد الفرس، مأمورة: كثيرة النسل والنتاج، أو سِكَّة: هي الطريقة المصطفة من النخل، مأبورة: ملقحة.\n(٢) قوله (والتخفيف) سقط من (ب).\n(٣) في (أ): (ومنه لهم).\n(٤) في (ب): (أبطرته).\n(٥) انظر: «تهذيب اللغة» للأزهري ١٤/ ٢٧١ بنحوه.","vol":"1","page":1109},{"text":"وقيل: وجب عليها ما وعد (١) على الفسق بقول سابق لا يقع فيه خلف.\n﴿فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (١٦)﴾ أهلكنا الناس وخربنا الديار، تقول: دَمَر يَدْمُرُ دَمَارًا، إذا هلك (٢)، ودَمَّر: أهلك.\n﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ﴾ أي: أهلكنا أممًا كثيرة.\nوالقرن: أهل كل عصر، ويقع على الزمان، فقيل: مائة وعشرون سنة، وعن النبي -ﷺ- (مائة سنة) (٣)، وقيل: (أربعون سنة) (٤).\n﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (١٧)﴾ هذه كلمة تهديد ووعيد، أي: الله يعلم ويرى ما يكون منهم فيجازيهم عليه ما يستحقون.\n﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ﴾ كان هاهنا صلة عند بعضهم، ويحتمل أن التقدير: من (٥) يكن يريد العاجلة، والعاجلة: الدنيا، لتقدمها على الآخرة.\n﴿عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ أي: من آثر الدنيا على العقبى وكذب بها نعطي من (٦) نشاء منها من نشاء منهم على ما يوجبه التدبير.\n﴿ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ﴾ في الآخرة.\n﴿يَصْلَاهَا﴾ يدخلها.\n_________\n(١) سقطت (وعد) من (د).\n(٢) في (د): (إذا أهلك).\n(٣) هذا ورد في حديث عبدالله بن بسر المازني مرفوعًا، أن النبي -ﷺ- قال له: «تعيش قرنًا» فسئل النبي عن القرن فقال: «مائة سنة». أخرجه الطبري ١٤/ ٥٣٤، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٩٥ (١٥١٧٧)، والحاكم ٤/ ٥٠٠، وأخرجه أحمد ٤/ ١٨٩ (١٧٦٨٩) مختصرًا دون قوله «مائة سنة» وقال محققو المسند: إسناده حسن، وفي بعض الروايات أن عبدالله بن بسر عاش مائة سنة.\n(٤) هذا ورد في رواية مرسلة عن ابن سيرين عن النبي -ﷺ-، أخرجها الطبري ١٤/ ٥٣٥.\n(٥) في (د): (من أن يكن).\n(٦) في (أ): (نعطي ما نشاء منها ...).","vol":"1","page":1110},{"text":"﴿مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨)﴾ مطرودًا مُبعدًا.\nوقيل: الآية نزلت في المنافقين، كانوا يغزون مع المسلمين وغرضهم أن يغنموا معهم (١) لا يقصدون بذلك الثواب (٢)، عجَّلنا له فيها ما نشاء على قدر استحقاقهم بسهامهم من الغنيمة ثم جعلنا له جهنم لكفره ونفاقه.\n﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾ عَمِلَ (٣) بطاعة الله.\n﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ يريد دين الإسلام.\n﴿فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ﴾ عملهم.\n﴿مَشْكُورًا (١٩)﴾ مجزيًا عليه جزاء حسنًا.\nوقيل: مشكورًا مقبولًا.\nوقيل: محفوظًا لهم حتى يدخلهم الله الجنة.\n﴿كُلًّا﴾ أي: الفريقين.\n﴿نُمِدُّ﴾ نعطي مرة بعد أخرى وشيئًا بعد شيء.\n﴿هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ﴾ بدل من قوله ﴿كُلًّا﴾.\n﴿مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ﴾ متصلًا بنمدّ.\n﴿وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (٢٠)﴾ أي: لا يحظر الرزق في الدنيا على أحد مؤمنًا (٤) أو كافرًا، وإنما الآخرة هي دار الجزاء.\n﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ في سعة الرزق وضيقه (٥)، والناس في ذلك متفاوتون.\n_________\n(١) سقطت (معهم) من (ب).\n(٢) ذكره أبو حيان ٦/ ١٨ كذلك.\n(٣) سقطت كلمة (عمل) من (أ).\n(٤) في (د): (مؤمنًا كان أو كافرًا).\n(٥) سقطت كلمة (وضيقه) من (أ)، وفي (ب): (سعة الناس وضيقه).","vol":"1","page":1111},{"text":"﴿وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (٢١)﴾ أي: التفاوت هناك أكبر (١) وأعظم؛ لأن التفاوت فيها من وجهين:\nأحدهما: بالجنة والنار.\nوالثاني: بالدرجات في الجنة والدركات في النار، فقد روي عن النبي -ﷺ-: (إن بين أعلى أهل الجنة وأسفلهم درجة كالنجم يُرى في مشارق الأرض ومغاربها) (٢).\nوذهب ابن جرير في قوله ﴿كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ إلى أمر الدنيا (٣)، أي: بعضهم آثر الآخرة فوفقناه للرشاد (٤) وبعضهم آثر الدنيا فخذلناه (٥).\n﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ الخطاب للنبي -ﷺ- والمراد به أمته، ويجوز أن يكون التقدير: قل يا محمد يا أيها الإنسان لا تجعل مع الله إلهًا آخر (٦).\n﴿فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا﴾ يذمك الله والملائكة والمؤمنون.\n﴿مَخْذُولًا (٢٢)﴾ يخذلك الله ولا ينصرك.\nوقيل (٧): معنى ﴿فَتَقْعُدَ﴾: فتعجز، تقول: فلان قاعد عن الشيء، أي (٨):\n_________\n(١) سقطت كلمة (أكبر) من (د).\n(٢) هذا لفظ حديث أخرجه الطبري ١٤/ ٥٤٠، وعزاه السيوطي ٩/ ٢٨٥ لابن أبي حاتم كذلك، وهو ضعيف؛ لأنه من رواية قتادة أنه قال: ذكر لنا أن نبي الله -ﷺ- قال ...، وفي البخاري (٣٢٥٦) ومسلم (٢٨٣١) من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا: (إن أهل الجنة يتراءَون أهل الغرف من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب).\n(٣) في (د): (أمر الدين).\n(٤) في (أ): (فوفقنا الرشاد).\n(٥) انظر: «جامع البيان» للطبري ١٤/ ٥٣٩ - ٥٤٠.\n(٦) تفسير قوله تعالى: (لا تجعل مع الله إلهًا آخر) كله ساقط من (د).\n(٧) قوله (وقيل) سقط من (د).\n(٨) سقطت (أي) من (ب).","vol":"1","page":1112},{"text":"عاجز عنه، ضد قوله: ساع في الخير.\n﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ الجمهور على أن معنى قضى هاهنا (١): أمر، وزاد بعضهم أمر أمرًا قاطعًا.\nوقيل: ألزم، وقيل: عهد.\nوقرأ ابن مسعود وابن عباس وابن جبير (ووصى) (٢).\nوروي عن ابن عباس والضحاك أنهما قالا: كان في المصحف (ووصى ربك) فالتزقت الواو بالصاد، وهذه القراءة في جملة الشواذ مقبولة عند القراء، والحكاية مردودة (٣).\n﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ وأمر بالوالدين إحسانًا.\nوقيل: وقضى بالوالدين إحسانًا. ويحتمل: وأحسنوا بالوالدين إحسانًا، ولا يتعلق الباء بالمصدر (٤).\n﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ أصل ﴿إِمَّا﴾ إن ما، إن للشرط وما للتأكيد (٥)، وأكثر ما يقع الفعل بعده يقع مع نون التأكيد.\n_________\n(١) سقطت (هاهنا) من (ب).\n(٢) انظر: «القراءات الشاذة» لابن خالويه (ص ٧٥)، عن ابن عباس، وقراءة ابن مسعود ذكرها عبدالرزاق في تفسيره ١/ ٣٧٦، والطبري ١٤/ ٥٤٢، أما سعيد بن جبير فهو الراوي عن ابن عباس، ونقل ابن الجوزي ٥/ ٢٢ قراءته.\n(٣) القراءة مقبولة على أساس أنها قراءة شاذة يستفاد منها تفسير (وقضى)، قال ابن الجوزي ٥/ ٢٢ عن هذه الرواية: هذا على خلاف ما انعقد عليه الإجماع، فلا يلتفت إليه، وقد أخرج الطبري ١٤/ ٥٤٣ الرواية بذلك عن الضحاك وفي الإسناد عبدالله بن ميسرة أبو إسحاق الكوفي وهو من جملة الضعفاء، وأما إسناد أثر ابن عباس فقد وجدته عند ابن منيع (المطالب العالية - ٣٦٥٠) وفي إسناده الفرات بن السائب وهو متروك.\n(٤) قال المنتجب الهمداني في «الفريد» ٤/ ١٧٤: (لا يجوز أن تكون الباء في (وبالوالدين) من صلة قوله (إحسانًا) لأن ما كان في صلة المصدر لا يتقدم عليه).\n(٥) في (ب): (للتوكيد).","vol":"1","page":1113},{"text":"ومعنى ﴿أُفٍّ﴾ عند سيبويه: نَتَنًا ودَفَرًا (١).\nأبوعبيدة: ﴿أُفٍّ﴾ (٢): ما غَلُظَ من الكلام.\nمجاهد: إذا أحدثا فلا تضجر ولا تقل أف مُستقْذِرًا، فقد وليَا ذلك منك في صغرك ولم يضجرا (٣).\nوالمعنى: بالغ في إلطافهما إذا بَلَغَ أحدهما أو كلاهما حَالَ الخَرَف.\nوفي ﴿أُفٍّ﴾ لغات: الكسر مع التنوين وبغير التنوين وكذلك الفتح والضم، والتنوين للتنكير وحذفه للتعريف، وهي من الكلمات التي سميت الأفعال بها (٤)، ومعناها الكره والضجر (٥)، ومثله في الخبر (٦): سَرْعَان، ووَشْكَان، ومحلها من الإعراب محل الجملة (٧)، لأنها قائمة مقام جملة فعلية.\n﴿وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ ابن عيسى: النهر: زجر بإغلاظ وصياح (٨).\nالمبرد: لا تصح في وجوههما (٩).\nيقال (١٠): نهره وانتهره إذا زجره، وقيل: هو إقصاء وطرد، من قوله: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾ [الضحى: ١٠].\n_________\n(١) انظر: «الكتاب» لسيبويه ١/ ٣٥٤. والنَتَنُ والدَّفَر بمعنى واحد، وهو المستكره من الرائحة. انظر: «اللسان» (نتن) و(دفر).\n(٢) في (د): (أف أي ماغلظ ...) وانظر قول أبي عبيدة في «مجاز القرآن» ١/ ٣٧٤.\n(٣) أخرجه الطبري ١٤/ ٥٤٥، وزاد السيوطي ٩/ ٢٨٨ نسبته إلى ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم وابن المنذر.\n(٤) سقطت (بها) من (د).\n(٥) في (د): (أتكره وأتضجر).\n(٦) في (د): (الخير)، وهذا اللفظ (سرعان) جزءٌ مِنْ مَثَل: (سرعان ذا إهالة). انظر: «اللسان» (سرع)، وقال أبو علي الفارسي في «الحجة» ٥/ ٩٤: (ومثل سرعان قولهم: وشكان ذلك)، فهي كلها تفيد الخبر، لا أمرًا أو نهيًا.\n(٧) في (ب): (محل جملة).\n(٨) انظر: «الجامع في علوم القرآن» لعلي بن عيسى الرماني (ق ١٣٣/ب).\n(٩) لم أجده.\n(١٠) في (د): (تقول).","vol":"1","page":1114},{"text":"﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣)﴾ كل شيء حوى محاسن النوع الذي هو منه وخلا من مساويه فهو كريم.\nالزجاج: قولًا سهلًا سلسًا لا شراسة فيه (١).\nالمبرد: قولًا حسنًا.\nوقيل: ليِّنًا رقيقًا.\nعمر بن الخطاب ﵁: لا تمتنع من شيء يريدانه (٢).\n﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ لا تترفع (٣) عليهما استكبارًا، مأخوذ من علو الطائر بجناحه، أي: أَلِنْ جانبك لهما، وجناحا (٤) الإنسان يداه.\nابن جرير: كُنْ (٥) لهما ذليلًا رحمة منك بهما (٦).\nوقيل: معنى ﴿مِنَ الرَّحْمَةِ﴾: كن لهما كذلك من جهة مبالغتك في الرحمة لهما.\n_________\n(١) لم أجده في «معاني القرآن» للزجاج، وقد نقل أبو حيان ٦/ ٢٥ قول الزجاج أيضًا.\n(٢) أخرجه الطبري ١٤/ ٥٤٩ من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن عمر، ثم قال الطبري: وهذا الحديث خطأ، أعني حديث هشام بن عروة، إنما هو: هشام بن عروة عن أبيه، ليس فيه عمر. ثم ساق الطبري إسناده، وكذلك أيضًا أخرجه البخاري في «الأدب المفرد» (٩) دون ذكر عمر ﵁، ولكنه كان في تفسير قوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾.\n(٣) في (ب): (لا ترتفع).\n(٤) في (ب): (وجناح).\n(٥) في (أ): (يركن) ويبدو أن حرف الياء والراء تكرار لباقي كلمة (جرير).\n(٦) انظر: «جامع البيان» للطبري ١٤/ ٥٠٠.","vol":"1","page":1115},{"text":"﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤)﴾ هذا خطاب للنبي -ﷺ- والمراد به أمته من غير أن يكون للنبي -ﷺ- فيه اشتراك (١).\nقتادة: نسخ الله من هذه الآية هذا اللفظ بقوله ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣]، والأول أصح، لقوله ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا﴾ فإن (٢) هذا لا يصح أن يحمل على النبي -ﷺ- لأنه فقد أبويه قبل هذا الخطاب بإجماع (٣)، والمعنى: يارب تعطف عليهما بمغفرتك ورحمتك كما تعطَّفا عليَّ في صغري ورحماني وربياني صغيرًا.\nوقيل: معناه: أَنْعِم عليهما بمغفرتك نعمة كنعمتهما علي.\nوعن النبي -ﷺ-: (لِيَعْمَلِ البَرُّ ما شاءَ فلن يرى النار (٤) وليعمل العاق ما شاء فلن يرى الجنة أبدًا) (٥).\n_________\n(١) قوله (فيه اشتراك) لم يرد في (ب).\n(٢) في (ب): (فهذا) بدلًا من (فإن هذا).\n(٣) القول بأن الآيةمنسوخة ورد عن جماعة: منهم ابن عباس وعكرمة والحسن كما عند الطبري ١٤/ ٥٥٤، وإذا عرفنا أن السلف كانوا يطلقون القول بالنسخ على الآية التي يدخلها تخصيص، فهمنا مرادهم في القول بأن هذه الآية منسوخة، فآية الإسراء فيها أمر بالدعاء لهما، وآية التوبة تنهى عن ذلك إذا كانا مشركَيْن، فآية التوبة تخصص آية الإسراء، وبذلك يدخل النسخ آية الإسراء في مفهومه الواسع عند السلف.\nوقول قتادة: إن الآية منسوخة أخرجه النحاس في «الناسخ والمنسوخ» ٢/ ٤٩٠ (٦٤٤).\n(٤) في (د): (النار أبدًا ...).\n(٥) أخرجه أبو الليث السمرقندي ٢/ ٣٠٧ من حديث علي بن زيد بن الحسين عن أبيه عن جده، وفي إسناده أصرم بن حوشب، متروك الحديث، وورد نحوه من حديث عائشة ﵂ عند الثعلبي (ص ١٢٤ - ١٢٥) ولفظه: (يقال للعاق: اعمل ما شئت فإني لا أغفر لك، ويقال للبار: اعمل ما شئت فإني سأغفر لك)، وفي إسناده ضعف.","vol":"1","page":1116},{"text":"﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ﴾ من الصلاح والفساد والبر والعقوق.\n﴿إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ﴾ طائعين لله في بر الوالدين وترك العقوق لهما.\n﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا (٢٥)﴾ ابن عباس: هم المسبِّحون (١).\nقتادة: المطيعون (٢).\nابن المنكدر يرفعه: هم الذين يصلون بين المغرب والعشاء (٣).\nزيد بن أرقم: خرج رسول الله -ﷺ- على أهل قباء وهم يصلون الضحى، فقال: (صلاة الأوَّابين إذا رمضت الفصال من الضحى) (٤).\nوقيل: هم التائبون.\nمجاهد: الذي يذنب سرًا ويتوب سرًا (٥).\nوذهب (٦) بعض المفسرين إلى أن هذا في البَادِرَة (٧) تبدُر من الولد في حق الوالدين ثم يندم ويتوب (٨).\n﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ أي: منك في النسب، له حق في مالك إذا كان عديمًا فقيرًا.\n_________\n(١) أخرجه الطبري ١٤/ ٥٥٧.\n(٢) أخرجه عبدالرزاق ١/ ٣٧٦، والطبري ١٤/ ٥٥٧.\n(٣) أخرجه الطبري ١٤/ ٥٥٨.\n(٤) أخرجه مسلم (٧٤٨).\n(٥) أخرجه عبدالرزاق ١/ ٣٧٦، والطبري ١٤/ ٥٦٠، ولفظه: الأواب: الذي يذكر ذنوبه في الخلاء فيستغفر الله منها.\n(٦) في (د): (وبعض المفسرين ذهبوا إلى أن ...).\n(٧) البادرة: الحِدَّةُ، وهو ما يبدر من حِدّة الرجل عند غضبه من قول أو فعل. انظر: «اللسان» (بدر).\n(٨) أخرجه الطبري ١٤/ ٥٥٦ عن سعيد بن جبير وحبيب بن أبي ثابت.","vol":"1","page":1117},{"text":"السدي: ذا القربى من رسول الله -ﷺ- في النسب، وإليه ذهب علي بن الحسين (١).\n﴿وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦)﴾ لا تنفقها في معصية الله، وقيل: رياء وسمعة.\n﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ لأن مقاصدهم مقاصد الشياطين (٢).\nالزجاج: المبذر ينفق ماله فيما يسوله الشيطان (٣).\nوقيل: قرين الشيطان في النار والقرينان يقال لهما أخوان.\n﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (٢٧)﴾ مبالغًا في الكفر.\n﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ﴾ كان رسول الله -ﷺ- إذا سأله فقراء أصحابه ولم يكن عنده ما يعطيهم أعرض عنهم حياء منهم (٤) وسكت، فأنزل الله ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ﴾ (٥). تقطع عنهم عطاءك.\n﴿ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ﴾ لطلب (٦) توسعة الرزق من عنده.\n﴿تَرْجُوهَا﴾ ترجوا الرحمة، أي: رحمة مرجوة.\n_________\n(١) أخرج ابن أبي حاتم عن السدي قوله: القربى قربى بني عبدالمطلب، ذكره السيوطي ٩/ ٣١٧، وأخرج الطبري ١٤/ ٥٦٣ قول علي بن الحسين.\n(٢) في (د): (الشيطان).\n(٣) انظر: «معاني القرآن» للزجاج ٣/ ٢٣٥، وفي (د) زيادة: (... الشيطان في النار) ومحلها في السطر التالي، حيث سقطت من (د) في السطر التالي.\n(٤) في (د): (بهم).\n(٥) ذكره جماعة من المفسرين، منهم: مقاتل ٢/ ٥٢٩، والزجاج في «معاني القرآن» ٣/ ٢٣٥، والثعلبي (ص ٣٣١)، والقرطبي ١٣/ ٦٦.\n(٦) سقطت كلمة (لطلب) من (د).","vol":"1","page":1118},{"text":"﴿فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا (٢٨)﴾ الزجاج: قل يرزقنا الله وإيَّاكم من فضله (١).\nوقيل: سهلًا ليِّنًا، تقول: يَسَرْتُ الأمر وأَيْسَرتُه ويَسَّرْتُه (٢): ليَّنتُه.\nوقيل: الرحمة ها هنا: الفيء والغنيمة.\nالفراء: عدهم عدة جميلة (٣).\nوقيل: ﴿مَيْسُورًا (٢٨)﴾: معروفًا.\nالمبرد: نزلت في مزينة حين جاءوا يستحملونه، فقال: ﴿لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ (٤).\nابن زيد: إذا أعرضت عن من سألك حذرا أن ينفقه في معصية فمنعته ابتغاء رحمة له فقل قولا ميسورًا ليِّنًا، حكاه الماوردي (٥).\n﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً﴾ في سبب النزول: جابر بن عبد الله ﵁ قال: بينا رسول الله -ﷺ- قاعد فيما بين الصحابة (٦) أتاه صبي فقال: يا رسول الله: إن أمي تستكسيك درعًا ولم يكن عند رسول الله -ﷺ- إلا قميصه، فقال للصبي: (من ساعة إلى ساعة يظهر، فَعُدْ وقتًا آخر)، فعاد إلى أمه فقالت له: قل له (٧) إن أمي تستكسيك القميص الذي عليك، فدخل رسول الله -ﷺ- داره ونزع قميصه وأعطاه وقعد عريانًا، فأذن (٨) بلال للصلاة وانتظروه فلم يخرج، فشغل قلوب الصحابة، فدخل عليه بعضهم فرآه عريانًا، فأنزل الله ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً﴾ (٩).\n﴿إِلَى عُنُقِكَ﴾ هذا مثل للإمساك عن العطاء، لأن من قبض يده عن الإعطاء صار كاليد المشدودة إلى العنق.\n_________\n(١) انظر: «معاني القرآن» للزجاج ٣/ ٢٣٥ - ٢٣٦.\n(٢) سقطت (ويسرته) من (أ).\n(٣) انظر: «معاني القرآن» للفراء ٢/ ١٢٢.\n(٤) نقله ابن الجوزي ٤/ ٢٨ ونسبه لعطاء الخراساني.\n(٥) انظر: «النكت والعيون» للماوردي ٣/ ٢٣٩، وأخرجه الطبري ١٤/ ٥٧٢.\n(٦) في (ب): (قاعدًا فيما بين أصحابه).\n(٧) في (أ): (فقالت له أمه قل إن ...).\n(٨) حصل سقط في (أ) من قوله (فأذن بلال) إلى قوله (فرآه عريانًا).\n(٩) ذكره الثعلبي (ص ٣٣١ - ٣٣٢)، والواحدي في «أسباب النزول» (ص ٤٧٥ - ٤٧٦) عن جابر بن عبدالله ﵁.\nوله رواية أخرى مشابهة من حديث عبدالله بن مسعود، أخرجها الواحدي في «أسباب النزول» (ص ٤٧٥)، وعزاها السيوطي ٩/ ٣٢٥ لابن مردويه.","vol":"1","page":1119},{"text":"ثم قال ﴿وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ فجعل بسط اليد عبارة عن الإعطاء، لأن المُعْطِي يبسط يده نحو المُعْطَى، والبسط ضد القبض.\n﴿فَتَقْعُدَ مَلُومًا﴾ يلومك الناس.\nوقيل: مستحقًا للملامة.\nوقيل: يلومك الله.\n﴿مَحْسُورًا (٢٩)﴾ الزجاج (١): أي: بالغت في الحمل على نفسك وحالك حتى تصير بمنزلة من حسر، والحسير: المحسور الذي بلغ الغاية في النصب (٢).\nقتادة: نادمًا على ما فرط منك (٣).\nوقيل: هو العاجز.\nوقيل: هو الذي ذهب ماله كله.\nوسبب النزول يدلُّ على أن المعنى بالمحسور: المكشوف، من: حسرت عن (٤) الذراع، أي: كشفت، وهو أصل الكلمة.\n﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ يوسعه، كالثوب المبسوط يصيب الجهات.\n﴿وَيَقْدِرُ﴾ يضيق، يريد لمن يشاء، فيجعله على التضايق.\n﴿إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (٣٠)﴾ يعلم مصالح العباد، كما قال في الأخرى ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى: ٢٧].\n﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ مخافة الفاقة، والمَلَقُ: الخضوعُ، وأَمْلَقَ: حمله الفقر على المَلَق، وقيل: أَمْلَقَ: خلا من المال، من قولهم: صَفًَا مُلْقٌ ومِلاقٌ: إذا غسله المطر.\nوذهب بعض المفسرين (٥) إلى أن المراد بقتل الأولاد وأد البنات وكانت العرب تفعل ذلك مخافة العار، وزعم بعضهم أن الله صاحب البنات لأن الملائكة بناته فإلحاقهن به أولى (٦)، وظاهر الآية يدل على أنهم كانوا يقتلون الأولاد مخافة الفقر، وتقديره في هذه السورة: خشية إملاق بهم.\n_________\n(١) سقطت كلمة (الزجاج) من (ب).\n(٢) انظر: «معاني القرآن» للزجاج ٣/ ٢٣٦.\n(٣) أخرجه عبدالرزاق ١/ ٣٧٧، والطبري ١٤/ ٥٧٥ - ٥٧٦.\n(٤) سقطت (عن) من (د).\n(٥) في (د): (وذهب المفسرون إلى ...).\n(٦) في (د): (بالله أولى).\nومعنى القول الثاني: أنهم كانوا يقتلون البنات لأن الله تعالى صاحب البنات ويقصدون الملائكة، فقتلهن وإلحاقهن بالله كان لهذا الغرض، وليس من أجل الفقر.","vol":"1","page":1120},{"text":"﴿نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ وفي الأخرى ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١]، أي: خشية إملاق بكم، ولهذا أيضًا ذَكَّرَ الضمير، ومن ذهب إلى الأول قال: إنما ذَكَّرَ وإن كان المراد به البنات حملًا على لفظ الأولاد.\n﴿إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا (٣١)﴾ ذنبًا عظيمًا، والخِطْءُ والخَطأُ لغتان، كمِثْل ومَثَل.\nوقيل: الخِطْءُ: السهو، والخَطَأ: العمد (١)، والِخطاء (٢) مصدر فَاعَلَ فإن النُّحاة يُنكرون المدّ فيه مكسورًا ومفتوحًا (٣).\n﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ وطء المرأة من غير نكاح ولا ملك يمين.\n﴿إِنَّهُ﴾ إن الزنا.\n﴿كَانَ فَاحِشَةً﴾ منكرًا من المعاصي، والفاحشة: ما اشتد قبحه (٤)، والتاء للمبالغة، ويجوز أن يكون تقديرها: خلة أو خصلة (٥) فاحشة، وأفاد ﴿كَانَ﴾ أنه لم يزل محرمًا.\n﴿وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢)﴾ أي: وساء السبيل (٦) إلى الجماع سبيل الزنا.\n﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ﴾ يريد المؤمن وكذلك الذِّمي والمعاهد (٧).\n﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ إلا أن (٨) يصير قتلها حقًا، وهو القصاص والارتداد وسائر ما يبيح دم المسلم.\n﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا﴾ من غير أن أتى ما يبيح دمه.\n﴿فَقَدْ جَعَلْنَا﴾ حكمنا.\n﴿لِوَلِيِّهِ﴾ وارثه، وقيل: ولي الدم.\n﴿سُلْطَانًا﴾ قتادة: هو القَوَد (٩).\n_________\n(١) وإلا فإن المشهور هو العكس، كما في كتب التفسير واللغة، مثل «اللسان» (خطأ).\n(٢) سقطت كلمة (والخطاء) من (ب).\n(٣) ينظر لبيان ذلك: «الحجة» لأبي علي الفارسي ٥/ ٩٦ - ٩٧، و«الفريد» للمنتجب الهمداني ٤/ ١٨٠ - ١٨١.\n(٤) في (ب): (ما اشتد فحشه).\n(٥) قوله (خلة أو) سقط من (ب)، وفي (د): (و) بدلًا من (أو).\n(٦) في (ب): (وساء سبيلًا إلى ...).\n(٧) في (ب): (المعاهد والذمي).\n(٨) في (ب): (إلى أن).\n(٩) أخرجه الطبري ١٤/ ٥٨٤.","vol":"1","page":1121},{"text":"مجاهد: السلطان: الحجة على القاتل (١).\nوالجمهور أن السلطان: هو القَوَدُ أو العفو.\nوقيل: القَوَدُ أو (٢) العفو أو الدية.\n﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ الضمير فيه (٣) يعود إلى القاتل ابتداءًا.\nوقيل: إلى الولي، وإسرافه أن يقتل غير القاتل كما كانت العرب تفعله.\nومن قرأ بالتاء (٤) جاز أن يكون خطابًا للقاتل ابتداءًا، وجاز أن يكون للولي.\nوقيل: خطاب للنبي (٥) وخلفائه من بعده.\nوقيل سلطانًا ينصره وينصفه من خصمه.\n﴿إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (٣٣)﴾.\n﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ﴾ أي (٦): لا تتصرفوا فيه، وخُصَّ اليتيم بالذكر لأن الطمع في ماله أكثر وأن ماله إلى الصون أحوج.\n﴿إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ بما يحفظ أصوله ويُثْمِرُ فروعه.\nوقيل: هي التجارة، وقد سبق (٧).\n﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ ثماني عشرة سنة، وقيل: الاحتلام مع إيناس الرُّشد.\n_________\n(١) ذكره النحاس في «معاني القرآن» ٤/ ١٤٩، والجصاص في «أحكام القرآن» ٢/ ٢٠٠.\n(٢) (أو) سقطت من (ب).\n(٣) قوله (فيه) سقط من (أ).\n(٤) القراءة بالتاء (تُسرف) هي قراءة حمزة والكسائي وخلف، وقرأ باقي العشرة بالياء.\nانظر: «المبسوط» لابن مهران (ص ٢٢٨)، و«النشر» لابن الجزري ٢/ ٣٠٧.\n(٥) في (ب): (وجاز خطاب النبي ...).\n(٦) سقطت (أي) من (د).\n(٧) في أثناء تفسير سورة الأنعام، الآية (١٥٢).","vol":"1","page":1122},{"text":"﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ﴾ أوامر الله ونواهيه، وقيل: هو العهد في الوصية بمال اليتيم، وقيل: كل عقد بين متعاقدين.\n﴿إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (٣٤)﴾.\nالسدي: مطلوبًا (١).\nوقيل: ناقض العهد كان مسؤلًا عنه.\nوقيل: يُسْألُ العهدُ لِمَ نُقِضْتَ، كقوله ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾ [التكوير: ٨].\n﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ﴾ أي: لا تبخسوا في الكيل ولا تطففوا، وكذلك الوزن، وهو قوله:\n﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ المؤرج: هو (٢) الميزان بلغة الروم (٣).\nالحسن: هو القَبَّان (٤).\nالزجاج: ميزان العدل، أيَّ ميزانٍ كان (٥).\nوقيل: هو الشاهين، وقيل: إقامة (٦) لسان الميزان.\nوالكسر والضم لغتان (٧).\n﴿ذَلِكَ﴾ أي: الإيفاء.\n﴿خَيْرٌ﴾ أكثر بركة في الدنيا.\n_________\n(١) في (ب): (كان مطلوبًا) وفي (د): (مظلومًا).\n(٢) لم ترد (هو) في (د).\n(٣) وقال مجاهد كما في تفسيره (ص ٤٣٦): هو العدل بالرومية.\n(٤) أخرجه الطبري ١٤/ ٥٩١.\n(٥) انظر: «معاني القرآن» للزجاج ٣/ ٢٣٨.\n(٦) في (د): (لعامه لسان ...).\n(٧) فيقال: القِسطاس، والقُسطاس، كما عند الطبري ١٤/ ٥٩٢، و«اللسان» (قسطس).","vol":"1","page":1123},{"text":"﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٣٥)﴾ مآلًا في العقبى ومرجعًا.\n﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ أبو عبيدة: لا تتبع مالا تعلم (١).\nقطرب: قفوت الرجل بقبيح: إذا رميته به.\nوعن ابن الحنفية: أنه شهادة الزور (٢).\nوأصله من (٣) القفا.\nوقيل: القفو شبيه بالعَضِيْهَةِ والبهتان (٤).\nوقيل: هو نهي عن القذف والرمي.\nالفراء: هو مقلوب من القيافة، وهي تتبع الأمر (٥).\n﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ﴾ أي: كل هذه، فأجراه مجرى العقلاء.\n﴿كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ تسأل هذه الأعضاء عما قاله.\nالزجاج: يستشهد بها كما قال ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ﴾ [النور: ٢٤] (٦).\nوالهاء في ﴿عَنْهُ﴾ تعود إلى مصدر قوله ﴿وَلَا تَقْفُ﴾ وهو القفو.\nوقيل: تعود (٧) إلى ﴿مَا﴾.\nوقيل: إلى ﴿كُلُّ﴾.\n_________\n(١) انظر: «مجاز القرآن» لأبي عبيدة ١/ ٣٧٩.\n(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٣٠٤١)، والطبري ١٤/ ٥٩٤.\n(٣) حصل سقط في (د) من قوله (القفا) إلى قوله (مقلوب من) في أثناء قول الفراء الآتي قريبًا.\n(٤) في (ب): (والنسيان) بدلًا من (والبهتان)، والعضيهة هي البهتان كما في «اللسان» (عضه).\n(٥) نقله ابن الجوزي ٥/ ٣٤.\n(٦) انظر: «معاني القرآن» للزجاج ٣/ ٢٣٩.\n(٧) سقطت (تعود) من (ب).","vol":"1","page":1124},{"text":"وقيل: إلى الإنسان لأنه صاحب السمع والبصر والفؤاد.\nو﴿مَسْئُولًا (٣٦)﴾: يجوز أن يكون لكل ويجوز أن يكون للإنسان.\nوالمعنى: لا تستعمل هذه الأعضاء في محرم.\nوقيل: استعمله (١) في دلائل توحيد الله ولا ترض (٢) بالتقليد.\n﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ ذا اختيال وتكبر لا ترى فوقك من مزيد.\n﴿إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ﴾ لن تقطعه، والخَرْقُ: الفَلاةُ (٣) لانقطاع أطرافها لتباعدها.\n﴿وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا (٣٧)﴾ أي: إنك لن تبلغ مما تريد كثير مبلغ كما لا يمكنك أن تبلغ هذا فما وجه المثابرة على ما هذه سبيله، ذكره ابن عيسى (٤).\nويحتمل أن المعنى: إنك (٥) في طولك وعرضك لا تنال درجة هذين الجمادين ولا جزء من درجتهما.\n﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا (٣٨)﴾ قرئ (سَيِّئَةً) بالتنوين (٦)، فيكون ذلك إشارة إلى قوله ﴿وَلَا تَقْفُ﴾ وما بعده، وذَكَّر ﴿مَكْرُوهًا (٣٨)﴾ لأنه خبر بعد خبر، أو (٧) يكون حالًا من الضمير في (٨) ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾، ومن قرأ (سَيِّئُهُ) بالإضافة، فالوجه\n_________\n(١) في (ب): (استعملها).\n(٢) سقطت (ولا ترض) من (د).\n(٣) في (د): (القلادة)، وفي (ب): (لا انقطاع لتباعدها).\n(٤) انظر: «الجامع في علوم القرآن» لعلي بن عيسى الرماني (ق ١٤١/ب).\n(٥) سقطت (إنك) من (د).\n(٦) قرأ أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو ويعقوب (سَيِّئَةً) منونة منصوبة، وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي وخلف (سَيِّئُهُ) بضم الهاء والهمزة.\nانظر: «المبسوط» لابن مهران (ص ٢٢٨).\n(٧) في (ب): (و) بدلًا من (أو).\n(٨) في (د): (و) بدلًا من (في).","vol":"1","page":1125},{"text":"ما قاله الحسن: أن الله ذكر أمورًا منها حسن ومنها سيء، والسيء من كل ذلك كان مكروهًا (١).\n﴿ذَلِكَ﴾ أي: ما أمر به ونهى عنه.\n﴿مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾ أي: جملة الحكم التي أوحى الله إليك في القرآن من القرآن.\nوعن ابن عباس ﵄: هذه الثماني عشرة آية كانت في ألواح موسى ﵇ التي كتب الله سبحانه، أنزلها على محمد صلى الله عليه ابتداؤها:\n﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ وآخرها ﴿مَدْحُورًا (٣٩)﴾ (٢).\nومعنى قوله ﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا﴾ تلوم نفسك ﴿مَدْحُورًا (٣٩)﴾ مُبْعَدًا من رحمة الله، وقيل: مطرودًا.\nالخطاب للنبي ﵇ والمراد به غيره، والتقدير: قل للكافر.\n﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ﴾ استفهام إنكار على من زعم أن الملائكة إناث وأنها بنات الله، أي: خَصَّكُم وأخلص لكم البنين.\n﴿وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا﴾ أي: وجعل البنات مشتركة بينكم وبينه فاختصكم بالأَجَلِّ وجعل لنفسه الأَدْوَن.\n﴿إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ يعظم الإثم فيه والعقوبة عليه.\n_________\n(١) ذكره الثعلبي (ص ١٤١)، وذكر أن الحسن كان يقرأها (سَيِّئُهُ).\n(٢) ذكره الزمخشري في «الكشاف» ٢/ ٦٦٨، وأبو حيان ٦/ ٣٦ عن ابن عباس. وذكره الثعلبي (ص ٣٤٣) عن الكلبي، وأخرج ابن جرير ١٥/ ١٣٨ - ١٣٩ عن ابن عباس: إن التوراة كلها في خمس عشرة آية من بني إسرائيل. ثم تلا ﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾.","vol":"1","page":1126},{"text":"﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ﴾ كررنا القول في (١) القرآن من المواعظ والأخبار، وقيل: غايرنا القول فيه، فتارة حججًا ودلائل وتارة عبرًا وأمثالًا وتارة قصصًا وأخبارًا.\nالمبرد: بَيَّنا بكل وجه يتصرف فيه القول.\n﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾ أي: لِيَذْكُرُوا الأدلة فيؤمنوا به.\nوقرئ بالتشديد أي: ليفهموا (٢).\n﴿وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا (٤١)﴾ عن الحق واتباعه، وقيل: عن النظر والاعتبار به.\n﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (٤٢)﴾ للآية وجهان:\nأحدهما: لو كان في الوجود آلهة لطلبوا مغالبة الله والاستيلاء على ذي العرش وهو الله سبحانه، وقيل: ذو زيادة، أي: لطلبوا الاستيلاء على العرش.\nوالعرش: السرير العظيم، وقيل: الملك.\nوالثاني: لو كان معه آلهة أخرى لابتغوا إليه الوسيلة لأنهم عرفوا قدرته وعجزهم وهو قوله ﴿يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ [الإسراء: ٥٧].\n﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤٣)﴾ أي: هو منزه عن الشركة في الإلهية وعما ادعوا من الباطل (٣)، وكان القياس: تعاليًا، لكن ردّه إلى الأصل كقوله ﴿أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ [نوح: ١٧].\n﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ أي: تنزهه من أن يكون له ضِدٌّ أو نِدٌّ أو صاحبةٌ أو ولد.\n﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ قيل: وإن من شئ من الأحياء، وقيل: عام، حتى صرير الباب ورعد السحاب، وقيل: تسبيحه: دلالته على وحدانية الله، وقيل: تسبيحه: حمل غيره على التسبيح إذا تأمل فيه وتدبر.\n_________\n(١) في (ب): (في هذا القرآن).\n(٢) قرأ حمزة والكسائي وخلف (لِيَذْكُرُوا) ساكنة الذال خفيفة الكاف مضمومة، وعليها جرى تفسير المؤلف أولًا، وقرأ باقي العشرة (لِيَذَّكَّروا) بفتح الذال والكاف وتشديدهما.\nانظر: «المبسوط» لابن مهران (ص ٢٢٩).\n(٣) في (ب): (من الآلهة).","vol":"1","page":1127},{"text":"﴿وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ يريد الكفار الذين لا ينظرون في الدلالات، وكيف (١) يعرف الدليل من لا يتأمله، وقيل: لا تفقهون تسبيحهم لأنه (٢) بغير لسانكم، وقيل: لأنها تتكلم في بعض الحالات دون بعض (٣).\n﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا﴾ عن جهل العباد.\n﴿غَفُورًا (٤٤)﴾ لذنوب المؤمنين.\n﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾ له وجهان، أحدهما قاله قتادة والزجاج في جماعة (٤):\nأي: إذا قرأت القرآن يا محمد ﴿جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ لا يقرون بالبعث والثواب والعقاب ﴿حِجَابًا﴾ يحجب قلوبهم عن فهم (٥) ما تقرأه عليهم (٦)، ويقويه ما بعده من قوله ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾.\nوقوله (٧) ﴿مَسْتُورًا (٤٥)﴾ قيل: ساترًا، كقوله ﴿وَعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ [مريم: ٦١] أي: آت.\nوقيل: مستورًا عن عيون العباد.\nوقيل: مستورًا أن يأتوا بمثله، يعني: القرآن (٨).\nالمبرد: يجوز أن يكون التقدير: حجابًا مستورًا به (٩).\nوقيل: يجوز أن يكون حالًا مما تقدم لا وصفًا للحجاب.\nوالثاني: أن قومًا من الكفار كانوا يؤذون النبي -ﷺ- ويمنعونه من الخروج إلى الصلاة فستره عن الأعين الظاهرة، وكان رسول الله -ﷺ- يستتر من المشركين بثلاث آيات، الآية التي في الكهف ﴿إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾ [الكهف: ٥٧]، والآية التي في النحل ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [النحل: ١٠٨]، والآية التي في الجاثية (١٠) ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية: ٢٣] (١١).\n_________\n(١) في (أ): (وكيف لا يعرف).\n(٢) في (د): (لأنها).\n(٣) في (د): (بعضه).\n(٤) في (ب): زيادة: (والزجاج في جماعة أي إذا قرأت القرآن في جماعة أي إذا قرأت القرآن يا محمد)، وهذا تكرار.\n(٥) سقطت (عن فهم) من (أ).\n(٦) انظر قول قتادة عند الطبري ١٤/ ٦٠٨، وقول الزجاج في «معاني القرآن» ٣/ ٢٤٢ - ٢٤٣.\n(٧) في (ب): (وقيل).\n(٨) تكرر قوله (وقيل مستورًا عن عيون العباد) هنا في (أ) ولا داعي لها، كما أنها لم ترد في (ب) ولا (د).\n(٩) نقله المؤلف في كتابه الآخر «غرائب التفسير» ١/ ٦٢٨.\n(١٠) في (أ) و(ب): (في الفرقان)، والمثبت من (د) ومصادر التخريج.\n(١١) انظر: تفسير أبي الليث السمرقندي ٢/ ٣١٣، والثعلبي (ص ٣٥١)، وابن الجوزي ٥/ ٤١، والقرطبي ١٣/ ٩٣.","vol":"1","page":1128},{"text":"﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ خلقنا.\n﴿أَكِنَّةً﴾ جمع كِنَان، وهو الذي يُكِنُّ الشيء ويستره.\n﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ كراهة أن يفقهوه، وقيل: أن لا يفقهوه.\n﴿وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ ثقلًا يمنع عن الاستماع.\n﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ﴾ أي: قلت لا إله إلا الله.\n﴿وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ﴾ رجعوا على أعقابهم.\n﴿نُفُورًا (٤٦)﴾ من استماع التوحيد، والنفور: مصدر نَفَرَ، إذا هرب، ويجوز أن يكون جمع نَافِر.\n﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ﴾ يسمعه بعضهم بعضًا.\n﴿إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ يصغون إليك ليستمعوا القرآن.\n﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾ متناجين في دار الندوة.\n﴿إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (٤٧)﴾ هذا ما كانوا يتناجون به، وذلك أنهم اجتمعوا في دار الندوة وكان إذا أرادوا مشورة اجتمعوا هناك، فقال بعضهم: إن محمدًا مجنون وبعضهم إنه ساحر، وبعضهم (١) شاعر وبعضهم كاهن (٢). ومعنى ﴿مَسْحُورًا (٤٧)﴾ عند أبي عبيدة: سحر فزال عقله وصار مجنونًا (٣).\nوقيل: ﴿مَسْحُورًا (٤٧)﴾: له سَحَرٌ يأكل ويشرب كسائر الناس (٤).\nوقيل: ﴿مَسْحُورًا (٤٧)﴾: مخدوعًا.\nوقيل: مغرورًا مكذوبًا.\n﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ﴾ بالمجنون والشاعر والكاهن (٥) والساحر والمعَلَّمِ والمخدوع، أي: تفكر كيف وصفوك بهذه الصفات.\n_________\n(١) في (ب): (... إنه شاعر وبعضهم إنه كاهن).\n(٢) ذكره الطبري ١٤/ ٦١١ - ٦١٢، ثم أسنده عن مجاهد وقتادة.\n(٣) في (ب): (وصار مسحورًا). وقول أبي عبيدة موجود بعضه في «مجاز القرآن» ١/ ٣٨١.\n(٤) كلمة (الناس) سقطت من (د). قال في «اللسان» (سحر): (والسَّحْرُ والسَّحَرُ والسُّحْرُ: ما التزق بالحلقوم والمرئ من أعلى البطن ... وهو الرئة).\n(٥) في (ب): (والكاهن والشاعر ...).","vol":"1","page":1129},{"text":"﴿فَضَلُّوا﴾ عن الحق.\n﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (٤٨)﴾ إلى أن يبينوا للناس انك كاذب لتناقض كلامهم، وقيل: لا يستطيعون سبيلًا إلى الرشد والهداية.\n﴿وَقَالُوا﴾ يعني منكري البعث.\n﴿أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا﴾ استبعدوا الإحياء بعد الموت.\n﴿أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (٤٩)﴾ أنبعث ونخلق خلقًا جديدًا حين صرنا عظامًا. ﴿وَرُفَاتًا﴾: حطامًا، وكل مدقوق مبالغ في الدق: رفات ومرفوت.\nالفراء: الرفات: التراب (١).\nوقيل: فتاتًا.\nوقيل: العظم إذا تحطم فهو (٢) رفات.\nوالعامل في إذا لفظ من البعث كما ذكرت لا المبعوث لأن ما بعد إنَّ لا يعمل فيما قبله (٣).\n﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ مجاهد: ما شئتم فكونوا فسيعيدكم الله كما كنتم (٤).\nالزجاج: أقروا بأن الله خالقهم وأنكروا البعث، فقيل لهم: استشعروا أنكم لو خلقتم من الحجارة أو الحديد لأماتكم ثم أحياكم (٥).\n_________\n(١) انظر: «معاني القرآن» للفراء ٢/ ١٢٥.\n(٢) سقطت (فهو) من (ب).\n(٣) قال المنتجب الهمداني في «الفريد» ٤/ ١٩٥: (ناصب (إذا) مضمر دلَّ عليه (مبعوثون)، أي: أنُبعثُ إذا كنا؟ ولا يجوز أن يكون ناصبه (مبعوثون) لأن ما بعد (إنَّ) لا يعمل فيما قبله).\n(٤) أخرجه آدم في «تفسير مجاهد» (ص ٤٣٧)، والطبري ١٤/ ٦١٨.\n(٥) انظر: «معاني القرآن» ٣/ ٢٤٤ للزجاج.","vol":"1","page":1130},{"text":"ولفظ ﴿كُونُوا﴾ أمر، والمعنى: لو كنتم كذلك لأماتكم ثم أحياكم لأن من قَدَرَ على خلقكم من التراب والنطفة قَدَرَ على خلقكم من العظام والرفات، وهذا أقرب إلى الإنسانية.\nوقيل: تقديره: إذا جاز أن يحيل الإنسان حجارة أو حديدًا ما الذي يمنع من الإعادة من العظام والرفات أو ما يكبر في صدوركم.\nابن عباس وابن جبير والضحاك: الموت، وهو أكبر الأشياء في صدورهم، أي: لو كنتم الموت لأماتكم ثم أحياكم (١).\nالكلبي: البعث (٢).\nمجاهد: هو السماء والأرض والجبال (٣).\nوقيل: عام، أي: أي شيء مما تستكبرون (٤).\nالحسن: ما أدري ما هو (٥).\n﴿فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ خلقكم ابتداءًا بالإيجاد.\n﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾ يحركونها فعل المستبعد للشيء، وقيل: فعل المستهزئ.\n﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ﴾ استبعادًا له ونفيًا، تقول: نغض السِّنُّ: تحرك، وأنغضته:\n_________\n(١) أما قول ابن عباس: فأخرجه الطبري ١٤/ ٦١٦، والحاكم ٢/ ٣٦٢، وأما قول سعيد بن جبير فأخرجه عبدالرزاق ١/ ٣٧٩، والطبري ١٤/ ٦١٦ - ٦١٧، وقول الضحاك أيضًا أخرجه الطبري ١٤/ ٦١٧.\n(٢) نقله الماوردي ٣/ ٢٤٨ عن الكلبي، بينما نقل عبدالرزاق ١/ ٣٧٩ عن الكلبي قوله: لو كنتم الموت لأماتكم.\n(٣) أخرجه عبدالرزاق في «تفسيره» ١/ ٣٧٩.\n(٤) في (د): (تستكبرونه).\n(٥) نقله الكرماني أيضًا في كتابه الآخر «غرائب التفسير» ١/ ٦٢٩، ولكن نقل السمرقندي ٢/ ٣١٥، وأبو حيان ٦/ ٤٥ عن الحسن أنه الموت.","vol":"1","page":1131},{"text":"حركته.\n﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا (٥١)﴾ أي: هو قريب، وعسى للوجوب، و﴿قَرِيبًا (٥١)﴾ يجوز أن يكون خبر كان ويجوز أن يكون ظرفًا، أي: في زمان قريب، ثم بَيَّنَ وعَيَّنَ فقال:\n﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ﴾ أي: إلى المحاسبة، وهو يوم القيامة.\nوقيل: يدعوكم من قبوركم.\nوقيل: يدعوكم إسرافيل، وهو النفخة الأخيرة.\nمقاتل: وذلك أن إسرافيل يقوم على صخرة بيت المقدس يدعو أهل القبور في قرن ويقول: أيتها العظام البالية واللحوم المتفرقة والعروق المتقطعة اخرجوا من قبوركم، فيخرجون من قبورهم (١).\nابن عيسى (٢): لمعنى الدعاء وجهان:\nأحدهما: النداء بالخروج إلى أرض المحشر نداءً يسمعه جميع العباد.\nوالثاني: بالصيحة التي يسمعونها فتكون داعية لهم إلى (٣) الاجتماع إلى أرض القيامة (٤).\n﴿فَتَسْتَجِيبُونَ﴾ فتجيبون.\n_________\n(١) انظر: «تفسير مقاتل» ٢/ ٥٣٥ بنحوه.\nأما أن إسرافيل هو المنادي ففيه خلاف، فقد قيل إنه ينفخ وجبريل ينادي، وأما المكان، فقيل: صخرة بيت المقدس، وقيل غير ذلك، ثم إن الكلام الذي ينادى به يحتاج إلى خبر صحيح يبينه.\nويمكن الرجوع في هذه المسألة لأقوال أهل العلم عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (٤١) يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ﴾ [ق: ٤١ - ٤٢]، و«لوامع الأنوار» للسفاريني ٢/ ١٦٤.\n(٢) في (أ) و(ب): (ابن عباس)، والصواب أنه ابن عيسى، وذلك لوروده في (د) وفي كتاب ابن عيسى.\n(٣) في (أ): (في).\n(٤) انظر: «الجامع في علوم القرآن» لعلي بن عيسى الرماني (ق ١٤٩/ب).","vol":"1","page":1132},{"text":"﴿بِحَمْدِهِ﴾ وقيل: بأمره وتقصدون نحو (١) الداعي.\nقتادة: بمعرفته وطاعته (٢)، وهذا ليس بتفسير اللفظ.\nابن جرير: بقدرته ودعائه إيَّاكم (٣).\nوقيل: بحمد الله لا بحمد منهم لأنه حال اضطرار.\nالزجاج: الباء للحال، أي: فتجيبون حامدين (٤).\nوقيل: على (٥) ما يقتضي الحمد.\n﴿وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ﴾ ما لبثتم.\n﴿إِلَّا قَلِيلًا (٥٢)﴾ أي: يستقصرون مدة موتهم لأنهم لا يشعرون بالمدة التي مرت بهم وهم أموات.\nقتادة: تحاقرت الدنيا في أنفسهم وقلت (٦) حين عاينوا يوم القيامة (٧).\nوقيل: إن لبثتم إلا قليلًا في الدنيا.\nوقيل: بين النفختين يرفهون من العذاب، وبينهما أربعون سنة فيرونها لاستراحتهم قليلًا.\n﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ في سبب النزول أنها نزلت في عمر بن الخطاب\n_________\n(١) في (ب): (إلى الداعي).\n(٢) أخرجه الطبري ١٤/ ٦٢٢، وقال الواحدي في «البسيط» (ص ٦٤٧): (وقال قتادة: يقول بمعرفته وطاعته يوم القيامة، ومعنى هذا أنهم إذا أجابوا بالتسبيح والتحميد كان ذلك معرفة منهم وطاعة، ولكنهم لا ينفعهم الحمد، وقال أبو إسحاق: يستجيبون مقرين بأنه خالقهم، وهذا معنى قول قتادة).\n(٣) انظر: الطبري ١٤/ ٦٢٢.\n(٤) قال الزجاج ٣/ ٢٤٥: (ومعنى تستجيبون بحمده: تستجيبون مقرين بأنه خالقكم).\n(٥) سقطت (على) من (ب).\n(٦) في (د): (وقيل حين ...).\n(٧) أخرجه الطبري ١٤/ ٦٢٣، وزاد السيوطي ٩/ ٣٧٥ نسبته لابن أبي حاتم.","vol":"1","page":1133},{"text":"﵁، وذلك أن رجلًا من العرب شتمه فَهَمَّ به عمر ﵁ فأمره الله بالعفو (١).\nوقيل: نزلت في أبي بكر الصديق ﵁، حكاه الفقيه (٢) أبو الليث ﵀ في تفسيره (٣).\nقال الكلبي: كان المشركون يؤذون أصحاب رسول الله -ﷺ- بالقول والفعل، فشكوا ذلك إلى رسول الله فأنزل الله في ذلك ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٤).\nأي: يَرُدُّوا خيرًا على من أساء القول فيهم.\nوقيل: هي الشهادتان، لا إله إلا الله محمد رسول الله.\nوقيل: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.\nالزجاج: لا يذكروا غيرهم إلا بالمحاسن ويكفوا عن المساوئ (٥).\n﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ يهيج بينهم الشر ويفسد أحوالهم.\nوالنزغ: إيقاع الشر وإفساد ذات البين.\n﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا (٥٣)﴾ ظاهر العداوة.\n﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ﴾ بالهداية والتوفيق.\n﴿أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ﴾ بالخذلان، وقيل: إن يشأ يرحمكم (٦) بالتوبة أو إن يشأ\n_________\n(١) ذكره الثعلبي (ص ٣٥٦)، وأبوالليث السمرقندي ٢/ ٣١٦، والماوردي ٣/ ٢٤٩، والواحدي في «أسباب النزول» (ص ٤٧٦)، وابن عطية ٩/ ١١٤، وابن الجوزي ٥/ ٤٦ - ٤٧.\n(٢) في (أ): (الفقيه أبو الليث ...).\n(٣) ذكره أبو الليث في تفسيره ٢/ ٣١٦.\n(٤) ذكره الثعلبي (ص ٣٥٦)، والواحدي في «أسباب النزول» (ص ٤٧٦) عن الكلبي، وعزاه أبو الليث السمرقندي ٢/ ٣١٥، وابن الجوزي ٥/ ٤٦ إلى ابن عباس ﵄.\n(٥) في (د) (مساويه)، وهذا القول لم أجده في كتاب الزجاج «معاني القرآن» في مظانه.\n(٦) حصل هنا سقط في (ب) ابتداءً من قوله (بالتوبة) إلى قوله (يرحمكم) في السطر التالي.","vol":"1","page":1134},{"text":"يعذبكم بالإقامة على المعصية.\nوقيل: إن يشأ يرحمكم فينجيكم من أعدائكم أو إن يشأ يعذبكم فيسلطهم عليكم، و﴿أَوْ﴾ للإضراب، ولهذا كرر ﴿إِنْ﴾.\n﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (٥٤)﴾ قيل كفيلًا.\nوقيل: وما وكلناك في منعهم من الكفر بالله.\n﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: هو عالم بأهل السموات وأهل الأرض (١) وهو أعلم بصلاح كل واحد منهم.\nوقيل: تقديره: أعلم بمن في السموات والأرض من الملائكة وغيرهم.\n﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ فمنهم من كَلَّمَهُ الله ومنهم من اتخذه خليلا ومنهم (٢) من اصطفاه وهو محمد -ﷺ-.\n﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (٥٥)﴾ وهو مائة وخمسون سورة ليس فيها حُكْمٌ ولا فَرْضٌ إنما هو ثَنَاءٌ ووعظٌ (٣).\n﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ ادعيتم أنها آلهة.\n﴿مِنْ دُونِهِ﴾ سوى الله (٤).\n﴿فَلَا يَمْلِكُونَ﴾ أي: المدعوون (٥).\n﴿كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ﴾ يعني: البؤس والشدة والقحط الذي ابتلوا به سبع سنين.\n_________\n(١) حصل سقط في (ب) من قوله (وهو أعلم) إلى قوله (الأرض) في السطر التالي.\n(٢) تكررت (ومنهم) في (د) ثلاث مرات.\n(٣) قاله مقاتل في تفسيره ٢/ ٥٣٦.\n(٤) في (د): (من دون الله).\n(٥) في (ب): (المدعو).","vol":"1","page":1135},{"text":"﴿وَلَا تَحْوِيلًا (٥٦)﴾ تحويل ذلك منكم إلى غيركم.\nوقيل: ولا تحويلًا من السّقم إلى الصحة والفقر إلى الغنى.\nنزلت حين شكت قريش (١) إلى رسول الله -ﷺ- ما نزل بهم من القحط (٢).\n﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ أي: يدعونهم آلهة، وقيل: يعبدونهم.\nابن عباس وابن مسعود وابن زيد والحسن: هم الملائكة (٣).\nقتادة في جماعة: هو المسيح وعزير والشمس والقمر (٤).\nوقيل: هم خزاعة، كانوا يعبدون قومًا من الجن فأسلم الجن وبقيت خزاعة على كفرهم (٥).\n﴿يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ يتضرعون إلى الله ويطلبون القربة والزلفة إليه.\nوالوسيلة: الطلبة.\nالمبرد: كل ما قرب من شيء (٦) وسيلة إليه.\n﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ أي: يبتغي الذي هو أقرب إلى ما عنده، وقيل: إلى رحمته، وسيلة\n_________\n(١) في (ب): (نزلت في قريش حين شكت إلى ...).\n(٢) ذكره الواحدي في «الوسيط» ٣/ ١١٢، والقرطبي ١٣/ ١٠٥.\n(٣) أما قول ابن عباس: فقد أخرجه الطبري ١٤/ ٦٢٦ - ٦٢٧ بلفظ الملائكة والمسيح وعزير، وزاد السيوطي ٩/ ٣٨٤ نسبته لابن أبي حاتم وابن مردويه. وأما قول ابن مسعود وابن زيد فقد أخرجه الطبري ١٤/ ٦٣٠، وأما قول الحسن: فقد نقله يحيى بن سلام في تفسيره ١/ ١٤٣، وهود الهواري ٢/ ٤٢٦، والواحدي في «البسيط» (ص ٦٥٣).\n(٤) لم أجد هذا القول عن قتادة، وإنما أخرج الطبري ١٤/ ٦٣٠ عنه إنهم نفرٌ من الجنِّ، وهذا المذكور أعلاه هو القول الذي ذكره الطبري ١٤/ ٦٣١ لابن عباس، وزاد السيوطي ٩/ ٣٨٥ نسبته لسعيد بن منصور وابن المنذر.\n(٥) هذا قول ابن مسعود أخرجه البخاري (٤٧١٥)، ومسلم (٣٠٣٠)، وورد فيهما: قوم من العرب، والذي ذكر أنهم خزاعة هو الواحدي في «البسيط» (ص ٦٥٢) وعزاه للمفسرين.\n(٦) في (د): (... من شيء فهو وسيلة إليه).","vol":"1","page":1136},{"text":"إلى الله (١)، فأيهم بدل من واو يبتغون، والمعنى: يعبدون عبدًا يطلب ما يقربه إلى الله.\nوقيل: ﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ بدل من الوسيلة، أي: أيهم أقرب من الله منزلة فيتوسلون به إلى الله.\n﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ أي: معبودوكم (٢) طالبو الزلفة إلى الله وراجو رحمته وخائفو عذابه.\nأبو علي: هم الأنبياء الذين ذكروا في الآية الأولى، أي (٣): أولئك الذين يدعون الله (٤).\n﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (٥٧)﴾ وقيل: يدعون الناس إلى عبادة الله يبتغون إلى ربهم الوسيلة.\n﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ يعني: عذاب الاستئصال للكفار في الدنيا.\n﴿أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا﴾ بالبلايا والشدائد والقتل والجدب.\nوقيل: ﴿أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا﴾ في القيامة.\nوقيل (٥): المهلكة هي (٦) الصالحة بآجالهم والمعذبة هي (٧) الطالحة.\n﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ﴾ في اللوح المحفوظ.\n_________\n(١) قوله (إلى الله) سقط من (د).\n(٢) في (أ): (معبودكم).\n(٣) سقطت (أي) من (ب).\n(٤) ذكر ابن عطية ٩/ ١٢١ هذا القول ونسبه إلى ابن فورك وغيره.\n(٥) سقطت (وقيل) من (أ).\n(٦) سقطت (هي) من (د).\n(٧) سقطت (هي) من (أ).","vol":"1","page":1137},{"text":"﴿مَسْطُورًا (٥٨)﴾ مثبتًا مكتوبًا.\n﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ﴾ في سبب النزول عن ابن عباس ﵄ قال: سأل (١) أهل مكة النبي -ﷺ- أن يجعل لهم الصفا ذهبًا وأن ينحي عنهم الجبال فيزرعون، فقيل له: (إن شئت أن نستأني بهم لعلنا نجتبي منهم وإن شئت أن تؤتيهم الذي سألوا فإن كفروا (٢) أُهلكوا كما أُهلك من قَبْلَهُم) قال: (لا، بل أستأني بهم) فأنزل الله هذه الآية ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ﴾ (٣).\n﴿إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ أي (٤): ما منعنا إرسال الآيات التي اقترحوها إلا عِلْمَنَا أنهم يُكَذِّبون رسولي كما كذب الأولون رسلهم فأهلكناهم، لأن سُنَّتَنَا مضت بإهلاك من كذب بالآيات المقترحة، فيجب إهلاك قومك، وقد قضيتُ أن لا استأصل أمتك لأن فيهم من يؤمن أو يلد مؤمنًا، ثم ذكر من الأمم المهلكة باقتراح الآيات وترك الإيمان بها أمة صالح.\nقوله ﴿أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ﴾ في موضع المفعول الثاني، ﴿أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ رفع بالفاعل، والباء في قوله ﴿بِالْآيَاتِ﴾ زيادة (٥)، ويجوز أن يكون حالًا والمفعول محذوف.\n﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ﴾ بسؤالهم واقتراحهم.\n﴿مُبْصِرَةً﴾ آية (٦) بينة ظاهرة خرجت من صخرة صلدة حاملًا كما اقترحوا.\nوقيل: ﴿مُبْصِرَةً﴾: متضمنة لبصائر في الدين لمن استبصر.\nوقيل: ﴿مُبْصِرَةً﴾: يبصر بها، كليلة نائمة: ينام فيها، ويوم صائم: يصام فيه.\nوقيل: ﴿مُبْصِرَةً﴾: جاعلة إياهم ذوي بصائر.\n_________\n(١) في (د): (سألت).\n(٢) في (أ): (... سألوا فاكفروا ...).\n(٣) أخرجه أحمد (٢٣٣٣)، والنسائي في «الكبرى» (١١٢٢٦)، والطبري ١٤/ ٦٣٥، والحاكم ٢/ ٣٦٢، والواحدي في «أسباب النزول» (ص ٤٧٦)، وغيرهم، وصحح إسناده محققو المسند.\n(٤) حصل سقط في (د) من قوله (أي) إلى قوله (الأولون) في السطر التالي.\n(٥) سبق التنبيه مرارًا على أن القول بأن هناك أحرفًا أو كلمات في القرآن زائدة تعبير بعيد عن الصواب، فانظر التعليق على تفسير الآية (٤) من سورة الأنعام.\n(٦) سقطت كلمة (آية) من (ب).","vol":"1","page":1138},{"text":"﴿فَظَلَمُوا بِهَا﴾ قيل: وكفروا (١) بعقرها، أي: بسبب عقرها.\nوقيل: فظلموا أنفسهم بعقرها، ويحتمل: فظلموها والباء زائدة (١)، لأن الله حرم قتلها فعقروها.\n﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ﴾ يريد المعجزات لا المقترحات، وقيل: الآيات: القرآن.\nالحسن: الموت الذريع (٢).\nابن جرير: العبر (٣).\n﴿إِلَّا تَخْوِيفًا (٥٩)﴾ للعباد ليؤمنوا ويتذكروا.\n﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ﴾ ابن عباس: أحاط (٤) علمه بهم (٥).\nالفراء في جماعة: ﴿أَحَاطَ بِالنَّاسِ﴾: بأهل مكة وأنها ستفتح لك (٦).\nوقيل: معناه: الناس في قبضته وهو مانعك منهم فلا تبال بهم وبلغ ما أرسلت به.\nوالحَوْطُ: الحِفْظُ، وتَحَوَّطَهُ: تَعَهَّدَهُ، وأحَاطَ واحْتَاطَ: أحْدَقَ وحَوَّطَ حائطًا.\n﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ جمهور المفسرين على أن هذه الرؤيا رؤيا عين، وهي ليلة الإسراء من مكة إلى المسجد الأقصى إلى سدرة المنتهى إلى حيث علم الله، وصارت فتنة للناس فارتد قوم لما سمعوا ذلك وصدقه الآخرون ممن أسلم (٧).\nوعن ابن عباس أيضًا: إنها رؤيا منام، رأى أنه يدخل مكة، ويقويه قوله ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [الفتح: ٢٧] (٨).\n_________\n(١) في (د): (فكفروا).\n(٢) أخرجه أحمد في «الزهد» (ص ٣٧٩)، والطبري ١٤/ ٦٣٨ - ٦٣٩، والثعلبي (ص ٣٦١ - ٣٦٢).\n(٣) قال الطبري ١٤/ ٦٣٨: (وما نُرسل بالعِبَرِ والذِّكر إلا تخويفًا للعباد).\n(٤) سقطت كلمة (أحاط) من (أ).\n(٥) ذكره الثعلبي (ص ٣٦٢)، وابن الجوزي ٥/ ٥٢ عن ابن عباس ﵄.\n(٦) انظر: «معاني القرآن» للفراء ٢/ ١٢٦، وهو قول مقاتل كما في تفسيره ٢/ ٥٣٨.\n(٧) انظر: «تفسير مقاتل» ٢/ ٥٣٨، و«تفسير يحيى بن سلام» ١/ ١٤٥، والطبري ١٤/ ٦٤١ - ٦٤٥، والثعلبي (ص ٣٦٢ - ٣٦٣)، والواحدي في «البسيط» (ص ٦٥٨)، و«المحرر الوجيز» لابن عطية ٩/ ١٢٧، وغيرهم، ونسبوه لجمهور المفسرين، وقال الثعلبي إنه قول سعيد بن جبير والحسن ومسروق وأبي مالك وقتادة ومجاهد والضحاك وابن زيد وابن جريج، ورواية عكرمة وعطية عن ابن عباس ﵄.\n(٨) أسند الطبري ١٤/ ٦٤٥ - ٦٤٦ هذا القول إلى ابن عباس ﵄.","vol":"1","page":1139},{"text":"ومعنى الفتنة على هذا القول: أنه لما رجع من الحديبية اشتبه على كثير منهم وجه الأمر، حتى قال أبو بكر ﵁: أقال لكم تدخلونها في هذه السنة؟ قالوا: لا، قال: فستدخلونها من بعد لا محالة على ما أخبر (١).\nوعن سعيد بن المسيب أنها رؤيا منام، وهو أنه ﵇ (٢) رأى قردة ينزون على منبره وينزون عليه نزو القردة (٣)، فساءه ذلك (٤) فقال: (هو حظّهم من (٥) الدنيا يعطونه من الدنيا (٦) بإسلامهم) (٧).\nومعنى الفتنة على هذا ما كان في ذلك الوقت.\nوقيل: هو من قوله: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا﴾ [الأنفال: ٤٣]، وهذا أبعد الوجوه.\n﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ وهي عطف على الرؤيا، وهي عند الجمهور: شجرة الزقوم التي ذكرت في قوله (٨): ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٦٤]، وذكروا أنه لما نزلت في الزقوم (٥) هذه الآية قال أبو جهل وأكابر قريش: ما نعرف الزقوم إلا أكل التمر بالزبد، فجعلوا يأكلون التمر بالزبد (٦)\n_________\n(١) ذكره الثعلبي ٩/ ٦٠ في تفسيره المطبوع، وذكره بعض المفسرين كالقرطبي وغيره في أثناء تفسير قوله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [الفتح: ٢٧]، ولم أجد لهذا الأثر إسنادًا لدراسته، فالله أعلم.\n(٢) في (ب): (أنه رأى).\n(٣) سقط من (ب) قوله (وينزون عليه)، وسقط من (د) قوله (وينزون عليه نزو القردة).\n(٤) في (د) زيادة (فساءه ذلك فقيل ما أولت فقال بنو أمية وفي رواية أخرى رأى قومًا من بني أمية يرقون منبره وينزون عليه نزو القردة فساءه ذلك فقال هو حظهم ...) ولم ترد هذه الزيادة في (أ) ولا (ب).\n(٥) في (ب): (في الدنيا).\n(٦) سقط قوله (من الدنيا) من (د).\n(٧) أخرجه البيهقي في «دلائل النبوة» ٦/ ٥٠٩، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» ٥٧/ ٣٤١، وزاد السيوطي ٩/ ٣٩٢ نسبته لابن أبي حاتم وابن مردويه، وهو مرسل.\n(٨) قوله (في قوله) سقط من (ب).\n(٩) في (ب): (وذكروا أنها)، وفي (د) سقط قوله (في الزقوم).\n(١٠) في (أ): (إلا أكل الزبد بالتمر ويقولون ...) فحصل فيها تقديم وتأخير بالإضافة إلى السقط.","vol":"1","page":1140},{"text":"ويقولون: تسارعنا إلى ما توعَّدناه محمد في النار، استهزاء (١).\nوعن ابن عباس: أنها الكشوث الذي يلتوي على الشجرة (٢).\nوقيل: هم اليهود.\nوقيل: هي قبيلة من العرب.\nوقيل في الملعونة أقوال:\nأحدها: أنها لما أشبه طلعها رؤوس الشياطين، والشيطان ملعون، كانت الشجرة ملعونة.\nوالثاني: أي أكلها ملعون، فأجرى اللعنة عليها.\nوالثالث: سميت ملعونة لضررها، والعرب تسمي كل ضار ملعونًا، ومن حملها على اليهود فظاهر، ومن حملها على القبيلة ففيه نظر، والله أعلم، والعهدة على الراوي في هذه الآية وفي أمثالها.\n﴿وَنُخَوِّفُهُمْ﴾ بالنار وما فيها.\n﴿فَمَا يَزِيدُهُمْ﴾ التخويف.\n﴿إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا (٦٠)﴾ كفرًا ومجاوزة حد في العصيان (٣).\n﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ﴾ سبق تفسيره (٤).\nوقوله (٥): ﴿أَأَسْجُدُ﴾ استفهام إنكار.\n﴿لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا (٦١)﴾ أي: خلقته من الطين، فهو نصب بتعدي الفعل بعد حذف الواسطة.\n_________\n(١) أخرجه الطبري ١٤/ ٦٤٨، والبيهقي في «البعث والنشور» (ص ٢٩٠ - رقم ٥٩٨) عن ابن عباس ﵄، وزاد السيوطي ٩/ ٣٩٣ نسبته لابن إسحاق وابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(٢) أخرجه الطبري ١٤/ ٦٥٢.\n(٣) في (ب): في (الطغيان).\n(٤) انظر: تفسير سورة البقرة، الآية: (٣٤).\n(٥) في (ب): (وقاله).","vol":"1","page":1141},{"text":"الزجاج: نصب على الحال، أي: في حال كونه طينًا.\nوقال الزجاج أيضًا: هو نصب على التمييز (١).\n﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ أي: كَرَّمْتَهُ عليَّ، والمعنى: فَضَّلْتَهُ عليَّ بإسجاد الملائكة.\nالزجاج: ﴿أَرَأَيْتَكَ﴾ في معنى أخبرني، والكاف لا موضع له من الإعراب، والجواب محذوف، أي: أخبرني عن هذا الذي كَرَّمتَ عَليَّ لمَ كرَّمته عليَّ وقد خلقتني من نار وخلقته من طين، فحذف لأن في الكلام دليلًا عليه (٢).\n﴿لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ أي: أخَّرتَ إماتتي وتركتني حيًّا.\n﴿لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا (٦٢)﴾ أي: أُضِلَّنَّهُم، اللام الأولى لام توطئة القسم، والثانية (٣) لام جواب القسم.\nو﴿لَأَحْتَنِكَنَّ﴾ عند بعضهم من: حنكت الدابة واحتنكتها، إذا جعلت في حنكها الأسفل حبلًا تقودها به، وعند بعضهم من: احتنكت الجرادُ الأرضَ، إذا أكلت نباتها، قال (٤):\nأشكو إليكم سنةً قد أَجْحَفَتْ ... واحتنكتْ أموالنا وجَلَّفَتْ\n_________\n(١) ذكر الزجاج القولين في «معاني القرآن» ٣/ ٢٤٨ - ٢٤٩.\n(٢) انظر: «معاني القرآن» للزجاج ٣/ ٢٤٩.\n(٣) في (د): (والثاني).\n(٤) هكذا البيت في النسخ الثلاث، وعند الطبري ١٤/ ٦٥٤:\nنشكو إليك سنةً قد أجحفتْ ... جَهْدًا إلى جَهْدٍ بنا فأضْعفتْ\nواحتنكت أموالنا وجَلَّفَتْ. وهي عند أبي عبيدة في «المجاز» ١/ ٣٨٤.\nوذكر بعض محققي كتب التفسير واللغة أن القائل مجهول، وعزاه بعضهم إلى أبي المرقال عطاء بن أسِيْدٍ الزَّفَيانُ، وقد رجعت إلى ديوانه الذي حققه الأستاذ محمد بن عبدالله الأطرم في رسالته للماجستير من كلية اللغة العربية بجامعة الأزهر، والتي قدمها عام ١٩٧٤ م فوجدته قد ذكرها كالتالي:\nتشكو إليك سنة قد جلفت ... أموالنا من أصلها وجرَّفت.\nوهي كذلك في «اللسان» و«التاج» (لهف). ومع اختلاف ما في الديوان عن الأبيات المذكورة فلا أستطيع الجزم بأنه قائل الأبيات. والله أعلم.","vol":"1","page":1142},{"text":"وقيل: هو من: حَنَكْتُ الصبيَّ واحْتَنَكْتُه (١)، إذا جعلت في حَنَكِه حلاوة.\n﴿إِلَّا قَلِيلًا (٦٢)﴾ وهم المخلصون من عباد الله.\n﴿قَالَ اذْهَبْ﴾ هذا طرد وإبعاد وليس فيه مجيء ولا ذهاب، وقيل: تباعد عن جملة أوليائي بعد أن عصيت.\n﴿فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ﴾ أي: جزاؤهم وجزاؤك وغلب المخاطب على الغائب.\n﴿جَزَاءً مَوْفُورًا (٦٣)﴾ متممًا مكملًا.\nالمبرد: لا يُعْزَلُ عنهم من عذابهم شيء.\nتقول: وَفَرُت الشيء فَوَفَرَ، لازم ومتعد.\nقال الشاعر (٢):\nوَمَنْ يَجْعَلِ المعروفَ مِن دونِ عِرضهِ ... يَفِرْهُ ومَنْ لا يَتَّقِ الشَّتْمَ يُشْتَمِ\nوقيل: موفور: بمعنى وافر.\n﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ أزعجه، وأصل الفَزِّ: القطع، ومنه: تفزز الثوب، إذا تخرق (٣)، وفززته: قطعته (٤).\nالزجاج: استدعهم استدعاء يحملهم إلى إجابتك (٥).\nقطرب: استخفف، من: الخفة.\nابن جرير: استجهل (٦).\n_________\n(١) قوله (واحتنكته) سقط من (ب).\n(٢) هو: زهير بن أبي سلمى، كما في ديوانه (ص ٨٧).\n(٣) في (ب): (إذا تقطع).\n(٤) هذه المعاني مذكورة في باب (فزر) من معاجم اللغة، وورد في «اللسان» (فزز): (فَزَّ الجُرحُ ... نَدِيَ وسالَ بما فيه) فلعله من هذا، وقد ذكر بعض المفسرين مثل ما ذكر الكرماني أعلاه، كما في «الفريد» للهمداني ٤/ ٢٠٤، والقرطبي ١٣/ ١١٨.\n(٥) انظر: «معاني القرآن» للزجاج ٣/ ٢٥٠.\n(٦) انظر: «جامع البيان» للطبري ١٤/ ٦٥٦.","vol":"1","page":1143},{"text":"﴿بِصَوْتِكَ﴾:\nابن عباس: بدعائك إياهم إلى طاعتك (١).\nمجاهد: هو الغناء واللهو واللعب (٢).\nابن جرير: كل صوت دعا إلى الفساد فهو من صوت الشيطان (٣).\n﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ﴾ صِحْ عليهم، وأصله الجَلَبَةُ، وهي شدة الصوت، والمعنى: احثثهم عليهم (٤) بالإغواء والدعاء إلى طاعتك والصَّدِّ عن طاعتي بركبانك.\n﴿وَرَجِلِكَ﴾ مشاتك.\nقتادة: للشيطان خيل ورجل من الجن والإنس وهم الذين يطيعونه (٥).\nوقيل: كل راكب وماش في معصية الله فهو من أصحاب إبليس.\nالفراء: خيل المشركين ورجالهم (٦).\nالزجاج: هذا مثل، والمعنى: اجمع عليهم كل ما تقدر عليه من مكائدك (٧).\nأبو علي: ليس للشيطان خيل ولا رجل ولا هو مأمور، إنما هذا (٨) زجر\n_________\n(١) أخرجه الطبري ١٤/ ٦٥٧ ولفظه: صوته كل داعٍ دعا إلى معصية الله. وزاد السيوطي ٩/ ٣٩٥ نسبته لابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٢) أخرجه الطبري ١٤/ ٦٥٧، وابن أبي الدنيا في «ذم الملاهي» (٧٣) ولفظ الأخير: المزامير.\n(٣) انظر: «جامع البيان» للطبري ١٤/ ٦٥٨.\n(٤) في (ب): (عليه).\n(٥) أخرجه عبدالرزاق ١/ ٣٨١، والطبري ١٤/ ٦٥٨ - ٦٥٩.\n(٦) ذكره في «معاني القرآن» له ٢/ ١٢٧.\n(٧) انظر: «معاني القرآن» للزجاج ٣/ ٢٥٠، وليس فيه: هذا مثل.\n(٨) في (ب): (إنما هو ...).","vol":"1","page":1144},{"text":"واستخفاف به كما تقول لمن تهدده: اذهب فاصنع ما بدا لك واستعن بمن شئت (١).\n﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ﴾: قيل: هو الربا.\nوقيل (٢): البحيرة وأخواتها.\nوقيل: ما ذبح للأصنام.\nوقيل: كل مال يعصى الله فيه.\n﴿وَالْأَوْلَادِ﴾ قيل: هم أولاد الزنا.\nوقيل: الموؤدة.\nوقيل: هو تهويدهم وتنصيرهم وتمجيسهم.\nوقيل: هو تسميتهم أولادهم عبد العزى وعبد اللات وعبد شمس وعبد الحارث.\nوقيل: أن يستعملوا أولادهم في معصية الله.\n﴿وَعِدْهُمْ﴾ أي: عدهم بالمواعيد الباطلة، وقيل: مَنِّهِم.\n﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (٦٤)﴾ يغترهم به.\nوالغرور: تزيين الخطأ بما يوهم أنه صواب.\n﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ إن (٣) عبادي الذين خلقتهم لجنتي ليس لك عليهم سلطان على أن تضلهم أو تحملهم على ذنب لا يغفر، وقيل: لا سبيل لك على عبادي سوى وسوستك لهم في الدعاء إلى المعاصي.\n_________\n(١) انظر: «الحجة» لأبي علي الفارسي ٥/ ١١١، بنحوه، وقد ذكره أبو حيان ٦/ ٥٦ عن الفارسي.\n(٢) سقطت كلمتا (الربا وقيل) من (ب).\n(٣) في (د): (أي) بدلًا من (إن).","vol":"1","page":1145},{"text":"ابن جرير: إن عبادي الذين أطاعوني وعصوك ليس لك عليهم حجة (١).\n﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (٦٥)﴾ حافظًا (٢) وناصرًا.\n﴿رَبُّكُمُ﴾ أي: خالقكم الذي يستحق العبادة.\n﴿الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ﴾ يجريه على سَنَن.\n﴿لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ لتطلبوا الربح في التجارة، وقيل: لتنالوا ما ليس عندكم مما تفضل الله بخلقه (٣) لكم.\n﴿إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ﴾ بالمؤمنين ﴿رَحِيمًا (٦٦)﴾.\n﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ﴾ عصوف الرياح وخوف الغرق.\n﴿ضَلَّ﴾ بَطَلَ وزالَ، وقيل: غاب.\n﴿مَنْ تَدْعُونَ﴾ من الآلهة.\n﴿إِلَّا إِيَّاهُ﴾ لم تدعوا في تلك الحالة إلا الله (٤).\nوقيل: نسيتم كل معبود لكم وذهب عنكم ذكره إلا الله.\n﴿فَلَمَّا نَجَّاكُمْ﴾ من الغرق.\n﴿إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ﴾ عن الإيمان والتوحيد.\nوقيل: ﴿أَعْرَضْتُمْ﴾: اتسعتم (٥) في كفران النعمة.\nقال ذو الرمة (٦):\nعَطَاءُ فتى تمكن في المعالي ... فأعرضَ في المكارِمِ واستطالا\n_________\n(١) انظر: «جامع البيان» للطبري ١٤/ ٦٦٦.\n(٢) في (د): (حفيظًا).\n(٣) سقطت (بخلقه) من (ب).\n(٤) في (ب): (إلا إياه).\n(٥) في (ب) زيادة: (من العرض اتسعتم ...).\n(٦) البيت في ديوانه (ص ٣٨٠) ولفظه: (عطاء فتى بنى وبنى أبوه فأعرض ...).\nواللفظ الذي ساقه المؤلف ذكره البيضاوي والألوسي. وفي (أ): (تمكن في المعاصي).","vol":"1","page":1146},{"text":"وقيل: هو العدول عن السنن.\n﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا (٦٧)﴾ جحودًا نعم ربه.\n﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ﴾ يدخلكم (١) في الأرض كما فعل بقارون، وجانب البر: ناحية من الأرض، وقيل: جانب البر: ساحل البحر.\n﴿أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ حجارة من السماء كما فعل بقوم لوط، وقيل: الحاصب: الريح التي تأتي بالحصباء.\n﴿ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا (٦٨)﴾ من يحفظكم ويخلصكم.\n﴿أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى﴾ أي: يلجأكم إلى ركوب البحر مرة أخرى.\nقطرب: أترته: جئت به تارة، أي: أعدته (٢).\n﴿فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ﴾ هي التي تقصف كل شيء، أي: تكسره.\n﴿فَيُغْرِقَكُمْ﴾ الله.\n﴿بِمَا كَفَرْتُمْ﴾ بسبب كفركم به.\n﴿ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ﴾ بالإغراق، وقيل: بالإرسال، وقيل: يعود إليهما.\n﴿تَبِيعًا (٦٩)﴾ أبو عبيدة: مطالبًا (٣).\nالزجاج: من يتبعنا بإنكار ما نزل بكم ولا من يتبعنا ليصرفه عنكم (٤).\nالفراء: طالبًا ثائرًا (٥).\nابن عباس: نصيرًا (٦).\nوقيل: من يطلبنا بدمائكم.\n﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ شرَّفناهم.\nوقيل: أكثرنا لهم الكرامة.\n_________\n(١) حصل سقط في (د) لقوله (يدخلكم في الأرض كما فعل بقارون وجانب البر).\n(٢) ذكره الكرماني في «غرائب التفسير» ١/ ٦٣٤ عن قطرب أيضًا.\n(٣) في «مجاز القرآن» ١/ ٣٨٥ لأبي عبيدة: أي من يتبعنا لكم تبيعة ولا طالبًا لنا بها.\n(٤) انظر: «معاني القرآن» للزجاج ٣/ ٢٥٢.\n(٥) انظر: «معاني القرآن» للفراء ٢/ ١٢٧.\n(٦) أخرجه الطبري ١٤/ ٦٧١ - ٦٧٢، وعزاه السيوطي ٩/ ٣٩٩ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم. وعلقه البخاري في «كتاب التفسير - سورة بني إسرائيل - باب (٤)».","vol":"1","page":1147},{"text":"وقيل: نسبناهم إلى الكرم (١).\nابن عباس ﵄: كل شيء يتناول مأكوله بفِيهِ من الأرض إلا بني آدم فإنه يرفعه بيده (٢).\nالضحاك: بالنُّطق والتَّمييز (٣).\nعطاء: بتعديل القامة وامتدادها (٤).\nوعن ابن عباس أيضًا: بالعقل (٥).\nمحمد بن كعب: بأن جعلنا محمدًا -ﷺ- منهم (٦).\nابن جرير: بتسليطهم على غيرهم (٧).\nوقيل: بحسن (٨) الصورة.\nوقيل: الرجال باللحى والنساء بالذوائب.\nوقيل: بالخط.\nهذا ما ذكره المفسرون، وما خص الله بني آدم من بين المخلوقات كثيرٌ جدًا.\n﴿وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ أي: في البر على الدواب وفي البحر على السفن، تقول: حَمَلتُه حُمْلانًا وحَمْلًا (٩)، إذا جعلت له ما يركبه من دابة وغيرها، وقد سبق في قوله:\n﴿مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ [التوبة: ٩٢].\n﴿وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ المستلذات.\nمقاتل: السمن والزبد والتمر والملاذ (١٠).\nوقيل: الحلالات.\nوقيل: كسب يده، حكاه أقضى القضاة (١١).\n﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾.\n_________\n(١) في (د): (شرفناه ... أكثرنا له ... نسبناه ...).\n(٢) أخرجه البيهقي في «شعب الإيمان» (٥٤٥٥) ولفظه: جعلناهم يأكلون بأيديهم. وزاد السيوطي ٩/ ٤٠٢ نسبته لابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، وأخرجه الثعلبي في «الكشف والبيان» (ص ٣٧٨) مسندًا عن ابن عباس ﵄.\n(٣) ذكره الثعلبي (ص ٣٧٨)، والواحدي في «البسيط» (ص ٦٧٧)، وابن الجوزي ٥/ ٦٣ عن الضحاك.\n(٤) ذكره الثعلبي (ص ٣٧٨)، والواحدي في «البسيط» (ص ٦٧٧)، وابن الجوزي ٥/ ٦٣ عن عطاء.\n(٥) ذكره الثعلبي (ص ٣٧٨)، والواحدي في «البسيط» (ص ٦٧٧)، وابن الجوزي ٥/ ٦٣ عن ابن عباس ﵄.\n(٦) ذكره الثعلبي (ص ٣٧٨)، وابن الجوزي ٥/ ٦٣ عن محمد بن كعب.\n(٧) انظر: الطبري ١٥/ ٥.\n(٨) في (أ): (لحسن).\n(٩) سقطت (وحملًا) من (أ).\n(١٠) نقله الثعلبي (ص ٣٧٩) عن مقاتل بن سليمان، ولم أجده في تفسيره في هذا الموطن من السورة.\n(١١) نقله الماوردي ٣/ ٢٥٨ عن سهل بن عبدالله.","vol":"1","page":1148},{"text":"قيل: الاستثناء للملائكة.\nوقيل: جبريل وميكائيل وعزرائيل وإسرافيل ﵈.\nوقيل (١): المراد بالكثير: الكل، كقوله ﴿وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٣]، أي: كلهم، ويحتمل: وفضلنا (٢) كثيرًا منهم على من خلقنا، على القلب، فيكونوا الأنبياء والأولياء، فإنهم فُضِّلوا على الملائكة (٣)، والله أعلم.\nومعنى ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ﴾: أي: بالغلبة والاستيلاء.\nوقيل: بالثواب والجزاء يوم القيامة، ولهذا ذهب بعض النحاة إلى أن قوله\n﴿يَوْمَ نَدْعُو﴾ منصوب بقوله ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ﴾، والتقدير: نفضلهم.\nوالفرق بين التكريم والتفضيل: أن التفضيل يستدعي آخر مفضولًا بخلاف التكريم.\nوذكر المفسرون عن زيد بن أسلم قال: قالت الملائكة: ربنا إنك أعطيت بني آدم الدنيا يأكلون فيها ويتنعمون ولم تعطنا ذلك فأعطناه في الآخرة، فقال: (وعزتي وجلالي لا أجعل ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له كن فكان) (٤).\n_________\n(١) سقطت (وقيل) من (أ).\n(٢) في (أ): (وفضلناهم ...)، وفي (ب): (ويحتمل وأكثرهم وفضلناهم كثيرًا ...)، والمثبت من (د) ومن كتاب الكرماني الآخر «غرائب التفسير» ١/ ٦٣٦.\n(٣) هذه مسألة المفاضلة بين الملائكة وصالحي البشر، وقد ذكر بعض أهل العلم أنها مسألة كلامية، ولذلك قال ابن أبي العزّ في «شرح العقيدة الطحاوية» ٢/ ٤١١: (الواجب علينا الإيمان بالملائكة والنبيين، وليس علينا أن نعتقد أيُّ الفريقين أفضل، فإن هذا لو كان من الواجبات لبين لنا نصًّا ... فالسكوت عن الكلام في هذه المسألة نفيًا وإثباتًا - والحالة هذه - أولى).\nثم تكلم في الأقوال المذكورة في المسألة ٢/ ٤١٠ - ٤٢٢، وكان الإمام أحمد وشيخ الإسلام ابن تيمية يذهبان إلى تفضيل صالحي البشر على الملائكة.\nانظر: «مجموع فتاوى ابن تيمية» ٤/ ٣٧١، و«لوامع الأنوار» للسفاريني ٢/ ٣٩٨ - ٣٩٩.\n(٤) أخرجه عبدالرزاق ٢/ ٣٨٢، والطبري ١٥/ ٥ - ٦، والثعلبي (ص ٣٧٩ - ٣٨٠)، وقال ابن كثير ٩/ ٤٥ عن هذه الرواية: (هذا الحديث مرسل من هذا الوجه، وقد روي من وجه آخر متصلًا).\nأقول: روي مرفوعًا من حديث عبدالله بن عمرو، أخرجه الطبراني كما عند ابن كثير ٩/ ٤٥، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» ١/ ٨٢: (فيه إبراهيم بن عبدالله بن خالد المصيصي وهو كذاب، وفي سند الأوسط طلحة بن زيد وهو كذاب أيضًا). وينسب الحديث في بعض الكتب إلى عبدالله بن عمر، وضعَّفه كذلك ابن الجوزي في «العلل المتناهية» ١/ ٣٦. وروي مرفوعًا من حديث جابر بن عبدالله ﵁، أخرجه البيهقي في «الأسماء والصفات» (٦٨٨) (٦٨٩) وضعفه محقق الكتاب.","vol":"1","page":1149},{"text":"﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ مجاهد: بنبيهم (١).\nالضحاك وابن زيد: بكتابهم (٢).\nالمبرد: بدينهم.\nوعن علي ﵁ قال: قال رسول الله -ﷺ-: (يدعى كل قوم بإمام زمانهم وكتاب ربهم وسنة نبيهم)، رواه الثعلبي (٣).\nالحسن: بأعمالهم (٤).\nقتادة: بكتاب أعمالهم (٥).\nوقيل: بما كانوا يعبدونه.\nمحمد بن كعب: بأمهاتهم (٦).\nوالإمام مصدر أمَّ، ويجوز أن يكون جمع آمٍّ، كراع ورعاء وتاجر وتجار، ومن\n_________\n(١) أخرجه الطبري ١٥/ ٦، وزاد السيوطي ٩/ ٤٠٤ نسبته لابن المنذر.\n(٢) أخرجهما الطبري ١٥/ ٧ - ٨.\n(٣) في «الكشف والبيان» (ص ٣٨٢ - ٣٨٣) وضعفه محقق الكتاب (رسالة جامعية)، وعزاه السيوطي ٩/ ٤٠٤ لابن مردويه كذلك.\n(٤) أخرجه الطبري ١٥/ ٧، وأخرجه عبدالرزاق ١/ ٣٨٢، والطبري ١٥/ ٧ بلفظ: بكتابهم الذي فيه أعمالهم.\n(٥) ذكره الثعلبي (ص ٣٨٣) عن قتادة، وأسند الطبري ١٥/ ٧ نحوه عن قتادة عن الحسن.\n(٦) ذكره الثعلبي «ص ٣٨٥) - رسالة جامعية) وقال الباحث قاري أحمد محقق الكتاب: هذا القول معارض للحديث المرفوع المتفق عليه الذي تقدم قريبًا بلفظ: إذا جمع الله الأولين والآخرين ... فقيل: هذه غدرة فلان بن فلان، ولما أخرج ابن حبان في صحيحه (٥٧٨٨) وأبو داود (٤٩٤٨) وأحمد ٥/ ١٩٤ من حديث أبي الدرداء قال -ﷺ-: (إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم فأحسنوا أسمائكم).","vol":"1","page":1150},{"text":"فسره بالأمهات: فإمام جمع أُمٍّ، كخُفٍّ وخِفَاف وقُفٍّ وقِفَاف وجُلٍّ وجِلَال (١).\n﴿فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ أي: كتاب عمله بيمينه، وهو المؤمن.\n﴿فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ﴾ مَرَّةً بعد أخرى فَرِحين بما فيه، وهذا دأبُ من أتاه كتاب فيه مسرة وابتهاج.\n﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧١)﴾ لا ينقصون من جزاء أعمالهم قدر فتيل، وهو ما فتلته بأطراف أصابعك وطرحته، وقيل: ما في شق نوى التمر، وقد سبق (٢).\n﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٧٢)﴾ لم يذكر الكفار وإيتاء كتبهم بشمالهم اكتفاء بقوله ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ﴾، أي: في (٣) الدنيا ﴿أَعْمَى﴾ عمى القلب لا يبصر رشده ﴿فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى﴾ لأنه فاته وقت العمل، وذهب بعضهم إلى أنه أفعل من (٤)، ويقويه ما بعده ﴿وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٧٢)﴾، وهذا على أن يقال: يجوز بناء أفعل من كذا من عَمِيَ بقلبه، كما يجوز من الجهل والبله، إذ ليس ذلك من العيوب البدنية المحسوسة، وأجاز بعضهم بناء أفعل من كذا من الألوانِ والعيوبِ والخِلَقِ إذا كان لها فعل ثلاثيٌّ كعمي وحول وعور، وما لم يكن له فعل ثلاثي كالحمرة والبياض والسواد فلا (٥).\n_________\n(١) القُفُّ: القصير، والجُلُّ: ما تلبسه الدابة لتصان به. انظر: «القاموس» (قفف) و(جلل).\n(٢) في (ب): (التمرة)، وسبق الكلام على الفتيل في أثناء تفسير الآية (٤٩) من سورة النساء.\n(٣) في (ب): (في هذه الدنيا).\n(٤) في (د): (إلى أن وزنه أفعل من عمي ويقويه ...)، والمثبت من (أ)، و(ب).\n(٥) انظر: «المعجم المفصل في النحو العربي» ١/ ١٠٤ - ١٠٥، حيث ورد فيه: (الأفعال التي تدل على لون أو عيب أو حلية لا يصاغ منها أفعل التفضيل، وإذا كان العيب معنويًا لا حسيًّا فيمكن صياغة أفعل، مثل: زيد أبله من سمير، وأهوج منه، وأرعن منه، وأحمق منه ... ولا يمكن صياغة أفعل التفضيل من الرباعي أو الخماسي).","vol":"1","page":1151},{"text":"﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ في سبب النزول عن ابن عباس ﵄: أنها نزلت في وفد ثقيف، أتوا رسول الله -ﷺ- فقالوا: مَتِّعْنَا باللات سنةً وحَرِّم وادينا كما حَرَّمْتَ مكة فإنا نحب أن تعرف العرب فضلنا عليهم، فإن (١) خشيت أن تقول العرب: أَعْطَيتَهُم ما لم تُعْطِنَا، فقل: الله أمرني بذلك، وأقبلوا يُلِحُّون على النبي -ﷺ-، فأمسك رسول الله عنهم وقد هَمَّ أن يعطيهم ذلك، فأنزل الله هذه الآية (٢).\nوعن سعيد بن جبير: قال المشركون للنبي -ﷺ-: لا نكفُّ عنك ولا نُمَكِّنك من استلام الحَجَر إلا أن تُلِمَّ بآلهتنا وتَمَسَّها بيدك ولو بطرف إصبعك، فقال (٣) -ﷺ-: (ما عليَّ لو فعلت والله يعلم إني كاره (٤»، فأنزل الله ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ (٥).\nقتادة: ذُكِرَ لنا أن قريشًا خلوا برسول الله -ﷺ- ذات ليلة إلى الصبح يكلمونه ويُفخِّمونه (٦) ويُسوِّدونه ويُقارِبونه وقالوا: إنك تأتي بشيءٍ لا يأتي به أحدٌ من الناس، أنت سيِّدنا وابنُ سيدنا، فما زالوا به حتى كاد يقاربهم في بعض ما يريدون، ثم عصمه الله من ذلك، وأنزل هذه الآية (٧).\n﴿وَإِنْ كَادُوا﴾ أرادوا وقاربوا ﴿لَيَفْتِنُونَكَ﴾ يصرفونك ويستنزلونك.\n﴿عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ عن القرآن وأوامر الله.\n﴿لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ﴾ غير ما أوحي إليك.\nوقيل: هو (٨) قولهم: قل الله أمرني بذلك.\n﴿وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (٧٣)﴾ لو قلت ما قالوه وفعلت ما أرادوه لأحبوك.\nابن بحر: لأخذوك وأنت إليهم محتاج فقير (٩).\n_________\n(١) في (أ): (فإذا).\n(٢) ذكره الثعلبي (ص ٣٨٩)، والواحدي في «أسباب النزول» (ص ٤٧٧ - ٤٧٨)، وابن الجوزي ٥/ ٦٧ عن ابن عباس، وأخرج الطبري ١٥/ ١٥ رواية أخرى عن ثقيف مع النبي -ﷺ-.\n(٣) في (أ): (وقال).\n(٤) في (ب): (لكاره).\n(٥) أخرجه الطبري ١٥/ ١٣، وذكره الثعلبي (ص ٣٨٨)، والواحدي في «أسباب النزول» (ص ٤٧٨)، وابن الجوزي ٥/ ٦٧.\n(٦) سقطت (ويفخمونه) من (ب).\n(٧) أخرجه الطبري ١٥/ ١٤، وذكره الثعلبي (ص ٣٨٨)، والواحدي في «أسباب النزول» (ص ٤٧٨)، وابن الجوزي ٥/ ٦٨، وقد تكلم ابن الجوزي في ثبوت هذه الروايات واستنكرها، وقد أعرض ابن كثير ٩/ ٤٩ عنها كلها ولم يورد منها شيئًا.\n(٨) سقطت (هو) من (أ).\n(٩) قال الماوردي ٣/ ٢٦٠: مأخوذ من الخَلَّة بالفتح، وهي الفقر، لحاجته إليهم، ولم ينسب الماوردي هذا القول لأحد، وإنما حكاه قولًا في معنى (خليلًا)، ونقله الكرماني في «غرائب التفسير» ١/ ٦٣٨ عن ابن بحر.","vol":"1","page":1152},{"text":"﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ﴾ عصمناك\n﴿لَقَدْ كِدْتَ﴾ أردت وهممت.\n﴿تَرْكَنُ﴾ تميل.\n﴿إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤)﴾ ركونا قليلًا.\nقطرب: احتالوا ليقع منه هَمٌّ، ولم يقع منه هَمٌّ (١) ولا غيره.\nالحسن: هَمَّ (٢).\nوهذا الهم (٣) مما يتجاوز الله عنه، فظاهر (٤) الآية يدل على أنه -ﷺ- لم يهم، لأن (لولا) يدل على امتناع الشيء لوجود غيره، والممتنع في الآية إرادة الركون لوجود (٥) تثبيت الله إياه، والله أعلم.\nوقال صاحب النظم في قوله ﴿وَإِنْ كَادُوا﴾ إنه من: كَادَ يَكِيْدُ، أي: احتالوا ليوقعوك (٦) في الفتنة.\nالزجاج: أرادوا منه أن يطرد سقاط الناس ومن رائحته كرائحة الضأن، أي: لباسهم الصوف، فَهَمَّ بذلك فتوعده الله على ذلك أشد التوعد (٧).\n﴿إِذًا﴾ قوله ﴿إِذًا﴾ أي: إن وقع هذا الركون، وهذا أيضًا يدل على أنه لم يقع.\n﴿لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا (٧٥)﴾ عذاب الدنيا والآخرة، والضعف من أسماء العذاب، قاله أبو عبيدة (٨)، والضعف المثل، وقيل: المثلان، وقد سبق (٩).\n﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ﴾ في سبب النزول: ابن عباس ﵄: حسدت اليهود مُقَامَ النبي -ﷺ- بالمدينة فقالوا: إن الأنبياء إنما بعثوا بالشام، فإن كنت نبيًّا فالْحَق بها فإنك إن خرجت إليها صدَّقناك وآمَّنا بك، فوقع ذلك في\n_________\n(١) سقط قوله (ولم يقع منه هم) من (أ)، وفي (د): (ليقع منهم ...).\n(٢) ذكره الرازي ٢١/ ١٧ عن الحسن.\n(٣) في (أ): (وهنا الهم).\n(٤) في (د): (وظاهر).\n(٥) في (ب): (لوجوب).\n(٦) في (أ): (ليوقعونك).\n(٧) انظر: «معاني القرآن» للزجاج ٣/ ٢٥٤.\n(٨) هذا قد يفهم من قول أبي عبيدة في تفسير الآية (٣٨) من سورة الأعراف ﴿عَذَابًا ضِعْفًا﴾ (أي: عذابين مضعف، فصار شيئين).\nانظر: «مجاز القرآن» لأبي عبيدة ١/ ٢١٤، هذا ما ظهر لي، والله أعلم. وقد ذكر الماوردي ٢/ ٢٢٢ أن القول بأن الضعف من أسماء العذاب هو لمجاهد.\n(٩) سبق أثناء تفسير الآية (٣٨) من سورة الأعراف.","vol":"1","page":1153},{"text":"قلبه لما يحب من إسلامهم، فرحل من المدينة مرحلة، فأنزل الله هذه الآية (١).\nعبد الرحمن بن غنم: إن اليهود أتوا نبي الله -ﷺ- فقالوا: إن كنت صادقًا أنك نبي فالحق بالشام فإن الشام أرض المحشر والمنشر (٢) وأرض الأنبياء، فَصَدَّقَ ما قالوا وغزا غزوة تبوك لا يريد بذلك إلا الشام، فلما بلغ تبوك أنزل الله عليه ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ﴾ (٣).\nمجاهد وقتادة والحسن: هَمَّ أهلُ مكة بإخراج النبي -ﷺ- من مكة فأمره الله بالخروج وأنزل هذه الآية إخبارًا عما هَمُّوا به (٤).\n﴿وَإِنْ كَادُوا﴾ إنْ مخففة من الثقيلة (٥)، واللام للفرق (٦)، وتقديره: وإن المشركين كادوا، ﴿لَيَسْتَفِزُّونَكَ﴾ يزعجونك ويستخفونك، ﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾ من مكة أو المدينة على ما سبق.\n_________\n(١) ذكره الواحدي في «أسباب النزول» (ص ٤٧٩) وفي «البسيط» (ص ٦٩٢) بدون إسناد، كما ذكره ابن الجوزي كذلك ٣/ ٧٢، وقال ابن كثير ٩/ ٤٩: (وهذا القول ضعيف؛ لأن هذه الآية مكية، وسكنى المدينة بعد ذلك).\n(٢) في (ب): (أرض الحشر والنشر).\n(٣) أخرجه الثعلبي (ص ٣٩١)، والبيهقي في «دلائل النبوة» ٥/ ٢٥٤، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» ١/ ١٧٨، وزاد السيوطي ٩/ ٤٠٩ نسبته لابن أبي حاتم، وقال ابن كثير ٩/ ٥٠: (في هذا الإسناد نظر، والأظهر أن هذا ليس بصحيح، فإن النبي -ﷺ- لم يغزُ تبوك عن قول اليهود، إنما غزاها امتثالًا لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾.\n(٤) أما قول مجاهد: فهو في «تفسيره» (ص ٤٤٠) وأخرجه كذلك الطبري ١٥/ ١٩ - ٢٠، وأما قول قتادة: فأخرجه عبدالرزاق ١/ ٣٨٣ - ٣٨٤، والطبري ١٥/ ١٩، وأما قول الحسن: فقد ذكره الواحدي في «أسباب النزول» (ص ٤٨٠)، وابن الجوزي ٥/ ٧٠.\n(٥) في (أ): (المحققة)، وفي (د): (المثقلة).\n(٦) الفرق بينها وبين (إن) النافية. انظر: «المعجم المفصل في النحو» ١/ ٢٥٠.","vol":"1","page":1154},{"text":"ويروى عن الحسن: يستفزونك: يقتلونك (١).\nوقيل: من الأرض: أرض العرب.\n﴿لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خلفك﴾ بعدك، و﴿خِلَافَكَ﴾ بمعناه (٢).\nوقيل: هو مصدر خالف، والمعنى: لخلافهم إياك.\n﴿إِلَّا قَلِيلًا (٧٦)﴾ هو مدة لبثهم إلى يوم بدر (٣).\nوقيل: إلى قتل بني قريظة وجلاء بني النضير.\n﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾ المبرد: استن بهم سنة من قبلك (٤)، كقوله: طَيَّ المِحْمَل (٥)، وتقدير الآية: سنتنا في أُمَمِ مَنْ قَدْ أرْسَلنَا، والدليل عليه قوله:\n﴿وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا﴾ ما حكمنا بكونه (٦) ﴿تَحْوِيلًا (٧٧)﴾ تغييرًا وتبديلًا.\n﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ أدمها (٧) واثبت عليها.\n﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ بعد دلوك الشمس، ومثله لخمسٍ خَلَون ولعشرٍ خَلَت، أي:\n_________\n(١) ذكره الماوردي ٣/ ٢٦١، ابن الجوزي ٥/ ٧٠.\n(٢) القراءة التي قدمها الكرماني هنا هي قراءة أبي جعفر ونافع وابن كثير وأبي عمرو وأبي بكر عن عاصم (خَلْفَك) بفتح الخاء وسكون اللام، وقرأ ابن عامر وحفص عن عاصم وحمزة والكسائي وخلف ويعقوب (خِلافك) بكسر الخاء وفتح اللام وبعدها ألف. انظر: «المبسوط» لابن مهران (ص ٢٣٠).\n(٣) هذا على قول من ذكر أنهم قريش، والقول الذي بعده على قول من ذكر أنهم اليهود.\n(٤) في (ب) سقطت كلمة (قبلك)، وفي (د): (... سنة من قوله طي المحمل ...).\n(٥) قال أبو كبير الهذلي:\nما إن يَمَسُّ الأرضَ إلَاّ مَنكِبٌ ... مِنْهُ وحَرْفُ السَّاقِ طيَّ المِحْمَلِ\nانظر: «المقتضب» للمبرد ٣/ ٢٠٤، وقال محققه الأستاذ عضيمة: يقول: إذا اضطجح لم يمس الأرض إلا منكبه وحرف ساقه؛ لأنه خميص البطن، فلا يصيب بطنه الأرض.\n(٦) في (ب): (ما حكمنا به).\n(٧) في (أ): (أدم واثبت عليها).","vol":"1","page":1155},{"text":"بعدهما.\nابن عباس في جماعة: دلوك الشمس: زوالها، والصلاة المأمور بها: الظهر (١).\nالخليل: دلوك الشمس: غروبها (٢)، وإليه ذهب ابن مسعود في جماعة (٣).\nأبو عبيدة: دلوكها: من عند زوالها إلى الليل (٤).\nالزجاج: دلوكها: زوالها للظهر وميلها للغروب (٥).\nابن عيسى: اشتقاقه من دلكت الشيء، لأن الناظر إليها يدلك عينيه في تبصرها ليدفع شعاعها (٦).\nقوله: ﴿إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾: إلى ظلمة (٧) الليل.\nمجاهد: غسق الليل: غروب الشمس (٨).\nابن جرير: غسق الليل: إقباله ودنوه بظلامه (٩).\n_________\n(١) أخرجه الطبري ١٥/ ٢٥، وابن المنذر في «الأوسط» ٢/ ٣٢٢ - ٣٢٣، عن ابن عباس، وأخرج عبدالرزاق ١/ ٣٨٤، والطبري ١٥/ ٢٥، ومالك في «الموطأ» (١٩) نحوه عن ابن عمر، وأخرجه الطبري ١٥/ ٢٥ - ٢٦ عن أبي برزة الأسلمي، كما رواه عن الحسن أيضًا.\n(٢) ذكر الخليل في «العين» ٥/ ٣٢٩: (دلكت الشمس دُلُوكًا: غربت، ويقال إن الدلوك زوالها عن كبد السماء أيضًا).\n(٣) أخرجه عن ابن مسعود: عبدالرزاق ١/ ٣٨٤، وابن أبي شيبة في «المصنف» (٦٢٧٧)، والطبري ١٥/ ٢٢ - ٢٣، كما أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (٦٢٨٢) عن علي، وأخرجه الطبري ١٥/ ٢٣ عن ابن عباس رواية أخرى.\n(٤) قال أبو عبيدة في «مجاز القرآن» ١/ ٣٨٧: (دلوك الشمس من عند زوالها إلى أن تغيب).\n(٥) انظر: «معاني القرآن» للزجاج ٣/ ٢٥٥.\n(٦) انظر: «الجامع في علوم القرآن» لعلي بن عيسى الرماني (ق ١٥٦/أ).\n(٧) سقطت كلمة (ظلمة) من (ب).\n(٨) أخرجه آدم في «تفسير مجاهد» (ص ٤٤٠)، والطبري ١٥/ ٣١.\n(٩) انظر: الطبري ١٥/ ٣٢.","vol":"1","page":1156},{"text":"ابن عيسى: ظهور الظلام، يقال: غسقت القرحة، إذا انفجرت وظهر ما فيها (١).\nو﴿إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ يريد صلاة المغرب والعشاء الآخرة.\nوقيل: غسق الليل: صلاة العصر.\n﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ عطف على الصلاة، أي: أقم القرآن وهو صلاة الفجر.\nالمبرد: أقم القرآن لصلاة الفجر (٢).\nالأخفش: نصب على الإغراء (٣).\n﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (٧٨)﴾ تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار (٤)، وفي الخبر: يشهده الله سبحانه ثم ملائكة الليل والنهار (٥).\nابن بحر: هذا للترغيب في حضور المساجد لها وشهود الجماعة لأجلها (٦).\n﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾ استيقظ، هَجَدَ: نام، وتَهَجَّدَ (٧): استيقظ، مثله: حنث وتحنث، والتهجد: ترك النوم للصلاة، فإن لم يُصَلِّ فليس بتهجد.\n_________\n(١) انظر: «الجامع في علوم القرآن» لعلي بن عيسى الرماني (ق ١٦٣/ب).\n(٢) ذكره الكرماني أيضًا في كتابه الآخر «غرائب التفسير» ١/ ٦٣٨ عن المبرد.\n(٣) انظر: «معاني القرآن» للأخفش ٢/ ٤٢٦ ولفظه: (أي: وعليك قرآن الفجر)، وينظر كذلك: «الدر المصون» للسمين الحلبي ٧/ ٣٩٨.\n(٤) أخرجه البخاري (٤٧١٧) ومسلم (١٥٠٥) من كلام أبي هريرة في تفسير الآية، ورواه الترمذي (٣١٣٥) مرفوعًا وصححه.\n(٥) قال أبو حيان ٦/ ٦٩: (وقال محمد بن سهل بن عسكر (مشهودًا) يشهده الله وملائكته، وذكر حديث أبي الدرداء أنه تعالى ينزل في آخر الليل) ثم قال أبو حيان: (والذي ينبغي، بل لا يعدل عنه ما فسره به الرسول -ﷺ-).\n(٦) ذكره الماوردي ٣/ ٢٦٢ عن ابن بحر.\n(٧) في (د): (... نام وهجد استيقظ ...).","vol":"1","page":1157},{"text":"قوله ﴿بِهِ﴾ أي: بالقرآن.\n﴿نَافِلَةً لَكَ﴾ فإن الله قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، وقيل: نافلة لا فرضا، والنافلة: ما ليس بواجب، وقيل: ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾: غنيمة لك.\nابن عيسى: النافلة: فعل ما فيه الفضيلة (١). وكان في حقه فرضًا فنسخ (٢).\nوقيل: معنى نافلة لك: عطاء لك خصوصًا.\n﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾ عسى من الله واجب.\nابن بحر: افعل ذلك راجيًا (٣) أن يعطيك مقامًا محمودًا، وتقديره: يبعثك ربك مبعثًا، فهو مصدر من غير لفظ الفعل السابق، وله أمثال، والمعنى: يبعثك محمودًا غير مذموم، وقيل: معناه: يقيمك ربك في مقام محمود، ويحتمل: يبعثك في مقام، فهو نصب على الظرف.\nوالمقام المحمود عند الجمهور: مقام الشفاعة، يحمده فيه الخلق.\nأبو هريرة ﵁ عن رسول الله -ﷺ- (٤): ﴿مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾: قال: (الشفاعة) (٥).\nوعن نافع عن ابن عمر ﵄ عن النبي -ﷺ- في قوله ﴿مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾ قال: (يدنيني فيقعدني معه على العرش)، وفي رواية: (يقعدني (٦) على الكرسي)، وفي رواية: (على السرير) (٧). ولفظ مع هاهنا كقوله ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [الأعراف: ١٠٦]، و﴿عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾ [التحريم: ١١]، والمراد به رفع المنزلة، والله سبحانه منزه عن المكان والنقلة والانتقال (٨).\n﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ يعني المدينة.\n﴿وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ يعني مكة (٩)، وذلك حين أمره بالهجرة منها إلى المدينة.\nوعن ابن عباس ﵄: أَمِتْني إماتة صدق وأخرجني بعد موتي من قبري يوم القيامة مخرج صدق (١٠).\nمجاهد: أدخلني في النبوة وأخرجني من تبليغ الرسالة (١١).\n_________\n(١) انظر: «الجامع في علوم القرآن» لعلي بن عيسى الرماني (ق ١٦٥/أ).\n(٢) في (د): (وقيل كان في حقه فرضًا ونسخ ومعنى نافلة لك ...).\n(٣) في (ب): (راجيًا من الله أن ...).\n(٤) حصل سقط في (ب) بعد قوله -ﷺ- من هذا الحديث إلى قوله -ﷺ- في حديث ابن عمر الآتي.\n(٥) أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (٣١٧٤٥)، وأحمد (٩٧٣٥) (١٠٢٠٠)، والترمذي (٣١٣٧)، والطبري ١٥/ ٤٧ - ٤٨، وغيرهم، وقال الترمذي: هذا حديث حسن.\n(٦) في (د): (يقعده).\n(٧) أخرجه الثعلبي (ص ٤١٢)، وعزاه السيوطي ٩/ ٤٢٣ لابن مردويه، وفي ٩/ ٤٢٦ - ٤٢٧ للديلمي، وقال الذهبي في كتاب «العلو» بعد أن ساق هذا القول لابن عباس: (ويروى مرفوعًا وهو باطل).\n(٨) هذه ألفاظ لم ترد في الكتاب والسنة، وهي تحتمل معاني صحيحة ومعاني باطلة، والأحسن في هذا الباب مراعاة ألفاظ النصوص، فيثبت ما أثبت الله ورسوله باللفظ الذي أثبته، وينفي ما نفاه الله ورسوله كما نفاه. وينظر للفائدة: «بيان تلبيس الجهمية» لشيخ الإسلام ابن تيمية ١/ ٦٢٢، و«الأصول التي بنى عليها المبتدعة مذهبهم في الصفات» ٣/ ٧٩، أما بالنسبة لمسألة تفسير العلماء للمراد بالمقام المحمود الوارد في الآية، فقد أورد الكرماني القولين المشهورين، وليس بينهما ولله الحمد تضاد أو اختلاف، ولا يلزم من أي منهما لوازم باطلة، بل كلاهما محتمل وداخل في معنى الآية، وهذا القول ذهب إليه جماعة من أهل العلم منهم على سبيل المثال: الطبري ١٥/ ٥١ - ٥٤، وشيخ الإسلام ابن تيمية كما في «مجموع الفتاوى» ٤/ ٣٧٤، وابن القيم كما في «بدائع الفوائد» ٤/ ٣٩ - ٤٠، والشيخ محمد بن إبراهيم كما في فتاواه ٢/ ١٣٦ (فتوى ٤٥١).\n(٩) في (د): (يعني من مكة).\n(١٠) أخرجه الطبري ١٥/ ٥٦، وعزاه السيوطي ٩/ ٤٢٨ - ٤٢٩ إلى ابن أبي حاتم أيضًا.\n(١١) أخرجه آدم في «تفسير مجاهد» (ص ٤٤١)، والطبري ١٥/ ٥٦.","vol":"1","page":1158},{"text":"وقيل: أدخلني مكة عام الفتح وأخرجني منها آمنًا.\nوقيل: إلى بدر وأخرجني منه.\nوقيل: أدخلني في الجنة وأخرجني من الدنيا (١).\nوقيل: في جميع أمور (٢) دنياه وآخرته.\nمعنى ﴿صِدْقٍ﴾ صلاح، تقول: رجل صدق، أي: صالح، ورجل سوء: طالح (٣).\nوقيل: صدق: مرضي.\nوقيل: المراد صدق الظن، أي: يصدق فيه ما يظن به من الخير.\n﴿وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا (٨٠)﴾ عزًّا وقوة (٤) لأقيم به دينك.\nمجاهد: حجة بينة (٥).\nالحسن: السلطان: السيف (٦).\n﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ﴾ الإسلام والدين.\n﴿وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾ الكفر والشرك.\nقتادة: جاء القرآن وهلك الشيطان (٧).\nمجاهد: ﴿الْحَقُّ﴾: الجهاد، و﴿الْبَاطِلُ﴾: الشرك (٨).\n_________\n(١) في (ب): (وأخرجني منها).\n(٢) في (د): (جميع أمر).\n(٣) في (ب): (أي طالح).\n(٤) في (د): (عّزًا وقدرة).\n(٥) أخرجه آدم في «تفسير مجاهد» (ص ٤٤١)، والطبري ١٥/ ٥٩.\n(٦) لعل الكرماني نقله عن الماوردي ٣/ ٢٦٧، حيث قال الماوردي أثناء حكاية الأقوال في معنى (سلطانًا نصيرًا): (الثالث: أن السلطة على الكافرين بالسيف، وعلى المنافقين بإقامة الحدود، قاله الحسن).\n(٧) أخرجه عبدالرزاق ١/ ٣٨٩، والطبري ١٥/ ٦١، وزاد السيوطي ٩/ ٤٣٠ نسبته لابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٨) هكذا نسب هذا القول لمجاهد، والمعروف أنه قول ابن جريج كما عند الطبري ١٥/ ٦١، والماوردي ٣/ ٢٦٧.","vol":"1","page":1159},{"text":"وقيل: طاعة الله ومعصيته.\nوروى ابن مسعود ﵁ أن النبي -ﷺ- دخل مكة يوم الفتح وحول الكعبة ثلاث مائة وستون صنمًا فجعل يطعنها بمخصرة في يده ويقول: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾ (١).\n﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (٨١)﴾ يبطل ويزول والحق يبقى ويدوم (٢)، وزهق: بطل، وزهقت نفسه: ماتت.\n﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ قيل: شفاء من كل سقام لما فيه من البركات، وقيل: من داء الضلال، وقيل: ﴿شِفَاءٌ﴾ عن داء الجهل ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ بيان وبركة وهدى.\nوأفاد دخول (مِنْ) أنه نزل نجمًا نجمًا وشيئًا شيئًا، وقيل: للتبعيض.\nوقيل: هو زيادة (٣) كقوله ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥].\nوقيل: للتبيين.\n﴿وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢)﴾ هلاكًا لتكذيبهم إيَّاه، فيزداد خسارهم.\n﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ بالمال والصحة والأمن.\n﴿أَعْرَضَ﴾ يريد الكافر، وقيل: عام.\nوقيل: نزلت في الوليد بن المغيرة، أي: أعرض عن ذكر ما كان فيه من السقم\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٢٤٧٨)، ومسلم (١٧٨١).\n(٢) في (أ): (ويبقى الحق ويدوم).\n(٣) سبق التعليق على قول المؤلف عن بعض أحرف القرآن الكريم أو كلماته إنها زيادة، وذكرت أنه كان ينبغي اجتناب مثل هذا اللفظ، فانظر التعليق على تفسير الآية (٤) من سورة الأنعام.","vol":"1","page":1160},{"text":"والضرر والفقر قبل ذلك (١).\n﴿وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ ﴿وَنَأَى﴾ بَعُدَ بنفسه عن القيام بحقوق نِعَمِ الله وأعرض عن الدعاء والابتهال.\nوقيل: ﴿وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾: أُعْجِبَ بنفسه، لأن المعجب متباعد (٢) عن الناس.\n﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ﴾ الفقر والخوف (٣) والمرض.\n﴿كَانَ يَئُوسًا (٨٣)﴾ قنوطًا من الرَّوْحِ والفَرَج.\n﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ ابن عباس: طبيعته (٤).\nوقيل: على (٥) عادته، وقيل: على أخلاقه.\nابن زيد: على دينه (٦).\nقتادة: نيته (٧).\nوقيل: ناحيته وطريقته.\nوالشاكلتان ظَاهِرُ الطَّفْطَفَتَيْنِ (٨) مِنْ أَدْنَى مَبْلَغِ القُصَيْرَى مِنْ جانبي البطن،\n_________\n(١) الصحيح أن الآية عامة، والقول بأن الآية نزلت في الوليد هو قول ابن عباس كما نقله عنه الواحدي في «البسيط» (ص ٧١٥) ولكنه بلفظ: يريد الوليد بن المغيرة، فلعل ابن عباس أراد ضرب المثال لا تبيان سبب النزول.\n(٢) في (ب): (مباعد).\n(٣) في (ب): (الخوف والفقر).\n(٤) أخرجه الطبري ١٥/ ٦٦ بلفظ: على ناحيته، وذكره الماوردي ٣/ ٢٦٩ بمثل ما ذكره المؤلف.\n(٥) سقطت (على) من (ب).\n(٦) أخرجه الطبري ١٥/ ٦٦، وذكره الماوردي ٣/ ٢٦٩.\n(٧) في (ب): (على نيته).\nوقول قتادة: أخرجه الطبري ١٥/ ٦٦، وتصحف عند الماوردي ٣/ ٢٦٩: بيته، وذكره الثعلبي (ص ٤٢٣) ونسبه لقتادة والحسن.\n(٨) في (أ): (ظاهر بالطفطفتين).\nوالطفطفة: الخاصرة، والقُصَيْرَى: أسفل الأضلاع، وقيل: هي التي تلي الشاكلة. انظر: «اللسان» (شكل) و(قصر).","vol":"1","page":1161},{"text":"والشاكلة: الدين.\nوقيل: على قدر قوته وضعفه وشبابه وهرمه، والكل يعود إلى معنى (١) الشكل، وهو المِثْل.\nوقيل: إلى شاكلته، إلى (٢) ما هو أشكل بالصواب وأولى بالحق عنده.\nوقيل: على عادته (٣) التي ألفها.\n﴿فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا (٨٤)﴾ أصوب طريقًا وأصح مذهبًا، فينبغي أن يقارب الخير ويجانب الشر.\n﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ في سبب النزول عن البخاري ومسلم عن ابن عباس: قالت قريش لليهود: أعطونا شيئًا نسأل عنه الرجل، فقالوا: سلوه عن الروح فنزلت (٤) الآية (٥).\nوقال المفسرون (٦): إن اليهود اجتمعوا فقالوا لقريش: سلوا محمدًا عن الروح وعن فتيةٍ فُقِدُوا في أول الزمان، وعن رجل بلغ شرق الأرض وغربها، فإن أجاب في ذلك كله فليس بنبي وإن لم يجب في ذلك كله فليس بنبي وإن أجاب في بعض ذلك وأمسك عن بعض فهو نبي، فسألوه عنها فأنزل في شان الفتية: ﴿أَمْ حَسِبْتَ\n_________\n(١) سقطت (معنى) من (د).\n(٢) في (ب): (وإلى) بزيادة الواو.\n(٣) في (ب): (على عادتها ...).\n(٤) في (د) سقطت (عن)، وفي (ب): (فنزلت هذه الآية).\n(٥) الذي في البخاري (١٢٥)، ومسلم (٢٧٩٤) هو عن عبدالله بن مسعود، وأما الذي عن ابن عباس فقد أخرجه أحمد (٢٣٠٩)، والترمذي (٣١٤٠)، والحاكم ٢/ ٥٣١، وصححه الترمذي.\n(٦) هذا نقله الواحدي في «أسباب النزول» (ص ٤٨١ - ٤٨٢) عن المفسرين، وذكر ابن الجوزي ٥/ ٨١ أنه قول ابن عباس ﵄.","vol":"1","page":1162},{"text":"أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ﴾ [الكهف: ٩]، وأنزل في الرجل: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾ [الكهف: ٨٣]، وأنزل في الروح: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ [الإسراء: ٨٥]. واختلف (١) في المراد بالروح المسؤول عنها.\nقتادة: هو جبريل (٢).\nوعن (٣) علي وابن عباس ﵄ أيضًا (٤): هو ملك له سبعون ألف وجه، لكل وجه سبعون ألف لسان، لكل لسان سبعون (٥) ألف لغة، يسبح الله بتلك اللغات كلها، يخلق من كل تسبيحة ملك يطير مع الملائكة إلى يوم القيامة (٦).\nالحسن: عن القرآن: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ أي: وحي ربي، قال: ويدل عليه الآيتان بعدها (٧).\nأبو عبيدة (٨): خلق كخلق بني آدم في السماء كهيئة الناس يأكلون ويشربون وليسوا من الناس.\nمجاهد: الروح خلق على صورة بني آدم، وما ينزل من السماء ملك (٩) إلا ومعه واحد من الروح (١٠).\nوقيل: هي التي يحيا بها الحيوان.\nعلي بن عيسى: الروح جسم رقيق هوائي في كل جزء (١١) من الحيوان، قال: وكل حيوان هو (١٢) روح وبدن (١٣).\n﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ قيل: من خلق ربي.\nوقيل: من وحي ربي.\nوقيل: من أمر ربي لأنه مما لم يطلع عليه أحدًا.\n﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ قيل: خطاب للذين سألوه عن الروح، وقيل: لليهود (١٤).\nوقيل: بل هو عام في جميع الخلق.\n﴿إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ من العلم، ويحتمل: إلا قليلًا (١٥) منكم، وهم العلماء، وإنما لم يجابوا ليوافق ما في كتابهم.\nوقيل: لأن معرفته بالعقل دون السمع.\n_________\n(١) في (ب): (واختلفوا).\n(٢) أخرجه الطبري ١٥/ ٧٠ - ٧١، ونقله الثعلبي (ص ٤٢٦)، وابن الجوزي ٥/ ٨٢ عن الحسن وقتادة، ولعل الحسن له قولان كما سيأتي.\n(٣) سقطت (وعن) من (ب).\n(٤) سقطت (أيضًا) من (ب).\n(٥) سقطت (سبعون) من (ب).\n(٦) أما رواية علي فهي عند الطبري ١٥/ ٧١، وأبي الشيخ في «العظمة» (٤٠٨)، والثعلبي (٤٢٦)، والبيهقي في «الأسماء والصفات» (٧٨١) وإسناده ضعيف فيه رجل مجهول. وأما رواية ابن عباس فليست مثل رواية علي ولكنها بمعناها، فعند أبي الشيخ في «العظمة» (٤٠٩) وعزاه السيوطي ٩/ ٤٣٣ لابن المنذر وابن أبي حاتم: (هو ملك واحد له عشرة آلاف جناح، جناحان منها ما بين المشرق والمغرب، له ألف وجه، في كل وجه له ألف لسان وعينان وشفتان يسبحان الله إلى يوم القيامة).\n(٧) ذكره الماوردي ٣/ ٢٦٩، وان الجوزي ٥/ ٨٢ عن الحسن، ولعل مقصود الحسن أن الآيتين التي بعد هذه الآية تتحدثان عن القرآن أيضًا.\n(٨) في (د): (أبو عبيد)، ولم أجد هذا القول عن أبي عبيدة ولا عن أبي عبيد.\n(٩) في (ب): (وما ينزل ملك من السماء إلا ومعه ...).\n(١٠) هذا قول ابن عباس كما ذكره الثعلبي (ص ٤٢٧)، وقال ابن الجوزي ٥/ ٨٢: رواه مجاهد عن ابن عباس، وهو في تفسير آدم بن أبي إياس «تفسير مجاهد» (ص ٦٩٦) من طريق مجاهد عن ابن عباس ﵃.\n(١١) في (ب): (في كل جسم من الحيوان).\n(١٢) في (د): (فهو).\n(١٣) انظر: «الجامع في علوم القرآن» لعلي بن عيسى الرماني (ق ١٦٧/ب - ق ١٦٨/أ).\n(١٤) في (ب): (وقيل عن اليهود).\n(١٥) سقطت (إلا قليلًا) من (ب).","vol":"1","page":1163},{"text":"وقيل: لأنهم (١) سألوه سؤال تعنُّت.\nوقيل: لأن هذا من كلام الفلاسفة لا من كلام الأنبياء.\nوقيل: قد أجابهم لأنهم سألوا (٢): أقديم هو أم محدث، فقال: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾، أي: من خلقه، فهو محدث (٣).\n﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ يعني القرآن، بأن نمحوه عن قلبك.\nالزجاج: لو شئنا لمحونا هذا القرآن عن قلبك (٤).\n﴿ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا (٨٦)﴾ ثم لا تجد من تَكِلُ إليه رَدَّهُ إليك.\nوقيل: الوكيل هاهنا (٥) بمعنى الكفيل، أي: كفيلًا يضمن لك أن يأتيك بما أُخِذَ منك.\nوقيل: مَنْ يَمْنَعُنَا من ذلك وينصرك فيحول بيننا وبين ما نفعله.\n﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ لكن رحمة منا أدركتكَ فبقي في قلبك وفي قلوب المؤمنين.\nابن جرير: لكنه لايشاء (٦) ذلك رحمة من ربك وتفضُّلًا (٧).\n_________\n(١) في (د): (لأنه).\n(٢) في (ب): (لأنهم قد سألوه أقديم ...).\n(٣) كان الأولى بالمؤلف وغيره من المفسرين الذين خاضوا في مثل هذه الأقوال الوقوف عند الآية كما قال ابن الجوزي: (فأما السلف: فإنهم أمسكوا عن ذلك، لقوله تعالى: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾، فلما رأوا أن القوم سألوا عن الروح فلم يُجابوا، والوحي ينزل والرسول حي، علموا أن السكوت عما لم يُحَطْ بحقيقة علمه أولى).\n(٤) قال الزجاج في «معاني القرآن» ٣/ ٢٥٨: (أي: لو شئنا لمحوناه من القلوب ومن الكتب حتى لا يوجد له أثر).\n(٥) سقطت (هاهنا) من (ب).\n(٦) في (ب): (ابن جرير لإنشاء ذلك ...).\n(٧) انظر: «جامع البيان» للطبري ١٥/ ٧٥.","vol":"1","page":1164},{"text":"﴿إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا (٨٧)﴾ حين أرسلك نبيًّا وأنزل عليك كتابًا.\n﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾ معينًا يعاون بعضهم بعضًا عليه.\nفي سبب النزول أن أحبار اليهود قالوا: إن كنت نبيًا فأتنا بآية كآية موسى، فإن القرآنَ وإن عَجِزَ عن الإتيانِ بمثلهِ حاضروكَ فلعل في الغائبينَ من لا يعجزُ عنه، فأنزل ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ﴾ (١).\nالحسن: الملائكة منويون أيضًا في الآية (٢)، لأنهم لا يقدرون أيضًا على الإتيان بمثل القرآن (٣).\nويحتمل أنه إنما اقتصر على ذكر الإنس والجن لأنه -ﷺ- كان مبعوثًا إلى الثقلين دون الملائكة.\n﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ﴾ ذكرنا وبيَّنا.\n﴿فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ من كل صنف (٤) من الترغيب والترهيب وأنباء الأولين والآخرين وذكر الجنة والنار.\nوقيل: من كل مثل من الأمثال التي يجب الاعتبار بها.\nوقيل: ليس المراد بالمثل هاهنا الكلمة السائرة، إنما المراد من كل شيء ونوع من الكلام.\n﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ﴾ أكثر أهل مكة.\nوقيل: أراد أكثر الناس في ذلك الوقت.\n_________\n(١) أخرجه الطبري ١٥/ ٧٦، وعزاه السيوطي ٩/ ٤٤١ لابن إسحاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس، وقال ابن كثير ٩/ ٧٧: (وفي هذا نظر؛ لأن هذه السور مكية، وسياقها كله مع قريش، واليهود إنما اجتمعوا به في المدينة، فالله أعلم).\n(٢) في (ب): (الملائكة أيضًا منويون في الآية).\n(٣) ذكره الكرماني في كتابه الآخر «غرائب التفسير» ١/ ٦٤١.\n(٤) في (أ): (من كل صفة).","vol":"1","page":1165},{"text":"﴿إِلَّا كُفُورًا (٨٩)﴾ لأنهم اقترحوا الآيات بعد ظهور المعجزات.\n﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠)﴾ في سبب النزول: روى عكرمة عن ابن عباس ﵄: أنَّ عتبةَ، وشيبةَ، وأبا سفيانَ، والنضر بن الحارث، وأبا البَخْتَرِيّ، والوليد بن المغيرة، وأبا جهل، وعبدالله بن أمية، وأمية بن خلف ورؤساء قريش (١) اجتمعوا عند ظهر الكعبة، فقال بعضهم لبعض: ابعثوا\nإلى محمد فكلموه وخاصموه حتى تُعْذِروا فيه، فبعثوا إليه: إنَّ أشراف قومك\nقد اجتمعوا إليك ليكلموك، فجاءهم سريعًا وهو يظن أنه بدا لهم في أمره\nبَداءٌ، وكان عليهم حريصًا يحب رشدهم، ويَعِزُّ عليه عَنَتُهُم، حتى جلس إليهم فقالوا: يا محمد، إنا والله لا نعلم رجلًا من العرب أدخلَ على قومه ما أدخَلْتَ على قومك، لقد شتمت الآباء، وعِبتَ الدِّين، وسَفَّهتَ الأحلام، وشتمت الآلهة، وفرَّقت الجماعة، وما بقي أمر قبيح إلا وقد (٢) جئته فيما بيننا وبينك، فإن كنت تطلب مالًا جعلنا لك من أموالنا ما تكون به أكثرنا مالًا، وإن كنت تطلب الشرف فينا سوَّدْناك علينا، وإن كنت تريد ملكًا ملَّكناك علينا، وإن كان (٣) الرِّئيُّ (٤) يأتيك وقد غلب عليك (٥) بذلنا أموالنا في طلب الطبِّ لك حتى نبريك منه أو نُعْذِرَ فيك، فقال -ﷺ-: (ما بي ما تقولون، ما جِئتُكُم بما جئتكم به أطلبُ أموالكم ولا الشرف فيكم، ولا الملك عليكم، ولكن الله بعثني إليكم رسولًا، وأنزل عليَّ كتابًا، وأمرني أن أكون لكم بشيرًا ونذيرًا فبلغتكم رسالة رَبِّي، ونصحتُ لكم، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظُّكم في الدنيا والآخرة، وإن تردُّوه عليَّ أصْبِر لأمْرِ الله حتى يحكُمَ الله بيني وبينكم) قالوا: يا محمد، فإن كنتَ غيرَ قابلٍ منَّا ما عرضنا عليك (٦) فقد علمت أنه ليس أحدٌ من الناس أضيق بلادًا ولا أقل مالًا (٧) ولا أشد عيشًا منا، فسل لنا ربك الذي بعثك بما بعثك فَلْيُسيِّر عنا هذه الجبالَ التي قد ضيَّقت علينا ويبسط لنا بلادنا ولْيُجْرِ فيها أنهارًا كأنهار الشام والعراق، وليبعث لنا من مضى من آبائنا، وليكن ممن تبعث لنا منهم قُصَيّ بن كلاب فإنه كان شيخًا صدوقًا فنسألهم عما تقول أحق هو أم باطل؟ فإن صنعت ما سألناك صدقناك وعَرَفْنَا به منزلتك عند الله وأنه بعثك رسولًا كما تقول، فقال -ﷺ-: (ما بهذا بُعثتُ، إنما جئتُكُم من عند الله بما بعثني به، فقد (٨) بلغتكم ما أرسلت به، فإن تقبلوه فهو حظُّكم وإن تردوه أَصْبِر لأمر الله)،\n_________\n(١) هنا حصل سقط في نسخة (د) فبعد قوله (قريش) انتقلت النسخة إلى سورة الكهف (وثامنهم كلبهم)، وبذلك سيكون العمل على نسختين فقط إلى نهاية سورة الإسراء.\n(٢) في (ب): (إلا جئته).\n(٣) سقطت (كان) من (ب).\n(٤) الرَّئِيُّ والرِّئِيُّ: الجنِّي يراه الإنسان ويعتاده ويؤالفه. انظر: «اللسان» (رأى).\n(٥) قوله: (وقد غلب عليك) لم يرد في (أ)، وهو في (ب) ومصادر التخريج.\n(٦) سقطت (عليك) من (أ)، وهي في (ب) ومصادر التخريج.\n(٧) في (ب): (بلادًا منا)، وفي (أ): (أقل ماء)، وسقطت (منا) من (ب) في قوله (عيشًا منا).\n(٨) في (ب): (وقد).","vol":"1","page":1166},{"text":"قالوا: فإن لم تفعل هذا فسل ربك أن يبعث ملكًا يُصَدِّقُك وسله فيجعل لك جنانًا وكنوزًا وقصورًا من ذهب وفضة، ويغنيك بها عما نراك، فإنك تقوم في الأسواق وتلتمسُ المعاش، فقال -ﷺ-: (ما أنا بالذي يسألُ ربَّهُ هذا، وما بُعثتُ إليكم بهذا، ولكنَّ الله بعثني بشيرًا ونذيرًا)، قالوا: فأسقط علينا السماء كما زعمت أنَّ ربكَ إنْ شاءَ فَعَلَ، وقال قائل منهم: لن نؤمن لك حتى تأتينا بالله والملائكة قبيلًا، وقام (١) عبدالله بن أبي أمية المخزومي وهو ابن عاتكة بنت عبدالمطلب ابن عمة النبي -ﷺ- وقال (٢): لا أؤمن بك أبدًا حتى تتخذ إلى السماء سلمًا ثم ترقى فيه (٣) وأنا أنظر حتى تأتيها، وتأتي بنسخةٍ منشورةٍ معك ونفر من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقول، وانصرف رسول الله -ﷺ- إلى أهله حزينًا لما فاته من متابعة قومه ولما رأى من مُبَاعَدَتهم عنه، فأنزل الله ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠)﴾ (٤) الآيات (٥).\nومعنى ﴿تَفْجُرَ﴾: تُشَقِّقَ، والفَجْرُ: الشَّقُّ، والتفجير للمبالغة، ﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾ من مكة ﴿يَنْبُوعًا (٩٠)﴾ عينًا تنبع منها الماء، مَفْعُولٌ من نَبَع.\nابن عيسى: الينبوع: عين تنبع بالماء، أي: تفور (٦).\nقتادة: نهرًا يجري بمكة (٧).\n﴿أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ﴾ حائط وبستان.\n﴿مِنْ نَخِيلٍ﴾ جمع نَخْلٍ، كعبد وعبيد وكلب وكليب.\n﴿وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ﴾ جمع نَهْر.\n_________\n(١) في (أ): (وقال).\n(٢) سقطت (وقال) من (أ).\n(٣) في (ب): (ترقى إليه).\n(٤) سقط من (ب) قوله: (الآيات ومعنى) إلى قوله: (من مكة ينبوعًا) في السطر التالي.\n(٥) أخرجه الطبري ١٥/ ٨٧ - ٩٠، وزاد السيوطي ٩/ ٤٤٢ - ٤٤٦ نسبته لابن إسحاق وابن المنذر وابن أبي حاتم، وذكره ابن هشام ١/ ٣٦٤ عن ابن إسحاق.\n(٦) انظر: «الجامع في علوم القرآن» لعلي بن عيسى الرماني (ق ١٧٠/أ).\n(٧) أخرجه الطبري ١٥/ ٧٨، وزاد السيوطي ٩/ ٤٤٦ - ٤٤٧ نسبته لابن أبي حاتم.","vol":"1","page":1167},{"text":"﴿خِلَالَهَا﴾ وسطها.\n﴿تَفْجِيرًا (٩١)﴾ مرة بعد أخرى.\n﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ﴾ كما زعمت ﴿عَلَيْنَا كِسَفًا﴾ عنوا به قوله ﴿أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [سبأ: ٩]، فطالبوه به استهزاء: أو تسقط السماء كسفًا (١) علينا. تقول: كَسَفْتُ الشيء: غَطَّيْتُهُ.\nوقيل: قِطَعًا بالعذاب، تقول: كَسَفْتُهُ: قَطَعْتُهُ أيضًا، والكِسَفُ بالفتح: جَمْعٌ، وبالسكون واحد، كالذِّبْح والطِّحْن، وهو نَصْبٌ حالٌ من السماء.\n﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢)﴾ قيل: ضمينًا، من القَبَالَة (٢)، وهي الضمان، وقيل: ﴿قَبِيلًا (٩٢)﴾: مقابلة معاينة، وقيل: ﴿قَبِيلًا (٩٢)﴾: شهيدًا، وقيل: مجتمعين اجتماع القبائل، وقيل: ﴿قَبِيلًا (٩٢)﴾: كفيلًا على صدق دعواك ووفائك بالوعد والوعيد.\n﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ﴾ من ذهب.\nالزجاج: الزخرف: الزِّينة (٣).\nمجاهد: كنا لا ندري ما الزخرف حتى رأينا في قراءة ابن مسعود ﵁: بيت من ذهب (٤).\n﴿أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ﴾ أي: تصعد إليها.\n_________\n(١) في (ب): (طبقا علينا).\n(٢) في (أ): (من المقابلة).\n(٣) انظر: «معاني القرآن» للزجاج ٣/ ٢٦٠.\n(٤) أخرجه عبدالرزاق ١/ ٣٩٠، وأبو عبيد في «فضائل القرآن» (ص ٣٠٣)، والطبري ١٥/ ٨٥، وقراءة ابن مسعود مذكورة في الشواذ لمخالفتها الرسم.","vol":"1","page":1168},{"text":"﴿وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ﴾ هذا قول عبدالله بن أبي (١) أمية، قال: لن نؤمن لك حتى تنزل علينا كتابًا من السماء فيه: من رب العالمين إلى عبدالله بن أبي أمية أني قد أرسلت محمدًا نبيًا فآمن به وصدقه، ووالله لو أتيتني به أيضًا لما آمنت بك ولا صدقتك (٢).\n﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (٩٣)﴾ أي: لو قدرت على ما تريدون لكنت إلهًا، والله منزه عن الشريك ولست أنا إلا آدميًّا (٣) مثلكم خصني من بينكم بالرسالة فأرسلني إليكم. ومن قرأ (قال) (٤)، أي: قال محمد مجيبًا لهم.\n﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا﴾ أي: ما منع الناس من الإيمان.\n﴿إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى﴾ النبي والقرآن.\n﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ إلا قولهم.\n﴿أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (٩٤)﴾ أنكروا أن يكون الرسول من جنسهم، أي: هَلَاّ بعث ملكًا، وجهلوا أن التجانس يورث التوانس والتخالف يقتضي التنافر.\n﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ﴾ بدل الآدميين.\n﴿يَمْشُونَ﴾ كما يمشي بنو آدم.\n﴿مُطْمَئِنِّينَ﴾ مستوطنين الأرض، وقيل: مطمئنين غير خائفين من الله.\n﴿لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا (٩٥)﴾ أي: من جنسهم ليكونوا منه\n_________\n(١) سقطت (أبي) من (أ).\n(٢) هذا جزء من الأثر الوارد قبل قليل في أثناء تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾، وورد عند الطبري ١٥/ ٩٠: (وايمُ الله، لو فعلت ذلك لظننتُ ألا أصدقك).\n(٣) في (ب): (ولست إلا آدميًا).\n(٤) قرأ ابن كثير وابن عامر (قال سبحان ربي) بالألف على الخبر، وقرأ باقي العشرة (قل) على الأمر). انظر: «المبسوط» لابن مهران (ص ٢٣١).","vol":"1","page":1169},{"text":"أقبل وإليه أسرع.\n﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ في التفسير: فقالوا: ومن يشهد لك أنك رسول الله، فنزل: ﴿قُلْ﴾ يا محمد ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ (١).\n﴿بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ بأني رسوله، وقيل: المعنى: إني أُشْهِدُ الله على أني بلغتكم ما أمرني بتبليغه واجتهدت وأنكم كفرتم ليشهد لي (٢) عليكم يوم القيامة.\n﴿إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا﴾ بما كان ﴿بَصِيرًا (٩٦)﴾ بما يكون.\n﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾ من وفقه الله للإيمان فهو الذي اهتدى وأصاب الرشاد.\n﴿وَمَنْ يُضْلِلْ﴾ يخذله.\n﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ﴾ أي: وليًا يهديه.\n﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ قيل: يسحبون عليها.\nوقيل: يمشون عليها (٣).\nوقيل: المراد به الإسراع بهم إلى النار، تقول العرب: قد مر القوم على وجوههم، إذا أسرعوا.\n﴿عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾ ابن جرير: حين يخرجون من قبورهم يكونون بهذه الصفة ثم يرون وينطقون ويسمعون (٤).\nوقيل: هذه بعد الفراغ من الحساب يجرون على وجوههم إلى النار بهذه الصفة.\n_________\n(١) ذكره الزجاج في «معاني القرآن» ٣/ ٢٦١، وأبو الليث السمرقندي في تفسيره ٢/ ٣٢٩.\n(٢) في (ب): (ليشهدني).\n(٣) قوله (وقيل يمشون عليها) لم يرد في (أ).\n(٤) انظر: «جامع البيان» للطبري ١٥/ ٩٣.","vol":"1","page":1170},{"text":"ابن عباس والحسن (١) ﵃: ﴿عُمْيًا﴾ لا يرون شيئا يسرهم ﴿وَبُكْمًا﴾ لا ينطقون بحجة ﴿وَصُمًّا﴾ لا يسمعون ما يسرهم (٢).\nوقيل: ذلك في بعض الأوقات وبعض الأماكن.\nويروى عن النبي -ﷺ-: (إن أهل الموقف ثلاثة أثلاث، فثلث على الدواب وثلت ينسلون (٣) على أقداهم نسلًا وثلث على وجوههم)، فقيل: كيف يمشون على وجوههم، فقال: (إن (٤) الذي أمشاهم على أقدامهم قادر على (٥) أن يمشيهم على وجوههم) (٦).\n﴿مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ﴾ أي: عن اللهب مع بقاء حَرِّهَا وأصلها.\n﴿زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا (٩٧)﴾ توقدًا، فلا تفتر أبدًا.\nالضحاك: إذا أحرقتهم فصاروا جمرًا، تتوهج، فذلك خبوها، خلقوا لها خلقًا جديدًا (٧).\nوقيل: كلما خَبَتْ بعض النيران اشتعلت بهم نار أخرى من جهة أخرى، فهم\n_________\n(١) في (أ): (والحسين)، والتصويب من (ب) وتفسير الماوردي ٣/ ٢٧٥.\n(٢) أما قول ابن عباس ﵄ فقد أخرجه الطبري ١٥/ ٩٣ - ٩٤، وأما قول الحسن فقد أورده الماوردي ٣/ ٢٧٥، وذكر هود الهواري في تفسيره ٢/ ٤٤٤ نحوه عن الحسن كذلك.\n(٣) سقطت (ينسلون) من (ب).\n(٤) سقطت (إن) من (ب).\n(٥) سقطت (على) من (ب).\n(٦) أخرجه أبو داود الطيالسي (٢٦٨٩)، وإسحاق بن راهويه في «المسند» (١٢٨) (١٢٩)، وأحمد (٨٦٣٢)، والترمذي (٣١٤٢) وحسنه، ولعله لشواهده وإلا فإن إسناده ضعيف، أما آخر الحديث فله شاهد عند البخاري (٤٧٦٠) من حديث أنس ﵁.\n(٧) ذكر الماوردي ٣/ ٢٧٥ نحوه عن الضحاك مختصرًا، وأخرج الطبري ١٥/ ٩٦ عنه: سكنت، وأخرج عن ابن عباس ﵄ مثل ما ذكر أعلاه عن الضحاك.","vol":"1","page":1171},{"text":"معذبون بنار بعد نار.\n﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (٩٨)﴾ أي: ذلك العذاب، وقيل: ذلك العمى والصمم والخرس بسبب أنهم كفروا بمحمد وأنكروا البعث والنشور، وقد سبق تفسيره (١).\n﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ أولم يعلموا، أي: هم يعلمون.\n﴿أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ أي: هم مُقِرُّون بأن الله خالق السموات والأرض وخالقهم ابتداء ومميتهم، فَلِمَ أنكروا الإعادة.\n﴿وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ يعني الموت، فيه تقديم وتأخير، وتقديره: خلق السموات والأرض وجعل لهم أجلًا لا ريب فيه قادر على أن يخلق مثلهم.\n﴿فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا (٩٩)﴾ أي: فأبوا إلا (٢) الكفر عن علم منهم.\n﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي﴾ قيل: خزائن الرزق.\nوقيل (٣): الرحمة هاهنا المال.\n﴿إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ﴾ أي: لبخلتم وأمسكتم عن الصدقة، وقيل: ما جدتم بها كجود الله سبحانه.\nوالإنفاق: الفقر، قاله أبو عبيدة (٤)، أملق وأنفق وأعدم وأصرم بمعنى.\nوقيل: خشية أن يفنيه الإنفاق.\n﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا (١٠٠)﴾ بخيلًا، ومن كان جوادًا عند الناس فهو بخيل عند\n_________\n(١) سبق أثناء تفسير الآية (٤٩) من هذه السورة.\n(٢) سقطت (إلا) من (ب).\n(٣) قوله (الرزق وقيل) سقط من (ب).\n(٤) نقله أبو حيان ٦/ ٨٢، ونقل ابن عادل ١٢/ ٣٩٧ عن أبي عبيدة: هو بمعنى الافتقار والإقتار.","vol":"1","page":1172},{"text":"الله (١) بالإضافة إلى الله سبحانه، لأنه قال ﴿خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي﴾.\nالزجاج: هذا جواب لقولهم ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا﴾ (٢).\nوقيل: ابتداء بوصفهم بالبخل، وقيل: متصل بحسدهم على سول الله -ﷺ- وبخلهم بعطاء الله عندهم.\n﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ علامات واضحات، ووزن بيِّنَة: فَيْعِلَة (٣)، من: بان الشيء يبين.\nعطاء: هي العصا ويده والطوفان والجراد (٤) والقمل والضفادع والدم والسنون لأهل البوادي ونقص من الثمرات (٥).\nالحسن: السنون ونقص الثمرات واحدة والتاسعة تلقف العصا ما يأفكون (٦).\nابن عباس: التاسعة إزالة العقدة التي كانت بلسانه (٧).\nوقيل: اليد والعصا والحجر الذي انفجرت منه العيون وانفلاق البحر والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم.\nوروى صفوان: أن يهوديًا أتى النبي -ﷺ- فسأل (٨) عنها، فقال: (أن لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا ولا تزنوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تسحروا، ولا تأكلوا الربا، ولا تمشوا ببريءٍ إلى ذي (٩) سلطان ليقتله، ولا تقذفوا محصنة ولا تفروا من الزحف ولا تعدوا في السبت) فَقَبَّل اليهوديُّ يَدَ النبي -ﷺ- ورجلَه (١٠).\n﴿فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ﴾ أي: سل يا محمد إذ جاءهم، أي: سلهم عما جرى بين موسى وفرعون وآله إذ جاءهم، لابد من (١١) الإضمار؛ لأن سَلْ لا يصح عاملًا في إذ.\nوقيل: هو خطاب لموسى ﵇ على تقدير: فقلنا (١٢) سل بني إسرائيل، أي: سل فرعون إطلاق بني إسرائيل، حكاه أقضى القضاة (١٣)، وفيه ضعف لقوله\n_________\n(١) سقط قوله (عند الله) من (ب).\n(٢) انظر: «معاني القرآن» للزجاج ٣/ ٢٦١.\n(٣) في (أ): (فعيلة).\n(٤) سقطت (والجراد) من (ب).\n(٥) أخرجه الطبري ١٥/ ١٠١ عن عطاء، ولكنه ذكر سبعًا ثم قال ابن جريج وهو الراوي عن عطاء: وقال مجاهد مثل قول عطاءٍ وزاد ﴿أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ [الأعراف: ١٣٠] قال: هما التاسعتان، ويقولون: التاسعتان، السنين، وذهاب عُجمة لسان موسى.\nوقال الثعلبي (ص ٤٣٧): إنَّ هذا هو قول: عكرمة ومطر الوراق وقتادة ومجاهد والشعبي وعطاء ﵏.\n(٦) أخرجه عبدالرزاق ١/ ٣٩١، والطبري ١٥/ ١٠٢ عن الحسن.\n(٧) هذه الرواية ذكرها الثعلبي (ص ٤٣٧) عن ابن عباس والضحاك، وذكرها ابن الجوزي ٥/ ٩٢ من رواية العوفي عن ابن عباس.\n(٨) في (ب): (فسأل النبي عنها).\n(٩) سقطت (ذي) من (أ).\n(١٠) أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (٣٦٥٤٣)، وأحمد (١٨٠٩٢)، والترمذي (٣١٤٤)، وابن ماجه (٣٧٠٥ - مختصرًا)، والطبري ١٥/ ١٠٣، وغيرهم، وقال النسائي في «السنن الكبرى» (٣٥٢٧) بعد إخراج الحديث: (هذا حديث منكر)، وضعفه الألباني، ومحققو المسند، وقال ابن كثير ٩/ ٨٨ عن أحد رواته، وهو عبدالله بن سلمة: (في حفظه شيء، وقد تكلموا فيه، ولعله اشتبه عليه التسع الآيات بالعشر الكلمات، فإنها وصايا في التوراة لا تعلق لها بقيام الحجة على فرعون، والله أعلم).\n(١١) في (ب): (من هذا الإضمار).\n(١٢) في (ب): (على تقدير لقلناه له سل ...).\n(١٣) انظر: «النكت والعيون» للماوردي ٣/ ٢٧٧، وهذا القول تعضده قراءة ابن عباس ﵄ التي ذكرها الطبري ١٥/ ١٠٥ (فَسَألَ)، وذكرها المنتجب الهمداني في كتابه «الفريد» ٤/ ٢٢٩ (فَسَال) بدون همز، وهي لغة قريش.","vol":"1","page":1173},{"text":"﴿إِذْ جَاءَهُمْ﴾ بلفظ الغيبة، إلا أن يحمل الكلام على تلوين الخطاب، أو يجعل الكلام تامًا عند قوله ﴿فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ ثم استأنف (١).\n﴿فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَامُوسَى مَسْحُورًا (١٠١)﴾ سُحِرْتَ فَأُزِيْلَ عقلك، كقوله له: مجنون.\nوقيل: خُدعت وحُملت على ما تقول.\nابن جرير: ﴿مَسْحُورًا (١٠١)﴾: بمعنى ساحر، كميمون بمعنى يامن ومشؤوم بمعنى شائم ومأتي بمعنى آت (٢).\n﴿قَالَ﴾ يعني موسى.\n﴿لَقَدْ عَلِمْتَ﴾ يا فرعون بقلبك.\n﴿مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ﴾ أي: الآيات.\n﴿إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ لك، وهذا كقوله ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤]، وقرأ الكسائي: (لقد علمتُ) بالضم، على أن موسى أخبر عن نفسه (٣).\nوروي أن عليًّا ﵁ قال: والله ما عَلِمَ عدوُّ الله وإنَّما عَلِمَ موسى (٤).\nوالأول أظهر، لأن علم موسى لا يكون حجة على فرعون.\n_________\n(١) في (ب): زيادة: (ثم استأنف فقال إذ جاءهم).\n(٢) انظر: «جامع البيان» للطبري ١٥/ ١٠٦.\n(٣) هذه قراءة الكسائي وحده، بينما قرأ باقي العشرة (لقد علمتَ) بفتح التاء.\nانظر: «المبسوط» لابن مهران (ص ٢٣١).\n(٤) أخرجه الفراء في «معاني القرآن» ٢/ ١٣٢، والنحاس في «معاني القرآن» ٤/ ٢٠٢، والثعلبي في «الكشف والبيان» (ص ٤٤١) عن علي ﵁، واستنكر بعض العلماء هذه القراءة وقالوا: إن في إسنادها إلى علي رجل مجهول، ولعمري: إن كان في إسنادها إلى علي رجل مجهول، فماذا يفعلون بقراءة الكسائي وهي متواترة.","vol":"1","page":1174},{"text":"قوله: ﴿بَصَائِرَ﴾: جمع بصيرة، ومعناها: الدَّالَّة.\nوقيل: هي من بصيرة الدم، وهي ما يدل على الصيد أو القتل، وهي من الأول أيضًا.\nوقيل: البصيرة: الشاهد، وانتصاب ﴿بَصَائِرَ﴾ على الحال، وأجاز الزجاج نصبها على المفعول، أي: ليتبصر بها (١).\n﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ﴾ أعلم وأتيقن (٢).\n﴿يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا (١٠٢)﴾ ممنوعًا من الخير.\nوقيل: مهلكًا.\nوقيل: هالكًا.\nابن عباس: المثبور: الملعون (٣).\nابن زيد: المثبور: الذي لا عقل له في دينه ومعاشه (٤).\n﴿فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ﴾ يخرجهم ويقلعهم، وقيل: يقتلهم.\n﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾ أرض مصر.\n﴿فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا (١٠٣) وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ﴾ (٥) بعد فرعون.\n﴿لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ﴾ مصر والشام.\n_________\n(١) نقل المنتجب الهمداني نحوه، ولكنه لم ينسبه للزجاج ولا لغيره، وذكره الكرماني في كتابه الآخر «غرائب التفسير» ١/ ٦٤٤ عن الزجاج أيضًا.\n(٢) في (أ): (وايقن).\n(٣) أخرجه الطبري ١٥/ ١٠٨ - ١٠٩، وزاد السيوطي ٩/ ٤٥٦ نسبته لابن المنذر وابن أبي حاتم والطستي في مسائل نافع.\n(٤) أخرجه الطبري ١٥/ ١١٠ - ١١١.\n(٥) في (ب): (من بعد فرعون).","vol":"1","page":1175},{"text":"﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ﴾ القيامة، والوعد: الموعود، وقيل: هو نزول عيسى ﵇.\n﴿جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا (١٠٤)﴾ اللفيف: الجماعات من قبائل شتى.\nالفراء: من هاهنا وهاهنا (١).\nوقيل: اللفيف: المختلطين من كل شكل.\n﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ﴾ يريد القرآن، أي: إنزال القرآن بالحق غير الباطل، وقيل: ما يتضمنه حق، أي: صدق وعدل.\n﴿وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ قيل الباء هاهنا بمعنى على، أي: وعلى محمد نزل، وقيل: توكيد للأول، كألفاظ المصادر، وألفاظ التوكيد، بعضها بعد بعض (٢)، نحو: كلهم أجمعون، أكتعون، أبضعون، وقيل: قصد بإنزاله إثبات الحق ونفي الباطل وهو أيضًا في نفسه حق وصدق، لأنهما سِيَّان، ويجوز أيضًا أن يقال: لما صَحَّ في التقسيم أنزلته فنزل وأنزلته فلم ينزل إذا عرض مانع، أخبر أنه كما أُنزل نَزَل من غير مانع.\nوقيل: الحق الأول: الحقيقة. والثاني: المستحق، أي: أتاكم بما تستحقونه (٣)، وقيل: الهاء في ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ تعود إلى موسى، كقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾ [الحديد: ٢٥]، وقيل: تعود إلى الآيات، فذَكَّرَ حملًا على معنى ذلك.\nوقيل: إلى الوعد المذكور قبله.\n﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا﴾ للمؤمنين.\n﴿وَنَذِيرًا (١٠٥)﴾ للكافرين.\n﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ﴾ بَيَّنَّاه وفصَّلناهُ (٤)، وقيل: فَرَقْنَا فيه الحق من الباطل، وقيل: هو بمعنى المشددة، وقرئ بالتشديد (٥)، ونصب قوله ﴿وَقُرْآنًا﴾ بفعل مضمر دل عليه ﴿فَرَقْنَاهُ﴾، وقيل: عطف على قوله ﴿مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (١٠٥)﴾ و﴿وَقُرْآنًا﴾ أي: ذا قرآن، وقيل: وآتيناك قرآنًا.\n﴿لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ بِرِسْلٍ وتُؤَدَةٍ، وفي الحديث أن النبي -ﷺ- كان يقرأ القرآن قراءة لينة يتلبث فيها (٦).\nعن ابن عباس ﵄: لأن أقرأ البقرة وأرتِّلها وأتدبَّر معانيها أحب إلي من أن أقرأ جميع القرآن هذًّا (٧).\n﴿وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (١٠٦)﴾ أنزلناه شيئًا بعد شيء عشرين سنة على حسب الحاجة إليه.\n﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا﴾ قوله: ﴿أَوْ لَا تُؤْمِنُوا﴾ تهديد ووعيد، ومثله ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩]، والمعنى: اختاروا لأنفسكم النعيم\n_________\n(١) قاله في «معاني القرآن» ٢/ ١٣٢، وزاد: (وكل جانب).\n(٢) في (أ): (بعضها على بعض).\n(٣) في (ب): (تستحقون).\n(٤) ويحتمل (وفَصَلنَاهُ) كما عند ابن كثير ٩/ ٩٠، يعني من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة من السماء الدنيا.\n(٥) هي قراءة علي وسعد وابن مسعود وأبي بن كعب وابن عباس وأبو رزين ومجاهد والشعبي وقتادة والأعرج وأبو رجاء وابن محيصن. انظر: «القراءات الشاذة» لابن خالويه (ص ٧٧)، وابن الجوزي ٥/ ٩٦.\n(٦) هذا ورد في عدد من الأحاديث، وقد جمعها بعض الأئمة، مثل: الفريابي في «فضائل القرآن» (باب الوقف في قراءة القرآن والجمع في السور، وكيف كانت قراءة رسول الله -ﷺ- وترتيله)، كما عقد ابن الجزري مبحثًا في «النشر» ١/ ٢٠٧ - ٢٠٨ حول هذا الموضوع، وممن أجاد فيه أيضًا الحافظ ابن حجر العسقلاني عندما شرح (باب الترتيل في القراءة) من كتاب فضائل القرآن من صحيح البخاري.\n(٧) أخرجه أبو عبيد في «فضائل القرآن» (ص ١٥٧ - ١٥٨)، والبيهقي في «السنن الكبرى» ٢/ ٣٩٦.","vol":"1","page":1176},{"text":"المقيم (١) أو العذاب الأليم.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ﴾ يعني: مؤمني أهل الكتاب، وقيل: هم بعض من أهل الكتاب.\nالحسن: هم المؤمنون (٢).\nابن عيسى: هم العلماء بالله (٣).\n﴿إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ قيل القرآن، وقيل: التوراة.\n﴿يَخِرُّونَ﴾ يسقطون.\n﴿لِلْأَذْقَانِ﴾ قيل: الوجوه، وقيل: اللحى (٤)، والذقن: مجتمع اللحيين، أي: إذا سمعوا القرآن عرفوا أنه كلام الله وقبلوه.\n﴿سُجَّدًا (١٠٧)﴾ وسجدوا تعظيمًا لله.\n﴿وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا﴾ نَزَّهُوه.\n﴿إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨)﴾ أي: أَنْجَزَنَا ما وعدناه به في التوراة من إرسال محمد وإنزال القرآن عليه.\n﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ﴾ أي: يسجدون باكين.\n﴿وَيَزِيدُهُمْ﴾ تلاوة القرآن، وقيل: بكائهم.\n﴿خُشُوعًا (١٠٩)﴾ خضوعًا.\nوروي عن النبي -ﷺ- أنه قال: (من قرأ القرآن في أقل من ثلاث لم (٥) يَفْقَهْهُ،\n_________\n(١) سقطت كلمة (المقيم) من (أ).\n(٢) ذكره الماوردي ٣/ ٢٨٠، والقرطبي ١٣/ ١٨٨ عن الحسن.\n(٣) انظر: «الجامع في علوم القرآن» لعلي بن عيسى الرماني (ق ١٧٩/ب).\n(٤) في (ب): (للوجوه وقيل للحى).\n(٥) في (ب): (فلم).","vol":"1","page":1177},{"text":"اتلوه وابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا) (١).\n﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ في سبب النزول، قال ابن عباس ﵄: تهجد رسول الله -ﷺ- ذات ليلة بمكة، فجعل يقول في سجوده (يا رحمان يا رحيم)، فقال المشركون: كان محمد يدعو إلهًا واحدًا وهو الآن يدعو إلهين اثنين، والرحمن (٢) ما نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة، يعنون مسيلمة الكذاب، فأنزل الله هذه الآية (٣).\nميمون بن مهران: كان يكتب رسول الله -ﷺ- في أول ما يوحى إليه: باسمك اللهم، حتى نزلت آية ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ﴾ [النمل: ٣٠] فكتب (٤): بسم الله الرحمن الرحيم، فقال مشركوا العرب: هذا الرحيم (٥) نعرفه فما الرحمن؟ فأنزل الله هذه الآية (٦).\nقال الضحاك: قال أهل الكتاب لرسول الله: إنك لَتُقِلُّ ذكر الرحمن وقد أكثر الله في التوراة هذا الاسم، فأنزل الله ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ (٧).\nأي: ادعوه الله أو ادعوه الرحمن فإن له تسعًا وتسعين اسما فبأيها شئتم فادعوه.\n﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ المعنى: أي اللفظين دعوتم الله به أصبتم.\nو﴿مَا﴾ زيادةٌ مُؤَكِّدَةٌ عند جماعة من النحويين، زيدت عوضًا عما منع من الإضافة، وذهب بعضهم إلى أن ﴿مَا﴾ أيضًا للشرط، فأدخل شرط على شرط.\nمن وقف على ﴿أَيًّا﴾ جعل معناه: أي اللفظين دعوتموه (٨) به جاز، ثم استأنف فقال ﴿مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ لأن كل أسمائه مدح وثناء لائق بذاته وأفعاله.\n﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ في سبب النزول، ذكره البخاري ومسلم جميعًا عن ابن عباس ﵄، قال: نزلت بمكة والنبي -ﷺ- مُخْتَفٍ بمكة، وكانوا إذا سمعوا القرآن سَبُّوا القرآن ومن أنزله ومن جاء به، فأنزل الله ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ فيسمع المشركون فيسبوا القرآن ﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ عن أصحابك فلا يسمعون ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١١٠)﴾ (٩).\nعائشة ﵂: نزلت في التشهد، كان الأعرابي يجهر فيقول: التحيات لله، فيرفع (١٠) صوته، فنزلت الآية (١١).\n_________\n(١) الظاهر أنهما حديثان: الأول حديث عبدالله بن عمرو بمثل لفظ المؤلف إلى قوله (يفقهه). أخرجه أحمد= = (٦٥٣٥) وصححه محققو المسند، كما ورد بلفظ (لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث) أخرجه أبو داود (١٣٩٠)، والترمذي (٢٩٤٩)، وابن ماجه (١٣٤٧) وهو نفس الحديث بلفظ آخر وصححه الألباني.\nأما الحديث الآخر: فهو حديث سعد بن أبي وقاص: (إن هذا القرآن نزل بحزن، فإذا قرأتموه فابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا، وتغنَّوا به، فمن لم يتغنَّ به فليس منا). أخرجه ابن ماجه (١٣٣٧)، وأبو يعلى (٦٨٩)، والبيهقي في «السنن» ١٠/ ٢٣١، وأبو الفضل الرازي في «فضائل القرآن» (٩٠)، وقال الشيخ الألباني في تخريجه لسنن ابن ماجه: (ضعيف ... لكن قوله (وتغنوا به ...) إلخ صحيح).\n(٢) في «أسباب النزول» للواحدي (ص ٤٨٥): (الله والرحمن)، وهي كذلك عند الثعلبي (ص ٤٤٧)، والمثبت من (أ) و(ب).\n(٣) أخرجه الطبري ١٥/ ١٢٣ - ١٢٤، وزاد السيوطي ٩/ ٤٦١ نسبته لابن مردويه، وذكره الثعلبي (ص ٤٤٧)، والواحدي في «أسباب النزول» (ص ٤٨٥)، والقرطبي ١٣/ ١٩١.\n(٤) في (ب): (وإنه) بدلًا من (فكتب).\n(٥) في (أ): (رحيم).\n(٦) ذكره الثعلبي (ص ٤٤٧)، والواحدي في «أسباب النزول» (ص ٤٨٥)، وابن الجوزي ٥/ ٩٩.\n(٧) ذكره كذلك الثعلبي والواحدي وابن الجوزي، مثل المصادر التي في الهامش السابق.\n(٨) سقطت (به) من (ب).\n(٩) أخرجه البخاري (٧٤٩٠)، ومسلم (٤٤٦) عن ابن عباس ﵄.\n(١٠) في (ب): (التحيات لله يرفع بها صوته ...).\n(١١) أخرجه الطبري ١٥/ ١٣٣ - ١٣٤، والحاكم ١/ ٢٣٠، وابن خزيمة في «صحيحه» (٧٠٧)، وذكره الواحدي في «أسباب النزول» (ص ٤٨٦).","vol":"1","page":1178},{"text":"وعن عائشة أيضًا: أنها (١) نزلت في الدعاء (٢).\n﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ قيل: هي عين الصلاة.\nوقيل: القراءة في الصلاة.\nوقيل: القرآن.\nوقيل: التشهد.\nوقيل: الدعاء.\n﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ المخافتة: الاستسرار، والخفوت: خفوض الصوت من جزع.\n﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١١٠)﴾ بين الخفت والجهر (٣)، كقوله: ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٨].\nوروي أن أبا بكر (٤) ﵁ كان يخافت ويقول: أُناجي ربي وأتضرَّع إليه، وكان عمر ﵁ يجهر (٥) ويقول: أطرد الشيطان، وأوقظ الوسنان، وأطيع الرحمان، فلما نزلت هذه الآية قال -ﷺ- لأبي بكر: (ارفع شيئًا) (٦)، وقال لعمر (اخفض شيئًا) (٧).\nوقيل: لا تجهر بصلاتك كلها ولا تخافت بكلها وابتغ بين ذلك سبيلًا.\n_________\n(١) سقطت (أنها) من (ب).\n(٢) أخرجه البخاري (٤٧٢٣)، ومسلم (٤٤٧) عن عائشة ﵂.\n(٣) في (ب): (بين الجهر والخفت).\n(٤) في (ب): (وروي عن أبي بكر).\n(٥) في (ب): (... عنه يقول ...) فحصل فيها سقط.\n(٦) في (ب): (ارفع قليلًا) والتصويب من (أ) ومصادر التخريج.\n(٧) أخرجه الطبري ١٥/ ١٣٢، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٢٣٧٤)، وقال البيهقي: مرسل، وزاد السيوطي ٩/ ٤٦٥ نسبته لسعيد بن منصور وابن المنذر، ثم ذكر السيوطي ٩/ ٤٦٦ للأثر رواية أخرى وعزاها لابن أبي حاتم.","vol":"1","page":1179},{"text":"﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ كما قاله بعض اليهود في عزير والنصارى في عيسى والمشركون في الملائكة.\n﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ أي: في الإلهية كما زعم عابد الصنم.\nوقيل: لم يكن له شريك في خلق السموات والأرض.\n﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾ أي (١): لم يتخذ وليًّا فيتعزَّز به سبحانه، والله ولي المؤمنين.\nوقيل: معناه: لم يحالف أحدًا.\nوقيل: لم يكن له ولي من اليهود (٢) والنصارى، لأنهم أذل الناس، فيكون ﴿مِنَ الذُّلِّ﴾ صفة لولي.\nوسمعت من يفسرها بالبنت والختن (٣).\n﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (١١١)﴾ صفه بالعظمة والكبرياء، أي: احمدوا من هذه صفته.\nوروي عن النبي -ﷺ- أنه قال: (خير الأقوال سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر) (٤).\n_________\n(١) لم ترد (أي) في (ب).\n(٢) في (ب): (من الذل والنصارى).\n(٣) وصف الكرماني هذا القول بأنه عجيب في كتابه «غرائب التفسير» ١/ ٦٤٦، وكان قد قال في كتابه «غرائب التفسير» ٢/ ١٤١٣: (كل ما وصفته بالعجيب ففيه أدنى خلل ونظر).\nوقال ابن منظور في «اللسان» (ختن): (الختن كلُّ من كان مِنْ قِبَلِ المرأة، مثل الأب والأخ، وهم الأختان، هكذا عند العرب، وأما العامة فَخَتَنُ الرجلِ زوجُ ابنته).\nولم أجد هذا القول الذي نقله الكرماني فيما وقفت عليه من كتب التفسير، والله أعلم.\n(٤) أخرجه مسلم في صحيحه (٢١٣٧) من حديث سمرة بن جندب قال: قال رسول الله -ﷺ-: (أحب الكلام إلى الله أربع: سبحان الله ...) الحديث، وعلقه البخاري (قبل الحديث ٦٦٨١) بلفظ: (أفضل الكلام أربعٌ: سبحان الله ...) الحديث، وأخرجه النسائي في «الكبرى» (١٠٦٠٩) من حديث أبي هريرة بلفظ: (خير الكلام أربع).\n(والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات).","vol":"1","page":1180},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-124>سورة الكهف</span>","vol":"1","page":1181},{"text":"سورة الكهف\nسورة الكهف مائة وعشر آية، مكية عند الجميع (١).\nابن عباس، ﵄ (٢)، وقتادة (٣): مكية إلا آية منها نزلت بالمدينة، وهي قوله ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ [الكهف: ٢٨] (٤)\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ أي المستحق للحمد هو سبحانه، وقيل: تعليم أي: قولوا الحمد لله وقد سبق، ﴿أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ محمد ﷺ.\n﴿الْكِتَابَ﴾ القرآن.\n﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا ٢ (١)﴾ اختلافًا يناقض بعضُه بعضنًا.\n_________\n(١) وهو قول الحسن ومجاهد.\nانظر: معالم التنزيل للبغوي (٥/ ١٤٣)، زاد المسير لابن الجوزي (٥/ ١٠٣)، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٠/ ٣٤٦).\n(٢) عبد الله بن عباس بن هاشم بن عبد مناف، أبو العباس الهاشمي، ابن عم النبي ﷺ، ولد قبل الهجرة بثلاث سنين، وتوفي رسول الله ﷺ وهو ابن ثلاث عشرة سنة، دعا له النبي ﷺ بالفقه في الدين وعلم التأويل، فكان من أعلم الناس، ولقب بحبر الأمة.\nانظر: الاستيعاب (٣/ ٦٦)، طبقات المفسرين للداوودي (١/ ٢٣٩).\n(٣) قتادة بن دِعَامة بن قتادة السدوسي، الحافظ، الضرير، المفسر، كان عالمًا بالتفسير وباختلاف العلماء، فقيهًا لايسمع شيئًا إلا حفظه، مات بواسط في الطاعون سنة ثماني عشرة ومائة.\nانظر: تذكرة الحفاظ للذهبي (١/ ١٢٢)، طبقات المفسرين للداوودي (٢/ ٤٨).\n(٤) انظر: الناسخ والمنسوخ للنحاس (٢/ ٥٠١)، النكت والعيون (٣/ ٣٨٣)، زاد المسير لابن الجوزي (٥/ ١٠٢).","vol":"1","page":1182},{"text":"ابن عباس، ﵄: مُلْتَبِسًا (١).\n\nابن جرير (٢): ليس فيه ميل عن الحق إلى الباطل، وعن الاستقامة إلى الفساد، وعن البلاغة إلى العِي (٣).\nوقيل: اللام زيادة، أي: ولم يجعله عوجًا.\nالعِوَج: بالكسر في الدين والطريق وفيما لم يكن منتصبًا، وبالفتح فيما هو منتصب كالجدار والقناة (٤).\n﴿قَيِّمًا﴾ مستقيمًا، أبو عبيدة (٥): مصلحًا (٦).\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٥/ ١٤٢) وذكره السيوطي في الدر (٩/ ٤٨٣).\n(٢) محمد بن جرير يزيد بن كثير الآملي، الطبري، أبو جعفر، صاحب التصانيف المشهورة، رحل إلى العراق، والشام، ومصر، وجمع من العلوم مالم يشاركه فيه أحد من أهل عصره، عارفًا بالقراءات، وكتبه مشهورة منها: تفسيره المسمى بجامع البيان، وتارخ الأمم والملوك، وتهذيب الآثار، توفي ببغداد سنة عشر وثلاثمائة.\nانظر: طبقات المفسرين للسيوطي (٩٥)، طبقات المفسرين للداوودي (٢/ ١١٠).\n(٣) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ١٤١).\n(٤) قال في المفردات (٥٩٢)، مادة: عوج \"العَوْجُ: العَطْف على حال الانتصاب، يقال: عُجْتُ البعير بزمامه، والعَوَجُ يقال فيما يُدْرَك بالبصر سهلًا كالخشب المنتصب ونحوه، والعِوَج يقال فيما يُدْرَك بالفكر والبصيرة\".\n(٥) أبو عبيدة معمر بن المثنى التيمي بالولاء، البصري، كان عارفًا بشعر العرب وأخبارها وغريب اللغة، اتهم برأي الخوارج، أقدمه الرشيد إلى بغداد وقرأ عليه، وله أكثر من مائتي مصنف، أشهرها: غريب القرآن، ومجاز القرآن، وشرح النقائض، ومعاني القرآن، وغيرها، توفي سنة إحدى عشرة ومائتين.\nانظر: سير أعلام النبلاء (٩/ ٤٤٥)، بغية الوعاة للسيوطي (٢/ ٢٩٤).\n(٦) انظر: مجاز القرآن (١/ ٢٥٨).","vol":"1","page":1183},{"text":"ابن عباس، ﵄ (١): معتدلًا (٢).\nوقيل: قيمًا المعتمد عليه والمرجوع إليه كقّيم الدار (٣)، والجمهور: على أنه في التقدير مقدم أي: أنزل الكتاب قيما ولم يجعل له عوجًا هذا إذا جعلت قوله ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ عطف على صلة الموصول، فأما من جعله حالًا وهو الأظهر فيلس فيه تقديم وتأخير بل هما حالان من ﴿الْكِتَابَ﴾ أحدهما مفرد والآخر جملة (٤).\n﴿لِيُنْذِرَ﴾ أي: أنزل الكتاب لينذر العبد وهو محمد ﷺ الكافرين.\n﴿بَأْسًا﴾ عذابًا.\n﴿شَدِيدًا﴾ أي: عذاب الاستئصال في الدنيا، وقيل: عذاب جهنم (٥).\n﴿مِنْ لَدُنْهُ﴾ من عنده، والمعنى: من قدرته وهو منزه عن المكان.\n﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢)﴾ وهو الجنة.\n﴿مَاكِثِينَ﴾ دائمين.\n﴿فِيهِ﴾ في الأجر وهو الجنة.\n﴿أَبَدًا (٣)﴾ دائمًا.\n﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (٤)﴾ يعني: اليهود والنصارى والمشركين.\n﴿مَا لَهُمْ بِهِ﴾ بالقول.\n﴿مِنْ عِلْمٍ﴾ أي: هذا قول عن جهل (٦)، وقيل: بالاتخاذ من علم، وقيل: بالله من\n_________\n(١) ابن عباس، ﵄، تنظر ترجمته ص: ٤١\n(٢) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٥/ ١٤٠).\n(٣) انظر: النكت والعيون (٣/ ٢٨٤).\n(٤) والجمهور من أهل اللغة والتفسير على الأول، ومنع الزمخشري في الكشاف (٣/ ٥٦٤) الثاني.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ١٤٠)، زاد المسير لابن الجوزي (٥/ ١٠٣)، الدر المصون للسمين الحلبي (٤/ ٤٣٠).\n(٥) انظر: معاني القرآن للزجاج (٣/ ٢١٨).\n(٦) في ب: \"هذا قول من جهل\".","vol":"1","page":1184},{"text":"علم (١).\n﴿وَلَا لِآبَائِهِمْ﴾ الذين يقولون هذه المقالة.\n﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً﴾ عظمت مقالتهم هذه في الكفر والجرأة على الله، و﴿كَلِمَةً﴾ نصب على تقدير: كبرت الكلمة كلمةً كلمةٌ تخرج، كما تقول في أقوال المدح والذم: نِعْمَ الرجل رجلًا زيدٌ، وبئس الرجلُ رجلًا عمروٌ.\nالزجاج (٢): كبرت مقالتهم كلمة (٣).\nوقيل: نصب على التميز كالفعل المنقول نحو: تفقأت الدابة شحمًا (٤).\nأبو عبيدة (٥): نصبت على التعجب، أي: أَكْبِر بها كلمة أي: من ﴿كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ أي: تكلموا بها (٦).\n﴿إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا (٥)﴾ ما يقولون إلا الكذب بقولهم اتخذ الله ولدًا.\n﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ أي: قاتلها، والبَخْعُ: الذبح البليغ.\nوقيل: معناه النهي، أي: لا تبخع نفسك (٧).\n﴿عَلَى آَثَارِهِمْ﴾ إذا ولوا عن الإيمان، وقيل: إذا ماتوا على الكفر، تقول العرب: على أثر فلان إذا بُكي على فراقه.\n﴿إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ﴾ القرآن.\n_________\n(١) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ١٤٧).\n(٢) أبو إسحاق إبراهيم بن السَّرِيِّ بن سهل الزجاج نسبة إلى عمل الزُّجَاجِ وخراطته، تتلمذ على المُبَرِّد، ومن تلاميذه أبو علي الفارسي وغيره، كان من أهل الدين والفضل، توفي سنة إحدى عشرة وثلاثمائة، من مؤلفاته: معاني القرآن، الاشتقاق، مختصر النحو، القوافي.\nانظر: إنباه الرواة (١/ ١٩٤ - ٢٠١)، بغية الوعاة للسيوطي (١/ ٤١١).\n(٣) انظر: معاني القرآن للزجاج (٣/ ٢١٩).\n(٤) انظر: المصدر السابق (٣/ ٢١٩).\n(٥) أبو عبيدة: انظر ترجمته ص: ٤٢\n(٦) انظر: غرائب التفسير (١/ ٦٤٨).\n(٧) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ١٣٦).","vol":"1","page":1185},{"text":"﴿أَسَفًا (٦)﴾ حزنًا، والفعل من أسَف بالفتح، وقيل: غضبًا (١)، والفعل من أَسِف بالكسر، وأُسُف بالضم: دق قلبه فهو أَسيف (٢)، والتقدير: فعلك باخع نفسك أَسفًا وهو نصبٌ على التمييز، وقيل: مفعول.\n﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا﴾ ابن عباس، ﵄ ﵄ هو: النبات (٣).\nقتادة (٤): كل ما على الأرض من شيء (٥).\nالكلبيّ (٦): الرجال (٧).\nوقيل: الأنبياء والعلماء (٨). وجاء أيضًا: حفظة القرآن، فيكون (ما) بمعنى من (٩).\n_________\n(١) قاله قتادة.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ١٥٠).\n(٢) الأسف المبالغة في الحزن والغضب، وآسفه أغضبه، والأسيف السريع الحزن والبكاء، والإِسِفُ الغضبان المتلهف على الشيئ.\nانظر: لسان العرب (١/ ١٤٢) مادة: أسف.\n(٣) انظر: زاد المسير لابن الجوزي (٥/ ١٠٥).\n(٤) قتادة، تنظر ترجمته ص: ٤١\n(٥) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٥/ ١٥١) عن مجاهد، وعزاه السيوطي في الدر (٩/ ٤٨٥) لابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(٦) الكلبي، محمد بن السائب بن بشر، أبو النضر، الكوفي، النسابة، المفسر، روى عن الشعبي وجماعة، له تفسير مشهور، ضعف كثير من العلماء، مات سنة ست وأربعين ومائة.\nانظر: سير أعلام النبلاء (٩/ ٢٤٨)، طبقات المفسرين للداوودي (٢/ ١٤٩).\n(٧) انظر: النكت والعيون (٣/ ٢٨٥)، وعزاه السيوطي في الدر (٩/ ٤٨٥) لابن المنذر، وابن مردويه، عن ابن عباس، ﵄.\n(٨) انظر: النكت والعيون (٣/ ٢٨٥)، معالم التنزيل (٦/ ١٤٤).\n(٩) انظر: غرائب التفسير (١/ ٦٤٩).","vol":"1","page":1186},{"text":"مقاتل (١): الأشجار والأنهار (٢).\nويحتمل والله أعلم أن المراد بما (٣) على الأرض، منها المحرّمات منها لأنها خُلقت زينةً لها (٤) أي: فلا تتعرضوا لها، ويقويه ما بعدها وهو قوله ﴿لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٧)﴾ أي: في تركه وتعاطيه.\nوقيل: معنى ﴿لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ لنأمرهم بالطاعة وننهاهم عن المعصية (٥)، والمعنى: نعامل معاملة المبتلى و﴿مَا﴾، و﴿زِينَةً﴾ مفعولا ﴿جَعَلْنَا﴾.\nوقيل: ﴿جَعَلْنَا﴾ بمعنى خلقنا، و﴿زِينَةً﴾ مفعول له (٦).\n﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا (٨)﴾ صعيدًا ترابًا، وقيل: كصعيد وهو وجة الأرض.\nجُرُزًا: بلقعًا لا شيء فيه.\nمجاهد (٧): الذي لا نبات بها (٨).\n_________\n(١) مقاتل بن سليمان بن كثير الأزدي، الخرساني، المفسر، روى عن مجاهد وغيره، وهو ضعيف في الحديث، صنف نظائر القرآن، والناسخ والمنسوخ، والوجوه والنظائر.\nانظر: سير أعلام النبلاء (٧/ ٢٠١)، طبقات المفسرين للداوودي (٢/ ٣٣٠).\n(٢) انظر: النكت والعيون (٣/ ٢٨٥).\n(٣) في ب: \" أن المراد بها \". وهو تصحيف.\n(٤) انظر: النكت والعيون (٣/ ٢٨٥)، غرائب التفسير (١/ ٦٤٩).\n(٥) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ١٥٣).\n(٦) انظر: غرائب التفسير (١/ ٦٤٩).\n(٧) مجاهد بن جَبْر، أبو الحجاج، المكي، المقرئ، المفسر، قرأ القرآن على ابن عباس، وأخذ عنه ... التفسير، وكان عامًا به، توفي بمكة سنة إحدى ومائة وهو ساجد.\nانظر: سير أعلام النبلاء (٤/ ٤٤٩)، طبقات المفسرين للداوودي (٢/ ٣٠٥).\n(٨) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ١٣٧).","vol":"1","page":1187},{"text":"السُدى (١): الصعيد الأملس المستوى، والجرز الميت الذي لا نبات فيه (٢).\nالزجاج (٣): التي كأنها تأكل النبات أكلًا (٤)، ولعله جعله جمع جُروز وهو الذي يأتي على كل شي أكلًا، وأصله القطع، والمعنى: نعيدها بعد عمارتها خرابًا (٥).\n﴿أَمْ حَسِبْتَ﴾، بل حسبت ترك الكلام الأوّل واستفهم عن الثاني، والمراد: النهي، أي: لا تتعجب من ذلك فليس ذلك بالبديع من صنعنا.\nمجاهد (٦): لم ينهه عن التعجب وإنما أراد كل آيتنا كذلك (٧).\nقتادة: لا تعجب منها فالعجائب في خلق السموات والأرض وما فيهن أكثر (٨).\n_________\n(١) السُّدِّي، إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة الهاشمي، صاحب التفسير، أصله حجازي، يكنى أبا محمد، روى عن ابن عباس، وأنس، ﵄، أخرج له الجماعة، توفي سنة سبع وعشرين ومائة.\nانظر: سير أعلام النبلاء (٥/ ٢٦٤)، طبقات المفسرين للداوودي (١/ ١١٠).\n(٢) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ١٣٧)، البحر المحيط لأبي حيان (٦/ ٩٧).\n(٣) الزجاج: أنظر ترجمته ص: ٤٤\n(٤) انظر: معاني القرآن للزجاج (٣/ ٢٢٠).\n(٥) الصَّعِيد: وجه الأرض، وقيل المرتفع من الأرض، يقال للحديقة إذا خربت وذهب شجرها قد صارت صعيدًا أي أرضًا مستوية لا نبات فيها. أما الجُرُز: فهي الأرض التي لم يصبها مطر فلا نبات فيها، كأنها تأكل النبت أكلًا، والجمع أجراز، وفيها أربع لغات: جُرْزٌ، وجُرُزٌ، وجَرْزٌ، وجَرَزٌ.\nانظر: اللسان (٧/ ٣٤٣)، مادة: صعد، (٢/ ٢٤٦)، مادة: جرز.\n(٦) مجاهد تنظر ترجمته ص: ٤٦\n(٧) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ١٥٥).\n(٨) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ١٥٦)، البحر المحيط لأبي حيان (٦/ ٩٧).","vol":"1","page":1188},{"text":"ابن عباس، ﵄: أي سألوك عن ذلك ليجعلوا جوابك علامة لصدقك وكذلك سائر آيات القرآن أبلغ وأعجب وأدل على صدقك (١).\nوقيل: معناه: أُعْلِمْتَ، أي: لم تعلمه حتى أعلمناك (٢).\nوسبب نزولها \" أن يهود المدينة قالوا لقريش سلوا محمدًا عن ثلاث خصال فإن أخبركم عن خصلتين ولم يخبركم عن الثالثة فاعلموا أنه نبي فاتبعوه، فإنا قد سألنا مسيلمة الكذاب عن هذه الخصال فلم يدر ما هي، وقد زعمتم أنه يتعلم من مسيلمة (٣) سلوه عن أصحاب الكهف وعن ذي القرنين وعن الروح؛ فسألوه عنها فقال لهم: ارجعوا غدًا أخبركم ولم يقل إن شاء الله فرجعوا ولم ينزل عليه إلى ثلثة أيام (٤).\nوفي رواية الكلبي (٥): إلى خمسة عشر يومًا (٦)، وفي رواية الضحاك (٧): إلى أربعين\n_________\n(١) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ١٥٧).\n(٢) لم أقف عليه، والله أعلم.\n(٣) مسيلمة بن ثمامة بن كبير بن حبيب بن حنيفة، ويكنى أبا ثمامة، وكان قد تسمى بالرحمن، فكان يدعى رحمن اليمامة، ادعى النبوة وأنه قد أُشرك في أمر النبوة، ثم بدأ يعمل الأسجاع مضاة للقرآن، وأحل لهم الخمر والزنا، ووضع عنهم الصلاة، تزوج سجاح، قتل في معركة اليمامة سنة إحدى عشرة قتله وحشي بن حرب. انظر: البداية والنهاية (٧/ ٢٥٦)، (٩/ ٤٦٥).\n(٤) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ١٤٢).\n(٥) الكلبي، انظر ترجمته ص: ٤٥\n(٦) انظر: السيرة لابن هشام (١/ ٣٢٨)، جامع البيان لابن جرير (١٥/ ١٤٣)، أسباب النزول للواحدي (٣٣٨)، البداية والنهاية لابن كثير (٤/ ١٣٢).\n(٧) الضحاك بن مزاحم الهلالي، أبو القاسم الخرساني، المفسر، صدوق كثير الإرسال، خرج أحاديثه الأربعة، مات بعد المائة.\nانظر: سير أعلام النبلاء (٤/ ٥٩٨)، طبقات المفسرين للداوودي (١/ ٢٢٢).","vol":"1","page":1189},{"text":"يوما (١) فقال المشركون: إن محمدًا قد ودعه ربه فأنزل الله تعالى ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣)﴾ [الضحى: ٣] ونزل ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آَيَاتِنَا عَجَبًا (٩)﴾ ونزل ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ والكهف: الغار في الجبل. مجاهد: تفريج بين جبلين (٢).\nالمبرد (٣): \" مدخل في الجبل \" (٤).\n\nوفي الرَّقِيمِ أقوال:\nابن عباس، ﵄: اسم للجبل الذي فيه الكهف (٥)، وعنه أيضا: اسم القرية التي كانوا منها (٦).\nالضحاك (٧): اسم الوادي (٨).\nسعيد بن حبير (٩):\n_________\n(١) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٢٩٠).\n(٢) المصدر السابق (٦/ ٩٨).\n(٣) المُبَرِّد محمد بن يزيد بن عبد الأكبر، الأزدي، البصري، الإمام في النحو واللغة والأخبار، كان فصيحًا، بليغًا، مفوهًا، صنف معاني القرآن، الكامل، المقتضب، وغيرها، توفي سنة خمس وثمانين ومائتين.\nانظر: سير أعلام النبلاء (١٣/ ٥٧٦)، بغية الوعاة (١/ ٢٦٩).\n(٤) لم أقف عليه، والله أعلم.\n(٥) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ١٦٠)، تفسير ابن كثير (٣/ ٧٧).\n(٦) انظر جامع البيان لابن جرير (١٥/ ١٥٧).\n(٧) الضحاك: انظر ترجمته ص: ٤٨\n(٨) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٥/ ١٥٨)، وذكره أيضًا عن عطية، وقتادة.\nوانظر: تفسير ابن كثير (٣/ ٧٧).\n(٩) سعيد بن جبير بن هاشم الأزدي، مولاى بني والية بن الحارث، كان فقيهًا ورعًا، من علماء التابعين، قرأ القرآن على ابن عباس، ﵄، قتله الحجاج سنة خمس وسبعين ومائة.\n\nانظر: سير أعلام النبلاء (٤/ ٣٢١)، طبقات المفسرين للداوودي (١/ ١٨٨).","vol":"1","page":1190},{"text":"اسم كلبهم (١).\nمجاهد: الرَّقيم: الكتاب الذي كتب فيه شأنهم وأيامهم وكان من رصاص (٢).\nوقيل: من حجر، فعيل بمعنى مفعول كقوله: كتاب مرقوم (٣).\nوقيل: الرقيم: الدواة بالرومية، حكاه الماوردي (٤)، (٥).\n\nوقيل: دراهمهم (٦)، حكاه محمد بن الهيصم (٧).\n_________\n(١) وهو قول أنس، والشعبي.\nانظر: النكت والعيون (٣/ ٢٨٧)، البحر المحيط لأبي حيان (٦/ ٩٨).\n(٢) ذكره السيوطي في الدر (٩/ ٤٨٨) وعزاه لابن أبي شيبة، وابن المنذر، وهو قول ابن عباس ﵄، وسعيد بن جبير كما في جامع البيان لابن جرير (١٥/ ١٥٩)، واختاره ابن جرير، وهو أظهر الأقوال.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ١٦١)، معالم التنزيل للبغوي (٥/ ١٤٥)، تفسير ابن كثير (٣/ ٧٧).\n(٣) انظر: معاني القرآن للنحاس (٤/ ٢١٩).\n(٤) محمد بن حبيب الماوردي، البصري، من فقهاء الشافعية، ولي القضاء بعدة بلدان، كان رجلًا عظيم القدر، صنف الحاوي، النكت والعيون، الأحكام السلطانية، وغيرها، توفي خمس وأربعمائة.\nانظر: سير أعلام النبلاء (١٨/ ٦٤)، طبقات المفسرين للداوودي (١/ ٤٢٧).\n(٥) انظر: النكت والعيون (٣/ ٢٨٧)، وعزاه لأبي صالح، وهو قول عكرمة.\nانظر: البحر المحيط (٦/ ٩٨).\n(٦) وهو قول قتادة.\nانظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٠/ ٣٥٧).\n(٧) محمد بن الهيصم، أبو عبد الله، شيخ الكرامية وعالمهم في وقته بخراسان، وليس للكرامية مثله في معرفة الكلام والنظر في زمانه.\nانظر: تاريخ الخلفاء للسيوطي (٣٥٦).","vol":"1","page":1191},{"text":"جاء في الخبر: أن الرقيم جماعة، روى النعمان بن بشير الأنصاري (١)\n_________\n(١) النعمان بن بشير بن ثعلبة الأنصاري، من بني كعب بن الحارث، ولد عام اثنين من الهجرة، وهو أول مولود في الإسلام من الأنصار بعد الهجرة بأربعة عشر شهرًا، ولاه معاوية ﵁ الكوفة ثم حمص، ثم ناصر ابن الزبير فقتله أهلها.\n\nانظر: الاستيعاب (٤/ ٦٠)، الإصابة (٦/ ٤٤٠).","vol":"1","page":1192},{"text":"أنه سمع النبي ﷺ يذكر الرَّقِيم قال: \" إن ثلاثة نفر خرجوا يرتادون لأهليهم فبينا هم يمشون إذا أصابتهم السماء، فأووا إلى كهف فانحطت صخرة من الجبل فانطبقت على باب الكهف فأوصد عليهم، فقال قائل منهم: اذكروا أيكم عمل حسنة لعل الله تعالى برحمته يرحمنا. فقال رجل منهم: عملت حسنة مرة؛ كان لي أجراء يعملون عملًا لي استأجرت كل رجل منهم بأجر معلوم، فجائني رجل ذات يوم وسط النهار فاستأجرته بشرط أصحابه فعمل في بقية نهاره كما عمل رجل منهم في نهاره كله، فرأيت علي في الذمام أن لا أنقصه مما استأجرت به أصحابه لما جهد في عمله، فقال رجل منهم اتعطي: هذا مثل ما أعطيتني ولم يعمل إلا نصف النهار؟ قلت يا عبدالله لم أبخسك شيئًا من شرط، وإنما هو مالي أحكم بما شئت. قال: فغضب وترك أجره فوضعت حقه في جانب من البيت ما شاء الله، ثم مرت بي بعد ذلك بقر فاشتريت به فصيلة من البقر فبلغت ما شاء الله، فمر بي بعد حين شيخ ضعيف لا أعرفه فقال لي: إن لي عندك حقًا فذكره حتى عرفته، قلت: إياك أبغي وهذا حقك فعرضتها عليه جميعًا فقال: يا عبدالله لا تسخر بي، إن لم تَصَدَّق علي فاعطني حقي. قلت: والله ما أسخر إنها لحقك مالي فيه شيء. فدفعتها إليه جميعًا، اللهم إن كنتُ فعلتُ ذلك لوجهك فافرج عنا فانصدع (١)\n_________\n(١) في ب: \"فانفرج\" ..","vol":"1","page":1193},{"text":"الجبل حتى رأوا وأبصروا، وقال الآخر: قد عملت حسنة مرة كان فيّ فضل وأصابت الناس شدة فجاءتني امرأة فطلبت مني معروفًا فقلت: والله ما هو دون نفسك، فأبت عليّ وذهبت ثم رجعت، فذكرتني فأبيت وقلت: لا والله ما هو دون نفسك فأبت عليّ وذهبت وذكرت لزوجها فقال لها: أعطيه نفسك وأغيثي عيالك، فرجعت إلي ونشدتني بالله فأبيت عليها وقلت لها: والله ما هو دون نفسك فلما رأت تلك أسلمت لي نفسها، فلما تكشفتها وهممت بها ارتعدت من تحتي فقلت لها: ما شأنك؟ قالت: أخاف الله رب العالمين. فقلت لها: خفته في الشدة ولم أخفه في الرخاء فتركتها وأعطيتها ما يحق عليّ بكشفها اللهم (١) إن فعلت ذلك لوجهك فأفرج عنا، فانصدع حتى عرفوا وتبيّن لهم، وقال الآخر: قد عملت مرة حسنة كان لي أبوان شيخان كبيران وكانت لي غنم وكنت أطعم أبوي وأسقيهما ثم ارجع إلى غنمي، قال: فأصابني يومًا غيث حبسني حتى أمسيت فأتيت أهلي فأخذت محلبي فحلبت غنمي وتركتها قائمة فمضيت إلى أبوي فوجدتهما قد ناما فشق علي أن أوقظهما وشق علي أن أترك غنمي فما برحت جالسًا ومحلبي على يدي حتى أيقظهما الصبح فسقيتهما، اللهم إن فعلت ذلك لوجهك فافرج عنا. قال النعمان (٢): لكأني أسمع من رسول الله ﵇ قال: \" قال الجبل: طاق فَفَرَّجَ الله عنهم فخرجوا \" (٣).\n_________\n(١) \"اللهم\" ساقط من (أ).\n(٢) النعمان بن بشير، تنظر ترجمته ص: ٥٠\n(٣) أخرجه الطبراني في الأوسط (٢٣٠٧، ٢٣٠٨)، وذكره السيوطي في الدر (٩/ ٤٨٩) وعزاه لعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، قال عنه ابن حجر في الفتح (٦/ ٥٨٥) إسناده حسن، وأخرج البخاري نحوه عن ابن عمر (ك: أحاديث الأنبياء، باب: حديث الغار، ح: ٣٤٦٥).","vol":"1","page":1194},{"text":"﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ﴾ أي: اذكر يا محمد إذ أوى، وقيل: العامل فيه (عجبًا)،\nومعنى ﴿أَوَى﴾ صار إليه وجعله مأواه، والفتية: جمع فتى كغلمة وصبيةٍ، واختلف المفسرون في سبب مسيرهم:\nقال ابن عباس، ﵄: \" كانت مدينة بالروم (١) ظهر عليها ملك من الروم يقال له (٢) دقيانوس فغلب على مدينتهم وأرضهم، واسم مدينتهم افسُوس فجعل يدعوهم إلى عبادة الأوثان فمن كفر بالله واتبع دينه تركه، ومن لم يتبع دينه قتله، فهدا الله شابًا من أهل تلك المدينة إلى دين الإسلام فجعل يدعوا الناس سرًا حتى هدا الله على يده خمسة أغلمة، ففطن لهم الملك فأخذهم ودفعهم إلى آبائهم يحفظونهم حتى يرسل إليهم من يطلبهم من آبائهم، فأرسل إليهم فهربوا وقال الآباء: خرجوا من عندنا أمس فما ندري أين هم (٣) ومروا بغلام راع ومعه كلب له فدعوه إلى أمرهم فأعجبه ذلك فتابعهم عليه، فمضى معهم واتبعه كلبه \" (٤).\nوقال كعب الأحبار (٥):\n_________\n(١) في ب: \" كانت مدينة ظهر عليها ملك من الروم \".\n(٢) في ب: \"يقال لها\".\n(٣) من قوله: \"ومروا بغلام\" إلى قوله \" فتابعهم عليه \" ساقط من ب.\n(٤) انظر: انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٢٩٠).\n(٥) كعب الأحبار، أبو إسحاق بن ماتع الحميري، اليماني، أسلم في خلافة أبي بكر ﵁، وقدم من اليمن في خلافة عمر ﵁، وهو من مسلمة أهل الكتاب، روى عن جملة من الصحابة، سكن الشام ومات بحمص سنة اثنيتن وثلاثين.\n\nانظر: الثقات لابن حبان (٥/ ٣٣٣)، تذكرة الحفاظ (١/ ٥٢).","vol":"1","page":1195},{"text":"\" مروا بكلب فنبح عليهم فطردوه فعاد ففعلوا ذلك مرارًا فقال لهم الكلب: ما تريدون مني لا تخشوا جانبي أنا أحب أحباء الله فناموا حتى أحرسكم، ثم أتوا الكهف فدخلوا ثم أرسلوا بعضهم إلى السوق، قيل: هو الذي اسمه يمليخا ليشتري لهم طعامًا من السوق وركب الملك والناس معه في طلبهم وهم يسألون عنهم، فسمع يمليخا بذلك فعجل أن يشتري لهم كل الذي أرادوا واشترى بعضًا فأتاهم (١) به وأخبرهم أن الناس والملك في طلبهم فأكلوا ما أتاهم به ولم يشبعوا، ثم ناموا على جوعهم فضرب الله على آذانهم بالنوم وسار الملك والناس معه حتى انتهوا إلى باب الكهف فوجدوا آثارهم داخلين ولم يجدوا آثارهم خارجين، فدخلوا الكهف فطلبوهم فأعمى الله عليهم فلم يجدوا شيئًا فقال الملك: سدوا عليهم باب الكهف حتى يموتوا فيه فيكون قبورهم إن كانوا فيه، ثم انصرف الملك، فعمد رجلان مسلمان يكتمان إيمانهما إلى لوح من رصاص وكتبا فيه أسماء الفتية وأسماء آبائهم ومدينتهم وأنهم خرجوا فرارًا من دقيانوس الملك الكافر فمن ظفر بهم فإنهم مسلمون وألزقاه في السد من داخل الكهف \" (٢).\nوروي عن السدي (٣) أنه قال: \" كان في المدينة فتية ليس منهم أحد يعرف صاحبه، فخرج ملكهم مخرجا كان له وخرج الناس معه وخرج الفتية ومعهم واحدٌ معه كلبٌ وليس منهم أحد إلا وفي نفسه يقول: إن رأيت أحدًا استضعفته دعوته، فلما رجع الناس تخلف الفتية فاجتمعت على باب المدينة وقد أغلق فطلبوا أن يدخلوا فلم يفتح لهم فقال بعضهم: إني أسر إليكم فإن تابعتموني عليه رشدنا فقصّ عليهم أمره فقالوا جميعًا: نحن على هذا فذلك قوله\n_________\n(١) في ب: \"وأتاهم \".\n(٢) انظر: معالم التنزيل للبغوي (٥/ ١٤٧).\n(٣) السدي: تنظر ترجمته ص: ٤٧","vol":"1","page":1196},{"text":"﴿إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فصاروا إلى الكهف فدخلوا الكهف فرقدوا ورقد الكلب بفناء الكهف فضرب على آذانهم بالنوم، فلما فقدوا أهلهم انطلقوا إلى الملك فأخبروه (١) خبرهم فدعا بصخرة فكتب عليها أنهم هلكوا في زمان كذا ثم ضربها في سور المدينة على الباب، قال: وهو الرقيم \" (٢).\nوفي رواية عبيد بن عمير (٣):\n_________\n(١) في ب: \"فأخبرهم خبره\".\n(٢) ذكره السيوطي في الدر (٩/ ٤٨٨) مختصرًا وعزاه لابن أبي حاتم.\n(٣) عبيد بن عمير بن عامر الليثي الجندعي، قاص أهل مكة، قيل رأى النبي ﷺ، وهو ثقة معدود في كبار التابعين، سمع من عمر وعائشة ﵄، مات سنة ثمان وستين.\n\nانظر: الثقات لابن حبان (٥/ ١٣٢)، الإصابة (٥/ ٦٠).","vol":"1","page":1197},{"text":"كان أصحاب الكهف فتيانا مطوقين مسوّرين ذوي ذوائب، وكان معهم كلب صيدهم فخرجوا في عيد لهم عظيم في زي ومركب وأخرجوا معهم آلهتهم التي يعبدونها من دون الله وقد قذف الله تعالى في قلوب الفتية الإيمان، وكان أحدهم وزير الملك فآمنوا وأخذ كل واحد منهم الإيمان من صاحبه فقالوا في أنفسهم: من غير أن يظهر بعضهم لبعض نخرج من بين أظهر هؤلاء القوم لا يصيبنا عقاب بجرمهم، فخرج شاب منهم حتى انتهى إلى ظل شجرة فجلس فيه ثم خرج آخر فرآه جالسًا وحده فرجا أن يكون على مثل أمره (١) من غير أن يظهر ذلك فجلس إليه ثم خرج الآخرون فجاؤا فجلسوا إليهما واجتمعوا فقال بعضهم لبعض: ما جمعكم؟، وقال الآخر ما جمعكم؟ وكل واحد يكتم صاحبه إيمانه مخافةً على نفسه، ثم قالوا: ليخرج كل فتيين منكم فيخلوا ثم يفش كل واحد منهم لصاحبه، فأقبلوا مستبشرين أن قد اتفقنا على أمر واحد فإذا هم جميعًا على الإيمان وإذا كهف في الجبل قريب منهم فقال بعضهم لبعض: أُؤوا ﴿(إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا (١٦)﴾ فدخلوا الكهف ومعهم كلبُ صيدهم فناموا ثلثمائة سنين، قال: وفقدهم قومهم فطلبوهم فعمىّ الله عليهم آثارهم وكهفهم، فلما لم يقدموا كتبت أسماءهم وأنسابهم في لوح؛ فلان وفلان وفلان أبناء ملوكنا فقدناهم في شهر كذا في سنة كذا في مملكة فلان بن فلان ووضعوا اللوح في خزانة الملك، وقالوا: ليكونن لهذا شأن ومات ذلك الملك وجاء قرن بعد قرن (٢).\n_________\n(١) في ب: \" أن يكون على مثله\".\n(٢) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٥/ ١٧٣)، والبغوي في معالم التنزيل (٥/ ١٤٨).","vol":"1","page":1198},{"text":"وفي رواية وهب ابن المنبه (١) \" جاء رجل من حواري عيس بن مريم ﵇ إلى مدينة أصحاب الكهف فأراد أن يدخلها فقيل له: إن على ببابها صنمًا لا يدخل أحد إلا سجد له فكره أن يدخلها، فأتي حمّامًا كان بالقرب من المدينة وكان يعمل فيه يؤاجر نفسه من صاحب الحمام ورأى صاحب الحمام في حمّامه البَرَكة ودَرّ عليه الرزق، واجتمع عليه فتية من أهل المدينة فجعل يخبر من خبر السماء والأرض وخبر الآخرة حتى آمنوا به وصدقوه وكانوا على مثل حاله في حسن الهيئة فكان على ذلك حتى جاء ابن الملِك بامرأة فدخل بها الحمّام فماتا في الحمام جميعًا، فجاء الملك، فقيل له: قَتَل صاحب الحمام ابنك. فالتمسه فلم يقدر عليه فقال من كان يصحبه: فسمُوا الفتية فالتُمسوا فخرجوا من المدينة فمروا لصاحب لهم في زرع له وهو على مثل حالهم وأمرهم، فذكروا بأنهم التُمسوا فانطلق معم ومعه كلبٌ حتى آواهم الليل إلى الكهف فدخلوه فقالوا: نبيت ههنا الليلة ثم نصبح إن شاء الله فترون رأيكم فضرب الله تعالى على آذانهم، فخرج الملك في أصحابه يتبعونهم حتى بلغوا الكهف فكل من أراد الدخول أُرْعِب فلم يطق أحد أن يدخله فقال قائل: أليس لو كنتَ قَدَرْتَ عَلَيْهم قتلتهم؟ قال: بلى. قال: فابن عليهم باب الكهف واتركهم فيه فيموتوا عطشًا وجوعًا. ففعل.\n_________\n(١) وهب بن منبه بن كامل بن سيج، اليماني الصنعاني، أبو عبد الله الأبناوي، تابعي ثقة، روى عن أنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، كان عبادًا فاضلًا، توفي سنة أربع عشرة ومائة.\nانظر: التاريخ الكبير للبخاري (٨/ ١٦٤)، الثقات لابن حبان (٥/ ٤٨٧).","vol":"1","page":1199},{"text":"قال وهب: فغبروا نائمين بعدما سد عليهم باب الكهف زمانًا بعد زمان، ثم إن راعيًا أدركه المطر عند الكهف فقال: لو فتحت هذا الكهف وادخلته غنمي من المطر فلم يزل يعالجه حتى فتح ورد الله إليهم أرواحهم من الغد حين أصبحوا فنظر واحد منهم إلى الشمس عند زوال الشمس (١)، وقيل: عند غروبها فقال ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ﴾ قال واحد:\n_________\n(١) \"عند زوال الشمس ساقط\" من ب.","vol":"1","page":1200},{"text":"﴿لَبِثْنَا يَوْمًا﴾ وقال الآخر: ﴿أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ فقال كبيرهم: لا تختلفوا فإنه لم يختلف قوم إلا هلكوا ثم قال: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا﴾ يعني أطهر وأحل لأنهم كانوا يذبحون الخنازير فدفعوا (١) الدراهم إلى يمليخا فلما انتهى إلى باب الكهف إذا حجارة مكسورة على بابه فقال: إن هذا الشيء ما رأيناه بالأمس، فلما خرج ودنا إلى باب المدينة لم يعرفها فلما دخل المدينة لم يعرف أحدٌ من الناس فأشكل عليه فقال: لعل هذا غير تلك المدينة، فسأل إنسانًا فقال: أَيَّة مدينة هذه؟ فقال: أفسُوس. فقال: لقد أصابني شيء غَيّر عقلي هذه مدينتنا ولا أعرفها ولا أحدًا من أهلها فأخرج الدراهم إلى الخباز فدفع إليه وأخذ الخباز الدراهم وأنكرها؛ وقال: من أين لك هذه الدراهم لقد وجدتَ كنزًا لتخبرني وإلا دفعتك إلى الملك، وكان كل ملك يُحدُث بعد آخر بضرب الدراهم على اسمه فمن وُجِد معه غير ذلك الضرب علم أنه كنز، فلما وجدوا عنده ذلك الدراهم قالوا: هذا كنز. فقال: إن هذه ما أخرجته من المدينة الأمس فظن الخباز أنه يحتال عليه ليرسله فقال له: علمتُ أنك تحتال علي لأُرسلك (٢) والله لا أرسلك حتى تعطيني من هذا الكنز أو لأرفعنك إلى الملك، فاجتمع الناس فذهبوا به إلى الملك وجعل يمليخا يبكي فرقًا من (٣)\n_________\n(١) في ب: \"فرفعوا\".\n(٢) \"لأرسلك\" ساقط من أ.\n(٣) في أ: \"فرقًا أن يدفع\" ..","vol":"1","page":1201},{"text":"أن يُدفع إلى ملكهم الذي فر منه، فلما دخل على غيره سكن فقال له الملك: من أين لك هذه الدراهم؟ قال: خرجت بها عشية أمس أنا وأصحابٌ لي فرارًا من الملك دقيانوس قال أنت رجل شاب وذلك قد مضى منذ دهر طويل فما أنا الذي أرسلك حتى تخبرني من أين لك هذه فقص عليه أمره وأمر أصحابه، فقال أناس من المسلمين: قد أَخبَرنا بعضهم أن أباءنا أُخبروا أن فتية قد خرجوا بدينهم فرارًا من دقيانوس وإنا والله ما ندري لعله صادق فاركب فانظر لعله أراد الله أن يظهرك عليه أو يكون في ولايتك، فركب الملك وركب معه الناس المسلم والكافر حتى انتهوا إلى الكهف فلما رأى أصحابه الناس قد انتهوا إليهم عانق بعضهم بعضًا يبكون ولا يشكون إنه الملك الجبار الكافر فقال لهم يمليخا: امكثوا حتى أدخل أولًا فدخل عليهم وأخبرهم بالقصة (١).\nقال ابن عباس، ﵄ في وراية أبي صالح (٢) قال: \" دخل عليهم الملك والناس يسألونهم (٣) عن أمرهم وقصوا عليهم قصتهم فنطروا فإذا اللوح الذي كتبه المسلمان فيه أسماؤهم وأسماء أبائهم. فقال الملك: قوم هلكوا في زمان دقيانوس فأحياهم الله في زماني فلم يبق أحد من الكفار إلا أسلم إذ رآهم فبينما يحدثونهم إذ ماتوا \" (٤).\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٥/ ١٧٥)، وذكره السيوطي في الدر (٩/ ٥٠٢) وعزاه لعبد الرزاق وابن المنذر.\n(٢) أبو صالح، واسمه باذان، ويقال باذام، مولى أم هانئ بنت أبي طالب، روى عن علي، وأبي هريرة، وابن عباس، ﵃ وعن غيرهم، قال عنه أبن معين: \"ليس به بأس، وإذا روى عنه الكلبي فليس بشيء\"، وقال أبو حاتم: \"لايحتج به عامة ما عنده تفسير\".\nانظر: تهذيب الكمال (٤/ ٦)، الكاشف (١/ ٢٦٣).\n(٣) في ب: \"والناس يدخلونهم\".\n(٤) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٢٩٢).","vol":"1","page":1202},{"text":"وقال ابن عباس، ﵄ في رواية سعيد بن جبير (١) \" إن القوم لما انتهوا إلى الكهف فقال لهم: الفتى مكانكم حتى أدخل على أصحابي ولا تهجموا عليهم فيفزعوا منكم، فدخل فعمي عليهم المكان فلم يدروا أين ذهب ولم يقدروا على الدخول عليهم ففزعوا فقالوا ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا (٢١)﴾ فاتخذوا عليهم مسجدا وجعلوا يصلون فيه\" (٢).\n﴿فَقَالُوا رَبَّنَا آَتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ أعطنا من عندك وقبلك تعطفا.\n﴿وَهَيِّئْ لَنَا﴾ سهل لنا، والتهيئة: إحداث هيئة الشيء وشكله.\n﴿مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا (١٠)﴾ صلاحًا وفلاحًا.\n﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آَذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ﴾ أنمناهم، من قولهم: ضربت على النظر إذا أبطلته وجعلت عليه ما يمنع من الإدراك، وقيل: ألقينا النوم عليهم (٣).\nوقيل: منعناهم الإدراك بالأذان (٤).\nوقيل: ضربهم الله بالنوم كما يقال: ضربه الله بالفالج (٥).\nوقيل: تقول العرب: ضرب الله على أذن فلان ليلته إذا نام فيها فلم ينتبه في جميعها (٦).\nويحتمل أن المعنى: سلبنا حواسهم لأن النائم مسلوب الحواس وخص السمع بالذكر من بين الحواس لأن من سُلِبَ سمعه سُلِب عقله، والنائم مسلوب العقل بخلاف سائر الحواس.\n﴿سِنِينَ عَدَدًا (١١)﴾ أي معدودًا، وقيل: ذات عدد والمعنى سنين كثيرة، وقيل: سنين معدودة عند الله لا يعلمها أحد الحزبين.\n_________\n(١) سعيد بن جبير، تنظر ترجمته ص: ٤٩\n(٢) انظر: معالم التنزيل (٥/ ١٥٥).\n(٣) حكاه ابن جرير في جامع البيان (١٥/ ١٧٦).\n(٤) انظر: معالم التنزيل (٥/ ١٥٥).\n(٥) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٦/ ١٥٧).\n(٦) انظر: غرائب التفسير (١/ ٦٥٢).","vol":"1","page":1203},{"text":"الفراء (١): سنين تعدونها لا تحققونها (٢).\n﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ﴾ أيقظناهم.\n﴿لِنَعْلَمَ﴾ علم مشاهدة ووجود.\nابن جرير: (٣) ليعلم عبادُنا (٤).\n﴿أَيُّ الْحِزْبَيْنِ﴾ الحزب الجماعة (٥)، والحزبان عند السدي: اليهود والنصارى (٦). وقيل: هما أصحاب الكهف فحزب قال ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ﴾ وحزب قال ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ (٧).\nقتادة: المؤمنون والكافرون (٨).\nوقيل: أصحاب الكهف في قولهم ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾، واليهود في قولهم\n﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِئَةٍ﴾ (٩).\n_________\n(١) يحيى بن زياد بن عبد الله، الدَّيْلمي، أبو زكريا المعروف بالفرَّاء، لأنه كان يفري الكلام، كان من أعلم الكوفيين بالنحو واللغة، صنف: معاني القرآن، المصادر في القرآن، النوادر، توفي سنة سبع ومائتين.\nانظر: بغية الوعاة (٢/ ٣٣٣)، طبقات المفسرين للداوودي (٢/ ٣٦٧).\n(٢) انظر: معاني القرآن للفراء (٢/ ١٣٥).\n(٣) ابن جرير، تنظر ترجمته ص: ٤٢\n(٤) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ١٧٦).\n(٥) الحِزْبُ: الجماعة من الناس، والجمع أَحزاب، وحزب الرجل: أصحابه وجنده الذين على رأيه، وكل قوم تشاكلت قلوبهم وأعمالهم فهم أحزاب، والأحزاب: الطوائف التي تجتمع على محاربة الأنبياء.\nانظر: لسان العرب (٣/ ١٤٨)، مادة: حزب.\n(٦) انظر: البحر المحيط (٦/ ١٠٠).\n(٧) وهو قول مجاهد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ١٧٧).\n(٨) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ١٧٧).\n(٩) انظر: غرائب التفسير (١/ ٦٥٢).","vol":"1","page":1204},{"text":"ابن بحر (١): أحد الحزبين الله، والثاني الخلق كقوله ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٤٠] (٢).\n﴿أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا (١٢)﴾ أحصى أفعل من عند الجمهور من الإحصاء وهو: العدّ.\nأبو علي الفارسي (٣): قد أحصى على المضي، أي: أحاط علمًا بأمد لُبثهم (٤)، والصواب ماذهب إليه أبو علي (٥)؛ لأن التفضيل من بناء أفعل شاذ، حكى سيبويه (٦) ما أعطاه وما أولاه فحسب (٧).\n_________\n(١) محمد بن بحر الأصفاني، الكاتب، أبو مسلم، كان نحويًا، بليغًا، مفسرًا، متكلمًا، غالي في الاعتزال، صنف: جامع التأويل لمحكم التنزيل، على مذهب المعتزلة، الناسخ والمنسوخ، توفي سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة.\nانظر: بغية الوعاة (١/ ٥٩)، طبقات المفسرين للداوودي (٢/ ١٠٩).\nانظر: طبقات المفسرين للسيوطي (٢/ ٢١٣)\n(٢) انظر: النكت والعيون الماوردي (٣/ ٢٨٩)، البحر المحيط (٦/ ١٠٠).\n(٣) الحسن بن أحمد بن عبد الغفار، أبو علي الفارسي، واحد زمانه في العربية، أخذ عن الزجاج، وعنه ابن جني، كان متهما بالاعتزال، صنف: الحجة، التذكرة، الأغفال، وغيرها، توفي سنة سبع وسبعين وثلاثمائة.\nانظر: سير أعلام النبلاء (١٦/ ٣٧٩)، بغية الوعاة (١/ ٤٩٦).\n(٤) انظر: الإغفال لأبي علي الفارسي (٢/ ٣٥٩).\n(٥) وهو أبو علي الفارسي.\n(٦) عمرو بن عثمان بن قنبر، أبو بشر، إمام البصريين في النحو، المعروف بسيبويه، وهي كلمة فارسية معناها رائحة التفاح، اصله من فارس، أخذ عن الخليل بن أحمد، كان علامة حسن التصنيف، صنف: التاب في النحو، توفي سنة ثمان وثمانين ومائة، وقيل: غير ذلك.\nانظر: سير أعلام النبلاء (٨/ ٣٥١)، بغية الوعاة (٢/ ٢٢٩).\n(٧) انظر: كتاب سيبويه (١/ ٢٣٦)، وقد ذكر أبو حيان في البحر المحيط (٦/ ١٠١، ١٠٠) الأقوال بالتفصيل.","vol":"1","page":1205},{"text":"﴿لِمَا لَبِثُوا﴾ أي: لمدة لبثهم.\n﴿أَمَدًا﴾ غاية، مقاتل (١): أجلًا (٢).\nمجاهد: عددًا (٣).\nو﴿أَمَدًا﴾ نصب على التمييز لوقوعه بعد أفعل، وقيل: نصب بوقوع لبثوا عليه، وعلى قول أبي علي مفعول ﴿أَحْصَى﴾ (٤).\n﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ بالصدق، وقيل: باليقين (٥).\n﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ﴾ شباب.\n﴿آَمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (١٣)﴾ ثبتناهم على ذلك.\n﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ قوينا قلوبهم على إتمام ما نووا، وقيل: ألهمناهم الصبر (٦).\n﴿إِذْ قَامُوا﴾ بين يدي دقيانوس الملك.\nوقيل: قاموا بالدعوة إلى الإيمان سرًا (٧).\nوقيل: قاموا على أرجلهم (٨).\nوقيل: قاموا من رقدتهم (٩).\nوقيل: قاموا على إيمانهم ولم يرتدوا (١٠).\n﴿فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ خالقهما.\n﴿لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا (١٤)﴾ كذبا، وخطأً، وجورًا، وقولًا\n_________\n(١) مقاتل، تنظر ترجمته ص: ٤٦\n(٢) انظر: النكت والعيون (٣/ ٢٨٨).\n(٣) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ١٧٨).\n(٤) انظر: الإغفال لأبي علي الفارسي (٢/ ٣٥٩)، وانظر ترجمة أبي علي الفارسي ص: ٥٩.\n(٥) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ١٧٩).\n(٦) حكاه الواحدي في الوسيط (٣/ ١٣٨).\n(٧) عزاه في زاد المسير (٥/ ١١٥) للحسن.\n(٨) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ١٣٨).\n(٩) حكاه السمرقندي في بحر العلوم (٢/ ٢٩٣).\n(١٠) انظر: المصدر السابق (٢/ ٢٩٣).","vol":"1","page":1206},{"text":"غاليًا، وهذه (١) أقوالُ، وأصله من شِطْتُ أي: بَعُدْتُ، وأَشَط: جاوز الحد (٢).\n﴿هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا﴾ أي: في النسب.\n﴿اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ﴾ أي: هلا يأتون تحريض.\n﴿عَلَيْهِمْ﴾ على عبادتهم.\n﴿بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ﴾ بحجة ظاهرة، وقيل: بعذر (٣).\nوقيل: بكتاب (٤).\nقتادة: كل سلطان في القرآن فمعناه الحجة (٥).\n﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (١٥)﴾ في إشراكه مع الله آلهه.\n﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ﴾ إذ بعدتم عن القوم وأصل هذا التركيب البعد.\n_________\n(١) في أ: \"وهذا\".\n(٢) الشط: الإفراط في البعد، يقال: شطت الدار، وأشَطَّ يقال: في المكان، وفي الحكم، وفي السوم.\nانظر: المفردات للراغب (٤٥٣)، مادة: شطط.\n(٣) قاله قتادة.\nانظر: النكت والعيون (٣/ ٢٨٩).\n(٤) قاله الكلبي.\nانظر: المصدر السابق (٤/ ٢٨٩).\n(٥) هذا القول مروي عن ابن عباس، ﵄ كما أخرجه عبد الرزاق في تفسيره\n(٢/ ٣٩٩)، وابن جرير في جامع البيان (١٨/ ٣٦)، وعزاه السيوطي في الدر (٥/ ٨٥) لابن المنذر وابن أبي حاتم.\nقال عنه ابن كثير في تفسيره (١/ ٥٨٣) \" وهذا إسناد صحيح، وكذا قال مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، ومحمد بن كعب القرضي، والضحاك، والسدي، والنضر بن عربي \".","vol":"1","page":1207},{"text":"﴿وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ أي: الأصنام، والاستثناء منقطع، ويجوز أن يكون القوم كانوا يعبدون الله ويعبدون الأصنام، ويكون الاستثناء متصلًا، ويحتمل ﴿إِلَّا اللَّهَ﴾ (١) دون الله، ويقويه (٢) مصحف ابن مسعود ﵁ (٣) \" وما يعبدون من دون الله \" (٤).\n﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ﴾ صيروا إليه.\n﴿يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ﴾ يبسط ويوسع عليكم.\n﴿مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ رزقه، وقيل: من توفيقه (٥).\n﴿وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا (١٦)﴾ يسهل لكم ما تريدون من أمر الدين.\nوقيل: معاشكم المرفق والفلاح (٦). وقيل: ترتفقون به (٧).\n_________\n(١) في ب: \"ويحتمل وما إلا الله\".\n(٢) في أ: \"يقويه\".\n(٣) عبد الله بن مسعود بن غافل الهذلي المكي، يكنى ابن أم عبد، حليف بني زُهرة، من السابقين إلى الإسلام، هاجر الهجرتين، وشهد المشاهد مع رسول الله ﷺ، ثم مع الخلفاء الراشدين، توفي سنة اثنتين وثلاثين، بالمدينة.\nانظر: الاستيعاب (٣/ ١١٠)، الإصابة (٤/ ٢٣٣).\n(٤) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ١٨٢)، قال: \"وهذا تفسيرها\".\n(٥) قال ابن جرير في جامع البيان (١٥/ ١٨٢): \"يبسط لكم ربكم من رحمته، بتيسيره لكم المخرج من الأمر الذي قد رميتم به من الكافر دقينوس، وطلبه إياكم لعرضكم على الفتنة\".\n(٦) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ١٣٨).\n(٧) المِرفَق والمَرْفِق من الأمر هو ما ارتفقت به وانتفعت، وهما لغتان بكسر الميم وفتح الفاء، وفتح الميم وكسر الفاء، ومرافق الدار المراحيض ومصاب الماء ونحوها، والرفيق هو المرافق والصاحب في السفر خاصة، والرفق ضد العنف، وهو لين الجانب ولطافة الفعل، والمِرْفَق من الإنسان والدابة أعلى الذراع وأسفل العضد.\n\nانظر: مختار الصحاح للرازي (١/ ٢٦٧)، لسان العرب (١٠/ ١١٨)، مادة: رفق.","vol":"1","page":1208},{"text":"﴿* وَتَرَى الشَّمْسَ﴾ أي: لو رأيتهم بهذه الصفة.\n﴿إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ﴾ تميل عنه لا يقع شعاعها عليهم لأن الكهف في مقابلة بنات النَّعْش (١).\n﴿ذَاتَ الْيَمِينِ﴾ أي: ذات يمين القوم، ويجوز يمين الكهف.\n﴿وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ﴾ تتركهم وتعدل عنهم.\n﴿ذَاتَ الشِّمَالِ﴾ ابن عباس، ﵄: تَمُرُّ بهم (٢).\nالفراء (٣): وهو المحاذاة (٤).\nقطرب (٥): تقرضهم تأتي عليهم يمينا وشمالًا (٦).\n_________\n(١) الزَّوَر: الميل، ومنه عنق أزور أي: مائل، وركية زوراء: غير مستقيمة الحفر، وبئر زوراء: بعيدة القعر.\nانظر: مختار الصحاح (١/ ٢٨٠)، القاموس المحيط (٥١٤).\nوبنات نعش كواكب معروفة؛ وهي بنات نعش الكبرى والصغرى؛ فالكبرى سبعة كواكب؛ أربعة منها نعش - أي على هيئة نعش - وهي: الفرقدان، والجدي، والسهى، والفكة، وثلاث والتي تسمى بنات، وبنات نعش الصغرى وهي بقرب الكبرى، وسميت بذلك تشبيهًا بحملة النعش.\nانظر: أدب الكاتب لابن قتيبة (٧٢)، المزهر في علوم اللغة للسيوطي (١/ ٤٠٧).\n(٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٠/ ٣٦٩).\nوالمعنى: أنهم كانوا لاتصيبهم الشمس البته كرامة لهم، فإذا طلعت مالت عن الكهف ذات اليمين وإذا غربت تمر بهم ذات الشمال فلا تصيبهم في ابتداء النهار ولا في آخره.\n(٣) الفراء، تنظر ترجمته ص: ٥٨\n(٤) انظر: معاني القرآن للفراء (٢/ ١٣٧).\n(٥) قطرب، محمد بن المستنير، أبو علي النحوي، لازم سيبويه، وكان يرى رأي المعتزلة النظامية، صنف: المثلث، النوادر، العلل في النحو، الأضداد، توفي سنة ست ومائتين.\nانظر: بغية الوعاة (١/ ٢٤٢).\n(٦) لم أقف عليه، والله أعلم.","vol":"1","page":1209},{"text":"ابن عيسى (١): تعطيهم اليسير من شعاعها ثم تأخذه بانصرافها من قرض\n\nالدراهم (٢)، (٣).\n﴿وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ﴾ متسع وفضاء.\n﴿مِنْهُ﴾ من الكهف ينالهم نسيم الريح وبرد الهواء.\nسعيد بن جبير: فجوة منه: داخل منه (٤).\nوقيل: المكان الموحش (٥).\n﴿ذَلِكَ﴾ أي: المذكور.\n﴿مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ﴾ آيات قدرته على ما يريد.\n﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾ من يوفقه فهو الذي اهتدي وأصاب.\n﴿وَمَنْ يُضْلِلْ﴾ يخذله.\n﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا (١٧)﴾ أي: ومن أضله فلا هادي له.\n﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا﴾ جمع يقظ بالضم والكسر.\n﴿وَهُمْ رُقُودٌ﴾ أي: لو رأيتهم مشاهدة لظننت ذلك لأن عيونهم كانت مفتوحة كأنهم أحياء ينظرون.\n_________\n(١) ابن عيسى، علي بن عيسى، أبو الحسن الرماني، ويعرف أيضًا بالإخشيدي، وبالوراق، كان إمامًا في العربية والأدب، على مذهب المعتزلة، صنف: التفسير، الحدود الأكبر، والأصغر، معاني الحروف، شرح المقتضب، توفي سنة أربع وثمانين وثلاثمائة.\nانظر: بغية الوعاة (٢/ ١٨٠).\n(٢) أصل القَرْض القطع، ومنه قرضت الثوب قطعته، وقرضت الدراهم أي قطعت جزءً منها لك، وقرضت الوادي جزته، وقرضت المكان عدلت عنه، وقَرَضَ الشعر أي: قاله.\nانظر: لسان العرب (١٥/ ٣٦٤)، مادة: قرض، المصباح المنير (٢/ ٤٩٨)، مختار الصحاح (١/ ٥٦٠).\n(٣) انظر: النكت والعيون الماوردي (٣/ ٢٩٠).\n(٤) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٥/ ١٨٩).\n(٥) حكاه الماوردي في النكت والعيون (٣/ ٢٩١).","vol":"1","page":1210},{"text":"﴿وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ﴾ يريد في رقدتهم كيلا تأكل الأرض ما يليها من أبدانهم على طول المدة، و﴿ذَاتَ الْيَمِينِ﴾ صفة البقعة أي: من البقعة التي تلي أيمانهم إلى البقعة التي تلي شمالهم وهي نصب على الظرف.\nوعن قتادة: أن التقليب كان في الرقدة الأولى (١)، وعن ابن عباس، ﵄: أن لهم في كل عام تقليبين (٢).\n﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ﴾ الإجماع على أنه الكلب المعروف (٣)، وكان لهم لقوله سبحانه ﴿وَكَلْبُهُمْ﴾ وقيل: كان لواحد منهم وهو الراعي الذي تبعهم ومعه كلبه، وإضافته إلى الجماعة إضافة اجتماع.\nوقيل: لم يكن كلبًا وإنما كان طباخًا لهم تبعهم (٤).\nوقيل: كان راعيًا (٥)، وهذان القولان خلاف الإجماع.\nواختُلف في اسم الكلب ولونه؛ فقيل: كان أصفر (٦).\nوقيل: كان أحمر (٧) كأنه كساءٌ انبجاني (٨).\nوقيل: أنمر (٩)،\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٥/ ١٩١).\n(٢) ذكره السيوط في الدر (٩/ ٥٠٧) وعزاه لابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(٣) انظر: معالم التنزيل للبغوي (٥/ ١٥٨).\n(٤) حكاه ابن جرير في جامع البيان (١٥/ ١٩٢).\n(٥) حكاه الماوردي في النكت والعيون (٣/ ٢٩٢).\n(٦) حكاه الثعلبي في الكشف والبيان (٦/ ١٦٠) عن ابن عباس، ﵄.\n(٧) في ب: \"كأنه أحمر\"، وهو قول محمد بن كعب القرضي.\nانظر: المصدر السابق (٦/ ١٦٠).\n(٨) كساء منسوب إلى موضع اسمه إنبجان وهو كساء يتخذ من الصوف له خمل ولا علم له، وهو من أدون الثياب الغليظة.\nانظر: النهاية في غريب الأثر (١/ ٢٧٢)، لسان العرب (١٤/ ١٥).\n(٩) النمرة: النكتة من أي لون كان، والأنمر الذي فيه نُمْرة بيضاء وأخرى سوداء، والنِّمر ضرب من السباع.\n\nانظر: القاموس المحيط (٦٢٧)، لسان العرب (١٤/ ٢٨٩)، مادة: نمر.","vol":"1","page":1211},{"text":"وهو الأكثر في التفاسير (١).\nوقيل: كالخلنج (٢).\nالثعلبي (٣) قيل: لون الحجر (٤).\nوقيل: لون السماء.\nعليَّ ﵁: اسمُه: رَيَّان (٥).\nابن عباس، ﵄: قطمير (٦).\nوقيل: قِطْفِير.\nالأوزاعي (٧): تنوه (٨).\nوقيل: حمران (٩).\n_________\n(١) وهو قول ابن عباس، ﵄.\nانظر: الكشف والبيان للثعلبي (٦/ ١٦٠)، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٠/ ٣٨٤).\n(٢) الخلنج: شجر فارسي معرب يتخذ من خشبه الأواني.\nانظر: مختار الصحاح (١/ ٧٧).\n(٣) الثعلبي، أحمد بن محمد بن إبراهيم، النيسابوري، كان عامًا بالقرآن، وعنه أخذ الواحدي، صنف: تفسيره الكشف والبيان، والعرائس في قصص القرآن، توفي سبع وعشرين وأربعمائة.\nانظر: سير أعلام النبلاء (١٧/ ٤٣٥)، طبقات المفسرين للداوودي (١/ ٦٦)\n(٤) انظر الكشف والبيان للثعلبي (٦/ ١٦٠).\n(٥) في أ، ب \" ربان \" والصحيح ما أثبت.\nانظر: الكشف والبيان للثعلبي (٦/ ١٦٠)، معالم التنزيل للبغوي (٥/ ١٥٨).\n(٦) انظر: بحر العلوم لأبي الليث السمرقندي (٢/ ٣٤٣)، الكشف والبيان للثعلبي (٦/ ١٦٠)، معالم التنزيل للبغوي (٥/ ١٥٨)، وهو قول مقاتل أيضًا كما في تفسيره (٢/ ٣٠٤).\n(٧) الأوزاعي، عبد الرحمن بن عمرو بن يُحْمَد الأوزاعي، من قبيلة الأوزاع، إمام الشام في زمانه في الفقه والزهد، توفي سنة سبع وخمسين ومائة.\nانظر: الثقات لابن حبان (٧/ ٦٢)، سير أعلام النبلاء (٧/ ١٠٧).\n(٨) في معالم التنزيل للبغوي (٥/ ١٥٨) عن الأوزاعي \" بتور \"، وفي الكشف والبيان للثعلبي (٦/ ١٦٠) \" نتوى \" بخلاف ما ذكره الكرماني هنا، والله أعلم.\n(٩) عزاه في الكشف والبيان (٦/ ١٦٠) لشعيب الجبائي.","vol":"1","page":1212},{"text":"ابن كثير (١): قُطْمُور (٢).\nالسديّ: نور (٣).\nابن سلام (٤): بسيط (٥).\nكعب: صهباء (٦)، (٧).\nوهب (٨): تقيٌ (٩)، ولولا أن المفسرين ذكروا لكان الإضراب عنه أولى (١٠).\n﴿بِالْوَصِيدِ﴾ ابن عباس، ﵄: فناء الكهف (١١).\nابن جبير: الوصيد: الصعيد (١٢)،\n_________\n(١) عبد الله بن كثير الداري المكي، أبو معبد القارئ، مولى عمرو بن علقمة الكناني، كان عطارًا بمكة، قرأ القرآن على مجاهد، كان ثقة له أحاديث صالحة، توفي سنة عشرين ومائة.\nانظر: تهذيب الكمال (١٥/ ٤٦٧)، سير أعلام النبلاء (٥/ ٣١٨).\n(٢) انظر: زاد المسير (٥/ ١٢٦)، وذكره السيوطي في الدر (٩/ ٥٠٨) وعزاه لابن أبي حاتم عن مجاهد.\n(٣) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٦/ ١٦٠).\n(٤) عبد الله بن سلام بن الحارث، أبو الحارث الإسرائيلي، أسلم لما قدم رسول الله ﷺ المدينة، وكان اسمه في الجاهلية الحصين فسماه رسول الله ﷺ عبد الله، توفي سنة ثلاث وأربعين في خلافة معاوية.\nانظر: الاستيعاب (٣/ ٥٣)، سير أعلام النبلاء (٢/ ٤١٣).\n(٥) انظر: المصدر السابق (٦/ ١٦٠).\n(٦) في ب: \" كعب بن صهيب \" وهو تصحيف.\n(٧) انظر: الجامع الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٠/ ٣٧).\n(٨) وهب بن منبه، تنظر ترجمته ص: ٥٤\n(٩) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٦/ ١٦٠).\n(١٠) والحاصل أن الخوض في عدد أصحاب الكهف، ومكانهم، واسم ولون كلبهم لاطائل من ورائه ولو كان كذلك لبينه الله ورسوله وأكثرها أخبار متلقاة عن أهل الكتاب والأولى عدم الخوض فيها.\n(١١) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٥/ ١٩٢)، وذكر أنه قول مجاهد، وقتادة، والضحاك.\n(١٢) \"الصعيد\" ساقط من أ.\n\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ١٩٣)، وذكره السيوطي في الدر (١٥/ ٥١٠)، وعزاه لابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"1","page":1213},{"text":"وهو التراب.\n\nالسدي: الوصيد: الباب (١).\nعطاء (٢): الوصيد: عتبة الباب (٣)، تقول العرب: أصدت الباب وأوصدته إذا أطبقته.\nوقيل: الوصيد الحظيرة (٤).\n﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ﴾ لو أشرفت عليهم فنظرت إليهم.\n﴿لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا﴾ لأعرضت عنهم وهربت منهم.\n﴿وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا (١٨)﴾ وامتلأت منهم خوفًا، لأن أظافرهم وشعورهم طالت وأن الله ألبسهم من الهيبة ما لايصل إليهم واصل ولا تلمسهم يد لا مس وهم في مكان وحيش مظلم خال (٥)،\n_________\n(١) وهو رواية عكرمة عن ابن عباس، ﵄.\nانظر: معالم التنزيل للبغوي (٥/ ١٥٨)، تفسير ابن كثير (٣/ ٨٠)، مفاتيح الغيب للرازي (٢١/ ٨٦).\n(٢) عطاء بن أبي رباح بن أسلم، أبو محمد القرشي، المكي، ولد في خلافة عمر ﵁، وروى عن عائشة، وأبي هريرة، وابن عباس ﵃، كان مفتي أهل مكة ومحدثهم، توفي سنة أربع عشرة ومائة بمكة.\nانظر: تذكرة الحفاظ (١/ ٩٨)، سير أعلام النبلاء (٥/ ٧٨).\n(٣) انظر: معالم التنزيل للبغوي (٥/ ١٥٨).\n(٤) حكاه في النكت والعيون (٣/ ٢٩٢) عن اليزيدي.\nوالصحيح أن يقال أن المراد بالوصيد الباب أو فناء الباب حيث يغلق الباب، وذلك أن الباب يوصد وإيصاده إغلاقه ومنه قوله تعالى ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ [الهمزة: ٨].\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ١٩٤)، تفسير ابن كثير (٣/ ٨٠).\n(٥) القول بتغير هيئاتهم لادليل عليه، لأنهم لو كانوا يتلك الصفة لأنكروا أحوالهم عند استيقاضهم ولم يقولوا (لبثنا يومًا أو بعض يوم)، وكذلك من بُعِث إلى المدينة لم ينكر إلا تغير البناء لا تغير حاله.\n\nانظر: البحر المحيط لأبي حيان (٦/ ١٠٦)، تفسير ابن كثير (٣/ ٨١).","vol":"1","page":1214},{"text":"ويحتمل أن الخطاب للنبي ﵇ والمراد به غيره وكذلك ما قبله من قوله\n﴿* وَتَرَى الشَّمْسَ﴾ وقوله ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا﴾ وقوله ﴿بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ﴾ إنما نون واسم الفاعل إذا كان بمعنى الماضي لا ينون لأنه حكاية عن الحال التي كان الكلب عليها، لأن المعنى: يبسط الكلب ذراعيه على عادة الكلب فأبقاه الله كذلك إلى أن بُعِث القوم.\n﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ﴾ الزجاج: بعثناهم آية كما أنمناهم آية (١).\nابن جرير: كما أنمناهم مدة طويلة بقدرتنا كذلك بعثناهم من مرقدهم بقدرتنا (٢).\nوقيل: شبه حالهم بعد البعث بحالهم قبل النوم (٣).\n﴿لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ﴾ ليسأل بعضهم بعضًا اللام لام العاقبة عند بعضهم أي: بعثناهم فليتساءلوا، وقيل: تقديره (٤): ليتساءلوا فليعرفوا ما جري عليهم ويعلموا قدرة الله وليعلم سائر الناس أيضًا حالهم.\n﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ﴾ مكثتم، واللبث (٥): البقاء أكثر من ساعة (٦)، وتقديره: كم مدةً لبثتم، وإنما شَكّوا لأنهم كانوا في موضع مظلم ولم يدروا أهم في يومهم أم في غدهم (٧).\n﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ وليس هذا منهم كذبًا لأنهم عنوا في ظنهم والسؤال وقع عن الظن لأن النائم لا يحصى مدة نومه، ثم أحالوا على الله معرفة ذلك قالوا ...\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن للزجاج (٣/ ٢٢١).\n(٢) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ١٩٥).\n(٣) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ١٤٠).\n(٤) في ب: \"وقيل ليتساءلوا\".\n(٥) في أ: \"اللبث\". بدون الواو.\n(٦) اللبث: المكث والإقامة بالمكان.\nانظر: المفردات للراغب (٧٣٣)، لسان العرب (١٢/ ٢١٩).\n(٧) في أ: \"أهم في يومهم أم في غده\".","vol":"1","page":1215},{"text":"﴿(رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ﴾ (ما) للمصدر، أي: مدة لبثكم.\n﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ بدرهمكم، والوَرِق: الفضة والدرهم، أي: انفذوا الدراهم مع واحد غير معروف في المدينة.\n﴿فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا﴾ أي: بائعي أهل المدينة.\n﴿أَزْكَى طَعَامًا﴾ أحل طعامًا، عكرمة (١): ﴿أَزْكَى﴾ أكثر، والزكاء النماء (٢).\nابن عباس، ﵄: أطهر (٣).\nوقيل: أرخص (٤).\nوقيل: أطيب (٥)،\nالزجاج: مالم يؤخذ غصبًا ولا هو من جهة لا تحل (٦).\n﴿فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ﴾ بطعام.\n﴿وَلْيَتَلَطَّفْ﴾ قيل: في اختيار الأزكى لأنهم كانوا يذبحون الخنزير (٧).\nوقيل: فليترفق في شراءه وفي دخول المدينة (٨).\nوقيل: يُخْفي نفسه وما يشتريه لئلا يُعْلَمَ به (٩).\n_________\n(١) عكرمة بن عبد الله، ابو عبد الله البربري، المدني، الهاشمي، الحبر العالم، مولى ابن عباس رضي الله عهما، روى عنه وعن عائشة، وأبي هريرة، ﵃، كان عامًا بالتفسير، روى له الجماعة، توفي سنة أربع ومائة بالمدينة.\nانظر: سير أعلام النبلاء (٥/ ١٢) / طبقات المفسرين للداوودي (١/ ٣٨٦).\n(٢) انظر: معالم التنزيل للبغوي (٥/ ١٦٠)، زاد المسير (٥/ ١٢١).\n(٣) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٢٩٤)، البحر المحيط لأبي حيان (٦/ ١٠٧).\n(٤) حكاه في النكت والعيون (٣/ ٢٩٤).\n(٥) قاله الضحاك.\nانظر: معالم التنزيل (٥/ ١٦٠).\n(٦) انظر: معاني القرآن للزجاج (٣/ ٢٢٥).\n(٧) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٢١٤).\n(٨) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٢١٤).\n(٩) انظر: النكت والعيون (٣/ ٢٩٤).","vol":"1","page":1216},{"text":"﴿وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (١٩)﴾ أي: لا يفعل ما يكون سببًا لمعرفة القوم بأحوالكم.\n﴿إِنَّهُمْ﴾ أهل القرية، ويجوز أن يعود إلى ﴿أَحَدًا﴾ لأنه للعموم كقوله ﴿مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٧].\n﴿إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ يعلوكم ويظفروا بكم، من ظَهَرَه إذا علاه وغلبه.\nوقيل: يطلعوا عليكم ويعلموا بمكانكم (١).\n﴿يَرْجُمُوكُمْ﴾ يقتلوكم، وقيل: يسبوكم (٢).\nوقيل: يرموكم بالحجارة، والرجم أسوء القتل (٣).\n﴿أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ﴾ يكلفوكم العودة إلى الكفر.\n﴿وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا (٢٠)﴾ بعد العود إلى الكفر أبدًا دائمًا.\n﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾ أي: أظهرنا أمرهم، تقول: عثر على الشيء عثورًا إذا علمه، ويقال: عثر كما قيل: وقع على الشيء وسقط عليه إذا علمه، وقيل: لأن من عثر بشيء (٤) وهو غافل نظر إليه أي: ليعلم ماهو ثم استعير مكان التَّبَيّن (٥).\n﴿لِيَعْلَمُوا﴾ أي: الناس.\n﴿أَن وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ بالثواب والعقاب حق كائن.\n﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ﴾ القيامة.\n﴿لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ لا شك فيها أي: يستدلون بأمرهم على صحة أمر البعث.\n_________\n(١) حكاه الواحدي في الوسيط (٣/ ١٤١).\n(٢) قاله ابن جريج.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٢١٥).\n(٣) حكاه الزجاج في معاني القرآن (٣/ ٢٢٥).\n(٤) في أ: \"من عثر لشيء\".\n(٥) العَثْر: الاطلاع على سر الرجل، وعثر على الأمر يَعْثُر عثرًا وعُثُورًا اطلع، وأعثرته عليه أطلعته عليه، وعَثَرَ الرجل يعْثُر عُثُورًا إذا هجم على أمر لم يهجم عليه غيره.\nانظر: لسان العرب (٩/ ٤٥)، مادة: عثر، القاموس المحيط (٥٠٦).","vol":"1","page":1217},{"text":"﴿إِذْ يَتَنَازَعُونَ﴾ حين ينازع أهل ذلك الزمان أمر أصحاب الكهف.\n﴿بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ﴾ بين أهل الزمان، والجمهور على أن التنازع بعد اليقظة وهو أن قال بعضهم: قد ماتوا في الكهف، وبعضهم قال: بل هم نيام كما ناموا أول مرة.\nوقيل: التنازع هو أنهم لما أُظْهِروا عليهم (١) قال بعضهم ﴿فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا﴾ يُعْرَفُون به (٢)، وقال الآخرون (٣): اتخذوا عليهم مسجدا.\nوقيل: اختلفوا؛ فقالت النصارى: نبني كنيسة، وقال المسلمون: نبني مسجدًا (٤).\nوقيل: التنازع قبل أن يستيقظوا فتنازع المسلمون في بناء مسجدٍ ليصلوا فيه إذا انتبهوا (٥).\n﴿رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ﴾ أي: على دينهم دين أصحاب الكهف.\n﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا (٢١)﴾ يُصَلى فيه.\n﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ أي: هم ثلاثة رجال وكلب، ومعنى ﴿رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ يربعهم بانضمامهم إليه، وكذلك خامس الأربعة وسادس الخمسة إلى عاشر التسعة، وأما ثالث ثلاثه ورابع أربعة وثاني اثنين فالمعنى (٦): واحد الثلاثه وواحد الأربعة وواحد الاثنين.\n﴿وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾ أي: تخرصًا وظنًا، وقيل: قذفًا بالغيب أي ظنًا يظنونه (٧).\n_________\n(١) في ب: \"لما أظهروا قال بعضهم\"، وانظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٢١٦).\n(٢) انظر: معالم التنزيل للبغوي (٥/ ١٦١)، زاد المسير (٥/ ١٢٣).\n(٣) في ب: \" آخرون\".\n(٤) قاله ابن عباس، ﵄. .\nانظر: الكشف والبيان للثعلبي (٦/ ١٦٢).\n(٥) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٢١٦).\n(٦) في أ: \"والمعنى\".\n(٧) قاله قتادة.\n\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٢١٨).","vol":"1","page":1218},{"text":"وقيل: رجمًا (١): ظنًا بلغة هذيل (٢)، (٣).\n﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ وروي عن ابن جريج (٤) ومحمد بن إسحاق (٥) أنهم كانوا ثمانية سوى الكلب (٦)،\n_________\n(١) الرَّجم: القول بالظن والحدس، والرَّجم: اسم لما يُرْجَمُ به.\nانظر: لسان العرب (٥/ ١٦١)، مادة: رجم.\n(٢) انظر: معاني القرآن للزجاج (٣/ ٢٢٦).\n(٣) هذيل: قبيلة من قبائل العرب تنسب لهذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر، من عدنان، نزلوا وادي نخلة، ولهم منازل بين مكة والمدينة.\nانظر: جمهرة النسب للكلبي (١٣٠)، جمهرة أنساب العرب لابن حزم الأندلسي (١٩٦).\n(٤) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الرومي الأموي، المكي، الإمام المجتهد، الحافظ، فقيه الحرم، أدرك صغار الصحابة ولم يحفظ عنهم، صنف كتاب السنن، والتفسير، توفي سنة خمسين ومائة.\nانظر: سير أعلام النبلاء (٦/ ٣٢٥)، طبقات المفسرين للداوودي (١/ ٣٥٨).\n(٥) محمد بن إسحاق بن يسار المطلبي، المدني، أبو عبد الله، صاحب المغازي، كان عالمًا، ذكيًا، عارفًا بالأخبار والأنساب، رأى أنسًا، وروى عن عطاء والزهري، له غرائب واختلف في الاحتجاج به، توفي سنه إحدى وخمسين ومائة.\nانظر: الثقات لابن حبان (٧/ ٣٨٠)، الكاشف (٢/ ١٥٦).\n(٦) انظر: معالم التنزيل للبغوي (٥/ ١٦٢)، زاد المسير (٥/ ١٢٤).\nوالصواب أنهم سبعة سوى الكلب، وهو قول ابن عباس، ﵄، وابن مسعود، وجماعة من العلماء، وهو موافق للآية.\n\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٢١٨)، معالم التزيل للبغوي (٥/ ١٦٢)، تفسير ابن كثير (٣/ ٨٣).","vol":"1","page":1219},{"text":"وأولوا قوله ﴿وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ أي: صاحب كلبهم، وفيه بُعد كالطباخ والراعي (١).\nواختلف المفسرون في القائلين فقال (٢) بعضهم: قالت اليهود ﴿ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾، وقالت النصارى ﴿خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾.\nوعن ابن عباس، ﵄: لما قدم السَّيِّد والعَاقِب حبرا أهل نجران مع قومهم سألهم النبي ﷺ عن عدد أصحاب الكهف فقال العاقب: ﴿ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ وقال السيد ﴿خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ فأنزل الله تعالى ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ (٣)، أي: قل يا محمد هم كذلك فيكون الفعل مسُند إلى الله بلفظ الجمع، أو إلى من ارتضى الله قولهم وهم المؤمنون، ويقوّي هذا القول تَقَدُّمُ قوله ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾ لأنه ذكر عقب الثلاثة والخمسة ولو كانت السبعة مثلها لذكرها عقيب الكل، وكثير من المفسرين على ما ذهب إليه ابن عباس، ﵄ أن الكلام تم على قوله سبعة وأن الواو للاستئناف.\nواختلف في هذا الواو فللنحاة فيه قولان:\nأحدهما: أن الجملة إذا عطفت على جملة وفي الثانية ما يعود إلى الجملة الأولى فأنت (٤) في إلحاق الواو وحذفه مخير.\nوالقول الثاني: أن رابعهم وخامسهم حكاية وثامنهم استئناف من الله وهو ما ذكرته آنفًا.\nابن عيسى: الأول والثاني صفة والثالث عطف وليس بصفة (٥).\n_________\n(١) انظر: النكت والعيون (٣/ ٢٩٧)، وقد سبق أن هذا القول ضعيف.\n(٢) في أ: \"وقال\".\n(٣) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٦/ ١٦٢)، تنوير المقباس (١/ ٢٤٥).\n(٤) في أ: \"وأنت\".\n(٥) لم أقف عليه بعد البحث.","vol":"1","page":1220},{"text":"وقال بعض المفسرين الواو واو الثمانية لأن العرب تقول واحد إثنان ثلاثة أربعة خمسة ستة سبعة وثمانية، لأن العقد كان عند سبعة كما هو اليوم عندنا عشرة ولهذا كثر ذكر السبع في القرآن والأخبار ومثله قوله ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ﴾ [التوبة: ١١٢] وقد (١) ذكرت هناك ماشرح من هذا، ومثله ﴿وَأَبْكَارًا﴾ [التحريم: ٥] وسيأتي ذكرها إن شاء الله وكذلك قوله ﴿وَفُتِحَتِ﴾ [الزمر: ٧٣] في الزمر (٢).\n﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ﴾ استدل بعضهم بهذا على أن قوله ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾ كالأولين فأجاب بعضهم بأن التقدير ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ﴾ وقد أخبركم بها بقوله ﴿وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾\n﴿مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ﴾، قيل: هو النبي ﷺ.\nوقيل: هم أهل الكتاب (٣).\nقال ابن عباس، ﵄: \" أنا من ذلك القليل وعد أسماءهم فقال: مكسلمينا، ويمليخا وهو صاحب الورق، ومرطوس، وبنينوس، وسارينوس، وذوانوالس، وكقيسيططيوس، وهو الراعي (٤) \" (٥)\nوالروايات مختلفة في أسمائهم (٦).\n_________\n(١) في أ: \"فقد\".\n(٢) والصحيح في عدتهم أنهم سبعة وكلبهم الثامن بنص الآية.\nانظر: الكشاف للزمخشري (٣/ ٥٧٦)، زاد المسير (٥/ ١٢٥)، الدر المصون للسمين الحلبي (٤/ ٤٤٥).\n(٣) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٢١٩).\n(٤) قوله: \" وهو الراعي \" ساقط من (أ) و(ب).\n(٥) ذكره اليسوطي في الدر (٩/ ٥١٣)، وصحح إسناده، وانظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٢١٩)، الوسيط للواحدي (٣/ ١٤٢).\n(٦) أورد الزبيدي في تاج العروس (١/ ٢١١٦) خمسة أقوال في ضبط أسمائهم هي:\n\nالأول: مَكْسَلْمِينا، وإِمْلِيخا، مَرْطُوكش، نَوالِس، سانيوس، بَطْنَيُوس، كَشْفُوطط.\nالثاني: مَلِيخا، بحذْفِ الأَلفِ، مَكْسَلْمِينا، مَرْطُوس، نِوانِس، أَرْبطانس، أَونوس، كَنْدَ، سَلْطَطْنوس.\nالثالث: مَكْسَلْمِينا، مَلِيخا، مَرْطُونَس، يَنْيُونس، سارَبونَس، كَفَشْطَيُوس، وذو نُواس.\nالرابع: مَكْسَلْمِينا، أَمْليخا مَرَطونَس، يُوانَس، سارَيْنوس، بَطْنَيوس، كَشْفوطَط.\nالخامس: مَكْسَلْمينا، يَمْلِيخا، مَرْطونَس، يَنْيونِس، دوانَوانِس، كَشْفيطَط، نونَس.\nولم يدل دليل على صحة هذه الأسماء. قال ابن كثير في التفسير (٣/ ٨٣) \" وفي تسميتهم بهذه السماء واسم كلبهم نظر في صحته والله أعلم، فإن غالب ذلك متلقى من أهل الكتاب \". وقال القرطبي في تفسيره (١٠/ ٣٦٠) \" والسند في معرفتها واهٍ \". وقال ابن حجر في فتح الباري\n(٦/ ٥٨٣) \" ولايقع الوثوق من ضَبْطِها بشيء \".","vol":"1","page":1221},{"text":"﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾ لا تجادل، والمِراء: محاولة إخراج ما في قلب المناظر من الخطأ بطريق الحِجاج (١).\n﴿إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾، الزجاج: أي لا تأت في أمرهم بغير ما أوحي إليك، أي: أَفْتِ في قصتهم بالظاهر الذي أنزل إليك (٢)، ولا تتعرف (٣) أَزْيَد من ذلك من اليهود والنصارى، المرآء الظاهر بالقرآن.\nمجاهد: إلا ما أظهرنا (٤) لك من أمرنا (٥).\nابن عباس، ﵄: حسبك ما قصصت عليك (٦).\nابن بحر (٧): مراءً ظاهرًا يشهده الناس (٨).\nالمبرد (٩): إلاقولًا بينًا (١٠).\nابن زيد (١١): هو أن يقول ليس الأمر كما تقول (١٢).\n_________\n(١) المِراء: أصله في اللغة الجدال وأن يستخرج من مُناظره كلامًا ومعاني الخصومة وغيرها، من مَرَيْت الشاة إذا حلبتها واستخرجت لبنها، والامتراء في الشيء الشك فيه.\nانظر: المفرادات للراغب (٧٦٦)، لسان العرب (١٣/ ٩٠) مادة: مرأ.\n(٢) انظر: معاني القرآن للزجاج (٣/ ٢٢٧).\n(٣) في أ، ب: ولا يتعرف.\n(٤) في ج: إلا بما أظهرنا.\n(٥) ذكره السيوطي في الدر (١٥/ ٥١٤)، وعزاه لابن أبي حاتم.\n(٦) أخرجه ابن جرير (١٥/ ٢٢١).\n(٧) ابن بحر: تنظر ترجمته ص: ٥٩\n(٨) انظر: النكت والعيون (٣/ ٢٩٨).\n(٩) المبرد: تنظر ترجمته ص: ٤٨\n(١٠) لم أقف عليه، والله أعلم.\n(١١) عبد الرحمن بن زيد بن أسلم العدوي، مولاهم المدني، روى عن أبيه، وعن ابن المنكدر، صنف التفسير، والناسخ والمنسوخ، توفي سنة اثنتين وثمانين ومائة.\nانظر: سير أعلام النبلاء (٨/ ٣٤٩)، طبقات المفسرين للداوودي (١/ ٢٧١).\n(١٢) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٥/ ٢٢٢).","vol":"1","page":1222},{"text":"﴿وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٢٢)﴾ لا تطلب الفتوى في أصحاب الكهف أحدًا من اليهود، وقيل: من المسلمين (١).\n﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ سبق ذكر نزوله (٢)، ومعنى الآية تأديب من الله لنبيه إذا أخبر بأمر يفعله في المستقبل أن يقول إن شاء الله لأنه لا يدري أَيَتم ذلك أم يعوق دون وقوعه عائق فيدخل ميعاده خُلْفٌ.\nوروى أبوهريرة (٣) عن النبي ﷺ أنه قال: \" لا يتم إيمان العبد حتى يستثنى في كل كلامه \" (٤)، وتقديره: إلا بمشيئة الله، لأن (٥) إن مع الفعل في تأويل المصدر وحذف الجار ومعنى بمشيئة الله: أن يقول معه إن شاء الله.\nالفَرَّاء: معنى ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ إلا الخير فإن الخير بمشيئة الله (٦). فلا يكون على قوله من باب الاستثناء.\n_________\n(١) انظر: النكت والعيون (٣/ ٢٩٨).\n(٢) أنظر سبب النزول (٣٣٨).\n(٣) أبو هريرة، عبد الرحمن بن صخر الدوسي، اليماني، صاحب رسول الله ﷺ، كان اسمه في الجاهلية عبد شمس، قدم المدينة مهاجرًا ليالي فتح خيبر، حفظ عن النبي ﷺ الكثير، كان كثير العبادة، توفي سنة ثمان وخمسين.\nانظر: الاستيعاب (٤/ ٣٣٢)، سير أعلام النبلاء (٢/ ٥٧٨).\n(٤) ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ٣٢٨)، وعزاه إلى الطبراني في الأوسط قال \" وفيه عبد الله ابن سعيد بن أبي سعيد وهو ضعيف \"، وقال الذهبي في الميزان (٦/ ٤٥٤) \" هذا الحديث باطل \"، وذكره السيوطي في اللآئي المصنوعة (٤٥)، والألباني في ضعيف الجامع ح: ٢٠٠٤.\n(٥) في ج: \"فإن\".\n(٦) انظر: معاني القرآن (٢/ ١٣٨).","vol":"1","page":1223},{"text":"وجمهور المفسرين على أن هذا عام في جميع الأمور، وذهب بعضهم إلى هذا كان (١) في قصة أصحاب الكهف فحسب (٢).\n﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ ذهب ابن عباس، ﵄، والحسن (٣) إلى أن المعنى: إذا نسيت الاستثناء ثم ذكرت فاستثن، ومذهبه أن يصح الاستثناء إلى سنة (٤).\nالحسن: يصح (٥) الاستثناء في مجلس يمينه ولا يصح إذا فارقه (٦).\nوقيل: يصح ما لم يأخذ (٧) في كلام غير يمينه؛ فإن أخذ في كلام غير اليمين لا يصح الاستثناء (٨).\nوالفقهاء على أنه لا يصح إلامتصلًا.\n\nعكرمة (٩): معنى إذا نسيت غضبت (١٠)، (١١).\n_________\n(١) \"كان\" سقط من أ، ب.\n(٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٠/ ٣٨٦).\n(٣) الحسن البصري بن أبي الحسن، أبو سعيد، مولى زيد بن ثابت، ولد في زمن عمر ﵁، كان إمامًا كبير الشأن، رفيع الذكر، رأسًا في العلم والعمل، أخرج له الجماعة، له التفسير، وكتاب في الرد على القدرية، توفي سنة عشر ومائة.\nانظر: سير أعلام النبلاء (٤/ ٥٦٣)، طبقات المفسرين للداوودي (١/ ١٥٠).\n(٤) «انظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٢٢٥).\n(٥) \"يصح\" ساقط من أ.\n(٦) انظر: معالم التنزيل للبغوي (٥/ ١٦٢).\n(٧) في ب: \"مالم يؤاخذ\".\n(٨) حكاه في المغني (١٣/ ٤٨٤).\n(٩) عكرمة: تنظر ترجمته ص: ٧٩\n(١٠) في ج: \"إذا عصيت\".\nوقد بين ابن العربي في أحكام القرآن (٣/ ٢٢٨، ٢٢٩) أن معنى (إذا غضبت) التثبت عند الغضب؛ فإنه موضع عجلة، ومزلة قدم، ومعنى عصيت: خطاب للنبي ﷺ والمراد به أمته.\n(١١) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٥/ ٢٢٦).","vol":"1","page":1224},{"text":"وفي التوراة: ابن آدم اذكرني حين تغضب أذكرك حين أغضب، حكاه الثعلبي (١)، (٢)\n_________\n(١) الثعلبي، تنظر ترجمته ص: ٦٦\n(٢) في الكشف والبيان (٦/ ١٦٤) عن وهب قال \" مكتوب في الإنجيل: ابن آدم اذكرني حين تغضب أذكرك حين أغضب فلا أمحقك فيمن أمحق، وإذا ظُلِمْتَ فلا تنتصر فإن نصرتي لك خير من نصرتك لنفسك \"، وانظر: معالم التنزيل للبغوي (٥/ ١٦٣).\nوقد وجه العلماء قول ابن عباس، ﵄ وغيره أن للحالف الاستثناء إلى سنة، أو غيرها بأن المراد إذا نسي أن يقول في حلفه وفي كلامه إن شاء الله وذكر ولو بعد سنة فالسنة له ان يقول ذلك ليكون آتيًا بسنة الاستثناء وليرفع عنه الحرج الذي لو لم يقله كان لازمًا له، حتى ولو كان الاستثناء بعد الحنث، ولا يكون رافعًا لحنث اليمين ومسقطًا للكفارة، بل تلزمه. وهذا ما ذهب إليه ابن جرير في جامع البيان (١٥/ ٢٢٦)، وابن كثير في تفسيره (٣/ ٨٣).\nأما الاستثناء الذي يكون له أثر هو ما كان متصلًا بالكلام وهو الذي عليه أكثر الفقهاء، وذلك لأن الاستثناء بمنزلة الشرط والشرط لايصح ولايثبت حكمه إلا موصولًا بالكلام من غير فصل، فلو صح الاستثناء إلى سنة لجاز أن يقول الرجل لامرأته أنت طالق، ثم يقول بعد سنة: إن شاء الله، فيبطل الطلاق، ولا تحتاج إلى زوج ثان في إباحتها للأول، وهو غير صحيح، وكذلك في أيوب ﵇ لما حلف إن برئ ضرب امرأته فأمره الله أن يأخذ ضغثًا ويضربها به، ولو صح الاستثاء متراخيًا عن اليمين لأمره به. أ. هـ مختصرًا من أحكام القرآن للجصاص (٣/ ٣١٥).\n\nوذهب أبو حيان في البحر المحيط (٦/ ١١١) وتابعه القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (١٠/ ٣٨٦) إلى أن الآية ليست في اليمين بشيء. وانظر: أحكام القرآن لابن العربي (٣/ ٢٢٧).","vol":"1","page":1225},{"text":"قيل: واذكر ربك إذا نسيت شيئًا وسله أن يُذَكِّرَك ذلك فإن ذَكَّرَك وإلا ﴿وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا (٢٤)﴾ (١) أي: عسى أن يدلني على ما هو أرشد من هذا الذي نسيته وما هو أصلح لي منه.\nالزجاج: قل عسى أن يعطيني ربي من الآيات والدلالات على نبوتي ما يكون أقرب من الرشد وأدل من قصة أصحاب الكهف (٢)، (٣).\nالحسن: ﴿مِنْ هَذَا﴾ من عبادة الأوثان (٤).\n﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِئَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا (٢٥)﴾ أي: تسع سنين لأن الأول يدل عليه، وأما قوله ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ فتذكيره يمنعه من أن يكون من الجنس الأول، وفيه قولان:\nقتادة: أن هذا من كلام أهل الكتاب في أنهم اختلفوا في مدة لبثهم كما اختلفوا في عدتهم؛ فقال بعضهم: ثلثمائة، وقال بعضهم: ثلثمائة وتسع سنين (٥).\nوالثاني: وهو قول الجمهور أن هذا إخبار من الله سبحانه أخبر أنهم لبثوا (٦) في كهفهم ثلثمائة سنين وازدادوا على ثلثمائة لبث (٧) تسع سنين (٨).\n_________\n(١) انظر: النكت والعيون (٣/ ٢٩٩).\n(٢) في ب: \" وأدل من قصة الكهف \".\n(٣) انظر: معاني القرآن للزجاج (٣/ ٢٢٧).\n(٤) انظر: غرائب التفسير (١/ ٦٥٧)، وانظر ترجمة الحسن ص: ٧٨.\n(٥) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٢٢٩).\n(٦) \"لبثوا\" ساقط من أ.\n(٧) \"لبث\" ساقط من ب.\n(٨) قال ابن جرير في تفسيره (١٥/ ٢٣١): \" وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال كما قال الله عز ذكره: ولبث أصحاب الكهف في كهفهم رقودًا إلى أن بعثهم الله ليتسائلوا بينهم، وإلى أن أَعْثَر عليهم من أعثر ثلاثمائة سنين وتسع سنين، وذلك أن الله أخبر به في كتابه \".","vol":"1","page":1226},{"text":"وقال بعضهم: إنما هو ثلثمائة سنين (١) بالشمسية وازدادوا تسعًا بالقمرية لأن (٢) في كل سنة تتفاوت أحد عشر يومًا، فيكون مجموع ذلك تسع سنين وأشهرًا فأضرب عن ذكر\n\nالأشهر لأن الكلام يجري (٣) في ذكر السنين (٤).\nوقوله ﴿ثَلَاثَ مِئَةٍ سِنِينَ﴾ قرئ بالإضافة وبالتنوين (٥)؛ فمن أضاف فعلى القياس المتروك لأن المائة تجري في العشرات مجرى عشرة في الآحاد فكما أضيف العشرة (٦) إلى الجمع وجب إضافة المائة إلى الجمع لكنهم أفردوا المعدود قياسًا على ما قبله من التسعين والثمانين (٧).\nوقيل: إنما جاز ذلك لأن السنين قد ينون، كما قال الشاعر:\nمتى تنج حَبْوًَا من سنين ملحةٍ ... شمر لأخرى تنزل الأعصم الفردا (٨).\nفخرج عن (٩) أن يكون جمع سلامة ودخل في حيز الآحاد، وقيل: لأنه يشبه النفر والقبيل فجاز الإضافة إليها كما تقول: مائة نفر، ومائة قَبِيل (١٠).\n_________\n(١) في ج: \"سنة\".\n(٢) في أ، ب: \"لأنه\".\n(٣) \"يجري\" ساقط من ج.\n(٤) ويكون الجمع بين القولين أن يقال: أن الله أخبر عن مدة لبثهم وأنه كان ثلاثمائة سنة بالشمسية وتزيد تسع سنين بالهلالية.\nقال ابن كثير في تفسيره (٣/ ٨٤): \" وعليه غير واحد من علماء التفسير كمجاهد وغير واحد من السلف\".\n(٥) قرأ الجمهور (مائةٍ) بالتنوين، وقرأ حمزة، والكسائي، وطلحة، وغيرهم (مائة) بدون تنوين مضافًا إلى (سنين).\nانظر: الحجة لابن خالويه (٢٢٣)، الكشف عن وجوه القراءات السبع لمكي بن أبي طالب (٢/ ٥٨).\n(٦) في ج: \"العشيرة\".\n(٧) في ب: \"والمائة\".\n(٨) ذكره السيوطي في همع الهوامع (١/ ١٧٤)، ولم ينسبه لأحد.\n(٩) في ب: \"أن\"، وهي ساقطة من ج.\n(١٠) انظر: إملاء ما من به الرحمن للعكبري (٢/ ١٠١).","vol":"1","page":1227},{"text":"وقيل: أُجْرِى ثلثمائة مجري ثلاث فأضيف (١) إلى الجمع ومن نوّن جعله بدلا من ثلثمائة (٢).\nوقيل: فيه تقديم أي لبثوا في كهفهم سنين ثلثمائة ويحتمل أنه لما نون نصبه فيكون القراءتان واحدة (٣).\n﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾ من ذهب إلى أن الأول من كلام أهل الكتاب استدل بهذا على أنهم لم يعلموا وأن علمها عند الله، ومن ذهب إلى أنه إخبار من الله قال تقديره: قل لمن جاءك وزعم أنهم (٤) أكثر وأقل ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾ وقد أخبر بذلك (٥).\nوقيل: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾ إنما هو للبثهم بعد موتهم إلى زمان محمد ﷺ (٦).\nابن جرير: قالت اليهود إنهم منذ دخلوا الكهف إلى يومنا ثلثمائة سنةٍ فقال الله بل لبثوا في كهفهم إلى يوم موتهم ثلثمائة سنة وتسع سنين، والله أعلم بما لبثوا بعد موتهم إلى يومنا (٧).\n﴿لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فهو أعلم منكم.\n﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِع﴾ أي: ما أبصره وأسمعه، اللفظ لفظ الأمر والمعنى معنى التعجب، والمجرور محله رفع لأنه الفاعل.\nالسدي: أبصر بالله وأسمع بما لبثوا (٨)، والوجه الأول.\n﴿مَا لَهُمْ﴾ لكفار قريش.\n_________\n(١) في أ، ج: \"وأضيف\".\n(٢) انظر: معاني القرآن للفراء (٢/ ١٣٨).\n(٣) انظر: معاني القرآن للزجاج (٣/ ٢٢٧).\n(٤) في أ، ب: \"أنها\".\n(٥) ذهب إلى الأول قتادة، ومطرف بن عبد الله، وأكثر المفسرين على القول الثاني، وهو اختيار ابن جرير وابن كثير. ... انظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٢٣١)، تفسير ابن كثير (٣/ ٨٤).\n(٦) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٦/ ١٦٥).\n(٧) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٢٢٩).\n(٨) أخرج ابن جرير في جامع البيان (١٥/ ٢٣٣) نحوه عن قتادة.","vol":"1","page":1228},{"text":"وقيل: لجميع الخلق (١)، والقصة تمت عند قوله ﴿لَبِثُوا﴾، ويحتمل أن الضمير في ﴿مَا لَهُمْ﴾ يعود إلى أصحاب الكهف.\n﴿مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (٢٦)﴾\nقيل: لا يشرك فيما يخبر به من الغيب أحدًا (٢).\nوقيل: لا يجعل لأحد (٣) أن يغير حكمه في عباده (٤).\nوقرئ بالجزم على النهي أي: لا تشرك أيها الإنسان في حكمه أحدًا (٥).\n﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ﴾ أي: اقرأ.\nوقيل: اتبع القرآن (٦).\nوقيل: قصة أصحاب الكهف (٧).\n﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ لا مغير لقوله (٨) في وعدٍ، ووعيد.\nوقيل ﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ لا كذب في ميعاده (٩).\nوقيل: لا خُلْفَ لقوله (١٠).\n\n﴿وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٧)﴾ معدلًا بمال ويُعدل عن غيره إليه (١١).\n_________\n(١) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٢٣٤).\n(٢) انظر: النكت والعيون (٣/ ٣٠٠).\n(٣) في ج: \"أحد\".\n(٤) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٢٣٤).\n(٥) قرأ الجمهور (ولا يُشرك) بالياء على النفي، وقرأ ابن عامر والحسن وقتادة (ولا تُشرك) بالتاء والجزم على النهي.\nانظر: الغاية في القراءات العشر لابن مهران (١٩٥)، شواذ القراءات لأبي نصر الكرماني (٢٨٧).\n(٦) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٢٣٤).\n(٧) وهو راجع إلى القول السابق.\n(٨) في ب: \"كقوله\". وهو تصحيف.\n(٩) قاله ابن عباس، ﵄.\nانظر: الوسيط للواحدي (٣/ ١٤٤).\n(١٠) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (١/ ٥٠٩)، الوسيط للواحدي (٢/ ٣١٤).\n(١١) المُلْتحد: الملجأ، لأن اللَاّجئ يميل إليه، يقال التحد الرجل إلى كذا التجأ إليه.\n\nانظر: الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي لأبي منصور الأزهري (١/ ٣٧٩)، لسان العرب (١٢/ ٢٤٧)، مادة: لحد.","vol":"1","page":1229},{"text":"الزجاج: معدلًا عن أمره ونهيه ولا ملجأ إلا إليه (١).\n﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ في سبب النزول عن سلمان الفارسي ﵁ (٢) قال: \" جاءت المؤلفة قلوبهم إلى رسول الله ﷺ عُييْنة بن حُصين (٣)، والأقرع بن حابس (٤)، وذووهم فقالوا يا رسول الله: لو إنك جلست في صدر المجلس ونحيت عنا هؤلاء وأرواح جبابهم يعنونني، وأبا ذر (٥)،\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن للزجاج (٣/ ٢٢٩).\n(٢) سلمان الفارسي، أبو عبد الله، أصله من قرية بأصبهان، وهو أسن الصحابة، كان كبير القدر، وهو الذي أشار بحفر الخندق يوم الأحزاب، توفي سنة ست وثلاثين.\nانظر: الاستيعاب (٢/ ١٩٤)، تذكرة الحفاظ (١/ ٤٦).\n(٣) عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر بن فزارة الفزاري، يقال: كان اسمه حذيفة فلقب بعيينة لشجة أصابته جحضت منها عيناه، كانت له صحبة وهو من الؤلفة قلوبهم، ولم يصح له رواية، شهد حنينًا والطائف، عاش إلى خلافة عثمان ﵁.\nانظر: الاستيعاب (٣/ ٣١٦)، الإصابة (٢/ ٧٦٧).\n(٤) الأقرع بن حابس بن عقال التميمي المجاشعي، أحد المؤلفة قلوبهم، كان شريفًا في الجاهلية والإسلام، شهد الفتوحات في العراق، قتل في اليرموك في عشرة من بنيه.\nانظر: الاستيعاب (١/ ١٩٣)، الإصابة (١/ ١٠١).\n(٥) أبو ذر، وفي اسمه اختلاف والأكثر على أنه حندب بن جنادة، أسلم قديمًا، وكان يقول: أنا رابع الإسلام، ثم عاد إلى قومه، ثم قدم بعد الخندق، خرج بعد وفاة أبي بكر ﵁ إلى الشام، ولم يزل بها حتى ولي عثمان ﵁، توفي سنة اثنتين وثلاثين وصلى عليه ابن مسعود ﵁.\n\nانظر: الاستيعاب (٤/ ٢١٦)، الإصابة (٧/ ١٢٥).","vol":"1","page":1230},{"text":"وفقراء المسلمين - وكانت عليهم جباب صُوف (١) لم يكن عليهم غيرها - جلسنا إليك وحادثناك (٢)، وأخذنا عنك، فأنزل الله هذه الآيات، فقام رسول الله ﷺ يلتمسهم حتى إذا أصابهم في بعض المسجد يذكرون الله فقال (٣): الحمد لله إذ لم يمتني حتى أمرني أن أصبر نفسي مع رجال من أمتي؛ معكم المحيا ومعكم الممات \" (٤).\n_________\n(١) في ج: \"جبات الصوف\".\n(٢) في ج: \"وحاذيناك\"، من المحاذاة وهي: القرب في المجلس.\n(٣) في ج: \"قال\".\n(٤) ذكره السيوطي في الدر (٩/ ٥٢١)، انظر: أسباب النزول للواحدي (٣٤٤)، زاد المسير (٥/ ١٣٢).\n\nوذهب بعض المفسرين إلى أن الآية نزلت في كفار قريش، قال ابن كثير في تفسيره (٣/ ٨٥) \" نزلت في أشراف قريش حين طلبوا من النبي ﷺ أن يجلس معهم وحده ولا يجالسهم بضعفاء أصحابه كبلال، وعمار، وصهيب، وخباب، وابن مسعود، وليفرد أولئك بمجلس على حده فنهاه الله عن ذلك فقال ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢]، وأمره أن يصبر نفسه في الجلوس مع هؤلاء فقال ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف: ٢٨] \"، ثم أورد ما أخرجه مسلم في صحيحه (٤/ ١٨٧٨)، ح: ٢٤١٣ عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: \" كنا مع رسول الله صلى الله عليه ستة نفر فقال المشركون للنبي ﷺ: اطرد هؤلاء لايجترؤون علينا. قال: وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل وبلال ورجلان نسيت اسميهما، فوقع في نفس رسول الله ﷺ ما شاء الله أن يقع، فحدث نفسه فأنزل الله ﷿ ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢]، وهو ما اختاره أبو حيان في البحر المحيط (٦/ ١١٣) مستدلًا على ذلك بمكية السورة.","vol":"1","page":1231},{"text":"﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ﴾ أي: احبسها.\n﴿مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ يعني: فقراء المهاجرين والأنصار.\n﴿بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ طرفي النهار يصلون ثم يشتغلون بالتسبيح، والتحميد، والدعاء، وقد سبق في الأنعام (١).\n\nأبو عبيد (٢): أُمر أن يصبر على أن يُقْرَئَهم (٣) القرآن، وأما غير ذلك فحدث القوم ما خرجوك بأبصارهم أي: رمقوك (٤).\n﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ رضا الله وطاعته.\nابن بحر: يريدون الوجه الذي يؤديهم إلى رضا الله (٥).\nابن عيسى (٦): يريدون تعظيمه كما تقول: هذا وجه الأمر، ووجه الرأي، وهذا الرأي الحق المعظم (٧).\n_________\n(١) عند قوله تعالى ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢].\n(٢) أبو عبيد، القاسم بن سلَاّم، الخرساني الأنصاري، الفقيه الأديب، صاحب التصانيف، ولي قضاء طرسوس، وقدم بغداد، وسمع التاس منه، صنف: غريب القرآن، غريب الحديث، الناسخ والمنسوخ، معاني القرآن، وغيرها، توفي سنة اثنتين ومائتين.\nانظر: تذكرة الحفاظ (٢/ ٤١٧)، طبقات المفسرين للداوودي (٢/ ٣٧).\n(٣) في ب: \"أُمر على أن يصبر\".\n(٤) في أ: \"ورمقوك\"، وقول أبي عبيد لم أقف عليه، والله أعلم.\n(٥) لم أقف عليه.\n(٦) ابن عيسى، تنظر ترجمته ص: ٦٣\n(٧) في ب: \"هذا وجه الأمر ووجه الرأي الحق العظيم\".\nومذهب أهل السنة والجماعة إثبات صفة الوجه لله تعالى دون تأويله برضى الله، أو تعظيمه، ونحو ذلك؛ الذي هو مذهب الجهمية والأشعرية وغيرهم من نفات الصفات.\n\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى (٢/ ٤٣٠): \" أما قول بعض الغقهاء أن الوجه مشتق من المواجهة فلا دليل عليه بل قد عارضه قول من قال: هو مشتق من الوجاهة؛ وكلاهما ضعيف، وإنما المواجهة مشتق من الوجه، كما أن المشافهة مشتق من الشفة ... وأما اشتقاق الوجه الذي هو المتوجه من الوجه الذي هو التوجه؛ فهذا أشبه \".\nوانظر أيضًا: الفتاوي (٢/ ٤٢٧ - ٤٣٤)، (٦/ ١٤، ١٥).","vol":"1","page":1232},{"text":"﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ لا تصرف بصرك إلى غيرهم من ذوي الهيئات والزينة؛ تقول: هذا عدا كذا إذا جاوزه، وعدا عنه إذا انصرف عنه، وهو لازم ومتعد.\nوالنهي للعين والمراد صاحبها، ويحتمل أن قوله ﴿تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ للعين، ووحد كقوله: . . . . . . . . . . . . . . . ... بها العينان تَنْهلُّ (١).\nوالوجه: أن يكون حالًا للمخاطب أي: مريدًا مجالسة الأغنياء.\n﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾ عن ابن عباس، ﵄ أنها نزلت في أمية بن خلف الجمحي (٢)، دعا النبي ﷺ إلى طرد الفقراء عنه وتقريب صناديد قريش فنزلت ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾ (٣) خذلنا لتركه الطاعة.\n_________\n(١) هذا عجز بيت من الرجز لامرئ القيس في قصيدة قلها لما رآى وهو مريض قبرًا يحفر، وتمامه:\nلمن زُحْلُوقَهٌ زُلُّ ... بها العينان تَنْهلُّ.\nينادي الآخر الأُلًّ ... ألا حُلُوا ألا حُلُوا.\nانظر: ديوان امرئ القيس (١٩٨).\nوقوله \" زُحْلُوقَة \" اسم لعبة للصبيان وهي عبارة عن خشبة توضع على حجر ثم يجلس على كل طرف جماعة، فإذا وزن جماعة نادت الأخرى ألا حُلُّوا أي: خففوا من عذذكم حتى نساويكم. وتسميها العرب ايضًا الدَّوْدَات.\nانظر: لسان العرب (١/ ١٨٧)، المزهر للسيوطي (٢/ ٨٣).\n(٢) أمية بن خلف الجمحي، من أعتى كفار قريش، وأشدهم عداوة للمؤمنين، كان يعذب بلالًا ﵁ أشد العذاب، قتل في معركة بدر.\nانظر: تاريخ الأمم والملوك للطبري (٢/ ٣٧).\n(٣) انظر: أسباب النزول للواحدي (٣٤٥)، وذكره السيوطي في الدر (٩/ ٢٥٦) وعزاه لابن مرديه.","vol":"1","page":1233},{"text":"المفَضَّل (١): أخليناه عن الذكر وهو القرآن (٢).\nابن جرير: شغلنا قلبه بالكفر وغلبة الشقاء (٣).\nوقيل: ﴿أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ﴾ وجدناه غافلا أي: ساهيًا.\nوقيل: نسبناه إلى الغفلة (٤).\nابن عيسى: لم نسمه بما نسم (٥) به قلوب المؤمنين بما نبُيَّن فلاحهم كما قال ﴿كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ﴾ [المجادلة: ٢٢] من قولهم: \" بَعِيرُ غُفْلٍ \" لم يكن عليه سمة (٦)، و\"كتاب غُفْلٍ \" (٧)، لم يكن عليه إعجام.\n﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ أضاع نفسه باتباع هواه.\n﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ تجاوزًا (٨) للحق وخروجًا عنه.\nابن بحر: الفُرُطْ العاجل السريع كما قال ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا (١١)﴾ [الإسراء: ١١] (٩).\nقُطْرُب (١٠): خطأً وتفريطًا (١١).\nوقيل: ندمًا (١٢).\nوقيل: سرفًا (١٣).\n_________\n(١) المفضل بن سلمة بن عاصم، أبو طالب، النحوي، اللغوي، له اختيارات في اللغة والنحو، كان مليح الخط، صنف: ضياء القلوب في معاني القرآن، الاشتقاق، وغيرها، توفي سنة ثلاثمائة.\nانظر: بغية الوعاة للسيوطي (٢/ ٢٩٦)، طبقات المفسرين للداوودي (٢/ ٣٢٨).\n(٢) انظر: البحر المحيط (٦/ ١١٤).\n(٣) في ج: \"وعليه\"، والصواب هو المثبت.\nوانظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٢٤١).\n(٤) لم أقف عليه، والله أعلم.\n(٥) في ج: \"لم يسمه بما يسمه\" بالياء.\n(٦) في ب: \"لم تكن\".\n(٧) انظر: البحر المحيط لأ بي حيان (٦/ ١١٤).\n(٨) في ج: \"مجاوزًا\" بالميم.\n(٩) انظر: النكت والعيون (٣/ ٣٠٢)، البحر المحيط (٦/ ١١٥).\n(١٠) قطرب: تنظر ترجمته ص: ٦٣\n(١١) لم أقف عليه، والله أعلم.\n(١٢) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٢٤٢).\n(١٣) قاله مقاتل.\nانظر: النكت والعيون (٣/ ٣٠٢).","vol":"1","page":1234},{"text":"وقيل: ضياعًا (١)، لأنه ترك الإيمان والاستدلال.\n﴿وَقُلِ﴾ يا محمد.\n﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ أي: الإسلام، والقرآن.\nوقيل: الحق هو الذي يكون من جهة الله (٢).\nوقيل: يعود (٣) إلى تقريب الفقراء (٤).\n﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا﴾ هيئنا، والعتيد الحاضر.\n﴿لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ﴾ أحدقت النار من كل الجوانب.\n﴿سُرَادِقُهَا﴾ ابن عباس، ﵄: هو حائط من نار محيط بهم (٥).\nابن عيسى: هو المحيط بما فيه مما ينقل معه (٦).\nابن بحر: السرادق والحائط سواء، غير أن السرادق يكون لأهل الوبر والمدر والحائط لأهل المَدَرِ خاصة (٧).\nوقيل: هو الدخان إذا اللهب يحيط بهم (٨).\nقيل: وصول النار إليهم (٩).\nوقيل: هو البحر المحيط بالدنيا، حكاه أقضى القضاة (١٠)، والفعل من سَرْدَقَ فهو مُسَرْدَقٌ (١١).\n_________\n(١) قاله مجاهد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٢٤٢)، وهو اختياره.\n(٢) حكاه الزجاج في معاني القرآن (٣/ ٢٢٩).\n(٣) \"يعود\" ساقط من أ.\n(٤) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٢٤٤).\n(٥) انظر: معالم التنزيل للبغوي (٥/ ١٨٦).\n(٦) انظر: النكت والعيون (٣/ ٣٠٣).\n(٧) لم أقف عليه، والله أعلم.\n(٨) في ج: \" هو الدخان أو اللهب يحيط بهم \"، وانظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٢٤٦).\n(٩) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٦/ ١٦٧).\n(١٠) أقضى القضاة هو الماوردي، تنظر ترجمته ص: ٤٩\nوانظر: النكت والعيون للماوردي (٣/ ٣٠٣).\n(١١) السُّرادِق: ما أحاط بشيء من حائط، أو بناء، أو مضرب، أو خباء، والجمع سُرَدِقات، وبيت مُسَرْدَق هو الذي أعلاه وأسفله مشدودٌ كله.\n\nانظر: القاموس المحيط (١١٥٣)، العين للخليل بن أحمد (٥/ ٢٥١).","vol":"1","page":1235},{"text":"﴿يَسْتَغِيثُوا﴾ أي: من العطش. ﴿يُغَاثُوا﴾ يجعل مكان الإغاثة.\n﴿بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ ابن عباس، ﵄: كدُرْدِيِّ الزيت (١)، أسود غليظ إذا أُدْنِيَ من المستغيث سقطت فروة رأسه فيه منه (٢)، (٣).\nوقيل: هو الصديد (٤).\nأبو عبيدة: ما أذيب من الفلز، وهو: جواهر الأرض من الذهب، والفضة، والنحاس وغيرها (٥).\nقطرب: المهل ما يتحات من خبز الملة إذا اخرجت (٦) من الملة (٧).\n﴿بِئْسَ الشَّرَابُ﴾ اسم المهل.\n﴿وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (٢٩)﴾ وبئست النار متكاءً، تقول العرب: \" إرتفق توكأ على مرفقه\".\nمجاهد: ساءت مجتمعا من معنى المرافقة (٨).\nوقيل: مكانًا ومجلسًا (٩).\nالمفضل (١٠): مستقرًا.\n_________\n(١) يقال للشيء المترجرج الذي لايستق يجيء ويذهب: تَدَرْدَر، والدَّرْدَرة حكاية صوت الماء إذا اندفع في الأودية.\nانظر لسان العرب (٤/ ٣٢٨)، مادة: درر.\n(٢) \"منه\" ساقط من.\n(٣) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٢٤٩).\n(٤) قاله مجاهد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٢٤٩).\n(٥) انظر: مجاز القرآن (١/ ٤٠٠).\n(٦) في ب: \" إذا أخرت \"، ولعله تصحيف.\n(٧) المراد به الرماد الذي ينفض عن الخبز إذا أُخرج من التنور، وهو قول الحسن وابن الأنباري.\nانظر: زاد المسير (٥/ ١٣٥)، البحر المحيط (٦/ ١١٥).\n(٨) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٢٥٣)، وضعفه.\n(٩) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ١٤٧).\n(١٠) المفضل، تنظر ترجمته ص: ٨٧","vol":"1","page":1236},{"text":"﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (٣٠)﴾ قيل: تقديره منهم فحذف العائد، وقيل: من أحسن عملًا هم الذين آمنوا فوقع المظهر مقام المضمر، وقيل: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (٣٠)﴾ (١) اعتراض والخبر ما بعده وهو قوله ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ أي: إقامة (٢).\n﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا﴾ في الجنة.\n﴿مِنْ أَسَاوِرَ﴾ جمع إسوِرَة، وأَسْوِرة جمع سوار بالكسر وهو ما يُلْبَسُ في الذراع. ﴿مِنْ ذَهَبٍ﴾ وفي أخرى أساور من فضة.\n﴿وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا﴾ لأن الأخضر فيما قيل (٣) أحسن ألوان الثياب.\n﴿مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ السندس: الحرير، والاستبرق: الديباج الرومي.\nأبوعبيد: السندس: الرقيق من الديباج، والاستبرق: الصفيق العين. السندس: بزيون (٤)، والاستبرق: ديباج يعمل بالذهب وكأنه أُعرب من استبره. (٥)\n_________\n(١) من قوله \" هم الذين آمنوا \" إلى قوله \" أحسن عملًا \" ساقط من (ب).\n(٢) انظر: معاني القرآن للزجاج (٣/ ٢٣١).\n(٣) في أ، ج: \"لأنها فيما قيل\".\n(٤) البُزْيون: هو السندس، وقيل: رقيق الديباج، وهو فارسي معرب.\nانظر: العين للخليل بن أحمد (٧/ ٣٤١)، غريب الحديث للخطابي (٢/ ٢٩٧).\n(٥) السندس: رقيق الديباج، والاستبرق ثخينه، وذهب بعض أهل التفسير إلى أن الاستبرق معرب نقل من العجمية إلى العربية، وضعفه أبوحيان، والقرطبي.\nانظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٠/ ٣٩٧)، البحر المحيط (٦/ ١١٧).","vol":"1","page":1237},{"text":"﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ أي: في حال اتكائهم على السرر في الحجال (١).\nوالأرائك: جمع أريكةٍ وهي الفرش في الحجال (٢).\nوقيل: السرر في الحجال (٣).\nوقيل: هي (٤) السُّرُر عليها حجال، ويحتمل أن اشتقاقها من أراك إذا قام (٥).\n﴿نِعْمَ الثَّوَابُ﴾ الجنة. ﴿وَحَسُنَتْ﴾ الجنة، وقيل: الأرائك (٦).\n﴿مُرْتَفَقًا (٣١)﴾ متكاءً.\n﴿* وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾ الآيات، ذهب بعض المفسرين إلى أنهما أخَوَان من أهل مكة أحدهما مؤمن والآخر كافر، واسم المؤمن أبو سلمة عبدالله بن عبد الأسد بن عبد يا ليل (٧) زوج أم سلمة قبل النبي ﷺ، والآخر كافر وهو الأسود بن عبدالأسد (٨).\n_________\n(١) الحِجال: جمع حَجَلَة، وهي: مثل القبة، ومنه حَجَلَة العروس وهي: بيت يزين بالثياب والأسِرَّة والستور، والجمع حَجَل وحِجَال.\nانظر: القاموس المحيط (١٢٧٠)، الغرب في ترتيب المعرب لابن المطرز (١/ ١٨٣).\n(٢) حكاه الزجاج في معاني القرآن (٣/ ٢٣٣).\n(٣) حكاه في النكت والعيون (٣/ ٣٠٥).\n(٤) «\" هي \" ساقط (ب).\n(٥) في أ: \" من أرك إذا قام \"، وفي ب: \" من أراك إذا أقام \".\nأَرَك الرجل بالمكان يَأرَكُ أقام به،، والأريكة سرير في حَجَلَة، والجمع أريك وأرائك، وقيل هي: الفرش سواء كانت في الحجال أو في غير الحجال.\nانظر: القاموس المحيط (١٢٠٢)، لسان العرب (١/ ١٢٢)، مادة: أَرَكَ.\n(٦) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ١٤٥).\n(٧) في ب: \"عبد الأسد بن عبد زوج أم سلمة\".\n(٨) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٦/ ١٦٩).","vol":"1","page":1238},{"text":"وقيل: كانا أخوين في بني إسرائيل اسم المؤمن يهوذا (١)، (٢)،\nوقيل: يمليخا (٣)، واسم الكافر فُطْرُوس (٤)، وقيل فُطْرُس (٥)، وهما اللذان وصفهما الله في سورة والصافات (٦).\nالزجاج: أشارت اليهود إلى الكفار بامتحانه بالسؤال عن قصة هذين (٧).\nوقيل: هذا مثل لا يشترط وجوده (٨).\nابن عباس، ﵄: كانت لهما ثمانية ألف دينار ورثاها من أبيهما فأنفق المؤمن\nماله في وجوه البر وسبيل الله واعْتَقَل بها (٩) الكافر الضِّياع والعقار (١٠)، ومآل أمرهما مذكور في الآية.\nقوله ﴿* وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا﴾ أي: حدثهم بها في مثله العبرة.\nقيل ﴿لَهُمْ﴾: لأهل مكة، وقيل: للناس كافة (١١).\nوقيل: للذين سألوا طرد الفقراء (١٢).\nوقيل: للذين سألوه عن ذلك امتحانًا (١٣).\n﴿جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ﴾ الجنتان: بستانان (١٤).\n_________\n(١) في ب: \"يهودا\".\n(٢) حكاه الثعلبي في الكشف والبيان (٦/ ١٦٩) عن ابن عباس، ﵄.\n(٣) حكاه الثعلبي في الكشف والبيان (٦/ ١٦٩) عن مقاتل.\n(٤) في ج: \"قطروس\".\n(٥) في ب: \"قطرف\"، وفي ج: \"قطفر\".\n(٦) في قوله تعالى ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (٥١)﴾ [الآيات: ٥١]، وما بعدها.\n(٧) انظر: معاني القرآن للزجاج (٣/ ٢٣٢).\n(٨) انظر: النكت والعيون (٣/ ٣٠٦).\n(٩) \"بها\" ساقط من ج.\n(١٠) انظر: النكت والعيون (٣/ ٣٠٦)، معالم التنزيل (٥/ ١٧٠)، زاد المسير (٥/ ١٣٨).\n(١١) انظر: معاني القرآن للنحاس (٤/ ٢٣٨).\n(١٢) \"وقيل للذين سالوا طرد الفقراء \" ساقط من ب، وانظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٢٥٧).\n(١٣) انظر: معاني القرآن للزجاج (٣/ ٢٣٢).\n(١٤) في ج: \"البستانان\".","vol":"1","page":1239},{"text":"وقيل: بستانٌ واحدٌ محيطٌ به جدارٌ واحد وبين الجنتين زرع (١).\n﴿وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ﴾ جعلنا النخل محيطة بهم (٢).\nوقيل: حففناهما جعلنا حفافيهما أي: جانبيهما نخلًا (٣)، (٤).\n﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا (٣٢) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ﴾ كلتا تأنيث كلا، والتاء ليست للتأنيث لسكون ما قبلها وهو اسم مفرد معناه التثنية وكذلك كلا.\n﴿آَتَتْ أُكُلَهَا﴾ أعطت ثمرها (٥). ﴿وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ﴾ من أُكلها.\n﴿شَيْئًا﴾ أي: لم ينقص مما عُهِدَ. قُطْرُب: لم يمنع (٦).\n﴿وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا (٣٣)﴾ شققنا في المكان المتخلل بينهما حيث الزرع، ومن شدد فلدوام النهر (٧). ﴿وَكَانَ لَهُ﴾ أي: (٨) لصاحب الجنة.\n﴿ثَمَرٌ﴾ مال (٩) سوى الجنتين. الثُمُر: الذهب والفضة (١٠).\n_________\n(١) قاله السدي.\nانظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٢٩٨)، الدر المنثور (٩/ ٥٠٤).\n(٢) \"بهما\" ساقط من ج.\n(٣) \" نخلًا \" ساقط من ج.\nحَفَّ القوم بالشيء وحواليه يَحُفُون حفًا وحَفُّوه وحففوه أحدقوا به وأطاقوا وعكفوا واستداروا، ومنه تحفيف الهودج بالثياب.\nانظر: لسان العرب (٣/ ٢٤٤)، مادة: حفف.\n(٤) انظر: معالم التنزيل (٥/ ١٧٠).\n(٥) في ج: \"ثمرتهما\".\n(٦) لم أقف عليه، والله أعلم.\n(٧) قرأ الجمهور بالتشديد (وفجَّرنا)، وقرأ الأعمش، ويعقوب، وعيسى بن يعمر بتخفيف الجيم.\nانظر: شواذ القراءات لأبي نصر الكرماني (٢٨٩)، البحر المحيط (٦/ ١١٩).\n(٨) \"أي\" ساقط من: ب، ج.\n(٩) في ج: \"قال\"، وهو تصحيف.\n(١٠) وهذا لأن الكرماني يفسر على قراءة ابن كثير.","vol":"1","page":1240},{"text":"ابن عباس، ﵄: صنوف الأموال (١)، ويجوز أن يكون جمع ثمار، ومن قرأ بفتحتين أي: كان له من النخيل والأعناب ثمر كثير (٢).\n﴿فَقَالَ لِصَاحِبِهِ﴾ أخيه.\n﴿وَهُوَ يُحَاوِرُهُ﴾ يراجعه في الكلام، مشتق من حار إذا رجع؛ وذلك أنه سأله عن ماله فيم أنفقه فقال أنفقته في وجوه البر وقدمته بين يديّ لأَقْدِمَ عليه، فقال الكافر: ضَيَّعْتَ مالك بِظَنٍ ظننته من بعثٍ وأجرٍ والله لا يكون ما ظننت.\n﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا (٣٤)﴾ عشيرةً وأنصارًا ينفرون معه في الملمات (٣). مجاهد: أعوانا (٤).\n_________\n(١) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٢٦٠)، وذكر نحوه عن قتادة.\n(٢) قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر، وحمزة، والكسائي \" وكان له ثُمُر \" \" وأُحيط بثُمُره \" بضمتين، بجعله جمع الجمع والمراد به صنوف المال، وقرأ عاصم \" وكان له ثَمَر \" \" وأُحيط بثَمَره \" بفتحتين، من الجمع الذي يفرق بينه وبين واحده بالهاء، والمراد به المأكول، وقرأ أبو عمرو \" وكان له ثُمْر \" \" وأُحيط بثُمْره \"بضمة واحدة وسكون الميم، أي من تثمير المال لقوله بعد ذلك (﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا (٣٤)﴾ [الكهف: ٣٤].\nانظر: الغاية في القراءات العشر لابن مهران (١٩٥)، الحجة لابن خالويه (٢٢٣).\n(٣) النفر: الرهط وهو مادون العشرة.\nانظر: معاني القرآن للنحاس (٤/ ٢٤٠).\n(٤) انظر: الكشاف (٣/ ٥٨٦)، روح المعاني (٨/ ٢٦١).","vol":"1","page":1241},{"text":"﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ أخذ بيد أخيه المسلم وأدخله (١) جنته يطوف به فيها، ووحد الجنة لاتصال كل واحدٍ منهما بالأُخرى، ويحتمل أنه إنما وحد لأن الدخول في الجنتين معًا متعذر. ﴿وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ ضار لها بكفره.\n﴿قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ﴾ تفنى وتهلك (٢).\n﴿هَذِهِ أَبَدًا (٣٥)﴾ هذه الجنة، وقيل: الأرض، أنكر أن الله يفني الدنيا وأن القيامة تقوم. ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ كائنة.\n﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي﴾ نشرت بعد موتي إلى ربي، أي: إن يكن بعث (٣) ودار أُخرى كما زعمت.\n﴿لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا﴾ من جنته ومنهما من الجنتين.\n﴿مُنْقَلَبًا (٣٦)﴾ انقلابًا.\nوقيل: موضع انقلاب، أي: كما أعطاني وكرَّمَني في الدنيا يعطيني في الأُخرى ويُكْرِمُني هناك (٤).\n﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ﴾ يعني: أخاه المسلم.\n﴿وَهُوَ يُحَاوِرُهُ﴾ يراجعه في الكلام.\n﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ﴾ يعني: أباك آدم.\n﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ أي: خلقك من نطفة أبيك في رحم أمك.\n﴿ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (٣٧)﴾ جعلك مُعتدل الخَلْقِ والقامة (٥) ذا عقل وتمييز ثم جهلت أمر الإعادة ولم تستدل بالمبدأ على المعاد.\n﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ أي (٦): لكن أنا هو الله ربي.\n_________\n(١) في أ: \"وأدخل\"، وفي ج: \"فأدخله\".\n(٢) \"تفنى وتهلك\" ساقط من ج.\n(٣) \"إن يكن بعث\" ساقط من ج.\n(٤) قاله قتاده.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٢٦٣).\n(٥) في أ \"القامة والخلق\"، تقديم وتأخير.\n(٦) \"أي\" ساقط من أ.","vol":"1","page":1242},{"text":"﴿وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا (٣٨) وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ﴾ لولا هذه (١) للتخصيص ويختص بالفعل أي: هلاّ.\n﴿إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ أي: ما شاء الله كان فهو رفع بالابتداء والخبر مضمرٌ، وقيل: الأمر ماشاء الله، فيكون المبتدأ مضمرًا، وقيل (٢): محله نصب بوقوع شاء عليه (٣).\nوروى أنس ﵁ (٤) عن النبي ﷺ أنه قال: \" من رأى شيئًا فأعجبه فقال: ما شاء الله لا قوة إلا بالله لم يضره \" (٥).\nوروي عنه ﵊ أيضا أنه قال: \" من أُعطي خيرًا من أهلٍ ومالٍ فيقول عند ذلك ما شاء الله لا قوة إلا بالله لم ير فيه ما يكره \" (٦).\n﴿إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا (٣٩)﴾ أنا في الآية عماد.\n﴿فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ﴾ في الدنيا.\nوقيل: في الآخرة (٧).\n_________\n(١) في ج: \"هاهنا\"\n(٢) في ج: \"وقبله\"، والصواب هو المثبت\n(٣) انظر: معاني القرآن للزجاج (٣/ ٢٣٥).\n(٤) أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم بن حرام، الأنصاري الخزرجي، خادم رسول الله ﷺ وأحد المكرثرين من الرواية عنه، أتت به أمه وقالت: هذا غلام يخدمك، فخدمه عشر سنين، ودعا له بكثرة المال والولد، فكان بستانه يحمل في السنة مرتين، توفي بالبصرة سنة تسعين.\nانظر: الاستيعاب (١/ ١٩٨)، الإصابة (١/ ١٢٦).\n(٥) «ذكره السيوطي في الدر (٩/ ٥٤٤)، وعزاه لابن أبي حاتم.\n(٦) «ذكر السيوطي في الدر (٩/ ٥٤٣) بنحوه وعزاه لأبي يعلى وابن مردوية، وضعفه ابن كثير في تفسيره (٣/ ٨٨).\n(٧) في ج: \" في الأخرى \".\nوهو قول ابن عباس، ﵄.\nانظر: الوسيط للواحدي (٣/ ١٤٩).","vol":"1","page":1243},{"text":"﴿وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ ابن عباس، ﵄: نارًا (١).\nقتادة: عذابًا (٢).\nالأخفش (٣): مرامي (٤).\nابن زيد (٥): قضاءً من الله يقضيه (٦).\nالزجاج: هذا موضع لطيف يحتاج أن يشرح؛ وهو أن الحسبان في اللغة الحساب كقوله\n﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (٥)﴾ [الرحمن: ٣] فالمعنى (٧): يرسل عليها عذاب حسبان، وذلك حساب ما كسبت يداك (٨).\nابن عيسى: الحسبان المرامي الكثيرة كجريدة الحساب (٩).\n﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا (٤٠)﴾ الصعيد التراب، وقيل: وجه الأرض (١٠). والزلق المكان الذي لا تثبت عليه القدم بل تزل عنه (١١):\n_________\n(١) انظر: زاد المسير (٥/ ١٤٥)، الدر المنثور (٩/ ٥٤٩).\n(٢) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٢٦٦)، وهو قول الضحاك، ومالك عن الزهري، ورواية عن ابن عباس، ﵄.\nانظر: تفسير ابن كثير (٣/ ٨٩).\n(٣) الأخفش: سعيد بن مسعدة أبو الحسن الأخفش الأوسط، سكن البصرة، وكان أجلع لا تنطبق شفتاه على لسانه، قرأ النحو على سيبويه، وكان معتزليًا، صنف الأوساط في النحو، معاني القرآن، المقاييس في النحو، الاشتقاق، وغير ذلك، توفي سنة عشر ومائتين.\nانظر: بغية الوعاة (١/ ٥٩٠)، طبقات المفسرين للأدرنوي (١/ ٣١).\n(٤) انظر: البحر المحيط (٦/ ١٢٣).\n(٥) ابن زيد تنظر ترجمته ص: ٧٧.\n(٦) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٥/ ٢٦٦).\n(٧) في ب: \" والمعنى \".\n(٨) انظر: معاني القرآن للزجاج (٣/ ٢٣٦).\n(٩) انظر: النكت والعيون للماوردي (٣/ ٣٠٧).\n(١٠) انظر معنى الصعيد عند قوله تعالى (وإنا لجاعلون ما عليها صعيدًا جرزًا) [الكهف: ٨].\n(١١) في ج: \" بل تزل عليه \".","vol":"1","page":1244},{"text":"الزجاج: الصعيد: الزلق (١): الطريق الذي لاثبات (٢) فيه (٣).\nالحسن: الزلق: الخراب (٤)، والمعنى: تصبح جنتك هذه أرضًا مَلْسَاءَ لا شيء فيها قد ذهب (٥) ما فيها من غرس ونبت.\n﴿أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا﴾ ذاهبًا في الأرض سفلًا حتى (٦) لا تلحقه الأرشية (٧).\n﴿فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا (٤١)﴾ لا يتأتي منك طلبه.\nوقيل: لن تستطيع رد الماء الغائر (٨).\nوقيل: لن تستطيع طلب غيره بدلا منه، حكاه الماوردي (٩).\n﴿وَأُحِيطَ﴾ أي: استجاب الله دعاءه فأحاط الله العذاب.\n﴿بِثَمَرِهِ﴾ بماله ومناله؛ وذلك أنه نزلت بها نار فأحرقته.\n﴿فَأَصْبَحَ﴾ أي: الكافر.\n﴿يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ يصفق بيده على الأخرى ويقلب كفيه ظهرًا لبطن تلهفًا.\n﴿عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا﴾ أي: عليها.\nوقيل: يُقَلِّبُ مُلْكَهُ فلا يري فيه عوض ما أنفق، حكاه الماوردي (١٠).\n﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ ساقطة بعضها على بعض، وقيل: خالية على بيوتها. والعروش: الأبنية (١١).\n_________\n(١) في ج: \"والولق\".\n(٢) في ج: \"لا نبات فيه\".\n(٣) انظر: معاني القرآن للزجاج (٣/ ٢٣٦).\n(٤) انظر: تفسير القرآن العزيز لابن زمينين (٣/ ٦٤).\n(٥) في أ، ب \" فذهب \".\n(٦) \"حتى\" ساقط من أ، ب.\n(٧) غار الماء غَوْرًا ذهب في الأرض وسَفَلَ فيها، وغارت الشمس إذا غربت.\nانظر: لسان العرب (١٠/ ١٤٠)، مادة: غور.\n(٨) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٢٦٨).\n(٩) انظر: النكت والعيون للماوردي (٣/ ٣٠٨).\n(١٠) انظر: النكت والعيون للماوردي (٣/ ٣٠٨).\n(١١) انظر: معاني القرآن للنحاس (٤/ ٤٢٠).","vol":"1","page":1245},{"text":"وقيل: العروش (١) ما عرش من كرومها أي: عروشها قائمة لا ثمر فيها، ويحتمل حيطانها ساقطة على عروش كرومها (٢)، ويحتمل أيضًا: أن خاوية على عروشها كناية عن الخراب (٣).\n﴿وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (٤٢)﴾ تمنى أنه كان غير مشرك حين لم ينفعه التمني.\n_________\n(١) \" العروش \" ساقط من أ.\n(٢) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٥٩٠).\n(٣) انظر: معاني القرآن للزجاج (٣/ ٣٥١).","vol":"1","page":1246},{"text":"﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: لم ينصره (١) النفر الذي قال (٢) فيهم مفتخرًا ﴿وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾، والفئة الجماعة تكون (٣) رِدءً للعسكر يفيء إليها اللاجئ، وقيل: هي جماعة في تفرقة (٤).\n﴿وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا (٤٣)﴾ أي: بنفسه، أي: لم يقدر على دفعه بنفسه (٥) ولا له أعوان نصروه.\n﴿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ﴾ أي: في تلك الحال، يعني: يوم القيمة الولاية لله أي: يتولون الله ويؤمنون به ويتبرؤون من الأصنام.\nقرئ بالفتح والكسر؛ وهما لغتان كالوكالة والوصاية والدلالة.\nوقيل: معنى الكسر: أن الله متفرد بالملك والسلطان يومئذ، والفتح النُّصْرَة (٦).\nوروي عن بعض القراء الوقف على ﴿هُنَالِكَ﴾ فيكون متصلًا بقوله ﴿مُنْتَصِرًا﴾.\nوقرئ (الحقُ) بالرفع صفة للولاية (٧)، والجر صفة لله (٨)،\n_________\n(١) في ج: \"لم تنصره\" بالتاء.\n(٢) في ج: \"الذين قالوا فيهم\".\n(٣) في ج: \"يكون\"، بالياء.\n(٤) الفئة: الجماعة المتظاهرة التي يرجع بعضهم إلى بعض في التعاضد.\nانظر: المفردات للراغب (٦٥٠)، لسان العرب (١٠/ ٣٦٢) مادة: فيأ.\n(٥) \" بنفسه \" ساقط من: ب.\n(٦) قرأ حمزة، والكسائي، وخلف، بكسر الواو، على انه مصدر من قولك: وآل بين الولاية، أو من قولك: وآليته موالاة ووِلاية.\nوقرأ البقية بالفتح بمعنى الموالاة والصلة.\nانظر: الحجة لابن خالويه (٢٢٤)، الكشاف (٣/ ٥٨٩).\n(٧) في أ \"الولاية\".\n(٨) قرأ أبو عمرو والكسائي (لله الحقُ) برفع الحق صفة للولاية، أو خبر مضمر أي هو الحق، أو مبتدأ خبره محذوف أي الحق ذلك، وقرأ الباقون بالجر (لله الحقِ) صفة للفظ الجلالة.\n\nانظر: التيسير للداني (١٤٣)، إملاء ما من به الرحمن للعكبري (٢/ ٣)، اتحاف فضلاء البشر للدمياطي (١/ ٣٦٧).","vol":"1","page":1247},{"text":"وقيل: الرافع على الابتداء وما بعده خبره (١). ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا﴾ أفضل ثوابا ممن يرجى ثوابه.\n﴿وَخَيْرٌ عُقْبًا (٤٤)﴾ أي: طاعة الله خير عقبى من طاعة غيره.\n﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ اذكر لهم ما يشبه الحياة الدنيا قال:\n﴿كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ﴾ أي: هو كماءٍ أنزلناه.\n﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ من السحاب، وقيل: من جانب السماء.\n﴿فَاخْتَلَطَ بِهِ﴾ بالماء (٢)، وقيل: بسببه، وقيل: بسبب الإنزال.\n﴿نَبَاتُ الْأَرْضِ﴾ لكثرة أنواعه ولكثافته (٣)، وقيل: لكثرة الماء اختلط بالنبات (٤).\n﴿فَأَصْبَحَ هَشِيمًا﴾ جافًا مهشومًا مكسورًا بعد تمام النبات وتَزَيُّن الأرض به، أو قبل (٥) تمامه بانقطاع المطر عنه (٦).\n﴿تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾ تنسفه فتفرقه، تقول: ذراه يذروه ويذريه (٧).\n﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا (٤٥)﴾ قادرًا قدر واقتدر بمعنى؛ والنحويون يسمون هذا كان الدوام.\nالحسن: كان قبل كون كل شيء قادرًا على أن يكون فكونه (٨)، وقيل: هو صلة.\n﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أي: يتزين بهما الإنسان في دنياه شقيًا كان أو سعيدًا.\n_________\n(١) في ج: \"وما بعده خبر\".\n(٢) في ج: \"الماء\".\n(٣) في ج: \"أو لكثافته\".\n(٤) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٢/ ١٥٠).\n(٥) في ج: \"أو قيل\"، وهوتصحيف.\n(٦) الهشم: كسر الشيء الرخو كالنبات، والهشم: كسر الشيء اليابس، يقال هشم عظمه، ومنه هشمت الخبز، ورجل هشيم: ضعيف البدن.\nانظر: المفردات للراغب (٨٤٢)، القاموس المحيط (١٥١١).\n(٧) في ج: \"ذراه تذروه وتذريه\".\n(٨) انظر: المحرر الوجيز لابن عطية (٣/ ٥٢٠).","vol":"1","page":1248},{"text":"﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا (٤٦)﴾ لأن صاحبه ينال مأموله، وقيل: لأن الأمل للعمل الصالح خيرٌ من الأمل للعمل السيء، أي: خير من زينة المال والبنين (١).\nوفي الباقيات الصالحات أقوال؛ وجاء مرفوعًا أنها: \" سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم \" (٢).\nابن عباس، ﵄: هي الصلوات الخمس (٣).\nابن زيد: الأعمال الصالحة (٤).\nوقيل: الكلام الطيب (٥).\n_________\n(١) انظر: الكشف والبيان (٦/ ١٧٣).\n(٢) أخرجه الإمام أحمد في المسند (١/ ٧١)، ح: ٥١٣ عن عثمان ﵁ وفيه قصة، وحسن إسناده شعيب الأرنؤوط، وذكر السيوطي نحوه في الدر (١٥/ ٥٥٦)، وعزاه لابن أبي حاتم، وابن مردويه عن علي ﵁.\n(٣) وهو قول سعيد بن جبير، وابن مسعود، ومسروق، وغير واحد من السلف.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٢٧٥)، تفسير ابن كثير (٣/ ٩٠).\n(٤) وهو رواية عن ابن عباس، ﵄، وبه قال قتادة.\nانظر: النكت والعيون (٣/ ٣١٠)، زاد المسير (٥/ ١٥٠).\n(٥) وهو مروي عن ابن عباس، ﵄.\nانظر: النكت والعيون (٣/ ٣١٠)، وعزاه في الدر المنثور (٩/ ٥٥٨) لابن أبي حاتم.","vol":"1","page":1249},{"text":"ابن جرير: الصلاة إلى الصلاة، والجمعة إلى الجمعة، وشهر رمضان إلى شهر رمضان، والحج إلى الحج (١).\n﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ﴾ واذكر يوم نُسَيِّر فيكون مفعولًا به لا ظرفًا، وقيل: تقديره: والباقيات الصالحات خير يوم نُسَيِّر الجبال (٢)، والواو يدفع (٣) هذا القول.\nابن بحر: الأعمال الصالحة أحمد عاقبة ويوم نُسَيِّر الجبال يكون عقبى ذلك (٤)، والمعنى: يُسَيِّر الله الجبال (٥) عن وجه الأرض فيقلعها قلعًا.\n﴿وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾ باديةً برزت عن تحت الجبال والأشجار والأبنية، أي: (٦) ليرى بعضهم بعضًا، وقيل: بارزة موتاها عند البعث (٧).\n﴿وَحَشَرْنَاهُمْ﴾ أي: الموتى. ﴿فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ﴾ لم يترك.\n﴿أَحَدًا (٤٧)﴾ والمغادرة: التَّرْك.\n_________\n(١) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٢٨١)، ورجح أن المراد بالباقيات الصالحات جميع أعمال الخير، قال: \" لأنها من الصالحات التي تبقى للعبد في الآخرة، ويجازى عليها، أما تخصيص سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر فالمراد أنهن من الباقيات الصالحات لاجميع الباقيات الصالحات، ولا كل الباقيات الصالحات، ويجوز أن تكون هي الباقيات الصالحات وكذلك غيرها \" أ. هـ بتصرف.\n(٢) \"الجبال\" ساقط من ج.\n(٣) في ج: \"يرفع\".\n(٤) انظر: غرائب التفسير للكرماني (١/ ٦٦٢).\n(٥) في ج: \" يسير الجبال \".\n(٦) \"أي\" ساقط من ب، ج.\n(٧) حكاه في النكت والعيون (٣/ ٣١١)، والأكثر على أن المراد ظهورها لرأي أعين الناظرين من غير شيء يسترها من جبل ولا شجر.","vol":"1","page":1250},{"text":"﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ﴾ كما يعرض الجند أي: أُظْهِروا، تقول: (١) عرضت الشيء فأعرض أي: أظهرته فظهر (٢).\n﴿صَفًّا﴾ مصطفين، وقيل: صفًا صفًا (٣).\n﴿لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أي: فيقال لهم (٤) قد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة.\nالزَّجاج: بعثناكم كما خلقناكم (٥).\nوجاء في الخبر \" أنهم يُحْشرون حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا \" (٦).\nوقيل: خاليًا من المال والولد (٧).\nوقيل: أحياءً كهيئاتكم عند الخلق الأول (٨).\n﴿بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا (٤٨)﴾ (بل) تفيد العطف ههنا فحسب، أي: وزعمتم أن لا نَفِيَ بوعدنا في إعادتكم، وقيل: الموعد ههنا مكان الوعد بالمحاسبة (٩).\n﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ﴾ يعني: كتاب العبد من الأعمال المشتمل على جميع أعمال العبد خيرها وشرها وهو ما كتبه الحفظة.\nوقيل، وضع الكتاب في يمينه أو شماله (١٠).\nوقيل: معناه: وُضِعَ الحساب (١١).\n_________\n(١) في ج: \" لقول \" وهو تصحيف.\n(٢) انظر: المفردات (٥٥٩)، لسان الغرب (٩/ ١٣٧).\n(٣) انظر: النكت والعيون (٣/ ٣١٢)، معالم التنزيل (٥/ ١٧٦).\n(٤) في ج: \"أي: فقال لهم قد\".\n(٥) انظر: معاني القرآن للزجاج (٣/ ٢٣٩).\n(٦) أخرجه البخاري (ك: التفسير، ح: ٤٧٤٠)، ومسلم (ك: الفتن، باب: فناء الدنيا وبيان الحشر يوم القيامة، ح: ٢٨٦٠).\n(٧) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٣٠٢).\n(٨) حكاه ابن جرير في جامع البيان (١٥/ ٢٨٣).\n(٩) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٢٨٣).\n(١٠) حكاه الزجاج في معاني القرآن (٣/ ٢٣٩)، وابن جرير في جامع البيان (١٥/ ٢٨٣).\n(١١) قاله الكلبي.\nانظر: النكت والعيون (٣/ ٣١٢).","vol":"1","page":1251},{"text":"﴿فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ﴾ أي: ترى المذنبين خائفين وقوع المكروه.\n﴿مِمَّا فِيهِ﴾ من الذنوب.\n﴿وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ﴾ تعجبًا من شأنه.\n﴿لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً﴾ أي: من الذنوب.\nوقيل: بل جميع أعماله مكتوب فيه (١).\n﴿إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ عدَّها وأحاط بجميعها.\n﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا﴾ مكتوبًا، جزاؤه حاضرًا.\n﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩)﴾ بزيادة العذاب أو نقصان الثواب (٢).\n﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ﴾ سجود تحية، وقيل: سجود انقياد، وقيل: سجود تعبد (٣).\n﴿فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ ابن عباس، ﵄: حَيٌّ من أحياء الملائكة يقال لهم الجن خُلِقُوا من نار السمّوم وخُلِقَت الملائكة غير هذا الحي من نور (٤).\nوروي عن ابن عباس، ﵄ أيضا: نُسِبَ إلى الجِنَان لأنه كان خازنًا لها كالمكي والمدني (٥).\nالحسن: لم يكن من الملائكة ولا طرفة عين بل هو أصل الجن كما أن آدم ﵇ أصل الإنس (٦).\n_________\n(١) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٣٠٢).\n(٢) في أ: \" بزيادة العذاب ونقصان الثواب \".\n(٣) \"وقيل: سجود تعبد\" ساقط من أ، ب.\nوالصواب أنه سجود تعظيم وتحية لاسجود عبادة.\n(٤) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٥/ ٢٨٧).\n(٥) انظر: المصدر السابق (١٥/ ٢٨٩).\n(٦) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٢٨٩)، وصححه ابن كثير في تفسيره (٣/ ٩٣).","vol":"1","page":1252},{"text":"شهر بن حوشب (١): كان إبليس من الجن الذين ظفر بهم الملائكة فأسره بعض الملائكة فذهب إلى السماء (٢).\nقتادة: جُنّ عن طاعة الله (٣).\nابن عباس، ﵄: كان اسمه بالسريانية عزازيل (٤)، وبالعربية الحارث وله زوجة وذرية لقوله ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ﴾.\nمجاهد: من ذرية إبليس لاقيس، وولهان وهما صاحبا الطهارة والصلاة، والهَفاف، ومُرة به يكنى أبا مُرة، وزَلَنْبُور صاحب الأسواق يرفع رايته بكل سوق، وثَبْر وهو صاحب المصائب، والأعور وهو صاحب أبواب الزنا، ومِسْوَط وهو صاحب الأخبار (٥) يأتى بها فيلقيها في أفواه الناس ولا يجدون لها أصلًا، ودَاسِم وهو الذي إذا دخل بيته فلم يُسَلِّم ولم يذكر اسم الله بَصَّرَة من المتاع ما لم يُرفع أو يُحْسَن موضعه، وإذا أكل ولم يذكر اسم الله أكل معه (٦).\n﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ خرج، وقيل: اتسع؛ تقول فسق فلان في الأرض إذا اتسع فيها.\n_________\n(١) شهر بن حوشب الأشعري، أبو سعيد، مولى أسماء بنت يزيد بن السكن، روى عن بلال، وجابر بن عبد الله وغيرهم، والعلماء على تضعيفه، توفي سنة إحدى عشرة ومائة.\nانظر: تهذيب الكمال (١٢/ ٥٧٨).\n(٢) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٥/ ٢٩٠).\n(٣) المصدر السابق (١٥/ ٢٨٨).\n(٤) في ج: \"عراريل\"، والصحيح ما أُثبت.\nوالأثر أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٥/ ٢٨٦).\n(٥) في أ: \" أخبار \"، وفي ب \" الأحبار \" والصواب هو المثبت.\n(٦) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٥/ ٢٩٢).","vol":"1","page":1253},{"text":"أبو عبيدة: وهذه (١) لم نسمعها من العرب، إنما تكلمت بها العرب (٢) بعد نزول القرآن (٣).\nومعنى ﴿عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾، الزجاج: خرج عن أمر ربه (٤).\nقطرب: فسق عن أمر ربه عدل (٥).\nوقيل: الملائكة خُلِقُوا من الريح وهم روحانيوّن، وإبليس وسائر الجن من النار، وآدم ﵇ من الطين، وقد سبق معنى هذه الآية (٦).\n﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي﴾ فتطيعوهم (٧) فيما يدعونكم إليه أي: تتولنهم ولا تتولوني. ﴿وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ أي: أعداء.\n﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (٥٠)﴾ بئس البدل من الله إبليس وذريته. وقيل: بئس البدل معصية الله من طاعته، وقيل: بئس البدل النار من الجنة (٨).\n﴿* مَا أَشْهَدْتُهُمْ﴾ ما أحضرتهم يعني إبليس وذريته.\nوقيل: الكفار أجمع (٩). وقيل: الملائكة (١٠).\n﴿خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فأستعين بهم على خلقها أو أشاورهم فيه.\n_________\n(١) في ب، ج: \"هذه\".\n(٢) \" إنما تكلمت بها العرب \" ساقط من أ.\n(٣) انظر: مجاز القرآن لأبي عبيدة (١/ ٤٠٦)، والفسق يطلق ويراد به الميل والخروج عن الشيء، ومنه الفسق في الدين والمراد به الميل والانعدال عن القصد، ومنه قول العرب: فسقت الرطبة من قشرها إذا خرجت منه.\nانظر: غريب الحديث لابن قتيبة (١/ ٢٤٩)، وغريب الحديث للخطابي (١/ ٦٠٣).\n(٤) انظر: معاني القرآن للزجاج (٣/ ٢٤٠).\n(٥) \"عدل\" ساقط من ج.\n(٦) انظر: جامع البيان لابن جرير (١/ ٥٤٢).\n(٧) في ج: \"فتطيعونهم\".\n(٨) حكاه الماوردي في النكت والعيون (٣/ ٣١٤).\n(٩) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٦/ ١٧٧).\n(١٠) قاله الكلبي.\nانظر: المصدر السابق (٦/ ١٧٧).","vol":"1","page":1254},{"text":"﴿وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾ ولا استعنت ببعضهم على خلق بعض.\nوقيل: ما أشهدت بعضهم خلق بعض (١).\nوقيل: ما أعلمتهم خلق أنفسهم ولا استعنت (٢) فكيف يعلمون (٣) خلق غيرهم، حكاه الماوردي (٤).\n﴿وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا (٥١)﴾ أنصارًا وأعوانًا في خلق السماوات.\nوقيل: أولياء (٥).\nوقيل: أعوانًا لعبدة الأوثان (٦).\n﴿وَيَوْمَ يَقُولُ﴾ الله للكفار.\n﴿نَادُوا﴾ أي (٧): ادعوا بصوت عالٍ.\n﴿شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ أي: زعمتم أنها لي شركاء ليمنعوكم من عذابي.\n﴿فَدَعَوْهُمْ﴾ فنادوهم لا ئمين لهم على إضلالهم إياهم.\n﴿فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ واستغاثوهم فلم يغيثوهم لشغلهم بأنفسهم؛ ويحتمل أن ترك الإجابة لكونها (٨) جمادًا. ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ﴾ بين الكفار وآلهتهم.\n﴿مَوْبِقًا (٥٢)﴾ ابن عباس، ﵄ في جماعة: هلاكًا وهو النار وجعلت بينهم لاستوائهم فيها (٩).\nوقيل: بين المؤمنين والكفار موبقًا عداوة (١٠).\nوقيل: بين الكفار لقوله ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾\n_________\n(١) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٢٩٤).\n(٢) \"ولا استعنت\"، ساقط من أ، ب.\n(٣) في ب، ج: \"فكيف تعلمون\".\n(٤) انظر: النكت والعيون للماوردي (٣/ ٣١٥).\n(٥) انظر: النكت والعيون (٣/ ٣١٥).\n(٦) قاله الكلبي.\nانظر: النكت والعيون (٣/ ٣١٥).\n(٧) \" أي \" ساقط من ب.\n(٨) في ب \" \" لكونهم \".\n(٩) وهو قال قتادة، وابن زيد، والضحاك، واختاره ابن جرير.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٢٩٦)، المحرر الوجيز (٣/ ٥٢٤).\n(١٠) قاله الحسن.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٢٩٦).","vol":"1","page":1255},{"text":"[الزخرف: ٦٧] (١).\nالفراء: البين ههنا بمعني الوصال أي: تواصلهم في الدنيا صار مهلكا لهم (٢).\nأبو عبيدة: الموبق: الموعد، كقوله ﴿وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا (٥٩)﴾ (٣).\nمجاهد: في جماعة الموبق وادٍ في جهنم من قيح ودم (٤).\n\nالواحدي (٥): موبقًا حاجزًا، وأصله من وَبَق يَبِقُ إذا (٦) هلك (٧).\n﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ﴾ عاينوها. ﴿فَظَنُّوا﴾ أيقنوا.\n﴿أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا﴾ أي: واقعوا فيها وداخلوها (٨) من وقع إذا أسقطه.\n﴿وَلَمْ يَجِدُوا﴾ يعني: الكفار، وقيل: الأصنام (٩). ﴿عَنْهَا﴾ عن النار.\n_________\n(١) قاله عوف.\nانظر: معاني القرآن للنحاس (٤/ ٢٥٨).\n(٢) انظر: معاني القرآن للفراء (٢/ ١٤٦).\n(٣) انظر: مجاز القرآن لأبي عبيدة (١/ ٤٠٦)، وذكر نحوه النحاس في معاني القرآن (٤/ ٢٥٧)، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن (١١/ ٣).\n(٤) انظر: المصدر السابق (١١/ ٣).\n(٥) علي بن أحمد بن محمد، الواحدي، النيسابوري، كان أوحد عصره بالتفسير، تصدر للإفتاء والتدريس مدة، صنف التفاسير الثلاثة: البسيط، والوسيط، والوجيز، واسباب النزول، توفي سنة ثمان وستين وأربعمائة.\nانظر: سير أعلام النبلاء (١٨/ ٣٣٩)، طبقات المفسرين للداوودي (١/ ٣٩٤).\n(٦) في ب: \"وبق يبق هلك\".\n(٧) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ١٥٣).\nقال في لسان العرب (١٥/ ٢٠١): \" وبَقَ الرجل يَبِقُ وبْقًا، واستوبق: هلك، وأوبقت فلانًا ذنوبه أهلكته، والموبقات: الذنوب المهلكات \".\nوانظر: النهاية في غريب الأثر لابن الجزري (٥/ ٣١٥).\n(٨) في ب: \"واقعون فيها وداخلون\"، وفي ج: \"واقعون فيها داخلون\".\n(٩) حكاه في النكت والعيون (٣/ ٣١٧).","vol":"1","page":1256},{"text":"﴿مَصْرِفًا (٥٣)﴾ موضعًا يعدلون إليه لاحاطتها بهم، وقيل: ملجأً (١).\n﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآَنِ لِلنَّاسِ﴾ أي: رددنا القول فيه مرة بعد أخرى.\n﴿مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ يحتاجون إليه.\n﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ﴾ أي: أكثر شيء خلقه الله.\n﴿جَدَلًا (٥٤)﴾ جدالًا وحِجَاجًا وخِصامًا، وقيل (٢): الإنسان عام (٣).\nوقيل: أراد الكافر أُبَيَّ بن خلف (٤).\nوقيل: النضر بن الحارث (٥).\nوقيل: كثرة مجادلة الناس الأنبياء فيما أتوهم من الله (٦).\n﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ﴾ أهل مكة. ﴿أَنْ يُؤْمِنُوا﴾ من الإيمان.\n﴿إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى﴾ الرسول والقرآن.\n﴿وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ﴾ من الذنوب التي مضت.\n﴿إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ﴾ إلا إتيان سُنة الأولين وهو الاستئصال.\n_________\n(١) قاله الكلبي.\nانظر: النكت والعيون (٣/ ٣١٧).\n(٢) في ب، ج: \"قيل\".\n(٣) انظر: معاني القرآن للزجاج (٣/ ٢٤٢).\n(٤) قاله الكلبي.\nانظر: الوسيط للواحدي (٣/ ١٥٤).\nوأبي هو ابن خلف الجمحي، أخو أمية بن خلف، كان من أشد الناس عداوة لرسول الله ﷺ والمؤمنين، جرحه رسول الله ﷺ يوم أحد فمات منها.\nانظر: تاريخ الأمم والملوك للطبري (٢/ ٦٧).\n(٥) قاله ابن عباس، ﵄.\nانظر: الوسيط للواحدي (٣/ ١٥٤).\nالنضر بن الحارث بن كلدة بن بني عبد مناف أخا بني عبد الدار، كان ممن يؤذي رسول الله ﷺ والمؤمنين، قتل يوم بدر.\nانظر: تاريخ الأمم والملوك (٢/ ٣٨).\n(٦) انظر: معالم التنزيل (٥/ ١٨١).","vol":"1","page":1257},{"text":"الزجاج: إلا طلب سنة الأولين يريد قوله ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ﴾ [الأنفال: ٣٢] (١).\nوقيل: إلا انتظار العذاب (٢).\n\nأبو عبيدة: عادة الأولين (٣).\nابن بحر: ما ههنا للاستفهام (٤)، غيره: للنفي.\n﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا (٥٥)﴾ قرئ بالضم والكسر؛ فالكسر (٥) معناه: معاينة ومقابلة، والضم معناه: صنفًا صنفًا يتلوا بعضها بعضًا جمع قبيل (٦) وقيل: الضم والكسر لغتان بمعنى المقابلة (٧).\nوقيل: قبلًا خلاف دبر، والمعنى يأتيهم عذاب يستأصلهم أو يقاتلون بالسيف معاينة يوم بدر (٨).\n﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ﴾ للمؤمنين.\n﴿وَمُنْذِرِينَ﴾ للكافرين بالنار.\n﴿وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ﴾ في طلب الآيات ودفع النبوات.\nابن جرير: جدالهم بالباطل سؤالهم النبي ﷺ عن أصحاب الكهف وعن ذي القرنين (٩) والروح تعنتًا (١٠). ﴿لِيُدْحِضُوا بِهِ﴾ بالجدال.\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن للزجاج (٣/ ٢٤٢).\n(٢) انظر: الوجيز للواحدي (٢/ ٦٦٥)، البحر المحيط (٦/ ١٣٢).\n(٣) انظر: مجاز القرآن لأبي عبيدة (٢/ ١٥٦).\n(٤) لم أقف عليه، والله أعلم.\n(٥) في أ: \"والكسرة\".\n(٦) في ج: \"جمع قبل\".\n(٧) انظر: معاني القرآن للزجاج (٣/ ٢٤٢).\n(٨) قرأ عاصم، وحمزة، والكسائي \" قُبُلًا \" بالضم، وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر \" قِبَلًا \" بكسر القاف وفتح الفاء.\nانظر: النشر لابن الجزري (٢/ ٣١١)، الحجة لابن خالويه (٢٢٦).\n(٩) في أ، ب: \"وذي القرنين\" بغير عن.\n(١٠) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٣٠٢).","vol":"1","page":1258},{"text":"﴿الْحَقَّ﴾ النبوة أي: يزيلوه. ﴿وَاتَّخَذُوا آَيَاتِي﴾ القرآن، وقيل: دلائلي (١).\n﴿وَمَا أُنْذِرُوا﴾ وإنذارهم (٢)، قيل: وما انذروا به أي: النار (٣).\n﴿هُزُوًا (٥٦)﴾ استهزاءً، ولعبًا، وباطلًا (٤).\n﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾ أي: لا أحد أظلم.\n﴿مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآَيَاتِ رَبِّهِ﴾ وُعِظَ وتُلِيَ عليه القرآن.\n﴿فَأَعْرَضَ عَنْهَا﴾ ترك قبوله وصار عنها في عَرَض أي (٥): ناحيتة.\n﴿وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ غفل عن ذنوبه السالفة.\nوقيل: تركها ترك ما يُنْسَى (٦).\n﴿إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾ جمع كنان أي: غشاوة (٧).\n﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ كراهة أن يفقهوه ولئلا يفقهوه.\n﴿وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ ثقلًا وصُمًا عن استماع الحق أي: خذلناهم (٨).\n﴿وَإِنْ تَدْعُهُمْ﴾ يا محمد. ﴿إِلَى الْهُدَى﴾ للإيمان والقرآن (٩).\n﴿فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا (٥٧)﴾ أي: بعد الأكنة والوَقْر.\n﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ فلا تعجل بالعقوبة.\n_________\n(١) انظر: النكت والعيون (٣/ ٣١٩).\n(٢) \" وإنذارهم \" ساقط من (أ).\n(٣) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ١٥٥).\n(٤) في ج: \"ولعبًا باطلًا\".\n(٥) في أ، ب: \"في عرض وناحية\".\n(٦) انظر: الكشاف (٣/ ٥٩٤).\n(٧) الكِن والكِنة والكِنان وقاء كل شيء وستره، والكِنُّ البيت، وكننت الشيء سترته عن الشمس، والأكنة الأغطية، واحدها كِنان.\nانظر: لسان العرب (١٢/ ١٧٢)، القاموس المحيط (١٥٨٤).\n(٨) الوَقْرُ: ثِقَلُ في الأذن، ووقِرَت أُذُنه صُمت.\nانظر: المصباح المنير (٢/ ٦٦٨)، النهاية في غريب الأثر (٥/ ٤٧٤).\n(٩) في أ، ب: \"الإيمان والقرآن\".","vol":"1","page":1259},{"text":"﴿لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ بكفرهم.\n﴿لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ﴾ في الدنيا.\n﴿بَلْ لَهُمْ موعد﴾ يعني يوم القيامة (١).\n﴿لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا (٥٨)﴾ موضع نجاة.\n﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ﴾ يريد: قوم نوح، وعاد، وثمود.\n﴿لَمَّا ظَلَمُوا﴾ كفروا.\n﴿وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا (٥٩)﴾ وقتًا وزمانًا أهلكوا فيه (٢)، وقيل: هو من قوله\n﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ [هود: ٦٥] (٣).\nوقيل: وجعلنا لمهلك قومك (٤)، والهلاك لازم والإهلاك متعدٍ فمن فتح الميم فهو مضاف إلى الفاعل من ضم الميم فهو مضاف إلى المفعول (٥).\nوقيل: هلك متعدٍ أيضًا، وأنشد: وَمَهْمَهٍ هَالِكِ من تَعَرَّجَا (٦).\nفيكون الفتح مضافًا إلى الفاعل وإن شئت إلى المفعول.\n﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ﴾ أي: اذكر إذ قال؛ فإن في ذلك عبرة لمن اعتبر، و(فتاه) مملوك له وهذا قول غريب، وجمهور المفسرين على أنه يوشع بن نون (٧).\n_________\n(١) «في ب، ج: \" يعنى القيلامة \".\n(٢) في أ: \"هلوا فيها\"، وفي ب: \"هلوا فيه\".\n(٣) انظر: معاني القرآن للزجاج (٣/ ٢٤٣).\n(٤) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٣٠٦).\n(٥) قرأ الجمهور بضم الميم وفتح اللام، وقرأ أبو بكر عن عاصم بفتح اللام والميم، وقرأ حفص عن عاصم بفتح الميم وكسر اللام.\nانظر: التيسير للداني (١٤٤)، الحجة لابن خالويه (٢٢٧).\n(٦) البيت لرؤبة بن العجاج كما في ديوانه (٩٣).\nانظر: الخصائص لابن جني (٢/ ٢١٠)، أدب الكاتب لابن قتيبة (٣٣٧)، مجمع الأمثال لأبي الفضل النيسابوري (٢/ ٤٠٨).\n(٧) انظر: تفسير ابن كثير (٣/ ٩٧).","vol":"1","page":1260},{"text":"وقيل: كان أخا ليوشع (١)، وسمي فتاه لأنه كان يلازمه ويخدمه.\n﴿لَا أَبْرَحُ﴾ لا أزال، والخبر محذوف أي لا أبرح ماشيًا.\nوحكى الزجاج أن بعضهم قال في تفسيره (٢): ﴿لَا أَبْرَحُ﴾ لا أزول، قال: وهذا محال لأنه إذا لم يزل من مكانه لم يقطع أرضا قال وإنما المعنى لا أزال أسير أي أدوم عليه ولا أفتر حتى يكون أحد الأمرين (٣).\nولعل القائل أراد لا أزول عن حالي في السير لا عن مكاني فلا يكون فيه استحالة وكذلك ظاهر القرآن لا أبرح فإذا لم يبرح كيف يصل وإنما المراد لا أبرح من السير حتى أصل.\n﴿حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾ قيل: هو بحر فارس والروم (٤).\nمحمد بن كعب (٥): اسمه طنجة (٦).\nأبي بن كعب (٧):\n_________\n(١) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٦/ ١٨٠).\n(٢) في ب: \" في التفسير \".\n(٣) انظر: معاني القرآن للزجاج (٣/ ٢٤٤).\n(٤) قاله مجاهد، وقتادة.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٣٠٩)، الوسيط للواحدي (٣/ ١٥٦).\n(٥) محمد بن كعب بن سليم بن أسد، القرظي، أبو حمظة المدني، من حلفاء الأوس بن حارثة، تابعي ثقة، عالم بالقرآن، كان أبو من سبي بني قريظة، سكن الكوفة ثم تحول إلى المدينة، روى عن بعض الصحابة، توفي سنة ثمان عشرة ومائة.\nانظر: تهذيب الكمال (٢٦/ ٤٢٠)، سير أعلام النبلاء (٥/ ٦٥).\n(٦) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٦/ ١٨٠)، زاد المسير (٥/ ١٦٤).\n(٧) أبي بن كعب بن قيس بن عبيد بن النجار الأنصاري، أبو المنذر، سيد القراء، كان من أصحاب العقبة الثانية، شهد بدرًا وما بعدها، وهو ممن كان يكتب للنبي ﷺ، توفي سنة ثلاثين، وقيل غير ذلك.\n\nانظر: الاستيعاب (١/ ١٦٥)، الإصابة (١/ ٢٧).","vol":"1","page":1261},{"text":"إفريقيه (١).\nمقاتل: اسم أحدهما الرَّس والآخر الكُّرّ (٢).\nوقيل: بحر المشرق والمغرب (٣) اللذان يحيطان بجميع الأرض (٤).\nوقيل: العذب والملح (٥)، (٦).\nوقيل: البحران من العلم وهما موسى والخضر (٧)؛ وذلك (٨) أن موسى ﵇ خطب للناس خطبة بليغة فأُعجب بها فقال له رجل: هل تعلم أحدًا أعلم منك؟ (٩) قال: لا. فأوحى الله إليه بلى (١٠) عبدنا الخضر.\n_________\n(١) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٦/ ١٨٠)، زاد المسير (٥/ ١٦٤).\n(٢) في النسخ أ، ب، ج: \" الرس والكنز \"، وهو تصحيف، والصواب \" الكَرّ \" كما أثبته ياقوت الحموي في معجم البلدان (٣/ ٤٤)، والأثر ذكره السيوطي في الدر (٩/ ٦٠٤)، وعزاه لابن أبي حاتم.\nوالرَّسُ والكُرّ: نهران عظيمان من أنهار أرمينية يصبان في جرجان، وفي نهر الرس اصناف من السمك كثيرة، وقد يأتيه في شهر جنس من السمك لم يأته من قبل.\nانظر: ومعجم البلدان للحمووي (٣/ ٤٤).\n(٣) في ج: \" وقيل هو المشرق والمغرب \".\n(٤) وهذا القول راجع إلى القول بأن المراد بهما بحرا فارس والروم.\n(٥) \"وقيل: العذب والملح\" ساقط من أ.\n(٦) بحر الملح هو بحر فارس، وبحر العذب هو بحر الروم.\nانظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٣٠٥).\n(٧) حكاه في النكت والعيون (٣/ ٣٢٢) عن السدي، وهو قول أهل التصوف، وهو منكر يرده سياق الآيات.\nالمحرر الوجيز (٣/ ٥٢٨)، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١١/ ٨).\n(٨) في أ، ب \" وسبب ذلك \".\n(٩) في ب \" من أهل العلم أحدًا أعلم منك \".\n(١٠) \"بلى\" ساقط من أ.","vol":"1","page":1262},{"text":"فسأل موسى السبيل (١) إلى لقيه فجعل الله له (٢) الحوت آية فقيل: له إذا فقدت الحوت فارجع فإنك ستلقاه فانطلق هو وفتاه حتى أتيا الصخرة التي عند مجمع البحرين وهو قوله\n﴿حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا (٦٠)﴾ (٣). تقديره: حتى يكون إما لقاء الخضر بجمع البحرين، وإما السير حتى أصل إليه وإن كان حُقُبًا.\nوالحُقُبُ في قول ابن عباس، ﵄: الدهر (٤).\nمجاهد: سبعون سنة (٥).\nوقيل: ثمانون سنة (٦).\nوقيل: سنة بلغة قيس (٧).\nقتادة: هو زمان غير محدود (٨).\n﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا﴾ أي: بلغ مجمع البحرين.\nو﴿بَيْنِهِمَا﴾ يحتمل أمرين:\nأحدهما: أن يكون ظرفًا فأضيف إليه على الاتساع ومثله ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦].\nوالثاني: أن يكون بمعني الوصل، أي: مجمع وصلهما.\n_________\n(١) \" السبيل \" ساقط ج.\n(٢) \"له\" ساقط من أ.\n(٣) أخرجه البخاري (ك: التفسير، ح: ٤٧٢٧) مطولًا\n(٤) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٥/ ٣١١).\n(٥) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٥/ ٣١٠).\n(٦) وهو مروي عن عبد الله بن عمرو ﵄، كما في جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٣١٠)، وإليه ذهب الزجاج في معاني القرآن (٣/ ٢٤٤).\n(٧) قاله الكلبي.\nانظر: النكت والعيون (٣/ ٣٢٢).\n(٨) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٥/ ٣١١)، وهو اختيار النحاس، قال: \"الذي يعرفه أهل اللغة أن الحقب والحقبة زمان من الدهر مبهم غير محدد، كما أن قومًا ورهطًا مبهم غير محدد\".","vol":"1","page":1263},{"text":"﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ ثم سارا (١) حتى انتهيا إلى الصخرة فوضع فتاه المكتل (٢)، وكان فيه خبز وسمك مالح، وقيل: مشوي، وقيل: طري، فتمسح يوشع بالماء فانتضح على الحوت فعاش ووثب في الماء لأن العين التي اغتسل منها عين ماء يقال لها عين ماء الحياة لا يصيب منها (٣) ميتًا إلا عاش، فقام الفتى (٤) ليخبر موسى فنسي وإنما نُسِّيَ ومثل ذلك لا يُنْسَى، لأنه كان في زمان النبوة وكان يقع لهم أمثال ذلك ونسب النسيان إليهما لأن موسى نسي تعرف خبر الحوت وقد بلغ الموضع الموصوف له ونسي الفتى أن يخبره بما كان من الحوت، وقيل: نسب إليهما وهو لأحدهما كقوله ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (٢٢)﴾\n[الرحمن: ٢٢] وهما يخرجان من الأُجاج ولا يخرجان من الفرات (٥).\nوقيل: تقديره نسي أحدهما فحذف المضاف (٦) وارتفع الضمير واتصل (٧) بالفعل (٨). وقيل: هو كقوله: \" نسوا زادهم \" وإنما ينساه متعهد الزاد (٩).\n﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ﴾ أي: اتخذ طريقًا له من البر إلى البحر (١٠).\n_________\n(١) في أ: \"صارا\"، وهو تصحيف.\n(٢) المكتل: الزبيل الذي يُحمل فيه التمر أو العنب، ويسع خمسة عشر صاعًا.\nانظر: الفائق في غريب الحديث للزمخشري (١/ ٤٣٩)، غريب الحديث لابن الجوزي\n(٢/ ٣٨٦).\n(٣) في ج: \"منه\".\n(٤) في ج: \" فتى \" بدون الألف اللام.\n(٥) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٦/ ١٨١).\n(٦) في ب: \"الضمير \".\n(٧) في ج: \" فارتفع الضمير اتصل \".\n(٨) انظر: معاني القرآن للنحاس (٤/ ٢٦٥).\n(٩) انظر: معالم التنزيل (٥/ ١٨٦).\n(١٠) في ج: \"من البحر إلى البحر\".","vol":"1","page":1264},{"text":"﴿سَرَبًا (٦١)﴾ سَرَبَ فيه سَرَبًا، المعنى: دخل فيه واستتر به، وقيل: تقديره: واتخذ سبيله سربًا فهما مفعولان كقوله ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥] (١).\nوقيل: بقي طريقه كالسَّرَب (٢).\n﴿فَلَمَّا جَاوَزَا﴾ أي: مجمع البحرين ثم نزلا (٣) وقد سارا ماشاء الله.\n﴿قَالَ﴾ موسى. ﴿لِفَتَاهُ آَتِنَا غَدَاءَنَا﴾ طعامنا لنتغدى به.\n﴿لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا (٦٢)﴾ تعبًا.\nوقيل: وهنًا (٤)؛ يريد ذلك اليوم فحسب لأنه جاوز الموعد من المكان.\nوقيل: لم يَعْيَ هو موسى في سفره قط إلا ذلك السفر (٥).\n﴿قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ﴾ مقاتل: هي بشروان (٦) على ساحل بحر أيلة (٧).\nوقيل: عند نهر الزيت (٨).\n\n﴿فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾ أي: حَمْل الحوت، وقيل: ذكر الحوت يُذَكِّر (٩) الفتى ما كان من الحوت لأن موسى كان يأكل منه فقال: أرايت ذكره ما شاهد (١٠).\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن للزجاج (٣/ ٢٤٤).\n(٢) والسَّرب: الطريق والمسلك فيه خفاء.\nانظر: لسان العرب (٦/ ٢٢٦) / مادة: سرب.\n(٣) في ج: \" لم يزلا \" وهو تصحيف.\n(٤) حكاه في النكت والعيون (٣/ ٣٢٣).\n(٥) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٣٠٥).\n(٦) شروان: من مدن بلاد أرمينية وملكها يسمى شروانشاه. ونهر الزيت: نهر معين عنده كثير من شجر الزيتون.\nانظر: معجم البلدان (١/ ١٦١، ٣١٣)، روح المعاني (٨/ ٢٩٨).\n(٧) في ب: \" بحر الأيلة \"، وانظر: النكت والعيون (٣/ ٣٢٤).\n(٨) قاله معقل بن يسار.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٣١٧).\n(٩) في أ: \" وقيل ذلك الحوت \".\n(١٠) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ١٥٧).","vol":"1","page":1265},{"text":"وقيل: معناه تنبه إذ أوينا حين عدلنا عن الجدد إلى الصخرة فإني نسيت الحوت (١)، ثم اعتذر فقال ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ أي: شغل قلبي بوسوسته فنسيت أن أذكره؛ أي: ذِكْرَهُ. ومحله نصب على البدل من الهاء بدل اشتمال، وقيل: لا أذكره.\n﴿وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا (٦٣)﴾ فيه ثلاثة أوجه:\nأحدها: أن الفعل لموسى، أي: اتخذ موسى سبيل الحوت في البحر عجبا، أي: تعجيب من ذلك.\nوالثاني: ﴿وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ﴾ من كلام الفتى، والفعل للحوت، و﴿عَجَبًا﴾ من كلام موسى أي: عجبت من ذلك عجبًا.\nوقيل: تعجب من يوشع ونسيان ذلك لأن موسى علم أن يكون ذلك (٢).\nوالثالث: أن يكون (٣) الجميع من كلام يوشع، أي: اتخذ سبيله في البحر اتخاذًا عجبًا؛ وهو أن أَثره بقي إلى حيث سار، وقيل: جمد الماء تحته (٤).\nوقيل: صار صخرًا (٥).\n\nوقيل: بقي كالكوة (٦).\nوقيل: ضرب بذنبه فصار المكان يبسًا (٧).\n_________\n(١) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٦/ ١٨٢).\n(٢) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٣٠٦).\n(٣) في ب: \" أن الجميع من كلام يوشع \".\n(٤) وهو مروي عن ابن عباس، ﵄.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٣١٨).\n(٥) قاله ابن عباس، ﵄.\nانظر: جامع اللبيان لابن جرير (١٥/ ٣١٥).\n(٦) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ١٥٧).\n(٧) قاله الكلبي.\nانظر: معالم التنزيل (٥/ ١٨٦).","vol":"1","page":1266},{"text":"قال وهب: \" لا بل كان حوتا يمشي في البحر ككوكب دري وكانا (١) يمشيان على أثره الى أن بلغا الخضر ﵇ \" (٢).\nوهذا القول محتاج إلى شرح كأنه رأى الفتى حوتا يمشي في البحر بهذه الصفة فنسى ذكره لموسى ﵇ فلما قال موسى لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا تذكر الحوت (٣) وأخبر موسى بذلك.\n﴿قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ﴾، وروي عن ابن عباس، ﵄ عن أُبيّ (٤) عن رسول الله ﷺ قال: \" انتهيا إلى الصخرة فناما واضطرب الحوت في المتكتل فخرج منه وسقط في البحر فاتخذ سبيله في البحر سربا (٥) فامسك على الحوت جرية الماء فصار عليه مثل الطاق \" (٦).\nفعلى هذا يحوز أن يكون قوله ﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا (٦١)﴾\n﴿وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا (٦٣)﴾ من قول الله فعجب قولهم (قال ذلك) أي: أمر الحوت. ﴿مَا كُنَّا نَبْغِ﴾ نطلب.\n﴿فَارْتَدَّا عَلَى آَثَارِهِمَا قَصَصًا (٦٤)﴾ رجعا في الطريق الذي جاءا فيه يتتبعان أثر المجيء.\n﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا﴾ الجمهور على أنه الخضر واسمه بليا ابن ملكان (٧). وقيل: اليسع (٨).\n_________\n(١) في أ: \" فكأنما يمشيان \" والصحيح ما أثبت.\n(٢) ويدل عليه الحديث السابق عند البخاري قال: \" فوجدا في البحر كالطاق ممر الحوت فكان لفتاه عجبًا وللحوت سربًا \".\n(٣) في ج: \" فذكر الحوت \".\n(٤) في ب: \" وروي عن ابن عباس، ﵄ عن رسول الله \"، وانظر ترجمة أبي بن كعب ص: ١١٧\n(٥) في أ، ب: \" فاتخذ سبيله سربًا \".\n(٦) وهو جزء من حديث أخرجه البخاري (ك: التفسير، تفسير سورة الكهف، باب: فلما جاوزا، ح: ٤٧٢٧).\n(٧) انظر: فتح الباري (٦/ ٤٩٩).\n(٨) قاله السدي.\n\nانظر النكت والعيون (٣/ ٣٢٥).","vol":"1","page":1267},{"text":"وقيل: إلياس (١).\nوقيل: خضرون ابن قابيل بن آدم، حكاه النقاش (٢)، (٣).\nعبيد بن عمير (٤) يرفعه قال: \" لما خرج موسى يطلب العالم انتهى إلى البحر (٥) فإذا هو نائم فوق الماء عليه قطيفة خضراء قد أدخلها تحت رأسه وتحت رجليه (٦) فلما رأى موسى عرف الشدة والشهامة، قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم. قال: لقد كان لك في التوراة علم وفي بني إسرائيل شغل \" (٧).\n\nوقيل: رأى خضرًا على طِنْفِسَةٍ خضراء (٨) على وجه الماء فسلم عليه (٩).\n_________\n(١) انظر: غرائب التفسير (١/ ٦٦٧).\n(٢) النقاش، محمد بن الحسن بن سند الموصلي البغدادي، أبو بكر، مقرئ، مفسر، مشارك في بعض العلوم، ولد ببغداد ونشأ بها، حدث عنه خلق كثير، من تصانيفه: شفاء الصدور في التفسير، الإشارة في غريب القرآن، الموضح في القرآن ومعانيه. توفي سنة ٣٥١ هـ.\nانظر: مختصر طبقات الفقهاء للنووي (١٨٦)، طبقات المفسرين للداوودي (٢/ ١٣٥)، طبقات المفسرين للسيوطي (٩٤).\n(٣) انظر: غرائب التفسير (١/ ٦٦٧).\n(٤) عبيد بن عمير، تنظر ترجمته ص: ٥٣\n(٥) في ج: \" انتهى البحر \".\n(٦) في ج: \" وتحت رجله \".\n(٧) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٣٢٧).\n(٨) فيها لغات بكسر الطاء والفاء بينهما نون ساكنة، وبضم الطاء والفاء، وبكسر الطاء وفتح الفاء، وهي النُّمْرُقة فوق الرحل، وجمعها طنافس.\nانظر: لسان العرب (٨/ ٢٠٨)، مادة: طنفس.\n(٩) وهو جزء من حديث أخرجه البخاري (ك: التفسير، تفسير سورة الكهف، باب: فلما بلغا مجمع بينهما، ح: ٤٧٢٦) عن ابن عباس، ﵄.","vol":"1","page":1268},{"text":"وجاء في الخبر: إنما سمي الخضر خضرًا لأنه جلس على فروة بيضاء فاهتزت خضراء (١). الفروة: الأرض المرتفعة، وقيل: الصلبة (٢).\nمجاهد: إنما سمي الخضر خضرًا (٣) لأنه إذا صلى اخضر ما حوله (٤).\nسعيد (٥) قال (٦): \" الخضرُ أمه رومية وأبوه فارسي \" (٧).\nوروي عن رسول الله ﷺ في بعض الأخبار أنه ذكر قصة الخصر فقال: كان ابن ملك (٨) من الملوك فأراد أن يستخلفه من بعده فلم يقبل منه ولحق بجزائر البحور، فطلبه أبوه فلم يقدر عليه (٩)، وأطال الثعلبي الكلام في ذلك الملك في كتاب العرائس في قصة الخضر والاختلاف فيه وفي نبوته وحيويته.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (ك: أحاديث الأنبياء، ح: ٣٤٠٢) عن أبي هريرة ﵁.\n(٢) وهي الأرض البيضاء التي لانبات فيها، ويسمى الهشيم اليابس فروة.\nانظر: غريب الحديث للخطابي (٢/ ١٩١)، غريب الحديث لابن الجوزي (١/ ٢٢٢).\n(٣) في (ج) \" إنما سمي خضرًا \".\n(٤) ذكره السيوطي في الدر (٩/ ٥٩٧)، وعزاه لسعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن عساكر. وانظر: فتح الباري (٦/ ٤٩٩).\n(٥) سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب، القرشي، المخزومي، روى عن أبي بكر ﵁ مرسلًا، كان ثقة من أهل الخير الصلاح، إمام عالم، زاهد، توفي سنة ثلاث وتسعين.\nانظر: سير أعلام النبلاء (٤/ ٢١٧) / الكاشف (١/ ٤٤٤).\n(٦) \" قال \" ساقط من أ، ب.\n(٧) ذكره السيوطي في الدر (٩/ ٥٩٨) وعزاه لبن عساكر.\n(٨) في أ: \" بن ملك \" والصحيح ما أُثبت.\n(٩) انظر: ذكرها الكرماني في غرائب التفسير (١/ ٦٦٨)، وأبو حيان في البحر المحيط (٦/ ١٣٩).","vol":"1","page":1269},{"text":"وعن أبن لهيعة (١): أن الخضر ابن فرعون موسى (٢)، حكاه النقاش في تفسيره والعهدة عليه (٣).\nوقيل: في قوله ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا﴾ كان ملكًا أمر الله موسى أن يأخذ منه من علم الباطن، وقيل: كان عالمًا (٤).\nواختلفوا في نبوته؛ فمنهم من قال: هو نبي، ومنهم من قال: هو ولي (٥).\nواختلفوا في حياته؛ فقال بعضهم: هو حيٌ (٦) بعد في زماننا. وأنكره بعضهم بأن لا يكون بعد محمد ﵊ نبي.\nأبو علي: كان الخضر نبيًا بعد موسى، قال: \"وهذا أيضًا نبي ولكن كان قبل موسى والخضر ﵉\" (٧).\nوقيل: الخضر نبي وإلياس نبي وهما في الأحياء يلتقيان في كل موسمٍ في عرفات (٨).\nوروي عن محمد بن اسحاق (٩) أن موسى صاحب الخضر هو موسى بن ميشا بن يوسف (١٠).\n_________\n(١) عبد الله بن لهيعة الحضرمي، أبو عبد الرحمن الفقيه، قاضي مصر، إختلط في آخر حياته، وكثر عنه المناكير في روايته، والأكثر على تضعيفه.\nانظر: الكاشف (١/ ٥٩٠)، طبقات المدلسين لابن حجر (٥٤).\n(٢) في أ: \" أن الخضر أب فرعون موسى \".\n(٣) انظر: فتح الباري (٦/ ٥٠٠).\nقال ابن كثير في البداية والنهاية (٢/ ٢٤٤)، \" وهذا غريب جدًا \".\nوالنقاش، تنظر ترجمته ص: ١٢٣\n(٤) انظر: غرائب التفسير (١/ ٦٦٨)، وهو من أباطيل المتصوفة.\n(٥) من قوله \" واختلفوا في نبوته \" إلى قوله \"هو ولي \" ساقط من أ.\n(٦) في أ \" فقال هو حي \".\n(٧) انظر: غرائب التفسير (١/ ٦٦٨).\n(٨) معالم التنزيل (٥/ ١٩٧).\n(٩) محمد بن إسحاق، تنظر ترجمته ص: ٧٣\n(١٠) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (٢/ ١٧٠) قال: \" والصحيح الذي دل عليه ظاهر سياق القرآن، ونصُّ الحديث الصحيح الصريح المتفق عليه أنه موسى بن عمران صاحب بني إسرائيل \".","vol":"1","page":1270},{"text":"وقيل: موسى بن افرائيم ابن يوسف، وهذا بعيد فإن في الصحيح عن البخاري (١) أن سعيد ابن جبير قال: \" قلت لابن عباس، ﵄ إن نوفًا البكالي (٢) وكان قاضيًا (٣) بالكوفة ويزعم أن موسى صاحب الخضر ليس هو (٤) موسى بني إسرائيل (٥) إنما هو موسى آخر. قال: كذب عدو الله \" (٦).\n_________\n(١) محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبة البخاري، أبو عبد الله، صاحب الصحيح، طلب العلم، وجالس العلماء، كان شديد الحفظ، رحل في طلب الحديث ومهر فيه، صنف كتابة الصحيح ورزق فيه القبول، توفي سنة ست وخمسين ومائتين.\nانظر: سير أعلام النبلاء (١٢/ ٣٩١).\n(٢) نوف بن فضالة، الحميري البَكَّالِي، أبو يزيد، وهو ابن امرأة كعب الأحبار، روى عن بعض الصحابة، كان إمام أهل دمشق، روى له في الصحيحين.\nانظر: الثقات لابن حبان (٥/ ٤٨٣)، مشاهير علماء الأمصار لأبي حاتم (١٢١).\n(٣) \" وكان قاضيًا بالكوفة \" ساقط من ج.\n(٤) في أ: \" ليس موسى \".\n(٥) في أزيادة \" بل \"، والصحيح ما أُثبت.\n(٦) أخرجه البخاري (ك: التفسير، باب: وإذ قال موسى، ح: ٤٧٢٥).\nوقد اختُلِف في نبوة الخضر؛ فقيل هو نبي واستدلوا بقوله في قصة قتل الغلام \" فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرًا منه زكاة .. \" وبقوله \" رحمة من ربك وما فعلته عن أمري \"، وقال آخرون بل كان رسولًا، وقال غيرهم بل كان ملكًا. قال الحافظ ابن كثير في تفسيره (٣/ ١٠٥): \" وذهب كثيرون إلى أنه لم يكن نبيًا بل كان وليًا\".\n\nواختلفوا في موته وحياته؛ قال ابن كثير في تفسيره: \" وحكى النووي وغيره في كونه باقيًا إلى يوم القيامة، وذكروا في ذلك حكايات وآثارًا عن السلف وغيرهم وجاء ذكره في بعض الأحاديث ولا يصح شيء من ذلك ... ورجح آخرون من المحدِّثين وغيرهم خلاف ذلك واحتجوا بقوله تعالى \" وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد \" وبقول النبي ﷺ يوم بدر \" اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تُعْبَد في الأرض \"، وبأنه لم ينقل أنه جاء إلى رسول الله ﷺ ولا حضر عنده ولاقاتل معه، ولو كان حيًا لكان من أتباع النبي ﷺ وأصحابه؛ مبعوث إلى الثقلين، وأخبر قل موته بقليل أنه لايبقى ممن هو على وجه الأرض إلى مائة سنة من ليلته تلك طرفة عين، إلى غير ذلك من الدلائل \" أ. هـ بتصرف.\nقال في البداية والنهاية (٢/ ٢٧٠): \" قال ابن الجوزي: فهذه الأحاديث الصحاح تقطع دابر حياة الخضر \".","vol":"1","page":1271},{"text":"وفي بعض القصص، أن الخضر لما رأى يوشع بن نون شرب من ماء الحياة أخذه وجعله في تابوت وشده بالرصاص ورمى به في موج البحر (١) وهذا بعيد؛ بل صرفه موسى ورده إلى بني إسرائيل.\nوإنما ذهب إلى هذا من ذهب لأن ذكره انقطع ههنا، وفي الخبر عن النبي ﷺ: إن أخي الخضر ليقضى ثلاث ساعات من النهار بين أمم البحر ويشهد الصلاة كلها في مسجد الحرام ويتهجد بالسحر عند سد يأجوج ومأجوج (٢).\nوفي القصص، لما ورد موسى البحر وقف على ساحل البحر فأبصر حوتًا قد علا الماء ونشر جناحين على متن البحر فوضع موسى رجلين على جناحه اليمنى، ووضع فتاه قدميه على جناحه اليسرى وجعل الحوت يسبح ويقطع بهما أهاوي البحر حتى انتهى إلى الصخرة يعني الحوت.\nقوله ﴿آَتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾ هي النبوة (٣).\nوقيل: العلم (٤).\nوقيل: الطاعة (٥).\n\nوقيل: طول الحياة (٦).\n﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (٦٥)﴾ علمٌ من علم الغيب (٧) ما لم يعلم غيره.\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٥/ ٣٢٩)، قال عنه ابن حجر في الفتح (٨/ ٢٦٧): \" لم يثبت فإن إسناده ضعيف \".\n(٢) لم أقف عليه، وقد قال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٢/ ٢٦٣) عن الروايات التي جاءت في شأن الخضر: \" وكل من الأحاديث المرفوعة ضعيفة جدًا، لايقوم بمثلها حجة في الدين، والحكايات لا يخلوا أكثرها عن ضعف في الإسناد، وقُصَارها أنها صحيحة إلى من ليس بمعصوم من صحابي أوغيره لأنه يجوز عليه الخطأ. والله أعلم \".\n(٣) على القول بأنه نبي، وهو قول مرجوح.\n(٤) انظر: معاني القرآن للزجاج (٣/ ٢٤٦).\n(٥) حكاه في النكت والعيون (٣/ ٣٢٤).\n(٦) انظر: المصدر السابق (٣/ ٣٢٤).\n(٧) في ب: \" علم من الغيب \".","vol":"1","page":1272},{"text":"مقاتل: اسمه اليسع (١)، وإنما سمي اليسع لأن علمه وسع ست سماوات وست أرضين، هذا الكلام مزيف جدًا.\n﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (٦٦)﴾ أي: هل أصحبك على شرط أن تعلمني هديً وصوابًا مما علمته رشدًا (٢). والرُّشْد والرَّشَدُ لغتنان كالبُخِل والبَخَل.\nوانتصاب ﴿رُشْدًا﴾ على أنه مفعول ﴿تُعَلِّمَنِ﴾، وأجاز أبو علي أن يكون مفعولًا له، أي: هل أتبعك للرشد، ويجوز أن يكون مصدرًا (٣) أي: تعلمني وترشدني بذلك رشدًا والعلم ههنا يتعدى إلى مفعول واحد فعدي بالتشديد إلى مفعولين (٤).\n﴿قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٦٧)﴾ أي: يشق عليك الصبر ويثقل، وقيل: نفى الصبر على زعمه (٥).\n﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (٦٨)﴾ اعتذر عن كلامه أي: ليس هذا غضاضة منك بل (٦) لأنك ترى ما يقبح في المعتاد فيلزمك عندك الإنكار والتغيير وأنت لا تعلم باطن ولا تعلم أن الأمر بخلاف ظاهره.\nوقيل: ﴿مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ لم تستيقن (٧)، والخُبْر والخُبْرة واحده.\n﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا﴾ أي: عن الإنكار، وقيل: عن السؤال (٨).\n﴿وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (٦٩)﴾ أي: أتابعك على كل ما تريد.\n_________\n(١) انظر: النكت والعيون (٣/ ٣٢٥).\n(٢) \" رشدًا \" ساقط من أ، ب.\n(٣) من قوله \" تعلمني \" إلى قوله \" ويجوز أن \" ساقط من ب.\n(٤) انظر: الحجة للقراء السبع لأبي علي الفرسي (٥/ ١٥٥).\n(٥) انظر: معاني القرآن للزجاج (٣/ ٢٤٦).\n(٦) \" بل \" ساقط من أ.\n(٧) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٣٠٦)، النكت والعيون (٣/ ٣٢٦).\n(٨) انظر: الوجيز للواحدي (٢/ ٦٦٨).","vol":"1","page":1273},{"text":"وقيل: لا ابتدئ بالانكار حتى تبتدي بالأخبار (١).\nوقيل: العصيان (٢) ههنا مجاز وإعظام منه له، وقيل: تم الكلام على قوله ﴿صَابِرًا﴾، فصبر لما استثنى (٣) بقوله ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾، وعصى حيث لم يستثن، وقيل: لم يلزمه الصبر لما استثنى كقوله أنت طالق إن شاء الله (٤).\n﴿قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا (٧٠)﴾ أي: لا تبتدئني بالسؤال عن ما يصدر مني وإن أنكرته على أن ابتدئك ببيانه وأخبرك به.\nالفَرَّاء: حتى أكون أنا الذي أسألك (٥).\n﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ﴾ أي: أخذا يمشيان يريد موسى والخضر على الساحل فمرت بهما سفينة فحملهما أصحابها (٦) بغير نَوْل (٧) وقالوا سيماهما سيما الزهاد. وقيل: فَلَوّحَ الخضر بثوبه فأُدنيت من الساحل فركبها.\nوقيل: عرفوا الخضر فحملوهما بغير نَوْل؛ فبينما هم في السفينة أخذ الخضر فأسًا فخرق لوحًا من السفينة حتى دخلها الماء (٨).\nجاء في التفسير: فحشاها موسى بثوبه (٩).\nالسدي: خرقها ثم أخذ قدحًا من زجاج كان في السفينة فألقمه الخرق (١٠).\n_________\n(١) حكاه في النكت والعيون (٣/ ٣٢٦).\n(٢) في أ: \" الصعيان \" وهو تصحيف.\n(٣) في ب: \" وإنما استثنى بقوله \".\n(٤) انظر: النكت والعيون (٣/ ٣٢٦)، غرائب التفسير (١/ ٦٧٠).\n(٥) انظر: معاني القرآن للفراء (٢/ ١٥٥).\n(٦) في ج: \" أصحابه \" والصحيح ما أُثبت.\n(٧) أي من دون مقابل.\n(٨) أخرجه البخاري (ك: التفسير، تفسير سورة الكهف، باب: فلما جاوزا قال لفتاه، ح: ٤٧٢٧).\n(٩) انظر: معالم التنزيل (٥/ ١٩٠)، زاد المسير (٥/ ١٧١).\n(١٠) انظر: معالم التنزيل (٥/ ١٩٠).","vol":"1","page":1274},{"text":"وقال بعضهم: ثم أخذ منقارًا له ومطرقة فضرب فيها بالمنقار حتى خرقها (١) ثم أخذ لوحًا وطبقة عليها ثم جلس يرقعها (٢) قال أخرقتها لتغرق أهلها وكذلك كان في علم موسى (٣). وقيل: لأن السفينة إذا دخلها الماء رسب (٤) فغرق أهلها (٥).\nوقوله ﴿لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا﴾ قيل اللام لام العاقبة، وقيل: معناه هذا الفعل يشبه فعل من يريد الإغراق.\n﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (٧١)﴾ داهية. مجاهد: منكرًا (٦).\nمقاتل: عجبًا (٧).\nابن عيسى: هو مأخوذ من الإِمْر وهو الفاسد الذي يحتاج أن يؤمر بتركه إلى الصلاح، ومنه رجل إمرًا إذا كان ضعيف الرأي يحتاج أن يؤمر حتى يقوى رأيه (٨).\nوقيل: أصله الشدة (٩).\n_________\n(١) من قوله \" ثم أخذ منقارًا \" إلى قوله \" حتى خرقها \" ساقط من (ب).\n(٢) انظر: النكت والعيون (٣/ ٣٢٧).\n(٣) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٣٢٦).\n(٤) «في ج: \" رست \".\nوالرُّسُوب: الذهاب في الماء سُفْلًا، رَسَبَ الشيء في الماء يرْسُب رُسُوبًا ذهب سُفْلًا.\nانظر: لسان العرب (٥/ ٢٠٧)، مادة: رسب.\n(٥) لم أقف عليه، والله أعلم.\n(٦) أخرجه البخاري (ك: التفسير، سورة الكهف، ح: ٤٧٢٦).\n(٧) أخرجه الطبري في التفسير (١٥/ ٣٣٦) عن قتادة، وذكره ابن حجر في الفتح (٨/ ٢٧٢)، وعزاه لابن أبي حاتم.\n(٨) انظر: النكت والعيون للماوردي (٣/ ٣٢٧).\n(٩) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٣٣٧).\nالإمْر: الشيء العظيم الشنيع المنكر، وقيل هو الداهية العظيمة.\nانظر: غريب الحديث للخطابي (٢/ ١٤٥)، النهاية في غريب الحديث لأبي السعادات بن الجزري (١/ ١٦٣).","vol":"1","page":1275},{"text":"و\" إذا \" في قوله ﴿حَتَّى إِذَا رَكِبَا﴾ في موضع جر بحتي، وهي عاملة في المعنى لأن ما بعدها جملة كما تقول: جلس حتى إذا قمنا ذهب. ﴿قَالَ﴾ يعني: الخضر.\n﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٢)﴾ وجاء في الخبر: وكانا في ذلك إذ جاء عصفور فنقر نقرة من ماء ثم طار فقال الخضر: إن علمي وعلمك وعلم الخلائق كلهم في علم الله كهذه النقرة التي أخذها من عرض البحر، فلما رأى موسى أن الخرق لم يدخل به الماء ولم يضر من في السفينة (١).\n﴿قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾ يعني: بذلك نسيانه العهد الذي كان أعطاه من نفسه أن لا يسأله عن شيء حتى يكون يخبره.\nوقيل: ﴿بِمَا نَسِيتُ﴾ أي: بما غفلت، فإن النسيان مرفوع عن الإنسان (٢).\nوقيل: من النسيان الذي هو الترك (٣).\nوروي عن ابن عباس، ﵄ ﵄ أن موسى لم ينس ولكنه من معاريض الكلام وأراد شيئا آخر نسيه (٤).\n_________\n(١) في ج: \" ولم يضر في السفينة \".\nوالخبر أخرجه البخاري (ك: التفسير، تفسير سورة الكهف، باب: وإذقال موسى لفتاه، ح: ٤٧٢٥).\n(٢) قاله أبي بن كعب.\nانظر: النكت والعيون (٣/ ٣٢٧).\n(٣) قاله ابن عباس، ﵄.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٣٣٩).\n(٤) ذكره السيوطي في الدر (٩/ ٦١٠) وعزاه لابن أبي حاتم، وأخرج نحوه الطبري في التفسير (١٥/ ٣٣٨) عن أبيّ بن كعب، وضعف إسناده ابن حجر في الفتح (٨/ ٢٧٢) قال: \" والأول المعتمد، ولو كان هذا ثابتًا لاعتذر موسى عن الثانية وعن الثالثة بنحو ذلك \" واثابت في الحديث السابق عند البخاري \" كانت الأولى نسيانًا والوسطى شرطًا والثالثة عمدًا \".","vol":"1","page":1276},{"text":"﴿وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (٧٣)﴾ لا تضايقني بهذا القدر فتعسر (١) مصاحبتك.\nوقيل: لا تكلفني ما لا أقدر عليه (٢).\nابن عيسى: لا تغشني؛ قال فهو من قولهم وهو الفارس إذا غشيه وأدركه وغلام مراهق قارب أن يغشاه حال البلوغ (٣).\n﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا﴾ ثم إنهما خرجا من السفينة ودخلا البلد فلقيا غلمانًا يلعبون فأخذ الخضر أحسنهم (٤) وجهًا وأنظفهم ثوبًا فذبحه بالسكين.\nوقيل: فدمغ رأسه بالحجر (٥).\nوقيل: رفسه برجله فقتله (٦).\nوقيل: نزع رأسه (٧).\nوقيل: ضرب رأسه الجدار (٨).\n﴿فَقَتَلَهُ﴾ وكان غلامًا لم يبلغ الحنث ولهذا زكاه موسى، وقيل: كان بالغًا (٩)،\n_________\n(١) في أ، ج \" فيعسر \" والصحيح ما أثبت.\n(٢) انظر: النكت والعيون (٣/ ٣٢٨).\n(٣) انظر: النكت والعيون للماوردي (٣/ ٣٢٨).\n(٤) في أ: \" أحسنه \".\n(٥) قاله مقاتل.\nانظر: النكت والعيون (٣/ ٣٢٩).\n(٦) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٦/ ١٨٤).\n(٧) وهو في حديث أبي بن كعب الذي أخرجه البخاري (ك: التفسير، تفسير سورة الكهف، باب: وإذ قال موسى لفتاه، ح: ٤٧٢٥).\n(٨) انظر: معالم التنزيل (٥/ ١٩١).\n(٩) وهي مروي عن ابن عباس، ﵄.\nانظر: النكت والعيون (٣/ ٣٢٨).\nوعنه أنه لم يبلغ الحلم، وهو قول مجاهد، وعليه أكثر أهل العلم.\n\nانظر: الوسيط للواحدي (٣/ ١٥٩)، معالم التنزيل (٥/ ١٩١).","vol":"1","page":1277},{"text":"ولهذا قال موسى: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ ولو كان صغيرًا لم يكن عليه قصاص ولا تبعة، وكان اسمه خشنوذ، وقيل: خنشود (١).\nوهب: اسم أبيه ملاس واسم أمه رُحْمى (٢).\nالنقاش: اسمه حسين ابن كاردي واسم أمه سهوى (٣).\nالضحاك: كان رجلا يعمل بالفساد وتأذى منه أبواه (٤).\nالحسن: كان رجلًا كافرًا، والعرب قد تقول للرجل البالغ غلام (٥).\nالكلبي: كان فتى يقطع الطريق يأخذ المتاع ويلجأ إلى أبويه فيحلفان دونه ولا يعلمان ذلك (٦).\n﴿قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾ الزاكية والزكية الطاهرة من المعاصي (٧)،\n_________\n(١) في ب: \" اسمه خيسور وقيل خسنوذ \" وفي (ج) \" اسمه حشنور وقيل حشنوذ \"، والصواب \" خشنوذ \"، وهو قول الكلبي كما في بحر العلوم لأبي الليث السمرقندي (٢/ ٣٠٧).\n(٢) في ج: \" رحمين \".\nانظر: الكشف والبيان للثعلبي (٦/ ١٨٤).\n(٣) قاله مقاتل في تفسيره (٢/ ٢٩٧).\n(٤) انظر: تفسير الثعلبي (٦/ ١٨٤).\n(٥) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٦/ ١٨٤).\n(٦) انظر: معالم التنزيل (٥/ ١٩١)، الكشف والبيان للثعلبي (٦/ ١٨٤).\n(٧) وهما قراءتان صحيحتان.\nقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر (زاكية) بالألف، وقرأ الباقون (زكية) بغير ألف.\nانظر: الغاية في القراءات العشر لابن مهران النيسابوري (١٩٧)، التيسير للداني (١٤٤).\n\nقال الفراء في معاني القرآن (٢/ ١٥٥) \"معناهما واحد وهي مثل قاسية، وقسية\"، وهو ما ذهب إليه ابن جرير في جامع البيان (١٥/ ٣٤٢).","vol":"1","page":1278},{"text":"وروي عن أبي عمرو (١)، والمفضل أنهما قالا: \"الزاكية: التي لم تذنب قط، والزكية: التي أذنبت ثم غفر لها\" (٢).\nوعن ابن عباس، ﵄: أن الغلام طبع كافرًا (٣).\n﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ أي: بغير نفس قتلها عمدًا فيقاد بها، وقيل: أراد زكية في علمي (٤).\n﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (٧٤)﴾ أي: منكرًا ينكره العقلاء، والنُكْر أشد من الإمْر، وقيل: بل الإمْر أشد لأنه كان في الظاهر يهلك أهل السفينة وكانوا جماعة، وإنما دخل الفاء في قوله ﴿فَقَتَلَهُ﴾ دون أُختيه لأن القتل اتصل باللقاء (٥) بخلاف الآخريين فإنهما وقعتا بعد براح.\n﴿* قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٥)﴾ زاد في هذه الآية (لك) لأن النكير فيه أكثر، وقيل: بَيّن في الثاني المقتول له ولم يُبين في الأول (٦).\n_________\n(١) أبو عمرو بن العلاء بن العلاء، واسمه زبان بن عمار، التميمي المازني، المقرئ، النحوي، البصري، أخذ القراءة عن أهل مكة، وإليه انتهت الإمامة في القراءة بالبصرة، توفي سنة أربع وخمسين ومائة.\nانظر: معرفة القراء الكبار (١/ ١٠٠).\n(٢) انظر: معالم التنزيل (٥/ ١٩١)، زاد المسير (٥/ ١٧٣).\n(٣) أخرجه مسلم (ك: الفضائل، باب: فضائل الخضر، ح: ٢٦٦١) عن ابن عباس، ﵄ عن أُبيّ، وأخرجه أبو داود ح (٤٧٠٥) عن ابن عباس، ﵄.\n(٤) انظر: النكت والعيون (٣/ ٣٢٩).\n(٥) في ج: \" لأن القتل اتصال باللقاء \" والصحيح ما أُثبت.\n(٦) من قوله \" لك لأن النكير \" إلى قوله \" ولم يبين في الأول \" ساقط من (ب).","vol":"1","page":1279},{"text":"﴿قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا﴾ بعد هذه المسألة، وقيل: بعد هذه المرة (١)، وقيل: بعد هذه النفس المقتولة (٢)، وقيل: الفعلة (٣).\n﴿فَلَا تُصَاحِبْنِي﴾ فلا تتابعني ولا توافقني (٤) في الصحبة لأنه مزيد على مخالفتك ثلاث مرات، وروي عن النبي ﷺ أنه قال: \" رحمة الله علي وعلى أخي موسى لو لم يحمله الحياء على أخذ ذمامه ألا يصاحبه بعدها لرأى من عجائب غيب الله وعلمه شيئًا كثيرًا \" (٥).\n﴿قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا (٧٦)﴾ اعذرت فيما بيني وبينك في الفراق.\n﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ﴾ ابن عباس، ﵄: انطاكية (٦).\nابن سيرين (٧): الأُبُلَّةُ (٨)، قال وهي أبعد أرض الله من السماء.\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن للنحاس (٤/ ٢٧٢).\n(٢) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ١٥٩).\n(٣) وهو راجع إلى الأقوال السابقة.\n(٤) في ب، ج: \" لا تتابعني ولا ترافقني \".\n(٥) أخرجه الترمذي (ح: ٣١٤٩)، واخرج البخاري نحوه (ك: التفسير، سورة الكهف، ح: ٤٧٢٥) من حديث ابن عباس، ﵄، ومسلم (ك: الفضائل، باب: فضائل الخضر، ح: ٢٣٨٠).\n(٦) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٣٠٨).\n(٧) محمد بن سيرين، أبو بكر الأنصاري، البصري، الآنسي، مولى أنس بن مالك، إمام عصره، روى عن مولاه أنس بن مالك، وزيد بن ثابت، كان ثقة مأمونًا، عاليًا رفيعًا، فقيهًا، كثير العلم، توفي سنة عشر ومائة.\nانظر: سير أعلام النبلاء (٤/ ٦٠٦).\n(٨) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٥/ ٣٤٧).\nوالأُبُلة: من بلاد العراق، على شاطئ نهر دجلة، تبعد عن البصرة أربعة فراسخ.\nانظر: معجم البلدان (١/ ٤٦٣).","vol":"1","page":1280},{"text":"وقيل: بَاجَرْوَان بأرمينه (١).\n﴿اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا﴾ تقول: ضفته إذا جئته ضيفًا، وأَضَفْتَه: إذا دَعَوْتَه إلي ضيافتك وكذلك ضَيَّفْتَه؛ وأصله الميل أي: استضافاهم وسألاهم طعامًا فأبوا أن يطعموهما.\nأبي بن كعب ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال في هذه الآية: \" كانوا أهل قرية لئام أهلها \" (٢).\n﴿فَوَجَدَا فِيهَا﴾ في القرية. ﴿جِدَارًا﴾ حائطًا.\n﴿يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ ذهب بعض المفسرين إلى أن لفظ الإرادة هنا مجاز وأن المراد به يقرب وله نظائر، وذهب بعضهم إلى أن إرادة الجدار ميله.\nومعنى ﴿أَنْ يَنْقَضَّ﴾: يسرع تفرق أجزائه من قولهم: قضضت الشيء كسرته.\nوقيل: ينقض يسقط ومنه انقضاض الكواكب (٣).\n_________\n(١) وهوقول السدي، ومقاتل.\nانظر: النكت والعيون (٣/ ٣٣٠)، الدر المنثور (٩/ ٦١٣)\nبَاجَرْوان: من بلاد المشرق من ناحية باب الأبواب قرب شروان من أرض أرمينية.\nانظر: معجم البلدان (١/ ٣١٣).\n(٢) ذكره السيوطي في الدر (١٥/ ٦١٣)، وعزاه لابن مردويه، والديلمي.\n(٣) وقد فصَّل ذلك ابن جرير في جامع البيان (١٥/ ٣٤٨، ٣٤٧).\nأنكر بعض العلماء وجود المجاز في القرآن، منهم شيخ الإسلام حيث قال في كتاب الإيمان\n(١٠٣): \" لفظ الإرادة قد استعمل في الميل الذي يكون معه شعور وهو ميل الحي، وفي الميل الذي لاشعور فيه وهو ميل الجماد وهو من مشهور اللغة، يقال: هذا السقف يريد أن يقع، وهذه الأرض تريد أن تحرث \"، وقال ابن جرير في تفسيره (١٥/ ٣٥٠) \" وإنما خاطب جل ثناؤه بالقرآن من أُنزل الوحي بلسانه، وقد عقلوا ما عنى به، وإن استعجم عن فهمه ذوو البلادة والعمى، وضل فيه ذوو الجهالة والغبا \".","vol":"1","page":1281},{"text":"﴿فَأَقَامَهُ﴾ أي: هدمه وجدد بناءه وأعاده صحيحًا. مقاتل: سواه بالحديد (١)، وعن النبي ﷺ: \" هدمه ثم قعد يبنيه \" (٢).\nوقيل: عمد بدعامة فمنعه (٣) من السقوط وذلك إقامته (٤).\nوقيل: مسه الخضر بيده فاستوي الجدار (٥).\nوهب: كان طوله في السماء مائة ذراع (٦).\n﴿قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (٧٧)﴾ تخذ واتخذ لغتان كتبع واتبع وليس من الأخذ عند البصريين (٧).\nوقوله ﴿أَجْرًا﴾ جُعلًا وأجرة، وقيل: قِرىً وضيافة (٨).\n﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ المشار إليه الوقت أي: هذا الوقت آخر صحبتنا (٩).\nوقيل: هذا السؤال منك سبب فراقنا (١٠).\n_________\n(١) انظر: البحر المحيط (٦/ ١٤١).\n(٢) ذكره ابن جرير في جامع البيان (١٥/ ٣٥٠) عن ابن عباس، ﵄، وذكره السيوطي في الدر (٩/ ٦١٤)، وعزاه لابن النباري، وابن مردويه عن ابن عباس، ﵄.\nونقل القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (١١/ ٢٦) عن ابن الأنباري قوله: \" وهذا الحديث إن صح سنده فهو جارٍ من الرسول ﷺ مجرى التفسير للقرآن \".\n(٣) في أ: \"يمنعه من السقوط \".\n(٤) انظر: غرائب التفسير (١/ ٦٧٣).\n(٥) قاله سعيد بن جبير.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٣٥١).\n(٦) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٦/ ١٨٥)، الكشاف (٣/ ٦٠٦).\n(٧) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو \" لَتَخِذْتَ \"، وقرأ نافع، وعاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي \" لاتخذت \".\nانظر: الحجة لابن خالويه (٢٢٨)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣١٤).\n(٨) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٣٥١).\n(٩) في ب: \"آخر صحبتك \".\n(١٠) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٣٥٣).","vol":"1","page":1282},{"text":"وإضافته إلى بين على السعة إذا كان للظرف (١)، وكرر توكيدًا والقياس بيناه.\n﴿سَأُنَبِّئُكَ﴾ سأخبرك قبل أن نتفرق.\n﴿بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (٧٨)﴾ أي: بمئال ما سألته عنه ولم تصبر عليه؛ ثم فَصَّلَ فقال: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾ ذهب بعضهم إلى أنهم سموا مساكين بعجزهم عن دفع الملك، وقيل: لفقرهم وشدة حاجتهم (٢).\nوقيل: لشدة معاناتهم في البحر (٣).\nوقيل: لزمانةٍ كانت بهم، وعلل، وكانوا عشرة والسفينة كانت وقفًا عليهم (٤).\nوسئل ابن عباس، ﵄: كيف كانوا مساكين والسفينة قد تساوى ألف دينار؟ فقال: \" المسافر مسكين وإن كان معه ألف دينار \" (٥).\nوقيل: كانوا أجراء (٦).\nوقيل: مسّاكِين جمع مَسّاك فعالً من أمسكت الشيء كبراء وكهام وهو الملاح، وقرئ في الشواذ مسَّاكين أي ملاحين (٧)، وقيل: دباغين (٨).\n﴿يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ يؤجرون ويكسبون قوتهم، وقيل: يغوصون في البحر (٩).\n_________\n(١) في ج: \" إذ كان الظرف \".\n(٢) انظر: النكت والعيون (٣/ ٣٣٢).\n(٣) انظر: المصدر السابق (٣/ ٣٣٢).\n(٤) قاله كعب، قال: \"خمسة زمنى، وخمسة يعملون في البحر\".\nانظر: الكشف والبيان للثعلبي (٦/ ١٨٦)، معالم التنزيل (٥/ ١٩٤).\n(٥) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٦/ ١٨٦).\n(٦) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ١٦٠).\n(٧) القراءة بالتشديد \" مسَّاكين \" مروية عن عكرمة وعلي بن أبي طالب ﵁، وهي شاذة، وقراءة الجمهور بالتخفيف.\nانظر: شواذ القراءات لمحمد بن نصر الكرماني (٢٩٣).\n(٨) قاله النقاش.\nانظر: المحرر لابن عطية (٣/ ٤٨)، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١١/ ٣٤).\n(٩) المذكور في التفاسير أنهم يعملون في البحر.","vol":"1","page":1283},{"text":"﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ أجعلها ذات عيب.\n﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾ قدامهم كقوله ﴿مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ﴾ [إبراهيم: ١٦] (١)، وقيل: خلفهم ملك ومرجعهم عليه (٢)، وحقيقته ما وارى (٣) عنك شيئًا، وكان اسمه جلندى ابن كزلز (٤) وكان كافرًا (٥).\nوهب: اسمه منولة ابن خليد الأزدي (٦).\nوقيل: ابن هُدَد بن بُدَد (٧).\n﴿يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (٧٩)﴾ أي: يأخذها ويغصب عليها صاحبها؛ والمعنى: كل سفينة صحيحة غير معيبة.\nوقرأ ابن مسعود ﵁ (٨) \" كل صحيحة \" (٩).\nوقرأ عثمان ﵁ \" كل سفينة صالحة \"، قيل: وأمر (١٠) عثمان فكتب إلى بلاد المسلمين بأن يكتب في المصاحب صالحة، وقال: قد قامت عندي البينة بها وكان ذلك في آخر عمره فلم ينتشر (١١).\n_________\n(١) أخرج البخاري في (ك: التفسير، تفسير سورة الكهف، ح: ٤٧٢٧) عن ابن عباس، ﵄ ﵄ \" أنه كان يقرأ: وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبًا \".\n(٢) انظر: معالم التنزيل (٥/ ١٩٤).\n(٣) في أ: \"ما وراي \" والصحيح ما أُثبت.\n(٤) في ب، ج: \"جلندا وكان كافرًا \".\n(٥) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٦/ ١٨٧).\n(٦) انظر: تفسير مقاتل (٢/ ٢٩٨).\n(٧) أخرجه البخاري (ك: التفسير، تفسير سور الكهف، ح: ٤٧٢٦).\n(٨) عبد الله بن مسعود، ﵁، تنظر ترجمته ص: ٦٢\n(٩) انظر: فتح الباري (٨/ ٢٧٤).\n(١٠) في أ: \"قيل أمر عثمان \".\n(١١) ذكره السيوطي في الدر (٩/ ٦١٥)، وعزاه لأبي عبيد وابن المنذر.\nوالقراءتان شاذتان لمخلفتهما رسم المصحف.\nانظر: الشواذ لمحمد بن نصر الكرماني (٢٩٣)، البحر المحيط (٦/ ١٤٥).","vol":"1","page":1284},{"text":"﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (٨٠)﴾ أي: فعلمنا إن عاش أن يصير سببًا لكفر والديه وعصيانهما (١) الله لمرضاته؛ ومعنى ﴿يُرْهِقَهُمَا﴾: يحملهما.\nوقيل: يكلفهما، المشقة (٢).\nالزجاج: يحملهما على الرَّهَق وهو: الجهل (٣).\n﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (٨١)﴾ أي: أردنا أن يرزقهما الله ولدًا يكون خيرًا منه زكاة أتم صلاحًا وأطهر دينًا.\nوقيل: خيرًا لهما منه (٤). وقيل: خيرًا برًا وصلاحًا (٥).\n﴿وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ رحمةً وعطفًا، وقيل: أَبرّ بوالديه (٦).\nوقيل: أرحم (٧).\nوقيل: لوالديه (٨).\nوالرُّحم والرُّحمة كالكُثْر والكُثْرَة؛ وهو مصدر معناه: أقرب أن يرحم، وقيل: أن يُرحم فإن ابن جريج: فسر أقرب أن يرحمه أبواه (٩).\nوقيل: هو من الرحم والقرابة أي: أوصل للرحم (١٠).\n_________\n(١) في أ: \" وعصيانهم \" بالجمع والصحيح ما أثبت.\n(٢) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٣٠٩).\n(٣) في ب: \" يحملهما على الرهق والجهل \".\nوانظر: معاني القرآن للزجاج (٣/ ٢٤٩).\n(٤) قاله سعيد بن جبير.\nانظر: الوسيط للواحدي (٣/ ١٦١).\n(٥) قاله الكلبي.\nانظر: المصدر السابق (٣/ ١٦١).\n(٦) قاله قتادة.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٣٦٠).\n(٧) قاله ابن جريج.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٣٦١).\nوالمعنى: أقرب أن يرحمه أبواه منهما للمقتول.\n(٨) قاله ابن عباس، ﵄.\nانظر: الوسيط للواحدي (٣/ ١٦١).\n(٩) أخرجه ابن جيرير في جامع البيان (١٥/ ٣٦١).\n(١٠) وهو مروي عن ابن عباس، ﵄، قتادة.\n\nانظر: الوسيط للواحدي (٣/ ١٦١).\nقال ابن جرير في جامع البيان (١٥/ ٣٦١): \" ولا وجه للرَّحِم في هذا الموضع؛ لأن المقتول كان والذي أبدل الله منه والديه ولدًا لأبوي المقتول فقرابتهما من والديه وقربهما منه في الرَّحِم سواء، وإنما معنى ذلك: وأقرب أن يرحم والديه فيبرهما \".","vol":"1","page":1285},{"text":"الكلبي: فبدلهما الله جارية فتزوجها نبي فولدت له نبيًا فهدى الله به أمة من الأمم (١)، وقيل: ولدت سبعين نبينا أي: من نسلها (٢).\nابن جريج: أبدلهما بغلام مسلم وكان المقتول كافرًا والإبدال والتبديل واحد (٣)، وقيل: التبديل مع بقاء الأصل والإبدال مع زواله (٤) وهذا لا يطرد.\n﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ﴾ واسمهما أصرم وصريم (٥).\n﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا﴾ عن النبي ﷺ: \" كان ذهبًا وفضة\" (٦).\nابن عباس، ﵄: ما كان الكنز إلا علمًا (٧).\nسعيد بن جبير: كانت صحفًا فيها علم (٨).\n_________\n(١) انظر: معالم التنزيل (١٥/ ١٩٥)، فتح الباري (٨/ ٢٧٥).\n(٢) ذكره الواحدي في الوسيط (٣/ ١٦١) عن ابن عباس، ﵄.\nوقد ضعف هذا القول ابن عطية في المحرر (٣/ ٥٣٦)، قال: \"لأن كثرة الأنبياء لا تعرف إلا في بني إسرائيل، ولم تكن هذه المرأة منهم\".\n(٣) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٥/ ٣٥٩).\n(٤) في ب: \" والتبديل مع زواله \" والصحيح ما أُثبت.\n(٥) في ج: \" وصيرم \" ولعل الصحيح ما أُثبت.\nانظر: معالم التنزيل للبغوي (٥/ ١٩٥).\n(٦) أخرجه الترمذي في (التفسير، تفسير سورة الكهف (٥/ ٣١٣)، وقال عنه: \" حديث غريب\"، وصحح إسناده الحاكم في المستدرك (٢/ ٤٠٠)، وفيه يزيد بن يوسف وهو ضعيف.\nانظر التهذيب لابن حجر (١١/ ٣٢٤).\n(٧) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٥/ ٣٦٢).\n(٨) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٥/ ٣٦٢).","vol":"1","page":1286},{"text":"وعن ابن عباس، ﵄ أيضًا والحسن: كان لوحًا من ذهب مكتوبًا فيه: عجبٌ لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن، وعجبٌ لمن يؤمن بالرزق كيف يتعب، وعجبٌ لمن يؤمن بالموت كيف يفرح، وعجبٌ لمن يؤمن بالحساب كيف يغفل، وعجبٌ لمن يعرف الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها لا إله إلا الله محمد رسول الله (١).\nوروي أيضًا هذا القول مروفعًا (٢).\n﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ واسمه كاشح (٣)، حُفِظَا بصلاح أبيهما، ولم يذكر فيهما صلاح، وكان بينهما وبين الأب الذي حُفظا به (٤) سبعة آباء وكان سيّاحًا (٥).\n﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا﴾ أي: الحلم ووفور العقل وتدبير المعاش.\n﴿وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا﴾ ويُخْرجا مالهما.\n_________\n(١) «أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٥/ ٣٦٣)، وانظر: تفسير ابن كثير (٣/ ١٠٤).\n(٢) من حديث أبي ذر يرفعه \" إن الكنز الذي ذكره الله في كتابه لوح من ذهب مصمت مكتوب فيه: عجبت لم أيقن بالقدر لم نصب، وعجبت لمن ذكر النار كيف ضحك، وعجبت لمن ذكر الموت لم غفل لاإله إلا الله محمد رسول الله \"، ذكره ابن كثير في تفسيره (٣/ ١٠٤).\nواختار ابن جرير في جامع البيان (١٥/ ٣٦٦) أن المراد با الكنز المال؛ لأن المعروف من كلام العرب أن الكنز اسم لما يكنز من مال، وجمع ابن كثير بين القولين فقال: \" بأنه كان مالًا كما ذكروا أنه لوح من ذهب، وأنه كان مودعًا فيه علم وحِكَم \".\nانظر تفسير ابن كثير (٣/ ١٠٥).\n(٣) وهو قول مقاتل، كما نقله القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (١١/ ٣٨)، وانظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٣١٠).\n(٤) \" به \" ساقط من أ، ب.\n(٥) وفي جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٣٦٣)، وابن كثير (٣/ ١٠٤) \" وكان نسَّاجًا \".","vol":"1","page":1287},{"text":"﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ قيل: هو متصل باستخراج الكنز، وقيل: بفعله وتقديره فعلت ما فعلت. ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾. ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ الهاء تعود إلى الكلّ، وقيل: إلى الجدار ومعنى عن أمري عن رأي وتدبيري.\n﴿ذَلِكَ﴾ أي: الأجوبة الثلاثة.\n﴿تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (٨٢)﴾ حذف التاء تخفيفًا، ولما أراد موسى أن يفارقه قال له: أوصني بشيء. فقال له: كن نفاعًا ولا تكن ضرارًا، إرجع عن الحاجة ولا تمش في غير حاجة، ولا تضحك من غير عجب، ولاتُعَيِّر أحدًا بخطيئته يابن عمران. وذكر في الآية الأولى ﴿فَأَرَدْتُ﴾، وفي الثانية ﴿فَأَرَدْنَا﴾، وفي الثالثة ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ﴾ لأن الأولى في الظاهر إفساد فأسنده إلى نفسه، والثانية إفساد من حيث القتل إنعام من حيث التبديل فأسند إلى نفسه وإلى الله جميعًا، والثالثة إنعام محض فأسنده إلى الله ﷾.\nوقيل: لأن القتل كان من إزهاق الروح كان من الله ﷿.\n﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾ قال قتادة: إن اليهود سألوا النبي ﷺ عن ذي القرنين فأنزل الله هذه الآيات، وقد سبق (١)\nوقيل: يجوز أن يكون تعريفًا (٢) قبل السؤال أي سيسألونك عنه.\n_________\n(١) وأخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٥/ ٦٢٨) عن السدي، وسبق في أول السورة أن السائلين هم كفار قريش.\n(٢) في أ: \" تفريقًا \" والصحيح ما أُثبت.","vol":"1","page":1288},{"text":"والجمهور على أنه الاسكندر (١).\nوعن ابن عباس، ﵄ هو: عبدالله بن الضحاك (٢).\nوإنما سمي ذا القرنين لأنه بلغ قرني الأرض المشرق والمغرب (٣).\nوقيل: لأنه ملك فارس والروم (٤).\nوقيل: كان له قرنان صغيران تواريهما العمامة (٥).\nوقيل (٦): كان على رأسه قرنان أي ذؤابتان (٧).\nوهب: كان صفحتا رأسه من نحاس (٨)، وهذا قول كما تري وتسمع.\nالسدي: كان له قرنان من ذهب.\nقال الشيخ ﵀ (٩) ولعله أراد كان يشرب منها كعادة الملوك، أو هو مثل قول وهب (١٠).\n_________\n(١) انظر: البحر المحيط (٦/ ١٤٩)، يدل عليه ما أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٥/ ٣٦٨) عن عقبة بن عامر أن نفرًا من اليهود سألوا النبي ﷺ عن ذي القرنين، فأخبرهم أنه شاب من الروم وأنه بنى الإسكندرية ... \"، قال عنه ابن كثير في التفسير (٣/ ١٠٦) \" وفيه طول ونكارة، ورفعه لايصح \".\n(٢) ويروى عن علي، وابن عباس، ﵄.\nانظر: النكت والعيون (٣/ ٣٣٧)، البحر المحيط (٦/ ١٥٠).\n(٣) قاله الزهري.\nانظر: الوسيط للواحدي (٣/ ١٦٣)، النكت والعيون (٣/ ٣٣٧).\n(٤) قاله وهب بن منبه.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٣٧١).\n(٥) انظر: معالم التنزيل (٥/ ١٩٨).\n(٦) «\" وقيل \" ساقط من ب.\n(٧) قاله الحسن.\nانظر: النكت والعيون (٣/ ٣٣٧).\n(٨) انظر: جامع البيان لابن جرير (٣/ ٣٧١)، البحر المحيط (٦/ ١٤٩).\n(٩) \" قال الشيخ ﵀ \" ساقط من (ب) و(ج)، وهو الكرماني، وهذا من فعل النساخ.\n(١٠) أنه كان صفحتا رأسه من نحاس، قال ابن كثير في البداية والنهاية (٢/ ٥٣٨) \" وهذا ضعيف \".","vol":"1","page":1289},{"text":"وعن علي ﵁: أن الله بعثه إلى قومه فضربوه على قرنه فمات، ثم بعثه الله إليهم فضربوه على قرنه ضربةً أخرى فمات فسمي ذا القرنين (١).\nوقيل: رأي في المنام كأنه أخذ بقرني الشمس فأَخبر برؤياه فسمي ذا القرنين (٢).\nوقيل: كان كريم الطرفين (٣).\nوقيل: لأنه انقرض في وقته قرنان من إليّاس وهو حي.\nوقيل: لأنه أُعطي علم الظاهر والباطن، وقيل: لأنه دخل الظلمة والنور (٤).\nوقيل: لأنه كان يحارب بيده وركابه (٥).\nوقيل: كان رأسه كرأس الثور وسائر بدنه كالفرس، وهذه كبيرة حكاه النقاش في تفسيره (٦).\nواختُلِف فيه؛ فقيل: كان نبيًا (٧).\nوقيل: كان ملكًا ملك الشرق والغرب (٨) ولم يملكهما إلا مسلمان سليمان وذو القرنين ﵉، وكافران نمروذ وبُخْتَ نَصَّر (٩).\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٥/ ٣٧٠)، وذكره السيوطي في الدر (٩/ ٦٣٠) وعزاه لابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٢) قاله وهب بن منبه.\nانظر: النكت والعيون (٣/ ٣٣٧).\n(٣) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٦/ ١٩٠).\n(٤) في أ: \" النور والظلمة \"، وانظر: المصدر السابق (٦/ ١٩٠).\nوهي أقوال لادليل عليها وهي من أقاويل التمصوفة.\n(٥) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٦/ ١٩٠).\n(٦) من قوله \" وقيل كان رأسه \" إلى \" حكاه النقاش في تفسيره \" ساقط من (ب)، وهو مذكور في غرائب التفسير (١/ ٦٧٧).\nقال ابن عطية في تفسيره (٣/ ٥٣٨) بعد أن ساق هذه القوال: \" وهذا كله بعيد \"، ثم قال: \" فأحسن الأقوال أنه كان ذا ظفرتين من شعر هما قرناه فسمي بهما \".\n(٧) انظر: النكت والعيون (٣/ ٣٣٧).\n(٨) في ب: \" ملك المشرق والمغرب \".\n(٩) وهو قول مجاهد.\nانظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٣١٠).","vol":"1","page":1290},{"text":"وقيل: كان مَلَكًا من الملائكة؛ فإنه روي عن عمر ﵁ أنه سمع رجلًا يقول لرجل يا ذا القرنين فقال: \" أما ترضون أن تسموا بأسماء الأنبياء حتى تسموا بأسماء الملائكة \" (١)، وروي عن النبي ﷺ أنه قال: \" إن ذا القرنين مَلَكٌ مَسَحَ الأرض بالأسباب\" (٢).\n﴿قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا (٨٣)﴾ سأخبركم منه (٣) قيل: من الله (٤). وقيل: من ذي القرنين، ثم أخبر فقال: ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: مَكَنَّاهُ من التصرف فيها على حسب إرادته.\n﴿وَآَتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (٨٤)﴾ أي: من كل شيء احتاج إليه سببًا وصلة وذريعة إلى المطلوب.\nوقيل: سببًا علمًا (٥).\nالزجاج: السَّبَبُ: ما يتوصل به إلى الشيء (٦).\nوقيل: سببًا آلة (٧).\n_________\n(١) ذكره السيوطي في الدر (٩/ ٦٣٢)، وعزاه لابن المنذر وابن أبي حاتم، قال ابن كثير في البداية والنهاية (٢/ ٥٣٧) عنه بأنه قول غريب.\n(٢) ذكره السيوطي في الدر (٩/ ٦٣٢).\nوقد اختُلِف في نبوة ذي القرنين؛ فقال بنبوته عبد الله بن عمرو، ومجاهد، والضحاك بن مزاحم.\nوقال علي ﵁ بل كان عبدًا صالحًا، واختار ابن كثير أنه كان مَلِكًَا من الملوك العادلين وضعف القول بنبوته.\nانظر: الوسيط للواحدي (٣/ ١٦٣)، زاد المسير (٥/ ١٨٤)، البداية والنهاية (٢/ ٥٣٧).\n(٣) في ب: \" سأخبركم \".\n(٤) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٣١٠).\n(٥) وهو قول ابن عباس، ﵄، وقتادة، زابن زيد، وابن جريج.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٣٧٢، ٣٧١).\n(٦) انظر: معاني القرآن للزجاج (٣/ ٢٥٢).\n(٧) انظر: النكت والعيون (٣/ ٣٣٨)، معالم التنزيل (٥/ ١٩٩).","vol":"1","page":1291},{"text":"﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا (٨٥)﴾ قيل: طريقًا بين المشرق والمغرب (١)، والسبب الطريق (٢)، وقيل: طريقًا ومسلكًا لفتح المدائن، وقيل: الأعداء (٣).\nوقيل: الثاني هو الأول أي: آتيناه سببًا فأتبعه (٤)، وهذا يستدعي الألف واللام ولعل حذفهما لروي الآية (٥).\nالحسن: آتيناه بلاغًا لحاجته فأتبع بلاغا لحاجته (٦).\nابن الأبناري (٧): فأتبع سببًا: يقفأ الأثر (٨).\n_________\n(١) قاله مجاهد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٣٧٣).\n(٢) قال الخليل في العين (٧/ ٢٠٤): \" والسبب: الأمر الذي يوصل به، وكل فصل يوصل به فهو سببه، والسبب الطريق؛ لأنك تصل به إلى ما تريد \".\n(٣) انظر: النكت والعيون (٣/ ٣٣٨).\n(٤) حكاه الزجاج في معاني القرآن (٣/ ٢٥٢).\n(٥) \" ولعل حذفهما لروي الآية \" ساقط من ب، ج.\n(٦) \" فأتبع بلاغًا لحاجته \" ساقط من ب، وانظر: الكشف والبيان للثعلبي (٦/ ١٩٠)، معالم التنزيل للبغوي (٥/ ١٩٩).\n(٧) محمد بن القاسم بن محمد بن بيان، أبو بكر بن الأنباري، النحوي، كان من أعلم الناس بالنحو والأدب، وأكثرهم حفظًا، روى عنه الدارقطني وجماعه، وكان يحفظ ألف بيت شاهد في القرآن، وكان يملي من حفظه، صنف: غريب الحديث، الأضداد، المشكل، توفي سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة.\nانظر: سير أعلام النبلاء (١٥/ ٢٧٤)، بغية الوعاة (١/ ٢١٢).\n(٨) انظر: زاد المسير (٥/ ١٨٥).","vol":"1","page":1292},{"text":"إتَّبَع وأَتْبَع بمعنىً، وقيل بالقطع أدرك وبالوصل إتْبَع الأثر وإن لم يلحق (١) تقول العرب: أتْبَعَه حتى أتْبَعْته؛ الثاني: بالقطع (٢).\nأبو علي: بالوصل يتعدى إلى مفعول وبالقطع يتعدى (٣) على مفعولين، والثاني من الآية محذوف (٤).\n_________\n(١) \" يلحق \" ساقط من أ.\n(٢) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو \" فاتَّبع سببًا \"، \" ثم اتَّبع سببًا \"، \" ثم اتَّبع سببًا \" مشددات التاء، وقرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، \" فأتبع \"، \" ثم أتبع \"، \" ثم أتبع \" بالقطع.\nانظر: المفردات السبع للداني (٢٠٢)، العنوان في القراءات السبع لأبي طاهر الأنصاري\n(١٢٤).\n(٣) \" يتعدى \" ساقط من ب، ج، وانظر: زاد المسير (٥/ ١٨٥).\n(٤) انظر: الحجة للقراء السبعة (٥/ ١٦٧).","vol":"1","page":1293},{"text":"﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ﴾ وهب: كان ذو القرنين رجلًا من الروم ابن عجوز من عجائزها ليس لها ولدٌ غيره، وكان اسمه بالعربية عمرًا، وبالعبرانية اسكندر فلما بلغ وكان عبدًا صالحًا قال الله له: ياذا القرنين إني باعثك إلى أمم من الأرض وهي أمة مختلفة ألسنتهم وهم في جميع الأرض (١)، ومنهم أمتان بينهما عرض الأرض كلها وأمم في وسط الأرض منهم الجن والإنس ويأجوج ومأجوج؛ فأما اللتان بينهما طول الأرض فأمة عند مغرب الشمس يقال لها: ناسك، وأما الأخرى فعند مطلعها يقال لها: منسِك (٢)، وأما اللتان بينهما عرض الأرض فأمة في قطر الأرض الأيمن يقال لها: هاويل، والأخرى في القطر الأيسر (٣) يقال لها: ياويل، وهو قوله ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ﴾ أي: مازال يسير في البلاد ويفتحها حتى بلغ أقصى عمارة الأرض ورأى هناك ماءً عظيمًا كدرًا (٤).\n﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ ذات حمأة، وقرئ حاميةٌ أي: حارة، ويجوز أن يكون من الأولى لينت همزتها (٥).\n_________\n(١) في ب، ج: \" وهم جميع الأرض \".\n(٢) من قوله \" فأما اللتان \" إلى \" يقال لها منسك \" ساقط من ب.\n(٣) في ب: \" في قطر الأيسر \".\n(٤) ذكره السيوطي في الدر (٩/ ٦٤٠) مطولًا، وعزاه لابن إسحاق وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٥) قرا ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وحفص عن عاصم \" حمئة \" أي: في عين ذات حَمْأة، وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم \" حامية \" أي: حارة.\nانظر: الحجة لابن خالويه (٢٣٠)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣١٤).","vol":"1","page":1294},{"text":"وروي \" أن معاوية (١) كان يقرأ القرآن فقرأ (في عين حاميةٍ) فقال ابن عباس، ﵄ إنما هو حمئة، فقال: معاوية لعبدالله ابن عمرو بن العاص (٢): كيف تقرأ القرآن؟ قال: كما قرءاتها يا أمير المؤمنين. فقال ابن عباس، ﵄: إنما نزل القرآن في بيتي. فأرسل معاوية إلى كعب أَيْن تجد الشمس تغرب في التوراة؟ فقال كعب: إنا نجد في التوراة أنها تغرب في طين ذي حمأة، فأما العربية فأنتم أعلم بها، وأنشد (٣) رجل من اليمن في تقوية قول ابن عباس، ﵄:\nبلغ المشارق والمغارب يبتغي ... أسباب أمرٍ من حكيم مرشد.\n_________\n(١) معاوية بن أبي سفيان بن صخر بن حرب بن أمية، القرشي، الأموي، أمير المؤمنين، ولد قبل البعثة بخمس سنين، قيل اسلم قبل الحديبية وكتم إسلامة إلى عام الفتح، كان من الكتبة، الحسبة، الفصحاء، تولى الشام في خلافة عمر ثم عثمان، ووقعت بينه وبين علي ﵃ معركة صفين ثم استقل بالشام، مكث في الخلافة تسع عشرة سنة، توفي سنة ستين.\nانظر: الاستيعاب (٣/ ٤٧٠)، الإصابة (٦/ ١٥١).\n(٢) عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم بن لؤي، القرشي السهمي، كان اسمه العاص فغيره رسول الله ﷺ، أسلم قبل أبيه، كان عابدًا زاهدًا، توفي سنة خمس وستين.\nانظر: الاستيعاب (٣/ ٨٦)، الإصابة (٤/ ١٩٢).\n(٣) في أ: \" فأنشد \".","vol":"1","page":1295},{"text":"فرأى مغار الشمس عند مغيبها ... في عين ذي خُلْبٍ (١) وَثَأطٍ (٢) حُرْمُد (٣).\nفقال ابن عباس، ﵄: ماالخُلْبُ؟ قال (٤): الطين. قال: فما الثَأْطُ؟ قال: الحمأة. قال: فما الحِرْمِد؟ قال: الأسود \" (٥).\nفذهب بعض المفسرين إلى أنها تغرب في وسط العين، وأن الماء يفور كغليان القدر لولا أصوات أهل مدينة بالمغرب يقال له جابرسا (٦) لها اثنا عشر ألف باب لسمعتم وقع هدتها إذا وقعت (٧).\n_________\n(١) البيتين لتبع الحميري الخُلْبُ: قال في لسان العرب (٤/ ١٦٦) \" الطين الصلب اللازب، وقيل الأسود، وقيل هو الطين عامة \"، وانظر: غريب الحديث للخطابي (٢/ ٤٥٩).\n(٢) الثأط: الحمأة، واحدتها ثاطة، وفي المثل: ثأطة مُدت بماء، يضرب للرجل يشتد حمقه؛ فإن الماء إذا زيد على الحمأة ازدادت فسادًا.\nانظر: غريب الحديث للخطابي (٢/ ٤٥٩)، النهاية في غريب الأثر لأبي السعادات بن الجزري (١/ ٥٧٥)، العين للخليل بن أحمد (٧/ ٤٤٤).\n(٣) الحِرْمِد: الطين الأسود الشديد السواد، وقيل الأسود من الحمأة وغيرها.\nانظر: لسان العرب (٣/ ١٤٤)، الفائق للزمخشري (١/ ٣٢٠).\nوالبيتين من شعر تُبَّع الحميري.\nانظر: غريب الحديث للخطابي (٢/ ٤٥٨)، الفائق للزمخشري (١/ ٣٢٠)، العين للخليل (٨/ ٤١٧).\n(٤) في ب: \" فقال \".\n(٥) أخرجه عبد الرزاق في التفسير (٢/ ٤١١)، وابن جرير في التفسير (١٥/ ٣٧٥).\n(٦) قال في معجم البلدان (٢/ ٩٠): \" جَابَرْس آخر بلاد الدنيا، يقال إن بها بقايا من اليهود الذين هربوا إما في حرب طالوت أو بخت نصر \"\n(٧) ذكره ابن كثير في تفسيره (٣/ ١٠٨) عن ابن جريج.","vol":"1","page":1296},{"text":"وذهب المحققون من المفسرين إلى أنه ترائ له أن الشمس تغرب في ذلك الماء؛ وذلك أنه لم يكن في مطمح بصره شيء غير الماء فرأى الشمس كأنها تغيب فيه كما أن من في البحر (١) يظن أن (٢) الشمس تطلع من الماء وتغرب فيه، وكذلك من في المفازة يظن أنها تطلع منها وتغيب فيها، وكذا أصحاب الجبال والحقيقة بخلاف ذلك وإنما ذلك في مرأى العين (٣).\n﴿وَوَجَدَ عِنْدَهَا﴾ عند تلك العين.\n﴿قَوْمًا﴾ مدينة فيها قوم عراة من الثياب لباسهم جلود الصيد وطعامهم مالفظه البحر، وكانوا كفارًا.\n﴿قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا (٨٦)﴾ من قال كان نبينًا؛ قال: أَوحى الله إليه بهذا، ومن قال: لم يكن نبيًا ففيه قولان: أحدهما: أوحى الله إلى نبي فأمره النبي به (٤).\nوالثاني: كان إلهامًا وإلقاءً في القلب؛ وفي معناه قولان:\nأحدهما: إن شئت فاقتلهم، وإن شئت فاستبقهم بالإعراض عن تعذيبهم بالسيف وهو اتخاذ الحُسْن فيهم.\nالزجاج: هو أن يعظهم بلسانه ويهديهم ببيانه (٥).\n_________\n(١) في أ: \" كما أن في البحر \".\n(٢) في ب، ج: \" يظن الشمس \".\n(٣) قال ابن كثير في تفسيره (٣/ ١٠٧) \"وأما الوصول إلى مغرب الشمس من السماء فمتعذر، وما يذكره أصحاب القصص والأخبار من أنه سار في الأرض مدة والشمس تغرب من ورائه فشيء لا حقيقة له، وأكثر ذلك من خرافات أهل الكتاب واختلاف زنادقتهم وكذبهم\"، ثم بين أن المراد أنه رأى الشمس تغرب في منظره في البحر المحيط وهو شأن كل من انتهى إلى ساحله.\nوانظر: البحر المحيط (٦/ ١٥١).\n(٤) «في ب: \" فأمره النبي بذلك \" وهو ساقط من ج.\n(٥) «انظر: معاني القرآن للزجاج (٣/ ٢٥٢).","vol":"1","page":1297},{"text":"والثاني: إما أن تعذبهم بالسيف إن أصروا على أمرهم، وإما أن تتخذ فيهم حُسْنًا بإكرامهم وتعليم شرائع الدين إن آمنوا.\nوقيل: العذاب القتل، واتخاذ الحُسْن الأسر (١).\n﴿قَالَ﴾ أي: ذو القرنين. ﴿أَمَّا مَنْ ظَلَمَ﴾ أي: كفر.\n﴿فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ﴾ أنا ومن معي بالقتل.\n﴿ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا (٨٧)﴾ في القيامةلم يُعْهَد مثله.\n﴿وَأَمَّا مَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى﴾ أي: جزاءً حسناته، وقريء بالنصب على تقدير: فله الحسنى جزاءً، أي: مجزية وهي: الجنة (٢).\n﴿وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا﴾ فيما نأمره به.\n﴿يُسْرًا (٨٨)﴾ معروفًا، وقيل: كلامًا حسنًا (٣).\nوقيل: يستعمله على ما يتيسر له (٤)، وقيل: نأمره بطاعة الله مع إحساننا إليه (٥).\n﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (٨٩)﴾ ابن عباس، ﵄: سلك طريقًا ومنازل (٦).\n_________\n(١) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٣٧٩).\n(٢) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم \" جزاءُ الحسنى \"، وقرأ حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم، وخلف، ويعقوب \" جزاءً الحسنى \" بالنصب والتنوين.\nانظر: التيسير للداني (١٤٥)، العنوان في القراءات السبع لأبي طاهر الأنصاري (١٢٤).\n(٣) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ١٦٥).\n(٤) في ب، ج: \" يستعمله ما تيسر له \"، والصحيح ما أُثبت.\nوهو قول مجاهد كماف جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٣٨٠).\n(٥) انظر: معالم التنزيل (٥/ ٢٠٠).\n(٦) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٥/ ٣٧٣).","vol":"1","page":1298},{"text":"﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ﴾ أي: حتى أتى مطلع الشمس (١)، وقيل: ثم سار من المغرب نحو المشرق حيث ظَنَّ الشمس تطلع منه، وقيل: حتى لم يبق بينه وبين مطلع الشمس أحد.\n﴿وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا (٩٠)﴾ قتادة: لم يكن بينهم وبين الشمس ستر؛ وذلك أنهم كانوا في مكان لا يستقر عليه بناء وأنهم كانوا في أسراب لهم حتى إذا زالت الشمس عنهم خرجوا إلى معاشهم وحروثهم (٢).\nالحسن: كانت أرضهم لا تحتمل البناء وكانوا إذا طلعت عليهم الشمس تهوروا في الماء، فإذا ارتفعت عنهم خرجوا فتراعوا كما تراعى البهائم (٣).\nوقيل: يصطادون السمك فيطرحونه في الشمس فينضج فذلك طعامهم (٤).\nوقوله ﴿كَذَلِكَ﴾ فيه أقوال:\nأحدها: أنه كان مأمورًا فيهم بقوله: ﴿إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ كأصحاب مغرب الشمس.\nوقيل: اتخذ سبيلًا إلى المشرق كما اتخذ إلى المغرب سبيلًا قبله (٥).\nوقيل: كذلك قصصنا شأن ذي القرنين، ثم استأنف فقال: ﴿وَقَدْ أَحَطْنَا﴾ (٦).\nوقيل: لم نجعل لهم سترًا كما جعلنا لأهل المغرب، وقيل: كما لم نجعل لهم سترا (٧).\n_________\n(١) في ب: \" حتى إذا أتى مطلع الشمس \" وهو ساقط من ج.\n(٢) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٥/ ٣٨٢).\n(٣) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٥/ ٣٨٢).\n(٤) في ب: \" فيضج فذلك \" بسقط \" طعامهم \"، وفي ج: \" فينضج وذلك طعامهم \"، وانظر: الكشف والبيان للثعلبي (٦/ ١٩٠).\n(٥) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٣٨٣).\n(٦) حكاه السمرقندي في بحر العلوم (٢/ ٣١١).\n(٧) انظر: معاني القرآن للزجاج (٣/ ٢٥٣).","vol":"1","page":1299},{"text":"ومعنى ﴿أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا (٩١)﴾ عَلِمْنَا بجيوشه وعدته وما كان منه لم يخف علينا شيء منها، و﴿خُبْرًا﴾ نُصِبَ على المصدر لأن في ﴿أَحَطْنَا﴾ معنى خَبِرْنَا خبرًا (١).\n﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (٩٢)﴾ ثم سار عرضًا.\n﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ أي: المكان الذي بني فيه السدين؛ وهو بين جبلي أرمينية (٢) وأذربيجان (٣).\nوقيل: السَّدَّان: الجبلان مُنيفان من ورائهما يأجوج ومأجوج (٤).\n_________\n(١) \" خبرا \" ساقط من أ، ج.\n(٢) «أرمينية: من بلاد المشرق، سميت بذلك لأن أول من نزلها أرمينا بن لنطا بن أومر بن يافث بن نوح ﵇، فتحت في خلافة عمر ﵁.\nانظر: تاريخ الطبري (٢/ ٥٤٠)، معجم البلدان (١/ ١٦٠).\n(٣) أَذَرْبَيْجان وأّذْرَبَيْجان لغتان، من بلاد المشرق، فتحت في خلافة عمر ﵁ سنة ٢٢ هـ على يد حذيفة بن اليمان ﵁، ثم المغيرة بن شعبة، وهي أرض يغلب عليها الجبال.\nانظر: معجم البلدان (١/ ١٢٨)، البداية والنهاية (٧/ ١٢٠)، تاريخ الخلفاء للسيوطي\n(١١٩).\n(٤) انظر: النكت والعيون (٣/ ٣٤١).\nواختلف في مكانهما؛ فعن ابن عباس، ﵄ أنهما بأرمينية وأذربيجان.\nوقيل: هما في منقطع الترك مما يلي المشرق.","vol":"1","page":1300},{"text":"السَّد بالفتح والضم لغتان، وقيل: ماكان من الله كالجبال والشِّعَاب فهو بالضم، وما كان من الآدمي فهو بالفتح، وقيل: ما كان خِلْقَةً بالضم وما كان من عمل الناس بالفتح (١). الحجة الفتح مصدر والضم اسم المسدود (٢).\n﴿وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا (٩٣)﴾ لا يعلمون ولا يفقهون (٣).\nوقيل: لا يفقهون خيرًا من شر ولا ضلالًا من هدى، وقيل: لا يعرفون غير لغتهم (٤)، ومن ضم فالمعنى: لا يُفْهِمون غيرهم، وقيل: يفهمون ويفقهون بعد مشقة (٥).\n﴿قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ﴾ قال المترجم وفي مصحف ابن مسعود، ﵁\" قال الذين من دونهم \" (٦).\n_________\n(١) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٣٨٥)، معاني القرآن للزجاج (٣/ ٢٥٣).\n(٢) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحفص عن عاصم بفتح السين. وقرأ نافع، وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم، وحمزة، والكسائي بضم السين. قيل هما بمعنى واحد، وقيل بالضم ماكان من فعل الله، وبالفتح ما كان من فعل الآدميين، وقد صحح ابن جرير القراءتان، وأنه لامعنى للفرق الذي ذكر بينهما.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٣٨٥)، الحجة لابن خالويه (٢٣١).\n(٣) \" ولا يفقهون \" ساقط من ب.\n(٤) حكاه السمرقندي في بحر العلوم (٢/ ٣١٢).\n(٥) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم، وابن عامر \" يَفْقَهُون قولًا \" أي: لايكادون يَفْهَمُونه، وقرأ حمزة، والكسائي \" يُفْقِهون قولًا \" أي: يُفْهِمون غيرهم.\nانظر: الغاية لابن مهران النيسابوري (١٩٩)، الكشف لمكي بن أبي طالب (٢/ ٧٦).\n(٦) وهي قراءة شاذة.\nانظر: معالم التنزيل للبفوي (٥/ ٢٠٢).","vol":"1","page":1301},{"text":"﴿يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ وهب في جماعة: هما رجلان من ولد يافث بن نوح (١).\nالضحاك: هم جيل من الترك (٢).\nكعب: هم نادرة من ولد آدم ﵇، لأنهم ولد آدم من غير حواء، وذلك أن آدم ﵇ قال (٣) ذات يوم فاحتلم وامتزجت نطفته بالتراب فلما انتبه أسِفَ على ذلك الماء الذي خرج منه فخلق الله من ذلك الماء (٤) يأجوج ومأجوج فهم متصلون بنا من جهة الأب دون الأم (٥).\nوذكر محمد بن الهيصم (٦) في تنزيله أن اسم يأجوج: كمين، واسم مأجوج: مغمغ، قال: وهما ابنا يافث بن نوح (٧).\nويأجوج ومأجوج اسمان عجميان، وعلة منع الصرف العجمة والتعريف، وقيل: إسمان عربيان مشتقان (٨) من أجيج النار، أو من أَجّ النعام (٩) إذا أسرع، والوزن يفعول\n_________\n(١) وهو قول ابن عباس، ﵄.\nانظر: زاد المسير (٥/ ١٩٠).\n(٢) انظر: معالم التنزيل للبغوي (٥/ ٢٠٢).\n(٣) من القيلولة، وهي النوم وقت الظهيرة.\n(٤) في أ: \" منه \"، وفي ج: \" من ذلك \".\n(٥) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٦/ ١٩٣)، معالم التنزيل للبغوي (٥/ ٢٠٣).\nقال ابن كثير في التفسير (٣/ ١٠٩): \" فعلى هذا يكونون مخلوقين من آدم وليسوا من حواء، وهذا قول غريب جدًا لادليل عليه لامن عقل ولا من نقل، ولا يجوز الاعتماد ههنا على ما يحكيه بعض أهل الكتاب لما عندهم من الأحاديث المفتعلة \".\n(٦) محمد بن الهيصم، تنظر ترجمته ص: ٥٠\n(٧) انظر: غرائب التفسير (١/ ٦٨٠).\n(٨) في ج: \" مستعار \"، والصواب ما أُثبت.\n(٩) في ب، ب: \" أو من أج الظليم \".","vol":"1","page":1302},{"text":"ومفعول، ويحتمل مأجوج فيمن لم يهمز أن يكون من مَجَّ الماء من فيه، والعلتان التأنيث (١) والتعريف (٢)، وجُمِعَ كما جُمِعَا ﴿خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا﴾ [الحج: ١٩] (٣).\nوروي (٤) عن ابن عمر ﵄ (٥) \" إن الله جزأ الإنس عشرة أجزاء؛ فتسعة أجزاء يأجوج ومأجوج وسائر الناس جزء واحد \" (٦).\n_________\n(١) من \" ويحتمل مأجوج \" إلى \" التأنيث \" ساقط من ب.\n(٢) انظر: معاني القرآن للزجاج (٣/ ٢٥٣) فقد بين ذلك بالتفصيل.\n(٣) قرا عاصم، والأعمش، ويعقوب بالهمز في \" يأجوج ومأجوج \" أي مشتق من أجيج النار على وزن يَفعول ومَفْعول على أنه عربي مشتق ممنوع من الصرف للتعريف ةالتأنيث، لأنه اسم للقبيلة، وقرأ البقية بدون الهمز لأنه أعجمي مثل طالوت وجالوت، ورجح ابن جرير كونهما عربيان، وتابع أبو علي الفارسي، وأبو حيان من حذف الهمز مستدلين بقول رؤبة بن العجاج في ديوانه (٩٣):\nلو أن ياجوج وماجوج مَعَا ... وعادَ وثمود واستجاشوا تُبَّعا.\nانظر: الحجة لابن خالويه (٢٣١)، جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٣٨٨)، البحر المحيط (/١٥٤)، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١١/ ٥٦).\n(٤) في أ: \" ويروى \".\n(٥) عبد الله بن عمر بن الخطاب بن نفيل القرشي العدوي، أسلم مع أبيه وهو صغير لم يبلغ الحلم، ولم يشهد بدرا، وأول مشاهده الخندق، كان من أهل التقوى والورع، كثير العبادة والاتباع لسنة النبي ﷺ، فقيهًا، من أعلم الناس بمناسك الحج، توفي سنة ثلاث وسبعين.\nانظر: الاستيعاب (٣/ ٨٠)، الإصابة (٥/ ١٩٥).\n(٦) أخرجه عبد الرزاق في التفسير (٢/ ٢٨)، وابن جرير في جامع البيان (١٦/ ٤٠١)، وعزاه السيوطي في الدر (٩/ ٦٧١) لابن المنذر، وابن أبي حاتم.","vol":"1","page":1303},{"text":"وقوله ﴿مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: أرضنا وبلادنا يأكلون رطب ما نبت فيها، ويحملون يابسها، ويقتلون من ينالون، ولا يموت واحد منهم حتى يلد ألفًا من صلبه وإن أتت مدة على ما نرى (١) من نمائهم فإنهم يملؤون الأرض ويجلون أهلها منها ويظهرون عليها ويفسدون فيها (٢).\n﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (٩٤)﴾ ذهب بعضهم إلى أن الخَرْج والخراج واحد، والأكثر على أن الخَرَاج على الأرض والذمة، والخَرْجُ المصدر.\nوقيل: الخَرْج الجُعْل والأَجر (٣)، والمعنى: هل نجعل لك عطية نخرجها إليك من أموالنا وتجعل بيننا وبينهم سدًا مانتقي به الخرق، تقول: سددته فانسده (٤).\n_________\n(١) في أ: \" على ما يُرى \".\n(٢) اُختُلِف في فساد يأجوج ومأجوج؛ فقيل هو فعل قوم لوط، وقيل: أنهم كانوا ياكلون الناس، وقيل: هو أّكْلُ كلّ ما أتوا عليه من الزروع والثمار وغيرها، وقيل يقتلون الناس.\nواختلفوا هل حصل الفساد منهم أم أنه سيكون منهم على قولين، واختار ابن جرير أن الإفساد سيكون منهم قال \" والأخبار عن رسول الله ﷺ تخبر أنهم سيكون منهم الإفساد في الأرض، ولا دلالة فيها أنهم قد كان منهم قبل إحداث ذي القرنين السد الذي أحدثه بينهم وبين من دونهم من الناس \". قال: \" فالصحيح أن يأجوج ومأجوج سيفسدون في الأرض \".\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٤٠١)، زاد المسير (٥/ ١٩١).\n(٣) انظر: معاني القرآن للنحاس (٤/ ٢٩٣).\n(٤) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم \" خرْجًا \" بغير ألف، مصدر خرج وهو الجعل يؤدى مرة واحدة، وقرأ حمزة والكسائي \" خراجًا \" أي من الخراج الذي يضرب على الأرض كل عام.\n\nانظر: الكشف لمكي (٢/ ٧٧)، التيسير للداني (١٤٦).","vol":"1","page":1304},{"text":"﴿قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ﴾ أي: ما أعطانيه سبحانه (١) من التمكين خير من عطيتكم.\nوقيل: تمكين الله ومعونته لي خير (٢) مما تعرضون عليّ من الأجر والجُعْل (٣).\nوالضمير في ﴿فِيهِ﴾ يعود (٤) إلى السد المسؤول.\nوقيل: إلى مامكني أي: مامكني من المال والآلات خير مما تبذلونه (٥).\nومن قرأ ﴿مَكَّنِّي﴾ بنونين فعلى الأصل ولأنهما غير لازمين، ومن أدغم فالاجتماع متماثلين (٦).\n﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾ بآلة. مقاتل (٧): برجال (٨) أي: بقوة أبدانكم.\nابن عيسى: بما أتقوى به على ما أريد (٩).\n﴿أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (٩٥)﴾ سدًا متراكمًا (١٠) بعضه على بعض من ردمت (١١)، وقيل: حجابًا شديدًا (١٢).\n﴿آَتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ قطع الحديد، والزُبْرة: القطعة الكبيرة، وجمعها زُبَر (١٣)،\n_________\n(١) في ج: \" ما أعطاني سبحانه \".\n(٢) في أ: \" ومعونته خير لي \".\n(٣) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٤٠٣).\n(٤) \" يعود ساقط من \" أ.\n(٥) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ١٦٧).\n(٦) قرأ ابن كثير \" مكنني \" بنونين، وقرأ البقية \" مكني \" بنون مشددة على الإدغام.\nانظر: الحجة لابن خالويه (٢٣٢)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣١٥).\n(٧) \" مقاتل \" ساقط من أ.\n(٨) انظر: تفسير مقاتل (٢/ ٢٠١).\n(٩) انظر: البحر المحيط (٦/ ١٥٥).\n(١٠) في ب، ج: \" متراكبًا \" وهما متقاربان.\n(١١) الرَّدم: جعل الشيء بعضه على بعض، وردمت الثلمة ردمًا إذا سددتها.\nانظر: لسان العرب (٥/ ١٩٢)، مادة: رَدَمَ.\n(١٢) حكاه في النكت والعيون (٣/ ٣٤٢).\n(١٣) الزُّبْرة: الشعر المجتمع على كاحل الأسد، وزُبْرة الحديد القطعة الضخمة منه.\n\nانظر: افائق للزمخشري (٢/ ١٠٣)، القاموس المحيط (٥٠٩).","vol":"1","page":1305},{"text":"والمعنى: اتخذوها وأعدوها للسد.\nومعنى ﴿آَتُونِي﴾ بالوصل: جيئوني بها فحذف الجار (١).\n﴿حَتَّى إِذَا سَاوَى﴾ أي: فأُحْضِرَت؛ فأَمَرَ العَمَلَةَ بتنضيدها.\n﴿بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ وكان بينهما مائة فرسخ (٢)، فلما أخذ في بناء الردم حَفَرَ أساسه إلى أن بلغ الماء ثم جعل عرضه خمسين فرسخًا (٣)، وقيل: جعل عرضه ميلًا وجعل حشوه الصخور وطينه النحاس يذاب (٤)، ثم يصب عليه حتى صار المنضود منها مساويًا للصدفين، أي: جعل أحدهما في قدر الآخر.\nوالصَّدَفَان جانبا الجبلين (٥).\nابن عيسى: الصدفان: جبلان كل واحد منهما منعزل عن الآخر لأنه من صدف أي: مال (٦)،\n_________\n(١) قرأ الجمهور بهمزة مفتوحة وبالمد \" آتوني \"، وقرأ حمزة وأبو بكر عن عاصم \" ائتوني \".\nانظر: الكشف لمكي (٢/ ٧٩).\n(٢) في ب: \" وكان بينهما فرسخًا \"، والصواب ما أُثبت.\n(٣) في ب: \" ثم جعل عرضه فرسخا \"، والصوا ما أُثبت.\n(٤) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٣/ ١٦٧)، الوسيط للواحدي (٢/ ٣١٣).\n(٥) حكاه الزجاج في معاني القرآن (٣/ ٢٥٤).\nقال ابن جرير في جامع البيان (١٥/ ٤٠٦) \"الصدفان: ما بين ناحيتي الجبلين وأرؤسهما\".\n(٦) الصَّدف: كل شيء مرتفع عظيم كالحائط والجبل، والصُّدُف منقطع الجبل المرتفع، والصَّدَفان أي المتلاقيان التحاذيان.\n\nانظر: مختار الصحاح (١٦٢)، لسان العرب (٧/ ٣٠٦)، مادة: صدف.","vol":"1","page":1306},{"text":"(١)، والقراءات الثلاث لغات (٢).\n﴿قَالَ انْفُخُوا﴾ أي: قال ذو القرنين للحَمَلَة: انفخوا في الأكوار، ويجوز في الحديد.\n﴿حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ﴾ أي: المنفوخ فيه وهو الحديد.\n﴿نَارًا﴾ كالنار بالإحماء.\n﴿قَالَ آَتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (٩٦)﴾ أي: آتوني قطرًا (٣) وهو: النحاس المذاب.\n﴿أُفْرِغْ عَلَيْهِ﴾ أَصب عليه كصب الماء (٤)، وهو نصب بـ ﴿أُفْرِغْ﴾ لأنه أقرب العاملين ويجوز أن ينتصب بآتوني.\nوالقِطْر: النُّحَاس (٥) المذاب.\nوقيل: الحديد المذاب (٦)، قال:\nحُسامٍ كَلَوْنِ المِلْح صَافٍ حَدِيُده ... جُزَارٍ من أقطار الحديد المثقب (٧).\n_________\n(١) انظر: النكت والعيون للماوردي (٣/ ٣٤٣).\n(٢) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر \" الصُّدُفَين \" بضم الصاد والدال، وهي لغة حِمْيرَ، وقرأ أبو بكر والمفضل عن عاصم \" الصُّدْفَين \" بضم الصاد وسكون الدال، وقرأ نافع، وحمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم \" الصَّدَفَين \" بفتح الصاد والدال معًا.\nانظر: العنوان لأبي طاهر الأندلسي (١٢٥)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣١٦).\n(٣) \" أي آتوني قطرًا \" ساقط من ب.\n(٤) في ب: \" أصب كصب الماء \".\n(٥) \" النحاس \" ساقط من ج.\nوهو قول ابن عباس، ﵄، ومجاهد، وعكرمة، والضحاك، وقتادة، والسدي، نقله ابن كثير في تفسيره (٣/ ١١٠)، واختاره ابن جرير في جامع البيان (١٥/ ٤٠٩).\n(٦) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٤١٠).\n(٧) البيت للشنفري الأزدي في قصيدة طويلة يصف قتله حِزامًا قاتل أبيه.\nانظر: الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني (١٠/ ١٩٤)، وأروده ابن جرير في جامع البيان (١٥/ ٤١٠).","vol":"1","page":1307},{"text":"وقيل: القِطْرُ الرصاص (١)، فاختلطا ولصق بعضها ببعض حتى صار جبلًا كأنه بُرْدٌ مُحَبَّر (٢).\n﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ أي: يعلوا السد.\n﴿وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (٩٧)﴾ لم يقدروا أن ينقبوه من تحته، من شَدّدَ أدغم التاء في الطاء، ومن خَفَّفَ حذف التاء تخفيفا (٣).\nوقريء في الشواذ (فما اسطاعوا) بالقطع وهو مروي عن العرب ووزنه نستفعل والسين زيادة وليس له نظير (٤).\n﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ أي: فلما فرغ من بناء السد وجاء كما أحب ذو القرنين قال: ﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ (٥) أي: هذا العمل نعمة من الله علي وعلى من خاف معرة يأجوج ومأجوج.\n_________\n(١) حكاه في النكت والعيون (٣/ ٣٤٣) عن ابن الأنباري.\n(٢) أخرج ابن جرير في تفسيره (١٥/ ٤٠٤) عن قتادة قال \" ذكر لنا أن رجلًا قال: يا نبي الله، قد رأيْتُ سد يأجوج ومأجوج. قال: انعته لي. قال: كالبُرْدِ المحبر؛ طريقة سوداء، وطريقة حمراء. قال: قد رأيْتَه \". قال ابن كثير في تفسيره (٣/ ١١٠) \" هذا حديث مرسل \"، وقال في البداية والنهاية \" هكذا ذكره البخاري معلقًا بصيغة الجزم، ولم أره مسندًا من وجه متصل أرتضيه غير ان ابن جرير رواه في تفسيره مرسلًا \".\n(٣) قرأ الجمهور \" فما اسطاعوا \" بحذف التاء تخفيفًا لقربها من الطاء، وقرأ حمزة بإدغام التاء في الطاء.\nانظر: الكشف لمكي (٢/ ٨٠).\n(٤) انظر: شواذ القراءات لأبي عبدالله محمد بن نصر الكرماني (٢٤٩).\n(٥) من \" أي فلما فرغ \" إلى \" هذا رحمة من ربي \" ساقط من ب.","vol":"1","page":1308},{"text":"﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ﴾ وهو قوله (١) ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾ الآيات [سورة الأنبياء: ٩٦]، وكان الله أخبره بذلك (٢) أي: جعله مدكوكًا، من قوله ﴿وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾ [الحاقة: ١٤]، وقيل: جعله كسرًا (٣)، وقيل: جعله ملصقًا بالأرض (٤).\nقتادة: ﴿جَعَلَهُ دَكَّاءَ﴾ أي: الجبلين أي: ما بينهما (٥)، ومن مد (٦) شبهه بناقة دكاء أي: لاسنام لها (٧).\n_________\n(١) في ب، ج: \" هو قوله \".\n(٢) في أ: \" أخبره به \"، وفي ج: \" أخبره بذلك \".\n(٣) قاله الكلبي.\nانظر: النكت والعيون (٣/ ٣٤٥).\n(٤) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٤١٢).\n(٥) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٥/ ٤١٢).\n(٦) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر (دكًا) منونًا من غير همز ولا مد، وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي (دكاء) بالمد والهمز بغير تنوين.\nانظر: السبعة لابن مجاهد (٤٠٢).\n(٧) في أ، ج: \" دكاء لا سنام لها \".\nقال في لسان العرب (٤/ ٣٨٢) \"الدَّكُ: هدم الجبل والحائط ونحوهما، والدَّكَّاء: الرابية من الطين ليست بالغليظة، والدُّكُك: النوق المفنضِحة الأسنمة، وبعير أَدك: لاسنام له \".\nوانظر: القاموس المحيط (١٢١٢)، المصباح النير (١٨/ ١٩٨).","vol":"1","page":1309},{"text":"روى أبو هريرة ﵁ (١) عن النبي ﷺ \" أن يأجوج ومأجوج يحفرون الرَّدْم كل يوم حتى يرو شعاع الشمس من الجانب الآخر، فيقول الذي عليهم: ارجعوا فستخرجون غدًا، فيعيده الله كأشد ما كان إلى حين يريد الله خروجهم فلا يُعيده فيخرجون على الناس، فيشربون المياه كلها حتى لا يبقى منها بقية ويتحصن الناس منهم في حصونهم ويقتلون من يدركون، فإذا لم يروا أحدًا رموا بسهامهم نحو السماء فيعود عليهم كهيئة الدم فيقولون: قهرنا أهل الأرض وعلونا أهل السماء، فبعث الله تعالى نَغَفًَا (٢) عليهم في أقفيتهم فيقتلهم، فقال رسول الله ﷺ: \" والذي نفسي بيده إن دواب الأرض لتسمن وتشكر شكرًا من لحومهم \" (٣).\n_________\n(١) أبو هريرة ﵁، تنظر ترجمته ص: ٧٧.\n(٢) النَّغَفُ: بالتحريك دود سود وغبر وخضر يسقط من أنوف الغنم والإبل، واحدته نَغَفَة، ويكون في النوى إذا نُقِع.\nانظر: مختار الصحاح (٢٩٢)، لسان العرب (١٤/ ٢٢١).\n(٣) أخرجه الترمذي في السنن (٥/ ٣١٣، ح: ٣١٥٣)، وقال \" حديث حسن غريب إنما نعرفه من هذا الوجه مثل هذا \"، وابن ماجه في السنن (٢/ ١٣٦٤، ح: ٤٠٨٠)، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير (١/ ٤٠٤)، وَجَوَّدَ إسناده ابن كثير في التفسير (٣/ ١١٠) وقال \" في رفعه نكارة لأن ظاهر الآية أنهم لم يتمكنوا من ارتقائه ولا من نقبه لإحكام بنائه وصلابته وشدته ... ولعل أبا هريرة تلقاه من كعب فإنه كان كثيرًا ما كان يجالسه ويحدثه فحدث به أبو هريرة فتوهم بعض الرواة أنه من المرفوع فرفعه \".","vol":"1","page":1310},{"text":"﴿وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (٩٨)﴾ أي: كائنًا. يجوز أن يكون من تمام كلام ذي القرنين (١)، ويجوز أن يكون استئناف من الله.\n﴿* وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ فيه ثلاثة أقوال:\nأحدها: عن ابن عباس، ﵄: أنه ترك يأجوج ومأجوج (٢) يموج بعضهم في بعض (٣)، قال: وفي الآية تقديم وتأخير أي: ساوى بين الصدفين.\n﴿* وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ الزجاج أي: تركهم يموجون متعجبين من السد، فيجوز أن يكون ليأجوج ومأجوج، ويجوز أن يكون للذين اجتمعوا للسد (٤).\nوقيل: أنه ترك يوم بنى ذو القرنين السد بعض يأجوج ومأجوج خارج السد لا حاجز بينهم وبين سائر بني آدم أي: يختلطون بسائر الناس قال: وهم الذين يعرفون بالترك، وسموا تُرْكًا لترك ذي القرنين إياهم مع الناس لأنه لم يَخَفْ منهم ماخاف من معظمهم (٥) وقيل: هذا بعد (٦) خروج يأجوج ومأجوج لا يمنعهم الله عن الناس بل يتركهم يموجون في الناس أي: يختلطون ويفسدون فيهم (٧).\nابن جريج: ينسف الله الجبال فيزول السد (٨).\nوقيل: يموج الإنس في الجن والجن في الإنس (٩).\n_________\n(١) في أ: \" من تمام الكلام لذي القرنين \".\n(٢) \" ومأجوج \" ساقط من أ.\n(٣) ذكره السيوطي في الدر (١٥/ ٦٨٦)، وعزاه لابن أبي شيبة وابن ابي حاتم وابن المنذر.\n(٤) انظر: معاني القرآن للزجاج (٣/ ٢٥٥).\n(٥) انظر: البداية والنهاية (٢/ ٥٥٣).\n(٦) من \" إياهم مع الناس \" إلى \" وقيل هذا بعد \" ساقط من ب.\n(٧) انظر: النكت والعيون (٣/ ٣٤٦).\n(٨) انظر: معالم التنزيل (٥/ ٢٠٩)، وضعفه القرطبي فيالجامع لأحكام القرآن (١١/ ٦٤).\n(٩) حكاه ابن جرير في جامع البيان (١٥/ ٤١٥).","vol":"1","page":1311},{"text":"وقيل: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ﴾ متصل بكلام ذي القرنين (١).\n﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ أي: لقيام الساعة (٢).\n﴿فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا (٩٩)﴾ والصُّورُ: شيء ينفخ فيه، وهو كلام الجمهور، (٣). الحسن (٤)، وقتادة (٥)، وأبو عبيدة (٦): جمع صورة (٧).\n_________\n(١) انظر: غرائب التفسير (١/ ٦٨١)، وهو بعيد.\n(٢) في ج: \" أي كقيام الساعة \" وهو تصحيف.\n(٣) وهو القَرْنُ، يدل عليه ما أخرجه أحمد (٧/ ٣، ح: ١١٠٥٣)، والترمذي (٤/ ٦٢٠، ح: ٢٤٣١)، وقال \" حديث حسن \"، والحاكم في المستدرك (٤/ ٦٠٣)، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير (٨٧٣) عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: \" كيف أنعم وصاحب الصور قد التقم القرن، وحنى الجبهة وأصغى بلأُذُن متى يؤمر فينفخ. قالوا: فما نقول يارسول الله؟ قال: قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل على الله توكلنا \".\nقال ابن جرير في التفسير (٩/ ٣٤٠) \" وهو الصواب \". وقال ابن كثير في تفسيره (٣/ ١١٢) \" والأحاديث فيه كثيرة \"، وقال ابن حجر في الفتح (٨/ ١٣٨) \" والثابت في الحديث أن الصور قرن يُنْفخ فيه\".\n(٤) وهي قراءة شاذة تروى عن عياض.\nانظر: الشواذ للكرماني (١٧١)، شواذ ابن خالويه (٣٨).\n(٥) انظر: معاني القرآن للنحاس (٦/ ١٩٢).\n(٦) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٣١٤).\n(٧) انظر: مجاز القرآن لأبي عبيدة (١/ ٤١٦)، ومعنى قول الحسن، وقتادة، وأبو عبيدة أي: ينفخ فيها روحنا فتحيا، وهو خلاف لما عليه جمهور المفسرين.\nقال النحاس في معاني القرآن (٦/ ١٩٢) \" وليس هذا بمعروف \"، وانظر: جامع البيان لابن جرير (٩/ ٣٤٠).","vol":"1","page":1312},{"text":"وقيل: هو مثَلَ كقوله: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ\n(١٤)﴾ [النازعات: ١٣، ١٤] (١).\n﴿فَجَمَعْنَاهُمْ﴾ يعني: جميع الخلائق للثواب والعقاب جمعًا، وتأكيد.\n﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا (١٠٠)﴾ أي: أظهرناها لهم قبل أن يدخلوها زجرًا وتهويلًا.\n﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي﴾ في غشاوة لا يعتبرون بآياتي فيذكروني بالتوحيد، وقيل: يريد عيون القلوب (٢)، كقوله ﴿وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)﴾ [الحج: ٤٦].\n﴿وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا (١٠١)﴾ أي (٣): استماع القرآن استثقالًا للقرآن ومقتًا للنبي.\nوقيل: لا يسمعون أصلًا (٤).\nوقيل: حُجِبُوا من السمع إذا آذوا رسول الله ﷺ، من قوله ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ جَعَلْنَا﴾ الآية [الإسراء: ٤٥] (٥).\nويحتمل (٦) أن قوله ﴿أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي﴾ معناه لايقرؤن من المكتوب.\n﴿وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا (١٠١)﴾ ممن يَقْرأ عليهم.\n﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ﴾ استفهام إنكار، أي: أَفَظنّ الكفار اتخاذهم عبادي يعني الملائكة وعيسى ﵈ أولياء نافعهم بئس ما ظنوا.\n_________\n(١) والصواب الأول الذي عليه جمهور الأمة.\n(٢) انظر: غرائب التفسير (١/ ٦٨١).\n(٣) \" أي \" ساقط من: ب، ج.\n(٤) انظر: النكت والعيون (٣/ ٣٤٦).\n(٥) حكاه الزجاج في معاني القرآن (٣/ ٢٥٦).\n(٦) في ب: \" ويجوز ويحتمل \" والصواب ما أُثبت.","vol":"1","page":1313},{"text":"والمفعول الثاني محذوف وهو نافعهم، وقيل: تقديره: أفظنوا أن يتخذوهم أولياء دوني ثم لا أعذبهم كلا، ودَلَّ على العذاب قوله ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا (١٠٢)﴾ (١).\nوقيل: تقديره أظنوا أن يتخذوا الملائكة والجن أربابًا فينفعهم، وقيل: تقديره أفظنوا أنهم مع كفرهم يواليهم بالنصره والمعونه أحدٌ من عبادي المخلصين كلا فإن عبادي يعادون الكفار (٢).\nومن قرأ\" أفَحَسْبُ الذين\" بالرفع جعله مبتدأ و﴿أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ﴾ خبره (٣).\nوقوله ﴿نُزُلًا﴾ (٤) أي: منزلًا.\nوقيل: مأكولًا معدًا لهم كما يُعد للضيف (٥).\nوقيل: جمع نازل ونصبه على الحال (٦)، ويريد بجهنم ما بينها من الزقوم والغسلين وغير ذلك.\n_________\n(١) من \" وقيل تقديره أفظنوا \" إلى \" للكافرين نزلًا \" ساقط من ب.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٤٢١).\n(٢) من \" والمعونة \" إلى \" يعادون الكفار \" ساقط من ب.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٤٢٢)، معالم التنزيل (٥/ ٢٠٩).\n(٣) وهي قراءة شاذة مروية عن علي بن أبي طالب، وابن عباس، ﵄، ﵄ وابن جبير، ومجاهد، وعكرمة، وأبان عن عاصم، وزيد عن يعقوب، ومعناها: أَفَحَسْبُهم ذلك أي: أكفاهم أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء من عبادتي.\nانظر: شواذ القراءات للكرماني (٢٩٥)، جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٤٢٢).\n(٤) النُّزُل: ما هُيئ للضيف إذا نزل.\nانظر: لسان العرب (١٤/ ١١٢)، مادة: نزل.\n(٥) قاله قتادة.\nانظر: النكت والعيون (٣/ ٣٤٦).\n(٦) انظر: غرائب التفسير (١/ ٦٨٢).","vol":"1","page":1314},{"text":"﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣)﴾ جاء في التفسير: أنهم اليهود والنصارى (١).\nوعن علي ﵁: أنهم القسيسون والرُّهْبان أتعبوا أنفسهم وحبسوها في الصوامع (٢).\n\nوعن علي ﵁ أيضًا الخوارج (٣)، (٤).\nوقيل: أهل الأهواء (٥).\n_________\n(١) أخرج البخاري في كتاب التفسير، ح: ٤٧٢٨، عن مصب قال: \" سألت أبي (قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالًا) هم الحرورية؟ قال: لا، هم اليهود والنصاري، أما اليهود فكذبوا محمدًا ﷺ، وأما النصارى كفروا بالجنة وقالوا: لا طعام فيها ولا شراب. والحرورية الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه، وكان سعد يسميهم الفاسقين \".\n(٢) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٥/ ٤٢٤)، وهو من القول الأول.\n(٣) أخرجه ابن جيرير في جامع البيان (١٥/ ٤٢٦)، وهو قول الضحاك، ومعناه أنها تشمل الحرورية كما تشمل اليهود والنصارى وغيرهم، لأنها مكية قبل خطاب اليهود والنصارى وقبل وجود الخوارج فهي عامة في كل من عبد الله على غير طريقة مرضية.\nانظر: تفسير ابن كثير (٣/ ١١٢).\n(٤) الخوارج: هم الذين خرجوا على علي ﵁ في حرب صفين، وكبار فرق الخوارج ستة: الأزارقة، والنجدات، والعجاردة، والثعالبة، والأباضية، والصفرية، والباقون فروعهم، ويجمعهم القول بالتبري من علي وعثمان ﵄، ويقدمون ذلك على كل طاعة، ويكفرون أصحاب الكبائر، ويرون الخروج على الإمام إذا خالف السنة.\nانظر: الملل والنحل للشهرستاني (١٠٦)، الفرق بين الفرق لعبد القاهر البغدادي (١٧).\n(٥) حكاه في النكت والعيون (٣/ ٣٤٧).","vol":"1","page":1315},{"text":"وقيل: كل من دان بدين غير الإسلام فهو من الأخسرين أعمالًا في الآخرة (١).\nوالأَخْسَر: من أتعب نفسه طلبًا للنجاة فيؤديه إلى النار، والخُسْرَان ضد الربح.\nو﴿أَعْمَالًا﴾ نصب على التمييز والقياس أن يكون مفردًا لكنه جمع لاختلاف أجناس الأعمال أي: خسروا فيها كلها.\n﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ بطل عملهم لأنهم قاموا بأحكام كتابهم فلما كفروا بمحمد ﷺ حبطت أعمالهم فلا يثابون عليها.\n﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤)﴾ أي: يحسبون أنهم على الحق. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ القرآن، وقيل: الأدلة (٢).\nوقيل: كتبهم (٣).\n﴿وَلِقَائِهِ﴾ أي: بالبعث والنشور، وقيل: ولقاء ما وعدهم (٤).\nوقيل: بجزاء أعمالهم (٥).\nواللقاء: قُرْبُ الشيء من الشيء من غير فصل (٦).\n﴿فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ فبطلت أعمالهم الصالحة أي: لا يثابون عليها.\n﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (١٠٥)﴾ لا نثقل موازينهم بأعمالهم.\nوقيل: لا يكون لهم منزلة ولا جاه، من قولهم: لا وزن لفلان عند الناس (٧).\nوقيل: لا يعتد بهم (٨).\n_________\n(١) فيدخل فيه اليهود والنصارى وغيرهم.\n(٢) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٤٢٩).\n(٣) على القول بأن المراد بهم اليهود والنصارى.\n(٤) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٤٢٩).\n(٥) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ١٧٠).\n(٦) ولقي فلان فلانًا لقاءً، واللقاء نقيض الحجاب، والاسم التلقاء.\nانظر: مختار الصحاح (٢٦٣)، مادة: لقي.\n(٧) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ١٧٠).\n(٨) انظر: المصدر السابق (٣/ ١٧٠).","vol":"1","page":1316},{"text":"﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آَيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا (١٠٦)﴾ أي: الأمر ذلك.\nابن جرير: ﴿ذَلِكَ﴾ بمعنى أولئك، أي: أؤلئك جزاؤهم جهنم (١).\nوقيل: ذلك الاستخفاف لهم وهو أن لا يُجْعَل لهم وزن (٢).\nويحتمل أن ﴿ذَلِكَ﴾ مبتدأ. ﴿بِمَا كَفَرُوا﴾ وخبره و﴿جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ﴾ اعتراض بينهما، ومعنى الآية: جزاؤهم العذاب بكفرهم واستهزائهم برسل الله وآياته.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ﴾ معنى ﴿كَانَتْ﴾ ههنا سبق لهم وعد الله بها.\nو﴿الْفِرْدَوْسِ﴾: البستان يجمع الكرم والنخل، وقد سبق.\nوروي عن النبي ﷺ أنه قال: \" الجنة مائة درجة ما بين كل درجة مسيرة مائة عام والفردوس أعلاها درجة، منها يتفجر الأنهار والفردوس من فوقها، فإذا سألتم الله الجنة فسألوه الفردوس وفوقها عرش الرحمن \" (٣).\nقتادة: الفردوس ربوة الجنة وأوسطها وأفضلها (٤).\nكعب: هو اسم جنة من الجنان ما فيها أعلى منه، وفيها الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر (٥).\nالسدي: النَّبَط (٦)\n_________\n(١) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٤٣٠).\n(٢) انظر: النكت والعيون (٣/ ٣٤٧).\n(٣) أخرجه البخاري في كتاب: الجهاد (باب: درجات المجاهدين في سبيل الله ح: ٢٧٩٠) عن أبي هريرة ﵁، وأخرج الترمذي (٤/ ٦٧٥، ح: ٢٥٣١) نحنوه عن عبادة بن الصامت.\n(٤) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٥/ ٤٣١).\n(٥) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٥/ ٤٣١).\n(٦) النَّبَط: قوم ينزلون بالبطائح بين العراقين، والجمع أَنْبَاط، وسموا بذلك لأنهم يستنبطون الماء.\n\nانظر: معجم البلدان (٥/ ٢٥٨).","vol":"1","page":1317},{"text":"يسمون العنب فردوسًا (١).\n﴿نُزُلًا (١٠٧)﴾ سبق.\n﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (١٠٨)﴾ تحولًا، وقيل: بدلًا (٢).\nقطرب: الحول الحيلة، أي: لا يطلبون حيلة لينقلوا إلى غيرها لأن فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين وما لم يخطر بقلب بشر (٣).\n﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا﴾ في سبب النزول، قال ابن عباس، ﵄: \" قالت اليهود لما قال لهم النبي ﷺ ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] قالوا (٤): كيف وقد أُوتينا التوراة ومن أوتي التوراة فقد أوتي خيرا كثيرا فنزلت ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي﴾ \" (٥) يريد البحر المحيط.\nوالمداد: ما يكتب به (٦).\nأبو عبيدة: يجوز أن يكون مصدر ماددته مدادًا (٧).\nالسدي: يريد بالكلمات نعيم الجنة ونعمتها (٨).\n_________\n(١) في ب، ج: \" فرداسًا \".\nانظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٣١٥).\n(٢) قاله الضحاك.\nانظر: النكت والعيون (٣/ ٣٤٩).\n(٣) وضعفه أبو حيان في البحر المحيط (٦/ ١٥٩).\n(٤) \" قالوا \" ساقط من ب.\n(٥) انظر: أسباب النزول للواحدي (٣٤٦).\n(٦) أصله الزيادة ومجيء الشيء بعد الشيء، وسمي المداد لإمداده الكاتب.\nانظر: مختار الصحاح (٢٧٠)، غريب الحديث لابن الجوزي (٢/ ٣٤٧).\n(٧) انظر: مجاز القرآن (٢/ ١٢٨).\n(٨) هذا تأويل لصفة الكلام الثابتة لله تعالى بنعيم الجنة، وهو خلاف مذهب أهل السنة والجماعة.\nوقد ذكر القرطبي في تفسيره (١١/ ٦٩) قول السدي وهو غير الذي ذكره الكرماني هنا فقال \" أي إن كان البحر مدادًا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد صفات الجنة التي هي دار الثواب\".","vol":"1","page":1318},{"text":"مجاهد: معلوماته (١).\nوقيل: معناه كلمات الله لا يلحقها الإحصاء إذ لا نهاية لها.\nوالكلمات هي: ما وعد الله أهل الجنة من الثواب والكرامة وأهل النار من العقاب (٢). وقيل: كما أن الله تعالى غير متناهي فكلامه غير متناهي، لأنه متكلم به أبدًا سرمدًا (٣).\nوقيل: متى شاء تكلم به (٤).\nوقيل: كلمات الله ذكر ما خلق وما يخلق (٥).\nوقيل: لما قص عن الخضر وعن ذي القرنين ذكر بعدها ما يدل على أن عجائب الله عظيمة كثيرة لا يأتي عليها مداد البحر وأقلام الأرض، وتقدير الآية: لو كان البحر مدادًا لكلمات ربي وكتبت به ﴿لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾ قبل نفادها.\n﴿وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ﴾ بمثل البحر. ﴿مَدَدًا (١٠٩)﴾ زيادة على البحر.\nوقرئ في الشواذ \"مدادًا \" (٦).\n_________\n(١) هذا تأويل لصفة الكلام بالعلم وهو خلاف مذهب أهل السنة والجماعة، والمنقول عن مجاهد في تفسيره (١/ ٣٨٢) في قوله تعالى \" لكلمات ربي \" للقلم. وقد أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٥/ ٤٣٨).\n(٢) وهذا الكلام كما سبق تأويل لفة الكلام بالنعيم في الجنة، وهو خلاف مذهب أهل السنة والجماعة الذين يثبتون صفة الكلام لله تعالى من دون تأويل أو تعطيل أو تشبيه.\n(٣) انظر: النكت والعيون (٣٤٩).\n(٤) وهو مذهب أهل السنة والجماعة.\n(٥) وهو في البُعْد كسابقه.\n(٦) \" بمثله مدادًا \" مروية عن ابن مسعود وابن عباس، ﵄ ومجاهد والأعمش وأبو عمرو في رواية وحفص في رواية، وهي قراءة شاذة.\nانظر: الشواذ لابن خالويه (٨٢)، شواذ القراءات للكرماني (٢٩٦).","vol":"1","page":1319},{"text":"﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ في سبب النزول عن ابن عباس، ﵄: \" أنها نزلت في جندب بن زهير (١) وذلك أنه قال: إني أعمل العمل لله فإذا اطلع عليه سرني. فقال ﷺ: \" إن الله طيبٌ لا يقبل إلا الطيب ولا يقبل ما شورك فيه\" فأنزل الله هذه الآية (٢).\nوقال طاووس (٣): \" قال رجل يا نبي الله إني أحب الجهاد في سبيل الله وأحب أن يرى مكاني فأنزل الله هذه الآية \" (٤).\nمجاهد: \" جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني لاتصدق وأصل الرحم ولا أصنع ذلك إلا لله فيذكر ذلك مني وأُحمد عليه فيسرني ذلك وأعجب به، فسكت ولم يقل شيئًا فأنزل الله ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ الآية \" (٥).\nقل يا محمد إنما أنا بشر مثلكم يعني: آدميًا.\n﴿يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ أي: المستحق للعبادة هو وحده لا يتصف غيره بوصفه.\n﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ يطمع ثواب ربه.\nالزجاج: يرجوا صالح المنقلب عند ربه (٦).\n_________\n(١) جندب بن زهير العامري، مختلف في صحبته، شهد صفين مع علي ﵁، وثقه ابن حبان، توفي في خلافة معاوية، ﵁.\nانظر: سير أعلام النبلاء (٣/ ١٧٧)، الإصابة (١/ ٥٠٧).\n(٢) انظر: أسباب النزول للواحدي (٣٤٦).\n(٣) طاووس بن كيسان، الخولاني، اليماني، احد أعلام التابعين، سمع من أبي هريرة، وابن عباس، ﵄، توفي سنة ست ومائة.\nانظر: سير أعلام النبلاء (٥/ ٣٨).\n(٤) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٥/ ٤٤٠).\n(٥) انظر: أسباب النزول للواحدي (٣٤٦).\n(٦) انظر: معاني القرآن للزجاج (٣/ ٢٥٨).","vol":"1","page":1320},{"text":"مقاتل: يخاف (١)، وقيل: إنما يأتي يرجوا بمعنى الخوف في النفي (٢).\n﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ خالصًا، أي: فليكثر من العمل الصالح وهو الطاعة لله.\n﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ لا يُراءي، وهو نهي عن الرياء.\nوقال رسول الله ﷺ: \" من قرأ سورة الكهف فهو معصوم ثمانية أيام من كل فتنة تكون فإن خرج الدجال في تلك الثمانية عصمه الله من فتنة الدجال، ومن قرأ الآية التي في آخرها ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ إلى آخره حين يأخذ مضجعه كان له نور يتلألأ من مضجعه إلى مكة حشو ذلك النور ملائكة يصلون عليه حتى يقوم من مضجعه، وإن كان مضجعه بمكة فتلاها كان له نور يتلألأ من مضجعه إلى بيت المعمور حشو ذلك النور ملائكة يُصلون عليه ويستغفرون له (٣) حتى يستيقظ \" (٤).\n_________\n(١) انظر: تفسير مقاتل (٢/ ٣٠٤).\n(٢) انظر: معاني القرآن للنحاس (٤/ ٢٠٣).\n(٣) \" له \" ساقط من ب.\n(٤) ذكره الزمخشري في الكشاف (٣/ ٦٢٠)، والزيلعي في تخريج أحاديث الكشاف (٢/ ٣١٧)، وعزاه لابن راهويه، والبزار، وابن مردوية، وقال عنه ابن كثير في تفسيره (٣/ ١١٦) \" غريب جدًا \".\nوقد أخرج مسلم في صحيحه (ك: صلاة المسافرين، باب: فضل سورة الكهف وآية الكرسي، ح: ١٨٨٠) عن أبي الدرداء ﵁، أن النبي ﷺ قال: \"من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عُصِم من الدجال\".","vol":"1","page":1321},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-125>سورة مريم</span>","vol":"1","page":1322},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nوإياك أسأل التوفيق\nقال الشيخ الإمام برهان الدين سعد الإسلام تاج القراء أبو القاسم محمود بن حمزة قدس الله روحه (١).\nسورة مريم ثمان وتسعون آية (٢) مكية (٣)، و(٤) قيل: مكية إلا آية السجدة (٥).\n﴿كهيعص (١)﴾ وقد (٦) ذكرتُ فيما سبق ما قاله المفسرون في حروف التهجي الواقعة أوائل السور (٧)، وقرأت في بعض التفاسير أن هذه الحروف من حساب الجُمل، وهي تدل على مدة بقاء الإسلام، والمدة ستمائة سنة وثلاثة وتسعون سنة ثم تقوم القيامة (٨)، وهذا ضعيف بل باطل من ثلاثة أوجه:\n_________\n(١) من قوله \" وإياك أسأل التوفيق \" إلى \" قدس الله روحه \" ساق من أ.\n(٢) في ب: \"سورة مريم مكية\"، بغير \"ثمان وتسعون آية\".\n(٣) بإجماع المفسرين. انظر: زاد المسير (٥/ ٢٠٤).\n(٤) في أ: \"قيل\"، بغير الواو.\n(٥) وهو قول مقاتل في تفسيره (٢/ ٣٠٦).\nوالقول بمكية السورة كلها مروي عن ابن عباس، ﵄؛ فقد أخرجه النحاس في الناسخ والمنسوخ (٢/ ٥٠١)، ونقله في معاني القرآن (٤/ ٣٠٤)، وذكر السيوطي في الدر (١٠/ ٥) أنه قول ابن الزبير وعائشة، ﵄.\nونقل ابن عطية في المحرر (٤/ ٣)، وابن الجوزي في زاد المسير (٥/ ٢٠٤)، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن (١١/ ٧٢) الإجماع عليه.\nوذهب هبة الله بن سلامة في الناسخ والمنسوخ (١١٨) إلى القول بمكيتها إلا آيتين، وهما قوله تعالى\n﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ [مريم: ٦٠، ٥٩].\n(٦) في ب: \"ذكرت فيما سبق\"، بغير \"وقد\".\n(٧) ذكره في أول سورة البقرة عند تفسير قوله تعالى ﴿الم﴾ [البقرة: ١].\n(٨) في أ: \"الساعة\".","vol":"1","page":1323},{"text":"أحدها: أن هذا دعوى علم يوم القيامة والله تعالى (١) يقول: ﴿إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٦٣]. والثاني: أن حساب الجُمل لا تعرفه العرب والله تعالى (٢) يقول ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: ٣]، و﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ﴾ [الشعراء: ١٩٥].\nوالثالث: أنه أخذ حساب الحروف غير مكررة ولو أخذ حسابها مكررة لوجدها أضعافًا.\nوذهب بعض المفسرين إلى أنه اسم من أسماء الله ﷿ (٣).\nوقيل: إنه الاسم الأعظم (٤).\nوروي عن علي ﵁ أنه كان يحلف بـ ﴿كهيعص (١)﴾ وكان يدعوا ويقول في دعائه: \" يا ﴿كهيعص (١)﴾ (٥) \".\nوهذا يحتمل وجهين:\nأحدهما: ما ذكر أنه اسم من أسماء الله.\nوالثاني: أنه صفات الله، كما روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: \"الكاف من كافٍ\" (٦).\nوقيل: من كريم (٧).\n_________\n(١) في ب: \"والله يقول\"، بغير \"تعالى\".\n(٢) في ب: \"والله يقول\" بغير \"تعالى\".\n(٣) في أ: \"تعالى\"، وهو قول علي بن أبي طالب، وابن عباس ﵄.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٤٥١).\n(٤) حكاه الثعلبي في الكشف والبيان (٦/ ٢٠٥).\n(٥) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٥/ ٤٥١).\nقال الزجاج في معاني القرآن (٣/ ٢٥٩): \" والقسم بهذا والنداء لايدل على أنه اسم واحد، لأن الداعي إذا علم أن الدعاء بهذه الحروف يدل على صفات الله فدعا بها فكأنه قال: يا كافي، يا هادي، وإذا أقسم بها فكأنه قال: والكافي الهادي العالم الصادق \"، وأنظر: زاد المسير (٥/ ٢٠٦).\n(٦) ذكره اليسوطي في الدر (١٠/ ٧) وعزاه للفريابي، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وعبد ابن حميد، وهو قول سعيد بن جبير، والضحاك.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٤٤٤).\n(٧) وهو قول سعيد بن جبير.\n\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٤٤٤).","vol":"1","page":1324},{"text":"وقيل: من كبير، والهاء من هاد (١).\nولم يُرَو عن ابن عباس ﵄، في الياء شيء لأنه لم يأت في أسماء الله ما في (٢) أوله ياء. وعن غيره: الياء من يمين (٣)، وقيل: من عليم.\nوقيل: من حكيم (٤).\nوقيل: من قولهم: \"يا من يجير ولا يجار عليه\"، قاله الربيع بن انس (٥)، (٦).\nوالعين من عليم، وقيل: من عزيز (٧).\nوقيل: من عدل (٨).\nوالصاد من صادق (٩).\nوقيل: هو اسم للقرآن (١٠).\n_________\n(١) وهو مروي عن ابن عباس ﵄، ﵄، وسعيد بن جبير.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٤٤٥، ٤٤٣).\n(٢) في ب \"ما أوله ياء\".\n(٣) وهو مروي عن ابن عباس، ﵄، وسعيد بن جبير، بخلاف ما ذكره اللكرماني.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٤٤٧، ٤٤٦).\n(٤) قاله سعيد بن جبير.\nانظر: النكت والعيون (٣/ ٣٥٣).\n(٥) الربيع بن أنس: الربيع بن أنس البكري، ويقال الحنفي، البصري ثم الخرساني، روى عن أنس بن مالك، وأبي العالية، والحسن،، قال عنه أبو حاتم: صدوق، وقال عنه النسائي: لا بأس به، توفي سنة تسع وثلاثين ومائة.\nانظر: الثقات للعجلي (١/ ٣٥٠)، تهيب التهذيب لابن حجر (٣/ ٢١٤)، التقريب (٣١٨).\n(٦) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٥/ ٤٤٨)، وذكره السيوطي في الدر المنثور (١٠/ ٨)، وعزاه لابن أبي حاتم.\n(٧) وهو قول ابن عباس، ﵄، وسعيد بن جبير.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٤٤٩).\n(٨) قاله الضحاك.\nانظر: النكت والعيون (٣/ ٣٥٣).\n(٩) وهو قول ابن عباس ﵄، وسعيد بن جبير، والضحاك.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٤٥٠).\n(١٠) قاله قتادة.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٤٥٢).","vol":"1","page":1325},{"text":"وقيل: اسم للسورة (١).\n﴿ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢)﴾ أي: هذا ذكر ربك عبده بالرحمة فيكون الرب فاعل الذكر و﴿عَبْدَهُ﴾ مفعوله (٢).\nوقيل: رحمة ربك عبده، فيكون الرب فاعل الرحمة وعبده مفعولها والرحمة مفعول الذكر، ويجوز أن يكون الذكر مضافًا إلى الرحمة وهي فاعلة وعبده مفعولها كما تقول: ذكري جود زيد.\nوقيل: الرحمة صلة وزكريا بدل عن العبد (٣).\nوقرئ في الشواذ (٤) (عبدُه) بالرفع (٥) فيكون فاعل الذكر.\n﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (٣)﴾ دعاه دعاءً سرًا كما هو المأمور في قوله ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥].\n\nوقيل: رفع صوته فأخفاه عن القوم (٦).\nابن عيسى: النداء: الدعاء على طريقة يافلان (٧).\nوقيل: نداءً خفيًا لايدخله رياء (٨).\nوقيل: لأنه (٩) استحى من (١٠) القوم أن يسأل الله الولد على كبر السن من امرأة عاقر (١١).\nوقيل: دعاه في وسط الليل (١٢).\nوقيل: علم أن رفع الصوت وخفضه عند الله سواء وفي الخفض خضوع فاختاره (١٣).\n_________\n(١) قاله زيد بن أسلم.\nانظر: النكت والعيون (٣/ ٣٥٢).\n(٢) \"وعبده مفعوله\"، ساقط من ب.\n(٣) انظر: معاني القرآن للزجاج (٣/ ٢٦٠).\n(٤) في ب: \"في الغريب\".\n(٥) انظر: شواذ القراءات لمحمد بن نصر الكرماني (٢٩٧)، البحر المحيط (٦/ ١٦٣).\n(٦) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٦/ ٢٠٦).\n(٧) لم أقف عليه، والله أعلم. .\n(٨) قاله ابن جريج.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٤٥٣).\n(٩) في ب: \"إنه\".\n(١٠) في أ: \"عن\".\n(١١) قاله مقاتل.\nانظر: النكت والعيون (٣/ ٣٥٤).\n(١٢) انظر: غرائب التفسير (١/ ٦٨٦).\n(١٣) انظر: النكت والعيون (٣/ ٣٥٤).","vol":"1","page":1326},{"text":"﴿إِذْ نَادَى﴾ ظرف للذكر، وقيل: للرحمة، وقيل: ظرف لقال بعده، ويحتمل أنه خبر المبتدأ، والمبتدأ (١) قوله ﴿ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ﴾.\n﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾ هذا تفسير الدعاء ومعناه ضَعُفَ بدني لكبر سني، والواهِنة: الضعف، وكان له سبعون سنة (٢).\nوقيل: وهن بمعنى: وَهِيَ، تقول: وَهَنَ يَهِنُ ووَهِنَ يَوْهَنُ ووَهِنَ يَهِنُ (٣)، وخص العظم بالذكر لأنه أقوى ما في الإنسان، ويحتمل أن المراد بالعظم الأسنان (٤).\n﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ فشا في رأسي المشيب اشتعال النار إذا تفرقت في التهابها وصارت شُعُلًا.\nوقيل: الاشتعال انتشار شُعَاع النار أي: اشتعل الشيب فيه اشتعال شعاع النار (٥).\nوقيل: هاج الشيب فيه (٦).\nوفي نصبه قولان:\nأحدهما: التمييز لأن اشتعال الرأس مبهم لا يدرى مم اشتعل.\n_________\n(١) \"والمبتدأ\" ساقط ب.\n(٢) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٤٥٤).\n(٣) الوَهْن: الضعف في العمل والأمر وكذلك في العظم ونحوه. والوَهْن والوَهَن لغتان فيها. والوَاهِنة عرق يأخذ في المنكب وفي اليد كلها يصيب الرجال دون النساء. انظر لسان العرب (١٥/ ٤١٧)، مادة: وهن.\n(٤) في أ: \"السن\" بالإفراد.\n(٥) انظر: معاني القرآن للزجاج (٣/ ٢٦٠).\n(٦) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ١٧٥).","vol":"1","page":1327},{"text":"وقيل: انتصابه على المصدر لأن اشتعل بمعنى شاب، ويحتمل أنه من باب تفقأت الدابة شحمًا (١) لأن تقديره: واشتعل شيب الرأس، وقيل: من شيب وبِشَيْبٍ فنصب بنزع الخافض وفيه بُعد (٢).\n﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (٤)﴾ أي: كنت مستجاب الدعوة قبل اليوم سعيدًا به غير شقي فيه، والسعادة: إدراك الخير، والشقاوة: حرمانه.\nوقيل: بدعائك إياي، وقيل: من دعاك مخلصًا فَوَحّدَك وَعَبَدَك لم يكن بعبادتك شقيًا (٣).\n﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ﴾ يعني العَصَبَة، وقيل: بني العم (٤).\nوقيل: الكلالة (٥).\n﴿مِنْ وَرَائِي﴾ من بعدي، وقيل: من حولي، حكاه محمد بن الهيصم (٦).\nإني خفت أن يكونوا هم يرثون مالي من بعدي.\n_________\n(١) الفقء: الشق والبخص، ومنه فَقَأَ العين والبَثْرَة ونحوهما يَفقؤُها فَقْأً، ومنه قوله ﵊ \" لو أن امرأً اطلع عليك بغير إذن، فحذفته بحصاة ففقأت عينه ما كان عليك من حرج \" أخرجه البخاري (ك: الديات، باب: من أخذ حقه أو اقتص دون السلطان، ح: ٦٨٨٨) من حديث أبي هريرة ﵁. لسان العرب (١٠/ ٢٩٦)، مادة: فقأ.\n(٢) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٤٥٥، ٤٥٤)، إعراب القرآن للنحاس (٣/ ٥).\n(٣) انظر: معاني القرآن للزجاج (٣/ ٢٦١).\n(٤) انظر: معاني القرآن للزجاج (٣/ ٢٦١)، قال: \"والموالي: واحدهم مولى، وهم بنو العم وعصبة الرجل، ومعناه الذين يلونه في النسب، كما أن معنى القرابة الذين يقربون منه في النسب\".\n(٥) قاله ابن عباس ﵄.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٤٥٦).\n(٦) انظر: غرائب التفسير (١/ ٦٨٧).","vol":"1","page":1328},{"text":"قتادة قال: روي أن رسول الله - ﷺ - قال: \" رحم الله زكريا ماكان عليه من ورثة \" (١).\nوقيل: خاف أن يُفْسِدوا بعده في دين الله (٢).\nوقيل: خاف أن يرثه غير الولد (٣).\nوقرئ (خَفَّتِ الموالي من ورائي) (٤) أي: ماتوا وذهبوا، ويحتمل خِفْتُ فوات الموالي من ورائي قبل موتي فهب لي وليًا يبقى بعدي سأل، ولدًا يرثه علمه ويجري في دين الله على سنته.\n﴿وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا﴾ لاتلد، وإنما ذكر امرأتي عاقرًا لأنه سأل الله إزالة العلة عنها لتحبل.\n﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ﴾ من قدرتك وفضلك.\n﴿وَلِيًّا (٥)﴾ ابنًا يلي أمرك بعدي.\n﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آَلِ يَعْقُوبَ﴾ من رفع جعله وصفًا لولي ومن جزمه جعله جوابًا للأمر (٥)،\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٥/ ٤٦٠)، وفي آخر الحديث زيادة \" ويرحم الله لوطًا؛ إن كان ليأوي إلى ركن شديد \" أخرجها البخاري (ك: أحاديث الأنبياء، باب: لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين، ح: ٣٣٨٧).\n(٢) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ١٧٦).\n(٣) انظر: النكت والعيون (٣/ ٣٥٥).\n(٤) هذه القراءة مروية عن عثمان بن عفان، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمرو، وابن جبير، ومجاهد، وابن أبي شريح عن الكسائي بفتح الخاء وتشديد الفاء على معنى قلَّت وتوجيهها: وإني ذهبت عصبتي ومن يرثني من بني أعمامي، وهي شاذة. انظر: مختصر الشواذ لابن خالويه (١٢)، والمحتسب لابن جني (٢/ ٣٧) وشواذ القراءات للكرماني (٢٩٧)، وقراءة الجمهور بالتخفيف. انظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٤٥٧)، زاد المسير (٥/ ٢٠٨).\n(٥) \"للأمر\" ساقط من ب.\n\nقرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر، وعاصم، وحمزة (يَرِثُني ويَرِثُ) برفعهما على أنه صفة للولي والمعنى: هب لي وليًا وارثًا. وقرأ أبو عمرو والكسائي (يَرِثْني ويَرِثْ) بالجزم على الشرط والجزاء والمعنى: هب لي من لدنك وليًا فإنه يرثني إذا وهبته لي.\nأنظر: الحجة لابن خالويه (٢٣٥)، التيسير للداني (١٤٨)، وانظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٤٦٠).","vol":"1","page":1329},{"text":"و(وليّ) عام وضع موضع الخاص، أي: وليًا وارثًا يرثني ويرث من آل يعقوب.\nقيل: المال (١) كما سبق وفيه ضعف لقوله - ﷺ -: \" إنا معشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقه \" (٢). وقيل: يرثني النبوة (٣)؛ وهذا أيضًا فيه كلام لأن النبوة ليست بالوراثة ولو كانت بالوراثة لكنا جميعًا أنبياء لأن آدم ﵇ كان نبيًا بالإجماع، ويحتمل أن التقدير: وليًا بهذه الصفة أي: ولدًا نبيًا، وباب السؤال والدعاء مفتوح.\n﴿وَيَرِثُ مِنْ آَلِ يَعْقُوبَ﴾ قيل: النبوة (٤).\nوقيل: المال (٥).\nوقيل: يعقوب هذا ليس يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم وإنما هو يعقوب بن ماثان (٦) وكانت امرأة زكريا أخت مريم بنت عمران بن ماثان.\nمجاهد: يرثني علمي ويرث من آل يعقوب النبوة (٧).\n_________\n(١) انظر: الدر المنثور (١٠/ ١٢).\n(٢) أخرجه البخاري (٤٠٣٥، ٦٧٢٧)، وأخرجه الترمذي (١٦٥٩). ولأن زكريا لم يكن له مال فقد كان نجارًا وهي مهنة لا يجمع منها المال، ولأن النبي لا يجوز له أن يتأسف على المال بعد موته إذا وصل إلى مستحقه، ولأنه لو أراد وراثة المال لما كان لتخصيصه من بين الورثة بالذكر كبير فائدة لأنه معلوم في جميع الشرائع أن الولد يرث والده بعد موته. انظر: زاد المسير لابن الجوزي (٥/ ٢٠٩، ٢١٠)، تفسير ابن كثير (٣/ ١١٧).\n(٣) قاله قتادة.\nانظر: الوسيط للواحدي (٣/ ١٧٦).\n(٤) وهو قول أبي صالح، ومجاهد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٤٥٨).\n(٥) انظر جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٤٥٨، ٤٥٩).\n(٦) قاله مقاتل.\nانظر الكشاف (٤/ ٧)، زاد المسير (٥/ ٢٠٩).\n(٧) انظر جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٤٥٨).","vol":"1","page":1330},{"text":"الضحاك: يرثني مالي ويرث من آل يعقوب النسب والعلم (١).\n﴿وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (٦)﴾ قيل: مرضيًا ترضاه (٢).\nوقيل: تقيًا (٣).\nوقيل: راضيًا بحكمك (٤)، فأجاب الله دعاءه وقال ﴿يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى﴾ تولى الله تسميته تشريفًا له.\n﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (٧)﴾ أي لم يسم أحد بيحيى قبله (٥).\nابن عباس ﵄: ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾ أي: مثلًا وشبيهًا لأنه لم يعص ولم يُهِم بمعصية قط (٦).\nوقيل: في كونه حصورًا (٧).\nوقيل: لم تلد العواقر مثله (٨).\nوقرأت في بعض التفاسير ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ﴾ لزكريا. ﴿مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (٧)﴾ ولدًا، والعرب تسمي الولد سميًا، حكاه النقاش في تفسيره (٩).\nوسمي يحيى لأنه يحيى به دين الله، وقيل: لأن رحم أمه حي به (١٠).\nوقيل: هذا على الضد أي: يموت كالمفازة والسليم.\n_________\n(١) واختار ابن جرير في جامع البيان (١٥/ ٤٥٨، ٤٥٧) أن المراد بالآية: يرث مالي ويرث من\nآل يعقوب النبوة.\n(٢) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٤٦١).\n(٣) انظر: معالم التنزيل (٥/ ٢١٩).\n(٤) انظر: النكت والعيون (٣/ ٣٥٦).\n(٥) وفي ب: \"لم يسم بيحيى أحد قبله\"، بتأخير كلمة \"أحد\".\n(٦) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ١٧٦)، زاد المسير (٥/ ٢١١)، وهو قول مجاهد أيضًا.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٤٦٢).\n(٧) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ١٧٧)، والحَصور هو الذي لا يأتي النساء.\n(٨) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٥/ ٤٦١) عن ابن عباس ﵄، وانظر: المحرر الوجيز لابن عطية (٤/ ٦).\n(٩) انظر: غرائب التفسير (١/ ٦٨٨).\n(١٠) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٣١٩).","vol":"1","page":1331},{"text":"وقيل: لأن الله أحياه من بين ميتين في حكم الولادة (١).\nوقيل: لأنه أستُشْهِد والشهداء أحياء، وقيل: اشتق من يا حي، حكاه النقاش (٢).\nويحتمل أنه اسم أعجمي (٣) وهو الأظهر (٤)، فلما بشرته (٥) الملائكة به ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾ أي: من أين يكون لي الولد ﴿وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا﴾ لا تلد.\n﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (٨)﴾ نهاية أي: صرت قحل العظام يائسًا، تقول: عتا يعتوا عتوًا وعُتِيًا إذا بلغ في سن أو كفر وكذلك عسيًا (٦).\nالحسن: معناه: أصبت شدته (٧)، وإنما سأل بعد علمه بأن الله قادر على ذلك لما دخله من السرور فاستعجل معرفة كيفية ما بشر به قبل وقوعه، والسؤال وقع عن جائزين عنده،\nأحدهما: أن يعيده وامرأته شابين أم على هيئتهما.\nوالثاني: أن يقويه على المجامعة وامرأته على علوق الولد.\nوقيل: استعلام أمن زوجته العاقر أم ينكح غيرها! (٨).\n_________\n(١) حكاه في النكت والعيون (٣٥٦) عن مقاتل.\n(٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٤/ ٧٦).\n(٣) في أ: \"عجمي\" بدون الهمزة.\n(٤) انظر: البحر المحيط (٦/ ١٦٥).\n(٥) في ب \"فلما بشره\".\n(٦) عتا الشيخ عُتِيا وعَتِيا أسن وكبر وولى، والعتا العصيان، والعاتي الجبار، والشديد الدخول في الفساد المتمرد الذي لا يقبل موعظة، ومثله عسا يعسوا عُسوًا وعُسيًا.\nانظر: مختار الصحاح (١/ ١٧٣)، وانظر: لسان العرب (٩/ ٤٣).\nوعسيًا قراءة ابن مسعود وأبيّ ومجاهد.\nانظر: الكشاف (٤/ ٨).\n(٧) لم أقف عليه، والله أعلم.\n(٨) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٤٦٤).","vol":"1","page":1332},{"text":"﴿قَالَ كَذَلِكَ﴾ أي: الأمر كما قيل لك، وقيل: تقديره كما أنتما أي على الحال التي أنتما عليه، وقيل: تقديره: كذلك قال ربك، يعني: كما قيل لك.\n﴿قَالَ رَبُّكَ هُوَ﴾ أي: إعطاء الولد على هذه الحالة منكما.\n﴿عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ سهل.\n﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (٩)﴾ بل كنت معدومًا.\n﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آَيَةً﴾ أي: علامة أعرف بها حبل امرأتي، وهذا السؤال أيضًا لفرط فرحه بما بشر به.\n﴿قَالَ آَيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (١٠)﴾ أي: آية ذلك ألا تقدر (١) على مكالمة الناس من غير بُكم ولا خَرس ثلاث ليالي مع أيامها مستوي الأعضاء لا لمرض ولا خلل بك.\nوعن ابن عباس ﵄ \" ثلاث ليال متتابعات \" (٢) جعله وصفًا لثلاث.\nوقيل: ربا لسانه في فيه فلم يقدر على كلام ثلاثة أيام عقوبة على السؤال (٣)، وقد سبق في آل عمران (٤).\nابن بحر: تعبده الله بالسكوت (٥) عن جميع الأمور إلا عن التسبيح والتهليل؛ وقال: المراد بالآية الفرض كقوله ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [النور: ١] أي: فرائض (٦).\nوقيل: رأى في المنام أن بشر بالولد فسأل الله حقيقة الرؤيا (٧).\n_________\n(١) في ب: \"يقدر\".\n(٢) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٥/ ٤٧٠).\n(٣) قاله ابن زيد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٤٦٩).\n(٤) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٤٦٨).\n(٥) في ب: \"السكوت\"، بغير الباء.\n(٦) انظر: غرائب التفسير للكرماني (١/ ٦٨٨).\n(٧) انظر: النكت والعيون (٣/ ٣٥٨).","vol":"1","page":1333},{"text":"﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ﴾ من المصلى، وقيل: نزل من الغرفة، والمحراب أشرف موضع في البيت (١).\n﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ﴾ أومئ برأسه ويديه (٢)، وقيل: كتبه على الأرض، وكان إذا أراد أمرًا كتب لهم كتابًا (٣)، والوحي الكتابة.\n﴿أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (١١)﴾ قيل: صلوا (٤)، والسبحة الصلاة (٥)، وقيل: يريد به التسبيح والتهليل (٦)، والبُكْرَة: الغداة مشتقة من التقدم (٧).\nوالعشي مشتق من الظلمة (٨).\n_________\n(١) قيل هو مشتق من الحرْب كأن مُلازمه يحارب الشيطان والشهوات، وقيل: هو من الحرَب كأن ملازمه يَلقى منه حربًا ونصبًا وتعبًا، والمحراب: مُقَدَّم كل مجلس ومصلى، وهو سيد المجالس وأشرفها، وكذلك هو من المساجد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (٥/ ٣٥٨)، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١١/ ٨٥).\n(٢) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٤٧١).\n(٣) وهو قول مجاهد.\nانظر: المصدر السابق (١٥/ ٤٧٢).\n(٤) ذكره السيوطي في الدر المنثور (١٠/ ٢١) وعزاه لعبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة.\n(٥) \"الصلاة\"، ساقط من ب.\n(٦) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٤٧٢).\n(٧) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٥/ ٤٧٣) بسنده عن قتادة، وبين أنه يجوز في هذا الموضع أن يكون عنى به التسبيح الذي هو ذكر الله وأنه أمرهم بالفراغ لذكر الله في طرفي النهار بالتسبيح، ويجوز أن يكون عنى به الصلاة وأنه أمرهم بالصلاة في هذين الوقتين.\n(٨) العَشي هو ما بعد زوال الشمس وتحول الظل شرقيًا وتتحول الشمس غربية، وصلاتا العشي هما الظهر والعصر، وعُشوة الليل ظلمة أوله، والعشاء أول الظلام من الليل.\nانظر: لسان العرب (٩/ ٢٢٨)، مادة: عشى.","vol":"1","page":1334},{"text":"﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ﴾ يعني التوراة (١)، وقيل: ما كان يوحى إليه (٢).\n﴿بِقُوَّةٍ﴾ بجد وعزيمة يريد غاية ما تقوى عليه وتطيقه واحمل الناس على العمل بما فيه.\n﴿وَآَتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (١٢)﴾ أي: الحكمة كالقل والقلة.\nوقيل: الحكم: الفهم بكتاب الله (٣).\nوقيل: كان يقوم بالأحكام في حال طفولته (٤).\nالحسن: الحكم النبوة (٥).\nابن عباس ﵄: من قرأ القرآن قبل أن يحتلم فهو ممن أوتي الحكم صبيًا (٦).\n﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾ أي: رحمة من عندنا، وقيل: رحمة لأبويه، وقيل: تحية (٧).\nوالحنان: العطف والشفقة، يقال: حنانك يا ذا الحنان أي: ارحم يا رحيم وقد يثنى في الدعاء، قال الشاعر:\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . ... حَنَانَيْكَ بعضُ الشرِّ أَهْوَنُ من بعضِ (٨)\n_________\n(١) ونقل القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (١١/ ٨٦) الإجماع عليه.\n(٢) وحكى الماوردي في النكت والعيون (٣/ ٣٥٩) أنها صحف إبراهيم.\n(٣) في ب: \"كتاب الله\" بغير الباء.\nوهو قول مجاهد.\nانظر: الوسيط للواحدي (٢/ ١٧٨).\n(٤) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٤٧٤).\n(٥) انظر: النكت والعيون (٣/ ٣٦٠)، البحر المحيط لأبي حيان (٦/ ١٦٨).\n(٦) ذكره السيوطي في الدر المنثور (١٠/ ٢٣) وعزاه لابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان.\n(٧) انظر: غرائب التفسير (١/ ٦٨٩).\n(٨) هذا عجز بيت لطرفة بن العبد البكري، وصدره:\nأبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا ... حنانيك بعض الشر أهون من بعض.\nانظر: ديوان طرفة (٦٦)\nوفي حنانيك لأهل العربية أقوال: فقيل هو تثنية حنان، وقيل بل هي لغة كقولهم حواليك، وقيل هما لغتان والعرب تقول: حنانك يارب وحنانيك يارب بمعنى واحد تريد رحمتك.\n\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٤٧٨)، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١١/ ٨٧)","vol":"1","page":1335},{"text":"وروي عن ابن عباس ﵄: أنه قال: \" ما أدري ما الحنان \" (١).\nابن الأعرابي (٢)، عن المفضل بن محمد: حنانًا رزقًا (٣).\n﴿وَزَكَاةً﴾ طهارة وصلاحًا فلم يعمل بذنب.\nالكلبي: صدقة تصدق الله بها على أبويه (٤).\nوقيل: بركة ونماء (٥).\nابن عيسى: جعلناه زكاة لمن قبل منه أي: ذا طهارة (٦).\nونصب ﴿حَنَانًا﴾ و﴿وَزَكَاةً﴾ عطفًا على الحكم، وقيل: نصب على المفعول له.\n﴿وَكَانَ تَقِيًّا (١٣)﴾ مخلصًا مسلمًا مطيعا.\n﴿وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ﴾ أي: بارًا بهما لا يعصيهما.\nوالبِرُّ: الحب، وقيل: الإسراع إلى الطاعة والمبالغة في الخدمة؛ تقول: بررت والديَّ أبرهما (٧).\n﴿وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا﴾ قتالًا متكبرًا.\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٥/ ٤٧٨)، وذكره السيوطي في الدر (١٠/ ٢٣) وعزاه إلى عبد الرزاق، والفريابي، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، والحاكم والبيهقي في الأسماء والصفات.\n(٢) ابن الأعرابي، محمد بن زياد بن الأعرابي، من موالي بني هاشم، كان عالمًا باللغة والشعر، حافظًا لها نسابًا، صنف: النوادر، معاني الشعر، النبات، وغيرها، توفي سنة ثلاثين ومائتين.\nانظر: سير أعلام النبلاء (١٠/ ٦٨٧)، بغية الوعاة (١/ ١٠٥).\n(٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١١/ ٨٨).\n(٤) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٦/ ٢٠٨)، زاد المسير لابن الجوزي (٥/ ٢١٤)، البحر المحيط (٦/ ١٦٨).\n(٥) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٦/ ٢٠٨).\n(٦) انظر: الكشاف للزمخشري (٧/ ٥١٧) وعزاه للحسن، واختاره الزجاج في معاني القرآن (٣/ ٢٦٣).\n(٧) انظر: المفردات للراغب (١١٤)، مادة: بَرَّ.","vol":"1","page":1336},{"text":"الكلبي: الجبار الذي يضرب ويقتل على الغضب (١).\n﴿عَصِيًّا (١٤)﴾ عاصيًا لربه.\n﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ﴾ أي: سلام له منا حين ولد.\nابن جرير: الأمان من الله له يوم ولد من أن يناله الشيطان بما ينال به بني آدم، وأمان له من فتّاني القبر وأمان له منه الفزع الأكبر (٢).\nابن عيينة (٣): أوحش ما يكون المرء في ثلاثة مواطن: يوم ولد فيرى نفسه خارجًا مما كان فيه، ويوم يموت فيرى قومًا لم يكن عاينهم، ويوم القيامة فيرى نفسه في هول عظيم، فأكرم الله ﷿ يحي فيها وخصه (٤).\nوذكر المفسرون أن يحي وعيسى ﵉ التقيا فقال يحي لعيسى: استغفر لي فأنت خير مني، وقال عيسى: ليحي استغفر لي فأنت خير مني أنا سلمت على نفسي وسلم عليك الله ولا يعرف فضل ذلك إلا الله (٥).\n﴿يَوْمَ وُلِدَ﴾ من أمه واسمها أيلشفع، حكاه النقاش (٦).\n﴿وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (١٥)﴾ في الآخرة.\n﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ﴾ في القرآن، وقيل: من القرآن (٧).\n_________\n(١) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٦/ ٢٠٨)، زاد المسير ٤/ ١٢١)، وحكاه الواحدي في الوسيط (٣/ ١٧٩) عن ابن عباس، ﵄. .\n(٢) انظر: جامع البيان جامع البيان (١٥/ ٤٨١).\n(٣) ابن عيينة، سفيان بن عيينة بن أبي عمران، أبو محمد الهلالي، مولاهم الكوفي، كان من أعلم الناس بحديث الحجاز، كان عالمًا بالتفسير، والسنة، عابدًا، زاهدًا، مات سنة ثمان وتسعين ومائة.\nانظر: معرفة الثقات للعجلي (١/ ٤١٧)، سير أعلام النبلاء (٨/ ٤٥٤).\n(٤) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٤٨٢)، زاد المسير (٥/ ٢١٥).\n(٥) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٤٨٢).\n(٦) لم أقف عليه، والله أعلم.\n(٧) والأكثر على القول الأول.","vol":"1","page":1337},{"text":"﴿مَرْيَمَ﴾ قصتها وقصة ابنها عيسى ﵇، ومريم اسم عجمي، وقيل: عربي (١) قال الشاعر:\nقلت لزير لم تصله مريمه ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . (٢)\nوهي التي تغازل الرجال.\n﴿إِذِ انْتَبَذَتْ﴾ تباعدت وقعدت نُبْذَة أي: متباعدة لازم نبذ وهو الطرح.\n﴿مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (١٦)﴾ تقابل المشرق تستدفئ بالشمس.\nوقيل: مشرقة دارها (٣).\nقتادة: شرقيًا شاسعًا بعيدًا (٤).\nقيل: ومن ثم اتخذ النصارى المشرق قبلة لأنه ميلاد عيسى (٥).\n﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا﴾ قيل: استترت (٦)، بجبل (٧).\nوقيل: بجدران (٨).\nوقيل: جعلت بينها وبين أهلها حجابًا يسترها لتغتسل وراءه (٩).\n_________\n(١) مريم اسم عجمي.\nانظر: المفردات للراغب (٧٦٦)، مادة: مريم.\n(٢) البيت لرؤبة بن العجاج في ديوانه (١٤٩) في قصيدة يمدح فيها أبا العباس السفاح، وتمامه:\nقلت لزير لم تصله مريمه ... ضِلِّيل أهواء الصبا يُنْدمه.\nوالزِّيرُ من الرجال الذي يحب محادثة النساء ومجالستهن، سمي بذلك لكثرة زيارته لهن.\nانظر لسان العرب (٦/ ١١٢)، مادة: زير، المزهر للسيوطي (١/ ٨٤).\n(٣) قاله عطية.\nانظر: النكت والعيون (٣/ ٣٦١).\n(٤) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٥/ ٤٨٤) وذكره السيوطي في الدر المنثور (١٠/ ٣٩) وعزاه إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أي حاتم.\n(٥) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٥/ ٤٨٤) عن ابن عباس ﵄.\n(٦) في ب: \"استقرت\"، ولعل الصواب هو المثبت.\n(٧) قاله مقاتل.\nانظر: معالم التنزيل (٥/ ٢٢٣).\n(٨) قاله السدي.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٤٨٥).\n(٩) قاله عطاء، وعكرمة.\nانظر: الوسيط للواحدي (٣/ ١٧٩).","vol":"1","page":1338},{"text":"قتادة: اتخذت قبل المشرق مسجدًا فتوارت منهم واعتزلت لعبادة ربها (١).\n﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾ جبريل، وأضافه إليه سبحانه تشريفًا له، وقرأ أبو حيوة (٢) (رَوَّحْنَا) بالتشديد، وفسره ابن مهران (٣) أنه اسم جبريل (٤).\n﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (١٧)﴾ أي: تشبه وظهر لها في صورة رجل معتدل القامة والخلقة. وقيل: مساويًا لخلقة أشخاص البشر (٥).\nقال: أبي بن كعب ﵁: \" لما أخذ الله من آدم ذريته كانت روح عيسى ﵇ من تلك الأرواح التي أخذ ميثاقها، فأرسلها الله إلى مريم في صورة بشر فتمثل لها فحملت الذي خاطبها وهو روح عيسى ﵇ \" (٦).\n_________\n(١) أنظر المحرر الوجيز لابن عطية (٤/ ٩).\n(٢) رجاء حيوة بن جرول، أبو نصر الكندي الأزدي، من أفاضل التابعين، شيخ أهل الشام، وكبير الدولة الأموية، روى عن بعض الصحابة، كان فقيهًا، عالمًا بالقرآن والتفسير، توفي سنة اثنتي عشرة ومائة.\nانظر: تذكرة الحفاظ (١/ ١١٨)، سير أعلام النبلاء (٤/ ٥٥٧).\nوهذه قراءة شاذة.\nانظر: الكشاف للزمخشري (٤/ ١١)، المحرر الوجيز لابن عطية (٤/ ٩).\n(٣) أبو بكر، أحمد بن الحسين بن مهران، الأصبهاني الأصل، كان إمام عصره في القراءات، صنف: الغاية في القراءات، توفي سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة.\nانظر: معرفة القراء الكبار (١/ ٣٤٧)، سير أعلام النبلاء (١٦/ ٤٠٦).\n(٤) انظر: غرائب التفسير (١/ ٦٩٠)، وهو خلاف ما عليه جمهور المفسرين.\n(٥) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٤٨٦).\n(٦) أورد نحوه السيوطي في الدر المنثور (١٠/ ٤٩) وعزاه إلى ابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات، وذكره الزجاج في معاني القرآن (٣/ ٢٦٤).\n\nقال عنه ابن كثير في تفسيره (٣/ ١٢١) \" هذا في غاية الغرابة والنكارة وكأنه إسرائيلي \".\nولأنه معارض بالآية بعدها (فتمثل لها بشرًا سويًا)، والجمهور على أن المراد به هنا جبريل ﵇.\nوانظر: زاد المسير لابن الجوزي (٥/ ٢١٦، ٢١٧).","vol":"1","page":1339},{"text":"﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ﴾ لما رأت جبريل في صورة شاب خُيِّلَ إليها أنه طالب فساد، فاستعاذت، أي: ألتجئ إلى الله وأسأله أن يعيذني مما أخاف من جهتك.\n﴿إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨)﴾ أي: مسلمًا مطيعًا لله، وجزاء الشرط محذوف تقديره: فاخرج عني.\nالزجاج: فستتعظ بتعويذي بالله منك (١).\nوقيل: فلا تتعرض لي.\nوقيل: ﴿إِنْ﴾ بمعنى (ما) أي: ما كنت تقيًا بدخولك علي ونظرك إلي.\nوقيل: إن (٢) ﴿تَقِيًّا﴾ أسم رجل كان من أمثل الناس في ذلك الزمان فقالت: إن كنت في الصلاح مثل التقي فإني أعوذ بالرحمن منك، كيف يكون رجل أجنبي وامرأة أجنبية في حجاب واحد، حكاه الثعلبي (٣).\nوقيل: إن تقيًا اسم رجل كان يتعرض للنساء وكانت سمعت مريم بقصته وفساده (٤).\nوقيل: إن ﴿تَقِيًّا﴾ تَرِبٌ (٥) لها يقال له يوسف من خَدَمِ بيت المقدس أتاها جبريل على صورته فظنت أن الشيطان استزله فتعرض لمريم فقالت: إن كنت من أظنه فإني أعوذ بالرحمن منك، حكاه ابنِ مهرَيزُد (٦)، (٧).\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن للزجاج (٣/ ٢٦٤).\n(٢) في أ: \"إن كنت تقيا\".\n(٣) أنظر: الكشف والبيان الثعلبي (٦/ ٢١٠)، وحكاه الماوردي في النكت والعيون (٣/ ٣٦٣) عن ابن عباس، ﵄.\n(٤) وهو محكي عن وهب بن منبه ومكي بن أبي طالب وهو ضعيف.\nانظر: غرائب التفسير (١/ ٦٩٠)، المحرر الوجيز (٤/ ٩).\n(٥) أي: ابن عم لها.\n(٦) ابن مهربزذ، محمد بن علي بن محمد بن الحسين بن مهرايزد، النحوي، الأصبهاني الأديب، أبو مسلم، كان غاليًا في الاعتزال، عارفًا بالنحو، صنف تفسيرًا كبيرًا، توفي سنة تسع وخمسين وأربعمائة.\nانظر: بغية الوعاة للسيوطي (١/ ١٨٨)، طبقات المفسرين للداوودي (٢/ ٢١٣).\n(٧) انظر: غرائب التفسير (١/ ٦٩١).","vol":"1","page":1340},{"text":"﴿قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (١٩)﴾ أجابها جبريل فقال: لست الذي تخافينه إنما أنا رسول من الله إليك ليهب ربك وقرئ (لأَهَبَ) (١).\nوله ثلاثة أوجه:\nأحدها (٢): أنه أسند إلى السبب والواهب هو الله سبحانه، أي: أنفخ في جيبك فيخلق الله من النفخة في بطنك غلامًا زكيًا (٣).\nوقيل: معناه أرسلني بهبته إليك.\nوقيل: تقديره: إنما أنا رسول ربك قال ربك لأهب، وإضمار القول كثير (٤).\nو﴿غُلَامًا زَكِيًّا﴾ طاهرًا من الذنوب، وقيل: ناميًا على الخير (٥).\n﴿قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾ أي: كيف ومن أين؟ .\n﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ لم يباشرني زوج بالنكاح.\n﴿وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٢٠)﴾ فاجرة تتعاطى (٦) الزنا، والولد يكون من أحد هذين، وفي حذف الهاء ثلاثة أقوال:\nأحدها: أن وزنه فعول، وفعول يستوي فيه المذكر والمؤنث.\nوالثاني: أن لفظ البغي خاص في النساء فصار كالحائض والطالق وإنما يقال للرجل باغٍ.\nوالثالث: فعيل بمعنى مفعول كعين كحيل ولحْيَةٍ دَهِين. وقيل: شذ كأخواته من قوله\n_________\n(١) قرأ الجمهور: (لأهب)، وقرأ أبو عمرو: (ليهب)، أي: إنما أن رسول ربك أرسلني إليك ليهب الله لك غلامًا زكيًا.\nأنظر: الحجة لابن خالويه (٢٣٦)، التيسير للداني (٢/ ٣١٧).\n(٢) في ب: \"أحدهما\"، والصواب هو المثبت.\n(٣) وهذا على قراءة (لأهب) بالهمز.\nانظر: الكشف لمكي بن أبي طالب (٢/ ٨٦).\n(٤) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ١٧٩).\n(٥) من معنى الزكاة في اللغة وهو الزيادة والنمو.\n(٦) في ب: \"بتعاطي\" بالباء.","vol":"1","page":1341},{"text":"﴿وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨] و﴿إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦] و﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ [ق: ٢٧]. وحذف النون من (أك) تخفيفًا، وقد سبق.\n﴿قَالَ﴾ أي: جبريل.\n﴿كَذَلِكِ﴾ أي: الأمر كما قلت لم يمسسك رجل لا بالنكاح ولا بالسِّفَاح، وقيل: كذلك (١).\n﴿قَالَ رَبُّكِ﴾ أي: هكذا قال ربك، ويحتمل أن يكون معنى (كذلك) أي: كما أنت يكون (٢) لك الولد من غير مسيس بشر.\n﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ أي: إعطاء الولد من غير أب علي سهل.\n﴿وَلِنَجْعَلَهُ آَيَةً لِلنَّاسِ﴾ أي: الولد من غير مسيس آية للناس علامة على قدرتنا وتفضيلًا لكِ على سائر النساء.\n﴿وَرَحْمَةً مِنَّا﴾ نعمة منا على الخلق يهتدون به.\n﴿وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا (٢١)﴾ تقدم قضاء الله وحكمه به، وقيل: مقضيًا في اللوح المحفوظ (٣).\nقوله ﴿وَلِنَجْعَلَهُ﴾ عطف على قوله (ليهب)، ومذهب أبي حاتم (٤)، والمبرد\nأنه الاستئناف، واللام لام القسم كُسِرَ لما لم يصحبه النون، ويحتمل ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آَيَةً لِلنَّاسِ﴾ فعلنا ما فعلنا (٥).\n_________\n(١) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٤٨٩).\n(٢) في ب: \"تكون\" بالتاء.\n(٣) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٤٨٩)، الكشف والبيان للثعلبي (٦/ ٢١٠).\n(٤) أبو حاتم، سهل بن محمد بن عثمان السجستاني، إمام البصرة في علوم القرآن، والنحو، واللغة، كان جمَّاعًا للكتب يتجر فيها، صنف: إعراب القرآن، والمقصور والممدود، وكتاب الأضداد، والقراءات، وغيرها، توفي سنة ثمان وأربعين ومائتين.\nانظر: معرفة القراء الكبار (١/ ٢١٩)، طبقات المفسرين للداوودي (١/ ٢١٦).\n(٥) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٦٩١).","vol":"1","page":1342},{"text":"﴿* فَحَمَلَتْهُ﴾ أي: دنا جبريل منها فنفخ في جيب (١) درعها فدخلت النفخة في جوفها فحملت كما تحمل النساء (٢).\nوقيل: نفخ جبريل من بعيد فوصلت الريح إليها (٣).\nأبي بن كعب قال: \" دخل الروح في (٤) فيها فدخل بطنها وولدته \" (٥).\nقال ابن عباس ﵄: \" ما هو إلا أن حملت فوضعت \" (٦).\nوقيل: بقي ساعة (٧).\nمقاتل بن سليمان: حملته في ساعة، وصور في ساعة، ووضعته في ساعة حين زالت الشمس من يومها وهي بنت عشر سنين (٨).\nوقيل: ثلاث عشرة وقد كانت حاضت حيضتين قبل أن تحمل بعيسى (٩).\nوقيل: لم تكن حاضت بعد، حكاه محمد بن الهيصم (١٠).\nوقيل: ولدت لثمانية أشهر وما عاش مولود ولد لثمانية أشهر غير عيسى ﵇ (١١).\nوقيل: ولد لتسعة أشهر (١٢).\n_________\n(١) في ب: \"فنفخ في درعها\".\n(٢) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٤٩٠).\n(٣) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٦/ ٢١٠).\n(٤) في ب: \"دخل الروح فيها\".\n(٥) ذكره السيوطي في الدر المنثور (١٠/ ٤٩) وعزاه لابن أبي حاتم والحاكم والبيهقي وابن عساكر، قال عنه ابن كثير في تفسيره (٣/ ١٢١): \" وهذا في غاية الغرابة والنكارة وكأنه إسرائيلي \".\n(٦) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٥/ ٤٧٩).\n(٧) قاله ابن عباس، ﵄.\nانظر: معالم التنزيل (٥/ ٢٢٤).\n(٨) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٣٢١)، معالم التنزيل (٥/ ٢٢٥)، زاد المسير (٥/ ٢١٩).\n(٩) انظر: معالم التنزيل (٥/ ٢٢٥).\n(١٠) انظر: غرائب التفسير (١/ ٦٩٢).\n(١١) قاله الزجاج في معاني القرآن (٣/ ٢٦٥)، وانظر: النكت والعيون (٣/ ٣٦٢).\n(١٢) قاله الكلبي.\nانظر: النكت والعيون (٣/ ٣٦٢).","vol":"1","page":1343},{"text":"وقيل: لستة أشهر، ومكث مع أمه ثلاثًا وثلاثين سنة، وعاشت أمه بعد رفعه إلى السماء ست سنين، وماتت ولها اثنتان وخمسون سنة (١).\n﴿فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (٢٢)﴾ أي: تباعدت وهي حامل بعيسى مكانًا بعيدًا، والقصي والقاصي البعيد.\nوقيل: المكان القصي أول أراضي مصر وآخر بلاد الشام (٢).\nوهب: كانت بإيليا (٣)، (٤).\nوقيل: بقرية يقال لها بيت لحم (٥) على ستة أميال من إيليا (٦).\n﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ ألجأها، تقول: العرب جاءه وأجاءه غيره (٧)،\n_________\n(١) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٦/ ٢١٠)، الكشاف (٤/ ١٢)، زاد المسير (٥/ ٢١٨، ٢١٩).\nقال ابن كثير في تفسيره (٣/ ١٢٢): \"والمشهور عند الجمهور أنها حملت به تسعة أشهر كما تحمل النساء بأولادهن\".\n(٢) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٥/ ٤٩٤) عن وهب بن منبه.\n(٣) إيليا: تنطق بالقصر وبالمد، وهي مدينة بيت المقدس، قيل: معناها: بيت الله.\nانظر: معجم البلدان (١/ ٢١٧).\n(٤) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٥/ ١٩٧).\n(٥) بيت لحم: بالفتح وسكون الحاء المهملة، وبعضهم ينطقها بالخاء، وهي بلدة قرب بيت المقدس، وبها ولد عيسى ﵇.\nانظر: معجم البلدان (١/ ٥٢١).\n(٦) وهو قول ابن عباس، ﵄.\nانظر: الوسيط للواحدي (٣/ ١٨٠).\n(٧) المجيء: الإتيان، جاء جيئًا ومجيئًا، وجاء يجيء جيئةً، وأجأته أي: جئت به، وأجاءه إلى الشيء: جاء به وألجئه واضطره إليه.\n\nانظر: لسان العرب (٢/ ٤٣١)، مادة: جاء.","vol":"1","page":1344},{"text":"وفي المثل: شر ما أجاك إلى مُخَّةِ (١) عُرْقُوب (٢).\nوقرئ في الشواذ ﴿فَأَجَاءَهَا﴾ أي: أتاها بغتة (٣).\nوالمخاض: اشتداد وجع الولادة، وجذع النخلة ما بين الأرض ومتشعب الأغصان، ويقال للغصن أيضًا الجذع، وأكثر المفسرين على أنه كان جذعًا لم يكن على رأسه سعف (٤).\nوقيل: كان جذعًا يابسًا قد جيئ به ليبتني به بناءً في بيت لحم فصارت (٥) إلى النخلة لتتفيأ بها (٦).\nابن جرير: لما وجدت من المخاض شدة إلتجأت إلى النخلة فاحتضنتها على عادة النساء واحتوشتها الملائكة محدقين بها صفوفًا (٧).\n﴿قَالَتْ يَا لَيْتَنِي﴾ أي: قالت في تلك الحالة يا ليتني.\n﴿مِتُّ قَبْلَ هَذَا﴾ تمنت الموت استحياءً من الناس.\nابن عباس ﵄: إن كرب البلاء أنساها بشارة الملائكة (٨).\nوقيل: علمت أن الناس يقولون فيها وفي ابنها ما يصيرون بذلك كفارًا فتمنت الموت لا أنها (٩) لم ترض بقضاء الله تعالى (١٠).\n_________\n(١) في: ب: \"مخمة\"، وهو تصحيف.\n(٢) يضرب هذا المثل للمضطر جدًا وذلك أن العَرْقُوب لا مخ فيه وإنما يُحَوَجُ إليه من لا يقدر على شيء.\nأنظر: فصل المقال في شرح كتاب الأمثال لأبي عبيد البكري (١/ ٤٣٥)، جمهرة الأمثال لأبي هلال العسكري (١/ ٥٤٩).\n(٣) انظر: المحتسب لابن جني (٢/ ٣٩)، شواذ القراءات للكرماني (٢٩٨).\n(٤) أنظر الكشاف (٤/ ١٣).\n(٥) في ب: \"صارت\" بغير الفاء.\n(٦) أنظر الدر المنثور (١٠/ ٥٢).\n(٧) أنظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٤٩٦).\n(٨) ذكره ابن جرير في جامع البيان (١٥/ ٥٢٠) عن وهب بن منبه.\n(٩) في ب: \"لأنها\" والصواب هو المثبت.\n(١٠) حكاه في النكت والعيون (٣/ ٣٦٤).","vol":"1","page":1345},{"text":"﴿وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (٢٣)﴾ قرئ بالفتح والكسر ومعناهما واحد وهو الشيئ الذي ينسى وما إذا ذكر لم يطلب (١).\nوقيل: حيضة ملقاة (٢)، وهي خرقة الحيض.\nوقيل: النسي المصدر والنسئ الشيئ المنسي (٣).\nالسدي: أي نسي ذكري وأثري فلا يُرى ولا يُسمع لي أثر (٤).\n﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا﴾ قيل: جبريل، وقيل: عيسى (٥)؛ وكذلك من قرأ بالكسر فإن جعلت الكناية عن مريم فعيسى أليق بالمعنى لأن جبريل ينادي من فوق.\nوقيل: من تحتها من بطنها بالقبطية، حكاه النقاش (٦).\nوإن جعلت الكناية عن النخلة أو عن البقعة تحتها بمعنى بين يديها أو دونها فجبريل أليق بالمعنى (٧).\n﴿أَلَّا تَحْزَنِي﴾ و(٨) لا تتمني الموت (٩).\n_________\n(١) قرأ حمزة وحفص بفتح النون، وقرأ الباقون بكسرها.\nانظر: النشر لابن الجزري (٢/ ٣١٨).\n(٢) قاله عكرمة ومجاهد.\nأنظر الوسيط للواحدي (٣/ ١٨٠).\n(٣) انظر: معاني القرآن للفراء (٢/ ١٦٥).\n(٤) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٤٩٩).\n(٥) حكاهما ابن جرير في جامع البيان (١٥/ ٥٠٠).\n(٦) انظر: غرائب التفسير (١/ ٦٩٢)، وهو ضعيف.\n(٧) قراءة نافع وحمزة والكسائي وحفص بكسر الميم وخفض التاء والمنادي جبريل، وقرأ الباقون بفتح الميم ونصب التاء وهو عيسى ﵇.\nانظر النشر لابن الجزري (٢/ ٣١٨).\nواختار ابن جرير أن الذي ناداها هو ابنها عيسى ﵇ وذلك أن ذكره في الآية أقرب من ذكر جبريل.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٥٠٥).\n(٨) في أ: \"لا تتمني الموت\"، بغير الواو.\n(٩) في ب: \"لا تتمني\".","vol":"1","page":1346},{"text":"﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤)﴾ الجمهور على أنه النهر الصغير، وذهب الحسن في جماعة إلى أن السري هو الرجل الكريم وهو عيسى ﵇ (١)، ومن حمله على النهر فقوله ﴿تَحْتَكِ﴾ يريد بين يديك ودونك كما تقول: جلس تحته أي: دونه، وذلك أنها عطشت عند الولادة فأنبع الله عندها عين ماء.\nوقيل: ساق إليها نهرًا من أردن كان قد يَبِسَ (٢).\n﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥)﴾ فهزته وليس له رأس ولا ثمر فجعل الله له رأسًا وخوصًا.\nو﴿رُطَبًا﴾ قيل: هي البُرْنِي (٣)، وهو أشبع التمر (٤).\nوقيل: عجوة (٥)، (٦).\n_________\n(١) وهو قول البراء بن عازب، وابن عباس، ﵄، ومجاهد، وسعيد بن جبير.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٥٠٦)، زاد المسير (٥/ ٢٢٢).\n(٢) انظر: معالم التنزيل (٥/ ٢٢٦).\n(٣) التمر البُرْنِي من أجود أنواع التمر، وهو أحمر اللون مشرب بصفرة، كثير اللحاء، عذب الحلاوة.\nانظر: العين للخليل بن أحمد (٨/ ٢٧٠).\n(٤) حكاه في النكت والعيون (٣/ ٣٦٧).\n(٥) قاله مجاهد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٥١٢)، النكت والعيون (٣/ ٣٦٧).\n(٦) وهو أجود تمر المدينة، لونه يضرب إلى السواد، ونخلتها تسمى لينة، وقد ورد في السنة الحث على أكله وأنه دواء؛ فقد أخرج البخاري في صحيحه (ك: الأطعمة، باب: العجوة، ح: ٥٤٤٥) من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \" من تَصَبّح بسبع تمرات عجوة لم يضره في ذلك اليوم سم ولا سِحر \".","vol":"1","page":1347},{"text":"وقيل صرفانة (١)، (٢).\nوقيل: الجَنيّ: ما يرطب من البسر (٣).\nوقيل: المُذَنَّب (٤)، وقيل: جنيًا بغباره (٥).\nوالجَنِيُّ فعيل من جنيت بمعنى مفعول أي مجني، وذهب جماعة إلى أنه كان من رطب الجنة.\nوقيل: معناه كأنه جني أي: لم يغيره السقوط (٦).\nوقوله ﴿بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ في الباء ثلاثة أقوال:\nأبو علي: الباء زيادة، أي: هزي جذع النخلة (٧).\nالفراء: يقال هزه وهز به وأخذه وأخذ به وتعلقه وتعلق به (٨).\nالمبرد: الباء حال من الرطب أي: هزي رطبًا بجذع النخلة (٩)، ويحتمل أن يكون جذع النخلة غير النخلة التي صار لها رأس وخوص ورطب بل كان خشبًا ملقى: أي، هزي بهذه الخشبة رطبًا، فيكون الباء للآلة كما تقول: كتبت بالقلم، والله أعلم.\nو﴿رُطَبًا﴾ ينصب من أربعة أوجه: (١٠)\nأحدها: أن يكون مفعولًا به لهزي.\nوالثاني: أن يكون مفعولًا به لـ ﴿تُسَاقِطْ﴾ بالتاء والياء (١١) الياء للجذع أو الهز والتاء للنخلة وتفاعل قد جاء متعديًا، قال الشاعر:\n_________\n(١) حكاه في النكت والعيون (٣/ ٣٦٧) عن أبي داود.\n(٢) الصرفانة نوع من التمر، واحدته صرفانة، وهي تمرة حمراء مثل البرنية إلا أنها صلبة المضغ، وهي من أرزن التمر.\nانظر: لسان العرب (٧/ ٣٣١)، مادة: صرف.\n(٣) قاله مقاتل.\nانظر: النكت والعيون (٣/ ٣٦٧).\n(٤) حكاه في النكت (٣/ ٣٦٧).\n(٥) حكاه في النكت والعيون (٣/ ٣٦٧).\n(٦) حكاه في النكت والعيون (٣/ ٣٦٧) عن أبي عمرو بن العلاء.\n(٧) انظر: الحجة للقراء السبعة (٥/ ٢٠٠).\n(٨) انظر معاني القرآن للفراء (٢/ ١٦٥).\n(٩) انظر: معاني القرآن للزجاج (٣/ ٢٦٦).\n(١٠) في أ: \"بأربعة أوجه\".\n(١١) في ب: بالياء والتاء، بالتقديم والتأخير.","vol":"1","page":1348},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... لعوبٌ (١) تناساني (٢) إذا قمت سربالي (٣).\nوالتفاعل الذي جاء متعديًا في القرآن: قوله ﴿يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ [يونس: ٤٥] أي يعرف بعضهم بعضًا (٤).\nوالثالث: أن يكون بمنزلة تفقأت الدابة شحمًا.\nوالرابع: أن يكون حالًا أي: تَسَّاقَط الثمرة في هذه الحالة.\n﴿فَكُلِي﴾ من الرطب.\n﴿وَاشْرَبِي﴾ من ماء السَّرِي فيمن جعله نهرًا.\n﴿وَقَرِّي عَيْنًا﴾ بالولد، وفيه قولان:\nأحدهما: من القَرّ وهو البرد، والقَرَوُر الماء البارد، ودمعة السرور باردة ودمعة الحزن حارة ولهذا قيل: لضدها سخنة العين، والفعل قرِرت بالكسر أَقَر بالفتح.\nوالثاني: من القرار، أي: صادفت العين ما ترضاه فقرت وسكنت من النظر إلى غيره، وقيل: صادفت سرورًا فذهب سهرها فنامت وقرت والفعل منه بالفتح والكسر\nو﴿عَيْنًا﴾ نصب على التمييز.\n﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ أي: إذا رأيت آدميًا وسألك عن حالك فقولي له إني نذرت للرحمن سكوتًا.\nوقيل: صمتًا (٥).\nوقيل: كانوا يصومون عن الكلام كما يصومون عن الطعام والشراب (٦).\n_________\n(١) في ب: \"لغوب\" بالمعجمة وهو تصحيف.\n(٢) الصواب \"تنسيني\".\n(٣) هذا عجز بيت لامرئ القيس، وأوله:\nومثلك بيضاء العوارض طفلة ... لعوبٍ تنسيني إذا قمت سربالي.\nانظر: ديوان امرئ القيس (٣٠).\n(٤) من \"والتفاعل\" إلى \"بعضهم بعضًا\" ساقط من ب.\n(٥) قاله أنس بن مالك، وابن عباس، ﵄.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٥١٧، ٥١٦).\n(٦) قاله قتادة.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٥١٧).","vol":"1","page":1349},{"text":"وقيل: قيامًا في الصلاة، أي: لا تجيبيه وأَحيليه بالجواب عليّ فيمن جعل هذا الكلام من عيسى (١).\n﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦)﴾ آدميًا بعد أن أخبرت بنذري وصومي بل أشتغل بالعبادة لله والدعاء إليه (٢).\n﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ﴾ أي: فلما فرغت من الولادة أقبلت نحوهم حاملة إياه.\nوقيل: بعد أربعين يومًا حين طهرت من النفاس (٣).\n﴿قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (٢٧)﴾ أي منكرًا عظيمًا ابن لا يُعْرَفُ له أب، والفَرْي القطع للإصلاح.\nقال الشاعر:\nولأنت تفري ما خلقت وبعـ ... ض القوم يخلق ثم لا يَفْرِي (٤)\nوالفَرِيّ: العظيم من الأمر يستعمل في الخير والشر، قال النبي ﷺ في عمر ﵁ \"فلم أر عَبقريًا يَفْرِي فَرِيّه\" (٥).\n﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾ فيه أقوال:\nأحدها: كانت من قبيلة ينسب إلى هارون أخي موسى كما تقول: يا أخا تميم إذا كان من صلبهم. والثاني: أن هارون هذا رجل زاهد، جاء في التفسير أنه يوم مات تبع جنازته أربعون ألفًا من بني إسرائيل كلهم يسمون هارون فخاطبوها بذلك استهزاءً.\nوالثالث: أن هارون رجل فاسق فشتموها بأنك مثله.\n_________\n(١) حكاه ابن جرير في جامع البيان (١٥/ ٥١٨) عن ابن وهب.\n(٢) في أ: \"والدعاء له\".\n(٣) قاله الكلبي.\nانظر: الوسيط للواحدي (١٨٢).\n(٤) البيت لزهير بن أبي سلمى في: ديوانه (١١٥).\n(٥) أخرجه البخاري (ك: فضائل الصحابة، باب: مناقب عمر بن الخطاب، ح: ٣٦٨٢).\nوالفري قطع الجلد للخرز والإصلاح، والإفراء للإفساد، والافتراء فيهما، واستعمل في القرآن في الكذب والشرك والظلم.\nأنظر: مفردات الراغب (٦٣٤)، مادة: فرى.","vol":"1","page":1350},{"text":"والرابع: أنها أخت هارون أخي موسى، وفيه بُعد لأن بينهما ستمائة سنة، وقيل: ألف سنة، وفي الحديث أن عائشة ﵂ قرأت ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾ فقال لها كعب: \"إن كنتِ سمعت رسول الله ﷺ فهو أعلم وإلا فإني أجد بينهما عشرين أبًا\" (١).\n﴿مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ﴾ أي: طالح (٢): تقول رجل سوء، و(٣) ضده رجل صدق أي: صالح وهذه إضافة تخصيص.\n﴿وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨)﴾ فاجرة، والبَغِيّ طالبة للشهوة من أي رجل كان.\n﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ إلى عيسى بأن يجعلوا الكلام معه فتعجبوا من ذلك؛ وذلك أن عيسى ﵇ قد قال لها: لا تحزني وأحيلي بالجواب علي، وقيل: أمرها جبريل بذلك (٤).\n﴿قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩)﴾ رضيعًا في المهد، والمهد: سرير الصبي (٥).\nقتادة: المهد: الحِجْر (٦)، وكل موطئ مهد، وفي ﴿كَانَ﴾ هاهنا أقوال:\nأحدها: أنه صلة زائدة.\nوالثاني: أنه بمعنى وقع، و﴿صَبِيًّا﴾ حال والعامل فيه ﴿كَانَ﴾، وقيل: العامل فيه\n(قال) بعده.\nوالثالث: أن ﴿مَنْ﴾ للشرط فيصير ﴿كَانَ﴾ بمعنى الاستقبال، أي: من يكن في المهد كيف نكلم (٧).\nوالرابع: بمعنى صار، أي: صار في المهد.\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٥/ ٥٢٣)، قال ابن كثير في تفسيره (٣/ ١٢٦) \"وفي هذا التاريخ نظر\"\n(٢) في ب: \"صالح\".\n(٣) في ب: \"ضده\"، بغير الواو.\n(٤) انظر: النكت والعيون (٣/ ٣٦٩).\n(٥) المهد: ما يهيئ للصبي، والمهد والمهاد المكان المُمَهّد المُوطَّأ.\nانظر مفردات الراغب (٧٨٠)، مادة: مهد.\n(٦) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٥٢٧).\n(٧) في أ: \"يكلم\" بالياء.","vol":"1","page":1351},{"text":"﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ جاء في التفسير أنه أخرج أصبعه السبابة فقال بصوت رفيع سمعه الحاضرون: إني عبد الله.\n﴿آَتَانِيَ الْكِتَابَ﴾ الإنجيل أي: علمنيه وأنزله عليّ.\n﴿وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠)﴾ أي: رسولًا، ذهب بعضهم إلى أن هذا هو إخبار بما يكون له في وقته وأن هذا كان إبراءً لأمه مما قُذفت به، وعند بعضهم أن الله جعله بالغًا عاقلًا كما خلق آدم، وكان نبيًا مكلفًا مبعوثًا إلى الناس في ذلك الوقت وإن كان ظاهر جسمه كجسم الأطفال، وإليه ذهب الحسن (١).\n﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾ أي: آمرًا بالمعروف وناهيًا عن المنكر.\nوقيل: مباركًا على الناس في دينهم يتعلمون مني (٢).\nوقيل: ﴿مُبَارَكًا﴾ مُعَلِّمَ الخير (٣).\nوقيل: ثابتًا على دين الله، وأصل البركة الثبات (٤).\nوقيل: نَفَّاعًا (٥).\nويحتمل أن قوله ﴿مُبَارَكًا﴾ نفي لما جرت عادة الناس به من التشاؤم من الشيئ يقع على خلاف مجرى العادة (٦)، والله أعلم.\n﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١)﴾ أي: أوصاني بأن أصلي وأُخْرِج زكاة مالي إذا ملكته، وقيل: صدقة الفطر (٧).\n_________\n(١) انظر: الكشاف للزمخشري (٤/ ١٨).\n(٢) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٦/ ٢١٥).\n(٣) قاله سفيان بن عيينة.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٥٣١).\n(٤) انظر: غرائب التفسير (١/ ٦٩٦).\n(٥) قاله مجاهد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٥٣٠).\n(٦) في ب: \"العبادة\"، وهو تصحيف، وانظر: غرائب التفسير (١/ ٦٩٦).\n(٧) وهو بعيد، والله أعلم.","vol":"1","page":1352},{"text":"وقيل: الزكاة تطهير البدن من دنس الذنوب أي: أمرت بالطاعة واجتناب المعاصي مدة عمري (١)، ويحتمل أوصاني بأن آمركم بالصلاة والزكاة فإني نبي، والله أعلم (٢).\n\n﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي﴾ أي: بارًا بها أكرمها وأعظمها.\n﴿وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢)﴾ أي: متكبرًا على الله لا يرى لأحد عليه حقًا، وقيل: الجبار الذي يقتل على الغضب (٣).\n﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣)﴾ أي: رزقني الله السلامة والكرامة منه في هذه الأوقات.\nوقيل: كأنه دعا وسأل السلامة على أحواله من يوم ولادته إلى يوم موته ثم بعثه (٤).\nوقيل: سلم على نفسه بأمر الله (٥).\nوقيل: يريد سلام جبريل عليه يوم الولادة، وسلام عزرائيل يوم الموت، وسلام الملائكة يوم البعث (٦)، ويحتمل تنكير سلام في الأولى وتعريف السلام في الأخرى وجهين:\nأحدهما: أن نكرة الجنس ومعرفة الجنس يفيدان فائدة واحدة، نحو: والله لا أشرب ماءً ولا أشرب الماء هما سواء.\nوالثاني: أن الأول من الله، والقليل منه سبحانه كثير.\nوقيل: الألف واللام هاهنا للعهد يعود إلى قوله ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ﴾ (٧).\n﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ أي: الذي تقدم ذكره بالصفة المذكورة هو عيسى بن مريم لا كما يصفه النصارى.\n_________\n(١) حكاه ابن جرير في جامع البيان (١٥/ ٥٣١).\n(٢) \"والله أعلم\"ساقط من أ.\n(٣) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ١٨٣).\n(٤) انظر: النكت والعيون (٣/ ٣٧١).\n(٥) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ١٨٣).\n(٦) انظر: النكت والعيون (٣/ ١٨٣).\n(٧) من \"وقيل الألف واللام\" إلى \"يوم ولد\" ساقط من ب، وانظر: معاني القرآن للزجاج (٣/ ٢٦٩).","vol":"1","page":1353},{"text":"﴿قَوْلَ الْحَقِّ﴾ أي: كلمة الله، والقول هو الكلمة، والحق هو الله، وأضيف القول إلى الله كإضافة الكلمة إليه، وقيل: الحق من صفة القول أضيف إليه إضافة التبعيض كثوب خز وخاتم حديد، قرئ بالرفع والنصب الرفع على أنه صلة لـ ﴿عِيسَى﴾ أوخبر بعد خبر أو خبر مبتدأ محذوف تقديره: هو قول الحق، والنصب على المصدر وله وجهان:\nأحدهما: قال عيسى قول الحق يعنى قوله ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ الآية.\nوالثاني: قال الله قول الحق بما أخبر عن قصة عيسى وأمه (١).\n﴿الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣٤)﴾ يَشُكُّون؛ شكوا في أمره وفي نبوته من قولهم: مريت في الشيئ وامتريت فيه إذا شككت فيه، والمرية الشك (٢).\nوقيل: يمترون يختصمون فصاروا فيه فرقًا وأحزابًا والامتراء الاختصام (٣).\n﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ﴾ نزه (٤) نفسه عن اتخاذ الأولاد، وقيل: تقديره: ما كان الله ليتخذ ولدًا، فقدم اللام (٥).\n﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا﴾ كان في علمه.\n_________\n(١) قرأ عاصم وابن عامر بنصب اللام، وقرأ الباقون برفعها.\nأنظر التيسر للداني (١٤٩)، والحجة في القراءات السبع لابن خالويه (٢٣٨).\n(٢) قال الراغب: \" المِرية التردد في الأمر وهو أخص من الشك، قال تعالى ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾ [الجح ٥٥]، والامتراء والمماراة: المحاجة فيما فيه مِرْية، وأصله من مَرَيْت الناقة إذا مسحت ضرعها للحلب.\nأنظر: مفردات الراغب (٧٦٦)، مادة: مري.\n(٣) انظر: النكت والعيون (٣/ ٥٣٧).\n(٤) في أ: \"تنزه\".\n(٥) انظر: إعراب القرآن للنحاس (٣/ ١٧).","vol":"1","page":1354},{"text":"﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٣٥)﴾ أي الأمر سهل عليه هين، وقد سبق (١).\n﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٣٦)﴾ الجمهور على أن هذا من تمام كلام عيسى ﵇ وأن من فتح عطفه على ﴿وَأَوْصَانِي﴾ أي: وأوصاني بأن الله ربي وربكم، وقيل ولأن الله (٢)، وقيل: قضى أن الله، ومن كسر جعله استئناف كلام من عيسى، والمعنى: كما أنا عبده فأنتم عبيده وعلي وعليكم أن نعبده.\n﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ﴾ أي: اختلف النصارى، ثم اتفقوا على أن يرجعوا إلى قول ثلاثة من علمائهم كان عندهم أنهم أعلم زمانهم وهم: يعقوب، ونسطور، وَملْكَا؛ فقيل ليعقوب: ما تقول في عيسى؟ فقال: هو الله هبط إلى الأرض ثم صعد إلى السماء. وقيل لنسطور: ما تقول أنت؟ فقال: لم يكن الله ولكن ابن الله أظهره ما شاء ثم رفعه إلى عنده. وقيل: لملكا ما تقول أنت؟ فقال: كذبوا وإنما كان عبدًا مخلوقًا نبيًا، فتبع كل واحد منهم قوم تسموا باسمه اليعقوبية، والنسطورية، والملكانية (٣).\n_________\n(١) في قوله تعالى ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ [مريم: ٩].\n(٢) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو (وأن الله) بفتح الهمزة، وقرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي بكسر الهمزة (وإن الله).\nانظر: الكشف عن وجوه القراءات السبع لمكي بن أبي طالب (٢/ ٨٩)، الدر المصون للسمين الحلبي (٤/ ٥٠٦).\n(٣) في ب: \"والملكائية\"\nاليعقوبية: هم القائلون بالأقانيم الثلاثة - الوجود، والعلم، والحياة - وأن المسيح جوهر من جوهرين وأقنوم من أقنومين، وطبيعة من طبيعتين، ومشيئة من مشيئتين.\n\nأما النسطورية فقالوا: إن تعالى واحد ذو أقانيم ثلاثة، وهي ليست زائدة على الذات ولا هي هو واتحدت الكلمة بجسد عيسى ﵇ كإشراقة الشمس في كوة أو على بلور أو كظهور النقش في الخاتم، وأن الابن لم يزل متولدًا من الأب وإنما تجسد واتحد بجسد المسيح حين ولد.\nوالملكانية: وهم أتباع مَلْكا الذي ظهر بالروم واستولى عليها، ومعظم الروم مَلْكانية، ومذهبهم أن الكلمة وهي أقنوم العلم اتحدت بجسد المسيح وتدرعت بناسوته وهم الذين صرحوا بالتثليث الذين قال الله فيهم ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِن اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣]، وقالوا: إن مريم ﵍ ولدت إلهًا أزليًا والقتل والصلب وقع على الناسوت واللاهوت، تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا.\nانظر: الملل والنحل للشهرستاني (٣/ ٢٤٨، ٢٥١، ٢٥٣).","vol":"1","page":1355},{"text":"وقيل: كانوا أربعة والرابع اسمه إسرائيل فقال: هو إله وأمه إله والله إله والثلاثة أقانيم والروح واحد فتبعه جماعة.\nوقوله ﴿بَيْنِهِمْ﴾ قيل: تقديره: من بين الناس (١).\nوقيل: من بين أمم عيسى (٢).\nوقيل: ﴿مِنْ﴾ زيادة (٣).\n\nوقيل: هو من البَيْن الذي معناه البعد، أي: اختلفوا فيه لبعدهم عن الحق (٤).\nفَوَيْلٌ ﴿لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فشدة العذاب لهم.\n﴿مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٣٧)﴾ من حضور يوم القيامة، والمشهد مصدر مضاف إلى المفعول أي: مشهدهم يومًا، ويجوز أن يكون مضافًا إلى الظرف أي: مشهدهم في يوم عظيم وهو أعظم يوم على الخلق.\n﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ جمهور المفسرين على أن هذا لفظ أمر معناه التعجب، والمجرور مرفوع المحل بالفاعلية والمعنى هم في محل تعجب منه (٥).\nقتادة: أي: لئن كانوا في الدنيا صمًا عميًا عن الحق فهم سُمَعَاءُ للحق بُصَرَاءُ حين لا ينفعهم (٦)، وقيل: معناه أسمعهم وبصرهم اليوم كيف يصنع بهم يوم القيامة (٧).\nوقيل: معناه أسمع الناس بهؤلاء الأنبياء وبصرهم بهم ليعرفوهم فيؤمنوا بهم، والقول هو الأول (٨).\n_________\n(١) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ١٨٤).\n(٢) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٥٤١).\n(٣) وهو مذهب بعض النحويين، وليس في القرآن حرف زيادة.\n(٤) لم أقف عليه، والله أعلم.\n(٥) انظر: زاد المسير (٥/ ٢٣٣).\n(٦) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٥/ ٥٤٣).\n(٧) قاله أبو العالية.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٥٤٤).\n(٨) حكاه في النكت والعيون (٣/ ٣٧٣).","vol":"1","page":1356},{"text":"﴿لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٨) وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ أي: خوفهم من ذلك اليوم، ﴿إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ فرغ من الحساب وأدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار وذُبح الموت، فقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: \" يُجَاء بالموت على صورة كبش أملح فيوقف بين الجنة والنار فيقال: يا أهل الجنة هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون؛ فيقولون: نعم هذا الموت. فيؤمر به ويذبح، فيقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت ويا أهل النار خلود فلا موت ثم قرأ رسول الله ﷺ\n﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ \" (١).\n﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾ فأشار به إلى الدنيا.\n﴿وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٩)﴾ وقيل: قضي الأمر الذي يَحُل بهم (٢).\nابن بحر: إذا انقضى أمر الدنيا بإقامة القيامة (٣).\nوقيل: قضي الأمر ذبح الموت (٤).\n﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا﴾ أي: نميتهم فيبقى الرب سبحانه فيرثهم، والوراثة ملك الشيء بوفاة مالكه.\nوَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (٤٠)﴾ يردون فنجازيهم جزاءً وفاقًا.\n﴿وَاذْكُرْ﴾ لقومك. ﴿فِي الْكِتَابِ﴾ القرآن.\n﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ قصة إبراهيم مع أبيه.\n﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا﴾ كثير الصدق.\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه (ك: التفسير، باب: وأنذرهم يوم الحسرة، ح: ٤٧٣٠)، ومسلم (ك: صفة الجنة ونعيمها، باب: الناريدخلها الجبارون، والجنة يدخلها الضعفاء، ح: ٧١١٠) عن أبي سعيد الخدري ﵁.\n(٢) انظر: غرائب التفسير (١/ ٦٩٨).\n(٣) انظر: غرائب التفسير للكرماني (١/ ٦٩٨).\n(٤) قاله ابن جريج، والسدي.\nانظر: الوسيط للواحدي (٣/ ١٨٤).","vol":"1","page":1357},{"text":"﴿نَبِيًّا (٤١)﴾ رسولًا ينبئ عن الله.\n﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ﴾ وهو يعبد الصنم.\n﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ﴾ الدعاء.\n﴿وَلَا يُبْصِرُ﴾ العبادة.\n﴿وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (٤٢)﴾ لا يدفع عنك مضرةً ولا مكروهًا، وقيل: لا يدفع عنك عذاب الله (١).\n﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ﴾ بالتفكر والاستدلال.\n﴿مَا لَمْ يَأْتِكَ﴾ قيل: من العلم أن من عبد غير الله عذبه الله في النار (٢).\nوقيل: جاءني من العلم من الوحي ما لم يأتك (٣).\n﴿فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (٤٣)﴾ أبين لك تلك الدلائل، وقيل: أهدك دينًا قيمًا يرضاه الله (٤).\n﴿يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ﴾ لا تطعه.\n﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (٤٤)﴾ عاصيًا.\nقيل ﴿كَانَ﴾ زيادة (٥)، وقيل: معناه صار، وقيل: معناه للدوام (٦).\n﴿يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ إن أقمت على الشرك، والجمهور على أن المعنى: إعلم يقينًا إن يمسك عذاب من الرحمن (٧)، وقيل: معناه أخاف أن لا تقبل مني نصيحتي فيعذبك الله (٨).\n_________\n(١) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٥٤٩)، الوسيط للواحدي (١٨٥).\n(٢) حكاه السمرقندي في بحر العلوم (٢/ ٣٢٥).\n(٣) حكاه الزجاج في معاني القرآن (٣/ ٢٧١).\n(٤) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٥٥٠).\n(٥) وليس في القرآن زيادة.\n(٦) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٦/ ٢١٧).\n(٧) انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١١/ ١١١).\n(٨) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٥٥١).","vol":"1","page":1358},{"text":"﴿فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (٤٥)﴾ قرينًا في النار تليه ويليك، وقيل: معناه يتبرأ الله منك (١).\n﴿قَالَ﴾ يعني أبا ابراهيم.\n﴿أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آَلِهَتِي﴾ يا إبراهيم استفهام إنكار أي: أترغب عن عبادتها وتميل عنها.\n﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ﴾ عن مقالتك وأمري ونهي.\n﴿لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ لأعيبنك، وقيل: لأشتمنك بمخالفتك لي (٢).\nوقيل: لأقتلنك كسائر مافي القرآن (٣).\nوقيل: لأرمينك بالحجارة (٤).\n﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦)﴾ سالمًا صحيحًا، أي: تباعد عني وعرضك سالم من عقوبتي.\nوقيل: ﴿مَلِيًّا (٤٦)﴾ عمرًا طويلًا (٥).\nالسدي: أبدًا (٦).\n﴿قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ﴾ سلمت مني لا أصيبك بمكروه.\nوقيل: أكرمك الله بالهدى (٧).\nوقيل: إيذان بالهجران، كما تقول: سَلَّمْتُ على فلان وكَبّرْتُ عليه (٨).\n﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (٤٧)﴾ أي: لا أترك مجهودي في تخليصك بل أسأل الله توفيقك.\nالحسن: هذه صغيرة من إبراهيم ﵇، ولهذا قال الله سبحانه ﴿إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ [الممتحنة: ٤] (٩).\n_________\n(١) انظر: المصدر السابق (١٥/ ٥٥١).\n(٢) قاله السدي، وابن جريج، والضحاك.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٥٥٢)\n(٣) قاله عكرمة.\nانظر: معالم التنزيل (٥/ ٢٣٤).\n(٤) قاله الحسن.\nانظر: النكت والعيون (٣/ ٣٧٤).\n(٥) قاله الحسن.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٥٥٣).\n(٦) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٥/ ٥٥٣).\n(٧) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٣٢٥).\n(٨) قاله ابن بحر.\nانظر: النكت والعيون (٣/ ٣٧٤).\n(٩) انظر: غرائب التفسير (١/ ٦٩٩).","vol":"1","page":1359},{"text":"وقيل: أستغفر لك إن تبت وآمنت (١).\nوقيل: وعده قبل (٢) أن نهاه ربه عن ذلك (٣).\nوقيل: كان يستغفر له مادام أبوه حيا فلما مات كافرًا ترك الاستغفار له (٤).\nقوله ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (٤٧)﴾ بارًا لطيفا، وقيل: محسنًا (٥).\nوقيل: عالمًا (٦).\nوقيل: مكرمًا (٧).\nوقيل: ذو عناية (٨).\n﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: الأصنام.\n﴿وَأَدْعُو رَبِّي﴾ أي: أتباعد بديني وأتفرد بعبادة الله.\n﴿عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (٤٨)﴾ كما شقيتم أنتم بعبادة الأصنام، وقيل: يتقبل عبادتي ويثيبني (٩)، والشقاء بالدعاء ترك إجابة الداعي.\n﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ وذلك أنه لما خرج من بين ظهراني قومه مهاجرًا وقصد الشام أتى أولًا حَرّان (١٠)،\n_________\n(١) حكاه في النكت والعيون (٣/ ٣٧٥).\n(٢) في ب: قيل، وهو تصحيف.\n(٣) قاله ابن عباس، ﵄.\nانظر: الوسيط للواحدي (٢/ ٥٢٨).\n(٤) قاله ابن عباس، ﵄، والضحاك.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٢/ ٣٢، ٣١).\n(٥) انظر: النكت والعيون (٣/ ٣٧٥).\n(٦) قاله الكلبي.\nانظر: معالم التنزيل (٥/ ٢٣٥).\n(٧) حكاه في النكت والعيون (٣/ ٣٧٥).\n(٨) ذكر البغوي في معالم التنزيل (٥/ ٢٣٥) عن مجاهد نحوه.\n(٩) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ١٨٦).\n(١٠) حَرَّان: بفتح الحاء وتشديد الراء وآخره نون مدينة عظيمة مشهورة، بينها وبين الرَّها يوم، وبين الرقة يومان، وهي على طريق الموصل والشام والروم، فتحت في عهد عمر بن الخطاب ﵁، وإليها ينسب جماعة من أهل العلم والفضل، وكذلك الحروريين الخوارج.\n\nانظر: معم البلدان لياقوت الحموي (٢/ ٢٣٥).","vol":"1","page":1360},{"text":"وتزوج في طريقه سارة فولدت له إسحاق ووهبت له هاجر فولدت له إسماعيل.\n﴿وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (٤٩)﴾ أي: كل واحد منهما، وقيل: منهم (١).\n﴿وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا﴾ المال والولد والنبوة.\n﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (٥٠)﴾ أي: القول بالحكمة والخير، وسمي القول لسانًا لأنه باللسان يكون.\nوقيل: الثناء الحسن والذكر الرفيع في كل الأديان (٢).\n﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا﴾ مسلمًا موحدًا غير مرائي.\nو﴿مُخْلَصًا﴾ بالفتح أخلصه الله.\n﴿وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥١) وناديناه﴾ أي: دعوناه وكلمنه ليلة الجمعة.\n﴿مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ﴾ وهو: الجبل بين مصر ومدين واسمه زَبِير (٣) والأَيمن اليمين، والجمهور على أن الأيمن يمنى موسى وليس للجبل يمين ولا شمال وإنما ذلك بالقياس إلى غيره مما له يمين ويسار.\nمقاتل: من يُمْنى الجبل، والأول أصح (٤).\n\n﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (٥٢)﴾ تقريب تشريف أي: أكرمناه (٥) بمناجاتنا إياه.\n_________\n(١) انظر: غرائب التفسير (١/ ٦٩٩).\n(٢) انظر: معالم التنزيل (٥/ ٢٣٦).\n(٣) الطُّور: بظم أوله وهو في كلم العرب الجبل، وقال بعضهم: لا يسمى طورًا حتى يكون ذا شجر، ويقال لجميع بلاد الشام الطور، والمراد به هنا جبل بين مصر ومدين اسمه زبير.\nانظر: معجم البلدان لياقوت الحموي (٤/ ٤٧).\n(٤) انظر: النكت والعيون (٣/ ٣٧٦)، زاد المسير (٥/ ٢٣٩).\n(٥) في ب: \"أكرمنا\" بدون الهاء.","vol":"1","page":1361},{"text":"عطاء (١): قربه حتى سمع صرير القلم (٢)، وفي رواية أخرى: صريف القلم الذي كتب به التوراة (٣).\nوقيل: رفع من سماء (٤) إلى سماء ومن حجاب إلى حجاب حتى لم يكن بينه وبينه إلا حجاب واحد، حكاه الثعلبي (٥).\nو﴿نَجِيًّا (٥٢)﴾ من النجوى أي: مناجيًا، وقيل: من النجوة وهي الارتفاع (٦).\n﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا (٥٣)﴾ أي: أجبنا دعاءه في طلبته حيث قال: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي﴾ [طه: ٢٩].\n﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥٤)﴾ كان إذا وعد أنجز، وذكر المفسرون أنه وعد رجلًا أن يقوم مقامه حتى يرجع إليه فقام إسماعيل مكانه ثلاثة أيام، وفي رواية الكلبي انتظره حتى حال عليه الحول (٧).\nومعنى ﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ يصدق إذا وعد ويفي إذا ضمن.\nأبو عبيدة: ﴿... صَادِقَ﴾ بمعنى مصدوق، أي: كان مصدوق الوعد (٨).\n﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ﴾ أمته.\n_________\n(١) عطاء، تنظر ترجمته ص: ٦٨\n(٢) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٥/ ٥٦٠) وفيه \"حتى سمع صريف\" بالفاء، وهو مروي عن ابن عباس، ﵄، ومجاهد، وأبي العالية، وفي النسختين أ، ب \"حتى سمع صرير\" بالراء.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٥٦٠، ٥٥٩) وصرير وصريف بمعنى واحد.\n(٣) انظر: النكت والعيون (٣/ ٣٧٦)، وفيه \"حتى سمع صرير\" بالراء.\n(٤) في ب: \"من السماء\".\n(٥) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٦/ ٢١٨).\n(٦) انظر: معاني القرآن للزجاج (٣/ ٢٧٢)، النكت والعيون (٣٧٦).\n(٧) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ١٨٧).\n(٨) انظر: غرائب التفسير (١/ ٦٩٩).","vol":"1","page":1362},{"text":"﴿بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (٥٥)﴾ صالحًا زكيًا.\n﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ﴾ وهو جد أبي نوح واسمه أخنوخ، وقيل: إلياس (١).\nوسمي إدريس لكثرة درسه، وكان خياطًا وهو أول من خاط الثياب ولبس المخيط وكانوا يلبسون قبل ذلك الجلود وأول من خط.\nوقيل هو: أول من نظر في النجوم والحساب (٢).\n﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٥٦)﴾ أنزل الله عليه ثلاثين صحيفة.\n﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧)﴾ قيل: هو الرتبة والنبوة والمنزلة (٣).\nوقيل: ﴿مَكَانًا عَلِيًّا﴾ الجنة وهو فيها (٤).\nوقيل: هو السماء الرابعة وفيها مات (٥).\nوقيل: السادسة (٦)، والله أعلم.\n﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ بالنبوة.\n﴿مِنْ ذُرِّيَّةِ آَدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ أي: ومن ذرية من حملنا مع نوح وإدريس لم يكن ممن حُمل مع نوح.\n﴿وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾ يعني: إسحاق، وإسماعيل، وإسرائيل، أي: ومن ذرية يعقوب يعني: موسى وهارون، وفيهم كثرة (٧).\n﴿وَمِمَّنْ هَدَيْنَا﴾ إلى ديننا.\n﴿وَاجْتَبَيْنَا﴾ من بين الناس يعني المؤمنين.\n﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُ الرَّحْمَنِ﴾ أي: إذا تليت عليهم كتب الله المنزلة.\n_________\n(١) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٣٢٦).\n(٢) انظر: معالم التنزيل (٥/ ٢٣٨).\n(٣) انظر: المصدر السابق (٥/ ٢٣٨).\n(٤) حكاه السمرقندي في بحر العلوم (٢/ ٣٢٦).\n(٥) قاله كعب، ومجاهد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٥٦٤، ٥٦٣).\n(٦) قاله ابن عباس، ﵄.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (٥٦٤).\n(٧) في أ: \"كثيرة\"، وهو تصحيف.","vol":"1","page":1363},{"text":"﴿خَرُّوا سُجَّدًا﴾ سقطوا لوجوههم ساجدين تعظيمًا لله ولكلامه.\n﴿وَبُكِيًّا) (٥٨)﴾ أي: وباكين خوفًا منه وطمعًا، وقيل: وبكوا بكيًا وهو مصدر (١).\n﴿* فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ أي: جاء بعدهم قوم لا خير فيهم، و﴿خَلْفٌ﴾ إذا أضفته سكنت اللام تقول: خَلْفُ صدق وخَلف سوء، وإذا لم تضف سكنته في الشر وفتحته في الخير.\n﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾ لم يعتقدوا وجوبها لقوله ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ﴾ فدل على كفرهم.\nوقيل: تركوها ولم يحافظوا عليها وعن جماعة أخروها عن مواقيتها (٢).\n﴿وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ الزنا، وقيل: ارتكاب المعاصي (٣).\n﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)﴾ أبو عبيد ضلالًا (٤)، وأنشد:\n. . . . . . . . . . . . . . . . . ... ومن يَغْوِ لا يُعْدم على الغي لا ئمًا. (٥)\nالحسن: عذابًا شديدًا (٦).\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن للزجاج (٣/ ٢٧٤).\n(٢) قاله القاسم بن مخيمرة.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٥٦٧).\n(٣) حكاه الواحدي في الوسيط (٣/ ١٨٨).\n(٤) انظر: النكت والعيون (٣/ ٣٨٠).\n(٥) هذا عجز بيت للمرقش الصغير، واسمه عمرو بن حرملة بن سعد بن مالك بن ثعلبة، وصدره:\nومن يَلْق خيرًا يَحْمَدِ الناس أمره ... ومن يَغْوِ لايعدم على الغي لائما.\nألم تر أن المرء يجذم كفه ... ويَجْشم من لَوْم الصديق المجاشما.\nوكان متيمًا بفاطمة بنت الملك المنذر حتى بلغ من شدة وجده عليها أن قطع إبهامه فقال هذين البيتين.\nانظر: الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني (٦/ ١٤٨)، الحماسة البصرية (٢/ ٣٣)، مجمع الأمثال لأبي الفضل أحمد بن محمد الميداني النيسابوري (١/ ١٤٨).\n(٦) انظر: معالم التنزيل (٥/ ٢٤٢).","vol":"1","page":1364},{"text":"ابن عباس ﵄: شرًا (١).\nوقيل: الغي اسم واد في النار أشدها حرًا وأبعدها قعرًا فيه بئر يقال لها الهُبْهُب (٢).\nالزجاج: أي جزاء غيهم (٣).\nوقيل: اسم نهر في النار وقيل آبار في جهنم يسيل (٤) إليها الصديد والقيح (٥).\n﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ أي: رجع عن ذنبه وآمن بلسانه وقلبه.\n﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا (٦٠)﴾ جاز أن يكون مصدرًا، وجاز أن يكون مفعولًا.\n﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ﴾ بدل من الجنة، وقيل: نصب على المدح و﴿عَدْنٍ﴾ بمعنى إقامة وقد سبق، ومعنى ﴿بِالْغَيْبِ﴾ أي: هم في الدنيا والموعود في حال غيبة عنهم.\n﴿إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا (٦١)﴾ قيل: بمعنى: آت (٦).\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٥/ ٥٧٣) عن ابن أبي زيد، وذكره السيوطي في الدر (١٠/ ١٠١) وعزاه لابن أي حاتم عن قتادة.\n(٢) وهو قول ابن مسعود، وعبد الله بن عمرو، وابن عباس، ﵃، وهو قول مجاهد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٥٧٢، ٥٧١).\n(٣) انظر: أنظر معاني القرآن وإعرابه للزجاج (٣/ ٣٣٦).\n(٤) في ب: \"تسيل\" بالفوقية.\n(٥) قاله عطاء.\nانظر: الكشف والبيان للثعلبي (٦/ ٢٢٢).\nقال ابن جرير في جامع البيان (١٥/ ٥٧٤) \"وكل هذه الأقوال متقاربات المعنى؛ وذلك أن من ورد البئرين اللتين ذكرهما النبي ﷺ، والوادي الذي ذكره ابن مسعود ﵁ في جنهم فدخل ذلك فق لاقى خسرانًا وشرًا حسبه به شرًا\".\n(٦) انظر: معاني القرآن للفراء (٢/ ١٧٠)، تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة (٢٩٨).","vol":"1","page":1365},{"text":"وقيل: ذو إتيان (١).\nوقيل: إتيانها المصير إليها (٢).\n﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا﴾ فحشًا وكذبًا وسبًا، واللغو: مالا خير فيه من الكلام.\nوقيل: لا يسمعون كلامًا لا معنى له (٣).\n﴿إِلَّا سَلَامًا﴾ الجمهور على أنه استثناء منقطع، وتقديره: لكن يسمعون سلامًا، ويحتمل أن التقدير: لا يسمعون قولًا لغوًا إلا قولًا سلامًا.\nومعنى ﴿سَلَامًا﴾ يسلمون معه من الأحزان.\nالزجاج: السلام اسم جامع للخير (٤).\nوقيل: لا يسمعون إلا ما يؤدي إلى السلامة (٥).\n﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (٦٢)﴾ أي: على قياس عادة أهل الدنيا ومقدار أوقاتها. وقيل: لأن العرب كانت (٦) في زمانها من وجد غداءً مع عشاء فذلك هو الناعم (٧).\nويحتمل أن البكرة والعشي كناية عن الدوام وليس في الجنة ليل، وجاء في التفسير ليس في الجنة ليل ولهم مقدار الليل بإرخاء الحجب ومقدار النهار برفع الحجب (٨).\nوقيل: يخدمهم بالليل الجواري وبالنهار الغلمان فذلك آية الليل والنهار (٩).\n_________\n(١) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٥٧٥).\n(٢) قاله الكسائي.\nانظر: إعراب القرآن للنحاس (٣/ ٢٢).\n(٣) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ١٨٨).\n(٤) انظر: معاني القرآن للزجاج (٣/ ٢٧٥).\n(٥) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ١٨٨).\n(٦) في أ: \"كان\" بحذف التاء.\n(٧) قاله الحسن، وقتادة.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٥٧٧)، الوسيط للواحدي (٣/ ١٨٩).\n(٨) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٥٧٦).\n(٩) انظر: غرائب التفسير (١/ ٧٠٢).","vol":"1","page":1366},{"text":"﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا (٦٣)﴾ أي: تلك الجنة التي وصفت هي التي يعطى المتقون، والوراثة أقوى لفظة تستعمل في هذا الباب لا تعقب بفسخ ولا نقض واسترجاع.\nوقيل: المؤمنون يرثونها من الكفار فإن الله قد خلق لكل مكلف قصرًا في الجنة فمن آمن سكن قصره ومن كفر جعل قصره لمؤمن زيادة في درجته وكرامته (١).\n﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ عن ابن عباس ﵄: قال: رسول الله ﷺ لجبريل: \" ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا؟ قال: فنزل ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ الآية \" (٢).\nوقال مجاهد: أبطأ الملك على رسول ﷺ ثم أتى فقال: لعلي أبطأت؟ فقال: قد فعلت. قال: ولم لا أفعل وأنتم لا تتسوكون ولا تقصون أظفاركم ولا تنقون براجمكم (٣)، وقال: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ (٤).\n_________\n(١) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ١٨٩).\n(٢) أخرجه البخاري (ك: التفسير، تفسير سورة كهيعص، ح: ٤٧٣١).\n(٣) البراجم: هي العقد التي تكون في ظهور الأصابع وتحت الإبطين وبين الفخذين يجتمع فيها الوسخ، الواحدة بُرجمة.\nانظر: النهاية في غريب الحديث والأثر لأبي السعادات المبارك بن محمد بن الجزري (١/ ٢٩١)، غريب الحديث لابن قتيبة ... (٢/ ٤١٠).\n(٤) ذكره السيوطي في الدر المنثور (١٠/ ١٠٥)، وعزاه لسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وانظر: تفسير ابن كثير (٣/ ١٣٧).","vol":"1","page":1367},{"text":"وقال عكرمة، والضحاك، وقتادة، ومقاتل، والكلبي: \" احتبس جبريل عن النبي ﷺ حين سأله قومه عن قصة (١) أصحاب الكهف، وذي القرنين، والروح ولم يدر ما يجيبهم ورجا أن يأتيه جبريل بجواب ما سألوه فأبطأ عليه، فشق على رسول الله مشقة شديدة ولما نزل جبريل قال: أبطأت علي حتى ساء ظني واشتقت إليك فقال جبريل: إني كنت أشوق إليك ولكني (٢) عبد مأمور إذا بعثت نزلت، وإذا حُبست احتبست فأنزل الله ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ أي: قل يا جبريل لمحمد إني لا أنزل إلا إذا أمرت بالنزول. (٣)\n﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾ ما سيكون.\n﴿وَمَا خَلْفَنَا﴾ ما كان.\n﴿وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾ وما في الحال.\n﴿وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (٦٤)﴾ لم ينسك ربك.\nوقيل: ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾ أمر الآخرة. ﴿وَمَا خَلْفَنَا﴾ أمر الدنيا.\n﴿وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾ ما (٤) بين النفختين (٥).\nوقيل: ﴿وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾ ما يكون من هذا الوقت إلى يوم القيامة، وقيل: المراد به الأزمان، وقيل: الأزمان والأماكن والأجسام (٦).\n_________\n(١) في أ \"عن أصحاب الكهف\".\n(٢) في ب \"لكني\"، بغير الواو.\n(٣) ط ذكره الواحدي في أسباب النزول (٣٤٨)، وابن كثير في تفسيره (٣/ ١٣٧).\n(٤) في ب: \"بين النفختين\"، بغير \"ما\".\n(٥) قاله قتادة.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٥٨٣).\n(٦) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٥٨٤)، قال: \"والصواب أن مابين أيدينا من أمر الآخرة، وما خلفنا من أمر الدنيا، وما بين ذلك مالم يمض من أمر لدنيا إلى الآخرة، لأن ذلك هو الذي بين ذينك الوقتين\" بتصرف.","vol":"1","page":1368},{"text":"ابن بحر: خالف الجمهور فقال: هذا من كلام أهل الجنة بعضهم لبعض إذا دخلوها وهي متصلة بالآية الأولى إلى قوله ﴿وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾ (١).\nثم استأنف فقال ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (٦٤)﴾ (٢).\n﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ﴾ أي: على عبادته.\n﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)﴾ قيل: مثلًا (٣).\nوقيل: أحدًا يسمى الله (٤).\nوقيل: أحدًا يسمى الرحمن (٥).\nوقيل: أحدًا يستحق أن يسمى إلهًا (٦).\nوقيل: أحدًا يستحق أن يوصف بصفات الله (٧).\nوَيَقُولُ الْإِنْسَانُ﴾ في سبب النزول قال الكلبي: \" نزلت في أُبي بن خلف (٨) حين أخذ عظامًا بالية ففتتها بيده وقال يزعم لكم محمد أنّا نبعث بعد ما نموت أي يقول الإنسان يعني أُبيًا \" (٩).\n﴿أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦)﴾ أي: يقال لي والله لسوف أخرج من التراب بعد الموت والبلى حيًا، قاله استبعادًا للبعث وإنكارًا.\n﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ﴾ يعني أُبيًا.\n_________\n(١) انظر: غرائب التفسير للكرماني (١/ ٧٠٢).\n(٢) انظر: الكشاف للزمخشري (٤/ ٣٧)، وانظر تفسير الفخر الرازي (٧/ ٥٥٤) ..\n(٣) قاله ابن عباس، ﵄، ومجاهد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٥٨٦، ٥٨٥).\n(٤) قاله قتادة، والكلبي.\nانظر: النكت والعيون للماوردي (٣/ ٣٨٢).\n(٥) قاله عكرمة.\nانظر: الوسيط للواحدي (٣/ ١٨٩).\n(٦) حكاه في النكت والعيون (٣/ ٣٨٢).\n(٧) انظر: معاني القرآن للزجاج (٣/ ٢٧٦).\n(٨) أبي بن خلف، تنظر ترجمته ص: ١١٢\n(٩) انظر الوسيط للواحدي (٣/ ١٩٠).","vol":"1","page":1369},{"text":"﴿أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا (٦٧)﴾ فيعرف ببديهة العقل أن من قدر على الإنشاء قدر على الإعادة؛ فمن قرأ بالتخفيف فهو من الذكر والذاكر للشيء عارف به في الحال، ومن شدد فمن التذكر وهو التدبر والتفكر (١).\nوقوله ﴿وَلَمْ يَكُ شَيْئًا (٦٧)﴾ دليل على أن المعدوم ليس بشيء.\n﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ﴾ أقسم الله بذاته فقال: ﴿لَنَحْشُرَنَّهُمْ﴾ أي: لنجمعنهم في المعاد يعني: المشركين المنكرين للبعث، و﴿وَالشَّيَاطِينَ﴾ يعني: قرناءهم الذين أضلوهم يقرن كل كافر بشيطان في سلسلة، والواو بمعنى: مع.\n﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ﴾ أي: في جهنم، ويقال إذا حضروا جهنم حبسوا حولها فأحدقوا بها.\n﴿جِثِيًّا (٦٨)﴾ على ركبهم حتى يدفعوا فيها الأول فالأول، ويقال: ﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ﴾ ثم لندخلنهم. مقاتل: جثيًا جميعًا (٢).\nوقيل: جماعات جماعات جمع جُثْوة (٣).\nوقيل: جمع جاث أي: جاثية على ركبهم (٤).\n﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ﴾ لنخرجن من كل أمة وأهل دين.\n﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا (٦٩)﴾ جرأة، وقيل: ذنبًا (٥).\nوقيل: كذبًا (٦) وفجورًا (٧).\n_________\n(١) قرأ نافع وابن عامر وعاصم أولا يذكر بالتخفيف، وقرأ الباقون بالتشديد.\nانظر: حجة القراءات لعبد الرحمن بن زنجلة أبو زرعة (١/ ٤٤٥).\n(٢) انظر: الوسيط للواحدد (٣/ ١٩٠).\n(٣) من: \"فيها الأول\" إلى \"جمع جثوة\"، ساقط من ب، وانظر: النكت والعيون (٣/ ٣٨٣).\n(٤) قاله ابن عباس، ﵄.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٥٨٧).\n(٥) حكاه في النكت والعيون (٣/ ٣٨٣).\n(٦) \"وقيل: كذبًا\" ساقط من ب.\n(٧) قاله مجاهد.\n\nانظر: معالم التنزيل (٥/ ٢٤٥).","vol":"1","page":1370},{"text":"وقيل: علوًا في الكفر أي قائدهم ورئيسهم والمعنى نبدأ بالأكابر فالأكابر جرمًا (١).\nوفي رفع ﴿أَيُّهُمْ﴾ أقوال:\nقال سيبويه (٢): \"هو مبني ها هنا \".\n\nوقال الخليل (٣): \" رفع على الحكاية، أي: لننزعن الذي يقال له لعتوه أيهم أشد \" (٤).\nيونس (٥): النزع من الأفعال التي تعلق وتلغى (٦)، وفيه وجوه أُخر ضعيفة (٧).\n_________\n(١) قاله أبو الأحوص.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٥٨٨).\n(٢) سيبويه تنظر ترجمته ص: ٥٩.\n(٣) الخليل بن أحمد بن أحمد بن عمرو الفراهيدي، البصري، صاحب العربية والعروض، كان الغاية في استخراج مسائل النحو، وهو أول من استخرج العروض، وحصر أشعار العرب بها، كان من الزهاد المنقطعين إلى العلم، وهو استاذ سيبويه، صنف: كتاب العين، الجُمل، العروض، الشواهد، النقط والشكل، توفي سنة خمس وسبعين ومائة.\nانظر: بغية الوعاة (١/ ٥٥٧).\n(٤) نقله سيبويه في الكتاب (٢/ ٣٩٩، ٣٩٨)، وانظر: معاني القرآن للزجاج (٣/ ٢٧٧).\nوقد ضعف هذا القول النحاس في إعراب القرآن (٣/ ٢٤) قال: \"وما علمت أحدًا من النحويين إلا وقد خطأ سيبويه في هذا\".\n(٥) يونس بن حبيب الضبي بالولاء، أبو عبد الرحمن ويعرف بالنحوي، علامة بالأدب، كان إمام عصره في النحو، أخذ عنه سيبويه والكسائي والفراء وأبو عبيدة، ونقل عنه سيبويه في كتابه. من مؤلفاته: معاني القرآن كبير وصغير، اللغات، النوادر. توفي سنة ١٨٢ هـ.\nانظر: بغية الوعاة للسيوطي (٢/ ٣٦٥)، الأعلام للزركلي (٨/ ٢٦١).\n(٦) في ب: \"ويلغى\"، بالتحتية.\nانظر: إعراب القرآن للنحاس (٣/ ٢٤)، البحر المحيط لأبي حيان (٦/ ١٩٦).\n(٧) أنظرها في إعراب القرآن للنحاس (٣/ ٢٣) وما بعدها.","vol":"1","page":1371},{"text":"﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا (٧٠)﴾ أي: نحن أعلم أن الذين هم أشد عتيًا هم أولى صليا، قيل: دخولًا (١).\nوقيل: لزومًا (٢).\n﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ فيه قولان:\nأحدهما: أن الورود هو الدخول، واستدل القائل بقوله تعالى ﴿فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ [هود: ٩٨]، وبقوله ﴿أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]، وبقوله ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آَلِهَةً مَا وَرَدُوهَا﴾ [الأنبياء: ٩٩]، وبقوله عقيبه: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ﴾ وقال المتقون يجتازون بها كالبرق الخاطف تحلة للقسم فتكون عليهم بردًا وسلامًا.\nوالثاني: أن الورود الوصول دون الدخول لقوله ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ﴾ [القصص: ٢٣] وقال: وورودهم إشرافهم عليها وحصولهم حواليها.\nمجاهد: هو الحمى والأمراض تأخذ المؤمن (٣).\nوقيل: واردها يعود إلى يوم القيامة، حكاه أبو جعفر النحاس (٤).\n﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا﴾ قطعًا جزمًا.\n﴿مَقْضِيًّا (٧١)﴾ قضاء من الله بت الحكم به فلا محيص عنه البتة.\n_________\n(١) قاله الكلبي.\nانظر: النكت والعيون (٣/ ٣٨٤).\n(٢) حكاه في النكت والعيون (٣/ ٣٨٤).\n(٣) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٥٩٧).\n(٤) انظر: إعراب القرآن للنحاس (٢/ ٣٢٤)، والنحاس هو أحمد بن محمد بن إسماعيل المصري، أبو جعفر، إمام العربية وصاحب التصانيف، رحل إلى بغداد، كان ذكيًا، صنف: إعراب القرآن، الناسخ والمنسوخ، كتاب المعاني، توفي سنة ثمان وثلاثين وثمانمائة.\nانظر: سير أعلام النبلاء (١٥/ ٤٠١)، طبقات المفسرين للداوودي (١/ ٦٨).","vol":"1","page":1372},{"text":"وقيل: قسم أقسم الله به (١).\n﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ في مسيرهم على الصراط من الوقوع فيها والتأذي بحرها ومن دخل الصراط فقد دخل النار.\n﴿وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا﴾ ونترك الكفار في النار.\n﴿جِثِيًّا (٧٢)﴾ جميعًا ساقطين على ركبهم.\nابن زيد: الجثي: شر الجلوس (٢).\n﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا﴾ يعني: القرآن.\n﴿بَيِّنَاتٍ﴾ واضحات الدلائل وفيها ذكر المؤمنين وأن الله وليهم وناصرهم. (٣).\n﴿قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا﴾ تكذيبًا للقرآن.\n﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ﴾ المؤمنين والكافرين.\n﴿خَيْرٌ مَقَامًا﴾ منزلًا وحالًا.\n﴿وَأَحْسَنُ نَدِيًّا (٧٣)﴾ أزين مجلسًا ومكانًا، والنديّ والنادي: المجلس الذي يجمع القوم لحادثة أو مشورة، وقيل: الندي مجلس أهل الندى وهو الكرم؛ وذلك أن مشركي قريش كانوا أصحاب مال وزينة من الدنيا وكان المؤمنون أصحاب فقر وفاقة (٤).\nالنقاش: نزلت في النضر بن الحارث (٥)، (٦).\n_________\n(١) قاله ابن مسعود، ﵁، وقتادة.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٦٠٦).\n(٢) ذكره السيوطي في الدر المنثور (١٠/ ١٢٤) وعزاه لابن أبي حاتم، وأخرج ابن جرير في جامع البيان (١٥/ ٦٠٧) نحوه عن ابن وهب.\n(٣) في ب: \"وأن الله ناصرهم ووليهم\"، بالتقديم والتأخير.\n(٤) قاله ابن عباس، ﵄.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٦٠٨).\n(٥) النضر بن الحارث، تنظر ترجمته ص: ١١٢.\n(٦) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٣٣١).","vol":"1","page":1373},{"text":"وقيل: أيٌّ الفريقين منا ومنكم أوسع عيشًا وأنعم بالًا وأحسن مسكنًا وأجمع عددًا يريدون في الدنيا أي: كثرة أموالنا، وحسن أحوالنا في الدنيا (١) دليل على حسن حالنا عند الله وعلى أننا خير منكم (٢).\nومعنى الآية: أن الله يقول: إذا أنزلنا آية فيها دلائل أعرضوا عن التدبر فيها إلى الافتخار والمكاثرة بالثروة والمال وحسن المنزل والحال.\n﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا (٧٤)﴾ أجابهم الله أنه قد أهلك أسلافهم وكانوا في الدنيا أكثر نعمة وأوفر زينة، فلم ينفعهم ذلك من الله ولم يقربهم من رحمته والنجاة من عذابه.\nوالأثاث: ما يتمتع الإنسان به في بيته من أداة لا غنى عنها، مشتق من الأثيث (٣) وهو الكثير.\nوقيل: أثاثًا جهازًا (٤).\nوقوله (٥) ﴿وَرِئْيًا (٧٤)﴾ منظرًا.\nقال أبو علي: الرئي المفعول، والرأي المصدر كالطحن والطحين والذبح والذبيح (٦).\nوقرئ بالتشديد فهو مخفف من المهموز، وقد يجوز أن يكون من الري وهو الارتواء ونضارة الوجه وبريقه (٧).\n_________\n(١) في أ: \"وحسن أحوالنا دليل على\".\n(٢) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ١٩٣).\n(٣) في ب: \"أثيث\".\n(٤) انظر: معاني القرآن للنحاس (٤/ ٣٥٢).\n(٥) \"قوله\"، ساقط من ب. .\n(٦) انظر: الحجة للقراء السبعة لأبي علي الفارسي (٥/ ٢١٠).\n(٧) قرأ ابن كثير وعاصم وأبو عمرو وحمزة والكسائي (ورئيا) أي: منظرًا، وقرأ نافع وابن عامر\n(ريّا) بياء مشددة من غير همز وله معنيان:\nأحدهما: أن يكون بمعنى الأول.\nوالثاني: من الري أي منظرهم مرتو من النعمة التي هم فيها.\nانظر: الغاية في القراءات العشر لابن مهران النيسابوري (٢٠٤)، الحجة لابن خالويه (٢٣٩).","vol":"1","page":1374},{"text":"وقرئ في الشواذ (وزيًا) بالزاي أي: زينة، من قول العرب: زييت الشيء إذا زينته، والزي ما حَسُنَ وظهر من الإنسان (١).\n﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ أي: من كان في الكفر مده الله في كفره ومتعه بطول عمره ليزداد طغيانًا وضلالًا.\nوقيل: معناه زاده الله ضلالًا (٢).\nوقيل: معناه فليعش ما شاء فإن مصيره إلى النار (٣).\nالمبرد: أي: قل فإني أدعوا له بالبقاء لعله يؤمن وهذا قبل أن أؤمر بالقتال (٤).\nمجاهد: نمد لهم في العمر ليقلعوا فإن أصروا فلهم العذاب (٥).\nوقوله ﴿فَلْيَمْدُدْ﴾ الصيغة صيغة الأمر والمعنى الخبر، وقيل: هو دعاء وأمر على ما سبق للمبرد.\n﴿حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ﴾ من الجزاء على كفرهم، ثم فَصَّل فقال: ﴿إِمَّا الْعَذَابَ﴾ أي: في الدنيا بالسيف وسائر أنواع الهلاك.\n﴿وَإِمَّا السَّاعَةَ﴾ يعني القيامة فهما بدلان مما يوعدون.\n﴿فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا﴾ منزلًا هذا جواب لهم على قولهم ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا﴾.\n﴿وَأَضْعَفُ جُنْدًا (٧٥)﴾ أقل فئة، وقيل: أنصارًا أهم أم المؤمنون! (٦).\n_________\n(١) وهي مروية عن ابن عباس، وأبي بن كعب ﵄ وسعيد بن جبير، ويزيد البربري.\nانظر: المحتسب لابن حني (٢/ ٨٧)، جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٦١٤)، إعراب القرآن للنحاس (٣/ ٢٦)، البحر المحيط (٦/ ١٩٩).\n(٢) حكاه الزجاج في معاني القرآن (٣/ ٢٨٠).\n(٣) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ١٩٣).\n(٤) انظر: اللباب للعكبري (١/ ٢٠٢)، غرائب التفسير (١/ ٧٠٥).\n(٥) انظر: تفسير مجاهد (١/ ٣٩٠).\n(٦) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٦١٥).","vol":"1","page":1375},{"text":"وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ أي: يزيد المؤمنين نصرة وتوفيقًا ورشدًا.\n﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾ قيل: الصلوات الخمس، وقيل: هي الطاعات، وقيل: أداء الفرائض، وقيل: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولاقوة إلا بالله العلي العظيم، وهي الباقيات لأنها يبقى ثوابها أبدًا (١).\n﴿خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا﴾ يعني: أفضل ثوابًا، أي: خير مما فيه الكفار من المآل وحسن الحال.\n﴿وَخَيْرٌ مَرَدًّا (٧٦)﴾ مرجعًا ومنقلبًا (٢).\nوقيل: مردًا زكاءً وثمرة (٣).\nابن عيسى: خير نعيمًا يرد الباقيات الصالحات على صاحبها بدلها فيجده في نفسه (٤).\nوقيل: ﴿مَرَدًّا (٧٦)﴾ عاقبة ومرجعًا (٥).\n﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآَيَاتِنَا﴾ في سبب النزول عن خباب بن الأرت (٦) قال: \" كان لي دين على العاص بن وائل (٧)\n_________\n(١) وقد سبق بيان ذلك في سورة الكهف، في قوله تعالى ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ [الكهف: ٤٦].\n(٢) في أ: \"مرجعًا، وقيل: ومنقلبا\".\n(٣) لم أقف عليه، والله أعلم.\n(٤) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ١٩٤).\n(٥) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٣٣٢).\n(٦) خباب بن الأرَتّ بن جندلة، من بني تميم، خزاعي بالولاء، كان يعمل السيوف في الجاهلية، وهو من المهاجرين الأولين، شهد بدرًا وما بعدها، نزل الكوفة ومات بها سنة سبع وثلاثين.\nانظر: الاستيعاب (٢/ ٢١)، الإصابة (٢/ ٢٥٨).\n(٧) العاص بن وائل السهمي، أبي عمرو بن العاص، كان من أشد أعداء المؤمنين في مكة، وكان يعذبهم، وفيه نزلت سورة الكوثر لما وصف النبي ﷺ بلأبتر، توفي في السنة الأولى من الهجرة.\n\nانظر: البداية والنهاية (٤/ ٢٣٤).","vol":"1","page":1376},{"text":"فأتيته أتقاضاه، فقال العاص: لا والله حتى تكفر بمحمد. قلت: لا والله لا أكفر بمحمد حتى تموت ثم تبعث قال: (١) فإني إذا ما مت ثم بعثت جئتني فيكون لي ثَمَّ مال وولد فأعطيك \". وفي وراية: \" لئن كان ما تقول حقًا إني لأفضل منها نصيبًا منك فأنزل الله هذه الآية \" (٢).\nالحسن: نزلت في الوليد بن المغيرة (٣)، (٤).\n﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآَيَاتِنَا﴾ استفهام تعجب.\n﴿وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧)﴾ أي: في الآخرة ذكر على وجه الاستهزاء والإنكار للجزاء.\nوقيل: أراد في الدنيا، والمعنى: أقمت على دين آبائي وعبادة آلهتي فآتاني (٥) مالًا وولدًا في الدنيا (٦).\nوقيل: معناه لو كنت على باطل ما أوتيت مالًا وولدًا (٧).\nوقيل: (٨) معناه: أَنَظَر في اللوح المحفوظ (٩).\nالولد المولود كالقبض بمعنى المقبوض يقع على الواحد والجمع (١٠) والولد لغة فيه كالبُخْل والبَخَل (١١).\n_________\n(١) في أ: \"فقال\".\n(٢) أخرجه البخاري (ك: التفسير، تفسير سورة مريم، باب قوله \" أطلع الغيب \"، ح: ٤٧٣٣).\n(٣) الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، كان من سادات قريس وعظمائها، توفي في السنة الأولى من الهجرة.\nانظر: البداية والنهاية (٤/ ١٥٢).\n(٤) انظر: النكت والعيون (٣/ ٣٨٧).\n(٥) في ب: \"وآتاني\".\n(٦) انظر: النكت والعيون (٣/ ٣٨٨).\n(٧) انظر: المصدر السابق (٣/ ٣٨٨).\n(٨) في أ \"معناه\"، بحذف \"قيل\".\n(٩) قاله الكلبي.\nانظر: الوسيط للواحدي (٣/ ١٩٤).\n(١٠) في أ: \"والجميع\".\n(١١) ﴿وَلَدًا﴾ فيها قراءتان؛ قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ونافع، وعاصم، وابن عامر بفتح الواو، وقرأ حمزة، والكسائي بضم الواو.\n\nقال ابن جرير في جامع البيان (١٥/ ٦٢٠) \"هما لغتان، مثل قولهم: العُدْم، والعَدَم\".\nانظر: الكشف لمكي بن أبي طالب (٢/ ٩٢).","vol":"1","page":1377},{"text":"وقيل: هو جمع الولد كأسد وأسْد (١).\nالأخفش (٢): الولد الابن والابنة، والوُلْد هم الأهل والولد (٣).\n﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ﴾ أعلم علم الغيب حتى يعلم أفي الجنة هو أم لا!، والطلوع ظهور الشيء وخروجه عن الخفاء.\n﴿أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٧٨)﴾ يعني: أم قال لا إله إلا الله.\nوقيل: أعهد (٤) عهدًا عملًا صالحًا قدمه (٥). وقيل: أعهد الله إليه أنه يدخله الجنة (٦).\n﴿كَلَّا﴾ رد عليه، أي: لم يفعل ذلك، وكلا في القرآن على وجهين:\nأحدهما: أن يكون ردًا للكلام الأول ونفيًا (٧)، كما في هذه السورة، وسورة\nعبس (٨) وغيرهما.\nوالثاني: بمعنى: حقًا، وإن حملت الكل على النفي لا يبعد فيصير كقوله ﴿لَا أُقْسِمُ﴾ [القيامة: ١].\n﴿سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ﴾ سنحفظ عليه ما يقوله فنجازيه به في الآخرة.\n﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا (٧٩)﴾ نزيده عذابًا فوق العذاب.\n﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ﴾ أي: يموت فنرثه (٩) ماله وولده.\n﴿وَيَأْتِينَا فَرْدًا (٨٠)﴾ في القيامة لا يصحبه شيء، وتقديره: نرثه ما يقول وأنه في الدنيا يملكه ويعطى في الآخرة مثله.\nوقيل: نسلبه ما عنده من المال (١٠).\n_________\n(١) انظر: إعراب القرآن للنحاس (٣/ ٢٨).\n(٢) الأخفش، تنظر ترجمته ص: ٩٨\n(٣) انظر: غرائب التفسير (١/ ٧٠٦).\n(٤) في ب: \"عهدًا: عملًا صالحًا\".\n(٥) قاله قتادة.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٦٢١).\n(٦) انظر: النكت والعيون (٣/ ٣٨٨).\n(٧) في أ: \"ونهيًا\".\n(٨) في قوله تعالى ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾ [عبس: ١١].\n(٩) في أ: \"ونرثه\".\n(١٠) قاله مجاهد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٦٢٢).","vol":"1","page":1378},{"text":"﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آَلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١)﴾ أي: عبد الكفار الأصنام والشياطين، والملائكة، وعيسى ليتعززوا في الدنيا ويصيروا إلى العز الدائم في العقبى.\n﴿كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ﴾ في الآخرة، وفيه قولان:\nأحدهما: أن العابدين يكفرون بعبادة ما عبدوه.\nوالثاني: أن المعبودين يكفرون بعبادة الكفرة لهم كقوله ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا﴾ الآية [البقرة: ١٦٦].\n﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (٨٢)﴾ قيل: عليهم أعونًا (١).\nوقيل: أرادوا أن يكونوا لهم شفعاء فيصيرون لهم خصمًا (٢)، والضد يقع على الواحد وعلى الجمع.\n﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ أي: سلطناهم عليهم.\nوقيل: قيضناهم كقوله ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ﴾ [فصلت: ٢٥] (٣).\nوقيل: خلينا الشياطين وإياهم (٤).\n﴿تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣)﴾ تغريهم إغراءً، وقيل: تزعجهم وتشليهم (٥).\nالزجاج: تزعجهم حتى يركبوا المعاصي (٦).\nوقيل: تغويهم وتهيجهم (٧).\nوقيل: تسوقهم إلى الشر سوقًا عنيفًا (٨).\n_________\n(١) قاله ابن عباس، ﵄، ومجاهد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٦٢٤).\n(٢) قاله الضحاك.\nانظر: النكت والعيون (٣/ ٣٨٩).\n(٣) اختاره الزجاج في معاني القرآن (٣/ ٢٨٢).\n(٤) انظر: معاني القرآن للزجاج (٣/ ٢٨٢).\n(٥) قاله مجاهد.\nانظر: الكشف والبيان للثعلبي (٦/ ٢٣٠).\n(٦) انظر: معاني القرآن للزجاج (٣/ ٢٨٢).\n(٧) قاله الضحاك.\nانظر: النكت والعيون (٣/ ٣٨٩).\n(٨) في أ: \"تُشَوِّقهم إلى الشر شوقًا\"، بالفوقية، وانظر: الكشف والبيان للثعلبي (٦/ ٢٣٠).","vol":"1","page":1379},{"text":"والأَزُّ والهَزُ واحد وهو التحريك، وقيل: الأَزُ: الحمل على الشيء برفق واحتيال (١)، والمعنى: مكنا الشياطين من دعاء الكفار بالوساوس إلى الكفر والشرك وتزيين المعاصي بالتمويهات (٢).\n﴿فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ﴾ العقوبة لهم وارفق بهم وكرر الموعظة لهم (٣) فإن موعد عذابهم قريب، وهو قوله ﴿إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (٨٤)﴾ قيل: نعد أعمالهم (٤).\nوقيل: آجالهم (٥).\nوقيل: أيامهم (٦).\nوقيل: أنفاسهم (٧).\n﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ﴾ أي: نجمع المؤمنين.\n﴿إِلَى الرَّحْمَنِ﴾ إلى الله سبحانه.\n﴿وَفْدًا (٨٥)﴾ راكبين على النوق، وقيل: على نجائب (٨)، والوفد مصدر وفد يفد وفدًا ووفودًا ووفادة إذا زار الملوك والأشراف.\nوقيل: جمع وافد (٩).\nوقيل: جماعة (١٠).\n﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ﴾ كما يساق البهائم.\n_________\n(١) الأَزُّ: التهييج والتحريك والإغراء، وأره أزًا وأزيزًا مثل هزه وهو الحركة الشديدة، وأز الماء يؤزه أزًا صبه.\nأنظر: لسان العرب (١/ ١٣٣)، مادة: أز، مختار الصحاح (١/ ١٥).\n(٢) قال النحاس في معاني القرآن (٤/ ٣٦١) \"هذه أقوال متقاربة المعاني، وأصله من أززت الشيء أؤزه أزًا، وأزيزًا، أي: حركته\".\n(٣) في أ: \"لهم الموعظة\". بالتقديم والتأخير.\n(٤) حكاه في النكت والعيون (٣/ ٣٨٩).\n(٥) حكاه الواحدي في الوسيط (٣/ ١٩٥).\n(٦) قاله الكلبي.\nانظر: النكت والعيون (٣/ ٣٨٩).\n(٧) قاله ابن عباس، ﵄.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٦٢٨).\n(٨) قاله ابن جريج.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٦٣١).\n(٩) انظر: معالم التنزيل (٥/ ٢٥٥).\n(١٠) حكاه في النكت والعيون (٣/ ٣٨٩) عن الأخفش.","vol":"1","page":1380},{"text":"﴿إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (٨٦)﴾ مشاة، وقيل: عطاشًا (١)، وقيل: أورادًا (٢)، لأن الوارد يرد لإزالة العطش ويساقون إلى جهنم فيكونون وردًا لها أي نصيبًا وحظًا والورد النصيب أي، هم نصيب جهنم، والمؤمنون نصيب الجنة.\n﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ﴾ قيل: الضمير للمتقين والمعنى لا يملكون الشفاعة.\n﴿إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٨٧)﴾ وقيل: يعود إلى المجرمين أي: لا يملكون أن يشفع فيهم.\n﴿إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ﴾ استئناف منقطع، وقيل: يعود إلى الملائكة، ومعنى ﴿اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٨٧)﴾ أي: قال لا اله إلا الله.\nوقيل: من مات على الإيمان فإن الله أعطى عهده أن يدخله الجنة (٣).\nوقيل: ﴿عَهْدًا﴾ عملًا صالحًا (٤).\n﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨)﴾ يعنى النصارى وبعض الكفرة.\n﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩)﴾ خاطبهم الله بهذا الكلام أو أمر نبيه بأن يقول لهم، والإِد: العظيم من الكفر وأصله الداهية، وقيل: أعظم الدواهي تقول أدّ الأمر يَإِدّ إِدًّا إذا عظم (٥).\nوقيل: الإِدّ المنكر (٦)،\n_________\n(١) قاله أبو هريرة، وابن عباس، ﵄.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٦٣١).\n(٢) انظر: معاني القرآن للنحاس (٤/ ٣٦٢).\n(٣) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٦٣٣).\n(٤) قاله ابن جريج.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٦٣٣).\n(٥) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٦/ ٢٣٢).\n(٦) قاله ابن عباس، ﵄.\n\nانظر: النكت والعيون (٣/ ٣٩٠).","vol":"1","page":1381},{"text":"(١).\n﴿تَكَادُ﴾ تريد. ﴿السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ﴾ يتشققن منه من عظم هذا القول.\n﴿وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠)﴾ كسرًا، وقيل: قطعًا (٢).\nوقيل: هدمًا (٣).\nوالهَدّة: صوت الصاعقة من السماء.\n﴿أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١)﴾ بدل من الهاء في قوله ﴿يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ﴾ ويجوز أن يكون خبر مبتدأ، أي: هو أن دعوا للرحمن ولدًا، ويجوز أن يكون نصبًا أو خفضًا على تقدير: لأن دعوا للرحمن ولدًا فيكون الوقف على يتفطرن منه.\n﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢)﴾ أي: لا يليق به ذلك فإنه غني بنفسه غير محتاج إلى معونة الأولاد والأُنس معهم والتزين بهم.\n﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣)﴾ أي: كلهم مقرون بعبوديته، وقيل: نسبة الجميع إليه نسبة العبد إلى المولى فكيف يكون البعض ولدًا والبعض عبدًا وهما يتنافيان (٤).\nو﴿آَتِي﴾ اسم فاعل من أتى وهو الاستقبال والتقدير يأتيه.\n﴿لَقَدْ أَحْصَاهُمْ﴾ أي: علم عددهم وأحوالهم وأفعالهم وأقوالهم.\n_________\n(١) الإد والإدة: العجب والأمر الفضيع العظيم والداهية، يقال: أده الأمر يؤده ويئده إذا دهاه، والإد بكسر الهمزة الشدة، قال ابن جرير في جامع البيان (١٥/ ٦٣٦): \" في الإد ثلاث لغات، يقال: لقد جئتم شيئًا إدًَّا بكسر الألف، وأَدًّا بفتح الألف، وآدًَّا بفتح الألف ومدها \".\nوانظر: القاموس المحيط للفيروز أبادي (١/ ٣٣٨)، مختار الصحاح للرازي (١/ ١٠).\n(٢) قاله مقاتل.\nانظر: الكشف والبيان للثعلبي (٦/ ٢٣٢).\n(٣) قاله عطاء.\nانظر: الكشف والبيان للثعلبي (٦/ ٢٣٢).\n(٤) لم أقف عليه، والله أعلم.","vol":"1","page":1382},{"text":"﴿وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤)﴾ أي: علم عددهم وأنفاسهم وحركاتهم وسكناتهم.\n﴿وَكُلُّهُمْ آَتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (٩٥)﴾ وحيدًا بلا مال ولا ولد.\nوقيل: بلا ناصر ولا معين (١).\n﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (٩٦)﴾ أي، يحبهم ويحببهم إلى الناس، روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه قال: \" إذا أحب الله عبدًا قال لجبريل: يا جبريل قد أحببت فلانًا فأحبوه، فيحبه أهل السماء ثم يضع له المحبة في أهل الأرض، وإذا أبغض العبد نادى جبريل (٢) قد أبغضت فلانًا فأبغضوه ثم يضع (٣) له البغضاء في أهل (٤) الأرض \" (٥).\nوقيل: إن ذلك في الآخرة ينزع الله ما في صدورهم من الغل فلا يكون بينهم تباغض فتبقى (٦) محبة محضة وود خالص (٧).\nابن بحر: معناه يهب لهم ما يحبون (٨).\n\nوقيل: يجعل لهم حبًا (٩) في قلوب المؤمنين وهذا من القول الأول.\nقال كعب: \" ما يستقر لعبدٍ ثناءٌ في الأرض حتى يستقر له ثناء في السماء \" (١٠).\n_________\n(١) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ١٩٧).\n(٢) في أ: \"قال لجبريل\".\n(٣) في أ: \"ثم يقع\".\n(٤) في ب: \"البغضاء في الأرض\".\n(٥) أخرجه البخاري (كتاب: الأدب، باب: المِقَةِ من الله، ح: ٦٠٤٠)، ومسلم في (البر والصلة، باب: إذا أحب الله عبدًا حببه إلى عباده، ح: ٦٦٤٧).\n(٦) في ب: \"فيبقى\"، باتحتية.\n(٧) لم أقف عليه، والله أعلم.\n(٨) انظر: مفاتيح الغيب للرازي (٧/ ٥٦٨)\n(٩) في أ: \"ودًا\".\n(١٠) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٣/ ٢٢).","vol":"1","page":1383},{"text":"قيل: نزلت في علي بن أبي طالب (١) حكاه الثعلبي (٢).\nوقيل: نزلت في عبد الرحمن بن عوف (٣)، (٤).\n﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ﴾ يعنى: القرآن، أي: سهلنا قراءة القرآن على لسانك.\n﴿لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ﴾ يعني المؤمنين.\n﴿وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا (٩٧)﴾ ابن عباس ﵄: شدادًا في الخصومة (٥).\nوقيل: جدلًا بالباطل (٦).\nالحسن: صُمًا (٧).\nوقيل: صم آذان القلوب (٨).\nوقيل: الألد الذي لا يقبل الحق ويدعي الباطل (٩).\nوقيل: هو الخصم (١٠)، وعن النبي ﷺ أنه قال: \" أبغض الرجال إلى الله الأَلِدُّ الخَصِم \" (١١)، واشتقاقه من لَدِيدي الوادي وقد سبق.\n_________\n(١) في ب: \"نزلت في علي\".\n(٢) انظر: الكشف والبيان الثعلبي (٣/ ٢٢)، وذكره السيوطي في الدر (١٠/ ١٤٥) وعزاه للطبراني وابن مردويه.\n(٣) عبد الرحمن بن عوف بن زهرة بن كلاب اللقرشي، كان اسمه في الجاهلية عبد عمر، فسماه رسول الله ﷺ عبد الرحمن، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، كان تاجرًا وله مال كثير، توفي سنة إحدى وثلاثين.\nانظر: الاسيعاب (٢/ ٣٨٦).\n(٤) انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١١/ ١٦١).\n(٥) انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١١/ ١٦٢)، وانظر: تفسير البغوي (٥/ ٢٥٨).\n(٦) قاله قتادة.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٦٤٦).\n(٧) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٦٤٦)، فتح القدير للشوكاني (٣/ ٣٥٤).\n(٨) قاله الربيع.\nانظر: الكشف والبيان للثعلبي (٦/ ٢٣٤).\n(٩) انظر: المصدر السابق (٦/ ٢٣٤).\n(١٠) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ١٩٨).\n(١١) أخرجه البخاري (ك: التفسير، تفسير سورة البقرة، باب: وهو ألد الخصام، ح: ٤٥٢٣).","vol":"1","page":1384},{"text":"وقيل: قومًا لدًا لا يستقيمون (١)، واشتقاقه من اللدود في الفم كلما أخذته في جهة عدل عنها إلى أخرى (٢).\n﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ هل تجد.\nوقيل: هل ترى (٣)، والإحساس الإدراك بالحاسة.\n﴿أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا (٩٨)﴾ وهو الصوت الخفي والحركة التي لا تفهمه (٤) أي: لما أتاهم عذابنا لم يبق منهم شخص يُرى ولا صوت يُسمع.\nالحسن: هل ترى من عين أو تسمع من صوت (٥)، وقيل: ماتوا ونسي ذكرهم (٦).\n_________\n(١) قاله مجاهد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٦٤٥).\n(٢) الأَلِدُ، قال في المفردات: \" هو الخصيم الشديد التّأبي، وأصل الأَلدّ: الشديد اللَّدَدِ، أي صفحة العنق وذلك إذا لم يمكن صرفه عما يريده، وفلان يتلدد أي: يتلفت، واللَّدُود: ما سُقي الإنسان من دواء في أحد شقي فمه \"\nانظر: مفردات الراغب (٧٣٩)، وانظر: القاموس المحيط (١/ ٤٠٥)، النهاية في غريب الحديث والأثر لأبي السعادات ابن الجزري (٤/ ٤٧٠).\n(٣) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ١٩٨).\n(٤) في أ: \"لا يفهمه\". بالتحتية.\n(٥) ونحوه عن قتادة.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٦٤٨)، البحر المحيط (٦/ ٢٠٧)، .\n(٦) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ١٩٨).","vol":"1","page":1385},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-126>سورة طه</span>","vol":"1","page":1386},{"text":"سورة طه\nسورة طه مائة وخمس وثلاثون آية (١)، مكية (٢)، ويقال لها: سورة موسى (٣)، وهي من أوائل ما نزل.\nوفي الخبر عن النبي - ﷺ - \" أنه لا يقرأ أهل الجنة في الجنة إلا طه ويس \" (٤).\n﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾\n﴿طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى (٢)﴾ في سبب النزول قال مقاتل: \" قال أبو جهل (٥) والنظر بن الحارث للنبي - ﷺ -: إنك لتشقى بترك ديننا وذلك أنه (٦) لِما رأو من طول عبادته وشدة اجتهاده، فأنزل الله هذه الآية \" (٧).\nوعن جويبر (٨)\n_________\n(١) \" مائة وخمس وثلاثون آية \" ساقط من ب.\n(٢) نقل الإجماع على مكيتها ابن الجوزي في زاد المسير (٥/ ٢٦٨).\n(٣) انظر: جمال القراء للسخاوي (١/ ١٩٩).\n(٤) ذكره السيوطي في الدر (١٠/ ١٥٣) وعزاه لابن مردويه عن أبي أمامة.\n(٥) أبو جهل عمرو بن هشام بن المغيرة، فرعن هذه الأمة، ورأس أئمة الكفر، خرج يوم بدر بطرًا وغطرسة فلقي مصرعه.\nانظر: البداية والنهاية (٥/ ١٣٥).\n(٦) \" أنه \" ساقط من ب.\n(٧) انظر: تفسير مقاتل (٢/ ٣٢٤)، وانظر: أسباب النزول للواحدي (٣٥١).\n(٨) جويبر بن سعيد، أبو القاسم البلخي، المفسر، صاحب الضحاك، روى كثيرًا عنه، يقال: اسمه جابر وجويبر لقبه، ضعفه ابن معين، والنسائي، توفي مابين الأربعين إلى الخمسين ومائة.\n\nانظر: ميزان الاعتدال (٢/ ١٦٠)، تهذيب التهذيب (٢/ ١١٢).","vol":"1","page":1387},{"text":"عن الضحاك قال: \" لما نزل القرآن على النبي - ﷺ - قام هو وأصحابه فصلوا، فقال كفار قريش: ما نزل هذا القرآن على محمد إلا ليشقى به فأنزل الله هذه\" (١)، (٢).\nمجاهد: كان رسول الله - ﷺ - وأصحابه يربطون الحبال في صدورهم في الصلاة بالليل كي لا يغلب عليهم النوم ثم نسخ بالفرض فأنزل الله (٣) هذه الآية (٤).\nوعن ابن شعبة (٥) قال: \" قام رسول الله - ﷺ - حتى تورمت قدماه، فقيل له: أليس الله قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: أفلا أكون عبدًا شكورًا \" (٦).\nوروى بعض المفسرين أن النبي - ﷺ - كان إذا صلى بالليل رفع رجلًا ووضع أخرى، فنزل\n﴿طه (١)﴾ الآية (٧).\nوفي ﴿طه (١)﴾ أقوال سوى ما سبق أول البقرة مجملًا:\n_________\n(١) في أ: \"فأنزل الله: طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى \".\n(٢) انظر: أسباب النزول للواحدي (٣١٥)، وعزاه السيوطي في الدر (١٠/ ١٥٥) لابن أبي حاتم.\n(٣) في أ: \"وأنزل الله\".\n(٤) انظر: تفسير مجاهد (١/ ٣٩٣).\n(٥) المغيرة بن شعبة بن أبي عامر الثقفي، يكنى أبا عبد الله، أسلم عام الخندق، وقدم مهاجرًا، كان ذا هيبة ودهاء، أصيبت عينه يوم اليرموك، إعتزل صفين، ثم لحق بمعاوية وولاه الكوفة وكانت وفاته بها سنة خمسين.\nانظر: الاستيعاب (٤/ ٧)، سير أعلام النبلاء (٣/ ٢١).\n(٦) أخرجه البخاري (ك التفسير، تفسير سورة الفتح، باب: ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك، ح ٤٨٣٦)، عن المغيرة بن شعبة ﵁، و، خرجه أيضاُ (ك: التفسير، تفسير سورة الفتح، باب: ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر، ح: ٤٨٣٧)، عن عائشة رض الله عنها.\n(٧) انظر: تفسير أبي الليث السمرقندي (٢/ ٣٣٦).","vol":"1","page":1388},{"text":"مجاهد، والحسن، وعطاء في جماعة معناه: يا رجل (١).\nعكرمة: يا رجل بلسان الحبشة (٢).\nقتادة: يا رجل بالسريانية (٣).\nابن جبير: بالنبطية (٤).\nالسدي: معنى ﴿طه (١)﴾ يا فلان (٥).\nالكلبي: يا رجل بلغة عك (٦)، (٧).\nوأنشد: إن السفاهة طه من خلائقكم ... لا قَدَّسَ الله أرواح الملاعين. (٨)\nالقرظي (٩): أقسم الله بطَوْلِه وهدايته، والعرب تعبر عن الشيء ببعض حروفه وهذا باب واسع (١٠).\nوقيل: الطاء طبولة الغزاة، والهاء هيئتهم (١١).\n_________\n(١) انظر: تفسير الوسيط للواحدي (٣/ ١٩٩).\n(٢) انظر: المصدر السابق (٣/ ١٩٩).\n(٣) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٧).\n(٤) انظر: النكت والعيون (٣/ ٣٩٢)، زاد المسير (٥/ ٣٦٩).\n(٥) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٦/ ٢٣٦)، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١١/ ١٦٦).\n(٦) انظر: جامع البيان لابن جرير (٣/ ١٩٩).\n(٧) في أ: عُكْل، وهي لغة ومعروفة فيهم.\nأما عك: فهم قبيلة عك بن الديث بن عدنان، وهي من القبائل التي ارتدت بعد وفاة النبي ﷺ، وأرضهم بين الطائف والساحل، فقاتلهم الصديق ﵁.\nانظر: تاريخ الطبري (١/ ٥١٥)، معجم البلدان (١/ ١١٨).\n(٨) البيت ليزيد بن المهلهل.\nانظر: التبيان في تفسير القرآن للطوسي، من مشائخ الشيعة (٧/ ١٠٤)، والبيت أورده الطبري في جامع البيان (١٦/ ٨)، وأبو حيان في البحر المحيط (٦/ ٢١٢).\n(٩) محمد بن كعب القرضي تنظر ترجمته ص: ١١٦\n(١٠) وهو مروي أيضًا عن ابن عباس، ﵄.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٧)، زاد المسير (٥/ ٢٧٠).\n(١١) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٦/ ٢٣٧).","vol":"1","page":1389},{"text":"وقيل: الطاء طوبى والهاء الهاوية (١).\nوقيل: طه، اسم الله (٢).\nوقيل: اسم القرآن (٣).\nوقيل: اسم السورة (٤).\nعطاء: اسم النبي - ﷺ - (٥)، فقد روي \" أن للنبي - ﷺ - سبعة أسماء في القرآن: محمد، وأحمد، وطه، ويس، والمزمل، والمدثر، وعبد الله \" (٦).\nوقيل: الطاء في حساب الجمل تسع والهاء خمس فيكون أربع عشرة، ومعناه: يا أيها البدر، حكاه الثعلبي (٧).\n_________\n(١) انظر: المصدر السابق (٦/ ٢٣٦).\n(٢) وهو قول ابن عباس، ﵄.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٧).\n(٣) انظر: غرائب التفسير (١/ ٧٠٩).\n(٤) حكاه في النكت والعيون (٣/ ٣٩٣).\n(٥) انظر: البحر المحيط (٦/ ٢١٢).\n(٦) ذكره في كنز العمال (١١/ ٦٢٨)، والثابت في الصحيحين من حديث جبير بن مطعم عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ \" لي خمسة أسماء: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحوا الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب \"، وأخرجه البخاري (ك: المناقب، باب: ماجاء في أسماء رسول الله ﷺ، ح: ٣٥٣٢)، ومسلم (ك: الفضائل، باب: في أسمائه، ح: ٢٣٥٤).\nوذكر ابن حجر في الفتح (٦/ ٦٤٤) أن من أسمائه التي وردت في القرآن: \" الشاهد، المبشر، النذير المبين، الداعي إلى الله، السراج المنير، المُذَكِّر، الرحمة، النعمة، الهادي، الشهيد، الأمين، المزمل، المدثر \".\n(٧) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٦/ ٢٣٧).\nيتلخص مما سبق أن الأقوال في المراد بـ \" طه \" ترجع إلى أربعة أقوال هي:\nالقول الأول: أن معناها يارجل، وهو قول ابن عباس، ﵄ والحسن وابن جبير ومجاهد وجماعة ثم اختلفوا بأي لغة؛ فقيل بالنبطية، وقيل بالسريانية، وقيل بلغة عك، وقيل بالحبشية.\nالقول الثاني: أنها حروف من أسماء لله تعالى، أو أنها أسماء للنبي ﷺ، أو أنها على حساب الجمل، فالطاء تسعة والهاء خمسة والمعنى: ياأيها البدر ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى.\nالقول الثالث: أنه قسم أقسم الله تعالى به، فأقسم بِطَوْله وهدايته.\nالقول الرابع: أن معنانها: طأ الأرض بقدميك.\nواختار ابن جرير في جامع البيان (١٦/ ٨) أن معناه يارجل، لأنها كلمة معروفة في عك معناها يارجل، واستشهد بالبيت السابق، وذهب أبو حيان في البحر المحيط (٦/ ٢١٢) إلى أن \" طه \" من الحروف في أوائل السور، وأشار إليه ابن كثير في تفسيره (٣/ ١٤٩)، واختاره الشنقيطي في أضواء البيان (٤/ ٤٣٢) واستدل بأن الطاء والهاء من الحروف المقطعة التي وردت في أوائل السور؛ فالطاء وردت في فاتحة سورة الشعراء \" طسم \" وفي فاتحة سورة النمل \" طس \"، والهاء وردت في فاتحة سورة مريم \" كهيعص \".","vol":"1","page":1390},{"text":"وقرئ (طَهْ) بسكون الهاء، وهو أمر (١)، وفيه وجهان:\nأحدهما: أن يكون الهمزة قلبت هاء نحو: هياك وإياك.\nوالثاني: أن يكون الهاء للاستراحة، و(ط) أمر من وطي على ترك الهمزة، وأجاز ابن الأنباري (٢) أن يكون الهاء للكناية عن الموضع فسكن كباب يوده (٣).\nقال الشيخ ﵀ (٤): ويحتمل أن (طا) أمر من وطأ يطأ حذف همزه كما يحذف من قرأ (٥) وبابه، وهاء كناية عن الأرض أي: طأ الأرض بقدميك، وحذف الألف من الخط كما حذف من قوله أيها المؤمنون فإنه في الإمام آية المؤمنون، وكذلك آية الساحر وهذا ظاهر جدًا، والله أعلم.\nوكان بعد ذلك يضع قدميه ويصلي بعض الليل وينام بعضه.\nوقيل: هو نفي لماّ قال الكفار شقي بترك دين آبائه، أي: ما أنزلناه لتشقى بل لتسعد (٦).\n﴿إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٣)﴾ تذكيرًا للخلق، ونصبها على الاستثناء المنقطع وقيل: مفعول له، وقيل: على التقديم ما أنزلنا إلا تذكرة لا لتشقى، وقيل: معناه ما أنزلناه لتتعب في دعاء الكفار فلست عليهم بحفيظ بل لتذكر به (٧).\n﴿لِمَنْ يَخْشَى (٣)﴾ أي: يخشى الله فينتفع به، وخص الخاشي لا نتفاعه به.\n_________\n(١) وهي قراءة الحسن، وعكرمة، وهي قراءة شاذة.\nانظر: شواذ القراءات للكرماني (٣٠٥).\n(٢) ابن الأنباري، تنظر ترجمته ص: ١٤٧\n(٣) انظر: البيان في غريب إعراب القرآن لابن الأنباري (٢/ ١٣٨)، النكت والعيون للماوردي (٣/ ٣٩٣).\n(٤) \" قال الشيخ ﵀ \" ساقط من ب، والمراد به المؤلف، وقد يكون هذا من عمل النساخ.\n(٥) في ب: \"إقرأ\".\nانظر: النكت والعيون للماوردي (٣/ ٣٩٣).\n(٦) انظر: إعراب القرآن للنحاس (٣/ ٣١).\n(٧) انظر: إعراب القرآن للنحاس (٣/ ٢٣).","vol":"1","page":1391},{"text":"﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَا (٤)﴾ أي: نزله الله تنزيلًا، وقيل: بدل من التذكرة، و﴿الْعُلَا﴾ جمع العليا وهي تأنيث الأعلى.\n﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ أي: هو الرحمن، وما بعده في محل نصب على الحال وقيل: الرحمن مبتدأ وما بعده خبره.\nومعنى قوله ﴿اسْتَوَى﴾ سبق في سورة الأعراف (١)، وليس ذلك بمعنى التمكن في المكان فإنه كان بلا مكان بإجماع فلم يحتج بعد خلق المكان إلى ما كان عنه غنيًا (٢).\nوروى عن ابن عباس، ﵄ الوقف على قوله ﴿عَلَى الْعَرْشِ﴾ ثم ابتدأ (٣) ... ﴿اسْتَوَى (٥) لَهُ (٦)﴾ الآية (٤).\n_________\n(١) في قوله تعالى ﴿إِن رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤].\n(٢) ومذهب أهل السنة والجماعة أن الله تعالى فوق كل شيء، وأنه فوق العرش فوق السماوات مستوي على عرشه بذاته، على الحقيقة، بائن من خلقه، على الوجه الذي يليق به، من دون تكييف، فإن الاستواء معلوم في اللغة، والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة، وهو ما دلت عليه آيات القرآن العزيز، وما ثبت عن النبي ﷺ، وأقوال أئمة الدين، بخلاف من فسره من أهل البدع بالاستيلاء.\nانظر في ذلك: الفتاوى لابن تيمية (٣/ ٢٦٠ - ٢٦٥)، اجتماع الجيوش الإسلامية لابن القيم (٥١)، لوامع الأنوار للسفاريني (١/ ١٩٨، وما بعدها).\n(٣) في ب: \"ثم قال\".\n(٤) \" الآية \" ساقط من أ.\nوانظر: القطع والائتناف للنحاس (٣٢٥)، وذهب أبو حيان في البحر المحيط (٦/ ٢١٤) إلى أنه لايصح الوقف على \" على العرش \" على أن يكون فاعلًا لاستوى.","vol":"1","page":1392},{"text":"﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى (٦)﴾ تحت الأرض.\nوالثرى: التراب الندي.\nوقيل: الثرى الماء من قولهم: التقى الثريان (١) ويروى الثروان أي: ماء السماء وماء الأرض ولا يعلم ما تحت الثرى إلا الله وحده (٢).\n﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ﴾ أي (٣): تعلن به.\n﴿فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (٧)﴾ أي: وأخفى من السر، ابن عباس، ﵄: ﴿السِّرَّ﴾ ما أسررت في نفسك، ﴿وَأَخْفَى﴾ مالم يكن وهو كائن (٤).\nوقيل: السر ما أسر ابن آدم في نفسه، وأخفى: ما خفي على ابن آدم مما هو فاعله قبل أن يعلمه (٥).\nوقيل: السر العمل يخفيه عن الناس وأخفى الوسوسة (٦).\nالحسن: السر ما أسره الرجل إلى غيره، وأخفى ما أسره في نفسه (٧).\n_________\n(١) حكاه ابن جرير في جامع البيان (١٦/ ١٢).\n(٢) الثرى: التراب النَّدي، وقيل هو الذي إذا بُلَّ لم يصر طينًا لازبًا، وثرت الأرض ثرىً فهي ثرية ندِيت ولانت بعد الجدوبة واليُبس، ويطلق الثرى على ما تحت الأرض، والجمع أثراء.\nانظر: لسان العرب (٢/ ٩٥)، القاموس المحيط (١٦٣٥)، مادة: ثرا.\n(٣) \"أي\": ساقط من ب.\n(٤) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٦/ ١٤).\n(٥) وهو مروي أيضًا عن ابن عباس، ﵄.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ١٣).\n(٦) قاله مجاهد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ١٤).\n(٧) ذكره السيوطي في الدر (١٠/ ١٦١)، وعزاه لعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"1","page":1393},{"text":"زيد بن أسلم (١): يعلم أسرار العباد وأخفى سره فلا يعلم (٢)، فعلى هذا أخفى فعل ماض.\nوقيل: أخفى بمعنى: الخفي (٣)، أي: يعلم السر والخفي، وله نظائر وتقدير الآية: وإن تجهر بالقول لم يكن عنده أظهر مما تسره، وجواب الشرط محذوف ثم عطف عليه جملة تكشفه فقال ﴿فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾.\n﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ يريد صفاته، وهو ما روي عن النبي - ﷺ - أنه قال: \" إن لله تسعة وتسعين اسمًا مائة إلا واحدًا من أحصاها دخل الجنة\" (٤). ومعنى الحسنى (٥) أي: في الآذان والقلوب.\n_________\n(١) زيد بن أسلم العدوي العمري المدني، أبو عبد الله، الإمام الفقيه، يروي عن ابن عمر، وسلمة بن الأكوع، وجابر بن عبد الله، كان عالمًا بالتفسير، روى له الجماعة، توفي سنة ست وثلاثين ومائة.\nانظر: سير أعلام النبلاء (٥/ ٣١٦)، طبقات المفسرين للداوودي (١/ ١٨٢).\n(٢) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٦/ ١٦).\n(٣) انظر: النكت والعيون (٣/ ٣٩٤).\n(٤) أخرجه البخاري (ك: الدعوات، باب: لله ﷿ مائة اسم غير واحد، ح: ٦٤١٠)، ومسلم (ك: الذكر والدعاء، باب: في اسماء الله وفضل من أحصاها، ح: ٢٦٧٧) عن أبي هريرة ﵁.\n(٥) \"الحسنى\"، ساقط من أ.","vol":"1","page":1394},{"text":"وقيل: هي (١) الحسنى، لأن سماعها يدل على توحيده ووجوده وكرمه (٢)، والحسنى صفة الجمع كقوله ﴿حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ [النمل: ٦٠] (٣).\n﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (٩)﴾ أي: تأس به واصبر على المكاره والأذى تنل الدرجة العليا (٤) كما نالها أخوك موسى.\nومعنى ﴿وَهَلْ أَتَاكَ﴾: قد أتاك. وقيل: استفهام يتضمن الحث على الإصغاء إلى ما يخبر به منه (٥).\nالكلبي: أي: مالم يأتك فهو استفهام بمعنى النفي (٦)، ثم أخبر فقال: ﴿إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا﴾ وذلك أن موسى ﵇ لما قضى الأجل استأذن شعيبًا في الرجوع إلى والدته فأذن له فيه، فخرج بأهله وسار عن مدين، فلما بلغ وادي طوى (٧)،\n_________\n(١) في ب: \" وقيل هي معنى الحسنى \" والصواب ما أُثبت.\n(٢) انظر: معاني القرآن للزجاج (٣٢٨٥).\n(٣) \" الحسنى \" المفضلة على الحسنة، واحدها أحاسن، وقد أثبت الله له جميع الأسماء الحسنى، وأمر بالدعاء بها، ومن زعم أن اسمًا من أسمائه مخلوق فهو مبتدع، بل الواجب إثباتها من غير تعطيل ولاتحريف.\nانظر: الفتاوى لابن تيمية (٦/ ١٤١، ١٤٢، ١٧٤).\n(٤) في أ: \" تنل درجة العليا \".\n(٥) انظر: إعراب القرآن للنحاس (٣/ ٣٢).\n(٦) انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١١/ ١٧١).\n(٧) وادي طوى: اسم واد في أصل الطور بالشام.\n\nانظر: معجم ما استعجم لعبد الله البكري الأندلسي (٣/ ٨٩٦).","vol":"1","page":1395},{"text":"وفيه جبل زَبِير (١)، وهو الطور، وكانت ليلة الجمعة غامت عليه السماء، وهاجت نكبًا، وأضل الطريق وتبددت غنمه وأخذ امرأته الطلق، فبينا هو كذلك إذ رأى من جانب الطور نارًا فقال: ﴿لِأَهْلِهِ﴾ امرأته وولديه.\n﴿امْكُثُوا﴾ أقيموا على مكانكم.\n﴿إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا﴾ أبصرت نارًا وأحسستها، يقال: للذي أبصر الشيء من بعيد مما يسكن إليه آنسه. قال:\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . ... آنس خِرْبَانَ فضاء فانكدر (٢).\nوكان نورًا ترائى له نارًا (٣).\n﴿لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ﴾ القبس الشعلة (٤) من نار في طرف عود أو فتيلة. وقيل: القبس: الجمرة الصغيرة (٥).\n_________\n(١) قال ابن الجوزي في زاد المسير (٣/ ٢٥٧) \" زَبِير: اسم الجبل الذي كلم الله عليه موسى ﵇، وهو أعظم جبل بمدين \".\n(٢) هذا جزء من بيت للعجاج يصف بازيًا وتكملته:\nتَقَضِّيَ البازي إذا البازي كَسَر ... أبصر خِرْبانَ فضاء فانكدر\nشَاكَ الكَلالِيب إذا أهوى اظَّفَر.\nوالخَرِب: ذكر الحبارى، وتجمع على خِربان، وهو طائر طويل العنق، والمنقار.\nانظر: ديوان العجاج (٢٩، ٢٨)، وفيه \"أبصر\" وذكر الكرماني هنا \"آنس\"، وانظر: مجمع الأمثال لأبي الفضل أحمد النيسابوري (١/ ٢٤٧)، صبح العشى للقلقشندي (٢/ ٧١).\n(٣) آنس الشيء أحسه، وآنس الشخص واستأنسه رآه وأبصره، ونظر إليه، وآنس الشيء عَلِمَه.\nانظر: مختار الصحاح (١٩)، القاموس المحيط (٦٨٣)، مادة: أنس.\n(٤) في ب: \" شعلة من نار \".\n(٥) القبس: النار، والشعلة منها، لأنها مقتبسة منها أي: مأخوذة منها، والقبس أيضًا: الجذوة وهي النار التي تأخذها في طرف عود.\nانظر: القاموس المحيط (٧٢٧)، المصباح المنير (٢/ ٤٨٧)، مادة: قبس.","vol":"1","page":1396},{"text":"﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى (١٠)﴾ هاديًا يدلني على الطريق والماء، أي: أرجوا أن ألحق ناسًا وأقتبس نارًا.\n﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى (١١)﴾ أي: النار وجد نارًا بيضاء تتوقد في شجرة خضراء. وجاء في التفسير أنها شجرة العُنَّاب (١)، لم يجد عندها أحدًا نودي موسى يا موسى (٢).\n﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾ كرر الكناية لتوكيد الدلالة، ومن فتح (٣) حمله على نودي ومن كسر أضمر القول أو أنزل النداء منزلة القول لأن النداء قول (٤).\n﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ قيل: كانا من جلد حمار غير مدبوغ (٥).\n_________\n(١) العُنَّاب: واحدتها عُنَّابة، ويقال له السنجلان بلسان افرس، وهي من أقل الشجر نارًا، ولها ورق كبير، وفي بعضه شوك، وربما سمي ثمر الأراك عنابًا.\nانظر: لسان العرب (٩/ ٤١٣)، القاموس المحيط (١٥٢)، مادة: عنب.\n(٢) قاله ابن عباس، ﵄.\nوقال ابن مسعود: كانت الشجرة سَمُرَة خضراء، وقال قتادة ومقاتل كانت شجرة عوسج.\nانظر: معالم التنزيل للبغوي (٥/ ٢٦٥)، زاد المسير (٦/ ٢١٨).\n(٣) في ب: \" من فتح \".\n(٤) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وأبو جعفر \" أَنِّيَ \"، بفتح الألف والياء، والمعنى: نودي بأني أنا ربك. وقرأ نافع، وعاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي \" إِني \" بكسر الألف، والمعنى: نودي ياموسى فقال الله إني أنا ربك.\nانظر: الحجة لابن خالويه (٢٤١)، الكشف لمكي بن أبي طالب (٢/ ٩٦).\n(٥) قاله علي بن أبي طالب، وكعب، وعكرمة، وقتادة.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٢٤، ٢٣).","vol":"1","page":1397},{"text":"الحسن في جماعة: كانا من جلد بقر، وإنما أمر بخلعهما لينال قدمه بركة الوادي المقدس (١).\nوقيل: أمره بذلك تأديبًا له وأمرًا بالخضوع (٢)، والخلع: نزع الملبوس.\nوقيل: معناه فرغ قلبك من شغل الأهل والولد، حكاه الثعلبي (٣).\nفخلعهما موسى فألقاه من وراء الوادي.\n﴿إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ (١٢)﴾ الوادي: سفح الجبل، ويقال: هو مجرى عظيم من مجاري الماء.\nو﴿الْمُقَدَّسِ﴾ المُطَهَّر بإزالة النجاسات، وكذلك بإزالة الكفر والمعصية عنه.\nوقيل: المقدس المبارك (٤).\n﴿طُوًى (١٢)﴾ اسم علم للوادي؛ من صَرَفَه قال (٥) سمي مذكر بمذكر، ومن لم يصرفه فلتأنيث البقعة والتعريف، وقيل: للعدل والتعريف، وقيل: طوى مصدر مثل هدى (٦) والمعنى: نودي طوى، أي: مرتين لأن الثانية إذا أعقبت الأولى صارت كالمطوية عليها وكذلك فيمن كسر ﴿طُوًى﴾. (٧)\nومثله لاثناء (٨) في الصدقة.\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٦/ ٢٤)، وأخرج نحوه عن مجاهد، وابن أبي نجيح، واختار أن الله أمره بخلع نعليه ليباشر بقدميه بركة الوادي لأنه مقدس، ولم يدل دليل صحيح على أنهما كانا من جلد حمار، أو لنجاستهما، أو غير ذلك.\n(٢) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٦/ ٢٤٠).\n(٣) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٦/ ٢٤٠).\n(٤) قاله ابن عباس، ﵄.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٢٦).\n(٥) \" قال \" ساقط من أ.\n(٦) انظر ذلك في معاني القرآن للزجاج (٣/ ٢٨٦).\n(٧) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو \" طُوى وأنا \" غير مصروفة، وقرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي \" طُوىً \" مصروفة.\nانظر: الغاية في القراءات العشر للنيسابوري (٢٠٦)، التيسير للداني (١٥٠).\n(٨) في ب: \" لا ثني \".","vol":"1","page":1398},{"text":"وقيل: المقدس طوى أي: قدس مرتين (١).\nوقيل: طوى ليلًا (٢).\nوقيل: طويت الوادي واجتزت به طوى فهو أيضًا مصدر (٣).\nالضحاك: واد مستدير عميق مثل البئر (٤) الطويّ (٥).\nوقيل: طوى من الطوي وهو: الجوع، أي: صائم (٦).\n﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (١٣)﴾ تؤمر وتنهى.\n﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ وحدني وأطعني ولا تعبد غيري.\n﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤)﴾ فيه ثلاثة أقوال:\n\nأحدها: لتذكرني فيها (٧).\nوالثاني: لأذكرك فيها (٨)، وهذا غريب.\nوالثالث: إذا ذكرت الصلاة فصلها (٩).\n_________\n(١) قاله الحسن.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٢٨).\n(٢) قاله ابن عباس، ﵄.\nانظر: النكت والعيون (٣/ ٣٩٦).\n(٣) قاله ابن عباس، ﵄.\nانظر: جامع البين لابن جرير (١٦/ ٢٧).\n(٤) في ب: \"مثل الطوي\".\n(٥) انظر معالم التنزيل للبغوي (٥/ ٢٦٧).\n(٦) انظر: غرائب التفسير (١/ ٧١٢).\nللمفسرين في معنى \" طوى \" ثلاثة أقوال:\nالأول: أنه اسم للوادي.\nالثاني: أن معناه طأ الوادي، وهما مرويان عن ابن عباس، ﵄.\nالثالث: أن معناه قدس مرتين، وهو قول الحسن، وقتادة.\nانظر: زاد المسير (٥/ ٢٧٤).\n(٧) قاله مجاهد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٣٢).\n(٨) في ب: \" لأذكرك بها \"، وانظر: غرائب التفسير (١/ ٧١٣).\n(٩) انظر: النكت والعيون (٣/ ٣٩٧).","vol":"1","page":1399},{"text":"وروى قتادة عن أنس (١) أن رسول - ﷺ - قال: \"من نسي صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها إن الله تعالى يقول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤)﴾ \" (٢).\nوقيل: هو خطاب للنبي محمد - ﷺ - إلى قوله ﴿فَتَرْدَى (١٦)﴾، ثم رجع إلى قصة موسى حكاه الفقيه أبو الليث (٣)، (٤) في تفسيره (٥).\nوقيل: ﴿لِذِكْرِي﴾ مردود على الوحي.\n﴿فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (١٣)﴾ فاستمع لذكري، حكاه الثعلبي (٦).\n﴿إِنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ﴾ كائنة لا محالة.\n﴿أَكَادُ﴾ أريد. وقيل: زيادة. وقيل: على أصله من تقريب الفعل، وقيل: متصل بـ ﴿آَتِيَةٌ﴾ أي: أكاد إتيانها ثم استأنف، فقال: ﴿أُخْفِيهَا﴾ وفيه قولان: أحدهما: أسترها وعلم الساعة مستور عن الخلائق كلهم (٧)،\n_________\n(١) أنس بن مالك ﵁ تنظر ترجمته ص: ٩٧\n(٢) أخرجه البخاري (ك: مواقيت الصلاة، باب: من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها، ح: ٥٩٧)، ومسلم (ك: المساجد ومواضع الصلاة، باب: قضاء الصلاة الفائتة، ح: ٦٨٤).\n(٣) في ب: \" حكاه أبو الليث \".\n(٤) أبو الليث، نصر بن محمد بن أحمد السمرقندي، الحنفي المعروف بإمام الهدى، المحدث الزاهد، صنف: تفسيره المسمى ببحر العلوم، وتنبيه الغافلين، توفي سنة خمس وسبعين وثلاثمائة.\nانظر: سير أعلام النبلاء (١٦/ ٣٢٢)، طبقات المفسرين للداوودي (٢/ ٣٤٦).\n(٥) انظر: بحر العلوم لأبي الليث السمرقندي (٢/ ٣٣٨).\nواختار ابن جرير في جامع البيان (١٦/ ٣٣) أن المعنى: أقم الصلاة لتذكرني فيها.\n(٦) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٦/ ٢٤١).\n(٧) وهو قول ابن عباس، ﵄، ومجاهد، وقتادة.\n\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٣٥، ٣٤).","vol":"1","page":1400},{"text":"وقرئ (أخفيها من نفسي) أي: أخفيها جدًا (١).\nوالثاني: أظهرها، والإخفاء من الأضطداد، وحقيقة ذلك أسلب خفاءها والخفاء الغطاء (٢).\n﴿لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (١٥)﴾ بما تعمل من خير وشر فيجازى عليه، ويقوي الإظهار قراءة من قرأ (أَخفيها) بالفتح فإنه الإظهار لا غير، واللام متصلة بالإخفاء فيمن جعله بمعنى الإظهار. وقيل: متصلة بقوله ﴿آَتِيَةٌ﴾.\nالزجاج: يجوز أن تكون متصلة بقوله ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤)﴾ أي (٣):\n﴿لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (١٥)﴾ (٤).\n\n﴿فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا﴾ عن الإيمان بالقيامة وعن التأهب لها.\n﴿مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ والصَّدُ: يستعمل في الخير، تقول: صده عن الخير ولا تقول صده عن الشر (٥).\n_________\n(١) وهي قراءة شاذة مروية عن ابن مسعود، وأُبي بن كعب، ﵄.\nانظر: الشواذ لابن خالويه (٨٧)، شواذ القراءات للكرماني (٣٠٦).\n(٢) وهذا على قراء من قرأ بفتح الهمزة (أَخفيها)، وهي قراءة شاذة مروية عن سعيد بن جبير، والحسن.\nانظر: المحتسب لابن جني (٢/ ٩١).\nقال ابن جرير في جامع البيان (١٦/ ٣٤): \" الإخفاء والإسرار قد توجههما العرب إلى معنى الإظهار \" ثم قال \" وقراءة جميع أمصار الإسلام \" أُخفيها \" بمعنى: أكاد أُخفيها من نفسي، لئلا يطلع عليها أحد، وبذلك جاء تأويل أكثر أهل التأويل \".\n(٣) \" أي \"، ساقط من ب.\n(٤) انظر: معاني القرآن للزجاج (٣/ ٢٨٧).\n(٥) الصَّد: الإعراض والصدوف، وصدَّه عن الأمر يصده صدًا منعه وصرفه عنه، والصُّدُّ الهِجران.\nانظر: لسان العرب (٧/ ٢٩٧)، مادة: صدد.","vol":"1","page":1401},{"text":"والهوى يستعمل في المعاصي وحقيقته ميل النفس إلى الشيء للشهوة (١).\n﴿فَتَرْدَى (١٦)﴾ فتهلك في القيامة وتعذب بالنار، الخطاب له والمراد به غيره.\n﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (١٧)﴾ استفهام يتضمن التنبيه على ما في العصا من العجائب التي لم يعهد مثلها من قلبها حية تسعى.\nالزجاج: يؤخذ به إقرار المخاطب ليكون أبعد من بعد عن الانكار وعن الادعاء أنها لم تزل كذلك (٢).\nوقيل: أراد الاستئناس ورفع الهيبة في المكالمة (٣)، وإنما قال \"بيمينك \" ولم يقل بيدك لأنه يحتمل أنه كان في يساره خاتم أو شيء آخر فكان يلتبس عليه الجواب.\nوذهب كثير من المفسرين إلى أن ﴿بِيَمِينِكَ﴾ صلة لـ ﴿تِلْكَ﴾ أي: وما التي بيمينك، وزعموا أن أسماء الإشارة قد توصل (٤)، وأنشدوا:\nعَدَسْ مال لِعَبَّادٍ عليك إمارةٌ ... نجوت وهذا تحملين طَلِيقُ (٥).\nويحتمل أن قوله ﴿بِيَمِينِكَ﴾ حال لـ ﴿تِلْكَ﴾ لا صلة.\n﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ﴾ وكانت عصا طولها عشرة، ولها شعبتان، وفي أسفلها سنان، وكانت من أُسِّ الجنة، واسمها: عُلِّيق (٦)،\n_________\n(١) وهوى النفس: إرادتها، ومحبة الإنسان للشيء وغلبته على قلبه وجمعه أهواء.\nانظر: مختار الصحاح (٣٠٦)، المصباح المنير (٢/ ٦٤٣).\n(٢) انظر: معاني القرآن للزجاج (٣/ ٢٨٨).\n(٣) انظر: النكت والعيون (٣/ ٣٩٩).\n(٤) انظر: معاني القرآن للفراء (٢/ ١٧٧)، جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٤٢).\n(٥) عدس: كلمة تستعمل لزجر البغل، والبيت ليزيد بن مفرغ.\n\nانظر: الأغاني (١٨/ ٢٧٩)، أدب الكاتب لابن قتيبة (٣٢١)، الحماسة البصرية (١/ ١٧٣).\n(٦) العُلِّيق: شجر من شجر الشوك لايعظم، وسمي بذلك لأنه يتعلق بالشجر ويلتوي عليه.\n\nانظر: لسان العرب (٩/ ٣٦٠).","vol":"1","page":1402},{"text":"وقيل: نبعة (١)، وقيل: غيرهما (٢).\n﴿أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا﴾ أتوكأ وأعتمد عليها إذا مشيت وإذا أعييت وعند الوثبة والظفرة.\n﴿وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي﴾ أخبط بها الشجر ليتناثر ورقها فتأكله غنمي (٣).\n﴿وَلِيَ فِيهَا مَآَرِبُ أُخْرَى (١٨)﴾ جمع مأْرَبَة بالحركات الثلاث، وهي الحاجة، ووحد ﴿أُخْرَى﴾ لتأنيث الجماعة لروي الآية.\nقال ابن عباس، ﵄: \" كان موسى يحمل عليها زاده وسقاه ويماشيه ويحدثه وكان يضرب بها الأرض فيخرج ما يأكل يومه، ويركزها فيخرج منها (٤) الماء فإذا رفعها ذهب الماء، وإذا ظهر له عدو حاربت وناضلت عنه، وإذا أراد الاستقاء من البئر أدلاها فكانت على طول البئر وصارت شعبتاها كالدلو حتى يستقى، وكان يظهر على شعبتها كالشمع بالليل يضيء له ويهتدى به، وإذا اشتهى ثمرة من الثمار ركزها فتغصنت غصن تلك الشجرة وأورقت ورقها وأثمرت ثمرها \" (٥).\n_________\n(١) النبع: شجر طوال، صلب يتخذ منه القسي والسهام، وأشده ما نبت في الجبال.\nانظر: النهاية في غريب الأثر لأبي السعادات بن الجزري (٥/ ١٥٦).\n(٢) انظر: معالم التنزيل للبغوي (٥/ ٢٦٨).\n(٣) الهّشُّ: أن يضع الرجل المحجن في الغصن ثم يحركه حتى يسقط ورقه وثمره، ولا يكسر العود.\nانظر: المصباح المنير (٢/ ٦٣٨). وانظر: غريب الحديث للخطابي (١/ ٣٥٠).\n(٤) في ب \" فيخرج الماء \".\n(٥) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٦/ ٢٤٢)، معالم التنزيل للبغوي (٥/ ٢٦٩).\n\nقال ابن كثير في تفسيره (٣/ ١٥٢): \" وقد تكلف بعضهم لذكر شيء من تلك المآرب التي أُبهمت ... من الأمور الخارقة للعادة والظاهر أنها لم تكن كذلك، ولو كانت كذلك لما استنكر موسى ﵇ صيرورتها ثعبانًا فما كان يفر منها هاربًا، ولكن كل ذلك من الأخبار الإسرائيلية \" بتصرف يسير.","vol":"1","page":1403},{"text":"وإنما زاد على الجواب تعدادًا للنعم وشكرًا، وقيل: خاف أن ينكر عليه استصحاب العصا كالنعلين، وقيل: هو جواب سؤال آخر كأنه لما قال: ﴿هِيَ عَصَايَ﴾ قيل له: ما تصنع بها فأخذ يعد منافعها (١)، وعلى هذا القول يحتمل أن قوله ﴿عَصَايَ﴾ جواب سؤال آخر لأن جواب قوله ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ﴾ أن يقول: عصا، ثم قيل: لمن هي؟ فقال: عصاي، ثم قيل: وما تصنع بها؟ فعد منافعها.\nويحتمل أن ما عد ابن عباس، ﵄ من منافع عصاه حصل فيها بعد ذلك السؤال (٢) لأن أكثرها معجز ولم يكن لموسى قبل تلك الليلة معجزة.\n﴿قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى (١٩)﴾ اطرح عصاك. ﴿فَأَلْقَاهَا﴾ فطرحها.\n﴿فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى (٢٠)﴾ تمشي سريعًا.\nوجاء في التفسير: فمرت بشجرة فأكلتها وبصخرة فابتلعتها فهال موسى ما رآه وولى هاربًا خوفًا (٣).\nابن عباس، ﵄: صارت حيةً صغيرة لها عرف كعرف الفرس، وجعلت تزيد حتى صار ثعبانًا، والجَانُّ أول حالتها وهي الصغيرة من الحيات، والثعبان آخر حالها، وهي أكبر ما يكون، والحية للجنس يعم الكل (٤).\n﴿قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى (٢١)﴾ سنردها إلى خلقتها وهيئتها.\n_________\n(١) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٣٣٩).\n(٢) في أ: \" بعد السؤال \".\n(٣) ذكره السيوطي في الدر (١٠/ ١٨٢)، وعزاه لابن أبي حاتم عن ابن عباس، ﵄.\n(٤) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٦/ ٢٤٢).","vol":"1","page":1404},{"text":"والسيرة: مرور الشيء في جهة من قولهم سار بهم سيرة حسنة أو قبيحة (١)، والتقدير: سنعيدها إلى سيرتها، فحذف الجار، فمد موسى يده إلى قرنيها فعادتا شعبتين وصارت عصًا كما كانت.\n﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ﴾ يعنى إبطك.\nالكلبي: أسفل الإبط (٢).\nمجاهد: تحت عضدك (٣).\nمقاتل: مع جناحك (٤).\nوقيل: إلى جناحك إلى عصاك (٥).\nوقيل: جناحا الإنسان (٦) جنباه كجناحي العسكر.\nوقيل: جناحاه يداه، والمراد في الآية الجنب (٧).\nوقيل: العضد، إذ لا معنى لقوله واضمم يدك إلى يدك (٨).\n\n﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ﴾ ذات نور وشعاع، وكانت (٩) يده كالشمس.\n﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ علة ولا مكروه، وجاء في التفسير: من غير بَرَص (١٠).\n﴿آَيَةً أُخْرَى (٢٢)﴾ علامة أخرى لنبوتك، وانتصابها على الحال.\n_________\n(١) السيرة: السنة، والطريقة، والهيئة، وهي: الحالة التي يكون عليها الإنسان وغيره، غريزيًا كان أو مكتسبًا، يقال: فلان له سير حسنة وسيرة سيئة. وسار الكلام والمثل في الناس أي: شاع.\nانظر: مفردات الراغب (٤٣٣).\n(٢) انظر: تفسير أبي الليث السمرقندي (٢/ ٣٣٩).\n(٣) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٣٠٤).\n(٤) انظر: تفسير مقاتل (٢/ ٣٢٧).\n(٥) انظر: غرائب التفسير (١/ ٧١٦)، معالم التنزيل (٦/ ٢٠٧).\n(٦) في أ: \" جناح \".\n(٧) انظر: النكت والعيون (٣/ ٤٠٠).\n(٨) وهو قول مجاهد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٤٩)، وبين أن معنى الآية \" واضمم ياموسى يدك فضعها تحت عضدك، والجناحان هما اليدان \"\n(٩) في ب: \" كانت يده \".\n(١٠) وهو قول ابن عباس، ﵄، ومجاهد، وقتادة، والحسن، والضحاك.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٥٠، ٥١).","vol":"1","page":1405},{"text":"﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آَيَاتِنَا الْكُبْرَى (٢٣)﴾ من المعجزات العظام التي نعطيكها.\nو﴿الْكُبْرَى (٢٣)﴾ صفة الآيات. وقيل: تقديره: لنريك الكبرى من آياتنا.\n﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ﴾ اذهب بهاتين الآيتين في الحال إليه وادعه إلى عبادتنا.\n﴿إِنَّهُ طَغَى﴾ عصى وعلا وكفر وتَكَبَّر.\nابن عباس، ﵄: لم يرجع موسى إلى أهله إلا بعد حول (١).\n﴿قَالَ﴾ موسى. ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥)﴾ وَسِّع ولَيِّن قلبي بالنبوة.\nابن جرير: اشرح لي صدري لأعيَ عنك ما تودعه من وحيك وأجترئ على خطاب فرعون (٢).\n﴿وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (٢٦)﴾ سَهِّل علي ما أمرتني من تبليغ الرسالة إلى فرعون.\n﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي (٢٨)﴾ افتح وأزل ما بلساني من الرُّتَّة (٣).\nابن عباس، ﵄: العقدة في اللسان كل مالم ينطق بحرف مثل التمتمة (٤)،\nوالفأفأة (٥)، (٦).\nقطرب: العقدة: مالم ينطق، وكانت فيه مسكة (٧).\n_________\n(١) لم أقف عليه، والله أعلم.\n(٢) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٥٢).\n(٣) الرُّتَّة: العقدة والحبس في لسان العرب، وكذلك العجلة في الكلام وقلة والأناة.\nانظر: لسان العرب (٥/ ١٢٩)، مادة: رتت.\n(٤) التمتمة: العجلة بالكلام فلا يكاد يُفهم، وقيل هي: رد الكلام إلى التاء والميم.\nانظر: الزاهر للأزهري (١٠٧)، القاموس المحيط (١٤٠٠).\n(٥) الفأفأة: الذي يعسر عليه خروج الكلام.\nانظر: العين للخليل (٨/ ٤٠٧)، المصباح المنير (٢/ ٤٨٣).\n(٦) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٢٠٤)، البحر المحيط (٦/ ٢٢٤).\n(٧) لم أقف عليه، والله أعلم.","vol":"1","page":1406},{"text":"مجاهد: العقدة من الجمرة التي أدخلها فاه؛ وذلك أن الله تعالى ألقى محبته في قلب آسية وسألت فرعون ألا يذبح (١) كما يذبح سائر أولاد بني إسرائيل فبينا هي ترقصه يومًا وتلعب به أخذه فرعون فلما تمكن في حجره أخذ لحيته فنتفها فغضب فرعون غضبًا شديدًا، فدعا السَّيَّاف فقالت: إنما هو صبي لا يفرق بين الياقوت والجمر فأُحضرا بين يديه فأراد مد اليد إلي الياقوت فحول جبريل يده إلى الجمرة فأخذها ووضعها في فيه فاحترق لسانه، فظهر به تتعتعٌ وتَحَبُّسٌ عند بعض الحروف فسأل الله تعالى أن يزيل ذلك من لسانه (٢).\n﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩)﴾ الوزير: من الوزر أي يحمل الثقل عن أميره.\nوقيل: من الوزر وهو الملجأ (٣).\n﴿هَارُونَ أَخِي (٣٠)﴾ أي: اجعل أخي هارون وزيرًا لي من بين أهلي؛ أهل بيتي (٤).\n﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١)﴾ ظهري.\nوقيل: قوتي (٥).\nوقيل: ضعفي (٦)؛ أي: اجعله لي معاونًا أتقوى برأيه ومشورته.\n﴿وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣٢)﴾ أي: اجعله شريكي في النبوة.\nوقرئ \" أَشدد \" بالفتح \" وأُشركه \" بالضم جوابًا لقوله ﴿وَاجْعَلْ﴾ (٧).\n_________\n(١) في أ: \" ألا يذبحه \".\n(٢) انظر: تفسير مجاهد (٢/ ٤٧٨)، وأخرج نحوه ابن جرير في جامع البيان (١٦/ ٥٣، ٥٤) عن سعيد بن جبير، والسدي.\n(٣) الوزير: المقرب من الملك الذي يحمل ثِقْلَه ويعينه برأيه، مشتق من الوَزَر وهو الجبل الذي يُعْتَصَمُ به من الهلاك.\nانظر: لسان العرب (١٥/ ٢٨٥)، مادة: وَزَرَ.\n(٤) \" أهل بيتي \" ساقط من أ.\n(٥) أخرجه ابن جرير في جامع البيان لابن جرير عن ابن زيد (١٦/ ٥٥).\n(٦) انظر: النكت والعيون (٣/ ٤٠١).\n(٧) قرأ ابن عامر \" أَشْدُد \" ألف مقطوعة مفتوحة \" وأُشْركه \" بضم الألف.\n\nانظر: الحجة لابن خالويه (٢٤١).","vol":"1","page":1407},{"text":"ابن عيسى: الشد جمع يستمسك به المجموع، قال: ومثله الربط والعقد (١).\n﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (٣٣)﴾ ننزهك عما لا يليق بك ونقول سبحان الله، وقيل: نصلى لك.\n﴿وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (٣٤)﴾ بالدعاء والثناء على كل حال.\n﴿إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا (٣٥)﴾ عالمًا بأحوالنا نَفِي بما ضمنا أم لم نف.\nوقيل: عالمًا بما يصلح لنا في أداء ما أمرتنا به فأجابه الله تعالى (٢).\n﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى (٣٦)﴾ أي: أَجبتك إلى ملتمسك، وأُعْطِيت سؤلك من شرح الصدر، وتيسير الأمر، وإزالة العقدة عن اللسان، وتقوية الظهر (٣) بنبوة الأخ. وقيل: سؤلك أمنيتك فيمن خصه بحذف الهمزة.\n﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى (٣٧)﴾ أي: أنعمنا عليك في زمان آخر قبل هذه المرة.\nوالمَرَّة: الواحدة من مرات الزمان أو مروره، ويقال: مرًا أيضًا (٤).\nقال الشاعر (٥):\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . ... مَرًا سحابٌ ومَرًا بَارِحٌ تَرِبُ.\nوقيل: المرة: الكرة الواحدة.\n﴿إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى (٣٨)﴾ حين وُلِدْتَ، وكان فرعون يقتل (٦) أمثالك فنجيناك وألهمنا أمك.\n_________\n(١) لم أقف عليه، والله أعلم.\n(٢) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٢٠٥).\n(٣) في ب: \" وتقوية الأخ \".\n(٤) المَرَّة واحدة المرة المَرّ، والمِرار، والمِرار أن يصنعه مِرارًا ويدعه مرارًا.\nانظر لسان العرب (١٣/ ٧٢)، مادة: مرر.\n(٥) في ب: \" قال \" بحذف \" الشاعر \".\nوالبيت لذي الرمة، وتمامه:\nلا بل هو الشوق من دار تخونها ... مَرًا سحابٌ ومَرًا بارحٌ ترب.\nانظر: ديوان ذي الرمة، غيلان بن عقبة العدوي (١/ ١٩).\n(٦) في ب: \" وكان يقتل فرعون أمثالك \".","vol":"1","page":1408},{"text":"وقيل: رأت في المنام (١)، ثم فسر ما يوحى بقوله ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ أي: اقذفي التابوت وهو فيه في البحر.\nوقيل: اليم اسم نيل مصر خاصة (٢)، ويُمَّ: غرق في البحر (٣).\n﴿فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ﴾ من البحر بأن يلقى التابوت إلى شاطئ البحر، وقيل: هو جواب خرج مخرج الأمر كقوله ﴿اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ [العنكبوت: ١٢].\n﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ﴾ يريد فرعون فاتخذَت تابوتًا، وجعلت فيه قطنًا ووضعت فيه موسى وقَيَّرَت رأسه وخَصَاصَه (٤).\nقال مقاتل: اسم من صنع التابوت خربيل وهو مؤمن من آل فرعون (٥)، ثم ألقته في اليَمّ، وكان فرعون جالسًا في مجلس له على شفير النيل جاء التابوت يدفعه الماء إلى الشط وامرأته آسية بنت مزاحم جالسة معه فأتيا بالتابوت ففتحاه فرأيا غلامًا، ووقعت محبته في قلوبهما وهو قوله ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾.\nقتادة: ملاحة كانت في عيني موسى من رآه أحبه لها (٦).\n_________\n(١) انظر: النكت والعيون (٤/ ٢٣٥).\n(٢) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٢٠٥)، النكت والعيون (٤/ ٢٣٥).\n(٣) اليَمّ: البحر، ويطلق على ما كان ماؤه مالحًا، وعلى النهر الكبير العذب الماء.\nانظر: لسان العرب (١٥/ ٤٥٦)، مادة: يمم.\n(٤) أي: أحكمت التابوت وطلته بالقار - وهو مايطلى به السفن - في أعلاه وأسفله وبين شقوقه، وهي الخَصَاص، حتى لا يصل الماء إلى موسى ﵇.\n(٥) انظر: تفسير مقاتل (٢/ ٣٢٩).\n(٦) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٢٠٦)، زاد المسير (٥/ ٢٨٤).","vol":"1","page":1409},{"text":"عطية العوفي (١): جعل عليه مسحة من جمال لا يكاد يصبر عنه من رآه (٢).\nوقيل: معنى قوله ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ أحببتك (٣).\n﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (٣٩)﴾ على علم مني (٤).\nوقيل: على محبتي (٥) فيمن قال أحببتك، وهو عطف على المعنى أي: ليحبك فرعون ولا يقتلك ولتصنع على عيني.\n﴿إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ﴾ إذ مشت أختك وكان اسمها مريم، حكاه الثعلبي (٦).\nفقالت لآسية وكانت تطلب حاضنة وأَنتَ تَأبَى رضاع من تحضر من النساء: ألا أدلك على من يضمن القيام بإرضاعه وتربيته.\n﴿فَرَجَعْنَاكَ﴾ فرددناك.\n﴿إِلَى أُمِّكَ﴾ كما وعدناها بقولنا ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ﴾ [القصص: ٧].\n﴿كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا﴾ سرورًا بالولد ولقائه. ﴿وَلَا تَحْزَنَ﴾ على فراقها.\n_________\n(١) عطية بن سعد بن جنادة العوفي، أبو الحسن، من مشاهير التابعين، كان شيعيًا، وهو ضعيف الحديث، توفي سنة إحدى عشرة ومائة.\nانظر: ميزان الاعتدال (٥/ ١٠٠)، تهذيب التهذيب (٧/ ١٩٤).\n(٢) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٦/ ٢٤٤)، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١١/ ١٩٦).\n(٣) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٢٠٦).\n(٤) تأويل صفة العين بالعلم، أو بالمحبة تأويل باطل، والصواب إثباتها لله تعالى على ما يليق بجلاله.\nقال ابن جرير في جامع البيان (١٦/ ٦٠) في معنى الآية \" ولتغذى على عيني ألقيت عليك المحبة منى، وعنى بقوله \" على عيني \" بمرأى مني ومحبة وإرادة \".\n(٥) قاله قتادة.\nانظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٢٠٦).\n(٦) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٦/ ٢٤٤)، وانظر: معالم التنزيل للبغوي (٥/ ٢٧٣)، البحر المحيط (٦/ ٢٢٧).","vol":"1","page":1410},{"text":"﴿وَقَتَلْتَ نَفْسًا﴾ أي: القبطي. ابن عباس، ﵄: قتل قبطيًا كافرًا (١). كعب: كان إذ ذاك ابن اثني عشرة سنة (٢).\n﴿فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ﴾ من خوف القتل وذهبنا بك من مصر إلى مدين حتى زال (٣).\nوقيل: من غم التابوت وكربه. وقيل: من غم البحر (٤).\nالمؤرج (٥): الغم: القتل بلغة قريش (٦).\nقال وهب: \" أوحى الله إلى موسى لو أن النفس التي قتلت أقرت ساعة من ليل أو نهار بأني خالقها ورازقها لأذقتك طعم العذاب، ولكني عفوت عنك أمرها أنها لم تقر لي ساعة\" (٧).\n﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ وابتليناك (٨) ابتلاءً.\n_________\n(١) انظر: معالم التنزيل للبغوي (٥/ ٢٧٣).\n(٢) في أ: \" ابن عشرة سنة \"، والصواب ما أُثبت.\nانظر: معالم التنزيل للبغوي (٥/ ٢٧٣).\nوكان قتله للقبطي خطأ؛ فقد أخرج مسلم في (ك: الفتن، باب: الفتنة من الشرق، ح: ٢٩٠٥) عن عبد الله بن عمر يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \" إنما قتل موسى الذي قتل من آل فرعون خطأ، فقال الله له ﴿وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ \".\n(٣) وهو اختيار ابن جرير في جامع البيان (١٦/ ٦٢)، وابن كثير في تفسيره (٣/ ١٥٥).\n(٤) انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١١/ ١٩٨).\n(٥) مؤرج بن عمرو بن الحارث السدوسي، البصري، النحوي، كان عالمًا بالعربية، والأدب، سمع من أبي عمرو ابن العلاء، صنف: غريب القرآن، المعاني، وغيرها، توفي سنة خمس أو أربع وتسعين ومائة، وقيل غير ذلك.\nانظر: بغية الوعاة للسيوطي (٢/ ٣٠٥).\n(٦) انظر: البحر المحيط (٦/ ٢٢٧).\n(٧) أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٦٠).\n(٨) في ب: \" ابتليناك \".","vol":"1","page":1411},{"text":"ابن عباس، ﵄: بلاءً على بلاء (١).\nوقيل: أخلصناك إخلاصًا (٢).\nابن عيسى: عاملناك معاملة المختبر حتى صلحت للاصطفاء بالرسالة وهذا كان أكبر نعمة (٣).\n﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾ مكثت عشر سنين في مدين وهي بلدة شعيب على ثمان مراحل من مصر.\nوهب: لبث عشر سنين عند أختانه حين أجر نفسه من أب امرأته لمهر امرأته وثمان عشرة\n\nسنة قام بها حتى ولد له (٤).\n﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى (٤٠)﴾ القدر المقدور والمجيء على الشيء بلوغه والوصول إليه أي: بلغت ما كان الله قضاه وقدره من قدومك في هذا المكان وإرسالك إلى فرعون.\nالزجاج: على موعد (٥).\nابن عباس، ﵄: جئت لميقات (٦).\nوقيل: للوقت الذي أَجّلْناه للوحي إليك وانبعاثك للرسالة (٧)، وكل شيء لا يتجاوز وقته ولا يزيد ولا ينقص عن مقدار مريده وفاعله فهو على قدر.\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٦/ ٦٤)، وعزاه السيوطي في الدر (٤/ ٢٩٦) لسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(٢) قاله مجاهد، سعيد بن جبير.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٧١، ٧٠).\n(٣) انظر: النكت والعيون للماوردي (٣/ ٤٠٣).\n(٤) انظر: معالم التنزيل للبغوي (٥/ ٢٧٣).\nوكان عمره حين خرج إلى مدين اثني عشر عامًا، فرعى الغنم لشعيب ﵇ عشر سنين، ثم أقام ثمانية عشر عامًا بعد بنائه بامرأته حتى ولد له، فَكَمُلَ له أربعون سنة.\n(٥) انظر: معاني القرآن للزجاج (٣/ ٢٩١).\n(٦) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٦/ ٧١).\n(٧) قاله محمد بن كعب.\nانظر: الكشف والبيان للثعلبي (٦/ ٢٤٤).","vol":"1","page":1412},{"text":"وقيل: على رأس أربعين سنة، وهو القدر الذي يوحى فيه إلى الأنبياء (١).\n﴿وَاصْطَنَعْتُكَ﴾ اخترتك، واصطفيتك، واجتبيتك.\nابن عيسى: الاصطناع (٢) الإخلاص بالألطاف (٣). ﴿لِنَفْسِي (٤١)﴾ لمحبتي (٤).\nوقيل: معناه اتخذتك وليًا (٥)، ويحتمل أن النفس تأكيد، أي: اصطنعتك (٦) لي نفسي.\n﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآَيَاتِي﴾ أي: اذهبا إلى فرعون رسولين لي بما معكما من المعجزات.\n﴿وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي (٤٢)﴾ لا تضعفا، ولا تهنا (٧).\nوقيل: لا تفترا (٨)، من الوني، والوني وهو الفتور (٩)، أي: لا تقصرا في تبليغ ذكري إلى الناس.\n﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ﴾ أعاد لأن الأول مطلق والثاني مقيد.\n_________\n(١) قاله ابن كيسان.\nانظر: المصدر السابق (٦/ ٢٤٥).\n(٢) الاصطناع: افتعال من الصنع، والصنيعة: ما أعطيته وأسديته من معروف أو يد إلى إنسان تصطنعه بها، والجمع صنائع.\nانظر: المفردات للراغب (٤٩٣)، القاموس المحيط (٩٥٤)، مادة: صنع.\n(٣) انظر: البحر المحيط (٦/ ٢٢٨).\n(٤) هذا تأويل لصفة النفس بالمحبة، وهو خلاف لمذهب أهل السنة والجماعة.\nقال شيخ الإسلام في الفتاوى (٩/ ٢٩٢) \" المراد بلفظ النفس عند الجمهور: أن الله نفسه هي ذاته المتصفة بصفاته ليس المراد بها ذاتًا منفكة عن الصفات، ولا المراد بها صفة للذات \".\n(٥) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٢٠٧).\n(٦) في ب: \" أي اصطنعتك \".\n(٧) وهو اختيار ابن جرير في جامع البيان (١٦/ ٧٣).\n(٨) قاله السدي.\nانظر: معالم التنزيل (٥/ ٢٧٤).\n(٩) الونى: الفترة في الأعمال والأمور، تقول: فلان لايني في أمره أي: لايفتر ولا يعجز.\nانظر: لسان العرب (١٥/ ٤١٠)، مادة: وني.","vol":"1","page":1413},{"text":"﴿إِنَّهُ طَغَى (٤٣)﴾ كفر وجاوز الحد في الكفر.\n﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ يحلوا في السمع ويأخذ بمجامع المستمع، ولا تُخْشِنا له في القول (١).\nوجاء في التفسير: أن معناه كنياه في المخاطبة (٢).\nوقيل: كنيته أبو العباس (٣).\nوقيل: أبو الوليد (٤).\n\nوقيل: أبو مرة (٥).\nوقيل: كَلِّمَا على رفق كيلا يغضب ويزداد كفرًا (٦).\nوقيل: قولهما ﴿وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى (٤٧)﴾ [طه: ٤٧] هو القول اللين (٧).\nوقوله ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤)﴾ أي: اذهبا على رجائكما وطمعكما.\nابن عباس، ﵄: لعل هاهنا استفهام، أي: أيتذكر فيرتدع (٨).\n﴿أَوْ يَخْشَى (٤٤)﴾ فينزجر (٩) وقيل: هي بمعنى كي، أي: كي يتذكر (١٠).\n_________\n(١) في أ: \" ولا تخشناه في القول \".\n(٢) وهو مروي عن ابن عباس، ﵄ ﵄، وعكرمة، ومجاهد، والسدي.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٧٥)، زاد المسير (٥/ ٢٨٨).\n(٣) قاله السدي، وعكرمة.\nانظر: الكشف والبيان للثعلبي (٦/ ٢٤٥)، معالم التنزيل (٥/ ٢٧٤).\n(٤) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٦/ ٢٤٥).\n(٥) قاله سفيان الثوري.\nانظر: النكت والعيون (٣/ ٤٠٥)، الدر المنثور (١٠/ ٢٠٨).\n(٦) انظر: غرائب التفسير (١/ ٧١٧).\n(٧) انظر: المصدر السابق (١/ ٧١٧).\n(٨) (في ب: \" ويرتدع \".\nأخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٦/ ٧٥)، وعزاه السيوطي في الدر (٤/ ٣١٠) لابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(٩) في ب: \" ينزجر \".\n(١٠) حكاه ابن جرير في جامع البيان (١٦/ ٧٥)، قال: \"ولكلا هذين القولين مذهب حسن ووجه صحيح\".","vol":"1","page":1414},{"text":"﴿قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا﴾ يعجل بعقوبتنا (١).\nوقيل: يبادر بعقوبتنا (٢).\nوقيل: يشتمنا (٣).\n﴿أَوْ أَنْ يَطْغَى (٤٥)﴾ يتجاوز حده، ويحتمل أن معنى قولهما ﴿أَوْ أَنْ يَطْغَى (٤٥)﴾ وقد أخبرهما الله مرتين فقال: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ [النازعات: ١٧]\n﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٤٣)﴾ أي: يدوم على طغيانه، والله أعلم.\n﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ﴾ ما تقولون.\n﴿وَأَرَى (٤٦)﴾ ما تفعلون. وقيل: معناه حافظكما، كما تقول الله معك (٤).\n﴿فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي: أطلقهم. ﴿وَلَا تُعَذِّبْهُمْ﴾ أي: لا تتعبهم في العمل؛ وكان بنو إسرائيل عند آل فرعون في تعبٍ، ونصبٍ، وعذابٍ شديدٍ؛ من قتل الأبناء، واستخدام النساء، وكان يكلفهم الأعمال الشاقة من ضرب اللَّبِن، وبناء المدائن، وعمل الطين، ونقل الحجر.\n﴿قَدْ جِئْنَاكَ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكَ﴾ يريد اليد، فأراها إياه فإذا لها شعاع يغلب نور الشمس فعجب من ذلك.\n_________\n(١) فَرَطَ في القول أسرف وتقدم، والفُرُطُ الظلم والاعتداء، وأمر فُرُط أي: متهاون به مضيع.\nانظر: القاموس المحيط (٨٧٩)، المصباح المنير (٢/ ٤٦٩)، مادة: فَرَطَ.\n(٢) قاله مجاهد، وابن زيد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٧٧، ٧٦).\n(٣) لم أقف عليه، والله أعلم.\n(٤) أي: أنه معهما، مطلع عليهما، وفي الآية إثبات صفة المعية لله تعالى، وأنه مع عباده المؤمنين بالنصر والتأييد، وكذلك إثبات صفة السمع والبصر على الحقيقة على ما يليق به ﷾.","vol":"1","page":1415},{"text":"والجمهور على أنها اليد كما ذكرت (١)، ويحتمل أنها العصا لقوله في الأخرى ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (٣٠) قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣١) فَأَلْقَى عَصَاهُ﴾ [الشعراء: ٣٠ - ٣٢]، ويحتمل أن يكون أنها العصا واليد معًا لقوله عقيبه ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾ [الشعراء: ٣٣] (٢).\n﴿وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى (٤٧)﴾ قيل: السلامة، أي: نال السلامة من اتبع الهدى. وقيل: من اتبع الهدى فله التحية والسلامة. وقيل: السلامة والنجاة (٣) لمن اتبع الهدى (٤). وقيل: دعاء منهما (٥).\n﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ﴾ يعنى في الدنيا والآخرة.\n﴿عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٤٨)﴾ أي: كذب الأنبياء، وتولى عن الإيمان.\nقيل: هذه أرجى آية في القرآن، حكاه الثعلبي (٦).\n﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى (٤٩)﴾ أي: فأتياه وأديا الرسالة وقالا له كل ما أمرا به، فقال (٧): فمن ربكما الذي تدعوانني إليه يا موسى؟ فوحد لأن المتكلم كان هو وحده. وقيل: لتغليب الخطاب، وقيل: لروي الآية (٨).\n﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (٥٠)﴾ أي: أعطى كل واحد من المخلوقات ما به قوامه واستقلاله في كونه ومعاشه.\n_________\n(١) انظر: معالم التنزيل (٥/ ٢٧٦)، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١١/ ٢٠٣).\n(٢) ويحتمل أنه أظهر اليد في مقام والعصا في مقام، والله أعلم.\n(٣) \" والنجاة \" ساقط من ب.\n(٤) حكاه الزجاج في معاني القرآن (٣/ ٢٩٢).\n(٥) وكلها أقوال متقاربة في المعنى.\n(٦) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٦/ ٢٤٦).\n(٧) في ب: \" قال \".\n(٨) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٧٩).","vol":"1","page":1416},{"text":"﴿ثُمَّ هَدَى (٥٠)﴾ أي: هداه إلى ما يتم به وله أمر معاشه.\nابن عباس، ﵄: أعطى كل شيء زوجه ثم هداه لمنكحه ومطعمه ومشربه (١). وقيل: أعطاه نظيره في الصورة من الذكورة والأنوثة ثم هداه لمأتى النسل (٢).\nوقيل: معناه ملك عباده جميع الدنيا ثم هداه إلى معرفة توحيده أي: دله (٣)، ويحتمل (٤) أن الهاء في ﴿خَلْقَهُ﴾ يعود إلى الله ﷿ على هذا القول وعلى غيره من الأقوال يعود إلى كل شيء.\nوقيل: أعطى كل شيء صورته ثم هداه لمعيشته (٥).\nوقيل: أعطى كل شيء قوته (٦).\n﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى (٥١)﴾ أي: لم يكونوا على ما تدعوني إليه ثم لم ينلهم ما توعدني به من العذاب.\nوقيل: إنما قال ذلك حين ذكر البعث فقال: ما بال القرون الأولى لم يبعثوا (٧).\nوقيل: معناه إن كنتما نبيين فأخبراني حال القرون الماضية (٨).\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٦/ ٧٨).\n(٢) قاله سعيد بن جبير.\nانظر: الكشف والبيان للثعلبي (٦/ ٢٤٧).\n(٣) انظر: غرائب التفسير (١/ ٧١٨).\n(٤) في ب: \" فيحتمل \".\n(٥) في أ: \" إلى معيشته \"، وهو قول مجاهد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٨٠).\n(٦) انظر: النكت والعيون (٣/ ٤٠٦).\n(٧) حكاه في النكت والعيون (٤٠٧).\n(٨) قال ابن كثير في تفسيره (٣/ ١٦٣): \" أصح الأقوال في معنى ذلك: أن فرعون لما أخبره موسى بأن ربه الذي أرسله هو الذي خلق ورزق وقدر فهدى شرع يحتج بالقرون الأولى أي الذين لم يعبدوا الله أي: فما بالهم إذا كان الأمر كذلك لم يعبدوا ربك بل عبدوا غيره. فقال له موسى في جواب ذلك هم وإن لم يعبدوه فإن علمهم عند الله مضبوط عليهم وسيجزيهم بعملهم\".","vol":"1","page":1417},{"text":"﴿قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ﴾ أسماؤهم، وأفعالهم مثبتة في اللوح المحفوظ وقد أحاط علمه سبحانه بهم وهو يجازيهم في دار الجزاء ووقته.\n﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (٥٢)﴾ أي: لا يخطئ ولا ينسى ما علم.\nوقيل: عدل فرعون عن المحاجة في الله إلى ذكر القرون (١).\nابن عيسى: ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي﴾ لا يذهب عليه، تقول العرب: ضَلَّ منزله بغير أَلف، وفي الحيوان أضَلَّ بعيره بالألف (٢).\nوقيل: لا يضل الكتاب، ولا ينسى ما في الكتاب (٣).\nويقال: ﴿وَلَا يَنْسَى (٥٢)﴾ لا يترك مؤمنًا إلا جازاه على خيره ولا كافرًا إلا جازاه على شره (٤). وقيل: ذَكر ذلك لأنه لم يكن نزل عليه التوراة بعد (٥).\n﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا﴾ مسكنًا يمكنكم الاستقرار فيها ولم يجعلها حَزْنَةً (٦) غليظة، لا يمكن الاستقرار عليها، ولا حرثها، ولا حفرها.\nوالمَهْد: يصلح للاسم والمصدر، والمهاد يصلح للواحد كالفراش والجمع، والمهد: ما يتهيأ للصبي لينام فيه (٧).\n_________\n(١) انظر: النكت والعيون (٣/ ٤٠٦).\n(٢) انظر: البحر المحيط (٦/ ٢٣٣).\n(٣) انظر: النكت والعيون (٣/ ٤٠٧).\n(٤) انظر: معالم التنزيل (٥/ ٢٧٧).\n(٥) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٦/ ٢٤٧).\nوالمعنى: لايشذ عنه شيء ولايفوته صغير ولا كبير ولا ينسى شيئًا يصف علمه تعالى بأنه بكل شيء محيط، ولا يخطئ في تدبيره وأفعاله، وهو أعلم بما يفعل، ولاينسى فيترك فعل ما فِعْله حكمة وصواب. والله اعلم.\n(٦) الحَزْنُ: المكان الغليظ الخشن المرتفع.\nانظر: لسان العرب (٣/ ١٥٩)، مادة: حَزَنَ.\n(٧) وجمعه: مُهُود، من مهدت الفراش مَهْدًا أي: بسطته ووطأته.\nانظر: مختار الصحاح (٢٧٨)، مادة: مَهَدَ.","vol":"1","page":1418},{"text":"﴿وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا﴾ نَهَجَ وأَوْضَح لكم طرق تسلكونها.\nوقيل: إن المعنى: أدخل لأجلكم فيها طرقًا تبلغون إلى منافعها فإنها متفرقة فيها، فما فُقِدَ في مكان جُلِبَ إليه من مكان من قوله ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢] (١).\n﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ مطرًا. ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ﴾ ذكر بلفظ التعظيم، وقيل: يجوز أن يكون تقديره: فأخرجنا نحن معاش (٢) عباده بالحرث والزرع، وقد سبق.\n﴿أَزْوَاجًا﴾ أصنافًا وألوانًا.\n﴿من نَبَاتٍ شَتَّى (٥٣)﴾ متفرق كثير، يجوز أن يكون من وصف الأزواج أي: أزواجًا شتى من النبات، ويجوز أن يكون من وصف النبات.\n﴿كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ﴾ أي: كلوا منها ما يصلح لقوتكم وغذائكم وتفكهكم وارعوا أنعامكم الكلأ والحشيش والخضر.\n﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ أي: في إنبات الألوان المختلفة من ماء واحد.\n﴿لَآَيَاتٍ﴾ لبصائر ودلالات.\n﴿لِأُولِي النُّهَى (٥٤)﴾ لذوي العقول، واحدها نهية (٣)، وسمي نهية لأنها تنهى صاحبها عما لا يجب ولا يحسن.\nوقيل: لأن صاحبها ينتهى إلى رأيه ومعرفته. وقيل: ينتهى إلى رأيه فيعمل به (٤).\n﴿* مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ﴾ أي: من الأرض وأراد به آدم ﵇ لأنه خلق من طين وهو الأصل.\n_________\n(١) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٢٠٩).\n(٢) في ب: \" معاشر \"، ولعله تصحيف.\n(٣) قال في لسان العرب (١٤/ ٣١٤) \" النُّهى: العقل، يكون واحدًا وجمعًا، والنُّهْية: العقل، وقال بعضهم: النهى: جمع نُهْية \"، مادة: نهى.\n(٤) انظر: معاني القرآن للزجاج (٣/ ٢٩٣).","vol":"1","page":1419},{"text":"وقيل: لأن النطفة يكونها الله من أنواع الأغذية وهي من الأرض، والأول هو الوجه (١).\n﴿وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾ بعد الموت. وقيل: حقيقة الإعادة انحلال تركيبه، وعود كل جزء إلى أصله (٢)، والأول أظهر.\n﴿وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى (٥٥)﴾ أي: نخلقكم كقوله ﴿النَّشْأَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ٤٧].\n﴿وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آَيَاتِنَا كُلَّهَا﴾ يريد آياتنا التي أصحبنا موسى (٣).\n﴿فَكَذَّبَ﴾ أي: فرعون موسى. ﴿وَأَبَى﴾ امتنع من طاعة الله والإيمان به.\n﴿قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا﴾ يعني: مِصْر.\n﴿بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى (٥٧)﴾ أي: قد عرفنا خداعك.\n﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ﴾ نقابلك بمثل فعلك.\n﴿فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا﴾ أي: وَاعِدْنَا مكانًا نجتمع للمغالبة فيه؛ فيتبين صدقك في دعوى النبوة ثم لا يُخْلِفُ (٤) ذلك الموعد لا نحن ولا أنت.\n﴿سُوًى (٥٨)﴾ سويًا، لا ساتر فيه. وقيل: عدلًا (٥).\nوقيل: نصفًا بين الفرقين (٦).\nوقيل: مكانًا يستوى مسافته على الفريقين (٧).\n_________\n(١) انظر: غرائب التفسير (١/ ٧١٩)، تفسير ابن كثير (٣/ ١٦٤).\n(٢) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٦/ ٢٤٨).\n(٣) كما قال تعالى ﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آَيَاتٍ﴾ [الإسراء: ١٠١].\n(٤) في أ \" لا نُخْلِفُ \".\n(٥) قاله قتادة، والسدي.\nانظر: النكت والعيون (٣/ ٤٠٨).\n(٦) قاله.\nانظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٢١٠).\n(٧) قاله ابن عباس، ﵄.\nانظر: معالم التنزيل (٥/ ٢٧٩).","vol":"1","page":1420},{"text":"قرئ بالضم والكسر (١)، وهما صفتان، كلِبَد، وحُطَم، ولحم زيم (٢)، وقوم عدي، ونصب ﴿مَكَانًا﴾ على البدل من موعد.\nالكلبي: مكانًا سوى هذا المكان (٣)، وفيه بعد عند المحققين.\n\n﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ ابن عباس، ﵄: يوم عاشوراء (٤). سعيد: يوم سوق لهم (٥).\nوقيل: يوم النيروز (٦).\nالكلبي: يوم عيد لهم من كل سنة يتزينون ويجتمعون فيه (٧)،\n_________\n(١) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، والكسائي \" سِوى \" بالكسر، أي: مكانًا مستويًا لامانع فيه من النظر. وقرأ ابن عامر، وعاصم، وحمزة، وخلف، ويعقوب \" سُوى \" بالضم، أي: مكانًا مساويًا بيننا وبينك.\nانظر: الحجة لابن خالويه (٢٤١)، الكشف لمكي (٢/ ٩٨).\n(٢) \" لحم زِيَم \" أي: متعضل متفرق في بدنه ليس بمجتمع في مكان.\nانظر: جمهرة الأمثال لأبي هلال العسكري (٢/ ٣٦٢)، المزهر للسيوطي (٢/ ٥٤).\n(٣) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٦/ ٢٤٩)، معالم التنزيل للبغوي (٥/ ٢٧٩).\n(٤) انظر: تفسير أبي الليث السمرقندي (٢/ ٣٤٦).\n(٥) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٩١)، زاد المسير (٥/ ٢٩٥)، وسعيد هو ابن جبير.\n(٦) حكاه السمرقندي في بحر العلوم (٢/ ٣٤٦).\nويوم النيروز: عيد من أعياد الفرس، وهو أول يوم من أيام السنة عندهم، ويكون عند نزول الشمس أول الحمل، وعند القبط أول توت يومٌ يكسر فيه الخليج، فيخرجون فيه للتنزه.\nانظر: القاموس المحيط (٦٧٧)، المصباح المنير (٢/ ٥٩٩).\n(٧) وهو رواية عن ابن عباس، ﵄، وبه قال مجاهد، وقتادة، والسدي، وابن زيد.\nانظر: الكشف والبيان للثعلبي (٦/ ٢٤٩)، معالم التنزيل للبغوي (٥/ ٢٧٩).\n\nقال ابن كثير في تفسيره (٣/ ١٦٤) \" ولا منافاة بينها \".","vol":"1","page":1421},{"text":"وقيل: السبت (١).\n﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى (٥٩)﴾ وأن يساق الناس للاجتماع ضحى. وقيل: ما كان لهم اجتماع، وإنما قال موسى: يجب أن يحشروا لأمرنا (٢).\n﴿فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى (٦٠)﴾ أدبر عن موسى معرضًا وجمع مكره ثم جاء للموعد (٣).\nوقيل: ترك ما كان فيه وقصد لجمع سحرته (٤).\n﴿ثُمَّ أَتَى (٦٠)﴾ تهيأ لمغالبة موسى.\nوقيل: مضى ليفعل ما قال وتهيأ لمقاومة موسى (٥).\nوقوله ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾ والقياس أجمع لأن المراد بالكيد السحرة، فحمل على المعنى.\nابن عباس، ﵄: كانوا اثنين وسبعين ساحرًا، مع كل واحد حبل وعصا (٦). وقيل: كانوا أربعمائة، حكاه الثعلبي (٧).\n﴿قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ لا تقولوا لما جئت به سحر.\n\n﴿فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ﴾ فيهلككم بعذاب (٨). قتادة: يستأصلكم (٩).\nوقيل: فيذبحكم (١٠).\n_________\n(١) قاله الضحاك.\nانظر: النكت والعيون (٣/ ٤٠٩).\n(٢) لم أقف عليه، والله أعلم.\n(٣) في أ: \" ثم جاء الموعد \".\n(٤) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٩٣).\n(٥) انظر: المصدر السابق (١٦/ ٩٣).\n(٦) انظر: معالم التنزيل (٢٨٥)، زاد المسير (٣/ ٢٤٠).\n(٧) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٦/ ٢٤٩).\nوفي عدد السحرة أقوال، أوصلها ابن الجوزي في زاد المسير (٥/ ٢٤٠) إلى ثلاثة عشر قولًا.\nقال أبو حيان في البحر المحيط \" واختلفوا في عدد السحرة اختلافًا مضطربًا، فأقل ما قيل إنهم كانوا اثنين وسبعين ساحرًا مع كل ساحر عصي وحبال، وأكثر ما قيل تسعمائة ألف \".\n(٨) في أ: \" فيهلككم \".\n(٩) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٢١١).\n(١٠) قاله أبو صالح.\n\nانظر: الكشف والبيان للثعلبي (٦/ ٢٤٩).","vol":"1","page":1422},{"text":"ابن عيسى: أصل السُّحْت استقصاء الحلق. سحت (١) وأسحت لغتان (٢).\n﴿وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى (٦١)﴾ من كذب لينال رغيبةً خاب آخرًا.\n﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ أي: تنازع السحرة؛ فقال بعضهم: هذا ساحر مثلنا، وقال بعضهم: ليس هذا من كلام السحرة، يعني قوله ﴿لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ الآية. [طه: ٦١].\n﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى (٦٢)﴾ أي: أسروا كلامهم هذا فيما بينهم.\nوقيل: تناجوا فيما بينهم إن غلبهم موسى آمنوا (٣).\nوالتنازع: الاختلاف لأن (٤) كل واحد منهم ينزع (٥) المعنى عن صاحبه.\nوقيل: الضمير في ﴿فَتَنَازَعُوا﴾ لفرعون وقومه والسحرة جميعًا أي: تشاوروا في أمر موسى وفيما يخافون من قبله (٦).\n﴿قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ أي: قال فرعون وأصحابه للسحرة وغيرهم. ﴿إِنْ هَذَانِ﴾ يعني: موسى وهارون.\n﴿لَسَاحِرَانِ﴾ ويحتمل أنه تفسير للنجوى.\n﴿يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ﴾ مصر.\n﴿بِسِحْرِهِمَا﴾ أي: هما يجتهدان في إبطال دينكم والاستيلاء على دياركم.\n_________\n(١) \" سحت \"، ساقط من أ.\n(٢) سَحَتَ الشيء قشره قليلًا قليلًا، وأسحته: استأصله، والسَّحْتُ: العذاب.\nانظر: لسان العرب (٦/ ١٨٦)، مادة: سَحَتَ.\n(٣) قاله الكلبي.\nانظر: النكت والعيون (٣/ ٤١٠)، واختاره الزجاج في معاني القرآن (٣/ ٢٩٤).\n(٤) \" لأن \" ساقط من ب.\n(٥) في أ \" كل واحد ينزع \".\n(٦) انظر: النكت والعيون (٣/ ٩٥).","vol":"1","page":1423},{"text":"﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى (٦٣)﴾ أي: والذهاب بطريقتكم المثلى، وهي (١): أَحْسنُ العادات، والسير، والهيئات، فاجتهدوا في إبطال ما أتيا به وابذلوا وسعكم فيه، ومعنى\n﴿بِطَرِيقَتِكُمُ﴾ أهل طريقتكم، و﴿الْمُثْلَى﴾ تأنيث الأمثل وهو الأحسن الأفضل.\nالزجاج في جماعة: الطريقة الأشراف والأفاضل، يقال للرجل الفاضل: هذا طريقة قومه ونظيرة قومه، قال \" وحقيقته أن يُجْعَل قدوة فيتبع طريقته وأن ينظر إليه فيتبع وعلى هذا لايحتاج إلى إضمار الأهل \" (٢).\nابن عباس، ﵄: أي: أمثلكم وهم بنو إسرائيل (٣)، (٤).\nمجاهد: أُولُو الفضل والشرف (٥).\nوقيل: الذي أنتم عليه من قوله ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾ [غافر: ٢٦] (٦).\nوقوله ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ اختلف النحاة فيه؛ فذهب بعضهم إلى أن هاهنا إضمار الأمر والشأن أي: إنه هذان،\n_________\n(١) في ب: \" وهو أحسن \".\n(٢) انظر: معاني القرآن للزجاج (٣/ ٢٩٧)، وهذا القول مروي عن ابن عباس، ﵄، ومجاهد، وقتادة، واختاره ابن جرير في جامع البيان (١٦/ ١٠١، ١٠٢).\nقال الفراء في معانيه (٢/ ١٥٨): \" الطريقة: الرجال والأشراف، تقول العرب للقوم الأشراف: هؤلاء طريقة قومهم، وهؤلاء نَظُورة قومهم \".\n(٣) (في ب \" وهو بنو إسرائيل \".\n(٤) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٦/ ١٠٢).\n(٥) انظر: تفسير مجاهد (١/ ٣٩٨).\n(٦) قاله الضحاك.\nانظر: النكت والعيون (٣/ ٤١٢).","vol":"1","page":1424},{"text":"قال الشاعر:\nإن من لام في بني بنت حسان ... أَلُمْهُ وأَعْصِه في الخطوب (١).\nيريد أنه من لام وقال بعضهم ﴿إِنْ﴾ بمعنى نعم، قال الشاعر:\nويقلن شيب قد علاك ... وقد كَبِرْتَ فقلت إِنّه.\nلابد من شيب ومن ... كِبَرٍ فَدَعْنَ مَلامَكُنه (٢).\nواعتذروا عن اللام بأن اللام قد تدخل الخبر كما تدخل (٣) المبتدأ، قال:\nخالي لأنت ومن جرير خالُه ... يَنَلِ العَلاءَ ويُكْرِم الأخوالا (٤).\nالزجاج: لهما ساحران (٥)، وزيفه أبو علي (٦).\nوقال بعضهم هذا بلغة بلحارث بن كعب، وخثعم، وأنشد:\nفأَطْرَق إطراقَ الشُّجَاعِ ولو يَرَى ... مساغًا لِنَابَاهُ الشُّجَاعُ لَصَمَّمَا (٧).\nأي: لنابيه.\n_________\n(١) البيت للأعشى الكبير، ميمون بن قيس في ديوانه (٣٣٥) يمدح قيس بن معد كرب، وفيه اختلاف في اللفظ، حيث يقول:\nمن يلمني على ابنة حسان ... ألمه وأعصه في الخطوب.\nوانظر: الإنصاف في مسائل الخلاف لأبي البركات أبن الأنباري (١/ ١٨٠)، مغني اللبيب لابن هشام (٧٨٩)\n(٢) البيتين لعبد الله بن قيس الرقيات في ديوانه (٦٦).\nانظر: البيان والتبيين للجاحظ (٣٥٠)، الأغاني لأبي الفرج الأصبهاني (٤/ ٢٩١).\n(٣) في أ: \" يخل الخبر كما يدخل المبتدأ \".\n(٤) ذكره الزجاج في معاني القرآن (٣/ ٢٩٦) من غير نسبته إلى قائل.\n(٥) انظر: معاني القرآن للزجاج (٣/ ٢٩٦).\n(٦) في ب: \" وزيقه أبو علي \" وهو تصحيف.\nانظر: الإغفال لأبي علي الفارسي (٤٠٩).\n(٧) البيت للمتلمس الضبعي، في قصيدة يرد فيها على من عَيَّرَه بأمه.\nانظر: ديوان المتلمس الضبعي (٣٤)، واسمه جرير بن عبد المسيح، ومعنى \" الشجاع\" هو الذكر من الحيات.\nانظر: الأغاني (٢٤/ ٢٤٧)، المستقصى للزمخشري (١/ ٢٢١)، ثمار القلوب لأبي منصور الثعالبي (٤٢٨).","vol":"1","page":1425},{"text":"وقال بعضهم: ألف هذان ألف الأصل، وألف التثنية حذفت لالتقاء الساكنين بخلاف سائر ما في آخره ألف لأن النون هاهنا لازم فصار دليل التثنية ولهذا ﴿اشْدُدْ﴾ من شدد النون وقراءة أبي عمرو (١) صحيح في الإعراب مخالف للإمام، وقراءة من خفف النون أحسن بالثلاثة (٢).\n_________\n(١) أبو عمرو، زبان بن العلاء بن عمار، المازني، التميمي، البصري، المقرئ إمام أهل البصرة ومقرؤها، ومن أعلم الناس بالقرآن والعربية، وع الصدق والثقة، والأمان، والدين، توفي بالكوفة سنة أربع وخمسين ومائة.\nانظر: معرفة القراء الكبار (١/ ١٠٠)، سير أعلام النبلاء (٦/ ٤٠٧).\n(٢) قرأ ابن كثير \" إن \" خفيفة، \" هذانّ \" بتشديد النون، وقرأ عاصم في رواية حفص \" إن هذانِ \" خفيفة.\nوقرأ نافع، وابن عامر، وحمزة، والكسائي \" إنَّ هاذان \" بتشديد النون وألف ونون في آخره مخففة، واختارها ابن جرير في جامع البيان (١٦/ ١٠١) لأنها قراءة الأكثر، والقراءتان صحيحتان متواترتان، واستحسن الزجاج في معانيه (٣/ ٢٩٥، ٢٩٦) القراءتان.\nوقرأ أبو عمرو بن العلاء \" إنَّ هذين \" على إعمال \" إن \" وهي قراءة غير صحيحة محتجًا بما روي عن عثمان وعائشة ﵄ قولهما \" إنه من غلط الكتاب وإن في الكتاب لحنًا ستقيمه العرب بألسنتها \" أخرجه الطبري في جامع البيان (٧/ ٦٨٠)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٥/ ١٢٨، ١٢٩) لسعيد بن منصور، وابن المبذر، وابن أبي شيبة.\n\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى (١٥/ ٢٥٥) \" من زعم أن الكاتب غلط فهو الغالط منكرًا، فإن المصحف منقول بالتواتر، وقد كتبت عدة مصاحف، وكلها مكتوبة بالألف، والمسلمون كانوا يقرؤون سورة طه على عهد رسول الله ﷺ، وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وهي من أول ما نزل من القرآن، وهي مكية باتفاق فالصحابة لابد أن قد قرؤوا هذا الحرف، ومن الممتنع أن يكونوا كلهم قرؤوه كأبي عمرو ... فهذا مما يعلم به قطعًا أن عامة الصحابة إنما قرؤوها بالألف كما قرأ الجمهور، وكما هو مكتوب \" أ. هـ بتصرف.","vol":"1","page":1426},{"text":"﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ﴾ هذا من قول السحرة بعضهم لبعض، وقيل: من قول فرعون لهم (١). والمعنى: ليكن عزمكم كلكم على الكيد مجتمعين عليه غير مختلفين فيه؛ فمن وصل احتج بقوله ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾ [طه: ٦٠]، وقد سبق، ومن قطع فلأنك تقول أجمعت الأمر وجمعت القوم، والكيد أمر (٢).\n﴿ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾ أي: مصطفين، وقيل: صفوفًا (٣).\nوقيل: هو موضع يجتمعون فيه في الأعياد كالمصلى وما أشبهه (٤).\n﴿وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى (٦٤)﴾ أي: نال البغية والظفر من غلب.\n﴿قَالُوا﴾ أي: السحرة.\n﴿يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ﴾ إما أن تبدأ فتطرح ما معك من العصا وإما أن نبدأ فنطرح ما معنا، وهو قوله ﴿وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (٦٥)﴾.\nوموضع ﴿أَنْ﴾ فيهما نصب أي: اختر أحد هذين، ويجوز أن يكون رفعًا بالابتداء والخبر مضمر.\n﴿قَالَ بَلْ أَلْقُوا﴾ أي: اطرحوا حبالكم وعصيكم، ذكر بعض المفسرين أنهم كانوا سبعين ألف ساحر معهم سبعون ألف حبل وسبعون ألف عصا (٥).\nوهب: خمسة عشر ألفًا (٦).\n_________\n(١) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ١٠٦).\n(٢) قرأ أبو عمرو \"فاجمَعوا \" بوصل الألف وفتح الميم، من الجمع، أي: لا تدعوا شيئًا من كيدكم إلا أتيتم به.\nوقرأ الباقون \" فأجمِعوا \" بقطع الألف وكسر الميم، من العزم والإحكام.\nانظر: السبعة لابن مجاهد (٤١٩).\n(٣) قاله ابن عباس، ﵄.\nانظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٢١٣).\n(٤) انظر: معاني القرآن للزجاج (٣/ ٢٩٧).\n(٥) قاله عكرمة، والقاسم بن أبي بَزَّة.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٠/ ٣٥٥)، (١٦/ ١٠٧).\n(٦) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ١٠٨)، زاد المسير (٣/ ٢٤١).","vol":"1","page":1427},{"text":"السدي: ثلاثًا وثلاثين ألفًا (١).\nابن جريج: تسع مائة؛ ثلاثمائة من الفرس، وثلاثمائة من الروم، وثلاثمائة من اسكندرية (٢) ومعهم حمل ثلاثمائة بعير (٣).\n﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ﴾ أي: فألقوا فإذا حبالهم وعصيهم.\n﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦)﴾ تمشى سريعًا؛ لأنهم جعلوا فيها الزئبق، والزئبق (٤) يتحرك عند اشتداد حر الشمس عليه فتخيلت له أنها تتحرك، وكذلك تراءى للناس أن الوادي امتلأ حيات عظامًا يركب بعضها بعضًا.\nوقيل: ﴿إِلَيْهِ﴾ يعود إلى فرعون (٥).\nوخيال الشيء: ما يتصور في النفس على مثال الشيء وليس به في الحقيقة.\n_________\n(١) قاله السدي.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ١٠٨)، وحكاه في بحر العلوم (١/ ٥٦٠) عن السدي عن ابن عباس، ﵄، وانظر: زاد المسير (٣/ ٢٤١).\n(٢) «في ب: \" من اسكندر \".\n(٣) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ١٠٨)، النكت والعيون (٣/ ٤١٣)، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٧/ ٢٥٨)، معالم التنزيل للبغوي (٣/ ٢٦٤).\nوقد سبق القول في عدد السحرة، والاضطراب فيه، وأنه لم يدل دليل صريح صحيح على شيء منه. والله أعلم\n(٤) الزئبق: الزاووق، فارسي معرب، ومنهم من يقول زِئْبِق، بكسر الباء، ومنه ما يستسقى من معدنه، ومنه ما يستخرج من حجارة معدنية بالنار، ودخانه يهرب الحيات والعقارب من البيت، وهو ثقيل.\nانظر: القاموس المحيط (١١٤٨)، المصباح المنير (١/ ٢٦٠).\n(٥) انظر: النكت والعيون (٣/ ٤١٣).","vol":"1","page":1428},{"text":"وقوله ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦)﴾ يُخَيَّلُ إليه سعيها، ومن قرأ بالتاء فالفعل مسند إلى ضمير الحبال والعصا و﴿أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦)﴾ بدل منها (١). ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (٦٧)﴾ أي: تداخل موسى من ذلك رعب البشرية عند معاينة الأهوال التي لاعهد له بها.\nوقيل: خاف موسى أن يفتتن الناس (٢).\nوقيل: لما أبطأ عليه الوحي بإلقاء عصاه خاف (٣).\nوقيل: ألإيجاس الإحساس والإضمار (٤).\nوقيل: أَحسَّ وجد (٥)، وتقدير الآية: فأوجس موسى خيفة في نفسه فأخر لروي الآية.\n﴿قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (٦٨)﴾ أي: لاتخف ما توهمت فالنصرة والغلبة لك (٦).\n﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا﴾ واطرح عصاك تبتلع عصيهم (٧) وحبالهم.\nوالتَّلَقُفُ: أخذ الشيء بسرعة، تقول لقفته وتلقفته (٨)،\n_________\n(١) قرا ابن عامر، ويعقوب \" تخيل \" بالتاء ردًا على الحبال والعصي، لأنه جمع مالا يعقل، وقرأ الباقون \" يخيل \" بالياء، ردًا على الكيد والسحر.\nانظر: الحجة لابن خالويه (٢٤٤)، الكشف لمكي (٢/ ١٠١).\n(٢) قاله مقاتل.\nانظر: معالم التنزيل (٥/ ٢٨٣)، وهو اختيار ابن كثير في تفسيره (٣/ ١٦٦).\n(٣) انظر: إعراب القرآن للنحاس (٣/ ٤٨).\n(٤) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٣٤٩).\n(٥) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٢١٤).\n(٦) في أ: \" فالنصرة والظفر لك \".\n(٧) في أ: \" يبتلع عصيهم \".\n(٨) اللَّقْفُ: سرعة الأخذ ليرمى إليك باليد أو لسان العرب، والتَّلَقُفُ: الابتلاع.\n\nانظر: لسان العرب (١٢/ ٣١٤)، مادة: لقف.","vol":"1","page":1429},{"text":"والتاء في ﴿تَلْقَفْ﴾ للتأنيث، ويجوز أن تكون للخطاب على طريق السبب فألقاها ففتحت فاها ووضعت إحدى مشفريها على الأرض ورفعت الأخرى فابْتُلِعَت كلها ولم يظهر أثر ذلك (١) عليها، ثم جاءت إليه فقبض عليها فإذا هي عصا كما كانت.\n﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ﴾ حيلة ساحر، و﴿كَيْدُ سَاحِرٍ﴾ إضافة تبعيض أي: الذي صنعوه وعملوه. وقيل: معنى ﴿مَا صَنَعُوا﴾: احتالوا أو كذَّبوا (٢).\n﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى (٦٩)﴾ حيث كان وأين كان أي: يُقْتَل حيث وجد.\nقال - ﷺ -: \" إذا رأيتم الساحر فاقتلوه ثم قرأ ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى (٦٩)﴾ \" (٣).\n_________\n(١) في أ \" ولم يظهر ذلك عليها \".\n(٢) انظر: معالم التنزيل (٥/ ٢٨٤).\n(٣) ذكره السيوطي في الدر (١٠/ ٢١٩) وعزاه لابن أبي حاتم، وابن مردويه، وأصله في سنن الترمذي، موقوفًا ومرفوعًا، باب: ماجاء في حد الساحر، ح: ١٤٦٠، وأخرجه الحاكم في المستدرك (٤/ ٤٠١، ح: ٨٠٧٣)، والدارقطني في سننه (٣/ ١١٤، ح: ١١٢)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٦٤٥)، وفي السلسلة الضعيفة (٣/ ٦٤١).\n\nحد الساحر القتل، روي ذلك عن عمر، وعثمان بن عفان، وابن عمر، وحفصة، وجندب بن عبد الله، وجندب بن كعب، وعمر بن عبد العزيز ﵃، مستدلين بحديث جندب السابق، وبما أخرجه أبو داود في سننه (٢/ ٨٤، ح: ٣٠٤٣)، والدارقطني في سننه (٢/ ٥٤، باب: في جزية المجوس)، وابن أبي شيبة في الصنف (باب: ماقالوا في الساحر نا يصنع به، ح: ٢٨٩٨٢) عن بجالة قال: جاءنا كتاب عمر قبل موته بسنة \" اقتلوا كل ساحر، فقُتلنا ثلاث سواحر في يوم \"، ولم يُنكر، وقتلت حفصة جارية لها سحرتها. أخرجه عبد الرزاق في المصنف (١٠/ ١٨٠، باب: قتل الساحر، ح: ١٨٧٤٧)، والطبراني في المعجم الكبير (٢٣/ ١٨٧، حفصة بنت عمر وأخبارها، ح: ٣٠٣)، وقتل جندب بن كعب ساحرًا أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٨/ ١٣٦، باب: تكفير الساحر وقتله، ح: ١٦٢٧٥). ولا يستتاب الساحر، وهو ظاهر ما نُقِل عن الصحابة، فإنه لم ينقل عن أحد منهم أنه استتاب ساحرًا.\nانظر: المغني لابن قدامة (١٠/ ١١١)، الكافي في فقه أهل المدينة لابن عبد البر (٥٨٤) الدراري المضية للشوكاني (٤٤٤)، نيل الأوطار للشوكاني (٧/ ٢٠١)، حاشية الروض المربع لابن قاسم (٧/ ٤١٣) السيل الجرار للشوكاني (٤/ ٣٧٤)،","vol":"1","page":1430},{"text":"وقيل: معناه لا ينال الظفر لأنه باطل (١).\n﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى (٧٠)﴾ أي: لما رأى السحرة ذلك تحققوا أنه ليس بسحر وأنه من الله فأمنوا كلهم وخَرُّوا ساجدين لله ورفعوا أصواتهم، وقالوا ﴿قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى (٧٠)﴾ أي: آمنا بالله وأقررنا بأن الذي أتى به موسى وهارون من عند الله وليس هو بسحر ولا من أفعال البشر، وذكر (٢) بلفظ المجهول أي: دفعوا لعظيم ما رأوا، وظهر لهم من الآية إلى الإيمان والسجود وهم مختارون.\nوقيل: لسرعة ما سجدوا كأنهم أُلْقُوا (٣)، وقدم هارون لروي الآية، ولأن الواو لا يوجب ترتيبًا.\nوقيل: قَدَّمَ هارون لأن فرعون ربى موسى في صغره فربما يتوهم متوهم أنهم عَنَوا برب موسى فرعون (٤).\n﴿قَالَ آَمَنْتُمْ لَهُ﴾ لموسى تقول (٥): آمنت له، وآمنت به.\nابن عيسى: اللام يتضمن معنى الاتباع دون الباء (٦).\n﴿قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ﴾ آمركم به. ﴿إِنَّهُ﴾ أي: موسى.\n﴿لَكَبِيرُكُمُ﴾ أستاذكم، ومعلمكم، وأَعْلَمَكُم.\n﴿الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ وأنتم تواطأتم على ما فعلتم.\n﴿فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ اليد اليمنى والرجل اليسرى، (٧)\n_________\n(١) حكاه ابن جرير في جامع البيان (١٦/ ١١٢).\n(٢) في أ: \" ذكر \".\n(٣) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٣٤٩).\n(٤) انظر: المحرر لابن عطية (٤/ ٥٢)، البحر المحيط لأبي حيان (٦/ ٢٤٢).\n(٥) في أ: \" يقول \".\n(٦) انظر: البحر المحيط (٦/ ٢٤٢).\n(٧) وهذا هو القطع من خلاف، وذلك بان تقطع يمنى اليدين ويسرى الرجلين، أو يسرى اليدين ويمنى الرجلين. وكان فرعون أول من سن هذا القطع، وأول من صلب.\n\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٠/ ٣٦٣).","vol":"1","page":1431},{"text":"ويحتمل من أجل خلاف ظهر منكم.\n﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ ولأجعلنكم على الخشب حتى تموتوا عليها جوعًا، وعطشًا.\nوقيل: هو أن يترك على الخشب إلى يسيل منه الصليب وهو الودك (١)، وفرعون أول من صَلَبَ (٢).\nو﴿فِي﴾ هاهنا بمعنى على، لأن المصلوب إذا على على الخشب صار الخشب ظرفًا له ومستقرًا، ولأن حروف الجر ينوب بعضها عن بعض (٣).\n﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا﴾ أنا أم رب موسى الذي آمنتم به خوفًا مَن عذابه أَشَدُّ عذابًا؟ .\n﴿وَأَبْقَى (٧١)﴾ أَدْوَم. ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ﴾ لن نختارك.\n﴿عَلَى مَا جَاءَنَا﴾ موسى. ﴿مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾ الدلالات القاطعة.\n﴿وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾ خلقنا، وهو عطف على ﴿مَا﴾.\nوقيل: أقسموا بالله أنهم لا يؤثرونه (٤).\n﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ أي: قاضيه. أي: اصنع وافرغ مما تفعل بنا وقيل: احكم ما أنت حاكم.\n﴿إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ أي: قضاؤك بما تقضيه وسلطانك فيما تأتيه إنما هو في هذه الدنيا (٥) فهي ظرف. وقيل: مفعول به.\n_________\n(١) الصَّلَب والاصطلاب: استخراج الودك - أي الشحم - من العظم، والصَّلْب تعليق الإنسان بشد صلبه على خشب للقتل.\nانظر: المفردات للراغب (٤٨٩)، مادة: صلب.\n(٢) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٠/ ٣٦٣) عن ابن عباس، ﵄ ﵄.\n(٣) \" في \" حرف جر وهو من حروف المعاني ويأتي بمعنى \" على \" كما في هذه الآية.\nانظر: حروف المعاني لأبي القاسم عبد الرحمن الزجاجي (٢٧)، الجني الداني في حروف المعاني للحسن بن قاسم المرادي (٢٥١).\n(٤) انظر: النكت والعيون (٣/ ٤١٤).\n(٥) في ب: \" في هذه فهي \".","vol":"1","page":1432},{"text":"﴿إِنَّا آَمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا﴾ كفرنا وذنوبنا.\n﴿وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾ بدعائك إيانا إليه.\nوقيل: بحملك إيانا على تعليمه وتعلمه (١).\nوقيل: بإكراهك إيانا على مقابلة موسى بالسحر (٢).\nوقيل: ﴿وَمَا﴾ نفي، وتقديره: خطايانا من السحر لم تكرهنا عليه، وفيه ضعف لأن ضمير المجرور لايتقدم على المجرور (٣). ﴿وَاللَّهُ خَيْرٌ﴾ جزاءً وثوابًا.\n﴿وَأَبْقَى (٧٣)﴾ عقابًا، وعذابًا جواب لقوله ﴿أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى (٧١)﴾.\n﴿إِنَّهُ﴾ الأمر والشأن. ﴿مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ﴾ في الآخرة.\n﴿مُجْرِمًا﴾ كافرًا مات على كفره. ﴿فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ﴾ يحتمل أن الضمير يعود إلى المجرم، ويحتمل أن يعود إلى ربه. ﴿لَا يَمُوتُ﴾ المجرم.\n﴿فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ أي: لا يموت فيستريح، ولا يحي فيتهنا.\n_________\n(١) قاله ابن عباس، ﵄، وابن زيد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ١١٨).\n(٢) انظر: معالم التنزيل (٥/ ٢٨٥).\n(٣) أورد السيوطي في الدر (١٠/ ٢٢٠) أن ابن أبي حاتم أخرج عن ابن عباس، ﵄ قال \" أخذ فرعون أربعين غلامًا من بني إسرائيل فأَمر أن يُعَلموا السحر بالفَرَمَا، وقال: علموهم تعليمًا لا يغلبهم أحد في الأرض. قال ابن عباس، ﵄: فهم من الذين آمنوا بموسى، وهم الذين قالوا ﴿إِنَّا آَمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾ \". قال ياقوت في معجم البلدان\n(٤/ ٢٥٥) \" والفَرَما: مدينة على الساحل من ناحية مصر قرب العريش \".","vol":"1","page":1433},{"text":"وقيل: لا يموت فتخرج نفسه ولا يحي فتستقر نفسه (١) في مقرها ولكنها تتعلق بالحناجر (٢).\n﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا﴾ مطيعًا مات على إيمانه.\n﴿قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ﴾ في الدنيا.\n﴿فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَا (٧٥)﴾ المنزلة والمكانة (٣)، وقيل: المنزلة والمكان، ثم فسر فقال ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى (٧٦)﴾ تطهر من الكفر وطلب أن يكون عند الله زاكيًا (٤).\nوقيل: قال لا إله إلا الله (٥).\nاختلف المفسرون في الآية؛ فقال بعضهم: هي من كلام السحرة، وقال بعضهم: ابتداء كلام من الله، وهذا أظهر (٦).\n﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي﴾ لما أراد الله إهلاك فرعون وقومه أمر موسى أن يخرج بهم من مصر ليلًا ويأخذ بهم طريق البحر.\n﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ﴾ اتخذ طريقًا بضرب الماء بعصاك.\nابن عيسى: اضرب بعصاك يجعل طريقًا (٧).\n_________\n(١) في ب: \" فيخرج نفسه ولا يحي فيستقر نفسه \".\n(٢) في أ: \" ولكنها يتعلق بالحناجر \".\nوانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ١١٩).\nونظيره قوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ [فاطر: ٣٦]\n(٣) في أ: \" المنزل والمكان \".\n(٤) في ب: \" وطلب عند الله أن يكون \".\n(٥) قاله الكلبي.\nانظر: معالم التنزيل (٥/ ٢٨٦).\n(٦) اختار ابن كثير في تفسيره (٣/ ١٦٧) أنها من تمام كلام السحرة الذي وعظوا به فرعون.\n(٧) انظر: غرائب التفسير للكرماني (١/ ٧٢٤).","vol":"1","page":1434},{"text":"وقيل: هو كضرب الدراهم والدنانير (١).\n﴿يَبَسًا﴾ يابسًا، وهو مصدر أي: ذا يبس ليس فيه ماء ولا طين.\n﴿لَا تَخَافُ دَرَكًا﴾ لا تخاف أن يدركك أحد.\n﴿وَلَا تَخْشَى (٧٧)﴾ من قبله شيئًا (٢).\nوقيل: لاتخاف خوفًا من خلفك ولاتخشى الغرق من قدامك (٣).\nقرئ (٤) بالرفع والجزم الرفع على الحال أو الاستئناف والجزم على الجواب (٥).\nوقوله ﴿وَلَا تَخْشَى﴾ استئناف، ويجوز أن يكون الألف للإطلاق كما في قوله\n﴿الظُّنُونَا﴾ [الأحزاب: ١٠] و﴿الرَّسُولَا﴾ [الأحزاب: ٦٦]. وقيل: خطاب\nلمحمد - ﷺ - (٦).\n﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ﴾ وذلك أن موسى خرج بهم من أول الليل وكانوا سبعين ألفًا فأخبر فرعون بذلك وكان بنوا إسرائيل قد استعاروا حليًا كثيرًا، فركب في ستمائة ألف من القبط فقص أثرهم وهو قوله ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ﴾ أي: ألحقهم جنوده، وكان معهم. فيكون الباء زائدة (٧)، وقيل: الباء للحال، والمفعول محذوف. وقيل: معناه فلحقهم (٨).\n_________\n(١) في ب: \" كضرب الدرهم والدينار \"، وانظر: غرائب التفسير (١/ ٧٢٤).\n(٢) في ب: \" شتمًا \".\n(٣) قاله ابن عباس، ﵄، وقتادة، وابن جريج.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ١٢٢، ١٢١).\n(٤) في أ \" وقرئ \".\n(٥) قرأ حمزة \"لا تَخَفْ \" بالجزم على النهي، وقرأ الباقون \" لا تخاف \" بالألف والرفع على النفي.\nانظر: العنوان في القراءات السبع لأبي طاهر الأنصاري (١٣٠)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣٢١).\n(٦) لم أقف عليه، وهو بعيد.\n(٧) وليس في القرآن زيادة.\n(٨) والصواب أنه كان معهم.\nانظر: معاني القرآن للزجاج (٣/ ٣٠١)، جامع البيان لابن جرير (١٦/ ١٢٣)، البداية والنهاية (٢/ ١٠٧).","vol":"1","page":1435},{"text":"وقرئ في الشواذ \" فاتبّعهم \"، والمعنى: خرج خلفهم ومعه جنوده (١).\n﴿فَغَشِيَهُمْ﴾ نالهم. ﴿مِنَ الْيَمِّ﴾ البحر.\n﴿مَا غَشِيَهُمْ (٧٨)﴾ يعنى: الماء.\nوقيل: الغرق (٢)، ذكر بلفظ العموم تهويلًا وتعظيمًا.\nوقيل: غشيهم من اليم ما غرقهم (٣).\n﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ﴾ قيل: أضلهم في البحر لأنهم غرقوا فيه (٤).\nوقيل: أضل فرعون قومه عن الدين (٥).\n﴿وَمَا هَدَى (٧٩)﴾ أي: وما هداهم. وقيل: ﴿وَمَا هَدَى (٧٩)﴾ هو، أي: وما نجا (٦).\nوقيل: وما هداه الله إلى الصواب (٧).\n﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ﴾ قيل: متصل بما أوحى الله إلى موسى، أي: أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي وقلنا يا بني إسرائيل (٨).\nوقيل: خطاب متصل للنبي - ﷺ -، أي: قل لهم (٩).\n_________\n(١) قراءة \" فاتَّبَعهم \" بتشديد التاء مروية عن الحسن، وقتادة.\nانظر: شواذ القراءات لأبي عبد الله الكرماني (٣٠٩)، البحر المحيط (٦/ ٢٤٥).\n(٢) انظر: معالم التنزيل (٥/ ٢٨٧).\n(٣) حكاه الزجاج في معاني القرآن (٣/ ٣٠١).\n(٤) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٣٥٠).\n(٥) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ١٢٣)، ولأنه نهاهم عن اتباع أمره وطاعة رسوله.\n(٦) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٣٥٠).\n(٧) انظر: بحر العلوم للسمرقندي في بحر العلوم (٢/ ٣٥٠)، غرائب التفسير (١/ ٧٢٥).\n(٨) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ١٢٤)، وهو الذي عليه المفسرون.\n(٩) أي بعد أن أهلك الله فرعون وقومه ونَجَّا موسى وقومه قال له ذلك، والمراد من اليهود في عصر النبي ﷺ.\nانظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٢١٦).","vol":"1","page":1436},{"text":"وقوله ﴿مِنْ عَدُوِّكُمْ﴾ يعني: فرعون وجنوده.\n﴿وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ﴾ يعني: السبعين الذين اختارهم موسى ليسمعوا كلام الله إذا كلم موسى (١).\n﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى (٨٠)﴾ يريد في التيه، وقد سبق (٢).\n_________\n(١) كما قال تعالى ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا﴾ [الأعراف: ١٥٥].\n(٢) قال تعالى ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ [البقرة: ٥٧]، وقال ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ [الأعراف: ١٦٠]. واختلف المفسرون في المَنّ ما المراد به على ثمانية أقوال:\n١ - أنه ما كان يقع على الأشجار فيأكله الناس، وهو قول ابن عباس، ﵄، والشعبي، والضحاك.\n٢ - أنه طعام يسقط على شجرة الزنجبيل، وهو قول السدي.\n٣ - أنه صمغة، وهو قول مجاهد.\n٤ - أنه مثل الظل شبه الرب الغليظ، وهو قول عكرمة.\n٥ - أنه شراب مثل العسل يمزجونه بالماء ثم يشربونه، وهو قول الربيع بن أنس.\n٦ - أنه يسقط عليهم مثل الثلج أبيض من اللبن وأحلى من العسل، وهو قول قتادة.\n٧ - أنه خبز رقاق مثل الذرة أو مثل النقي، وهو قول وهب بن منبه.\n٨ - انه العسل، وهو قول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.\nواختار ابن كثير أنه ما امتن الله به عليهم من طعام وشراب، وأنه إن أُكل وحده كان طعامًا، وإن مزج مع الماء صار شرابًا طيبًا، وإن ركب مع غيره صار نوعًا آخر.\nانظر: تفسير ابن كثير (١/ ٩٩)، (٣/ ١٦٩)، زاد المسير (١/ ٨٤).\nأما السلوى فطائر يشبه السماني يسقط عليهم فيأكلون منه، وهو قول ابن عباس، ﵄، ومجاهد، والشعبي، والضحاك، والحسن، وجماعة.\nانظر: تفسير ابن كثير (١/ ١٠٠).","vol":"1","page":1437},{"text":"﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ لذيذات. وقيل: حلالات (١).\n﴿وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ﴾ الهاء يعود إلى (ما) أي: لا تجاوزوا الحد في المن والسلوى ولا تَدَّخِروا.\nابن عباس، ﵄: لايظلم بعضكم بعضًا فيه (٢).\nوقيل: لاتعصوني بترك شكري في المن والسلوى (٣).\n﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾ فينزل عليكم عذابي فيمن قرأ بالرفع، ومن كسر فمعناه يجب (٤).\nأبو علي: هو من حل وبل، أي: مباح غير محظور (٥).\n﴿وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى (٨١)﴾ فقد (٦) هلك. وقيل: تردى في النار (٧).\nوقيل: هوى وقع في الهاوية (٨).\n﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ﴾ أي: عن (٩) الشرك.\n﴿وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى (٨٢)﴾ ثم أقام على ذلك.\nوقيل: لزم الإسلام حتى يموت (١٠).\nوقيل: أخذ بسنة نبيه (١١)، وقيل: أصاب العمل (١٢).\n_________\n(١) حكاه السمرقندي في بحر العلوم (٢/ ٣٥٠).\n(٢) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٦/ ١٢٥) عن ابن عباس، ﵄.\n(٣) انظر: النكت والعيون (٣/ ٤١٦).\n(٤) قرأ الجمهور بكسر الحاء \" فيَحِلَّ \"، أي فيجب، وقرأ الكسائي بضم الحاء \" فيحُل \" من الحلول أي: فيقع. والقراءتان صحيحتان.\nانظر: الغاية لابن مهران النيسابوري (٢٠٨)، الكشف لمكي بن أبي طالب (٢/ ١٠٣).\n(٥) انظر: الحجة للقراء السبعة (٥/ ٢٤٣).\n(٦) في ب: \" هلك \".\n(٧) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٢١٦).\n(٨) انظر: النكت والعيون (٣/ ٤١٦).\n(٩) في ب: \" عن الشرك \".\n(١٠) قاله قتادة.\nانظر: النكت والعيون (٣/ ٤١٧).\n(١١) في ب: \" أخذ لسنة نبيه \"، وهو قول الربيع بن أنس.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ١٢٨).\n(١٢) قاله ابن زيد.\n\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ١٢٨).","vol":"1","page":1438},{"text":"ابن عباس، ﵄: لم يشك في إيمانه (١).\n\nالفراء: علم أن لذلك ثوابًا وعقابًا (٢)، ويحتمل أن التقدير به التقديم أي: لمن اهتدى وتاب (٣).\n﴿* وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى (٨٣)﴾ وذلك أن موسى لما انتهى إلى الجبل مع السبعين الذين اختارهم عَجِلَ موسى شوقًا إلى كلام الله وخَلَّفَ السبعين وأمرهم أن يتْبَعُوه إلى الجبل، فقال الله لموسى ﴿* وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ﴾ ما الذي حملك على العجلة ﴿عَنْ قَوْمِكَ﴾ أي: السبعين، استفهام إنكار.\n﴿قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي﴾ أي: هم خلفي يلحقون بي.\nالحسن: يعني إنهم ينتظرون من بعدي ما آتيهم به من عندك (٤) قال: ومعنى ﴿* وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ﴾ ما جاء بك (٥) و﴿أُولَاءِ﴾ بمعنى: هؤلاء.\n﴿عَلَى أَثَرِي﴾ خبر بعد خبر، ويجوز أن يكون صلة لـ ﴿أُولَاءِ﴾، كما سبق في تلك (٦)، فاعتذر موسى وقال: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى (٨٤)﴾ أي: لم أقصد بذلك تعظمًا عليهم (٧) إنما قصدت المسارعة طلبًا لمرضاتك (٨).\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٦/ ١٢٧).\n(٢) انظر: معاني القرآن للفراء (٢/ ١٨٨).\n(٣) واختار ابن جرير أن المراد: ثم لزم ذلك فاستقام ولم يضيع شيئًا منه، وري نحوه عن واحد من السلف.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ١٢٧).\n(٤) انظر: تفسير القرآن العزيز لابن زمينين (٣/ ١٢٢).\n(٥) في ب: \" ما جاء به \".\n(٦) في قوله تعالى ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (١٧)﴾ [طه: ١٧].\n(٧) في أ: \" تعظيمًا عليهم \".\n(٨) في ب: \" طلبًا لمرضاك \".","vol":"1","page":1439},{"text":"﴿قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ﴾ ابتلينا قومك بعبادة العجل بعد خروجك من عندهم. وقيل: دُفِعوا إلى حال شديد تظهر دخلتهم (١).\nابن عيسى: عاملناهم معاملة المختبر (٢).\n﴿وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (٨٥)﴾ بدعائه إياهم (٣) إلى عبادة العجل وإجابتهم له. قيل: كان السامري من كَرْمان (٤).\nوقيل: من قبيلة يقال لها سامرة (٥)، وكان من عظماء بني إسرائيل (٦).\n﴿فَرَجَعَ مُوسَى﴾ من مناجاة ربه.\n﴿إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ﴾ بِغَيْظٍ وغَضَب.\n﴿أَسِفًا﴾ حزينًا، متلهفًا على ما فاته، وقيل: الأسف اشتداد الغضب (٧) وقيل: جَزِعًا (٨).\n_________\n(١) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٢١٧).\n(٢) لم أقف عليه، والله أعلم.\n(٣) في ب: \" بعائهم إلى عبادة \".\n(٤) حكاه الزجاج في معاني القرآن (٣/ ٣٠٢).\nوكَرْمان: بفتح الأول وإسكان الثاني، من بلاد المشرق، بين فارس، ومكران، وسجستان، وخراسان، يكثر بها النخيل والزروع، سميت بكرمان بن فلوج من ولد لنطي بن يافث بن نوح.\nانظر: معجم البلدان (٤/ ٤٥٤)، معجم ما استعجم (٤/ ١١٢٥).\n(٥) السامرة، ينتسبون إلى بني إسرائيل، وهم في الحقيقة ليسوا منهم، وإنما هم من بلاد المشرق سكنوا الشام وتهودوا، ويعرفون بالسامريين، وهم يخالفون اليهود في بعض أمورهم، ولا يؤمنون بنبوة أحد بعد موسى وهارون إلا يوشع بن نون.\nانظر: الملل والنحل للشهرستاني (٢/ ٢٤٢)، معجم البلدان (٤/ ٤٥٩).\n(٦) انظر: معاني القرآن للزجاج (٣/ ٣٠٢).\n(٧) انظر: معاني القرآن للزجاج (٣/ ٣٠٢).\nالأَسَفُ: المبالغة في الحزن والغضب، والأسِيف والآسف: الغضبان.\nانظر: المفردات للراغب (٧٥)، لسان العرب (١/ ١٤٢)، مادة: أسف.\n(٨) قاله مجاهد.\n\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ١٣١).","vol":"1","page":1440},{"text":"﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا﴾ الحسن: هو الجنة (١). وقيل: هو قوله ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ﴾ الآية (٢).\nوقيل: هو إنزال التوراة عليهم (٣).\nوقيل: صدقًا (٤).\n﴿أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ﴾ بإنزال التوراة كما وعدكم. وقيل: مدة فراقي إياكم (٥)؛ وذلك أن موسى وعد قومه حين أتى الجبل أن يرجع إليهم بعد ثلاثين يومًا فلما جاوز وعده من ثلاثين إلى أربعين قال لهم السامري إن موسى غضب عليكم لأجل حلي القبط استعرتم ثم لم تردوها عليهم.\nالكلبي: أن موسى وعدهم أربعين يومًا فكانوا يَعُدُّون اليوم واحدًا والليلة (٦) واحدًا، فلما كمل عشرون ولياليها قالوا: إن موسى أخطأ الطريق وخالفنا في الوعد (٧).\n﴿أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ﴾ يجب عليكم.\n﴿غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ بعبادتكم العجل.\n﴿فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي (٨٦)﴾ اختلف المفسرون فيه؛ فأكثرهم على أن المعنى: خالفتموني فيما تواعدنا عليه (٨).\nالمفضل: أوجدتموني اختلفت فيما وعدتكم، من قول العرب: فلان أخلف وعد فلان إذا وجده وقع فيه الخُلْف (٩).\n_________\n(١) انظر: النكت والعيون (٣/ ٤١٨)، البحر المحيط (٦/ ٢٤٩).\n(٢) انظر: النكت والعيون (٣/ ٤١٧).\n(٣) انظر: المصدر السابق (٣/ ٤١٨).\n(٤) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٣٥١).\n(٥) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٢١٧).\n(٦) في أ: \" والليل \".\n(٧) انظر: تفسير مقاتل (٢/ ٣٣٧)، النكت والعيون (٣/ ٤١٨).\n(٨) جامع البيان لابن جرير (١٦/ ١٣٢)، تفسير ابن كثير (٣/ ١٧٠).\n(٩) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٠/ ٤٥٠)، (١٦/ ١٣٢)، غرائب التفسير (١/ ٧٢٧)، معالم التنزيل للبغوي (٣/ ٢٨٤).","vol":"1","page":1441},{"text":"وقيل: أخلفتم ما وعدتمونيه في اللحاق بي واتباعي الموعد (١).\nويحتمل أن الوعد (٢) من القوم وإضافته إلى موسى إضافة المصدر إلى المفعول، ولهذا وقع الإخلاف منهم ووعدهم لموسى هو أن وعدوه أن يتمسكوا بدين الله وسنة موسى ولا يخالفوا أمر الله أبدًا، وإن جعلت المصدر مضافًا إلى الفاعل، فالوجه ما ذكره المفضل.\n﴿قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا﴾ أي بملكنا (٣) الصواب ولكن أخطأنا.\nوقيل: معناه بسلطان كان لنا ولا قدرة (٤).\nوقيل: بطاقتنا (٥) الحجة لم يكن لنا ملك فنخلف موعدك لمكان (٦) ملكنا، كقوله ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣] أي: ليس لهم سؤال فيكون لهم إلحاف، والمَلَكَ: بالحركات الثلاث لغات (٧).\nوقيل: قال المؤمنون إن الذين أخلفوا موعدكم ولم نقدر أن نردهم ولم نملك أن نمنعهم عن ذلك (٨).\n_________\n(١) انظر: النكت والعيون (٣/ ٤١٨).\n(٢) \" ويحتمل أن الوعد \" ساقط من أ.\n(٣) \" أي بملكنا \" ساقط من ب.\n(٤) وهذا المعنى على قراءة الضم (بمُلْلكنا).\nانظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٣٥١).\n(٥) قاله السدي.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ١٣٤).\n(٦) في ب: \" بمكان ملكنا \".\n(٧) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر بكسر الميم \" بِمِلْكنا \"، والمراد اسم الشيء المملوك نحو: هذا الغلام مِلكي. وقرأ نافع، وعاصم بفتح الميم \" بِمَلْكنا \"، من المصدر كقولهم: هذا يملك مَلْكًا. وقرأ حمزة، والكسائي بضم الميم \" بِمُلْكنا \" أي: بسلطاننا.\nانظر: الحجة لابن خالويه (٢٤٦)، الكشف لمكي (٢/ ٨٧).\n(٨) انظر: النكت والعيون (٣/ ٤١٨).","vol":"1","page":1442},{"text":"وقيل: معناه: لم نملك الوفاء فتركناه عن تمكن، لكن الذي حَمَلْنَاه من زينة القوم شغلنا عن الاهتمام بذلك (١).\n﴿وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ (٨٧)﴾ وذلك أنهم كانوا قد استعاروا من القبط حليًا كثيرًا ليوم زينة لهم فبقيت معهم.\nوقيل: أَمَرَهم موسى بالاستعارة، وقيل: أمر الله موسى بذلك وكان ابتلاءً لهم (٢).\nو﴿أَوْزَارًا﴾ أثقالًا، وكان كثيرًا.\nوقيل: هو ما ألقاه البحر على الساحل من ذهبهم وفضتهم وحليهم بعد إغراقهم فأخذوه (٣).\nوقيل: ﴿أَوْزَارًا﴾ آثامًا أي: حَمَلنا من حلي القوم لأنهم استعاروا ليتزينوا في عيد كان لهم ثم لم يردوها عليهم عند الخروج من مصر مخافة أن يعلموا بخروجهم فحملوها، فلما تأخر مجيء موسى من الجبل قال لهم السامري: إنما أخلف موسى ميعادكم لما معكم من حلي القوم وأنها حرام عليكم (٤).\nوقيل: لم تكن الغنائم حلالًا لهم قالوا: فما الرأي؟ قال: نحفر (٥) حفيرة ونسجر فيها نارًا وكل من معه شيء منها قذفه (٦) فيها، ففعلوا، وقذف السامري ما معه، وهو قوله ﴿فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ (٨٧)﴾ (٧).\n_________\n(١) قال ابن جرير في جامع البيان (١٦/ ١٣٣) \" أقروا على أنفسهم بالخطأ، وقالوا: إنا لم نطق حمل أنفسنا على الصواب، ولم نملك أمرنا حتى وقعنا في الذي وقعنا فيه من الفتنة \".\n(٢) انظر ذلك في: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ١٣٥، ١٣٦).\n(٣) انظر: معالم التنزيل للبغوي (٥/ ٢٨٩).\n(٤) قاله ابن عباس، ﵄، ومجاهد، والسدي.\nانظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٢١٨).\n(٥) في ب: \" لحفر \"، وهو تصحيف.\n(٦) في ب: \" قذف فيها \".\n(٧) وهو مروي عن السدي.\n\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ١٤٠)، تفسير ابن كثير (٣/ ١٧٠).","vol":"1","page":1443},{"text":"وقيل: فقذفناها عن أنفسنا وأولادنا (١).\n﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا﴾ ثم أخذ السامري تلك المذوبة أو الأوزار وصاغها كصورة العجل جسدًا لحمًا ودمًا.\nوقيل: مزعفرًا من الجَساد (٢).\n﴿لَهُ خُوَارٌ﴾ قيل: كان يخور فيسجدون ثم يخور فيرفعون رؤوسهم (٣).\nوقيل: ما خار إلا مرة واحدة (٤)، وقد سبق بيانه (٥).\n﴿فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى﴾ أي: قال السامري لهم فقبلوه.\n﴿فَنَسِيَ﴾ فيه قولان:\nأحدهما: أن موسى نسي إلهه وذهب يطلبه وهو من تمام قول السامري (٦).\n_________\n(١) أي: ذنوب ذلك، وانظر: النكت والعيون (٣/ ٤١٨).\n(٢) انظر: غرائب التفسير (١/ ٧٢٧)، وهو بعيد.\nيقال للزعفران: جساد، ومنه: ثوب مِجْسَد: مصبوغ بالجِساد، والمِجْسَد: الثوب الذي يلي الجسد، والجَسَد، والجاسد، والجَسِد من الدم ما قد يَبِس.\nانظر: المفردات للراغب (١٩٦)، مادة: جسد.\n(٣) انظر: معالم التنزيل للبغوي (٣/ ٢٨٣).\n(٤) قال ابن عباس، ﵄، والحسن، وقتادة، وجماعة من أهل التفسير صار حيًا له لحم ودم وله خوار، وهو اختيار البغوي في معالم التنزيل (٣/ ٢٨٣).\nوقال وهب بن منبه، ومقاتل ما خار إلا مرة واحدة. وقال مجاهد لم يكن له روح بل كان خواره حفيف الريح فيه، وضعفه القشيري فيما نقله عنه القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (٧/ ٢٨٥).\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١/ ٦٦٩)، (١٠/ ٤٤٦)، زاد المسير (٣/ ٢٦٢)، البداية والنهاية ... (٢/ ١٤٧).\n(٥) في تفسير قوله تعالى ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ﴾ [الأعراف: ١٤٨].\n(٦) وهو اختيار ابن جرير في جامع البيان (١٦/ ١٤٣).","vol":"1","page":1444},{"text":"وقيل: استئناف كلام من الله، أي: نسي السامري الله والإيمان (١).\nوقيل: نسي السامري الاستدلال على أن العجل لايجوز أن يكون إلهًا بقوله ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ﴾ أي: لا يعلمون (٢). ﴿أَلَّا يَرْجِعُ﴾ أنه لا يرجع.\n﴿إِلَيْهِمْ قَوْلًا﴾ أي: لا يجيبهم ولا يكلمهم.\n﴿وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا (٨٩)﴾ لا يقدر على نفعهم ولا ضرهم. وقيل: لا يخور ثانيًا (٣).\n﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: قال لمن عبدوا العجل قبل رجوع موسى.\n﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ﴾ أبتليتم بالعجل.\n﴿وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ﴾ لا العجل. ﴿فَاتَّبِعُونِي﴾ على ديني.\n﴿وَأَطِيعُوا أَمْرِي (٩٠)﴾ فاعبدوا الله ولا تعبدوا العجل.\n﴿قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ﴾ لن نزال مقيمين على العجل وعبادته.\n\n﴿حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى (٩١)﴾ وجاء في التفسير: فاعتزلهم هارون في اثني عشر ألفًا، وهم الذين لم يعبدوا العجل (٤).\n﴿قَالَ يَا هَارُونُ﴾ أي: فلما رجع موسى قال يا هارون. ﴿مَا مَنَعَكَ﴾ وقيل: فلما رجع موسى سمع الصياح والجلبة، وكانوا يرقصون حول العجل. قال السبعون الذين معه: هذا صوت الفتنة، فلما رأى موسى هارون أخذ شعره بيمينه ولحيته بيساره وقال له: يا هارون ما منعك (٥) ﴿إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا﴾ بعبادة العجل وأشركوا (٦).\n_________\n(١) قاله ابن عباس، ﵄.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ١٤١).\n(٢) انظر: النكت والعيون (٣/ ٤١٩).\n(٣) انظر: غرائب التفسير (١/ ٧٢٨).\n(٤) انظر: معالم التنزيل للبغوي (٥/ ٢٩٠).\n(٥) في أ: \" وقال لهارون \".\n(٦) انظر: معالم التنزيل (٥/ ٢٩٠).","vol":"1","page":1445},{"text":"﴿أَلَّا تَتَّبِعَنِ﴾ أي: شيء منعك من ترك اتباعي حين لم يقبلوا قولك واللحوق بي كي لا تكون من العاصين.\nوقيل: هلا اتبعت عادتي في منعهم والإنكار عليهم (١)، وجمهور المفسرين على أن (لا) زائدة كما في قوله ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ﴾ [الحديد: ٢٩] (٢).\nوقال ابن عيسى: التقدير: ما منعك بدعائه إياك أن لا تتبعني (٣).\n﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (٩٣)﴾ الجمهور على: أنه كان أخاه من أبيه وأمه، ولكنه ذكر الأم استعطافًا وترفيقًا (٤).\nوقيل: كان أخاه لأمه (٥).\nقال (٦) الزجاج: وقد قيل في هارون أنه لم يكن أخا موسى لأمه قال: \"وقد يقول القائل لمن ليس بأخ لأم ولا بأخ البتة: يا بن أم، وكذلك يقول الأجنبي: يا بن عم\" (٧).\n_________\n(١) قاله مقاتل.\nانظر: النكت والعيون (٣/ ٤٢٠).\n(٢) في \" تتبعني \" قراءات، قرأ ابن كثير وأبو عمرو \" ألا تتبعني \" بياء الوصل ساكنة، ويقف ابن كثير بالياء، وأبو عمرو بدونها، وقرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي بغير ياء في الوصل والوقف.\nانظر: الحجة لابن خالويه (٢٤٦).\n(٣) في ب: \" بعادئه إياك إلى أن لاتتبعنى \".\nاختلف المفسرون في سبب لوم موسى لهاورن؛ فقال ابن عباس، ﵄، وابن زيد بسبب تركه السير بمن أطاعه في أثره. وقيل بسبب تركه إصلاح فساد القوم، قاله ابن جريج.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ١٤٥، ١٤٦).\n(٤) في ب: \" وترقيقًا \".\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٠/ ٤٥٩)، معالم التنزيل (٣/ ٢٨٤) / تفسير ابن كثير (٣/ ١٧١).\n(٥) انظر: النكت والعيون (٣/ ٤٢٠)، معالم التنزيل (٣/ ٢٨٤)، والصواب هو الأول.\n(٦) \" قال \" ساقط من ب.\n(٧) انظر: معاني القرآن للزجاج (٣/ ٣٠٤).","vol":"1","page":1446},{"text":"﴿لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي﴾ أي: شعر رأسي.\nذهب بعضهم إلى أن أخذ اللحية في ذلك الوقت كأخذ اليد في وقتنا (١).\nوقال بعضهم: كانا كشخص واحد فسواء أخذ بلحية نفسه أو بلحية أخيه (٢)، والإنسان قد يأخذ لحيته عند الغضب وعند التأمل في الأمر يستقبله.\nوقال بعضهم: أخذ بأذنه وبلحيته يُسِّرُ إليه نزول الألواح عليه ويخفيه عن بني إسرائيل في تلك الحالة حتى يتوبوا فعبر عن الأذن بالرأس (٣)، وقوله سبحانه حكاية عنه ﴿لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي﴾ يضعف هذه الأقاويل.\nوقيل معناه: لا تخاطبني وخاطبهم، كما تقول: دعني وخل لحيتي ورأسي وهو لم يأخذ بلحيته ورأسه (٤)، وهذا يدفعه قوله ﷿ ﴿وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾ [الأعراف: ١٥٠]، والأحسن إجراؤه على الظاهر وأن موسى فعل في غضبه في الله ما فعل والله أعلم (٥).\nثم ذكر عذره وقال ﴿إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي: خِفْت إن خرجت وفارقتهم لحق بي فريق، وتبع السامري على عبادة العجل فريق، وتوقف فريق ولم آمن مقاتلتهم فتقول لي فرقت بين بني إسرائيل، أو تقول قد تسببت (٦) لمقاتلتهم.\n﴿وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ حيث قلت ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ﴾ [الأعراف: ١٤٢].\n_________\n(١) انظر: غرائب التفسير (١/ ٧٢٨).\n(٢) حكاه النحاس في إعراب القرآن (٣/ ٥٥).\n(٣) حكاه النحاس في إعراب القرآن (٢/ ١٥١).\n(٤) انظر: غرائب التفسير (١/ ٧٢٨).\n(٥) انظر: المحرر الوجيز لابن عطية (٢/ ٤٥٧)، البحر المحيط لأبي حيان (٤/ ٣٩٤).\n(٦) في ب: \" أو تقول تسببت \".","vol":"1","page":1447},{"text":"﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ (٩٥)﴾ ثم أقبل على السامري فقال منكرًا (١) عليه ما شأنك يا سامري؟، وما الذي حملك على ما فعلت؟ .\n﴿قَالَ﴾ يعني السامري. ﴿قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ فيه قولان:\nأحدهما: علمت ما لم تعلموا أي: علمت أن تراب أثر الرسول، وقيل: أثر فرس الرسول، والرسول هاهنا جبريل يصير به الجماد حيوانًا.\nوالثاني: رأيت مالم تروه يعني جبريل، تقول: بصرت بمعنى أبصرت.\nقال موسى: وما الذي أبصرته؟ قال: رأيت جبريل على فرس الحياة فألقي في نفسي أن أقبض من أثره فما ألقيت على شيء إلا صار له روح ولحم ودم، وذلك أنه رأى جبريل حين فلق البحر فعرفه لأن أمه ألقته حين ولدته خوفًا عليه من فرعون حين يقتل أولاد بني إسرائيل، وكان يغذوه جبريل صغيرًا فعرفه في كبره فأخذ قبضة من تراب حافر فرسه، وهو قوله ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾ أي: أخذت بجميع كفي مرة واحدة (٢).\n﴿فَنَبَذْتُهَا﴾ قيل: فيما ذاب من الحلي (٣).\nوقيل: في جوف العجل حتى خار (٤).\nوقيل: حتى صار لحمًا ودمًا (٥). وقيل: مسحه به (٦).\n_________\n(١) في أ: \" ثم أقبل على السامري منكرًا عليه \".\n(٢) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (٢/ ١٤٩).\n(٣) حكاه في النكت والعيون (٣/ ٤٢٣).\n(٤) قاله قتادة.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ١٣٩)، وهو قول الزجاج في معاني القرآن (٣/ ٣٠٥)، وانظر: النكت والعيون (٣/ ٤٢٣).\n(٥) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٢٢٠).\n(٦) لم أقف عليه، والله أعلم.","vol":"1","page":1448},{"text":"وقيل: الرسول هو موسى، والقبضة: ما أخذ من علمه، وأثره: شرعه وسنته (١).\nوقوله ﴿فَنَبَذْتُهَا﴾ أي: طرحت شريعة موسى وسنته ثم اتخذت عجلًا (٢)، وذلك أنه كفر باتخاذ العجل، ثم لما جاء موسى صَرَّح بذلك.\nوقوله ﴿مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾ أي: بزعمه وزعم بني إسرائيل.\n﴿وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (٩٦)﴾ أي: زينته وحسنته، وفعلت من تلقاء نفسي من غير أن دعاني إلى ذلك داع. وقيل: معناه أطمعتني نفسي في انقلابه حيوانًا (٣).\nوالسَّوْلُ: ما يتمناه الإنسان (٤). وقيل: نَاقَضَ في جوابه؛ لأنه قال ﴿بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ فأدعى العلم، ثم قال ﴿سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (٩٦)﴾ فنسبه إلى حديث النفس. ﴿قَالَ﴾ يعني: موسى.\n﴿فَاذْهَبْ فَإِن لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ﴾ أي: إنك لاتَمَسُّ أحدًا ولا يَمَسَّك أحدٌ في حياتك، ولا يكون بينك وبين الناس مماسة، فأمر موسى بني إسرائيل ألا يؤاكلوه، ولا يجالسوه، ولا يبايعوه.\nوقيل: معنى ﴿لَا مِسَاسَ﴾ إنك تعيش في البرية مع السباع والوحوش ولا تَمَس ولا تُمَس (٥).\n_________\n(١) انظر: غرائب التفسير (١/ ٧٢٩)، وهو ضعيف، والمشهور عند المفسرين أنه أخذ القبضة من أثر فرس جبريل حين جاء لهلاك فرعون.\n(٢) والذي عليه أهل التفسير أن قوله \" فنبذتها \" أي: القبضة التي قبضها من أثر الرسول.\n(٣) انظر: النكت والعيون (٣/ ٤٢٣)، بنحوه.\n(٤) التسويل: تحسين الشيء وتزيينه وتحبيبه إلى الإنسان ليفعله أو يقوله، وأصل السول مهموز عند العرب ثم حذفت للتخفيف.\nانظر: القاموس المحيط (١٣١٤)، لسان العرب (٦/ ٤٣٩)، مادة: سول.\n(٥) حكاه الواحدي في الوسيط (٣/ ٢٢٠) عن ابن عباس، ﵄.","vol":"1","page":1449},{"text":"وقيل: ما مس أحدًا ولا مسه أحد إلا حُمّا جميعًا، ومن أراد أن يمسه جهلًا بحاله قال له السامري: لا مساس خوفًا من الحمى وتنبيهًا للغير (١).\nويقال: ذلك باق في عقبه إلى اليوم (٢).\nوقيل: أراد موسى أن يقتله فمنعه الله من قتله وقال لا تقتله فإنه سخي (٣).\n﴿وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ﴾ لن تغيب عنه بل توافيه، ومن فتح اللام فمعناه لن يخلفكه الله (٤).\n﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا﴾ يعني: العجل.\nو﴿ظَلْتَ﴾ أصله ظللت، فحذف إحدى اللامين تخفيفًا، ويجوز كسر الظاء أي: تأمل فيما يُفْعل بمعبودك من التحريق والتفريق (٥)،\n_________\n(١) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٢٢٠).\n(٢) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ١٥٢)، الوسيط للواحدي (٣/ ٢٢٠).\n(٣) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٦/ ٢٥٨).\n(٤) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب بكسر اللام \" لن تَخْلِفه \" أي: لن تغيب عنه، وقرأ الباقون بفتح اللام، أي: لن يخلفك الله الموعد.\nانظر: الغاية لابن مهران النيسابوري (٢٠٨)، الكشف لمكي (٢/ ١٠٥).\n(٥) \" ظِلت \" بكسر الظاء مروية عن ابن مسعود، وقتادة، وابن عبلة، وعن قتادة \" ظللت \" بلامين، وهي قراءات شاذة.\nانظر: الشواذ لابن خالويه (٨٩)، شواذ القراءات لأبي نصر الكرماني (٣١٢).\n\nقال ابن جرير في جامع البيان (١٦/ ١٥٤) \" في \"ظلت \" لغتان؛ الفتح في الظاء، وبها قراءة الأمصار، والكسر فيها \".","vol":"1","page":1450},{"text":"ثم أكد باليمين فقال ﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ﴾ أي: بالنار، ﴿ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ﴾ نثير رماده. ﴿فِي الْيَمِّ نَسْفًا﴾ ابن عباس، ﵄: أحرقه في النار ثم ذراه في البحر (١)، وهذا فيمن قال صار لحمًا ودمًا، ومن قال بقي ذهبًا قرأ \" لَنَحْرقنه \" أي: لنبردنه بالمبرد (٢)، ويجوز أن يكون قراءة العامة من هذا أيضًا تحريقًا من حرقه بالمبرد.\nومعنى نسفته: ذَرَوْتُه؛ من نَسَفْتُ الطعام إذا ذروته ليطير عنه القشور (٣).\n﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ﴾ يعنى: معبودكم المستحق للعبادة.\n﴿اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا (٩٨)﴾ لا العجل. والمعنى: لا يضيق علمه عن شيء، وتقديره: وسع علمه كل شيء أي: أطاقه وأحاط به. فصرف الفعل إلى المضاف إليه وانتصب المضاف على التمييز.\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٦/ ١٥٦).\n(٢) قراءة الجمهور \" لنُحَرقنَّه \" بضم النون وفتح الحاء وتشديد الراء من الإحراق بالنار. وقرأ علي بن أبي طالب، وابن عباس، ﵄ ﵄، وأبو رزين \" لَنَحْرُقنه \" بفتح النون وسكون الحاء، أي: لنبردنه بالمبارد. وقرأ الحسن، وقتادة \" لَنُحْرِقنه \" بضم النون وسكون الحاء وتخفيف الراء، أي: لنحرقنه بالنار إحراقة واحدة، والقراءتان شاذتان.\nانظر: الشواذ لابن خالويه (٨٩)، المحتسب لابن جني (٢/ ١٠٢).\n(٣) نَسَفَتِ الريح الشيء: اقتلعته وأزالته، ونسف الشيء وه نسيف غربله، والنسف: تنقية الجيد من الرديء.\nانظر: المفردات (٨٠٢)، لسان العرب (١٤/ ١٢٦)، مادة: نَسَفَ.","vol":"1","page":1451},{"text":"واسم السامري فيما ذكره النقاش موسى بن ظفر (١)، وقيل: غيره.\n﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ أي: كما قصصنا عليك قصة موسى نقص عليك.\n﴿مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ﴾ أي: بعض أخبار من سبق زمانه زمانك، أي: تقدم بالزمان من الأنبياء وأممهم. وقيل: أخبار كل شيء (٢).\n﴿وَقَدْ آَتَيْنَاكَ﴾ أعطيناك. ﴿مِنْ لَدُنَّا﴾ من عندنا.\n﴿ذِكْرًا (٩٩)﴾ يعني: القرآن (٣)، وقيل: آتيناك شرفًا (٤).\n﴿مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ﴾ عن القرآن. وقيل: عن الله (٥).\n﴿فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا (١٠٠)﴾ يحمل أعباء كفره وذنوبه (٦)، أي: يعذب عذابًا شديدًا. ﴿خَالِدِينَ فِيهِ﴾ في الوزر، أي: في جزاء الوزر، وهو العذاب.\n﴿وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا (١٠١)﴾ أي: ساء حملًا للذنوب.\n_________\n(١) وهو قول ابن عباس، ﵄ أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١/ ٦٧٣)، وهو المشهور عند أكثر المفسرين.\nانظر: الكشف والبيان للثعلبي (١/ ١٩٤)، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٧/ ٢٨٤)، تفسير ابن كثير (٣/ ١٧٢).\nوقال سعيد بن جبير: \" كان من أهل كرمان \" وقيل اسمه: منجا، وهو ابن خالة موسى، أو ابن عمه.\nانظر: معالم التنزيل للبغوي (١/ ٩٤)، المحرر الوجيز لابن عطية (١/ ١٤٢)، البحر المحيط (٦/ ٢٤٨).\n(٢) انظر: غرائب التفسير (١/ ٧٢٩).\n(٣) انظر جامع البيان لابن جرير (١٦/ ١٥٨)، تفسير ابن كثير (٣/ ١٧٣).\n(٤) انظر: غرائب التفسير (١/ ٧٢٩).\n(٥) انظر: المصدر السابق (١/ ٧٢٩)، والجمهور على القول الأول.\n(٦) «في ب \" يحمل أعباء كفره من ذنوبه \".","vol":"1","page":1452},{"text":"﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ يريد يوم القيامة، والصور شبه قرن، جمع صورة، وقد سبق بيانه (١).\n﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا (١٠٢)﴾ زرقة العين وسواد الوجه من علامة أهل النار، وزرقتها أن تضرب الحدقة إلى خضرة، والعرب تتشائم بزرقة العين.\nوقيل ﴿زُرْقًا﴾ أعداءً، تقول العرب: عدو زرق.\nوقيل: تصير أعينهم من العطش زرقًا، وكذلك تصير العين في شدة العطش (٢).\nوقيل: هي عبارة عن العمى ليوافق الآية الأخرى (٣).\nوقيل: الأزرق شاخص البصر كأنه محدق نحو شيء أبدًا (٤).\n﴿يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ﴾ خافت بمعنى: خفت، أي: أخفاه، وأصله السكون (٥).\n_________\n(١) عند تفسير قوله تعالى ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾ [الكهف: ٩٩].\n(٢) انظر: معاني القرآن للفراء (٢/ ١٩١).\n(٣) وهي قوله تعالى ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾ [الإسراء: ٩٧]، حكاه ابن جرير في جامع البيان (١٦/ ١٦١).\nويمكن الجمع بين الآيتين في سورتي طه والإسراء بأن يقال: إن المراد به العمى، لأن العين إذا ذهب نورها ازرق ناظرها.\nوسئل ابن عباس، ﵄ عن الآيتين فقال: \" إن يوم القيامة فيه حالات؛ يكونون في حال زرقًا وفي حال عميًا \".\nعزاه السيوطي في الدر (١٠/ ٢٣٨) لابن أبي حاتم.\n(٤) حكاه في النكت والعيون (٣/ ٤٢٤).\n(٥) خَفِتَ الصوت خُفوتًا: سكن، والمخافته: إخفاء الصوت، وتخافت القوم إذا تشاوروا سرًا.\nانظر: مختار الصحاح (٨٦)، لسان العرب (٤/ ١٥٠)، مادة: خفت.","vol":"1","page":1453},{"text":"﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا (١٠٣)﴾ يقول بعضهم لبعض سرًا (١): لبثنا في القبور عشر ليال، أي: منذ انقطع عنهم عذاب القبر.\nوقيل: إن لبثتم في الدنيا فينسون من هول ما يرد عليهم ما كانوا فيه من نعيم الدنيا (٢).\n﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً﴾ أعدلهم قولًا. وقيل: أجودهم عملًا، وقيل: أعلمهم عند نفسه بما يقول، وقيل: ﴿أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً﴾ رأيًا، وحالًا، وعملًا.\n﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا (١٠٤)﴾ الحسن: لطول لبثهم في النار يقللون لبثهم في الدنيا (٣). وقيل: تحاقرت الدنيا عندهم حين عاينوا الآخرة (٤).\n﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ﴾ أي: سيسألونك إلام يؤل أمر الجبال، ولهذا أُجيب بالفاء. وقيل: سأله رجال من ثقيف (٥) عنها (٦).\n﴿فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (١٠٥)﴾ كما ينسف الطعام على الريح وهو تنقيته من القشور (٧).\nوقيل: يقلعها (٨) من أصلها ثم يبدد أجزاؤها (٩) فتصير كأن لم تكن (١٠).\nوقيل: يجعلها الله بمنزلة الرمل ثم يرسل عليها ريح الدبور فينسفها ويفرقها (١١).\n_________\n(١) في ب: \" بسر \".\n(٢) حكاه ابن جرير في جامع البيان (١٦/ ١٦١).\n(٣) وهو قول قتادة.\nانظر: زاد المسير (٥/ ٣٢١).\n(٤) انظر: معالم التنزيل (٢٩٤).\n(٥) ثقيف: بطن من هوازن العدنانية، وهو ينتسبون إلى قيس بن منبه بن بكر بن هوازن.\nانظر: نهاية الأرب للقلقشندي (١٩٨).\n(٦) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٢٢١).\n(٧) وقد سبق بيانه في قوله تعالى ﴿ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا﴾ [طه: ٩٧].\n(٨) في أ: \" نقلعها \".\n(٩) في تبدد أجزاء\".\n(١٠) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٣٥٤).\n(١١) انظر: النكت والعيون (٣/ ٤٢٥).","vol":"1","page":1454},{"text":"وقيل: يقلعها من أماكنها ويطرحها في النار فتستوى الأرض (١).\n﴿فَيَذَرُهَا﴾ الكناية عن الأرض، ولم يتقدم ذكرها للعلم بها. وقيل: يعود إلى مواضع الجبال. ﴿قَاعًا﴾ مستويًا، صلبًا لا تراب عليه (٢). ﴿صَفْصَفًا (١٠٦)﴾ لا ينبت (٣). وقيل: القاع الذي يعلوه الماء، والصَّفْصَف: المستوى، كأنها من استوائها على صف واحد (٤).\nوقيل: القاع المنكشفة، والصَّفْصَف التي لا أثر للجبال فيها (٥).\n﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا﴾ أودية. ﴿وَلَا أَمْتًا (١٠٧)﴾ روابي. وقيل: الأمت الارتفاع، والانخفاض، والغلظ، والرِّقة (٦).\nوقيل: الشُّقوق في الأرض (٧).\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن للفراء (٢/ ١٩١).\n(٢) قال في لسان العرب (١١/ ٣٤٨)، مادة: قوع: \" القاع، والقاعة، والقِيع: أرض واسعة سهلة مطمئنة مستوية حرة لا حُزُونة فيها ولا ارتفاع ولا انهباط، ولا حصى فيها ولا تُنبت الشجر\".\n(٣) الصَّفْصَف: المستوي من الأرض كأنه على صف واحد.\nانظر: معاني القرآن للزجاج (٣/ ٣٠٧)، المفردات للراغب (٤٨٦)، مادة: صَفَّ.\n(٤) حكاه الزجاج في معاني القرآن (٣/ ٣٠٧).\n(٥) قال ابن جرير في جامع البيان (١٦/ ١٦٣) \" يُذْريها ربي تذرية، ويطيرها بقلعها واستئصالها من أُصولها، ودك بعضها على بعض، وتصييره إياها هباءً منبثًا، فيدع أماكنها من الأرض إذا نسفها نسفًا (قاعًا) يعني: أرضًا ملساء، (صفصفًا) مستويًا لانبات فيه، ولا نشز، ولا ارتفاع \".\n(٦) قاله ابن عباس، ﵄، ومجاهد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ١٦٤).\n(٧) قاله مجاهد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ١٥٦).\n\nقال ابن كثير في تفسيره (٣/ ١٧٤) \" لا ترى في الأرض يومئذ واديًا، ولارابية، ولا مكانًا منخفضًا، ولا مرتفعًا، كذا قال ابن عباس، ﵄، وعكرمة، ومجاهد، والحسن البصري، والضحاك، وقتادة، وغير واحد من السلف \"","vol":"1","page":1455},{"text":"﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ﴾ أي: داعي الله الذي يدعوهم إلى الموقف، وهو إسرافيل، فيسرع المؤمنون ويتثاقل المجرمون فيرسل الله نارًا فيسوقهم إلى جهنم.\nوقيل: يدعوهم (١) من صخرة بيت المقدس (٢).\n﴿لَا عِوَجَ لَهُ﴾ لا يقدر له أن يعدل عنه، والتقدير: لا عوج لهم عنه.\n﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ﴾ أي: سكنت لمهابة الله.\n﴿فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا (١٠٨)﴾ الحسن: صوت وطأ الأقدام ونقلها إلى المحشر (٣). وقيل: صوتًا خفيًا كتحريك الشفة (٤).\n﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ﴾ ... أي: إلا شفاعة من أذن.\n﴿لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (١٠٩)﴾ أي: في الدنيا، وهو قول لا إله إلا الله.\nوقيل: لا ينفع إلا لمن أذن الله للشافع أن يشفع فيه، وقيل: معنى ﴿أَذِنَ﴾ سمع (٥).\n﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ أي: الناس. وقيل: الملائكة يريد ما كان قبلهم (٦).\n﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ وما يكون بعدهم. وقيل: على العكس، واللفظ صالح لهما (٧). ... ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠)﴾ فيه قولان:\nأحدهما: أنه يعود إلى قوله (٨) ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾.\n_________\n(١) في أ: \" تدعوهم\".\n(٢) انظر: الكشاف (٤/ ١١٠).\n(٣) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٦/ ١٦٩)، وعزاه السيوطي في الدر (١٠/ ٢٤٢) إلى عبد بن حميد.\n(٤) انظر: النكت والعيون (٣/ ٤٢٧).\n(٥) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٢٢٢).\n(٦) والمراد: أن علمه محيط بجميع الخلائق، ولا يخفى عليه شيء من أمرهم.\n(٧) قال ابن جرير في جامع البيان (١٦/ ١٧٠) \" ويعلم أمر ما خَلَّفوه ورائهم من أمر الدنيا \".\n(٨) في ب: \" يعود إلى من قوله \".","vol":"1","page":1456},{"text":"والثاني: يعود إلى الله تعالى، أي: لا يحيطون علمًا بذاته (١).\n﴿* وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ أي: ذَلَّت، وانقادت. أي: أصحابها. والعنوه تكون تسليمًا (٢)، أي: استسلموا لما يفعله ويكون غلبة وقهرًا أي صاروا كلهم أسرى له.\nوقيل: هي السجود على سبعة أعضاء الجبهة والكفين والركبتين والقدمين (٣). ... ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا (١١١)﴾ أي: انقطع رجاؤه ويئس مما طلب.\nوقوله ﴿مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا (١١١)﴾ أي: شركًا وثقل مغبته ووزره، كقوله ﴿يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ﴾ [الأنعام: ٣١].\n﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ يريد الإيمان والطاعات.\n﴿فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا (١١٢)﴾ لا يُزاد في سيئاته، ولا يُنقص من حسناته.\n_________\n(١) وهذا تأويل لصفة العلم لله تعالى بالذات، والصواب في معناها: أن خلقه لا يحيطون به علمًا، كما قال تعالى ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة: ٢٥٥].\n(٢) أصل العُنُوّ الذل، ومنه عنا وجهه لربه يعنو عنوًا خضع وذل له، ويقال للأسير عانٍ لذله، وليس من معناه من أخذ الشيء بالغلبة والقوة.\nانظر: المفردات للراغب (٥٩١)، مادة: عنا.\nقال ابن عباس، ﵄ وغير واحد من السلف: خضعت وذلت واستسلمت الخلائق لجبارها الحي الذي لا يموت القيوم الذي لاينام، وهو قَيِّم على كل شيء يدبره ويحفظه.\nانظر: تفسير ابن كثير (٣/ ١٧٤).\n(٣) قاله طلق بن حبيب.\nانظر: النكت والعيون (٣/ ٤٢٨).","vol":"1","page":1457},{"text":"وأصل الهضم الكسر (١)، والمعنى: لا يُظلم بحرمان الثواب، ولا يُهضم بنقصان الجزاء. ومن رفع (٢) جعل تقديره: فهو لا يخاف، ومن جزم جعله نهيًا، ودخل الفاء لجزاء الشرط (٣).\n﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا﴾ بلغة العرب، وهو نسق على قوله ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ [طه: ٩٩].\nوقيل: كما رَغَّبْنا أهل الإيمان بالوعد حَذَّرْنا أهل الشرك بالوعيد (٤).\n﴿وَصَرَّفْنَا فِيهِ﴾ كررنا القول فيه.\n﴿مِنَ الْوَعِيدِ﴾ ذكر الطُّوفان، والصَّيْحة، والرَّجْفة، والمَسْخ.\n﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ أن ينزل بهم مثل ما نزل بمن تقدمهم.\n﴿أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا (١١٣)﴾ عظة واعتبارًا. وقيل (٥): شرفًا بإيمانهم به (٦).\nو﴿أَوْ﴾ (٧) بمعنى الواو، وأسند الإحداث إلى القرآن لأنه يقع عنده (٨).\n_________\n(١) قال في المفردات (٨٤٢)، مادة: هَضَمَ \" الهضم: شَدْخُ ما فيه رخاوة، يقال: هضمته فانهضم، وذلك كالقصبة المهضومة التي يُزَمر بها، واستعير الهضم للظلم قال تعالى ﴿فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا (١١٢)﴾ \".\n(٢) في أ: \" من رفع \".\n(٣) قراءة الجمهور بالرفع \" فلا يخاف \"، وقرأ ابن كثير \" فلا يخَفْ \" بالجزم على النهي.\nانظر: الكشف لمكي (٢/ ١٠٧)، الإتحاف لابن البنا (٢/ ٢٥٧).\n(٤) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ١٧٨).\n(٥) \" قيل \" ساقط من أ.\n(٦) قاله الضحاك.\nانظر: النكت والعيون (٣/ ٤٢٨).\n(٧) في أ: \" أو بمعنى الواو \".\n(٨) قال ابن جرير في جامع البيان (١٦/ ١٧٨) \" أو يحدث لهم هذا القرآن تذكرة فيعتبروا ويتعظوا بفعلنا بالأمم التي كذبت الرسل قبلهم، وينزجروا عما هم عليه مقيمون من الكفر بالله \".","vol":"1","page":1458},{"text":"﴿فَتَعَالَى اللَّهُ﴾ ارتفع صفاته عن صفات (١) المخلوقين.\n﴿الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ أي: يستحق الوصف بالملك، وقيل: هو المالك حقًا (٢).\n﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآَنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ قيل: كان النبي - ﷺ - يعجل بالقراءة من قبل أن يستتم جبريل وحيه مخافة أن ينساه أو يفوته شيء منه فيقرأ مع جبريل (٣).\nابن عباس، ﵄: لا تعجل حتى نبينه لك (٤).\nالسدي: لا تسأل إنزاله قبل لأن يأتيك (٥).\nوقيل: لا تعجل بتعليمه مالم تفهمه (٦).\n_________\n(١) في أ: \" من صفات \".\n(٢) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٣٥٥).\n(٣) يدل عليه ما أخرجه البخاري في صحيحه (ك: التفسير، تفسير سورة القيامة، باب: (فإذا قرأناه فاتبع قرآنه) ح: ٤٩٢٩) عن ابن عباس، ﵄ في قوله (لاتحرك به لسانك لتعجل به) قال: \" كان رسول الله ﷺ إذا نزل جبريل عليه بالوحي وكان مما يحرك به لسانه وشفتيه فيشتد عليه، وكان يُعرف منه، فأنزل الله الآية التي في ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١)﴾ [القيامة: ١] ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ (١٧)﴾ [القيامة: ١٧، ١٦] قال: علينا أن نجمعه في صدرك وقرآنه ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ (١٨)﴾ فإذا أنزلناه فاستمع ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾ [القيامة: ١٩] علينا أن نبينه بلسانك. قال: فكان إذا أتاه جبريل أطرق فإذا ذهب قرأه كما وعده الله \".\n(٤) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٦/ ١٨١).\n(٥) انظر: النكت والعيون (٣/ ٤٢٩)، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١١/ ٢٥٠).\n(٦) قاله عطية.\nانظر: النكت العيون (٣/ ٤٢٩).","vol":"1","page":1459},{"text":"ومعنى ﴿يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ يتم بيانه. وقيل: يُفْرَغ من إيحائه وإنزاله (١).\n﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (١١٤)﴾ سل الله أن يزيد علمًا إلى علمك بوحيه إليك.\nوقيل: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (١١٤)﴾ أدبًا في دينك.\nوقيل: زدني علمًا بقصص أنبيائك (٢).\nوقيل: زدني حفظًا حتى لا أنسى ما أُوحي إلي (٣).\n﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آَدَمَ﴾ أي: أمرناه أن لا يقرب الشجرة ولا يأكل منها.\n﴿مِنْ قَبْلُ﴾ قبل هذا الزمان. وقيل: قبل أولاده (٤).\n﴿فَنَسِيَ﴾ فيه قولان:\nأحدهما: نسي العهد وسها (٥).\nوالثاني: ترك أمر ربه (٦).\nوقيل: نسي فأول (٧).\nوقيل: حُمِلَ النهي على التنزيه لا على التحريم، وقد سبق في أول البقرة بيانه (٨).\nوقيل: إن حواء أقدمت عليها فلم يصبها شيء، ثم أبت أن يجامعها إلا أن يأكل منها فأكل منها.\n﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (١١٥)﴾ فيه قولان:\n_________\n(١) قاله مجاهد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ١٨٠).\n(٢) انظر: النكت والعيون (٣/ ٤٢٩).\n(٣) انظر: المصدر السابق (٣/ ٤٢٩).\nقال ابن جرير في جامع البيان (١٦/ ١٨١) \" وقل يا محمد: رب زدني علمًا إلى ما علمتني. أمره بمسألته من فوائد العلم ما لا يعلم \".\n(٤) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٦/ ٢٦٣).\n(٥) قال ابن جرير في معناها \" فترك عهدي \".\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ١٨٢).\n(٦) قاله مجاهد.\nانظر: النكت والعيون (١٦/ ١٨٢).\n(٧) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٦/ ٢٦٣)، النكت والعيون (٣/ ٤٣٠).\n(٨) في تفسير قوله تعالى ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ... الآيات [البقرة: ٣٥ - ٣٨]، وانظر: معالم التنزيل (٥/ ٢٩٨).","vol":"1","page":1460},{"text":"أحدهما: فيه عزم على الذنب لأنه أخطأ ولم يتعمد.\nوالثاني: لم يكن من أهل العزيمة والثبات.\nوروي عن أبي أمامة (١) أنه قال: \" لو وزنت أحلام بني أدم بحلم آدم لرجح حلمه، وقد قال الله ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (١١٥)﴾ \" (٢).\nولا يصح أن يطلق في نفي العزم عنه بل يُقَيَّد، فيقال: لم يكن له عزم في التحفظ عن مكايدة إبليس.\nوقيل: لم نجد له عزمًا في العود إلى الذنب ثانيًا (٣).\nوقيل: ﴿عَزْمًا﴾ رأيًا وصبرًا (٤).\nوقيل: نسي الوعيد لا العهد (٥)، والعزم: اعتقاد القلب على الشيء.\nوقيل: العزم المحافظة على أمر الله (٦).\n_________\n(١) أبو أمامة الباهلي، اسمه صُدَيِّ بن عجلان بن وهب، وهو من المكثرين من الرواية عن النبي ﷺ، وأكثر حديثه عند الشاميين، توفي باشام سنة إحدى وثمانين.\nانظر: الاستيعاب (٤/ ١٦٥)، تهذيب التهذيب (٤/ ٣٨٤).\n(٢) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٦/ ١٨٥)، والواحدي في الوسيط (٣/ ٢٢٤)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (١٠/ ٢٤٧) لسعيد بن منصور، وابن المنذر.\n(٣) حكاه في النكت والعيون (٣/ ٤٣٠).\n(٤) قاله الحسن.\nانظر: معالم التنزيل (٥/ ٢٩٧).\n(٥) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ١٨٢).\n(٦) قاله ابن زيد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ١٨٥، ١٨٤)، قال: \" وأصل العزم: اعتقاد القلب على الشيء، ومن اعتقاد القلب حفظ الشيء، ومنه الصبر على الشيء .... فيكون تأويله: ولم نَجِد له عَزْمَ قلبٍ على الصبر على الوفاء لله بعهده، ولا على حفظ ما عَهِدَ إليه \".","vol":"1","page":1461},{"text":"﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى (١١٦) فَقُلْنَا يَا آَدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (١١٧)﴾ أراد تشقيا، لكنه وحد لمشاكلة رؤوس الآي. وقيل: أَولُ الخطاب له وحده فجعل آخره كأوله (١).\nوقيل: حواء تبع لآدم (٢).\nومعنى ﴿فَتَشْقَى (١١٧)﴾: يشدد عيشك. والشقاء: كَدُّ العيش.\nوقيل: معنى ﴿فَتَشْقَى﴾ تأكل (٣) من كدك وكسبك (٤).\n﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (١١٩)﴾ أي: لا ينقطع الطعام والشراب واللباس عنك بل يحضرك ما تريده أبدًا. ومعنى ﴿تَضْحَى﴾ (٥): لا يصيبك حر الشمس إذ ليس فيها شمس.\nقرئ (إن) بالكسر والفتح، والكسر على العطف على الأول، والفتح على العطف على ﴿أَلَّا تَجُوعَ﴾، ومحله نصب بإن (٦)، وجاز كما تقول: إن في علمي أنك جالس، كما وقع مبتدأ في قول الشاعر:\n_________\n(١) وهو اختيار ابن جرير في جامع البيان (١٦/ ١٨٦).\n(٢) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ١٨٦)، الكشف والبيان للثعلبي (٦/ ٢٦٣).\n(٣) في ب: \" يأكل \".\n(٤) قاله السدي.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ١٨٦)، الوسيط للواحدي (٣/ ٢٢٤).\n(٥) \" تضحى \" ساقط من أ.\n(٦) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم \" وأنك \" بفتح الألف،\nوقرأ نافع، وأبو بكر عن عاصم \"وإنك \" بكسر الألف.\nانظر: العنوان لأبي طاهر الأنصاري (١٣٠)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣٢٢).","vol":"1","page":1462},{"text":"أفي الحق إني مغرم بك هائم ... وأنك لا خَلٌ هواك ولا خَمْرُ (١).\n﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آَدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى (١٢٠)﴾ أي: أَلقَى الشيطان في نفسه.\nو﴿شَجَرَةِ الْخُلْدِ﴾ هي التي من أكل منها لا يموت.\n﴿وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى (١٢٠)﴾ لا يزول. وقيل: لا ينقطع بالموت (٢).\n﴿فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآَتُهُمَا وَطَفِقَا﴾ أقبلا وداما.\n﴿يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ يستران عورتيهما.\n﴿وَعَصَى آَدَمُ رَبَّهُ﴾ بأكل الشجرة (٣).\n﴿فَغَوَى (١٢١)﴾ ارتكب ما فيه الهلاك، أو فساد عظيم.\nوقيل: ﴿فَغَوَى﴾ ضل عما أُمر به (٤).\nوقيل: جَهِلَ وجه الأمر (٥).\nوقيل: تعدى إلى شيء لم يكن له أن يتعدى إليه (٦).\nوقيل: خاب ماكان يظن أن يناله بأكل الشجرة من الخلود (٧).\nوقيل: ﴿فَغَوَى﴾ حُرِمَ ما جعل الله له (٨) من الدوام في الجنة (٩).\n_________\n(١) انظر: المستقصى في أمثال العرب (٢/ ٣٢٦)، ديوان الحماسة (٢/ ٨٤)، من غير نسبته لقائل.\n(٢) قاله السدي.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ١٨٨).\n(٣) في أ: \" فأكل الشجرة \".\n(٤) حكاه الواحدي في الوسيط (٣/ ٢٢٤).\n(٥) انظر: غرائب التفسير (١/ ٧٣١).\n(٦) حكاه ابن جرير في جامع البيان (١٦/ ١٩٠).\n(٧) حكاه السمرقندي في بحر العلوم (٢/ ٣٥٧).\n(٨) من قوله \" أن يتعدى إليه \" إلى \" ما جعل الله له \" ساقط من أ.\n(٩) والمعنى: خالف أمر ربه فتعدى إلى إلى ما لم يكن له أن يتعدى إليه من الأكل من الشجرة التي نهي عن الأكل منها.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ١٩٠).\n\nأخرج البخاري في صحيحه (ك: التفسير، تفسير سورة: طه، باب: فلا يخرحنكما من الجنة فتشقى، ح: ٤٧٣٨) عن أبي هريرة ﵁ عن النبي صلى الله وسلم قال \" حاج موسى آدم فقال له: أنت الذي أخرجت الناس من الجنة بذنبك وأشقيتهم. قال: قال آدم: ياموسى أنت اصطفاك الله برسالاته وبكلامه، أتلومني على أمر كتبه الله علي قبل أن يخلقني؟ قال رسول الله ﷺ: فحج آدم موسى \".","vol":"1","page":1463},{"text":"﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (١٢٢) قَالَ اهْبِطَا الْجُودِيِّ جَمِيعًا﴾ يعنى: اهبطا أنتما وإبليس جميعًا، ولفظ جميع يدل على ذلك (١).\nوقيل: إنه خطاب لآدم وإبليس وذريتهما (٢).\nوقيل: كان أهبط إبليس قبلهما، والمعنى: اهبطا جميعًا ثم أنتما وإبليس. وقيل: والحية (٣).\n﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾ خطاب لآدم وحواء وذريتهما.\nوقيل: وإبليس أيضًا مخاطب به، والوجه الأول (٤).\n﴿مِنِّي هُدًى﴾ كتاب ورسول.\n﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣)﴾ سبق (٥).\n﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي﴾ قيل: القرآن (٦). وقيل: الهدى فلم يتبعه (٧).\n﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ ضيقًا غير موسع، يعني: في النار.\nوقيل: حرامًا يعني في الدنيا (٨).\nوقيل: هو الكسب الخبيث والعمل السيء (٩).\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن كثير (٣/ ١٧٧)، قال \" وما ورد في قصة الحية وإبليس من أخبار فهي من الإسرائيليات\".\n(٢) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ١٩١).\n(٣) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٣٥٧).\n(٤) في أ: \" والأول الوجه \".\nوالصواب أن الخطاب لآدم وذريته وإبليس وذريته.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ١٩٠)، تفسير ابن كثير (٣/ ١٧٧).\n(٥) في قوله تعالى ﴿وَقَدْ آَتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا (٩٩) مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا (١٠٠)﴾ [طه: ٩٩ - ١٠١].\n(٦) قاله الكلبي.\nانظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٢٢٥).\n(٧) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٣٥٧).\n(٨) قاله ابن عباس، ﵄.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ١٩٦).\n(٩) قاله الضحاك.\n\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ١٩٥).","vol":"1","page":1464},{"text":"وقيل: معيشة ضنكًا يضيق عليه قبره (١).\nوقيل: هو عذاب القبر، وبذلك فسره رسول الله - ﷺ - (٢).\nابن عباس، ﵄: الشقاء معيشة الضنك (٣).\nابن جبير: يسلبه القناعة (٤) حتى لا يشبع (٥).\nوقيل: عيش الدنيا ضَنِك ضَيِّق لانقضائه، وقصر مدته، وكثرة شوائبه، وإنما العيش الواسع عيش الآخرة (٦).\n_________\n(١) قاله أبو سعيد الخدري، وابن مسعود ﵄.\nانظر: النكت والعيون (٣/ ٤٣١).\n(٢) أورده السيوطي في الدر (١٠/ ٢٥٦) وعزاه لابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ في قوله (فإن له معيشة ضنكًا) قال: \" عذاب القبر \".\nوأورد أيضًا نحوه ابن جرير في جامع البيان (١٦/ ١٩٧) عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا وموقوفًا، وصحح ابن كثير في تفسيره (٣/ ١٧٧) الموقوف. والمشهور عند المفسرين أن المراد بالضنك الضيق وعدم الطمأنينة وضيق الصدر لضلاله وإن تنعم ظاهره فهو في قلق وحيرة وشك وريبة، وهذا من ضنك المعيشة، أما ما ذهب إليه بعض المفسرين من أن المعيشة الضنك هي عذاب القبر مستدلين بالأحاديث السابقة فأكثرها إما وموقوف أو ضعيف. الله أعلم.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ١٩٢)، الوسيط للواحدي (٣/ ٢٢٥)، معالم التنزيل (٥/ ٣٠٠) زاد المسير (٥/ ٣٣١)، تفسير ابن كثير (٣/ ١٧٧)، فتح الباري (٨/ ٢٨٧).\n(٣) \" معيشة الضنك \" ساقط من ب.\nوالأثر أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٦/ ١٩٣).\n(٤) في أ: \" نسلبه القناعة \".\n(٥) انظر: معالم التنزيل (٥/ ٣٠١)، البحر المحيط (٦/ ٢٦٥).\n(٦) وهو مروي عن ابن عباس، ﵄.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ١٩٦).","vol":"1","page":1465},{"text":"﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤)﴾ قيل: عن الحجة (١).\nوقيل: أعمى البصر (٢).\nوقيل: أعمى القلب (٣).\nوعن ابن عباس، ﵄: يحشر بصيرًا ثم إذا سيق إلى المحشر عمي (٤).\nوقيل: أعمى عن كل شيء إلا عن جهنم (٥).\n﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥)﴾ في الدنيا.\n﴿قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا﴾ أي: إنما عميت جزاءً على فعلك وهو نسيان آيات الله.\nوقيل: ترك العمل بها (٦).\n﴿وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦)﴾ تترك في العمى والعذاب.\nوقيل: تُعامل معك معاملة المنسي (٧).\n﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ﴾ أي: كما جازينا المُعرض نجزي المُسرف. والإسراف: مجاوزة الحد المحمود (٨).\n﴿وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآَيَاتِ رَبِّهِ﴾ يريد فعصى الله وكفر به.\n﴿وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ﴾ الذي يناله بعد ذلك.\n_________\n(١) قاله مجاهد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٢٠٠).\n(٢) قاله ابن عباس، ﵄.\nانظر: معالم التنزيل (٥/ ٣٠١).\n(٣) انظر: النكت والعيون (٣/ ٤٣١).\n(٤) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٣٥٨).\n(٥) ولعل الأقرب أنه يحشر أعمى البصر والبصيرة، كما قال تعالى ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾ [الإسراء: ٩٧].\n(٦) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٣٥٨).\n(٧) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٢٠٢).\n(٨) قال في لسان العرب (٦/ ٢٤٣)، مادة، سَرَفَ: \" السَّرفُ والإسراف: مجاوزة القَصْد، وأسرف في ماله عَجِلَ من غير قصد، والإسراف في النفقة التبذير \".","vol":"1","page":1466},{"text":"﴿أَشَدُّ وَأَبْقَى (١٢٧) أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ﴾ هؤلاء.\n﴿فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾ ديار المهلكين ومنازلهم إذا سافروا أو اتجروا.\n﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى (١٢٨)﴾ اختلفوا في فاعل ﴿يَهْدِ﴾؛ فقال الكوفيون: فاعله ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا﴾، وهذا لا يجوز عند البصريين لأن الجمل لا تكون فاعلة.\nوقال البصريون: فاعله مضمر يفسره ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا﴾ قالوا: ويجوز أن يكون مصدرًا كما قيل في قوله ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ﴾ [يوسف: ٣٥]، ويحتمل أن الفاعل هو الله سبحانه على تقدير أفلم يهد الله لهم فيعلموا ويقويه قراءة من قرأ نهد بالنون (١).\n﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى (١٢٩)﴾ تقدير الآية: ولولا كلمة سبقت بتأخير العذاب عن أمة محمد - ﷺ -.\nوقيل: بأن يؤمن بعضهم وأجل مسمى يعنى القيامة لكان العذاب لزامًا لهم لا يفارقهم كما لم يفارق القرون الماضية الكافرة (٢).\nوقيل: الأجل المسمى الموت (٣).\nوقيل: لزامًا قتلًا (٤).\nوقيل: ما أصابهم يوم بدر لزمهم حتى يُستأصَلوا (٥).\n_________\n(١) وهي قراءة شاذة تروى عن ابن عباس، ﵄، والسلمي.\nانظر: شواذ القراءات للكرماني (٣١٤)، البحر المحيط (٦/ ٢٦٧).\n(٢) قاله قتادة.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٢٠٨).\n(٣) قاله ابن عباس، ﵄.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٢٠٨).\n(٤) قاله ابن زيد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٢٠٨)، معاني القرآن للزجاج (٣/ ٣٠٩).\n(٥) انظر: النكت والعيون (٣/ ٤٣٢).","vol":"1","page":1467},{"text":"﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ منسوخ بآية السيف (١).\nوقيل: اصبر على أذاك (٢).\n﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾ صلاة الفجر.\n﴿وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ صلاة العصر.\n﴿وَمِنْ آَنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ﴾ يعنى: المغرب والعشاء الآخرة.\n﴿وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾ الظهر، وجمع لأن النهار جنس. وقيل: أراد بأطراف النهار التطوع في جميع أجزاء النهار (٣)، وبـ ﴿آَنَاءِ اللَّيْلِ﴾ صلاة الليل كله (٤)، وآناء جمع إنْيٌ (٥)، وإنَىً، وآنا (٦).\n﴿لَعَلَّكَ تَرْضَى (١٣٠)﴾ بما تعطى، ومثله ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى: ٥].\nو﴿تَرْضَى﴾ يرضيك الله بكرامته.\n_________\n(١) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٢٢٧)، معالم التنزيل (٥/ ٣٠٢).\nقال الزركشي في البرهان (٢/ ٤٢) \" هذا ليس بنسخ في الحقيقة وإنما هو نسئ، فالمنسأ هو الأمر بالقتال، إلى أن يقوى المسلمون، وفي حال الضعف يكون الحكم وجوب الصبر على الأذى، بمعنى أن كل أمر ورد يجب امتثاله في وقت ما لعلة توجب ذلك الحكم، ثم ينتقل بانتقال تلك العلة إلى حكم آخر، وليس بنسخ، لأن النسخ الإزالة حتى يجوز امتثاله أبدًا \" أ. هـ بتصرف.\n(٢) انظر: النكت والعيون (٣/ ٤٣٢).\n(٣) قاله الحسن.\nانظر: النكت والعيون (٣/ ٤٣٢).\n(٤) قاله ابن عباس، ﵄.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٢١١).\n(٥) \"إني\" ساقط من أ.\n(٦) آناء الليل: ساعاته، وآنى وآن الشيء: قرب إناه، وآنيت الشيء أُنيًا: أخرته عن أوانه، وتأنيت: تأخرت.\nانظر: المفردات للراغب (٩٦)، مادة: أنا.","vol":"1","page":1468},{"text":"﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ في سبب النزول \" عن أبي رافع (١) مولى رسول الله - ﷺ - أن ضيفًا نزل برسول الله - ﷺ - فدعاني فأرسلني إلى رجل من اليهود يبيع طعامًا يقول لك محمد رسول الله - ﷺ -: إنه نزل بنا ضيف ولم نلف عندنا بعض الذي نصلحه، فبعني كذا وكذا من الدقيق وأسلفني إلى هلال رجب. فقال اليهودي: لا أبيعه ولا أسلفه إلا برهن. قال: فرجعت إليه وأخبرته فقال: والله إني لأمين في السماء أمين في الأرض ولو أسلفني أو باعني لأديت إليه، اذهب بدرعي، ونزلت هذه الآية تعزية له عن الدنيا \" (٢).\n﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ أي: لا تنظر. وقيل: لا يعظم (٣) في عينيك (٤).\n_________\n(١) أبو رافع، مولى النبي ﷺ، اختلف في اسمه؛ فقيل: إبراهيم، وقيل: أسلم، وقيل: هرمز، كان قبطيًا، توفي في خلافة عثمان بن عفان، وقيل: في خلافة علي ﵃.\nانظر: الاستيعاب (٤/ ٢١٩)، سير أعلام النبلاء (٢/ ١٦).\n(٢) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٦/ ٢١٤)، والواحدي في أسباب النزول للواحدي (٣٥٢).\nوقد ضعف ابن عطية في تفسيره (٤/ ٧٠) أن تكون هذه القصة سببًا للنزول، لأن السورة مكية والقصة وقعت في المدينة، في آخر حياة النبي ﷺ لأنه مات ودرعه مرهون عند يهودي في طعام، والظاهر أن الآية متناسقة مع ما قبلها من التوبيخ على عدم الاعتبار بما حل للأمم السابقة وما توعدهم به من العذاب المؤجل ثم أمر نبيه بالصبر على أقوالهم والإعراض عما في أيديهم من الدنيا.\n(٣) في ب: \" لا تعظم \".\n(٤) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٣٥٩).","vol":"1","page":1469},{"text":"وقيل: لا تتأسف وارض بما رزقك الله (١).\nوقوله ﴿أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ أي: أصنافًا وهم الرجال والنساء.\n\nوقيل: ﴿أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ أشكالًا منهم (٢)، لأنهم أشكال في الذهاب عن الصواب (٣).\n﴿زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ زينتها، وحسنها، وبهجتها، والزهرة المضيء المستحسن.\n﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ لنعامل معهم معاملة المختبر. وقيل: لنشدد تكليفهم (٤).\n﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ﴾ في الجنة.\n﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٣١) وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ﴾ أي: أمتك. وقيل: آل بيتك (٥). ﴿وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ داوم عليها (٦).\n﴿لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا﴾ لخلقنا ولا لنفسك.\n﴿نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ فالتمس منا فإن الله رازق الجميع.\n﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (١٣٢)﴾ أي: الصلاح في آخر الأمر للمتقين.\n﴿وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ أي: آية تدل على صدق محمد - ﷺ -.\n﴿أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٣٣)﴾ يعني القرآن فيه بيان ما في التوراة والإنجيل والزبور.\nوقيل: أليس قد أُعلموا أن الله قال في الكتب المتقدمة: إن الآية المقترحة إذا لم يؤمن بها تبعها عذاب الاستئصال (٧).\n_________\n(١) انظر: النكت والعيون (٣/ ٤٣٣).\n(٢) من \" بما رزقك الله \" إلى \" أشكالًا منهم \" ساقط من ب.\n(٣) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٢١٥).\n(٤) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٢٢٨).\n(٥) انظر: النكت والعيون (٣/ ٤٣٤)، والآية عامة في الجميع.\n(٦) في ب: \" دوام عليها \" والصواب هو المثبت.\n(٧) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٢١٨).","vol":"1","page":1470},{"text":"وقيل: بيان صفة محمد - ﷺ - (١).\n﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ﴾ يعني العرب.\n﴿بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ﴾ قبل محمد - ﷺ - والقرآن. ﴿لَقَالُوا رَبَّنَا﴾ هلا.\n﴿لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا﴾ يدعونا.\n﴿فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى (١٣٤)﴾ بالعذاب. وقيل: نذل في الدنيا ونخزى في العقبى (٢).\n﴿قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ﴾ منتظر دوران الزمان ولمن يكون الفتح والنصر (٣).\n﴿فَتَرَبَّصُوا﴾ أنتم.\n﴿فَسَتَعْلَمُونَ﴾ إذا جاءت القيامة.\n﴿مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ﴾ المستقيم. وقيل: السَّوِي الذي يستوى سالكه إلى نجاحه (٤).\n﴿وَمَنِ اهْتَدَى (١٣٥)﴾ من الضلالة أنحن أم أنتم، هذا إذا جعلت (من) استفهامًا، وإن جعلته خبرًا نصبته، والمعنى ستعرفون.\nوقرئ في الشواذ \" الصراط السوء \" (٥)، ﴿السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى (١٣٥)﴾ للازدواج.\nوالله أعلم، وإليه المرجع والمآب (٦).\n_________\n(١) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٣٥٩).\n(٢) لم أقف عليه، والله أعلم.\n(٣) في ب: \" الفلح والنصر \".\n(٤) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٢٢٠).\n(٥) وهي مروية عن ابن عباس، ﵄ ﵄.\nانظر: البحر المحيط (٦/ ٢٧٠).\n(٦) \" وإليه المرجع والمآب \" ساقط من ب.","vol":"1","page":1471},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-127>سورة الأنبياء</span>\nقال الشيخ الإمام برهان الدين تاج القراء أبو القاسم محمود بن نصر ﵀: سورة الأنبياء ﵈ مائة واثنتا وعشرة آية (١) مكية، ابن مسعود ﵁: سورة بني إسرائيل، والكهف، ومريم، وطه، والأنبياء هي من العتاق الأول، وهن من تلادي (٢).\n﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾\n﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١)﴾ ابن عيسى: الاقتراب قِصَرُ المُدة للشيء بالإضافة إلى ما مضى من زمانه، وحقيقة القرب قلة ما بين الشيئين، وهو على ثلاثة أوجه؛ قرب زمان، وقرب مكان، وقرب رجال (٣).\nوالحساب: إخراج الكمية من مبلغ العدة (٤). والغفلة: ذهاب المعنى عن النفس. والإعراض: الذهاب عن الشيء إلى غير عرضه، أي: ناحيته (٥)، والمعنى: اقترب لأهل مكة (٦).\nوقيل: عام في منكري البعث (٧).\n_________\n(١) من \" قال الشيخ \" إلى \" عشرة آية \" ساقط من ب.\n(٢) أخرجه البخاري في صحيحه (ك: التفسير، سورة الأنبياء، ح: ٤٧٣٩).\nونقل ابن الجوزي في زاد المسير (٥/ ٣٣٨) الاجماع على مكيتها من غير خلاف.\n(٣) لم أقف عليه، والله أعلم.\n(٤) قال في المفردات (٢٣٢)، مادة: حَسَبَ \" الحساب استعمال العدد، يقال: حَسَبتُ أحسُبُ حسابًا وحسبانًا\".\n(٥) الغفلة: سهو يعتري الإنسان من قلة التحفظ والتيقظ، يقال: غَفَل عنه يغفل وأغفله: تركه وسها عنه.\nانظر: المفردات (٦٠٩)، لسان العرب (١٠/ ٩٥)، مادة: غَفَلَ.\n(٦) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٢٢٩).\n(٧) انظر: معالم التنزيل (٥/ ٣٠٩).","vol":"1","page":1472},{"text":"﴿حِسَابُهُمْ﴾ وقت محاسبة الله إياهم ومجازاته لهم على أعمالهم، يعني: يوم القيامة لأن ما هو آت قريب لدخوله فيما ينقضي، وهم في غفلة عن التأهب لها معرضون عن الإيمان، وقيل: تأتيهم بغتة (١).\n﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ قيل: من القرآن (٢). وقيل: من الوعظ (٣). وقيل: الذكر محمد ﷺ (٤)، بدليل قوله حكاية عنهم ﴿هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ والوجه الأول.\n﴿مُحْدَثٍ﴾ بالتنزيل ينزله الله ليذكرهم ويعظهم به، ومن جعل الذكر الرسول (٥) قال: محدث بالإرسال.\n﴿إِلَّا اسْتَمَعُوهُ﴾ أصغوا إليه، وقيل: أدركوه، والاستماع يأتي للمَعْنَيَين.\n﴿وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٢)﴾ مستهزؤون به. ﴿لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ ساهية غافلة.\nوقيل: هو من اللهو واللعب، أي: قلوبهم في اللعب (٦).\n﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾ قيل: كتموه، وهو الأظهر. وقيل: أظهروا (٧).\nوالنجوى (٨) ما تحدثوا به سرًا. ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ كفروا.\n_________\n(١) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٢٢١).\n(٢) قاله قتادة.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٢٢٢).\n(٣) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٢٢٩).\n(٤) قاله الحسن بن الفضل.\nانظر: الكشف والبيان للثعلبي (٦/ ٢٦٩).\n(٥) في أ \" للرسول \".\n(٦) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٢٢٩).\n(٧) قال ابن جرير في جامع البيان (١٦/ ٢٢٣) \"وأسرَّ هؤلاء الناس الذين اقتربت الساعة منهم وهم في غفلة معرضون لاهية قلوبهم النجوى، يقول: وأظهروا المناجاة بينهم\".\n(٨) في أ: \" أظهروا النجوى ما تحدثوا به \".","vol":"1","page":1473},{"text":"واختلف النحاة في ارتفاعه؛ فقال بعضهم بدل من الواو في ﴿وَأَسَرُّوا﴾ وهو قول أكثرهم، وقال بعضهم: خبر مبتدأ، أي: هم الذين ظلموا (١). وقيل: هذا على لغة أزد شنوءة (٢)، كما قال:\nيلومونني في اشتراء النخيل ... أهلي وكلهم ألوم. (٣)\nالكسائي (٤): رفع بالابتداء، وفيه تأخير. أي: والذين ظلموا أسروا النجوى (٥).\nوقيل: محله نصب بإضمار أعني. وقيل: محله جر بالبدل عن الناس، ويحتمل أنه رفع بإضمار القول أي: وأسروا النجوى وقال الذين ظلموا، وإضمار القول كثير، وهذا ظاهر، والله أعلم (٦).\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (١٦/ ٢٢٢)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٧١).\n(٢) شنوءة: أرض باليمن، تنسب إليها قبائل من الأزد، وهي أربع؛ أزد شنوءة، وأزد السراة، وأزد غسان، وأزد عُمان.\nانظر: معجم البلدان (٣/ ٣٦٩).\n(٣) البيت لأمية بن أبي الصلت، ولم أجده في ديوانه، وقد نسبه له ابن جني في سر صناعة الإعراب (٢/ ٦٢٩)، وابن هشام في مغني اللبيب (٤٧٨)، وفي أوضح المسالك (٢/ ١٠٠).\n(٤) الكسائي، علي بن حمزة، أبو الحسن الأسدي، المقرئ، النحوي، أحد الأعلام، قرأ القرآن وجوده على حمزة الزيات، والعربية على الخليل بن أحمد، وعليه خلق كثير، وإليه انتهت الإمامة في القراءة والعربية، صنف: معاني القرآن، مختصرًا في النحو، القراءات، العَدد، وغيرها، توفي سنة تسع وثمانين ومائة، وقيل غير ذلك.\nانظر: معرفة القراء الكبار للذهبي (١/ ١٢١)، بغية الوعاة (٢/ ١٦٢).\n(٥) انظر: إعراب القرآن للنحاس (٣/ ٦٤).\n(٦) انظر: معاني القرآن للزجاج (٣/ ٣١١).","vol":"1","page":1474},{"text":"﴿هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ آدمي مثلكم يعنون محمدًا ﷺ، وهذا تفسير النجوى أو محكي القول كما ذكرت.\n﴿أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٣)﴾ أتقبلون سحره وأنتم ترون أنه رجل مثلكم.\nوقيل: أتقبلونه (١) وأنتم تعلمون أنه سحر (٢).\nوقيل: تقبلون وأنتم عقلاء، وعنوا بالسحر: القرآن (٣).\n﴿قَالَ﴾ يا محمد أي: أجبهم.\n﴿رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ﴾ ما يقال. ﴿فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾.\nومن قرأ ﴿قَالَ﴾ فعلى الحكاية من محمد ﷺ (٤).\n﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٤)﴾ فلا يخفى عليه سركم ونجواكم.\n﴿بَلْ قَالُوا﴾ (بل) يأتي على وجهين:\nأحدهما: الإضراب عن الأول والإثبات للثاني.\nوالثاني: إتمام الأول والابتداء بالثاني، وما كان في حق الله ﷾ فمن الوجه الثاني، وهو قوله ﴿أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾ أي: أشياء مختلفة رآها في المنام.\n﴿بَلِ افْتَرَاهُ﴾ اختلقه من تلقاء نفسه وأضافه إلى الله.\n﴿بَلْ هُوَ شَاعِرٌ﴾ كسائر الشعراء تفرد بنوع منه، أي: قَسَّموا الكلام في القرآن أربعة أقسام؛ فقائل: هو سحر، وقائل: هو أضغاث أحلام، وقائل: هو مُفْتَرى، وقائل: هو شعر.\n_________\n(١) في ب: \" تقبلونه \".\n(٢) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٢٢٤).\n(٣) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٢٣٠).\n(٤) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم \" قل ربي \" على لفظ الأمر للنبي ﷺ، وقرأ حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم \" قال ربي \" على الخبر عن النبي ﷺ أنه قال ذلك.\nانظر: الكشف لمكي (٢/ ١١٠)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣٢٣).","vol":"1","page":1475},{"text":"ويجوز أن يكون التقدير: ناقضوا قولهم، فمرة يقولون هو كذا، ومرة يقولون هو كذا،\nو﴿بَلْ﴾ الحرف الثاني والثالث يجوز أن يكون من الله كالأول على التأويل الذي ذكرت، ويجوز أن يكون محكيًا عنهم.\n﴿فَلْيَأْتِنَا بِآَيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (٥)﴾ إن كانت دعواه صادقة وليس كما نظن فليأتنا بمعجزة ظاهرة كما أُرسِل من قَبْلَه باليد البيضاء، والعصا، وإبراء الأكمه والأبرص، وإحياء الموتى.\n﴿مَا آَمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾ أي: من أهل قرية.\n﴿أَهْلَكْنَاهَا﴾ حكمنا بإهلاكها. وقيل: من القرى المهْلَكة بما اقترحوا من الآيات لما جاءت لأنهم طلبوها تعنتًا (١).\n﴿أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ (٦)﴾ استفهام تبعيد وإنكار أي فلا تأتيهم (٢) إذ قضينا في السابق أن لا نعذب أمة محمد ﷺ بالاستئصال.\n﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ هذا جواب قولهم (٣) ... ﴿هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾.\n﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ الكتب المتقدمة. وقيل: من آمن منهم (٤).\nوعن علي ﵁: نحن أهل الذكر (٥)، يعني المؤمنين، والسؤال شفاء من الجهل. وقيل: ﴿الذِّكْرِ﴾ العلم بأخبار من مضى من الأمم (٦).\n_________\n(١) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٢٣٠).\n(٢) في ب: \" فلا يأتيهم \".\n(٣) في ب: \"هذا بقولهم\".\n(٤) انظر: معاني القرآن للزجاج (٣/ ٣١٢)، الكشف والبيان للثعلبي (٦/ ٢٧٠).\n(٥) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٢٢٩).\n(٦) انظر: المصدر السابق (١٦/ ٢٢٨).","vol":"1","page":1476},{"text":"﴿إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٧) وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ (٨)﴾ أي: وما جعلنا الرسل (١) ذوي أجساد لا يأكلون الطعام، ولا يموتون.\nوقيل: وما جعلناهم جسدًا لا يأكلون الطعام ذهب بها مذهب بابها من العقلاء (٢).\nوقيل: الجسد في الأصل مصدر سمي به، ولهذا لم يجمع (٣)، ويحتمل: وما جعلنا كل واحد جسد.\nمجاهد: الجسد مالا يأكل ولا يشرب (٤)، والجسم (٥) ماله ثلاثة أبعاد الطول والعرض والعمق، وكل ماله قوام بذاته فهو جسد.\nوالمعنى: هم من جميع الوجوه كسائر بني آدم إلا في رتبة النبوة وشرف المنزلة.\n﴿ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ (٩)﴾ أي: أنجزنا وعدنا فأنجينا الأنبياء والمؤمنين وأنزلنا وعيدنا بالكافرين، والإسراف: مجاوزة الحد المحمود إلى الباطل المذموم.\n﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ يعنى: القرآن فيه شرفكم ومنزلتكم.\nوقيل: ذكر دينكم ودنياكم (٦).\nوقيل: تذكيركم ووعظكم (٧).\nوقيل: حديثكم (٨).\nوقيل: ما يُتَذَكرُ به ويُهْتَدى (٩).\n_________\n(١) في أ: \" وما جعلنا ذوي أجساد \".\n(٢) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٣٦٣).\n(٣) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٢٣٠).\n(٤) انظر: النكت والعيون للماوردي (٣/ ٤٣٨)، وعليه فما يأكل ويشرب يكون نفسًا.\n(٥) في ب: \" والجسم والجسد \".\n(٦) قاله السدي.\nانظر بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٣٦٣).\n(٧) قاله الزجاج في معاني القرآن (٣/ ٣١٣).\n(٨) قاله مجاهد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٢٣٢).\n(٩) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٣٦٣)، وكلها أقوال تصدق على القرآن الكريم.","vol":"1","page":1477},{"text":"﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٠)﴾ ما فضلتكم به على غيركم.\n﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ﴾ أهلكنا أهل قرية، والقَصْمُ: كسر الشيء الصلب حتى يَبِين (١).\n﴿كَانَتْ ظَالِمَةً﴾ أي: أهلها ظالمون.\n﴿وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا﴾ بعد إهلاك أهلها.\n﴿قَوْمًا آَخَرِينَ (١١)﴾ والإنشاء: إحداث الشيء.\nابن عيسى: إيجاد الشيء من غير سبب، (٢) تقول: أنشأه فنشأ، وهو ناشئ، والجمع نشاء، كخادم وخَدَم، وخَارب وخرب (٣).\n﴿فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا﴾ أي: أدركوا بحواسهم عذابنا، يعني: أهل القرية المهلكة.\n﴿إِذَا هُمْ مِنْهَا﴾ من القرية.\n﴿يَرْكُضُونَ (١٢)﴾ يخرجون مسرعين. وقيل: يهربون سراعًا (٤).\nوقيل: يركضون على أرجلهم فارين، تقول: رَكَضْت الدابة إذا ضربته لتجد في السير، ورَكَضْتُ برجلي على الأرض إذا ضربتها بها (٥).\n﴿لَا تَرْكُضُوا﴾ أي: قيل لهم: لا تركضوا فإن هربكم لا ينفعكم وسعيكم لا يغنيكم من القدر.\n﴿وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ﴾ إلى تنعمكم (٦)، والترفه: التلذذ بالنعمة (٧).\n_________\n(١) القَصْمُ: دقُ الشيء الصلب وكسره، يقال للظالم: قصم الله ظهره.\nانظر: معاني القرآن للزجاج (٣/ ٣١٣)، لسان العرب (١١/ ١٩٧)، مادة: قَصَمَ.\n(٢) عزاه في البحر المحيط (٦/ ٢٧٨) لابن عباس، ﵄.\n(٣) في أ: \" كَخَدَمٍ وخَرَبٍ \".\n(٤) انظر: معاني القرآن للزجاج (٣/ ٣١٣).\n(٥) قال ابن جرير في جامع البيان (١٦/ ٢٣٤) \"يهربون سراعًا عجلى، يعدون منهزمين، يقال منه: ركض فلان فرسه إذا كده بساقيه\"، وانظر: المفردات (٣٦٤)، مادة: ركض.\n(٦) في ب: \" تنعمتم \".\n(٧) الرَّفاهة والرفاهية: رَغد الخِصب ولين العيش، والرِّفْه: ورد الإبل الماء كل يوم متى شاءت.\n\nانظر لسان العرب (٥/ ٢٧٧)، مادة: رفه.","vol":"1","page":1478},{"text":"﴿وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ (١٣)﴾ فيه أقوال:\nالحسن: ستعذبون، ولعل من الله واجب (١).\nقتادة: هذا على وجه السخرة والاستهزاء (٢).\nمجاهد: لعلكم تفقهون بالمسألة (٣).\nالكلبي: هم أهل حَصُوراء من قرى اليمن أرسل الله إليهم نبيًا فكذبوه ثم قتلوه، فسلط الله عليهم بخت نصر فقاتلهم (٤) فهزمهم فمروا على دورهم ولم يَلووا على شيء منها فردهم الملائكة حتى رجعوا إلى دورهم فدخل عليهم بخت نصر فأهلكهم والملائكة يقولون يا ثارات فلان يسمونه فلما سمعوا ذلك ﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (١٤)﴾ (٥).\nوقيل (٦): لعلكم تُسألون الإيمان كما سؤلتموه قبل (٧) نزول العذاب (٨).\nوقيل: لعلكم تسألون من دنياكم أشياء استهزاءً بهم (٩).\nالزجاج: تسألون أشياء مما أترفتم فيه (١٠).\nوقيل: لعلكم تُسألُون عما تشاهدون فَتُجِيبوا (١١).\n_________\n(١) انظر: غرائب التفسير (١/ ٧٣٥).\n(٢) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٢٣٦).\n(٣) انظر: تفسير مجاهد (١/ ٤٠٨).\n(٤) في ب: \" فقاتلوه \".\n(٥) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٦/ ٢٧١)، زاد المسير (٥/ ٣٤٢).\n(٦) في أ: \" قيل \".\n(٧) في ب: \" قيل \"، والصواب المثبت.\n(٨) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٣٦٤).\n(٩) وهو قول قتادة السابق.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٢٣٦).\n(١٠) من \" لعلكم تسألون من دنياكم \" إلى \" أُترفتم فيه \" ساقط من ب.\nوانظر: معاني القرآن للزجاج (٣/ ٣١٣).\n(١١) انظر: غرائب التفسير (١/ ٧٣٥).","vol":"1","page":1479},{"text":"ويحتمل على قول الكلبي أنهم خرجوا هربًا من بخت نصر فأوقع الله في قلوبهم، أو قال بعضهم لبعض: لا تهربوا وارجعوا إلى منازلكم وأموالكم لعلكم تُسْألون مالًا وخراجًا أي: نُرضي بخت نصر بالمال فلا يتعرض للقتل والقتال (١).\n﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا﴾ أي: هلكنا ووقعنا في أشد البلاء.\n﴿إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (١٤)﴾ أقروا على أنفسهم بظلمهم بالإشراك بالله وقتل نبيهم.\n﴿فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ﴾ لم يزالوا يرددون كلمة الويل، والدعوى: الادعاء.\n﴿حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا﴾ محصودًا بالسيف. الحسن: مستأصلًا بالعذاب (٢)، ووحد لأن \" فعيلا \" قد يقع موقع الجمع. وقيل: بل أُجرى مجرى المصادر.\n﴿خَامِدِينَ (١٥)﴾ ميتين، من خمدت النار خمودًا.\n﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (١٦)﴾ اللعب: فعل يدعوا إليه الجهل يروق أوله ولا ثبات له، وإنما خلقناهما لنجازي المحسن والمسيء وليُستَدل بها على وحدانية الله وقدرته.\n﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا﴾ ابن عيسى: اللهو: صرف الهَم عن النفس بفعل القبيح.\nواختلف المفسرون في الآية؛ فذهب الحسن في جماعة إلى أن المراد به هاهنا الزوجة رد على من قال مريم صاحبته (٣).\n_________\n(١) قال ابن كثير في تفسيره (٣/ ١٨٣) \" لعلكم تسألون، أي: عما كنتم فيه من أداء شكر النعم\".\n(٢) انظر: النكت والعيون (٣/ ٤٣٩).\n(٣) وهو رواية عن ابن عباس، ﵄، ومجاهد، وقتادة.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٢٣٨، ٢٣٩) النكت والعيون للماوردي (٣/ ٤٤٠)، زاد المسير لابن الجوزي (٥/ ٣٤٣).","vol":"1","page":1480},{"text":"الزجاج: في جماعة الولد بلغة حضرموت (١)، رد على من قال عيسى ابنه (٢).\nوقيل: رد على المشركين ما أضافوا إليه أُنسه بالأصنام (٣).\nوقيل: هو اللهو على ظاهره (٤).\nقوله ﴿مِنْ لَدُنَّا﴾: من عندنا. وقيل: لاتخذناه بحيث لايطلع عليه أحد لأنه نقص وستره أولى. السدي: من السماء لا من الأرض (٥).\n﴿إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ (١٧)﴾ قيل: شرط. أي: إن كُنا ممن يفعل ذلك ولسنا كذلك. وقيل: هو نفي كقوله ﴿وَإِنْ أَدْرِي (١١١)﴾ أي: ما كنا فاعلين. وقيل: معناه لوكنا فاعلين (٦).\nابن بحر: ليس في الآية ذكر الولد والزوج، وإنما هي عطف على الآية الأولى، أي: لو كان اللعب يليق بنا لاتخذنا منه ما يكون في علمنا وقدرتنا (٧).\n_________\n(١) حضرموت: من بلاد اليمن، شرقي عدن، وحولها رمال كثيرة تعرف بالأحقاف، وبها مدينتان هما: تريم، وشبام، وحولهما قلاع وقرى، سميت بحضرموت بن قحطان، حين نزل بها، وقيل غير ذلك.\nانظر: معجم البلدان (٢/ ٢٧٠)، معجم ما استعجم (١/ ٤٥٥).\n(٢) وهو رواية عن ابن عباس، ﵄، وعكرمة، والسدي.\nانظر: معاني القرآن للزجاج (٣/ ٣١٤). وانظر: معالم التنزيل للبغوي (٥/ ٣١٣)، تفسير ابن كثير (٣/ ١٨١).\n(٣) انظر: غرائب التفسير (١/ ٧٣٦).\n(٤) وذهب ابن جرير في جامع البيان (١٦/ ٢٣٨) إلى أن المراد به الزوجة والولد وأنه لاينبغي ولا يصح لله أن يكون له صاحبة أو ولد، وتفسيرها بالزوجة أو الولد متقاربان لأنهما لهو بالنسبة للرجل، واللهو يطلق على الجِماع.\nانظر: معاني القرآن للنحاس (٣/ ٣١٤).\n(٥) في أ: \" من السماء من الأرض \".\nانظر: البحر المحيط (٦/ ٢٨٠).\n(٦) انظر: معاني القرآن للزجاج (٣/ ٣١٤).\n(٧) انظر: البحر المحيط (٦/ ٢٨٠).","vol":"1","page":1481},{"text":"﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ﴾ بالإسلام على الإشراك.\nوقيل: بالقرآن على إبليس (١). وقيل: بالوعظ على المعاصي. وقيل: بالحجة على الشبهة. وقيل: بالدليل المبطل للباطل على الباطل.\n﴿فَيَدْمَغُهُ﴾ فيكسره ويبلغ أم دماغه فلا يحيى ولا يبقى بعده.\n﴿فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ هالك ذاهب. ﴿وَلَكُمُ الْوَيْلُ﴾ شدة العذاب.\n﴿مِمَّا تَصِفُونَ (١٨)﴾ أي: تصفون الله مما لا يليق به.\n﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ خَلَقًا، ومُلْكًا، فكيف يكون ولدًا وبينهما تناف. ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ﴾ أي: في محل كرامته، يعني: الملائكة.\n﴿يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ لا يتعظمون.\n﴿وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩)﴾ لا يعيون، فإن تسبيحهم يجري مجرى التنفس منا. وقيل: لا ينقطعون (٢). حَسَرَ واسْتَحْسَر بمعنى، وحَسَرَ لا زم ومتعدٍ (٣).\n﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ ينزهون الله عن الولد، والزوجة، والشريك، وعما لا يليق به.\n﴿لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾ لا يضعفون عنه، وروي عن بعض القراء الوقف على قوله\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن للزجاج (٣/ ٣١٤).\n(٢) قاله السدي.\nانظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٢٣٣).\n(٣) الحَسْرُ والحَسَر الإعياء والتعب، حسرت الدابة واستحسرت إذا أعيت وكلت.\nانظر: القاموس المحيط (٤٧٩)، المصباح المنير (١/ ١٣٥).","vol":"1","page":1482},{"text":"﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ﴾، ثم استأنف فقال: ﴿وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾ أي: عن سائر الأعمال مما يأمرهم الله تعالى، وفيه ضعف؛ لأن عملهم لا يمنعهم من التسبيح كما أن أعمالنا لا تمنعنا (١) عن التنفس وطرف العين (٢).\n﴿أَمِ اتَّخَذُوا آَلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (٢١)﴾ يحيون الموتى، أي: الإحياء والإماتة بيد الله سبحانه.\nوقوله ﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾ صفة للآلهة (٣). وقيل: تقديره: أم اتخذوا آلهة هم ينشرون من الأرض الموتى (٤).\n﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ أي: غير الله ولهذا رفع، ويأتي ﴿إِلَّا﴾ بمعنى غير كما جاء غير بمعنى إلا، وهو الكثير، ولو نصبته في الآية لبطل المعنى المقصود وصار الآلهة مثبتة مع الله، تعالى الله عن ذلك.\nوإثبات إلهين ينقسم إلى ثلاثة أقسام:\nإما أن يكونا عاجزين، أو قادرين، أو قادرًا وعاجزًا؛ والعاجز لا يصلح أن يكون إلهًا فبطل قسمان وبطل الثالث أيضًا، لأن الإله واجب الوجود ووجوب الوجود لا يصح لاثنين، ويبطل أيضًا الاستحالة ووجود الشيء من فاعلين وليس أحدهما بأولى به (٥) من الآخر والسماوات والأرض موجودات، فدل وجودهما على وحدانية الموجد وهو الله سبحانه.\n_________\n(١) في ب: \" كما أن أعمالنا لايمنعنا \".\n(٢) والوقف هنا غير مستحسن، لأن الله قد وصفهم بالتسبيح بالليل والنهار، قال تعالى ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ) (٣٨)﴾ [فصلت: ٣٨].\nانظر: القطع والائتناف (٣٣١).\n(٣) في ب: \" صفة الآلهة \".\n(٤) انظر: معاني القرآن للزجاج (٣/ ٣١٥).\n(٥) في ب: \" أولى به \".","vol":"1","page":1483},{"text":"﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٢٢)﴾ أي: له السماوات والأرض وما فوقهما من الكرسي والعرش، وهو مُنزه عن الوصف بالشريك والصاحبة والولد.\n﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣)﴾ أي: ليس عليه اعتراض في حكمه؛ إذ لا أحد مثله وفوقه فيسأله عن فعله بعباده.\n﴿وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣)﴾ أي: العباد مسؤولون عن أفعالهم. وقيل: لا يسأله الملائكة وهم يسألون بقوله ﴿أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠)﴾ [سبأ: ٤٠] (١).\nوقيل: لا يُسأل سبحانه والذين اتخذتموهم آلهة كعيسى، والملائكة، والأوثان يُسألون (٢).\nوقيل: لا يُسأل لأن جميع أفعاله صواب وهم يُسأَلون لأنهم يخطئون (٣).\nوروي عن الضحاك: أن كفار قريش قالوا: يا محمد ربنا يكتب علينا الذنب ثم يعذبنا عليه قالوه (٤) تكذيبًا بالقدر، فأنزل الله ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣)﴾ (٥) أي: لا يسأل عن قضائه وهم يسألون عن أفعالهم.\n﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً﴾ أمرهم الله تعالى بعبادتها في كتب من الكتب (٦).\n﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ قدموا حجتكم على ذلك.\n﴿هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ﴾ أي: هذا القرآن فيه ذكر أمتي وذكر الأمم المتقدمة، وليس فيه جواز ذلك ولا الأمر بعبادة الأوثان.\n_________\n(١) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٢٤٧).\n(٢) وهو معنى قول قتادة.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٢٤٧).\n(٣) انظر: النكت والعيون (٣/ ٢٤٧).\n(٤) في ب: \" قالوا تكذيبًا بالقدر \".\n(٥) أخرج ابن جرير في جامع البيان (٢٢/ ١٦١) نحوه عن أبي هريرة ﵁، وأخرج نحوه الواحدي في أسباب النزول (٤٦٤) عن عطاء مرسلًا.\n(٦) في ب: \" في كتاب من الكتب \".","vol":"1","page":1484},{"text":"وقيل: تقديره: ﴿هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ﴾ يعني: القرآن، وهذا (١)\n﴿وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي﴾ يعني: التوراة والإنجيل، وليس فيها كلها إباحة ذلك (٢)، وليس قوله ﴿أَمِ اتَّخَذُوا﴾ بتكرار ساذج بل الأول للقياس (٣) أي: أوجدوا آلهة ينشرون الموتى من الأرض فاتخذوهم آلهة قياسًا، والثاني للتقليد (٤) والمعنى: أوجدوا في كتب الله الأمر باتخاذ آلهة فاتخذوهم آلهة تقليدًا.\nوالبرهان: البَيِّن (٥) الواضح من القول.\nوقيل: معنى ﴿هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ﴾ خبر من معي وخبر من قبلي؛ فمن نجا فبالإيمان، ومن هلك فبالشرك (٦).\n﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٤)﴾ بسبب جهلهم. وقيل: لا يعلمون القرآن فهم لأجل ذلك معرضون تاركون (٧)، ثم أكد ذلك فقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ وحدوني ولا تشركوا بي شيئًا.\n﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾ يعنون الملائكة.\n﴿سُبْحَانَهُ﴾ نزه نفسه عن اتخاذ الولد لأن ذلك يقتضي المجانسة، والله منزه عن الوصف بالجنس والنوع.\n﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦)﴾ أي: بل هم عباد مكرمون وليسوا بأولاد.\n_________\n(١) \" وهذا \" ساقط من ب.\n(٢) وهو مروي عن ابن عباس، ﵄.\nانظر: النكت والعيون (٣/ ٤٤٣)، معالم التنزيل (٥/ ٣١٤).\n(٣) في ب: \" بل الأول القياس \".\n(٤) في ب: \" والثاني التقليد \".\n(٥) في أ: \" البرهان النير \".\n(٦) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٢٤٨).\n(٧) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٣٦٦).","vol":"1","page":1485},{"text":"﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ﴾ لا يتكلمون إلا بما أمرهم به. وقيل: لا يتعدون ما أمروا به (١).\nوقيل: لا يتقدمون ولا يتأخرون إلا بأمره (٢).\nوقيل: لا يقولون قبل أن يقول (٣).\nوقيل: لا يقولون إلا بما يوحى إليهم (٤).\n﴿وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧)﴾ أي: يعملون ما يعملون بأمره.\n﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ قد سبق. وقيل: ما كان الملائكة وما يكون بعدهم (٥).\n﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ أي: من رضيه الله، وقال لا إله إلا الله محمد رسول الله.\n﴿وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨)﴾ خائفون أن يحل بهم عقابه. وقيل: يخافون أن يشفعوا إلا بإذنه.\nوقيل: يخافون من التقصير في العبادة (٦).\n﴿* وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ﴾ أي: من الملائكة.\nوقيل: من الملائكة وممن عُبِدوا من دون الله (٧).\n﴿إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ﴾ أي: فذلك القائل.\n﴿نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٢٩)﴾ أي: الكافرين. وذهب جماعة من المفسرين إلى أن المراد به إبليس فإنه ادعى الإلهية لنفسه ووسوس إليهم (٨).\n_________\n(١) انظر: جامع البيان لابن جرير (٢٥١).\n(٢) انظر: معالم التنزيل (٥/ ٣١٥).\n(٣) قاله ابن قتيبة في تفسير غريب القرآن (٢٨٥)، وانظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٢٣٥).\n(٤) قال ابن عطية في المحرر (٤/ ٧٩) \" عبارة عن حسن طاعتهم ومراعاتهم لامتثال الأمر \".\n(٥) حكاه البغوي في معالم التنزيل (٥/ ٣١٥).\n(٦) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٢٥٣).\n(٧) قاله ابن جريج، وقتادة.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٢٥٤).\n(٨) قال قتادة: \"وإنما كانت هذه الآية خاصة لعدو الله إبليس حيث دعا إلى عبادة نسه وأمر بطاعة نفسه\".\n\nانظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٢٣٥)، معالم التنزيل (٥/ ٣١٥).","vol":"1","page":1486},{"text":"﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قرئ بالواو وحذفها وهما في المعنى سواء (١)، والرؤية بمعنى العلم وقيل: هي (٢) من رؤية العين.\n﴿أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا﴾ منسدًا ووحد لأنه مصدر. والرَّتَقُ: السد، وكل شيئين لا فرجة بينهما فهما رتق (٣).\n﴿فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ فشققناهما.\nوالفَتْقُ: الفصل بين الشيئين كانا ملتئمين (٤)، وفيها أربعة أقوال:\nأحدها: أن السماوات كانت متصلة بالأرض ففتقناهما بأن جعلنا بينهما الهواء (٥).\nوالثاني: أن السماوات كانت واحدة ﴿فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ بأن جعلناها سبعًا، وكذلك الأرض كانت واحدة فجعلناها سبعًا (٦).\n_________\n(١) قرأ ابن كثير \" ألم ير الذين كفروا \" بدون الواو، وقراءة الجمهور \" أولم ير الذين كفروا \" بالواو.\nانظر: التيسير للداني (١٥٥)، العنوان في القراءات السبع لأبي طاهر الأنصاري (١٣٢).\n(٢) في ب: \" هو \".\n(٣) الرَّتَقُ ضد الفتق، وهو إلحام الفتق وإصلاحه، والرَّتَقُ في المرأة التصاق ختاناها فلا يستطاع جماعها.\nانظر: المفردات (٣٤١)، مختار الصحاح (١٠٨)، مادة: رتق.\n(٤) الفَتْقُ خلاف الرتق، فتقه يفتِقُه فتقًا شَقَّه، وأفتق قرن الشمس أصاب فتقًا من السحاب فبدا منه.\nانظر: القاموس المحيط (١١٨٣)، النهاية في غريب الأثر لأبي السعادات ابن الجزري (٣/ ٧٧٤).\n(٥) قاله ابن عباس، ﵄، والحسن، وقتادة.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٢٥٦، ٢٥٥).\n(٦) قاله مجاهد، وأبو صالح.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٢٥٧، ٢٥٦)، النكت والعيون (٣/ ٤٤٤)، وبه قال الزجاج في معاني القرآن (٣/ ٣١٦).","vol":"1","page":1487},{"text":"والثالث: أن السماوات كانت رتقًا لا تمطر ففتقناها بالمطر، وكانت الأرض رتقًا لا تنبت ففتقناها بالنبات، وعلى هذا القول المراد بالسماوات سماء الدنيا فجمع (١).\nوالرابع: كانت رتقًا بالظلمة لا يُرى ما فيهما ففتقناهما بخلق الأبراج النيرة، حكاه ابن الهيصم (٢)، (٣).\n﴿وَجَعَلْنَا﴾ وخلقنا. ﴿مِنَ الْمَاءِ﴾ المشروب. وقيل: من النطفة (٤).\n﴿كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ كل شيء له حياة. وقيل: ﴿وَجَعَلْنَا﴾ هاهنا يتعدى إلى مفعولين، فالمعنى: يعيش كل شيء بالماء، وهذا لا يصح إلا على قراءة من قرأ \" حيًا \" (٥)،\n_________\n(١) قاله عكرمة، وعطية، وابن زيد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٢٥٨، ٢٥٧)، وهو اختياره.\n(٢) انظر: غرائب التفسير للكرماني (١/ ٧٣٧)، وأخرج نحوه ابن جرير في جامع البيان (١٦/ ٢٥٨) عن ابن عباس، ﵄.\n(٣) أي: أن السماوات والأرض كانتا جميعًا متصلًا بعضه ببعض متراكم بعضه فوق بعض، ففتق هذه من هذه وهذه من هذه، فجعل السماوات سبعًا والأرض سبعًا، وفصل بين السماء الدنيا والأرض بالهواء، فأمطرت السماء وأنبتت الأرض، ففتق السماء بالغيث والأرض بالنبات، ويناسبه قوله تعالى بعد ذلك ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠].\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٢٥٩)، المحرر ابن عطية (٤/ ٨٠)، تفسير ابن كثير (٣/ ١٨٥).\n(٤) قاله أبو العالية.\nانظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٢٣٦)، وعلى هذا القول لا يكون هذا متعلقًا بما قبله.\n(٥) وهي قراءة شاذة قرأ بها ابن أبي عبلة، وحميد بن قيس.\n\nانظر: شواذ القراءات لأبي نصر الكرماني (٣١٧).","vol":"1","page":1488},{"text":"أو على إضمار تقديره: وجعلنا من الماء حياة كل شيء حي وحذف المضاف، و﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ هاهنا للأغلب الأكثر لا للعموم، ويحتمل أن التقدير: وجعلنا من الماء أو مما ينبت بالماء كالنبات أو مما يتولد بالنبات كالَّلحم فإن أصل كلها الماء.\n﴿أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (٣٠)﴾ مع ظهور الآيات.\n﴿وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ﴾ جبالًا. من رَسَا إذا ثبت (١).\nوقيل: سمي رواسي لأن الأرض رست بها (٢).\n﴿أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾ كراهة أن تميد. وقيل: لأن لا تميد (٣).\nومعنى ﴿تَمِيدَ﴾: تميل. وقيل: تضطرب بالذهاب في الجهات (٤).\n﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا﴾ في الأرض. وقيل: في الجبال (٥).\n﴿فِجَاجًا﴾ طرقًا، جمع فَج، وهو الطريق الواسع.\nوقيل: الفَجُّ: الطريق بين الجبلين (٦).\nوقيل: فجاجًا أعلامًا (٧).\n_________\n(١) قال ابن عطية في المحرر (٤/ ٨٠) \" الرواسي جمع راسية، أي ثابتة، يقال رسا يرسوا إذا ثبت واستقر، ولا يستعمل إلا في الأجرام الكبار \".\n(٢) حكاه في النكت والعيون (٣/ ٤٤٥).\n(٣) انظر: معاني القرآن للزجاج (٣/ ٣١٦).\n(٤) حكاه في النكت والعيون (٣/ ٤٤٥)، وماد الشيء يميد ميدًا: تحرك ومال، ومادت الأغصان تمايلت.\nانظر: لسان العرب (٣١/ ٢٣٠)، مادة: مَيَدَ.\n(٥) حكاه الواحدي في الوسيط (٣/ ٢٣٦).\n(٦) قاله الزجاج في معاني القرآن (٣/ ٣١٧).\n(٧) حكاه في النكت والعيون (٣/ ٤٤٥)، والفج: الطريق الواسع بين جبلين، وقيل: في جبل أو في قُبُلِ جبل، وهو أوسع من الشِّعب، وكل طريق بعيد فهو فج.\n\nانظر: المفردات (٦٢٥)، مختار الصحاح (٢١٨)، مادة: فَجَجَ.","vol":"1","page":1489},{"text":"﴿سُبُلًا﴾ مسالك للسابلة. وقيل: سبلًا للاعتبار (١).\n﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣١)﴾ إلى ديارهم وأوطانهم. وقيل: يهتدون بالاعتبار (٢).\n﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا﴾ كل ما رفع وسُمِكَ على شيء فهو سقفه.\n﴿مَحْفُوظًا﴾ من السقوط. وقيل: محفوظًا من الشياطين بالشهب (٣).\nوقيل: محفوظًا من الهواء من غير علاقة ولا عماد (٤).\nوقيل: محفوظًا من الشرك والمعاصي (٥).\n﴿وَهُمْ عَنْ آَيَاتِهَا﴾ عن الأدلة التي فيها كالشمس، والقمر، والنجوم.\n﴿مُعْرِضُونَ (٣٢)﴾ غير متفكرين فيها (٦).\n﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ الليل عبارة عن زمان غروب الشمس، والنهار عبارة عن زمان طلوعها ولولا تعاقبهما (٧) لما كان لبشر ولا نبات ولا لحيوان قرار كما كان في الأماكن التي لا تزول عنها الشمس والأماكن التي لا تطلع عليها.\n﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ﴾ أي: الليل والنهار والشمس والقمر. وقيل: والنجوم، وذكر الليل يدل عليها.\n﴿فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٣٣)﴾ ابن عباس، ﵄: الفَلَك: السماء (٨)، وأكثر المفسرين على أن الفَلَك: موج ملفوف تحت السماء تجري فيه الشمس والقمر والنجوم (٩).\n_________\n(١) حكاه في النكت والعيون (٣/ ٤٤٥)، وهو ضعيف، لأن المراد بالسبل هنا الطرق.\n(٢) وهذا على القول السابق بأن بالسبل سبل الاعتبار.\n(٣) قاله ابن عباس، ﵄، ﵄.\nانظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٢٣٦).\n(٤) انظر: معاني القرآن للزجاج (٣/ ٣١٧).\n(٥) انظر: النكت والعيون (٣/ ٤٤٥).\n(٦) في ب: \" غير متفكرين \".\n(٧) في ب: \" فلا تعاقبهما \"، والصواب المثبت.\n(٨) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٦/ ٢٦٥).\n(٩) انظر: معالم التنزيل (٥/ ٣١٧).","vol":"1","page":1490},{"text":"الحسن: الفلك يشبه الطاحونة تجري تحت السماء (١).\nقتادة: الفَلَك: استدارة بين السماء والأرض تدور بالنجوم مع ثبوت السماء (٢).\nوقيل: أنه يدور دورة البَكَرَة (٣).\nوقيل: يدور دور الرَّحَا (٤).\nوقيل: الفَلَك: القطب الذي تدور عليه النجوم (٥).\nوقيل: الفَلَك: المواضع التي ركبت فيها (٦).\nوقيل: ﴿فِي فَلَكٍ﴾ دوران (٧).\nوقيل: الفَلَك: جرم مستدير ولاستدارته سمي فلكًا (٨)، ولكل واحد من السيارات فلك، وفلك الأفلاك تحركها حركة واحدة من المشرق إلى المغرب. والله أعلم. (٩)\nومن المفسرين من قال: إن الله هو العالم بكيفية جريها كما يشاء.\nقوله ﴿يَسْبَحُونَ (٣٣)﴾ أي: يسيرون. وقيل: يدورون (١٠).\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٦/ ٢٦٦)، الوسيط للواحدي (٣/ ٢٣٦).\n(٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسير القرآن (٢/ ٢٤).\n(٣) في ب: \" دور الكرة \"، وانظر: النكت والعيون (٣/ ٤٤٦).\n(٤) قاله مجاهد، وابن جريج.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٢٦٥، ٢٦٤).\n(٥) حكاه في النكت والعيون (٣/ ٤٤٦).\n(٦) انظر: معالم التنزيل (٥/ ٣١٧).\n(٧) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٣٦٧).\n(٨) قاله الكلبي.\nانظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٢٣٦).\n(٩) ذهب ابن جرير في جامع البيان (١٦/ ٢٦٦) إلى أنه يجوز أن يراد بالفلك جميع ما ذكر، لأن الفَلَك في كلام العرب كل شيء دائر، وتأويل الكلام: والشمس والقمر كل ذلك في دائر يسبحون.\n(١٠) قاله ابن عباس، ﵄، ﵄.\nانظر: النكت والعيون (٣/ ٤٤٦).","vol":"1","page":1491},{"text":"وأصل السَّبْح: العَوْمُ في الماء، ثم جُعِلَ كُلُ مُسرع في سيره سابحًا، وفرس سَابِح وسَبوح (١): مسرع (٢)، وأجري مجرى العقلاء لما أخبر عنه كما يخبر عن العقلاء وليس له حياة ولا عقل خلاف لمن زعم ذلك (٣).\n﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ البقاء السرمد الدائم.\n﴿أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (٣٤)﴾ نزلت حين قالوا ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (٣٠)﴾ [الطور: ٣٠] (٤)، نفى عنه شماتة الموت، والفاء الأول لعطف جملة على جملة، والثاني لجزاء الشرط، وألف الاستفهام حقه الجزاء ودخل الشرط لأن الاستفهام له صدر الكلام.\n﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ أي: كل ذي جسد وروح.\n﴿ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ أي: سيذوق ويقاسي مرارة الموت، واستعير لفظ الذوق كما استعير لفظ المرارة. ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ﴾ الفقر والضر.\n﴿وَالْخَيْرِ﴾ الغنى والنفع. وقيل: ما تحبون وما تكرهون (٥).\n﴿فِتْنَةً﴾ امتحانًا لصبركم وشكركم. وقيل: نعاملكم معاملة المختبر (٦).\n﴿وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٣٥)﴾ للحساب، والثواب، والعقاب.\n_________\n(١) في ب: \" وفرس سبوح مسرع \".\n(٢) سَبْحُ الفرس جريه، وذلك لأنه يسبح بيديه في سيره، وسبح النجوم دورانها في الفلك.\nانظر: القاموس المحيط (٢٨٢)، النهاية في غريب الأثر لأبي السعادات ابن الجزري (٢/ ٨٣٣).\n(٣) انظر: معاني القرآن للزجاج (٣/ ٣١٧).\n(٤) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٢٣٧).\n(٥) قاله ابن زيد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٢٦٩).\n(٦) انظر: النكت والعيون (٣/ ٤٤٧).","vol":"1","page":1492},{"text":"﴿وَإِذَا رَآَكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ في سبب النزول: أن أبا جهل (١) وأبا سفيان (٢) كانا جالسين في جماعة من قريش فاجتاز النبي ﷺ فقال أبو جهل لأبي سفيان: أنظر إلى نبي بني عبد مناف استهزاءً. فقال أبو سفيان: وما تنكر أن يكون نبي بني عبد مناف؟ فسمع النبي ﷺ قولهما فقال لأبي جهل: ما أراك تنتهي حتى ينزل بك ما نزل بعمك الوليد بن المغيرة (٣). وقال لأبي سفيان: إنما قلت الذي قلته حَمِيَّة؛ فأنزل الله تعالى ﴿وَإِذَا رَآَكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٤).\n﴿إِن يَتَّخِذُونَكَ﴾ ما يتخذونك.\n﴿إِلَّا هُزُوًا﴾ يهزؤون بك. وقيل: تقديره: وإذا رأوك داعيًا إلى رفض آلهتهم هزؤوا وقالوا ﴿أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آَلِهَتَكُمْ﴾ أي: يعيبها.\n﴿وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ (٣٦)﴾ قيل: يريد الذين قالوا: وما الرحمن؟ لا يعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة. يعني: مسيلمة (٥).\nوقيل: بذكر الرحمن أي: بتوحيده (٦). وقيل: ﴿بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ القرآن (٧).\n_________\n(١) أبو جهل، تنظر ترجمته ص: ٢٤٤\n(٢) أبو سفيان، صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس، الأموي، أسلم يوم فتح مكة، وشهد حنينًا، وأعطاه رسول الله ﷺ من غنائمها مائة بعير وأربعين أوقية، فئت عينه بالطائف، توفي بالمدينة سنة ثلاثين.\nانظر: الاستيعاب (٢/ ٢٧٠)، سير أعلام النبلاء (٢/ ١٠٥).\n(٣) الوليد بن المغيرة، تنظر ترجمته ص: ٢٣٣\n(٤) انظر: بحر العلوم لأبي الليث السمرقندي (٢/ ٣٦٧)، الوسيط للواحدي (٣/ ٢٣٧).\n(٥) قاله الكلبي.\nانظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٣٦٧).\n(٦) وهو قريب من القول الأول.\n(٧) انظر: الكشاف (٤/ ١٤٥).","vol":"1","page":1493},{"text":"وقيل: ﴿بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾: بشكره. وقيل: إذا ذكروا الرحمن قالوا الأصنام شركاؤه (١).\n﴿وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ (٣٦)﴾ (٢) وكرر لأن الصلة حالت بينه وبين الخبر فأعاد المبتدأ. وقيل: كرر للتأكيد.\n﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ قيل: المراد به آدم ﵇ (٣).\nمجاهد: هو أن آدم لما دخل الروح رأسه وعينيه رأى الشمس قاربت الغروب فقال: يارب عَجِّل تمام خلقي قبل أن تغيب الشمس (٤).\nسعيد: لما بلغت الروح ركبتيه كاد يقوم فقال خلق الإنسان من عجل (٥).\nقال ابن زيد: خلقه الله آخر يوم الجمعة على عجلة في خلقه (٦).\nوقيل: الإنسان هاهنا عام، والمعنى: خُلِق عجولًا (٧)، والعَجَلَ والعَجَلَةُ مصدران، والعَجَلَةُ: فعل الشيء قبل وقته.\nوقيل: من عَجِلَ مبالغة في الوصف بالعَجَلَة، كما يوصف الإنسان بالشيء إذا أكثر منه، تقول: خُلِق الإنسان من الكَرَم، وخُلِقَ فلان من اللؤم، إذا كثر ذلك منهما (٨).\n_________\n(١) لم أقف عليهما، والله أعلم.\n(٢) في ب: \" فهم بهذا الرحمن هم كافرون \".\n(٣) وهو قول مجاهد في تفسيره (١/ ٤١٠).\n(٤) انظر: تفسير مجاهد (١/ ٤١٠).\n(٥) انظر: تفسير الوسيط للواحدي (٣/ ٢٣٧)، وسعيد هو ابن جبير.\n(٦) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٦/ ٢٧٢).\n(٧) قال ابن جرير في جامع البيان (١٦/ ٢٧٤) \" معناه: خلق الإنسان من عجل في خلقه، أي: عجل وسرعة في ذلك؛ لأنه بودر بخلقه مغيب الشمس في آخر ساعة من نهار يوم الجمعة، وفي ذلك الوقت نفخ فيه الروح \".\n(٨) وهو معنى قول قتادة. انظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٢٧١).","vol":"1","page":1494},{"text":"أبو عمرو (١): خلق العجلة من الإنسان على طريق القلب كما تقول: عرضت الإبل على الحوض (٢)، وزعموا أن في حرف ابن مسعود ﵁ \"خلق العجل من الإنسان\" (٣).\nالفراء: من عجل على عجل (٤).\nالأخفش: من عجل لأن الله قال له كن فكان (٥).\nالحسن: من عجل أي: ضعف، يعني: النطفة (٦).\nوقيل: العجل الطين، وأنشد أبوعبيدة:\nالنَّبْعُ في الصخرة الصماء مَنْبِتَه ... والنخل مَنْبِتَه في الماء والعَجَلِ (٧).\nابن عيسى: خلق على حب العجل في أمره وهو مأمور بالتثبت (٨).\n﴿سَأُرِيكُمْ آَيَاتِي﴾ قيل (٩): نزلت في النظر بن الحارث حين استعجل العذاب، أي: الآيات التي طلبوها (١٠).\n_________\n(١) أبو عمرو بن العلاء، تنظر ترجمته ص: ١٣٤\n(٢) حكاه الزجاج في معاني القرآن (٣/ ٣١٨)، وانظر: البحر المحيط (٦/ ٢٩٠).\n(٣) انظر: البحر المحيط (٦/ ٢٩٠) وقد ضعف ابن جرير في جامع البيان (١٦/ ٢٧٤) القول بالقلب، وكذلك أبو حيان في البحر المحيط (٦/ ٢٩٠)، لأن القلب الصحيح فيه أن لايكون في كلام فصيح، وإنما بابه الشعر.\n(٤) انظر: معاني القرآن للفراء (٢/ ٢٠٣).\n(٥) انظر: معاني القرآن للأخفش (٢/ ٦٣٣).\n(٦) انظر: غرائب التفسير للكرماني (١/ ٧٣٩)، البحر المحيط (٦/ ٢٩١).\n(٧) البيت ليس لأبي عبيدة كما ذكر المصنف وإنما هو لبعض الحميريين، كما ذكره المصنف في غرائب التفسير (١/ ٧٣٩)، والماوردي في تفسيره (٣/ ٤٤٨)، والزمخشري في الكشاف (٤/ ١٤٥) وقال: \" والله أعلم بصحته \"، وذكره أيضًا أبو حيان في البحر المحيط (٦/ ٢٩١).\n(٨) انظر: النكت والعيون (٣/ ٤٤٨).\n(٩) \" قيل \" ساقط من أ.\n(١٠) رواه عطاء عن ابن عباس، ﵄، ﵄.\n\nانظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٢٣٧)، معالم التنزيل للبغوي (٥/ ٣١٩)، زاد المسير (٥/ ٣٥١).","vol":"1","page":1495},{"text":"وقيل: سأريكم آياتي على صدق محمد ﷺ (١).\nوقيل: آياتي في آثار قوم نوح، وعاد، وثمود، فتعلمون قدرتي على إهلاككم (٢).\n﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ (٣٧)﴾ بالعذاب.\n﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٨)﴾ أي: وعد العذاب. وقيل: الساعة ووقتها (٣).\n﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ﴾ أي: لا يقدرون فيه على كف النار لأنها محيطة بجميع أبدانهم.\nوقيل: عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم السياط (٤).\n﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٣٩)﴾ يُمْنَعون من عذاب الله، وجواب ﴿لَوْ﴾ محذوف أي: لما استعجلوه. وقيل: لعلموا البعث والنشور، وقيل: لعلموا صدق الموعد (٥).\n\n﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ﴾ أي: الساعة. ﴿بَغْتَةً﴾ فجأة لا يعلمون بها.\n﴿فَتَبْهَتُهُمْ﴾ فتحيرهم (٦). ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا﴾ لا يقدرون على دفعها. ﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٤٠)﴾ لا يؤخر عنهم.\n﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ يعزي نبيه بهذا. ﴿فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٤١)﴾ فحل بهم جزاء استهزائهم وعاد عليهم ما أرادوا بالرسل.\n_________\n(١) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٢٧٥).\n(٢) قاله الكلبي.\nانظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٣٦٨).\n(٣) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٢٣٨).\n(٤) انظر: معالم التنزيل (٥/ ٣١٩).\n(٥) انظر: معاني القرآن للزجاج (٣/ ٣١٨).\n(٦) البَهْتُ: الأخذ بغتة وفجأة فيوقع في الحيرة.\nانظر: لسان العرب (١/ ٥١٣)، مادة: بَهَتَ.","vol":"1","page":1496},{"text":"﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ (٤٢)﴾ من يحفظكم ويمنعكم من عذابه إن أتاكم ليلًا أو نهارًا، استفهام معناه النفي أي (١): أَيُّ كالئٍ لكم.\nيقال: كلأه كلأةً أي: حفظه (٢).\n﴿بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ (٤٢)﴾ أي: عن علم قدرته عليهم. وقيل: عن مواعظ ربهم معرضون لا يلتفتون إليها (٣).\nوقيل: عن القرآن لايتدبرونه (٤).\n﴿أَمْ لَهُمْ آَلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا﴾ أي: ألهم آلهة تجعلهم في منعة وعز من أن ينالهم مكروه من جهتنا (٥).\nابن عباس، ﵄: أم لهم آلهة من دوننا تمنعهم (٦)، فقدم وأخر، تقول: منعت دونه كففت أذاه.\n﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ﴾ لا تستطيع (٧) آلهتهم دفع ذباب عنها فكيف يرجون نصرها.\n﴿وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ (٤٣)﴾ قيل: الكناية للآلهة أي: لا يصحبها الله معونة على النصر (٨).\nوقيل: الكناية للكفار (٩)،\n_________\n(١) \" أي \" ساقط من ب.\n(٢) الكلاءة: حفظ الشيء وتبقيته، يقال: كلاك الله وبلغ بك أكلأ العمر، والكَلأ: العشب الذي يُحْفَظ.\nانظر: المفردات للراغب (٧٢٥)، مادة: كَلأ.\n(٣) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٢٣٨).\n(٤) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٣٦٨).\n(٥) في ب: \" عن جهتنا \".\n(٦) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٢٣٨)، زاد المسير (٥/ ٣٥٣).\n(٧) في ب: \" لا يستطيع \".\n(٨) قاله قتادة.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٢٧٩).\n(٩) قاله مجاهد.\n\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٢٨٠).","vol":"1","page":1497},{"text":"والمعنى: لا يُجَارون ولا يُمْنَعون، والصحبة: النُصْرَة والحفظ، تقول: صَحِبَكَ الله أي: حَفِظَك الله ونَصَرك (١).\n﴿بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاءِ وَآَبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾ أي: ليس لهم آلهة يرجون نصرها بل وَسَّعْنَا عليهم ما يعيشون به وعلى آباءهم من قبلهم، وطَوَّلْنا أعمارهم فَغَرَّهم ذلك وتركوا التدبر في آياتنا فصاوا كفارًا. ثم استأنف فقال (٢) ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ نفتحها على محمد ﷺ ونُخْرِجها من أيدي المشركين ونزيدها في أرض المسلمين.\n﴿أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ (٤٤)﴾ رسول الله والمؤمنون.\nوقيل: ﴿نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ نُمِيتُ الواحد بعد الواحد، والقرون بعد القرون (٣)، وجاء مرفوعًا \" إن نقصانها موت علمائها \" (٤).\nوقيل: جَوْرُ ولاتها (٥).\n_________\n(١) أصْحَبَ الرجلَ واصطحبه: حفظه ومنعه، وصَحِبَكَ الله: حفظك.\nانظر: مختار الصحاح (١٦١)، مادة: صَحَبَ.\n(٢) في ب: \" ثم استأنف وقال \".\n(٣) قاله مجاهد، وعطاء، والضحاك.\nانظر: تفسير القرآن لعبد الرزاق الصنعاني (٢/ ٣٣٩)، النكت والعيون (٣/ ٤٤٩).\n(٤) ذكره السيوطي في الدر (٨/ ٤٧٨) وعزاه لابن مردويه عن أبي هريرة ﵁.\n(٥) للمفسرين في المراد بنقصان الأرض أقوال:\nالأول: أنه ما يفتح الله على نبيه من الأرض، وهو رواية عن ابن عباس، ﵄ ﵄، وبه قال الحسن، والضحاك.\nقال ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (١/ ٦٠١) \"وقول الحسن حسن المعنى جدًا\".\nالثاني: أن المراد خرابها، وهو رواية عن ابن عباس، ﵄، وبه قال مجاهد، عكرمة.\n\nالثالث: نقص أهلها وبركتها، وهو رواية عن ابن عباس، ﵄، وبه قال الشعبي.\nالرابع: أنه ذهاب خيارها وفقهائها، وهو رواية عن ابن عباس، ﵄، وبه قال مجاهد، وعطاء، والضحاك.\nقال ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (١/ ٦٠١) \"وقول عطاء في تأويل الآية حسن جدًا، تلقاه أهل العلم بالقبول\".\nالخامس: أنه موت أهلها، وهو قول عطاء، وقتادة.\nواختار ابن جرير في جامع البيان (١٣/ ٥٧٩) - وهو الذي عليه أكثر المفسرين - أن المراد بها ظهور المسلمين من أصحاب النبي ﷺ عليها، وقهرهم أهلها، وكيف لايعتبرون بذلك ويخافون ظهورهم على أرضهم، وقهرهم إياهم.\nانظر: النكت والعيون للماوردي (٣/ ٤٤٩)، بحر العلوم لأبي الليث السمرقندي (٢/ ١٩٧)، الوسيط للواحدي (٣/ ٢٠)، معالم التنزيل للبغوي (٤/ ٣٢٦، ٣٢٧)، زاد المسير (٤٣٤٠).","vol":"1","page":1498},{"text":"﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ﴾ أي: أُنْذِركم عذاب الله بأمره، وبما أُوحِيَ إليَّ.\n﴿وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ (٤٥)﴾ نَزَّلَهم منزلة الأصم لقلة الانتفاع بما يسمعون.\n﴿وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ أي: نالهم أدنى عذاب من الله ذلوا وخضعوا ودعوا بالويل على أنفسهم مقرين بأنهم كانوا ظالمين.\nوالنفحة: الدفعة من الشيء، تقول: أعطني نفحةً أي: شيئًا يسيرًا.\nوقيل: النَّفْحَة: الزمهرير، وأصلها من النفخة وهي: الريح اللينة، وكذلك نفح الطيب (١)، ويجوز أن يكون من نفخت الدابة إذا رَمَحَتْ (٢).\nابن عباس، ﵄: نفحة: طرف (٣). قتادة: عقوبة (٤).\n﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ﴾ جمع ميزان وهو: ما يوزن به الشيء فيعرف كميته وله لسان وكفتان، وقيل: هي عبارة عن العدل (٥)،\n_________\n(١) النَّفْحة: دفة الريح طيبة كانت أو خبيثة، والنفح الإعطاء، نَفَحَه بمال أي: أعطاه.\nانظر: القاموس المحيط (٣١٣)، المصباح المنير (٢/ ٦١٦).\n(٢) رَمَحَتِ الدابة: أي: ضربت برجلها.\n(٣) انظر: معالم التنزيل للبغوي (٥/ ٣٢١).\n(٤) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٦/ ٢٧٧).\n(٥) وتفسير الميزان بالعدل باطل.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى (٤/ ٣٠٢) \"الميزان هو ما يوزن به الأعمال، وهو غير العدل كما دل عليه الكتاب والسنة، مثل قوله تعالى ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ [المؤمنون: ١٠٢]\n\n﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ [المؤمنون: ١٠٣] وقوله ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧] ... وهذا وأمثاله مما بين أن الأعمال توزن بموازين تبين بها رجحان الحسنات على السيئات وبالعكس، فهو مابه تَبَيَّن العدل، والمقصود بالوزن العدل: كموازين الدنيا، وأما كيفية تلك الموازين فهو بمنزلة كيفية سائر ما أخبرنا به من الغيب\".\nوانظر: الإيمان لابن منده (٢/ ٩٧٨)، الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد للبيهقي (٢١١)، الفصل لابن حزم (٤/ ٥٤)، معارج القبول لحافظ الحكمي (٢/ ٨٤٤)","vol":"1","page":1499},{"text":"وقد سبق، ويحتمل أنه جمع موزون.\n﴿الْقِسْطَ﴾ القسط: العدل، وهو مصدر.\n﴿لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ لجزاء يوم القيامة. وقيل: لأهل القيامة (١).\nوقيل: في يوم القيامة (٢).\n\n﴿فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ من حقه. وقيل: شيئًا من الظلم (٣).\n﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ﴾ أي: وإن كان الشيء مثقال حبة.\nوقيل: وإن كان الظلامة (٤)، ومن رفع جعل \" كان \" بمعنى وقع، أي: وإن (٥) وقع وحصل مثقال حبة من خردل (٦).\n﴿أَتَيْنَا بِهَا﴾ أحضرناها إياه.\n﴿وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧)﴾ لا مزيد على عدلنا وحسابنا.\n﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ﴾ التوراة الفارق بين الحق والباطل. وقيل: هو النصر والنجاة من آل فرعون (٧).\nوقيل: الفرقان إنفراق البحر (٨). ﴿وَضِيَاءً﴾ نورًا يستضاء به.\n_________\n(١) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٢٨٥).\n(٢) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٣٦٩).\n(٣) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٢٨٥).\n(٤) انظر الحجة للقراء السبعة لأبي علي الفارسي (٥/ ٢٥٦).\n(٥) \" وإن \" ساقط من ب.\n(٦) قرأ الجمهور بالنصب خبر كان، أي: وإن كان الشيء مثقال حبة. وقرأ نافع، وأبو جعفر، وشيبة بالرفع على الفاعلية وكان تامة.\nانظر: الحجة لابن خالوية (٢٤٩)، التيسير للداني (١٥٥).\n(٧) قاله الكلبي.\nانظر: النكت والعيون (٣/ ٤٥٠).\n(٨) قال ابن كثير في تفسيره (٣/ ١٩٠) \" وجامع القول في ذلك أن الكتب السماوية مشتملة على التفرقة بين الحق والباطل والهدى والضلال والغي والرشاد والحلال والحرام وعلى ما يحصل نورًا في القلوب وهداية وخوفًا وإنابة وخشية \".","vol":"1","page":1500},{"text":"وقيل: الواو زيادة وإليه ذهب ابن عباس، ﵄، وقرأ به (١). وقيل: تقديره: وآتيناه ضياءً (٢).\n﴿وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ (٤٨)﴾ يذكرون مالهم وعليهم.\n﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ يخافونه ويعظمونه في سريرتهم وخلواتهم وقيل يخشونه ولم يروه بعد (٣). ﴿وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ﴾ من القيامة.\n﴿مُشْفِقُونَ (٤٩)﴾ خائفون. ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ﴾ يعني القرآن.\n﴿مُبَارَكٌ﴾ كثير الخير دائم النفع. ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ على محمد صلى عليه وسلم.\n﴿أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٠)﴾ استفهام توبيخ أي: أتنكرون أنه من الله وتنسبونه إليه.\n﴿* وَلَقَدْ آَتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ﴾ هداه وتوفيقه. وقيل: نبوته (٤).\nوقيل: الكتب والحكمة (٥). ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ قبل موسى وهارون (٦).\nوقيل ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ (٧) أي: في صغره حيث قال ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩)﴾ الآيات [الأنعام: ٧٩] (٨).\n_________\n(١) قرأ ابن عباس، ﵄، وعكرمة، والضحاك \" الفرقان ضياءً \" بغير واو، وهي قراءة شاذة.\nانظر: المحتسب لابن جني (٢/ ١٠٨)، شواذ القراءات للكرماني (٣١٨).\n(٢) انظر: معاني القرآن للزجاج (٣/ ٣٢٠).\n(٣) انظر: معالم التنزيل (٥/ ٣٢٢).\n(٤) حكاه في النكت والعيون (٣/ ٤٥٠).\n(٥) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٣٧٠).\n(٦) قاله مقاتل.\nانظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٣٧٠).\n(٧) في ب: \" وقيل قبل إبراهيم ﵇ \"، والصواب المثبت.\n(٨) وهو قول مجاهد، وقتادة.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٢٩١، ٢٩٠).","vol":"1","page":1501},{"text":"وقيل: قبل محمد ﷺ (١).\n﴿وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (٥١)﴾ بإبراهيم. وقيل ﴿بِهِ﴾ يعود إلى الرشد، أي: علمنا أنه أهل لما آتيناه.\n﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (٥٢)﴾ جمع تمثال وهو: شيء يعمل مشبهًا لغيره في الشكل، والعكوف: إطالة الإقامة، وكانت تماثيل على صور السباع، والطيور، والإنسان.\nوقيل: على صور هياكل الكواكب يعبدون الله بواسطة عبادة الكواكب ثم اعتقدوا أنها في أنفسها آلهة (٢).\n﴿قَالُوا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ (٥٣)﴾ أي: اتبعنا آباءنا في ذلك واقتدينا بهم.\n﴿قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٥٤)﴾ خطأ بَيِّن وعدول عن الصواب. ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ﴾ بالجد.\n﴿أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ (٥٥)﴾ أي: أَبِجِدٍ منك (٣) هذا الكلام أم تلعب بهذا المقال.\n﴿قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ﴾ أي: لستُ بلاعب، وإنما ربكم وخالقكم الذي يجب عليكم عبادته هو رب السماوات والأرض، وفاطرها، ويحتمل أن الضمير في ﴿فَطَرَهُنَّ﴾ يعود إلى التماثيل (٤)، والله أعلم.\n﴿وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٥٦)﴾ أنه ربكم، وتقديره: وأنا شاهد على ذلكم من الشاهدين، ولا يجوز تعلق على الشاهدين، وقد سبق في سورة يوسف ﵇ (٥).\n_________\n(١) حكاه السمرقندي في بحر العلوم (٢/ ٣٧٠).\n(٢) لم أقف عليه، والله أعلم.\n(٣) في أ: \" أي الجد منك \".\n(٤) والصواب أنه يعود إلى السماوات والأرض.\n(٥) في قوله تعالى ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾ [يوسف: ٢٦].","vol":"1","page":1502},{"text":"﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (٥٧)﴾ لأكسرنها بعد ذهابكم عنها إلى عيدٍ لكم، وسماه كيد لأنه مكر بذلك عابديها.\nوقيل معناه: أُدَبِّر عليها سوءً، وأصل \" تالله \" والله، قُلِبَ الواو تاءً، وخص اسم الله به، وقد سبق (١).\n﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا﴾ أي: قطعًا، والجَذُّ: القطع (٢).\n﴿إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ﴾ للأصنام. وقيل: هو للكفار (٣)؛ فكسر الأصنام وجعل الفأس في عنق الصنم الأكبر.\n﴿لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (٥٨)﴾ قيل: إلى الكبير (٤).\nوقيل: إلى الله (٥).\nوقيل: إلى إبراهيم فيحاجهم (٦).\nوقيل: إلى الجَذ، وفيه بُعْد (٧).\n﴿قَالُوا﴾ أي: الكفار بعضهم لبعض حين رجعوا من عيدهم ورأوا ذلك.\n﴿مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآَلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٥٩)﴾ بفعله هذا. وقيل: من الظالمين لنفسه، لأنه يُقْتَل لو عُلم به (٨).\n﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ يعيبهم فلعله الذي فعل هذا.\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن للزجاج (٣/ ٣٢٠).\n(٢) الجذّ: كسر الشيء وتفتيته، ويقال لحجارة الذهب المكسورة ولفتات الذهب: جُذاذ.\nانظر: المفردات (١٩٠)، مادة: جذ.\n(٣) انظر: غرائب التفسير (١/ ٧٤١).\n(٤) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٣٧١)، والمعنى: لعلهم يعتقدون أنه هو الذي غار لنفسه وأَنِفَ أن تُعْبَد معه هذه الأصنام الصغار فكسرها.\n(٥) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٢٩٧)، غرائب التفسير (١/ ٧٤١).\n(٦) انظر: معاني القرآن للزجاج (٣/ ٣٢١)، معالم التنزيل (٥/ ٣٢٤).\n(٧) انظر: غرائب التفسير (١/ ٧٤١).\n(٨) انظر: المصدر السابق (١/ ٧٤١).","vol":"1","page":1503},{"text":"وقيل: سمع منه قوله ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ (١).\n﴿يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (٦٠)﴾ أي: يسمى إبراهيم، وهو رفع بالخبر أي: هو إبراهيم. وقيل: ضم بالنداء أي: يقال له يا إبراهيم (٢).\n﴿قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (٦١)﴾ أي: اجعلوه حيث يقع عيون الناس على ما يُفْعَل به من العذاب والعقاب فَيَنْكل غيره عن مثل ما فعل هو إذا رأى ما يفعل به.\nوقيل: معناه: لعلهم يشهدون عليه بفعله أو بقوله فيكون حجة عليه، كرهوا أن يأخذوه بغير بينة (٣).\nوقيل: ﴿عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ﴾ معناه: ظاهر (٤).\nوقيل: ﴿عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ﴾ خواص الملك وأولياءه (٥).\n﴿قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآَلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ (٦٢)﴾ فأحضروه فسُئِل عن ذلك.\n﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (٦٣)﴾ اختلف المفسرون في تأويل هذه الآية؛ فقال بعضهم: إن إبراهيم ﵇ كَذَبَ، والكذب في بعض المواضع أحسن من الصدق (٦).\n_________\n(١) فسمع رجل من القوم مقالة إبراهيم ﵇، فقال لهم: إني سمعت فتى يذكرهم يقال له إبراهيم.\n(٢) انظر: معاني القرآن للزجاج (٣/ ٣٢١).\n(٣) قاله السدي، وقتادة.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٢٩٩).\n(٤) حكاه الواحدي في الوسيط (٣/ ٢٤٢).\n(٥) انظر: غرائب التفسير (١/ ٧٤١).\n(٦) انظر: المصدر السابق (١/ ٧٤١).","vol":"1","page":1504},{"text":"وقيل (١): إذا تعلق بالكذب نفعٌ لا فساد معه البتة، وقيدوا ذلك بما روي عن النبي ﷺ أنه قال: \" لإبراهيم ثلاث كذبات أحدها: قوله \" فعله كبيرهم \"، والثاني: قوله \" إني سقيم \"، والثالث: قوله لسارة: هي أختي \" (٢).\nقال بعضهم: ليس ببعيد أن يأذن الله له في ذلك لما في ضِمْنِه من الاحتجاج لإبراهيم كما أذن ليوسف في قوله ﴿إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ (٧٠)﴾ [يوسف: ٧٠] (٣).\nوقال بعضهم: إن ذلك على طريق الشرط والجزاء، أي: فعله كبيرهم إن كانوا ينطقون (٤).\nوقوله ﴿فَاسْأَلُوهُمْ﴾ اعتراض بينهما وحقه التأخير، فعُدم الشرط وعُدم الجزاء، وحمل بعضهم على الشرط والجزاء من وجه آخر فقال تقديره (٥): إن كانوا آلهة كما تزعمون فهذا الذي هو أكبرهم فعل بها ذلك ليكون وحده إلهًا؛ قال: وبيان ذلك في قوله\n﴿فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (٦٣)﴾ وهذا شرط وجزاء آخر. وقيل: خرج هذا مخرج الخبر وليس بخبر وإنما هو إلزام، أي: ما تنكرون أن يكون فعله كبيرهم.\nوقال الكسائي (٦) حكاه الثعلبي: أن الوقف على قوله ﴿بَلْ فَعَلَهُ﴾ جائز (٧)، قال: ومعناه فعله (٨)، ويحتمل على هذا الوجه أن يكون أسند الفعل إلى الفتى المذكور في قوله\n﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ (٦٠)﴾، ويحتمل أيضًا أنه أسند إلى إبراهيم في قوله\n_________\n(١) في ب: \" وهو إذا تعلق \".\n(٢) أخرجه مسلم (كتاب الفضائل، باب من فضائل إبراهيم ﵇، ح: ٢٣٧١).\n(٣) وهو اختيار الإمام ابن جرير في جامع البيان (١٦/ ٣٠٠).\n(٤) انظر: النكت والعيون (٣/ ٤٥١).\n(٥) في ب: \" فقال تقدير \".\n(٦) الكسائي، تنظر ترجمته ص: ٣٣٣\n(٧) \" جائز \" ساقط من ب.\n(٨) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٦/ ٢٨٠).","vol":"1","page":1505},{"text":"﴿يَا إِبْرَاهِيمُ (٦٢)﴾، (١) ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ﴾ المنادى، وفي المعاريض مندوحة عن الكذب وسعة، ثم قال ﴿كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ مبتدأ وخبر.\n﴿فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (٦٣)﴾ شرط، والجزاء مضمر دل عليه ما تقدم.\n﴿فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (٦٤)﴾ راجعوا عقولهم وظهر لهم أنهم ظلموا أنفسهم بعبادة ما لاينطق ولا يدفع عن نفسه.\nوقيل: معناه أنتم الظالمون بسؤالكم إبراهيم (٢).\nوقيل: أنتم الظالمون إذ لم تحفظوا الأصنام من مثل ما نزل بها (٣).\n﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ﴾ قتادة: أدرك القوم حيرة (٤).\nوقيل: أطرقوا حيارى خجلين.\nابن عباس، ﵄: رجعوا إلى شركهم بعد المعرفة (٥).\nوقيل: معناه رجوا، تقول: نكست الأمر إذا أعدته إلى أوله (٦).\nوقيل: انقلبت آراؤهم (٧).\nمجاهد: ردت السفلة على الرؤساء، أي: رجع بعضهم إلى بعض (٨)، ويحتمل أن المعنى: ثم ردوا إلى رأس أمرهم، وقالوا ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ (٦٥)﴾ فكيف تأمرنا بسؤالها.\n_________\n(١) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٦/ ٢٨٠).\n(٢) انظر: معالم التنزيل (٥/ ٣٢٥).\n(٣) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٦/ ٢٨٠).\n(٤) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٦/ ٣٠٢)، واختاره ابن كثير في تفسيره (٣/ ١٩٢)، قال \" لأنهم إنما فعلوا ذلك حيرة وعجزًا، ولهذا قالوا: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ (٦٥)﴾\n[الأنبياء: ٦٥] \"\n(٥) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٣٧١)، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١١/ ٣٠٢).\n(٦) انظر: النكت والعيون (٣/ ٤٥٢).\n(٧) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٢٤٣).\n(٨) انظر: البحر المحيط (٦/ ٣٠٣).","vol":"1","page":1506},{"text":"﴿قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (٦٦) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٧)﴾ أي: قبحًا لكم ونتنًا، وقد سبق. فلما ألزمتهم (١) الحجة وعجزوا عن الجواب. ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ﴾ أي: حرقوه بالنار.\n﴿وَانْصُرُوا آَلِهَتَكُمْ﴾ بالانتقام لها منه.\n﴿إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٦٨)﴾ للانتصار، وجواب الشرط محذوف دل عليه قوله\n﴿حَرِّقُوهُ﴾ وروي في التفاسير عن ابن عمر ﵄ (٢) أن الذي أشار بتحريق إبراهيم رجل من أعراب فارس، أي: أكرادها يسمى هيون، خسف الله به الأرض وهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة (٣).\nوهب: قال هو نمروذ (٤).\n﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا﴾ ثم إن نمروذ اللعين أجج نارًا عظيمًا وبنى بنيانًا فرفعوا إبراهيم على البنيان وقيدوه، ثم اتخذوا منجنيقًا ووضعوه فيه ورموا به إلى النار من مضرب شاسع وهو يقول: حسبي الله ونعم الوكيل، فاستقبله جبريل ﵇ فقال: يا إبراهيم ألك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا. قال جبريل: فسل ربك. قال إبراهيم: حسبي من سؤالي علمه بحالي، فقال الله ﴿يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا﴾.\n_________\n(١) في ب: \" فلما ألزمهم \".\n(٢) عبد الله بن عمر ﵄ تنظر ترجمته ص: ١٥٦\n(٣) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٦/ ٣٠٥)، وأخرج نحوه عن مجاهد وابن جريج.\n(٤) انظر: غرائب التفسير للكرماني (١/ ٧٤٢).","vol":"1","page":1507},{"text":"﴿عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩)﴾ السدي: قال ذلك جبريل ﵇، قال (١): والمعنى: كوني ذات برد وسلامة، و\" كان \" بمعنى وقع، و﴿بَرْدًا وَسَلَامًا﴾ نصب على الحال، ويحتمل أن يجعل \" كان \" هاهنا بمعنى صار لأنه يفيد الانتقال من حال إلى حال فبردت نفس النار ورفعت عنه الحرارة.\nوقيل: جعل الله بينهما ما منعه من إحراقه وإيذائه.\nوروي عن ابن عباس، ﵄ أنه قال: \" لو لم يتبع بردها سلامًا لمات إبراهيم من بردها \" (٢).\nالحسن: هو تسليم من الله ﷿ عليه (٣).\nقال النقاش في تفسيره: \"لوكان كما قال الحسن لكان رفعًا ولم يكن نصبًا\" (٤).\nقلت: \"لا يدفع كونه نصبًا تأويل الحسن؛ ألا ترى إلى قوله ﴿قَالُوا سَلَامًا﴾ [هود: ٦٩] أي: سلموا سلامًا كذلك هاهنا (٥) أي: سلم الله سلامًا على إبراهيم، ومثله في المعنى\n﴿سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الصافات: ١٠٩] في السورة الأخرى، فلم تحرق النار من إبراهيم إلا وثاقه.\nالكلبي: بنوا له أتونًا وألقوه فيه وأوقدوا عليه النار (٦).\n﴿وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا﴾ ضررًا. وقيل: مكرًا (٧).\n﴿فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (٧٠) وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (٧١)﴾ أي: خلصناه وخلصنا لوطًا وهو ابن عم إبراهيم. وقيل: ونجيناه (٨) وأرسلنا لوطًا.\n_________\n(١) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٢٤٤).\n(٢) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٣٠٦).\n(٣) انظر: غرائب التفسير (١/ ٧٤٣).\n(٤) انظر: غرائب التفسير (١/ ٧٤٣).\n(٥) \" هاهنا \" ساقط من أ.\n(٦) انظر: النكت والعيون (٣/ ٤٥٣)، معالم التنزيل للبغوي (٥/ ٣٢٦).\n(٧) لم أقف عليه، والله أعلم.\n(٨) في أ: \" نجيناه\".","vol":"1","page":1508},{"text":"عن الزجاج: من أرض بابل إلى أرض الشام، وهي الأرض المباركة كثيرة المياه والأشجار فيها ربوة ذات قرار ومعين (١).\nوقيل: سميت مباركة لأن الله تعالى ينزل من السماء الماء العذب إلى صخرة بيت المقدس ومنها يتفرق في سائر الأرض (٢).\nوقيل: سميت مباركة لأن أكثر الأنبياء منها (٣).\nوقيل: إلى الأرض التي باركنا فيها مكة، وهذا عن ابن عباس، ﵄ أيضًا (٤). ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ فيه ثلاثة أقوال:\nأحدها: أن النافلة العطية؛ فيعود إليهما جميعًا (٥).\nوالثاني: الزيادة على الشيء كالنافلة من الصلوات، ويعود إلى يعقوب وحده، أي: سأل ولدًا فأعطاه إياه وهو إسحاق وزاده يعقوب من غير مسألة.\nوالثالث: أن النافلة (٦) ولد الولد، فيكون التقدير: وهبنا له إسحق ولدًا ويعقوب ولد الولد (٧)، وقيل: هي مصدر من غير لفظ الفعل السابق أي: وهبنا له هبة.\n﴿وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ (٧٢)﴾ أي: إبراهيم، ولوطًا، وإسحق، ويعقوب جعلناهم أنبياء، وقيل: أمرناهم بالصلاح فصلحوا (٨).\n﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً﴾ أنبياء. والإمام الذي يقتدى به.\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن للزجاج (٣/ ٣٢٣)، وهو قول أبي بن كعب، والحسن، وقتادة، واختاره ابن جرير في جامع البيان (١٦/ ٣١١).\n(٢) قاله أبيّ بن كعب، ﵁.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٣١١).\n(٣) حكاه في النكت والعيون (٣/ ٤٥٤).\n(٤) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٦/ ٣١٤).\n(٥) في أ: \" فيعود إليهما \".\n(٦) في أ: \" والثالث: النافلة \".\n(٧) جائز أن يكون عنى به كلا ولديه، وجائز أن يكون عنى به أنه أتاه نافلة يعقوب، والجميع عطية من الله.\n(٨) لم أقف عليه، والله أعلم.","vol":"1","page":1509},{"text":"﴿يَهْدُونَ﴾ أي: الناس. ﴿بِأَمْرِنَا﴾ بوحينا وإذننا.\n﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ﴾ أن افعلوا الخيرات وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة.\nوقيل: وألزمناهم فعل الخيرات وإقام الصلاة (١)، لأن الإضافة تنوب عنه كما قالوا: ليت شعري أي: شعري، وفلان أبو عذرها أي: عذرتها.\n﴿وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ (٧٣)﴾ مطيعين موحدين. ﴿وَلُوطًا﴾ أرسلنا لوطًا. وقيل: واذكر، وقيل: وآتينا لوطًا، وكذلك انتصاب من بعده من الأنبياء (٢).\n﴿آَتَيْنَاهُ حُكْمًا﴾ نبوة. ﴿وَعِلْمًا﴾ كتابًا.\nوقيل: الحكم القضاء بين الناس والعلم الفتوى (٣).\n﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ﴾ أي: من أهلها، وهي سَدُوم (٤).\n﴿الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ﴾ ما كرهه الله من اللواط، وقطع السبيل، وإتيان المنكر من التضارط، وخذف البنادق.\nوقيل: ونجيناه مما عذبوا به (٥).\n﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ﴾ شرار.\n﴿فَاسِقِينَ (٧٤)﴾ خارجين عن طاعة الله.\n﴿وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) وَنُوحًا إِذْ نَادَى﴾ دعا الله على قومه بالهلاك. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ قبل قوم لوط.\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن للزجاج (٣/ ٣٢٣)، بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٣٧٣).\n(٢) انظر: معاني القرآن للزجاج (٣/ ٣٢٣).\n(٣) حكاه ابن جرير في جامع البيان (١٦/ ٣١٨).\n(٤) سَدُوم: بقتح أوله، على وزن فعول من السدم وهو الندم مع غم، وهي مدينة من مدائن قوم لوط كان قاضيها يقال له: سدوم. وقيل سذوم بالذال.\nانظر: معجم البلدان (٢/ ٢٠٠)، معجم ما استعجم (٣/ ٧٢٩).\n(٥) حكاه ابن جرير في جامع البيان (١٦/ ٣١٨).","vol":"1","page":1510},{"text":"﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ أجاب الله دعاءه، يعني قوله ﴿لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦)﴾ [نوح: ٢٦].\n﴿فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦)﴾ أي: أهل بيته. والكرب: أقصى الغم الآخذ بالنّفْس وهو هاهنا الغَرَق. وقيل: إذ نادى قومه (١).\n﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا﴾ أي: على القوم.\nوقيل: منعناه: منهم (٢). ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ﴾ شرار.\n﴿فَأَغْرَقْنَاهُمْ﴾ أهلكناهم بالماء.\n﴿أَجْمَعِينَ (٧٧)﴾ صغيرهم وكبيرهم، ذكرهم وأُنثاهم.\n﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾ قتادة في جماعة: كان زرعًا (٣).\nابن مسعود ﵁ في جماعة: كان كَرْمًا تدلت عناقيده (٤).\n﴿إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾ أي: رعته ليلًا، والنَّفش: الرعي بالليل من غير راعٍ (٥). والهمل: بالنهار بلا راع.\n_________\n(١) وهذا بعيد لقوله تعالى بعد ذلك ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾.\n(٢) حكاه في النكت والعيون (٣/ ٤٥٦).\n(٣) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٦/ ٣٢٠).\n(٤) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٦/ ٣٢١)، قال ابن جرير \"والحرث إنما هو حرث الأرض، وجائز أن يكون ذلك كان زرعًا، وجائز أن يكون ذلك كان غرسًا، وغير ضائر الجهل بأي ذلك كان\".\n(٥) النَّفْشُ: تشعيث الشيء بأصابعك حتى ينتشر كالتنفيش، وهو رعي الدابة ليلًا بلا راعٍ، والَّنفَشُ بالتحريك الصوف والخِصب.","vol":"1","page":1511},{"text":"﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨)﴾ عالمين، والضمير يعود إلى داود وسليمان والخصمين. وقيل: إلى القوم في قوله ﴿غَنَمُ الْقَوْمِ﴾ (١).\nوقيل: إلى داود وسليمان فجمع كما جمع في قوله ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ [النساء: ١١] (٢).\n﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ القضية والحكومة.\nأجمع المفسرون على أن داود قضى بالغنم لصاحب الحرث، وقيمة الغنم كانت مثل قيمة الحرث، وأن سليمان قال: غير هذا أرفق بالفريقين؛ يدفع الغنم إلى صاحب الحرث لينتفع بنسلها ودرها وشعرها، ويدفع الحرث إلى صاحب الغنم ليقوم بعمارته حتى إذا كان من القابل وعاد إلى مثل حاله رد كل واحد إلى صاحبه ما كان له.\nثم اختلف المفسرون في ذلك؛ فقال بعضهم: إن داود أفتى في الأول، ولما سمع من سليمان حكم به (٣). وقال بعضهم: كان ذلك بالاجتهاد وللأنبياء الاجتهاد كغيرهم وكل مجتهد مصيب (٤).\n_________\n(١) انظر: غرائب التفسير (١/ ٧٤٤).\n(٢) حكاه الفراء في معاني القرآن (٢/ ٢٠٨).\n(٣) وهو المذكور في القصة.\n(٤) انظر: معالم التنزيل للبغوي (٥/ ٣٣٣)، البحر المحيط (٦/ ٣٠٧)، تفسير ابن كثير (٣/ ١٩٥)، واختاره الشنقيطي في أضواء البيان (٤/ ١٧٠).","vol":"1","page":1512},{"text":"وقال بعضهم: لا يجوز للأنبياء الاجتهاد لأن الاجتهاد عند عدم النص وهم لا يعدمون النص، وقالوا: عمل داود بنص ثم نسخ ذلك بنص نزل على سليمان (١)، ولولا إجماع المفسرين على ما حكيت لاحتمل أن يقال: ﴿إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾ هاهنا مثل ما في قوله ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ٩٥].\nوقوله ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ أي: سليمان وداود بدليل قوله ﴿وَكُلًّا آَتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ وليس في الآية ما يدل على رد قول داود، وخص سليمان بالذكر شرفًا له ولأبيه أي: وآتى ابنه الحكم صَبِيًا، وكان له يومئذ إحدى عشرة سنة. والله أعلم.\nومذهب أهل العراق في ذلك أن النبي ﷺ قال: \"جرح العجماء جبار\" (٢)، فلا يلزم صاحب الماشية ضمان إذا لم يقصد.\nومذهب أهل المدينة أن النبي ﷺ لما دخلت ناقة البراء بن عازب (٣)\n_________\n(١) وقد بين ابن العربي في أحكام القرآن (٣/ ٢٦٦) جواز الاجتهاد للأنبياء والحكم به، وأن اجتهادهم صحيح، لأنه دليل شرعي، ومن قال: إنما يكون دليلًا عند عدم النص وهم لايعدمونه فإنه إذا لم ينزل الملك فقد عدموا النص.\n(٢) أخرجه مسلم (باب: جرح العجماء، والمعدن، والبئر جبار، ح: ١٧١٠).\n(٣) البراء بن عازب بن الحارث، أبو عُمارة الأنصاري، نزيل الكوفة، من أعيان الصحابة، شهد كثيرًا من الغزوات مع رسول الله ﷺ، وروى حديثًا كثيرًا، توفي سنة اثنتين وسبعين.\n\nانظر: الاستيعاب (١/ ٢٣٩)، سير أعلام النبلاء (٣/ ١٩٤).","vol":"1","page":1513},{"text":"حائطًا فأفسدته فقضى أن على أهل الأموال حفظها بالنهار وعلى أهل الماشية حفظها بالليل (١).\nومذهب الحسن: أن حكم سليمان اليوم ثابت يُعمل به. (٢)\n﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ﴾ أي: ذّلَّلنا الجبال، والطير تسير معه حيث سار ويسبحن تسبيحًا يسمعه الناس.\nوقيل: كانت تصلي مع داود (٣).\nوقيل: تسخير الجبال بالسير هو تسبيحها لدلالتها على الله وحمل غيرها على التسبيح (٤). وقيل: هو تفعيل من السباحة (٥).\nالحسن: جميع ما خلق الله من الجبال والطير كانت تسبح مع داود بالغداة والعشي (٦).\n﴿وَكُنَّا فَاعِلِينَ (٧٩)﴾ قادرين على ذلك.\n_________\n(١) رواه مالك في الموطأ مرسلًا (٢/ ٧٤٧)، والدارقطني في السنن (٣/ ١٥٥)، وأبو داود في السنن (ك: البيوع، باب: المواشي تفسد زرع قوم، ح: ٢/ ٣٢١، ح: ٣٥٧)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (١/ ٤٧٧).\n(٢) ومذهب مالك والشافعي أن مالك الدابة يضمن ما أفسدته ليلًا دون النهار، وقال الليث: يضمن ما أفسدته ليلًا ونهارًا بأقل الأمرين من قيمتها، أو قدر ما أتلفته، كالعبد إذا جنى.\nومذهب الحنابلة هو ما ورد في حديث البراء بن عازب ﵁، أن على أهل المواشي حفظها ليلًا، فإن أفسدت بالليل ضمنوه، وعلى أهل الزرع حفظه نهارًا.\nانظر: اختلاف الحديث للإمام الشافعي (٥٦٦)، أحكام القرآن لابن العربي (٣/ ٢٦٧)، المغني لابن قدامة (١٠/ ٣٥٢)، نيل الأوطار للشوكاني (٦/ ٥٧).\n(٣) قاله قتادة.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٣٢٨).\n(٤) حكاه في النكت والعيون (٣/ ٤٦٠).\n(٥) انظر: المصدر السابق (٣/ ٤٦٠).\n(٦) انظر: بحر العلوم لأبي الليث السمرقندي (٢/ ٣٧٤).","vol":"1","page":1514},{"text":"﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ﴾ عمل الدروع، وهو أول من عمل الدروع وكان قبل ذلك صفائح.\nوقيل: الّلَبوس: السلاح كله من درع، وسيف، وسهم (١).\n﴿لِتُحْصِنَكُمْ﴾ ليدفع السلاح عنكم. النون لله سبحانه والياء لله، ويجوز أن يكون للبوس والتاء للصنعة أو الدرع على المعنى (٢).\n﴿مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ (٨٠)﴾ فاشكروا الله على\nذلك.\n﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ﴾ أي: وسخرنا لسليمان الريح.\n﴿عَاصِفَةً﴾ شديدة الهبوب. ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ﴾ بأمر سليمان.\n﴿إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ هي الشام، وكان يغدوا مسيرة شهر، ويروح مسيرة شهر إليها، وكان يستوطنها، وإذا أراد أن يغزوا أمر الريح فحملته إلى الموضع وعادت به.\nابن جبير: كان يوضع لسليمان ستمائة ألف كرسي فيجلس على ما يليه المؤمنون من الإنس، ثم من دون الإنس المؤمنون من الجن فيظللهم الطير، ثم يأمر الريح فتحمله إلى حيث شاء مسيرة شهر غدوة ومثلها عشية، وهو قوله ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾\n[سبأ: ١٢] (٣).\n_________\n(١) انظر: النكت والعيون (٣/ ٤٦٠).\n(٢) في أ \" على معنى \".\nقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي \" ليحصنكم \" بالياء، وقرأ ابن عامر، وحفص عن عاصم \" لتحصنكم \"، وأبو بكر عن عاصم \"لنحصنكم\" بالنون.\nانظر: العنوان في القراءات السبع لأبي طاهر الأنصاري (١٣٢)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣٢٤).\n(٣) انظر: معالم التنزيل للبغوي (٥/ ٣٣٦)، تفسير ابن كثير (٣/ ١٩٦)، وعزاه لابن أبي حاتم.","vol":"1","page":1515},{"text":"وذكر المفسرون أنه وجد مكتوبًا في منزل بناحية دجلة: نحن نزلناه وما بنيناه ومبنيًا وجدناه غدونا من اصطخر فقلناه ونحن رائحون منه إليها إن شاء الله (١)، فقيل إن أصحاب سليمان كتبوه.\n﴿وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ (٨١)﴾ أي: نعلم ما يصلح لكل أحد (٢)، وما يصلح هو له. ﴿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ﴾ أي: سخرنا له من الشياطين من ينزلون له إلى قعر البحر ويخرجون نفائس البحر.\n﴿وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ﴾ سوى الغوص وهو بناء المحاريب والتماثيل.\n﴿وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ (٨٢)﴾ حفظناهم على سليمان.\nوقيل: حافظين من أن يفسدوا ما عملوه (٣).\n﴿* وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣)﴾ وَهْب: هو أيوب بن أموص بن تارخ (٤).\nغيره: أيوب بن أقشر، وزوجته ماخير بنت ميشا بن يوسف.\nوقيل: رحمة بنت أفراييم بن يوسف (٥)، حكاه الثعلبي (٦).\nالنقاش: ليا بنت يعقوب (٧) وكان ملكًا في أرضه (٨).\n_________\n(١) انظر: غرائب التفسير للكرماني (١/ ٧٤٥).\n(٢) في أ: \" أي نعمل ما يصلح لكل أحد \".\n(٣) حكاه الفراء في معاني القرآن (٢/ ٢٠٩).\n(٤) انظر: معالم التنزيل للبغوي (٥/ ٣٣٧).\n(٥) في ب \" إفواييم بن يوسف \".\n(٦) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٦/ ٢٨٧)، وضعفه ابن كثير في تفسيره (٣/ ١٩٩).\n(٧) انظر: تفسير ابن كثير (٣/ ١٩٩).\n(٨) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٣٧٥).","vol":"1","page":1516},{"text":"وقيل: كان رجلًا من الروم وله أموال كثيرة من كل جنس من صنوف الأموال، وكان له أولاد رجال ونساء، وكان بَرًا، تقيًا، رحيمًا بالمساكين، فحسده إبليس فسأل الله أن يسلطه على ماله ليجربه فأجابه إلى ذلك فأهلك ما كان له من الأموال عن آخرها. فبلغ الخبر أيوب فقال: هو الذي أعطى وهو الذي أخذ. ثم سأل الله أن يسلطه على أولاده، وكان له سبعة بنين وثلاث بنات.\nوقيل: سبعة وسبع (١)، فأجابه إلى ذلك فأهلكهم إبليس أسوأ إهلاك (٢)، فبلغه ذلك فقال (٣): هو الذي أعطى وهو الذي أخذ.\nوذكر وهب: أن إبليس جاءه على صورة معلم أولاده فجعل يصف ما حل بأولاده فلم يتمالك حتى رفع قبضة من التراب فجعل على رأسه ثم ندم من ساعته وتاب فغفر له، ثم إن إبليس سأل الله أن يسلطه على بدنه فقال الله تعالى: لك ذلك إلا قلبه فإنه محل المعرفة والفكر، ولسانه فإنه محل التسبيح والذكر. فأتاه إبليس وهو في صلاته فنفخ في منخره فظهر في جميع بدنه قروح يسيل منها الصديد ووقع فيها الدود فتفرق عنه الناس وهجروه ورموه على كناسة لبني إسرائيل ولا يقربه أحد إلا امرأته وأتى على ذلك سنون (٤).\nقيل: ثمان عشرة سنة (٥).\nوقيل: سبع سنين (٦)،\n_________\n(١) حكاه السمرقندي في بحر العلوم (٢/ ٣٧٥).\n(٢) في ب: \" أسوأ هلاك \".\n(٣) في أ: \" فبلغه فقال \".\n(٤) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٣٣٧).\n(٥) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (٢٠/ ١٠٩) عن ابن شهاب عن أنس، ﵁ مرفوعًا.\nقال ابن كثير في تفسيره (٣/ ١٩٨) \"رفع هذا الحديث غريب جدًا\".\n(٦) قاله الحسن.\n\nانظر: النكت والعيون (٣/ ٤٦٢).","vol":"1","page":1517},{"text":"وكانت زوجته تدخل على الناس وتخدمهم وتأخذ ما تنفق عليه، ثم إن إبليس أتاها فقال لها: إن أردت أن يبرأ زوجك من علته فليذبح شاة على اسمي وأتاها بشاة. فأخبرته امرأته بذلك فقال لها: ذلك إبليس. فأَلحت عليه فغضب فقال: إن برئتُ لأضربنك مائة. فقالت: متى تبرأ فعندها قال: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾.\nوقيل: باعت ذؤابتها برغيف فأتته به فعندها قال: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ (١). قيل: المرض. وقيل: البلاء (٢).\nوقيل: الضر الشيطان لقوله في الآية الأخرى ﴿مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (٤١)﴾ [ص: ٤١] (٣).\nوقيل: بلغت الأكلة لسانه فخاف أن يضعف عن ذكر الله (٤).\nوقيل: خاف شماتة الأعداء (٥).\nوقيل: سقطت منه دودة فردها إلى بدنه فعضته عضة زاد ألمها على ما قاساه من قبل (٦). وقيل: انقطع الوحي عنه أيامًا (٧).\nوقيل: أراد الصلاة فلم يقدر عليها فقال ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣)﴾ مخبرًا لا شاكيًا (٨).\n_________\n(١) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٣٧٥).\n(٢) في أ: \" البلايا \".\n(٣) قاله الحسن.\nانظر: النكت والعيون (٣/ ٤٦٢).\n(٤) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٦/ ٢٩٨).\n(٥) انظر: معالم التنزيل (٥/ ٣٤٥).\n(٦) قاله السدي.\nانظر: النكت والعيون (٣/ ٤٦٢).\n(٧) حكاه في النكت والعيون (٣/ ٤٦٣) عن جعفر الصادق.\n(٨) انظر: النكت والعيون (٣/ ٤٦٢).\nوقد أطال ابن جرير في جامع البيان (١٦/ ٣٣٤) وما بعدها في ذكر الروايات في خبر أيوب ﵇، وكذلك غيره من المفسرين، وغالب هذه الروايات من الإسرائليات التي لم تثبت.\nانظر: البحر المحيط (٦/ ٣١٠)، أضواء البيان للشنقيطي (٤/ ٢٣٩).","vol":"1","page":1518},{"text":"﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ﴾ فأجاب الله دعاءه وأوحى إليه ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (٤٢)﴾ [ص: ٤٢]، فركض رجله فانفجرت عين ماء فاغتسل منها فصح بدنه، ثم نودي اركض برجلك فركض رجله فخرجت عين أخرى فشرب منها فصح ما في جوفه، وكان هذا في غيبة زوجته فلما رجعت إليه لم تعرفه وقالت: هل رأيت نبي الله المبتلى (١)؟ فضحك في وجهها فعرفته بثغره.\n﴿وَآَتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾ ابن عباس، ﵄: أحيا الله أولاده بأعيانهم، وأمواله، ومواشيه، ومثلها، ومثلهم معهم (٢).\nوقيل: رد أولاده الله (٣) وأبقاهم حتى جعل من نسلهم مثلهم (٤).\nوقيل: أعطاه مثلهم في الدنيا ويعطيه في الجنة من ماتوا (٥).\n﴿رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾ أي: نعمة عليه.\n﴿وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (٨٤)﴾ يقتدون به في الصبر على البلاء والشكر على النعماء.\nعقبة بن عامر (٦)\n_________\n(١) في ب: \" هل رأيت يا نبي الله هذا المبتلى \".\n(٢) وهو مروي أيضًا عن ابن مسعود ﵁.\nانظر: بحر العلوم لأبي الليث السمرقندي (٢/ ٣٧٦)، تفسير ابن كثير (٣/ ١٩٩).\n(٣) في ب: \" رد أولاده \".\n(٤) انظر: معاني القرآن للزجاج (٣/ ٣٢٥).\n(٥) قاله مجاهد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٣٦٦).\n(٦) عقبة بن عامر بن عبْس الجهني، صاحب النبي ﷺ، كان عالمًا، مقرئًا، فقيهًا، روى عنه من الصحابة جابر وابن عباس، ﵄ ﵃، وكان هو البريد إلى عمر ﵁ بفتح دمشق، شهد صفين مع معاوية، وولي إمرة مصر، توفي في أول خلافة معاوية ﵃ أجمعين.\n\nانظر: الاستيعاب (٣/ ١٨٣)، سير أعلام النبلاء (٢/ ٤٦٧).","vol":"1","page":1519},{"text":"عن النبي ﷺ قال: \" أوحى الله إلى أيوب تدري ما ذنبك عندي حتى ابتليتك؟ قال: لا يارب. قال: دخلت على فرعون فدهنت فأدهنت له بكلمتين (١) \".\nوروي أنه مُطِر على أيوب جَرَاد من ذهب فجعل يجمعه ويجعله في ثوبه فقال: يا أيوب أما تشبع؟ فقال: ومن يشبع من رحمتك (٢).\n﴿وَإِسْمَاعِيلَ﴾ هو: ابن إبراهيم. ﴿وَإِدْرِيسَ﴾ هو: ابن شيث بن آدم وهو أخنوخ. ﴿وَذَا الْكِفْلِ﴾ أي: أذكرهم.\nقال ابن عباس، ﵄: ذو الكفل هو إلياس (٣).\nالحسن: هو نبي اسمه ذو الكفل (٤).\nوقيل: هو يوشع بن نون (٥).\nوالكِفْل: الحظ، والله ضاعف ثوابه لأنه ضاعف عمله.\nالمبرد: كان رجلًا صالحًا عَبَدَ الله في غار جبل، والكفل: الجبل (٦).\nوقيل: كان رجلًا صالحًا اسمه عويب، ولم يكن نبيًا بل تكفل لله بأمور فوفى بها والكفل الكفالة (٧). وقيل: هو زكريا (٨).\n_________\n(١) عزاه السيوطي في الدر (١٠/ ٣٣٥) إلى ابن عساكر، والديلمي، وابن النجار.\n(٢) أخرجه البخاري في (ك: الغسل، باب: من اغتسل عريانًا وحده في الخلوة، ح: ٢٧٩) عن أبي هريرة ﵁.\n(٣) انظر: غرائب التفسير للكرماني (١/ ٧٤٥).\n(٤) انظر: النكت والعيون (٣/ ٤٦٤)، زاد المسير (٥/ ٣٧٩).\n(٥) انظر: غرائب التفسير (١/ ٧٤٥)، الكشاف (٤/ ١٦١).\n(٦) انظر: غرائب التفسير (١/ ٧٤٥).\n(٧) قاله مجاهد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٣٧٣)، بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٣٧٦).\n(٨) اختُلِف في نبوة ذو الكفل؛ فقال الحسن، وعطاء بنبوته، وهو اختيار ابن كثير في تفسيره (٣/ ١٩٩)، قال: \" وأما ذو الكفل فالظاهر من السياق أنه ما قرن مع الأنبياء إلا وهو نبي \"، وذهب أبو موسى الأشعري ﵁، ومجاهد إلى أنه كان عبدًا صالحًا، .\n\nانظر: معالم التنزيل للبغوي (٥/ ٣٤٨)، زاد المسير (٥/ ٣٧٩).","vol":"1","page":1520},{"text":"﴿كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (٨٥)﴾ أي: هؤلاء المذكورين كلهم موصوفون بالصبر.\n﴿وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا﴾ قيل: هي النبوة، وقيل: هي النعمة في الآخرة (١).\n﴿إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٦)﴾ من الأنبياء وسموا صالحين لأن صلاحهم لايشوبه كدر الفساد.\nومعنى ﴿وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا﴾ غمرتهم الرحمة فهو أبلغ من رحمناهم.\n﴿وَذَا النُّونِ﴾ أجمع المفسرون على أنه يونس ﵇، والنون: الحوت لتسمية الله إياه في السورة الأخرى صاحب الحوت (٢).\n﴿إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا﴾ فيه أقوال:\nأحدها: مغاضبًا لقومه حين دعاهم إلى الله مدة مديدة فلم يجيبوه فأوعدهم بالعذاب ثم خرج من بينهم على عادة الأنبياء عند نزول العذاب بالقوم قبل أن أذن الله له (٣) في الخروج (٤).\n_________\n(١) حكاهما السمرقندي في بحر العلوم (٢/ ٣٧٦).\n(٢) قال تعالى في سورة القلم ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (٤٨)﴾\n[القلم الآية: ٤٨].\n(٣) في ب: \" قبل أن أذن الله في الخروج \".\n(٤) وهو قول ابن عباس، ﵄، والضحاك.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٣٧٤).","vol":"1","page":1521},{"text":"وقيل: مغاضبًا للملك واسمه حزقيا، وذلك أن يونس كان يسكن فلسطين فغزاهم ملك فسبى منهم تسعة أسباط ونصف سبط وبقي سبطين ونصف سبط (١) فأوحى الله إلى شعياء النبي ﵇ أن أسر إلى حزقيا الملك وقل له حتى يوجه نبيًا قويًا أمينًا فإني ألقي في قلوب أولئك حتى يرسلوا معه بني إسرائيل. قال له الملك: فمن ترى وكان في مملكته خمسة من الأنبياء؟ قال: يونس (٢) فإنه قوي أمين. فدعا الملك يونس فأمره بالخروج. فقال يونس: هل أمرك الله بإخراجي؟ . قال: لا. قال فهل سماني لك؟ قال لا. قال: هاهنا غيري أنبياء فألحوا عليه فخرج مغاضبًا للملك (٣).\nوقيل: ذهب مغاضبًا لربه، لأنه وعدهم بالعذاب فلم يأتهم لميعاده ولم يعرف أن الله صرف عنهم العذاب لتوبتهم وإنابتهم وأنهم آمنوا وكره أن يعود إليه كذابًا (٤).\nوقيل: خاف أن يقتلوه وهذا بعيد (٥).\nوقيل: مغاضبًا بمعنى غضبان، لأن المفاعلة قد يأتي من واحد كطارقت وسافرت. ومعنى غضبان آنفًا أن يعود إليهم فيكذبوه.\nالحسن: إنما غاضب ربه من أجل أنه أُمر بالمصير إلى قومه لينذرهم فسأل ربه أن ينظره ليتأهب للشخوص إليهم فقيل له الأمر أسرع من ذلك وكان رجلًا في خلقه ضيق فقال أعجلني ربي فخرج مغاضبًا (٦).\n_________\n(١) في ب: \" وبقي سبطين ونصفًا \".\n(٢) في أ: \" وقال يونس \".\n(٣) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٣٧٧).\n(٤) وهو قول ابن عباس، ﵄، والشعبي، وسعيد بن جبير.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٣٧٦، ٣٧٥)، الكشف والبيان للثعلبي (٦/ ٣٠١).\n(٥) انظر: النكت والعيون (٣/ ٤٦٦).\n(٦) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٣٧٧)، زاد المسير (٥/ ٣٨٢).","vol":"1","page":1522},{"text":"وروي عن وهب أنه قال: \" يونس ﵇ كان عبدًا صالحًا، وكان في خلقه ضيق فلما حمل أثقال النبوة قذفها وخرج هاربًا منه فأخرجه الله من أولي العزم فقال ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (٤٨)﴾ [القلم: ٤٨]، وقال ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥] (١).\n﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ فيه أقوال:\nأحدها: لن نضيق عليه من قوله ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: ٧]، ومصدره القَدْر بالسكون (٢).\nوقيل: لن نقدر عليه بالعقوبة من القَدَر بالفتح أي: لن نقضي عليه وهو بمعنى التشديد. وقد قرئ بالتشديد (٣).\nوقيل: لن نقدر عليه الرسالة (٤).\nوقيل: لن نقدر عليه كونه في بطن الحوت (٥).\nوقيل: استزله الشيطان فظن أن لن نقدر عليه ربه، من القُدرة (٦)، وهذا فاسد.\nوقيل: تقديره: أفظن أن لن نقدر عليه (٧).\nوقيل: فَعَلَ فِعل مَن ظن أن لن نقدر عليه، وقرئ (يُقْدَر) على المجهول (٨).\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٦/ ٣٧٦).\n(٢) وهو قول ابن عباس، ﵄، ومجاهد\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٣٧٩، ٣٧٨) وهو اختياره.\n(٣) وهي قراءة شاذة قرأ بها يعقوب.\nانظر: شواذ القراءات للكرماني (٣٢٠)، زاد المسير (٥/ ٣٨٢).\n(٤) لم أقف عليه، والله أعلم.\n(٥) حكاه الزجاج في معاني القرآن (٣/ ٣٢٦).\n(٦) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٦/ ٣٠٣).\n(٧) قاله ابن زيد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (٣٨١).\n(٨) وهي قراءة شاذة قرأ بها سعيد بن جبير، وابن أبي ليلى.\nانظر: شواذ القراءات للكرماني (٣٢٠).","vol":"1","page":1523},{"text":"وقيل: لن نُقْدِرَ عليه الملك حزقيا (١).\n﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ﴾ ذهب من قومه وسار حتى بلغ السفينة فركبها فساهم فسُهِم فألقى نفسه في البحر فالتقمه الحوت.\n﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ﴾ الليل، والبحر، وبطن الحوت.\nوقيل: ظلمة الأمعاء، وظلمة البطن، وظلمة البحر، وظلمة الليل (٢).\nوروى المفسرون أن سالم بن أبي الجعد (٣) قال \" التقم ذلك الحوت حوت آخر، فيكون الظلمات ستًا \" (٤).\n﴿أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧)﴾ لنفسي في خروجي من قومي قبل أن تأذن لي.\n﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ جاء في التفسير: لما التقمه الحوت سار به على بحر النيل، ثم على بحر فارس، ثم إلى بحر دجلة، ثم ألقاه بنصيبين بعد أربعين يومًا وليلة.\nوقيل: سار به البِحَار كلها ثم ألقاه بنصيبين، وكان حبسه في بطن الحوت تأديبًا له، وبقاؤه فيه معجزة له (٥).\n_________\n(١) لم أقف عليه، والله أعلم.\n(٢) انظر: النكت والعيون (٣/ ٤٦٦).\n(٣) سالم بن أبي الجعد الأشجعي مولاهم الكوفي، روى عن عمر ولم يدركه، وثقه ابن معين، وأبو زرعة، والنسائي، توفي سنة مائة، وقيل سنة إحدى ومائة، وقيل غير ذلك.\nانظر: التاريخ الكبير للبخاري (٤/ ١٠٧)، لسان الميزان لابن حجر (٧/ ٢٣٤).\n(٤) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٦/ ٣٨٣)، قال: \" ولا شك أنه قد عنى بإحدى بالظلمات بطن الحوت، بالأخرى ظلمة البحر، وفي الثالثة اختلاف، وجائز أن تكون تلك الثالثة ظلمة الليل، وجائز أن تكون كون الحوت في جوف حوت آخر، ولا دليل يدل على أي ذلك من أي، فلا قول أولى في ذلك أولى بالحق من التسليم لظاهر التنزيل \".\n(٥) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٦/ ٣٠٤).","vol":"1","page":1524},{"text":"قيل: لبث فيه ثلاثة أيام (١).\nوقيل: من ارتفاع النهار إلى آخره (٢).\nوقيل: أربع ساعات (٣)، ففتح الحوت فاه فرأى يونس ضوء الشمس فقال: ﴿سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧)﴾ فلفظه الحوت.\nوعن سعيد بن المسيب (٤) يرفعه أن رسول الله ﷺ قال: \" اسم الله الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطي دعوة يونس النبي. قال الراوي: قلت يا رسول الله أله خاصة؟ فقال: له خاصة ولجميع المؤمنين عامة إذا دعوا بها، ألم تسمع قول الله\n﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾ \" (٥).\nوعن ابن عباس، ﵄: أن رسالة يونس بعد أن نبذه الحوت إلى العراء، قال: والدليل على ذلك قوله في قصته بعد ذلك ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾\n[الصافات: ١٤٧]، والجمهور على ما سبق (٦).\n_________\n(١) انظر: معالم التنزيل (٥/ ٣٥١).\n(٢) حكاه في النكت والعيون (٣/ ٤٦٧).\n(٣) قاله الشعبي.\nانظر: النكت والعيون (٣/ ٤٦٧).\nوقال الحسن: أربعين من بين يوم وليلة، وقال عطاء: سبعة أيام، وقيل غير ذلك.\nانظر: معالم التنزيل للبغوي (٥/ ٣٥١).\n(٤) سعيد بن المسيب، تنظر ترجمته ص: ١٢٤\n(٥) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٦/ ٣٨٦) عن سعيد بن المسيب عن سعد بن مالك ﵄. .\n(٦) أي: أنه أرسل قبل أن يلتقمه الحوت بدليل قوله تعالى ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠)﴾ [الصافات: ١٤٠، ١٣٩]، فقدم ذكر الرسالة على التقام الحوت له.","vol":"1","page":1525},{"text":"وعن النبي ﷺ أن يونس لما استقر به الحوت في قرار البحر حرك رجليه فلما تحركتا سجد مكانه وقال: يارب اتخذت لك مسجدًا في موضع ما اتخذه أحد (١).\n﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ﴾ غم الخطيئة. وقيل: تغطية الظلمات؛ ظلمة الخطيئة، وظلمة الشدة، وظلمة الوحدة (٢).\n﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾ أي: كما نجيناه ننجي من اقتدى به ودعا الله بإخلاص، وكتب ﴿نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾ في الإمام بنون واحدة وقرأت الجماعة بالإخفاء، وقرأ ابن عامر (٣)،\nوأبو بكر (٤) عن عاصم (٥) \" نُجِّي \" مشددة الجيم (٦)، واضطرب النحاة فيه؛ فذهب بعضهم إلى أنه خطأ (٧).\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٦/ ٣٨٠) مطولًا.\n(٢) انظر: النكت والعيون (٣/ ٤٦٧).\n(٣) ابن عامر، أبو عمران عبد الله بن عامر اليحصبي الشامي، قاضي دمشق، وإمام أهلها في القرآن، وأحد القراء السبعة، توفي سنة ثمان عشرة ومائة.\nانظر: معرفة القراء (١/ ٨٢)، تهذيب التهذيب (٥/ ٢٤٣).\n(٤) أبو بكر، واسمه شعبة بن عياش الأسدي النهشلي، الكوفي، يروي عن عاصم، توفي سنة ثلاث وتسعين ومائة.\nانظر: معرفة القراء (١/ ١٣٤)، السير للذهبي (٨/ ٤٩٥).\n(٥) عاصم بن بهدلة بن أبي النجود الخياط الأسدي، ويكنى أبا بكر، أحد التابعين وشيخ القراء، توفي بالكوفة سنة سبع وعشرين ومائة.\nانظر: معرفة القراء (١/ ٨٨)، تهذيب التهذيب (٥/ ٣٦).\n(٦) انظر: الحجة لابن خالويه (٢٥٠)، الكشف لمكي بن أبي طالب (٢/ ١١٣).\n(٧) وهو مذهب الزجاج في معاني القرآن (٣/ ٣٢٦)، وأبو علي الفارسي في الحجة للقراء السبعة (٥/ ٢٥٩).","vol":"1","page":1526},{"text":"وذهب بعضهم إلى أن المراد بالتشديد الإخفاء (١).\nوذهب بعضهم إلى أن التقدير: نجي، والفعل للمجهول والمصدر اسمه وسكن الياء تخفيفًا (٢).\nوالأوجه الثلاثة فيها ضعف؛ أما قول من قال: هو خطأ فإنه لم يعرف الأسانيد وأن هذا ثبت بطرق ثبت بها جميع القرآن فلا يمكن دفعها. ومن قال: إنما هو إخفاء بعيد إذ لو كان كذلك لم يكن بين القراء خلاف.\nوقول من قال: مبني للمجهول بعيد من وجهين:\nأحدهما: أنه أسند الفعل إلى المصدر مع وجود المفعول وهذا لا يجوز.\nوالثاني: تسكين الياء وبابه للضرورات، ويحتمل أن يقال: أصله ننجي من التنجية فحذف النون الثانية لاجتماع النونات كما حذف في مواضع لا تحصى.\n﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا﴾ أي: فردًا بلا ولد، ولا وارث، وأنت خير من يرث العباد من الأهل والأولاد.\nوقيل: فردًا عن عصمتك (٣). وقيل: تقديره: إن رزقتني ولدًا وارثًا وإن لا فأنت خير الوارثين (٤).\n﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ وكانت عاقرًا عقيمًا.\nوقيل: كانت سيئة الخلق (٥).\nوقيل: كانت عجوزًا فرد إليها ماء الشباب (٦).\n_________\n(١) وإليه ذهب ابن قتيبة في تأويل مشكل القرآن (٥٥).\n(٢) وإلى هذا القول ذهب الفراء في معاني القرآن (٢/ ٢١٠).\nواختار ابن جرير في جامع البيان (١٦/ ٣٨٧) القراءة بنونين وتخفيف الجيم.\nوانظر: الكشف عن وجوه القراءات السبع لمكي بن أبي طالب (٢/ ١١٣).\n(٣) قاله عطاء.\nانظر: النكت والعيون (٣/ ٤٦٨).\n(٤) انظر: غرائب التفسير (١/ ٧٤٧).\n(٥) قاله عطاء.\nانظر: النكت والعيون (٣/ ٤٦٨).\n(٦) وهو قريب من القول الأول، لأن العجوز لاتلد.\n\nواختار ابن جرير في جامع البيان (١٦/ ٣٨٩) أن الله تعالى لم يخصص شيئًا من ذلك، وعليه يجوز أن يكون الصلاح بجعلها ولودًا حسنة الخلق، وكل ذلك من معاني الصلاح.","vol":"1","page":1527},{"text":"﴿إِنَّهُمْ﴾ زكريا ويحي وزوجته. وقيل: هم الذين تقدم ذكرهم (١).\n﴿كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ يبادرون إليها.\n﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا﴾ في الثواب. ﴿وَرَهَبًا﴾ من العقاب.\nوقيل: رغبًا في الطاعة، ورهبًا عن المعصية (٢).\nوقيل: رغبًا ببطن الأكف، ورهبًا بظهر الأكف (٣).\n﴿وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ متواضعين، خائفين، راغبين، راهبين. وقيل: هو وضع اليمنى على اليسرى والنظر إلى موضع السجود (٤).\n﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ يريد مريم، أي: حفظته ومنعته من الأزواج.\nوقيل: منعته من جبريل لما قرب منها لينفخ فيه قبل (٥) أن تعلم أنه رسول الله (٦).\nوقيل: فرجها جيب قميصها، حفظته ومنعته وحقيقته (٧).\n﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا﴾ مد جيب درعها بأصبعيه ثم نفخ فيها فحملت بعيسى، والتأنيث للنفس.\nقوله ﴿مِنْ رُوحِنَا﴾ أي: أمرنا، أي: نفخ فيها جبريل بأمرنا، وأضافه سبحانه إلى ذاته تشريفًا، وقد سبق في سورة مريم (٨).\n_________\n(١) حكاه السمرقندي في بحر العلوم (٢/ ٣٧٨).\n(٢) حكاه في النكت والعيون (٣/ ٤٦٨).\n(٣) انظر: المصدر السابق (٣/ ٤٦٨).\n(٤) حكاه في النكت والعيون (٣/ ٤٦٩).\n(٥) في ب \"قيل\" وهو تصحيف.\n(٦) انظر: النكت والعيون (٣/ ٤٦٩).\n(٧) حكاه ابن جرير في جامع البيان (١٦/ ٣٩١)، واختار أن المراد أحصنت فرجها من الفاحشة، لأن ذلك هو الأغلب والأظهر في ظاهر الكلام.\n(٨) في قوله تعالى ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آَيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم: ٢١].","vol":"1","page":1528},{"text":"﴿وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آَيَةً لِلْعَالَمِينَ (٩١)﴾ أي: آية توجب العلم اليقين لمن تأمل، ووحد ﴿آَيَةً﴾ لأن الأعجوبة فيها واحدة. وقيل: قصتهما آية (١).\n﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ أي: ملتكم، والأمة: الملة يعني: بها الإسلام، وهي ملة جميع الأنبياء والمؤمنين.\nوقيل: هذه جماعتكم، والأمة الجماعة جماعة واحدة في أنها مخلوقة لله ومملوكة له والله خالقها ومالكها (٢).\nوقيل: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ﴾ مقصود بها دين واحد، والأَمُ: القَصْد (٣).\nوقيل: طريقتكم وسيركم أي: أنتم وآباؤكم طريقة في الكفر بالله، وهي نصب على الحال، أي: متوحدة غير متفرقة (٤).\nوقيل: بدل من اسم إن (٥).\n﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (٩٢)﴾ وحدوني وأطيعوني.\nوقيل: عَدَّدَ الله في هذه السورة عدة من الأنبياء ثم جمعهم في خصلة واحدة وهي عبادة الله (٦).\n﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ تفرقوا في الدين فصاروا فِرَقًَا.\n﴿كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ (٩٣)﴾ فنجزيهم بأعمالهم.\n﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ بمحمد والقرآن لأن البر من غير إيمان باطل.\n﴿فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ﴾ لا نبطل عمله ولا نجحد بل نجازيه بأحسن الجزاء.\n﴿وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ (٩٤)﴾ حافظون ما عمل إلى يوم الجزاء.\n_________\n(١) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٣٩٢).\n(٢) انظر: إعراب القرآن للنحاس (٣/ ٧٩).\n(٣) قاله ابن عباس، ﵄، ومجاهد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٣٩٢).\n(٤) انظر: معاني القرآن للفراء (٢/ ٢١٠).\n(٥) انظر: إعراب القرآن للنحاس (٣/ ٧٩).\n(٦) لم أقف عليه، والله أعلم.","vol":"1","page":1529},{"text":"و﴿مِنَ﴾ في الآية صلة، ويحتمل التبعيض والمفعول محذوف، أي: برًا. والصالحات: أبواب البر.\n﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ حكمنا بإهلاكها (١).\n\nوقيل: وجدناها هالكة الثواب (٢).\n﴿أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (٩٥)﴾ لأنهم لا يرجعون إلى التوبة.\nوقيل: حرام عليهم أن يرجعوا إلى الدنيا و(لا) صلة (٣). والحرام: المنع والعزم.\nوقيل: تقديره: عزمٌ عليهم ومُوجَبٌ عليهم ترك الرجوع إلى النار، فيكون لا واقعًا موقعه (٤).\nوقيل: هو متصل بقوله ﴿كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ (٩٣)﴾ وحرام عليهم ترك الرجوع إلى الحساب والثواب والعقاب، لأنهم إذا منعوا من أن لا يرجعوا فقد حملوا على أن يرجعوا (٥).\nويحتمل أن التقدير: ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه وحرام ذلك على الكفار لأنهم لا يرجعون إلى الإيمان (٦).\n﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾ أي: سدهما بأن يخرجا منه، وقد سبق ذكرهما في الكهف (٧).\n﴿وَهُمْ﴾ يعني: يأجوج ومأجوج. وقيل: الخلق جميعًا (٨).\n﴿مِنْ كُلِّ حَدَبٍ﴾ من كل نشز وارتفاع.\n_________\n(١) وهو اختيار ابن كثير في تفسيره (٣/ ٢٠٤).\n(٢) قاله عكرمة.\nانظر: النكت والعيون (٣/ ٤٧٠).\n(٣) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٣٩٧).\n(٤) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٣٩٥).\n(٥) انظر: إعراب القرآن للنحاس (٣/ ٨٠).\n(٦) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٣٩٧).\n(٧) في قوله تعالى ﴿قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ﴾ [الكهف: ٩٤].\n(٨) قاله مجاهد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٤٠٥)، واختار أن المراد بهم يأجوج ومأجوج.","vol":"1","page":1530},{"text":"﴿يَنْسِلُونَ (٩٦)﴾ يخرجون من نسل شعره، وقيل: يسرعون، من نسلان الذئب وهو وعده (١).\nوعن أم سلمة ﵂ (٢) أن النبي ﷺ كان نائمًا في بيتي فاستيقظ محمر عيناه فقال: \" لا إله إلا الله ثلاثًا ويل للعرب من أمر قد اقترب، قد فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا وأشار بيده إلى عقد تسعين \" (٣).\nوقيل: إن ملك الروم يبعث كل يوم خيلًا يخرجون إلى الردم ويحرسونه فإذا عادوا قالوا: مازلنا نسمع من وراء السد جلبة وأمرًا شديدًا كأنهم يسمعون قرع فؤوسهم (٤).\nوقوله ﴿حَتَّى﴾ غاية الرجوع، وفي جواب ﴿إِذَا﴾ أقوال:\nأحدها: ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ والواو مقحمة زائدة.\nوقيل: تقديره (قالوا ياويلنا) (٥).\nوقيل: جوابه شخصت أبصار الذين كفروا (٦)، وقيل: جوابه مضمر، أي: رجعوا (٧).\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن للزجاج (٣/ ٣٢٨).\n(٢) أم المؤمنين، أم سلمة، هند بنت أبي أمية بن المغيرة، المخزومية، بنت عم خالد بن الوليد، من المهاجرات الأول، وكانت من أجمل النساء وأشرفهن نسبًا، تزوجها رسول الله ﷺ سنة أربع من الهجرة، وكانت عند أبي سلمة بن عبد الأسد، وهي آخر من مات من أمهات المؤمنين، وهي من فقهاء الصحابة، ولها جملة أحاديث، توفيت بعد مقتل الحسين ﵄، سنة إحدى وستين، ولها أولاد صحابيون.\nانظر: الاستيعاب (٤/ ٤٧٢)، سير أعلام النبلاء (٢/ ٢٠١).\n(٣) أخرجه مسلم (كتاب: الفتن، باب: اقتراب الفتن وفتح يأجوج ومأجوج، ح: ٢٢٠٧).\n(٤) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٤٠١).\n(٥) انظر: معاني القرآن للزجاج (٣/ ٣٢٩).\n(٦) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٤١٠).\n(٧) انظر: معاني القرآن للفراء (٢/ ٢١١).","vol":"1","page":1531},{"text":"﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ أي: القيامة والحق الذي لا خلف فيه (١).\n﴿فَإِذَا هِيَ﴾ إذا للمفاجأة، وهي كناية عن القصة تجري مجرى الأَمر والشأن مع المذكر. وقيل: كناية عن الإبصار ومثلها ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ﴾ [الحج: ٤٦] (٢).\nوقيل: كناية عن العيون وشخوصها امتدادها فلا تطرف (٣).\nوعن بعض القراء الوقف على ﴿هِيَ﴾ كأنه جعلها (٤) كناية عن الساعة، أي: فإذا هي قائمة، ثم استأنف فقال: ﴿شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: أبصار الذين كفروا شاخصة، يقولون ﴿يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾ أي: لم نعلم أنه حق (٥).\n﴿بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ (٩٧)﴾ لأنفسنا بترك الإيمان به.\n﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: الأوثان.\n﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ فيه قولان:\nأحدهما: أنه متصل بالأول أي: وقلنا لهم إنكم.\nوالثاني: استئناف.\nو﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ ما يهيج به النار، والحصب: ما يُحْصَب أي: يُرمى به، تقول: حصبه يحصبه رماه بالحصباء.\nوقيل: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ حطب جهنم بلغة حبشة (٦).\n_________\n(١) انظر: البحر المحيط (٦/ ٣١٤).\n(٢) انظر: معاني القرآن للفراء (٢/ ٢١٢).\n(٣) قاله الكلبي.\nانظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٢٥٢).\n(٤) في أ: \" كأنها جعلها \".\n(٥) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٦/ ٣٠٨)، وضعفه أبو حيان في البحر المحيط (٦/ ٣١٥).\n(٦) وهي قراءة شاذة مروية عن علي، وعائشة، وابن الزبير، وأبيّ، وعكرمة ﵃.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٤١٢)، شواذ القراءات للكرماني (٣٢٢).","vol":"1","page":1532},{"text":"ويقال: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ ما يرفع به النار (١)، تقول: حَصَبَ النار إذا رفعها (٢)، وتقول: حصب في الأرض إذا ذهب فيها (٣).\n﴿أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ داخلون، و﴿لَهَا﴾ بمعنى إليها.\nوقيل: ﴿وَارِدُونَ﴾ مشرفون عليها، وقد سبق في سورة مريم (٤).\n﴿لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آَلِهَةً﴾ كما زعمتم. ﴿مَا وَرَدُوهَا﴾ ما دخلوا النار.\n﴿وَكُلٌّ﴾ العابد والمعبود. ﴿فِيهَا﴾ في النار.\n﴿خَالِدُونَ (٩٩) لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ﴾ أنين، وتنفس شديد (٥)، وبكاء، وعويل.\n﴿وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ (١٠٠)﴾ حين صاروا صمًا عميًا بكمًا (٦).\nوقيل: لا يسمعون ما يسرهم (٧).\nوقيل: لأنهم في توابيت من نار (٨).\n_________\n(١) في أ: \" ما يُرفع النار به \".\n(٢) في أ: \" يقول: حَصَبَ النار رفعها \".\n(٣) قاله الضحاك.\nانظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٢٥٣).\nويروي عن علي بن أبي طالب، وعائشة ﵄ أنهما كانا يقرآن (حَطَبُ جهنم) بالطاء، وروي عن ابن عباس ﵄ أنه قرأ (حَضَبُ) بالضاد، وهما قراءتان شاذتان.\nانظر: المحتسب لابن جني (٢/ ١١١).\n(٤) في تفسير قوله تعالى ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١].\n(٥) في ب: \" أنين تنفس شديد \".\n(٦) في ب: \" صاروا صمًا وعميًا بكمًا \".\n(٧) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٣٨٠).\n(٨) قاله ابن مسعود، ﵁.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٤١٥).","vol":"1","page":1533},{"text":"﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ في سبب النزول عن أبي بكر بن عياش (١) عن عاصم (٢) بروايته عن ابن عباس، ﵄ قال: \" آية لا يسألني الناس عنها؛ لا أدري أعرفوها فلم يسألوا عنها أم جهلوها فلا يسألون عنها. قيل له: وما هي؟ قال: لما نزلت ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ\n\n(٩٨)﴾ شق على قريش. فقالوا: شتم آلهتنا، فجاء ابن الزبعرى (٣) فقال: ما لكم؟ قالوا: شتم آلهتنا. قال: فما قال؟ قالوا قال: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨)﴾. قال: ادعوه لي. فلما دعي ﵊ قال يا محمد: هذا شيء لآلهتنا خاصة أو لكل من عُبِد من دون الله؟ قال: لا، بل لكل من عُبِدَ من دون الله. فقال: ابن الزبعرى خُصِمْتَ ورب هذه البُنْيَة يعني الكعبة ألست تزعم أن الملائكة عباد صالحون، وأن عيسى عبد صالح، وأن عزيرًا عبد صالح (٤) وهذه بنو مليح يعبدون الملائكة، وهذه النصارى يعبدون عيسى، وهذه اليهود تعبد عزيرًا.\n_________\n(١) أبو بكر بن عياش، تنظر ترجمته ص: ٣٨٦\n(٢) عاصم، تنظر ترجمته ص: ٣٨٦\n(٣) ابن الزبعرى، عبد الله بن قيس بن عدي القرشي السهمي، كان من أشد الناس عداوةً للرسول ﷺ وأصحابه بلسانه ونفسه، وكان من أشعر الناس وأبلغهم، وكان يهاجي حسان بن ثابت وكعب بن مالك، ثم قدم على رسول الله ﷺ فأسلم وحسن إسلامه، واعتذر إلى رسول الله ﷺ فقبل عذره.\nانظر: الاستيعاب (٣/ ٣٦).\n(٤) \" وأن عزيرًا عبد صالح \" ساقط من أ.","vol":"1","page":1534},{"text":"قال: فضج أهل مكة، فأنزل الله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١)﴾ \" (١).\nالحسنى: السعادة. وقيل: العِدَةُ (٢).\nوقيل: بشارة الله بالجنة (٣).\nوقيل: الجنة (٤).\nوقيل: الطاعة التي يجازون عليها (٥).\nوقيل: التوبة (٦).\n﴿أُولَئِكَ عَنْهَا﴾ عن جهنم. ﴿مُبْعَدُونَ (١٠١)﴾ الحسن بن فضيل (٧): إنما أراد بقوله ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الأصنام، لأنه لو أراد الناس لقال: ومن تعبدون (٨).\nوقيل: أراد بقوله ﴿سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ جميع المؤمنبن.\nوعن علي ﵁ أنه خطب فقرأ هذه الآية ثم قال: \" عثمان منهم \" (٩).\n_________\n(١) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٣٨١)، أسباب النزول للواحدي (٣٥٣).\n(٢) انظر: معالم التنزيل (٥/ ٣٥٦).\n(٣) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٦/ ٣١١).\n(٤) قاله السدي.\nانظر: النكت والعيون (٣/ ٤٧٣).\n(٥) انظر: المصدر السابق (٣/ ٤٧٣).\n(٦) انظر: النكت والعيون (٣/ ٤٧٣).\nقال ابن جرير في جامع البيان (١٦/ ٤٢٠) \" عنى بها السعادة السابقة من الله لهم \".\n(٧) الصواب \"الحسن بن الفضل\"، كما في الكشف والبيان للثعلبي (٦/ ٣١٠).\nوهو: الحسن بن الفضل بن الحسن بن عمرو بن أمية الضمري، من أهل المدينة، يروي عن أبيه، وعنه محمد بن إسحاق، قال عنه ابن حجر في لسان الميزان (٢/ ٢٤٥) \"مجهول\"، وانظر: الثقات لابن حبان (٦/ ١٦٠).\n(٨) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٦/ ٣١٠)، غرائب التفسير للكرماني (١/ ٧٤٩)، وعزاه السيوطي في الدر (١٠/ ٣٩٠) لابن أبي حاتم، وابن عدي، وابن مردويه.\n(٩) انظر: النكت والعيون للماوردي (٣/ ٤٧٣).","vol":"1","page":1535},{"text":"﴿لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾ صوتها، وهذه مبالغة في الإبعاد عنها أي: لا يقربونها فيسمعون صوتها وصوت من فيها.\n﴿وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ (١٠٢)﴾ أي: في غاية التنعم ونعيم الجنة وملاذها.\n﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ قيل: حين يذبح الموت (١).\nوقيل: إذا أطبقت النار (٢).\nوقيل: عند النفخة الثانية إذا خرجوا من قبورهم (٣).\n﴿وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ تستقبلهم بالبشرى.\n﴿هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (١٠٣)﴾ في الدنيا فأبشروا بالأمن والفوز.\n﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ﴾ نطويها بعد نشرها.\nوقيل: طَيُّها إبطالها وإفناؤها (٤). وقيل: طيها تبديلها (٥).\n﴿كَطَيِّ السِّجِلِّ﴾ أي: نطويها كما يطوى السجل، والسجل الصحيفة.\n﴿لِلْكُتُبِ﴾ على ما كتب فيه كي لا يطلع عليه.\nوقيل: كطي الصحيفة لأجل الكتاب الذي فيها (٦).\n_________\n(١) قاله ابن جريج.\nانظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٢٥٣).\n(٢) قاله سعيد بن جبير.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٤٢١).\n(٣) قاله ابن عباس، ﵄.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٤٢٢)، وهو اختياره، قال: \" ذلك عند النفخة الآخرة، وذلك أن من لم يحزنه ذلك الفزع وأمن منه فهو مما بعده أحرى ألا يفزع \".\n(٤) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٦/ ٣١٢).\n(٥) من قوله تعالى ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨].\n(٦) وهو رواية عن ابن عباس، ﵄، وبه قال مجاهد، وقتادة، والكلبي، والفراء في معاني القرآن (٢/ ٢١٣)، وانظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٢٥٤)، النكت والعيون (٣/ ٤٧٤).","vol":"1","page":1536},{"text":"وقيل: اللام زائدة والكتاب بدل من السجل أي: كطي الكتاب (١).\nوقيل: السجل الرَّجُل بلغة حبشة (٢).\n\nابن عباس، ﵄: اسم كاتب لرسول الله صلى الله عليه (٣).\nالسدي: اسم مَلَك يكتب بالنور استغفار الخلق (٤).\nوقيل: هو المَلَك الذي إذا مات الإنسان دفع إليه صحيفته فيطويها (٥).\nفعلى هذه الوجوه السِّجل فاعل والمصدر مضاف إليه، وعلى الوجه الأول مفعول أي: كطي السجل المجهول للكتابة.\n﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ أي: إذا أفنينا الخلق أعدناهم خلقًا كما بدأناه، أي: قدرتنا في الإعادة كقدرتنا في الابتداء (٦).\nوقيل: خلقناهم من الماء ثم نعيدهم من التراب (٧).\n_________\n(١) حكاه الواحدي في الوسيط (٣/ ٢٥٤).\n(٢) حكاه الزجاج في معاني القرآن (٣/ ٣٢٩).\n(٣) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٦/ ٤٢٤)، وقال ﵀ \" السجل في هذا الموضع الصحيفة؛ لأن ذلك هو المعروف في كلام العرب، ولا نعرف لنبينا ﷺ كاتبًا كان اسمه السجل، ولا في الملائكة \".\nوقال ابن كثير في تفسيره (٣/ ٢٠٩، ٢١٠) \" وهذا منكر جدًا ولايصح ... والصحيح عن ابن عباس، ﵄ أن السجل هي الصحيفة، قاله علي بن أبي طلحة، والعوفي عنه، ونص على ذلك مجاهد، وقتادة، وغير واحد، فعلى هذا يكون معنى الكلام: يوم نطوي السماء كطي السجل للكتاب، أي: على الكتاب بمعنى المكتوب\".\n(٤) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٦/ ٤٢٣)، وهو مروي عن علي بن أبي طالب، وابن عمر، ﵄.\nانظر: الدر المنثور للسيوطي (١٠/ ٣٩٥، ٣٩٦).\n(٥) حكاه السمرقندي في بحر العلوم (٢/ ٣٨١) عن السدي.\n(٦) قاله الزجاج في معاني القرآن (٣/ ٣٢٩).\n(٧) حكاه السمرقندي في بحر العلوم (٢/ ٣٨١).","vol":"1","page":1537},{"text":"وقيل: نعيدهم حفاة عراة غرلًا كيوم ولدته أمه (١).\nوقيل: المراد بالإعادة السماوات (٢)، أي: نفنيها ثم نعيد خلقها في الآخرة كما خلقناها في الدنيا.\n﴿وَعْدًا عَلَيْنَا﴾ أي: وعدنا وعدًا علينا إنجازه.\n﴿إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (١٠٤)﴾ لا خُلْفَ لوعدنا وقولنا.\nوقيل: إنا فعلنا أولًا وآخرًا لا فاعل للخلق غيرنا (٣).\n﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ﴾ في كتاب داود ﵇، والزَّبَور بالفتح: كتاب داود، والضم لغة فيه.\nوقيل: الضم جمع زُبُر وهو الكتاب من زبرته إذا كتبته (٤).\n﴿مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ الذكر: التوراة.\nوقيل: ﴿الزَّبُورِ﴾ كتب الله المتقدمة، و﴿الذِّكْرِ﴾ اللوح المحفوظ (٥).\nوقيل: ولقد كتبنا في زبور داود (٦). ﴿. بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ بعد العظة.\n_________\n(١) وهو قول ابن عباس، ﵄، ومجاهد؛ فقد أخرج البخاري (ك: التفسير، تفسير سورة الأنبياء، باب: كما بدأنا أول خلق نعيده، ح: ٤٧٤٠) عن ابن عباس، ﵄ قال: خطب النبي ﷺ فقال: \"إنكم محشورون إلى الله حفاة عراة غرلًا، كما بدأنا أول خلق نعيده وعدًا علينا إنا كنا فاعلين، ثم إن أول من يكسى يوم القيامة إبراهيم ... \" الحديث.\n(٢) وهذا ليس خاصًا بالسماوات، بل والخلق أيضًا.\n(٣) انظر: غرائب التفسير (١/ ٧٥٠).\n(٤) انظر: معاني القرآن للزجاج (٣/ ٣٣٠).\n(٥) قاله سعيد بن جبير، ومجاهد، وابن زيد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٤٣٢)، واختاره الزجاج في معاني القرآن (٣/ ٣٣٠).\n(٦) قاله الشعبي.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٤٣٤).","vol":"1","page":1538},{"text":"﴿أَن الْأَرْضَ﴾ وقيل: الزَّبَور كتاب داود، والذكر القرآن (١)، و﴿بَعْدِ﴾ بمعنى: قبل كقوله ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠)﴾ [النازعات: ٣٠] أي: قبل ذلك، ومثله في الظرف (وراء) يستعمل لهما.\n﴿أَن الْأَرْضَ﴾ أي: أرض الجنة (٢).\n﴿يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥)﴾ المؤمنون.\nوقيل: الأرض المقدسة يرثها بنو إسرائيل (٣).\nوقيل: الأرض الغبراء كلها يرثها عبادي الصالحون أمة محمد ﷺ (٤).\n﴿إِنَّ فِي هَذَا﴾ أي: في القرآن. ﴿لَبَلَاغًا﴾ سبب بلوغ إلى المقصود.\n﴿لِقَوْمٍ عَابِدِينَ (١٠٦)﴾ موحدين مطيعين.\nوقيل: بلاغًا مقنعًا ومكتفىً (٥).\nوقيل: بلاغًا يبلغون رضوان الله وجزيل ثوابه (٦).\nوقيل: فيما تعبدنا أمة محمد ﷺ من الصوم والصلاة وغير ذلك بلاغ في عبادة الله تعالى (٧).\nوقيل: في توريث الجنة للصالحين بلاغ في المجازات أي: كفاية (٨).\n﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ﴾ يامحمد.\n﴿إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ نعمة تشملهم.\nقيل: هي للمؤمنين خاصة، وإليه ذهب ابن عباس، ﵄ (٩).\n_________\n(١) انظر: معالم التنزيل (٥/ ٣٥٨).\n(٢) وهو قول مجاهد، وقتادة، ومقاتل.\nانظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٣٨٢).\n(٣) قاله الكلبي.\nانظر: النكت والعيون (٣/ ٤٧٥).\n(٤) قاله ابن عباس، ﵄.\nانظر: النكت والعيون (٣/ ٤٧٥).\n(٥) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٢٥٤).\n(٦) حكاه في النكت والعيون (٣/ ٤٧٥).\n(٧) وهو قول كعب الأحبار، وابن جريج.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٤٣٩، ٤٣٨).\n(٨) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٢٥٤).\n(٩) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٤٤١).","vol":"1","page":1539},{"text":"وقيل: عام فيهم، أَمِنُوا من الخسف والمسخ والعذاب (١).\nوقيل: هي تعريضهم للنعيم الدائم لكن فوتوه على أنفسهم بكفرهم (٢).\n﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَى أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٨)﴾ أي: أسلموا. ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ فلم يؤمنوا.\n﴿فَقُلْ آَذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ أعلمتكم ما أمرت به وسويت بينكم في الإعلام لم أُخْفِ عن بعضكم شيئًا وأظهرته لغيره.\nوقيل: آذنتكم إنا وإياكم حرب لا صلح (٣).\nوقيل: آذنتكم إنا على سواء وعلى عدل (٤).\nو﴿عَلَى سَوَاءٍ﴾ صفة مصدر محذوف أي: إيذانًا على سواء. وقيل: حال من الفاعل أو من المفعول أو منهما جميعًا. ﴿وَإِنْ أَدْرِي﴾ ما أدري.\n﴿وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ (١٠٩)﴾ أي لا أدري متى يكون يوم القيامة.\nوقيل: لا أدري متى يحل بكم العذاب إن لم تؤمنوا (٥).\n﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ﴾ يعني: العلانية من القول.\n﴿وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ (١١٠)﴾ ما تسرون.\n﴿وَإِنْ أَدْرِي﴾ يعني: وما أدري. ﴿لَعَلَّهُ﴾ لعل تأخير العذاب عنكم في الدنيا.\n﴿فِتْنَةٌ لَكُمْ﴾ بلاء واختبار لأنهم كانوا يقولون لو كان حقًا لنزل بنا.\n﴿وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (١١١)﴾ لتمتعوا بحياتكم إلى الأجل المعلوم وهو الموت.\nوقيل: إلى يوم بدر (٦).\n_________\n(١) وهو مروي عن ابن عباس، ﵄، وابن زيد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٤٤٠).\n(٢) لم أقف عليه، والله أعلم.\n(٣) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٢٥٥)، تفسير ابن كثير (٣/ ٢١٢).\n(٤) انظر: النكت والعيون (٣/ ٤٧٦).\n(٥) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٤٤٢).\n(٦) قاله الكلبي.\n\nانظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٢٥٥).","vol":"1","page":1540},{"text":"وقيل: إلى يوم القيامة (١).\n﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ اقض بيننا وبين أهل مكة بالعدل.\nوقيل: بما يستحق الكفار على كفرهم (٢).\nوقيل: عجل (٣).\nوقرئ ﴿قَالَ﴾ على الخبر (٤)، وقرئ ﴿أحْكَم﴾ على التفضيل (٥) تعبِدون بهذا الدعاء، والله لا يحكم إلا بالعدل والحق.\n﴿وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ﴾ العاطف على خلقه.\n﴿الْمُسْتَعَانُ﴾ المطلوب منه المعونة والنصر.\nوقيل معناه: نسأله أن يعيننا على قتالكم. (٦)\n﴿عَلَى مَا تَصِفُونَ (١١٢)﴾ تقولون وتكذبون، والله أعلم.\n_________\n(١) قاله الحسن.\nانظر: النكت والعيون (٣/ ٤٧٧).\n(٢) وهو مروي عن ابن عباس، ﵄.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٤٤٤).\n(٣) حكاه في النكت والعيون (٣/ ٤٧٧).\n(٤) قرأ حفص \" قال \" بالألف، على الإخبار عن النبي ﷺ، وقرأ الباقون \" قل \" على الأمر للنبي ﷺ بالقول.\nانظر: الكشف لمكي بن أبي طالب (٢/ ١١٥).\n(٥) قرأ أبو جعفر \" ربُّ احكم \" بضم الباء، وعن يعقوب \" ربيَ أَحْكَمُ \"، وهي شاذة.\nانظر: المحتسب لابن جني (٢/ ١١٣).\n(٦) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٣٨٢).","vol":"1","page":1541},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-128>سورة الحج</span>","vol":"1","page":1542},{"text":"سورة الحج، ثمان وسبعون آية، مكية إلا ثلاث آيات من قوله ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا﴾ [الحج: ٢٠ - ٢٢] (١).\nوقيل: مدنية إلا أربع آيات من قوله ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ [الحج: ٥٣ - ٥٧] (٢).\nوقيل: مكية إلى قوله ﴿خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ [٣٨] (٣).\n﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ هذه اللفظة تدل على أنها نزلت بمكة، لما سبق أن ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ خطاب لأهل مكة (٤).\n﴿اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ أطيعوه واحذروا عقابه.\n﴿إِن زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ﴾ فيها قولان:\nأحدهما: أنها تقع في يوم القيامة، فأضاف إلى الظرف.\n_________\n(١) وهو مروي عن ابن عباس، ﵄، وعطاء.\nانظر: الايضاح لناسخ القرآن ومنسوخه لمكي بن أبي طالب (٣٥٣)، زاد المسير (٥/ ٤٠١).\n(٢) وهو أيضًا رواية عن ابن عباس، ﵄، وبه قال قتادة.\nانظر: عد الآي للداني (١٨٩)، النكت والعيون (٤/ ٥)، البرهان في علوم القرآن للزركشي (١/ ٢٠٢)، الدر المنثور للسيوطي (١٠/ ٤٠٩)، وعزاه لابن المنذر.\n(٣) والمحققون من العلماء على أن السورة فيها مكي ومدني، وهو ما اختاره هبة الله بن سلامة في الناسخ والمنسوخ (١٢٦)، حيث قال: \"وهي من أعاجيب سور القرآن؛ لأنها نزلت ليلًا ونهارًا، وفيها مكي ومدني، وسفري وحضري، وحربي وسلمي، وناسخ ومنسوخ، ومحكم ومتشابه\"، واختاره أيضًا ابن عطية في المحرر (٤/ ١٠٦)، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن (١٢/ ١)، واليسوطي في الاتقان (١/ ٣٢)، وانظر: أيضًا جمال القراء للسخاوي (١/ ١٢٨).\n(٤) لكن ليس هذا على إطلاقه، فبعض السور مدنية كالبقرة وفيها (يا أيها الناس).","vol":"1","page":1543},{"text":"وقيل: إنما تكون في الدنيا في آخر الزمان ويتبعها طلوع الشمس من مغربها، وأضيف إلى الساعة لأنها من أشراطها، والتقدير في الوجهين: زلزلة الأرض، وهي تحركها بشدة وعنف. ﴿شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ هائل فضيع.\nالحسن: أشد الزلزال ما يكون مع قيام الساعة (١).\nوقيل: ﴿زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ﴾ استعارة والمراد شدتها (٢).\n﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا﴾ قيل: الزلزلة (٣). وقيل: الساعة (٤).\n﴿تَذْهَلُ﴾ تغفل، والذهول: الغفلة. وقيل: تسلوا (٥). وقيل: تَنْسى (٦).\n﴿كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ المرضعة: هي التي تُرضع. والمرضع: ذاتُ الولد الرضيع، والمراد هاهنا: ذات الولد، ودخلت التاء لمعنيين:\nأحدهما: ازدواجًا، كقوله: ﴿أَرْضَعَتْ﴾.\nوالثاني: لكونها في المستقبل، كما تقول حائضة غدًا وطالقة بعد غد.\n﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا﴾ محمولها وهو ولدها، والجمهور على أن هذا في القيامة، وذهب بعضهم لأن هذا في الدنيا مع الزلزلة التي من أشراط الساعة، وقال: لا يكون يوم القيامة حامل ولا مرضع لأن الخلق خارجون من قبورهم، والوجه القول الأول (٧) لقوله ﷺ وسلم \" كما تكونون تبعثون \"، ويروى \" كما تموتون تبعثون\" (٨).\n﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى﴾ من الفزع والخوف.\n﴿وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ من الشراب.\n_________\n(١) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٢٥٧).\n(٢) انظر: المصدر السابق (٣/ ٢٥٦).\n(٣) انظر: النكت والعيون (٤/ ٦).\n(٤) انظر: معالم التنزيل (٥/ ٣٦٣).\n(٥) انظر: النكت والعيون (٤/ ٦).\n(٦) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٢٥٧).\n(٧) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٤٥٦)، معالم التنزيل للبغوي (٥/ ٣٦٤).\n(٨) لم أقف على من خرجه بعد البحث، والله أعلم.","vol":"1","page":1544},{"text":"وقيل: وترى الناس كالسكارى زائلة عقولهم مضطربة نفوسهم وما هم بسكارى عن شراب (١).\n﴿وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ فهم يخافون. وقرئ \" سَكْرى \" (٢)، ولها وجهان:\nأحدهما: أنه نَزَّل السَّكْرى منزلة العلل فجمع فعلان على فعلى نحو: مريض ومرضى، وصريع وصرعى.\nوالثاني: أنها صفة مفردة كقوله ﴿حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ [النمل: ٦٠]، وكقولهم: القوم غضبى.\n﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أي: بجهل منه، نزلت في النظر بن الحارث، وكان كثير الجدال يزعم أن القرآن أساطير الأولين، وأن لابعث بعد الموت، ولا حساب، وأن الملائكة بنات الله (٣).\nوقيل: نزلت فيه وفي الوليد بن المغيرة (٤).\n﴿وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ﴾ أي: يتبع في مجادلته إبليس.\nوقيل: المَريد: الغاوي (٥).\nوقيل: المتجرد للفساد، وأصله العري والملامسة (٦).\n﴿كُتِبَ عَلَيْهِ﴾ على ذلك الشيطان.\n_________\n(١) قاله الحسن.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٤٥٨).\n(٢) وهي قراءة حمزة، والكسائي.\nانظر: التيسير للداني (١٥٦)، العنوان في القراءات السبع لأبي طاهر الأندلسي (١٣٤).\n(٣) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٦/ ٤٥٩) عن ابن جريج، وعزاه ابن كثير في تفسيره (٣/ ٢١٥) إلى السدي.\n(٤) حكاه الواحدي في الوسيط (٣/ ٢٥٨) عن عطاء عن ابن عباس، ﵄، ﵄.\n(٥) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٣٨٥).\n(٦) انظر: معاني القرآن للزجاج (٣/ ٣٣٣).\nقال في المفردات (٧٦٤) \" المارد والمَريد من شياطين الجن والإنس المتعري من الخيرات، من قولهم شجر أمرد إذا تعرى من الورق \".","vol":"1","page":1545},{"text":"وقيل: كتب فيما تقدم من الكتب الإخبار بذلك (١).\n﴿أَنَّهُ﴾ أن الأمر والشأن. ﴿مَنْ تَوَلَّاهُ﴾ تبعه أي: تبع الشيطان وأحبه ونصره.\n﴿فَأَنَّهُ﴾ يجوز أن يكون العائد إلى الشيطان، ويجوز أن يكون العائد إلى ﴿مَنْ﴾، ويجوز أن يكون للأمر.\n﴿يُضِلُّهُ﴾ أي: عن سواء الصراط. ﴿وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ النار.\nوقيل: تقديره: من تولى الشيطان يضله الله.\nقال الزجاج: \" الفاء للعطف و(أن) مكررة للتأكيد \" (٢)، ورد عليه أبوعلي في إصلاح الإغفال (٣) وقال: \" ﴿مَنْ﴾ هاهنا إما أن يكون شرطًا، وإما أن يكون بمعنى الذي؛ فإن جعلته للشرط فالفاء دخل لجزاء الشرط، وإن جعلته بمعنى الذي فالفاء دخل على خبر المبتدأ والتقدير: فالأمر أنه يضله.\nقال: والعطف والتأكيد يكونان بعد تمام الأول، والمعنى: كتب على الشيطان إضلال من تَوَلِّيه وهدايته إلى النار \" (٤).\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ أيها الشَّاكُون في البعث.\n﴿إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ﴾ في شك في قدرة الله على البعث وفي شك من صدق محمد ﷺ.\n﴿فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ﴾ أي: فانظروا في ابتداء خلقكم فإنا ﴿خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ يعني: آدم.\n﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ ثم أولاده من مَنيِّ، والنَّطْفُ: الصَّب، والنُّطْفَة المصبوب.\n_________\n(١) ويؤيد هذا القول القراءة الشاذة (كَتَبَ) بثلاث فتحات.\nانظر: شواذ القراءات لمحمد بن أبي نصر الكرماني (٣٢٥).\n(٢) انظر: معاني القرآن للزجاج (٣/ ٣٣٣).\n(٣) في أ: \" في اصطلاح الإغفال \"، وهو تصحيف.\n(٤) انظر: إصلاح الإغفال لأبي علي الفارسي (٢/ ٤٢٠).","vol":"1","page":1546},{"text":"وقيل: هي الماء القليل (١). وقيل: هي الماء الصافي (٢).\n﴿ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ﴾ وهي: الدم الجامد قبل أن ييبس.\n﴿ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ﴾ وهي: القطعة من اللحم مقدار ما يمضغ.\n﴿مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ تام وساقط. وقيل: مصورة وغير مصورة (٣).\nوقيل: لتمام الشهر ونقصانه (٤).\n\nوقيل: تام الأعضاء وناقصها (٥).\nوالمخلقة: المخلوقة، والتشديد لتكرار الفعل من السمع، والبصر، والأنف، والفم وغير ذلك.\n﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ رشدكم وضلالكم. وقيل: نقلناكم في ابتداء الخلق من حال إلى حال مع قدرتنا على إنشائكم دفعة واحدة لنبين لكم قدرتنا على ما نشاء (٦).\n﴿وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ﴾ استئناف.\n﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ وهو وقت الولادة. وقيل: إلى التمام (٧).\n﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ والطِّفْل يقع على الجمع كقوله ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ﴾ [النور: ٣١]. وقيل: يخرج كل واحد طفلًا (٨).\nوقيل: أصله مصدر ولهذا لم يجمع، و﴿طِفْلًا﴾ نصب على الحال (٩).\n﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾ هاهنا فعل مضمر تقديره ثم نربيكم.\n﴿لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾ حد البلوغ.\n_________\n(١) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٧/ ٨).\n(٢) في ب: \" وقيل هي الصافي \".\nوانظر: المفردات للراغب (٨١١)، مادة: نطف.\n(٣) قاله مجاهد.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٧).\n(٤) قاله الضحاك.\nانظر: المصدر السابق (٤/ ٤).\n(٥) حكاه الزجاج في معاني القرآن (٣/ ٣٣٤).\n(٦) حكاه ابن جرير في جامع البيانن (١٦/ ٤٦٣).\n(٧) قاله مجاهد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٤٦٤).\n(٨) حكاه الزجاج في معاني القرآن (٣/ ٣٣٥).\n(٩) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٤٦٤).","vol":"1","page":1547},{"text":"وقيل: أربعين سنة (١)، وكلاهما من القرآن، وقد سبق (٢).\nوقيل: ﴿أَشُدَّكُمْ﴾ تمام فهمكم وعقلكم (٣).\n﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى﴾ عند بلوغ الأشد أو قبله أو بعده.\n﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ الهَرَم، وهو أهونه وأخسه عند أهله، لأنه يصير كَلًا عليهم.\nوقيل: أرذل العمر: الشَّيْب، لأنه لايرجوا بعده قوة ولا بقاء (٤).\nوأفاد قوله ﴿يُرَدُّ﴾ الرجوع إلى حالة كان عليها قبل وهي الضعف زمن الطفولة وقلة الفهم. (٥)\n﴿لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ لا يستفيد علمًا، وينسى ما كان عالمًا به.\nوقيل: لا يعقل بعد عقله شيئًا (٦).\n_________\n(١) حكاه ابن جرير في جامع البيانن (١٣/ ٦٦).\nوقيل الأشد: ما بين الثلاثين إلى الأربعين، وقيل: مابين ثماني عشرة سنة إلى ستين سنة، وقيل: ثلاثًا وثلاثين سنة، وقيل غير ذلك.\nانظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٣٨٦).\n(٢) قال تعالى عن موسى ﷺ وسلم ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ [القصص: ١٤]، وقال تعالى ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ [الأحقاف: ١٥].\n(٣) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٤٦٥).\n(٤) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٦/ ٢٩).\nوعن علي ﵁ قال: \"هو خمس وسبعون سنة\"، وقال قتادة: هو تسعون سنة، وقيل: ثمانون سنة.\nانظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٧٣)، معالم التنزيل للبغوي (٥/ ٣٠).\n(٥) قال ابن كثير في تفسيره (٣/ ٢١٧) \" أرذل العمر الشيخوخة، والهرم، وضعف القوة والعقل والفهم، وتناقص الأحوال من الخَرَف، وضعف الفكر، ولهذا قال ﴿لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ \".\n(٦) انظر: معاني القرآن للزجاج (٣/ ٣٣٥)، معالم التنزيل (٥/ ٣٦٧).","vol":"1","page":1548},{"text":"وقيل: لا يفهم (١).\nوقيل: لا يعمل بعد عمله، حكاه الماوردي (٢)، والمعنى: رددناه إلى حاله الأولى في حياته\nليعلم قدرتنا على رده بعد موته.\n﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً﴾ يابسة، ساكنة ميتة، من هَمَدتِ النارُ إذا صارت رمادًا لم يبق فيها حرارة.\nوقيل: أصله الدروس (٣).\n﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ﴾ المطر. ﴿اهْتَزَّتْ﴾ تحركت لإخراج النبات منها.\n﴿وَرَبَتْ﴾ زادت، وانتفخت، ونمت.\nوقيل: اهتز نباتها، فحذف المضاف (٤).\nالحسن: فيه تقديم وتأخير أي (٥): ربت واهتزت (٦).\n﴿وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ﴾ صنف ونوع. وقيل: كل لون (٧).\n﴿بَهِيجٍ﴾ حسن رائق، والمعنى: حياة الأرض بنباتها بعد موتها بهمودها دالة على قدرتنا على إحياء الموتى فيها.\n﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ﴾ أي: ذلك وهو ما سبق بسبب أن الله.\nأبو علي ﴿ذَلِكَ﴾ مبتدأ ﴿بِأَنَّ اللَّهَ﴾ خبره (٨).\nالزجاج: الأمر ذلك (٩)، ورد عليه أبو علي وقال: \" يبقى الجار غير متعلق بشيء \" (١٠).\n_________\n(١) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٢٤٢).\n(٢) انظر: النكت والعيون (٤/ ٨).\n(٣) حكاه في النكت والعيون (٤/ ٨).\nقال في المصباح المنير (٢/ ٦٤٠) \" هَمَدَت النار همودًا ذهب حرها ولم يبق منها شيء، وهَمَدَ الثوب بلي، وينظر إليه الناظر يحسبه صحيحًا فإذا مسه تناثر من البلى، والهامد البالي من كل شيء \".\n(٤) انظر: النكت والعيون (٤/ ٩).\n(٥) في ب: \" فيه تقديم أي \".\n(٦) انظر: معالم التنزيل للبغوي (٥/ ٣٦٧).\n(٧) انظر: النكت والعيون (٤/ ٩).\n(٨) انظر: إصلاح الإغفال لأبي علي الفارسي (٢/ ٤٢٧).\n(٩) انظر: معاني القرآن للزجاج (٣/ ٣٣٥).\n(١٠) انظر: إصلاح الإغفال لأبي علي الفارسي (٢/ ٤٢٩).","vol":"1","page":1549},{"text":"﴿هُوَ الْحَقُّ﴾ المستحق لكمال الصفات.\n﴿وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى﴾ كما أحيا الأرض.\n﴿وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ قادر.\n﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ لا ترتابوا فيها.\n﴿وَأَن اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ فقد قام الدليل على ذلك.\n﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ﴾ في صفاته فيصفه بغير ماهو له، نزلت في النظر بن الحارث كما سبق (١).\nوقيل: نزلت في أبي جهل (٢).\nوقيل: في المشركين (٣).\n﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ حجة وبرهان عقل. ﴿وَلَا هُدًى﴾ سنة متبعة.\n﴿وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ واضح مبين أنزل من عند الله وحصول علم الإنسان من هذه الوجوه الثلاثة.\n﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾ أي: متكبرًا (٤)، والعِطْفُ: الجِيد.\nقتادة: لاويًا عنقه (٥).\nوقيل: لاويًا رأسه معرضًا عن استماع ما قيل له (٦).\nوقيل: هو إدباره وإعراضه عن الحق استخفافًا به (٧).\n﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي يجادل ليضل عن دينه.\n﴿لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾ قتل يوم بدر (٨).\n_________\n(١) عزاه السيوطي في الدر المنثور (١٠/ ٤٢٧) لابن أبي حاتم عن مجاهد.\n(٢) انظر: الوجيز للواحدي (٢/ ٧٢٩)، وفي الكشاف (٤/ ١٧٨) عن ابن عباس، ﵄.\n(٣) ويدخل فيه النضر بن الحارث، وأبو جهل.\n(٤) \" متكبرًا \" ساقط من ب.\n(٥) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٤٧٠).\n(٦) قاله ابن زيد.\nانظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٢٦٠).\n(٧) قال ابن جرير في جامع البيان (١٦/ ٤٧١) \" وصف الله هذا المخاصم في الله بغير علم أنه من كِبْرِه إذا دعي إلى الله أعرض عن داعيه، ولوى عنقه، ولم يسمع ما يقال له استكبارًا \".\n(٨) في أ: \" قيل يوم بدر \".","vol":"1","page":1550},{"text":"﴿وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ وهو النار، أي: جُمِعَ له عذاب الدنيا وعذاب الآخرة. ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ أي: يقال له يوم القيامة هذا التعذيب بكفرك وتكذيبك محمدًا.\n﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ بل يجازيهم على أعمالهم، وذكر (الظَلاّم) بلفظ المبالغة لما اقترن بالعبيد وهو اسم الجمع.\n﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ في سبب النزول: أنها نزلت في أعراب كانوا يقدمون على رسول الله ﷺ المدينة مهاجرين من باديتهم، وكان الواحد منهم إذا قَدِمَ المدينة فإن صح بها جسمه، ونتجت فرسه مهرًا حسنًا، وولدت امرأته غلامًا، وكثر ماله ومواشيه رضي به واطمأن، وقال: ما أصبت مذ دخلت في ديني هذا إلا خيرًا، وإن أصابه وجع المدينة وولدت امرأته جارية وأجهضتِ رمَاكه (١)، وذهب ماله أتاه الشيطان فقال له: والله ما أصبت مذ دخلت في دينك هذا إلا شرًا فينقلب عن دينه (٢).\nوعن عطية (٣) عن أبي سعيد الخدري، ﵁ (٤)\n_________\n(١) الرَّمَكة: أنثى الفرس.\n(٢) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٦/ ٤٧٣)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (١٠/ ٤٢٨) لابن أبي حاتم، وابن مردويه، وانظر: أسباب النزول للواحدي (٣٥٥)، وذكر ابن كثير في تفسيره (٣/ ٢١٩) أنه قول قتادة والضحاك وابن جريج وغير واحد من السلف في تفسير هذه الآية.\n(٣) عطية العوفي، تنظر ترجمته ص: ٢٦٦\n(٤) أبو سعيد الخدري، اسمه سعد بن مالك بن سنان بن ثعلبة، بن الخزرج الأنصاري الخدري، من الحفاظ المكثرين من الرواية، كان في يوم أحد وهو ابن ثلاث عشرة سنة، توفي سنة أربع وسبعين.\n\nانظر: الاستيعاب (٤/ ٢٣٥)، الإصابة (٣/ ٧٨).","vol":"1","page":1551},{"text":"قال: \" أسلم يهودي فذهب بصره وماله وولده فتشاءم بالإسلام، فأتى النبي ﷺ وسلم وقال: أقلني. قال: إن الإسلام لايقال. قال: إني لم أُصِب في ديني هذا خيرًا؛ ذهب بصري ومالي وولدي. فقال: يا يهودي إن الإسلام لَيَسْبُكُ الرجال كما تَسْبُكُ النار خبث الحديد والفضة والذهب فنزلت ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ (١). أي: على حد من دينه غير متوغل فيه. وقيل: على طرف، وحرف الشيء طرفه (٢).\nوقيل: على شك (٣).\nوقيل: على ضعف كضعف القائم على حرف (٤).\nوقيل: على لون واحد وهو تتبع مراده (٥).\nوقيل: هو المنافق يؤمن بلسانه دون قلبه والمؤمن يعبد الله على حرفين لسانه وقلبه (٦).\nوقيل: الحرف عند العرب مالا تَمَكن له ولا حقيقة لشأنه (٧)، قال:\nركابي على حرف وقلبي مُشَيَّعٌ ... وغير بلاد الباخلين بلادُ (٨).\nالكلبي: على حرف دين (٩).\nوقيل: هو كقوله ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [النساء: ١٤٣] (١٠).\n_________\n(١) ذكره الواحدي في أسباب النزول (٣٥٥)، وعزاه السيوطي في الدر (١٠/ ٤٢٨) لابن مردويه.\n(٢) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٢٦١).\n(٣) قاله مجاهد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٤٧٣) وهو قول الزجاج في معاني القرآن (٣/ ٣٣٦).\n(٤) حكاه في النكت والعيون (٤/ ١٠).\n(٥) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٧/ ١٠).\n(٦) قاله الحسن.\nالكشف والبيان للثعلبي (٧/ ١٠)، النكت والعيون (٤/ ١٠).\n(٧) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٧/ ١٠).\n(٨) البيت لبشار بن برد في ديوانه (٣/ ٥١)، في قصيدة يخاطب بها خالد بن جَبَلَة الباهلي.\n(٩) انظر: معاني القرآن للنحاس (٤/ ٣٨٣)، تفسير الثعلبي (٧/ ٩).\n(١٠) وهو معنى قول الحسن كما سبق.","vol":"1","page":1552},{"text":"﴿فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ﴾ صحة، ومال، ومحبوب.\n﴿اطْمَأَنَّ بِهِ﴾ سكن واستقر به بسبب الخير الذي أصابه.\nوقيل: ﴿بِهِ﴾ أي: بالدين فيعبد الله (١).\n﴿وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ﴾ مرض، وفقر، ومكروه.\n﴿انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ أي: انقلب إلى الكفر. وقيل: قلب وجهه عما كان عليه (٢).\nوقيل: معناه تغير عما كان عليه كما يقال: قَلَبَ ظَهر المِجَنّ (٣).\n﴿خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ﴾ خسر الدنيا حيث لم يعمل فيها خيرًا والآخرة حيث لاينال نعيمًا.\nوقيل: قُتِلَ في الدنيا، وحُرِمَ الجنة في العقبى (٤).\nوقيل: معناه لم يظفر بمراده (٥).\n﴿ذَلِكَ﴾ أي: خسران الدنيا والآخرة.\n﴿هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ الظاهر حاله لا خسران أخسر منه.\n﴿يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ﴾ يعبد ما نفع فيه ولا ضر.\n﴿ذَلِكَ﴾ أي: ذلك الفعل. ﴿هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾ العدول عن الصواب.\n﴿يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾ أي: لمن ضر دعائه أقرب من نفعه؛ لأنه يوجب القتل في الدنيا والنار في الأخرى (٦).\n﴿لَبِئْسَ الْمَوْلَى﴾ الصنم. ﴿وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ الصاحب والخليط، وأصله الجمع، ومنه العشيرة والعشرة والعِشرة وبرمة أعشار.\n_________\n(١) انظر: النكت والعيون (٤/ ١١).\n(٢) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٢٦١).\n(٣) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٧/ ١٠)، غرائب التفسير (٢/ ٧٥٣).\n(٤) أي: قتل لأنه ارتد عن الإسلام بع الدخول فيه.\n(٥) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٤٧٥).\n(٦) في ب: \" والنار في العقبى \".","vol":"1","page":1553},{"text":"وقيل: المولى هاهنا (١) ابن العم، والعشير: الخليط (٢).\nوقيل: المولى ابن العم، والعشير: العشيرة أي: بئس ابن العم هذا الذي يعبد الله على حرف (٣).\nوفي لام ﴿يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ﴾ أقوال:\nقيل: هو زيادة، و(من) مفعول يدعو.\nوقيل: اللام مقدم والنية به التأخير، أي: يدعوا من لضره أقرب من نفعه، وهذا قول الزجاج (٤)، وزيفه أبو علي (٥).\nوقيل: هو جواب قسم، وقيل: يدعوا بمعنى يقول (٦) و﴿لَمَنْ ضَرُّهُ﴾ مبتدأ وخبره مضمر تقديره: لمن ضره أقرب من نفعه مولاي (٧).\nوقيل: يدعوا تكرار للأول، ومفعوله هو مفعول الأول ﴿لَمَنْ ضَرُّهُ﴾ مبتدأ خبره ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلَى﴾ (٨).\nوقيل: يدعوا حال من ﴿الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾ (٩).\nوقيل: ﴿ذَلِكَ﴾ هاهنا موصول ﴿هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾ صلته وهو نصب بـ ﴿يَدْعُو﴾، ويجوز أن يكون رفعًا و﴿يَدْعُو﴾ خبره على تقدير: يدعوه (١٠).\n_________\n(١) في ب: \" هنا \".\n(٢) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٤٧٧).\n(٣) قاله ابن زيد.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ١١)، الوسيط للواحدي (٣/ ٢٦٢).\nقال ابن جرير في جامع البيانن (١٦/ ٤٧٧) \" لبئس الخليط المعاشر والصاحب هو \".\n(٤) في أ: \" وهو قول الزجاج \".\nانظر: معاني القرآن للزجاج (٣/ ٣٣٧).\n(٥) في إصلاح الإغفال (٢/ ٤٣١).\n(٦) في ب: \" وقيل يدعوا يعني يقول \".\n(٧) انظر: معاني القرآن للزجاج (٣/ ٣٣٧).\n(٨) انظر: معاني القرآن للفراء (٢/ ٢١٧)، إعراب القرآن للنحاس (٣/ ٨٩).\n(٩) انظر: معاني القرآن للزجاج (٣/ ٣٣٧).\n(١٠) انظر: معاني القرآن للفراء (٢/ ٢١٧).","vol":"1","page":1554},{"text":"﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ لا دافع لإرادته ولا مانع.\n﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ﴾ قيل: نزلت الآية ابتداءً من الله ﷿ من غير سبب ذُكر كأكثر القرآن (١).\nوقيل: هو متصل بقوله ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ (٢).\nوقيل: نزلت في قوم من أسد وغطفان تباطؤا عن الإسلام وقالوا: نخاف أن لا يُنَصر محمد فنقطع الذي بيننا وبين حلفائنا من اليهود فلا يجيروننا ولا يؤوننا (٣).\nوقيل: كان قوم من المسلمين لشدة غيظهم على المشركين يستبطؤون ما وعد لهم من النصرة وآخرون من المشركين يريدون اتباعه ويخشون أن لا يتم أمره فنزلت الآية (٤).\nفـ ﴿مَنْ﴾ في قوله ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ﴾ عام على قول من لم يحك للآية سبب نزول، وخاص في قول من يحكي له سببًا، والهاء في ﴿يَنْصُرَهُ﴾ يعود إلى محمد ﷺ، وإن لم يتقدم ذكره في هذه السورة لأن القرآن كله كسورة واحدة (٥).\nوقيل: يعود إلى ﴿مَنْ﴾، ومعنى ﴿يَنْصُرَهُ اللَّهُ﴾ يغلبه الله (٦) على أعدائه (٧).\n_________\n(١) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٧/ ١٢).\n(٢) وإليه ذهب ابن جرير في جامع البيان (١٦/ ٤٨٣).\n(٣) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٣٨٨).\n(٤) انظر: المصدر السابق (٢/ ٣٨٨).\n(٥) وهو قول ابن عباس، ﵄، والكلبي، ومقاتل، والضحاك، وقتادة، وابن زيد، والسدي، نقله في البحر المحيط (٦/ ٣٣٢) واختاره ابن جرير في جامع البيان (١٦/ ٤٨٣).\n(٦) \" يغلبه الله \" ساقط من أ.\n(٧) قاله قتادة، والضحاك.\n\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٤٧٩)، معاني القرآن للنحاس (٤/ ٣٨٧).","vol":"1","page":1555},{"text":"وقيل: معناه: يرزقه بكثرة الأمطار، ورخص الأسعار؛ من قولهم: أرض منصورة أي: ممطورة (١).\nقوله (٢) ﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ﴾ أي: بالغلبة والحجة، وفي الآخرة بالحجة والشفاعة والثواب.\n﴿فَلْيَمْدُدْ﴾ فليطرح وليشدد ﴿بِسَبَبٍ﴾ بحبل.\n﴿إِلَى السَّمَاءِ﴾ إلى سقف البيت (٣). وقيل: إلى الهواء جهة السماء (٤).\nوقيل: إلى السماء الدنيا (٥).\n﴿ثُمَّ لِيَقْطَعْ﴾ قيل: معناه ليختنق، والعرب تقول: قَطَعَ فلان إذا اختنق، حكاه المحققون منهم (٦).\nوقيل: فليقطع الحبل (٧).\nوقيل: فليقطع مسافة السماء. وقيل: فليقطع الأرض، وهذا كما خاطبة بقوله ﴿أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: ٣٥].\n\nوقيل: فليقطع تلك المادة (٨).\n_________\n(١) قاله ابن عباس، ﵄، ومجاهد، وعطاء.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٤٨١، ٤٨٠)، معاني القرآن للنحاس (٤/ ٣٨٨).\n(٢) في ب: \" قوله أي في الدنيا \"، وهو تصحيف.\n(٣) وهو قول ابن عباس، ﵄، وقتادة.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٤٨١، ٤٧٩).\n(٤) وهو قريب من القول الأول، لأن كل ما علاك فهو سماء.\n(٥) قاله ابن زيد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٤٧٩).\n(٦) وهو قول مجاهد، وعكرمة.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٤٨٣، ٤٨٢)، البحر المحيط (٦/ ٣٣٢)، تفسير ابن كثير (٣/ ٢٢٠).\n(٧) انظر: بحر العوم للسمرقندي (٢/ ٣٨٨).\n(٨) أي: مادة النصر من السماء.","vol":"1","page":1556},{"text":"وقيل: فليقطع عنقه. وقيل: فليقطع الحبل عنقه (١).\nوقوله ﴿فَلْيَنْظُرْ﴾ من جعل ﴿لِيَقْطَعْ﴾ أو ﴿فَلْيَمْدُدْ﴾ كناية عن مهلك جعل ما بعده من الفعل على سبيل التوهم، أي: ليتوهم هذه الحالة في نفسه، وليس بأمر حتم.\nقوله ﴿هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ﴾ خنقه وقطعه على ما فُصِّل.\n﴿مَا يَغِيظُ﴾ الذي يغيظه ويسوءه. وقيل: (ما) للمصدر أي: غيظه.\nوفي معنى الآية أقوال: (٢)\nأحدها: من ظن أن لن ينصر الله محمدًا في الدنيا والآخرة وغاظه نصر الله إياه فليختنق وليمت غيظًا، كما يقال: من لم يحب هذا فليختنق، ومن لم يرض هذا فرأسه والجدار (٣). وقيل: معناه فليمدد بحبل إلى السماء ثم ليرتق فيه (٤) ثم ليقطع الحبل حتى يخر فيهلك فينظر هل ينفعه ذلك.\nوقيل: من ظن أن لن ينصر الله محمدًا (٥) فليمت غيظًا.\nوقيل: من ظن أن لن ينصر الله محمدًا وأراد قطع مادة النصرة والوحي منه فليمدد بحبل إلى السماء وليعرج إليها وليقطع تلك المادة فإنها تأتيه من السماء مع الملائكة (٦).\n_________\n(١) وكلها أقوال متداخلة، متشابهة، لم أقف على من قالها، والمعنى: أن من كان يظن أن لن ينصر الله محمدًا ﷺ وسلم في الدنيا والآخرة فليمدد بحبل إلى سماء بيته ثم ليختنق به، أو فليذهب يقتل نفسه إن كان ذلك غائظه، فإن الله ناصر رسوله لامحالة.\n(٢) في ب: \" وفي معنى الآية الأقوال \".\n(٣) وهو قول ابن عباس، ﵄، ومجاهد، وعكرمة، وعطاء.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٤٨١، ٤٨٠).\nقال ابن كثير في تفسيره (٣/ ٢٢٠) \" وهو أولى وأظهر في المعنى وأبلغ في التهكم \".\n(٤) في أ: \" وليرتق فيه \".\n(٥) في أ: \" من ظن أن لن ينصره الله محمدًا \".\n(٦) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٧٥٤)، وهو قريب من سابقه.","vol":"1","page":1557},{"text":"وقيل: معناه: من لم يثق بوعد محمد واستعجل فليختنق وليجتهد جهده (١).\nوقيل: معناه من كان يحسب أن لن يرزق الله محمدًا وأمته فيوسع عليهم من فضله في الدنيا والآخرة من جزيل عطاياه فليهلك نفسه، فإن ذلك كائن لا محالة (٢).\nوقيل: معناه من كان يظن أن لن يرزقه الله فليمدد حبلًا يختنق به هل يأتيه ذلك الرزق، فيكون العائد إلى من والنصرة الرزق كما سبق (٣).\nوقيل: معناه من استبطأ رزق الله ونصره وطلب الموعود عاجلًا فليهلك نفسه بخنق (٤) أو خرور من الهواء فإن لذلك وقتًا لا يجوز إيقاعه إلا فيه (٥)، والله أعلم.\n﴿وَكَذَلِكَ﴾ أي: كما بينا ابتداء الخلق والمعاد ﴿أَنْزَلْنَاهُ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ واضحات يريد جميع القرآن.\nوقيل: كما بَيَّنَا قدرتنا على الخلق عقلًا أنزلنا آيات أي: في القرآن آيات واضحات بصحة ذلك (٦).\n﴿وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ﴾ أي: ولأن الله يهدي إلى النبوة من يريد. وقيل: التوبة. الحسن: يهدي من يهتدي بهداه (٧).\n\n﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ فيه قولان:\nأحدهما: يحكم بينهم لأن كل واحد يدعي أنه على الحق وصاحبه مبطل.\nوالثاني: يفرق بينهم فالمؤمنون في الجنة والكافرون في النار.\n_________\n(١) انظر: معالم التنزيل (٥/ ٣٧٠).\n(٢) وهو قول مجاهد.\nانظر: معاني القرآن للنحاس (٤/ ٣٨٨).\n(٣) وهو قريب من القول السابق.\n(٤) في ب: \" لخنق \"، وهو تصحيف.\n(٥) ولعل هذا محاولة للجمع بين الأقوال، والله أعلم.\n(٦) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٤٨٥).\n(٧) لم أقف عليه بعد البحث، والله أعلم.","vol":"1","page":1558},{"text":"وخبر ﴿إِنَّ﴾ الأول ﴿إِنَّ﴾ الثاني كما تقول: إن زيدًا إن أباه قائم.\n﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ عالم به حافظ له.\n﴿أَلَمْ تَرَ أَن اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ هو على العموم وسجودهم سجود طاعة. وقيل: طبعًا، وفيه بعد (١).\n﴿وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ خصوص في المؤمنين.\n﴿وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ﴾ في سجودها ثلاثة أقوال:\nأحدها: أنها تسجد لكنا لا نقف على سجودها كما لا نقف (٢) على تسبيحها، من قوله ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤] (٣).\nوقيل: سجودها بظلالها كما في الآية الأخرى (٤).\n_________\n(١) وقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى (٢١/ ٢٨٤) أن سجود كل شيء بحسبه، وليس المراد بسجود هذه المخلوقات وضع جباهها على الأرض، والسجود اسم جنس وهو كمال الخضوع لله تعالى.\n(٢) في ب: \" لا تقف \" بالتاء في الموضعين.\n(٣) أخرج ابن جرير في جامع البيان (١٦/ ٤٨٧) عن أبي العالية قال: \"ما في السماء نجم ولا شمس ولاقمر، إلا يقع لله ساجدًا حين يغيب، ثم لاينصرف حتى يؤذن له، فيأخذ ذات اليمين، وزاد محمد: حتى يرجع إلى مطلعه\".\n(٤) قال تعالى ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾ [النحل: ٤٨] [النحل: ٤٨]، وانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٤٨٧)، تفسير ابن كثير (٣/ ٢٢١).","vol":"1","page":1559},{"text":"وقيل: سجودها دلالتها على وحدانية الله وحمل غيرها على السجود وعند الاستدلال وتأتيها لمراده (١).\n﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ هو عطف على الأول أي: يسجد كثير من الناس وهم المؤمنون، وقيل: استئناف أي: وكثير من الناس حق له الثواب، ودل عليه ما بعده من قوله ﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ بكفره وإبائه السجود (٢).\nوقيل: ﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ أيضًا معطوف على الأول إذا أردت بالسجود سجود الظل أو سجود الدلالة لأن ذينك موجود في الكفار، و﴿حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ صفته، والجمهور على أن قوله ﴿وَكَثِيرٌ﴾ مبتدأ ﴿حَقَّ عَلَيْهِ﴾ خبره (٣).\n﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ﴾ بالشقاوة وإدخال النار.\n﴿فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ يكرمه بالسعادة وإدخال الجنة، وقرئ في الشواذ (من مُكرَم) بالفتح أي: إكرام (٤).\n﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ من الإهانة والإكرام.\n_________\n(١) حكاه الثعلبي في الكشف والبيان (٧/ ١٢)، وهو بعيد، للأدلة السابقة، وقد ضعفه الزجاج في معاني القرآن (٣/ ٣٤٠).\n(٢) انظر: معاني القرآن للفراء (٢/ ٢١٩).\n(٣) انظر: إعراب القرآن للنحاس (٣/ ٩١).\n(٤) وهي مروية عن ابن أبي عبلة.\nانظر: شواذ القراءات للكرماني (٣٢٦)، وانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٤٨٩).","vol":"1","page":1560},{"text":"﴿هَذَانِ خَصْمَانِ﴾ في سبب النزول رواه البخاري (١) في صحيحه أن أبا ذر، ﵁ (٢) كان يقول: \" أُقْسِم بالله لقد نزلت هذه الآية في هؤلاء الستة: حمزة (٣)، وعلي، وعبيدة (٤)، وعتبة (٥)، وشيبة (٦)،\n_________\n(١) البخاري، تنظر ترجمته ص: ١٢٦\n(٢) أبو ذر تنظر ترجمته ص: ٨٤\n(٣) حمزة بن عبد المطلب بن هاشم، عم النبي ﷺ، كان يقال له: أسد الله وأسد رسوله، أسلم في السنة الثانية من البعثة، وهو أخو النبي ﷺ من الرضاعة، وكان على رأس أول سرية وهي سرية سيف البحر، شهد بدرًا، واستشهد في معركة أحد، ومثَّل به المشركون.\nانظر: الاستيعاب (١/ ٤٢٣)، سير أعلام النبلاء (١/ ١٧١).\n(٤) عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب بن عبد مناف بن قصي، القرشي، المطلبي، كان أسن من رسول الله ﷺ بعشر سنين، أسلم قبل دخول رسول الله ﷺ دار الأرقم، وقبل أن يدعوا فيها، شهد بدرًا، وكان أسن المسلمين يومئذ، قطعت فيها رجله فمات منها.\nانظر: الاستيعاب (٣/ ١٤١)، الإصابة (٤/ ٤٢٤).\n(٥) عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، كبير قريش وأحد ساداتها في الجاهلية، كان موصوفًا بالرأي الحلم، خطيبًا نافذ القول، وهو الذي سعى للصلح في حرب الفجار بين هوازن وكنانة، قتل يوم بدر مشركًا.\nانظر: السيرة النبوية لابن هشام (٢/ ٢٦٦)، البداية والنهاية (٥/ ٧٨ - ٩٠).\n(٦) شيبة بن ربيعة بن عبد شمس، من زعماء قريش في الجاهلية، وكان يصد الناس عن الإسلام في موسم الحج، شهد بدرًا مع المشركين، ونحر تسع ذبائح لإطعام الناس، ثم لقي مصرعه على الكفر.\nانظر: السيرة النبوية لابن هشام (٢/ ٢٦٦)، البداية والنهاية (٥/ ٧٦).","vol":"1","page":1561},{"text":"والوليد بن عتبة (١) \" (٢).\nوعن علي ﵁ أنه قال: \" فينا نزلت هذه الآية وفي مبارزتنا يوم بدر \" (٣).\nابن عباس، ﵄: هم أهل الكتاب قالوا للمؤمنين: نحن أولى بالله منكم؛ كتابنا ونبينا قبل كتابكم ونبيكم، وقال المؤمنون: نحن أحق بالله آمنا بنبينا ونبيكم وما أنزل الله من كتاب (٤).\nالحسن: هما جملة المؤمنين والكافرين اختصموا في دين الله (٥).\nقوله (٦) ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ﴾ يريد جمع الكفار وجمع المؤمنين، وهو مصدر فلا يثنى ولا يجمع مع التثنية والجمع.\nوقيل: جمع خاصم كراكب وركب (٧).\n﴿اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ فجمع حملًا على المعنى.\nعكرمة: الخصمان الجنة والنار (٨).\n_________\n(١) الوليد بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، ابن عتبة بن ربيعة، وهو من أشراف قريش، خرج يوم بدر مع أبيه للقتال فقتله علي ﵁.\nانظر: السيرة النبوية لابن هشام (٢/ ٢٦٧).\n(٢) أخرجه البخاري (ك: التفسير، تفسير سورة الحج، باب: هذان خصمان اختصموا في ربهم، ح: ٤٧٤٣).\n(٣) أخرجه البخاري (ك: التفسير، تفسير سورة الحج، باب: هذان خصمان اختصموا في ربهم، ح: ٤٧٤٤).\n(٤) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٦/ ٤٩١).\n(٥) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٦/ ٤٩٢).\n(٦) \" هذان \" ساقط من أ.\n(٧) انظر: إعراب القرآن للنحاس (٣/ ٩١).\n(٨) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٦/ ٤٩٣).","vol":"1","page":1562},{"text":"روى أبو هريرة عن رسول الله ﷺ وسلم أنه قال: \" تحاجت الجنة والنار فقالت: النار أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين. وقالت: الجنة مالي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس؟ فقال الله للجنة: إنما أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي، وقال للنار: إنما أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي ولكل واحدة منكما ملؤها \" (١).\n﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ﴾ هذا أحد الخصمين، ومعنى ﴿قُطِّعَتْ﴾: قُدِّرَت وجُعِلت وسُويت.\n﴿لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ﴾ أي: النار أحاطت بهم كإحاطت الثياب المقطوعة.\nوقيل: يُذَابُ النُّحاس عليهم فيصير مثل الثياب عليهم (٢).\nسعيد بن جبير: ﴿ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ﴾ أي: نحاس وليس شيء أشد حرًا منه إذا أحمي (٣)،\nومثله قوله ﴿سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ﴾ [إبراهيم: ٥٠] وهو النُّحاس.\n﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾ الماء الحار الشديد الحرارة المُحرق من حرارته.\n﴿يُصْهَرُ بِهِ﴾ بالحميم، أي: يُذَاب، تقول: صَهَرَتْه الشمس أي: أذابته، والصهارة: الإلية المذابة (٤).\n﴿مَا فِي بُطُونِهِمْ﴾ أجوافهم من الأحشاء.\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٤/ ٢١٨٦، الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: النار يدخلها الجبارون، ح:\n٢٨٤٦).\n(٢) وهو مروي عن ابن عباس، ﵄، ومجاهد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٤٩٤)، الوسيط للواحدي (٣/ ٢٦٣).\n(٣) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٦/ ٤٩٤)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (١٠/ ٤٤٠) لعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(٤) أي: الشحم المذاب.\nانظر: المفردات للراغب (٤٩٤).","vol":"1","page":1563},{"text":"﴿وَالْجُلُودُ﴾ هي: عطف على ﴿مَا فِي بُطُونِهِمْ﴾ أي: إذا بلغ الحميم رؤوسهم أذاب اللحم والعظم، ووصل إلى الجوف فأذاب الأمعاء ثم سالت الجلود.\n﴿وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾ يُعَذَّبون بها، جمع مِقْمَعة، وهي: سلاح كالمِدَقَّة، وقيل: هي السِّياط، وحقيقتها ما يُقْمَع به أي: يُكَفُّ بعنف.\nوقيل: فيه تقديم وتأخير، وتقديره: ولهم مقامع من حديد يثقب بها رؤوسهم ثم يصب فيها من فوق رؤوسهم الحميم (١).\nوقال بعض المفسرين: مقامع جمع مَقْمُع وهو: القُمْعُ واحد الأقماع (٢)، وفي الآية تقديم وتأخير كما حكيت.\n﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا﴾ من النار.\n﴿مِنْ غَمٍّ﴾ من غمها وحَرِّها.\n_________\n(١) وضعف ابن جرير هذا القول في جامع البيان (١٦/ ٤٩٥)، وأخرج بسنده عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ وسلم قال: \"إن الحميم ليصبُّ على رؤوسهم، فينفُذُ الجمجمة حتى يخلص إلى جوفه، حتى يبلغ قدميه، وهي الصَّهْر، ثم يعاد كما كان\"، وأخرجه الترمذي (ك: أبواب صفة جهنم، باب: ما جاء في صفة شراب أهل النار، ح: ٢٧٠٨) وقال: \"حديث غريب صحيح\".\nقال: \"أخبر أن الحميم إذا صب على رؤوسهم نفذ الجمجمة حتى يخلص إلى أجوافهم، ولو كانت المقامع قد ثقبت رؤوسهم قبل صب الحميم عليها لم يكن يكن لقوله ﷺ وسلم (إن الحميم ينفذ الجمجمة) معنى\".\n(٢) حكاه الواحدي في الوسيط (٣/ ٢٦٤).\nالمقامع: جمع مِقْمَع، وهو ما يُضرب به ويُذَلّل، يقال: قَمَعتُه فانقمع، أي كففته فانكف.\nانظر: المفردات (٦٨٤)، مادة قمع، النهاية في غريب الأثر لأبي السعادات بن الجزري (٤/ ١٧٥).","vol":"1","page":1564},{"text":"وقيل: الغم هاهنا: تغطية العذاب لهم والأخذ يكظمهم، لأن ما هم فيه أعظم من الحزن (١).\n﴿أُعِيدُوا فِيهَا﴾ بالمقامع. ﴿وَذُوقُوا﴾ أي: يقال لهم ذوقوا.\n﴿عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ النار.\nثم ذكر الخصم الآخر فقال: ﴿إِن اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا﴾ يلبسون فيها.\n﴿مِنْ أَسَاوِرَ﴾ جمع أسوِرَة، وأسورَة جمع سوار وهو: ما يلبس في الذراع (٢).\n﴿مِنْ ذَهَبٍ﴾ أو فضة.\n﴿وَلُؤْلُؤًا﴾ مَن جَرَّه جعله عطفًا على ذهب والمعنى: مرصعة.\nوقيل: جعله عطفًا على أساور، ومن نصبه (٣) جعله عطفًا على أساور في المعنى أي:\nيحلون أساور ويحلون لؤلؤًا (٤).\nوكرر ﴿مِنْ﴾ لأن الأول للتبعيض والثاني للتبيين وفيها ظرف ﴿يُحَلَّوْنَ﴾.\nوقيل: صفة لأساور تقدمت عليها فهي حال لها وأفاد أنها معدة (٥).\n﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ ثيابهم من إبرَيْسَم (٦).\n_________\n(١) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٧/ ١٥).\n(٢) قال في المفردات (٤٣٣) \" الإسوار: من أساورة الفُرْس أكثر ما يستعمل في الرماة، وقيل هو فارسي معرب، واستعمال الأسوَرة في الذهب \".\n(٣) في ب: \" ومن نصب \".\n(٤) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي (ولؤلؤٍ) بالخفض، وقرأ نافع، وحفص عن (ولؤلؤًا) بالهمز والنصب، وبنحوها في رواية أبي بكر عن عاصم إلا أنه لايهمز.\nانظر: السبعة لابن مجاهد (٤٣٥)، التيسير للداني (١٥٦)\n(٥) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٧٥٥)، البحر المحيط (٦/ ٣٣٥).\n(٦) الإبْرَيْسَم، والأبْرَيْسَم، والإبرَيسَم ثلاث لغات، فارسي معرب، وهو الحرير المطبوخ.\nانظر: مختار الصحاح (٢٨)، مادة: برسم، المصباح المنير (١/ ١٢٩).","vol":"1","page":1565},{"text":"﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ أُرشِدوا إليه ودلوا عليه في الدنيا، و﴿الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ لا إله إلا الله محمد رسول الله. وقيل: القرآن (١).\nوقيل: سبحان الله والحمد لله (٢).\nوقيل: إلى البشارات التي تأتيهم من الله في الجنة وإلى التحية والسلام من الله كقوله ﴿تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾ [إبراهيم: ٢٣] (٣).\n﴿وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ أي: الإسلام، و﴿الْحَمِيدِ﴾ هو الله سبحانه، بمعنى حامد.\nوقيل: محمود (٤).\nوقيل: طالب حمد (٥).\nوقيل: الحميد الإسلام أي: إلى صراط الإسلام (٦). وقيل: هدوا إلى طريق الجنة (٧).\n﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ نزلت في أبي سفيان (٨) وأصحابه حين صدوا رسول الله عن البيت (٩)، والمعنى: إن الذين كفروا فيما مضى ويصدون عن سبيل الله الآن.\n_________\n(١) \" وقيل القرآن \" ساقط من أ، وهو قول السدي.\nوانظر: النكت والعيون (٤/ ١٥)، معالم التنزيل (٥/ ٣٧٦).\n(٢) قاله ابن زيد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٥٠٠).\n(٣) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٧٥٦).\n(٤) في ب: \" بمحمود \"، وانظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٣٩٠).\n(٥) انظر: الوجيز للواحدي (٢/ ٧٣١).\n(٦) حكاه ابن جرير في جامع البيان (١٦/ ٥٠٠).\n(٧) قال ابن كثير في تفسيره (٣/ ٢٢٣) \" أي: إلى المكان الذي يحمدون فيه ربهم على ما أحسن إليهم وأنعم به وأسداه إليهم \".\n(٨) أبو سفيان تنظر ترجمته ص: ٣٥٢\n(٩) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٣٩٠)، البحر المحيط (٦/ ٣٣٦)، وهي دالة على أنها مدنية.","vol":"1","page":1566},{"text":"وقيل: يصدون بمعنى صدوا، أي: يمنعون ويمتنعون من (١) الدخول في الإسلام (٢).\n﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ أي: يصدون عن المسجد الحرام والدخول فيه والطواف بالبيت.\n﴿الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾، ﴿الْعَاكِفُ﴾: من كان من أهله، ﴿وَالْبَادِ﴾ من نزع إليه الحج أو عمرة.\n\nوقيل: المقيم وغير المقيم، والعكوف الإقامة والباد نازل بدو (٣).\nوقرئ \"سواء\" بالرفع والنصب؛ الرفع على أنه خبر والمبتدأ مؤخر أي: العاكف فيه والباد سواء، ومن نصب جعله مفعولًا ثانيًا أو حال وارتفع به العاكف والباد، والمعنى: هما سواء في النزول به وليس أحدهما أحق به من الآخر (٤).\nوقيل: هما سواء في قضاء النسك وتعظيم الحرمة وأداء الواجب فيه عليهما (٥).\n﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ﴾ الباء زيادة أي: إلحادًا.\nوقيل: تقديره: ومن يرد إرادة بإلحاد، وقيل: الفعل محمول على المصدر أي: من إرادته بإلحاد كما سبق في اللام (٦).\nوباء ﴿بِظُلْمٍ﴾ متصل بالإرادة والإلحاد والميل عن الصواب، والظلم هاهنا: الشرك.\nوقيل: ركوب الآثام واستحلال الحرام (٧)،\n_________\n(١) في أ: \" أي: يمنعون من الدخول في الإسلام \".\n(٢) انظر: معاني القرآن للفراء (٢/ ٢٢١).\n(٣) قاله ان عباس، ﵄، وأبو صالح، وابن زيد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٥٠٢).\n(٤) قرأ الجمهور \" سواءُ \" بالرفع، وقرأ حفص عن عاصم، والأعمش \" سواءَ \" بالنصب.\nانظر: الحجة لابن خالوية (٢٥٣)، التيسير للداني (١٥٧).\n(٥) قاله مجاه، وعطاء، واختاره ابن جرير في جامع البيان (١٦/ ٥٠٣).\n(٦) انظر: معاني القرآن للفراء (٢/ ٢٢٢).\n(٧) قاله ابن عباس، ﵄، ومجاهد.\n\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٥٠٨، ٥٠٧).","vol":"1","page":1567},{"text":"وجاء مرفوعًا أنه الاحتكار (١)، وكان ابن عمر ﵄ يقول: \" من الإلحاد فيه أن يقول الرجل كلا والله وبلا والله \" (٢).\nوقيل: من هَمّ بذنب فيه كتب عليه (٣).\nوقيل: هو القتل، نزلت ابن خطل (٤) بعث معه رجلين أحدهما مهاجر والآخر أنصاري فافتخروا فغضب ابن خطل وقتل الأنصاري وارتد ولحق بمكة كافرًا (٥).\nوقيل: هو ما نهي عنه فيه قوله (٦) ﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ أي: في الآخرة.\n_________\n(١) المحفوظ عن عمر بن الخطاب ﵁ أن احتكار الطعام بمكة إلحاد، وهو مروي أيضًا عن حبيب بن أبي ثابت\nانظر: معاني القرآن للفراء (٣/ ٣٤١)، جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٥٠٩)، مفاتيح الغيب للرازي (٢٣/ ٢٣)، الكشاف (٣/ ١٥٢).\n(٢) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٦/ ٥١٠).\n(٣) وهو مروي عن ابن مسعود ﵁.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٥٠٨).\n(٤) عبد الله بن خطل، بن تيم بن غالب بن فهر، من مشركي قريش، وممن آذى رسول الله ﷺ، أمر بقتله يوم الفتح، فتقل وهو معلق بأستار الكعبة.\nانظر: الإصابة (٣/ ٥٧).\n(٥) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٣٩٠)، وعزاه السيوطي في الدر (١٠/ ٤٥٣) لابن أبي حاتم.\n(٦) قال ابن ابن كثير في تفسيره (٣/ ٢٢٥) \" وهذه الآثار وإن دلت على أن هذه الأشياء من الإلحاد، ولكن هو أعم من ذلك، بل فيها تنبيه على ما هو أغلظ منها \".\nواختار ابن جرير في جامع البيان (١٦/ ٥١٠) أن المراد بالظلم هنا كل معصية لله تعالى.","vol":"1","page":1568},{"text":"واختلف النحاة في خبر ﴿إِنَّ﴾؛ فقال بعضهم: الواو في ﴿وَيَصُدُّونَ﴾ زيادة وهو الخبر، وقيل: ﴿نُذِقْهُ﴾، وهو قول الزجاج (١)، وزيفه النحاس (٢)، ووجه ذلك أن الموصول فيه معنى الشرط فجاز وقوع المجزوم خبرًا عنه (٣).\nوقيل: الخبر محذوف أي: هلكوا، وقيل: خبره ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ وإن طال لأن الكل صفة المسجد والحج وما يتعلق بذلك.\n﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ أي: واذكر يا محمد كيف كان بدء بناء البيت. وقيل: فيه مضمر، تقديره: وأوصينا إذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت، تقول: تبوأ الرجل منزلًا اتخذه، وبوأه غيره منزلًا أعطاه، وأصله باء إذا رجع وبوأته جعلت له منزلًا يرجع إليه، واللام في لإبراهيم زيادة كقوله ﴿بَوَّأْنَا بَنِي ﴿بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [يونس: ٩٣]، وقوله ﴿تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٢١].\n﴿مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ موضع البيت وكان البيت قد رفع.\n﴿أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا﴾ أي: وأمرنا. وقيل: وقلنا لا تشرك بي شيئًا (٤).\n﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ من الأوثان وأن لا يُعْبَد فيه غيري.\nوقيل: من الأقذار وأن يُجْرَى فيه ما يُجْرَى في سائر البيوت (٥).\n﴿لِلطَّائِفِينَ﴾ لمن يطوف به.\n﴿وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ أي: المصلين؛ فإن الصلاة قيام وركوع وسجود.\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن للزجاج (٣/ ٣٤٢).\n(٢) النحاس تنظر ترجمته ص: ٢٢٨\n(٣) انظر: إعراب القرآن للنحاس (٣/ ٩٣).\n(٤) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٢٦٦).\n(٥) انظر: النكت والعيون (٣/ ١٧).","vol":"1","page":1569},{"text":"﴿وَالرُّكَّعِ﴾ جمع راكع. و﴿السُّجُودِ﴾ جمع ساجد، ولم يذكر الواو بين الركوع والسجود وذكر بين القيام والركوع لأن الصلاة قاعدًا جائز ولا يجوز بغير الركوع والسجود.\nوقيل: ﴿وَالْقَائِمِينَ﴾ بمعنى المقيمين فيه (١).\n﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ هذا عطف على ما قبله أي: أمرنا إبراهيم وقلنا له أذن في الناس بالحج أعلمهم وناد فيهم.\nالحسن: هذا استئناف وخطاب لمحمد ﷺ (٢)، والأول أظهر لأن جُل المفسرين رووا أن إبراهيم ﷺ قال: لما أمره الله بالتأذين قال: يارب وما يبلغ صوتي؟ فقال الله: عليك الأذان وعلي البلاغ. فقام إبراهيم على المقام، وقيل: على أبي قبيس ونادى: يأيها الناس أن ربكم بنى بيتًا فحجوه فأسمع الله ذلك من في أصلاب الرجال وأرحام النساء وما بين المشرق والمغرب والبحر والبر ممن سبق في علم الله أن يحج إلى يوم القيامة فأجابوه وقالوا: لبيك اللهم لبيك (٣).\nوروى عن ابن عباس، ﵄ أنه قال: \"الناس هاهنا أهل القبلة\" (٤).\nقوله ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ أي: ماشين على أقدامهم جمع راجل، والرَّاجِل: هو الذي يمشي على رجليه، وكذلك رجل ورجلان، وامرأة رجلى، حكاه سيبوبه (٥).\n﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ أي: بعير مهزول أتعبه السفر لبعده.\n_________\n(١) قاله قتادة.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ١٧).\n(٢) انظر: النكت والعيون (٤/ ١٨)، البحر المحيط (٦/ ٣٣٦)، والصواب أنه خطاب لإبراهيم ﵇.\n(٣) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٦/ ٥١٥) عن ابن عباس، ﵄.\n(٤) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٦/ ٥١٧).\n(٥) انظر: كتاب سيبويه (٣/ ٦٤٦)، إعراب القرآن للنحاس (١/ ٣٢٢).","vol":"1","page":1570},{"text":"وقيل: كل ضامر، الضُّمْر: الصِّلاب الأقوياء (١).\n﴿يَأْتِينَ﴾ جَمع حملًا على معنى كل ضامر. ﴿مِنْ كُلِّ فَجٍّ﴾ طريق.\n﴿عَمِيقٍ﴾ بعيد، وأصل العمق البعد سفلًا، تقول: بئر عميق أي: بعيدة الغور، والفعل عَمَقَ وعَمُقَ (٢).\n﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ ليحضروا منافع دينهم. وقيل: متاجر (٣).\nوقيل: الأسواق (٤).\nوقيل: منافع الدين والدنيا معًا (٥).\nوقيل: معنى ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ ليشهدوا مكة ومشاهدها للحج والعمرة (٦).\nوقيل: العفو والمغفرة (٧).\n﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ يريد ذكر اسم الله عند الذبح.\nوالأيام المعلومات قيل: هي عشر ذي الحجة (٨).\nوقيل: يوم النحر (٩).\nوقيل: يوم التروية وأربعة بعده (١٠)،\n_________\n(١) انظر: القاموس المحيط (٥٥١) / غريب الحديث للخطابي (١/ ٣٠٢).\n(٢) انظر: معاني القرآن للنحاس (٤/ ٣٩٩).\n(٣) قاله ابن عباس، ﵄، وسعيد بن جبير.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٥٢٠).\n(٤) قاله ابن عباس، ﵄.\nانظر: المصدر السابق (١٦/ ٥٢٠).\n(٥) قاله مجاهد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٥٢١).\n(٦) حكاه في النكت والعيون (٤/ ١٩).\n(٧) قاله أبو جعفر، ومحمد بن علي.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٥٢٢)، واختار أن المراد: ليشهدوا منافع لهم من العمل الذي يرضي الله، والتجارة.\n(٨) قاله مجاهد، وقتادة.\nانظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٣٩٢).\n(٩) وهو مروي عن علي ﵁.\nانظر: معالم التنزيل (٥/ ٣٧٩).\n(١٠) قاله الضحاك.\n\nانظر: النكت والعيون (٤/ ١٩).","vol":"1","page":1571},{"text":"والأحسن أن تجعل أيام النحر؛ لأن المراد بذكر اسم الله ذكر اسمه على القرابين وأنها تكون في أيام النحر (١).\n﴿عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ أي: فليضحوا الضحايا من الإبل والبقر والغنم واذكروا اسم الله عند الذبح، وأضاف البهيمة إلى الأنعام لأنها قد تكون من غير الأنعام لأن كل ما لايعقل بهيمة فصار من باب ثوب وخز.\n﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ أي: من لحومها.\n﴿وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ الزَّمِن المحتاج، والبائس: الذي في بئس وشدة من العيش، والفقير: الذي كأنه أصيب فقاره.\nوفي الأكل والإطعام ثلاثة أقوال:\nأحدها: أنهما واجبان.\nوالثاني: أنهما مستحبان.\nوالثالث: أن الأكل مستحب والإطعام واجب، وهذا فيما كان تطوعًا فأما إذا كان واجبًا فلا يجوز الأكل منه (٢).\n_________\n(١) والذي علبه الجمهور أن الأيام المعلومات أيام العشر من ذي الحجة، وهو قول ابن عباس، ﵄، وأبو موسى الأشعري ﵄، ومجاهد، وقتادة، وعطاء، وسعيد بن جبير، والحسن، والضحاك، وهو مذهب أبو حنيفة، والشافعي، والمشهور عن الإمام أحمد.\nانظر: المغني (٣/ ٢٨٨، ٢٨٩)، المقنع مع الشرح الكبير لموفق الدين بن قدامة (٥/ ٣٧٠)، أحكام القرآن للجصاص (٣/ ٣٤٥)، أحكام القرآن لابن العربي (٣/ ٢٨٣)، نيل الأوطار للشزكاني (٣/ ٣٨٤)، السيل الجرار للشوكاني (١/ ٣٢١).\n(٢) الذي عليه الأكثرون أنه من باب الرخصة أو الاستحباب، وأن الأمر للإباحة وليس للوجوب.\n\nقال ابن كثير في تفسيره (٣/ ٢٢٧) \" استدل بهذه الآية من ذهب إلى وجوب الأكل من الأضاحي، وهو قول غريب، والذي عليه الأكثرون أنه من باب الرخصة أو الاستحباب، كما ثبت أن رسول الله ﷺ وسلم لما نحر هذيه أمر من كل بدنة ببضعة فتطبخ فأكل من لحمها وحسا من مرقها\"، واختار هذا القول ابن جرير في جامع البيان (١٦/ ٥٢٣).\nوانظر: أحكام القرآن للشافعي (٢/ ٨٥)، أحكام الحديث للشافعي (٥٣٢)، الكافي لابن قدامة (١/ ٥٢٧)، أضواء البيان للشنقيطي (٥/ ١٩٣).","vol":"1","page":1572},{"text":"﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ أخذ الشارب، وحلق العانة، ونتف الإبط، والأخذ من الشعر، وتقليم الأظفار كأنه الخروج من الإحرام إلى الإحلال.\nوقيل: هو ما يلزم المحرم من إماطة الأذى (١).\nوقيل: التفث سائر المناسك (٢).\nابن عمر: التفث الآثام وهي رمي الجمار (٣).\nوأصل التفث الوسخ وكل قاذورة تلحق (٤) الإنسان، وحكى قطرب: تَفَثَ الرجل إذا كثر وسخه في سفره (٥).\nأبو محمد البصري (٦): أصل التفث من التف وهو وسخ الأظفار قلب الفاء ثاءً كجدث ومغثور (٧).\nالزجاج: معنى التفث لا يعرفه أصل اللغة (٨) إلا من التفسير (٩).\n_________\n(١) وهو قول ابن عباس، ﵄، وجاهد، وابن جريج.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٥٢٧، ٥٢٦).\n(٢) وهو مروي عن ابن عباس، ﵄.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٥٢٦).\n(٣) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٦/ ٥٢٦)، وهو قول مجاهد.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٢٠).\n(٤) في ب \" يلحق \".\n(٥) لم أقف عليه، والله أعلم.\n(٦) أبو محمد البصري، حبيب بن الشهيد الأزدي، أرسل عن الزبير بن العوام وأنس بن مالك ﵄، وروى عن الحسن البصري وميمون بن مهران، كان ثبتًا ثقة، من كبار العلماء، له نحو مائة حديث، توفي سنة خمس وأربعين ومائة.\nانظر: سير أعلام النبلاء (٧/ ٥٦)، تهذيب التهذيب (٢/ ١٧١).\n(٧) انظر: غرائب التفسير للكرماني (٢/ ٧٥٩).\n(٨) في ب \" لا يعرفه أصل اللغة \".\n(٩) انظر: معاني القرآن للزجاج (٣/ ٣٤٤)، وذكر نحوه النحاس في معاني القرآن (٤/ ٤٠٢).\n\nقال في مختار الصحاح (٤٠) \" التفث في المناسك ما كان من نحو قص الأظفار، والشارب، ... وحلق الرأس، والعانة، ورمي الجمار، ونحر البُدْن، وأشباه ذلك \"، وانظر: المفردات للراغب (١٦٥)، مادة: تَفَثَ.","vol":"1","page":1573},{"text":"﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ أي: فليتموا، وإيفاؤها الإتيان بها عن آخرها.\nوقيل: فليوفوا الله بما نذروا من هدي وبدنة وغير ذلك (١).\nوقيل: هي إراقة الدماء (٢).\n﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ يريد طواف الزيارة بعد الحلق والقصر، والطواف: أن يدور حول البيت، و(البيت العتيق) الكعبة، وفي تسميته عتيقًا أقوال:\nأحدها: أنه القديم، لأن آدم بناه وجدده إبراهيم (٣).\nوقيل: العتيق الذي لم يملكه أحد (٤).\nوقيل: أعتق من الطوفان فلم يهدمه (٥).\nوقيل: أعتق من الهلك فلم يغلب عليه مَلِك (٦).\nوقيل: العتيق الكريم (٧).\n﴿ذَلِكَ﴾ أي: الأمر ذلك وهو خبر مبتدأ محذوف. وقيل: ذلك الأمر والشأن فهو مبتدأ محذوف الخبر. وقيل: تقديره: ليفعلوا ذلك.\n﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ﴾ دين الله. وقيل: هو ما وجب القيام به (٨).\nوقيل: تعظيم الكعبة وحجها بالإتيان بما أمروا الكف عما نهي (٩).\n_________\n(١) قاله ابن عباس، ﵄، ومجاهد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٥٢٩، ٥٢٨).\n(٢) قال ابن جرير في جامع البيان (١٦/ ٥٢٨) \" وليوفوا الله بما نذروا من هدي وبدنة وغير ذلك \".\n(٣) قاله ابن زيد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٥٣٠).\n(٤) قاله مجاهد.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٢١).\n(٥) قاله ابن زيد.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٢١).\n(٦) قاله ابن الزبير.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٥٢٩).\n(٧) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٧/ ٢٠)، زاد المسير (٥/ ٤٢٧)، تفسير ابن كثير (٣/ ٢٢٨).\n(٨) قاله الكلبي.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٢١).\n(٩) قاله مجاهد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٥٣٤).","vol":"1","page":1574},{"text":"ابن زيد: ﴿حُرُمَاتِ اللَّهِ﴾ البيت الحرام، والمشعر الحرام، والشهر الحرام (١).\n﴿فَهُوَ﴾ أي: التعظيم. ﴿خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ ثواب له مدخر.\n﴿وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ أي: مباح أكلها إلا ماذكر في قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ الآية (٢) [المائدة: ٣].\nوقيل: أُحل لكم في حال إحرامكم أكل لحوم الأنعام إلا ما يتلى عليكم من الصيد في الإحرام (٣).\n﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ أي: اجتنبوا الأوثان كما يجتنب الشيء القذر أي: دعوا عبادة الأوثان.\nوقيل: هي ما كانوا ينحرون عليها هديهم ويصبون عليها الدماء ومع رجسها يمسحونها فنهى الله عن ذلك، والأول أظهر (٤).\nوالرِّجْس على وجهين: القذر المنتن في النهاية، والرجس القبيح في النهاية، و﴿مِنَ﴾ فيه للتبيين.\nوقيل: لابتداء الغاية أي: من عبادة الأوثان (٥).\nوقيل: اجتنبوا من الأوثان الرجس وهو عبادة الأوثان (٦).\n_________\n(١) في أ: \" والشهر الحرام والمشعر الحرام \".\nأخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٦/ ٥٣٤).\n(٢) \" الآي \" ساقط من أ.\n(٣) حكاه في النكت والعيون (٤/ ٢١).\n(٤) وهو اختيار ابن جرير في جامع البيان (١٦/ ٥٣٥).\n(٥) انظر: معاني القرآن للنحاس (٤/ ٤٠٥).\n(٦) انظر: معاني القرآن للزجاج (٣/ ٣٤٥)، إعراب القرآن للنحاس (٣/ ٩٦).","vol":"1","page":1575},{"text":"﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ الكذب، قال رسول الله ﷺ \" إياكم والزور فإن الله تعالى جعله عديلًا للشرك وجمع بينهما في النهي عنهما \" (١).\nوقيل: الزور الشرك، وقولهم الملائكة بنات الله، وأنه حَرَّمَ البَحِيرَة وأخواتها (٢).\n﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ﴾ على ملة إبراهيم. وقيل: مخلصين بالتلبية (٣).\n﴿غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ لأنهم كانوا يقولون: لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك.\n_________\n(١) أخرجه أبو داود في سننه (٢/ ٣٢٩)، باب في شهادة الزور، ح: ٣٥٩٩، والترمذي في السنن (٤/ ٥٤٧)، باب: ما جاء في شهادة الزور، ح: ٢٣٠٠، وابن ماجة في السنن (٢/ ٧٩٤)، باب: شهادة الزور، ح: ٢٣٧٢، مرفوعًا عن خزيم بن فاتك، وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (٢/ ٥٠) ح: ١٣٨٢.\nوأخرجه الترمذي في سننه (٤/ ٥٤٧)، باب: ما جاء في شهادة الزور، ح: ٢٢٩٩، عن أيمن ابن خزيم مرفوعًا، قال الترمذي \" حديث غريب، ولا نعرف لأيمن بن خزيم سماعًا من النبي ﷺ \".\nوأخرجه الطبراني في الكبير (٩/ ١٠٩) ح: ٨٥٦٩، وعبد الرزاق في المصنف (٨/ ٣٢٧)، ح: ١٥٣٩٥، عن ابن مسعود ﵁ مرفوعًا، وحسن إسناده الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢/ ٢٨٣) ح: ٢٣٠١.\n(٢) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٥٣٥)، وكانت العرب تحرم بعض الأنعام وهي التي قال تعالى فيها ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ [المائدة: ١٠٣]، والبَحِيرَة: هي التي يُمْنع درها للطواغيت، فلا يحتلبها أحد من الناس.\n(٣) انظر: النكت والعيون (٤/ ٢٣).","vol":"1","page":1576},{"text":"﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ﴾ الزجاج: أي: بُعْدُ من أشرك به من الحق كبُعُدِ من خَرَّ من السماء (١).\n﴿فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ (٢) فذهب به الطير، أو هوت به الريح في مكان بعيد من السماء.\nوقيل: معناه: من كفر فلا اعتصام له كمن خَرَّ من السماء ولا شيء له يتعلق به فينجوا (٣). وقيل: معناه بُعْدُ من أشرك بالله من الخلاص كبعد من خَرَّ من السماء (٤).\n﴿فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ﴾ فاختطفته الطير فبعد من الخلاص (٥)، أو الهوي من مكان بعيد مهلك. وقيل: من أشرك بالله بعد في القيامة من الخير كبعد من اختطفته الطير بمخالبه أو حملته الريح فلا يقدر (٦) على استمساك (٧).\nوقيل: أعماله باطلة كعمل من هذه حاله (٨).\nوقوله ﴿أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ عطف على ﴿خَرَّ﴾، وتقديره: فكأنما تهوي به الريح من مكان مرتفع إلى مكان منخفض بعيد، والخُرُور: السقوط على الوجه (٩). والخطف والتخطف: السَّلْبُ بسرعة (١٠).\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن للزجاج (٣/ ٣٤٥).\n(٢) ﴿فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ الآية ساقطة من أ.\n(٣) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٢٧٠).\n(٤) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٥٣٨).\n(٥) في ب: \" فاختطفته الطير من الخلاص \"\n(٦) في ب: \" ولا يقدر \".\n(٧) انظر: معالم التنزيل (٥/ ٣٨٤).\n(٨) قاله الحسن.\nانظر: معالم التنزيل (٥/ ٣٨٤).\n(٩) خَرَّ الماء يخِرُّ إذا جرى بشدة، وخَرَّ البناء سقط، وخَرَّ لله ساجدًا أي: سقط.\nانظر: القاموس المحيط (٤٩٠)، لسان العرب (٤/ ٥٧)، مادة: خَرَرَ.\n(١٠) الخَطْفُ: الأخذ في سرعة واستلاب.\n\nانظر: القاموس المحيط (١٠٢٧)، لسان العرب (٤/ ١٤١)، مادة: خَطَفَ.","vol":"1","page":1577},{"text":"والهُويّ: السقوط. والسَّحِيق: البعيد، تقول: سُحق بالضم بَعُد، وسَحَقَه: بالفتح أبعده، وسَحِق بالكسر: هَلَك (١).\n﴿ذَلِكَ﴾ أي: الأمر ذلك، وقد سبق (٢).\n﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ في الشعائر ثلاثة أقوال:\nأحدها: شعائر الله جمع شَعيرة وهي: البُدْن أُشْعِرت بالدم، وقُلِّدَت بلحاء الشجر أو بالنعل.\n﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾ أي: اللبن والوبر والحمل عليها والركوب والكِرا.\n﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ إلى أن يُشْعَر، فإذا أُشعر (٣) لا يجوز ركوبها إلا عند الضرورة.\n﴿ثُمَّ﴾ أي: بعد أن يشعر (٤). ﴿مَحِلُّهَا﴾ موضع نحرها.\n﴿إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ الحَرَم كله، ومنهم من جوز الانتفاع بها بعد أن تشعر إلى أن تنحر (٥)،\n_________\n(١) سَحَقَ الشيء يسحقه سحقًا دقه أشد الدق، وسحقت الريح الأرض إذا قشرت وجهها بشدة هبوبها، والسُّحق البُعْدُ.\nالقاموس المحيط (٢٤٩)، (٢٤٩)، المصباح المنير (١/ ٢٦٨)، مادة: خطف.\n(٢) في قوله تعالى (ذلك ومن يعظم حرمات الله) [الحج: ٣٠].\n(٣) في أ: \" إلى أن تشعر فإذا أُشعرت \".\n(٤) في أ: \" بعد أن تشعر \".\n(٥) في ب: \" بعد أيشعر أو ينحر \".\nمذهب الإمام مالك، والشافعي، وأبو حنيفة جواز الانتفاع بها عند الحاجة لما أخرج البخاري في (ك: الحج، باب: ركوب البُدن، ح: ١٦٩٨)، ومسلم في (ك: الحج، باب: جواز ركوب البُدن المهداة لمن احتاج إليها، ح: ١٣٢٢) عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ رأى رجلًا يسوق بدنة فقال: اركبها. فقال: إنها بدنة. فقال: اركبها. فقال: إنها بدنة. قال: اركبها ويلك، في الثالثة أو الثانية\"، وإن نقصت رد قيمته.\n\nانظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٢/ ٥٧)، فتح الباري لابن حجر (٣/ ٦٢٨).","vol":"1","page":1578},{"text":"وتعظيمها على هذا القول تحسينها وتسمينها.\n﴿فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ أي: أصحاب القلوب.\nوالثاني (١): شعائر الله فرائض الله ومواضع نسكه.\n﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾ بالتجارات والمعاملات في الأسواق.\n﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ وقت الخروج من هذه المواضع.\n﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ إلى طواف الزيارة والخروج من الإحرام.\nوالثالث: شعائر الله دينه كله وفروضه، وتم الكلام على ﴿الْقُلُوبِ﴾ ثم عاد إلى حديث الأنعام.\nوقيل: بل الضمير يعود إلى شعائر الله وهي الدين ومنافع الدين لا يخفى.\n﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ الموت.\n﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا﴾ يُشْكِل على هذا التأويل؛ فقيل: الإيمان به والتوجه إليه بالصلاة وكذلك القصد بالحج والعمرة، ولو قيل على هذا التأويل: إن البيت العتيق الجنة لم يبعد، والله أعلم (٢). ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ ولكل أهل دين قبلكم.\n﴿جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾ ذبائح يتقربون بها إلى الله، والنَّسْكُ: الذبح، والنسيكة الذبيبحة على وجه التقرب.\n_________\n(١) في ب: \" الثاني \".\n(٢) انظر: النكت والعيون (٤/ ٢٤).\nوالظاهر أن الشعائر عامة تشمل كل ما كان من عمل أو مكان جعله الله عَلَمًا لمناسك حج خلقه، ولم يخص منها شيئًا، وتكون المنافع من هذه الشعائر إلى أجل مسمى فمنافع البد والهدي لكم من حين ملكها إلى أن أوجبتموها هديًا وبدنًا، وما كان من أماكن ينسك لله فيها فمنافعها التجارة عندها والعمل لله، وما كان منها أوقاتًا فيطاع الله فيها بأعمال الحج وبطلب المعاش فيها، ثم محل هذه الشعائر التي لكم فيها منافع إلى أجل مسمى إلى البيت العتيق.","vol":"1","page":1579},{"text":"وقيل: النسك: العبادة، والمَنْسَك: موضعها (١)، الفتح الأصل، والكسر على الشذوذ كالمطلع والمغرب.\nوقيل: منسكًا عيدًا وقربانًا (٢).\nوقيل: إراقة دم (٣).\n﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ﴾ دون غيره.\n﴿عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ أي: مرجع الأديان إلى توحيد الله.\n﴿فَلَهُ أَسْلِمُوا﴾ أي: استسلموا لمحمد (٤) وآمنوا به وانقادوا له (٥) واخضعوا لله وأطيعوه.\n﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ المتواضعين، وقد سبق اشتقاقه (٦).\n﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ هيبة منه وخوفًا. والوَجَلُ: الخوف.\n﴿وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ﴾ في الله وفي مرازئهم.\n﴿وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ﴾ أي: يقيمونها في مواقيتها.\n﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ يزكون ويتصدقون.\n﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ﴾ البُدْنَ: جمع بَدَنَة كخشبة وخشب وأصله الضم ثم خفف.\n_________\n(١) قاله الزجاج في معاني القرآن (٣/ ٣٤٦).\n(٢) قاله الكلبي.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٢٥).\n(٣) قاله مجاهد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٥٥٠).\nقال في المفردات (٨٠٢) \" النُّسُكُ العبادة، والناسك: العابد، واختص بأعمال الحج، والمناسك: مواقف النسك وأعمالها، والنسيكة مختصة بالذبيحة \".\n(٤) في أ: \" استسلموا بمحمد \".\n(٥) في أ: \" وآمنوا وانقادوا له \".\n(٦) في تفسير قوله تعالى ﴿وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ [هود: ٢٣].\nوأصل الخَبْت: المطمئن من الأرض، ثم استُعمل الإخبات استعمال اللين والتواضع.\nانظر: لسان العرب (٤/ ٩)، مادة: خبت.","vol":"1","page":1580},{"text":"وقيل: بَدَن وبُدْن كأَسد وأُسد (١).\nوقيل: بَادن وبُدْن كفارهٍ وفُرْه (٢)، وأصلها من الضخامة، يقال: (٣) بَدُنَ بدانةً، والبُدْن الإبل.\nوقيل: الإبل والبقر والغنم (٤).\nوقيل: المراد به ما يصلح للأضحية (٥).\n﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ متعبداته. وقيل: من أعلام دينه (٦).\n﴿لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ في نحرها وذبحها ثواب.\nوقيل: فيها خير من احتاج إلى ظهرها ركب، وإن احتاج إلى لبنها شرب (٧).\n﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾ يريد عند ذبحها.\nقال ابن عباس، ﵄: \"هو أن يقول بسم الله والله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر\" (٨).\n﴿صَوَافَّ﴾ أي: قِفوها مصفوفة وانحروها قائمة، يعني الإبل خاصة، والسُّنة أن ينحر الإبل قائمة.\nوقرئ (صوافن) (٩)، وهي: التي عُقِلَت إحدى قوائمها تشبيهًا بالفرس الصافن.\nوقرئ (صوافيَ) (١٠) أي: خالصة لله وحده لا يذكر معه الوثن.\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن للزجاج (٣/ ٣٤٧).\n(٢) انظر: المصدر السابق (٣/ ٣٤٧).\n(٣) \" يقال \" ساقط من ب.\n(٤) قاله جابر، وعطاء.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٢٦).\n(٥) والصواب أن المراد بها الإبل خاصة.\n(٦) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٥٥٢).\n(٧) قاله إبراهيم النخعي.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٢٦).\n(٨) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٦/ ٥٥٦).\n(٩) وهي قراء شاذة مروية عن ابن مسعود، وابن عباس، ﵄، والأعمش.\nانظر: المحتسب لابن جني (٢/ ١٢٤)، جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٥٥٩).\n(١٠) وهي مروية عن أبي موسى الأشعري ﵁، والحسن، وزيد بن أسلم، وهي قراءة شاذة.\nانظر: تفسير ابن كثير (١٦/ ٥٥٨)، شواذ القراءات للكرماني (٣٢٩).","vol":"1","page":1581},{"text":"﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ سقطت على الأرض، وهذا يدل على قيامها وهو عبارة عن الموت.\n﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ أمر إباحة، ومن السنة أكل لحم الأضحية، وكان المشركون لا يأكلون من ذبائحهم.\n﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ﴾ السائل، قَنَعَ قنوعًا إذا سأل (١).\nوقيل: القانع الزاهد (٢)، من قَنَع قَنَاعة (٣).\nوقيل: القانع المسكين (٤).\nمجاهد: جارك وإن كان غنيًا (٥).\nوقيل: القانع الذي إذا (٦) أعطيته شيئًا قنع وقَبِل (٧).\nالحسن: القانع الذي يقنع إلى الرجل فيسأله (٨)، كما قال ﴿مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ [إبراهيم: ٤٣]، وهذا يقتضي المقنع.\nأبو عبيدة: القانع: السائل الذي قنع إليك أي: خضع (٩).\n﴿وَالْمُعْتَرَّ﴾ الذي يتعرض للمعروف، إعتره وعَرَّه وعَرَاه واعتراه بمعنى، وقرئ (المعترِ) أي: المعتري (١٠).\nوقيل: المعتر السائل (١١).\n_________\n(١) في ب: \" قنع قنوعًا سأل \".\n(٢) في ب: \" وقيل الزاهد \".\n(٣) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٧/ ٢٤).\nقال في لسان العرب (١١/ ٣٢١) \" القانع الذي يسأل، قَنَعَ بالفتح يقنع قنوعًا ذل للسؤال \".\n(٤) قاله زيد بن أسلم.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٢٧).\n(٥) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٦/ ٥٦٣).\n(٦) \" إذا \" ساقط من أ.\n(٧) في ب: \" الذي إذا أعطيته شيئًا قبل \".\nوهذا القول حكاه الزجاج في معاني القرآن (٣/ ٣٤٨).\n(٨) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٦/ ٥٦٥).\n(٩) انظر: مجاز القرآن لأبي عبيدة (٢/ ٥١).\n(١٠) وهي قراءة شاذة مروية عن الحسن، وأبي رجاء، وعمرو بن عبيد.\nانظر: المحتسب لابن جني (٢/ ١٢٦)، شواذ القراءات للكرماني (٣٢٩).\n(١١) قاله الحسن.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٥٦٥).","vol":"1","page":1582},{"text":"﴿كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ﴾ أي: كما أمركم بنحرها سخرها لكم.\nوقيل: هو كقوله ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ﴾ [الحج: ٣٢] ذلك ومن فيما سبق، ثم استأنف فقال: ﴿سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ﴾ ذللناها لكم مع قوتها وعظم أجرامها.\n﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ لكي تشكروا نعمتي.\n﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا﴾ كانوا في الجاهلية إذا ذبحوا القرابين لطخوا جدار الكعبة بدمائها فهَمَّ المسلمون بمثل ذلك فأنزل الله ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا﴾ (١).\n﴿وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ قيل: معناه لن يقبل الله اللحم (٢) والدم وإنما يقبل التقوى (٣).\nوقيل: لن يصعد اللحم والدم ولكن يصعد إليه التقوى، ومثله ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠] (٤).\nوقيل: معنى يناله التقوى يُعتد ذلك منكم ويحسن موقعها عنده (٥).\nوقيل: معناه ينفعكم ذلك (٦).\nوقيل: لن ينال رضى الله اللحم والدم ولكن ينال رضى الله التقوى (٧).\n﴿كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ﴾ أي: البُدْن.\n﴿لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ يريد التسمية عند الذبح.\n_________\n(١) قاله الكلبي.\nانظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٢٧٢). وعزاه السيوطي في الدر المنثور (١٠/ ٥١٠) لابن المنذر وابن مردويه.\n(٢) في ب: \" لن يقبل اللحم والدم \".\n(٣) انظر: النكت والعيون (٤/ ٢٨).\n(٤) قاله مقاتل.\nانظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٢٧٢).\n(٥) انظر: غرائب التفسير (١/ ٧٦٠).\n(٦) انظر: الكشاف للزمخشري (٤/ ١٩٨).\n(٧) في ب: \" وقيل لن ينال رضى الله التقوى \"، وانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٥٧٠).","vol":"1","page":1583},{"text":"وقيل: التكبير عند الإحلال كالتلبية عند الإحرام، والمعنى: لتعظموا الله على ما أرشدكم إليه (١).\n﴿وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾ الممتثلين أوامره ونواهيه بالقبول. وقيل: بالجنة (٢).\n﴿إِن اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ﴾ في أمانة الله.\n﴿كَفُورٍ﴾ نعمة ربه. وقيل: هذا خبر إن كما سبق وهو من تمام الكلام (٣) في الحج.\n﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ﴾ في سبب النزول: أن أهل مكة كانوا يؤذون أصحاب رسول الله ﷺ ولا يزالون يجيئون بين مضروب ومشجوج ويشكون إلى رسول الله ﷺ فيقول لهم: اصبروا فإني لم أؤمر بالقتال، حتى هاجر رسول الله ﷺ فأنزل الله هذه الآية (٤).\nابن عباس، ﵄: لما أُخرج النبي ﷺ وسلم من مكة قال أبو بكر ﵁: \"أخرجوا نبيهم تالله ليهلكن فأنزل الله ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ﴾ الآية، قال أبو بكر: \" فعرفت أنه سيكون قتال \" (٥).\nمجاهد: نزلت في أقوام بأعيانهم أرادوا الخروج من مكة إلى المدينة للهجرة فمنعوا فأذن الله لهم في قتال الذين يمنعونهم من الهجرة (٦).\n_________\n(١) انظر: النكت والعيون (٤/ ٢٨).\n(٢) انظر: المصدر السابق (٤/ ٢٨).\n(٣) في أ: \" وهذا من تمام الكلام \".\n(٤) انظر: أسباب النزول للواحدي (٣٥٧)،\n(٥) أخرجه الترمذي في السنن (٥/ ٣٢٥)، ح: ٣١٧١، وابن حبان في صحيحه (١١/ ٨)، باب: في ذكر الخبر المدحض قول من زعم أن فرض الجهاد كان بعد قدوم النبي ﷺ وسلم المدينة، ح: ٤٧١٠، والحاكم في المستدرك (٢/ ٧٦)، كتاب الجهاد، ح: ٢٣٧٦.\n(٦) انظر: تفسير مجاهد (٢/ ٤٢٦).","vol":"1","page":1584},{"text":"والمعنى: أَذن الله للمؤمنين (١) الذين يصلحون للقتال في قتال الكفار.\n﴿بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ بسبب أنهم ظُلِموا ومن أجل أنهم ظُلِموا، ومن فتح التاء فالمعنى: أُذن لمن يُقاتَل بأن يقاتِل لأنهم ظلموا بالقتال والإخراج من ديارهم (٢).\nابن عباس، ﵄: هذه أول آية نزلت في القتال نُسِخَت بها كل آية أُمر فيها بالكف عن القتال (٣).\n﴿وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ﴾ على نصر المؤمنين وقهر الكفار.\n﴿لَقَدِيرٌ﴾ قادر، وهذه بشارة للمؤمنين بالنصرة.\n﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ أي: أُخرجوا من مكة ظلمًا بغير حق أوجب إخراجهم. وقيل: بغير حق استحقوا ذلك (٤).\n﴿إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ هذا استثناء منقطع أي: لكنهم يقولون ربنا الله.\n_________\n(١) في أ: \" والمعنى إذن الله المؤمنين \".\n(٢) قرأ ابن كثير، وابن عامر، وحمزة، والكسائي (أَذِن) بفتح الألف، وقرأ نافع، وأبو عمرو، وحفص عن عاصم (أُذِن) بضم الألف.\nوقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي (للذين يُقاتِلون) بكسر التاء، وقرأ نافع، وابن عامر، وحفص عن عاصم بفتحها.\nانظر: الغاية في القراءات العشر لابن مهران النيسابوري (٢١٤)، العنوان في القراءات السبع لأبي طاهر الأنصاري (١٣٥).\n(٣) أخرجه عبد الرزاق الصنعاني في تفسيره (٢/ ٣٩) عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، ﵄، وأخرج أيضًا عن قتادة بمثله، وعزاه السيوطي في الدر (١٠/ ٥١٢) لعبد بن حميد.\nويروى مثل هذا القول عن عروة بن الزبير، والزهري، وابن جريج.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٥٧٦)، الدر المنثور للسيوطي (١٠/ ٥١٣).\n(٤) لم أقف عليه، والله أعلم.","vol":"1","page":1585},{"text":"وقيل: محله جر بدلًا من قوله ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ أي: أخرجوا بأن يقولوا ربنا الله أي: بسبب قولهم (١).\n﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ أي: يدفع الكفار عن المسلمين وديارهم ومتعبداتهم بالمسلمين وبأمثالهم من الكفار.\nوقيل: ولولا دفع الله عن المؤمنين بالنبيين وعن القاعدين بالمجاهدين (٢).\nوقيل: دفع الله بأصحاب رسول الله ﷺ وسلم عمن بعدهم من التابعين (٣).\nوقيل: ولولا دفع الله عن النفوس بالقصاص (٤)، وعن المنكر بالمعروف (٥).\n﴿لَهُدِّمَتْ﴾ لأُخربت. ﴿صَوَامِعُ﴾ أي: صوامع الرهبان.\nقتادة: مُصَلى الصابئين (٦).\n_________\n(١) انظر: إعراب القرآن للنحاس (٣/ ١٠٠).\n(٢) قاله الكلبي.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٢٩).\n(٣) قاله علي بن أبي طالب، ﵁.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٥٧٨).\n(٤) في أ \" وقيل: دفع الله عن النفوس بالقصاص \".\n(٥) انظر: النكت والعيون (٤/ ٢٩).\nقال ابن كثير في تفسيره (٣/ ٢٣٦) \" لولا أنه يدفع بقوم عن قوم ويكف شرور أناس عن غيرهم بما يخلقه ويقدره من الأسباب لفسدت الأرض ولهلك القوي الضعيف \".\n(٦) انظر: تفسير مقاتل (٢/ ٣٨٥).","vol":"1","page":1586},{"text":"الحسن: صوامع المؤمنين (١)، لقوله ﷺ وسلم \" نعم صومعة المؤمن بيته\" (٢) واشتقاقها من الصمع وهو الصَغَر في الأذن تقول: أُذن صمعاء (٣).\n﴿وَبِيَعٌ﴾ أي: بيع النصارى (٤).\nمجاهد: كنائس اليهود (٥).\nالحسن: هي مواضع يتخذها المؤمنون للصلاة، واحدها بيعة (٦).\n﴿وَصَلَوَاتٌ﴾ الضحاك: كنائس اليهود قال: ويسمونها صَلُوتًا (٧).\nوقيل: مواضع صلوات المسلمين فحذف المضاف (٨).\nالحسن: هي عين الصلاة، قال: وهدمها بقتل من عليها ومنعهم عنها (٩)، ويحتمل وتركت صلوات، كقول الشاعر:\n. . . . . . . . . . . . . . . . ... متقلدًا سيفًا ورمحًا. (١٠)\n_________\n(١) انظر: غرائب التفسير للكرماني (٢/ ٧٦١).\n(٢) رواه العسكري عن أبي الدرداء مرفوعًا كما في كنز العمال (٣/ ١٣١٨)، ورواه البيهقي في الشعب (٧/ ٣٧٩) موقوفًا، وانظر: كشف الخفاء للعجلوني (٢/ ٢٨٩).\n(٣) قال في لسان العرب (٧/ ٤٠٦) مادة: صمع \" صَمِعت أُذنه وهي صمعاء صغرت ولم تُطَرف، وكان فيها اضطمار ولصوق بالرأس، والأصمع الصغير الأذن \".\n(٤) وهو قول أبو العالية، وقتادة، والضحاك، ومقاتل.\nانظر: تفسير ابن كثير (٣/ ٢٣٦).\n(٥) انظر: تفسير مجاهد (٢/ ٤٢٧)، وعزاه السيوطي في الدر (١٠/ ٥١٧) لابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(٦) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٧/ ٢٤).\n(٧) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٦/ ٥٨٤)، وأخرج أيضًا نحوه عن ابن عباس، ﵄ ﵄.\n(٨) قاله ابن زيد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٥٨٥).\n(٩) انظر: غرائب التفسير للكرماني (٢/ ٧٦١).\n(١٠) وتمامه: ورأيت زوجك في الوغى ... متقلدًا سيفًا ورمحًا.\n\nانظر: الخصائص لابن جني (٢/ ٢٣١)، خزانة الأدب لتقي الدين الحموي (٢/ ٢٧٥).","vol":"1","page":1587},{"text":"أي: وحاملًا رمحًا.\nوروي عن الحجاج (١): وصلوب جمع صليب، ومثله ظريف وظروف وعَناق وعُنُوق وهما أختان (٢).\n﴿وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ أي: في المساجد.\nوقيل: في جميع ما تقدم (٣).\nالزجاج: لهدمت صوامع في أيام شريعة عيسى، وبِيَعٌ في أيام شريعة موسى، ومساجد في أيام شريعة موسى عليهم الصلاة والسلام (٤)، والمعنى: لهدِّم في أيام كل شريعة (٥) موضع عبادتهم.\n﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ أي: ينصر دينه.\n_________\n(١) هو الحجاج بن يوسف بن أبي عقيل الثقفي الأمير، كان في أول نشأته مؤدب كتاب، كان من قواد بني أمية، حاصر مكة ورماها بالمنجنيق إلى أن قتل عبد الله بن الزبير ﵁، ولاه عبد الملك بن مروان الحرمين، ثم جمع له الكوفة، كان شجاعًا مقدامًا سفاكًا للدماء، توفي سنة خمس وتسعين.\nانظر: سير أعلام النبلاء (٤/ ٣٤٣)، تهذيب التهذيب (٢/ ١٩٤).\n(٢) انظر: غرائب التفسير للكرماني (٢/ ٧٦١).\nقال ابن جرير في جامع البيان (١٦/ ٥٨٦) \" معنى ذلك لهدمت صوامع الرهبان، وصلوات اليهود - وهي كنائسهم - ومساجد المسلمين التي يذكر فيها اسم الله كثيرًا، وإنما قلنا هذا القول أولى بتأويل ذلك لأن ذلك هو المعروف من كلام العرب المستفيض فيهم، وما خالفه من القول وإن كان له وجه فغير مستعمل فيما وجَّهه إليه من وجَّهه إليه \".\n(٣) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٢٧٤).\n(٤) انظر: معاني القرآن للزجاج (٣/ ٣٥١).\n(٥) من \" شريعة عيسى \" إلى \" في أيام كل شريعة \" ساقط من ب.","vol":"1","page":1588},{"text":"﴿إِن اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ الحسن: هم هذه الأمة (١).\nوقيل: هذه صفة الذين أخرجوا من ديارهم (٢).\n﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ مرجع الأمور كلها إليه فيجازي كلًا بعمله.\n﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ﴾ في هذه الآيات تسلية لمحمد ﷺ من تكذيب أهل مكة إياه، أي: لست بأول من نُسِب إلى الكذب من الأنبياء بل كذب كل قوم نبيهم أول ما أتاهم فأمهلهم الله ولم يهملهم فلك بهم أسوة واقتداء، وظاهره شرط والجزاء مضمر تقديره: وإن يكذبوك فلا تحزن، والفاء في قوله ﴿فَقَدْ كَذَّبَتْ﴾ لعطف جملة على جملة بينهما اتصال شديد وليس بجزاء الشرط لوقوع التكذيب منهم.\n﴿قَبْلَهُمْ﴾ قبل قومك. ﴿قَوْمُ نُوحٍ﴾ نوحًا.\n﴿وَعَادٌ﴾ هودًا. ﴿وَثَمُودُ﴾ صالحًا. ﴿وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ﴾ إبراهيم.\n﴿وَقَوْمُ لُوطٍ﴾ لوطًا. ﴿وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ﴾ شعيبًا.\n\n﴿وَكُذِّبَ مُوسَى﴾ كذبه فرعون وقوم فرعون (٣) ولم يقل قوم موسى، لأن قوم موسى بنو إسرائيل وكانوا قد آمنوا به.\n﴿فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ﴾ أخرت آجالهم.\n﴿ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ﴾ عاقبتهم على كفرهم وأهلكتهم يعني قوم نوح بالطوفان، وعادًا بالريح، وثمودا بالصيحة، ونمروذ ببعوضة، وقوم لوط بالخسف وإمطار الحجارة عليهم، وأصحاب مدين بالظلة، وأعداء موسى بالغرق.\n﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ إنكاري بالعذاب والهلاك.\n_________\n(١) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٢٧٤)، البحر المحيط (٦/ ٣٤٨).\n(٢) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٥٨٥)، بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٣٩٧).\n(٣) في أ \" كذبه فرعون \".","vol":"1","page":1589},{"text":"﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾ أهل قرية. ﴿أَهْلَكْنَاهَا﴾ أهلكناهم.\n﴿وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ أهلها مشركون. ﴿فَهِيَ﴾ أي: القرية.\n﴿خَاوِيَةٌ﴾ فيها قولان:\nأحدهما: ساقطة ﴿عَلَى عُرُوشِهَا﴾ سقوفها أي: سقطت ثم سقطت عليها الجدر.\nوقيل: على عروش كرومها (١).\nوالثاني: خاوية خالية من أهلها باقية على حالها.\nوفي العروش على هذا الوجه قولان:\nأحدهما: ما سبق.\nوالثاني: جمع عرش وهو: سرير المُلْك.\n﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ مبطلة بهلاك أهلها.\n\nوقيل: بترك الاستقاء منها وفقد دلوها ورشائها ورفض تفقدها وعمارتها (٢).\nوقيل: غار ماؤها فيبست، وتعطيل الشيء إبطال عمله (٣).\nوالبئر من بارأت، أي: حفرت وهي مؤنثة (٤).\n﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ قيل: حصين (٥).\nوقيل: رفيع، من قول العرب شاده إذا رفعه (٦).\nوقيل: مشيد مبني بالشيد وهو الجص (٧)، عطف بهما على قرية أي: وكأين من قرية وبئر وقصر.\nوقيل: عطفًا على عروشها، وإنما يكون ذلك على من جعل معنى ﴿خَاوِيَةٌ﴾ خالية باقية والمعنى بهما: البادية والحاضرة وهما الناس جميعًا (٨)، وفي البئر والقَصْرِ قولان:\n_________\n(١) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٧٦٢)، التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي (١/ ٤٦٦).\n(٢) قاله الضحاك.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٥٩٠).\n(٣) انظر: النكت والعيون (٤/ ٣١).\n(٤) البِئر: القليب، مؤنث، والجمع آبار، وحافرها بأْر وأبَّار.\nانظر: مختار الصحاح (٢٤)، لسان العرب (١/ ٣٠١)، مادة: بأر.\n(٥) قاله الكلبي.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٣١).\n(٦) قاله قتادة، والضحاك.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٥٩٤، ٥٩٣).\n(٧) حكاه الزجاج في معاني القرآن (٣/ ٣٥١).\n(٨) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٧٦٢).","vol":"1","page":1590},{"text":"أحدهما: أنهما للعموم وهو الأظهر والأولى.\nوقيل: للخصوص، وفيه قولان:\nأحدهما: أنهما بحضرموت من أرض البحر وهما معروفان، والقصر مشرف على قلة جبل لايرتقى إليه بحال، والبئر في سفحه لا تقر الريح (١) شيئًا سقط فيها.\nوالثاني: قال الضحاك \" هذه كانت بحضرموت في بلدة يقال لها حاضور أنزل بها أربعة آلاف ممن آمن بصالح، أتوا حضرموت ومعهم صالح فلما حضروه مات صالح فسموا المكان حضر موت، ثم إنهم كثروا وكفروا وعبدوا الأصنام فبعث الله إليهم نبيًا يقال له: حنظلة بن صفوان وكان حمالًا (٢).\nوقيل: اسمه شريح بن صفوان فقتلوه في السوق فأهلكهم الله عن آخرهم وعَطَّل بئرهم وخرب قصرهم (٣).\nوقال ابن عباس، ﵄ \" أما البئر المعطلة فإنها كانت لأهل عدن من اليمن وهي الرس، قال: وكذلك قال الله لهم أصحاب الرس \" (٤).\nوروى الواقدي (٥)\n_________\n(١) في أ: \" لا يقر الريح \".\n(٢) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٧/ ٢٧).\n(٣) انظر: المصدر السابق (٧/ ٢٧).\n(٤) انظر: البحر المحيط (٦/ ٣٤٩).\n(٥) الواقدي، محمد بن عمر بن واقد الأسلمي، المدينبي، صاحب التصانيف والمغازي، سمع من صغار التابعين فمن بعدهم، وعلى ضعفه المتفق عليه فهو محدث، حافظ، مؤرخ، أديب، فقيه، تولى قضاء الجانب الشرقي من بغداد، توفي سنة سبع ومائتين، ومن مؤلفاته: تاريخ الفقهاء، السنة والجماعة، ذم الهوى.\n\nانظر: سير أعلام النبلاء (٩/ ٤٥٤)، معجم المؤلفين لكحالة (٣/ ٥٦٨).","vol":"1","page":1591},{"text":"بإسناده عن نوف البكالي (١) عن كعب الأحبار أن القصر بناه عاد الثاني وهو منذر بن عاد بن آدم بن عاد حكاه النقاش، ووصف البناء بما لا فائدة في وصفه ثم قال: فكذبوه فأهلكهم الله وإنه ليخرج منها دخان أسود منتن فمن دنا اليوم من القصر سمع أنين القوم (٢).\n\n﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ فيروا آيات عذاب الله في الذين كذبوا الأنبياء فيحذروا وقوع مثل ذلك بهم.\nوقيل: معناه قد ساروا ورأوا فهلا أعملوا عقولهم فاعتبروا (٣).\n﴿فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ ما يراد بهم أي: يعلمون بها، والعقل علم غريزي يكتسب به العلم الاختياري.\n﴿أَوْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ ما يوعظون به أي: ينتفعون بما يسمعون.\n﴿فَإِنَّهَا﴾ قيل: هي القصة كالأمر والشأن. وقيل: كناية عن الإبصار بشريطة التفسير (٤).\n﴿لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ﴾ أي: عن النظر.\n﴿وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ عن الاعتبار.\nوقيل: معناه فليس العمى عمى البصر ولكن العمى عمى القلب (٥).\n_________\n(١) نوف البكالي، تنظر ترجمته ص: ١٢٦\n(٢) لم أقف عليه في مغازي الواقدي، وانظر: روح المعاني (٩/ ١٥٩).\n(٣) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٣٩٨).\n(٤) انظر: النكت والعيون (٤/ ٣٢).\n(٥) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٥٩٥).","vol":"1","page":1592},{"text":"ابن عباس، ﵄ ومقاتل: لما نزل ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ أَعْمَى﴾ [الإسراء: ٧٢] جاء ابن أم مكتوم وهو عبد الله بن زائدة (١) إلى النبي ﷺ فقال: \" يارسول الله أنا في الدنيا أعمى أفأكون في الآخرة أعمى؟ فأنزل الله هذه الآية \" (٢).\nوأكد القلب بالصدر تأكيدًا ونفيًا لمجاز يستعمل القلب له.\nابن عيسى: القلب اسم مشترك فقيد بالصدر (٣).\nقال المفسرون: وفي الآية دليل على أن القلب محل العقل والعلم لا الدماغ.\n﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾ أي: استهزاءً، نزلت في النظر بن الحارث (٤).\n﴿وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ لا يجوز عليه الخلف فهو يأتيهم به للوقت الذي عين له.\nوقيل: ولن يخلف الله وعده في النظرة لهم (٥).\n_________\n(١) ابن أم مكتوم، عبد الله بن قيس بن زائدة بن رواحة القرشي العامري، وأمه عاتكة بنت عبد الله المخزومية، أسلم قديمًا وهاجر إلى المدينة، وكان يؤذن لرسول الله ﷺ ويستخلفه على المدينة يؤم الناس، شهد القادسية واستشهد فيها.\nانظر: الاستيعاب (٣/ ١١٩)، سير أعلام النبلاء (١/ ٣٦٠).\n(٢) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٧/ ٢٧)، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٢/ ٧٧).\n(٣) انظر: غرائب التفسير للكرماني (٢/ ٧٦٢).\n(٤) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٣٩٨)، معالم التنزيل للبغوي (٥/ ٣٩١).\n(٥) انظر: الكشاف (٤/ ٢٠٢).","vol":"1","page":1593},{"text":"﴿وَإِن يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ أي: عذاب يوم من أيام الآخرة يقوم مقام عذاب ألف سنة من سني الدنيا فهم يستعجلون ما هذه صفته، وذهب ابن مسعود ﵁ في جماعة إلى أن كل يوم هناك في قدر ألف سنة من الدنيا (١).\nوقيل: عذاب يوم في الآخرة ينزل منزلة عذاب ألف سنة، وكذلك نعيم يوم في الآخرة يقوم مقام لذات الدنيا ونعيمها ألف سنة لو عاش فيها (٢).\nوقيل: معناه لافوت وإن يومًا عنده وألف سنة سواء (٣).\nابن عباس، ﵄: في جماعة أن كل يوم من الأيام الستة التي خلق الله فيها السموات والأرض كألف سنة مما تعدون (٤).\n﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا﴾ أمهلتها بتأخير عقوبتها.\n﴿وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ كافرة. ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهَا﴾ بالعذاب (٥).\n﴿وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ مرجع الجميع فلا يفوتني شيئ.\n﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ يا أهل مكة.\n﴿إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أي: بشير ونذير، ثم بشر فقال ﴿فَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ الجنة، والكريم من الأشياء هو الذي جمع فضائل متنوعه (٦).\nوقيل: ﴿كَرِيمٌ﴾ حسن (٧).\n_________\n(١) انظر: النكت والعيون (٤/ ٣٣).\n(٢) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٢٧٥)، النكت والعيون (٤/ ٣٣).\n(٣) حكاه الزجاج في معاني القرآن (٣/ ٣٥١).\n(٤) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٦/ ٥٩٦)، وأخرج أيضًا نحوه (١٦/ ٥٩٦) عن مجاهد.\n(٥) في ب: \" بالعقوبة \".\n(٦) في ب: \" الذي جمع فضائل نوعه \".والصواب هو المثبت.\n(٧) حكاه ابن جرير في جامع البيان (١٦/ ٦٠٠).","vol":"1","page":1594},{"text":"وقيل: ﴿كَرِيمٌ﴾ شريف واسع. وقيل: رزق كريم لا يكتسب بالدنيات من التذلل للخلق والأخذ من المنان وارتكاب الظلم (١)، ثم أنذر فقال ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آَيَاتِنَا﴾ يجتهدون في رد القرآن وإبطاله.\n﴿مُعَاجِزِينَ﴾ مقدرين أنهم يعجزوننا ظانين ذلك، و(معجزين) مثبطين الناس عن الإيمان بمحمد ﷺ (٢).\nوقيل: ﴿مُعَاجِزِينَ﴾ يغالبون النبي طامعين في إعجازه (٣).\n﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ النار الموقدة. وقيل: الجحيم إحدى الطبقات (٤).\n﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ﴾ من لابتداء الغاية.\n﴿مِنْ رَسُولٍ﴾ من زيادة لعموم النفي.\n﴿وَلَا نَبِيٍّ﴾ اختلفوا في الرسول والنبي؛ فقال بعضهم: كل رسول نبي وكل نبي رسول. وقال بعضهم: الرسول أعلى شأنًا لأن كل رسول نبي وليس كل نبي رسولًا.\nوقال بعضهم: الرسول: صاحب الشرع، والنبي: هو الذي يؤمر باتباع شرع سابق. وقال بعضهم: الرسول الذي يأتيه الملك بالوحي والنبي الذي يرى في المنام ما يوحى إليه (٥). وقيل: النبي المحدث الذي لم يرسل، وقيل: المراد بالرسول هاهنا الملَك، وبالنبي: الإنس، وفيه ضعف لأن ما بعده ليس من وصف الملك (٦).\n_________\n(١) لم أقف عليهما، والله أعلم.\n(٢) قرأ ابن كثير، وأبو عمر (معجِّزين)، وقرأ الباقون ﴿مُعَاجِزِينَ﴾ بالألف مع التخفيف.\nانظر: الكشف لمكي بن أبي طالب (٢/ ١٢٢)، التيسير للداني (١٥٨).\n(٣) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٦٠١).\n(٤) انظر: المفردات للراغب (١٨٧)، الوسيط للواحدي (١/ ٢٠٠).\n(٥) \" ما يوحى إليه \" ساقط من أ.\n(٦) تنظر الأقوال السابقة في النكت والعيون (٤/ ٣٥).\nالصحيح الذي عليه المحققون أن كل رسول نبي وليس كل نبي رسول.\n\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية في النبوات (١٨٤) \" فالنبي هو الذي ينبئ عن الله وهو ينبئ بما أنبأ الله فإن أرسل مع ذلك إلى من خالف أمر الله فه رسول، وأما إذا كان يعمل بالشريعة قبله ولم يرسل إلى أحد فهو نبي \" أ. هـ بتصرف، وانظر: الفتاوى له (١٨/ ٧)، (١٠/ ٢٩٠).","vol":"1","page":1595},{"text":"﴿إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ فيها قولان:\nأحدهما: تمنى حدّث به نفسه.\nوالثاني: تلا (١)، وأنشد:\nتمنى كتاب الله آخر ليلة ... تمني داود الزبور على رسل (٢).\nوأصل الكلمة من منى الله كذا إذا قدر، وتمنى الإنسان تقديره بلوغه، والتمنى: التلاوة لأن التالي يقدر الحروف (٣) ويذكرها شيئًا فشيئًا (٤).\n﴿أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ في سبب النزول: أن النبي ﷺ لما رأى تولي قومه عنه شق عليه ما رأى من مباعدتهم عما جاءهم به، تمنى في نفسه أن يأتيه من الله ما يقارب به بينه وبين قومه وذلك لحرصه على إيمانهم.\n_________\n(١) وهو الذي عليه أكثر المفسرين.\nانظر: معاني القرآن للنحاس (٤/ ٤٢٥)، معالم التنزيل للبغوي (٥/ ٣٩٤).\n(٢) البيت لحسان بن ثابت يمدح عثمان ﵄، ولم أجده في ديوانه.\nانظر: معاني القرآن للزجاج (٣/ ٣٥٣)، الكشاف (٤/ ٢٠٦).\n(٣) في أ: \" يقدر الحزوف \"، وهو تصحيف.\n(٤) قال الزجاج في معاني القرآن (٣/ ٣٥٢) \"معنى ﴿إِذَا تَمَنَّى﴾ إذا تلا\".\nوهو قول ابن عباس، ﵄، ومجاهد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٦٠٩، ٦١٠).","vol":"1","page":1596},{"text":"فجلس ذات يوم في ناد من أندية قريش كثير أهله وأحب أن لا يأتيه من الله شيء ينفرون به عنه (١) وتنمى ذلك فأنزل الله سورة ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ فقرأها رسول الله ﷺ عليهم حتى بلغ ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ١٩، ٢٠] ألقى الشيطان على لسانه بما كان يحدث به نفسه ويتمناه (تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لترتجى)، وروي \"تلك الغرانقة العلا\"، ويروى \"الغرانيق الأولى منها الشفاعة ترتجى\".\nوالغرانيق والغرانقة جمع غُرْنُوق وغِرْنَاق وهو الحَسَن.\nوقيل: جمع غِرْنيِق، وهو الطير العظيم وكانوا يدّعون أنها تصعد إلى السماء وتعلم الغيوب، وقيل: عنوا أنها كالملائكة فلما سمعت قريش ذلك فرحوا ومضى رسول الله ﷺ في قراءته فقرأ السورة فسجد المسلمون بسجوده وسجد جميع من في المسجد من المشركين فلم يبق في المسجد مؤمن ولا كافر إلا سجد إلا الوليد بن المغيرة، وأبا أحيحة سعيد بن العاص (٢)\n_________\n(١) في ب: \" ينفرون عنه \".\n(٢) أبا أحيحة، سعيد بن العاص بن امية بن عبد شمس، من سادات أمية في الجاهلية، يقال له ذو العصابة، وذو العمامة، كناية عن سيادته، توفي في الطائف في السنة الأولى من الهجرة مشركًا.\n\nانظر: البداية والنهاية (٤/ ٥٨١)، الأعلام للزركلي (٣/ ٩٦).","vol":"1","page":1597},{"text":"فإن كل واحد منهما أخذ كفًا من تراب البطحاء ورفعه إلى جبهته وسجد عليه لأنهما كانا شيخين كبيرين لم يستطيعا السجود، وتفرقت قريش وقد سَرَّهُم ما سمعوا، وقالوا: قد ذكر محمد آلهتنا فأحسن الذكر. وقالوا: قد عرفنا أن الله يحي ويميت ويخلق ويرزق ولكن آلهتنا هذه تشفع لنا عنده فإذا جعل معه لها محمد نصيبًا فنحن معه فلما أمسى رسول الله ﷺ أتاه جبريل فقال: ماذا صنعت تلوت على الناس مالم آتك به عن الله، وقلت مالم أقل لك! فحزن رسول ﷺ حزنًا شديدًا وخاف من الله خوفًا كثيرًا. فأنزل الله هذه الآية. فقالت قريش: ندم محمد على ما ذكر من منزلة آلهتنا عند الله فازدادوا شرًا إلى ما كانوا عليه (١).\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٦/ ٦٠٣)، وما بعدها. وانظر: تفسير ابن كثير (٣/ ٢٣٩، ٢٤٠)، معالم التنزيل للبغوي (٥/ ٣٩٣)، زاد المسير (٥/ ٤٤١).\nوقد أبطل العلماء المحققون قصة الغرانيق سندًا ومتنًا؛ أما سندًا فلأنها جاءت من روايات كلها ضعيفة واهية ولاتصح،\nقال النحاس في الناسخ والمنسوخ (١/ ٦٧) \" وهذا حديث منكر منقطع وفيه هذا الأمر العظيم \".\n\nقال ابن كثير في تفسيره (٣/ ٢٣٩) \"ولم أرها مسندة من وجه صحيح \"، وقال ابن الجوزي في زاد المسير (٥/ ٤٤١) \" قال العلماء المحققون: وهذا لايصح \"، أما من جهة المتن فإنها معارضة لصريح القرآن، قال تعالى ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة: ٤٤، ٤٥، ٤٦]، وقال تعالى ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ٣] وفيها إقرار من النبي ﷺ بالشرك، وحاشاه ذلك، وفيها قدحًا في عصمته ﷺ، وكل ذلك يدل على بطلان هذه القصة ومعارضتها للوحي الذي تكفل الله تعالى بحفظه من التحريف والتبديل.\nأنظر: محاسن التأويل للقاسمي (١٢/ ٣٨)، فتح القدير للشوكاني (٣/ ٤٦٢)، أضواء البيان للشنقيطي (٥/ ٧٣٠)، نصب المجانيق لنسف قصة الغرانيق للألباني، ودلائل التحقيق لإبطال قصة الغرانيق لعلي بن حسن عبد الحميد","vol":"1","page":1598},{"text":"قال قتادة: ألقى الشيطان في تلاوته وهو ناعس (١).\nوقيل: ألقى الشيطان في تلاوته بقراءة الشيطان رافعًا صوته فظن الناس السامعون أنه من قراءة النبي ﷺ (٢).\nابن عيسى: تلاه منافق من شياطين الإنس فخيل إلى الناس أنه من تلاوة النبي ﷺ (٣).\nالحسن: تلك الغرانيق العلا بزعمكم أيها المشركون (٤).\nوبعض المفسرين أنكر هذا أصلًا وقال: النبي معصوم من أن يجري على لسانه ما هو كفر، وبعضهم قال: هذا من الأخبار الآحاد التي لا توجب علمًا، ويحتمل أنه حكى كلامهم ثم أنكر عليهم، وتقديرها: تلك الغرانيق العلى أيها المشركون بزعمكم (٥) كما قال الحسن (٦) أمنها الشفاعة ترتجى وكم ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئًا، والله أعلم.\n﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ فبين بطلان ذلك ويخبر أنه من الشيطان.\n﴿ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آَيَاتِهِ﴾ أي: ينزلها محكمة مثبتة (٧) ولا يجد أحد إلى بطلانها سبيلًا.\n﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بوحيه. ﴿حَكِيمٌ﴾ بخلقه.\n﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً﴾ ضلالًا. وقيل: امتحانًا (٨).\nوقيل: عذابًا أي: سبب عذاب.\n﴿لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ شك ونفاق وهم المنافقون.\n﴿وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ هم المشركون. ﴿وَإِن الظَّالِمِينَ﴾ المنافقين والمشركين.\n_________\n(١) انظر: النكت والعيون (٤/ ٣٥).\n(٢) انظر: المصدر السابق (٤/ ٣٥).\n(٣) انظر: النكت والعيون (٤/ ٣٥).\n(٤) انظر: المصدر السابق (٤/ ٣٥).\n(٥) في ب: \" تلك الغرانيق العلا بزعمكم \".\n(٦) انظر: النكت والعيون (٤/ ٣٥).\n(٧) في أ: \" محكمة مبينة \".\n(٨) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٦١١).","vol":"1","page":1599},{"text":"﴿لَفِي شِقَاقٍ﴾ خلاف. ﴿بَعِيدٍ﴾ عن الحق.\nوقيل: ﴿شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ خلاف طويل مع النبي والمؤمنين (١).\n﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ الإيمان والتوحيد وهم المؤمنون. وقيل: العقل والتمييز (٢).\n﴿أَنَّهُ﴾ أن القرآن.\n﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ﴾ بالقرآن وبالله.\n﴿فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾ فيتواضعوا لله.\n﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ يثبتهم عليه.\n﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾ شك لا يفارقهم أبدًا من سجود النبي ﷺ.\nوقيل: مما تلاه (٣).\nوقيل: من القرآن (٤).\n﴿حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ﴾ القيامة. وقيل: الموت (٥).\n﴿بَغْتَةً﴾ مباغتًا أي: مفاجئًا.\n﴿أَوْ يَأْتِيَهُمْ﴾ قيل: لأحد الشيئين على أصله. وقيل: بمعنى الواو.\n﴿عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ يوم القيامة، لأنه لا يعقب بعده يوم.\nوقيل: عقيم على الكفار فلا يكون لهم فيه خير (٦).\nوقيل: ﴿يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ يوم بدر، سمي عقيمًا لأن نسلهم انقطع فيه (٧).\nوقيل: لأنهم لم ينظروا إلى الليل (٨).\n_________\n(١) حكاه السمرقندي في بحر العلوم (٢/ ٤٠١).\n(٢) لم أقف عليه، والله أعلم.\n(٣) انظر: معالم التنزيل (٥/ ٣٩٦).\n(٤) انظر: النكت والعيون (٤/ ٣٧).\n(٥) انظر: المصدر السابق (٤/ ٣٧).\n(٦) انظر: معاني القرآن للزجاج (٣/ ٣٥٣).\n(٧) قاله مجاهد، وسعيد بن جبير.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٦١٧، ٦١٦)، واختاره أبو حيان في البحر المحيط (٦/ ٣٥٣).\n(٨) قاله الضحاك.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٦١٦).","vol":"1","page":1600},{"text":"وقيل: عقيم لعظم أمره وأنه لا مثيل له لقتال الملائكة فيه (١).\n﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ يوم القيامة كقوله ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر: ١٦].\n﴿يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ يقضي بينهم، ثم بَيَّنَ حكمه فيهم فقال ﴿فَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٥٦) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ أي: عذاب معه ذلة وهوان.\nوقيل: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يوم بدر، فحكم لنبيه بالنصر والمؤمنين بالجنة ولأعدائه بالقتل والهزيمة والنار (٢).\n﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ خرجوا من أوطانهم مجاهدين.\n﴿ثُمَّ قُتِلُوا﴾ في الجهاد. ﴿أَوْ مَاتُوا﴾ حتف أنفسهم.\n﴿لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ الجنة ونعيمها، وقيل: الشهادة ثم الجنة (٣).\nوقيل: العلم والحكمة في الدنيا (٤).\n﴿وَإِن اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ لأنه يرزقهم إلى غير نهاية.\n﴿لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا﴾ مكانًا الجنة، وقيل: هو مصدر، ومن قرأ بالفتح فعلى هذين الوجهين (٥).\n_________\n(١) قاله يحيى بن سلام.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٣٧).\n(٢) وهذا بعيد لأن الله تعالى فصل بعد ذلك بذكر مصير الكفار إلى النار، ومصير المؤمنين إلى الجنة.\n(٣) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٤٠٣).\n(٤) حكاه في البحر المحيط (٦/ ٣٥٤) وضعفه، لأن الله تعالى جعل الرزق الحسن جزاء على قتلهم في سبيل الله، أو موتهم بعد هجرتهم، وبعد ذلك لايكون الرزق في الدنيا.\n(٥) قرأ نافع \" مَدخلًا \" بفتح الميم، وقرأ الباقون بضمها.\nانظر: الحجة لابن خالويه (١٢٣)، التيسير للداني (٩٥).","vol":"1","page":1601},{"text":"﴿يَرْضَوْنَهُ﴾ الجنة يرضاها كل أحد لا يبتغي عنها حولًا.\n﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ﴾ بأحوالهم.\n﴿حَلِيمٌ﴾ لم يعجلهم بالعفو والعذاب.\n﴿ذَلِكَ﴾ أي: الأمر ذلك.\n﴿عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ﴾ نزلت في قوم من المشركين أرادوا قتال قوم من المسلمين لليلتان بقيتا من المحرم، فكره المسلمون القتال فيه وسألوهم (١) أن يكفوا عن قتالهم للشهر الحرام فأبى المشركون إلا القتال فقاتلهم المسلمون ونصر الله المسلمين (٢).\nوقيل: نزلت في أُحد، ومثله ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦] (٣) فسمى الأول عقابًا ازدواجًا للكلام، ومثله قولهم: كما تدين تدان، والأول ليس بمجازاة.\n﴿ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ﴾ أي: حاربوه بعد ذلك، وقيل: بُغي عليه بعد أخذ حقه (٤).\n﴿لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾ أوجب الله على نفسه نصرة المبغي عليه.\nمجاهد: ثم بغي عليه يعني محمدًا ﷺ وعده الله أن ينصره (٥).\nالحسن: ثم بغي عليه أخرج من منزله (٦).\n﴿إِن اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ للمنتصر من الظالم.\n﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ فيكون النهار خمس عشرة ساعة والليل تسع ساعات.\n_________\n(١) في ب \" وسألوا لهم \".\n(٢) عزاه السيوطي في الدر (١٠/ ٥٣٤) لابن أبي حاتم، وانظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٢/ ٩٠).\n(٣) حكاه في النكت والعيون (٤/ ٣٧).\n(٤) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٤٠٢).\n(٥) انظر: تفسير مجاهد (١/ ٣٥٥).\n(٦) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٢٧٨).","vol":"1","page":1602},{"text":"وقيل: الليل والنهار أبدًا اثنتا عشرة ساعة يطول أو يقصر الساعات، والمعنى فلا يخفى عليه شيء فيهما ولا يعجز عن شيء أراد (١).\n﴿وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ متصل بالآية الأولى أي: سمع قول المعاقب والباغي.\n﴿بَصِيرٌ﴾ أبصر فعلهم فيجزيهم.\n﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ أي: ذو الحق.\nوقيل: المستحق للعبادة (٢). وقيل: الثابت الموجود لا أول لوجوده ولا آخر.\n﴿وَأَن مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ الأصنام. وقيل: الشيطان (٣).\n﴿هُوَ الْبَاطِلُ﴾ الزائل لا وجود لوصف الإلهية له.\n﴿وَأَن اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٦٢) أَلَمْ تَرَ أَن اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ مطرًا، هذا استفهام معناه الخبر ولهذا رفع بعده ﴿فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ أنزل فأصبح وينزل فيصبح فاقتصر من كل بلفظة، ومنه قول الشاعر:\nولقد أمر على اللئيم يسبني ... فمضيت ثمت قلت لا يعنيني. (٤)\nقوله ﴿فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ بالنبات بعد أن كانت مسودة يابسة.\n﴿إِن اللَّهَ لَطِيفٌ﴾ لا يخفى عليه شيء. وقيل: لطيف باستخراج النبات منها (٥).\n﴿خَبِيرٌ﴾ عالم به.\n﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِن اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ أي: لغني عن خلقه حميد على فعله.\n_________\n(١) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٦٢١)، غرائب التفسير (٢/ ٧٦٥).\n(٢) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٦٢٢).\n(٣) قاله قتادة.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٣٨).\n(٤) البيت لشمر بن عمرو الحنفي.\nانظر: الإيضاح في علوم البلاغة لجلال الدين القزويني (٤٦)، دلائل الإعجاز للجرجاني (١٦٣).\n(٥) حكاه ابن جرير في جامع البيان (١٦/ ٦٢٣).","vol":"1","page":1603},{"text":"﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ﴾ تستعملونه فيما احتجتم إليه.\n﴿وَالْفُلْكَ﴾ السفن.\n﴿تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ﴾ فهي عطف على ﴿مَا﴾ و﴿تَجْرِي﴾ حال لها. وقيل: عطف على اسم إن.\n﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ﴾ يحفظها من أن تقع.\nوقيل: كراهة أن تقع (١).\nوقيل: لئلا تقع (٢).\n﴿إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ بأمره وإرادته.\n﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ تفضل عليهم بما وعد في الآية.\n﴿وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ﴾ أي: في الأرحام. ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ عند الموت.\n﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ للبعث والنشور.\n﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ﴾ قيل: عام، والمراد به كفران النعمة (٣).\nوقيل: أراد بالإنسان الكفار (٤).\n﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ أهل دين. وقيل: دين (٥).\n﴿جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾ قيل: عيدًا (٦).\nوقيل: موضع عبادة (٧).\nوقيل: إراقة دم. وقيل: ذبيحة (٨).\nوقيل شريعة تعبدوا بها (٩).\n_________\n(١) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٤٠٣).\n(٢) انظر: المصدر السابق (٢/ ٤٠٣).\n(٣) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٦٢٥).\n(٤) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٧/ ٣٣).\n(٥) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٦٢٥).\n(٦) قاله ابن عباس، ﵄.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٦٢٦).\n(٧) قاله الفراء في معاني القرآن (٢/ ٢٣٠).\n(٨) وهما معنى قول مجاهد، وقتادة.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٦٢٧، ٦٢٦).\n(٩) في أ \" وقيل شريعة تعبدوا بها وقيل ذبيحة \"، وهو قول ابن عباس، ﵄.\nانظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٢٧٩).","vol":"1","page":1604},{"text":"﴿هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ أي: ينسكون تلك المناسك (١).\n﴿فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ﴾ أي: ليس لليهود وغيرهم من ذوي الأديان والمشركين بأن ينازعوك في شريعة قومك وذبائحهم.\n﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ﴾ أدع الناس إلى عبادة الله.\n﴿إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ﴾ طريق واضح.\n﴿وَإِنْ جَادَلُوكَ﴾ ولم يقبلوا منك.\n﴿فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (٦٨) اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ أوعدهم بحكمه فيهم يوم القيامة، ويجوز أن يكون استئناف.\nوقيل: جادلوك في أكل الميتة فقالوا: تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتله الله (٢)، والآية منسوخة بآية ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَن اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحج: ٧٠] فيعلم أعمالكم فيجازيكم على ذلك (٣).\n﴿إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ﴾ يريد اللوح المحفوظ.\n﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ يكونه بقوله كن.\nوقيل: إن الحكم بينكم يسير على الله (٤).\n_________\n(١) قال ابن جرير في جامع البيان (١٦/ ٦٢٥) في معنى الآية \" لكل جماعة قوم نبي خلا من قبلك جعلنا مألفًا يألفونه ومكانًا يعتادونه لعبادتي فيه وقضاء فرائضي وعملًا يلزمونه. وأصل المنسك في كلام العرب الموضع المعتاد الذي يعتاده الرجل ويألفه لخير أو شر. \" قال: \" وعنى بذلك إراقة الدم أيام النحر بمنى \".\n(٢) انظر: جامع البيان لابن جرير (٩/ ٥٢٦).\n(٣) لم أقف على من ذكر أن الآية منسوخة، والصواب عدم النسخ لعدم الدليل عليه، والله أعلم.\n(٤) قاله ابن جريج.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٦٣١).","vol":"1","page":1605},{"text":"﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ أي: حجة وبرهانًا على عبادته.\n﴿وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ أي: يعبدونه تقليدًا وجهلًا لا عن عقل ولا سمع.\n﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ مانع من عذاب الله.\n﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ على أهل مكة.\n﴿آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾ بالفرائض والأحكام، والحلال والحرام، يريد القرآن.\n﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ﴾ الكراهية والعبوس والإنكار على تاليه، والمنكر مصدر ويجوز أن يكون مفعولًا أي: الذي تنكره (١).\n﴿يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آَيَاتِنَا﴾ يقربون من الوثوب عليهم بالقتل والضرب.\nوقيل: يبطشون، يقال: سطا به (٢) وعليه يسطوا سطوًا وسطوة إذا حمل عليه وبطش به (٣).\nابن عيسى: السطوة: إظهار الحال الهائلة للإخافة (٤).\n﴿قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ﴾ بشر عليكم وأكره من الذي تسمعون أي: إن ساءكم سماع كلام الله وفيه إبطال دينكم وحسبتموه شرًا لكم فأنا أنبئكم بشر من ذلكم، ثم فسر وقال ﴿النَّارُ﴾ أي: هي النار.\n﴿وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ النار.\nوقيل: بأشد من سطوتكم (٥).\nوقيل: بشر لكم من غيظكم على من تلاه (٦).\nوقيل: بشر عليكم مما يلحق التالي منكم (٧).\n_________\n(١) في أ: \" أي الذي ينكره \".\n(٢) في ب: \" تقول: سطا به \".\n(٣) حكاه الزجاج في معاني القرآن (٣/ ٣٥٥).\n(٤) لم أقف عليه، والله أعلم.\n(٥) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٤٠٤).\n(٦) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٦٣٤).\n(٧) انظر: المصدر السابق (١٦/ ٦٣٤).","vol":"1","page":1606},{"text":"﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ﴾ أي: جعل مثل، من قوله ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ [آل عمران: ١١٢].\nالأخفش: ليس هاهنا مثل وإن المعنى جعل الكفار لله مثلًا وشبيها في عبادة غيره معه (١).\nوقيل: هو مثل من حيث المعنى لأنه ضرب مثل من يعبد الأصنام بمن يعبد مالا يخلق ذبابًا (٢).\nقوله ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِن الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ قيل: الأوثان. وقيل: الشياطين. وقيل: الرؤساء (٣).\n﴿لَهُ﴾ لخلق الذباب، وجواب ﴿وَلَوِ﴾ مضمر أي: لعجزوا عنه، وخص الذباب لمهانته وضعفه واستقذاره، وسمي الذباب ذبابًا لأنه يُذَبُّ استقذارًا واحتقارًا، وجمعه أذبه وذبان.\n﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾ أي: إن يسلبهم من الطعام الذي كانوا يصنعونه لها.\nوقيل: من العسل الذي كانوا يطلون رؤوسها (٤).\nوقيل: من العطر الذي كانوا يمسحونها به (٥).\nوقيل: أراد إفساد الذباب ثمار الناس وطعامهم (٦).\nوقيل: هو الألم الذي يمس الإنسان في عض الذباب أو قرصه (٧).\n﴿لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾ لم يتهيأ لهم تخليصه منه، تقول أنقذه واستنقذه إذا خلصه، والمعنى: كيف يصلح للإلهية مالا يقدر على دفع أذية ذباب ضعيف صغير عن نفسه.\n_________\n(١) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٢٨٠).\n(٢) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٦٣٥).\n(٣) انظر هذه الأقوال في النكت والعيون (٤/ ٤٠).\n(٤) حكاه السمرقندي في بحر العلوم (٢/ ٤٠٤).\n(٥) قاله ابن عباس، ﵄.\nانظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٢٨٠).\n(٦) انظر: النكت والعيون (٤/ ٤٠).\n(٧) انظر: المصدر السابق (٤/ ٤٠).","vol":"1","page":1607},{"text":"﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ الذباب يُطلب ما قد سَلَب.\nوقيل: الطالب الكافر، والمطلوب إليه الصنم (١).\nوقيل: معناه التعجب، أي: ما أضعف هذا الطالب وهذا المطلوب (٢).\n\n﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ ابن عباس، ﵄: نزلت في مالك بن الضيف (٣)، وكعب بن الأشرف (٤)، وجماعة من اليهود قالوا: \"خلق الله السماوات وأعيا من خلقها فاستلقى واستراح يوم السبت فوضع إحدى رجليه على الأخرى\" (٥).\nوالمعنى: ما عظموه حق تعظيمه (٦).\nوقيل: ما عرفوه حق معرفته (٧).\nوقيل: ما وصفوه حق صفته (٨).\n_________\n(١) قاله السدي.\nانظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٢٨٠).\n(٢) على أن المراد بالطالب هو الصنم، والمطلوب هو الذباب.\n(٣) مالك بن الضيف، ويقال بن الصيف بالمهملة، وهو من يهود بني قينقاع، وهو الذي أنكر الميثاق الذي أخذه الله على عباده، وقال: \"والله ما عهد إلينا في محمد عهدًا، وما أخذ له علينا من ميثاق\".\nانظر: الروض الأنف (٤/ ٣٧٤).\n(٤) كعب بن الأشرف الطائي، اليهودي، من بني النضير، كان سيدًا في قومه وله حصن قريب من المدينة، كان يكثر من هجاء النبي ﷺ وأصحابه، خرج بعد بدر إلى قريش يحثهم على قتال المؤمنين، فأمر النبي ﷺ بقتله، فقتل في السنة الثالثة من الهجرة.\nانظر: الروض الأنف (٤/ ٣٠٥)، البداية والنهاية (٥/ ٢٣٦).\n(٥) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٤٠٥)، النكت والعيون (٤/ ٤٠).\n(٦) حكاه الفراء في معاني القرآن (٢/ ٢٣٠).\n(٧) انظر: النكت والعيون (٤/ ٤٠).\n(٨) انظر: المصدر السابق (٤/ ٤٠).","vol":"1","page":1608},{"text":"وقيل: ما اعتقدوا في الله ما يجب اعتقاده، أي: الذين جعلوا هذا الصنم الضعيف شريكًا لله ما قدروا الله حق قدره (١).\n﴿إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ لا يعى ولا يُغلب.\nوقيل: متصل بالأول أي: لا يقدر أحد على سلب شيء من مملكته ولا على مغالبته.\n﴿اللَّهُ يَصْطَفِي﴾ يختار (٢).\n﴿مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾ مثل جبريل، وميكائيل ﵉ وغيرهما فهم رسل الله إلى أنبيائه.\n﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾ أي: ومن الناس رسلًا يعني محمدًا، وموسى وعيسى ﵈، وغيرهم من الأنبياء والمرسلين.\n﴿إِن اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ لمقالتهم.\n﴿بَصِيرٌ﴾ بأفعالهم ومن هو خير لهم.\n﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ من أمر الدنيا.\n﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ أمر الآخرة، وقيل: ما مضى ومالم يأت (٣).\nوقيل: ما كان قبل خلق الملائكة والنبيين وما خلفهم بعد فنائهم (٤).\nوقيل: ما قدموه وما أخروه (٥).\n﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ أي: مرجع جميع الأمور إليه.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ الكلبي: كانوا قبل الإسلام يصلون بغير ركوع ولا سجود فأمروا بهما (٦).\nوقيل: معناه صلوا (٧).\nوقيل: لا تقصدوا بالركوع والسجود غير الله من صنم أو رياء (٨).\n_________\n(١) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٦٣٧).\n(٢) \" يختار \" ساقط من أ.\n(٣) انظر: النكت والعيون (٤/ ٤١).\n(٤) حكاه ابن جرير في جامع البيان (١٦/ ٦٣٨).\n(٥) انظر: النكت والعيون (٤/ ٤١).\n(٦) ويروى مثله عن ابن عباس، ﵄.\nانظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٤٠٥)، البحر المحيط (٦/ ٣٦٠).\n(٧) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٤٠٥).\n(٨) حكاه الزجاج في معاني القرآن (٣/ ٣٥٦).","vol":"1","page":1609},{"text":"﴿وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ﴾ يريد سائر العبادات والفروض.\nوقيل: وادعوا ربكم في صلواتكم فإنها موضع رجائكم (١).\n﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ أراد النوافل وسائر أبواب البر.\n﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ كي تفلحوا وتفوزوا وتبقوا في الجنة.\nوقيل: لتكونوا على رجاء الفلاح (٢).\nعلي ﵁: إذا فعلتم ذلك ظفرتم بالمراد (٣).\n﴿وَجَاهِدُوا﴾ أي: جاهدوا الكفار في نصرة الإسلام.\n﴿فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ وحق جهاده أن لا تخافوا لومة لائم.\nوقيل: اعملوا لله حق عمله. وقيل: حتى لا يعبد غيره.\nوقيل: هي كقوله ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] و﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] (٤).\n\nابن المبارك (٥): هو جهاد النفس والهوى وهو الجهاد الأكبر (٦).\n﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾ اختاركم لهذا الدين.\n_________\n(١) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٢٨١).\n(٢) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٦٣٩).\n(٣) لم أقف عليه بعد البحث، والله أعلم.\n(٤) والمراد أنها منسوخة نسختها آية التغابن ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، وهو قول مقاتل.\nانظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٢٨١)، النكت والعيون (٤/ ٤١).\nوقد ضعف النحاس في الناسخ والمنسوخ (٢/ ٥٣٤، ١٢٩) القول بنسخها، وهو الأقرب.\n(٥) عبد الله بن المبارك بن واضح المروزي، مولى بني حنظلة، شيخ الإسلام، عالم زمانه، طلب العلم وهو ابن عشرين سنة، ورحل إلى الحرمين، والشام، مصر، وغيرها، كان عابدًا، مجاهدًا، ثقة ثبت في الحديث، توفي سنة إحدى وثمانين ومائة هـ عن ثلاث وستين سنة.\nانظر: سير أعلام النبلاء (٨/ ٣٧٨)، تهذيب التهذيب (٥/ ٣٣٨).\n(٦) انظر: تفسير الوسيط للواحدي (٣/ ٢٨١).","vol":"1","page":1610},{"text":"وقيل: اختاركم لجهاد عدوه ونصرة نبيه (١).\nوقيل: معناه هداكم (٢).\n﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ضيق أي: لم يضيق عليكم ولم يكلفكم ما يشتد القيام به عليكم بل رخص لكم في جميع ما كلفكم من الصلاة والصوم وغير ذلك، وكذلك الخروج من الأيمان بالكفارات.\nوقيل: معناه: جعل لكم من كل ذنب مخرجًا بالتوبة ورد المظلمة فليس في دين الإسلام ما لا سبيل إلى الخلاص فلا عذر لأحد في ترك الاستعداد للقيامة (٣).\n﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ في نصب الملة أقوال:\nأحدها: خذوها واتبعوها (٤).\nوقيل: وسَّع عليكم (٥) كَمِلَّةِ إبراهيم، لأن العرب من ذريته (٦).\nوقيل: لأن النبي أبو المؤمنين (٧).\n﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا﴾ ابن عباس، ﵄ في جماعة: ﴿هُوَ﴾ أي: الله سماكم المسلمين في التوراة والإنجيل وسائر كتبه (٨).\n﴿وَفِي هَذَا﴾ أي: في القرآن.\nوقيل: في هذا الزمان (٩).\n_________\n(١) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٦٤١).\n(٢) قاله ابن زيد.\nانظر: المصدر السابق (١٦/ ٦٤١).\n(٣) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٢٨١).\n(٤) انظر: معاني القرآن للزجاج (٣/ ٣٥٧).\n(٥) في أ \" واتبعوها وسع عليكم \" بحذف \" قيل \".\n(٦) حكاه في النكت والعيون (٤/ ٤٢).\n(٧) انظر: المصدر السابق (٤/ ٤٢).\n(٨) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٦/ ٦٤٤).\n(٩) قاله ابن زيد.\nانظر: الكشف والبيان للثعلبي (٧/ ٣٦).","vol":"1","page":1611},{"text":"الحسن: هو إبراهيم سماكم المسلمين (١) يريد قوله ﴿وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨]، ويحتمل على هذا التأويل أن يكون تقدير قوله ﴿وَفِي هَذَا﴾ أي: في القرآن بيان تسميته إياكم مسلمين، وهو قوله ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨].\n﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ﴾ بالطاعة والقبول.\nوقيل: شهيدًا عليكم في إبلاغ رسالة ربه إليكم (٢).\nوقيل: شهيدًا عليكم يزكيكم (٣).\n﴿وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ بتبليغ الرسل رسالات الله إليهم.\nوقيل: شهداء على من بعدكم بأن قد بلغتم إليهم ما بلغ إليكم الرسول (٤).\n﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ بشرائطها.\n﴿وَآَتُوا الزَّكَاةَ﴾ بفرائضها.\n﴿وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ﴾ تمسكوا بدينه وامتنعوا بطاعته عن معصيته واجعلوه عصمة لكم مما تحذرون.\nوقيل: تمسكوا بقول لا إله إلا الله (٥).\n﴿هُوَ مَوْلَاكُمْ﴾ مالككم وناصركم ومتولي أموركم وخالقكم.\n﴿فَنِعْمَ الْمَوْلَى﴾ لمن تولاه ونعم المولى لا يمنع الرزق بالعصيان.\n﴿وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ نعم الناصر لمن استنصره بلزوم عبادته.\n_________\n(١) وهو مروي عن ابن زيد فيما أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٦/ ٦٤٦)، وعزاه السيوطي في الدر (١٠/ ٥٥١) لابن أبي حاتم، والجمهور على أن المراد به الله تعالى سماكم المسلمين.\n(٢) قاله قتادة.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٦/ ٦٤٧).\n(٣) انظر: النكت والعيون (٤/ ٤٣).\n(٤) حكاه الواحدي في الوسيط (٣/ ٢٨٢).\n(٥) قاله الحسن.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٤٣).","vol":"1","page":1612},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-129>سورة المؤمنون</span>","vol":"1","page":1613},{"text":"سورة المؤمنون\nمائة وثمان عشرة آية (١)، مكية بالإجماع (٢).\n﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾\n﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ أي: قد ظهروا بالأمنية والفلاح والظفر بالأمنية.\nوقيل: فازوا، والفلاح الفوز (٣).\nوقيل: بقوا، والفلاح البقاء (٤).\nوقيل: رشدوا، والفلاح الرشد وصلاح أمر الدين والدنيا (٥).\nوأفاد ﴿قَدْ﴾ تقريب الماضي من الراهن وإثبات الفلاح لهم في الحال.\n﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ في سبب النزول عن محمد بن سيرين (٦) عن أبي هريرة ﵁ كان رسول الله ﷺ ينظر في الصلوات إلى السماء فأنزل الله هذه الآية، فجعل رسول الله ﷺ وجهه حيث يسجد (٧).\n_________\n(١) بالعد الكوفي، ومائة وتسع عشر آية في عدد الباقين.\nانظر: التبيان في عد آي القرآن للداني (١٩١).\n(٢) في ب: \" سورة المؤمنون مكية \".\nوقد نقل القول بمكيتها الإمام الزهري في تنزيل القرآن (٢٨)، وابن الضريس في فضائل القرآن (٣٣)، وهبة الله بن سلامة في الناسخ والمنسوخ (١٢٩).\n(٣) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٤٠٨).\n(٤) حكاه الزجاج في معاني القرآن (٤/ ٥).\n(٥) ذكر نحوه الماوردي في النكت والعيون (٤/ ٤٥).\n(٦) محمد بن سيرين، تنظر ترجمته ص: ١٣٤\n(٧) أخرجه الطبراني في الأوسط (٤/ ٢٤٠)، وعبد الرزاق في المصنف (٢/ ٢٥٤) ح: ٣٢٦٢، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٢٨٣) ح: ٦٣٢٢، وقال عنه الألباني في إرواء الغليل (٢/ ٧٢) \" الصحيح أنه مرسل \"، وضعفه ابن العربي في أحكام القرآن (٣/ ٣١١).","vol":"1","page":1614},{"text":"وأكثر المفسرين على أن الخشوع في الصلاة هو: أن ينظر إلى موضع سجوده إذا كان قائمًا (١)، ومنهم من قال إلا بمكة فإنه يستحب أن ينظر إلى البيت.\nوقيل: ﴿خَاشِعُونَ﴾ خائفون (٢).\nوقيل: متواضعون (٣).\nعطاء: هو أن لا تعبث بشيء من جسدك في الصلاة (٤)؛ فإن النبي ﷺ أبصر رجلًا يعبث بلحيته في الصلاة فقال: \" لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه \" (٥).\nوالخشوع في اللغة: التذلل والإخبات (٦).\n_________\n(١) وهو قول محمد بن سيرين فيما أخرجه الطبري في تفسيره (١٧/ ٧)، وعليه مذهب الإمام مالك، وأحمد، ومسلم بن يسار، وقتادة؛ لأنه أخشع للمصلي، وأكف لنظره. قال ابن كثير في تفسيره (٣/ ٢٤٩) \" الخشوع في الصلاة إنما يحصل لمن فرغ قلبه لها واشتغل بها عما عداها، وآثرها على غيرها، وحينئذ تكون راحة له وقرة عين\".\nوانظر: أحكام القرآن لابن العربي (٣/ ٣١٢)، زاد المسير (٥/ ٤٦٠)، المقنع مع الشرح الكبير لابن قدامة (٣/ ٤٢٤).\n(٢) قاله ابن عباس، ﵄، والحسن، وقتادة.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ١٠، ٩).\n(٣) حكاه الواحدي في الوسيط (٣/ ٢٨٤).\n(٤) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٧/ ٣٨)، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٢/ ١٠٣).\n(٥) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٢/ ٨٦)، ح: ٦٧٨٧ موقوفًا على سعيد بن المسيب، وأخرجه أبو نعيم في الحلية (١٠/ ٢٣٠)، وضعفه الألباني في إرواء الغليل (٢/ ٩٢).\n(٦) قال في المفردات (٢٨٣)، مادة: خَشَعَ \" الخشوع: الضراعة، وأكثر ما يستعمل الخشوع فيما يوجد على الجوارح \".\nوفي معاني القرآن للنحاس (٤/ ٦) \"أصل الخشوع في اللغة: الخضوع والتواضع\".","vol":"1","page":1615},{"text":"﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ ابن عباس، ﵄: اللغو: الباطل (١).\nالحسن: جميع المعاصي (٢).\nالسدي: الكذب (٣).\nوقيل: الشتم (٤).\nوقيل: مجالس المبتدعين (٥).\nالكلبي: الحَلِف (٦)، واللغو: ما حقه أن يطرح ويلغى (٧).\n﴿مُعْرِضُونَ﴾ الإعراض عن الشيء أن يكون في عرض غير عرضه أي: ناحيته وجانبه (٨). ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ الزكاة في الشرع: أداء الصدقة الواجبة في المال بالحول، وهو المراد في الآية.\nوقيل: صدقة الفطر (٩).\n_________\n(١) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ١١)، النكت والعيون (٤/ ٤٦).\n(٢) انظر: تفسير الوسيط للواحدي (٣/ ٢٨٤).\n(٣) انظر: النكت والعيون (٤/ ٤٦).\n(٤) حكاه في النكت والعيون (٤/ ٤٦) عن النقاش.\n(٥) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٧٧٠).\n(٦) انظر: النكت والعيون (٤/ ٤٦).\n(٧) قال في لسان العرب (١٢/ ٢٩٨)، مادة: لغا \" اللغو السقط وما لا يعتد به من كلام وغيره، ولا يحصل منه على فائدة ولا نفع \".\nوفي معاني القرآن للزجاج (٤/ ٦) \"اللغو: كل لعب وهَزْل، وكل معصية فمطَّرحة مُلْغاة، وهم الذين شغلهم الجد فيما أمرهم الله به عن اللغو\".\n(٨) الإعراض: الصد عن الشيء، أعرَض: أظهر عُرْضَه أي: ناحيته، وأعرَضَ عني: ولى مبديًا لي عرضه.\nانظر: المفردات (٥٥٩)، مختار الصحاح (١٩٠)، مادة: عَرَضَ.\n(٩) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٧٧٠).","vol":"1","page":1616},{"text":"وقيل: هي الصدقة، لأن هذه السورة نزلت قبل فرض الزكاة (١)، واستعمل (٢) لفظ الفعل لعمومه في جميع الأفعال وكل ما يحدث.\nقال أمية (٣):\nالمطعمون الطعام في السنة ... الأزمة والفاعلون للزكواة (٤).\nودخل اللام لتقدم المفعول ولأن اسم الفاعل (٥) لا يبلغ قوته في العمل قوة الفعل، تقول: هذا ضارب لزيد، ولا يجوز ضرب لزيد، ويحتمل أن يكون المفعول محذوفًا واللام لام العلة، فالمعنى: يفعلون ما يفعلون للزكاة أي: ليصيروا عند الله أزكياء.\n﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ لا يبذلونها في المحرم.\nالحسن: ﴿لِفُرُوجِهِمْ﴾ لثيابهم (٦)،\n_________\n(١) والصحيح أن المراد بالزكاة هنا الزكاة المفروضة، أي: أصل فرضها، وإن كانت الآية مكية، لأن أصل الزكاة كان فرضه بمكة، لقوله تعالى في سورة الأنعام وهي مكية ﴿وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] ثم فرضت مقاديرها وأنصبائها بالمدينة، وهو اختيار ابن جرير في جامع البيان (١٧/ ١١)، وابن كثير في تفسيره (٣/ ٢٤٩).\n(٢) في ب: \" ويستعمل \".\n(٣) أمية بن عبد الله بن أبي الصلت، من ثقيف، وأمه رقية بنت عبد شمس بن عبد مناف، كان شاعرًا يطمح أن تكون النبوة له، فلما بعث رسول الله ﷺ كفر به، توفي في السنة الثانية وقيل في السنة الخامسة.\nانظر: الأغاني (٤/ ١٢٧)، الشعر والشعراء (١/ ٤٦٦).\n(٤) انظر: ديوان أمية بن أبي الصلت (٣٤٥)، والبيت ذكره الزمخشري في الكشاف (٤/ ٢١٩)، وأبو حيان في البحر المحيط (٦/ ٣٦٦)، والسمين الحلبي في الدر المصون (٥/ ١٧٣)، والأزمة: السنة الشديدة الجدب.\n(٥) في ب: \" لأن اسم الفاعل \".\n(٦) في أ: \" لنسائهم \" والصواب المثبت كما في غرائب التفسير للكرماني (٢/ ٧٧٠).\n\nوعامة المفسرين على أن المراد بها الفروج جمع فرج وهي سوءة الرجل والمرأة.","vol":"1","page":1617},{"text":"ودخل اللام لتقدم المفعول وضعف اسم الفاعل كما سبق.\n﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ﴾ أراد ألا على نسائهم وإمائهم، و(ما) بمعنى من،\nو﴿عَلَى﴾ هاهنا بمعنى من أي: يحفظونها إلا من الأزواج والإماء.\nوقيل: ضد الحفظ الاسترسال والتخلية وذلك يقتضى على (١).\nالمبرد: في الحفظ معنى الامتناع، والتقدير عنده: امتنعت إلا على أزواجهم (٢).\nوذهب الزجاج إلى أن المعنى: يلامون في إطلاق ما حُظِرَ عليهم إلا على أزواجهم (٣). والعبد والأمة يسميان ملك اليمين دون العقار والدار.\n﴿فَإِنَّهُمْ﴾ أي: الحافظين فروجهم.\n﴿غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ لا يلامون على استرسالها على الأزواج والإماء.\n﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ﴾ أي: طلب سواها.\n﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ أي: من طلب من غير الأزواج والإماء قضاء شهوته فهو متجاوز ما حُد له من الحلال إلى الحرام، ومن استمنى بيده فهو من العادين (٤)، وسئل ابن عباس، ﵄ عن ذلك: \" فقال هو ناكح يده \" (٥).\n_________\n(١) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٧٧١).\n(٢) انظر: المصدر السابق (٢/ ٧٧١).\n(٣) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ٦).\n(٤) الاستمناء: استفعال من المني، وعامة العلماء على تحريمه، لأنه خارج عما حددته الآية.\n(٥) أخرج نحوه عبد الرزاق في المصنف (٧/ ٣٩٠) عن ابن عمر ﵄، والبيهقي في الشعب (٤/ ٣٨٧) عن انس مرفوعًا، وضعفه الألباني في السلسلة الضعيف (١/ ٤٩٠).","vol":"1","page":1618},{"text":"﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ الأمانة: ما أتمنوا فيه من أمر الدين والدنيا؛ من الصوم، والصلاة، والزكاة (١)، والاغتسال من الحدث والجنابة، وكذلك أمانة بعضهم لبعض من الودائع والبضائع، وكذلك ما عُوهدوا عليه في الدين والدنيا وما عَقَدَ بعضهم لبعض من العقود والعهود التي يجب الوفاء بها، وأصل المراعاة قيام الراعي بإصلاح ما يتولاه.\n﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ يريد الصلوات الخمس أي: يحافظون أوقاتها، ووضوئها، وركوعها، وسجودها.\nوأعاد ذكر الصلاة وقد بدأ بها تأكيدًا لحفظ الصلاة، ولأن الخشوع فيها (٢) غير المحافظة عليها. وقيل: يريد التطوع (٣).\n﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ أي: الذين اجتمعت فيهم (٤) هذه الخصال هم الوارثون، ثم بين ما يرثون فقال ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ﴾ في الوراثة أقوال:\nأحدها: أنها بمعنى العاقبة وإن لم يكن لمن تقدمه.\nوالثاني: أنهم يرثون من الكفار منازلهم حيث فَوَّتَها الكفار على أنفسهم بكفرهم لأن الله خلق لكل إنسان منزلًا في الجنة ومنزلًا في النار.\nوالثالث: الوراثة أقوى سبب يقع في ملك الشيء لا يتعقبه رد ولا فسخ ولا إقالة ولا نقض.\nوالفردوس: البستان يجمع محاسن النبات والأشجار، والعرب تسمى البستان الذي فيه الكَرْم فردوسًا، وكَرْم مُفَرْدَس: معروش، وقيل: أصله رومي فَعُرِّب (٥).\n_________\n(١) في أ: \" من الصلاة والزكاة والصوم \".\n(٢) في ب: \" ونهي الخشوع فيها \" وهو تصحيف، والصواب المثبت.\n(٣) والخشوع مطلوب في الفريضة والنافلة.\n(٤) في ب: \" أي الذي اجتمعت فيهم \".\n(٥) حكاه الزجاج في معاني القرآن، (٤/ ٧).\n\nقال في لسان العرب (١٠/ ٢١٦)، مادة: فردس \" الفردوس: البستان، أصله رومي عربوه ... البستان، والعرب تسمي الموضع الذي فيه كَرْم فردوسًا \".","vol":"1","page":1619},{"text":"الحسن في جماعة: هي اسم الجنة (١).\nوقيل: أفضل الجنان وأوسطها (٢)، وعن أبي هريرة ﵁: \" إن في الجنة مائة درجة بين كل درجتين كما بين السماء والأرض وإذا سألتم الله فسألوه الفردوس فإنها أعلى الجنة وفوقها عرش الرحمن ومنها تفجر أنهار الجنة \" (٣).\n﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١) وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ في الإنسان هاهنا قولان: أحدهما: أنه آدم ﵇ (٤)، والسلالة: كل لطيف استخرج من كثيف.\nوقيل: السلالة ما يخرج بين الإصبعين من الشيء إذا عصر (٥).\nابن عيسى: السلالة صفوة الشيء التي تخرج منه كأنها تسل منه (٦)، والمعنى: خلقنا آدم من تربة سلت ونزعت من طين أي: من هاهنا وهاهنا، وأجمعوا على أن الله خلق آدم ﵇ من تراب، واختلفوا في حواء؛ والجمهور على أنها خُلقت من ضِلَعٍ من أضلاعه (٧).\nوقيل: خلقت من بقية طين آدم (٨).\n_________\n(١) انظر: النكت والعيون (٤/ ٤٦).\n(٢) قاله قتادة.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٥/ ٤٣١).\n(٣) أخرجه البخاري (ك: الجهاد، باب: درجات المجاهدين، ح: ٢٧٩٠).\n(٤) وهو قول الأكثرين أي: أن الله ابتدأ خلق الإنسان من سلالة من طين وه آدم ﵇.\nانظر: تفسير ابن كثير (٣/ ٢٥١)، الجامع لأحكام القرآن القرطبي (١٢/ ١٠٩)، فتح الباري (٨/ ٣٠٠).\n(٥) قاله الكلبي.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٤٨).\n(٦) انظر: غرائب التفسير للكرماني (٢/ ٧٧١).\n(٧) أخرجه ابن ماجة في سننه (١/ ١٧٤)، وابن جرير في جامع البيان (١/ ٥٤٨) عن ابن مسعود رضي الله.\nوانظر: معالم التنزيل للبغوي (١/ ٨٣)، الجامع لأحكام القرآن القرطبي (١/ ٣٠١).\n(٨) انظر: المحرر الوجيز لابن عطية (٤/ ٥٢٠).","vol":"1","page":1620},{"text":"﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ﴾ أي: نسله فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، لأن آدم لم يصير نطفة، والمعنى: خلقنا نسله من نطفة، ومثله قوله ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة: ٨].\nوالثاني: أن الإنسان عام في بني آدم، والسلالة على هذا القول النطفة، والطين آدم لأنه خلق منه، وتقديره: خلقنا بني آدم من نطفة آدم؛ فإن ابن عباس، ﵄ في جماعة ذهبوا إلى أن السلالة هاهنا ماء الفحل الذي هو آدم (١).\n﴿نُطْفَةً﴾ أي: قَدَّرْنا ذلك الماء نطفة، فذكر الكناية عن السلالة حملًا على المعنى لأنها الماء.\nوقيل: يعود إلى الإنسان على تقدير ذكر بدء الخلق، وبنو آدم كلهم من نطفة إلا عيسى ﵇ فإنه خلق من الروح (٢).\nوقيل: من التراب كآدم (٣).\nعطاء الخراساني: بلغني أنه يذر على النطفة من التربة التي يدفن فيها (٤).\nالحسن: أي: وخلقنا آدم من الطين ونسله من النطفة (٥).\nالمبرد: النطفة: الماء الصافي يبقى في الشيء وإن كثر كدجلة وأشباهها، ونطفة الرجل مشبهة بذلك الماء (٦).\nقوله ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً﴾ صيرناه وقدرناه.\n_________\n(١) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ١٩)، وأخرج مثله عن مجاهد، وذهب ابن جرير إلى هذا القول لقوله تعالى بعد ذلك ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٣] وأنه لم يصر في قرار مكين إلا بعد خلقه في صلب الفحل، والله أعلم.\n(٢) وهو مروي عن ابن عباس، ﵄، ومجاهد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ١٩، ١٨).\n(٣) قاله الكلبي.\nانظر: معالم التنزيل (٥/ ٤١١).\n(٤) انظر: غرائب التفسير للكرماني (٢/ ٧٧٢).\n(٥) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٢٨٥).\n(٦) لم أقف عليه، والله أعلم.","vol":"1","page":1621},{"text":"﴿فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ القرار: مصدر قَرَّ يقر قرارًا، ثم يسمى الموضع الذي يقر فيه قرارًا والمراد به الرحم.\n﴿مَكِينٍ﴾ حصين منيع أي: مكن لاستقراره فيه إلى التمام.\n﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً﴾ أي: صيرناها وقدرناها بدلالة تعديه إلى مفعولين والخلق يتعدى إلى مفعول واحد، والمعنى: أحلنا النطفة البيضاء علقة حمراء، والعلقة: القطعة من الدم.\n﴿فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً﴾ أحلنا العلقة مضغة وهي القطعة من اللحم بقدر ما يُمْضَغ. ﴿فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا﴾ أحلناها وصيرناها عظاما.\n﴿فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا﴾ أنبتنا عليها اللحم فصار لها كاللباس.\n﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ﴾ الهاء يعود إلى الإنسان.\nوقيل: إلى المذكور أي: أنشأنا ذلك (١).\n﴿خَلْقًا آَخَرَ﴾ عن ابن عباس، ﵄ في جماعة: أنه نفخ الروح (٢).\nقتادة، والضحاك: إنشاؤه خلقًا بعد الولادة في الطفولة، والكهولة، والاغتذاء، ونبات الشعر، والسن (٣).\nمجاهد: أنه حين استوى شبابه (٤).\nالحسن: جعله ذكرًا أو أنثى (٥).\n﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ أي: المقدرين. أي: أعلمهم وأصنعهم، والعرب تسمي (٦) كل صانع خالقًا.\n_________\n(١) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٢١).\n(٢) وبه قال مجاهد، وعكرمة، والشعبي، وأبي العالية.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٢٢).\n(٣) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٢٤).\n(٤) انظر: تفسير مجاهد (٢/ ٤٣٠).\n(٥) انظر: غرائب التفسير للكرماني (٢/ ٧٧٣).\n(٦) في ب: \" والعرب يسمي \".","vol":"1","page":1622},{"text":"وقيل: خَلْقُه حقيقة، وخَلْقُ غيره مجاز وتمثيل وباطل من قوله ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ [العنكبوت: ١٧] الحُسْن متعلق بالخلق (١).\nوروي أن عمر ﵁ كان حاضرًا فلما سمع الآية قال: \" فتبارك الله أحسن الخالقين \" فوافق قراءته وحي جبريل فقال النبي ﷺ \" هكذا أنزلت \" (٢)،\nويقال: كان قائل هذا الكلام معاذ بن جبل (٣)، (٤).\n_________\n(١) يروى نحوه عن مجاهد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٢٥).\n(٢) عزاه السيوطي في الدر (١٠/ ٥٧٩) للطيالسي، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، وابن عساكر، وأصله عند البخاري (ك: التفسير، تفسير سورة البقرة، ح: ٤٤٨٣، وليس فيه (فتبارك الله أحسن الخالقين).\n(٣) معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس الخزرجي الأنصاري، أحد السبعين الذين شهدوا العقبة، وشهد بدرًا وما بعدها، بعثه رسول الله ﷺ إلى اليمن ليعلم أهلها، توفي بالشام في طاعون عمواس سنة ثمان عشرة، وهو ابن ثمان وثلاثين سنة.\nانظر: الاستيعاب (٣/ ٤٥٩)، الإصابة (٦/ ١٣٦).\n(٤) عزاه السيوطي في الدر (١٠/ ٥٨٠) لابن راهويه، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وضعفها ابن كثير في تفسيره (٣/ ٢٥٢) لوجود جابر بن زيد الجعفي وهو ضعيف، وهذا الخبر منكر لأن السورة مكية وإسلام معاذ بن جبل إنما كان بالمدينة.","vol":"1","page":1623},{"text":"وروي عن ابن عباس، ﵄ قال \" كان عبد الله بن أبي السَّرْح (١) يكتب هذه الآية لرسول الله ﷺ فلما انتهى إلى قوله ﴿خَلْقًا آَخَرَ﴾ عجب من تفصيل خلق الإنسان فقال: \" تبارك الله أحسن الخالقين \". فقال النبي ﷺ: \"أكتب هكذا أنزلت \" فشك عند ذلك وقال: إن كان محمد صادقًا فيما يقول إنه يوحى إليه فقد أوحي إلي كما أوحي إليه، وإن قال من ذات نفسه فقد قلت مثل ما قال وكفر بالله \".\nوقيل: هذه الحكاية غير صحيحة لأن ارتداده بالمدينة وهذه السورة مكية (٢).\n﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ﴾ بعد الخلق.\nوقيل: بعد ما ذكرنا من أمركم (٣).\n﴿لَمَيِّتُونَ﴾ إي: صائرون إليه فنزل منزلة الكائن إذ لابد من كونه.\n﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ تحيون بعد الممات للجزاء والحساب.\n_________\n(١) عبد الله بن سعد بن أبي السرح القرشي، أخو عثمان بن عفان ﵁ من ارضاع، كان يكتب الوحي لرسول الله ﷺ، ثم ارتد ولحق بالمشركين بمكة، فلما كان عام الفتح أهدر النبي ﷺ دمه فاستأمن له عثمان فأمنه رسول الله ﷺ، ثم حسن إسلامه، ولاه عثمان على مصر، وفتح بلاد إفريقية، توفي سنة ست وثلاثين.\nانظر: الاستيعاب (٣/ ٥٠)، البداية والنهاية (٨/ ٣٤٦).\n(٢) انظر: أسباب النزول للواحدي (٢٥٤)، الكشف والبيان للثعلبي (٤/ ١٧٠)، معالم التنزيل للبغوي (٣/ ١٦٩)، الكشاف (٢/ ٣٧٣).\n(٣) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٢٦).","vol":"1","page":1624},{"text":"﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ﴾ أجمع المفسرون على أن المراد بها السماوات (١)، جمع طريقة، وهي من قول العرب: طارقت النعل أي: جعلت بعضها فوق بعض.\nوقيل: لأنها طرق الملائكة يسيرون فيها ويقفون عليها (٢).\nوقيل: لأن لكل واحدة منها طريقة (٣) أي: حال وهيئة وصيغة غير صيغة الأخرى (٤).\n﴿وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ﴾ أي: كنا حافظين لما خلقنا.\nوقيل: وما كنا عمن تحتها من الخلق غافلين (٥).\nوقيل: وما كنا عن خلق السماوات غافلين فيقع فيها التفاوت والفطور (٦).\nوقيل: وما كنا عن الخلق غافلين فحفظناها عن السقوط عليهم (٧).\nالحسن: لم نغفل عن إنزال ما يحييهم (٨) عليهم من المطر (٩).\nوقيل: لم يحجبنا السماوات عمن تحتها (١٠).\nوقيل: ما كنا عن أرزاقهم غافلين، ويحتمل عن شكرهم وكفرهم (١١).\nوالغُفُول: ذهاب المعنى عن النفس ومثله السهو (١٢).\n_________\n(١) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٢٦)، تفسير ابن كثير (٣/ ٢٥٢)، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٢/ ١١١).\n(٢) حكاه في النكت والعيون (٤/ ٤٩).\n(٣) في أ: \" وقيل: لأن كل واحدة منها طريقة \".\n(٤) انظر: المصدر السابق (٤/ ٤٩).\n(٥) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٢٧).\n(٦) في ب: \" والفتور \"، والصواب المثبت.\n(٧) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٢٧).\n(٨) في أ: \" لم يغفل عن إنزال ما يحييهم \".\n(٩) انظر: النكت والعيون (٤/ ٤٩).\n(١٠) انظر: المصدر السابق (٤/ ٤٩).\n(١١) حكاه في النكت والعيون (٤/ ٤٩) عن سفيان بن عيينة.\n(١٢) الغفلة: سهو يعتري الإنسان من قلة التحفظ والتيقظ.\nانظر: المفردات (٦٠٩)، مادة: غفل.","vol":"1","page":1625},{"text":"﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ﴾ أي: من جانب السماء. وقيل: من السحاب. وقيل: من عين السماء (١).\n﴿مَاءً﴾ مطرًا. ﴿بِقَدَرٍ﴾ قدر ما يكفيهم لشربهم وزرعهم.\nوقيل: بقدر معلوم لا يزيد عليه ولا ينقص، وروي عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: \" ليست سنة بأمطر من سنة (٢)، ولكن الله يصرفه حيث يشاء \" (٣).\nوقيل: ﴿بِقَدَرٍ﴾ بوزن، والجار والمجرور صفة للماء (٤).\nوقيل: هذا الماء غير مطر وإنما أنهار أربعة تخرج من الجنة: سيحان نهر الهند (٥)، وجيحان نهر البلخ (٦)، ودجلة، والفرات نهرا عِراق، وزاد بعض المفسرين خامسًا وهو نيل مصر (٧).\nوقيل: جميع مياه الأرض من المطر، وهو قوله ﴿فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: جعلناه ثابتًا في الأرض لينفع به عباده في شربهم ومعاشهم (٨).\n﴿وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾ أي: كما قدرنا على إنزاله نقدر على إذهابه فيصبح ماؤكم غورًا.\n_________\n(١) لم أقف عليها، والله أعلم.\n(٢) في أ \" ليست بسنة من أمطر من سنة \".\n(٣) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٤١١).\n(٤) انظر: المصدر السابق (٢/ ٤١١).\n(٥) سَيْحان: بفتح أوله وسكون ثانيه ثم حاء مهملة على وزن فعلان، من ساح الماء يسيح إذا سال، وهو نهر كبير ببلاد الهند.\nانظر: معجم البلدان (٣/ ٢٩٤).\n(٦) جَيْحَان بفتح أوله وسكون ثانيه، نهر في بلاد خراسان على وسط مدينة جيهان، فنسب إليها.\nانظر: معجم البلدان (٢/ ١٩٦).\n(٧) وهو مروي عن ابن عباس، ﵄ ﵄.\nانظر: الدر المنثور (١٠/ ٥٨١)، وقال: \"وهو ضعيف\"، وانظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ١٠).\n(٨) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٤١١)، معالم التنزيل (٥/ ٤١٣).","vol":"1","page":1626},{"text":"﴿فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ﴾ فخلقنا بالماء.\n﴿جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ خُصا بالذكر لكثرتهما بالحجاز النخيل بمكة، والعنب بالطائف.\n﴿لَكُمْ فِيهَا﴾ في الجنات.\n﴿فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ﴾ سوى النخيل والأعناب، وقال بعض المفسرين: التمر والعنب ليسا من الفواكه ولهذا أفرد الفواكه بالذكر.\n﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ قيل: من النخيل والأعناب (١).\nوقيل: من الجنات أي: من ثمارها وزروعها (٢).\nوقيل: من الفواكه على تقدير: ليتفكهوا بها فيأكلوا منها لأن الواو يمنع من أن يكون الضمير من الفواكه إلا بإضمار كما ذكرت (٣).\n﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ﴾ أي: وأنشأنا شجرة وهي شجرة الزيتون، وخص بالذكر لبركته وكثرة الانتفاع به من الاستصباح به والاصطباغ.\n﴿تَخْرُجُ﴾ تنبت، والطور: الجبل.\nعكرمة: هو الجبل بالسريانية (٤)، والسيناء: الحَسَن بالحبشية.\nالكلبي: كل جبل ذي شجر سيناء (٥).\nالضحاك: ﴿طُورِ سَيْنَاءَ﴾ الجبل الحَسَن بالنبطية (٦).\nابن عباس، ﵄ في جماعة: السيناء: المبارك (٧).\nوقيل: سيناء حجارة. وقيل: سيناء اسم المكان (٨).\n_________\n(١) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٢٨).\n(٢) انظر: المصدر السابق (١٧/ ٢٨).\n(٣) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٢٨).\n(٤) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٢٨٧).\n(٥) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٤١١).\n(٦) انظر: أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٧/ ٣٠)، وانظر: زاد المسير (٥/ ٤٦٦).\n(٧) وبه قال مجاهد.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٥٠).\n(٨) حكاهما الزجاج في معاني القرآن (٤/ ١٠).","vol":"1","page":1627},{"text":"والجمهور على أنه جبل موسى ﵇ بين مصر وإيلية (١).\nابن جرير: سيناء اسم علم أضيف إليه الطور فتعرف به (٢).\nوقيل: سَيْنَاء فيعال من السَنَا وهو الارتفاع (٣).\nوقيل: الطور أيضًا من الارتفاع ومن قولهم: عدا طوره إذا جاوز الحد (٤).\n﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ من فتح (٥) فالباء للتعدي أي: تُخرج الدهن، وسمي الزيتون دهنًا بما يؤول إليه، ومن ضم فله ثلاثة أوجه:\nأحدها: أن يكون زيادة، كقولهم: نضرب بالسيف ونرجوا بالفرج.\nوالثاني: أن يكون للحال والمفعول محذوف، أي: تُنبت الزيتون ومعه الدهن، تقول: خرج بثيابه أي: معه ثيابه يريد يشرب الماء ويُخرج الدهن.\nوالثالث: أن يكون أنبت لازمًا، ومنه قول الشاعر:\nرأيت بني الحاجات حول بيوتهم ... قطينًا لهم حتى إذا أنبت البقل (٦).\nوالزيتون معروف، والزيت دهنه. والدهن: عصارة اللوز والزيتون، وغيرهما. والدَّهن بالفتح مسح الشيء بالدهن.\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن كثير (٣/ ٢٥٣)، الجامع لأحكام القرآن القرطبي (١٢/ ١١٥).\n(٢) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٣١).\n(٣) انظر: النكت والعيون (٤/ ٥٠).\n(٤) قال في المفردات (٥٢٨) \"طَوَار الدار وطِوارُه: ما امتد منها من البناء، ويقال: فعل كذا طَوْرًَا بعد طَوْر، أي: تارة بعد تاره \".\n(٥) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو \" تُنْبِت \" برفع التاء وكسر الباء، وقرا نافع، وعاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي بفتح التاء وضم الباء \" تَنْبُتُ \".\nقال الفراء في معاني القرآن (٢/ ٢٣٢) \" وهما لغتان، يقال: نبت وانبت \".\nانظر: الحجة لابن خالويه (٢٥٦)، الكشف لمكي (٢/ ١٢٧).\n(٦) البيت لزهير بن أبي سلمى في ديوانه (٣٧) في قصيدة يمدح فيها سنان بن أبي حارثة المُرِّي.","vol":"1","page":1628},{"text":"وقيل: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ بالمطر اللين حكاه أقضى القضاة، وهو غريب (١).\n﴿وَصِبْغٍ لِلْآَكِلِينَ﴾ إدام لهم، والصِّبغ المائع من الإدام يغمس فيه الخبز (٢)، والقياس أن يكون الصبغ غير الدهن لأن المعطوف غير المعطوف عليه.\nالفراء: الصبغ الزيت بعينه (٣).\n﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ﴾ جمع نَعَم وهو الإبل. وقيل: الإبل والبقر والغنم، وقد سبق (٤). ﴿لَعِبْرَةً﴾ اتعاظًا.\n﴿نُسْقِيكُمْ﴾ يعني اللبن، وسقى وأسقى لغتان، وقرئ بالتاء فيكون الفعل للأنعام (٥).\n﴿مِمَّا فِي بُطُونِهَا﴾ من العلف والكلأ والحشيش، فإن اللبن منه يكون.\nوقيل: قوله (﴿مِمَّا فِي بُطُونِهَا﴾ كقوله ﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ﴾ [النحل: ٦٦] (٦).\n﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾ في ظهورها، وركوبها، وأوبارها، وأصوافها، وأشعارها.\n﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ يعنى لحومها.\n﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ﴾ يعني الإبل تركبون عليها في البر، وعلى الفلك في البحر.\n﴿تُحْمَلُونَ﴾ تقول حملته حُملانًا أركبته، وقد سبق.\n_________\n(١) أقضى القضاة أبو الحسن بن حبيب الماوردي تنظر ترجمته ص: ٤٩\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٥٠).\n(٢) قال في لسان العرب (٧/ ٢٨٠)، مادة: صبغ \" الصِّبغ والصِّباغ ما يصطبغ به من الإدام، وصبغ القمة دَهَنَها وغمسها \".\n(٣) انظر: معاني القرآن للفراء (٢/ ٢٣٣).\n(٤) في قوله تعالى ﴿عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٢٨].\n(٥) وهي قراءة شاذة قرأ بها أبو جعفر وأبو رجاء.\nانظر: شواذ القراءات للكرماني (٢٧٣).\n(٦) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٤١١).","vol":"1","page":1629},{"text":"﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ وحِّدُوه وأطيعوه.\n﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ﴾ معبود.\n﴿غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ أفلا تخافون أن يهلككم في الدنيا بعذاب الاستئصال ثم في الآخرة بعذاب النار.\n﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ﴾ أي: أشرافهم لعوامهم.\n﴿مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ﴾ آدمي. ﴿مِثْلُكُمْ﴾ يأكل ويشرب.\n﴿يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ يسودكم ويرأسكم.\nوقيل: يتكلف أن يكون أفضل منكم فتطيعوه فيما يأمركم به وينهاكم عنه (١).\n﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً﴾ أي: لو شاء الله إرسال رسول لأرسل ملائكة.\n﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ فيه أقوال:\nأحدها: ما سمعنا آدميًا بعثه الله رسولًا.\nوالثاني: ما سمعنا بما يأمرنا به من التوحيد.\nوالثالث: ما سمعنا سب آلهتنا وإنكار عبادتها كما يسبه هذا وينكر عبادته.\nوقوله ﴿فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ قيل: هو الأب الأدنى لأنه هو الأقرب فصار هو الأول (٢).\nوقيل: هو الأب الأبعد لأنه أول أب (٣).\n﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾ ما هو إلا رجل به جنون سوداء تغلب على دماغه فينقص من عقله ورأيه ولجنونه يأتي بمثل هذا.\nوقيل: لجنونه طمع فيما طمع (٤).\n_________\n(١) انظر: المصدر السابق (٢/ ٤١٢).\n(٢) حكاه في النكت والعيون (٤/ ٥٢).\n(٣) انظر: المصدر السابق (٤/ ٥٢).\nقال ابن كثير في تفسيره (٣/ ٢٥٤) \" يعنون بهذا أسلافهم وأجدادهم في الدهور الماضية \".\n(٤) في ب: \" لجنونه طمع ما طمع \".","vol":"1","page":1630},{"text":"﴿فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ﴾ فانتظروا حتى يموت فتنجوا منه ولا تقتلوه (١) أو يفيق من جنونه فيدع هذا أو يستبين جنونه فَيُعذر.\n﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ﴾ أي: فلما أيس من إيمانههم قال يارب انتقم لي فأهلِكهم بسبب تكذيبهم إياي.\n﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ بحفظنا (٢).\n﴿وَوَحْيِنَا﴾ أمرنا. وقيل: وحينا تعليمنا إياك صنعتها (٣).\n﴿فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا﴾ عذابنا. ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ وطلع الصبح.\n\nوقيل: وحمي الوطيس، وقد سبق في هود (٤).\n﴿فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ ادخل في السفينة، و(اسلك) متعد كقوله\n﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢] من كل نوع من الحيوان ذكرًا وأنثى.\n﴿وَأَهْلَكَ﴾ نساؤك وأولادك. وقيل: من آمن معك (٥).\n﴿إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ أي: سبق القول من الله بهلاكه وهو ابنه وإحدى زوجتيه.\nوقيل: سبق القول بأنه لا يؤمن (٦).\nوقيل: ﴿وَأَهْلَكَ﴾ من الإهلاك فيكون سبق القول بخلاصه (٧).\n﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ أي: لا تسألني إنجاءهم فإني أغرقهم.\n_________\n(١) في ب: \" فتنجوا منه لا تقتلوه \".\n(٢) سبق الكلام في مثل هذا في قوله تعالى ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩].\n(٣) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٣٥).\n(٤) في قوله تعالى ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ [هود: ٤٠]، وانظر: النكت والعيون (٤/ ٥٢).\n(٥) انظر: غرائب التفسير (١/ ٥٠٥)، والأكثر على القول الأول.\n(٦) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٣٧).\n(٧) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٧٧٥)، وهو ضعيف.","vol":"1","page":1631},{"text":"﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ أي: إذا علوت أنت ومن معك مستويًا. وقيل: إذا استقر الفلك على وجه الماء (١).\n﴿فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ من أذى الكفار.\nوقيل: الحمد لله على أن أهلككم ولم يهلكنا (٢).\n﴿وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا﴾ أي: إنزالًا.\nوقيل: مكانًا، ومن فتح جعله مكانًا مباركًا بالسلامة والنجاة قالها عند الركوب في السفينة (٣).\nوقيل: قالها عند النزول عنها والخروج منها (٤).\n﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٢٩) إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ فيما فعل بنوح وقومه.\n﴿لَآَيَاتٍ﴾ لعبر ومواعظ.\n﴿وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾ ممتحنين عبادنا بالغرق والإهلاك.\nوقيل: باتخاذ السفن، وكانت أول سفينة صنعت (٥).\nو﴿وَإِنْ﴾ هي المحققة من المحققة، واللام للفرق.\n﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا﴾ خلقنا وأظهرنا. ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ بعد قوم نوح.\n﴿قَرْنًا﴾ قومًا. ﴿آَخَرِينَ (٣١) فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ﴾ أي: إليهم، وأفاد ﴿فِيهِمْ﴾ أنه لم يأتهم من مكان غير مكانهم وإنما أوحي إليه وهو فيما بينهم.\n﴿رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ أي: من قومهم، وفي الرسول والقوم:\n_________\n(١) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٣٧).\n(٢) لم أقف عليه، والله أعلم.\n(٣) قرأ الجمهور (منزلًا) بضم الميم، وقرأ أبو بكر عن عاصم بفتح الميم.\nانظر: العنوان في القراءات السبع لابن طاهر الأندلسي (١٣٦)، النشر لابن الجزري (٢/ ٢٣٨).\n(٤) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٢٨٩).\n(٥) انظر: المحرر الوجيز (٤/ ١٤٣).","vol":"1","page":1632},{"text":"قولان: ابن جرير: الرسول صالح ﵇ والقوم ثمود (١)، غيره: الرسول هود ﵇ والقوم عاد (٢).\n﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣٢) وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآَخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ ذكر بالواو لأنه ليس بجواب للنبي متصل بكلامه، وفي قصة نوح ﵇ بالفاء لأنه جواب لقوله ﴿فَقَالَ يَا قَوْمِ﴾ واقع عقبيه، وقدم ﴿مِنْ قَوْمِهِ﴾ كراهة الإحالة بين المعطوف والمعطوف عليه في الصلة وذلك ممتنع مع الصلة، وأخر في الأخرى حيث لم يطل الصلة.\nومعنى ﴿وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآَخِرَةِ﴾ أنكروا البعث والنشور.\n﴿وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ بكثرة المال والأولاد فتنعموا فيها، والترفه النعمة.\nوقيل: التحفة (٣).\n﴿مَا هَذَا﴾ أي: النبي.\n﴿إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾ فمن أين يدعي رسالة الله من بينكم وليس هو بأولى بها من غيره.\n﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ﴾ فيما يأمركم به وينهاكم عنه.\n﴿إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ عقولكم ومغبونون رأيكم.\n_________\n(١) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٣٩) لأن هلاكهم كان بالصيحة كما في آخر الآيات.\n(٢) نقله في البحر المحيط (٦/ ٣٧٣)، وذلك لورود قصتهم بعد قصة نوح في أغلب القرآن،\nوالله أعلم.\n(٣) التحفة: ما أتحفت به الرَّجل من البر والألطاف والنعم.\nانظر: العين للخليل بن أحمد (٣/ ١٩٣)، النهاية في غريب الأثر لأبي السعادات بن الجزري (١/ ٤٧٩).","vol":"1","page":1633},{"text":"﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا﴾ أي: إذا صرتم ترابًا وعظامًا لا لحم عليها ولا جلد.\n﴿أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾ مبعوثون للسؤال والحساب والثواب والعقاب، وكرر ﴿أَنَّكُمْ﴾ لما طال الكلام دون الخبر، وتقديره: أيعدكم أنكم مخرجون إذا متم وكنتم ترابًا وعظامًا.\nوقيل: (﴿أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾ في تقدير المصدر.\n﴿إِذَا مِتُّمْ﴾ خبره تقدم عليه، وتقديره: أنكم إخراجكم إذا متم، والجملة خبر أن وهذا رأي أبي علي (١).\n﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾ ابن عباس، ﵄: بعيد بعيد لما توعدون (٢). وقيل: بُعدًا بُعدًا، والمحققون على أنه من الأسماء التي سميت الأفعال بها وأنها (٣) وقعت في الخبر كسرعان وشتان، وتقديره: بعد إخراجكم لوعدكم.\n﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ أي: ما الحياة إلا حياتنا الدنيا التي نحن فيها ودنت منا، والحياة التي تدعي بعد الموت باطلة وهي كناية عن الحياة.\nوقيل: هي كناية عن النهاية، أي: ما نهايتنا ومدة بقائنا إلا حياتنا الدنيا ولا بعث بعدها ولا حياة (٤).\nوقيل: هي كناية عن الأحوال أي: ما أحوالنا إلا حياتنا التي نحن فيها ثم نموت وقد انقضى الأمر وانقطع النظام (٥).\n﴿نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ أي: يموت الآباء ويحيا الأولاد ثم يموتون.\nوقيل: يموت قوم فيولد قوم (٦).\n_________\n(١) انظر: الإغفال لأبي علي الفارسي (٢/ ٤٤٩).\n(٢) في أ: \" بعيد بعيد ما توعدون \".\nأخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٧/ ٤٢).\n(٣) \" وأنها \" سقطت من أ.\n(٤) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٤٤)، النكت والعيون (٤/ ٥٣).\n(٥) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٤٤).\n(٦) انظر: النكت والعيون (٤/ ٥٣).","vol":"1","page":1634},{"text":"وقيل: فيها تقديم وتأخير، وتقديره: إن هي إلا حياتنا الدنيا نحيا ونموت (١).\n﴿وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ بعد الموت. ﴿إِنْ هُوَ﴾ ما هو.\n﴿إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى﴾ اختلق.\n﴿عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ في دعواه الرسالة والبعث بعد الموت.\n﴿وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ مصدقين فيما يدعيه ولا نؤمن به.\n﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ﴾ أي: أهلكهم بسبب تكذيبهم إياي وانتقم لي منهم، دعا الرسول عليهم فأجابه الله بقوله ﴿قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ﴾ أي: عن قليل من الزمان،\nو(ما) صلة.\n﴿لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ﴾ إذا عاينوا ما يحل بهم ثم لا ينفعهم ندمهم.\n﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ صاح بهم جبريل صيحة هائلة تصدعت قلوبهم فماتوا بها؛ وذلك أن قوم صالح أهلكوا بالصيحة.\nوقيل: هي عبارة عن أيّ عذاب كان (٢).\n﴿بِالْحَقِّ﴾ أي: لا دافع لها.\nوقيل: بما استحقوه بفعلهم (٣)، ويحتمل معنى ﴿بِالْحَقِّ﴾ بالوعد الصدق.\n﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً﴾ ابن عباس، ﵄: باليًا (٤).\nوقيل: موتى صرعى كالغثاء وهو: ما يحمله السيل مما قد بَلِي وتغير من القصب والورق وغير ذلك (٥).\nوقيل: هي كقول العرب لمن ذهب وهلك: سال به السيل، لأن ما حمله السيل يسمى غثاءً (٦).\n_________\n(١) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٤١٤).\n(٢) على أن المراد بالقوم غير قوم صالح ﵇، والأول هو الصواب.\n(٣) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٢٩٠).\n(٤) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٧/ ٤٦).\n(٥) حكاه الزجاج في معاني القرآن (٤/ ١٢).\n(٦) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٧٧٧).","vol":"1","page":1635},{"text":"وقيل: هو كقوله ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧] (١).\n﴿فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤١) ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ بعد قوم صالح.\n﴿قُرُونًا آَخَرِينَ﴾ بعد أَعْصَار.\n﴿مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ قيل: أجل الموت (٢).\nوقيل: أجل العذاب (٣).\n﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾ أي: تواترت الرسل بعدهم إلى زمن موسى، وفي ﴿تَتْرَى﴾ قولان:\nأحدهما: يتلوا بعضهم بعضًا وبين كل اثنين فترة.\nوالثاني: متتابعة لا فتور فيها، وأصله من الوتْر أي واحدًا بعد واحد.\nوقيل: من الوَتَر واتصاله (٤)، وأصله وتَرَى قلبت الواو تاء كتخمة وتراث فمن نون جعل ألفه للإلحاق كأرطي ومعزي، أو بدلًا من التنوين فيمن لم يملها ومن لم ينون قال الألف للتأنيث (٥)، (٦).\n﴿كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا﴾ بالإهلاك.\n﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾ عبرًا.\n_________\n(١) انظر: المصدر السابق (٢/ ٧٧٧).\n(٢) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٤١٤).\n(٣) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٤٦).\n(٤) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٤٨)، النكت والعيون (٥٤).\n(٥) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو (تترىً كلما) بالتنوين، وقرأ نافع، وابن عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائي بغير تنوين.\nانظر: الحجة للقراء السبعة لأبي علي الفارسي (٥/ ٢٩٥).\n(٦) تترى على وزن فَعْلى من المواترة أي: المتابعة وترًا وترًا، ومنه واترت الخبر أتبعت بعضه بعضًا.\nانظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ١٣)، المفردات للراغب (١٦٣)، مادة: تترى.","vol":"1","page":1636},{"text":"﴿فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: أبعدهم الله، ونَكَّر لأن التقدير: ومن لا يؤمن كمن لم يؤمنوا.\n﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا﴾ التسع. وقيل: بالتوراة (١).\n﴿وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ حجة ظاهرة.\n﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا﴾ عن قبول الإيمان تعظمًا وترفعًا.\n﴿وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ﴾ قاهرين متكبرين.\n﴿فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا﴾ يعني بني إسرائيل.\n﴿لَنَا عَابِدُونَ﴾ أي: هم لنا كالخَوَلِ والعبيد يخدمومننا طائعين خاضعين.\nالحسن: كانت بنو إسرائيل يعبدون فرعون وفرعون كان يعبد الصنم (٢).\nوقيل: يعبد العجل (٣).\n﴿فَكَذَّبُوهُمَا﴾ أي: موسى وهارون. ﴿فَكَانُوا﴾ قوم فرعون.\n﴿مِنَ الْمُهْلَكِينَ﴾ بالغرق في بحر قلزم.\n﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ أي: التوراة. ﴿لَعَلَّهُمْ﴾ أي: بني إسرائيل.\n﴿يَهْتَدُونَ﴾ به إلى الحلال والحرام.\n﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ﴾ يعني عيسى ﵇.\n﴿وَأُمَّهُ آَيَةً﴾ تدل على قدرته على ما يشاء لأنه خلق من غير مادة نطفة، ووحد لأن الأعجوبة فيهما واحدة.\nوقيل: وجعلنا قصة ابن مريم (٤).\n﴿وَآَوَيْنَاهُمَا﴾ أي: جعلنا مأواهما أي منزلهما.\n_________\n(١) وأكثر المفسرين على القول الأول.\n(٢) انظر: النكت والعيون (٤/ ٥٥).\n(٣) والظاهر أنه قول بعيد؛ لأن بنو إسرائيل لم يعبدوا العجل إلا بعد هلاك فرعون ونجاتهم من الغرق.\n(٤) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ١٣).","vol":"1","page":1637},{"text":"﴿إِلَى رَبْوَةٍ﴾ قتادة: هي بيت المقدس (١)، وسميت ربوة لأنها أقرب الأرض من السماء بثمانية عشر ميلًا.\nسعيد بن المسيب: هي دمشق (٢).\nوقيل: غوطة دمشق (٣).\nابن زيد: هي مصر قال: ولولا أن قراها على ربًا لغرقت تلك القرى (٤).\nأبو هريرة ﵁: فلسطين (٥).\nابن عباس، ﵄: هي أرض مستوية فيها ماء (٦).\n﴿ذَاتِ قَرَارٍ﴾ مستوية بسيطة يمكن الاستقرار عليها.\nوقيل: فيها منازل يستقرون فيها (٧).\nوقيل: القرار مستقر الماء (٨).\n﴿وَمَعِينٍ﴾ ماء ظاهر، من قولك عانت الركية إذا خرج ماؤها.\nوقيل: مَعِين من المعن أي: منتفع به (٩).\nوقيل: من عنته إذا نظرت إليه، وهذا لا يصح لأنه لم يأت بمعنى النظر وإنما جاء بمعنى أصبته بعيني ومنه: إنك سيد معيون (١٠).\n﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ فيه ثلاثة أقوال:\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٧/ ٥٥).\n(٢) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٧/ ٥٤).\n(٣) قاله الضحاك.\nانظر: معالم التنزيل (٥/ ٤١٩).\n(٤) عزاه السيوطي في الدر (١٠/ ٥٩٠) لابن أبي حاتم، قال ابن كثير في تفسيره (٣/ ٢٥٦) \" وهو بعيد جدًا \".\n(٥) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٧/ ٥٣).\n(٦) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٧/ ٥٦)، واختار أن المراد بها المكان المرتفع المستوى الذي به ماء ظاهر.\n(٧) قاله يحيى بن سلام.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٥٦).\n(٨) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٥٦).\n(٩) حكاه ابن جرير في جامع البيان (١٧/ ٥٨).\nقال الفراء في معاني القرآن (٢/ ٢٣٧) \" مَعين: الماء الظاهر والجاري \".\n(١٠) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٧٧٨).","vol":"1","page":1638},{"text":"أحدها: أنه خطاب لعيسى ﵇ بلفظ التعظيم لاتصال الآية بذكره، وكان يأكل من غَزْل أمه وهو أَحَلُّ الأشياء وأطيب الطيبات.\nوالثاني: أنه خطاب لمحمد ﷺ وكان يأكل من الغنائم، وذكر بلفظ الجمع لأن تقديره: اقتد بما اقتدى به الأنبياء قبلك.\nوالثالث: أنه خطاب لجميع الأنبياء الذين تقدم ذكرهم بإضمار القول أي: وقلنا لهم كلوا من الطيبات (١).\n﴿وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ يوافق رضاي.\n﴿إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ فأجازيكم على أعمالكم.\n﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ عطف على موضع ما أي: بما تعملون وبأن هذه، هذا قول الزجاج (٢)، غيره: ولأن هذه أمتكم، وكذلك من خفف ومن كسر فهو استئناف (٣).\nوفي المعنى قولان:\nأحدهما: وأن الدين أيها الرسل دين واحد وهو الإسلام، ومثله ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩].\n﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ﴾ وأن الإله إله واحد وهو الله سبحانه، وقيل: وأنا ربكم شرعتها لكم (٤).\n_________\n(١) وهو ما رجحه ابن كثير في تفسيره (٣/ ٢٥٧) وأن الخطاب شامل لجميع الرسل ويدخل فيهم عيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام.\n(٢) انظر: معاني القرآن للزجاج (٣/ ٣٢٧)، (٤/ ١٤).\n(٣) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو \" وأَنَّ \" بالفتح وتشديد النون، وان عامر بفتح الألف وسكون النون، وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي \" وإِنَّ \" بكسر الألف وتشديد النون.\nانظر: الغاية في القراءات العشر لابن مهران النيسابوري (٢١٦)، التيسير للداني (١٥٨).\n(٤) انظر: معالم التنزيل (٥/ ٤٢٠).","vol":"1","page":1639},{"text":"والثاني: وأن هذه الجماعة واحدة كلهم عباد الله والله خالقهم ومربيهم، ونصب ﴿أُمَّةً﴾ على الحال والمعنى: أنها مادامت متوحدة فهي مرضية فإذا تفرقت فلا.\n﴿فَاتَّقُونِ﴾ فخافون في شق العصا وتفريق كلمتكم.\n﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا﴾ تقطع بمعنى قطع أي: أمر دينهم.\nوقيل: فرقوا ما أمروا به أن يكون دينًا واحدًا، والمعنى: جعلوا دينهم أديانًا (١).\nو﴿زُبُرًا﴾: جمع زبور أي كتبًا مختلفة آمنوا ببعض وكفروا ببعض (٢).\nوقيل: فرقًا مختلفة واحدها زبور، وقرئ في الغريب زُبَرًا بفتح الباء جمع زَبرة أي: فرقًا (٣). ... ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ من الكتاب والدين.\nوقيل: بالمال والأولاد (٤).\n﴿فَرِحُونَ﴾ مسرورون معجبون والمحق واحد.\n﴿فَذَرْهُمْ﴾ دعوهم. ﴿فِي غَمْرَتِهِمْ﴾ في جهالتهم وضلالتهم الساترة وجه الصواب، وأصله الستر. وقيل: فيما غمرهم من دنياهم (٥).\n﴿حَتَّى حِينٍ﴾ قيل: الموت (٦).\n_________\n(١) قاله مجاهد، والسدي.\nانظر: النكت والعيون (٥٧).\n(٢) قاله ابن زيد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٦٣).\n(٣) وهي قراءة شاذة مروية عن الحسن وأبي رجاء، أي قطعًا، ومن قرأ \" زُبُرًا \" فالمعنى: جعلوا دينهم كتبًا مختلفة، جمع زَبُور.\nانظر: الشواذ لابن خالويه (٩٨)، شواذ القراءات للكرماني (٣٣٥).\n(٤) انظر: النكت والعيون (٤/ ٥٧).\n(٥) الغَمْرة في اللغة ما يغمرك ويعلوك؛ وأصله الستر، والغِمْر الحقد لأنه يغطي القلب ويستره، وماء غمر كثير، وفرس غَمْر: كثير العدو واسع الجري.\nانظر: مختار الصحاح (٢١٣)، لسان العرب (١٠/ ١١٦)، مادة: غمر.\n(٦) انظر: النكت والعيون (٤/ ٥٨).","vol":"1","page":1640},{"text":"وقيل: العذاب (١).\nوقيل: القتل يوم بدر (٢).\nوقيل: الآية منسوخة، وقيل: محكمة لأنها مؤقتة وجارية مجرى التهديد (٣).\n﴿أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ جزاء على حسن صنيعهم.\n﴿بَلْ﴾ ليس الأمر على ما توهموا.\n﴿لَا يَشْعُرُونَ﴾ أن ذلك امتحان واستدراج، وفي (إنما) قولان:\nأحدهما: أن (ما) اسم أن و﴿نُسَارِعُ﴾ خبره، والتقدير: نسارع لهم بذلك في الخيرات.\nوالثاني: أن (ما) كافة وبه يعود إلى الفرح و﴿نُسَارِعُ﴾ حال من الضمير من اسم الله تعالى.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ﴾ من خوف عذاب الله.\n﴿مُشْفِقُونَ﴾ حذرون، والخشية الخوف مع تعظيم المخشي منه (٤)، والشَّفِقُ الحذر من المكروه.\n﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ قيل: بالكتب. وقيل: بالدلائل (٥).\n﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ﴾ أي الأصنام. وقيل: لا يراؤون (٦).\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ١٤).\n(٢) انظر: النكت والعيون (٤/ ٥٨).\n(٣) قيل بأن الآية منسوخة بآية السيف، وقيل بأنها محكمة باقية على معناها وهو التهديد والوعيد لهم، وهو الأظهر.\nانظر: الناسخ والمنسوخ للنحاس (٢/ ٥٣٥)، زاد المسير (٥/ ٤٧٩)، البحر المحيط (٦/ ٣٧٧).\n(٤) في النسختين (أ) و(ب) \" عنه \" ولعله تصحيف والصواب ما أُثبت.\n(٥) لم أقف عليه، والمفسرون على أن المراد بها آيات كتابه، وهو المروي عن ابن عباس، ﵄.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٦٦)، الوسيط للواحدي (٣/ ٢٩٢).\n(٦) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٦٦)، وذهب إلى أن المعنى يدخل فيه كل ما ذكر.","vol":"1","page":1641},{"text":"﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا﴾ يعطون ما أعطوا من الصدقة. وقيل: من الزكاة (١).\n﴿وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ خائفة أن لايقبل منهم لتقصيرهم.\n﴿أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ الجمهور على أن التقدير: لأنهم، وقيل: هو مفعول الوجل، أي: وجلة الرجوع إلى الله، والمعنى أي: يعملون على وجل، والواو للحال.\n﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ يبادرون إلى الطاعات ويعملونها عجلين.\nوقيل: يستكثرون منها، وهذا خبر إن (٢).\n﴿وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ أي: لأجل الخيرات سابقون إلى الجنات. وقيل: اللام بمعنى إلى، أي: إلى الخيرات سابقون (٣).\nوقيل: هم للسعادة سابقون إلى الجنة (٤).\n﴿وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ أي: لا نحملها فوق طاقتها، والوُسْعُ: ما في القدرة، وهو مصدر وسِع.\n﴿وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ﴾ يريد كتب السفرة.\nوقيل: اللوح المحفوظ، والمعنى: يفهم من جهته بقراءة ذلك بالحق من غير زيادة ولا نقصان (٥).\n﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ بزيادة عقاب أو نقصان ثواب.\nوقيل: بتكليف ما لا يسعه (٦).\n﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ﴾ قلوب الكفار. ﴿فِي غَمْرَةٍ﴾ غطاء.\n﴿مِنْ هَذَا﴾ قيل: من هذا الذي وصف به المؤمنون.\nوقيل: من كتاب الحفظة (٧).\nوقيل: من القرآن (٨).\n_________\n(١) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٦٧)، معالم التنزيل (٥/ ٤٢١).\n(٢) انظر: النكت والعيون (١٧/ ٥٩).\n(٣) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ١٥).\n(٤) انظر: النكت والعيون (٤/ ٥٩).\n(٥) حكاه الواحدي في الوسيط (٣/ ٢٩٣).\n(٦) انظر: الكشاف (٤/ ٢٣٨).\n(٧) حكاه الزجاج في معاني القرآن (٤/ ١٦).\n(٨) قاله مجاهد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٧٤).","vol":"1","page":1642},{"text":"وقيل: من الحق (١).\n﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ﴾ أي: لهم أعمال خبيثة دون الشرك.\nوقيل: دون الحق (٢).\nوقيل: دون أعمال أهل الإيمان (٣).\nوقيل معنى ﴿دُونِ ذَلِكَ﴾: سوى ذلك (٤).\nوقال الحسن في جماعة: لهم أعمال من دون ماهم عليه لابد أن يعملوها (٥).\nوقيل: الضمير في قوله ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ﴾ يعود إلى المؤمنين (٦).\nوقوله ﴿فِي غَمْرَةٍ﴾ من هذا أي: مغمورة بالإشفاق مع هذه الأفعال الحسنة.\n﴿وَلَهُمْ﴾ أي: للمؤمنين. ﴿أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ﴾ ذلك يريد بالأول الفرائض، وبالثاني النوافل. ﴿هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾ وعليها مقيمون.\n﴿حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ﴾ متنعميهم ورؤساؤهم.\n﴿بِالْعَذَابِ﴾ عذاب الدنيا وهو: القحط سبع سنين.\nوقيل: القتل يوم بدر (٧).\n\nوقيل: عذاب الآخرة (٨).\n﴿إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ﴾ يصرخون صراخ الثور ويتضرعون إلى الله ليقبل توبتهم (٩)،\n_________\n(١) قاله قتادة.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٦٠).\n(٢) قاله مجاهد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٧٥).\n(٣) حكاه ابن جرير في جامع البيان (١٧/ ٧٤).\n(٤) انظر: النكت والعيون (٤/ ٦٠).\n(٥) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٧/ ٧٦)، وبه قال مقاتل، والسدي.\nانظر: تفسير ابن كثير (٣/ ٢٥٩).\n(٦) وهو قول قتادة.\nانظر: معاني القرآن للنحاس (٤/ ٤٧٣).\n(٧) قاله مجاهد.\nانظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٤١٧).\n(٨) انظر: زاد المسير (٥/ ٤٨٢)، البحر المحيط (٦/ ٣٨٠).\n(٩) الجؤار: الضج ورفع الصوت بالتضرع كما يفعل الثور، وهو مثل الخوار.\n\nانظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ١٦) غريب الحديث للخطابي (٣/ ١٧٨).","vol":"1","page":1643},{"text":"فقال: ﴿لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ﴾ لا تتضرعوا وهذا يأس لهم من النجاة لا نهي.\n﴿إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ﴾ أي: إنكم من عذاب الله لا تمنعون.\nوقيل: لا تنصرون بقبول التوبة أي لا ينصركم أحد منا (١).\n﴿قَدْ كَانَتْ آَيَاتِي﴾ أي: القرآن.\n﴿تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ﴾ تعرضون مدبرين عن الإيمان بها وسماعها والعمل بما فيها.\nوالنُّكُوص: رجوع القهقرى وهو أقبح مشية لأنه لا يرى ما وراءه (٢).\nوقيل: يستأخرون (٣).\n﴿مُسْتَكْبِرِينَ﴾ متكبرين على المسلمين.\n﴿بِهِ﴾ ابن عباس، ﵄: في جماعة ﴿بِهِ﴾ بالبيت (٤) أو بالحرام (٥)، أي: هم يقولون (٦) لا يظهر علينا أحد فهي كناية من غير مذكور.\nوقيل: بمحمد ﷺ (٧).\nوقيل: بالقرآن، أي: يتكبرون عن الإيمان به (٨).\nالزجاج: يجوز أن يكون الهاء كناية عن الكتاب المتلو، والهاء متصل بقوله ﴿مُسْتَكْبِرِينَ﴾ وقيل: متصل بما بعده (٩).\n_________\n(١) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٧٨).\n(٢) قال في لسان العرب (١٤/ ٢٨٥)، مادة: نكص \" النكوص: الإحجام وترك الشيء والرجوع إلى الخلف \".\n(٣) قاله مجاهد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٨٠).\n(٤) في ب: \" البيت \".\n(٥) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٧/ ٨٠).\n(٦) في أ \" أي: يقولون \".\n(٧) انظر: النكت والعيون (٤/ ٦١).\n(٨) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٢٩٤).\n(٩) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ١٦).","vol":"1","page":1644},{"text":"﴿سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ هو فاعل من السَّمَر وهو: التحدث ليلًا، وأصله من السَّمَر وهو ظل القمر (١).\nوقيل: السَّمَرُ القمر، وكانوا يجتمعون عند الكعبة ويتحدثون عندها بالليل ويسيئون القول في محمد ﷺ (٢).\nوالسامر صفة القوم كالحي الحاضر والباقر والجامل (٣).\nوقيل: اكتفى بذكر الواحد عن الجمع (٤).\nوقيل: سامر من صفة البيت فيكون نصبًا على الحال من الهاء (به) يعني: مسمورًا فيه (٥). وقيل: السامر الليل كقوله الساهرة، وهو قول المبرد (٦).\nوقيل: السامر المجلس بالليل، والندى بالنهار (٧).\n﴿تَهْجُرُونَ﴾ أي: القرآن والدين.\nوقيل: تهجرون من الهُجْر وهو: القبيح من الكلام (٨).\nوقرئ \" تُهجِرون \" بضم التاء (٩)،\n_________\n(١) سَمَرَ يسمُرُ لم ينم، والسُّمار: الجماعة الذين يتحدثون بالليل، والسَّمَر: حديث الليل خاصة، مأخوذ من السَّمَر وهو ظل القمر، ومنه سُمْرَةُ اللون.\nانظر: القاموس المحيط (٥٢٦)، لسان العرب (٦/ ٣٥٨)، مادة: سَمَرَ،\n(٢) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٢٩٤).\n(٣) الباقر: يقال لجماعة البقر، والجامل: يقال لجماعة الجمال.\nانظر: معاني القرآن للنحاس (٤/ ٤٧٥).\n(٤) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٨٢).\n(٥) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٧٨١).\n(٦) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٧٨١).\n(٧) قاله مجاهد، وسعيد بن جبير.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٨٣).\n(٨) قاله مجاهد، وسعيد بن جبير.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٨٥).\n(٩) قرأ ابن كثير، وعاص، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، والكسائي \" تَهْجُرون \" بضم التاء والجيم، وقرأ نافع، وابن عباس، ﵄، وابن محيصن \" تُهْجِرون \" من الهُجْر وهو السب والفاحش من الكلام.\n\nانظر: المحتسب لابن جني (٢/ ١٣٩)، الكشف لمكي (٢/ ١٢٩)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣٢٩).","vol":"1","page":1645},{"text":"تقولون الهجرة لاغير وهو وصفهم النبي صلى الله عليه بالقبيح، والطعن فيه والتكلم بالشرك (١).\nوقيل: تهذون كالمريض إذا هذى (٢).\n﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ أي: أفلم يتدبروا ولم يتفكروا في القرآن فيعرفوا أنه من الله فهذا نفي لتدبرهم.\nوقيل: القول هاهنا كلام النبي ﷺ قد فهموا قوله ودعوته (٣)، ويحتمل أن التدبر هاهنا هو الفهم، فيكون المعنى: أفلم يفهموا القرآن أي: قد فهموه لأنه بلغة يعرفونها.\n﴿أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آَبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: ليس محمد ﵊ بدعًا من الرسل فقد جاء آبائهم رسل من قبله.\nوقيل معناه: أم جاءهم أمان من العذاب (٤).\nعكرمة عن ابن عباس، ﵄: أن (أم) في معنى بل أي: جاءهم مالم يأت آبائهم الأولين (٥) كقوله ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آَبَاؤُهُمْ﴾ [يس: ٦] فيمن جعل\n﴿مَا﴾ نفيًا وتقديره: أولم يأتهم مالم يأت آبائهم، والمعنى: قد جاءهم رسول وكتاب مفهوم.\n_________\n(١) وهو مروي عن ابن عباس، ﵄، والحسن، وقتادة.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٨٦، ٨٥).\n(٢) حكاه الزجاج في معاني القرآن (٤/ ١٦).\nقال النحاس في معاني القرآن (٤/ ٤٧٧) \"هذه أقوال متقاربة؛ يقال: أهجر يهجر إذا نطق بالفحش وقال الخنى، والاسم منه الهجر، ومعناه: أنه تجاوز، ومنه قيل الهاجرة إنما هو تجاوز الشمس من المشرق إلى المغرب\".\n(٣) أخرج ابن جرير في جامع البيان (١٧/ ٨٧) عن ابن عباس، ﵄ قال: لعمري، لقد جاءهم مالم يأت آباءهم الأولين، ولكن أولم يأتهم مالم يأت آباءهم الأولين؟ .\n(٤) قاله الكلبي.\nانظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٤١٨).\n(٥) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٧/ ٨٧).","vol":"1","page":1646},{"text":"﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ﴾ بالصدق والأمانة ووفور العقل وصحة النسب وحسن الأخلاق أي: عرفوه بهذه الأوصاف.\n﴿فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ بغيًا وحسدًا.\n﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ﴾ لأنه طمع في اتباعنا إياه وذلك طمع في غير مطمع.\nوقيل: لينفروا عنه الناس (١).\n﴿بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ أي: الأمر على خلاف ما توهموا به فإنه جاءهم بالقرآن والإسلام.\n﴿وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ أي: كرهوا اتباعه والتصديق به.\n﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ﴾ هو الله سبحانه.\n﴿أَهْوَاءَهُمْ﴾ مرادهم ومشتهاهم.\n﴿لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ لأنهم يدعون آلهة شتى، فلو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا، وقد سبق (٢).\nوقيل ﴿الْحَقُّ﴾ ضد الهوى ومحال الجمع بينهما (٣).\nوقيل: ﴿الْحَقُّ﴾ التنزيل (٤).\nوقيل: لفسدت أحوال السماوات والأرض ومن فيهن (٥).\nوقوله ﴿وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ خص العقلاء بالذكر لأن غيرهم تبع.\nوقيل: فساد الملائكة بأن يُعْبَدوا من دون الله، وفساد الإنس بأن يَعْبُدوا غير الله، وفساد الجن بأن يُطَاعوا فيطغوا (٦).\n﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ﴾ في الذكر قولان:\nابن عباس، ﵄ الذكر الحق (٧) وهو القرآن (٨).\n_________\n(١) انظر: الكشاف (٤/ ٢٤٠).\n(٢) في قوله تعالى ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢].\n(٣) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٨٨).\n(٤) انظر: النكت والعيون (٤/ ٦٢).\n(٥) انظر: المصدر السابق (٤/ ٦٢).\n(٦) انظر: النكت والعيون (٤/ ٦٣، ٦٢).\n(٧) في ب: \" الذكر: بيان الحق \".\n(٨) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٧/ ٨٩).","vol":"1","page":1647},{"text":"غيره: ﴿بِذِكْرِهِمْ﴾ بشرفهم لأن الرسول منهم والقرآن بلسانهم (١).\n﴿فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ أي: معرضون (٢) عن القرآن والشرف.\n﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ﴾ يرجع إلى قوله ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ﴾ [المؤمنون: ٧٠].\n﴿خَرْجًا﴾ أجرًا وجُعلًا على أداء الرسالة، وقرئ \" خراجًا \" (٣) وهو ما تخرجه الرعية من أموالهم إلى الأمراء.\nابن عيسى: ما يخرج من الغلة على سبيل الوظيفة (٤).\n﴿فَخَرَاجُ رَبِّكَ﴾ رزق ربك في الدنيا.\nوقيل: ثواب ربك في العقبى (٥).\n﴿خَيْرٌ﴾ لأنه أبقى وأدوم. ﴿وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ خير المعطين.\n﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ دين الإسلام.\n﴿وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ﴾ أي: الصراط المذكور وهو: الصراط المستقيم.\n_________\n(١) والقولان متقاربان؛ لأن الله تعالى أنزل القرآن وبين فيه أمور الدين، وهو ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلموسلم وقومه وشرف لهم.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٩٠).\n(٢) في أ \" أي يعرضون \".\n(٣) وهي قراءة حمزة، والكسائي (خرجًا فخراج)، وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم ﴿خَرْجًا فَخَرَاجُ﴾، وقرأ ابن عامر (خرجًا فخَرْج) بدون ألف في الموضعين.\nانظر: الحجة لابن خالويه (٢٥٨)، الكشف لمكي (٢/ ١٣٠).\n(٤) لم أقف عليه، والله أعلم.\nالخَرْجُ: ما يؤديه العبد إلى سيده، والخراج الضريبة والجزية، ويقع أيضًا على مال الفيء.\nانظر: معاني القرآن للزجاج (٣/ ٢٥٣)، لسان العرب (٤/ ٥٤).\n(٥) قاله الحسن.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٦٣).","vol":"1","page":1648},{"text":"﴿لَنَاكِبُونَ﴾ عادلون عنه مائلون على غيره. وقيل: طريق الجنة (١).\nوقيل: الصراط الذي يكون في الآخرة (٢).\n﴿لَنَاكِبُونَ﴾ نأخذهم يمنة ويسرة إلى النار، تقول نَكَبَ عن الطريق ونكب بمعناه (٣).\n﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ﴾ قحط وجوع.\n﴿لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ﴾ لأقاموا وثبتوا على كفرهم.\n﴿يَعْمَهُونَ﴾ يترددون متحيرين. وقيل: إن أخرجناهم من النار إلى الدنيا لعادوا إلى الكفر، كقوله ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ ... [الأنعام: ٢٨]، في سبب النزول عن ابن عباس، ﵄ قال: جاء أبو سفيان إلى رسول الله صلى الله وسلم فقال يامحمد: \" أنشدك الله والرحم لقد أكلنا العِلْهِزْ يعنى: الوبر بالدم (٤) فأنزل الله ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ (٥) أي: بالقحط والجوع.\nوقيل: بالقتل يوم بدر، وقد سبق اشتقاق الاستكانة والتضرع.\n﴿حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ أي: أنزلنا عليهم عذابًا.\n_________\n(١) انظر: البحر المحيط (٦/ ٣٨٣).\n(٢) انظر: المصدر السابق (٦/ ٣٨٣)، وضعفهما.\nوالصواب أن المراد بالصراط هو دين الله الحق.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٩١).\n(٣) نَكَب فلان عن الطريق مال وعدل عنه، ونكبت الريح إذا انحرفت.\nمختار الصحاح (٢٥٩)، القاموس المحيط (١٧٨)، مادة: نكب.\n(٤) العِلْهِز: هو معالجة الوبر بدماء الحَلَم، وكانت العرب في الجاهلية يفعلونه، والعِلْهِز: القراد الضخم.\nانظر: العين للخليل بن أحمد (٢/ ٢٧٨).\n(٥) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٧/ ٩٣)، وانظر: أسباب النزول للواحدي (٣٦٢).","vol":"1","page":1649},{"text":"الزجاج: العذاب الأول القحط، والثاني القتل (١).\nوقيل: العذاب الأول هموم الدنيا وابتلاؤها وغمها، والثاني عذاب الآخرة (٢).\n﴿إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ آيسون من كل خير متحيرين (٣).\n﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ﴾ خلق.\n﴿لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ أي: تشكرون شكرًا قليلًا.\nو﴿مَا﴾ صلة، وقيل: معناه: قليل من يشكر.\n﴿وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أي: منه المبدأ وإليه المعاد.\n﴿وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ مجيء أحدهما عقيب الآخر.\nوقيل: اختلافهما بالظلمة والنور (٤).\nوقيل معناه: وله ملك اختلافهما وله التدبير فيهما (٥).\n﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ فتعرفوا قدرتانا على البعث.\n﴿بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ﴾ أي: آباؤهم، ثم بين ما قالوا فقال: ﴿قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ استبطؤا أمر البعث.\n﴿لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآَبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: هذا الذي يعدنا من البعث فقد وعدنا نحن وآباؤنا فما صدق وعدهم ولا شاهدنا ذلك.\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ١٧).\n(٢) انظر: النكت والعيون (٤/ ٦٤).\n(٣) قال الفراء في معاني القرآن (١/ ٣٣٥) \" المبلس: اليائس المنقطع رجاؤه، ولذلك يقال للذي يسكت عند انقطاع حجته ولا يكون عنده جواب: قد أبلس \".\n(٤) حكاه الفراء في معاني القرآن (٢/ ٢٤٠).\n(٥) حكاه في النكت والعيون (٤/ ٦٤).","vol":"1","page":1650},{"text":"﴿إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ أكاذيبهم، وقد سبق بيان الآية قبل.\n﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ أي: قل لهم لمن خَلْقُ الأرض؟ فإنهم سيقولون: لله؛ لأنهم مقرون بأن الله هو الخالق فإذا قالوها قل لهم: أفلا تذكرون أن مالك الشيء يقدر على التصرف في الشيء والأموات مملوكة لله قادر على إحيائها بعد الموت قدرته عليها في المرة الأولى فإنها كانت أمواتًا فأحياها.\n﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ أي: سلهم من أعظم من الأرض ومَن فيها وهي السماوات السبع والعرش العظيم فإنهم لا ينكرون أن الله خالقها مع عظم أجزائها وعلو مكانها وهو قوله ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ﴾ لهم: ﴿أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ عقاب من هذه كلها ملكه ومقدوره بإنكار شيء حقير وهو إعادة الموتى أحياء.\n﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: سلهم عن أحوالها فقد أقروا أن ذواتها لله.\nوالملكوت: الملك بأبلغ لفظ كالرحموت، والرهبوت.\nوقيل: الملكوت الخزائن (١).\n﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ فمن أين تصرفون عن رشدكم.\n_________\n(١) قال الزجاج في معاني القرآن (٢/ ٢١٤) \" الملكوت بمنزلة الملك إلا أن الملكوت أبلغ في اللغة من الملك، لأن الواو والتاء تزادان للمبالغة، ومثل الملكوت الرغبوت، والرهبوت \".\nقال ابن جرير في جامع البيان (٩/ ٣٥٣) هو \" ملك السماوات والأرض، وما خلق فيهما من الشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب، وغير ذلك من عظيم سلطانه فيهما \".","vol":"1","page":1651},{"text":"وقيل: تُخدعون (١).\nوقيل: كيف تعمون، من قوله ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ﴾ [الأعراف: ١١٦] (٢).\nوقيل: من أين يلحقكم التمويه والسحر (٣).\nوقيل: من أي جهة يخيل إليكم الباطل حقًا والكذب صدقًا (٤).\nومعنى ﴿وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ﴾ يمنع المكروه من أوليائه ولا يمنع أحد السوء ممن أراده الله به.\n﴿إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ إن كان لكم عقل فقد قامت الحجة عليكم بإقراركم، والأول لله بإجماع لقوله في السؤال ﴿لِمَنِ﴾، والثاني والثالث مختلف فيهما؛ فمن قرأ باللام حمل على المعنى، ومن قرأ بحذفه فعلى ظاهر اللفظ (٥).\n﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ أي: بَيَّنا لهم الحق فظهر كذبهم وإنهم لمصرون عليه. وقيل: لكاذبون بقولهم ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ (٦).\n﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ﴾ لأنه منزه عن النوع والجنس، وولد الرجل من جنسه.\n﴿وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ شريك في الإلهية.\n_________\n(١) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٢٩٦).\n(٢) لأن السحر يستر العيون عن رؤية الحقيقة.\n(٣) انظر: النكت والعيون (٤/ ٦٥).\n(٤) حكاه ابن جرير في جامع البيان (١٧/ ١٠١).\n(٥) في ب: \" فعلى ظاهر اللظف \"، وهو تصحيف.\nقرأ أبو عمرو، ويعقوب \" سيقولون الله \" في الموضعين الأخيرين بألف الوصل قبل اللام ورفع الهاء؛ لأن السؤال بغير اللام فجاء الجواب على لفظه، وقرأ الباقون \" سيقولون لله \" في المواضع الثلاثة لأن السؤال باللام في \" لمن \"، فلما تقدمت اللام رجعت في الجواب.\nانظر: الحجة لأبي لابن خالويه (٢٥٨)، الكشف لمكي (٢/ ١٣١).\n(٦) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ١٠١).","vol":"1","page":1652},{"text":"﴿إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ﴾ أي: لمَيَّز كل واحد مخلوقه كي لا يلتبس بمخلوق غيره ولا تَمَيُّزَ بين المخلوقات بعلامة يعلم أن هذا لله وهذا لشريكه، فصح أنه لا شريك له ومعه. ﴿وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ غلبه وقهره ومنعه من مراده وليس بإله من يغلب ويمنع والله سبحانه يفعل ما يريد من غير مغالب ومدافع.\n﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ من اتخاذ الولد والشريك.\n﴿عَالِمِ الْغَيْبِ﴾ ما كان ويكون. ﴿وَالشَّهَادَةِ﴾ ما هو حاضر.\nوقيل: السر والعلانية وليس فيهما لله ولد ولا شريك (١).\n﴿فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ هو أعلى من أن يتخذ ولدًا أو شريكًا.\n﴿قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ﴾ إن أريتني عذابهم.\n﴿رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ أي: أخرجني منهم ولا تعذبني معهم، والفاء جواب الشرط.\nوقوله ﴿رَبِّ﴾ اعتراض بينهما للتأكيد، والجمهور على أن هذا العذاب في الدنيا.\nوقيل: في الآخرة (٢).\nالحسن: أخبر الله نبيه أن له في أمته نقمة ولم يطلعه على وقتها فأمره بهذا الدعاء (٣).\n﴿وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ﴾ إخبار بقدرته على إنزال العذاب.\nقيل: هو يوم بدر (٤).\nوقيل: هو فتح مكة (٥).\nوقيل: إن الله أخره لعلهم يؤمنون (٦).\n_________\n(١) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٤٢٠).\n(٢) والصواب القول الأول، ويرد القول الثاني قوله تعالى (وإنا على أن نريك ما نعدهم لقادرون).\n(٣) انظر: غرائب التفسير للكرماني (٢/ ٧٨٢).\n(٤) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٢٩٧).\n(٥) في ب: \" وقيل يوم فتح مكة \"، وانظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٤٢٠).\n(٦) لم أقف عليه، والله أعلم.","vol":"1","page":1653},{"text":"﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ التي هي أحسن: كلمة لا إله إلا الله، والسيئة: الشرك. وقيل: ادفع بحلمك جهلهم (١).\nوقيل: ادفع أذاهم إياك بالسلام عليهم (٢).\nوقيل: بالإغضاء والصفح عن إساءة المشركين (٣).\nوقيل: ادفع المنكر بالأمر بالمعروف (٤).\n﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾ أي: نحن أعلم بما يستحقون من الجزاء وبوقت العذاب وهذا قبل أن أُمِرَ بالقتال.\n﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾ شر الشياطين.\nوقيل: وساوسة الداعية إلى الضلال والمعاصي (٥).\nوقيل: نزغاته (٦).\nوقيل: إغوائه (٧)، وروي مرفوعًا أن همزه الموتة (٨) التي تأخذ ابن آدم (٩).\nوقيل: الجنون (١٠).\n_________\n(١) حكاه السمرقندي في بحر العلوم (٢/ ٤٢٠).\n(٢) قاله مجاهد.\nانظر: النكت والعيون (١٧/ ١٠٥).\n(٣) قاله الحسن.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٦٦).\n(٤) انظر: المصدر السابق (٤/ ٦٦).\n(٥) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٢٩٧).\n(٦) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٤٢١).\n(٧) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٢٩٧).\n(٨) قال في المفردات (٨٤٦) \" الهَمْزُ كالعصر. يقال: همزت الشيء في كفي، ومنه الهمز في الحرف، وهمز الإنسان اغتيابه \".\n(٩) أخرجه ابن حبان في صحيحه (٥/: ٧٨) ح: ١٧٧٩، باب: ذكر ما يتعوذ المرء به قبل ابتداء القراءة في الصلاة، وأبو داود في سننه (١/ ٢٦٢)، باب: ما يستفتح به الصلاة من الدعاء ح: ٧٦٤، عن جبير بن مطعم عن أبيه أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلموسلم يصلي صلاة ... وفيه قال: \" أعوذ بالله من الشيطان من نفخه ونفثه وهمزه. قال: نفثه الشعر، ونفخه الكبر، وهمزه الموتة \"، وصححه الألباني في الكلم الطيب (٩٨).\n(١٠) انظر: النكت والعيون (٤/ ٦٦).","vol":"1","page":1654},{"text":"﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ في الصلاة وعند القراءة.\nوقيل: الموت (١).\nوقيل: يصيبوني بسوءٍ منهم، من قول العرب: اللبن محضور أي: يُصاب منه (٢).\n﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ أي: إذا حضره ملك الموت قال: يا رب ارجعوني ردوني إلى الدنيا، وذكر بلفظ الجمع تعظيمًا للمخاطب.\nوقيل: خاطب ملك الموت وأعوانه به (٣).\nوقيل: عدل عن خطاب الله إلى خطاب الملائكة (٤).\n﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ خالصًا في الدنيا لأنه ترك الدنيا وصار إلى العقبى. وقيل: ﴿أَعْمَلُ صَالِحًا﴾ أقول لا إله إلا الله (٥).\n﴿كَلَّا﴾ أي: لا يكون ما سألت من الرجوع. وقيل: معناه حقًا.\n﴿إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ يعني بالكلمة قوله ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾.\nوقيل: معناه كلمة ﴿هُوَ قَائِلُهَا﴾ لا أصل لها لأنه لو رجع إلى الدنيا لم يف بها (٦).\nالزجاج: الضمير في ﴿إِنَّهَا﴾ يعود إلى قوله ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾ الآية [الأعراف: ٣٤] أي: الله قائل هذه الكلمة فلا يدخله خلف (٧).\n﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ﴾ أي: بين أيديهم. وقيل: قدامهم (٨).\n_________\n(١) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٤٢١).\n(٢) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٢٩٧).\n(٣) في ب \" وقيل خاطب ملك الموت وأعوانه \"، وانظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٤٢١).\n(٤) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٢٩٧).\n(٥) قاله ابن عباس، ﵄.\nانظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٢٩٩).\n(٦) انظر: المصدر السابق (٣/ ٢٩٨).\n(٧) ذكره الكرماني في غرائب التفسير (٢/ ٧٨٢)، ولم أجده في معاني القرآن للزجاج.\n(٨) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ١٠٩).","vol":"1","page":1655},{"text":"﴿بَرْزَخٌ﴾ حاجز وحائل، وهو ما بين الموت والبعث (١).\nوقيل: حاجز بين الدنيا والآخرة (٢).\nوقيل: حاجز بين الميت والرجوع إلى الدنيا (٣).\nوقيل: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ﴾ إمهال إلى يوم القيامة (٤).\n﴿إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ يوم القيامة. وقيل: البرزخ القبر (٥).\nوقيل: ما بين النفختين، وهو أربعون سنة (٦).\nوقيل: بقية الدنيا (٧).\n﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ ينفخ فيه إسرافيل لقيام الساعة.\nالحسن: الصور جمع صُورة (٨).\n﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ﴾ أي: لا أنساب بينهم ينفعهم ولا يعطف ذو رحم على رحمه لاشتغاله بنفسه.\nوقيل: لا يتناسبون للمفاخرة كما كانوا يفعلون في الدنيا (٩).\nوقيل: لا يتواصلون بالأنساب (١٠).\n﴿وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ لا يسأل بعضهم بعضًا تقوية لعلمه بأنه مشغول بنفسه.\n_________\n(١) البرزخ في اللغة: الحاجز بين شيئين، وهو ما بين موته في الدنيا إلى بعثه.\nانظر: تفسير ابن كثير (٣/ ٢٦٦)، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٢/ ١٥٠).\n(٢) قاله الضحاك.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ١١١).\n(٣) في أ \" حاجز بين الموت والرجوع إلى الدنيا \"، وهو قول مجاهد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ١١٠).\n(٤) \" إلى يوم القيامة \" ساقط من أ، وانظر: النكت والعيون (٤/ ٦٧).\n(٥) قاله الحسن.\nانظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٤٢١).\n(٦) قاله الكلبي.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٦٧).\n(٧) قاله قتادة.\nانظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٤٢١).\n(٨) انظر: غرائب التفسير للكرماني (٢/ ٧٨٣).\n(٩) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٢٩٨).\n(١٠) انظر: النكت والعيون (٤/ ٦٧).","vol":"1","page":1656},{"text":"وقيل: لا يسأل بعضهم بعضًا عن حاله (١)، وليس بين هذا وبين قوله ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الصافات: ٢٧] تناقض، لأن هذا في بعض المواقف وفي القيامة مواقف (٢).\nقال ابن عباس، ﵄: \"لا يسألون عند النفخة الأولى\" (٣).\nوقيل: ما داموا في المحاسبة لا يتساءلون لأنهم لا يتفرغون، فإذا فرغوا فدخلوا الجنة أو النار تساءلوا (٤).\n﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ بالعمل الصالح.\n﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ يعني المؤمنون.\n﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ يعني الكفار.\n﴿فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ غبنوا أنفسهم.\n﴿فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ لا يخرجون ولا يموتون، والجمهور على أنه يُنْصَبُ في عرصات القيامة ميزان له كفتان ولسان يوزن به الحسنات والسيئات.\nوقيل: هو مَثَل للحسنات والسيئات، فمن كثرت حسناته فهو مفلح ومن كثرت سيئاته فهو خاسر (٥).\nوقيل: الموازين الأعمال وثقلها أن تكون حسنة ويكون لها خطر ومقدار ووزن، والسيئة لا خطر لها ولا وزن (٦)، والأول هو المعتقد (٧)،\n_________\n(١) انظر: المصدر السابق (٤/ ٦٧).\n(٢) في ب \" وللقيامة مواقف \".\n(٣) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٧/ ١١١)، وأخرج عنه أيضًا (١٧/ ١١٢) قال: \" ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الصافات: ٢٧] قال: فذلك إذا بعثوا في النفخة الثانية\".\n(٤) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٢٩٨).\n(٥) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٧٨٤).\n(٦) انظر: المصدر السابق (٢/ ٧٨٤).\n(٧) مذهب أهل السنة والجماعة الإيمان بالميزان وأنه حقيقة يوم القيامة يوضع فتوزن أعمال العباد، ولا يجوز تأويله بثقل الأعمال وخفتها.\n\nانظر: أصول أهل السنة للإمام أحمد (٢٥)، إثبات صفة العلو لابن قدامة (١٢٢)، الإيمان لابن مندة (٢/ ٩٧٨)، الاعتقاد للبيهقي (٢٠٥)، أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي (١/ ١٦٦).","vol":"1","page":1657},{"text":"وإنما جُمِع لاختلاف الموزونات كالأهلة لاختلاف الأوقات، ويحتمل أنها جمع موزون.\n﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ أي: تحرق فلا يبقى عليه لحم (١).\n﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ الكلوح: نسور الوجه.\nوقيل: تقلص الشفتين عن الأسنان حتى تبدو الأسنان (٢).\n﴿أَلَمْ تَكُنْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ أي: فيقال لهم ألم تكن آياتي - يعنى القرآن - تتلى عليكم في الدنيا وفيه الأمر والنهي؟ .\n﴿فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٠٥) قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ التي كتب علينا في اللوح المحفوظ. وقيل: الشقوة: الهوى (٣).\nوقيل: غلبت علينا سيئاتنا التي أوجبت لنا الشقاء (٤).\nوقيل الشقوة: حسن الظن بالنفس وسوء الظن بالغير (٥).\nوقرئ شِقوتنا بالكسر، وشقاؤنا بالفتح والألف وكلاهما مصدران (٦).\n﴿وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ﴾ عن الهدى والحق.\n_________\n(١) قال في لسان العرب (١٢/ ٣٠٣)، مادة: لَفَح \" لفحته النار أصابت وجهه، والنفح أعظم تأثيرًا \".\n(٢) الكالح: هو الذي تشمرت وانحسرت شفته عن أسنانه، كرؤوس الغنم إذا مستها النار فبرزت الأسنان وتسمرت الشفاه.\nانظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ٢٠).\n(٣) انظر: النكت والعيون (٤/ ٦٧).\n(٤) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٧٨٤).\n(٥) انظر: النكت والعيون (٤/ ٦٨).\n(٦) قرأ ابن كثير، وعاصم، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر \" شِقْوَتُنا \"، وقرأ حمزة، والكسائي، والحسن، والأعمش، \" شَقَاوتنا \" وهي مروية عن ابن مسعود، وابن عباس، ﵄ ﵄.\nانظر: الغاية في القراءات العشر لابن مهران النيسابوري (٢١٧)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣٢٩)، الإتحاف لابن البنا (٢/ ٢٨٩).","vol":"1","page":1658},{"text":"﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا﴾ من النار. ﴿فَإِنْ عُدْنَا﴾ إلى الكفر والتكذيب.\n﴿فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ لأنفسنا.\nالحسن: هذا آخر كلام يتكلم به أهل النار (١).\n﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا﴾ اسكتوا سكوت ذلة وهوان.\n﴿وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ في دفع العذاب فإني لا أدفعه عنكم.\nوقيل: هذا على جهة الغضب اللازم (٢) لهم، خسأْت الكلب إذا زجرته فخسأ (٣).\n﴿إِنَّهُ﴾ إن الأمر والشأن.\n\n﴿كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾ يعني المؤمنين.\n﴿فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا﴾ أي: سخرتم منهم وهزئتم بهم.\nوقيل: اتخذتموهم سُخرة وعبودة (٤).\n﴿حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي﴾ أي: أنساكم الهزء بهم.\n﴿ذِكْرِي﴾ طاعتي.\n﴿وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾ إستهزاءً بهم.\n﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ يجوز أن يكون التقدير جزيتهم الجنة بصبرهم لأنهم هم الفائزون، ويجوز أن يكون أنهم هم الفائزون المفعول الثاني أي: جزيتهم الفوز، ومن كسر فعلى الابتداء أي: أنهم هم الفائزون لا أنتم (٥)، ومعنى فاز: نال ما أراد.\n_________\n(١) انظر: النكت والعيون (٤/ ٦٨).\n(٢) في أ \" وقيل هذا في جهة الغضب اللازم \".\n(٣) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ٢٠).\n(٤) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ١٢٧)، النكت والعيون (٤/ ٦٨).\n(٥) قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وأبو عمرو، وابن عامر \" أَنهم \" بالفتح، وقرأ حمزة، والكسائي \" إنهم \" بالكسر.\nانظر: التيسير للداني (١٦٠)، العنوان في القراءات لأبي طاهر الأندلسي (١٣٧).","vol":"1","page":1659},{"text":"﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ قيل: في القبر (١).\nوقيل: في الدنيا (٢).\n﴿عَدَدَ سِنِينَ﴾ أي: كم عدد سنين لبثتم، و﴿عَدَدَ﴾ نصب بـ ﴿كَمْ﴾، و﴿كَمْ﴾ نصب بـ ﴿لَبِثْتُمْ﴾، وإنما سئلوا عن هذا لأنهم كانوا يقولون نحن ندوم ولا نفنى.\nوقيل: لو عرفتم مدة ما تلبثون في القبور لما أنكرتم البعث (٣).\nومن قرأ (قل) (٤) فتقديره: قولوا يا أهل النار.\n﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ استقصروا مدة لبثهم لِمَا دُفِعوا إليه من الشدائد.\nوقيل: إنهم كانوا عالمين أنهم مكثوا أكثر من يوم ويومين ولكنهم أرادوا لبثًا قليلًا (٥).\n﴿فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾ قيل: الملائكة (٦).\nوقيل: مَلَك الموت وأعوانه (٧).\nوقيل: الحفظة (٨).\nوقيل: الحُسَّاب (٩).\n_________\n(١) قاله مقاتل.\nانظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٤٢٣).\n(٢) انظر: النكت والعيون (٤/ ٦٩)، وهو اختيار ابن جرير في جامع البيان (١٧/ ١٣٠).\n(٣) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ١٣٠).\n(٤) وهي قراءة ابن كثير، وحمزة، والكسائي، وقرأ نافع، وعاصم، وأبو عمرو، وابن عامر \"قال كم لبثتم\".\nانظر: الحجة لابن خالويه (٢٥٩)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣٣٠).\n(٥) انظر: النكت والعيون (٤/ ٦٩).\n(٦) قاله مجاهد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ١٣١)، واختاره الزجاج في معاني القرآن (٤/ ٢١).\n(٧) قاله مقاتل.\nانظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٤٢٣).\n(٨) قاله الأعمش.\nانظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٤٢٣).\n(٩) قاله قتادة.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ١٣٢)، وبين أنه يجوز أن يراد به الملائكة أو من بني آدم أو من غيرهم.","vol":"1","page":1660},{"text":"﴿قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾ أي: أنتم وإن أخطأتم فيما أجبتم به فما لبثتم فيها إلا قليلًا بالإضافة.\nوقيل: إلا قليلًا لأنه انقضى، وكل منقض قليل (١).\n﴿لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ هذا ما اشتغلتم بالمعاصي.\n﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ فيه قولان:\nأحدهما: للعبث، أي: لتعبثوا وتغفلوا وتلهوا.\nوالثاني: بالعبث والباطل لا نحكم للمطيع بالثواب وللعاصي بالعقاب.\n﴿وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ بعد الموت.\n﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ أي: جل عن أن يخلق عبثًا.\nوقيل: علت صفته فوق كل صفة لغيره (٢).\n﴿الْحَقُّ﴾ المستحق للمملكة وغيره من الملوك مملكون.\n﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ السرير الكبير. وقيل: العرش: السماوات (٣).\nوقيل: الملك الكريم حيث ينال من جهته الكرامات (٤).\n﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ من أشرك مع الله إلهًا من غير برهانِ حجةٍ وبيان.\n﴿فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ هذا جواب الشرط أي: فجزاؤه على الله وهو يجازيه لا محالة. وقيل: معرفة مقدار ما يستحقه من الجزاء عند ربه فيجازيه بمقداره (٥).\n﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ بدأ بالسورة بقوله ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ وختم ﴿لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ وقل يا محمد.\n_________\n(١) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٣٠٠).\n(٢) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ١٣٤).\n(٣) والصواب أن العرش غير السماوات.\n(٤) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٣٠١).\n(٥) انظر: النكت والعيون (٤/ ٦٩).","vol":"1","page":1661},{"text":"﴿وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ﴾ لي ولأمتي. وقيل: ادع ليقتدي بك المؤمنون (١).\n﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾ أي: أرحم الراحمين.\n_________\n(١) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٤٢٣).","vol":"1","page":1662},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-130>سورة النُّور</span>","vol":"1","page":1663},{"text":"سورة النور، أربعة وستون آية مدنية (١).\nوعن عائشة ﵂ أنها قالت: قال رسول الله ﷺ في حق البنات \" لا تنزلوهن الغرف ولا تعلموهن الكتابة وعلموهن الغَزْلَ وسورة النور\" (٢).\n﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾\n﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا﴾ ابن عيسى: السورة الجامعة لجملة آيات بفاتحة لها وخاتمة، واشتقاقها من سور المدينة. وقيل: من سؤر الماء، وقد سبق (٣)، أي: هذه سورة فهي خبر مبتدأ محذوف، و﴿أَنْزَلْنَاهَا﴾ صفة لها، ولا يحسن ارتفاعها بالابتداء لكونها نكرة، وقرئ في الشواذ بالنصب على تقدير: أنزلنا سورة أنزلناها، أو أتل سورة (٤)، ومعنى ﴿أَنْزَلْنَاهَا﴾ أمرنا جبريل أن ينزل بها.\n﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾ أي: فرضنا فرائضها، فحذف المضاف، ومن شدد فلكثرة ما فيها من الفرائض والتخفيف يصلح للقليل والكثير (٥)،\n_________\n(١) في ب: \"سورة النور مدنية\".\nوقد نقل الإجماع على مدنيتها ابن الجوزي في زاد المسير (٦/ ٣)، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن (١٢/ ١٥٨).\n(٢) أخرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ٤٣٠)، وأبو حاتم في المجروحين (٢/ ٣٠٢)، والطبراني في الأوسط (٦/ ٣٤)، والبيهقي في الشعب (٢/ ٤٧٧) كلهم عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂، وقال عنه الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ١٦٦) \"فيه محمد بن إبراهيم الشامي، قال الدارقطني: كذاب\".\n(٣) سؤرة: من أسأرت، أي: أبقيت منها بقية، ومنه سؤر الهرة، وتطلق السورة أيضًا ويراد بها المنزلة الرفيعة.\nانظر: المفردات (٤٣٤)، العين للخليل بن أحمد (٧/ ٢٩٣).\n(٤) وهي مروية عن عمر بن عبد العزيز.\nانظر: المحتسب لابن جني (٢/ ١٤٢).\n(٥) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو بالتشديد (فرَّضْناها)، وقرأ الباقون بالتخفيف.\n\nانظر: حجة القراءات لابن زنجلة (٤٩٤).","vol":"1","page":1664},{"text":"وأصله من الفَرْض وهو الحز وفصل الشيء من الشيء.\nوقيل: معناه: وفرضناها عليكم وعلى من بعدكم (١).\n﴿وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ أي: دلائل واضحات. وقيل: فرائض وأحكامًا (٢).\n﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ لكي تذكروا وتعتبروا، ثم فَصَّلَ أحكامها فقال ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ أي: فيها حكم الزانية والزاني فهما رفعا بالابتداء والخبر مقدور، وقيل: الخبر ﴿فَاجْلِدُوا﴾ وجاز دخول الفاء لأن التقدير: التي زنت والذي زنى، وجاز بلفظ الأمر كما تقول: زيد اضربه، أي: زيدًا أقول لك في حقه اضربه، وقدم الزانية بخلاف السارق لأن أثر الزنا يبدوا عليها من الحبل وزوال البكارة، والزنا: الوطء في الفرج من غير عقد، أو غالب ظن بعقد يصح به الوطء.\n﴿فَاجْلِدُوا﴾ الخطاب للأمة ومن يلي من قِبَلِ الإمام.\n﴿كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ يريد البكرين الحرين لأن الثيبين حكمهما الرجم بالإجماع ولما روي عن ابن عباس، ﵄ قال: \" خطبنا عمر بن الخطاب ﵁ فقال كنا نقرأ \" الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة بما قضيا من اللذة نكالًا من الله والله عزيز حكيم\" (٣)،\n_________\n(١) ذكره ابن جرير في جامع البيان (١٧/ ١٣٧).\n(٢) انظر: النكت والعيون (٤/ ٧١).\n(٣) هذا جزء من حديث أخرجه البخاري (ك: الحدود، باب: رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت، ح: ٦٨٣٠).\n\nوقد ذهب جمهور العلماء إلى أن قوله تعالى ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ ناسخ للحبس والإيذاء الوارد في قوله تعالى ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ ﴿يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ١٥] وهذا في حق البكرين، وأن حكم الرجم للزاني المحصن ثابت بحديث ابن عباس ﵄ المتقدم، وبفعل النبي ﷺ.\nوإلى هذا القول ذهب الإمام الشافعي في أحكام القرآن (١/ ٣٠٤).\nقال الجصاص في أحكام القرآن (٢/ ١٥١) \"لم يختلف السلف في أنه- أي: الحبس الإيذاء - منسوخ غير ثابت الحكم\".\nوقال ابن عطية في المحرر (٢/ ٢٢) \"أجمع العلماء على أن هاتين الآيتين منسوختان بآية الجلد في سورة النور\".\nوانظر: الناسخ والمنسوخ لقتادة (٣٩)، الناسخ والمنسوخ لأبي عبيد (١٣٢)، الناسخ والنسوخ للنحاس (٢/ ١٦٢، وما بعدها).","vol":"1","page":1665},{"text":"ولم يخالف هذا أحد إلا الخوارج فإنهم زعموا أن الرجم لم يصح فيه النقل، وأن الجلد عام في البكرين والثيبين وعلى العبد نصف ما على المحصنات من العذاب يعني خمسين جلدة (١)، والجَلْدُ: الضرب على الجلد، كما تقول: رأسته وجبهته ورجلته إذا أصبت أحد هذه.\n﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ﴾ أي: رحمة، والفتح لغة وكذلك المد (٢).\nوقيل: الرأفة في دفع المكروه والرحمة في إيصال المحبوب، والنهي في الظاهر للرأفة والمراد بها عما يدعوا إليه الرحمة وهو تعطيل الحدود أو نقصانها (٣).\n_________\n(١) والصواب أن الرجم ثابت بنص القرآن فيما نسخ لفظه وبقي حكمه، وبعل النبي ﷺ فقد رجم ماعزًا والغامدية، وقد ذكر أبو بكر الجصاص في أحكام القرآن (٢/ ١٥٥) قول الخوارج ورد عليهم.\n(٢) قرأ نافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائي (رَأْفَة) بإسكان الهمزة، وقرأ ابن كثير (رأَفة) بفتح الهمزة، وأما قراءة المد فهي مروية عن سعيد بن جبير، والضحاك، وهي شاذة.\nانظر: التبصرة لمكي بن أبي طالب (٢٧٢)، التيسير للداني (١٦١)، شواذ القراءات للكرماني (٣٣٩).\n(٣) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ٢٣).","vol":"1","page":1666},{"text":"الحسن: رأفة في تخفيف الضرب (١)، والوجه الأول لأن عمر ﵁ قال للجالد \" لا ترفع إبطك \" (٢)، وجاء عن النبي ﷺ أيضًا (٣)، ولا خلاف أنه يُفَرَّقُ على جسمه إلا مواضع يشين فيها (٤).\n﴿فِي دِينِ اللَّهِ﴾ طاعته.\n﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾ شرط جوابه مضمر أي: فاجلدوا ولا تعطلوا الحد.\n﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ﴾ وليحضر موضع جلدهما طائفة.\n﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ابن عباس، ﵄ في جماعة أن الطائفة رجل واحد (٥).\n_________\n(١) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٣٠٣).\n(٢) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٧/ ٣٦٩)، وابن أبي شيبة في المصنف (٥/ ٥٢٩)، والبيهقي في السنن الكبرى (٨/ ٣٢٦)، وابن عبد البر في التمهيد (٥/ ٣٣٤) كلهم عن عاصم عن أبي عثمان النهدي، وزاد البيهقي \"وأعط كل عضو حقه\".\n(٣) أخرج مالك في الموطأ (٣/ ٦٤)، وعبد الرزاق في المصنف (٧/ ٣٧٩) عن زيد بن أسلم أن رجلًا اعترف على نفسه بالزنا على عهد رسول الله ﷺ، فدعا له رسول الله ﷺ بسوط، فأُتي بسوط مكسور فقال: \"فوق هذا\"، فأتي بسوط جديد لم تقطع ثمرته فقال: \"دون هذا\"، فأتي بسوط قد رُكِبَ به ولان فأمر به رسول الله ﷺ فجلد.\nقال ابن عبد البر في الاستذكار (٢٤/ ٨٥) \"لم يُختلف عن مالك في إرسال هذا الحديث، ولا أعلمه يستند بهذا اللفظ من وجه من الوجوه\"، وانظر: التمهيد لابن عبد البر (٥/ ٣٢١).\n(٤) وهي الرأس والفرْج، وقد روي ذلك عن علي ﵁، وبه قال الشافعي، وأبو حنيفة.\nانظر: الاستذكار لابن عبد البر (٢٤/ ٨٩).\n(٥) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٤٢٦)، وقول مجاهد، وإبراهيم النخعي.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ١٤٦).","vol":"1","page":1667},{"text":"عكرمة: اثنان فصاعدًا، لأن اسم الجمع قد يطلق على الاثنين (١).\nالزهري (٢): ثلاثة لأنه الجمع الصحيح (٣).\nابن زيد: أربعة اعتبارًا بالشهود، ويحتمل أنه أراد بهم الشهود (٤).\nوقيل: الطائفة عشرة (٥)، وقيل: ليس لمحصور (٦).\n﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ في هذه الآية أربعة أقوال:\n_________\n(١) وهو قول عطاء أيضًا.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ١٤٧).\n(٢) الزهري، محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري، أبو بكر القرشي من كبار التابعين، واحد الأئمة وممن وردت عنه الرواية في حروف القرآن، قرأ على أنس بن مالك، ﵁ وغيره.\nانظر: غاية النهاية في طبقات القراء (٢/ ٢٦٢)، سير أعلام النبلاء (٥/ ٣٢٦).\n(٣) انظر: النكت والعيون (٤/ ٧٢).\n(٤) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ١٤٨).\n(٥) حكاه الزجاج في معاني القرآن (٤/ ٢٣).\n(٦) انظر: أحكام القرآن لابن العربي (٣/ ٣٣٦).\nقال ابن جرير في جامع البيان (١٧/ ١٤٩) \"الطائفة عند العرب قد تقع على الواحد فصاعدًا، فإذا كان ذلك كذلك ولم يكن الله تعالى وضع دلالة على أن مراده من ذلك خاص من العدد كان معلومًا أن حضور ما وقع عليه أدنى اسم الطائفة ذلك المحضر\".","vol":"1","page":1668},{"text":"أحدها: وهو قول مجاهد \" أنها نزلت بسبب وذلك أنها كانت في المدينة بيوت تسمى المواخير، وكانت عليها رايات كرايات البيطار تسكنها بغايا يكرين أنفسهن للفجور وكُنَّ من اليهود. وقيل: من المشركات فَهَمَّ ضعفة المسلمين أن يتزوجوا منهن لتنفق كل واحدة على زوجها من كسبها فاستأذنوا رسول الله ﷺ في ذلك فأنزل الله هذه الآية \"، والصيغة صيغة الخبر والمراد بها النهي (١).\nوقيل: نزلت في مرثد الغنوي (٢) أراد أن يتزوج عناق وكانت زانية (٣).\nوقيل: نزلت في امرأة تدعى أم مهزم، وفي أخرى أم مهزول، وكانت بأجياد (٤) تسافح، فأراد رجل من المسلمين أن يتزوجها فأنزل الله هذه الآية (٥).\n_________\n(١) انظر: أسباب النزول للواحدي (٣٦٥)، أحكام القرآن لابن العربي (٣/ ٣٣٧).\n(٢) مرثد بن أبي مرثد الغنوي، صحابي وأبوه صحابي، واسمه كناز -بنون ثقيلة- بن الحصين، وهما ممن شهدا بدرًا، وفيه نزلت الآيات في أول سورة النور، استشهد في صفر سنة ثلاث في غزاة الرجيع.\nانظر: اللاستيعاب (٣/ ٤٤٠)، الإصابة (٦/ ٧٠).\n(٣) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٧/ ١٥١).\n(٤) أجياد: بفتح أوله وسكون ثانيه، جمع جِيد، ويقال: جمع جواد، وهما جبلان قرب مكة، أجياد الكبير وأجياد الصغير، قيل: سمي بذلك لأن تبعًا لما قدم مكة ربط خيله فيها، وقيل: سميت بذلك لأنه المكان الذي سخر الله به الخيل لإسماعيل ﵇.\nانظر: معجم البلدان (١/ ١٠٤).\n(٥) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٧/ ١٥٠)، أسباب النزول للواحدي (٣٦٥).","vol":"1","page":1669},{"text":"والقول الثاني: أن الآية منسوخة وهو قول سعيد بن المسيب، وعن ابن عمر ﵄ أنها نَسخت بالتي بعدها ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢] فدخلت الزانية في أيامى المسلمين، ومن زنا بامرأة فله أن يتزوجها ولغيره أن يتزوجها (١).\nوعن عائشة وابن مسعود والبراء (٢) ﵃ أنه لايجوز وأنهما زانيان ما اصطحبا ما اجتمعا ما عاشا (٣).\nوالثالث: أن النكاح هاهنا الجماع وهو قول ابن عباس، ﵄ وذهب إليه جماعة من المفسرين واحتجوا بأن الزانية من المسلمين لايجوز لها أن تتزوج مشركًا بحال وكذلك الزاني من المشركين لا يجوز له أن يتزوج بمسلمة ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ﴾ أي: الزنا على المؤمنين (٤).\n_________\n(١) انظر: الناسخ والمنسوخ للنحاس (٢/ ٥٣٨)، قال: \"وهو القول الذي عليه أكثر العلماء وأهل الفتيا ... وهو قول ابن عمر، وسال، وجابر بن زيد، وعطاء، وطاووس، ومالك بن أنس، وهو قول أبي حنيفة والشافعي\".\n(٢) البراء تنظر ترجمته ص: ٣٧٣\n(٣) وإليه ذهب الحس، فقد أخرج عنه النحاس في الناسخ والمنسوخ (٢/ ٥٤٠) أنه قال: \"الزاني المجلود لاينكح إلا زانية مجلودة مثله أو مشركة، والزانية المجلودة لاينكحها إلا زان مجلود مثلها أو مشرك\"، وانظر: أحكام القرآن لابن العربي (٣/ ٣٣٨).\n(٤) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ١٥٧)، وأخرج نحو هذا القول عن سعيد بن جبير، ومجاهد.\n\nقال ابن كثير في تفسيره (٣/ ٢٧٣) \"هذا إسناد صحيح عنه، وقد روي عنه من غير وجه أيضًا، وروي عن مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وعروة بن الزبير، والضحاك، ومكحول، ومقاتل، وغير واحد نحو ذلك\"، واختار هذا القول ابن جرير في جامع البيان (١٧/ ١٦٠)، وابن كثير في تفسيره (٣/ ٢٣٧) قال: \"هذا خبر من الله تعالى بأن الزاني لايطأ إلا زانية أو مشركة، أي: لايطاوعه على مراده من الزنا إلا زانية عاصية أو مشركة لاترى حرمة ذلك، وكذلك الزانية لاينكحها إلا زان أي: عاص بزناه أو مشرك لايعتقد تحريمه\".\nوقد ضعف هذا القول الزجاج في معاني القرآن (٤/ ٢٣) قال: \"وهذا القول بعيد، ولايعرف شيء من ذكر النكاح في كتاب الله إلا على معنى التزويج\"، ورده القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (١٢/ ١٦٨) مستدلًا بقوله تعالى ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠].","vol":"1","page":1670},{"text":"والرابع: أن الزاني هو المجلود في الزنا ﴿لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً﴾ مجلودة في الزنا وهو قول الحسن (١).\nوروي أن عليًا ﵁ فرق بين مجلود تزوج غير مجلودة (٢).\nوقال صاحب النظم (٣): المشرك وصف الزاني وتقديره: الزاني لاينكح إلا زانية مشركة والزانية لاينكحها إلا زان مشرك وفيه بعد (٤)، والله أعلم.\nوقيل: في قوله ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: نكاح الزانية (٥).\n_________\n(١) انظر: الناسخ والمنسوخ للنحاس (٢/ ٥٤٠).\n(٢) وقد ذكر نحوه ابن العربي في أحكام القرآن (٣/ ٣٣٩) عن أبي بكر وعمر، ﵄، ثم بين أنه قول ضعيف لايصح نظرًا كما لاثبت نقلًا، قال: \"وهل يصح أن يوقف نكاح من حُدَّ من الرجال على نكاح من حُدَّ من النساء\".\n(٣) صاحب النظم هو: أبو علي الحسن بن يحيى بن نصر الجرجاني، من أهل جرجان، نشأ بها بمكان يعرف بباب الخندق، له عدة مصنفات منها: نظم القرآن.\nانظر: تاريخ جرجان لأبي القاسم الجرجاني (١٨٧).\n(٤) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٧٨٩).\n(٥) أي: مادامت على الزنا، فإن تابت صح العقد عليها.\nقال ابن كثير في تفسيره (٣/ ٢٧٣) \"ذهب الإمام أحمد بن حنبل إلى أنه لايصح العقد من الرجل العفيف على المرأة البغي ما دامت كذلك حتى تستتاب، فإن تابت صح العقد عليها وإلا فلا، وكذلك لايصح تزويج المرأة الحرة العفيفة بالرجل الفاجر المسافح حتى يتوب توبة صحيحة\".","vol":"1","page":1671},{"text":"﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ الرمي: الشتيمة والنسبة إلى القبيح وأصله من رمي الأعيان كالحجر والسهام، و﴿الْمُحْصَنَاتِ﴾ المسلمات، الحرائر، العفائف، البالغات، الغافلات (١)، والتقدير: يرمون المحصنات بالزنا فحذف لأن الآية الأولى تدل عليه والرجال داخلون في حكم الآية بالإجماع.\nسعيد بن جبير: الآية نزلت في إفك عائشة ﵂ (٢)، غيره عام (٣).\n﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ أي: لم يأتوا على تصديقهم إلى الإمام بأربعة شهود رجال عدول يشهدون على زنا المقذوف ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ يعني الأحرار منهم فإن حد المملوك على النصف أربعون والخطاب للإمام والحكام، و﴿ثَمَانِينَ﴾ نصب على المصدر و﴿جَلْدَةً﴾ نصب على التمييز.\n﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً﴾ أي: لاتقبلوا شهادتهم، ويحتمل أنه إنما نكره لأن المعنى شهادتهم هذه وكل شهادة يشهدون بها لأن النكرة في النفي تعم.\nقوله ﴿أَبَدًا﴾ أي: إلى آخر عمره.\nوقيل: أبد كل شيء بقدر قضيته وصفته (٤)، تقول (٥): الكافر نجس أبدًا أي: ما دام كافرًا (٦).\n_________\n(١) في أ: \"العاقلات\".\n(٢) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ١٦٢).\n(٣) وهو قول الضحاك.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ١٦٢)، قال ابن العربي في أحكام القرآن (٣/ ٢٤٤) \"والصحيح أنها نزلت في سائر نساء المسلمين\".\n(٤) في ب: \"بقدر قصته وصفته\".\n(٥) في أ: \"يقول\".\n(٦) والجمهور على قبول شهادة القاذف إذا تاب قبل الحد وبعده، وذهب إبراهيم النخعي، والحسن البصري، وسفيان الثوري، وأبو حنيفة إلى أن شهادة القاذف لاتقبل البتة ولو تاب وأكذب نفسه.\nانظر: أحكام القرآن لابن العربي (٣/ ٣٤٥)، أحكام القرآن للقرطبي (١٢/ ١٧٩).","vol":"1","page":1672},{"text":"﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ أي الخارجون (١) من أمر الله، علق الله وجوب الحد، والتفسيق، وسقوط الشهادة بالقذف صيانة لأعراض المسلمين وذبًا عن حرمهم، وشرط في الشهود أربعة واكتفى في سائر الأحكام بالاثنين والواحد.\n﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أي: بعد القذف واستقاموا على التوبة.\n﴿وَأَصْلَحُوا﴾ أعمالهم وسرائرهم. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لمن تاب.\n﴿رَحِيمٌ﴾ رخص في التوبة، وفي التوبة قولان:\nأحدهما: توبته أن يكذب نفسه.\nوالثاني: ندمه على قوله واستغفاره من ذنبه.\nوفي الاستثناء ثلاثة أقوال:\nأحدها: من الفاسقين، وقيل: من قوله ﴿لَهُمْ﴾ ومحله نصب، وقيل: محله جر بدلًا من ﴿هُمُ﴾، ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ حال لقوله ﴿لَهُمْ﴾ وقيل: صفة وفيه بعد.\nوالثالث: أنه استثناء منقطع بمعنى لكن ولا تعلق له بالجمل المتقدمة وهو متصل بما بعده وهو قوله ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وله نظائر في القرآن منها: ﴿إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ﴾ [الغاشية: ٢٤، ٢٣]، ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي﴾ [النمل: ١١] ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ﴾ [البقرة: ١٥٠] ولم يذهب أحد إلى أن الاستثناء من قوله ﴿فَاجْلِدُوهُمْ﴾\nوفي قبول الشهادة أربعة أقوال:\nأحدها: لا تقبل شهادته (٢) بعد الحد ليبقى لرد شهادته تأثير وتوبته تزيل اسم الفسق عنه فحسب وهو قول ابن عباس، ﵄ والحسن في جماعة (٣).\n_________\n(١) في أ: \"أي: خارجون\" بغير الألف واللام.\n(٢) في ب: \"لا يقبل شهادته\" بالياء.\n(٣) وهذا مذهب أبي حنيفة، وأبو يوسف.\nانظر: أحكام القرآن للجصاص (٣/ ٣٩٩).","vol":"1","page":1673},{"text":"والثاني: أنه تقبل شهادته (١) إذا تاب بعد الحد كما لو كان كافرًا فحد في القذف ثم أسلم وهو قول الزهري (٢) وابن المسيب في جماعة (٣).\nوالثالث: تقبل شهادته (٤) بعد الحد إذا تاب، ولا تقبل (٥) قبل الحد، وهو قول إبراهيم النخعي (٦)، (٧).\nوالرابع: لا تقبل قبل الحد ولا بعد الحد (٨) وهو قول شريح (٩)، (١٠).\n_________\n(١) في ب: \"يقبل شهادته\" بالياء.\n(٢) الزهري، تنظر ترجمته ص: ٥٣٨\n(٣) فقد أخرج ابن جرير في جامع البيان (١٧/ ١٦٣) عن الزهري عن سعيد أن عمر ﵁ قال لأبي بكرة: إن تبت قَبِلْتُ شهادتك، أو تُبْ تُقْبَل شهادتك.\n(٤) في ب: \"يقبل شهادته\" بالياء.\n(٥) في ب: \"ولا يقبل\" بالياء.\n(٦) إبراهيم بن يزيد بن قيس النخعي، أبو عمران، الفقيه، روى عن عائشة ﵂ مرسلًا، ولم يثبت سماعه منها، وعن خاله الأسود بن يزيد، كان مفتي أهل الكوفة في زمانه، وكان رجلًا صالحًا، متوقيًا، قليل التكلف، مات وهو متخف من الحجاج.\nانظر: سير أعلام النبلاء (٤/ ٥٢٠)، الكاشف للذهبي (٢٢٧).\n(٧) انظر: أحكام القرآن لابن العربي (٣/ ٣٤٦).\n(٨) في ب: \"لا يقبل بعد الحد ولا قبل الحد\".\n(٩) شريح بن الحارث الكندي، من كبار، أدرك النبي ﷺ ولم يره أو يسمع منه، ولي القضاء ستين سنة؛ لعمر، ثم لعثمان، ثم لعلي ﵃، ولم يزل إلى ولاية عبد الملك بن مروان، كان ذا دهاء، وفطنة، وعقل ورصانة، وكان شاعرًا محسنًا، توفي سنة سبع وثمانين.\nانظر: الاستيعاب (٢/ ٢٥٧)، الإصابة (٣/ ٣٣٤).\n(١٠) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٧/ ١٦٩)، وكان الشعبي يجيز شهادة صاحب كل عمل إذا تاب إلا القاذف فإن توبته فيما بينه وبين ربه.","vol":"1","page":1674},{"text":"﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ في سبب النزول عن ابن عباس، ﵄ قال: \" لما نزلت ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ إلى قوله ﴿الْفَاسِقُونَ﴾ قال سعد بن عبادة (١) وهو سيد الأنصار: \" أهكذا أنزلت يارسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ: ألا تسمعوا يا معشر الأنصار إلى ما يقول سيدكم! \" قالوا: يارسول الله إنه رجل غيور؛ والله ما تزوج امرأة إلا بكرًا وماطلق امرأة قط فاجترأ رجل منا على أن يتزوجها من شدة غيرته\". فقال سعد \"والله يارسول الله إني لأعلم أنها حق وأنها من عند الله وأني قد تعجبت أن لو وجدت لكاع قد تفخذها رجل لم يكن لي أن أهيجه ولا أحركه حتى أتي بأربعة شهداء، فوالله إني لا آتي بهم حتى يقضي حاجته، قال: فما لبثوا إلا يسيرًا حتى جاء هلال بن أمية (٢)\n_________\n(١) سعد بن عبادة بن دليم بن أبي حليمة بن ساعدة بن الخزرج الأنصاري، الساعدي، يكنى أبا ثابت، وكان نقيبًا، شهد العقبة، وكان سيد الأنصار، مقدمًا له رياسة ووجاهة في قومه، كان حامل لواء رسول الله ﷺ يوم الفتح، توفي بحوران من أرض الشام لسنتين ونصف مضتا من خلافة عمر ﵁.\nانظر: الاستيعاب (٢/ ٦١٦).\n(٢) هلال بن أمية بن عامر بن قيس بن واقف الأنصاري، شهد بدرًا، وهو أحد الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك فنزل فيهم القرآن، وهو الذي قذف امرأته بشريك بن سحماء.\n\nانظر: الاستيعاب (٤/ ١٠٣)، الإصابة (٦/ ٥٤٦).","vol":"1","page":1675},{"text":"من أرضه عشاءً فوجد عند أهله رجلًا فرأى بعينيه وسمع بأذنيه فلم يهجد حتى أصبح فغدى على رسول الله ﷺ فقال: يارسول الله إني جئت أهلي عشاءً فوجدت عندها رجلًا فرأيت بعيني وسمعت بأذني فكره رسول الله ﷺ ما جاء به واشتد عليه، فقال سعد: الآن يضرب رسول الله ﷺ هلال بن أمية ويبطل شهادته في المسلمين.","vol":"1","page":1676},{"text":"فقال هلال: والله إني لأرجوا أن يجعل الله لي منها مخرجًا، فقال هلال: يارسول الله إني قد أرى مما قد اشتد عليك مما جئتك به والله يعلم إني لصادق فوالله إن رسول الله يريد أن يأمر بضربه إذ نزل عليه الوحي، وكان إذا نزل عليه الوحي عرفوا ذلك في تربد جلده فأمسكوا عنه حتى فرغ من الوحي فنزلت ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ الآيات كلها، فسري عن رسول الله ﷺ فقال: أبشر ياهلال فقد جعل الله لك فرجًا ومخرجًا فقال هلال: قد كنت أرجوا ذلك من ربي فأنزل ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ أي: بالزنا (١).\n﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ﴾ أي: لم يكن لهم على صدق قولهم من يشهد لهم به.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (ك: التفسير، تفسير سورة النور، باب: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ﴾، ح: ٤٧٤٧)، وابن جرير في جامع البيان (١٧/ ١٧٩)، والواحدي في أسباب النزول (٣٦٦)، وقيل: نزلت في شأن عويمر العجلاني كما أخرجه البخاري (ك: التفسير، تفسير سورة النور، باب: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ﴾، ح: ٤٧٤٥)، والجمهور على أنها نزلت في شأن هلال بن أمية، وأن قصته أسبق كما نقله النووي في شرح صحيح مسلم (١٠/ ٣٥٩) مستدلًا بما أخرجه مسلم (ك: اللعان، ح: ٣٧٣٦) عن أنس بن مالك ﵁ أن هلال بن أمية قذف امرأته بشريك بن سحماء وكان أول رجل لاعن في الإسلام، وجمع أبو العباس القرطبي في المفهم (٤/ ٣٠٠) بين القولين بأن الآية نزلت في الحادثتين معًا لتقارب زمانهما، أو أن تكون الآية نزلت مرتين في كلا الحادثتين كما قال بعض العلماء في سورة الفاتحة.","vol":"1","page":1677},{"text":"﴿إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ أي: إلا هم، و﴿أَنْفُسُهُمْ﴾ يرتفع بالبدل من الشهداء.\n﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ أي: فشهادة أحدهم أربع مرات أنه صادق فيما قذفها به، قرئ (أربع) بالرفع والنصب؛ فمن رفع فهو الخبر والمبتدأ ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾ ومن نصبه جعله مفعولًا والعامل فيه المصدر والخبر ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (١)، وقيل: فحكمه شهادة أحدهم، فهي خبر مبتدأ محذوف، وقوله ﴿بِاللَّهِ﴾ متصل بالشهادات فيمن نصب وجاز أن يتصل بالشهادة، ومن رفع فبالشهادات لا غير ولا يتعلق بالشهادة لأنه حيل بين المصدر وصلته بالخبر وذلك ممتنع، وجاز تعليق الشهادة من أن لمكان اللام لأن الشهادة يجري مجرى العلم.\n﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ لا خلاف في رفع الخامسة على تقدير: والشهادة الخامسة أن لعنة الله عليه (٢) فهي مبتدأ وخبر فإذا قال الزوج هذا سقط عنه الحد ووجب عليها.\n﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا﴾ يدفع عنها ويمنع (٣). ﴿الْعَذَابَ﴾ الحد.\n﴿أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ﴾ إن الزوج.\n﴿لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ فيما قذفني به.\n_________\n(١) قرأ حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ﴾ بضم العين، وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم بنصبها.\nانظر: التبصرة لمكي بن أبي طالب (٢٧٢).\n(٢) في ب: \"أن لعنة الله\" بغير \"عليه\".\n(٣) في ب: \"يدفع ويمنع\".","vol":"1","page":1678},{"text":"﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ﴾ أي الزوج. ﴿مِنَ الصَّادِقِينَ﴾، ﴿وَالْخَامِسَةَ﴾ رفع بالابتداء، و﴿أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ﴾ خبره، وقيل: عطف على الفاعل وهو ﴿أَنْ تَشْهَدَ﴾ لأنه الدارئ، ونصب حفص (١) ﴿وَالْخَامِسَةَ﴾ عطفًا على أربع من قوله ﴿أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ﴾ (٢)، وخفف نافع (٣) ﴿أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ﴾ ﴿أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ﴾ (٤) وهما في حكم المثقلة والاسم مقدر بعدهما وغضب الله جار مجرى الدعاء.\n﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾ جوابه مضمر أي: لفضحكم، وقيل: لعاجلكم بالعقوبة وهذا موضع أنطق ما يكون المتكلم إذا سكت (٥).\n_________\n(١) حفص بن سليمان بن المغيرة الأسدي، أبو عمر البزاز، الكوفي القارئ، ويقال له الغاضري، ويعرف بحفيص، صاحب عاصم بن أبي النجود في القراءة، وابن امرأته، كان ثقة روى له الترمذي والنسائي، توفي سنة ثمانين ومائة.\nانظر: تهذيب الكمال (٧/ ١٠)، الكاشف (٣٤١).\n(٢) انظر: الكشف لمكي بن أبي طالب (٢/ ١٣٥).\n(٣) نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم، أحد القراء السبعة، أخذ القراءة عن جماعة من التابعين، وكان مقرئ أهل المدينة في زمانه، ثقة صالح، توفي سنة تسع وستين ومائة.\nانظر: غاية النهاية في طبقات القراء (٢/ ٣٣٠).\n(٤) انظر: الحجة لابن خالويه (٢٦٠).\n(٥) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ٢٧).","vol":"1","page":1679},{"text":"﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ﴾ روى الزهري عن جماعة من الصحابة أن عائشة، ﵂ زوج النبي ﷺ قالت \" كان رسول الله ﷺ إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه فأيهن خرج سهمها خرج بها رسول الله ﷺ معه، قالت عائشة: فأقرع بيننا في غزوة غزاها فخرج فيها سهمي فخرجت مع رسول الله ﷺ وذلك بعد ما نزلت آية الحجاب، فأنا أُحْمَلُ في هودجي واُنْزَل فيه مسيرنا حتى حتى فرغ رسول الله ﷺ من غزوه وقفل، ودنونا من المدينة اُذِنَ ليلةً بالرحيل فقمت حين آذنوا بالرحيل فمشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني أقبلت إلى الرحل فلمست صدري فإذا عقد من جَزْعِ ظَفَار (١) قد انقطع فرجعت فالتمست عقدي فحبسني ابتغاؤه، وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلونني فحملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب وهم يحسبون أني فيه. قالت: وكانت النساء إذ ذاك خفافا لم يُهْبِلْهُن (٢) ولم يغشهن اللحم إنما يأكلن العُلْقَة من الطعام (٣)،\n_________\n(١) قال ابن حجر في الفتح (٨/ ٣١٣) \"بفتح الظاء المعجمة ثم فاء مدينة باليمن، وقيل: جبل، وقيل: سميت به المدينة، وهي أقصى اليمن إلى جهة الهند\"\n(٢) قال النووي في شرح صحيح مسلم (١٧/ ١٠٥) \"يقال: هَبَله اللحم، وأهْبله إذا أثقله وكثُر لحمه وشحمه\".\n(٣) قال القرطبي في المفهم (٧/ ٣٦٧) \"جمع عَلْقَة، وهو: القليل من الطعام، وكأنه الذي يمسك الرَّمَق، ويلق النفس للازدياد منه، أي: يشوقها إليه\" ..","vol":"1","page":1680},{"text":"فلم يستنكر القوم ثقل الهودج حين رحلوه ورفعوه وكنت جارية حديثة السن، فبعثوا الجمل وساروا ووجدت عقدي بعدما استمر الجيش فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب، فتيممت منزلي الذي كنت فيه وظننت أن القوم سيفقدونني ويرجعون إلي فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيناي فنمت، وكان صفوان بن المُعَطَّل السلمي، ثم الذكواني (١) قد عَرَّسَ من وراء الجيش (٢) فأدلج فأصبح عند منزلي فرأى سواد إنسان نائم فأتاني فعرفني حين رآني وقد كان يراني قبل أن يضرب علي الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني فَخَمَّرْتُ وجهي بجلبابي ووالله ما كلمني بكلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه حتى أناخ راحلته فوطئت على يدها فركبتها، فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش بعدما نزلوا موغرين في نحر الظهيرة، وقد هلك من هلك فيّ، وكان الذي تولى كبره منهم عبد الله بن أبي بن سلول (٣)،\n_________\n(١) صفوان بن ربيعة بن خزاعي بن المعطل السلمي، ثم الذكواني، منسوب إلى ذكوان بن ثعلبة، بطن من بني سليم، صحابي جليل، قيل: أسلم قبل غزوة المريسيع، وشهد الخندق وما بعدها، وكان يكون على ساقة النبي ﷺ. قيل: كانت وفاته سنة تسع عشرة، وقيل غير ذلك.\nانظر: الاستيعاب (٢/ ٢٨٠)، الإصابة لابن حجر (٣/ ٤٤٠).\n(٢) قال ابن حجر في الفتح (٨/ ٣١٦) \"التعريس: النزول في السفر في أيِّ وقت كان، وقيل: النزول من آخر الليل في السفر للراحة\".\n(٣) عبد الله بن أُبَيّ بن مالك بن الحارث الخزرجي، أبو حباب، عرف بابن سلول وهي جدته لأبيه، وهو سيد الأوس والخزرج، وكانوا قد أجمعوا على أن يُمَلِّكوه عليهم في الجاهلية، فلما جاء الإسلام غاظه ذلك، كان رأس المنافقين، وفيه نزلت آيات كثيرة، توفي في السنة التاسعة للهجرة.\n\nانظر: البداية والنهاية (٥/ ١٣)، (٧/ ٢٣١).","vol":"1","page":1681},{"text":"فقدمنا المدينة فاشتكيت حين قدمتها شهرًا والناس يُفيضون في قول أهل الإفك ولا أشعر بشيء من ذلك، وكان يزيد في وجعي أن لا أرى من رسول الله ﷺ اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي إنما يدخل رسول الله فيسلم فيقول: كيف تِيكم فذلك يُحزنني ولا أشعر بالشر حتى خرجت بعدما نقهت وخرجت معي أم مسطح قِبَل المصانع وهو متبرزنا ولا نخرج إلا ليلًا إلى ليل وذلك قبل أن نتخذ الكُنُف قريبًا من بيوتنا، وأَمْرُنا أمر العرب الأولى في التنزه، وكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا، فانطلقت أنا وأم مسطح وهي بنت أبي رُهم بن عبد المطلب بن عبد مناف، وأمها بنت صخر بن عامر خالة أبي بكر الصديق ﵁ (١)، وابنها مسطح بن أثاثة بن عباد (٢) المطلب (٣)\n_________\n(١) أم مسطح، واسمها سلمى بنت أبي رهم بن المطلب بن عبد مناف القرشية، المطلبية، وهي ممن اشتهرت بكنيتها، وكانت أم مسطح من أشد الناس على مسطح حين تكلم في الإفك.\nانظر: الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر (٨/ ٣٠٢).\n(٢) \"بن عباد\" ساقط من ب.\n(٣) مِسْطَح بن أثاثة بن عباد بن المطلب بن عبد مناف، يكنى أبا عباد، ويقال اسمه عوف بن أثاثة ومسطح لقبه، شهد بدرًا، وكان ممن خاض في الإفك، فمنع عنه أبو بكر ﵁ نفقة كان يجريها عليه، ثم أعادها إليه، توفي سنة أربع وثلاثين للهجرة.\n\nانظر: الاستيعاب لابن عبد البر (٣/ ٢٩٦).","vol":"1","page":1682},{"text":"فأَقْبَلْتُ أنا وابنة أبي رُهم قِبَلَ بيتي حين فرغنا من شأننا فَعَثَرَتْ أم مسطح في مِرطها فقالت: تعس مسطح. فقلت لها \"بئس ما قلت أتسبين رجلًا قد شهد بدرًا\". فقالت (١): أي هنتاه أولم تسمعي ما قال؟ قلت: وماذا قال؟ فأخبرتني بقول أهل الإفك فازددت مرضًا إلى مرضي، فلما رجعت إلى بيتي دخل علي رسول الله ﷺ ثم قال: كيف تيكم. فقلت: تأذن لي أن آتي أبوي، قالت: وأنا أريد حينئذ أن أتيقن الخبر من قبلهما فأذن لي رسول الله ﷺ، فجئت أبوي فقلت يا أُمه: ما يتحدث الناس؟ قالت: يا بنية هوني عليك فو الله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل لها ضرائر إلا أكثرن عليها حسدًا. قالت: فقلت سبحان الله أو قد تحدث الناس بهذا؟ قالت: فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت أبكي، ودعا رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب ﵁ وأسامة بن زيد (٢)\n_________\n(١) في ب: \"فقال\".\n(٢) أسامة بن زيد بن حارثة بن شراحيل بن عبد العزى، حِب رسول الله ﷺ وابن حِبه، وأمه أم أيمن حاضنة رسول الله ﷺ، توفي رسول الله ﷺ وله عشرون سنة، وكان قد أمره على جيش عظيم فأنفذه الصديق، كان عمر ﵁ يجله، كانت وفاته في أواخر خلافة معاوية ﵁.\n\nانظر: الاستيعاب (١/ ١٧٠)، الإصابة (١/ ٤٩).","vol":"1","page":1683},{"text":"حين استلبث الوحي يستشيرهما في فراق أهله؛ فأما أسامة بن زيد فأشار على رسول الله صلى عليه وسلم بالذي يعلم من براءة أهله وبالذي في نفسه لهم من الود، فقال: يارسول الله هم أهلك وما نعلم فيهم إلا خيرًا، وأما علي بن أبي طالب فقال: لم يضيق الله عليك والنساء سواها كثير وإن تسأل الجارية تَصْدُقك. قالت: فدعا رسول الله ﷺ بريرة (١) فقال: يا بريرة هل رأيت شيئًا يريبك من عائشة؟ قالت بريرة: والذي بعثك بالحق إن رأيت عليها أمرًا قط أغمضه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها ويأتي الداجن فيأكله. قالت: فقام رسول الله ﷺ فاستعذر من عبد الله بن أبي بن سلول (٢) فقال وهو على المنبر: \" يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهل بيتي فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرًا ولقد ذكروا رجلًا ما علمت عليه إلا خيرًا وما كان يدخل على أهلي إلا معي فقام سعد بن معاذ الأنصاري (٣)\n_________\n(١) بريرة، مولاة عائشة ﵂، وكانت مولاة لبعض بني هلال، فكاتبوها ثم باعوها من عائشة فأعتقتها، فخيرها رسول الله ﷺ في زوجها فاختارت فراقه، وكان يحبها حبًا شديدًا حتى أنه كان يمشي في طرق المدينة وهو يبكي، وقد عاشت إلى زمن يزيد بن معاوية.\nانظر: تهذيب التهذيب (١٢/ ٣٥٤)، الإصابة لابن حجر (٧/ ٥٣٥).\n(٢) عبد الله بن أبيّ بن سلول، تنظر ترجمته ص: ٥٤٩\n(٣) سعد بن معاذ بن النعمان الأنصاري الخزرجي، أسلم بالمدينة بين العقبة الأولى والثانية، وشهد بدرًا وأحدًا والخندق، ورمي بسهم فجرح وعاش بعده شهرًا ثم مات بعد أن قضى في بني قريضة بليال، ولموته اهتز العرش.\n\nانظر: الاستيعاب (١/ ١٨١)، الإصابة (٣/ ٨٤).","vol":"1","page":1684},{"text":"فقال يا رسول الله أنا أعذرك منه إن كان من الأوس ضربت عنقه وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك فقام سعد بن عبادة (١) وهو سيد الخزرج وكان رجلًا صالحًا ولكن احتملته الحمية فقال لسعد بن معاذ كذبت لعمر الله والله لا تقتله ولا تقدر على قتله فقام أسيد بن حضير وهو ابن عم سعد بن معاذ فقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمر الله لتقلنه فإنك منافق تجادل عن المنافقين فثار الحيان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا ورسول الله على المنبر فلم يزل رسول الله ﷺ يخفظهم حتى سكتوا وسكت. قالت: وبكيت يومي ذلك لايرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم وأبواي يظنان أن البكاء فالق كبدي، قالت: فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي استأذنت علي امرأة من الأنصار فأذنت لها فجلست تبكي معي، قالت: فبينا نحن على ذلك دخل علينا رسول الله ﷺ ثم جلس قالت: ولم يجلس عندي منذ قيل في ما قيل وقد لبث شهرًا لا يوحى إليه في شأني بشيء قالت: فتشهد رسول الله ﷺ حتى جلس ثم قال: أما بعد ياعائشة فإنه بلغني عنك كذا وكذا فإن كنت بريئة فسيبرئك الله وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه. قالت: فلما قضى رسول الله ﷺ مقالته قلص دمعي حتى ما أحس منها قطرة، فقلت لأبي: أجب عني رسول الله فيما قال. قال: والله ماأدري ما أقول لرسول الله ﷺ. فقلت لأمي: أجيبي عني رسول الله فيما قال. قالت: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ.\n_________\n(١) سعد بن عبادة، تنظر ترجمته ص: ٥٤٤","vol":"1","page":1685},{"text":"فقلت وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيرًا من القرآن: والله لقد عرفت أنكم قد سمعتم بهذا حتى استقر في أنفسكم وصدقتم به، ولئن قلت لكم إني بريئة -والله يعلم أني بريئة- لا تصدقونني بذلك، ولئن اعترفت لكم بذنب والله يعلم أني بريئة لتصدقونني، والله لا أجد لي ولكم مثلًا إلا ما قال أبو يوسف ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨]، قالت: ثم تحولت واضطجعت على فراشي، قالت: وأنا والله حينئذ أعلم أني بريئة وأن الله مبرؤني ببرائتي ولكن والله ما كنت أظن أن ينزل في شأني وحي يتلى ولكنني كنت أرجوا أن يرى رسول الله ﷺ رؤيا يبرئني الله بها، قالت: فوالله ما رام رسول الله ﷺ منزله ولا خرج من أهل البيت أحد حتى أنزل الله على نبيه وأخذه ما كان يأخذه من البُرَحَاء (١) عند الوحي حتى إنه ليتحدر منه مثل الجُمَان من العرق في اليوم الشاتي من ثقل القول الذي أُنْزِل عليه، قالت: فلما سُرِّيَ عن رسول الله ﷺ سُري عنه وهو يضحك، وكان أول كلمة تلكلم بها أن قال: أبشري يا عائشة أما والله فقد برأك الله. فقالت لي أمي: قومي إليه. فقلت: والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله هو الذي أنزل براءتي.\n_________\n(١) في أ: \"من الرحاء\".","vol":"1","page":1686},{"text":"قالت: فأنزل الله ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ الآيات العشر، فلما أنزل الله تعالى هذه الآيات في براءتي قال أبو بكر الصديق ﵁وكان ينفق على مسطح (١) لقرابته وفقره- والله لا أنفق عليه شيئًا أبدًا بعد الذي قال لعائشة ما قال، فأنزل الله تعالى ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى﴾ إلى قوله ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٢] قال أبو بكر ﵁: والله إني لأحب أن يغفر الله لي فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه، وقال: لا أنزعها منه أبدًا \" رواه البخاري (٢) ومسلم (٣) كلاهما عن أبي الربيع الزهراني (٤)،\n_________\n(١) مسطح بن أثاثة، تنظر ترجمته ص: ٥٤٩\n(٢) الإمام البخاري تنظر ترجمته ص ١٢٦\n(٣) مسلم بن الحجاج، أبو الحسين النيسابوري، الحافظ، صاحب الصحيح، كان حافظًا، عامًا بالحديث وطرقه وعلله، رحل إلى العراق، والحجاز، والشام، ومصر، جمع كتابه الصحيح واعتنى بجمع الطرق، وجودة السياق، وقد نسج على منواله خلق كثير، من مصنفاته غير الصحيح: كتاب الانتفاع بجلود السباع، والطبقات، والكنى، توفي سنة إحدى وستين مائتين.\nانظر: تاريخ بغداد للخطيب البغدادي (٣/ ١٠٠)، تذكرة الحفاظ للذهبي (٢/ ٥٨٨).\n(٤) أبو الربيع الزهراني، واسمه سليمان بن داود العَتَكي، البصري، الحافظ، سكن بغداد، روى عنه الأئمة، وهو ثقة، حافظ، توفي سنة أربع وثلاثين ومائتين.\n\nانظر: تهذيب الكمال للمزي (١١/ ٤٢٣)، الكاشف للذهبي (١/ ٤٥٩).","vol":"1","page":1687},{"text":"(١).\nقوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ﴾ الإفك: الكذب لأنه مصروف عن جهته، والإفك: الصرف (٢).\n﴿عُصْبَةٌ﴾ العصبة: الجماعة يتعصبون أي: يتشددون، والعُصْبَة، والرَّهْط، والنَّفَر: العَشرة وما دونها، قاله أبو علي (٣).\n﴿مِنْكُمْ﴾ أي: هم جماعة من المسلمين.\n﴿لَا تَحْسَبُوهُ﴾ أي: الإفك. وقيل: القذف. وقيل: المجيء بالإفك. وقيل: ما نالكم من الغم (٤).\n﴿شَرًّا لَكُمْ﴾ عند الله وعند المؤمنين.\n﴿بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ لأن الله أثابكم عليه وأنزل براءتكم من ذلك في ثماني عشرة آية.\nقيل: الخطاب لعائشة ﵂ وصفوان (٥).\nوقيل: للنبي ﷺ وأبي بكر وعائشة ومن اغتم لهذا الحديث (٦).\nالحسن: الخطاب للقاذفين، أي: لا تحسبوا هذا التأديب شرًا لكم بل هو خير لكم فإنه يدعوكم إلى التوبة ويمنعكم من المعاودة إلى مثله (٧).\n_________\n(١) أخرجه البخاري (ك: التفسير، تفسير سورة النور، باب: لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرًا، ح: ٤٧٥٠)، ومسلم (ك: التوبة، باب: في حديث الإفك وقبول توبة القاذف، ح: ٢٧٧٠).\n(٢) الإفك: كل مصروف عن وجهه الذي يحق أن يكون عليه، ومنه قوله تعالى ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة: ٣٠] أي: يصرفون عن الاعتقاد في الحق إلى البطل، ومن الصدق في المقال إلى الكذب، ورجل مأفوك: مصروف عن الحق إلى الباطل.\nانظر: المفردات للراغب (٧٩).\n(٣) لم أقف عليه، والله أعلم.\n(٤) تنظر الأقوال في لبحر المحيط (٦/ ٤٠١).\n(٥) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٧/ ٧٧).\n(٦) حكاه الزجاج في معاني القرآن (٤/ ٢٨).\n(٧) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ١٨٩).","vol":"1","page":1688},{"text":"وقيل: إنما قال ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ لأن الله بَيَّنَ بسببها حكم القذف فهو خير (١).\n﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ﴾ معنى ﴿لِكُلِّ﴾ على كل امرئ جزاء إثمه بقدر ما خاض فيه لأن بعضهم ضحك، وبعضهم سكت، وبعضهم تكلم فيه.\n﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ﴾ بدأ به.\nالزجاج: تولى الإثم فيه وكُبْرَه بالضم معْظمه (٢). وقيل: هما لغتان (٣).\n﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ﴾ عبد الله بن أبيّ بن سلول، (٤). ﴿لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ جهنم في الآخرة.\nوقيل: هو حسان بن ثابت (٥) عُذِّبَ في الدنيا بأن ذهب بصره وشُلَّتْ يداه، وذكر أنه دخل على عائشة ﵂ بعد ما كف بصره وأنشد:\nحَصَانٌ رَزَانٌ ما تُزَنُّ بريبة ... وتصبح غَرْثَى من لحوم الغوافلِ (٦).\n_________\n(١) انظر: أحكام القرآن للجصاص (٣/ ٤٤٧).\n(٢) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ٢٨).\n(٣) قال أبو عبيدة في مجاز القرآن (٢/ ٦٤) \"أي: تحمل معظمه، وهو مصدر الكبير من الأشياء والأمور، وفرقوا بينه وبين مصدر الكبير السن فضموا هذا فقالوا: هو كُبْر قومه، وقد قرأ بعضهم بالضمة بمنزلة الكبير السن\".\n(٤) وهو الذي عليه أكثر العلماء. قال ابن حجر في الفتح (٨/ ٣٤٣) \"وهو المعتمد\".\n(٥) حسان بن ثابت بن المنذر بن حرام بن النجار الأنصاري، الشاعر، يكنى أبا الوليد، شاعر رسول الله ﷺ، كان يدافع عنه ويهجوا المشركين، توفي قبل الأربعين في خلافة علي ﵁، وقد عمر مائة وعشرين سنة.\nانظر: الاستيعاب (١/ ٤٠٠)، الإصابة (٢/ ٦٢).\n(٦) انظر: ديوان حسان بن ثابت (١/ ٥١٠)","vol":"1","page":1689},{"text":"فقالت عائشة: لكنك لست كذلك (١).\nوقيل: هو مسطح، والعذاب العظيم ذهاب بصره في الدنيا (٢).\nقال الضحاك: جلد النبي ﷺ حسان بن ثابت (٣)، ومسطح بن أثاثة، وامرأة من قريش (٤) حين نزلت براءتها (٥).\n﴿لَوْلَا﴾ هلا وهي للتحريض. ﴿إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ أي: بأمثالهم من المؤمنين، والمؤمنون كلهم كنفس واحدة.\nوقيل: معناه: هلا ظنوا بهما ما يُظَنُّ بالرَّجل لو خلا بأمه وبالمرأة لو خلت بابنها، لأن أزواج النبي أمهات المؤمنين (٦).\n﴿وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (١٢) لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ متصل بقوله ﴿هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ والكل متصل بـ ﴿لَوْلَا﴾ أي: هلا قالوا، والمعنى: هلا جاءوا لو كانوا صادقين بأربعة شهداء.\n﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ﴾ أي: الأربعة. ﴿فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي: في حكمه.\n﴿هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٣) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ﴾ أي: في أمر الله وفي أمر الآخرة بأن لم يعاقبكم وأمهلكم للتوبة.\n﴿لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ﴾ أسرعتم إليه لقذفكم.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (ك: التفسير، تفسير سورة النور، باب: قوله ﴿يَعِظُكُمَ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا﴾، ح: ٤٧٥٥)، وابن جرير في جامع البيان (١٧/ ١٩٣).\n(٢) قاله يحيى بن سلام.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٨٠).\n(٣) حسان بن ثابت تنظر ترجمته ص: ٥٥٤\n(٤) وهي حمْنة بنت جحش، أخت زينب بنت جحش أم المؤمنين ﵂.\n(٥) انظر: النكت والعيون (٤/ ٨١)، غرائب التفسير (٢/ ٧٩٢).\n(٦) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٣١١).","vol":"1","page":1690},{"text":"﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٤) إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾ أي: تتلقونه وتسرعون إلى الإفاضة فيه.\nوقيل: يروي بعضكم عن بعض (١)، وروي عن عائشة ﵂ (تَلِقُونَه) (٢).\nالزجاج: ولق يَلِق إذا أسرع في الكذب (٣).\nابن الأنباري: ولَق الحديث إذا أنشأه (٤).\n﴿وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ من الفرية أن تتجرؤون على النطق به في أهل النبي ﷺ.\n﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا﴾ يعني: تظنون عقوبته هينة.\n﴿وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ في الوِزْرِ والعقوبة. وقيل: تحسبون ذلك أمرًا خفيفًا يسيرًا وذلك عند الله ذنب عظيم فيه أذى رسول الله ﷺ ورمي البريء (٥).\n﴿وَلَوْلَا﴾ أي: هلا.\n﴿إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا﴾ أي: لا يحل لنا أن نخوض في هذا الحديث. ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ وهلا قلتم عند ذلك سبحانك أي: العجب ممن يقول ذلك، هذا كذب عظيم يبهت من سمعه، والبهتان: الكذب يواجه به المؤمن فيتحير منه.\nوقيل: معنى ﴿سُبْحَانَكَ﴾ هاهنا تعاليت عن أن يقال في رسولك هذا البهتان العظيم (٦).\n_________\n(١) قال مكي بن أبي طالب في العمدة في غريب القرآن (٢١٩) \"يأخذه بعض عن بعض\".\nقال الكلبي: \"وذلك أن الرجل منهم كان يلقى الرجل فيقول: بلغني كذا وكذا، يتلقونه تلقيًا\".\nانظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٣١١).\n(٢) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٧/ ٢١٥).\n(٣) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ٣١).\n(٤) انظر: البيان في غريب إعراب القرآن لابن الأنباري (١/ ٧٥).\n(٥) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٣١١).\n(٦) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٢١٨).","vol":"1","page":1691},{"text":"﴿يَعِظُكُمَ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا﴾ كي لاتعودوا وكراهة أن تعودوا.\n﴿لِمِثْلِهِ﴾ أي: مثل هذا الحديث من القذف والخوض فيه والجلوس مع القاذف واستماع حديثه.\n﴿أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ جزاءه مضمر أي: فاتعظوا ولا تعودوا.\n﴿وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ﴾ الدلالات الواضحات، وقيل: الفرائض والأحكام (١).\n﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بمصالحكم. ﴿حَكِيمٌ﴾ بتدبيركم.\n﴿إِن الَّذِينَ يُحِبُّونَ﴾ يريدون.\n﴿أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ﴾ والفاحشة: ما قَبُحَ جدًا، والمراد بها هاهنا الزنا: والشيوع: الانتشار والتفرق، وقيل: الفاحشة مصدر كالعافية.\n﴿فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ﴾ هم الذين بدأو بالإفك وأتوا به، والعذاب الأليم في الدنيا الجلد والقتل والقتال من قوله ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣] وعذاب الآخرة جهنم والنار (٢).\n﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ﴾ إنهم لكاذبون. ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ لأنه غيب.\n﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ لَعَجَّل لهم العذاب، وقيل: جوابه جواب الثاني. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ بإشاعة الفاحشة في الذين آمنوا. وقيل: خطواته وساوسه (٣).\nوقيل: هي النذور بالمعاصي وسلوك سبل الشيطان واقتفاء آثاره (٤).\n_________\n(١) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٤٣٣).\n(٢) في أ: \"وفي الآخرة جهنم والنار\".\n(٣) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٤٣٣).\n(٤) حكاه في النكت والعيون (٤/ ٨٣) عن أبي مجلز.","vol":"1","page":1692},{"text":"﴿وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ بالمعصية.\n﴿وَالْمُنْكَرِ﴾ الذي لايعرفه الشرع ولا العقل.\n﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾ ما تطهر من دنس ذنوبه أبدًا. وقيل: ما أسلم (١).\nوقيل: ما اهتدى (٢).\n﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ يحمله على ما يصير به زاكيًا. وقيل: يثني عليه (٣).\n﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ﴾ لمقالتكم. ﴿عَلِيمٌ﴾ بنياتكم وأعمالكم.\n﴿وَلَا يَأْتَلِ﴾ لا يحلف (٤).\n﴿أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ يعني أبا بكر ﵁.\n﴿أَنْ يُؤْتُوا﴾ أي: أن لا يؤتوا (٥).\n﴿أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يعني: مسطحًا وكان ابن خالته حلف ألا ينفق عليه، كما سبق.\nالحسن، ومجاهد: نزلت الآية في يتيم كان في حجر أبي بكر، ﵁ حلف ألا ينفق عليه (٦).\nوقوله ﴿وَلَا يَأْتَلِ﴾ هو يفتعل من الألية وهو القسم، وقرأ أبو جعفر (٧)\n_________\n(١) قاله ابن زيد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٢٢٢).\n(٢) قاله ابن عباس، ﵄.\nانظر: المصدر السابق (١٧/ ٢٢٢).\n(٣) لم أقف عليه، والله أعلم.\n(٤) في ب: \"لايخلف به\".\n(٥) في ب: \"أن لايؤتوا\" بغير أي.\n(٦) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٢٢٦)، والأول أشهر، وهو الذي عليه أكتر العلماء.\n(٧) أبو جعفر، القارئ، المدني، المخزومي، مولى عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة، واسمه يزيد بن القعقاع، وقيل فيروز، كان إما أهل المدينة في القراءة، وسمي القارئ لذلك، كان ثقة قليل الحديث، توفي سنة سبع وعشرين ومائة.\n\nانظر: معرفة القراء الكبار للذهبي (١/ ٧٢)، تهذيب التهذيب (١٢/ ٦١).","vol":"1","page":1693},{"text":"(ولا يَتَأَلَّ) (١)، ولا مضمر كما ذكرت، وقيل: هو من قوله ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ [آل عمران: ١١٨] فلا يحتاج إلى إضمار، والوجه هو الأول لأن أبا بكر لما سمع قوله سبحانه ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ قال: \" بلى يارب إني لأحب أن يغفر الله لي والله لا أنزعها عنه أبدًا \" وكَفَّر عن يمينه.\nوقوله ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا﴾ العفو: الستر، والصفح الإعراض.\nوقيل: العفو عن الأفعال، والصَّفْح عن الأقوال (٢).\n﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢) إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ﴾ عما قذفن. وقيل: الغفلات القليلات الفطنة للفجور (٣).\n﴿الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ فيه قولان:\nأحدهما: أن هذا خاص في عائشة، ﵂ وفي سائر أزواج النبي ﷺ (٤).\nوقيل: عام في المحصنات المؤمنات والحكم لعموم اللفظ لا لخصوص السبب (٥).\nوقوله ﴿لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ﴾ يريد إن لم يتوبوا، وروي عن ابن عباس، ﵄ أنه قال: \"لا توبة لقاذف أزواج النبي ﷺ\" (٦).\n_________\n(١) وهي قراءة شاذة.\nانظر: المحتسب لابن جني (٢/ ١٤٩).\nقال ابن قتيبة في تفسير غريب القرآن (٣٠٢) \"ولا يَتَّأَلّ على يَتَفَعَّل\".\n(٢) انظر: النكت والعيون (٤/ ٨٤).\n(٣) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٣١٣).\n(٤) وهو قول سعيد بن جبير، والضحاك، والكلبي.\nانظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٣١٣).\n(٥) وهذا قول ابن زيد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٢٢٩).\n(٦) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٧/ ٢٢٨).","vol":"1","page":1694},{"text":"وقيل: عنى به عبد الله بن أبي، وكان منافقًا (١).\n﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ﴾ أي: يعذبون يوم تشهد عليهم.\n﴿أَلْسِنَتُهُمْ﴾ بالقذف بالزنا.\n﴿وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وسائر الأعضاء بسائر المعاصي عملوها بها وقيل: ينكرون فتشهد جوارحهم، وشهادة الأعضاء (٢) بأن يصيرها الله كاللِّسَان في إمكان النطق بها.\nوقيل: يبنيها بنية أخرى محتملة للكلام (٣).\nوقيل: يتكلم بكلام يحله الله فيها (٤).\nوقيل: يكون هناك علامة تقوم مقام النطق بالشهادة (٥)، والوجه هو الأول.\n﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾ أي: الجزاء المستحق، ويحتمل أن يكون الحق وصفًا لله نصب على المدح، لأنه قرئ بالرفع، ولأنه في مصحف أبيّ (يوفيهم الله الحق دينهم) (٦).\n﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ لأن في القيامة تزول الشكوك ويحصل العلم الضروري. ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ ابن عباس، ﵄ في جماعة: الخبيثات من القول للخبيثين من الرجال، والطيبات من القول للطيبين من الرجال، وكل إناء يرشح بما فيه (٧).\n_________\n(١) قاله مقاتل.\nانظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٣١٣).\n(٢) منة \"بسائر المعاصي\" إلى \"شهادة الأعضاء\" ساقط من ب.\n(٣) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٧٩٣).\n(٤) انظر: المصدر السابق (٢/ ٧٩٣).\n(٥) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٧٩٣).\n(٦) وهي قراءة شاذة مروية أيضًا عن مجاهد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٢٣٢)، المحتسب لابن جني (٢/ ١٥٠).\n(٧) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٧/ ٢٣٣)، وهو قول سعيد بن جبير، وعطاء، ومجاهد.\n\nقال النحاس في معاني القرآن (٤/ ٥١٥) \"وهذا أحسن ما قيل في الآية\".","vol":"1","page":1695},{"text":"ابن زيد في جماعة: الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال، وكذلك الطيبات من النساء للطيبين من الرجال، ورسول الله ﷺ طيب وأزواجه الطيبات الطاهرات (١).\nوقيل: الكلمة الخبيثة تلصق بالخبيث، والطيبة بالطيب (٢).\nوقيل: هذه الآية كالتي قبلها ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ [النور: ٣] على ما سبق (٣).\nوقيل: معناه: من قذف عائشة ﵂ فامرأته أولى بالقذف، فإن عائشة ﵂ كانت طيبة ورسول الله ﷺ طيب طاهر (٤).\n﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ يعني عائشة ﵂.\nوقيل: عائشة وصفوان، وكان حصورًا لا يأتي النساء فوقع أولئك موقع التثنية وله نظائر (٥).\nوقيل: أولئك إشارة إلى الطيبين، وتقديره: مما يقولون فيهم (٦).\n_________\n(١) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٢٣٧).\n(٢) وهو مروي عن ابن عباس، ﵄، والضحاك.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٨٥).\n(٣) حكاه الجصاص في أحكام القرآن (٣/ ٤٥١).\n(٤) حكاه الواحدي في الوسيط (٣/ ٣١٤).\n(٥) حكاه الفراء في معاني القرآن (٢/ ٢٤٩).\n(٦) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٢٣٨).","vol":"1","page":1696},{"text":"﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ روي أن ابن عباس، ﵄ دخل على عائشة ﵄ في مرضها الذي ماتت فيه فبكت، وقالت: \" أخاف ما أقدم عليه\". فقال ابن عباس، ﵄: \" لا تخافي، فوالذي أنزل الكتاب على محمد ﷺ لا تقدمين إلا على مغفرة ورزق كريم\". فقالت: \" رحمك الله أهذا شيء أنبأك به رسول الله ﷺ؟ فقال: لا، بل هو شيء نبأنيه كتاب الله. قالت: فاتل علي. فتلا ﴿وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ فخرج من عندها فصيح عليها فقال: مالها؟ قالوا: غشي عليها فرحًا مما تلوت (١).\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾ أي: بيوتًا لستم تملكونها ولا تسكنونها. ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ في سبب النزول عن عدي بن ثابت (٢)\n_________\n(١) ذكره السمرقندي في بحر العلوم (٢/ ٤٣٥) مختصرًا.\n(٢) عدي بن ثابت الأنصاري، الكوفي، روى عن أبيه وجده لأمه عبد الله بن يزيد الخطمي، والبراء بن عازب، وثقه العجلي والنسائي، وكان فيه تشيع.\n\nانظر: تهذيب الكمال (١٩/ ٥٢٢)، الكاشف (٢/ ١٥).","vol":"1","page":1697},{"text":"قال: جاءت امرأة من الأنصار فقالت يارسول الله: إني أكون في بيتي على حال لا أحب أن يراني عليها أحد والد ولا ولد فيأتي الأب فيدخل عليَّ، وإنه لا يزال يدخل عليَّ رجل من أهلي وأنا على تلك الحالة فكيف أصنع، فنزلت هذه الآية ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾ فلما نزلت هذه الآية قال أبوبكر ﵁ يارسول الله: أرأيت الخانات والمساكن في طريق الشام ليس فيها ساكن فأنزل الله ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ﴾ (١).\nوفي قوله ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ أقوال:\nابن عباس، ﵄ معناه: حتى تستأذنوا، وروي عنه أنه كان يقرأ (حتى تستأذنوا)، وما روي عنه أو عن سعيد بن جبير (٢) أنه قال: أخطأ الكاتب فمحظور والقول به عظيم (٣)، والاستئناس إستفعال بمعنى العلم من قوله ﴿فَإِنْ آَنَسْتُمْ﴾ [النساء: ٦] أي: علمتم.\nوقيل: بمعنى: الإبصار، من قوله ﴿آَنَسْتُ نَارًا﴾ [النمل: ٧] (٤).\nالزجاج: معناه في اللغة: تستأذنوا، والاستئذان استعلام ويقويه قوله ﴿حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ (٥). مجاهد: هو التنحنح والتنخم (٦).\nوقيل: حتى تجدوا الأُنْس وتثقوا به ممن تدخلون عليه، وتسلموا على أهلها (٧).\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٧/ ٢٤٢)، والواحدي في أسباب النزول (٣٧٥).\n(٢) في ب: \"أو من سعيد بن جبير\".\n(٣) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٢٤٠).\nقال عنه ابن كثير في تفسيره (٣/ ٢٩٠) \"هذا غريب جدًا عن ابن عباس\".\n(٤) ذكره الخليل بن أحمد في كتاب العين (٧/ ٣٠٨)، وانظر: الكشف والبيان للثعلبي (٧/ ٨٤).\n(٥) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ٣١).\n(٦) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٢٤٣).\n(٧) \"وتسلموا عل أهلها\" ساقط من ب.\nانظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٣١٥).\n\nقال ابن قتيبة في تفسير غريب القرآن (٣٠٣) \"الاستئناس: أن يعلم من في الدار، تقول: استأنست فما رأيت أحدًا؛ أي: استعلمت وتعرفت\".","vol":"1","page":1698},{"text":"وروي عن ابن عباس، ﵄ أن في الآية تقديمًا وتأخيرًا تقديره: حتى تسلموا وتستأذنوا، أي: حتى تقولوا: السلام عليكم أأدخل (١).\nوقد جاء مرفوعا أنه عَلَّم الرَّجل الاستئذان فقال له: \"قل السلام عليكم أأدخل عليكم\" (٢) والأكثر (٣) على أن السلام مسنون بعد الإذن على ظاهر الآية، ولأن السلام تحية اللقاء واللقاء بعد الإذن والسلام ندب والاستئذان حتم.\nوقيل: إن وقعت العين على العين قبل الأذن فالأولى تقديم السلام على الاستئذان وإلا قدم الاسئذان على السلام، ولا يستأذن الرجل في دخوله منزله لقوله ﴿غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾ والأفضل أن يعلم قبل دخوله بتنحنح أو غيره (٤).\n﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ من أن تدخلوا بغير إذن.\n﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ما يجب عليكم من طاعته.\n﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا﴾ أي في البيوت. ﴿أَحَدًا﴾ يأذن لكم.\n﴿فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا﴾ انصرفوا.\n﴿فَارْجِعُوا﴾ ولا تلحوا ولا يسوؤكم ذلك فإن للناس حاجات.\n﴿هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾ أي: الانصراف أنفع لدينك ودنياكم وأقرب إلى التزكية.\n_________\n(١) وهو مروي أيضًا عن ابن مسعود ﵁.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٢٤١).\n(٢) أخرجه أبو داود (ك: الاستئذان، باب: كيفية الاستئذان، ح: ٥١٧٧)، والبيهقي في الشعب (٦/ ٤٤٠).\n(٣) في ب: \"الأكثرون\".\n(٤) في ب: \"أو غير\" بغير الهاء.\nوقد أخرج ابن جرير في جامع البيان (١٧/ ٢٤٥) عن زينب امرأة ابن مسعود ﵁ قالت: \"كان عبد الله إذا جاء من حاجة فانتهى إلى الباب تنحنح وبزق، كراهة أن يهجم منا على ما يكرهه\".","vol":"1","page":1699},{"text":"﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨) لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ﴾ يعنى: الخانات والمنازل التي ينزلها السفر.\n﴿فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾ استمتاع يقيكم الحر والبرد.\nوقيل: هي: الخرَبات التي يُؤى إليها (١) للغائط والبول (٢).\nابن زيد: بيوت التجار التي فيها أمتعة الناس (٣).\nابن الحنفية (٤): بيوت مكة (٥).\n﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ يريد إذا دخلتم بيوت غيركم فاتقوا الله فإنه يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.\n﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ أي: يُنْقِصوا من نظرهم، والغَضُّ والإِغْضَاضَ أن يداني بين جفنية من غير ملاقاة، و﴿مِنْ﴾ للتبعيض، وهو ترك النظر إلى ما لا يحل وليس على أحد أن يغض بصره كله.\nوقيل: في بعض الأوقات أمروا بالغض (٦).\n﴿وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ من أن يراها أحد وهو من العانة إلى أعلى الرُّكْبة.\n_________\n(١) في أ: \"الخربات يؤوي إليها\" بغير \"التي\".\n(٢) قاله قتادة.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٨٨).\n(٣) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٢٥١).\n(٤) محمد بن علي بن أبي طالب القرشي الهاشمي، أبو القاسم المعروف بابن الحنفية، واسمها خولة بنت جعفر بن قيس بن سلمة، وتسميه الشيعة بالمهدي، كانت ولادته في خلافة أبي بكر، وقيل: في خلافة عمر ﵄، توفي سنة ثلاث وسبعين، ودفن بالبقيع.\nانظر: مشاهير علماء الأمصار لأبي حاتم البستي (٦٢)، تهذيب الكمال (٢٦/ ١٥٢).\n(٥) انظر: المصدر السابق (١٧/ ٢٥٠).\n(٦) والمراد به النظر إلى ما حرم الله، فقد نهاهم الله تعالى عن ذلك.","vol":"1","page":1700},{"text":"أبو العالية (١): كل موضع في القرآن ذكر فيه الفرج فالمراد به الزنا إلا في هذا الموضع فإن المراد به الستر (٢).\nوقيل: يحفظونها من الزنا (٣)، وسميت فروجًا لأنها منافذ الأجواف ومسالك الجارحات.\n﴿ذَلِكَ﴾ أي: الغض والحفظ. ﴿أَزْكَى لَهُمْ﴾ أنفع لدينهم ودنياهم.\n﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ لايخفى عليه فعلهم.\n﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ فلا يحل لهن أن ينظرن من الرَّجُل إلى ما ليس بعورة إلا لغرض دون طريقة الشهوة.\n﴿وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ عن النظر إليها، وقيل: عن الزنا (٤).\n﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ الْجُودِيِّ﴾ يريد بالزينة مواضع الزينة.\n\n﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ الْجُودِيِّ﴾ ابن مسعود ﵁: الثياب (٥).\nابن عباس، ﵄: الكحل والخاتم (٦).\nالحسن في جماعة: الوجه والكفان (٧).\nابن جرير: الوجه، والكحل، والخاتم، والخِضاب، والثياب، والسِّوار (٨).\n_________\n(١) أبو العالية، واسمه رفيع بن مهران الرياحي، مولاهم البصري، قرأ القرآن على كبار الصحابة كعمر بن الخطاب، وابن مسعود، وأبي بن كعب، ﵃، كان عالمًا بالتفسير والقرآن، توفي سنة تسعين.\nانظر: معرفة القراء الكبار للذهبي (١/ ٦٠)، الكاشف (١/ ٣٩٧).\n(٢) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٧/ ٢٥٥)، والمراد سترها عن الأبصار حتى لاتُرى.\n(٣) انظر: النكت والعيون (٤/ ٨٩).\n(٤) كما سبق في الأمر للرجال بذلك.\n(٥) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٢٥٦).\n(٦) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٢٥٨).\n(٧) وهو قول سعيد بن جبير، وعطاء.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٢٥٩، ٢٥٨).\n(٨) انظر: جامع البيان (١٧/ ٢٦٠).","vol":"1","page":1701},{"text":"ابن بحر: الزينة تقع على محاسن الخلق التي فعلها الله وعلى ما يزين به الإنسان من فضل لباس، وحلى فنهاهن عن إبداء ذلك لمن ليس بمحرم، واستثنى مالا يمكن إخفاؤه في بعض الأوقات كالوجه والأطراف إذا كان على غير التلذذ والشهوة، وأما رجلها فالقدمان ليستا بعورة، وفيها اختلاف (١).\n_________\n(١) الزينة على قسمين؛ خِلْقية ومكتسبة؛ فالخِلْقية: ما كان من أصل خِلْقتها كالوجه. والمكتسبة: ما تحاول به المرأة تحسين خلقتها وتتجمل به، كالحلي والثياب والخضاب ونحوها، وهو مما اختلف العلماء في المراد به في الآية، والمشهور عن الجمهور، وهو ما روي عن ابن عباس، وابن عمر، ﵄، وعطاء، وعكرمة، وسعيد بن جبير، والضحاك، والنخعي أن المراد بها الوجه والكفان واظلخاتم، واستدلوا بما أخرجه أبو داود في سننه (٢/ ٤٦٠، باب: فيما تبدي المرأة من زينتها، ح: ٤١٠٤)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٢٢٦، باب: عورة المرأة الحرة، ح: ٣٠٣٤) عن عائشة ﵂ أن أسماء بنت أبي بكر ﵂ دخلت على النبي ﷺ، وعليها ثياب رقاق، فأعرض عنها وقال: \"يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا\" وأشار إلى وجهه وكفيه. لكن ابن كثير بين في تفسيره (٣/ ٢٩٤) أنه مرسل، لأن خالد بن دريك لم يسمع من عائشة ﵂.\nوذهب بعض العلماء إلى أنه إن تعلق بالوجه والكفين زينة كالكحل والخاتم وجب سترها.\nانظر: أحكام القرآن لابن العربي (٣/ ٣٨١)، تفسير ابن كثير (٣/ ٢٩٤).\n\nوقد أصدرت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في المملكة العربية السعودية فتوى تبين أن الصحيح من أقوال أهل العلم أن وجه المرأة، وكفيها، وشعر رأسها مما يجب ستره ويحرم إبدائه إلا لمن بينهم الله في الآية، يدل عليه قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ [الأحزاب: ٥٩].\nانظر: فتاوى اللجنة الدائمة (١٧/ ٢٤٩، ٢١٤)، فتاوى المرآة للشيخ عبد العزيز بن باز وآخرين، والتبرج وخطره له أيضًا.","vol":"1","page":1702},{"text":"﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ جمع خِمِار، أُمِرْن بإلقاء الخُمر على الجيوب لكي يستر عنقها وموضع العقد منها.\nوقيل: كان قمصهن مفروجة الجيب كالدراعة تبدوا منها صدورهن فأمرن بسترها (١).\n﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ أي: مواضعها موضع الدُّمْلُج (٢) والخِلْخَال (٣).\n﴿إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ جمع بعل فإنه المقصود بالزينة، ولعن النبي ﷺ السَّلْتَاء (٤) وهي التي لا تخضب، والمَرْهَاء (٥) وهي التي لا تكتحل (٦).\n_________\n(١) انظر: النكت والعيون (٤/ ٩٢).\n(٢) الدُّمْلُج والدُّمْلوج: الحجر الأملس، وهو المِعْضَد من الحلي، لأنه يكون في العضد.\nانظر: العين للخليل بن أحمد (٦/ ٢٠٦)، النهاية في غريب الأثر لأبي السعادات ابن الجزري (٢/ ٣٢٨).\n(٣) الخِلْخَال: واحد وجمعه خلاخيل، والخَلْخَل لغة فيه، وهو ما تتخلخل به الجارية من الحلي في ساقها.\nانظر: غريب الحديث لابن قتيبة (٢/ ٢٦٦)، المصباح المنير (١/ ١٢٢)، الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي لمحمد بن أحمد الأزهري (٣٠١).\n(٤) السَّلْتاء من النساء هي التي لا تختضب، وسَلَتَتِ المرأة الخضاب عن يده أي: مسحته.\nانظر: الفائق للزمخشري (٢/ ١٩٢)، غريب الحديث لابن الجوزي (١/ ٤٩١).\n(٥) المَرْهاء من النساء هي التي لاتتعهد عينيها بالكحل، والمَرَهُ ضد الكحل، والمُرْهَةُ: البياض الذي لايخالطه غيره، وهو مرض يكون بالعين لترك الكحل.\nانظر: لسان العرب (١٣/ ٨٨)، مادة: مره.\n(٦) ذكره أبو حاتم الرازي في الجرح والتعديل (٩/ ٣٧٨) عن أبي سعيد الأنصاري، والذهبي في كتاب الكبائر (١٦٤).","vol":"1","page":1703},{"text":"﴿أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ﴾ ولم يذكر الأعمام والأخوال لمكان أبنائهم.\n﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ أي: المؤمنات فإن اليهودية والنصرانية والمجوسية في حكم الأجانب من الرجال.\nوقيل: أراد بهن الحرائر كقوله ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٢٦] فيدخل فيها المؤمنة والكافرة (١).\n﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ أي: الإماء. وقيل: الإماء والعبيد (٢).\n﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾ الإربة والأَرَب: الحاجة، واختلفوا فيهم:\nابن زيد: هو الصغير لأنه لا إرب له في النساء لصغره (٣).\n_________\n(١) أي: أنه يجوز للمرأة المسلمة أن تكشف للمرأة اليهودية والنصرانية إذا كانت أمتها، وأما غير ذلك فمُحَرَّم.\n(٢) أي: أنه يشمل الإماء المسلمات والكتابيات والعبيد، وهو قول عائشة وأم سلمة، ﵅، وأخرج ابن عبد البر في التمهيد (١٦/ ٢٣٦) عن ابن عباس، ﵄ قال: \"لا بأس أن ينظر المملوك إلى شعر مولاته\"، وهو مروي أيضًا عن بعض أمهات المؤمنين، وهو مذهب الإمام مالك، وكره ذلك سعيد بن المسيب، والحسن، وطاووس، والشعبي، ومجاهد، وعطاء.\nوذهب ابن عبد البر إلى منع ذلك لأن العبد ليس محرمًا على التأبيد بل يجوز له الزواج بها إذا أعتق.\nانظر: التمهيد (١٦/ ٢٣٦)، أحكام القرآن لابن العربي (٣/ ٣٨٦).\n(٣) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٢٦٩).","vol":"1","page":1704},{"text":"الشعبي (١): العنين (٢).\nابن جبير: الأَبْلَه المعتوه الذي لا إرب له في النساء لجهالته (٣).\nوقيل: الصِّغار من العبيد الذين لم يبلغوا مبلغ الشهوة (٤). وقيل: الشيخ الهَرِم لذهاب أَرَبِه (٥).\nعكرمة: المخنث الذي لايقوم زُبُه (٦).\nابن عباس، ﵄: الذي يتبعك لينال من طعامك فهو مصروف الشهوة لذله ولا يهمه إلا بطنه (٧).\nقتادة: الأحمق الذي يُغَارُ عليه الرجال (٨).\nوقيل: المجبوب (٩).\nوقيل: الخصي الذي لارغبة له في النساء (١٠).\n﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ لعدم تمييزهم، ومعنى ﴿لَمْ يَظْهَرُوا﴾ لم يقوموا على إتيان النساء.\n_________\n(١) عامر بن شراحيل الهمذاني، ولد لست سنين خلين من خلافة عمر ﵁، سمع من علي وأبي هريرة ... والمغيرة، قال: أدركت خمسمائة من الصحابة، كان فقيهًا، حافظًا، ثقة، حجة، توفي سنة ثلاث أو أربع ومائة.\nانظر: الكاشف للذهبي (١/ ٥٢٢)، سير أعلام النبلاء (٤/ ٢٩٤)، التقريب لابن حجر (٢٨٧).\n(٢) انظر: النكت والعيون (٤/ ٩٥).\n(٣) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٢٦٩).\n(٤) قاله مجاهد.\nانظر: أحكام القرآن لابن العربي (٣/ ٣٨٧).\n(٥) قاله يزيد بن حبيب.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٩٥).\n(٦) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٢٧٠).\n(٧) وبه قال مجاهد، وقتادة.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٢٦٧).\n(٨) وهو قول الحسن، والزهري.\nانظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٤٣٨).\n(٩) انظر: النكت والعيون (٤/ ٩٥).\n(١٠) قاله مقاتل.\nانظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٣١٦).","vol":"1","page":1705},{"text":"وقيل: لم يعرفوا العورة من غيرها (١)، ووقع الطفل موقع الجمع، وقيل: كان في الأصل مصدرًا فلهذا لم يُجمع، والطفل اسم للمولود إلى أن يراهق.\n﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ قتادة: كانت المرأة تضرب برجلها إذا مشت لِيُسْمع قعقعة خلخالها فنهين عن ذلك (٢).\n﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ من النظر إلى ما لا يحل.\n﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ لتفوزوا بالخيرات.\n﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ الخطاب للأولياء في تزويج الأيامى من النساء إذا طُلِبن وذلك فرض وإذا لم يطلبن لم يجب، وخطاب الموالى في تزويج العبد والإماء أي: زوجوا من لازوج لها من الأحرار والحرائر والعبيد والإماء، تقول: رجل أيم وامرأة أيم وأيمة إذا كانت مطلقة أو متوفى عنها الزوج أو بكرًا لم تتزوج والفعل آمت تأيم آيمة وإيامًا وأيومًا، وجمعه الأيامى ووزنها عند الكوفيين فَعَالى كيتامى جمع على المعنى لأن الأيم كاليتيم، وعند البصريين أَيّم فعيل جمع على فَعالى تشبهًا بأسير وأسارى وربما قالوا جمع على أيائم ثم قدم وأخر فصارت أيامى ثم قلبت فصارت أيامى (٣).\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ٣٤).\n(٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٢/ ٥٨).\n(٣) انظر: مجاز القرآن لآبي عبيدة (٢/ ٦٥)، تفسير غريب القرآن لابن قتيبة (٣٠٤).","vol":"1","page":1706},{"text":"﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ هذا وعد من الله بالإغناء، وكان رسول الله صلى الله عيه وسلم يقول: \" أطلبوا الغنى في هذه الآية\" (١)، وكان عمر ﵁ يقول: \"التمسوا الغنى في الباءة \" (٢).\nوقيل: يغنهم الله بقناعة الصالحين (٣)، وقيل: يغنهم الله باجتماع الرزقين (٤).\nوقيل: لاتمنعوا من تزويج العبيد والإماء لفقرهم فإن الله يغنيهم من فضله (٥).\n_________\n(١) أخرجه الثعلبي في الكشف والبيان (٧/ ٩٥) عن ابن عباس ﵄ مرفوعًا، وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (٥/ ٥٠٩، ح: ٢٤٨٧)، ورواه الحاكم في المستدرك (٢/ ١٧٤) بمعناه عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: \"تزوجوا النساء فإنهن يأتينكم بالمال\"، قال الحاكم: \"حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه\"، وانظر: تخريج أحاديث الكشاف للزيلعي (٢/ ٤٤٣)، كشف الخفاء للعجلوني (١/ ١٦١)، وله شاهد من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"ثلاثة حق على الله عونهم؛ المجاهد في سبيل الله، والمكاتب الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف\". أخرجه ابن حبان في صحيحه (٩/ ٣٣٩، ح: ٤٠٣٠)، والحاكم في المستدرك (٢/ ١٧٤) وقال: \"صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه\".\n(٢) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٦/ ١٧٣، ح: ١٠٣٩٣) عن معمر عن قتادة، وأخرج ابن جرير في جامع البيان (١٧/ ٢٧٥) نحوه عن ابن مسعود، وفي كنز العمال (١٦/ ٦٨٦) عن أبي بكر ﵁ قال: \"أطيعوا الله فيما أمركم به من النكاح ينجز لكم ما وعدكم من الغنى، ثم تلا هذه الآية\".\n(٣) انظر: النكت والعيون (٤/ ٩٨).\n(٤) انظر: المصدر السابق (٤/ ٩٨).\n(٥) انظر: النكت والعيون (٤/ ٩٨).","vol":"1","page":1707},{"text":"وقيل: هو يرجع إلى الأيامى الأحرار لأن العبد لا يوصف بالفقر ولا بالغنى لأن ماله لمالكه (١).\nقال أبو على: \" إن يكونوا فقراء من الجماع يغنهم الله من فضله\" (٢).\nوقيل: يغنهم من الحرام (٣).\n﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ﴾ يوسع على من يشاء. ﴿عَلِيمٌ﴾ بمن يستحقه.\n﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا﴾ أي: أسباب النكاح من النفقة، والمهر، فحذف المضاف، ومعنى ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ﴾ وليكف والعفة، والاستعفاف والكف الامتناع.\nقوله ﴿نِكَاحًا﴾ أي: أسبابه كما ذكرت.\nوقيل: ﴿نِكَاحًا﴾ ما يتزوج به من المهر والنفقة، وسمي ذلك نكاحًا كما سمي ما يتلحف (٤) به لحافًا وما يرتدي به رداءً (٥).\n﴿حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: يوسع عليهم ويعطيهم مالًا يتزجون به.\nوقيل: يغنيهم بقلة الرغبة (٦).\n﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ في سبب النزول أنها نزلت في غلام لحويطب بن عبد العزى (٧)\n_________\n(١) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٤٣٨).\n(٢) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٧٩٦).\n(٣) انظر: المصدر السابق (٢/ ٧٩٦).\n(٤) في ب \"ما يتلحفه\" بزيادة الهاء.\n(٥) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٤٣٩).\n(٦) انظر: النكت والعيون (٤/ ٩٩).\n(٧) حويطب بن عبد العزى بن قس بن عبد ود بن نصر بن مالك، القرشي العامري، من مسلمة الفتح، وهو أحد النفر الذين أمرهم عمر ﵁ بتجديد أنصاب الحرم، وكان ممن دفن عثمان ﵁، شهد غزوة حنين وأعطاه رسول الله ﷺ مائة بعير، وكان ممن عمر في الجاهلية والإسلام فقد توفي سنة أربع وخمسين عن مائة وعشرين سنة.\n\nانظر: تهذيب الكمال (٧/ ٤٦٥)، الاستيعاب (١/ ٤٤٧).","vol":"1","page":1708},{"text":"يقال له صَبيح سأل مولاه أن يكاتبه فأبى عليه، فأنزل الله هذه الآية فكاتبه حويطب على مائة دينار ووهب له منها عشرين دينارًا (١) فأداها، وقتل يوم حنين في الحرب (٢).\nالكتاب الكتابة، وهو: أن يقول الرجل لعبده (٣) أو أمته: كاتبتك على أن تعطيني كذا دينارًا في نجوم معلومة على إنك إن أديت ذلك حر، وكانوا يكتبون ذلك لشرط التأجيل فسمي كتابًا. قوله ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ أمر ندب لا وجوب.\n﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ ابن عباس، ﵄: القدرة على الاحتراف والكسب لأداء ما كوتبوا عليه (٤).\nالحسن: الصدق والأمانة والوفاء (٥).\nمجاهد: المال (٦).\nوقيل: الصلاح وإقامة الصلاة.\n﴿وَآَتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آَتَاكُمْ﴾ ابن عباس، ﵄ في جماعة: أمر صاحب المملوك المكاتب أن يضع له من مال الكتابة شيئًا ربع المال أو دونه (٧).\nمجاهد في جماعة: هذا خطاب للولاة بأن يعطوا المكاتبين حقوقهم من بيت المال (٨).\nوقيل: خطاب لأهل الأموال أن يعطوهم من الصدقات المفروضة في أموالهم سهمهم وهو قوله ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ [التوبة: ٦٠] (٩).\n_________\n(١) في أ: \"ووهب له عشرين دينارًا\" بغير \"منها\".\n(٢) انظر: أسباب النزول للواحدي (٣٧٥).\n(٣) في ب: \"وهو أن يقول لعبده\"، بغير \"الرجل\".\n(٤) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٢٧٨).\n(٥) انظر: المصدر السابق (١٧/ ٢٧٩).\n(٦) وهو قول عطاء، والضحاك، وطاووس.\nانظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٣١٩).\n(٧) وهو مروي عن عمر بن الخطاب، وعلي ﵄.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٢٨٥، ٢٨٤، ٢٨٣).\n(٨) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٣١٩).\n(٩) وهو قول ابن عباس، ﵄، والحسن، وإبراهيم النخعي، واختاره ابن جرير في جامع البيان (١٧/ ٢٨٩).","vol":"1","page":1709},{"text":"﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ في سبب النزول أنها نزلت في عبد الله بن أبيّ بن سلول كانت له ست جوار؛ معاذة، ومُسيكة، واُميمة، وعَمْرة، وأروى، وقتيلة، فجاءت إحداهن ذات يوم بدينار وجاءت أخرى بِبُرْد فقال لهما: ارجعا فازنيا. فقالتا: والله لانفعل قد جاءنا الله بالإسلام وحرم الزنا، فأتتا رسول الله ﷺ وشكتا فأنزل الله هذه الآية، والبغاء الزنا للنساء خاصة (١).\n﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ تعففًا، وهذا شرط في الظاهر وليس بمشترط وكذلك ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣] لأنه إن لم يعلم خيرًا صحت الكتابة، وقال ابن عيسى: \"جاءت بصيغة الشرط لتفحيش الإكراه على ذلك\" (٢).\nوقيل: لأنها نزلت على سبب فوقع النهى على تلك الصفة (٣).\nوقيل: ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ متصل بقوله ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢] أي: من أراد أن يلزم الحصانة فليتزوج (٤).\nوقيل: إنما جاء النهي في الآية عن الإكراه لا عن البغاء لأن حد الزنا نزل بعد هذا (٥).\n﴿لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أي: لتبتغوا بإكراههن على الزنا أجورهن على الزنا.\n_________\n(١) في أ: \"الزنا بالنساء خاصة\".\nانظر: الكشف والبيان للثعلبي (٧/ ٩٩)، جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٢٩١، ٢٩٠).\n(٢) لم أقف عليه، والله أعلم.\n(٣) انظر: النكت والعيون (٤/ ١٠١).\n(٤) حكاه النحاس في معاني القرآن (٤/ ٥٣٣).\n(٥) انظر: الوجيز للواحدي (٢/ ٧٦٤).","vol":"1","page":1710},{"text":"﴿وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي: لهن، وكذلك هو في مصحف ابن مسعود ﵁ ﴿مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١).\nوقيل: لمن تاب عن ذلك بعد نزول الآية (٢).\n﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آَيَاتٍ﴾ يعني القرآن. ﴿مُبَيِّنَاتٍ﴾ بالدليل والبرهان، وبالفرائض والأحكام.\n﴿وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ أي: وأنزلنا بإنزال القرآن قصص من تقدمكم وذكر أحوالهم لتتجنبوا ما سخِط به عليهم، وتقبلوا على ما رضي به منهم.\n﴿وَمَوْعِظَةً﴾ وزجرًا عن المعاصي. ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ فإنهم ينتفعون بها.\n﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: ذو نور السماوات والأرض، فحذف المضاف كما تقول: رجل عدل أي: ذو عدل.\nابن عباس، ﵄ معناه: هادي من فيهما فهم بنوره يهتدون (٣).\nالحسن: مصدر وقع موقع الفعل أي: نَوَّرَ السماوات والأرض، وقد قرئ به أي: نَوّرهما بالشمس والقمر والنجوم (٤).\nوقيل: نوّر السماوات بالملائكة ونّور الأرض بالأنبياء (٥)\nأبي بن كعب ﵁: معناه ضياء السماوات والأرض (٦).\n_________\n(١) وهي قراءة شاذة مروية أيضًا عن ابن عباس، ﵄، وسعيد بن جبير.\nانظر: المحتسب لابن جني (٢/ ١٥١).\n(٢) والمروي عن ابن عباس، ﵄، ومجاهد، والضحاك أن المراد: إن أكرهتموهن فإن الله لهن غفور رحيم.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٢٩٣، ٢٩٢).\n(٣) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٢٩٥).\n(٤) وهي قراءة شاذة مروية عن زيد بن علي.\nانظر: شواذ ابن خالويه (١٠١)، شواذ القراءات للكرماني (٣٤٢).\n(٥) انظر: النكت والعيون (٤/ ١٠٢).\n(٦) انظر: المصدر السابق (٤/ ١٠٢).","vol":"1","page":1711},{"text":"مجاهد: مدبر السماوات والأرض (١).\nوقيل: معناه: الأنوار كلها منه (٢).\nوقيل: معناه: المنزه من كل عيب، مصدر من قولهم امرأة نوار ونسوة نور حكاه الثعلبي (٣)، والمعنى صحيح واللفظ في حق الله بشع، ويحتمل والله أعلم معنى آخر وهو أن النور ما يُرى وقد يُرى به فجاز وصف الله تعالى به لأنه يرى ويرى بسببه مخلوقاته لأنه خلقها وأوجدها.\nوقيل: معناه: الله مدلول السماوات والأرض لأنها كلها تدل على وجوده وعلى وحدانيته وقدرته (٤).\n﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ اختلف المفسرون في هذا الضمير؛ فقيل: يعود إلى الله ﷿ (٥).\n\nوقيل: إلى القرآن (٦).\nوقيل: إلى محمد ﷺ (٧).\nوقيل: إلى المؤمن (٨)، ويحتمل أنهم اختلفوا في النور؛ فقال بعضهم المراد به القرآن، وقال بعضهم المراد به النبي ﷺ، وقال بعضهم المراد به الإيمان به لأن الهاء يعود إلى الله لاغير وأضاف كل واحد من هذه إليه رفعة لذلك الشيء وتعظيمًا، والله أعلم. قوله ﴿كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ﴾ في المشكاة أقوال:\n_________\n(١) انظر: النكت والعيون (٤/ ١٠٢).\n(٢) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٧/ ١٠٠).\n(٣) في الكشف والبيان (٧/ ١٠٠).\n(٤) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٧٩٧).\n(٥) قاله ابن عباس، ﵄.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ١٠٢).\n(٦) وهو مروي عن ابن عباس، ﵄، والحسن، وابن زيد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٣٠٠، ٢٩٩).\n(٧) قاله كعب، وسعيد بن جبير.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٢٩٩).\n(٨) وهو مروي عن أبي بن كعب، ﵁، وكان يقرأ (مثل نور المؤمن).\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٢٩٨)، الوسيط للواحدي (٣/ ٣٢٠).","vol":"1","page":1712},{"text":"أحدها: أنها الكُوُّة لامنفذ لها فيكون أجمع لضوء السراج من البراز، ويكون المصباح القنديل (١).\nوالثاني: أنها الأنبوبة في وسط القنديل، فيكون المصباح الفتيلة المشعلة (٢).\nوالثالث: أنها الحديدة التي علق عنها القنديل، فيكون المصباح القنديل (٣).\nوالرابع: أنها القنديل (٤)، والمصباح السراج وهو الضوء (٥)، والزجاجة معروفة، ويجوز فيها الفتح والكسر (٦). ﴿الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ قيل: المراد به الزهرة (٧).\nوقيل: أحد الخمسة السيارة، وقيل: أي كوكب كان بعد أن يكون موصوفًا بالدُّرِّي (٨). قرئ بالكسر والهمز فِعّيل من درأ إذا دفع أي: ضوؤه يتجاوزه ويتعداه، وقيل: من قولهم: ملح درانيّ فيمن رواه بالدال غير معجمة أي: أبيض (٩).\n_________\n(١) حكاه في النكت والعيون (٤/ ١٠٢) عن كعب الأحبار.\n(٢) حكاه في النكت والعيون (٤/ ١٠٢) عن ابن عباس، ﵄.\nقال ابن كثير في تفسيره (٣/ ٣٠١) \"هذا هو المشهور\".\n(٣) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٧/ ٣٠٧) عن مجاهد.\n(٤) \"الرابع أنها القنديل\" ساقط من أ.\n(٥) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٧/ ٣٠٦) عن مجاهد.\n(٦) قوله تعالى ﴿فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ﴾ قراءة الجمهور بالضم فيهما، وقرأ نصر بن عاصم، وأبو رجاء العطاردي، وابن أبي عبلة بالفتح فيهما (في زَجَاجَة الزَّجاجة)، وقرأ عاصم الجحدري، وابن يعمر بالكسر فيهما (في زِجاجة الزِّجاجة)، وهما شاذتان.\nانظر: المحتسب (٢/ ١٥٢).\n(٧) حكاه في النكت والعيون (٤/ ١٠٣) عن الضحاك.\n(٨) انظر: المصدر السابق (٤/ ١٠٣).\n(٩) وهذه القراءة قرأ بها أبو عمرو، والكسائي، وأبان عن عاصم.\nانظر: الحجة للقراء السبعة لأبي علي الفارسي (٥/ ٣٢٣).\n\nقال الزجاج في معاني القرآن (٤/ ٣٥) \"الكسر جيد بالهمز، يكون على وزن فِعِّيل، ويكون من النجوم الدراري التي تَدَرَّ أي: ينحط ويسير متدافعًا\".","vol":"1","page":1713},{"text":"وقرئ بالضم مهموز أو غير مهموز وهو غريب في العربية ليس له نظير إلا مرِّيق وهو العصفر والعُلِية لأنها من علا يعلوا وكذلك السُريّة عند بعظهم، حكاها أبو علي (١)، ومن ترك الهمزة جاز أن يكون كالأول وجاز أن يكون منسوبًا إلى الدر لتلألؤ الدر من بين الحبوب.\n﴿يُوقَدُ﴾ يشعل أي: المصباح وكذلك فيمن قرأ يوقَد بالفتح، ومن قرأ تُوَقد بالتأنيث أي الزجاجة، والتقدير: مصباح الزجاجة فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مكانه ثم أنث حملًا على المضاف إليه (٢).\n﴿مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ﴾ أي: من زيت زيتونة شجرة مباركة فـ (زيتونة) بدل من ﴿مِنْ شَجَرَةٍ﴾ ووصفها بالمباركة لكثرتها بالشام.\nوقيل: لكثرة أوراقها وأغصانها كالرُّمَان (٣).\nوقيل: لكثرة ما فيها من المنفعة (٤).\n_________\n(١) انظر: الحجة لأبي علي الفارسي (٥/ ٣٢٣).\nقرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر، وحفص عن عاصم (دُرِّي) بضم الدال، وكسر الراء مشددة من غير همز، وقرأ حمزة، وأبو بكر عن عاصم (دُرِّيء) بضم الدال وتخفيف الياء مع إثبات الهمز.\nانظر: الحجة للقراء السبعة لأبي علي الفارسي (٥/ ٣٢٣)، التبصرة لمكي بن أبي طالب (٢٧٣).\n(٢) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو (تَوَقَّدَ) بفتح التاء، وتشديد القاف ونصب الدال، وقرأ نافع، وابن عامر، وحفص عن عاصم ﴿يُوقَدُ﴾ بضم الياء وفتح القاف وضم الدال، وقرأ حمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم (تُوَقَّدُ) بضم التاء والدال.\nانظر: الحجة لابن خالويه (٢٦٢)، الكشف لمكي (٢/ ١٣٨).\n(٣) انظر: النكت والعيون (٤/ ١٠٤).\n(٤) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٣٢٠).","vol":"1","page":1714},{"text":"﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ ليست من المشرق ولا من المغرب بل في الوسط منهما وهو الشام. وقيل: ليست بشرقية ولاتقع الشمس عليها إلا غدوة، ولا غربية لاتقع الشمس عليها إلا عشية بل بينهما تقع الشمس عليها طول النهار فزيتها أجود ما يكون (١).\nوقيل: يصيبها الشمس والظل (٢).\nابن عباس، ﵄: شجرة وسط الأشجار ليست من جانب الشرق ولا من جانب الغرب (٣).\nالحسن: ليست هي من أشجار الأرض لأنها لو كانت منها لكانت شرقية أو غربية لكنها من شجر الجنة، وروي عنه أيضًا مثل ضربه الله (٤).\nوقوله ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ أي: ضوء زيتها كضوء النار وإن لم تمسسه نار.\nوقيل: معناه: يكاد قلب المؤمن يعرف الحق قبل أن يبيَّن له (٥).\nوقيل: يكاد العلم يفيض من لسان العالم قبل أن يتكلم به (٦).\nوقيل: يكاد أعلام النبوة تشهد لرسول الله ﷺ قبل أن يدعوا إليها (٧).\n_________\n(١) حكاه في النكت والعيون (٤/ ١٠٤) عن قتادة.\n(٢) انظر: النكت والعيون (٤/ ١٠٤).\n(٣) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٣١٢).\n(٤) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٣١٣، ٣١٢).\nقال ابن كثير في تفسيره (٣/ ٣٠٢) \"وأولى الأقوال هو: أنها في مستوى من الأرض في مكان فسيح باد ظاهر، ضاح للشمس، تقرعه من أول النهار إلى آخره ليكون ذلك أصفى لزيتها وألطف\".\n(٥) حكاه في النكت والعيون (٤/ ١٠٥) عن يحيى بن سلام.\n(٦) انظر: المصدر السابق (٤/ ١٠٥).\n(٧) انظر: النكت والعيون (٤/ ١٠٥).","vol":"1","page":1715},{"text":"﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ ابن عمر، ﵄ قال: \" المشكاة جوف محمد ﷺ، والزجاجة قلبه، والمصباح النور الذي فيه، لا شرقية ولا غربية لا نصرانية ولا يهودية لأن النصارى يصلون إلى المشرق واليهود يصلون إلى المغرب\" (١).\n﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ ابراهيم ﵇ لأن أكثر الأنبياء منه.\n﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ الذي جُعل في قلب إبراهيم كما جُعل في قلب محمد ﷺ.\nمحمد بن كعب القرظي: المشكاة: إبراهيم، والزجاجة: إسماعيل، والمصباح: محمد ﷺ، ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ إبراهيم، ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ لم يكن إبراهيم نصرانيًا ولا يهوديًا، ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ﴾ يكاد محاسن (٢) محمد ﷺ يظهر للناس قبل أن يوحى إليه، وقيل هذا مثل للمؤمن، المشكاة نفسه، والزجاجة صدره، والمصباح ما جعل الله من الإيمان والقرآن في قلبه ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ ضوء النار على ضوء الزيت على ضوء الزجاجة (٣).\nوقيل: نبي من نسل نبي (٤).\nوقيل: المؤمن كلامه نور، وعمله نور، ومدخله نور، ومخرجه نور، ومصيره إلى النور يوم القيامة (٥).\n_________\n(١) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١٢/ ٣١٧)، وفي المعجم الأوسط (٢/ ٢٣٥)، وابن عدي عي الكامل في ضعفاء الرجال (٧/ ٩٥)، والثعلبي في الكشف والبيان (٧/ ١٠٥).\n(٢) في ب: \"محاسن\" بغير \"يكاد\".\n(٣) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٧/ ١٠٥)، معالم التنزيل للبغوي (٦/ ٤٨).\n(٤) حكاه في النكت والعيون (٤/ ١٠٥) عن السدي.\n(٥) حكاه في بحر العلوم (٢/ ٤٤١) عن أبي العالية.","vol":"1","page":1716},{"text":"﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ يهدي إلى الإيمان وإلى محمد ﷺ والقرآن. وقيل: الله إلى نبوته من يشاء (١).\nوقيل: الاستدلال بالآيات (٢).\n﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ﴾ أي: الأمثال التي فيها مصلحة الناس.\n﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ فيبين كل شيء بما يمكن أن يعلم به.\n﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ قيل: هي متصلة بما قبلها، والتقدير: كمشكاة في بيوت. وقيل: مصباح في بيوت. وقيل: زجاجة في بيوت. وقيل: توقد في بيوت. وقيل: هي استئناف، والعامل فيها ﴿يُسَبِّحُ﴾، وقيل: خبر المبتدأ والمبتدأ قوله ﴿رِجَالٌ﴾ أو يرتفع الظرف، وقيل: متصل بقوله ﴿أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ فيكون قوله ﴿فِيهَا﴾ تكرار للتأكيد والبيوت المساجد عند بعضهم وعند بعضهم عام في جميع البيوت.\nابن عباس، ﵄: المساجد بيوت الله في الأرض، وهي تضيء لأهل السماء كما تضيء النجوم لأهل الأرض (٣).\nوقيل: هي الكعبة، وبيت المقدس، ومسجد رسول الله ﷺ، ومسجد قُبَاء (٤).\nالسدي: بيوت المدينة (٥).\nوقوله ﴿أَذِنَ اللَّهُ﴾ أمر الله. ﴿أَنْ تُرْفَعَ﴾ أي: تبنى من قوله ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾ [البقرة: ١٢٧] (٦).\nوقيل: يُرفع قدرها ويصان (٧).\n_________\n(١) انظر: النكت والعيون (٤/ ١٠٦).\n(٢) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٣٢١).\n(٣) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٣١٦).\n(٤) ذكره البغوي في معالم التنزيل (٦/ ٥٠) عن ابن بريدة.\n(٥) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٧/ ١٠٧)، والأقرب أن المراد بها المساجد.\n(٦) واختاره ابن جرير في جامع البيان (١٧/ ٣١٨).\n(٧) انظر: النكت والعيون (٤/ ١٠٦).","vol":"1","page":1717},{"text":"وقيل: يطهر من الأنجاس والمعاصي (١).\nوقيل: يرفع فيها الحوائج إلى الله (٢)، ويحتمل يرفع فيها الأصوات بذكر الله وتلاوة القرآن ويقويه ما بعده وهو قوله ﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ ويتلى فيها كتابه.\nوقيل: هو توحيده لا إله إلا الله (٣).\nوقيل: يذكر فيها أسماؤه الحسنى (٤).\n﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ﴾ قيل: هو تنزيه الله (٥).\nوقيل: هو الصلاة بالغداة والعشي، ابن عباس، ﵄ كل تسبيح في القرآن فإنه الصلاة (٦).\nوفي ﴿يُسَبِّحُ﴾ قراءتان (٧)؛ فمن كسر الباء ارتفع به رجال لاغير، ومن فتح الباء فارتفاع رجال من أربعة أوجه:\nأحدها: أنه يرتفع بفعل مضمر دل عليه ﴿يُسَبِّحُ﴾ أي: يسبحه رجال، قاله أبو علي، وأنشد:\nلبيك يزيد ضَارِع لخصومه ... ومتخبط فيما تطيح الطَّوائِح (٨).\nوالثاني: بالمبتدأ وخبره ﴿فِي بُيُوتٍ﴾.\nوالثالث: بالظرف.\nوالرابع: خبر مبتدأ محذوف، أي: هم رجال.\n_________\n(١) انظر: المصدر السابق (٤/ ١٠٦).\n(٢) انظر: النكت والعيون (٤/ ١٠٦).\n(٣) قاله مقاتل.\nانظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٣٢١).\n(٤) انظر: النكت والعيون (٤/ ١٠٧).\n(٥) انظر: المصدر السابق (٤/ ١٠٧).\n(٦) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٧/ ٣٢٠)، وأخرج نحوه عن الحسن.\n(٧) قرأ ابن كثير، وحفص عن عاصم، ونافع، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي (يُسَبِّح) بكسر الباء، وقرأ ابن عامر، وأبو بكر عن عاصم (يُسَبَّح) بفتح الباء.\nانظر: الكشف لمكي بن أبي طالب (٢/ ١٣٩)، التيسير للداني (١٦٢).\n(٨) انظر: الحجة للقراء السبعة (٥/ ٣٢٦/٣٢٥)، والبيت للحارث بن ضرار النهشلي.\nانظر: الخصائص لابن جني (٢/ ٣٥٣)، الحماسة البصرية (١/ ٢٦٩)، المفصل في صنعة الإعراب للزمخشري (٤١).","vol":"1","page":1718},{"text":"﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ﴾ لاتشغلهم. ﴿تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ قيل: التجارة في السفر، والبيع في الحضر (١).\nوقيل: التجارة الشِّري من قوله ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً﴾ [الجمعة: ١١] أي: شرى، فيكون المعنى: لايلهيهم شِرى ولا بيع أي: رفضوا الدنيا واشتغلوا بذكر الله (٢).\nوقيل: يبيعون ويشترون وإذا حضرت الصلاة قاموا إليها غير متثاقلين (٣).\nوقيل: يبيعون ويشترون ويذكرون الله في خلال ذلك (٤)، وذكر الله هاهنا الصلاة.\nوقيل: ذكر أسمائه (٥).\nوقيل: الأذان (٦).\n﴿وَإِقَامِ الصَّلَاةِ﴾ أي: عن إقامة الصلاة، فحذف الهاء لأن الإضافة تنوب عنه، ومثله: \"ليت شِعْري\" أي: شِعرَتي، والمرأة لاتنسى أبا عُذرها أي: عُذرتها (٧).\n﴿وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾ أي: عن إيتاء الزكاة الواجبة.\n﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ أي: تتقلب على جمر جهنم من حال إلى حال.\nوقيل: تَقَلُّبُ القلوب البلوغ إلى الحناجر، وتَقَلُّبُ الأبصار نظرها إلى حيث يؤتى كتابها وإلى حيث يساق إليه (٨).\n_________\n(١) حكاه في النكت والعيون (٤/ ١٠٧) عن الكلبي.\n(٢) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٧/ ١٠٩).\n(٣) أخره ابن جرير في جامع البيان عن سالم بن عبد الله (١٧/ ٣٢١).\n(٤) أخرج ابن جرير في جامع البيان (١٧/ ٣٢٢) نحوه عن ابن مسعود ﵁.\n(٥) انظر: النكت والعيون (٤/ ١٠٧).\n(٦) حكاه في النكت والعيون (٤/ ١٠٧) عن يحيى بن سلام.\n(٧) يقال: هو أبو عذر هذا الكلام وغيره، أي: هو أول من سبق إليه، وأصله من عذر الجارية، ويقال لمن سبق إليها: هو أبو عذرها.\nانظر: البيان والتبيين للجاحظ (١/ ٣٦٧)، جمهرة الأمثال لأبي هلال العسكري (٢/ ٣٦٩).\n(٨) انظر: النكت والعيون (٤/ ١٠٧).","vol":"1","page":1719},{"text":"وقيل: تَقَلُّبُ القلوب البلوغ إلى الحناجر، وتَقَلُّبُ الأبصار انقلابها إلى الزرقة (١).\nوقيل: تقلب القلوب الإيمان بعد الكفر، وتقلب الأبصار معاينة ما كان يزعم أنه يراه كقوله ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢] (٢).\n﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ﴾ أي: يخافون ليجزيهم الله. وقيل: لام القسم أي ليجزي الله المؤمنين.\n﴿أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: يجزيهم على قدر أعمالهم ثم يزيدهم من فضله على الأعمال أضعافًا مضاعفة.\n﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أي: غير مقدر بالكفاية بل فوقها.\nوقيل: ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ معناه: تفضلًا، لأن الجزاء يكون بالحساب ويكون التفضل بغير حساب.\nوقيل: ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أي: لايحاسبه على ما يعطيه في الدنيا (٣).\nوقيل: يعطيه ما لايأتي عليه الحساب (٤).\nوقيل: من غير حساب أي: من حيث لا تحتسب (٥).\n﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ ابن عيسى: السَّراب: شعاع يتخيل كالماء على الأرض نصف النهار حين يشتد الحر، قال (٦): وسُمِّيَ سرابًا لأنه يَنْسرب (٧).\nوقيل: السَّراب: بخار يرتفع من قعور القيعان فيتكثف فإذا اتصل بها ضوء الشمس أشبه الماء من بعيد فإذا دنا منه الإنسان لم يره كما كان يراه وهو منه بعيد (٨).\n_________\n(١) انظر: المصدر السابق (٤/ ١٠٧).\n(٢) انظر: معاني القرآن للنحاس (٤/ ٥٣٩).\n(٣) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٣٢٥).\n(٤) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٤٤٢).\n(٥) انظر: المصدر السابق (٢/ ٤٤٢).\n(٦) في ب: \"قيل\".\n(٧) انظر: النكت والعيون (٤/ ١٠٩).\n(٨) انظر: مجاز القرآن لأبي عبيدة (٢/ ٦٦)، العين (٨/ ٣٠٦).","vol":"1","page":1720},{"text":"والقيعة: القاع وهو ما انبسط من الأرض، وقيل: جمع قاع كجارة وجِير (١).\n﴿يَحْسَبُهُ الظَّمْآَنُ﴾ العطشان.\n﴿مَاءً﴾ والظمأ العطش، وخص الظمآن بالذكر لشدة حاجته إلى الماء (٢).\n﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ﴾ أي: جاء إلى ما توهمه أنه ماء.\n﴿لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ أي: لم يجده كما ظنه، وقيل: جاء إلى الموضع الذي ظن أن فيه الماء.\nوقيل: لم يجد موضع السراب، وقيل: ﴿شَيْئًا﴾ مصدر أي: لم يجده وجودًا (٣).\n﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾ يريد كذلك الكافر إذا جاء عمله الذي ظن أنه ينفعه لم يجده نافعًا كما ظن.\n﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾ أي: عند الكافر، أي: جزاء الله.\nوقيل: الله محاسبًا إياه (٤).\nوقيل: ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾ يريد الموت (٥)، ووجد بعد تقدم الجمع حملًا على كل واحد من الكفار.\n﴿فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾ أعطاه جزاءه وافيًا كاملًا.\n﴿وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ إذا حاسب فحسابه سريع، وقيل: هو تقريب زمان الحساب وهو القيامة (٦)، نزلت في شيبة بن ربيعة (٧) وكان يترهب في الجاهلية ويلبس الصوف ويطلب الدين فكفر في الإسلام (٨).\n﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ﴾ أو للتخيير على تقدير شبه أعمال الكفار بأيهما شئت، وتقدير الآية: أو كصاحب ظلمات.\n﴿فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ عظيم اللجة، وقيل: عميق (٩)،\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن للفراء (٢/ ٢٥٤).\n(٢) في أ: \"لشدة حاجته بالماء\".\n(٣) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٣٢٧).\n(٤) انظر: معاني القرآن للفراء (٢/ ٢٥٤).\n(٥) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٢/٤٤٢).\n(٦) حكاه في النكت والعيون (٤/ ١١٠).\n(٧) في ب: \"شيبة بن ربيع\"، وشيبة بن ربيعة، تنظر ترجمته ص: ٤٢٤\n(٨) انظر: النكت والعيون (٤/ ١١٠).\n(٩) قاله قتادة.\n\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٣٣٠).","vol":"1","page":1721},{"text":"ولجة البحر المكان الذي يكثر فيه الماء ويستدير.\nابن عيسى: البحر الواسع الذي لا يرى ساحله (١).\nالكلبي: البحر الكثير الموج (٢).\n﴿يَغْشَاهُ﴾ يغشى البحر، وقيل: صاحب الظلمات (٣) أي: من فيها يريد يعلوه فيغطيه.\n﴿مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾ أي: من فوق الموج موج آخر. وقيل: الموج الثاني الريح (٤).\nوقيل: تقديره: موج من بعده موج أي: موج يتبع بعضه بعضًا (٥).\n﴿مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ﴾ أي: من فوق الموج الثاني سحاب قد غطى النجوم التي يهتدى بها.\n﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾ أي: هذه ظلمات بعضها فوق بعض، ومن جَرَّها فعلى البدل، ومن أضاف فكما تقول: سحاب رحمة وسحاب عذاب (٦) (٧).\nوقيل: ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾ أي: شدائد قد اجتمعت (٨).\n﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ﴾ أي: صاحب الظلمات وهو الذي فيها إذا أخرج يده وهي أقرب الأشياء إليه.\n﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ لا يراها ولا يقرب من رؤيتها.\n_________\n(١) انظر: النكت والعيون (٤/ ١١٠).\n(٢) انظر: المصدر السابق (٤/ ١١٠)، قال النحاس في معاني القرآن (٤/ ٥٤٢) \"وهو منسوب إلى اللج وهو وسط البحر\".\n(٣) انظر: النكت والعيون (٤/ ١١٠).\n(٤) انظر: المصدر السابق (٤/ ١١٠).\n(٥) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٣٢٩).\n(٦) من \"ومن جرها\" إلى \"سحاب عذاب\" ساقط من أ.\n(٧) انظر: البيان في غريب إعراب القرآن لابن الأنباري (٢/ ١٩٧).\nقرأ قنبل عن ابن كثير برفع (سحابٌ) مع التنوين، وجر (ظلماتٍ).\nانظر: الحجة للقراء السبعة لأبي علي الفارس (٥/ ٣٢٩)، الكشف لمكي (٢/ ١٣٩).\n(٨) انظر: النكت والعيون (٤/ ١١١).","vol":"1","page":1722},{"text":"الفراء: يراها بعد أن كاد لايراها، وقيل: إذا قال مع الماضي فقد فعل وهو إثبات وإذا قال مع المستقبل فلم يفعل فهو نفي (١).\n﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ أي: من لم يهده الله فلا هادي له.\nوقيل: من لم يجعل الله له هداية فما له ما يفلح به على وجه من الوجوه (٢).\nوقيل: من لم يجعل الله له في الآخرة سبيلًا ودلالة إلى النجاة فلا سبيل ولا نجاة له (٣).\nوقيل: من لم يرزقه الله هدى من الضلالة ومعرفة بكتابه فما له إيمان ومعرفة (٤)، والمعنى عند الزجاج: أن أعمال الكفار إن شبهت بما لايوجد فهي كالسراب، وإن مثلت بما يرى فهي كهذه الظلمات (٥).\nابن عباس، ﵄: الظلمات: أعمال الكافر، والبحر اللجي: قلبه، يغشاه موج: غشاوة على القلب والسمع والبصر (٦).\nقتادة: الكافر يتقلب في خمس من الظُّلَم؛ كلامه ظلمة، وعمله ظلمة، ومدخله ظلمة، ومخرجه ظلمة، ومصيره إلى الظلمات (٧).\nوقيل: معناه: هو في حيرة من كفره كصاحب هذه الظلمات (٨).\n﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ﴾ ألم تعلم علمًا يقوم مقام الرؤية، وقيل: هذا تنبيه أي: تنبَّه.\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن للفراء (٢/ ٢٥٥).\n(٢) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٣٣٣)، معام التنزيل للبغوي (٦/ ٥٢).\n(٣) حكاه في النكت والعيون (٤/ ١١١) عن ابن عيسى.\n(٤) حكاه الواحدي في الوسيط (٣/ ٣٢٣) ابن عباس، ﵄ والسدي.\n(٥) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ٣٨).\n(٦) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٧/ ٣٣٠).\n(٧) أخرج نحوه ابن جرير في جامع البيان (١٧/ ٣٣١) عن أبي بن كعب.\n(٨) لم أقف عليه، والله أعلم.","vol":"1","page":1723},{"text":"﴿يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: أهلها، والتسبيح التمجيد والتنزيه. وقيل: الصلاة (١).\n﴿وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ﴾ باسطات أجنحتها يريد في تلك الحالة فإن الأعجوبة فيها أكثر.\n﴿كُلٌّ﴾ أي: كل واحد منهم. ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ فيه قولان:\nأحدهما: لكل واحد من الطير وغيرها من البهائم والحشرات تسبيح وصلاة تليق به يسبحون الله ويصلون له لانقف نحن على ذلك.\nوالثاني: تسبيحه وصلاته دلالة على وحدانية الله وحمل غيره (٢) على التسبيح، والمطيعون لهم تسبيحان؛ تسبيح عمل وتسبيح دلالة:\nوقيل: صوت كل شيء تسبيحه وحركته صلاته (٣)، وفي فاعل ﴿عَلِمَ﴾ وجهان:\nأحدهما: ضمير ﴿كُلٌّ﴾ والهاء يعود إليه أيضًا أي: ما يليق به.\nوقيل: الهاء يعود إلى الله ﷾ (٤).\nوالثاني: أن فاعل ﴿عَلِمَ﴾ هو الله، والضمير يعود إلى ﴿كُلٌّ﴾.\n﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ لا يخفى عليه شيء.\n﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: خالقهما ومكونهما، ومن ملك في الدنيا أمرًا فبتمليكه إياه (٥).\n﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ مرجع كل مُمَلَّك ومخلوق.\n﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي﴾ ينشء، وقيل: يسوق (٦).\n_________\n(١) حكاه السمرقندي في بحر العلوم (٢/ ٤٤٣).\n(٢) في ب: \"وحمل غير\" بغير الهاء.\n(٣) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٨٠١).\n(٤) انظر: معاني القرآن للفراء (٢/ ٢٥٥)، غرائب التفسير (٢/ ٨٠١).\n(٥) في أ: \"ومن ملك أمرًا في الدنيا فبتمليكه إياه\".\n(٦) حكاه أبو عبيدة في مجاز القرآن (٢/ ٦٧)، والعرب تقول: \"نحن نزجي المطي أي: نسوقه\".\nانظر: معاني القرآن للفراء (٢/ ٢٥٦).","vol":"1","page":1724},{"text":"وقيل: يخرجه شيئًا فشيئًا، وبضاعة مزجاة يمكن تخريجه على الأوجه الثلاثة (١).\n﴿سَحَابًا﴾ جمع سحابة. ﴿ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾ أي: يجمعه، والتأليف: جمع الشيء إلى الشيء على استواء بينه وبين قطع السحاب (٢).\n﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا﴾ يركب بعضه بعضًا يجعل بعضه فوق بعض.\nوقيل: يجعله قطعًا قطعًا (٣)، وقيل: فيه تقديم وتأخير تقديره: يزجي سحابًا ثم يجعله ركامًا ثم يؤلف بينه، تقول: ركمت المتاع وغيره إذا وضعت بعضه فوق بعض.\n﴿فَتَرَى الْوَدْقَ﴾ المطر، والودق المصدر أيضًا تقول: ودق السحاب يدق ودقًا.\nوقيل: الودق: الماء، ومنه استودقت الفرس (٤).\nوقيل: الودق: البرق (٥).\n﴿يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ من أثنائه، وقيل: هو واحد، وقيل: هو جمع، وخلل وخلال كجمل وجمال (٦).\n﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ من لابتداء الغاية ومحله نصب على الظرف.\n﴿مِنْ جِبَالٍ فِيهَا﴾ قيل: ﴿مِنْ﴾ (٧) لابتداء الغاية أيضًا، والجبال بدل من السماء بدل البعض من الكل، والضمير في ﴿فِيهَا﴾ يعود إلى السماء.\n_________\n(١) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٥/ ٢٥١).\n(٢) في ب: \"على استواء بينه بين قطع السحاب\" بغير الواو.\n(٣) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٤٤٣).\n(٤) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٨٠١).\nالوديق: الفرس التي استودقت للفحل، أي: استدنت منه، يقال لكل ذات حافر: استودقت إذا طلبت الفحل.\nانظر: غريب الحديث للخطابي (١/ ٤١٢)، الفائق للزمخشري (٣/ ١٣٢).\n(٥) انظر: النكت والعيون (٤/ ١١٣)، والأكثر على أنه المطر.\n(٦) انظر: تفسير غريب القرآن لابن قتيبة (٣٠٦)، وأخرج ابن جرير في جامع البيان (١٧/ ٣٣٧) عن ابن عباس، ﵄ أنه (من خَلَلِه)، وهي قراءة شاذة.\n(٧) \"قيل\" ساقط من أ.","vol":"1","page":1725},{"text":"﴿مِنْ بَرَدٍ﴾ من لتبيين أن الجبال من البرد، والمعنى: من السماء من جبال من برد ينحدر عنها البرد على السحاب ثم على الأرض، فيكون المفعول محذوفًا أي: ينزل من جبال السماء بردًا، وقيل: الثانية للتبعيض في موضع المفعول به، والثالثة للتبيين كأنه بين من أي شيء تلك الجبال، ومحله رفع كأنه قال: وينزل من السماء جبالًا فيها برد، وذهب جماعة من المفسرين إلى أن المراد بالجبال التكثير والتعظيم لا التي هي خلاف السهل، وأنشدوا لابن مقبل (١):\nإذا مُتّ عن ذكر القوافي فلن ترى ... لها شاعرًا مثلي أطب وأشعرا.\nوأكثر بيتًا سائرًا ضربت به ... بطون جبال الشعر حتى تيسرا (٢).\nوقيل: السماء السحاب والجبال العظام من السحاب (٣).\nابن عيسى: ﴿مِنْ﴾ الأولى لابتداء الغاية، والثانية للتبعيض، والثالثة لتبيين الجنس (٤).\nابن بحر: الجبال ما جبله الله من البرد أي خلقه وكل جسم شديد جَبَل ومنه الجِبِلة (٥).\nوالبَرَد: ماء جامد خلقه الله في السحاب ثم ينزل. وقيل: يصير في الهواء بَرَدًا.\n_________\n(١) تميم بن مقبل بن عوف بن حنيف من قتيبة بن العجلان بن كعب بن ربيعة، أدرك الإسلام فأسلم، كان شاعرًا مجيدًا يبكي أهل الجاهلية، مات عن مائة وعشرين سنة في خلافة عمر ﵁.\nانظر: الإصابة (١/ ٣٧٧).\n(٢) الشطر الثاني سقط من ب، والبيتين لتميم بن مقبل في ديوانه (١٣٦)، وفي بعض ألفاظمها تغيير، حيث يقول:\nإذا مت عن ذكر القوافي فلن ترى ... لها تاليًا مثلي أطب وأشعرا.\nوأكثرَ بيتًا ماردًا ضُرِبْتُ له ... حُزونُ جبال الشعر حتى تيسرا.\n(٣) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٣٣٧).\n(٤) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٨٠١).\n(٥) انظر: المصدر السابق (٢/ ٨٠١).","vol":"1","page":1726},{"text":"ابن عباس، ﵄ البرد: الثلج (١).\n﴿فَيُصِيبُ بِهِ﴾ أي: بالبَرَد. ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ أي: يصيب الإنسان وزرعه.\n﴿وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ﴾ فلا يصيبه، ويقال: يصيب به من يشاء يعذب به من يشاء ويصرفه عمن يشاء فلا يعذبه به.\n﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ﴾ ضوءه، قتادة: لمعان برقه (٢)، وسنا كل شيء ضوءه، والسَّنَا الممدود المجد، وأصلها من الرفعة، تقول: أسنيت النار أسنًا، وسنا البرق يسنوا سنًا، وسنا الرجل سنا.\nوقيل: ﴿سَنَا بَرْقِهِ﴾ صوت برقه (٣)، فتكون قوة البرق دليلًا على تكاثف السحاب ونذيرًا بقوة المطر ومحذرًا من نزول الصواعق.\n﴿يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾ يذهب بعيون الناظرين إليه، والنظر إلى عين الشمس وإلى البرق مُضِرٌّ بالبَصَرِ، وقراءة أبي جعفر شاذة، والباء زيادة (٤).\n﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ فيه ثلاثة أقوال:\nأحدها: ما يزيد في أحدهما نقص من الآخر.\nوالثاني: هو أن يأتي بالليل بعد النهار وبالنهار بعد الليل.\nوالثالث: تغيير النهار بظلمة السحاب تارة وبضوء الشمس تارة أخرى، وتغيير الليل بظلمة السحاب مرة وبضوء القمر مرة أخرى (٥).\n﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ فيما تقدم من السحاب وما يظهر منه.\n﴿لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ لعظة لذوي العقول.\n﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ﴾ أي: كل حيوان يدب من عاقل وبهيمة.\n_________\n(١) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٤٤٤).\n(٢) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٣٣٨).\n(٣) انظر: النكت والعيون (٤/ ١١٣).\n(٤) قرأ أبو جعفر (يُذْهِبُ)، وهي قراءة شاذة، وانظر ترجمة أبي جعفر ص: ٥٥٩.\nانظر: المحتسب لابن جني (٢/ ١٥٧).\n(٥) في أ: \"وبضوء القمر أخرى\"، وفي ب \"وبضوء القمر مرة\".","vol":"1","page":1727},{"text":"﴿مِنْ مَاءٍ﴾ يعني النطفة، وهي: الماء الذي يخرج من بين الصلب والترائب.\nوقيل: يريد به جميع المخلوقات لأن الله سبحانه خلق الماء أولًا ثم قلب الماء نارًا، وخلق منها الجن، وقلبه ريحًا، وخلق الملائكة منها ثم أحاله طينًا وخلق منه آدم (١)، وسأل أبو هريرة ﵁ رسول الله ﷺ مم خلق الله الخلق فقال ﵊: \"من الماء\" (٢).\n﴿فَمِنْهُمْ﴾ لما اجتمع العاقل مع غير العاقل جعل الغلبة للعاقل فقال: ﴿فَمِنْهُمْ﴾ بلفظ جمع العقلاء ثم فصل تفصيل العقلاء فقال: ﴿مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ﴾ وإن لم يكن ذلك في العقلاء ليوافق التفصيل الجملة، والمراد بالماشي على بطنه الحية. وقيل: الحوت (٣).\nقال أبو عبيدة: \"لايكون المشي بالبطن\" (٤).\nالزجاج: يقال لكل مستمر ماش حتى يقال: قد مشى هذا الأمر (٥).\n﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ﴾ كالإنسان والطير وغير ذلك.\n﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾ كالأنعام، والوحوش، والسباع، وفي مصحف أُبيّ (ومنهم من يمشي على أكثر من ذلك) (٦)، وقال الجمهور في قوله عقيبة ﴿يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ ذكر ما يمشى على أكثر من أربع.\n_________\n(١) انظر: النكت والعيون (٤/ ١١٤)، والصواب أنه النطفة.\n(٢) أخرجه الترمذي في سننه (٤/ ٦٧٢، باب: ما جاء في صفة الجنة ونعيمها، ح: ٢٥٢٦)، قال عنه الترمذي \"هذا حديث ليس إسناده بذاك القوي، وليس هو عندي بمتصل\".\n(٣) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٣٢٤).\n(٤) انظر: مجاز القرآن (٢/ ٦٨).\n(٥) في ب: \"يقال لكل مستمر ماش حتى ماش، حتى يقال: قد مشى هذا الأمر\".\nوانظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ٤٠).\n(٦) وهي قراء شاذة.\nانظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٢/ ٢٩٢).","vol":"1","page":1728},{"text":"وقيل: ما زاد رجله على أكثر من أربع فاعتماده في مشيه على أربع في الجهات الأربع (١).\n﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ مما ذكر وبُيّن. ﴿قَدِيرٌ﴾ قادر على الكمال.\n﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا آَيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ﴾ أي: أحكامًا وفرائض. وقيل: علامات ودلائل (٢).\n﴿وَاللَّهُ يَهْدِي﴾ يرشد. ﴿مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ إلى دين الإسلام، وقيل: طريق الجنة (٣).\nوقيل: هذه متصلة بالأولى، أي: والله يهدي من يشاء من المخلوق من الماء إلى الإسلام (٤).\n﴿وَيَقُولُونَ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا﴾ نزلت في بشر المنافق كان بينه وبين يهودي خصومة واليهودي يدعوه إلى النبي ﷺ وبشر يدعوه إلى كعب بن الأشرف (٥)، ويقول: محمد يحيف علينا (٦).\nوروى الكلبي أنها نزلت في عثمان وعلي ﵄ تنازعا في أرض، وطعن في هذا القول جماعة من المفسرين (٧).\n_________\n(١) انظر: إعراب القرآن للنحاس (٣/ ١٤٤)، الكشف والبيان للثعلبي (٧/ ١١٣).\n(٢) وسياق الآيات يدل على الأول.\n(٣) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٣٢٤).\n(٤) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٣٤١)، غرائب التفسير (٢/ ٨٠٣).\n(٥) كعب بن الأشرف تنظر ترجمته ص: ٤٧٥\n(٦) انظر: أسباب النزول للواحدي (٣٧٨).\n(٧) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٤٤٥)، والقصة من رواية الكلبي وهو ضعيف.","vol":"1","page":1729},{"text":"وقيل: نزلت في المغيرة بن وائل (١) من بني أمية كانت بينه وبين علي ﵁ خصومه في ماء وأرض، فامتنع المغيرة أن يحاكم عليًا ﵁ إلى رسول الله ﷺ فقال: إنه يبغضني فنزلت ﴿وَيَقُولُونَ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا﴾ (٢) أي: وأطعنا الله والرسول. ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّى﴾ يعرض عن الإيمان.\n﴿فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أي: بعد قولهم ﴿آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ﴾.\n﴿وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ قيل: المخلصين، وقيل: المصدقين (٣)، والضمير يعود إلى المنافقين وقد تقدم في السورة ذكرهم، وقيل: هو كناية عن غير مذكور.\n﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ أي: ليحكم النبي، وحكم النبي حكم الله. ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ أي: فأجاء من فريق منهم الإعراض.\n﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ أي: القضاء لا عليهم.\n﴿يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ طائعين منقادين، والإذعان: الطاعة والانقياد (٤).\n﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ شك ونفاق، وقيل: بغض وعداوة لله ورسوله (٥).\n﴿أَمِ ارْتَابُوا﴾ أم كانوا مخلصين ثم رأوا منك أمرًا رابهم وأورثهم تهمة.\n_________\n(١) المغيرة بن وائل، لم أقف له ترجمة، والله أعلم.\n(٢) انظر: النكت والعيون (٤/ ١١٥).\n(٣) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٤٤٥).\n(٤) قال أبو عبيدة في مجاز القرآن (٢/ ٦٨) \"أي: مقرين مستَخْذِين منقادين، يقال: أذعن لي: انقاد لي\".\n(٥) وهو قريب من الأول.","vol":"1","page":1730},{"text":"﴿يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ﴾ أم جوزوا في أنفسهم أن يميل رسول ﷺ في بعض حكمه فخافوك وعدلوا من حكمك أو واحد من هذه الثلاث، وجاء بلفظ الاستفهام لأنه أشد في الذم والتوبيخ.\n﴿بَلْ﴾ أضرب ببل عن الحيف، وقيل: أضرب ببل عن أن يكون رسول الله ﷺ يحيف على أحد في حكمه (١).\n﴿أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ المنافقون الكافرون، وقيل: معناه: ليس من جهة رسول الله ﷺ ما يرتاب به ولكنهم كافرون ظالمون لأنفسهم حين امتنعوا من الاذعان لله ورسوله (٢).\n﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ أي: يحكم النبي بينهم بحكم الله الذي أمر به في القرآن أن يقولوا: سمعنا قول النبي وأطعنا أمره.\n﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ الفائزون الباقون في النعيم المقيم.\n﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي: يطيع الله في الفرائض ورسوله في السنن.\n﴿وَيَخْشَ اللَّهَ﴾ أي: عقابه. ﴿وَيَتَّقْهِ﴾ فيحترز أن يعصيه، وقيل: ويخش الله في الحال ويتقه في الاستقبال (٣).\nوقيل: الخشية خوف مع اعتقاد عظم المخشي، والاتقاء الاحتراز من العصيان والتقصير في المأمور.\n﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ بالثواب الناجون من العقاب.\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن للفراء (٢/ ٢٥٨).\n(٢) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٣٤٢).\n(٣) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٣٢٥).","vol":"1","page":1731},{"text":"﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ﴾ أي: حلف المنافقون بالله وهو جهد اليمين لأنهم بذلوا فيها مجهودهم لئن أمرنا محمد ﷺ بالخروج إلى الغزو لغزونا.\nوقيل: الخروج من الديار لخرجنا (١).\nوقال الكلبي: \"أقسم عثمان لئن أمرتني لأخرجن من الأرض المتنازع فيها ولأدفعنها إلى علي ﵁\"، وقد سبق (٢).\n﴿قُلْ لَا تُقْسِمُوا﴾ لأنكم تكذبون في القسم وذلك معصية.\n﴿طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ فيها قولان:\nأحدهما: طاعة معروفة أفضل وأولى من هذا القسم.\nوالثاني: طاعة معروفة منكم أي: أنها بالقول دون الاعتقاد، وفي ارتفاعه قولان:\nأحدهما: بالخبر والمبتدأ مقدر أي: هذه طاعة.\nوالثاني: بالابتداء، والخبر مقدر أي: أفضل، وقيل: وليكن منكم طاعة وقول معروف.\nابن بحر: معناه: لا تحلفوا على الطاعة فإنها إذا وقعت عرفت (٣).\nوقيل: أنما وصفها بالمعروف لأنه ﷺ كان يأمرهم بالمعروف لا بالمنكر (٤). ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ عالم بما تظهرون وما تظمرون ولا يخفى عليه شيء من أعمالكم. ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوْا﴾ تعرضوا عن طاعته.\n﴿فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ﴾ أي: على محمد ﷺ تبليغ الرسالة وقد بلغها. ﴿وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ﴾ أي: عليكم امتثال ما يأمركم ومتابعته وطاعته.\n﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ﴾ فيما يأمركم وينهاكم. ﴿تَهْتَدُوا﴾ إلى الحق والرشد والجنة.\n_________\n(١) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٤٤٦).\n(٢) أنها قصة ضعيفة لضعف الكلبي.\n(٣) انظر: النكت والعيون (٤/ ١١٧)، غرائب التفسير (٢/ ٨٠٣).\n(٤) لم أقف عليه، والله أعلم.","vol":"1","page":1732},{"text":"﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ الإبلاغ، وقيل: البلوغ، وليس عليه مضرة من معصيتكم (١).\n﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ قيل: المراد به المهاجرون، ولهذا قال ﴿مِنْكُمْ﴾، وقيل: هو عام، و(منكم) للتبيين (٢).\n﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ الاستخلاف: طلب قيام اللاحق مقام السابق، واللام لام جواب القسم واليمين مضمر والقول مقدر وفي الأرض قولان:\nأحدهما: أرض مكة، وكان المهاجرون يسألون الله ذلك.\nوقيل: جميع الأرض (٣)، روى مقداد (٤) عن النبي ﷺ أنه قال: \" لايبقى على الأرض بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله كلمة الإسلام بعز عزيز وذل ذليل، إما أن يعزهم الله فيجعلهم من أهلها وإما أن يذلهم فيدينون لها\" (٥)، وعن النبي ﷺ: \"الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكًا\" (٦).\n﴿كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ فيه قولان:\n_________\n(١) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٤٤٦).\n(٢) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٣٤٧)، أسباب النزول للواحدي (٣٨٠، ٣٧٩).\n(٣) حكاه في النكت والعيون (٤/ ١١٨).\n(٤) المقداد بن الأسود الكندي، من كندة هرب إلى مكة فحاف الأسود بن عبد يغوث، فتبناه وأصبح يدعى بالمقداد بن الأسود، أسلم قديمًا، وهاجر الهجرتيتن، وشهد بدرًا وما بعدها، وكان فارسًا يوم بدر، توفي سنة ثلاث وثلاثين في خلافة عثمان ﵁.\nانظر: الاستيعاب (٤/ ٤٢)، الإصابة (٦/ ٢٠٢).\n(٥) أخرجه الطبراني في الكبير (٢٠/ ٢٥٤)، وابن حبان في صحيحه (١٥/ ٩٣)، وقال عنه الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٨) \"رجاله رجال الصحيح\".\n(٦) أخرجه الطبراني في الكبير (١/ ٨٩)، وابن حبان في صحيحه (١٥/ ٣٩٢).","vol":"1","page":1733},{"text":"أحدهما: هم بنو إسرائيل استخلفنهم الله أرض الشام بعد إهلاك الجبابرة.\nوالثاني: هو ما كان في زمن داود وسليمان ﵉ وكان الغالب على الأرض المؤمنون.\n﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾ يعني الإسلام، وتمكينه إظهاره على الدين كله. وقيل: إعزاز أهله وإذلال الشرك وأهله (١).\nوقيل: تمكينه إظهار الإيمان بعد الاخفاء (٢).\n﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ قيل: خوفهم في الدنيا من الأعداء أمنًا فيها (٣).\nوقيل: بعد خوفهم من عقاب الله (٤) في الدنيا أمنًا في الآخرة، والتبديل: تغيير الحال مع بقاء الأصل، والإبدال: جعل الشيء مكان الشيء، وقد يوضع كل واحد مكان الآخر. ﴿يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ حال أي: عابدين لله غير مشركين به. وقيل: ذلك استئناف أي: هم يعبدونني. ﴿وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أي: بعد الوعد وارتد.\nوقيل: من كفر بهذه النعمة (٥).\n﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ الكافرون. وقيل: المذنبون (٦).\nوقيل: معنى قوله ﴿لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ لا يخافون غيري (٧).\n﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ المفروضة. ﴿وَآَتُوا الزَّكَاةَ﴾ الواجبة.\n_________\n(١) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٣٤٦).\n(٢) انظر: النكت والعيون (٤/ ١١٨).\n(٣) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٣٢٧).\n(٤) في أ \"من عذاب الله\".\n(٥) قاله أبو العالية.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٣٤٨، ٣٤٩)، وهو اختياره.\n(٦) لم أقف عليه، والله أعلم.\n(٧) قاله ابن عباس، ﵄، ومجاهد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٣٥٠)، النكت والعيون (٤/ ١١٩).","vol":"1","page":1734},{"text":"﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ بإجابته إلى ما دعاكم إليه. ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ فإنها من موجبات الرحمة. ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: فائتين، وقيل: سابقين (١)، تقول: أعجزه جعله عاجز أو وجده عاجزًا أو نسبه إلى العجز، من قرأ بالتاء (٢) جعل ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ المفعول الأول و﴿مُعْجِزِينَ﴾ المفعول الثاني، والتاء خطاب النبي ﷺ وهو الفاعل، ومن قرأ بالياء فـ ﴿الَّذِينَ﴾ في محل رفع بالفعل والمفعول الأول محذوف على تقدير: أنفسهم، و﴿مُعْجِزِينَ﴾ المفعول الثاني، وهذا قول البصريين وفيه ضعف (٣)، وقال الكوفيون ﴿مُعْجِزِينَ﴾ المفعول الأول و﴿فِي الْأَرْضِ﴾ الثاني وهو خطأ، ويحتمل أن الياء لمن له التعادل من الخطاب إلى الغيبة.\n﴿وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾ مرجعهم ومنقلبهم، وهو استئناف كلام.\n﴿وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ أي: المرجع يعني النار (٤).\n_________\n(١) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٤٤٧).\n(٢) قرأ الجمهور ﴿لَا تَحْسَبَنَّ﴾، وقرأ ابن عامر، وحمزة عن عاصم (لايحسبن) بالياء وفتح السين.\nانظر: التبصرة لمكي بن أبي طالب (٢٧٤).\n(٣) وممن ضعفه ابن جرير في جامع البيان (١٧/ ٣٥٠).\n(٤) في أ: \"المرجع النار\"، بغير \"يعني\".","vol":"1","page":1735},{"text":"﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ في سبب النزول قال ابن عباس، ﵄: \"وجَّهَ رسول الله ﷺ غلامًا من الأنصار يقال له مدلج بن عمرو إلى عمر بن الخطاب ﵁ وقت الظهيرة ليدعوه فدخل فرأى عمر بحالة كره عمر رؤيته ذلك، فقال يا رسول الله: \" وددت لو أن الله أمرنا ونهانا في حال الاستئذان فأنزل الله هذه الآية \" (١).\nوعن مقاتل قال: \"نزلت في أسماء بنت مرشد (٢) كان لها غلام كبير فدخل عليها في وقت كرهته فأتت رسول الله ﷺ فقالت: \" إن خدمنا وغلماننا يدخلون علينا في حال نكرهها، فأنزل الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ \" (٣)، يعني العبيد الإماء.\nابن عمر ﵁: هو على الذكور دون الإناث (٤).\nابن عباس، ﵄: الإماء، لأن على العبيد أن يستأذنوا في هذه الأوقات وغيرها (٥).\nوالاستئذان: طلب الإذن، والإذن إعلام بجواز فعل.\n﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ﴾ أي: الصبيان.\n_________\n(١) انظر: أسباب النزول للواحدي (٣٨٠)، معالم التنزيل (٦/ ٦٠).\n(٢) أسماء بنت مرشد، ويقال بنت مرشدة، ويقال بنت مرثد، الحارثية، أخت بني حارثة، وكانت تستحاض فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك.\nانظر: الاستيعاب لابن عبد البر (٤/ ٣٤٨)، الإصابة لابن حجر (٧/ ٤٩٣).\n(٣) انظر: أسباب النزول للواحدي (٣٨٠).\n(٤) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٣٥١).\n(٥) انظر: أحكام القرآن لابن العربي (٣/ ٤١٣).","vol":"1","page":1736},{"text":"﴿ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾ أي: ثلاث أوقات، ثم فسَّرها فقال: ﴿مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ﴾ وقت مفارقة الفراش والقيام من النوم، ﴿وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ﴾ وقت القيلولة، ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾ وقت النوم والأوي (١) إلى الفراش.\n﴿ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾ أي: هي ثلاث عورات، ومن نصب فعلى البدل (٢).\nالزجاج: سميت عورات لأنها أوقات العورات (٣).\nصاحب النظم (٤): لأنهم يضعون ثيابهم فتبدوا عوراتهم (٥).\nوقيل: هذه الأوقات أوقات التجرد وظهور العورة فصارت من عورات الزمان فجرى مجرى عورات الأبدان (٦).\n﴿لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ﴾ أي: على الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم.\n﴿جُنَاحٌ﴾ إثم. ﴿بَعْدَهُنَّ﴾ بعد الأوقات الثلاثة، ومعنى ﴿بَعْدَهُنَّ﴾ سواهن وليس بعد هاهنا لظرف الزمان ولا المكان.\n﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ وقيل: هو بمعنى ﴿مِنْ﴾ أي: بعضكم من بعض. ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: كبيان الأحكام في هذه الآية.\n﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ﴾ الأمر والنهي. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ فيما يأمركم ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما يدبر.\n﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ﴾ أي: الأحرار، والحُلُم: الاحتلام، والمعنى: إذا بلغوا وأرادوا الدخول عليكم.\n_________\n(١) في ب: \"والأولي\" وهو تصحيف.\n(٢) قرأ حمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم ﴿ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ﴾ بنصب الثاء، وقرأ الباقون (ثلاثُ) برفع الثاء.\nانظر: الحجة للقراء السبعة (٥/ ٣٣٢).\n(٣) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ٤٢).\n(٤) صاحب النظم تنظر ترجمته ص: ٥٤١\n(٥) في ب: \"فيبدو عوراتهم\"، بالياء.\n(٦) انظر: النكت والعيون (٤/ ١٢١).","vol":"1","page":1737},{"text":"﴿فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ في جميع الأوقات. ﴿كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: كما استأذن الذين بلغوا ودخلوا من قبلهم.\n﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ كرر الكلام الأول تأكيدًا وأضاف إليه سبحانه تخصيصًا، في هذه الآية ستة أقوال:\nسعيد بن الميسب: منسوخة (١).\nأبو قلابة (٢): ندب (٣).\nسفيان (٤): الذين ملكت أيمانكم النساء (٥).\nابن عمر ﵄: في الرجال (٦).\nابن عباس، ﵄: كان العمل بها واجبًا (٧) لأن القوم لم يكن لهم أغلاق ولا ستور، فإن عاد الأمر إلى ذلك كان العمل بها واجبًا (٨).\nوأكثر أهل العلم على أنها محكمة واجبة غير منسوخة (٩).\n_________\n(١) والناسخ لها قوله تعالى ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ [النور: ٥٩].\nانظر: الناسخ والمنسوخ للنحاس (٢/ ٥٥١).\n(٢) أبو قلابة، عبد الله بن زيد الجرمي، من أئمة التابعين، حدث عن عمر، وأبي هريرة، وعائشة، ومعاوية ﵃، كان فقيهًا، ثقة، توفي بالشام سنة أربع ومائة.\nانظر: التاريخ الكبير للبخاري (٥/ ٩٢)، معرفة الثقات للعجلي (٢/ ٣٠).\n(٣) انظر: الناسخ والمنسوخ للنحاس (٢/ ٥٥٢).\n(٤) سفيان بن عيينة، تنظر ترجمته ص: ١٨٩\n(٥) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٧/ ٣٥٢).\n(٦) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٧/ ٣٥١).\n(٧) في ب: \"كان العمل منها واجبًا\".\n(٨) انظر: الناسخ والمنسوخ للنحاس (٢/ ٥٥٤).\n(٩) والقول بأن الآية محكمة غير منسوخة قال به ابن عباس، ﵄، والقاسم بن محمد، وجابر بن زيد، والشعبي.\n\nانظر: الناسخ والمنسوخ للنحاس (٢/ ٥٥٧)، وممن ذهب إلى القول بأنها محكمة ابن العربي في أحكام القرآن (٣/ ٤١٤)، وابن الجوزي في زاد المسير (٦/ ٦٢)، وابن كثير في تفسيره (٣/ ٣١٤).","vol":"1","page":1738},{"text":"﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ العجائز اللاتي قد قعدن عن الحيض والحَبَل، وقيل: عن النكاح، جمع قاعد (١).\n﴿اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾ لايطمعن في أن يتزوجن لكبرهن، ﴿اللَّاتِي﴾ في محل رفع صفة للقواعد ويجوز الجر والوجه الرفع لمكان الفاء.\n﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ﴾ إثم. ﴿أَنْ يَضَعْنَ﴾ في أن يضعن. ﴿ثِيَابَهُنَّ﴾ جلابيبهن، وقيل: الخُمُر والأردية (٢).\n﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ﴾ غير مبديات.\n﴿بِزِينَةٍ﴾ والتبرج منها إظهار محاسنها التي ينبغي أن تُسْتَر كالثغر، والذراع، والنحر، والساق، أي: لايقصدن بوضعها أن يُظْهِرنْ زينتهن.\n﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ﴾ أي: التلبس خير لها من التكشف.\n﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ﴾ لما يقال. ﴿عَلِيمٌ﴾ بما يقصد وينوى.\n﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ في سبب نزوله أقوال:\n_________\n(١) انظر: البيان في غريب إعراب القرآن لابن الأنباري (٢/ ٢٠٠).\nقال ابن قتيبة في تفسير غريب القرآن (٣٠٧) \"وقد تقعد عن المحيض والولد ومثلها يرجوا النكاح، أي: يطمع فيه، ولا أراها سميت قاعدًا إلا بالقعود لأنها أسَنَّت وعجزت عن التصرف وكثرة الحركة، وأطالت القعود\".\n(٢) قاله جابر بن زيد.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ١٢١).","vol":"1","page":1739},{"text":"قال ابن عباس، ﵄: \"لما نزل قوله ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: ٢٩] تحرج المسلمون عن مؤاكلة المرضى والزمنى والعُمْي، والعُرْج، وقالوا: الطعام أفضل الأموال وقد نهانا وقد نهانا الله عن أكل الأموال بالباطل، والأعمى لايبصر موضع الطعام الطيب ﴿وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ والأعرج لايستطيع المزاحمة على الطعام، والمريض لايستطيع استيفاء الطعام، فأنزل الله هذه الآية\" (١)، وعلى هذا القول الآية ناسخة.\nقال سعيد بن جبير، والضحاك: \"كان الناس ينقذرون العرجان، والعميان، والمرضى ويكرهون مؤاكلتهم، وكان أهل المدينة لايخالطهم في طعامهم أعمى ولا أعرج ولا مريض تقذرًا، فأنزل الله هذه الآية\" (٢)، استبعد هذا القول جماعة، وقالوا: لو كان كذلك لقال: ليس عليكم حرج أن تأكلوا معهم، ولم يقل ليس على الأعمى حرج، وأجاب عن هذا الاستبعاد بعض النحاة بأن ﴿عَلَى﴾ هاهنا بمعنى في، أي: ليس في الأعمى حرج ولا في الأعرج حرج، والمعنى: في مؤاكلة الأعمى والأعرج.\nقال مجاهد: \"كان قوم من أصحاب رسول الله ﷺ إذا لم يكن عندهم ما يطعمون الأعمى والأعرج والمريض ذهبوا بهم إلى بيوت آبائهم وأمهاتهم أو بعض من سمى الله في هذه الآية، وكان أهل الزمانة يتحرجون من يطعموا ذلك الطعام لأنه أطعمهم غير مالكيه ويقولون: إنما يذهبون بنا إلى بيوت غيرهم، فأنزل الله هذه الآية ترخيصًا للمرضى والزمنى في الأكل معهم من بيوت من سمى في الآية (٣).\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٧/ ٣٦٦)، والنحاس في الناسخ والمنسوخ (٢/ ٥٦٠).\n(٢) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٧/ ٣٦٦).\n(٣) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٧/ ٣٦٧).","vol":"1","page":1740},{"text":"اختلفوا؛ فمنهم من قال: أبيح ذلك بإذن، ومنهم من قال: بغير إذن.\nسعيد بن المسيب: نزلت في أناس كانوا إذا خرجوا مع رسول الله ﷺ وضعوا مفاتيح بيوتهم عند الأعمى والمريض والأعرج، وعند أقاربهم، وكانوا يأمرونهم أن يأكلوا منها إذا احتاجوا إلى ذلك، وكانوا يتقون أن يأكلوا منها ويقولون: نخشى أن لاتكون أنفسهم بذلك طيبة فأنزل الله هذه الآية، وهذا القول هو المرضى عند أهل التأويل (١).\nوقال الحسن، وعبد الرحمن بن زيد: \"انتهى الكلام على قوله ﴿حَرَجٌ﴾ والمراد: لاحرج عليهم في القعود عن الجهاد وغير مما رخص لهم فيه كقوله في الأخرى ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾) الآية [الفتح: ١٧] \" (٢).\nثم قال ﴿وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ أي: حرج (٣).\n﴿أَنْ تَأْكُلُوا﴾ أي: في أن تأكلوا. ﴿مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ الآية، وقال بعضهم: ﴿وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ إلى آخر الآية (٤) منسوخة.\n_________\n(١) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٣٢٩)، وأخرج نحوه النحاس في الناسخ والمنسوخ (٢/ ٥٦٥) عن عائشة ﵂.\n(٢) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٣٦٩).\n(٣) في ب: \"حرج\" بغير \"أي\".\n(٤) في ب: \"إلى آخر السورة\"، والمثبت هو الصواب.","vol":"1","page":1741},{"text":"وقال ابن زيد: \"هذا شيء قد انقطع، كانوا في أول الأمر ليست على أبوابهم (١) أغلاق وكانت الستور مرخاة فربما جاء الرجل فدخل البيت وهو جائع وليس فيه أحد، فسوغه الله أن يأكله، ثم صارت الأغلاق على البيوت فلا يحل لأحد أن يفتحها فذهب هذا وانقطع وصارت الآية منسوخة بقوله سبحانه ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣]، وبقوله ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ [النور: ٢٧] \" (٢).\nوقيل: ليس عليهم حرج إذا دُعوا إلى وليمة أن يأخذوا معهم القائد، فهذا هو الكلام في سبب النزول، والقول الناسخ والمنسوخ (٣).\nقوله ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ هو الذي فقد حِسَّ البصر لفساد العين ﴿حَرَجٌ﴾ إثم، وحقيقته الضيق، مشتقة من الحرجة وهو موضع الشجر الملتف، وجمعها: حَرَج وحَرَجات وحِرَاج، وحَرَج فلان أثِم، كأنه سلك طريقًا ضيق المخرج، وتَحَرَّج اجتنب الاثم.\n﴿وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ هو الذي خرجت نفسه عن الاعتدال.\n﴿وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ أي: حرج. ﴿أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ بيوت أنفسكم.\n_________\n(١) في أ: \"على الأبوابهم\".\n(٢) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٧/ ٣٦٩).\n(٣) والذي عليه أكثر العلماء أن الآية محكمة، وهو المروي عن عائشة ﵂، والزهري، واختاره ابن جرير في جامع البيان (١٧/ ٣٧١)، والنحاس في الناسخ والمنسوخ (٢/ ٥٦٦).","vol":"1","page":1742},{"text":"وقيل: بيوت أولادكم، ثم نزَّل بيوت الأولاد منزلة بيوت الآباء لقوله ﷺ \"أنت ومالك لأبيك\" (١)، ولهذا لم يذكر الأولاد في الآية (٢).\nوقيل: بيوت أزواجكم لاجتماع الكل فيها (٣).\nوقيل: بيوتكم التي تسكنونها خدمة واتصالًا بأربابها (٤)، ويحتمل أن المعنى: لاحرج عليكم في الأكل من بيوت المذكورين كما لاحرج عليكم في أكلكم من بيوتكم مثل ما تقول: أكلك من دارك أو من دار صديقك واحد، والله أعلم.\n﴿أَوْ بُيُوتِ آَبَاءَكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾ جمع مِفْتَح وهو ما يُفتح به المغلق وكذلك المفتاح.\nابن عباس، ﵄: هو وكيل الرجل له أن يتناول من التمر ويشرب من اللبن (٥).\nقتادة: يعني العبد؛ لأن ماله لك (٦).\nمجاهد: خزائن بيوتكم إذا ملكتم مفاتيحها (٧).\n_________\n(١) أخرجه ابن حبان في صحيحه (٢/ ١٤٢، باب: حق الوالدين، ح: ٤١٠) عن عائشة ﵂، وأخرجه أبو داود في سننه (٢/ ٣١١، باب: في الرجل يأكل من مال ولده، ح: ٣٥٣٠) عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وابن ماجة في سننه (٢/ ٧٦٩، باب: مال للرجل من مال ولده، ح: ٢٢٩١) عن جابر بن عبد الله ﵄.\n(٢) انظر: النكت والعيون (٤/ ١٢٣).\n(٣) انظر: تفسير غريب القرآن لابن قتيبة (٣٠٨).\n(٤) انظر: النكت والعيون (٤/ ١٢٣).\n(٥) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٧/ ٣٧٠).\n(٦) انظر: النكت والعيون (٤/ ١٢٤).\n(٧) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٣٧١).","vol":"1","page":1743},{"text":"ابن جرير: الزَّمْنى ملكوا التصرف في البيوت التي سلمت مفاتيحها إليهم له أن يتناول من ماله بقدر ما قال الله ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦]، و(مفاتيحه) بيده (١).\n﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ يريد الأصدقاء، قال:\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... دعها فما النحوي من صديقها (٢).\nوالصديق هو الذي صدقك مودته، وقيل: هو الذي يوافقك في ظاهره وباطنه (٣).\nوعن ابن عباس، ﵄،: الصديق أكبر من الوالدين ألا ترى أن أهل النار لم يتغيثوا بالآباء والأمهات بل قالوا ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٠٠ - ١٠١] (٤)، وقال ﷺ \"قد جعل الله في الصديق البار عوضًا عن الرحم المذمومة\" (٥) فرخص أن يأكل من بيته بغير إذنه.\nوقيل: هو إذا دعاك إلى وليمة فحسب (٦).\n_________\n(١) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٣٧٤).\n(٢) هذا عجز بيت لرؤبة بن العجاج، وتمامه:\nتنح للعجوز عن طريقها ... إذا أقبلت رائحة من سُوقها.\nدعها فما النحوي من صديقها.\nانظر: ديوان رؤبة (١٨١)، وفي بعض ألفاظه اختلاف.\n(٣) انظر: النكت والعيون (٤/ ١٢٤).\n(٤) انظر: النكت والعيون (٤/ ١٢٤).\n(٥) لم أقف على من تخريجه في كتب السنة، وقد ذكره العز بن عبد السلام في تفسيره (٢/ ٤١٣).\n(٦) انظر: النكت والعيون (٤/ ١٢٤).","vol":"1","page":1744},{"text":"﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ في سبب النزول، قتادة والضحاك نزلت في حي من بني كنانة يقال لهم: بنو ليث بن عمرو، وكانوا يتحرجون أن يأكل الرجل وحده، فربما قعد الرجل والطعام بين يديه من الصباح إلى الرواح، والأحوال منتظمة تحرجًا من أن يأكل وحده، فإذا أمسى ولم يجد أحدًا أكل، فأنزل الله هذه الآية (١).\nعكرمة: نزلت في قوم من الأنصار كانوا لا يأكلون إذا نزل بهم ضيف إلا مع ضيفهم، فرخص لهم أن يأكلوا كيف شاءوا مجتمعين وأشتاتًا متفرقين (٢).\nعن النقاش (٣): نزلت في قوم كانوا يتحرجون أن يأكلوا جميعًا مخافة أن يأكل أكثر من صاحبه، فنزلت فيهم (٤).\nوقيل: نزلت في قوم سفر اشتركوا في زادهم وكان إذا تأخر أحدهم أمسك الباقون عن الأكل حتى يحضر، فنزلت فيهم ترخيصًا (٥).\nو﴿أَشْتَاتًا﴾ جمع شَتٍ، أي: متفرقين، وشتى جمع شتيت، وشَتَّ الشيء يَشِتُّ شَتًَّا وشَتاتًا، وتَشَتت بمعناه، واشته غيره، وشَتَّان اسم للفعل بني على الفتح، وقيل: نصب على المصدر، وحُكي فيه الكسر أيضًا.\n﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ يعنى: على من فيها من المؤمنين، والمؤمنون كلهم كنفس واحدة.\nوقيل: على إخوانكم وأقربائكم لأنهم بمنزلة نفس واحدة (٦).\nوقيل: إذا دخلتم بيوتًا خالية فقولوا: السلام علينا من ربنا وعلى عباد الله الصالحين (٧).\n_________\n(١) انظر: أسباب النزول للواحدي (٣٨٢).\n(٢) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٣٧٧).\n(٣) في ب: \"النقاش\"، بغير \"عن\".\n(٤) انظر: النكت والعيون (٤/ ١٢٥).\n(٥) انظر: المصدر السابق (٤/ ١٢٥).\n(٦) انظر: النكت والعيون (٤/ ١٢٦).\n(٧) قاله مجاهد، والحسن، والكلبي.\nانظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٤٥٠).","vol":"1","page":1745},{"text":"وقيل: إذا دخلتم بيوت الكفار فسلموا على أنفسكم (١).\nابن عباس، ﵄، ﵄: إذا دخلتم المساجد فسلموا على من فيها (٢).\nوقيل: إذا دخلتم بيوتكم فسلموا على أولادكم وعيالكم، ومعنى السلام عليكم: حفظكم الله وسلمكم من الآفات (٣).\nوقيل معناه: لكم السلامة مني (٤).\nوقيل: السلام اسم من أسماء الله، والمعنى: الله حفيظ عليكم (٥).\n﴿تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ تحيون أنفسكم تحية، ويجوز أن يكون نصبًا على المصدر من قوله ﴿فَسَلِّمُوا﴾ وإن لم يكن من لفظه كما تقول: قعد القرفصاء.\nومعنى ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ من أمر الله لأنه أمر به.\nوقيل: لأن الملائكة يُحَيَّوْن السلام، وقيل: هذا إذا قالوا السلام علينا من ربنا (٦).\n﴿مُبَارَكَةً﴾ أي: فليتبركوا بها فإن الله يستجيب دعاء بعضهم لبعض (٧) بالسلامة من الآفات.\nوقيل: جعلها مباركة لما فيها من الثواب العظيم.\nوقيل: إذا لزمتموها كثر خيركم.\n﴿طَيِّبَةً﴾ تطيب بها نفس المستمع لما فيها من حسن الثناء.\nوقيل: لما فيها من التواصل (٨).\nوقيل: ﴿مُبَارَكَةً﴾ تامة بالأجر، ﴿طَيِّبَةً﴾ هنيئة بالمغفرة (٩).\n﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ﴾ أي: كما بيناها هاهنا نبينها في غيره.\n_________\n(١) انظر: النكت والعيون (٤/ ١٢٦).\n(٢) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٤٥٠).\n(٣) حكاه الواحدي في الوسيط (٣/ ٣٣٠) عن قتادة.\n(٤) انظر: النكت والعيون (٤/ ١٢٦).\n(٥) انظر: المصدر السابق (٤/ ١٢٦).\n(٦) انظر: النكت والعيون (٤/ ١٢٦).\n(٧) في ب: \"يستجيب بعضهم لبعض\" بغير \"دعاء\".\n(٨) انظر: المصدر السابق (٤/ ١٢٦).\n(٩) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٣٣١).","vol":"1","page":1746},{"text":"وقيل: كما دلكم. وقيل: كما فَصَّل لكم، ابن بحر: إذا أراد فرض شيء عليكم بينه هذا البيان (١).\n﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ لكي تعقلوا وتفهموا، وقيل: لتكونوا عقلاء صالحين (٢).\n﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي: المؤمن من آمن بالله ورسوله، وأطاع رسوله في جليل الأمر ودقيقه.\n﴿وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ﴾ كالجمعة والعيدين وكل اجتماع فيه خطبة.\nوقيل: هو الجهاد (٣).\nوقيل: في مجلس تشاور وتدبير حرب (٤).\n\nوقيل: في أمر يجمعهم نفعه وضره (٥).\n﴿لَمْ يَذْهَبُوا﴾ لم يخرجوا عنه.\n﴿حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ أي: يستأذنوا رسول الله ﷺ تعظيمًا له.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي: هم الذين جمعوا شرائط الإيمان.\n﴿فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ أي: لمن علمت أن له عذرًا، نزلت في عمر بن الخطاب ﵁ كان مع رسول الله ﷺ في غزاة تبوك فاستأذنه في الرجوع إلى أهله فقال له رسول الله ﷺ \"انطلق فوالله ما أنت بمنافق ولا مرتاب\"، حكاه بعض المفسرين (٦).\n﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِن اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي: لمن أذنت له ليزول عنهم بالاستغفار ملامة الانصراف.\n_________\n(١) لم أقف عليه، والله أعلم.\n(٢) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٣٣١).\n(٣) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٤٥١).\n(٤) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٧/ ٣٨٧) عن ابن زيد.\n(٥) قاله عطاء.\nانظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٤٥١).\n(٦) انظر: الوجيز للواحدي (٢/ ٧٧١)، النكت والعيون (٤/ ١٢٧).","vol":"1","page":1747},{"text":"قتادة: هذه ناسخة لقوله ﴿لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣] (١).\n﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ ابن عباس، ﵄: لاتتعرضوا السَّخْطة فإن دعاءه عليكم موجب ليس كدعاء غيره (٢).\n\nمجاهد في جماعة: لاتنادوه يامحمد كما ينادي بعضكم بعضًا ولكن عظموه مثله ﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ [الحجرات: ٢] أي: قولوا: يارسول الله ويانبي الله (٣).\nوقيل: معناه: إذا دعاكم لأمر فعجلوا الإجابة وبادروا إليه، كقوله ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤] (٤).\n﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا﴾ التسلل: الخروج من الشيء وكذلك الانسلال، واللِّواذ مصدر لاوذ يلاوذ ملاوذة، وهو الاعتصام بالشيء بالدَّوْر معه حيث دار، أي: يلوذ بعضكم ببعض فينضم إليه استتارًا من رسول الله ﷺ بالرجال والسارية يريد الذين كانوا يفارقون رسول الله ﷺ إذا سمعوا ما يكرهون في الجمعة.\nالحسن: ﴿لِوَاذًا﴾ فرارًا من الجهاد (٥).\nوقيل: هذا في حفر الخندق، وكان المنافقون ينصرفون بغير إذن رسول الله ﷺ، ﴿لِوَاذًا﴾ مختفين، حكاه الثعلبي وغيره (٦).\n_________\n(١) انظر: الناسخ والمنسوخ لقتادة (٤٣)، والأظهر أنها محكمة، وأن آية سورة التوبة في المنافقين خاصة.\n(٢) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٣٨٩).\n(٣) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٣٨٩).\n(٤) انظر: النكت والعيون (٤/ ١٢٨).\n(٥) انظر: النكت والعيون (٤/ ١٢٨).\n(٦) انظر: الكشف والبيان (٧/ ١٢١)، معالم التنزيل (٦/ ٦٨).","vol":"1","page":1748},{"text":"﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ أي: يخالفون أمره، و﴿عَنْ﴾ زيادة.\nوقيل: معناه: يعرضون عن أمره (١).\n\nوقيل: بعد أمره، كقوله ﴿أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ﴾ [قريش: ٤] أي: بعد جوع، والهاء يعود إلى الله، وقيل: إلى النبي ﷺ (٢).\nوالأمر: هو من أمور الدنيا. وقيل: من أمور الآخرة (٣).\n﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ مكروه من عدوهم. وقيل: قتل (٤).\nوقيل: عقوبة شديدة في الآخرة (٥).\nابن جرير: كفر (٦).\nابن عيسى: فتنة تُخرج ما في الضمير (٧).\n﴿أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ من الله ﷿ في الآخرة. وقيل: قتل في الدنيا (٨).\n﴿أَلَا إِن لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ من الخير والشر فاحذروا مخالفته.\n﴿وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ﴾ إلى موضع الجزاء.\n﴿فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا﴾ أي: يجزيهم على أعمالهم في القيامة ويعاقبهم عليها.\n﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ لا تخفى عليه خافية فيهما.\n\nوروي عن الأعمش (٩)\n_________\n(١) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٣٩٢).\n(٢) حكاه في النكت والعيون (٤/ ١٢٩) عن قتادة.\n(٣) وقد يكون للأمرين معًا.\n(٤) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٤٥١).\n(٥) انظر: النكت والعيون (٤/ ١٢٩).\n(٦) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٣٩١).\n(٧) انظر: النكت والعيون (٤/ ١٢٩).\n(٨) حكاه في النكت والعيون (٤/ ١٢٩) عن يحيى بن سلام.\n(٩) الأعمش سليمان بن مهران الأسدي الكاهلي، أبو محمد الكوفي، أحد أعلام التابعين، ولد بالكوفة، كان عالمًا، حافظًا، ثقة ثبت، من كبار القراء، عالمًا بالفرائض، توفي سنة سبع وأربعين ومائة، وقيل غير ذلك.\n\nانظر: الكاشف (١/ ٤٦٤)، لسان الميزان (٧/ ٢٣٨).","vol":"1","page":1749},{"text":"عن شقيق بن سلمة (١) قال: \"شهدت ابن عباس، ﵄ وليَ الموسم (٢) فقرأ سورة النور على المنبر وفسرها، فلو سمعت الروم لأسلمت\" (٣).\n_________\n(١) في أ، ب: \"شقيق بن سلمة\"، والصواب هو المثبت.\nوشقيق بن سلمة أبو وائل صاحب ابن مسعود ﵁، أدرك النبي ﷺ ولم يروي عنه، توفي سنة تسع وتسعين، وشهد صفين مع علي ﵁، وروى عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي ﵃.\nانظر: الاستيعاب (٢/ ٢٦٦)، الإصابة (٣/ ٣٨٦).\n(٢) أي: موسم الحج.\n(٣) أخرجه الحاكم في المستدرك (٣/ ٦١٨، ح: ٦٢٩٠)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ١٤٩)، وذكره السمرقندي في بحر العلوم (٢/ ٤٥١).","vol":"1","page":1750},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-131>سورة الفُرْقَان</span>","vol":"1","page":1751},{"text":"سورة الفرقان\nمكية، قال ابن عباس ﵄ وقتادة: إلا ثلاث آيات من قوله ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٧٠] (١).\n﴿... بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾\n﴿تَبَارَكَ﴾ تعالى وارتفع.\nالحسن: هو الذي يجيء البركة من قِبَلِه (٢).\nوقيل: تبارك على الشيء: واضب عليه، وهذه لفظة لاتستعمل إلا لله وحده ولا يستعمل منه إلا الماضي فحسب، وأصله من دوام الشيء وثباته ومنه البِرْكة لدوام الماء فيها وبقائه (٣).\nوقيل: أصله الزيادة (٤).\n﴿الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ﴾ القرآن الفارق بين الحق والباطل، والحلال والحرام.\n﴿عَلَى عَبْدِهِ﴾ محمد ﷺ، وقيل: ﴿الْفُرْقَانَ﴾ هاهنا اسم لجميع كتب الله، ولا يحتمل الآية هذا القول إلا أن يجعل ﴿عَبْدِهِ﴾ للجنس كقوله ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: ٣٤] أو يجعل القرآن مشتملًا على جميع ما في سائر كتب الله (٥).\n﴿لِيَكُونَ﴾ العبد. ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾ الجن والإنس.\n﴿نَذِيرًا﴾ منذرًا يُعْلِم الناس خبر البعث والنشور، والمنذر: المخبر بوقوع مكروه.\n_________\n(١) انظر: البحر المحيط (٦/ ٤٨٠)، جمال القراء (٢/ ١٣١)، وقد أخرج ابن الضريس في فضائل القرآن (٣٣)، والنحاس في الناسخ والمنسوخ (٢/ ٥٦٨) عن ابن عباس ﵄ قال \"سورة الفرقان نزلت بمكة فهي مكية\"، وهو مروي أيضًا عن عبد الله بن الزبير كما في الدر المنثور (١١/ ١٣٣).\nقال القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (١٣/ ٥) \"وهو قول الجمهور\".\n(٢) انظر: النكت والعيون (٤/ ١٣٠).\n(٣) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ٤٥).\n(٤) انظر: النكت والعيون (٤/ ١٣٠).\n(٥) انظر: النكت والعيون (٤/ ١٣١).","vol":"1","page":1752},{"text":"وقيل: ليكون الفرقان نذيرًا لأهل كل زمان (١).\nوقيل: ليكون الذي نزل الفرقان وهو الله ﷾ للخلائق كلها منذرًا (٢)، وقد جاء في وصف الله المنذر نحو قوله ﴿إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ﴾ [الدخان: ٣] فيحسن على هذا التأويل أن يكون ﴿الْفُرْقَانَ﴾ جميع كتبه و﴿عَبْدِهِ﴾ جميع رسله.\n﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ كما زعم النصارى.\n﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ كما قال المشركون والثنوية (٣).\nوقيل: معنى ﴿وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ لم ينزل أحدًا منزلة الولد، لأن ما لا يجوز على الله على الحقيقة لايجوز عليه على التشبيه (٤).\n﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ أي: كل شيء يجوز وصفه بالخلق.\nوقيل: اللفظ عام، والمعنى ليس بعام كقوله ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣].\n_________\n(١) حكاه في النكت والعيون (٤/ ١٣١) عن ابن عيسى.\n(٢) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٨٠٧)، والمفسرون على أن المعنى: ليكون محمد ﷺ نذيرًا.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٣٩٤)، الوجيز للواحدي (٢/ ٧٧٣).\n(٣) الثنوية: هم أربع فرق؛ المانوية وهم أتباع مان بن فاتك، والدياصنة، والمرتونية، والمزدكية وهم أتباع مزدك بن نامدان، وهم في الجملة يقولون بإلهية النور والظلمة وأنهما صانعان قديمان؛ فالنور صانع الخيرات والمنافع، والظلام صانع الشرور والمضار، وأن الأجسمام ممتزجة منهما، وكل واحد منهما مشتمل على أربع طبائع وهي: الحرارة، والبرودة، والرطوبة، واليبوسة.\nانظر: الفرق بين الفرق (٢٦٩)، إعتقادات فرق المسلمين والمشركين لمحمد بن عمر الرازي (٨٨).\n(٤) لم أقف عليه، والله أعلم.","vol":"1","page":1753},{"text":"﴿فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ على مقتضى الحكمة وتناسب بعضه إلى بعض على اعتدال.\nوقيل: خلق ما خلق على مقدار يعرفه، ولم يخلق شيئًا على سبيل سهو وغفلة (١).\nوقيل: بين مدة بقائه. وقيل: كتبه في اللوح المحفوظ (٢).\n﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ﴾ الواو ضمير الكفار، وهم مندرجون في قوله ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾. وقيل: لفظ (٣) ﴿نَذِيرًا﴾ ينبئ عنهم لأنهم المنذرون.\n﴿آَلِهَةً﴾ أي: الأصنام، وقيل: عيسى والملائكة والأصنام (٤).\n﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾ لايقدرون أن يخلقوا ذبابًا فضلًا عن غيره.\n﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ يعنى الأصنام، وقيل: عيسى والملائكة والأصنام، ويحتمل الكفار (٥).\n﴿وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ﴾ أي: المعبودون.\n﴿ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا﴾ إماتة. ﴿وَلَا حَيَاةً﴾ ولا إحياءً.\n﴿وَلَا نُشُورًا﴾ إحياء بعد الموت، تقول: أنشر الله الموتى فنشروا.\n﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا﴾ ما هذا القرآن.\n﴿إِلَّا إِفْكٌ﴾ كذب مصروف عن وجهه، والإفك أسوء الكذب.\n﴿افْتَرَاهُ﴾ اختلقه، وأصله الفري وهو: القطع للإصلاح.\nابن عباس ﵄ قال: \"هذا كلام النضر بن الحارث وأتباعه\" (٦).\n﴿وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آَخَرُونَ﴾ عنو بههم اليهود، أي: هم يُلْقُون أخبار الأمم إليه وهو يكسوها عبارته.\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ٤٥).\n(٢) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٤٥٣).\n(٣) \"لفظ\" سقط من أ.\n(٤) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٨٠٨)، الوسيط للواحدي (٣/ ٣٣٣).\n(٥) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٨٠٨).\n(٦) في ب: \"هذا الكلام النضر بن الحارث وأتباعه\".","vol":"1","page":1754},{"text":"وقيل: عنوا بهم جبرًا ويسارًا، وقد سبق في قوله ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: ١٠٣] (١).\nالمبرد: عنوا بقولهم ﴿قَوْمٌ آَخَرُونَ﴾ المؤمنون لأن آخر لا يكون إلا من جنس الأول فأجابهم الله وقال ﴿فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾ أي: بظلم وزور ظلموا فيما قالوا (٢)، والتزوير: الكذب في الشهادة والحديث.\nوقيل: المزور من الكتاب ما يزيد فيه وينقص (٣).\nوقيل: هذا من كلام الكفار، والضمير يعود إلى قوله ﴿قَوْمٌ آَخَرُونَ﴾ (٤).\n﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: هذه أحاديثهم التي سطروها.\n﴿اكْتَتَبَهَا﴾ أمر بكتبها. وقيل: جمعها، من قولهم: كتبت الشيء أي: جمعته (٥).\nوقيل: كتبها بيده، فيكون من جملة كذبهم عليه لأنه ﷺ لم يكن يكتب، وسيأتي بيانه في قوله ﴿وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ [العنكبوت: ٤٨] (٦).\n﴿فَهِيَ﴾ أي: الأساطير. ﴿تُمْلَى عَلَيْهِ﴾ تُملَّ عليه. ﴿بُكْرَةً﴾ أول النهار.\n﴿وَأَصِيلًا﴾ آخره، وقيل: عبارتان عن النهار والليل (٧).\n﴿قُلْ﴾ يا محمد. ﴿أَنْزَلَهُ﴾ أي: القرآن.\n_________\n(١) جبر ويسار غلامان نصرانيان كانا يقرآن بلسانهما، وقد زعم المشركون أن النبي ﷺ يختلف إليهما يتعلم منهما فأكذبهم الله.\nانظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٢٥١).\n(٢) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٨٠٨).\n(٣) قال في المفردات (٣٨٧) \"قيل للكذب زورًا لكونه مائلًا عن جهته\".\n(٤) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٨٠٨).\n(٥) الكَتْب: ضم الشيء بعضه إلى بعض، والكتابة: ضم الحروف بعضها إلى بعض بالخط، والأصل في الكتابة النظم بالخط.\nانظر: المفردات (٦٩٩)، مادة: كتب.\n(٦) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٤٥٣).\n(٧) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٤٠١).","vol":"1","page":1755},{"text":"﴿الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ السِّر: إخفاء المعنى في القلب، أي: ينزله على ما يقتضيه علمه بباطن الأمور.\n﴿إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا﴾ عن جهل العباد فلا يعجل. ﴿رَحِيمًا﴾ لمن آمن.\n﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ أي: لِمَ يأكل كما نأكل، ولم يمشي في الأسواق كما نمشي فهلا امتاز عنا بترك الأكل والمشي في الأسواق، وهذا خطأ منهم (١) لأن الامتياز والتفاضل يوجدان مع بقاء صفة الجنسية وذلك إذا فُضّل بالرسالة.\n﴿لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ أي: هلَاّ ولهذا نُصب الجواب، والمعنى: هلَاّ كان معه مَلَكٌ يدل على صدقه ويكون معينًا له في الإنذار، وهذا أيضًا خطأ لأن ذلك يؤدي إلى استصغار كل واحد منهما حيث لم يقم بنفسه في أداء الرسالة، ولأن الجنس إلى الجنس أَمْيَل وبه آنس.\nوقيل: ﴿مَعَهُ نَذِيرًا﴾ يرجع إلى رأيه.\n﴿أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ﴾ مال.\nقال الحسن: \"والله ما زواها عن نبيه إلا اختيارًا ولا بسطها لغيره إلا اغترارًا\" (٢)، وحسن عطف ﴿يُلْقَى﴾ و﴿تَكُونُ﴾ وهما مضارعان على ﴿أُنْزِلَ﴾ وهو ماضٍ دخول المضارع بينهما فيكون معه.\n﴿أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ﴾ بستان. ﴿يَأْكُلُ الْجُودِيِّ﴾ من ثمرها. وقيل: يختص بأكلها حتى يتبين في مأكله أيضًا، وهذا أيضًا خطأ حيث لا منافاة بين الفقر والرسالة، وقُرئ (نأكل) بالنون أي: يأكل هو ويؤكلنا، ويحتمل أنهم قالوا (نأكل) بالنون استهزاء (٣).\n_________\n(١) في ب: \"وهذا خطأ\"، بغير \"منهم\".\n(٢) انظر: النكت والعيون (٤/ ١٣٣).\n(٣) قرأ حمزة والكسائي وخلف (نأكل) بالنون، وقرأ الباقون بالياء (يأكل).\n\nانظر: الحجة لابن خالويه (٢٦٤)، التبصرة لمكي بن أبي طالب (٢٧٥).","vol":"1","page":1756},{"text":"﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ﴾ يعني: كفار قريش، وقيل: عبدالله بن الزبعرى (١).\n﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ﴾ ما تطيعون. ﴿إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ سُحر فجُنَّ، وقيل: مسحورٌ له سحر. وقيل: يُسْحَر بالطعام والشراب أي: يُغْذي (٢).\nوقيل: مخدوع (٣)، ويحتمل أصيب سَحَرُه بعلة، كما تقول: رأسته رجلته أي: ضربت رأسه ورجله، وحكى الماوردي مسحورًا يسحركم فيما يقوله، وهذا يقتضي ساحرًا لا مسحورًا (٤).\n﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ﴾ أي: وصفوك بغير وصفك.\n﴿فَضَلُّوا﴾ الهدي.\n﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ إلى الرشاد، وقيل: ﴿فَضَلُّوا﴾ أي: أخطأوا في التشبيه حيث ناقضوا فمرة يقولون هو بليغ فصيح يتقول القرآن من نفسه ويفتريه، ومرة يقولون مجنون، ومرة ساحر، ومرة مسحور فلا يستطيعون سبيلًا إلى حجة وبرهان على ما يقولون (٥).\n﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ﴾ إشارة إلى قولهم ﴿أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ﴾ وقيل: إلى الكنز والجنة (٦)، ووحد كقوله بين ذلك، وعن ابن عباس ﵄: خيرًا من أن تمشي في الأسواق لطلب المعاش (٧).\n﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ يعني: في الدنيا.\n_________\n(١) انظر: النكت والعيون (٤/ ١٣٤)، وانظر ترجمة عبد الله بن الزبعرى ص: ٣٩٤\n(٢) السَّحَرُ: طرف الحلقوم والرئة، ويقال: بعير سَحير أي: عظيم السَّحَر، وسمي الطعام سحرًا لأنه يَدِقُّ ويَلْطُف تأثيره.\nانظر: العين للخليل بن أحمد (٣/ ١٣٥)، غريب الحديث للخطابي (١/ ٣٩٨).\n(٣) انظر: الوجيز للواحدي (٢/ ٧٧٤).\n(٤) انظر: النكت والعيون (٤/ ١٣٤).\n(٥) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٤٥٤).\n(٦) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٣٣٥).\n(٧) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٧/ ٤٠٦).","vol":"1","page":1757},{"text":"﴿وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ من جَزْم جعله عطفًا على محل جزاء الشرط فتكون القصور في الدنيا، ومن رفع فهو وعد من الله لنبيه في الآخرة وهي قصور الجنان (١).\nوقيل: ﴿إِنْ شَاءَ﴾ بمعنى: قد شاء وهو فاعله فتكون الجنات والقصور في الجنة، والقَصْرُ: كل بيتٍ رفيع، وقيل: القَصْر: المسكن العالي ذو المجالس الرفيعة والشُرُفات المشيدة (٢).\nوفي سبب النزول عن ابن عباس ﵄ أن هذه الآية أنزلها رضوانُ لما قالوا ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ﴾ ... الآيات، وكان معه سفط من نور يتلألأ فقال: يقول لك ربك هذه مفاتيح خزائن الدنيا مع مالك عندي من غير نقصان مثل جناح بعوضة، فقال ﷺ: \"يا رضوان لا حاجة لي فيها الفقر أحب إليّ وأن أكون عبدًا شكورًا صابرًا\" فقال: رضوان أصبت أصاب الله بك (٣).\n_________\n(١) قرأ ابن كثير، وابن عامر، وابو بكر عن عاصم (ويجعلُ لك) برفع اللام، وقرأ أبو عمرو، ونافع، وحمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم (ويجعلْ) بالجزم.\nانظر: الكشف لمكي بن أبي طالب (٢/ ١٤٤)، التيسير للداني (١٦٣).\n(٢) القصر: هو المنزل، سمي بذلك لأنه تقصر فيه الحُرَم، أي: تحبس، وجمعه قصور، والمقصورة: الدر الواسعة المحصنة.\nانظر: لسان العرب (١١/ ١٨٦)، مادة: قصر.\n(٣) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٧/ ١٢٤)، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٣/ ٧).","vol":"1","page":1758},{"text":"﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ﴾ أي: منعهم عن الإيمان بك تكذيبهم بالقيامة لا فقرك ومشيك في السوق، ثم قال ﴿وَأَعْتَدْنَا﴾ هيئنا، والعتيد: الشيء الحاضر، وقيل: أصله أعددنا قلب الدال تاء، وهذا بعيد لإطراد كل واحد منهما في المصدر وغيره (١).\n﴿لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ﴾ البعث والنشور والثواب والعقاب.\n﴿سَعِيرًا﴾ نارًا موقدة، فعيل بمعنى مفعول، تقول: سَعَرْتُ النار وأسْعَرْتُها فتسعرت واستعرت، وقيل: ﴿سَعِيرًا﴾ اسم لجهنم وانصرافه يدفع هذا القول.\n﴿إِذَا رَأَتْهُمْ﴾ يعني: النار أو جهنم، ووصف النار بالرؤية كما وصفها بالكلام في قوله ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠]، وكما وصف السموات والأرض بالكلام حيث قال ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١]، وقال بعضهم: النار اسم لحيوان ناري يتكلم ويرى ويسمع ويغيظ ويزفر، وقال بعضهم: هذه عبارة عن المقابلة والمحاذاة كما تقول: داري ترى دارك، وداري تنظر إلى دارك.\nوقيل: هذا مقلوب، أي: إذا رأوها، وقيل: المضاف محذوف، وتقديره: إذا رأتهم خُزّان جهنم وزبانيتها (٢).\nوقيل: هذا على المبالغة أي: كأنها تراهم رؤية الغضبان يزفر غيظًا (٣).\nوقيل: إذا ظهرت لهم ﴿مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ قيل: مسيرة خمسمائة عام، (٤) وقيل: مسيرة عام (٥).\n_________\n(١) العتيد: الشيء المعد، وعَتَدَ الشيء يَعْتُد عتادًا فهو عتيد أي: حاضر، والعتيدة هي التي يكون فيها الطيب والأدهان، وأعتدناه أعددناه.\nانظر: العين للخليل بن أحمد (٢/ ٢٩).\n(٢) انظر: معالم التنزيل (٦/ ٧٥).\n(٣) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٨١٠).\n(٤) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٤٥٥).\n(٥) قاله الكلبي، والسدي، ومقاتل.\n\nانظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٣٣٥).","vol":"1","page":1759},{"text":"﴿سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ أي: صوت تغيّظ، وهو الهمهمة فإن التغيظ لا يسمع.\nوقيل: سمعوا لها زفيرًا ورأوا لها تغيظًا، كقوله: ياليت زوجك قد غدا متقلدًا سيفًا رمحًا (١).\nوقيل: سمعوا غليان الغيظ، وقيل: سمعوا صوت لهبها واشتعالها (٢)، وجاء في الحديث \"إن جهنم لتزفر زفرة لا يبقى ملك ولا نبي إلا خر تَرعد فرائضه حتى إن إبراهيم ﵇ ليجثوا على ركبته ويقول: يارب لا أسألك اليوم إلا نفسي\" (٣)، والغيظ: حالة للنفس عند شدة الغضب، تقول: غاظه واغتظه وغيظه، فتغيظ، والزفير: صوت يُسمع من جوف المتغيظ كصوت الحمار إذا هم بالنهيق.\n﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا﴾ من النار. ﴿مَكَانًا ضَيِّقًا﴾ في مكان ضِيق كضيف الزُج في الرمح.\n﴿مُقَرَّنِينَ﴾ مشدودين بالسلاسل والأغلال مع الشياطين في النار.\nوقيل: قرنت أيديهم وأعناقهم بالأغلال وأرجلهم بالسَّلاسِل (٤)، والقَرْن: جمع شيء إلى شيء في قرن وهو الحبل.\n﴿دَعَوْا هُنَالِكَ﴾ أي: حينذ، وقيل: في ذلك المكان (٥).\n_________\n(١) قاله قطرب.\nانظر: الكشف والبيان للثعلبي (٧/ ١٢٥).\n(٢) انظر: معاني القرآن للنحاس (٥/ ١١).\n(٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٢/ ٦٧)، وابن جرير في جامع البيان (١٧/ ٤٠٩) عن عبيد بن عمير موقوفًا.\n(٤) عزاه في النكت والعيون (٤/ ١٣٤) لأبي صالح.\n(٥) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٤٥٥).","vol":"1","page":1760},{"text":"﴿ثُبُورًا﴾ أي: يقولون ثَبِرْنا ثُبُورًا، وقيل: هو دعاؤهم بالندم ياثبوراه ياويلتاه (١)، والثَّبْرُ: الإهلاك، والثبور: الهلاك كأنهم قالوا ياهلاكاه (٢).\nوقيل: يا انصرافاه عن طاعة الله، تقول: ما ثبرك عن هذا الأمر أي: ما صرفك، حكاه علي ابن عيسى (٣).\n﴿لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ أي: تجيبهم الملائكة لا تقولوا ذلك مرة واحدة بل مرارًا كثيرة لا يأتي عليها الإحصاء ولا ينتهي خلودكم فيها.\n﴿قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ في ذلك قولان:\nأحدهما: أنه إشارة إلى قوله ﴿أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ﴾ ﴿أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يأكل منها﴾ كما قلنا في قوله ﴿جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ﴾.\nوالثاني: إشارة إلى ما فيه الكفار من الشدائد التي تقدمت، وإنما قال ذلك خيرًا ولا خير فيما تقدم للكفار توبيخًا، ومثله ﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤] وسيأتي ذكره إن شاء الله (٤)، وهذا كما تقول لمن ترك فسادًا وأقبل على صلاح: أليس هذا خيرًا مما أنت فيه! ولا تقول مبتدأً: الفساد خير أم الصلاح.\nوقوله ﴿وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ أي: دخولها. وقيل: وعدها المتقون فحذف الضمير وهو المفعول الثاني ﴿كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً﴾ ثوابًا. ﴿وَمَصِيرًا﴾ مرجعًا.\n_________\n(١) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٣٣٦).\n(٢) الثُبور: الهلاك، يقال: ثَبَرَه الله بمعنى: أهلكه، وثبره الله يثبره ثبرًا وثبورًا، والمَثْبَر: مسقط الولد بالأرض إذا وُلِد للناقة، وثبر البحر إذا جزر بعدما مد.\nانظر: غريب الحديث للخطابي (٢/ ٣٦٥)، الفائق للزمخشري (١/ ١٦٢).\n(٣) انظر: النكت والعيون (٤/ ١٣٥).\n(٤) \"إن شاء الله\" سقط من ب.","vol":"1","page":1761},{"text":"﴿لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ﴾ من النعيم.\n﴿خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا﴾ سأله المؤمنون في الدنيا بقولهم ﴿رَبَّنَا وَآَتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾ [آل عمران: ١٩٤].\nوقيل: سأل لهم الملائكة بقولهم ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ [غافر: ٨].\nوقيل: ﴿مَسْئُولًا﴾ مطلوبًا (١).\nوقيل: ﴿مَسْئُولًا﴾ واجبًا، لأن الكريم إذا سُئل يرى الإجابة واجبة (٢).\nابن عباس ﵄: وعدهم بالجزاء فسألوه الوفاء، وكل واجب مسؤول وإن لم يُسئل (٣).\nابن عيسى: متى سألوا شيئًا فهو لهم بوعد الله إياهم لقوله لهم ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ [الزخرف: ٧١] وأما المعاصي فتُصرف عن شهواتهم (٤).\n﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ هو حشر البعث عند الجمهور، وقال مجاهد: \"هو حشر الموت\" (٥).\n﴿وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: الأصنام، وقيل: عزيرًا والمسيح والملائكة (٦).\n﴿فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ﴾ يعني: من عبدوهم.\n﴿أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾ أخطأوا الطريق، وهذا استفهام توبيخ للعابدين كقوله لعيسى ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ﴾ [المائدة: ١١٦].\n﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ﴾ تنزيهًا لك عن أن يُعبد معك غيرك، وفيه قولان:\n_________\n(١) انظر: معالم التنزيل (٦/ ٧٦).\n(٢) حكاه الفراء في معاني القرآن (٢/ ٢٦٣).\n(٣) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٤١٤).\n(٤) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٨١١).\n(٥) انظر: النكت والعيون (٤/ ١٣٦).\n(٦) قاله مجاهد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٤١٥).","vol":"1","page":1762},{"text":"أحدهما: أن هذا كلام الأصنام يُنطقهم الله كما ينطق الأعضاء فيقولون ﴿مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ أي: ما كان لنا كلام فكيف أمرناهم بطاعتنا.\nوالثاني: أنه كلام عزير والمسيح والملائكة.\n﴿مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا﴾ ما كان يجب لنا إذ عبدنا هؤلاء نتولاهم على ذلك.\nوقيل: ﴿مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا﴾ أن نتولى غيرك ليعبدنا.\nوقيل: ما كان لنا أن نتولى المشركين ولو عبدونا (١).\nوقيل: ما كان لنا أن نتخذ من يعبدنا من دونك، أي: يَدَعَ (٢) عبادتك إلى عبادتنا (٣).\nوقيل: هذا كلام العابدين والمعبودين ماكان ينبغي لنا أن نعبد غيرك فكيف ندعوا إلى عبادتنا (٤).\nأبو عبيدة: ﴿مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا﴾ أي: ما يكون لنا (٥).\nوقيل: ما كان يُصلح، وقرأ أبو جعفر في جماعة (أن نُتَّخَذَ) بضم النون (٦) وهذه القراءة رائقة في الظاهر وهو عند أكثر النحاة خطأ لأن من تدخل المفعول الأول نحو: ما أعطيت من أحد درهمًا، ولا يجوز: ما أعطيت أحدًا من درهم، وإذا أقيم الضمير في (نتخذ) مقام المفعول الأول ورفعته صار من داخلًا على المفعول الثاني وهذا غير جائز، وأجازه الفراء على القلب (٧).\n﴿وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآَبَاءَهُمْ﴾ بالأولاد والأموال وطول العُمر والسلامة من العذاب.\n_________\n(١) انظر: تفسير مقاتل (٢/ ٤٣٣).\n(٢) في ب: \"أي: ندع\".\n(٣) انظر: النكت والعيون (٤/ ١٣٦).\n(٤) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٤٥٦).\n(٥) انظر: مجاز القرآن لأبي عبيدة (٢٧٠).\n(٦) وهي قراءة شاذة مروية عن زيد بن ثابت، وأبي الدرداء، وأبي جعفر، والحسن.\nانظر: المحتسب لابن جني (٢/ ١٦٢).\n(٧) انظر: معاني القرآن للفراء (٢/ ٢٦٤).","vol":"1","page":1763},{"text":"﴿حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ﴾ تركوا التذكر، وقيل: تركوا كتاب الله وتركوا التدبر فيه، وتركوا ما دعاهم إليه الرسول (١).\nوقيل: بطرتهم نعمتك فنسوا بها ذكرك، والتمتع: دوام اللذة بالشيء (٢).\n﴿وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا﴾ هالكين، وقيل: فاسدين (٣)، من قولهم: أمر باير فاسد، وبارت البضاعة: كسدت، ومنه قوله ﷺ: \"نعوذ بالله من بوار الأيِّم \" (٤).\nوقيل: لا خير فيهم (٥)، من قولهم: أرض بور، وهي المتعطلة التي لا نبات فيها ولا خير، وهو مصدر لا يثنى ولا يجمع.\nوقيل: بور جمع باير كحايل وحول (٦).\n﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ﴾ الجمهور على أنه خطاب للعابدين، والمعنى: كذبوكم فيما تدعون من قولكم ﴿رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا﴾ [الأعراف: ٣٨] بقولهم ﴿مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ (٧).\nوقيل: ﴿كَذَّبُوكُمْ﴾ نسبوكم إلى الكذب بسبب ما تقولون أنهم دعوكم إلى عبادتهم.\n_________\n(١) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٣٣٧).\n(٢) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٤٥٦).\n(٣) قاله شهر بن حوشب وقتادة.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ١٣٧).\n(٤) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١١/ ٣٢٣)، وفي الأوسط (٢/ ٣٣٣) عن ابن عباس ﵄، وقال عنه الهيثمي في مجمع الزوائد: \"فيه عباد بن زكريا الصريمي لم أعرفه وبقية رجاله رجال الصحيح\"، واختار ابن عبد البر في التمهيد (١٩/ ٨٣) رفعه.\n(٥) قاله الحسن وابن زيد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٤١٧).\n(٦) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٨١٢).\n(٧) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٤١٩).","vol":"1","page":1764},{"text":"وذهب بعضهم إلى أن هذا خطاب للنبي ﷺ والمؤمنين إلى الكفار كذبوكم بما تقولون من التوحيد ونبوة محمد ﷺ وسائر الأنبياء ﵈ (١).\n﴿فَمَا تَسْتَطِيعُونَ﴾ أي: المعبودون. ﴿صَرْفًا﴾ دفعًا للعذاب عنكم.\n﴿وَلَا نَصْرًا﴾ ينصرونكم، من قرأ بالتاء (٢) فهو خطاب للعابدين أي: فلا يستطيعون أنتم انصرافًا إلى غير ما ادعوا ولا نصرًا من آلهتكم حين كذبوكم.\nوقيل: صرفًا حيلة (٣).\nوقيل: دية (٤)، وعلى القول الثاني فما يستطيع هؤلاء الكفار لك يا محمد صرفًا عن الحق الذي أنت عليه ولا نصرًا لأنفسهم من البلاء الذي استوجبوه بتكذيبهم إياك.\n﴿وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ﴾ بالكفر، وقيل: أيّ ظلم كان (٥)، والخطاب عام.\n﴿نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا﴾ وهو الخلود في النار.\n﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ أي: وما أرسلنا أحدًا.\n﴿إِلَّا إِنَّهُمْ﴾ فيها أقوال:\nأحدها: إلا هم، و(إن) زيادة، وقيل: إلا قيل أنهم، وقيل: إلا من أنهم، وهذا غير جائز عند البصريين لأنه لا يجوز حذف الموصول وإقامة الصلة مقامه، ويحتمل: إلا رسلًا إنهم ليأكلون الطعام، فحذف الموصوف وأقيم الصفة مقامه (٦).\n_________\n(١) قاله ابن زيد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٤٢٠).\n(٢) قرأ حفص عن عاصم بالتاء (فما تستطيعون)، وقرأ الباقون بالياء.\nانظر: التبصرة لمكي بن أبي طالب (٢٧٥)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣٣٤).\n(٣) حكاه ابن قتيبة في تفسير غريب القرآن (٣١١).\n(٤) انظر: المصدر السابق (٣١١).\n(٥) وصرفه إلى الكفر أولى لأن الله رتب عليه عذابًا كبيرًا.\n(٦) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ٤٩)، إعراب القرآن للنحاس (٣/ ١٥٥).","vol":"1","page":1765},{"text":"﴿ليأكلون الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ أي: لِطَلَبِ المعاش هذا تسلية للنبي ﷺ على قولهم ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: ٧] أي: كل الرسل هذه حالتهم.\n﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ كل الناس مبتلى بعضهم ببعض الفقير بالغني، والمريض بالصحيح، والفتنة: البلية، والفتنة الاختبار.\nابن عيسى: الفتنة: شدة في التعبد يظهر بها ما في العبد من خير أو شر (١).\nوقيل: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ﴾ أي: الأنبياء لبعض الأمم ﴿فِتْنَةً﴾ محنة (٢).\n﴿أَتَصْبِرُونَ﴾ قيل: تقديره: أتصبرون أم لا تصبرون (٣).\nوقيل: استفهام بمعنى الأمر، أي: اصبروا (٤).\nوقيل: أتصبرون على هذا فيكون لكم الجنة (٥).\n﴿وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ عالمًا بما يكون منكم، وقيل: نزلت في أصحاب رسول الله\nﷺ حين قالت قريش: انظروا إلى أصحاب رسول الله هم موالينا وعبيدنا (٦).\n﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾ لا يطمعون في الثواب على الأعمال، والرَّجَاء: ترقب الخير، ورجا، ورَجِيَ، وارتجى بمعنى، ورجَيْتُ غيري في كذا.\nوقيل: ﴿لَا يَرْجُونَ﴾ لا يخافون لقاء الله لأنهم لا يؤمنون بالبعث، يعني: أهل مكة (٧).\n﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ﴾ فيخبرونا بصدق ما يقوله محمد.\n_________\n(١) انظر: النكت والعيون (٤/ ١٣٨).\n(٢) انظر: المصدر السابق (٤/ ١٣٨).\n(٣) حكاه الفراء في معاني القرآن (٢/ ٢٦٥).\n(٤) انظر: معاني القرىن للزجاج (٤/ ٤٩)، الوسيط للواحدي (٣/ ٣٣٧).\n(٥) حكاه الزجاج في معاني القرآن (٤/ ٤٩).\n(٦) انظر: تفسير مقاتل (٢/ ٤٣٣).\n(٧) حكاه الفراء في معاني القرآن (٢/ ٢٦٥).","vol":"1","page":1766},{"text":"﴿أَوْ نَرَى رَبَّنَا﴾ أو يظهر لنا ربنا فيقول إنه رسولي فاتبعوه.\nوقيل: سألوا الملائكة رسلًا بدلًا من محمد (١).\n﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ تعظموا عن الإيمان حيث أرادوا لأنفسهم الرسل من الملائكة ورؤية الرب.\nوقيل: معناه: اجترؤوا على الله اجتراءً كثيرًا في طلب الرؤية (٢).\n﴿وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ أفرطوا في الفساد، وقيل: العتو الخروج إلى أفحش الظلم، وفيه لغتان: العتو والعتي (٣).\n﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ﴾ وهو يوم الموت، وقيل: يوم البعث (٤)، أي: لا يرونهم بشيء يسرهم بل ينعون إليهم أنفسهم ويخبرونهم بعذاب أليم، ﴿يَوْمَ﴾ منصوب بفعل مقدر أي: اذكر، أوبفعل مضمر دل عليه ﴿لَا بُشْرَى﴾ وهو يحزنون ولا ينتصب بـ ﴿يَرَوْنَ﴾ لأن المضاف إليه لا يعمل في المضاف ولا يعمل فيه ﴿بُشْرَى﴾ لأن ما بُني مع لا لا يعمل فيما قبله ولأن المصدر لا يعمل فيما قبله.\n﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ ويقول الملائكة لهم: جُعل البشرى عليكم حرامًا محرمًا، والمحجور تأكيد.\nوقيل: كان في أول الدهر إذا أراد الرجل حرمان غيره شيئًا يسأله أو يطمع فيه يقول ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ فيعلم السائل أنه لا يريد أن يعطيه (٥).\n_________\n(١) انظر: معالم التنزيل (٦/ ٧٨).\n(٢) انظر: النكت والعيون (٤/ ١٤٠).\n(٣) انظر: العين للخليل بن أحمد (٢/ ٢٢٦)، المفردات للراغب (٥٤٦).\n(٤) قاله مجاهد.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ١٤٠).\n(٥) قاله ابن جريج.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٤٢٩).","vol":"1","page":1767},{"text":"وذهب جماعة من القراء إلى أن الوقف يحسن على قوله ﴿حِجْرًا﴾، ثم قال الله ... ﴿مَحْجُورًا﴾ عليهم أن يعاذوا أو أن يجازوا (١)، (٢).\nوقيل: هذا من قول الكفار إذا سمعوا ﴿لَا بُشْرَى﴾ قالوا ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ (٣)، وأصله الضيق عند بعضهم ومنه الحجرة لضيقها، وكل حرام ضيق، وقيل: أصله المنع، وكل حرام ممنوع، والحِجْر: العقل يمنع صاحبه من الجهل (٤).\n﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ﴾ عمدنا وقصدنا، وأصل قَدِمَ: رجع من سفره، وقدم إلى هذا الأمر عَجِلَ إليه عجلة الوُرَّاد من السَّفر، وقال النحاة: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا﴾ كقولهم: قام يشتمني، وليس ثم قيام وإنما المعنى: قصد (٥).\nوقيل: هو قدوم الملائكة. وقيل: قدم أمرنا.\nوقيل: هو كقوله ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ﴾ [النحل: ٢٦] (٦).\nوقوله ﴿إِلَى مَا عَمِلُوا﴾ يعني: الكفار. ﴿مِنْ عَمَلٍ﴾ أي: خيرًا تقربوا به إلى الله.\n﴿فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً﴾ أي: أحبطناه لكفرهم، وفي الهباء أقوال:\nعلي ﵁: أنه رهج الغبار (٧).\n_________\n(١) في ب \"أن يعاذوا أو أن يجازوا\" بالمعجمة.\n(٢) وهو مروي عن الحسن.\nانظر: القطع والائتناف للنحاس (٣٦٧)، المكتفى في الوقف والابتدا للداني (١٦٥).\n(٣) قاله قتادة.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ١٤١).\n(٤) ومنه حَجْرُ القاضي على السفيه.\nانظر: معاني القرآن للنحاس (٥/ ١٧).\n(٥) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ٥٠).\n(٦) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٨١٣)، ولا يجوز تأويل القدوم أو المجيئ بالأمر أو أمر الملائكة.\n(٧) انظر: النكت والعيون (٤/ ١٤١)، والرَّهَج: الغبار.\nانظر: العين للخليل بن أحمد (٣/ ٣٨٩).","vol":"1","page":1768},{"text":"ابن عباس ﵁: الماء المهراق (١).\nقتادة: ما ذرته الريح من يابس الورق (٢).\nوقيل: الرماد (٣).\nوقيل: هو ما يُرى في شعاع الشمس إذا طلعت في الكوة (٤)، والفعل منه هبا التراب يهبوا، وأهبيته إهباءً. ﴿مَنْثُورًا﴾ المنثور: المنبث (٥).\n﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ المستقر: المصدر والمكان، والمَقِيل: القيلولة ومكان القيلولة أيضًا، والآية تحتملهما، والمقيل: المَنْزِل أيضًا، والعرب تقول: قِلنا بمكان كذا أي: نزلنا، وجاء في التفاسير يقع الفراغ من الحساب قبل نصف النهار فيقيل أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار وهو الاستكنان نصف النهار، ولا نوم في الجنة ولا في النار ولكن خوطبوا بما هم يعرفونه، وإنما قال ﴿خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ ولا خير ولا حُسْنَ في مقيل الكفار ومنزلهم لأن الجنة والنار قد دخلا في باب المنازل في صنف واحد.\nوقيل: معناه: أنهم في غاية الخير، وجاء بلفظ أفعل للمبالغة فحسب وليس المراد به المشاركة كما جاء الله أكبر، ولهذا أمثال.\nوقيل: خير مستقرًا وأحسن مقيلًا من مستقرهم ومقيلهم في الدنيا (٦).\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٧/ ٤٣٣) عن ابن عباس ﵄.\n(٢) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٤٣٣).\n(٣) حكاه في النكت والعيون (٤/ ١٤١) عن عبيد بن يعلى.\n(٤) وهو قول عكرمة، والحسن، ومجاهد، واختاره ابن جرير في جامع البيان (١٧/ ٤٣١).\n(٥) قال ابن قتيبة في تفسير غريب القرآن (٣١٢) \"الهباء المنثور: ما رأيته في الكوة مثل الغبار من الشمس، واحدها هباءة، والهباء المنبث: ما سطع من سنابك الخيل، وهو من الهبوة، والهبوة الغبار\".\n(٦) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٤٣٣).","vol":"1","page":1769},{"text":"وقيل: من مستقر الكفار ومنازلهم في الدنيا، ويحتمل خير مستقرًا وأحسن مقيلًا ممن في مستقره ومقيله خير (١).\nوقيل: كلاهما خير وحَسَن لأن حكمة الله اقتضت ذلك، فعلى هذا يكون للتفضيل، وقيل: (أحسن) بمعنى أنفع (٢).\nوقيل: المستقر في الجنة، والمقيل دونها (٣).\n﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ﴾ أي: تتشقق، فحذف التاء عند بعضهم تخفيفًا وأدغم عند بعضهم (٤)، والسماء تنشقق يوم القيامة (٥) لقوله ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١] وهي تتشقق سماءً سماءً.\nقوله ﴿بِالْغَمَامِ﴾ قيل: هو الغمام الذي نراه في السماء (٦) يعني: السحاب، فيكون الباء للحال أي: متغيمة (٧).\nوقيل: مع الغمام، وقيل: على الغمام، وقال بعضهم: الغمام هاهنا هو الذي ذُكر في سورة البقرة ﴿يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ [البقرة: ٢١٠] فهذا فوق السماء السابعة فيكون الباء بمعنى عن أي: تتشقق السماء عن الغمام لنزول الرب سبحانه والملائكة (٨)، وعن ابن عمر ﵄: يهبط الله حين يهبط وبينه وبين خلقه سبعون ألف حجاب منها النور، والظلمة، والماء، فيصوت الله في تلك الظلمة صوتًا تنخلع له القلوب (٩).\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن للفراء (٢/ ٢٦٧).\n(٢) لم أقف عليه، والله أعلم.\n(٣) حكاه في النكت والعيون (٤/ ١٤١) عن ابن سنان.\n(٤) قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر (ويو تشَّقَّق) بالتشديد، وقرأ الباقون بالتخفيف.\nانظر: الحجة لأبي علي الفارسي (٥/ ٣٤٠).\n(٥) في أ: \"والسماء تشقق في القيامة\"، بغير \"يوم\".\n(٦) في ب: \"في الهواء\".\n(٧) انظر: النكت والعيون (٤/ ١٤٢).\n(٨) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٤٣٨).\n(٩) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٧/ ٤٣٧).","vol":"1","page":1770},{"text":"ابن جريج: الغمام الذي يأتي الله فيه غمام زعموا في الجنة (١).\nالحسن: الغمام سترة بين السماء والأرض تعرج الملائكة في ذلك الغمام بنسخ أعمال بني آدم ليحاسبوا في الأرض، والله أعلم وهو المسائل لهم لا يسألهم غيره (٢).\nوقيل: هو غمام أبيض مثل غمام بني إسرائيل (٣).\n﴿وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ إذا انشقت السماء نزل منها الملائكة أكثر من الجن والإنس وهو يوم التلاق يلتقي أهل السماء وأهل الأرض، لأنها إذا انشقت فنيت ولابد للملائكة من مكان يتمكنون عليه ويقيمون فيه ولهذا ينزلهم الله إلى مكان سواها.\nوقرأ ابن كثير (٤) (وننزل) بنونين (الملائكة) نصب، وقرأ غيره ﴿وَنُزِّلَ﴾ لقوله ﴿تَنْزِيلًا﴾\nوفي المصحف بنون واحدة (٥).\n﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ يعني الثابت الخالص، وقيل: معنى ﴿الْحَقُّ﴾ المستحق لا ملك في ذلك اليوم غيره.\n﴿وَكَانَ يَوْمًا﴾ أي: كان ذلك اليوم يومًا.\n﴿عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ شديدًا، تقول: عَسُرَ عليه بالضم فهو عسير، وعَسِرَ بالكسر فهو عَسِر.\n_________\n(١) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٤٣٧).\n(٢) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٨١٤).\n(٣) قاله مجاهد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٤٣٧).\n(٤) عبد الله بن كثير بن المطلب الإمام أبو معبد مولى عمرو بن علقمة الكناني الداري، إمام المكيين في القراءة، أصله ... فارسي، تصدر للإقراء في مكة، قرأ عليه أبو عمرو بن العلاء، وهو ثقة توفي سنة عشرين ومائة.\nانظر: تهذيب الكمال للمزي (١٥/ ٤٦٨)، معرفة القراء الكبار للذهبي (١/ ٦٦).\n(٥) انظر: الحجة لأبي علي (٥/ ٣٤٢).","vol":"1","page":1771},{"text":"﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ في سبب النزول أنها نزلت في عقبة بن أبي معيط (١) وأبيّ بن خلف وكانا متحابين وكان عقبة لا يقدم من سفر إلا صنع طعامًا ودعا إليه أشراف قومه، وكان يُكْثِر مجالسة النبي ﷺ، فقدم من سفره ذات يوم فصنع طعامًا ودعا الناس ودعا رسول الله ﷺ إلى طعامه، فلما قربوا الطعام قال ﵊: \"ما أنا بآكل طعامك حتى تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فقال عقبة: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله فأكل رسول الله ﷺ من طعامه وكان أبيّ غائبًا، فلما أُخبر بقصته قال: صبأت يا عقبة. قال: لا، ولكن دخل علي رجل فأبى أن يأكل من طعامي إلا أن أشهد له واستحييت أن يخرج من بيتي ولم يأكل فشهدت له فطعم، فقال أبي: ما أنا بالذي أرضى منك أبدًا إلا أن تأتيه فتبزق في وجهه وتطأ عنقه ففعل عقبة ذلك، وأخذ رحم دابة فألقاها بين كتفيه، فقال ﷺ: \"لا ألقاك خارجًا من مكة إلا علوت رأسك بالسيف\"، فقُتل عقبة يوم بدر صبرًا، وأما أبيّ فقتله النبي ﷺ يوم أحد في المبارزة، فأنزل الله فيهما هذه الآية (٢).\n_________\n(١) عقبة بن أبي معيط القرشي، كان من أشد الناس عداوة لرسول الله ﷺ، وكان يتعمد أذاه، فكان يضع سلا الجزور عليه وهو ساجد، ومرة يطأ عنقه وهو ساجد، وحاول خنقه ﵊ حتى جذبه منه أبو بكر ﵁، وقد توعده رسول الله ﷺ بالقتل، فأسر يوم بدر فأمر بقتله.\nانظر: البداية والنهاية (٥/ ١٨٨).\n(٢) انظر: أسباب النزول للواحدي (٣٨٥)، جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٤٤١).","vol":"1","page":1772},{"text":"قال الضحاك: لما بزق عقبة في وجه النبي ﷺ عاد بزاقه في وجهه وانشعب شعبتين فأحرق خديه وكان أثر ذلك في وجهه حتى مات (١).\nوروى الشعبي (٢) أمية بن خلف (٣) مكان أبي بن خلف فالظالم عقبة وفلان أبي بن خلف، والمعنى: يعض يديه، وقيل: على أنامله يوم القيامة ندمًا على ما كان منه (٤).\n﴿يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ محمد ﷺ.\n﴿سَبِيلًا﴾ طريقًا إلى النجاة، وقيل: إلى طاعة الله ورسوله (٥).\nوقيل: ﴿سَبِيلًا﴾ وسيلةً عند الرسول فيكون وُصْلَةً إليه (٦)، والمعنى: ليتني أجبته إلى ما دعاني إليه.\n﴿يَا وَيْلَتَى﴾ يا حسرتا ويا أسفا.\n﴿لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾ يتمنى أن لا يكون بينه وبين أبيّ خُلَّة.\n﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي﴾ ردني وأبعدني.\n﴿عَنِ الذِّكْرِ﴾ عن الإيمان، وقيل: عن النبي ﷺ. وقيل: عن القرآن (٧).\n﴿بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾ وقال بعض المفسرين: الظالم عام، وفلان كناية عن الشيطان لقوله بعده ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾ (٨).\n_________\n(١) انظر: معالم التنزيل للبغوي (٦/ ٨١).\n(٢) الشعبي، تنظر ترجمته ص: ٥٦٩\n(٣) أمية بن خلف تنظر ترجمته ص: ٨٧\n(٤) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٤٤٠).\n(٥) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٤٥٩).\n(٦) انظر: تفسير غريب القرآن لابن قتيبة (٣١٣).\n(٧) انظر: معاني القرآن للفراء (٢/ ٢٦٧).\n(٨) قاله مجاهد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٤٤٢).","vol":"1","page":1773},{"text":"وقيل: الظالم عام وفلان كناية عن كل من أضل غيره عن الإسلام، وذهبت الرافضة إلى أن هذا تغيير من الكاتب ولم يكن في القرآن الظالم وفلان بالكناية بل كانا اسمين صريحين من الصحابة يعنون الصديق والفاروق ﵄ ولعن مبغضيهما وخذلهم (١)، وإنما كنى عن عقبة وأبيّ فيمن ذهب إلى ذلك والله لا يستحيي من الحق ليصير اللفظ عامًا لكل ظالم اتخذ خليلًا مضلًا، و﴿خَذُولًا﴾ مبالغة من الخذلان أي: من عادته ترك من يواليه.\n﴿وَقَالَ الرَّسُولُ﴾ محمد ﷺ يومئذ وقيل: في الدنيا (٢).\n﴿يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآَنَ مَهْجُورًا﴾ هجروه وأعرضوا عنه، وقيل: من الهُجْر أي: قالوا فيه القبيح (٣).\nوقيل: نسبوه إلى الهُجْر وأن محمد يهذي (٤)، وروي عن النبي ﷺ \"من تعلم القرآن وعلق مصحفه لم يتعاهده ولم ينظر فيه جاء يوم القيامة متعلقًا به يقول: يارب عبدك هذا اتخذني مهجورًا اقض بيني وبينه\" (٥).\n﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ أي: اصبر على عداوتهم إياك وأنذرهم وتأس بمن كان قبلك من الأنبياء فقد جعلنا لكل نبي عدوًا فصبروا.\n_________\n(١) ذكره ابن قتيبة في تأويل مشكل القرآن (٢٦٠، ٢٦١)، وهذا قول باطل ظاهر البطلان.\n(٢) انظر: معالم التنزيل (٦/ ٨٢).\n(٣) قاله مجاهد.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ١٤٣).\n(٤) في ب \"يهدي\" بالدال، وتصحيف.\nوانظر: تفسير غريب القرآن لابن قتيبة (٣١٣)، قال: \"الهُجْر: الذيان، ومنه فلان يهجر في منامه أي: يَهْذِي\".\nوفي الصحاح للجوهري (٢/ ٧٢٥) \"الهُجْرُ: الهذيان، وقد هجر المريض يهجر هجرًا فهو هاجر، والكلام مهجور، والهُجْر بالضم الإفحاش في المنطق والخنا\".\n(٥) أخرجه الثعلبي في الكشف والبيان (٧/ ١٣٢).","vol":"1","page":1774},{"text":"﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ فهو يكفيك معرة من يعاديك، ويهديك إلى الرشاد وينصرك على أعدائك نصرًا عزيزًا (١)، وقيل (٢): ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا﴾ للمؤمنين إلى الدين، وكفى به ناصرًا على أعدائهم (٣).\nوقيل: ليس فوق كفاية الله وهدايته ونصرته كفاية ولا نصرة ولا هداية (٤).\nابن عيسى: أي: كما جعلنا النبي يعادي المجرم مدحًا له وتعظيمًا جعلنا المجرم يعادي النبي ذمًا له وتحقيرًا (٥)، والباء في ﴿بِرَبِّكَ﴾ داخل على الفاعل، و﴿هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ حال، وقيل: تمييز (٦).\nقيل: نزلت في أبي جهل، وقيل: أعدى قريش لرسول الله ﷺ بنو أمية وبنو المغيرة فعزى الله نبيه بذلك (٧).\n﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا﴾ هلا.\n﴿نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ دفعة واحدة كالتوراة والزبور والإنجيل.\nابن عباس ﵄: قاله كفار قريش. وقيل: قالته اليهود (٨).\n﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ أي: أنزلناه متفرقًا لنثبته في قلبك، وكان النبي ﷺ أُمِّيًا ولو أتاه مرة واحدة لشق عليه حفظه وجاز عليه السهو والنسيان فَفُرِّق ليكون أوعى له وأعلق بحفظه، وكان موسى يكتب فيقرأ.\n_________\n(١) \"نصرًا عزيزًا\" سقط من ب.\n(٢) \"وقيل\"، سقط من أ.\n(٣) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٤٥٩).\n(٤) لم أقف عليه، والله أعلم.\n(٥) لم أقف عليه، والله أعلم.\n(٦) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ٥٢).\n(٧) انظر: معاني القرآن للنحاس (٥/ ٢٤).\n(٨) انظر: النكت والعيون (٤/ ١٤٤).","vol":"1","page":1775},{"text":"وقيل: لنثبت به فؤادك باتصال الوحي في كل وقت (١)، وقال جماعة من المفسرين ﴿كَذَلِكَ﴾ متصل بالكلام الأول على تقدير جملة واحدة، ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: كسائر كتب الله فأُجيبوا بقوله ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ﴾ أي: أنزلناه متفرقًا لنثبت به، ويحتمل ﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ لنثبت به، وقيل: اللام لام القسم، والتقدير: والله لنثبتن، فلما حذف النون كسر اللام وهذا مذهب أبي حاتم (٢) وقد سبق، وقيل: فُرِّقَ لأن في القرآن ناسخًا ومنسوخًا وذانك لا يجتمعان لأن أحدهما يوجب العمل بشيء والآخر يوجب ترك العمل به، ولأن في القرآن أجوبة لهم والجواب لا يتقدم السؤال.\nومعنى ﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ جعلنا بين إنزاله فُرَجًا شيئًا بعد شيء زمانًا ليس بالكثير، من قولهم: ثغر مرتل أي: مفلج الأسنان.\n﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا﴾ على هذا القول لا تعجل في قراءته بل تثبت فيها، ويأتي في موضعه إن شاء الله.\nوقيل: ﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ فصلناه تفصيلًا، وقيل: بيناه تبيينًا (٣). وقيل: فسرناه تفسيرًا (٤).\n﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ أي: لا يضربون لك مثلًا إلا جئناك بما ترد به الذي جاءوا به من الأمثال وأحسن مما جاءوا به من الأمثال بيانًا وتفصيلًا، وقيل: لا يأتونك بمثلٍ مثل ما قالوا في عيسى كيف خُلق من غير أب فقال ﴿إِن مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آَدَمَ﴾ [آل عمران: ٥٩].\n_________\n(١) انظر: النكت والعيون (٤/ ١٤٤).\n(٢) أبو حاتم السجستاني، تنظر ترجمته ص: ١٩٥\n(٣) قاله قتادة.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ١٤٤).\n(٤) قاله ابن زيد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٤٤٧).","vol":"1","page":1776},{"text":"وقيل: ولا يأتونك بشبهة في إبطال أمرك إلا جئناك بالحق الذي يدحض شبهة أهل الجهل ويبطل كلام أهل الزيغ وأحسن تفسيرًا من مثلهم، وحذف من مثلهم لدلالة الحال عليه (١)، وأراد بالمَثَل ما قالوا ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآَنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ وقد ذكرنا الحكمة.\nقال: الحسن: تقدير ﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ لكيلا يأتوك بمثل إلا أجبنا عنك وجئناك بالحق وأحسن تفسيرًا (٢).\n﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ هذه متصلة بقوله ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤] وروي في حديث مرفوع أن النبي ﷺ قال: \"يحشر الناس يوم القيامة على ثلاث طبقات؛ فبعضهم يكونون رُكبانًا على الدواب، وبعضهم يمشون على أقدامهم، وبعضهم يمشون على وجوههم، فقيل له: يا رسول الله فكيف يمشون على وجوههم؟ فقال ﷺ: إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم\" (٣).\nوقيل: يُجرون ويسحبون (٤).\nوقيل: هو من قول العرب: مَرَّ فلان على وجهه، إذا لم يدر أين ذهب، فيكون كقوله\n_________\n(١) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٤٤٧).\n(٢) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٨١٥).\n(٣) أخرجه البخاري (ك: التفسير، تفسير سورة الفرقان، باب قوله (الذين يحشرون على وجوههم) ح: ٤٧٦٠)، قال ابن كثير في تفسيره (٣/ ٣٣٠) \"وهذا هو قول مجاهد، والحسن، وقتادة، وغير واحد من المفسرين\"\n(٤) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٤٦٠).","vol":"1","page":1777},{"text":"﴿كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾ [القارعة: ٤] لا يتجه لجهة واحدة (١)، وقوله ﴿شَرٌّ مَكَانًا﴾ أي: من المؤمنين في الدنيا، ويحتمل شر مكانًا ممن في مكانه شر؛ إذ ليس في مكان المؤمنين شر، ﴿وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ عن الصواب في الدنيا.\n﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ أي: كما آتينا محمدًا ﷺ القرآن آتينا موسى التوراة.\n﴿وَجَعَلْنَا مَعَهُ﴾ أي: وأرسلنا معه. ﴿أَخَاهُ هَارُونَ﴾ عطف بيان أو بدل.\n﴿وَزِيرًا﴾ فعيل بمعنى مفاعل كنديم وأكيل، وقد سبق، قال:\nوكان أخي ركني وكان مؤازري ... ففارقني ركني ومات وزيري (٢).\nأي: مؤازري ومعيني.\n﴿فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا﴾ يعني: قبطًا قوم فرعون.\n﴿فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا﴾ أي: فذهبا إلى القوم فلم يؤمنوا بهما، ﴿فَدَمَّرْنَاهُمْ﴾ فأهلكناهم أشد الإهلاك، وأصله كسر الشيء على وجهٍ لا يَقْبَلُ بعده إصلاحًا، والدمار: الاستئصال بالهلاك، والدُّمور: الدخول بالمكروه.\nابن عيسى: التدمير الإهلاك بأمر عجيب (٣).\n﴿وَقَوْمَ نُوحٍ﴾ أي: أهلكنا قوم نوح، وقيل: هو عطف على (دمرناهم)، وقيل: نصب بـ ﴿أَغْرَقْنَاهُمْ﴾ كما تقول زيدًا ضربته.\n﴿لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ﴾ يعني: نوحًا وإدريس وآدم، وقيل: جمع لأن من كذب رسولًا فقد كذب الرسل (٤).\nوقيل: الرسل: نوح، والملائكة الذين كانوا يأتونه بالوحي (٥).\n_________\n(١) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٨١٥).\n(٢) لم أقف على قائله، والله أعلم.\n(٣) لم أقف عليه، والله أعلم.\n(٤) حكاه الزجاج في معاني القرآن (٤/ ٥٣).\n(٥) انظر: معاني القرآن للنحاس (٥/ ٢٦).","vol":"1","page":1778},{"text":"وقيل: أخبرهم نوح بمجيء الرسل فأنكروا بعث الرسل أصلًا (١).\n﴿أَغْرَقْنَاهُمْ﴾ أهلكناهم بالماء. ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آَيَةً﴾ عبرة.\n﴿وَأَعْتَدْنَا﴾ هيئنا. ﴿لِلظَّالِمِينَ﴾ للكافرين. ﴿عَذَابًا أَلِيمًا﴾ هو النار.\n﴿وَعَادًا﴾ وأهلكنا عادًا وهم قوم هود. ﴿وَثَمُودَ﴾ أصحاب صالح.\n﴿وَأَصْحَابَ الرَّسِّ﴾ اختلفوا في أصحاب الرَّس، والرَّس: البئر أول ما تحفر قبل أن تُطوى، ورَسَّ المكان: حفره، وكل محفور رس، وجاء في القصص أنهم قوم شعيب أهل مدين.\nوهب بن منبة: كانوا أهل بئر قعودًا عليها وأصحاب مواش يعبدون الأصنام فبعث الله إليهم شعيبًا يدعوهم إلى الإسلام فكفرا به فبينا هم حول البئر في منازلهم انهارت البئر فانخسفت بهم فهلكوا. (٢)\nقتادة: الرَّس: بئر بفلج اليمامة قتلوا نبيهم فأهلكوا (٣).\nوقيل: هم بقية ثمود، والرَّس هي التي في قوله ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ [الحج: ٤٥] (٤).\n_________\n(١) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٤٦١).\n(٢) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٣٤١).\n(٣) انظر: النكت والعيون (٤/ ١٤٥).\n(٤) حكاه ابن جرير في جامع البيان (١٧/ ٤٥٢) عن ابن عباس ﵄.","vol":"1","page":1779},{"text":"سعيد بن جبير: كان لأهل الرس نبي يقال له: حنظلة بن صفوان، وكان بأرضهم جبل يقال له: دمخ (١)، مَصْعَدُه في السماء ميل، وكان عليه من الطير ما شاء الله ثم ظهرت طير كأعظم ما يكون من الطير فيها من كل طير لون وسَمَّوْها عَنْقَاء لطول عُنُقِها، وكانت تَنْقَضُّ على الطير تأكلها فجاعت يومًا فأعوزته الطير فانقضت على صبي فذهبت به فسميت عنقاء مغرب لأنها أغربت بما أخذته فذهبت به، ثم إنها انقضت على جارية ترعرعت فأخذتها فضمتها إلى جناحين لها صغيرين سوى الجناحين الكبيرين فطارت بها، فشكوا إلى نبيهم فقال: \" اللهم خذها واقطع نسلها\"، فأصابتها صاعقة فاحترقت ولم يُر لها أثر فضربتها العرب مثلًا في أشعارها، ثم إنهم قتلوا نبيهم فأهلكهم الله (٢).\nقال أبو عبيدة: الرَّس: المَعْدَن (٣).\nوقيل: الرَّس ما بين نجران إلى اليمن إلى حضرموت (٤).\nابن عباس ﵄: بئر بأذربيجان (٥).\nوقيل: بئر قُتل فيها صاحب يس بأنطاكية، وصاحب يس حبيب النجار (٦).\nوقيل: قوم بعث الله إليهم أنبياء فقتلوهم ورسوا عظامهم في بئر لهم، فمساهم الله أصحاب الرَّس (٧).\n_________\n(١) في ب \"دمح\" بالمهملة.\n(٢) انظر: الكشف والبيان (٧/ ١٣٤).\n(٣) انظر: مجاز القرآن (٢/ ٧٥).\n(٤) انظر: النكت والعيون (٤/ ١٤٥).\n(٥) انظر: المصدر السابق (٤/ ١٤٥).\n(٦) وهو مروي عن ابن عباس ﵄، وكعب، ومقاتل، والسدي.\nانظر: الكشف والبيان (٧/ ١٣٤)، الوسيط للواحدي (٣/ ٣٤٠).\n(٧) عزاه في النكت والعيون (٤/ ١٤٥) إلى عكرمة.","vol":"1","page":1780},{"text":"وقيل: هم قوم كذبوا نبيًا أتاهم فحبسوه في بئر ووضعوا على رأس البئر صخرة عظيمة لا يقدر على حملها إلا جماعة من الناس، وقد كان آمن به من بين الجميع عبدًا أسود، وكان العبد يأتي الجبل ويحتطب على ظهره ويبيع الحزمة ويشتري بثمنها طعامًا ثم يأتي به البئر فيلقي إليه الطعام من خروق الصخرة فكان على ذلك سنين ثم إن الله تعالى أهلك القوم وأرسل ملكًا فرفع الحجر وأخرج النبي من البئر، وقيل: بل الأسود عالج الصخرة فقواه الله لرفعها فرفعها وألقى حبلًا إليه واستخرجه من البئر، فأوحى الله إلى ذلك النبي أنه يكون رفيقه في الجنة، وعن النبي ﷺ أنه قال\": إن أول الناس دخولًا في الجنة لعبد أسود يريد هذا العبد\" (١).\nوقيل: قوم ألقوا نبيهم في البئر وأرسلوا عليه التراب فرسوه بالتراب أي: دَسُّوه (٢).\nوقيل: قوم أُرسل إليهم نبي فأكلوه (٣).\nمحمد بن مروان (٤): كان قوم نسائهم ساحقات (٥).\nوقيل: الرس ماء ونخل لبني أسد، حكاه القفال (٦).\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٧/ ٤٥٤) مطولًا عن محمد بن كعب القرضي مرفوعًا، وذكره الثعلبي في الكشف والبيان (٧/ ١٣٤)، ورجح ابن كثير في تفسيره (٣/ ٣٣١) إرساله، قال: \"وفيه غرابة ونكارة ولعل فيه إدراجًا\".\n(٢) حكاه في النكت والعيون (٤/ ١٤٥) عن عكرمة.\n(٣) حكاه في النكت والعيون (٤/ ١٤٦) عن الكلبي.\n(٤) محمد بن مروان بن عبد الله المعروف بالسدي الصغير، روى عن الأعمش ومحمد بن السائب الكلبي، وهو كذاب، ضعفه ابن معين وأبوحاتم، وقال ابن جرير \"لايحتج بحديثه\".\nانظر: الكامل في ضعفاء الرجال للجرجاني (٦/ ٢٦٣)، الضعفاء الكبير للعقيلي (٤/ ١٣٦).\n(٥) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٧/ ١٣٨).\n(٦) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٨١٦).\n\nالقفال، محمد بن علي بن إسماعيل، أبو بكر الشاشي المعروف بالقفال الكبير، أحد أعلام المذهب الشافعي، كان إمام عصره بما وراء النهر، فقيهًا، محدثًا، مفسرًا، أصوليًا، لغويًا، صنف التفسير الكبير، دلائل النبوة، محاسن الشريعة، توفي بالشاش سنة خمس وستين، وقيل: ست وستين وثلاثمائة.\nانظر: سير أعلام النبلاء (١٦/ ٢٨٣)، طبقات المفسرين للداوودي (٢/ ١٩٨) ..","vol":"1","page":1781},{"text":"وقيل: هو اسم أعجمي (١)، وقد أطنب الثعلبي في قصة أصاب الرس وهذا كاف والله أعلم بهم (٢).\n﴿وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ وأهلكنا أممًا بين هذه الأمم كثيرًا لا يعلمها إلا الله أرسل إليهم الرسل فكذبوهم فأهلكوا، والقرون: أهل كل عصر، وقيل: أهل القرون (٣)، والقرون الأزمنة والأول أولى.\n﴿وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ﴾ أي: لم نهلك أمة إلا بعد بلاغ واحتجاج وضرب أمثال بوصف الأشباه من الأمم التي كانت قبلهم فأهلكوا بتكذيب الأنبياء، ﴿وَكُلًّا﴾ منصوبًا بفعل مقدر أي: أنذرنا كلًا، وقيل: تقديره: وضربنا كلَّ الأمثال (٤).\n(له) لمحمد ﷺ.\n﴿وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا﴾ بعد أن ضربنا الأمثال وأعذرنا إليهم، والتتبير: التقطيع، ومنه التبر لدقاق الذهب (٥).\n﴿وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾ مروا بها وهي قريات قوم لوط، وسدوم اسم أعظمها جعلها الله أعاليها أسافلها وأمطرهم حجارة عند الجمهور.\nمجاهد: أمطرت كبريتًا ونارًا (٦).\nو﴿مَطَرَ السَّوْءِ﴾ البلاء، ومطر يستعمل في الخير، وأمطر في الشر.\nقال الأخفش: هما لغتان (٧)، والضمير في ﴿وَلَقَدْ أَتَوْا﴾ لأهل مكة.\n_________\n(١) في أ: \"وقيل: اسم أعجمي\".\n(٢) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٧/ ١٣٣) وما بعدها.\n(٣) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٤٦١).\n(٤) في ب: \"كلا الأمثال\"، والصواب هو المثبت.\n(٥) قال الزجاج في معاني القرآن (٤/ ٥٤) \"التتبير: التدمير والهلاك، وكل شيء كَسَّرْته وفتَتَّه فد تبَّرْته، ومن هذا قيل لمُكَسَّر الزجاج التِّبْر، وكذلك تِبْر الذهب\".\n(٦) انظر: معالم التنزيل (٦/ ١٢٧) عن وهب بن منبه.\n(٧) انظر: معاني القرآن للأخفش (٢/ ٦٤٢).","vol":"1","page":1782},{"text":"﴿أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا﴾ أما شاهدوا ذلك بأبصارهم فكيف لم يتعظوا ولم ينزجروا عن كفرهم بك.\n﴿بل كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾ أي: حملهم على الكفر والمعاصي إنكارهم البعث، ومعنى ﴿لَا يَرْجُونَ﴾ لا يأملون الثواب، وقيل: لا يخافون العقاب (١).\nوقيل: لا يظنون (٢).\n﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا﴾ أي: إذا أبصرك مشركوا قريش ما يتخذونك إلا هزوًا، وهو الذي يهزأ منه كالسُّخْرة لما يسخر منه، والضُّحْكة لما يضحك منه.\n﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ أي: هذا الذي يزعم أنه بعثه الله إلينا رسولًا، قالوه إنكارًا واستصغارًا لقدره، وقيل: نزلت في أبي جهل (٣).\n﴿إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آَلِهَتِنَا﴾ يصرفنا بسحره وطلاوة كلامه عن الآلهة و(أن) هي المخففة من المثقلة، واللام لام الفرق، والمعنى: قارب إضلالنا بصرفه إيانا عن دين معبودينا.\n﴿لَوْلَا أَن صَبَرْنَا عَلَيْهَا﴾ لتم له كيده، وجواب (لولا) محذوف دل عليه أول الكلام، وقيل: كاد من الكيد، وهو عمل في خُفية.\n﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ أجابهم الله وقال إنما يظهر المحق من المبطل عند رؤية العذاب يوم القيامة من أضل سبيلًا أنت أم هم (٤)، ووصف (٥) السبيل بالضلال مجازًا والمراد سالكوها.\n_________\n(١) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٣٤١).\n(٢) انظر: معاني القرآن للنحاس (٤/ ٥٥)، قال: \"والمعنى: بل كانوا لايرجون ثواب من عمل خيرًا بعد البعث فركب المعاصي\".\n(٣) وذلك حينما قال لأبي سفيان \"أهذا نبي بني عبد مناف\".\nانظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٤٦١).\n(٤) في ب: \"أهم أضل سبيلًا أم أنت\".\n(٥) في ب: \"وصف\" بواو واحدة.","vol":"1","page":1783},{"text":"﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ استفهام تعجيب، وذلك أن المشرك إذا رأى شيئًا أعجبه من حجر أو شجر اتخذه معبودًا فكأنه يتخذه إلهًا بهواه، نزلت في الحارث بن قيس (١) كان إذا هوى شيئًا عبده (٢).\nوقيل: اتخذ هواه آلهة فلا يهوى شيئًا إلا ركبه ولا يشهي شيئًا إلا أتاه والمعنى يتخذ ما يهواه آلهة والهوى ميل القلب إلى الشيء (٣).\n﴿أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ حفيظًا يمنعه عن ذلك، وقيل: كفيلًا بهداه مع اتباعه\nالهوى (٤).\nوقيل: نصيرًا (٥).\nوقيل: مسيطرًا (٦)، وليس هذا نهيًا عن دعائه إياهم بل إعلام أنه قد قضى ما عليه من الإنذار والإعذار.\n﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ﴾ أي: أم تتوهم أن أكثر هؤلاء يعملون عمل من يسمع، أو يعملون عمل من يعقل شيئًا فأنت بهذا مشغول القلب لإصرارهم على كفرهم فلا تهتم بشأنهم، وإنما قال ﴿أَكْثَرَهُمْ﴾ لأن فيهم من آمن.\n﴿إِنْ هُمْ﴾ ما هم. ﴿إِلَّا كَالْأَنْعَامِ﴾ في ركوبها رؤوسها غير مفكر في عاقبة.\n_________\n(١) الحارث بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم السهمي، كان أحد أشراف قريش في الجاهلية، وإليه كانت الحكومة والأموال التي كانوا يسمونها لآلهتهم، ثم أسلم وهاجر إلى الحبشة مع بنيه: الحارث، وبشر، ومَعْمَر.\nانظر: الاستيعاب (١/ ٣٦٣)، الإصابة (١/ ٥٦٧).\n(٢) انظر: الوسيط للواحدي\n(٣) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ٥٥).\n(٤) حكاه في النكت والعيون (٤/ ١٤٦) عن الكلبي.\n(٥) حكاه في النكت والعيون (٤/ ١٤٦) عن قتادة.\n(٦) حكاه في النكت والعيون (٤/ ١٤٦) عن السدي.","vol":"1","page":1784},{"text":"﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ لأنها إن لم تعتقد صحة التوحيد فلا تعتقد بطلانه، وقيل: البهائم تهتدي لمراعيها وتنقاد لأربابها وهؤلاء لا يهتدون لمنافعهم ولا يطيعون ربهم (١).\nوقيل: البهيمة تعرف ربها وتذكره، والكافر لا يعرف ربه ولا يذكره (٢)، (٣).\n﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ قيل: ألم تعلم، ومفعولاه مقدران، أي: أما علمت ربك مادًا الظل (٤)، وقيل: ألم تعلم أن الله هو مد الظل.\nوقيل: ألم تنظر إلى صنع ربك (٥).\nوقيل: ألم تر إلى الظل كيف مده الله (٦).\nوقيل: ألم تر إلى مد الله الظل (٧)، ومعنى ﴿مَدَّ الظِّلَّ﴾ بسطه، وفي ﴿الظِّلَّ﴾ هاهنا ثلاثة أقوال: أحدها: أنه ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس مثل ظل الجنة ظل ظل ممدود لا شمس فيه ولا ظلمة، وهذا قول الجمهور.\nوالثاني: هو الليل لأنه ظل الأرض ويعم الدنيا كلها.\nوالثالث: ظلال الأشياء كلها من قوله ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ﴾ الآية [النحل: ٤٨].\n﴿وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾ ثابتًا دائمًا من السكنى لا من السَّكن (٨)، فإن الظل ساكن غير متحرك.\n﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ﴾ على الظل. ﴿دَلِيلًا﴾ ولولا الشمس ما عرف الظل. وقيل: دليلًا تتبعه حتى تأتي عليه.\n_________\n(١) انظر: معالم التنزيل (٦/ ٨٦).\n(٢) في ب: \"والكافر لايعرفه ولا يذكره\".\n(٣) حكاه السمرقندي في بحر العلوم (٢/ ٤٦٢) عن مقاتل.\n(٤) من \"ألم تعلم\" إلى \"مادًا الظل\" سقط من ب.\n(٥) حكاهما النحاس في معاني القرآن (٥/ ٣٠).\n(٦) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٤٦٢).\n(٧) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٧/ ١٣٩).\n(٨) \"لا من السكن\"، سقط من ب.","vol":"1","page":1785},{"text":"ابن عيسى: الظل يتبع الشمس في طوله وقصره إذا ارتفعت أو انحطت ولو شاء لجعله ساكنًا لوقوف الشمس (١).\nوقيل: جعلنا الشمس مع الظل دليلًا على وحدانية الله سبحانه، وقيل: دليلًا على أوقات الصلاة (٢).\n﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا﴾ أي: الظل، أي: ضممناه بطلوع الشمس، وقيل: بغروبها (٣).\n﴿قَبْضًا يَسِيرًا﴾ قيل: سهلًا هينًا (٤).\nوقيل: قليلًا قليلًا (٥).\nوقيل: خفيًا (٦).\n_________\n(١) ذكر نحوه الواحدي في الوسيط (٣/ ٣٤٢).\n(٢) لم أقف عليه، والله أعلم.\n(٣) انظر: النكت والعيون (٤/ ١٤٧).\n(٤) انظر: معاني القرآن للفراء (٢/ ٢٦٨).\n(٥) انظر: نحوه في بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٤٦٢).\n(٦) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ٥٥)","vol":"1","page":1786},{"text":"وقيل: سريعًا (١)، وكلها قريب لأنه يزول الظل بطلوع الشمس أو بغروبها على القولين جزءً فجزءً، ويحتمل والله أعلم ثم قبضاه أي: الدليل وهو الشمس ﴿قَبْضًا يَسِيرًا﴾ بالأُفول، ويكون المعنى: ألم تر إلى ربك كيف أتى بالليل ثم لم يجعله دائمًا سرمدًا، ثم أتى بالشمس وهو النهار فجعله دليلًا على الليل إذ بضدها تتبين الأشياء، ولم يجعل النهار سرمدًا بل قبضه وأتى بالليل ثانيًا ومثله ما في القصص من الآيات (٢)، وذكر الدليل لأنه مصدر، وقيل: لأنه اسم محض، وقيل: لأنه بمعنى: مفعول، ذكره صاحب النظم، وقال: \"المعنى: دللنا الشمس على الظل حتى ذهبت به، أي: أتبعناها إياه، وقيل: ذهب به إلى معنى النور، وقال: هذا شاذ عن القياس كالرميم والقريب والبعيد والكثير، وكلها في القرآن والمراد بها التأنيث\" (٣).\n﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾ يعني: غطاءً يستر الأشياء كما يستر اللباس.\n﴿وَالنَّوْمَ سُبَاتًا﴾ قطعًا لأعمالكم وراحة لأبدانكم، والسَّبْتُ: القطع، والسَّبْتُ: الاستراحة.\nوقيل: سبتًا مسبوتًا، تقول: سُبِتَ المريض وهو مسبوت إذا غشى عليه (٤).\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٧/ ٤٦٤)\n(٢) وهي قوله تعالى ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا﴾ [القصص: ٧١، ٧٢]\n(٣) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٨١٨).\n(٤) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٧/ ١٤٠).","vol":"1","page":1787},{"text":"﴿وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾ لما سمى النوم وفاة في قوله ﴿الله يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر: ٤٢] سمى اليقظة نشورًا، مصدر نشر الميت.\nوقيل: لانتشار الناس للمعاش سماه نشورًا، أي: ذا نشور (١).\n﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ﴾ أثارها سهلة، من جمع فلأنها أربع ومن وحَّدَ فإن الألف واللام فيها للجنس.\n﴿بُشْرًا﴾ من البشارة، كقوله ﴿الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾ [الروم: ٤٦] أي: تهب من كل صوب من قوله ﴿وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا﴾ [المرسلات: ٣] وقيل لها نشر أي: رائحة طيبة. وقيل: من نشرت ضد الطي أي ينشر السحاب (٢).\n﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ أمام المطر وقدامه لأنه ريح ثم سحاب ثم مطر.\n﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ﴾ من جانب السماء، وقيل: من السحاب (٣).\nوقيل: من عين السماء (٤).\n﴿مَاءً﴾ مطرًا. ﴿طَهُورًا﴾ طاهرًا وبناء فعول للمبالغة وإن كان اسم الفاعل متعديًا فالفعول متعدٍ وإن كان لازمًا فلازمٌ قياسًا مطردًا لا ينكسر.\nوقيل: الطهور اسم لما يتطهر به كالفطور لما يفطر عليه، والسحور ولما يتسحر به، وكل شيء نجس يطهره الماء ولا يطهر الماء إذا نجس شيء (٥).\nوقيل: يطهر الأرض من الجدب، لأن الجدب ميتة فكأنها في التمثيل نجسة، حكاه القفال (٦).\n_________\n(١) انظر: تفسير غريب القرآن لابن قتيبة (٣١٤).\n(٢) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٤٦٢).\n(٣) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٤٦٧).\n(٤) لم أقف عليه، والله أعلم.\n(٥) انظر: أحكام القرآن للجصاص (٣/ ٤٩٢).\n(٦) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٨١٨).","vol":"1","page":1788},{"text":"﴿لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ أي: أنزلناه لننبت به أرضًا لا نبات فيها فذلك حياتها وموتها. وقيل: لما نبت فيها ما فيه حياة الحيوان جعل ذلك حياة لها (١).\n﴿وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا﴾ أي: ونسقي الماء البهائم والناس (٢)، وقيل: مَكَّنَّاهم من أن يشربوه ويسقوا منه أنعامهم، وأدخل (من) لأن من الحيوان ما يعيش بغير الماء، وقد سبق في قوله ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠]، وقال (٣) ﴿وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا﴾ ولم يقل مطلقًا لأنه ليس كل الناس يعيش على المطر، ﴿وَأَنَاسِيَّ﴾ جمع إنسي، وقيل: جمع إنسان فقلب النون ياء وأدغم في الياء (٤)، وماء أصله ماه فقلب الهاء همزة بدليل الجمع مياه.\n﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ﴾ التصريف: تصيير الشيء دائرًا في الجهات، وأكثر المفسرين على أن الهاء يعود إلى المطر، أي: قسمنا ماء السماء بين العباد فمطرنا قومًا أكثر وقومًا أقل، وعن ابن عباس وقيل: عن ابن مسعود ﵄: ما عام (٥) بأكثر مطرًا من عام ولكن الله يصرفه بين خلقه، وقرأ (ولقد صرفناه بينهم) (٦).\nوقيل: صرفناه في جهات الأرض (٧).\n_________\n(١) انظر: النكت والعيون (٤/ ١٤٩).\n(٢) في ب \"ونسقي الماء البهائم\"، بغير \"الناس\".\n(٣) \"وقال\" سقط من أ.\n(٤) قال الفراء في معاني القرآن (٢/ ٢٦٩) \"أناسي واحدهم إِنْسِي، وإن شئت جعلته إنسانًا ثم جمعته أناسي فتكون الياء عوضًا من النون، والإنسان في الأصل إِنْسِيان لأن العرب تصغره أُنَيْسان\".\n(٥) في أ: \"ماء عام \" وهو تصحيف، والصواب هو المثبت.\n(٦) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٧/ ٤٦٩، ٤٦٨) عن ابن عباس وابن مسعود ﵄.\n(٧) انظر: تفسير غريب القرآن لابن قتيبة (٣١٤).","vol":"1","page":1789},{"text":"وقيل: صرفناه بأنواعه وابلًا، وطلًا، وجللًا (١)، وطشًا، ورذاذًا (٢).\nوقيل: الهاء يعود إلى القرآن، وقيل: يعود إلى جميع ما تقدم (٣).\n﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾ ليتفكروا فلا يكونوا غافلين.\n﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ أي: فأَصَرَّ ودام على الكفر والعصيان.\nوقيل: نسبوا المطر إلى الأنواء فقالوا: مُطِرْنا بنوء كذا وكذا (٤).\n﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ أي: في كل مِصْر ومدينة نبيًا ينذرهم لكنا لم نفعل بل جعلناك النذير للجميع فاشكر وجاهدهم.\nوقيل: ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرًا فيخف عنك أعباء النبوة ولكن لم نفعل ليعظم شأنك ويكبر أجرك (٥).\n﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ﴾ في هواهم.\n﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ﴾ بالقرآن، وقيل: بالإسلام (٦)، وقيل: بالسيف (٧).\n﴿جِهَادًا كَبِيرًا﴾ لا يخالطه فتور. الحسن: أقتلهم أو يسلموا (٨).\n﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ خلط، وأمر مريج: مختلط، وقيل: مَرَجَ: ترك وأرسل، ومَرَجْتَ دابتك: خَلَّيْتَها، ومنه المرج.\nابن عباس ﵄: خلع أحدهما على الآخر (٩).\n_________\n(١) \"وجللًا\"، سقط من ب.\n(٢) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٧/ ١٤٠).\n(٣) انظر: النكت والعيون (٤/ ١٤٩).\n(٤) قاله عكرمة.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٤٦٩).\n(٥) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٣٤٣).\n(٦) قاله ابن زيد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٤٧٠).\n(٧) حكاه في النكت والعيون (٤/ ١٥٠).\n(٨) لم اقف عليه، والله أعلم.\n(٩) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٤٧٢).","vol":"1","page":1790},{"text":"مجاهد: أفاض أحدهما في الآخر (١)، والبحران هو الماء العذب الفرات الذي بلغ الغاية في العذوبة والاستلذاذ، والمصدر الفروتة، والماء الأجاج: الملح بلغ النهاية، ويقال: المُرّ، ويقال: الحارُّ من أجيج النار يجتمعان في موضع واحد فلا يبغى أحدهما على الآخر، ولا يفسد أحدهما طعم الآخر وهو قوله ﴿هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا﴾ من قدرته يلتقيان فلا يختلطان، وقال بعضهم: البحر كل نهر عظيم، والعذب جيحان، وسيحان، ودجلة، والفرات، والنيل، والملح سائر البحار، والبرزخ بينهما البلاد والقفار فلا يختلطان فإذا كان يوم القيامة اختلطا بزوال الحاجز كقوله ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾ [الانفطار: ٣].\nوقيل: البرزخ: مُدّة ما بين الدنيا والآخرة فإذا انقضت الدنيا اختلطا (٢).\nقوله ﴿وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ أي: حدًا محدودًا.\nالفراء: حرامًا محرمًا أن يغلب أحدهما على صاحبه (٣).\nوقيل: البحران: بحر السماء والأرض (٤).\nوقيل: بحر فارس وبحر الروم (٥)، والوجه الأول.\nوقيل: البحرين اسم الملح دون العذب، وثني كالعمرين والقمرين (٦).\n﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا﴾ خلق من النطفة إنسانًا، والبشر واحد.\nوقيل: المراد بنو آدم، والبشر جمع خُلقوا من نطفة آدم، وقيل: المراد آدم، وآدم خلق من الطين، والطين ماء وتراب، وقيل: أصل كل شيء الماء والتراب خلق من الماء، وقد سبق.\n_________\n(١) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٤٧٢).\n(٢) عزاه في النكت والعيون (٤/ ١٥١) إلى الضحاك.\n(٣) انظر: معاني القرآن للفراء (٢/ ٢٧٠).\n(٤) وهو قول سعيد بن جبير ومجاهد.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ١٥٠).\n(٥) قاله الحسن.\nانظر: المصدر السابق (٤/ ١٥٠).\n(٦) انظر: النكت والعيون (٤/ ١٥٠).","vol":"1","page":1791},{"text":"وقيل: خلق الحيوان من الماء والتراب والهواء والنار وليس إذا قال خلق من الماء امتنع أن يكون معه شيء آخر (١).\n﴿فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ الهاء يعود إلى الماء، وقيل: إلى البشر، قال بعض المفسرين: النسب: ما لا يحل نكاحه، والصهر: ما يحل من القرابة وغير ذلك (٢).\nوقيل: النسب البنون، والصهر: البنات لأن من قبلهن تكون الأصهار (٣)، والصهر المتزوج بابنة الرجل.\nوقيل: النسب سبع وهي من قوله (٤) ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ إلى قوله ﴿وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾ والصهر خمس من قوله ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ إلى قوله ﴿مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] (٥).\nوقيل: النسب آدم، والصهر: حواء (٦). ﴿وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ قادرًا على الكمال.\n﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ﴾ يعني: الأصنام.\n﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ نزلت في أبي جهل (٧) فصارت عامًَّا في الكفار (٨)،\nوفي معناه أقوال:\nأحدها: معينًا لأعداء الله وللشيطان على معصية الله، فيكون الرب في الآية الله سبحانه.\nوقيل: أولياء ربه أي: يعين على معاداتهم (٩).\nوقيل: على معصية ربه (١٠).\n_________\n(١) لم أقف عليها، والله أعلم.\n(٢) حكاه السمرقندي في بحر العلوم (٢/ ٤٦٣) عن الكلبي، وهو قول الفراء في معاني القرآن (٢/ ٢٧٠).\n(٣) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٨١٩).\n(٤) في ب: \"وهي في قوله\".\n(٥) قاله الضحاك.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٤٧٦).\n(٦) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٨١٩).\n(٧) في ب: \"نزلت في جهل\" وهو تصحيف.\n(٨) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٤٦٤).\n(٩) انظر: تفسير غريب القرآن لابن قتيبة (٣١٤).\n(١٠) قاله الحسن.\n\nانظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٣٤٤).","vol":"1","page":1792},{"text":"وقيل: ﴿عَلَى رَبِّهِ﴾ أي: الصنم يعمل به ما يشاء من كَسْرٍ، وحَرْقٍ، وصَوْغٍ على شكل ثم على شكل غير الأول، من قولهم: بعير ظهير وناقة ظهيرة أي: قوي (١).\nوقيل: بربه ظهيرًا، أي: يتقوى به بزعمه، فيكون (على) بمعنى الباء (٢).\nوقيل: على الله ظهيرًا باطلًا من قوله ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ [هود: ٩٢]، وظهر بحاجته إذا تركها ونبذها وراء ظهره (٣).\n﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ﴾ يا محمد. ﴿إِلَّا مُبَشِّرًا﴾ للمؤمنين. ﴿وَنَذِيرًا﴾ منذرًا للكافرين.\n﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ على تبليغ الرسالة، وقيل: على التبشير (٤).\n﴿مِنْ أَجْرٍ﴾ رزق وجُعْل.\n﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ الاستثناء منقطع عند الجمهور أي: لكن من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلًا فليفعل (٥).\nوقيل: لكن من أنفق في سبيل الله ومجاهدة أعداء الله نفعه (٦).\nوقيل: الاستثناء متصل، وتقديره: لا أسألكم على ما أدعوكم إليه أجرًا إلا اتخاذ المدعو سبيلًا إلى ربه بطاعته فذلك أجري لأن الله يأجرني عليه (٧).\n﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ فَوِّض أمرك إليه وثِقْ به فإنه حي لا يموت وسينتقم منهم ولو بعد حين.\n﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ نَزِّهْه عما لا يليق به وبأوصافه.\n_________\n(١) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٨٢٠).\n(٢) انظر: المصدر السابق (٢/ ٨٢٠).\n(٣) حكاه في معالم التنزيل (٦/ ٩١).\n(٤) والنبي ﷺ أرسل بشيرًا ونذيرًا.\n(٥) حكاه أبو عبيدة في مجاز القرآن (٢/ ٧٨).\n(٦) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٣٤٤).\n(٧) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٤٦٤).","vol":"1","page":1793},{"text":"وقيل: سبح بأن تحمده. وقيل: الباء للحال، أي: سبحه حامدًا. وقيل: أحمد منزهًا (١).\nوقيل: صَلِّ له حامدًا (٢).\n﴿وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا﴾ كفى بالله خبيرًا بذنوب عباده أي عالمًا بها لا يخفى عليه شيء منها.\n﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ مضى الكلام فيه وكذلك (٣) ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾ أي: هو الرحمن، ويجوز أن يكون ﴿الَّذِي﴾ مبتدأ، و﴿الرَّحْمَنُ﴾ خبره، ويجوز أن يكون وصفًا له، ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ (٤) خبره، ويجوز أن نقف على ﴿أَيَّامٍ﴾ ويرتفع ﴿الرَّحْمَنُ﴾ بقوله ﴿اسْتَوَى﴾، ويجوز أن يرتفع بالابتداء ﴿فَاسْأَلْ بِهِ﴾ خبره، وعلى مذهب الأخفش فيكون الفاء زيادة (٥)، وقوله ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ قيل: الهاء عائد إلى الخلق وذلك أن اليهود وصفوا خلق السموات والأرض على خلاف ما خلق الله، والتقدير: فسئل الرحمن خبيرًا به فإنه خالقه ومكونه، وقيل: ﴿خَبِيرًا﴾ مفعول، والتقدير: فسئل خبيرًا به، فيجوز أن يكون هو الرحمن كالوجه الأول، ويجوز أن يكون غيره كقوله ﴿فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ﴾ [يونس: ٩٤] فيكون الخطاب للنبي ﵊ والمراد به غيره، وقيل: الباء من صلة السؤال بمعنى عن كقوله ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ [المعارج: ١]، وقال الشاعر:\n_________\n(١) انظر ماسبق في الكشف والبيان للثعلبي (٧/ ١٤٢).\n(٢) انظر: معالم التنزيل (٦/ ٩١).\n(٣) \"مضى الكلام فيه وكذلك\"، سقط من أ.\n(٤) في ب: \"فسئل به خبره\".\n(٥) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٨٢٠).","vol":"1","page":1794},{"text":"فإن تسألوني بالنساء فإنني ... بصير بأدواء النساء طبيب (١).\nو﴿خَبِيرًا﴾ جاز أن يكون لله وجاز لغيره على ما سبق، وقيل: (به) يعود إلى الله، وقيل: إلى الاستواء فيمن جعل الرحمن رفعًا به، وقيل: السؤال بمعنى الطلب كقوله ﴿تَسَاءَلُونَ بِهِ﴾ [النساء: ١]، والهاء يعود إلى الله و﴿خَبِيرًا﴾ حال من الهاء أي: اطلب ما تطلب بالله الخبير.\n﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ﴾ إذا قال محمد ﷺ للمشركين.\n﴿اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ فيه أربعة أقوال:\nأحدها: وهو قول كثير من المفسرين أنهم قالوا لا نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة يعنون مسيلمة الكذاب ﴿أَنَسْجُدُ﴾ لمسيلمة.\nوالثاني: لا نعرف الرحمن فنسجد له أنسجد ﴿لِمَا تَأْمُرُنَا﴾ يا محمد (٢) من غير علم منا به.\nوالثالث: أنهم كانوا يعرفون هذا الاسم وأنه للمبالغة في الرحمة (٣)، ووجهه أن يُجعل هذا حكاية عن المجوس والصابئين.\nوالرابع: أن هذا الاسم لم يكن معروفًا عند العرب وأنه عبراني في الأصل فلما دُعوا إلى سجدته سألوا عنه مسألة الجاهل بالشيء، ويحتمل تأويلين آخرين:\nأحدهما: أنهم أنكروا الأوصاف إنكار الفلاسفة لها.\nوالثاني: أنكروا الجمع بين اسمين علمين لمسمى واحد، والله أعلم.\nومن قرأ بالتاء فمعناه: أنسجد لما تأمرنا أنت يا محمد (٤)، وفي (ما) وجهان:\nأحدهما: للمصدر، أي: لأمره ولأمرك.\nوالثاني: بمعنى الذي فيكون تقديره: الذي تأمرنا به.\n_________\n(١) البيت لعلقمة الفحل في ديوانه (٣٥) في قصيدة يمدح فيها الحارث بن جَبَلَة الغساني.\n(٢) في ب: \"محمد\" من غير \"يا\".\n(٣) في ب: \"وأنه المبالغة في الرحمة\".\n(٤) قرأ حمزة، والكسائي بالياء \"يأمرنا\"، وقرأ الباقون بالتاء.\nانظر: التبصرة لمكي (٢٧٦)، النشر (٢/ ٣٣٤).","vol":"1","page":1795},{"text":"﴿وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ أي: زادهم قول ﴿اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ﴾ نفورًا عن الإيمان إذ كانوا لا يعرفون الرحمن.\n﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾ قيل: قصورًا (١).\nوقيل: نجومًا كبارًا (٢).\nوقيل: هي البروج المعروفة (٣)، وهي اثنا عشر برجًا: الحَمَل، والثَّوْر، والجَوْزاء، والسَّرَطان، والأسد، والسُّنْبُلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجَدي، والدلو، والحوت، وفيها تسير الشمس والقمر والنجوم الخمسة السيارات وهي: كواكب سميت كل عدة منها باسم من هذه الأسماء لضرب من التشبيه بينها وبين ذلك الحيوان وغيرها.\n﴿وَجَعَلَ فِيهَا﴾ قيل: في السماء. وقيل: في البروج فيمن جعل البروج النجوم، أي: في جملتها (٤).\n﴿سِرَاجًا﴾ أي: الشمس كقوله ﴿وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾ [نوح: ١٦]، ومن قرأ بالجمع أراد بها النجوم أو عبّر عن الشمس بلفظ الجمع (٥).\n﴿وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ مضيئًا بالليل، والهلال بعد ثلاث قمر لابيضاض الأرض به، والأَقْمَر: الأبيض.\n_________\n(١) قاله سعيد بن جبير.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٤٨٢).\n(٢) قاله الحسن، ومجاهد، وقتادة.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٤٨٧)، معالم التنزيل (٦/ ٩٢).\n(٣) قاله ابن عباس ﵄.\nانظر: معالم التنزيل (٦/ ٩٢).\n(٤) انظر: النكت والعيون (٤/ ١٥٣).\n(٥) قرأ حمزة، والكسائي (سُرُجًا) بالجمع، وقرأ الباقون (سراجًا).\nانظر: التبصرة لمكي (٢٧٦)، النشر (٢/ ٣٣٤).\nقال الزجاج في معاني القرآن (٤/ ٥٨) \"فمن قرأ (سراجًا) عنى الشمس، ومن قرأ (سُرُجًا) أراد الشمس والكواكب العظام معها\".","vol":"1","page":1796},{"text":"﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ الخِلْفَة: مصدر بمعنى الاختلاف أي: مختلفين إلى الخلق تجيء هذا حينًا وهذا حينًا (١).\nوقيل: خلفة مختلفين في اللون (٢).\nوقيل: ﴿خِلْفَةً﴾ يخلف كل واحد منهما صاحبه، وفيه توسعة على العباد في نوافل العبادات والطاعات (٣).\nوقيل: خلفة النهار يخلف عن نهار والليل يخلف عن ليل (٤).\nوقيل: خلفة في الزيادة والنقصان يتعاقبان حثيثين إلى أجل مسمى، حكاها القفال (٥).\n﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ﴾ يتعظ ويذكر الله.\n﴿أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ شكر نعم الله المذكورة في الآية.\n﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ هذه إضافة تفضيل وإن كان الكفار عباده.\n﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ الذين يستحقون هذه التسمية كما تقول هذا البار ابني لا هذا العاق. وقيل: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ الذين يرضاهم ويحمدهم.\n_________\n(١) حكاه في النكت والعيون (٤/ ١٥٣) عن ابن زيد.\n(٢) قاله مجاهد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٤٨٦).\n(٣) وهو مروي عن عمر بن الخطاب، وابن عباس ﵄.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٤٨٥).\n(٤) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٣٤٥).\n(٥) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٧/ ١٤٤)، غرائب التفسير (٢/ ٨٢١)، وانظر ترجمة القفال ص: ٦٤٥","vol":"1","page":1797},{"text":"ابن بحر: عباد هاهنا جمع عابد كصاحب صحاب، وتاجر وتجار، وراجل ورجال (١)، أي: الذي يعبدونه حق عبادته الذين أي هم الذين يمشون فيمن جعله خبر المبتدأ، ومن جعل خبر المبتدأ ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ﴾ جعل الذين يمشون وما بعده وصفًا لعباد الرحمن. ومعنى ﴿يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ عند ابن عباس ﵄: حلماء علماء (٢).\nوقيل: أتقياء أعِفَّاء (٣).\nوقيل: متواضعين غير متكبرين (٤).\nوقيل: في لين وسكينة ووقار غير مختال فخور (٥)، والهَوْن مصدر الهين الحقير وهو نصب على الحال أي: هيِّنين ليِّنين.\n﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ﴾ قيل: هم الكفار (٦).\nوقيل: السفهاء، أي: كلموهم (٧) بما يكرهون من القول (٨).\n﴿قَالُوا سَلَامًا﴾ أجابوهم بالحسنى وصانوا أنفسهم عن مسافهتهم ومشاتمتهم، ومعنى ﴿سَلَامًا﴾ سدادًا، وتقديره: قالوا قولًا سلامًا أي: يسلمون من عقباه.\nوقيل: سلموا سلامًا (٩).\n_________\n(١) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٨٢١).\n(٢) انظر: النكت والعيون (٤/ ١٥٤).\n(٣) قاله الضحاك.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ١٥٤).\n(٤) قاله قتادة، وابن زيد.\nانظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٣٤٥)، النكت والعيون (٤/ ١٥٤).\n(٥) قاله مجاهد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٤٩٠).\n(٦) انظر: النكت والعيون (٤/ ١٥٤).\n(٧) في ب: \"كلموهم\"، بغير \"أي\".\n(٨) انظر: النكت والعيون (٤/ ١٥٤).\n(٩) حكاه الواحدي في الوسيط (٣/ ٣٤٥) عن الحسن.","vol":"1","page":1798},{"text":"وقيل: قالوا سلامًا أي: براءة منكم برئنا من خيركم وشركم لا خير بيننا ولا شر، وهذا قول سيبويه، والآية عنده منسوخة وليس في كتاب سيبويه ذكر الناسخ والمنسوخ إلا هذا، قال: \"لأن الآية مكية ولم يؤمر المسلمون يومئذ أن يسلِّموا على المشركين ولكنه على قوله لا خير بيننا ولا شر\" (١).\nقال المبرد: \" أخطأ سيبويه في هذا وأساء العبارة لأنه لا معنى لقوله: \"ولم يؤمر المسلمون يومئذ أن يسلموا على المشركين\"، وإنما كان ينبغي أن يقول: ولم يؤمر المسلمون يومئذ أن يحاربوا المشركين ثم أُمروا بحربهم، وهذا تجني من المبرد كعادته معه في مواضع من الكتاب وإنما معنى كلام سيبويه: لم يؤمر المسلمون يومئذ أن سلموا على المشركين بل أمروا أن يتسلموا ويتبرؤوا، ثم نسخ ذلك بالأمر بالحرب والله أعلم، وسلَّمَ المبرد (٢): أن الآية منسوخة (٣).\n﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ تلك حالهم مع الناس وهذه حالهم في الخلوة، أي: يأتي عليهم الليل وهم في الصلاة ساجدون قائمون.\n﴿سُجَّدًا﴾ جمع ساجد، وقيام جمع قائم ويجوز أن يكون مصدرًا، وقدم السجود وأخر القيام لروي الآية وليُعلَم أن القيام في الصلاة، والمعنى: يتركون النوم لعبادة الله.\n_________\n(١) انظر: الكتاب لسيبويه (١/ ٣٢٥).\n(٢) في ب: \"والله أعلم المبرد\"، بغير \"وسَلَّمَ\".\n(٣) انظر: المقتضب للمبرد (٤/ ٧٩).\nوقد بين النحاس في الناسخ والمنسوخ (٢/ ٥٧٠) أن كلام المبرد يدل على أن الآية عنده منسوخة، لأن معناها معنى الأمر، أي: إذا خاطبكم الجاهلون فقولوا سلامًا، فعلى هذا يكون النسخ فيها، ومعنى كلام سيبويه أنهم لم يؤمروا يومئذ أن يسلموا على المشركين، وإنما أمروا أن يتبرأوا منهم، ثم نسخ بالأمر بالحرب.","vol":"1","page":1799},{"text":"عن ابن عباس ﵄: من صلى في ليلة ركعتين بعد صلاة العشاء فقد بات لربه ساجدًا (١).\n﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِن عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ أي: يستعيذون الله من النار، ومعنى (غرامًا) لازمًا ملحًا، ومنه الغريم لملازمته وإلحاحه.\nوعن الحسن: كل غريم يفارق غريمه إلا جهنم (٢).\nوقيل: غرامًا بلاءً، من قوله ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾ [الواقعة: ٦٦] (٣).\nابن عباس ﵄: ﴿غَرَامًا﴾ مولعًا (٤).\nوقيل: ثقلًا عظيمًا (٥).\nوقيل: الغرام أشد العذاب، وهو مصدر غرم غرمًا وغرامًا (٦).\nمحمد بن كعب: سأل الله الكفار ثمن نعمه فلم يؤدوه إليه فأغرمهم فأدخلهم النار (٧).\n﴿إِنَّهَا﴾ إن جهنم. ﴿سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا﴾ موضع قرار.\n﴿وَمُقَامًا﴾ موضع إقامة، والمستقر دون المقام لأنه يقع على سكون الشيء عن الحركة، والإقامة بمعنى الثبات الدائم.\n_________\n(١) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٤٦٥).\n(٢) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٤٩٦).\n(٣) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٨٢٢).\n(٤) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٧/ ١٤٦) ولم ينسبه إلى ابن عباس ﵄.\n(٥) حكاه في النكت والعيون (٤/ ١٥٥) عن قطرب.\n(٦) حكاه الزجاج في معاني القرآن (٤/ ٥٩).\n(٧) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٤٩٦).","vol":"1","page":1800},{"text":"﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ الإسراف: مجاوزة الحد في التوسع في الدنيا، وقيل: أسرف: أخطأ موضع النفقة، من قول العرب: مررت بكم فسرفتكم، أي: أخطأت موضعكم، والإقتار: التضييق على النفس والعيال والوجوه المندوب إليها (١).\n﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ القَوام: الاعتدال بين الحالين، وقيل: الإسراف: مجاوزة الحد الذي أباحه الله لعباده إلى ما فوقه، والإقتار القصور عما أمر الله به والقوام بين الأمرين والمسرف مذموم، وكذلك المقتر (٢).\nوروى معاذ ﵁ (٣) أنه لما نزلت هذه الآية سألت رسول الله ﷺ عن النفقة في السرف والإقتار ما هو؟ فقال ﷺ: \"من منع من حق فقد قتر، ومن أعطى في غير حق فقد أسرف \" (٤).\nوقيل: الإسراف الإنفاق في معصية الله، والإقتار: منع حق الله، والقوام الاقتصاد (٥)، وهو مصدر.\nوقيل: القوام: العدل (٦)، وهما واحد والكسر فيه لغة ونصبه بخبر كان أي وكان الإنفاق قوامًا وأجاز الكوفيون أن يكون اسم كان بين ذلك أي وسط ذلك واقتر وقتر لغتان، وفي مستقبله وجهان.\n_________\n(١) قال الزجاج في معاني القرآن (٤/ ٦٠): \"الذي جاء في التفسير أن الإسراف: النفقة في معصية الله، وأنه لا إسراف في الإنفاق فيما قرب الله ﷿، وكل ما أُنفق في معصية الله فإسراف، لأن الإسراف مجاوزة الحد والقصد، وجاء في التفسير أيضًا أن الإسراف ما يقول الناس فيه فلان مسرف\".\n(٢) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٤٩٩).\n(٣) هو معاذ بن جبل، تنظر ترجمته ص: ٤٩١\n(٤) لم أقف على تخريجه، والله أعلم.\n(٥) وهو قول ابن عباس، ﵄، ومجاهد، وقتادة، وابن جريج.\nانظر: معالم التنزيل (٦/ ٩٤).\n(٦) حكاه في النكت والعيون (١٥٦) عن الأعمش.","vol":"1","page":1801},{"text":"﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ﴾ لا يعبدون الصنم ولا يجعلون لله شريكًا.\n﴿وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ أي: حرم الله قتلها، وهو نفس المؤمن والمعاهد إلا بحق يبيح قتلها وهو الشرك، والزنا، وقتل النفس بغير حق، والسعي في الأرض بالفساد.\nوفي سبب النزول عن ابن مسعود ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ أي الذنب أعظم؟ قال: \"أن تجعل لله ندًا وهو خلقك\"، قال: قلت ثم أي؟ قال: \"أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك\"، قال: قلت ثم أي؟ قال: \"أن تزني بحليلة جارك\"، فأنزل الله تصديقها ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ﴾ الآية (١) (٢).\n﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ عقوبة، تقول (٣) أَثِم الرجل بالكسر أذنب، وآثمه جازاه، قال الشاعر:\nوهل يُأثِمني الله في أن ذكرتها ... وعللت أصحابي بها ليلة النفر (٤)\nوقيل: جزاء الآثام، وهو القول الأول (٥).\nوقيل: ﴿أَثَامًا﴾ إثمًا، وعن النبي ﷺ: \"الآثام والغي بئران في النار\" (٦).\nقتادة: اسم واد في جهنم (٧).\n_________\n(١) \"الآية\" سقط من ب.\n(٢) أخرجه البخاري (ك: التفسير، تفسير سورة الفرقان، باب: (والذين لايدعون مع الله إله آخر)، ح: ٤٧٦١).\n(٣) في ب: \"بقول\"، وهو تصحيف.\n(٤) البيت لنصيب الأسود.\nانظر: غريب الحديث للخطابي (١/ ٦٥٨)، إصلاح المنطق لابن إسحاق (٣٧٧).\n(٥) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ٦٠).\n(٦) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٨/ ١٧٥)، وفي مسند الشاميين (٢/ ٤٠٥) عن أبي أمامة الباهلي، وقال عنه الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٧١٣) \"وفيه ضعفاء وقد وثقهم ابن حبان\".\n(٧) قاله ابن عمر ﵄، ومجاهد، وقتادة.\n\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٥١٣)، النكت والعيون (٤/ ١٥٨).","vol":"1","page":1802},{"text":"وقيل: الآثام واد فيه الزناة (١).\n﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أي: لا يفترون فيها من العذاب طرفة عين.\n﴿وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ ذليلًا، وقيل: ﴿يُضَاعَفْ﴾ يجمع بين العقوبات (٢).\nوقيل: يُجمع بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة (٣)، ومن جزم جعله بدلًا من قوله ﴿يُضَاعَفْ﴾ لأن مضاعفة العذاب والخلود فيه لقي الآثام، ومن رفعها فعلى الاستئناف (٤).\n﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ من الزنا والمعاصي، وقيل: من الشرك (٥).\n﴿وَآَمَنَ﴾ بمحمد ﷺ.\n﴿وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ بعد السيئات، وقيل: بعد الإيمان والتوبة (٦)، نزلت في الوحشي (٧)\n_________\n(١) قاله عكرمة.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٥١٤).\n(٢) انظر: النكت والعيون (٤/ ١٥٨).\n(٣) انظر: المصدر السابق (٤/ذ ٥٨).\n(٤) قرأ أبو بكر عن عاصم (يضاعفُ) بالألف وضم الفاء، وقرأ ابن عامر (يُضَعَّفُ) بحذف الألف وضم الفاء، وقرأ الباقون بالجزم غير أن ابن كثير يحذف الألف ويشدد (يُضَعَّفْ).\nانظر: الكشف لمكي (٢/ ١٤٧)، التبصرة له (٢٧٦).\n(٥) انظر: النكت والعيون (٤/ ١٥٨).\n(٦) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٤٦٧).\n(٧) وحشي بن حرب الحبشي، من سودان مكة، مولى لطعيمة بن عدي، وقيل: لجبير بن مطعم، وهو الذي قتل حمزة ﵁ يوم أحد بحربته، اسلم بعد الطائف، وشهد اليمامة، وقتل مسيلمة بحربته، وكان يقول: قتلت بحربتي خير الناس وشر الناس، شهد اليرموك ثم سكن الطائف ومات بها.\n\nانظر: الاستيعاب (٤/ ١٢٥)، الإصابة (٦/ ٦٠١).","vol":"1","page":1803},{"text":"قاتل حمزة ﵁ (١)، وفي سبب النزول عطاء عن ابن عباس ﵄ قال: \" أتى وحشي النبي ﷺ فقال: \" أتيتك مستجيرًا فأجرني حتى أسمع كلام الله\" فقال رسول الله ﷺ: \"قد كنت أحب أن أراك على غير جوار فأما إذا أتيتني مستجيرًا فأنت في جواري حتى تسمع كلام الله\"، قال: \"فإني أشركت وقتلت النفس التي حرم الله وزنيت فهل يقبل الله مني توبة فصمت رسول الله ﷺ حتى أنزلت ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ﴾ إلى آخر الآية فتلاها عليه، فقال: \" أرى شرطًا فلعلي لا أعمل صالحًا في جوارك حتى أسمع كلام الله، فنزلت ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] فدعاه فتلاها عليه، قال: فلعلي ممن لا يشاء فأنا في جوارك حتى أسمع كلام الله فنزلت ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣] فقال: نعم الآن لا أرى شرطًا فأسلم\" (٢)، وهذه الآية نزلت بالمدينة وهي ناسخة لما في النساء من قوله ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣] وقيل: هذه منسوخة بها، وقيل: هذه في المشرك، والصحيح أن هذه هي الناسخة بدليل قوله سبحانه ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ﴾ [طه: ٨٢] وهذا محكم بالإجماع (٣).\n_________\n(١) حمزة بن عبد المطلب تنظر ترجمته ص: ٤٢٤\n(٢) انظر: أسباب النزول للواحدي (٣٨٧).\n(٣) وهو اختيار النحاس في الناسخ والمنسوخ (٢/ ٢٢٦) وأنها مبينة لها.","vol":"1","page":1804},{"text":"﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ أي: يبدل الله بقبائح أعمالهم في الدنيا محاسن أعمالهم بالشرك إيمانًا، وبالزنا إحصانًا وبالعصيان طاعة.\nوقيل: هي في الآخرة إذا غلبت حسناته على سيئاته فيبدل السيئات الحسنات وهو أن يمحو السيئات ويكتب مكانها حسنات (١).\nوقيل: يبدل عقاب سيئاته إذا تاب منها بثواب حسناته إذا انتقل إليها (٢).\nوقيل: السيئات عين العقاب والحسنات عين الثواب (٣).\n﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ لما تقدم قبل التوبة. ﴿رَحِيمًا﴾ لما بعدها.\n﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ أي: من تاب وحقق التوبة بالعمل الصالح بعد التوبة فهو التائب إلى الله حق التوبة، وقيل: معناه: من نزع عن ذنوبه ورجع إلى الحق فإنما رجع إلى الله وإلى ثوابه وإحسانه، وهذا إجمال الوعد من الله للتائب (٤). وقيل: من عزم على التوبة فإنه يتوب إلى الله فليبادر إليها وليوجه بها إلى الله، وقيل: معناه: من تاب فليتب لله لا لغيره (٥)، كما قال الشاعر (٦):\nفما لله تاب أبو كبير ولكن ... تاب خوف سعيد زبير\nويحتمل أن المعنى: من تاب من ذنوبه فإنه يتوب إلى من يقبل التوبة عن عباده ويعفوا عن السيئات فلا تهتم بذنوبك إذا تبت عنها إلى الله، ثم قيده بالمصدر فقال ﴿مَتَابًا﴾ تأكيدًا أي: يتوب إلى الله حقًا.\n﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ الشرك والصنم، وقيل: الكذب (٧).\n_________\n(١) قاله الزجاج في معاني القرآن (٤/ ٦١).\n(٢) حكاه في النكت والعيون (٤/ ١٥٨) عن ابن بحر.\n(٣) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٨٢٣).\n(٤) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٥٢١).\n(٥) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٤٦٧).\n(٦) لم أقف على قائل البيت، والله أعلم.\n(٧) قاله ابن جريج.\n\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٥٢٢).","vol":"1","page":1805},{"text":"وقيل: الغناء (١).\nالزجاج: أعياد النصارى (٢).\nوقيل: لعبة كانت في الجاهلية (٣).\nوقيل: لا يشهدون بالزور أي: بالكذب فحذف الجار (٤).\nابن عيسى: من لا يشهد الزور هو الذي لا يشهد به لأنه لو شهد به لكان قد حضره فهو\nأتم في الفائدة (٥)، وقيل: النَّوْح (٦).\nوقيل: مجالس يعاب فيها النبي ﷺ، وأصله تمويه الباطل حتى يوهم أنه حق وقيل: أصله تحسين الشيء ووصفه بخلاف صفته (٧).\n﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ اللغو: الفحش وما لا خير فيه من الكلام.\n﴿مَرُّوا كِرَامًا﴾ يُعْرِضون عنه، من قول العرب: شاة كريمة، إذا كانت عند حلبها تُعرض عن الحالب بوجهها وهو علامة لغزارتها فاستعير للصفح عن الذنب.\nوقيل: إذا ذكروا الفروج كنوا عنها، وإذا ذكروا النكاح كنوا عنه (٨).\nوقيل: اللغو ما كان يفعله المشركون من أذية المسلمين (٩).\nوقيل: مجالس المعاصي كلها (١٠).\nالسدي: الآية منسوخة بآية القتال (١١).\n_________\n(١) قاله مجاهد، ومحمد بن الحنفية.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٥٢٢)، الوسيط للواحدي (٣/ ٣٤٨).\n(٢) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ٦١).\n(٣) حكاه في النكت والعيون (٤/ ١٥٩) عن عكرمة.\n(٤) حكاه الواحدي في الوسيط (٣/ ٣٤٨) عن علي بن طلحة.\n(٥) لم أقف عليه، والله أعلم.\n(٦) في ب: \"الفوح\" بالفاء، وهو تصحيف، وانظر: غرائب التفسير (٢/ ٨٢٤).\n(٧) انظر: النكت والعيون (٤/ ١٥٩).\n(٨) وهو مروي عن مجاهد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٥٢٤).\n(٩) قاله مجاهد أيضًا.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٥٢٤).\n(١٠) قاله الحسن.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ١٦٠).\n(١١) انظر: معالم التنزيل (٦/ ٩٩)، والقول بالنسخ بآية السيف لابد له من دليل صيح صريح.","vol":"1","page":1806},{"text":"﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ أي: قُرئ عليهم القرآن، وقيل: إذا وُعظوا (١).\n﴿لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ لم يقيموا عليها تاركين لها ترك من لا يسمع ولا يبصر بل خروا سجدًا وبكيًا، وقيل: لم يتغافلوا عنها (٢).\nوقيل: لم يخروا على المعاصي خرور من لا يبصر ولا يسمع (٣).\n﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ فيه قولان: أحدهما: اجعل لنا أزواج خير وأولاد خير.\nوالثاني: هب لنا من الأزواج أولادًا، يعني: أولاد الصُلب ومن ذريتنا أولادًا يعني أولاد الأولاد والأعقاب، والمعنى: لتقر أعيننا برؤيتنا إياهم على طاعة الله وطاعة رسوله، والذرية: اسم للجمع (٤) كقوم ورهط، ومن جمع فكما يجمع القوم أقوامًا، واشتقاقه من الذر ومن الذرو ومن الذرء، و﴿قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ مصدر فلهذا لم يجمع، وفي الشواذ (قرات أعين) (٥)، وقرة عند أكثرهم من القر وهو البرد لأن دمعة السرور باردة وضده سُخنة العين (٦)، (٧).\nوقيل: من القرار أي: يقر النظر (٨) به فلا ينظر إلى غيره (٩).\nوقال أبو عمرو: قرة العين النوم، أي: أنامها لأن النوم لا يأتي مع الخوف، حكاه القفال (١٠).\n_________\n(١) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٤٦٧).\n(٢) انظر: تفسير غريب القرآن لابن قتيبة (٣١٥).\n(٣) انظر: معاني القرآن للفراء (٢/ ٢٧٤).\n(٤) في ب: \"اسم للجميع\".\n(٥) انظر: الشواذ لابن خالويه (١٠٥)، شواذ القراءات للكرماني (٣٥٢).\n(٦) في أ: \"وضدها سخنة\"، بغير \"العين\".\n(٧) حكاه في النكت والعيون (٤/ ١٦١) عن الأصمعي.\n(٨) في ب: \"يقر البصر\".\n(٩) انظر: معالم التنزيل (٦/ ٩٩).\n(١٠) لم أقف عليه، والله أعلم.","vol":"1","page":1807},{"text":"﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ يقتدى بنا في أمر الدين، ووحد لأنه مصدر أمه أمًا وإمامًا، وقيل: هاهنا جمع آمٍ كرعاء وتجار، وقيل: اجعل كل واحد منا إمامًا.\nوقال بعضهم: معناه: واجعلنا نأم المتقين فنقتدي بهم، أي: اجعل المتقين إمامنا (١)، وزَيَّفَه القفال.\nوقيل: اجعلنا نقتدي بالمتقين ليقتدي بنا غيرنا (٢).\nوقيل: إمامًا مثالًا (٣).\nوقيل: رضى، حكاه أقضى القضاة (٤).\nوقال (٥) القفال وجماعة من المفسرين: في الآية دليل على أن طلب الرئاسة في الدين واجب (٦).\n﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا﴾ أي: الجنة، والغرفة من أسماء الجنة، وقيل: الغرفة العُلية من قوله سبحانه (٧) ﴿لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ﴾ [الزمر: ٢٠] وهي قصورها، ويقال للسماء السابعة غرفة (٨).\nوقيل: المراد هو العلو في الدرجات (٩).\nوقوله ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾ أي بصبرهم والباء السبب أي: بسبب صبرهم، وقيل: بدل\nصبرهم (١٠).\n_________\n(١) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٤٦٨).\n(٢) قاله مجاهد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٥٣٢).\n(٣) انظر: النكت والعيون (٤/ ١٦١).\n(٤) حكاه في النكت والعيون (٤/ ١٦١) عن جعفر الصادق.\n(٥) في ب: \"قال\".\n(٦) انظر: النكت والعيون (٤/ ١٦١).\n(٧) في ب: \"من قوله\".\n(٨) انظر: المصدر السابق (٤/ ١٦١).\n(٩) انظر: معالم التنزيل (٦/ ١٠٠).\n(١٠) لم أقف عليه، والله أعلم.","vol":"1","page":1808},{"text":"﴿وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا﴾ ويتلقاهم الملائكة في الجنة بالتحية والسلام، قيل: كرر اللفظين والمعنى واحد تحسينًا للنظم وتأكيدًا كقوله ﴿تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾ [إبراهيم: ٢٣]. وقيل: التحية البشارة لهم بالخلود في الجنان، والسلام: السلامة فيها من الآفات (١).\nوقيل: تلقي بعضهم بعضًا بالتحية والسلام (٢).\nوقيل: يحييهم الملائكة من عند أنفسهم ويلقونهم بالسلام من ربهم (٣).\nوقيل: يحيون بالتحف سوى السلام ومع ذلك بالسلام (٤).\nوقيل: تحية ملكًا وسلامًا سلامة (٥)، ومعنى (يَلْقَون) بالفتح أي: يجدون فيها ويرون، ومعنى (يلقون) يعطون، تقول لقيته كذا أي: أعطيته إياه وليس كما زعم بعضهم أن الباء مقدر (٦).\n﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ في الجنة لا يموتون ولا يخرجون منها.\n﴿حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ هذه في مقابلة ﴿سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ [الفرقان: ٦٦].\n﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ قيل: (ما) للاستفهام، أي: ما يصنع بكم من،\nعبأت الجيش بالتخفيف والتثقيل، هيأته للقتال (٧).\n_________\n(١) انظر: معالم التنزيل (٦/ ١٠٠).\n(٢) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٣٤٩).\n(٣) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٥/ ٣١٤).\n(٤) لم أقف عليه، والله أعلم.\n(٥) ذكر نحوه النحاس في إعراب القرآن (٣/ ٣١٩).\n(٦) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وحفص عن عاصم (يُلَقَّوْن) بضم الياء وفتح اللام وتشديد القاف، وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي (يَلْقَوْن) بفتح الياء وسكون اللام وتخفيف القاف.\nانظر: التيسير للداني (١٦٥)، النشر (٢/ ٣٣٥).\n(٧) حكاه الفراء معاني القرآن (٢/ ٢٧٥).\nقال أبو عبيدة في مجاز القرآن (٢/ ٨٢) \"ومنه قولهم: ما عبأت بك شيئًا أي: ما عددتك شيئًا\".","vol":"1","page":1809},{"text":"وقيل: (ما) للنفي، أي: لا وزن لكم عنده ولا قدر من العبئ وهو الحِمْل الثقيل (١).\n﴿لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ قيل: لولا عبادتكم له من قوله ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] (٢).\nوقيل: لولا دعاؤكم وتضرعكم (٣).\nوقيل: لولا دعاؤه إياكم إلى طاعته فيكون مضافًا إلى المفعول (٤).\nوقيل: لولا دعاؤكم الأصنام، فيكون تقديره: ما يعبأ بمغفرته لكم لولا عبادتكم الأصنام (٥).\n﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ﴾ الرسول، وقيل: قصرتم في العبادة (٦)،\n(٧)، من قولهم: كذب القتال إذا لم يبالغ فيه (٨).\n﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ أي: يكون جزاء التكذيب، وقيل: العذاب لزامًا (٩).\nوقيل: هو القتل يوم بدر والأخذ باليد أسرًا، قال ابن مسعود ﵁: \"خمس مضين؛\nالدخان، واللِّزام، والبطشة، وانشقاق القمر، والروم\" (١٠).\nوقيل: هو القتال (١١).\nابن عباس ﵄: الموت (١٢)،\n_________\n(١) حكاه الزجاج في معاني القرآن (٤/ ٦٢).\n(٢) انظر: النكت والعيون (٤/ ١٦٢).\n(٣) انظر: المصدر السابق (٤/ ١٦٢).\n(٤) حكاه الفراء في معاني القرآن (٢/ ٢٧٥).\n(٥) انظر: معالم التنزيل (٦/ ١٠٠).\n(٦) في ب: \"فقد نصرتم في العبادة\" بالنون، وهو تصحيف.\n(٧) انظر: النكت والعيون (٤/ ١٦٢).\n(٨) في ب: \"إذا لم يبالغ\" بغير \"فيه\".\n(٩) انظر: معاني القرآن للفراء (٢/ ٢٧٥).\n(١٠) أخرجه البخاري (ك: التفسير، تفسير سورة الفرقان، باب: فسوف يكون لزامًا، ح: ٤٧٦٧)، وهذا القول مروي عن أبي بن كعب ﵁، ومجاهد، والضحاك.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٥٣٩).\n(١١) قاله ابن زيد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٥٤٠).\n(١٢) قاله ابن عباس، ﵄، ومحمد بن كعب.\n\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٥٤٠)، النكت والعيون (٤/ ١٦٢).","vol":"1","page":1810},{"text":"وقيل: جزاء كل عامل ملازم له من خير وشر (١).\nوقيل: هو العذاب يوم القيامة (٢).\nوقيل: تأويله حتمًا مقضيًا مقدر لابد منه (٣).\nوقيل: قطعًا وفيصلًا لما ينزل بهم (٤).\n_________\n(١) قاله أبو عبيدة في مجاز القرآن (٢/ ٨٢).\n(٢) حكاه في النكت والعيون (٤/ ١٦٢) عن قتادة.\n(٣) انظر: معاني القرآن للفراء (٢/ ٢٧٥).\n(٤) قاله أبو عبيدة في مجاز القرآن (٢/ ٧٢).","vol":"1","page":1811},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-132>سورة الشُّعَرَاء</span>","vol":"1","page":1812},{"text":"سورة الشعراء\nمائتان وسبع وعشرون آية، مكية (١)، وتسمى: الخاضعة أيضًا (٢).\nوروى القفال الباخعة (٣).\nالكلبي: مكية إلا أربع آيات من قوله ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ [الشعراء ٢٢٤ - ٢٢٧] فإنها نزلت بالمدينة (٤).\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n﴿طسم (١)﴾ الكلام فيه كما سبق من أمثاله.\n﴿تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢)﴾ تلك إشارة إلى ما في الكتب المتقدمة من ذكر القرآن.\nوقيل: إلي ما في اللوح المحفوظ، أي: هذه تلك، فيكون تلك خبر مُبتدُا محذوف ويجوز أن يكون إشارة إلى ما تقدم نزوله من القرآن (٥).\nوقيل: ﴿تِلْكَ﴾ بمعنى هذه، وجازت الإشارة إلى ما ليس بحاضر بعد على التوقع وأن المعنى في النفس (٦).\nوقيل: يجوز أن يعبر عن المعاني بلفظ الغيبه والحضور (٧).\n_________\n(١) في ب: \" سورة الشعراء مكية \".\n(٢) لم أقف على من ذكر للسورة هذا الاسم، وأكثر العلماء على تسميتها بالجامعة كما هو مروي عن الإمام مالك.\nانظر: تفسير ابن كثير (٣/ ٣٤٣)، الإتقان للسيوطي (١/ ١٥٧).\n(٣) لم أقف عليه، والله أعلم.\n(٤) وهو مروي عن ابن عباس، ﵄ ﵄، وعطاء، وقتادة، وعليه جمهور المفسيرين.\nوقال مقاتل بأن المدني منها قوله تعالى ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ١٩٧].\nانظر: المحرر الوجيز لابن عطية (٤/ ٢٢٤) / البحر المحيط (٧/ ٥)، مقدمتان في علوم القرآن لآرثر جفري (٩)، الإتقان (١/ ٤٢).\n(٥) لم أقف عليه، والله أعلم.\n(٦) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٤٦٩).\n(٧) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٥/ ١١٦).","vol":"1","page":1813},{"text":"وقيل: إشارة إلى ﴿طسم﴾ والمراد به جميع حروف التهجي، أي: تلك حروف آيات الكتاب لا يخرج عنها (١).\nو﴿الْمُبِينِ﴾ الواضح. وقيل: المبين: يُبين للناس أمور دينهم (٢)، وأبان لازم ومتعدٍ.\n﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ لعل: كلمة إشفاق وطمع.\n﴿بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ قاتل نفسك من الحزن والغيظ. وقيل: مُهلك (٣)، ومثله ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ في الكهف [الكهف: ٦]، ومثله في المعنى ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر: ٨].\n﴿أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣)﴾ لتركهم الإيمان، وهو مفعول له.\n﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آَيَةً﴾ قيل: بَلِيَّة قاهرة (٤).\nوقيل: دلالة واضحة به من الآيات التي تكون في القيامة (٥).\n﴿فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ (٤)﴾ منقادين مُلجَئين إلى الإيمان.\nوقيل: لو شاء لأنزل آية ما لَوَى أحدٌ عنقه بمعصية (٦).\nو(ظلت) بمعنى: تظل، وزيف أبو على في إصلاح الإغفال قول من قال إنه عطف على الجزاء وأن محله جزم لمكان الفاء (٧).\nوفي خاضعين سبع تأويلات:\nأحدها: أن الأعناق إذا خضعت فأرباباها خاضعون، محمول على المعنى (٨).\n_________\n(١) انظر: إعراب القرآن للنحاس (٣/ ١٤٧)، بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ١٤٩).\n(٢) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٢١٣).\n(٣) حكاه الزجاج في معاني القرآن (٤/ ٦٣) عن أبي عبيدة.\n(٤) انظر: النكت والعيون (٤/ ١٦٥)، الوسيط للواحدي (٣/ ٣٥٠).\n(٥) انظر: النكت والعيون (٤/ ١٦٥).\n(٦) قاله قتادة.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٥٤٥).\n(٧) انظر: إصلاح الإغفال (٢/ ٥١٠).\n(٨) انظر: معالم التنزيل (٦/ ١٠٦).","vol":"1","page":1814},{"text":"والثاني: أن التقدير: فظلت أصحاب الأعناق فحذف المضاف (١).\nوالثالث: رؤساؤهم، تقول: فلان عُنق القوم ووجه القوم (٢).\nوالرابع: أعناقهم جماعاتهم، والعنق الجماعة من الناس (٣)، قال:\nإن العراق وأهلها ... عُنُق اليك فهيت هيتا (٤).\nوالخامس: العُنُق زيادة، والتقدير: فظلوا (٥).\nوالسادس: أن الخضوع من أوصاف العقلاء فلما وصف غيرهم بفعلهم أجري مجراهم (٦). والسابع: المضاف يكتسي من المضاف إليه كسوَته من التعريف والتنكير، والتانيث والتذكير، والشرط والاستفهام، والإعراب وإلبناء، كذلك العقل والتمييز (٧).\nابن عباس، ﵄ ﵄: نزلت فينا وفي بني أمية فسيكون لنا عليهم الدولة فتذل أعناقهم بعد صعوبتها (٨).\nقال بعض المفسرين: ولقد كان كما ذكر، فان الدولة صارت لبني العباس (٩).\n_________\n(١) انظر: النكت والعيون (٤/ ١٦٥).\n(٢) قاله مجاهد.\nانظر: معاني القرآن للنحاس (٥/ ٦٢).\n(٣) حكاه النحاس في معاني القرآن (٥/ ٦٣) عن أبي زيد، والأخفش، وعزاه في النكت والعيون (٤/ ١٦٥) إلى النقاش.\n(٤) نسبه أبو عبيدة في مجاز القرآن (١/ ٣٠٥) لأبي عمرو بن العلاء يمدح علي بن أبي طالب ﵁.\nانظر. الخصائص لابن جني (١/ ٢٧٩)، جامع البيان لابن جرير (١٣/ ٧٠)، الأصول في النحو لابن السراج (٣/ ٤٧٩).\n(٥) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ٦٤).\n(٦) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٥٤٧).\n(٧) انظر: معاني القرآن للفراء (٢/ ٢٧٧)، تفسير ابن جرير (١٧/ ٥٤٥)، المحرر الوجيز لابن عطية (٤/ ٢٢٥).\n(٨) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٧/ ١٥٧)، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٣/ ٩٠)، البحر المحيط (٧/ ٧).\n(٩) انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٣/ ٩٠).\n\nواختار ابن جرير في جامع البيان (١٧/ ٥٤٨) أن المراد بالأعناق أعناق الرجال، والمعنى: فضلت أعناقهم ذليلة للآية التي ينزلها الله عليهم من السماء.","vol":"1","page":1815},{"text":"﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ﴾ يعني أهل مكة. ﴿ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ آيات من القرآن.\n﴿مُحْدَثٍ﴾ يجدد عندهم مما لم يكن قبل ذلك (١).\n﴿إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (٥)﴾ جددوا إعراضا وأصروا على الكفر. وأفاد دخول (كان) أنهم كانوا في علم الله السابق معرضين. وقيل: معناها ظهر منهم ما كان معلومًا منهم من الإعراض (٢). ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ أي: النبي فيما أتاهم به.\n﴿فَسَيَأْتِيهِمْ﴾ أفاد الفاء أن هذا جزاء تكذيبهم.\n﴿أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٦)﴾ هذا تهديد كما تقول: سيبلغك خبر ما فعلت. وخص المكذب بإتيان الخبر لجهله به دون المصدق فإنه يعلم ما أخبر به.\nقال بعضهم: يأتيهم في القيامة. وقيل: في الدنيا بالقتل والهزيمة (٣).\n﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ﴾ تعجيب أي: لم ينظروا إلى عجائبها ولهاذا عدي بإلى.\n﴿كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (٧)﴾ نوع وصنف. وقيل: الزوج الشيء وشكله. وقيل: أبيض، وأسود، وأحمر، وأصفر، وحلو، وحامض، ومر، ومز.\n﴿كَرِيمٌ﴾ كثير المنفعة (٤).\nوقيل: كريم: ذي قدر عند متناوله (٥).\nوقيل: كريم يأكله الناس والأنعام (٦).\nوقيل: نافع محمود وكذلك الكريم من الناس (٧).\nوقيل: حسن (٨).\n_________\n(١) في أ: \" تجدد عندهم بما لم يكن قبل ذلك \".\n(٢) انظر: الكشاف (٤/ ٣٧٧).\n(٣) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٤٧٠).\n(٤) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٧/ ١٥٩).\n(٥) لم أقف عليه، والله أعلم.\n(٦) قاله مجاهد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٥٥٠).\n(٧) حكاه الزجاج في معاني القرآن (٤/ ٦٥).\n(٨) قاله قتادة.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٥٥٠).","vol":"1","page":1816},{"text":"الشعبي: أراد بالنبات الإنسان، كقوله ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ [نوح: ١٧]، والكريم الذي يدخل الجنة واللئيم الذي يدخل النار (١).\n﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ في الآيات.\n﴿لَآَيَةً﴾ لدلالة وعلامة وعبرة. وقيل: لدلالة على البعث والنشور (٢).\n﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٨)﴾ في علمي مع عظم الآيات.\n﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ بالنقمة لمن كفر. ﴿الرَّحِيمُ (٩)﴾ وبمن آمن.\n﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى﴾ أي: إذ نادى فيكون إذ مفعول به. وقيل: ظرف لقوله\n﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ﴾ [الشعراء: ١٢]، ومعنى ﴿نَادَى﴾ دعا، والنداء: الدعاء برفع الصوت. وقيل: أَمَرَ ربك موسى (٣).\nقولهُ ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ﴾ قيل تقديره: قال أءت. وقيل: أن هي المفسرة، وقيل: نادى ربك أمر أن إءت القوم (٤).\n﴿الظَّالِمِينَ (١٠)﴾ أنفسهم بالكفر، وظلموا بني إسرائيل بالاستعباد وذبح الأولاد. ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ بدل من الأول.\n﴿أَلَا يَتَّقُونَ (١١)﴾ أي: إءتهم زاجرًا فقد آن لهم أن يتقوا، وهذه لفظة استبطاء وحث وإغراء. وقيل: هو على الحكاية أي: قل لهم ألا تتقون (٥).\nوقريء في الشواذ بالتاء (٦)، فلما حذف (قل) عاد إلى لفظ الغيبة.\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن للنحاس (٥/ ٦٥).\n(٢) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٥٥٠).\n(٣) وقد يكون المراد من ذلك تأويل كلام الله لموسى بالأمر، وهو باطل.\n(٤) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٤٧٠).\n(٥) انظر: معاني القرآن للفراء (٢/ ٢٧٨).\n(٦) قرأ عبد الله بن مسلم بن يسار، وحماد بن سلمة \" قوم فرعون ألا تتقون \"، وهي قراءة شاذة.\nانظر: المحتسب لابن جني (٢/ ١٧٠).","vol":"1","page":1817},{"text":"﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (١٢)﴾ ولا يصدقوني.\n﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي﴾ عطف على ﴿أَخَافُ﴾ أي: يُضيق صدري من تكذبيهم. وقيل: من عجزي عن إبانة حجتي (١).\n﴿وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي (١٣)﴾ للعقدة التي به، وقيل: هيبة منه (٢).\n﴿فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ (١٣)﴾ أي: أرسل جبريل إليه. وقيل: أرسلني إلى هارون لآمره عنك أن يذهب معي (٣).\nوقيل: (أرسل إلى هارون) معناه: أدعه وليس هذا استعفاء بل طلب من الله وبإذنه، وكان هارون بمصر حين بُعث موسى نبيًا بالشام (٤).\nالنقاش: أرسل معي هارون، قال: ومثله ﴿أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢] أي: مع (٥)، وهذا من النقاش سهو، لأنه يقتضي (إليّ) بتشديد الياء وإن لم يكن بد فأرسلني مع هارون فيكون المفعول محذوفًا، لكن النقاش نظر إلى الآية الأخرى (٦) وهي ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا﴾ [القصص: ٣٤] فجعل هَارُون في الآية مفعولًا والآية لا تحتمله (٧) إلا على الوجه الذي ذكر.\n﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ قيل: عندي ذنب بقتل القبطي (٨).\nوقيل: علي دعوى ذنب (٩)، وقيل: علي عقوبة ذنب (١٠).\n_________\n(١) انظر: النكت والعيون (٤/ ١٦٦).\n(٢) قاله الكلبي.\nانظر: المصدر السابق (٤/ ١٦٦).\n(٣) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٨٢٨).\n(٤) انظر: النكت والعيون (٤/ ١٦٦).\n(٥) انظر: غرائب التفسير للكرماني (٢/ ٨٢٩).\n(٦) في ب: \" لكن النقاش نظر إلى الأخرى \".\n(٧) في ب: \" والاية لايحتمله \".\n(٨) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٤٧١).\n(٩) انظر: معالم التنزيل (٦/ ١٠٨).\n(١٠) انظر: النكت والعيون (٤/ ١٦٦).","vol":"1","page":1818},{"text":"﴿فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (١٤)﴾ قِصَاصًا. وقيل: عدوانًا (١)، والمعنى: فاكفني ما أخافه.\n﴿قَالَ كَلَّا﴾ لا يقتلونك فأمنه مما كان يخاف (٢)، وأجاب إلى مطلوبه فقال ﴿فَاذْهَبَا بِآَيَاتِنَا﴾ مع آيتنا اليد، والعصا فجمع. وقيل: بدلالاتنا (٣).\nوقيل: أُمدكما بآيتنا فتكون الآيات التسع (٤).\n﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (١٥)﴾ يعني موسى وهارون وفرعون وقومه، ومعنى\n﴿مُسْتَمِعُونَ﴾ سامعون، والاستماع: الإصغاء إلى المسموع، فيكون مجازا في حق الله سبحانه (٥).\n﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ﴾ فذهب موسى إلى مصر وهارون بمصر فأخبره موسى بذلك فانطلقا إلى فرعون فلم يأذن لهما في الدخول عليه سنة.\n﴿فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦)﴾ المراد به التثنية لقوله ﴿إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ﴾\n[طه: ٤٧].\nقيل: الرسول هاهنا بمعنى الرسالة أي: صاحبا رسالة ربك والمصدر لا يثنى ولا يجمع (٦). وقيل: كل واحد منا رسول ربك، كقوله ﴿نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ [الحج: ٥] (٧).\nوقيل: كانت الرسالة واحدة فجاز توحيد الرسول (٨).\n_________\n(١) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٨٢٩).\n(٢) في أ \" فأمنه مما يخاف \".\n(٣) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٥٥٤).\n(٤) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٤٧١).\n(٥) وهذا نفي لحقيقة صفة السمع لله تعالى، وأنه مجاز لا حقية، وهو خلاف مذهب أهل السنة والجماعة من إثبات السمع لله تعالى حقيقة على ما يلق به من غير تحريف، أو تأويل، أو تعطيل.\n(٦) حكاه في النكت والعيون (٤/ ١٦٦).\n(٧) حكاه الزجاج في معاني القرآن (٤/ ٦٦)، وابن جرير في جامع البيان (١٧/ ٥٥٤).\n(٨) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٨٢٩).","vol":"1","page":1819},{"text":"﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٧)﴾ خّلِّ عنهم وأطلقهم ودع آذانهم من قولهم: أرسلت الكلب على الصيد.\n﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا﴾ فعرف فرعون موسى فقال: ألم تكن صغيرًا فربيناك؟ أليس قد التقطناك من اليَمْ وكَفَّلْنَاك من أرضعك وغذوناك إلى أن صرت رجلًا؟ امتن إليه بإحسانه إليه، ومعنى ﴿فِينَا﴾ في جُملتنا ومنازلنا.\n﴿وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (١٨)﴾ أجمع المفسرون على أنه لبث ثلاثين سنة، ثم خرج من عنده عشر سنين ثم عاد إليه يدعوه إلى الله ثلاثين سنة، ثم بقى بعد الغرق خمسين سنة فمات موسى صلوات الله عليه (١) وكان ابن مائة وعشرين سنة (٢).\n﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾ يعني: قتل القبطي.\n﴿وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (١٩)﴾ فيه ثلثة أقوال:\nأحدها: من الكافرين النعمة.\nوالثاني: من القوم الذين تزعم الآن أنهم كافرون.\nوالثالث: من الكافرين حيث تدعي أن لك إلهًا غيري.\nوقيل: من الكافرين بالله حين قتلت نفسًا بغير حلها، وهذا ضعيف لأن فرعون لم يكن مقرًا بالله (٣).\n﴿قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (٢٠)﴾ فيه أقوال:\nأحدها: من الجاهلين أنها تأتي على النفس.\nوالثاني: أردت أمرًا فضللت عنه.\nوالثالث: من الساهين.\nوالرابع: من: الضالين عن النبوة وأحكام الشريعة، والمعنى: فعلتها خطأ لا عمد.\n_________\n(١) في أ: \" فمات صلوات الله عليه \".\n(٢) انظر: معالم التنزيل للبغوي (٥/ ٢٧٣)، زاد المسير (٦/ ١١٩)، البحر المحيط (٦/ ٢٢٨).\n(٣) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٨٢٩).","vol":"1","page":1820},{"text":"و﴿إِذًا﴾ يحتمل معنىً دقيقًا أي: إن كان كما قلت فقد فعلتُ إذًا وأنا من الضالين، لأن إذًا تقع في الجواب دون الابتداء (١).\n﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ﴾ هربت منكم لما خفت أن تقتلوني.\n﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا﴾ نبوة وحكمة وعقلا وزال عني الجهل والضلالة.\n﴿وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢١)﴾ من جملة أنبيايه ورسله.\n﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (٢٢)﴾ حملها بعضهم على الإنكار، وبعضهم على الإقرار.\nالفراء: هي لعمري نعمة إذ ربيتني ولم تستعبدني كاستعبادك بني إسرائيل. (٢).\nهذا لفظة النقاش تمُن عليّ بإحسانك إليَّ خاصة وتنسى إساءتك أن عَبَّدْتَ بني إسرائيل (٣). الحسن: أخذت من بني إسرائيل أموالهم فغذوتني بمال قومي فما مِنَّتُكَ علي في ذلك (٤). وقيل: إن اتخاذك بني إسرائيل عبيدًا قد أحبط نعمتك التي تمن بها علي (٥).\nوقيل: أو تلك نعمة تمنها علي استفهام إنكار (٦).\nابن بحر: تلك إشارة إلى تخلية بني إسرائيل في قوله ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٧)﴾ أي: تخليتك إياهم وإرسالهم معي كما أمر الله نعمة لك عندي لأنهم أقربائي وقد اتخذتهم عبيدًا (٧).\n_________\n(١) قال ابن عباس، ﵄، ومجاهد، وقتادة، والضحاك أي: من الجاهلين.\nانظر: تفسير ابن كثير (٣/ ٣٤٤).\n(٢) انظر: معاني القرآن للفراء (٢/ ٢٧٩).\n(٣) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٨٣٠).\n(٤) انظر: النكت والعيون (٤/ ١٦٨)، زاد المسير (٦/ ١٢١).\n(٥) حكاه في النكت والعيون (٤/ ١٦٧).\n(٦) حكاه الزجاج في معاني القرآن (٤/ ٦٧).\n(٧) انظر غرائب التفسير للكرماني (٢/ ٨٣٠).","vol":"1","page":1821},{"text":"ويحتمل أو تلك نعمة تمنها علي أن عبدتني، فوضع بني إسرائيل موضع الضمير لأنه واحد منهم وتعبيدُه إياه تسببه إلى قذفه في اليم وفراقه من أبويه وأهل بيته ثم اتخاذ أمه ظئرًا ينسب إلى فرعون بذلك (١)، ويحتمل أيضًا وتلك نعمة تمنها علي لولا أن عبدت بني إسرائيل (٢).\nفي إعراب ﴿أَنْ عَبَّدْتَ﴾ قولان:\nأحدهما: رفع بالبدل من المبتدأ. وقيل: من الخبر. والثاني: نصب، وتقديره: بأن عَبَّدتَ. وعَبَّدتُ، وأَعْبَدْتُ، واسْتَعْبَدْتُ اتخذت عبدًا.\n﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣)﴾ ما حقيقة ذاته من أي جنس وأي نوع هو؟ فأعرض موسى عن الجواب من هذا الوجه وصار إلى الدلالة على الله بأفعاله وصنائعه.\n﴿قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٢٤)﴾ أي: إن كنتم تعرفون الأشياء بالدليل فكفي السموات والأرض وما بينهما دليلًا بأن الله سبحانه خالقها ومالكها ومدبرها.\nوقيل: إن كنتم موقنين بأن السموات لابد لها من رب فالذي أدعوكم إليه ذلك الرب (٣). وقيل: إن أيقنتم أن ما تعاينونه هو كما تعاينونه فأيقنوا أن ربنا رب السموات (٤).\n﴿قَالَ﴾ يعني: فرعون. ﴿لِمَنْ حَوْلَهُ﴾ من أشراف قومه يُعَجِّبُهم.\n_________\n(١) في أ: \" تنسب إلى فرعون بذلك \".\n(٢) قال ابن كثير في تفسيره (٣/ ٣٤٥) \" أي: وما أحسنت إلي وربيتني مقابل نا أسأت إلى بني إسرائيل فجعلتهم عبيدًات وخدمًا تصرفهم في أعمالك ومشاق رعيتك، فهل إحسانك إلى رجل واحد منهم بما أسأت إلى مجموعهم، فليس ما ذكرته شيئًا بالنسبة إلى ما فعلت بهم \".\n(٣) ذكر نحوه ابن الجوزي في زاد المسير (٦/ ١٢٢).\n(٤) انظر: معالم التنزيل (٦/ ١١١).","vol":"1","page":1822},{"text":"﴿أَلَا تَسْتَمِعُونَ (٢٥)﴾ إلى سؤالي وجوابه لم يزد على الأول لأن رب العالمين ورب السموات والأرض وما بينهما واحد.\nقال ابن عباس، ﵄ ﵄: \"كان من حوله خمسمائة رجل على كراسي\" (١)\n﴿قَالَ﴾ يعني موسى.\n﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٢٦)﴾ فأوضح كلامه بزيادة بيان أي: خالقكم وخالق أبائكم فضللتم وضلت أباؤكم.\nوقيل: إنما قال موسى رب آبائكم لأن فرعون كان يدعي الربوبية على أهل عصره دون من تقدمهم (٢).\n﴿قَالَ﴾ يعني فرعون.\n﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (٢٧)﴾ حيث أسأله عن شيء ويجيبني عن شيء.\nوقيل: لمجنون حيث يزعم أن في الوجود إلهًا غيري لأن الجواب كان مطابقًا، لأن قوله\n﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣)﴾ بمعنى (من)، كقوله ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣] (٣).\nوقيل: كان مطابقًا لأن موسى لما قال إن رب العالمين أرسله إليهم سأله فرعون عن ملكه وانبساط قدرته كما يسأل الملوك عن الرسل ما صاحبكك هذا أي: مقدار ملكه وسلطانه فأجابه موسى عما اقتضاه هذا السؤال (٤) ﴿قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (٢٨)﴾ أي: إن كان لكم عقل فتدبروا في مصنوعات ربي حق التدبر تعرفوا الصانع بعد التدبر ضرورة.\n﴿قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي﴾ أي: إن اتخذت شيئًا سواي إلهًا، ويحتمل اتخذت غير إلهًا لأن اتخذ هاهنا يتعدى إلى مفعولين.\n_________\n(١) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٣٥٤)، معالم التنزيل (٦/ ١١١).\n(٢) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٥٦٣).\n(٣) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٨٣١).\n(٤) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٣٥٢).","vol":"1","page":1823},{"text":"﴿لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (٢٩)﴾ لاحبسنك في السجن، وكان سجنه أشد من القتل لا يَرَي المسجون في سجنه شيئًا ولا يدرك مسموعًا بل يكون فيه وحده يهوي في الأرض.\n﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (٣٠)﴾ يبين لك صدقي تسجنني (١)! .\nالألف للاستفهام، والواو لعطف جملة على جملة ويحتمل ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ تصدقني وتؤمن بالله ولم يجبُه عن قوله ﴿لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (٢٩)﴾.\n﴿قَالَ فَأْتِ بِهِ﴾ بالذي يبين صدقك.\n﴿قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣١)﴾ أن لك بينه. وقيل: إن كنت من الصادقين أن لك ربًا بعثك إليّ رسولًا (٢)، وجواب الشرط مقدر أي: فاحضره. ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ﴾ نبذها من يده.\n﴿فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (٣٢)﴾ حية صفراء كأعظم ما يكون من الحيات.\n﴿مُبِينٌ﴾ أنها ثعبان، وقيل: أنها حجة وبرهان (٣).\nابن عباس، ﵄: غرزت ذنبها في الأرض ونصبت رأسها نحو الميل إلي السماء ثم انحطت فجعلت رأس فرعون بين نابيها وجعلت تقول: مرني بما شئت. فناداه فرعون أسألك بالذي أرسلك لما أخذتها (٤).\nوقيل: التجأ إلى موسى (٥). وقيل: قام هاربًا (٦).\nوقيل: لم يلق بعد ذلك موسى إلا بال في ثيابه كما تبول الدواب إذا رأت الأسد (٧). فأخذها موسى فعادت عصًا كما كانت ولامنافاة بين الثعبان وبين الجان.\n_________\n(١) في أ: \" تحبسني \".\n(٢) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٥٦٥).\n(٣) انظر: النكت والعيون (٤/ ١٦٩).\n(٤) انظر: معالم التنزيل للبغوي (٣/ ٢٦٢).\n(٥) في ب: \" وقيل والتجأ \".\n(٦) حكاهما في النكت والعيون (٤/ ١٦٩).\n(٧) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٨٣١).","vol":"1","page":1824},{"text":"قال الزجاج: \" خلقها خلق الثعبان وحركتها واهتزازها اهتزاز الجان (١).\nوقيل: ﴿كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾ تشبيهًا بالشيطان، وسميت الثعبان لانثعابه في الجري، تقول: ثعَبتُ الماء إذا فَجّرته فانثعب كانثعابَ الدم (٢) من الأنف (٣).\nويحتمل أن الله سبحانه جعل العصا حية وجانًا إذا رأها موسى وحده وإذا رأها فرعون وقومه جعلها ثعبانا فلفظ القرآن يدل على هذا.\nو(إذ) في الآيتين للمفاجأة وهو ظرف مكان.\n﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾ أي: أدخلها في جيبه ثم أخرجها منه. وقيل: حسر عن ذراعه (٤)، والنَّزْع: إخراج الشيء مما اتصل به.\n﴿فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ﴾ تغلب ضوء الشمس. وقيل: أضاء لها الوادي (٥).\n﴿لِلنَّاظِرِينَ (٣٣)﴾ أي: من نظر إليها رآها بيضاء.\n﴿قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ﴾ قال فرعون لهم. ﴿إِنْ هَذَا﴾ يعني موسى.\n﴿لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (٣٤)﴾ وما في سورة الأعراف فكلام الملأ حكاية عن فرعون (٦).\n﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ﴾ ويغلب على دياركم. وقيل: يخرج خدمكم وعبيدكم يعني بني إسرائيل لأنه جاء يطلبهم بقوله ﴿أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٧)﴾\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ٦٨).\n(٢) في ب: \" فانثعب انثعاب الدم \".\n(٣) ثَعَبَ الماء والدم ونحوهما يثْعَبه ثعبًا فجره، واننثعب المطر، والثُّعْبُ مسيل الوادي، والثعبان الذَّكر من الحياة الضخم الطويل.\nانظر: لسان العرب (٢/ ٩٨)، مادة: ثعب.\n(٤) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٤٧٢).\n(٥) انظر: المصدر السابق (٢/ ٤٧٢).\n(٦) وهو قوله تعالى ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِن هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ١٠٩].","vol":"1","page":1825},{"text":"[الشعراء: ١٧] (١).\nوقيل: يوقع العداوة بينكم بأن يستميل بعضكم فيقع الخصام والمحاربة فيصير سببًا لخروجكم من دياركم (٢).\n﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (٣٥)﴾ تشيرون في قتله أو حبسه، وعَبَّرَ عن المشورة بالأمر لأنها تقع بلفظه (٣)، ولا يحسن إجراؤه على الظاهر لأن التابع لا يأمر المتبوع.\nوفي هذه المشورة قولان:\nأحدهما: إنما شاورهم ليستعطفهم لضعفه في تلك الحالة.\nوالثاني: لأنه أذهله ما شاهد فحار عقله فلجأ إلى رأيهم ولم يعرف أنه قد تناقض كلامه حيث قال مرة ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤]، ومرة ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ [الشعراء: ٣٥]. ﴿قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾ أَخِّر أمرهما في حبس أوقتل.\nوقيل معنى ﴿أَرْجِهْ﴾: احبسه وأخاه ولا تقتلهما قبل أن يظهر كذبهما فيفتتن الناس به (٤). وقيل: منعوه عن قتلهما مخافة عذاب يقع بهم لمَاَّ شاهدوا ذلك الأمر العظيم (٥).\nوقيل: صرفهم الله عن قتلهما (٦).\nوالهمز وتركه في ﴿أَرْجِهْ﴾ لغتان (٧).\n_________\n(١) حكاه ابن جرير في جامع البيان (١٧/ ٥٦٦).\n(٢) انظر: الوسيط للواحدي (٢/ ٣٩٣).\n(٣) في ب: \" لأنها يقع \".\n(٤) قاله عطاء.\nانظر: الكشف والبيان للثعلبي (٤/ ٢٦٨)، معالم التنزيل (٣/ ٢٦٣).\n(٥) انظر: النكت والعيون (٤/ ١٧٠).\n(٦) انظر: المصدر السابق (٤/ ١٧٠).\n(٧) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، ويعقوب بهمزة ساكنة وضم الهاء، وقرأ الباقون بغير همز، وعليه تكون فيها ست قراءات، ثلاث بالهمز ومثلها بدون الهمز، فقرأ ورش، والكسائي، وخلف \" أرجهي\" بإشباع كسر الهاء بغير همز، وقرأ عاصم، وحمزة، والأعمش \" أرجه\" بسكون الهاء بغير همز، وقرأ قالون، وابن وردان \" أرجه\" بكسر الهاء مختلسة بلا همز. فهذه ثلاث قراءات بدون همز.\n\nوأما التي مع الهمز؛ فقرأ ابن كثير، وهشام، \"أرجئهو\" بضم الهاء مع الإشباع مع الهمز، وقرأ أبو عمرو، وأبو بكر، ويعقوب \"أرجئه\" باختلاس ضمة الهاء مع الهمز، وقرأ ابن ذكوان \" أرجئه \" بالهمز واختلاس كسرة الهاء.\nانظر: التيسير للداني (١١١)، الكشف لمكي بن أبي طالب (١/ ٤٧٠)، الإتحاف لابن البنا (٢/ ٥٦).","vol":"1","page":1826},{"text":"﴿وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٣٦) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (٣٧)﴾ من يجمع السحرة من مدائن مملكتك وأمصارها.\n﴿فَجُمِعَ السَّحَرَةُ﴾ أي: فعل ما أشار به عليه القوم، ويحتمل إن في الآيات تقديمًا وتأخيرًا وأن تقدير النظم: أرجه وأخاه وابعث في المدائن حاشرين يأتوك بكل سحَّار عليم فأرسل فرعون في المدائن حاشرين فجمع السحرة.\n﴿لِمِيقَاتِ﴾ أي: لميعاد. ﴿يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٣٨)﴾ يوم زينة لهم. وقيل: كان يوم النيروز (١).\nوقيل: معنى ﴿لِمِيقَاتِ﴾: لأجل التوقيت الذي وقع الاتفاق عليه، ومعنى ﴿يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٣٨)﴾ أي: يعلم حضور الناس أجمعين فيه.\n﴿وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ (٣٩)﴾ قال بعض أصحاب فرعون لبعض: اجتمعوا نشهد ما يجري بين موسى وهارون وبين السحرة.\n﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ﴾ كي نتبع السحرة. ﴿إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (٤٠)﴾ ولا نشك أن الغلبة لهم فنكون (٢) على دينهم.\nوقيل: نتبع السحرة فنقتل موسى وهارون (٣).\nوقيل: نتبع السحرة أي: موسى وهارون وأشياعهم. ﴿إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (٤٠)﴾ على وجه الاستهزاء، حكاه القفال (٤).\n﴿فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا﴾ لثوابًا، والأجر الجزاء بالخير والجزاء بالشر عقاب وليس بأجر.\n﴿إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (٤١)﴾ لموسى وهرون.\n_________\n(١) قاله ابن عباس، ﵄.\nاننظر: معالم التنزيل (٦/ ١١٢).\n(٢) في ب: \" فتكون \".\n(٣) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٨٣١).\n(٤) انظر: المصدر السابق (٢/ ٨٣٢).","vol":"1","page":1827},{"text":"﴿قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٢)﴾ قال فرعون: نعم لكم أجر عندي وتكونون مع ذلك من المقربين في المرْتبة والجاه.\nوقيل: أول من يدخل علي وآخر من يخرج (١).\n﴿قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٤٣)﴾ من السحر ذكر هذا على وجه التهديد لا على إباحة السحر، أي: فسوف ترون (٢) عاقبة ذلك.\n﴿فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ﴾ جمع حبل وأصله من قولهم ما حَبَلَكَ عني أي حبسك.\n﴿وَعِصِيَّهُمْ﴾ جمع عصا، وكانوا سبعين ألف ساحر مع كل واحد حبل وعصا. وقيل: كانت الحبال اثنين وسبعين وكذلك العصي (٣).\n﴿وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ﴾ أي: نقسم بعزته ومنعته وقوته.\n﴿إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ (٤٤)﴾ لأنا قد أتينا بغاية ما يؤتى به من جهة السحر، وكان ذلك قَسَمًا منهم غير مبرورة.\n﴿فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ﴾ تبتلع وتأخذ بسرعة ومثله تلقف خفيف.\n﴿مَا يَأْفِكُونَ (٤٥)﴾ معمولهم الذي أفكوه أي: قلبوه عن وجهه.\n﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (٤٦)﴾ لما تبين لهم الحق سجدوا لله، وسُمُّو سحرةً بالاسم المتقدم للتعريف وإن زال عنهم اسم الساحر بالإيمان (٤)، وعبر عن سرعة سجودهم بألقى. وقيل: فاعل (ألقي) الحق الذي عرفوه.\n﴿قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٧)﴾ بدل من (ألقي). وقيل تقديره: وقد قالوا، فيكون حالًا، والمعني: آمنا بالذي قالا إنا رسول رب العالمين.\n_________\n(١) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (١/ ٥٦٠).\n(٢) في أ: \" سوف ترون \".\n(٣) انظر: الوسيط للواحدي (١/ ٥٦٠).\n(٤) في ب: \" فإن زال عنهم اسم الساحر بالإيمان \".","vol":"1","page":1828},{"text":"﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (٤٨)﴾ ذكر المفسرون أن فرعون لما سمع منهم آمنا برب العالمين قال: إياي عنيتم؟ قالوا: رب موسى وهرون.\n﴿قَالَ آَمَنْتُمْ لَهُ﴾ صدقتموه. ﴿قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ﴾ في التصديق.\n﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ له معنيان:\nأحدهما: أنه عَلَّمَكم شيئًا وكتمكم شيئًا ليغلب به من يغالبه.\nوالثاني: لكبيركم وقد تواطأتم على أمرٍ ومكرٍ.\nثم توعدهم بقوله ﴿فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ أي: عن قريب تعلمون ما ينزل بكم من العقاب على إيمانكم بموسى قبل إذني، ثم صرح فقال: ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ اليد اليمنى والرجل اليسرى ليكون زمانةً من جانبي البدن، ويحتمل: من أجل خلاف ظهر منكم.\n﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (٤٩)﴾ أعلقنكم من جذوع النخل حتى تموتوا عليها. قيل (١): أصل التصليب من الصُلب وهو إخراج الدسم، والصليب الدسم كأنه يُعلق ويُترك حتى يصير صليبًا (٢).\n﴿قَالُوا لَا ضَيْرَ﴾ أي: لا ضرر علينا إنما هي ساعة نصبر لعذابك ثم نصير إلى ثواب الله (٣)، وهو قوله ﴿إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (٥٠)﴾ وقيل معناه: إن الجميع منا ومنك ينقلب إلى الله فهو لك بالمرصاد يجازيك جزاء مثلك (٤).\n_________\n(١) في أ: \" وقيل \" بالواو.\n(٢) انظر: انظر: المفردات للراغب (٤٨٩)، مادة: صلب.\nقال: \"الصَّلْب، والاصطلاب: استخراج الودك من العظم، والصَّلْب الذي هو تعليق الإنسان للقتل، قيل: هو من شد صلبه على خشب، وقيل: إنما هو منصلْب الودك\".\n(٣) في ب: \" ثم نصبر إلى ثواب الله \"، وهو تصحيف.\n(٤) في أ: \" نجازيك جزاء مثلك \"، وهو تصحيف، وانظر: بحر العلوم للسمرقندي (١/ ٥٦١).","vol":"1","page":1829},{"text":"﴿إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا﴾ المتقدمة.\n﴿أَنْ كُنَّا﴾ لأجل كنا.\n﴿أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ (٥١)﴾ من السحرة (١). وقيل: أول المؤمنين في ذلك المشهد. وقيل: أول المؤمنين من آل فرعون وفي ذلك الزمان (٢).\nووحد أول لأن التقدير أول فريق. وقيل: لأن \"من\" مُقَدَّرة معه، أي: أول من غيره، وأفعل إذا كان معه ملفوظًا أومقدرًا لا يثني ولا يجمع.\n﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي﴾ هذا بعد سنين من أمر السحرة وإيمانهم (٣)، والمعنى: سَرْ بهم ليلا، وأضافهم إلى نفسه لإيمانهم.\n﴿إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾ يتبعونكم ليردوكم ويحاربوكم إن لم تنصرفوا، وفي ضِمْنِه بشارة أي: فلا يضركم ابتاعهم إياكم.\nوذكر ابن جريج في الآية قال: \" أوحى الله إلي موسى أن اجمع بني إسرائيل كل أربعة أهل أبيات في بيت ثم اذبحوا أولاد الضأن فاضربوا بدمائها على أبوابكم فإنى سآمُر الملائكة فلا يدخلون بيتًا على بابه دم، وسآمُرُهُم بقتل الأبكار من آل فرعون ثم اخبزوا خبزًا فطيرًا فإنه أسرع لكم ثم أسر بعبادي حتى تنتهي إلى البحر (٤)، فيأتيك أمري ففعل ذلك. فلما أصبحوا قال فرعون: هذا عمل موسى وقومه قتلوا أبكارنا وتمكنوا من أنفسنا وأموالنا فأرسل في أثره ألف ألف وخمسمائة ألف مَلِك مُسَوِّر ومع كل مَلِك ألف، وخرج فرعون في الكرسي العظيم\" (٥).\n_________\n(١) من السحرة القبط، لأن بنو إسرائيل آمنت من قبل.\n(٢) قاله الفراء في معاني القرآن (٢/ ٢٨٠).\n(٣) في أ: \" هذا بعد سنين من زمن السحرة وإيمانهم \".\n(٤) في ب: \" حتى ينتهي إلى البحر \".\n(٥) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٧/ ٥٧٥).","vol":"1","page":1830},{"text":"﴿فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٥٣)﴾ أي: حين أُخْبِرَ بسراهم بعث شُرَطًا يحشرون الناس من المدائن لاتباعهم مع فرعون، والوجه ما ذكرتُ، قيل إن في الآيات تقديمًا وتأخيرًا (١)، وأن هذه الآية متصلة بقوله ﴿وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾\n[الشعراء: ٣٦]، والآية تتصل بهذه نظمًا قوله ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ﴾ كانَّه لما قال\n﴿إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾ بَيَّنَ فقال ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ﴾.\n﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (٥٤)﴾ الشِّرذِمة: جماعة. وقيل: البقية من الشيء والقليل من الناس (٢).\nالضحاك: الشرذمة السَّفلة من الناس (٣).\nقوله ﴿قَلِيلُونَ﴾ حُمِلَ على الأسباط أي: كل سبطٍ قليل.\nوقيل: هو كقولهم: كحي واحد بنا (٤).\nوقيل: جمُع لموافقه الآيات وكانوا ست مائة وسبعين ألفا وإنما استقلهم لكثرة من معه. وقيل: لكثرة من قتل منهم (٥).\n﴿وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (٥٥)﴾ لقتلهم أبكارنا ولهربهم وخروجهم من الخدمة. وقيل: لأنهم استعادوا حُلِيًّا وذهبوا به (٦).\nوالغيظ المبالغة في الأذى والأخبار مما يُغْضِب.\n﴿وَإِنَّا لَجَمِيعٌ﴾ لمجتمع كقوله ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ [الحشر: ١٤].\n﴿حَاذِرُونَ (٥٦)﴾ وحذرون قيل: لغتان الحجة حَذِرُون في الحال وحاذرون في المآل.\n_________\n(١) في ب: \" إن الآيات تقديمًا وتأخيرًا \"، بغير \" في \".\n(٢) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ٧١).\n(٣) انظر: النكت والعيون (٤/ ١٧٠).\n(٤) حكاه الفراء في معاني القرآن (٢/ ٢٨٠).\n(٥) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ٧١).\n(٦) حكاه ابن جرير في جامع البيان (١٧/ ٥٧٦).","vol":"1","page":1831},{"text":"الزجاج في جماعة: حاذرون مؤدون أي: ذوو أدوات وسلاح وحذرون عالمون بالحرب (١).\n﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧)﴾ أي: البساتين والأنهار.\n﴿وَكُنُوزٍ﴾ وأموال كثير. وقيل: دفائن (٢).\nالضحاك: وكنوزٍ أنهار (٣).\n﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٥٨)﴾ مجالسَ حسانٍ. وقيل: المنابر التي يخطب عليها الخطباء عن ابن عباس، ﵄ (٤).\nوقيل: مجالس الأمراء يحف بها الأتباع (٥). وقيل: مرابط الخيل، حكاه الماوردي (٦).\n﴿كَذَلِكَ﴾ أي: حالهم كما ذكرت. وقيل: تَرَكُوا ذلك كما أخبر الله عنهم. وقيل: هكذا أخرجناهم (٧).\n﴿وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩)﴾ الإرث إنتقال مُلْك بوفاة.\nالحسن: لما عبروا النهر رجعوا وأخذوا ديارهم وأموالهم (٨).\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ٧١). وهما قراءتان صحيحتان؛ فقرأ ابن كثير، ونافع، ... وأبو عمرو \" حذرون \" بغير ألف، وقرأ الباقون \" حاذرون \" بألف.\nقيل الحاذر: المستعد، والحذر: المتيقظ، وقيل: هما لغتان لا فرق بينهما.\nانظر: الحجة لابن خالويه (٢٦٧)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣٣٥)، وانظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٥٧٧)، زاد المسير (٦/ ١٢٥).\n(٢) حكاه في النكت والعيون (٤/ ١٧٢).\n(٣) انظر: النكت والعيون (٤/ ١٧٢)، غرائب التفسير للكرماني (٢/ ٨٣٢).\n(٤) انظر: النكت والعيون (٤/ ١٧٢).\n(٥) حكاه الواحدي في الوسيط (٣/ ٣٥٤).\n(٦) انظر: النكت والعيون (٤/ ١٧٢).\nوهو بعيد، والمراد أنهم تركوا كل ما كانوا فيه من نعيم وعيش رغيد.\n(٧) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٧/ ١٦٥).\n(٨) انظر: البحر المحيط (٧/ ١٩)، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٣/ ١٠٥).","vol":"1","page":1832},{"text":"غيره: ذهبوا إلى الشام وملكوا مِصر زمن سليمان بن داود (١).\n﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (٦٠)﴾ داخلين في وقت الشروق، كقولهم: أصبح دخل في وقت الصباح، وأمسى دخل في وقت المساء (٢).\nوقيل: مشرقين قاصدين نحو المشرق، كقولهم: أغاروا نجد (٣).\nوقيل: مشرقين في ضوء (٤)، لأن بني إسرائيل كانوا في نور وضياء وأصاب فرعون وآله ضباب وظلمه تحيروا فيها حتى جاوز بنو إسرائيل البحر، فيكون قوله ﴿مُشْرِقِينَ﴾ حالًا من المفعولين وعلى الوجهين الأولين حال من الفاعلين، وإنما تأخروا إلى حين الإشراق لاشتغالهم بدفن أبكارهم. وقيل: أخذتهم ظلمة، كما سبق.\n﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ﴾ تقابلا وصار أحدهما بمرائ من الآخر يعني بني إسرائيل وآل فرعون.\n﴿قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١)﴾ ملحقون قد قرب منا عدونا وقدامنا البحر.\n﴿قَالَ كَلَّا﴾ يعني موسى كلا لن يدركوكم لأن الله وعدكم النصر عليهم والخلاص منهم ولا خُلْفَ لوعده. ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي﴾ ناصري ومعيني.\n﴿سَيَهْدِينِ (٦٢)﴾ يهديني عن قريب. وقيل: سَيُعَرِّفُني طريق النجاة (٥).\nوقيل: سيكفيني (٦).\n﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ﴾ يعني: بحر القلزم (٧).\n_________\n(١) قاله الحسن.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٠/ ٤٠٤).\n(٢) حكاه الزجاج في معاني القرآن (٤/ ٧١).\n(٣) حكاه في النكت والعيون (٤/ ١٧٣).\n(٤) قاله مجاهد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٥٨٠).\n(٥) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٤٧٤)، النكت والعيون (٤/ ١٧٣).\n(٦) قاله السدي.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٥٨٢).\n(٧) انظر: البحر المحيط (٦/ ٢٤٤) / الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١/ ٣٩٠).\n\nوبحر القلزم هو المسمى بالبحر الأحمر، وهو شعبة من بحر الهند، أوله من بلاد السودان وعدن، ثم يمتد غربًا، وفي أقصاه مدينة القلزم قرب مصر وبها سمي بحر القلزم، وهو يفصل بين جزيرة العرب وإفريقيا.\nانظر: معجم البلدان (١/ ٣٤٤).","vol":"1","page":1833},{"text":"وقيل: نهر النيل (١)\n﴿فَانْفَلَقَ﴾ أي: فضرب فانفلق فانشق فصار اثني عشر فرقًا على عدد الأسباط.\n﴿فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ﴾ أي: مفروق من الماء (٢)، والفِرْق: الاسم: والفَرْق: بالفتح المصدر كالطِحن والطَحنِ، وَالقِطفِ والقَطف.\n﴿كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (٦٣)﴾ كالجبل المنيف لأن الماء اجتمع لما انفرق فاستطال وارتفع في السماء كالجبل وصار بين كل فرقين مسلك لسبط منهم وظهر فيها كوىً ينظر منها بعضُهم إلى بعض فغرق فرعون وقومه ونجا موسى وقومه، وهو قوله ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآَخَرِينَ (٦٤)﴾ أي: جمعنا. وقيل: قربنا (٣)، والزُّلفة: القُربة، أي: قربنا آل فرعون من الغرق.\nوقيل: قربناهم من آجالهم (٤).\nالحسن: ﴿أَزْلَفْنَا﴾ عجّلنا فرعون وآله ليقربوا من البحر فيروا موسى وقومه قد عبروا فيطمعوا في حالهم فيدخلوا البحر ويغرقوا، وكان جبريل ﵇ على فرسٍ فريش أي وديق يُقدُمهُم فتبعها أفراس القوم (٥).\nوقيل: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآَخَرِينَ (٦٤)﴾ من قوم موسى قربناهم منهم (٦).\n﴿وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (٦٥) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآَخَرِينَ (٦٦)﴾ أهلكناهم في الماء.\n﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ فيما فعلنا بموسى وفرعون. ﴿لَآَيَةً﴾ لدلالة قاطعةً لمن تأمل.\n_________\n(١) حكاه في النكت والعيون (٤/ ١٧٥).\n(٢) في ب: \" بين الماء \".\n(٣) قاله ابن عباس، ﵄، ومقاتل.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٥٨٦).\n(٤) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٨٣٣).\n(٥) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٤٧٥)، غرائب التفسير للكرماني (٢/ ٨٣٣).\n(٦) قاله مقاتل.\nانظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٣٥٤).","vol":"1","page":1834},{"text":"﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٦٧)﴾ لم يؤمن من أهل مصر غير آسية، وخَرْبيل وهو المؤمن من آل فرعون، ومريم وهي التي دلت على عظام يوسف؛ وذلك أن بني إسرائيل لما خرجوا من مصر أظلم عليهم القمر فقال لقومه: ما هذا؟ فقال علماؤهم: إن يوسف لما حضره الموت أخذ علينا موثقًا من الله أن لا نخرج من مصر حتى ننقل عظامه معنا. فقال لهم موسى: فأيكم يدري أين قبره؟ قالوا: ما يعلمه إلا عجوز. فأرسل إليها. فقال: دُليني على قبر يوسف. قالت: لا والله حتى تُعطينى حكمى. قال لها: وما حُكمك؟ قالت: حكمي أن أكون معك في الجنة فثقل عليه. فقيل له: أعطها حكمها، فدلتهم عليه فاحتفروه واستخرجُوا عظامه فلما أقلوها أضاء لهم (١).\n﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ لا يمتنع عليه ما أراده.\n﴿الرَّحِيمُ (٦٨)﴾ بمن تاب. ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ﴾ أقرأ على مشركي العرب.\n﴿نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (٦٩)﴾ قصته، والنبأ الخبر العظيم.\n﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ﴾ وقوم إبراهيم، ويحتمل: وقوم الأب (٢).\n﴿تَعْبُدُونَ (٧٠)﴾ أيّ شيء تعبدون. ﴿قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا﴾ تماثيل.\n﴿فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ (٧١)﴾ فندُوم على عبادتها، كما تقول: أصبح زيدًا أميرًا، وأمسى عبدالله فقيرًا (٣) تريد به الدوام.\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٨/ ٢٧٦٨)، وانظر: تفسير مجاهد (٢/ ٤٦٢)، تفسير مقاتل (٢/ ٤٥٣)، معاني القرآن للنحاس (٥/ ٧٨).\n(٢) في أ: \" قوم إبراهيم ويحتمل قوم الأب \".\n(٣) في ب: \" وأمسى عبد الله فقيهًا \".","vol":"1","page":1835},{"text":"وقيل: كانوا يعبدون تلك الأصنام بالنهار دون الليل فلذلك قالوا ﴿فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ (٧١)﴾ (١). ﴿قَالَ﴾ يعني إبراهيم. ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ﴾ فيه وجهان:\nأحدهما: يسمعونكم تدعون فحذف تدعون لأن ما بعده يدل عليه.\nوالثاني: يسمعون دعاءكم فحذف المضاف. وقيل: يسمعونكم بمعنى يُجيبونكم (٢).\n﴿إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ﴾ ليقربكم إليها.\n﴿يَضُرُّونَ (٧٣)﴾ من عصاهم منكم.\n﴿قَالُوا بَلْ﴾ إضراب عن أن يَسْمَع أو يَنْفَع أو يضر.\n﴿وَجَدْنَا آَبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (٧٤)﴾ اقتدينا بآبائنا في عبادتهم إياها لا أنها تنفع أو تضر (٣).\n﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦)﴾ الأسبقون زمانًا.\n﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي﴾ قيل: الأصنام. وقيل: الأصنام وعابدوها ليصح العداوة. وقيل: يضرونني يوم القيامة فعل الأعداء (٤). وقيل: فإني عدو لهم عدوًا لأن فعولًا صيغت للمبالغة والكثرة فقام مقام الجمع (٥). وقيل: كل واحد عدو (٦).\nوقيل: هو في الأصل مصدر. وقيل: لأن تقديره: فإني عدو لهم (٧).\nقوله ﴿إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (٧٧)﴾ قال بعض النحاة: الاستثناء منقطع، والتقدير: لكن رب العالمين ليس بعدوي (٨).\n_________\n(١) انظر: معالم التنزيل (٦/ ١١٦).\n(٢) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٤٧٥).\n(٣) في أ: \" لا أمها ينفع أو يضر \".\n(٤) حكاه النحاس في معاني القرآن (٥/ ٨٦).\n(٥) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٨٣٤).\n(٦) انظر: المصدر السابق (٢/ ٨٣٤).\n(٧) حكاه الفراء في معاني القرآن (٢/ ٢٨١).\n(٨) حكاه الزجاج في معاني القرآن (٤/ ٧٢).","vol":"1","page":1836},{"text":"وقال بعضهم: الاستثناء صحيح لأنه قد كان في آبائهم الأقدمين من قد عبد الله لأن هذه نسبة ترتفع إلى آدم - ﵇ - (١).\nوقال بعضهم: إن ما تعبدون عدو لي إلا الله الذي تعبدون معه غيره فإنه ليس بعدوي (٢). وقيل: لأنهم وإن أنكروا العبادة المعروفة لم ينكروا أنه خالقهم ورازقهم فكانوا بهذا عابدين فصح الاستثناء.\nوقيل: من كان جاحدًا لله عابدًا له من حيث أن أثر العبودية فيه ظاهر فالاستثناء صحيح.\nوقيل: ﴿إِلَّا﴾ بمعنى دون كقوله ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾\n[الدخان: ٥٦].\n﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨)﴾ أي: الذين خلقني ولم أك شئيًا فهو يهديني إلى الرشاد إذا عبدته ولم أشرك به شيئًا، ودخل الفاء لأن المبتدأ موصول بالفعل، وإن جعلت\n﴿الَّذِي﴾ في محل نصب على الصفة فالفاء لعطف جملة على جملة ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾ واللذان بعده رفع بالعطف على المبتدأ والخبر محذوف لأن الأول يدل عليه وهو قوله ﴿فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨)﴾ كقولك: زيد قائم وعمر وبكر وخالد، وإن جعلت الكل في محل نصب على صفة رب العالمين لم يحتج إلى خبرٍ وجاز تكرارُ الذي وهو لشيء واحد كما جاء:\nإلى الملِكِ القّرْم وابن الهمام ... وليث الكتببة في المزدحم (٣).\n_________\n(١) في ب: \" لأن هذه نسبة ترفع إلى آدم \"، وانظر: إعراب القرآن للنحاس (٣/ ١٨٣).\n(٢) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ٧٢).\n(٣) البيت أورده ابن جرير في جامع البيان (٣/ ٨٩)، الزمخشري في الكشاف (١/ ١٥٥)، وابن هشام في قطر الندى (٤١٧)، والسمين الحلبي في الدر المصون (١/ ٩٨) من غير نسبته لقائل.\nوالقَرْم في الأصل هو الجمل المكرم المعد للضراب، ثم أطلق على الرجل العظيم ذا الجاه.","vol":"1","page":1837},{"text":"ودخل هو في هذه الكلمات للتخصيص، كما تقول: زيد هو الضارب عمرًا إذا كان هناك من يدعي أن غير زيد ضربه.\n﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠)﴾ أسند المرض إلى نفسه لما فيه من الكراهة (١).\n﴿وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١)﴾ أي: في الآخرة، وأدخل ﴿ثُمَّ﴾ لأن بينهما تراخيًا.\n﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (٨٢)﴾ يريد بخطيئتي ذنبي وهو ثلاث كلمات:\nأحدها: قوله ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩].\nوالثاني قوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٣].\nوالثالث قوله: سارة أختي. قيل: والرابع قوله ﴿هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٦] (٢).\nوذهب بعص المفسرين إلى أن هذه ليست بخطيئة ولا ذنب بل لكل واحدة منها وجه يصير إبراهيم - ﵇ - مثابًا بها مأجورًا، فيكون ﴿أَطْمَعُ﴾ بمعنى اليقين أي: أتيقن ولا يجري على الظاهر لأنه شك.\nوقيل: خطيئتي خطيئة أمتي كما قيل في قوله ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] فيكون الطمع على أصله للشك.\nوقيل: تعبد إبراهيم بأن يدعو بهذا الدعاء كما تعبد بقوله ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾\n[الشعراء: ٨٧] ومعلوم قطعًا أنه لا يجُزى لكنه دعا الله بهذه الأدعية إظهارًا للعبودية ليقتدي به غيره (٣).\n﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا﴾ نبوة. وقيل: زدني علمًا إلي علم (٤)،\n_________\n(١) في ب: \" لما فيه من كراهة \".\n(٢) قاله مجاهد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٥٩٣).\n(٣) لم أقف عليها، والله أعلم.\n(٤) قاله ابن عباس، ﵄، ﵄، ومقاتل.\n\nانظر: النكت والعيون (٤/ ١٧٧)، معام التنزيل (٦/ ١١٨).","vol":"1","page":1838},{"text":"وحكمةٍ إلى حكمة، والحُكم: الحِكْمَة.\nوقيل: قرآنا وهو عن مجاهد، وفيه ضعف (١).\n﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (٨٣)﴾ بالأنبياء، وسموا صالحين لأن صلاحهم لا يشوبه شيء من الفساد.\nوقيل: هبْ لي حكمًا في الدنيا وألحقني بالصالحين في الأخرى (٢).\n﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآَخِرِينَ (٨٤)﴾ أكثر المفسرين على أنه الثناء الحسن، وسمي لسانًا لأنه به يكون (٣).\nوقيل: هو أن يؤمن به أهل كل ملةٍ ويصدقه (٤).\nوقيل: أراد أن لا تنقطع النبوة من نسله (٥).\nوقيل: أراد أن يجعل من ولده من يقوم بالحق في آخر الزمان فاستجاب الله دعاءه وجعله شجرة الأنبياء وبعث محمد - ﷺ - في آخر الزمان من ذريته (٦).\n﴿وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (٨٥)﴾ أي: ممن يدخلها، وجاء بلفظ الوراثة في القرآن في غير موضع لأن المؤمنين يرثون منازل الكفار. وقيل: لأن الوراثة أقوي سبب يقع به الملك. وقيل: لأنها تقع من غير كسبٍ (٧).\n_________\n(١) انظر: النكت والعيون (٤/ ١٧٦).\n(٢) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٥٩٣)، النكت والعيون (٤/ ١٧٦).\n(٣) قال ابن قتيبة في تأويل مشكل القرآن (١٤٦) \"لسان العرب يوضع موضع القول، لأن القول يكون بها\".\nوانظر: تفسير مقاتل (٢/ ٤٥٥) تفسير ابن جرير (١٧/ ٥٩٣)، غريب القرآن للسجستاني (٤٠٧)، معاني القرآن للنحاس (٥/ ٨٨)، تفسير ابن عطية (٤/ ٢٣٥).\n(٤) حكاه النحاس في معاني القرآن (٥/ ٨٨) عن ابن عباس، ﵄، ﵄، وانظر: النكت والعيون (٤/ ١٧٧).\n(٥) انظر: النكت والعيون (٤/ ١٧٧).\n(٦) انظر: المصدر السابق (٤/ ١٧٧).\n(٧) لم أقف عليها، والله أعلم.","vol":"1","page":1839},{"text":"﴿وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ (٨٦)﴾ أي: الكافرين كفر جهالة وذهاب عن الصواب لا كفر عناد (١)، وكان هذا الدعاء (٢) منه في حياة أبيه يتوقع منه الإيمان فلما مات على الكفر تبرأ منه، وجاز هذا الدعاء قبل أن يعلم استحالة ذلك بموته على كفره، وقد ذكر الله عذره في القرآن في قوله ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ﴾ الآية [التوبة: ١١٤].\nومعنى ﴿كَانَ﴾ في الآية قيل: صار (٣).\nوقيل: معناه كان قديم الضلال (٤).\nوقيل: هو، كقوله ﴿مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ [مريم: ٢٩] (٥).\n﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (٨٧)﴾ لا تفضحني. قيل: بسبب والدي. وقيل: هو التعيير بالذنب. وقيل: لا تهلكني (٦).\n﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)﴾ أي: لا ينفع مال ولا بنون كما ينفع في الدنيا يفدي ماله ويذب عنه بنوه. وقيل: المراد بالبنين جميع الأعوان (٧).\n﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)﴾ أي: لا ينفع إلا موافاة ذلك الموقف بقلب سليم فيكون الاستثناء منقطعًا.\n_________\n(١) وهو مخالف لما بينه الله في قوله ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آَلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ [مريم: ٤٦].\n(٢) في ب: \" وكان هذه الدعاء \" والصواب المثبت.\n(٣) انظر: غرائب التفسير (١/ ٦٩٥).\n(٤) انظر: معاني القرآن للزجاج (٣/ ٢٦٨).\n(٥) حكاه ابن قتيبة في تأويل مشكل القرآن (٢٩٥).\n(٦) لم أقف عليها، والله أعلم.\n(٧) انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٣/ ١١٤)","vol":"1","page":1840},{"text":"وقيل: لا ينفع مال ولا بنون أحدًا إلا من أتى الله بقلب سليم فإنه ينفعه ماله الذي أنفقه في طاعة الله، وينفعه بنوه لأنهم يشفعون فيه (١).\nوقيل: ينفعونه بسروره بهم.\nومعنى ﴿بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)﴾ أي: سليم من الشك.\nوقيل: سلم من الشرك (٢).\nوقيل: سلم من المعاصي، لأن القلب إذا سَلِمَ سَلِمَت الجوارح (٣).\nابن عباس، ﵄: سلامة القلب شهادة أن لا إله إلا الله (٤).\nوقيل: سليم مخلص ناصح (٥).\nوقيل: سليم مسلم مؤمن (٦).\nوقيل: سليم سلم من حب الدنيا (٧).\nوقيل: سليم لديغ من خيفة الله (٨).\nوقيل: سليم صحيح ضد مريض (٩).\n﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (٩٠)﴾ أدنيت لهم ليدخلوها.\n﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ (٩١)﴾ أُظهرت لهم. يجوز أن يكون هذا على وجه الوعيد، ويجوز أن يقاد بها بالسلاسل كما جاء في الأخبار.\n﴿وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ استفهام توبيخ أي: يقال لهم أين الأصنام التي كنتم تزعمون إنها تشفع لكم وتقربكم إلى الله زلفى؟ . ﴿هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ﴾ فتدفع عنكم.\n_________\n(١) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٤٧٦).\n(٢) قاله قتادة، وابن زيد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٥٩٦).\n(٣) حكاه في النكت والعيون (٤/ ١٧٧).\n(٤) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٤٧٦).\n(٥) قاله الضحاك.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ١٧٧).\n(٦) قاله سعيد بن المسيب.\nانظر: الكشف والبيان للثعلبي (٧/ ١٧١).\n(٧) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٧/ ١٧١).\n(٨) حكاه الثعلبي في الكشف والبيان (٧/ ١٧١) عن الجنيد، والمراد: على معنى سليم في اللغة.\n(٩) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٨٣٥).","vol":"1","page":1841},{"text":"﴿أَوْ يَنْتَصِرُونَ (٩٣)﴾ لأنفسهم فهي في النار معكم.\n﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (٩٤)﴾ فَقُذِفُوا فيها. وقيل: جُمِعُوا فيها (١). وقيل: دُهْوِرُوا (٢). وأصله من كَبَّ، فيكون للمبالغة (٣).\nوقيل: طُرِحَ بعضهم على بعض منكوسين على رؤسهم (٤).\nوقيل: ﴿هُمْ﴾ كناية عن الأصنام. ﴿وَالْغَاوُونَ (٩٤)﴾ الكفار (٥).\nوقيل: ﴿وَالْغَاوُونَ﴾ الشياطين (٦).\nوقيل: كفرة الجن (٧).\n﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (٩٥)﴾ من الجن والإنس.\n﴿قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (٩٦)﴾ أي: قالت الكفرة وهم في النار تخاصم التابعون والمتبوعون؛ يقول التابعون للمتبوعين: غَرَرْتمونا كذبتمونا. ويقول المتبُوعين: بل ضللتم باختياركم.\n﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ﴾ نعد لكم.\n﴿بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨)﴾ فنعبدكم. هذا من كلام التابعين وأكدوا قولهم بالقسم.\n_________\n(١) قاله ابن عباس، ﵄.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٥٩٨).\n(٢) قاله مجاهد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٥٩٧).\n(٣) قال الزجاج في معاني القرآن (٤/ ٧٣) \"وحقيقة ذلك في اللغة تكرير الانكباب كأنه إذا ألقي ينكب مرة بعد مرة حتى يستقر فيها\".\n(٤) قاله مقاتل، وابن زيد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٥٩٨)، بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٤٧٧).\n(٥) قاله السدي، عطاء.\nانظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٣٥٦).\n(٦) قاله قتادة، ومقاتل، والكلبي.\nانظر: الكشف والبيان للثعلبي (٧/ ١٧١).\n(٧) قاله الكلبي.\nانظر: المصدر السابق (٧/ ١٧١).","vol":"1","page":1842},{"text":"﴿وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ (٩٩)﴾ أي: كبراؤنا الذين دعونا إلى الضلال وأمروانا به. وقيل: ﴿الْمُجْرِمُونَ﴾ الشياطين (١).\nوقيل: إبليس وابن آدم القاتل (٢).\n﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠)﴾ شافع من الأباعد.\n﴿وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (١٠١)﴾ من الأقارب ينفعنا ويشفع لنا.\nوالحميم: القريب من قولهم: حَمّ الشيء إذا قرب.\nوقيل: الحميم: الشفيق (٣).\nوقيل: حميم الرجل من يختصه، من قولهم: دُعي فلان في الحامة لا في العامة أي: في الخاصة (٤).\nابن عيسى: الحميم من يغضب لحميمه (٥)، ومنه الحُميّ، والماء الحميم.\nوعن النبي ﷺ أنه قال: \" إن الرجل ليقول في الجنة رب ما فعل صديقي فلان وصديقه في الجحيم فيقول الله أخرجوا له صديقه إلى الجنة فيقول من بقي فمالنا من شافعين ولا صديق حميم \" (٦).\n_________\n(١) قاله مقاتل.\nانظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٣٥٧).\n(٢) قاله عكرمة.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٥٩٩).\n(٣) قاله مجاهد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٦٠٠).\n(٤) حكاه النحاس في معاني القرآن (٥/ ٩٠).\n(٥) انظر: معاني القرآن للنحاس (٥/ ٩٠)، النكت والعيون (٤/ ١٧٨)، غرائب التفسير (٢/ ٨٣٥).\n(٦) أخرجه الواحدي بإسناده في الوسيط (٣/ ٣٥٧)، والثعلبي في الكشف والبيان (٧/ ١٧٢) بإسناده أيضًا، عن جابر بن عبد الله ﵄، وذكره البغوي في معالم التزيل (٦/ ١٢٠)، ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب التسعة، وفي إسناده انقطاع.","vol":"1","page":1843},{"text":"وعنه صلوات الله وسلامه عليه \" ما أجتمع ملأ، على ذكر الله فيهم عبد من أهل الجنة إلا شفعه الله فيهم وإن أهل الإيمان شفعاء بعضهم لبعض وهم عند الله شافعون مشفعون \" (١).\n﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾ رجعة إلى الدنيا.\n﴿فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٢)﴾ تمنوا حين لم ينفعهم ذلك.\n﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ أي: الذي ذكرت. ﴿لَآَيَةً﴾ لعظة.\n﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٠٤) كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ القوم اسم الرجال دون النساء ثم تدخل النساء معهم.\n﴿الْمُرْسَلِينَ (١٠٥)﴾ أي: كذبوا نوحًا ولم يصدقوه في أنه رسول وكذبوا المرسلين قبله لما ذَكَر لهم أخبارهم.\nالحسن: من كذب واحدًا منهم فقد كذب كلهم (٢).\nويحتمل أنهم أنكروا بعث الرسل أصلًا فقد كذبوا كل الرسل فلذلك جمع وكذلك الكلام في جميع ما في هذه السورة.\n﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ﴾ في النسب.\n﴿نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٠٦)﴾ الله فتتركوا عبادة الأصنام.\n﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٠٧)﴾ عليكم غير خائن لكم، وقيل: أمين لله ءأتمنني لرسالته (٣). وقيل: صادق فيما بلغتكم. وقيل: أمين عندكم عرفتموني بالأمانة والصدق قبل اليوم فلم أكن لأصدق فيما بيني وبينكم من الأمر وأكذب على الله (٤).\n﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٠٨)﴾ فيما أمركم به فاني لا أخونكم ولا أريد بكم سوءً.\n_________\n(١) ذكره الثعلبي في الكشف والبيان (٧/ ١٧٢) بإسناده، عن الحسن، وفيه انقطاع، وذكره القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (١٣/ ١١٨) من قول الحسن.\n(٢) انظر: معالم التنزيل للبغوي (٦/ ١٢٠).\n(٣) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٣٥٧).\n(٤) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٤٧٨).","vol":"1","page":1844},{"text":"﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ على ما أدعوكم إليه. ﴿مِنْ أَجْرٍ﴾ أجرًا مالًا وثوابًا. ﴿إِنْ أَجْرِيَ﴾ ثوابي. ﴿إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠٩)﴾ فذلك أريده.\n﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١١٠)﴾ كرر لأن الأول متصل بقوله ﴿أَمِينٌ﴾، والثاني بقوله\n﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ [الشعراء: ١٠٩] فهما سببان.\n﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (١١١)﴾ الأقلون مالًا وجاهًا.\nابن عباس، ﵄: الحَاكَةُ (١).\nعكرمة: الحَاكَة والأسَاكِفَة (٢). وقيل: الحجَّامون.\nوقيل: أهل الضعة والخساسة (٣). وقيل: المتكبرون. وقيل: يسألون ولا يقنعون، حكاها الماوردي (٤).\n﴿قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٢)﴾ أي: لا أطلب علم ما عملوه إنما علي أن ادعوهم.\nوقيل: قالوا إن الذين آمنوا بك ليس في قلوبهم ما يُظهرونه فقال ﴿وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٥).\n﴿إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (١١٣)﴾ أي: إلي ظاهرهم والله يحاسبهم على ما في قلوبهم. وقيل: \" كان \" زيادة، وتقديره: ما علمي بعلمهم مؤتنفًا أي: ليس علي من ذلك ضرر.\nوقيل: معناه: لعل لهم عند الله منزلةً بحسن أعمالهم وإن لم يكونوا من أشرافكم (٦).\n_________\n(١) انظر: زاد المسير لابن الجوزي (٦/ ١٣٤).\n(٢) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٣٥٧)، والأساكفة جمع إسكاف وهم أصحاب المهن والصنائع.\n(٣) حكاهما في غرائب التفسير (٢/ ٨٣٥).\n(٤) انظر: النكت والعيون (٤/ ١٧٩).\n(٥) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٦٠٣).\n(٦) لم أقف عليه، والله أعلم.","vol":"1","page":1845},{"text":"وقيل: معناه لم أكن أعلم إن الله يهديهم إلى الإيمان من بينكم (١).\n﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٤)﴾ أي: بمبعدهم من عندي.\n﴿إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (١١٥) قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ﴾ عما تقول.\n﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (١١٦)﴾ المشتومين. وقيل: المقتولين (٢).\nوقيل: من المضروبين بالحجارة (٣).\n﴿قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا﴾ أي: احكم بيننا.\n﴿وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١١٨)﴾ من عذاب عملهم.\nوقيل: من عملهم لأنه سبب العذاب (٤).\n﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١١٩)﴾ المملوء، تقول: شحنها عليهم خيلًا ورجالًا أي: ملأها، والجند شحنة البلد أي: الذي ملأ كفاية.\n﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ﴾ بعد إنجاء نوح ومن آمن معه.\n﴿الْبَاقِينَ (١٢٠)﴾ من قومه فأهلكناهم بالماء.\n﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٢١) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٢٢) كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣)﴾ عادٌ قبيلة ولهذا أنث وهو في الأصل اسم رجل هو أبو القبيلة.\n﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٢٤) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٢٥) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٢٦) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢٧)﴾ سبق.\n_________\n(١) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٧/ ١٧٣).\n(٢) قاله مقاتل، والكلبي.\nانظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٣٥٨).\n(٣) قاله قتادة.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ١٧٩).\n(٤) لم أقف عليه، والله أعلم.","vol":"1","page":1846},{"text":"﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ﴾ بكل مرتفع من المكان. وقيل: الرِّيع: السبيل سلك أم لم يسلك، وأصله في اللغة الزيادة (١).\nمجاهد: الرِّيع فجٌ بين جبلين (٢).\n﴿آَيَةً تَعْبَثُونَ (١٢٨)﴾ مجاهد: بنيانًا (٣). غيره: علامة يجتمعون إليها للعبث بمن يمر في الطريق (٤)\nوقيل: هو برج الحَمَام (٥).\nوقيل: جعل تفاخرهم بالأبنية عبثًا لا محصول له (٦).\nوقيل: المفعول محذوف وتقديره: أتبنون بكل ريعٍ أبنيةً عظيمةً و﴿آَيَةً﴾ نصب على المفعول له.\n﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ﴾ جمع مصنعه وهي البناء على الماء.\nوقيل: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ﴾ أبنية وكل بناء مصنعة (٧).\nوقيل: قصورًا مشيدة وأبنية محكمة (٨).\nوقيل: مصانع حصونا (٩).\n_________\n(١) قال في لسان العرب (٥/ ٣٩١)، مادة ريع: \" الرِّيع: المكان المرتفع من الأرض، ويطلق على الجبل، وعلى السبيل، وعلى الطريق المنفرج بين جبلين \".\nقال الفراء في معاني القرآن (٢/ ٢٨١) \" الرَّيْعُ والرِّيعُ لغتان \".\n(٢) انظر: تفسير مجاهد (٢/ ٤٦٣).\n(٣) انظر: المصدر السابق (٢/ ٤٦٣).\n(٤) قاله الكلبي.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ١٨١).\n(٥) قاله سعيد بن جبير، ومجاهد.\nانظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٣٥٨).\n(٦) قاله ابن عباس، ﵄.\nانظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٣٥٨).\nوهي أقوال متقاربة المعنى لأن المراد التفاخر بالأبنية.\n(٧) قاله ابن عباس، ﵄.\nانظر: معالم التنزيل (٦/ ١٢٣).\n(٨) قاله مجاهد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٦١١)، معالم التنزيل (٦/ ١٢٣).\n(٩) قاله مجاهد، والكلبي.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٦١١)، معالم التنزيل (٦/ ١٢٣).\n\nوقد بين ابن جرير أن المراد بها الأبنية، والعرب تسمي كل بناء مَصْنَعة، سواء كانت هذه الأبنية قصورًا، أم حصونًا، أم غير ذلك.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٦١٢).","vol":"1","page":1847},{"text":"﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (١٢٩)﴾ أي: كأن هذه الأبنية تخلدكم في الدنيا.\n﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (١٣٠)﴾ إذا انتقمتم انتقمتم انتقام الجبارين بلا رأفة ولا أبقاء.\nوالبطش: العسف قتلًا بالسيف وضربًا بالسوط.\nوقيل: جبارين قَتَّالين (١).\nوأصل الجَبَّار الممتنع مشتق من جَبَّار النخل وهو الذي قد ارتفع من أن يناله يد (٢).\nالحسن: إذا بطشتم بالمؤمنين بطشتم على غير الثبت واليقين (٣).\nوقيل: البطش: القتل على الغضب (٤).\n﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ بترك هذه الأشياء. ﴿وَأَطِيعُونِ (١٣١)﴾ فيما أدعوكم إليه.\n﴿وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ (١٣٢)﴾ أعطاكم ما تعلمون (٥) والإمداد: إتباع الثاني بما قبله شيئًا بعد شيء على انتظام، ثم فسر (٦) فقال: ﴿أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (١٣٣) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٣٤) إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣٥)﴾ في الدنيا. وقيل: في الأخرى (٧).\n_________\n(١) قاله ابن عباس، ﵄.\nانظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٣٥٩).\n(٢) الجَبْر: إصلاح الشيء بضرب من القهر، والجَبَّار صفة من صفات الله تعالى، وفي الإنسان لمن يَجْبُر نقيصته بادعاء منزلة من التعالي لا يستحقها، والمجبرة فرقة تدعي ان الله يكره العباد على المعاصي.\nانظر: المفردات (١٨٣)، مادة: جَبَرَ.\n(٣) انظر: البحر المحيط (٧/ ٣٢).\n(٤) حكاه في النكت والعيون (٤/ ١٨٢).\n(٥) في ب: \" أعطاكم ما تعملون \".\n(٦) في ب: \" فسر \" بإسقاط \" ثم \".\n(٧) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٣٥٩).","vol":"1","page":1848},{"text":"﴿قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ (١٣٦)﴾ أي: لا نقبل كلامك (١) ودعوتك، وعظت أم سكت.\n﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (١٣٧)﴾ أي: ما هذا الذي جئتنا به إلا كذب الأولين الذين ادعوا النبوة ولم يكونوا أنبياء.\nوقرئ ﴿خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ بضمتين (٢) أي: ما هذا إلا عادة الأولين نحيى ثم نموت ولا بعث ولا نشور.\nوقيل: إن هذا الذي نحن فيه من اتخاذ إلأ بنية في الريع والمصانع إلا عادة الأولين (٣).\n﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (١٣٨)﴾ على ما نحن عليه من الأقوال والأفعال.\n﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ﴾ بريح صرصر عاتية.\n﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٤٠) كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (١٤١) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٤٢) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٤٣) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٤٤) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٤٥) أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آَمِنِينَ (١٤٦)﴾ أي: في الدنيا آمنين لا تخافون عذابًا ولا موتًا بل تخلدون.\n_________\n(١) في ب \" لا تقبل كلامك \".\n(٢) وهي قراءة عاصم، وحمزة \" خُلُقُ الولين \" بضم الخاء واللام، وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي (خَلْقُ الأولين) وهو القراءة التي اعتمدها الكرماني.\nقال ابن قتيبة في تأويل مشكل القرآن (٥٠٦) \"أي: خرصهم وكذبهم \".\nانظر: الحجة لابن خالويه (٢٦٨)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣٣٥).\n(٣) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٣٥٩).","vol":"1","page":1849},{"text":"﴿فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٤٧) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ﴾ وكانوا يسكنون الحِجْر، وهي ذات نخل وزرع ومياه (١).\n﴿طَلْعُهَا هَضِيمٌ (١٤٨)﴾ اختلفوا فيه؛ فقيل: الهضيم: الَّلاصق بعضه ببعض، والطلع مادام في كفراه فهو هضيم (٢) وإذا خرج فليس بهضيم (٣).\nوقيل: الهضيم: الرطب اللين (٤).\nوقيل: المذنِبُ من الرطب (٥).\nوقيل: هضيم أي: نضيج مدرك (٦).\nوقيل: هضيم ما ليس فيه نواة (٧)، وقيل: الهضيم: المتهشم المتفتت (٨).\nوقيل: هو الذي يركب بعضه بعضًا (٩).\nوقيل: الهضيم انحماض الطلع وتقارب قشرته من الجانبين (١٠).\nوقيل: لطيف في جسمه، ومنه هضم الطعام إذا لطف واستحال إلى مشاكلة البدن (١١).\nابن عباس، ﵄: ﴿طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ أينع وبلغ (١٢).\nوقيل: العُذُق المتدلية، حكاه القفال.\n_________\n(١) الحِجْر: اسم ديار ثمود بوادي القرى بين المدينة والشام، وهي قرية صغيرة، قليلة السكان، بين جبال تسمى الأثالث، وهي جبال متقطعة غير متصلة.\nانظر: معجم البلدان (٢/ ١٣٨).\n(٢) أي: في أول بدو ثمره وظهوره.\n(٣) حكاه في النكت والعيون (٤/ ١٨٣).\n(٤) قاله عكرمة.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٦٢٠).\n(٥) قاله سعيد بن جبير.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ١٨٢).\n(٦) قاله ابن عباس، ﵄.\nانظر: معالم التنزيل (٦/ ١٢٤).\n(٧) قاله الحسن.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ١٨٣).\n(٨) قاله مجاهد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٦١٩).\n(٩) قاله الضحاك.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٦٢٠).\n(١٠) انظر: معاني القرآن للنحاس (٥/ ٩٥).\n(١١) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٧/ ١٧٦).\n(١٢) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٦١٩).","vol":"1","page":1850},{"text":"وقيل: هضيم: هاضم (١).\n﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ (١٤٩)﴾ فرهين وفارهين (٢)، فالفَارِهُ: الحاذق لأنهم كانوا ينقرون الجبال ويتخذون فيها بيوتًا يسكنونها، ووصفهم بالحذق في تلك الصنعة، ومعني فَرِهَ: أَشِرَ. وقيل: فرح (٣).\nابن عباس، ﵄: بطر (٤).\nالضحاك: كَيِّس (٥).\nابن زيد: قوي (٦).\nأبو عمرو: فَرِهَ يَفْرَه فراهة إذا نَعِمَ باله فهو فاره، وفره (٧)، (٨).\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن للنحاس (٥/ ٩٥).\nقال ابن جرير في تفسيره (١٧/ ٦٢٠) \" وأولى الأقوال بالصواب أن يقال إن الهضيم: هو المنكسر من لينه ورطوبته، وذلك من قولهم فلان هضم فلانًا حقه إذا انتقصه وتحيفه، فكذلك الهضم في الطلع إنما هو التنقص منه من رطوبته ولينه؛ إما بمس الأيدي، وإما بركوب بعضه بعضًا \".\n(٢) قراءتان، قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو \" فرهين \" بغير ألف، والمعنى: أشرين بطرين، وقرأ الباقون \" فارهين \" بألف، والمعنى: حاذقين بنحتها وصناعتها، وهما قراءتان صحيحتان متواترتان.\nانظر: التيسير للداني (١٦٦)، العنوان في القراءات السبع لأبي طاهر الأنصاري (١٤٢)، معاني القرآن للفراء (٢/ ٢٨٢)، لسان العرب (١٠/ ٢٥٤)، مادة: فره.\n(٣) حكاه في النكت والعيون (٤/ ١٨٣).\n(٤) انظر: معاني القرآن للنحاس (٥/ ٩٧)، قال \"وهذا أعرفها في اللغة\"، وانظر: معالم التنزيل (٦/ ١٢٥)، البحر المحيط (٧/ ٣٤).\n(٥) أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٧/ ٦٢٢).\n(٦) أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٧/ ٦٢٣).\n(٧) في أ: \"إذا أنعم باله وقيل: فاره وفره\".\n(٨) انظر: البحر المحيط (٧/ ٣٤).","vol":"1","page":1851},{"text":"الخليل (١): فره: أشره، وفاره: حاذق (٢).\nوقيل: فرهين: محيرين (٣).\nوقيل: معجبين (٤).\nوقيل: آمنين (٥).\n﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٥٠) وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (١٥١)﴾ الكافرين.\n﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (١٥٢)﴾ وكانوا تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون.\n﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٥٣)﴾ أنت مثلنا، وكل دابة تأكل فهي مُسَحَّرة، والسحر الغذو، والمسحر: المغذو (٦).\nوقيل: لك سَحَر وهو الرئة أي: مثلنا (٧).\nوقيل المسُحَر: المخدوع (٨).\nالزجاج أي: سُحِر مرة بعد أخرى حتى اختل عقله (٩).\nابن عباس، ﵄: من المخلوقين (١٠).\n_________\n(١) الخليل بن أحمد الفراهيدي، تنظر ترجمته ص: ٢٢٦\n(٢) انظر: العين للخليل (٤/ ٤٦).\n(٣) كذا في \"أ\"، و\"ب\"، وأيضًا في الكشف والبيان للثعلبي (٧/ ١٧٦) عن السدي، والصواب: (متجبرين)، كما ذكره البغوي في معالم التنزيل (٦/ ١٢٥) عن السدي، وهو قول عبد الله بن شداد كما في جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٦٢٢)، ومعاني القرآن للنحاس (٥/ ٩٦).\n(٤) قاله قتادة.\nانظر: معالم التنزيل (٦/ ١٢٥).\n(٥) قاله قتادة.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ١٨٣).\n(٦) سَحَره بالطعام يسحَره سَحْرًا غذَّاه، والسِّحر الغذاء، ويطلق المسحر ويراد به المجوف، والسَّحر ما التزق بالحلقوم والمريء من أعلى البطن.\nانظر: المفردات للراغب (٤٠٠)، لسان العرب (٦/ ١٩٠)، مادة: سحر.\n(٧) حكاه في النكت والعيون (٤/ ١٨٤).\n(٨) قاله مجاهد، وقتادة.\nانظر: الكشف والبيان للثعلبي (٧/ ١٧٦).\n(٩) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ٧٥).\n(١٠) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٧/ ٦٢٦).","vol":"1","page":1852},{"text":"المبرد: المسحر: السُّوقَة الذي ليس بملك (١).\nقتادة: من الساحرين (٢)، وفيه نظر (٣).\n﴿مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآَيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٥٤)﴾ في دعواك.\n﴿قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ﴾ الآية فيها أنها خرجت من صخرة وهي حامل فلم يؤمنوا. فشدد عليهم فقال: ﴿لَهَا شِرْبٌ﴾ حظ ونصيب من الله.\n﴿وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (١٥٥)﴾ لا تزاحموها في الشرب ولا تزاحمكم فيه.\n﴿وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ﴾ بعقر وإهلاك.\n﴿فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥٦)﴾ عقرها قُذار بن سالف.\n﴿فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ (١٥٧)﴾ على عقرها حين رأو العذاب.\nوالعَقْرُ: ضرب الساق بالسيف وما يجري مجراه (٤).\nوقيل: العقر الجرح (٥).\nوقيل: أتاهم صالح بالمعجزات فآمنوا به فلما مات اتردوا ثم أحياه الله فبعثه ثانيًا إليهم فكذبوه فأتاهم بالناقة (٦).\n_________\n(١) قاله الكلبي.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ١٨٤).\n(٢) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٧/ ٦٢٥).\n(٣) والصواب أن مرادهم: إنما أنت مخلوق تأكل وتشرب مثلنا، ولست ربًا ولا مَلَكًَا، ولا تصلح أن تكون رسولًا، ويؤيده الآية التي بعدها.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٦٢٦)، المحرر لابن عطية (٤/ ٢٤٠).\n(٤) عَقَرْتُ النَّخْل: قطعته من أصله، وعقرت البعير: نحرته، وعقرت البعير والفرس بالسيف فانعقر أي: ضربت قوائمه، وعقره جرحه، وامرأة عاقر لاتحبل كأنها تعقر ماء الفحل، ورجل عاقر لايولد له.\nانظر: المفردات (٥٧٧)، مادة: عقر، مختار الصحاح (١٩٨)، القاموس المحيط (٥٦٩)، مادة: عقر.\n(٥) انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٧/ ٢٤٠).\n(٦) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٨٣٦).","vol":"1","page":1853},{"text":"﴿فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٥٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٥٩) كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (١٦٠) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٦١) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٦٢) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٦٣) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٤) أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥)﴾ أي أتواقعون الذكورة من الناس.\nوقيل: ﴿مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ من الغرباء (١).\n﴿وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ له وجهان:\nأحدهما: وتذرون النساء اللواتي جعلهن الله لكم أزواجًا (٢).\nالثاني: وتذرون فروج أزواجكم وكانوا يأتون أدبار النساء أيضًا (٣).\nقال الزجاج \" ويسمى هذا الفعل التحميض \" (٤).\n﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (١٦٦)﴾ ظالمون غاية الظلم.\n﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ﴾ عن دعواك النبوة والإنكار علينا.\n_________\n(١) انظر: معالم التنزيل (٦/ ٢٤٠).\n(٢) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٦٣٠)، معاني القرآن للزجاج (٤/ ٧٦)، غرائب التفسير (٢/ ٨٣٦).\n(٣) قاله مجاهد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٦٣٠).\n(٤) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ٩٥).\nوالتحميض: التحول عن الشيء، ومنه حمضت الإبل إذا تحولت من رعي النبات الحلو إلى ما كان ماحًا، والتحميض في النساء هو التحول من إتيانهن في موضع الولد إلى إتيانهن في أدبارهن، وهو فعل قوم لوط.\nانظر: لسان العرب (٣/ ٣٢٧)، مادة: حمض، غريب الحديث للخطابي (٢/ ٤٠٠).","vol":"1","page":1854},{"text":"﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ (١٦٧)﴾ المنفيين من بلدنا.\n﴿قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ﴾ اللواط (١).\n﴿مِنَ الْقَالِينَ (١٦٨)﴾ المبغضين، والقالي: التارك للشيء بغضًا له (٢).\n﴿رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ (١٦٩)﴾ أي: من عذاب عملهم.\nوقيل: أخرجني من بينهم حتى لا أراهم (٣). وقيل: نجني من مقاساة مخالطتهم (٤).\n﴿فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٧٠)﴾ بناته ومن آمن معه.\n﴿إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (١٧١)﴾ هي امرأة لوط غبرت فلم تخرج مع لوط.\nوقيل: غبرت فلم تهلك مع قومها ثم أصابها الحجر بعد ما خرجت من القرية (٥).\nابن عيسى: الغابر الباقي في قلة كالتراب يبقى غباره (٦).\n﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآَخَرِينَ (١٧٢)﴾ أهلكناهم.\n﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ وهب: كبريتا ونارًا (٧).\n﴿فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٣)﴾ الكافرين.\n_________\n(١) في أ: \" اللواطة \".\n(٢) القِلى: البغض، قلاه: أبغضه وكَرِهَهَ فتَركَه.\nانظر: مختار الصحاح (٢٤١)، لسان العرب (١١/ ٢٩٣)، مادة: قلا.\n(٣) انظر: معالم التنزيل (٦/ ١٢٦).\n(٤) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٤٨١).\n(٥) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٦٣١).\n(٦) انظر: غرائب التفسير للكرماني (٢/ ٨٣٦).\nغَبَر الشيء: مكث وذهب، وغَبَرَ الشيء: بقي، وهو من الأضداد، ومنه الغابر: الباقي، والغابر: الماضي، والغابر من الليل ما تبقى منه، وغُبْرُ كل شيء بقاياه.\nانظر: المفردات للراغب (٦٠١)، لسان العرب (١٠/ ٧)، مادة: غبر.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٩/ ٢٨١٠).","vol":"1","page":1855},{"text":"﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٤) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٧٥) كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦)﴾ الخليل: الأيكة: غيضة تنبت ناعم الشجر كالسدر والأراك (١).\nالزجاج: الأيكة: الشجر الملتف وكان أصحاب الأيكة أصحاب شجر ملتفة، وشجرهم الدُّوْم (٢)، وهو المُقل (٣).\nوقريء \" ليكة \" وهي اسم علم لتلك المدينة والبقعة (٤).\n﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ﴾ ابن عباس، ﵄: أصحاب الأيكة أصحاب مدين (٥).\nغيره: أصحاب الأيكة غير أهل مدين فأرسل الله شعيبًا إلى أمتين، ولهذا لم يقل أخوهم لأنه لم يكن من نسبهم وكان من نسب أهل مدين فقال لهم أخوهم شعيب (٦).\n_________\n(١) انظر: العين للخليل بن أحمد (٥/ ٤٢٣).\n(٢) الدَّوْم: شجر المُقل، واحدته دومة، وهي شجرة مرتفعة لها خوص كخوص النخل، وتخرج أقناء كأقناء النخل، وثمره المقل.\nانظر: لسان العرب (٤/ ٤٤٩)، مادة: دوم.\n(٣) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ٧٥).\nوالأيك: الشجر الكثير الملتف، والأيكة: الغيضة من الشجر، يقال للشجرة أيكة والجمع أيك، وكان أكثر شجرهم الدَّوم.\nانظر: معاني القرآن للنحاس (٤/ ٣٦)، القاموس المحيط (١٢٠٣).\n(٤) قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر \" أصحاب ليكة \" بغير همز، اسم للقرية، وقرأ الباقون \" الأيكة \" بالهمز والألف، وهي الغيضة والشجر الملتف.\nانظر: الحجة لابن خالويه (٢٠٨)، الكشف لمكي (٢/ ٣٢).\n(٥) أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٧/ ٦٣٣).\n(٦) انظر: معالم التنزيل (٦/ ١٢٧).","vol":"1","page":1856},{"text":"وقيل: أصحاب الأيكة كالبادية وأصحاب مدين كالحاضرة (١).\n﴿أَلَا تَتَّقُونَ (١٧٧) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٧٨) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٧٩) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٠) * أَوْفُوا الْكَيْلَ﴾ أتموه ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (١٨١)﴾ حقوق الناس، تقول خسر حقه وأخسره.\n﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (١٨٢)﴾ أي: العدل والوفاء.\nوالقِسْطَاس: إقوام الموازين وهو الشاهين.\n\nوقيل: القَبّان (٢).\nوقيل: المعيار (٣).\nوقيل: الميزان (٤).\nوقيل: هو رومي (٥).\nوقيل: هو عربي، وأصله من القسط (٦).\n_________\n(١) والمحققون من العلماء على أن أصحاب الأيكة هم أهل مدين، ونبيهم شعيب ﵇، ولم يقل هنا أخوهم لأنه نسبهم إلى الأيكة وهي الشجر التي كانوا يعبدونها، ولم يبعث شعيب ﵇ إلى أمتين أو ثلاث كما زعمه بعض المفسرين.\nانظر: زاد المسير (٦/ ١٤١)، تفسير ابن كثير (٣/ ٣٤٨).\n(٢) قاله الحسن.\nانظر: الكشف والبيان للثعلبي (٦/ ٩٨).\nوالقَبَّان هو الميزان ذو الذراع الطويلة يكون عليها جسم ثقيل لتعيين الوزن.\nانظر: غريب الحديث لابن سلام (٣/ ٢٤٠)، لسان العرب (١١/ ٢٦)، مادة: قبن.\n(٣) في أ: \" وقيل المعيار، وقيل القبان \"، وهو قول الضحاك.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ١٨٥).\n(٤) قاله الضحاك.\nانظر: معاني القرآن للنحاس (٤/ ١٥٤).\n(٥) قاله مجاهد.\nانظر: الكشف والبيان للثعلبي (٦/ ٩٨).\n(٦) انظر: معالم التنزيل (٥/ ٩٢).\nالقسطاس بالضم والكسر، الميزان، وهو عربي مأخوذ من القسط وهو العدل، والقسطاس ميزان العدل، وقيل: هو القَبَّان.\n\nانظر: العين (٥/ ٧١)، القاموس المحيط (٧٣٠)، المصباح المنير (٢/ ٤٨٧).","vol":"1","page":1857},{"text":"﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ حقوقهم، وذكر بأعم الألفاظ.\n﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (١٨٣)﴾ العُثِيّ: إسراع الفساد (١).\n﴿وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (١٨٤)﴾ أي: وخلق الجِبِلة، والجِبِلة: الخلق، من جَبَلَة الله أي: خلقه.\nوقيل: الجِبِلَّة: الخَلْق المتجسد الغليظ مأخوذ من الجبل (٢).\nوقيل: معنى ذكر الجِبِلة انذارهم ما أوقع الله بهم من العقوبات أي: خلقكم وخلق الأولين وقد رأيتم وقائعه بهم (٣).\nالضحاك عن ابن عباس، ﵄: الجبلة عشرة آلاف، حكاه النقاش (٤).\n_________\n(١) قال في المفردات (٥٤٦): \" العيث والعِثيّ: يتقاربان، إلا أن العيث أكثر ما يقال في الفساد الذي يُدرك حسًا، والعِثِي فيما يدرك حكمًا، والأعثى لون إلى السواد، ويقال للأحمق الثقيل أعثى \".\n(٢) الجِبِلّة بالكسر والتشديد الخليق والغريزة الطبيعية، يقال: جَبَلَه على كذا فطره عليه، وشيء جِبِلي منسوب إلى الجبلة.\nانظر: العين (٦/ ١٣٧)، المصباح المنير (١/ ٩٠)، التوقيف على مهمات التعاريف للمناوي (٢٣١).\n(٣) وهو قول ابن عباس، ﵄، ومجاهد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٦٣٥).\nوالمحققون من المفسرين على أن المراد بالجبلة الأولين الخلق الأولين وما حل بهم من عقوبة.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٦٣٥)، الوسيط للواحدي (٣/ ٣٦٢)، المحرر لابن عطية (٤/ ٢٤٢)، تفسير ابن كثير (٣/ ٣٥٨).\n(٤) انظر: غرائب التفسير للكرماني (٢/ ٨٣٦)، البحر المحيط (٧/ ٣٧).","vol":"1","page":1858},{"text":"﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٨٥) وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (١٨٦) فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ أي: قطعة من السماء (١).\nوقيل: جانبًا منها (٢).\nوقيل: الكِسْفَةُ: القطعة من السحاب (٣).\nوقيل: عذابًا من جانب السماء (٤).\n﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٨٧)﴾ في دعواك.\n﴿قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨٨)﴾ أي: إن كنتم تستحقون عذاب الاستئصال فيأتيكم وإلا فلا.\n﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ سلط الله عليهم الحَرَّ سبعة أيام ولياليها حتى غلت أنهارهم ثم رُفع لهم جبل تحته ماء بارد فاستظلوا به فسقط عليهم.\nالزجاج: الظُّلَّة: سحاب أظلتهم (٥) واجتمعوا تحتها يستجيرون بها من شدة الحر فأطبقت عليهم فكان من أعظم يوم في الدنيا (٦).\nابن عباس، ﵄: من حدثك ما عذاب يوم الظلة فكذبه (٧)، لعله أراد لم ينج منهم أحد فيخبر به.\n_________\n(١) قال في المفردات (٧١١) \" الكِسْفَة: قطعة من السحاب والقطن، ونحو ذلك من الأجسام المتخلخلة الحائلة، وجمعها كِسَف \".\n(٢) قاله الضحاك.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٦٣٦).\n(٣) انظر: معاني القرآن للنحاس (٥/ ١٠٣).\n(٤) قاله السدي.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ١٨٦).\nقال ابن جرير في جامع البيان (١٧/ ٦٣٦) \" قطعًا من السماء، وهي جمع كِسْفة \"، والمراد عذاب يأتيهم من السماء، كما طلبت قريش أن يُمْطَروا بحجارة من السماء.\n(٥) في أ: \"السحاب أظلتهم\".\n(٦) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ٧٦).\n(٧) أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٧/ ٦٣٩).","vol":"1","page":1859},{"text":"﴿إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٨٩) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٩٠) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٩١) وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢)﴾ الهاء يعود إلى القرآن كناية عن غير مذكور لأن القرآن كله كسورة واحدة.\nوقيل: يعود إلى قوله ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ﴾ [الشعراء: ٥] وهو القرآن (١).\n﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣)﴾ يعني جبريل وهو الأمين على الوحي، وسمي روحًا لأن الملائكة روحانيون خلقوا من الريح.\nوقيل: لأن فيما يأتي به رُوحًا وحياةً للدين. وقيل: لأنه خلقه من روحه التي نفخ في آدم. وقيل: لأن الحياة أغلب عليه. وقيل: روح اسم علم له لا صفة (٢).\n﴿عَلَى قَلْبِكَ﴾ أي: عليك وخص القلب بالذكر لأنه محل الوحي والتثبت (٣).\n﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤)﴾ تعلم الخلق موضع المخافة.\n﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ﴾ بلغة قريش وجُرْهُم (٤). ﴿مُبِينٍ (١٩٥)﴾ واضح المعنى.\n_________\n(١) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٤٨٣).\n(٢) انظر: معاني القرآن للزجاج (٣/ ٢١١)، الروح لابن القيم (١٥٤).\n(٣) والقلب محل الحفظ، وفي ألآية دليل على سماع النبي ﷺ للقرآن من جبريل بحروفه وكلماته.\n(٤) جُرْهُم: قبيلة من قبائل اليمن، تنسب إلى جرهم بن عامر بن سبأ بن يقطن بن سام بن نوح ﵇، نزلت مكة، وكانت لهم سنن قبيحة في الحرم، وفجر رجل منهم يدعى إساف بامرأة تدعى نائلة فمسخا حجرين، فسلط الله عليهم خزاعة فحاربوهم حتى ظفروا بهم، وأخرجوهم من مكة فتفرقوا في البلاد.\nانظر: معجم البلدان (٥/ ٣٦).","vol":"1","page":1860},{"text":"﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (١٩٦)﴾ في كتب المتقدمين كقوله ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى﴾ [الأعلى: ١٨] أي: ذكر القرآن لفي الكتب المتقدمة.\nوقيل: معاني القرآن (١).\nوقيل: ذكر محمد ﷺ ونعته مكتوب عندهم في التوراة والإنجيل (٢).\n﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٩٧)﴾ أي: أو لم يكن عَلِمَ علماء بني إسرائيل بوجود نعت محمد ﷺ وذكر القرآن في التوراة علامة للعرب في صدق محمد ﷺ ونبوته، وعلماء بني إسرائيل عبدالله بن سلام (٣) وأصحابه الذين آمنوا بمحمد ﷺ.\n﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (١٩٨)﴾ جمع أعجمي على التحفيف ولولا هذا التقدير لم يجز أن يُجمع جمع السلامة.\n﴿فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (١٩٩)﴾ فيه أربعة أوجه:\nأحدها: ولو نزلنا القرآن بلغة العجم على رجل أعجمي فقرأه على العرب لم يؤمنوا حيث لم يفهموا واستنكفوا من اتباعه.\nوالثاني: لو أنزلنا القرآن كما هو الآن على رجل أعجمي فقرأه على العرب لم يؤمنوا استنكافًا من اتباع من لم يكن منهم.\nوالثالث: ولو نزلنا القرآن على بعض العجم من الدوابّ فقرأ عليهم لم يؤمنوا لعنادهم كقوله ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ﴾ الآية [الأنعام: ١١١]، وجمع أعجم جمع السلامة على هذا لما وصفه بالقراءة وهو فعل العقلاء.\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن للنحاس (٣/ ١٩١).\n(٢) قاله مقاتل.\nانظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٣٦٢).\n(٣) عبد الله بن سلام، تنظر ترجمته ص: ٦٧","vol":"1","page":1861},{"text":"والرابع: ولو نزلناه أي القرآن على بعض الأعجمين من البهائم فقرأ عليهم محمد ﷺ لم يؤمن البهائم كذلك هؤلاء لأنهم كالأنعام بل هم أضل سبيلًا.\n﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (٢٠٠)﴾ في هاء الضمير أقوال: قيل: يعود إلى ترك الإيمان في قوله ﴿مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٩] (١).\nوقيل: إلى الشرك والكفر (٢).\nوقيل: يعود إلى القرآن (٣)، أي: كما أنزلناه على قلبك سلكناه في قلوب المجرمين، أي: أدخلناه فيها فعرفوا معانيه وعرفوا عجزهم عن إيتان مثله فلم يُومنوا به.\nقوله ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٢٠١)﴾ في الدنيا كما رأت الأمم المتقدمة. وقيل: في القيامة (٤).\n﴿فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٢٠٢) فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ (٢٠٣)﴾ أي: يطلبون الرجعة حين يبغتهم عذاب الساعة فلا يجابون إليها. ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ فيقولون مرة أمطر علينا حجارة ومرة يقولون: لن نؤمن لك (٥)، الآيات في بني إسرائيل.\n﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥)﴾ قيل: سني عمر الدنيا.\n﴿ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦)﴾ أي: العذاب.\n_________\n(١) انظر: النكت والعيون (٤/ ١٨٨).\n(٢) قاله ابن عباس، ﵄، وابن جريج، والحسن.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٦٤٩، ٦٤٨)، الوسيط للواحدي (٣/ ٣٦٣).\n(٣) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٧/ ١٨٠).\n(٤) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٤٨٤).\n(٥) في ب: \" ومرة لن نؤمن لك \".","vol":"1","page":1862},{"text":"﴿مَا أَغْنَى عَنْهُمْ﴾ لم يدفع عنهم. ﴿مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ (٢٠٧)﴾ تمتعهم أي: لا معنى لاستعجالهم (١) العذاب فإنه إذا أتاهم ولو بعد العمر الكثير لم يغنِ عنهم تمتعهم بالدنيا قبل ذلك ولأن العذاب يأتيهم ولو بعد حين.\n﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ (٢٠٨) ذِكْرَى﴾ أي: لم نهلك أهل قرية من القرى التي تقدمت في السورة وغيرها إلا لأهلها منذر ينذرهم ويذكرهم ورسول يُرشدهم ويعظهم.\n﴿وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ (٢٠٩)﴾ فنعذبهم قبل الإعذار والإنذار، وجمع منذرين لأن المقصود من القرية العموم والدليل عليه دخول من.\nوقيل: المراد بهم النبي وأتباعه المظاهرون له (٢).\nو﴿ذِكْرَى﴾ في محل نصب بالمصدر أي: يذكرونهم ذكرى وإن شئت نصبت بقوله (منذرين) كقولهم: قعد القرفصاء ورجع القهقرى، ويجوز أن يكون في محل رفع أي: إنذارنا ذكرى. وقيل: ما قصصناه ذكرى.\n﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠)﴾ أي: نزل به الروح الأمين وما نزلت به الشياطين كما يقوله المشركون إن القرآن كهانة وإنك كاهن.\n﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ﴾ ولا يصلح لهم أن ينزلوا به.\n﴿وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (٢١١)﴾ أن ينزلوا بالقرآن على أحد.\n﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ﴾ أي: لأنهم عن الاستماع إلى كلام الملائكة.\n﴿لَمَعْزُولُونَ (٢١٢)﴾ وبالشهب مرجومون. وقيل: عن استراق السمع (٣).\n﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)﴾ في النار بسبب ذلك،\n_________\n(١) في ب: \" تمتعهم بمعنى لاستعجالهم \".\n(٢) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٨٣٨).\n(٣) قاله قتادة.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٦٥٣).","vol":"1","page":1863},{"text":"الخطاب للنبي ﷺ والمراد به غيره، ويحتمل أن قوله ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢] يريد به الكفار أي: لا يسمعون القرآن سماع من ينتفع به.\n﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ لما نزلت هذه الآية صعد رسول الله ﷺ الصفا ونادى بأعلى صوته يا صبحاه فاجتمع الناس إليه فقال ﷺ: \" يا بني عبدالمطلب، يا بني فهر، يا بني ... يا بني لو أخبرتكم أن خيلًا بسفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم صدقتموني؟ قالوا: نعم. قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد\". فقال أبو لهب: ما دعوتنا إلا لهذا تبًا لك فأنزل الله ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: ١] (١).\n﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥)﴾ ليِّن جانبك لهم، وجناحا العسكر جانباه.\n﴿فَإِنْ عَصَوْكَ﴾ يعني عشيرتك.\n﴿فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢١٦)﴾ من عبادة الأصنام.\nوقيل: برئ من أعمالكم لا أؤاخذ بها ولا أحاسب عليها (٢).\nوقيل: لا أملك لكم فيها شفاعةً عند الله ولا دفعًا لعقوبة لو جازاكم بها (٣).\n﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٢١٧)﴾ فوض أمورك إليه واعتمد، ومن قرأ \" فتوكل \" (٤)\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه (ك: التفسير، تفسير سورة تبت يدا أبي لهب، ح: ٤٩٧١)، والواحدي في أسباب النزول (٥٤٥)، وانظر: أسباب النزول للسيوطي (٣٤٥).\n(٢) انظر: إعراب القرآن للنحاس (٣/ ١٩٥).\n(٣) لم أقف عليه، والله أعلم.\n(٤) قرأ نافع، وابن عامر، وأبو جعفر \" فتوكل \" بالفاء، وقرأ الباقون \" وتوكل \" بالواو.\n\nانظر: الغاية في القراءات العشر لابن مهران النيسابوري (٢٢٥)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣٣٦).","vol":"1","page":1864},{"text":"بالفاء فهو أشد اتصالا.\n﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨)﴾ أي: الصلاة مفردًا.\n﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩)﴾ أي: مع المصلين جماعة.\nوقيل: يراك حين تقوم وتقعد مع أهل الصلاة لا مع الكهنة والسحرة (١).\nوقيل: معنى ﴿تَقُومُ﴾ أي: تخلوا (٢).\nوقيل: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩)﴾ نبي إلى نبي حتى أخرجك نبيا يريد من صلبٍ إلى صُلبٍ (٣)، وقال مجاهد: \" ترى تقلبك في صلاتك من خلفك كما ترى بعينيك من قُدامك\" (٤)، وهذا فيه ضعف إذ ليس في اللفظ ما يدل على هذا المعنى.\n﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٢٢٠) هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١)﴾ فإنهم لا ينزلون على الأنبياء فقال ﴿تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ﴾ كذابٍ كاهنٍ ساحرٍ.\n﴿أَثِيمٍ (٢٢٢)﴾ كثير الإثم كمُسيلمة، وطليحة (٥)،\n_________\n(١) قاله ابن عباس، ﵄.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٦٦٨).\n(٢) قاله مقاتل، والكلبي.\nانظر: معالم التنزيل (٦/ ١٣٤).\n(٣) حكاه في النكت والعيون (٤/ ١٨٩) عن ابن عباس، ﵄.\n(٤) انظر: تفسير مجاهد (٢/ ٤٦٦).\n(٥) طليحة بن نوفل الأسدي، صاحب رسول الله ﷺ، ومن يضرب بشجاعته المثل، أسلم سنة تسع، ثم ارتد، وتنبأ بنجد، ووقعت بينه وبين المسلمين حروب انهزم فيها، ثم أسلم وحسن إسلامه، استشهد في معركة نهاوند.\n\nانظر: سير أعلام النبلاء (١/ ٣١٦).","vol":"1","page":1865},{"text":"وسَجَاح (١).\nالزجاج: يأتي الشياطين الكهنة فيلقون إليهم شيئا فيزيدون فيه الكذب (٢) وهو قوله\n﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ﴾ قيل: الكفار يسمعون من الجن ما يوسوسون به ويقبلونه (٣) لأن معنى ألقى السمع: قبل ما سمع وما قيل له (٤).\n﴿وَأَكْثَرُهُمْ﴾ أكثر الشياطين. وقيل: أكثر الكهنة. وقيل: أكثر الكهنة والشياطين (٥). ﴿كَاذِبُونَ (٢٢٣)﴾ الحسن: أكثرهم أي: كلهم (٦).\n﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤)﴾ أي: ليس القرآن بشعر ولا محمد ﷺ بشاعر كما زعموا لأن الشعراء يتبعهم الغاوون.\nمجاهد: الشياطين (٧).\nابن عباس، ﵄: الرواة (٨).\nالضحاك: السفهاء (٩)، والذين اتبعوا محمد ﷺ راكعون ساجدون رحماء بينهم، وأراد بالشعراء الذين كانوا كافرين.\n_________\n(١) سجاح بنت الحارث بن سويد بن عقفان، أم صادر التغلبية، وهي من نصارى العرب ادعت النبوة وتابعها جماعة من قومها، ثم من مرت بهم من بني تميم، ثم توجهت إلى لقاء مسيلمة، فعرض عليها نصف خراج أرضه ثم تزوجها، ثم عادت إلى قومها، فأقامت فيهم إلى أن أجلاهم منها معاوية ﵁ عام الجماعة.\nانظر: البداية والنهاية (٩/ ٤٥٧).\n(٢) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ٨٠).\n(٣) في ب: \" ويقتلونه \" وهو تصحيف.\n(٤) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٦٧٢).\n(٥) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٦٧٢).\n(٦) انظر: تفسير النسفي (٣/ ٢٠١).\n(٧) انظر: تفسير مجاهد (٢/ ٢٩٢)، وهو قول قتاده كما أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٢/ ٧٨).\n(٨) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٧/ ٦٧٥).\n(٩) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٧/ ٦٧٥).","vol":"1","page":1866},{"text":"﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥)﴾ في كل فن الكلام يأخذون كما تقول إنك في واد، وأنت في واد.\n﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (٢٢٦)﴾ وصفهم بالكذب في القول والخلف في الوعد.\nوقيل: في كل لغو يخوضون لا يبالون من صدق ومن كذب (١).\nوروي أن عمر بن الخطاب ﵁ مر بأمج موضع بين مكة والمدينة (٢) فإذا برجل فقال له من أنت؟ فقال:\nحُميد الذي أمج دارُه ... أخو الخمر والشيبة الأصلع.\nعلاه المشيب على حبها ... وكان كريمًا فلم يُقلع.\nقال عمر ﵁ \" أتقر عندي بشرب الخمر؟ لأحدنك \". فقال: \" لقد حال الله بينك وبين ذاك بقوله ﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (٢٢٦)﴾ \" فلم ير عمر إقرارًا.\nوالصحيح أنه نزل في عبدالله بن الزبعري، وأبي سفيان، وأمية بن أبي الصلت (٣)، وهبيرة بن أبي وهب (٤)،\n_________\n(١) قاله ابن عباس، ﵄.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٦٧٦).\n(٢) أَمَج: بفتح اوله وثانيه وهي بلد من أعراض المدينة، بها مزارع كثيرة ونخل كثير.\nانظر: معجم البلدان (١/ ٢٥٠)، معجم ما استعجم لعبد الله البكري (١/ ١٩٠)، وقد ذكرا أن القصة وقعت لعمر بن عبد العزيز وليس لعمر بن الخطاب كما ذكره المصنف، والأبيات لحميد الأمجي.\nانظر: سر صناعة الإعراب لابن جني (٢/ ٥٣٥).\n(٣) أمية بن أبي الصلت، تنظر ترجمته ص: ٤٨٥\n(٤) هبيرة بن أبي وهب المخزومي، من شعراء الجاهلية، كان يهجوا رسول الله ﷺ في شعره، هرب إلى نجران لما فتحت مكة وأقام بها إلى أن مات مشركًا.\nانظر: الإصابة (٤/ ٧٨)، الأعلام للزركلي (٨/ ٧٦).","vol":"1","page":1867},{"text":"ومسافع (١) كانوا يهجون رسول الله ﷺ والمؤمنين (٢)، ... ثم استثنى المؤمنين فقال ﴿إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أي: مدحوا رسول الله ﷺ كحسان بن ثابت، وعبدالله بن رواحة (٣)، وكعب بن زهير (٤)، وكعب بن مالك (٥).\n_________\n(١) مسافع بن عبد مناف بن وهب بن حذافة بن جمح، من شعراء المشركين، كان يهجوا رسول الله ﷺ، خرج إلى بني مالك من كنانة يوم أحد يدعوهم إلى قتال رسول الله ﷺ ويقول في ذلك شعرًا.\nانظر: البداية والنهاية (٥/ ٣٤١)، السيرة النبوية لابن هشام (٣/ ٢٤).\n(٢) انظر: تفسير مقاتل (٢/ ٤٦٧)، بحر العلوم للسمرقندي (٣/ ٣٦٥).\n(٣) عبد الله بن رواحة بن ثعلبة بن امرئ القيس، الأنصاري الخزرجي، أحد النقباء، شهد العقبة، وبدرًا، وما بعدها، وهو أحد الشعراء المحسنين الذين كانوا يردون الأذى عن رسول الله ﷺ، استشهد في غزوة مؤتة وكان أحد أمرائها.\nانظر: الاستيعاب (٣/ ٣٣)، .\n(٤) كعب بن زهير بن أبي سلمى، وهو ربيعة بن رياح المزني، قدم على النبي ﷺ بعد انصرافه من الطائف، وأنشده قصيدته المشهورة: بانت سعاد ...، كان شاعرًا مجيدًا.\nانظر: الاستيعاب (٣/ ٣٧٣)، الإصابة (٥/ ٥٩٢).\n(٥) كعب بن مالك بن أبي كعب، واسم أبي كعب عمرو القين، بن الخزرج الأنصاري السلمي، شهد العقبة الثانية، واختلف في شهوده بدرًا، وشهد أحدًا وما بعدها، كان أحد شعراء رسول الله ﷺ المجيدين الذين يردون الأذى عنه، وهو أحد الثلاثة الذين خلفوا يوم تبوك، توفي في زمن معاوية ﵁ سنة خمسين للهجرة.\nانظر: الاستيعاب (٣/ ٣٨١)، سير أعلام النبلاء (٢/ ٥٢٣).","vol":"1","page":1868},{"text":"﴿وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ قيل: في شعرهم. وقيل: في كلامهم ودعائهم (١).\n﴿وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ ردوا على المشركين ما كانوا يهجون به المؤمنين.\nأبو هريرة ﵁ أن عمر بن الخطاب - ﵁ - مرَّ بحسان وهو ينشد الشعر في المسجد فلحظ إليه فقال: \" قد كنت أنشد فيه وفيه خير منك \"، ثم التفت إلى أبي هريرة فقال: \"أنشدك الله أسمعت رسول عليه ﷺ يقول لي أجب عني اللهم أيده بروح القدس\"؟ فقال: \" اللهم نعم \" (٢).\nوعن البراء بن عازب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لحسان: \"أهج المشركين فإن جبريل معك\" (٣).\n\n﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ قيل: يريد بهم من هجا رسول الله ﵊ (٤). وقيل: عام (٥)، وهو الأظهر.\n﴿أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (٢٢٧)﴾ أيّ مرجع يرجعون بعد موتهم أي: مصيرهم إلى النار وهو شر مصير، (ويعلم) معلق و﴿أَيَّ مُنْقَلَبٍ﴾ نصب على المصدر، أي: ينقلبون أَيّ انقلاب.\n_________\n(١) قاله ابن عباس، ﵄.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٦٨٠).\n(٢) أخرجه البخاري (ك: بدء الخلق، باب: ذكر الملائكة، ح: ٣٢١٢)، ومسلم (ك: فضائل الصحابة، باب: فضائل حسان بن ثابت ﵁، ح ٢٤٨٥).\n(٣) أخرجه البخاري (ك: بدء الخلق، باب: ذكر الملائكة، ح: ٣٢١٣).\n(٤) حكاه في النكت والعيون (٤/ ١٩١).\n(٥) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٣٦٧).","vol":"1","page":1869},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-133>سورة النَّمْل</span>","vol":"1","page":1870},{"text":"سورة النمل\nثلاث وتسعون آية (١)، مكية (٢)، ولها ثلاثة أسماء: النمل (٣)، وطس الهدهد (٤)، وسورة سليمان (٥).\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n_________\n(١) \" ثلاث وتسعون آية \" سقط من ب.\nوآياتها ثلاث وتسعون آية.\nانظر: البيان في عد آي القرآن (١٩٩)، معاني القرآن للنحاس (٥/ ١١١).\n(٢) وهو مروي عن ابن عباس وابن الزبير ﵄، ونقل ابن الجوزي في تفسيره (٦/ ١٥٤) الإجماع عليه، وانظر: تفسير مقاتل (٢/ ٤٦٩)، الناسخ والمنسوخ للنحاس (١/ ٦١١)، الناسخ والمنسوخ لابن حزم (٤٩)، المحرر الوجيز لابن عطية (٤/ ٢٤٨)، الدر المنثور للسيوطي (١١/ ٣٣٣) روح المعاني للألوسي (١٠/ ١٥١).\n(٣) وهو الاسم المنصوص عليه في المصحف، وفي كتب التفسير، وكتب الحديث وغيرها.\n(٤) ذكر هذه التسمية للسورة الدكتور إبرهيم الهويمل في بحث بعنوان المختصر في أسماء السور ضمن مجلة جامعة الإمام العدد الثلاثون (١٥٩).\n(٥) انظر: السبعة لابن مجاهد (٤٧٨)، جمال القراء للسخاوي (١/ ٢٠٠)، الدر المنثور للسيوطي (١١/ ٣٥٠)، الإتقان له (١/ ١٥٧)، وانظر: المختصر في أسماء السور للدكتور إبراهيم الهويمل، نشر مجلة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، العدد الثلاثون (١٥٨).","vol":"1","page":1871},{"text":"﴿طس تِلْكَ آَيَاتُ الْقُرْآَنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ (١)﴾ سبق القول في الحروف، وفي (تلك)، (وذلك)، وقال في هذه السورة ﴿آَيَاتُ الْقُرْآَنِ وَكِتَابٍ﴾، وقال في الحجر ﴿آَيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآَنٍ﴾ [الحجر: ١]، لأن القرآن والكتاب اسمان عَلَمان للمنزل على محمد ﷺ، ووصفان لأنه يُقرأ ويُكتب فحيث جاء بلفظ التعريف فهو العلم، وحيث جاء بلفظ النكرة فهو الوصف وإن شئت قلت مما يجريان مجرى العباس وابن عباس فهو في الحالين اسم العلم، والتقدير: تلك آيات القرآن، وآيات كتاب مبين بييّن الحلال والحرام والأمر والنهي.\n﴿هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾ أي: القرآن هدى من الضلالة وبشرى بالجنة. وقيل: هدى لجميع الخلق وبشرى للمؤمنين خاصة (١).\nوقيل: هدى للمذنبين (٢) وبشرى للمؤمنين (٣)، وخصهم بالذكر لانتفاعهم به.\nومحل ﴿هُدًى وَبُشْرَى﴾ رفع بالخبر، أو بالخبر بعد الخبر، ويجوز النصب على الحال كقوله\n﴿وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾ [هود: ٧٢].\n﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ المفروضة.\n﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ قيل: زكاة مالهم (٤).\nوقيل: تطهير أبدانهم (٥).\nابن عباس ﵄: الإخلاص وطاعة الله (٦).\n_________\n(١) انظر: معالم التنزيل (٦/ ١٤٣).\n(٢) في ب: \" هوى للمذنبين \" وهو تصحيف.\n(٣) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٣٦٨).\n(٤) قاله عكرمة، وقتادة، والحسن.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ١٩٣).\n(٥) حكاه الماوردي في النكت والعيون (٤/ ١٩٣).\n(٦) أخرجه ابن ابي حاتم في تفسيره (١٠/ ٣٢٧٠)، وابن جرير في تفسيره (٢٠/ ٣٧٩).\n\nاختلف المفسرون في المراد بالزكاة هنا، فذهب ابن عباس ﵄، ومجاهد، وعكرمة إلى أن المراد بها زكاة النفس وطهارتها من الشرك وغيره، ذلك لأن السورة مكية وفرض الزكاة إنما كان في المدينة، وهي كقوله تعالى (﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس: ٩]، واختار هذا القول ابن عطية في تفسيره (٥/ ٥)، وابن كثير في تفسيره (٤/ ٩٩)، وهو الأقرب.\nوذهب قتادة إلى أن المراد بها زكاة الأموال، واختاره ابن جرير في تفسيره (٢٠/ ٣٨٠)، وهو معارض بكون السورة مكية إلا أن يراد بالزكاة أصل فرضها. والله أعلم.","vol":"1","page":1872},{"text":"وقيل: صدقة الفطر (١).\n﴿وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٣)﴾ يعلمونها علمًا بالاستدلال، والمعنى: يعملون ما يعملون عالمين (٢) بما لهم وعليهم.\nوقيل: معناه إذا علموا جزاءهم كانوا أنشط له وأحرص عليه (٣).\n﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ﴾ زينا قبيح أعمالهم وسهلنا ذلك عليهم.\n﴿فَهُمْ يَعْمَهُونَ (٤)﴾ يترددون في ضلالهم متحيرين. وقيل: زينا لهم أعمال الخير فخالفوها (٤).\nوقيل: زينا الأعمال التي أمرناهم بها فهم يترددون (٥).\nوقيل: يتمادون (٦). وقيل: يلعبون (٧). وقيل: يتجبرون (٨).\n﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ يعني النار.\n﴿وَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (٥)﴾ بفوت المثوبة والمصير إلى العقوبة، وأفضل هاهنا للمبالغة لا للشركة.\n﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآَنَ﴾ تعطى وقيل. تأخذ (٩).\nوقيل: تُلقى أي تلقن تقول: لقيته كذا فتلقاه قال الله ﷿ ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا﴾ [فصلت: ٣٥] (١٠).\n_________\n(١) انظر: النكت والعيون (٤/ ١٩٣).\n(٢) في أ: \" يعلمون ما يعلمون عالمين \".\n(٣) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (١/ ٩١) بنحوه.\n(٤) انظر: معاني القرآن للنحاس (٥/ ١١٣).\n(٥) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ٧).\n(٦) قاله أبو العالية، وأبو مالك.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ١٩٣).\n(٧) قاله قتادة، والأعمش.\nانظر: المصدر السابق (٤/ ١٩٣).\n(٨) قاله الحسن.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ١٩٣).\n(٩) قاله قتادة.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ١٩٣).\n(١٠) حكاه في النكت والعيون (٤/ ١٩٣).","vol":"1","page":1873},{"text":"وقيل: تُلقى أي: يُلقي عليك القرآن، وحقيقته من قولك: لقيت الشيء ولقَيْتُه غيري (١).\n﴿مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (٦)﴾ من عند الله.\n﴿إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ﴾ لمن معه.\nوقيل: لامرأته بنت شعيب في سفره إذ خرج من مدين يؤم الشام ومعه أهله (٢).\n﴿إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا﴾ أي: توقفوا لقوله في الأخرى ﴿امْكُثُوا إِنِّي آَنَسْتُ﴾ [القصص: ٢٩] أبصرت نارًا.\nوقيل: صادفت ووجدت من قوله ﴿فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ [النساء: ٦]، وكان شاتيًا فوجد أهله البرد، وكان معه زِنْدَه (٣) فأصْلَدَ (٤) فأبصر النار من بُعدٍ فقال\n﴿إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا﴾ (٥).\n﴿سَآَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ﴾ أي: بدلالة على الطريق، وكان قد ضل الطريق.\nوقيل: سأخبركم عنها بعلم (٦).\n﴿أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ﴾ شعلة نارٍ ساطع.\n﴿قَبَسٍ﴾ أقبسها من معظم النار، والقَبْس بالسكون المصدر وبالفتح الاسم، ومن نَوَّنَ جعل القبس صفة للشهاب أو بدلا ومن أضاف جعل الشهاب الشعلة.\nوالقبس (٧):\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ٨٣).\n(٢) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٣٦٩).\n(٣) الزَّنْد والزَّنْدة: خشبتان يستقدح بهما، فالسفلى زَنْدَة وهي التي فيها الفُرْضَة وهي الأنثى، والعليا زَنْدٌ.\nانظر: لسان العرب (٦/ ٩١)، مادة: زَنَدَ.\n(٤) الصلد: الحجر الصلب الأملس، ومكان صلد: لانبات فيه، والمراد: صوت زنده ولم يخرج نارًا.\nانظر: لسان العرب (٧/ ٣٨٦)، مادة: صَلَدَ.\n(٥) انظر: النكت والعيون (٤/ ١٩٥).\n(٦) حكاه في النكت والعيون (٤/ ١٩٤).\n(٧) القَبَس: المتناول من الشعلة، والاقتباس: طلب ذلك.\n\nانظر: المفردات (٦٥٢)، مادة: قبس.","vol":"1","page":1874},{"text":"النار: أي بشهاب نار. وقيل: هو كقولهم: مسجد الجامع، وصلاة الأولى.\n﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٧)﴾ لتصطلوا أي: تستدفئوا من البرد، والصَّلا: النار العظيمة (١).\n﴿فَلَمَّا جَاءَهَا﴾ أي: النار التي أبصرها.\n﴿نُودِيَ﴾ جاءه النداء وهو الكلام المسموع. وقيل: أوحي إليه أن نودي موسى (٢).\n﴿أَنْ بُورِكَ﴾ فضمير موسى مقدر في الفعل.\nوقيل: نودي أن بورك، ومحله رفع والوجه الأول (٣).\nومعنى ﴿بُورِكَ﴾ قيل: قُدِّسَ (٤).\nوقيل: جعل فيه البركة والخير بمعنى: تبارك (٥).\nوهذا كلام يجري مجرى الدعاء وحقيقته ترجع إلى الخير (٦)، وفيه أربع لغات: باركك الله، وبارك فيك، وبارك عليك، وبارك لك.\nوفي النار قولان:\nأحدهما: كانت نارًا مضيئة محرقة كسائر النيران.\nوالثاني: كانت نورًا مضيئًا من غير إحراق لأنها كانت متضرمة في شجرة خضراء (٧). وجاء في التفسير أنها كلما ازدادت عظمًا وتضرمًا ازدادت الشجرة خضرة وكانت سمرة.\n﴿مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ من في النار.\nقيل: هم الملائكة (٨).\n_________\n(١) أصل الصَّلْي الإيقاد بالنار، يقال: صلى بالنار دخلها واصطلى بها، وأصلاها أدخلها غيره.\nانظر: مختار الصحاح (١٦٦)، المفردات (٤٩٠)، مادة: صلا.\n(٢) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٨٢٤).\n(٣) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ٨٣).\n(٤) قاله ابن عباس، ﵄.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ١٩٥).\n(٥) حكاه في النكت والعيون (٤/ ١٩٥) عن النقاش.\n(٦) في ب: \" وحقيقته يرجع إلى الخبر \".\n(٧) وهو قول ابن عباس ﵄، ووهب بن منبه.\nانظر: تفسير ابن كثير (٣/ ٣٦٩)، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٣/ ١٥٧).\n(٨) قال ابن عباس، ﵄، والحسن.\n\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ١٣).","vol":"1","page":1875},{"text":"وقيل: هو موسى، أي: في طلب النار (١).\nوقيل: من في شعاعها تقول فلان في الشمس (٢).\nوقيل: في النار هو الله سبحانه (٣)، وهذه جرأة إلا أن يجعل التقدير: من في النار نوره وأثر صنعه.\nوقيل: ﴿مَنْ﴾ صلة، وتقديره: بُوركت النار ومن حولها، وقريء به في الشواذ (٤).\nوقيل: ﴿مَنْ﴾ (٥) بمعنى (ما)، أي: بورك ما في النار من أمر الله الذي جعله لموسى فإنه داعٍ إلى الأمر العظيم من النبوة والرسالة والشرف والكرامة.\nقوله ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ قيل: الملائكة. وقيل: موسى على ما يوافق القول في ﴿مَنْ فِي النَّارِ﴾ (٦).\n﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٨)﴾ فيه قولان:\nأحدهما: إنه من جملة ما نودي، وأنه سبحانه نَزَّه نفسه عما لا يليق به من الأوصاف. والثاني: أنه كلام موسى لما دهاه الأمر العظيم.\n﴿يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩)﴾ في ﴿إِنَّهُ﴾ وجهان:\nأحدهما: الأمر والشأن.\nوالثاني: يعود إلى المنادي، أي: الذي ناداك أنا.\n﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ﴾ هذا من جملة النداء فألقاها.\n﴿فَلَمَّا رَآَهَا تَهْتَزُّ﴾ تتحرك باضطراب.\n_________\n(١) قاله محمد بن كعب.\nانظر: المصدر السابق (١٨/ ١٣).\n(٢) انظر: معالم التنزيل (٦/ ١٤٥).\n(٣) وهو قول ابن عباس ﵄، وسعيد بن جبير، والحسن.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ١٠).\n(٤) قرأ ابن عباس، وأبيّ، وعكرمة \" أن بوركت النار\".\nانظر: المحتسب لابن جني (٢/ ١٧٨)، شواذ القراءات للكرماني (٢٥٧).\n(٥) في أ: \" وقيل: بمعنى ما \".\n(٦) انظرهما في النكت والعيون (٤/ ١٩٥).","vol":"1","page":1876},{"text":"﴿كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾ حية خفيفة سريعة. وقيل: شبهها بالجن (١).\n﴿وَلَّى﴾ يعني موسى. ﴿مُدْبِرًا﴾ أدبر عنها وجعلها تلي ظهره (٢).\n﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ لم يرجع ولم يلتفت (٣). تقول: عقب الرجل إذا رجع يقاتل (٤) بعد أن ولَىّ.\nوقيل: عَقَّبَ رجع على عقبه (٥).\n\nوقيل: معناه: لم ينتظر (٦).\n﴿يَا مُوسَى لَا تَخَفْ﴾ أي: نودي بها.\n﴿إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠)﴾ المعنى: لا يخافون المرسلون في الموضع الذي يوحى فيه إليهم لأن المرسلين أخوف من الله من غيرهم.\n﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ﴾ في الاستثناء ثلاثة أقوال:\nأحدها: متصل، وظلمهم ذنبهم قبل النبوة.\nوقيل: هو الصغيرة سميت ظلمًا، وتقديره: لا يخاف لدي المرسلون إلا رسول ظلم (٧). الحسن: قال الله تعالى لموسى إنما أخفتك لقتلك القبطي (٨).\nقوله ﴿ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ﴾ على هذا القول مستأنف أي: ومن أذنب ثم تاب.\n﴿فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١)﴾ وقيل: بدل متصل بالأول على هذا القول، والتقدير: إن بدل حسنًا (٩) بعد سوء.\nوالثاني: الاستثناء منقطع، والتقدير: لا يخاف لدي المرسلون إنما يخاف الظالمون، ثم استثنى من الظالمين فقال ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ﴾.\n_________\n(١) انظر: المصدر السابق (٤/ ١٩٦).\n(٢) في ب: \" يلي ظهره \".\n(٣) وبه قال الفراء.\nانظر: معاني القرآن للفراء (٢/ ٢٧٨).\n(٤) في \" إذا رجع يقابل \".\n(٥) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ٨٤).\n(٦) قاله السدي.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ١٩٦).\n(٧) انظر: معاني القرآن للفراء (٢/ ٢٨٧)، النكت والعيون (٤/ ١٩٧).\n(٨) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٨/ ١٦).\n(٩) في ب: \" وإن بدل حسنًا \".","vol":"1","page":1877},{"text":"والثالث: هذا اعتراض بين العطف والمعطوف، والتقدير: (لا يخاف لدي المرسلون وادخل يدك في جيبك).\nوقيل: إلا بمعنى (ولا)، وهو بعيد (١).\n﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ﴾ وكان مِدْرَعةُ صُوفٍ لا كم لها (٢).\nوقيل: في جيبك أي: قميصك لأنه يُجَاب (٣) أي: يُقْطَع (٤).\n﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ﴾ لها شعاع كشعاع الشمس.\n﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ برص وآفة. قيل: كانت إحدى يديه بيضاء.\nوقيل: كلتا يديه بيضاوان (٥).\n﴿فِي تِسْعِ﴾ في جملة تسع آيات. وقيل: من تسع آيات تعطى تمامها (٦).\nوقيل: مع تسع آيات، وهذا ضعيف لأن الآيات تصير عشرًا، وقد جاء في الأخرى\n﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آَيَاتٍ﴾ [الإسراء: ١٠١].\nوقيل: اليد والعصا غير التسع فإنها كانت بمصر وهذه بالشام (٧).\n﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ﴾ أي: مبعوثًا إلى فرعون، أو مرسلا فحذف لأن أول الكلام دل عليه.\n﴿إِنَّهُمْ﴾ فرعون وقومه.\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن للفراء (٢/ ٢٨٧)، إعراب القرآن للنحاس (٣/ ٢٠٠).\n(٢) قال في لسان العرب: \" الدُّرّاعة والمِدْرَع: ضرب من الثياب، وقيل هي جبة مشقوقة المقدم، والمِدْرَعة ضرب آخر ولا تكون إلا من الصوف خاصة \".\n(٣) في ب: \" لأنه يخاف \" وهو تصحيف، والجَبُ: القطع، ومنه قولهم: بعير أجَب أي مقطوع السنام.\nانظر: المفردات للراغب (١٨٢).\n(٤) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ٨٤).\n(٥) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٨٤٤).\nوهو قول ضعيف، والذي عليه المفسرون أنها يد واحدة.\n(٦) قاله الزجاج في معاني القرآن (٤/ ٨٤)، وبه قال المفسرون.\n(٧) ينظر: الكشف والبيان للثعلبي (٧/ ١٩٢)، معالم التنزيل (٥/ ١٣٣)، زاد المسير (٥/ ٩٢).","vol":"1","page":1878},{"text":"﴿كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (١٢)﴾ خارجين عن أمر الله كافرين.\n﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آَيَاتُنَا﴾ أي: جاءهم موسى باليد والعصا.\n﴿مُبْصِرَةً﴾ منيرة تقول: أبصر النهار أضاء. وقيل: مبصرةً تجعلهم بُصراء (١).\nوقيل: جاعلةً لهم بصائر. وقيل: تُبصر الحق من الباطل. وقيل: تُبصر من ينظر إليها (٢).\nوقيل: مُبصرًا بها فاعل بمعنى مفعول كما وافق وعيشة راضية (٣).\n﴿قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣) وَجَحَدُوا بِهَا﴾ ولم يُقِرّوا، ولا يكون الجحود إلا من علم من الجاحد، وأصل الجحد قلة الخير (٤).\nوفي الباء قولان:\nأحدهما: زيادة، كقول الشاعر:\n. . . . . . . . . . . . . . . . ... نضرب بالسيف ونرجوا بالفرج. (٥)\nوالثاني: بالسبب أي: أزالوا الخير عنهم بسبب ردهم آيات الله وتكذيبهم حاملها.\n﴿وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ عرفتها وتحققت أنها من عند الله، وتيقنت واستيقنت بمعنى واحد.\n﴿ظُلْمًا﴾ لأنفسهم.\n﴿وَعُلُوًّا﴾ ترفعًا وأنفةً من اتباع موسى، والتقدير: وجحدوا بها ظلمًا وعلوًا واستيقنتها.\n_________\n(١) حكاه النحاس في إعراب القرآن (٣/ ٢٠١) عن الأخفش.\n(٢) انظرها في زاد المسير (٥/ ٥١).\n(٣) قاله ابن قتيبة في تأويل مشكل القرآن (٢٩٦).\nقال ابن كثير في تفسيره (٣/ ٣٧٠) \" بينة واضحة \".\n(٤) قال في لسان العرب (٢/ ١٨٢) \" الجَحْد والجُحُود: نقيض الإقرار كالإنكار والمعرفة، وجَحَد وأجحَد إذا كان ضيقًا قليل الخير، وأرض جَحْدَة أي يابسة لاخير فيها \".\n(٥) هذا عجز بيت لراجز من بني جعدة، وصدره: نحن نبو جَعْدة أرباب الفلَج ...\nانظر: الإنصاف في مسائل الخلاف لابن الأنباري (١/ ٢٨٤)، أدب الكاتب لابن قتيبة (٤١٨)، مغني اللبيب لابن هشام (١٤٧).","vol":"1","page":1879},{"text":"والواو في ﴿وَاسْتَيْقَنَتْهَا﴾ واو الحال.\n﴿ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ مفعول له والعامل فيها ﴿وَجَحَدُوا﴾.\n﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٤)﴾ أي: كان الإغراق في الدنيا والإحراق في الأخرى.\n﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا﴾ أعطينا.\n﴿دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا﴾ أي: علمًا بالدين والحكم. وقيل: فهمًا (١).\nوقيل: هو بسم الله الرحمن الرحيم. وقيل: علم منطق الطير (٢).\nوقيل: علم الكيمياء، وهو ضعيف، حكاه الماوردي (٣).\n﴿وَقَالَا الْحَمْدُ! الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (١٥)﴾ أي: فأُلْهِمَا الشكر (٤) وعُرِّفَا أنعام الله عليهما فحمداه على ذلك، وأراد بالمؤمنين مؤمني زمانهم ومن لم يؤت مثل ذلك من الأنبياء.\n﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ قيل: النبوة، وزيفه قوم وقالوا: قال النبي ﷺ \" إنا معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقه \" (٥).\nوقيل: الملك والعلم، وكان له سبعة عشر ولدًا لم يَرث أحدٌ ملكة (٦) إلا سليمان (٧).\nوقيل: استخلفه في حياته على بني إسرائيل وكانت ولايته الوراثة (٨).\n_________\n(١) قاله قتادة.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ١٩٨).\n(٢) حكاهما في النكت والعيون (٤/ ١٩٨).\n(٣) انظر: النكت والعيون للماوردي (٤/ ١٩٨)، وقال \" وهو شاذ \".\n(٤) في أ: \" أي: وألهما الشكر \".\n(٥) انظر تخريج الحديث ص: ١٨٢\n(٦) في ب: \" لم يؤت أحد ملكه \".\n(٧) عزاه في النكت والعيون (٤/ ١٨٩) إلى الكلبي قال \"كان لداود تسعة عشر ولدًا ذكرًا \"، وهو كذلك في معاني القرآن للفراء (٢/ ٢٨٨)، وفي معاني القرآن للزجاج (٤/ ٨٥)، وفي معالم التنزيل للبغوي (٦/ ١٤٨).\n(٨) عزاه في النكت والعيون (٤/ ١٨٩) إلى الضحاك.\n\nقال ابن كثير في تفسيره (٣/ ٣٧٠) \" أي: في الملك والنبوة، وليس المراد وراثة المال إذ لو كان كذلك لم يخص سليمان وحده من بين سائر أولاد داود، ولكن المراد بذلك وراثة الملك والنبوة فإن الأنبياء لاتورث أموالهم كما أخبر بذلك رسول الله ﷺ \".","vol":"1","page":1880},{"text":"﴿وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾ النطق استعارة في غير بني آدم وحَسُنَ ها هنا لأن سليمان فهم معنى صوت الطير فجرى في حقه مجرى النطق.\nوقيل: كانت الطير تكلمه معجزة له كقصة الهدهد (١).\nوقيل: يجوز أن يُسمى صوت الطير منطقا لأن لبعضها كلامًا مفهومًا كالببغاء والطوطي (٢).\nوقيل: لما فهم مرادها بأصواتها سمي منطقًا (٣).\n﴿وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي: علم كل شيء احتجنا إليه.\nوقيل: من كل شيء يؤتى الأنبياء (٤).\nوقيل: من كل شيء يطلبه طالب حاجة (٥).\nوقيل: من كل شيء من الخيرات (٦).\nوقيل: فهم ما يسبح به الطير فحسب (٧).\n\nوقيل: من كل شيء يوتى البشر (٨).\n﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (١٦)﴾ لا يخفى على أحد.\n﴿وَحُشِرَ﴾ جمع. ﴿لِسُلَيْمَانَ﴾ في مسيره. ﴿جُنُودُهُ﴾ جَمْعُ جند.\nالمبرد: الجند لا يجمع، وإنما قال الجنود لاختلاف أجناس عساكره (٩).\n﴿مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٧)﴾ أي: وعليهم وزعة يحبس أولهم على آخرهم أي: يدفع أخراهم ويوقف أولاهم ليتلاحقوا وكان سليمن - ﵇ - يسير فيهم ليكون أهيب له.\n_________\n(١) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ٢٥).\n(٢) انظر: معالم التنزيل (٦/ ١٤٨).\nوالطوطي هو الباشق أو الخفاش.\nانظر: لسان العرب (٨/ ٢١٩)، القاموس المحيط (٨٧٤)، مادة: طوط.\n(٣) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٤٩١).\n(٤) حكاه الزجاج في معاني القرآن (٤/ ٨٥).\n(٥) لم أقف عليه، والله أعلم.\n(٦) حكاه ابن جرير في جامع البيان (١٨/ ٢٥).\n(٧) انظر: إعراب القرآن للنحاس (٣/ ٢٠١).\n(٨) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ٨٥).\n(٩) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٨٤٥).","vol":"1","page":1881},{"text":"عن محمد بن كعب قال: \" كان معسكره مائة فرسخ رُبع للإنس، ورُبع للجن، ورُبع للطير، ورُبع للوحش \" (١).\nوالوَزَع: المنع، ومنه: لابد للناس من وزعة.\nوقيل: من التفريق ومنه التوزيع، والناس أوزاع أي: متفرقون (٢).\n﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ﴾ ساروا حتى إذا بلغوا وادي النمل وهو وادٍ بالشام عند الجمهور (٣).\nوروى الثعلبي أن سليمان مر بوادي السدير وادٍ من الطائف فأتى على وادى النمل (٤). ومعنى وادى النمل: يكثر فيه النمل، كما تقول بلاد التمر، وبلاد الثلج إذا كثر فيها ذلك. وذكر الزجاج أن تلك النمل كانت كالذباب (٥).\nالشعبي: كانت النملة التي فهم سليمان كلامها ذات جناحين، وكانت من الطير فلذلك علم منطقها (٦).\nمقاتل: سمع كلامها من ثلاثه أميال حملت الريح إليه (٧).\n_________\n(١) انظر: تفسير الوسيط للواحدي (٣/ ٣٧٢).\n(٢) وهو معنى كلام قتادة كما في النكت والعيون (٤/ ١٩٩).\n(٣) انظر: تفسير أبي الليث السمرقندي (٢/ ٤٩١)، زاد المسير (٦/ ١٦١)، البحر المحيط (٧/ ٥٨).\nوفي معجم البلدان (١/ ٥١٩) هو بين بيت جبرين وعسقلان.\nقال ابن كثير في تفسيره (٣/ ٣٧١) \" ومن قال من المفسرين إن هذا الوادي كان بأرض الشام أوبغيره، وإن هذه النملة كانت ذات جناحين كالذباب أو غير ذلك من الأقاويل فلا حاصل لها\".\n(٤) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٧/ ١٩٧)، معالم التنزيل البغوي (٦/ ١٥٠).\n(٥) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ٨٥).\nوأخرج ابن جرير في تفسيره (١٨/ ٢٨) عن نوف البكالي قال: \" كان نمل سليمان بن داود مثل الذئاب \". قال عنه ابن كثير في تفسيره (٣/ ٣٧١) \" هو تصحيف وإنما هو بالباء الموحدة \".\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٩/ ٢٨٥٧).\n(٧) انظر: تفسير مقاتل (٢/ ٤٧٢).","vol":"1","page":1882},{"text":"﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ لما وصف النمل بالمخاطبة وهي من أفعال العقلاء وصفها كما يوصف العقلاء.\n﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ﴾ في الظاهر نهي لسليمان عن الحَطْم، وفي الحقيقة نهي لهن عن البروز والوقوف فصار كقول القائل: لا أَرَيَنّك ها هنا أي: لا تحضر هذا الموضع.\nالفراء: فيه معنى الجزاء، وهذا القول يدفعه نون التأكيد لأنه من ضرورات الشعر (١). قال بعض المفسرين: يجوز أن يكون الله ألهمها الحذر والتحذير مما يضرها، فلما رأت العساكر حَذَّرت صواحبها فسمى الله ذلك قولًا، لأن كل إبانة عما في الضمير قول، فأوحى الله إلى سليمان بما كان منها وكذلك نقيق الديك بالدجاجة يحذرها من الشيء يقصدها فتعلم أنه دعاهن أي: تَعَالَيْن.\nوقيل: بل فهم كلام النمل كما فهم كلام الهدهد، وكان يفهم كلام جميع الطيور (٢).\nعن كعب قال: \" صاح وَرَشَان (٣)\n_________\n(١) انظر: غرائب التفسير للكرماني (٢/ ٨٤٥).\n(٢) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٣٧٣).\n(٣) الوَرَشَان: طائر شبه الحمامة، ولحمه أخف، وجمعه وِرْشَان، والأنثى وَررَشَانة.\n\nانظر: لسان العرب (١٥/ ٢٧١)، مادة: ورش.","vol":"1","page":1883},{"text":"عند سليمان، فقال سليمان: تدرون ما يقول؟ قالوا لا قال إنه يقول: لِدُّوا للموت وابنوا للخراب، وصاح طاووس عند سليمان فقال: \" إنه يقول كما تدين تدان. قال: والهدهد: يقول من لا يرحم لا يرحم، وصاح خُطَّاف فقال: إنه يقول قدموا خيرًا تجدوه. وهدر حمامة فقال: يقول سبحان ربي الأعلى ملئ سمائه وأرضه. قال: والقطا يقول: من سكت سلم. والببغاء يقول: ويل لمن الدنيا همه. والضفدع يقول: سبحان ربي القدوس. والضفدعة تقول: سبحان المذكور بكل مكان. قال والحدأ: يقول كل شيء هالك إلا وجهه \" (١).\nوعن فرقد السبخي (٢) قال: \" مر سليمان ببلبل يحرك رأسه ويميل ذنبه فقال: إنه يقول أكلت نصف تمرة فعلى الدنيا العفا \" (٣).\nوعن الحسن قال: \" قال رسول الله ﷺ \"الديك إذا صاح يقول اذكروا الله ياغافلون، وصاح صرد فقال يقول: استغفروا الله يا مذنبون فنهى رسول الله عليه الصلاة والسلم عن قتله \" (٤).\n_________\n(١) انظر: معالم التنزيل للبغوي (٦/ ١٤٨)، الجامع لأحكام القرآن (١٣/ ١٦٦).\n(٢) فرقد بن يعقوب السبخي البصري أبو يعقوب، والسبخي نسبة إلى سبخة البصرة، روى عن سعيد بن جبير، ضعفه أبو حاتم، والبخاري، والنسائي، توفي سنة إحدى وثلاثين ومائة.\nانظر: ميزان الاعتدال (٥/ ٤١٧)، لسان الميزان (٧/ ٣٣٥).\n(٣) انظر: غرائب التفسير للكرماني (٢/ ٨٤٦)، الكشاف (٤/ ٤٣٨)، المحرر الوجيز لابن عطية (٤/ ٢٥٣).\n(٤) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٧/ ١٩٥)، غرائب التفسير للكرماني (٢/ ٨٤٦).","vol":"1","page":1884},{"text":"وعن جعفر الصادق (١) عن أبيه عن جده قال: \" يقول النسر يا ابن آدم عش ما شئت فإن آخره الموت، قال: وإذا صاح العقاب يقول: في البعد من الناس أُنس. قالوا: إذا صاح الخُطّاف يقرأ الحمد لله رب العالمين فإذا بلغ الضالين مده كما يمده القارئ \" (٢).\nوهذه كلمات ذكرها الثعلبي وغيره من المفسرين (٣) فرويته، وكلها حِكَمٌ، والله أعلم بحقيقة ذلك.\nقوله: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٨)﴾ فيه قولان:\nأحدهما: أنه من تمام كلام النملة أي: وهم لا يشعرون أن يحطمونكم.\nوالثاني: أنه استئناف أي: فَهِمَ سليمن والقوم لا يشعرون.\n﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا﴾ متعجبًا من حذرها واهتدائها لمصالحها.\nوقيل: ضحك فرحًا بظهور عدله (٤)، وتبسم بمعنى بَسَم إذا حرك شفته لابتداء الضحك، وضحك إذا ظهرت سِنِّهُ مبالغة فيكون ﴿ضَاحِكًا﴾ حالًا مقدرة.\n_________\n(١) جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، الهاشمي العلوي، الصادق، أبو عبد الله، رأى بعض الصحابة، من الطبقة الخامسة من التابعين، وثقه الأئمة، وكان يتبرأ من الشيعة فيما يتهمون به أبا بكر وعمر ﵄، توفي سنة ثمان وأربعين ومائة.\nانظر: سير أعلام النبلاء (٦٢٥٥)، تهذيب التهذيب (٢/ ٩٢).\n(٢) انظر: معالم التنزيل للبغوي (٦/ ١٤٨).\n(٣) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٧/ ١٩٤)، معالم التنزيل للبغوي (٦/ ١٤٨)، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٣/ ١٦٥).\n(٤) انظر: النكت والعيون (٤/ ٢٠٠).","vol":"1","page":1885},{"text":"قال المازني (١): \" ضاحكًا ليعلم أنه تبسم ضحك لا تبسم غضب \" (٢).\n﴿وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي﴾ حرّضني، وفلان مُوَزع بكذا أي: مُولع من الوزع وهو الولوع. وقيل: علمني (٣).\nوالإيزاع: إدخال الشيء إلى باطن الموزع.\nابن عيسى: الإيزاع من الوزع أي: ألهمني ما يمنع من ذهاب الشكر عني (٤).\n﴿أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ النبوة والملك الذي لا ينبغي لأحد من بعدي (٥).\n﴿وَعَلَى وَالِدَيَّ﴾ يُريد داود بالنبوة وتسبيح الجبال والطير معه وصنعة اللبوس وإلانة الحديد وغيرها، وعلى والدتي بأن جعلتها زاكية طاهرة، وجعلتها زوجة لنبيك وأخرجتني من بطنها وأنا نبيك.\n_________\n(١) المازني، بكر بن محمد بن بقية، وقيل: بن عدي، بن حبيب، نزل في بني مازن فنسب إليهم، وهو بصري، روى عن أبي عبيدة، والأصمعي، وأبي زيد، كان إمامًا في العربية متسعًا في الرواية، يقول بالإرجاء، صنف: علل النحو، كتاب في القرآن، التصريف، وغيرها، توفي سنة ثلاثين ومائتين.\nانظر: سير أعلام النبلاء (١٢/ ٢٧٠)، بغية الوعاة (١/ ٣٦٤).\n(٢) انظر: غرائب التفسير للكرماني (٢/ ٨٤٦).\nقال الزجاج في معاني القرآن (٤/ ٨٦) \"لأن أكثر ضحك الأنبياء التبسم\".\n(٣) انظر: معاني القرآن للفراء (٢/ ٢٨٩)، جامع البيان لابن جرير (١٨/ ٢٩).\n(٤) قال في المفردات (٨٦٨) \" الوُزُوع الولوع بالشيء، يقال: أوزع الله فلانًا إذا ألهمه الشكر، وقيل هو من أُوزِع بالشيء إذا أُلِعَ به \".\n(٥) في ب: \" والملك الذي ينبغي لأحد من بعدي \".","vol":"1","page":1886},{"text":"وذكر محمد بن إسحاق أن أهل الكتاب يزعمون أن أم سليمان هي امرأة أوريا التي امتحن بها داود بما امتحن وأنه بعد موت زوجها تزوجها، حكاه القفال (١).\n﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾ فيما استرعيتني. وقيل: ثبتني على الشكر (٢).\n﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (١٩)﴾ أي: في الجنة مع الأنبياء ولا يدخل الجنة أحد إلا برحمتك.\n﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ﴾ قال والتفقد طلب ما غاب عنك يعني تعرف الطير فلم يجد فيها الهدهد.\n﴿فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ﴾ قيل: كان الهدهد مهندسه يدله (٣) على موضع الماء على مقدار عمق الموضع، وكانت الأرض له مثل الزجاجة يرى ما تحتها، وكان يضع منقاره في الأرض فيخبرهم بُعْدَ الماء وقربه فاحتاج إلى معرفة ذلك في بعض منازله فلم يجده فقال هذا القول (٤).\nوذكر المفسرون أن نافع بن الأزرق (٥) قال لابن عباس ﵄: \" كيف علم هدهد قرب الماء في الأرض وهو لا يعلم الفخ حتى يأخذ بعنقه؟ فقال ابن عباس ﵄: \" ويحك ألم تعلم أنه إذا جاء القدر ذهب البصر؟ \" (٦).\n_________\n(١) وحكاية امتحان داود ﵇ بهذه المرأة باطلة ولا تليق بنبي من الأنبياء ﵈.\n(٢) انظر: النكت والعيون (٤/ ٢٠١).\n(٣) في ب: \" كان الهدهد مهندسة تدله \".\n(٤) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ٨٦).\n(٥) نافع بن الأزرق الحروري، من رؤوس الخوارج، وإليه تنسب طائفة الأزارقة، وكان خروجه في أواخر دولة يزيد ابن معاوية، وله أسئلة عن ابن عباس ﵄ مجموعة في جزء من روايته.\nانظر: الثقات لابن حبان (٥/ ٤٦٩).\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٩/ ٢٨٦٠)، وعزاه السيوطي في الدر (١١/ ٣٤٧) لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"1","page":1887},{"text":"هذا السؤال غير لازم من وجهين:\nأحدهما: أنه كان يعلم مواضع الماء وليس الفخ من الماء فيعلم مكانه.\nوالثاني: أن هذا كان للهُداهد في زمان سليمان معجزة له فلما مات زال.\nوقيل: تفقد الغائب والحاضر من جنوده من الطير وغيرها في العرض، وكان يأتيه من كل صنف واحدًا نوبًا فلم ير الهدهد (١).\nوقيل: كانت الطير تظل فوق رأسه حتى تستره عن الشمس فسقطت الشمس عليه من مكان الهدهد لما غاب وكان الهدهد يستر منكبه الأيمن من الشمس فنظر إلى الطير فوقه فلم يجده، وقال: مالي لا أرى الهدهد حاضر (٢).\n﴿أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ (٢٠)﴾ وقيل: معناه أزاغ بصري عنه أم كان من الغائبين. وقيل: ﴿أَمْ﴾ بمعنى الألف وتقديره: أكان من الغائبين (٣).\nالكسائي: بمعنى بل، فيكون الكلامان تامين (٤).\nوقيل: كان هاهنا بمعنى صار. وقيل: كان من الغائبين قبل هذا ولم أشعر به، ويحتمل أنه من المقلوب وتقديره: ما للهدهد لا أراه (٥).\n﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ وكان عذابه أن ينتف ريشه فيدعه في الشمس (٦).\nوقيل: ينتف ريشه ويُلقيه إلى النمل (٧).\n_________\n(١) قاله وهب بن منبه.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ٣١).\n(٢) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٧/ ١٩٦).\n(٣) انظر: مشكل إعراب القرآن لمكي بن أبي طالب (٢/ ٦٢٨).\n(٤) وهو ما ذهب إليه الزجاج في معاني القرآن (٤/ ٨٦).\n(٥) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٧/ ١٩٨)، البحر المحيط (٧/ ٦٢).\n(٦) وهو المروي عن ابن عباس ﵄، وأكثر السلف.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ٣٤، ٣٣).\n(٧) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٣٧٤).","vol":"1","page":1888},{"text":"وقيل: يجعله في القفص. وقيل: يجمعه مع من ليس من جنسه. وقيل: أبعده من خدمتي (١).\n﴿أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ﴾ ثم استثنى سليمان فقال: ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢١)﴾ بحجة يكون له فيها عذر (٢).\n﴿فَمَكَثَ﴾ أي: الهدهد بعد تفقد سليمان إياه.\n﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ زمانًا غير طويل ثم عاد.\nالزجاج: إلى غير وقت بعيد (٣).\nوقيل: مكث سليمان بعد تفقده وتوعده غير طويل حتى رجع الهدهد (٤).\nوقيل: وعاد الهدهد فمكث أي: وقف مكانًا غير بعيد من سليمان (٥).\n﴿فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ علمت من حال سبأ ما لم تعلمه، والإحاطة العلم بالشيء من جميع جهاته.\n﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (٢٢)﴾ بخبر صدقٍ محقق، وسبأ اسم مدينة تعرف بمأرب (٦) من اليمن، وبينها وبين صنعاء مسيرة ثلاث أيام (٧).\nوقيل: حي من اليمن (٨).\n_________\n(١) تنظر هذه الأقوال في الكشف والبيان للثعلبي (٧/ ١٩٨)، معالم التنزيل (٦/ ١٥٣)، زاد المسير (٦/ ١٦٤).\n(٢) \" بحجة يكون لع فيها عذر \" سقط من ب.\n(٣) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ٨٦).\n(٤) حكاه الفراء في معاني القرآن (٢/ ٢٨٩)، قال \"وهي في قراءة عبد الله فَتَمَكَّثَ\".\n(٥) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٧٤٧)، وهو بعيد، والصواب أن المراد به الوقت، أي: أنه مكث زمانًا غير طويل.\n(٦) في أ: \" يعرف بمأرب \".\n(٧) فمن جعل \"سبأ\" اسمًا للمدينة لم يصرفه، ومن صرفه جعله اسمًا لأب القبيلة.\nقال الزجاج في معاني القرآن (٤/ ٨٧) \"والصرف فيه أكثر القراءة ... فإنما هو أن المدينة سميت باسم رجل\"، وانظر: إعراب القرآن للنحاس (٣/ ٢٠٤).\n(٨) من \" وبينها وبين صنعاء \" إلى \" من اليمن \" سقط من ب.\n\nومأرب هي بلاد الأزد باليمن، ومأرب اسم قبيلة من عاد سمي به هذا المكان، وقيل هو اسم لكل ملك يلي سبأ، وبها سد مأرب الذي بناه يشجب بن يعرب، وهو بين ثلاثة جبال يجتمع فيا ميها السيول.\nانظر: معجم البلدان (٥/ ٦٩).","vol":"1","page":1889},{"text":"وعن النبي ﷺ أنه قال: \" سبأ اسم رجل له عشرة بنين؛ ستة منهم بسبأ وأربعة بالشام؛ فالستة: حِمير (١)، وَكنِدَة (٢)، والأزد (٣)، والأشعرون (٤)، وخثعم (٥)،\n_________\n(١) حِمْيَر: قبيلة من اليمن تنسب إلى حمير بن سبأ بن يشجب، وهم ثلاثة: الأكبر، والأصغر، والأدنى، ومنازلهم باليمن غربي صنعاء، وانتقل قسم منهم إلى الحيرة، وهم أصحاب لكنة في الكلام.\nانظر: نسب معد واليمن الكبير لأبي المنذر بن السائب الكلبي (٢/ ٥٣٤)، معجم البلدان (٢/ ٢٩٧).\n(٢) كندة: قبيلة من قبائل كهلان، تسكن اليمن، تنسب إلى كندة بن ثور، وسمي بذلك أنه كند أباه أي: جحد نعمته، وهو ابن أخي قصي، وجذام، ولخم، وعاملة، وبلاد كندة بجبال اليمن مما يلى حضرموت، وفدت كندة إلى النبي ﷺ سنة تسع ثم ارتدت في السنة الحادية عشرة.\nانظر: نسب معد واليمن الكبير لأبي المنذر بن السائب الكلبي (١/ ١٣٦)، نهاية الأرب للقلقشندي (٤٠٩).\n(٣) الأزد: بفتح أوله وسكون الثاني قبيلة من قبائل اليمن تنسب إلى أزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن كهلان بن سبأ، ويقال لهم: الأسد باسين، وهم أعظم أحياء العرب، وأكثرها بطونًا وأمدها فروعًا، وهم ثلاثة أقسام: أزد شنوءة، وأزد عمان، وأزد السراة.\nانظر: نسب معد واليمن الكبير (١/ ٣٦٢)، نهاية الأرب (٩١).\n(٤) الأشعرون: بطن من كهلان، وهم بنو الأشعر بن أد بن زيد بن يشجب بن يعرب، وهم من قبائل اليمن.\nانظر: نهاية الأرب (١٦٨)، جمهرة أنساب العرب لابن حزم (٣٩٧).\n(٥) خثعم: قبيلة من قبائل اليمن، ومساكنهم بالسراة، وخثعم اسم جبل، وقيل: هو اسم جمل نحروه ثم غمسوا أيديهم في دمه حيث تحالفوا فسموا خثعم.\n\nانظر: معجم ما استعجم من أسماء البلاد والمواضع والبلدان لعبد الله البكري (٢/ ٤٨٩).","vol":"1","page":1890},{"text":"وبجيلة (١). والأربع: لخم (٢)، وجذام (٣)، وعاملة (٤)، وغسان (٥)، وكان رجلًا من قحطان \" (٦).\nوقيل: كان اسمه عبد شمس لحسنه. وقيل: عامر، وسمي سبأ لأنه أول من سبأ (٧).\n_________\n(١) بجيلة: نسبة إلى أمهم، وهم بنو أنمار بن أراش بن كهلان من القحطانية، ويفرعون إلى عدة بطون، وبلادهم خثعم في سروات اليمن والحجاز، ثم تفرقوا أيام الفتح إلى الشام والعراق.\nانظر: نهاية الأرب (١٧١)، معجم قبائل العرب لعمر كحالة (١/ ٦٣).\n(٢) لخم: نسبة إلى لخم، واسمه مال بن عدي بن الحارث بن مرة بن آدم بن زيد بن كهلان، ومساكنهم متفرقة وأكثرهم بين الرملة ومصر.\nانظر: نهاية الأرب (٤١١)، معجم قبائل العرب (٣/ ١٠١١).\n(٣) جذام: وهم بكن من كهلان، وينسبون إلى جذام بن عدي بن الحارث بن مرة بن أد، ومنازلهم بين مدين إلى تبوك، ومنهم بمصر.\nانظر: الأنساب للسمعاني (٢/ ٣٣)، اللباب في تهذيب الأنساب لابن الأثير (١/ ٢٦٥).\n(٤) عاملة: وهم بنو عاملة بن الحارث بن عدي بن مرة بن أد بن كهلان بن سبأ، وعاملة هي أمهم، وقد خرجوا من اليمن إلى الشام، وأقاموا بجبل يسمى جبل عاملة، وكانو يحجون إلى صنم يقال له الأقيصر على مشارف الشام.\nانظر: جمهرة أنساب العرب لابن حزم (٤١٩)، التعريف في الأنساب لأحمد بن محمد القرطبي (٢٥٦).\n(٥) غَسَّان: وهو أبو قبيلة باليمن، وهو مازن بن الأزد بن الغوث، وقيل: غسان هو ماء سد مأرب، وقيل غير ذلك، وهم ملوك الشام، وكانوا عمالًا للروم يحمنهم من قبائل العرب والفرس.\nانظر: نهاية الأرب (٢٨٨)، معجم قبائل العرب (٣/ ٨٨٤).\n(٦) أخرجه الترمذي في سننه (٥/ ٣٦١)، ح: ٣٢٢٢، وقال عنه: حديث حسن غريب، وأخرجه أحمد بن عمرو الشيباني في الآحاد والمثاني (٣/ ٣٢١).\n(٧) انظر: النكت والعيون (٤/ ٢٠٣).","vol":"1","page":1891},{"text":"وذكر المفسرون أن سبب غيبته أنه لقي هدهدًا من سبأ فقال له: \" أين يبلغ ملك صاحبك من ملك صاحبتنا \"؟ قال: \" فكأنها أعظم ملكًا (١) من صاحبنا؟ \". فقال: نعم، أخرج معي حتى ترى. فقال: لعل سليمان يطلبني. قال إنك ترجع إليه قبل أن يطلبك فخرج معه إلى سبأ (٢).\n﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ﴾ تملك التصرف فيهم وتلي عليهم هي بلقيس بنت شراحِيل. وقيل: بنتُ شَرَاحِبيل بن مالك بن الريان، وأمها يزعم بعضهم أنها (٣) فارعة الجنية (٤).\n﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ من أنواع الدنيا.\nوقيل: من كل شيء بأرضها (٥). وقيل: من كل شيء احتاجت إليه في ملكها (٦).\n﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (٢٣)﴾ سرير كبير. وقيل: حسن الصنعة، وكان معمولًا من ذهب وقوائمه من لؤلؤ وجواهر (٧).\nوقيل: كان طوله ثمانين ذراعًا، وكان عليه من الفرش ما تليق به (٨).\nوقيل: كانت تخدمها ستمائة امرأة أحرار (٩).\n_________\n(١) في أ: \" فقال: فكأنها أعظم ملكًا \".\n(٢) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٧/ ٢٠٠).\n(٣) \" أنها \" سقط من ب.\n(٤) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٨/ ٨٢) عن مجاهد، وذكر النحاس في معاني القرآن (٥/ ١٢٥) والثعلبي في الكشف والبيان (٧/ ٢٠٢) أن أحد أبويها كان جنيًا، لكن الماوردي ضعفه في النكت والعيون (٤/ ٢١٦).\n(٥) قاله السدي.\nانظر: النكت والعيون (٢٠٤).\n(٦) قاله الحسن، وعطاء.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ٣٩)، الوسيط للواحدي (٣/ ٣٧٥).\n(٧) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٨/ ٤٠) عن ابن عباس ﵄.\n(٨) وهو قول مقاتل.\nانظر: معالم التنزيل (٦/ ١٥٦).\n(٩) عزاه في النكت والعيون (٤/ ٢٠٤) لابن إسحاق.","vol":"1","page":1892},{"text":"وقيل: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ﴾ أي: ملك (١)، وهذا ضعيف لقوله ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا﴾ [النمل: ٣٨] وهو الكرسي.\n﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الحسن: كانوا مجوسًا (٢).\n﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ التي كانوا عليها.\n﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ عن سبيل التوحيد والحق الذي يجب أن يسلكوه إذ لا سبيل غيره.\n﴿فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (٢٤)﴾ إلى الحق.\n﴿أَلَّا يَسْجُدُوا!﴾ أي: فصدّهم أن لا يسجدوا لله.\nوقيل: وزين لهم أن لا يسجدوا، فيكون بدلًا من أعمالهم. وقيل: فهم لا يهتدون أن لا يسجدوا لله، فيكون (لا) زيادة وكذلك إذا جعلته متعلقًا بالصد. وقيل: فصدهم لأن لا يسجدوا فحينئذٍ واقع موقعه غير زائد (٣).\nوقرأ الكسائي ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا!﴾ بالتخفيف (٤) وتقديره: ألا يا قوم اسجدوا، فحذف المنادى، كما أنشده سيبويه:\nيالعنة الله والأقوام كلهم ... والصالحين على سمعان من جاري (٥).\n_________\n(١) حكاه في النكت والعيون (٤/ ٢٠٤) عن ابن بحر.\n(٢) والأكثر على أنهم كانوا يعبدون الشمس.\n(٣) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ٨٧)، معاني القرآن للنحاس (٥/ ١٢٦).\n(٤) قرأ الكسائي \" ألا يسجدوا \" بالتخفيف، وقرأ الباقون \" ألاّ يسجدوا \" بالتشديد.\nانظر: الحجة في القراءات السبع لابن خالويه (٢٧٠)، التيسير للداني (١٦٧).\n(٥) انظر: الكتاب لسيبويه (٢/ ٢١٩)، والبيت ذكره الزمخشري في المفصل في صنعة الإعراب (٧٢)، وابن هشام في مغني اللبيب (٤٨٨)، وأبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق في كتاب اللامات (٣٧)، وأبو بكر بن السراج البغدادي الأصول في النحو (١/ ٣٥٤).","vol":"1","page":1893},{"text":"أراد يا قوم فحذف ألف الوصل والألف بالالتقاء الساكنين فلما حذفا من اللفظ حذفا من الخط، ولا يجوز تعمد الوقف عليه لأنه يؤدي إلى مخالفة المصحف وذلك غير جائز بوجه، ومن قرأ بلفظ الأمر فهو استئناف كلام من الله.\nوقيل: متصل بكلام الهدهد. وقيل: هو من كلام سليمان (١).\nوقوله ﴿الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: القطر من السماء والنبات من الأرض فيكون (في) بمعنى من.\nوقيل: الخبء الذي في السموات فحذف الذي فصار حالًا (٢).\nوالخبء: ما خبأته.\nوقيل: ﴿يُخْرِجُ الْخَبْءَ﴾ أي: يعلم غيب السموات والأرض (٣).\n﴿وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (٢٥)﴾ يعلم ضمائركم وما تظهرونه.\n﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) (٢٦)﴾ أعظم شيء خلقه الله. وقيل: العظيم عظيم الشأن (٤). وقيل: العرش المملكة (٥).\nومن قرأ (٦) ألا بالإدغام حَسُنَ وقْفُه على ﴿تُعْلِنُونَ﴾ ثم يستأنف ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ فيكون حُكمه حُكم من قرأ ألا بالتخفيف.\n_________\n(١) انظر ذلك في حجة القراءات لابن زنجلة (٥٢٦).\n(٢) انظر: إعراب القرآن للنحاس (٣/ ٢٠٠).\n(٣) المراد بالخبء: المخبوء، أي: يخرج المخبوء من غيث السماء ونبات الأرض ونحو ذلك، وهو قول ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وقتادة، وابن جرير.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٤٢)، تفسير ابن كثير (٣/ ٣٧٢).\n(٤) أي: ليس في المخلوقات أعظم منه.\n(٥) وهو تأويل باطل، فعرش الرحمن لايشبهه شيء من المخلوقات.\n(٦) في ب: \" من قرأ \" بغير واو.","vol":"1","page":1894},{"text":"﴿* قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٧)﴾ أي: قال سليمان سنتعرف (١) أصدقت فيما أخبرت به فتكون معذورًا في غيبتك أم كنت من الكاذبين فيما أخبرت به فيحل بك (٢) ما توعدتك، ثم ذكر ما يتعرف به صدق الهدهد فقال: ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ﴾ اطرحه إليهم لأنه لا يتهيأ له إيصاله بيده.\n﴿ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ تنح عن ذلك الموضع فكن قريبًا منهم بحيث تسمع ما يجيبون عنه. وقيل: فيه تقديم وتأخير، أي: فألقه إليهم (٣).\n﴿فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ (٢٨)﴾ ثم تَولّ عنهم. وقيل: معنى ﴿ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ أسرع الانصراف (٤). وقيل: ﴿فَانْظُرْ﴾ فانتظر (٥).\nقوله ﴿مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ قيل: يَرَدّون (٦).\nوقيل: يجيبون. وقيل: يرجعون بينهم في الكلام (٧)، فأخذ الكتاب بمنقاره.\nوقيل: علقه في عنقه فجاءها حتى وقف على رأسها وحولها جنودها، فرفرف ساعة والناس ينظرون إليه حتى رفعت رأسها فألقى الكتاب في حجرها (٨).\nوقيل: جاءها فوافاها في قصرها وقد غلقت الأبواب ونامت على فراشها مستلقية فألقى الكتاب على نحرها (٩).\n_________\n(١) في أ: \" ستعرف \".\n(٢) في أ: \" فيما أخبرت فيحل بك \".\n(٣) حكاه الفراء في معاني القرآن (٢/ ٢٩١).\n(٤) حكاه في زاد المسير (٦/ ١٦٧).\n(٥) على القول بالتقديم والتأخير.\n(٦) حكاه الواحدي في الوسيط (٣/ ٣٧٦).\n(٧) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ٤٥).\n(٨) قاله مقاتل.\nانظر: الكشف والبيان للثعلبي (٧/ ٢٠٥).\n(٩) قاله قتادة، وابن زيد.\nانظر: الكشف والبيان للثعلبي (٧/ ٢٠٥)، معالم التنزيل (٦/ ١٥٨).","vol":"1","page":1895},{"text":"وقيل: كانت في البيت كوة تقع الشمس فيها (١) كل يوم فإذا نظرت إليها سجدت، فجاء الهدهد فَسَدّ تلك الكوة وسترها بجناحيه (٢)، فلما رأت ذلك قامت إليه فألقى الكتاب إليها، فأخذت الكتاب وكانت قارئة عربية من قوم تُبّع (٣).\n﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (٢٩)﴾ قيل: مختوم (٤)، لقوله ﵊ \" كرم الكتاب ختمه \" (٥).\nوقيل: كتاب مَلِك لأن الملوك كانوا يختمون كتبهم (٦).\nوقيل: كريم مضمونه (٧).\nوقيل: كريم حيث أتي به طير (٨).\n\nوقيل: كريم حقيق بأن يؤمل الخير من جهته تفرست في سليمان بطاعة الطير له (٩).\n﴿إِنَّهُ﴾ إن الكتاب هذا كلام بلقيس.\n_________\n(١) الكوة: الخرق في الحائط والثقب في البيت ونحوه، وجمعها كِوىً.\nانظر: لسان العرب (١٢/ ١٩٨)، مادة: كوي.\n(٢) في ب: \" بجناحه \".\n(٣) حكاه ابن جرير في جامع البيان (١٨/ ٤٦) عن وهب بن منبه.\n(٤) قاله السدي، وعطاء، والضحاك.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٢٠٦)، معالم التنزيل (٦/ ١٥٩).\n(٥) أخرجه القضاعي في مسند الشهاب (١/ ٥٨)، ح: ٣٩)، والطبراني في الأوسط (٤/ ١٦٢) عن ابن عباس ﵄، واورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ١٨٦) وقال: \" وفيه محمد بن مروان السدي الصغير وهو متروك \"، وانظر: تخريج أحاديث الكشاف لابن حجر (٣/ ١٦).\n(٦) في أ: \" كانوا تختمون كتبهم \"، وهو قول ابن زيد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ٤٨).\n(٧) قاله قتادة، ومقاتل.\nانظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٣٧٦)، واختاره الزجاج في معاني القرآن (٤/ ٨٩).\n(٨) حكاه الماوردي في النكت والعيون (٤/ ٢٠٦).\n(٩) حكاه في معالم التنزيل (٦/ ١٥٩) عن ابن عباس، ﵄.","vol":"1","page":1896},{"text":"﴿مِنْ سُلَيْمَانَ﴾ عنوان الكتاب. ﴿وَإِنَّهُ﴾ المكتوب.\n﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ﴾ (إن) هي المفسرة بمعنى أي: لا تعلوا عليّ لا تمتنعوا عليّ (١).\nوقيل: لا تخالفوا عليّ (٢).\nوقيل: لا تتكبروا وأطيعوني (٣).\n﴿وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣١)﴾ منقادين. وقيل: مستسلمين (٤).\nوقيل: مُسلمين مؤمنين داخلين في الإسلام (٥).\nالزجاج: قد روي أن عنوان الكتاب من عبدالله سليمان إلى بلقيس بنت شراحيل قال: وإنما كَنَّتِ الناسُ من عبدالله أخذًا بكتاب سليمان.\nقال: ومعنى ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ﴾ لا تترفعوا علي وإن كنتم ملوكًا. (٦)\nويجوز في ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ﴾ الرفع على ﴿أُلْقِيَ إِلَيَّ﴾ أن لا تعلوا ويجوز النصب كتابًا بأن لا تعلوا، والأحسن أن تكون (٧) مفسرةً.\n﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ (٣٢)﴾ فجمعت أهل مشورتها.\nقال قتادة: كانوا ثلثمائه وثلاثة عشر رجلا (٨) فقالت: يا أيها الملأ، وهم الذين يملؤن العين مهابة والقلوب جلالة.\n_________\n(١) حكاه الماوردي في النكت والعيون (٤/ ٢٠٧) عن يحيى بن سلام.\n(٢) حكاه في النكت والعيون (٤/ ٢٠٧) عن قتادة.\n(٣) حكاه ابن جرير في جامع البيان (١٨/ ٤٩) عن ابن زيد.\n(٤) قاله الكلبي.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٢٠٧).\n(٥) قاله ابن عباس، ﵄.\nانظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٣٧٦).\n(٦) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ٩٠).\n(٧) في أ: \" أن يكون \".\n(٨) انظر: تفسير مقاتل (٢/ ٤٧٥).","vol":"1","page":1897},{"text":"وقيل: هم المليؤن بما يراد منهم (١).\n﴿أَفْتُونِي فِي أَمْرِي﴾ أشيروا علي في الأمر الذي نزل بي.\nوالفتوى: الحكم بما هو صواب. فجعلت المشورة فتوى.\n﴿مَا كُنْتُ قَاطِعَةً﴾ ممضيةً. ﴿أَمْرًا﴾ حتى تحضروني.\nوقيل: حتى تشيروا علي بما تستصوبونه (٢).\n﴿قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ﴾ لم يشيروا بشيء بل قالوا نحن أصحاب الحروب والعَدَد والعُدّة.\n﴿وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيد﴾ شجاعة ونجدة. ﴿وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ﴾ والرأي رأيك. ﴿فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ (٣٣)﴾ فإن أمرتنا بالحرب والقتال قاتلنا، وإن أمرتنا بالصلح صالحنا.\n﴿قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا﴾ إذا دخلوا قرية عنوة خَرَّبوها.\nوقيل: استولوا على ساكنيها وأَجْلَوا عنها أهلها (٣).\n﴿وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾ أخذوا أموالهم، وحَطُّوا أقدارهم ليستقيم أمرهم أذلة بالقتل والأسر وأخذ المال والقهر.\n﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (٣٤)﴾ فيه قولان:\nأحدهما: أن هذا من كلام الله، أي: صَدَّقها الله فقال: وكذلك يا محمد يفعلون، ويكون الضمير من الملوك.\nوالثاني: أنه من تمام كلامها، أي: وكذلك يفعل سليمان فيكون الضمير يعود إلى سليمان ومن معه.\nابن بحر: وكذلك يفعل جُنْدِي إن قَصَدَتْ سليمان (٤).\n_________\n(١) الملأ: الرؤساء، سموا بذلك لأنهم مِلاءٌ بما يُحتاج إليه، وقيل: هم أشراف القوم ووجوههم ومُقَدَّمهم الذين يُرجع إلى قولهم.\nانظر: لسان العرب (١٣/ ١٦٦)، مادة: ملأ.\n(٢) انظر: النكت والعيون (٤/ ٢٠٨).\n(٣) حكاه الماوردي في النكت والعيون (٤/ ٢٠٨).\n(٤) انظر: غرائب التفسير للكرماني (٢/ ٨٤٩).","vol":"1","page":1898},{"text":"القفال: إن الملوك قيل: كانوا يفعلون كذا وكذلك اليوم (١).\n﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (٣٥)﴾ أي: رأيي أن أرسل إليهم بهدية فأنظر بما يرجع المرسلون بقبولها أم ردها؛ وإنما فَعَلَت ذلك لأنها عرفت عادة الملوك وحسن موقع الهدايا منهم فإن كان ملكًا قبلها وإن كان نبيًا ردها (٢). ابن عباس ﵄: كانت الهدية لبنة من ذهب (٣).\nسعيد بن جبير: جواهر (٤).\nوقيل: صحائف الذهب في أوعية الديباج (٥).\nعكرمة في جماعة: أهدت ثمانين غلامًا وثمانين جارية على زي واحد (٦).\nوقيل: بدلت (٧) لباس الغلمان بلباس الجواري وسألت سليمان أن يُمَيِّزَ بين الغلمان والجواري، وبعثت حقه فيها جواهر مثقوبة وغير مثقوبة (٨).\nوقد أكثروا القول في هداياها ولا فائدة في ذكرها فتركتها.\nوبعثت رسلًا وأمرت عليهم رجلًا يقال له المنذر ولهذا قال ﴿بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾.\nالفراء: كان الرسول امرأة (٩).\n﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ﴾ يعني الرسول. وقيل: ما أهدت وأرسلت (١٠).\n_________\n(١) لم أقف عليه، والله أعلم.\n(٢) في ب: \" وإن نبيًا ردها \".\n(٣) انظر: زاد المسير (٦/ ١٧٠).\n(٤) أخرجه ابن ابي حاتم في تفسيره (٩/ ٢٨٧٨).\n(٥) قاله ثابت البناني.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٢٠٩).\n(٦) وهو قول عكرمة، ومجاهد، وقتادة، والسدي.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ٥٣)، الوسيط للواحدي (٣/ ٣٧٧).\n(٧) في ب: \" بدل \".\n(٨) قاله مجاهد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ٥٣).\n(٩) انظر: معاني القرآن للفراء (٢/ ٢٩٣).\n(١٠) حكاه الزجاج في معاني القرآن (٤/ ٩١)، وضعفه لقوله تعالى بد ذلك (ارجع إليهم).","vol":"1","page":1899},{"text":"﴿قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ﴾ أتزيدونني مالًا، خطاب للرسل فيمن جعلهم جماعة، ومن جعل الرسول رجلًا واحدًا أو امرأة قال هذا خطاب للرسول والمرسِل (١) وأتباعه فجمع، وغلب الخطاب على الغيبة وهو القياس أنكروا عليهم إرسالهم بالمال إليه وهو يدعوهم إلى الله وإلى الإسلام.\n﴿فَمَا آَتَانِيَ اللَّهُ﴾ من الملك والنبوة والنعمة.\n﴿خَيْرٌ مِمَّا آَتَاكُمْ﴾ أفضل وأكثر.\n﴿بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ﴾ أي: بما يهدي إليكم. وقيل: بهديتكم هذه (٢).\n﴿تَفْرَحُونَ (٣٦)﴾ إعظاما منكم لها. ﴿ارْجِعْ﴾ أيها الرسول.\n﴿إِلَيْهِمْ﴾ إلى بلقيس وقومها بما صحبكم من الهدية، ويحتمل أن التقدير: أرجعها من الرَّجع فحذف المفعول.\nوقوله ﴿ارْجِعْ﴾ دليل على أن الرسول كان واحدًا وكان المتكلم منهم واحدًا، وذكر أقضى القضاة (٣) أن المخاطب ها هنا الهدهد أي: ارجع لهم قائلا لهم.\n﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ﴾ وعلى هذا يحتمل أن يكون الفاعل في قوله ﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ﴾ الهدهد أيضًا قال: قل لهم ﴿أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ﴾، والوجه ما سبق.\n﴿فلنأتينهم بجنود لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا﴾ لا طاقة لهم ولا يمكنهم دفعها عنهم وعن قريتهم.\n﴿وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً﴾ قيل: من القرية. وقيل: من المملكة (٤)، وكنى عن القرية لتقدم ذكرها في قوله ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً﴾ [النمل: ٣٤].\n_________\n(١) في ب: \" خطاب الرسول والمرسل \".\n(٢) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٣/٣٧٧).\n(٣) وهو أبو الحسن علي بن حبيب الماورودي.\nانظر: تفسيره النكنت والعيون (٤/ ٢١١)، والصواب أن الخطاب لرسول المرأة.\n(٤) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٧/ ٢٠٩).","vol":"1","page":1900},{"text":"﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ (٣٧)﴾ مهانون مستخف بهم من قولهم: أفعل هذا غير صاغر أي: غير مستخف بك.\n﴿قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣٨)﴾ فيه قولان:\nأحدهما: أن هذا قبل الكتاب وإنما جرب صدق الهدهد بمجيء العرش إليه ولولا ذلك كان محالًا أن يكتب كابًا إلى من لا يدري هل هو في الدنيا أم لا، حكاه القفال وَطَوَّلَ (١).\nوالثاني: أن إحضار عرشها بعد الكتاب وبعد ما خرجت الرسل وقد ردت هديتهم، فعلمت أنه نبي لا يصانع عن الدين بالأموال ولا يُغلب إن قُوتل.\nومعنى ﴿مُسْلِمِينَ﴾ مؤمنين موحدين، أخبره جبريل بمجيئها مؤمنةً.\nوقيل: أخبر به الهدهد. وقيل: مستسلمين منقادين، وقيل معنى ﴿مُسْلِمِينَ﴾: ليسلموا، وفي استحضار العرش أقوال:\nأحدها: أنه أراد أن (٢) يكون ذلك معجزة دالة لها على صدق نبوته اذ أُتي به مخرجًا (٣) من البيوت والأحراز (٤).\nوقيل: قبل أن يسير إليهم محاربًا (٥).\nابن عباس ﵄: أراد أن يجرب صدق الهدهد، على ما سبق (٦).\nوقيل: أعجبه وصفه فأراد أخذه قبل أن يحرم عليه بإسلامها (٧).\n﴿قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ وهو النافذ في الأمر المبالغ فيه مع خُبث ودهاء.\n_________\n(١) انظر: غرائب التفسير للكرماني (٢/ ٨٥٠).\n(٢) في أ: \" أراد أن \".\n(٣) في أ: \" إذا أتى به مخرجًا \".\n(٤) وهو اختيار ابن جرير في جامع البيان (١٨/ ٦٥).\n(٥) لم أقف عليه، والله أعلم.\n(٦) انظر: النكت والعيون للماوردي (٤/ ٢١٢).\n(٧) قاله قتادة، وهو الذي عليه أكثر المفسرين.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ٦٤)، معالم التنزيل (٦/ ١٦٣).","vol":"1","page":1901},{"text":"الحسن: العفريت لا يكون إلا كافرًا ولكن كان مسخرًا (١).\nقيل: وكان يضع قدمه حيث ينال بصره (٢).\nقيل: كان اسمه صخر الجن (٣).\nوقيل: كودي (٤).\n﴿أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ مجلسك، وكان مجلس قضاء وحكم. وقيل: مجلس وعظ يمتد الى نصف النهار (٥).\n﴿وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (٣٩)﴾ على جواهره. وقيل: أمين لا أبدله بغيره (٦). وقيل: أمين فيما أقول.\nقال سليمان: أريد أعجل من ذلك. وقيل: بل ابتداء.\n﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ﴾ فيه أقوال:\nالزجاج في جماعة: هو آصف بن برخيا (٧).\nوقيل: مَلَكٌ أَيَّد الله سليمان به (٨). وقيل: جبريل (٩). وقيل: سليمان نفسه.\nالمبرد: الأكثر إنه ضبة أبو القبيلة (١٠).\nوقيل: كان رجلًا مستجاب الدعوة اسمه مليخا (١١).\n_________\n(١) لم أقف عليه، والله أعلم.\n(٢) ذكره الواحدي في الوسيط (٣/ ٣٧٨).\n(٣) حكاه الماوردي في النكت والعيون (٤/ ٢١٣) عن ابن أبي طلحة.\n(٤) حكاه الثعلبي في الكشف والبيان (٧/ ٢١٠) عن وهب بن منبه.\n(٥) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٣٧٨).\n(٦) حكاه في النكت والعيون (٤/ ٢١٢) عن ابن زيد.\n(٧) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ٩٢)، وهو قول أكثر المفسرين.\nانظر: تفسير مقاتل (٢/ ٤٧٧)، معاني القرآن للنحاس (٥/ ١٣٤)، الكشف والبيان للثعلبي (٧/ ٢١٠)، المحرر الوجيز لابن عطية (٤/ ٢٦١).\n(٨) حكاه في النكت والعيون (٤/ ٢١٣).\n(٩) حكاه الثعلبي في الكشف والبيان (٧/ ٢١١).\n(١٠) انظر: غرائب التفسير للكرماني (٢/ ٨٥٠).\n(١١) قاله قتادة.\n\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ٦٩)، وفيه أن اسمه بليخا، بالباء، وهو كذلك في تفسير ابن كثير (٣/ ٣٧٦)، وفي النكت والعيون (٤/ ٢١٣) مليخا، بالميم، والله أعلم.","vol":"1","page":1902},{"text":"وقيل: أسطوس. وقيل: هو ذو النون (١).\nابن لهيعة (٢): هو الخضر (٣).\nوالعلم من الكتاب اسم الله الأعظم وهو يا حي يا قيوم (٤).\nوقيل: يا ذا الجلال والإكرام (٥).\nوقيل: بالعبرانية (٦) آهيا شراهيا.\nوقيل: يا آلهنا وإله الخلق أجمعين إلهًا واحدًا لا إله إلا أنت (٧).\nالحسن: اسم الله الأعظم الله ثم الرحمن (٨).\nواختلفوا في قوله ﴿مِنَ الْكِتَابِ﴾ قيل: كتب الله المنزلة (٩).\nوقيل: اللوح المحفوظ فيمن أوّله على المَلَك أو جبريل (١٠).\nوقيل: الكتاب كتاب سليمان إلى بلقيس، أي: علم ما صار إليه أمر الكتاب المكتوب إليها وهو جبريل لم يعلم إقبال بلقيس إلى سليمان إلا هو (١١).\n﴿أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ قبل أن يرجع إليك بصرك كأنك تفتح بصرك لتنظر إلى الشيء فتنظر إليه ثم يرتد بصرك (١٢) عن النظر.\nوقيل: إدامة النظر حتى يرتد الطرف خاسئًا من قوله ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا﴾ [المُلْك: ٤] (١٣).\n_________\n(١) حكاهما الماوردي في النكت والعيون (٤/ ٢١٣).\n(٢) ابن لهيعة، تنظر ترجمته ص: ١٢٥\n(٣) انظر: النكت والعيون للماوردي (٤/ ٢١٣)، قال ابن كثير في تفسيره (٣/ ٣٧٦) \" وهو غريب جدًا \".\n(٤) قاله الكلبي.\nانظر: معالم التنزيل (٦/ ١٦٥).\n(٥) قاله مجاهد، ومقاتل.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ٧٠)، معالم التنزيل (٦/ ١٦٥).\n(٦) في ب: \" وقيل بالعبرية \".\n(٧) قاله الزهري.\nانظر: النكت والعيون (٦/ ١٦٥).\n(٨) انظر: الكشاف (٤/ ٤٥٥).\n(٩) حكاه ابن جرير في جامع البيان (١٨/ ٦٨).\n(١٠) انظر: النكت والعيون (٤/ ٢١٣).\n(١١) انظر: المصدر السابق (٤/ ٢١٣).\n(١٢) في أ: \" ثم ترتد بصرك \".\n(١٣) حكاه الماوردي في النكت والعيون (٤/ ٢١٤).","vol":"1","page":1903},{"text":"وقيل: مثل تَبَصُّر الإنسان الهلال ثم ينصرف بصره عنه (١).\nوقيل: قبل أن يرجع إليك مطروفك، أي: من تنظر إليه من منتهى بصرك (٢).\nوقيل: قبل الموت الذي ينتظر فيه وروده من قولهم: أنا ممتد الطرف إليك أي منتظرك (٣).\nالماوردي: قبل أن ينقبض طرفك بالموت يخبره أنه سيأتيه قبل موته (٤)، وهذا تأويل قبيح، بل المعنى في هذا: آتيك به سريعًا، فقد جرت العادة بأن يقول القائل: أفعل هذا في لحظة وفي طرفة عين يريد السرعة، وآتيك في كلا الموضعين يجوز أن يكون المستقبل ويجوز أن يكون اسم الفاعل ولهذا جاز إمالته.\n﴿فَلَمَّا رَآَهُ﴾ أي: رأى العرش.\n﴿مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ﴾ حاصلًا بين يديه. قيل: نبع من الأرض (٥).\nوقيل: أتي به من فوق في الهواء (٦).\n﴿قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾ إشارة إلى إحضار العرش في مدة ارتداد الطرف من مسيرة شهرين.\n﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾ إبتدائي بالمنّة به من غير استحقاق له.\n﴿لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ ليمتحنني فيظهر مني الشكر أو خلافه.\n﴿وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ فإنه يستجلب به المزيد في الدنيا والثواب في العقبى.\n﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ فضل الله فلم يشكره بالزيادة في الطاعة.\n﴿فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ﴾ عن شكره (٧).\n_________\n(١) انظر: المصدر السابق (٤/ ٢١٣).\n(٢) قاله مجاهد، ووهب بن منبه، وسعيد بن جبير، واختاره ابن جرير.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ٧٢).\n(٣) حكاه الماوردي في النكت والعيون (٤/ ٢١٣).\n(٤) انظر: النكت والعيون للماوردي (٤/ ٢١٤).\n(٥) قاله ابن عباس، ﵄.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ٧٤).\n(٦) حكاه الواحدي في الوسيط (٣/ ٣٧٨).\n(٧) في ب: \" عن غيره \".","vol":"1","page":1904},{"text":"﴿كَرِيمٌ (٤٠)﴾ لا يعجل عقوبة من كفره.\nوقال بعض المفسرين: إن سليمان تداخله شيء مما جرى على يدي هذا الذي أوتي علمًا من الكتاب إذ صار غيره من أمته أعلم منه وأقدر على بعض الأمور، فقال رياضة لنفسه: إن هذا من فضل ربي عليّ إذ صير في أمتي من يجري على يده مثل هذا الأمر، ففضل ذلك لي وهو إنعام عليّ.\nوقيل: لما خطر بباله هذا ووسوس إليه الشيطان ﴿قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾ أي: مما يملكه يجعله لم يشاء من عباده فقد جعل هذا الفضل لهذا الذي أوتي علمًا من الكتاب ليبلوني أأشكره أم أكفره؟ (١).\n﴿قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا﴾ إجعلوا أعلاه أسفله ومقدمه مؤخره.\nوقيل: نزع ما كان عليه من فصوصه وجواهره (٢).\nوقيل: زِيد فيه ونقص (٣)، وقيل: غَيَّر ألوانه (٤).\nوقيل: غُيِّر بأن جُعِلَ فيه أشكال السمك، حكاه الماوردي (٥).\nوقيل: ﴿نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا﴾ أظهروه لنتكر موضعه عنده (٦).\n﴿نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ (٤١)﴾ قيل: أتهتدي إلى عرشها فتعرف بفطنتها بعد التغيير أم تكون من الجاهلين به (٧).\n_________\n(١) قاله السدي.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٢١٤).\n(٢) حكاه الماوردي في النكت والعيون (٤/ ٢١٤) عن ابن عباس، ﵄.\n(٣) قاله ابن عباس، ﵄، والضحاك، وقتادة، ومقاتل.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ٧٦)، الوسيط للواحدي (٣/ ٣٧٩).\n(٤) حكاه الماوردي في النكت والعيون (٤/ ٢١٥) عن مجاهد.\n(٥) انظر: النكت والعيون للماوردي (٤/ ٢١٥).\n(٦) لم أقف عليه والله أعلم.\n(٧) قاله ابن عباس، ﵄، ووهب بن منه، مجاهد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ٧٧).","vol":"1","page":1905},{"text":"وقيل: تهتدي إلى التوحيد وتستدل بعرشها على قدرة الله ونبوتي، أم لا؟ (١).\nقال المفسرون: إن الشياطين خافت أن يتزوجها سليمان فتفشى إليه أسرار الجن فلا ينفكون في تسخير سليمن وذريته من بعده، فأساءوا القول فيها وقالوا: إن في عقلها شيئًا، وإن رجلها كحافر الحمار فأراد سليمن - ﵇ - أن يَخْبَرَ عقلها بتنكير عرشها وينظر إلى قدميها ببناء الصرح (٢).\nوقيل: قابلها بتنكير العرش وبناء الصرح في مقابلة تبديل ثياب الغلمان والجواري (٣)، وبعث الحقة التي فيها جواهر تمتحنه يعلم ذلك أم لا (٤).\n﴿فَلَمَّا جَاءَتْ﴾ أي: بلقيس.\n﴿قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ﴾ فأجابت أحسن جواب لم تثبت ولم تنكر لاحتمال الأمرين، شبهوا عليها بقولهم ﴿أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾ فشبَّهت عليهم بقولها (٥)\n﴿كَأَنَّهُ هُوَ﴾.\n﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ (٤٢)﴾ قيل: هذا من كلام بلقيس أي: أوتينا العلم بصحة نبوتك بالآيات المتقدمة من أمر الهدهد والرسل من قبل هذه المعجزة يعني إحضار العرش. ﴿وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾ مطيعين لأمرك منقادين لك (٦).\nوقيل: هذا من كلام سليمان أي: وأوتينا العلم بإسلامها ومجيئها طائعة من قبل مجيئها\n_________\n(١) حكاه في النكت والعيون (٤/ ٢١٥).\n(٢) وقد ضعف ذلك ابن كثير في تفسيره (٣/ ٣٧٩)، وبيَّن أنه منكر غريب جدًا، وأنها متلقاة عن أهل الكتاب.\n(٣) في ب: \"بتنكير العرش وبناء الصرح تبديل الغلمان والجواري\".\n(٤) في ب: \" التي فيها الجواهر وتمتحنه بعلم ذلك \"، وانظر: ما ذكره ابن جرير في جامع البيان (١٨/ ٨١) عن وهب بن منبه.\n(٥) في ب: \" بقولنا \".\n(٦) حكاه الثعلبي في الكشف والبيان (٧/ ٢١٢).","vol":"1","page":1906},{"text":"﴿وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾ موحدين خاضعين (١).\nوقيل: من كلام قوم سليمان (٢).\n﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ في فاعل (صد) ثلاثه أقوال:\nأحدها: ﴿مَا كَانَتْ تَعْبُدُ﴾ أي: عبادتها الشمس صدتها عن عبادة الله (٣).\nوالثاني: فاعله سليمان، والمعنى: صدها عما كانت فحذف الجار ومحل ما نصب. والثالث: فاعله الله ﷿ أي: وصدها الله عما كانت تعبد (٤).\nوقيل: وصدها ما رأت من أمر النبوة (٥).\n﴿إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ (٤٣)﴾ إستئناف. وقيل: وصدها متصل بقوله ﴿أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ (٤١) فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ (٤٢) وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ﴾ فيكون الواو للحال وقد مضمرة.\n﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ﴾ الصرح القصر. وقيل الصرح: عرصة الدار (٦).\nوقيل: كل بلاط اتخذ من قوارير فهو صرح (٧).\n_________\n(١) وهو قول مجاهد وسعيد بن جبير، واختاره ابن جرير في تفسيره (١٨/ ٧٩)، وابن كثير في تفسيره (٣/ ٣٧٧).\n(٢) حكاه الماوردي في النكت والعيون (٤/ ٢١٥).\n(٣) قاله الزجاج في معاني القرآن (٤/ ٩٢).\n(٤) ذكرهما ابن جرير في جامع البيان (١٨/ ٨٠)، واستحسنهما.\n(٥) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٧/ ٢١٣)، النكت والعيون (٤/ ٢١٦).\n(٦) حكاه الزجاج في معاني القرآن (٤/ ٩٣).\n(٧) حكاه في النكت والعيون (٤/ ٢١٦) عن مجاهد.","vol":"1","page":1907},{"text":"وقيل: هو البناء العريض الرفيع، وكان عمل سليمان صحن من قوارير وتحته الماء والسمك وسائر دواب الماء وكان يُرى من ظاهره ثم جلس سليمان في وسطه على كرسي وكان طريق بلقيس في الوصول إليه (١).\n﴿فَلَمَّا رَأَتْهُ﴾ نظرت إلى سليمان ورأت الصرح.\n﴿حَسِبَتْهُ لُجَّةً﴾ (٢) قال المفسرون: ماءً غمرًا، وذلك يبعد في الآية لأن كشف السارق لا يغني مع اللُّجَّة لأنها كشفت عن ساقها لتخوض الماء إلى سليمان.\nوالأَحْسن أن يحمل اللجة على الضحضاح، أو يقال كما جاء في بعض التفاسير أنها لما رأت الصرح قالت: ما وجد ابن داود عذابًا يقتلني به إلا الغرق.\n﴿وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا﴾ على عادة من يريد الخوض في الماء فإذا هي أحسن ساقٍ لكنها كانت شُعَرَاء.\n﴿قَالَ إِنَّهُ﴾ قال يعني (٣) سليمان لها. ﴿إِنَّهُ﴾ إن الذي تزعمين إنه ماء.\n﴿صَرْحٌ مُمَرَّدٌ﴾ ابن عيسى: الصرح البسيط المنكشف من غير سقف، ومنه صَرَّح بالأمر (٤)، و﴿مُمَرَّدٌ﴾ المملس (٥).\n_________\n(١) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ٨٢)، معاني القرآن للنحاس (٥/ ١٣٨).\nقال الزجاج في معاني القرآن (٤/ ٩٣) \" والصرح في اللغة: القصر، والصحن؛ يقال: هذه ساحة الدار، وصحنة الدار، وباحة الدار، وقاعة الدار، وقارعة الدار، هذا كله في معنى الصحن \".\n(٢) لجة البحر: الذي لايدرك قعره، ولُجة الماء معظمه، وجمعه: لُجٌ ولُجج.\nانظر: لسان العرب (١٢/ ٢٣٩)، مادة: لجج.\n(٣) في ب \" قال سليمان لها \".\n(٤) انظر: النكت والعيون للماوردي (٤/ ٢١٧).\n(٥) المَرْدُ: التَّمْلِيس، ومردت الشيء ومرَّدته لينته وصقلته، والتمريد: التمليس والتسوية والتطيين، وصح ممرد أي: بناء محكم أملس، ومنه غلام أمر إذا أبطأ نبات شعر وجهه.\n\nانظر: القاموس المحيط (٤٠٧)، المصباح المنير (٢/ ٥٦٨).","vol":"1","page":1908},{"text":"﴿مِنْ قَوَارِيرَ﴾ من الزُّجَاج.\n﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ في عبادتي الشمس (١).\nوقيل: ظلمت نفسي في ظني أنه قَصَد إغراقي (٢).\n﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ﴾ طائعة.\n﴿! رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٤)﴾ ثم اختلف المفسرون؛ فمنهم من قال: تزوجها سليمان واتُخِذَ له حَمَّام ونورة وهو أول من اتُخِذَ له، فلما تزوجها أحبها حبًا شديدًا وأقرها على ملكها، وأمر الجن فابتنوا لها بأرض اليمن ثلاثة حصون: سلحين وبينون (٣) وغمدان (٤)، وكان سليمان يزورها في كل شهر مرة ويقيم عندها ثلاثة أيام.\nومنهم من قال: زَوَّجها من ذي تُبَّع ملك همدان ثم ردها إلى اليمن فسلط زوجها ذا تبع (٥) على اليمن.\nومنهم من قال: آخر عهدي بهما قوله سبحانه ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ! رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أي: لا أخوض فيما لم يذكر الله ولم يُبينه (٦).\n﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ﴾ هم عاد الأخرى.\n﴿أَخَاهُمْ﴾ في النسب يعرفون منشأه ومولده.\n_________\n(١) في ب: \" في عبادتي الشيء \"، وهو تصحيف.\n(٢) حكاه في النكت والعيون (٤/ ٢١٧) عن سفيان.\n(٣) في ب: \" ويفنون \".\n(٤) وهي أسماء حصون عظيمة باليمن لبلقيس ملكة سبأ، وذهب ياقوت إلى أنها من بناء بعض ملوك تبع، وقيل إن الحبشة هدمتها لما غلبوا على اليمن.\nانظر: معجم البلدان (٣/ ٧٤٦)، (٤/ ١٥٣).\n(٥) في ب: \" فسلط زوجها ذا تبع \".\n(٦) تنظر هذه الأقوال في الكشف والبيان للثعلبي (٧/ ٢١٤).\nوقد بين ابن كثير في تفسيره (٣/ ٣٧٩) أن فيما ذُكر أمور منكرة وهي متلقاة من أهل الكتاب لاتصح عن الأنبياء ﵈.\nقلت: كالإكثار من ذكر شعر ساقيها واستقباح سليمان ذلك منها وأن الأنبياء لا هم لهم إلا النساء والشهوة، والله أعلم.","vol":"1","page":1909},{"text":"﴿صَالِحًا﴾ بدل من أخاهم.\n﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ بأن اعبدوا الله وحدوه وأطيعوه (١).\n﴿فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ (٤٥)﴾ أي فاجؤه بالاختصام فآمن فريق وكفر فريق.\nو﴿يَخْتَصِمُونَ﴾ محمول على المعنى كقوله ﴿خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا﴾ [الحج: ١٩] ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩]، وقال الفريق الكافر ﴿يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٧٧].\n﴿قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ بالعذاب والبلاء.\n﴿قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾ الراحة والدعة ولِمَ تقدموها عليها، وقد سبق في الرعد. (٢)\n﴿لَوْلَا﴾ هلا. ﴿تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ﴾ بالتوبة والإيمان.\n﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٦)﴾ لتكونوا مستعجلين الرحمة.\n﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ﴾ تتابعت علينا الشدائد واتصلت بنا المكاره مذجئتنا تدعي الرسالة. وقيل: تطيرنا بك لافتراق كلمتنا بسببك (٣).\n﴿قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي: الذي تزعمون أنه مني فليس كذلك بل من الله يختبركم به، وهو قوله ﴿قَوْمٌ تُفْتَنُونَ (٤٧)﴾ تختبرون.\nوقيل: ﴿طَائِرُكُمْ﴾ علمكم (٤).\nوقيل: ﴿طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ معناه: تشائمكم محفوظ عند الله فيجازيكم عليه (٥).\n_________\n(١) في أ: \" وحده وأطيعوه \".\n(٢) في قوله تعالى ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ﴾ [الرعد: ٦].\n(٣) حكاه في النكت والعيون (٤/ ٢١٩).\n(٤) قاله قتادة.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ٨٨).\n(٥) ينظر: الكشف والبيان للثعلبي (٧/ ٢١٦).","vol":"1","page":1910},{"text":"وقيل: معنى ﴿تُفْتَنُونَ﴾ تضلون فتجهلون أن الخير والشر من عند الله، وحقيقة هذه من العرب في اعتقادها السانح والبارح (١) في بعض الطير والوحوش وأنها تدل بصياحها على حدوث آفات وبلاء وعارضات ويسمى ذلك الطيرة ونهى النبي ﷺ عنها لأنها خيالات (٢) لا تأثير لها وأوهام لا حقيقة معها (٣).\n﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (٤٨)﴾ الرَّهْط: اسم لجماعة من الثلاثه إلى العشرة، فإذا جاوزت قلت أحد عشر رهطًا أي: في كل ناحية رهط، وأصله من الترهيط وهو تعظيم الُّلقَم وشدة الأكل (٤).\n_________\n(١) في أ: \" البارح والسانح \" بالتقديم والتأخير.\nالبارح ضد السانح، والسانح مامر من الطير والوحوش بين يديك من جهة يسارك إلى يمينك والعرب تتيمن به لأنه أمكن للرمي، والبارح ما مر بين يديك إلى يسارك، والعرب تتطير به لأنه لا يمكن أن ترميه حتى تنحرف.\nانظر: العين (٣/ ٢١٧)، النهاية في غريب الأثر لأبي السعادات بن الجزري (١/ ٢٩٢).\n(٢) في ب: \" ونهى النبي ﷺ لأنها خيالات \".\n(٣) أصل الطيرة الاقتسام والتفرق، ومنه قولهم: تطايرت شؤون رأسه أي: تفرقت، والطيرة: ما يتشائم به من الفأل الرديء، وذلك أن العرب كانت إذا أرادت المضي لمهم مرت بأماكن الطير وأثارتها لتستفيد هل تمضي أو ترجع، وهي مخالفة للتوكل على الله تعالى وأنه هو وحده يعلم الغيب.\nانظر: النهاية في غريب الأثر لأبي السعادات بن الجزري (٣/ ٣٣٤)، المصباح المنير (٢/ ٣٨٢).\n(٤) رهط الرجل: قومه وقبيلته، من الثلاثة إلى العشرة، وقيل من السبعة إلى العشرة، والرَّهْط: جلد تلبسه الحائض، والترهيط: تعظيم اللَّقْم وشدة الأكل.\n\nانظر: لسان العرب (٥/ ٣٤٤)، مادة: رهط.","vol":"1","page":1911},{"text":"﴿يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ بالكفر ولا يصلحون لا يكون منهم الا الفساد في جميع أمورهم. وعن سعيد بن المسيب، وعطاء في معنى ﴿يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ يقطعون الدراهم والدنانير وهم عتاة قوم صالح تحالفوا ليقتلن صالحًا غيلة فأهلكهم الله (١).\n﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ﴾ تقاسموا يحتمل أن يكون ماضيًا، ويحتمل أن يكون أمرًا فإن جعلته أمرًا جاز.\n﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ﴾ بالنون والتاء (٢) لأن هذه من جملة الألفاظ التي يتلقى بها القسم، وإن جعلته ماضيًا قرأت بالنون لا غير ويكون حالًا، وقد مقدره وذلك أنهم تواطؤا على أن يظهروا لقومهم أنهم مسافرون فيستترون أيامًا ثم يباتون صالحًا فيقتلونه ومن معه ليلًا سرًا فلا يتركون أحدًا ممن يجمعهم منزله كيلا ينم عليهم (٣)، ثم ينكرون فيقولون ما كنا في البلد فيصدقهم قومهم لما يكون عندهم من سفرهم وهو قوله ﴿ثم لنقولن لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ لولي دمه وطالب ثأره ما شهدنا مهلك أهله أي: لم نتعرض لأهله فكيف كنا نتعرض له وما حضرنا موضع هلاكه فضلًا عن أن توليناه، والمُهلَك بالضم: الإهلاك ومكان الإهلاك. والمِهْلَك بالكسر: وضع الهلاك. وبالتفح المصدر.\n﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٤٩)﴾ فيما ذكرنا.\n_________\n(١) انظر: النكت والعيون للماوردي (٤/ ٢٢٠).\n(٢) قرأ الجمهور\" لنبيتنه وأهله ثم لنقولن\" بالنون فيهما، وقرأ حمزة، والكسائي\" لتبيتنه وأهله ثم لتقولن \" بالتاء، وهما صحيحتان، وقرأ مجاهد والأعمش بياء الغيبة\" ليبيتنه وأهله ثم ليقولن لأهله \".\nانظر: الكشف لمكي (٢/ ١٦٢)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣٣٨)، شواذ القراءات للكرماني (٣٦١).\n(٣) في ب: \" كيلا يتم عليهم \".","vol":"1","page":1912},{"text":"وقيل: ونحلف وإنا لصادقون في قولنا ما شهدنا مهلك أهله (١).\n﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا﴾ ثم إن ليلة موعودهم دخلوا كهفًا فأرسل الله صخرةً عليهم فدمغتهم.\n﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٠)﴾ بمكرنا. وقيل: دخلوا عليه ليقتلوه فأرسل الله عليهم الملائكة (٢) رموا لكل واحد منهم بحجر حتى قُتلوا وسَلِم صالح من مكرهم وهم لا يشعرون بالملائكة (٣).\n﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾ إن جعلت (كان) التامة فـ ﴿كَيْفَ﴾ حال، وإن جعلت الناقصة فكيف خبره، هذا إذا قرأت ﴿أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ﴾ بالكسر، فإن فتحت ﴿أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ﴾ فمحله رفع على بدل من العاقبة أو خبر مبتدأ محذوف تقديره هو أنا دمرناهم، ويجوز أن يكون نصبًا خبرًا لكان وكيف لَغْو، والمعنى: أهلكنا التسعة ومن بقي من قوم صالح (٤).\n﴿وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١)﴾ لما عقروا الناقة.\n﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً﴾ ساقطة منهدمة من قولهم خوى النجم وأخوى إذا سقط. وقيل: خاوية: خالية، من الخوى وهو خلو البطن وخلاء الدار (٥).\n﴿بِمَا ظَلَمُوا﴾ أي: بكفرهم. ﴿إِن فِي ذَلِكَ﴾ فيما فُعِل بثمود.\n﴿لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥٢)﴾ فيتعظون.\n_________\n(١) انظر: معالم التنزيل (٦/ ١٧٠).\n(٢) في ب: \"ملائكة\"، بغير الألف واللام.\n(٣) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٣٨١).\n(٤) قرأ عاصم، وحمزة، والكسائي \" أنا دمرناهم \" بالفتح، وقرا الباقون \" إنا دمرناهم \" بالكسر.\nانظر: الكشف لمكي (٢/ ١٦٣)، التيسير للداني (١٦٨).\n(٥) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٨٥٥).","vol":"1","page":1913},{"text":"﴿وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ بصالح. ﴿وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٥٣)﴾ أوامر الله أن يتركوها وكانوا أربعة آلاف خرج بهم صالح إلى حضرموت، وسمّي حضَرمَوت لأن صالح لما دخلها مات، فتلك البيوت الخاوية بوادي القرى بين المدينة والشام.\n﴿وَلُوطًا﴾ عطف على قوله ﴿أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ﴾ [النمل: ٤٥] وأرسلنا لوطًا. وقيل: واذكر لُوطًا. وقيل: وأنجينا لوطًا فلما طال الكلام أعاد (١).\n﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ مواقعة الرجال إستفهام انكار عليهم.\n﴿وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٥٤)﴾ أن ذلك فاحشة لم يسبقكم به أحد من الخلق، ثم صرح فقال ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً﴾ للشهوة.\n﴿مِنْ دُونِ النِّسَاءِ﴾ اللآتي جعلهن الله موضع التلذذ.\nوقيل: من دون فروجهن (٢).\n﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (٥٥)﴾ أي: ليس ذلك لمعنى سوى الجهل بما يجب فإن الطباع الصحيحة لا يتوجه في ذلك إلا إلى النساء وإنما يُعدل عنهن لسوء العادة. ومعنى\n﴿تَجْهَلُونَ﴾ تفعلون فعل الجهال.\n﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آَلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ أي: لوطا ومن على دينه.\n﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٥٦)﴾ عن مواقعة الرجال.\nوقيل: يتحينون أطهار نسائهم (٣). وقيل: هذا استهزاء (٤).\n﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ﴾ فخلصناه من العذاب الواقع بهم.\n﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ (٥٧)﴾ الباقين في عذاب الله.\n_________\n(١) ذكر ذلك الزجاج في معاني القرآن (٤/ ٩٥).\n(٢) انظر: معالم التنزيل (٣/ ٢٥٥).\n(٣) انظر: غرائب التفسير (١/ ٤١٣).\n(٤) قاله مجاهد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ٩٧).","vol":"1","page":1914},{"text":"﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ الحجارة. وقيل: النار والكبريت (١)، وذلك أن قرى سدوم (٢) قُلبت عليهم ومُطِرَ من شَذَّ عنها حجارة.\nوقيل: بل مُطِرَ من في القرى ومن شذ عنها (٣).\n﴿فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (٥٨) قُلِ الْحَمْدُ!﴾ قيل: قُل يا لوط الحمد لله على هلاك كفار قومك (٤).\nوالجمهور على أنه خطاب للنبي ﷺ (٥) أي: قل يا محمد الحمد لله على هلاك الأمم الخالية.\nوقيل: قل الحمد لله على ما علمك.\nوقيل: الحمد لله على جميع نعمه (٦).\n﴿وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ أي: الأنبياء والرسل.\nوقيل: هم الصحابة فإنهم المصطفون من أمة محمد ﷺ (٧).\nوقيل: هم أمة محمد ﷺ (٨).\n﴿آَللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (٥٩)﴾ إستفهام إنكار أي: الله خير أم الصنم؟ وهذا على من زعم أن في الصنم خير.\n_________\n(١) في ب: \" الحجارة وقيل والكبريت \" بغير \" النار \"، وهو قول وهب.\nانظر: معالم التنزيل (٣/ ٢٥٦).\n(٢) سدوم: فعول من السدم وهو الندم مع غم، وهي مدينة من مدائن قوم لوط.\nانظر: معجم البلدان (٣/ ٢٠٠).\n(٣) عزاه السيوطي في الدر (٦/ ٤٦٩) لابن أبي حاتم عن كعب.\n(٤) قاله الفراء في معاني القرآن (٢/ ٢٩٧)، والسمرقندي في بحر العلوم (٢/ ٥٠١).\n(٥) انظر: جامع البيان للطبري (١٨/ ٩٨)، بحر العلوم لأبي الليث السمرقندي (٢/ ٥٠١)، تفسير القرآن العظيم لابن كثير (٣/ ٣٨١).\n(٦) حكاهما السمرقندي في بحر العلوم (٢/ ٥٠١).\n(٧) قاله ابن عباس، ﵄، وسفيان الثوري.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ٩٩، ٩٨).\n(٨) قاله عطاء والكلبي.\nانظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٣٨٢).","vol":"1","page":1915},{"text":"وقيل: عبادته خير أم الشرك؟ (١).\nأَمْ مَنْ ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ لمصالح عباده ومعاشهم.\n﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ﴾ لأجلكم.\n﴿مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ مطرًا. وقيل: ماء العيون لأنها من السماء أيضًا (٢).\n﴿فَأَنْبَتْنَا بِهِ﴾ بالمطر.\n﴿حَدَائِقَ﴾ بساتين محوطًا عليها.\n﴿ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ جمال ومنظر حسن.\n﴿مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا﴾ قيل: بغير الماء. وقيل: أنتم عجزة عن مثله لا تقدرون عليه (٣)، وتقدير الآية: أما تشركون خيرٌ أمن خلق السموات. وقيل: أمن الذي خلق السموات والأرض. ويحتمل أمن خلق السموات والأرض خير أم ما تشركون، وكذلك ما بعده ذكر أولًا بلفظ الاسم ثم بالوصف.\n﴿أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ يجوز أن يكون ﴿مَعَ اللَّهِ﴾ الموصوف بما تقدم إله آخر لا يقدر على شيء منه.\n﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (٦٠)﴾ عن سنن الصواب.\n﴿أَمْ مَنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا﴾ يستقر عليها الخلق.\n﴿وَجَعَلَ خِلَالَهَا﴾ وسطها وَمسَالكها (٤) ونواحيها.\n﴿أَنْهَارًا﴾ جارية. ﴿وَجَعَلَ لَهَا﴾ للأرض. وقيل: فيها (٥).\n﴿رَوَاسِيَ﴾ جبالًا تمنعها عن الحركة (٦).\n﴿وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ﴾ العذب والأُجاج. وقيل: بحر السماء وبحر الأرض (٧).\n\nوقيل: بحر فارس وبحر الروم (٨)،\n_________\n(١) حكاه الفراء في معاني القرآن (٢/ ٢٩٧).\n(٢) وهو يرجع إلى القول السابق.\n(٣) حكاه في النكت والعيون (٤/ ٢٢١).\n(٤) في ب: \" وسالكها \".\n(٥) انظر: النكت والعيون (٤/ ٢٢٢).\n(٦) في ب: \" بمنعها من الحركة \".\n(٧) قاله مجاهد.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٢٢٢).\n(٨) قاله الحسن.\n\nانظر: المصدر السابق (٤/ ٢٢٢).","vol":"1","page":1916},{"text":"وقد سبق (١).\n﴿حَاجِزًا﴾ مانعًا أن يختلطا. ﴿أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ على ما سبق.\n﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٦١)﴾ أي: هم جهال فلجهلهم يشركون. ﴿أَمْ مَنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ والكل على اختلاف معتقدهم إذا ضاق بهم أمر فزعوا إلى رب السماء.\n﴿وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ النازل بالإنسان، أي: بدفع الشدة. وقيل: السوء الجَور (٢). وقيل: من تولاه فلا ينزل به السوء (٣).\n﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾ بدلًا عن الكفار.\nوقيل: جعل أولادكم خلفاء منكم (٤). ﴿أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ بل هو المنفرد به.\n﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٦٢)﴾ عظمته ونعمه فلذلك لا تشكرون (٥).\n﴿أَمْ مَنْ يَهْدِيكُمْ﴾ يرشدكم. ﴿فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ للطرق التي تسلكونها لتجاراتكم وجهاد أعدائكم. والبر: اليبس. والبحر: الماء.\nوقيل: البر: بادية الأعراب، والبحر: القرى والأمصار (٦). وقيل: يهديكم يخلصكم (٧).\n﴿وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ قدام المطر، وقد سبق.\n_________\n(١) في قوله تعالى ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ [الفرقان: ٥٤].\nقال ابن عطية في المحرر (٤/ ٢٦٦) \" البحران الماء العذب بجملته والأُجاج بجنلته، والحاجز ما جعل الله بينهما من حواجز الأرض ومانعها على رقتها في بعض المواضع ولطافتها التي لولا قدرة الله لغلب الملح العذب \".\n(٢) حكاه في النكت والعيون (٤/ ٢٢٣) عن الكلبي.\n(٣) انظر: المصدر السابق (٤/ ٢٢٢).\n(٤) حكاه في النكت والعيون (٤/ ٢٢٣) عن النقاش.\n(٥) في ب: \" فلذلك لا يشكرون \" بالياء.\n(٦) قاله الضحاك.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٢٢٣).\n(٧) قاله السدي.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٢٢٣).","vol":"1","page":1917},{"text":"﴿أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٣)﴾ تعالى عن إشراككم (١) به ما هو مخلوقه. ﴿أَمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾ بنشئ الخلق. ﴿وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ﴾ المطر.\n﴿وَالْأَرْضِ﴾ النبات والحب.\n﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ هكذا تقدير الآية أي: من قدر على الابتكار قدر على الإعادة، والمعنى: هذا بدأ الخلق بإقراركم ثم إقراركم بذلك حجة عليكم.\n﴿أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ على إشراككم بعد إقراركم بتفرده بخلق هذه الأشياء. ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦٤)﴾ في دعواكم.\n﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ الغيب ما يكون في المستقبل. وقيل: الغيب الساعة (٢).\nوقيل: هو ما استأثر الله بعلمه مما هو غائب (٣).\n﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥)﴾ متى يُنْشَرون ويُحْيَون، وذلك عائد إلى من في السموات والارض.\nوقيل: عائد الى الكفار و﴿مَنْ﴾ في الآية موصول وما بعده صلته. وقيل: نكره وما\n\nبعده صفته أي: لا يعلم احد الغيب إلا الله (٤)، و﴿أَيَّانَ﴾ بمعنى متى. وقيل: أصله أي أن.\n_________\n(١) في أ: \" عن إشراككم \" بغير \" تعالى \".\n(٢) انظر: معالم التنزيل للبغوي (٦/ ١٧٣).\n(٣) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٣٨٣).\n(٤) انظر: معاني القرآن للفراء (٢/ ٢٩٩).","vol":"1","page":1918},{"text":"﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآَخِرَةِ﴾ قيل: ﴿فِي﴾ بمعنى الباء أي: بحدوث الآخرة. ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ﴾ من حدوثها، وقيل: بل أدرك علمهم في الآخرة (١)، ﴿بَلِ﴾ كلمة وضعت للإعراض عن الأول والإثبات للثاني، ويأتي حرف ابتدأ يدل على ترك ما قبله والأخذ في غيره كما في الآية، وكذلك ﴿بل هم في شك مِنْهَا﴾ أي: لم يحصلوا بالخوض إلا على الشك فيها.\n﴿بَلْ هُمْ مِنْهَا﴾ أي: عن علمها (٢).\n﴿عَمُونَ (٦٦)﴾ ذاهبون عن الرشد فيها. وقيل: عمون عن العقاب والثواب، وقرئ \" بل أدارك \" (٣)، وأصله تدارك، والعلم هاهنا بمعنى الحكم والقول أي: تتابع منهم القول والحكم في الآخرة وكثر منهم الخوض فيها، فنفاها بعضهم وشك فيها بعضهم وأنكرها بعضهم استبعادًا.\nوقيل: هي متصلة بالآية الأولى والمعنى: ما يشعرون متى ما يُبعثون إلا بتتابع الظنون في علم الآخرة فهم تارة يقولون إنها تكون وتارة إنها لا تكون (٤).\nوقيل: ﴿بَلِ﴾ في الآية بمعنى أم، فيكون استفهامًا بمعنى النفي أي: لم يتتابع علمهم ولم يعلموه (٥).\n_________\n(١) قال الزجاج في معاني القرآن (٤/ ٩٦) \"على معنى التقرير والاستخبار، كأنه قال: لم يدرك علمهم في الآخرة، أي: ليس يقفون في الدنيا على حقيقتها\".\n(٢) \" أي عن علمها \" ساقط من أ.\n(٣) قرأ نافع، وابن عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائي \" بل ادارك \"، وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو \" بل أدْرَكَ\".\nانظر: السبعة لابن مجاهد (٤٨٥)، حجة القراءات لابن زنجلة (٥٣٥).\n(٤) حكاه الفراء في معاني القرآن (٢/ ٢٩٩).\n(٥) حكاه أيضًا الفراء في معاني القرآن (٢/ ٢٩٩).","vol":"1","page":1919},{"text":"وقيل: الماضي هاهنا في تقدير المستقبل كقوله ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٤٤] أي: يتدارك علمهم في الآخرة بل هم في شكٍ منها في الدنيا (١).\nومن قرأ (أدرك) فهو بمعنى المستقبل أي: يدرك علمهم في الآخرة إذا عاينوها فلا ينفعهم.\nوقيل: ﴿بَلِ﴾ بمعنى أم كالوجه الأول أي: لم يدرك (٢).\nوقيل: تقديره بل أدرك، والاستفهام مقدر من غير أن يحمل ﴿بَلِ﴾ على معنى أم (٣).\nقال الفراء: \" هذا على وجه الاستهزاء به كما تقول لمن يدعي علم شيء فهو جاهل به نعم قد عرفته حق المعرفة إستهزاءً به \" (٤).\nومعنى أدرك الشيء: تم بلوغه، ومعنى تدارك: حصل شيئًا بعد شيء، والعمي هو الذي أصيب بصيرته.\n﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآَبَاؤُنَا أَمْنًا لَمُخْرَجُونَ (٦٧)﴾ أي: إذا صرنا ترابًا وصار آباؤنا كذلك نخرج من قبورنا أحياءً هذا لا يكون!، والعامل في (إذا) فعل مضمر دل عليه ﴿لَمُخْرَجُونَ﴾ أي: أنبعث إذا كنا ترابًا؛ لأن ما بعد أن لا يعمل فيما قبله، ﴿وَآَبَاؤُنَا﴾ عطف على المضمر في ﴿كُنَّا﴾ وقام المفعول مقام الضمير المنفصل. وقيل: رفع بالابتداء أي: وأباؤنا كذلك.\n﴿لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآَبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ﴾ في الأزمنة المتقدمة.\n﴿إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٦٨)﴾ مكتوب كتب وأتى عليه السنون والدهور فلم يُر شيء خرج إلى الوجود ولا حقيقة لمعناه.\n_________\n(١) حكاه الزجاج معاني القرآن (٤/ ٩٦).\n(٢) حكاه ابن جرير في جامع البيان (١٨/ ١١٠) عن قتادة.\n(٣) حكاه ابن جرير في جامع البيان (١٨/ ١١٠) عن مجاهد.\n(٤) من \" كما تقول \" إلى \" إستهزاءً به \" ساقط من ب.\nوانظر: معاني القرآن للفراء (٢/ ٢٩٩).","vol":"1","page":1920},{"text":"﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٦٩)﴾ جولوا في بلاد من تقدمكم من الأمم، وتعرّفوا أحوال من كذبوا الرسل وكذبوا بالبعث تجدوا ديارهم خاوية، وأبدانهم بائدة فأحذروا ولا تكذبوا فيحل بكم مثل ما حل بهم.\nوقيل: معناه عَيَّنَ الرسل لهم وقت العذاب (١) فكان كما عينوا، فَصِدْقُهم فيما عينوا وقته دليل على الصدق فيما لم يعينوا (٢).\nوقيل: معنى ﴿سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ الآية: اقرؤا القرآن فإن أحوالهم مذكورة فيه يغنكم عن التطواف في الأرض والبلاد (٣).\n﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ على تكذيبهم إياك وإعراضهم عنك.\n﴿وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (٧٠)﴾ لا يضيق صدركم بمكرمهم فإني أكفيكهم والله يعصمك من الناس. وقيل: ولا تحزن على من مات منهم على الكفر (٤).\n﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾ أي: وعد العذاب.\n﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٧١)﴾ إن العذاب نازل، وخرج الكلام مخرج الجمع لرجوع ذلك إلى النبي ﷺ وأتباعه الذين كانوا يُحَذِّرُون الكفار كتحذيره.\n﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ (٧٢)﴾ أي: عسى أن يكون بعض العذاب قد دنا منكم.\nوقيل: جاء بعدكم (٥).\nوقيل: قرب منكم (٦).\n_________\n(١) في ب: \" وقت عذاب \".\n(٢) لم أقف عليه، والله أعلم.\n(٣) قاله الحسن، ويكون المراد بالنظر النظر والتفكر في آيات القرآن.\nانظر: بحر العلوم للسمرقندي (١/ ٤٧٥).\n(٤) انظر: المصدر السابق (٢/ ٢٥٦).\n(٥) حكاه الزجاج في معاني القرآن (٤/ ٩٧).\n(٦) حكاه ابن جرير في جامع البيان (١٨/ ١١٣) عن ابن عباس، ﵄.","vol":"1","page":1921},{"text":"وقيل: دنا لكم (١)، وكل ما دخله العدد فهو سريع النفد.\nوقيل: تبعكم (٢)، من القتل، والأسر، والسبي، والسنين، والجدب، والبعض مدخر ليوم البعث والنشور.\nوفي لام ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ أقوال:\nأحدها: أن ردفه وردف له لغتان.\nوالثاني: أن اللام زيادة كقوله ﴿لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣].\nوقيل: محمول على المعنى أي: دنا لكم، وعند النحاة وجهان - وقد سبقت أمثاله - أحدهما: أن الفعل محمول على المصدر أي: الردافة لكم، فيكون تقديره: ردافة بعض ما تستعجلون لكم.\nوالثاني: أن اللام مفعول له، والمفعول به محذوف، وتقديره: ردف الخلق لكم أي: لأجلكم بعض الذي تستعجلون، ورأيت في بعض التفاسير أن في قوله ﴿رَدِفَ﴾ ضميرًا يعود إلى الوعد، ثم قال ﴿لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ وهذه لطيفة فيحسن الوقف على ردف تقديره (٣): ردفكم الوعد (٤).\n﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ بترك المعاجلة (٥) بالعذاب على المعاصي.\n﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (٧٣)﴾ له فيستعجلون.\n﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾ تضمره وتستره.\n﴿وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٤)﴾ وما يظهرون من القول، فليس تأخير العذاب عنهم لخفاء حالهم (٦) ولكن له وقت مقدر.\n_________\n(١) حكاه الثعلبي في الكشف والبيان (٧/ ٢٢١).\n(٢) انظر: معالم التنزيل (٦/ ١٧٥).\n(٣) في أ: \" فتقديره \".\n(٤) انظر: مشكل إعراب القرآن لمكي بن أبي طالب (٢/ ٥٣٩)، التبيان في إعراب القرآن للعكبري (٢/ ١٠١٣).\n(٥) في أ: \" بترك المعالجة \".\n(٦) في ب: \" خفاء حالهم \".","vol":"1","page":1922},{"text":"﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ هو ما أخفاه عن خلقه وغيبه عنهم. وقيل: ما غاب عنهم من عذاب السماء والارض (١).\nالحسن: الغائبة القيامة (٢).\n﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٧٥)﴾ في اللوح المحفوظ. وقيل: في القضاء المحتوم (٣).\nوقيل: الغائبة أعمال العباد، وهي مثبتة ليجازى عليها (٤).\n﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ أي: في الدين، وذهب المفسرون إلى أن المراد به ذكر عيسى وأمه وعزير وذكر محمد ﷺ فإنهم اختلفوا فيهم والله بيَّن أمرهم ودينهم في القرآن بيانا شافيا فيهم (٥).\n﴿وَإِنَّهُ﴾ وإن القرآن.\n﴿لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧)﴾ لمن آمن به.\n﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ﴾ بين بني إسرائيل في الدنيا.\n﴿بِحُكْمِهِ﴾ فيما حَرَّفوه من الكتاب وبدَلَّوه.\nوقيل: يحكم في القيامة فيجازي المحق بحقه والمبطل بباطله (٦).\nوقيل: يقضي بالقتال وقد أَمَر به (٧).\n﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ فلا يغالب. ﴿الْعَلِيمُ (٧٨)﴾ فيما أَمَر ونَهى.\n﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ يا محمد وقاتلهم.\n_________\n(١) حكاه الماوردي في النكت والعيون (٤/ ٢٢٥) عن النقاش.\n(٢) انظر: النكت والعيون للماوردي (٤/ ٢٢٥).\n(٣) انظر: المصدر السابق (٤/ ٢٢٦).\n(٤) لم أقف عليه، والله أعلم.\n(٥) في ب: \" بيانًا شافيًا \".\nانظر: جامع البيان للطبري (١٨/ ١١٧).\n(٦) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٥٠٤).\n(٧) انظر: البحر المحيط (٧/ ٩١).","vol":"1","page":1923},{"text":"﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (٧٩)﴾ فثق بالظفر من الله والغلبة على الأعداء، وقيل: معناه أديت ما أُمِرت فلا عليك أن لا يقبلوا (١).\n﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ أي: هم لا ينتفعون بما يسمعون ولا يعملون به فهم كالموتى لا حس لهم ولا عقول وكما لا يكون في وسعك وطاقتك إسماع الموتى فكذلك إسماع هؤلاء.\n﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٨٠)﴾ أي: هم لإعراضهم عن الإصغاء إلى القرآن كالصم، والأصم إذا ولَّى لا يَفْهم بالسماع (٢) ولا بالرمز والإشارة.\n﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾ أي: هم كالعمي وما في وسعك إدخال الهدى في قلوب من عمي عن الحق فلم ينظر إليه (٣) بعين قلبه.\n﴿إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآَيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٨١)﴾ لا يقبله إلا من آمن بآيتنا وترك العناد. وقيل: لا تسمع إلا من يطلب الحق بالنظر في آياتنا (٤).\n﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ وجب السخط والغضب.\nوقيل: إذا تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (٥).\nوقيل: إذا حق القول عليهم أنهم لا يؤمنون (٦).\nوقيل: إذا قرب كون الساعة (٧).\nوقيل: القول الواقع قوله يوم ﴿يَأْتِيَ بَعْضُ آَيَاتِ رَبِّكَ﴾ الآية [الأنعام: ١٥٨].\n_________\n(١) في ب: \" أن لا تقبلوا \".\n(٢) في ب: \" لا يفهم بالسمع \".\n(٣) في أ: \" ولم ينظر إليه \".\n(٤) انظر: بحر الغلوم للسمرقندي (٢/ ٥٠٤).\n(٥) وهو مروي عن ابن عمر ﵄، ومجاهد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ١٢١، ١٢٠).\n(٦) قاله مجاهد.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٢٢٦).\n(٧) ذكره الزجاج في معاني القرآن (٤/ ٩٨).","vol":"1","page":1924},{"text":"وقيل: هو قوله ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ [السجدة: ١٣].\n﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾ عَلَمًا من أعلام الساعة وشرطًا من أشراطها. ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ من الكلام.\nوقيل: تفعل من الكَلْم يقويه قراءة من قرأ (تَكْلِمُهُم) (١).\n﴿أَنَّ النَّاسَ﴾ لأن الناس.\n﴿كَانُوا بِآَيَاتِنَا﴾ بمحمد والقرآن. وقيل: بكتبنا. وقيل: بأدلتنا (٢).\n﴿لَا يُوقِنُونَ (٨٢)﴾ لا يؤمنون إيمان عالم مستدل، ومن جعله من الكلام جاز أن يكون ﴿أَنَّ النَّاسَ﴾ مفعول الكلام أي: تخاطبهم بهذا.\nوقيل: تخاطبهم فتقول للمؤمن هذا مؤمن وللكافر هذا كافر (٣).\nومن كسر ﴿أَنَّ﴾ (٤) فعلى الاستئناف، أو على إضمار القول، أو ينزل الكلام منزلة القول لأن كل كلام قول وليس كل قول كلامًا.\n_________\n(١) وهي قراءة شاذة مروية عن ابن عباس ﵄، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وابن أبي عبلة، والجحدري، والمعنى: تجرحهم.\nانظر: المحتسب لابن جني (٢/ ١٨٩)، الشواذ لابن خالويه (١١٠)، شواذ القراءات للكرماني (٣٦٣).\n(٢) انظر: معالم التنزيل (٦/ ١٧٧).\n(٣) حكاه الماوردي في النكت والعيون (٤/ ٢٢٨).\n(٤) وهي قراءة ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو وابن عامر (إن الناس) بكسر الهمزة، وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي بفتح الهمزة (أن الناس).\nانظر: الحجة في القراءات لابن خالويه (٢٧٥)، التيسير للداني (١٦٩).","vol":"1","page":1925},{"text":"واختلف المفسرون في شكل دابة الأرض وفي موضع خروجها؛ فروي عن حذيفة أنه قال: قال رسول الله ﷺ \" دابة الأرض طولها ستون ذراعًا لا يدركها طالب ولا يفوتها هارب تَسِمُ المؤمن بين عينيه وتكتب بين عينيه مؤمن، وتَسِمُ الكافر بين عينيه وتكتب بين عينيه كافر، ومعها عصا موسى وخاتم سليمان فتجلوا وجه المؤمن بالعصا وتحطم أنف الكافر بالخاتم حتى إن أهل الخوان ليجتمعون فيقول: هذا يا مؤمن ويقول هذا يا كافر \" (١).\nابن عباس ﵄: تخرج من بين أودية تهامة (٢).\nابن مسعود ﵄: تخرج من بين الصفا والمروة (٣).\nوسئل علي بن طالب - ﵁ - عن الدابة فقال: \" والله ما لها ذَنَب وإن لها للحية \" (٤)، كأنه أشار إلى أنها من الإنس.\nغيره: هي دابة من دواب الأرض (٥).\nابن عباس ﵄: إن لها زغب (٦) وريش وأربع قوائم (٧).\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٨/ ١٢٥)، والبغوي في تفسيره (٦/ ١٧٩)، قال عنه ابن كثير في تفسيره (٣/ ٣٨٧) \" إسناده لايصح \".\n(٢) أخرجه عبد الرزاق الصنعاني في تفسيره (٢/ ٨٤)، وابن جرير في تفسيره (١٨/ ١٢٦).\n(٣) انظر: زاد المسير (٦/ ١٩١).\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٩/ ٢٩٢٤).\n(٥) وهو مروي عن ابن عباس ﵄، والشعبي.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٢٢٦).\n(٦) في أ: \" ذنب \".\n(٧) أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٨/ ١٢٦)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٩/ ٢٩٢٥).","vol":"1","page":1926},{"text":"وروي عن ابن الزبير ﵄ (١): إنها دابة رأسها رأس ثور، وعينها عين خنزير، ووأذنها أذن فيل، وقرنها قرن أيل، وعنقها عنق نعامة، وصدرها صدر أسد، ولونها لون نمر، وخاصرتها خاصرة هرة (٢)، وذنبها ذنب كبش، وقوائمها قوائم بعير بين كل مفصلين إثنا عشر ذراعًا، تخرج ومعها عصا موسى وخاتم سليمان فتنكت في مسجد المؤمن بعصا موسى نكته بيضاء فيبيض وجهه، وتنكت في وجه الكافر بخاتم سليمان نكته سوداء فيسود وجهه، وهذا حين يغلق باب التوبة ثم لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل (٣).\nوهب: وجهها وجه رجل وسائر خلقها خلق الطير فتخبر (٤) من رآها أن أهل مكة كانوا بمحمد والقرآن لا يؤمنون (٥).\nوقيل: على صورة فرس. قيل: تخرج من أجياد (٦).\nوقيل: من بحر سدوم، حكاه الماوردي (٧).\n_________\n(١) عبد الله بن الزبير بن العوام بن خويلد القرشي، وأمه أسماء بنت أبي بكر الصديق، هاجرت وهي حامل به فولدته في المدينة، وهو أول مولود للمهاجرين فيها، ثم حنكه رسول الله ﷺ ودعا له، شهد الجمل مع أبيه وخالته عائشة ﵃، بويع له بالخلافة سنة أربع وستين وقتل في مكة سنة ثلاث وسبعين في أيام عبد الملك بن مروان.\nانظر: الاستيعاب (٣/ ٣٩)، سير أعلام النبلاء (٣/ ٣٦٣).\n(٢) في ب: \" خاصرة هرة \".\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٩/ ٢٩٢٤)، وأبو الليث السمرقندي في تفسيره (٢/ ٥٩٣)، والثعلبي في الكشف والبيان (٧/ ٢٢٤).\n(٤) في ب: \" فيخبر \".\n(٥) انظر: معالم التنزيل للبغوي (٦/ ١٨٠).\n(٦) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٣٨٥)، النكت والعيون (٤/ ٢٢٧).\n(٧) انظر: النكت والعيون للماوردي (٦/ ٢٢٧)، وعزاه لوهب بن منبه.\n\nوهذه أقوال في صفة الدابة ومكان خروجها وما تصنعه بالناس وكلها روايات في أغلبها ضعيف لايعتمد عليه، والمعتمد في ما صح من روايات بينت أنها من علامات الساعه، ومنها ما أخرجه مسلم في الفتن، باب: الايات التي تكون قبل الساعة، ح: ٢٩٠١ عن حذيفة بن أسيد الغفاري قال: \" أشرف علينا رسول الله ﷺ من غرفة ونحن نتذاكر أمر الساعة فقال: لاتقوم الساعة حتى ترو عشر آيات: طلوع الشمس من مغربها، والدخان، والدابة، وخروج يأجوج ومأجوج، وخروج عيسى ابن مريم ﵇ ... الحديث \".","vol":"1","page":1927},{"text":"﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾ أي: نجمع من كل أمة من الأمم زمرة. ﴿مِمَّنْ يُكَذِّبُ﴾ (من) للتبيين. ﴿بِآَيَاتِنَا﴾ بالعذاب والدلائل.\n﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ (٨٣)﴾ يُحبس أولهم على آخرهم ليتلاحقوا، وقد سبق هذا كقوله\n﴿لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ [مريم: ٦٩].\nوقيل: يحشر الكل (١)، وخص المكذبون بالذكر لأنه سبحانه أراد (٢) وصف حالهم (٣). والحشر: جمع على عنف. وقيل: كل أمة أهل دين. وقيل: أهل كل زمان.\n﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ﴾ أي: جاءو إلى المحشر قال الله لهم (٤).\n﴿أَكَذَّبْتُمْ بِآَيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمْ مَاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨٤)﴾ في معناه قولان:\nأحدهما: أنه نفي للعلم، وتقديره: أكذبتم بآياتي ولم تعرفوها حق معرفتها أم ماذا كنتم تعملون (٥) حين لم تتفكروا فيها (٦)، فهو تبكيت وتقريع.\nوالثاني: إثبات للعلم، وألف الاستفهام موخر في التقدير أي: كذبتم بآياتي أو لم تحيطوا بها علمًا، فيكون كقوله ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٤] فالاستفهام واقع على الانقلاب لا على الموت، ويقويه ما بعده ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ [النمل: ٨٦]، حكاه القفال (٧).\n_________\n(١) في أ: \" نحشر \".\n(٢) في ب: \" لأنه أراد \".\n(٣) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٣٧٦).\n(٤) في ب: \" قال لم الله \".\n(٥) في أ: \" أم ما كنتم تعملون \".\n(٦) في أ: \" حين لم يتفكروا فيها \".\n(٧) انظر: غرائب التفسير للكرماني (٢/ ٨٥٨).","vol":"1","page":1928},{"text":"وقيل: الآيات هاهنا آيات الساعة. وقيل: القرآن والأدلة، على ما سبق (١).\n﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ حل العذاب بهم. ﴿بِمَا ظَلَمُوا﴾ بسبب كفرهم. ﴿فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ (٨٥)﴾ باحتجاج ولا اعتذار ولا استنصار.\nوقيل: لا ينطقون بحجة.\nابن بحر: ﴿وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ لزمتهم حجة الله (٢).\n﴿فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ﴾ فلم يجد جوابه.\n﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ﴾ بالنوم والقرار والإمساك عن كد الاكتساب.\n﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ مضئيًا للتصرف والمعاش. وقيل: يبصرهم إلى معاشهم (٣).\nوقيل: يبصر فيه كقولهم: ليلٌ بائم، ويومٌ صائم، وسرٌ كاتم (٤).\n﴿إِن فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٨٦) وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ ينفخ فيه إسرافيل وهو قرن.\nوقيل: جمع صورة كصوفة وصوف أي: ينفخ الأرواح في الأجساد (٥).\nوقيل: هو مثل ضربه الله لإحياء الموتى في وقت واحد لخروجهم فيه كخروج الجيش إذا انذروا بنفخ البوق فاجتمعوا لوقت واحد، والجمهور على الأول وهو المعتقد (٦).\n﴿فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ هي النفخة الأولى فيكون معنى (فزع): مات.\n﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ هم الشهداء.\n_________\n(١) ينظر: النكت والعيون (٤/ ٢٢٨).\n(٢) لم أقف عليه، والله أعلم.\n(٣) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٣٨٦).\n(٤) انظر: معالم التنزيل (٦/ ١٨١).\n(٥) في ب: \" تنفخ الأرواح في الأجسام \"، وقد سبق بيانه في قوله تعالى ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾ [الكهف: ٩٩].\n(٦) حكاه الماوردي في النكت والعيون (٤/ ٢٢٩).","vol":"1","page":1929},{"text":"وقيل: هي النفخة الثانية فيكون (فزع) بمعنى: خاف (١).\n﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ الملائكة، والأنبياء، والشهداء.\nوقيل: هم المؤمنون لقوله ﴿وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آَمِنُونَ﴾ [النمل: ٨٩].\nوقيل: ﴿فَزَعٍ﴾ بمعنى: أجاب وأسرع إلى النداء، وإنما عطف الماضي على المستقبل لأن اليوم محمول على معنى إذا، تقول: إذا زرتني زرتك، وإذا زرتني أزورك (٢).\nوالعامل في اليوم اذكر عند المبرد، فيكون مفعولًا به، ويكون ﴿فَزَعٍ﴾ بمعنى المستقبل كقوله ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٤٤].\nوقيل: تقديره: يوم ينفخ في الصور ففزع من في السموات قامت القيامة (٣).\nوقيل: ذلك يوم ينفخ فيكون إشارة إلى ما تقدم من خروج الدابة.\nوقيل: العامل من جاء بالحسنة (٤).\n﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ (٨٧)﴾ صاغرين وقيل راغمين (٥).\n﴿وَتَرَى الْجِبَالَ﴾ بحاسة بصرك.\n﴿تَحْسَبُهَا جَامِدَةً﴾ واقفة ممسكة عن الحركة جمود الماء (٦)، ﴿تَحْسَبُهَا﴾ حال من المخاطب، أو من الجبال.\n_________\n(١) والجمهور على أنها النفخة الأولى.\n(٢) انظر: النكت والعيون (٤/ ٢٢٩).\n(٣) انظر: معاني القرآن للفراء (٢/ ٣٠١).\n(٤) انظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير (٣/ ٣٨٩).\n(٥) في أ: \" راغبين \".\n(٦) في ب: \" ممسكة جمود الماء \".","vol":"1","page":1930},{"text":"﴿وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ في السرعة. وقيل: تسير سيرًا وسطًا (١)، من قول الأعشى (٢):\nكأن مشيتها من بيت جارتها ... مر السحابة لاريث ولا عجل (٣).\nوقيل: تجتمع وتسير بكثرتها فهي جامدة في رأي العين وتسير سير السحاب كالجيش إذا بعد ما بين طرفيه (٤).\nوقيل: يحسبه الرائي لحيرته من هول ذلك اليوم واقفه وهي سائرة (٥).\nوقيل: تحسبها جامدة في الدنيا وهي تمر في الآخرة مر السحاب (٦).\n﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ أي: صنع الله ذلك صنعه فهو نصب على المصدر ودل على صنع ما قبله.\nومعنى ﴿أَتْقَنَ﴾ أحكم خلقه وهو مشتق من قول العرب: تقنوا أرضهم إذا أرسلوا فيها الماء الخاثر لتجود (٧)، والتَّقن: رسابة الماء في الغدير وهو الذي يجئ به الماء من الخُثُورة (٨).\n_________\n(١) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٨٥٩).\n(٢) الأعشى الكبير، ميمون بن قيس بن جندل بن شراحيل بن ضبيع، يكنى أب بصير، ولد بقيرية باليمامة يقال لها منفوحة، وبها داره وقبره، يقال إنه كان نصرانيًا، وهو أول من سأل بشعره، وفد إلى مكة يريد النبي ﷺ فلقيه أبو سفيان فأعطاه مائة من الإبل، فلما صار إلى بلدته رمى به بعيره فقتله.\nانظر: طبقات فحول الشعراء للجمحي (١/ ٥٢).\n(٣) انظر: ديوان الأعشى (٥٥) في قصيدته المشهورة التي مطلعها:\nودع هريرة إن الركب مرتحل ... وهل تطيق وداعًا أيها الرجل.\n(٤) انظر: تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة (٦).\n(٥) انظر: معالم التنزيل (٦/ ١٨٣).\n(٦) انظر: النكت والعيون (٤/ ٢٣٠).\n(٧) في ب: \" فتجود \".\n(٨) التِّقْن: تُرْنوق البئر والدِّمن، وهو الطين الرقيق يخالطه حمأه، والتَّقْنة: رسابة الماء وخثارته، والتِّقْن: الطين الذي يذهب عنه الماء فيتشقق، وأتقن الشيء أَحْكَمَه.\n\nانظر: لسان العرب (٢/ ٤٠)، مادة: تقن.","vol":"1","page":1931},{"text":"﴿إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (٨٨) مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾ بالطاعة (١).\n﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ بالواحد عشر، وبالواحد سبعمائة من قوله ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ﴾ الآية [البقرة: ٢٦١].\nوقيل: خير منها الجنة، والجمهور على أن الحسنة هاهنا: لا إله إلا الله (٢)، ويكون تقدير قوله ﴿مِنْهَا﴾ من جهتها وسببها.\nوروي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: \" فله خير \" (٣).\nوقيل: على هذا الوجه يمكن حمله على التفضيل أيضًا أي: فله خير من القول والذكر لا من المذكور والمقول.\n﴿وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آَمِنُونَ (٨٩)﴾ أي: من فزع يوم القيامة، ومن نون جعل الفزع للجنس (٤)، وجاز لأن المصدر للعموم.\n﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ بالشرك.\n﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ أي: يدخل النار فيكبت فيها على وجهه، ويقال لهم\n﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٠)﴾ وقيل: هو خطاب من الله للكفار في الدنيا أي: إذا فعل بكم ما ذكر من إدخال النار والكب على الوجوه فيها هل أكون ظالمًا لكم (٥).\n_________\n(١) \" بالطاعة \" سقط من أ.\n(٢) وهو قول ابن عباس ﵄، ومجاهد، وقتادة.\nانظر: جامع البيان للطبري (١٨/ ١٤٠)، المحرر لابن عطية (٤/ ٢٧٣).\n(٣) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٨/ ١٤٣).\n(٤) التنوين وفتح الميم في \" من \" قراءة عاصم، وحمزة، والكسائي، وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر \" مِن فزعِ يومئذ \" بكسر الميم مضافًا.\nانظر: الحجة لابن خالويه (٢٧٥)، السبعة لابن مجاهد (٤٨٧).\n(٥) في ب: \" هل أكون طالبًا لكم \" وهو تصحيف، وانظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٣٨٧).","vol":"1","page":1932},{"text":"﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾ قل للعرب يا محمد إنما أمرني الله أن أعبد رب هذه البلدة أي: مالكها وهي مكة التي تفتخر بها العرب ويسمون بسببها سكان حرم الله.\n﴿الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ جعله حرمًا آمنًا يأمن فيها السباع والوحوش فلا يعدوا الكلب فيها على الغزال، ولا ينفر منه الغزال ويكف الناس عن أهلها وعن من لاذ بها.\nوقيل: حرَّمها عَظَّم حرمتها من أن يسفك بها دم أو يظلم بها أحد أو يصطاد صيدها أو يختلي خلاها، فاعبدوه أنتم ففيه عزكم وشرفكم (١).\n﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ ولرب هذه البلدة كل شيء مع هذه البلدة فإنه مالك الدنيا والآخرة ورب العالمين كلهم.\n﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩١)﴾ وأمرني ربي أن أكون مسلمًا على دين إبراهيم منقادًا لأمره.\n﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآَنَ﴾ وأمرني أن أتلوا القرآن لأعرف الحلال من الحرام وما ينبغي لي أن أعبد غير الله به (٢).\n﴿فَمَنِ اهْتَدَى﴾ فمن سلك طريقي فأصاب الحق والهدى.\n﴿فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ لأنه إياها (٣) ينفع وإياها يورد الجنان.\n﴿وَمَنْ ضَلَّ﴾ عن طريقي.\n﴿فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ (٩٢)﴾ أي: فليس علي إلا الإنذار وليس على إكراهه ولا إليَّ أنزل العذاب به.\n﴿وَقُلِ الْحَمْدُ!﴾ الذي وقفنا لمرضاته.\n﴿سَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ﴾ يوم بدر وانشقاق القمر.\nوقيل: خروج الدابة ولو بعد حين (٤). وقيل: آياته في القيامة (٥).\n_________\n(١) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ١٤٦)، معالم التنزيل (٦/ ١٨٤).\n(٢) في ب: \" وما ينبغي لي أن أعبد الله به \" وهو تصحيف.\n(٣) في ب: \" لأنها إياها \".\n(٤) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٨٦٠).\n(٥) قاله الحسن.\n\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٢٣٢).","vol":"1","page":1933},{"text":"﴿فَتَعْرِفُونَهَا﴾ فيتحقق عندكم ما كنتم كذبتم به.\n﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٣)﴾ يعني الكفار فيكون تأخير العذاب عنهم لغفلته عن أعمالهم، ومن قرأ بالتاء فلموافقة ما قبله من الخطاب (١).\n_________\n(١) قرأ نافع، وابن عامر، وحفص عن عاصم \" عما تعملون \" بالتاء أي: قل لهم، وقرأ الباقون يالباء.\nانظر: العنوان في القراءات لأبي طاهر الأنصاري (١٤٦)، النشر لابن الجزري (٢/ ٢٦٢).","vol":"1","page":1934},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-134>سورة القَصَص</span>","vol":"1","page":1935},{"text":"سورة القصص مكية\nابن عباس ﵄: مكية إلا آية نزلت بالجُحْفَة قبل الهجرة وهي ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص: ٨٥] (١).\nمقاتل: مكية إلا قوله ﴿الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ إلى قوله ﴿الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٢ - ٥٥] فإنها نزلت بالمدينة (٢).\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n﴿طسم (١) تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) نَتْلُوا عَلَيْكَ﴾ نقرأ عليك يقرأه جبريل بأمرنا. وقيل: نقص عليك (٣).\n﴿مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ﴾ بعض أخبارهما.\n﴿بِالْحَقِّ﴾ بالصدق الذي لا يجوز فيه الكذب. وقيل: بأخبار صحيحة (٤).\n﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣)﴾ لينتفعوا به. وقيل: يجوز أن يكون ﴿لِقَوْمٍ﴾ من صلة ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي: بالحق لهؤلاء أي ليكون لهم حقًا وصدقًا يؤمنون به (٥).\n_________\n(١) وأنها نزلت بالجحفة بين مكة والمدينة وقت خروجه ﷺ للهجرة، وهو قول قتادة، وابن سلام، والسمرقندي في بحر العلوم (٢/ ٥٠٨)، والداني في التبيان في عد آي القرآن (٢٠١)، وابن الجوزي في زاد المسير (٦/ ٢٠٠)، وابن عطية في المحرر (٤/ ٢٧٥).\n(٢) انظر: تفسير مقاتل (٢/ ٤٨٨).\nونقل ابن الجوزي في زاد المسير (٦/ ٢٠٠) عن الحسن، وعطاء، وعكرمة أنها مكية كلها، وبه قال الزهري في تنزيل القرآن (٢٧)، والنحاس في معاني القرآن (٥/ ١٥٣)، والثعلبي في الكشف والبيان (٧/ ٢٣٢)، والواحدي في الوسيط (٣/ ٣٨٨).\n(٣) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٥٠٨)، غرائب التفسير (٢/ ٨٦١).\n(٤) لم أقف عليه، والله أعلم.\n(٥) لم أقف عليه، والله أعلم.","vol":"1","page":1936},{"text":"﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ علا في زمانه في أرض مصر.\nوقيل: العرب تسمى مصر الأرض، وبعض نواحيها الصعيد أي: صار فيها عاليًا رفيع القدر غالبًا لمن تحت يده (١).\nابن عباس ﵄: معنى ﴿عَلَا﴾: استكبر (٢).\nالسدي: تجبر (٣).\nقتاده: بغى (٤).\nمقاتل: تعظم (٥).\nالزجاج: طغى وغلب (٦).\nوقيل: عظم أمره بكثرة من أطاعه (٧).\n﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا﴾ وصَيَّرَ أهل مصر.\n﴿شِيَعًا﴾ فِرَقًا؛ يُكْرِم طائفةً ويذل أخرى (٨)، ويستحيي طائفة ويذبح أخرى، فيكون القبط أحدى الشيعة وهم شيعة الكرامة، ويجوز أن يكون ذلك على بني إسرائيل قد كان يكرم قومًا منهم ويذل الآخرين، ويجوز أن يكون قوله ﴿يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ﴾ هم بنو إسرائيل.\n﴿يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾ فيكون ﴿يَسْتَضْعِفُ﴾: ﴿يُذَبِّحُ﴾، ... ﴿وَيَسْتَحْيِي﴾: حالًا، و﴿يُذَبِّحُ﴾ و﴿وَيَسْتَحْيِي﴾ تفسير لقوله ﴿يَسْتَضْعِفُ﴾.\nومعنى ﴿وَيَسْتَحْيِي﴾: يترك البنات أحياء (٩) للخدمة.\n_________\n(١) في ب \" غاليًا لمن تحت يده \"، وانظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٣٨٩).\n(٢) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٥٩٥).\n(٣) أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٨/ ١٥٠).\n(٤) أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٨/ ١٥٠).\n(٥) انظر: تفسير مقاتل (٢/ ٤٨٨).\n(٦) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ٩٩).\n(٧) انظر: النكت والعيون (٤/ ٢٣٤).\n(٨) في أ \" ويذل الآخرين \".\n(٩) في ب \" بترك البنات أحياء \".","vol":"1","page":1937},{"text":"وقيل: كان يقتل سنة ويستحيي سنة، فَوُلدَ هارون في سنة الاستحياء للولد وموسى (١) في سنة الذبح (٢).\nوقيل: معنى ﴿وَيَسْتَحْيِي﴾: يفتش حياء المرأة باستخراج الولد الذكر منها، وهو بعيد (٣).\n﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤)﴾ في الأرض بالكفر والقتل واستعباد الأحرار.\n﴿وَنُرِيدُ﴾ إنما ذكر بلفظ المستقبل عطفًا على ﴿يَسْتَضْعِفُ﴾ وما بعده، وهي حال أي: حال فرعون كذا وحالنا كذا.\n﴿أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: نتفضل (٤) على من استضعفهم فرعون وهم بنو إسرائيل.\nالماوردى: هم يوسف وولده، قال: \" وهو قول علي بن أبي طالب ﵁ \" (٥). ﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً﴾ أنبياء، وكان بين موسى وعيسى ألف نبي من بني إسرائيل.\nوقيل: قادة في الخير (٦) ودعاة في الدين (٧).\nوقيل: ولاة الأمر (٨).\n﴿وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (٥)﴾ لمصر وأموالها بعد فرعون وأهله كما قال في الأخرى\n﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ﴾ الآيات [الدخان: ٢٥ - ٢٨].\n﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ نجعلهم مقتدرين في مصر والشام (٩) وما ملكته بنو إسرائيل من البلاد.\n﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ﴾ من بين إسرائيل.\n_________\n(١) في ب \" فولد هارون في سنة الاستحياء وموسى \".\n(٢) انظر: جامع البيان لابن جرير (١/ ٦٤٩).\n(٣) حكاه في غرائب التفسير (١/ ١٣٨).\n(٤) في أ \" أي يتفضل \".\n(٥) انظر: النكت والعيون (٤/ ٢٣٤).\n(٦) في ب \" قتادة في الخير \" وهو تصحيف.\n(٧) حكاه الماوردي في النكت والعيون (٤/ ٢٣٤).\n(٨) قاله قتادة.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ١٥٣).\n(٩) في أ \" نجعلهم مقتدين في مصر والشام \".","vol":"1","page":1938},{"text":"﴿مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (٦)﴾ من سلبهم ملكهم واستيلائهم على بلادهم على ما كانت كهنتهم ومنجموهم يخبرونهم به حتى دعاهم ذلك إلى قتل أبنائهم.\nالزجاج: عجبًا من حمق فرعون في قتله بني إسرائيل؛ إن كان الكاهن صادقًا فما ينفعه القتل، وإن كان كاذبًا فما معنى القتل (١).\nقرئ (٢) (ونري) فرعون عطفًا على (نَمُنّ)، وقرئ (ويري) (٣) بالياء (٤)، وفرعون (٥) بالرفع فهو نصب أيضا بالعطف، ويحتمل الاستئناف، وإنما رأوا ذلك حين إداركهم أمارات الغرق وأسبابه وتحققوا أنهم قد غُلِبوا وأن بني إسرائيل قد ملكوا ملكهم وليس يحتاج إلى تطاول المدة في هذه الرؤية.\n﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾ النقاش: اسمها يُوخايذ من ولد لاوي بن يعقوب (٦).\nقيل: وحي إلهام (٧).\nوقيل: وحي رؤيا (٨).\nوقيل: أتاها ملك كما أتى مريم حيث قال ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ﴾\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ٩٩).\n(٢) \" قرئ \" سقط من أ.\n(٣) في ب \" قرئ يري \".\n(٤) قرأ حمزة والكسائي \" ويَرى فرعونُ وهامانُ \" بالرفع، وقرأ الباقون \" ونُرِيَ فرعون وهامان \".\nانظر: السبعة لابن مجاهد (٤٩٢)، الكشف لمكي (٢/ ١٧٢).\n(٥) في ب \" فرعون \" بغير واو.\n(٦) وهو قول مقاتل.\nانظر: تفسير مقاتل (٢/ ٤٨٩)، وقد ذكر الكرماني هنا أن اسمها \" يوخايذ \" بالياء بينما ذكر البغوي في معالم التنزيل (٦/ ١٩٠)، وابن الجوزي في زاد المسير (٦/ ٢٠٣)، والألوسي في روح المعاني (١٠/ ٢٥٥) أن اسمها \" يوخابذ \" بالباء.\n(٧) قاله قتادة.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ١٥٥).\n(٨) حكاه الماوردي في النكت والعيون (٤/ ٢٣٥).\nووحي الرؤيا هو للأنبياء، وهو حق.","vol":"1","page":1939},{"text":"[آل عمران: ٤٢] (١).\nقيل: كان الوحي قبل الولادة (٢).\nوقيل: بعدها، وهو الأظهر (٣).\n﴿أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ اسقيه اللبن.\n﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ﴾ أن يُفْطَنَ به (٤) ويسمع الجيران صوته.\nوقيل: خفت عليه القتل من جهة فرعون (٥).\nوقيل: أوحي الله إليها أن أرضعيه كل يوم مرة وكل ليلة مرة، فإذا بلغ أشهرًا وخِفْتِ عليه أن يَطْلُبَ أكثر ويبكي فَيُفْطَن به لبكائه (٦).\n﴿فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ النيل، فلما ولدته جعلته في بستان وكانت تأتيه مرة بالنهار ومرة بالليل فترضعه ويكفيه ذلك، فأرضعته ثمانية أشهر (٧).\nوقيل: أربعة أشهر (٨).\nوقيل: ثلاثة أشهر (٩)، فألقته في النيل.\n﴿وَلَا تَخَافِي﴾ عليه الضيعة والهلاك.\n﴿وَلَا تَحْزَنِي﴾ لفراقه (١٠).\n﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ﴾ بوجه لطيف.\n_________\n(١) حكاه الواحدي في الوسيط (٣/ ٣٩٠) عن مقاتل.\nقال ابن كثير في تفسره (٣/ ٣٩٢) \" أُلهمت في سرها، وأُلقي في خلدها، وأُنفث في روعها \".\n(٢) قاله مجاهد.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٢٣٥).\n(٣) وهو اختيار ابن جرير في تفسيره (١٨/ ١٥٦).\n(٤) في ب \" أن يفطن له \".\n(٥) انظر: معالم التنزيل (٦/ ١٩٠).\n(٦) قاله ابن جريرج.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ١٥٦).\n(٧) قاله الكلبي.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٢٣٦).\n(٨) حكاه ابن جرير في جامع البيان (١٨/ ١٥٦).\n(٩) انظر: معالم التنزيل (٦/ ١٩٠).\n(١٠) في أ \" بفراقه \".","vol":"1","page":1940},{"text":"﴿وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧)﴾ أي: يبلغ مبلغ النبوة فيكون من المرسلين، وفي هذه الآية أمران، ونهيان، وخبران، وبشارتان (١).\n﴿فَالْتَقَطَهُ آَلُ فِرْعَوْنَ﴾ أي: فأرضعته وألقته في اليم بعد ما خافت عليه على الصفة التي أمرت بها في قوله ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ [طه: ٣٩]، فجاءت إلى النجار وأمرت أن يجعل لها تابوتًا طوله خمسة أشبار في عرض خمسة فعلم النجار بذلك، فجاء إلى الموكل بذبح البنين، فاعتقل لسانه فرجع، ثم عاد مرات فعلم أنه من الله فأقبل على النَّجْر.\nوقيل: لما فرغ من صنعة التابوت نمّ إلى فرعون يخبره فبعث معه من يأخذه فطمس الله على عينيه وقلبه فلم يعرف الطريق وأيقن أنه المولود الذي يخافه فرعون فآمن في الوقت وهو مؤمن آل فرعون، واسمه خَربيل (٢).\nومعنى (التقطه): وجده من غير طلب، تقول لقيت فلانًا إلتقاطًا إذا وردت عليه من غير قصد إليه، وقال الشاعر (٣):\nومنهل وردته التقاطا ... لما ألق إذ وردته فُرَّاطا.\nإلا الحمام الورق والغطاطا ... . . . . . . . . . . . . . . . . (٤)\n_________\n(١) فالأمران هما: ﴿أَرْضِعِيهِ﴾، و﴿فَأَلْقِيهِ﴾، والنهيان هما: ﴿وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي﴾، والخبران هما: ﴿وَأَوْحَيْنَا﴾، ﴿خِفْتِ عَلَيْهِ﴾، والبشارتان هما: ﴿رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾. .\n(٢) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٧/ ٢٣٥)، النكت والعيون (٤/ ٢٣٦).\n(٣) في أ: \" قال \".\n(٤) هذا الرجز لأبي محمد الفقعسي، وتمامه: فهن يُلْغِطن به إلغاطا.\nوهو مثل يضرب لمن لقيته التقاطًا أي: من غير طلب ولا عمد.\n\nانظر: إصلاح المنطق لأبي يوسف يعقوب بن إسحاق (٩٦)، فصل المقال في شرح كتاب الأمثال لأبي عبيد البكري (٥٠٨).","vol":"1","page":1941},{"text":"﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا﴾ لمخالفة دينهم (١).\n﴿وَحَزَنًا﴾ لزوال ملكهم، والحُزْن والحَزَن لغتان كالبُخْل والبَخَل. وقيل: بالضم اسم، وبالفتح مصدر.\nأجمع المفسرون على أن اللام هاهنا لام العقابة والصيرورة لا لام العلة، وانشدوا:\nله مَلَكٌ ينادي كل يوم (٢) ... لِدُوا للموت وابنوا للخراب (٣).\n﴿إِن فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (٨)﴾ آثمين بكفرهم أي: فجعل الله لهم موسى عدوًا وحزنًا لذلك.\nالمبرد: أي: مخطئين على أنفسهم بالتقاطه (٤).\nوذُكِرَ في التفسير أنه التقتطه جواري فرعون (٥).\nوقيل: التقطه بنت لفرعون برصاء فبرئت في الحال (٦).\nوقيل: البرصاء كانت امرأة فرعون فبرئت (٧).\nوقيل: كانوا خاطئين بقتل أولاد بني إسرائيل.\nوهب: ذبح فرعون في طلب موسى سبعين ألف وليد، حكاه الثعلبي وغيره (٨).\nالنقاش: جميع ما قتل فرعون من بني إسرائيل ستة عشر طفلًا (٩)، والله أعلم بذلك.\n_________\n(١) في ب: \" المخالفة دينهم \"، وهو تصحيف.\n(٢) الشطر الأول من البيت سقط من ب.\n(٣) البيت لأبي العتاهية في ديوانه (٢٨).\n(٤) انظر: غرائب التفسير للكرماني (٢/ ٨٦٢).\n(٥) فيما ذكره ابن جرير في جامع البيان (١٨/ ١٥٩) عن السدي.\n(٦) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ١٦٠).\n(٧) قاله عبد الرحمن بن زيد.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٢٣٦).\n(٨) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٧/ ٢٣٤)، غرائب التفسير للكرماني (٢/ ٨٦٢)، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٣/ ٢١٥).\n(٩) انظر: المحرر الوجيز لابن عطية (٤/ ٢٧٦)، وهذا مخالف لسياق الآية في قوله (يقتل)، والأكثر على القول الأول.","vol":"1","page":1942},{"text":"﴿وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ﴾ أي: قالت لفرعون هذا الصبي قرة عين لي ولك.\n﴿لَا تَقْتُلُوهُ﴾ خاطبته بلفظ الجمع. وقيل: تقديره قل للشُّرَط لا تقتلوه.\n﴿عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا﴾ في بعض أمورنا وخدمتنا.\n﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ إن كان نجيبًا عاقلًا، وروي عن ابن عباس - ﵁ - الوقف على قوله\n﴿وَلَكَ لَا﴾ وهو من حيث المعنى لأن مآلها كان إلى الإيمان والجنة ومال أمره إلى الغرق والنار، ومن حيث الاعراب فاسد غير صحيح، لأنه لا يمكن الابتداء بما بعده ولم تكن امرأته تتجاسر على مواجهته بهذا الكلام كيف وهي تستميل قلبه على استبقائه بقولها\n﴿عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ (١).\nوروي عن نافع (٢) الوقف على قوله ﴿لِي﴾ والابتداء بقوله ﴿وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ﴾ أي: ولك أن لا تقتلوه، أو ولك أن تقول لا تقتلوه (٣)، والوجه الوصل.\nوروي عن النبي ﷺ أنه قال: \" إن فرعون قال: أما أنا فلا حاجة لي فيه، ولو قال يومئيذ هو قرة عين لي كما هو لك لهداه الله كما هداها \" (٤).\n_________\n(١) أنظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ١٦٣).\nوقد ضعفها الفراء في معاني القرآن (٢/ ٣٠٢) وقال \" هي لحن \".\nوقال النحاس في القطع والائتناف (٣٨٦) \" وهي من رواية الكلبي ولا يحل لمسلم أن ينظر فيها لإجماع أهل العلم ممن يعرف الرجال على تكذيبه، والصحيح عن ابن عباس أنه قال: قالت امرأة فرعون: قرة عين لي ولك. فقال فرعون: أما لك فنعم، وأما لي فلا، فكان كما قال \".\n(٢) نافع، تنظر ترجمته ص: ٥٤٧\n(٣) انظر: غرائب التفسير للكرماني (٢/ ٨٦٢).\n(٤) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٨/ ١٦٤) عن ابن عباس ﵄.","vol":"1","page":1943},{"text":"قوله ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ قيل: هو من كلام امرأة فرعون أي: نتخذه ولدًا وبنو إسرائيل لايشعرون (١).\nوقيل: والناس لا يشعرون أنه لغيرنا (٢).\nوالجمهور على أنه استئناف كلام من الله سبحانه أي: لا يشعر فرعون وقومه أن هلاكهم على يديه (٣).\nوقيل: لا يشعرون أنه المطلوب للذبح (٤).\n﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾ (أصبح) أي: صار وحصل.\nوقيل: رمته ليلًا فأصبح فؤادها فارغًا (٥)، والوجه هو الأول.\nوفي قوله ﴿فَارِغًا﴾ أقوال:\nأحدها: فارغًا من كل شيء إلا من ذكر موسى، وهو قول ابن عباس ﵄ (٦).\nالأخفش: فارغًا لا حزن فيه ثقة بوعد الله (٧).\n﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ﴾ ابن بحر: فَراغُ القلب خوفه من قوله ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ [إبراهيم: ٤٣]، ويسمى الجبان يراعة أي: لا قلب له (٨).\nوقيل: نافرًا (٩).\nوقيل: والِهًَا (١٠).\nوقيل: فارغًا للحزن على موسى والاغتمام له (١١).\n_________\n(١) قاله محمد بن قيس.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ١٦٦).\n(٢) انظر: الكشاف (٦/ ٤٨٥).\n(٣) وهو اختيار ابن جرير في جامع البيان (١٨/ ١٦٦).\n(٤) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٧٦٣).\n(٥) حكاه في النكت والعيون (٤/ ٢٣٨).\n(٦) أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٨/ ١٦٧)، وهو الذي عليه أكثر أهل التفسير.\n(٧) انظر: معاني القرآن للأخفش (٢/ ٦٥٢)، غرائب التفسير للكرماني (٢/ ٨٦٣).\n(٨) انظر: المصدر السابق (٢/ ٨٦٣).\n(٩) قاله العلاء بن زيد.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٢٣٨).\n(١٠) قاله ابن جبير.\nانظر: المصدر السابق (٤/ ٢٣٨).\n(١١) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٣٩٢).","vol":"1","page":1944},{"text":"الحسن: فارغًا من ذكر الوحي والعهد أي: أنساها عظيم البلاء ذلك (١).\n﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ وذلك أنها سمعت فرعون قد أخذ التابوت فلم تشك أنه يقتله فكادت تقول: \"وا إبناه\" شفقة عليه. وقيل: لما سمعت أن فرعون اتخذه ولدًا كرهت وكادت تقول: هو ابني (٢)، لما حُملت لإرضاعه وحضانته كادت (٣) تقول هو ابني (٤).\nوقيل: تبدي بالوحي (٥). وقيل: بالبكاء (٦).\nوفي الباء قولان:\nأحدهما: زيادة، والتقدير: تبديه.\nوالثاني: أن المفعول مقدر أي: تبدي القول به بسبب موسى.\n﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ قويناه بالصبر واليقين.\nوقيل: بالإيمان والعصمة (٧).\nوقيل: ربطنا على قلبها بأن نذكرها (٨) ﴿وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ﴾.\nوجواب لولا محذوف أي: لأبدَتْه.\n﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠)﴾ أي: فعلنا لتكون من المؤمنين غير شاكة في وعد الله فإن ذلك كفر.\nوقيل: من المصدقين (٩).\n﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ اتبعي أثره واستعلمي خبره.\n﴿فَبَصُرَتْ بِهِ﴾ أي: قصته. ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ﴾ أبصرته.\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٨/ ١٦٩).\n(٢) في ب \" وكادت تقوللما حملت \".\n(٣) في أ \" لما حملت لإرضاعه وحضانته تقول \".\n(٤) في ب \" تقول ابني \"، وانظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ١٧١).\n(٥) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ١٧١)، النكت والعيون (٤/ ٢٣٨).\n(٦) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٧/ ٢٣٧).\n(٧) قالهما قتادة والسدي.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ١٧٣، ١٧٢).\n(٨) في أ \" بأن تذكرها لا تخافي ولا تحزني \".\n(٩) قاله السدي.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٢٣٨).","vol":"1","page":1945},{"text":"وقيل: صارت بصيرة بموضعه، لأن بصر لا يتعدى (١).\n﴿عَنْ جُنُبٍ﴾ عن مكان جنب صفة موصوف محذوف (٢).\nوقيل: عن جانب لأنها كانت تمشي على الشط (٣).\n﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١١)﴾ أنها تقصه (٤). وقيل: لا يشعرون أنها أخته (٥).\n﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ معناه من أن يرضع إلا من أمه. والمراضع: جمع مرضع بالفتح أي: الرضاع.\nوقيل: مرضع بالكسر. وقيل: مرضعة، فيكون المضاف محذوفًا أي: لبن المراضع من قبل إتيان الأخت (٦).\nوقيل: من قبل أن تأتيه أمه.\nوقيل: من قبل في القضاء السابق (٧).\nوقيل: حرمنا على المراضع أن يرضعنه وذلك بأن لا يقبل إرضاعهن، حكاه القفال (٨).\n﴿فَقَالَتْ﴾ أي: أخت موسى.\n﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ﴾ هل لكم حاجة أن أدلكم: أُرشدكم.\n﴿عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ﴾ يكفلون موسى.\n﴿لَكُمْ﴾ من أجلكم وسببكم.\n﴿وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ (١٢)﴾ لا يقصرون في تربيته وإرضاعه في وقت حاجته إلى اللبن (٩).\n_________\n(١) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٨٦٤).\n(٢) في ب \" صفة موصوف \".\n(٣) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ١٧٥).\n(٤) في ب \" أنها تقص \".\n(٥) حكاه في النكت والعيون (٤/ ٢٣٩).\n(٦) انظر: النكت والعيون (٤/ ٢٣٩).\n(٧) انظر: هذا القول والذي قبله في النكت والعيون (٤/ ٢٣٩).\n(٨) انظر: غرائب التفسير للكرماني (٢/ ٨٦٤).\n(٩) في ب \" في وقت حاجاته إلى اللبن \".","vol":"1","page":1946},{"text":"وذكر في بعض التفاسير أن هامان لما سمعها تقول ﴿وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ قال خذوها حتى تخبر بقصة هذا الغلام فألهمها الله فقالت: إنما ذكرت النصيحة لفرعون لا لغيره. فقال: صدقت. فسألها فرعون أن تأتي بمن تكفل موسى (١) فأتت بأم موسى، فلما أرضعته أمسك عن البكاء وارتضع منها.\nوذكر في بعض التفاسير: أن فرعون قال لها: ما باله لم يقبل لبن غيرك وقبل لبنك؟ قالت: لأني امرأة طيبة الريح طيبة اللبن لا أوتى بصبي إلا ارتضع منى (٢). فسكت فرعون. ثم قالت لامرأة فرعون: إن طابت نفسك أن تُعطينيه فأذهب به إلى بيتي لآلوُه خيرًا فعلت، وإلا فإني غير تاركة منزلي وأولادي فرضيت امرأة فرعون فرجعت بابنها إلى بيتها من يومها، وهو قوله ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا﴾ بولدها.\n﴿وَلَا تَحْزَنَ﴾ على فراقه. ﴿وَلِتَعْلَمَ أَن وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ لتتيقن أن وعد الله كائن (٣). ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ﴾ أكثر الكفار.\n﴿لَا يَعْلَمُونَ (١٣)﴾ أن وعده حق. وقيل: لا يعلمون ما يراد بهم (٤).\n﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ أي: بلغ موسى قوة الشباب، وتمام العقل والتمييز.\nابن عباس ﵄: بلغ ثلاثًا وثلاثين سنة (٥).\nوقيل: عشرين سنة.\nوقيل: خمسة عشر سنة (٦).\nالحسن: أربعين سنة (٧).\n_________\n(١) في ب \" أيأتي بمن يكفل موسى \".\n(٢) في ب \" إلا ارتضع موسى \" وهو تصحيف.\n(٣) في أ \" أن وعده كائن \".\n(٤) قاله الضحاك.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٢٤٠).\n(٥) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ١٨١)، وهو قول مجاهد، وهو الذي عليه أكثر العلماء.\n(٦) عزاه في النكت والعيون (٤/ ٢٤٠) لمحمد بن قيس.\n(٧) انظر: النكت والعيون (٤/ ٢٤٠).","vol":"1","page":1947},{"text":"السُدّي: ثلاثين سنة (١).\nعكرمة: خمسًا وعشرين سنة (٢).\nابن جبير: ثماني عشرة سنة (٣)، وقيل: الحُلُم (٤).\n﴿وَاسْتَوَى﴾ ابن عباس ﵄: أربعين سنة (٥).\nوقيل: بلغ قامته مبلغًا لا يزيد عليه واستوى قَدُّه (٦).\nوقيل: ﴿وَاسْتَوَى﴾ كَمُلَ عقله (٧).\nوقيل: خرجت لحيته (٨).\nو﴿أَشُدَّهُ﴾ قيل (٩): جمع شدة كنعمة وأنعُم. وقيل: جمع شدٍّ كَوَدٍّ وأود. وقيل. واحد كأنك، وقد سبق (١٠).\n﴿آَتَيْنَاهُ حُكْمًا﴾ نبوة وفقهًا. وقيل: عقلًا (١١).\n﴿وَعِلْمًا﴾ فِقهًا وفهما. مجاهد: قرآنًا (١٢)، وهذا بعيد.\n_________\n(١) انظر: المصدر السابق (٤/ ٢٤٠).\n(٢) انظر: النكت والعيون (٤/ ٢٤٠).\n(٣) انظر: المصدر السابق (٤/ ٢٤٠).\n(٤) انظر: النكت والعيون (٤/ ٢٤٠).\n(٥) وهو قول مجاهد، وقتادة.\nانظر: جامع البيان للطبري (١٦/ ١٨١)، الوسيط للواحدي (٣/ ٣٩٣).\n(٦) انظر: النكت والعيون (٤/ ٢٤١).\n(٧) انظر: المصدر السابق (٤/ ٢٤٠).\n(٨) انظر: المصدر السابق (٤/ ٢٤٠).\n(٩) \" قيل \" ساقط من أ.\n(١٠) في قوله تعالى في شأن يوسف ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [يوسف: ٢٢].\nقال الزجاج في معاني القرآن (٤/ ١٠٢) \" قيل الأشد بضع وثلاثون سنة، وهو ما بين ثلاث وثلاثين سنة إلى تسع وثلاثين، وتأويل (بلغ أشده) استكمل قوة الرجل، وقيل معنى ﴿وَاسْتَوَى﴾ بلغ الأربعين، وجائز أن يكون استوى وصل حقيقة بلوغ الأشد \".\n(١١) قاله مجاهد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ١٨٢).\n(١٢) في تفسير مجاهد (٢/ ٤٨٢) قال \" الفقه والعقل والعلم \"، وكذا في جامع البيان لابن جرير (١٣/ ٦٨)، (١٨/ ١٨٢).","vol":"1","page":1948},{"text":"وقيل: علمًا بشرائع دينه (١).\n﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٤)﴾ أي: كما فعلنا بموسى وأمه نفعل بالمؤمنين.\n﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ﴾ دخل موسى مصر.\nوقيل: قرية على فرسخين من مصر يقال لها جائين (٢).\nوقيل: اسمها عين الشمس (٣).\nالنقاش: الاسكندرية (٤).\nوقيل: خرج من قصر فرعون ودخل مصر (٥).\nوقيل: بل كان فرعون أخرجه لما أخذ بلحيته فلم يدخل عليه حتى كبر (٦).\nوقيل: كان فرعون ركب وموسى غائب، فلما عاد ركب خلفه ودخل المدينة فاتفق له ذلك (٧).\n﴿عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا﴾ قيل: متنكرًا راجلًا (٨).\n_________\n(١) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ١٨٢).\n(٢) قاله مقاتل.\nانظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٥١٢)، معالم التنزيل (٦/ ١٩٦).\nوذكر البغوي في معالم التنزيل (٦/ ١٩٦)، وأبو حيان في البحر المحيط (٧/ ١٠٤)، وأبو السعود في إرشاد العقل السليم (٧/ ٦)، والألوسي في روح المعاني (١٠/ ٢٦٢) أن اسم القرية \" حابين \".\n(٣) قاله الضحاك.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٢٤١)، معالم التنزيل (٦/ ١٩٦).\nعين شمس وعين الشمس اسم مدينة فرعون بصر، بينها وبين الفسطاط ثلاثة فراسخ، وكانت مدينة كبيرة، وبها آثار قديمة وأعمدة تسميها العامة مسال فرعون.\nانظر: معجم البلدان (٤/ ١٧٨).\n(٤) انظر: البحر المحيط (٧/ ١٠٤).\n(٥) انظر: البحر المحيط (٧/ ١٠٤).\n(٦) قاله ابن زيد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ١٨٤).\n(٧) قاله السدي.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ١٨٣).\n(٨) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٧/ ٢٤٠).","vol":"1","page":1949},{"text":"وقيل: في غير الوقت الذي كان يدخل المدينة معتادًا، ولهذا قال: ﴿عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ﴾ ولم يقل على غفلة أي: دخل في غير الوقت الذي كانوا يتوقعونه (١).\nوقيل: وقت القيلولة (٢).\nوقيل: بين المغرب والعشاء (٣).\n﴿فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ أي: أحدهما من بني إسرائيل والآخر من القبط.\nوقيل: أحدهما مؤمن (٤) والآخر كافر (٥).\nوقوله ﴿هَذَا﴾ على الحكاية.\nالمبرد: العرب تشير بهذا إلى الغائب (٦)، قال جرير (٧):\nهذا ابن عمي في دمشق خليفة ... لو شئت ساقكم إليَّ قطينا (٨).\n﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ أي سأله أن يغيثه، وكان القبطي خباز فرعون يحمل الحطب على الإسرائيلي.\nوقيل: يحمل الخبز على ظهره (٩).\nوقيل: كانا يقتتلان في الدِّين (١٠).\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن للفراء (٢/ ٣٠٣).\n(٢) قاله قتادة، والسدي.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ١٨٦، ١٨٥).\n(٣) قاله ابن عباس، ﵄.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ١٨٥).\n(٤) في أ \" أحدهما مسلم \".\n(٥) قاله ابن إسحاق.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ١٨٨).\n(٦) انظر: غرائب التفسير للكرماني (٢/ ٨٦٤)، البحر المحيط (٧/ ١٠٤).\n(٧) جرير بن عطية بن حذيفة الخَطَفي، الكلبي اليربوعي، من تميم، أشعر أهل عصره، كان هجَّاءً، لم يثيت أمامه غير الفرزق والأخطل، كان عفيفًا من أغزل الناس شعرًا، توفي سنة عشر ومائة.\nانظر: طبقات فحول الشعراء للجمحي (٢/ ٢٩٧).\n(٨) انظر البيت في ديوان جرير (٦٥٩)، وانظر: الأغاني (٨/ ٦٤).\n(٩) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ١٨٧).\n(١٠) انظر: معالم التنزيل (٦/ ١٩٧).","vol":"1","page":1950},{"text":"﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى﴾ أي غضب موسى على القبطي لكفره وعتوه (١).\n﴿فَوَكَزَهُ﴾ ضربه بجميع كفه (٢). وقيل: دفع صدره بيده (٣).\nوقيل: عقد بيمينه عقد ثلاث وتسعين فضربه (٤). وقيل: ضربه بعصاه (٥)، والوَكْز (٦)،\nواللَّهْز (٧)، والنَّهْز (٨)، والرَّهْز (٩) بمعنى.\n﴿فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ أي: قتله. وقيل: أماته (١٠)، والقاضية: الموت (١١)، وقيل: كل شيء فرغت منه فقد قضيته (١٢).\nوفاعل (قضى): موسى، ويحتمل أن يكون هو الله أي: قضي الله عليه الموت، ويحتمل فقضى الوكز عليه.\n﴿قَالَ﴾ يعني موسى. ﴿هَذَا﴾ إشارة إلى ما حصل من غير قصده.\n﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ لأنه حمله على ذلك حين أغراه.\n_________\n(١) في ب \" لكفره وغلوه \".\n(٢) في ب \" ضربه بجمع كفه \".\n(٣) انظر: معاني القرآن للنحاس (٥/ ١٦٦).\n(٤) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٨٦٤).\n(٥) قاله قتادة.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٢٤٢).\n(٦) الوَكْز: الضرب بِجَمْعِ كفك.\nانظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ١٠٣).\n(٧) اللَّهز: الفع والضرب، يقال لهزه أي: ضربه بجُمْعه في لهازمه ورقبته.\nانظر: لسان العرب (١٢/ ٣٤٢)، مادة: لهز.\n(٨) النهز: الدفع، ونهز رأسه حرّكه.\nانظر: المصباح المنير (٢/ ٦٢٨)، القاموس المحيط (٦٧٩).\n(٩) الرهز: الحركة عند المباضعة.\nانظر: العين (٤/ ١٣)، لسان العرب (٥/ ٣٤٠)، مادة: رهز.\n(١٠) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٨٦٥).\n(١١) وكان مراد موسى ﵇ أن يدفه لا أن يقتله.\n(١٢) في ب \" قد قضيته \".\nقال ابن جرير في جامع البيان (١٨/ ١٩٠) \"فرغ من قتله ثم دفنه في الرمل\".","vol":"1","page":1951},{"text":"وقيل: معنى قوله ﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ كقولك: هذا من فعل الفاسقين لا الصالحين، وكان لم يؤمر بالقتل والقتال (١).\nوقيل معناه: زَيَّنَ الشيطان لي طاعة الغضب وترك الرفق (٢).\n﴿إِنَّهُ﴾ إن الشيطان. ﴿عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (١٥)﴾ ظاهر العداوة.\n﴿قَالَ رَبِّ) يا رب. ﴿إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ بقتله من غير أمر منك.\n﴿فَاغْفِرْ لِي﴾ ذنبي. ﴿فَغَفَرَ لَهُ﴾ أجاب الله دعاءه.\n﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ﴾ لذنوب العباد. ﴿الرَّحِيمُ (١٦)﴾ بهم.\n﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ بما غفرت ذنبي. وقيل: بما خَلّصْتني (٣). وقيل: ﴿بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ أي: النبوة والحكمة (٤).\n﴿فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا﴾ معينًا، وقوةً، وظهرًا.\n﴿لِلْمُجْرِمِينَ (١٧)﴾ للكافرين (٥).\nقيل: هذا يدل على أن الذي من شيعته كان كافرًا (٦).\nوقوله ﴿بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا﴾ يدل على أنه كان مسلمًا، والله أعلم بذلك.\nوقوله ﴿بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ ابن جرير: قسم أي: بإنعامك علي لا أكون ظهيرًا، قال: \" ولم يستثن فابتلي بما نم عليه الإسرائيلي في اليوم الثاني\" (٧).\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ١٠٣).\n(٢) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ١٩٠).\n(٣) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ١٩١).\n(٤) حكاه في النكت والعيون (٤/ ٢٤٢).\n(٥) في ب \" الكافرين \".\n(٦) قاله ابن عباس، ﵄.\nانظر: معالم التنزيل (٦/ ١٩٨).\n(٧) انظر: جامع البيان للطبري (١٨/ ١٩١).","vol":"1","page":1952},{"text":"وقيل: هو خبر بمعنى الدعاء (١) أي: فلا تجعلني ظهيرًا للمجرمين (٢).\nوقيل: لن بمعنى: لا، وهو دعاء، والظاهر أنه خبر، أي: بسبب إنعامك علي لا أكون بعد اليوم معينًا لكافر (٣).\nالكسائي في جماعة من أهل اللغة: قالوا معناه لا أكون بالمغفرة والرحمة معينًا للمجرمين فأقول لهم رحمك الله او غفر الله لك، حكاه القفال (٤).\n﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا﴾ على نفسه من قتل القبطي أن يؤخذ به.\n﴿يَتَرَقَّبُ﴾ يتوقع وقوع مكروه به.\nوقيل: يترقب الأخبار هل وقفوا على ما كان منه (٥).\nوقيل: خائفًا من الله يترقب المغفرة (٦).\nوقيل: خائفًا من قومه ينتظر أن يسلمه قومه، حكاه الماوردي (٧).\n﴿فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ﴾ إذا هذه للمفاجاه أي: فاجأه المستغيث الأمْسِي يسأله أن يُصرخه، والاستصراخ: الاستغاثة، مشتق من الصراخ، تقول: أتى الصارخ الأمير فأصرخه، أي: أغاثة.\nوالمعنى: يسأله النصرة على قبطي آخر يقاتله.\n﴿قَالَ لَهُ مُوسَى﴾ أي: للإسرائيلي (٨).\n_________\n(١) في ب \" خبر في معنى الدعاء \".\n(٢) ذكره الفراء في معاني القرآن (٢/ ٣٠٤)، واستدل عليه بقراءة ابن مسعود ﵄ (فلا تجعلني ظهيرًا).\n(٣) انظر: إعراب القرآن للنحاس (٣/ ٢٣٢).\n(٤) في ب \" وغفر الله لك \".\nوانظر: إعراب القرآن للنحاس (٣/ ٢٣٢)، غرائب التفسير (٢/ ٨٦٥).\n(٥) قاله ابن عباس، ﵄، وقتادة، والسدي.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ١٩٣، ١٩٢).\n(٦) حكاه الماوردي في النكت والعيون (٤/ ٢٤٣).\n(٧) انظر: النكت والعيون (٤/ ٢٤٣).\n(٨) في ب: \" أي: الإسرائيلي \".","vol":"1","page":1953},{"text":"﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ (١٨)﴾ أي: غوي في تدبيرك، غير رشيد في أمرك، تقاتل مع عجزك (١) وقلة أنصارك.\nوقيل: الغوي: الخائب بما يطلبه. وقيل: خاطب موسى بهذا القبطي فلم يفهم الإسرائيلي (٢).\n﴿فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا﴾ أي: لموسى والإسرائيلي أي: أراد أن يثب على القبطي ليمنعه عن قتال الإسرائيلي (٣) توهم الإسرائيلي أن موسى قصده، وكان قد سبق منه إليه إنك لغوى مبين.\n﴿قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾ يعني: القبطي المقتول.\n﴿إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا﴾ قتالًا يقتل الناس على الغضب.\nعكرمة: الجَبَّار: الذي قتل مرتين (٤).\n﴿فِي الْأَرْضِ﴾ أرض مصر (٥). ﴿وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (١٩)﴾ في كظم الغيظ وترك القتل، وكان حديث القتل فشا في المدينة وخفي القاتل، ففطن القبطي بذلك، فذهب إلى فرعون فأخبره أن قاتِله موسى.\nالحسن: هو من قول القبطي لأنه كان اشتهر أن إسرائيليا قتل قبطيًا (٦).\nوالجمهور على القول الأول.\nوقيل: خاف الإسرائيلي أن يقتل موسى القبطي فيؤخذ الإسرائيلي به (٧).\nوقيل: الإسرائيلي كان السامري (٨).\n_________\n(١) في ب: \" يقاتل مع عجزك \".\n(٢) انظر: معالم التنزيل (٦/ ١٩٨)، البحر المحيط (٧/ ١٠٦).\n(٣) في ب: \" ليمنعه من قتال الإسرائيلي \".\n(٤) انظر: النكت والعيون (٤/ ٢٤٤).\n(٥) \" أرض مصر \" ساقط من ب.\n(٦) انظر: غرائب التفسير للكرماني (٢/ ٨٦٥).\n(٧) حكاه في النكت والعيون (٤/ ٢٤٣).\n(٨) حكاه في النكت والعيون (٤/ ٢٤٣) عن يحيى بن سلام.","vol":"1","page":1954},{"text":"﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى﴾ أي: فتآمر فرعون وقومه حينئذ في أمر موسى وقصدوا طلبه وقتله، فجاء رجل وهو \" خربيل \" مؤمن آل فرعون، وهو النجار.\nوقيل: شمعون (١).\n﴿يَسْعَى﴾ على رجليه سريعًا.\nوقيل: يعدوا، وكان ابن عم فرعون (٢).\n﴿قَالَ يَا مُوسَى إِن الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ يتشاورون في قتلك افتعل من الأمر. وقيل: يهمون بقتلك.\nالزجاج: يأمر بعضهم بعضًا بقتلك (٣). وقيل: يدبرون الأمر في قتلك (٤).\n﴿فَاخْرُجْ﴾ من المدينة.\n﴿إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (٢٠)﴾ أي: ناصح لك من الناصحين، لأنه لا يتقدم الصلة على الموصوف.\n﴿فَخَرَجَ مِنْهَا﴾ أي: فخرج موسى من المدينة بعد إنذار الرجل إياه.\n﴿خَائِفًا﴾ على نفسه من آل فرعون.\n﴿يَتَرَقَّبُ﴾ ينتظر هل يلحقه طلب فيؤخذ. وقيل: معنى ﴿يَتَرَقَّبُ﴾: يلتفت (٥). وقيل: يترقب أن يضل السبيل (٦).\n﴿قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢١)﴾ خلصني واجعلني بحيث أفوتهم ولا يلحقونني، مشتق من النجوة وهو: المكان الذي لا يناله كل أحد.\n﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ﴾ قصد بوجهه، والتَّوجه: الإقبال على الشيء.\n﴿تِلْقَاءَ﴾ مقابلة، وهو مصدر من لقيت جعل ظرفًا كبين فإنه مصدر جُعل ظرفًا.\n_________\n(١) انظر: معالم التنزيل (٦/ ١٩٨)، ولا فائدة من معرفة اسمه، والأكثر على القول الأول.\n(٢) قاله الكلبي.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٢٤٤).\n(٣) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ١٠٤).\n(٤) في ب \" بقتلك \"، وانظر: معاني القرآن للنحاس (٥/ ١٧٠).\n(٥) حكاه النحاس في إعراب القرآن (٣/ ٢٣٣).\n(٦) لم أقف عليه، والله أعلم.","vol":"1","page":1955},{"text":"﴿مَدْيَنَ﴾ أي: نحو ماء مدين، ومدين هو ابن إبراهيم سمي الماء به.\n﴿قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ (٢٢)﴾ إشتبهت عليه الطرق فلم يدر أيها يؤديه إلى المقصد ففوض أمره إلى الله ﷿ وقال ﴿عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ قصد طريق مدين، وكانت هناك ثلاث طرق أخذ موسى في أوسطها وأخذ من كان في طلبه الآخَرَيْن، وقالوا: إن المريب لا يأخذ في أعظم الطرق ولا يسلك إلا بنيات الطرق (١)، وبقي في الطريق ثماني ليال حافيًا ما له طعام إلا ورق الأشجار.\nوقيل: لم يقصد مدين ولكنه أخذ طريقًا (٢) إلى حيث يأمن فيه فاتفق ذهابه إلى مدين لأمر قدره الله (٣).\nوقيل: أتاه جبريل بالعصا وأمره بالمسير إلى مدين (٤).\nوقوله ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ﴾ وقوله ﴿وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ﴾ من إخبار الله لا من قصده.\n﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ﴾ ماء مدين (٥) آبار كان يشرب منها أهلها ويسقون أنعامهم ومواشيهم (٦).\n﴿وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً﴾ جمعًا. ابن عباس ﵄: الأمة أربعون (٧).\n﴿مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾ مواشيهم (٨).\n﴿وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ﴾ دون الجماعة أي: أسفل منهم، أشار بذلك إلى تنحيهما عن الجماعة.\n_________\n(١) في ب \" إلا بنيان الطرق \"، وهو تصحيف.\n(٢) في أ \" ولكن أخذ طرقًا \".\n(٣) حكاه في النكت والعيون (٤/ ٢٤٥) عن عكرمة.\n(٤) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٧/ ٢٤٣).\n(٥) في ب \" وماء مدين \".\n(٦) مدين: مدينة قوم شعيب، على بحر القلزم محاذية لتبوك، على نحو ست مراحل، وهي أكبر من تبوك.\nانظر: معجم البلدان (٥/ ٧٧).\n(٧) انظر: النكت والعيون (٤/ ٢٤٥).\n(٨) \" وماشيهم \" ساقط من أ.","vol":"1","page":1956},{"text":"﴿تَذُودَانِ﴾ تمنعان مواشيهما عن الماء، وهي تنازع إليه.\nوقيل: تحبسان غنمهما عن الشَّذ (١).\nوقيل: تذودان غنم الناس عن غنمهما كي لا يختلطا (٢).\n﴿قَالَ مَا خَطْبُكُمَا﴾ ما شأنكما لا تسقيان غنمكما؟ .\nوقيل: ما شأنكما واقفتين، استنكارًا لخروجهما من غير محرم (٣).\n﴿قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾ ينصرف، والصَّدَر: الانصراف عن الماء، ومن قرأ (٤) \" يصدر \" بالضم فالمفعول مقدر أي يُصدر الرعاء مواشيهم (٥). والرِّعَاء: جمع راع، والرعاء: للمواشي. والرعاة: الولاة.\nقيل: لا نسقي تصونًا عن الاختلاط بالرجال (٦). وقيل: لضعفنا عن المزاحمة (٧).\n﴿وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (٢٣)﴾ أي: ضعيف لا يمكنه الخروج قالتا ذلك عذرًا لخروجهما من غير محرم. وقيل: تعريضًا لموسى أن يُعينهما على السقي (٨).\n_________\n(١) حكاه ابن جرير في جامع البيان (١٨/ ٢٠٨) عن ابن عباس ﵄.\n(٢) قاله قتادة.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ٢٠٩).\n(٣) انظر: النكت والعيون (٤/ ٢٤٦).\n(٤) في ب \" من قرأ \".\n(٥) وهي قراءة نفع، وابن كثير، وعاصم، وحمزة، والكسائي، ويقوب، وخلف، وقرأ أبو عمرو، وابن عامر \" يَصْدُر \" بفتح الياء وضم الدال.\nانظر: السبعة لابن مجاهد (٤٩٢)، الإتحاف لابن البنا (٢/ ٣٤١).\n(٦) حكاه في النكت والعيون (٤/ ٢٤٦).\n(٧) قاله ابن إسحاق.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ٢١٢).\n(٨) حكاه في النكت والعيون (٤/ ٢٤٦).","vol":"1","page":1957},{"text":"﴿فَسَقَى لَهُمَا﴾ أي: سقى موسى مواشيهما لأجلهما، وذلك أنه أتي بئرًا عليها صخرة لا يحملها إلا عشرة فحملها ورماها، وسألهم أن يعطوه دلوًا فناولوه دلوًا لاينزحها الأعشرة. وقيل: إلا أربعون رجلًا، فنزحها وحده وسقى أغنامهما (١).\nوعن عمر - ﵁ - قال: \" لم يستق إلا ذنوبًا واحدة حتى رويت الغنم \" (٢).\nوقيل: زاحم القوم على الماء حتى أخرجهم عنه ثم سقى لهما (٣).\n﴿ثُمَّ تَوَلَّى﴾ جعل ظهره يلي ما كان يليه وجهه.\n﴿إِلَى الظِّلِّ﴾ عن الشمس، قيل: ظل شجرة وكانت هناك سمرة (٤).\nوقيل: صار إلى القبلة. وقيل: إلى ظل جدار لا سقف عليه (٥).\n﴿فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ﴾ أي: تنزل، ويحتمل: إلى ما أنزلت إليَّ قبل، أي: إلى مثله.\n﴿فَقِيرٌ (٢٤)﴾ محتاج، ابن عباس: من خير شِبْعة من طعام (٦).\nابن جبير: شُبْعَةُ يومين (٧)، تقول افتقر إليه وافتقر له كالوحي.\nقال الحسن: \" سأل الله الزيادة في العلم والحكمة \" (٨)، والجمهور على القول الأول (٩).\n_________\n(١) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٥١٤).\n(٢) ذكره النحاس في معاني القرآن (٥/ ١٧٤)، والماوردي في النكت والعيون (٤/ ٢٤٦).\n(٣) قاله ابن إسحاق.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ٢١٤).\n(٤) قاله السدي.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ٢١٤).\n(٥) وهذا قول غريب، والأكثر على أن المراد ظل شجرة.\n(٦) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٨/ ٢١٦).\n(٧) أخرجه ابن في جامع البيان (١٨/ ٢١٦).\n(٨) انظر: غرائب التفسير للكرماني (٢/ ٨٦٦).\n(٩) في ب \" العلم والحكمة على القول الأول \"، بغير \"والجمهور\".\nوالصواب هو أن المراد شبعة من طعام.","vol":"1","page":1958},{"text":"﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ أي: رجعتا وأخبرتا أباهما (١) بما رأتا من موسى.\nوقيل: لما أسرعتا في الإياب ذلك اليوم (٢) بخلاف سائر الأيام سألهما أبوهما عن السبب، فأخبرتاه بما كان من موسى - ﵇ -، فأرسل إحدى ابنتيه، فجاءته ماشيةً مستحييةً مستترةً بكم درعها (٣).\nوعن عمر - ﵁ -: سترت وجهها بيديها (٤).\nالحسن: فوالله ما كانت ولَاّجة ولا خَرَّاجة ولكنها كانت من الخفرات (٥) اللاتي لا يحسن (٦) المشي بين أيدي الرجال والكلام معهم (٧).\nوجاء في التفسير أنها الصغرى واسمها صفورا، وهي التي تزوجها موسى (٨).\nوروي عن بعض القراء الوقف على ﴿تَمْشِي﴾ والابتداء بقوله ﴿عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ (٩).\n﴿قَالَتْ إِن أَبِي يَدْعُوكَ﴾ لأن الحياء في الكلام أكثر منه في المشي ﴿قَالَتْ إِن أَبِي يَدْعُوكَ﴾ الجمهور على أنه شعيب.\nوذهب بعض المفسرين إلى أنه ابن أخي شعيب واسمه يثرون.\n_________\n(١) في ب \" وأخبرتا أياهما \"، وهو تصحيف.\n(٢) في ب \" لما أسرعتا في الآيات ذلك اليوم \" وهو تصحيف.\n(٣) انظر: معالم التنزيل (٦/ ٢٠١).\n(٤) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٨/ ٢١٩)\n(٥) الخَفَر: شدة الحياء، والجمع خفائر، والخَفرة: المرأة الحيية، الطويلة السكوت، المتسترة، قد جاوزت الإعصار ولم تعنس.\nانظر: غريب الحديث لابن قتيبة (١/ ٥٢٢)، القاموس المحيط (٣٥٦).\n(٦) في ب \" الذي لا يحسن \".\n(٧) لم أقف على على الحسن، والمنقول في كتب التفسير أنه من قول عمر بن الخطاب ﵁ كما أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٨/ ٢١٩)، وصحح إسناده ابن كثير في تفسيره (٣/ ٣٩٦).\n(٨) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٧/ ٢٤٥).\n(٩) انظر: القطع والائتناف (٣٨٦).","vol":"1","page":1959},{"text":"وقيل: يثرين (١)، وكان شعيب مات قبل ذلك بعد ما كف بصره، وجاء في التفسير ودفن بين المقام والزمزم (٢).\n﴿لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ أي: ليكافئك على سقيك إيانا، والأجر جزاء العمل. فأجابها موسى.\nقتادة عن مطرف (٣):\n_________\n(١) قاله الكلبي.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٢٤٧).\n(٢) المشهور عن أكثر المفسرين أنه شعيب النبي، وقيل غيره.\nوقال ابن جرير في تفسيره (١٨/ ٢٢٤) \" هذا مما لايدرك علمه إلا بخبر، ولا خبر بذلك تجب حجته\".\nوالتحقيق في ذلك أنه ليس بشعيب النبي على اختلاف في اسمه، لأنه لم ينقل في خبر صحيح يدل على أنه شعيب النبي، بل ورد عن ابن عباس ﵁ وغيره أن اسمه يثرون، وقد كان هلاك قوم كان بالظلة ولم يبق منهم أحد، والنبي لايقيم بقرية ليس بها أحد، والآيات دلت على أن موسى دخل القرية وبها الشيخ الكبير وغيره، ثم إن شعيبًا من العرب وموسى ﵇ كان عبرانيًا والآية نصت على أنه فهم حديث المرأتين وحديث الشيخ من غير ترجمان، ثم إنه لو كان شعيبًا النبي لنص القرآن على اسمه، وقد أفاض شيخ الإسلام ابن تيمية في بيان ضعف القول بأنه النبي شعيب، وكذلك ابن كثير، والله أعلم.\nانظر: رسالة في قصة شعيب لابن تيمية (٦١)، تفسير ابن كثير (٣/ ٣٩٦).\n(٣) مطرف بن عبد الله بن الشِّخِّير الحَرَشي العامري، أبو عبد الله البصري، روى عن بعض الصحابة، من الطبقة الثالثة، كان ثقة ذا فضل وورع وأدب، توفي سنة خمس وتسعين.\n\nانظر: سير أعلام النبلاء (٤/ ١٨٧)، تهذيب التهذيب (١٠/ ١٥٨).","vol":"1","page":1960},{"text":"\" قال أما والله لو كان عند نبي الله موسى شيء ما اتبع مذقتها ولكنه حمله على ذلك الجهد فتبعها موسى فهبت الريح وألزقت (١) ثوبها بجسدها، فكره موسى أن يرى ذلك منها. فقال لها: امشي ورآئي ودليني على الطريق إن أخطأت، فإنا بني يعقوب لا ننظر إلى أعجاز النساء \" (٢).\n﴿فَلَمَّا جَاءَهُ﴾ أي: جاء موسى صاحب مدين (٣).\n﴿وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ﴾ ذكر أحواله مع فرعون.\n﴿قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٥)﴾ يريد فرعون وآله، فإنه لا يد له على مدين. ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا﴾ صفوراء.\n﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾ لرعي الغنم، تقول: استأجره اخذه بالأجرة (٤).\nابن عيسى: الاستئجار: العقد على أمر بالمعاوضة (٥).\n﴿إِن خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦)﴾ فقد جربنا قوته برفعه الحجر ونزحه الدلو، وجربت أمانته حيث منعني عن المشي قدامه.\nوقيل: القوي في بدنه الأمين في عفافه (٦).\nابن عباس ﵄: القوي فيما يلي الأمين فيما استودع (٧).\n﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ أي: تأجرني نفسك مدة ثماني حجج، والمعنى: تكون أجيرًا لي. تقول: أجرت الغلام فهو مأجور، وآجرته فهو مؤجر، وواجرته (٨) فهو مؤاجر على فاعلته، كله بمعنى واحد.\n_________\n(١) في أ \" وهبت الريح وألزقت \".\n(٢) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٨/ ٢٢١).\n(٣) في أ \" جاء موسى صاحب مدين \".\n(٤) في ب \" أخذه بأجرة \".\n(٥) لم أقف عليه.\n(٦) انظر: النكت والعيون (٤/ ٢٤٨).\n(٧) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ٢٢٥).\n(٨) في ب \"وآجرته\".","vol":"1","page":1961},{"text":"وقيل: معناه أن تثيبني (١) من تزويجي إياك رعي ماشيتي ثماني حجج (٢)، من قولك: آجرك الله أي: أثابك (٣).\nوقيل: ﴿أَنْ تَأْجُرَنِي﴾ أن تكون أجيرًا لي من غير إضمار (٤).\nوالحِجة: السنة، والحجج جمعها.\n﴿فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا﴾ أي: أتممت العقد عشرًا.\n﴿فَمِنْ عِنْدِكَ﴾ تفضلًا منك.\n﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾ في هذه المدة فأكلفك ما يصعب عليك.\nوقيل: أن أشق عليك بأن آخذك بإتمام عشر سنين (٥).\n﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧)﴾ في حسن العشرة والوفاء بالعهد، وهذا شرط للأب وليس بصداق.\nوقيل: صداق، والأول أظهر لقوله ﴿تَأْجُرَنِي﴾ ولم يقل تأجرها (٦).\n﴿قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ﴾ أي: ذلك الشرط وعلينا الوفاء به.\n﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ﴾ الثماني، أو العشر.\n_________\n(١) في أ \" على أن يثيبني \".\n(٢) في ب \"رعي ثماني حجج\".\n(٣) قاله الفراء في معاني القرآن (٢/ ٣٠٥).\n(٤) قاله الزجاج في معاني القرآن (٤/ ١٠٦).\n(٥) انظر: بحر العوم للسمرقندي (٢/ ٥١٦).\n(٦) دلت الآية على على جواز النكاح بالإجارة، وهو مذهب الشافعي وأحمد، وأنه يجوز أن تكون منفعة الحُر صداقًا كالخياطة وتعليم القرآن، ولأنها منفعة يجوز العوض عنها في الإجارة فجازت صداقًا، ولأنها منفعة معينة مباحة فجاز جعلها صداقًا، وقد أجريت مجرى المال، ومذهب مالك وأبو حنيفة المنع، وذلك أن الإجارة عقد مؤقت والنكاح عقد مؤبد، وأن الصداق لايكون إلا مالًا لقوله تعالى ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ [النساء: ٢٥]، والطَّول: المال.\nانظر: المغني (١٠/ ١٠١ - ١٠٥)، أحكام القرآن لابن العربي (٣/ ٤٩٩)، أحكام القرآن للجصاص (٣/ ٥٠٩).","vol":"1","page":1962},{"text":"﴿قَضَيْتُ﴾ وفيتك إياه وفرغت من العمل فيه.\n﴿فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾ لا يُعتدى علي فأطلب بأكثر.\nالمبرد: قد علم أنه لا عدوان عليه في إتمهما ولكن جمعهما ليجعل الأقل كالأتم في الوفاء (١).\nوقيل في قوله ﴿ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ﴾ أي: ما ذكرته من الأجلين فهو أمر بيني وبينك إفعل منه ما أحببت لا شرط فيه، قاله القفال (٢).\nقال الأب: نعم. قال موسى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ﴾ من النكاح، والأجر، والأجل.\n﴿وَكِيلٌ (٢٨) * فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ﴾ حفيظ وشاهد، وعن النبي عليه الصلات والسلام أن موسى - ﵇ - قضى أتم الأجلين وأوفاهما (٣). يعني العشرة. ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ﴾ قطعه وانتهى إلى آخره، والأجل: غاية الوقت (٤) قال له أبو زوجته: لك من الشاء ما جاء به قالب لون أي ما جاء (٥) على خلاف شية أمها.\nوقيل: جعل له كل بلقاء (٦) تولد في تلك السنة فأوحى إلى موسى أن ألق عصاك في الماء فما شرب ولدن كلهن على ما شرط لموسى ﴿وَسَارَ بِأَهْلِهِ﴾ بامرأته وأولاد الغنم وكانت قطيعة إلى مصر.\n﴿آَنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا﴾ اصبروا.\n﴿إِنِّي آَنَسْتُ﴾ ابصرت. ﴿نَارًا لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ﴾ أي: بخبر الطريق، وكان قد ضل الطريق.\n_________\n(١) انظر: الدر المصون (٥/ ٣٤٠).\n(٢) لم أقف عليه، الله أعلم.\n(٣) أخرجه ابن جري في جامع البيان (١٨/ ٢٣٧).\n(٤) من قوله \" يعنى العشرة \" إالى \" غاية الوقت \" سقط من ب.\n(٥) في أ \" أي جاء \".\n(٦) البلقاء: هي التي بها سواد وبياض.\nانظر: لسان العرب (١/ ٤٨٧)، مادة: بلق.","vol":"1","page":1963},{"text":"وقيل: بخير النار هل هي بخبر نأنس به أم بشر نحذره (١).\n﴿أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ﴾ قطعة حطب كبير في طرفه نار، وفي الجيم من الجذوة (٢) ثلاث لغات (٣).\nوقيل: بأصل شجرة فيها نار، وكان أصلد زنده (٤).\n﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٢٩)﴾ لتستدفئون بها (٥).\n﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ﴾ أي: نودي يا موسى (٦).\n﴿مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ﴾ أيمن موسى وهو صفة للشاطئ.\n﴿فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ﴾ ﴿فِي﴾ متصل بـ ﴿نُودِيَ﴾، وقيل: ﴿مِنْ﴾ صلة ﴿شَاطِئِ﴾. ﴿مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ من عند الشجرة، وكانت شجرة عُنَّاب (٧). وقيل: سمرة (٨).\nوقيل: عُلِّيق (٩)، وهي شجرة العوسج (١٠).\n_________\n(١) في ب \" أو بشر نحذره \"، وانظر: النكت والعيون (٤/ ٢٥٠).\n(٢) في ب \" وفي الجذوة \".\n(٣) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، والكسائي \" جِذْوَة \" بكسر الجيم، وقرأ عاصم \" جَذْوة \" بفتحها، وقرأ حمزة، وخلف، والوليد عن ابن عامر بضمها \" جُذْوة \".\nانظر: الحجة لابن خالويه (٢٧٧)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣١٤).\n(٤) قاله قتادة.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ٢٤٠).\n(٥) في ب \" تستدفئون بها \".\n(٦) في ب \" نودي موسى \".\n(٧) العُنَّاب: واحدته عُنَّابة، ويقال له السَّنْجلان، بلسان الفرس، وربما سمي ثمر الأراك عُنَّابًا.\nانظر: لسان العرب (٩/ ٤١٣)، مادة: عنب.\n(٨) قاله ابن مسعود ﵁.\nانظر: معالم التنزيل (٦/ ٢٠٦).\n(٩) العُلِّق: نبات يتعلق بالشجر ويلتوي عليه، وقيل: هو من شجر الشوك لايعظم، سمي بذلك لأنه إذا نشب فيه شيء لم يكد يتخلص، وشوكه حُجَزٌ شداد.\nانظر: العين (١/ ١٦٣)، لسان العرب (٩/ ٣٦٠)، مادة: علق.\n(١٠) قاله قتادة، ومقاتل، والكلبي.\n\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ٢٤٢)، معالم التنزيل (٦/ ٢٠٦).\nوالعوسج: شجر من شجر الشوك، وهو ضروب، منه ما يثمر ثمرًا أحمر مدور يقال له: المُقَنَّع.\nانظر: لسان العرب (٩/ ١٩٩)، مادة: عسج.","vol":"1","page":1964},{"text":"﴿أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٣٠) وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ ونودي أن الق عصاك فألقاها (١) فقلبها الله ثعبانًا.\n﴿فَلَمَّا رَآَهَا تَهْتَزُّ﴾ تتحرك.\n﴿كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾ حية. وقيل: شبهها بالجن، وقد سبق الكلام في هذه الآيات (٢).\n﴿وَلَّى مُدْبِرًا﴾ يريد موسى.\n﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى﴾ أي: ناديناه يا موسى.\n﴿أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآَمِنِينَ (٣١)﴾ الذين لا يخافون.\nابن بحر: أي إنك من المرسلين كقوله (٣) ﴿لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾\n[النمل: ١٠] (٤).\n﴿اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ﴾ ادخل يدك في جيبك من جانب الصدر.\nوقيل: جيبك قميصك (٥).\n﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ﴾ لها شعاع كشعاع الشمس.\n﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ عيب أو برص.\n﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ﴾ فيه أقوال:\nأحدها: ضم يدك إلى صدرك يسكن مابك من الفزع من الثعبان ومن فرعون (٦).\nوقيل: لما ألقى عصاه خاف فبسط جناحه يعني يده كالمتقي بها وهو موجود في عادات الناس، وقيل له: ضم ما بسطته من يديك خوفًا على نفسك، واليد إذا بسطت صارت كالجناح المبسوط، ويد الإنسان جناحه وجناحا الطير يداه (٧).\nالزجاج: الجناح هاهنا العضد (٨).\n_________\n(١) في أ \" ونودي فألقاها \".\n(٢) في سورة النمل الآيات (١٠ - ١٢).\n(٣) في ب \" لقوله \".\n(٤) انظر: النكت والعيون (٤/ ٢٥٢).\n(٥) حكاه ابن جرير في جامع البيان (١٨/ ٢٤٤).\n(٦) قاله مجاهد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ٢٤٥).\n(٧) انظر: معالم التنزيل (٦/ ٢٠٧).\n(٨) في أ \" الجناح العضد هاهنا \".\nوانظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ١٠٨)","vol":"1","page":1965},{"text":"المبرد: ضم إليك جناحك أي: يديك فإذا فعلت ذلك زال رهبك (١).\nوقيل: معناه: أسكن ولا تخف (٢) كأنه طَيَّره الفزع، وآلة الطيران الجناح فقيل له (٣): لا تخف وضم منشور جناحك من الخوف إليك.\nالفراء: الجناح هاهنا: العصا، وفي الأخرى ما بين أسفل العضد على الرسغ (٤).\nوقيل الجناح: جيب مدرعته (٥).\nوقيل: أذا هالكل أمر يدك لما يغلبك من شعاعها فاضممها إليك تسكن (٦).\nوقيل: معناه: يدك إلى عصاك (٧).\n﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ﴾ قوله ﴿مِنَ الرَّهْبِ﴾ فيه ثلاث لغات (٨)، والرهب: الخوف.\n_________\n(١) انظر: غرائب التفسير للكرماني (٢/ ٨٦٨).\n(٢) في أ \" أسكن لا تخف \".\n(٣) في ب \" وقيل له \".\n(٤) انظر: معاني القرآن للفراء (٢/ ٣٠٦)، والمفسرون على أن المراد بالجناح اليد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ٢٤٥)، زاد المسير (٦/ ٣١٩)، تفسير القرآن العظيم لابن كثير (٣/ ٣٩٩).\n(٥) حكاه في معالم التنزيل (٦/ ٢٠٧).\n(٦) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٥١٦).\n(٧) في ب \" يدك وعصاك \"، وهو معنى كلام الفراء في معاني القرآن (٢/ ٣٠٦).\nقال ابن كثير في تفسيره (٣/ ٣٩٩) \"والمراد أعم من هذا، وهو أنه أمر ﵊ إذا خاف من شيء أن يضم إليه جناحه من الرهب وهو يده، فإذا فعل ذلك ذهب عنه ما يجده من الخوف، وربما إذا استعمل أحد ذلك على سبيل الاقتداء فوضع يده على فؤاده فإنه يزول عنه ما يجده أو يخف، إن شاء الله تعالى\".\n(٨) \" من الرَّهَب \" وهي قراءة ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، \" من الرُّهْب \" وهي قراءة حمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم، \" من الرَّهْب \" وهي قراءة حفص عن عاصم.\nانظر: السبعة لابن مجاهد (٤٩٣)، الحجة لابن خالويه (٢٧٧).","vol":"1","page":1966},{"text":"وقيل: الرهب: الكُم (١).\nوقيل: فيه تقديم وتأخير تقديره: إنك من الآمنين من الرهب.\n﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ﴾ اليد والعصا حجتان ومعجزتان.\n﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ من الله.\n﴿إِلَى فِرْعَوْنَ﴾ مرسلًا بهما إلى فرعون.\n﴿وَمَلَئِهِ﴾ وقيل: اذهب بهما إلى فرعون وملإه.\n﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (٣٢)﴾ كافرين.\n﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا﴾ يعني القبطي.\n﴿فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (٣٣)﴾ أي: به، أراد أن يعرف مآل أمره مع فرعون.\n﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾ وكان موسى به رتَّة، وقد سبق (٢).\n﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا﴾ معينًا أي: اجعله معي رسولًا ليكون عونًا على تبليغ الرسالة (٣).\n﴿يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (٣٤)﴾ فلا يكون أحد يصدقني. وقيل: ليس المقصود يصدقني فيما أدعيه من الرسالة لكن يصدقني فيما أدعي أنه حجتي، فإذا أقام هارون البينة على ما أدعيه فقد أثبت صدقي (٤).\n﴿قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾ فأجابه الله إلي ملتمسه فقال: سأقويك وأويدك باجتماعه معك على إبلاغ الرسالة.\n_________\n(١) وذلك في لغة حِمْير، قال الأصمعي سمعت بعض الأعراب يقول: أعطني ما في رَهْبِك، أي: ما في كُمِّكَ.\nانظر: معالم التنزيل (٦/ ٢٠٧).\n(٢) في قوله تعالى ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي (٢٨) وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي﴾ الآيات [طه: ٢٨ - ٣٢].\n(٣) قال الزجاج في معاني القرآن (٤/ ١٠٨): \"الرِّدْء: العون، تقول: ردأته، أردؤه، رَدْءً، إذا أعنته، والرِّدْء: المعين\".\n(٤) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٣٩٩).","vol":"1","page":1967},{"text":"﴿وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا﴾ حجةً وبرهانًا بالمعجزات الواضحات التي تصحبكما. ﴿فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا﴾ بمكروه ولا يكون لفرعون وملأه عليكم قدرة.\n﴿بِآَيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ (٣٥)﴾ اختلفوا في هذه الباء؛ فقال بعض النحويين: هي متصلة بالوصول أي: فلا يصلون إليكما بسبب آياتنا وتم الكلام.\nوقال بعضهم: متصل بالغلبة فيكون الكلام تامًا على ﴿إِلَيْكُمَا﴾، وهذا لا يرضاه المحققون لأن الصلة لا تتقدم على الموصول (١).\nوقيل: هي متصلة بقوله ﴿وَنَجْعَلُ﴾، وهو الأظهر، ويحتمل أنه للحال كما تقول: خرج فلان بسلاحه أي: متسلحًا، فيكون تقديره: محتجين بآياتنا ومستصحبين بآياتنا (٢).\n﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآَيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ﴾ واضحات.\n﴿قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى﴾ مختلق عجيب، من قولهم: يفري الفرى.\n﴿وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (٣٦)﴾ فيه وجوه:\nأحدها: ما سمعنا أحدًا ادعى النبوة فَصُدِّق.\nوالثاني: لطول الفترة قالوا هذا القول.\nوقيل: ما سمعنا دُعي آباؤنا إلى ما تدعونا إليه (٣).\nوالرابع: ما سمعنا بمثل هذا السحر.\nوالخامس: جحدوا بها واستيقنتها أنفسهم.\n﴿وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ﴾ أي: يعلم أني محق فيما أدعوكم إليه وأنتم مبطلون.\n_________\n(١) في أ \" لأن الصلة لا يتقدم على الموصول \".\n(٢) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ٢٥٣)، معاني القرآن للزجاج (٤/ ١٠٩).\n(٣) في أ \" إلى ما تدعوننا إليه \"، وانظر: معالم التنزيل (٦/ ٢٠٨).","vol":"1","page":1968},{"text":"وقيل: معناه ربي أعلم بالأنبياء قبلنا، جوابًا لهم من قولهم ﴿وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (٣٦)﴾ (١).\n﴿وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾ ويعلم من تكون له العاقبة المحمودة في الدنيا والآخرة.\n﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٣٧)﴾ لا يفوزون بالنعيم (٢).\n﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ﴾ يجب أن تعظموه وتعبدوه.\n﴿غَيْرِي﴾ فلا تلتفتوا إلى إله موسى، وجاء في التفسير أن بين قوله ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤] وبين قوله ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ أربعين سنة.\n﴿فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ﴾ وكان وزيرًا له أي: اطبخ الطين بنار توقدها على الطين ليصلب ويصير آجرًا، وكان أول من اتخذ ذلك.\n﴿فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا﴾ ابن لي بناء عاليًا، واجعل له درجًا أصعد إليه بها.\n﴿لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ أي: أرتقي إليه، توهم لعنه الله أن إله موسى جسم في السماء يُرتقى إليه فَيُنَال.\n﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٣٨)﴾ يعني موسى كاذبًا، ناقض بين قوله ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨]، ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ﴾ لأن الظن شك.\nابن بحر: أراد ببناء الصرح أن يوهم ضعفة قومه أن الذي يدعوا إليه موسى موصول إليه ومقدور عليه وهو في مكان (٣).\n_________\n(١) لم أقف عليه، والله أعلم.\n(٢) في أ \" لا يفوز بالنعيم \".\n(٣) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٨٦٩).\n\nوهذا على قول أهل الاعتزال وأن الله ليس في جهة، وأهل السنة على أن الله في السماء، كما قال تعالى ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ [الملك: ١٦].","vol":"1","page":1969},{"text":"وأكثر المفسرين على أنه بنى هامان له الصرح، وعلاه فرعون ورمى بنشابه نحو السماء فسقطت عليه متلطخة بالدم، وبعضهم قال: لم يصح أن الصرح بُني له (١).\nوقيل: كان فرعون يتعاطي مذهب الصابئين وأنهم يعبدون النجوم ويزعمون أن إلى استجابة الكواكب لمن أراد ذلك طرقا من العبادات (٢)، وأن من ظفر باستجابة الشمس له مَلَّكته وصيرته من أعظم من في عصره (٣) وأكبرهم، وأراد ببناء الصرح رَصَدًا يصعد إليه ويعلم كيفية أحوالها هل تجدد حُكم من أحكامها والله أعلم (٤).\n﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ﴾ تعظم.\n﴿فِي الْأَرْضِ﴾ أرض مصر وما يليها بدعوى الآلهية والامتناع من اتباع الرسل والإيمان بهم.\n﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ بغير حق أوجب ذلك بل بالباطل.\nوقيل: الباء للحال أي: غير محقين (٥).\n﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ (٣٩)﴾ للبعث والنشور.\n﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾ قيل: بحر قلزم (٦).\nوقيل: إساف وهو من وراء مصر (٧).\n_________\n(١) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ٢٥٦)، المحرر لابن عطية (٤/ ٢٨٨).\n(٢) في أ \" لطرقًا من العبادات \".\n(٣) في أ \" من أعظم في عصره \".\n(٤) وهذا القول يتعارض مع نص الآية الدالة على أن فرعون كان يريد الاطلاع إلى ألاه موسى.\n(٥) انظر: الكشاف للزمخشري (٤/ ٥٠٧).\n(٦) قاله عطاء.\nانظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٤٠٠)، قال ابن عطية في المحرر (٤/ ٢٨٩) \"في قول أكثر الناس\".\nقال في معجم البلدان (٤/ ٣٨٧) \"ومعنى القلزم: ابتلاع الشيء، يقال: تقلزمه إذا ابتلعه، وسمي بذلك لابلاعه من ركبه\".\n(٧) وهو مروي عن قتادة.\n\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ٢٥٧)، تفسير ابن أبي حاتم (٩/ ٢٩٨٠)، معاني القرآن للزجاج (٤/ ١١٠)، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٣/ ٢٨٩).","vol":"1","page":1970},{"text":"وقيل النيل (١).\n﴿فَانْظُرْ﴾ يا محمد.\n﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٤٠)﴾ انظر بعين قلبك وتدبره بعقلك تعلم أن من كفر بالله وكذب رسله فمصيره إلى الهلاك والنار، وحَذِّر قومك بأنك منصور عليهم.\n﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً﴾ أي: وجعلنا قوم فرعون (٢) أئمة في الشر والضلال يقتدى بهم فيهما فيكون عليهم وزرهم ووزر من اتبعهم.\n﴿يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ إلى أعمال توجب دخول النار. وقيل: حذف المضاف مرة بعد أخرى أي إلى أعمال أهل النار (٣)، وجاز أن يكون الدعاء منهم، وجاز أن يكون قد سنوا سنة سيئة.\nوقيل: (جعلنا) بمعنى: سمينا كقوله ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ [الزخرف: ١٩] (٤).\nوقيل: (جعلنا) بمعنى حكمنا أي: حكمنا بكفرهم.\nوقيل معناه: أعلمناكم أنهم أئمة يدعون إلى النار (٥).\nوقيل: أئمة يأتم بهم أهل البصائر ويتعظ بهم أهل العبر (٦).\n﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ (٤١)﴾ لا يدفعهم أحدٌ من عذاب الله.\n\nوقيل: لا ينصر بعضهم بعضا (٧).\n﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً﴾ أي: كل من ذكرهم لعنهم.\n_________\n(١) قاله مقاتل.\nانظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٥١٧)، وضعفه ابن عطية في المحرر (٤/ ٢٨٩).\n(٢) في ب \"وجعلنا قوم فرعون\".\n(٣) في ب \"إلى عمل أهل النار\".\n(٤) انظر: الكشاف (٤/ ٥٠٨).\n(٥) ينظر هذا القول وما سبقه في البحر المحيط (٧/ ١١٥).\n(٦) قال ابن جرير في جامع البيان (١٨/ ٢٥٧) \" وجعلنا فرعون وقومه أئمة يأتم بهم أهل العتو على الله والكفر به يعون الناس إلى أعمال أهل النار \".\n(٧) لم أقف عليه، والله أعلم.","vol":"1","page":1971},{"text":"وقيل: ﴿لَعْنَةً﴾ عذابًا (١).\nوقيل: هو أمر الله إيَّانا بأن نلعنهم، وهذا هو القول الأول.\n﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ قيل: تقديره: ولعنة يوم القيامة، فحذف المضاف وانتصب اليوم على المفعول به (٢).\nوقيل: هو عطف على محل ﴿فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً﴾ كقوله:\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... إذا ما تلاقينا من اليوم أو غدًا (٣).\nوقيل: ظرف للمقبوحين (٤).\nومعنى ﴿هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ (٤٢)﴾ المهلكين.\nوقيل: قبحه يقبحه إذا جعله قبيحًا، وهو سواد الوجوه وزرقة العيون (٥).\nوقيل من المعذبين (٦). وقيل من المغلوبين (٧).\n﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ التوراة، وجاء في التفسير أنه أول كتاب نزلت فيه الفرائض والأحكام.\n﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾ قوم نوح، وهود، وصالح، ولوط.\n_________\n(١) انظر: النكت والعيون (٤/ ٢٥٤).\n(٢) حكاه ابن جرير في جامع البيان (١٨/ ٢٥٨) عن ابن جريج.\n(٣) هذا عجز بيت لكعب بن جعيل، وصدره:\nألا حي ندماني عمير بن عامر ..... إذا ما تلاقينا من اليوم أو غدًا.\nانظر: الجمل في النحو للخليل بن أحمد (١٠١)، الإنصاف في مسائل الخلاف لأبي البركات بن الأنباري (١/ ٣٣٥).\n(٤) لم أقف عليهما، والله أعلم.\n(٥) قاله ابن عباس، ﵄.\nانظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٤٠٠)، معالم التنزيل (٦/ ٢٠٩).\n(٦) حكاه السمرقندي في بحر العلوم (٢/ ٥١٨).\n(٧) قاله ابن بحر.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٢٥٤).","vol":"1","page":1972},{"text":"وعن أبي سعيد الخدري ﵁ (١) \" ما أهلك الله أمة من الأمم بعد إنزال التوراة غير القرية التي مسخ الله أهلها قردة، ألم تر إلى قوله ولقد ﴿آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾ \" (٢).\n﴿بَصَائِرَ لِلنَّاسِ﴾ جمع بصيرة وهي: التي توصل برؤيتها إلى الرشد والسعادة. ﴿وَهُدًى﴾ قائدًا إلى الرشد. ﴿وَرَحْمَةً﴾ نعمة (٣).\n﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٣)﴾ يتعظون ويعتبرون.\n﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ قيل: هناك جبل غربي وهو الذي كلم الله عليه موسى (٤).\nقتادة: بجانب غربي الجبل (٥).\nأبو عبيدة: بجانب الغربي حيث تغرب الشمس والقمر والنجوم (٦).\nالحسن: بعث الله موسى بالغرب (٧).\nوقيل: في الجانب من الوادي (٨). وقيل: بجانب المكان الغربي من البحر (٩).\n﴿إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ﴾ كلمنا موسى وفرغنا إليه مما أردنا تعريفه وأيصاءه.\n\nوقيل: قضينا هلاك فرعون في الماء، فيحمل جانب الغربي على اليم (١٠).\n﴿وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٤٤)﴾ من الحاضرين في ذلك المكان (١١).\n_________\n(١) أبو سعيد الخدري تنظر ترجمته ص: ٤١٤\n(٢) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٨/ ٢٥٩).\n(٣) \" نعمة \" سقط من ب.\n(٤) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٥١٨).\n(٥) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٨/ ٢٦٠).\n(٦) انظر: مجاز القرآن (٢/ ١٠٦).\n(٧) انظر: البحر المحيط (٧/ ١١٦).\n(٨) قاله الكلبي.\nانظر: الوسي للواحدي (٣/ ٤٠١).\n(٩) انظر: البحر المحيط (٧/ ١١٦).\n(١٠) وهو بعيد، لأن المراد أن الله أوحى إليه وكلمه.\n(١١) في أ \" الحاضرين في ذلك المكان \".","vol":"1","page":1973},{"text":"وقيل: من الشاهدين في ذلك الزمان (١).\n﴿وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا﴾ أي: بعد موسى.\n﴿فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾ وفترت النبوة، وكاد يلحق تلك الأخبار وهن، وبلغ الشرائع دروس، ولحق كثيرًا منها التحريف، وتمام الكلام مضمر تقديره (٢): فأرسلناك مجدِّدًا لتلك الأخبار مميزًا للحق مما اختلف فيه منها، رحمة منا لقومك.\nويحتمل أن يجعل المعنى: وما كنت من الشاهدين في ذلك الزمان، وكان بينك وبين موسى قرون تطاولت أعمارهم وأنت تخبر الآن عن تلك الأحوال (٣) إخبار مشاهدة وعيان بإيحاينا إليك معجزة لك.\n﴿وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾ أي: مقيمًا فيهم.\n﴿تَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٤٥)﴾ أرسلناك في آخر الزمان إلى الخلق أجمعين.\nالفراء: ما كنت ثاويًا مع موسى في مدين (٤) فتراه وتسمع كلامه وأحواله، وها أنت تتلوا عليهم آياتنا أي: على أمتك فهو منقطع (٥).\n﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا﴾ أي: موسى ثانيًا (٦) حين اختار قومه سبعين رجلًا.\n﴿وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ أي: أنزلنا هذه الأخبار إليك رحمه من ربك.\n_________\n(١) انظر: البحر المحيط (٧/ ١١٧).\n(٢) في ب \" وتقديره \".\n(٣) في ب \" عن ذلك الأحوال \".\n(٤) في ب \" ثاويًا في مدين مع موسى \".\n(٥) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٥٤٢) / روح المعاني (١٠/ ٢٩٦).\n(٦) في ب \" موسى ثانيًا \".","vol":"1","page":1974},{"text":"﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ﴾ منذر. ﴿مِنْ قَبْلِكَ﴾ أي: في الفترة. ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٦)﴾ وقيل: وما كنت بجانب الطور إذ نادينا موسى بقولنا ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ إلى قوله ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٦ - ١٥٧] (١).\n﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ عقوبة وعذاب.\n﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ من الكفر والظلم والمعاصي التي اتستحقوا بها (٢) العذاب، وأضافها إلى اليد وإن لم يك بعضها باليد كالمَثَل: يداك أو كتا وفوك نفخ (٣).\n﴿فَيَقُولُوا﴾ عند العذاب. ﴿رَبَّنَا لَوْلَا﴾ هلا.\n﴿أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ﴾ فكنا نؤمن به (٤) ونتبع الكتاب الذي تنزله عليه.\n﴿وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾ بك وبرسولك، وجواب ﴿وَلَوْلَا﴾ محذوف، وفيه وجوه:\nأحدها: لأصبناهم بالعقوبة ولأحللنا بهم المصيبة.\nوالثاني: لما أرسلنا رسولًا نقص أنباء المرسلين ونحذر وننذر (٥).\nوالثالث: لما أرسلنا الرسل ولكن أرسلناهم لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل.\n_________\n(١) انظر: النكت والعيون (٤/ ٢٥٥).\n(٢) في أ \" الذي استحقوا بها \".\n(٣) يضرب لمن فعل أمرًا فعوقب عليه، وأصله أن شابًا انتهى إلى جوارٍ يستقين الماء فأخذ يلاعبهن ويأخذ بعض القرب ثم ينفخ فيه ويوكئه، فاطلع عليه أخ لجارية منهن فقتله، فجاء أخو المقتول فأُخبر بما كان يصنع، فقال: يداك أوكتا وفوخ نفخ.\nانظر: جمهرة الأمثال لأبي هلال العسكري (٢/ ٢٤٣)، فصل المقال في شرح كتاب الأمثال لأبي عبيد البكري (٤٥٨)، مجمع الأمثال لأبي الفضل النيسابوري (١/ ٥٥).\n(٤) في ب \" وكنا نؤمن به \".\n(٥) في ب \" يقص أنباء المرسلين ويحذر وينذر \".","vol":"1","page":1975},{"text":"﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ﴾ محمد ﷺ. وقيل: القرآن (١).\n﴿مِنْ عِنْدِنَا﴾ بأمرنا وحينا.\n﴿قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ يعني اليد، والعصا، وسائر معجزاته، وهذا كلام اليهود. وقيل: كلام العرب بتعليم اليهود.\n﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾ يعنون محمدًا وموسى (٢).\nوقيل: الضمير في ﴿قَالُوا ب﴾ لليهود، و﴿سِحْرَانِ﴾ عنوا بهما: موسى وهارون قالوا أول ما أتاهم موسى.\nوقيل: عنوا بهما عيسى ومحمدًا ﵈، وهذه المقالة لليهود اليوم.\nوقيل: الضمير في ﴿يَكْفُرُوا﴾ يعود إلى فرعون وملإه، و﴿قَالُوا سِحْرَانِ﴾ موسى وهارون.\nومن قرأ (سحران) عنوا بهما التوراة والإنجيل (٣).\n_________\n(١) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٥٢٠)، وبعث النبي ﷺ داخل فيه إنزال القرآن عليه.\n(٢) \"ساحران\" قراءة ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وهي القراءة التي اعتمدها المصنف، وقرأ الباقون \"سحران\"، كما سيأتي.\n(٣) في ب \" التوراة والقرآن \".\nقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر \" ساحران تظاهرا \" وفي المراد بهما ثلاثة أقوال:\n١ - موسى وهارون ﵉، وهو قول مجاهد، وسعيد بن جبير، واختاره ابن كثير في تفسيره (٣/ ٤٠٤)، ويكون من قول اليهود لهما.\n٢ - موسى ومحمد ﵉، وهو قول ابن عباس ﵄، والحسن، ويكون القول من مشركي العرب.\n٣ - محمد وعيسى ﵉، وهو قول قتادة، ويكون من قول اليهود الذين لم يؤمنوا بنبينا ﷺ. وضعفه ابن كثير في تفسيره (٣/ ٤٠٤) لأن عيسى ﵇ لم يجر له ذكر ههنا.\nوقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي \" سِحْران تظاهرا \" وفي المراد بهما ثلاثة أقوال:\n١ - التوراة والقرآن، وهو قول ابن عباس ﵄، والسدي، أي صدق كل واحد منهما الآخر، واختيار ابن كثير في تفسيره (٣/ ٤٠٤) للآية التي بعدها وهي قوله تعالى ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى﴾ [القصص: ٤٩]، وأن القرآن كثيرًا ما يقرن بين التوراة والقرآن.\n٢ - التوراة والإنجيل، وهو قول عكرمة، واختاره ابن جرير في جامع البيان (١٨/ ٢٦٩).\n٣ - الإنجيل والقرآن، وهو قول الضحاك، وقتادة.\nانظر: السبعة لابن مجاهد (٤٩٥)، الكشف لمكي (٢/ ١٧٤)، حجة القراءات لابن زنجلة (٥٤٧)، النكت والعيون (٤/ ٢٥٦)، زاد المسير (٦/ ٢٢٧)، المحرر لابن عطية (٤/ ٢٩٠)، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٣/ ٢٩٤).","vol":"1","page":1976},{"text":"وقيل: الإنجيل والقرآن (١).\nوقيل: سألت العرب اليهود عن صفة محمد ﷺ ونعته هل تجدون ذلك في التوراة قالوا نعم فقالوا سحران وساحران تظاهرا وتعاونا (٢). ﴿وَقَالُوا﴾ كفار قريش.\n﴿إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ (٤٨)﴾ أي: بكل الأنبياء، وبكتبهم.\nوفي تكرار ﴿وَقَالُوا﴾ وجهان:\nأحدهما: قالوا ساحران مرة، وقالوا إنا بكل كافرون مرة.\nوالثاني: أن ﴿وَقَالُوا﴾ عطف على ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا﴾، ويجوز أن يكون كل واحد لقوم على ما سبق، وتقدير الآية: أو لم يكفروا بما أوتي موسى من قبل وقالوا، فحذف الواو، وهو مقدر (٣).\n﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي: إن صدقتم في أني اختلقت القرآن وأن موسى اختلق التوراة وادعينا أنهما من عند الله فاختلقوا أنتم كتابًا مثلهما أو أَدَلّ على الرشد بزعمكم وقولوا من عند الله أتبعه.\nوقيل: ﴿فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا﴾ من التوراة والقرآن نأمن معه من تكذيب طائفة من الناس أتبعه (٤).\n﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ﴾ إلى إتيان كتاب. وقيل: إلى الإيمان بك والقرآن (٥).\n﴿فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ ما لا حجة فيه (٦).\n﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ حجة وبرهان أي: لا أحد أضل (٧) ممن اتبع في الدين هواه.\n_________\n(١) قاله قتادة.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٢٥٦).\n(٢) في ب \" وتعاونا \".\n(٣) في أ \" وهو مقدرة \".\n(٤) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٤٠٢).\n(٥) انظر: البحر المحيط (٧/ ١١٩).\n(٦) في ب \" ومالا حجة فيه \".\n(٧) في ب \" لا أحدًا ضل \".","vol":"1","page":1977},{"text":"﴿إِن اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠)﴾ لا يرشدهم ولا يوفقهم.\n﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ﴾ أتبعنا بعضه بعضًا. وقيل: بيّنا (١).\nوقيل: أنزلناه شيئًا فشيئا ليكونوا أوعى له (٢).\nو﴿وَصَّلْنَا﴾ مبالغة الوصل، وحقيقة الوصل رفع الحائل بين الشيئين.\n﴿لَهُمُ﴾ قيل: للمشركين (٣). وقيل: لأهل الكتاب (٤).\n﴿الْقَوْلَ﴾ قيل: ذكر الأنبياء وما حل بقومهم (٥).\nوقيل: القرآن (٦).\nوقيل: تكرار الوعظ ومتابعة الاحتجاج (٧).\n﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥١)﴾ يتعظون ويؤمنون.\n﴿الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ عبدالله بن سلام وأصحابه وسلمان وغيرهم.\nوقيل: هم أهل الإنجيل قدموا على رسول الله ﷺ ثلاثةً وثلاثين من الحبشة وسبعة من الشام (٨).\n_________\n(١) قاله السدي، وسفيان بن عيينة.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ٢٧٤)، النكت والعيون (٤/ ٢٥٦).\n(٢) قاله الفراء في معاني التنزيل (٢/ ٣٠٧).\n(٣) قاله مقاتل.\nانظر: الوسيط لالاواحدي (٣/ ٤٠٢).\n(٤) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٥٢٠).\n(٥) قاله مقاتل.\nانظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٤٠٢).\n(٦) قاله قتادة.\nانظر: معالم التنزيل (٦/ ٢١٣).\n(٧) قاله ابن زيد.\nانظر: المصدر السابق (٦/ ٢١٣).\n(٨) في سبب نزول هذه الآية ثلاثة أقوال:\n١ - أنها نزلت في مؤمني أهل الكتاب، وهو قول ابن عباس ﵄، ومجاهد.\n٢ - أنها نزلت في مؤمني اليهود كعبد الله بن سلام وغيره، وهو قولا السدي.\n٣ - أنها نزلت في مسلمي أهل الإنجيل كالنجاشي وأصحابه، وهو مروي عن ابن عباس ﵄.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٢٥٧)، زاد المسير (٦/ ٢٢٨)، تفسير القرلآن العظيم لابن كثير (٣/ ٤٠٥).","vol":"1","page":1978},{"text":"﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ من قبل القرآن. وقيل: قبل محمد ﷺ (١).\n﴿هُمْ بِهِ﴾ بمحمد. وقيل: بالقرآن (٢).\n﴿يُؤْمِنُونَ (٥٢)﴾ يصدقون. ﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ أي: القرآن.\n﴿قَالُوا آَمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣)﴾ دائنين بدين الإسلام، عالمين بصحته، مؤمنين به لوجودهم ذلك في كتابهم.\n﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ مرة لإيمانهم بكتابهم، ومرة لإيمانهم بالقرآن.\n﴿بِمَا صَبَرُوا﴾ على الإيمان والطاعة، وعن الكفر والمعصية.\n﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٥٤) وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ (٥٥)﴾ سبق آخر الفرقان.\n_________\n(١) انظر: النكت والعيون (٤/ ٢٥٧).\n(٢) انظر: معالم التنزيل (٦/ ٢١٣).","vol":"1","page":1979},{"text":"﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ أجمع المفسرون على أنها نزلت في أبي طالب، وفي الصحيحين أن سبب نزول الآية: أن أبا طالب لما حضرته الوفاة جاءه رسول الله ﷺ فوجد عنده أبا جهل، وعبدالله بن أبي أمية (١) فقال رسول الله ﷺ: يا عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله.\nقال أبو جهل وعبدالله بن أبي أمية: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزل رسول الله ﷺ يعرضها له ويعاودانه بتلك المقالة حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم به: أنا على ملة عبدالمطلب، وأبى أن يقول لا إله إلا الله. فقال رسول الله ﷺ: \"لاستغفر لك ما لم أُنْه عنك\"، فأنزل الله ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ الآية [التوبة: ١١٣]، وأنزل في أبي طالب ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] (٢).\n_________\n(١) عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة بن عمرو بن مخزوم أخو أم سلمة زوج النبي ﷺ، كان شديد العداوة للنبي ﷺ والمؤمنين، مخالفًا مبغضًا، ثم خرج مهاجرًا فلقي النبي ﷺ وهو في الطيرق يرد مكة عام الفتح فأعرض عنه مرة بعد أخرى حتى استشفع بأخته أم سلمه فشفعت له، ودخل معه مكة مؤمنًا، ثم شهد حنينًا والطائف، ورمي بسهم فقتله.\nانظر: الاستيعاب (٣/ ٥)، الإصابة (٤/ ١١).\n(٢) أخرجه البخاري (ك: التفسير، تفسير سورة القصص، ح: ٤٧٧٢)، ومسلم (ك: الإيمان، باب: الدليل على صحة إسلام من حضره الموت مالم يشرع في النزع، ح: ١٣١).","vol":"1","page":1980},{"text":"وروى أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لعمه: \" قل لا إله إلا الله أشهد لك بها يوم القيامة\". قال: لولا أن تعيرني نساء قريش ويقلن حمله على ذلك الجزع لأقررت بها عينك. فأنزل الله ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ (١). يعني: أبا طالب ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ يعني: حمزة، والعباس (٢) ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾.\n﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ﴾ في سبب النزول أنها نزلت في الحارث بن عثمان بن نوفل ابن عبد مناف أتى النبي ﷺ فقال: \" إنا لنعلم أن الذي تقوله حق ولكن منعنا من اتباعك أن العرب تخطفنا من أرضنا لإجماعهم على خلافنا، ولا طاقة لنا بهم، فأنزل الله هذه الآية (٣).\nوالمعنى: إن نتبع الهدى معك كما اتبعته أنت، كما تقول قد صرت إلى فلان معك أي: كما صرت إليه. وقيل: معك حال من ﴿الْهُدَى﴾. قيل: بالإيمان بك.\n﴿نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ يجتمع العرب على مخالفتنا فيخرجونا من أرضنا فأجابهم الله وقال ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آَمِنًا﴾ أي: أو لم نجعل مكانهم في حرم ممنوع عن الأعداء يأمن فيه الظبي من الفهد (٤)، والحمام من الباشق، فاعل بمعنى مفعول. وقيل: ذا أمنٍ بحرمة الكعبة (٥). ﴿يُجْبَى إِلَيْهِ﴾ يحمل إليه ويجمع فيه.\n_________\n(١) أخرجه مسلم في صحيحه (ك: الإيمان، باب: الدليل على صحة إسلام من حضره الموت مالم يشرع في النزع، ح: ١٣٤).\n(٢) في ب \" يعني العباس \"\n(٣) انظر: جامع البيان للطبري (١٨/ ٢٨٧)، أسباب النزول للواحدي (٣٩١)، لباب النقول للسيوطي (٢٢٣).\n(٤) في ب \" يأمن فيه الضبي عن الفهد \".\n(٥) انظر: النكت والعيون (٤/ ٢٦٠).","vol":"1","page":1981},{"text":"﴿ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي: أنواع ما يثمر من البلاد لأنه في وادٍ غير ذي زرع.\n﴿رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا﴾ رزقناهم ذلك من عندنا.\n﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٥٧)﴾ لا يتدبرون أن الذي فعل ذلك بهم وهم كافرون قادر على أن يفعل بهم وهم مؤمنون.\n﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ﴾ أهل قرية، والتقدير: وكم من قرية أهلكنا.\n﴿بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾ البطر: سوء احتمال الغنى (١)، والمعنى: كفرتها، والوجه في\n﴿مَعِيشَتَهَا﴾ فحذف في.\nوقيل: معناه أبطرتها معيشتها (٢). وقيل: نصب على التمييز، وهو بعيد لكونها معرفة (٣).\n﴿فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ﴾ خراب ترونها في مجيئكم وذهابكم.\n﴿لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ من بعد إهلاك أهلها (٤).\n﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ لم تخرب. وقيل: إلا قليلا منها سكنت (٥). وقيل: لم تعد إلى العمارة إلا قليل (٦). وقيل: لم يسكنها إلا المسافرون ينزلونها ساعة ثم يرتحلون (٧).\n﴿وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ (٥٨)﴾ ما ملك التصرف فيها غيرنا (٨)، وهذا وعيد للمخاطبين.\n_________\n(١) قال في المفردات (١٢٩) \" البطر: دَهَش يعتري الإنسان من سوء احتمال النعمة، وقلة القيام بحقها، وصرفها إلى غير وجهها \".\n(٢) قاله الفراء في معاني القرآن (٣٠٨).\n(٣) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ١١٣).\n(٤) في ب \" من بعد هلاك أهلها \".\n(٥) انظر: معاني القرآن للفراء (٢/ ٣٠٩).\n(٦) حكاه في معالم التنزيل (٦/ ٢١٦).\n(٧) قاله ابن عباس، ﵄.\nانظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٤٠٤).\n(٨) في ب \" ما ملك التصف فيها غيرها \" والصواب المثبت.","vol":"1","page":1982},{"text":"﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا﴾ يعني: مكة، وهي: أم القرى، لأن الأرض دحيت من تحتها.\n﴿رَسُولًا﴾ يعني محمد ﷺ.\n﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِنَا﴾ القرآن، وقيل: في معظمها (١). ﴿رَسُولًا﴾ نبيا.\n﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِنَا﴾ وحينا. وقيل: ﴿فِي أُمِّهَا﴾ أوائلها (٢).\n﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ (٥٩)﴾ كافرون عاتون في الكفر.\n﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا﴾ تتمتعون بها قليلًا، والمتاع: المتعة مصدر، والمتاع: أثاث البيت وغيره مما يتمتع به (٣)، والمعنى: متاع الدنيا والتمتع بها فإنه سريع الانقضاء.\n﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ أدْوَم.\n﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٠)﴾ أن الباقي أبدًا خيرٌ من الفاني سريعًا.\n﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا﴾ في سبب النزول عن مجاهد أنها نزلت في علي ﵁ وحمزة - ﵁ - وأبي جهل (٤).\nالسدي: نزلت في عمار (٥) والوليد بن المغيرة (٦).\n_________\n(١) انظر: النكت والعيون (٤/ ٢٦١).\n(٢) حكاه في النكت والعيون (٤/ ٢٦١) عن الحسن.\n(٣) في ب \" أثاث لبيت وغيرها مما ينتفع به \".\n(٤) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ٢٩٥).\n(٥) عمار بن ياسر بن مالك بن كنانة العنسي، المذحجي، من السابقين للإسلام، وممن عذب في مكة، هاجر إلى أرض الحبشة، ثم شهد بدرًا والمشاهد كلها، وقطعت أذنه يوم اليمامة، قتل مع علي ﵁ في معركة صفين.\nانظر: الاستيعاب (٣/ ٢٢٧)، الإصابة (٤/ ٥٧٥).\n(٦) انظر: أسباب النول للواحدي (٣٩١)، معالم التنزيل (٦/ ٢١٧).","vol":"1","page":1983},{"text":"وقيل: نزلت في النبي ﷺ وأبي جهل لعنه الله (١).\nأي: أفمن وعدناه الجنة ونعيمها.\n﴿فَهُوَ لَاقِيهِ﴾ مدركه ومصيبة لا محالة إذ لا خُلْف لوعدنا.\n﴿كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الذي هو مشوب بالتنغيص والتكدير زائل عن قريب.\n﴿ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٦١)﴾ للعرض والحساب معاقب بالنار.\nوقيل: من المحضرين من المشتهرين لأن الإحضار (٢) كالإشخاص يوجب السخط والغضب (٣).\n﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ﴾ ينادي الله الكفار نداء تقريع وتوبيخ، قيل: هو عطف على قوله ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾. وقيل: منصوب باذكر. وقيل: منصوب بقوله ﴿قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾.\n﴿فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٦٢)﴾ أي: زعمتم في الدنيا أنها شركائي في الإلهية وكنتم تعبدونها وتدعون أنها تنفعكم فأين هم.\n﴿قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ قيل: وجب عليهم الوعيد والعقاب (٤).\nوقيل: صدق خبر الله في الدنيا بأنهم لا يؤمنون.\nوقيل معنى ﴿حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾: وجب عليهم هذا الخطاب وهو قوله ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ﴾ وفيه ثلاثه أقوال:\n_________\n(١) \" لعنه الله \" ساقط من ب.\nانظر الأقوال في سبب النزول في جامع البيان لابن جرير (١٨/ ٢٩٤)، أسباب النزول للواحدي (٣٩١).\nوقال قتادة الآية عامة في المؤمن والكافر وهو ما اختاره ابن عطية في المحرر (٤/ ٢٩١)، وابن كثير في تفسير القرآن العظيم (٣/ ٤٠٧)، والقشيري كما نقله القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (١٣/ ٣٠٣).\n(٢) في ب \" كأن الإحضار \".\n(٣) انظر: النكت والعيون (٤/ ٢٦١).\n(٤) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٤٠٥).","vol":"1","page":1984},{"text":"أحدها: أن الذين حق عليهم القول هم الشركاء المعبودون، كأنه لما قيل للعابدين أين شركائي؟ قال المعبودن وهم الشياطين: ﴿رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا﴾ أي: هؤلاء هم الذين أغوينا.\n﴿أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا﴾ أضللناهم كما ضللنا، أقروا بالإضلال والدعاء إلى الشرك والكفر وأنكروا أمرهم العابدين بعبادتهم إياهم بقولهم.\n﴿تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ (٦٣)﴾ أي: بأمرنا، بل كانوا يتبعون أهواءهم.\nوقيل: ما كانوا إيانا يعبدون بسلطان وحجة من قوله تعالى ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ الآية [إبراهيم: ٢٢] (١).\nوقيل: كذبوا، وزيفه بعضهم وقال: ليس في القيامة كذب، وأجاز بعضهم ذلك وما على هذه الوجوه نفي.\nوقيل: ﴿وَمَا﴾ للمصدر والتقدير: تبرأنا إليك مما كانوا إيانا يعبدون فحذف من.\nوقيل: على ما كانوا إيانا يعبدون، فحذف على.\nوالثاني: أن يكون الذين حق عليهم القول الدعاة لهم إلى الشرك ويكون الشركاء غيرهم فيقولون عند هذا خوفًا على أنفسهم وإشفاقًا من أن يزاد في عذابهم بسبب أغوائهم إياهم ربنا إنا أغويناهم لا أنا أمرناهم بعبادتنا.\n_________\n(١) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٥٢٣).","vol":"1","page":1985},{"text":"الثالث: أن المراد بالشركاء الملائكة وعيسى، وحمل قوله ﴿أَغْوَيْنَا﴾ على إضمار شرط أي: إن أغويناهم أغويناهم (١) كما غوينا ولكن لم يكن منا إغواء، قال: ومثله ﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ [المائدة: ١١٦]، وهذا وجه فيه تعسف، وليس في الآية ذكر جواب المخاطبين فيحتمل أنه حذف لأن قوله بعده ﴿فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا﴾ يدل عليه، أو يدل عليه قوله ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ﴾ [القصص: ٦٦].\n﴿وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ﴾ أضاف إليهم في هذه الآية لادعائهم أنها شركاء الله أي: ادعوهم ليخلصوكم.\n﴿فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ أي: لم يقدروا على ما دعوا إليه.\nالزجاج: لم يجيبوهم بحجة (٢).\n﴿وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ (٦٤)﴾ وجوابه لما رأوا العذاب. وقيل: لما اتبعوهم. وقيل: هذا تمن. أي: ودوا لو أنهم كانوا يهتدون (٣).\n﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (٦٥)﴾ عطف على الأول. ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ﴾ خفيت عليهم الحجج. وقيل: الْتَبَسَتْ (٤).\n﴿فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ (٦٦)﴾ لا يسأل بعضهم بعضًا عن العذر والحجة رجاء أن يكون عنده عذرًا وحجة لأن الله أدحض حجتهم.\nوقيل: لا يسأل بعضهم بعضًا استعانةً في دفع المكروه (٥) أو حمل بعض ذنوبه (٦).\n_________\n(١) في أ \" أي: أغويناهم أغويناهم \".\n(٢) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ١١١).\n(٣) ينظر ما في بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٥٢٣).\n(٤) انظر: المصدر السابق (٢/ ٥٢٣).\n(٥) في ب \" في دفع مكروه \".\n(٦) في أ \" أو حمل بعضه ببعض ذنوبه \"، وانظر: الكشف والبيان للثعلبي (٧/ ٢٥٧).","vol":"1","page":1986},{"text":"وقيل: لا يسأل بعضهم بعضًا عن حاله لاشتغاله بنفسه (١).\nوقيل: لا يُسأل بالأنساب (٢).\n﴿فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ (٦٧)﴾ وعسى من الله واجب، وإنما قال فعسى أي: إن دام على التوبة والعمل الصالح.\n﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ في سبب النزول أنها نزلت جوابًا للوليد بن المغيرة حين قال ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآَنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] يعني نفسه، وعروة بن مسعود الثقفي (٣) من الطائف (٤) أي: يخلق من يشاء من الخلق ويختار من يشاء للنبوة.\nو﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ أي: ليس لهم أن يختاروا على الله أن يفعل فما نفى.\nوقيل: هو بمعنى الذي، وجوزه الزجاج أي: ويختار ما يتعبدهم به (٥).\nوقيل: هذا رد لأشراف قريش حين قالوا: إنما يصحب محمدًا الفقراء وأراذل الناس، ولولا ذلك لآمنا، فيكون المعنى يخلق: ما يشاء ويختار لصحبة رسوله ونصرة دينه من يشاؤهم الصحابة رضوان الله عليهم (٦).\n_________\n(١) انظر: معالم التنزيل (٦/ ٢١٨).\n(٢) قاله مجاهد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ٢٩٨).\n(٣) عروة بن مسعود بن معتب الثقفي، شهد صلح الحديبية، أسلم ودعا قومه وكان ذا منزلة فيهم لكنهم قتلوه.\nانظر: الاستيعاب (٣/ ١٧٦).\n(٤) في ب \" يعني نفسه وأبا مسعود \".\nانظر: أسباب النزول للواحدي (٣٩٢).\n(٥) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ١١٤).\n(٦) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٤٠٦).","vol":"1","page":1987},{"text":"وقيل: يخلق من يشاء من عباده، ويختار من يشاء لطاعته (١)، فيكون ﴿مَا﴾ بمعنى: الذي، والأول هو الوجه، لأن ﴿مَا﴾ إذا جعل اسمًا يقتضي نصب الخيرة أو إضمار جار ومجرور، وهو ضعيف (٢) بعيد.\nو﴿الْخِيَرَةُ﴾ اسم بمعنى المختار، تقول: محمد خيرة الله من خلقه، وهو في الأصل مصدر كالطِيَرة، والخيرة المصدر من اختار كالريبة من ارتاب.\n﴿سُبْحَانَ اللَّهِ﴾ تنزيها له عن أن يكون لأحد عليه اختيار.\n﴿وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٨)﴾ عن إشراكهم، و﴿مَا﴾ للمصدر. وقيل: عن الشريك فيكون بمعنى الذي (٣).\nوقيل: معنى الآية: ويختار للشفاعة من يشاء، فيأذن له فيها ما كان لهم الخيرة فيختاروا الأصنام لتكون لهم شفعاء (٤).\n﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾ تضمره من خير وشر (٥).\n﴿وَمَا يُعْلِنُونَ (٦٩)﴾ يظهرون لا تخفى عليه خافية.\n﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ تفرد بالآلهية.\n﴿لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآَخِرَةِ﴾ يحمده الأنبياء والمرسلون والمؤمنون في الدنيا والآخرة. وقيل: هو المنعم فيهما فله الحمد فيهما (٦).\nوقيل: ﴿فِي الْأُولَى وَالْآَخِرَةِ﴾ في السماء والأرض من قوله ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الروم: ١٨] لأن أحديهما خلقت قبل الأخرى، حكاه القفال (٧).\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ١١٤).\n(٢) في أ \" وهذا ضعيف \".\n(٣) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٧/ ٢٥٧).\n(٤) انظر: المصدر السابق (٧/ ٢٥٨).\n(٥) في أ \" تضمر من خير وشر \".\n(٦) لم أقف عليه، والله أعلم.\n(٧) لم أقف عليه، والله أعلم.","vol":"1","page":1988},{"text":"﴿وَلَهُ الْحُكْمُ﴾ القضاء والقدر. وقيل: وله الحكم فيما يختار (١).\n﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٧٠)﴾ بالموت، والبعث، والنشور.\n﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا﴾ دائمًا لا نهار بعده. ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ والعرب تقول: سرمدًا سمدًا أي: دائمًا، ولا يكون السرمد إذا وقع فيه فصل.\n﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ﴾ هل إله غير الله يأتيكم بنهار.\n﴿أَفَلَا تَسْمَعُونَ (٧١)﴾ سماع من ينتفع بسمعه.\n﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ﴾ من تعب اشتغالكم بالنهار.\n﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٧٢)﴾ الليل والنهار وما فيهما من أسباب البقاء والمعاش.\n﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: لتسكنوا في الليل، ولتبتغوا من فضله بالنهار كقول امريء القيس (٢):\n_________\n(١) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٥٢٤).\n(٢) أمرؤ القيس بن حُجْر بن الحارث الكندي، من بني آكل المرار، من أشهر شعراء العرب، كان أبوه ملك وغطفان، وأمه أخت المهلهل الشاعر، وعليه تعلم الشعر وبرع فيه، ولما قتل بنو أسد أبيه ثار عليهم ليأخذ بدم أبيه، واستعان بالروم، ظهرت في جسده قروح فمات منها، وكان كثيرًا ما يذكر في شعره اللهو والخمر والنساء.\nانظر: طبقات فحول الشعراء (١/ ٥١).","vol":"1","page":1989},{"text":"كأن قلوب الطير رطبًا ويابسًا ... لدى وَكرِها العناب والحشف البالي (١).\nوأجاز الفراء أن يكون الهاء في فيه يعود إلى الليل والنهار (٢).\nالزجاج: ﴿فِيهِ﴾ يعود إلى الزمان، والمعنى: ليكون الليل سكنًا والنهار معاشًا إذ لا بقاء إلا بهما (٣).\n﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٣)﴾ الله على نعمه.\n﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٧٤)﴾ كرر لأن الآية الأولى لتقرير الإقرار على النفس بالعجز، والثانية للتعجيز عن إقامة البرهان لما طولبوا به بمحضر من الأشهاد مع أنه تقريع بعد تقريع.\n﴿وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ أخرجنا من كل أمة شاهدًا يشهد عليها بما أجابت به فيما دُعِيت إليه من التوحيد، وأنه قد بلغهم رسالة ربه.\nوقيل: يشهد عليهم بجميع أعمالهم (٤).\nوقيل: ونزعنا من كل أمة عدولًا يشهدون على رسولهم، لأن الله لا يخلي زمانًا عن جماعة يكونون حجة الله على الناس يدعونهم إلى الدين (٥).\n﴿فَقُلْنَا﴾ للأمم. ﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ قربوا حجتكم وتبيانكم على صحة ما كنتم تدينون به ليكون لكم مخلص عما شهدوا عليكم.\n﴿فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ﴾ أي: فبُهتوا وتحيروا، فعلموا يقينًا.\n_________\n(١) انظر: خزانة الأدب لتقي الدين الحموي (١/ ٤١٥)، صبح الأعشى (١٤/ ٢٩٥)، الإيضاح في علوم البلاغة لجلال الدين القزويني (٢٣٣).\n(٢) انظر: معاني القرآن للفراء (٢/ ٣٠٩).\n(٣) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ١١٥).\n(٤) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٥٢٤).\n(٥) انظر: النكت والعيون (٤/ ٢٦٣).","vol":"1","page":1990},{"text":"﴿أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ﴾ أن الآلهية له، وقيل: أن الحق ما أتاه الرسل به (١) وقيل: أن العدل لله (٢).\n﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٧٥)﴾ ذهب عنهم ما كانوا يرجونه من معبودهم ذهابًا لا يبقى له أثر.\n﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾ كان ابن عمه (٣) لَحًّا (٤)، وفي بعض التفاسير: وكان من الذين اختارهم موسى من قوله ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا﴾ [الأعراف: ١٥٥]، ومن الذين جاوزا البحر، وكان من القراء وعلماء التوراة.\n﴿فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾ طلب الفضل عليهم وأن يكونوا تحت يده. وقيل: بغية حسده هارون على الحبورة، وقوله لموسى: لك النبوة ولهارون الحبورة، وأنا في غير شيء (٥).\nوقيل: بغي بكفره وتمرده على موسى (٦).\nوقيل: زاد في ثوبه شبرًا (٧).\nوقيل: بغيه استخفافه بالفقراء، وازدراؤه بسائرهم، ومنع ذوي الحقوق حقوقهم في ماله (٨).\nوقيل: بغى بكثرة ماله (٩).\n_________\n(١) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٥٢٤).\n(٢) انظر: النكت والعيون (٤/ ٢٦٤).\n(٣) وهو قول ابن عباس ﵄، والنخعي، وسماك بن حرب، وقتادة، ومالك بن دينار.\nانظر: تفسير ابن كثير (٣/ ٤٠٩).\n(٤) فهو قارون بن يصهر بن قاهث، وموسى هو ابن عمران بن قاهث.\nانظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٤٠٧).\n(٥) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٥٢٥).\n(٦) قاله الضحاك.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٢٦٤).\n(٧) قاله شهر بن حوشب.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ٣١١).\n(٨) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٥٢٥).\n(٩) قاله قتادة.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٢٦٤).","vol":"1","page":1991},{"text":"ابن عباس ﵄: بغي على موسى وقصد الإفساد عليه، وكان من إفساده أن امرأةً بغيًا (١) كانت مشهورة في بني إسرائيل فوجه إليها قارون يأمرها أن تصير إليه وهو في ملأ من الناس فتكذب على موسى وتقول: إن موسى طلبني للفساد والريبة، وضمن لها أن يُعطيها على ذلك عطاءً كثيرًا ويخلطها بنسائه، فجاءته المرأة وقارون جالس مع أصحابه فرزقها الله التوبة، وقالت في نفسها: مالي مقام للتوبة مثل هذا، فأقبلت على أهل المجلس وقالت وقارون حاضر: إن قارون وجه إلي يأمرني (٢) ويسألني أن أكذب على موسى وأقول إنه أرادني للفساد، وإن قارون كاذب في ذلك.\nفلما سمع قارون كلامها تحير وأيس واتصل الخبر بموسى، فجعل الله أمر قارون إلى موسى، وأمر الأرض أن تطيعه فيه (٣).\nوروى بعض المفسرين أن قارون ادعى على موسى (٤) إنك زنيت، وحضرت البغي وادعت ذلك على موسى، فعظم ذلك عليه فأحلفها بالله الذي فلق البحر لبني إسرائيل وأنزل التوراة على موسى إلا صدقت فقالت: أشهد أنك برئ، فخر موسى ساجدًا يبكي ويقول: اللهم إن كنت نبيك فاغضب لي. فأوحى الله إليه: مُرِ الأرض بما شئت فإنها مطيعة لك (٥).\nوقيل: بغيه نسبة ما أتاه الله من المال إلى نفسه وعلمه وحيلته (٦)، ويحتمل أنه جمع هذه كلها (٧)، إذ لا منافاة بين الأقاويل.\n_________\n(١) في ب \" وكان من إفساده امرأة بغيًا \".\n(٢) في أ \" وجه إلي ويأمرني \".\n(٣) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٥٢٥)، وعزاه في الدر المنثور (١١/ ٥٠٢) لابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن مردويه.\n(٤) في ب \" فادعى قارون على موسى \".\n(٥) انظر: النكت والعيون (٤/ ٢٦٤)، معالم التنزيل (٦/ ٢٢٤).\n(٦) انظر: النكت والعيون (٤/ ٢٦٥).\n(٧) في أ \" ويحتمل أنه جمع كلها \".","vol":"1","page":1992},{"text":"﴿وَآَتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ﴾ المال المدخرة.\n﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ﴾ ﴿مَا﴾ بمعنى: الذي، واسم ﴿إِنَّ﴾ وخبره صلته،\nو﴿مَفَاتِحَهُ﴾ جمع مِفتح بالكسر، وهو: المفتاح، وقيل: مَفتح بالفتح (١)، وهو الخزانة (٢).\n﴿لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾ أي: تثقلهم، والباء للتعدي.\nوقيل: هذا من باب القلب أي: تنوء العصبة بها (٣).\nوقيل: ﴿لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ أي: تجعل العصبة تنوء بها، وهذا هو القول الأول.\nوالعصبة قيل: سبعون رجلًا (٤).\nوقيل: أربعون رجلًا (٥).\nوفي بعض التفاسير أن مفاتيح قارون كانت حمل ستين بغلًا، ما يزيد مفتاح على أصبع، لكل مفتاح كنز (٦).\nوقيل: كانت من جلود يحملها أربعون رجلًا (٧)،\nوقيل: مفاتحه أوعيته (٨).\nابن بحر: مفاتحه علمه واحاطته به من قوله ﷿ ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ (٩).\n_________\n(١) في ب \" مفتح وبالفتح \".\n(٢) وهو اختيار الزجاج في معاني القرآن (٤/ ١١٦).\nقال\"والأشبه أنها خزائن المال الذي يحمل على سبعين أو على أربعين بغلًا، لأن مفاتح جلودٍ على مقدار الإصبع تحمل على سبعين بغلًا للخزائن أمر عظيم\".\n(٣) انظر: معالم التنزيل (٦/ ٢٢٠).\n(٤) حكاه في النكت والعيون (٤/ ٢٦٦) عن أبي صالح.\n(٥) وهو قول ابن عباس ﵄، وقتادة، والضحاك.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ٣١٥).\n(٦) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ٣١٥).\n(٧) حكاه السمرقندي في بحر العلوم (٢/ ٥٢٦).\n(٨) قاله الزجاج في معاني القرآن (٤/ ١١٦).\n(٩) انظر: النكت والعيون (٤/ ٢٦٦).","vol":"1","page":1993},{"text":"والمحققون على أن ﴿مَفَاتِحَهُ﴾ خزائنه (١).\nوطعن بعض الملحدين في هذه الآية وقالوا: لا يبلغ مال أحد هذا المبلغ.\nفأجيب: بأن الاعتبار بما في القرآن، وفيه ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ﴾ فإن حملت المفاتح على الخزانة وهو الأظهر، لأن المفتاح جمعه مفاتيح بالياء ولاكلام فيها (٢)، وكذلك إن حملت المفاتح على الظروف، وإن حملته على المفتاح فليس فيه كل البعد لأن العصبة تقع على ما بين الثلاثة إلى التسعة، وقيل: من الخمسة إلى العشرة. وقيل: هي ستة، والحكم العدل قوله سبحانه حكاية عن إخوة يوسف ﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ [يوسف: ٨]، وكانوا ساعتئذ عشرة، وإذا جعلت الأموال في الصناديق على مقدار ما هو المعتاد، وجعل لكل صندوق مفتاح من حديد جريًا على العادة في الإقفال، ثم جمعت تلك المفاتيح فحملها ثلاثه أو عشرة فليس فيه كل الاستكثار (٣)، لأن الملوك في زماننا قد يُرى مال بعضهم على هذا، والله أعلم.\n﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ﴾ قيل: قال له موسى وحده (٤).\nوقيل: قاله المؤمنون (٥).\n﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (٧٦)﴾ أي: لا تأشر ولا تبطر.\nوقيل: لا تبخل (٦).\nوقيل: لا تبغ، وكل ما جاء في القرآن من لفظ الفرح مطلقًا من غير تقييد فهو ذم. وقيل: لا تفرح بالمال (٧).\n_________\n(١) وهو اختيار السدي، وأبو صالح، والضحاك، والزجاج في معاني القرآن (٤/ ١١٦)، وانظر: زاد المسير (٦/ ٢٤٠)، المحرر لابن عطية (٤/ ٢٩٨).\n(٢) في ب \" فلا كلام فيها \".\n(٣) في ب \" فليس فيه كل استكثار \".\n(٤) قاله يحيى بن سلام.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٢٦٧).\n(٥) قاله السدي.\nانظر: المصدر السابق (٤/ ٢٦٧).\n(٦) انظر: النكت والعيون (٤/ ٢٦٧).\n(٧) قاله مجاهد.\n\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ٣٢٠).","vol":"1","page":1994},{"text":"وقيل: لا تفرح بالشرك الذي أنت عليه (١).\n﴿وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ﴾ أي: اطلب في حال تمكنك وقدرتك بالمال والبدن الجنة ونعيمها بأن تواسي بها الفقراء، وتصل بها الرحم، وتصرفها إلى أبواب الخير.\n﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ ولا تترك حظك من لذات الدنيا المحللة، فإن ذلك ليس بمحظور عليك.\nوقيل: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ أي: اطلب بدنياك آخرتك فإن ذلك حظ المؤمن منها (٢).\nوقيل: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ هو الكفن (٣).\n﴿وَأَحْسِنْ﴾ إلى الناس.\n﴿كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ وقيل: ﴿أَحْسَنَ﴾: اشكر (٤).\nوقيل: ﴿أَحْسَنَ﴾ فيما افترض عليك كما أحسن فيما أنعم عليك (٥).\n﴿وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ﴾ بالبغي على قومك.\n﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧)﴾ أي: أعمال المفسدين.\n﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ أي: أتاني الله لعلمي بالتوراة وفضلي (٦).\n_________\n(١) لم أقف عليه، والله أعلم.\n(٢) قاله مجاهد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ٣٢٣).\n(٣) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٨٧٣)، وهو بعيد.\n(٤) قاله ابن زيد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ٣٢٥).\n(٥) قاله يحيى بن سلام.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٢٦٧).\n(٦) وهو اختيار ابن جرير في جامع البيان (١٨/ ٣٢٥).","vol":"1","page":1995},{"text":"وقيل: أراد علم الكيمياء وهو: صنعة الذهب، وهذا القول غير مرضي عند المحققين لأن الكيمياء اسم لا مسمى له (١).\nوقيل: معناه: أتاني الله على علمه بأني أهل لذلك (٢).\nو﴿عِنْدِي﴾ أي: في معتقدي كما تقول: هذا جائز عندي أي: في مذهبي ومعتقدي. وقيل: على علمي بوجوه المكاسب (٣).\nوقيل: وجد كنزًا من كنوز يوسف (٤).\n﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ﴾ قارون.\n﴿أَن اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً﴾ بطشًا وشدة.\n﴿وَأَكْثَرُ جَمْعًا﴾ للأموال أي: كثرة ماله وعبيده لا تدفع عنه عذاب الله وإهلاكه كما لم تدفع عمن تقد مه.\n﴿وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (٧٨)﴾ لأن الملائكة يعرفونهم بسيماهم. وقيل: يعذبون من غير حساب (٥).\nوقيل: لا يسألون ليقع العلم بها بل يسألون سؤال توبيخ وتقريع (٦).\nوقيل: لا يسألون سؤال استعتاب من قوله ﴿وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [النحل: ٨٤] (٧).\n_________\n(١) والمراد بعلم الكيمياء قلب الأعيان كقلب التراب ذهبًا ونحو ذلك، وهذا غير ممكن بل هو نوع من الشعوذة والتمويه على الناس، وقد أبطل هذا القول الزجاج في معاني القرآن (٤/ ١١٧)، وابن كثير في تفسير القرآن العظيم (٣/ ٤١٠) قال \" لأن علم الكيمياء في نفسه علم باطل، لأن قلب الأعيان لايقدر أحد عليها إلا الله تعالى\".\n(٢) قاله ابن زيد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ٣٢٦).\n(٣) حكاه في النكت والعيون (٤/ ٢٦٨) عن ابن عيسى.\n(٤) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٨٧٤).\n(٥) قاله قتادة.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ٣٢٧).\n(٦) في ب \" سؤال تقريع وتوبيخ \"، وهذا هو قول الحسن.\nانظر: معالم التنزيل (٦/ ٢٢٢).\n(٧) انظر: النكت والعيون (٤/ ٢٦٩).","vol":"1","page":1996},{"text":"وقيل: لا يسأل المجرمون عن ذنوب من أُهلوكوا من القرون (١).\n﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ متزينًا بثياب الأرجوان (٢) في حشمه وتبعة.\nوقيل: خرج في ثلاثمائه غلام عن يمينه، وثلاثمائة جارية عن يساره (٣).\nوقيل: خرج في جوارٍ بيض على بغال بيضٍ، وبسروج من ذهب على قطف أرجوان (٤). وقيل: خرج في سبعين ألفًا (٥).\n﴿قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ أي: الذين همتهم الدنيا.\n﴿يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ﴾ تمنوا مثل ماله، ويجوز أن يكون المنادي بقوله: يا محمد. وقيل: تقديره يا قوم ليت لنا، ويجوز أن يكون المعنى: يا متمنانا تعال فهذا أوانك.\n﴿إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٧٩)﴾ نصيب كبير. وقيل: ذو جد من الدنيا عظيم (٦).\n﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ بمعرفة الثواب والعقاب وفناء الدنيا وبقاء العقبى.\n﴿وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ أي: هلكتم إن آثرتم الدنيا على الآخرة فثواب الله خير.\n﴿لِمَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ للمؤمنين.\n_________\n(١) قاله محمد بن كعب.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ٣٢٧).\n(٢) قال الزجاج في معاني القرآن (٤/ ١١) \" الأُرجوان: صِبغ أحمر \".\nالأرجوان: بالضم الأحمر الشديد الحمرة، وقيل هو معرب من أرغُوان، وهو شجر له نور أحمر، وكل لون يشبهه فهو أرجوان.\nانظر: النهاية في غريب الأثر (٢/ ٤٩٦)، غريب الحديث لابن الجوزي (١/ ١٨)، القاموس (١٦٦٠).\n(٣) قاله ابن جريج.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ٣٢٩).\n(٤) قاله السدي.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٢٦٩).\n(٥) قاله ابن زيد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ٣٣٠).\n(٦) قاله السدي.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٢٦٩).","vol":"1","page":1997},{"text":"﴿وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ (٨٠)﴾ فيه قولان:\nأحدهما: لا يلقى هذه الكلمة وهي ﴿ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ﴾.\nوالثاني: الجنة ونعيمها.\n﴿إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾ على طاعة الله وعن معصيته.\n﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾ لما شكا موسى قارون إلى الله أمر الله الأرض أن تطيع موسى على ما سبق. قال موسى: يا أرض خذيه. فأخذته إلى عَقِبِه، ثم قال: خذيه فأخذته إلى وسطه، ثم قال: خذيه فأخذته إلى عنقه، ثم قال: خذيه فخسفت به. وكان قارون يتضرع إلى موسى في هذه الأحوال ويقول: ارحمني. ولا يتوب إلى الله. فقال الله: يا موسى ما أشد قلبك دعاك عبدي واسترحمك فلم ترحمه وعزتي لو دعاني لأجبته.\nوجاء في التفاسير (١) أنه يخسف به في كل يوم قدر قامته (٢) فلا يبلغ الأرض السفلى إلى يوم القيامة، فلما ابتلعت الأرض قارون قال بنو إسرائيل فعل ذلك موسى ليرث ماله لأنه كان ابن عمه فخسف بداره وبجميع أمواله بعده بثلاثة أيام فلم يُقدر على ماله أبدًا.\n﴿فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أعوان. وقيل: جماعة، مشتق من فاوت رأسه (٣).\n﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (٨١)﴾ لم يمتنع ولم يمنعه كنزه وماله وعدده.\n﴿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ﴾ أي: صار الذين كانوا يتمنون.\n﴿مَكَانَهُ﴾ منزلته.\n_________\n(١) في أ \" وجاء في التفسير \".\n(٢) في ب \" يخسف به في كل يوم قدر قامة \".\n(٣) قاله قتادة.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ٣٣٨).","vol":"1","page":1998},{"text":"﴿بِالْأَمْسِ﴾ أي: منذ زمان قريب وليس أمس ههنا بمعين وكذا أصبح (١) المراد به صار. ﴿يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ﴾ أي: لا يبسط الرزق على من يبسط لكرامته عنده، ولا يقدر على من يقدر لهوانه عليه.\nقال سيبويه \" (وي) كلمة يستعملها النادم بإظهار ندامته وهي مفصولة من كأن (٢)، قال:\nويْ كأن من يكن له نشب ... يحبب ومن يفتقر يعش عيش ضر. (٣)\nوروي عن ابن عباس ﵄ أن \" وي \" صلة في الكلام (٤)، وهو عين قول سيبويه وحجة له (٥).\nقال الأخفش: \" أصله ويك وأن بعده مفتوح بتقدير العلم أي: أعلم أن الله (٦). قال:\nألا ويك المسرة لا تدوم ... ولا يبقى على البُؤس النعيم (٧).\nالمؤرج (٨): (ويك أن الله) معناه: ألم تر أن الله (٩). وقال بعضهم: أصله ويلك. قال:\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... ويك عنتر أقدم (١٠).\n_________\n(١) في ب \" وكذلك أصبح \".\n(٢) انظر: كتاب سيبويه (٢/ ١٥٤).\n(٣) البيت لزيد بن عمرو بن نفيل.\nانظر: حروف المعاني للزجاجي (٦٨)، الخصائص لابن جني (٣/ ٤١)، البيان والتبيين للجاحظ (١٣١).\n(٤) انظر: البحر المحيط (٧/ ١٣١).\n(٥) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ١١٨).\n(٦) انظر: معاني القرآن للأخفش (٢/ ٦٥٤)، ورجحه ابن كثير في تفسيره (٣/ ٤١٢)، قال \" ولا يشكل على ذلك إلا كتابتها في المصاحف متصلة (ويكأن) والكتابة وضعي اصطلاحي، والمرجع إلى اللفظ العربي \".\n(٧) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٨٧٥)، والبيت أورده في البحر المحيط (٧/ ١٣١)، وفي الدر المصون (٥/ ٣٥٤).\n(٨) المؤرج، تنظر ترجمته ص: ٢٦٧\n(٩) لم أقف عليه.\n(١٠) البيت لعنترة العبسي في ديوانه (٢١٧)، وتمامه:\nولقد شفى نفْسي وأبرأ سقمها ... قيل الفوارس عنتر أقْدِمِ.\nوانظر: الخصائص (٣/ ٤٠)، الأغاني (٩/ ٢٥٤)، مغني اللبيب (٤٨٣).","vol":"1","page":1999},{"text":"وهذا مزيف عند النحاة.\nالضحاك: الياء والكاف صلة وتقديره: وأن الله (١)، وهذا قول كما ترى.\nمحمد بن جرير ﴿وَيْكَأَنَّ﴾ بمجموعها كلمة بمعنى: ألم تعلم ألم تر (٢).\nولعله أراد كلمة واحدة في الخط، وأما في المعنى فهو قول الأخفش.\n﴿لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ فلم يعطينا ما تمنيناه من المال.\n﴿لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (٨٢) تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ﴾ يريد نعيم دار الآخرة وهي الجنة والبقاء فيها سرمدًا.\n﴿نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ﴾ جعل الدار لمن أثيب ولم تجعل لمن عوقب (٣) فيها لأن من كان في النعيم فالدار له، ومن كان في الجحيم فالدار عليه.\nومعنى ﴿عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: على الناس.\n﴿وَلَا فَسَادًا﴾ ظلمًا.\n﴿وَالْعَاقِبَةُ﴾ أي: المحمودة الجميلة.\n﴿لِلْمُتَّقِينَ (٨٣)﴾ وما ليس بمحمودة جميلة فليس بعاقبة.\n﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٨٤)﴾ سبق في النمل.\nوقيل: ليس المراد به أنه يفعل به (٤) مثل فعله بل إن كان محسنًا جوزي بالإحسان، وإن كان مسيئًا فبالإساة، يعني: مثله من جنسه من الإحسان والإساءة (٥).\n_________\n(١) انظر: النكت والعيون (٤/ ٢٧٠).\n(٢) انظر: جامع البيان (١٨/ ٣٤١).\n(٣) في ب \" ولم يجعل لمن عوقب \".\n(٤) في ب \" وقيل ليس المراد أنه يفعل به \".\n(٥) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٥٢٩).","vol":"1","page":2000},{"text":"﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ﴾ قال مقاتل: خرج النبي ﷺ من الغار ليلًا مهاجرًا من وجهه ذلك إلى المدينة فسار في غير الطريق مخافة الطلب، فلما أمن ورجع على الطريق نزل الجحفة بين مكة والمدينة، وعرف الطريق إلى مكة فاشتاق إليها وذكر مولده ومولد آبائه فأتاه جبريل فقال: اشتقت إلى بلدك ومولدك؟ قال: نعم. قال: فإن الله يقول ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ﴾ ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ إلى مكة ظاهرًا عليها، فنزلت الآية بالجحفة لا بمكة ولا بالمدينة (١).\nومعنى ﴿فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ﴾ أنزله عليك وألزمك العمل به.\nوقيل: بَيّنه من فروض القداح، ومعنى ﴿عَلَيْكَ﴾ على هذا القول على لسانك (٢).\n_________\n(١) انظر: تفسير مقاتل (٢/ ٥٠٨)، الوسيط للواحدي (٣/ ٤١١)، وأخرجه البخاري (ك: التفسير، تفسير سورة القصص، ح: ٤٧٧٣) عن ابن عباس ﵄، وهو قول مجاهد، والضحاك، وابن جبير، والسدي، وروي عن ابن عباس ﵄ أن المراد بالمعاد يوم القيامة، أو هو الجنة، أو هو الموت.\nقال ابن كثير في تفسيره (٣/ ٤١٤) \" ووجه الجمع بين هذه الأقوال أن ابن عباس ﵄ فسر ذلك تارة برجوعه إلى مكة وهو الفتح الذي هو عند ابن عباس ﵄ أمارة على اقتراب أجل النبي ﷺ .... قال: ولهذا فسر ابن عباس ﵄ تارة أخرى قوله ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ بالموت، وتارة بيوم القيامة الذي هو بعد الموت، وتارة بالجنة التي هي جزاؤه ومصيره على أداء رسالة الله وإبلاغها إلى الثقلين الإنس والجن، لأنه أكمل خلق الله وأفصح خلق الله وأشرف خلق الله على الإطلاق \".\n(٢) انظر: النكت والعيون (٤/ ٢٧٢).","vol":"1","page":2001},{"text":"وقيل: أعطاكه (١).\nوقيل: حملك إبلاغه، ويحتمل أنزله نجمًا نجمًا (٢).\n﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ مكه فأنجز وعده، وفتح له مكة فصار إحدى معجزاته ﷺ، فالمعاد من العادة أي: إلى حيث اعتدته وليس من العود.\nوقيل: بلد الإنسان معاده لأنه ينصرف في البلاد (٣) ثم يعود إليه (٤).\nوقيل: معاد اسم مكة.\nوقيل: المعاد الجنة، وكان فيها ليلة المعراج. وقيل: كان فيها مع آدم في صلبه (٥).\nوقيل: (عاد) قد يستعمل للشيء ابتداءً، كما تقول: يُعاد إلى الحاكم في مثل هذا، وقد سبق.\nوقيل: ﴿إِلَى مَعَادٍ﴾ القيامة، وهي معاد كل خلق (٦).\nوقيل: الموت وهو أيضًا معاد الخلق ومصيرهم (٧).\nوقيل: بيت المقدس، ولا أعرف له وجهًا (٨).\nوقيل: لرادك لمصيرك إلى أن تعود إلى مكة مفتوحة لك (٩).\n_________\n(١) قاه مجاهد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ٣٤٥).\n(٢) انظر: النكت والعيون (٤/ ٢٧٢).\n(٣) في ب \" لأنه يتصرف في البلاد \".\n(٤) قاله ابن قتيبة في مشكل القرآن (٤٢٥).\n(٥) أي: لمصيرك إلى الجنة، وهو قول ابن عباس، وأبي سعيد الخدري، ومجاهد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ٣٤٧، ٣٤٦).\n(٦) في ب \" وهي المعاد كل خلق \"، وهو قول عكرمة، وعطاء، ومجاهد، والزهري.\nانظر: تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة، جامع البيان لابن جرير (٣٤٧).\n(٧) وهو قول ابن عباس، وأبي سعيد ﵄، وسعيد بن جبير.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ٣٤٩).\n(٨) انظر: البحر المحيط (٧/ ١٣٢)، تفسير ابن كثير (٣/ ٤١٤)، قال: \"وهذا يرجع إلى قول من فسر ذلك بيوم القيامة، لأن بيت المقدس هو أرض المحشر\".\n(٩) أي: إلى الموضع الذي خرجت منه، وهو قول ابن عباس ﵄، ومجاهد.\n\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ٣٥٠).\nوجمع ابن كثير في تفسير (٣/ ٤١٤) بين هذه الأقوال، وذلك أن ابن عباس ﵄ فسر ذلك تارة برجوعه إلى مكة، وهو الفتح الذي هو أمارة على قرب أجل النبي ﷺ كما فسر سورة إذا جاء نصر الله والفتح ووافقه عمر ﵄، وفسر ابن عباس المعاد تارة بالموت وأخرى بيوم القيامة الذي هو بد الموت، وتارة بالجنة التي هي جزاؤه ومصيره على أداء الرسالة وإبلاغها إلى الثقلين.","vol":"1","page":2002},{"text":"﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى﴾ فقد جئتهم بالهدى.\n﴿وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٨٥)﴾ هو من كذبك من قومك، و﴿وَمَنْ﴾ يجوز أن يكون محله نصبًا بفعل مضمر أي: يعلم من، ويجوز أن يكون رفعًا بالابتداء والفعل معلق.\n﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ﴾ أي: سيفتح لك كما ألقي إليك الكتاب يُريد قوله ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾. .\nوقيل: ما كنت ترجوا أن يُلقى إليك القرآن (١).\nوقيل: متصل بقوله ﴿إِنْ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾\n[القصص: ٨٥] ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ﴾ (٢).\n﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ لكن أنزله رحمة ونعمة عليك.\n﴿فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ (٨٦)﴾ لما ترى من ضعفك في الحال وقوتهم. وقيل: لا تكن بين ظهرانيهم، وهذا أمر بالهجرة (٣).\n﴿وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آَيَاتِ اللَّهِ﴾ عن العمل بآيات الله.\n﴿بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ﴾ إلى عبادة ربك.\n﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٨٧) وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ﴾ الخطاب للنبي والمراد به غيره.\n﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ إلا إياه والوجه صلة. وقيل: إلا ملكه (٤).\nوقيل: إلا ما أريد به وجهه من الأعمال (٥).\n_________\n(١) انظر: معالم التنزيل (٦/ ٢٢٧).\n(٢) قاله الفراء في معاني القرآن (٣١٣).\n(٣) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٨٦٧).\n(٤) قاله البخاري في صحيحه (٦/ ٣١٥)، تفسير سورة القصص.\n(٥) قاله سفيان الثوري.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٢٧٣).","vol":"1","page":2003},{"text":"قال:\nاستغفر الله ذنبا لست محصيه ... رب العباد إليه الوجه والعمل (١).\nمجاهد والسدي: كل شيء هالك بالموت إلا العلماء فإن عملهم باق (٢).\nالضحاك: كل شيء هالك إلا الله والعرش والجنة والنار (٣).\n﴿لَهُ الْحُكْمُ﴾ القضاء في خلقه.\nوقيل: له الحكم يوم القيامة لا يحكم فيه غيره.\n﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٨)﴾ إلى ثوابه أوعقابه (٤) فيجازيكم جزاءً وفاقًا. والله أعلم.\n_________\n(١) هذا البيت لم يعرف قائله، وقد ذكره الفراء في معاني القرآن (٢/ ٣١٤)، والخليل في الجمل في النحو (١٢٢)، وابن قتيبة في أدب الكاتب (٤١٩)، وابن هشام في شذور الذهب (٤٧٩)، وابن السراج النحوي في الأصول في النحو (١/ ١٧٨).\n(٢) انظر: النكت والعيون (٤/ ٢٧٣).\n(٣) انظر: المصدر السابق (٤/ ٢٧٣).\nوالصواب أن المراد ذاته ﷾ فعبر بالوجه عن الذات، وأن كل الذوات فانيه إلا ذاته تعالى.\n(٤) في ب \" إلى ثوابه وعقابه \".","vol":"1","page":2004},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-135>سورة العنكبوت</span>","vol":"1","page":2005},{"text":"سورة العنكبوت\nتسع وستون آية (١)، مكية عند الجمهور (٢).\nوعن ابن عباس ﵄ (٣) فيها قولان: مكية، ومدنية (٤).\nوعن علي ﵁: نزلت بين مكة والمدينة (٥).\nوعن يحيى بن سلام (٦) مكية إلا عشر آيات من أولها فإنها مدنية (٧).\nوقيل: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾ [العنكبوت: ٨] (٨)، وقوله ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [العنكبوت: ١٠] نزلتا بالمدينة فحسب.\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n_________\n(١) \" تسع وستون آية \" ساقط من ب.\nانظر: البيان في عد آي القرآن للداني (٢٠٣)، جمال القراء للسخاوي (٢/ ٥٣٦).\n(٢) وهو مروي عن ابن عباس ﵄، والحسن، وعكرمة، وعطاء، ومقاتل.\nانظر: تفسير مقاتل (٢/ ٥١٠)، معاني القرآن للنحاس (٥/ ٢٠٩)، زاد المسير (٦/ ٣٢٥).\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٢٧٤).\n(٣) في أ \" فعند ابن عباس فيها \".\n(٤) وقول ابن عباس ﵄ بمدنيتها ذكره ابن الجوزي في زاد المسير (٦/ ٢٥٢).\n(٥) انظر: النكت والعيون (٤/ ٢٧٤).\n(٦) يحي بن سلام بن أبي ثعلبة، أبو زكريا البصري، الإمام العلامة، أخذ القراءات عن أصحاب الحسن البصري، كان ثقة ثبتًا، ذا علم بالكتاب والسنة، واللغة، صنف: تفسير القرآن، وكتاب الجامع، توفي سنة مائتين.\nانظر: سير أعلام النبلاء (٩/ ٣٩٦)، طبقات المفسرين (٢/ ٣٧١).\n(٧) انظر: المصدر السابق (٤/ ٢٧٤)، وبه قال هبة الله بن سلامة في الناسخ والمنسوخ (١٤١).\nقال ابن عطية في المحرر (٤/ ٣٠٤) \" وهذا أصح ما قيل فيه \".\n(٨) لأنهها نزلت في سعد بن أبي وقاص كما سيأتي.","vol":"1","page":2006},{"text":"﴿الم (١)﴾ سبق الكلام فيه، ووقوع الاستفهام بعده يدل على استقلالها وانقطاعها عما بعدها في هذه السورة وغيرها من السور.\n﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢)﴾ في سبب النزول عن الشعبي: أن هاتين الآيتين نزلتا في أناسٍ كانوا بمكة قد أقروا بالإسلام فكتب إليهم أصحاب النبي ﷺ من المدينة: أن لا يُقْبَل منكم إقرار ولا إسلام حتى تهاجروا، فخرجوا عامدين إلى المدينة فاتبعهم المشركون فقاتلوهم، فمنهم من قُتِل، ومنهم من نجا، فنزلت فيهم ﴿إِن رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا﴾ [النحل: ١١٠] (١).\nوأكثرهم على أنها نزلت في مهجع مولى عمر بن الخطاب (٢) قتل يوم بدر رماه عامر بن الحضرمي (٣)\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٨/ ٣٥٨)، وانظر: أسباب النزول للواحدي (٣٩٣).\n(٢) مهجع بن صالح مولى عمر بن الخطاب، شهد بدرًا، وكان أول قتيل من المسلمين بين الصفين، قيل: أصله من اليمن، وقيل: من عَك، أصابه سبي فمن عليه عمر بن الخطاب ﵁.\nانظر: الاستيعاب (٤/ ٤٨)، الإصابة (٦/ ٢٣١).\n(٣) عامر بن الحضرمي، أخو العلاء بن الحضرمي الصحابي، كان شديد العداوة للمؤمنين، شهد بدرًا، فلما اصطف الجمعان أمره أبو جهل فكشف عورته ثم صاح واعمراه، والتحم الجمعان، فلقي مصره مشركًا.\n\nالبداية والنهاية (٥/ ٢٦٦، ٨٨).","vol":"1","page":2007},{"text":"بسهم فقتله، فقال ﷺ يومئيذ: \"سيد الشهداء مهجع، وهو أول من يدعي إلى باب الجنة من هذه الأمة\"، فجزع عليه أبواه وامرأته فأنزل الله فيهم (١) \". وعن مجاهد: نزلت في عمار بن ياسر ﵁ (٢) حين كان يُعذب في الله (٣).\nوقيل: نزلت في عَيَّاش أخي أبي جهل (٤)، (٥).\nقوله ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ﴾ إستفهام إنكار على من جزع، والمعنى: أحسبوا أن يُقنع منهم بمجرد قولهم آمنا ثم لا يمتحنون بما به يظهر حقيقة إيمانهم.\nوقيل معناه: أظن المؤمنون (٦) أن لا يؤذوا ولا يقتلوا (٧).\nوقيل: أظنوا أن لا يؤمروا ولا ينهوا (٨).\n_________\n(١) انظر: أسباب النزول للواحدي (٣٩٣)، معالم التنزيل (٦/ ٢٣٢).\n(٢) عمار بن ياسر، تنظر ترجمته ص في القصص: ٨٥٧\n(٣) انظر: النكت والعيون (٤/ ٢٧٥).\n(٤) عَيَّاش بن أبي ربيعة، واسمه عمرو بن المغيرة، وهو أخو أبي جهل لأمه، وأمهما اسمها الجلاس، أسلم عياش قديمًا، وهاجر إلى الحبشة، ثم إلى المدينة، فجاءه أبو جهل وخدعة حتى عاد إلى مكة فحبسه بها، فكان رسول الله ﷺ يدعوا له ولمن معه من المستضعفين، شهد اليرموك واستشهد فيها.\nانظر: الاستيعاب (٣/ ٣٠١)، الإصابة (٤/ ٧٥٠).\n(٥) انظر: النكت والعيون (٤/ ٢٧٥)، معالم التنزيل (٦/ ٢٣٢).\nوحكم الآية باق وإن كانت نزلت في قوم بعينهم.\n(٦) في ب \" أطن المؤمنون \"، وهو تصحيف.\n(٧) قاله الربيع.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٢٧٤).\n(٨) قال ابن جرير في جامع البيان (١٨/ ٣٥٥) \" معناه: أظن الذين خرجوا يا محمد من أصحابك من أذى المشركين إياهم أن نتركهم بغير اختبار ولا ابتلاء وامتحان بأن يقولوا: آمنا بك يا محمد وصدقناك فيما جئتنا به من عند الله؟ كلا، لنختبرنهم ليتبين الصادق منهم من الكاذب \".","vol":"1","page":2008},{"text":"﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ ابتليناهم من قوله ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٤].\n﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ في إيمانهم.\n﴿وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ في الدين (١).\nوقيل: هو من صدق القتال وكذب القتال (٢).\nوقيل: صدقوا فيما وعدوا النبي من النصرة أي: يعلمهم موجودين كما علمهم معدومين (٣). وقيل: يعمل معهم معاملة المختبر.\nوقيل: يعلم علم مشاهدة بصحة الجزاء. وقيل: معنى ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ﴾ ليجازين (٤).\nقوله ﴿أَنْ يُتْرَكُوا﴾ واقع موقع مفعولي حسب، و﴿أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا﴾ نصب وتقديره: بأن يقولوا ولإن يقولوا، فحذف الجار فوصل إليه الفعل فنصبه.\nالزجاج: نصب على البدل من ﴿أَنْ يُتْرَكُوا﴾ (٥)، وأنكر عليه أبو علي (٦) في إصلاح الإغفال وقسم عليه الكلام (٧)، وليس في معاني الزجاج صريح ما يدعي عليه أبو علي من البدل، بل عنده (احسبوا ان يقولوا آمنا وهم لا يفتنون) فحذف حسب، لأن الأول يدل عليه وله نظائر.\nوقيل: تقدير الكلام: أحسب الناس أنفسهم متروكة قائلين آمنا (٨).\n_________\n(١) في ب \" في الذين \" وهو تصحيف.\n(٢) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ١٢٠).\n(٣) انظر: النكت والعيون (٤/ ٢٧٥).\n(٤) لم أقف على من قالها، وإن كانت متقاربة في المعنى.\n(٥) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ١٢٠).\n(٦) في ب \" نصب وأنكر عليه أبو علي \".\n(٧) انظر: إصلاح الإغفال لأبي علي الفارسي (٢/ ٥١٧).\n(٨) انظر: البحر المحيط (٧/ ١٣٥).","vol":"1","page":2009},{"text":"المبرد: ﴿أَنْ يُتْرَكُوا﴾ نصب بـ (حسب)، و﴿أَنْ يَقُولُوا﴾ نصب بـ ﴿أَنْ يُتْرَكُوا﴾، والخبر محذوف (١).\nوالحُسْبَان: قوة أحد النقيضين على الآخر، ومثله الظن والتوهم، وأما العلم: فالقطع بأحدهما، والشك: توقف بينهما.\n﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ الشرك والمعاصي.\n﴿أَنْ يَسْبِقُونَا﴾ أن يفوتونا فلا نقدر عليهم.\n﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٤)﴾ على الله بالعجز.\nوقيل: ساء مايظنون أي: كِلا الظنين باطل (٢).\n﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ﴾ في القيامة ويطمع في ثوابه.\n﴿فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ﴾ الذي أجله للجزاء.\n﴿لَآَتٍ﴾ أي: قريب، وقيل: معناه: من كان يخاف الموت والمصير إلى دار الجزاء فليعمل خيرًا ولا يتوان، فيه ﴿فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ﴾ يعني الموت ﴿لَآَتٍ﴾ لا محالة (٣).\nوقيل: معنى ﴿يَرْجُو﴾ يأمل ثواب لقاء الله (٤).\n﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٥) وَمَنْ جَاهَدَ﴾ نفسه بالصبر على طاعة الله، وقيل: جاهد الكفار (٥). وقيل: جاهد الشيطان بدفع وساوسه (٦).\n﴿فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾ له ثواب ذلك ومنفعته.\n﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ أي: طاعتهم ومجاهدتهم.\n_________\n(١) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٨٧٧).\n(٢) انظر: النكت والعيون (٤/ ٢٧٦).\n(٣) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ١٢١)، الكشاف (٤/ ٥٣٥).\n(٤) انظر: النكت والعيون (٤/ ٢٧٦).\n(٥) \" وقيل جاهد الكفار \" ساقط من ب.\nوهذا القول ذهب إليه ابن جرير في جامع البيان (١٨/ ٣٦١).\n(٦) انظر: معالم التنزيل (٦/ ٢٣٣). قلت: وقد يدخل فيه أنواع الجهاد الأخرى، كجهاد النفس، وجهاد الشيطان. والله أعلم.","vol":"1","page":2010},{"text":"﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ الشرك والمعاصي بالإيمان والتوبة.\n﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (٧)﴾ أي: بأحسن أعمالهم وهو طاعة الله.\nوقيل: هو آداء الفرائض، ويحتمل: لنجزينهم أحسن من الذي كانوا يعملون أي: بالواحد عشرًا، وبالواحد سبعين (١).\n﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ في سبب النزول أنها نزلت في سعد بن أبي وقاص (٢)\n_________\n(١) انظر: معالم التنزيل (٦/ ٢٣٣)، زاد المسير (٦/ ٢٥٦).\n(٢) سعد بن أبي وقاص، واسم أبي وقاص مالك بن أهيب بن عبد مناف، القرشي الزهري، كان سابع سبعة في الإسلام، شهد بدرًا والحديبية، وغيرها، وهو أحد الستة الذين جعل عمر فيهم الشورى، وأخبر أن رسول الله ﷺ توفي وهو عنه راض، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، توفي سنة خمس وخمسين.\n\nانظر: الاستيعاب (٢/ ١٧١).","vol":"1","page":2011},{"text":"وأمه حمنة قالت له: يا سعد بلغني أنك صبوت، فوالله لا يظلني سقف بيت من الضح والريح، ولا آكل ولا أشرب حتى تكفر بمحمد وترجع إلى ما كنت عليه، وكان أحب ولدها إليها، فأتى سعد النبي ﷺ وشكا ذلك إليه فأنزل الله هذه الآية، والتي في لقمان (١) والآحقاف (٢)، (٣).\nوالمعنى: وصيناه فيما أنزلناه من الكتب على رسلنا أن يفعل الإنسان بأبويه ما يَحْسُن ولا يَقْبُح.\nوقيل: معنى ﴿وَصَّيْنَا﴾ ألزمنا (٤).\nونصب ﴿حُسْنًا﴾ على المصدر وتقديره: بأن يحسن حسنًا (٥).\nوقيل: الإيصاء يتعدى إلى مفعولين (٦).\n_________\n(١) قوله تعالى ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ [لقمان: ١٤، ١٥].\n(٢) قوله تعالى ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥].\n(٣) أخرجه مسلم في صحيحه (ك: فضائل الصحابة، باب: في فضل سعد بن ابي وقاص، ح: ١٧٤٨)، والترمذي في السنن (كتاب: التفسير، تفسير سورة العنكبوت، ح: ٣١٨٩)، وقال: حسن صحيح.\n(٤) قاله السدي.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٢٧٦).\n(٥) من \" وقيل معنى (وصينا) \" إلى \" يحسن حسنًا \" ساقط من ب.\n(٦) انظر: البحر المحيط (٧/ ١٣٧).","vol":"1","page":2012},{"text":"﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ في سبب النزول أنها نزلت في سعد بن مالك (١) أُبتلي بمثل ما أُبتلي به سعد بن أبي وقاص (٢)، والمعنى: وصيناه.\n﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ﴾ إن جهدا بك وغالباك واستفرغا مجهودهما وحملاك على الإشراك ما ليس لك به علم أنه لي شريك، وهذا علم لا يكون إذ لا شريك له.\nأبو مسلم (٣): لا تطعهما مدة لا تعلم له شريكا جعل ما للمصدر، والمراد به: المدة (٤). وقيل: ما ليس لك به حجة، لأن الحجة طريق العلم (٥).\n﴿فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ أي: أطعهما في الواجب والمباح ولا تطعهما في المحرم والمحظور.\n﴿إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ أي: مصير الوالد والولد إليَّ في القيامة.\n﴿فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨)﴾ أي: أوقفكم (٦) على أعمالكم فإنها مثبتة عندي ثم أجازيكم بها.\n﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ (٩)﴾ في الجنة مع المؤمنين.\nوقيل: آمنوا بعد كفرهم، وعملوا الصالحات بعد إفسادهم لندخلنهم في الصالحين بقبول توبتهم وجعلهم أسوة سائر المؤمنين وفي جملتهم (٧).\n_________\n(١) سعد بن مالك بن خالد بن ثعلبة بن حارثة، الأنصاري الساعدي، تجهز للخروج إلى بدر فمات، فضرب له رسول الله ﷺ بسهمه وأجْرِه.\nانظر: الاستيعاب (٢/ ١٦٧).\n(٢) انظر: أسباب النزول للواحدي (٣٩٥)، والصواب أنها نزلت في سعد بن أبي وقاص، ولا يمنع من تكرار نزولها، وانظر ترجمة سعد بن أبي وقاص: ٨٨٦\n(٣) أبو مسلم، تنظر ترجمته ص: ١٩٣.\n(٤) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٨٧٨).\n(٥) انظر: النكت والعيون (٤/ ٢٧٧).\n(٦) في أ \" أي: أوفقكم \".\n(٧) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٥٣٢).","vol":"1","page":2013},{"text":"﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ﴾ في سبب النزول عن مجاهد، والضحاك: أنها نزلت في المنافقين (١).\nعكرمة: نزلت في المؤمنين الذين أخرجهم المشركون إلى بدر فارتدوا قال: وهم الذين نزلت فيهم ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: ٩٧] (٢).\n﴿فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ﴾ أي: إذا أصيب بمكروه (٣) في سبب إظهار دين الله.\n﴿جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ أي: ترك الإيمان خوفًا من عذاب الناس كما ينبغي أن يترك الكفر خوفًا من عذاب الله، فعدل عذاب الدنيا الذي هو ساعة بعذاب الله الذي هو باق لا ينقطع.\nالزجاج: جزع من ذلك كما يجزع من عذاب الله (٤).\n﴿وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ﴾ فتح وغنيمة.\n﴿لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ﴾ أي: مؤمنين فأشركونا فيما غنمتم، ويقولون ذلك استكفافًا لما يخافونه (٥) من إيقاع المؤمنين بهم.\n﴿أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ﴾ يريد من خلقه.\n﴿بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ (١٠)﴾ من الإخلاص والنفاق.\n﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ (١١)﴾ أي: حالهما ظاهرة (٦) عند من يملك الجزاء عليهما.\n_________\n(١) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ٣٦٥)، الوسيط للواحدي (٣/ ٤١٤).\n(٢) وهو مروي عن ابن عباس ﵄.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ٣٦٦، ٣٦٥) أسباب النزول للواحدي (٣٩٥، ٣٩٦).\n(٣) في أ \" فإذا أصيب بمكروه \".\n(٤) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ١٢١).\n(٥) في أ \" لما يخافونهم \".\n(٦) في ب \" أي: حالنا ظاهرة \".","vol":"1","page":2014},{"text":"﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا﴾ طريقنا الذي نسلكه في الدين.\n﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ يريد عنكم، اللفظ أمر والمعنى: جزاء، وفي بعض التفاسير أن هذا القائل أبو سفيان بن حرب وأمية بن خلف قالا لعمر بن الخطاب ﵁: \"\"إن كان في الإقامة على دين الأباء إثم فنحن نحمله عنك\"، فقال الله ﴿وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ (١) يخفف عن المحمول عنه العذاب.\n﴿إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٢)﴾ في قولهم.\n﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ﴾ آثامهم.\n﴿وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ يضاعف لهم العذاب بذنوبهم وذنوب من أضلوهم من قوله ﵊ \" من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة \" (٢).\n﴿وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ (١٣)﴾ يكذبون في خداعهم هذا، وقيل: ﴿يَفْتَرُونَ﴾: يشركون (٣).\n﴿ولقد أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ يدعوهم إلى الله، وكان أول نبي فيما رواه أنس ﵁ عن النبي صلى الله عليه سلم (٤) أي: مكث فيهم تسعمائة وخمسين حولًا، وكان هذا مدة عمره.\n_________\n(١) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٤١٥)، معالم التنزيل (٦/ ٢٣٥).\n(٢) أخرجه مسلم في (ك: العلم، باب: من سن سنة حسنة أو سيئة أو دعا إلى هدى أو ضلال، ح: ١٠١٧).\n(٣) لم أقف لاعليه، والله أعلم.\n(٤) أخرجه البخاري (ك: التوحيد، باب: قول الله تعالى \" لما خلقت بيدي \"، ح: ٧٤١٠) عن أنس ﵁ في حديث الشفاعة الطويل وفيه \" ولكن ائتوا نوحًا فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض \".","vol":"1","page":2015},{"text":"وقيل: كان له قبل هذا ثلثمائة وخمسون سنة أي: قبل النبوة، وعاش بعد الطوفان ثلثمائة وخمسين سنة (١).\nوقيل: كان له قبل النبوة ثلثمائة سنة، ودعاهم إلى الإيمان ثلثمائة سنة، وعاش بعد الطوفان ثلاثمائة سنة وخمسين سنة (٢).\nوقيل: كان عمره ألف سنة، فوهب منها خمسين لابن له، فلما كان في آخر عمره راجع في ذكر الخمسين، فذكر الله ذلك تنبيها على أن النقيصة (٣) كانت من جهته، حكاه الماوردي (٤)،\n_________\n(١) عزاه في النكت والعيون (٤/ ٢٧٩) لعون بن شداد.\nقال عنه ابن كثير في تفسيره (٣/ ٤١٨) \"وهذا أيضًا غريب\".\n(٢) في أ \" ثلاثمائة وخمسين سنة \".\nعزاه في النكت والعيون (٤/ ٢٧٨) لقتادة.\nقال عنه ابن كثير في تفسيره (٣/ ٤١٨) \"وهذا قول غريب\".\n(٣) في ب \" على أن القصيصة \"\n(٤) انظر: النكت والعيون (٤/ ٢٧٨)، وهو باطل ظاهر البطلان لأن الله قدر أعمار بني آدم فلا يُزاد فيها ولا ينقص منها.\nاختلف المفسرون في عمر نوح ﵇ على أقوال:\nالأول: قول ابن عباس ﵁ أنه بعث بعد أربعين سنة والأنبياء لاتبعث إلا بعد الأربعين، ولبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا يدعوهم كما دلت عليه الآية، وعاش بعد الطوفان ستين سنة، وصحح ابن كثير في تفسيره (٣/ ٤١٨) هذا القول وقال: \" وهو الأقرب \".\nالثاني: قول كعب الأحبار أنه لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا وعاش بعد ذلك سبعين عامًا.\nالثالث: قول عون بن أبي شداد أنه بعث وهو ابن ثلاثمائة وخمسين عامًا، ولبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا، وعاش بعد ذلك ثلاثمائة وخمسين عامًا، وضعفه ابن كثير في تفسيره (٣/ ٤١٨).\n\nالرابع: قول قتادة أنه لبث فيهم قبل أن يدعوهم ثلاثمائة سنة، ودعاهم ثلاثمائة سنة، ولبث فيهم بعد الطوفان ثلاثمائة وخمسين سنة، وضعفه ابن كثير في تفسيره (٣/ ٤١٨).\nوانظر: زاد المسير (٦/ ٢٦١)، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٣/ ٣٣٢).","vol":"1","page":2016},{"text":"وهذا من الترهات.\nوإنما قال: ألف سنة إلا خمسين ولم يقل فلبث فيهم (١) تسعمائة وخمسين لأنك إذا قلت له تسعة احتمل التمام والنقصان فإذا قلت عشرة إلا واحدة فقد أكدت التسعة.\nوقيل: ذكر الأَلْف لفخامة اللفظ، فإن الأَلْف (٢) من كل شيء كثير (٣).\n﴿فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ﴾ الماء المحيط حتى غرقوا، وكل ما عم الكل من المكاره فهو طوفان.\n﴿وَهُمْ ظَالِمُونَ (١٤)﴾ أنفسهم بالكفر.\n﴿فَأَنْجَيْنَاهُ﴾ أي: نوحًا.\n﴿وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ﴾ أولاده وأصحابه، وكانوا ثمانين نسمة.\nوقيل: من كان فيها وما كان فيها من كل زوجين اثنين (٤).\n﴿وَجَعَلْنَاهَا﴾ أي: السفينة حين استوت على الجودي، وناحية الجودي موضع يعرف بسوق الثمانين (٥).\nوقيل: وجعلناها أي: العقوبة (٦).\n﴿آَيَةً﴾ وقيل: القصة آية عبرة وعظة. ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾ يتعظون بها.\n﴿وَإِبْرَاهِيمَ﴾ وأرسلنا إبراهيم.\nوقيل: واذكر إبراهيم (٧).\n﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ أخلصوا له العبودية والطاعة.\n﴿وَاتَّقُوهُ﴾ خافوا عقابه.\n﴿ذَلِكُمْ﴾ الإخلاص والاتقاء.\n﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ من عبادة الأصنام.\n﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٦)﴾ تدبرون وتفكرون.\n_________\n(١) في ب \" ولم يقل فمكث فيهم \".\n(٢) في أ \" لأن الألف \".\n(٣) انظر: النكت والعيون (٤/ ٢٧٨).\n(٤) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ١٢٤).\n(٥) الجودي: جبل بالموصل، وهو الذي رست عليه سفينة نوح ﵇.\nانظر: معجم البلدان (٢/ ١٧٩)، معجم ما استعجم (١/ ٤٠٣).\n(٦) قاله أبو سليمان الدمشقي.\nانظر: زاد المسير (٦/ ٢٦٣).\n(٧) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٥٣٤).","vol":"1","page":2017},{"text":"﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ تكذبون كذبًا، وقيل:\n﴿وَتَخْلُقُونَ﴾ تصنعون (١)، والخلق: الفعل المقدر.\n﴿إِفْكًا﴾ ذا إفكٍ، أي: كذب حين سميتموها آلهة.\n﴿إِن الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا﴾ أي: الأوثان لا تملك أن ترزقكم (٢)، وهو مصدر.\nوقيل: لا يملكون شيئًا مما هو رزق لكم (٣).\n﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾ سلوا الله حوائجكم.\n﴿وَاعْبُدُوهُ﴾ وحدوه.\n﴿وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ على ما ابتدأكم به من النعم.\n﴿إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١٧)﴾ للثواب والعقاب.\n﴿وَإِنْ تُكَذِّبُوا﴾ محمد ﷺ.\n﴿فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ يعني: قوم نوح، وقوم إبراهيم، وهذا اعتراض بين خطاب إبراهيم قومه وجوابهم إياه.\nوقيل: كله من كلام إبراهيم، والأول هو الوجه (٤).\n﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (١٨)﴾ ليس عليك يا محمد من كفرهم غضاضة؛ إذا بلَّغت فليس عليك غير البلاغ المبين يبين لمن سمعه.\n﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ فيستدلوا بالمتفق عليه على المشكوك فيه، ويحتمل أن الوقف على قوله ﴿يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ﴾ تام ثم استأنف فقال\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ١٢٤).\n(٢) في أ \" لا يملك أن يرزقكم \".\n(٣) انظر: البحر المحيط (٧/ ١٤١).\n(٤) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٥٣٤).","vol":"1","page":2018},{"text":"﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ لأن ذلك فيما لم يروا بعد، وكذلك قوله ﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ﴾، والوقف عليه في الثاني مروي، ويحتمل أن المراد بالإبداء والإعادة والإنشاء ما نشاهده مما يتجدد كل حين وكل سنة من النبات والأشجار والثمار فيكون داخلًا تحت الرؤية والنظر، والله أعلم.\n﴿إِنَّ ذَلِكَ﴾ ... الإعادة.\n﴿عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (١٩)﴾ سهل هين.\n﴿قُلْ﴾ يا محمد، ومن جعله من كلام إبراهيم فتقديره: فأوحينا إليه أن قل.\n﴿سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾ على كثرتهم واختلاف أحوالهم لتعرفوا عجائب فطرة الله بالمشاهدة ولقاء من هو أعلم منكم، وبدأ وأبدأ بمعنى، والآية تجمعهما (١).\n﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآَخِرَةَ﴾ وقرئ (النشآءة) بالمد (٢)، وهما لغتان كالرأفة والرآفة، والإنشاء: إبتداء الشيء.\n﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ من الإبداء، والنشأة، والإعادة (٣).\n﴿قَدِيرٌ (٢٠)﴾ قادر بذاته لا بقدرة محدثه كقدرة بني آدم (٤).\n﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ﴾ أي: إعادتهم بعد الموت للجزاء على الأعمال.\n﴿وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ (٢١)﴾ وإلى حكمه في دار الجزاء تردون.\n_________\n(١) في ب \" والآية تجمعها \".\n(٢) وهي قراءة ابن كثير، وأبو عمرو، والباقون على قراءة \" النشأة \" بتسكين الشين وترك المد.\nانظر: الحجة لابن خالويه (٢٧٩)، الكشف لمكي (٢/ ١٧٨).\n(٣) في ب \" من الإبداء الإنشاء الإعادة \".\n(٤) في ب \" قادر بذاته بقدرة قديم لابقدرة محدثةكقدرة بني آدم \".\nوصف الله بالقدم ليس من الألفاظ التي استعملها السلف، والله يوصف بأنه الأول وليس قبله شيئ، والآخر وليس بعده شيئ.","vol":"1","page":2019},{"text":"﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ بفائتين هربًا (١) من عقابه أي: فاحذروا عقابه.\n﴿وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ أي: ولا من في السماء بمعجزين في السماء، قاله الفراء، قال: \"وهذا من غوامض العربية\"، وأنشد قول حسّان:\nفمن يهجوا رسول الله منكم ... ويمدحه وينصره سواء (٢).\nأي: ومن ينصره.\nوقيل: وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء لو كنتم فيها (٣).\nوقيل: لا تعجزوننا بأن تهربوا إلى الأرض أم إلى السماء (٤).\nوقيل: هذا قول إبراهيم لقومه وفيهم نمروذ، وكان نمروذ أَمَّ الصعود إلى الجو توهم أنه يحاول السماء (٥).\nوقيل: معناه لا تفوتون من في الأرض من الإنس والجن ولا من في السماء من الملائكة فكيف تفوتون الله سبحانه (٦)، وهذا ضعيف لأن الصلة لا تقوم مقام الموصول (٧).\n﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٢٢) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ﴾ بالقرآن. وقيل: بدلائل توحيده (٨).\n﴿وَلِقَائِهِ﴾ البعث بعد الموت.\n﴿أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٣)﴾ أي: هم أهل اليأس والعذاب، وذكر بلفظ الماضي لأن أكثر ألفاظ القيامة جاءت بلفظ الماضي تحقيقًا.\n_________\n(١) في أ \" بفاتنين هربًا \"، وهو تصحيف.\n(٢) انظر: ديوان حسان بن ثابت ﵁ (٦١).\n(٣) قاله قطرب.\nانظر: معالم التنزيل (٦/ ٢٣٧).\n(٤) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ٣٧٩).\n(٥) في ب \" يوهم أنه يحاول السماء \"، ولم أقف على قائله، والله أعلم.\n(٦) في أ \" فكيف يفوتون الله \".\n(٧) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٨٨٠).\nوضعف هذا القول أيضًا أبو حيان في البحر المحيط (٧/ ١٤٣).\n(٨) انظر: الكشاف (٤/ ٥٤٤).","vol":"1","page":2020},{"text":"وقيل: يئسوا في الدنيا (١)، لأن اليأس: رفع الطمع وقد رفعوا طمعهم بإنكارهم البعث. وقيل: يجب أن ييأسوا من رحمتي (٢).\n﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ﴾ عاد بعد الاعتراض إلى كلام إبراهيم (٣) وجواب قومه فقال: فما كان جواب قومه إياه ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ﴾ فاتفقوا على تحريقه.\n﴿فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ﴾ أي: من النار ومكروهها حين قذفوه فيها وجعلها بردًا وسلامًا.\n﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ فيما فعلوا به وفعلنا.\n﴿لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٤)﴾ علامات لهم على أن العاقبة للمؤمنين.\n﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٥)﴾ معنى الآية: اتخذتم هذه الأوثان لتتوادوا بها، وتتحابوا على عبادتها، وتتواصلوا كما يتوالى ويتحاب المؤمنون على عبادة الله.\n_________\n(١) انظر: البحر المحيط (٧/ ١٤٣).\n(٢) قال ابن جرير في جامع البيان (١٨/ ٣٨٠) \"أولئك يئسوا من رحمتي في الآخرة؛ لما عاينوا ما أُعِد لهم من العذاب فأؤلئك لهم فيها عذاب موجع\".\n(٣) في ب \" عماد بعد الاعتراض إلى كلام إبراهيم \".","vol":"1","page":2021},{"text":"وقيل: اتخذتموه مودة بينكم لتُتْرَكوا وما هَوَيْتم ولا تكونوا مأمورين ولا منهيين وإنما ذلك بينكم في الدنيا فإذا صرتم إلى الآخرة تبرأ بعضكم من بعض من قوله ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧]، ويلعن بعضكم بعضًا من قوله ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف: ٣٨] ومأوي المتحابين جهنم والنار من غير أن يمنعهم عنها منعة (١).\nوفي إعراب الآية كلام، قرئ (مودة) بالرفع والنصب، (بينكم) بالنصب والجر الرفع (٢) من ثلاثة أوجه:\nأحدها: أن يكون خبرًا لـ (إن) و(ما) بمعنى: الذي.\nوالثاني: هي مودة بينكم خبر مبتدأ محذوف.\nوالثالث: بالابتداء، والخبر ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، وهذا قول الفراء (٣).\nوالوجه الأول أحسنها.\nوالنصب من خمسة أوجه:\nأحدها: أن يكون المفعول الثاني كما تقول أخذت زيدًا خليلًا و(ما) يكون كافة لأن. والثاني: أن يكون مفعولًا له أي: للمودة.\nوالثالث: أن يكون حالًا أي: متوادين.\nوالرابع: أن يكون تمييزا.\nوالخامس: أن يكون بدلًا من الأوثان كأنه جعل الأوثان المودة على السعة، والوجه الأول أحسنها.\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن للفراء (٢/ ٣١٦).\n(٢) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي \" مودةُ \" بدون تنوين خبر أن على حذف المضاف، وقرأ نافع، وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم \" مودةً بَيْنِكم \" أي: اتخذتم الأصنام للمودة، وقرأ حمزة، وحفص عن عاصم \" مَودةَ بينِكم \" بنصب \" مودة \" مع الإضافة.\nانظر: السبعة لابن مجاهد (٤٩٩)، النشر (٢/ ٣٤٣)، الإتحاف لابن البنا (٢/ ٣٤٩).\n(٣) انظر: معاني القرآن للفراء (٢/ ٣١٦).","vol":"1","page":2022},{"text":"ومن أضاف المودة جعل ﴿بَيْنِكُمْ﴾ اسمًا لا ظرفا كقوله ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦]، ومن نون ﴿مَوَدَّةَ﴾ ونصب ﴿بَيْنِكُمْ﴾ فعلى الظرف (١).\n﴿فَآَمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ أي: آمن به، وقيل: صدَّقه، وجاء في التفسير: لم يؤمن به من جملة قومه إلا لوط وكان ابن أخيه وسارة وكانت ابنة عمه (٢).\n﴿وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ﴾ مفارق قومي خارج منهم.\n﴿إِلَى رَبِّي﴾ إلي حيث أمرني ربي، وقيل: إلي حيث لا أمنع من عبادة الله.\n﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٦)﴾ غلبهم ونجاني، وقيل: هذا كلام لوط، والمعنى: مهاجر من خالفني من قومي مقربًا إلى ربي، حكاه القفال (٣).\nفخرج هو ولوط من كوثى (٤) سواد الكوفة إلى الشام، وهو أول من هاجر في الله.\nالفراء: هاجر من حران إلى فلسطين (٥).\n﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ أي: إسحاق ولدًا، ويعقوب ولدُ ولدٍ، ولم يذكر هاهنا إسمعيل لشهرته.\n_________\n(١) انظر في ذلك: إعراب القرآن للنحاس (٣/ ٢٥٤)، مشكل إعراب القرآن لمكي (٢/ ٥٥٢).\n(٢) انظر: النكت والعيون (٤/ ٢٨١).\n(٣) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٨٨١).\n(٤) كوثى: بضم أوله، مقصور على وزن فعلى، مدينة بالعراق، وهي التي ولد فيها إبراهيم ﵇، قال الخطابي: \" يقال لها كوثى ربي \".\nانظر: غربي الحديث للخطابي (٣/ ٧٢)، معجم البلدان (٤/ ٤٨٧).\n(٥) انظر: معاني القرآن للفراء (٢/ ٣١٦).","vol":"1","page":2023},{"text":"وجاء في التفسير: وخرج إبراهيم مهاجرًا وخرج معه لوط مهاجرًا، وتزوج إبراهيم سارة ابنة عمه، فخرج بها معه يلتمس الفرار بدينه حتى نزل حرَّان، فمكث بها ما شاء الله ثم خرج منها حتى قدم مصر، ثم خرج من مصر إلى الشام فنزل قرية من أرض فلسطين، ونزل لوط سدوم وهي المؤتفكة، على مسيرة يوم وليلة من قرية إبراهيم.\n﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ﴾ أي: ذرية إبراهيم فإنه شجرة الأنبياء.\n﴿وَالْكِتَابَ﴾ يعني التوراة، والإنجيل، والزبور، والقرآن (١) والألف واللام للجنس.\n﴿وَآَتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا﴾ الثناء الحسن ولسان الصدق.\nوقيل: الولد الصالح (٢).\nوقيل: رضى جميع الأديان به.\nالماوردي: بقاء ضيافته عند قبره قال: وليس ذلك لغيره من الأنبياء (٣).\nوقال بعض المفسرين في قوله ﴿وَآَتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا﴾ هذا دليل على أن الله قد يُعطي الأجر والثواب في الدنيا.\n﴿وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧)﴾ من الأنبياء.\nالحسن: من أهل الجنة، قال: ولا صفة للعبد أشرف من الصلاح (٤) وكفى بالصلاح شرفًا أي: جعل الله إبراهيم - ﵇ - منسوبًا على المتصفين به (٥).\n﴿وَلُوطًا﴾ واذكر لوطا، أو أرسلنا لوطًا (٦).\n﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ اللواط.\n_________\n(١) في أ \" والفرقان \".\n(٢) حكاه الزجاج في معاني القرآن (٤/ ١٢٦).\n(٣) انظر: النكت والعيون (٤/ ٢٨١).\nولم يثبت في ذلك شيء، أو أنه دفن عند الكعبة، أو أمر بالصلاة عند قبره، بل كل ذلك مخالف لهدي الإسلام.\n(٤) في ب \" ولا صفة أشرف للعبد من الصلاح \".\n(٥) انظر: الوسيط للواحدي (١/ ٢١٥).\n(٦) في ب \" وأرسلنا لوطًا \".","vol":"1","page":2024},{"text":"﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٢٨) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ﴾ مواقعة الرجال.\n﴿وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾ الطرق بالقتل، وأخذ المال (١).\nوقيل: سبيل الولد يإتيان الأدبار وتعطيل الفروج (٢).\nوقيل: باللواط بالغرباء حتى انقطعت السُّبُل (٣) خوفًا منهم (٤).\n﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ﴾ مجلسكم، تقول: ناديته أي: جالسته.\n﴿الْمُنْكَرَ﴾ قيل: المضارطة، روته عائشة ﵂ (٥).\nوقيل: كانوا يجامعون في المحافل فعل الحمير (٦).\nمجاهد: لعب الحمام، والصفير، والجلاهق (٧)، والخذف، والسواك في المجلس، ومضغ العلك، وحل أزرار القباء (٨).\n_________\n(١) في ب \" وأخد المال \".\n(٢) قاله وهب.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٢٨٢).\n(٣) في ب \" حتى انقطعت الطرق \".\n(٤) قاله ابن زيد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ٣٨٨).\n(٥) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٨/ ٣٨٩) عن عائشة ﵂ قالت \"الضراط\".\n(٦) قاله مجاهد، وقتادة.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ٣٩٣، ٣٩٢).\n(٧) الجُلاهِق: البُندق، أو الطين المدوَّر.\nانظر: لسان العرب (٢/ ٣٤٢)، مادة: جلهق.\n(٨) هكذا في (أ) و(ب)، وفي النكت والعيون (٤/ ٢٨٢) \" وحل أزرار القيان في المجلس \" ولعله الأقرب، وهو الموافق لأفعالهم السابقة.","vol":"1","page":2025},{"text":"وعن النبي ﷺ \" إن قوم لوط كانوا يجلسون في مجالسهم وعند كل رجل منهم قصعة فيها حصى، فإذا مر بهم عابر سبيل خذفوه، فأيهم أصاب كان أولى به، فذلك قوله ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ﴾ \" (١).\nوعنه ﷺ \" إياكم والخذف فإنه لا ينكئ عدوًا ولا يقتل صيدًا، ولكن يفقأ العين ويكسر السن \" (٢).\n﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٩)﴾ في الرسالة والإيعاد.\n﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ﴾ بإنزال العذاب عليهم.\nوقيل: بأن تمنع أذاهم عني (٣).\n﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى﴾ أي: جاؤه ببشارة إسحق، ومن وراء إسحق يعقوب.\n﴿قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ يعنون سدوم، ولقربها قالوا: أهل هذه القرية.\n﴿إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ (٣١)﴾ كافرين عاتين في الكفر.\n_________\n(١) أخرجه الترمذي في السنن (٥/ ٣٤٢، ك: التفسير، تفسير سورة العنكبوت، ح: ٣١٩٠)، عن أم هانئ، وقال \" حديث حسن إنما نعرفه من حديث حاتم بن أبي صغيرة عن سماك \"، والحاكم في المستدرك (٢/ ٤٤٤)، وقال \" صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه \".\n(٢) أخرجه الطبراني في الكبير (١٨/ ٢٢٧، ح: ٥٦٦).\nواختار ابن جرير في جامع البيان (١٨/ ٣٩٢) أن المنكر هو حذف المارة والسخرية منهم لحديث أم هانئ.\nقال ابن كثير في تفسير القرآن العظيم (٣/ ٤٢٢) \" أي يفعلون ما لايليق من الأفعال والأقوال في مجالسهم التي يجتمعون فيها، لاينكر بعضهم على بعض شيئًا من ذلك \".\n(٣) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٤١٩)، معالم التنزيل (٦/ ٢٤٠).","vol":"1","page":2026},{"text":"﴿قَالَ﴾ إبراهيم. ﴿إِن فِيهَا لُوطًا﴾ وفيهم لوط.\n﴿قَالُوا﴾ يعني الملائكة.\n﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا﴾ أي: أكثر علمًا، فليس يخفي علينا.\n﴿لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ أي: لنأمرن لوطًا بمفارقة أهل القرية بقطع من الليل أمرنا الله بذلك، فيكون نزول الهلاك بهم بعد خروجه من بين أظهرهم.\n﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٣٢)﴾ الباقين في العذاب، ثم أخبر عن مصير الملائكة إلى لوط بعد مفارقتهم إبراهيم فقال ﴿: وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ﴾ ساءه مجيئهم وخاف عليهم قومه أن يتناولوهم بالفجور حسب عادتهم (١).\n﴿وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ أي: ضاق ذرعه عن قومه بأن لا يحفظ أضيافه (٢).\nقتادة: معنى ﴿سِيءَ بِهِمْ﴾: ساء ظنه بقومه وضاق بضيفه ذرعا أي: نفسا (٣).\n﴿وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ﴾ من تمكنهم منا.\nوقيل: لا تخف ولا تحزن لهلاكهم (٤).\n﴿إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ﴾ نصب حملا على المعنى، لأنه مفعول. وقيل: التنوين مقدر فيه لأنه فعل لم يكن وقع (٥).\n﴿إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٣٣)﴾ في العذاب.\n﴿إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ (٣٠)﴾ الْقَرْيَةِ رِجْزًا﴾ عذابًا.\n﴿مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٣٤)﴾ بفسقهم وخروجهم عن طاعة الله ورسوله فانتسف جبريل بالمدينة وما فيها بأحد جناحيه فجعل عاليها سافلها وتبعت الحجارة من كان غائبًا.\n_________\n(١) في أ \" وحسب عادتهم \".\n(٢) في ب \" بأن يحفظ أظيافه \".\n(٣) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٨/ ٣٩٥).\n(٤) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ٣٦٩).\n(٥) في ب \" لأنه فعل لم يك وقع \".","vol":"1","page":2027},{"text":"﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آَيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٣٥)﴾ قيل: هي الحجارة التي أمطرت عليهم، فمن ذهب إلى الشام وأتى على قرية لوط رأى من تلك الحجارة (١).\nوقيل: إنها بقية الأنهار التي كانت بأرضهم وصار ماؤها أسود (٢).\nوقيل: آية بينة عقوبة الله إياهم والأمر في ذلك مشهور عند العرب (٣).\n﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ﴾ وأرسلنا إلى مدين آخاهم.\n﴿شُعَيْبًا فَقَالَ﴾ قيل: الفاء هاهنا لموافقة قوله ﴿أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ﴾ [العنكبوت: ١٤].\n﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآَخِرَ﴾ اعملوا بطاعته لإدراك الثواب في الآخرة، وقيل: خافوه (٤).\n﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٣٦) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ عاقبهم الله بالزلزلة.\n﴿فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٣٧)﴾ بعضهم على بعض ميتين. وقيل: جاثمين على الركب (٥).\nوقيل: هي ما أصابهم يوم الظلة رجفت بهم الأرض مع أخذ الحَرّ (٦).\n﴿وَعَادًا وَثَمُودَ﴾ واذكر عادًا وثمودًا، وقيل: أهلكنا (٧).\nوقيل: فتنا حملًا على أول السورة (٨).\n_________\n(١) قاله قتادة.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ٣٩٧).\n(٢) قاله مجاهد.\nانظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٤١٩).\n(٣) قاله مجاهد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ٣٩٧).\n(٤) قاله مقاتل.\nانظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٤١٩).\n(٥) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٥٣٧).\n(٦) انظر: المصدر السابق (٢/ ٥٣٧).\n(٧) حكاه الزجاج في معاني القرآن (٤/ ١٢٧).\n(٨) حكاه السمرقندي في بحر العلوم (٢/ ٥٣٨).","vol":"1","page":2028},{"text":"﴿وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ﴾ ظهر لكم بعض مساكنهم كيف خرب وخلا عن أهله بإهلاك الله إياهم.\n﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾﴾ من الكفر والمعاصي.\n﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ الذي وجب عليهم سلوكه وهو الإيمان بالله ورسله.\n﴿وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (٣٨)﴾ ذوي بصائر يمكنهم تمييز الحق من الباطل.\nوقيل: مستبصرين عند أنفسهم بزعمهم (١).\n﴿وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ (٣٩)﴾ فائتين بل أدركهم العذاب، يقال لمن فات طالبه: سبق.\n﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ أي: أخذنا كلهم فعاقبناهم بذنوبهم.\n﴿فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا﴾ حجارةً من سجيل كقوم لوط.\nوقيل: الحاصب الريح تأتي بالحصباء (٢)، وهي الحجارة الصغيرة، وتذكيره كالطالق والحائض (٣).\nوقيل: حاصب مَلَك رماهم بالحصباء (٤).\n﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ﴾ كقوم صالح وغيره.\n﴿وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ﴾ يعني: قارون.\n﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا﴾ يعني: فرعون وقومه، وقوم نوح من قبل.\n﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ ليعاقبهم بغير استحقاق وجُرم.\n﴿ولكن كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠)﴾ بالكفر والعدوان فيه.\n_________\n(١) قاله قتادة، ومقاتل، والكلبي.\nانظر: معالم التنزيل (٦/ ٢٤٢).\n(٢) في أ \" الريح تأتي الحصباء \".\n(٣) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ٤٠٠).\n(٤) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٨٨٣).\nوهذا قول غريب لا دليل عليه.","vol":"1","page":2029},{"text":"﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ﴾ أي: مثل من أشرك بالله الأوثان في الضعف وسوء الاختيار.\n﴿كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ أي: كمثل العنكبوت فيما تتخذه لنفسها من بيت، فإن ذلك البيت لا يدفع عنها الحر ولا البرد ولا يقي ما يُتَّقى بالبيوت كذلك أوثان هؤلاء لاتنفعهم ولا تغني عنهم (١) في الدنيا والآخرة.\n﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ﴾ لا بيت أوهى ولا أقل وقاية للحر والبرد ومن بيت العنكبوت.\n﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٤١)﴾ يرجعون إلى علم ليعلموا (٢) أن وثنًا من حجارة وجص لا يغني عنهم شيئًا.\nالزجاج في جماعة: تقدير الآية: مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء لو كانوا يعلمون كمثل العنكبوت ليس أنهم لا يعلمون أن بيت العنكبوت ضعيف (٣).\nوالعنكبوت يقع على الواحد وعلى الجمع، ويذَكّر ويؤنث، وليس التاء فيه للتأنيث، جمعها عناكب، وتصغيرها عنيكب.\nوفي التفسير عن يزيد بن ميسرة (٤): أن العنكبوت شيطان مسخه الله (٥).\nوعن عطاء: نسجت العنكبوت مرتين مرة على النبي ﷺ، ومرة على\n_________\n(١) في ب \" كذلك أوثان هؤلاء لا ينفعهم ولا يغني عنهم \".\n(٢) في ب \" يرجعون إلى علم لعلموا \".\n(٣) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ١٢٧).\n(٤) يزيد بن ميسرة بن حَلْبَس الجبيري الدمشقي، يكنى أبا ميسرة، روى عن أم الدرداء وأبي إدريس الخولاني، ذكره ابن أبي حاتم وابن حبان في الثقات.\nانظر: الثقات لابن حبان (٧/ ٦٢٧)، تعجيل المنفعة لابن حجر (٢/ ٣٧٩).\n(٥) انظر: النكت والعيون (٤/ ٢٨٣)، وقد ضعفه الألباني في الجامع الصغير (٨٣٤)، وفي السلسلة الضعيفة (١/ ٢٨٣).","vol":"1","page":2030},{"text":"داود - ﵇ - (١).\nوعن علي بن أبي طالب ﵁: طهروا بيوتكم من نسج العنكبوت، فإن تركه في البيت يورث الفقر (٢).\n﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ وثن، أو صنم، أو ملك، أو جِنّ.\n﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ المنيع لا شريك له.\n﴿الْحَكِيمُ (٤٢)﴾ في تأخير العذاب (٣).\nو﴿مَا﴾ نصب بيدعون، و﴿يَعْلَمُ﴾ معلق.\nوقيل: ﴿مَا﴾ بمعنى الذي، وهو مفعول ﴿يَعْلَمُ﴾، ومفعول ﴿يَدْعُونَ﴾ مضمر أي: يدعونه (٤).\n﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ﴾ أي: مثل العنكبوت وبيتها وسائر الأمثال نبينها للناس كافة للاستدلال والتفكر فيها (٥).\n﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (٤٣)﴾ لا يفطن لحقائقها ولا ينتفع بضربها (٦) إلا أولوا العلم الذين يضعون الأشياء موضعها.\n﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ أي: مُحِقًا.\n﴿إِن فِي ذَلِكَ﴾ في خلقه إياها.\n﴿لَآَيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٤٤)﴾ خصهم بالذكر لانتفاعهم بها.\n﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ إقرأ القرآن ولا يمنعنك عن ذلك ما يعامل معك الكفار، وقيل: اتل عليهم وأنذرهم. وقيل: اتبع ما فيه (٧).\n_________\n(١) أخرجه أبو نعيم في الحلية (٥/ ١٩٧)، وأخرج نحوه الطبراني في الكبير (٢٠/ ٤٤٣)، وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (٣/ ٢٥٩).\n(٢) انظر: المحرر الوجيز (٤/ ٣١٨)، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٣/ ٣٤٦).\n(٣) في ب \" في تأخير العقاب \".\n(٤) انظر: البحر المحيط (٧/ ١٤٩).\n(٥) في ب \" للاستدراك والتفكر فيها \".\n(٦) في ب \" ولا ينتفع لضربها \".\n(٧) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٥٣٩).","vol":"1","page":2031},{"text":"﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ ودم على إقامة الصلاة المفروضة.\nابن عمر ﵄: الصلاة: القرآن (١).\nابن بحر: الصلاة: الدعاء أي: قم بالدعاء إلى أمر الله (٢).\n﴿إِن الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ﴾ الزنا.\n﴿وَالْمُنْكَرِ﴾ الشرك.\nابن عباس ﵄: تنهى مادام فيها، قال ﷺ: \" من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعدًا \" (٣).\nوقيل: تنهى، لأن فيها تلاوة القرآن وهو مشتمل على كل وعظٍ (٤).\nووصف الصلاة بالنهي توسع كما تقول: العلم ينفع والجهل يضر، والعقل يأمر بكذا، وكتابنا ينطق، وعلى تأويل ابن عمر ﵄ أن القرآن ينهى أي: فيه النهي عن المنكر، وعلى تأويل ابن بحر: إنك بدعائك تأمرهم بالمعروف وتنهاهم عن المنكر.\n﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ فيه وجوه:\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٨/ ٤٠٨).\n(٢) انظر: النكت والعيون (٤/ ٢٨٤).\nواختار ابن جرير في جامع البيان (١٨/ ٤١٠) أن يكون المراد بها الصلاة.\n(٣) أخرجه الطبراني في الكبير (١١/ ٥٤ ح: ١١٠٢)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٩/ ٣٠٦٦)، والقضاعي في مسند الشهاب (١/ ٣٠٥) عن ابن عباس ﵄ مرفوعًا، والزيلعي في تخريج أحاديث الكشاف (٣/ ٤٤)، وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (١/ ٥٤)، وأخرجه أيضًا ابن جرير في جامع البيان (١٨/ ٤٠٨، ٤٠٩) عن ابن عباس وابن مسعود ﵄ موقوفًا.\nقال ابن كثير في تفسيره (٣/ ٤٢٥) \" والموقوف أصح \".\n(٤) قاله الكلبي، وغيره.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٢٨٤).","vol":"1","page":2032},{"text":"أحدها: ولذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه، هذا قول ابن عباس ﵄ (١). وقيل: ولذكر الله أكبر من الصلاة (٢).\nوقيل: ولذكر الله في الصلاة أكبر منه خارج الصلاة أي: أكثر ثوابًا (٣).\nوقيل: ولذكر الله أكبر من سائر أركان الصلاة (٤).\nوقيل: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ﴾ أي: القرآن أكبر في النهي عن الفاحشة من الصلاة (٥).\nوقيل: المراد بالذكر ههنا النهي أي: الصلاة تنهى ونهي الله أكبر (٦).\nوقيل: ولذكر الله أكبر من كل العبادات (٧).\nوقيل: ولذكر الله أكبر من أن يبقي على صاحبه عقوبة الفحشاء والمنكر (٨).\nوقيل: ولذكر الله أكبر من الفاحشة والمنكر (٩)، وهذا ضعيف.\nويحتمل أن تأويل ذكر الله الصلاة كأنه قال: والصلاة أكبر من سائر العبادات.\n﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (٤٥)﴾ في الصلاة وتلاوة القرآن فيجازيكم عليه.\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٨/ ٤١١)، قال: \" وهو أشبه الأقوال بما دل عليه ظاهر التنزيل \".\n(٢) قاله مقاتل.\nانظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٥٣٩).\n(٣) من \" وقيل: ولذكر الله في الصلاة أكبر \" إلى \" ثوابًا \" سقط من ب.\nوهذا القول عزاه في النكت والعيون (٤/ ٢٨٥) لأبي مالك.\n(٤) وهو قريب من قول أبي مالك المتقدم.\n(٥) قاله الفراء في معاني القرآن (٢/ ٣١٧).\n(٦) قاله عبد الله بن أبي عون.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ٤١٧).\n(٧) قاله قتادة.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ٤١٥).\n(٨) حكاه في النكت والعيون (٤/ ٢٨٥).\n(٩) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٨٨٤).","vol":"1","page":2033},{"text":"﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ فيه تلاثه أقوال: قتادة: منسوخة نسختها ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [التوبة: ٢٩] (١).\nوالثاني: ابن زيد: هي محكمة، والمراد مؤمنوهم (٢).\n﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ بالإقامة على الكفر فإنه يُجَادَل ويقال له الشر.\nوالثالث: مجاهد: محكم، والمراد به ذو العهد إلا الذين ظلموا منهم فقاتل ولم يعط الجزية (٣)، فيكون تقديره: ظلموكم بمنع الجزية.\nوالمجادلة: قَتْل الخصم بطريق الحجاج، وأصله الفتل.\nوقيل: ﴿هِيَ أَحْسَنُ﴾ لا إله إلا الله (٤).\n﴿وَقُولُوا آَمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ أبو سلمة (٥)\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٨/ ٤٢٠).\n(٢) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٨/ ٤١٩).\nاختُلف في هذه الآية هل هي محكمة أم منسوخة، على قولين:\nالأول: أنها منسوخة، وهو قول قتادة، والكلبي، وأن الآية مكية ولم يكن في ذلك الوقت قتال مفروض ولا طلب، ولا غير ذلك.\nالثاني: أنها محكمة، وهو قول مجاهد، وابن زيد، واختاره ابن جرير في جامع البيان (١٨/ ٤٢٠)، وابن العربي في أحكام القرآن (٣/ ٥١٨)، وأنه لا يجوز القول بالنسخ لحكم من الأحكام إلا بديل صحيح صريح.\n(٣) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٨/ ٤١٨).\n(٤) حكاه السمرقندي في بحر العلوم (٢/ ٥٤٠).\n(٥) أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف الزهري، قيل: اسمه عبد الله وقيل: اسماعيل، سمع عن بعض الصحابة، كان ثقة فقيهًا كثير الحديث، مات سنة أربع وتسعين.\n\nانظر: تهذيب التهذيب (١٢/ ١٠٣).","vol":"1","page":2034},{"text":"عن أبي هريرة ﵁ قال: \" كان أهل الكتاب يقرؤن التوراة وهو بالعبرانية (١) ويفسرونه بالعربية لأهل الإسلام فقال النبي ﷺ: \" لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم \" (٢)، أي: القرآن، والتوراة، والإنجيل، والزبور.\n﴿وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ﴾ معبودنا واحد وهو الله سبحانه.\n﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٤٦)﴾ خاضعون ومتذللون لأمره ونهيه.\n﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ أي: كما أنزلنا الكتب على من تقدمك من الأنبياء أنزلنا إليك القرآن، وقيل: الكاف متصلة بقوله ﴿وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ﴾\nو﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا﴾. وقيل: متصلة بما أمر به في الآية الأولى من المجادلة بالأحسن (٣).\n﴿فَالَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ يريد من آمن من أهل الكتاب.\n﴿وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ﴾ يعني العرب.\nوقيل: ﴿فَالَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ يعني: من تقدم منهم، ﴿وَمِنْ هَؤُلَاءِ﴾ يعني الذين كانوا في زمان النبي ﷺ (٤).\nوقيل: ﴿فَالَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ هم المؤمنون، ﴿وَمِنْ هَؤُلَاءِ﴾ يعني: أهل الكتاب (٥).\nقوله ﴿يُؤْمِنُ بِهِ﴾ قيل: بالقرآن. وقيل: بمحمد ﷺ (٦).\n_________\n(١) في ب \" وهي العبرانية \".\n(٢) أخرجه البخاري في صحيحه (ك: التوحيد، باب: مايجوز من تفسير التوراة وغيرها من كتب الله بالعربية وغيرها، ح: ٧٥٤٢).\n(٣) ينظر: غرائب التفسير (٢/ ٨٨٤).\n(٤) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ٤٢٣).\n(٥) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٥٤٠).\n(٦) ينظر: المصدر السابق (٢/ ٥٤٠).","vol":"1","page":2035},{"text":"﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآَيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ (٤٧) وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ﴾ من قبل القرآن.\n﴿مِنْ كِتَابٍ﴾ كتابًا من الكتب.\n﴿وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ ولا تخط كتابًا بيدك لأنك أمي لا تكتب ولا تقرأ. وعن الشعبي: ما مات النبي ﷺ حتى كتب (١).\nوقرئ في الشاذ (ولا تَخَطَّه) بالفتح على النهي (٢)، والصحيح أنه لم يكتب.\n﴿إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨)﴾ لقالت اليهود كتبه من تلقاء نفسه.\nوقيل: لارتاب أهل الكتاب، لأن نعتك في الكتب المتقدمة النبي الأمي الذي لا يكتب (٣) ولا يقرأ من الكتاب (٤).\n_________\n(١) انظر: البحر المحيط (٧/ ١٥١).\nذهب بعض الفقهاء كالقاضي أبي الوليد الباجي، وأبو ذر عبد الله بن أحمد الهروي إلى أنه ﷺ كتب مستدلين بقول الشعبي، وبما أخرجه البخاري في صحيحه (ك: الجزية، باب: المصالحة على ثلاثة أيام، ح: ٣١٨٤) وفيه \" قال وكان ى يكتب، فقال لعلي: أمح رسول الله. فقال علي: والله لا أمحاه أبدًا. قال: فأرنيه. قال: فأريناه إياه فمحاه النبي ﷺ بيده \".\nوالصحيح أنه لم يكتب أبدًا وهي من معجزاته.\nقال ابن كثير في تفسيره (٣/ ٤٢٧) \" ومن زعم أنه كتب يوم الحديبية فمحمول على الرواية الأخرى \" ثم امر فكتب \"، ... وأما ما أورده بعضهم أنه لم يمت حتى كتب فضعيف لا أصل له \" أ. هـ بتصرف.\n(٢) في ب \" وقرئ ولا تخطه بالفتح على النهي وهو شاذ \".\nوالقراءة أوردها المصنف في غرائب التفسير (٢/ ٨٨٤)، ولم أجدها في غيره.\n(٣) في أ \" النبي الأمي لا يكتب ولا يقرأ \".\n(٤) قاله السدي، ومقاتل.\nانظر: الكشف والبيان للثعلبي (٧/ ٢٨٥)، النكت والعيون (٤/ ٢٨٧).","vol":"1","page":2036},{"text":"وقيل: المبطلون عام في جميع الكفار (١).\n﴿بَلْ هُوَ﴾ بل القرآن.\n﴿آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ قتادة: هو القرآن، وأعطي هذه الأمة حفظ القرآن، ومن كان قبلهم لا يقرؤن الكتاب إلا نظرًا فإذا أطبقوه لم يحفظوا ما فيه إلا النبيون (٢).\nوقيل: بل النبي وأموره آيات بينات (٣).\nوقيل: كونه لا يقرأ ولا يكتب (٤) آيات بينات (٥).\nقوله ﴿أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ قيل: العلم بكتب الله وأحوالك وصفاتك (٦).\nوقيل: هم أصحاب النبي ﷺ (٧) يحفظونه، ويعتقدون أحكامه، ويفرقون بين كلام الله وكلام البشر (٨).\n﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآَيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ (٤٩)﴾ وما ينكر أدلتنا، والجحود الأول متعلق بالوحدانية، والثاني بالنبوة، تقول جَحَدَه وجَحَد به، وكَفَره وكَفَر به، وقيل: تقديره: وما يجحد محمدًا بِرَدِ آيتنا.\n_________\n(١) قاله مجاهد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ٤٢٦).\n(٢) انظر: زاد المسير (٦/ ٢٧٨).\n(٣) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٥٤٠).\n(٤) في ب \" كونه لا يكتب ولا يقرأ \".\n(٥) قاله ابن عباس ﵄، والضحاك.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ٤٢٦)، وهو اختياره ﵀.\n(٦) حكاه الثعلبي في الكشف والبيان (٧/ ٢٨٦)، قال: \"يدل عليه قراءة ابن مسعود ﵁ (بل هي آيات بينات) \"، وهي قراءة شاذة.\nانظر: شواذ القراءات لمحمد بن أبي نصر الكرماني (٣٧٣).\n(٧) في ب \" وقيل: هم أصحاب محمد ﷺ \".\n(٨) قاله الحسن.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٢٨٧).","vol":"1","page":2037},{"text":"﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آَيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ كما أوتي موسى وعيسى، وقيل: هو ما سألوه في قوله ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ الآيات [الإسراء: ٩٠] (١).\n﴿قُلْ إِنَّمَا الْآَيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ فهو يأتي بها لست أملك منها شيئا فآتيكم بما تقترحونه علي (٢).\n﴿وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ﴾ أُنذركم عذاب الله على إقامتكم على شرككم (٣).\n﴿مُبِينٌ (٥٠)﴾ أبين لكم الإنذار.\n﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ بلسانهم وهم أفصح الناس (٤) وأعلمهم بأصناف البلاغة وقد تحديتهم لأن يأتوا بمثله، أو عشر سور مثله، أو سورة مثله، فعجزوا فبذلوا الأموال والمهج دونه، وذلك أبلغ من سائر المعجزات وأبعد من أسباب التشكيك.\n﴿إِن فِي ذَلِكَ﴾ في القرآن.\n﴿لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ لمن همه الإيمان دون التعنت. ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا﴾ يشهد لي بالصدق بأني رسوله يعني شهادته في قوله\n﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٧٩] ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح: ٢٩].\nوقيل: معناه في القرآن الذي بَيّنَ الله بإعجازه صدقي كفاية وشهادة صدق بيني وبينكم لمن طلب الدليل (٥).\n﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ لا يخفى عليه فيهما شيء (٦).\n_________\n(١) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ٤٢٨)، النكت والعيون (٤/ ٢٨٨).\n(٢) في أ \" فآتيكم بما تقترحونه علي به \".\n(٣) في أ \" إقامتكم على شرككم \".\n(٤) في ب \" وهو أفصح الناس \".\n(٥) انظر: النكت والعيون (٤/ ٢٨٨).\n(٦) في ب \" لا يخفى عليه عنهما شيء \".","vol":"1","page":2038},{"text":"﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا بِالْبَاطِلِ﴾ الذي لا يجوز الإيمان به وهو إبليس.\nوقيل: الصنم (١).\nوقيل: صدّقوا الباطل (٢).\n﴿وَكَفَرُوا بِاللَّهِ﴾ الذي يجب الإيمان به والشكر على نعمه.\n﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٥٢)﴾ الهالكون.\n﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾ بقولهم ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ الآية [الأنفال: ٣٢].\nقيل: نزلت في أبي جهل (٣).\n﴿وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى﴾ أي: لكل عذاب أنزله الله على أمة أجل معلوم لا يقدمه قبله ولا يؤخره، وهو إذا تناهى الإعذار وقع اليأس من إيمانهم.\n﴿لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ﴾ أي: ليس تأخره لعجز عن الإنزال ولا لرضى بكفرهم بل لأن الأجل لم يحضر بعد.\n﴿وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً﴾ فجأةً لا يحسبونه إذا حضر الأجل المعلوم عنده.\nوقيل: ولولا أجل مسمى سماه الله لأعمارهم لجاءهم العذاب وليأتينهم أجلهم بغتةً فيعذبون عند نزول الموت بهم (٤).\n﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٣)﴾ بوقت مجيئه. وقيل: الأجل المسمى القيامة (٥).\n_________\n(١) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٥٤١).\n(٢) انظر: معالم التنزيل (٦/ ٢٥٠).\n(٣) أخرجه البخاري في صحيحه (ك: التفسير، تفسير سورة الأنفال: باب: قوله: اللهم إن كان هذا هو الحق، ح: ٤٦٤٨)، وأخرج ابن جرير في جامع البيان (١١/ ١٤٤) عن مجاهد، وسعيد ابن جبير، وعطاء، والسدي أنها نزلت في النضر بن الحارث.\n(٤) قاله قتادة.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٢٩٠).\n(٥) قاله سعيد بن جبير.\nانظر: المصدر السابق (٤/ ٢٩٠).","vol":"1","page":2039},{"text":"﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (٥٤)﴾ عجب من جهلهم في استعجال العذاب وقد أعد الله لهم جهنم، وإنها قد أحاطت بهم وهم على شفير جهنم لم يبق إلا أن يدخلوها.\nوقيل: لمحيطةٌ بهم في الآخرة أي: سيحيط بهم عن قريب لأن ما هو آتٍ قريب.\nوقيل: كأنها مُحيطة بهم لما لزمهم بكفرهم (١).\n﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ أي: من كل الجهات لأنه محيط بهم.\n﴿وَيَقُولُ﴾ الله. وقيل: الخَزَنة (٢)، ونقول (٣) نحن ﴿ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٥)﴾\nأي: جزاء أعمالكم، وذلك زيادة في العقوبة والإيجاع.\n﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ (٥٦)﴾ أكثر المفسرين ذهبوا إلى أن هذا نزل فيمن كان مقيمًا بمكة (٤) أُمروا بالهجرة عنها إلى المدينة (٥) أي: جَانِبوا أهل الشرك واطلبوا المؤمنين.\nوقيل: أرضي واسعة فجاهدوا فيها أعداء الله (٦).\nوقيل: أرضي واسعة فاطلبوا الرزق (٧).\n_________\n(١) ينظر ما سبق: الكشاف (٤/ ٥٥٧)، البحر المحيط (٧/ ١٥٢).\n(٢) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٥٤١).\n(٣) قرأ ابن كثير، وابن عامر، وأبو عمرو (ونقول) بالنون، والباقون بالياء (ويقول).\nانظر: الكشف لمكي بن أبي طالب (٢/ ١٨٠).\n(٤) في ب \" أكثر المفسرين ذهبوا إلى أن هذا نزلت فيمن كان مقيمًا بمكة \".\n(٥) وهو مروي عن ابن عباس ﵄، وبه قال مقاتل، والكلبي، وسعيد بن جبير، وعطاء.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ٤٣٣)، زاد المسير (٦/ ٢٨١)، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٣/ ٣٥٧).\n(٦) قاله مجاهد.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٢٩١).\n(٧) قاله مطرف بن عبد الله.\n\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ٤٣٤).","vol":"1","page":2040},{"text":"وقيل: أراد أرض الجنة واسعة فاعبدون أعطكم (١).\nوقيل: فاعبدون بالهجرة إلى المدينة (٢).\n﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ أي: كل نفس تنال كرب الموت وشدائده أينما كانت فلا تقيموا بدار الشرك.\nوقيل: أراد كل حي يموت (٣).\n﴿ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٥٧)﴾ للثواب والعقاب.\n﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا﴾ لتنزلنهم قصورًا.\n﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (٥٨)﴾ ابن عيسى: بوأته منزلًا اتخذت له منزلًا (٤)، ومن قرأ بالثاء (٥) أي: لنجعلنهم ثاوين مقيمين (٦).\n﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٥٩) وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ﴾ وكم من دابة.\n_________\n(١) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٨٨٥).\nوهو قول ضعيف، لذكر الأمر بالهجرة والانتقال إلى بلد الإيمان في الدنيا.\n(٢) انظر: النكت والعيون (٤/ ٢٩١).\n(٣) انظر: المصدر السابق (٤/ ٢٩١).\n(٤) في أ \" اتخذته منزلًا \".\nانظر: غرائب التفسير (٢/ ٧٥٧).\n(٥) في ب \" ومن قرأ بالتاء \"، والصواب هو المثبت.\n(٦) وهي قراءة حمزة، والكسائي \" لنثوينهم \" من: ثويت بالمكان إذا أقمت به، قال الزجاج في معاني القرآن (٤/ ١٣١) \" يقال: ثوى الرجل إذا أقام بالمكان، وأثويته: أنزلته منزلًا يقيم فيه \".\nوقرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وأبو عمرو، وابن عامر \" لنبوئنهم \".\nانظر: الحجة لأبي علي الفارسي (٢٨١)، الكشف لمكي (٢/ ١٨١).","vol":"1","page":2041},{"text":"﴿لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا﴾ في سبب النزول عن ابن عمر ﵄: خرجنا مع رسول الله ﷺ حتى دخل بعض حيطان الأنصار، فجعل يلتقط التمر ويأكل فقال: يا ابن عمر مالك لا تأكل؟ فقلت: لا أشتهيه يا رسول الله. قال: لكني أشتهيه وهذه صُبيحة رابعة مذلم أذق طعامًا، ولو شئت لدعوت ربي فأعطاني مثل ملك كسرى وقيصر وكيف بك يا بن عمر إذا بقيت في قوم يخبؤون رزق سنتهم ويضعف اليقين قال: فوالله ما برحنا حتى نزلت ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا﴾ (١).\n﴿اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٠)﴾ الدابة: اسم عام لما دَبّ.\nقوله ﴿لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا﴾ قيل: الادخار (٢).\nوعن ابن عباس ﵄: لا يدخر شيء مما خلق الله إلا الآدمي، والنمل، والفأرة، والعقعق وأجناس العقعق (٣).\nوقيل: لا تحمل رزقها لعجزها عن ذلك بل يأكل حاجتها الله يرزقها يومًا فيومًا (٤).\n\nوقيل: يأتيها من غير طلب وإياكم يا بني آدم أي: رازق الجميع هو الله (٥).\n_________\n(١) انظر: أسباب النزول للواحدي (٣٩٦)، قال ابن كثير في تفسيره (٣/ ٤٣٠) \" هذا حديث غريب، وأبو العطوف الجزري ضعيف \"، وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (٢/ ١٧٤).\n(٢) في أ \" قيل للادخار \".\nانظر: الكشف والبيان للثعلبي (٧/ ٢٨٩).\n(٣) انظر: البحر المحيط (٧/ ١٥٤).\nالعقعق: طائر قريب من الحمامة، طويل الذيل فيه بياض وسواد، وهو نوع من الغربان، والعرب تتشاءم به.\nانظر: المصباح المنير (٢/ ٤٢٢).\n(٤) قاله الحسن.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٢٩٣).\n(٥) حكاه في النكت والعيون (٤/ ٢٩٣).","vol":"1","page":2042},{"text":"ابن جريج: وكأين من دابة لا تحمل رزقها يريد محمد ﷺ، وحكاه النقاش أيضا (١)، وهو ضعيف لأن اسم الدابة مطلقة لا يقع على الآدمي إلا شتمًا، وكذلك الحيوان.\n﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ لأقوالكم من أين معاشنا في المدينة؟ (٢).\n﴿الْعَلِيمُ﴾ بما في صدوركم من ذلك لأنهم لما نُدِبُوا إلى الهجرة قالوا: بأي شيء نعيش، ومن أي شيء نأكل إذا فارقنا ديارنا.\n﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ يوسع على من يشاء من عباده.\n﴿وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٢)﴾ ويضيق على من يشاء فيعطيه بقدر الكفاية على ما يرى سبحانه فيه المصلحة، والهاء يعود إلى غير مذكور لكن التقسيم يدل عليه، ويحتمل أن الهاء يعود إلى المبسوط له الرزق بمعنى: التقدير أي: ويقدر له البسط في الرزق، ثم اكتفى بذكر أحد الضدين.\n﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ أي: هم مُقِرُّون بذلك.\n﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ على قيام حجتي وصدق لهجتي.\n﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٦٣)﴾ ما يلزمهم بإقرارهم.\n﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ﴾ سريع الانقضاء قريب الانتقال (٣).\n﴿وَإِن الدَّارَ الْآَخِرَةَ﴾ التي جعلها الله للجزاء.\n_________\n(١) انظر: النكت والعيون (٤/ ٢٩٣).\n(٢) في ب \" من أين معاشه في المدينة \".\n(٣) في ب \" قريب الانفصال \".","vol":"1","page":2043},{"text":"﴿لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ الحياة الدائمة التي لا فيها موت ولا زوال ولا انتقال، و﴿الْحَيَوَانُ﴾: الحياة.\nالزجاج: تقديره هي دار الحيوان (١). أي: الحياة.\nوقيل: الحيوان: الحي، وجعل الدار الآخرة حيًا على المبالغة بالوصف بالحياة (٢).\nابن عيسى: ﴿الْحَيَوَانُ﴾ ضد الموتان، والتقدير: لهي ذات الحيوان الدائم البقاء، فحذف المضاف (٣).\n﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٦٤)﴾ طِيبَ حياة الآخرة لرغبوا فيها.\n﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ﴾ أي: ركبوا البحر فأصابتهم شدة خافوا منها الهلاك.\n﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ لا يدعون لكشف الضر عنهم إلا الله.\n﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ﴾ خلصهم من البحر إلى البر فآمنوا.\n﴿إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥)﴾ عادوا إلى الشرك بالله.\n﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آَتَيْنَاهُمْ﴾ قيل: اللام لام كي. وقيل: لام الأمر على وجه التهديد. وقيل: لام العاقبة، وهو الأظهر (٤).\n﴿وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾ باجتماعهم على عبادة الأوثان وليتواد عليه (٥).\n_________\n(١) في ب \" لهي دار الحيوان \".\nانظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ١٣١).\n(٢) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ١٣١).\n(٣) لم أقف عليه.\nوالمراد: الحياة الدائمة التي لا تزول ولا تنقطع، بل هي مستمرة أبد الآباد.\n(٤) انظر/ معالم التنزيل (٦/ ٢٥٥).\n(٥) قرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي، بإسكان اللام على معنى الأمر \" ولْيتمتعوا \"، والمعنى: ليتمتعوا بباقي أعمارهم. وقرأ الباقون بكسر اللام \" ولِيتمتعوا \" بمعنى (كي)، وتقديره: لكي يكفروا، ولكي يتمتعوا.\nانظر: السبعة لابن مجاهد (٥٠٢)، الحجة في القراءات لابن خالوية (٢٨٢).","vol":"1","page":2044},{"text":"﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٦٦)﴾ وعيد لهم.\n﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ يعني: أهل مكة. ﴿أَنَّا جَعَلْنَا﴾ بلدهم.\n﴿حَرَمًا﴾ ممنوعًا مصونًا من أن يدخل لغارة، أو قتل، أو ظلم.\n﴿آَمِنًا﴾ يأمن ساكنوه.\n﴿وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ يُخْتَلسون قتلًا وسبيًا.\n﴿أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾ وهو الصنم والشيطان.\n﴿وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ (٦٧)﴾ يشركون بها غيره، إستفهام تعجيب.\n﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ يجعل له شريكًا.\n﴿أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ﴾ محمد ﷺ.\n﴿لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (٦٨)﴾ أليس جهنم مأواهم ومنزلهم، استفهام تقرير في مقابلة \" لنثوينهم من الجنة\"، فالثاء أحسن الوجهين (١).\n﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا﴾ أي: جاهدوا أعداء الله من المشركين.\nوقيل: هو عام في الأمر والنهي، والرد على الملحدين، وجهاد الشيطان ووساوسه، وجهاد النفس أكبره (٢).\n﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ سبل الرشاد (٣). وقيل: لنعصمنهم (٤).\nوقيل: لنوفقنهم (٥).\nوقيل: فيه تقديم وتأخير تقديره: الذين هديناهم سبلنا (٦) جاهدوا فينا (٧).\nوقيل: سبلنا طرق الجنة (٨).\n_________\n(١) في ب \" فالتاء أحسن الوجهين \".\n(٢) انظر: معالم التنزيل (٦/ ٢٥٦).\n(٣) في أ \" سبيل الرشاد \".\n(٤) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٨٨٧).\n(٥) حكاه في النكت والعيون (٤/ ٢٩٥) عن النقاش.\n(٦) في أ \" الذين هديناهم سبيلنا \".\n(٧) قاله الحسين بن الفضل.\nانظر: الكشف والبيان للثعلبي (٧/ ٢٩٠).\n(٨) في أ \" طريق الجنة \".\nوهو قول السدي.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٢٩٥).","vol":"1","page":2045},{"text":"﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ ناصرهم ومعينهم.\nوقيل: مع المحسنين المؤمنين. وقيل: مع النبيين والمؤمنين (١).\n\nوقيل: والذين جاهدوا فينا أي: يعملون بما يعلمون (٢) لنهدينهم سبلنا إلى مالا يعلمون (٣).\nوقيل: نخلص نياتهم في طاعاتهم (٤) وإن الله لمع المحسنين (٥).\n_________\n(١) لم اقف عليهما، والله أعلم.\n(٢) في ب \" يعلمون بما يعلمون \".\n(٣) انظر: النكت والعيون (٤/ ٢٩٥).\n(٤) في ب \" في طاعتهم \".\n(٥) قاله يوسف بن اسباط.\nانظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٥٤٤)، النكت والعيون (٤/ ٢٩٥).","vol":"1","page":2046},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-136>سورة الروم</span>","vol":"1","page":2047},{"text":"سورة الروم\nستون آية (١) مكية.\nقال الحسن: \" مكية إلا قوله ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ إلى قوله\n﴿تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٧ - ١٨] فإنها مدنية (٢).\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ سبب النزول: أنه بعث كسرى جيشًا إلى الروم، واستعمل عليهم رجلًا يسمى شهر براز، فسار إلى الروم بأهل فارس فظهر عليهم، وقتلهم وخَرَّبَ مدائنهم، وقطع زيتونهم، وكان قيصر بعث رجلًا يدعى بخنس، فالتقى مع شهر براز بأذرعات (٣) وبُصْرى، وهو أدنى الشام إلى أرض العرب (٤)،\n_________\n(١) \" ستون آية \" سقط من ب.\n(٢) انظر: الكشاف (٤/ ٥٧٠)، وجمهور المفسرين على القول بمكيتها، وقد نقل الإجماع عليه ابن عطية في المحرر (٤/ ٣٢٧)، وابن الجوزي في زاد المسير (٦/ ٢٨٦)، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن (١٤/ ١).\n(٣) أذرعات: بالفتح ثم السكون وكسر الراء، كأنه جمع أذرعة، وهي بلد بأرض الشام يجاوره أرض البلقاء وعَمان.\nانظر: معجم البلدان (١/ ١٣٠) معجم ما استعجم (١/ ١٣١).\n(٤) بُصْرى: بالضم والقصر، من أعمال دمشق وهي قصبة كورة حوران، مشهورة عند العرب قديمًا وحديثًا، وذكرها كثير من العرب في أشعارهم.\n\nانظر: معجم البلدان (١/ ٤٤١).","vol":"1","page":2048},{"text":"فغلبت فارس الروم، وبلغ ذلك النبي ﷺ وأصحابه وهم بمكة فشق ذلك عليهم، وكان النبي ﵊ يكره أن يظهر الأميون من المجوس على أهل الكتاب من الروم، وخرج كفار مكة وشمتوا، فلقوا أصحاب النبي ﷺ وقالوا: إنكم أهل كتاب والنصارى أهل كتاب ونحن أميون وقد ظهر إخواننا من أهل فارس على إخوانكم من الروم، وإنكم إن قاتلتمونا لنظهرن عليكم، فأنزل الله هذه الآيات (١)، فخرج أبو بكر - ﵁ - إلى الكفار فقال: فرحتم بظهور إخوانكم على إخواننا فلا تفرحوا ولا يقر الله أعينكم فوالله ليظهرن الروم أخبرنا بذلك نبينا. فقام إليه أُبيّ بن خلف الجمحي فقال: كذبت. فقال له أبوبكر: أنت أكذب خلق الله يا عدو الله. فقال: اجعل بيننا أجلًا أُنَاحِبُكَ عليه (٢) أي: أراهنك على عشر قلائص مني وعشر قلائص منك، فإن ظهرت الروم على فارس غرمت وإن ظهرت فارس غرمت، ففعلوا ذلك وجعلوا الأجل ثلاث سنين، فجاء أبو بكر إلى النبي ﵊ وأخبره بذلك، وكان ذلك قبل تحريم القمار فقال ﷺ: ما هكذا ذكرت إنما البضع ما بين الثلاث إلى التسع فزايِده في الخطر وماده في الأجل، فخرج أبو بكر فلقي أُبيًا فقال: لعلك ندمت. قال: لا تعال أزايدك في الخطر وأمادك في الأجل فاجعلها مائة قلوص ومائة قلوص إلى سبع سنين (٣). قال: قد فعلت.\n_________\n(١) في أ \" فأنزل الله هذه الآية \".\n(٢) في ب \" أناحيك عليه \".\n(٣) في ب \" إلى تسع سنين \".","vol":"1","page":2049},{"text":"فلما خشي أُبيّ بن خلف أن يخرج أبو بكر من مكة أتاه فلزمه وقال: إني أخاف أن تخرج من مكة فأقم لي كفيلًا فكفل له ابنه عبدالله بن أبي بكر (١)، فلما أراد أبيّ بن خلف أن يخرج إلى أُحُد (٢) أتاه عبدالله بن أبي بكر فلزمه وقال: لا والله (٣) لا أدعك حتى تعطيني كفيلًا، فأعطاه كفيلا ثم خرج إلى أُحُد، ثم رجع أبيّ ابن خلف فمات بمكة من جراحته التي جرحه رسول الله ﷺ حين بارزه، وظهرت الروم على فارس يوم الحديبية وذلك عند رأس سبع سنين من مناحبتهم. وقيل: ظهرت الروم يوم بدر، فقمر أبوبكر وأخذ مال الخطر من ورثة أُبيّ (٤)، وجاء به إلى النبي ﷺ فقال النبي ﷺ: (٥) تصدق به \" (٦).\nقوله ﴿فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ أي: في أقرب مكان لهم من فارس.\nوقيل: أقربها من مكة. وتقديره: في أدنى أرضهم، فالتقى الجيشان ببيت المقدس (٧).\nوقيل: بأذرعات وبصرى، كما سبق (٨).\n_________\n(١) عبد الله بن أبي بكر الصديق، أمه وأم أسماء واحدة، شهد الطائف مع رسول الله ﷺ، فرمي بسهم فما زال به حتى مات في خلافة أبيه سنة إحدى عشرة.\nانظر: الاستيعاب (٣/ ١١).\n(٢) في ب \" فلما أراد أبي أن يخرج إلى أحد \".\n(٣) في أ \" فلزمه فقال لا والله \".\n(٤) في أ \" وأخذ مال الخطر من ورثته \".\n(٥) \" فقال النبي ﷺ \" سقط من أ.\n(٦) أخرجه الترمذي في سننه (٥/ ٣٤٣، في التفسير، تفسير سورة الروم: ح: ٣١٩٣)، وقال: حديث حسن غريب إنما نعرفه من حديث سفيان الثوري عن حبيب بن أبي عَمْرة، وأخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٨/ ٤٥٠).\n(٧) قاله طلحة بن مصرف.\nانظر: غرائب التفسير (٢/ ٨٩٠).\n(٨) وهو قول عكرمة.\nانظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٤٢٧).","vol":"1","page":2050},{"text":"وقيل: بأُرْدن وفلسطين (١).\nوقيل: بالجزيرة (٢).\nوقيل: بطرف الشام (٣).\n﴿وَهُمْ﴾ أي: الروم.\n﴿مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ﴾ مصدر مضاف إلى المفعول أي: بعد أن غُلبوا.\nالفراء: يريد بعد غلبتهم فحذق التاء كإقام الصلاة (٤).\nالزجاج وغيره: الغَلَبة والغَلَبُ مصدران، وكذلك الغَلْب بالسكون (٥).\n﴿سَيَغْلِبُونَ (٣)﴾ يقهرون، وقرئ في الشواذ (غَلَبَت) الروم بالفتح (٦)، (سيُغْلَبون) بالضم (٧)، وجاء إنكاره عن أبي الدرداء (٨)،\n_________\n(١) قاله مقاتل.\nانظر: معالم التنزيل للبغوي (٦/ ٢٦١).\n(٢) قال مجاهد \" وهو موضع بين العراق والشام \".\nانظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٤٢٧)، المحرر لابن عطية (٤/ ٣٢٧).\n(٣) في ب \" وقيل طرق الشام \"، وهو تصحيف.\nوهذا القول مروي عن ابن عباس ﵄.\nانظر: معاني القرآن للنحاس (٥/ ٢٤١)، النكت والعيون (٤/ ٢٩٨).\n(٤) انظر: معاني القرآن للفراء (٢/ ٣١٩).\n(٥) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ١٣٣)، البحر المحيط (٧/ ١٥٧).\n(٦) وهي مروية عن ابن عباس ﵄، وعلي بن عمر.\nانظر: الشواذ لابن خالويه (١١٦)، شواذ القراءات للكرماني (٣٧٤).\n(٧) وهي مروية عن ابن عمر ﵄.\nانظر: البحر المحيط (٧/ ١٥٧).\n(٨) أبو الدرداء، واسمه عُويمر بن عامر بن مالك، بن الخزرج، كان آخر أهل بيته إسلامًا، كان فقيهًا عاقلًا حكيمًا، شهد ما بعد من المشاهد، توفي في خلافة عثمان ﵄.\n\nانظر: الاستيعاب (٤/ ٢١١)، الإصابة (٤/ ٧٤٧).","vol":"1","page":2051},{"text":"(١).\n﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ البضع ما بين الثلاثة إلى العشرة.\nوقيل: من الإثنين على التسعة (٢).\n﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ أي: من قبل أن غُلِبت ومن بعد أن تُغلب، والتقدير: قبل الغلبة وبعد الغلبة.\n_________\n(١) أخرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ٤٤٤، ح: ٣٥٣٩) عن أبي الدرداء ﵁ قال: \" سيجيء أقوام يقرؤون (ألم * غَلَبَت الروم)، وإنما هي ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾.قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.\n(٢) ذكر المفسرون في المراد بقوله تعالى (في بضع سنين) أقوال:\n١ - قال ابن عباس ﵄ ما بين السبع إلى التسع، كما في قصة أبي بكر ﵄ مع أبي بن خلف.\n٢ - أنه اثنتا عشرة سنة، وهو مروي أيضًا عن ابن عباس ﵄.\n٣ - أنه سبع سنين، وهو قول عكرمة.\n٤ - أنه ما بين الخمس إلى السبع، قاله الحسن.\n٥ - أنه ما بين الأربع إلى التسع، قاله مجاهد.\n٦ - أنه ما بين الثلاث إلى الثلاث إلى التسع، قاله الأصمعي، والزجاج.\n٧ - أنه مابين الثلاث والتسع والعشر، وهو قول قتادة.\n٨ - أنه ما دون العشرة، وهو قول الفراء.\n٩ - أنه ما لم يبلغ العقد ولا نصفه، وهو قول أبي عبيدة.\nوالمفسرون على أن المراد بها هنا ما بين الثلاث إلى التسع.\nانظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ١٣٣)، الوسيط للواحدي (٣/ ٤٢٥)، المحرر لابن عطية (٤/ ٣٢٨)، تفسير القرآن العظيم لابن كثير (٣/ ٤٣٦).","vol":"1","page":2052},{"text":"وقيل: قبل كل شيء وبعد كل شيء، فحذف المضاف وبني على الضم، لأن الاضافة منوية والظرفية مقدرة، والمعنى: لله الأمر في الحالتين ولو شاء أن لا يكون غلبة فعل (١).\n﴿وَيَوْمَئِذٍ﴾ يوم تغلب الروم فارس.\n﴿يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤)﴾ لأن ذلك وقع يوم بدر (٢).\nوقيل: يوم الحديبية (٣)، وكان المؤمنون في الغنيمة، والظفر بالأعداء، والأسر، والفداء.\nوقيل: بقمرهم وغلبتهم في رهانهم (٤).\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ١٣٤).\n(٢) وهو قول ابن عباس ﵄، والثوري، والسدي، لما أخرجه الترمذي في سننه (٥/ ١٨٩، في التفسير، تفسير سورة الروم، ح: ٢٩٣٥) عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: \" لما كان يوم بدر ظهرت الروم على فارس، فأعجب ذلك المؤمنين ففرحوا به، وأنزل الله (ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله) \"، وأخرج نحوه الحاكم في المستدرك (٢/ ٤٤٥، ح: ٣٥٤٠) عن ابن عباس ﵄. وانظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير (٣/ ٤٣٦).\nوقيل كان ذلك يوم الحديبية، وهو قول عكرمة، والزهري، وذلك أن قيصر ظفر بكسرى، ثم نزل بيت المقدس فجاءه كتاب رسول الله ﷺ، فسأل أبا سفيان عن أمر النبي ﷺ، ومنها أنه سأله هل يغدر؟ فقال لا، ونحن في مدة لا ندري ما هو صانع فيها، يعني بذلك صلح الحديبية، فاستدل أصحاب هذا القول بذلك على أن نصر الروم على فارس كان عام الحديبية. والله أعلم.\nانظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير (٣/ ٤٣٦).\n(٣) قاله الشعبي.\nانظر: بحر العلوم للسمرقندي (٣/ ٤).\n(٤) وهو ما كان بين أبي بكر ﵁ وأبيّ بن خلف من رِهان.\nانظر: المصدر السابق (٣/ ٤).","vol":"1","page":2053},{"text":"وقيل: بغلبة أهل الكتاب المشركين وخروجهم من بيت المقدس، وكان إحدى آيات نبوته ﷺ (١).\nوقيل: فَرَحُ طباعٍ لا فَرَحُ اختيار.\nوقيل: تم الكلام على قوله ﴿يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾، ثم استأنف فقال ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَن يَشَاءُ﴾ أي: أولياءه، فيكون الباء متصلًا ﴿بِنَصْرِ﴾ وعلى الأول متصل بـ ﴿يَفْرَحُ﴾ (٢).\n﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ في الانتقام من الكفار.\n﴿الرَّحِيمُ (٥)﴾ في التمكين والنصر للمؤمنين.\n﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ أي: وَعَدَ وَعْدَه فلا يخلفه، وهو نصب على المصدر، وفي الوعد قولان:\nأحدهما: ﴿سَيَغْلِبُونَ﴾ هو الوعد.\nوالثاني: ﴿يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ هو الوعد.\n﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦)﴾ صحة وعده.\n﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أي: يعلمون ما يشاهدونه فعل الحيوانات.\n﴿وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (٧)﴾ أي: لا يستدلون بما يشاهدونه على ما غاب عنهم فعل العاقل المميز.\nالفراء: يعرفون التجارات والتصرف فيها ولا يعرفون الله (٣).\nوقيل: يعلمون أمر معاشهم وزراعاتهم وبنائهم وأنهارهم (٤).\nوقيل: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أي: باطلًا (٥)، وكل أمور الدنيا باطل سوى ما أريد وجه الله، حكاه القفال (٦).\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ١٣٣).\n(٢) لم أقف عليه، والله أعلم.\n(٣) انظر: معاني القرآن للفراء (٢/ ٣٢٢).\n(٤) قاله ابن عباس ﵄، وعكرمة، وقتادة.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ٤٦١).\n(٥) في أ \" ظاهرًا من الحياة الدنيا باطلًا \".\n(٦) لم أقف عليه.","vol":"1","page":2054},{"text":"﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ قيل: هذا متصل بما قبله على تقدير: أو لم يتفكروا في خلق أنفسهم ليخرجوا عن الغفلة.\nوقيل: أو لم يتفكروا فيعلموا أنهم يعلمون ظاهرًا من الحياة ثم استأنف فقال ﴿مَا خَلَقَ﴾ (١). وقيل: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾ متصل بما بعده، ومثله ﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ [سبأ: ٤٦]، ومثله ﴿وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ [فصلت: ٤٨] فيكون (في) بمعنى: الباء كأنه قال: أو لم يتفكروا بقلوبهم فيعلموا (٢).\n﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ﴾ أو: فيقولوا ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ﴾. وقيل: أو لم يتفكروا بقلوبهم أن ما خلق الله، و﴿مَا﴾ نفى الإجماع أي: لم يخلق الله.\n﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أي: لم يخلقهما عبثًا، ولكن ليَعْتَبِرَ بهما عباده ويستدلوا على وحدانيته وقدرته.\nوقوله ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي: للحق.\nوقيل: بالحكمة والغرض الصحيح (٣).\n﴿وَأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ إذا بلغ ذلك الأجل أفناهما.\nوقيل: وأجل مسمى في الابتداء، وهو: الوقت الذي عَيّنه لخلقهما أي: خلقهما على مقدار معلوم، في وقت معلوم.\n﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ﴾ بالبعث والجزاء.\n﴿لَكَافِرُونَ (٨)﴾ جاحدون.\n_________\n(١) حكاه الزجاج في معاني القرآن (٤/ ١٣٦).\n(٢) ينظر: إعراب القرآن للنحاس (٣/ ٢٦٦).\n(٣) انظر: النكت والعيون (٤/ ٣٠٠).","vol":"1","page":2055},{"text":"﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: ألا ينظرون حال مسيرهم في ذهابهم ومجيئهم (١) إلى مصارع من كان قبلهم من الأمم الخالية وآثارهم (٢) نَظَرَ تفكر واعتبار.\nثم ابتدأ فقال: ﴿كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ أي: الأمم الماضية كانوا أشد قوة من قريش.\n﴿وَأَثَارُوا الْأَرْضَ﴾ قلبوا وجه الأرض لاستنباط المياه، واستخراج المعادن، وإلقاء البذور فيها للزراعة.\nوقيل: ﴿وَأَثَارُوا الْأَرْضَ﴾: حرثوها (٣).\nوالإثارة: تحريك الشيء حتى يرتفع ترابه (٤).\n﴿وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا﴾ فيه ثلاثة أوجه:\nأحدها: من العُمُر أي: بقوا هم فيها أكثر من بقاء هؤلاء، والتقدير: مماعُمِّروا فيها (٥). والثاني: من العُمْرَى أي: سكنوا فيها.\nوالثالث: من العِمَارة (٦).\n﴿وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ بالمعجزات.\n﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ أي: فكفروا فأهلكهم الله عدلًا منه لا ظلمًا.\n﴿وَلَكِنْ﴾ بل.\n﴿كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٩)﴾ الظلم يأتي على ثلاثة أوجه: وضع الشيء غير موضعه، والنقصان، وأخذ الشيء قبل وقته. والآية تحتمل المعاني الثلاثة.\n_________\n(١) في ب \" في مجيئهم وذهابهم \".\n(٢) في ب \" من الأمم وآثارهم \".\n(٣) انظر: معالم التنزيل للبغوي (٦/ ٢٦٢).\n(٤) قال في المفردات (١٨٠)، مادة: ثَوَرَ \" ثار الغبار والسحاب يثور ثورًا وثورانًا: انتشر ساطعًا، وقد أثرته، وثارت الحصبة ثورًا تشبيهًا بانتشار الغبار، والثَّور: البقر الذي يُثَار به الأرض \".\n(٥) في ب \" مما عمروا فيها \".\n(٦) انظر: معاني القرآن للفراء (٢/ ٣٢٢)، جامع البيان لابن جرير (١٨/ ٤٦٥).","vol":"1","page":2056},{"text":"﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا﴾ كفروا.\n﴿السُّوأَى﴾ العذاب. وقيل: جهنم (١).\nو﴿السُّوأَى﴾ فُعْلَى تأنيث الأفعل كالحسنة والفضلى.\nوقيل: ﴿السُّوأَى﴾ مصدر كالرجعى، ومحلها رفع فيمن نصب ﴿عَاقِبَةُ﴾، ونصب فيمن رفع (٢). والإساءة: فعل السيئة والسوء والسوئ، والسيئة: كل قبيح من فعل أو قول.\n﴿أَنْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ (١٠)﴾ أي: بأن. وقيل: لأن فحذف الجار.\nوقيل: ﴿أَنْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ﴾ بدل من ﴿السُّوأَى﴾ أي: عاقبته أن طبع الله على قلوبهم وسمعهم فكذبوا بآيات الله، ويحتمل أن يكون بيانًا لقوله ﴿أَسَاءُوا﴾ أي: هو أن كذبوا بآيات الله (٣).\n﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾ ينشئهم. ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ يحييهم بعد الموت.\n﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١١)﴾ للجزاء.\n﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ (١٢) وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ﴾ أي: يتحيرون وييأسون من الرحمة ومن شفاعة من كانوا يرجون شفاعته.\nوالإبلاس: اليأس، والإبلاس: الحيرة وانقطاع الحجة، والإبلاس: التندم (٤).\n﴿وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ (١٣)﴾ قيل: الضمير للكفار في ﴿كَانُوا﴾، أي: يكفرون بآلهتهم وينكرونهم (٥).\n_________\n(١) قاله السدي.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٣٠١).\n(٢) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ٤٦٧).\n(٣) انظر: معاني القرآن للفراء (٢/ ٣٢٢).\n(٤) قال الزجاج في معاني القرآن (٤/ ١٣٦) \" المبلس: الساكت المنقطع من حجته، اليائس من أن يهتدي إليها، تقول: ناظرته فأبلس، أي: انقطع وأمسك ويئس من أن يحتج \".\n(٥) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٤٣٠).","vol":"1","page":2057},{"text":"وقيل: الضمير للأصنام من قوله ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البقرة: ١٦٦]، و﴿كَانُوا﴾ في الآية زيادة (١).\nوقيل: هو بمعنى: صار. وقيل: معناه: ويكونون، وجاء بلفظ الماضي كأكثر ألفاظ القيامة (٢).\n﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ﴾ حينئذ.\n﴿يَتَفَرَّقُونَ (١٤)﴾ قيل: الضمير للأصنام والكفار (٣).\nوقيل: للخلق جميعًا أي: يتفرقون فآخذ ذات اليمين وآخذ ذات الشمال (٤)، ثم فَصَّل فقال: ... ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ﴾ في رياضٍ وأنواع من الزهر والأشجار (٥).\n﴿يُحْبَرُونَ (١٥)﴾ يُسَرّون فيتنعمون ويتلذذون بسماع الغناء.\nابن عباس ﵄: يكرمون (٦)، تقول: حَبَرَه أكرمه.\nوخص الروضة بالذكر لأن العرب تعجبها ذلك، وكثر ذكرها في الشعر.\n﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا﴾ بالقرآن (٧).\n﴿وَلِقَاءِ الْآَخِرَةِ﴾ البعث.\n﴿فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (١٦)﴾ معذبون، والاحضار يستعمل في المكروه أي: أحضرهم الله في النار.\nوقيل: مُدْخَلون (٨).\n\nوقيل: نازلون (٩). وقيل: مُقِيمون (١٠).\n_________\n(١) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٧/ ٢٩٦).\n(٢) لم أقف عليه، والله أعلم.\n(٣) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ١٣٧).\n(٤) قاله مقاتل.\nانظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٤٣٠).\n(٥) في ب \" من الزهر وأشجار \".\n(٦) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٨/ ٤٧١).\n(٧) في أ \" القرآن \".\n(٨) قاله يحي بن سلام.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٣٠٢).\n(٩) حكاه الماوردي في النكت والعيون (٤/ ٣٠٣).\n(١٠) حكاه الماوردي في النكت والعيون (٤/ ٣٠٣) عن ابن شجرة.","vol":"1","page":2058},{"text":"﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾ أي: نزهوه عما لا يليق به. وقيل: صَلّوا له (١).\n﴿حِينَ تُمْسُونَ﴾ المغرب والعشاء (٢). وقيل: المغرب وحده (٣).\n﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧)﴾ صلاة الفجر، وقدم المغرب لأنه أقرب إلى الليل، والليل مقدم على النهار.\n﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا﴾ يعني: العصر.\n﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ (١٨)﴾ يعني الظهر، تقول: أظهر إذا دخل في وقت الظهر، واتفق المفسرون على أن الصلوات كلها داخلة في هذه الآية، وعن ابن عباس ﵄ ماذكر الله الصلوات الخمس جملة إلا في هذه الآية (٤).\nوقيل: كلها داخلة إلا العشاء الآخرة فإنها مذكورة في النور ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ﴾ [النور: ٥٨] (٥).\nومعنى ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: هو محمود عند سُكان أرضه وسمائه كقوله ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحديد: ١].\nوقيل: الملائكة تسبحه في السماء وبنو آدم تسبحه في الأرض (٦).\n_________\n(١) قاله ابن عباس ﵄.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ٤٧٤).\n(٢) وهو قول ابن عباس ﵄، وابن جبير، والضحاك.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٣٠٣).\n(٣) وهو مروي عن ابن عباس، ﵄.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ٤٧٤).\n(٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٢/ ١٠٣)، وابن جرير في تفسيره (١٨/ ٤٧٤).\n(٥) ذكره الزجاج في معاني القرآن (٤/ ١٣٧)، وعليه يكون قوله ﴿حِينَ تُمْسُونَ﴾ لصلاة واحدة، وهي المغرب.\n(٦) قاله ابن عباس ﵄.\nانظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٤٣١).","vol":"1","page":2059},{"text":"و﴿فَسُبْحَانَ﴾ (١) نصب على المصدر. وقيل: على الإغراء. وقيل: على النداء.\nوالمساء: بدءُ الظلام بعد مغيب الشمس.\nوالعَشِيّ: آخر النهار عند ميل الشمس للمغيب، من عَشَى العين، وهو نقصان نورها.\nابن عيسى: إنما خص العشي والإظهار بالحمد لأنها أحوال تُذكر بإحسان الله (٢)، وذلك أن انقضاء إحسان أول إلى احسان ثاني يقتضي الحمد عند تمام الأول من قوله ﴿وَآَخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠] (٣).\nوقيل: لأن الإنسان يتقلب في النهار في أحوال توجب حمدًا لله عليها وفي الليل على خلوة توجب تنزيه الله (٤) من الأسواء، حكاه الماوردي (٥).\nويحتمل معنى آخر وهو: أن التسبيح يدل على رفع الصوت، كقول الشاعر (٦):\nقَبَّحَ الإلهُ وجوهَ تَغْلِبَ كلما ... سَبّح الحجيج وكَبَّروا إهلالًا. (٧)\nفكان اتصاله بالصلوات التي يجهر بها بالقراءة أحسن، وليس في لفظ الحمد ما يدل على رفع الصوت فكان بالظهر والعصر أولى (٨)، والله أعلم.\nوعن أنس بن مالك ﵁ (٩) قال: قال رسول الله ﷺ: \" من سره أن يُكالَ له بالقفيز الأوفي فليقل ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ إلى قوله ﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ [الروم: ١٧ - ١٩]، ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ إلى آخر السورة\n_________\n(١) في أ \" (سبحان) \" بدون الواو.\n(٢) في ب \" أحوال يذكر بإحسان الله \".\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) في ب \" على خلوة يوجب تنزيه الله \".\n(٥) انظر: النكت والعيون (٤/ ٣٠٣).\n(٦) في أ \" لقول الشاعر \".\n(٧) البيت لجرير.\nانظر: ديوانه (١/ ٥٢).\n(٨) في ب \" فكان بالعصر والظهر أولى \".\nانظر: غرائب التفسير (٢/ ٨٩٢).\n(٩) في ب \" وعن أنس \".","vol":"1","page":2060},{"text":"[الصافات: ١٨٠ - ١٨٢] \" (١).\n﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ الإنسان من النطفة، والدجاج من البيضة، والنخلة من النواة، والمؤمن من الكافر.\n﴿وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ على الضد من ذلك كله.\n﴿وَيُحْيِي الْأَرْضَ﴾ بالنبات.\n﴿بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ يبسها. وقيل: ﴿وَيُحْيِي الْأَرْضَ﴾ يكثر أهلها فيعمرونها (٢).\n﴿وَكَذَلِكَ﴾ أي: كإخراج الحي من الميت وأحياء الأرض.\n﴿تُخْرَجُونَ (١٩)﴾ من قبوركم بإخراج الله، وقد سبق بيان هذه الآية (٣).\n﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ أي: خلقكم في أصل الإنشاء من تراب، لأنهم بنو آدم وآدم خُلِقَ من تراب، وإذا كان الأصل ترابًا فالفرع كذلك.\nوقيل: تقديره: خَلَقَ أباكم من تراب، فحذف المضاف (٤).\n﴿ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ﴾ آدميون عقلاء ناطقون.\n﴿تَنْتَشِرُونَ (٢٠)﴾ تتصرفون فيما فيه قوام معاشكم.\nوقيل: هذا تقريب بين كونه ترابًا وكونهم بشر ينتشرون (٥)، وليس ﴿ثُمَّ﴾ لتراخي الزمان (٦).\n﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ المراد به آدم وحواء لأنها خلقت من ضلعه.\n_________\n(١) رواه الثعلبي في الكشف والبيان (٧/ ٢٩٨) بسنده عن أنس بن مالك، وذكره الزمخشري في الكشاف (٤/ ٥٧٠)، وفيه بشر بن الحسين، ساقط الحديث.\nوانظر: تخريج أحاديث الكشاف للزيلعي (٣/ ٥٧).\n(٢) حكاه في النكت والعيون (٤/ ٣٠٥).\n(٣) كما في قوله تعالى ﴿قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ (٢٥)﴾ [الأعراف: ٢٥].\n(٤) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ١٣٨).\n(٥) في أ \" وكونهم بشر تنتشرون \".\n(٦) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٣/ ٩).","vol":"1","page":2061},{"text":"وقيل: أي: النساء خلقن من نطف الرجال (١).\nوقيل: جعل لكم من أنفسكم أي: من بعضكم كقوله ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [الحجرات: ١١] أي: بعضكم بعضًا (٢).\nوقيل: من جنسكم. وقيل: من أمثالكم (٣).\n﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً﴾ يود الرجل زوجه (٤) والمرأة زوجها.\n﴿وَرَحْمَةً﴾ يعطف كل واحد منهما على صاحبه.\nوفي التفسير: أن المودة والرحمة بين الزوجين من الله وأن الفرك من الشيطان، حكاه الزجاج (٥).\nوقيل: هي المصاهرة والمخاتنة (٦).\nوقيل: مودة للكبير ورحمة على الصغير (٧).\nالحسن: المودة: الجماع، والرحمة: الولد (٨).\n﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢١)﴾ فيعلمون أن قوام الدنيا بوقوع التناسل فيها.\n﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾ ليقع التعارف والتفاهم وتمييز الأشخاص بعضهما من بعض (٩)، وفيه قولان:\nأحدهما: إختلاف الألسن وهي اللغات (١٠).\nوعن وهب أن جميع الألسن (١١) إثنان وسبعون لسانًا؛ منها في ولد سام تسعة عشر لسانًا، وفي ولد حام سبعة عشر لسانًا، وفي ولد يافث ستة وثلاثون لسانا (١٢).\nوالثاني: إختلاف النغمة والصوت.\n_________\n(١) انظر: النكت والعيون (٤/ ٣٠٥).\n(٢) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٣/ ٩).\n(٣) حكاه في زاد المسير (٦/ ٢٩٥)\n(٤) في ب \" يود الرجل زوجته \".\n(٥) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ١٣٨).\n(٦) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ٤٧٨).\n(٧) قاله الكلبي.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٣٠٥).\n(٨) انظر: المصدر السابق (٤/ ٣٠٥).\n(٩) في أ \" بعضها عن بعض \".\n(١٠) في ب \" هي اللغات \".\n(١١) في أ \" أجميع الألسنة \".\n(١٢) انظر: النكت والعيون (٤/ ٣٠٦).","vol":"1","page":2062},{"text":"وفي ﴿أَلْوَانِكُمْ﴾ قولان:\nأحدهما: البياض، والسواد، والأدمة، والشقرة، وغيرها.\nوالثاني: خلقهم جميعًا على صورة واحدة وفرق بينهم بأمور لطيفة من صنعه، حتى لا يلتبس أحد على الناس من غيره مع كثرتهم بل يُعرف كل واحدٍ بما خصه الله به ولو جهد الناس أن يقفوا على ما به بَانَ كل واحد من الآخر لم يقفوا على كنه ذلك، وهم كلهم بنو أب واحد وأم واحدة.\n﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ (٢٢)﴾ للإنس والجن (١)، ومن كسر فلأنهم المخصوصون (٢) بمعرفة الدقائق (٣).\n﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: خَلَق الليل والنهار للنوم وطلب المعاش؛ فإن النوم قد يكون بالنهار وطلب المعاش قد يكون بالليل أي: خلق كل واحد منهما للنوم وطلب المعاش جميعًا هذا ظاهر الآية.\nوجمهور المفسرين على أن في الآية تقديمًا وتأخيرًا (٤) وتقديره: منامكم بالليل وابتغاؤكم من فضله بالنهار إعتبارًا بسائر الآيات في هذا المعنى، قالوا وإن وقع النوم بالنهار وابتغاء الرزق بالليل (٥) فنادر، والحكم للأغلب.\n﴿إِن فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٢٣)﴾ أي: ينتفعون بسمعهم.\n_________\n(١) في أ \" للجن والإنس \".\n(٢) في ب \" فلأنهم المخصوص \".\n(٣) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم \" للعالمَين \" بفتح اللام، جمع عالَم وهو الذي يحوي كل المخلوقات، وقرأ حفص عن عاصم \" للعالِمين \" بكسر اللام جمع عالِم؛ لأن العالِم أقرب للتفكر والاعتبار.\nانظر: الحجة لابن خالويه (٢٨٢)، الكشف لمكي (٢/ ١٨٣).\n(٤) في ب \" على أن الآية تقديمًا وتأخيرًا \".\n(٥) في ب \" وإن وقع النوم بالنهار والرزق بالليل \".","vol":"1","page":2063},{"text":"﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾ فيه ثلاثه أقوال:\nأحدها: أن التقدير: أن يريكم البرق، فحذف \" أن \"، كما حذفه الشاعر في قوله (١):\nألا أي هذا الزاجري احضر الوغى ... وأن اشهد اللذات هل أنت مخلدي.\nوكذلك هو في حرف ابن مسعود ﵁ (٢).\nوالثاني: أن التقدير: ومن آياته آية يريكم بها البرق، كما قال الشاعر (٣)، (٤):\nفما الدهر إلا تارتان فمنهما ... أموت وأخرى أبتغى العيش أكدحُ.\nأي: فمنهما تارة أموت (٥).\nوالثالث: فيه تقديم وتأخير (٦)، تقديره: ويريكم البرق من آياته.\nويحتمل أن الكلام تام على قوله ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ﴾ ثم استأنف فقال ﴿يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾، كما تقول: فلان يعلم أشياء؛ منها الفقه، ومنها الكلام، ومنها اللغة، ومنها، وتسكت تريد: ومنها الشعر أو غيره، وسكوتك يدل على كثرة ذلك عنده أي: فيهما كثرة يطول تفصيلها، والله أعلم. والمعنى: يريكم البرق.\n﴿خَوْفًا﴾ للمسافر. ﴿وَطَمَعًا﴾ للمقيم في المطر.\nوقيل: طمعًا أن يكون ماطرًا، وخوفًا أن يكون خلبًا (٧)، قال الشاعر (٨):\n_________\n(١) هو طرفة بن العبد، والبيت في ديوانه ص (٣٢).\n(٢) في أ \" وكذلك في حرف ابن مسعود \"، وانظر: غرائب التفسير للكرماني (٢/ ٨٩٣).\n(٣) في أ \" ومن آياته يريكم البرق كما قال الشاعر \".\n(٤) البيت لتميم بن أبيّ بن مقبل في ديوانه ص (٢٤).\n(٥) في أ \" أي ومنهما تارة أموت \".\n(٦) في ب \" فيها تقديم وتأخير \".\n(٧) انظر: النكت والعيون (٤/ ٣٠٧).\n(٨) في ب \" قال \" بدون: الشاعر.\nالبيت لأنس بن زنيم.\nانظر: الأغاني (٨/ ٤٠٢).\nوالبرق الخُلَّب هو لا غيث فيه، وهو مثل يضرب لمن يخلف الوعد.","vol":"1","page":2064},{"text":"لا يكن بَرْقُكَ برقًا خُلَّبًَا ... إن خيرَ البرقِ ما الغيثُ معه.\nوالعرب تقول: إذا توالت أربعون برقةً أمطرت، قال المتنبي (١):\nوقد أرد المياه بغير هادٍ ... سوى عُدَىً لها برق الغمام (٢).\nوقيل: خوفًا من الصواعق، وطمعًا في المطر (٣).\nوقيل: خوفًا من البرد وطمعًا في المطر (٤).\nويحتمل خوفًا من السيل والطوفان والغرق وطمعًا في المطر النافع.\nوذهب الزجاج (٥) وغيره من المحققين إلى أن نصبهما على المفعول له، وفيه نظر، لأن من شرط المفعول له أن يكون فاعل المصدر فاعل الفعل الناصب له كما تقول: ضربته تأديبًا له، ففاعل التأديب هو فاعل الضرب (٦)، ولا يحتمل الآية وذلك لأن (٧) الإراءة من الله، والخوف والطمع من المخاطبين، ووجه ذلك أن يُقال تقديره: إخافةً وإطماعًا كما جاء: فعلته رغمًا للشيطان أي: إرغامًا له، ولو جعل خوفًا وطمعًا مصدرين واقعين موقع الحال كقوله ﴿يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾ [البقرة: ٢٦٠] لم يمتنع، والله أعلم.\n﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ مطرًا. ﴿فَيُحْيِي بِهِ﴾ بالمطر.\n_________\n(١) المتنبي، أبو الطيب أحمد بن الحسين الجعفي الكوفي، نشأ وتأدب بالشام، كان شعارًا مجيدًا، لقب بالمتنبي لادعائه، ثم استتيب، اتصل بسيف الدولة الحمداني ومدحه، ثم بكافور الإخشيدي، ثم عاد إلى بغداد حيث قتل، ومعه ابنه محمد في سنة أربع وخمسين وثلاثمائة.\nانظر: لسان الميزان (١/ ١٥٩)، الأعلام (١١١٥).\n(٢) انظر البيت في ديوانه (٤/ ١٣٤).\n(٣) قاله الضحاك.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٣٠٧).\n(٤) قاله يحي بن سلام.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٣٠٧).\n(٥) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ١٣٨).\n(٦) في أ \" ففاعل التأديب فاعل الضرب \".\n(٧) في أ \" ذلك لأن \".","vol":"1","page":2065},{"text":"الْأَرْضَ ﴿بَعْدَ مَوْتِهَا إِن فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٤) وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ ثم عاد إلى عد الآيات أي: من آيات قدرته ثباتهما قائمين بلا عمد بأمره لهما بالقيام. وقيل: بفعله، وذكر بلفظ الأمر للمبالغة.\n﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً﴾ قيل: هي النفخة الأخيرة (١)، والداعي إسرافيل.\nوقيل: دعاكم توسع إذ ليس خروجهم بفعلهم فيدعوا إليه وإنما ذلك فعل الله سبحانه ذكره بلفظ الدعاء توسعًا، ويحتمل أنه يحييهم بهذا الدعاء أيضًا، والله أعلم (٢).\n﴿مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (٢٥)﴾ فيه ثلاثه أقوال:\nأحدها: حال من المخاطبين أي: دعاكم وأنتم في الأرض.\nوقيل: دعوة من الأرض فيكون صفة للدعوة لأنهم يسمعونها من الأرض (٣).\nقال ابن عباس ﵄: من قبوركم (٤)، والأكثر على أنه متصل بالخروج، تقديره: إذا أنتم تخرجون من الأرض، وزيفه المبرد وقال: \"ما بعد إذا لا يعمل فيما قبله\" (٥).\n_________\n(١) في ب \" قيل هي النفخة الآخرة \".\nانظر: المحرر لابن عطية (٤/ ٣٣٤)، زاد المسير (٦/ ٢٩٦).\n(٢) انظر: النكت والعيون (٤/ ٣٠٩).\n(٣) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٣/ ٩).\n(٤) انظر: معالم التنزيل (٦/ ٢٦٧).\n(٥) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٨٩٤).","vol":"1","page":2066},{"text":"﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (٢٦)﴾ أي: ومن آياته أن كل من في السموات والأرض له قانتون منقادون، وعن النبي ﷺ: مطيعون (١).\nفيكون طاعة إرادة لا طاعة عبادة أي: خلقهم على ما أراد.\nوقيل: قائمون في القيامة (٢).\nوقيل: مقرون بالعبودية (٣).\nوقيل: مصلون، فيكون المراد به المؤمنين (٤).\n﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ أي: ينشئهم ثم يعيدهم للبعث.\n﴿وَهُوَ﴾ أي: الإعادة. ﴿أَهْوَنُ﴾ أسهل. وقيل: أيسر (٥). وقيل: أسرع (٦).\n﴿عَلَيْهِ﴾ فيه أقوال:\n_________\n(١) أخرجه الإمام أحمد (٣/ ٧٥، ح: ١١٧٢٩)، وابن حبان في صحيحه (٢/ ٧، ح: ٣٠٩)، وضعفه ابن كثير في تفسيره (١/ ١٦٦)، وقال عنه ﵀ \" رواه الإمام أحمد عن حسن بن موسى عن ابن لهيعة عن درَّاج بإسناده مثله ولكن في هذا الإسناد ضعف لا يعتمد عليه، ورفع هذا الحديث منكر، وقد يكون من كلام الصحابي أو من دونه، وكثيرًا ما يأتي بهذا الإسناد تفاسير فيها نكارة فلا يغتر بها فإن السند ضعيف \"، وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (٩/ ١٠٦).\n(٢) قاله الربيع بن أنس.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٣٠٩).\n(٣) قاله عكرمة، وأبو مالك، والسدي.\nانظر: المصدر السابق (٤/ ٣٠٩).\n(٤) في ب \" فيكون المراد به المؤمنين \".\nوالصواب أنها شاملة للخلق كلهم مؤمنهم وكافرهم فهم تحت طاعة الله، وهو قول ابن عباس ﵄، ومجاهد، وابن جرير في جامع البيان (١٨/ ٤٨٥)، وابن كثير في تفسيره (١/ ١٦٥).\n(٥) قاله ابن عباس ﵄، ومقاتل.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٣٠٩)، الوسيط للواحدي (٣/ ٤٣٢).\n(٦) قاله المبرد.\nانظر: غرائب التفسير (٢/ ٨٩٥).","vol":"1","page":2067},{"text":"أحدها: أن الهاء يعود إلى الخلق لأنه بمعنى المخلوق، أي: لا يحتاج إلى تربية ورضاع وتغير من حال إلى حال.\nوقيل: إلى الميت، وهو القول الأول.\nوقيل: يعود إلى الله و﴿أَهْوَنُ﴾ بمعنى: هَيِّن كقوله ﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤] والله أكبر (١).\nوقيل: أهون عليه عندكم لأن الإعادة عندكم أسهل من الإنشاء (٢).\nوقيل: أهون عليه مما تتوهمون (٣).\nوقيل: أهون عليه مثلًا (٤).\n﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فيه ثلاثة أقوال:\nأحدها: متصل بما قبله على ما ذكرت.\nوالثاني: متصل بما بعده من قوله ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [الروم: ٢٨].\nوالثالث: المثل الوصف أي: وله الوصف الأرفع ليس كمثله شيء (٥).\nوقيل: هو شهادة أن لا إله إلا الله (٦).\nوقيل: الإحياء والإماتة وسائر أوصافه التي لا يشاركه فيها أحد (٧).\n_________\n(١) حكاه الزجاج في معاني القرآن (٤/ ١٣٩).\n(٢) انظر: معالم التنزيل (٦/ ٢٦٨).\n(٣) في أ \" وقيل أهون عليه مما يتوهمون \"، وانظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٤٣٢).\n(٤) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ١٣٩)، معالم التنزيل (٦/ ٢٦٨).\n(٥) قاله ابن عباس، ﵄.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ٤٨٩)، النكت والعيون (٤/ ٣١٠).\n(٦) قاله قتادة.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ٤٨٩).\n(٧) قاله الضحاك.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٣١٠).","vol":"1","page":2068},{"text":"﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧) ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ عن حمزة بن حبيب الزيَّات (١) أن العرب كانت تقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك فأنزل الله ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا﴾ (٢).\nأي: ضرب الله لكم معاشر المشركين مثلًا من أنفسكم لذاته ولما جعلتم شريكًا له سبحانه يقرب الأمر في فهم ذلك عليكم.\n﴿هَلْ لَكُمْ﴾ معاشر الأحرار. ﴿مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ عبيدكم.\n﴿مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ من الأموال.\n﴿فَأَنْتُمْ﴾ معاشر الأحرار والعبيد. ﴿فِيهِ﴾ في ذلك الرزق (٣).\n﴿سَوَاءٌ﴾ شرع يحكم مماليككم في أموالكم كحكمكم ويتصرفون فيها تصرفكم.\n﴿تَخَافُونَهُمْ﴾ معاشر السادة عبيدكم فيها، فلا تمضون فيها حكمًا دون إذنهم خوفًا من لائمة تلحقكم من جهتكم.\n﴿كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ كما يخاف بعض الأحرار بعضا فيما هو مشترك بينهم.\nوقيل: تخافونهم أن يرثوكم بعد موتكم، أي: فلا ترضوا لي مالا ترضون به لأنفسكم (٤).\n_________\n(١) حمزة بن حبيب بن عمارة الزيات، القارئ، أبو عمارة الكوفي التيمي، أحد أئمة القراء السبعة، وإمام الناس في القراءة في الكوفة بعد عاصم، كان عابدًا، ورعًا، ثقة، وكان يعمل في جلب الزيت، توفي سنة ست وخمسين ومائة.\nانظر: معرفة القراء الكبار (١/ ١١١)، تهذيب التهذيب (٣/ ٢٤).\n(٢) الحديث أخرجه مسلم في صحيحه (٢/ ٨٤٣، ك: الحج، باب: التلبية وصفتها ووقتها، ح: ١١٨٥) عن ابن عباس ﵄.\n(٣) في ب \" في ذلك \".\n(٤) قاله ابن عباس، ﵄.\nانظر: معالم التنزيل (٦/ ٢٦٨).","vol":"1","page":2069},{"text":"وقيل: معناه هل يرضى أحدكم أن يكون عبده شريكه في ماله وولده حتى يكون هو ومملوكه في ذلك سواء يخافه كما يخاف غيره من شريكٍ لو كان (١).\n﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ﴾ نبين كما بينت هذا المثل.\n﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٨)﴾ يتدبرون في ضرب الأمثال.\n﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ كفروا.\n﴿أَهْوَاءَهُمْ﴾ ما تميل إليه أنفسهم (٢).\n﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ آتاهم من الله ولا معرفة منهم بصواب ما هم عليه بل تقليد وإِلْف (٣).\n﴿فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾ فلا يقدر أحد على أن يهديهم لإضلال الله إياهم. ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٩)﴾ ناصر يمنعهم لا من الأصنام التي عبدوها ولا من غيرها.\n﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ﴾ أي: أقبل. وقيل: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ﴾ أقم: قصدك (٤).\nوقيل: دينك (٥). وقيل: عملك (٦).\nالخطاب للنبي صلى لله عليه وسلم والمراد به هو وأمته كقوله ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: ١] بدليل قوله ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ (٧).\n﴿لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ حال للدين، أي: للدين الحنيفي.\nوقيل: حال من المخاطب، والمعنى: مائلًا عن الأديان (٨).\n_________\n(١) انظر: النكت والعيون (٤/ ٣١١).\n(٢) في ب \" ما تميل إليه نفوسهم \".\n(٣) في ب \" بل تقليل وإلف \" وهو تصحيف.\n(٤) انظر: النكت والعيون (٤/ ٣١١).\n(٥) قاله الضحاك.\nانظر: المصدر السابق (٤/ ٣١١).\n(٦) قاله الكلبي.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٣١١)، معالم التنزيل (٦/ ٢٦٩).\n(٧) قال ابن جرير في جامع البيان (١٨/ ٤٩٣) \"فسدد وجهك نحو الوجه الذي وجَّهَك إليه ربك يا محمد لطاعته، وهي الدين ﴿حَنِيفًا﴾ مستقيمًا لطاعته\".\n(٨) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٣/ ١١).","vol":"1","page":2070},{"text":"وقيل: مستقيمًا، وقد سبق (١).\n﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ دين الله الذي فطر عليه الخلق، لأن الله خلق المكلفين العقلاء خلقة متى خلوا وإياها أدتهم إلى الإقرار بصانع واحد قدير حكيم عليم.\nوقيل: هي من قوله ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦].\nوالفطرة: الملة (٢)، والفطرة: العهد الذي أخذ على آدم، ومنه \"كل مولولد يولد على الفطرة حتى يكون أبواه هما اللذين يهودانه وينصرانه ويُمَجِّسَانه \" (٣).\n﴿فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ خلقهم على ذلك في الابتداء.\nوقيل: ﴿عَلَيْهَا﴾ بمعنى: لها، واللام وعلى يتقاربان في المواضع (٤)، بعثك لهذا وعلى هذا (٥).\nو﴿فِطْرَةَ﴾ نصب على المصدر، ويدل على فعله ما قبله وما بعده. وقيل: نصب على الإغراب أي: الزموا واتبعوا فطرة الله.\n﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ أي: لا تبدلوا دين الله فهو نهي.\nوقيل: لا يقدر أحدٌ أن يغير هذه الخِلْقَة.\nوقيل: لا تبديل لخلق الله الناس للدين المستقيم (٦).\n\nوقيل: لا تبديل لخلق الله أي: لا يقدر أحد أن يخلق كخلق الله (٧).\n_________\n(١) قاله محمد بن كعب.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٣١١).\nقال الزجاج في معاني القرآن (٤/ ١٤٠) \"الحنيف: الذي يميل إلى الشيء فلا يرجع عنه، كالحَنَف في الرِّجْل، وهو ميلها إلى خارجها خِلْقَة، لا يملك الأحنف أن يرد حنفه\".\n(٢) \" والفطرة الملة \" سقط من أ.\n(٣) أخرجه البخاري (كتاب التفسير، تفسير سورة الروم، ح: ٤٧٧٥).\n(٤) في ب \" يتقاربان في مواضع \".\n(٥) انظر: الكشاف (٤/ ٥٧٧).\n(٦) ينظر هذا القول والذي قبله في النكت والعيون (٤/ ٣١٢).\n(٧) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٣/ ١١).","vol":"1","page":2071},{"text":"وقيل: هو نهي عن الخِصَاء (١)، والوِجَاء (٢)، وبتك الآذان (٣).\nأبو بكر الورَّاق (٤): ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ﴾: الفقر والفاقة ولا تبديل لذلك (٥).\n﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ ﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى الإسلام، و﴿الْقَيِّمُ﴾ المستقيم. وقيل: القضاء المستقيم (٦).\nوقيل: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ﴾: الحساب، حكاه الماوردي (٧)، وهو بعيد في هذه الآية.\n﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ لا يتفكرون فيعلموا (٨) أن لهم خالقًا مدبرًا.\n﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ راجعين إليه، مشتق من ناب ينوب إذا رجع مرة بعد أخرى، ومنه النوبة (٩).\nابن عيسى: منقطعين إلى الله من النَّاب لأنه قاطع (١٠)، وهو نصب على الحال من قوله\n_________\n(١) في ب \" وهو هو نهي عن الخصاء \".\n(٢) وهو رَضُّ أنثيا الفحل رضًا شديدًا يذهب شهوة الجماع.\n(٣) وهو مروي عن ابن عباس، ﵄، وعكرمة، ومجاهد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ٤٩٦).\n(٤) أبو بكر محمد بن إسماعيل بن العباس البغدادي الورَّاق، سمع أباه، والبغوي، وعنه الدارقطني، وغيره، ثقة، وقيل: لين الحفظ فيه تساهل، توفي سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة.\nانظر: سير أعلام النبلاء (١٦/ ٣٨٨)، ميزان الاعتدال (٦/ ٧٢).\n(٥) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٧/ ٣٠٣)، وهو مخالف لظاهر الآية، والمأثور عن السلف.\n(٦) قاله ابن عباس، ﵄.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٣١٢).\n(٧) انظر: النكت والعيون (٤/ ٣١٢).\n(٨) في ب \" لا يتفكرون فيعلمون \".\n(٩) في أ \" ومنه التوبة \".\n(١٠) انظر: النكت والعيون (٤/ ٣١٣).","vol":"1","page":2072},{"text":"﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ﴾ كما سبق، أو من المقدر في ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ﴾ وهو الزموا واتبعوا، أو مما بعده وهو ﴿وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ أدوها في أوقاتها على شرائطها.\n﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ﴾ من المشركين. وقيل: متصل بما بعده، أي: كل حزب من الذين ﴿فَرَّقُوا﴾ وقيل: تقديره: من المشركين ومن الذين فرقوا، والواو مقدر.\nومعنى ﴿فرقوا دِينَهُمْ﴾ أوقعوا فيه الاختلاف فصار بعضهم يعبد صنمًا، وبعضهم يعبد الشمس، وبعضهم يعبد غيرها (١).\nوقيل: هم اليهود والنصارى (٢).\nوجاء مرفوعًا أنهم الخوارج (٣).\nوقيل: أهل البدع (٤).\n_________\n(١) في ب \" وبعضهم يعبد الشمس وبعضهم غيرها \".\n(٢) قاله مجاهد، وقتادة، والضحاك، والسدي.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ٤٩٨)، تفسير ابن كثير (٢/ ٢١٩).\n(٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٢٩٢) لعبد بن حميد، وأبو الشيخ، وابن مرديه عن أبي غالب عن أبي أمامة عن رسول الله ﷺ أنهم الخوارج.\nقال عنه ابن كثير في تفسيره (٢/ ٢١٩) \"لا يصح\".\nأخرجه الطبراني في الصغير (١/ ٣٣٨)، والبيهقي في الشعب (٥/ ٤٤٩)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ١٣٨)، وقد ضعفه الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٠٧)، وابن الجوزي في العلل المتناهية (١/ ١٤٤)، والألباني في ضلال الجنة في تخريج أحاديث السنة لابن أبي عاصم (١/ ٣).\n(٤) أخرج ابن جرير في جامع البيان (١٠/ ٣٣) بسنده عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ في هذه الآية \"وليسوا منك، هم أهل البدع، وأهل الشبهات، وأهل الضلالة من هذه الأمة\".\nقال عنه ابن كثير في تفسيره (٢/ ٢١٩) \"هذا إسناد لايصح\".\n\nوأخرجه الطبراني في الصغير (١/ ٣٣٨)، والبيهقي في الشعب (٥/ ٤٤٩)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ١٣٨)، والهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٠٧)، وضعفه، وابن الجوزي في العلل المتناهية (١/ ١٤٤)، والألباني في ضلال الجنة في تخريج أحاديث السنة لابن أبي عاصم (١/ ٣) عن عمر بن الخطاب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال لعائشة ﵂: \"يا عائشة، إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا هم أصحاب البدع، وأصحاب الأهواء، وأصحاب الضلالة من هذه الأمة ... \".\nقال عنه ابن كثير في تفسيره (٢/ ٢١٩) \"غريب ولايصح رفعه، والظاهر أن الآية عامة في كل من فارق دين الله، وكان مخالفًا له\".","vol":"1","page":2073},{"text":"ومعنى ﴿فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾: تركوا دينهم الذي وجب عليهم العمل به.\n﴿وَكَانُوا شِيَعًا﴾ جماعات مختلفين. وأصل الشيعة المعاونة، تقول: شَيِّع نَارَك أي: ضع عليها حطبًا دِقَاقًَا تحث الحطب الغلاظ (١).\n﴿كُلُّ حِزْبٍ﴾ جماعة.\n﴿بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٣٢)﴾ مُعْجَبون مسرورن يظنون أنهم على الحق.\nوقيل: كل حزب من الذين فرقوا دينهم بما لديهم فرحون (٢) كما ذكرت (٣).\n﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ﴾ المشركين. ﴿ضُرٌّ﴾ سوء.\n﴿دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ تائبين، مقبلين بالدعاء إليه، وتركوا الأصنام لعلمهم أنه لا فَرَجَ عندها.\n﴿ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً﴾ عافية من الضُّر النازل بهم.\n﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ أي: وجدت فريقًا منهم.\n﴿بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٣٣)﴾ في العبادة. وقيل: ﴿النَّاسَ﴾ عام في المؤمنين والمشركين.\n﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ هم: المشركون.\n﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آَتَيْنَاهُمْ﴾ أي: يفعلون ذلك ليكونوا كفار أي: أدى الأول إلى الثاني. وقيل: اللام لام التهديد في صيغة الأمر. وقيل: لام العاقبة (٤).\nثم خاطبهم فقال: ﴿فَتَمَتَّعُوا﴾ أي: بكفركم قليلا أمرُ وعيد.\n_________\n(١) قال الزجاج في معاني القرآن (٢/ ٢٤٩) \" ومعنى \" شَيَّعْت \" في اللغة: اتَّبعتُ، والعرب تقول: شاعكم السلم ومعناه: تبِعكم السلم. وتقول: آتيك غدًا أو شِيعَهُ أي: اليوم الذي يتبعه، ومعنى الشيع: الفرق التي كل فرقة منهم يتبع بعضهم بعضًا وليس كلهم متفقين \".\n(٢) في ب \" وقيل كل حزب من الذين فرقوا بما لديهم فرحون \".\n(٣) قاله مقاتل.\nانظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٤٣٤).\n(٤) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ١٤٢).","vol":"1","page":2074},{"text":"﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٤)﴾ عاقبة أمركم.\nوقيل: ﴿فَتَمَتَّعُوا﴾ ماضٍ، وهذا فيمن قرأ (يعلمون) بالياء، وذلك أحسن (١)، وهو شاذ (٢). ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا﴾ أي: أنزلنا.\n﴿عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا﴾ رسولًا. وقيل: كتابًا (٣). وقيل: برهانًا (٤).\n﴿فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ (٣٥)﴾ أي: يُوضِح عذرهم، فمن حَمَلَه على رسول فالتكلم ظاهر لاكلام فيه، ومن حَمَلَه على الكتاب فهو كقولنا: كتابنا ينطق، ومن حمله على البرهان فكأنه قال: سلطانًا يتسلّطون به على تصويب ما ذهبوا إليه، فيكون المتكلم مجازًا، كقول الشاعر (٥):\nوَعَظَتْكَ أَجْدَاثٌ صُمُتْ ... ونَعَتكَ أزمنةٌ خُفُتْ.\nوَأَرَتْكَ قبرك في القبور ... وأنت حي لم تمت.\n﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ﴾ أي: المشركين. ﴿رَحْمَةً﴾ نعمة.\n﴿فَرِحُوا بِهَا﴾ بطروا بسببها (٦). ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ شدة.\n﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ بشؤم عملهم.\n_________\n(١) في ب \" فيمن قرأ يعلمون أحسن \".\n(٢) وهي قراءة أبي العالية \" فَيُمَتَّعوا فسوف يَعلمون \"، وعن ابن مسعود ﵁ \" فليُمتعوا \"باللام والياء، وعن أبيّ \" تمتعوا \" بغير فاء، وكلها شاذ، وقراءة الجمهور \" فتمتعوا فسوف تعلمون \".\nانظر: الشواذ لابن خالويه (١١٦)، المحتسب لابن جني (٢/ ٢٠٧)، شواذ القراءات للكرماني (٣٧٥).\n(٣) قاله قتادة.\nانظر: معالم التنزيل (٦/ ٢٧٢).\n(٤) قاله السدي، وعطاء.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٣١٥).\n(٥) هو أبو العتاهية، وانظر ديوانه: (٧٨)، وفي البيت الأول اختلاف حيث يقول:\nوَعَظَتْك أجداث صُمُتْ ... فيهن أحداث سُبُتْ.\n(٦) من \" وارتك قبرك \" إلى \" بطروا بسببها \" سقط من أ.","vol":"1","page":2075},{"text":"﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ (٣٦)﴾ ييأسون، أي: يَبْطَرُ عند النعمة وييأس عند الشدة، لا يشكر في الأولى ولا يحتسب في الثانية فعل المؤمنين.\nوقيل: الناس أهل مكة (١).\nوالرحمة: المطر والخصب، والسيئة: الجدب والقحط، وهذا من الفرح المذموم من قوله\n﴿لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦] و﴿إِذَا﴾ جواب الشرط كالفاء.\n﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ أي: كلاهما من الله فلا يجب أن يستبعد منه أحدهما عقيب الآخر.\n﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣٧) فَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ خاطب من بسط عليه الرزق بأداء حق الله من المال وصرفه إلى من يقرب منه في رحم وهو الذي لا يجب عليك نفقته.\nوقيل: هو الذي يجب عليك نفقته إذا كان فقيرًا، ولهذا قال: ﴿حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ بالمواساة، والحقوق الواجبة (٢).\nوقيل: الخطاب للنبي ﷺ، وذو القربى بنوهاشم، وبنوالمطلب، يعطون حقوقهم من الغنيمة والفيء (٣).\n﴿ذَلِكَ﴾ أي: إيتاء حقوقهم.\n﴿خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾ من البخل.\nوقيل: خير لهم في القيامة يُضاعف لهم أضعافًا (٤).\nوقيل: خير لهم في الدنيا لأن إخراج الزكوة يزيد في المال (٥).\n_________\n(١) قاله مقاتل.\nانظر: زاد المسير (٦/ ٣٠٣).\n(٢) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ١٤٢).\n(٣) وهذا القول هو اختيار ابن جرير في جامع البيان (١٨/ ٥٠٢)، والأمة داخلة فيه.\n(٤) قاله السدي.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٣١٧).\n(٥) قاله الكلبي.\nانظر: المصدر السابق (٤/ ٣١٧).","vol":"1","page":2076},{"text":"﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٣٨)﴾ الباقون في النعيم المقيم.\n﴿وَمَا آَتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ﴾ أي: إذا أعطيتم طلبًا للمكافأة والاستكثار.\n﴿فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ لا يزداد ولا يُضَاعَف لكم ثوابه وأجره.\nابن عباس ﵄: هما ربوان؛ حلال وحرام، فما تعاطيتم بينكم حلال وهو ما نُهي عنه النبي ﵊ في قوله ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦]، لأنه كان مأمورًا بمكارم الأخلاق (١).\nوقيل: هو أن تُعطي من خدمك شيئًا من ربح لك (٢) جزاءً من خدمته.\nوقيل: هو الربا الحرام (٣).\nوقوله ﴿فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي: في حكمه بل يمحقه ويذهب بركته.\n﴿وَمَا آَتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ﴾ قيل: هي المفروضة (٤).\nابن عباس ﵄: الصدقة (٥).\n﴿تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾ ثوابه. وقيل: طاعته (٦).\n_________\n(١) في ب \" لأن كان مأمورًا مكارم الأخلاق \".\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٣١٦)، وهو قول مجاهد، والضحاك، وقتادة، وعكرمة، والشعبي، وهذا العمل مباح لكن نهي عنه النبي ﷺ خاصة.\nانظر: تفسير ابن كثير (٣/ ٤٤٤).\n(٢) في ب \" هو أن يعطي من خدمك شيئًا من ربح مالك\"، وهو قول الشعبي.\nانظر: معالم التنزيل (٦/ ٢٧٣).\n(٣) قاله الحسن البصري.\nانظر: زاد المسير (٦/ ٣٠٤).\n(٤) رجحه الماوردي في النكت والعيون (٤/ ٣١٧).\n(٥) وهو قول مجاهد أيضًا.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ٥٠٨).\n(٦) قد يكون مراد الكرماني نفي صفة الوجه عن الله تعالى بحكايته لهذا القول.","vol":"1","page":2077},{"text":"﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (٣٩)﴾ الذين يُضاعف لهم الثواب من قولهم: رجل موسر: صاحب يَسَار. ورجل مُقْوٍ: صاحب قوة.\nالفراء: هم أصحاب المضاعفة، كما تقول: هو مُسْمِن، أي: صاحب إبلٍ سِمَان، ومُعْطِشْ: صاحب إبلٍ عطشى (١).\nوقيل: ﴿الْمُضْعِفُونَ﴾ يعني: المضعّفون، أي: ضَعَّفوا ثوابهم وجعلوه أضعافًا مضعفة بإخراج الزكاة والصدقة، وهذا أظهر لأن أضعف يأتي على وجهين:\nأحدهما: أضعف صار أصحابه ضعفاء، وهذا لا وجه له في الآية.\nوالثاني: أضعف بمعنى: ضَعَّف وضاعف أي: جعل الشيء مثليه، أو أمثاله (٢).\nو﴿وَمَا﴾ فيهما يصلح أن يكون شرطًا، ويصلح أن يكون موصوله؛ فإن جعلته للشرط فمحله نصب، وإن جعلته للموصول (٣) فمحله رفع، والضمير العائد محذوف، وعدل عن الخطاب فقال: ﴿فَأُولَئِكَ﴾ ولم يقل فأنتم ليكون أعم، أي: من فعل هذا فسبيله (٤) سبيل المخاطبين.\n﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ أي: هو الخالق وحده، والرازق وحده، والمميت وحده، والمحيي وحده.\n﴿هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ﴾ أي (٥): أصنامكم التي زعمتم أنهم شركاء لله.\n﴿مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ﴾ الخلق، والرزق، والإماتة، والإحياء.\n﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ أي (٦): شيئًا، و﴿مِنْ﴾ صلة.\n﴿﷾﴾ تبرأ، أو ارتفع.\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن للفراء (٢/ ٣٢٥).\n(٢) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ١٤٣)، إعراب القرآن للنحاس (٣/ ٢٧٤).\n(٣) في ب \" فإن جعلت الشرط فمحله نصب إن جعلت الموصولة \".\n(٤) في أ \" ليكون أعم أي فعل هذا فسبيله \".\n(٥) \" أي \" سقط من ب.\n(٦) \" أي \" سقط من ب.","vol":"1","page":2078},{"text":"﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ (٤٠)﴾ عن أن يكون له شريك. وقيل: نَزِّهوه عن ذلك (١).\n﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ﴾ القتل، وقطع الطريق، والجَدْب، والقحط.\n﴿فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ أي: في جميع الأرض، كما تقول: هو معروف في البر والبحر أي: في الدنيا.\n﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ من الشرك والعصيان.\nالمؤرج: البر: الفيافي، والبحر: الأمصار (٢).\nالزجاج: كل بلد ذي ماءٍ جارٍ فهو بحر (٣).\nوقيل: البر: البادية، والبحر: القرى (٤).\nوقيل: البر: ظهر الأرض، والبحر: هو المعروف (٥).\nوقيل: ظهر الفساد في البر هو: قتل قابيل أخاه هابيل، والبحر: غصب السفينة من قوله ﴿يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: ٧٩] (٦).\nوقيل: ظهر القحط في البر والبحر لأن المطر إذا قَل في الأرض قل النبات، وإذا قَل في البحر قَل اللؤلؤ والجوهر (٧).\n_________\n(١) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ٥٠٩).\n(٢) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٨٩٦).\nوهذا القول مروي أيضًا عن ابن عباس ﵄.\nوعن مجاهد، وعكرمة، قالا \"كل قرية على ماء جار فهو بحر\".\nوقال عكرمة: \"العرب تسمى الأمصار بحرًا\".\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ٥١٠)، الوسيط للواحدي (٣/ ٤٣٥).\n(٣) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ١٤٣).\n(٤) قاله الضحاك وعطاء.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٣١٨).\n(٥) حكاه الثعلبي في الكشف والبيان (٧/ ٣٠٥) عن عطية العوفي.\n(٦) حكاه الثعلبي في الكشف والبيان (٧/ ٣٠٥) عن عكرمة ومجاهد.\n(٧) حكاه أيضًا الثعلبي في الكشف والبيان (٧/ ٣٠٥) عن ابن عباس، ﵄.","vol":"1","page":2079},{"text":"وقيل: ظهر الفساد أي: جزاءُ الفساد وهو العذاب في البر أهل العُمُد كعاد، وفي البحر أهل القرى المهلكة (١). وقيل: البر: القرى، والبحر: الجزائر (٢).\nوقيل: البر: النفس، والبحر: القلب. وقيل: البر: اللسان، والبحر: القلب، حكاهما الماوردي واستبعدهما (٣).\n﴿لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١)﴾ أي: ليذوقوا العقوبة على ذلك فينزجروا ويتعظوا ويتوبوا، وإنما قال ﴿بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ لأنه كان في الدنيا وتمامه: مُعَدٌ لهم في الأخرى.\n﴿قُلْ﴾ يا محمد لمشركي قريش.\n﴿سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ فإنكم سترون تلك الآثار وتعرفوا أحوالهم، واحذروا أن يحل بكم مثل ما حل بهم.\n﴿كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ (٤٢) فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ﴾ أقم قصدك واجعله جهتك. وقيل: استقم عليه، واعمل به (٤).\nوقيل: وجه وجهك نحوه (٥).\n﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾ يعني القيامة.\n﴿لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: لا يرده الله.\nوقيل: فيه تقديم وتأخير تقديره: يوم من الله لا مرد له.\n_________\n(١) في ب \" والبحر أهل القرى المهلكة \".\n(٢) حكاهما الماوردي في النكت والعيون (٤/ ٣١٨).\n(٣) انظر: النكت والعيون (٤/ ٣١٨).\nقال ابن كثير في تفسيره (٣/ ٤٤٥) \" المراد بالبر هنا الفيافي، وبالبحر الأمصار، وهو قول ابن عباس، وعكرمة، والضحاك، والسدي، وعليه الأكثرون، ويؤيده ما قاله محمد بن إسحاق في السيرة أن رسول الله ﷺ صالح ملك أيلة وكتب إليه ببحره يعني ببلده \".\n(٤) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ٥١٤).\n(٥) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ١٤٣).","vol":"1","page":2080},{"text":"﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ (٤٣)﴾ يتفرقون، (١) وأصله من الصدع وهو الشَّق، أي: فريق في الجنة وفريق في السعير، ويحتمل يتفرقون كالفراش المبثوث.\n﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ أي: جزاء كفره.\n﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (٤٤)﴾ يوطؤون لأنفسهم في الآخرة قرارًا في الجنة ومسكنًا.\nوقيل: فلأنفسهم يُسوون المضاجع في القبور على ما يأمنون به من عذاب الله فيها، وأصل المهد إصلاح المضجع ثم صير لإصلاح الأمور.\n﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ قيل: اللام متصل بقوله ﴿يَصَّدَّعُونَ﴾.\n﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: فضلًا من فضله. وقيل: ﴿مِنْ﴾ بمعنى الباء أي: بفضله (٢).\n﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (٤٥)﴾ فيَشُوبَهم بالمؤمنين بل يفرق بينهم.\n﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ﴾ أي: من آيات قدرته.\n﴿أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾ بالمطر تتقدمه وتطمع فيه.\nوقيل: تبشر بصحة الأبدان وخصب الزمان (٣).\nوكل ما في القرآن من الريح بلفظ الجمع فهو الرحمة، وأجمعوا على الجمع في هذه الواحدة لقوله ﴿مُبَشِّرَاتٍ﴾ إلا شاذًا (٤).\n﴿وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ ليرزقكم خصبًا وسعة.\nوقيل: ﴿مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ من البَرْد والطيب، وتقديره: ليبشركم وليذيقكم (٥).\n_________\n(١) في أ \" يتصرفون \".\n(٢) انظر: الكشاف (٤/ ٥٨٣).\n(٣) حكاه الماوردي في النكت والعيون (٤/ ٣١٩).\n(٤) وهي قراءة طلحة \" الريح مبشرات \" بالواحدة، وهي شاذة.\nانظر: شواذ القراءات للكرماني (٣٧٥).\n(٥) قاله الضحاك.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٣١٩).","vol":"1","page":2081},{"text":"وقيل: وليذيقكم يرسلها (١). وقيل: الواو زيادة (٢).\n﴿وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ﴾ في البحار.\n﴿بِأَمْرِهِ﴾ بالرياح التي تسير بها السفن، والرياح بأمر الله فهي جارية بأمره.\n﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ لتطلبوا الربح في التجارة (٣) في البحر.\nوقيل: بالذهاب إلى الجهاد في البحر (٤).\n﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٤٦)﴾ أي: واصل لكم نعمه لتشكروه.\nوالريح: جسم رقيق يجري في الجو. وقيل: هواء متحرك. وقيل: تموج الهواء بتأثير الكواكب (٥)، وهذا من كلام الأوائل (٦).\n﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾ أي: فكفر بهم قوم وآمن بهم قوم، فأهلكنا الكفار ونصرنا المؤمنين وهو قوله ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾.\n﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾ قيل: تقديره: وكان الانتقام حقًا. وقيل: وكان نصر المؤمنين حقًا (٧).\nوفي الآية تسلية للنبي ﷺ، وبشارة للمؤمنين فإن اللفظ عام.\n﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾ فتهيج الريح السحاب من حيث أراد الله.\n﴿فَيَبْسُطُهُ﴾ فيبسط الله السحاب. ﴿فِي السَّمَاءِ﴾ في الهواء.\n_________\n(١) في ب \" وليذيقكم مرسلها \".\n(٢) ينظر ما سبق في البحر المحيط (٧/ ١٧٣).\n(٣) في ب \" لتطلبوا الربح والتجارة \".\n(٤) في ب \" بالذهاب في البحر إلى الجهاد \"، وانظر: البحر المحيط (٧/ ١٧٣).\n(٥) انظر: المفردات للراغب (٣٧٠).\n(٦) واعتقاد تأثير الكواكب في الرياح باطل، لأنها لا تسير إلا بأمر الله تعالى.\n(٧) انظر: إعراب القرآن للنحاس (٣/ ٢٧٦).","vol":"1","page":2082},{"text":"﴿كَيْفَ يَشَاءُ﴾ مسيرة يوم أو أيام من ناحية الجنوب، أو ناحية الشمال، أو ناحية الدبور أو ناحية الصَّبَا.\n﴿وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا﴾ قطعًا يركب بعضه بعضًا.\nوالكِسْفة: القطعة من السحاب يغطي ما فوقها، من كسفت الشمس (١).\nوقيل: فيه تقديم وتأخير تقديره: فتثير سحابًا ويجعله كسفًا فيبسطه في السماء.\nالضحاك: يجعله كسفًا في سماء دون سماء (٢).\n﴿فَتَرَى الْوَدْقَ﴾ المطر، (٣) وقيل: البرق (٤)، وهو غريب.\n﴿يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ وسطه. ﴿فَإِذَا أَصَابَ بِهِ﴾ بالمطر.\n﴿مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٨)﴾ لمجئ الخصب وزوال القحط.\n﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ المطر.\n﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ الأخفش: من قبله تأكيد كقولهم: كلهم أجمعون.\nقطرب: من قبل الإنزال من قبل المطر، وحكاهما الزجاج أيضا (٥).\nالمبرد: الثاني: للسحاب لأنهم لما رأوا السحاب كانوا راجين المطر (٦).\nابن عيسى: من قبل الإرسال (٧).\n_________\n(١) قال في المفردات (٧١١)، مادة: كسف \" الكِسْفة قطعة من السحاب والقطن، ونحو ذلك من الأجسام المتَخَلْخِلة الحائلة، وجمعها كِسَفٌ \".\n(٢) في أ \" فجعله كسفًا في السماء دون سماء \".\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٣٢١).\n(٣) قاله مجاهد، والضحاك، وابن زيد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٧/ ٣٣٦)، وهو الذي يدل عليه قوله تعالى ﴿فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾.\n(٤) انظر: النكت والعيون (٤/ ٣٢١).\n(٥) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ١٤٤).\n(٦) في ب \" كانوا راجين للمطر \"، وانظر: غرائب التفسير (٢/ ٨٩٦).\n(٧) انظر: المصدر السابق (٢/ ٨٩٦).","vol":"1","page":2083},{"text":"صاحب النظم: من قبل النبات، قال: ولم يتقدم ذكره، وكذلك ﴿فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا﴾ أي: النبات؛ لأن المطر يدل عليه، وهذا قول جميع المفسرين.\nوكنت سُئِلْتُ عن هذه الآية فاستخرجت لها عشرة أوجه سوى ما حكيت عن الأئمة، منها: الها يعود إلى الاستبشار، وتقديره: من قبل الإنزال من قبل الاستبشار، لأنه قرنه بالإبلاس، ولأنه مَنَّ عليهم بالمطر وبالاستبشار، والله أعلم.\nوأضربت عن إيراد التسعة الباقية لأن في الاستبشار مقنعًا ومغنيً.\n﴿لَمُبْلِسِينَ (٤٩)﴾ آيسين. وقيل: ساكتين منقطعين (١).\n﴿فَانْظُرْ إِلَى آَثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ﴾ بالنبات والأشجار وأنواع الثمار.\n﴿بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ بعد أن صارت ترابًا لا نبات بها ولا ثمار.\n﴿إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى﴾ أي: إن ذلك الذي قَدِرَ على إحياء الأرض بعد موتها قادرٌ على إحياء الموتى بعد موتهم.\n﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ من الإماتة والإحياء (٢). ﴿قَدِيرٌ (٥٠)﴾ قادر بذاته.\n﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا قَاضٍ فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا﴾ أي: الزرع بعد اخضراره فخافوا هلاكه، والمطر وإحياء الأرض دليلان على النبات والزرع فصار كتقدم الذكر.\nوقيل: يعود إلى أثار رحمة الله (٣) لأنه النبات (٤).\n_________\n(١) الإبلاس: الحزن المعترض من شدة البأس، ولما كان المبلس كثيرًا ما يلزم السكوت وينسى ما يعنيه قيل: أبلس فلان إذا سكت وإذا انقطعت حجته.\nانظر: المفردات (١٤٣)، مادة: بلس.\n(٢) في أ \" من الإحياء والإماتة \".\n(٣) في ب \" يعود إلى أثر رحمة الله \".\n(٤) وهو قريب من القول السابق وهو الذي عليه المفسرون.","vol":"1","page":2084},{"text":"وقيل: يعود إلى السَّحاب لأن السَّحاب الأصفر لا يمطر (١).\n﴿لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ﴾ بعد الاستبشار.\n﴿يَكْفُرُونَ (٥١)﴾ اللفظ للماضي، والمعنى: الاستقبال لأنه جواب الشرط، واللام جواب القسم، ودلَّ على القسم لام توطئة القسم في ﴿وَلَئِنْ﴾، والمعنى: أنهم كانوا إذا استبطئوا الرزق جحدوا نِعَمَ الله.\nوقيل: إذا استبطئوا الرزق سألوا الله المطر فإن حُبِسَ عنهم كفروا (٢).\n﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ أي: هؤلاء في حكم الموتى فلا تطمع في قبولهم منك.\n﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٥٢)﴾ أي: هم لا ينتفعون بما يسمعون فهم صم، وإنما قال ﴿إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾، والأصم: لا يسمع مقبلًا ولا مدبرًا، لأنه حالة الإقبال يفهم بالرمز وبالإشارة (٣) فإذا وَلّى فلا يسمع ولا يفهم بالإشارة (٤).\nوقيل: إذا ولى هؤلاء مدبرين (٥).\n﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾ أي: هم في حكم العمي في قلة الانتفاع بالمرئيات.\nوقيل: أراد بالعمى عمى القلوب أي: لا يمكنك أن تهدي الأعمى إلى طريق قد ضل عنه ليسلك بإشارة منك له إليه مع ذهاب بصره (٦).\n﴿إِنْ تُسْمِعُ﴾ أي: ما تسمع مواعظ القرآن.\n﴿إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآَيَاتِنَا﴾ أي: المؤمنين.\n﴿فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٥٣)﴾ خاضعون لله بالطاعة.\n_________\n(١) حكاه الماوردي في النكت والعيون (٤/ ٣٢١) عن علي بن عيسى.\n(٢) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٣/ ١٦).\n(٣) في أ \" يفهم بالرمز والإشارة \".\n(٤) في ب \" فإذا ولى فلا يسمع ولا يفهم الإشارة \".\n(٥) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ٥٢٤).\n(٦) انظر: المصدر السابق (١٨/ ٥٢٥).","vol":"1","page":2085},{"text":"﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ﴾ خلقكم من النطف أي: حال ضعف.\nقتادة: ﴿مِنْ ضَعْفٍ﴾ من نطفة (١). وقيل: خلقكم وأنتم ضُعَفاء في أول خلقه إياكم (٢).\n﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً﴾ حال الشباب وبلوغ الأشد.\nوقيل: حين ركب فيه الروح لتمام خلقه فإن ذلك بالإضافة إلى كونه نطفة حال قوة (٣).\n﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾ وهي حالُ الهَرَم يصير الإنسان فيه إلى مثل ما كان عليه في حال الطفولية (٤).\n﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ من صغر، وكِبَر، وضَعْفٍ، وقوةٍ، وشباب، وشيب.\n﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ﴾ بأحوالهم. ﴿الْقَدِيرُ (٥٤)﴾ على تغييرها.\n﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ استقلوا مدة الدنيا لمّا عاينوا الآخرة، أي: يحلف المشركون المنكرون للبعث إذا بُعثوا يوم القيامة إنهم مالبثوا في الدنيا إلا ساعة.\nوقيل: ما لبثوا في قبورهم، وذلك ما بين النفختين (٥).\n﴿كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ (٥٥)﴾ يُصرفون عن الصدق إلى الكذب، فكانوا يحلفون وهم يعلمون.\nوقيل: كانوا يُكَذِّبون بالقيامة (٦).\nوقيل: إنما أقسموا لأنه كان عندهم كذلك ولا يجري في القيامة كذب عند أكثرهم (٧).\n_________\n(١) انظر: النكت والعيون (٤/ ٣٢٢).\n(٢) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٣/ ١٧).\n(٣) لم أقف عليه، والله أعلم.\n(٤) في ب \" ما كان عليه من حال طفولته \".\n(٥) قاله يحي بن سلام.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٣٢٣).\n(٦) قاله الكلبي، ومقاتل.\nانظر: معالم التنزيل (٦/ ٢٧٨).\n(٧) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ١٤٧).","vol":"1","page":2086},{"text":"﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ﴾ المؤمنون. وقيل: الملائكة (١).\n﴿لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ حكم الله. وقيل: علمه (٢).\nوقيل: اللوح المحفوظ (٣).\nوقيل: فيما كتب الله لكم في سابق علمه (٤).\nوقيل: في القرآن، وهو قوله ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠] (٥).\nقتادة: فيه تقديم وتأخير، تقديره: أوتوا العلم في كتاب الله والإيمان لقد لبثتم (٦).\n﴿إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٥٦)﴾ قالوا لهم توبيخًا.\nوقيل: ولكنكم كنتم لا تعلمون هذه فحلفتم على جهل ولكنكم كنتم لا تعلمون أنه يكون وأنكم مبعثون فكنتم به تكذبون (٧).\n﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ﴾ ثم اعتذروا وسألوا الرجعة إلى الدنيا لاستدراك الفائت فلا يجابون، وهو قوله ﴿وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٥٧)﴾ أي: لا يدعون إلى التوبة.\nالنقاش: لا يعاتبون على سيئاتهم (٨).\nوقيل: لا يُستتابون (٩).\nوقيل: لا يُطلب منهم العتبى (١٠).\n_________\n(١) قاله الكلبي.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٣٢٣).\n(٢) عزاه الماوردي في النكت والعيون (٤/ ٣٢٣) للفراء، ولم أجده.\n(٣) قاله الزجاج في معاني القرآن (٤/ ١٤٦).\n(٤) انظر: معالم التنزيل (٦/ ٢٧٨).\n(٥) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٤٣٩).\n(٦) انظر: النكت والعيون (٤/ ٣٢٣).\n(٧) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٤٣٩)، معالم التنزيل (٦/ ٢٧٨).\n(٨) انظر: المصدر السابق (٤/ ٣٢٤).\n(٩) حكاه في النكت والعيون (٤/ ٣٢٤).\n(١٠) قاله يحي بن سلام.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٣٢٤).","vol":"1","page":2087},{"text":"﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآَنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ ينبههم على التوحيد، وعلى صدق الرسول.\n﴿وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآَيَةٍ﴾ إن جئت هؤلاء المعاندين بمعجزة أو آية من القرآن فيه مَثَل.\n﴿لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بمحمد والمسلمين.\n﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ (٥٨)﴾ ما أنتم على حق بل أنتم على باطل.\n﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٥٩)﴾ أي: كما طبع على قلوب هؤلاء وختم عليها جزاءً لكذبهم يطبع الله على قلوب من لا علم عنده ولا تمييز.\nوقيل: هذا فيمن أخبر أنهم لا يؤمنون (١).\n﴿فَاصْبِرْ﴾ على أذاهم. ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ﴾ إياك بالنصر. ﴿حَقٌّ﴾ كائن لا محالة.\n﴿وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (٦٠)﴾ أي: لا يحملنك (٢) عنادهم على أن يدخلك خِفة وعجلة لشدة غضب يعتريك فيمنعك عن تبليغ رسالة الله.\nوقيل: معناه: ولا تأخذ بك العجلة (٣) في أمرهم فإن الله سيعاقبهم (٤).\nوقيل: لا يستنزلنك (٥).\nوقيل: لا يستخفن حلمك ورأيك الذين لا يؤمنون بالمعاد (٦).\n_________\n(١) انظر: البحر المحيط (٧/ ١٧٦).\n(٢) في ب \" ولا يحملنك \".\n(٣) في أ \" لا يأخذك العجلة \".\n(٤) انظر: النكت والعيون (٤/ ٣٢٤).\n(٥) حكاه في النكت والعيون (٤/ ٣٢٤) عن النقاش.\n(٦) انظر: المصدر السابق (٤/ ٣٢٥).","vol":"1","page":2088},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-137>سورة لُقمَان</span>","vol":"1","page":2089},{"text":"سورة لقمان\nأربع وثلاثون آية (١)، مكية إلا ثلاث آيات نزلن في المدينة، وهن ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ [لقمان: ٢٧ - ٢٩] (٢)، وسيأتي ذكرها.\nالحسن: مكية إلا آية وهي ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [لقمان: ٤] فإن الصلاة والزكاة مدنيتان (٣).\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n﴿الم (١) تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (٢)﴾ سبق نظائره.\nوقيل: تلك الحروف علامات كتاب الحكمة نوحيها إليك (٤).\nو﴿الْحَكِيمِ﴾ فيه ثلاثة أقوال:\nأحدها: المتضمن للحكمة. وقيل: فعيل بمعنى مفعل أي: الممنوع من البطلان (٥).\nابن عيسى: جاز أن يُقال للكتاب حكيم، وإنما هو حكمة لأنه يُظهر الحق من الباطل كما يُظهر الحكيم بقوله (٦).\n﴿هُدًى وَرَحْمَةً﴾ قريء بالرفع والنصب (٧)؛\n_________\n(١) \" أربع وثلاثون \" ساقط من ب.\n(٢) وهو مروي عن ابن عباس ﵄.\nانظر: معاني القرآن للنحاس (٥/ ٢٧٧).\n(٣) انظر: زاد المسير (٦/ ٣١٤)، تفسير العز بن عبد السلام (٢/ ٥٣٥).\nومعلوم أن فرض الصلاة كان بمكة، والزكاة بالمدينة.\nوعن عطاء وقتادة أنها مكية إلا آيتين من قوله ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ﴾ إلى قوله ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ الآيتان [٢٧، ٢٨].\nانظر: البيان في عد آي القرآن للدني (٢٠٦)، زاد المسير (٦/ ٣١٤)، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٤/ ٥٠).\n(٤) انظر: الوسيط للواحدي (٢/ ٥٣٨).\n(٥) حكاهما في غرائب التفسير (٢/ ٨٩٩).\n(٦) انظر: النكت والعيون (٤/ ٣٢٦).\n(٧) قرأ حمزة بالرفع، وقرأ الباقون بالنصب.\n\nانظر: الحجة لابن خالويه (٢٨٤)، الكشف لمكي (٢/ ١٨٧).","vol":"1","page":2090},{"text":"فالنصب على الحال، والرفع على أن ... ﴿تِلْكَ﴾ مبتدأ، و﴿آَيَاتُ الْكِتَابِ﴾ (١) خبره، و﴿هُدًى﴾ (٢) خبر بعد خبر، وإن شئت قلت: هو هدى ورحمة، فيكون خبر مبتدأ محذوف.\n﴿لِلْمُحْسِنِينَ (٣)﴾ أي: للمومنين (٣)، والإحسان: النّفع الذي يُستحق عليه الحمد.\n﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ المفروضة.\n﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ الواجبة.\n﴿وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ﴾ بالدار الآخرة.\n﴿هُمْ يُوقِنُونَ (٤)﴾ كرر ﴿هُمْ﴾ لماّ حِيل بين المبتدأ والخبر بأجنبي.\n﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾ ﴿هُمُ﴾ يجوز أن يكون ابتداءً، ويجوز أن يكون عِمادًا (٤).\n﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي﴾ يختار. وقيل: يشتري بماله كتبًا فيها\n﴿لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ (٥).\nوفي سبب النزول، أنها نزلت في النضر بن الحارث كان يخرج إلى فارس ويشتري أخبار الأعاجم فيرويها ويحدث بها قريشًا ويقول لهم: إن محمدًا يحدثكم بحديث عادٍ وثمود وأنا أحدثكم بحديث رستم واسفنديار وأخبار الأكاسرة، ويَسْتَمْلِحون حديثه ويتركون استماع القرآن، فنزلت فيه هذه الآية (٦).\nوقيل: نزلت في أبي بن خلف، حكاه القفال (٧).\nمجاهد: نزلت في شراء القيان والمغنيات (٨).\n_________\n(١) في ب \" (آيات الكتاب) خبره \" بدون الواو.\n(٢) في ب \" ﴿هُدًى﴾ خبر \" بدون الواو.\n(٣) في ب \" أي: المؤمنين \".\n(٤) في ب \" ويجو أن يكون عمادًا \"، وهو تصحيف.\n(٥) انظر: معاني القرآن للنحاس (٥/ ٢٧٩).\n(٦) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٤٤١).\n(٧) لم أقف عليه، والله أعلم.\n(٨) في أ \" القينان والمغنيات \".\nأخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٨/ ٥٧٦).","vol":"1","page":2091},{"text":"وعن أبي أمامة (١) قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" لايحل تعليم المغنيات، ولا يبعهن، وأثمانهن حرام، وفي مثل هذا نزلت هذه الآية ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾، وما من رجل يرفع صوته بالغناء إلا بعث الله عليه شيطانَين أحدهما على هذا المنكب والآخر على هذا المنكب ولا يزالان يضربان بأرجلهما (٢) حتى يكون هو الذي يسكت \" (٣).\nابن عباس: - ﵃ - نزلت في رجل اشترى جارية تغنيه ليلًا ونهارًا (٤).\nوتقديره: يشتري ذات لهو.\n\nالحسن: هو كل ما يُلْهِي عن الله وعن دينه (٥).\nابن جريج: هو الطبل (٦).\nقتادة: كل لهو ولعب (٧).\nعطاء: هو الترهات البسابس (٨).\n_________\n(١) أبو أمامة الباهلي، تنظر ترجمته ص: ٣١٨\n(٢) في أ \" ولا يزالون يضربانه بأرجلهما \".\n(٣) أخرجه الطبراني في الكبير (٨/ ١٨٠)، وفي مسند الشاميين (١/ ١٤٤)، وابن جرير في جامع البيان (١٨/ ٥٣٣)، والترمذي في سننه (٣/ ٥٧٩)، باب: ماجاء في كراهية بيع المغنيات ح ١٢٨٢، ورواية ابن جرير والترمذي ليس فيها \" وما من رجل يرفع صوته بالغناء .. \" إلى آخر الحديث.\nوالحديث ضعفه الترمذي في سننه (٣/ ٥٧٩) وقال: \" إنما نعرفه من هذا الوجه، وتكلم بعض أهل العلم في على بن يزيد وضَعْفِه \"، وضعفه أيضًا الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٢٢٥)، وابن كثير في تفسيره (٣/ ٤٥١) وقال \" علي، وشيخه، والراوي كلهم ضعفاء \".\n(٤) انظر: زاد المسير (٦/ ٣١٥).\n(٥) انظر: النكت والعيون (٤/ ٣٢٨).\n(٦) أجرجه ابن جرير في جامع البيان (١٨/ ٥٣٨).\n(٧) انظر: معالم التنزيل (٦/ ٢٨٥).\n(٨) انظر: تفسير الثعلبي (٧/ ٣١٠).\n\nقال في اللسان (١/ ٤٠٨)، مادة: بسس، \"البَسابِس: الكذب، والترُّهات البسابس هي الباطل، وربما قالوا: ترهات بسابس بالإضافة \".","vol":"1","page":2092},{"text":"قال أبو القاسم الكعبي (١) في تفسيره: \" رخّص جماعة من فقهاء المدينة في السماع إذا لم يكن فُحشًا ولا كذبًا\"، قال: \"ورَخّص قومٌ في ضرب العود، وكره ذلك أهل العراق وأكثر علماء أهل الأمصار (٢) \".\nوقيل: اللهو: الشرك، والحديث: الخبر عن حوادث الزمن (٣).\n_________\n(١) أبو القاسم الكعبي، عبد الله بن أحمد بن محمود البلخي الحنفي، شبيخ المعتزلة، من نظراء أبي علي الجُبائي، أقام ببغداد مدة طويلة واشتهرت بها كتبه، ثم انتقل إلى بَلْخ ومكث بها إلى حين وفاته سنة تسع عشرة وثلاثمائة.\nمن تصانيفه: كتاب المقالات، الغرر والنوادر، التفسير الكبير، تأييد مقالة أبي الهذيل في الجبر، وغيرها.\nانظر: سير أعلام النبلاء (١٤/ ٣١٣)، طبقات المفسرين للداوودي (٢/ ٢٢٩)، الأعلام للزركلي (٤/ ٦٥).\n(٢) في ب \" وأكثر علماء الأمصار \".\n(٣) جمهور العلماء من الصحابة والتابعين كابن مسعود، وابن عباس ﵄، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وقتادة، وغيرهم على أن المراد بلهو الحديث في الآية الغناء، وكل ما ألهى وصد عن سبيل الله.\nقال ابن القيم في إغاثة اللهفان (١/ ٢٣٩) \" ولا تعارض بين تفسير لهو الحديث بالغناء وتفسيره بأخبار الأعاجم وملوكها، وملوك الروم، ونحو ذلك مما كان النضر بن الحارث يحدث به أهل مكة يشغلهم به عن القرآن، فكلاهما لهو الحديث \" ثم قال \" والغناء أشد لهوًا وأعظم ضررًا من أحاديث الملوك وأخبارهم، فإنه رقية الزنا، ومَنبت النفاق، وشرك الشيطان، وخَمرة العقل، وصده عن القرآن أعظم من صد غيره من الكلام الباطل لشدة ميل النفوس إليه ورغبتها فيه \".\nويستثنى من ذلك استعمال الدف لإشهار النكاح.\n\nانظر: أحكام القرآن لابن العربي (٣/ ٥٢٦)، الاستقامة لابن تيمية (١/ ٢٩٢)، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٤/ ٥٤).","vol":"1","page":2093},{"text":"وأصل اللهو: الأخذ فيما يصرف الهَمَّ من غير الحق.\n﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فاعل ﴿لِيُضِلَّ﴾ هو المشتري، ويجوز أن يكون هو اللهو (١)، ومن فتح الياء فهو المشتري لا غير (٢).\n﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ دين الله. وقيل: قراءة القرآن واستماعه (٣).\n﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أي: جهلًا منه. وقيل: لم يعلم عاقبة ذلك (٤).\nوقيل: أي مثل هذا لا يسمى عالمًا (٥).\nوقيل: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ صفة للمُضَلِّ لا للمُضِلّ أي: ليَضِلَّ تقليدًا وتوهمًا أنه على علم، حكاه القفال (٦).\n﴿وَيَتَّخِذَهَا﴾ أي: السبيل. ﴿هُزُوًا﴾ سخرية يسخر منها وممن اعتقدها.\nالنصب بالعطف على ﴿لِيُضِلَّ﴾، والرفع بالعطف على ﴿يَشْتَرِي﴾ (٧).\n﴿أُولَئِكَ﴾ أي (٨): الموصوفون بهذه الصفة.\n﴿لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٦)﴾ يخزيهم على رؤوس الأشهاد (٩).\n﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا﴾ القرآن.\n_________\n(١) في ب: \" ويجوز أن يكون اللهو \" بدون \" هو \".\n(٢) وهي قراءة ابن كثير، وأبو عمرو، والباقون بضم الياء.\nانظر: الكشف لمكي (٢/ ١٨٧)، النشر (٢/ ٢٢٩).\n(٣) وهو مروي عن ابن عباس ﵄.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٣٢٩).\n(٤) انظر: الكشاف (٥/ ٩).\n(٥) لم أقف عليه، والله أعلم.\n(٦) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٩٠٠).\n(٧) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم \" ويَتّخِذُها \" برفع الذال، وقرأ حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم \" ويَتّخِذَها \" بنصب الذال.\nانظر: السبعة لابن مجاهد (٥١٢)، النشر (٢/ ٣٤٦).\n(٨) \" أي \" ساقط من ب.\n(٩) في أ \" يجزيهم على رؤوس الأشهاد \" والصواب المثبت.","vol":"1","page":2094},{"text":"﴿وَلَّى مُسْتَكْبِرًا﴾ أعرض عن تدبرها متكبرًا، رافعًا نفسه عن طاعة الرسول ﷺ والإصغاء إلى القرآن.\n﴿كأن لم يسمعها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا﴾ حالان من الضمير في ﴿وَلَّى﴾ أي: أعرض إعراض من لم يسمعها كإعراض من في أذنيه (١) وقر صممٌ لا يقرع مسامعه صوت.\n﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٧)﴾ في الدنيا والآخرة.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ ولم يشتروا لهو الحديث.\n﴿لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ (٨) خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ﴾ أي: وعد ذلك وعد الله. ﴿حَقًّا﴾ حال الوعد (٢).\n﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩) خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾ الباء للحال و(العُمُد) (٣): جمع عماد.\n﴿تَرَوْنَهَا﴾ الهاء يعود إلى السماء أي: أنتم ترونها كذلك بغير عمد.\n\nوقيل: الضمير يعود إلى العمد، أي: بغير عمد مرئية (٤)، وتلك العمد قدرة الله، وقد سبق (٥). ثم رجع من الغيبة إلى الخطاب ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ﴾ جبالًا.\n﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ كراهة أن تميد.\n_________\n(١) في ب \" وكإعراض من في أذنيه \".\n(٢) في أ \" حال للوعد \".\n(٣) في ب \" وعمد \".\n(٤) وهو قول ابن عباس ﵄، وعكرمة، ومجاهد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ٥٤٣)، قال: \"وأولى الأقوال أن يقال أنها مرفوعة بغير عَمَد نراها، كما قال ربنا جل ثناؤه، ولا خبر بغير ذلك، ولا حجة يجب التسليم لها بقول سواه\".\n(٥) في تفسير قوله تعالى ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ [الرعد: ٢].","vol":"1","page":2095},{"text":"وقيل: لئلا تميد بكم، ومعنى \" مَادَ \": مَالَ، ومادهم مال عليهم بالعطاء، ومنه المائدة (١).\n﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ ونشر في الأرض من كل دابة من أنواع الدواب بالناسِ الحاجةُ إليها في مطاعمهم، ومراكبهم، ومنافعهم إذ لا تخلوا دابة من صفة وخاصية (٢).\n﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ﴾ صنف.\n﴿كَرِيمٍ (١٠)﴾ حسن البنية، مُونِق المنظر (٣).\nوقيل: كريم يكرم على العباد لحاجتهم إليه (٤).\n﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ أي: مخلوقُه.\n﴿فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ أي: أروني ماذا خلقه الأوثان (٥)، و﴿مَاذَا﴾ منصوب بـ ﴿خَلَقَ﴾، والجملة الفعلية قامت مقام المفعولين، وإن شئت قُلت (مَا) رفع بالابتداء و(ذا) خبرُه، والفِعْل صلتُه، والتقْدير: خلقَه، والجملة الاسميّة قامَت مقام المَفعُولين.\n﴿بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١١)﴾ خطأ وجهل.\n﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا لُقْمَانَ﴾ هو: لقمان بن باعُور، وكان حكيمًا ولم يكن نبيًا.\nعكرَمة، والشعبي (٦) قالا: كان نبيًًّا (٧).\n_________\n(١) المَيْدُ: اضطراب الشيء العظيم، ومادة الأغصان تميد، ومددته وأمددته: أعطيته، والمائدة: الطعام نفسه، وقيل: هو الطبق الذي عليه الطعام.\nانظر: المفردات (٧٨٢)، لسان العرب (١٣/ ٢٢٩)، مادة: ميد.\n(٢) في ب \" إذ لا تخلوا دابة من منفعة وخاصية \".\n(٣) مونق أي: حسن المنظر، يقال: آنقني الشيء فهو مُونِق وأَنِيق.\nانظر: لسان العرب (١/ ٢٤٠)، مادة: أَنَق.\n(٤) انظر: النكت والعيون (٤/ ٣٣١).\n(٥) في ب \" ما خلقه الأوثان \".\n(٦) في ب \" وعكرمة والشعبي \" بالواو.\n(٧) انظر: النكت والعيون (٤/ ٣٣١).","vol":"1","page":2096},{"text":"وقيل: كان عبدًا صالحًا.\nوعن سعيد بن المسيب قال: كان خياطًا (١).\nوعن خالد الربعيّ (٢) قال: كان عبدًا حَبشيّا، نجارًا (٣).\nوفي معاني الزجّاج: نجادًا بالدّال (٤).\nوَقِيل: كَانَ رَاعيًا (٥).\nمُجَاهد: كان لقمان عبدًا أسود، عظيم الشفتين، متشقق القدمين (٦).\n\nالفرّاء: كان حَبَشيًّا، مَجدوع الأنف ذا مَشْفَر (٧).\nوقيل: كان نُوبِيًا (٨).\n_________\n(١) انظر: المصدر السابق (٤/ ٣٣١).\n(٢) خالد الربعي، يروي عن أنس بن مالك، روى عنه هشام بن حسان وأبو الأشهب وحميد الكندي.\nانظر: الثقات لابن حبان (٤/ ٢٠٠).\n(٣) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ٥٤٨).\n(٤) في معاني القرآن للزجاج (٤/ ١٤٩) \" كان نجّارًا \" بالراء، وهو الذي ذُكر في التفاسير، والنّجَّاد: الذي يصلح الفرش، والوساد ويخيطها.\nانظر: القاموس المحيط (٤١٠)، المصباح المنير (٢/ ٣٦٠)، مادة: نجد.\n(٥) قاله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٣٣١).\n(٦) أخرجه ابن جرير (١٨/ ٥٤٧).\n(٧) انظر: معاني القرآن للفراء (٢/ ٣٢٧).\nالمَشْفَر والمِشْفر للبعير كالشفة للإنسان، وقد يقال للإنسان مشافر على الاستعارة.\nانظر: لسان العرب (٧/ ١٤٩)، مادة: شفر.\n(٨) قاله جابر بن عبد الله.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٣٣١). والمراد أنه من بلاد النوبة، وهي بلاد السودان.","vol":"1","page":2097},{"text":"وقيل: كان تلمّذ لألف نبيّ، وتلمّذ له ألفُ نَبيّ. (١)\n﴿الْحِكْمَةَ﴾ العقل، والعِلمَ، والعَمل به، والإصابة في الأمور، وكانت الحكمة تجري على لسانه.\nوفي التفسير: فأخبر بذلك مولاه، فأراد أن يجربه فدعاه، فقال: اذبح شاة وأتني بأطيبب مضغتين منها. فذبح شاة وأتاه بالقلب واللسان. ثم قال: له اذبح شاة وأتنى بأخبث مضغتين منها (٢)، فذبح شاة وأتاه بالقلب واللسان. فسأله عن ذلك فقال: إنهما أطيب شيء إذا طابا، وأخبث شيء إذا خبثا (٣).\nوذكر الزجاج أن إنسانًا وقف عليه وهو في مجلسه فقال: ألست الذي كنت ترعى معي في مكان كذا وكذا؟ قال: بلى. فقال: ما بلغ بك ما أري؟ فقال: صدق الحديث، والصَّمتُ عما لايعنيني (٤).\n_________\n(١) اختلف السلف في لقمان هل كان نبيًا أم كان عبدًا صالحًا، والجمهور على أنه لم يكن نبيًا، وهو مروي عن ابن عباس ﵄، ومجاهد، وقتادة، وسعيد بن المسيب، وغير واحد من السلف، وقد وردت روايات تنفي النبوة عنه، قال عنها ابن كثير في تفسيره (٣/ ٤٥٢) \" فهذه الآثار منها ما هو مصرح فيه بنفي كونه نبيًا، ومنها ما هو مشعر بذلك؛ لأن كونه عبدًا قد مسه الرق ينافي كونه نبيًا، لأن الرسل كانت تبعث في أحساب قومها، ولذا كان جمهور السلف على أنه لم يكن نبيًا، وإنما ينقل كونه نبيًا عن عكرمة إن صح السند إليه ... وجابر هو ابن يزيد الجعفي وهو ضعيف \".\n(٢) في ب \" بأخبث مضغتين \".\n(٣) أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٨/ ٥٤٨).\n(٤) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ١٤٩). وقد أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٨/ ٥٤٨) عن عمرو بن قيس.","vol":"1","page":2098},{"text":"وفي بعض التفاسير قال له داود يومًا: كيفَ أصبَحت؟ فقال: أصبحتُ في يدي غيري. فتفكر داود فيه فَصَعِقَ صَعقةً (١).\nوفي الحكم المرويَّة عنه كثرة، وأبلغها ما حكى الله عنه في القرآن.\n﴿أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ الزجاج: لأن تشكر لله (٢)، قال: \"ويجور أن يكون ﴿أَنِ﴾ المفسرة، فيكون المعنى (٣) أي: اشكر لله، وتقديره (٤): قلنا له اشكر لله (٥). وقيل: بدل من الحكمة.\n﴿وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ لأن الشاكر يستحق المزيد من قوله ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧] أي: تعود منفعة شكره إليه (٦).\n﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ﴾ أي: ومن كفر لم يضر الله فإنه غني عن العباد وشكرهم.\n﴿حَمِيدٌ (١٢)﴾ محمود في صُنعه.\nوقيل: مُستحمد إلى خَلقه بالإنعام عليْهم (٧).\n﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ﴾ قال الزجاج: \" مَوضع ﴿وَإِذْ﴾ (٨) نصب بقوله ﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ [لقمان ١٢] لأن هذه الموعظة حكمة (٩) \".\nوقيل: واذكر إذ قال لقمان لابنه، واسمُه: أَنْعَمَ (١٠).\nوقيل: مِشْكَم (١١).\n_________\n(١) انظر: الكشاف (٥/ ١٠)، البحر المحيط (٧/ ١٨١).\n(٢) في ب \" لأن يشكر لله \".\n(٣) في أ \" فيجوز المعنى \" ولعله تصحيف.\n(٤) \" وتقديره \" ساقط من أ.\n(٥) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ١٤٩).\n(٦) في ب \" أي: يعود منفعة شكره إليه \".\n(٧) قاله ابن عيسى.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٣٣٣).\n(٨) في ب \" إذا \" والصواب المثبت.\n(٩) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ١٤٩).\n(١٠) قاله مقاتل.\nانظر: بحر العلوم للسمرقندي (٣/ ٢١).\n(١١) قاله الكلبي.\n\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٣٣٣).","vol":"1","page":2099},{"text":"وقيل: مَاثَان (١).\n﴿وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ﴾ تصغير تقريب.\n﴿لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ أي: مع الله.\n﴿إِن الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾ أي: وضع العبادة غير موضعها، ولا ذنب أعظم مِنه. قيل: كان ابنه كافرًا فأسلم (٢).\nوعن بعض القُرّاء الوَقف على قوله (٣): ﴿لَا تُشْرِكْ﴾ والابتداء باليمين، وليس بالبعيد.\n﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾ في سبب النزول أنها نزلت في سعد بن أبي وقاص ﵁، وقد سبق في العنكبُوت (٤).\n_________\n(١) وذكر النحاس في معاني القرآن (٥/ ٢٨٣) أن اسمه ثاران.\n(٢) في أ \" ابنه كان كافرًا \"، وانظر: بحر العوم للسمرقندي (٣/ ٢١).\n(٣) في ب \" وعن بعض القراء الوقف على \" بحذف \" قوله \".\n(٤) في تفسير قوله تعالى ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي﴾ [العنكبوت: ٨].","vol":"1","page":2100},{"text":"وفَصَلَ اللهُ به بين حكاية وَصية لُقْمَان لابنه لأن كلام لُقمان في هذا المَعْنى (١). وَقيل: تقديره: إن الشرك لظلم عظيم، ونحن قد وَصّيْنَا الإنسان بوالديه حُسْنًا، وأمرناه أن لا يطيعهما في الشرك.\nوجاء في كلام لُقْمان أنَّهُ قال لابنه: \" إنَّ الله رَضيَني لك فلم يوصِني بِكَ ولم يرضك لي فوصاك بي\".\n﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ ضَعْفًا على ضَعْف.\nوقيل: شدةً على شدة (٢).\nوقيل: جهدًا على جهد (٣).\nوقيل: وهنًا على وهن على حسب زيادته في بطنها، وثقله عليها (٤).\nوفي الوهن ثلاث لغات: وَهَنَ يَهِنُ مثل: وَعَدَ يَعِدُ، ووَهِنَ يَوْهَنُ مثل: وَجِلَ يَوْجَلُ، ووَهِنَ يَهِنُ مثل: وَرِثَ يَرِثُ.\nوقيل: وهنًا على وهنٍ صفة للولد أي: نطفة ثم علقة إلى آخر الخلقة (٥).\n_________\n(١) وعليه فهاتان الآيتان ليستا من كلام لقمان بل هما معترضتان بين الخبر عن وصيتي لقمان لابنه، قال ابن جرير في جامع البيان (١٨/ ٥٥٤) في توجيه ذلك \" وإن كان خبرًا من الله تعالى ذكره عن وصيته عباده به وأنه إنما أوصى به لقمان ابنه، فكان معنى الكلام ﴿قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِن الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ ولا تطع في الشرك به والديك ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ فإن الله وصى بهما فاستؤنف الكلام على وجه الخبر من الله، وفي هذا المعنى، فذلك وجه اعتراض ذلك بين الخبرين عن وصيته \" أ. هـ\n(٢) قاله ابن عباس، ﵄.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ٥٥٠).\n(٣) قاله قتادة.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ٥٥١).\n(٤) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ١٥٠).\n(٥) انظر: النكت والعيون (٤/ ٣٣٤).","vol":"1","page":2101},{"text":"وقيل: ضعف الوالدة على ضعف الولد (١).\nوقيل: ضعف نطفة الأب على ضعف نطفة الأم (٢).\n﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ أي: فِطامه بعد الولادة في انقضاء حولين وذلك مما يزيدها ضَعفًا.\n﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ ليشكر لي ويشكر الوالدين، وتقديره: وصينا بأن اشكر فحذف الجار.\nالمبرد: محله جر بالبدل من والديه بدل الاشتمال (٣).\nوقيل: وقلنا له أن اشكر لي ولوالديك (٤).\n﴿إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤)﴾ مصيرك إليّ وحسابك عليّ.\n﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ أي: أطِعْهما فيما يأمرانك به كله وإن حملاك على أن تجعل لي شريكًا لم يحصل لك العلم بأنه لي شريك، لأن ذلك مستحيل لا يكون فلا تطعهما على ذلك.\n﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ أي: أحسِن مصاحبتهما، و﴿مَعْرُوفًا﴾ صفة مصدر محذوف أي: مصاحبة أو صحابًا معروفا يستحسن.\nوقيل: وصاحبهما في أمور الدنيا بالمعروف لمثلهما (٥)، وقال ﷺ \" رضى الله في رضى الوالدين، وسخط الله في سخط الوالدين \" (٦).\n_________\n(١) قاله مجاهد.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٣٣٤).\n(٢) قاله ابن بحر.\nانظر: المصدر السابق (٤/ ٣٣٤).\n(٣) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ١٥٠).\n(٤) انظر: إعراب القرآن للنحاس (٣/ ٢٨٥).\n(٥) في ب \" بالمعروف لمثلها \"، وانظر: بحر العلوم للسمرقندي (٣/ ٢٢).\n(٦) أخرجه الترمذي في جامعه (أبواب البر والصلة، باب: ما جاء من الفضل في رضا الوالدين، ح ١٨٩٩) عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعًا وموقوفًا، قال \" والموقوف أصح \"، وأخرجه الحاكم في المستدرك (٤/ ١٦٨)، وقال \" حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه \".","vol":"1","page":2102},{"text":"﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ في سبب النزول أنها نزلت في أبي بكر - ﵁ - وذلك أنه حين أسلم أتاه عبدالرحمن بن عوف (١)، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد (٢)، وعثمان،\nوطلحة (٣)، والزبير (٤) فقالوا لأبي بكر: آمنت وصدقت محمدًا؟ فقال: نعم. فأتوا رسول الله - ﷺ - فآمنوا وصدقوا فأنزل الله يقول لسعد ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ يعني: أبا بكر - ﵁ - (٥).\n_________\n(١) عبد الرحمن بن عوف، تنظر ترجمته ص: ٢٤١\n(٢) سعيد بن العاص، بن سعيد بن العاص بن أمية، ولد عام الهجرة، وقتل أبوه يوم بدر كافرًا، كان سعيدًا أحد أشراف قريش وممن جمع السخاء والفصاحة، وهو أحد الذين كتبوا المصحف لعثمان ﵃، واستعمله على الكوفة، ثم ولي المدينة لمعاوية، وتوفي في خلافته سنة تسعين.\nانظر: الاستيعاب (٢/ ١٨٣).\n(٣) طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو، بن لؤي بن غالب القرشي التيمي، ويعرف بطلحة الفياض، كان من المهاجرين الأولين، لم يشهد بدرًا لأنه كان في تجارته في الشام، ثم شهد أحدًا وما بعدها، وهو من المبشرين بالجنة، شهد صفين مع علي ﵁ وقتل فيها.\nانظر: الاستيعاب (٢/ ٣١٦)، الإصابة (٣/ ٥٢٩).\n(٤) الزبير بن العوام بن خوليد بن أسد بن عبد العزى القرشي الأسدي، أسلم وهو ابن خمس عشرة سنة، شهد المشاهد كلها، وهو حواري رسول الله ﷺ، قتل بعد أن اعتزل القتال في معركة الجمل.\nانظر: الاستيعاب (٢/ ٨٩)، الإصابة (٢/ ٥٥٣).\n(٥) أخرجه الواحدي في أسباب النزول (٤٠١) عن عطاء عن ابن عباس ﵄، وانظر: الوسيط له (٣/ ٤٤٣)، معالم التنزيل (٦/ ٢٨٨).","vol":"1","page":2103},{"text":"وقيل: اتبع محمدًا - ﷺ - (١).\n﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ بعد الموت ويحتمل أن الكلام تم على قوله ﴿مَنْ أَنَابَ﴾ كقوله\n﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص: ٢٤] ثم ابتدأ فقال على وجه التهديد ﴿إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ بالموت ثم إلي مرجعكم بالبعث.\n﴿فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٥)﴾ أجازيكم عليه.\nوقيل: أنبئكم ذلك في كتاب الحفظة (٢).\nثم عاد إلى عظة لقمان ابنه فقال ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ﴾ إن القصة والأمر والشأن وذلك فيمن رفع ﴿مِثْقَالَ حَبَّةٍ﴾، ومن نصب جعلها كناية عن الخَصلة أو الفعلة (٣).\nوقيل: عن السيئة (٤).\nومثقال الشيء: ما يساويه في الوزن، وكثر في الكلام فصار عبارة عن مقدار الدينار، وأنثه من رفعه (٥) لاضافته إلى مؤنث، وقد سبق (٦).\n﴿مِنْ خَرْدَلٍ﴾ هو: الحب المعروف يضرب به المثل في الصغر (٧).\n﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ﴾ في أخفى موضع وأشده.\n﴿أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ في أجواف السموات.\n﴿أَوْ فِي الْأَرْضِ﴾ أجوافها.\n_________\n(١) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٤٤٣).\n(٢) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٣/ ٢٢).\n(٣) قرأ نافع برفع اللام في (مثقالُ حبة)، وقرأ الباقون بالنصب.\nانظر: السبعة (٥١٣)، الكشف (٢/ ١٨٨).\n(٤) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ١٥١).\n(٥) في أ \" وأنثه من رفع \".\n(٦) على قراءة نافع بالرفع (مثقالُ).\n(٧) قال ابن منظور في لسان العرب (٤/ ٥٦)، مادة: خردل \" الخُرْدولة: العضو الوافر من اللحم، وخَرْدَل اللحم: قَطَّعه صغارًا \".","vol":"1","page":2104},{"text":"﴿يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾ يُحْضِرها الله فيجازي عليها، وأكثر المفسرين على أنها الصخرة التي عليها الأرض وهي التي تسمى السِّجين، وليست من الأرض (١).\nوقيل: المراد بها الجبل، والمراد بالأرض: المهاد منها، كقوله ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (٦) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾ [النبأ: ٦] (٢).\nوذُكر أن آخر ما قال لابنه ﴿إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾ ثم تَفَطَّر من هيبة هذه الموعظة فمات، وكان آخر كلامه.\nوقيل: المراد بها الرزق، أي: إن كان للإنسان رزق مثقال حبة خردل في هذه المواضع جاء بها الله حتى يخرجها ويسوقها إلى من هي رزق له (٣).\n﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ﴾ باستخراج ذلك.\n﴿خَبِيرٌ (١٦)﴾ عالم بمكانه.\n﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ حافظ عليها لمواقيتها وما شُرع فيها.\n﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ما رأيْتَه من معروف حَسَنٍ في العقول قد تُرِك فأمر به.\n﴿وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ وما رأيته من شيء تُنكره أن يُؤتى (٤) فانْهَ عنه وامْنَع منه.\n_________\n(١) وهو مروي عن ابن مسعود وابن عباس ﵄، وغيرهما.\nقال ابن كثير في تفسيره (٣/ ٤٥٥) \" إن صح ذلك ... وهذا والله أعلم كأنه متلقى من الإسرائيليات التي لا تصدق ولا تكذب، والظاهر والله أعلم أن المراد أن هذه الحبة في حقارتها لو كانت داخل صخرة فإن الله سيبديها ويظهرها بلطيف علمه \".\n(٢) قاله قتادة.\nانظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٤٤٣).\n(٣) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٩٠٢)، وهو مخالف لظاهر الآية.\n(٤) في ب \" تنكره يؤتى \".","vol":"1","page":2105},{"text":"﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ في ذات الله إذا أمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر.\nوقيل: واصبر على ما أصابك من شدائد الدنيا من الأمراض، والفقر، والهم، والغم (١).\n﴿إِنَّ ذَلِكَ﴾ أي: الصبر. وقيل: إن ذلك الذي أوصيتك به (٢).\n﴿مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٧)﴾ مما عزم الله على عباده أي: أمرهم به أمرًا حتمًا.\nوالعزم: تَوْطِين النفس على الفعل.\nوقيل: عَزْمُ الأمور: ضبط الأمور وإصلاحها (٣).\nالمؤرج: العزم الحزم بلغة هذيل (٤).\nالمبرد: الحزم: العزم قُلِب العين حاء (٥)، وهذا بعيد لأن كل واحد منهما أصل برأسه مطَّرد في جميع أحواله، والحزم: الحذر. والعزم، الثبات، وقد سبق ذكره (٦).\n﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ لا تَعْرِض بوجهك عمن يُقْبِلُ عليك استخافًا به، والصَّعَرُ: الميل في العنق، وصَعَّر، وصَاعَر لغتان كضَعَّفَ وضَاعَف (٧).\n_________\n(١) انظر: النكت والعيون (٤/ ٣٣٨).\n(٢) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٤٤٤).\n(٣) قاله المفضل.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٣٣٨).\n(٤) انظر: البحر المحيط (٧/ ١٨٣).\n(٥) انظر: البحر المحيط (٧/ ١٨٣).\n(٦) في العزم والحزم وجهان:\nالأول: أن معناهما واحد ولفظهما مختلف.\nالثاني: أن معناهما مختلف، وفيه وجهان:\nالأول: الحزم الحذر، والعزم: القوة.\nالثاني: الحزم: التأهب للأمر، والعزم: النفاد فيه.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٣٣٨).\n(٧) قال في المفردات (٤٨٤)، مادة: صعر \" الصَّعَرُ: ميل في العق، والتصعير: إمالته عن النظر كبرًا، وكل صعب يقال له: مُصْعَر \".\n\nقال ابن جرير في جامع البيان (١٨/ ٥٥٩) \" واصل الصَّعَر: داء يأخذ الإبل في أعناقها أو رؤوسها حتى تفلت أعناقها عن رؤوسها، فيشبه به الرجل المتكبر على الناس \".","vol":"1","page":2106},{"text":"﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ خيلاءً وكبرًا، مصدر وقع موقع الحال.\nوقيل: مرحًا أي: في معصية (١).\n﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ﴾ متكبر. وقيل: مَنّان (٢).\nوالاختيال: أن يرى لنفسه طولًا على غيره فيشمخ بأنفه.\n﴿فَخُورٍ (١٨)﴾ يعدد مناقبه تطاولًا. ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ القصد: التوسط بين الغلو والتقصير، قال الشاعر (٣):\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . ... كلا طَرَفَيْ قصد الأمور ذميم.\nالمؤرج: معنى ﴿وَاقْصِدْ﴾: أسرع بلغة هذيل (٤).\nوعن ابن مسعود ﵄ قال: \"كانوا ينهون عن خَبَبَ اليهود ودبيب النصارى ولكن مشيًا بين ذلك \" (٥).\nوعن النبي ﷺ \" سرعة المشي يذهب بهاء المؤمن \" (٦).\nوقيل: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ انظر في مشيك موضع قدمك (٧).\n_________\n(١) قاله الضحاك.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٣٣٩).\n(٢) قاله أبو ذر، ومجاهد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ٥٦٢)، النكت والعيون (٤/ ٣٣٩).\n(٣) \" قال الشاعر \" ساقط من أ.\nالبيت لأبي سليمان الخطابي، وتمامه:\nولاتَغْلُ في شيء من الأمر واقتصد ... كلا طرفي قصد الأمور ذميم.\nانظر: قرى الضيف لعبد الله بن محمد بن قيس (٤/ ٣٨٥).\n(٤) لم أقف عليه، والله أعلم.\n(٥) انظر: البحر المحيط (٧/ ١٨٤).\nالخَبَبَ: الإسراع في المشي. والدبيب: المشي البطيء.\n(٦) أخرجه أبو نعيم في الحلية (١٠/ ٢٩٠) من حديث أبي هريرة ﵁، وفي إسناده أبو معشر نجيح بن عبد الرحمن وهو ضعيف، والحديث قال عنه ابن الجوزي في العلل المتناهية (٢/ ٧٠٨) \" هذا حديث لا يصح عن رسول الله ﷺ \".\n(٧) قاله الضحاك.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٣٤٠).","vol":"1","page":2107},{"text":"﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾ انقص منه، والغَض: النقصان، وقد سبق (١).\n﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ﴾ أقبحها. وقيل: أثقلها على السمع عند الناس (٢).\nعكرمة: ﴿أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ﴾: شر الأصوات (٣).\nالحسن: أشد الأصوات (٤).\nوقيل: أبعد الأصوات، لأن أوله زفير وآخره شهيق (٥).\nوعن سُفيان: صياح كل شيء تسبيحه إلا الحمار فإنه يصيح لرؤية الشيطان (٦).\n﴿لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (١٩)﴾ قيل: الصوت في معنى الجمع لأنه مصدر.\nوقيل: بل الحمير في معنى الواحد لأنه، أتم للجمع (٧).\nوقيل: أراد بذكر الحمير التزهيد في رفع الصوت على الناس، كما تقول: الشَّره من فعل الكلاب (٨).\nوقيل: لا يمتنع أن يكون في الأصوات ما هو أنكر من صوت الحمار فيصير تقدير الآية: إن من أنكرالأصوات لصوت الحمير، فحذف (من) فارتفع الصوت.\n_________\n(١) في تفسير قوله تعالى ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠].\n(٢) لم أقف عليه، والله أعلم.\n(٣) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٨/ ٥٦٥).\n(٤) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٨/ ٥٦٥).\nوالحسن هو: ابن مسلم بن يَنّاق المكي، روى عن صفية بنت شيبة، وطاووس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وثقه ابن معين، وأبو زرعة، والنسائي، وابن حبان.\nانظر: تهذيب التهذيب (٢/ ٢٩٢).\n(٥) عزاه في النكت والعيون (٤/ ٣٤١) إلى المبرد.\n(٦) هو سفيان الثوري، وانظر: الكشف والبيان للثعلبي (٧/ ٣١٦)، النكت والعيون (٤/ ٣٤١).\n(٧) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ٥٦٥).\n(٨) انظر: المصدر السابق (١٨/ ٥٦٥).","vol":"1","page":2108},{"text":"وروي عن النبي - ﷺ - \" إن الله يبغض ثلاث أصوات: نهقة الحمير، ونُباح الكلب، والداعية بالحَرب\" (١) يعني النائحة.\nوقيل: ﴿لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ هي: العطسة المنكرة، حكاه اقضى القضاة الماوردي (٢)، ولا أرى له وجهًا، ولعل هذا القائل جعل الحمير فعيلا من قولهم: طعنة حمراء أي: شديدة، ومن قولهم: حمّارة القيظ (٣): شدته.\nوالحمار سمي حِمارًا لشدته ثم لا تخصيص له بالعطسة دون غيرها من الأصوات.\n﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ مكنكم من الانتفاع بما في السماء من الشمس، والقمر، والنجوم، وما في الأرض من الجبال، والبحار، والنبات، والأشجار، والدواب، والريح، والسحاب.\nوقيل: معنى (سخرها): ذللها (٤). وقيل: سهلها (٥)، والوجه هو الأول.\n﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ﴾ تمم حتى فضل. قرئ: (نِعْمَةً) (٦).\n﴿ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ والمراد بها الإسلام عن ابن عباس - ﵃ - (٧).\n_________\n(١) رواه الثعلبي في تفسيره (٧/ ٣١٦)، وفيه \" نهقة الحمار \" بالإفراد.\n(٢) انظر: النكت والعيون (٤/ ٣٤٢)، وعزاه إلى جعفر الصادق.\n(٣) في أ \" حمارة القبط \"، وهو تصحيف.\nوحمّارة القيظ: شدة الحر.\nانظر: العين (١/ ٣٥٢)، المصباح المنير (٢/ ٤١٧).\n(٤) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٣/ ٢٣).\n(٥) انظر: النكت والعيون (٤/ ٣٤٢).\n(٦) وهي قراءة ابن كثير، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم.\nوقرأ نافع، وأبو عمرو، وحفص عن عاصم (نِعَمَهُ) أي: جميع ما أنعم به.\nانظر: السبعة (٥١٣).\n(٧) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٨/ ٥٦٧).","vol":"1","page":2109},{"text":"أي: ظاهرة على اللسان وباطنة على الجوارح بالطاعة (١).\nوقيل: في القلوب بالاعتقاد والنية (٢)، ويجوز أن يكون واحدة في اللفظ جمعًا في المعنى كقوله ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤].\nوقرئ (نِعَمَه) بالجمع لأن نعم الله لا تحصى كثرة.\nومعنى ﴿ظَاهِرَةً﴾ يراها الناس من الجاه، والمال، والخدم، والأولاد (٣).\n﴿وَبَاطِنَةً﴾ الخلق، والعلم، والقوة، وسائر ما يعلمه العبد من نفسه (٤).\nوقيل ﴿ظَاهِرَةً﴾ ما يعلم العبد من نفسه، ﴿وَبَاطِنَةً﴾ ما يعلمه الله ولا يعلم العبد (٥).\nوالهاء في ﴿نِعَمَهُ﴾ يعود إلى الله. وقيل: إلي ما في السموات.\n﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ نزلت في النصر بن الحارث (٦).\nوقيل: في يهودي خاصم النبي - ﷺ - فأخذته صاعقة فأهلكته (٧).\nأي: ومع هذه النعم منهم من يجادل في توحيد الله ويميل إلى الشرك والتعطيل (٨) بغير علم وعقل.\n﴿وَلَا هُدًى﴾ سنة نبي.\n_________\n(١) حكاه ابن جرير في جامع البيان (١٨/ ٥٦٨).\n(٢) انظر: المصدر السابق (١٨/ ٥٦٨).\n(٣) حكاه في النكت والعيون (٤/ ٣٤٢) عن النقاش.\n(٤) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٧/ ٣١٨).\n(٥) انظر: النكت والعيون (٤/ ٣٤٢).\n(٦) وهو مروي عن ابن عباس، وأبي مالك.\nانظر: بحر العلوم للسمرقندي (٣٢٣)، النكت والعيون (٤/ ٣٤٣)، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٤/ ٧٤).\n(٧) وهو مروي عن مجاهد.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٣٤٣)، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٤/ ٧٤).\n(٨) في ب \" وتميل إلى الشرك والتعطيل \".","vol":"1","page":2110},{"text":"﴿وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٢٠)﴾ أنزله الله بل تقليدًا وإلفًا، وهو قوله ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ﴾ بوسوسته وتخييله وجوب اتباع الآباء.\n﴿إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٢١)﴾ إلى ما يؤول إليه يتَّبِعونه، استفهام إنكار وتعجيب. ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ﴾ يخلص عمله لله، و﴿إِلَى﴾ بمعنى اللام كقوله ﴿فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ٢٠].\nوقيل: انقاد لأمره واستسلم. وقيل: يقصد بطاعته إلى الله (١).\n﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ في عمله مخلص في نيته.\n﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ﴾ تمسك وتعلق.\n﴿بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ كلمة التوحيد لا إله إلا الله. وقيل: القرآن والإسلام (٢)،\nو﴿بِالْعُرْوَةِ﴾: ما تعلق به الشيء.\nو﴿الْوُثْقَى﴾: تأنيث الأوثق، والشيء الوثيق: ما يأمن صاحبه من السقوط (٣).\n﴿وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٢٢)﴾ ومصير الأمور (٤) في أواخرها إلى الله وهو المجازي عليه.\n﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ ولم يسلم وجهه.\n﴿فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ﴾ فليس عليك منه تَبِعَة.\n﴿إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ﴾ يوم الحساب.\n_________\n(١) حكاهما الماوردي في النكت والعيون (٤/ ٣٤٣).\n(٢) قاله أنس بن مالك، والسدي.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (٤/ ٥٦٠)، النكت والعيون (٤/ ٣٤٣).\n(٣) قال ابن جرير في جامع البيان (٤/ ٥٥٩) \"والعروة في هذا المكان مثل للإيمان الذي اعتصم به المؤمن، فشبهه في تعلقه به وتمسكه بالمتمسك بعروة الشيء الذي له عروة يُتمسك بها، إذ كان كل ذي عروة فإنما يتعلق من أراده بعروته\".\n(٤) في أ \" مصير الأمور \" بدون الواو.","vol":"1","page":2111},{"text":"﴿فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا﴾ وأُيجازيهم على أعمالهم.\n﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٢٣)﴾ بضمائر القلوب.\nوقيل: بما في ضميرك من الحزن على كفرهم (١).\n﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا﴾ نبقيهم في الدنيا يتمتعون فيها مدة أعمارهم إلى حلول آجالهم.\n﴿ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ (٢٤)﴾ شديد الآلام، كثير الأجزاء لايتاناهى.\n﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ أي: مع كفرهم مُقِرُّون بأن الله خالق السموات والأرض (٢).\n﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ على انقطاع حجتهم.\nوقيل: الحمد لله لمن خلق هذه الأشياء لا لمن لا يخلق وهم يخلقون (٣).\nوقيل: قل الحمد لله على العلم والهداية (٤).\n﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٢٥)﴾ ما في ترك عبادة الله من العقاب والعذاب الأليم. وقيل: لا يعملون بما يعلمون (٥). وقيل: هو متصل بما بعده تقديره: لا يعلمون. ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ كما تقول: لا يعلم لزيد ما في الدار (٦).\n﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٦)﴾ الغني عن إيمانهم وطاعتهم، الحميد المحمود لا ينقطع حمده بكفرهم.\n_________\n(١) حكاه أبو الليث السمرقندي في بحر العلوم (٣/ ٢٤).\n(٢) في ب \" مقرون بأن خالق السماوات والأرض هو الله \".\n(٣) انظر: معالم التنزيل (٦/ ٢٥٤).\n(٤) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٧/ ٢١٨).\n(٥) \" وقيل لا يعملون بما يعلمون \" ساقط من أ.\n(٦) في ب \" لا تعلم لزيد ما في الدار \".","vol":"1","page":2112},{"text":"﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ في سبب النزول؛ سألت اليهود رسول الله - ﷺ - وسلم عن الروح فأنزل الله بمكة ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]، فلما هاجر رسول الله - ﷺ - إلى المدينة أتاه أحبار اليهود (١) وقالوا: يا محمد بلغنا عنك أنك تقول: وما أوتيتم من العلم إلا قليلًا، أفعنيتنا أم قومك؟ فقال: كُلًا قد عنيت. فقالوا: ألست تتلوا فيما جاءك أنا قد أوتينا التوراة وفيها علم كل شيء؟ فقال رسول الله - ﷺ -: وهو في علم الله قليل، وقد أتاكم الله ما إن عملتم به انتفعتم (٢). قالوا: يا محمد كيف تزعم هذا وأنت تقول ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩] فكيف يجتمع هذا علم قليل وخير كثير؟ فأنزل الله ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ (٣) أي: لو بُرِيَت أشجار الأرض أقلامًا.\n﴿وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ﴾ يزيد فيه. ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ من بعد نفاد ما فيه.\n﴿سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾ سوى بحار الدنيا، لأن قوله ﴿وَالْبَحْرُ﴾ للعموم، وفيه الألف واللام للجنس، أي: فيصير الكل مدادًا، كقوله ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا﴾ [الكهف: ١٠٩].\n_________\n(١) في أ \" أتى أحبار اليهود \".\n(٢) في أ \" ما إن علمتم به انتفعتم \".\n(٣) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٨/ ٥٧٣) عن ابن عباس ﵄، وعكرمة، وعطاء، وأورده الواحدي في أسباب النزول (٤٠١).","vol":"1","page":2113},{"text":"وقيل: ﴿يَمُدُّهُ﴾ يجعله مدادًا (١) أسود يُكتب به (٢).\nقال أبو عبيدة \" البحر هاهنا: الماء العذب (٣) لأن الملح لا ينبت الأقلام \" (٤).\nقال القفال: \" قول أبي عبيدة: البحر الملح (٥) لا ينبت الأقلام يُوجب أنه جعل المعنى: والبحر يمده من بعده سبعة أبحر فأنبتت أقلامًا \" (٦).\nقول أبي عبيدة ضعيف لأن الله سبحانه (٧) أراد التكثير والمبالغة وليس فيما ذكر أبو عبيدة كثير مبالغة، وعذر القفال عنه حَسَن كأنه جعل هذه الآية مشتملة على ذكر الأقلام فحسب، كما أنَّ ما في الكهف للمداد فحسب اكتفاء بذكر أحدهما عنِ الآخر، كما اكتفى بذكر الأقلام والمداد عن القرطاس أو ما يكتب عليه أو عن الكَتَبة، لأن تقدير الآية: لو جعلت الأشجار أقلامًا، والبحر بعد المداد مدادًا (٨)، والسموات والأرض قرطاسًا، والملائكة والجن والإنس كتابًا ثم كتبوا به منه عليه لنفدت هذه الأشياء واعيت الكتبة قبل أن تنفد كلمات ربي، والله أعلم.\n﴿مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ واختلفوا في معنى ﴿كَلِمَاتُ﴾؛ فقيل: المراد بها: العلم، وسمي علمه كلمات لأنه لا يمكن كتابته إلا إذا كانت كلمات (٩).\n_________\n(١) \" وقيل يمده يجعله مدادًا \" ساقط من أ.\n(٢) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٣/ ٢٥).\n(٣) في ب \" ماء العذب \" والمثبت هو الصواب.\n(٤) انظر: مجاز القرآن لأبي عبيدة (٢/ ١٢٨).\n(٥) في ب \" والبحر الملح \" بالواو.\n(٦) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٩٠٢).\n(٧) في أ \" لأن الله تعالى \".\n(٨) في ب \" بعد المدد مدادًا \".\n(٩) وهذا يقتضى نفي صفة الكلام عن الله تعالى، وهو خلاف مذهب أهل السنة والجماعة الذين يثبتون صفة الكلام والعلم له ﷾.","vol":"1","page":2114},{"text":"وقيل: معنى ﴿كَلِمَاتُ﴾ أسماء ما خلقه الله وما يخلقه في الآخرة (١) لأنها غير متناهية، والأقلام والبحار متناهية.\nوقيل: نعم الله على خلقه.\nوقيل: ما قضاه الله في اللوح المحفوظ (٢).\n﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ منيع في ملكه.\n﴿حَكِيمٌ (٢٧)﴾ في خلقه.\nقرئ ﴿وَالْبَحْرُ﴾ بالرفع على الابتداء، وبالنصب على العطف وبفعل يدل عليه ما بعده (٣).\n﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ إلا كخلق نفسٍ واحدة، وبعث نفس واحدة يقول لها: كن فيكون، لا حاجة إلى آلةٍ ولا إلى استعانة.\n﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ لكلام من أنكر البعث.\n﴿بَصِيرٌ (٢٨)﴾ بأحوال الأحياء والأموات.\n﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أي: كل ذلك يجري إلى وقته المسمى له.\n﴿وَأَن اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٩) ذَلِكَ﴾ أي: ذلك الذي خلق وصنع. ﴿بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ بسبب أنه هو الله حقًا.\nوقيل: فَعَلَ ذلك لتعلموا أن الله هو الحق (٤).\n_________\n(١) في ب \" ولما يخلقه في الآخرة \".\n(٢) تنظر الأقوال السابقة في النكت والعيون (٤/ ٣٤٥).\n(٣) قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، (والبحرُ) بالرفع، وقرأ أبو عمرو (والبحرَ) بالنصب.\nانظر: الحجة لابن خالويه (٢٨٦)، النشر (٢/ ٣٤٧).\n(٤) انظر: النكت والعيون (٤/ ٣٤٦).","vol":"1","page":2115},{"text":"﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ﴾ أي: ما تدعون من الأصنام وتسمونهم آلهة (١). وقيل: تجعلونهم آلة (٢). وقيل: تعبدونهم (٣).\n﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ﴾ على كل شيء.\n﴿الْكَبِيرُ (٣٠)﴾ كلُ شيءٍ دونه.\n﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ﴾ الباء للحال أي: مُنْعِمًا بها عليكم. وقيل: ﴿تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ﴾ أي: بالريح؛ لأن الريح من نعم الله (٤).\n﴿لِيُرِيَكُمْ مِنْ آَيَاتِهِ﴾ عجائب قدرته في البحر إذا ركبتموها.\n﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣١)﴾ أي (٥): للمؤمنين؛ فإن الإيمان نصفان؛ نصفٌ صَبْر، ونصف شكر.\nوقيل: ﴿لِكُلِّ صَبَّارٍ﴾ مادام فيها، ﴿صَبَّارٍ﴾ إذا خرج منها (٦).\n﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ﴾ علاهم فغطاهم كالجبال. وقيل: كالسحاب (٧).\n﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ يخلصون له الدعاء والطاعة ولا يدعُون أحدًا سواه.\n﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ﴾ خَلَّصَهم.\n\n﴿فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ فيه قولان:\nأحدهما: ﴿فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ مقيم على عبادة الله (٨)، ومنهم جاحد، فحذف لقوله\n﴿وَمَا يَجْحَدُ﴾ بعده.\n_________\n(١) في أ \" وتسمونه آلهة \".\n(٢) في ب \" ويجعلونهم آلهة \".\n(٣) ينظرالقولان في النكت والعيون (٤/ ٣٤٦).\n(٤) لم أقف عليه، والله أعلم.\n(٥) \" أي \" ساقط من ب.\n(٦) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٩٠٣).\n(٧) قاله قتادة، والكلبي.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٣٤٧)، معالم التنزيل (٦/ ٢٩٣).\n(٨) في أ \" مقيم على طاعة الله \".","vol":"1","page":2116},{"text":"والثاني: ﴿فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ جاحد، فيكون الاقتصاد على القول الأول مدحًا، وعلى القول الثاني ذمًا (١).\n﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآَيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ﴾ غَدَّار بدينه أسوأ غدر.\nوقيل: جاحد (٢). ﴿كَفُورٍ (٣٢)﴾ لربه.\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ خافوه واستتروا عن عقابكم بطاعتكم له.\n﴿وَاخْشَوْا يَوْمًا﴾ وخافوا يومًا يعني: يوم القيامة.\n﴿لَا يَجْزِي﴾ أي: فيه، فحذف الجار ثم حذف الهاء، والمعنى: لا يقضي، ولا يغني، ولا يحمل، وقد سبق (٣).\n﴿وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ﴾ خص الوالد بالذكر لأنه أحرص الأشياء على دفع المضرة عن الولد.\n﴿وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا﴾ قوله ﴿مَوْلُودٌ﴾ عطف على الوالد وهو مبتدأ. و(٤) ﴿جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ﴾ خبره، والجملة صفة لمولود (٥)، ويجوز أن يجعل ﴿عَنْ﴾ من صلة ﴿يَجْزِي﴾ و﴿هُوَ جَازٍ﴾ صفته أي: في الدنيا.\n﴿إِن وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ أي: الساعة. وقيل: ما وَعَدَ من الثواب والعقاب (٦).\n_________\n(١) انظر: النكت والعيون (٤/ ٣٤٨)، زاد المسير (٦/ ٣٢٨).\n(٢) الخَتْر: غَدْرٌ يختِرُ فيه الإنسان أي: يضْعُف ويكسر لاجتهاده فيه، وهو أقبح الغدر وأشده.\nانظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ١٥٣)، المفردات (٢٧٤)، مادة: ختر.\n(٣) في قوله تعالى ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨].\n(٤) الواو ساقط من ب.\n(٥) في ب \" صفة لمولوده \".\n(٦) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٣/ ٢٦)، زاد المسير (٦/ ٣٢٩).","vol":"1","page":2117},{"text":"﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ أي: زينتُها وغَضَارَتُها (١).\nوقيل: آمالها. وقيل: لا تشغلنكم عن طاعة الله (٢).\n﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٣٣)﴾ الشيطان الذي يدعوكم إلى معصية الله بأن يرجيكم التوبة والمغفرة والمغني لا يغفلنكم عن طاعة الله تقول ما غرك به (٣) وما أغفلك عنه بمعنى\n﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾.\nفي سبب النزول أنها نزلت في الوارث بن عمرو حارثة بن محارب من أهل البادية أتى النبي - ﷺ - فسأله عن الساعة ووقتها وقال: \" إن أرضنا أجدبت فمتى ينزل الغيث؟، وتركت إمرأتي حبلى فماذا؟، تلد وقد علمت أين ولدت فبأي ارض أموت؟ \" فأنزل الله هذه الآية (٤).\n_________\n(١) الغضرة والغضراء: الأرض الطيبة الخضراء، السهلة، الطيبة التربة، العذبة الماء، والغضارة: طيب العيش.\nانظر لسان العرب (١٠/ ٨٠)، مادة: غضر.\n(٢) انظر: النكت والعيون (٤/ ٣٤٩)، زاد المسير (٦/ ٦/٣٢٩).\n(٣) في ب \" لقول ما غرك به \" والمثبت هو الصحيح.\n(٤) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٨/ ٥٨٥) عن مجاهد قال: \"جاء رجل\" ولم يسمى، وكذلك في تفسير ابن كثير (٣/ ٤٥٥)، والروايات الواردة في سبب النزول مضطربة في اسم ذلك الرجل، ففي الوسيط للواحدي (٣/ ٤٤٧) \"نزلت في رجل من محارب\"، وفي أسباب النزول له (٤٠٢) \"نزلت في الحارث بن عمرو بن حارثة بن محارب\"، وفي البحر المحيط (٧/ ١٨٩) \"الحارث بن عمارة المحاربي\".\n\nوذكر الثعلبي في الكشف والبيان (٧/ ٣٢٣) أن اسمه الوارث بن عمرو بن حارثة بن محارب، وكذلك الماوردي في النكت والعيون (٤/ ٣٥١)، والبغوي في معالم التنزيل (٦/ ٢٩٤)، والزمخشري في الكشاف (٥/ ٢٥)، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن (١٤/ ٨٣)، والسيوطي في الدر (١١/ ٦٦٢) وعزاه لابن المنذر عن عكرمة.","vol":"1","page":2118},{"text":"وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ - \" مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله لايعلم متى تقوم الساعة إلا الله، ولا يعلم ما تغيض الأرحام، إلا الله ولا يعلم ما في غد إلا الله، ولا تعلم نفس بأي أرض تموت إلا الله، ولا يعلم متى ينزل الغيث إلا الله\" (١).\nقوله ﴿عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ أي علم قيام الساعة.\n﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ أي: ويعلم متى ينزل الغيث، فظاهر القرآن يدل على أن الله ينزل الغيث وليس فيه تعرض لعلم وقت نزول الغيث إلا أن يضمران فيصر التقدير: علم الساعة وإنزال الغيث، وكذلك قوله ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ يضمران فيصر التقدير: وعلم ما في الأرحام من الذكورة والأنوثة.\n﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ ما تعمل في المستقبل من خير أو شر، إن جعلت ﴿مَاذَا﴾ في حكم كلمة واحدة فمحله نصب بـ ﴿تَكْسِبُ﴾، وإن جعلت كلمتين فـ (ما) رفع بالابتداء، و(ذا) خبره، والفعل صلته والضمير مقدر.\n﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ في حضر أو سفر برًا وبحر.\nوقيل: ﴿بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ من قَدَم إلى قَدَم، لأن كل قَدَمٍ تقع على أرض غير الأولى في المشي (٢).\nوقيل: ﴿بِأَيِّ أَرْضٍ﴾ بأي قَدَم، والأرض القدم.\nوقيل: في أي خطوة (٣).\nوقيل: بأي قدم من الشقاوة أو السعادة، حكاه النقاش (٤).\n﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ﴾ بهذه الأشياء.\n﴿خَبِيرٌ﴾ بها فمن ادعى علم شيء من هذه الخمسة فهو كافر بالله سبحانه.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (ك: الاستسقاء، باب: لايدري متى يجيء المطر إلا الله، ح: ١٠٣٩).\n(٢) في ب \" لأن كل قدم تقع على غير الأولى في المشي \".\n(٣) تنظر الأقوال في غرائب التفسير (٢/ ٩٠٤).\n(٤) انظر: النكت والعيون (٤/ ٣٥٠).","vol":"1","page":2119},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-138>سورة السَّجْدَة</span>","vol":"1","page":2120},{"text":"سورة ألم السجدة، ثلاثون آية (١)، مكية (٢)، ويقال لها \" تنزيل السجدة\" (٣)، ويقال لها \"سورة الجرز\" (٤).\nمكية إلا خمس آيات من قوله ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ (١٦)﴾ (٥).\nالكلبي، ومقاتل: إلا ثلاث آيات من قوله ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا (١٨)﴾ (٦).\n﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾\n﴿الم (١)﴾ سبق.\n﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ تقديره: تنزيل الكتاب من رب العالمين، لا كما يزعم الكفار أنه من تَقَوُّلِ محمد.\n﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ لا شك فيه أن الأمر كذلك (٧).\n_________\n(١) \" ثلاثون آية \" ساقط من ب.\nوهي ثلاثون آية في عد غير البصري.\nانظر: التبيان في عد آي القرآن للداني (٢٠٧)، جمال القراء (٢/ ٥٣٧).\n(٢) نقل الإجماع عليه الماوردي في النكت والعيون (٤/ ٣٥٢)، وابن الجوزي في زاد المسير (٦/ ٣٣٢).\n(٣) وهذه التسمية كما جاءت في الحديث الذي أخرجه البخاري (ك: الجمعة، باب: ح:) عن أبي هريرة ﵁ قال: \" كان رسول الله ﷺ يقرأ في فجر يوم الجمعة (ألم تنزيل السجدة) و﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ \"، وترجم لها البخاري بذلك في صحيحه (ك: التفسير، سورة تنزيل السجدة)، وتسمى أيضًا سورة المضاجع، ذكره هبة الله بن سلامة في الناسخ والمنسوخ (١٤٣).\n(٤) لم أقف على من ذكر ذلك، والله أعلم.\n(٥) انظر: النكت والعيون (٤/ ٣٥٢)، زاد المسير (٦/ ٣٣٢).\n(٦) وهو مروي عن ابن عباس ﵄، وعطاء.\nانظر: معاني القرآن للنحاس (٥/ ٢٩٧).\n(٧) في ب \" لا شك أن الأمر كذلك \".","vol":"1","page":2121},{"text":"وقيل: نفي في معنى النهي أي: لا ترتابوا فيه (١).\nوقيل معنى ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ (٢)﴾ لا كهانة، ولا سحر، ولا شعر فيه (٢).\n﴿أَمْ يَقُولُونَ (٣)﴾ بل يقولون.\n﴿افْتَرَاهُ﴾ اختلقه محمد، فيكون ﴿أَمْ﴾ هي المنقطعة.\nوقيل: هي المتصلة، وتقديره: أيصدقون أنه تنزيل من الله أم يقولون افتراه (٣). وقيل:\n﴿أَمْ﴾ بمعنى الواو (٤).\n﴿بَلْ هُوَ الْحَقُّ﴾ بل رد لقولهم ﴿افْتَرَاهُ﴾، أي: ليس كما زعموا، و﴿هُوَ﴾ ضمير القرآن (٥).\nوقيل: ضمير الكتاب أي: هو الحق (٦).\n﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ لم يفتره محمد.\n﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ أي: أهل الفترة من العرب.\nو﴿مَا﴾ للنفي أي: لم يأتهم منذر.\nو﴿قَبْلِكَ﴾ كقوله ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾ [سبأ: ٤٤]، والمعنى: لتنذر قومك من العذاب.\nوقيل: ﴿مَا﴾ بمعنى: الذي، وهو بدل من القوم، فيكون المعنى: أُنذر آباؤهم ولم ينذر هؤلاء فهم غافلون، والوجه هو الأول (٧).\n﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣)﴾ إلى الرشاد بإنذارك ويرتدعون عن كفرهم.\n﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ (٤)﴾ سبق.\n﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ سوى الله.\n﴿مِنْ وَلِيٍّ﴾ يتولى أمركم ويقوم بمصالحكم.\n_________\n(١) انظر: غرائب التفسير (١/ ١١٤)، قال: \"وهو ضعيف\"، المحرر لابن عطية (١/ ٨٣).\n(٢) قاله ابن بحر.\nانظر: غرائب التفسير (١/ ١١٤).\n(٣) انظر: الكشف والبيان (٧/ ٣٢٦).\n(٤) انظر: المصدر السابق (٧/ ٣٢٦).\n(٥) في أ \" وهو ضمير للقرآن \".\n(٦) انظر: البحر المحيط (٧/ ١٩٢).\n(٧) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ١٥٥).","vol":"1","page":2122},{"text":"﴿وَلَا شَفِيعٍ﴾ إن وافيتموه كافرين.\nوقيل: ولا شفيع مما زعمتم أنها لكم شفعاء (١).\n﴿أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ أفلا تتعظون بمواعظ الله.\n﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ أقام لذلك مدبرات كقوله ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ [النازعات: ٥]، وهم: الملائكة في الأصح.\nوقيل: معنى ﴿يُدَبِّرُ﴾ يُوحي (٢).\nوقيل: يقضي (٣). أي: يقضي ما يريد أن يقضيه في السماء، فيكون ﴿مِنَ﴾ بمعنى: في، فينزل به المَلَكُ إلى الأرض، فيفعل ما أُمر، ثم يَصْعدُ إلى مكانه مسيرة خمسمائة سنة نزولًا وخمسمائة صعودًا، وهو قوله ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ أي: من أيام الدنيا.\nوقيل: مقداره ألف سنة لو صعد فيها غير المَلَك.\nقيل: الهاء في ﴿إِلَيْهِ﴾ يرجع إلى الله سبحانه أي: حيث أَمر الله، كقول إبراهيم\n﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي﴾ [الصافات: ٩٩] (٤).\nوقيل: يرجع إلى السماء، وجاز لأن تأنيثها غير حقيقي.\nوقيل: يدبر الله الأمر فيظهر في اللوح المحفوظ، فينزل به المَلَكُ، ثم يعرج إليه في ذلك اليوم (٥).\nوقيل: يقضي قضاء ألف سنة، فينزل به المَلَك، ثم يعرج لألفٍ آخر إذا مضى الألف (٦).\n_________\n(١) انظر: الكشاف (٥/ ٢٨).\n(٢) قاله السدي.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٣٥٣)، معالم التنزيل (٦/ ٣٠٠).\n(٣) قاله مجاهد.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٣٥٣).\n(٤) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ١٥٦).\n(٥) حكاه ابن جرير في جامع البيان (١٨/ ٥٩٢).\n(٦) قاله مجاهد، وقتادة.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ٥٩٢).","vol":"1","page":2123},{"text":"وقيل: ﴿كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ يعود إلى قوله ﴿فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ أي: مقدار كل يوم ألف سنة (١).\nوقيل: ﴿فِي يَوْمٍ﴾ ظرف لقوله ﴿يُدَبِّرُ﴾ (٢).\nوقيل: هاهنا زيادة، ويحتمل أن يكون بمعنى المستقبل كأكثر ألفاظ القيامة (٣).\nوقيل: كان مقدار العروج (٤).\nوقيل: ﴿يَعْرُجُ﴾ بمعنى: ينزل (٥).\nوقيل: ﴿يَعْرُجُ﴾ بمعنى: يرجع، وتقديره: يدبر أمر الدنيا من أولها إلى آخرها ثم يموتون ثم يبعثون ثم يرجع الأمر إليه (٦).\nوقيل: قوله ﴿مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ كقول القائل: فلان يملك من المشرق إلى المغرب (٧).\nقال صاحب النظم: \" ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ يعنى: الشمس، ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ طلوعًا، ﴿إِلَى الْأَرْضِ﴾ غروبًا، ثم ترجع إلى موضعها من حيث طلعت.\nقال: ومعنى ﴿أَلْفَ سَنَةٍ﴾ للسائر المجد، لأن مسيرها من المشرق إلى المغرب خمسمائة سنة، ومثله من المغرب إلى المشرق \" (٨).\nوقوله في الآخرى ﴿مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] يأتي في موضعه إن شاء الله.\n_________\n(١) قاله ابن عباس ﵄.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ٥٩٤).\n(٢) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٩٠٥).\n(٣) لم أقف عليه، والله أعلم.\n(٤) قاله ابن زيد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ٥٩٦).\n(٥) قاله الزجاج في معاني القرآن (٤/ ١٥٦).\n(٦) انظر: معالم التنزيل للبغوي (٦/ ٣٠٠).\n(٧) انظر: البحر المحيط (٧/ ١٩٣).\n(٨) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٩٠٦).","vol":"1","page":2124},{"text":"وذهب بعض المفسرين إلى أن هذا يجوز أن يكون كعادة العرب في وصف اليوم المكروه بالطول واليوم المحبوب بالقِصَر (١).\n﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ العلانية.\nوقيل: الغيب: الآخرة، والشهادة: الدنيا (٢).\nوقيل: الغيب: ما غاب عن الخلق، والشهادة: ما ظهر لهم (٣).\nوقيل: الغيب: ما سيوجد، والشهادة: الموجود (٤).\nوالغيب: خفاء الشيء عن الإدراك، والشهادة: ظهوره للإدراك.\n﴿الْعَزِيزُ﴾ على أعدائه. ﴿الرَّحِيمُ﴾ على أوليائه.\n﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ من سَكَّنَه فله وجوه (٥):\nأحدها: أنه بدل من كل شيء، فيكون المعنى: الذي أحسن خلق كل شيء. وقيل: معناه: أَتْقَن (٦).\nوقيل: عَلِمَ، من قول العرب: هو يحسن هذا أي: يعلم (٧).\n_________\n(١) تنظر هذه الأقوال في جامع البيان لابن جرير (١٨/ ٥٩٢ - ٥٩٦) قال \" وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب قول من قال: معناه: يدبر الأمر من السماء إلى الأرض، ثم يعرج إليه في يوم كان مقدار ذلك اليوم في عروج ذلك الأمر ونزوله إلى الأرض ألف سنة مما تعدون من أيامكم؛ خمسمائة في النزول، وخمسمائة في الصعود، لأن ذلك اظهر معانيه واشبهها بظاهر التنزيل \".\nوانظر: النكت والعيون (٤/ ٣٥٤)، زاد المسير (٦/ ٣٣٣)، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٤/ ٨٧).\n(٢) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٣/ ٢٨).\n(٣) قاله الواحدي في الوسيط (٣/ ٤٥٠).\n(٤) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٣/ ٢٨).\n(٥) وهي قراءة ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وقرأ الباقون بتحريك اللام على الفعل الماضي.\nانظر: الكشف (٢/ ١٩١)، النشر (٢/ ٣٤٧).\n(٦) وهو قول مجاهد.\nانظر: النكت (٤/ ٣٥٥).\n(٧) وهو قول السدي.\nانظر: زاد المسير (٦/ ٣٣٤).","vol":"1","page":2125},{"text":"وقيل: ﴿أَحْسَنَ﴾ بمعنى: أعطى، فيصير تقديره: أعطى كل شيء حاجته (١) ثم هدى، وقد سبق في طه (٢).\nوقيل: ﴿خَلَقَهُ﴾ نصب على المصدر أي: خلق كل شيء خلقًا (٣).\nومن قرأ: ﴿خَلَقَهُ﴾ بالفتح، فالتقدير: جميع مخلوق الله حَسَنٌ متقن (٤).\n﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ﴾ آدم.\n﴿مِنْ طِينٍ﴾ من تراب مُبْتَلٍ بالماء.\n﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ﴾ أولاد آدم.\n﴿مِنْ سُلَالَةٍ﴾ من نطفة منتزعة كالفظالة.\n﴿مِنْ مَاءٍ﴾ هو: المَنِي، وهو بدل من السلالة (٥).\nوقيل: معناه: سُلالة سُلّت من جملة ماء (٦).\n﴿مَهِينٍ﴾ ممتهن، محتقر، فعيل بمعنى مفعول.\n﴿ثُمَّ سَوَّاهُ﴾ يعني الإنسان. وقيل: النسل، أي: خلقه معتدلًا في الشكل.\nوقيل: معتدلًا في الطبع (٧).\n﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ الروح: ما يمتاز به الحي من الميت، والإضافة للتشريف كبيت الله، وناقة الله.\nوقيل: ﴿مِنْ رُوحِهِ﴾ أي: ريحه الذي يحيى بها الإنسان (٨).\n﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ لتسمعوا، وتبصروا، وتعقلوا، وتعلموا.\n_________\n(١) وهو قول مجاهد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ٥٩٩).\n(٢) في قوله تعالى ﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠]، وانظر: النكت والعيون (٤/ ٣٥٥). .\n(٣) انظر: معاني القرآن، اللزجاج (٤/ ١٦٥).\n(٤) الفتح قراءة ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وقرأ الباقون بتحريك اللام (خَلَقَه).\nانظر: الكشف لمكي (٢/ ١٩١)، التيسير للداني (٢/ ٣٤٧).\n(٥) في ب \" وهو بدل من سلالة \".\n(٦) حكاه الزجاج في معاني القرآن (٤/ ١٥٦).\n(٧) حكاهما الماوردي في النكت والعيون (٤/ ٣٥٦).\n(٨) انظر: النكت والعيون (٤/ ٣٥٦).","vol":"1","page":2126},{"text":"﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ أي: تشكرون قليلًا، وقد سبق.\n﴿وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ﴾ بَلِينا وهلكت أجسادنا فيها، وصارت ترابًا، وذهبنا عن أعين الناس كما يضل الماء في اللبن.\n﴿أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ نُحي كما كنا قبل موتنا أي: هذا عَجَبٌ منكر.\nوقيل: ﴿ضَلَلْنَا﴾ خمدنا فلم يوجد لنا لحم ولا عظم، قاله أبو عبيدة (١).\nوقرئ بالصاد، والمعنى: أنتنا (٢).\n﴿بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ﴾ بالبعث والنشور.\n﴿كَافِرُونَ﴾ جاحدون. وقيل: بسبب إنكارهم البعث كافرون (٣).\n﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ يحصي آجالكم، ويقبض أرواحكم، وهو من تَوْفِية العدد، أي: يقبض أرواح الكل فلا ينقص أحدًا منكم.\nوقيل: من الوفاء (٤)، ولا منفاة بين قوله ﴿تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [النساء: ٩٧]،\nو﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ [الأنعام: ٦١]، و﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ﴾ [الزمر: ٤٢]،\n_________\n(١) انظر: مجاز القرآن لأبي عبيدة (٢/ ١٣١)، معاني القرآن للزجاج (٤/ ١٥٧).\n(٢) (صَلِلْنا) بكسر اللام، وهي مروية عن الحسن، و(صَلَلَنا)، بالصاد المهملة وفتح اللام، وهي قراءة شاذة مروية عن علي، وابن عباس ﵄، والأعمش.\nانظر: المحتسب (٢/ ٢١٦)، جامع البيان لابن جرير (١٨/ ٦٠٢)، البحر المحيط (٧/ ١٩٥).\nقال الزجاج في معاني القرآن (٤/ ١٥٧) \" ومعناه على ضربين: أحدهما: أنتنا وتغيرنا، وتغيرت صورنا، يقال: صَلَّ اللحم وأصَلّ إذا أنتن وتغير.\nوالضرب الثاني: صَلَلَنا صرنا من جنس الصَّلَّة، وهي الأرض اليابسة \".\n(٣) حكاه الواحدي في الوسيط (٣/ ٤٥٠).\n(٤) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ١٥٧)، الكشاف (٥/ ٣١).","vol":"1","page":2127},{"text":"و﴿يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ [السجدة: ١١] لأن الملائكة رسل الله، وهم هاهنا أعوان ملك الموت، وملك الموت يقبض بأمر الله، والدنيا بين يدي ملك الموت كالطبق يختار منها ما علم أنه قد استوفى أجله.\n﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ للثواب والعقاب. ﴿وَلَوْ تَرَى﴾ يامحمد.\n﴿إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ حياءً وذلًا، أي: ينكسون رؤوسهم من الخزي.\n﴿رَبَّنَا﴾ أي: يقولون ربنا.\n﴿أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا﴾ أي: زالت الآن الشكوك في البعث والنشور فتيقنا.\nوقيل: أبصرنا وسمعنا ما كنا لا نصدق به (١).\nوقيل: ربنا لك الحجة علينا فقد أبصرنا رسلك وسمعنا كلامهم (٢).\n﴿فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا﴾ لكنا نسأل الرجعة فارجعنا إلى الدنيا.\n﴿نَعْمَلْ صَالِحًا﴾ أي: نعمل على طاعتك. ﴿إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ الآن.\nوجواب ﴿وَلَوْ﴾ محذوف تقديره: لرأيت أمرًا عظيمًا.\n﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ ما يهتدون به إلى النجاة.\n\nوقيل: لأكرهناهم على الإيمان (٣).\nوقيل: ﴿هُدَاهَا﴾ الرجعة التي سألوها (٤).\nوقيل: ﴿هُدَاهَا﴾ طريق الجنة (٥).\n﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ سبق وعيدي.\n﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ أي: من كَفَرِة الجن والإنس، ويجوز أن يكون ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ تفسير القول.\n_________\n(١) انظر: معالم التنزيل (٦/ ٣٠٢).\n(٢) حكاه الماوردي في النكت والعيون (٤/ ٣٥٩) عن ابن عيسى.\n(٣) انظر: النكت والعيون (٤/ ٣٥٩).\n(٤) انظر: المصدر السابق (٤/ ٣٥٩).\n(٥) قال ابن جرير في جامع البيان (١٨/ ٦٠٦) \" يعني: رشدها وتوفيقها للإيمان بالله \".","vol":"1","page":2128},{"text":"قال الحسن: \"لو آمن إلا واحد لملأها الله من ذلك الواحد\" (١).\n﴿فَذُوقُوا﴾ أي: العذاب.\n﴿بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ أي: تركتم الإيمان به.\n﴿إِنَّا نَسِينَاكُمْ﴾ تركناكم فيها فلم ننظر إليكم.\nوقيل: جازيناكم على نسيانكم (٢).\n﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ﴾ الدائم.\n﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ من الكفر وتكذيب الرسل.\n﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآَيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا﴾ وعظوا بها.\n﴿خَرُّوا سُجَّدًا﴾ خوفًا من عذاب الله ولقائه.\nوقيل: ﴿إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا﴾ دعوا إلى الصلوات الخمس بالأذان أجابوا (٣).\n﴿وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ نزهوا الله ويثنون عليه بما يحمدونه، فالباء للسبب.\nوقيل: حامدين، والباء للحال (٤).\nوقيل: إذا سجدوا قالوا سبحان الله وبحمده (٥).\n﴿وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ عن الإيمان به والسجود له (٦) ولا يأنفون.\n﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ﴾ في سبب النزول، قال مالك بن دينار (٧):\n_________\n(١) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٩٠٦).\n(٢) حكاه السمرقندي في بحر العلوم (٣/ ٣٠).\n(٣) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ٦٠٨)، النكت والعيون (٤/ ٣٦١).\n(٤) حكاه في النكت والعيون (٤/ ٣٦١) عن سفيان.\n(٥) حكاه في النكت والعيون (٤/ ٣٦١) عن قتادة.\n(٦) في أ \" عن الإيمان والسجود له \".\n(٧) مالك بن دينار، علم الأبرار ومن ثقات التابعين، ولد في أيام ابن عباس ﵄، وسمع من أنس بن مالك فمن بعده، ويقه النسائي وغيره، واستشهد به البخاري، وحديثه في درجة الحسن، توفي سنة سبع وعشرين ومائة.\n\nانظر: سير أعلام النبلاء (٥/ ٣٦٢)، ميزان الاعتدال (٦/ ٦).","vol":"1","page":2129},{"text":"سألت أنس بن مالك ﵁ عن هذه الآية فيمن نزلت فقال: \"كان أناس من أصحاب رسول الله ﷺ يُصَلُّون من صلاة المغرب إلى صلاة العشاء الآخرة فأنزل الله فيهم هذه الآية\" (١).\nالحسن، ومجاهد: نزلت في المتهجدين (٢).\nوقيل: فيمن صلى العشاء الآخرة وصلاة الصبح في الجماعة (٣).\nومعنى ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ﴾: ترتفع أضلاعهم.\n﴿عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ الفرش، ومواضع النوم. والمضجع: موضع النوم. وقيل: عن النوم، والمضجع النوم أيضًا، تقول إذا وضع جنبه: ضجع ضَجعًا وضُجوعًا (٤). والتجافي: التنحي إلى جهة الارتفاع (٥).\nوقيل: تتجافى جنوبهم لذكر الله بالدعاء، وهو قوله ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ للخوف وللطمع (٦)، فهو مفعول له (٧).\nوقيل: حال أي: خائفين طامعين كقوله ﴿يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾ [البقرة: ٢٦٠].\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٨/ ٦١٠)، وانظر: أسباب النزول للواحدي (٤٠٤).\n(٢) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٨/ ٦١٢).\n(٣) وهو قول أبي الدرداء، وعبادة.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٣٦٣).\nواختار ابن جرير في جامع البيان (١٨/ ٦١٣) أن المراد بها صلاة الليل، لأن الله بمجافاة جنوبهم عن المضاجع، وهو من أحوال الليل وأوقاته، وهو وقت منام الناس المعروف.\n(٤) اضطجع: نام، والضَّجعة: هيئة الاضطجاع، والضِّجعة: بالكسر من الاضطجاع، هو النوم كالجلسة من الجلوس، والمراد ما كان يضطجع عليه.\nانظر: لسان العرب (٨/ ٢٢)، مادة: ضجع.\n(٥) قال ابن جرير في جامع البيان (١٨/ ٦٠٨) \"تتجافى: تتفاعل، من الجفاء: والجفاء: النُّبو \".\n(٦) في ب \" للخوف والطمع \".\n(٧) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ١٥٨).","vol":"1","page":2130},{"text":"وقيل: مصدر أي: يخافون خوفًا ويطمعون طمعًا (١).\n﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ يتصدقون، وقيل: يزكون (٢).\nوقيل: ينفقون على عيالهم (٣).\n﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ﴾ يريد من الذين تتجافى جنوبهم.\n\nوقيل: من المجاهدين (٤).\n﴿مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ أي: لا يعلم أحد ما يعطي الله عباده المؤمنين مما تقر به عيونهم من السرور والنعيم، لأنه لا نهاية ولا انقطاع، ومثله قوله ﷺ حكاية عن الله سبحانه \" أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، كله ما أطلعتهم عليه، ثم قال: اقرأوا إن شئتم ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ﴾ \" (٥).\nوفي بعض التفاسير ذكر بيان شيئ مما أعد لهم (٦)،\n_________\n(١) ذكرهما النحاس في معاني القرآن (٣/ ٢٩٥).\n(٢) وهو مروي عن ابن عباس ﵄، وهذا على القول بأن هذه الآيات نزلت في المدينة، لأن فرض الزكاة كان بها، وعلى القول بأن المراد بها بها صدقة التطوع تكون الآيات مكية.\nانظر: بحر العلوم للسمرقندي (٣/ ٣١)، النكت والعيون (٤/ ٣٦٣).\n(٣) حكاه الماوردي في النكت والعيون (٤/ ٣٦٣).\n(٤) حكاه الماوردي في النكت والعيون (٤/ ٣٦٣).\n(٥) أخرجه البخاري (ك: التفسير، باب: قوله (فلا تعلم نفس ما أخفي لهم)، ح: ٤٧٧٩) عن أبي هريرة ﵁.\n(٦) من ذلك ما قاله سعيد بن جبير أنها زيادة تحف من الله ليست في حياتهم يكرمهم بها في مقدار كل يوم من أيام الدنيا ثلاث مرات، وقال كعب: هي زيادة نعيمهم وسجود الملائكة لهم. وكل ذلك ليس عليه دليل صحيح.\n\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٣٦٤).","vol":"1","page":2131},{"text":"وذلك بعيد لأن الله تعالى يقول ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ﴾، والنبي ﷺ يقول \" ولا خطر على قلب بشر\". ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي: للجزاء على أعمالهم في الدنيا.\nقوله ﴿مَا أُخْفِيَ﴾ بمعنى: أي شيئ، ومحله رفع بالابتداء فيمن قرأ (أُخْفيَ) بفتح الياء، ونصب فيمن قرأ (أخفي) بسكون الياء (١).\nو﴿تَعْلَمُ﴾ متعَلق (٢)، وقيل ﴿مَا﴾ بمعنى الذي، فيكون العلم بمعنى المعرفة، أو يكون المفعول الثاني مقدرًا، والوجه هو الأول.\n﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا﴾ في سبب النزول عن ابن عباس ﵄ قال: \"قال الوليد بن عقبة بن أبي معيط (٣) لعلي بن أبي طالب ﵁ \" أنا أحَدُّ منك سِنانًا، وأبسط منك لِسانًا، وأملأ منك للكتيبة \"، (٤) فقال له علي ﵁ \" أسكت فإنما أنت فاسق \"، فنزلت ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا﴾ يعنى: عليًا ﴿كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا﴾ يعنى: الوليد بن عقبة \" (٥).\n_________\n(١) قرأ حمزة، ويعقوب بإسكان الياء، والجمهور بالفتح.\nانظر: الحجة لابن خالويه (٢٨٧)، النشر (٢/ ٢٤٧).\n(٢) في أ \" والعلم متعلق \".\n(٣) الوليد بن عقبة بن أبي معيط بن عبد شمس بن مناف، أبو وهب الأموي، له صحبة قليلة ورواية يسيرة، وهو أخو عثمان بن غفان لأمه، وهو من مسلمة الفتح، ولي الكوفة لعثمان، وبعد قتله اعتزل الفتنة، كان جوادًا لكنه يتعاطى المنكرات، مات بالرقة.\nانظر: الاستيعاب (٤/ ١١٤)، سير أعلام النبلاء (٣/ ٤١٢).\n(٤) في ب \" وأملأ للكتيبة منك \".\n(٥) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٨/ ٦٢٥)، والواحدي في أسباب النزول (٤٠٥).\n\nقال الزجاج في معاني القرآن (٤/ ١٥٨) \" نزلت في علي ﵁ وعقبة بن أبي معيط\"، وعليه يلزم أن تكون الآية مكية، لأن عقبة لم يكن بالمدينة، وإنما قتل في طريق مكة منصرف رسول الله ﷺ من بدر.","vol":"1","page":2132},{"text":"ثم قال ﴿لَا يَسْتَوُونَ﴾ لا في الدنيا ولا في الآخرة (١).\nوجمع لاطراد الحكم فيه، ولأنه مصمود بهما، ودخل ﴿كَانَ﴾ لأنه حال القيامة، أي: أفمن كان بهذه الصفة في الدنيا.\n﴿أَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى﴾ يأوون إليها في الآخرة، ولا ينتقلون عنها.\n﴿نُزُلًا﴾ منزلًا. الحسن، وعطاء: هو مايعد للنازل (٢).\n﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٩) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ قال الحسن: \" يرفعهم لهب جهنم حتى يصيروا في أعلاها وكاد تقذفهم، فيضربهم الزبانية فيرجعوا في أسفلها \" (٣).\nقال القفال: \" ليس أنهم يقصدون ولا يطمعون ولكن هو كما تقول: كلما أراد الحائط أن يقع دعمته\" (٤).\n﴿وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ وتقولون لا جنة ولا نار. ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾ أي: قبل العذاب الأكبر، والعذاب الأدنى: قيل: القتل والسبي (٥).\nوقيل: الجدب والقحط (٦).\n_________\n(١) في ب \" لا في الدنيا ولا في العقبى \".\n(٢) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ١٦٩)، البحر المحيط (٦/ ١٥٧).\nقال الزجاج في معاني القرآن (٣/ ٢٥٦) \"نزلًا بمعنى منزِلًا\".\n(٣) انظر: الوسيط (٣/ ٢٦٤)، زاد المسير (٥/ ٤١٧).\n(٤) لم أقف عليه، والله أعلم.\n(٥) وهوقول ابن مسعود ﵁، وقتادة، والسدي.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٣٦٥)، الوسيط (٣/ ٤٥٤).\n(٦) وهو قول إبراهيم النخعي.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ٦٣١).","vol":"1","page":2133},{"text":"وقيل: المصائب والأمراض (١).\nوقيل: الحدود (٢).\nوقيل: عذاب القبر (٣)، وهو ضعيف في هذه الآية لقوله ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ فإن الرجوع بعد الموت إلى الإيمان غير مقبول.\nوقيل: العذاب الأدنى غلاء الأسعار، والعذاب الأكبر خروج المهدي بالسيف، حكاه النقاش وغيره (٤).\nالحسن: ﴿مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى﴾ الشدائد. ﴿دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾ الاستئصال (٥)، فإنه لا يكون في هذه الأمة (٦).\n﴿لَعَلَّهُمْ﴾ لعل من بقي ولم يُقْتَل ﴿يَرْجِعُونَ﴾، وقيل: لعل المعذبين بالعذاب الأدنى سوى القتل يرجعون فيتوبون.\n_________\n(١) وهو قول أبي بن كعب، ورواية عن ابن عباس ﵄، والحسن، وقتادة، والضحاك.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٣٦٥)، زاد المسير (٦/ ٣٤١).\n(٢) وهي رواية عن ابن عباس.\nانظر: جامع البيان (١٨/ ٦٢٩).\n(٣) قاله البراء بن عازب ﵁، ومجاهد.\nانظر: بحر العلوم للسمرقندي (٣/ ٣٢)، الكشف والبيان للثعلبي (٧/ ٣٣٣)، النكت والعيون (٤/ ٣٦٥).\n(٤) انظر: النكت والعيون (٤/ ٣٦٥)، غرائب التفسير (٢/ ٩٠٦).\n(٥) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٩٠٧).\n(٦) قال ابن جرير في جامع البيان (١٨/ ٦٣٢) \"واولى الأقوال في ذلك أن يقال: إن الله وعد هؤلاء الفسقة المكذبين بوعيده في الدنيا العذاب الأدنى ان يُذيقَهموه دون العذاب الأكبر، والعذاب هو ماكان في الدنيا من بلاء أصابهم؛ إما شدة من مجاعة، أو قتل، او مصائب يصابون بها، فكل ذلك من العذاب الأدنى، ولم يخصص الله تعالى إذ وعدهم ذلك أن يعذبهم بنوع من ذلك دون نوع، وقد عذبهم بكل ذلك في الدنيا؛ بالقتل، والجوع، والشدائد، والمصائب في الأموال، فأوفى لهم بما وعدهم\".","vol":"1","page":2134},{"text":"﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآَيَاتِ رَبِّهِ﴾ أي: بالقرآن (١).\n﴿ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا﴾ فلم يتدبر فيها.\n﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ أي: لا ندع الانتقام ممن أشرك بالله تمييزًا بين المطيع والعاصي.\n﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ يعني: التوراة.\n﴿فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ﴾ شك.\n﴿مِنْ لِقَائِهِ﴾ اختلف المفسرون فيه:\nفقيل: من لقاء موسى ﵇ الكتاب، وهذا ظاهر (٢).\nوقيل: من لقائك موسى ليلة الإسراء؛ فإن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ \" رأيت ليلة أُسري بي موسى بن عمران رجلًا آدم طِوالًا، جعدًا، كأنه من رجال شنوءة، ورأيت عيسى بن مريم رجلًا مربوع الخلق، إلى الحمرة والبياض، سَبْطَ الرأس \" (٣).\nوقيل: من لقاء موسى إياك (٤).\nوقيل: تقديره: آتينا موس الكتاب، فلقي من قومه شدائد فلا تكن في شك من لقاء مثله من قومك (٥).\n_________\n(١) في ب \" القرآن \" بحذف \" أي \".\n(٢) وهو قول مجاهد، والزجاج.\nلقائه أي: تلقيه. قال الزجاج \"وتكون الهاء للكتاب، ويكون في لقائه ذكر موسى\".\nانظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ١٥٩)، النكت والعيون (٤/ ٣٦٦).\n(٣) أحرجه البخاري (ك: بدء الخلق، باب: إذا قال أحدكم آمين والملائكة في السماء، ح: ٣٢٣٩)، وهو قول قتادة، وابن جرير.\nانظر: جامع البيان (١٨/ ٦٣٦).\n(٤) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٣/ ٣٢).\n(٥) وهو قول الحسن.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٣٦٦).","vol":"1","page":2135},{"text":"وقيل: من لقاء موسى ربه، حكاه النقاش في تفسيره (١)، وهذا مع قوله ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣] بعيد؛ لإجماع المفسرين على أن المعنى: لن تراني في الدنيا، ولعل النقاش أراد: فلا تكن في مرية من لقاء موسى ربه في الآخرة أي: سيلقاه.\nوقال صاحب النظم: \"هذا اعتراض وهو يرجع إلى أوائل السورة، وتقديره: ولقد آتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى\" (٢).\nوقوله ﴿فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ﴾ متصل بقوله ﴿بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾ [السجدة: ١٠] أي: فلا تكن أنت في مرية من لقائه.\n﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ يعنى: الكتاب. وقيل: موسى (٣).\n﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً﴾ هم علماؤهم. وقيل: أنبياؤهم (٤).\n﴿يَهْدُونَ﴾ يدلونهم على الطريق المستقيم.\n﴿بِأَمْرِنَا﴾ أي: بأمرنا إياهم بذلك.\nوقيل: ﴿بِأَمْرِنَا﴾ بديننا (٥).\n﴿لَمَّا صَبَرُوا﴾ حين صبروا على الطاعة وعن المعصية. وقرئ (لِمَا صبروا) أي: لصبرهم (٦).\n﴿وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا﴾ التوراة. وقيل: الآيات التسع (٧).\n﴿يُوقِنُونَ﴾ يعلمونها علمًا لا يخالجه شك.\n_________\n(١) انظر: النكت والعيون (٤/ ٣٦٦).\n(٢) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٩٠٨).\n(٣) قاله قتادة.\nانظر: معالم التنزيل (٦/ ٣٠٩).\n(٤) انظر: النكت والعيون (٤/ ٣٦٦).\n(٥) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٣/ ٣٢).\n(٦) في أ \" أي أصبرهم \".\nقرأ ابن كثير، وعاصم، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، (لَمَّا صبروا) بفتح اللام وتشديد الميم، وقرأ حمزة، والكسائي (لِمَا صبروا) بكسر اللام خفيفة.\nانظر: الكشف (٢/ ١٩٢)، الإتحاف (٢/ ٣٦٨).\n(٧) انظر: النكت والعيون (٤/ ٣٦٧).","vol":"1","page":2136},{"text":"﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ أي: يحكم بين الأنبياء وأممهم فيما اختلفوا.\nوقيل: يفصل بين المؤمنين والمشركين فيظهر المحق من المبطل (١).\nوقيل: ﴿يَفْصِلُ﴾ يفرق بين المؤمنين والكافرين بالمنازل (٢)؛ فالمؤمنون في الجنة والكافرون في النار (٣).\n﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾ فاعل\n﴿يَهْدِ﴾ مقدر، أي: أولم يهد إهلاكنا القرون الماضية الذين يمشون هؤلاء في مساكنهم.\nوالمعنى: لم لايعتبرون بإهلاكهم، وهم يمشون في ديارهم، ويرون ما حل بهم بسبب كفرهم.\n﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ﴾ لادلالات ومواعظ وزواجر.\n﴿أَفَلَا يَسْمَعُونَ﴾ مايوعظون فيرتدعوا.\nو(٤) ﴿كَمْ﴾ في الآية لا يجوز أن يكون فاعل ﴿يَهْدِ﴾، و(لا) مفعوله، لأن\n﴿كَمْ﴾ للاستفهام، والاستفهام لايعمل فيه ما قبله، بل يعمل فيه مابعده، ومحله في الآية نصب بـ ﴿أَهْلَكْنَا﴾، ويحتمل أن يكون ﴿يَهْدِ﴾ بمعنى: يُعلم، ويُدري، ويُري، فيكون الفاعل مضمرًا يعود إلى الله، كقراءة من قرأ (نهد) بالنون (٥)، ثم يكون معلقًا، واللام في ﴿لَهُمْ﴾ زيادة.\n﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ﴾ الماء: ماء المطر.\n_________\n(١) قاله يحي بن سلام.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٣٦٧).\n(٢) في ب \" يفرق بين الكافرين والمؤمنين بالمنازل \" بالتقديم والتأخير.\n(٣) لم أقف عليه، والله أعلم.\n(٤) الواو ساقط من ب.\n(٥) وهي قراءة أبي عبد الرحمن السلمي، وهي شاذة.\nانظر: الشواذ لابن خالويه (١١٨)، شواذ القراءات لمحمد بن أبي نصر الكرماني (٣٨٢)، زاد المسير (٦/ ٣٤٤).","vol":"1","page":2137},{"text":"وقيل: ماء الأنهار (١).\nوالأرض الجرز: اليابسة التي لا نبات بها (٢)، من قولهم: رجل جروز يأكل كل شيء، وسيف جراز يقطع كل شيء (٣).\n﴿فَنُخْرِجُ بِهِ﴾ بالماء، ويحتمل بالمكان (٤).\n﴿زَرْعًا﴾ نباتًا. وقيل: نباتًا وأشجارًا (٥).\n﴿تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ﴾ التِّبْن، والورق، والحشيش.\n﴿وَأَنْفُسُهُمْ﴾ الحب والتمر، وحر البقل.\n﴿أَفَلَا يُبْصِرُونَ﴾ بأعينهم فيستدلوا به على قدرته على إحياء الموتى.\nوقيل: الأرض الجرز اسم موضع بعينه. وقيل: هي اليمن (٦).\nوقيل: هي ما لا يصل إليه ماء النهر فيسوق الله إليه المطر (٧).\nوقيل: لا يكفيه المطر فيسوق الله إليه السيل (٨).\nويحتمل: أنها التي انقطع نباتها في الشتاء فإذا أصابها مطر الربيع نبت (٩).\n_________\n(١) انظر: النكت والعيون (٤/ ٣٦٧).\n(٢) في ب \" أي لا نبات بها \".\n(٣) انظر: معاني القرآن للفراء (٢/ ٣٣٣)، جامع البيان لابن جرير (١٨/ ٦٤١).\n(٤) في ب \"ويحتمل المكان\" بدون الباء.\n(٥) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٤٥٥).\n(٦) وهو قول ابن عباس ﵄، ومجاهد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ٦٤١).\n(٧) وهو مري أيضًا عن ابن عباس ﵄.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٣٦٧).\n(٨) وهي رواية عن ابن عباس ﵄.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ٦٤٢).\n(٩) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٤٥٥).","vol":"1","page":2138},{"text":"﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ الفرّاء: فتح مكة؛ وذلك أن المؤمنين كانوا يَعِدُونَ المشركين ذلك فقالوا استهزاءً ﴿مَتَى هَذَا الْفَتْحُ﴾ فأنزل الله ﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ (١).\nأكثر التفاسير أنها نزلت في قوم قتلهم خالد بن الوليد (٢) يوم فتح مكة، فيكون خاصًا في ذلك القوم، لأن أكثر أهل مكة آمنوا فنفعهم إيمانهم (٣).\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن للفراء (٢/ ٣٣٣).\n(٢) خالد بن الوليد بن الوليد بن المغيرة بن مخزوم القرشي المخزومي، أحد أشراف قريش في الجاهلية، وإليه كانت قيادة جيشها، كانت هجرته بعد الحديبية، شهد فتح مكة، وكان يوليه رسول الله ﷺ قيادة جيشه، وتولى بعد ذلك قتال أهل الردة، توفي سنة إحدى وعشرين.\nانظر: الاستيعاب (٢/ ١١).\n(٣) حكاه الفراء في معاني القرآن (٢/ ٣٣٣).","vol":"1","page":2139},{"text":"وقيل: المراد بالفتح: الفَصْلُ والقضاء يوم القيامة؛ لأنهم كانوا يستهزؤن بذكره وينكرونه فأنزل الله ﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ لأنهم مضطرون فلا يستحقون به ثوابًا (١).\nالزجاج: أن أصحاب رسول الله ﷺ قالوا: يوشك أن يكون لنا يوم نستريح فيه. فقال المشركون: متى هذا الفتح؟ (٢) فأعلم الله أن الراحة في الجنة في الآخرة.\n﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ عن مشركي قريش بمكة.\nوالآية منسوخة بآية السيف في براءة (٣).\nوقيل: معناه: تَغَافل عن قولهم متى هذ الفتح.\nوقيل: أعرض عنهم بالهجرة (٤).\n_________\n(١) وهو اختيار ابن جرير في جامع البيان (١٨/ ٦٤٤)، وابن كثير في تفسيره (٣/ ٤٧٣)، ويدل عليه قوله تعالى بعد ذلك ﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ قال ابن جرير: \"ولا شك أن الكفار قد جعل الله لهم التوبة قبل فتح مكة وبعده، ولو كان المعنى فتح مكة لكان لا توبة لمن أسلم من المشركين بعد فتح مكة، ولا شك ان الله قد تاب على بشر كثير بعد فتح مكة ونفعهم بالإيمان به وبرسوله\"، ومن قال أن المراد به فتح مكة فهو خلاف ما دلت عليه الاية.\n(٢) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ١٦١)، وأخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٨/ ٦٤٤) عن قتادة.\n(٣) ذهب إلى القول بالنسخ النحاس في الناسخ والمنسوخ (٢/ ٥٨١)، وهبة الله بن سلامة في الناسخ والمنسوخ (١٤٣)، ومكي بن أبي طالب في الناسخ والمنسوخ (٣٨١)، وابن العربي في الناسخ والمنسوخ (١٨٤)، واختاره ابن عطية في المحرر (٤/ ٣٦٦).\n(٤) حكاهما الماوردي في النكت والعيون (٤/ ٣٦٨).","vol":"1","page":2140},{"text":"﴿وَانْتَظِرْ﴾ أمرنا بالجهاد. وقيل: وانتظر نصرنا. وقيل: وانتظر هلاكهم (١). وقيل: وانتظر الفرصة فيهم.\n﴿إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ﴾ الفرصة فيك. وقيل: منتظرون الموت. وقيل: منتظرون موتك. وقيل: ﴿إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ﴾ لأن الفتح متيقن فيقع بهم وقوع المنتظر. والله أعلم.\n_________\n(١) في ب \" وتنظر هلاكهم \"، وهو تصحيف.","vol":"1","page":2141},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-139>سورة الأحزاب</span>","vol":"1","page":2142},{"text":"سورة الأحزاب\nثلاث وسبعون آية (١)، مدنية بالإجماع.\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ في سبب النزول أنها نزلت في أبي سفيان، وعكرمة بن أبي جهل (٢)، وأبي الأعور السلمي (٣)، قدموا المدينة بعد قتال أُحد فنزلوا على عبدالله بن أُبيّ وقد أعطاهم النبي ﷺ الأمان على أن يكلموه، فقام معهم عبدالله بن سعد بن أبي سَرْح (٤)، وطعمة بن أُبيرق (٥)،\n_________\n(١) \"ثلاث وسبعون آية\" ساقط من ب.\n(٢) عكرمة بن أبي جهل، أبو عثمان القرشي المخزومي، لما قتل أبوه تحولت تحولت رئاسة بني مخزوم إليه، أسلم وحسن إسلامه، وكان محمود البلاء في الإسلام، استشهد في معركة اليرموك بعد أن أبلى بلاءً حسنًا، ﵁.\nانظر: الاستيعاب (٣/ ١٩٠)، سير أعلام النبلاء (١/ ٣٢٣).\n(٣) أبو الأعور، عمرو بن سفيان بن عبد شمس بن سعد، السلمي، مختلف في صحبته، أسلم بعد غزوة حنين، وكان من أشد مناصري معاوية بن أبي سفيان، وكان في مقدمة جيشه يوم صفين.\nانظر: الاستيعاب (٣/ ٢٦١)، الإصابة (٤/ ٦٤١).\n(٤) عبد الله بن سعد بن أبي السَّرْح، تنظر ترجمته ص: ٤٩١\n(٥) وهو بشير أبو طعمة الظفري الأوسي، بن أُبيرق.\nقال السهيلي في الروض الأنف (٤/ ٤١٣) \"وهذا هو الصواب فيه، وقد وقع في أكثر التفاسير أنه طعمة بن أبيرق، وفي كتب الحديث بشير\"، واسمه الحارث بن عمرو بن حارثة بن الهيثم، وهو عم قتادة بن النعمان، وقد سرق منه درعين وطعامًا، ثم هرب وجعل يهجوا المؤمنين.\n\nانظر: السيرة النبوية لابن هشام (٢/ ١٦٦).","vol":"1","page":2143},{"text":"فقالوا للنبي ﷺ وعنده عمر بن الخطاب: أرفض ذكر آلهتنا اللات، والعزى، ومناة، وقُل إن لها شفاعةً وشُفعَةً لمن عبدها ونَدَعُكَ وربك. وشق على النبي ﷺ قولهم.\nفقال عمر ﵁: إئذن لنا يا رسول الله في قتلهم.\nفقال: إني أعطيتهم الأمان. فقال عمر ﵁: أُخرجوا في لعنة الله وغضبه.\nوأمر النبي ﷺ أن يخرجهم من المدينة، وأنزل الله هذه الآية (١).\nوالمعنى: اتق الله في نقض العهد.\nالزجاج: أُثْبُتْ على تقوى الله ودُمْ عليها (٢).\nوقيل: معناه: اتق الله وحده (٣).\nوقيل: الخطاب للنبي ﷺ، والمراد به أمته، ولهذا قال ﴿إِن اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ بالجمع (٤).\n﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ﴾ أهل مكة. ﴿وَالْمُنَافِقِينَ﴾ من أهل المدينة فيما يسألونك من الرفق بهم، ولا في غيره.\nوقيل: ولا تطعهم في إبعاد الفقراء عنك ليجالسوك (٥).\n﴿إِن اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا﴾ بما يكون قبل كونه.\n﴿حَكِيمًا (١)﴾ بخلْقِه قبل خلْقِه.\n﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ يعني: أَمَرَه اتق الله، ونهاه ولا تطع الكافرين والمنافقين.\nوقيل: واتبع أحكام الله التي يوحيها إليك دون أحكام الجاهلية من الظهار والتبني (٦).\n﴿إِن اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٢)﴾ لم يزل عالمًا بأعمالهم وأعمالكم.\n_________\n(١) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٣/ ٣٥)، النكت والعيون (٤/ ٣٦٩)، أسباب النزول للواحدي (٤٠٧).\n(٢) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ١٦٢).\n(٣) انظر: النكت والعيون (٤/ ٣٦٩).\n(٤) انظر: النكت والعيون (٤/ ٣٦٩).\n(٥) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٥).\n(٦) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٥).","vol":"1","page":2144},{"text":"﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ فوض أمورك إليه ولا تخف الكفار.\n﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٣)﴾ حسبك بالله قائمًا بأمورك.\n﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ﴾ في سبب النزول، أنها نزلت في جميل بن مَعْمَر الفهري (١)، وكان رجلًا لبيبًا، حافظًا لما يَسْمَع فقالت قريش: ما حفظ هذه الأشياء إلا وله قلبان. وكان يقول: إن لي قلبين؛ أعقل بكل واحد منهما أفضل من عقل محمد.\nفلما كان يوم بدر وهُزِمَ المشركون وفيهم جميل بن معمر تلقاه أبو سفيان وهو مُعَلِّقٌ أحدى نعليه بيده والأخرى في رجله فقال: يامعمر ما حال الناس؟ قال: انهزموا. قال: فما بالك إحدى نعليك في يدك والأخرى في رجلك؟ فقال: ما شعرت إلا أنهما في رجلي. فعرفوا يومئذ أنه لو كان له قلبان لما نسي نعله في يده (٢).\nقال الزجاج (٣): \"قال ابن عباس: \"إن رسول الله ﷺ صلى فسها كما يسهوا الرجل في صلاته وخطرت على باله كلمة فقال المنافقون: إن له قلبين؛ قلبًا معكم، وقلبًا مع أصحابه (٤)\n_________\n(١) جميل بن معمر بن حبيب الجمحي، أسلم عام الفتح، وكان مسنًا، وشهد مع رسول الله ﷺ حنينًا، وهو الذي أذاع في قريش خبر إسلام عمر بن الخطاب ﵁.\nانظر: الاستيعاب لابن عبد البر (١/ ٣١٦).\n(٢) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ٧)، وانظر: أسباب النزول للواحدي (٤٠٧)، وأسباب النزول للسيوطي (٢٣٣)، وعزاه في الدر المنثور (١١/ ٧١٩) لابن أبي شيبة وابن أبي حاتم.\n(٣) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ١٦٢).\n(٤) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ١٦٢)، وقد أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ٧)، والترمذي في جامعه (تفسير القرآن، سورة الأحزاب، ح: ٣١٩٩) وقال: حديث حسن.\n\nوقد اختار النحاس في معاني القرآن (٥/ ٣١٩) هذا القول، قال: \"وهو أصحها وأعلاها إسنادًا، وهو جيد الاسناد، وأولى الأقوال في الآية\".","vol":"1","page":2145},{"text":"\".\nقال الزجاج: \"وجاء في التفسير أيضًا أن عبدالله بن خطل (١) كانت تسميه قريش ذا القلبين\"، ثم ذكر عنه ما ذكر عن جميل بن معمر (٢).\nوقيل: جميل بن أسد (٣)، (٤).\nوقيل: الحارث بن فهر (٥)، (٦). وقيل: معمر بن أسد (٧)، (٨).\nوقيل: هذا تكذيب للمنافقين في قولهم للمؤمنين: آمنا بالله ونحن معكم، ثم إذا خلوا إلى شياطينهم قالوا: إنا معكم أي: لا يجتمع قلبان؛ قلب مؤمن وقلب كافر (٩).\nالحسن: كان رجل يقول: لي نفس تأمرني، ونفس تنهاني فنزلت هذه الآية (١٠).\n_________\n(١) عبد الله بن خطل، تنظر ترجمته ص: ٤٣١\n(٢) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ١٦٢).\n(٣) جميل بن أسد، ويقال: جميل بن أسيد الفهري، يكنى أبا معمر، ويلقب بذا القلبين لشدة حفظه، وهو أخبر قريشًا بإسلام عمر بن الخطاب ﵁.\nانظر: الإصابة (١/ ٤٩٩).\n(٤) انظر: الكشاف (٥/ ٤٥).\n(٥) الحارث بن فهر بن مالك بن بن النضر بن كنانة، وإليه تنسب قريش.\nانظر: البداية والنهاية (٣/ ٢٢٦، ٣٥٩).\n(٦) انظر: النكت والعيون (٤/ ٣٧٠).\n(٧) معمر بن أسد، لم أقف له على ترجمة، والله أعلم.\n(٨) لم أقف عليه، والله أعلم.\n(٩) حكاه في النكت والعيون (٤/ ٣٧١) عن النقاش.\n(١٠) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٢/ ١١١).","vol":"1","page":2146},{"text":"وذهب جماعة من المفسرين إلى أن هذا نهي عن التبني وتسمية زيد ابن رسول الله ﷺ، فإن المولود إذا استقرت النطفة في الرحم صار له قلب فلا يجوز أن يصير له قلب آخر بالنطفة الداخلة عليه بالوطء الثاني، فإذا لم يجز ذلك فهو لصاحب القلب فلا يكون لرجل واحد قلبان ولا أبوان ولا أُمَّان فانتظمت الآية على هذه الثلاثة وهو قوله ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ حكاه القفال، وقال حكى الشافعي (١) ﵀ هذا التأويل عن بعض المفسرين، وهو قول الزهري، ومقاتل بن حيان (٢).\nوقيل: متصل بقوله ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ فإن طاعتهما لا تجتمع مع الإيمان في قلب واحد، كما تقول: سيْفَان لا يجتمعان في غمد واحد.\n_________\n(١) محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع، بن مرة بن كعب بن لؤي، الإمام عالم عصره، نشأ يتيمًا بمكة، ثم رحل إلى المدينة فسمع من مال بن أنس، ثم إلى اليمن، دخل بغداد وأقام بها سنتين، ثم مصر إلى أن توفي سنة أربع ومائتين، من مصنفاته المسند في الحديث، أحكام القرآن، إختلاف أهل الحديث، وغيرها.\nانظر: سير أعلام النبلاء (١٠/ ٥).\n(٢) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٩١٠)، وهو اختيار ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ٩)، واختار ابن كثير في تفسيره (٣/ ٤٧٥) أنها نزلت في زيد بن حارثة ﵁.\nوقد ضعف النحاس في معاني القرآن (٥/ ٣١٩) قول الزهري، قال: \" وهو قول ضعيف لايصح في اللغة، وهو من منقطعات الزهري رواه معمر عنه\".","vol":"1","page":2147},{"text":"وقيل: أعلم الله بذلك أن الناس سواء فيما يُعلم به الأشياء، وأن الله لم يجعل لأحدٍ قلبًا يعلم به البواطن والغيوب وحرمه آخر، بل جعل لكل واحد قلبًا واحدًا فهم في الاستدلال والمعرفة سواء ليكذبوا من ادعى الغيوب وعلم الغيبة من السحرة والكهنة وغيرهم.\nوقيل: هذا رد على من قال إن لمحمد قلبين، فلهذا علم ما لم يعلمه غيره يقصدون بهذا الكلام تشكيك الضعفة في نبوته ويوهمونهم أنه إنما أتى بما عجز عنه غيره لأنه له قلبين فكذبهم الله وقال ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ وهو داخله الذي يكون فيه القلب ونحوه من الأحشاء، ودخل ﴿مِنْ﴾ لعموم النفي (١).\n﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ نزلت في أوس بن الصامت (٢) وامرأته خولة بنت ثعلبة (٣)،\n_________\n(١) وهذه الأقوال المثلاثة ترجع إلى الأقوال المذكورة من قبل.\n(٢) أوس بن الصامت بن قيس بن أصرمبن فهر، الخزرجي الأنصاري، شهد بدرًا وما بعدها، وبقي إلى زمن عثمان ﵄.\nانظر: الاستيعاب (١/ ٢٠٧)، الإصابة (١/ ١٥٦).\n(٣) خولة بنت ثعلبة بن أصرم بن فهر، كانت تحت أوس بن الصامت، فظاهر منها فنزل في شأنها القرآن.\n\nانظر: الاستيعاب (٤/ ٣٩٠).","vol":"1","page":2148},{"text":"(١) وسيأتي في سورة المجادلة إن شاء الله، وكان من طلاق الجاهلية أن يقول الرجل لامرأته: أنتِ علي كظهر أمي. فَرَدَّ الله ذلك، وأوجب الكَفَّارَة على من قال ذلك والمرأة زوجته كما كانت.\nو﴿اللَّائِي﴾ فيها ثلاث لغات؛ بياء بعد الهمزة، وبالهمزة وحدها، وبتليين الهمزة (٢).\nقال الشاعر (٣):\nمن اللاء لم يحججن يبغين حسبة ... ولكن ليقتلن البريء المغفلا (٤).\nوفي الظهار لغات؛ ظَاهَر، وتَظَاهَر، وتَظَهَّر (٥)،\n_________\n(١) أخرج ابن حبان في صحيحه (١٠/ ١٠٧، ح: ٤٢٧٩)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٥٢٣)، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه عن عائشة ﵂ قالت: \"تبارك الذي وسع سمعه كل شيء، إني لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة ويخفى عليَّ بعضه وهي تشتكي زوجها إلى رسول الله ﷺ وتقول: يا رسول الله أكل شبابي، ونثرت له بطني حتى إذا كبرت سني وانقطع ولدي ظاهر مني، اللهم إني أشكو إليك. فما بَرِحَت حتى نزل جبريل بهؤلاء الآيات (قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها) وهو أوس بن الصامت\".\n(٢) قرأ ابن عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائي، \"واللائي\" بياء ساكنة بعد الهمزة، وقرأ الباقون بحذف الياء، واختلفوا في الهمزة فحققها قالون، وقنبل، ويعقوب، وقرأ ورش، وأبو جعفر بالتسهيل.\nانظر: الكشف لمكي (٢/ ١٩٣)، البدور الزاهرة لابن البنا (٢/ ٣٦٩).\n(٣) في ب \"قال\" بإسقاط \"الشاعر\".\n(٤) البيت لعبد الله بن عمر بن عمرو العَرْجي.\nانظر: ديوانه (٧٤)، الأغاني (١/ ٣٩٠).\n(٥) قرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وخلف \"تَظَّاهرون\"، بفتح الياء وتشديد الظاء وألف، وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو \"تَظَّهَرون\" بحذف الألف وتشديد الهاء والظاء وفتح الياء، وقرأ حمزة \"تُظَاهِرون\".\nانظر: الحجة لابن خالويه (٢٨٨)، الكشف لمكي (٢/ ١٩٤).","vol":"1","page":2149},{"text":"واشتقاقه من الظَّهْر في قولهم: أنت عليَّ كَظَهْرِ أمي (١).\n﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ جمع دَعَيَّ، فَعِيل بمعنى مفعول، وكانت العرب في الجاهلية إذا رأى واحدٌ منهم فتىً أديبًا (٢) شجاعًا ذا كفايةٍ إدْعَاه ابنًا فَنُسِبَ إليه، وإذا مات ورثه أسوة سائر أولاده فنهى الله عن ذلك.\nوفي سبب النزول أنها نزلت في زيد بن الحارثة (٣)، وكان من بطن من كنانة سُبي في صغره فصار عبدًا لخديجة ﵂، فوهبته لرسول الله ﷺ فصار عبدًا لرسول الله ﷺ فاعتقه، وتبناه قبل الوحي، فلما تزوج النبي صلى زينب بنت جحش (٤)\n_________\n(١) وحقيقة الظهار تشبيه ظهر بظهر، والموجب للحكم منه تشبيه ظهر محلل بظهر محرم، وذكر الظهر كناية عن معنى الركوب، والآدمية إنما يُركب بطنها، وغير الآدميات إنما يُركب ظهره.\nانظر: أحكام القرآن لابن العربي (٤/ ١٨٧)،\n(٢) في ب \"فتى أريبًا\".\n(٣) زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي، مولى رسول الله ﷺ، كان قد أصابه سبي في الجاهلية، فاشتراه حكيم بن حزام لخديجة ﵂ فوهبته لرسول الله ﷺ، فتبناه قبل النبوة وهو ابن ثمان سنين، شهد بدرًا، وقتل بمعركة مؤتة.\nانظر: الاستيعاب (٢/ ١١٤)، الاصابة (١/ ٤٩).\n(٤) زينب بنت جحش بن رئاب بن أسد بن خزيمة، وأمها أميمة بنت عبد المطلب بن هاشم عمة النبي ﷺ، تزوجها رسول الله ﷺ في سنة خمس من الهجرة، وكانت تحت زيد بن حارثة.\nتوفيت سنة عشرين في خلافة عمر بن الخطاب، وهي أول نساء النبي ﷺ وفاة بعده.\n\nانظر: الاستيعاب (٤/ ٤٠٦)، الاصابة (٧/ ٦٦٧).","vol":"1","page":2150},{"text":"وكانت تحت زيد، قال المنافقون: تزوج محمد امرأة ابنه، وهو ينهى الناس عنها فأنزل الله هذه الآيات (١).\n﴿ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ لا حقيقة له كما يقول النائم والهاذي (٢) يوجد على الفم ولا حقيقة له، لأن الابن يكون بالولادة، وكذلك الأم لاتكون إلا بالولادة.\n﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ﴾ أي: الله يقول ما يجب أن يُقَال.\nوقيل: معناه: ما يقوله الله في هذا أو غيره هو الحق الواجب الذي مَن عَدَلَ عنه كان\nمبطلًا (٣).\n﴿وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ الطريق المؤدي إلى الفلاح.\n﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ انسبوهم إلى آبائهم (٤)، في سبب النزول عن ابن عمر ﵄ أنه كان يقول: \" ما كنا ندعوا زيد بن حارثة (٥) إلا زيد بن محمد حتى نزل في القرآن ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ (٦). أي: أصدق، وأعدل من القسط وهو: العدل، مصدر فَعَلَ لا يستعمل إلا بزيادة الألف.\nولفظ التفضيل فيه كقوله ﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤] وصار هذا ناسخًا لما كانوا عليه من التبني.\n﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آَبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ أي: فهم إخوانكم في الدين.\n﴿وَمَوَالِيكُمْ﴾ أي: بنوا الأعمام، فإن الدين لُحْمة كلُحْمَة النسب.\n_________\n(١) انظر: أسباب النزول للواحدي (٤٠٨)، وعزاه السيوطي في الدر (١١/ ٧٢٢) لابن مردويه.\n(٢) في أ \"والهادي\" وهو تصحيف.\n(٣) انظر: الكشاف (٥/ ٤٦).\n(٤) في ب \"انسبوا إلى آبائهم\".\n(٥) زيد بن حارثة، تنظر ترجمته ص: ١٠٢٩\n(٦) أخرجه البخاري (ك: التفسير، تفسير سورة الأحزاب، ح: ٤٧٨٢)","vol":"1","page":2151},{"text":"وقيل: مواليكم إذا كانوا مُعْتَقِين. وقيل: فإخوانكم في الدين ومواليكم في الدين، فسموهم بأسماء العرب؛ عبد الله وعبد الرحمن أي: من كان له أب نُسِبَ إلى أبيه، ومن لم يكن له أب نُسِب إلى مواليه، ومن فقدهما نُسِبَ إلى عُبودة الله وأديانهم وصناعاتهم (١).\n﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ أي: سهَوْتُم فنسبتم إلى غير أبيه.\nالزجاج: يجوز أن يكون المراد: لاجناح عليك أن تقول له يابني (٢).\n﴿وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ أي: ولكن الجُنَاح عليكم فيما تعمدت قلوبكم، فقصدتم النسبة إلى غير الأب وخالفتم أمر الله.\nوقيل: ﴿فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ قبل النهي، و﴿مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ بعد النهي (٣).\n﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ للمخطئ.\n﴿رَحِيمًا﴾ في رخصته.\n﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ معنى ﴿أَوْلَى﴾ أحق، أي: حُكْمُه أنفذ عليهم من حكمهم على أنفسهم.\nوقيل: أحق بتدبير المؤمنين في أمور دَيْنِهم (٤).\nوقيل: أولى بهم من بعضهم لبعض كقوله ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١] أي: بعضكم على بعض (٥).\nوذكر النقاش في تفسيره أن سبب نزول هذه الآية أن النبي ﷺ لما أراد غزوة تبوك وأمر الناس بالخروج قال قوم: نستأذن آباءنا وأمهاتنا، فأنزل الله فيهم هذه الآية (٦).\n_________\n(١) انظر: النكت والعيون (٤/ ٣٧٢).\n(٢) في ب \"لا جناح أن تقول يا بني\"، وانظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ١٦٤).\n(٣) قاله مجاهد.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٣٧٢).\n(٤) انظر: النكت والعيون (٤/ ٣٧٣).\n(٥) انظر: المصدر السابق (٤/ ٣٧٣).\n(٦) ذكره الماوردي في النكت والعيون (٤/ ٣٧٣).","vol":"1","page":2152},{"text":"قال القفال ﵀: \"للآية وجه آخر وهو: ما روى معمر (١) عن الزهري عن أبي هريرة (٢) في قوله ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ أن النبي ﷺ كان يقول: \" أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، فأيما رجل مات وترك دينًا فإليّ، وإن ترك مالًا فهو لورثته \".\n﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ أي: مُنَزَّلات منزلة الأمهات في التحريم والحُرْمَة (٣)، وليس يرد في الإرث، ولزوم النفقة.\nواختلفوا فيمن طلقها النبي ﷺ في حياته (٤).\nوفي بعض المصاحف (وهو لهم أب) (٥).\n_________\n(١) معْمَر بن راشد الحُدَّاني، مولاهم، أبو عروة بن أبي عمرو البصري، الإمام، الحافظ، الثقة، نزيل اليمن، شهد جنازة الحسن البصري، روى عن قتادة، والزهري، وعمرو بن دينار، وغيرهم، توفي في رمضان سنة اثنتين أو ثلاث وخمسين ومائة.\nانظر: سير أعلام النبلاء للذهبي (٧/ ٥)، تهذيب التهذيب (١٠/ ٢١٩).\n(٢) في أ \"ما روى معمر عن أبي هريرة \"، وفي ب \"ما روى معمر عن الزهري\".\nوالحديث أخرجه البخاري (ك: النفقات، ح: باب: قول النبي ﷺ \"من ترك كَلًاّ أو ضياعًا فإليّ، ح: ٥٣٧١\")، ومسلم (ك: الفرائض، باب: من ترك مالًا فلورثته، ح: ١٦١٩) عن الزهري عن أبي سلمة ابن عبدالرحمن عن أبي هريرة.\n(٣) في أ \"في الحرمة والتحريم\".\n(٤) على ثلاثة أوجه، الأول: تثبت لهن هذه الحرمة تغليبًا لحرمته ﵊.\nالثاني: لا يثبت لهن ذلك، بل هن كسار النساء.\nالثالث: من دخل بها منهن ثبتت حرمتها، وحرم نكاحها وإن طلقها، حفظًا لحرمته، وحراسة لخلوته، ومن لم يدخل بها لم تثبت لها هذه الحرمة.\nانظر: أحكام القرآن لابن العربي (٣/ ٥٤٢)، أحكام القرآن للقرطبي (١٤/ ١٢٥).\n(٥) وهي مروية عن أبيّ بن كعب، وابن عباس.\n\nانظر: البحر المحيط (٧/ ٢٠٨)، تفسير ابن كثير (٣/ ٤٧٧)، وهي قراءة شاذة.","vol":"1","page":2153},{"text":"وروي أن عمر ﵁ مر بغلام وهو يقرأ (١) (وهو لهم أب) فقال للغلام: حكه من المصحف. قال: \" هذا مصحف أُبَيّ. فقال: ما هذا يا أُبَيّ؟ قال: كنت أشد اشتغالًا منك بالقرآن \" (٢)، وكذلك قرأ ابن عباس.\nوذكرت الأئمة أن سورة الأحزاب كانت تعادل سورة البقرة، وفيها آية الرجم (٣).\n﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ﴾ وذوو القرابات.\n_________\n(١) في أ \"مر بغلام يقرأ\".\n(٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٢/ ١١٢).\n(٣) أخرج البخاري (ك: الحدود، باب: رجم الحبلى من الزنى إذا أحصنت، ح: ٦٨٣٠) عن ابن عباس ﵄، أن عمر بن الخطاب قام فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: \" ... إن الله بعث محمدًا ﷺ بالحق، وأنزل عليه الكتاب فكان مما أنزل الله آية الرجم، فقرأناها، وعقلناها، ووعيناها، فلذا رجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده ... \" الحديث.\nوأخرج أحمد في المسند (٥/ ١٣٢، ح: ٢١٢٤٥)، والبيهقي في السنن (٨/ ٢١١)، والطيالسي في مسنده (٧٣) عن زر بن حُبيش قال: قال لي أبيّ: كأْيِّن تقرا سورة الأحزاب؟ أو كأْيِّن تعدها؟ قلت: ثلاثًا وسبعين آية. فقال: أقط؟ لقد رأيتها وإنها لتعادل سورة البقرة، أو أكثر من سورة البقرة، ولقد قرأنا فيها (والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالًا من الله والله عزيز حكيم) فرُفع فيما رُفع.\nقال ابن كثير في تفسيره (٣/ ٤٧٣) \"وهذا إسناد حسن، وهو يقتضي أنه قد كان فيها قرآن ثم نُسِخَ لفظه وحكمه أيضًا\".","vol":"1","page":2154},{"text":"﴿بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ أي: في التوارث، وكانوا يتوارثون بالهجرة، والإسلام، والحِلْف، والمؤاخاة من قوله ﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢] فنُسخ ذلك بهذه الآية، وقد سبق (١).\nوقوله ﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ يريد: آية المواريث (٢).\nوقيل: في حكم الله (٣).\n﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ والمؤمنون في هذه الآية الأنصار؛ وكانت المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار فتكون ﴿مِنَ﴾ للتفضيل.\nوقيل: فيه تقديم وتأخير، تقديره: وأولوالأرحام من المؤمنين والمهاجرين بعضهم أولى ببعض ممن لم يؤمن ولم يهاجر (٤)، فتكون ﴿مِنَ﴾ للتبيين. وقيل: صلة (٥).\n﴿إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾ في حياتكم أو صية بالثلث.\n_________\n(١) أخرج ابن جرير في جامع البيان (١١/ ٢٨٩) عن ابن عباس ﵄ قال: \" (والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض) قال: يعني في الميراث؛ جعل الميراث للمهاجرين والأنصار دون ذوي الأرحام ... وكانوا يعملون بذلك حتى أنزل الله هذه الآية (وألوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله) في الميراث، فنسخت التي قبلها وصار الميراث لذوي الأرحام\". وأخرج نحوه عن مجاهد، وقتادة، وعكرمة.\nوانظر: الناسخ والمنسوخ للنحاس (٢/ ٣٩٤)، الناسخ والمنسوخ لمكي بن أبي طالب (٣٠٤).\n(٢) في ب \"يعنى آية المواريث\".\n(٣) انظر: معالم التنزيل للبغوي (٦/ ٣١٩).\n(٤) في ب \"فمن لم يؤمن ولم يهاجر\".\n(٥) انظر: معاني القرآن للفراء (٢/ ٣٣٥).","vol":"1","page":2155},{"text":"وذهب الحسن إلى أن هذا في النسب وإن كان من أهل الشرك جوز أن يوصي لهم، وزيفه أكثر المفسرين (١).\n﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ﴾ في القرآن.\nوقيل: في اللوح المحفوظ (٢).\nوقيل: في التوراة (٣).\n﴿مَسْطُورًا (٦)﴾ مكتوبًا؛ لأن في التوراة: إذا نزل رجل بقوم من أهل دينه فعليهم أن يكرموه ويواسوه وميراثه لذوي قرابته.\n﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ﴾ القفال: مسطورًا حين أخذنا (٤).\nالزجاج: واذكر إذ أخذنا من النبيين (٥).\n﴿مِيثَاقَهُمْ﴾ عهودهم على تبليغ الرسالة (٦)، والوفاء بها، وتصديق بعضهم بعضًا، وتبشير بعضهم ببعض.\n﴿وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ قَدَّمَ نبينا تعظيمًا وتبجيلًا.\nوقيل: لأن الواو لا يوجب ترتيبًا، ولأن النبي ﷺ قال: \" كنت أو لهم في الخلق وآخرهم في البعث \" (٧).\n_________\n(١) ذهب الحسن، ومحمد بن الحنفية، وقتادة إلى جواز الوصية لذوي القرابة المشركين، واختار ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ٢١) إلى أن المراد أولائكم من المؤمنين؛ لدلالة لفظ الآية، ولأن القريب المشرك وإن كان ذا نسب فليس بالمولى؛ لأن الشرك يقطع ولاية ما بين المؤمن والمشرك.\nوانظر: معاني القرآن للنحاس (٥/ ٣٢١)، إعراب القرآن له (٣/ ٣٠٢)، المحرر لابن عطية (٤/ ٣٧٠).\n(٢) وهو قول مجاهد، وغير واحد.\nانظر: تفسير ابن كثير (٣/ ٤٧٧).\n(٣) قاله محمد بن كعب القرضي.\nانظر: معالم التنزيل (٦/ ٣٢٠).\n(٤) انظر: غرائب التفسير للكرماني (٢/ ٩١٠).\n(٥) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ١٦٤).\n(٦) في ب \"واذكر إذ أخذنا من النبيين عهودهم على تبليغ الرسالة\".\n(٧) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ٢٣).\n\nقال ابن كثير في تفسيره (٣/ ٤٧٨) \"بشير بن سعيد فيه ضعف، وقد رواه سعيد بن عروبة عن قتادة مرسلًا، وهو أشبه، ورواه بعضهم عن قتادة موقوفًا\"، وذكره الألباني في السلسلة الضعيفة (٢/ ١١٥).","vol":"1","page":2156},{"text":"وقيل: خَصّهُما بالذكر لأن نوحًا أولهم بعد الغَرَق ومحمدًا ﷺ آخرهُم (١).\n﴿وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ خَصَّهم بالذِّكرِ لأنهم كانوا أصحاب الشرائع من بينهم، وغيرهم من الأنبياء فيها تبع لهم.\n﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٧)﴾ مؤكدًا باليمين، وأعاد ذكر الميثاق لانضمام الوصف إليه.\n﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ﴾ الأنبياء.\n﴿عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ أي: عمَّا قالوه لقومهم، ويحتمل أن الصِّدق بمعنى: التصديق أي:\nعن تصديق قومهم إياهم، كما جاء في الأخرى ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾، [المائدة: ١٠٩]، والسؤال توبيخ لمن كذبهم.\nوقيل: ليس هناك سؤال، إنما المراد: أن يحاسِب الصادق والكاذب فيجازي كل بما كسب (٢).\n﴿وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا (٨)﴾ في القبر والقيامة، ولام ﴿لِيَسْأَلَ﴾ متصل بالأخذ.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ ما من به.\n﴿عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ﴾ من المشركين يعني: الأحزاب، وهم قريش، وغطفان، وظاهرهم أهل الكتاب من بني قريظة، والنضير، فحاصروا المسلمين أيام الخندق (٣).\n_________\n(١) انظر: بحر العوم للسمرقندي (٣/ ٣٨).\n(٢) انظر: معاني القرآن للنحاس (٥/ ٣٢١).\n(٣) في ب \"فحاضروا المسلمين أيام الخندق\".","vol":"1","page":2157},{"text":"﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ قَاضٍ وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ الصبا قلعت خيامهم، وأكفأت قدورهم، فلم يمكنهم القرار في مواضعهم، وكانت تلك الريح معجزةً لرسول الله ﷺ، لأنه لم يكن بين العَسْكَرين إلا مقدار يسير يرى فيه بعضهم بعضًا (١)، فأنزل الله على الكافرين ريحًا شغلتهم بأنفسهم، وقلعت أخبيتهم، وأبنيتهم، وكان رسول الله ﷺ وأهل عسكره من ذلك في عافية (٢).\n﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ من حفر الخندق، إن قرأت بالتاء، وبما يعمل المشركون وجنودهم من المحاربة إن قرأت بالياء (٣).\n﴿بَصِيرًا (٩)﴾ عالمًا. ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ﴾ بدل من ﴿إِذْ جَاءَتْكُمْ﴾.\n﴿مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ أي: من جوانب مكة والمدينة، وصفهم\nبالكثرة والانثيال عليهم (٤).\n﴿وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ﴾ عدلت عن مَقَرِّها. وقيل: شخصت طامحةً من الفزع (٥).\nالفرَّاء: مالت عن كل شيء إلا إلى عدوها تنظر إليها متحيرة لشدة الأمر وصعوبته عليكم (٦).\n_________\n(١) في أ \"يرى بعضهم بعضًا\".\n(٢) في أ \"وأهل عسكره في عافية\".\n(٣) قرأ أبو عمرو، بالياء (بما يعملون)، وقرأ الباقون بالتاء (بما تعملون).\nانظر: السبعة (٥١٨)، النشر (٢/ ٣٤٧).\n(٤) الثَّوْل: الجماعة، والثَّوالة: الجماعة من الناس والجراد، وتثول عليه القوم، وانثالوا: علوه بالشتم، والضرب، والقهر، وانثال عليه الناس من كل وجه أي: انصبوا.\nانظر: لسان العرب (٢/ ١٥٠)، القاموس المحيط (١٢٥٨)، مادة: ثول.\n(٥) قاله قتادة.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٣٥).\n(٦) انظر: معاني القرآن للفراء (٢/ ٣٣٦).","vol":"1","page":2158},{"text":"﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ فإن الرئة تنتفخ عند الخوف، فيرتفع القلب حتى يكاد يبلغ الحنجرة (١).\nوقيل: اضطرب الفؤاد فلم يستقر مكانه، بل بلغ بحركته على الحلق والحنجرة (٢).\nوقيل: بلغت القلوب الحناجر مجاز أبلغ من الحقيقة (٣).\n﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠)﴾ أي: ظنونًا مختلفة؛ فالمُخْلِص يظن أن الله منجز وعده في إعلاء محمد ﷺ على عدوه، والضعيف يظن غير ذلك لما يرى من كثرة العدو، والمنافق يقول ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾.\n﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ اختبروا فظهر المخلص من المنافق.\n﴿وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (١١)﴾ حُرِّكوا تحريكًا بليغًا بالفتنة والتمحيص فثبتوا على إيمانهم. والزلزلة: شدة الحركة.\n﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ﴾ عطف على الأولى.\n﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ شك وضعف في المعتقد. قيل: هو: وصف للمنافقين بالواو، كما قال الشاعر (٤):\nإلى الملك القَرْمِ وابن الهمام ... وليث الكتيبة في المُزْدَحَم (٥).\nوقيل: هم قوم كان المنافقون يستميلونهم بإدخال الشبهة عليهم (٦).\n_________\n(١) في ب \"حتى يبلغ الحنجرة\".\n(٢) انظر: معاني القرآن للفراء (٢/ ٣٣٦).\n(٣) انظر: النكت والعيون (٤/ ٣٧٩).\n(٤) في ب \"كما قال\".\n(٥) البيت أورده الفراء في معاني القرآن (١/ ١٠٥)، وابن جرير في جامع البيان (٣/ ٨٩)، دون نسبته إلى أحد.\nالقَرْم من الرجال: السيد المعظم.\nانظر: لسان العرب (١١/ ١٣٠)، مادة: قَرَمَ.\n(٦) لم أقف عليه، والله أعلم.","vol":"1","page":2159},{"text":"﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ قال المفسرون: نزلت في معتَّب بن قشير (١)؛ وذلك أن النبي ﷺ حين أمر بحفر الخندق عرضت صخرة شَقَّتْ على من كان يليها، فلما رأى رسول الله ﷺ ذلك نزل في الخندق وأخذ مِعْوَلًا من سلمان ﵁ فضرب تلك الصخرة ثلاث ضربات فخرج مع كل ضربة كهيئة البرق، فقال سلمان ﵁ (٢): لقد رأيت أمرًا عظيمًا. فقال ﷺ: كذا وقد رأيت ذلك؟ قال: نعم والذي أنزل عليك القرآن. فقال عليه الصلاة والسلم: لقد رأيت في الضربة الأولى أبيض المدائن، وفي الثانية قصور اليمن، وفي الثالثة مدائن الروم، وليفتحن الله هذه على أمتي.\nفلما حصرهم الأحزاب (٣) واشتد عليهم المجال قال معتَّب بن قشير: يعدنا أن يفتح علينا قصور الروم، والفرس، واليمن، ولا يستطيع أحدنا أن يذهب إلى الخلاء ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورًا أي: (٤) باطلًا (٥).\n_________\n(١) معتب بن قشير، ويقال: معتب بن بشير، بن مليل بن زيد بن مالك بن عوف الأنصاري، شهد العقبة، وبدرًا، وأحدًا، يقال أنه كان من المنافقين، وهو القائل ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ [آل عمران ١٥٤].\nانظر: الاستيعاب (٣/ ٤٨٢)، الإصابة (٦/ ١٧٥).\n(٢) سلمان الفارسي تنظر ترجمته ص: ٨٤\n(٣) في أ \"فلما حضرهم الأحزاب\".\n(٤) \"أي\" ساقط من أ.\n(٥) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ٣٩)","vol":"1","page":2160},{"text":"﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَاأَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ﴾ يثرب هو: المدينة (١).\nوقيل: أرض، والمدينة في ناحية منها (٢).\nوروي عن البراء أنه قال سمعت رسول الله ﷺ (٣) يقول: \"من قال للمدينة يثرب فليستغفر الله، هي طابة ثلاث مرات\" (٤).\n_________\n(١) يَثْرِب: مدينة رسول الله ﷺ، سميت بذلك لأن أول من سكنها يثرب بن قانية بن إرم بن سام بن نوح ﵇، ولما هاجر إليها رسول الله ﷺ سماها طيبة وطابة.\nانظر: معجم البلدان (٥/ ٤٣٠).\n(٢) ذكره ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ٤٢)، والماوردي في النكت والعيون (٤/ ٣٨٢) عن أبي عبيدة.\n(٣) في أ \"وروي عن البراء ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ\".\n(٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور (١١/ ٧٥٢) لابن أبي حاتم وابن مردويه، وضعف إسناده ابن كثير في تفسيره (٣/ ٤٨١)، وله شواهد كما في البخاري (ك: فضائل المدينة، باب: المدينة طابة، ح: ١٨٧٢) عن أبي حُمَيّد ﵁ قال: أقبلنا مع النبي ﷺ من تبوك حتى أشرفنا على المدينة فقال: \"هذه طابة\". وأخرج أيضًا (ك: فضائل المدينة، باب: فضل المدينة وأنها تنفي الناس، ح: ١٨٧١) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \" أُمِرْتُ بقرية تأكل كل القرى، يقولون: يثرب، وهي المدينة، تنفي الناس كما ينفي الكير خبث الحديد\".\nوأخرج مسلم في صحيحه (ك: الحج، باب: المدينة تنفي شِرارها، ح: ٣٣٤٣) عن زيد بن ثابت ﵁، عن النبي ﷺ قال: \"إنها طيبة- يعني المدينة\".\n\nوأخرج أيضًا (ك: الحج، باب: المدينة تنفي شِرارها، ح: ٣٣٤٤) عن جابر بن سمرة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن الله تعالى سمى المدينة طابة\".","vol":"1","page":2161},{"text":"﴿لَا مُقَامَ لَكُمْ﴾ لا مكان لكم تقومون فيه (١)، فإن الأحزاب قد ضَيَّقوا عليكم بالحَصْر.\nوقيل: لا موضع تقيمون فيه (٢)، أي: ليس هذا موضع قرار (٣).\n﴿فَارْجِعُوا﴾ إلى منازلكم بالمدينة، أمروهم بترك رسول الله ﷺ، وذلك أن النبي ﷺ كان قد خرج على سَلْعَ (٤) لقتال القوم.\nوقيل: لا مقام لكم على دين محمد فارجعوا إلى الشرك تسلموا من هذه الشدائد (٥).\nوقيل: لا مقام لكم على القتال فارجعوا إلى الأمان (٦).\n﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ﴾ يجوز أن يعود الضمير إلى الطائفة، ويجوز أن يعود إلى المنافقين. السُّدي: هو أَوْس بن قَيْظِيّ (٧)، (٨)،\n_________\n(١) في أ \"لا مقام لكم يقومون فيه\" بالياء.\n(٢) في أ \"لا موضع يُقِمون فيه\" بالياء.\n(٣) حكاه ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ٤٢).\n(٤) سَلْع: جبل متصل بالمدينة.\n(٥) قاله الحسن.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٣٨٢).\n(٦) في أ \"لا مقام لكم على القتال فارجعوا إلى الأمان\".\nوهذا قول الكلبي.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٣٨٢).\n(٧) في أ، ب \"أوس بن قبطي\"، وهو تصحيف، والصواب \"أوس بن قَيْظِي\" كما في البداية والنهاية لابن كثير (٥/ ١٢)، وفي تفسيره (٣/ ٤٨٢)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (١١/ ٧٥٣) لابن أبي حاتم عن السدي.\n(٨) أوس بن قيظي بن عمرو بن زيد بن حارثة الأنصاري الحارثي، شهد أحدًا هو وأبناه كَبَاثة وعبد الله، ويقال إنه من المنافقين القائلين يوم الأحزاب ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾ [الأحزاب: ١٣].\n\nانظر: الاستيعاب (١/ ٢١١)، الإصابة (١/ ١٥٩).","vol":"1","page":2162},{"text":"وأبو عرابة بن أوس (١).\nالضحاك: رجع ثمانون رجلًا بغير إذن (٢).\n﴿يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾ غير حصينة نخاف عليها من العدو والسُّرَّق، تقول: عَوَرَ المكان يَعُورُ عَوْرًا، صار عَوْرَةً، والعَوْرَة: كل ما خِيفَ عليه، أو كُرِهَ انكشافه، وكذلك العورة من الإنسان، فكَذَّبَهم الله، وقال ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ﴾ أي: هي حصينة (٣).\nوقيل: ما هي بعورة لأن الله يحفظها. وقيل: زعموا أن بها عدوًا ومن جملة العسكر فبعث رسول الله ﷺ فلم يجد بها عدوًا، حكاهما القَفَّال (٤).\n﴿إِنْ يُرِيدُونَ﴾ ما يريدون بهذا القول.\n﴿إِلَّا فِرَارًا (١٣)﴾ من القتال.\n﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ﴾ أي: دُخِلت المدينة. وقيل: البيوت (٥).\n﴿مِنْ أَقْطَارِهَا﴾ جوانبها أي: من أَيِّ جانب دُخِلَت.\n﴿مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآَتَوْهَا﴾ أي: ثم سألوهم أن يشركوا ويرتدوا لأشركوا، ومن قرأ بالمد لأعطوها في مقابلة السؤال (٦).\n_________\n(١) أبو عرابة بن أوس، والصواب عرابة بن أوس بن قيظي، الأنصاري الحارثي، استصغره رسول الله ﷺ يوم أحد فرده في تسعة نفر، كان عرابة سيد من سادات قومه كريمًا جوادًا.\nانظر: الاستيعاب (٣/ ٣٠٧)، الإصابة (١/ ٢٦٠).\n(٢) انظر: النكت والعيون (٤/ ٣٨٢).\n(٣) في أ \"أي: حصينة\".\n(٤) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٩١٢).\n(٥) أي: لو دخل عليهم الأعداء من كل جانب من جوانب المدينة، وهو تفسير قتادة، وعبد الرحمن ابن زيد، وابن جرير، وابن كثير.\nانظر: تفسير ابن كثير (٣/ ٤٨٢).\n(٦) قرأ ابكثير، ونافع، وابن عامر (لأَتَوْها) بالقصر، أي: لقصدوها، وقرأ عاصم، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي (لآتوها) بالمد، أي: لأعطوها.\n\nانظر: الحجة لابن خالويه (٢٨٩)، النشر (٢/ ٣٤٨).","vol":"1","page":2163},{"text":"﴿وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا﴾ أي: بالإجابة.\n﴿إِلَّا يَسِيرًا (١٤)﴾ قليلًا (١). أي: أسرعوا الإجابة.\nوقيل: ما تلبثوا بالمدينة أو البيوت بعد ذلك إلا يسيرًا حتى يأتيهم الله بالعذاب (٢).\n﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ﴾ يعني بني حارثة يوم أُحُد حين فَشِلوا ثم تابوا وعاهدوا أن لا يعودوا لمثله (٣).\nوقيل: عاهدوا قبل مجيء الأحزاب وحلفوا لا ينهزمون (٤).\n﴿وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا (١٥)﴾ أي: مسؤلًا عنه مجازىً عليه.\nوقيل: ﴿مَسْئُولًا (١٥)﴾ مطالبًا، تقول: سألت فلانًا حقي إذا طالبته به (٥).\n﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ﴾ لأن الحذر لا يغني عن الأجل، والموت ضد الحياة، والقتل ضد البنية (٦) التي تصح معها الحياة (٧).\nوقيل: يجوز أن يعيش بعد الفرار، لقوله ﴿وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٦)﴾ أي: حياةً يسيرة في أيام قلائل (٨).\n﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: من عذاب الله.\n﴿إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا﴾ في الدنيا.\nوقيل: من عذاب الآخرة (٩).\n﴿أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً﴾ ظهورًا على عدوكم.\n_________\n(١) \"قليلًا\" ساقط من ب.\n(٢) قاله السدي.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٣٨٣).\n(٣) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ٤٤، ٤٧) عن ابن عباس ﵄، وقتادة.\n(٤) انظر: النكت والعيون (٤/ ٣٨٤).\n(٥) انظر: النكت والعيون (٤/ ٣٨٤).\n(٦) في أ \"والقتل نقض البنية \".\n(٧) في أ \"التي يصح معها الحياة\" بالياء.\n(٨) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٤٧).\n(٩) حكاه الماوردي في النكت والعيون (٤/ ٣٨٤) عن النقاش.","vol":"1","page":2164},{"text":"وقيل: خيرًا في الدنيا والآخرة، ويحتمل أن تقف على قوله ﴿سُوءًا﴾ ثم تبتدئ (١) ﴿أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً﴾ لأنه لا يحسن عطف الرحمة على العصمة لأنها تستعمل في دفع المكروه، ويكون التقدير: أو أراد بكم رحمة فمن يحرمكم ثوابه (٢).\n﴿وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا﴾ حافظًا.\n﴿وَلَا نَصِيرًا (١٧)﴾ ناصرًا.\n﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ﴾ أي: منكم من يعوق عن نصرة رسول الله، أي: يمنع ويُعَسِّر الأمر في الخروج معه، تقول: عَاقَ يَعُوق إذا منع، وعَوَّقَ أي: عَسَّر وبالغ في المنع.\n﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ﴾ في الكفر.\n﴿هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ أقبلوا إلينا، ودعوا عسكر محمد، واتركوا شهود القتال معه فإن محمدًا وأصحابه أكلة رأس.\nو﴿هَلُمَّ﴾ معناه: تعال، لا يُثنى ولا يُجْمَع عند أهل الحجاز، وأهل نجد يؤنثون ويثنون ويجمعون. الخليل: أصله هالم (٣).\nالفَرَّاء: هل أَم (٤).\n﴿وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا (١٨)﴾ فيه قولان:\nأحدهما: أن هذا جملة كلامهم، والمعنى: لا يأتي أصحاب محمد إلا قليلًا، لايقاومون الأحزاب.\nوالثاني: أنه استئناف من الله أي: يعوقون الناس ويتخلفون بأنفسهم في أكثر الأحوال.\n﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ إلا رياءً وسمعة.\nوقيل: إلا قليلًا كارهين (٥).\nوقيل: معناه: لا يُغْنُون إلا غَناءً قليلًا.\nوقيل: صفة مصدر محذوف إلا إتيانًا قليلًا (٦).\n_________\n(١) في أ \"ويحتمل أن يقف ..... ثم يبتدئ\" بالياء.\n(٢) انظر: القطع والائتناف (٤١٢)، النكت والعيون (٤/ ٣٨٤).\n(٣) انظر: العين للخليل (٤/ ٥٦).\n(٤) انظر: معاني القرآن للفراء (٢/ ٣٣٨).\n(٥) قاله السدي.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٣٨٥).\n(٦) لم أقف عليه، والله أعلم.","vol":"1","page":2165},{"text":"وقيل: إنه منصوب على أصل الاستثناء، وكان مرفوعًا على البدل كقراءة ابن عامر (١) ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [النساء: ٦٦] (٢).\nقوله ﴿أَشِحَّةً﴾ جمع شحيح، وهو: البخيل، يبخلون.\n﴿عَلَيْكُمْ﴾ بالظَّفَرِ والغنيمة، وبالنفقة في سبيل الله (٣)، أي: هم جُبَنَاء عند اللِّقاء، أَشِحَّاء عند العطاء، وهي حال عن ﴿الْمُعَوِّقِينَ﴾.\nوقيل: من ﴿الْقَائِلِينَ﴾.\nوقيل: من الضمير في ﴿وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ﴾.\nوقيل: صفة لقوله ﴿قَلِيلًا﴾ فيمن جعله في محل رفع.\nوقيل: ﴿أَشِحَّةً﴾ نُصِبَ على الذَّم (٤).\n﴿فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ﴾ أي: خوف القتال.\nوقيل: خوفهم منكم (٥).\n\n﴿رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾ قيل: نَظَرَ رجاء (٦). وقيل: كأنهم ينظرون إليك (٧).\n﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ﴾ في أحداقهم يمينًا وشمالًا.\n﴿كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ أي: دورانًا كدوران عين الذي يُغْشَى عليه، وفي مصحف أُبيّ (كدوران الذي يغشى عليه) (٨).\n﴿فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ﴾ زال ذلك الخوف وأَمِنوا (٩).\n_________\n(١) ابن عامر تنظر ترجمته ص: ٣٨٥\n(٢) قرأ ابن عامر (ما فعلوه إلا قليلًا منهم) بالنصب على الاستثناء، والجمهور (إلا قليلٌ منهم) بالرفع على البدل من الضمير المرفوع في (فعلوه).\nانظر: الكشف لمكي (١/ ٣٩٢)، النشر (٢/ ٢٥٠).\n(٣) في ب \"والنفقة في سبيل الله\".\n(٤) تنظر الأقوال في معاني القرآن للزجاج (٤/ ١٦٧)، إعراب القرآن للنحاس (٣/ ٣٠٨).\n(٥) قاله قتادة.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٣٨٥).\n(٦) في أ \"وقيل: نظر رجاء\".\n(٧) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٥٣).\n(٨) وهي قراءة شاذة.\nانظر: شواذ القراءات للكرماني (٣٨٤).\n(٩) في ب \"زال الخوف وأمنوا\".","vol":"1","page":2166},{"text":"﴿سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ أكثروا معكم الكلام بألسنةٍ ذَرِبَةٍ (١)، يطلبون الغنيمة أعطونا أعطونا إلحاحًا منهم (٢).\nوقيل: معنى ﴿سَلَقُوكُمْ﴾ يطعنون فيكم بالمعائب كذبًا وزورًا، من قول العرب: صَلَقَت المرأة، وسَلَقَت: صخبت (٣).\nوقيل: جادلوكم.\nوقيل: إذا ذهب الخوف سلقوكم مدحوكم، وأحسنوا القول فيكم خلاف الحالة الأولى من قولهم: خطيب مِسْلَق وسلَاّق (٤).\n﴿أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ﴾ كرر لأن الأول مطلق، والثاني مُقَيَّد بالخير، والخير: ثواب الله. وقيل: الغنيمة (٥).\nوقيل: الدِّين. وقيل: المال (٦).\nوقيل: الكلام الحَسَن الجميل (٧).\n﴿أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ أي: مَنْ كان هذه صفته فليس بمؤمن.\n_________\n(١) في ب \"بألسنة ذرية\"، وهو تصحيف، والصواب هو المثبت.\nقال ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ٥٤) \"يقال للرجل الخطيب الذَّرِب اللسان: خطيب مِسْلَق، ومِصْلَق، وخطيب سَلَاّق، وصَلَاّق\".\n(٢) في أ \"يطلبون الغنيمة أعطونا إلحاحًا منهم\".\nواختار هذا القول ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ٥٥).\n(٣) أخرج البخاري (ك: الجنائز، باب: ما يُنهى عن الحَلْقِ عند المصيبة، ح: ١٢٩٦) عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ برئ من الصالقة، والحالقة، والشَّاقة.\nقال ابن حجر في الفتح (٣/ ١٩٨) \"الصَّالِقة: التي ترفع صوتها بالبكاء، ويقال فيه بالسين المهملة بدل الصاد، والحالِقة: التي تحلق رأسها عند المصيبة، والشَّاقة: التي تشق ثوبها\".\n(٤) حكاه الزجاج في معاني القرآن (٤/ ١٦٨).\n(٥) وهو اختيار ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ٥٥).\n(٦) قاله السدي.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٣٨٦).\n(٧) انظر: المصدر السابق (٤/ ٣٨٦).","vol":"1","page":2167},{"text":"﴿فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ﴾ أبْطَل ما أظهروا لفساد ما اضمروا.\n﴿وَكَانَ ذَلِكَ﴾ أي: إحباط أعمالهم.\n﴿عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (١٩)﴾ هينًا.\n﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا﴾ أي: لجبنهم يظنون قريشًا وغطفان ومن كان معمهم لم ينصرفوا بعد أن كانوا قد انصرفوا، غير أنهم كانوا لم يتباعدوا بعد في المسير. ﴿وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ﴾ ولو رجع الأحزاب بعد انصرافهم.\n﴿يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ﴾ يتمنى المنافقون لجبنهم لو كانوا في البوادي من العرب ليأمنوا على أنفسهم، ويعتزلوا مما فيه المؤمنون من القتال (١).\n﴿يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ﴾ عن أخباركم من تلقاهم من القادمين من جانب المدينة، وعلى هذا ﴿يَسْأَلُونَ﴾ متصل بقوله ﴿يَوَدُّوا﴾.\nوقيل: ﴿يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ﴾ استئناف، أي: منهم من كان في أطراف المدينة لم يحضروا الخندق يسألون الناس عن أنباء العسكر متوقعين غلبة المشركين محمدًا ﷺ. ﴿وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا (٢٠)﴾ من غير نية ولا بصيرة.\n﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ ثم عاتب هؤلاء فقال: لقد كان لكم قدوة برسول الله ﷺ حين خرج للحرب مع ما قاساه من البرد، والجوع، وحفر الخندق، وغيرها فهلا اقتديتم به.\n﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ﴾ أي: ثواب الله.\n﴿وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ﴾ نعيم اليوم الآخر.\nوقيل: لمن يخاف الله، ويخاف اليوم الآخر (٢).\n_________\n(١) في ب \"ويعتزلوا فما فيه المؤمنون من القتال\"، والصواب المثبت.\n(٢) قاله مقاتل.\nانظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٤٦٤).","vol":"1","page":2168},{"text":"﴿وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ في الخوف، والرجاء، والشِّدة، والرخاء، أي: هؤلاء هم الذين يَقتدون به دون من لا يرجوا ولا يذكر.\nوذهب جماعة إلى أن ﴿لِمَنْ﴾ بدل من قوله ﴿لَكُمْ﴾، وفيه ضعف، لأنه لا يجوز البدل من ضمير المخاطب. وقيل: صفة لأسوة، وهو الأظهر (١).\nوقيل: هذا أمر للمؤمنين بالاتساء. وقيل: مدح لهم (٢).\n﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ أي: وعدنا الله بقوله ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا﴾ [البقرة: ٢١٤] الآية، ووعد رسوله بقوله ﷺ لهم: \" سيشتد بكم الأمر باجتماع الأحزاب عليكم، والعاقبة لكم عليهم\".\nوقيل: كان رسول الله ﷺ قال لهم: \" إنهم قد خرجوا عليكم (٣)، وهم يصيرون إليكم بعد تسعٍ أو عشر\"، فلما رأوهم قالو هذا ما وعدنا الله ورسوله (٤).\n﴿وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ أي: ظهر صدق خبر الله ورسوله (٥)، وهذا في مقابلة قول المنافقين ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾.\n﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا﴾ بالله. ﴿وَتَسْلِيمًا (٢٢)﴾ لأمره لعلمهم أنه كما صَدَقَ في البَلاء صَدَقَ في النصرة والثواب.\nواختُلِفَ في فاعل ﴿زَادَهُمْ﴾ فقيل: ما رأو.\n_________\n(١) انظر: النكت والعيون (٤/ ٣٨٨)، البحر المحيط (٧/ ٢١٦).\n(٢) انظر: النكت والعيون (٤/ ٣٨٨).\n(٣) في ا \"إنهم خرجوا عليكم \".\n(٤) أشار إليه الفراء في معاني القرآن (٢/ ٣٤٠)، وأورده الزمخشري في الكشاف (٥/ ٥٩) عن ابن عباس ﵄، وسكت عنه الزيلعي في تخريج أحاديث الكشاف (٣/ ١٠٠).\n(٥) في ب \"أي: ظهر صدق خبرهما\".","vol":"1","page":2169},{"text":"وقيل: نظرهم (١).\nوقيل: مجيئهم. وقيل: ما نزل بهم من الشدائد. وقيل: اجتماع الأحزاب عليهم.\nوقيل: ﴿تَسْلِيمًا﴾ بمعنى: إسلام، أي: إلا إيمانا وإسلامًا (٢).\nوقيل: إلا إيمانًا بالله وتسليمًا لرسوله (٣).\n﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ في سبب النزول رواه البخاري ﵀ في الصحيح عن أنس ﵁ أنه قال: \"نزلت في عمِّي أنس بن النضر (٤)، قال: وبه سُمِّيتُ أنسًا، غاب عن قتال بدر فشق عليه لما قدم، وقال: غِبْتُ عن أول مشهد شهده رسول الله ﷺ والله لئن أشهدني قتالًا ليَرَيَنَّ الله ما أصنع، فلما كان يوم أُحد انكشف المسلمون فقال: اللهم إني أبرأ إليك مما جاء به المشركون، وأعتذر إليك مما صنع هؤلاء يعني المسلمين، ثم مشي بسيفه فلقيه سعد بن معاذ (٥) فقال: أي سعد والذي نفسي بيده إني لأجد ريح الجنة دون أُحد، فقاتلهم حتى قُتِل.\nقال أنس: فوجدناه بين القتلى به سبع وثمانون جِراحة من بين طعنٍ، وضربٍ، ورميٍ، وقد مَثَّلوا به، فما عرفناه حتى عرفته أخته ببنانه، ونَزَلت ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ (٦).\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن للفراء (٢/ ٣٤٠).\n(٢) في ب \"إلا إيمانًا وإلا إسلامًا\".\n(٣) في ب \"وقيل: إلا إيمانًا وتسليمًا لرسوله\".\nتنظر الأقوال في غرائب التفسير (٢/ ٩١٤).\n(٤) أنس بن النضر بن ضمضم بن زيد بن حزام، بن النجار الأنصاري، عم أنس بن مالك الأنصاري، قتل يوم أحد شهيدًا.\nانظر: الاستيعاب لابن عبد البر (١/ ١٩٨).\n(٥) سعد بن معاذ تنظر ترجمته ص: ٥٥١\n(٦) أخرجه البخاري (ك: الجهاد، باب: قوله تعالى (من المؤمنين رجال صدقوا)، ح: ٢٨٠٥).","vol":"1","page":2170},{"text":"﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ في سبب النزول أنها نزلت في طلحة بن عبيد الله (١)، (٢) ثَبَتَ مع رسول الله ﷺ حتى أصيبت يده فقال رسول الله ﷺ: \" أَوْجَبَ طلحة الجنة\"، ومَرَّ طلحة على النبي ﵊ فقال: \" هذا ممن قضى نَحْبَه\" (٣).\nوقيل: ﴿صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ نزلت في مبايعتهم ليلة العقبة (٤).\nوقيل: ما عاهدوا الله عليه بنذر نذروه (٥) بأن قاتل حتى قُتِل، أو قاتل حتى يُقْتَل أو ينصر (٦). الفرَّاء: من قضى نحبه نزلت في حمزة وأصحابه (٧).\n﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (٢٣)﴾ بل هو عازم على أن يفعله (٨) إذا اتفق له المشهد. وقيل: ﴿قَضَى نَحْبَهُ﴾ مات، أي: مات حَتْفَ أنفه ثابتًا على عهده، ومنهم من ينتظر الموت ناويًا الصدق.\nوقيل: ﴿نَحْبَهُ﴾ أجله (٩).\nوقيل: ﴿نَحْبَهُ﴾ عهده (١٠).\nوذكر القفال أن النَّحْبَ يأتي على وجوه:\nأحدها: النَّذْر، أي، قضى نذره.\n_________\n(١) في أ \"أنها نزلت في طلحة بن عبد الله\"، والمثبت هو الصواب.\n(٢) طلحة بن عبيد الله، تنظر ترجمته ص: ٩٨٢\n(٣) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ٦٦، ٦٧).\n(٤) انظر: زاد المسير (٦/ ٣٧١).\n(٥) في ب \"ما عاهدوا الله بنذر نذروه\".\n(٦) قاله ابن قتيبة في تأويل مشكل القرآن (١٨٣).\nقال: \"النحب: النذر، واستعير النحب مكان الأجل؛ لأن الأجل وقع بالنحب وكان النحب له سببًا\".\n(٧) انظر: معاني القرآن للفراء (٢/ ٣٤٠).\n(٨) في ب \"وهو عازم على أن يفعله\".\n(٩) قاله الزجاج في معاني القرآن (٤/ ١٦٩).\n(١٠) قاله مجاهد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٦٢).\nقال النحاس في معاني القرآن (٥/ ٣٣٩) \"وهو أشهرها كما قال مجاهد\".","vol":"1","page":2171},{"text":"ومنها: الخطر، أي: فرغ من خطر الحياة، لأن الحي على خطر ما عاش.\nومنها: السَّيْر السريع، أي: سار بسرعة إلى أجله.\nومنها: النوبة، أي: قضى نوبته.\nومنها: النَّفَس، أي: فرغ من أنْفَاسِه.\nومنها: النَّصَب، أي: فرغ من نَصَبِ العيش وجهده.\nقال: \"وهذا كله يعود إلى معاني الموت وانقضاء الحياة\" (١).\n﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾ قيل: اللام متصل بقوله ﴿عَاهَدُوا﴾ ليجزي.\nوقيل: ما بدلوا ليجزي.\nوقيل: وعدنا الله ليجزي الله (٢).\nوقيل: ابتلى المؤمنون ليجزي. وقيل: أمر بالوفاء ليجزي الصادقين بصدقهم على صدقهم (٣). ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ﴾ أي: الكاذبين.\n﴿إِنْ شَاءَ﴾ في الاستثناء قولان:\nأحدهما: أن من المنافقين من تاب من نفاقه فاستحق أن يتوب عليه.\nوالثاني: يعذب المنافقين بأن لا يوفقهم للتوبة من نفاقهم إن شاء، فالاستثناء من التوفيق لا من العذاب.\n﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ إن تابوا. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا﴾ لمن تاب.\n﴿رَحِيمًا (٢٤)﴾ بعباده.\n_________\n(١) أورد ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ٦١، ٦٢) هذه المعاني للنَّحْب، وانظر: المفردات (٧٩٣)، مادة: نَحَبَ، معاني القرآن للنحاس (٥/ ٣٣٩).\n(٢) في ب \"وعدنا ليجزي\".\nتنظر الأقوال السابقة في غرائب التفسير (٢/ ٩١٤).\n(٣) انظر: البحر المحيط (٧/ ٢١٧).","vol":"1","page":2172},{"text":"﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا﴾ مالًا. وقيل: ظفرًا، وسماه خيرا بزعمهم. وروي عن عائشة إنها قالت: \" خرجت يوم الأحزاب استروح الأخبار فإذا أنا برجل يقول: لبِّثْ رُويدًا يلحق الهيجاء جمل، فإذا أسيد بن حضير (١) وإذا امرأة تسوق بعيرًا (٢) فقلت: ما الخبر؟ فقالت: رد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرًا ورسول الله لم يمت، فأنزل الله على لسانها الآية (٣).\n﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ بريح الصَّبَا، والملائكة، وكَبَّر الملائكة في عسكرهم فلما سمعوا التكبير قالوا: قد بدأ محمد بالسِّحْر، فانصرفوا لا يلوون على شيء.\n_________\n(١) أُسَيْد بن حضير بن سماك بن عتيك بن عبد الأشهل بن جشم بن الحارث بن الخزرج النصاري، اسلم قبل سعد بن معاذ على يدي مصعب بن عمير، كان من نقباء بيعة العقبة الثانية، ولم يشهد بدرًا، وجرح يوم أحد سبع جراحات، وكان من أكمل الناس عقلًا وأحسنهم صوتًا بالقرآن، توفي في شعبان سنة عشرين للهجرة.\nانظر: الاستيعاب (١/ ١٨٥).\n(٢) في أ \"وإذا امرأة تسوق البعير\".\n(٣) انظر: أحكام القرآن لابن العربي (٣/ ٥٤٧)، البداية والنهاية (٦/ ٤٧)، والبيت أورده الزمخشري في المستقصى في أمثال العرب (٢/ ٢٧٨) بلفظ \"يلحق الهيجا حَمَل\"، وهو الصواب. قال: \"والمراد بالبيت حَمَل، وهو اسم رجل شجاع كان يُسْتظهر به في الحرب، ولا يبعد أن يراد به حَمَل بن بدر صاحب الغبراء\".\nوقال السهيلي في الروض الأُنُف (٦/ ٣١٩) \"هو بيت تمثل به عنى به حَمَل بن سَعْدَانة بن حارثة بن معقل بن كعب بن عُلَيْم بن جُناب الكلبي\".\nوانظر: شرح كتاب الأمثال لأبي عبيد البكري (٤٤٠)، جمهرة الأمثال لأبي هلال العسكري (٢/ ٢٠٦).","vol":"1","page":2173},{"text":"﴿وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (٢٥) وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ وهم: بنو قريظة، ظاهروا أبا سفيان والمشركين على رسول الله والمسلمين، وكانت بنو قريظة قد عاهدوا رسول الله ﷺ على التَّكَاف، فنقضوا العهد لمَّا رأوا كثرة الأحزاب ولم يشكوا أنهم يغلبون المؤمنين، فلما انهزم الأحزاب جاء جبريل وقال: يا محمد أتنزع لأمتك والملائكة لم يضعوا سلاحهم منذ أربعين ليلة؟ . ثم قال له: إن الله يأمرك أن تسير إلى بني قريظة فإني قد قَطْعُت أوتادهم، وفَتَحْتُ أبوابهم، وتركتهم في زلزال وبلبال، واستلأم رسول الله ﷺ (١) ودعا عليًا فأعطاه لواءه، وأمر بلالًا فنادى: أَنْ لا تصلوا العصر إلا ببني قريظة، فحاصرهم إحدى وعشرين ليلة ثم نزلوا على حكم سعد بن معاذ ﵁ (٢) فيهم، فحكم سعد أن يُقتل مقاتلتهم، ويُسبى ذراريهم، ويُقْسم أموالهم، ويكون عقارهم للمهاجرين، وقال للأنصار: إنكم ذوو عقار وليس للمهاجرين عقار.\nفَكَبَّر رسول الله ﷺ وقال: قضى فيهم بحكم الله فوق سبعة أرقعة، فَقُتِل منهم أربعمائة وخمسون، وسُبِي سبعمائة وخمسون.\nوالمعنى: أنزل الله الذين أعانوا الأحزاب من اليهود (٣).\n_________\n(١) أي: لبس درع الحرب.\n(٢) سعد بن معاذ بن النعمان بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الشهل بن الخزرج، الأنصاري، يكنى أبا عمرو، أسلم بالمدينة بين العقبة الأولى والثانية، وشهد بدرًا، وأحدًا، ورمي يوم الخندق بسهم فعاش شهرًا ثم مات، وكان موته بعد قريضة بليال.\nانظر: الاستيعاب (١/ ١٦٧).\n(٣) في أ \"أنزل الذين أعانوا الأحزاب من اليهود\".\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٧٣)، البداية والنهاية (٦/ ٩١، ٩٠).","vol":"1","page":2174},{"text":"﴿مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾ حصونهم، والصِّيصِية: القَرْن، وشوكة الديكة، وشوكة الحائك، والصِّيصية: الأصل أيضًا، ويحتمل أن يكون المعنى: ﴿مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾ من أصولهم أي: فَجَذَّ الله أصولهم (١).\n﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ الخوف. ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ الرجال.\n﴿وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا (٢٦)﴾ النساء والذراري.\n﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ﴾ مزارعهم. ﴿وَدِيَارَهُمْ﴾ بلادهم وحصونهم.\n﴿وَأَمْوَالَهُمْ﴾ المواشي، والذهب، والفضة، والأثاث.\n﴿وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾ لم تقاتلوا عليها، قيل: هي خيبر (٢).\nوقيل: مكة (٣).\nوقيل: فارس والروم (٤).\nوقيل: جميع ما يظهر عليه المسلمون إلى يوم القيامة (٥).\n﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا (٢٧)﴾ قادرًا بذاته.\n﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ السعة في الدنيا، وكثرة المال.\n_________\n(١) قال ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ٨١) \"وأصل الصَّياصي: جمع صِيصِة، وعني بها ههنا: حصونهم، والعرب تقول لطرف الحبل: صِيصِة، ويقال لأصل الشيء: صِيصِيته، يقال: جَزَّ الله صِيصِة فلان أي: أصله، ويقال لشوكة الحاكة: صَياصِي\".\n(٢) قاله السدي وابن زيد.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٣٩٣).\n(٣) وهو قول قتادة.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٣٩٣).\n(٤) انظر: المصدر السابق (٤/ ٣٩٣).\n(٥) وجَوَّزَ ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ٨٣) أن يكون الجميع مرادًا، لأن الله تعالى لم يخصص بعضًا دون بعض.\nوانظر: المحرر لابن عطية (٤/ ٣٨٠).","vol":"1","page":2175},{"text":"﴿وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨)﴾ كان أزواج النبي ﷺ سألْنَه من عرض الدنيا، وآذينه بزيادة النفقة وبالغيرة، فهجرهن وآلى أن لا يقربهن شهرًا، فأنزل الله هذه الآيات فأمره الله بتخيير نسائيه حسمًا لمادة أذاهن فقرأها عليهن فاخترنه (١).\nقوله ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ﴾ أعطكن ما عندي، فيه أقوال:\nقال بعضهم: إنما قال ﴿أُمَتِّعْكُنَّ﴾ لأن قولهن لو قلن نريد الحياة الدنيا وزينتها كان طلاق، فيكون بعده المتعة ثم التسريح، لأن هذا منه ﵊ كقول الرجل: لامرأته اختاري، فقالت: اخترت نفسي (٢)، وقع الطلاق.\nوقال بعضهم: هذا تخيير بين الدنيا وزينتها وبين الآخرة ونعيمها، فإن اخترن الدنيا طلقهن حينئذ، وتقدير الآية على هذا: فتاعلين أطلقكن، وأمتعكن (٣)، وأسرحكن.\n_________\n(١) أخرج البخاري في الصحيح (ك: التفسير، سورة الأحزاب، باب: قوله (يا أيها النبي قل لأزواجك)، ح: ٤٧٨٥) عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ جاءها حين أمر الله أن يُخَيِّرَ أزواجه، فبدأ بي رسول الله ﷺ فقال: إني ذاكر لك أمرًا فلا عليك أن تستعجلي حتى تستأمري أبويك، وقد علم أن أبوي لم يكونا يأمراني بفراقه. قالت: ثم قال إن الله قال ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ إلى تمام الآيتين. فقلت له: ففي أي هذا أستأمر أبوي؟ فإني أُريد الله ورسوله والدار الآخرة.\n(٢) في ب \"فقال اخترت نفسي\".\n(٣) من \"الدنيا طلقهن\" إلى \"أطلقكن وأمتعكن\" ساقط من ب.","vol":"1","page":2176},{"text":"وقال بعضهم: ﴿أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾ بالطلاق (١)، وجاز تقديم المتعة لأنها من باب الأموال، وتقديم حقوق الأموال جائز، ومن قال: يقع الطلاق بمجرد قوله: اختاري فليس له من الآية دليل.\nقوله ﴿سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ أي: لاضرار فيه ولا مشاجرة.\n﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآَخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾ أي: تنلن من صحبتي ما تردن من رضى الله. وقيل: جنته (٢).\n﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ معصية ظاهرة. وقيل: نشوزًا وسوء خلق (٣). وقيل: زنًا بَيِّن (٤).\n﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ أي: ضعفي عذاب غيرهن من النساء تعظيمًا لهن، كما جعل حد الحر ضعفي حد المملوك.\n_________\n(١) قال الحسن وقتادة: خيرهن بين اختيار الدنيا فيفارقهن واختيار الآخرة فيمسكهن، وهو مروي عن علي ﵁.\nوقالت عائشة ﵂، وعكرمة، والشعبي، ومقاتل خيرهن بين الطلاق أو المقام معه، وهو الذي عليه جمهور العلماء، أن من خيَّر زوجته فاختارته لم يكن طلاقًا، ولا يقع به فرقة، لما روى مسلم في صحيحه (ك: الطلاق، باب: بيان أن تخيير امرأته لايكون طلاقًا إلا بالنية، ح: ١٤٧٧) عن عائشة ﵂ قالت: \"خيرنا رسول الله ﷺ فاخترناه، فلم نعده طلاقًا\".\nانظر: أحكام القرآن لابن العربي (٣/ ٥٦٢)، شرح النووي على صحيح مسلم (١٠/ ٣٢١)، النكت والعيون (٤/ ٣٩٤).\n(٢) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ١٧٠).\n(٣) قاله ابن عباس ﵄.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٣٩٧).\n(٤) قاله السدي، واختاره ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ٩٠).","vol":"1","page":2177},{"text":"قيل: هو في الدنيا (١). وقيل: هو في الآخرة (٢).\nوقيل: عذاب الدنيا وعذاب الآخرة (٣).\nوقيل: جعل العذاب ضعفين كما جعل الأجر مرتين (٤).\nقال أبو عبيدة: \" ضعفين ثلاثة أعذبةٍ\" (٥)، وأنكره الزجاج، وقطرب، وغيرهما من المفسرين وقالوا: ضعف الشيء مثله، ولا يكون أن يعطي على الطاعة أجرين وعلى المعصية ثلاثه أعذبة (٦).\nومحتمل أن أبا عبيدة لم يقل ثلاثة أعذبة من حيث رد عليه المفسرون لأن ذلك في غاية البعد، فإن الضِّعْفَ الواحد ينبئ حينئذ عن واحدٍ ونصفٍ ضرورة، وهذا لايقوله أحد بل من وجه آخر وهو: أن الدرهم إذا ضاعفته مرة صار درهمين، وإذا ضاعفته مرتين صار ثلاثة دراهم، فصار معنى قوله ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ﴾ يجعل لها العذاب ومثيله.\nوما ذهب إليه بعض الفقهاء أن الرجل إذا قال: أَوْصَيت لزيد بضعف نصيب عمرو، ونصيب عمرو درهم يلزمه درهمان، ثم إن قال: (٧) بضعفي نصيب عمرو قال: تلزمه ثلاثة دراهم (٨) إستدلالًا بقول أبي عبيدة فشيئ لاوجه له في العربية، لأن أبا عبيدة ذهب إلى ذلك (٩) لوجود لفظ التضعيف أو المضاعفة وليس كذلك الوصية. والله أعلم.\n﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ أي: تضعيف العذاب على الله سهل. وقيل: ﴿يَسِيرًا﴾ أي: لااعتراض عليه.\n_________\n(١) قاله مقاتل.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٣٩٧).\n(٢) قاله مقاتل.\nانظر: المصدر السابق (٤/ ٣٩٧).\n(٣) قاله قتادة.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٣٩٧).\n(٤) انظر: زاد المسير (٦/ ٣٧٨).\n(٥) انظر: مجاز القرآن لأبي عبيدة (٢/ ١٣٦).\n(٦) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ١٧٠)، معاني القرآن للنحاس (٥/ ٣٤٤).\n(٧) في ب \"ثم وإن قال\".\n(٨) في ب \"يلزمه ثلاثة دراهم\".\n(٩) في أ \"ذهب على ذلك\".","vol":"1","page":2178},{"text":"﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ ومن يَدُم منكن على طاعة الله وطاعة رسوله.\nوقيل: ومن يطع (١).\nوقيل: ومن يخضع (٢).\n﴿وَتَعْمَلْ صَالِحًا﴾ طاعة.\n﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ مثل ثواب غيرها.\n﴿وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾ جليل القدر، وهو الجنة. وقيل: ومن يقنت منكن بطاعة النبي (٣) فيما بينهن وبينه من أمور الزوجية، ويكون ذكر الله على وجه التعظيم كما سبق في قوله ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١].\n﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ أي: الله فضلكن على سائر النساء بأن جعلكن أزواجًا لنبيه الذي هو أكرم خلقه عليه، وذلك التقوى فألزمنها (٤).\nوقيل: إن التكليف عليكن أشد، كما أن ثوابكن أكثر.\nوقيل: تم الكلام على ﴿كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾ ثم استأنف فقال (٥) ﴿إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ﴾ وإنما قال ﴿كَأَحَدٍ﴾ ولم يؤنث لأن لفظه للعموم يقع للواحد والجمع والمذكر والمؤنث (٦).\nوقيل: يقع على من يعقل وعلى من لايعقل أيضًا (٧).\nقوله ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾ أي: في مخاطبة الأجانب.\n﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ نفاق. وقيل: فجور (٨).\nوقيل: مَيْل إلى المعصية (٩).\n_________\n(١) قاله ابن عباس، ﵄.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٩٢).\n(٢) انظر: البحر المحيط (٧/ ٢٢١).\n(٣) في أ \"ومن يقنت منكن لطاعة النبي\".\n(٤) في ب \"وذلك للتقوى فالزمنها\".\n(٥) في ب \"ثم استأنف وقال\".\n(٦) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٩١٦).\n(٧) انظر: معالم التنزيل (٦/ ٣٤٨).\n(٨) قاله الفراء في معاني القرآن (٢/ ٣٤٢).\n(٩) حكاه السمرقندي في بحر العلوم (٣/ ٤٩).","vol":"1","page":2179},{"text":"وقيل: شهوة. وقيل: حب الزنا (١).\n﴿وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ سديدًا مستقيمًا.\n﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ من فتح فمن قَرِرتَ بالكسر أَقَر بالفتح، وكأن الأصل أْقررن فنقلت الفتحة إلى القاف فحذف الراء لالتقاء الساكنين والألف للاستغناء عنه، ومن كسر جعله من قَرَرَت بالفتح أقِر بالكسر على ما ذكرت (٢).\nوقيل: هو أمر من وَقَرَ يَقِر، والمعنى: لاتخرجن من بيوتكن وكن فيها ذوات وقار وسكون (٣).\n﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ قيل: التبرج: التبختر في المشي والانكسار، وأصل البروج: الظهور (٤).\nقال المؤرج: \" لا تخرجن بلغة كنانة \" (٥).\nوقيل: التَّبرج: التزين، يستعمل في النساء خاصة (٦).\nوقيل: التَّبرج: إظهار الزينة (٧)،\n_________\n(١) قال قتادة: هو النفاق وشهوة الزنى والفجور.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٣٩٩)، قال: \"وكان أكثر من تصيبهم الحدود في زمان النبي ﷺ المنافقون\".\n(٢) قرأ نافع وعاصم (وقَرْنَ) بفتح القاف، وقرأ الباقون بكسرها (وقِرْن).\nانظر: السبعة لابن مجاهد (٥٢١)، الحجة في القراءات لابن خالويه (٢٩٠).\n(٣) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ١٧٠).\n(٤) حكاه الزجاج في معاني القرآن (٤/ ١٧٠).\n(٥) لم أقف عليه، والله أعلم.\n(٦) في ب \"يستعمل للنساء خاصة\".\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٤٠٠).\n(٧) قال الزجاج في معاني القرآن (٤/ ١٧٠): \"التبرج: إظهار الزينة، وما يستدعى به شهوة الرجال\".\n\nوقال الرغب في المفردات (١١٥)، مادة: برج \"ثوب مبرَّج: صُورت عليه بروج، واعتُبِرَ حسنه فقيل: تَبَرَّجت المرأة أي: تشبهت به في إظهار المحاسن، وقيل: ظهرت من برجها أي: قصرها، وابَرَج: سعة العين وحسنها تشبيهًا بالبرج في الأمرين\".","vol":"1","page":2180},{"text":"والتقدير: لاتبرجن تبرجًا مثل تبرج النساء في ﴿الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾.\nوالجاهلية: ماكنوا يتعاطونه مما لم يأت به شرع، والأول والأولى اسم للسابق المنفرد تأخر غيره عنه (١) أولم يتأخر.\nواختلفوا في زمن الجاهلية:\nفقيل: هو ما بين آدم ونوح ﵉ ثمانمائة عام (٢).\nوقيل: مابين نوح وإدريس ﵉ (٣).\nوقيل: ما بين عيسى ومحمد ﵉ (٤).\nابن عباس ﵄: كانت الجاهلية الأولى ألف سنة (٥).\nوقيل: هو زمن داود ﵇ كانت المرأة تلبس درعًا من الؤلؤ مفرج الجانبين لا ثوب عليها غيرها تمشي في الطرق (٦).\nوقيل: كانت في الجاهلية الأولى أمور قبيحة منها: أن المرأة كانت تجمع زوجًا وخِلْمًا أي: خدنًا (٧)، فتجعل للزوج النصف الأسفل وذلك ممنوع عن الخِلْم، وللخِلْم النصف الأعلى لا تمنع من تقبيلها وتَرَشُّفِها (٨)، فعند ذلك يقول أحد الخلوم لزوج صاحبته:\n_________\n(١) في أ \"والأول اسم للسابق المنفرد تأخر عنه غيره\" بدون \"الأولى\".\n(٢) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ٩٨) عن الحكم.\n(٣) في أ \"وقيل بين نوح وإدريس ﵉\".\nأخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ٩٨) عن عكرمة عن ابن عباس، وقوى إسناده ابن حجر في الفتح (٨/ ٣٨٠).\n(٤) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ٩٨) عن الشعبي.\n(٥) سبق تخريجه في الحاشية رقم: ٨ ص (١٠٥٩).\n(٦) في ب \"لا ثوب عليها غيرها تمشي في الطريق\" بالمفرد.\nانظر: الكشاف للزمخشري (٥/ ٦٧).\n(٧) الخِلْم: بالكسر، أصله مربض الضبية، تتخذه مألفًا وتأوي إليه، وسمي الصديق خِلْمًا لأُلفته، وهو الصديق الوفي، وجمعه أخلام.\nانظر: العين (٤/ ٢٧٤).\n(٨) ذكره الماوردي في النكت والعيون (٤/ ٤٠٠) وبيَّن أن ذلك كان ما بين نوح وإدريس ﵉.","vol":"1","page":2181},{"text":"فهل لك في البدال أبا حروب ... فأرضى بالأكارع والعجوب (١).\nوقيل: الجاهلية الأولى قبل الاسلام، والثانية: حال من عمل بعمل أولئك في الإسلام (٢).\nوقيل: الجاهلية الأولى هي: التي تقول لها الجاهلية الجهلاء (٣). ومعنى الأولى: القديمة (٤).\n﴿وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ﴾ المفروضة.\n﴿وَآَتِينَ الزَّكَاةَ﴾ الواجبة.\n﴿وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ فيما يأمر وينهى.\n_________\n(١) البيت أوره الماوردي في النكت والعيون (٤/ ٤٠٠) بلفظ:\nفهل لك في البدال أبا خبيب ... فأرضى بالأكارع والعُجُوز.\nوقد أنكر النحاس في الناسخ والمنسوخ (٢/ ٥٩٢)، أن يكون هذا عند العرب، قال: \"وهذا غير معروف عند الناقلين عن العرب\".\n(٢) قاله ابن زيد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٩٩).\n(٣) في أ \"هي التي تقولها الجاهلية الجهلاء\".\n(٤) وقد بين ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ٩٩) أنه يجوز أن يراد بالجاهلية الأولى ما بين آدم وعيسى ﵉، وجائز أن يكون ذلك مابين آدم ونوح ﵉، وجائز أن يكون ما بين إدريس ونوح، فتكون الجاهلية الآخرة ما بين عيسى ومحمد ﵉، وكله يحتمله ظاهر الآية، والمراد النهي عن تبرج الجاهلية الأولى.","vol":"1","page":2182},{"text":"﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ﴾ في سبب النزول عن أبي سعيد ﵁ قال: \" نزلت في خمسة؛ في النبي ﷺ، وعلي، وفاطمة (١)، والحسن (٢)، والحسين (٣)، ﵃\" (٤).\nوعن أم سلمة ﵂ (٥) أن النبي صلى عليه وسلم كان في بيتها فأتته فاطمة ﵂ ببرمة فيها خزيرة (٦)،\n_________\n(١) فاطمة بن رسول الله ﷺ، سيدة نساء العالمين، ولدت سنة إحدى وأربعين مولد أبيها، وهي من أصغر بناته، تزوجها علي بعد وقعة أُحد فولدت له الحسن والحسين وأم كلثوم وزينب، توفيت بعد رسول الله ﷺ بيسير. انظر: الاستيعاب (٤/ ٤٤٧)، الإصابة (٨/ ٥٣).\n(٢) الحسن بن علي بن أبي طالب الهاشمي، ابن فاطمة بنت رسول الله ﷺ، ولد في النصف من شهر رمضان سنة ثلاث للهجرة، وكان أشبه الناس بجده، حليمًا، ورعًا، بايعه الناس بعد قتل الحسين ثم تنازل لمعاوية، توفي بالمدينة سنة تسع وأربعين، وقيل غير ذلك. انظر الاستيعاب (١/ ٤٣٦)، الإصابة (٣/ ٦٨).\n(٣) الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي، ولد لخمس خلون من شعبان سنة أربع، ولم يكن بينه وبين الحسن إلا طهر واحد، كان فظلًا، كثير العبادة، قتل في كربلاء يوم الجمعة العاشر من محرم سنة إحدى وستين.\nانظر: الاستيعاب (١/ ٤٤٢)، الإصابة (٢/ ٧٦).\n(٤) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ١٠١).\n(٥) أم سلمة زوج النبي ﷺ، واسمها هند بنت أبي أمية بن مخزوم، وكانت قبله عند أبي سلمة بن عبد الأسد، أسلمت وهاجرت إلى الحبشة ثم إلى المدينة، توفيت في آخر سنة إحدى وستين.\nانظر: الاستيعاب (٤/ ٤٩٣)، الإصابة (٨/ ١٤٩).\n(٦) الخزيرة: هي اللحم البائت يطبخ ويذر عليه الدقيق فَيُعْصَدُ به.\n\nانظر: لسان العرب (٤/ ٨٠).","vol":"1","page":2183},{"text":"فدخلت بها عليه فقال لها: أُدعي لي زوجك وابنيك. قالت: فجاء علي، والحسن، والحسين، ﵃ فدخلوا وجلسوا يأكلون من تلك الخزيرة، وهو ﵊ على منامة له، وكان تحته كساء خيبري، قالت: وأنا في الحجرة أُصلى فأنزل الله هذه الآية ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾. قالت: فأخذ فضل الكساء فغشاهم به ثم أخرج يديه فألوى بهما إلى السماء ثم قال: اللهم هؤلاء أهل بيتي فاذهب عنهم رجس الشيطان وطهرهم تطهيرًا. قالت: فأدخلت رأسي البيت فقلت: وأنا معكم يا رسول الله؟ قال: إنك إلى خير إنك إلى خير\" (١).\nابن عباس ﵄: نزلت هذه الآية في نساء النبي ﷺ (٢).\nعكرمة: ليس الذي تذهبون إليه في الآية إنما هي في أزواج النبي ﷺ، وكان عكرمة ينادي بهذا في السوق (٣).\nوالمحققون على أنها نزلت فيهم خمستهم، وفي جميع نساء النبي ﷺ بدليل ما تقدم وما تأخر من الآيات، ولأن امرأة الرجل من أهل بيته بدليل قول الله في قصة إبراهيم\n﴿رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [هود: ٧٣].\n_________\n(١) أخرجه ابن جري في جامع البيان (١٩/ ١٠٣)، قال عنه ابن كثير في تفسيره (٣/ ٤٩٢) \"في إسناده من لم يسم وهو شيخ عطاء، وبقية رجاله ثقات\".\n(٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور (١٢/ ٣٦) لابن أبي حاتم، وابن عساكر.\n(٣) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ١٠٨).","vol":"1","page":2184},{"text":"ومن ذهب إلى الأول جعل هذا اعتراضًا وتقديره: وأَطِعْنَ الله ورسوله واذكرن ما يتلى (١)، وأهل البيت منصوب على النداء، وأجاز الزجاج نصبه على المدح (٢).\n﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ في ﴿وَاذْكُرْنَ﴾ قولان:\nأحدهما: اذكرن نعمتي عليكن إذ جعلتكن أهل بيت النبوة، ومعدن نزول الوحي، وأزواج رسول الله ﷺ.\nوالثاني: أَمَرَهُنّ أن يَتَّعِضْنَ به، ويعملن بموجبه.\nوفي ﴿الْحِكْمَةِ﴾ قولان:\nأحدهما: أنها الكتاب.\nوالثاني: وهو قول الجمهور أنها السنن (٣)، فيكون من باب قوله: متقلدًا سيفًا ورمحًا (٤)، فإنه لايقال: تلوت السنة.\nوقال أبو علي: التلاوة لاتستعمل إلا في قراءة كتاب الله (٥).\n﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ أي: لطيفًا باختيارِكُن له، خبيرًا بأحوالِكُن.\n_________\n(١) قال ابن كثير في تفسيره (٣/ ٤٩١) \"وهذا نص في دخول أزواج النبي ﷺ في أهل البيت ههنا، لأنهن سبب نزول هذه الاية، وسبب النزول داخل فيه قولًا واحدًا، إما وحده على قول، وإما مع غيره على الصحيح\" ثم وجه قول من ذهب إلى أن الآية خاصة بأزواج النبي ﷺ فقال: \"فإن كان المراد أنهن كن سبب النول دون غيرهن فصحيح، وإن أُريد أنهن المراد فقط دون غيرهن ففي هذا نظر، فإنه قدرت أحاديث تدل على أن أعم من ذلك\"، ثم ساق جملة منها.\n(٢) في ب \"وجاز الزجاج نصبه على المدح\"، وهو تصحيف.\nانظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ١٧١).\n(٣) وهو قول قتادة، واختاره ابن جري في جامع البيان (١٩/ ١٠٨).\n(٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٢/ ١١٦)، وابن جرير في جامع البيان (١٩/ ١١٠)\n(٥) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٩١٦).","vol":"1","page":2185},{"text":"﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ في سبب النزول، قال قتادة: \" لمَاَّ ذكر الله أزواج النبي ﷺ دخلت نساء من المسلمات عليهن وقلن: \" ذُكِرتُن ولم نذكر ولو كان فينا خيرًا ذُكِرْنا \" فأنزل الله هذه الاية (١).\nقال مقاتل بن حيان: \" بلغني أن أسماء بنت عميس (٢) لما رجعت من الحبشة مع زوجها جعفر بن أبي طالب (٣) دخلت على نساء النبي فقالت: \" هل نزل فينا شيء من القرآن؟ قلن لا. فأتت رسول الله صلى الله عليه الصلاة وسلم فقالت: إن النساء لفي خيبةٍ وخسار يارسول الله. قال ومم ذاك؟ قالت: لأنهن لا يذكرن بخير كما يذكر الرجال، فأنزل الله إن المسلمين والمسلمات\" (٤)، وهم الذين على دين الإسلام في قوله ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩].\n_________\n(١) انظر: أسباب النزول للواحدي (٤١٣)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (١٢/ ٤٦) لابن سعد.\n(٢) أسماء بنت عُمَيْس بن معد بن الحارث بن تيم بن كعب بن مالك، وهي اخت ميمونة زوج النبي ﷺ، هاجرت مع زوجها جعفر بن أبي طالب إلى الحبشة، ثم إلى المدينة، فلما قتل تزوجها أبو بكر الصديق ﵁ فولدت له محمدًا، ثم مات عنها فتزوجها علي بن أبي طالب فولدت له يحي.\nانظر: الاستيعاب (٤/ ٣٤٧).\n(٣) جعفر بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم، كان أشبه الناس خَلْقًا وخُلُقًا برسول الله ﷺ، وهو أكبر من علي ﵄، وكان من المهاجرين إلى الحبشة، وقدم منها حين فتح خيبر وفرح به النبي ﷺ، استشهد في غزوة مؤتة، وقطعت فيها يداه، ﵁.\nانظر: الاستيعاب (١/ ٣١٢).\n(٤) انظر: أسباب النزول للواحدي (٤١٣)، والوسيط له (٣/ ٤٧١)، ومعالم التنزيل (٦/ ٣٥٢).","vol":"1","page":2186},{"text":"وقيل: المتذللين (١).\n﴿وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ هم الذين كتب في قلوبهم الإيمان.\nوقيل: المُصَدِّقون الله فيما وعدهم وأوعدهم (٢).\n﴿وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ﴾ المطيعين لله في أمره ونهيه. وقيل: الدَّاعين (٣).\n﴿وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ﴾ أي: في أيمانهم، وعهودهم.\nوقيل: في أخبارهم وأفعالهم (٤).\n﴿وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ﴾ على أمر الله وعن نهيه.\nوقيل: الصابرين في البأساء والضراء (٥).\n﴿وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ﴾ المتواضعين، الخائفين. وقيل: المصلِّين (٦).\n﴿وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ﴾ الذين يخرجون زكاة أموالهم.\nوقيل: المتطوعين بإعطاء النوافل (٧).\n﴿وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ﴾ يريد صوم شهر رمضان.\n﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ﴾ أي: عَمَّا لا يحل، وأراد والحافظاتها فحذف من الثاني، لأن الأول يدل عليه.\n﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ بالتسبيح، والتحميد، والتهليل، والتكبير، والذاكراته.\nوقيل: التَّالين القرآن (٨).\nوقيل: المصلين (٩).\n﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً﴾ لذنوبهم.\n﴿وَأَجْرًا عَظِيمًا (٣٥)﴾ لطاعاتهم.\n_________\n(١) انظر: النكت والعيون (٤/ ٤٠٢).\n(٢) انظر: المصدر السابق (٤/ ٤٠٢).\n(٣) انظر: النكت والعيون (٤/ ٤٠٢).\n(٤) انظر: المصدر السابق (٤/ ٤٠٣).\n(٥) انظر: النكت والعيون (٤/ ٤٠٣).\n(٦) قاله الكلبي.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٤٠٣).\n(٧) عزاه في النكت والعيون (٤/ ٤٠٣) لابن شجرة.\n(٨) انظر: النكت والعيون (٤/ ٤٠٤).\n(٩) انظر: المصدر السابق (٤/ ٤٠٤).","vol":"1","page":2187},{"text":"﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ في التفسير أنها نزلت في زينب بنت جحش (١) وأخيها، وذلك أن النبي ﷺ خطبها لزيد فكرهت ذلك وكرهه أخوها، فأنزل الله هذه الآية فرضيا به (٢).\nوقال بعضهم كانت هذه أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط (٣) وهبت نفسها للنبي صلى الله\nعليه وسلم فزوجها زيد بن حارثه، فكرهت ذلك فنزلت (٤).\nوالمعنى: ما كان لأحد من أهل الإيمان حين حكم الكتاب أو السنة بأمر أن يختار غيره، ولا يجوز له أن يفعل إلا ما حكم الله به في القرآن (٥) أو حكم به رسوله في السنة.\n﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ﴾ فخالف الكتاب. ﴿وَرَسُولَهُ﴾ فخالف السُّنة.\n﴿فَقَدْ ضَلَّ﴾ عن الصواب والرشاد. ﴿ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦)﴾ غير خافٍ. والخِيَرَة: التخيرة، قاله الزجاج (٦).\nالأخفش: أراده اختيار الشيء على غيره من أمرهم (٧).\nومعنى ﴿قَضَى﴾ حكم. وقيل: أحكم (٨).\n﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ يعني بالإسلام.\n﴿وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ بالإعتاق، والتَّبَني، يعني زيدًا.\n_________\n(١) زينب بنت جحش تنظر ترجمتها ص: ١٠٢٩\n(٢) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ١١٢).\n(٣) أم كلثوم بنت عقبة بن أبي مُعَيْط، واسم أبي معيط أبان بن أبي عمرو، أسلمت في مكة قبل الهجرة، ثم هاجرت وبايعت، فهي من المهاجرات المبايعات، وكانت هجرتها سنة سبع من الهجرة.\nانظر: الاستيعاب (٤/ ٥٠٨).\n(٤) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ١١٤).\n(٥) في أ \"إلا ما حكم الله في القرآن\".\n(٦) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ١٧٣).\n(٧) \"من أمرهم\" ساقط من ب.\n(٨) لم أقف عليه، والله أعلم.","vol":"1","page":2188},{"text":"وقيل: ﴿أَنْعَمَ اللَّهُ﴾ ذكر تعظيمًا وإجلالًا كما يقول الرجل لعبده: أعتقك الله وأعتقتك، ومثله (١) ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٤١] وكذلك ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢] في أحد وجوههما (٢).\nوأجمع المفسرون على أنها نزلت في زينب بنت جحش، وكانت ابنت عمة النبي ﷺ زوجها منه بعد أن كانت تكره ذلك فرضيت لنزول الآية (٣) على ما سبق في الآية الأولى، وكانا لا يتفقان لما فيها من الكِبْر والحِدَّة، فلما رآهما لا يتفقان وكثرت شكاية زيد منها ومن تَكَبُّرها عليه، خطر بباله ﷺ لأجل القرابة التي بينهما أن لو طلقها لتزوجها النبي ﷺ، ويؤويها إلى نفسه كما يضم القريب قريبه إلى نفسه، وكلما شكا زيد إليه (٤) قال له ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ يعني زينب.\n﴿وَاتَّقِ اللَّهَ﴾ في أمرها.\n﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ أي: وتخفي في نفسك نكاحها أن لو طلقها زيد، وهو الذي أبداه الله، فالمخفى المبدى هو النكاح.\nوقال بعض المفسرين: إن زيبب شاورت رسول الله ﷺ في رجلين أن يتزوجها أحدهما: معاوية، والثاني: أبو الجهم.\n_________\n(١) في ب \"أو مثله\"، وهو تصحيف.\n(٢) في أ \"في أحد وجوههما\"، وانظر: النكت والعيون (٤/ ٤٠٥).\n(٣) في ب \"ورضيت لنول الآية\".\n(٤) في أ \"وكلما شكا إليه زيد\".","vol":"1","page":2189},{"text":"فقال: ﵊ أما معاوية فصعلوك لا مال له، وأما أبو الجهم فلا يرفع عصاه عن أهله ولكني أزوجك من زيد فقالت: لا أرضاه وأنا أَيِّمُ قريش وابنة عمتك. فقال ﷺ: لكني أرضاه لك ونزلت الآية (١)، فرضيت.\nثم بعد أن تزوجها زيد أتى النبي ﷺ منزل زيد لحاجة فرأى زينب في درع وخمار فقال: سبحان الله مقلب القلوب وخرج، فلما عاد زيد أعلمته زينب ما كان من النبي ﷺ فعلم أنها وقعت في قلبه، وفي بعض الروايات فكرهت إليه في الوقت فأراد أن يفارقها.\nوروي عن زينب أنها قالت: لما وقعت في قلب النبي ﷺ لم يستطعني زيد وما امتنع منه غير ما يمنعه الله مني فلا يقدر على ذلك فأتى النبي ﷺ وقال: إن زينب فيها كبر وأنا أريد طلاقها. فقال النبي ﷺ: أمسك عليك زوجك واتق الله وفي نفسه حب تزوجها أن لو طلقها، وهو قوله ﴿فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ (٢)\n_________\n(١) قصة خطبة معاوية بن أبي سفيان وأبو الجهم ليست لزينب بت حجش كما ذكر المصنف، وإنما هي لفاطمة بنت قيس، وكانت تحت أبي عمرو بن حفص بن المغيرة المخزومي، فطلقها، فأشار عليها رسول الله ﷺ بأسامة بن زيد فتزوجت به، وقد أخرجها مسلم في الصحيح (ك: الطلاق، باب: المطلقة ثلاثًا لا نفقة لها، ح: ١٤٨٠)، لكن لم تنزل الآية في شأنها، ولم يتزوجها الرسول ﷺ، والصحيح أن الآية نزلت في شأن زينب بنت جحش بنت عمة رسول الله ﷺ.\n(٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور (١٢/ ٣٥) لابن سعد.\nوكل هذه الأخبار لا أصل لها، وهي ساقطة الأسانيد، ولا تليق بمقام نبينا ﵊، وقد أبطلها كثير من الأئمة، لأنه لم يكن وقت ذاك قد فرض الحجاب.\n\nقال صاحب المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم: \"وقد اجترأ بعض المفسرين في تفسير هذه الآية، ونسب إلى رسول الله ﷺ ما لا يليق به ويستحيل عليه؛ إذ قد عصمه الله منه ونزَّهه عن مثله .. وإنما تفسيرها أن الله أعلم نبيه بكونها زوجة له، فلما شكاها زيد له وأراد أن يطلقها قال له: أمسك عليك زوجك واتق الله، وأخفى في نفسه ما أعلمه الله به مما هو مبديه بطلاق زيد لها، وتزويج النبي ﷺ لها\" أ. هـ بتصرف يسير.\nوانظر: أحكام القرآن لابن العربي (٣/ ٥٧٧)، المحرر لابن عطية (٤/ ٣٨٦).","vol":"1","page":2190},{"text":"يعني تزوجها ونكاحها لأن الله قال ﴿مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ وهو سبحانه لم يبد إلا تزوجها ولو كان فيها غيره لابداه.\n﴿وَتَخْشَى النَّاسَ﴾ أي: وتخشى أن يعيب الناس ما فعلت.\nوقيل: تستحي الناس (١).\nوقيل: ﴿يَخْشَى﴾ تكره (٢).\n\nوقيل: تخشى قالة الناس أي: يقولون أمره بتطليقها ثم تزوجها (٣).\nوقيل: يقولون نكح امرأة ابنه (٤).\n﴿وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ لو كان في ذلك ما تخشى.\nوروى المفسرون عن علي بن الحسين (٥) أنه قال: \" كان الله سبحانه أعلمه أنها ستكون من أزواجه وأن زيدًا يُطلقها \" (٦).\nفيكون المعنى على هذا: وتخشى الناس في بيان ما أخبرك الله به من تزوجها والله أحق أن تخشاه فلا تكتم ما أخبرك به أي: هَلَاّ أظهرت ذلك، ولم قُلْتَ له ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ بعد ما أخبرك به فأظهرت خلاف ما أضمرت (٧)، وكان أن تخشى الله في إظهار غير ما في القلب أولى من أن تخشى الناس.\n_________\n(١) قاله ابن عباس ﵄، والحسن.\nانظر: معالم التنزيل للبغوي (٦/ ٣٥٥).\n(٢) لم أقف عليه، والله أعلم.\n(٣) حكاه ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ١١٥).\n(٤) حكاه الواحدي في الوسيط (٣/ ٤٧٣) عن ابن عباس ﵄.\n(٥) علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي، أبو الحسين، روى عن جده علي بن أبي طالب، وابن عباس، وعائشة، وأبي هريرة، ﵃، كان من تابعي المدينة، ثقة، ورعًا، كثير العابدة، وكان يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة فسمي زين العابدين، وكان مع أبيه يوم قتل، توفي سنة أربع وتسعين للهجرة.\nانظر: تهذيب التهذيب (٧/ ٢٥٩).\n(٦) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ١١٧).\n(٧) في ب \"بعد أن أخبرك به وأظهرت خلاف ما أضمرت\".","vol":"1","page":2191},{"text":"قالت عائشة: \" لو كتم رسول الله ﷺ شيئًا مما أنزل عليه لكتم هذه الآية\" (١).\nوقال الحسن: \"ما أتت عليه أشد منها\" (٢).\nوقال القفال: \" ليس في هذه القصة عتاب لرسول الله ﷺ ولا إضافة مكروه إليه فيما كان منه، وذلك أنها إن وقعت بقلبه فلا لوم عليه فيه لأنه ليس من فعل العبد\" (٣). ومعنى الآية: أن الله أخبره بإكرامه إياه بإيصاله إلى محبته فقال ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ﴾ أي: تقول هذا عاملًا بما يلزمك أن تعمله لأن من يقع في قلبه استحسان امرأة غيره فلا لوم عليه في ذلك ولا عيب، ولكن ينبغي له أن لا يظهر لذلك أمرًا يخرج معه إلى مساءة زوج المرأة، ولا أن يسعى في إفساد ما بينهما بإغراء، وتضريب، وسعاية، وإكراه على الفراق فإذا لم تفعل هذا فقد جاهدت نفسك وعلى الله ثوابك.\n﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ وهو محبتك لأن تَبِينَ من زوجها فتتزوجها، فتقضي وطرك منها بالوجه الذي أباحه الله لك، وهذا أيضًا مدح له (٤).\n﴿وَتَخْشَى النَّاسَ﴾ أي: قَالة الناس لو أظهر الله ما أخفيت فيزوجكها بأن يقولوا: نكح امرأة ابنه، أو يقولوا هَوِيَها فَعَلِمَ بذلك زيد فطلقها.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (ك: التوحيد، باب: وكان عرشه على الماء، ح: ٧٤٢٠).\n(٢) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ١١٥).\n(٣) لم أقف على قول القفال، والله أعلم.\n(٤) وهو القول لايليق بالنبي ﵊، والصواب أنه أخفى في نفسه ما أعلمه الله به من أنها ستكون من أزواجه.","vol":"1","page":2192},{"text":"﴿وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ أي: لو كان في ذلك ما تخشى بأن يكون فعلًا لك لكان الله عندك أحق بأن تخشاه، فلم تكن لتفعله أصلًا فمن لامك فهو جاهل فلا تكترث بلومه.\n﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ أي: فقد أكرمْتُك بأن كَرَّهْتَها إلى زيد فطلقها فزوجتكها إيصالًا لك إلى محبتك، وتوسعة عليك في المَلاذ المباحة لك.\n﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾ في نكاح أزواج المتبنين.\n﴿إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ قوله ﴿قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا﴾ كناية عن الطلاق كما يقول الرجل لامرأته: لا حاجة لي فيك يريد به طلاقًا فتطلق.\nوقيل: قضى محبته منها بغضتها إليه (١).\nوقيل: فلما نال منها مراده وملها فطلقها (٢).\nومعنى قضاء الوطر: إدراك الحاجة وبلوغ المراد منه (٣).\n﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٣٧)﴾ أي: ما قضاه الله كائن.\nوقيل: وكان تزوج زينب كائنًا لا محالة (٤).\nوقيل: وكان قضاء الله في تزويج الأدعياء كائنًا بخلاف أبناء الولادة وابناء الرضاع (٥).\nوجاء في الحديث أن زينب كانت تفتخر على سائر نساء النبي ﷺ وتقول: إن الله تولى إنكاحي من النبي ﷺ، وأنتن إنما زوجكن أولياؤكن\" (٦).\n_________\n(١) في أ \"بغضها إليه\".\n(٢) انظر: البحر المحيط (٧/ ٢٢٧).\n(٣) قال الخليل في كتاب العين (٧/ ٤٤٦) \"معنى الوَطَر كل حاجة يكون فيها هِمَّة، فإذا بلغها البالغ قيل: قد قضى وطره وأَرَبَه\".\n(٤) حكاه الماوردي في النكت والعيون (٤/ ٤٠٧).\n(٥) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٣/ ٥٣).\n(٦) أخرجه البخاري (ك: التوحيد، باب: وكان عرشه على الماء، ح: ٧٤٢٠).","vol":"1","page":2193},{"text":"قال الشعبي: \" كانت زينب تقول للنبي ﷺ إني لأُدْلِ عليك بثلاث لا تُدْلِ بها غيري؛ جدي وجدك واحد، وإني أنكحنيك الله في السماء، وإن السفير جبريل\" (١).\nوقال يحيى بن سلام (٢): \" دعا رسول الله ﷺ زيدًا فقال له: إئت زينب فأخبرها أن الله تعالى قد زوجنيها، فانطلق زيد واستفتح الباب فقالت: من هذا؟ فقال: زيد. قالت: وما حاجة زيد إليَّ وقد طلقني؟ فقال: رسول الله أرسلني. فقالت: مرحبًا برسول الله رسول الله، ففتحت له فدخل عليها وهي تبكي فقال زيد: لا أبكى الله عينك قد كنت نعمت المرأة إن كنت لتَبَرِّين قسمي، وتطيعين أمري، وتتبعين دعوتي، وقد أبدلك الله خيرًا مني. قالت: من لا أبالك؟ قال: رسول الله ﷺ فخرت ساجدة\" (٣).\nقال أنس: \" وجاء رسول الله ﷺ حتى دخل عليها بغير إذنٍ\" (٤).\nوكانت زينب أول امرأة ماتت بعد موت النبي ﵊ من أزواجه، وأول امرأة حُمِلت على نعش لأن عمر ﵁ قال حين ماتت: \" واسوأتاه تُحْمَلُ أم المؤمنين مكشوفة كما يحمل الرجال\"، فقالت أسماء بنت عميس (٥): يأمير المؤمنين أني كنت شاهدت في بلاد الحبشة شيئًا فيه للمرأة صيانة فوصفته له فأمر بعمله، فلما رآه قال: نعم خباء الظعينة (٦).\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ١١٨).\n(٢) يحيى بن سلام تنظر ترجمته ص: ٨٨١\n(٣) انظر: النكت والعيون (٤/ ٤٠٦).\n(٤) هذا جزء من حديث أخرجه مسلم في الصحيح (ك: النكاح، باب: زواج زينب بنت جحش، ح: ١٤٢٨)\n(٥) أسماء بنت عميس تنظر ترجمتها ص: ١٠٦٣\n(٦) في أ \"فأمر بصنعه فلما رآه فقال: نِعْمَ خباءٌ للضعينة\".\nوالخبر أورده أبو المظفر السمعاني في تفسير القرآن (٤/ ٢٨٩)، والزمخشري في الفائق في غريب الحديث (٢/ ١٥٥).","vol":"1","page":2194},{"text":"﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ﴾ إثم وضيق.\n﴿فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ أحل له وأمره به، وهو نكاح زينب امرأة زيد.\nوقيل: ﴿فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ وَقَّتَ له من عدد النساء (١).\nوقيل: معناه: في التي وهبت نفسها للنبي (٢).\n﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾ أي: سنة الله في الأنبياء الذين مَضَوا من قبله في زوال الحرج منهم ومن أمتهم فيما أباحه وأحله لهم من الملاذّ والمناكح.\nالكلبي، ومقاتل: أراد داود - ﵇ - جمع الله بينه وبين المرأة التي هويها حتى ولدت ولدًا مثل سليمان - ﵇ - (٣).\nوقيل: الإشارة بالسنة إلى النكاح فإنه من سنة الأنبياء (٤).\nوقيل: إلى كثرة الأزواج، مثل قصة داود وسليمان ﵉ (٥).\n_________\n(١) قاله الضحاك.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٤٠٧).\n(٢) قاله الحسن.\nانظر: المصدر السابق (٤/ ٤٠٧).\n(٣) في أ \"حتى ولدت مثل سليمان\".\nانظر: تفسير مقاتل (٣/ ٤٨)، معالم التنزيل (٦/ ٣٥٨) وقصة زواج داود من المرأة بعد قتل زوجها من الأخبار الإسرائيلية الباطلة التي لا تليق بالأنبياء ﵈، وكذلك القول عن النبي ﷺ بمثل ذلك هو من الباطل المكذوب.\n(٤) حكاه السمرقندي في بحر العلوم (٣/ ٥٣).\n(٥) حكاه البغوي في معالم التنزيل (٦/ ٣٥٨).\nوقد أخرج البخاري (ك: أحاديث الأنبياء، باب: قوله تعالى (ووهبنا لداود سليمان نعم العبد)، ح: ٣٤٢٤) عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: \" قال سليمان بن داود: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة .. \" الحديث وفي بعض الروايات أكثر من ذلك.\n\nقال ابن حجر في الفتح (٦/ ٥٣١) \"فمحصل الروايات ستون، وسبعون، وتسعون، وتسع وتسعون، ومائة، والجمع بينها؛ أن الستون كن حرائر وما زاد عليهن كن سراري أو بالعكس، وأما السبعون فللمبالغة، وأما التسعون والمائة فكن دون المائة وفوق التسعين، فمن قال تسعون ألغى الكسر، ومن قال مائة جبره\".","vol":"1","page":2195},{"text":"و﴿سُنَّةَ﴾ نُصِبَ على المصدر من غير لفظ الفعل الأول، وقال الكوفيون نصب على القطع.\n﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا (٣٨)﴾ ماضيًا كائنًا.\n﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ﴾ أي: الذين كانوا يبلغون فحذف \"كان\" لأن قوله\n﴿خَلَوْا﴾ يَدُل عليه.\n﴿وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾ هذه صفة الذين خلوا من قبل ومحله جر، والمعنى: لا يخشون قَالَةَ الناس ولائمتهم فيما أحل الله لهم وفرض عليهم.\nالقَفَّال: يجوز أن يكون وصفًا للنبي في قوله ﴿عَلَى النَّبِيِّ﴾ ويكون المراد به العموم، قال: \" ويجوز أن يكون رفعًا بالخبر، ويجوز أن يكون نصبًا بأعني\" (١).\nوقيل: هذه الخشية غير تلك؛ لأن تلك في الدين وهذه استحياء وكانت في حق نفسه ﵊ (٢).\n﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٣٩)﴾ حافظًا لأعمال خلقه ومحاسبهم عليها (٣).\n﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ أي: من رجالكم البالغين، وليس المراد بالرجال الذكور فإنه ﷺ كان أبا القاسم، والطيِّب، والطاهر، وإبراهيم، والحسن (٤)، والحسين (٥)، ﵉، فإن النبي ﷺ قال: \" كل بني إبنةٍ منسوبون إلى أبيهم إلا الحسن والحسين\"، وروي\" إلا أولاد فاطمة فإني أنا أبوهم وعصبتهم (٦) \".\n_________\n(١) انظر: الكشاف (٥/ ٧٥).\n(٢) لم أقف عليه، والله أعلم.\n(٣) في ب \"ومحاسبتهم عليها\"\n(٤) الحسن بن علي بن أبي طالب تنظر ترجمته ص: ١٠٦١\n(٥) احسين بن علي بن أبي طالب تنظر ترجمته ص: ١٠٦١\n(٦) أورده في كنز العمال (٣/ ٥٩٨)، وابن حجر في تلخيص الحبير (٣/ ١٤٣).","vol":"1","page":2196},{"text":"﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ قرئ بالكسر والفتح (١)؛ فمن كسره جعله اسم الفاعل من ختم أي: خُتِمَ به النبيين (٢) فليس بعده نبي، ومن فتح جعله اسمًا أي: آخر النبيين، وقيل: الفتح والكسر لغتان في الاسم (٣).\n﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٤٠)﴾ فلعلمه بمصلحة عباده جعل محمدًا ﷺ آخر النبيين، وأفاد دخول ﴿وَلَكِنْ﴾ أن محمدًا ﷺ ليس بأبي أحدٍ من رجالكم بل هو أبو الجميع كما في مصحف أُبي (وهو لهم أب).\nوقيل: الفائدة فيه نفي الابن لأن منصبه يقتضي ان ابنه لو عاش لكان نبيًَّا (٤)، فلم يكن النبي ﷺ حينئذ خاتم النبيين، فلما كان خاتم النبيين عُلم أنه ما كان محمد أبا أحد من رجالكم (٥).\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١)﴾ بالتسبيح، والتحميد، والتهليل، والتكبير.\nوقيل: اذكروه أي: أطيعوه، والطائع لله ذاكرُ الله وإن كان ساكتًا، ولا تكونوا كالمنافقين الذين لا يذكرون الله إلا قليلًا (٦).\n﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً﴾ أول النهار. ﴿وَأَصِيلًا (٤٢)﴾ آخر النهار.\nوقيل: التسبيح الصلاة أي: صلوا بالغداة والعشي (٧)،\n_________\n(١) في أ \"قرئ بالفتح والكسر\".\n(٢) في ب \"أي: ختم النبيين\".\n(٣) قرأ عاصم بفتح التاء (خاتَم النبيين)، وقرأ الباقون بكسرها (خاتِم النبيين).\nانظر: التيسير للداني (١٧٩)، النشر (٢/ ٣٤٨).\n(٤) في ب \"أن ابنه لو عاش كان نبيًا\".\n(٥) قاله مقاتل.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٤٠٩).\n(٦) انظر: النكت والعيون (٤/ ٤٠٩).\n(٧) قاله قتادة.\n\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ١٢٤).","vol":"1","page":2197},{"text":"وخصتا بالذكر لأن ملائكة الليل وملائكة النهار مجتمعون فيهما. وقيل: ﴿بُكْرَةً﴾ صلاة الفجر، ﴿وَأَصِيلًا﴾ الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء (١).\nوقيل: ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ دائمًا (٢).\nأبو عبيدة: الأصيل: العصر (٣). غيره الأصيل: العشي (٤).\n﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ﴾ أي: هو الذي يرحمكم معاشر المؤمنين.\n﴿وَمَلَائِكَتُهُ﴾ أي: يستغفرون لكم بأمره من قوله تعالى ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ﴾ الآيات [غافر: ٧ - ٩].\nوقيل: نزلت هذه بعد نزول قوله ﴿وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦]، وسيأتي ذكره إن شاء الله (٥).\n﴿لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ أي: من الضلالة إلى الهدى، ومن الشرك إلى الإيمان.\nوقيل: من ظلمات جهنم إلى نور الجِنَان (٦). وقيل: من الجهل إلى العلم (٧).\nوالمعنى: ليستديموا الخروج من الظلمات إلى النور لا أنهم حين يصلي الله عليهم وملائكته في الظلمات (٨).\nوقيل: ﴿يُصَلِّي عَلَيْكُمْ﴾ يثني عليكم من قوله ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢].\nأبو عبيدة: ﴿يُصَلِّي عَلَيْكُمْ﴾ يبارك عليكم (٩).\n_________\n(١) وهو قول ابن السائب.\nانظر: زاد المسير (٦/ ٣٩٨).\n(٢) انظر: الكشاف (٥/ ٧٦).\n(٣) انظر: مجاز القرآن لأبي عبيدة (٢/ ١٣٨).\n(٤) قاله محمد بن يزيد.\nانظر: إعراب القرآن للنحاس (٣/ ٣١٨).\n(٥) في أ \"سيأتي ذكره إن شاء الله\".\n(٦) انظر: النكت والعيون (٤/ ٤١٠).\n(٧) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٣/ ٥٤).\n(٨) في أ \"لأنهم حين يصلي الله عليهم وملائكته في الظلمات\".\n(٩) انظر: مجاز القرآن لآبي عبيدة (٢/ ١٣٨).","vol":"1","page":2198},{"text":"الفَرَّاء: ﴿يُصَلِّي﴾ يغفر لكم وملائكته تستغفر لكم (١).\nوقيل: في الآية تقديم وتأخير تقديره: وسبحوه بكرة وأصيلًا ليخرجكم من الظلمات إلى النور هو الذي يصلي عليكم وملائكته (٢).\n﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣) تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾ أي: تحية المؤمنين من الله يوم دخول الجنة سلام.\nوقيل: تحيتهم من الله السلامة لهم من جميع الآفات، فيكون مضافًا إلى المفعول (٣).\nوقيل: تحية بعضهم بعضًا السلام (٤).\nوقيل: تحييهم الملائكة على أبواب الجنة بالسلام، وإذا دخلوها حيّا بعضهم بعضًا (٥) بالسلام ثم يأتيهم تحية ربهم إياهم بالسلام (٦).\nوقيل: تحيتهم يوم يلقون الموت سلام أي: يحييهم ملك الموت ويقول: الله يقرؤك السلام (٧). ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا (٤٤)﴾ ثوابًا عظيم القدر يعني: الجنة ونعيمها.\n﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا﴾ لأمتك وعليهم ﴿وَمُبَشِّرًا﴾ للمؤمنين. ﴿وَنَذِيرًا (٤٥)﴾ للكافرين. ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ﴾ إلى توحيده.\n﴿بِإِذْنِهِ﴾ بأمره لك بالدعاء. وقيل: ﴿بِإِذْنِهِ﴾ بتوفيقه (٨).\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن للفراء (٢/ ٣٤٥).\n(٢) انظر: البحر المحيط (٧/ ٢٢٩).\n(٣) انظر: معالم التنزيل (٦/ ٣٦٠).\n(٤) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ١٢٥) عن قتادة.\n(٥) في ب \"فإذا دخلوها حيا بعضهم بعضًا \".\n(٦) قاله الكلبي.\nانظر: بحر العلوم للسمرقندي (٣/ ٥٤).\n(٧) ذكره الواحدي في الوسيط (٣/ ٤٧٥) عن البراء بن عازب ﵁، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (١٢/ ٧٥) للمروزي، وابن أبي الدنيا عن ابن مسعود ﵁.\n(٨) انظر: الكشاف (٥/ ٧٨).","vol":"1","page":2199},{"text":"﴿وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦)﴾ أكثر المفسرين على أن السِّرَاج القرآن، فيكون له تقديران: أحدهما: وتاليًا سراجًا.\nوالثاني: وذا سراجٍ منير، ذا كتابٍ بين (١).\nوقيل: السِّرَاج المنير صفة للنبي ﷺ أي: ضياء لمن اهتدى به (٢).\nوقيل: السِّرَاج المنير الدال المبين للناس أمور دينهم حتى يتبينوا ذلك كتبينهم بالسراج (٣).\n﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (٤٧)﴾ أي: يعطيهم الزيادة على ما يستحقون.\n﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ فيما يدعونك إليه من مهادنة.\n﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾ الأذى بمعنى: الايذاء، فيحتمل أن يكون مضافًا إلى الفاعل أي: لا تُبالِ بهم ولا تخف من إيذائهم إياك.\nوقيل: تحمل عنهم، ويحتمل أن يكون مضافًا إلى المفعول أي: دع إيذاءك اياهم، وإليه ذهب الحسن، وقال: هي مكية ومثلها ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر: ٩٤] فتكون منسوخة، والأول أظهر (٤).\n_________\n(١) ذكره الزجاج في معاني القرآن (٤/ ١٧٥)، وهو مروي عن ابن عباس ﵄، وقتادة.\nانظر: النكت والعيون للماوردي (٤/ ٤١١).\nقال ابن كثير في تفسيره (٣/ ٥٠٥) \"أي: وأمرك ظاهر فيما جئت به من الحق كالشمس في إشراقها وإضاءتها لا يجحدها إلا معاند\".\n(٢) انظر: النكت والعيون (٤/ ٤١١).\n(٣) انظر: معالم التنزيل (٦/ ٣٦١).\n(٤) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٩١٩)، وقد ذهب للقول بنسخها بآية السيف هبة الله بن سلامة في الناسخ والمنسوخ (١٤٤)، وابن العربي في الناسخ والمنسوخ (١٨٤)، وابن عطية في المحرر (٤/ ٣٩٠)، والإمام شعلة في صفوة الراسخ (١٦٣)، وابن البارزي في ناسخ القرآن ومنسوخه (٤٦).","vol":"1","page":2200},{"text":"﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ فَوِّض أمورك إليه فإنه لك كافٍ (١)، وهذا يقوي الوجه الأول.\n﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٤٨)﴾ حافظًا ومعينًا.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ أي: إذا تزوجتم النساء المؤمنات.\n﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ تجامعوهن.\n﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ﴾ فليس عليهم أيام التربص بأنفسهن.\n﴿تَعْتَدُّونَهَا﴾ اعتدّ يأتي على وجهين:\nأحدهما: بمعنى: عَدَّ، تقول: عَدَّ الشيء واعتده أحصاه، ومنه: اعتدت المرأة فيكون إسناده إلى الرجال في هذه الآية لبيان أن العدة حق الزوج استبراء للرحم.\nوالثاني: بمعنى استوفى، كما تقول: زانه وازدانه، وكاله واكتاله، وعده عليه واعتده، فيكون المعنى: فما لكم عليهن من عدة تستوفونها.\n﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ هذا لغير المدخول بها غير المفروض لها، أن المفروض لها نصف ما فرض، وذهب بعضهم إلى أن المتعة واجبة لكل مطلقة، وقد سبق في البقرة (٢).\n_________\n(١) في ب \"وإنه لك كافٍ\".\n(٢) في تفسير قوله تعالى ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ الآيتين [٢٣٦ - ٢٣٧].\nوقد بين الله في هذه الآية أن المرأة إذا طُلِّقت قبل الدخول بها فلا عدة عليها، وجاز لها الزواج من فورها، ويستثنى من ذلك المتوفى عنها زوجها فإنها تعتد أربعة وعشرًا وإن لم يكن دخل بها، وهو مجمع عليه بين الفقهاء، وإن طلقها بعد الدخول بها وقد سمى لها مهرًا فلها نصفه، وإن لم يسم لها المهر فها المتعة بحسب عسره ويسره.\nانظر: أحكام القرآن لابن العربي (٣/ ٥٨٧)، أحكام القرآن للقرطبي (١٤/ ٢٠٣).","vol":"1","page":2201},{"text":"﴿وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٤٩)﴾ طلقوهن للسنة، وقيل: أخرجوهن من منازلكم إذ ليس لكم عليهن عدة (١).\n﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آَتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ مهورهن، وسمي أجرًا لأنه العوض عن الشيء، أي: تزوجتهن على مهر مفروض معلوم.\n﴿وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ﴾ في التفسير كانت عنده صفية بنت حييّ (٢)، وجويرية بنت الحارث (٣) وكان النبي ﷺ أعتقهما وتزوجهما، ومارية القبطية (٤) أهداها ملك اسكندر.\n_________\n(١) انظر: النكت والعيون (٤/ ٤١٣).\n(٢) صفية بنت حيي بن أخطب، بن كعب بن الخزرج، أم المؤمنين، وكانت من سبي خيبر في سهم دحية الكلبي، فقيل: يارسول الله إنها سيدة قريضة والنضير، ما تصلح إلا لك. فقال له النبي ﷺ: \"خذ جارية من السبي غيرها\"، توفيت في زمن معاوية سنة خمسين للهجرة، ﵂.\nانظر: الاستيعاب (٤/ ٤٢٦).\n(٣) جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار، بن جذيمة، وهو الصطلق من خزيمة، كانت من السبي في غزوة بني الصطلق سنة خمس من الهجرة، تزوجها رسول الله ﷺ وجعل قضاء كتابتها صداقها، ولما علم الناس بذلك أرسلوا ما في أيديهم من السبايا، وقالوا: صهر رسول الله ﷺ، كانت امرأة جميلة، عليها حلاوة وملاحة، توفيت في ربيع الأول سنة ست وخمسين من الهجرة.\nانظر: الاستيعاب (٤/ ٣٦٦).\n(٤) مارية بنت شمعون القبطية، مولاة رسول الله ﷺ، وأم ولده إبراهيم، أهداها له المقوقس صاحب الإسكندرية، توفيت في المحرم سنة ست عشرة، في خلافة عمر بن الخطاب ﵁، وصلى عليها، ودفنت بالبقيع.\nانظر: الاستيعاب (٤/ ٤٦٤).","vol":"1","page":2202},{"text":"القفال: هي ما كان يصطفيه من الغنائم مما يشاء من جارية وغيرها (١).\n﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ﴾ بنات العباس وغيره من أولاد عبدالمطلب.\n﴿وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ﴾ من ولد بنات عبدالمطلب.\n﴿وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ﴾ من ولد عبد مناف بن زهرة.\n﴿اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ هاجرن دار الشرك كما هاجرت، ووحَّدَ العم والخال وجمع العمات والخالات لأن بني العم وبني الخال كَثُرَ دَوْرُها في الكلام فَحَسُنَ الإيجاز وُعِرف (٢)، ولم يكثر دورها مع العمة والخالة فجاءت على الأصل.\nالمبرد: الواحد الذي يقوم مقام الجمع لا يكون إلا مذكرا نحو ﴿الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢]، و﴿نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ [الحج: ٥] ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا﴾ [الأنبياء: ٨]، قال (٣) \": ولم يأت مثل ذلك في المؤنث\" (٤).\n﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ﴾ تم الكلام على قوله ﴿هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ ثم استأنف فقال ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ﴾ ﴿نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ أحللنا له فيكون بمعنى المستقبل، لأن الشرط لا يكون في الماضي البتة، ويقوي هذا قول ابن عباس ﵄، ومجاهد فإنهما قالا: \"لم يكن عنده ﷺ امرأة وهبت نفسها له\" (٥).\nقال القفال: \" معنى ﴿أَحْلَلْنَا لَكَ﴾ إدامة إحلال من كن عنده ﷺ واستئناف إحلال من لم يكن عنده\" (٦).\n_________\n(١) انظر: غرائب التفسير للكرماني (٢/ ٩١٩) ولم ينسبه للقفال.\n(٢) في ب \"فَحَسُنَ المجاز وعُرِف\" ولعله تصحيف.\n(٣) \"قال\" ساقط من أ.\n(٤) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٩٢٠).\n(٥) انظر: النكت والعيون (٤/ ٤١٤).\n(٦) لم أقف عليه بعد البحث، والله أعلم.","vol":"1","page":2203},{"text":"وقرئ (أن وهبت) بالفتح، ووهبت من غير (إن) فعلى هذين الوجهين محمول على الأول (١). واختلفوا في الواهبة نفسها منه ﷺ:\nقال ابن عباس ﵄، ومجاهد: لم يكن عنده امرأة وهبت نفسها له (٢)، كما ذكرت.\nقالت عائشة: \" إنها خولة بنت حكيم\" (٣)، (٤).\nوقيل: ميمونة بنت الحارث (٥)، (٦).\n_________\n(١) قراءة الجمهور بالكسر (إن وهبت)، وقرأ أبيِّ بن كعب، والحسن، والشعبي (أن وهبت) بفتح الألف، وقرأ الأعمش (وامرأة مؤمنة وهبت نفسها) بحذف (إن) وجميعها شاذ.\nالمحتسب لابن جني (٢/ ٢٢٥)، شواذ القراءات للكرماني (٣٨٦).\n(٢) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ١٣٤) وحسَّن إسناده ابن حجر في الفتح (٨/ ٣٨٦) قال: \"والمراد أنه لم يدخل بواحدة ممن وهبت نفسها له، وإن كان مباحًا له لأنه راجع إلى إرادته\".\n(٣) خولة بنت حكيم بن أمية بن هلال السلمية، ويقال خويلة، تكنى أم شريك، وكانت امرأة صالحة فاضلة.\nانظر: الاستيعاب (٤/ ٣٩١).\n(٤) أخرجه البخاري في صحيحه (ك: النكاح، باب: هل للمراة أن تهب نفسها لأحد، ح: ٥١١٣)\n(٥) ميمونة بنت الحارث بن حزن بن هلال بن هوازن، زوج النبي ﷺ، كان اسمها بَرَّة فسماها رسول الله ﷺ ميمونة، وكانت تحت أب رُهْم بن عبد العزى.\nتوفيت بِسَرَف في الموضع الذي ابتنى بها رسول الله ﷺ، سنة إحدى وستين.\nانظر: الاستيعاب (٤/ ٤٦٧).\n(٦) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ١٣٥) من طريق قتادة عن ابن عباس ﵄.\nقال عنه ابن حجر في الفتح (٨/ ٣٨٦) \"وهذا منقطع\".","vol":"1","page":2204},{"text":"وقيل: زينب بنت خزيمة أم المساكين امرأة من الأنصار (١)، (٢).\nوقيل: هي أم شريك بنت جابر (٣)، (٤).\n﴿إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾ نكح واستنكح بمعنى، وقيل: طلب نكاحها.\n_________\n(١) زينب بنت خزيمة بنت الحارث بن عامر بن صعصعة، كانت تحت عبد الله بن جحش، قتل يوم أحد فتزوجها رسول الله ﷺ سنة ثلاث، ولم تلبث عنده إلا يسيرًا، وتوفيت في حياته.\nانظر: الاستيعاب (٤/ ٤٠٩).\n(٢) ذكره الماوردي في النكت والعيون (٤/ ٤١٥) عن الشعبي.\nقال ابن حجر في الفتح (٨/ ٣٨٦) \"وليس بثابت\".\n(٣) أم شُرَيْك، واسمها غَزِيَّة بنت دودان بن عمرو بن عامر بن لؤي، القرشية العامرية.\nوقد أنكر ابن عبد البر في الاستيعاب (٤/ ٤٩٦) أن يكون رسول الله ﷺ تزوجها، لكثرة الاضطراب فيه.\nوانظر: تهذيب التهذيب لابن حجر (١٢/ ٤١٩).\n(٤) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ١٣٦).\nقال ابن كثير في البداية والنهاية (٨/ ٢٢١) \"وممن تزوجها ولم يدخل بها أم شَرِيك الأزدية\".\nوالمراد أن اللاتي وهبن أنفسهن للنبي ﷺ كثير يدل عليه ما أخرجه البخاري في الصحيح (ك: التفسير، سور الأحزاب، باب: ترجي من تشاء منهن، ح: ٤٧٨٨) عن عائشة ﵂ قالت: \"كنت أغار من اللاتي وهبن أنفسهن لرسول الله ﷺ وأقول: أتهب المرأة نفسها؟ \".\nوقد ذكر في الفتح (٨/ ٣٨٦) أن ممن وهبت نفسها للنبي ﷺ فاطمة بنت شريح، وليلى بنت الحطيم.\nقال: \"والمحفوظ أنه لم يدخل بأحد من الواهبات\".","vol":"1","page":2205},{"text":"﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ابن زيد في جماعة معناه: أن الواهبة نفسها لك خالصة لا يحل لأحد من أمتك أن يتزوجها في حياتك وبعد وفاتك (١).\nقتادة، ومجاهد: هو أن يتزوجها بغير مهر، ولا يحل لغيرك (٢).\nوقيل: إن النكاح بغير ولي ولا شهود خالصة للنبي (٣).\nوقيل: تملك نكاحها بلفظ الهبة وليس ذلك لغيرك (٤).\nوقيل: خلو الوطئ عن البدل خالصة لك (٥).\nوقيل: خالصة صفة للمرأة، أي: خَصَّك الله بها (٦).\nوقيل: خالصة يرجع إلى جميع ما في الآية (٧)، أي: هذا الاكثار من النكاح خالصة لك من دون المؤمنين، وأنهم مقصورون على أربع نسوة (٨)، وهذا القول عن أبي بن كعب (٩). وخالصة، وخاصة (١٠) مصدران يستوي فيهما لفظ المذكر والمؤمنث كالخاطئة، والكاذبة، واللاغية، بمعنى: الخطيئة، والكذب، واللغو.\n﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾ يريد شرائط صحة النكاح من حضور الولي، والشهود، والصداق، وأن يكون على عدد معلوم (١١).\n_________\n(١) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ١٣٣).\n(٢) انظر: تفسير مجاهد (٢/ ٥١٨)، النكت والعيون (٤١٥).\n(٣) وهو قول أنس بن مالك وسعيد بن المسيب، ذكره الماوردي في النكت والعيون (٤/ ٤١٥).\n(٤) وهو قول الإمام الشافعي، ذكره الماوردي في النكت والعيون (٤/ ٤١٥).\n(٥) وهو نفس قول قتادة، ومجاهد، وبه قال الشعبي.\nانظر: تفسير ابن كثير (٣/ ٥٠٨).\n(٦) انظر: معالم التنزيل (٦/ ٣٦٣).\n(٧) في أ \"ترجع إلى جميع ما في الآية\".\n(٨) في أ \"على أربعة نسوة\".\n(٩) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ١٣٤)، وأخرج نحوه عن ابن عباس ﵄.\n(١٠) في أ \"خالصة وخاصة\" بغير الواو.\n(١١) أي: أنهم مقصورون على أربع نسوة من الحرائر، وما شاءوا من الإماء، مع الولي، والمهر، والشهود.","vol":"1","page":2206},{"text":"﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ بالشري وغيره من وجوه إلإملاك.\nوقيل: قد علمنا ما فر ضنا عليهم في أزواجهم فقصرناهم على أربع (١).\n﴿لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ﴾ ضِيق وحظر، ولام ﴿لِكَيْلَا﴾ متصل بما قبله أي: قد خصصناك في باب النكاح بأشياء لكيلا يكون عليك حرج في النكاح، فعلى هذا يكون قوله ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾ متصلًا بالمؤمنين، والوصل أحسن من الوقف (٢).\nويحتمل أن يكون المعنى: لكيلا يكون عليك حرج إذا سألك المؤمنون عن فرض النكاح.\n﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ لمن قام بهذه الأحكام ولم يتعدها.\n﴿رَحِيمًا (٥٠)﴾ حيث وسَّع عليه الأمر.\n﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ في سبب النزول أنها نزلت حين غار بعض نساء النبي ﷺ وآذينه بالغيرة وطَلَبِ زيادة النفقة، فهجرهن رسول الله ﷺ شهرًا حتى نزلت آية التخيير، وأمره الله أن يخيرهن بين الدنيا والآخرة، وأن يُخلي سبيل من اختارت الدنيا، ويمسك من اختارت الله ورسوله على أنهن أمهات المؤمنين، ولا يَنكحن أبدًا، وعلى أنه يؤوي من يشاء إليه، ويرجي من يشاء منهن ويرضين به قَسَمَ لهن أو لم يَقْسِم، أو فَضَّلَ بعضهن على بعض في النفقة والقسمة، ويكون الأمر في ذلك إليه يفعل ما يشاء فرضين بذلك كله، فكان رسول الله ﷺ مع هذا كله يُسوي بينهن في القَسْم (٣).\n_________\n(١) وهو قول قتادة، ومجاهد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ١٣٧).\n(٢) انظر: القطع والائتناف للنحاس (٤١٥).\n(٣) انظر: أسباب النزول للواحدي (٤١٣).","vol":"1","page":2207},{"text":"روت معاذة (١) عن عائشة قالت: \" كان رسول الله ﵊ بعد ما نزلت هذه الآية يستأذننا إذا كان في يوم المرأة منا\". قالت معاذة: فقلت ما كنت تقولين؟ قالت: كنت أقول: إن كان ذلك إليّ لم أوثر أحدًا على نفسي\" (٢).\nوعن هشام بن عروة (٣) عن أبيه عن عائشة ﵄ أنها قالت لرسول الله ﷺ حين نزلت هذه الآية: \" أرى ربك يُسارع لك في هواك \" (٤).\nوالإيواء: الضَّمُ والتقريب. والإرجاء: التأخير يُهمز ولا يُهمز (٥).\n_________\n(١) معاذة بنت عبد الله العدوية، أم الصهباء البصرية، امرأة صلة بن أَشْيَم، روت عن عائشة، وعلي ﵄، من العابدات، وثقها ابن معين وابن حبان.\nانظر: تهذيب التهذيب (١٢/ ٤٠١).\n(٢) أخرجه البخاري في الصحيح (ك: التفسير، تفسير سورة الأحزاب، باب: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ﴾، ح: ٤٧٨٩).\n(٣) هشام بن عروة بن الزبير بن العوام، الأسدي، رأى ابن عمر، ومسح رأسه ودعا له، وروى عن أبيه، وعمه عبد الله بن الزبير، كان ثقة، ثبتًا، كثير الحديث، توفي سنة ست وأربعين ومائة.\nانظر: تهذيب التهذيب (١١/ ٤٤).\n(٤) أخرجه البخاري (ك: التفسير، تفسير سورة الأحزاب، باب: ترجي من تشاء، ح: ٤٧٨٨).\n(٥) قال ابن حجر في الفتح (٨/ ٣٨٦) في معنى قوله ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ﴾ أقوال، أحدها: تطلِّق وتمسك، وثانيها: تعتزل من شئت منهن بغير طلاق، وتقسم لغيرها، وثالثها: تقبل من شئت من الواهبات وترد من شئت. قال: واللفظ محتمل للأقوال الثلاثة، وظاهر ما حكته عائشة ﵂ من استئذانه أنه لم يرج أحدًا منهن، بمعنى أنه لم يعتزل، وهو قول الزهري، قال: \"ما أعلم أنه أرجأ أحدًا من نسائه\".","vol":"1","page":2208},{"text":"وكانت ممن آوى: عائشة، وحفصة (١)، وزينب، وأم سلمة (٢).\nوكانت ممن أرجى: أم حبيبة (٣)،\nوميمونة (٤)، وصفية (٥)، وسودة (٦)، وجويرية (٧)، ﵅.\nابن عباس ﵄: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ أي تُطلق من تشاء وتمسك من تشاء (٨).\n﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ﴾ طلبت. ﴿مِمَّنْ عَزَلْتَ﴾ أي: طَلَّقْتَ بالرجعة.\n﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ الحسن: هذا في الابتداء أي: تترك نكاح من شئت وتنكح من شئت، ومن طلبت ممن تركت فلا جناح عليك (٩).\n_________\n(١) حفصة بنت عمر بن الخطاب، كانت من المهاجرات، وكانت تحت خنيس بن حذافة السهمي، ثم توجها رسول الله ﷺ سنة ثلاث من الهجرة، توفيت سنة إحدى وأربعين.\nانظر: الاستيعاب (٤/ ٣٧٣).\n(٢) أم سلمة تنظر ترجمتها ص: ١٠٦١\n(٣) أم حبيبة بنت أبي سفيان بن صخر بن حرب بن أمية، زوج النبي ﷺ، واسمها رملة، هاجرت إلى الحبش مع زوجها عبيد بن جحش، فلما ارتد ورجعت إلى المدينة تزوجها رسول الله ﷺ، وقيل تزوجها بأرض الحبشة وأمهرها النجاشي، توفيت سنة أربع وأربعين.\nانظر: الاستيعاب (٤/ ٤٠١).\n(٤) ميمونة بنت الحارث تنظر ترجمتها ص: ١٠٨٢\n(٥) صفية بنت حيي تنظر ترجمتها ص: ١٠٨٠\n(٦) سودة بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس بن عبد ود بن النجار، تزوجها رسول الله ﷺ بمكة بعد وفاة خديجة، وكانت قبل ذلك عند ابن عم لها يدعى السكران بن عمرو، توفيت في آخر خلافة عثمان ﵄.\nانظر: الاستيعاب (٤/ ٤٢١).\n(٧) جويرية بنت الحارث تنظر ترجمتها ص: ١٠٨٠\n(٨) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ١٤٠).\n(٩) أنظر: النكت والعيون (٤/ ٤١٥)، زاد المسير (٦/ ٤٠٧).","vol":"1","page":2209},{"text":"وقيل: هذا متصل بقوله ﴿إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ أي: ترد نكاح من شئت، وتقبل نكاح من شئت (١).\nمجاهد: تَعزل من شئت منهن فلا تأتيها وتأتي من شئت فلا تعزلها (٢).\n﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ قتادة: تؤخر عن الفراش، وتؤوي إلى الفراش (٣). ﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ﴾ يجوز أن يكون رفعًا بالابتداء ﴿فَلَا جُنَاحَ﴾ خبره، ولايجوز أن يكون نصبًا، ويكون شرطا ﴿فَلَا جُنَاحَ﴾ جزاؤه.\n﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آَتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾ أي: إنك إذا لم تجعل لواحدة منهن يومًا (٤) كُنَّ في ذلك سواء تؤمل أن تؤويها على فراشك بدلا عن صاحبتها.\nوقيل: هذا يرجع إلى قوله ﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ﴾ أي: إذا أويت المعزولة طابت سائر المعزولات نفسًا فلم ينقطع طمعهن فيك.\nوقيل: معناه هذا الذي أبحته لك من ترك القَسْم وغيره إذا علمن أنه من قِبَلي ومن أمري طابت نفوسهن بذلك منك لعلمهن بالثواب على طاعتهن، وإذا كان من قبلك حزن وحملن على ميلك إلى بعضهن دون بعض (٥).\n﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ فاجتهدوا في الإحسان إليهن وطلب رضاهن.\n﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾ بمن عدل فيهن.\n﴿حَلِيمًا (٥١)﴾ عمن لايعدل فلا يعجل بالجزاء، و﴿كُلُّهُنَّ﴾ رفع تأكيد للضمير في\n﴿يَرْضَيْنَ﴾.\n_________\n(١) حكاه البغوي في معالم التنزيل (٦/ ٣٦٦).\n(٢) انظر: تفسير مجاهد (٢/ ٥١٢)، جامع البيان لابن جرير (١٩/ ١٣٩).\n(٣) أخرجه ابن جري في جامع البيان (١٩/ ١٤٤).\n(٤) في أ \"أي: أنك إذا لم تفعل لواحدة منهن يومًا\".\n(٥) والقولان مرويان عن قتادة.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ١٤٥)، النكت والعيون (٤/ ٤١٦).","vol":"1","page":2210},{"text":"﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ في هذه الآية أقوال:\nعلي، وابن عباس ﵄، والضحاك، ذهبوا إلى أنها منسوخة بالآية التي سبقت وهي ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ وإلى هذا ذهبت عائشة ﵂، وقالت: \"ما مات رسول الله ﷺ حتى أحل الله له النساء \" (١).\nوعن أم سلمة ﵂ قالت: \" لم يَمت رسول الله ﷺ حتى أحل الله له أن يتزوج من النساء من شاء إلا ذات مَحْرم \" (٢).\nولا يمتنع صحة هذا التأويل لتقدم الآية الناسخة على المنسوخة، لأن ذلك في التلاوة لا في النزول كما قلنا ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٤] في البقرة (٣).\nوالقول الثاني: أنها محكمة، وأن الله أحل لنبيه نساءه التسع وستة أصناف أخرى؛ بنات العمّ، وبنات العمة، وبنات الخال، وبنات الخالة، وامرأة مؤمنة تهب نفسها للنبي (٤)، وماشاء من الإماء، وحرم ما سوي ذلك من الكتابيات، والعربيات النسب كما تقدم في الآية الأولى وهي ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ الآية (٥).\n_________\n(١) أخرجه الترمذي في جامعه (ك: التفسير، تفسير سورة الأحزاب، ح: ٣٢١٦) وقال: \"حديث حسن صحيح\".\n(٢) عزاه ابن كثير في تفسيره (٣/ ٥٠٩)، والسيوطي في الدر (١٢/ ١٠٢) لابن أبي حاتم.\n(٣) وهو قول مجاهد، وقتادة، وابن زيد، والنحاس في الناسخ والمنسوخ (٢/ ٥٨٨)، وهبة بن سلامة في الناسخ والمنسوخ (١٤٤) قال: \"وهي من أعاجيب القرآن المنسوخ نسخها الله بآية قبلها في النظم وقي قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ \".\n(٤) في أ \"وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي\".\n(٥) وهو قول مجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، وجابر بن زيد، وعليه تكون الآية محكمة.\n\nانظر: الناسخ والمنسوخ لمكي بن أبي طالب (٣٨٧)، النكت والعيون (٤/ ٤١٧)، زاد المسير (٦/ ٤١١).","vol":"1","page":2211},{"text":"والقول الثالث: قال الحسن: قَصَره الله على التسع اللاتي اخترن الله ورسوله، وحَرَّم عليه أن\nيتزوج سواهن، وأباح له التسري ما شاء (١).\nقوله ﴿مِنْ بَعْدُ﴾ قيل: من بعد هذه الصفة.\nوقيل: من بعد المسلمات (٢).\nوقيل: من بعد ما قص عليك (٣).\nوقيل: من بعد اللواتي عندك (٤).\n﴿وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾\nأي: ليس لك أن تستبدل بهن غيرهن وإن وقع في قلبك حبهن.\nقيل: إن التي أعجبه حسنها أسماء بنت عُميس بعد قتل جعفر بن أبي طالب (٥) عنها (٦).\n_________\n(١) وهو قول محمد بن سيرين، وأبو أمامة بن سهل، وعليه تكون الآية محكمة أيضًا.\nانظر: الناسخ والمنسوخ للنحاس (٢/ ٥٨٩)، الناسخ والمنسوخ لمكي بن أبي طالب (٣٨٦).\nوقد بيَّن ابن كثير في تفسيره (٣/ ٥٠٩) أن هذه الآية فيها تكريم لأزواج رسول الله ﷺ ومجازاة لهن لما اخترن الله ورسوله والدار الآخرة، فكان جزاؤهن الله قصره عليهن وحرم عليه أن يتزوج بغيرهن أو أن يستبدل بهن أزواجًا غيرهن ولو أعجبه حسنهن إلا الإماء والسراري، ثم رفع عنه الحرج في ذلك ونسخ حكم الآية، وأباح له التزوج لكن لم يقع منه تزوج لتكون المنة لرسول الله ﷺ عليهن، ويدل عليه حديث عائشة وأم سلمة ﵅، وعليه تكون الآية منسوخة وهو الذي عليه أكثر أهل العلم.\n(٢) قاله مجاهد.\nانظر: زاد المسير (٦/ ٤١٠).\n(٣) قاله أبيّ بن كعب، والضحاك.\nانظر: زاد المسير (٦/ ٤١٠).\n(٤) وهو قول ابن عباس، والحسن، وقتادة.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٤١٧)\n(٥) جعفر بن أبي طالب، تنظر ترجمته ص: ١٠٦٣\n(٦) قاله ابن عباس ﵄.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٤١٧)، معالم التنزيل (٦/ ٣٦٨)، المحرر لابن عطية (٤/ ٣٩٤).","vol":"1","page":2212},{"text":"وقيل: حرم عليه أن يبدل بعض نسائه (١) بيهودية أو نصرانية، وفيه بُعْد (٢).\nوأبعد من هذا ما حكي عن ابن زيد أن العرب كانت تبادل بأزواجها، يقول أحدهم للآخر (٣): خذ زوجتي وأعطني زوجتك، فنفي الله ذلك عنه ﷺ، وهذا يقتضي، ولا أن تُبادل بهن (٤).\nقوله ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ أي: الإماء، و﴿مَا﴾ محله رفع وإن شئت قلت نصب.\n﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا (٥٢)﴾ حافظًا غير ساه ولا غافل.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ في سبب النزول أن النبي ﷺ لما بَنى بزينب بنت جحش أوْلمَ عليها بتمر وسَويق (٥)، وذبح شاة.\nقال أنس ﵁: \" وبَعَثَتْ أمي أم سُلَيم (٦)\nبِحَيْس (٧)\n_________\n(١) في ب \"وقيل: حرَّم عليه أن تُبَدِّل بعض نسائه\".\n(٢) وهو قول مجاهد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ١٥١).\n(٣) في ب \"تقول أحدهم للآخر\".\n(٤) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ١٥٢)، وأنكره، وبيَّن أنه لم يكن من فعل الجاهلية.\n(٥) السويق: طعام يتخذ من الحنطة والشعير.\nانظر: لسان العرب (٦/ ٤٣٨)، كادة: سوق.\n(٦) أم سُلَيْم بنت ملحان بن خالد بن زيد، بن عدي بن النجار، قيل: اسمها سهلة، وقيل: رُميلة، وقيل: غيره، كانت تحت مالك بن النضر في الجاهلية فولدت له أنس بن مالك، ثم دخلت في الإسلام وغضب عليها زوجها، وخرج إلى الشام فمات هناك، ثم تزوجها أبو طلحة، وروت عن النبي ﷺ، وكانت من عقلاء النساء.\nانظر: الاستيعاب (٤/ ٤٩٤).\n(٧) الحَيْس: أصله الخلط، وهو الأقِط يخلط بالتمر والسمن، ثم يسوى كالثريد.\n\nانظر: لسان العرب (٣/ ٤١٧)، مادة: حيس.","vol":"1","page":2213},{"text":"في تور من حجارة فأمرني النبي ﷺ أن أدعو أصحابه إلى الطعام، فدعوتهم فجعل القوم يجيؤن ويأكلون ويخرجون ثم يجيء القوم فيأكلون ويخرجون.\nفقلت يا نبي الله: قد دعوت حتى ما أرى أحدًا أدعوه. فقال: ارفعوا طعامكم فرفعوا، وخرج القوم وبقى ثلاثة يتحدثون في البيت فأطالوا المكث وتأذى بهم رسول الله ﷺ وكان شديد الحياء، فنزلت هذه الآية (١).\nابن عباس ﵄: نزلت في ناس من المؤمنين كانوا يتحينون طعام رسول الله فيدخلون عليه قبل الطعام إلى أن يُدْرِك ثم يأكلون ولا يخرجون، وكان رسول الله صلى الله ﷺ يتأذي بهم فنزلت هذه الآية (٢).\nوالمعنى: لا تدخلوا منازل النبي إلا أن يُؤْذَن لكم إلى طعام، أي: إلا أن يدعوكم إلى طعام يريد أن يُطْعِمْكُموه، والتقدير: إلا أن يؤذن ولأن يؤذن لكم.\n﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ غير منتظرين إدراكه وما يُراد أن يبلغه، وفيه ثلاث لغات: أنى الشيء إناءً، وأنًا، وأنيًا (٣).\n_________\n(١) أخرجه البخاري في الصحيح (ك: التفسير، تفسير سورة الأحزاب، باب: (لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم)، ح: ٤٧٩٣).\n(٢) ذكره البغوي في معالم التزيل (٦/ ٣٧٠)، وابن عطية في المحرر (٤/ ٣٩٥)، وابن الجوزي في زاد المسير (٦/ ٤١٣).\n(٣) قال ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ١٥٨) \"وفيه لغة أخرى، يقال: قد آن لك، أي: يئين لك أينًا\"، وانظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ١٧٧)، والمراد: إنضاجه وبلوغه.\n\nقال ابن عطية في المحرر (٤/ ٣٩٥) \"وكانت سيرة القوم إذا كان لهم طعام وليمة أو نحوه أن يبكر من شاء إلى دار الدعوة ينتظر طبخ الطعام ونضجه كما في حديث أنس ﵁، وكذلك إذا فرغوا منه جلسوا كذلك، فنهى الله المؤمنين عن أمثال ذلك في بيت النبي ﷺ، ودخل النهي سائر المؤمنين \".","vol":"1","page":2214},{"text":"و﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ﴾ حال من ﴿لَكُمْ﴾، والمعنى: غير منتظرين إناه، وقرئ في الشواذ (غيرِ) بالجر، وأجازه الفَرَّاء، وهو ضعيف عند البصريين غير جائز لأنه جري على غير من له الفعل فلابد من إبراز الضمير وهو أنتم (١).\n﴿وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾ تفرقوا ولا تمكثوا بعد الفراغ من الطعام.\n﴿وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾ أي: لا تشتغلوا بعد الفراغ من الطعام بحديث يحدث بعضكم بعضًا ليؤنسه به.\nو﴿مُسْتَأْنِسِينَ﴾ نصب بالعطف على ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ﴾.\nالفَرَّاء: جر بالعطف على ناظرين أي: غير ناظرين وغير مستأنسين (٢).\nالزجاج: نصب تقديره: لا تدخلوا مستأنسين (٣).\n﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ﴾ أي: إن في لبثكم بعد الفراغ أذى (٤) للنبي يضيق المنزل عليه وعلى أهله، فيستحي منكم أن يأمركم بالخروج من منزله.\n﴿وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ لا يترك إبانة الحق بل يأمركم بما فيه تعظيم نبيه بترك دخول بيته بغير إذنه، وترك اللبث في منزله بعد الفراغ مما يدعوكم له.\nوقرئ بين يدي إسماعيل بن حكيم (٥)\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن للفراء (٢/ ٣٤٧).\nوقراءة (غيرِ) بالجر قرأ بها ابن أبي عبلة، صفة لطعام، وهي شاذة.\nانظر: شواذ القراءات للكرماني (٣٨٦)، الكشاف (٥/ ٨٨).\n(٢) انظر: معاني القرآن للفراء (٢/ ٣٤٧).\n(٣) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ١٧٨).\n(٤) في ب \"أي: في لبثكم بعد الفراغ أذى\" بحذف \" بحذف \"\"إن\".\n(٥) إسماعيل بن أبي حكيم القرشي، مولاهم، - وهو الصواب خلاف ما ذكره المؤلف- من ثقات أهل الحديث، روى عن سعيد بن المسيب، وغيره، وكان عاملًا لعمر بن عبد العزيز، توفي سنة ثلاثين ومائة.\n\nانظر: تهذيب التهذيب (١/ ٢٦٢).","vol":"1","page":2215},{"text":"هذه الآية فقال: \"هذا أدب أَدَّب الله به الثقلاء\" (١)، وعن الحسن، والسدي قالا: \" ذكر الله الثقلاء في القرآن فقال ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾ \" (٢). ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا﴾ أثاثًا، وقيل: صحف القرآن (٣).\nوقيل: شيئًا مما ينتفع به من طعام وآلة وأداة (٤).\n﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ ذهب جل المفسرين إلى أن سبب نزول آية الحجاب قول عمر ﵁ للنبي ﷺ \" لو حَجَّبْتَ أمهات المؤمنين فإنه يدخل عليك البر والفاجر \" (٥).\nوفي سبب النزول أن رجلًا كان يأكل مع النبي ﷺ وعائشة ﵂ معهما فأصابت يد الأعرابي يد عائشة فكره النبي ﷺ ذلك.\nوقيل: كان ذلك الرجل عمر فأصابت أصبعه أصبع عائشة فقال: حس وهي كلمة تستعمل عند الوجع من الشيء مثل أوه لو أطاع ما مارأتكن عين فنزلت آية الحجاب (٦).\nوقيل: نزلت في عرس زينب ﵂ كما سبق، فَضَرب عليهن رسول الله ﷺ الحجاب وأُمرن أن يحتجبن من المؤمنين (٧).\n_________\n(١) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٨/ ٥٩).\n(٢) انظر: المصدر السابق (٢/ ٩٢٢)، الكشاف (٥/ ٨٩).\n(٣) قاله الضحاك.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٤١٨).\n(٤) قاله مقاتل.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٤١٨).\n(٥) أخرجه البخاري (ك: التفسير، تفسير سورة الأحزاب، ح: ٤٧٩٠).\n(٦) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ١٦٧)، والواحدي في أسباب النزول (٤١٧)، وصحح إسناده السيوطي في الدر المنثور (١٢/ ١٠٧).\n(٧) أخرجه البخاري (ك: التفسير، تفسير سورة الأحزاب، ح: ٤٧٩١).","vol":"1","page":2216},{"text":"قوله ﴿سَأَلْتُمُوهُنَّ﴾ يريد نساء النبي ﷺ، ولم يتقدم في الآية ذكرهن لكن لفظ البيوت دلت عليهن كأنه قال: لا تدخلوا بيوت النبي وفيها النساء.\nوقيل: النساء عام، وذهب بعضهم إلى أن البيوت هاهنا النساء (١)، كما قال الشاعر:\nمالي إذا نَزَعْتُها صَأيْتُ ... أَكِبَرٌ غَيّرني أم بَيْتُ (٢).\nوهذا بعيد، لا يقال دخلت البيت إذا أرادوا به المرأة.\n﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ من خواطر الشيطان وعوارض الفتن من ميل الرجال إلى النساء والنساء إلى الرجال طبعًا.\n﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾ فيه قولان:\nأحدهما: أن هذا هو الأول، وتقديره: إن ذلكم كان يؤذي النبي وليس لكم أن تؤذوا رسول الله، و﴿كَانَ﴾ زيادة عند أبي عبيدة، بل أفاد كان أن هذا هو حكم الله السابق (٣).\nوالقول الثاني: أن تؤذوا رسول الله بمخالفة ما أمر الله في حق نسائه.\n﴿وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ أي: بعد موته، وقيل: بعد فراقه وطلاقه (٤).\nوفي سبب النزول عن ابن عباس قال رجل من سادة قريش: لو توفي رسول الله لتزوجت عائشة، فأنزل الله ما أنزل (٥).\n_________\n(١) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٩٢٢).\n(٢) البيت أورده ابن منظور في لسان العرب (١/ ٥٤٦) غير منسوب.\nقال: \"وبيت الرجل امرأته، والعرب تكنى عن المرأة بالبيت\".\n(٣) انظر: مجاز القرآن لأبي عبيدة (٢/ ١٤٠).\n(٤) أي: من تزوجها ثم طلقها في حياته.\n(٥) انظر: أسباب النول للواحدي (٤١٧)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (١٢/ ١١٢) لابن مردويه.","vol":"1","page":2217},{"text":"أي: ما كان لكم أن تؤذوه في حياته ولا بعد مماته، لأن من فارق الدنيا وعنده أن امرأته لا تَنْكح زوجًا بعده كان ذلك أطيب لنفسه (١) في تلك الحالة، وإنما حرمن لأنهن أمهات المؤمنين والرجل لايَنْكح أمه، ولأنهن أزواج النبي ﷺ في الجنة، والمرأة في الجنة لآخر أزواجها كما جاء في الحديث (٢)، ولهذا لم يجب عليهن العدة بوفاة رسول الله صلى الله عليه، ولزمت نفقاتهن في بيت المال.\nوقيل: وجبت عليهن العدة لأنها عبادة (٣).\n﴿إِنَّ ذَلِكُمْ﴾ أي: إيذاء النبي ﷺ.\nوقيل: نكاح نسائه من بعده وإظهار هذه اللفظة في حال حياته (٤).\n﴿كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (٥٣)﴾ في الإثم يُستحق عليه الوعيد.\n﴿إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا﴾ فيه إيذاء النبي ﷺ.\n_________\n(١) في أ \"لا ينكح زوجًا بعده كان أطيب لنفسه\".\n(٢) أخرج البيهقي في السنن (٧/ ٦٩) عن حذيفة ﵁ قال: \"إن المرأة في الجنة لآخر أزواجها في الدنيا، فلذلك حَرُم على أزواج النبي ﷺ أن ينكحن بعده لأنهن أزواجه في الجنة\".\n(٣) فهن زوجاته في الدنيا والآخرة، وعليهن العدة لبقاء الزوجية، وهي عبادة، وقد أخرج ابن حبان في صحيحه (١٤/ ٥٧٩) عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: \"لا يقسم ورثتي دينارًا ما تَرَكتُ بَعْدَ نفقة نسائي ومؤنة عاملي فهو صدقة\".\nقال ابن العربي في أحكام القرآن (٣/ ٦١٧) \"وهذا اسم خاص بالزوجية؛ لأنه أبقى عليهن النفقة مدة حياتهن لكونهن نسائه، وهو الصحيح وعليه المعول\".\n(٤) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ١٧٨)، وكله أذى له ﵊.","vol":"1","page":2218},{"text":"﴿أَوْ تُخْفُوهُ﴾ في أنفسكم مما لو ظهر له لآذاه، ويحتمل أن بعضهم أضمر نكاح بعض نسائه في قلبه وبعضهم أظهر فتوعد بذلك الفريقان بقوله ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٥٤)﴾ أي: فاحذروا مخالفته.\n﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ﴾ ثم استثنى من يجوز لهن أن لا يحتجبن عنه فقال ... ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ﴾ ﴿آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ﴾ جمهور المفسرين على أنهن النساء المؤمنات، أي: عليهن الاحتجاب عن الكوافر والكتابيات، والاضافة إشارة إلى الاجتماع على الإيمان.\nوقيل: عام (١).\n﴿وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ قيل: الإماء. وقيل: عام في العبيد والإماء (٢)، وقد سبق في سورة النور (٣).\nولم يذكر الأعمام والأخوال لمكان بَنِيهم (٤)، ولم يذكر البعولة لأن الاحتجاب لأجلهم.\n_________\n(١) انظر: النكت والعيون (٤/ ٤٢٠).\n(٢) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ١٧٤).\n(٣) وهو الصواب أن المراد أرقاؤهن من الذكور والإناث، لكن لا يحل له نكاحها.\nانظر: أحكام القرآن للجصاص (٣/ ٣٨٦).\n(٤) لأنهما ربما وصفا المرأة لولديهما فإنها تحل لهما، وقد كره الشعبي وعكرمة أن تضع المرأة خمارها عند عمها أو خالها، قيل: ولأن العم والخال يجريان مجرى الوالدين، وقد يسمى العم أبًا.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ١٧٣)، معاني القرآن للزجاج (٤/ ١٧٨)، أحكام القرآن لابن العربي (٣/ ٦١٩)، أحكام القرآن للقرطبي (١٤/ ٢٣١).","vol":"1","page":2219},{"text":"وأما بنوا البعولة فقال عمرو بن دينار (١): \" كان الحسن والحسين لا يريان أمهات المؤمنين\". وقال ابن عباس ﵄: \" إن رؤيتهن لهما تحل\" (٢).\nوقيل: لم يُذكرا لأنهما كانا يومئيذ صغيرين (٣).\n﴿وَاتَّقِينَ اللَّهَ﴾ أي: عقاب الله (٤) من دخول الأجانب عليكن.\nوقيل: واتقين الله في مجاوزة ما أمرتن به (٥).\n﴿إِن اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (٥٥)﴾ عالمًا، وقيل: شاهدًا يشهد على كل نفس بما عملت (٦).\n﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ في سبب النزول عن كعب بن عجرة (٧)\n_________\n(١) عمرو بن دينار، أبو محمد الجمحي، مولاهم المكي، أحد الأعلام، وشيخ الإسلام في زمانه، سمع من ابن عباس، وجابر بن عبد الله، وابن عمر، ﵃، ثقة ثبت، كان من أوعية العلم، وأئمة الاجتهاد.\nانظر: سير أعلام النبلاء (٥/ ٣٠٠)، ميزان الاعتدال (٥/ ٣١٤).\n(٢) أخرجهما ابن أبي شيبة في مصنفه (٤/ ١٢)، وابن سعد في الطبقات (٨/ ١٧٨).\n(٣) لم أقف عليه، والله أعلم.\n(٤) في ب \"عقاب الله\" بغير \"أي\".\n(٥) في ب \"واتقين الله في محاورة ما أمرتن به\"، وانظر: الكشاف (٥/ ٩٢).\n(٦) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٤٨٠).\n(٧) كعب بن عُجْرة بن أمية بن عدي، البلوي، ثم السوادي، حليف الأنصار، صاحب رسول الله ﷺ، يكنى أبا محمد، نزل الكوفة، ومات بالمدينة سنة ثلاث وخمسين.\n\nانظر: الاستيعاب (٣/ ٣٧٩)، سير أعلام النبلاء (٣/ ٥٢).","vol":"1","page":2220},{"text":"قال: \" قيل للنبي ﷺ: قد عرفنا السلام عليك فكيف الصلاة عليك؟ فنزلت ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ فقال ﵊: \" قولوا اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد \" (١).\nوروى بعضهم: كما صليت على آل إبراهيم وكذلك كما باركت على آل إبراهيم (٢).\n\nوفي رواية ابن مسعود ﵁ \"كما باركت على آل إبراهيم في العالمين\" (٣).\nوعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \" من صلى علي واحدة صلى عليه الله عشرًا\" (٤).\nوقال مجاهد: \" لما نزلت ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ قال أبو بكر ما أعطاك الله من خير إلا أشركتنا فيه فنزلت ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾ (٥).\n_________\n(١) أخرجه البخاري (ك: التفسير، تفسير سورة الأحزاب، باب: قوله (إن الله وملائكته يصلون على للنبي)، ح: ٤٧٩٧).\n(٢) أخرجها البخاري في الصحيح (ك: التفسير، تفسير سورة الأحزاب، باب: قوله (إن الله وملائكته يصلون على النبي) ح: ٤٧٩٨).\n(٣) أخرجه مسلم (ك: الصلاة، باب: الصلاة على النبي صلى الله عليه مسلم بعد التشهد، ح: ٤٠٥).\n(٤) أخرجه مسلم (ك: الصلاة، باب: في ثواب الصلاة على النبي ﷺ، ح: ٤٠٨).\n(٥) انظر: أسباب النزول للواحدي (٤١٩).","vol":"1","page":2221},{"text":"سعيد بن حبير: صلاة الله المغفرة، وصلاة الملائكة الاستغفار، وصلاة المؤمنين الدعاء (١). وقيل: صلاة الله الثناء، وصلاة الملائكة الدعاء (٢).\nوقيل: صلاة الله على النبي إشاعة الخير عنه (٣).\nوقيل: معنى صلى على محمد: زد محمدًا بركة ورحمةً (٤).\nوروي أنهم قالوا: أرأيت يا رسول الله قول الله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ قال: \" هذا من العلم المكنون، ولولا أنتم سألتموني عنه لما أجبتكم، إن الله وكَّلَ بي ملكين فلا أُذكَر عند عبد مسلم فيصلي علي إلا قال ذانك الملكان: غفر الله لك، وقال الله وملائكته لذينك الملكين آمين، ولا أُذكر عند عبد مسلم فلا يصلي علي إلا قال ذانك الملكان: لا غفر الله لك، وقال الله وملائكته لذينك الملكين آمين\" (٥).\nوذهب بعض المفسرين إلى أنه إذا صلى عليه مرة فقد امتثل وأدى الفرض، والجمهور على أنه يجب كلما ذكره أو ذُكِرَ بين يديه (٦).\n_________\n(١) انظر: النكت والعيون (٤/ ٤٢١).\n(٢) وهو قول أبي العالية.\nانظر: المصدر السابق (٤/ ٤٢١).\n(٣) في ب \"إشاعتة الخير عنه\".\n(٤) قاله ثعلب.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٤٢٢).\n(٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور (١٢/ ١٢٨) لابن مردويه، وابن النجار.\nقال عنه الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٢١١) \"فيه الحكم بن عبد الله بن خطاف، وهو كذاب\".\n(٦) للأمر في الآية، ولقوله ﵊ في الحديث الذي أخرجه الترمذي في جامعه (أبواب الدعوات، ح: ٣٥٤٥) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"رغم أنف رجل ذُكِرتُ عنده فلم يصل علي\" قال الترمذي: \"حسن غريب\"، وأخرج ابن حبان في صحيحه (٣/ ١٨٩) عن علي بن الحسين عن النبي ﷺ قال: \"إن البخيل من ذكرت عنده فلم يصل علي\".","vol":"1","page":2222},{"text":"قال أبو علي: \"ليس في قوله ﴿يُصَلُّونَ﴾ ضمير الله سبحانه لأن الله لا يُضْمَر مع غيره كما قال ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢] وقد سبق، وتقديره: إن الله وملائكته يصلون هم وهو\" (١).\nالمبرد: لا يجوز وملائكتُه بالرفع، ولو كان التقدير: إن الله يُصلي وملائكته يُصَلون لجاز (٢) لأنك لا تقول إن الله يُصلون (٣).\nقوله ﴿وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ قيل: معناه: وسلموا عليه سلامًا (٤).\nوقيل: أُمروا بأن يقولوا صَلِّ على محمد وسَلِّم (٥).\nوقيل: معناه: انقادوا لأمر الله وابذلوا الجهد فيه وسلموا الأمر بالطاعة له (٦).\n﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ قيل: يؤذون أولياء الله، فحذف المضاف (٧).\nوقيل: ذكر الله تعظيم كما سبق في قوله ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١]. وقيل: معنى\n﴿يُؤْذُونَ اللَّهَ﴾ يعصون الله (٨).\nوفي جميع التفاسير هم أصحاب التصاوير كأنهم يعارضون الله ويرون أنهم يخلقون مثل خلقه (٩)، وأذى الرسول ما كان المنافقون يقولون في نكاح زينب وفي نكاح صفية بنت حيي (١٠).\n_________\n(١) انظر: إعراب القرآن للنحاس (٣/ ٣٢٣).\n(٢) في ب \"ولو كان يُصلي لجاز\".\n(٣) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٩٢٣).\n(٤) في ب \"سلموا عليه سلامًا\" بغير الواو، وانظر: النكت والعيون (٤/ ٤٢٢).\n(٥) انظر: المصدر السابق (٤/ ٤٢٢).\n(٦) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٣/ ٦٠).\n(٧) حكاه في النكت والعيون (٤/ ٤٢٢).\n(٨) انظر: المصدر السابق (٤/ ٤٢٢).\n(٩) وهو قول عكرمة.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ١٧٨).\n(١٠) وهو قول ابن عباس ﵄، وقتادة.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ١٧٩، ١٧٨).","vol":"1","page":2223},{"text":"وقيل: الآية عامة لجميع المعاصي الكبيرة (١).\n﴿لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا﴾ بالقتل، والسبي، وعذاب القبر.\n﴿وَالْآَخِرَةِ﴾ بالنار والعذاب الأليم.\n﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (٥٧)﴾ يهينهم مع الإيلام.\n﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا﴾ في سبب النزول عن ابن عباس أن عمر - ﵁ - رأى جارية من الأنصار متبرجة فضربها وكزة لما رأى من زينتها، فذهبت إلى أهلها تشكوا عمر فخرجوا إليه فآذوه فأنزل الله هذه الآية (٢).\nمقاتل: نزلت في علي ﵁ وذلك أن ناسًا من المنافقين كانوا يؤذونه ويُسْمِعونَه (٣). الضحاك، والكلبي، والسدي: نزلت في الزناة الذين كانوا يمشون في طرق المدينة يتبعون النساء (٤) إذا برزن بالليل لقضاء حوائجهن، فيرون المرأة فيدنون منها فيغمزونها فإن سكتت اتبعوها، وإن زجرتهم انتهوا عنها، ولم يكونوا يطلبون إلا الإماء ولكن لم يكن يومئيذ يُعرف الحُرَّة من الأَمَة إنما يخرجن في درع وخمار، فَشَكَوْنَ ذلك إلى أزواجهن فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فنزلت هذه الآية (٥).\nوقيل: نزلت في قصة عائشة وصفوان (٦).\n_________\n(١) قال ابن كثير في تفسيره (٣/ ٥٢٥) \"والظاهر أن الآية عامة في كل من آذاه بشيء، ومن آذاه فقد آذى الله كما أن من أطاعه فقد أطاع الله\".\n(٢) انظر: أسباب النزول للواحدي (٤٢٠).\n(٣) انظر: النكت والعيون (٤/ ٤٢٣)، معالم التنزيل (٦/ ٣٧٦).\n(٤) في أ \"الذين كانوا يمشون في طريق المدينة ويتبعون النساء\".\n(٥) في أ \"فأُنزلت هذه الآية\".\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ١٨٣)، النكت والعيون (٤/ ٤٢٣)، معالم التنزيل (٦/ ٣٧٦).\n(٦) قاله الضحاك.\n\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٤٢٣)، وانظر ترجمة صفوان بن المعطل ص: ٥٤٨.","vol":"1","page":2224},{"text":"﴿فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا﴾ كذبًا عظيمًا. ﴿وَإِثْمًا مُبِينًا (٥٨)﴾ ظاهرًا.\n﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قيل: حرائر المؤمنين (١). وقيل: أزواج المؤمنين (٢).\n﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ يغطين في بروزهن من البيوت أبدانهن بملاحفهن وأرديتهن بخلاف الأمة التي هي مكشوفة الرأس.\nالمبرد: الجلباب: ما يستر الكل مثل الملحفة، تقول العرب: تَجَلْبَبْتُ الليل أي: تسترت به (٣). ابن عيسى: هي الخمار، أي: المقنعة (٤).\nوفي أكثر التفاسير: الرِّداء، أمرهن الله بستر مواضع العورة من أبدانهن (٥).\nوقيل: تستر بالإزار وجهها الا عينًا واحدة (٦).\n﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ﴾ بزيهن أنهن حرائر.\n﴿فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ فلا يؤذيهن أهل الريبة. وقيل: يعرفن بالعفاف (٧).\n﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ لما سلف من ترك الجلباب. ﴿رَحِيمًا (٥٩)﴾ بعباده. ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ﴾ هم الذين أظهروا الإيمان وأسرُّوا الكفر.\n_________\n(١) انظر: معالم التنزيل (٦/ ٣٧٦).\n(٢) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٣/ ٦٠).\n(٣) لم أقف عليه، والله أعلم.\nقال في المفردات (١٩٩)، مادة: جلب: \"الجلابيب القُمُص والخُمُر، الواحد: جِلْباب\".\n(٤) وهو قول سعيد بن جبير.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٤٢٣).\n(٥) قال ابن مسعود ﵁، وقتادة، والحسن، وسعيد بن جبير، وعطاء، وغير واحد: هو ارداء فوق الخمار.\nانظر: معالم التنزيل (٦/ ٣٧٦)، تفسير ابن كثير (٣/ ٥٢٦).\n(٦) وهو قول عبيدة السلماني.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ١٨١).\n(٧) حكاه في النكت والعيون (٤/ ٤٣٤).","vol":"1","page":2225},{"text":"﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ شك. وقيل: زنًا (١).\n﴿وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ﴾ هم ثلاثه نفر (٢)، والمرجفون: هم قوم من المسلمين يرجفون بالأخبار الكاذبة يسمعونها فيذيعونها حبًا منهم للفتنة.\nوأصل الارجاف تحريك القلوب من قوله سبحانه ﴿تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ﴾ [النازعات: ٦] (٣)، أي: إن لم ينته هؤلاء من أذى المؤمنين والتضريب بينهم وإلقاء الشكوك في قلوبهم والإرجاف بأن فعل فلان كذا وفعلت فلانة كذا، وتوليد الأخبار التي لا أصل لها (٤) من عند أنفسهم.\nوقيل: هم قوم واحد، وهم المنافقون وصِوفوا بهذه الأوصاف (٥).\n﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾ لنسلطنك عليهم ولنأمرنك بقتالهم كما أمرناك بقتال الكفار من المشركين، والإغراء: الدعاء إلى تناول الشيء بالتحريض عليه (٦).\n_________\n(١) قاله عكرمة، وقتادة.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ١٨٤).\n(٢) في أ \"فهم ثلاثة نفر\".\n(٣) قال في الكشاف (٥/ ٩٩) \"يقال: أرجف بكذا إذا أخبر به على غير حقيقته لكونه خبرًا متزلزلًا غير ثابت، من الرجفة وهي الزلزلة\".\n(٤) في ب \"وتوكيد الأخبار التي لا أصل لها\".\n(٥) انظر: إعراب القرآن للنحاس (٣/ ٣٢٦).\n(٦) غَرِيَ بكذا: لَهَجَ به ولَصِق، وأصله من الغِراء وهو: ما يُلْصَق به، يقال: غَرَيْت بالرجل غِرىً إذا لَصِقتُ به، وأَغْرَيْتُ فلانًا بكذا، ومنه قوله تعالى ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ [المائدة: ١٤].\nانظر: معاني القرآن للزجاج (٢/ ١٣٠)، المفردات للراغب (٦٠٦)، مادة: غَرا.","vol":"1","page":2226},{"text":"﴿ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا﴾ في المدينة إذا أمرناك بقتلهم وقتالهم (١) لم يطل مقامهم معك في المدينة (٢) بل يضطرون إلى الجلاء عنها إلى بلاد أُخَر.\n﴿إِلَّا قَلِيلًا (٦٠)﴾ زمانا قليلًا (٣)، أو جوارًا قليلًا. والقِلَّة: الذلة، والقِلَّة: ضد الكثرة.\n﴿مَلْعُونِينَ﴾ الزجاج: منصوب على الحال، والمعنى: لا يجاورنك إلا وهم ملعونون، هذا لفظه (٤).\nابن عيسى: يجوز ملعونين على الذم وعلى الصفة لقليل، كأنه قيل: إلا أذلاء ملعونين، قال: ويجوز أن يكون حالا من الضمير في قوله ﴿يُجَاوِرُونَكَ﴾، هذا لفظه (٥).\nالفرَّاء: ﴿مَلْعُونِينَ﴾ منصوبة على الشتم وعلى الفعل، أي: لا يجاورونك فيها إلا ملعونين (٦)، قال: وقد يجوز أن يجعل القلة من صفتهم كأنك قلت: إلا أَقِلَاّءَ ملعونين (٧).\nوإنما حكيت ألفاظهم لأنهم جميعًا أجازوا النصب على الحال من الضمير في\n﴿يُجَاوِرُونَكَ﴾، وفيه نظر، لأن ما قبل ﴿إِلَّا﴾ لا يعمل فيما بعده، ولعلهم جعلوا في النية مقدمًا على مثل ما يأتي في القرآن من التقديم والتأخير.\n_________\n(١) في أ \"في المدينة (إلا قليلًا) إذا أمرناك بقتلهم وقتالهم\".\n(٢) في ب \"لم يطل مقامهم معك في المدينة\".\n(٣) في أ \"إلى بلاد آخر إلا زمانًا قليلًا\".\n(٤) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ١٧٩).\n(٥) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٩٢٣).\n(٦) في أ \"أي: لا يجاوزونك فيها إلا ملعونين\"، والصواب هو المثبت.\n(٧) انظر: معاني القرآن للفراء (٢/ ٣٤٩).","vol":"1","page":2227},{"text":"وفيه وجه رابع لم يذكروه وهو: النصب على أصل الاستثناء، وتقديره: إلا قليلًا ملعونون كقوله ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [النساء: ٦٦]، ثم نصب فصار إلا قليلا ملعُونين، كقراءة ابن عامر (إلا قليلا) (١)، وليس هذا هو الذي ذكره ابن عيسى على الصفة لقليلًا (٢) لأنه جعل نصبه إلا أذلاء ملعونين على الحال لا على الاستثناء.\nوفي بعض التفسير أنه متصل بما بعده، وهذا خطأ لأن الشرط لا يتقدم عليه ما بعده، ونص الزجاج على امتناعه (٣).\nومعنى ﴿مَلْعُونِينَ﴾ مبعدين من الرحمة. وقيل: مبعدين من المدينة (٤).\nوقيل: ملعونين على ألْسِنة المؤمنين (٥).\n﴿أَيْنَمَا ثُقِفُوا﴾ ... ظفر بهم.\n﴿أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (٦١)﴾ فلم يبق منهم أحد، والتشديد يدل على التكثير.\n﴿سُنَّةَ اللَّهِ﴾ أي: سَنَّ الأخذ والقتل (٦) في المنافقين، والشَّاكِّين، والمرجفين كما سَنَّ.\n﴿فِي الَّذِينَ خَلَوْا﴾ مضوا.\n﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أي: هذه سنته في جميع من تقدم.\n﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (٦٢)﴾ يجوز أن يكون المعنى: لا يُبَدِّل الله سنته (٧) بل يجريها مجرىً واحدًا في الأمم، ويجوز أن يكون المعنى: لا يَقْدِرُ أحَدٌ على تغيير سنة الله وتبديلها.\n_________\n(١) قرأ ابن عامر (إلا قليلًا منهم) بالنصب، وقراءة الجمهور بالرفع.\nانظر: السبعة لابن مجاهد (٢٣٥)، الحجة لابن خالوية (١٢٤).\n(٢) في ب \"وعلى الصفة لقليلًا\".\n(٣) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ١٧٩).\n(٤) انظر: معالم التنزيل (٦/ ٣٧٧).\n(٥) قال ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ١٨٦) \"مطرودين منفيِّين\".\n(٦) في أ \"سنة القتل والأخذ\" بالتقديم والتأخير.\n(٧) في ب \"لا تبدل الله سنته\"، والصواب هو المثبت.","vol":"1","page":2228},{"text":"﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ﴾ أي: الكفار. ﴿عَنِ السَّاعَةِ﴾ سؤال تعنت وإنكار.\n﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ استأثر الله بعلمه فلا اطلاع لأحد عليها.\n﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا (٦٣)﴾ قيل: خطاب للنبي ﷺ على التعظيم لشأنها أي: فاعلم أنها كذلك (١).\nوقيل: تقديره: قل لكل من سألك عنها ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا (٦٣)﴾ أي: عن قريب تكون (٢).\nو﴿قَرِيبًا﴾ أي: عن قريب تكون، و﴿قَرِيبًا﴾ نُصِبَ على الظَّرْف.\nوالمراد: بالساعة ما يقع فيها من الثواب والعقاب، ويجوز أن يكون نصبًا بخبر كان وذكر كما ذكر في قوله ﴿إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [الأعراف: ٥٦]، وقد سبق.\n﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤)﴾ أي: خلق لهم نارًا.\n﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ في النار. ﴿أَبَدًا﴾ دائمًا. ﴿لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا﴾ يحفظهم. ﴿وَلَا نَصِيرًا (٦٥)﴾ ناصرًا يمنعهم.\n﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ وجوه منكري البعث تصرف في جهات النار زيادة في العذاب.\nوقيل: تُقَلَّب لتنضج بنار جهنم (٣).\nوقيل: تُقَلَّب فيها حالًا بعد حال، ولونًا بعد لون فَتَسْوَدُّ مرةً وتَخْضَرُ أخرى (٤).\n﴿يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا (٦٦)﴾ فنتخلص من هذا العذاب (٥) أي: تمنوا الإيمان حين لا ينفع التمني.\n_________\n(١) لم أقف عليه، والله أعلم.\n(٢) قاله الكلبي.\nانظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٤٨٣).\n(٣) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٣/ ٦١).\n(٤) انظر: معاني القرآن للفراء (٢/ ٣٥٠)، جامع البيان لابن جرير (١٩/ ١٨٨).\n(٥) في ب \"فتتخلص من هذا العذاب\"، وهو تصحيف.","vol":"1","page":2229},{"text":"والألف في أواخر هذه الآيات (١) لموافقة ما قبلها وما بعدها مراعاة للفواصل، ومن ظن أنه للتذكر فقد أساء لأن التذكر والغلط غير جائزين على الله سبحانه.\n﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا﴾ علماءنا وشيوخنا.\n﴿فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (٦٧)﴾ أي: قَلَّدْناهم من غير حجة وبيان فجاروا بنا عن قَصْد الحق.\nوسادة: جمع سَيِّد (٢)، وسادات جمع الجمع.\nوقيل: نزلت في المطعمين يوم بدر (٣)، وكانوا اثنى عشر رجلًا.\n﴿رَبَّنَا آَتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ أي: عَذِّبْهم مثلي عذاب غيرهم بضلالهم وإضلالهم أيانا (٤).\nوقيل: عذاب الدنيا وعذاب الآخرة (٥).\n﴿وَالْعَنْهُمْ﴾ وأبعدهم عن رحمتك.\n﴿لَعْنًا كَبِيرًا (٦٨)﴾ دائمًا، متواترًا، كثيرًا لا ينقطع.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آَذَوْا مُوسَى﴾ أي: احذروا أن تكونوا مؤذين للنبي ﷺ كما آذى بنو إسرائيل موسى.\n﴿فَبَرَّأَهُ اللَّهُ﴾ أظهر براءته. ﴿مِمَّا قَالُوا﴾ أي: قالوه فيه.\n﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي: كان موسى عند الله.\n﴿وَجِيهًا (٦٩)﴾ ذا جاه ومنزلة وكان محببًا مقبولًا، وقيل: وجيهًا لم يسأل شيئًا إلا أعطاه (٦).\n_________\n(١) في أ \"في آخر هذه الآيات\".\n(٢) في ب \"سادة جمع سيد\" بغير الواو.\n(٣) في ب \"قيل نزلت في المطعمين يوم بدر\" بغير الواو.\nوهو قو مقاتل، ذكره الواحدي في الوسيط (٣/ ٤٨٣).\n(٤) في ب \"مثلي عذاب غيرهم لضلالهم وإضلالهم إيانا\".\n(٥) قاله قتادة.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٤٢٦).\n(٦) قاله الحسن.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٤٢٧).","vol":"1","page":2230},{"text":"واختلف المفسرون في الذي أذوا به موسى؛ فروى جماعة عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: \" بأن موسى كان رجلًا حييًا، ستيرًا لا يكاد يُرى من جلده شيء استحياءً، فآذاه من آذاه من بني إسرائيل فقالوا: لا يتستر هذا التستر إلا من\nعيب (١) بجلده؛ إما برص، وإما أَدَرَة (٢)، وإما أفة، فأراد الله أن يبرئه وأن موسى خلا يومًا وحده فوضع ثيابه على حجر ثم اغتسل، فلما فرغ أقبل إلى ثيابه ليأخذها عدا الحجر بثيابه فأخذ موسى عصاه وتبع الحجر، فجعل يقول: ثوبي حجر ثوبي حجر حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل فرأوه عريانًا أحسن الناس خَلْقًا.\nقال: فقام الحجر فأخذ ثوبه فلبسه وطفق يضرب الحجر ضربًا بعصاه فوالله إن بالحجر لندبًا من أثر ضربه ثلاثا أو أربعًا وذلك قوله ﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آَذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ﴾ (٣).\n_________\n(١) في ب \"ما يتستر هذا التستر إلا من عيب\".\n(٢) الأُدْرَة: بالضم نفخة في الخصية، يقال: رجل آدَر عظيم الخصية، ولا يقال في المرأة.\nانظر: لسان العرب (١/ ٩٤)، مادة: أَدَرَ.\n(٣) أخرجه البخاري (ك: التفسير، تفسير سورة الأحزاب، ح: ٤٧٩٩) مختصرًا، وأخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ١٩٢) باللفظ الذي ذكره المؤلف.","vol":"1","page":2231},{"text":"وقيل: ادعوا عليه غرامة قتل أخيه هارون، روي عن ابن عباس عن علي بن أبي طالب ﵄ (١)، أن موسى وهارون صعدا الجبل فمات هارون فقال بنو إسرائيل لموسى: أنت قتلته. فأمر الله الملائكة فحملته حتى مروا به على بني إسرئيل وتكلمت الملائكة بموته حتى عرفت بنو اسرائيل أنه مات فبرأه الله من ذلك، فانطلقوا به فدفنوه فلم يطلع على قبره أحدٌ من خلق الله إلا الرَّخَم فجعله الله أصم أبكم، ذكره الثعلبي والنقاش وعليهما العهدة (٢).\nقال أبو العالية (٣): هو قارون استأجر مؤمسة لتقذف موسى بنفسها على رأس الملأ فعصمه الله وبرأ موسى وأهلك قارون كما سبق في سورة القصص، حكاه الثعلبي (٤).\n_________\n(١) في أ \"وقيل: ادعوا عليه قتل أخيه هارون، وروى ابن عباس عن علي بن أبي طالب ﵄\".\n(٢) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٨/ ٦٧)، والأثر أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ١٩٤)\n(٣) أبو العالية، تنظر ترجمته ص: ٥٦٦\n(٤) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٨/ ٦٧).\nواختار ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ١٩٥) أن بني إسرائيل آذوا موسى ﵇ ببعض ما يكره فبرأه الله مما قالوا، وجائز أن يكون الأذى هو قولهم أنه آدر، وجائز أن يكون ادعاؤهم عليه قتل أخيه، وجائز أن يكون كل ذلك، ولا قول أولى، فيشمل الجميع.","vol":"1","page":2232},{"text":"﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ قال أبو القاسم (١) روي عن ابن المبارك (٢) أن رجلًا أتي ابن مسعود ﵁ فقال: اعهد إليّ. فقال: إذا سمعت الله يقول يا أيها الذين آمنوا فارعها سمعك، فإنه خير يأمر به أو شر ينهى عنه (٣).\n﴿وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠)﴾ لا ينقص بعضه بعضًا، وقيل: قصدًا (٤)، سَدَّ يَسُدُّ سَدًَّا فهو سديد.\nوقيل: قولوا في زينب وزيد قولًا سديدًا (٥).\nوعن ابن عباس ﵄: قولوا لا إله إلا الله (٦).\nوقيل: ﴿سَدِيدًا﴾ صدقًا (٧).\nوقيل: عدلًا، صوابًا، مستقيمًا (٨).\n﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ يوفقكم للأعمال الصالحة.\nوقيل: يصلحها بالقبول والإثابة عليها (٩).\n﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ باستقامتكم في القول والعمل.\n﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ﴾ في فرائضه. ﴿وَرَسُولَهُ﴾ في سنته.\n﴿فقد فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ ظفر بالثواب ونجا من العقاب.\n﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ للمفسرين فيها أقوال:\n_________\n(١) أبو القاسم هو المؤلف، محمود بن حمزة الكرماني، وهذه كنيته، ولعل هذا من عمل النُّسَّاخ.\n(٢) عبد الله بن المبارك، تنظر ترجمته ص: ٤٧٨\n(٣) أخرجه أبو نعيم في الحلية (١/ ١٣٠).\n(٤) انظر: زاد المسير (٦/ ٤٢٧).\n(٥) قاله مقاتل.\nانظر: الكشف والبيان للثعلبي (٨/ ٦٧).\n(٦) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ١٩٦) عن عكرمة، وانظر: معالم التنزيل (٦/ ٣٧٩).\n(٧) قاله قتادة.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٤٢٧).\n(٨) قاله السدي.\nانظر النكت والعيون (٤/ ٤٢٧).\n(٩) قاله ابن عباس ﵄.\nانظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٤٨٤).","vol":"1","page":2233},{"text":"أحدها: أن الله لما خلق السموات والأرض والجبال خاطبهن فأفهمهن خطابه وقال: إني فرضت فريضة وخلقت جنة ونارًا، ثوابًا لمن أطاعني وعقابًا لمن عصاني.\nفقالت السموات والأرض والجبال: نحن مُسَخَّرات على ما خلقتنا لا نحتمل فريضة ولا نبتغي ثوابًا ولا عقابًا (١). فلما خلق آدم عرض ذلك عليه فتحمله (٢).\nومثله في القرآن ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١)﴾ [فصلت: ١١]، ومثلها ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٤]، ومثلها\n﴿أَلَمْ تَرَ أَن اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية [الحج: ١٨]، وكذلك قوله سبحانه ﴿هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠].\nوتقديره: عرضنا قبول الأمانة فيكون العرض بالقول والخطاب.\nواختلفوا في الأمانة ما هي؟\nابن عباس ﵄: الفرائض التي أمر الله العباد بها (٣).\nوروي عن النبي ﷺ أنه قال: \" الأمانة ثلاث؛ الصوم، والصلاة، والاغتسال من الجنابة\" (٤).\n_________\n(١) في ب \"ولا نبغي ثوابًا ولا عقابًا\".\n(٢) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ٢٠٠) عن ابن زيد بنحوه، وانظر: تفسير ابن كثير (٣/ ٥٣٠).\n(٣) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ١٩٧)، وبه قال مجاهد، وسعيد بن جبير، والضحاك، والحسن.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٤٢٨)، تفسير ابن كثير (٣/ ٥٣٠).\n(٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسير القرآن (٢/ ١٢٥) عن زيد بن أسلم.\nوكلها أقوال متفقة في أن المراد الأمر والنهي، وأن من أطاع أثيب ومن عصى عوقب.","vol":"1","page":2234},{"text":"وقيل: الأمانة: العقل عرض عليهن أن يجعلهن عقلاء (١) بشرط أن من عمل بمقتضى عقله أثيب ومن عمل بخلافه عُوقب (٢).\nوقيل: الأمانة التقوى والقول السديد لأن نسق الآية يقتضي ذلك (٣).\nويحتمل أن الأمانة التكليف ولا يمتنع أن يكون للجماد معرفة بربها، وإن كنا لا نعرف كيفية ذلك ولا ينكر العقل ذلك من قدرة الله وليس إذا تعود الإنسان وقوع شيء (٤) على وجه ينكر وقوعه على غير ذلك الوجه في مقدور الله، ويجوز أن يكون الله تعالى صيرها عاقلةً في وقت وأعلمها حال الأمانة وما فيها وعليها وخَيَّرَها فاستعفت فأعادها الله جمادات كما هي الآن.\nوالثاني: إنا عرضنا الأمانة الفرائض على أهل السموات وأهل الأرض وأهل الجبال وهم الملائكة الذين فيها، فيكون كقوله ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] أي: أهل القرية (٥).\nوالثالث: أن هذا من مجاز كلام العرب وتوسعهم في الأخبار عن الجمادات بأنها سُئِلت فأجابت، وأنها قالت ونطقت وليس هناك سؤال ولا جواب ولا قول ولا نطق، ومثل هذا في الشعر كثير، وكذلك قوله تعالى ﴿تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ﴾ الآية [مريم: ٩٠].\nوالرابع: أن التقدير: أنا لو عرضنا كما قال ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ﴾ الآية [الحشر: ٢١].\n_________\n(١) في ب \"عرض عليهن بأن يجعلنهن عقلاء\".\n(٢) انظر: معاني القرآن للنحاس (٥/ ٣٨٦)، معالم التنزيل (٦/ ٣٨٠).\n(٣) لم أقف عليه، والله أعلم.\n(٤) في أ \"وليس إذا تعوذ الإنسان وقوع شيء\"، وهو تصحيف.\n(٥) قاله الحسن.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٤٣٠).","vol":"1","page":2235},{"text":"الخامس: عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فقبلنها (١).\n﴿فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا﴾ أي: أبين الخيانة فيها.\n﴿وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾ خفن من الخيانة فيها.\n﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾ أي: خان فيها، فتكون الأمانة (٢) على هذا الدلالة على وحدانية الله وقدرته، وخيانة الإنسان كفره وأشراكه مع الله غيره.\nالسادس: الأمانة وعرضها هي إئتمان آدم ابنه قابيل على أهله وولده حين خروجه إلى الحج، قال آدم للسماء: احفظي ولدي بالأمانة فأبت، وقال للأرض فأبت، وقال للجبال فأبت، وقال لقابيل فقال: نعم، فخان فيها بقتل ولده هابيل (٣).\nوالعَرْض على وجهين:\nعرض بالقول والخطاب وهو الحقيقة، وعرض مجاز، تقول: عرضت الناقة على الحوض تريد عرضت الحوض على الناقة، والإباء أيضًا قد يكون حقيقة نحو: دعوت زيدًا فأبى، ومجازًا نحو: سللت سيفي (٤) فأبى.\nوالحَمْلُ يكون بمعنى: الرفع، ويكون بمعنى: الخيانة، ويكون بمعنى: الحِمَالة وهي الكفالة وقد فسر الآية بها (٥).\n_________\n(١) قال ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ٢٠٤) \"وأولى الأقوال أنه عني بالأمانة في هذا الموضع جميع معاني الأمانات في الدين، وأمانات الناس، وذلك أن الله يخص بعض معاني الأمانات لما وصفها\".\n(٢) في ب \"فيكون الأمانة\"، والصواب هو المثبت.\n(٣) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ٢٠٣) مطولًا عن ابن عباس وابن مسعود ﵄ وعن ناس من أصحاب رسول الله ﷺ.\nوقد رد الشوكاني في فتح القدير (٤/ ٣٠٨) هذا القول، وبين أنه لا يوجد دليل صحيح يدل عليه.\n(٤) في ب \"ومجازًا سللت سيفي\".\n(٥) الحِمْل يقال للأشياء المحملة على الظهر، أما المحمولة في البطن فيقال لها حَمْل، ومنه حمل المرأة حنينها، والحَمِلُ: هو الكفيل لكونه حاملًا للحق مع من عليه الحق.\n\nانظر: المفردات (٢٥٧)، مادة: حمل.","vol":"1","page":2236},{"text":"﴿إِنَّهُ﴾ إن الإنسان قيل: آدم. وقيل: ابن آدم قابيل. وقيل: عام في بني آدم.\n﴿كَانَ ظَلُومًا﴾ لنفسه. ﴿جَهُولًا (٧٢)﴾ بعواقب الأمور.\n﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ اللام متصلة بقوله ﴿عَرَضْنَا﴾ وقيل: متصلة بجميع ما في السورة. وقيل: اللام لام العاقبة. وقيل: كان قبول الأمانة ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات (١).\n﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٣)﴾ للمؤمنين والمؤمنات.\n_________\n(١) انظر: الكشاف (٥/ ١٠٣)، البحر المحيط (٧/ ٢٤٤).","vol":"1","page":2237},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-140>سورة سَبأ</span>","vol":"1","page":2238},{"text":"سورة سبأ (١)\nأربع وخمسون آية (٢)، مكية عند الجمهور.\nمجاهد، ومقاتل، والكلبي مكية إلا آية وهي ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [سبأ: ٦] الآية فإنها نزلت بالمدينة (٣).\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ الثناء والشكر والمدح له.\n﴿الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ خلقًا وملكًا فلهذا استحق الحمد وحَرَّض عليه.\n﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآَخِرَةِ﴾ لاستدامة موجب الحمد.\n_________\n(١) في أ \"سورة السبأ\".\n(٢) \" أربع وخمسون آية\" ساقط من ب.\n(٣) السورة مكية، وهو مروي عن ابن عباس ﵄ وجمهور العلماء، واختُلف في قوله تعالى ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [سبأ: ٦]؛ فقال مجاهد، ومقاتل، والضحاك، والكلبي هي مدنية، والمراد بالمؤمنين من أسلم بالمدينة كعبد الله بن سلام، وغيره.\nونقل السيوطي في الإتقان (١/ ٤٣)، وفي التحبير (٥٩) عن ابن الحصار أن قصة سبأ نزلت بالمدينة، واستدل بما رواه الترمذي في سننه (ك: التفسير، تفسير سورة سبأ، ح: ٣٢٢٢) عن فروة بن مُسَيك قال: أتيت رسول الله ﷺ ... الحديث وفيه \"وأُنزل في سبأ ما أُنزل، فقال رجل يا رسول الله وما سبأ أرض أم امرأة؟ \". قال: ومُهَاجَر فروة بعد إسلام ثقيف سنة تسع، ويحتمل أن يكون مراده حكاية ما تقدم نوله قبل هجرته.\nوانظر: الناسخ والمنسوخ للنحاس (٢/ ٥٩٤)، الناسخ والمنسوخ لمكي بن أبي طالب (٣٨٨)، المحرر لابن عطية (٤/ ٤٠٤).","vol":"1","page":2239},{"text":"وقيل: يحمدونه سرورًا به لا تعبدًا ومثله ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾، [الزمر: ٧٤] ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ﴾ [فاطر: ٣٤] ﴿وَآَخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠] وأمثالها (١).\nوفي تفسير النقاش ﴿لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآَخِرَةِ﴾ أي: في السموات والأرض لأن إحداهما خُلقت قبل الأخرى (٢)، وهذا تأويل بعيد لأنه ليس في القرآن الأولى.\n﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ﴾ في صنعه.\n﴿الْخَبِيرُ (١)﴾ بعباده أي: العالِم بهم.\n﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ﴾ من الأموات، والكنوز، والنَّامي (٣)، والحيوان.\n﴿وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ من الأرض من النَّامي، والحيوان، ويحتمل ما يلج في الأرض من الأموات في الدنيا وما يخرج من الأرض من الأحياء في الأُخرى.\n﴿وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ من مَلَكٍ، وكتابٍ، وقضاءٍ، ومطرٍ، ورحمةٍ، وعذاب.\n﴿وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ يصعد فيها من مَلَكٍ، وكلام طيِّب، وعمل صالح، ودعاء بإخلاص، وروح طاهرة، ونبي مُكَرَّم بالمعراج، وكذلك فيما ينزل من السماء من شيطان مارد من قوله ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ﴾ الآيات [الجن: ٩، ٨].\n﴿وَهُوَ الرَّحِيمُ﴾ لمن أطاع.\n﴿الْغَفُورُ (٢)﴾ لمن تاب.\n﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يريد المشركين دون أهل الكتاب.\n_________\n(١) انظر: النكت والعيون (٤/ ٤٣١).\n(٢) انظر: النكت والعيون (٤/ ٤٣١).\n(٣) من نمى الشيء أي: زاد وارتفع، والأشياء كلها على وجه الأرض إما نامٍ أو صامت؛ فالنامي مثل: النبات والشجر ونحوه، والصامت مثل: الحجر والجبل ونحوه، والنَّماء: الرِّيع والسِّمَن، ومنه نمى الرجل أي: سَمِنَ، ونَمَتِ الناقة إذا سَمِنت.\nانظر: لسان العرب (١٤/ ٢٩٦)، مادة: نمي.","vol":"1","page":2240},{"text":"وقيل: السَّامرة من اليهود ينكرون البعث (١).\n﴿لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ﴾ أي: لا نُبعث (٢) إنكارًا لها.\n﴿قُلْ﴾ يا محمد.\n﴿بَلَى﴾ ردًا لكلامهم وإثباتًا لما بعده.\n﴿وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ وأكِّد يا محمد الخبر باليمين جريًا على عادة المخاطبين من العرب، ولأن الكلام في نفسه صدق.\nوقيل: حلف أبو سفيان بالَّلات والعُزّى أن لأبَعْثَ ولا نُشور وأن لا تأتينا الساعة، فقيل: قل يا محمد: وربي لتأتينكم فقابل اليمين باليمين (٣).\n﴿عَالِمِ الْغَيْبِ﴾ الجر وصف لقوله ﴿وَرَبِّي﴾ أو بدل، وكذلك من قرأ (علَاّمُ الغيب) (٤)، والرفع على الابتداء ﴿لَا يَعْزُبُ﴾ خبره، أو هو عالم الغيب.\nوقيل: بإضمار القول أي: قال ذلك عالم الغيب، وفيه بُعد، ويحتمل أن يرتفع باتصاله بقوله ﴿وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ﴾ عالم الغيب، ويحتمل أيضًا أنه فاعل قوله ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ﴾، والمعنى: لتأتينكم الساعة ولا يعلم ذلك إلا عالم الغيب.\n﴿لَا يَعْزُبُ﴾ لا يبعد.\n﴿عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ وزن نملة صغيرة.\nوقيل: مثقال ذرة: رأس نملة صغيرة (٥).\nوقيل: هي ما تقع في الكوَّة مع الشمس (٦).\n_________\n(١) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٩٢٥)، وهو بعيد لكون السورة مكية.\n(٢) في ب: \"أي: لا تُبعث\".\n(٣) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٥٨)، المحرر لابن عطية (٤/ ٤٠٥).\n(٤) في ب: \"وكذا من قرأ علاّم الغيب\".\nوهي قراءة حمزة، والكسائي، وقرأ ابن كثير، وعاصم، وأبو عمرو (عالِمِ الغيب) بكسر الميم، وقرأ نافع، وابن عامر (عالمُ) برفع الميم.\nالحجة لابن خالويه (٢٩١)، النشر (٢/ ٣٤٩).\n(٥) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٣/ ٦٥).\n(٦) في ب: \"وقيل: هي ما يقع\".","vol":"1","page":2241},{"text":"ابن الهيصم: سبعون ذرة وزن جناح ذباب، وسبعون جناح ذباب وزن حبة (١).\n﴿وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ﴾ من مثقال ذرة.\n﴿وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٣)﴾ إلا في اللوح المحفوظ، وإنما كتب جريًا على عادة المخاطبين لا مخافة نسيان وليعلم أنه لم يقع خلل وإن أتى عليه الدهر.\nقوله ﴿وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ﴾ رفع بالعطف على ﴿مِثْقَالُ ذَرَّةٍ﴾ ويكون ﴿إِلَّا﴾ بمعنى: لكن، ويجوز أن يكون رفعا بالابتداء و(٢) ﴿فِي كِتَابٍ﴾ خبره.\n﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ﴾ متصل بقوله ﴿لَا يَعْزُبُ﴾. وقيل: بقوله ﴿لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾. وقيل: بما في ﴿كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ من معنى الفعل أُثبت.\n﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ لذنوبهم.\n﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ حَسَن، وقيل: بلا مَنّ. وقيل: يتبع الكرامة. وقيل: كريم على من يعطيه الله وهو الجنة (٣).\n﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آَيَاتِنَا﴾ جاهدوا وبالغوا في رد القرآن وتزهيد الناس في قبوله. وقيل: سعوا في ديننا بالتكذيب (٤).\nوقيل: جاهدوا في إبطال الآيات (٥).\n﴿مُعَاجِزِينَ﴾ مسابقين ظانِّين أن يفوتونا، ومعجزين مثبِّطين عن الإيمان من أراده.\n﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ﴾ من سيء العذاب، والرجز: نَفْسُ العذاب.\n_________\n(١) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٩٢٦).\n(٢) الواو سقط من ب.\n(٣) لم أقف على هذه الأقوال، والله أعلم.\n(٤) انظر: النكت والعيون (٤/ ٤٣٢).\n(٥) انظر: المصدر السابق (٤/ ٤٣٢).","vol":"1","page":2242},{"text":"﴿أَلِيمٌ (٥)﴾ مؤلم، أي: عذاب من عذاب أليم، ومن رفع أي: عذاب أليم من سيء العذاب (١).\n﴿وَيَرَى الَّذِينَ﴾ ويعلم الذين، قيل: محله نصب بالعطف على ﴿لِيَجْزِيَ﴾، وقيل: رفع بالاستئناف.\n﴿الذين أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ هم أهل الكتاب؛ عبدالله بن سلام وأصحابه فيمن قال الآية مدنية.\nوقيل: هم أمة محمد ﷺ فيمن قال السورة كلها مكية (٢).\n﴿الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ يعني القرآن.\n﴿مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾ الصدق غير الباطل هو عماد، و﴿الْحَقَّ﴾ المفعول الثاني وفائدة دخول العماد الإعلام بأن ما بعده خبر عما قبله لا صفة.\n﴿وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٦)﴾ دين الله الإسلام وطاعته.\n﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني مُنكري البعث يقول بعضهم لبعض على وجه التعجب والتعجيب.\n﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ﴾ يعنون محمدًا ﷺ.\n﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾ يخبركم بشيء عجب.\n﴿إِذَا مُزِّقْتُمْ﴾ فُرِّقْتُم.\n﴿كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ كل تفريق وصرتم ترابًا وأكلتكم دواب الأرض أو طيور الهواء وصرتم رُفاتًا.\n﴿إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (٧)﴾ يُجَدَّدُ خلقكم وتبعثون.\nوقيل: إنكم في جملة مخلوقين يجددهم الله إذا نصب بفعل يدل عليه ﴿جَدِيدٍ﴾ أي: تبعثون إذا مُزِّقْتم (٣).\n_________\n(١) قرأ ابن كثير، وحفص عن عاصم (من رجزٍ أليمٌ) برفع الميم، وقرأ نافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم بالكسر (من رجزٍ أليمٍ).\nانظر: الكشف لمكي (٢/ ٢٠١)، الإقناع لأبي جعفر (٣٦٤).\n(٢) وقد سبق بيان ذلك في أول السورة.\n(٣) انظر: إعراب القرآن للنحاس (٣/ ٣٣٣).","vol":"1","page":2243},{"text":"﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ قَسَّموا الكلام فقالوا: هو إما عاقل كاذب، وإما مجنون هاذٍ.\n﴿بَلِ﴾ هذا رد من الله عليهم أي: تركتم القسمة الثالثة وهي: إما صحيح العقل صادق. ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ (٨)﴾ أي: هم في ضلال عاجل في الدنيا وعذاب آجل في العقبى.\nوقيل: خاتمة أمرهم العذاب وفاتحته الضلال (١).\nوقيل: في عذاب في الآخرة وضلال عن طريق الجنة (٢).\nقال القفال: \"العذاب والضلال في الدنيا\"، قال: \"ومعنى العذاب (٣) الفناء والأذى كما تقول: أنا في عذاب من هذا الأمر أي: في مقاساة وشدة\" (٤).\nقال عبيد الأبرص (٥):\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... طول الحياة له تعذيب (٦).\n﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ كيف هو محيط بهم من كل جهة رموا بأبصارهم إليها فهم محصورون كالموكل بهم في موضع قد حُبِسوا فيه.\n﴿إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ أي: هلا استدلوا بذلك على أنهم في سلطان الله يجري عليهم قدرته كيف شاء وبما شاء من خَسْف، وحَصْب بالحجارة وغيرهما.\n_________\n(١) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٤٨٧).\n(٢) انظر: النكت والعيون (٤/ ٤٣٤).\n(٣) في ب \"وقيل: ومعنى العذاب\".\n(٤) في ب \"في مقاسات شدة\"، وقول القفال لم أقف عليه بعد البحث.\n(٥) عبيد بن الأبرص بن عوف بن جشم الأسدي، شاعر من دهاة الجاهلية وحكمائها، عاصر امرأ القيس، وله معه مناظرات ومناقضات، قتله النعمان بن المنذر في يوم بؤسه.\nانظر: طبقات فحول الشعراء (١/ ١٣٨).\n(٦) انظر: ديوان عبيد بن الأبرص (٢٣).","vol":"1","page":2244},{"text":"وقيل: معناه: إن تَمَزَّقوا وتفرقوا لم تخرج الأجزاء عن الأرض والسماء (١) فهي في قبضتنا نُحْييها متى نشاء (٢).\n﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ في خلق السموات والأرض والقدرة على الخسف والإسقاط.\n﴿لَآَيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٩)﴾ لدلالة على الإحياء لكل عبد مقر بالعبودية منيب إلى الله بالتفكر في آياته.\n﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا﴾ النبوة، والزَّبور، والصوت البديع، والملك، والقوة، وتستخير الجبال والطير.\n﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾ وقلنا يا جبال أوبي معه فيه ثلاثة أقوال:\nأحدها: سيري معه، وكانت تسير معه حيث شاء إذا أراد مُعْجِزةً له (٣). والتَّأويب: سير النهار (٤).\nوقيل: سبِّحي معه، من تأويب القارئ كما تقول: رَجَّع القارئ، وكان إذا قرأ الزبور صوتت معه الجبال (٥). واصغت له الطير (٦).\nوهب: أوبي نوحي معه (٧).\n_________\n(١) في أ \"إن تمزقوا وتفرقوا لم يخرج الأجزاء عن الأرض والسماء\".\n(٢) في ب \"فهي في قبضتنا يحييها متى شاء\".\nانظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٤٨٧).\n(٣) قاله الحسن.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٤٣٥)، وضعف ابن كثير في تفسيره (٣/ ٥٣٥) هذا المعنى.\n(٤) التَّأْويب في كلام العرب: أن يسير النهار كله وينزل الليل.\nانظر: لسان العرب (١/ ٢٥٨)، مادة: أَوَبَ.\n(٥) في ب: \"صوتت الجبال\".\n(٦) وهو قول ابن عباس ﵄، ومجاهد، وقتادة، واختاره ابن جرير.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٢٢٠)، النكت والعيون (٤/ ٤٣٥).\n(٧) انظر: معالم التنزيل (٦/ ٣٨٧).","vol":"1","page":2245},{"text":"﴿وَالطَّيْرَ﴾ يساعدك على ذلك. قال: وكان إذا نادى بالنياحة أجابته الجبال بصداها وعطفت عليه الطير من فوقه فصدى الجبال الذي يسمعه الناس من ذلك اليوم حكاه الثعلبي (١)، وفيه ضعف.\n﴿وَالطَّيْرَ﴾ نصب من ثلاثة أوجه:\nأحدها: بالعطف على محل الجبال لما لم يمكن عطفه على لفظه لمكان الألف واللام.\nوالثاني: بمعنى مع.\nوالثالث: وسخرنا له الطير (٢).\nوقرأ رَوْح (٣)، وزيد (٤) عن يعقوب (٥) بالرفع عطفًا على لفظ ﴿يَا جِبَالُ﴾ (٦).\n_________\n(١) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٨/ ٧١)، وانظر: معالم التنزيل (٦/ ٣٨٨).\n(٢) في أ: \"والثالث: سخرنا له الطير\".\n(٣) رَوْح بن عبد المؤمن الهذلي البصري النحوي، من أجل أصحاب يعقوب وأوثقهم، قرأ عليه، كان متقنًا مجودًا، روى له البخاري في صحيحه، توفي سنة أربع أو خمس وثلاثين.\nانظر: معرفة القراء الكبار (١/ ٢١٤).\n(٤) زيد بن علي بن أحمد بن عمران بن أبي بلال العجلي الكوفي المقرئ، أحد الحذاق وشيخ القراء في العراق، توفي سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة.\nانظر: معرفة القراء الكبار (١/ ٣١٤).\n(٥) يعقوب بن إسحاق بن زيد بن عبد الله الحضرمي البصي، أحد القراء العشرة، كان إمامًا كبيرًا، ثقة عالمًا صالحًا، انتهت إليه رياسة الإقراء في عصره، توفي سنة خمس ومائتين.\nانظر: معرفة القراء الكبار (١/ ١٥٧).\n(٦) وهي قراءة شاذة قرأ بها الأعرج، وابن أبي عبلة.\nانظر: الشواذ لابن خالويه (١٢١)، شواذ القراءات للكرماني (٣٨٩).\nقال الزجاج في معاني القرآن (٤/ ١٨٤): \"فالرفع من جهتين: إحداهما: أن يكون نسقًا على ما في أوِّبي، والمعنى: ياجبال رجِّعي التسبيح أنت والطير، ويجوز أن يكون مرفوعًا على البدل، والمعنى: يا جبال ويا أيها الطير أوِّبي معه\".\n\nوانظر ماسبق في إعراب القرآن للنحاس (٣/ ٣٣٤).","vol":"1","page":2246},{"text":"وقيل: بالعطف على الضمير في ﴿أَوِّبِي﴾ (١).\n﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠)﴾ فيه ثلاثة أقوال:\nأحدها: جعل الحديد في يده كالشمع يعمل منه وبه ما يريد (٢).\nوالثاني: بحرارته وقوة كفه (٣) يلينه كما تلينه النار (٤).\nوالثالث: سهَّلنا عليه العمل به فليَّناه في يده (٥)، وكان يعمل في كل يوم درعًا (٦) فيبيعها بستة الآف درهم، وكان يتصدق بأربعة آلاف وينفق الباقي. وقيل: لما مات بقي منها في خزائنه ألف درع (٧).\n﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ ﴿أَنِ﴾ هي المفسرة أي: اعمل. وقيل: هو بمعنى الخبر أي: بأن يعمل (٨) سابغات.\nوالسابغات: الدروع التامة من السبوغ كما تسمى المُفاضَة أي: أفيضت على لابسها (٩)، وجاء في التفسير أول من اتخذ الدرع داود ﵇ وكان قبل ذلك صفائح من حديد (١٠).\n﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ فيه ثلاثة أقوال:\n_________\n(١) في أ: \"وقيل بالعطف على ضمير في أوبي\".\n(٢) حكاه الفراء في معاني القرآن (٢/ ٣٥٥).\n(٣) في ب: \"بقوته وحرارة كفه\".\n(٤) قاله قتادة.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٢٢٢)، النكت والعيون (٤/ ٤٣٦).\n(٥) في أ: \"فلبَّناه في يده\" والصواب هو المثبت.\n(٦) في ب: \"وكان يعمل كل يوم درعًا\".\n(٧) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٨/ ٧٠).\n(٨) في ب: \"أي: بأن تعمل\".\n(٩) قال في المفردات (٦٤٨) مادة: فيض: \"يقال: درع مُفَاضة أي: أُفيضت على لابسها، كقولهم: درع مسنونة، من سَنَنتُ أي: صَبَبتُ\".\n(١٠) قاله قتادة.\nانظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٤٨٨).","vol":"1","page":2247},{"text":"أحدها: السَّرْد: النسج، وهو مصدر، والسَّراد، والزراد، والمسرودة (١)، الدرع واشتقاقها من السرد بمعنى: التتابع (٢).\nوقيل: السَّرْد: الثقب، ومنه سمي المثقب والإشْفَى مسردًا (٣)، ويكون المعنى: اجعل ثقوب طرفي الحِلَق على قدر المسامير (٤).\nوقيل: لا توسع الحِلَق فينفد السهم والطعن (٥).\nوقيل: السَّرْد: المسمار (٦).\nابن الهيصم: الدرع التي عملها داود كانت بغير مسمار لأنها كانت معجزة له فلو كانت مسمرة لما كان بين داود وبين غيره فرق مع ما أنا قد رأينا ما بقي من الدرع التي عملها داود فكانت بلا مسامير ويزول أيضًا فائدة قوله ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ (٧).\nوقيل: السَّرْد: الدرع وهو من أسمائه (٨).\n_________\n(١) في ب: \"والسراد الزراد والمسرودة\".\n(٢) حكاه الزجاج في معاني القرآن (٤/ ١٨٤)، قال \"السرد في اللغة: تقدمة شيء إلى شيء تأتي به مُنَسَّقًا بعضه في إثر بعض متتابعًا، فمنه سرد فلان الحديث\".\n(٣) الإشْفَى: هو المِثْقَب الذي يُخْرَزُ به الأساقي والمزاود ونحوها.\nانظر: غريب الحديث لابن قيبة (٢/ ٤٥٢)، لسان العرب (٧/ ١٥٨)، مادة: شفي.\n(٤) انظر: معاني القرآن للفراء (٢/ ٣٥٦).\n(٥) حكاه في النكت والعيون (٤/ ٤٣٦).\n(٦) حكاه الزجاج في معاني القرآن (٤/ ١٨٥).\n(٧) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٩٢٨).\n(٨) والمروي عن ابن عباس ﵄ ومجاهد كما في جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٢٢٦، ٢٢٥) أن المراد: قدِّر المسامير في حلق الدرع حتى يكون بمقدار لا تغلِّظ المسمار وتُضَيِّق الحَلَقة فتقصم الحلقة، ولا توسع الحلقة وتصغِّر المسمار فيقلق في الحلقة، وهو اختيار ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ٢٢٥)، وابن كثير في تفسيره (٣/ ٥٣٥).","vol":"1","page":2248},{"text":"﴿وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ خطاب لداود ﵇، وجمع لأن المراد به هو وآله. والعمل الصالح قيل: هو الشكر هاهنا (١).\nابن عباس ﵄: قول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر (٢).\nوحُكِيَ أن داود ﵇ جعل العبادة والصلاة بينه وبين آلِه (٣) منقسمة فلم يزل واحد منهم كان في الصلاة ليلًا ونهارًا.\n﴿إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١)﴾ فأجازيكم عليه أحسن جزاء وأتمه.\n﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ﴾ أي: وسخرنا لسليمان الريح.\nوقيل: وألنا له الحديد وألنا لسليمان الريح (٤).\nوقرئ بالرفع على تقدير: ولسليمان تسخير الريح (٥).\nالحسن: لما شغلت الخيل سليمان ﵇ حتى فاتته صلاة العصر غضب لله فعقر الخيل فأبدله الله خيرًا منه فسخر له الريح تجري بأمره رخاء (٦)، ولم يسخر له الرياح جميعًا إنما سخر له واحدة، ولهذا أجمع القُرَّاء السبعة على توحيدها (٧).\n_________\n(١) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٤٨٨).\n(٢) انظر: النكت والعيون (٤/ ٤٣٧).\n(٣) في أ: \"وحكي أن داود جعل العبادة بينه وبين آله\"، بسقط \"الصلاة\".\n(٤) انظر: إعراب القرآن للنحاس (٣/ ٣٣٥).\n(٥) وهي قراءة أبي بكر عن عاصم، والباقون بالنصب (الريحَ).\nانظر: الإقناع (٤٦٥)، النشر (٢/ ٣٤٩).\n(٦) أخرجه عبد الرزاق في تفسير القرآن (٢/ ١٢٧) مختصرًا، وعزاه السيوطي في الدر (١٢/ ١٦٩) لابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر.\n(٧) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٨/ ٧٣).","vol":"1","page":2249},{"text":"﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ غُدُوُّها على انتصاف النهار مسيرة شهر أي: سَيْرُها من لدن طلوع الشمس إلى زوالها مسيرة دواب الناس في شهر ومسيرتها بالعشي (١) كذلك، وروى الثعلبي أن سليمن - ﵇ - سار من أرض العراق غاديًا فَقَال بمدينة مرو (٢)، وصلى العصر بمدينة بَلْخ (٣)، ثم سار منها إلى بلاد الترك ثم جازهم إلى أرض الصين، يغدو على مسيرة شهر ويروح على مثل ذلك، ثم عطف يمنةً عن مطلع الشمس على ساحل البحر حتى أتى أرض القُنْدُهَار (٤)، وخرج منها إلى مُكْران (٥) وكَرْمان (٦)،\n_________\n(١) في ب: \"مسير دواب الناس في شهر ومسيرها بالعشي\".\n(٢) مرو، وتعني: الحجارة البيض التي يوقد بها النار، وهي من بلاد خراسان، ومنها مرو الروذ وتعني بالفارسية النهر، ومرو الشاهجاه، وهي مرو العظمى أكبر مدن خراسان.\nانظر: معجم البلدان (٥/ ١١٢).\n(٣) بَلْخ، من مدن خراسان، فتحت في خلافة عثمان ﵁، وإليها ينسب كثير من العلماء، بينها وبين ترمذ خمسة عشر فرسخًا.\nانظر: معجم البلدان (١/ ٤٧٩).\n(٤) أرض القُنْدُهار: بضم القاف وسكون النون وضم الدال من بلاد السند، وهي المعرفة الآن ببلاد أفغانستان.\nانظر: معجم البلدان (٤/ ٤٠٢).\n(٥) مُكْران: من بلاد المشرق، سميت بمكران بن فارك بن سام بن نوح، فتحت في خلافة علي بن أبي طالب ﵁، وهي ولاية واسعة وأغلبها مفاوز.\nانظر: معجم البلدان (٥/ ١٧٩).\n(٦) كَرْمان: بفتح أوله وسكون ثانيه، وعن بعضهم بفتح أوله وثانيه، من بلاد فارس إلى الغرب من مُكْرَان، وهي كثيرة الزرع والنخل.\n\nانظر: معجم البلدان (٤/ ٤٥٤).","vol":"1","page":2250},{"text":"ثم جازها حتى أتى أرض فارس فنزلها أيامًا وغدا منها فَقَالَ بكَسْكَر (١)، ثم راح إلى الشام وكان مستقره بمدينة تدمر، وتدمر مما بناها الجن له (٢).\n﴿وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ﴾ وأذبنا له عين النحاس سيلت له ثلاثة أيام كما يسيل الماء، وكانت بأرض اليمن وإنما ينتفع الناس اليوم بما أخرج الله لسليمان ﵇، وكان ينبع من معدنه فيسيل كالماء من غير معالجة كما أَلان لأبيه الحديد.\nقال الزجاج: \"هو الصُّفر\" (٣).\nوقيل: عين الرصاص. وقيل: الحديد (٤).\n﴿وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ أي: وسخرنا له من الجن من يعمل، ويجوز أن يكون رفعًا بالابتداء.\n﴿وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ﴾ يَمِل ويَعْدِل.\n﴿عَنْ أَمْرِنَا﴾ الذي أمرناه من طاعة سليمان ﵇.\n﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ (١٢)﴾ وذلك أن الله وكَّلَ بهم مَلَكًا بيده سوط من نارٍ فمن زاغ عن أمر سليمان ﵇ ضربه ضربةً أحرقته.\nوقيل: نذقه من عذاب السعير في الآخرة، وعليه أكثر المفسرين (٥).\n_________\n(١) كَسْكَر: بفتح أوله وسكون ثانيه، قيل تعني أرض الشعير بلغة أهل هرات، وقيل: عامل الزرع، وتقع بين الكوفة والبصرة.\nانظر: معجم البلدان (٤/ ٤٦١).\n(٢) في أ \"بمدينة تدمر مما بناها الجن له\".\n(٣) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ١٨٥)، والمراد به النحاس الجيِّد، وبه قال ابن عباس ﵄، ومجاهد، وقتادة، والسدي، وغير واحد من السلف.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٢٢٩، ٢٢٨)، النكت والعيون (٤/ ٤٣٧)، تفسير ابن كثير (٣/ ٥٣٥).\n(٤) لم أقف عليهما، والله أعلم.\n(٥) وهو قول الضحاك، وقتادة، واختاره ابن جرير في تفسيره.\n\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٢٢٩)، النكت والعيون (٤/ ٤٣٨)، معالم التنزيل (٦/ ٣٨٩).","vol":"1","page":2251},{"text":"﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ﴾ قيل: المساجد (١).\nوقيل: القصور والمساكن (٢).\n﴿وَتَمَاثِيلَ﴾ جمع تمثال وهو الصورة، وكانوا يُصَوِّرن تماثيل العباد، والملائكة، والأنبياء، قائمين راكعين ساجدين ليقتدي بهم من وراءهم ولم تكن يومئذ محرمة محظورة (٣).\nالحسن: يعني النقوش وصور الأشجار وذلك مباح (٤).\nوجاء في بعض التفاسير أنهم كانوا عملوا له أسَدَيْن أسفل كرسيه ونسرين فوق كرسيه وكان كرسيه عظيمًا، فإذا أراد أن يصعد الكرسي بسط الأسد ذراعه فكان يصعد عليه وإذا قعد عليه أظله النسران بأجنحتهما، فلما مات سليمان ﵇ جاء افريذون، وقيل: بخت نصر ليصعد الكرسي ولم يدر كيف يصعد فلما دنا منه ضرب الأسد على ساقه فكسر ساقه فلم يجسر أحد بعده أن يدنوا من ذلك الكرسي (٥).\nقيل: كانت التماثيل من نُحاس (٦).\nوقيل: من رخام وشَبَه (٧).\n_________\n(١) وهو قول قتادة، والضحاك، والحسن.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٢٣١، ٢٣٠)، قال: \"والمحراب: مُقَدَّمُ كل مسجد وبيت ومصلى\"، وانظر: النكت والعيون (٤/ ٤٣٨).\n(٢) وهو قول الضحاك، وقتادة.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/)\n(٣) في أ: \"ولم يكن يومئذ محرمة محظورة\".\n(٤) انظر: النكت والعيون (٤/ ٤٣٨)، وهو قول الضحاك، والسدي.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٢٣١)، تفسير ابن كثير (٣/ ٥٣٦).\n(٥) في أ: \"أن يدنوا ذلك الكرسي\".\nانظر: الكشاف (٥/ ١١٤).\n(٦) وهو قول مجاهد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٢٣١).\n(٧) وهو قول قتادة.\nانظر: المصدر السابق (١٩/ ٢٣١).\nوالشِّبْه والشَّبَه: هو النحاس يُصبغ فَيَصْفَر، سمي بذلك لأنه إذا فعل ذلك به أشبه الذهب بلونه، والجمع أشباه.\nانظر: لسان العرب (٧/ ٢٤)، مادة: شبه.","vol":"1","page":2252},{"text":"﴿وَجِفَانٍ﴾ جمع جَفْنَة أي: صِحَاف.\n﴿كَالْجَوَابِ﴾ جمع جابية وهي: الحوض (١)، يأكل من كل جفنة منها ألف رجل، وأصله كالجوابي فحذف الياء تخفيفًا كالمهتد والمناد وهذا أولى بالحذف فإن الجمع ثقيل، وكان له اثنا عشر ألف خباز واثنا عشر ألف طباخ وكانوا يصلحون الطعام في تلك الجفان لكثرة القوم.\n﴿وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ ابن عباس ﵄: أثافيها منها وكانت من حجارة (٢). غيره: ﴿رَاسِيَاتٍ﴾ ثابتات لا ينزلن عن أماكنهن لعظمهن ولا يزلن (٣)، وفي بعض التفاسير: أن تلك القدرو باقية في اليمن (٤).\n﴿اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ أي: وقلنا لهم وأمرناهم اشكروا يا آل داود شكرًا فهو نصب على المصدر.\nوقيل: اعملوا من الطاعات شكرًا فهو مفعول له، وهذا أحسن. والمراد به: تقوى الله والعمل بطاعته (٥).\nوقيل: المراد به: الحمد (٦).\nوقيل: الصوم والصلاة (٧)، والقول الأول يَعُمُّ الكل.\n﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (١٣)﴾ أي: ما يقوم بشكرنا إلا القليل من عبادنا وهم المؤمنون الموحدون.\n_________\n(١) قال ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ٢٣٢) \"جمع جابية، والجابية الحوض الذي يُجْبى فيه الماء\" أي: يُجْمع.\n(٢) انظر: النكت والعيون (٤/ ٤٣٩)، والأثافي: هي الحجارة التي تُنْصب وتجعل عليها القِدْر.\nانظر: لسان العرب (٢/ ١٠٩)، مادة: ثفا.\n(٣) قاله الضحاك، وابن زيد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٢٣٥، ٢٣٤).\n(٤) في ب: \"باقية باليمن \".\nقاله ابن جريج.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٤٣٩).\n(٥) وهو قول محمد بن كعب.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٢٣٦).\n(٦) قاله أبو عبد الرحمن الحُبُلِّي.\nانظر: المصدر السابق (١٩/ ٢٣٦).\n(٧) وهو قول ابن أبي زياد.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٤٣٩).","vol":"1","page":2253},{"text":"﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ﴾ أي: على سليمان ﵇.\n﴿مَا دَلَّهُمْ﴾ أي: الجن. وقيل: آل داود.\n﴿عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ﴾ هي الأرَضَة (١).\nابن زيد: دابة تأكل العيدان يقال لها: القادح (٢)، والأرض هي مستقر الخلق أضيفت إليها (٣).\nوقيل: الأرض مصدر أرضت الخشبة فهي مأروضة أي: مأكولة، والأرضة جمع أرضة مثل كفرة وفجرة. وقيل: دابة الأرض هي الأرض، وفيه بعد (٤).\n﴿تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾ حال، والمِنْسَأة: العصا، مشتقة من نَسَأْت البعير أي: زجرته وطردته ليزيد في السير (٥)، والهمز وترك الهمز لغتان (٦).\nوفي تفسير النقاش: المنسأة عتبة الباب (٧).\nوفي سبب أخفاء موته أقوال:\n_________\n(١) قاله ابن عباس ﵄، ومجاهد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٢٣٧)، النكت والعيون (٤/ ٤٤١).\n(٢) انظر: النكت والعيون (٤/ ٤٤١).\n(٣) في أ: \"أضيف إليها\".\n(٤) انظر: الكشاف للزمخشري (٥/ ١١٣).\n(٥) قال الزجاج في معاني القرآن (٤/ ١٨٦) \"المِنْسأة: العصا، وإنما سُميت منسأة لأنها يُنْسأُ بها، ومعنى يُنْسأُ بها: يطرد بها ويُؤخر\".\n(٦) قرأ نافع وأبو عمرو (تأكل منساته) بغير همز، والباقون بهمز مفتوحة إلا ابن ذكوان، فإنه أسكن الهمزة.\nانظر: الكشف لمكي (٢/ ٢٠٣)، الإقناع لأبي جعفر (٣٦٥).\n(٧) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٩٢٩)، والذي عليه أهل التفسير أن المراد بالمنسأة العصا، وبه قال ابن عباس ﵄، ومجاهد، والحسن، وقتادة، والسدي.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٢٣٨، ٢٣٧)","vol":"1","page":2254},{"text":"قال بعضهم: كان سليمان ﵇ كلما صلى ببيت المقدس نبت بين يديه نبات فكان يقول له: ما اسمك؟ ولم أنت؟ فيقول: لكذا وكذا، فيُقْلَع ويُغْرِس في موضع ويكتب اسمه ومنفعته، فصلى يومًا فنبت نبات فقال له: ما اسمك؟ فقال: خروب. قال: ولم أنت؟ قال: لخراب هذا المسجد. فقال سليمان ﵇: ما كان الله ليخربه وأنا حي، وكان قبل ذلك يخلو السنة والشهر والشهرين في بيت المقدس يدخل فيه طعامه وشرابه ثم إنه دخل البيت وأدخل الطعام والشراب واتكأ على عصاه فمات (١).\nوقيل: كان ذَكَر لملك الموت إذا أُمِرْتَ بي فأعلمني، فأتاه فقال: يا سليمان قد أُمِرْتُ بك. فدعا الشياطين فبنوا عليه صرحًا من قوارير ليس له باب فقام يصلي واتكأ على عصاه فقبضت روحه وهو متكئ على عصاه (٢).\nوقيل: كان لم يتم بناء بيت المقدس فلما حضره الموت قال لأهله: لا تخبروا الجن بموتي ولا تبكوا علي سنةً حتى يفرغوا من بنائه (٣).\nوفي تفسير النقاش عن جويبر (٤) عن الضحاك عن ابن عباس ﵄ أنه قال: \"من زعم أنه قُبِضَ وهو متكئ على عصاه فقد كذب بل قبضه الله على فراشه فمكثوا في العذاب سنة (٥) فبعث الله الأرضة على عتبة الباب فأكلته فخر الباب\" (٦)، وهذا مزيف.\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ٢٤١) مطولًا، قال عنه ابن كثير في تفسيره (٣/ ٥٣٧) \"في رفعه غرابة ونكارة والأقرب أن يكون موقوفًا، وعطاء بن أبي مسلم الخرساني له غرابات وفي بعض حديثه نكارة\".\n(٢) في ب: \"وهو متكئ على العصا\".\nوالأثر أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ٢٤٣) عن ابن زيد.\n(٣) انظر: النكت والعيون (٤/ ٤٤١).\n(٤) جويبر بن سعيد الأزدي، تنظر ترجمته ص: ٢٤٤\n(٥) في ب: \"ومكثوا في العذاب سنة\".\n(٦) انظر: النكت والعيون (٤/ ٤٤٢).","vol":"1","page":2255},{"text":"مجاهد: تحنط سليمان ﵇ وتكفن ثم جلس على كرسيه وجمع كفيه على طرف عصا ثم وضعها تحت ذقنه فمات وبقي كذلك سنة إلى أن أكلت الأرضة أسفل عصاه فخر ساقطًا (١).\nوقيل: أرسلت الجن الأرضة على العصا حتى أكلتها (٢).\nوقيل: قالت الشياطين للأرضة بعد أكلها (٣): لو كنت تأكلين الطعام وتشربين الشراب لأتيناك بأطيب طعام وألذ شراب ولكن سننقل إليك الماء والطين حيث كنت (٤).\n﴿فَلَمَّا خَرَّ﴾ سقط سليمان ﵇. وقيل: الباب على ما سبق، وهو مزيف.\n﴿تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا﴾ وفي قراءة ابن عباس ﵄ (حولًا كاملًا) (٥).\n﴿فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ (١٤)﴾ تقول: تَبَيَّنْتُ الشيء: علمته، وتبين لي الشيء: ظهر، وقد فسر بهما فقيل: فلما خر ظهر أمر الجن أن لو كانوا، فيكون ﴿أَنْ﴾ مع ما بعده في محل رفع على البدل من ﴿الْجِنُّ﴾ وأمره.\n_________\n(١) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٩٢٨).\n(٢) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٨/ ٨١)، وهذا مخالف لظاهر الآية، لأن الجن لم تعلم بموته إلا بعد أن أكلت الأرضة العصا، ولو علموا بموته ما مكثوا في العذاب المهين.\n(٣) في ب: \"قالت الشياطين بعد أكلها\".\n(٤) هذا جزء من أثر أخرجه ابن جرير في جامع البيان عباس ﵄ (١٩/ ٢٤٢)، قال عنه ابن كثير في تفسيره (٣/ ٥٣٨) \"وهذا الأثر والله أعلم إنما هو مما تلقي من علماء أهل الكتاب\".\n(٥) وهي قراءة شاذة مروية عن طلحة بن مصرف.\nانظر: شواذ القراءات للكرماني (٣٩٠)، النكت والعيون (٤/ ٤٤٢).","vol":"1","page":2256},{"text":"وقيل: فلما خر علمت الجن (١) أن لو كانوا فيكون ﴿أَنْ لَوْ كَانُوا﴾ في محل نصب، وذلك أن الجن كانوا يزعمون أن عندهم شيئًا من علم الغيب فعلموا يومئذ أن الأمر بخلاف ذلك. وقيل: كانوا يُظهرون للناس تمويهًا أنهم يعلمون الغيب فلما بقوا في العذاب حولًا بعد موته علموا أن ذلك قد ظهر للناس.\nقرأ ابن عباس ﵄ (تَبَيَّنَتِ الإنس أن لو كانوا)، وقرأ ابن مسعود ﵁ (تَبَيَّنَتِ الإنس أن الجن لو كانوا) (٢)، وقرأ يعقوب (٣) (تُبُيِّنَتِ الجن) على ما لم يسم فاعله (٤) وهو غير قراءة ابن عباس وابن مسعود (٥) ﵄ فإن ﴿أَنْ لَوْ كَانُوا﴾ فيهما مفعول. قال القفال حاكيًا: \"قد دلت هذه الآية على أن الجن لم يُسخروا إلا لسليمان ﵇ وأنهم بعد موته تخلصوا من تلك الأعمال (٦) الشاقة، وإنما تهيأت لهم ذلك لأن الله زاد في أجسامهم وقواهم وغَيَّرَ خلقهم عن خلق الجن الذين لا يُرَون وكانوا بمنزلة الأسرى في يديه، ثم مات هؤلاء بعد سليمان ﵇ فجعل الله خلق الجن على ما كانوا عليه قبل ذلك من الدقة والضعف والخفاء فصاروا لا يُرون ولا يقدرون على شيء من هذه الأعمال ولا على نقل الأجسام الثقال لأن ذلك كان معجزة لسليمان ﵇ والله أعلم\" (٧).\n_________\n(١) من \"فيكون أن مع ما بعده\" إلى \"علمت الجن\" سقط من أ.\n(٢) القراءتان شاذتان.\nانظر: المحتسب لابن جني (٢/ ٢٣٢)، إعراب القرآن للنحاس (٣/ ٣٣٨)، قال \"وهي على سبيل التفسير\"، وانظر: شواذ القراءات للكرماني (٣٨٩)، البحر المحيط (٧/ ٢٥٧).\n(٣) يعقوب الحضرمي، تنظر ترجمته ص: ١١٢٢\n(٤) انظر: النشر (٢/ ٣٥٠).\n(٥) في ب: \"عِبْرَة قراءة ابن عباس وابن مسعود\".\n(٦) في أ: \"تخلصوا عن تلك الأعمال \".\n(٧) لم أقف عليه، والله أعلم.","vol":"1","page":2257},{"text":"﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ﴾ من صرفه جعله اسم أبي القبيلة (١) أو الحي ومن لم يصرفه جعله اسم القبيلة (٢)، وهم قبائل ينتسبون إلى سبأ ابن يشحب بن يعرب بن قحطان.\nالحسن: سبأ اسم أرض (٣).\nقتادة: سبأ أرض باليمن يقال لها مأرب بينها وبين صنعاء مسيرة ثلاث ليال (٤).\nوفي أكثر التفاسير أن رجلًا سأل النبي ﷺ عن سبأ أجبل هو أم أرض أم امرأة؟ فقال ﷺ: \" ليس بجبل ولا أرض ولا امرأة وإنما هو رجل من العرب ولد رجالًا عشرة صار كل واحدٍ أبًا لقبيلة تيمن منهم ستة، وتشأم أربعة؛ فأما الذين تيمنوا فكندة، والأزد، والأشعريون، ومذحج، وأنمار الذين هم بجيلة، وخثعم، وأما الذين تشأموا فعاملة، وجذام، ولخم، وغسان\" (٥).\n﴿فِي مَسْكَنِهِمْ﴾ من جمع طلب الموافقة لأن كل واحد منهم كان له مسكن، ومن فتح جعل مصدر كالسكنى ووحد كما يوحد المصادر، ومن كسر جعله اسم المكان وهو مما شذّ كالمسجد، والمغرب، والمشرق، ووحد لأنه ذهب به إلى البلد واكتفى بجمع المضاف إليه عن جمع المضاف كقوله: في حلقكم وفي بعض بطنكم (٦).\n_________\n(١) في أ: \"من صرفه جعل اسم أبي القبيلة\".\n(٢) في ب: \"ومن لم يصرفه جعل اسم القبيلة\".\n(٣) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٩٣١).\n(٤) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٩٣١).\n(٥) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ٢٤٥)، والترمذي في السنن (ك: التفسير، تفسير سورة سبأ، ح: ٣٢٢٢) عن فروة بن مسيك ﵁. قال عنه الترمذي \"هذا حديث حسن غريب\".\n(٦) قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر، وأبي عمرو، وعاصم في رواية أبي بكر (مساكنهم) بالجمع، لأن لهم مساكن كثيرة، وقرأ حمزة وحفص عن عاصم (مسكنهم) موحدًا مع فتح الكاف، وبنحوه قرأ الكسائي إلا أنه كسر الكاف (مسكِنهم).\n\nانظر: السبعة لابن مجاهد (٥٢٨)، التيسير للداني (١٨٠).","vol":"1","page":2258},{"text":"﴿آَيَةٌ﴾ دلالة ظاهرة وحجة واضحة تدل على وحدانية الله وقدرته (١).\nوقيل: في قصتهم من حالتي النعمة والنقمة آية تدل على قدرة الله وعلى وحدانيته (٢) ودعاء إلى طاعته وزجر عن معصيته (٣).\n﴿جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ﴾ بدل من ﴿آَيَةٌ﴾ أي: عن يمين بلدهم وشماله. وقيل: يمين من أتاها وشماله (٤)، وثنى الجنتين لتثنية اليمين والشمال، والمعنى: الأشجار والمياه والبساتين محيطة بها عن أيمانهم وعن شمائلهم.\nوقيل: كانتا جنتين اثنتين ممتدتين طولًا وعرضًا (٥).\nوقيل: كانتا بين جبلين (٦).\nوقيل: كان لكل واحد منهم في منزله جنتان عن يمين وشمال (٧).\n﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ﴾ أي: منها.\n﴿وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ على نعمه.\n﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ﴾ كثيرة الرِّيع والثمر ليست بسبخة من قوله ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ﴾ الاية [الأعراف: ٥٨] وقيل: أراد صحة هوائها وعذوبة مائها وسلامة ترتبها (٨).\nوقيل: لم يكن يرى في بلدهم بعوضة ولا ذباب ولا برغوث ولا عقرب ولا حية وإن كان الركب ليأتون وفي ثيباهم القمل والدواب فكلما رأوا بيوتهم تموت الدواب، وإن كان الإنسان ليدخل البستان ويمسك القُفَّة (٩).\n_________\n(١) في أ: \"حجة واضحة تدل على قدرته\".\n(٢) في ب: \"آية تدل قدرته\".\n(٣) انظر: إعراب القرآن للنحاس (٣/ ٣٣٨).\n(٤) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ١٨٧).\n(٥) انظر: الكشاف (٥/ ١١٥).\n(٦) انظر: معالم التنزيل للبغوي (٦/ ٣٩٣).\n(٧) انظر: الكشاف (٥/ ١١٥).\n(٨) انظر: معالم التنزيل (٦/ ٣٩٣).\n(٩) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٢٤٧).\nالقُفَّة: الزِّبيل من الخوص يُجتنى فيه الرطب وتضع فيه النساء غزلهن.\nانظر: لسان العرب (١١/ ٢٥٨)، مادة: قفف.","vol":"1","page":2259},{"text":"وقيل: المكتل على رأسه فيخرج حين يخرج (١) وقد امتلأت القُفَّة من أنواع الفاكهة من غير أن يتناول منها بيده شيئًا، والتقدير: بلدتكم طيبة وربكم (٢).\n﴿وَرَبٌّ غَفُورٌ (١٥)﴾ يُضعِّفُ الحسنات ويعفوا عن السيئات.\n﴿فَأَعْرَضُوا﴾ قال وهب: \"بعث الله إلى سبأ ثلاثة عشر نبيًا فدعوهم إلى الله وذكروهم نعم الله وأنذروهم عقابه فكذبوهم ولم يؤمنوا بهم وجحدوا نعم الله عليهم\" (٣).\n﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ في العَرِمِ أربعة أقوال:\nأحدها: أنه المُسَنَّاة (٤) والسَّكْر (٥)، وكانت لهم مسناة تحبس الماء (٦) ولها ثلاثة أبواب بعضها فوق بعض يجتمع الماء إليها من الشِّحْر (٧) وهو واد باليمن (٨) فيسقون من الباب الأعلى ثم من الثاني والثالث فلا ينفد حتى يثوب الماء من السنة القابلة، وأضاف السيل إلى العَرِم لأنه بخرابه جاء السيل، والمعنى: أزلنا ما كانوا يحبسون به ذلك الماء (٩).\n_________\n(١) في أ: \"ويخرج حين يخرج\".\n(٢) قاله قتادة.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٢٤٧).\n(٣) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ٢٤٩).\n(٤) قال ابن جرير في جامع البيان: \"المُسناة التي تحبس الماء، واحدها عَرِمة\".\n(٥) السَّكْر: السَّد والمنع، وسَكَرَ النهر: سد فاه، والسَّكْر: سد الشق ومنفجر الماء.\nانظر: لسان العرب (٦/ ٣٠٦)، مادة: سكر.\n(٦) في أ: \"كانت لهم مسناة\" بغير الواو.\n(٧) في أ: \"يجتمع الماء إليها من الشجر\" والصواب هو المثبت.\n(٨) الشِّحْر: بكسر أوله وسكون ثانيه الشط الضيق، ويقع على بحر الهند من ناحية اليمن ما بين عدن وعُمان.\nانظر: معجم البلدان (٣/ ٣٢٧).\n(٩) أورد ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ٢٥٠) هذا القول عن المغيرة بن حكيم.","vol":"1","page":2260},{"text":"الثاني: العَرِم اسم للوادي (١)، وأضاف السيل إليه لأنه جاء من قبله ماء أحمر وكان سبب الخراب (٢).\nالثالث: العَرِم صفة السيل (٣) من العرام وهو الشدة أي: سيلًا لا يمتنع منه فيكون من باب مسجد الجامع وصلاة الأولى، فيكون العَرِم المطر الشديد (٤).\nالرابع: العَرِم الخُلْد، وهو: الجُرَذ الأعمى فنقب السَّكْرَ من أسفله فسال منه الماء فخرب جناتهم وملأها رملًا (٥).\nوقيل: غاض الماء فيه الأرض فجفت جناتهم وخربت وذهبت أنهارها (٦).\n﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ﴾ ذكر الجنتين ازدواجًا للكلام فإن الثانيتين موصوفتان بأشجار البادية دون أشجار الجنان فصار كقوله ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٩٤] ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠].\nوقيل: التبديل تغيير الصفات مع بقاء الذات (٧) وعلى هذا حمل القائل (٨) ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ٤٨].\nقال النقاش في تفسيره: \" وقد طعن بعض أهل الالحاد في هذه الآية فقال (٩): وبدلناهم بجنتيهم خَبْتَيْن (١٠)، لأن الجنتين لا يكون فيهما خمط ولا أثل\".\n_________\n(١) في ب: \"اسم الوادي\".\n(٢) وهو قول ابن عباس ﵄، وقتادة، والضحاك ومقاتل.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٢٥١)، الوسيط للواحدي (٣/ ٤٩١).\n(٣) من \"إليه لأنه جاء من قبله\" إلى \"صفة السيل\" سقط من ب.\n(٤) وهو مروي عن ابن عباس ﵄.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٢٥٢).\n(٥) حكاه الزجاج في معاني القرآن (٤/ ١٨٨).\n(٦) في أ: \"فجفت جناتهم وذهبت أنهارها\".\n(٧) في أ: \"التغيير للصفات مع بقاء الذات\".\n(٨) في ب: \"وعلى هذا حمل هذا القائل\".\n(٩) في ب: \"وقال\" بالواو.\n(١٠) في أ: \"خَبَثَيْن\".","vol":"1","page":2261},{"text":"قال النقاش: \"وهذا جهل عجيب وغلط بين لا يخفى على صاحب نظر ولا خبر ولا لغة؛ أما الأخبار فمتواترة على خلاف ما قال هذا الطاعن وأما النظر فإن لهذه الآية نظائر كثيرة في القرآن منها ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا﴾ [النحل: ١٢٦] ﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ﴾ [سبأ: ١٦] وأما في اللغة (١) فلوكان خبتين لقال: ذوي لأن الخبت مذكر (٢) والجنة مؤنث\" انتهى كلامه (٣).\nقوله (٤) ﴿ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ الأُكُل: الثمر يُثَقَّل ويُخَفف (٥)، والخَمْطُ: البرير عند بعضهم وهو ثمر الأراك، وعند بعضهم الخَمْطُ: الأراك (٦)، فمن جعله الثمر نون ﴿أُكُلٍ﴾ وجعل خمط بدلًا منه، ومن جعله الشجر أضاف ﴿أُكُلٍ﴾ إليه (٧).\nوقيل: الخمط كل شجرة ذات شوك وأكلها جناها (٨).\nوقيل: كل نبت أخذ طعمه من المرارة حتى لا يمكن أكله فهو خمط (٩).\n_________\n(١) في ب: \"فأما في اللغة\".\n(٢) في أ: \"فلو خبثين لقال (ذَوَيْ) لأن الخُبُث مذكر\".\n(٣) انظر: غرائب التفسير للكرماني (٢/ ٩٣٢).\n(٤) \"قوله\" سقط من أ.\n(٥) في أ: \"يخفف ويثقل\" بالتقديم والتأخير.\n(٦) وإلى هذا ذهب ابن عباس ﵄، ومجاهد، وعكرمة، وعطاء، والحسن، وقتادة، والسدي، وابن جرير في جامع البيان (١٩/ ٢٥٥).\nوانظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٤٩١).\n(٧) قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي (أُكُلٍ) بالتنوين، وقرأ أبو عمرو (أُكُلِ) بالإضافة.\nانظر: الحجة لابن خالويه (٢٩٣)، النشر (٢/ ٣٥٠).\n(٨) حكاه النحاس في معاني القرآن (٥/ ٤٠٥) عن أبي عبيدة.\n(٩) في ب: \"حتى لا يمكن أكله خمط\" بسقط \"فهو\".\nوإلى هذا القول ذهب الزجاج في معاني القرآن (٤/ ١٨٨).","vol":"1","page":2262},{"text":"﴿وَأَثْلٍ﴾ الأثْل: الطَّرْفَاء (١). وقيل: شبيه بها إلا أنه أعظم (٢).\nوقيل: شجرة حطب لا ثمر لها (٣).\n﴿وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (١٦)﴾ قيل: هو السَّمُرُة (٤)، وفيه بُعْد فإن السدر شجر النَّبْق (٥).\nو﴿قَلِيلٍ﴾ وصف لـ ﴿شَيْءٍ﴾، وإنما وصفه بالقلة لأن السدر مما يكون في الجنان فأراد: وفيها شيء قليل من السدر يتذكرون به ما فاتهم من الثمار.\nوقيل: القليل وصف لجميع ما فيهما من الخمط والأثل والسدر. وقيل: معنى ﴿قَلِيلٍ﴾ هاهنا: حقير (٦).\n﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا﴾ أي: جزيناهم ذلك بكفرهم (٧) فهو مفعول متقدم (٨).\n﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (١٧)﴾ استفهام جحد أي: وهل يُجَازي بمثل ما فعلنا بهم إلا من كفر النعمة ولم يشكرها.\nوقيل: كفروا بالله (٩).\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ٢٥٧) عن ابن عباس ﵄.\nوالطَّرْفَاء: شجر وهو أصناف ومنه الأثل، والطرفاء من العِضاة، وهدبه مثل هدب الأثل وليس له خشب، وإنما يُخْرِج عصيًا سمحة في السماء، وقد تتحمض به الإبل إذا لم تجد حَمضًا غيره.\nانظر: لسان العرب (٨/ ١٥٠)، مادة: طرف.\n(٢) انظر: معاني القرآن للفراء (٢/ ٣٥٩).\n(٣) وهو شجر السَّمُرُ، حكاه ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ٢٥٧).\n(٤) حكاه الفراء في معاني القرآن (٢/ ٣٥٩).\n(٥) والسِّدْر: هو شجر النبق، وهو نوعان؛ أحدهما: ما يسقى بالماء فينتفع بورقه في الغسل وثمرته طيبة، والثاني: ما ينبت في البراري فلا ينتفع به وثمرته عَفِصَة.\nانظر: العين للخليل بن أحمد (٧/ ٢٢٤).\n(٦) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٩٣٣).\n(٧) في ب: \"أي: جزيناهم بكفرهم\" بغير \"ذلك\".\n(٨) في ب: \"فهو مفعول مقدم\".\n(٩) قاله مجاهد.\n\nانظر: بحر العلوم للسمرقندي (٣/ ٧٠)، تفسير ابن كثير (٣/ ٥٤١).","vol":"1","page":2263},{"text":"وقال بعضهم: المؤمن يجزى والكافر يجازى لأن لفظ المفاعلة يقتضي المكافأة، والمماثلة تكون في السيئة (١) وأما الحسنات فإنها مضاعفة أضعافًا (٢).\nوقيل: الجزاء لفظ عام في المؤمن والكافر والمجازاة للكافر خاص (٣).\nوقيل: الكافر يجازى بالسيئات والمؤمن يبدل الله سيئاته حسنات (٤).\nقال القفال: \" ذهب جماعة من أهل العلم والنظر في هذه الآية إلى أن المجازاة بمعنى التجازي أي لا يرتجع ما أنعم به عليه (٥) إلا ممن يكفر ولا يشكر كقوله ﴿لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١] قال: والكفور من كفران النعمة\" (٦).\n﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ﴾ بين سبأ.\n﴿وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ أي: بالتوسعة على أهلها في النعم وهي: الشام، والأردن، وفلسطين، وبيت المقدس.\n﴿قُرًى ظَاهِرَةً﴾ يظهر بعضها لبعض لتقاربها. وقيل ﴿ظَاهِرَةً﴾ أي (٧): معروفة يقصدها من أراد الشام، كما تقول: هذا شيء ظاهر أي: معروف (٨).\nوقيل: الظاهرة كل أرض مشرفة غليظة كأنها على جبل (٩).\n_________\n(١) في ب: \"المكافأة والمماثلة فيكون في السيئة\".\n(٢) انظر: معاني القرآن للفراء (٢/ ٣٥٩).\n(٣) انظر: معاني القرآن للنحاس (٣/ ٣٤٠).\n(٤) في ب: \"والمؤمن يبدل الله سيئاتهم حسنات\".\nانظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ١٨٨).\n(٥) في ب: \"أي: لا يرتجع ما أنعم عليه\".\n(٦) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٩٣٣).\n(٧) \"أي\" سقط من ب.\n(٨) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٢/ ١٣٠) عن قتادة.\n(٩) قال ابن عباس ﵄، والحسن، وقتادة المراد: قرى عربية متصلة.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٢٦٢).\n\nوفي المراد بالقرى أقوال؛ قال مجاهد: هي السروات، وقال وهب بن منبه: هي قرى لصنعاء، وقال سعيد بن جبير: هي ما بين مأرب والشام.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٤٤٥).","vol":"1","page":2264},{"text":"﴿وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ﴾ أي: جعلنا هذه القرى على مقدار معلوم يَقِيلُ المسافر في قرية ويروح في أخرى.\nوقيل: جعلنا مسيرهم بمقدار حيث أرادوا إن يحلوا حلوا بقرية (١).\n﴿سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آَمِنِينَ (١٨)﴾ أي: متى شئتم أمر إباحة. وقيل: إن اللفظ للأمر (٢)، والمعنى للماضي أي: ساروا فيها آمنين من العدو، والجوع، والعطش، والسباع (٣).\n﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ بطروا النعمة وجهلوا العاقبة فسألوا الله تغيير ما بهم من النعمة بأن يباعد بين أسفارهم فأجابهم إلى ما سألوه لأنفسهم (٤). وقيل: قالوا مُرْنا بالأسفار البعيدة الشاقة (٥). وقيل: طلبوا ذلك ليتطاولوا على الفقراء.\nوقيل: طلبوا ذلك للتجارة فإن السفر إذا طال كان الربح فيه أكثر (٦).\nالنقاش: معناه: زد في عمارتها حتى تبعد فيها أسفارنا (٧).\nوقرأ يعقوب (ربُنا) بالرفع (٨)\n_________\n(١) قاله الحسن.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٤٤٥).\n(٢) في ب: \"وقيل إن اللفظ الأمر\".\n(٣) انظر: الكشاف (٥/ ١١٧).\n(٤) قال ابن عباس ﵄، والحسن.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٢٦٦)، النكت والعيون (٤/ ٤٤٥).\n(٥) انظر: إعراب القرآن للنحاس (٣/ ٣٣٩).\n(٦) انظر: النكت والعيون (٤/ ٤٤٥)، معالم التنزيل (٦/ ٣٩٦).\n(٧) في ب: \"حتى يبعد فيها أسفارنا\".\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٤٤٦).\n(٨) في ب: \"رَفَعَ\".\nقرأ ابن كثير، وأبو عمرو (بَعِّد) بالتشديد من غير ألِف، وقرأ الباقون (باعِد) بألف مخففًا.\nانظر: الكشف لمكي (٢/ ٢٠٧)، التيسير للداني (١٨١).\n\nقال ابن قتيبة في تأويل مشكل القرآن (٤١) \" (رَبَّنَا باعِد) على طريق الدعاء والمسألة، و(رَبُّنا بَاعَدَ) على جهة الخبر، والمعنيان وإن اختلفا صحيحان؛ لأن أهل سبأ سألوا الله أن يفرقهم في البلاد فقالوا (ربَنا بَاعِد) فلما فرقهم الله في البلاد أيدي سبأ، وباعد بين أسفارهم قالوا: ربُّنا باعَدَ بين أسفارنا وأجابنا إلى ما سألنا، فحكى الله سبحانه عنهم المعنيين في غرضين\".","vol":"1","page":2265},{"text":"(بَاعَدَ) بلفظ الماضي، فهذا شكوى منهم لبعد سفرهم وتمنى قصره.\n﴿وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ حيث عدو النعمة نقمة والإحسان إساءة.\n﴿فَجَعَلْنَاهُمْ﴾ أي: جعلنا ما حل بهم.\n﴿أَحَادِيثَ﴾ يُضرب بهم المثل فيقال: تفرقوا أيدي سبأ، وصاروا أيادي سبأ (١) ويذكر ما كانوا فيه وصاروا إليه.\n﴿وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ فرقناهم في البلاد كل تفريق أي: غاية ما يكون من التفريق وتبديد الشمل (٢) حتى وقع بعضهم إلى الشام، وبعضهم إلى عُمان وبعضهم إلى يثرب.\nوقال بعض المفسرين: لما جرى عليهم سيل العَرِم بقيت منهم بقية عاهدوا الأنبياء بأن لا يعودوا إلى الكفر والمعصية ثم لم يفوا بالعهد (٣) فحينئذ عوقبوا بالتمزيق في البلدان.\n﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ أي: فيما ذُكر.\n﴿لَآَيَاتٍ﴾ لمواعظ وعبرًا.\n﴿لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (١٩)﴾ أي: مؤمن يصبر على الطاعة ويشكر على النعمة.\n﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ﴾ \"في\" و\"على\" يتعاقبان في مثل هذا الموضع (٤)، والضمير في\n﴿عَلَيْهِمْ﴾ يجوز أن يعود إلى أهل سبأ، ويجوز أن يكون عامًا فيمن كفر.\n_________\n(١) وهو مثل يضرب للتمزق والتفرق.\nانظر: المستقصى في أمثال العرب للزمخشري (٢/ ٨٩).\n(٢) في أ: \"وتبديل الشمل\".\n(٣) في أ: \"ثم لم يقوموا بالعهد\".\n(٤) في أ: \"في مثل هذا المواضع\".","vol":"1","page":2266},{"text":"﴿إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠)﴾ ظَنُّ إبليس ما ذكره الله في القرآن (١) في غير موضع منه قوله ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ [الحِجر: ٣٩] و﴿أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ [الإسراء: ٦٢] و﴿لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧] الآيات، فمن شدد ﴿صَدَّقَ﴾ جعل ﴿ظَنَّهُ﴾ مفعولًا به، ومعناه: حقق ظنه فيهم، ومن خفف جاز أن يكون مصدرًا أي: صَدَقَ إبليس ظنًا ظنه، هذا لفظ الزجاج (٢)، وفيه خلل،\nويجوز أن يكون ظرفًا أي: في ظنه كلاهما عن الزجاج (٣).\nوفي الحجة: ويجوز أن يكون مفعولًا به (٤).\nوقيل: فيه تقديم وتأخير أي: اتبعوه فصدق عليهم إبليس ظنه (٥)، والمعنى الذي أراد هذا القائل موجود في ترتيب الآية من غير تقديم تقول: أكرم الأمير فلانًا فركب إليه، وركب الأمير إلى فلان فأكرمه لأن التصديق وقع بالاتباع والاتباع وقع بالتصديق (٦).\nوقوله ﴿إِلَّا فَرِيقًا﴾ من المؤمنين هو كقوله ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٣]، و﴿مَنْ﴾ يجوز أن يكون للبيان، ويجوز أن يكون للتبعيض فيكون بعض المؤمنين يتبعون وساوسه فيذنبون ويتوبون.\n﴿وَمَا كَانَ لَهُ﴾ لإبليس.\n_________\n(١) في ب: \"ما ذكر الله في القرآن\".\n(٢) في ب: \"هذا اللفظ الزجاج\".\nانظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ١٩٠).\nقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي بالتشديد في (صدَّقَ)، وقرأ الباقون بالتخفيف.\nانظر: الكشف لمكي (٢/ ٢٠٧)، النشر (٢/ ٣٥٠).\n(٣) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ١٩٠).\n(٤) انظر: الحجة لأبي علي الفارسي (٦/ ٢٠).\n(٥) في أ: \"أي: اتبعوه وصدق عليهم إبليس ظنه\".\n(٦) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ١٩٠)، إعراب القرآن للنحاس (٣/ ٣٤٤).","vol":"1","page":2267},{"text":"﴿عَلَيْهِمْ﴾ على الذين صار ظنه فيهم صدقًا.\n﴿مِنْ سُلْطَانٍ﴾ جبر وإكراه.\nوقيل: حجة وبرهان بل دعاهم بوساوسه فاتبعوه وغرّهم بما زين لهم فانخدعوا له (١).\n﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾ قيل: الاستثناء منقطع أي: لكن ابتلينا المكلفين بوساوسه لنعلم. وقيل: متصل وتقديره: ما خلينا بينهم وبين وساوسه إلا لنعلم (٢).\n﴿مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآَخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ الْجُودِيِّ فِي شَكٍّ﴾ أي: ليظهر المسلم من الكافر، والمطيع من العاصي فيقع الثواب والعقاب بعد ظهور الأفعال منهم وإن كان الله عالمًا بذلك.\nوقيل: لنعلم عندكم كما قلنا وهو أهون عليه عندكم.\nوقيل: معنى ﴿لِنَعْلَمَ﴾ ليكون إيمان المؤمن بها وشك الشاك فيها كما تقول: ما عَلِمَ الله هذا مني (٣) أي: لم يكن مني.\nوقيل: ليُعْلَم أولياؤنا.\nوقيل: معنى ﴿لِنَعْلَمَ﴾ لنميز.\nوقيل: لنعلم إيمان المؤمن وشك الشاك موجودين كما علمناه غيبًا، وهذا هو القول الأول، وهذه الوجوه كلها ذكرها القفال (٤).\n﴿وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (٢١)﴾ حافظ أي: عالم رقيب مجازٍ.\n﴿قُلِ﴾ يا محمد لمشركي قومك.\n﴿ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ ادَّعَيْتُم أنهم آلهة.\n﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ وهذا أمر تهديد، وهي: الأصنام. وقيل: هم الملائكة (٥)، وذلك أن بني مليح قالوا: الأصنام على صورة الملائكة، والملائكة بنات الله فنحن نعبدها ليَكُنَّ لنا شفعاء عند الله.\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ١٩٠).\n(٢) انظر: إعراب القرآن للنحاس (٣/ ٣٤٤).\n(٣) في أ: \"ما علم الله مني هذا\".\n(٤) انظر: معاني القرآن للفراء (٢/ ٣٦٠)، البحر المحيط (٧/ ٢٦٣).\n(٥) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٣/ ٧٢).","vol":"1","page":2268},{"text":"﴿لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢)﴾ الشِّرْك: الشركة، والظَّهِير: المعين، واحد وقع موقع الجمع، والمعنى: لو كان لهم في السموات والأرض مُلْك أو كان لهم فيها شركة أو كان منهم مظاهرة في خلقها لاستحقوا بوجهٍ من هذه الوجوه أن يُعْبَدوا، وإذا لم يكن كذلك (١) بطل زعمهم، ثم قال: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ﴾ أي: ليس لهم شفاعة أيضًا كما زعموا.\n﴿إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ قيل: أذن أن يُشْفع له (٢).\nوقيل: لمن أذن له أن يَشْفع (٣).\n﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ أي: كُشِفَ وأُزِيلَ وجُلُيَ عنها الفزع، والمِفْزَعُ: الشجاع (٤)، والفعل لله سبحانه بدليل من قرأ (فَزَّعَ) بثلاث فتحات (٥).\nوفي الضمير ﴿عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ قولان:\nأحدهما: أنه يعود إلى الملائكة، وقد تقدم ذكرهم ضمنًا وإن لم يكن صريحًا فإن بني مليح كانوا يعبدون الملائكة، وفي معناه أقوال:\n_________\n(١) في ب: \"وإذا لم يك كذلك\".\n(٢) قاله مقاتل.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٤٤٨).\n(٣) قاله الكلبي.\nانظر: المصدر السابق (٤/ ٤٤٨).\n(٤) المِفْزَع: الذي كُشِفَ عنه الفزع وأزيل، وأفزَعَهم: أغاثهم، وفلان مَفْزَع، وامرأة مَفْزَع أي: إذا دهمنا أمر فزعنا إليه، وهو من الأضداد، تقول: أفزعته إذا أغثته، وأفزعته إذا خوفته.\nانظر: لسان العرب (١٠/ ٢٥٨)، مادة: فزع.\n(٥) وهي قراءة ابن عامر، ويعقوب، وقراءة الجمهور (فُزِّع).\nانظر: الحجة لابن خالويه (٢٩٣)، التيسير للداني (١٨١).","vol":"1","page":2269},{"text":"قال القفال: \" أُذِنَ لهم في الشفاعة ففزعوا حين ورد (١) على أسماعهم كلام الله بالإذن فيها، فإن ابن عباس ﵄ قال: \" إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السموات صَلْصَةً كصَلْصَلة السلسلة على الصفوان فيرون أنه أمر الساعة\" (٢).\nوقيل: يفزعون أن يلحق في تنفيذ ما أذن لهم فيه تقصير في وضع الشفاعة غير موضعها فإذا فزع عن قلوبهم الغشية التي لحقتهم من الخشية، ﴿قَالُوا﴾ الملائكة فوقهم (٣).\n﴿(مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾ أي: ماذا أمر الله به فيقولون لهم ﴿قَالُوا الْحَقَّ﴾ وهو أن أذِن لكم في الشفاعة للمؤمنين.\n﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٢٣)﴾ وجُلُّ المفسرين على أن الله إذا أراد إحداث أمر بوحي أحدث في السماء صوتًا يشبه جرس السلاسل على الصفوان، فيفزع الملائكة لذلك ويغشى عليهم مخافة أن تكون القيامة، فإذا أزال الله الفزع عن قلوبهم سألوا جبريل ومن معه من الملائكة ماذا قال ربكم؟ فيقولون: قال الحق، أي: لا يخبرونهم بل يقولون قال ما وجب عنده أن يقول وهو العلي الكبير.\nوروي أن الحارث بن هشام (٤)\n_________\n(١) في ب: \"أذن لهم في الشفاعة وفزعوا حين ورد\".\n(٢) أخرجه ابن حبان في صحيحه (١/ ٢٢٣، ح: ٣٧)، وأصله في البخاري (ك: التفسير، تفسير سورة الحجر، باب: إلا من استرق السمع، ح: ٤٧٠١) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٣) في ب: \"للملائكة فوقهم\".\nانظر: كلام القفال في غرائب التفسير (٣٥٢).\n(٤) الحارث بن هشام بن المغيرة القرشي المخزومي، شهد بدرًا كافرًا، مع شقيقه أبي جهل فقتل وفر هو، ثم شهد أحدًا مع المشركين، وأسلم يوم الفتح وهو من خيرة الصحابة، شهد حنينًا، مات في بالشام في طاعون عمواس سنة ثمان عشرة.\n\nانظر: الاستيعاب (١/ ٣٦٤)، سير أعلام النبلاء (٤/ ٤١٩).","vol":"1","page":2270},{"text":"قال لرسول الله ﷺ: \" كيف يأتيك الوحي؟ قال: يأتيني في صلصلة كصلصلة الجرس فيفصم عني حين يفصم وقد وعيته، ويأتيني أحيانا في مثل صورة الرجل فيكلمني به كلامًا وهو أهون علي\" (١).\nابن عباس ﵄ \"انقطع الوحي بعد عيسى فلما تكلم الله بالوحي إلى محمد ﷺ سمعت الملائكة صوتًا كصوت الحديد على الصفا فغشي عليهم، فلما جلي عنهم قالوا: ماذا قال ربكم فقالوا أوحي إلى محمد\" (٢).\nوقيل: إذا مرّ المعقبات بسائر الملائكة فزعوا أن يكون حدث أمر الساعة (٣).\nوالقول الثاني: أن الضمير يعود إلى الناس، وفيه قولان:\nأحدهما: عند النزع، أي إذا فُزِّع عنهم الشرك والشك قالوا أي: الملائكة للمشركين ماذا قال ربكم؟ قالوا الحق، فيقرون حين لا ينفعهم ذلك (٤).\nوقيل: هذا في القيامة حين كشف الغطاء، فيقال لهم: ماذا قال ربكم (٥) في الدنيا؟ قالوا الحق وهو العلي الكبير، فلا ينفعهم إيمانهم (٦).\n﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ﴾ الأمطار.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (ك: بدئ الوحي، باب: كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ، ح: ٢).\n(٢) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ٢٧٩)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٣٢٧).\n(٣) والقول بأن الضمير في قوله (عن قلوبهم) عائد إلى الملائكة هو الذي عليه الجمهور من المفسرين.\nقال ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ٢٨١) \"وهو أشبهها بظاهر التنزيل لصحة الخبر الذي ذكرناه عن ابن عباس ﵄ عن رسول الله ﷺ بتأييده\".\n(٤) قاله الحسن وابن زيد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٢٨١).\n(٥) في ب: \"ماذا قال ربكم قال ربكم\"، والصواب هو المثبت.\n(٦) قاله مجاهد.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٤٤٨).","vol":"1","page":2271},{"text":"﴿وَالْأَرْضِ﴾ النبات والأشجار.\n﴿قُلِ اللَّهُ﴾ أي: إن سكتوا هم (١) أو ردوا الجواب إليك فقل أنت: الله، إذ ليس لهذا الكلام جواب غير هذا.\n﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٤)﴾ هذا تعريض في الكلام توصلًا إلى المقصود بلفظ غير شنع، كما تقول لصاحبك: أحدنا كاذبٌ. فيكون ألطف من أن تقول: إنك كاذب (٢).\nوقيل: تقديره: إنا على هدى وإياكم في ضلال مبين (٣) كقوله ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ [القصص: ٧٣] وقد سبق، فيكون ﴿أَوْ﴾ بمعنى: الواو وهذا ضعيف (٤).\nوقيل: تقديره: إنا لعلى هدى أو إياكم على هدى، وإنا في ضلال أو إياكم في ضلال (٥). النقاش: قل الله يرزقنا وإياكم على هدى كنا أو في ضلال، وهذا القول من حيث المعنى حسن لكن يدفعه إن واللام (٦).\n﴿قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٢٥)﴾ أي: لا تحاسبون على أعمالنا ولا نحاسب على أعمالكم خيرها وشرها.\nقال القفال: \" ويجوز أيضًا أن يكون هذا إلطافًا للخصم إلى الإصغاء فأضاف إلى أنفسهم الجرم وأضاف إليهم العمل جملة\" (٧).\n﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا﴾ يوم القيامة.\n_________\n(١) في ب: \"إذا سكتوا هم\".\n(٢) وهو اختيار ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ٢٨٦).\n(٣) في ب: \"إنا لعلى هدى وإياكم في ضلال مبين\".\n(٤) انظر: معاني القرآن للفراء (٢/ ٣٦٢). قال: \"قال المفسرون معنى (أو) بمعنى الواو، وكذلك هو في المعنى غير أن العربية على غير ذلك لا تكون (أو) بمنزلة الواو ولكنها تكون في الأمر المفوض.\n(٥) انظر: معاني القرآن للنحاس (٥/ ٤٠٥).\n(٦) انظر: النكت والعيون (٤/ ٤٤٩).\n(٧) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٩٣٦).","vol":"1","page":2272},{"text":"﴿ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ﴾ يحكم بيننا ويقضي من غير ميل ولا جورٍ فيظهر المحق من المبطل (١).\n﴿وَهُوَ الْفَتَّاحُ﴾ القاضي. ﴿الْعَلِيمُ (٢٦)﴾ بالقضاء.\n﴿قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ﴾ أي: أعلموني بأي صفة ألحقتموهم بالله وجعلتموهم شركاءه (٢)! .\nوقيل: هذا كقول القائل لغيره إذا أفسد شيئًا: أرني ما أفسدته (٣).\n﴿كَلَّا﴾ نهي ونفي.\n﴿بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ﴾ الغالب فلا يشاركه أحد وهو ﴿الْحَكِيمُ (٢٧)﴾ فلا يشرك معه أحدًا.\n﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ أي: وما أرسلناك على ساقة الأنبياء (٤) خاتمًا لهم إلا لتكون رسولًا إلى بني آدم كافة جميعًا من اليوم إلى قيام الساعة، و﴿كَافَّةً﴾ حال مقدم، والتقدير: للناس كافة، أي: جميعًا فيكون حالًا من الناس (٥).\nوقيل: ﴿إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ تكفهم عن الكفر والهاء للمبالغة (٦).\n_________\n(١) في أ: \"ويقضي من غير جور ولا ميل فيظاهر المحق من المبطل\".\n(٢) في أ: \"وجعلتموهم شركاء\".\n(٣) أي: أنها من رؤية العين.\nانظر: غرائب التفسر (٢/ ٩٣٧).\n(٤) في ب: \"أي: ما أرسلناك على ساقة الأنبياء\".\n(٥) \"أي: جميعًا فيكون حالًا من الناس\" سقط من ب.\nوإلى هذا القول ذهب ابن عباس ﵄، وقتادة.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٢٨٨)، النكت والعيون (٤/ ٤٥٠).\n(٦) قاله ابن بحر.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٤٥٠).\nالكف: كَفُّ الإنسان، وهي ما يُقبض ويُبْسَط، وكففته: أصبته بالكف ودفعته بها، ويقال ... للجماعة الكافَّة، وكَفَفْتُ الثوب إذا خِطت نواحيه بعد الخياطة الأولى.\nانظر: المفردات للراغب (٧١٣)، مادة: كَفَّ.","vol":"1","page":2273},{"text":"وقيل: كافًا جامعًا، من قولهم: كففت الثوب لأن ذلك جمع لما تفرق منه (١).\n﴿بَشِيرًا﴾ للمؤمنين. ﴿وَنَذِيرًا﴾ للكافرين.\n﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٨)﴾ فيحملهم جهلهم على مخالفتك (٢).\n﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٩)﴾ يريدون قوله ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا﴾ [سبأ: ٢٦].\n﴿قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لَا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ (٣٠)﴾ أي: هذا مُوَقت بيوم لا يغرنكم تأخره فإنه كائن لا محالة.\n﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني: كفار قريش وقيل: قاله أبو جهل (٣).\n﴿لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآَنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ يعني التوراة.\nوقيل: جميع كتب الله، وذلك أن مؤمني أهل الكتاب قالوا للكفار إنَّ محمدًا حق ونحن نجد صفته في كتابنا فقالوا: لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه (٤).\nوقيل: نزلت في اليهود، والكتاب الذي بين يديه الإنجيل (٥).\nوقيل: الذي بين يديه البعث والنشور والجنة والنار (٦).\n﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أي: في موضع المحاسبة.\n_________\n(١) حكاه الماوردي في النكت والعيون (٤/ ٤٥٠).\n(٢) في ب: \"فيجملهم جهلهم على مخالفتك\"، وهو تصحيف والصواب هو المثبت.\n(٣) قاله ابن جريج.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٤٥١).\n(٤) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٤٩٥).\n(٥) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٩٣٧).\n(٦) وضَعَّفَ ابن عطية هذا القول في المحرر (٤/ ٤٢١).","vol":"1","page":2274},{"text":"﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ﴾ أي: يراجعون الكلام فيما بينهم بالعتاب، واللَّوْم، واللَّعْن، وتبرؤ بعضهم عن بعض بعدما كانوا في الدنيا أخِلَاّء، ويحتمل أن الرجع هو ما حكى الله عنهم فقال ﴿يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ وهم الأتباع. ﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ وهم القادة.\n﴿لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ لولا دعاؤكم إيانا إلى الكفر لاتبعنا محمدًا وصدقناه.\n﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ﴾ إستفهام إنكار أي: لم نصدكم عن قبول الهدى حين جاءكم.\n﴿بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ﴾ بل أنتم بأنفسكم كفرتم إذ لم يكن لنا عليكم من سلطان.\n﴿وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا﴾ أي: يقول الأتباع للمتبوعين: بل مكركم بنا في الليل والنهار ومواصلتكم خديعتنا والاحتيال علينا في المنع عن الإيمان حملنا على أن نكفر بالله ونجعل له شركاء، وكان ذلك مكرًا منكم وخديعة لا أصل له ولا حقيقة، وأضاف المكر إلى الليل والنهار كما تقول: نهار فلان صائم وليله قائم.\nوقيل: بل الليل والنهار مكرًا وبطول السلامة فيهما حتى ظننا أنكم على حق ويقويه قراءة من قرأ (مَكَرُّ الليل والنهار) من الكرور (١)\n_________\n(١) وهي قراءة شاذة قرأ بها سعيد بن جبير، وأبو الجوزاء، وعاصم الجحدري.\n\nانظر: المحتسب (٢/ ٢٣٧).","vol":"1","page":2275},{"text":"كقوله ﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ﴾ [الحديد: ١٦]. وقيل: التابع والمتبوع صادقان، فإن قول التابع: هلكنا باتباعكم صدق، والجواب: لم نكرهكم صدق، وقولهم: خدعتمونا صدق (١).\n﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ﴾ فيه ثلاثة أقوال؛ أحدها: أخْفَوْها لأن الندامة في القلب (٢).\nوالثاني: أظهروها، وهو من الأضداد أي: ظهرت آثار الندامة على أسرة وجوههم (٣). والثالث: تعاتبوا سرًا من قوله ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾ [الأنبياء: ٣] (٤).\nوقوله ﴿لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ﴾ أي: الجحيم.\n﴿وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فيه وجهان:\nأحدهما: أن يكون عطفًا على قوله ﴿رَأَوُا﴾ أي: لما رأوا العذاب ولما جعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا فيكون ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ غير هؤلاء.\nوالثاني: أن التقدير: وجعلنا الأغلال في أعناق التابعين والمتبوعين وسائر الكفار فيكون عطفًا على ﴿أَسَرُّوا﴾.\n﴿هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي: هل يجزى المسيء إلا عمله، أي: هل يُقضى إلا عمله كأن الجزاء دين قضي، ويجوز أن يكون تقديره: هل يجزون إلا بما كانوا يعملون فحذف الجار، وجواب ﴿لَمَّا﴾ محذوف.\n﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ﴾ بلد من البلدان.\n﴿مِنْ نَذِيرٍ﴾ نبي.\n﴿إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا﴾ متنعموها.\n﴿إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾ بزعمكم كافرون جاحدون.\n_________\n(١) لم أقف عليه، والله أعلم.\n(٢) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ١٠٢).\n(٣) حكاه الواحدي في الوسيط (٢/ ٥٥٠) عن المفضل.\n(٤) حكاه الزجاج في معاني القرآن (٤/ ١٩٢).","vol":"1","page":2276},{"text":"﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ أي: أكرمنا الله بالمال والولد ثم لا يعذبنا، لأن من يعذب لا يكرم.\n﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ امتحانًا وابتلاءً لاكرامةً لمن يعطيه ولا هوانًا.\n﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٦)﴾ ذلك.\n﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى﴾ أي: لا تُقَرِّبُكم عندنا منزلة ولا درجة، والزُّلْفَى الدرجة، والمنزلة مثل القربى فيكون إسمًا (١)، ويجوز أن يكون مصدرًا من غير لفظ الفعل الأول أي: تقربكم عندنا ازدلافًا (٢).\n﴿إِلَّا مَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ يجوز أن يكون الاستثناء منقطعًا أي: لكن من آمن وعمل صالحًا.\n﴿فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا﴾ قيل: الضِّعْف: المِثْل، فيكون مثل قوله ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠]، وجُلُّ المفسرين على أن التقدير: لنجزينهم على طاعتهم بالواحدة عشرة إلى سبعمائه فما فوقها، ويجوز أن يكون الاستثناء متصلًا على تقدير (٣): إلا من تاب فإن ماله وولده يُقَرِّبَانه إلينا بأن ينفق ماله في سبيل الله واستظهر بأولاده في نصرة دين الله، فيكون الاستثناء من ضمير المخاطبين.\n_________\n(١) في ب: \"فتكون إسمًا\".\n(٢) في أ: \"أي: يقربكم عندنا ازدلافًا\".\n(٣) من \"لنجزيهم عل طاعتهم\" إلى \"متصلًا على تقدير\" سقط من أ.","vol":"1","page":2277},{"text":"قال الفَرَّاء: \" وإن شئت جعلته رفعًا أي: ما هو إلا من آمن\" (١)، وهذا الكلام غير مفهوم إلا أن تجعل التقدير: وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم إلا أموال من آمن وأولاده، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه.\n﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ﴾ أي: في الجنات.\n﴿آَمِنُونَ (٣٧)﴾ وهذه جمع الكثرة كالمسلمات، والمؤمنات، والقانتات، ويجوز أن يكون لكل واحدٍ غُرُفات، والغُرْفة فيمن قرأ موحدة (٢) جاز أن يكون اسما للجنة، وجاز أن يكون اللام للجنس.\n﴿وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آَيَاتِنَا﴾ في رد آيتنا وإبطال ديننا.\n﴿مُعَاجِزِينَ﴾ أي: سابقين لأنبيائنا وأوليائنا.\n﴿أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (٣٨) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ يريد المؤمنين.\n﴿وَيَقْدِرُ لَهُ﴾ وليس هذا تكرارًا فإن الآية الأولى للكفار وهذه للمؤمنين، وقيل: الأولى معناها: يُوِسِّع على واحد ويُضَيِّق على آخر، والثانية معناها: يُوَسِّع على من يشاء من عباده وإن يشاء يضيق عليه من بعد التوسعة؛ فالأولى في شخصين وهذه في شخص ألا ترى إلى قوله ﴿وَيَقْدِرُ لَهُ﴾.\nوقيل: ﴿وَيَقْدِرُ﴾ في الأولى من قوله ﴿قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: ٧] أي: ضُيِّق، وهذه من القُدْرة (٣) التي هي الاستطاعة.\nوقيل: ويَقْدرُ على أن يَخْلِفَ عليه (٤) إذا أنفقه في سبيل الله (٥).\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن للفراء (٢/ ٣٦٣).\n(٢) وهي قراءة حمزة بغير ألف على التوحيد، والباقون بالجمع.\nانظر: الغاية في القراءات العشر لابن مهران (٢٤٢)، التيسير للداني (١٨١).\n(٣) في أ: \"وهذه من قدرة\" بغير الألف واللام.\n(٤) في أ: \"يقدر على أن يخلف عليه\" بغير الواو.\n(٥) انظر: الكشاف (٥/ ١٢٧).","vol":"1","page":2278},{"text":"﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ قيل: يخلفه في الآخرة أجرًا (١).\nوقيل: يُخْلِفه في الدنيا (٢).\nوقيل: فيهما جميعًا (٣).\nوقيل: معناه: وما أنفقتم من شيء فالله أخلفكم ذلك أي: أعطاكم ورزقكم أي: فأنتم تنفقون من رزقه كقوله ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد: ٧] (٤).\n﴿وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٣٩)﴾ المعطِين، وجاز جمعه فإن الرزق قد يستعمل (٥) لغير الله كقوله ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ [النساء: ٨] ورَزْقُ الجند (٦).\n﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾ التابعين والمتبوعين.\n﴿ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ﴾ يعني: بني مُلَيْح لأنهم زعموا أنهم يعبدون الملائكة وأنهم بنات الله.\nوقيل: يعني: المشركين (٧).\n﴿إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠)﴾ وهذا توبيخ للعابدين كما سبق في ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦].\n﴿قَالُوا﴾ أي: الملائكة.\n﴿سُبْحَانَكَ﴾ تنزيهًا لك أن يُعْبَد غَيْرُك معك.\n﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ﴾ أي: أنت معبودنا ونحن العابدون والعابد لا يستحق أن يُعْبَد.\n_________\n(١) قاله السدي.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٤٥٣).\n(٢) قاله ابن عيسى.\nانظر: المصدر السابق (٤/ ٤٥٣).\n(٣) قاله ابن السائب الكلبي.\nانظر: معالم التنزيل (٦/ ٤٠٢).\n(٤) قاله سفيان بن الحسين.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٤٥٣).\n(٥) في ب: \"فإن قد يستعمل\" بغير \"الرزق\".\n(٦) الرَّزْقُ: العطاء، وأرزاق الجند: أطماعهم، وارتزق الجند: أخذوا أرزاقهم.\nانظر: لسان العرب (٥/ ٢٠٤)، مادة: رزق.\n(٧) حكاه في النكت والعيون (٤/ ٤٥٤).","vol":"1","page":2279},{"text":"وقيل: معناه: اتخذناك وليًَّا واتخذتنا أولياء، فأنت ولينا ونحن أولياؤك، ونحن لم نتخذ هؤلاء أولياء، فليس بيننا ولاية وإن زعموا أنهم اتخذونا أولياء لأن الولاية تكون من الجانبين (١).\n﴿بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾ فيه قولان:\nأحدهما: أن ابليس والجن كانوا يتراؤن لهم ويصورون لهم أنا ملائكة الله فكانوا يعبدون الجن على زعم أنهم الملائكة (٢).\nوالثاني: أنهم عبدوا الملائكة بأمر الجن فلما عبدوهم بأمرهم فكأنهم عبدوا من أمَرَهم بذلك (٣).\n﴿أَكْثَرُهُمْ﴾ أكثر الإنس.\n﴿بِهِمْ﴾ بالجن. ﴿مُؤْمِنُونَ (٤١)﴾ مصدقون.\nوقيل: كلهم بالجن مؤمنون (٤).\n﴿فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا﴾ مما كنتم ترجون من شفاعتهم لكم.\n﴿وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ كفروا.\n﴿ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (٤٢)﴾ في الدنيا.\nوقيل: القول صلة، وتقديره: ونذيقكم عذاب النار فهو أمر في معنى الخبر كما قلنا في قوله ﴿سِيرُوا فِيهَا﴾ [سبأ: ١٨]. وقيل: يقول لهم الملائكة ذوقوا عذاب النار (٥).\n﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾ أي: إذا قرئ عليهم القرآن مع ظهور إعجازه.\n﴿قَالُوا﴾ أي: المشركون. ﴿مَا هَذَا﴾ يعنون محمدًا ﷺ.\n﴿إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُكُمْ﴾ ويصير لذلك سيدكم.\n﴿وَقَالُوا مَا هَذَا﴾ يعنون القرآن.\n_________\n(١) انظر: الكشاف (٥/ ١٢٨).\n(٢) حكاه الزمخشري في الكشاف (٥/ ١٢٨).\n(٣) قاله قتادة.\nانظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٤٩٧).\n(٤) انظر: النكت والعيون (٤/ ٤٥٤).\n(٥) انظر: البحر المحيط (٧/ ٢٧٤).","vol":"1","page":2280},{"text":"﴿إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى﴾ كذب مضاف إلى الله وليس من عنده.\n﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ﴾ للقرآن.\n﴿لَمَّا جَاءَهُمْ﴾ وعجزوا عن الإتيان بمثله (١).\n﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٤٣)﴾ ظاهر لا يخفي فمرة جعلوه سحرًا، ومرةً جعلوه افتراءً على الله.\nقال القفال: \" يجوز أن يكون الرمي بالسحر من قول الأتباع، والرمي بالإفك من قول الرؤساء لافتراق اللفظين، ويحتمل أنهم كانوا يقولون: القرآن في نفسه سحر عجيب لكنه من محمد أضافه إلى الله\" (٢).\n﴿وَمَا آَتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ (٤٤)﴾ أي: من أين يقولون ما يقولون ولم يأتهم كتاب ولا رسول وإنما يحصل العلم من هذين الوجهين فظهر كذبهم وافتراؤهم.\n﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: من قبل قومك.\n﴿وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آَتَيْنَاهُمْ﴾ مِعْشَار على وزن مِرْبَاع وهو العُشْر.\nوقيل: العُشْر جزء من العشرة، والعشير جزء من العشر والمعشار جزء من العشير فيكون الواحد من الألْف، والقول هو الأول لأن العشر والعشير والمعشار في اللغة واحد (٣)، ثم اختلفوا في الضمير:\n_________\n(١) في ب: \"وعجزوا عن إتيان مثله\".\n(٢) لم أقف عليه، والله أعلم.\n(٣) قال الراغب في المفردات (٥٦٧)، مادة: عشر: \"معشار الشيء: عُشْرُه، وناقة عُشَراء: مرَّت من حملها عشرة أشهر، وجمعها عِشار، والعُشُور في المصاحف: علامة العَشر الآيات، والعشيرة: أهل الرجل الذين يتكثر بهم، أي: يصيرون له بمنزلة العدد الكامل، وذلك أن العشرة هو العدد الكامل\".","vol":"1","page":2281},{"text":"فقيل: ما بلغ قومك معشار ما أتينا مَنْ قَبْلَهم (١) من المال والقوة والعدة والكثرة (٢).\nوقيل: ما بلغ أولئك شكر معشار ما أتيناهم من النعمة (٣).\nوقيل: ما بلغوا أي: ما عملوا معشار ما أمروا به (٤).\nوقيل: ما بلغ أولئك معشار ما أتينا قومك من العلم والبيان والحجة والبرهان، فإن ابن عباس ﵄ قال: \" ليس أمة أعلم من أمة محمد ﷺ، ولا كتاب أبين من كتابه\" (٥).\n﴿فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (٤٥)﴾ قيل: إنما كرر ﴿فَكَذَّبُوا﴾ لأن الأول لتكثير الكذب لا لتكذيب الغير، والكفار كانوا كذَّابِين قبل مجيء الرسل في إيجاب الشرك وإنكار البعث فلما جاءهم الرسل كذبوهم أي: نسبوهم إلى الكذب.\n﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ أي: عقابي وتغييري حالهم. وقيل: إنكاري عليهم. وقيل: النكير جزاء المنكر من الفعل (٦).\nالخليل: النكير الاسم من الإنكار، والمعنى: فما آمن هؤلاء من مثل ذلك (٧).\n﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ﴾ أُذَكِّرُكُم وأُحَذِّرُكم سوء عاقبة ما أنتم فيه بموعظة واحدة.\n_________\n(١) في ب: \"معشار ما آتيناهم من قبلهم\".\n(٢) وهو قو ابن عباس ﵄، وقتادة، وابن زيد، واختاره ابن جرير.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٣٠٣، ٣٠٢).\n(٣) حكاه الماوردي في النكت والعيون (٤/ ٤٥٥) عن النقاش.\n(٤) من \"وقيل: ما بلغ أولئك شكر معشار\" إلى \"معشار ما أمروا به\" سقط من أ.\nوهذا القول حكاه الماوردي في النكت والعيون (٤/ ٤٥٥) عن الحسن.\n(٥) انظر النكت والعيون (٤/ ٤٥٥).\n(٦) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ١٩٣).\n(٧) انظر: كتاب العين للخليل (٥/ ٣٥٥).","vol":"1","page":2282},{"text":"وقيل: بكلمة واحدة كقوله ﴿تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ﴾ [آل عمران: ٦٤] (١).\nوقيل: هي كلمة التوحيد (٢).\nوقيل: طاعة الله (٣).\nوقيل: النصيحة.\nوقيل: هو ما فسرها فقال ﴿أَنْ تَقُومُوا﴾ تقصدوا، وليس من القيام على الرِّجْل (٤). وقيل: بأن تقوموا ولأن تقوموا (٥).\n﴿لِلَّهِ﴾ لوجه الله والتماس القرب إليه لا لعصبية، ولا تقليد لسَلَفٍ، ولا لإلْفٍ جريتم عليه.\n﴿مَثْنَى وَفُرَادَى﴾ مجتمعين ووحدانا، وأن يأخذ الرَّجُلُ يد صاحبه فيخلوا ويتفكروا فيما أتى به محمد ﷺ لأن الناظر تتجلى له الشبهة (٦) أحيانًا منفردا وأحيانا يستعين بغيره فيما يحتمل أن يكون ذاهبًا عن درك الصواب فيه.\n﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ تستعملوا فكركم (٧) بالتدبر بعقولكم هل فيما يدعوكم إليه محمد ﷺ فساد؟ وهل في حاله ضعف عقل واختلاف قول وفعل مما يُرى في المجانين؟ .\nفإذا تفكرتم ونظرتم فما وجدتم به أثر جنون فاعلموا أنه صادق نبي مرسل.\nثم نفي الله عنه الجنون فقال ﴿مَا بِصَاحِبِكُمْ﴾ يعني محمدًا ﷺ.\n﴿مِنْ جِنَّةٍ﴾ جنون. وقيل: ﴿مَا﴾ للاستفهام أي: تتفكروا أيُّ شيء بصاحبكم من آثار الجنون وأماراته حتى يجوز أن يُدعي مجنونًا (٨).\n﴿إِنْ هُوَ﴾ ما هو.\n_________\n(١) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٣/ ٧٧).\n(٢) قاله مجاهد، والسدي، وابن جريج.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٤٥٥)، الدر المنثور (١٢/ ٢٢٩).\n(٣) قاله مجاهد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٣٠٤).\n(٤) قاله قتادة.\nانظر: زاد المسير (٦/ ٤٦٥).\n(٥) انظر: إعراب القرآن للنحاس (٣/ ٣٤٥).\n(٦) في ب: \"تنجلي له الشبه\".\n(٧) في ب: \"فتستعملوا فكركم\".\n(٨) انظر: معاني القرآن للنحاس (٥/ ٤١٧).","vol":"1","page":2283},{"text":"﴿إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (٤٦)﴾ قُدَّام عذاب شديد إما في الدنيا وإما في الآخرة.\n﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ﴾ فيه أقوال:\nأحدها: أن ﴿مَا﴾ نفي أي: لا أسألكم على الرسالة مالًا وجُعْلًا فهو لكم أي: مالُكُم لَكُم من غير تعرض (١).\nالثاني: هو كالرَّجُل يقول لمن لا يقبل نُصحه: ما أعطيتني من أجر فخذه أي: النُّصْح مَجَّان (٢).\nالثالث: الذي سألتكم أن تعطونيه (٣) نفعه راجع إليكم وهو أن تقبلوا مني ما تنجون به لا أسألكم أجرًا سوى هذا (٤).\nالرابع: قال الكلبي: \" هذه الآية ناسخة لقوله ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣] أي: الذي سألتكم من مودة القربى فهو لكم لأنهم قالوا: يحثنا محمد على حب قرابته ويشتم آلهتنا، وزيَّف بعضهم هذا القول (٥).\n﴿إِنْ أَجْرِيَ﴾ ثوابي.\n﴿إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٤٧)﴾ هذا تأكيد لقوله ﴿لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾.\n﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ﴾ أي: يأتي به.\nوقيل: ﴿يَقْذِفُ بِالْحَقِّ﴾ يرمى بالإسلام في الآفاق (٦).\n_________\n(١) قاله قتادة.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٣٠٦).\n(٢) حكاه البغوي في معالم التنزيل (٦/ ٤٠٥).\n(٣) في ب: \"تعطونه\".\n(٤) حكاه الماوردي في النكت والعيون (٤/ ٤٥٦).\n(٥) انظر: غرائب التفسير للكرمان (٢/ ٩٤٠) وقد ضعف هذا القول.\n(٦) قاله الكلبي.\nانظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٤٩٩).\nالقَذْف: الرمي البعيد، يقال: بلدة قَذوف: بعيدة، واستعير القذف للشتم والعيب كما استعير الرمي.\nانظر: المفردات للراغب (٦٦١)، مادة: قذف.","vol":"1","page":2284},{"text":"ابن عيسى: القذف: إلقاء الشيء عن عظم شأن (١).\nوقيل: يقذف بالحق على الباطل فحذف.\nوقيل: ﴿نَقْبًا بِالْحَقِّ﴾ يوحى بالقرآن (٢).\n\nوقيل: يقذف بالحق في قلب من شاء وعلى لسان من شاء (٣).\n﴿عَلَّامُ الْغُيُوبِ (٤٨)﴾ أي: هو علام الغيوب (٤) فلا يخفى عليه شيء.\n﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ﴾ الإسلام. وقيل: الجهاد (٥).\nوقيل: السيف (٦).\nوقيل: القرآن (٧).\nوقيل: بعثة النبي ﷺ (٨).\n﴿وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ﴾ أي: ما يخلق إبليس شيئًا (٩).\n﴿وَمَا يُعِيدُ (٤٩)﴾ ولا يبعث. وقيل: الباطل: الأصنام (١٠).\nوقيل: معناه: وزال الباطل أي: الشرك (١١) كقوله ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾ [الإسراء: ٨١] ومثله ﴿نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ﴾ [الأنبياء: ١٨].\n_________\n(١) لم أقف عليه، والله أعلم.\n(٢) قاله مقاتل.\nانظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٤٩٩).\n(٣) انظر: الكشف الببان للعلبي (٨/ ٩٤).\n(٤) في ب: \"أي: هو علَاّم\" بغير \"الغيوب\".\n(٥) قاله ابن مسعود ﵁.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٤٥٧).\n(٦) وهو مروي عن ابن مسعود ﵄.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٤٥٧).\n(٧) قاله قتادة.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٣٠٧).\n(٨) قاله ابن زيد.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٤٥٧).\n(٩) وقد ضَعَّفَ ابن كثير في تفسيره (٣/ ٥٥٣) ما ذهب إليه قتادة والسدي من أن المراد بالباطل هنا إبليس، أي: أنه لا يخلق أحدًا ولا يعيده ولايقدر على ذلك، قال: \"وإن كان حقًا لكن ليس هو المراد ههنا\".\n(١٠) قاله مقاتل، والكلبي.\nانظر: معالم التنزيل (٦/ ٤٠٦).\n(١١) قاله ابن بحر.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٤٥٧).","vol":"1","page":2285},{"text":"وقيل: هذا مَثَلٌ يُضرب لكل من انقطع عن الاحتجاج ما يبدئ وما يعيد وما يحلى وما يمر، وجمهور المفسرين على أن ﴿مَا﴾ نفي، وقيل: هي استفهام بمعنى النفي ومحله نصب أي: أيُّ شيء يبدئ الباطل وأي شيء يعيد (١).\n﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ﴾ أخطأت عن الحق والرشاد كما تزعمون.\n﴿فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي﴾ أي: وبال ضلالي على نفسي.\n﴿وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾ فبوحي الله وتوفيقه (٢).\n﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ (٥٠)﴾ سمع دعائي فاستجاب بفضله.\n﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا﴾ قيل: عند الموت (٣).\nوقيل: في القبر (٤).\nوقيل: عند البعث (٥).\nوقيل: يوم بدر (٦).\n﴿فَلَا فَوْتَ﴾ لا مناص ولا مهرب.\n﴿وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (٥١)﴾ من تحت أقدامهم.\nوقيل: من ظهر الأرض على بطنها (٧).\nوقيل: أخرجوا من الأرض (٨).\nوقيل: ببدر من مكان قريب بعذاب الدنيا (٩).\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ١٩٥).\n(٢) في ب: \"فيوحي الله وتوفيقه\" وهو تصحيف والصواب هو المثبت.\n(٣) قاله قتادة.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٤٥٨)\n(٤) قاله الحسن.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٤٥٨).\n(٥) قاله قتادة.\nانظر: جامع البيان (١٩/ ٣١٢).\n(٦) قاله الضحاك، وابن زيد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٣٠٩)، زاد المسير (٦/ ٤٦٧).\nقال ابن كثير في تفسيره (٣/ ٥٥٢) \"والصحيح أن المراد بذلك يوم القيامة، وإن كان ما ذكر متصل بذلك\".\n(٧) انظر: معالم التنزيل للبغوي (٦/ ٤٠٦).\n(٨) قاله الحسن.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٤٥٩).\n(٩) قاله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٣٠٩).","vol":"1","page":2286},{"text":"وقُرْبُ المكان مَثَلٌ لسهولة أخذهم وتعذيبهم، وجواب ﴿وَلَوْ﴾ محذوف أي: لرأيت أمرًا عظيمًا. الكلبي، والثعلبي وغيرهما نزلت في السفيانية، روى حذيفة بن اليمان (١) عن النبي ﷺ أنه ذكر فتنة تكون بين أهل المشرق والمغرب فبينا هم كذلك إذ خرج عليهم السفياني (٢)\n_________\n(١) حذيفة بن اليمان، واسم اليمان حسيل بن جابر من بني غطفان، واليمان لقب له، وهو من كبار الصحابة، شهد أحدًا، وهو صاحب سر رسول الله ﵊، بعثه يوم الخندق يستطلع خبر الأحزاب، فتح همذان والري، توفي سنة ست وثلاثين في أول خلافة علي ﵁.\nانظر: الاستيعاب (١/ ٣٩٣)، سير أعلام النبلاء (٢/ ٣٦١).\n(٢) السفياني: رجل يكون في آخر الزمان، منسوب إلى أبي سفيان يكون من سلالته.\n\nانظر: السنن الواردة في الفتن لأبي عمرو الداني (٤/ ٩٣٧)، البداية والنهاية لابن كثير (٩/ ٢٩٦).","vol":"1","page":2287},{"text":"من الوادي اليابس في فوره ذلك حتى ينزل دمشق، فيبعث الله جيشين جيشًا إلى المشرق وجيشًا إلى المدينة حتى ينزلوا بأرض بابل في المدينة الملعونة والبقعة الخبيثة فيقتلون ثلاثة آلاف، ويبقرون بها أكثر من مائة امرأة، ويقتلون بها ثلثمائة كبش من بني العباس، ثم ينحدرون إلى الكوفة فيخربون ما حولها، ثم يخرجون متوجهين على الشام فتخرج راية هدى من الكوفة فتلحق ذلك الجيش منها على ليلتين فيقتلونهم لا يفلت منهم مخبر ويستنقذون ما في أيديهم من السبي والغنائم، ويحل جيشه الثاني بالمدينة فينتهبونها ثلاثة أيام ولياليها ثم يخرجون متوجهون إلى مكة، حتى إذا كانوا بالبيداء بعث الله ﷿ جبريل فيقول يا جبريل: اذهب فأبِدْهُم. فيضربها برجله ضربةً يخسف الله بهم، فذلك قوله في سورة سبأ ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾، فلا ينقلب منهم إلا رجلان؛ أحدهما بشير والآخر نذير وهما من جهينة فلذلك جاء القول: وعند جهينة الخبر اليقين (١).\n﴿وَقَالُوا﴾ عند البأس والأهوال (٢).\n﴿آَمَنَّا بِهِ﴾ بالله. وقيل: بمحمد (٣).\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ٣١٠)، قال عنه ابن كثير في تفسيره (٣/ ٥٥٢) \"موضوع بالكلية\".\nوقولهم: \"وعند جهينة الخبر اليقين\" فهو شطر بيت صار مثلًا، وتمامه:\nتُسائل عن أبيها كل ركبٍ ... وعند جهينة الخبر اليقين.\nوهو ينسب لغصين بن حي، وقيل للأخنس بن قيس.\nانظر: مجمع الأمثال لأبي الفضل النيسابوري (٢/ ٣)، فصل المقال في شرح كتاب الأمثال لأبي عبيد البكري (٢٩٦)، الأغاني (١٤/ ١٧).\n(٢) في ب: \"عند اليأس والأهوال\".\n(٣) قاله قتادة.\nانظر: معاني القرآن للنحاس (٥/ ٤٢٧).","vol":"1","page":2288},{"text":"﴿وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٥٢)﴾ أي: كيف يتناولون الإيمان وقد ذهب مكان التكليف وزمانه.\nوقيل: يسألون الرد وليس حين رد (١).\nوالتناوش: التناول، من نَشَتَ تَنُوش، قال الشاعر (٢):\nباتت تَنُوش الحَوْضَ نَوْشًا من عَلا ... نَوْشًا به تَقْطع أجْواز الفلا.\nومن همز فعند سيبويه قلب الواو المضمرة همزة (٣).\nوقيل: هو من نَاش وانْتَاش إذا بطؤ، والنئيش الحركة في إبطاء، قال الشاعر (٤):\nتمني نئيشًا أن يكون أطاعني ... وقد حدثت بعد الأمور أمور.\nثعلب (٥):\n_________\n(١) في أ: \"وليس حين الرد\".\n(٢) في ب: \"قال\" بغير \"الشاعر\".\nالبيت لغيلان بن حُرَيْث.\nانظر: أدب الكاتب لابن قتيبة (٣٩١)، جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٣١٥)، إصلاح المنطق لابن السِّكِّيت (٤٣٢)، لسان العرب لابن منظور (١٤/ ٣٢٦).\nومراد الراجز وصْف الإبل، تنوش الحوض: تتناول مِلأه، من علا: أي: من فوق، أي: أنها عالية الأجسام طِوال الأعناق، وذلك النوش الذي تناله هو الذي يعينها على قطع الفلوات، والأجواز: جمع جَوْز وهو الوسط.\n(٣) انظر: كتاب سيبويه (٣/ ٤٥٣).\n(٤) في ب: \"قال\" بغير \"الشاعر\".\nالبيت ذكره الزمخشري في المستقصى في أمثال العرب (١/ ٣٠٢) ونسبه لنهشل بن حري، وأورده أبو هلال العسكري في جمهرة الأمثال (١/ ٢٣٦) منسوبًا لنهشل.\n(٥) أبو العباس أحمد بن يحيى بن يسار الشيباني، مولاهم البغدادي، إمام الكوفيين في النحو واللغة، حفظ كتب الفراء وتأثر بها، وقرأ على أئمة اللغة، وكان حافظًا متقنًا، صنف: المصون في النحو، اختلاف النحويين، معاني القرآن، معاني الشعر، توفي سنة إحدى وتسعين ومائتين.\n\nانظر: سير أعلام النبلاء (١٤/ ٥)، بغية الوعاة (١/ ٣٩٦).","vol":"1","page":2289},{"text":"التناوش بغير همز التناول من قرب، والتناؤش بالهمز من بُعْد (١).\nوالمكان البعيد قيل: هو الذي هم فيه. وقيل: هو الذي ليسوا فيه وهو: الدنيا (٢).\n﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ﴾ كالأول. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أي: في الدنيا (٣).\nوقيل: قبل العذاب (٤).\n﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٥٣)﴾ يرجمون بالظن يقولون: لا بعث ولا حساب ولا جنة ولا نار، وقيل: هو قولهم في النبي ﷺ إنه ساحر، وكاهن، وشاعر (٥).\nوقيل: ﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ﴾ بالآخرة (٦) من مكان بعيد ينكرونها ويقولون ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٦] (٧).\nوقيل: هو طعنهم في القرآن (٨)،\n_________\n(١) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٩٤٢).\nوالهمز هي قراءة أبي عمرو، وحمزة، والكسائي، والمفضل عن عاصم، وقرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر، وحفص عن عاصم من غير همز.\nانظر: الكشف لمكي (٢/ ٢٠٨)، النشر (٢٣٥١).\nقال الزجاج في معاني القرآن (٤/ ١٩٥) \"والتناوش: التناول، ويجوز أن يكون من النئيش وهي الحركة في إبطاء\" بتصرف.\nقال ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ٣١٥) \"يقال منه: انْتَأَشْتُ الشيء إذا أخذته من بعيد، ونُشْتُه إذا أخذته من قريب، ويقال للقوم في الحرب إذا دنا بعضهم من بعض بالرماح ولم يتلاقوا: قد تناوش القوم\".\n(٢) تنظر الأقوال في معاني القرآن للنحاس (٥/ ٤٢٩)، النكت والعيون (٤/ ٤٥٩).\n(٣) حكاه في النكت والعيون (٤/ ٤٦٠) عن مجاهد.\n(٤) انظر: المصدر السابق (٤/ ٤٦٠).\n(٥) قاله مجاهد.\nانظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٤٩٩).\n(٦) \"بالآخرة\" سقط من ب.\n(٧) قاله الحسن.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٤٦٠).\n(٨) قاله ابن زيد.\n\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٣٢٠).","vol":"1","page":2290},{"text":"وقيل: يؤخرون التوبة (١)، ويحتمل أن المعنى: يستبعدون جميع ما غاب عنهم فلا يؤمنون به.\n﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ من الرجوع إلى الدنيا وقبول إيمانهم وتوبتهم. ﴿كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ﴾ بأمثالهم. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ حين آمنوا إيمان البأس (٢) يعني: الأمم المهلكة، وقيل: أصحاب الفيل (٣). ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ (٥٤)﴾ مشكك مبالغ في الشك، كما تقول: عجب عجيب. وقيل: في شك موجب لصاحبه ما يريبه من مكروه، وهذا رد على من زعم أن الله لا يعذب على الشك (٤)، والله أعلم.\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق الصنعاني في تفسيره (٢/ ١٣٣) عن قتادة.\n(٢) في ب: \"إيمان اليأس\" بالياء.\n(٣) قاله الضحاك.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٤٦٠).\n(٤) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ١٩٦).","vol":"1","page":2291},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-141>سورة فاطر</span>","vol":"1","page":2292},{"text":"سورة فاطر مكية\nالحسن: مكية إلا آيتين ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ﴾ (١) [فاطر: ٣٠، ٢٩].\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ حمد نفسه تعظيمًا له وتَعليمًا لعباده.\n﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ خالقهما ابتداء.\nقال الزَّجاج: \" روي أن ابن عباس ﵄ قال: \" ما كنت أدري ما فاطر السموات والأرض حتى اختصم إليَّ أعرابيّان في بئر؛ فقال أحدهما: أنا فطرتها أي: ابتدأتها، ومثل فاطر السموات والأرض خالق السموات والأرض \" انتهى كلامه (٢).\nابن عيسى: الفَطْر: الشق عن الشيء بإظهاره للحِس (٣).\n_________\n(١) وأكثر المفسرين على أنها مكية بالكامل، فقد أخرج ابن الضِريِّس في فضائل القرآن (٣٣)، والنحاس في الناسخ والمنسوخ (٢/ ٥٩٤) عن ابن عباس ﵄ قال: \"سبأ، وفاطر، ويس، والصافات نزلن بمكة\"، وعن قتادة قال: \"سورة الملائكة مكية\"، عزاه السيوطي في الدر (١٢/ ٢٤٩) لعبد الرزاق وابن المنذر.\nونقل ابن الجوزي في زاد المسير (٦/ ٤٧٢) الإجماع على مكيتها، وبه قال هبة الله بن سلامة في الناسخ والمنسوخ (١٤٦)، والبغوي في معالم التنزيل (٦/ ٤١١).\n(٢) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ١٩٧)، والأثر أخرجه البيهقي في الشعب (٢/ ٢٥٧)، وعزاه في الدر المنثور (١٢/ ٢٤٩) لعبد بن حميد، وابن المنذر.\n(٣) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٩٤٣).\nقال في المفردات (٦٤٠) \"أصل الفَطْرُ: الشَّق طولًا، يقال: فطر فلان كذا فَطْرًا، وأَفْطر هو فُطُورًا، وافَطَر انفطارًا، ويكون على سبيل الفساد، ويكون على سبيل الصلاح، والفِطْرة وفَطْر الله الخلق وهو إيجاده الشيء وإبداعه على هيئة مترشحة لفعل من الأفعال\".","vol":"1","page":2293},{"text":"﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾ أي: إلى عباده يريد جبريل، وميكائيل، وعزرائيل، ﵈.\n\nوقيل: هذا وصف لعامتهم، أي: جميع ملائكة الله رسل الله إلى الجن والإنس (١)، وبعضهم إلى بعض (٢).\n﴿أُولِي﴾ ذوي أجنحة، جمع جَنَاح، مشتق من جَنَحَ إذا مال.\n﴿مَثْنَى﴾ اثنين اثنين.\n﴿وَثُلَاثَ﴾ ثلثًا ثلثًا.\n﴿وَرُبَاعَ﴾ أربعًا أربعًا، فعدل ووصف ما قبله به فلم ينصرف (٣) للعدل والوصف، والمعنى: اثنين من الجانبين. وقيل: اثنين من كل جانب، وكذلك ثلاثًا من كل جانب لينقسم باعتدال (٤).\nوقيل: الثالث على الظهر كما يُرى لبعض الحيتان (٥).\nوقيل: الطيران بجناحين وما زاد فللزينة (٦).\nوروى المفسرون عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: \" أن النبي ﷺ رأى جبريل وله ستمائة جناح\" (٧).\nوقيل: هما جناحان ثم ينقسم كل جناح إلى جناحين وزيادة (٨).\n﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ أي: في خلق الملائكة.\nوقيل: عام (٩).\n_________\n(١) في ب: \"أي: جميع ملائكة الله رسل إلى الجن والإنس\".\n(٢) قاله السدي.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٤٦١).\n(٣) في أ: \"فعدل ووصف ما قبله فلم ينصرف\".\n(٤) قاله قتادة ومقاتل.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٣٢٦)، الوسيط للواحدي (٣/ ٥٠٠).\n(٥) حكاه الزمخشري في الكشاف (٥/ ١٣٦).\n(٦) انظر: المصدر السابق (٥/ ١٣٦).\n(٧) أخرجه مسلم في صحيحه (ك: الإيمان، باب: قوله تعالى (ولقد رآه نزلة أخرى)، ح: ٢٨٢).\n(٨) قال ابن كثير في تفسيره (٣/ ٥٥٤) \"أي: أن منهم من له جناحان ومنهم من له ثلاثة ومنهم من له أربعة ومنهم من له أكثر من ذلك\".\n(٩) حكاه ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ٣٢٧).","vol":"1","page":2294},{"text":"وعن النبي ﷺ أنه فسره (١) بالوجه الحسن، والشَّعَر الحسن، والصوت الحسن (٢).\nوقيل: الخط الحسن، وعنه ﷺ\" الخط الحسن يزيد الحق وضوحًا\" (٣).\nوقرأ ابن مسعود ﵁ (يزيد في الحَلْق ما يشاء) بالحاء (٤) وفسر بالصوت (٥).\nوقيل: ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ هو السلام على الأعمى (٦).\nوقيل: العقل والتمييز والعلوم والصنائع (٧).\nوقيل: المحبة في قلوب المؤمنين (٨).\n﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ من ذلك وغيره.\n﴿قَدِيرٌ (١)﴾ قادرُ بذاته.\n﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ﴾ قيل: وحيٌ (٩)،\n_________\n(١) في أ: \"أنه فسر\" بغير الهاء.\n(٢) في أ: \"والصوت الحسن والشعر الحسن\" بالتقديم والتأخير.\nوالحديث ذكره الزمخشري في الكشاف (٥/ ١٣٧)، وفي الدر المنثور (١٢/ ٢٥١) عزاه لابن المنذر عن ابن عباس ﵄ قال في الآية \"الصوت الحسن\"، وأخرج نحوه البيهقي في الشعب (٢/ ٣٨٩) عن الزهري.\n(٣) ذكره الثعلبي في الكشف والبيان (٨/ ٩٨)، وابن حجر في لسان الميزان (٣/ ٢٢١) عن عاصم بن مهاجر الكلاعي عن أنس ﵁ مرفوعًا، وقال \"هذا خبر منكر\"، وذكره أيضًا في الإصابة (٦/ ٣٨٥)، وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (٨/ ٨٩).\n(٤) في ب: \"يزيد في الحلق بالحاء\".\n(٥) وهي قراءة شاذة.\nانظر: شواذ القراءات للكرماني (٣٩٤).\n(٦) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٩٤٤)، وهو ظاهر الضعف.\n(٧) حكاه الماوردي في النكت والعيون (٤/ ٤٦٢).\n(٨) قال ابن عطية في المحرر (٤/ ٤٢٩) \"وهذه الإشارة إنما ذكرها من ذكرها على جهة المثال لا أن المقصود هي فقط، وإنما مثل بأشياء هي في الغالب زيادات خارجة عن الغالب الموجود كثيرًا\".\n(٩) قاله الحسن.\n\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٤٦٢).","vol":"1","page":2295},{"text":"ورسولٌ، ومطرٌ (١)، وعافيةٌ (٢)، ونعمةٌ، وتوسعةٌ رزق (٣).\n﴿فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ لا دافع ولا مانع ولا حابس.\n﴿وَمَا يُمْسِكْ﴾ يمنع ويدفع ويحبس (٤).\n﴿فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ في سلطانه.\n﴿الْحَكِيمُ (٢)﴾ في تدبيره.\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ اشكروها. وقيل: اذكروها بلسانكم، واحفظوها بقلوبكم ولا تنسوها (٥).\n﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ استفهام بمعنى النفي.\n﴿يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ﴾ المطر.\n﴿وَالْأَرْضِ﴾ بالنبات (٦)، وقيل: يرزقكم الهداية (٧).\nمَن جَرَّه جعله وصفا لخالق على اللفظ، ومن رفعه فعلى المحل أو على الاستثناء فإنه نفي في المعنى أو على الخبر (٨).\nقوله ﴿يَرْزُقُكُمْ﴾ يجوز أن يكون خبرًا ويجوز أن يكون في محل جر وصفًا لخالق، ولا يمتنع (٩) أن يكون حالًا من اسم الله، ومعنى ﴿يَرْزُقُكُمْ﴾ يعطيكم، والرزق: العطاء.\nوقيل: الرزق ما جعله الله صالحًا للغذاء أيضًا.\n_________\n(١) عزاه السيوطي في الدر (١٢/ ٢٥٢) لابن أبي حاتم.\n(٢) قاله الكلبي.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٤٦٣).\n(٣) حكاه الماوردي في النكت والعيون (٤/ ٤٦٢).\n(٤) في أ: \"يدفع ويمنع ويحبس\" بالتقديم والتأخير.\n(٥) في ب: \"واحفظوها بقلبكم فلا تنسوها\".\nوانظر: معاني القرآن للفراء (٢/ ٣٦٦).\n(٦) في ب: \"النبات\" بغير الباء.\n(٧) لم أقف عليه، والله أعلم.\n(٨) قرأ حمزة، والكسائي (غيرِ الله) بالخفض، وقرأ الباقون بالرفع.\nانظر: الحجة لابن خالويه (٢٩٦)، التيسير للداني (١٨٢).\n(٩) من \"أن يكون خبرًا\" إلى \"ولا يمتنع\" سقط من أ.","vol":"1","page":2296},{"text":"﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٣)﴾ تُصْرَفون عن الحق إلى الباطل (١) وعن عبادة الله إلى عبادة الأوثان. والإفْك: الصَّرْف (٢).\nوقيل: ﴿تُؤْفَكُونَ﴾ تكذبون، ويقال لكم إن آلهتكم يرزقكم، والإفك: الكذب (٣).\n﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ أي: تأسّ بهم واصبر.\n﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤)﴾ فلن تُعْدَم لصبرك جزاء.\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ﴾ بالبعث والجزاء.\n﴿حَقٌّ﴾ صدق وكائن لا خُلْف فيه.\n﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ لا يخدعنكم البقاء فيها فتركنوا إليها فإنها عن قريب زائلة.\n﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٥)﴾ الشيطان يريد يُمَنِّيكم المغفرة مع الاصرار على المعصية، والغَرُور: بالفتح الشيطان، وبالضم جمع غَار كسُجود جمع ساجد، وجُلوس جمع جالس، أو يكون مصدرًا.\nوإن كان فعله متعديًا كالعقوق واللزوم والنهوك مصدر نهكه المرض (٤).\n﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ يسعى طاقته في فسادكم ولا يَسُرُّه صلاحكم.\n_________\n(١) في أ: \"تصرفون إلى الباطل عن الحق\".\n(٢) الإفْك: كل مصروف عن وجهه الذي يحق أن يكون عليه، ومنه قيل للرياح العادلة عن المَهابّ: مؤتفكة، ويستعمل في الكذب، ومنه قوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ [النور: ١١].\nانظر: المفردات للراغب (٧٩)، مادة: أفك.\n(٣) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ١٩٨).\n(٤) قال الزجاج في معاني القرآن (٤/ ١٩٩) \"الغَرور: الشيطان، ويُقرأ: الغُرور بضم الغين، وهي: الأباطيل، ويجوز أن يكون الغُرور جمع غار وغُرور، ويجوز أن يكون جمع غَرٍّ مصدر غَرَرْتُه غَرًّا\" بتصرف.","vol":"1","page":2297},{"text":"﴿فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ عاملوا معه معاملة الأعداء ولا تقبلوا قوله فتصيروا من حزبه.\n﴿إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ﴾ أتباعه.\n﴿لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾ أي: غَرَضه من دعائة إياهم أن يوردهم النار.\n﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ أي: فمن أجابه حين دعاه فله عذاب شديد لأنه صار من حربه.\n﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ فلم يجيبوه ولم يصيروا من حزبه.\n﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ لذنوبهم.\n﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (٧)﴾ في الجنة.\n﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ زَيَّنَ له الشيطان.\nوقيل: زينه نفسه قبيح أعماله وذنوبه (١).\n﴿فَرَآَهُ حَسَنًا﴾ فاعتقده صوابًا.\n\nوقيل: صدقًا جميلًا (٢).\n﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ الجواب محذوف أي: كمَنْ هو بضده.\nوقيل: المحذوف تحسرت عليه، ودل عليه قوله ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ\nحَسَرَاتٍ﴾ (٣).\nوقيل: تقدير جوابه: كمن عرف الحَسَنَ من الأعمال حَسَنًا والقبيح قبيحًا (٤).\nوتفسير ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ لا تَمُتْ (٥) حسرةً أن لا يؤمنوا، ومعناه: لا تَحْزَن عليهم حزنًا شديدًا يكاد يقتلك، والحَسْرَةُ: الاغتمام على ما فات.\n﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٨)﴾ يعلم أعمالهم فيجازيهم عليها.\nقيل (٦): هم اليهود عاندوا رسول الله ﷺ (٧).\n_________\n(١) في أ: \"قبيح عمله وذنوبه\".\n(٢) حكاه الماوردي في النكت والعيون (٤/ ٤٦٣).\n(٣) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ١٩٩).\n(٤) انظر: المصدر السابق (٤/ ١٩٩).\n(٥) في أ: \"ولا تمت\" بزيادة الواو.\n(٦) في أ: \"وقيل\" بزيادة الواو.\n(٧) قاله أبو قلابة.\n\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٤٦٣).","vol":"1","page":2298},{"text":"وقيل: هو إبليس وسوء علمه أغواه (١).\nوقيل: نزلت في العاص بن وائل (٢) والأسود بن المطلب (٣)، (٤).\nوقيل: في أبي جهل، عليهم اللعنة (٥).\n﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾ تُهَيِّجُه.\n﴿فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ أسند الإرسال والسَّوْق إليه سبحانه، والإثارة إلى الريح أي: أحدثها بصفة الإثارة، وذَكَرَ الإرسال والسَّوْق بلفظ الماضي والاثارة بلفظ الحال لهذا.\nوقيل: المستقبل والماضي في هذه سواء لأن هذه أمور تبقى إلى يوم القيمة (٦).\nويحتمل: أن التقدير: أرسل الرياح فأثارت سحابًا فسقناه فيرسل الرياح فتثير سحابًا فيسيوقه (٧)، فاكتفى بذكر البعض عن البعض (٨).\n_________\n(١) قاله قتادة والحسن.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٣٣٤).\n(٢) العاص بن وائل السهمي، كان من خطباء الجاهليه، فلما بعث رسول الله ﷺ كفر به وآذاه أشد الأذى، وكان يصفه بالأبتر، وفيه نزل ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١)﴾ [الكوثر: ١]، أصابته قروح في رقبته فما زالت به حتى هلك.\nانظر: البداية والنهاية (٤/ ٢٥٩، ٥٨١).\n(٣) الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى، من خطباء الجاهلية، وممن كان يؤذي رسول الله ﷺ ويستهزئ به، أصيب له ثلاثة من ولده في احد فحرن عليهم حزنًا شديدًا، وكان قد كف بصره، فنزل مرة تحت سمرة فما زال شوكها يغرز فيه حتى هلك.\nانظر: البداية والنهاية (٤/ ١٢١، ٢٦٠).\n(٤) حكاه الماوردي في النكت والعيون (٤/ ٤٦٣).\n(٥) \"عليهم اللعنة\" سقط من ب.\nحكاه الواحدي في الوسيط (٣/ ٥٠١) عن ابن عباس ﵄.\n(٦) انظر: الكشاف (٥/ ١٤٢).\n(٧) في أ: \"فنسوقه\" بالنون.\n(٨) في ب: \"فاكتفى عن البعض بذكر البعض\".","vol":"1","page":2299},{"text":"وقيل: إسناد الإثارة إلى الريح مجاز لأن الريح لا فعل لها وحركاتها وسكناتها من فعل الله.\n﴿فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ أي: خصصنا بالمطر ماشئنا من البقاع (١).\n﴿فَأَحْيَيْنَا﴾ أنبتنا.\n﴿بِهِ﴾ بالمطر (٢)، وقد تقدم ذكره (٣) ضمنًا لا صريحًا.\n﴿الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ يبسها.\n﴿كَذَلِكَ النُّشُورُ (٩)﴾ فيه قولان:\nأحدهما: كما أحيينا الأرض بالنبات نحيي الموتى.\nوقيل: كما أنزلنا من السماء ماءً فصار سببًا لحياة الأرض ننزل من السماء (٤) مايكون به حياة الموتى، فقد ذكر المفسرون أن الله يرسل بعد النفخة الأولى سحابًا من تحت العرش يُمْطِرُ مثل مَنيّ الرجال أربعين يومًا ثم ينشرهم الله به بعد النفخة الثالثة (٥)، وكأن القياس كذلك الانشار فاكتفى بالنشور لأنه يتضمن الإنشار مثل ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ [نوح: ١٧].\n﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ﴾ العِزّ والعِزَّة واحد وهي: المَنَعَة (٦).\n﴿فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ أي من كان يريد أن يعلم لمن العِزة فليعلم أن العِزة لله جميعًا. وقيل: من كان يطلب عِزةً فليطلب من طاعة الله فإن العِزة لله (٧).\n_________\n(١) في أ: \"أي: خصصنا من البقاع ما شئنا بالمطر\".\nانظر ماسبق في الكشاف (٥/ ١٤٢)، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٤/ ٣٢٧).\n(٢) \"بالمطر\" سقط من أ.\n(٣) في ب: \"وتقدم ذكرها\".\n(٤) في أ: \"ينزل من السماء\" يالياء.\n(٥) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٣٣٦).\n(٦) العِزَّة: حالة مانعة للإنسان من أن يُغلب، من قولهم: أرض عَزَاز أي: صلبة، وتكون محمودة وهي التي لله ورسوله والمؤمنين، وتكون ومذمومة وهي العزة بالكفر وهي في الحقيقة أساس الذُل.\nانظر: المفردات (٥٦٣)، مادة: عَزَّ.\n(٧) قاله قتادة.\n\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٣٣٧).","vol":"1","page":2300},{"text":"وقيل: من كان يعبد الأصنام ليكونوا لهم عزًا فاعلم أن ذلك ذُل فإن العزة لله جميعًا أي مجتمعة في الدنيا والآخرة (١).\n﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ أي: إلى محل القَبول.\nوقيل: إلى الموضع الذي لا يجرى فيه حُكْمٌ إلا لله.\nوقيل: الصعود كناية عن القبول، أي: يقع أجلَّ موقع لأن الكلم لا يوصف بالصعود والنزول (٢).\nواختار لفظ الصعود لأن العلو في مراتب الناس أشْرف السِّفال كما تقول: ارتفع إلى القاضي وتراقى الخبر إلى السلطان وإن كان في سَرَب (٣).\nوقيل: يصعد به الملك، فقد جاء في الحديث\" إن المؤمن إذا قال: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر أخذهن ملك فجعلهن تحت جناحه (٤) ثم صعد بهن إلى السماء، فلا يَمُر على جمع من الملائكة إلا استغفروا لقائلهن\" (٥).\nوالكَلِمُ: جمع كَلِمَة، وهي: كلمة التوحيد (٦).\n_________\n(١) حكاه الماوردي في النكت والعيون (٤/ ٤٦٤) عن الحسن.\n(٢) والصواب أن الصعود على حقيقته، يدل عليه ما أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ٣٣٨)، والبيهقي في الشعب (١/ ٤٣٤)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٤٦١) عن ابن مسعود ﵁ قال \"إن العبد المسلم إذا قال سبحان الله وبحمده والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر أخذهن مَلَك فجعلهن تحت جناحه ثم صعد بهن إلى السماء، فلا يمر بهن على جمع من الملائكة إلا استغفروا لقائلهن حتى يجيء بهن وجه الله ﷿ ثم قرأ عبد الله ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ \".\n(٣) أي: في خَفَاء.\n(٤) في أ: \"وجعلهن تحت جناحه\".\n(٥) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ٣٣٨)، والبيهقي في الشعب (١/ ٤٣٤)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٤٦١).\n(٦) قاله يحي بن سلام، ومقاتل.\n\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٤٦٤)، بحر العلوم للسمرقندي (٣/ ٨٢).","vol":"1","page":2301},{"text":"وقيل: سبحان الله، كما سبق.\nوقيل: ﴿الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ القرآن (١).\nوقيل: ﴿الطَّيِّبُ﴾ الحَسَن (٢).\nوقيل: ﴿الطَّيِّبُ﴾ ما ارتضاه الله (٣).\nوقيل: ما كان طاعة الله فهو طيب (٤).\nوقيل: هو الطيب لأنه ذكر الله (٥)، وكأن القياس الطيبة لكن كل جمع ليس بينه وبين واحده إلا الهاء جاز تذكيره وتأنيثه.\n﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ العمل الصالح: أداء الفرائض (٦) والاشتغال بالنوافل. وفي فاعل ﴿يَرْفَعُهُ﴾ ثلاثة أقوال:\nأحدها: مضمر ويعود إلى العمل، والهاء في ﴿يَرْفَعُهُ﴾ يعود إلى ﴿الْكَلِمُ﴾ أي: لا يُقْبَل قول إذا لم يكن معه عمل (٧).\nوالثاني: مضمر يعود إلى ﴿الْكَلِمُ﴾، والهاء يعود إلى ﴿الْعَمَلُ﴾ أي: التوحيد يرفع العمل، وكذلك من فسره بالقرآن أي: القرآن يرفع العمل (٨).\nوالثالث (٩): مضمر يعود إلى الله سبحانه، والهاء يعود إلى العمل (١٠)،\n_________\n(١) قاله شهر بن حوشب.\nانظر: الدر المنثور (١٢/ ٢٥٩)، وعزاه لابن أبي حاتم.\n(٢) قاله أبو عبد الرحمن.\nانظر: الكشف والبيان للثعلبي (٨/ ١٠١).\n(٣) قاله الحسن.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٣٤٠).\n(٤) انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٤/ ٣٣١).\n(٥) قاله ابن عباس ﵁، وقتادة.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٣٣٩)، معالم التنزيل (٦/ ٤١٥).\n(٦) في أ: \"أداء الفرض\" بالإفراد.\n(٧) وهو قول ابن عباس ﵄، والحسن، وسعيد بن جبير، ومجاهد، والضحاك.\nانظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٥٠٢).\n(٨) وهو عكس القول الأول، وبه قال مقاتل، وأبو صالح، وشهر بن حوشب.\nانظر: معالم التنزيل (٦/ ٤١٥)، زاد المسير (٦/ ٤٧٨).\n(٩) في ب: \"الثالث\" بغير الواو.\n(١٠) وهو قول قتادة، والسدي.\n\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٤٦٤).","vol":"1","page":2302},{"text":"وعلى هذين الوجهين قريء (والعملَ الصالح) بالنصب (١).\n﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ يَسْعَوْن في إبطال دين الله. وقيل: هم الذي يشركون بالله (٢).\nوقيل: هو ما ذكر في قوله ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية [الأنفال: ٣٠] (٣).\nوقيل: هي: الرِّيَاء (٤).\n﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ دائم في الآخرة.\n﴿وَمَكْرُ أُولَئِكَ﴾ أي: الذين يمكرون السيئات.\n﴿هُوَ يَبُورُ (١٠)﴾ أي (٥): يهلك، والبَوار: الهلاك (٦).\nوقيل: يَبْطُل (٧).\nوقيل: يَضِيع ويفسد ولا ينفد (٨).\nوقيل: يَفْسُد عند الله (٩).\n﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ يعني: آدم ﵇ أباكم وأصلكم.\n﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ يعني: بني آدم.\n_________\n(١) وهي قراءة شاذة، قرأ بها عيسى بن عمر.\nانظر: الشواذ لابن خالويه (١٢٣)، شواذ القراءات للكرماني (٣٩٥).\n(٢) قاله ابن زيد، ومقاتل.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٣٤٠)، معالم التنزيل (٦/ ٤١٥).\n(٣) قاله أبو العالية.\nانظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٥٠٢).\n(٤) قاله مجاهد، وسعيد بن جبير، وشهر بن حوشب.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٣٤١)، معالم التنزيل (٦/ ٤١٦).\nواختار ابن كثير في تفسيره (٣/ ٥٥٧) أن الآية عامة تشمل كل من عمل بهذه الأعمال.\n(٥) \"أي\" سقط من ب.\n(٦) قال الفراء في معاني القرآن (٣/ ٦٦) \"البُور في كلام العرب لاشيء، يقال: أصبحت أعمالهم بورًا ومساكنهم قبورًا\"، وأسند عن ابن عباس ﵄ أنه قال: \"البور في لغة أزد عُمَان: الفاسد\".\n(٧) حكاه البغوي في معالم التنزيل (٦/ ٤١٦).\n(٨) حكاه الزجاج في معاني القرآن (٤/ ٢٠٠).\n(٩) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٢/ ١٣٤) عن قتادة.","vol":"1","page":2303},{"text":"﴿ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا﴾ ذكرًا وأنثى. وقيل: أصنافًا (١).\nوقيل: أمركم بالتزوج (٢).\nوفي ﴿ثُمَّ﴾ أقوال:\nأحدها: لترتيب الأخبار. وقيل: ثم قَدَّرَ خلقكم من النُّطَف ثم لم يكن ذلك إلا بالتزوج فجعلكم أزواجًا.\nوقيل: ثم مع الجملة قد يدل على التقديم.\n﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى﴾ أي: ولدها في بطنها.\n﴿وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ بعلم الله. وقيل: بأمره، والباء للحال (٣).\n﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ﴾ يُمَدُّ في عُمُرِ مُعَمَّرٍ فيبلغ الهَرَم والكِبَرَ.\n﴿وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾ فيُميته قبل الهَرَمِ، والكِبَرِ قيل: ستون سنة (٤).\nوقيل: أربعون سنة (٥).\nوقيل: ثمانية عشرة سنة (٦).\nوفي الهاء من ﴿عُمُرِهِ﴾ قولان:\nأحدهما: أنه يعود إلى المعمر (٧) المذكور، وله معنيان:\nأحدهما: ينقص من عمره ينقضي ما ينقضي منه (٨)، فإن لكل أحد كتابًا مكتوبًا في أوله تسمية عمره ثم يكتب في أسفل ذلك ذهب يوم ذهب يومان حتى يأتي على آخره فذلك نقصان عمره (٩).\n_________\n(١) قاله الكلبي.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٤٦٥).\n(٢) قاله قتادة.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٣٤٢).\n(٣) وهذا تأويل لصفة العلم بالأمر وهو خلاف مذهب أهل السنة والجماعة الذين يثبتون العلم لله تعالى على ما يليق به.\n(٤) قاله الحسن.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٤٦٥).\n(٥) حكاه الماوردي في النكت والعيون (٤/ ٤٦٦).\n(٦) في ب: \"ثماني عشر سنة\".\nقاله أبو غالب.\nانظر: المصدر السابق (٤/ ٤٦٦).\n(٧) في ب: \"يعود إلى معمر\".\n(٨) في ب: \"ينقص ما ينقضي منه\".\n(٩) قاله سعيد بن جبير، والشعبي، وعكرمة، وأبو مالك.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٤٦٥)، زاد المسير (٦/ ٤٨٠)، الدر المنثور (١٢/ ٢٦٤).","vol":"1","page":2304},{"text":"والثاني: يُنْقَص من مدة عمره، وهذا فيمن أجاز الزيادة والنقصان في العمر، فإن كعبًا قال لما طُعِن عمر - ﵁ -: \"لو دعا الله عمر لأخَّر في أجله\" فقيل له: أليس الله يقول ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤] قال كعب: أما تقرؤن ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾ \" (١).\nوالثاني: أن الهاء يعود إلى آخر، كأنه قال: ولا يُنقص من عمر آخر، وإليه ذهب الفرَّاء (٢)، وابن عيسى، والنقاش (٣)، وجماعة من المفسرين (٤)، وقالوا هذا كقول القائل (٥): له علي درهم ونصفه، فإن الضمير إلى درهم آخر كذلك هاهنا، وإذا دققت النظر وجدت الهاء في هذا القول الثاني أيضًا يعود إلى المعمر لأن التقدير: ولا ينقص آخر من عمر هذا المعمر، أي: من مقدار عمره لأن الأعمار متفاوتة خصوصًا عند من لا يجوز القول في زيادة العمر ونقصانه وهو مذهب الجمع، والله أعلم.\n﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ﴾ أي: حفظ ذلك.\n﴿عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (١١)﴾ سهل. وقيل: إن زيادة عمر إنسان ونقصان عمر آخر على الله يسير (٦).\n_________\n(١) انظر: معالم التنزيل للبغوي (٦/ ٤١٦).\n(٢) في معاني القرآن (٢/ ٣٦٨).\n(٣) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٩٤٧).\n(٤) وهو رواية عن ابن عباس ﵄، وبه قال مجاهد، والضحاك، وابن زيد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٣٤٤، ٣٤٣) قال: \"هو أظهر معنييه، وأشبههما بظاهر التنزيل\"، قال ابن كثير في تفسيره (٣/ ٥٥٨) \"هو كما قال\"، وانظر أيضًا: زاد المسير (٦/ ٤٨٠).\n(٥) في ب: \"وقالوا كقول القائل\" بغير \"هذا\".\n(٦) في أ: \"إن زيادة عمر الإنسان ونقصان عمر آخر على الله يسيرة\".\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٤٦٦).","vol":"1","page":2305},{"text":"﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ﴾ العذب: الطيِّب. والفرات: أعذب العذب. وقيل: الفرات: الخالص لا يشوبه شيء (١).\n﴿سَائِغٌ﴾ سهل المرور في الحلق.\n﴿شَرَابُهُ﴾ ماؤه.\n﴿وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ والأُجاج: أملح الملوحة.\nابن عيسى: الأُجاج: من أجت النار (٢)، كأنه يحرق من شدة المرارة أي ليسا بمستويين في الانتفاع (٣).\n﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ أي: من العذب والملح، لأن الحوت يصاد منهما جميعًا.\n﴿وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً﴾ اللؤلؤ والمرجان، ولم يذكر من أيِّ البحرين يستخرج في هذه السورة؛ فذهب بعضهم إلى أنه يستخرج من المَلِح، وعليه أكثرهم (٤).\nوقيل: يخرجان منهما، لأن في الملح عيونًا عذبة يُخْرج اللؤلؤ عند التمازج وينعقد.\nوقيل: ينعقد من ماء السماء (٥).\nوقيل: لابد من عيون الملح والعذب (٦) حتى يمكن إخراجهما.\n_________\n(١) قال الزجاج في معاني القرآن (٤/ ٢٠٠) \"الفُرات: المبالغ في العُذُوبة\".\n(٢) ذكره الماوردي في النكت والعيون (٤/ ٤٦٦) من غير أن ينسبه لابن عيسى.\n(٣) قال الزجاج في معاني القرآن (٤/ ٢٠٠) \"الأُجاج: الشديد المرارة، والأُجاج أيضًا: الشديد الحرارة\".\n(٤) ويكون المراد أحدهما وهو المالح وإن عطف بالكلام عليهما، واختار هذا القول النحاس في معاني القرآن (٥/ ٤٤٧) قال \"وهذا كثير في كلام العرب لأن البحرين مختلطان فجاز أن يقال: يخرج منهما وإنما ويخرج من أحدهما\".\nواختاره أيضًا ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ٣٤٦)، وابن عطية في المحرر (٤/ ٤٣٣).\n(٥) حكاهما الماوردي في النكت والعيون (٤/ ٤٦٧).\n(٦) في ب: \"وقيل لابد من عبور الملح والعذب\"، والمثبت هو الصواب.","vol":"1","page":2306},{"text":"وقيل: إنهما يخرجان من العذب (١). والله أعلم.\n﴿تَلْبَسُونَهَا﴾ تتخذ نساؤكم منها ملابس.\n﴿وَتَرَى الْفُلْكَ﴾ جمع فلكٍ، وهو: السفينة.\n﴿فِيهِ﴾ في الكل. وقيل: في الملح (٢).\n﴿مَوَاخِرَ﴾ جمع ماخِرة (٣) جائية ذاهبة والريح واحدة (٤) ترى سفينتين تجريان بريح واحدة إحديهما مقبلة والأخرى مدبرة.\nوقيل: هي مواقر بالحِمْل (٥).\nوقيل: هي التي تشق الماء بصدرها (٦).\nويحتمل أنه من قوله صلى الله عليه \" استَمْخِروا الرِّيح وأعدوا النُبُل \" (٧)، يعني: عند الاستنجاء أي: اجعلوا ظهوركم مما يلي الريح، وهذه حالة السُّفُن.\n_________\n(١) انظر: إعراب القرآن للنحاس (٣/ ٣٦٦).\n(٢) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٣/ ٨٣).\n(٣) قال النحاس في معاني القرآن (٤/ ٩٥) \" المخْرُ في اللغة: الشَّق، يقال: مَخَرَت السفينة تَمْخُر مَخْرًا ومُخُورًا إذا شقت وخرقت الماء، وسُمع لها صوتًا وذلك عند هبوب الرياح، ومخر الأرض إنما هو شق الأرض بالماء\".\nقال ابن جرير في جامع البيان (١٤/ ١٨٨) \"والمَخْرُ في كلام العرب: صوت هبوب الرِّيح إذا اشتد هبوبها، وهو في هذا الموضع صوت جري السفينة بالريِّح إذا عصفت، وشقِّها الماء حينئذ بصدرها. يقال منه: مَخَرت السفينة تَمْخُرُ مَخْرًا ومُخُورًا، وهي ماخرة، ويقال: امْتَخَرْتُ الريح وتَمَخَّرْتُها إذا نظرت من أين هبوبها وتسمعت صوتها\".\n(٤) في ب: \"بريح واحدة\".\n(٥) قاله الحسن.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٤/ ١٨٦)، النكت والعيون (٤٦٧).\n(٦) عزاه في الدر المنثور (٩/ ٢٣) لابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن عكرمة.\n(٧) ذكره ابن حجر في تلخيص الحبير (١/ ١٠٧) وعزاه لابن أبي حاتم في العلل من حديث سراقة بن مالك، قال: والصحيح وقفه.","vol":"1","page":2307},{"text":"﴿لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ بما تستخرجون من اللؤلؤ والمرجان، وتصيدون من الحوت، وتربحون بالتجارة (١)، وتغنمون بالجهاد.\n﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢)﴾ على فضله إذ أنجاكم من هَوْلِه.\n﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أي: يوم القيامة، ثم ينقطع جريهما، وقيل: يجريان إلى أقصى منازلهما (٢) لا يجاوزان ذلك ثم يرجعان إلى أدنى منازلهما (٣).\n﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ أي: الذي فعل هذه الأشياء هو خالقكم.\n﴿لَهُ الْمُلْكُ﴾ فهو المستحق للعبادة.\n﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ أي: الأصنام. وقيل: الملائكة.\n﴿مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣)﴾ من خلق قِطْمِير وهو: القِشْرَة البيضاء بين التمر والنواة (٤).\nوقيل: شِق النواة (٥).\nوقيل: ما بين القِمْع (٦)\n_________\n(١) في ب: \"وتربحون التجارة\" بغير الباء.\n(٢) في أ: \"تجريان إلى أقصى منازلهما\".\n(٣) أخرج ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ٣٤٨) عن قتادة قال \"أجل معلوم وحد لا يَقْصُرُ دونه ولا يتعداه\".\n(٤) قاله ابن عباس ﵄، ومجاهد، وقتادة.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٣٥٠، ٣٤٩)، زاد المسير (٦/ ٤٨١).\nقال الزجاج في معاني القرآن (٤/ ٢٠١) \"القِطمير: لُفَافَة النواة، والنَّقِير: النُقْرة في ظهر النواة، والفَتِيل: الذي في وسط النواة\".\n(٥) قاله ابن عباس ﵄.\nانظر: الكشف والبيان للثعلبي (٨/ ١٠٠).\n(٦) القِمْع: ما يوضع في فم السِّقاء، والقَمَعَة: أعلى السنام من البعير أو الناقة، والقِمَعُ: ما التزق بأسفل العنب والتمر ونحوهما، وقَمَعَتِ المرأة بنانها بالحناء خضبت به أطرافها فصار لها كالأقماع.\n\nانظر: لسان العرب (١١/ ٣٠٥)، مادة: قمع.","vol":"1","page":2308},{"text":"والنواة (١).\n﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ﴾ أي: الأصنام.\n﴿وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ فإنه لا لسان لها. وقيل: معناه: ما أجابوكم إلى مُلْتَمسكم (٢).\n﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ حين يجعل الله لها بيانًا ولسانًا. وقيل: يعني الملائكة يتبرؤن منكم ويقولون بل كانوا يعبدون الجن.\nوقيل: ما يظهر من الأصنام مما يدل على بطلان كلام الكفار بمنزلة النطق منها بالبراءة، كما قيل: دلالتها على التوحيد تسبيحها.\n﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)﴾ كلام جميع المفسرين، وأصحاب المعاني مقصور في هذه الآية على قولين:\nأحدهما: أن ﴿مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ هو الله ﷿ (٣).\nوالثاني: أن ﴿مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ صفة لمصدر محذوف (٤) دل ﴿يُنَبِّئُكَ﴾ عليه أي: لا يُنبئك تنبيئًا مثل تنبيء الخبير، وكلا القولين فيه نطر؛ أما الأول فإضافة مثل إلى الله ﷿ غير جائز ولا يجوز أن يُقال: هو زيادة كما قلنا ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] لفساد معنى الكلام بحذفه.\nوأما الثاني فلا يجوز، لأنه يقتضي أن يكون ﴿مِثْلُ﴾ منصوبًا، فالتأويل الصحيح أن يجعل هذا مثلًا وله نظائر، ويكون المنبيء الخبير المضروب له المثل هو الله سبحانه، والله أعلم.\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ في الدنيا إلى رزقه، وفي الآخرة إلى مغفرته.\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ٣٥٠) عن جويبر عن بعض أصحابه.\n(٢) انظر: إعراب القرآن للنحاس (٣/ ٣٦٦).\n(٣) قاله قتادة، كما الدر المنثور (١٢/ ٢٧٠)، وهو اختيار الزجاج في معاني القرآن (٤/ ٢٠١)، وابن جرير في جامع البيان (١٩/ ٣٥١).\n(٤) في ب: \"صفة المصدر دل\"، بغير \"محذوف\".","vol":"1","page":2309},{"text":"﴿وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ عن خلقه.\n﴿الْحَمِيدُ (١٥)﴾ في ملكه.\n﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٦)﴾ فيه قولان:\nأحدهما: إن يشاء يُفْنِكم ويأت بقوم أُخَر أطوع لله منكم (١).\nوالثاني: يُفْنِ عالَمَكُم وأنواعَكم ويأت بعالَم آخر (٢) سوى ما تعرفون (٣).\n﴿وَمَا ذَلِكَ﴾ الإذهاب والإتيان.\n﴿عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (١٧)﴾ مَنِيع صعب.\n﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ أي: لا تَحْمِل نفس آثمة إثم نفس أخرى.\n﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ﴾ نفس مثقلة بالذنوب أحدًا.\n﴿إِلَى حِمْلِهَا﴾ ثقلها ليُتَحَمَّل عنها بعض ذلك.\n﴿لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ﴾ لا يَحْمِل المدعو منه شيئًا من الثقل.\n﴿وَلَوْ كَانَ﴾ أي: المدعو (٤).\n﴿ذَا قُرْبَى﴾ ذا قرابة قريبة كالأب والأخ (٥).\n﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ يخافون ربهم ويؤمنون بالغيب (٦) وهو: ما غاب عنهم من الجنة والنار (٧).\nوقيل: معنى ﴿يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ يخافون الله سرًا فلا يأتون المعاصي التي لا يطلع عليها غير الله (٨).\nوقيل يخشون ربهم أي: عذاب ربهم بالغيب لم يروه (٩).\n_________\n(١) قاله قتادة.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٣٥٣).\n(٢) في ب: \"ويأت لعالم آخر\" وهو تصحيف، والصواب هو المثبت.\n(٣) لم أقف عليه، والله أعلم.\n(٤) في ب: \"المدعو\" بغير أي.\n(٥) في أ: \"كالأخ والأب\".\n(٦) في ب: \"يخافون ربهم فيؤمنون بالغيب\".\n(٧) في أ: \"وقيل: معنى يخشون ربهم بالغيب أي: عذاب ربهم بالغيب لم يروه\"، وهو مؤخر في ب.\n(٨) قاله يحي بن سلام.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٤٦٨).\n(٩) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ٣٥٥) عن قتادة.","vol":"1","page":2310},{"text":"﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ أداموها في مواقيتها الخمسة، وغاير بين اللفظين لأن أوقات الخشية دائمة وأوقات الصلاة معينة منقضية، ويحتمل أن المعنى: يخشون ربهم مع توفرهم (١) على الطاعات.\n﴿وَمَنْ تَزَكَّى﴾ تَطَهَّر عن دنَسِ المعاصي بالأعمال الصالحة.\n﴿فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ﴾ أي: فلنفسه ثواب ذلك.\n﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (١٨)﴾ المرجع.\n﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩)﴾ الجاهل والعالم.\nوقيل: الكافر والمؤمن (٢).\n﴿وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (٢٠)﴾ يعني: الكفر والإيمان. وقيل: الجهل والعلم. وقيل: المعصية والطاعة.\n﴿وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (٢١)﴾ يعني: الجنة والنار. وقيل: الحَرُور: الريح الحارة تأتي بالليل والسموم بالنهار (٣).\nوقيل: الحَرُور: بالليل والنهار والسموم بالنهار (٤) خاصة (٥).\nوالحَرُور: فعول من الحرارة، وهو: اشتداد الحر ولفحه (٦).\n\nوقيل: الظل: الحق. والحرور: الباطل (٧).\n﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ المؤمنون والكافرون.\n_________\n(١) في ب: \"مع توفوهم\"، وهو تصحيف.\n(٢) قاله قتادة.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٤٦٨).\n(٣) انظر: نعاني القرآن للنحاس (٥/ ٤٥٠).\n(٤) \"وقيل: الحرور بالليل والنهار والسموم بالنهار\" سقط من أ.\n(٥) معاني القرآن للزجاج (٤/ ٢٠٢)، النكت والعيون (٤/ ٤٦٩).\n(٦) قال ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ٣٥٧) \"والصواب في ذلك أن الحرور يكون بالليل والنهار، غير أنه يكون في هذا الموضع بأن يكون كما قال أبو عبيدة أشبه مع الشمس؛ لأن الظل إنما يكون في يوم شمس، فذلك يدل على أنه أُريد بالحرور: الذي يوجد في حال وجود الظل\".\n(٧) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ٢٠٢).","vol":"1","page":2311},{"text":"وقيل: العقلاء والجهلاء (١)، و(لا) فيها كلها زيادة (٢) أفادت نفي المساواة (٣) من الجانبين (٤). ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ﴾ حتى يتعظ ويجيب (٥).\n﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢)﴾ يعني: الكفار، شبههم بالموتى (٦) حيث لا ينتفعون بمسموعهم.\nوقيل: بمسمعٍ تحملهم على القَبُول من قولنا: سمع الله لمن حمده أي: قَبِلَ (٧).\n﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ (٢٣)﴾ ما أنت إلا مُنْذر وليس إليك غيره.\n﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ يعني: بالقرآن.\n﴿بَشِيرًا﴾ للمؤمنين.\n﴿وَنَذِيرًا﴾ للكافرين.\n﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ (٢٤)﴾ قيل: نذير منهم بلغتهم.\nوقيل: إذا بَلَغَتْهُم نذارة نذير منهم أو من غيرهم فقد خلا فيهم النذير، فإن محمدًا ﷺ مبعوث إلى جميع بني آدم وهو من العرب (٨).\n﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: رُسُلَهم.\n﴿جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ بالمعجزات.\n﴿وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (٢٥)﴾ جاز التكرار لاختلاف اللفظين ولأن الزَّبْر: الكتابة.\n﴿ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بأنواع العذاب.\n_________\n(١) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٥٠٤)، معالم التنزيل للبغوي (٦/ ٤١٨).\n(٢) في أ: \"كله زيادة\".\n(٣) في ب: \"أفادة ففي المساوات\"، وهو تصحيف.\n(٤) وقيل: إن (لا) نافية لاستواء أحد المذكورين مع الآخر، حكاهما ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ٣٥٩)، وانظر: الكشاف (٥/ ١٥٠).\n(٥) في أ: \"حين يتعظ ويجيب\".\n(٦) في أ: \"شبههم بالموت\".\n(٧) في ب: \"أي: قيل\"، ولعل الصواب هو المثبت.\n(٨) لم أقف عليهما، والله أعلم.","vol":"1","page":2312},{"text":"﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (٢٦)﴾ أي: إنكاري بالعقوبة والتغيير.\n﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ﴾ بالماء ذكر بلفظ التعظيم لتَلْوين الخطاب، وما ذكره أبو مسلم أن التقدير: فأخرجنا نحن بنو آدم بالحرث والغَرْس (١).\n﴿ثَمَرَاتٍ﴾ بإضمار القول فَرَكِيك، وقد سبق في الأنعام (٢).\n﴿مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا﴾ يجوز أن يكون المراد به اللون حقيقة حُمرًا، وصفرًا، وبيضًا، وسودًا، ويجوز أن يكون المراد به الصنف (٣).\n﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا﴾ جُدَد: جمع جُدَّة، كغُدَّة وغُدَد، أي: طرائق؛ جُدَّةٌ بيضاء، وجُدَّةٌ حمراء (٤)، والهاء في ﴿أَلْوَانُهَا﴾ يعود إلى الجبال. وقيل: إلى\n﴿حُمُرٌ﴾ أي: بعضها أشد حُمْرَة، وبعضها أخف، وبعضها وسط في الحُمْرَة (٥).\n﴿وَغَرَابِيبُ سُودٌ (٢٧)﴾ جمع غِرْبِيب (٦)، وجل المفسرين على أن التقدير: وسُودٌ غَرابيب، لأنه يقال: أسْوَد غِرْبِيب ولا يقال: غِرْبِيب أسود.\n_________\n(١) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٩٤٩) قال \"وفيه بُعْد\".\n(٢) في قوله تعالى ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا﴾ [الأنعام: ٩٩].\n(٣) أي: الحُلو والحامض، الكبير والصغير، والناضج وغير الناضج.\n(٤) قال الفرَّاء: \"جُدّد بيض: الخطط والطرق تكون في الجبال كالعروق، بيض وسود وحمر، واحدها\" جُدَّة\"\n(٥) انظر: معاني القرآن للنحاس (٥/ ٤٥٣).\n(٦) الغِرْبيب: الشديد السواد، تشبيهًا له بسواد الغراب.\nانظر: المفردات (٦٠٥)، مادة: غرب.","vol":"1","page":2313},{"text":"ابن عيسى: الغِرْبِيب: الذي لونه لون الغراب، فصار كأنه قال: وكلون الغراب أسْوَد (١). وقيل: ﴿سُودٌ﴾ بدل من ﴿غَرَابِيبُ﴾ وليس بوصف (٢).\n﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ﴾ أي: كاختلاف الثمرات والجبال، وذكر الضمير لأن التقدير: جنس مختلف ألوانه، وقيل: مختلف ألوانه (٣) لتقدم ذكر الناس فحذف ﴿مَا﴾ و﴿مِنْ﴾ لأن من يدل عليه.\nفإن قيل: وقد ذكر مع الجبال ﴿مِنْ﴾؟ .\nقلنا: قد بين البعض بقوله ﴿جُدَدٌ بِيضٌ﴾ ولم يبين في قوله ﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ﴾ فبقي مختلف ألوانه للمقدر، وأجاز الكوفيون أن يكون وصلًا لـ ﴿مَا﴾ أو لـ ﴿مِنْ﴾ وهو ممتنع عند البصريين.\n﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ أي: العُلماء بالله، وما روي عن أبي حنيفة (٤) وعمر بن عبدالعزيز (٥)\n_________\n(١) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٩٤٩).\n(٢) قال الزجاج في معاني القرآن (٤/ ٢٠٣) \"غرابيب وهي: الحِرار الجبال التي هي ذات صخور سود، والغِربيب: الشديد السواد\".\n(٣) \"وقيل: مختلف ألوانه\" سقط من ب.\n(٤) أبو حنيفة النعمان بن ثابت بن زوطي التيمي، الكوفي، الإمام، عالم العراق، أدرك كبار التابعين، اشتغل بطلب العلم ورحل لأجله، فأصبح إليه المنتهى في الفقه والناس فيه عيال عليه، حبسه المنصور لما امتنع عن القضاء فحبس ومات في سجنه سنة خمسين ومائة.\nانظر: سير أعلام النبلاء (٦/ ٣٩٠).\n(٥) عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن العاص بن أمية، الخليفة الراشد، الحافظ، الزاهد، العابد، كان من أئمة الاجتهاد، تولى إمرة المدينة، ولما تولى الخلافة نشر العدل، وأظهر الزهد، وكانت خلافته سنتين وخمة أشهر وأيامًا، توفي سنة إحدى ومائة.\n\nانظر: سير أعلام النبلاء (٥/ ١١٤).","vol":"1","page":2314},{"text":"وابن سيرين ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ فمعناه: يعلم، كقوله ﴿فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا﴾ [الكهف: ٨٠] (١).\nوقيل: هو بمعنى يمتحن. وقيل: يختار (٢).\nوعن عطاء نزلت الآية في أبي بكر - ﵁ -، وذلك أنه ظهر من أبي بكر خوف حتى عُرِف فيه فكلمه النبي ﷺ في ذلك فنزل فيه ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (٣). وعن النبي ﷺ: كفى بخشية الله علمًا وبالاغترار به جهلًا (٤).\n﴿إِن اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ لمن أذنب.\n﴿غَفُورٌ (٢٨)﴾ لمن تاب.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ﴾ يعني: القرآن.\n﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ المفروضة.\n﴿وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا﴾ الصدقة.\n﴿وَعَلَانِيَةً﴾ الزكاة، وغاير بين المستقبل والماضي لأن أوقات التلاوة أعم من أوقات الصلاة والزكاة، ويجوز أن يكون التلاوة في الصلاة، ويجوز أن يكون الصلاة سابقة على التلاوة.\n_________\n(١) وهي قراءة شاذة تروى عنهم، وقراءة الجمهور بنصب لفظ الجلالة ورفع العلماء.\nانظر: الكشاف (٥/ ١٥٤)، شواذ القراءات للكرماني (٣٩٦)، البحر المحيط (٧/ ٢٩٨)، قال \"ولعل ذلك لايصح عنهما، وقد رأينا كتبًا في الشواذ ولم يذكروا هذه القراءة\".\n(٢) لم أقف عليهما، ولم أجد من ذكرهما من العلماء، ولعلهما من غرائب الأقوال التي يذكرها المؤلف.\n(٣) انظر: ذكره الثعلبي في الكشف والبيان (٨/ ١٠٦)، والزمخشري في الكشاف (٥/ ١٥٤).\n(٤) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ١٠٤)، عن ابن مسعود ﵁، وأخرجه البيهقي في الشعب (١/ ٤٧١) عن ابن مسعود ﵁، وفي موضع آخر (١/ ٣٧٧) من كلام الفضيل بن عياض، وأورده الواحدي في الوسيط (٣/ ٥٠٤) عن مسروق.","vol":"1","page":2315},{"text":"﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾.\n﴿لَنْ تَبُورَ (٢٩)﴾ لن تكسد وقيل: لن تهلك (١).\nوقيل: لن تفسد (٢). والتجارة هي: الجنة. وقيل: قبول أعمالهم (٣).\n﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ﴾ متصل بـ ﴿يَتْلُونَ﴾ وما بعده، وأجورهم: ثواب أعمالهم.\n﴿وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ يضاعِف لهم الحسنات. وقيل: يشفعون فيمن وجب له النار (٤). وقيل: يُفْسح لهم في قبورهم (٥).\n﴿إِنَّهُ غَفُورٌ﴾ غفورٌ لذنوبهم (٦).\n﴿شَكُورٌ﴾ مُجَازٍ على أعمالهم.\nوقيل: يعطى الجزيل على العمل القليل، مشتق من قولهم (٧): أشْكَرُ من بروقة، وهي: شجرة إذا تغيَّمت السماء اخضرت وأورقت من غير مطر (٨).\n﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ يعني: القرآن.\n﴿هُوَ الْحَقُّ﴾ الصدق ولا يشوبه كذب.\n﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ موافقًا لما في الكُتب المتقدمة.\nوقيل: يجعل ما تقدمه من الكتب صادقة لأن فيها الوعد به (٩).\nوقيل: مصدقًا بإعجازه دعوى النبي ﷺ (١٠).\n_________\n(١) عزاه السيوطي في الدر (١٢/ ٢٨٤) للسدي، وانظر: بحر العلوم لأبي الليث السمرقندي (٣/ ٨٥).\n(٢) قاله يحي بن سلام.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٤٧٢).\n(٣) وهو سبب لدخول الجنة.\n(٤) قاله أبو وائل.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٤٧٢).\n(٥) قاله الضحاك.\nانظر: المصدر السابق (٤/ ٤٧٢).\n(٦) في ب: \"لذنوبهم\"، بغير \"غفور\".\n(٧) في ب: \"على العمل القليل من قولهم\"، بغير \"مشتق\".\n(٨) انظر: المستقصى في أمثال العرب للزمخشري (١/ ١٩٦)، مجمع الأمثال لأبي الفضل النيسابوري (١/ ٣٨٨).\n(٩) قاله قتادة.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٣٦٧).\n(١٠) لم أقف عليه، والله أعلم.","vol":"1","page":2316},{"text":"﴿إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ (٣١)﴾ عالم بهم.\n﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ﴾ ثم لتراخي الإيراث. وقيل: لتراخي الإخبار، واستعمل لفظ الميراث لأنه صار لهم كما يصير الميراث للورثة. وقيل: لأنه أعطاهم من غير مسألة ولا اكتساب (١).\nوقيل: معناه: أخرناه (٢) إلى ﴿الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ وأنشد لعنترة (٣):\nوأورثت سيفي عن حصين بن معقل ... إلى جده إني لثأري لطالب (٤).\nأي: أخرت سيفي.\n﴿الْكِتَابَ﴾ قيل: هو القرآن (٥).\nوقيل: الكتاب اسم الجنس، والمراد به: الكتب. (٦).\n_________\n(١) انظر: النكت والعيون (٤/ ٤٧٢).\n(٢) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٨/ ١٠٦)، قال \"ومنه الميراث لأنه تأخر عن الميت\".\n(٣) عنترة بن شداد بن عمرو بن معاوية بن قراد العبسي، من أشعر فرسان العرب، اجتمع في شبابه بامرئ القيس، وشهد حرب داحس والغبراء، قتله الأسد الرهيص.\nانظر: طبقات فحول الشعراء (١/ ١٥٢).\n(٤) لم أجد البيت في ديوان عنترة، وقد ذكره الثعلبي في الكشف والبيان (٨/ ١٠٦).\n(٥) وفي معنى ﴿أَوْرَثْنَا﴾ قولان:\nالأول: أعطينا، لأن الميراث عطاء، قاله مجاهد.\nالثاني: أخَّرْنا، لأن الميراث يتأخر عن الميت، والمعنى: أخرنا القرآن عن الأمم السابقة وأعطيناه هذه الأمة إكرامًا لها.\nانظر: معالم التنزيل (٦/ ٤٢٠)، زاد المسير (٦/ ٤٨٨).\n(٦) أي: الكتب المتقدمة التي أنزلها الله تعالى، ويكون معنى ﴿الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ هم أمة محمد ﷺ، كما قال ابن عباس ﵁ فيما أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ٣٦٨) \"هم أمة محمد ﷺ ورثهم الله كل كتاب أنزله\".\n\nوبَيَّن ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ٣٧٣) أن المراد أورثهم الإيمان بالكتب كلها، لأن جميعها الكتب تأمر باتباع القرآن، واستدل على صحة ما ذهب إليه بأن قال في الآية التي قبلها ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ﴾ ثم أتبع ذلك قوله ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا﴾ والميراث إنما هو انتقال معنى من قوم إلى آخرين، ولم تكن أمة على عهد نبينا ﷺ انتقل إليهم كتاب من قوم كان قبلهم غير أمته.","vol":"1","page":2317},{"text":"وقيل: المراد به أحكام الكتاب (١).\n﴿الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا﴾ قيل هم: أمة محمد ﷺ (٢).\nوقيل: الأنبياء ﵈ (٣)، والاصطفاء على هذين الوجهين للثواب.\nوقيل: الذين اصطفيناهم للتكليف والامتحان (٤).\n﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ قد أكثر العلماء في تفصيل هذه الثلاثه، وأحسن ما قيل ما وافق القرآن والخبر وكلام الصحابة والتابعين؛ أما القرآن فقوله ﷾ ﴿أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (٧) فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ ﴿وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾ ﴿وَالسَّابِقُونَ﴾ [الواقعة: ٨ - ١٠].\nفيكون الظالم: أصحاب المشأمة، والمقتصد: أصحاب الميمنة، والسابق السابقين، ومثله\n﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [الواقعة: ٨٨] فالسابق منهم.\n﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩٠] فالمقتصد منهم.\n﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ﴾ [الواقعة: ٩٢] فالظالم منهم، فالضمير في قوله ﴿فَمِنْهُمْ﴾ على هذا يعود إلى العباد أو إلى الذين اصطفاهم على القول الآخر (٥).\n_________\n(١) انظر: النكت والعيون (٤/ ٤٧٢).\n(٢) قاله ابن عباس ﵄.\nانظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٥٠٥).\n(٣) حكاه ابن عيسى.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٤٧٣).\n(٤) لم أقف عليه، والله أعلم.\n(٥) في ب: \"على القول الأخير\".","vol":"1","page":2318},{"text":"وأما الخبر (١) فما رواه أبو الدرداء ﵁ (٢) قال: سمعت رسول الله ﷺ قرأ هذه الآية ثم قال: \" أما الذين سبقوا فأولئك يدخلون الجنة بغير حساب، وأما الذين اقتصدوا فأولئك يحاسبون حسابًا يسيرًا، وأما الذين ظلموا أنفسهم فأولئك يحبسون في طول المحشر ثم هم الذين يتلقاهم الله برحمته فهم الذين يقولون الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن \" (٣).\nوروى أسامة ﵁ (٤) عن النبي ﷺ أنه قال عند قراءة هذه الآية\" كلهم في الجنة\" (٥).\nوعن ابن عباس ﵄: السابق: المؤمن المخلص، والمقتصد: المرائي، والظالم: الكافر بالنعمة غير الجاحد لها (٦) لأنه حكم للثلاثة دخول الجنة.\nوعن عمر - ﵁ - أنه قال على المنبر بعد قراءة هذه الآية قال: \" رسول الله ﷺ سابقنا سابق، ومقتصدنا ناجٍ، وظالمنا مغفور له\" (٧).\nوعن عثمان - ﵁ - قال: \" سابقنا أهل جهادنا (٨)، ومقتصدنا أهل حضرنا، وظالمنا أهل بدونا\" (٩).\n_________\n(١) \"وأما الخبر\" سقط من ب.\n(٢) أبو الدرداء، تنظر ترجمته ص: ٩٢٧\n(٣) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ٣٧٥)، والبغوي في معالم التنزيل (٦/ ٤٢١).\n(٤) أسامة بن زيد، تنظر ترجمته ص: ٥٥٠\n(٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور (١٢/ ٢٨٦) لابن مردويه، وذكره ابن كثير في تفسيره (٣/ ٥٦٣) وله شواهد.\n(٦) في ب: \"غير الجاحد له\".\nانظر: بحر العلوم للسمرقندي (٣/ ٨٦).\n(٧) ذكره في كنز العمال (٢/ ٥٩٢)، وابن حجر في تهذيب التهذيب (٨/ ٢٤٥) عن عمر ﵁ مرفوعًا.\nوانظر: بحر العلوم للسمرقندي (٣/ ٨٦)، الدر المنثور (١٢/ ٢٨٨).\n(٨) في أ: \"أهل الجهاد\".\n(٩) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٣/ ٨٦).","vol":"1","page":2319},{"text":"وقال سهل بن عبدالله (١): \" السابق: العالم، والمقتصد: المتعلم، والظالم: الجاهل\" (٢).\nالحسين بن الفضل (٣): الظالم: القاريء للقرآن، والمقتصد: القاريء العالم به، والسابق القاريء له العالم به العامل بما فيه (٤).\nوالهاء على هذه الوجوه يعود إلى المصطفين.\nوقيل: الظالم لنفسه: آدم ﵇، والمقتصد: إبراهيم ﵇، والسابق: محمد ﷺ (٥).\nوقيل: إنما قدم الظالم كي لا يقنط. وقيل: آخر السابق ليكون أقرب إلى الجِنَان والثواب (٦).\n﴿ذَلِكَ﴾ أي: الاصطفاء. وقيل: السَّبْق.\n﴿هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ رُفِعَ بالابتداء.\n﴿يَدْخُلُونَهَا﴾ خبره، والضمير يعود إلى الثلاثه على ما سبق.\nوقيل: يعود على ﴿الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا﴾.\nوقيل: إلى المقتصد والسابق فيمن جعل الظالم الكافر.\nوقيل: إلى السابق وحده لأن ذلك معلوم قطعًا (٧).\n﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ﴾ جمع إسْوِرَة، وأسْوِرَة جمع سِوَار (٨).\n_________\n(١) سهل بن عبد الله التستري، العابد الزاهد، صاحب المواعظ، وأهل الحديث يضعفون حديثه، توفي سنة ثلاث وثمانين ومائتين.\nانظر: سير أعلام النبلاء (١٣/ ٣٣٠).\n(٢) انظر: معالم التنزيل (٦/ ٤٢٢).\n(٣) الحسين الفضل، والصواب: الحسن بن الفضل، تنظر ترجمته ص: ٣٩٥\n(٤) ذكره البغوي في معالم التنزيل (٦/ ٤٢٢) من غير نسبته للحسين بن الفضل.\n(٥) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٩٥١).\n(٦) انظر: الكشاف (٥/ ١٥٧).\n(٧) تنظر الأقوال في إعراب القرآن للنحاس (٣/ ٣٧١).\n(٨) الأُسْوار: من أساوِرة الفُرْس، وهو الجيِّد الرَّمي بالسهام، وقيل: هو فارسي معَرَّب، يقال: جارية مُسَوَّرة، ومُخَلْخَلة، واستعمال الأسوِرة في الذهب.\n\nانظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ٢٠٤)، المفردات للراغب (٤٣٣)، مادة: سَوَرَ.","vol":"1","page":2320},{"text":"﴿مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا﴾ أي: من ذَهَبٍ مُرَصَّع باللؤلؤ.\nالزَّجاج: من ذهب في صفاء اللؤلؤ كما قيل: من فضة في صفاء قوارير (١).\nومن نصب عطفه على محل من أساور أي: يحلون أساور (٢).\n﴿وَلُؤْلُؤًا﴾ قيل: الحلي فيها للنساء دون الرجال (٣).\nوقيل: للرجال والنساء (٤)، يدلك قوله (٥) ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٣٣) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ ابن عباس ﵄: حَزَن النار (٦).\nعكرمة: حَزَن الذنوب (٧).\nوقيل: حَزَن الموت (٨).\nوقيل: حَزَن الخبز وطلب المعاش، ويقال الجوع (٩).\nويقال: حَزَنُ ابليس ووسوسته (١٠).\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ٢٠٣).\n(٢) قرأ نافع، وعاصم بالنصب (ولؤلؤًا)، وقرا الباقون بالخفض.\nالنظر: الحجة لابن خالويه (٢٥٢)، التيسير للداني (١٥٦).\n(٣) انظر: إعراب القرآن للنحاس (٣/ ٣٧١).\n(٤) قال النحاس في إعراب القرآن (٣/ ٣٧١) \"قال بعض أهل النظر هو للنساء فقط، وهو خطأ لأنه لو كان للنساء لقال: يحلين، ولكن هو للرجال لاغير إلا أنه يجوز أن يحلى به النساء، ويكون لأزواجهن \".\n(٥) في أ \"يدلك بذلك قوله\"، وهو مايدل عليه القرآن.\n(٦) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ٣٧٧).\n(٧) عزاه السيوطي في الدر (١٢/ ٢٩٥) لعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس ﵄.\n(٨) قاله عطية.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٤٧٥).\n(٩) قاله سعيد بن جبير، وشِمْر بن عطية.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٣٧٨)، الوسيط للواحدي (٣/ ٥٠٦)، الدر المنثور (٢/ ٢٩٦).\n(١٠) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٩٥١)، والصواب أن يقال أن الآية شاملة كل هذه الهموم والأحزان وأن الله يذهبها يوم القيامة عنهم.","vol":"1","page":2321},{"text":"﴿إِن رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ﴾ أي: الاقامة لا نبرح منها ولا نفارقها.\nوقيل: المُقَامة الموضع الذي يُؤكل فيه ويشرب، والمَقامة بالفتح كل موضع يجتمع فيه لأمر حتى نقطع (١).\n﴿مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ﴾ وجع. وقيل: تعب (٢).\n﴿وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ (٣٥)﴾ كَلال يلحق الجوارح (٣)، وكرر ﴿وَلَا يَمَسُّنَا﴾ كيلا يُظَن أنهما لا يَمُسان معًا ويجوز أن يمس فرادى.\nوقيل: النَّصَبُ على القلب، واللغوب على البدن (٤).\n﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ أي: لا يُقْضى عليهم بموت ثانيٍ فيستريحوا لأنهم ماتوا موتة.\n﴿وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ وقوله ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ [الإسراء: ٩٧] لا يدل على تخفيف عنهم بل على نقصان في النار ثم يزداد.\n﴿كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦) وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا﴾ يستغيثون فيها. ﴿رَبَّنَا﴾ يقولون ربنا.\n_________\n(١) في أ \"كل موضع يجتمع فيه الأمر حتى يقطع\".\nوالقولان حكاهما الماوردي في النكت والعيون (٤/ ٤٧٥).\nقال الفراء في معاني القرآن (٢/ ٣٧٠) \"المَقَامَة هي الإقامة، والمَقَامَة: المجلس الذي يقام فيه، فالمجلس مفتوح لاغير\".\n(٢) قاله ابن عيسى.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٤٧٥).\n(٣) قال الفراء في معاني القرآن (٢/ ٣٧٠) \"اللُّغُوب: الإعياء\".\n(٤) انظر: الكشاف (٥/ ١٥٨)، البحر المحيط (٧/ ٣٠٠).","vol":"1","page":2322},{"text":"﴿أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ أي: أخرجنا من النار ورُدَّنَا إلى الدنيا نؤمن بدل الكفر ونطيع بدل المعصية فيجابون بقوله ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ أي: أطلنا أعماركم وجعلناها (١) مدة يمكنكم التذكر فيها والاعتبار، وروي مرفوعًا أنه ستون سنة (٢).\nابن عباس ﵄: أربعون سنة (٣).\nوروي عنه أيضا (٤) ستون سنة (٥).\nوهب: ثمان عشرة سنة (٦).\nالحسن: البلوغ، لأنه أول زمان التَّذكر (٧).\n_________\n(١) في أ: \"وجعلناه\".\n(٢) أخرجه البخاري في الصحيح (ك: الرقاق، باب: من بلغ ستين سنة فقد أعذر الله إليه في العمر، ح: ٦٤١٩) عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: \" أعْذَر الله إلى امرئ أخَّرَ أجله حتى بَلَّغَه ستين سنة\"، قال ابن كثير في تفسيره (٣/ ٥٦٦) \"وهو الصحيح\"، وقال ابن حجر في فتح الباري (١١/ ٢٤٣): \"أصح الأقوال في ذلك ما ثبت في حديث الباب\".\n(٣) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ٣٨٤) عن مجاهد عن ابن عباس ﵄، وهو اختيار ابن جرير كما في جامع البيان (١٩/ ٣٨٧)، قال: \"لأن في الأربعين يتناهى عقل الإنسان وفهمه، وما قبل ذلك وما بعده مُنْتَقَصٌ عن كماله في حال الأربعين\"، والصواب هو الأول لدلالة الحديث عليه.\n(٤) في أ: \"وعن ابن عباس أيضًا\".\n(٥) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ٣٨٥)، وصححه ابن كثير في تفسيره (٣/ ٥٦٦)، وحكاه الماوردي في النكت والعيون (٤/ ٤٧٦) عن علي ﵁.\n(٦) وهو قول عطاء، وأبو العالية، وقتادة، والكلبي.\nانظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٥٠٦)، معالم التنزيل للبغوي (٦/ ٤٢٥).\n(٧) انظر: النكت والعيون (٤/ ٤٧٦).","vol":"1","page":2323},{"text":"وقيل: سبعون سنة لأنه نهاية التذكر (١) وما بعده هَرَم (٢).\nوقيل: إنه المدة التي كان رسول الله ﷺ يدعوا الناس إلى الله، وهي: عشرون سنة (٣).\n﴿وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ قيل: محمد صلى اله عليه وسلم ومن ناب عنه (٤).\nوقيل: القرآن (٥).\nوقيل: الشَّيْب، وهو قول الأكثرين (٦).\nوقيل: العقل. وقيل: الحُمَّى.\nوقيل: موت الأهل والأقارب (٧).\n﴿فَذُوقُوا﴾ أي: العذاب.\n﴿فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٣٧)﴾ ناصر يعينهم.\n﴿إِن اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ما غاب فيهما عنكم وإن شاهده غيركم.\n﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٣٨)﴾ التي لا يشاهدها أحد (٨).\nوقيل: عليم بذات الصدور فلا تضمروا فيها ما يكرهه سبحانه (٩).\n_________\n(١) في ب: \"لأنها نهاية التذكر\".\n(٢) حكاه الماوردي في النكت والعيون (٤/ ٤٧٦)، قال ابن حجر في الفتح (١١/ ٢٤٣) \"أخرجه ابن مردويه من طريق عطاء عن ابن عباس ﵄ قال: نزلت تعييرًا لأبناء السبعين\"، وفي إسناده يحي بن ميمون وهو ضعيف. أ. هـ\n(٣) حكاه في البحر المحيط (٧/ ٣٠٢) عن عمر بن عبد العزيز.\n(٤) قاله قتادة، وابن زيد، وابن السائب، ومقاتل، والسدي، واختاره الزجاج في معاني القرآن (٤/ ٢٠٥).\nوانظر: النكت والعيون (٤/ ٤٧٦)، الوسيط للواحدي (٣/ ٥٠٧)، زاد المسير (٦/ ٤٩٤)، الدر المنثور (١٢/ ٣٠٢).\n(٥) حكاه البغوي في معالم التنزيل (٦/ ٢٤٥).\n(٦) قاله ابن عمر ﵄، وعكرمة، وسفيان ابن عيينة، ووكيع.\nانظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٥٠٧)، معالم التنزيل (٦/ ٤٢٥).\n(٧) وهذه الأقوال الثلاثة حكاها الماوردي في النكت والعيون (٤/ ٤٧٦).\n(٨) في أ: \"الذي لا يشاهدها أحد\".\n(٩) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٣٨٨).","vol":"1","page":2324},{"text":"وقيل: أن الله عليم بذات الصدور فلو أخرجكم لعدتم إلي ما كنتم عليه لقوله ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ (١) [الأنعام: ٢٨].\n﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: خلائف الأرض بعد الأمم الخالية.\nوقيل: جعلكم خلفا بعد خلفٍ وقرنا بعد قرن (٢)، والخَلَفُ: التالي للمتقدم، أي: أورثكم الكتاب وجعلكم خلائف في الأرض تشكروه ولا تكفروه، ثم أوعد الكفار فقال ﴿فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ أي: جزاء كفره (٣).\n﴿وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا﴾ بغضًا وغضبًا.\n﴿وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا (٣٩)﴾ تبارًا وهلاكًا وخسرانًا بالجنة.\n﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي الهتكم، وفي الاضافة قولان:\nأحدهما: أنهم كانوا جعلوهم شركاء فيما كانوا يملكونه.\nوقيل: تأويله شركائي فأضاف إليهم لأنهم زعموا ذلك (٤).\n﴿أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ﴾ بل ألهم.\n﴿شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ المعنى: قل لهم إن خلقوا شيئًا من الأرض أو من السماء فأرونيه.\n﴿أَمْ آَتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْهُ﴾ أم أُمرتم بذلك في كتاب فأنتم على بينة.\nوقيل: أم أنزلنا كتابًا فيه أن لله شركاء (٥).\nوقيل: آتيناهم كتابًا بأن الله لا يعذبهم فهم واثقون (٦).\n﴿بَلْ إِنْ يَعِدُ﴾ ما يعد.\n_________\n(١) حكاه أبو الليث السمرقندي في بحر العلوم (٣/ ٨٩).\n(٢) قاله قتادة.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٤٧٧).\n(٣) في ب: \"جزاء كفره\"، بغير \"أي\".\n(٤) انظر: معاني القرآن للنحاس (٥/ ٤٦١).\n(٥) انظر: النكت والعيون (٤/ ٤٧٧).\n(٦) انظر: المصدر السابق (٤/ ٤٧٨).","vol":"1","page":2325},{"text":"﴿الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا (٤٠)﴾ أي: كفرهم عن تقليد محض ووعد كاذب.\n﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ أي: يمسك السماء بغير عمد ولا علاقة ويمسك الأرض مع ما عليها من الخلق.\n﴿أَنْ تَزُولَا﴾ كراهة أن تزولا ولأن لا تزولا، وثنى الضمير والسموات جمع ازدواجًا للأرض.\n﴿وَلَئِنْ زَالَتَا﴾ أي لوخلاهما لزالتا ولو زالتا.\n﴿إِنْ أَمْسَكَهُمَا﴾ ما أمسكهما.\n﴿مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾ بعد الزوال. وقيل: بعد الإمساك (١).\nوقيل: بعد الله، أي: غيره وسواه أي: ما يقدر أحد على إعادتهما (٢) إلى مكانهما إلا الله (٣).\n﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا﴾ عند قولهم اتخذ الله ولدًا فأمسك السماء والأرض وكادا تزولان لعظم القول فلم يعجل عليهم بالعقوبة.\n﴿غَفُورًا (٤١)﴾ لمن تاب عن كفره وذنبه.\n﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ﴾ وذلك أن قريشًا لما بلغهم أن أهل الكتاب كذبوا رسلهم قالوا: لعن الله اليهود والنصارى أتتهم الرسل فكذبوهم فوالله لو أتانا نذير لنكونن أصوب دينا منهم (٤)، ومثله\n﴿لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥٧].\n﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ﴾ محمد.\n﴿مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا (٤٢)﴾ أي: ما زادهم مجيء الرسول ﴿إِلَّا نُفُورًا (٤٢)﴾ تباعدًا عن الحق.\n_________\n(١) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٥٠٧).\n(٢) في ب: \"ما يقدر أحد على عادتهما\"، وهو تصحيف.\n(٣) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٣/ ٩٠).\n(٤) ذكره الواحدي في الوسيط (٣/ ٥٠٨) عن ابن عباس ﵄.","vol":"1","page":2326},{"text":"﴿اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾ أي: تكبروا عن الإيمان ومكروا السيء في دفع أمره وهو العمل القبيح (١).\nوقيل: هو إجماعهم على الشرك وقتل النبي في دار الندوة (٢)، وهما منصوبان على الغرض، وقيل: إنهما بدلان من قوله ﴿نُفُورًا (٤٢)﴾، وقيل: مصدران، وأضيف المكر إلى السيء وهو صفته كمسجد الجامع، وقيل: هو من باب ثوب خز لأن المكر قد يكون سيئًا وغير سَيء (٣).\n﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ﴾ لا يَحِل ولا ينزل.\n﴿إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ إلا بالماكرين.\n﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّةَ الْأَوَّلِينَ﴾ يعني: العذاب.\n﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا (٤٣)﴾ فقتلوا يوم بدر.\n﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: هَلَاّ سافروا في الأرض فينظروا عاقبة الذين من قبلهم (٤)، فإن من سافر فيها رأى آثار نزول العذاب بمن مكر السيئات.\nوقيل: معناه اقرؤا القرآن فَتَعْرِفوا ما حَلَّ بمن قبلكم (٥).\n﴿وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ﴾ من أهل مكة.\n﴿قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ شيء أيَّ أحد.\n﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا﴾ بهم.\n﴿قَدِيرًا (٤٤)﴾ عليهم.\n﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا﴾ من المعاصي.\n_________\n(١) في ب: \"فهو العمل القبيح\".\n(٢) انظر: النكت والعيون (٤/ ٤٧٩).\n(٣) انظر: إعراب القرآن للزجاج (٣/ ٣٧٧).\n(٤) في ب: \"عاقبة من قبلهم\".\n(٥) لم أقف عليه، والله أعلم.\nوظاهر الآية يدل على أن المراد النظر فيما حل بالأمم السابقة من عقوبات، وهو المراد من السير في الأرض.","vol":"1","page":2327},{"text":"﴿مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا﴾ ظَهْرِ الأرض.\nذهب بعض المفسرين إلى أن هذه كناية عن غير مذكور، وأن العرب تقول: ما على ظهرها أحد أحب إليّ من فلان، يعنون: الأرض، ولعل هذا القائل أراد في موضع آخر فإن في الآية الأولى ذِكْرُ الأرض مرتين (١).\n﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾ الدابة في هذه الآية عند بعضهم الإنس والجن (٢).\nوقيل: الإنس وحْدَهم (٣).\nوقيل: عامّ فيما دب ودرج، فإن ابن مسعود ﵁ قال: \" إن الجُعَل يهلك بخطيئة ابن آدم\" (٤).\nوقال أنس ﵁: \" إن الضَّب ليموت هزلًا في جحره بذنب ابن آدم\" (٥).\nقال شيخنا أبو القاسم (٦): \" ليس أن البهيمة تؤخذ بذنب ابن آدم ولكنها خُلقت لابن آدم فلا معنى لإبقائها بعد إفناء من خُلِقَتْ له\".\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ٢٠٨)، معاني القرآن للنحاس (٥/ ٤٦٧).\n(٢) قاله الكلبي.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٤٧٩).\n(٣) قاله ابن جريج.\nانظر: المصدر السابق (٤/ ٤٧٩).\n(٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٢/ ١٣٧) عن معمر عن ابن مسعود ﵁، وأخرجه أيضًا البيهقي في الشعب (٦/ ٥٤)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٤٦٤)، وقال عنه الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٢١٧) \"فيه ابن أبي مريم وهو ضعيف\".\n(٥) أورده ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث (٢٥٠)، والثعلبي في الكشف والبيان (٨/ ١١٧) والزمخشري في الكشاف (٥/ ١٦٣).\n(٦) في ب: \"قال أبو القاسم\" بغير \"شيخنا\"، وهي عبارة من الناسخ، والمراد به المؤلف، محمود بن حمزة الكرماني، أبوالقاسم.","vol":"1","page":2328},{"text":"وقيل: معنى ذلك لو أَخَذَ الجاني في الوقت الثاني من معصيته لكان قد فَنِيَ الخلق وانقطع النسل، لأنه لا أحد إلا وقد عصى هو أو أبوه أو جَدُّه ولو أَهَلَكَ أول عاصٍ لانقطع النسل قديمًا (١).\nوقيل: يحبس عنهم المطر فيهلك كل شيء (٢).\nوقيل: قد فعل بهم مرة في زمان نوح ﵇ فلم يبق منهم سوى من كان في السفينة (٣).\n﴿وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ مُعَيَّن.\n﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾ أي: ذلك المُعَيَّن.\n﴿فَإِن اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا (٤٥)﴾ بمكانهم فيؤاخذه وبأعمالهم فيجازيهم.\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن للنحاس (٥/ ٤٦٧)، الكشف والبيان للثعلبي (٨/ ١١٦).\n(٢) قاله يحي سلام.\nانظر: النكت والعيون (٤/ ٤٧٩).\n(٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٢/ ١٣٧) عن معمر عن قتادة.","vol":"1","page":2329},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-142>سورة يس</span>","vol":"1","page":2330},{"text":"سورة يس\nثلاث وثمانون آية (١) مكية (٢).\nروي عن أبي بكر ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ \" يس تُدْعَى المُعِمَّة. قيل: يارسول الله وما المُعِمَّة؟ قال: تعم صاحبها خير الدنيا وخير الآخرة، وتدعى الدافعة، والقاضية تدفع عنه كل سوء وتقضي له كل حاجة\" (٣).\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n﴿يس (١)﴾ القول فيه كالقول في سائر الحروف أوائل السور وتختص هذه السورة بأقوال:\nابن عباس ﵄: يا إنسان بلغة طيئ (٤).\nسعيد بن جبير، وابن الحنفية: يا محمد (٥).\nأبو العالية: يا رجل (٦).\n_________\n(١) \"ثلاث وثمانون أية\" ساقط من ب.\n(٢) وهو قول الجمهور، وروي عن ابن عباس ﵄ وقتادة أنها مكية إلا قوله تعالى ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [يس: ٤٧].\nوذكر ابن الجوزي في زاد المسير (٧/ ٣) عن أبي سليمان الدمشقي القول بأنها مدنية، قال: \"وهو قول ليس بمشهور\".\nوقد نقل ابن عطية في المحرر (٤/ ٤٤٥)، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن (١٥/ ١) الإجماع على مكيتها.\n(٣) أخرجه البيهقي في الشعب (٢/ ٤٨٠)، قال: \"تفرد به محمد بن عبد الرحمن هذا وهو منكر\"، قال ابن كثير في تفسيره (٣/ ٥٧٠) \"لا يصح لضعف إسناده\"، وذكره الشوكاني في الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة (٣٠١)، وقال: \"هو موضوع\"، وضعفه الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة (٧/ ٢٦١).\n(٤) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ٣٩٨)، وهو قول الحسن، وعكرمة، ومقاتل.\nانظر: النكت والعيون (٥/ ٥)، زاد المسير لابن الجوزي (٦/ ٣).\n(٥) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٣/ ٩٣).\n(٦) انظر: معالم التنزيل للبغوي (٧/ ٧)، وذكره الفراء في معاني القرآن (٢/ ٣٧١) عن الحسن.","vol":"1","page":2331},{"text":"وقيل: يا سيد (١).\n﴿وَالْقُرْآَنِ الْحَكِيمِ (٢)﴾ أقسم الله بالقرآن، و﴿الْحَكِيمِ (٢)﴾ الحاكم.\nوقيل: الحكيم: أحكمه الله كالسعيد أسعده الله (٢).\n﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣)﴾ جواب القسم، وهو رد على الكفار حين قالوا ﴿لَسْتَ مُرْسَلًا﴾.\n﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤)﴾، ﴿مِنَ﴾ صلة ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾ أي: الذين أرسلوا على صراط مستقيم وهو الإسلام.\nوقيل: هو خبر بعد خبر، أي: إنك لمن المرسلين (٣) إنك على صراطٍ مستقيم، ولا يمتنع أن يكون حالًا من النبي ﷺ كما تقول: إن زيدًا في الدار على الفرش (٤).\n﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٥)﴾ من رفع جعله خبر مبتدأ محذوف تقديره: هو تنزيل، ومن نصب جعله مصدرًا أي: أنزله تنزيلًا (٥)، وأجاز الفَرَّاء (٦) وغيره أن يكون خبرًا ثالثًا عن النبي ﷺ إنك لمن المرسلين، إنك على صراط مستقيم، إنك ذو تنزيل العزيز الرحيم.\n﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا﴾ لِتُخَوِّف فهو متصل بالارسال أي: أرْسِلْتَ لتنذر قومًا.\n_________\n(١) حكاه البغوي في معالم التنزيل (٧/ ٧) عن أبي بكر الوراق.\n(٢) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٣/ ٩٣).\n(٣) في أ: \"خبر بعد خبر إنك لمن المرسلين\" بغير \"أي\".\n(٤) انظر: الكشاف (٥/ ١٦٤).\n(٥) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو (تنزيلُ) بالرفع، وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم (تنزيلَ) بالنصب.\nانظر: التيسير للداني (١٨٢)، الإقناع لأبي جعفر بن خلف الأنصاري (٣٦٦).\n(٦) في معاني القرآن (٢/ ٢٧٢).","vol":"1","page":2332},{"text":"﴿مَا أُنْذِرَ آَبَاؤُهُمْ﴾ أي: في الفترة، والأكثرون على أن ﴿مَا﴾ للنفي لقوله ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾ [سبأ: ٤٤] يعني: العرب، والمراد: آباؤهم الأدنون فإن آباءهم الأقدمين أتاهم المنذرون لا محالة.\nوقيل: ﴿مَا﴾ بمعنى: الذي فيكون محله نصبًا أي: العذاب الذي انذر آبائهم ذلك كقوله (١)\n﴿أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا﴾ [النبأ: ٤٠] (٢).\nوقيل: لتنذر كما أنذر آباؤهم، فتكون صفة مصدر محذوف (٣).\nوقيل: بما أنذر آبائهم فحذف الجار ونصب (٤).\n﴿فَهُمْ غَافِلُونَ (٦)﴾ ﴿فَهُمْ﴾ كتانة عن القوم، ومَنْ جعله نفيًا جاز أن يعود إلى الآباء.\nوالغَفْلَة: ذهاب المعنى عن النفس، والنسيان: ذهاب المعنى عن النفس بعد حضوره (٥).\n﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٧)﴾ أي: وجب السُّخْط لأنهم لا يؤمنون، وجُل المفسرين على أن القول ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [السجدة: ١٣].\nوقيل: حق القول كقوله ﴿كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ (٦) [الزمر: ٧١].\n﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا﴾ الغِلّ: قيدٌ يجمع اليمين والعنق (٧).\n_________\n(١) في أ: \"كقولنا\".\n(٢) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٤٠٢).\n(٣) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ٢١٠، ٢٠٩).\n(٤) انظر: المصدر السابق (٤/ ٢١٠، ٢٠٩).\n(٥) الغفلة: سهو يعتري الإنسان من قلة التحفظ والتيقظ. وأما النسيان فهو: ترك الإنسان ضبط ما استُودِع؛ إما لضعف قلبه، وإما عن غفلة، وإما عن قصد حتى ينحذف عن القلب ذكره.\nانظر: المفردات (٦٠٩)، مادة: غفل، و(٨٠٣)، مادة: نسي.\n(٦) حكاه الزجاج في معاني القرآن (٤/ ٢١٠).\n(٧) ولا يكون الغِل إلا باليمين والعنق جامعًا بينهما.","vol":"1","page":2333},{"text":"﴿فَهِيَ﴾ قيل: يعود إلى الأيمان (١).\nوقيل: (٢) ﴿إِلَى الْأَذْقَانِ﴾ والغَلُّ يدل عليه (٣).\nوقيل: إلى الأغلال (٤).\n﴿فَهُمْ مُقْمَحُونَ (٨)﴾ غاضوا الأبصار رافعوا الرؤوس (٥).\nوقيل: رفعوا رؤوسهم وشخصوا بأبصارهم لأن من غُلَّتْ يده إلى ذقنه اترفع رأسه، والذِّقْن: مجمع اللحيين.\nوقيل: مقنعوا رؤسهم، والمعنى: مُنِعُوا عن الإيمان وفعل الخيرات كالمغلول (٦).\n﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ﴾ أعميناهم.\n﴿فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (٩)﴾ الحق والرَّشَاد، والسَّد: بالفتح، والضم لغتان (٧).\n_________\n(١) حكاه ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ٤٠٣).\n(٢) \"وقيل\" سقط من ب.\n(٣) انظر: إعراب القرآن للنحاس (٣/ ٣٨٤).\n(٤) انظر: الكشاف (٥/ ١٦٦).\n(٥) الذِّقْن: مجمع اللِّحْيين، المُقْمَح: الغاض بصره بعد رفع رأسه.\nانظر: معاني القرآن للفراء (٢/ ٣٧٣)، جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٤٠٣).\n(٦) وهو اختيار ابن جرير في جامع البيان (٣/ ٤٠٣)، وابن كثير في تفسيره (٣/ ٥٧١).\n(٧) وهما قراءتان؛ فقرأ حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم بفتح السِّن (سَدًَّا)، وقرأ الباقون بضمها (سُدًَّا).\nانظر: الحجة لابن خالويه (٢٩٨)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣١٥).","vol":"1","page":2334},{"text":"وقيل: بالفتح من فِعْل بني آدم، وبالضم من فعل الله. وقيل: بالفتح المصدر، وبالضم الاسم. وروى المفسرون (١) أنها نزلت في أبي جهل حَلَفَ أن يَرْضَخَ رأس محمد بحجر، فأتاه وهو يصلي ومعه حجر ليِدْمَغَه، فلما رفعه أمسك الله يده إلى عنقه ولزق الحجر بيده، فرجع إلى أصحابه وسقط الحجر من يده فأخبرهم بالذي رآه، فقام رجل من بني مخزوم وقال: لأقتلنه بهذا الحجر فأتاه وهو يصلي فأعمى الله بصره، فجعل يسمع صوته ولا يراه فرجع إلى أصحابه فلم يرهم حتى نادوه وقالوا: ما صنعت؟ فقال: ما رأيته ولقد سمعت صوته وحال بيني وبينه كهيئة الفحل يخطر بذنبه ولو دنوت منه لأكلني وأنزل الله هذه الآية (٢).\nعكرمة: الأغلال: ضَلالات وظلمات كانوا فيها، ولا يمتنع أن يكون هذه حكاية حالهم في الآخرة (٣).\n﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠)﴾ سبق في البقرة (٤).\n﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ أي: ينفع إنذارك من اتبع القرآن وعمل بما فيه.\n﴿وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ خاف عقاب الله ولم يره.\nوقيل: بالغيب في سريرته (٥).\n﴿فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (١١)﴾ أي: بالجنة (٦).\n_________\n(١) في ب: \"وبالضم اسم وذكر المفسرون\".\n(٢) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ٤٠٧) مختصرًا، وانظر: بحر العلوم للسمرقندي (٣/ ٩٤).\n(٣) وهو قول قتادة أيضًا.\nانظر: النكت والعيون (٥/ ٨)، الوسيط للواحدي (٣/ ٥١٠).\n(٤) في قوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦].\n(٥) حكاه الزجاج في معاني القرآن (٤/ ٢١٢).\n(٦) في ب: \"أي: الجنة\" بغير الباء.","vol":"1","page":2335},{"text":"﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى﴾ بالبعث، وقيل: بالهداية (١).\n﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ﴾ في سبب النزول، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: \"شَكَتْ بنو سلمة إلى رسول الله ﷺ بُعْدَ منازلهم من المسجد فأنزل الله ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ﴾ فقال النبي ﷺ: منازلكم فإنما تكتب آثاركم\" (٢).\nوفي رواية أخرى: فأرادوا أن ينتقلوا إلى قرب المسجد، فنزلت هذه الآية (٣)، فيكون معنى\n﴿وَآَثَارَهُمْ﴾ خطاهم (٤).\nوقيل: ﴿وَآَثَارَهُمْ﴾ ما سنوا من سنة حسنة أو سنة سيئة فاقتُدِي بهم فيها (٥).\nوقيل: ما أثروه من خير وشر (٦).\n﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (١٢)﴾ في اللوح المحفوظ.\n_________\n(١) قاله الضحاك.\nانظر: النكت والعيون (٥/ ٩).\n(٢) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ٤١٠)، والترمذي في جامعه (ك: التفسير، تفسير سورة يس، ح: ٣٢٢٦)، وقال: \"حديث حسن غريب\"، وأخرجه الواحدي في أسباب النزول (٤٢٢).\nقال عنه ابن كثير في تفسيره (٣/ ٥٧٣) \"وفيه غرابة من حيث ذكر نزول هذه الآية، والسورة بكاملها مكية\".\n(٣) أخرجه مسلم في صحيحه (ك: المساجد، باب: فضل كثرة الخطى إلى المساجد، ح: ١٥١٧) عن جابر بن عبد الله ﵁، وليس فيه أن الآية نزلت بسبب ذلك.\n(٤) وهو قول الحسن، ومجاهد، وقتادة.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٤١١).\n(٥) وهو قول ابن عباس ﵄، وسعيد بن جبير.\nانظر: النكت والعيون (٥/ ٩)، زاد المسير (٧/ ٩)، وهو اختيار الفراء في معاني القرآن (٢/ ٣٧٣)، والزجاج في معاني القرآن (٤/ ٢١٢).\n(٦) حكاه في النكت والعيون (٥/ ٩) عن سعيد بن جبير.","vol":"1","page":2336},{"text":"﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا﴾ الزَّجَّاج: مَثِّل لهم مثلًا، من قولهم (١): هذه الأشياء على ضرب واحد، أي: مثال واحد، وعندي (٢) من هذا الضرب كثير (٣)\nأي: من هذا المثال (٤)، غَيْرُه: بَيِّنْ لهم شَبَهًَا (٥).\nوضَرْبُ المثل يتعدي إلى مفعولين، وهما في الآية ﴿مَثَلًا﴾ ﴿أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾.\nوقيل (٦): ﴿أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾ بدل من مثل، كأنه قال: اذكر لهم أصحاب القرية أي: خبر أصحاب القرية وهي: أنطاكية بإجماع المفسرين (٧).\n_________\n(١) في ب: \"مثِّل لهم من قولهم\"، بغير \"مثلًا\".\n(٢) في ب: \"هذه الأشياء على \"\n(٣) في ب: \"كثيره\" بالهاء.\n(٤) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ٢١٢).\n(٥) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٣/ ٩٥).\n(٦) في ب: \"قيل\" بغير الواو.\n(٧) في ب: \"بإجماع من المفسرين\" بزيادة \"من\".\nوهذا القول مروي عن ابن عباس ﵄، وكعب الأحبار، ووهب بن منبه، وعكرمة، كما في جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٤١٤)، واختاره الزجاج في معاني القرآن (٤/ ٢١٢)، وقد ضعفه ابن كثير في تفسيره (٣/ ٥٧٧) من وجوه ثلاثة:\nالأول: أن ظاهر الآيات يدل على أنهم رسل من عند الله تعالى لا من جهة المسيح ﵇، قال تعالى ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾ ثم قال ﴿رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (١٦) وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ ولو كانوا من جهة عيسى ﵇ لقالوا عبارة تناسب ذلك.\n\nالثاني: أن أهل أنطاكية آمنوا برسل المسيح إليهم، وكانوا أول مدينة آمنت، ولهذا كانت عند النصارى إحدى المدائن الأربعة التي فيهن بطاركة وهي: القدس، وأنطاكية، والاسكندرية، ورومية، وعليه فأنطاكية آمنت برسل المسيح، وهي ليست القرية التي أرسل إليهم هؤلاء لأن الله أخبر أنه أهلكهم لما كذبوا الرسل.\nالثالث: أن قصة أنطاكية مع الحواريين أصحاب عيسى ﵇ بعد نزول التوراة، وقد ذكر أبو سعيد الخدري ﵁ وغير واحد من السلف أن الله بعد إنزاله التوراة لم يهلك أمة من الأمم عن آخرهم بعذاب يبعثه عليهم بل أمر المؤمنين بقتال المشركين، كما قال تعالى ﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾ [القصص: ٤٣] وعليه فهذه القرية المذكورة هنا غير أنطاكية، أو تكون مدينة أخرى غير المدينة المعروفة، والله أعلم. أ. هـ بتصرف يسير.","vol":"1","page":2337},{"text":"﴿إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣)﴾ رسل عيسى ﵇.\n﴿إِذْ أَرْسَلْنَا﴾ أسند الفعل إليه سبحانه لأن عيسى ﵇ أرسلهم بأمره.\n﴿إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ﴾ وَهْب: اسمهما: يحيى، ويونس (١).\nابن اسحاق: تاروص، وماروص (٢).\nكعب: صادق، وصدوق (٣).\nمقاتل: تومان ومانوص (٤).\n﴿فَكَذَّبُوهُمَا﴾ فكذبت أصحاب القرية الرسولين.\n﴿فَعَزَّزْنَا بثالث﴾ فقوينا، والتشديد والتخفيف واحد.\nوقيل: عززنا بالتخفيف غَلَبْنَا (٥).\nواسم الثالث: شمعون (٦).\nوقيل: سمعان (٧).\nوقيل: سلوم (٨).\n_________\n(١) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٨/ ١٢٥) وذكر البغوي في معالم التنزيل (٧/ ١٢)، وابن الجوزي في زاد المسير (٧/ ١٠) عن وهب أن اسمهما: يوحنا وبولس، وليس \"يونس\" كما ذكر المؤلف.\n(٢) لم أقف عليه، والله أعلم.\n(٣) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ٤١٤) عن ابن عباس ﵄، وعن كعب الأحبار، وعن وهب بن منبه.\n(٤) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٨/ ١٢٥)، قال: \"والثالث: شمعان\".\nوذكر السمرقندي في تفسيره بحر العلوم (٣/ ٩٥) عن مقاتل أن اسمهما: تومان، وطالوس.\n(٥) التشديد والتخفيف قراءتان صحيحتان، فقد قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم (فعزَّزْنا) بالتشديد، وقرأ الباقون بالتخفيف.\nانظر: العنوان في القراءات السبع لأبي طاهر إسماعيل بن خلف (١٥٩)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣٥٣).\n(٦) حكاه السمرقندي في بحر العلوم (٣/ ٩٥)، وعزاه ابن الجوزي في زاد المسير (٧/ ١١) لمقاتل.\n(٧) وهو قول مقاتل.\nانظر: الكشف والبيان للثعلبي (٨/ ١٢٥).\n(٨) وهو قول ابن عباس ﵄، وكعب الأحبار، ووهب بن منبه.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٤١٤).","vol":"1","page":2338},{"text":"قال الفَرَّاء: \" الثالث كان قد أُرْسِل قبل الاثنين، وإنما المعنى: شَدَدْنا أمرهما وقوينا بما عَلَّمَهُما الرسولُ الأول\" (١).\nوفي القصص عن ابن عباس ﵄ وغيره أن عيسى ﵇ وجَّه رسولين، فلما قَرُبا من المدينة رأيا شيخًا يرعى غنيمًا له فسلما عليه فقال الشيخ: لهما من أنتما؟ قالا: رسولا عيسى ﵇ ندعوكم من عبادة الأصنام إلى عبادة الله. قال: أمعكما آية؟ قالا: نعم، نحن نشفي المريض، ونبريء الأكمه والأبرص. فقال الشيخ: إن لي عليلًا. قالا: ومن هو منك؟ قال: هو ولدي. قالا: انطلق بنا إلى منزلك نتطلع حاله، فأتى بهما إلى منزله فمسحا ابنه فقام في الوقت بإذن الله، ففشا الخبر في البلد وشفى الله على يديهما خلقًا كثيرًا وكان لهم ملك يقال له شُلاحِن فأُنهى الخبر إليه فقال لهما: من أنتما؟ قالا: رسولا عيسى ﵇. قال: وما أتيكما؟ قالا: نُبْرِئ الأكمه والأبرص ونشفي المرضى. قال: وفيم جئتما؟ قالا: جئنا ندعوك من عبادة ما لا يسمع ولا يبصر إلى عبادة من يسمع ويبصر. فقال شُلاحِن: ولكم إله سوى آلهتنا؟ قالا: نَعَم، من خلقك وخلق آلهتك. قال: قوما حتى أنظر في أمركما فتبعهما الناس وضربوهما، فبعث عيسى ﵇ رسولًا ثالثا وهو شمعون الصفا، واسم الشيخ الذي ذهب بهما على منزله حبيب بن اسرائيل النجار.\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن للفراء (٢/ ٣٧٣).","vol":"1","page":2339},{"text":"قال وهب: بعث عيسى ﵇ يحيى ويونس إلى أنطاكية فأتياها فلم يصلا إلى ملكها وطالت مدة مقامهما فخرج الملك ذات يوم فكبرا وذكرا الله، فغضب الملك وأمر بهما فحبسا بعد أن جَلَدَ كل واحد منهما مائة جلدة، فبعث عيسى ﵇ شمعون على أثرهما، فدخل البلد متنكرًا فجعل يعاشر حاشية الملك حتى أنِسُوا به وأنِسَ بهم فرفعوا خبره إلى الملك فدعاه ورضي عشرته وأنس به وأكرمه، ثم قال له ذات يوم: بلغني أنك حَبَسْتَ رجلين وضربتهما حين دعواك إلى غير دينك فهل كلمتهما أو سمعت قولهما؟ فقال الملك: حال الغضب بيني وبين ذلك. قال: فإن رأى الملك دعاهما حتى نتطلع ما عندهما. فدعاهما، فقال لهما شمعون: من أرسلكما؟ قالا: الله الذي خلق كل شيء وليس له شريك، ثم قال شمعون: صِفَاه. قالا: إنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. قال شمعون: وما أيتكما؟ قالا: ما تتمناه، فأمر الملك حتى جاءوا بغلام مطموس العينين فما زالا يدعوان ربهما حتى انشق موضع البصر فأخذا بَنْدَقَتَيْن من الطين فوضعا في حدقتيه فصارتا مقلتين يبصر بهما. فتعجب الملك فقال شمعون: للملك أرأيت أن تسأل إلهك حتى يصنع مثل هذا فيكون لك الشرف (١) ولإلهك. فقال له الملك: ليس لي عنك سر إن إلهنا الذي نعبد (٢) لا يبصر ولا يسمع ولا يضر ولا ينفع. فقال الملك: إن قدر آلهكما الذي تعبدانه على إحياء ميت آمنا به وصدقناكما. قالا: إلهنا قادر على كل شيء.\n_________\n(١) في ب: \"فيكون لك الشاهد\".\n(٢) في ب: \"إلهنا الذي نعبده\".","vol":"1","page":2340},{"text":"فقال الملك: إن هذا ميت مات منذ سبعة أيام وأبوه غائب ولم ندفنه حتى يرجع أبوه وكان غائبًا، فجاءوا بالميت وقد تغير واصفر وأرْوَحَ، فجعلا يدعوان ربهما في العلانية وشمعون معهما في السر فقام الميت وقال: إني مت منذ سبعة أيام وَوُجِدْتُ مشركًا فأُدْخِلتُ في سبعة أودية من نار وأنا أحذركم ما أنتم فيه فآمنوا بالله، ثم قال: فتحت أبواب السماء فنظرت فرأيت شابًا حسنًا يشفع لهؤلاء الثلاثة قال الملك: ومن الثلاثه؟ قال: شمعون وهذان وأشار إلى صاحبيه فتعجب الملك، فلما علم شمعون أن قوله قد أثر في الملك أخبر الملك بالحال ودعاه فآمن قوم وكان الملك فيمن آمن وكفر آخرون (١). وقيل: كان الملك (٢) فيمن كفر وهو قوله ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ (٣). ﴿فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (١٤) قَالُوا﴾ أي: أصحاب القرية.\n﴿مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ أي: لا يصلح أن تكونوا رسلًا كما لا نصلح.\n﴿وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ﴾ من كتاب.\n﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ (١٥)﴾ ما أنتم إلا كَذَبَة.\n_________\n(١) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٨/ ١٢٤).\n(٢) في ب: \"وقيل: وكان الملك\" بزيادة الواو في \"كان\".\n(٣) حكاه الثعلبي في الكشف والبيان (٨/ ١٢٥) عن وهب بن منبه.","vol":"1","page":2341},{"text":"﴿قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (١٦) وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (١٧)﴾ وذكر (١) ابن مِهْرَيَزْد (٢) أن الوقف على قوله ﴿رَبُّنَا يَعْلَمُ﴾ تام، لأنهم قالوا ﴿مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ وما نرى لكم شيئا باينتمونا به فاستحققتم كرامة الله بالرسالة ألا نستحقه نحن أيضًا؟ فقالوا (٣): ربنا يعلم ما لأجله خَصَّنا بالرسالة دونكم، قال: وليس قوله ﴿إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾ في موضع مفعولي ﴿يَعْلَمُ﴾ بل مفعولاه محذوفان والتقدير: ربنا يعلم ما سألتمونا عنه (٤).\n﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾ ابن عباس ﵄: تشاءمنا بكم حيث خالفتم آباءكم وتركتم (٥) معبودكم فلا نأمن سوء عاقبة ذلك (٦).\nوالتَّطَيُّر: التشاؤم بطير الشؤم. وقيل: حُبِسَ عنهم المطر عام أتاهم الرسل فنسبوا ذلك إليهم (٧).\n﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا﴾ أي: عن مقالتكم هذه.\n﴿لَنَرْجُمَنَّكُمْ﴾ لنقتلنكم. وقيل: لنشتمنكم (٨).\n﴿وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨) قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ أي: الشؤم كله في عبادة الصنم وهو معكم.\n_________\n(١) في أ: \"ذكر\" بغير الواو.\n(٢) في ب: \"ابن المِهْرَبِزْد\" بالألف والباء، وفي كلتا النسختين بالباء \"المهربزد\" والصواب بالياء \"ابن المهريزد\"، بالياء.\n(٣) في أ: \"قالوا\" بغير الفاء.\n(٤) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٩٥٧).\n(٥) في ب: \"فتركتم\" بالفاء.\n(٦) وعزاه في النكت والعيون (٥/ ١١) ليحي بن سلام.\n(٧) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٥١١).\n(٨) عزاه في الدر (١٢/ ٣٣٧) لعبد بن حميد عن مجاهد، قال: \"والرجم في القرآن كله الشتم\".","vol":"1","page":2342},{"text":"وقيل: ﴿طَائِرُكُمْ﴾ حظكم من الخير والشر معكم (١).\nوقيل: الطائر: الأعمال والرزق (٢)، والطائر ما ينتهي به ويتشائم، والوجه هو الأول (٣).\n﴿أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾ وُعِظْتُم ودُعِيتُم إلى الإسلام، وجواب الشرط مضمر.\nالزَّجَّاج: تطيرتم جوابه (٤). وقيل: ﴿أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾ قلتم هذا القول (٥).\nوقيل: ﴿أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾ ثم توعدتم (٦) بالرجم والعذاب (٧).\n﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (١٩) ظالمون (٨).\nوَجَاءُوا مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى﴾ هو حبيب النجار، وكان يعبد الله في جبل فلما سمع خبر الرسل سعى مستعجلًا إليهم فقال: أتسألون على ما جئتم به أجرًا؟ قالوا: لا، فأقبل على القوم.\n﴿قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا﴾ على أداء النصح وتبليغ الرسالة.\n﴿وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٢١)﴾ يعني: الرسل. فقيل له: وأنت مخالف لديننا ومتابع دين هؤلاء ومؤمن بإلههم؟ فقال: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ خلقني.\n﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٢)﴾ ومصير الكل إليه.\n﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ﴾ سواه.\n﴿آَلِهَةً﴾ يعني: الأصنام.\n_________\n(١) قاله ابن عباس ﵄، والضحاك.\nانظر: معالم التنزيل للبغوي (٧/ ١٣).\n(٢) حكاه في النكت والعيون (٥/ ١٢) عن ابن حسام المالكي.\n(٣) في أ: \"والوجه الأول\" بغير \"هو\".\n(٤) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ٢١٣).\n(٥) قاله قتادة.\nانظر: معاني القرآن للنحاس (٥/ ٤٧٧).\n(٦) في ب: \"ءأن ذكرتم توعدهم\"، بغير \"ثم\".\n(٧) حكاه النحاس في معاني القرآن (٥/ ٤٧٧).\n(٨) \"ظالمون\" ساقط من ب.","vol":"1","page":2343},{"text":"﴿إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا﴾ أي: لا تنفعني (١) شفاعتهم.\n﴿وَلَا يُنْقِذُونِ (٢٣) إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٤) إِنِّي آَمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾ اشهدوا عليَّ، خاطب بذلك الرسل. وقيل: خاطب به القوم فلما سمعوا منه هذا الكلام وثبوا عليه فقتلوه (٢).\nوقيل: رجموه وكان يقول: اللهم اهد قومي (٣).\nوقيل: عَلَّقوه في سوق المدينة وقبره في سوق انطاكية (٤).\nوقيل: وطئوه بأقدامهم حتى قتلوه (٥)، فأوجب الله له الجنة (٦) وأدخله فيها، وهو قوله ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ﴾ قال الحسن: \"لما أراد القوم أن يقتلوه رفعه الله إليه فهو في الجنة (٧) ولا يموت إلا بِفَنَاء السموات (٨) \".\nفلما دخل الجنة ورأى نعيمها ذكر قومه ﴿قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (٢٧)﴾ فيرغبوا في الإسلام وإجابة الرسل.\n_________\n(١) في ب: \"لا ينفعني\" بغير \"أي\"، وبالياء بدل التاء.\n(٢) عزاه في النكت والعيون (٥/ ١٤) لوهب منبه.\n(٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٢/ ١٤١) عن قتادة.\n(٤) في أ: \"في سوق الانطاكية\".\nوهذا قول الحسن.\nانظر: معالم التنزيل (٧/ ١٥).\n(٥) قاله ابن عباس ﵄، وابن مسعود ﵁، وكعب الأحبار، ووهب بن منبه.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٤٢٤)، بحر العلوم للسمرقندي (٣/ ٩٨).\n(٦) في أ: \"وأوجب الله له الجنة\" بالواو بدل الفاء.\n(٧) في أ: \"وهو في الجنة\" بالواو بدل الفاء.\n(٨) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٥/ ١٩)، البحر المحيط (٧/ ٣١٥)، وأكثر أهل التفسير على أنه قتل، قال ابن عطية في المحرر (٤/ ٤٥١) \"تواترت به الأحاديث والروايات\".","vol":"1","page":2344},{"text":"وقوله ﴿بِمَا غَفَرَ لِي﴾ فيه ثلاثه أقوال:\nأحدها: أن (ما) للمصدر (١) أي: بمغفرة ربي (٢).\nوالثاني: بمعنى: (الذي) أي: بالذي غفر لي ربي بسببه وجعلني من المكرمين.\nوقيل: بأي شيء غفر لي وكان القياس على هذا القول بم (٣).\nالحسن: هو بمعنى: أي شيء ولا استفهام فيه (٤).\n﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ﴾ قوم حبيب.\n﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ بعد قتله. الحسن: بعد رفعه (٥).\n﴿مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ لنصرة الرسل أي: لم نَحْتَج في إهلاكهم إلى إرسال جند (٦).\n﴿وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ (٢٨)﴾ قيل: تكرار. وقيل: ﴿وَمَا﴾ بمعنى: الذي، والتقدير: من جند ومما كنا منزلين على من قبلهم من حجارة وريح وأمطار شديدة (٧).\n﴿إِنْ كَانَتْ﴾ ما كانت عقوبتهم.\n﴿إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ صاح بهم جبريل صيحة واحدة فماتوا عن آخرهم (٨).\n﴿فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ (٢٩)﴾ ميتون.\n﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾ فيه ثلاثة أقوال:\nأحدها: أنه من كلام حبيب (٩).\n_________\n(١) في أ: \"ما للمصدر\" بغير \"أن\"\n(٢) في ب: \"أي: بمغفرة\" بغير \"ربي\".\nانظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ٢١٣).\n(٣) ذكر هذا القول والذي قبله الزجاج في معاني القرآن (٤/ ٢١٣).\n(٤) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٩٥٨)، وانظر: معاني القرآن للفراء (٢/ ٣٧٤).\n(٥) وسبق أن أكثر المفسرين على أنه قُتِلَ.\n(٦) في أ: \"أي: لم نحتج إلى إرسال جند في إهلاكهم\".\n(٧) انظر ما سبق في إعراب القرآن للنحاس (٣/ ٣٤٨).\n(٨) في ب: \"وماتوا عن آخرهم\".\n(٩) لم أقف عليه، والله أعلم.","vol":"1","page":2345},{"text":"والثاني: من كلام القوم تحسروا على قتلهم الأنبياء حين عاينوا العذاب (١) آمنوا وقالوا (٢): يا حسرة على العباد يعنون الرسل فلم ينفعهم إيمانهم (٣).\nالثالث: من كلام الله، يعني: يالها حسرة أي: يتحسر بعضهم على بعض، أو يتحسر عليهم، أو حلوا محل من يتحسر عليهم (٤)، والحَسْرَة: الندامة على فائت (٥) لا يمكن تلافيه.\nالزَّجَّاج: الحسرة: أن يركب الإنسان من شدة الندم مالا نهاية بعده، حتى يبقى قلبه حسيرًا (٦).\nوقيل: استهزاؤهم بالرسل حسرة لهم (٧).\nوقيل: تم الكلام على ﴿الْعِبَادِ﴾ ثم استأنف فقال ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٣٠) أَلَمْ يَرَوْا﴾ يعني: أهل مكة (٨).\n﴿كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ (٣١)﴾ أي: لم يعتبروا بمن هلك قبلهم فيؤمنوا مخافة أن ينزل بهم مثل ما نزل بهم قبلهم (٩).\nو﴿كَمْ﴾ نصب بـ ﴿أَهْلَكْنَا﴾ (١٠)، والجملة في تقدير النصب بـ ﴿يَرَوْا﴾،\n_________\n(١) في ب: \"من كلام القوم حين عاينوا العذاب\" بسقط \"تحسروا على قتلهم الأنبياء\".\n(٢) في أ: \"وآمنوا وقالوا\".\n(٣) قاله أبو العالية كما في معالم التنزيل للبغوي (٧/ ١٦)، والزجاج في معاني القرآن (٤/ ٢١٥).\n(٤) انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٥/ ٢٣).\n(٥) في ب: \"الندم على فائت\".\n(٦) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ٢١٥).\n(٧) حكاه الزجاج في معاني القرآن (٤/ ٢١٥).\n(٨) انظر: الكشاف (٥/ ١٧٥)، زاد المسير (٧/ ١٥).\n(٩) قد يكون الصواب أن يقال \"مخافة أن ينزل بهم مثل ما نزل بمن قبلهم\".\n(١٠) في أ: \"نصب على أهلكنا\".","vol":"1","page":2346},{"text":"و﴿يَرَوْا﴾ معلق، و﴿أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ بدل من الجملة ولهذا فتح، وأجاز الفراء أن ينصب ﴿كَمْ﴾ بـ ﴿يَرَوْا﴾ (١)، وأجاز المبرد بأنهم لا يرجعون فحذف الجار (٢).\n﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (٣٢)﴾ أي: نجمعهم للحساب والجزاء على الأعمال، من خَفَّفَ جعل (أن) هي المخففة من المثقلة واللام هي التي تلزمه، و(ما) صلة، ومن شدد جعل إن هي (٣) النافية و(٤) (لما) بمعنى: إلا (٥)، وأجاز الفراء (لمن ما) ثم أدغمت النون في الميم وحذفت إحدى الميمات (٦).\n﴿وَآَيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ﴾ اليابسة.\n﴿أَحْيَيْنَاهَا﴾ بالمطر.\n﴿وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا﴾ جنس الحبوب.\n﴿فَمِنْهُ﴾ من الحب.\n﴿يَأْكُلُونَ (٣٣)﴾ ﴿آَللَّهُ﴾ رفع بالابتداء، ﴿لَهُمُ﴾ خبره، ويجوز أن يرتفع بالابتداء،\n﴿لَهُمُ﴾ صفتها، ﴿الْأَرْضُ﴾ خبرها، ويجوز أن ترتفع (٧)، ﴿الْأَرْضُ﴾ بالابتداء،\nو﴿وَآَيَةٌ لَهُمُ﴾ الخبر تقدم لتعداد الآيات.\n﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا﴾ في الأرض.\n﴿جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ﴾ اسم للجميع كعبيد وكَلِيب (٨).\n﴿وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا﴾ أجرينا.\n_________\n(١) \"بـ (يروا) \" سقط من ب.\nانظر: معاني القرآن للفراء (٢/ ٣٧٦).\n(٢) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٩٥٩).\n(٣) في ب: \"ومن شدد إن جعل إن هي\" بتكرار \"إن\".\n(٤) الواو سقطت من أ.\n(٥) قرأ ابن عامر، وحمزة، وعاصم (لَمَّا) بالتشديد، وقرأ الباقون بالتخفيف.\nانظر: التيسير للداني (١٨٣)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣٥٣).\n(٦) انظر: معاني القرآن للفراء (٢/ ٣٧٧).\n(٧) في أ: \"يرتفع\" بالياء.\n(٨) كَلِيب والكالِب: جماعة الكلاب.","vol":"1","page":2347},{"text":"﴿فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (٣٤) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ﴾ قيل: ثمر الماء لأن الماء أصل الجميع. وقيل: ثمر ما ذكرنا. وقيل: ثمر ذلك، ويحتمل ثمر كل واحدة منها (١).\n﴿وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ أي: لم تعمله أيديهم بل أبدعناه، ومن حذف الهاء جعل (ما) موصولة (٢)\nوله وجهان:\nأحدهما: أن يكون عطفًا على الثمر أي: ومما عملت أيديهم من الغرس، والحرث، والطِّبِّيخ (٣)، والحُلاوى (٤)، وما يصنع بالأيدي من المطاعم.\nوالثاني: عطف على ﴿الْأَرْضُ﴾ أي: وآية لهم ما عملت أيديهم.\nوقيل: (ما) للمصدر (٥)، وفيه ضعف (٦).\n﴿أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٣٥)﴾ استفهام بمعنى الأمر أي: اشكروا نِعَمِي.\n_________\n(١) تنظر الأقوال السابقة في غرائب التفسير (٢/ ٩٥٩).\n(٢) حذف الهاء من (عملته) هي قراءة حمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم، وتكون (ما) في موضع خفض، وتكون بمعنى \"الذي\"، والمعنى: ليأكلوا من ثمره ومما عملته أيديهم، وهو اختيار ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ٤٣٣) واستدل على ذلك بقراءة ابن مسعود ﵁ (ليأكلوا من ثمره ومما عملته أيديهم)، وقرأ الباقون بالهاء (وما عملته أيديهم) والمعنى: ليأكلوا مما ليس من صنعهم وإنما هو من فعل الله، ولهذا قال (أفلا يشكرون).\nانظر: الحجة لابن خالويه (٢٩٨)، الشف لمكي (٢/ ٢١٦).\n(٣) الطِّبِّيخ بلغة أهل الحجاز البِطِّيخ، وهما لغتان، وهو من ثمر اليقطين لا يعلوا وإنما يمتد في الأرض، واحدته بطِّيخة.\nانظر: لسان العرب (٨/ ١١٧)، مادة: طبخ.\n(٤) الحُلاوى: شجرة صغيرة دائمة الخضرة، زهرتها صفراء، ولها شوك كثير وورق صغار مستدير.\nانظر: لسان العرب (٣/ ٣١٠)، مادة: حلا.\n(٥) في ب: \"المصدر\".\n(٦) انظر: معاني القرآن للفراء (٢/ ٣٧٧).","vol":"1","page":2348},{"text":"﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا﴾ الأجناس والأنواع.\n﴿مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ﴾ الحبوب والثمار والحشيش والأشجار.\n﴿وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ الذكر والأنثى.\n﴿وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ (٣٦)﴾ فإن البَرَّ والبحر أشياء لا يعلمها الناس.\n﴿وَآَيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧)﴾ السَّلْخُ يستعمل على وجهين (١):\nأحدهما: بمعنى الإخراج، تقول: سَلَخْتُ الشاة من الإهاب، والشاة مسلوخة، وتقدير الآية على هذا: أخرجنا النهار من الليل إخراجًا لم يبق معه شيء منه.\nوقيل: أخرجنا الشمس منه (٢).\nوالثاني: سَلَخْتُ الإهاب من الشاة أي: نزعته (٣) عنها، وسَلَخَتِ المرأة جلبابها نزعته، فيكون تقدير الآية على هذا: سَلَخْنَا الضوء (٤) الذي هو شعاع الشمس وكان كاللباس للهواء من الهواء (٥)، فصار ليلًا كما ينزع اللباس من الشيء.\n﴿فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾ داخلون في الظلام.\n﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨)﴾ أي: وآية لهم الشمس تجري حال منها، وفي المستقر ثلاثة أقوال:\nأحدها: لانتهاء أمرها عند انقضاء الدنيا (٦).\n_________\n(١) قال في المفردات (٤١٩)، مادة: سَلَخَ: \"السَّلْخ: نزع جِلْد الحيوان، يقال: سَلَخْتُه فانسلخ، ومنه استعير: سَلَخْتُ دِرْعَه: نزعتها، وسَلَخَ الشهر وانسلخ، ونخلة مِسْلاخ: يُنْتَثر بسرها الأخضر\".\n(٢) انظر: النكت والعيون للماوردي (٥/ ١٧).\n(٣) في ب: \"عن الشاة نزعته\" بغير \"أي\".\n(٤) في ب: \"سلخت الضوء\".\n(٥) في أ: \"كاللباس من الهواء\".\n(٦) وهو قول قتادة.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٤٣٥).","vol":"1","page":2349},{"text":"والثاني: مستقرها تحت العرش، وقد جاء مرفوعًا (١)، وهي إذا بلغت كبد السماء وسط الفلك نصف النهار صارت كأن لها استقرارًا، والعرب تقول: إن لها هناك وقفة ما وإبطاء عن الزوال، قال الشاعر (٢):\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... والشمس حيرى لها بالجو تدويم (٣).\n_________\n(١) أخرج البخاري في صحيحه (ك: التفسير، تفسير سورة يس، باب: قوله ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ ح: ٤٨٠٢) عن أبي ذر ﵁ قال: \" كنت مع النبي ﷺ في المسجد عند غروب الشمس، فقال: يا أبا ذر أتدري أين تغرب الشمس؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش، فذلك قوله تعالى ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ \".\nقال ابن كثير في تفسيره (٣/ ٥٧٨) \"والمراد أن الشمس وجميع المخلوقات تحت العرش، وهو لها كالقبة، فالشمس إذا كانت في قبة الفلك وقت الظهيرة تكون أقرب ما تكون إلى العرش، فإذا استدارت في فلكها الرابع إلى مقابلة هذا المقام وهو وقت نصف الليل صارت أبعد ما تكون إلى العرش فحينئذ تسجد وتستأذن في الطلوع كما جاء في الحديث\".\n(٢) في ب: \"قال\" بغير \"الشاعر\".\n(٣) هذا عجز بيت لذي الرمة، يصف فيه فرسه وسرعة جريه في الظهيرة وشدة الحر، وتمام البيت:\nمُعْروريًا رمض الرضْراض تَرْكُضُه ... والشمس حيرى لها بالجو تدويم.\nانظر: ديوان ذي الرمة (١/ ٤١٨).","vol":"1","page":2350},{"text":"والثالث: ما قاله ابن عباس ﵄ أن الشمس تطلع في كل سنة من ثلاثمائة وستين كُوَّة، كل يوم من كوة (١) لا تعود إلى تلك الكوة إلى ذلك اليوم من العام المقبل، ولا تطلع إلا كارهة (٢) لمعاصي بني آدم (٣).\nوزاد الحسن البصري لهذا بيانًا فقال: \" إن للشمس ثلاثمائة وستين مطلعًا، تنزل كل يوم في مطلع منها ثم لا تنزل فيها إلى الحول\" (٤).\nفالاستقرار على هذا ثباتها في منازلها (٥) غير متحولة عنها فهي مستقرها وإن كانت جارية فيها غير ساكنة، وعن ابن مسعود ﵁ (لا مستقر لها) (٦).\n﴿وَالْقَمَرَ﴾ أي: وآية لهم القمر ويرتفع بالابتداء أيضًا و﴿قَدَّرْنَاهُ﴾ خبره، ومن نصب فبفعل مضمر تقديره: وقدرنا القمر قدرناه (٧).\n_________\n(١) في أ: \"كل كوة يوم\".\n(٢) في أ: \"فلا تطلع إلا كارهة\" بالفاء.\n(٣) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (٢٣/ ٢٨٣).\n(٤) في أ: \"ثم لا تنزل له إلى الحول\".\nوكلام الحسن البصري لم أقف عليه، وقد أخرج ابن جرير في جامع البيان (٢٣/ ٢٨٣) عن ابن عباس ﵄ قال: \"إن الشمس تطلع من ثلاثمائة وستين مطلعًا؛ تطلع كل يوم من مطلع لاتعود فيه إلى قابل، ولا تطلع إلا وهي كارهة \"، وأخرج أيضًا في جامع البيان (١٩/ ٤٩٧) نحوه عن السدي. ونحوه أيضًا في تفسير عبد الرزاق الصنعاني (٢/ ١٤٧) عن قتادة.\n(٥) في ب: \"ثباتها في منزلها\".\n(٦) وهي قراءة شاذة مروية أيضًا عن ابن عباس ﵄، وعكرمة، وعطاء بن أبي رباح.\nانظر: المحتسب (٢/ ٢٥٧)، الكشاف (٥/ ١٧٨).\n(٧) في ب: \"وقد قدرنا القمر قدرناه\"، بغير \"قدرناه\".\nقرأ بالرفع ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو (القَمَرُ)، وقرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي بالنصب (والقَمَرَ).\nانظر: التيسير للداني (١٨٤)، النشر (٢/ ٣٥٣).","vol":"1","page":2351},{"text":"﴿قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ فيها ثلاثه أقوال:\nأحدها: جعلنا نفس القمر منازل يزيد وينقص بخلاف الشمس.\nوالثاني: قَدَّرنا سيره منازل، فتكون ظرفًا (١).\nوالثالث: قَدَّرنا له منازل، فحذف الجار.\nومنازل القمر ثمانية وعشرون منزلًا (٢): الشَّرَطَان، البُطَيْن، الثُّرَيَّا، الدَّبَران، الهَقْعَة، الهَنْعَة، الذِّرَاع، النَّثْرَة، الطَّرْف، الجَبْهَة، الزُّبْرَة بضم الزاي، الصَّرْفة، العَوى بفتح العين مقصورة، وقد جاء ممدودة في ضرورة الشعر. (٣) السِّمَاك، الغَفْر. الزُّبَانَا، وقد يثنى فيقال: الزُّبَانَيَان، الإكْلِيل، القَلْب، الشَّوْلة، النَّعَائم، البَلْدَة، سعد الذَّابِح، سعد السُّعود، سعد بُلَع، سعد الأخْيِبَة، فَرْغُ الدَّلْو المقدم، فَرْغُ الدَّلْو المؤخر، بطن الحوت، وهو الرشاء (٤).\n﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩)﴾ هو عود الشَّمْرَاخ إذا يبس واعْوَجَّ يشبه الهلال (٥)، ووزنه فُعْلُون من الانعراج، قاله الزجاج (٦).\n_________\n(١) في أ: \"فيكون ظرفًا\".\n(٢) في ب: \"ثمانية وعشرون\" بغير \"منزلًا\".\n(٣) في ب: \"في ضرورة شعر السماك\"، والصواب هو المثبت.\n(٤) ذكرها ابن قتيبة في تأويل مشكل القرآن (٣١٧).\n(٥) في ب: \"يشبهه الهلال\".\n(٦) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ٢١٧)، قال: \"العرجون: عود العذق الذي تركبه الشَّمَاريخ - وهي الشعب التي على العذق - من العذق، فإذا جف وقَدُم دق وصغُر فحينئذ يشبه الهلال في آخر الشهر وفي أول مطلعه\"أ. هـ\n\nقال ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ٤٣٦) \"وإنما شبهه جل ثناؤه بالعرجون القديم - والقديم هو اليابس - لأن ذلك من العذق لا يكاد يوجد إلا متقوسًا مُنْحَنِيًا إذا قَدُمَ ويَبِسَ، ولا يكاد يصاب مستويًا معتدلًا كأغصان سائر الأشجار وفروعها، وكذلك القمر إذا كان في آخر الشهر صار في انحنائه وتقوسه نظير ذلك العرجون\" أهـ بتصرف يسير.","vol":"1","page":2352},{"text":"وليس له في الكلام نظير، ويجوز أن يكون فعلولا من قول رؤبة (١):\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... في خِدْرِ مَيَّاسِ الدمى مُعَرْجَنْ (٢)\nالمُعَرْجَنْ: المصور بصور العرجون.\nالأزهري (٣): والعرجون نبت مثل الذؤنون (٤).\nوأول القصيده:\n_________\n(١) رؤبة بن العجاج التميمي، الراجز، يكنى أبا الجحاف، من أعراب البصرة، سمع من أبيه النسابة الكبرى، كان رأسًا في اللغة، ويقال أنه كان أشعر من أبيه، توفي سنة خمس وأربعين ومائة.\nانظر: طبقات فحول الشعراء (٢/ ٧٦١)، سير أعلام النبلاء (٦/ ١٦٢).\n(٢) انظر: ديوان رؤبة بن العجاج (١٦١)، وتمامه:\nأو ذِكْرُ ذاتِ الزَّبد المُعَهَّنِ ... في خِدْرِ ميّاس الدمى مُعَرْجَنِ.\nمعرجن: أي: مصور فيه صور الخيل والدمى، والعنجورة غلاف القارورة.\nانظر: الخصائص لابن جني (١/ ٣٥٩)، العين للخليل (٢/ ٣٢١).\n(٣) الأزهري، محمد بن أحمد بن الأزهر بن طلحة، اللغوي، الأديب، الهروي الشافعي، أبو منصور.\nولد سنة اثنتين وثمانين ومائتين، أخذ عن الربيع بن سليمان، ونفطويه، وأدرك ابن دريد ولم يرو عنه، كان رأسًا في اللغة، وله من التصانيف: التهذيب في اللغة، تفسير ألفاظ مختصر المزني، التقريب في التفسير. توفي سنة سبعين وثلاثمائة للهجرة.\nانظر: سير أعلام النبلاء للذهبي (١٦/ ٣١٥)، بغية الوعاة للسيوطي (١/ ١٩).\n(٤) قال الأزهري في تهذيب اللغة (١٥/ ١٩) \"الذؤنون أسمر اللون مُدَمْلَك، له ورق لازق به، وهو طويل مثل الطرثون لاطعم له، ليس بحلو ولا مر، لايأكله إلا الغنم، ينبت في سهول الأرض\".\nوانظر أيضًا: تهذيب اللغة (٣/ ٣٢٠).","vol":"1","page":2353},{"text":"يا أيها الكاسِرُ عَيْنَ الأغْضُنِ ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . (١).\nوالقديم: العتيق، وقيل: هو الذي أتى عليه الحول (٢).\n﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ ابن عيسى: لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر في سرعة سيره.\nوقال أيضًا: \" ولا الشمس (٣) ينبغي لها أن تدرك القمر حتى يكون نقصان ضؤها كنقصانه، ولا الليل سابق النهار وكل على مقادير قدرها الله\" (٤).\nالزجاج: لا يذهب أحدهما بمعنى الآخر (٥)، ورضيه المحققون.\nوقيل: لا يُدْرِكُ أحدهما ضوء الآخر (٦).\n_________\n(١) البيت لرؤبة بن العجاج في ديوانه (١٦٠)، وهي قصيدة يمدح فيها بلال بن أبي بَرَدَة، وتمام البيت:\nيا أيها الكاسر عين الأغصن ... والقائل الأقوال مالم تلقني.\nوهو مثل يضرب للغضبان، أي: اصبب ماءً على نار غضبك.\nانظر: المستقصى في أمثال العرب للزمخشري (١/ ١٤٢)، مجمع الأمثال لأبي الفضل النيسابوري (٢/ ٣٩٩).\n(٢) قال ابن قتيبة في تأويل مشكل القرآن (٣١٧) \"وإذا صار القمر في آخر منازله دَقَّ حتى يعود كالعرجون القديم، وهو العِذْقُ اليابس، والعرجون إذا يَبِسَ دَقَّ واسْتَقْوَسَ حتى صار كالقوس انحناءً، فشُبِّه القمر به ليلة ثمان وعشرين\".\n(٣) في ب: \"لا الشمس\"، بغير الواو.\n(٤) لم أقف على كلام ابن عيسى، والله أعلم ..\n(٥) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ٢١٧).\n(٦) وهو قول ابن عباس ﵄، ومجاهد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٤٣٩).","vol":"1","page":2354},{"text":"﴿وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ أي: مما يتعاقبان ولا يسبق أحدهما الآخر فيفوته، ويحتمل لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر لاختلاف مكانيهما، فإن القمر في السماء الدنيا والشمس في السماء الرابعة، ولا الليل سابق النهار لاختلاف زمانيهما فإن زمان النهار وقت طلوع الشمس وزمان الليل وقت غيبتها (١)، والله أعلم.\nويحتمل أيضًا أن المعنى: لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا للقمر ينبغي له أن يدرك الشمس، فكنى عن القمر بالليل وعن الشمس بالنهار، والله أعلم.\n﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ﴾ أي: الشمس والقمر والكواكب.\n﴿يَسْبَحُونَ (٤٠)﴾ يسيرون فيه بانبساط، وكل شيء انبسط في شيء فقد سبح فيه (٢).\n﴿وَآَيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا﴾ رَفَعْنا، والحَمْلُ: مَنْعُ الشيء أن يصير إلى جهة السُّفْل.\nوقيل: قويناهم على اتخاذ ذلك وهديناهم إليه (٣).\n﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ قرئ بالتوحيد والجمع (٤)، وفيها هاهنا ثلاثه أقوال:\nأحدها: الأبناء، لأنهم كانوا يترفهون ويبعثون بأبنائهم إلى التجارات برًا وبحرًا (٥).\nالثاني: آبائهم يعني: الناجين من قوم نوح والذرية على هذا من الاضداد (٦).\n_________\n(١) في ب: \"وزمان الليل زمان غيبتها\".\n(٢) في ب: \"وكل من انبسط في شيء فقد سبح فيه\".\n(٣) لم أقف عليه، والله أعلم.\n(٤) قرأ بالجمع (ذُرِّيَاتِهم) نافع، وابن عامر، وقرأ الباقون بالتوحيد (ذرِّيَتَهم).\nانظر: الكشف لمكي (٢/ ٢١٧)، الإقناع لأبي جعفر الأنصاري (٣٦٦).\n(٥) قاله السدي.\nانظر: النكت والعيون (٥/ ١٩).\n(٦) عزاه في النكت والعيون لأبي عثمان أي: الآباء ذرية والأبناء ذرية، وسمي الآباء ذرية لأن منهم ذرأ الأبناء، ورده ابن عطية في المحرر (٤/ ٤٥٥) قال \"وهذا لا يُعْرَفُ لغة\".","vol":"1","page":2355},{"text":"الثالث: هم أنفسهم، والتقدير: حملنا ذريتهم بحملنا آبائهم لأن الذرية في ظهورهم (١).\n﴿فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١)﴾ الفُلْك هو: سفينة نوح - ﵇ - فيمن جعل الذرية الآباء، ومن جعل الذرية الأبناء فالفُلْك عام، ومن جعل الذرية هم أنفسهم احتمل الفلك الوجهين (٢) معًا، والمشحون: المملوء (٣)، وقد سبق (٤).\n﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ﴾ لأهل مكة وغيرهم.\n﴿مِنْ مِثْلِهِ﴾ مِثْل الفلك.\n﴿مَا يَرْكَبُونَ (٤٢)﴾ يعني: ما اتخذوه على مثال سفينة نوح - ﵇ -.\nقال ابن عباس ﵄: \"أراد به الإبل\" (٥)، ولأن الإبل سفن البر.\nوقيل: الفَرَس، والبَغْل، وسائر ما يركب من الدواب (٦)، وفيه أدنى ضعف لقوله ﴿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ﴾ أي: في البحر.\n﴿فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ﴾ هناك أي: لا مُغِيث. وقيل: لا مستغيث (٧).\n_________\n(١) قاله علي بن أبي طالب ﵁.\nانظر: النكت والعيون (٥/ ١٩).\nوهو تفسير باطل، لا يدل عليه ظاهر اللفظ، بل هو تحريف للفظ، وهو من تفاسير الشيعة وغلاة التصوفة.\n(٢) في أ: \"ومن جعل ذريتهم أنفسهم فالفلك محمول على الوجهين\".\n(٣) قال الزجاج في معاني القرآن (٤/ ٢١٧) \"المشحون في اللغة: المملوء، شحنت السفينة إذا ملأتها، وشحنت المدينة وأشْحنْتها إذا ملأتها\".\n(٤) في تفسير قوله تعالى ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [الشعراء: ١١٩].\n(٥) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ٤٤٦)، وأخرج نحوه أيضًا عن الحسن، وعكرمة، والسدي.\n(٦) أخرج ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ٤٤٦) عن مجاهد قال: \" من الأنعام\".\n(٧) انظر: البحر المحيط (٧/ ٣٢٤).","vol":"1","page":2356},{"text":"والصَّارِخ والصَّرِيخ (١): المغيث، والصَّرِيخ والصَّارِخ: المستغيث، ثم استأنف فقال: ﴿وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ (٤٣)﴾ أي: لا يُنْقِذُهم ولا يُنْجِيهم أحد سِوَانا.\n﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (٤٤)﴾ أي: إلَاّ أن نرحمهم ونمتعهم إلى انقضاء آجالهم، فهما منصوبان على المفعول له.\n﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ﴾ أي: مثل ما نزل بمن قبلكم من العذاب.\n﴿وَمَا خَلْفَكُمْ﴾ عذاب الآخرة.\nوقيل: ﴿اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ﴾ أمر الدنيا، ﴿وَمَا خَلْفَكُمْ﴾ أمر الآخرة (٢).\nوقيل: ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ﴾ الآخرة، ﴿وَمَا خَلْفَكُمْ﴾ الدنيا (٣).\n﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٥)﴾ واحسنوا العمل لعلكم ترحمون.\nوقيل: تحرزوا عن ذنوبكم التي بين أيديكم بالتوبة وما خلفكم بالاجتناب عنه (٤).\nوجواب ﴿وَإِذَا﴾ مضمر أي: اعرضوا، وجاز حذفه لأن قوله ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٤٦)﴾ يدل عليه و﴿مِنْ﴾ الأولى لتحقيق النفي، والثانية للتبعيض.\n﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ لمشركي مكة.\n﴿أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ تصدَّقوا على الفقراء.\n_________\n(١) في ب: \"والصريخ والصارخ\".\n(٢) من \"وقيل: \" إلى \"أمر الآخرة\" سقط من ب.\nوهذا القول حكاه الماوردي في النكت والعيون (٥/ ٢١) عن سفيان.\n(٣) قاله ابن عباس ﵄.\nانظر: معالم التنزيل للبغوي (٧/ ١٩).\n(٤) حكاه في النكت والعيون (٥/ ٢١) عن مجاهد.","vol":"1","page":2357},{"text":"﴿قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ قالوا هنا استهزاءً أي: لا نطعمهم ولا نعطيهم، ولم يعرفوا أن الله أمرهم بذلك تعبدًا وامتحانًا للعباد.\n﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٤٧)﴾ فيه ثلاثة أقوال:\nأحدها: هذا من تمام كلامهم (١) لمن أمرهم بالانفاق (٢).\nوقيل: جواب من الله لهم (٣).\nوقيل: أَمْرٌ للمؤمنين، أي: قولوا لهم: إن أنتم إلا في ضلال مبين (٤).\n﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٨)﴾ يعنون وَعْدَ البعث.\nوقيل: إنما ذكر بلفظ الوعد دون الوعيد لأنهم زعموا أن لهم الحسنى عند الله إن كان الوعد حقًا (٥).\n﴿مَا يَنْظُرُونَ﴾ أي: ينتظرون.\n﴿إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ هي: النفخة الأولى (٦)، والنفخات ثلاث (٧)؛ نفخة الفزع، ونفخة الصَّعْق، ونفخة البعث.\n﴿تَأْخُذُهُمْ﴾ تلحقهم لحوق المنتظر وإن لم يكونوا ينتظرونه.\n﴿وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (٤٩)﴾ يختصمون يخاصم بعضهم بعضًا،\n_________\n(١) في أ: \"أحدها: من تمام كلامهم\" بغير \"هذا\".\n(٢) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٤٥٠)، وهو اختياره في الآية.\n(٣) حكاه الماوردي في النكت والعيون (٥/ ٢٢) عن ابن عيسى.\nقال ابن كثير في تفسيره (٣/ ٥٨١) \" وفي هذا القول نظر\".\n(٤) ولعل هذا القول يرجع إلى الذي قبله، أي: أنه جواب الله لهم، وأمر المؤمنين أن يقولوا لهم ذلك.\n(٥) لم أقف عليه، والله أعلم.\n(٦) وهي نفخةالفزع، وهي التي تكون والناس في أسواقهم ومعايشهم، ثم يكون بعد ذلك نفخة الصَّعْق التي يموت بها الأحياء جميعًا، ثم بعد ذلك نفخة البعث، والله أعلم.\n(٧) في ب: \"والنفخات ثلاثة\".","vol":"1","page":2358},{"text":"قيل: في تلك الساعة (١).\nوقيل: يختصمون الآن في دفع البعث والنشور (٢) وينكرون (٣).\nوقيل: يعتقدون أن لهم الغلبة في الخصام (٤).\n﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (٥٠)﴾ أي: لا يقدرون على أن يوصى بعضهم بعضًا ولا إلى منازلهم يرجعون بل يموتون حيث يسمعون. ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ هي النفخة الثالثة، والصُّور: صُور إسرافيل ينفخ فيه، وهو: قرن فيه أرواح الموتى. وذهب أبو عبيدة إلى أنه جمع صورة كصوفة وصوف، أي: ينفخ في الأجسام فتحيون (٥).\n﴿فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾ جمع جَدَثٍ وجَدَف (٦) وهو: القبر، وأجمعوا على الثاء في الجمع (٧).\n﴿إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١)﴾ يسرعون، ونَسَلَ: خرج من مضيق (٨).\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ٢١٨).\n(٢) في أ: \"في دفع البعث\" بغير \"النشور\".\n(٣) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ٢١٨).\n(٤) انظر: معاني القرآن للفراء (٢/ ٣٧٩).\n(٥) انظر: مجاز القرآن لأبي عبيدة (١/ ٤١٦)، وقد سبق بيان ذلك في سورة الكهف عند قوله تعالى ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾ [الآية: ٩٩].\n(٦) وهما لغتان فيه.\n(٧) قراءة الجمهور بالثاء، وبالفاء (الأجداث) قراءة شاذة ذكرها الزمخشري في الكشاف (٥/ ١٨٢).\nوالجَدَثُ والجَدَفُ لغتان، والعرب تعقب بين الثاء والفاء فتقول: ثوم وفوم، مغاتير ومغافير.\nانظر: معاني القرآن للزجاج (٥/ ١٧٥)، جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٤٥٥)، إعراب القرآن للنحاس (٤/ ٢٨٧).\n(٨) النَّسَلان: الإسراع في المشي، والمعنى: يخرجون بسرعة.\nانظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ٢١٩)، جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٤٥٥).","vol":"1","page":2359},{"text":"﴿قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ أي: من قبورنا (١).\nوفي تسميته مرقدًا ثلاثة أقوال:\nأحدها: أن العذاب يخفف عنهم أربعين سنة بين النفختين (٢).\nوالثاني: من عِظَمِ ما صاروا إليه عَدُّوا ما كانوا فيه من العذاب رقودًا (٣).\n\nوالثالث: كانوا في الدنيا مختلطة عقولهم فبعثوا كذلك فظنوا أنهم كانوا نيامًا (٤).\nوقوله ﴿هَذَا﴾ يجوز أن يكون من صفة ﴿مَرْقَدِنَا﴾.\n﴿مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (٥٢)﴾ مبتدأ خبره مضمر أي: حق.\nوقيل: تقديره: بعثكم ما وعد الرحمن، فيكون جوابًا من الملائكة، ويجوز أن يكون هذا مبتدأ وما بعده خبره (٥) وهو الأحسن.\nواختلفوا في قائله (٦)؛ فقال بعضهم: هذا أيضًا من كلام الكفار أي: يؤمنون يومئذ فلا ينفعهم إيمانهم (٧).\nوقال بعضهم: يقول لهم الملائكة كما سبق (٨).\nوقال بعضهم: يقول لهم المؤمنون يجيبون به الكفار (٩).\n_________\n(١) في ب: \"أي: قبورنا\" بغير \"من\".\n(٢) قاله أبيّ بن كعب، وقتادة.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٤٥٦).\n(٣) حكاه البغوي في معالم التنزيل (٧/ ٢١).\n(٤) لم أقف على قائله، والظاهر أنه قريب من القول الثاني.\n(٥) في ب: \"وما بعده خبر\".\nانظر: إعراب القرآن للنحاس (٣/ ٤٠٠).\n(٦) في أ: \"واختُلِف في قائله\".\n(٧) قاله عبد الرحمن بن زيد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٤٥٨).\n(٨) في قوله ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ على أنه مبتدأ حبره مضمر تقديره: بعثكم ما وعد الرحمن.\nقال الحسن، والفراء، وابن قتيبة هم الملائكة.\nانظر: معاني القرآن للفراء (٢/ ٣٨٠)، تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة (٢٩٤)، النكت والعيون (٥/ ٢٤).\n(٩) قاله مجاهد، وقتادة.\n\nانظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٥١٦)، واختاره ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ٤٥٨)، وابن كثير في تفسيره (٣/ ٥٨٢)، لقوله تعالى ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٥٦] قال ابن جرير \"لأن الكفار في قيلهم ﴿مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ دليل على أنهم كانوا بمن بعثهم من مرقدهم جهالًا وذلك من جهلهم استثبتوا، ومحال أن يكونوا استثبتوا ذلك إلا من غيرهم ممن خالفت صفته صفتهم في ذلك\".","vol":"1","page":2360},{"text":"﴿إِنْ كَانَتْ﴾ ما كانت أي: الفِعْلَة.\n﴿إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ وهي: النفخة الأخيرة.\n﴿فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (٥٣) فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٤)﴾ يجوز أن يكون ما مفعولًا، ويجوز أن يكون التقدير بما فحذف الجار.\n﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ﴾ في التلذذ بنعيم الجنة، وعن ابن عباس ﵄ في جماعة هو افتضاض الأبكار (١).\nوعن النبي ﷺ أنه قال (٢) \" إن أهل الجنة كلما جامعوا نساءهم عدن أبكارًا\" (٣).\nوقيل: في شغل عما فيه أهل النار (٤).\nوقيل: في السَّمَاع (٥). وقيل: في ضيافة الله (٦).\nوقيل: في زيادة بعضهم بعضًا (٧).\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ٤٦٠)، وأخرج نحوه عن ابن مسعود ﵁، وسعيد بن المسيب.\n(٢) \"أنه قال\" سقط من ب.\n(٣) أخرجه الطبراني في المعجم الصغير (١/ ١٦٠)، وقال عنه الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٧٧١) \"فيه معلى بن عبد الرحمن الواسطي وهو كذاب\".\n(٤) قاله الحسن.\nانظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٥١٦).\n(٥) أي: سماع الأوتار، وهذا القول عزاه السيوطي في الدر المنثور (١٢/ ٣٦٢) لابن أبي حاتم عن ابن عباس ﵄، ونقل عن أبي حاتم قوله \"هذا خطأ من المستمع إنما هو افتضاض الأبكار\".\n(٦) حكاه البغوي في معالم التنزيل (٧/ ٢٢).\n(٧) قاله طاووس بن كيسان.\nانظر: معالم التنزيل (٧/ ٢٢).\nوالآية أعم من ذلك تشمل ما ذكر وغيره من النعيم الذي أعده الله للمؤمنين في الجنة.","vol":"1","page":2361},{"text":"﴿فَاكِهُونَ (٥٥)﴾ وفكهون لغتان (١)، وقيل (٢): الفاكه: كثير الفاكهة كاللابن والتامر، والفَكِه: الذي يتناول الفاكهة أو الطعام وغير ذلك (٣).\nوقيل: فكهون: فَرِحُون (٤)، وفاكهون: مُعْجَبون (٥).\n﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ﴾ حلائلهم.\n﴿فِي ظِلَالٍ﴾ جمع ظُلَّة، وهو: ما يسترك (٦) عن الشمس، و﴿ظِلَالٍ﴾ يجوز أن يكون جمع ظُلَل كحُلَّة وحُلَلَ وحِلال، ويجوز أن يكون جمع ظِلّ وهو الموضع الذي لا تقع عليه الشمس (٧).\n_________\n(١) (فَكِهون) قراءة شاذة مروية عن ابن مسعود ﵁، وأبو عبد الرحمن السلمي، وأبو المتوكل، وقتادة، والنخعي، وأبي جعفر.\nانظر: شواذ القراءات للكرماني (٤٠١)، زاد المسير (٧/ ٢٨).\n(٢) في ب: \"ويقال\".\n(٣) في أ: \"وغيره\".\nقال الفراء في معاني القرآن (٢/ ٣٨٠) \"فكهون وهي منزلة حذرون وحاذرون\" أ. هـ\nويقال للرجل إذا كان يتفكه بالطعام، أو بالشراب، أو بالفاكهة، أو بأعراض الناس إن فلانًا يتفكه.\nوقال أبو زيد \"الفكه: الطيب النَّفْس الضحوك، يقال: رجل فكه وفاكه\"، نقله الواحدي في الوسيط (٣/ ٥١٦)، وانظر: بحر العلوم للسمرقندي (٣/ ١٠٣).\n(٤) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ٤٦٣) عن ابن عباس ﵄.\n(٥) قاله مجاهد، والضحاك.\nانظر: النكت والعيون (٥/ ٢٥)، معالم التنزيل (٧/ ٢٢).\n(٦) في أ: \"وهو ما سترك\".\n(٧) والمعنى: لا تصيبهم الشمس بِحَرِّها.\nقال في المفردات (٥٣٥)، مادة: ظلل: \"الظِّل ضد الضَّح، وهو أعم من الفيء، ويقال لكل موضع لم تصل إليه الشمس: ظِل، ولا يقال للفيء إلا لما زال عنه الشمس، ويعبر بالظل عن العزة والمنعة، وعن الرفاهة\".","vol":"1","page":2362},{"text":"﴿عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (٥٦)﴾ جمع أريكة، وهي: السُّرُر في الحِجَال (١).\nابن عيسى هي: الوسائد (٢).\nوقيل: الفُرُش (٣).\n﴿لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ (٥٧)﴾ يفتعلون من الدعاء (٤)، أي: لهم فيها ما يدعون الله به (٥).\nوقيل: ﴿مَا يَدَّعُونَ﴾ ما يتمنون (٦).\nوقيل: من ادعى في الجنة شيئًا فهو له لأنهم لا يدعون إلا ما يحسن وليس ثَمَّ خصومة ولا منازعة (٧)، ويحتمل: وللمؤمنين في الجنة ما يدعون في الدنيا من الثواب والدرجات فيها وينكره الكافرون.\n﴿سَلَامٌ﴾ أي: لهم ما يدعون سلام خالص لهم، وتم الكلام ثم قال ﴿قَوْلًا﴾ أي: أقول قولًا، وقيل: تقديره: لهم ما يدعون ولهم مع ذلك سلام (٨).\nوقيل: ﴿سَلَامٌ﴾ بدل من ﴿مَا يَدَّعُونَ﴾، ونصب ﴿قَوْلًا﴾ على المصدر (٩) أي: لهم سلام يقوله الله (١٠) قولًا (١١).\nوقيل: لهم سلامة من النار (١٢).\n_________\n(١) وهو قول ابن عباس ﵄، ومجاهد، وعكرمة، والحسن، وقتادة.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٤٦٦، ٤٦٥)، تفسير ابن كثير (٣/ ٥٨٢).\n(٢) في ب: \"الوسائد\" بغير \"هي\".\n(٣) قاله الزجاج في معاني القرآن (٣/ ٢٣٢).\n(٤) في أ: \"ما يشغلون من الدعاء\".\n(٥) في أ: \"ما يدعون الله\"، بغير \"به\".\nانظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ٢٢٠).\n(٦) في ب: \"يتمنون\"، بغير \"ما\".\nحكاه ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ٤٦٦)، قال \"والعرب تقول: أدع علي ما شئت أي: تمن عليّ ما شئت\".\n(٧) حكاه الزجاج في معاني القرآن (٤/ ٢٢٠).\n(٨) انظر: إعراب القرآن للنحاس (٣/ ٤٠٢).\n(٩) من \"وقيل (سلام) \" إلى \"على المصدر\" سقط من ب.\n(١٠) في أ: \"يقول الله\" بغير الهاء.\n(١١) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ٢٢٠).\n(١٢) حكاه البغوي في معالم التنزيل (٧/ ٢٣).","vol":"1","page":2363},{"text":"وقيل: تحييهم (١) الملائكة بالسَّلام (٢).\nوقيل: ﴿قَوْلًا﴾ نصب على تقدير: ولهم ما يدعون قولًا (٣).\n﴿مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (٥٨)﴾ أي: عِدَةٌ من الله.\n﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (٥٩)﴾ السُّدِّي: كونوا على حدة (٤).\nقتادة: اعتزلوا عن كل خير (٥).\nوقيل: تميزوا عن المؤمنين (٦).\nوقيل: معناه: فريق في الجنة وفريق في السعير (٧).\nالضحاك: لكل كافر في النار بيت يدخل فيه ويردم (٨) بابه بالنار أي: يسكن فيكون (٩) فيه أبد الآبدين لا يَرى ولا يُرى، نعوذ بالله من النار (١٠).\n﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آَدَمَ أَن لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي﴾ يقول لهم يوم القيامة.\nوالمراد بالعهد (١١): ما عهد إليهم في قوله ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢].\n_________\n(١) في ب: \"وقيل يحييهم\" بالياء.\n(٢) قاله مقاتل.\nانظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٥١٧).\n(٣) انظر: معاني القرآن للنحاس (٥/ ٥١٠)، إعراب القرآن له (٣/ ٤٠٢).\n(٤) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٥١٧).\n(٥) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٤٦٩).\n(٦) قاله أبو العالية.\nانظر: الكشف والبيان للثعلبي (٨/ ١٣٣).\n(٧) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ٢٢٠).\n(٨) في أ: \"يردم\" بغير الواو.\n(٩) في ب: \"ويردم بابه بالنار فيكون\"، بغير \"أي: يسكن\".\n(١٠) \"نعوذ بالله من النار\" سقطت من ب.\nوانظر: معالم التنزيل للبغوي (٧/ ٢٣). انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٨/ ١٣٣).\n(١١) في ب: \"والمراد لهم بالعهد\" بزيادة \"لهم\"، والصواب هو المثبت.","vol":"1","page":2364},{"text":"وقيل: ألم أعهد إليكم (١) بإرسال الرسل وأنزال الكتب، والمعنى: ألم آمركم ألم أوصكم (٢). وقوله ﴿لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ أي: الأصنام لأنهم عبدوها بأمره فكأنهم عبدوه.\nوقيل: لا تطيعوه (٣).\n﴿هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١)﴾ دين قَيِّم، ويحتمل أن يكون هذا من خطاب الله عباده في الدنيا.\n﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا﴾ أي: خلقًا.\n﴿كَثِيرًا﴾ وفيه لغات (٤)، واشتقاقه من جَبَلَه أي: خَلَقَه وطَبَعَه (٥).\n﴿أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢)﴾ استفهام تقريع على تركهم الانتفاع بالعقل.\n﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٦٣) اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٦٤)﴾ اصلوها: ذوقوا حرها. وقيل: ادخلوها (٦).\nوقيل: الزموها (٧).\n_________\n(١) في ب: \"وقيل: أعهد إليكم\" بغير \"ألم\".\n(٢) حكاه الواحدي في الوسيط (٣/ ٥١٧).\n(٣) حكاه السمرقندي في بحر العلوم (٣/ ١٠٤) عن ابن عباس ﵄، قال: \"من أطاع شيئًا فقد عَبَدَه\".\n(٤) قرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي، وخلف (جُبُلًا) بضم الجيم والباء وتخفيف اللام، وقرأ أبو عمرو، وابن عامر (جُبْلًا) بضم الجيم وسكون الباء وتخفيف اللام، وقرأ نافع، وعاصم (جِبِلًاّ) بكسر الجيم والباء ومع تشديد اللام.\nانظر: الكشف لمكي (٢/ ٢١٩)، التيسير للداني (١٨٤).\n(٥) تقول: جبله الله على كذا، إشارة إلى ما ركب فيه من الطبع الذي يأبى على الناقل نقله، وفلان ذو جِبِلَّةٍ، أي: عظيم الجسم، ويقال للجماعة العظيمة: جِبْلٌ تشبيهًا بالجَبَل في العِظَم.\nانظر: المفردات (١٨٥)، مادة: جبل.\n(٦) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٨/ ١٤٣).\n(٧) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٤٧٢).","vol":"1","page":2365},{"text":"﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ﴾ نمنعها عن الكلام (١)، وذلك إذا كذبوا الرسل وقالوا\n﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣].\n﴿وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٦٥)﴾ روي عن النبي ﷺ (٢) أنه قال: \" يجئ ناسٌ يوم القيامة مُفَدَّمَةً أفواههم، وإن أول ما يتكلم عنه لَفَخِذُه ويَدُه\" (٣).\nفيه أربعة أقوال:\nأحدها: أن الله يمكنها من الكلام ويجعل لها خِلْقَة تصلح للنطق (٤).\nوقيل: المتكلم هو الله سبحانه إلا أنه يسمع من جهتها فنسب إليها (٥).\nوقيل: كلامها دلالتها على أفعالها (٦)، ومثله قول الشاعر:\n_________\n(١) في ب: \"نمنعها من الكلام\".\n(٢) في ب: \"عن النبي ﷺ\" بغير \"روي\".\n(٣) أخرجه عبد الرزاق الصنعاني في تفسيره (٢/ ١٨٥)، وابن جرير في جامع البيان (٢٠/ ٤٠٨) عن حكيم بن معاوية عن أبيه عن جده.\nوالفِدَام: خرقة توضع على فم الإبريق والكوز لتصفية الشراب الذي فيه، والفدم من الناس العييِّ عن الحجة والكلام.\nانظر: لسان العرب (١٠/ ٢٠٤)، مادة: فَدَمَ.\n(٤) حكاه الماوردي في النكت والعيون (٥/ ٢٨).\n(٥) وهذا القول موافق لمذهب المعتزلة في نفي صفة الكلام عن الله، وأنه لايتكلم بصوت يسمع، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا.\n(٦) والصواب أن جوارحه تنطق على الحقيقة، يدل عليه ما أخرجه مسلم (ك: الزهد والرقائق، باب: الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، ح: ٢٩٦٨) من حديث أبي هريرة ﵁ \" ... قال: ثم يقال له: الآن نبعث شاهدًا عليك، ويتفكر في نفسه من ذا الذي يشهد عليّ؟ فيختم على فِيه، ويقال لفخذه وعظامه انطقي، فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بعَمَله، وذلك ليعذر من نفسه\".","vol":"1","page":2366},{"text":"إذا نَظَرَتْ نحوي تَكَلَّمَ طَرْفُها ... وجاوبها طَرْفي ونحن سكوت (١).\nوقيل: إن الملائكة الموكلين بأعضاء بني آدم تشهد عليهم (٢).\n﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ﴾ أي: أعميناهم في الدنيا.\n﴿فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ﴾ طريق منازلهم.\n﴿فَأَنَّى يُبْصِرُونَ (٦٦)﴾ الطريق وقد أعميناهم. وقيل: أعميناهم عن الهدى فأنى يبصرون طريق الرشاد (٣).\nوقيل: لو نشأ لفقأنا أعين ضلالتهم (٤) فأبصروا الرشد وبادروا إلى الإيمان والطاعة فأنى يبصرون ولم نفعل ذلك (٥)، والطَّمْسُ: مَحْو الشيء حتى لا يبقى (٦) له أثر (٧).\n﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ﴾ صيرناهم قردة وخنازير.\n﴿عَلَى مَكَانَتِهِمْ﴾ في منازلهم.\nوقيل: على المكان أي: ساعتئذ، والمكان والمكانة واحد (٨).\nوقيل: معنى (٩) ﴿لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ﴾ لاقعدانهم عن أرجلهم (١٠).\n_________\n(١) لم أقف على قائل البيت.\n(٢) حكاه الماوردي في النكت والعيون (٥/ ٢٨).\n(٣) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ٤٧٤) عن ابن عباس ﵄.\n(٤) في ب: \"لفقأنا أعين ضلالهم\".\n(٥) في أ: \"ولم يفعل ذلك\" بالياء.\nوهذا القول حكاه السمرقندي في بحر العلوم (٣/ ١٠٤) عن الكلبي.\n(٦) في ب: \"حين لايبقى له أثر\".\n(٧) قال الزجاج في معاني القرآن (٤/ ٢٢١) \"المطموس: الأعمى الذي لايتبين له جفن ولايرى شفر عينه\"، وفي معاني القرآن للنحاس (٥/ ٥١٣) المطموس والطميس عند أهل اللغة: الأعمى الذي ليس في عينيه شق.\n(٨) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٤٧٨).\n(٩) \"معنى\" سقط من أ.\n(١٠) قاله الحسن، وقتادة.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٤٧٧)، النكت والعيون (٥/ ٢٩).","vol":"1","page":2367},{"text":"﴿فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ (٦٧)﴾ مجيئًا وذهابًا. وقيل: ما قدروا أن يجاوزا تكذيبهم ولا يرجعون ولا يتوبون (١).\nوقيل: لمسخناهم جعلناهم حجارة (٢) على مكانتهم حيث كانوا (٣).\nوالمَسْخ: نهاية النكال والتنكيل.\n﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ﴾ أي: من أطلنا عُمُرِه رددناه إلى أرذل العمر.\nوقيل: نصيره إلى الضعف بعد القوة، وإلى النقصان بعد الزيادة (٤).\nوعن سفيان: إذا بلغ الرجل ثمانين سنة تغير جسمه (٥).\n﴿أَفَلَا يَعْقِلُونَ (٦٨) وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ﴾ قال عقبة ابن أبي معيط: \" ما يقول محمد شعر، فأنزل الله ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ﴾ \" (٦).\n﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ أن يقول الشِّعْر (٧) لأنه يورث شبهة.\n﴿إِنْ هُوَ﴾ ما هو. ﴿إِلَّا ذِكْرٌ﴾ عِظَةً للخلق.\n_________\n(١) قاله أبو صالح.\nانظر: النكت والعيون (٥/ ٢٩).\n(٢) في أ: \"وقيل: لمسخناهم جعلناهم حجارة\".\n(٣) حكاه الواحدي في الوسيط (٣/ ٥١٨).\n(٤) معاني القرآن للزجاج (٤/ ٢٢١).\n(٥) انظر: النكت والعيون (٥/ ٢٩).\n(٦) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٥١٨).\n(٧) في أ: \"أن يقول شعرًا\".","vol":"1","page":2368},{"text":"﴿وَقُرْآَنٌ مُبِينٌ (٦٩)﴾ ظاهر الشعر كلام موزون مقفي، والبيت الواحد لا يكون شعرًا لأن القافية تظهر بالبيت الثاني، ولم يكن للنبي ﷺ طبع شعر (١) لا صنعة ولا رواية، فإن عائشة ﵂ قالت: \" أراد النبي ﷺ أن يتمثل بيت أخي قيس (٢) فقال:\nستبدي لك الأيام ما كنت جاهلًا ... ويأتيك من لم تزود بالأخبار.\nفقال أبو بكر - ﵁ -: إنما هو: ويأتيك بالأخبار من لم تزود. فقال ﵊: ماعُلِّمْتُ الشِّعْرَ وما ينبغي لي\" (٣).\nوما روي عن النبي ﷺ من مثل قوله:\nهل أتت إلا اصبع دميت ... وفي سبيل الله ما لقيت (٤).\nوقوله: أنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبدالمطلب (٥).\nففيه ثلاثة أقوال:\nأحدها: أنه ﷺ قال: \"دميت\" بغير إشباع (٦) و(لقيتْ) بالسكون للوقف فلا يكون موزونًا، وكذلك (لا كَذَب) بالفتح و(المطلب) (٧) بالكسر.\n_________\n(١) في ب: \"ولم يكن للنبي ﷺ شعر\"، بغير \"طبع\".\n(٢) هو طرفة بن العبد بن سفيان البكري الوائلي، شاعر جاهلي من الطبق الأولى، ولد في بادية البحرين ثم انقل إلى نجد، ثم أتصل بالملك عمرو بن هند، ثم قتله لما بلغه من هجائه له، وهو في شبابه.\nانظر: طبقات فحول الشعراء (١/ ١٣٧)، والبيت في ديوانه (٤٤).\n(٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٢/ ١٤٥)، وابن جرير في جامع البيان (١٩/ ٤٨٠).\n(٤) أخرجه البخاري (ك: الجهاد، باب: من يُنْكَبُ أو يطعن في سبيل الله، ح: ٢٨٠٢) عن جندب بن سفيان ﵁.\n(٥) أخرجه البخاري (ك: الجهاد، باب: من قاد دابة غيره في الحرب، ح: ٢٨٦٤) عن البراء بن عازب ﵁.\n(٦) في ب: \"من غير إشباع\".\n(٧) في ب: \"المطلب\" بغير الواو.","vol":"1","page":2369},{"text":"والثاني: أن هذا رَجَزْ، والرَّجَز غير الشِّعْر، والراجز غير الشاعر، وديوان رؤبة والعجاج (١) كله رجز وليس فيه بيت شعر، والرجز يأتي تامًا مسدسًا ومجزءً ومشطورًا ومنهوكًا، حتى إن عبدالصمد بن المُعَذِّل (٢) صنع قصيدة على جزء واحد منها:\nهذا الرجل.\nلما احتفل ... أهدى بصل (٣).\nفجعل كل مستفعل بيتًا، وأنكر بعضهم هذا القول، وقال: إن الرجز والهزج والرمل من دائرة واحدة، والهزج والرمل شعر فكذلك الرجز، وأما مجيئه مشطورًا ومنهوكًا فلا يخرجه عن الشعر، فقد جاء: هل بالديار أنيس (٤).\nوليس برجزٍ، وهو دون المنهوك في عدد الحروف (٥) والحركات.\nوالثالث: أن الله نفي الشعر عن القرآن فقال ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ﴾ إنما علمناه القرآن وما ينبغي له أن يقول القرآن شعر.\n_________\n(١) رؤبة بن العجاج، تنظر ترجمته ص: ١٢٣١\n(٢) عبد الصمد بن المعَدَّل بن غيلان بن الحكم العبدي، من بني عبد قيس، أبو القاسم، من شعراء الدولة العباسية، وكان ذا شعر فصيح، ولد ونشأ بالبصرة وتوفي بها سنة ٢٤٠ هـ.\nانظر: الفهرست لابن النديم (١/ ١٩١)، معجم المؤلفين لكحالة (٢/ ١٥٤)، مقدمة ديوان ابن المعذل (٦ - ١٤).\n(٣) انظر: ديوان ابن المعذِّل (١٥٣)، وهي أبيات قالها لما أهدى أبو رهم السدوسي إلى قينة يتعشقها زنبيل بصل.\n(٤) لم أقف على قائله، والله أعلم\n(٥) في ب: \"في عدة الحروف\".","vol":"1","page":2370},{"text":"وقيل: وما ينبغي للقرآن أن يكون شعرًا. والقول هو الأول (١)، فقد ذُكِرَ أن النبي ﷺ لما جرى على لفظه: هل أنت إلا أصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت.\nانقطع الوحي مدة مديدةٌ حتى قالت الكفار: إن محمدًا قد ودعه ربه وقلاه فأنزل الله تعالى\n﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: ٣] (٢)، وهذا أحد ما قيل في سبب انقطاع الوحي تلك الأيام، والله أعلم.\n﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا﴾ أي: لينذر محمد. وقيل: لينذر القرآن (٣).\nومن قرأ بالتاء (٤)\n_________\n(١) قال ابن كثير في تفسيره (٣/ ٥٨٧) \" ... هذا وقع اتفاقًا من غير قصد لوزن شعر بل جرى على اللسان من غير قصد إليه ... وكل هذا لا ينافى كونه ﷺ ما علم شعرًا ولا ينبغي له فإن الله تعالى إنما علمه القرآن العظيم، وقد كانت سجيته ﷺ تأبى الشعر شرعًا وطبعًا\"أ. هـ بتصرف.\n(٢) أخرجه الترمذي في جامعه (في التفسير، تفسير سورة الضحى، ح: ٣٣٤٥) عن جندب بن سفيان ﵁ وقال \"هذا حديث حسن صحيح\" وأصله في البخاري (ك: الجهاد، باب: من يُنْكَب أو يطعن في سبيل الله، ح: ٢٨٠٢)، وليس فيه \"وأبطأ عليه جبريل فقال المشركون: قد وُدِّعَ محمد فأنزل الله (ما ودعك ربك وما قلى) \".\nوقد ضعف ابن كثير في تفسيره (٤/ ٥٥٨) هذه الزيادة وكونها سببًا في نزول السورة.\nوانظر: فتح الباري (٨/ ٥٨٠).\n(٣) انظر النكت والعيون (٥/ ٣٠).\nوهذا تأويل من قرأ بالياء، وهي قراءة ابن كثير، وعاصم، وأبو عمرو، وحمزة.\nانظر: التيسير (١٨٥)، النشر (٢/ ٣٥٥).\n(٤) قرأ بالتاء (لتنذر) نافع، وابن عامر، ويعقوب، وقرأ الباقون بالياء (لينذر).\n\nانظر: التيسير للداني (١٨٥)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣٥٥).","vol":"1","page":2371},{"text":"أي: لتنذر (١) يا محمد ﴿مَنْ كَانَ حَيًّا﴾ يعني: المؤمنين، وخصهم بالذكر لانتفاعهم به.\nوقيل: من كان حيًا في القلب (٢).\n﴿وَيَحِقَّ الْقَوْلُ﴾ ويَجِبُ العذاب.\n﴿عَلَى الْكَافِرِينَ (٧٠)﴾ وهذا مطابق معنى، أي: ويحق القول على من كان ميتًا لأنهم في عداد الموتى.\nوقيل: ليحق القول فلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل (٣).\n﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ أي: خلقناها لانتفاعهم واعتبارهم، وذِكْر الأيدي يُفيد أن الله خلقها بذاته سبحانه من غير واسطة.\n﴿فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (٧١)﴾ فيه قولان:\nأحدهما: ضابطون قابضون (٤)، من قول الشاعر:\nأصبحت لا أحمل السلاح ولا ... أملك رأس البعير إن نفرا (٥).\nوالثاني: مالكون ملك اليمين، أي: خلقناها وجعلناها ملكًا لهم (٦).\n﴿وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ﴾ صَيَّرْناها منقادة لهم.\n﴿فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ﴾ الرَّكُوب ما يُرْكَب، وهو جمع وكذلك الحَلُوب ما يُحْلَب، والركوبة: تكون واحدًا وجمعًا.\n﴿وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (٧٢)﴾ أي: سخَّرْناها لهم ليركبوا ظهرها ويأكلوا لحمها.\n_________\n(١) في أ: \"ومن قرأ بالتاء لتنذر\"، بغير \"أي\".\n(٢) حكاه الواحدي في الوسيط (٣/ ٥١٩).\n(٣) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ٢٢٢).\n(٤) قاله قتادة، ومقاتل.\nانظر: النكت والعيون (٥/ ٣١)، زاد المسير (٧/ ٣٨).\n(٥) البيت للربيع بن ضبع الفزاري، يصف فيه ضعفه عن الحرب بعدما طَعَن في السِّن.\nانظر: ديوان الحماسة البصرية (٢/ ٣٦٧)، المستقصى في أمثال العرب للزمخشري (٢/ ١٩٢)، جمهرة الأمثال لأبي هلال العسكري (١/ ٢٣٧).\n(٦) قاله الكلبي.\nانظر: زاد المسير (٧/ ٣٨).","vol":"1","page":2372},{"text":"﴿وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾ في نسلها (١)، ودَرِّهَا، وصُوفِها، وشَعَرِها، والحَمْلِ عليها.\n﴿وَمَشَارِبُ﴾ أي: ألبانها.\n﴿أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٧٣)﴾ نِعَمَ الله، استفهام بمعنى الأمر.\n﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آَلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (٧٤)﴾ أي: لعل أصنامهم تنصرهم إذا حَزَبَهم أمر.\n﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ﴾ أي: خاب أملهم.\n﴿وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ (٧٥)﴾ بل الكفار ينصرون الأصنام ويذبون عنها. وقيل:\n﴿وَهُمْ﴾ أي: الأصنام، ﴿لَهُمْ﴾ للكفار جند تبع محضرون في النار (٢).\n﴿فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ فيه قولان:\nأحدهما: قولهم في الله إن له شريكًا وولدًا ﴿إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٦)﴾ فنجازيهم على أقوالهم وأفعالهم.\nوالثاني: قولهم فيك إنك شاعر ومجنون.\nوقيل: ﴿قَوْلُهُمْ﴾ تهديدهم إياك بالقتل ووعيدهم، ﴿إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ فَنَحُولُ بينك وبينهم (٣).\n﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧)﴾ مِنْطِيق، جَدِل بارع، لَسِن.\nوقيل: هذه صفة ذم، أي: خلقناه أحسن ما يكون ثم هو يجادلنا ويخاصم نبينا وينكر قدرتنا (٤).\nواختلفوا في نزوله؛ فقال ابن عباس ﵄: في عبدالله بن أُبَيَّ (٥).\n_________\n(١) في ب: \"وفي نسلها\" بالواو.\n(٢) حكاه السمرقندي في بحر العلوم (٣/ ١٠٦).\n(٣) انظر: معالم التنزيل للبغوي (٧/ ٢٨).\n(٤) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٥٢٠)، الكشاف للزمخشري (٥/ ١٩٦).\n(٥) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ٤٨٧).\nقال ابن كثير في تفسيره (٣/ ٥٨٩) \"وهذا منكر، لأن السورة مكية وعبد الله بن أبيّ إنما كان بالمدينة\".","vol":"1","page":2373},{"text":"سعيد بن جبير: في العاص بن وائل (١)، (٢).\nالحسن: في أميّة بن خلف.\nقتادة: في أبيّ بن خلف، وعليه الأكثرون (٣)، وذلك أنه أتى النبي ﷺ بعظم حَائِل (٤) قد بَلِي ففتته بيده وقال: يا محمد أترى الله يحي هذا بعدما رم؟ ! فقال ﷺ: \"نعم ويبعثك ويدخلك النار\"، فأنزل الله هذه الآية ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ أي: خَلْقَنا إياه، مصدر مضاف إلى المفعول.\nقَالَ ﴿مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨)﴾ تقول: رَمّ الشيء ورممته (٥)، وهي ككف خصيب، وعين كحيل.\n﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا﴾ خَلَقَها.\n﴿أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ ابتداءً حين أوجد (٦).\n﴿وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩)﴾ لا يخفى عليه أجزاؤه وإن تفرقت في البر والبحر فيجمعه ويعيده خلقًا كما كان.\n_________\n(١) العاص بن وائل، تنظر ترجمته ص: ٢٣٢\n(٢) وهو مروي عن ابن عباس ﵄.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٤٨٧)، النكت والعيون (٥/ ٣٣).\n(٣) وهو قول مجاهد، وعكرمة، وعروة بن الزبير، والسدي، وهو الذي عليه أكثر أهل التفسير.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٤٨٦)، بحر العلوم للسمرقندي (٣/ ١٠٧)، أسباب النزول للواحدي (٤٢٣).\n(٤) أي: متحلل قد بَلِي.\n(٥) الرَّم: إصلاح الشيء البالي، والرِّمَّة للعظم البالي، والرُّمُّة: الحبل البالي، والرِّمّ: الفُتات من الخشب والتِّبن، وأرَمَّتْ عظامه: إذا سُحِقت حتى إذا نُفِخَ فيها لم يُسْمع لها دَوِي.\nانظر: المفردات (٣٦٥)، مادة: رَمَّ.\n(٦) في ب: \"حين وجد\".","vol":"1","page":2374},{"text":"﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠)﴾ يريد شجرة المَرْخ والعَفَار (١)، فمن أراد منهم النار قطع غصنين مثل السواكين وهما خضراوان يقطر منهما الماء، فيسحق المرخ وهو ذكر (٢) على العفار وهي أنثى فتخرج منهما النار، وتقول العرب: في كل شجر نار واستمجد المَرْخ والعَفَار (٣).\nوفي التفاسير: كل شجر فيه نار إلا العُنُّاب (٤).\n_________\n(١) المَرْخ: من شجر النار، وهو نبت ينفرش ويطول في السماء حتى يستظل فيه، وليس له ورق ولاشوك، وعيدانه سَلِبَة وقضبانه دِقَاق، وهو ينبت في الشِعاب، ومنه يكون الزناد الذي يقدح به، واحدته مرخة.\nانظر: لسان العرب (١٣/ ٦٩)، مادة: مرخ.\nالعَفَار: واحدته عَفارة، وهي شجرة صغير لها نور، يكون من أغصانها الزناد فَيُقْتَدح به.\nانظر: لسان العرب (٩/ ٢٨٧)، مادة: عَفَرَ.\n(٢) في ب: \"وذكر\"، بغير \"هو\".\n(٣) استمجد: أي: كثر فيهما لأنهما من أكثر الشجر نارًا، وزنادهما أسرع الزناد واشتعالًا، وهو مثل يضرب في تفضيل بعض الشيء على بعض وبعض الرجال على بعض، من قولهم: أمجدت الدابة علفًا إذا أكثرت منه.\nانظر: جمهرة الأمثال لأبي هلال العسكري (٢/ ٩٢)، المستقصى في أمثال العرب للزمخشري (٢/ ١٨٣)، مجمع الأمثال لأبي الفضل النيسابوري (٢/ ٧٤).\n(٤) حكاه الماوردي في النكت والعيون (٥/ ٣٤) عن الكلبي، وعزاه الزمخشري في الكشاف (٥/ ١٩٧) لابن عباس ﵄ ..\nالعُنَّاب: واحدته عُنَّابة، يقال له السَنْجَلان بلغة الفرس، وهو من أقل الشجر نارًا.\nانظر: العين للخليل (٢/ ١٥٩)، لسان العرب (٩/ ٤١٣)، مادة: عنب.","vol":"1","page":2375},{"text":"﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ لأنهم مُقِرون بذلك، ثم قال ﴿بَلَى﴾ فيه قولان:\nأحدهما: أنهم يقولون بلى.\nوالثاني: فإن أجابوك وإن لا فقل: بلى، إذا ليس له جواب غير ذلك (١).\n﴿وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١) إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ﴾ لذلك الشيء. وقيل: لأجله (٢).\n﴿كُنْ﴾ سبق في أول البقرة (٣).\n﴿فَيَكُونُ (٨٢)﴾ أي: فهو يكون على ما قدر وأراد.\n﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي: نَزِّهوه عن الوصف بالعجز عما أراد، والملكوت: المُلْك بأبلغ الألفاظ ولا يكون (٤) إلا لله وحده (٥).\n﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ إما إلى جنة وإما إلى نار.\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن للنحاس (٥/ ٥٢٢).\n(٢) انظر: معاني القرآن للزجاج (١/ ١٧٥).\n(٣) في ب: \"سبق أول البقرة\"، بغير \"في\"، عند قوله تعالى ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة: ١١٧].\n(٤) في ب: \"فلا يكون\" بالفاء.\n(٥) قال ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ٤٩١) \"الذي بيده ملك كل شيء وخزائنه\".","vol":"1","page":2376},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-143>سورة الصافات</span>","vol":"1","page":2377},{"text":"سورة الصافات، مائة وثمانون آية (١) مكية (٢).\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١) فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (٢) فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا (٣)﴾ ذهب ابن عباس ﵄ إلى أن المراد بالثلاثه الملائكة لأنهم صفوف في السماء كصفوف المصلين في الأرض، ولأنها تزجر عن معاصي الله (٣).\nوقيل: تزجر السحاب تسوقه إلى حيث أمر الله (٤)، ولأنها تتلوا كتاب الله على الأنبياء ﵈.\nوذهب ابن بحر إلى أن المراد بالثلاثة المصلون من الناس (٥)، قال: والزَّجْرُ والصَّيْحةُ (٦) واحد أي: يرفعون أصواتهم بتلاوة القرآن في الصلاة فهم الزاجرات التاليات (٧).\nوقيل: الصافات: الطيور في الهواء (٨).\nوقيل: الزاجرات: آيات القرآن (٩).\n_________\n(١) في ب: \"سورة الصافات مكية\".\n(٢) أخرج النحاس في الناسخ والمنسوخ (٢/ ٥٩٤)، عن ابن عباس ﵄ أنها نزلت في مكة، ونقل ابن الجوزي في زاد المسير (٧/ ٤٤) الإجماع على مكيتها.\n(٣) وهو الذي عليه أكثر السلف كابن مسعود ﵁، وسعيد بن جبير، وعكرمة، ومجاهد.\nانظر: النكت والعيون (٥/ ٣٦)، زاد المسير (٧/ ٤٤) ..\n(٤) وهو المروي عن ابن عباس ﵄ وغير واحد من السلف.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٤٩٣)، بحر العلوم للسمرقندي (٣/ ١٠٩).\n(٥) في ب: \"المصلين من الناس\".\n(٦) في أ: \"والزاجر والصيحة\".\n(٧) انظر: النكت والعيون (٥/ ٣٧).\n(٨) حكاه الثعلبي في الكشف والبيان (٨/ ١٣٨)، من قوله تعالى ﴿وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ﴾ [النور: ٤١]، وقوله تعالى ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ﴾ [الملك: ١٩].\n(٩) قاله الربيع.\nانظر: النكت والعيون (٥/ ٣٧).","vol":"1","page":2378},{"text":"وقيل: ﴿فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا (٣)﴾ آيات القرآن أيضًا (١).\nوقيل: ﴿فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا (٣)﴾ قُرَّاء القرآن (٢).\nويحتمل أن المراد بالثلاثه الغُزَاة (٣)، كقوله ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾ [العاديات: ١] فهم الصافات في الحرب (٤)، والزاجرات الكفار (٥)، التاليات ذكر الله بالتكبير، والتهليل، والتسبيح. والصَّفْ: ترتيب الشيء على نَسَق، كالصَّفْ في الصلاة، والصَّاف واحد، والصَّافة جمع، والصافات جمع الصافة.\nوالزَّجْر: الصَّرْفُ عن الشيء بخوف وتخويف (٦).\nوالتلاوة: القراءة، والتُّلُو: الاتباع (٧).\nأقسم الله بهذه الأشياء تعظيمًا لها وتشريفًا. وقيل: ورب الصافات، وكذلك والذاريات، والطور، والنجم، وغيرها (٨).\n﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (٤)﴾ جواب القسم ردًا على من قال ﴿أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص: ٥].\n﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ (٥)﴾ أي: مطالع الشمس ولها ثلاثمائة وستون مطلعًا وكذلك المغارب.\n_________\n(١) قالهما قتادة.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٤٩٤).\n(٢) حكاه الواحدي في الوسيط (٣/ ٥٢١) عن الكلبي.\n(٣) حكاه السمرقندي في بحر العلوم (٣/ ١٠٩).\n(٤) في أ: \"والصافات في الحرب\" بالواو بدل \"فهم\".\n(٥) في ب: \"الزاجرات للكفار\".\n(٦) الزَّجْر: طَرْدٌ بصوت، يقال زَجَرْتُه فانْزَجَر، ويستعمل في الطَّرْد تارة، وفي الصوت أخرى.\nانظر: المفردات للراغب (٣٧٨)، مادة: زجر.\n(٧) تَلاه: تَبِعَه متابعة ليس بينهم ما ليس منها، ويكون تارة بالجسم وتارة بالاقتداء في الحكم، ومصدره: تُلُو وتُلْو، وتارة بالقراءة وتدبر المعنى، ومصدره: تلاوة.\nانظر: المفردات للراغب (١٦٧)، مادة: تلو.\n(٨) حكاه الماوردي في النكت والعيون (٥/ ٣٧).","vol":"1","page":2379},{"text":"وقيل: لها مائة وثمانون مشرقًا فإذا انتهى إلى آخرها رجعت (١).\nوقيل: كل ما طلع عليه الشمس من الأرض فهو مشرق، وكل ما غرب عنه الشمس فهو مغرب (٢).\n﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا﴾ تأنيث الأدنى وهي التي تدنوا من الأرض.\n﴿بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (٦)﴾ من جرها غير منونة فللإضافة، ومن جرها منونة فبالبدل، ومن نصبها فعلى محل الجار والمجرور (٣).\nوقيل: بدل من ﴿السَّمَاءَ﴾. وقيل: زينا السماء الدنيا بتزبيننا الكواكب (٤).\n﴿وَحِفْظًا﴾ أي: وحفظناه حفظًا.\n﴿مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (٧)﴾ خالٍ عن الخير خبيث.\n﴿لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى﴾ أي: إلى كلام الملأ الأعلى وهم الملائكة، وتقديره: أن لا يسمعوا أي: لئلا يسمعوا، فلما حذف (أن) رفعه الفعل وعداه بإلي لأنه في معنى الاصغاء. وقيل: سمعت إليه بمعنى: صَرَفْتُ إلى جهته سمعي.\n_________\n(١) حكاه الماوردي في النكت والعيون (٥/ ٣٧) عن يحي بن سلام، وقد سبق الكلام عنه في سورة يس في قوله تعالى ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [الآية: ٣٨].\n(٢) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٩٧٠).\n(٣) قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر، وأبو عمرو، والكسائي (بزينةِ الكواكب) بالإضافة، وقرأ حمزة، وحفص عن عاصم (بزينةٍ الكواكبِ) بالتنوين مع الخفض، وجعل (الكواكب) بدل من الزينة، وقرأ أبو بكر عن عاصم (بزينةٍ) بالتنوين، ونصب (الكواكبَ).\nانظر: الحجة لابن خالويه (٣٠٠)، الكشف لمكي (٢/ ٢٢١).\n(٤) انظر معاني القرآن للزجاج (٢٢٥، ٢٢٤).","vol":"1","page":2380},{"text":"قرئ ﴿يَسَّمَّعُونَ﴾ بالتشديد والتخفيف؛ فمن شدد فأصله يتسمعون فأدغم، ومن خفف جعله من سمع يسمع (١).\nابن عباس ﵄: يَتَسِّمَّعون ولا يَسْمَعون (٢).\nالحسن: لا يَسْمَعون الوحي ويَخْتَطِفون الخَطْفَةَ مما سوى ذلك فليقون إلى الكهنة (٣).\n﴿وَيُقْذَفُونَ﴾ تقول: قَذَفْتُ الشيء طَرَحْته، وقذفته بالحجر (٤) رميت إليه حجرًا، ومنه قذفه بالفجور، والآية يحتمل الوجهين (٥).\n﴿مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (٨)﴾ أي: مرة من هذا الجانب، ومرة من هذا الجانب. وقيل: يُقْذَفُون من كل الجوانب (٦).\n﴿دُحُورًا﴾ مصدر من غير لفظ الفعل الأول أي: يُقْذَفون قذفًا. وقيل: فعله مضمر تقديره: ويدحرون دحورًا. وقيل: دحورًا جمع دَحر، وهو ما يُرْمى به فيكون تقديره: بدحور فحذف الجار ونَصَب، يقويه قراءة من فتح (دَحُورًا) (٧)،\n_________\n(١) قرأ حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم ﴿يَسَّمَّعُونَ﴾ بالتشديد، وقرأ الباقون بالتخفيف (لايَسْمَعون).\nانظر: التيسير للداني (١٨٦)، الإقناع لأبي جعفر أحمد بن خلف (٣٦٧).\n(٢) انظر: النكت والعيون (٥/ ٣٨).\n(٣) لم أقف عليه، والله أعلم.\n(٤) في ب: \"وقذفته بحجر\" بالألف واللام.\n(٥) القَذْفُ: الرَّمي البعيد، يقال: منزل قَذَفٌ وقَذيِف، وبلدة قَذُوف أي: بعيدة، واستعير القذف للشتم والعيب كما استعير الرمي.\nانظر: المفردات (٦٦١)، مادة: قذف.\n(٦) قاله مجاهد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٥٠٦).\n(٧) وهي قراءة شاذة قرأ بها أبو عبد الرحمن السلمي، وأيوب، والضحاك، السختياني.\n\nانظر: المحتسب لابن جني (٢/ ٢٦٥)، شواذ القراءات لأبي نصر الكرماني (٤٠٤).","vol":"1","page":2381},{"text":"ولا يمتنع أن يكون حالًا أي: مدحورين مطرودين من قوله ﴿مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء: ١٨] (١).\n﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ﴾ أي: للشياطين عذاب.\n﴿وَاصِبٌ (٩)﴾ قيل: دائم، من الوصوب (٢).\nوقيل: مُوجع من الوَصَب (٣).\nوقيل: شديد (٤).\nوقيل: خالص (٥).\n﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ﴾ قيل: الاستثناء من قوله ﴿يَسَّمَّعُونَ﴾، ومحل ﴿مَنْ﴾ رفع.\nوقيل: الاستثناء منقطع وخبره ﴿فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ﴾.\nومعنى ﴿خَطِفَ الْخَطْفَةَ﴾ اختلس الكلمة مسارقة (٦).\nوقيل: استمع استماعة (٧).\nوقيل: مسارعة (٨).\nوقيل: وثب وثبة (٩).\n﴿فَأَتْبَعَهُ﴾ أي: تبعه، رُمِيَ في أثره.\n﴿شِهَابٌ﴾ كوكب.\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن للفراء (٢/ ٣٨٣).\nقال ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ٥٠٥) \"الدُّحُور: مصدر، من قولك: دّحَرْتُه أدْحَرُه دَحْراٌ ودُحورًا، والدَّحْر: هو الدفع والإبعاد، يقال منه: أدْحَر عنك الشيطان، أي: ادفعه عنك وأبعده\".\n(٢) وهو قول ابن عباس ﵄، ومجاهد، وعكرمة، وقتادة، ومقاتل.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٥٠٧)، الوسيط للواحدي (٣/ ٥٢٢)، زاد المسير (٧/ ٤٧).\n(٣) قاله أبو صالح، والسدي.\nجامع البيان لابن جرير (١٩/ ٥٠٦)، زاد المسير (٧/ ٤٧).\n(٤) قاله ابن عباس، ﵄.\nانظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٥/ ٦٦).\n(٥) حكاهما الثعلبي في الكشف والبيان (٨/ ١٤٠).\nقال الزجاج في معاني القرآن (٣/ ١٦٦) \"الوَصَب: شدة التعب\".\n(٦) قال الزجاج في معاني القرآن (٤/ ٢٢٥) \"يقال: خطِفْتُ أخْطَفُ، وخَطَفْتُ أخْطِف، إذا أخذت الشيء بسرعة\".\n(٧) لم أقف عليه، والله أعلم.\n(٨) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٥٢٢).\n(٩) حكاه الماوردي في النكت والعيون (٥/ ٣٩) عن ابن عيسى.","vol":"1","page":2382},{"text":"﴿ثَاقِبٌ (١٠)﴾ مضئ، وقيل: ماض (١).\nوقيل: عال (٢).\nوقيل: يثقب بضوءه (٣)، من الثقب فإذا قذفوا احترقوا.\nوقيل: تصيبهم (٤) آفة فلا يعودون (٥).\nوقيل: لا يقتلون (٦) بالشهب بل يحس (٧) بذلك فلا يرجع (٨) ولهذا لا يمتنع غيره\nعن ذلك (٩).\nوقيل: يصيبهم مرة ويسلمون مرة، فصاروا في ذلك كراكبي السفينة للتجارة وغيرها (١٠).\n﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾ سل قومك، نزلت في أبي الأشد بن كلدة بن أُسَيْد (١١)، حكاه الثعلبي (١٢). وقيل: فحاجهم (١٣).\n_________\n(١) حكاه الماوردي في النكت والعيون (٥/ ٣٩) عن ابن عيسى.\n(٢) حكاه الماوردي في النكت والعيون (٥/ ٣٩) عن الفراء، ولم أقف عليه في معاني القرآن له.\n(٣) قاله قتادة، وابن زيد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٥٠٩، ٥٠٨).\n(٤) في ب: \"يصيبهم\" بالياء.\n(٥) في أ: \"ولا يعودون\" بالواو، وانظر: غرائب التفسير (٢/ ٩٧٢).\n(٦) في أ: \"لا تقتلون\" بالتاء.\n(٧) في ب: \"بل تحس\" بالتاء.\n(٨) في ب \"فلا ترجع\" بالتاء.\n(٩) قاله ابن عباس ﵄.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٥٠٨).\n(١٠) \"وغيرها\" سقط من ب، وانظر: غرائب التفسير (٢/ ٩٧٢).\n(١١) أبو الأشد، ويقال: أبو الأشدين الجمحي، واسمه كلدة بن أسيد بن خلف، قتل كافرًا، وكان قوي الجسم وقد دعا رسول الله ﷺ لمصارعته وقال: إن صرعتي آمنت بك، فصرعه رسول الله ﷺ مرارًا ولم يؤمن.\nانظر: البداية والنهاية (٤/ ٢٥٦)، اروض الأنف (٣/ ١٩٥).\n(١٢) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٨/ ١٤٠).\n(١٣) قاله الحسن.\nانظر: النكت والعيون (٥/ ٤٠)، وقال الزجاج في معاني القرآن (٤/ ٢٢٥) \"أي: سلهم سؤال تَقْرِير\".","vol":"1","page":2383},{"text":"﴿أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا﴾ يريد عادًا وثمودًا ومن قبلهم من الأمم الخالية، والتقدير: أمن خلقنا قبلهم وسواهم فإن الكل من خلق الله.\nوقيل: فاستفت بني آدم أهم أشد خلقا أم من خلقنا يعني: الملائكة (١).\nالحسن في جماعة: أمن خلقنا يريد: السموات والأرض والجبال، لقوله (٢) ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر: ٥٧] (٣)، فيكون (من)\nحينئيذ لازدواج الكلام. ثم بَيَّنَ من أي شيء خلق بني آدم فقال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ﴾ يعني: أصل بني آدم.\n﴿مِنْ طِينٍ لَازِبٍ (١١)﴾ الطِّين: التراب خالطه الماء، واللَاّزِب: اللَاّزِم، والباء بدل من الميم عند أكثرهم (٤).\nوقيل: هو من اللُّزوب بمعنى: اللزوم، ومعناه: لازِق من طين علك (٥).\nابن عباس ﵄: هو الملتصق من الطين الحُر الجَيِّد (٦).\nمجاهد، والضَّحاك: مُنْتِنْ (٧).\n﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (١٢)﴾ أي: عَجِبْتَ من تكذيبهم وهم يسخرون من تعجبك.\n_________\n(١) قاله سعيد بن جبير.\nانظر: النكت والعيون (٥/ ٤٠).\n(٢) في أ: \"كقوله\" بالكاف.\n(٣) وهو قول مجاهد، والضحاك، وقتادة، وابن جرير.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٥١٠)\n(٤) لقرب مخرجهما، وهو اختيار الفراء في معاني القرآن (٢/ ٣٨٤)، والزجاج في معاني القرآن (٤/ ٢٢٦)، وابن جرير في جامع البيان (١٩/ ٥١٠)، قال \"وإنما وصفه باللِّزوب لأنه تراب خلط بماء، وكذلك خلق ابن آدم من تراب وماء ونار وهواء، والتراب إذا خلط بماء صار طينًا لازبًا\".\n(٥) انظر: معاني القرآن للفراء (٢/ ٣٨٤).\n(٦) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٥١٢).\n(٧) انظر: معالم التنزيل (٧/ ٣٥).","vol":"1","page":2384},{"text":"وقيل: بل عجبت يا محمد من القرآن حين أُعْطِيتَه ويسخر أهل الكفر منه (١).\nومن قرأ بالضم (٢) فلذلك وجهان:\nأحدهما: أن المعنى: حَلُّوا محل من يُتَعَجَّب منهم، والعجب على الله غير جائز، ومنهم من أجاز لفظ التعجب وحمله على مثل ﴿وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤] و﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] ومثله ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾ [الرعد: ٥] وقال ﷺ\" يعجب ربك من الشاب ليست له صبوة\" (٣).\nوقيل: العجب أن يرى الإنسان ما ينكره، فيجوز على هذا القول أن الله أنكر ما عليه الكفار (٤).\n_________\n(١) قاله قتادة.\nانظر: النكت والعيون (٥/ ٤١).\n(٢) قراءة الضم (بل عَجِبْتُ) قرأ بها حمزة، والكسائي، وعلي بن أبي طالب، وابن مسعود، وابن عباس، ﵃ أجمعين، واختارها الفراء، حيث قال في معاني القرآن (٢/ ٣٨٤) \"قرأها الناس بنصب التاء ورفعها، والرفع أحب إلي\"، ثم نقل عن القاضي شريح إنكاره لهذه القراءة.\nوالمعنى على هذه القراءة: الإخبار عن الله تعالى.\nوقرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وأبو عمرو، وابن عامر بالفتح (بل عجِبْتَ)\n(٣) أخرجه الإمام أحمد في المسند (٢٨/ ٦٠٠)، ح: ١٧٣٧١، عن عقبة بن عامر ﵁، وفيه عبد الله بن لهيعة، وهو ضعيف.\nانظر: تهذيب التهذيب (٥/ ٣٣١).\n(٤) ومذهب أهل السنة والجماعة إثبات صفة التعجب لله تعالى على مايليق به سبحانه، كما جاء في صفة المكر والاستهزاء.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى (٦/ ١٢٣) \"والله بكل شيء عليم فلا يجوز عليه أن لايعلم سبب ما تعجب منه؛ والله تعالى يعظم ما هو عظيم؛ إما لعظة سببه أو لعظمته ..، ولهذا قال (بل عجبت ويسخرون) على قراءة الضم، فهنا هو عجب من كفرهم مع وضوح الأدلة\" أ. هـ بتصرف يسير.","vol":"1","page":2385},{"text":"﴿وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ (١٣)﴾ إذا وعِظُوا لا يتعظون.\n﴿وَإِذَا رَأَوْا آَيَةً﴾ إنشقاق القمر، وغيره من المعجزات.\n﴿يَسْتَسْخِرُونَ (١٤)﴾ يسخرون. وقيل: يستدعي بعضهم بعضًا إلى أن يسخر (١). ﴿وَقَالُوا إِنْ هَذَا﴾ أي: الذي نراه.\n﴿إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٥)﴾ ظاهر.\n﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (١٦)﴾ أي: أنبعث إذا متنا؟ وقد سبق (٢).\n﴿أَوَآَبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (١٧)﴾ قرئ بفتح الواو على تقدير: أوأباؤنا الأولون مبعوثون، وبسكون الواو وتقديره: أيبعث واحد منا مبالغة في الإنكار (٣).\n﴿قُلْ نَعَمْ﴾ تبعثون وآباؤكم.\n﴿وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ (١٨)﴾ صاغرون أذلاء على رغم منكم.\n﴿فَإِنَّمَا هِيَ﴾ أي: القيامة، أو نفخة القيامة.\n﴿زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ صيحة واحدة.\n﴿فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ (١٩)﴾ أي: أحياء ينظرون. وقيل: ينتظرون أمر الله فيهم (٤).\n﴿وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا﴾ معناه: وجب لنا الويل والحزن.\nوقيل: حل بنا أشد شيئ نكرهه (٥).\n_________\n(١) حكاه الماوردي في النكت والعيون (٥/ ٤٢).\n(٢) في قوله تعالى في سورة المؤمنون ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾ [الآية: ٣٥]، وقوله أيضًا في سورة المؤمنون ﴿قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [الآية: ٨٢].\n(٣) قرأ نافع، وابن عامر بسكون الواو (أوْ آباؤنا)، وقرأ الباقون بفتحها (أوَ آباؤنا).\nانظر: الغاية في القراءات العشر لابن مهران النيسابوري (٢٤٩)، الكشف لمكي (٢/ ٢٢٣).\n(٤) حكاه الماوردي في النكت والعيون (٥/ ٤٢).\n(٥) لم أقف عليه، والله أعلم.","vol":"1","page":2386},{"text":"﴿هَذَا يَوْمُ الدِّينِ (٢٠)﴾ قيل: هو من تمام كلامهم أي: هذا يوم الجزاء الذي كنا ننكره (١).\nوقيل: تم الكلام على قوله ﴿يَا وَيْلَنَا﴾، ثم قال الله ﴿هَذَا يَوْمُ الدِّينِ (٢٠)﴾ (٢).\n﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ﴾ بين المحسن والمسيء.\n﴿الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢١) * احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ كفروا.\n﴿وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ الحسن: نساءهم اللاتي على دينهم (٣).\nوقيل: أبتاعهم (٤).\nابن عباس ﵁: أمثالهم وأضرابهم ونظرائهم؛ الزاني مع الزاني، وصاحب الخمر مع صاحب الخمر، من قوله ﴿أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً﴾ [الواقعة: ٧] أي: أشباهًا (٥).\n﴿وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: الأصنام ليعذب بها الكفار.\n_________\n(١) أي: من تمام كلام الكفرة بعضهم لبعض، أقروا بأنه يوم الجزاء، وأنه يوم الفصل، واختار هذا القول أبو حيان في البحر المحيط (٧/ ٣٤١).\n(٢) ويكون هذا من كلام الله لهم أو من كلام الملائكة، وهو الذي عليه أكثر المفسرين.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٥١٨)، زاد المسير (٧/ ٥٢)، تفسير ابن كثير (٤/ ٥).\n(٣) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٥٢٣).\n(٤) قاله ابن عباس ﵁.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٥٢٠).\n(٥) وهذا القول مروي أيضًا عن عمر بن الخطاب، والنعمان بن بشير ﵄، ومجاهد، وقتادة، والسدي.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٥٢٠، ٥١٩).\nقال الزجاج في معاني القرآن (٤/ ٢٢٧) \"معناه: ونظراءهم وضربائهم، تقول: عندي من هذا أزواج، أي: أمثال، وكذلك وزجان من الخِفاف، أي: كل واحد نظير صاحبه\".\nقال النحاس في معاني القرآن (٦/ ٢٠) \"زوجت الناقة بالناقة أي: قرنتها، ومنه قيل للرجل زوج وللمرأة زوج، ويقال: هديته الطريق أي: دللته عليه.\"","vol":"1","page":2387},{"text":"﴿فَاهْدُوهُمْ﴾ أدعوهم.\nوقيل: قدموهم، والسابق يسمى الهادي (١).\nوقيل: دُلُّوهم (٢).\n﴿إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (٢٣)﴾ وسطها. وقيل: طريقها (٣).\n﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤)﴾ أي: احبسوهم، تقول: وقفته وقفًا.\nوفي السؤال قولان:\nابن عباس ﵄: عن لا إله إلا الله (٤).\n\nوقيل: عن خطاياهم (٥).\nوقيل: عن جميع أقوالهم وأفعالهم (٦).\nوالثاني: أنهم مسؤلون، ثم بين عم يُسألون (٧) فقال ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ (٢٥)﴾ كما كنتم تنصرون أوثانكم على من قصدها وهاهي تُحْشَرُ إلى النار مالكم تركتم نُصرتها، وهذا توبيخ لهم وتقريع.\nوقيل: هذا جواب لأبي جهل حيث قال يوم بدر ﴿نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ [القمر: ٤٤]، حكاه الثعلبي (٨).\nوقيل: ﴿وَقِفُوهُمْ﴾ مقدم متصل بقوله: احشروهم، واحشروهم متصل بقوله ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ﴾.\n﴿بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (٢٦)﴾ خاضعون.\n_________\n(١) قاله ابن كيسان.\nانظر: معالم التنزيل للبغوي (٧/ ٣٧).\n(٢) قاله الزجاج في معاني القرآن (٤/ ٢٢٧)، قال\"يقال: هديت الرجل إذا دللته، وهديت العروس إلى زوجها، وأهديت الهدية، وكذلك تقول في العروس: أهديتها إذا جعلتها كالهدية\".\n(٣) حكاه السمرقندي في بحر العلوم (٣/ ١١٣).\n(٤) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٨/ ١٤٢)، وهو قول يحي بن سلام.\nانظر: النكت والعيون (٥/ ٤٤)، معالم التنزيل (٧/ ٣٨).\n(٥) قاله الضحاك.\nانظر: الكشف والبيان للثعلبي (٨/ ١٤٢)، زاد المسير (٧/ ٥٣).\n(٦) قاله ابن عباس ﵄.\nانظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٥٢٤).\n(٧) في ب: \"ثم عم يُسْألون\" بغير \"بيَّنَ\".\n(٨) في الكشف والبيان (٨/ ١٤٣).","vol":"1","page":2388},{"text":"وقيل: منقادون (١).\nالأخفش: هم ملقون بأيديهم (٢).\n﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ يعني: الأتباع والرؤساء.\n﴿يَتَسَاءَلُونَ (٢٧)﴾ يتخاصمون.\n﴿قَالُوا﴾ يعني: الأتباع للرؤساء.\n﴿إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ (٢٨)﴾ أي: من قِبَلِ الدِّين فتضلوننا عنه، أي: تأتوننا عن أقوى الوجوه وأَيْمَنِه كأنكم تنفعوننا نفع السانح (٣) فجنحنا إليكم فهلكنا. وقيل: ﴿عَنِ الْيَمِينِ (٢٨)﴾ عن الخير تروننا أنكم تريدون بنا الخير (٤).\nوقيل: ﴿تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ (٢٨)﴾ أي: تكرهوننا على الدِّين (٥).\n﴿قَالُوا﴾ أي: الرؤساء.\n﴿بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٢٩)﴾ أي: ما كنتم مؤمنين فرددناكم عن الإيمان.\n﴿وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ حجة وبرهان (٦) ولا قهرناكم عليه.\n﴿بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ (٣٠)﴾ بل كفرتم بطغيانكم.\n﴿فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا﴾ أي: وجب علينا جميعًا كلمة العذاب.\n﴿إِنَّا لَذَائِقُونَ (٣١)﴾ يعني: الرؤساء والأتباع. وقيل: معناه: استحققنا العذاب الذي أوعدناه ربنا (٧).\n_________\n(١) حكاه الواحدي في الوسيط (٣/ ٥٢٤).\n(٢) تنظر هذه الأقوال في الكشف والبيان للثعلبي (٨/ ١٤٣)، معالم التنزيل للبغوي (٧/ ٣٨).\n(٣) السَّانِحْ: مأتاك عن يمينك من ظبي أو طائر أو غيره، والعرب تتفاءل به، وتتشاءم بالبارح وهو مأتاك عن يسارك.\nانظر: لسان العرب (٦/ ٣٨٥)، مادة: سنح.\n(٤) في أ: \"خيرًا\"، وهذا قول الحسن، وقتادة.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٥٢٥)، النكت والعيون (٥/ ٤٥).\n(٥) قاله الزجاج في معاني القرآن (٤/ ٢٢٧).\n(٦) في ب: \"برهان وحجة\" بالتقديم والتأخير.\n(٧) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٥٢٧).","vol":"1","page":2389},{"text":"وقيل: حق علينا قول الله وإخباره أنا جميعًا نكفر فنصير إلى النار ونذوق العذاب (١).\nوقيل: ﴿قَوْلُ رَبِّنَا﴾ قضاء ربنا.\nوقيل: ﴿قَوْلُ رَبِّنَا﴾ أنه يعذبنا إن كفرنا (٢).\n﴿فَأَغْوَيْنَاكُمْ﴾ أضللناكم.\n﴿إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ (٣٢)﴾ ضالين. وقيل: معناه: خيبناكم كما خِبْنا. والغواية: الخيبة. والإغواء: الدعاء إلى الغي.\n﴿فَإِنَّهُمْ﴾ أي: جميعًا (٣).\n﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يوم القيامة.\n﴿فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٣) إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (٣٤)﴾ أي: بالمشركين (٤).\n﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥)﴾ أي: يتكبرون على من يدعوهم إلى قول لا إله إلا الله. وقيل: ﴿يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥)﴾ يأنفون من قوله ويَسْتَخِفُّونَ بمن دعاهم إليه (٥).\n﴿يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥)﴾ خبر كان فإن أُلْغِيت كان فهو خبر (إن)، والعامل في ﴿إِذَا﴾\n﴿يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥)﴾.\n﴿وَيَقُولُونَ أَمْنًا لَتَارِكُوا آَلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦)﴾ يعنون محمدًا ﷺ، فَرَدَّ الله عليهم فقال ﴿بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (٣٧)﴾ أي: جاء بالصدق ووافق ما كان معهم. وقيل: لأن مجيء المخبِر يُصُدِّق المخْبَر به، وقد سبق (٦).\n_________\n(١) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٣/ ١١٤).\n(٢) بعض هذه الأقوال فيها حكاية لمذهب الجبرية، وأن العبد غير مختار، بل هو مجبر على فعله، وهو باطل، مخالف لمذهب السلف، والله أعلم.\n(٣) في ب: \"جميعًا\"، بغير \"أي\".\n(٤) في ب: \"بالمشركين\"، بغير \"أي\".\n(٥) لم أقف عليه، والله أعلم.\n(٦) عند قوله تعالى ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس: ٥٢].","vol":"1","page":2390},{"text":"﴿إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ (٣٨) وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٩)﴾ من غير زيادة.\n﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٤٠)﴾ قيل: الاستثناء متصل بالجزاء أي: إلا عباد الله المخلصين فإن جزاءهم أضعافًا مضاعفة تَفَضُّلًا منه سبحانه عليهم.\nوقيل: متصل بالذوق أي: يذوقون (١) إلا عباد الله المخَلَصين: المُصْطَفَيْن، وبالكسر\nالمصححون عزمهم (٢).\nوقيل: الاستثناء منقطع أي: لكن عباد الله المخلصين (٣).\n﴿أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (٤١)﴾ أي: معلوم دوامه.\nوقيل: معلوم وقته بكرةً وعشيًا (٤).\n﴿فَوَاكِهُ﴾ بدل من رزق (٥)، والفاكهة: ما يؤكل تلذذًا لا لحفظ الصحة والقوت.\n﴿وَهُمْ مُكْرَمُونَ (٤٢)﴾ مُعَظَّمُون.\n﴿فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٤٣)﴾ أي: لا شيء فيها إلا النعيم.\n﴿عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (٤٤)﴾ يُقابِل بعضهم بعضًا.\nوقيل: لا عداوة بينهم (٦).\nوقيل: يستمتع بعضهم بالنظر إلى وجوه البعض (٧).\n_________\n(١) في ب: \"تذوقون\" بالتاء.\n(٢) قرأ نافع، وعاصم، وحمزة، والكسائي، وأبو جعفر، وخلف بفتح اللام ﴿الْمُخْلَصِينَ (٤٠)﴾، وقرأ الباقون بكسرها.\nانظر: النشر لابن الجزري (٢/ ٢٩٥)، الاتحاف لابن البنا (٢/ ٤١١).\n(٣) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٣/ ١١٤)، البحر المحيط (٧/ ٣٤٣).\n(٤) قاله الكلبي.\nانظر: بحر العلوم للسمرقندي (٣/ ١١٤)، زاد المسير (٧/ ٥٦).\n(٥) في أ: \"بدل من الرزق\"، بالألف واللام.\n(٦) أي: أنهم يتزاورون.\nانظر: بحر العلوم للسمرقندي (٣/ ١١٤).\n(٧) حكاه ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ٥٣٠)، والواحدي في الوسيط (٣/ ٥٢٥).","vol":"1","page":2391},{"text":"﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ﴾ إناء فيه خمر (١).\n﴿مِنْ مَعِينٍ (٤٥)﴾ خمر جارية ظاهرة تراها العيون.\nوقيل: ﴿مَعِينٍ﴾ فَعِيل، من المَعْن وهو: المنفعة (٢).\nوقيل: من الامعان في السير، أي: جارٍ (٣).\nوقيل: من مَعَنَ الماء إذا جرى على وجه الأرض (٤).\nوقيل: هو مفعول من عين الماء (٥).\n﴿بَيْضَاءَ﴾ من صفة الكأس.\nوقيل: من صفة الخمر، والبياض أحسن الألوان (٦).\n﴿لَذَّةٍ﴾ ذات لذة، أي: لذيذ.\n﴿لِلشَّارِبِينَ (٤٦) لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾ صُداع. وقيل: داء (٧).\nوقيل: لا تذهب بعقولهم فتغتالها (٨)، والغَوْل: فساد يلحق في خفاء (٩).\n_________\n(١) الكأس عند العرب: كل إناء فيه شراب من خمر أو غيره، فإن لم يكن فيه شراب فهو إناء.\nانظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ٢٢٧).\n(٢) حكاه الفراء في معاني القرآن (٢/ ٢٣٧)، أي: مشتق من الماعون، لكن ضعفه الزجاج في معاني القرآن (٤/ ١٣)، قال \"لأن المَعْن في اللغة الشيء القليل\".\n(٣) حكاه الماوردي في النكت والعيون (٥/ ٤٦).\n(٤) حكاه الفراء في معاني القرآن (٢/ ٢٣٧).\n(٥) حكاه الفراء في معاني القرآن (٢/ ٢٣٧).\n(٦) قال الحسن: \"خمر الجنة أشد بياضًا من اللَّبَن\".\nانظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٥٢٥).\nوذهب ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ٥٣١) إلى أن المراد بقوله (بيضاء) الكأس، قال: \"ولتأنيث الكأس أنثت البيضاء، ولم يقل أبيض\".\n(٧) قاله ابن عباس ﵄، ومجاهد، وابن زيد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٥٣٣).\n(٨) في أ: \"لا يذهب بعقولهم فيغتالها\"، بالياء فيهما.\n(٩) الغَوْل: إهلاك الشيء من حيث لا يُحَسُ به، يقال: غال يغول غَوْلًا، واغتاله اغتيالًا.\nانظر: المفردات (٦١٩)، مادة: غول.","vol":"1","page":2392},{"text":"﴿وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ (٤٧)﴾ من كسر الزاي فله معنيان (١):\nأحدهما: لا يَسْكَرون، من قولهم: أنزف الرجل إذا سكر، والنِّزِّيف: المخمور.\nوالثاني: لا ينفد شرابهم. ومن قرأ بفتح الزاي فالمعنى: لا يَسْكَرون فيزول عقلهم (٢) تقول: نَزَف (٣) الرجل إذا زال (٤) عقله سُكْرًا (٥).\n﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ أي: قَصَرْن عيونهن عن النظر إلى غيرهم.\n﴿عِينٌ (٤٨)﴾ جمع عَيْنَاء أي: نَجْلاء واسعة العين (٦).\n﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (٤٩)﴾ مَصُون، شبههن ببيض النعام فإنها تُكِنُّها عن الريح والشمس والغبار بريشها.\nوقيل: شبههن (٧) ببياض البيض المسلوق تحت القِشْر (٨).\nوقيل: شبه لونهن وملاستهن بالبيض (٩).\n_________\n(١) قرأ حمزة، والكسائي بكسر الزاي (يُنْزِفون)، هنا وفي سورة الواقعة ﴿لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ﴾ [الآية: ١٩].\nوقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر بفتح الزاي (يُنْزَفون) هنا في سورة الواقعة، أما عاصم فكسرها في سورة الواقعة.\nانظر: الكشف لمكي (٢/ ٢٢٤)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣٥٧).\n(٢) \"فيزول عقلهم\"، سقط من ب.\n(٣) في أ: \"تقول: يزف\"، بالياء.\n(٤) في ب: \"زل\".\n(٥) تنظر هذه الأوجه في معاني القرآن للزجاج (٤/ ٢٢٨).\n(٦) قال الزجاج في معاني القرآن (٤/ ٢٢٩) \"كِبار الأعَيْنُ حِسَانُها، الواحدة عَيْناء\".\nأي: أنها تجمع بين كِبَر العين وحُسنها.\n(٧) في ب: \"شُبِّهْن\".\n(٨) قاله سعيد بن جبير، والسدي، وقتادة.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٥٤٠).\n(٩) قاله الحسن.\nفيكون لونها أبيض في صُفْرة وهو أحسن ألوان النساء حين يكون لونها بيضاء مشربة بِصُفْرة.\nانظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٥٢٥).","vol":"1","page":2393},{"text":"ابن عباس ﵄: البيض المكنون: الدر في صدفه (١).\n﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٥٠)﴾ يعني: أهل الجنة يتذاكرون أحوال الدنيا وأحوال أصدقائهم.\n﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (٥١)﴾ جليس في الدنيا؛ قيل: كانا أخوين (٢).\nوقيل: كانا شريكين (٣).\nوقيل: كان القرين شيطانًا (٤).\nوقيل: هما فطروس الكافر ويهوذا (٥) المسلم، وقصتهما في الكهف ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾ (٦) [الكهف: ٣٢].\n﴿يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (٥٢)﴾ بالبعث.\n﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ (٥٣)﴾ مجزيون. وقيل: محاسبون (٧).\nوقيل: مملوكون (٨).\n_________\n(١) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٥٤١).\nقال وأولى الأقوال في ذلك قول من قال: شُبِّهْن في بياضهن وأنهن لم يمسهن قبل أزواجهن إنس ولا جان ببياض البيض الذي هو داخل القشر، وهو الجلدة المُلْبِسة قبل أن تمسه يد أو شيء غيرها، وذلك لاشك هو المكنون فأما القشرة العليا فإن الطائر يمسها، والأيدي تباشرها، والعش يلقاها، والعرب تقول لكل مصون: مكنون، ما كان ذلك الشيء؛ لؤلؤًا كان أو بيضًا أو متاعًا\". أ. هـ بتصرف يسير.\n(٢) قاله مقاتل.\nانظر: الكشف والبيان للثعلبي (٨/ ١٤٥)، معالم التنزيل للبغوي (٧/ ٤١).\n(٣) قاله ابن عباس ﵄.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٥٤٣).\n(٤) قاله مجاهد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٥٤٣).\n(٥) في ب: \"ويهودا\" بالمهملة.\n(٦) حكاه السمرقندي في بحر العلوم (٣/ ١١٥).\n(٧) قاله مجاهد، وقتادة، والسدي.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٥٤٥).\n(٨) حكاه الثعلبي في الكشف والبيان (٨/ ١٤٥).","vol":"1","page":2394},{"text":"﴿قَالَ هَلْ أَنْتُمْ﴾ يقول الله لأهل الجنة هل أنتم ﴿مُطَّلِعُونَ (٥٤)﴾ إلى النار أي: هل تحبون أن تطلعوا فتعلموا أين منزلتكم من منزلة أهل النار.\nابن عباس ﵄: في الجنة كُوى ينظر أهلها منها إلى النار، فأهلها يناظرونهم (١)، لأن لهم في توبيخ أهل النار لذة وسرورًا (٢).\n﴿فَاطَّلَعَ﴾ على أهل النار.\n﴿فَرَآَهُ﴾ أي: قرينه.\n﴿فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٥٥)﴾ وسطه.\n﴿قَالَ﴾ أي: يقول له ﴿تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦)﴾ تهلكني، من الردى وهو: الهلاك.\n﴿وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي﴾ عصمته ورحمته.\n﴿لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٥٧)﴾ معك فيها ولم يقل في العذاب لأن الإحضار لا يستعمل إلا في الشر.\n﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨)﴾ أي: أفما نحن بمن شأنه أن يموت كقوله ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠)﴾ [الزمر: ٣٠].\n﴿إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٥٩)﴾ قيل: هذا استفهام تعجب يقولونها فيما بينهم (٣) فرحًا بذلك (٤).\n_________\n(١) في ب: \"إلى النار وأهلها ويناظرون أهلها\"، والصواب هو المثبت.\n(٢) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٨/ ٨/١٤٥)، معالم التنزيل للبغوي (٧/ ٤١).\n(٣) في أ: \"يقولونها بينهم\"، بغير \"فيما\".\n(٤) حكاه ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ٥٥٠).","vol":"1","page":2395},{"text":"وقيل: يسأل أهل الجنة من الملائكة فيقولون: لا، ويقولون ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٠)﴾ (١).\nوقيل: هذا من تمام كلامه لقرينة تقريعًا له وتوبيخًا (٢).\nو﴿مَوْتَتَنَا﴾ نُصِبَ على المصدر، والاستثناء يجوز أن يكون متصلًا، وتقديره: لا نموت إلا مرة.\nوقيل: يجوز أن يكون منقطعًا، وتقديره: لكن الموتة الأولى قد كانت في الدنيا.\nوقيل: ﴿إِلَّا﴾ هاهنا بمعنى: بعد (٣).\n﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٠)﴾ تم كلامه لقرينه، ثم قال الله ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (٦١)﴾.\nوقيل: هذا أيضًا من كلامه (٤).\nثم قال الله ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا﴾ أي: ذلك الذي ذكرت من نعيم أهل الجنة خيرٌ نزلًا.\n﴿أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢)﴾ يريد: أسباب هذا خير أو أسباب ذلك (٥)!\n_________\n(١) وذلك حين يذبح الموت، فقد أخرج البخاري في صحيحه (ك: التفسير، تفسير سورة مريم، ح: ٤٧٣٠) عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ \" يؤتى بالموت كهيئة كبش أملح، فينادي منادٍ: ياأهل الجنة. فيشرئبون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت، وكلهم قد رآه، ثم ينادي: ياأهل النار. فيشرئبون وينظرون، فيقول هل تعرفون هذا؟ فيقولون نعم، وكلهم قد رآه، فيُذْبَح، ثم يقول: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت\".\n(٢) تنظر الأقوال في: الكشف والبيان للثعلبي (٨/ ١٤٥)، معالم التنزيل للبغوي (٧/ ٤١)، زاد المسير (٧/ ٦١).\n(٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٥/ ٨٤).\n(٤) واختار ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ٥٥١) أنه من قول الله تعالى.\n(٥) في ب: \"أسباب ذلك خير أم أسباب هذا\".","vol":"1","page":2396},{"text":"والنُزُلُ: ما يقدم للضيف عند نزوله (١).\nوالزَّقُّوم: طعام يبتلعه الإنسان على مشقه وجهد جهيد لمرارته ونتنه وخشونته.\nوذكر قُطْرُب أن الزَّقُّوم شجرة مُرًّة تكون بتهامة (٢).\nوذكر المفسرون أن ابن الزبعرى قال لصناديد قريش: \" إن محمدًا يخوفنا بالزقوم، وإن الزقوم بلسان بربر وإفريقية الزبد والتمر (٣) \".\nوذكروا أيضًا أن أبا جهل (٤) لما سمع ذكر الزقوم أدخلهم بيته وقال: يا جارية زقمينا، فأتتهم بالزبد والتمر فقال (٥): تَزَقَّموا فإن هذا (٦) ما يوعدكم محمد، فأنزل الله صفة الزقوم، فقال (٧): ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً﴾ إمتحانًا وبلاءً.\n﴿لِلظَّالِمِينَ (٦٣) إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤)﴾ أي: مَنْبَتُها فيها.\n﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (٦٥)﴾ قيل: إن الشيطان هاهنا نوع من الحَيَّات تعرفها العرب خِفَاف لها أعراف ورؤس قباح (٨).\nوقيل: إن الشيطان شجر معروف (٩) عند العرب قبيح الأعالي يُسمى الأستن شُبِّهَ طلع الزقوم به في قبح المنظر (١٠).\n_________\n(١) في ب: \"والنُزُلُ: ما يُقام للضيف\"، بغير \"عند نزوله\".\n(٢) انظر: النكت والعيون (٥/ ٥١).\n(٣) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٣/ ١١٦).\n(٤) في ب: \"وذكروا أن أبا جهل\"، بغير \"أيضًا\".\n(٥) في أ: \"وقال\"، بالواو.\n(٦) في ب: \"فهذا\".\n(٧) \"فقال\"، سقط من أ.\nوالأثر أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ٥٥٢).\n(٨) حكاه الفراء في معاني القرآن (٢/ ٣٨٧).\n(٩) في أ: \"شجرة معروف\".\n(١٠) حكاه الزجاج في معاني القرآن (٤/ ٢٣١).","vol":"1","page":2397},{"text":"وقيل: هذا مثل، وذلك أن الشيء إذا استُقْبِحَ شُبِّهَ بالشيطان فقيل: كأنه وجه شيطان، كأنه رأس شيطان لأن كل أحد يزعم أنه أقبح الأشياء وإن لم يكن رآه (١).\nوقيل: يشوه الله الشياطين في النار (٢) فشبه طلعها برؤسهم (٣).\nمقاتل: رؤس الشياطين حجارة سُود تكون حوله مكة (٤).\n﴿فَإِنَّهُمْ لَآَكِلُونَ مِنْهَا﴾ من الشجرة.\n﴿فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٦٦)﴾ والملأ: حشو الوعاء بما لا يحتمل زيادة عليه.\n﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا﴾ أي: على أكل الشجرة لشوبًا.\n﴿مِنْ حَمِيمٍ (٦٧)﴾ فيشربون (٥) مزاجًا من الماء الحار المفرط الحرارة ومن الصديد والغَسَّاق.\nوالحميم: هو الداني من الإحراق.\nوقيل: يشربون على الزقوم من الحميم فيخلطونه به (٦).\n﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ (٦٨)﴾ فيه قولان:\nأحدهما: أنهم في وقت أكلهم وشربهم ذلك لا يعذبون بالنار ثم يُرَدُّون إلى الجحيم (٧).\nوقيل: هذا كقولهم: فلان يرجع إلى مال ونعمة، أي: هو فيها (٨).\n_________\n(١) حكاه الزجاج في معاني القرآن (٤/ ٢٣١).\n(٢) في أ: \"الشيطان في النار\" بالمفرد.\n(٣) قال النحاس في إعراب القرآن (٣/ ٤٢٥) \"شجرة الزقوم مشتقة من التزقم وهو البلع على الجهد والشدة، فقيل لها شجرة الزقوم، لأنهم يبتلعونها على جهد فتقف في حلوقهم لكراهتها ونتنها\".\n(٤) انظر: النكت والعيون (٥/ ٥٢).\n(٥) في ب: \"يشربون\" بغير الفاء.\n(٦) الشَّوْب: الخلط، يقال: شاب الرجل طعامه يشوبُه شَوْبًا، والمعنى: لهم شراب مخلوط.\nانظر: معاني القرآن للفراء (٢/ ٣٨٧).\n(٧) انظر: النكت والعيون (٥/ ٥٢)، زاد المسير (٧/ ٦٤).\n(٨) قاله يحي بن سلام.\nانظر: النكت والعيون (٥/ ٥٢).","vol":"1","page":2398},{"text":"ويحتمل أن ﴿ثُمَّ﴾ لتراخي الأخبار، أي: فقد صح أن مرجع الكفار إلى النار.\nوقيل: ﴿ثُمَّ﴾ مع الجملة قد يدل على التقديم أي: وقبل ذلك كان مرجعهم إلى الجحيم (١).\n﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا﴾ أي: وجدوا.\n﴿آَبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (٦٩) فَهُمْ عَلَى آَثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ (٧٠)﴾ يُزْعَجُون ويُسْتَحَثُّون.\nوقيل: كأن بعضهم يسوق بعضًا لكنه ذكر بلفظ المجهول.\nوالإهْرَاع: الإسراع في المشي (٢).\n﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ﴾ قبل أهل مكة.\n﴿أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (٧١)﴾ يعني: الأمم الخالية.\n﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ (٧٢)﴾ رسلًا وأنبياء.\n﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣)﴾ أي: الكافرين.\n﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٧٤)﴾ الذين أخلصوا الطاعة لله.\n﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ﴾ أي: دعانا للننجيه. وقيل: دعانا لنغرق من كفربه (٣).\n﴿فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (٧٥)﴾ أي: نحن.\n﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦)﴾ وهو الغرق، والطُّوفان، وأهوال السفينة.\nوقيل: تكذيب قومه إياه واستذلاله (٤).\n_________\n(١) في ب: \"مرجعهم الجحيم\".\nانظر: الكشف والبيان للثعلبي (٨/ ١٤٦).\n(٢) في ب: \"الإسراع في الشيء\"\nقال الفراء في معاني القرآن (٢/ ٣٨٧) \"الإهراع: الإسراع فيه، شبيه بالرِّعْدة، ويقال: قد أُهْرِعَ إهراعًا\".\n(٣) حكاه ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ٥٥٩).\n(٤) حكاه الماوردي في النكت والعيون (٥/ ٥٣) عن ابن عيسى.","vol":"1","page":2399},{"text":"﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (٧٧)﴾ فالخلق كلهم من أولاد نوح، لأن من كان معه في السفينة ماتوا إلا أولاده ونساءهم، حَام، وسَام، ويَافِثْ؛ فسام أبو العرب وفارس والروم، وحَام أبو السودان، ويَافِثْ أبو الترك والخزر ويأجوج ومأجوج، وما هنالك (١).\n﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآَخِرِينَ (٧٨) سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (٧٩)﴾ أي: تركنا عليه أن يقول الآخرون: سلام على نوح في العالمين فارتفع بالحكاية كما قال ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ﴾ [النمل: ٥٩].\nوقيل: وتركنا عليه ثناءً حسنًا وتم الكلام، ثم قال الله ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ﴾ (٢).\n﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٠)﴾ أي: سائر المحسنين ننجيهم ونثني عليهم كما نجينا (٣) نوحًا وأثنينا عليه.\n﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (٨١)﴾ خص الإيمان بالذكر والنبوة أشرف منه بيانًا لشَرَفِ المؤمنين (٤) لا لشَرَفِ نوح كما تقول: إن محمدًا ﷺ من بني هاشم.\nوقيل: فيه بيان أنه إنما استحق ذلك بإيمانه فضيلة للإيمان وترغيبًا فيه (٥).\n﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآَخَرِينَ (٨٢)﴾ يعني: قومه الكافرين.\n﴿وَإِن مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (٨٣)﴾ الشِّيَعَةُ: الجماعة تتبع سيدهم، واشتقاقها من شَاعه يُشَيِّعُه شيعًا إذا تبعه، قال الشاعر:\nقال الخليط غدًا تَرَحُلُنا ... أو شِيعه فمتى تودعنا (٦).\n_________\n(١) \"وما هنالك\"، سقط من أ.\n(٢) انظر: معاني القرآن للفراء (٢/ ٣٨٨).\n(٣) في ب: \"كما أنْجَيْنا\".\n(٤) في ب: \"بشرف المؤمنين\".\n(٥) انظر: الكشاف (٥/ ٢١٥).\n(٦) البيت لعمر بن أبي ربيعة في ديوانه (٤٣٤)، وفيه اختلاف في بعض ألفاظه، حيث يقول:\nقال الخليط غدًا تَصَدُّعنا ... أو بعده أفلا تشيعنا.\nوهي قصيدة يشيِّع فيها فاطمة بنت محمد بن الأشعث، وكان قد فتن بها.","vol":"1","page":2400},{"text":"أي: بعد غدٍ (١).\nوقيل: الشِّيَعَة: الأعوان، وأصله من الشَّياع، وهو الحطب الصغار يوضع (٢) مع الكبار على النار (٣).\n\nوفي الهاء قولان:\nالجمهور: يعود إلى نوح ﵇ (٤).\nالفَرَّاء: يعود على محمد ﷺ، أي: هو على منهاجه ودينه وإن كان إبراهيم سابقًا له (٥).\n﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ﴾ حين أجاب داعية الإيمان بالتوحيد والطاعة.\nوقيل: حين ألقي في النار (٦).\nوالعامل في ﴿إِذْ﴾ معنى التبع، و﴿إِذْ﴾ الثانية بدل من الأولى.\n﴿بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٤)﴾ قيل: سليم من الشرك والشك (٧).\nوقيل: مخلص (٨).\nوقيل: خالص من كل دنس (٩).\nوقيل: معنى ﴿سَلِيمٍ﴾ حزين، من قولهم: فلان سليم أي لديغ (١٠).\n_________\n(١) حكاه الماوردي في النكت والعيون (٥/ ٥٤) عن ابن بحر.\n(٢) في أ: \"يوضع\"، بالياء.\n(٣) حكاه الماوردي في النكت والعيون (٥/ ٥٤) عن الأصمعي.\nقال في المفردات (٤٧٠)، مادة: شيع \"الشِّياع: الانتشار والتقوية، يقال: شاع الخبر أي: كثُر وقوي، وشاع القوم: انتشروا وكثروا، وشَيَّعْت النار بالحطب: قويتها، والشِّيَعة: من يتقوى بهم الإنسان وينتشرون عنه\".\n(٤) وهو قول ابن عباس ﵄، ومجاهد، وقتادة.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٥٦٤)، وهو اختياره ﵀.\n(٥) في أ: \"سابقًا\"، بغير \"له\".\nانظر: معاني القرآن للفراء (٢/ ٣٨٨).\n(٦) حكاه الماوردي في النكت والعيون (٥/ ٥٥).\n(٧) قاله مجاهد، والسدي.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٥٦٥).\nقال ابن قتيبة في تأويل مشكل القرآن (٣٣٨) \"أي: لم يشرك به قط، كذلك قال المفسرون\".\n(٨) قاله الضحاك.\nانظر: النكت والعيون (٥/ ٥٤).\n(٩) قاله الزجاج في معاني القرآن (٤/ ٢٣٢).\n(١٠) حكاه الثعلبي في الكشف والبيان (٧/ ١٧١).","vol":"1","page":2401},{"text":"وقيل: سليم من كل علاقةٍ دون الله (١). وقيل: معنى ﴿سَلِيمٍ﴾ لا يكون لعّانًا (٢).\n﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ (٨٥)﴾ يريد: لأي شيء (٣)، فإن السؤال وقع عن الغرض لا عن الجنس، و﴿مَاذَا﴾ إن جعلته كلمة واحدة فهو نصب، وإن جعلته كلمتين فهو مبتدأ (٤) وخبر، وقد سبق (٥).\n﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦)﴾ الإفك: الكذب (٦). والآلهة بدل منه، وهو منصوب بـ ﴿تُرِيدُونَ﴾.\nوقيل: ﴿تُرِيدُونَ﴾ نصب على الحال، أي: كاذبين (٧).\n﴿فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٧)﴾ أي شيء ظنكم برب العالمين وأنتم تعبدون غير الله.\nوقيل: وما ظنكم برب العالمين إنه من أي جنس من أجناس الأشياء حتى شبهتم به هذه الأصنام (٨)، أي: لا يشبهه شيء (٩).\n﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨)﴾ وذلك حين طلبوا منه أن يخرج معهم إلى عيد لهم فأراد أن يتأخر للأمر الذي هَمَّ به.\n_________\n(١) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٥٢٥).\n(٢) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ٥٦٥) عن عروة بن الزبير ﵁.\n(٣) في أ: \"تريدون لأي شيء\".\n(٤) في ب: \"إن جعلته كلمة واحدة نصب، وإن جعلته كلمتين مبتدأ\"، بغير \"فهو\" في الموضعين.\n(٥) في قوله تعالى ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ﴾ [الشعراء: ٧٠].\n(٦) قال النحاس في إعراب القرآن (٣/ ٤٢٨) \"الإفك أسوء الكذب، وهو الذي لايثبت ويضطرب، ومنه أئتفكت الأرض بهم\".\n(٧) انظر: التبيان في إعراب القرآن للعكبري (٢/ ١٠٩٠).\n(٨) في ب: \"حتى شبهتم هذه الأصنام\"، بغير \"به\".\n(٩) انظر: نعاني القرآن للزجاج (٤/ ٢٣٢).","vol":"1","page":2402},{"text":"﴿فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩)﴾ قد أكثر المفسرون في هذه الآية؛ فقال بعضهم: كانوا يتعاطون (١) علم النجوم وكان علمًا نبويًا إلى أن نُسِخ (٢)، فنظر إبراهيم - ﵇ - في النجوم أي: في علم النجوم (٣) وكتب النجوم فرأى في طالعه ما يدل على سقمٍ فقال: إني سقيم أي: في الحال (٤)، والسَّقَم والمرض: خروج المزاج من الاعتدال، وقَلَّ من يخلوا منه.\nوقيل: معناه سأسقم (٥).\nوقيل: إن المراد الموت وهو يلحقه لا محالة (٦).\nوقيل: أراد بالسُّقْم الطاعون وكانوا يخافون العدوى (٧).\n_________\n(١) في ب: \"كانوا يتعاظون\"، وهو تصحيف.\n(٢) وكون علم النجوم علمًا نبويًا كما ذكر المؤلف ليس عليه دليل، بل إن جميع الأنبياء يدعون أقوامهم إلى توحيد الله وإفراده بالعبادة، وأن يتعلق الإنسان بغيره من المخلوقات.\n(٣) في أ: \"فنظر إبراهيم ﵇ أي: في علم النجوم\"، بغير \"في النجوم\".\n(٤) وهو المفهوم من قول ابن عباس ﵄، وسعيد بن المسيب، وابن زيد، لكن لم ينقل أن إبراهيم ﵇ تعلم علم النجوم وإنما نظر في النجوم محاكة لما يفعله قومه ليوهمهم بذلك.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٥٦٧)، تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة (٣٣٦).\n(٥) قاله سعيد بن جبير والضحاك.\nانظر: بحر العلوم للسمرقندي (٣/ ١١٨).\n(٦) قاله الفراء في معاني القرآن (٢/ ٣٨٨)، قال \"وهو وجه حسن\".\n(٧) قاله الضحاك.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٥٦٧).","vol":"1","page":2403},{"text":"﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (٩٠)﴾ وقيل: أراد نجوم السماء في الليل، وكانت الحمى تأخذه بعداد (١) فرأى أمارات ذلك في ذلك الوقت (٢) ﴿فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩)﴾ أي: محموم (٣).\nوقيل: هذا كما يقال: فلأن ينظر في الطب والأدب أي: يعرفهما، فيكون ﴿فِي﴾ بمعنى (إلى) (٤).\nوقيل: نظره في النجوم ما حكى الله عنه في قوله ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا﴾ الآيات [الأنعام: ٧٦ - ٧٩].\nوقوله ﴿إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩)﴾ إذ لست على يقين من الأمر ولا شفاء لأن العلم شفاء والجهل سقم وداء، فعلى هذا قوله (٥) ﴿فَتَوَلَّوْا﴾ عطف على قوله ﴿فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٧)﴾.\nوقيل: المراد بالنجوم النبات، أي: فنظر فيها متخيرًا منها (٦) ما فيه شفاء لسقم أَوْهَمَهُم أن به ذلك (٧).\n_________\n(١) في ب: \"يأخذه لعداد\".\n(٢) في أ: \"فرأى أمارات ذلك الوقت\".\n(٣) حكاه الماوردي في النكت والعيون (٥/ ٥٦).\n(٤) وهذا القول ضعفه ابن قتيبة في تأويل مشكل القرآن (٣٣٥)، لأن المراد أنه نظر في حسابها، وأنه أوهمهم أنه يعلم منها ما يعلمون، ويعرف في الأمور من حيث يتعرفون.\n(٥) في ب: \"فعلى قوله\"، بغير \"هذا\".\n(٦) في أ: \"أراد بالنجوم النبات أي: فنظر فيها متخيرًا فيها\".\n(٧) لم أقف عليه، وهو مخالف لظاهر الآية وأن إبراهيم إنما نظر في النجوم التي في السماء لا في النبات.","vol":"1","page":2404},{"text":"قال الأزهري (١): عن أبي العباس أحمد بن يحيى (٢) قال ﴿فِي النُّجُومِ﴾ النجوم: جمع نجم (٣) وهو ما نجم من كلامهم لما سألوه أن يخرج معهم إلى عيدهم (٤).\n﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً﴾ أي: تفكر ليدبر حجة.\n﴿فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩)﴾ أي: سقيم من كفركم بخالقكم، كما تقول: أنا مريض القلب من كذا (٥).\nوقيل: نظر نظرة في النجوم أي إلى جانب السماء فقال إني سقيم وهو في ذلك كاذب للمكيدة التي هم بها فقد، روي عن النبي ﷺ أنه قال: \" لقد كذب إبراهيم - ﵇ - ثلاث كذبات ما منها واحدة إلا وهو يماحل ويناضل بها عن دينه، وهي (٦): قوله ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩]، وقوله ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٣]، وقوله لسارة: هذه أختي\" (٧).\nوقيل: فنظر نظرة في النجوم أي: فكر في الحيل، فقال إني سقيم فأقنعهم ذلك فتولوا عنه مدبرين (٨)، والله أعلم (٩).\n﴿فَرَاغَ إِلَى آَلِهَتِهِمْ﴾ ذهب إليها في خفية لا يُرى.\nوقيل: مال (١٠).\n_________\n(١) الأزهري تنظر ترجمته ص: ١٢٣١\n(٢) أبو العباس أحمد بن ثعلب، تنظر ترجمته ص: ١١٦٦\n(٣) في ب: \" (في النجوم) جمع نجم\"، بغير \"النجوم\".\n(٤) ذكر النحاس في معاني القرآن (٦/ ٤٠) نحوه عن الحسن.\nقال النحاس \"أي: فنظر فيما نجم له من الرأي، أي: فيما طلع له، يقال: نجم القرن والنبت إذا طلعا\".\n(٥) لم أقف عليه، والله أعلم.\n(٦) في أ: \"وهو\".\n(٧) أخرجه البخاري (ك: أحاديث الأنبياء، باب: واتخذ الله إبراهيم خليلًا، ح: ٣٣٥٨).\nواختاره ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ٥٦٩) مستدلًا بهذا الحديث.\n(٨) لم أقف عليه، والله أعلم.\n(٩) \"والله أعلم\"، سقط من أ.\n(١٠) قاله قتادة، والسدي.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٥٧٠).","vol":"1","page":2405},{"text":"وقيل: أقبل عليها (١).\nوقيل: راغ بقول ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ حتى خلا بها. وقيل: رجع إليها مراوغًا قومه (٢)، وسماها آلهة على زعمهم.\n﴿فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (٩١) مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ (٩٢)﴾ وكان عندها طعام زعموا أنها تأكل منه. وقيل: وُضِعَ الطعام ليُبَارَكَ فيه، ﴿فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (٩١)﴾ استهزاءً بها وبعابديها (٣).\nويحتمل إنما قال ذلك لأن سدنتها كانوا يأكلون ما يوضع عندها من الطعام وينطقون عند الضعفة عن لسانها يوهمون إنها تأكل وتنطق.\n﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (٩٣)﴾ عَدَّاه بـ (على) لأن (راغ) بمنزلة قال، فكما تقول في المحبوب: مال إليه، وفي المكروه: مال عليه، كذلك راغ إليه وعليه.\nقوله ﴿ضَرْبًا﴾ أي يضرب ضربًا (٤)، فيكون مصدرًا لفعل محذوف، وجاز أن يكون حالًا.\nوقوله (٥) ﴿بِالْيَمِينِ﴾ أي: باليد اليمنى، لأنها أقوى على الأعمال من الشِّمَال (٦). وقيل: بالقوة (٧)، كقوله:\n_________\n(١) قاله الكلبي، وقطرب.\nانظر: النكت والعيون (٥/ ٥٧).\n(٢) قال ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ٥٧٠) \"اصل ذلك من قولهم: راغ فلان عن فلان، إذا حاد عنه، فيكون معناه إذا كان كذلك: فراغ عن قومه والخروج معهم إلى آلهتهم\".\n(٣) قاله ابن زياد.\nانظر: النكت والعيون (٥/ ٥٧).\n(٤) \"أي: يضرب ضربًا\"، سقط من أ.\n(٥) في ب: \"قوله\"، بغير الواو.\n(٦) وهو الذي عليه الجمهور من المفسرين.\nأخرج ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ٥٧١) عن قتادة قال: \"فأقبل عليهم يَكْسِرُهم\".\nقال ابن قتيبة في تأويل مشكل القرآن (٢٤٢) \"لأن في اليمين القوة وشدة البطش، فأخبرنا عن شدة ضربه بها\".\n(٧) حكاه الزجاج في معاني القرآن (٤/ ٢٣٣)، وضعفه ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ٥٧٢).","vol":"1","page":2406},{"text":"إذا ما رَايَةٌ رُفِعَتْ لمِجَدٍ ... تَلَقَّاها عُرَابة باليمين (١).\nوقيل: باليمين (٢) التي سبقت منه وهو قوله ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ (٣) [الأنبياء: ٥٧].\n﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ﴾ إلى إبراهيم ﵇. ﴿يَزِفُّونَ (٩٤)﴾ بالفتح: يُسْرِعون (٤). وقيل: يمشون على مهل، وأصله من زَفِيف النعامة، وهو ابتداء عدوها (٥).\nوقيل: مشية فيها اختيال (٦) من قولهم زُفت العروس إلى زوجها (٧).\nوقرئ (يُزِفُّون) بالضم، وله وجهان:\nأحدهما: يزفون دوابهم فحذف المفعول أي يحملونها على الزفيف، قاله أبو علي في الحجة (٨).\nوالثاني: أَزَفَ الرجل إذا صار إلى حال الزَفِيف (٩).\n_________\n(١) البيت للشماخ بن ضرار في ديوانه (٣٣٦) في قصيدة يمدح فيها عُرَابة بن أوس.\nوانظر: الخصائص لابن جني (٣/ ٢٤٩)، ثمار القلوب في المضاف والمنسوب لأبي منصور الثعالبي (٢٩١)، خزانة الأدب لتقي الدين الحموي (١/ ٤٢٣).\n(٢) في أ: \"وقوله باليمين\"، وهو هو المثبت.\n(٣) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٣/ ١١٨).\n(٤) وهي قراءة ابن كثير، ونافع، وعاصم، وأبو عمر، وابن عامر، والكسائي (يَزِفُّون) بفتح الياء وكسر الزاي وتشديد الفاء.\nوقرأ حمزة (يُزِفُّون) برفع الياء وكسر الزاي وتشديد الفاء.\nانظر: السبعة لابن مجاهد (٥٤٨)، التيسير للداني (١٨٦).\n(٥) حكاه الزجاج في معاني القرآن (٤/ ٢٣٣).\n(٦) في ب: \"مشية فيه اختيال\".\n(٧) قاله مجاهد.\nانظر: النكت والعيون للماوردي (٥/ ٥٧).\n(٨) انظر: الحجة للقراء السبعة لأبي علي الفارسي (٦/ ٥٧).\n(٩) قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وأبو عمرو، وابن عامر، والكسائي (يَزِفُّون) بفتح الياء وكسر الزاي وضم الفاء مشددة.\nوقرأ حمزة، والمفضل عن عاصم (يُزِفُّون) بضم الياء.\n\nانظر: الحجة لابن خالويه (٣٠٢)، الكشف لمكي (٢/ ٢٢٥).","vol":"1","page":2407},{"text":"﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥)﴾ بأيديكم.\n﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ أي: خلقكم وخلق أعمالكم (١).\nوقيل: وما تعملون أي: أصنامكم (٢).\nوقيل: وما تعملون منه الأصنام؛ كالخشب، والفضة، والذهب (٣).\n﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ﴾ أي: لأجله (٤).\n﴿بُنْيَانًا﴾ مقاتل: بنوا له حائطًا من الحجر طوله ثلاثون ذراعًا وعرضُه عشرون ذراعًا، وملأوه من الحطب وأوقدوا فيه النار ثم رموا به إليها (٥).\nوقيل: بنوا له أتونًا (٦).\nوقيل: بنوا له مثل بناءً التنور (٧).\n﴿فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (٩٧)﴾ هي: النار يجمع بعضها على بعض. وقيل: كل نار على نار جحيم (٨).\nوتقدير الآية: ابنوا له بنيانًا واملؤه نارًا فألقوا إبراهيم فيها.\n_________\n(١) وهذه الآية دليل على أن أفعال العباد مخلوقة، وهو ما عليه أهل السنة والجماعة.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى (٨/ ٤٠٦) \"أفعال العباد مخلوقة باتفاق سلف الأمة وأئمتها، كما نص على ذلك سائر أئمة الإسلام؛ الإمام أحمد ومن قبله ومن بعده\".\n(٢) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٥٢٨).\n(٣) قاله قتادة.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٥٧٥).\n(٤) في ب: \"لأجله\"، بغير\"أي\".\n(٥) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٠٣)، وذكره الواحدي في الوسيط (٣/ ٥٢٨) عن ابن عباس ﵄.\n(٦) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٣/ ١١٩).\nالأتُون: هو الموقد.\nانظر لسان العرب (١/ ٦٤)، مادة: أتن.\n(٧) في أ: \"وقيل: بنو له مثل التنور\"، بغير \"له\".\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٥٧٦).\n(٨) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ٢٣٣).","vol":"1","page":2408},{"text":"وعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: \" إن إبراهيم لما أُلقي في النار كانت الدواب كلها تطفئ عنه النار إلا الوزغة فإنها كانت تنفخ عليه فأمر ﷺ بقتلها\" (١).\n﴿فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا﴾ مكرًا وحيلة لما غلبهم بالحِجَاج.\n﴿فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ (٩٨)﴾ قيل: المقهورين (٢).\nوقيل: المغلوبين في الحجة (٣).\nوقيل: الأسفلين في النار (٤).\nوقيل: أسفل من سافلين غيرهم، وليس التقدير: أسفل من إبراهيم إذ لم يكن في أمر إبراهيم سفالِ.\nوقيل: ليس أفعل للتفضيل بل للمبالغة كما قلنا في ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] و﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤)﴾ [الفرقان: ٢٤] (٥).\nوالمعنى: علا أمر إبراهيم، لأن النار لم تحرق منه إلا الوثاق، وسَفِلَ أمرهم لأن الله منع النار التحرك في جهته فلم تداخله، والنار تحرق الأجسام بالمداخلة فيها.\n_________\n(١) أخرجه ابن حبان في صحيحه (١٢/ ٤٤٧)، ح: ٥٦٣١، وأصله في صحيح البخاري (ك: أحاديث الأنبياء، باب: قوله تعالى (واتخذ الله إبراهيم خليلًا)، ح: ٣٣٥٩) عن أم شَريك ﵂ أن رسول الله ﷺ أمر بقتل الوزغ، وقال: \"كان ينفُخ على إبراهيم ﵇\".\nقال النووي في شرح صحيح مسلم (١٤/ ٤٥٥) \"الوزغ: سامّ أبرص جنس؛ فسام أبرص هو كباره، واتفقوا على أن الوزغ من الحشرات الؤذيات، وجمعه أوزاغ ووزغان، وأمر النبي ﷺ بقتله، وحث عليه ورغب فيه لكونه من المؤذيات\".\n(٢) قاله كعب الأحبار.\nانظر: النكت والعيون (٥/ ٥٨).\n(٣) قاله قتادة.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٥٧٦).\n(٤) قال يحي بن سلام.\nانظر: النكت والعيون (٥/ ٥٨).\n(٥) ينظر ما سبق من أقوال في غرائب التفسير (٢/ ٩٨٠).","vol":"1","page":2409},{"text":"﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩)﴾ قاله حين نجاه الله من النار. وقوله\n﴿إِلَى رَبِّي﴾ إلى أمر ربي وإلى مرضاة ربي.\nوقيل: إلى الشام كما في قوله ﴿مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾ [العنكبوت: ٢٦] (١).\nوقيل: إلى الأرض المقدسة (٢).\nوقيل: إلى حَرَّان (٣).\nوقيل: مهاجر بعملي ونيتي متجرد لعبادة ربي سيهدين إلى مقصدي (٤).\nوقيل: إنما قال ذلك حين طرح في النار، أي: ذاهب إلى ما قضى علي ربي (٥).\nوقيل: معناه: إني ميت، كما يقال لمن مات: ذهب إلى الله (٦).\n﴿سَيَهْدِينِ﴾ إلى الخلاص من النار. وقيل: إلى الجنة (٧).\nوقيل: إلى قول حسبي الله ونعم الوكيل، حكاه الماوردي (٨).\nوقيل: سيثبتني على الهدى (٩)، (١٠).\n﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠)﴾ الموصوف محذوف، تقديره: أولادًا من الصالحين أي: من المطيعين لك، ويحتمل من الأنبياء.\n_________\n(١) انظر: حكاه الواحدي في الوسيط (٣/ ٥٢٥).\n(٢) حكاه ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ٥٧٧)، ورجحه، وذلك أن الله لما نجاه من قومه قال (إني مهاجر إلى ربي)، قال: \" ففسر أهل التأويل ذلك أن معناه: إني مهاجر إلى أرض الشام\".\n(٣) قاله ابن جريج.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٨/ ٣٨٥).\n(٤) قاله قتادة.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٥٧٦).\n(٥) حكاه الماوردي في النكت والعيون (٥/ ٥٩).\n(٦) حكاه الماوردي في النكت والعيون (٥/ ٥٩)، وعزاه في زاد المسير (٧/ ٧٠) لسليمان بن صرد.\n(٧) انظر: النكت والعيون (٥/ ٥٩).\n(٨) انظر: النكت والعيون (٥/ ٥٩).\n(٩) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٥٧٧).\n(١٠) من هنا سقط من أإلى قوله\" ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ﴾ على إبراهيم\"، وهي لوحة كاملة.","vol":"1","page":2410},{"text":"﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١)﴾ أي: بغلام يبلغ درجة الحلماء، فإن الصبي لا يوصف بالحِلم، والحَلِيم الذي لا يعجل بالعقوبة مع القدرة.\nوقيل: بغلام عليم في صغره حليم في كبره (١).\n﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ قَوِيَ على أن يسعى معه في منافعه.\nوقيل: يمشي مع أبيه (٢).\nوقيل: بلغ أن يسعى في عبادة الله وطاعته (٣).\nوقيل: بلغ مبلغ الرِّجال (٤).\nوقيل: كان له مع يومئذ ثلاث عشرة سنة (٥).\n﴿قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ اختلفوا في الذبيح؛ فذهب أبو بكر الصديق، وابن عباس، وابن عمر ﵄، ومحمد بن كعب القرظي، وسعيد بن المسيب، وعكرمة، ومجاهد، والضحاك، إلى أنه إسماعيل - ﵇ -.\nواستدل المحتج لهذا بقوله ﷺ: \" أنا ابن الذبيحين\" (٦)؛ فأحدهما: جده إسماعيل، والآخر: أبوه عبدالله؛ وذلك أن عبدالمطلب نذر إن بلغ بنوه عشرة أن يذبح واحدًا منهم تقربًا، فلما كملوا عشرة أتى بهم البيت وضرب عليهم بالقِدَاح على أن يذبح من خرج قدحه وقد كتب اسم كل واحدٍ على قدح، فخرج قدح عبدالله ففداه بعشرة من الإبل، ثم ضرب عليه وعلى الإبل فخرج قدحه ففداه بعشرة أخرى إلى أن تمت مائة، فخرج القدح على الجُزُر فنحرها وسن الدية مائة.\n_________\n(١) معاني القرآن للزجاج (٤/ ٢٣٣).\n(٢) قاله قتادة.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٥٨٠).\n(٣) قاله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.\nانظر: النكت والعيون (٥/ ٦٠).\n(٤) قاله الحسن.\nانظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٥٢٩).\n(٥) قاله الفراء في معاني القرآن (٢/ ٣٨٩).\n(٦) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ٥٩٧).\nقال عنه ابن كثير في تفسيره (٤/ ٢١) \"هذا حديث غريب جدًا\"، وضعفه السيوطي في الدر المنثور (١٢/ ٤٣٣).","vol":"1","page":2411},{"text":"واستدل أيضًا بقوله عند تمام قصة الذبح ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢)﴾ [الصافات: ١١٢] بعد قوله ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١)﴾ [الصافات: ١٠١] فالبشارة بالغلام غير البشارة بإسحق.\nواستدل أيضًا بقوله ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (٧١)﴾ [هود: ٧١] فيمن قرأءه بالنصب (١)، لأنه إذا بُشِّرَ بالولد من صُلْبه عُلِمَ أنه لم يؤمر بذبحه.\nوذهب علي، وابن مسعود ﵄، وكعب الأحبار، إلى أن الذبيح إسحق، وإليه ذهب أهل الكتاب.\nواستدلوا بما روي أن النبي ﷺ سُئِل أيُّ النسب أشرف؟ فقال: \" يوسف صديق الله بن يعقوب إسرائيل الله بن إسحاق ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله\" (٢)\n_________\n(١) قرأ ابن عامر، وحمزة، وحفص عن عاصم، ويعقوب بنصب الباء من (يعقوبَ)، أي: من وراء إسحاق يعقوب، وقرأ الباقون بالرفع.\nانظر: الحجة لابن خالويه (١٨٩)، الكشف لمكي (١/ ٥٣٤).\n(٢) رواه الطبراني في المعجم الكبير (١٠/ ١٤٩) عن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ سئل من أكرم الناس؟، وذكره.\nقال عن الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٣١٧) \"رواه الطبراني وبقية مدلس وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه\"، وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (١/ ٥٠٨).\n\nوعزاه السيوطي في الدر المنثور (٨/ ٣٢٤) لأبي الشيخ عن ابن عباس ﵄ قال رجل للنبي ﷺ: يا خير البشر، فقال: ذاك يوسف صديق الله، ابن يعقوب إسرائيل الله، ابن إسحاق ذبيح الله.","vol":"1","page":2412},{"text":"فأجابوا عن قوله ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ﴾ أنه بُشِّرَ بالغلام أولًا ثم بنبوته ثانيًا، وزادوا فقالوا: صَرَّحَ بالمبَشَّرِ به في قوله ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ﴾ [هود: ٧١] وفي قوله ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ﴾ [الصافات: ١١٢]، فيحمل عليه قوله ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١)﴾ [الصافات: ١٠١] لأن هذا منهم وذاك مفسر، وأجابوا عن قوله ﴿وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (٧١)﴾ [هود: ٧١] أنه لم تكن البشارة بيعقوب متصلًا ببشارة إسحاق اعتبارًا بقراءة من قرأ يعقوب بالرفع، والأظهر أنه إسماعيل (١).\nوأما قوله في أشرف الأنساب، فالصحيح أنه قال: يوسف بن يعقوب بن اسحاق بن إبراهيم والزوائد من الرواي.\n_________\n(١) وهو الذي عليه المحققون من أهل العلم.\nقال ابن كثير في البداية والنهاية (١/ ٣٦٦) \"الذبيح إسماعيل، لأنه كان هو المقيم بمكة، وإسحاق لا نعلم أنه قَدِمها في حال صِغَره، وهذا هو الظاهر من القرآن، بل كأنه نص على أن الذبيح هو إسماعيل لأنه ذكر قصة الذبيح ثم قال بعده ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١١٢] \". قال: \"وليس في ذلك حديث صحيح عن المعصوم حتى نترك لأجله ظاهر الكتاب العزيز، ولا يُفْهَم هذا من القرآن، بل المفهوم، بل المنطوق، بل النص عند التأمل أنه إسماعيل\".\nقال ابن القيم في زاد المعاد (١/ ٧١) \"وإسماعيل هو الذبيح على القول الصواب عند علماء الصحابة والتابعين ومن بعدهم.\nوأما القول بأنه إسحاق باطل بأكثر من عشرين وجهًا، وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: هذا القول إنما هو متلقى عن أهل الكتاب، مع أنه باطل بنص كتابهم\".","vol":"1","page":2413},{"text":"واحتجوا أيضًا بأن قرني الكبش (١) كان ميراثًا لولد إسمعيل عن أبيهم، وكان منوطين بالكعبة إلى أن احترق البيت واحترق القرن (٢) في أيام ابن الزبير (٣) والحجاج (٤)، (٥). وكان أبو عمرو بن العلاء يقول: \" متى كان إسحاق بمكة وإنما كان إسماعيل، وهو الذي بنى البيت مع أبيه كما قال الله ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ (١٢٧)﴾ [البقرة: ١٢٧] والمنحر بمكة\"، والله أعلم (٦).\n_________\n(١) أي: قرنا الكبش الذي فُدِيَ به إسماعيل ﵇.\n(٢) حديث قرني الكبش أخرجه الإمام أحمد في المسند (٢٧/ ١٩٦، ح: ١٦٦٣٧) عن امرأة من بني سُلَيْم ولَّدَت عامة أهل دارنا: أرسل رسول الله ﷺ إلى عثمان بن طلحة؟ قال: \"إني كنت رأيت قرني الكبش حين دخلت البيت، فنسيت أن آمرك أن تخمِّرَهُما، فإنه لاينبغي أن يكون في البيت شيء يُشْغيل المصلي\". قال سفيان: \"لم تزل قرنا الكبش في البيت حتى احترق البيت فاحترقا\".\nقال ابن كثير في تفسيره (٤/ ١٩) \"وهذا دليل على أنه إسماعيل ﵊ فإن قريشًا توارثوا قرني الكبش الذي فدي به إبراهيم خلفًا عن سلف وجيلًا بعد جيل إلى أن بعث الله رسوله محمد ﷺ\".\n(٣) عبد الله بن الزبير، تظر ترجمته ص: ٧٩٦\n(٤) الحجاج بن يوسف الثقفي، تنظر ترجمته ص: ٤٥٢\n(٥) كان ذلك في سنة أربع وستين للهجرة، عندما رماها الحجاج بالمنجنيق فاحترق منها جزء كبير، فهدما عبد الله بن الزبير وأعاد بناءها.\nانظر: البداية والنهاية لابن كثير (١١/ ٦٩١).\n(٦) انظر: معالم التنزيل للبغوي (٧/ ٤٧).","vol":"1","page":2414},{"text":"قوله ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ إنما قال بلفظ المستقبل لأنه كان يرى ذلك ثلاث ليال، والمعنى: رأيت رؤيا أُمِرْتُ فيها بِذَبْحِك، ورؤيا الأنبياء في المنام وحي.\n﴿فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ قُرِئ بفتحتين، وقرئ بضم التاء وكسر الراء؛ فمن فتح فالمعنى: ما عندك من الرأي، ومن ضم التاء فالمعنى: ما تُشِير (١).\nوقيل: ماذا ترينه من صبرك أو جزعك (٢).\nورأيت هذا من الرأي كما تقول: فلان يرى رأى أبي حنيفة (٣)، وهو متعدي إلى مفعول واحد، فنقل بالألف فتعدى إلى المفعولين وليس من رؤية العين ولا من رؤية القلب التي بمعنى العلم.\n﴿قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ أي: من الذبح.\nوقيل: كان نذر ذبحه فنسي ثم رأى في المنام فتذكر (٤).\nوقيل: افعل ما تؤمر بعد هذا، ولهذا جاء بلفظ المستقبل (٥).\n﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢)﴾ أي: على الذَّبْح. وقيل: على قضاء الله (٦).\n﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا﴾ سَلَّمَ الذبيح نفسه، وسَلَّمَ إبراهيم ابنه.\nوقيل: ﴿أَسْلَمَا﴾ اتفقا على أمر واحد (٧).\n_________\n(١) قرأ حمزة، والكسائي، وخلف (ماذا تُرِي) بضم التاء وكسر الراء، قال الفراء في معاني القرآن (٤/ ٣٩٠) \"أي: ماذا تريني من صبرك أو جزعك\". قال الزجاج: \"ولم أعلم أحدًا قال هذا\". وقرأ الباقون بفتحتين (ماذا تَرَى).\nانظر: الكشف لمكي (٢/ ٢٢٥)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣٥٧).\n(٢) قاله الفراء في معاني القرآن (٤/ ٣٩٠).\n(٣) أبو حنيفة، النعمان بن ثابت التميمي، تنظر ترجمته ص: ١١٩٢\n(٤) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٣/ ١٢٠).\n(٥) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٨/ ١٥٦).\n(٦) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٥٣٠).\n(٧) قاله أبو صالح.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٥٨٣).","vol":"1","page":2415},{"text":"وقيل: استسلما لأمر الله (١).\n﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣)﴾ صرعه على جبينه، والجبين: أحد جانبي الجبهة.\nوقيل: كَبَّهُ على وجهه؛ لأن الذبيح قال له: اذبحني وأنا ساجد ولا تنظر إلى وجهي فعسى أن ترحمني فلا تذبحني (٢).\n﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ أي: عَمِلْتَ بما رأيت في المنام، أي: صَدَقْتَ الأمر في رؤياك، وهذا دليل على أنه لم يكن مأمورًا بأكثر مما وُجِدَ منه وهو الاضطجاع على الجنب والتَّل على الجبين.\nوقيل: كان مأمورًا بذبح الولد بشرط التخلية والتمكين فلم يمكن لأنه أمرَّ السكين على حلقه فانقلب، وأراد أن يطعنه به فانثنى (٣).\nوقيل: جعل الله على حلقه صفحة من نحاس (٤).\nوقيل: كان يقطع فيلتئم، وهذا ضعيف لأن الفِدَاء وقع لعدم الذبح (٥).\nوقيل: رؤيا الأنبياء تنقسم قسمين:\nرؤيا تقع على ما رأى كما رأى النبي محمد ﷺ أنه يدخل المسجد الحرام فكان كما رأى لقوله ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [الفتح: ٢٧].\n_________\n(١) قاله السدي.\nانظر: النكت والعيون (٥/ ٦١).\n(٢) قاله مجاهد.\nجامع البيان لابن جرير (١٩/ ٥٨٥)، بحر العلوم للسمرقندي (٣/ ١٢١).\n(٣) حكاه في النكت والعيون (٥/ ٦١).\n(٤) قاله السدي.\nانظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٥٣٠).\n(٥) لم أقف عليه، والله أعلم.","vol":"1","page":2416},{"text":"والثاني: يقع بخلاف ذلك، كما رأى يوسف - ﵇ - أحد عشر كوكبا فكان إخوته، ورؤيا إبراهيم ﵇ من قبيل الثاني، ولم يأمن أن يكون من القبيل الأول، فأخذ بظاهره فأخبره الله أنه بما قد فعل قد صدق الرؤيا، ثم نودي قد صدقت الرؤيا دونك هذا الذبح فهو فداء له، فالتفت إبراهيم فإذا هو بكبش أملح ينحط من الجبل فخلى ابنه وأخذ الكبش فذبحه.\nوقيل: هو قربان ابن آدم الذي تُقُبِّل منه (١).\nالحسن، وعلي: نزل من الجبل (٢).\n﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِن هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (١٠٦)﴾ النعمة الظاهرة. وقيل: الاختبار الظاهر، والامتحان الشديد، ولو تمت تلك الذبيحة لصارت سُنَّة وذبح الناس أولادهم (٣).\n﴿وَفَدَيْنَاهُ﴾ الفِدَاء: جعل الشيء مكان غيره لدفع الضرر عنه.\n﴿بِذِبْحٍ﴾ الذِّبْح: اسم لما يُذْبَح، كالطِّحْن لما يُطْحَن.\n﴿عَظِيمٍ (١٠٧)﴾ صغر جرم أشكاله بالاضافة إلى جرمه.\nوقيل: عظيم لأنه رعى في الجنة أربعين خريفًا (٤).\nوقيل: ﴿عَظِيمٍ﴾ أي: مُتَقَبَّل (٥).\n_________\n(١) قاله ابن عباس ﵄.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٦٠١).\n(٢) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٦٠٤، ٦٠٠).\n(٣) ذكره الزمخشري في الكشاف (٥/ ٢٢٣) عن ابن عباس ﵄.\n(٤) قاله ابن عباس ﵄، وسعيد بن جبير.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٦٠٣، ٦٠٢).\n(٥) قاله مجاهد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (٦٠٥، ٦٠٤).","vol":"1","page":2417},{"text":"وقيل: لأنه فدى به نبي (١)، وقيل: هو شيء أحدثه الله ذلك الوقت (٢)، ويحتمل أنه إنما وصفه بالعظم لبقاء أثره إلى يوم القيامة، لأنه ما من سَنَةٍ إلا ويُذْبَحُ بسبب ذلك من الأنعام مالا يحصيه إلا الله.\n﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ﴾ على إبراهيم (٣).\n﴿فِي الْآَخِرِينَ (١٠٨) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (١٠٩)﴾ سبق في قصة نوح.\n﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١١٠)﴾ ولم يقل إنا كما في غيره، لما تقدم ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥)﴾ [الصافات: ١٠٥]، ولأنه بقي من القصة شيء وسائر ذلك وقع بعد تمام القصة.\n﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١١١)﴾ سبق (٤).\n﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢)﴾ من جعل الذبيح إسماعيل قال: بشرناه بإسحاق بعد إسماعيل، ومن جعل الذبيح إسحاق قال: بُشِّرَ بنبوته وقد كان بُشِّرَ بمولده.\n﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ﴾ على إبراهيم.\n﴿وَعَلَى إِسْحَاقَ﴾ وقيل (٥): على الغلام المبشر به، وعلى إسحاق وهو ما رُزِقَا من الذرية الصالحة التي توجد قرنًا بعد قرن إلى قيام الساعة (٦).\nوقيل: خرج من صلب إسحاق ألف نبي أولهم يعقوب وآخرهم عيسى ﵈ (٧). وقيل: جعلنا فيهما وفي نسلهما البركة والزيادة، تقول: بارك الله فيك وعليك (٨).\n_________\n(١) حكاه الثعلبي في الكشف والبيان (٨/ ١٥٧)\n(٢) انظر: المصدر السابق (٨/ ١٥٧).\n(٣) \"على إبراهيم\"، سقط من أ.\n(٤) في قوله تعالى في قصة نوح ﵇ ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (٨١)﴾ [الصافات: ٨١].\n(٥) في ب: \"قيل\"، بغير الواو.\n(٦) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٣/ ١٢٢).\n(٧) انظر: الكشاف (٥/ ٢٢٧)، زاد المسير (٧/ ٧٨).\n(٨) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٣/ ١٢٢).","vol":"1","page":2418},{"text":"وقيل: معنى باركنا بقينا عليهم نعمنا، والبركة: البقاء (١).\n﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (١١٣)﴾ أي: في أولادهما المؤمنون والظالمون، وهم الكافرون والفاسقون.\nوللعلماء (٢) في الذبح ثلاثة أقوال:\nأحدها: أُمِرَ بالذبح ثم نُسِخ.\nوالثاني: أنه أمرٌ غير ممتد فلا يحتمل النسخ.\nوالثالث: أنه أتى بما أُمِرَ به على ما سبق بيانه (٣).\n﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (١١٤)﴾ بالنبوة، المنُّ: قطع الأذى بالمِنَّة (٤)، ومنه: المَنُون (٥).\n_________\n(١) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٠٥).\n(٢) في ب: \"للعلماء\"، بغير الواو.\n(٣) في نسخ الآية ثلاثة أقوال:\nالأول: أنها منسوخة بقوله تعالى ﴿قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ [الصافات: ١٠٢]، وبقوله تعالى\n﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧]، وهي من قبيل نسخ الشيء قبل أن يُعمل به.\nالثاني: أن هذا مما لايجوز فيه النسخ، لأنه أمر بشيء ليس بممتد فلا يجوز فيه النسخ، وهو باطل لأنه يرتب عليه القول بالبداء وهو باطل في حق الله تعالى.\nقال النحاس في الناسخ والمنسوخ (٢/ ٥٩٧) \"وقد فعل إبراهيم ﵇ ما أمر به، وإنما أشكل على قائل هذا القول قوله تعالى (وفديناه بذبح عظيم) لأنه جهل معناه، ولم يدر المَفْدي على الحقيقة، وإنما المفدي ابنه، وإبراهيم ﵇ قد فعل ما أُمر به\".\nالثالث: ليس في الآية نسخ، وإنما إبراهيم ﵇ أمر بالذبح، وقد فعل ما يتهيأ له، وليس منعه من ذلك بمنسوب إليه أنه لم يفعل ما أمر به.\nقال النحاس في الناسخ والمنسوخ (٢/ ٥٩٦) \"وهذا قول صحيح حسن عليه أهل التأويل\".\n(٤) في ب: \"قطع الأذى بالنعمة\".\n(٥) وهي المنية أي: الموت، سميت بذلك لأنها تنقص العدد وتقطع المدد.\n\nانظر: المفردات (٧٧٨)، مادة: منن.","vol":"1","page":2419},{"text":"﴿وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا﴾ يعني: بني إسرائيل.\n﴿مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (١١٥)﴾ قيل: من الغرق (١).\nوقيل: من تعذيب فرعون (٢).\n﴿وَنَصَرْنَاهُمْ﴾ يعود إلى موسى وهرون وقومهما، وقد تقدم ذكر القوم.\n﴿فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (١١٦)﴾ على فرعون وقومه.\n﴿وَآَتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ (١١٧)﴾ التوراة يستبين فيه الحق ويظهر، وبان وأبان واستبان بمعنى واحد (٣).\n﴿وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (١١٨)﴾ دين الله الإسلام أي: أثبتناهما عليه.\n﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآَخِرِينَ (١١٩) سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٠) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٢١) إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٢٢) وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣)﴾ اختلف المفسرون (٤) في إلياس:\nفذهب الجمهور إلى أنه نبي من بني إسرائيل بُعِث بعد موسى ﵇ (٥).\nوقيل: كان من ولد هارون (٦)، (٧).\nقتادة: إلياس اسم لإدريس (٨).\n_________\n(١) قاله الزجاج في معاني القرآن (٤/ ٢٣٥).\n(٢) حكاه الواحدي في الوسيط (٣/ ٥٣١)، وعلى كلا القولين فهما منة من الله تعالى على بني إسرائيل.\n(٣) في ب: \"بمعنى\"، بغير \"واحد\".\n(٤) في ب: \"اختلف المفسرين\"، وهو خطأ، والصواب هو المثبت.\n(٥) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٦١٢)، البداية والنهاية (٢/ ٢٧٢).\n(٦) حكاه النحاس في معاني القرآن (٣/ ٥٣)، والماوردي في النكت والعيون (٥/ ٦٤) عن محمد بن إسحاق.\n(٧) في أ: \"من ولد إبراهيم ﵇\".\n(٨) وهو مروي عن ابن عباس، وابن مسعود ﵄، والضحاك، وقتادة.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (٩/ ٣٨٣)، (١٩/ ٦١٢)، النكت والعيون (٥/ ٦٤).\n\nوالصحيح أنه غيره، كما قرره ابن جرير في جامع البيان (٩/ ٣٨٣)، وابن كثير في البداية والنهاية (٢/ ٢٧٨).","vol":"1","page":2420},{"text":"وفي حرف ابن مسعود ﵁ (وإن إدريس لمن المرسلين. سلام على إدراسين) (١)، وفي حرف أُبَيّ ﵁ (وإن إيليس لمن المرسلين. سلام على إيليسين) (٢).\nوقيل: كان له اسمان كيعقوب وإسرائيل (٣).\nوحكى الثعلبي وغيره أن إلياس (٤) نبي من سبط هارون بعثه الله إلى بني إسرائيل، وكان فيهم ملك يقال له: أجب وله امرأة يقال لها: أزبيل، وكانت تبرز للناس كما يبرز زوجها وتجلس للحكم كما يجلس، فأتاهما إلياس ودعاهما إلى الله فأبيا عليه وهَمَّ بقتله فاختفى منهما سبع سنين، وكان اليسع خليفته وآل أمره إلى أن أُوحِيَ إليه: أخرج إلى موضع كذا فما جاءك فاركبه ولا تهبه فجاءه فرس من نار فوثب عليه وناداه خليفته اليسع بن أخطوب: يا إلياس ما تأمرني؟ فرمى ألياس إليه بكسائه من الجو وكان ذلك علامة لاستخلافه إياه (٥) على بني إسرائيل، ورفع الله إلياس من بين أظهرهم وقطع عنه لذة المطعم والمشرب وكساه الريش، فكان إنسيًا، ملكيًا، أرضيًا، سماويًا (٦).\nوقيل: بُعث إلياس بعد حزقيل لما عظمت الحوادث في بني إسرائيل (٧).\n_________\n(١) انظر: المحتسب لابن جني (٢/ ٢٧١)، معاني القرآن للفراء (٢/ ٣٩١).\nقال في المحتسب \"وأما ما روي عن ابن مسعود ﵁ فيجب أن يكون من تحريف العرب الكلم الأعجمي؛ لأنه ليس من لغتها\".\n(٢) انظر: المحتسب لابن جني (٢/ ٢٧٢)، البحر المحيط (٧/ ٣٥٨).\n(٣) لم أقف عليه، والله أعلم.\n(٤) في ب: \"وإن إلياس\"، بالواو.\n(٥) في ب: \"علامة استخلافه إياه\"، بغير اللام.\n(٦) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٨/ ١٥٩).\nقال عنه ابن كثير في البداية والنهاية (٢/ ٢٧٤) \"في هذا نظر، وهو من الاسرائيليات التي لا تصدق ولاتكذب، بل الظاهر أن صحتها بعيدة\".\n(٧) انظر: النكت والعيون (٥/ ٦٤).","vol":"1","page":2421},{"text":"وقيل: إلياس موكل بالفيافي كما وكل الخضر بالبحار وهما آخر من يموت من بني آدم (١). والحسن يقول: قد هلك إلياس والخضر ولا يقول ما يقول الناس أنهما حَيَّان، والله أعلم (٢).\n﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ (١٢٤)﴾ عذاب الله بالإيمان به.\nوقيل: معناه: اتقوا الله (٣).\n﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ قيل: من الدعاء الذي هو الطلب أي: تطلبون الخير من الصَّنَم.\n﴿وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ (١٢٥)﴾.\nوقيل: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ إلهًا، وتُعْرِضُون عن أحسن الخالقين.\nوقيل: معنى ﴿أَتَدْعُونَ﴾ أتُسَمُون الصنم إلهًا.\nوفي بعل أقوال:\nأحدها: أنه اسم صنم لقوم كانوا يسكنون موضعًا يقال له (بك) فركبا فصار (بعلبك)، فبعث الله إليهم إلياس (٤).\nوقيل: اسم امرأة عبدها قوم (٥).\nوقيل: البعل الرب المُمْلِك كالزوج رب البضع وهو مُمْلِكْ (٦).\n_________\n(١) قاله الحسن.\nانظر: الدر المنثور (١٢/ ٤٥٦).\n(٢) وقد بَيَّنَ ابن كثير في البداية والنهاية (٢/ ٢٧٤) أن هذا لم يصح منه شيء، وأن الذي يقوم عليه الدليل أن الخضر مات وكذلك إلياس ﵉.\n(٣) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٣/ ١٢٣).\n(٤) في ب: \"وبعث الله إلياس إليهم\".\nوهذا قول الضحاك، وابن زيد، ومقاتل.\nقال ابن زيد \"بعل صنم كانوا يعبدونه في بعلبك وهي وراء دمشق\".\nانظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٠٦)، جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٦١٤)، بحر العلوم للسمرقندي (٣/ ١٢٣).\n(٥) حكاه النحاس في معاني القرآن (٦/ ٥٥)، وابن جرير في جامع البيان (١٩/ ٦١٥) عن ابن إسحاق.\n(٦) وهو قول ابن عباس ﵄، وعكرمة، ومجاهد، والفراء في معاني القرآن (٢/ ٣٩٢).\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٦١٣، ٦١٢).\n\nقال النحاس في معاني القرآن (٦/ ٥٥) \"يقال: هذا بعل الدار أي: ربها، فالمعنى: أتدعون ربًا خلقتموه وتذرون أحسن الخالقين، وأصله أن يقال لكل ما علا وارتفع بعل، ومنه بعل المرأة، ومنه قيل لما شُرِبَ بماء السماء بعل\".\nوقال في إعراب القرآن (٣/ ٤٣٥) \"والقولان صحيحان، أي: أتدعون صنمًا عملتموه ربًا، أتدعون بمعنى: أتسمون\".","vol":"1","page":2422},{"text":"وقيل: بعل تنين عبده أهل ذلك الزمان (١).\nوقوله ﴿أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ (١٢٥)﴾ المصورين.\nوقيل: المُقَدِّرِين، وقد سبق (٢).\n﴿اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (١٢٦)﴾ النصب على البدل من أحسن، ولا يجوز الوصف كما ذهب إليه كثير من المفسرين، والرفع على الاستئناف (٣)، والمعنى: الله مربيكم ورازقكم ومربي آبائكم وأجدادكم إلى حيث ينتهي ورازقهم.\n﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ أي: كَذَّبَه قومه.\n﴿فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٢٧)﴾ في العذاب، والاحضار عند الإطلاق لا يكون إلا في الشر (٤).\nقال صاحب النظم: \" عُرِفَ بالقرينة أنه الشر\".\n﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٢٨)﴾ الاستثناء من قوله ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ وقيل: من (المحضرين).\n﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآَخِرِينَ (١٢٩) سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ (١٣٠)﴾ فيه قولان:\nأحدهما: أنه لغة في إلياسين (٥) كسيناء وسينين، وميكال وميكائل (٦).\n_________\n(١) لم أقف على من قاله، وفي ظاهره أنه يرجع إلى القول الذي قبله وهو: أن (بعل) اسم للصنم، فيكون ذلك الصنم على صورة تنين.\n(٢) في قوله تعالى ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤)﴾ [المؤمنون: ١٤].\n(٣) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم (اللهُ رَبُّكُم) بالرفع، وقرأ حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم، ويعقوب (اللهَ) بالنصب.\nانظر: السبعة لابن مجاهد (٥٤٨)، إملاء ما من به الرحمن للعكبري (٢/ ٢٠٧).\n(٤) في ب: \"عند الشر\"، بدل \"في\".\n(٥) في ب: \"في إلياس\".\n(٦) ذكره الزجاج في معاني القرآن (٤/ ٢٣٥)، وهي قراءة ابن كثير، وعاصم، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي.\n\nوقد بيَّن ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ٦١٩) أن العرب تفعل ذلك بالأسماء الأعجمية، فتقول: ميكال وميكائيل وميكائين، وإسماعين.\nانظر: السبعة لابن مجاهد (٥٤٩)، الحجة لابن خالويه (٣٠٣).","vol":"1","page":2423},{"text":"والثاني: أصله الياسين بيائي النسب ثم حذف كالأعجميين، وقرئ آل ياسين (١)؛ فذهب بعضهم إلى أن يس اسم محمد صلى الله عليه، وآله عترته والمؤمنون (٢).\nوقيل: على آل دين ياسين، يعني: المؤمنين (٣).\nوقيل: (آل) زيادة، أي: سلام على يس وهو محمد ﷺ (٤).\nوقيل: يس اسم كتاب من كتب الله، فصار كقولك: سلام على آل القرآن (٥)، حكاه أبو علي الجُبَّائي (٦).\n_________\n(١) وهي قراءة نافع، وابن عامر.\nانظر: السبعة لابن مجاهد (٥٤٩)، الحجة لابن خالويه (٣٠٣).\n(٢) وهو مروي عن ابن عباس ﵄.\nانظر: النكت والعيون (٥/ ٦٥).\n(٣) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٥٣٢).\n(٤) انظر: معالم التنزيل للبغوي (٧/ ٥٩)، زاد المسير (٧/ ٨٢)، وقد ضعفها ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ٦٢١) لأنه الله سلم على كل نبي ذُكِرَ في السورة لا على آله وكذلك هنا في إل ياسين.\n(٥) انظر: التبيان في تفسير غريب القرآن لابن الهائم (٣٥٥)، وهو ظاهر الضعف، وحكاية هذا القول عن أبي علي الجبائي موافق للقول بخلق القرآن الذي هو مذهب المعتزلة؛ لأن النسبة تكون للمخلوق وكذلك الانتساب للقرآن على أنه مخلوق كما يزعم المعتزلة.\n(٦) محمد بن عبد الوهاب بن سلام، أبو علي الجُبائي، البصري، شيخ المعتزلة، كان رأسًا في الفلسفة والكلام، ولد بجبا من بلاد خوزستان، أخذ عنه أبو الحسن الأشعري علم الكلام والاعتزال ثم تاب وتركه، ألف كتاب الأصول، وكتاب النهي عن المنكر، وكتاب الأسماء والصفات، وكتاب التفسير الكبير، مات بالبصرة سنة ثلاث وثلاثين ومائة.\nانظر: سير أعلام النبلاء للذهبي (١٤/ ١٨٣)، طبقات المفسرين للسيوطي (١٠٢).","vol":"1","page":2424},{"text":"﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٣١) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٣٢) وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٣) إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٣٤) إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (١٣٥) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآَخَرِينَ (١٣٦)﴾ سبق (١).\n﴿وَإِنَّكُمْ﴾ يا أهل مكة.\n﴿لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ﴾ أي: تَمُرُّون في أسفاركم على ديارهم ليلًا ونهارًا.\nوقيل: بكرةً وعشيًا، لأن سدوم في طريق الشام (٢).\n﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٣٨)﴾ أن من فعل بهم ذلك (٣) قادر على أن يفعل بكم مثل ما فعل بهم (٤).\nإن قيل: لِمَ لَمْ يختم (٥) قصة لوط ويونس بالسلام أسوة من تقدم من الأنبياء في السورة؟ . قلنا: لأنه لما قال ﴿وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٣)﴾ ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩)﴾ فكأنه قد قال (٦) سلام عليهما، لأن الله سَلَّم على جميع المرسلين آخر السورة فقال ﴿وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١)﴾ [الصافات: ١٨١] فاكتفى بذلك عن ذكر كل واحد منفردًا بالسلام، وأما إلياس فمن القبيل الأول فيمن جعل إلياسين لغة في إلياس، ومن جعله غيره أو قرأ آل ياسين فمن القبيل الثاني، والله أعلم (٧).\n_________\n(١) في سورة الشعراء، الآيات [١٦٠ - ١٧٣].\n(٢) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٥٣٢).\n(٣) في ب: \"أن من فعل ذلك بهم\"، بالتقديم والتأخير.\n(٤) في ب: \"أن يفعل بكم مثله\".\n(٥) في أ: \"لم يختم\".\n(٦) في أ: \"فكأنه قال\"، بغير \"قد\".\n(٧) \"والله أعلم\"، سقط من ب.","vol":"1","page":2425},{"text":"﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩) إِذْ أَبَقَ﴾ هرب، ابن عيسى: الآبِق: الفار إلى حيث لا يهتدي الطالب (١)، فَشُبِّهَ يونس بالفارِّ من مولاه.\nوقيل: أبق: خرج (٢).\nوقيل: فَزِع (٣).\nوقيل: تباعد (٤).\n﴿إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠)﴾ المملوء، وقيل: المُجَهَّز (٥).\nوكان يونس - ﵇ - وعد قومه العذاب، فلما تأخر العذاب عنهم خرج كالمُتَشَوِّرِ منهم (٦)، فقصد البحر وركب السفينة.\nوقيل: لما وعدهم بالعذاب خرج من بين أظهرهم كعادة الأنبياء إذا نزل بقومهم العذاب، وكان ذلك بغير أذن من الله، وقد سبق (٧).\n﴿فَسَاهَمَ﴾ قارعهم مرة.\nوقيل: ثلاث مرات (٨).\nوقيل: سبعين مرة (٩).\nوالمساهمة: إلقاء السِّهام على جهة القرعة.\n﴿فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (١٤١)﴾ أي: فوقع السَّهْم عليه، فكان من المقروعين المغلوبين بالحجة، تقول: دَحَضْتُ حجته فهي داحضة، وأدحضت زيدًا إذا أدحضت حجته وغلبته.\n_________\n(١) انظر: النكت والعيون (٥/ ٦٦).\n(٢) حكاه السمرقندي في بحر العلوم (٣/ ١٢٣).\n(٣) انظر: زاد المسير (٧/ ٨٦).\n(٤) انظر القولين السابقين في زاد المسير (٧/ ٨٦).\n(٥) قاله الفراء في معاني القرآن (٢/ ٣٩٣).\n(٦) تَشَوَّرَ الرَّجُل: أي خَجِل، وشَوَّرْت الرَّجل إذا خَجَّلْته فخَجِل.\nانظر: لسان العرب (٧/ ٢٣٥)، مادة: شور.\n(٧) في قوله تعالى ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آَمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾ [يونس: ٩٨]، وفي قوله تعالى ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ الآية [الأنبياء: ٨٧].\n(٨) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٢/ ١٥٥) عن معمر عن ابن طاووس عن أبيه.\n(٩) لم أقف عليه، والله أعلم.","vol":"1","page":2426},{"text":"ابن عيسى: المُدْحَض: الملقى في البحر (١)، والدَّحِضْ: الزَّلِق (٢).\n﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ﴾ ابتلعه. وقيل: أخذه بفيه كاللقمة (٣).\n﴿وَهُوَ مُلِيمٌ (١٤٢)﴾ أتى بما يُلام عليه.\nوقيل: يَلُومُ نفسه (٤).\nوقيل: يُلام (٥)، والوجه الأول.\n﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣)﴾ المصلين قبل ذلك. وقيل: هو من قوله ﴿أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧)﴾ [الأنبياء: ٨٧] (٦).\nوقيل: من التائبين (٧).\nوقيل: من العابدين (٨).\nوقيل: من المصلين في بطن الحوت (٩).\n﴿لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤)﴾ فيه ثلاثة أوجه:\nأحدها: بقي هو والحوت إلى البعث (١٠).\nوالثاني: يموت الحوت ويبقى هو في بطنه (١١).\nوالثالث: يموتان ثم يحشر يونس من بطنه فلم يلبث لكونه من المسبحين في بطن الحوت إلا ساعة من الزمان عند الحسن (١٢).\n_________\n(١) انظر: النكت والعيون (٥/ ٦٧).\n(٢) قال الفراء في معاني القرآن (٢/ ٣٩٣) \"المدحضين: المغلوبين، يقال: أدْحَضَ الله حجتك فَدَحَضَت، وهو في الأصل أن يَزْلَقَ الرَّجُلُ\".\n(٣) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٦٢٦).\n(٤) قاله قتادة.\nانظر: النكت والعيون (٥/ ٦٧).\n(٥) قاله الكلبي.\nانظر: المصدر السابق (٥/ ٦٧).\n(٦) وهو مروي عن الحسن.\nانظر: النكت والعيون (٥/ ٦٧).\n(٧) قاله قطرب.\nانظر: النكت والعيون (٥/ ٦٨).\n(٨) قاله وهب بن منبه.\nانظر: النكت والعيون (٥/ ٦٧).\n(٩) وهو مروي عن الحسن أيضًا.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٦٣٠).\n(١٠) قاله قتادة.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٦٣١).\n(١١) حكاه في الكشاف (٥/ ٢٣٠).\n(١٢) حكاه الزجاج في معاني القرآن (٤/ ٢٣٦).","vol":"1","page":2427},{"text":"وقيل: التقمة ضحىً ولفظه عشية (١).\nقتادة: ثلاثة أيام (٢).\nوقيل: سبعة أيام (٣).\nوقيل: أربعين يومًا، وعليه الأكثرون (٤).\nقال أبو علي: ستة أشهر (٥).\n﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ﴾ رميناه بالمكان الخالي الذي لا شجر فيه ولا بناء. وقيل: العَراء الفضاء (٦).\nوقيل: العراء: الأرض (٧).\nوقيل: الساحل (٨).\n﴿وَهُوَ سَقِيمٌ (١٤٥)﴾ مريض مما ناله من التقام الحوت.\nوقيل: صار كبدن الأطفال في الرِّقَة والضَّعْف (٩).\nوقيل: كالفرخ المُمَعَّط (١٠).\n﴿وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (١٤٦)﴾ أكثرهم على أنها القَرْع (١١)،\n_________\n(١) قاله الشعبي.\nانظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٥٣٣).\n(٢) وهو قول مقاتل أيضًا.\nانظر: النكت والعيون (٥/ ٦٨)، الوسيط للواحدي (٣/ ٥٣٣).\n(٣) قاله عطاء.\nانظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٥٣٣).\n(٤) قاله أنس بن مالك، وكعب، وأبو مالك، وابن جريج، والسدي.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٦٣١)، الوسيط للواحدي (٣/ ٥٣٣)، زاد المسير (٧/ ٨٨).\n(٥) لم أقف على قوله هذا، والله أعلم.\n(٦) حكاه ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ٦٣١).\n(٧) قاله السدي.\nانظر: النكت والعيون (٥/ ٦٨).\n(٨) قاله ابن عباس ﵁.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٦٣٢).\nقال الزجاج في معاني القرآن (٤/ ٢٣٦) \"العراء: المكان الخالي، والعراء على وجهين: مقصورة وممدودة؛ فالمقصورة: الناحية، والعراء ممدود: المكان الخالي\".\n(٩) قاله ابن عباس ﵄، والسدي.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (٦٣٢).\n(١٠) قاله ابن مسعود ﵁.\nانظر: النكت والعيون (٥/ ٦٨).\nوالممعط: هو الفَرْخ الذي ليس له ريش.\n(١١) وهو قول ابن عباس، وابن مسعود ﵄، وقتادة، ومقاتل.\n\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٦٣٤)، الوسيط للواحدي (٣/ ٥٣٣).","vol":"1","page":2428},{"text":"واليَقْطِين من الشجر ماله ورق عريض منبسط على وجه الأرض (١)، ويحتمل أنه خُصَّ بالقَرْع لأنه لما نُبِذَ بالعَرَاء كان في غاية الرِّقَة واللطافة فكان يؤذيه وقوع الذباب عليه وورق القرع لا يحوم حوله الذباب ولا يقع عليه، والله أعلم.\nوفي بعض التفاسير وكانت تختلف إليه وعلة (٢) يشرب من لبنها حتى قوي، ثم يبست الشجرة فبكى حزنا عليها فأوحى إليه ابتكى على هلاك شجرة ولا تبكي على هلاك مائة ألف أو يزيدون (٣).\n﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧)﴾ فيه قولان:\nأحدهما: هم القوم الذين بُعِثَ إليهم قبل الالتقام، فيكون قد مضمرًا (٤).\nوالثاني: أُرْسِلَ بعد الخروج من بطن الحوت إلى قوم غير الأول (٥).\nوقيل: يجوز أن يكون أُرْسِل إلى الأولين بشريعة أخرى فآمنوا به (٦).\n\nقوله ﴿أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧)﴾ ابن عباس ﵄: ثلاثون ألفًا (٧).\n_________\n(١) قال الزجاج في معاني القرآن (٤/ ٢٣٦) \"كل شجرة لاتنبت على ساق وإنما تمتد على وجه الأرض نحو: القَرْع والبِطِّيخ والحنظل فهو يقطين، وأحسب اشتقاقها من قَطَنَ بالمكان إذا أقام به، فهذا الشجر كله على وجه الأرض، فلذلك قيل يقطين\".\n(٢) الوَعْلة: الشاة الجبلية.\nانظر: لسان العرب (١٥/ ٣٤٧).\n(٣) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٦٣٦)، الوسيط للواحدي (٣/ ٥٣٣).\n(٤) قاله قتادة، والحسن، ومجاهد، وهو الذي عليه الأكثرون.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٦٣٨)، زاد المسير (٧/ ٨٩).\n(٥) وهو مروي عن ابن عباس ﵄.\nانظر: النكت والعيون (٥/ ٦٩).\n(٦) حكاه في النكت والعيون (٥/ ٦٩) عن ابن مسعود ﵁.\n(٧) في ب: \"ثلاثين ألفًا\".\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٦٣٧).","vol":"1","page":2429},{"text":"وقيل: بضعة وثلاثين ألفًا (١).\nوقيل: بضعة وأربعين (٢).\nوقيل: سبعين (٣).\nوجاء مرفوعًا: عشرين ألفًا (٤)، ويحتمل أو يزيدون في مرور الزمان لأنه بقي فيهم مدة لقوله ﴿فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (١٤٨)﴾.\nوفي (أو) أقوال:\nأحدها: بمعنى الواو (٥).\nوالثاني: بمعنى: بل (٦).\nوالثالث: هو للإبهام على أصله في حق المخاطبين، أي: لو رآهم واحد منكم لقال مائة ألف أو يزيدون وكذلك قاب قوسين أو أدنى، وهذا مذهب النحاة (٧).\nوقيل: كان الفرض عليه أن يدعو مائة ألف ثم خَيَّره فيما بعد، أي: أو يزيدون إن شاء (٨). قُلْتُ: يمتنع أن يكون ﴿يَزِيدُونَ﴾ عطفًا على ﴿مِئَةِ أَلْفٍ﴾ من وجهين:\nأحدهما: أن قوله ﴿يَزِيدُونَ﴾ فعل والفعل لا يُعْطَف على الاسم.\n_________\n(١) في ب: \"بضعة وثلاثين\"، بغير \"ألفًا\".\nوهو قول الحس.\nانظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٥٣٣).\n(٢) حكاه في النكت والعيون (٥/ ٧٠) عن سفيان بن عبد الله البصري.\n(٣) أي: سبعين ألفًا، وهو قول سعيد بن جبير.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٦٣٧).\n(٤) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ٣٦٧) عن أبي بن كعب ﵁ \"أنه سأل النبي ﷺ عن قوله ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧)﴾ قال: يزيدون عشرون ألفًا\".\n(٥) حكاه الزجاج في معاني القرآن (٤/ ٢٣٦).\n(٦) قاله ابن عباس ﵄، والفراء.\nانظر: معاني القرآن للفراء (٢/ ٣٩٣)، جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٦٣٧)، وقد ضعفهما النحاس في معاني القرآن (٦/ ٦١).\n(٧) حكاه النحاس في إعراب القرآن (٣/ ٤٤٣).\n(٨) لم أقف عليه، والله أعلم.","vol":"1","page":2430},{"text":"والثاني: أن مائة مجرور بإلى (١) والفعل لا يليه حرف الجر، بل التقدير: إلى مائة ألف أو ذوي عدد يزيدون على مائة ألف. ويحتمل: أيضًا أن التقدير: أرسلناه إلى مائة ألف، أو أرسلناه إلى قوم يزيدون على مائة ألف، و(أو) للإبهام في حق المخاطبين كما سبق، والله أعلم.\n﴿فَآَمَنُوا﴾ به وبما أُرْسِل به، وعلى القول الأول (٢) جددوا إيمانهم (٣).\n﴿فَمَتَّعْنَاهُمْ﴾ بَقَيْنَاهم في راحة ولذة (٤).\n﴿إِلَى حِينٍ (١٤٨)﴾ إلى منتهى آجالهم.\n﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾ سل يا محمد أهل مكة، والاستفتاء: طلب الفتوى، وهي: جواب المسألة. أي: سلهم سؤال توبيخ وتجهيل، يعني: بني خزاعة لأنهم زعموا أن الملائكة بنات الله (٥).\n﴿أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (١٤٩)﴾ أي: أيُّ قياس يقتضي أن يختار سبحانه لنفسه الأنقص ويجعل لكم الأفضل.\n﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ (١٥٠)﴾ حاضرون خلقنا إياهم فهم يشهدون عن مشاهدة وعيان.\n﴿أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ﴾ أي: لم يقولوا عن قياس ولا مشاهدة بل عن كذب محضٍ يقولون ولدهم الله.\n﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٥٢)﴾ في هذا وفي سائر ما يتدينون به.\n﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣)﴾ من وصل الألف جعله بدلًا من قوله ﴿وَلَدَ اللَّهُ﴾، أو باضمار القول على تقدير: يقولون اصطفى البنات على البنين (٦)،\n_________\n(١) في أ: \"مجرور بإلى\"، \"أن مائة\".\n(٢) في أ: \"وعلى القول الآخر\".\n(٣) أي: أنه أرسل إلى القوم الذين بعث إليهم قبل أن يلتقمه الحوت.\n(٤) في أ: \"في لذة وراحة\"، بالقديم والتأخير.\n(٥) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٥٣٤).\n(٦) وهي رواية عن نافع، ويروى عنه بالهمز وهي قراءة العامة.\n\nانظر: السبعة لابن مجاهد (٥٤٩).","vol":"1","page":2431},{"text":"ومن قطع الألف جعله استفهاما ووصله بقوله ﴿أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ﴾ [الصافات: ١٤٩] ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾ [الصافات: ١٥٣].\nوالاصطفاء: أخذه صفوة الشيء، أي: فكيف أخذ الشائب الكَدِر وترك الصَّفْوَ الخالِص.\n﴿مَا لَكُمْ﴾ أيُّ شيء لكم في هذه الدعوى.\n﴿كَيْفَ تَحْكُمُونَ (١٥٤)﴾ لربكم مالا ترضونه لأنفسكم.\n﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٥٥)﴾ أنه واحدُ لا ولد له لا ذكرًا ولا أنثى.\n﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ (١٥٦)﴾ كتاب من عند الله فيه أن الملائكة بنات الله.\n﴿فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ﴾ أي: فأتوا بذلك (١).\n﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٥٧)﴾ في دعواكم، أي: بقي في القسمة وجه ثالث لما بطل القياس والمشاهدة وهو: إخبار صدقٍ أي: في كتاب (٢) من عند الله وليس عندكم ذلك أيضًا، فقد بطل حجتكم وظهر عنادكم.\n﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ﴾ الملائكة.\n﴿نَسَبًا﴾ حين قالوا: إنهم بنات الله، وسمو الملائكة جنة لاستتارهم عن العيون.\nوقيل: إن أهل الجاهلية يسمون الملائكة جِنَّة.\nوقيل: هم بطن من الملائكة (٣).\nوقيل: سموا جِنَّة لأنهم في الجنان (٤)، وجماعة من المفسرين على أن الجِنَّة هاهنا: الجِنّ المعروف (٥).\n_________\n(١) في ب: \"أي: بذلك\"، بغير \"فأتوا\".\n(٢) في أ: \"في كتاب الله\"، بغير \"أي\".\n(٣) هذا القول والذي قبله مرويان عن مجاهد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٦٤٥)، النكت والعيون (٥/ ٧١).\n(٤) قاله أبو صالح.\nانظر: النكت والعيون (٥/ ٧١).\n(٥) قاله قتادة، وابن السائب.\nانظر: جامع البيان (١٩/ ٦٤٥)، زاد المسير (٧/ ٩١).","vol":"1","page":2432},{"text":"وقال الكلبي: \"قالوا الباري سبحانه (١) تزوج إلى الجن فخرج منها الملائكة\" (٢).\nعكرمة: قالوا سروات الجن بنات الرحمن. وقال بعض الكفار: إبليس والباري أخوان، والنور والخير من الله والظلمة والشر من إبليس (٣)، تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا.\nوقال الحسن: أشركوا الشيطان في عبادة الله فهو النسب الذي جعلوا بين الله وبين الجِنَّة (٤).\n﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٥٨)﴾ السدي، والزَّجَّاج، والفراء: عَلِمَتِ الملائكة أن الذين قالوا هذا القول محضرون في النار (٥).\nمجاهد: أي: عَلِمَتِ الملائكة إنهم لمحضرون للحساب (٦)، والقول هو الأول.\nومن قال: إن الجِنَّةَ الجِن المعروف قال: ولقد علم الجن الذين نسبوهم إلى الله أنهم معذبون، وهذا فيه كلام أو يُحْمَل على المستقبل.\n﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٥٩)﴾ نزه نفسه عن الولد، والوالد، والأخ، والصاحبة.\n﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٠)﴾ تقدم تقديره: لمحضرون إلا عباد الله المخلصين فإنهم لا يُحضرون.\n_________\n(١) في ب: \"الباري\"، بغير \"سبحانه\".\n(٢) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٥٣٤).\n(٣) وهو مروي عن ابن عباس ﵄.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٦٤٤).\n(٤) انظر: الكشف والبيان للثعلبي (٨/ ١٧٢).\n(٥) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ٢٣٧)، معاني القرآن للفراء (٢/ ٣٩٤)، وهو اختيار النحاس في معاني القرآن (٦/ ٦٤)، وابن جرير في جامع البيان (١٩/ ٦٤٦)، قال ابن جرير \"لأن سائر الآيات التي ذكر الله فيها الإحضار في هذه السورة إنما عنى به الإحضار في العذاب، فكذلك في هذا الموضع\".\n(٦) انظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٦٤٦).","vol":"1","page":2433},{"text":"﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (١٦١)﴾ أي: من الآلهة، وهذا (١) خطاب لأهل مكة متصل بقوله\n﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾.\n﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢)﴾ أي: مهلكين. وقيل: الفاتن: الداعي إلى الضلال بتزيينه (٢).\n﴿إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ (١٦٣)﴾ داخل النار، والمعنى: إلا من أضله الله. وقيل: إلا من توليتم (٣).\nوقيل: إلا من قَدَّرَ الله له أن يصلى الجحيم (٤).\nوقيل: إلا من في علم الله أنه يصلى الجحيم (٥).\nالحسن: معناه: يا بني إبليس ليس لكم سلطان إلاّ على من هو صال الجحيم، أي: يُعذب بنيرانها (٦).\n﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤)﴾ أي: وما منا أحدٌ إلا له مقام معلوم، فيه أقوال:\nالجمهور: على أنه كلام الملائكة، أي: وما منا مَلَكٌ إلا له في السماء مقام معلوم يعبد الله هناك (٧).\n﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥)﴾ أي: نقف صفوفًا فيها.\nوقيل: حول العرش (٨).\nوقيل: في الهواء (٩).\nوقيل: الصَّافُّون في الصلاة (١٠).\n_________\n(١) في ب: \"من الآلهة، هذا\".\n(٢) انظر: معاني القرآن للزجاج (٤/ ٢٣٧).\n(٣) قاله قتادة.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٦٤٩).\n(٤) قاله مقاتل.\nانظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٥٣٤).\n(٥) قاله ابن عباس ﵄.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٦٤٧).\n(٦) انظر: الدر المنثور (١٢/ ٤٨٦).\n(٧) وهو قول قتادة، والسدي، والضحاك.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٦٥٠)، وهو اختياره، وانظر: زاد المسير (٧/ ٩٣)، تفسير ابن كثير (٤/ ٢٦).\n(٨) في أ: \"فيها وفي حول العرش\".\n(٩) لم أقف عليه، والله أعلم.\n(١٠) حكاه الماوردي في النكت والعيون (٥/ ٧٢).","vol":"1","page":2434},{"text":"﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (١٦٦)﴾ المُنَزِّهون المُمَجِدُون فمن أين استحققنا العبادة عند الكفار؟ .\nوعن عائشة ﵂ عن رسول الله ﷺ أنه قال (١): \" ما في السماء الدنيا موضع قدم إلا عليه مَلَكٌ ساجد أو قائم\" (٢).\nقتادة: كان يصلي الرجال والنساء معًا حتى نزلت ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤)﴾ فتقدم الرجال وتأخر النساء (٣).\nقال: \" وكانوا يُصَلُّونَ فُرادى (٤) حتى نزلت ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (١٦٦)﴾ \" (٥).\n_________\n(١) \"أنه قال\"، سقط من ب.\n(٢) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٩/ ٦٥١)، وله شاهد عند الترمذي (أبواب الزهد، باب: ما جاء في قول النبي ﷺ: لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا، ح: ٢٣١٢) عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ \"إني أرى مالا ترون وأسمع مالا تسمعون، أَطَّتِ السماء وحُقَّ لها أن تئط؛ ما فيها موضع أربع أصابع إلا ومَلَك واضع جبهته لله ساجدا\".\nقال الترمذي \"هذا حديث حسن غريب، ويروى عني أبي ذر موقوفًا\".\n(٣) انظر: النكت والعيون (٥/ ٧٢)، الدر المنثور (١٢/ ٤٨٩) وعزاه لابن أبي حاتم.\n(٤) في أ: \"يصلون منفردًا\".\n(٥) حكاه في النكت والعيون (٥/ ٧٢) عن أبي مالك، وانظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٥/ ١٣٨).","vol":"1","page":2435},{"text":"وقيل: المُضْمَرون في هذا هو النبي ﷺ والمؤمنون، ومن خاطبهم من الكفار يقول: ليس منا ومنكم إلا من له في الآخرة مقام معلوم كقوله ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى (٣٧) وَآَثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٣٨)﴾ الآيات الأربع [النبأ: ٣٧ - ٤١] كذلك قوله ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥)﴾ أي: النبي ﷺ والمؤمنون، أي: نحن الصَّافُّون لله في الصلاة، ونحن المسبحون المنزهون الله عن السوء (١).\nوقيل: ما مِنَّا يوم القيامة إلا من له مقام معلوم بين يدي الله (٢).\n﴿وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ (١٦٧)﴾ الضمير يعود على كفار مكة كانوا يقولون: لو جاءنا كتاب كما جاء غيرنا من الأولين لأخلصنا عبادة الله.\nوقيل: لو أن عندنا علمًا كما للأولين من كتاب ورسول (٣).\nوقيل: المراد بالأولين النبيون والصالحون، وهو قول ﴿لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨) لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٩) فَكَفَرُوا بِهِ﴾ أي: فلما جاءهم محمد صلى الله عليه سلم ومعه القرآن، وفيه ذكر من الأولين وذكر من الآخرين كفروا به (٤) الهاء يعود إلى محمد ﷺ.\nوقيل: إلى الذكر.\n_________\n(١) حكاه في الكشاف (٥/ ٢٣٥).\n(٢) حكاه في النكت والعيون (٥/ ٧٢).\n(٣) قاله قتادة، والسدي.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٦٥٥).\n(٤) في ب: \"فكفروا به\"، بالفاء.\nوانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٦٥٦).","vol":"1","page":2436},{"text":"وقيل: للآية وجه آخر وهو: أنهم قالوا لو علمنا حال آبائنا وما آل إليه أمرهم وكان ذلك كما يقوله محمد ﷺ لآمنا به وأخلصنا، لكنا على شك مما يقوله فلا نصدقه، وهو قوله ﴿فَكَفَرُوا بِهِ﴾ (١)، ثم أوعدهم فقال ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (١٧٠)﴾ عاقبة أمرهم (٢).\n﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١)﴾ أي: سبق وعدنا إياهم بالنُّصْرة وهو قوله ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا (٥١)﴾ الآية [غافر: ٥١].\nوقيل: ﴿كَلِمَتُنَا﴾ ما ذكر من قوله ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢)﴾ بالحجة.\n﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣)﴾ ولم يُقْتَل نبي في معركة وقتال وإنما قُتِلَ منهم من لم يؤمر بالقتال.\nوقيل: هم المنصورون بالحجة والغالبون بالسلطان (٣).\nالكلبي: إن لم ينصروا في الدنيا نصروا في الآخرة (٤).\n﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ أعْرِض عن قولهم.\n﴿حَتَّى حِينٍ (١٧٤)﴾ إلى يوم بدر.\nوقيل: إلى فتح مكة (٥).\nوقيل: إلى الموت (٦).\nوقيل: إلى يوم القيامة (٧).\nوقيل: إلى أن تؤمر بالقتال، والآية منسوخة (٨). وقيل: ثابتة (٩).\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن للفراء (٢/ ٣٩٥).\n(٢) في ب: \"عاقبة كفرهم\".\n(٣) قاله السدي.\nانظر: النكت والعيون (٥/ ٧٣).\n(٤) انظر: المصدر السابق (٥/ ٧٣).\n(٥) قاله الكلبي.\nانظر: بحر العلوم للسمرقندي (٣/ ١٢٦).\n(٦) قاله قتادة.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٦٥٨).\n(٧) قاله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٦٥٩).\n(٨) وهو قول قتادة، ومقاتل، وأن الناسخ لها آية السيف.\nانظر: النكت والعيون (٥/ ٧٣)، زاد المسير (٧/ ٩٤).\n(٩) حكاه في زاد المسير (٧/ ٩٤) عن مجاهد.\n\nقال ابن العربي في الناسخ والمنسوخ (١٨٨) إن كان الحين في الآية الذي جعل غاية التولي الموت فلا نسخ فيها، وإن كان المراد بالحين فيها قبل الموت كما قال الطبري أنه يوم بدر، وقال غيره يوم العقوبة التي تحل بهم من الله، فإن ذلك منسوخ بآيات القتال؛ فإن القتل من أعظم عقوبات الله إذا وقع جزاءً على ذنب\" أ. هـ بتصرف يسير.","vol":"1","page":2437},{"text":"﴿وَأَبْصِرْهُمْ﴾ أي: وأبصر (١) ما ينالهم يومئيذ.\n﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٥)﴾ ذلك. وقيل: وأنظرهم إلى ذلك الوقت.\nوقيل: أبصر حالهم بقلبك فسوف يبصرون معاينة (٢).\nوقيل: أعلمهم فسوف يعلمون (٣).\nوقيل: أبصر ما ضيعوا من أمرنا فسوف يبصرون ما يحل بهم من عذابنا (٤).\n﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (١٧٦)﴾ لما نزل ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٩)﴾ قالوا: متى هذا الذي توعدنا به؟ فنزلت ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (١٧٦)﴾.\n﴿فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ﴾ بدارهم أي: العذاب.\nوقيل: محمد ﷺ (٥).\n﴿فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٧)﴾ فبئس صباح الكافرين يوم نزول العذاب، وذِكْرُ الصباح والمراد به: اليوم.\n_________\n(١) في ب: \"أبصر\"، بغير الواو.\n(٢) حكاه الماوردي في النكت والعيون (٥/ ٧٤).\n(٣) حكاه الماوردي في النكت والعيون (٥/ ٧٤) عن ثعلب.\n(٤) قاله ابن زيد.\nانظر: جامع البيان لابن جرير (١٩/ ٦٥٩).\n(٥) يشهد له ما أخرجه البخاري في الصحيح (ك: الأذان، باب: ما يحقن بالأذان من الدماء، ح: ٦١٠) عن أنس بن مالك ﵁ قال: \"فخرجنا إلى خيبر، فانتهينا إليهم ليلًا، فلما أصبح ولم يسمع أذانًا ركب وركبتُ خلف أبي طلحة وإن قدمي لتمس قدم النبي ﷺ، قال: فخرجوا إلينا بمكاتِلهم ومساحِيهم، فلما رأوا النبي ﷺ قالوا: محمد والله، محمد والخَميسُ، قال: فلما رآهم رسول الله ﷺ قال: الله أكبر الله أكبر، خرِبَت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين\".","vol":"1","page":2438},{"text":"وقيل: نزل وقت الصبح، كما نزل يقوم لوط من قوله ﴿أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (٨١)﴾ [هود: ٨١] (١).\n﴿وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٨) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٩)﴾ قيل: هذا التكرار (٢) للتأكيد (٣).\nوقيل: الأول في الدنيا، والثاني في الآخرة.\nوقيل: ترى اليوم عزهم إلى ذل وترى بعد اليوم ما تحتقر (٤) معه ما شاهدتهم فيه (٥) من عذاب الدنيا، وحدف الضمير اكتفاء بالأول (٦).\n﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠)﴾ نزه نفسه وأمر المؤمنين بالتنزيه، ومعنى ﴿رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ ذو العزة، لأن العزة صفته لامربوبة، وفي الحديث أن ابن عباس ﵄ سمع رجلًا يقول: اللهم رب القرآن، فأنكر عليه وقال: \" القرآن ليس بمربوب ولكنه كلام الله\" (٧).\n_________\n(١) قال الفراء في معاني القرآن (٢/ ٣٩٦) \"والعرب تكتفي بالساحة والعقوبة من القوم، ومعناهما واحد، نزل بك العذاب وبساحتك، وصباح المنذرين: يريد بئس الصباح\".\n(٢) في ب: \"تكرار\"، بغير الألف واللام.\n(٣) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٣/ ١٢٧).\n(٤) في ب: \"ما تحتفر\"، بالفاء وهو تصحيف.\n(٥) في أ: \"ما شاهدته فيه\".\n(٦) انظر القولين السابقين في أسرار التكرار في القرآن الكريم لمحمود بن حمزة بن نصر الكرماني (١٨١).\n(٧) هذا الأثر أخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (١/ ٢٣٠) عن عكرمة عن ابن عباس ﵄، وذكره البغوي في شرح السنة (١/ ١٨٦)، وابن تيمية في الفتاوى (١٢/ ٤١٨) في رده على الجهمية القائلين بنفي الصفات وخلق القرآن، وأن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود، وهو الذي عليه سلف الأمة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، خلافًا لمن ضل من الجهمية والمعتزلة القائلين بخلق القرآن.","vol":"1","page":2439},{"text":"﴿وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١)﴾ عمم الرسل بالسلام بعد ما خص البعض في السورة لأن تخصيص كل واحد بالذكر يطول.\nوعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \" إذا سلمتم علي فسلموا على المرسلين فإنما أنا رسول من المرسلين\" (١).\nوقيل: أراد بهم من تقدم ذكرهم في السورة (٢). والقول هو الأول، والمعنى: يُسلمهم ويؤمنهم من كل مكروه وعما يصفون متعلق بالعزة أي: امتنع عما يصفون.\n﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ على هلاك الكافرين. وقيل: عَلَّمَّ عباده كيف يحمدونه في الفواتح والخواتم (٣).\nوعن علي بن أبي طالب (٤) ﵁ أنه قال (٥): \" من أحب أن يكتال بالمكيال إلأوفى من الأجر يوم القيامة فليكن آخر كلامه من مجلسه ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠)﴾ إلى آخر السورة\" (٦).\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير ف جامع البيان (١٩/ ٦٦١)، عن قتادة مرسلًا.\n(٢) انظر: النكت والعيون (٥/ ٧٤).\n(٣) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (٣/ ١٢٧).\n(٤) في ب: \"وعن علي\".\n(٥) \"أنه قال\"، سقط من ب.\n(٦) أخرجه البغوي في معالم التنزيل (٧/ ٦٦) عن علي ﵁ موقوفًا، وذكره ابن كثير في تفسير (٤/ ٢٨) من رواية ابن أبي حاتم عن الشعبي مرسلًا، وفيه أصبغ بن نُبَاتة التميمي، ضعيف الحديث.\nانظر: تهذيب التهذيب لابن حجر (١/ ٣٢٨).","vol":"1","page":2440},{"text":"[بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ، وإيِّاه أسأل التوفيق، قال الشيخ الإمام بُرهانُ الدِّين سَعْد الإسلام، تاجُ القُّرَّاء أبو القاسم محمود بن حمزة - قَدَّس الله رُوْحَه -] (١)\n<span data-type=\"title\" id=toc-144>سورة ص </span>(٢)\nثمان وثمانون آية (٣) (٤) مكية (٥)\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ\n﴿ص وَالْقُرْآَنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ سبق القول في الحروف (٦).\n_________\n(١) ما بين المعقوفتين ساقط من (أ).\n(٢) هذه السُّورة سميت في المصاحف وكتب التفسير، وكتب السنة والآثارِ عن السلف (سورة صاد) كما ينطق باسم حرف الصاد تسمية لها بأول كلمة منها، ويقال لها: سورة داود [انظر: زادُ المَسِير؛ لابن الجوزي (٧/ ٣)، جَمَال القُرَّاء؛ للسَّخاوي (١/ ٢٠٠)، التحرير والتنوير؛ لابن عاشور (٢٣/ ٢٠١)].\n(٣) \" ثمان وثمانون آية \" سقطت من (ب).\n(٤) وهذا على عدِّ أهل الكوفة، وأمَّا عند أهل الحجاز والشام والبصرة (بعدِّ أيوب بن المتوكل) فستًا وثمانين، وعند أهل البصرة خمسًا وثمانين، وهو عدد عاصم الجحدري [انظر: البيان في عدِّ آي القرآن؛ للداني (ص: ٢١٤)، ... التَّحْرِيرُ والتَّنْوير؛ لابن عاشور (٢٣/ ٢٠١)].\nقلت: ومردُّ هذا الاختلاف في العدِّ كما هو مقرر في كتب علوم القرآن لسببين رئيسين، وهما: أنَّ النبي - ﷺ - كان يقف على رؤوس الآي للتوقيف، فإذا علم محلها وصلَ للتَّمام، فيحسب السامع أنها ليست فاصلة.\nوالثاني: أنَّ البسملة نزلت مع السورة في بعض الأحرف السبعة، فمن قرأ بحرف نزلت فيه عدَّها، ومن قرأ بغير ذلك لم يعدها. [انظر: البرهان في علوم القرآن؛ للزركشي (١/ ٢٥١)، دراسات في علوم القرآن؛ للدكتور زاهر الألمعي (ص: ٦٩)].\n(٥) وهي مكِّية بالإجماع [انظر: البيان؛ للداني (ص: ٢١٤)، المُحَرَّرُ الوجِيز؛ لابن عطية (٤/ ٤٩١)، زادُ المَسِير؛ لابن الجوزي (٧/ ٣)، الجامع لأحكام القرآن؛ للقرطبي (١٥/ ١٣٧)].\n(٦) أي الحروف المقطعة في أوائل السُّور في الآية الأولى من سورة البقرة، واكتفى المؤلِّف فيها بسَرْد الأقوال المشهورة دون إبداء رأيٍ أو ترجيح، والذي يظهر لي فيها أنَّها حروف للتحدي والإعجاز الله أعلم بمرادها، وهو قول أبي بكر الصدِّيق وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود - ﵃ - ووافقهم جمعٌ من التابعين ومن بعدهم.\nقال ابن كثيرٍ - ﵀ -: \" فإن صحَّ لنا فيها عن المعصوم شيء قلنا به، وإلا وقفنا حيث وقفنا وقلنا ﴿آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧)]، ولم يُجْمِع العلماء فيها على شيء معين، وإنما اختلفوا، فمن ظهر له بعض الأقوال بدليل فعليه اتباعه، وإلا فالوقف حتى يتبين هذا المقام \" [تفسير القرآن العظيم (١/ ٤٠) وانظر: جامع البيان؛ لابن جرير الطبري (١/ ٨٦)، فتح القدير؛ للشَّوكاني (١/ ٤٦)، أضواء البيان؛ للشنقيطي (١/ ٢٣٨)].","vol":"1","page":2441},{"text":"وتختص ﴿ص﴾ (١) بأقوال:\n\" قال \" (٢) ابن عباس - ﵄-: (٣): \" اسمُ بَحْرٍ عليه عَرش الرحمن \" (٤).\nسعيد بن جُبَير (٥): \": بَحْرٌ يحيي الله به (٦) الموتى بين النفختين \" (٧).\nوقيل: اسم من أسماء الله.\nوقيل: اسم للقرآن (٨).\nوقيل: اسم للسورة (٩).\nالفَرَّاء (١٠): \" هو كقولك وجب والله، ونزل (١١) والله \" (١٢).\n_________\n(١) أي بأقوالٍ في تفسيرها عن الحروف المقطعة.\n(٢) \" قال \" سقطت من (ب).\n(٣) ابن عبَّاس: عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم، أبو العباس الهاشمي، ابن عمّ رسول الله - ﷺ -، كُني بابنه العباس، وهو أكبر ولده، وهو بحر التفسير وحَبر الأمة الذي لم يكن على وجه الأرض في زمانه أعلم منه، تُوفِّي بالطائف، وقد كفّ بصره سنة ثمان وستين للهجرة، وصلَّى عليه محمد بن الحنفية، وقال: \"اليوم مات ربَّاني الأمة\" - ﵁ - [انظُر تَرْجَمَتَه: مشاهير علماء الأمصار؛ لابن حبَّان (ص: ١٥)، غاية النهاية؛ لابن الجزري (١/ ٤٢٥)، أسد الغابة؛ لابن الأثير (٣/ ٢٩١)].\n(٤) انظر: غرائب التفسير؛ للكرماني (٢/ ٩٨٩)، وأورده عنه القرطبي بنحوه في تفسيره حيث قال: \" (ص) كان بحرًا بمكة، وكان عليه عرش الرحمن إذ لا ليل ولا نهار \" [الجامع لأحكام القرآن (١٥/ ١٣٨)]، وكذا الألوسي في روح المعاني (٢٣/ ١٦١)، وعند أبي الليث عن علي بن أبي طالب - ﵁ -: \" الصاد: اسم بحر في السماء\". [تفسير السَّمَرْقَنْدِي (٣/ ١٥٠)].\n(٥) سعيد بن جُبَير بن هشام الأسدي الوالبي، مولاهم الكوفي، أبو عبد الله، ثقة ثبت، تابعي فقيه مُحدِّث مُفَسِّرٌ، قرأ القرآن على ابن عباسٍ - ﵄ -، وقرأ عليه أبو عمرو بن العلاء، قتل - ﵀ - بين يدي الحجاج سنة خمسٍ وتسعين للهجرة. [انظُر تَرْجَمَتَه: الثقات؛ لابن حبَّان (٤/ ٢٧٥)، سِيَرُ أعلام النُّبَلاء؛ للذَّهبي (٤/ ٣٢١)، غاية النهاية (١/ ٣٠٥)، طبقات المُفَسِّرِين؛ للداوودي (١/ ١٨٨)].\n(٦) في (ب) \" يحيي به الله \".\n(٧) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٩٨٩)، وأورده القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (١٥/ ١٣٨)، وكذا الألوسي في روح المعاني (٢٣/ ١٦١) وقال بعد ذكر القولين: \" والله تعالى أعلم بصحة هذين الخبرين \".\n(٨) في (ب) \" اسم القرآن \".\n(٩) في (ب) \" اسم السورة \".\n(١٠) الفَرَّاء: هو يحيى بن زياد بن عبد الله الديلمي، أبو زكريا، المعروف بالفرَّاء، إمام الكوفيين، وأعلمهم بالنحو واللغة وفنون الأدب، أوكل إليه المأمون ولديه ليعلمهما النحو، توفي - ﵀ - في رحلته للحج سنة سبع ومائتين للهجرة [انظُر تَرْجَمَتَه: نُزْهة الألِبَّاء؛ لابن الأنباري (ص: ٨١)، غاية النهاية (٢/ ٣٧١)، سِيَرُ أعلام النُّبَلاء (١٠/ ١١٨)، الأعلام؛ للزِّركلي (٨/ ١٤٥)].\n(١١) في (أ) \" نزل \" بدون واو.\n(١٢) انظر: معاني القرآن؛ للفَرَّاء (٢/ ٣٩٦).","vol":"1","page":2442},{"text":"وقيل: صدق الله والقرآن.\nوقُرِئ بالفتح (١)، كأنه حرِّك بالفتح لالتقاء الساكنين.\nوقيل: اسم للسورة لا ينصرف أي: اقرأ صادَ.\nوقيل: فعل ماضٍ، أي: صادَ محمدٌ قلوبَ العباد.\nوقُرِئَ بالكسر (٢) لالتقاء الساكنين.\nوقيل: أمر من صادى (٣) يصادي، أي صادِ بالقرآن عملك.\nقال أبو علي (٤): \" الواو بدل من الباء في غير القسم \" (٥).\n﴿ذِي الذِّكْرِ﴾ ذي البيان.\nوقيل: ذي الشَّرف.\n_________\n(١) أي ﴿صَ﴾ وقرأ بها عيسى بن عمر والثقفي، وهي قراءة شاذة.\n[انظر: إعراب القرآن؛ للنَّحاس (٣/ ٢٠٣)، المُحْتَسَب؛ لابن جِنِّي (٢/ ٢٧٦)، البيان؛ لابن الأنباري (٣/ ٣١١)، الجامع لأحكام القرآن؛ للقرطبي (١٥/ ١٣٧)].\n(٢) أي ﴿صٍ﴾ وقرأ بها أُبي بن كعب والحسن وابن أبي إسحاق، وهي قراءة شاذة.\nوقراءة العامة ﴿ص﴾ بجزم الدال على الوقف، لأنَّه حرف من حروف التَّهَجِّي والأصل فيها البناء، والأصل في البناء أن يكون على السكون [انظر: إعراب القرآن؛ للنَّحاس (٣/ ٣٠٢)، المُحْتَسَب؛ لابن جني (٢/ ٢٧٦)، البيان؛ لابن الأنباري (٢/ ٣١١)، الجامع لأحكام القرآن؛ للقرطبي (١٥/ ١٣٧)].\n(٣) في هامش (أ) \" وقيل: صادي من المقابلة والصدى في الجبل \".\n(٤) أبو علي: الحسن بن أحمد بن عبد الغفار الفارسي، أبو علي، أحد الأئمة في علم العربية والقراءت، أخذ القراءة عن ابن مجاهدٍ، والنَّحو عن الزَّجَّاج، وكان متَّهمًا بالاعتزال، وقد فضّله بعضهم على المبرّد في النَّحْو توفي سنة سَبعٍ وسبعين وثلاثمائة للهجرة [انظُر تَرْجَمَتَه: نزهة الألِبَّاء (ص: ٢٣٢)، سِيَرُ أعلام النُّبَلاء (١٦/ ٣٧٩)، غاية النِّهاية (١/ ٢٠٦)].\n(٥) انظر: الإغفال؛ لأبي علي الفارسي (٢/ ٥١٩).","vol":"1","page":2443},{"text":"وقيل: فيه ذكر الأولين ونبأ الآخرين.\nالمبرِّد (١) \" ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾: أي ذي المنع عن القبيح كما تمتنع (٢) الذّكْرة وهي الصخرة الشديدة الصلابة \" (٣).\nوالجمهور على أنَّ ﴿وَالْقُرْآَنِ﴾ قسمٌ.\nواختلفوا (٤) في الجواب:\nفقال بعضهم: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ﴾ [ص: ٦٤] (٥).\nوقال بعضهم: ﴿إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ (٦) (٧).\nوقيل: مُضْمَرٌ، أي لَيُبْعَثُنَّ (٨).\nوقيل: مقدَّمٌ على أن يكون ﴿ص﴾ اسمًا للقرآن، فيكون التقدير: اذكر صادَ والقرآنِ كما تقول: قم والله، وكذلك: (٩) صدق الله والقرآن.\n_________\n(١) المُبرِّد: هو محمد بن يزيد بن عبد الأكبر الثمالي الأزدي البصري، أبو العبَّاس المبرِّد، إمام العربية ببغداد في زمانه، وأحد أئمة الأدب والأخبار، صنَّف \"إعراب القرآن \" و\" الكامل \" و\" المقتضب \"، وغيرها، توفي سنة خمسٍ وثمانين ومائتين للهجرة [انظُر تَرْجَمَتَه: إنباه الرواة؛ للقفطي (٣/ ٢٤١)، بغية الوعاة؛ للسيوطي (١/ ٢٩٦)، الأعلام (٧/ ١٤٤)].\n(٢) في ب \" يمتنع \".\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) في (أ) \" فاختلفوا \". ولعل الصواب ما أثبت أعلاه.\n(٥) أشار ابن جرير أن بعض نحويي الكوفة: قد زعم أن جواب ﴿وَالْقُرْآَنِ﴾ قوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (٦٤)﴾ [ص: ٦٤] قال: وذلك كلام قد تأخر عن قوله: ﴿وَالْقُرْآَنِ﴾ تأخرًا شديدًا وجرت بينهما قصص مختلفة فلا نجد ذلك مستقيما في العربية والله أعلم. [انظر: جامع البيان (٢٣/ ١١٩)].\n(٦) \" الرسل \" سقطت من (ب).\n(٧) قال ابن عطية: \" وهذان القولان بعيدان \". [المُحَرَّرُ الوجِيز (٤/ ٤٩١)].\n(٨) في (ب) \" لتبعثن \".\n(٩) في (أ) \" فكذلك \".","vol":"1","page":2444},{"text":"وقيل جوابه: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا﴾ والتقدير: لكم أهلكنا كما في قوله ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ ... [الشمس: ٩] في سورة الشمس (١)، أي لقد أفلح، لكن لمَّا حِيل بين القَسَم والمقسَم عليه حُذف اللام فصار ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ فكذلك هاهنا، وهذا قول الفرَّاء (٢)، وهو غير مرضي عند البصريين؛ لأن كم لتضمُّنه معنى الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله فَلَهُ صَدْرُ الكلام لا حاجة به إلى اللام (٣).\nوقيل: جوابه مضمر دلَّ عليه ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وتقديره: ما آمن بك قومك بل هم في عزَّة (٤).\nو﴿بَلْ﴾ (٥) لِتَرك كلام، وأخذ كلام آخر (٦).\n_________\n(١) في (ب) \"سورة والشمس \".\n(٢) معاني القرآن (٣٩٧/ ٢).\n(٣) قال ابن عطية: \" وهذا متكلَّفٌ جدًَّا \". [المُحَرَّرُ الوجِيز (٤/ ٤٩٢)].\n(٤) وهذا القول هو الذي رجَّحه ابن جرير وابن عطية، حيث قال ابن جرير: \"والصواب في ذلك من القول عندي، القول الذي قاله قتادة، وأنَّ قوله ﴿بَلِ﴾ دلَّت على التكذيب وحلَّت محلَّ الجواب استغني بها من الجواب، إذ عُرف المعنى، فمعنى الكلام إذ كان ذلك كذلك: \" ص والقرآن ذي الذكر ما الأمر؟، كما يقول هؤلاء الكافرون: بل هم في عزَّة وشقاق \". [جامع البيان؛ لابن جرير (٢٣/ ١١٩) المُحَرَّرُ الوجِيز؛ لابن عطية (٤/ ٤٩٢)].\n(٥) في (ب) \" بل\" بدون واو.\n(٦) قال الراغب الأصفهاني: \" بل: كلمة للتَّدارك، وهو ضَرْبَان: ضَرْبٌ يناقض ما بعده ما قبله لكن ربما يقصد به لتصحيح الحكم الذي بعده وإبطال ما قبله، وربما يقصد تصحيح الذي قبله وإبطال الثاني، فمما قُصد به تصحيح الثاني وإبطال الأول قوله تعالى: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣) كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾ [المطففين: ١٣ - ١٤] ... ومما قصد به تصحيح الأول وإبطال الثاني قوله تعالى: ﴿ص وَالْقُرْآَنِ ذِي الذِّكْرِ (١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ (٢)﴾ [ص ١ - ٢] فإنَّه دلَّ بقوله: ﴿وَالْقُرْآَنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ أنَّ القرآن مقرٌّ للتَّذكُّر، وأن ليس امتناع الكفار من الإصغاء إليه أن ليس موضعًا للذكر، بل لتعززهم ومشاقتهم .. والضرب الثاني: من \"بل \": هو أن يكون مُبيِّنًا للحكم الأول وزائدًا عليه بما بعد \"بل \"، نحو قوله تعالى: ... ﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ﴾ [الأنبياء: ٥] ... وجميع ما في القرآن من لفظ \" بل \" لا يخرج من أحد هذين الوجهين وإن دقَّ الكلام في بعضه. [المفردات (ص: ١٤٢) باختصار، وانظر: الجنى الداني في حروف المعاني؛ للمُرَادي (ص: ٢٣٥)].","vol":"1","page":2445},{"text":"قوله: ﴿فِي عِزَّةٍ﴾ أي: في (١) أنفةٍ من الانقياد للحق.\nوقيل: معنى ﴿فِي عِزَّةٍ﴾ عازُّوا الرُّسل وطلبوا بتكذيبهم أن يكونوا أعزَّ منهم.\nوقيل: ﴿فِي عِزَّةٍ﴾ في امتناعٍ من أتباعهم.\nوقيل: في منَعَة بتمكين الله إيَّاهم قد تقوّوا به على دفع الحقّ.\nوقيل: في تمنُّعٍ على من يدعوهم إلى رُشد.\nوقيل: في تكبُّرٍ عن قبول الحقِّ.\n﴿وَشِقَاقٍ﴾ خلاف وعداوة.\nوقيل: فراق.\n﴿كَمْ أَهْلَكْنَا﴾ أي: كم قرنًا.\nوقيل: كم مرَّة أهلكنا (٢).\n﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ قبل قومك.\n﴿مِنْ قَرْنٍ﴾ أمَّة من الأمم.\nوقيل: القرن: الزَّمان، والتقدير: من أهل زمانٍ، وهو ثلاثون سنة.\nوقيل: أربعون سنة (٣)، وقيل: ستون سنة، وقيل: ثمانون سنة (٤)، وقيل: مائة (٥)، وقيل: مائة وعشرون سنة.\n_________\n(١) \" في\" ساقطة من (ب) \".\n(٢) في (ب) \" أهلكت \".\n(٣) \" سنة \" سقطت من (أ).\n(٤) \" سنة \" سقطت من (ب).\n(٥) لعله سقط من النسختين لفظ \" سنة \" إذ السياق يقتضيه.","vol":"1","page":2446},{"text":"﴿فَنَادَوْا﴾ رفعوا أصواتهم بالويل، وأظهروا النَّدم في البكاء على أنفسهم.\nوالنِّداء: رفع الصَّوت من قول العرب: هو أندى صوتًا من غيره (١).\n﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾: فيه ثلاثة أقوال:\nأحدها: أصله لا زِيْدَ عليه التاء كما زيد في ثمَّتَ ورُبَّتَ فيكون ﴿حِينَ﴾ منصوبًا به، والخبر محذوف أي لا حين مناصٍ لهم، ويختص بالدخول على الأزمنة فحسب.\nوالثاني: \" أن \" (٢) أصله ليس ثم قلب (٣) الياء ألفًا وقلب السين تاء، كما قال الشاعر:\nيا قاتل الله بني السِّعلاة (٤) عمرو بن يربوع شرار النَّات (٥)\nيريد الناس، فيكون الاسم مُقَدَّرًا تقديره (٦): وليس الحين حين مناصٍ.\nوالثالث: أن التاء ملحق بحين، كما قال:\nالعاطفون تحينَ ما من (٧) عاطفٍ ... والمطعمون زمان ما مِنْ مُطْعم (٨)\nوكذلك تلحق (٩) الآن فيقال: تلآن، قال \"الشاعر\" (١٠):\n[نُوَلَّيْ قبل نأي داري جُمانا] (١١) وصِلِينا كما زعمتِ تَلآنا (١٢)\n_________\n(١) انظر: لسان العرب؛ لابن منظور (١٥/ ٣١٣)، مادة \" نَدِيَ \".\n(٢) \" أن\" سقطت من (أ).\n(٣) في (ب) \" ليس فقلب \".\n(٤) في (ب) \" السعلات \" بالتاء، قلت: وهو مروي في بعض الرواية الواردة في البيت.\n(٥) البيت منسوب لعلباء بن أرقم، يُعَيِّر بني عمرو بن يربوع بأمهم السعلاة وكانت من الجنِّ كما زعمَ بعض العرب، قلت: وهو مُمْتَنِعٌ شَرْعًَا وعُرْفًا. [انظر: فصل المقال (ص: ١٩٤)، لسان العرب (٢/ ١٠١)، مادة \" نَوَتَ \"].\n(٦) في (أ) \" وتقديره \" بالواو.\n(٧) في (ب) \" لا من عاطف \".\n(٨) البيت لأبي وجزة السَّعدي يمدح آل الزبير. [انظر: المحرر الوجيز (٤/ ٤٩٢)، لسان العرب (٢/ ٨٦) مادة \" لَيَتَ \"، وزاد ابن منظور في روايته نقلًا عن ابن بري: \" قال ابن بري صواب إنشاده:\nالعاطفون تحين ما من عاطف ... والمنعمون زمان أين المنعم؟\nواللاحفون جفانهم قمع الذرى ... والمطعمون زمان أين المطعم؟].\n(٩) في (أ) \" يلحق \".\n(١٠) \" الشاعر \" سقطت من (ب).\n(١١) صدر البيت ساقط من (ب).\n(١٢) البيت لجميل بن معمر. [انظر: لسان العرب (١٣/ ٧٣)، مادة \" تَلَنَ \"].","vol":"1","page":2447},{"text":"وإلى هذا ذهب أبو عُبَيد (١)، وقال: نظرت في الإمام مصحف عثمان - ﵁ - (٢)، وكان التاء مُتَّصِلًا بحينَ \" (٣)، والقرَّاء على القول الأول (٤).\nواختلفوا في الوقف: فالكوفية تقف بالهاء قياسًا على الاسم، \" نحو قائمة \" (٥)، والبصرية تقف بالتاء قياسًا على الفعل \" نحو ضَرَبَتْ \" (٦)، وهذا المرضي عند النحاة (٧).\nوالمَنَاصُ: مصدر ناصَ يَنُوْصُ نوصًا ومناصًا، وهو الفِرَار والمَهرب (٨).\nوقيل: المطلب.\nوقيل: التأخر، والمعنى: لا منجى (٩) ولا فوت.\nوقيل: ولات حين نداءٍ يُنجي.\nقال ابن عباس ﵄ -: \"كان كفَّار مكة إذا قاتلوا فاضطروا في الحرب، قال بعضهم لبعض: مناص، أي: اهربوا وخذوا حذركم، فلمَّا \"نزل\" (١٠) بهم العذاب ببدر (١١) قالوا: مناص، فأنزل الله: ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ (١٢).\n_________\n(١) أبو عُبِيد هو: القاسم بن سَلَاّم الهروي الأنصاري، مولاهم البغدادي، أبو عبيد، إمام كبير، حافظ علامة، صاحب التصانيف في القراءات والحديث، والفقه، واللغة والشِّعر، قال عنه الداني: \" إمام أهل دهره في جميع العلوم صاحب سنة ثقة مأمون \"، توفي - ﵀ - سنة أربع وعشرين ومائتين للهجرة. [انظر تَرْجَمَتَهُ: تاريخ أسماء الثقات؛ لابن شاهين (ص: ١٩٠)، سِيَرُ أعلام النُّبَلاء (١٠/ ٤٩٠)، غاية النهاية (٢/ ١٨)].\n(٢) عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس، أبو عبد الله وأبو عمرو القرشي، ذو النورين؛ لزواجه من ابنتي رسول الله - ﷺ - رُقَيَّة ثُم أم كُلثوم بعدَ موتها، كان رابع أربعة سبقوا إلى الإسلام، وممن هاجر الهجرتين، وثالث الخلفاء الراشدين، مات - ﵁ - بالمدينة مقتولًا ظلمًا سنة سِتٍّ وثلاثين للهجرة. [انظر تَرْجَمَتَه: الطبقات؛ لابن سعد (٣/ ٣٠)، الاستيعاب (٣/ ١٥٥)، أسد الغابة (٣/ ٥٧٨)].\n(٣) انظر: إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٣/ ٣٠٣).\n(٤) انظر: كتاب العين (٢/ ١٩٨)، مادة \" لاتَ \"، جامع البيان (٢٣/ ١٢١)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٣/ ٣٠٣).\n(٥) \" نحو قائمة \" سقطت من (ب).\n(٦) \" نحو ضربت \" سقطت من (ب).\n(٧) انظر: إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٣/ ٣٠٣٠)، الإغفال (٢/ ٥٢٢).\n(٨) في (ب) \" والهرب \".\n(٩) في (ب) \" لا منجا \".\n(١٠) \"نزل \" سقطت من (ب).\n(١١) بَدْرٌ: ماء مشهور بين مكة والمدينة، وعنده حصلت المعركة الشهيرة في السَّنة الثانية من الهجرة بين المسلمين وكفَّار قريش، والتي انتهت بانتصار المسلمين، وقد نشأت فيه الآن بلدة نامية يقال لها \" بدر \"، وتبعد عن المدينة (١٥٥) كيلًا، وعن مكة (٣١٠) أكيال. [انظر: معجم البلدان (١/ ٣٧٥)، معجم الأمكنة الوارد ذكرها في صحيح البخاري؛ لسعد بن جنيدل (ص: ٦٤)].\n(١٢) انظر: تفسير البغوي (٧/ ٧١).","vol":"1","page":2448},{"text":"﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ﴾ أي: من أن جاءهم.\n﴿مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ يعني محمدًا - ﷺ - استبعدوا أن يكون النبي من البشر.\n﴿وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ﴾ يسحر أعيننا في إظهار المعجزات.\n﴿كَذَّابٌ﴾ يكذب على الله أنه رسوله.\n﴿أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ معنى جعل ها هنا سمَّى وحكم (١).\n﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ عجيب في النهاية، وكيف يسع الخلق إله واحد؟ .\nوفي سبب النزول: أنه لمّا أسلم عمر بن الخطاب - ﵁ - (٢) شقَّ ذلك على قريش (٣) وفرح المؤمنون فقال الوليد بن المغيرة (٤) للملأ من قريش، وهم الصناديد (٥) والأشراف:\n_________\n(١) قال الراغب: \" جعل: لفظ عام في الأفعال كُلِّها، وهو أعم من صَنَعَ وسائر أخواتها، ويتصرف على خمسة أوجه: والخامس: (وهو ما ذكره الكرماني) الحكم بالشيء على الشيء، حقًا كان أو باطلًا، فأمَّا الحق فنحو قوله تعالى: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧)﴾ [القصص: ٧] وأما الباطل فنحو قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا! مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا﴾ [الأنعام: ١٣٦] [المفردات، ص: ١٩٦، مادة \" جَعَلَ \"].\n(٢) عمر بن الخطَّاب بن نُفَيل بن عبد العُزى بن رياح بن عبد الله بن فُرْط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي ابن غالب القُرَشي العدوي، أبو حفص الفاروق أمير المؤمنين. أسلم بعد أن دخل رسول الله - ﷺ - دار الأرقم، وبعد أربعين أو نيف وأربعين بين رجال ونساء فكان إسلامه فتحًا على المسلمين، وفرجًا لهم من الضيق حتى قال ابن مسعود: \"وما عبدنا الله جهرة حتى أسلم عمر\"، هاجر إلى المدينة وشهد المشاهد كلها مع النبي - ﷺ -، وولي الخلافة بعد أبي بكر، بُويع له بها يوم مات أبو بكر - ﵁ - باستخلافه له سنة ثلاث عشرة. قُتل عمر - ﵁ - يوم الأربعاء لأربع ليالٍ بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين في صلاة الفجر، طعنه أبو لؤلؤة المجوسي - لعنه الله - غلام المغيرة بن شعبة بخنجر. [انظُر تَرْجَمَتَه: الطَّبَقات؛ لابن سعد (٣/ ١٤١)؛ الاستيعاب (٣/ ٢٣٥)؛ أسد الغابة (٤/ ١٣٧)؛ الإصابة (٤/ ٤٨٤)].\n(٣) قُرَيش: سيأتي الحديث عن قريش وتسميتهم في سورة قريش.\n(٤) الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، وكان الوليد يُكْنَى أبا عبد شمس، وكان يُسَمَّى \"العَدْل\" لأنَّه كان عِدْلَ قُرَيْشٍ كلِّها؛ لأنَّ قريشًا كانت تكسو البيت جميعها وكان الوليد يكسوها وحده، وكان من جملة المستهزئين الذين وعد الله نبيه ﵊ بِكَفِّ أذاهم عنه وعن دعوته، وقد هلك عدو الله ورسوله بعد الهجرة بثلاثة أشهر، وهو ابن خمس وتسعين سنة، وذكر ابن الأثير عن هلكة الوليد: \"أنَّه مرَّ برجل من خُزاعة يريش نبلًا له فوطئ على سهم منها فخدشه، ثمَّ أومأ جبريل - ﵇ - إلى ذلك الخدش بيده فانتفض ومات منه\" ... [انظُر تَرْجَمَتَه: الكامل في التاريخ؛ لابن الأثير (٢/ ٤٨)؛ الأعلام (٨/ ١٢٢)].\n(٥) الصَّناديد: جمع صِنْدِيد، وهو السَّيِّدُ الشَّريف، وقيل: السَّيد الشُّجاع. [انظر: لسان العرب (٣/ ٢٦٠)، مادة \" صَنَدَ \"].","vol":"1","page":2449},{"text":"امشوا إلى أبي طالب (١) فأتوه فقالوا (٢) له (٣): أنت شيخنا وكبيرنا وقد علمت ما فعل هؤلاء السفهاء، وإنا أتيناك لتقضي بيننا وبين ابن أخيك فأرسل أبو طالب إلى النبي - ﷺ - فدعاه فقال له: يابن أخي هؤلاء قومك يسألونك السَّؤال فلا تمل كلَّ الميل على قومك، فقال: وماذا يسألونني؟ قالوا: ارفضنا وارفض ذكر آلهتنا وندعك وإلهك فقال - ﷺ -: أتعطونني كلمة واحدة تملكون بها العرب، وتدين \"لكم\" (٤) بها العجم.\nفقال أبو جهل (٥): لله أبوك \" (٦) لنعطينَّكها وعشر أمثالها\" (٧)، فقال رسول الله - ﷺ - قولوا: لا إله إلا الله فتفرقوا (٨) من ذلك وقاموا وقالوا: أجعل الآلهة إلها \"واحدًا \" (٩) كيف يسع\n_________\n(١) أبو طالب: عبد مناف بن عبد المطلب بن هاشم القرشي، أبو طالب، والد علي ﵁ وعمُّ النبي - ﷺ - وكافله ومربيه، ومناصره، كان من أبطال بني هاشم ورؤسائهم، ومن الخطباء العقلاء، نشأ النبي - ﷺ - في بيته، وسافر معه إلى الشام في صباه، فدعاه النبي - ﷺ - إلى الإسلام، فامتنع خوفًا من أن تعيره العرب بتركه دين آبائه، ووعد بنصرته وحمايته، واستمر على ذلك إلى أن توفي كافرًا قبل الهجرة بثلاث سنين، فاضطر المسلمون للهجرة من مكة [انظُر تَرْجَمَتَه: تاريخ الأمم والملوك (٢/ ٢٣٩)، الروض الأنف (٣/ ١٢)، الكامل في التاريخ (١/ ٦٨٥)، ... الأعلام (٤/ ١٦٦)].\n(٢) في (أ) \" قالوا \".\n(٣) \" له \" سقطت من (ب).\n(٤) \" لكم \" ساقطة من (ب).\n(٥) أبو جهل: هو عمرو بن هشام بن المغيرة المخزومي القرشي: أشد الناس عداوة للنبي - ﷺ - وأصحابه في صَدر الإسلام، وأحد سادات قريش وأبطالها ودهاتها في الجاهلية، أدرك الإسلام، وكان يقال له \" أبو الحكم \" فدعاه المسلمون \" أبا جهل \"، وهو الذي قتل سُمَيَّة أمّ عمار بن ياسر وأفعاله مشهورة، قتل يوم بدرٍ في السَّنة الثانية من الهجرة، وقد وقتله ابنا عفراء، وأجهز عليه عبد الله بن مسعود - ﵃ -. [انْظُر تَرْجَمَتَهُ: الكامل (٢/ ٤٩) الأعلام (٥/ ٨٧)].\n(٦) قال ابن الأثير \". . . فإذا وُجِد من الولد ما يَحسنُ مَوْقعُهُ ويُحْمَدُ قيل: لله أبوك في معرض المدح والتعجب: أي أبوك لله خالصًا حيث أنْجَبَ بك وأتى بمثلك \" أ. هـ[النهاية في غريب الحديث (١/ ١٩)].\n(٧) في (ب) \" لنعطينكها وعشرًا \".\n(٨) في (ب) \" فنفروا \".\n(٩) \" واحدًا \" سقط من (ب).","vol":"1","page":2450},{"text":"الخلق كلّهم إله واحد؟ !، فأنزل الله فيهم هذه الآيات، يريد من أول السُّورة إلى قوله: ... ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ (١).\n﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ﴾ \" أي \" نهضوا من ذلك المجلس.\n﴿أَنِ امْشُوا﴾ أنْ هذه هي المفسِّرة (٢)، ومعناه: أي امشوا من غير أن تلفظوا به.\nوقيل: وانطلق الملأ منهم، وقالوا لغيرهم: امشوا.\nوقيل انطلقوا بأن امشوا، أي بهذا القول، وليس المراد بالمشي السَّير، إنما المراد المضي على الأمر.\nوقيل: امشوا واتركوا محمدًا واصبروا على آلهتكم.\nوقال بعضهم: هي من مشتِ الماشيةُ؛ إذا كَثُرَ نَسْلُها مَشاء، قال:\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... والعنز لا تمشي مع الهَمَلَّع (٣).\nوزيَّفه علي بن عيسى (٤)، وقال: إنما يقال أمشى الرَّجُلُ إذا كثرت ما شيته\" (٥)، وهذا يوجب أن أمشوا، بالقطع والفتح.\n_________\n(١) انظر: أسباب النزول؛ للواحدي (ص: ٣٠٥)، تفسير البغوي (٧/ ٧١).\n(٢) أن المفسِّرة هي التي لا تأتي إلا بعد فعلٍ في معنى القول كقولك: ناديته أن قم، وأمرته أن أقعد، وكتبت إليه أن أرجع وبذلك فُسِّرَّ قوله ﷿: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا﴾ [المفصل في علم العربية؛ للزمخشري ... (ص: ٣١٤)].\n(٣) البيت ورد بتمامه في لسان العرب (٨/ ٣٧٦) مادة \" هملع\"ولم يذكر قائله، وهو بلفظ:\nلا تأْمُرِينِي ببَناتِ أَسْفَعِ ... فالشاةُ لا تَمْشِي مع الهَمَلَّعِ\nوقوله: \" لا تمشي مع الهَمَلَّعِ \" أَي لا تكثر مع وجود الذئب الذي يعدو عليها \".\n(٤) علي بن عيسى بن علي الرُّماني المعتزلي، أبو الحسن النحوي، المعروف بالرُّمّانِي أخذ عن ابن دُرَيد، والزَّجاج، وابن السرّاج، وكان مُتَفَنِنّا في علوم كثيرة من القرآن، والفقه، والنحو، والكلام على مذهب المعتزلة، ومات سنة أربعٍ وثمانين وثلاثمائة للهجرة. [انْظُر تَرْجَمَتُه: سِيَرُ أعلام النُّبَلاء (١٦/ ٥٣٣)، طبقات المُفَسِّرِين؛ للسيوطي (ص: ٦٨)].\n(٥) غرائب التفسير: \" (٢/ ٩٩٣).","vol":"1","page":2451},{"text":"وفي تهذيب اللغة عن الأزهري (١): \" مشى الرجل إذا استغنى مشاء \" (٢).\nفيحتمل أن يكون القائل ذهب إلى هذا كأنه دعاء لهم، والله أعلم.\n﴿وَاصْبِرُوا عَلَى آَلِهَتِكُمْ﴾ أي على عبادتها.\n﴿إِنَّ هَذَا﴾ يعني التوحيد.\n﴿لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ ذكر بلفظ المجهول، والمراد به محمد - ﷺ -، أي هذا أمر يريده محمد، وقيل: إنَّ هذا، أي الاستعلاء والترفع والرئاسة لشيء يراد أي يريده كلُّ أحد وكلُّ ذي همَّة.\nوقيل: إنَّ هذا لشيء يراد بنا ومكرٌ يمكر علينا.\nوقيل: إنَّ هذا الكيد يكاد.\nوقيل: إنَّ هذا، يعني عبادة الأصنام لشيء يُراد: نريده ونحتاج إليه (٣).\n﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا﴾ أي بالذي يقوله محمد.\n﴿فِي الْمِلَّةِ الْآَخِرَةِ﴾ قيل: فيما أدركنا عليه آباءنا.\nوقيل الملة الآخرة: ملة عيسى - ﵇ - أي دينه.\nوقيل: اليهودية والنصرانية.\nوقيل: في ديننا وزماننا.\nوقيل: ما سمعنا بهذا يكون في آخر الزمان.\n_________\n(١) الأزهري: محمد بن أحمد بن الأزهر بن طلحة بن نوح الأزهري، اللغوي، الأديب، الهروي، الشافعي، وكنيته أبو منصور، ومن تصانيفه \" تهذيب اللغة \" و\" تفسير ألفاظ مختصر المزني\" و\" التقريب في التفسير \" وكان في علم الحديث عارفًا وماهرًا وصاحب تقوى وورع، توفي سنة سبعين وثلاثمائة للهجرة [انظر: تَرْجَمَتَهُ: وفيات الأعيان (٤/ ٣٤٤)، سِيَرُ أعلام النبلاء (١٦/ ٣١٥)، طبقات المُفَسِّرِين؛ للأدنه وي (ص: ٨٣)].\n(٢) تهذيب اللغة؛ للأزهري (١١/ ٤٣٨).\n(٣) \"إليه \" سقطت من \" ب \".","vol":"1","page":2452},{"text":"قال المؤرج (١): \" الملة الأولى بلغة القِبْط (٢) \" (٣).\nوقيل: لم نعرفه في هذا الزمان إنما هو شيء كان يبلغنا عمن تقدم فيما مضى من الزمان.\n﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ كذب اختلقه (٤) من تلقاء نفسه.\n ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾  الوحي.\nوقيل: القرآن.\nوقيل: النبوة.\n﴿مِنْ بَيْنِنَا﴾ أي كيف خُصَّ من بيننا بذلك؟ قالوه (٥) حسدًا فأجابهم الله تعالى فقال: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي﴾ وحيي ووحدانيتي، أي إنهم لا يكذبونك ولكن جحدوا آياتي.\nوقيل: ﴿مِنْ ذِكْرِي﴾: أي من ذكرك لي.\n﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ أي لم يذوقوه بعد، وسيذقوه (٦).\nقتادة (٧): هو يوم بدر أخبرهم (٨) الله به قبل أن يكون ولو ذاقوه لآمنوا ولم يجحدوا \" (٩).\n ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ (٩)﴾ يعني خزائن النبوة فيعطوا من يشاءوا (١٠) كقوله:  ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾  [الزخرف: ٣٢].\nوقيل: ﴿خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ﴾ أي علم ذلك فهم يعلمون على مَنْ ينزل وحي ربك.\n﴿الْعَزِيزِ﴾ من أن يغالب.\n﴿الْوَهَّابِ﴾ لمن يشاء ما يشاء (١١).\n﴿أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ أم الإلهية لهم فيتخيروا الرسل. وقيل معنى الآيتين: كيف يتجاسرون على عداوتي ولي ملك السماوات والأرض.\nابن عيسى: \" وجه اتصال أم عندهم بما قالوا اتصال الإنكار لما قالوا قبله أي ذلك ليس إليهم، وإنما هو إلى من ملك هذه الأمور (١٢) (١٣).\n﴿فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ﴾ أي إن يملكوا السماء فليصعدوا إليها.\nوالأسباب: الأبواب والارتقاء (١٤)، ويستعمل في الحبل وهو الأصل، وفي الطريق والوسيلة وغير ذلك، ويقال للعالِم المتبحر قد ارتقى في الأسباب (١٥).\n_________\n(١) المؤرِّج: هو مؤرِّج بن عمرو بن الحارث بن ثور السدوسي، أبو فيد البصري، نحوي، لغوي، شاعر نسَّابة، صنَّف \" غريب القرآن \"، و\" الأمثال \"، توفي بالبصرة سنة خمسٍ وتسعين ومائة للهجرة [انظر: ترجمته: وفيات الأعيان (٥/ ٣٠٤)، بغية الوعاة (٢/ ٣٠٥)، الأعلام (٧/ ٣١٨)].\n(٢) القِبْطُ: أَهْلُ مِصْرَ النَّصارى، وهم أَصلُها وخَالِصُها، واخْتلِفَ في نَسَبِ القِبْط فقِيلَ: هو القِبْطُ بنُ حَامِ بنِ نُوحٍ - ﵇ - وقيل: هم وَلَدُ قِبْط ابن مِصْرَ بنِ قُوطِ بنِ حامٍ [انظر: كتاب العين (٥/ ١٠٩) مادة (قَبَطَ)، لسان العرب (٧/ ٣٧٣) مادة (قَبَطَ)، مختار الصحاح (ص: ٥٦٠) مادة (قَبَطَ)].\n(٣) لم أقف على نسبته للمؤرج، وقد ذكر الزَّركشي هذا المعنى فقال: \" ﴿الْمِلَّةِ الْآَخِرَةِ﴾: أي الأولى بالقبطية، والقبط يسمُّون الآخرة: الأولى، والأولى: الآخرة \" [البرهان (١/ ٢٨٨)].\n(٤) في (ب) \" اختلق \".\n(٥) في (ب) \" قالوا \".\n(٦) في (ب) \" وسيذوقون \".\n(٧) قَتَادة بن دِعَامة بن قَتَادة بن عزيز السَّدوسي، أبو الخطّاب البصري، المفسِّر، ثقة ثبت، ولد وهو أعمى، وعني بالعلم فصار من حفّاظ أهل زمانه وعلمائهم بالقرآن والفقه، وكان يضرب بحفظه المثل، توفي بواسط سنة سبع عشرة ومائة للهجرة [انظُر تَرْجَمَتَه: مشاهير علماء الأمصار (ص: ١٢١)، تهذيب التهذيب (٨/ ٣٠٦)، غاية النهاية (٢/ ٢٥)].\n(٨) في (أ) \" وأخبرهم \".\n(٩) لم أقف عليه.\n(١٠) في (أ) \" يشاء \".\n(١١) \" ما يشاء \" سقطت من (ب).\n(١٢) في (أ) \" إنما هو إلى من يملك بهذه الأمور \".\n(١٣) لم أقف عليه.\n(١٤) \" والارتقاء \" سقطت من (ب).\n(١٥) انظر: تأويل مُشكل القرآن؛ لابن قُتيبة (ص: ٣٥٠).","vol":"1","page":2453},{"text":"وقيل الأسباب: هي التي تؤدي الملائكة إلى السماء التي يعتمدون بأجنحتهم في طيرانهم وصعودهم إليها.\nوالمعنى: أن ادَّعوا مُلْكَ السماوات، وأنهم يعلمون ما يجري فيها فليرتقوا إليها.\n﴿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ (١١)﴾ أي هم جند، و﴿مَا﴾ زيادة (١).\n﴿هُنَالِكَ﴾ إشارة إلى ما تقدم من الارتقاء إلى السماء.\n﴿مَهْزُومٌ﴾: مكسور. (٢)\n﴿مِنَ الْأَحْزَابِ﴾: من الكفار الماضية (٣)، و﴾ مِنَ ﴿صلة جند.\nوقيل: الأحزاب إبليس وأتباعه.\nوقيل: إنه وعدٌ بما كان يوم بدر متصل بقوله: ﴿لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾؛ لأنه وعد بالعذاب.\nوالمعنى (٤): يتحزَّبون عليك، ويُهزمون هناك (٥).\nوقيل: معنى الأحزاب: أتباع مقلِّدون ليس فيهم مرشد.\n﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ﴾ قبل أهل مكة.\n﴿قَوْمُ نُوحٍ﴾ نوحًا.\n_________\n(١) قوله: ﴿مَا﴾ زيادة \" أي من حيث الإعراب، وهو يفيد التوكيد، ولا يفهم من هذه العبارة ونظائرها أنَّ في القرآن حروف زائدة.\n(٢) الهَزْم: الكسر من باب ضَرَب، ويقال: تهزَّمتِ القرية: إذا انكسرتْ، وهزمتُ الجيشَ: كسرْته. [انظر: معاني القرآن؛ للنحَّاس (٦/ ٨٣)؛ المغرب في ترتيب المعرب؛ للمطرزي (٢/ ٣٨٤)].\n(٣) قال البغوي: \" أي من جملة الأحزاب، أي: هم من القرون الماضية الذين تحزبوا وتجمعوا على الأنبياء بالتكذيب، فقهروا وأهلكوا \" [تفسير البغوي (٧/ ٧٣)].\n(٤) \" والمعنى \" سقطت من (أ).\n(٥) وقد حصل هذا الوعد، قال قتادة: \" وعده الله (أي الرسول - ﷺ -) وهو بمكة يومئذ أنه سيهزم جندًا من المشركين، فجاء تأويلها يوم بدرٍ \". [جامع البيان (٢٣/ ١٣٠)].","vol":"1","page":2454},{"text":"﴿وَعَادٌ﴾ هودًا.\n﴿وَفِرْعَوْنُ﴾ موسى.\n﴿ذُو الْأَوْتَادِ﴾ قيل ذو الجموع الكثيرة (١).\nوقيل: هي أوتادٌ أربعةٌ كان يُعذِّبُ الناسَ بها.\nوقيل هي أوتادٌ وحبالٌ يُلعب بها بين يديه (٢).\nوقيل: ذو المُلْكِ الثابت في الأرض.\nوقيل: بنى أبنية طويلة محكمة صارت كالأوتاد لطول بقائها وثباتها حكاه المبرِّد (٣).\nوقيل: أراد أوتاد الخيام وكانت فيها كثرة (٤).\n﴿وَثَمُودُ﴾ وهم قوم صالحٍ صالحًا (٥).\nوعن ابن عباس ﵄ أن قوم صالح آمنوا به فلمَّا مات صالح رجعوا بعده عن الإيمان (٦)، فأحيا الله صالحًا وبعثه إليهم، وأعلمهم (٧) أنه صالح فكذبوه فأتاهم بالناقة فكذبوه فعقروها فأهلكهم الله \" (٨).\n﴿وَقَوْمُ لُوطٍ﴾ قال مجاهد (٩): كانوا أربعمائة ألف بيت في كل بيت عشرة \". (١٠)\n_________\n(١) في (ب) \" الكثير \".\n(٢) في (ب) \" عليها \".\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) هذه المعاني أقربها إلى الآية الأوتاد الحقيقية، وهو ما ذهب إليه الإمام ابن جرير، حيث قال: \" وأشبه الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: عُني بذلك الأوتاد، إمَّا لتعذيب الناس، وإمَّا للعب، كان يلعب له بها، وذلك أنَّ ذلك هو المعروف من معنى الأوتاد \". [جامع البيان (٢٣/ ١٣١)].\n(٥) \" صالحًا\" سقطت من (ب).\n(٦) في (ب) \" على الإيمان \".\n(٧) في (ب) \" فأعلمهم \".\n(٨) انظر: النُّكَت والعُيُون؛ للماوردي (٥/ ٨١).\n(٩) مجاهد بن جَبْر، أبو الحجَّاج، مولى السائب بن أبي السائب المخزومي، المكيّ، المقرئ، أحد الأعلام من التابعين والأئمة المُفَسِّرِين، عرض القرآن على ابن عباس، ثلاث عرضات من فاتحته إلى خاتمته يوقفه عند كل آية منه، ويسأله عنها، توفِّي سنة ثلاثٍ ومائة للهجرة، ويقال: مات وهو ساجد [انظُر تَرْجَمَتَه: معرفة القراء الكبار (ص: ٣٧) غاية النهاية (٢/ ٤١)، طبقات المُفَسِّرين؛ للداوودي (٢/ ٣٠٥)].\n(١٠) انظر: النُّكَت والعُيُون (٥/ ٨١).","vol":"1","page":2455},{"text":"وقال عطاء (١): \" ما من أحد من الأنبياء إلا يقوم (٢) معه يوم القيامة قوم من أمَّته إلا لوط فإنه يقوم وحده \" (٣).\n﴿وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ﴾ كذَّبوا شعيبًا، والأيكة (٤): الغيضة (٥).\nوقيل: النبع والسِّدر، وهم أصحاب الرَّس (٦) أيضًا (٧)، وكانوا يأتون في الصيف (٨) الرَّس ويعودون في الشتاء إلى الأيكة.\n_________\n(١) عطاء بن أبي رباح، - واسم أبي رباح أسلم - القرشي، مولاهم المكي، ثقة فقيه فاضل من أساطين العلم، مفتي الحرم المكي، والحج، توفي سنة أربع عشرة ومائة للهجرة. [انظُر تَرْجَمَتَه: حلية الأولياء (٣/ ٣١٠)، تهذيب الكمال (٥/ ١٦٦)، تذكرة الحفاظ (١/ ٧٥)، طبقات المُفَسِّرِين؛ للأدنه وي (ص: ١٤)].\n(٢) في (أ) \" ويقوم \".\n(٣) انظر: النُّكَت والعُيُون (٥/ ٨١).\n(٤) الأيكة: قيل هي تبوك التي غزاها النبي - ﷺ - آخر غزواته وأهل تبوك يقولون ذلك ويعرفونه ويقولون: إن شعيبًا - ﵇ - أرسل إلى أهل تبوك ... وقيل: المراد بأصحاب الأيكة أهل مدين، قال ياقوت: \" ومدين وتبوك متجاورتان\". [انظر: معجم البلدان (١/ ٢٩١)].\n(٥) الغَيْضَة: مَغِيضُ ماءٍ يجتمع فيَنْبت فيه الشجر، وجمعها غِياضٌ وأَغْياضٌ. [انظر: لسان العرب (٧/ ٢٠١) مادة \" غاض \"].\n(٦) الرَّسُّ: الرس في القرآن بئر يروى أنهم قوم كذبوا نبيهم ورسّوه في بئر، أي دَسَّوه فيها، وروي أنَّ الرَّسَّ ديار لطائفة من ثمود. [انظر: معجم البلدان (٣/ ٤٣)، أطلس القرآن؛ للدكتور شوقي أبو خليل (ص: ١٢٥)].\n(٧) ما ذهب إليه المؤلف ﵀ من أنَّ أصحاب الأيكة هم أصحاب الرَّس أيضًا هو الظاهر من نصوص القرآن، وليسا أمتين كما ورد عن قتادة ﵀: أن أصحاب الأيكة وأصحاب الرس أمتان أرسل إليهم جميعًا شعيب ﵇ فعذبتا بعذابين \". [انظر: جامع البيان (٢٦/ ١٥٤)، معاني القرآن؛ للنحاس (٥/ ٢٨)، تفسير الصنعاني (٣/ ٩٨)].\nويؤيد رأي المؤلف ما نسبه الحافظ ابن حجر للجمهور، حيث قال: \" والجمهور على أن أصحاب مدين هم أصحاب الأيكة، وأجابوا عن ترك ذكر الأخوة في أصحاب الأيكة (يعني قول الله تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ [الأعراف: ٨٥، هود: ٨٤، العنكبوت] بأنَّه لما كانوا يعبدون الأيكة، ووقع في صدر الكلام بأنهم أصحاب الأيكة ناسب ألا يذكر الأخوة.\nوعن الثاني: بأن المغايرة في أنواع العذاب إن كانت تقتضي المغايرة في العذابين فليكن الذين عذِّبوا بالرجفة غير الذين عُذِّبوا بالصيحة، والحقُّ أنَّهم أصابهم جميع ذلك، فإنهم أصابهم حرُّ شديد فخرجوا من البيوت فأظلتهم سحابة فاجتمعوا تحتها فرجفت بهم الأرض من تحتهم، وأخذتهم الصيحة من فوقهم \" [فتح الباري؛ للحافظ ابن حجر ... (٧/ ١١٤)].\n(٨) في (ب) \"بالصيف \".","vol":"1","page":2456},{"text":"﴿أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ﴾ هذا مبالغة في الذَّم كما تقول في المدح: (١) هو عين الجواد. وقيل معناه: هم الذين تحزَّبوا على الأنبياء بالعداوة (٢).\nوقيل: هم أحزاب الشيطان بالموالاة.\n﴿إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ أي ما كلٌّ منهم إلا كذَّبوا الرسل.\nوقيل: كلُّهم كذَّبوا الرسل.\n﴿فَحَقَّ عِقَابِ﴾ فاستحقُّوا عقابي.\nوقيل: فوجب (٣) عليهم عقابي.\n﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ﴾ أي ما ينتظر قومك، والمعنى يلحقهم لحوق المنتظر وإن كانوا لا يتوقعون.\n﴿إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ يعني النفخة الأولى (٤) وهي نفخة (٥) الفزع الأكبر.\n﴿مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ و﴿فُوَاقٍ﴾ وهما لغتان (٦)، أي من رجوعٍ وترداد ونظرة ومثنوية، أي صيحة واحدة (٧) تهلك الكلَّ، فلا يتخلُّص (٨) منها أحد فيحتاج إلى صيحة ثانية.\n_________\n(١) \" في المدح \" سقطت من (ب).\n(٢) الأحزاب: جمع حزب بكسر الحاء وسكون الزاي وهو اسم للجماعة الذين هم سواء في شأنٍ: من اعتقاد ... أو عمل أو عادة. والمراد بهم هنا الأمم الذين كانت كل أمة منهم متفقة في الدين، فكل أمة منهم حزب فيما اتفقت عليه. [التَّحْرِيرُ والتَّنْوير (٢٤/ ٨٤)].\n(٣) في (ب) \" وجب عليهم \".\n(٤) انظر: جامع البيان (٢٣/ ١٣٢).\n(٥) \" نفخة \" سقطت من (أ).\n(٦) \" وفواق وهما لغتان \" سقطت من (ب).\nقلت: وبهما قُرأ، فقد قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم ﴿مِنْ فَوَاقٍ﴾ بفتح الفاء، وقرأ حمزة والكسائي ﴿مِنْ فُوَاقٍ﴾ بضم الفاء. [انظر: حجة القراءات، لابن زنجلة (١/ ٦١٣)، السبعة في القراءات؛ لابن مجاهد (ص: ٥٥٢)، التيسير في القراءات السبع؛ للداني (ص: ١٥٢)، النشر في القراءات العشر؛ لابن الجزري، (٢/ ٢٧٠)].\n(٧) في (ب) \" الصيحة الواحدة \".\n(٨) \" في (ب) \" ولا يتخلص منها \".","vol":"1","page":2457},{"text":"وقيل المراد بها: نفخة القيامة، والمعنى: لا يمهلون بعدها.\nقيل (١): والفُواق ما بين الحلبتين، وقال - ﷺ -: \" العيادة (٢) قدر فُواق الناقة \" (٣).\nوالفَواق بالفتح الإفاقة، والمعنى: إفاقة بالرجوع إلى الدنيا (٤).\nوقيل: فواق: فترة.\nوقيل: يريد بالصيحة عذاب الدنيا.\n﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ (١٦)﴾ القِطُّ: كتاب الجائزة، والقِطُّ: النصيب، وأصله (٥) من قَطَطْتُ: أي قطعت، والقِط: الصكُّ وهو الخط (٦)، والمعنى: عجِّل لنا نصيبنا (٧) من الجنة التي تعدنا.\n_________\n(١) \" قيل \" سقطت من (أ).\n(٢) \"العيادة: بمثناة تحتية أي زيارة المريض. [انظر: فيض القدير شرح الجامع الصغير؛ للمناوي (٤/ ٣٦٩)].\n(٣) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٦/ ٥٤٣) برقم (٩٢٢٢) عن أنسٍ - ﵁ - بلفظ: \" العيادة فواق ناقةٍ \".\nوالحديث ضعَّفه الألباني في السلسلة الضعيفة (٨/ ٤٥٦) برقم (٣٩٥٤)، وفي ضعيف الجامع الصغير وزيادته، (ص: ٥٦٨) برقم (٣٨٩٩).\n(٤) وهذا رأي أبي عُبيدة والفرَّاء أي أنَّهما لغتان مختلفتا المعنى، ورجَّح ابن جرير أنَّهما لغتان واحدتا المعنى، حيث يقول: \" والصواب من القول في ذلك: أنَّهما لغتان، وذلك أنَّا لم نجد أحدًا من المُتقدمين على اختلافهم في قراءته يفرِّقون بين معنى الضَّمِّ فيه والفتح، ولو كان مُختلف المعنى باختلاف الفتح فيه والضمِّ لقد كانوا فرَّقوا بين ذلك في المعنى. فإذا كان ذلك كذلك، فبأي القراءتين قرأ القارئ فمصيبٌ \"، وقال القتبي: الفُواق والفَواق واحدٌ، وهو ما بين الحلبتين\". [انظر: مجاز القرآن؛ لأبي عبيدة (٢/ ١٧٩)، معاني القرآن؛ للفراء (٢/ ٤٠٠)، جامع البيان ... (٢٣/ ١٣٣)، تفسير السَّمَرْقَنْدِي (٣/ ١٥٣)].\n(٥) في (أ) \" والأصل \".\n(٦) انظر: معاني القرآن؛ للفَرَّاء (٢/ ٤٠٠)، غرائب التفسير (٢/ ٩٩٣)\n(٧) في (ب) \" نصيبًا \".","vol":"1","page":2458},{"text":"وقيل: من العذاب.\nوقيل: من الرِّزق.\nوقيل: قالوها عند نزول قوله:  ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾  [الحاقة: ١٩، الانشقاق: ٧] كل ذلك استهزاء منهم (١).\nوقيل: قِطَّنا: حسابنا.\nالسُّدي (٢): \" أرادوا آية على صدق النبي - ﷺ - حتى (٣) يؤمنوا بِها \" (٤).\nعطاء: قاله النضر بن الحارث (٥) (٦).\n﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ﴾ أي اصبر على أذى قومك فإنك مبتلى بذلك كما صبر سائر الأنبياء على ما ابتلاهم به ثمَّ عدَّهم، وبدأ بداود - ﵇ - فقال: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ﴾.\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٢/ ٤٠٠)، إعراب القرآن؛ للنحاس (٣/ ٣٠٧)، غرائب التفسير (٢/ ٩٩٣)، النُّكَت والعُيُون (٥/ ٨٢)، زادُ المَسِير (٧/ ١٠).\n(٢) السُّدي: إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة السُّدي الحجازي ثم الكوفي الأعور، الإمام المفسر أبو محمد،\nصاحب التفسير والمغازي والسِّير، وكان إمامًا عارفًا بالوقائع وأيام الناس، قال النسائي: صالح الحديث، وقال يحيى ابن سعيد القطان: \" لا بأس به \"، وقال أحمد بن حنبل: \" ثقة\"، وقال يحيى بن معين: \" ضعيف \"، توفي سنة سبعٍ وعشرين ومائتين للهجرة، على الأرجح. [انظُر تَرْجَمَتَه: التاريخ الكبير (١/ ٣٦٠)، سِيَرُ أعلام النُّبَلاء (٥/ ٢٦٤)، طبقات المُفَسِّرِين؛ للداوودي (١/ ١١٠)].\n(٣) \" حتى \" سقطت من (ب).\n(٤) لم أقف عليه.\n(٥) النضر بن الحارث بن علقمة بن كِلدة بن عبد مناف، كان ممن يؤذي رسول الله - ﷺ - وينصب له العداوة، وكان يقول: \" إنما يأتيكم محمد بأساطير الأولين \"، وقد أُسِرَ يوم بدر، وكان حامل لواء المشركين يومها، وأمر النبي - ﷺ - بضرب عنقه فقتله علي بن أبي طالب - ﵁ - صبرًا بين يديه بالصفراء. [انظر تَرْجَمَتَهُ: تاريخ الطبري (٢/ ١٥٨)، الكامل في التاريخ (١/ ٥٩٤)، الأعلام (٨/ ٣٣)].\n(٦) انظر: تفسير البغوي (٧/ ٧٥)، الدُّرُّ المَنْثُور (١٢/ ٥١١).","vol":"1","page":2459},{"text":"﴿ذَا الْأَيْدِ﴾ النِّعمة، وأنَّ الله أنعم على داود نعمًا كثيرة لم يُنْعِمْ بها على غيره، والأكثرون على أن الأيد: القوة، وكان أُعْطِيَ قوةً شديدةً على طاعة الله يصوم يومًا ويفطر يومًا، وذلك أشدّ الصوم، ويصلي نصف النهار ويقوم الليل كلَّه (١) (٢).\nوقيل: ﴿ذَا الْأَيْدِ﴾: ذا القوة في الحرب.\n﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ مطيع (٣).\nوقيل: رجَّاع إلى الله.\nوقيل: مسَبِّح بلغة الحبشة، وفيه بعدٌ.\nوقيل: يذكر ذنوبه فيستغفر (٤) منها.\n﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ﴾ ذلَّلنا.\n﴿مَعَهُ يُسَبِّحْنَ﴾ وكان يُسمع تسبيحها.\nوقيل: تسخيرها أنها كانت تسير معه إذا أراد سيَّرها إلى حيث يريد (٥).\n_________\n(١) معاني القرآن؛ للزَّجاج (٤/ ٢٣٤)، [وانظر لبعض ممن ذكر هذا المعنى في: تفسير مقاتل بن سليمان (٣/ ١١٥)، معاني القرآن؛ للفراء (٢/ ٤٠١)، جامع البيان (٢٣/ ١٣٦)، معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ٨٩)].\n(٢) ويؤيد ما أوتيه من قوة على الطاعة ما ثبت في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمرو - ﵄ - قال: قال: لي رسول الله - ﷺ -: \" أحبُّ الصيام إلى الله صيام داود، كان يصوم يومًا ويفطر يومًا وأحبُّ الصلاة إلى الله صلاة داود، كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سُدسه \" [أخرجه البخاري (واللفظ له) في (كتاب التهجد)، باب من نام عند السحر، برقم (١١٣٢)، وكتاب (أحاديث الأنبياء)، باب أحبُّ الصلاة إلى الله صلاة داود، وأحبُّ الصِّيام إلى الله صيام داود، برقم (٣٤٢٠)؛ وأخرجه مسلمٌ في كتاب الصيام، باب: النهي عن صوم الدهر لمن تضرَّر به ...، برقم (١٨٩)].\n(٣) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١١٥)، تفسير السَّمَرْقَنْدِي (٣/ ١٥٤)، ونسبه لمقاتل.\nوالمعنى يحتمل جميع ما قيل، قال ابن كثير: \"الرَّجَّاع إلى الله تعالى في جميع أموره وشؤونه\" [تفسير القرآن العظيم (٤/ ٣٢)]، وقال ابن سعدي: \" رجَّاع إلى الله في جميع الأمور، بالإنابة إليه، بالحبِّ والتَّالُّه، والخوف والرَّجاء، وكثرة التضرع والدعاء، رجَّاع إليه عندما يقع منه بعض الخلل، بالإقلاع والتوبة النَّصوح \" [تيسير الكريم الرحمن (ص: ٧١١)].\nوالمعنى كما ذكر ابن جرير: \" إنَّ داود رجَّاع لما يكرهه الله إلى ما يرضيه أوَّاب، وهو من قولهم: آبَ الرَّجل إلى أهله: إذا رجعَ \" [جامع البيان (٢٣/ ١٣٦)].\n(٤) في (ب) \" ويستغفر \".\n(٥) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٩٩٤).","vol":"1","page":2460},{"text":"أبو القاسم الكَعْبِي (١): \" إنا سخرنا أهل الجبال \" (٢)، قال: \"ويجوز أن يكون أوتي من شدَّة الصوت وحسنه ما يكون له في الجبال دوي حسن وما يصغي (٣) إليه الطير لحسنه (٤) فتصوت معه \" (٥)، والقول هما الأولان.\nوقال الزَّجَّاج (٦): \" كانت الجبال ترجِّع التسبيح، وكذلك الطير\" (٧).\n﴿بِالْعَشِيِّ﴾ آخر النَّهار.\n﴿وَالْإِشْرَاقِ﴾ صلاة الضحى، تقول: شرقت الشمس إذا طلعت وأشرقت إذا (٨) أضاءت. (٩)\nوعن ابن عباس - ﵄ _: قال: \" كنت أمر بهذه الآية لا أدري ما العشي والإشراق حتى حدَّثتني أم هانئ بنت أبي طالب (١٠): «أن رسول الله - ﷺ - دخل عليها فدعا بوضوء فتوضأ ثم صلَّى الضحى وقال: يا أم هانئ هذه صلاة الإشراق» (١١).\n_________\n(١) أبو القاسم الكعبي: عبد الله بن أحمد بن محمود البلخي، أبو القاسم المعروف بالكعبي، شيخ المعتزلة، وكان رأس طائفة من المعتزلة يقال لهم: الكعبية، من نظراء أبي علي الجُبَّائي، وله من التصانيف كتاب: \" المقالات \"، وكتاب \" الغرر \"،، وكتاب: \" الجدل \"، وكتاب: \" التفسير الكبير \"، توفي سنة سبع عشرة وثلاثمائة. [انظر تَرْجَمَتَهُ: وفيات الأعيان (٣/ ٤٥)، سِيَرُ أعلام النبلاء (١٤/ ٣١٣)، طبقات المُفَسِّرِين؛ للداوودي (٢/ ٢٢٩)].\n(٢) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٩٩٤) قال الكرماني بعد ذكره لقول أبي القاسم: \" والضمير في يُسَبِّحنَ يشهد بفساد قوله.\n(٣) في (ب) \" وما تصغي \".\n(٤) في (أ) \" بحسنه \"\n(٥) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٩٩٤).\n(٦) الزَّجَّاج: إبراهيم بن السَّري بن سهل أبو إسحاق الزَّجَّاج النحوي، صاحب كتاب (معاني القرآن)، كان من أهل الفضل والدِّين، حسن الاعتقاد، وله مؤلفات في الأدب، تُوفِّي ببغداد سنة إحدى عشر وثلاثمائة للهجرة على الأشهر. [انظُر تَرْجَمَتَه: إنباه الرواة (١/ ١٩٤)؛ معجم الأدباء (١/ ٨٢)؛ طبقات المُفَسِّرِين؛ للداوودي (١/ ٩)].\n(٧) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٤/ ٢٤٣).\n(٨) \" إذا \" سقطت من (ب).\n(٩) انظر: معاني القرآن؛ للزجَّاج (٤/ ٢٤٣) زاد الزَّجاج: \" والأول أشهر \".\n(١٠) أُمُّ هانئ: بنت عم النبي - ﷺ -، أبي طالب عبد مناف بن عبد المطلب بن هاشم، الهاشمية المكية، أخت: علي، وجعفر، واسمها: فاختة، وقيل: هند، تأخَّر إسلامها إلى يوم الفتح، ودخل دخل النبي - ﷺ - إلى منزلها يوم الفتح، وكانت تحت هبيرة بن عمرو بن عائذ المخزومي، فهرب يوم الفتح إلى نجران، وقد أَوْلَدَهَا: عمرو بن هبيرة، وجعدة، وهانئًا، ويوسف، وقد عاشت أمُّ هانئ إلى بعد سنة خمسين - ﵂ ورحمها -. [انْظُر تَرْجَمَتَهَا: الاستيعاب (٤/ ٥١٧)، أسد الغابة (٧/ ٣٩٣)، سِيَرُ أعلام النبلاء (٢/ ٣١١)].\n(١١) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٨/ ١٤٣)، وفي الأوسط (٩/ ٤٥٠) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٢١٩) \" رواه الطبراني في الأوسط، وفيه أبو بكر الهذلي، وهو ضعيف \".","vol":"1","page":2461},{"text":"وقيل: الإشراق وقت طلوع الشمس، والقول هو الأول (١).\n﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً﴾ وسخرنا الطير مجموعةً من كل ناحية.\nقيل: سلّط عليها من الطير ما يقوى على حشرها إليه.\nوقيل: الملائكة كانت تحشر إليه ما امتنع عليه منها.\nوقيل: زاد الله فيها ما فهمت الأمر والنهي والزَّجر به (٢).\n﴿كُلٌّ﴾ الجبال والطير.\n﴿أَوَّابٌ﴾ لله ﴿أَوَّابٌ﴾ مطيع.\nوقيل: ﴿لَهُ﴾: لداود.\n﴿أَوَّابٌ﴾: رجَّاع إلى التسبيح معه مطيعٌ لما يأمره (٣).\n﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾ بالجنود والنُّصْرة.\nوقيل: كان يحرس محرابه كلَّ ليلة ثلاثة وثلاثون ألف حارس (٤).\nوقيل: شددنا ملكه بالهيبة، وذلك أن غلامًا استعدى على رجل وادعى عليه بقرة فأنكر (٥) المدعى عليه ولطم الغلام لطمة، فسأل داود مِنَ الغلام البيِّنة فلم يقمها، فرأى داود - ﵇ -\n_________\n(١) قال البغوي: \" والإشراق: هو أن تشرق الشمس ويتناهى ضوؤها، وفسَّره ابن عباسٍ بصلاة الضحى \" ... [تفسير البغوي (٧/ ٧٦)].\n(٢) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٩٩٥).\n(٣) والظاهر من القولين في عود هاء الضمير لداود - ﵇ -، قال ابن الجوزي: \" هذا قول الجمهور [زادُ المَسِير (٧/ ١٢)].\nوقال أبو حيان: \"والظاهر عود الضمير في (له) على داود، أي كلُّ واحدٍ من الجبل والطير لأجل داود، أي لأجل تسبيحه .. \". [البحر المحيط (٩/ ١٤٦)].\n(٤) قال أبو حيان: - عن مثل هذا لعدد -\" وهذا بعيدٌ في العادة \" [البحر المحيط (٩/ ١٤٦)].\n(٥) في (أ) \" وأنكر \".","vol":"1","page":2462},{"text":"في المنام أنَّ الله يأمره أن يقتل المدعى عليه ويسلِّم البقرة إلى الغلام فقال داود: (١) هو منامٌ، ثمَّ أتاه الوحي بذلك فأخبر بذلك بني إسرائيل فجزعت بنو إسرائيل وقالوا: رجل لطم غلامًا لطمة أفتقتله بذلك (٢)؟\nفقال داود هذا أمرٌ أمر الله بذلك فسكتوا ثمَّ أحضر الرجَّل وأخبره أن الله أمره (٣) بقتله، فقال الرَّجل صدقت يا نبي الله إني قتلت أباه غيلة، وأخذت البقرة فقتله داود فعظمت هيبته واشتَدَّ ملكه، وقالوا: يقضي بوحي السماء (٤) (٥).\n﴿وَآَتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ﴾ يعني النبوة، وقيل: الفهم والعلم.\n﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ القضاء بالبينة واليمين (٦)، وذلك أنَّ الله علَّق سِلسِلة من السماء وأمره أن يقضي بها بين الناس فمن كان على الحق يأخذ السِّلسلة ومن كان على الباطل لا يقدر على أخذها ثمَّ إن رجلًا غصب من آخر لؤلؤًا فجعل اللؤلؤ في جوف عصًا له (٧) ثمَّ خاصمه المُدَعِي إلى داود فقال المُدَّعِي: إن هذا أخذ مني لؤلؤًا ولم يرده عليَّ وإني صادق في مقالتي فجاء وأخذ السِّلسلة ثمَّ قال المُدَّعى عليه خذ منِّي العصا فأخذ عصاه فقال إنِّي رددت\n_________\n(١) \" داود \" سقطت من (ب).\n(٢) في (أ) \" فتقتله \".\n(٣) في (أ) \" أمر \".\n(٤) انظر: جامع البيان (٢٣/ ١٣٨)، معاني القرآن؛ للزجاج (٤/ ٢٤٣)، غرائب التفسير (٢/ ٩٩٥).\n(٥) قال ابن جرير: \" وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إنَّ الله ﵎ أخبر أنَّه شدَّد ملك داود، ولم يحصر ذلك من تشديده على التَّشديد بالرجال والجنود دون الهيبة من الناس له، ولا على هيبة الناس له دون الجنود، وجائز أن يكون تشديده ذلك كان ببعض ما ذكرنا، وجائز أن يكون كان بجميعها، ولا قول أولى في ذلك بالصحة من قول الله، إذ لم يحصُرْ ذلك على بعض معاني التشديد خبر يجب التسليم له \". [جامع البيان (٢٣/ ١٣٩)].\n(٦) أي فصل الخطاب ورفع الخصومة بين المُتخاصمين، وفهم الحكم وحُسْنُ القضاء وإصابته [انظر: جامع البيان (٢٣/ ١٣٩)، معاني القرآن؛ للنَّحَّاس (٦/ ٩٣)].\n(٧) \" له \" سقطت من (أ).","vol":"1","page":2463},{"text":"عليه اللؤلؤ وإني صادق في مقالتي فجاء وأخذ السِّلسلة فتحيَّر داود في ذلك فرفعت السِّلسلة وأمره بأن يقضي بالبينة واليمين، وذلك فصل الخطاب (١).\nوقيل: فصل الخطاب قوله: البينة على المدعي واليمين على المُدَّعى عليه.\nوقيل: هو قوله: أمَّا بعد وهو أول من تكلم به (٢).\nوقيل: هو (٣) إذا تكلَّم في الحكم فصل.\nوقيل: هو الفصل يذكر ويكتب (٤) بين كلام وكلام.\nوقيل: لا يتعتع في كلامه.\nوقيل: الخطاب المخاطبة، وفصله الخروج من مخاطبة إلى مخاطبة أخرى، وقطع قصَّة بعد قصَّة.\nوقيل: الفصل: القطع، والخطاب: المحاورة (٥).\n* ﴿وَهَلْ أَتَاكَ﴾ افتتاح كلام وهو يعلم تعالى أنه لم يأته (٦).\nوقيل معناه (٧): ما أتاك وقد أتاك الآن.\n_________\n(١) هذا الخبر الله أعلم بصحته وهو من أخبار بني إسرائيل، وانظره في: تفسير السَّمَرْقَنْدِي (٣/ ١٥٤)، غرائب التفسير (٢/ ٩٩٥).\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (١٠/ ٣٢٣٧)، وانظر: الأوائل للطبراني (ص: ٦٨)، وقيل: كعب بن لؤي، وقيل: يَعْقُوبُ - ﵇ - لأَثَرٍ في أَفرادِ الدَّارَقُطْني، وقيل: قُسّ بن ساعدةَ كما للكلبيّ، وقيل: يَعْرُب بن قَحطان \" ... [انظر: تفسير البغوي (٧/ ٧٨)، صبح الأعشى (٦/ ٢٢٢)].\n(٣) \" هو \" سقطت من (أ).\n(٤) في (ب) \" يذكر أو يكتب \".\n(٥) ولا مانع من الحمل على الجميع، قال ابن جرير: \" فالصواب أن يعمَّ الخبر، كما عمَّه الله، فيقال: أوتي داود فصل الخطاب في القضاء والمحاورة والخُطب \" [جامع البيان (٢٣/ ١٤١)].\n(٦) قال ابن عاشور: \" والاستفهام مستعمل في التعجيب أو في البحث على العلم فإن كانت القصة معلومة للنبي - ﷺ - كان الاستفهام مستعملا في التعجيب، وإن كان هذا أول عهده بعلمها كان الاستفهام للحث مثل: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١)﴾ [الغاشية: ١] \" [التَّحْرِيرُ والتَّنْوير (٢٣/ ٢٣١)].\n(٧) \" معناه \" سقطت من (أ).","vol":"1","page":2464},{"text":"﴿نَبَأُ الْخَصْمِ﴾ النبأ: الخبر العظيم، والخصم في الأصل مصدر خصمه خصمًا، ولا يثنَّى ولا يجمع.\n﴿إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ أتوه من السُّور، والمحراب: الغرفة، وقد سبق (١).\nأي أتوا غرفته: يعني الملكين اللذين أتياه في صورة رجلين من بني آدم، هذا قول الجمهور (٢).\nوقيل: كانا آدميين.\n﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ﴾ إذ الثانية تكرار للأولى (٣)، وقيل: هي بمعنى لمَّا.\nوالعامل في إذ الأولى النبأ، وفي الثانية (٤) تسوَّروا.\n﴿فَفَزِعَ مِنْهُمْ﴾ لأنهم دخلوا بغير إذنه في غير وقت الخصوم.\n﴿قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ﴾ جمع حملًا على اللفظ، وثنَّى حملًا على المعنى.\nوقيل: أراد بالخصمين فريقين كل فريق خصم (٥).\nو﴿خَصْمَانِ﴾ يرتفع بالخبر عند الجمهور وتقديره: نحن خصمان، وإنّما يحسن على قول من جعل الخصمين آدميين.\n_________\n(١) قال عند تفسير الآية (٣٧) من سورة آل عمران: \" والمحراب: أكرم موضع في المجلس، يتحارب دونه وينفس فيه، وهو من المسجد مقام الإمام، وقيل: المحراب: الغرفة \".\n(٢) كما قال النَّحاس: \" ولا اختلاف بين أهل التفسير أنَّه يراد به هاهنا ملكان \" [معاني القرآن (٦/ ٩٤)]، وقال ابن عطية: \"ولا خلاف بين أهل التأويل أنَّهم إنما كانوا ملائكة بعثهم الله ضرب مثلٍ لداود - ﵇ -، فاختصموا إليه في نازلة قد وقع هو في نحوها، فأفتى بفتيا هي واقعة عليه في نازلته، ولما شعر وفهم المراد، خرَّ وأناب واستغفر \" [المحرر المجيز: (٤/ ٤٩٨)، وانظر: الإجماع في التفسير؛ لمحمد بن عبد العزيز الخضيري (ص: ٢٧٦)].\n(٣) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٢/ ٤٠١)؛ جامع البيان (٢٣/ ١٤١)، غرائب التفسير (٢/ ٩٩٦).\n(٤) في (ب) \" والثانية في تسوروا \".\n(٥) في (ب) \" جمع \".","vol":"1","page":2465},{"text":"وأمَّا من جعلهما ملكين وهو الأظهر فمنهم من أجاز إضمار نحن (١)، ومنهم من يقول: لو قال الملكان نحن خصمان ﴿بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾ لكذبا، والملائكة لا تكذب (٢)، ولا يأمرهم الله بالكذب بل التقدير: ما تقول خصمان قالا بغى بعضنا على بعضٍ .. الآيات.\nوقال بعضهم: إنما عرَّضا وأرادا: أرأيت إنْ كنَّا خصمين بغى بعضنا على بعضٍ (٣) أي بغى أحدنا على الآخر ألست تحكم (٤) بيننا؟ فاحكم؛ لأن الملكين لم يكونا خصمين ولا بغى أحدهما على الآخر، وإنما هو مثلٌ (٥).\nوقوله: ﴿بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾ أي بغى أحدنا على الآخر، وجاء مثله في الشِّعر، قال الكُمَيت (٦):\nوساقت الشِّعر بأن الصُّبح بعضهما ... فيه وبعضهما بالليل يحتجب (٧).\nوحكى النَّحاس (٨): في قوله ﴿بَغَى بَعْضُنَا﴾: يجوز أن يراد به داود - ﵇ - (٩).\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٢/ ٤٠١)، جامع البيان (٢٣/ ١٤١) معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٤/ ٢٤٤)، وإعراب القرآن؛ للنحاس (٣/ ٣٠٨).\nقال الفَرَّاء: \" والعرب تضمر للمتكلِّم والمُكلَّم المخاطب ما يرفع فِعله، ولا يكادون يفعلون ذلك بغير المُخاطَب أو المتكلِّم. من ذلك أن تقول للرَّجل: أذاهب؟ أو أن يقول المتكلم: واصلكم إن شاء الله، ومحسن إليكم، وذلك أنَّ المُتكلم والمُكلَّم حاضران، فتُعرف معنى أسمائهما إذا تُركت، وأكثره في الاستفهام؛ يقولون: أجادٌّ؟ أمنطلقٌ؟، وقد يكون في غير الاستفهام، فقوله ﴿خَصْمَانِ﴾ من ذلك.\". [معاني القرآن (٢/ ٤٠١)].\n(٢) في (ب) \" لا يكذب \".\n(٣) ما بين القوسين سقط من (أ).\n(٤) في (ب) \" لست تحكم \".\n(٥) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٩٩٦).\n(٦) الكُمَيْت بن زيد بن خنس الأَسَدِي، أبو المُسْتَهِلّ، شاعر الهاشميين، من أهل الكوفة، اشتهر في العصر الأموي، وكان عالمًا بآداب العرب ولغاتها وأخبارها وأنسابها، ثقة في علمه، منحازًا إلى بني هاشم، كثير المدح لهم، وهو من أصحاب الملحمات، قال أبو عبيدة: \"لو لم يكن لبني أسد منقبة غير الكميت، لكفاهم \"، وقال أبو عكرمة الضبي: \" لولا شِعْرُ الكُمَيْت لم يكن للغة ترجمان \"، توفي سنة ستٍّ وعشرين ومائة للهجرة. [انْظُر: الشِّعْرُ والشُّعراء؛ لابن قتيبة (ص: ٣٥٦)، سِيَرُ أعلامِ النُّبَلاء (٥/ ٣٨٨)، الأعلام (٥/ ٢٣٣)].\n(٧) لم أقف عليه.\n(٨) النَّحاس: أحمد بن محمد بن إسماعيل بن يونس المرادي المصري، مفسرُ، نحوي، أديب، أبو جعفر النَّحَّاس، اشتغل بالتصنيف في علوم القرآن والأدب، توفِّي سنة ثمانٍ وثلاثين وثلاثمائة للهجرة. [انظُر تَرْجَمَتَه: معجم الأدباء (١/ ٦١٧)؛ طبقات المُفَسِّرِين؛ للداوودي (١/ ٦٨)، الأعلام (١/ ٢٠٨)].\n(٩) انظر: إعراب القرآن (٣/ ٣٠٨).","vol":"1","page":2466},{"text":"﴿فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ﴾ لا تجر عن الحق في الحكومة.\nوقُرِئ في الشَّوَاذِّ (١) ﴿ولا تَشْطُطْ﴾ (٢)، وشَطَّ وأشَطَّ لغتان وأصلهما البُعد (٣).\n﴿وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ (٢٢)﴾ قصد الطريق، والمعنى إلى الحقِّ فعبَّر عنه بوسط الطَّريق لأنه يؤدي إلى المقصود.\n﴿إِنَّ هَذَا أَخِي﴾ أي على ديني (٤).\nوقيل: صاحبي (٥).\n﴿لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ فيه ثلاثة أوجه:\nأحدها (٦): الأنثى من الضأن، والمراد بها الشاة (٧)، وهذا على قول (٨) من جعل الخصمين من بني آدم.\nوالثاني: أنها كناية عن المرأة، والعرب تكني عن المرأة بالنعجة (٩) والشاة والقلوص (١٠).\n_________\n(١) الشَّوَاذُ والشَّاذُّ من القراءة: ما خالف شروط الصحيحة: من اتصال السَّند، وموافقة الرسم العثماني ولو احتمالًا، وموافقة العربية ولو بوجه من الوجوه. [انظر: النَّشر (١/ ١٥)، القراءات القرآنية؛ لعبد الحليم قابة (ص: ٢٠٢)].\n(٢) وهي قراءة أبي رجاء، وابن أبي عبلة، وقتادة، والحسن، وأبي حيوة [انظر: المُحْتَسَب (٢/ ٢٧٦)، البحر المحيط (٩/ ١٤٨)].\n(٣) قال أبو الفتح ابن جِنِّي: \" يقال: شَطَّ يَشِطُّ، وَيَشُطُّ: إذا بَعُد، وأشَطَّ: إذا أبعد \" [المُحْتَسَب: (٢/ ٢٧٧)].\n(٤) انظر: جامع البيان (٢٣/ ١٤٣) وقد نسب القول لوهبٍ، والنُّكَت والعُيُون (٥/ ٨٧) وقد نسبه لابن مسعود - ﵁ -.\n(٥) قال الراغب: \" أخٌ: الأصل أَخَو، وهو: المشاركُ لآخر في الولادة من الطرفين، أو من أحدهما، أو من الرَّضاع، ويستعار في كلِّ مشاركٍ لغيره في القبيلة، أو في الدِّين، أو في صنعة، أو في معاملة أو في مودَّة، وغير ذلك من المناسبات \". [المفردات (ص: ٦٨)].\n(٦) \" أحدها \" سقطت من (ب).\n(٧) انظر: المفردات (ص: ٨١٤).\n(٨) \" قول \" سقطت من (ب).\n(٩) انظر: إعراب القرآن، للنَّحاس (٣/ ٣٠٨)، معاني القرآن للنحاس (٦/ ٩٦)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج ... (٤/ ٢٤٤).\n(١٠) قال الخليل: \" القلوص: كلُّ أُنثَى من الإِبِل من حينِ تُركَبُ إلى أن تَبْزُلَ وسُمِّيَت لطُولِ قوائِمِها ولم تَجْسُمْ بعدُ \". [العين (٥/ ٦٣) مادة \" قَلَصَ \"]، وقال ابن منظور: \" \" والقُلُوص أَولُ سِمَنها، الكسائي: إِذا كانت الناقة تسمَن وتُهْزَلُ في الشتاء فهي مِقْلاص أَيضًا والقَلُوص الفَتِيَّة من الإِبل بمنزلة الجارية الفَتَاة من النساء وقيل هي الثَّنِيَّة وقيل هي ابنة المخاض وقيل هي كل أُنثى من الإِبل حين تركب وإِن كانت بنت لبون أَو حقة إِلى أَن تصير بَكْرة ... والعرب تَكْني عن الفَتَيات بالقُلُص \". [لسان العرب (٧/ ٧٩)، مادة \" قَلَصَ \"].","vol":"1","page":2467},{"text":"والثالث: النَّعجة (١): المرأة الحسناء اللينة الجميلة من النَّعج وهو البياض واللين (٢).\nوقيل: النَّعج: الفتور في العين.\nوفي مصحف ابن مسعود - ﵁ - (٣) ﴿نعجةً أُنثى﴾ (٤) لتأكيد التأنيث حيث لا يجوز جبهة أنثى ولا عين أنثى (٥).\nوعن جماعة أن معنى أنثى هاهنا من قولهم: امرأة مؤنَّثة إذا كانت مطيعة لزوجها، والزوج يأنس بها، وعلى الضدِّ (٦) امرأة مذَّكرة لا تلين لزوجها ولا يأنس بها.\n﴿فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا﴾ اجعلها في كفلي، وهو النصيب (٧).\nوقيل: انزل لي عنها وضمَّها إليَّ لأكفلها.\nوقيل معناه: أعطنيها (٨).\n_________\n(١) في (أ) \" والنعجة \" بالواو.\n(٢) انظر: القاموس المحيط (٤/ ٢٦٥)، مادة \" نَعَجَ \"، النُّكَت والعُيُون (٥/ ٨٣) غرائب التفسير (٢/ ٩٩٦).\n(٣) ابن مسعود: عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب، الهُذَلي، أبو عبد الرحمن، ممن شهد بدرًا، وسائر المشاهد، وممن بشِّر بالجنَّة، كان من فقهاء الصّحابة، وأقرأهم لكتاب الله، وهو الذي أجهز على أبي جهل، توفِّي ... - ﵁ - بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين للهجرة، ودفن بالبقيع [انظُر تَرْجَمَتَه: مشاهير علماء الأمصار (ص: ١٦)، الاستيعاب (٣/ ١١٠)، أسد الغابة (٣/ ٣٨١)].\n(٤) انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٢/ ٤٠٣)، جامع البيان (٢٣/ ١٤٣)؛ معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ٩٧)، شواذ القراءات؛ للكرماني (ص: ٤١٠)].\n(٥) لأنَّ العرب تؤكِّد التأنيث بأنثاه، والتذكير بمثل ذلك، فخطأ أن تقول: هذه دار أنثى، ومِلحفة أنثى؛ لأنَّ تأنيثها في اسمها لا في معناها. [انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٢/ ٤٠٣)].\n(٦) في (ب) \" على الضد \".\n(٧) في (أ) \" النصب \" وهذا القول وما بعده قد ذكر مثله الماوردي في النُّكَت والعُيُون (٥/ ٨٧)، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن (١٥/ ١٦٨).\n(٨) \" وقيل معناه: أعطنيها \" سقطت من (ب).","vol":"1","page":2468},{"text":"وقيل: أعطني بها كفيلًا إلى أن أخاصمك فيظهر أنها لي أو لك.\n﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (٢٣)﴾ صار أعز منِّي في مخاطبته (١) إيَّاي فإن تكلَّم كان أبْين منِّي، وإن بطش كان أشدَّ منِّي فغلبني (٢).\nوقيل: غلبني في الخصومة.\nوقيل: قهرني وظلمني (٣).\nوالخطاب: المخاطبة.\nوقيل: هو (٤) من خِطبة المرأة، أي دافعني عن خطبة هذه المرأة وسيأتي بيانه (٥).\n﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ﴾ ذهب بعض المفسرين إلى أن التقدير: إن كان الأمر على ما قلت فقد ظلمك (٦).\nوذهب بعضهم إلى أن الآخر أقرَّ بما ادعَى عليه الأول (٧).\nوقال بعضهم: قال ذلك قبل أن ينظر في صدق ما ادعى (٨).\nومعنى سؤال نعجتك: أي سؤاله إيَّاك (٩) نعجتك مصدر مضاف إلى المفعول (١٠).\n_________\n(١) في (أ) \" مخاطبة \".\n«في (ب) \" على الضد \".\n«في (أ) \" النصب \" وهذا القول وما بعده قد ذكر مثله الماوردي في النُّكَت والعُيُون (٥/ ٨٧)، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن (١٥/ ١٦٨)\n(٢) أصل هذا القول منسوب إلى الضحاك، حيث يقول: \" إن تكلَّم كان أبينَ منِّي، وإن بطش كان أشدَّ منِّي، وإن دعا كان أكثر منِّي \" انظر: جامع البيان (٢٣/ ١٤٤)، والنُّكَت والعُيُون (٥/ ٨٧).\n(٣) في (أ) \" قهرني وظلمني \".\n(٤) \" هو \" سقطت من (ب).\n(٥) وذلك في الأخبار المروية التي ستأتي في هذه السورة من قصة زواج داود ﵇ المزعوم.\n(٦) انظر: النُّكَت والعُيُون (٥/ ٨٨) تفسير البغوي (٧/ ٨١) البحر المحيط (٩/ ١٤٩).\n(٧) انظر: النُّكَت والعُيُون (٥/ ٨٧) تفسير البغوي (٧/ ٨١) الكشاف؛ للزمخشري (٤/ ٨٨)، زادُ المَسِير (٧/ ١٩) البحر المحيط (٩/ ١٤٩).\n(٨) انظر: إعراب القرآن؛ للنَّحاس (٣/ ٣٠٩).\n(٩) في (ب) \" إيَّاه \".\n(١٠): معاني القرآن؛ للفراء (٢/ ٤٠٤)، معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ١٠٢)، غرائب التفسير (٢/ ٩٩٧).","vol":"1","page":2469},{"text":"والسؤال هاهنا سؤال مطالبة ومغالبة لا سؤال خضوع وتفضل؛ إذ لو كان كذلك لم يكن مُعازَّة (١).\nو﴿إِلَى﴾ متعلقة بفعل دلَّ عليه السؤال تقديره: بسؤال نعجتك ليضمَّها (٢) إلى نعاجه (٣).\n﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ﴾ أي: الشركاء، جمع خليط كظريف وظرفاء (٤).\n﴿لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ يتعدى الحقَّ والإنصاف مشتق من الخُلطة والشركة.\n﴿إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ المستثنى منصوب (٥)، والتقدير: أكثر الخلطاء بهذه الصِّفة إلا الخلطاء المؤمنين فإنَّهم بخلاف ذلك (٦).\n﴿وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ ما زيادة، والتقدير: هم قليل (٧).\nابن عيسى: \" ما بمعنى الذي، أي: وقليل الذي كذلك \" (٨) (٩).\n_________\n(١) انظر: الكشاف (٤/ ٨٨).\n(٢) في (أ) \" لتضمَّها \".\n(٣) انظر: معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ١٠٢)، البحر المحيط (٩/ ١٥٠).\n(٤) انظر: مجاز القرآن؛ لأبي عبيدة (٢/ ١٨١)، إعراب القرآن؛ للنَّحاس (٣/ ٣٠٩) قال ابن الجوزي في زادُ المَسِير (٧/ ١٨): \" قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ﴾ يعني الشركاء، واحدهم: خليط، وهو المخالِط في المال. وإنما قال هذا؛ لأنه ظنهما شريكين \".\n(٥) \" منصوب \" سقطت من (ب).\n(٦) قال ابن عاشور: \" وذِكر غالب أحوال الخلطاء أراد به الموعظة لهما بعد القضاء بينهما على عادة أهل الخير من انتهاز فرص الهداية فأراد داود - ﵇ - أن يرغبهما في إيثار عادة الخلطاء أن يكره إليهما الظلم والاعتداء \" [التَّحْرِيرُ والتَّنْوير: (٢٣/ ٢٣٦)].\n(٧) انظر: الماوردي في النُّكَت والعُيُون (٥/ ٨٨)، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن (١٥/ ١٧٢).\n(٨) في (ب) \" بمعنى الذين، وقليل الذين كذلك \".\n(٩) القول لابن عيسى لم أقف عليه، وقد أورد القول: الماوردي في النُّكَت والعُيُون، (٥/ ٨٨)، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن (١٥/ ١٧٢).","vol":"1","page":2470},{"text":"﴿وَظَنَّ دَاوُودُ﴾ أي (١) علم (٢)، والظنُّ إذا دخل على خبر جاز أن يكون بمعنى العلم، وأما العَيَان فلا يقال فيه إلا العلم (٣).\n﴿أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ ابتليناه وعاملناه معاملة المبتلى.\nوقيل (٤) معنى ﴿فَتَنَّاهُ﴾: شددنا عليه التعبُّد.\nوقُرئ في الشاذ ﴿فَتَنَاهُ﴾ (٥) أي الخصمان (٦)؛ لأنهما قالا: حكم على نفسه (٧).\nوقيل: ضحكا وذهبا فعلم أن الله ابتلاه بذنبه.\nواختلفوا في ذنبه: فذهب جماعة من المفسرين إلى أنَّ داود - ﵇ - دخل محرابه وأغلق بابه وقام يصلِّي فجاء طائر في أحسن صورة مُزَيِّن كأحسن ما يكون فوقع قريبًا منه فنظر إليه فأعجبه فوقع في نفسه منه شيء فدنا منه ليأخذه فوقع قريبًا وأطمعه أن يأخذه ففعل (٨) ذلك ثلاث مرَّات حتى إذا كان في الرابعة ضرب يده عليه فأخطأه فوقع على سور المحراب، وكان خلفَ المحراب حوضٌ يغتسل (٩) فيه النساء فضرب يده عليه وهو على سور المحراب\n_________\n(١) \" أي \" سقطت من (ب).\n(٢) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٢/ ٤٠٤)، جامع البيان (٢٣/ ١٤٥) البحر المحيط (٩/ ١٥٠).\n(٣) قال الفراء: \" وكلُّ ظنٍّ أدخلته على خبرٍ فجائزٌ أن تجعله عِلمًا؛ إلا إنَّه علمُ ما لا يُعاين \" [معاني القرآن (٢/ ٤٠٤)]، وقال الراغب: \" الظنُّ: اسمٌ لما يحصل عن أمارة، ومتى قويت أدَّت إلى العلم، ومتى ضعفُت جدًا لم يتجاوز حدَّ التوهم، ومتى قوي أو تَصَوَّرَ تَصَوُّرَ القوي استعمل معه \"أنَّ\" المشَّددة، و\"أنِ\" المخففة منها ... \" [المفردات (ص: ٥٣٩)].\n(٤) في (ب) \" وقليل \".\n(٥) وهي قراءة قتادة وأبو عمرو في قراءة عبد الوهاب وعليّ بن نصر عنه، وكذا الشنبوذي [انظر: معاني القراءات؛ لأبي منصور الأزهري (ص: ٤١٥)، المُحْتَسَب (٢/ ٢٧٩)، إملاء ما مَنَّ به الرحمن؛ للعكبري (٢/ ٢١٠)، شواذ القراءات (ص: ٤١٠)، البحر المحيط (٩/ ١٥٠)، إتحاف فضلاء البشر (ص: ٤٧٧)].\n(٦) في (ب) \" أي الخصمين \".\n(٧) قال أبو الفتح ابن جِنِّي: \" وأمَّا \" فَتَنَاهُ \" فإنَّ المراد بالتثنية هما الملكان، وهما الخصمان اللذان اختصما إليه، أي علم أنَّهما اختبراه \". [المُحْتَسَب (٢/ ٢٧٩)].\n(٨) في (أ) \" وفعل \".\n(٩) في (أ) \" يغتسل \".","vol":"1","page":2471},{"text":"فأخطأه (١) وهبط الطائر فأشرف (٢) داود فإذا بامرأة تغتسل فلمّا رأته نفضت شعرها فغطى جسدها فوقع في نفسه منها ما شغله عن الصلاة فنزل من محرابه ولبست المرأة ثيابها وخرجت إلى بيتها فخرج داود حتى عرف بيتها وسألها من أنت؟ فأخبرته فقال هل لك زوج؟ فقالت: نعم. قال: أين هو؟ قالت (٣) هو في جند كذا فرجع وكتب إلى عامله إذا جاءك كتابي هذا فاجعل فلانًا في أول الخيل ففعل فقتل (٤) (٥).\nوفي بعض القصص كتب ذلك (٦) ثلاث مرات ثمَّ انتظر حتى انقضت عدتها ثمَّ خطبها وتزوجها فلمَّا أتاه الخصمان وظن أن الله فتنه سجد أربعين ليلة لا يرفع رأسه إلا للصلاة المكتوبة ولم يذق طعامًا ولا شرابًا حتى أوحى الله إليه أن ارفع رأسك فإني قد غفرت لك (٧).\nوفي بعض التفاسير أن جبريل - ﵇ - قال له: اذهب إلى أوريا، وهو زوج المرأة واستحل منه فإنك تسمع صوته في موضع كذا فأتاه واستحل منه فقال: أنت في حلٍّ، فلمَّا رجع قال له جبريل: هل أخبرته بجرمك؟ (٨) قال: لا.\nقال: فإنك لم تعمل شيئًا (٩) فارجع وأخبره بالذي صنعتَ، فرجع داود فأخبره بذلك فقال: أنا خصمك يوم القيامة فرجع مغتمَّا وبكى أربعين يومًا فأتاه جبريل وقال: إن الله يقول: أنا استوهبك من عبدي فيَهَبُك لي، وأجزيه على ذلك أفضل الجزاء فسرى ذلك عنه، وكان حزينًا في عمره باكيًا على خطيئته (١٠).\nوذهب المحقِّقون إلى إنكار هذا أصلًا (١١).\n_________\n(١) في (أ) \" فضرب يده عليه فأخطأه وهو على سور المحراب فأخطأه \".\n(٢) في (أ) \" وأشرف \".\n(٣) في (أ) \" قال \".\n(٤) في (أ) \" وقتل \".\n(٥) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان (٣/ ١١٦)، جامع البيان (٢٣/ ١٤٦)، تفسير السَّمَرْقَنْدِي (٣/ ١٥٥)، النُّكَت والعُيُون (٥/ ٨٥)، زادُ المَسِير (٧/ ١٥).\n(٦) \" ذلك \" سقطت من (ب).\n(٧) انظر: تفسير السَّمَرْقَنْدِي (٣/ ١٥٦)، غرائب التفسير (٢/ ٩٩٩).\n(٨) في (ب) \" بحرمك \".\n(٩) \" شيئًا \" سقطت من (ب).\n(١٠) انظر: تفسير السَّمَرْقَنْدِي (٣/ ١٥٦)، غرائب التفسير (٢/ ٩٩٩).\n(١١) في (أ) \" إلى إنكار ذلك هذا أصلًا \".","vol":"1","page":2472},{"text":"وروي (١) أن عليًا - ﵁ - (٢) أنكر هذا وقال: \"من حدَّث بحديث داود - ﵇ - على ما يرويه القُصَّاص معتقدًا صحَّته جلدته مائة وستين \" (٣) أي حدَّين لعظم ما ارتكب من الإثم وكبير ما احتقب (٤) (٥) من الوزر.\nوجاء عن ابن عباس وابن مسعود - ﵃ - إنكاره أيضًا.\nوذهب بعضهم إلى أن أوريا خطب امرأة فأراد قومُها تزويجها منه فَوُصِفَتْ لداود فخطبها فزوجت من داودَ فصار ذلك منه معصية. (٦)\nوحُمل قوله ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ على أنه الفِعال من الخِطبة بالكسر.\nوقال بعضهم: كان ذنبه أنه أحب أن يستشهد أوريا ليتزوج امرأته (٧).\nوذهب بعضهم إلى أن ذنبه هو قوله:\n_________\n(١) في (ب) \" وروا \".\n(٢) علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي، أبو الحسن، أمير المؤمنين، أول من آمن بالنبي - ﷺ - بعد زوجه خديجة ﵂ وهاجر إلى المدينة، وآخاه النبي - ﷺ - وزوَّجه ابنته (فاطمة - سَيِّدة نساء العالمين) وشهد مع رسول الله - ﷺ - المشاهد كلها عدا تبوك، فقد استخلفه على أهله، وقد اشتهر بفقهه وورعه وزهده، وكان فارسًا شجاعًا مقدامًا، بويع بالخلافة في مسجد رسول الله - ﷺ - بعد قتل عثمان، في ذي الحجة من سنة خمس وثلاثين، وقام بالخلافة حق القيام حتى قتله الخارجي عبدالرحمن بن ملجم المرادي في مسجد الكوفة بسيف مسموم عند قيامه إلى صلاة الفجر، وذلك ليلة الجمعة لسبع عشرة ليلة مضت من شهر رمضان سنة أربعين من الهجرة، ومات - ﵁ - غداة يوم الجمعة، وكانت خلافته خمس سنين وثلاثة أشهر إلا أربعة عشر يومًا. [انظُر تَرْجَمَتَه: الطَّبقات؛ لابن سعد (٣/ ١٢)، الاستيعاب (٣/ ١٩٧)، أسد الغابة (٤/ ٨٧)، الإصابة (٤/ ٤٦٤)].\n(٣) انظر: تفسير النَّسَفي (٣/ ١٠٠٧)، تفسير البيضاوي (٢/ ٣١٠)، الجامع لأحكام القرآن (١٥/ ١٧٤)، تفسير أبي السعود (٥/ ٣٥٨)، روح المعاني؛ للألوسي (٢٣/ ١٨٤).\nقال الألوسي: \" وهذا اجتهاد منه - كرم الله تعالى وجهه - ووجه مضاعفة الحد على حد الأحرار أنهم ... - ﵈ - سادة السادة وهو مستحسن إلا أن الزَّين العراقي ذكر أن الخبر نفسه لم يصح عن الأمير \".\n(٤) في (أ) \" ما أحقب \".\n(٥) احتقب: يقال: \" احْتَقَبَ فلان الإِثْم كأَنَّه جَمَعَه واحْتَقَبَه مَنْ خَلْفهِ [انظر: لسان العرب (١/ ٣٢٤)، مادة \" حَقَبَ \"].\n(٦) انظر: أحكام القرآن؛ للجَصَّاص (٣/ ٤٩٩)، تفسير البغوي (٧/ ٨٢)، زادُ المَسِير (٧/ ١٦)، تفسير النَّسَفي (٣/ ١٠٠٧).\n(٧) انظر: تفسير البغوي (٧/ ٧٩).","vol":"1","page":2473},{"text":"﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ﴾ فنسبه إلى الظلم بقول (١) المدعي وكان ذلك منه زلَّة، وظنَّ داود بعد فراغه من الحكم أن الله بعث الخصمين ليعرفا مذهبه في الحكم فاستغفر ربَّه (٢).\nودلَّ قوله: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾ على أن المُسْتَغفرَ منه مذكور في القِصَّة المتلوّة؛ لأنَّ ذلك إشارة إلى معلوم، ولقوله: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾.\nوذهب بعضهم إلى أن ذنب داود أنه لمَّا وقعت عينه على امرأة أوريا سأله أن ينزل عنها له وكان ذلك جائزٌ (٣) في شرعهم، وكانت الأنصار حين نزل عليهم المهاجرون ينزل من عنده امرأتان عن إحديهما ليتزوجها المهاجر كما كان يقاسمه ماله ومنزله (٤).\nوعن الحسن (٥): \"لم يكن لداود تسع وتسعون امرأة وإنما هذا مثل \" (٦)، وكان يقرأ: ﴿تَسْعٌ وَتَسْعُونَ﴾ بالفتح (٧)، وهو لغة فيه (٨) كسبع وخمس.\n﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾ أي غفرنا له ذنبه ذلك (٩).\n_________\n(١) في (ب) \" يقول \".\n(٢) انظر: إعراب القرآن؛ للنَّحاس (٣/ ٣٠٩)، تفسير السَّمَرْقَنْدِي (٣/ ١٥٦).\n(٣) في (ب) \" وكان ذلك جائزًا \".\n(٤) انظر: تفسير النَّسَفي (٣/ ١٠٠٧)، تفسير البيضاوي (٢/ ٣١٠).\n(٥) الحسن بن أبي الحسن - يسارـ أبو سعيد، تابعي، مولى زيد بن ثابت الأنصاري، ولد بالمدينة، كان سيَّد أهل زمانه علمًا وعملًا، من علماء التابعين بالقرآن والفقه والأدب، وكان من عبَّاد أهل البصرة وزهَّادهم، توفِّي بالبصرة سنة عشرٍ ومائة للهجرة. [انظُر تَرْجَمَتَه: مشاهير علماء الأمصار (ص: ١١٢)، سِيَرُ أعلام النُّبَلاء (٤/ ٥٦٣)، غاية النهاية: (١/ ٢٣٥)].\n(٦) لم أقف عليه.\n(٧) أي بفتح التاء فيهما، وهي لغة شاذة كما ذكر النَّحاس. [انظر: إعراب القرآن؛ للنَّحاس (٣/ ٣٠٩)، المُحْتَسَب (٢/ ٢٧٨)، البحر المحيط (٩/ ١٤٨)، إتحاف فضلاء البشر (ص: ٤٧٧)].\n(٨) \" فيه \" سقطت من (أ).\n(٩) \" ذلك \" سقطت من (أ).","vol":"1","page":2474},{"text":"وعن بعض القراء الوقف (١) على ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ﴾ ليكون مطلقًا (٢).\n﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى﴾ القُربة بعد المغفرة (٣).\n﴿وَحُسْنَ مَآَبٍ﴾ مرجع في الجنة.\nقوله: ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (٢٤)﴾ سقط ساجدًا (٤)، والركوع هاهنا السجود على الوجه (٥).\nوقيل معنى ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا﴾ (٦): رمى بنفسه.\nوقيل: معنى ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا﴾: صار إلى خضوع وخشوع (٧) وتضرع.\nوقيل: أراد الركوع والسجود فاكتفى بذكر الركوع؛ لأنه لا ركوع إلا وبعده (٨) سجود.\n_________\n(١) \" الوقف \" سقطت من (أ).\n(٢) وهو مروي عن نافع، قال النَّحاس: \" الوقف على ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾ أولى، لأنَّه إذا وقف على ... ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ﴾ احتاج إلى أن يضمر لـ \"ذلك\" مرافعًا \". [القطع والائتناف؛ للنَّحاس (ص: ٤٤٢)].\n(٣) في (أ) \" المعرفة \".\n(٤) قال ابن العربي: \" لا خلاف بين العلماء أنَّ الركوع هاهنا السجود؛ لأنَّه أخوه؛ إذ كلُّ ركوع سجود، وكلُّ سجود ركوع؛ فإنَّ السجود هو الميل، والرُّكوع هو الانحناء، وأحدهما يدلُّ على الآخر، ولكنَّه قد يختص كلُّ واحدٍ منهما بهيئة، ثُمَّ جاء على تسمية أحدهما بالآخر، فسمِّي السُّجود ركوعًا \" [أحكام القرآن (٤/ ٧٥)].\nوما أشار إليه ابن العربي هو رأي الجمهور، وقد خالف بعضهم ذلك إلى أنَّ المراد به هنا الرُّكوع على حقيقته. [انظر: جامع البيان (٢٣/ ١٤٦)، معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ١٠٣)، النُّكَت والعُيُون (٥/ ٨٩)، تفسير البغوي (٧/ ٨٤)، زادُ المَسِير (٧/ ٢٠) تفسير القرآن العظيم؛ لابن كثير (٤/ ٣٤) الإجماع في التفسير (ص: ٣٧٩)].\n(٥) وهو أحد الأوجه الثلاثة له ورودًا في القرآن، فيرد بمعنى: الصلاة كقوله تعالى: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣]، والسُّجود كقوله تعالى: ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (٢٤)﴾ [ص: ٣٧٢]، والركوع بعينه، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧]. [انظر: الوجوه والنظائر؛ للدامغاني (ص: ٣٧٢)، قُرَّة العيون والنواظر؛ لابن الجوزي (ص: ١٢٤)].\n(٦) في (أ) \" خرَّ راكعًا \".\n(٧) \" وخشوع \" سقطت من (أ).\n(٨) في (ب) \" وبعدها \".","vol":"1","page":2475},{"text":"وقوله: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾ أي خليفة ممن كان قبلك من الرسل (١).\nوالخليفة: المُدبِّر للأمر من قبل غيره على جهة البدل من تدبيره.\nوقيل: جعلناك خليفة الله في الأرض.\nوقيل: جعلناك مَلِكًَا.\n﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ بالعدل (٢).\n﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى﴾ لا تمل إلى هوى نفسك فتقضي بغير عدل.\nوقيل: لا تجر في القضاء.\nوقيل: لا تتبعِ الهوى كما فعلتَ بامرأةِ أوريا ﴿فَيُضِلَّكَ﴾ أي الهوى (٣).\n﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ عن (٤) طاعته (٥).\nوقيل: فيستزلك عن دين الله.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ دين الإسلام (٦).\n﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيد﴾ أي النار.\n﴿بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)﴾ أعرضوا عنه وتركوا العمل بما ينفعهم فيه (٧).\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٣/ ١٥٠)، إعراب القرآن (٣/ ٣١٠).\n(٢) انظر: جامع البيان (٢٣/ ١٥٠)، النُّكَت والعُيُون (٥/ ٩٠)، تفسير البغوي (٧/ ٨٧).\n(٣) \" أي الهوى\" سقطت من (أ).\n(٤) \" عن \" سقطت من (ب).\n(٥) انظر: النُّكَت والعُيُون (٥/ ٩١).\n(٦) انظر: النُّكَت والعُيُون (٥/ ٩١)، زادُ المَسِير (٧/ ٢٠).\n(٧) وهذا أحد معنيي النسيان في القرآن، فهو يرد بمعنى الترك للشيء عمدًا كما في الآية، ويأتي بمعنى عدم الذكر للشيء، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾ [الكهف: ٦٣] وقوله: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦)﴾ [الأعلى: ٦] [انظر: معاني القرآن؛ للفراء (١/ ٦٤)، الوجوه والنظائر (ص: ٧٧٢)، قرة العيون والنظائر (ص: ٢٢٦)].","vol":"1","page":2476},{"text":"وقيل: لم يؤمنوا به.\nو﴿يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ مفعول ﴿نَسُوا﴾.\nوقيل: عذاب شديد يوم الحساب بما تركوا العمل به (١).\nوقيل: ﴿بِمَا نَسُوا﴾ بما تركوا (٢) من القضاء بالعدل.\n﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ من الخلق (٣).\n﴿بَاطِلًا﴾ عبثًا لغير شيء فنترك الخلق سُدى، بل نتبع هذه الدار دارًا أخرى نفصل فيها بين المحسن والمسيء وننتصف للمظلوم من الظالم (٤).\nوقيل: بل خلقناهما للدلالة على خالقهما (٥).\n﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي ظنهم أن لا بعث ولا حساب ولا جنة ولا نار.\n﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧)﴾.\n﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ يعني الكفار أي لو سوَّينا بينهما لكنا خلقناهما باطلًا.\nوفي التفاسير: أنها نزلت في ثلاثة رهط علي وحمزة (٦)\n_________\n(١) وهذا على القول بالتقديم والتأخير في الآية كما روي ذلك عن عكرمة. [انظر: جامع البيان (٢٣/ ١٥٢)، معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ١٠٥)].\n(٢) \"بما تركوا\" سقطت من (ب).\n(٣) في (أ) ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَلَغَ﴾ من الخلق عبثًا .. \".\n(٤) في (أ) \" فيترك الخلق سُدى، بل يتبع هذه الدار دارًا أخرى يفصل فيها بين المحسن والمسيء وينتصف المظلوم من الظالم \".\n(٥) في (ب) \" خالقها \".\n(٦) حمزة بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي، أبو يعلى القرشي، وقيل: أبو عمارة، كني بابنيه: يعلى، وعمارة، عَمُّ النبي - ﷺ -، وكان يقال له: أَسَدُ الله، وأَسَدُ رسوله، سَيِّدُ الشُّهداء، شهد حمزة بدرًا وأبلى فيها بلاء حسنًا مشهورًا، وشهد أحدًا بعد بدر فقتل يومئذ شهيدًا، قتله وحشي بن حرب الحبشي، مولى جبير بن عدي وكان يوم قتل ابن تسع وخمسين سنة، ودفن هو وابن أخته عبد الله بن جحش - ﵄في قبر واحد. [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: الاستيعاب (١/ ٤٢٣)، أسد الغابة (٢/ ٦٧)، الإصابة (٢/ ١٠٥)].","vol":"1","page":2477},{"text":"وعبيدة بن الحارث (١) ﴿كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ﴾: عُتْبَةُ (٢) وشَيْبَةُ ابني ربيعة (٣) والوليد بن عتبة (٤)، وهم الذين تبارزوا (٥) يوم بدر فقتلَ عليٌ - ﵁ - الوليد، وقتل حمزة عتبة، وقتل عبيدة شيبة (٦).\nوقيل: عام (٧).\n﴿أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ﴾ الذين يتقون الشرك والمعاصي.\n﴿كَالْفُجَّارِ (٢٨)﴾ كالكفَّار، أي في الثواب (٨).\n﴿كِتَابٌ﴾ أي هذا كتاب.\n_________\n(١) عبيدة بن الحارث عبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف، أبو الحارث القرشي المُطَّلبي، وكان أحد السابقين الأولين، أسلم قبل دخول النبي - ﷺ - دار الأرقم، وكان ربعة من الرجال، مليحًا، كبير المنزلة عند رسول الله، - ﷺ -، وهو الذي بارز رأس المشركين يوم بدر فاختلفا ضربتين، فأثبت كل منهما الآخر، وشدَّ علي وحمزة على عتبة، فقتلاه، واحتملا عبيدة وبه رمق، ثم توفي بالصفراء، في العشر الأخير من رمضان، سنة اثنتين - ﵁ -.\n[انْظُر تَرْجَمَتَهُ: الاستيعاب (٣/ ١٤١)، أَسَد الغابة (٣/ ٥٤٧)، سِيَرُ أعلام النُّبَلاء (١/ ٢٥٦)].\n(٢) عُتْبَة بن ربيعة بن عبد شمس، أبو الوليد، كبير قريش وأحد ساداتها في الجاهلية، كان موصوفًا بالرأي والحلم والفضل، خطيبًا، نافذَ القول، أدرك الإسلام، وطغى فشهد بدرًا مع المشركين، وقاتل قتالًا شديدًا، فأحاط به علي ابن أبي طالب وحمزة وعبيدة بن الحارث، فقتلوه [انظر تَرْجَمَتَهُ: الطبقات؛ لابن سعد (١/ ٢٥٢)، الأعلام (٤/ ٢٠٠)].\n(٣) شيبة بن ربيعة بن عبد شمس، من زعماء قريش في الجاهلية، أدرك الإسلام، وقتل على الوثنية.\nولما كانت وقعة بدر، حضرها شيبة مع مشركيهم، ونحر تسع ذبائح لإطعام رجالهم، وقتل فيها [انظر تَرْجَمَتَهُ: الطبقات؛ لابن سعد (١/ ٢٥٢)، الأعلام (٣/ ١٨١)].\n(٤) الوليد بن عُتْبة بن ربيعة بن عبد شمس، هلك مع أبيه يوم بدر، وقد قتله علي بن أبي طالبٍ - ﵁ -. [انْظُر: الطبقات؛ لابن سعد (١/ ٢٥٢)، البداية والنِّهاية (٥/ ٩٥)].\n(٥) في (ب) \" بارزوا \".\n(٦) انظر: تفسير السَّمَرْقَنْدِي (٣/ ١٥٨)، زادُ المَسِير (٧/ ٢١)، البحر المحيط (٩/ ١٥٣)، الدُّرُّ المَنْثُور (١٢/ ٥٦٢).\n(٧) والتعميم أولى بعدم استواء المؤمن والكافر في كلِّ الأمور.\n(٨) قال ابن عاشور: [التَّحْرِيرُ والتَّنْوير (٢٣/ ٢٥٠)]: \" والفجار: الذين شعارهم الفجور، وهو أشد المعصية. والمراد به: الكفر وأعماله التي لا تراقب أصحابها التقوى كما في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (٤٢)﴾ [عبس: ٤٢] \".","vol":"1","page":2478},{"text":"﴿أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ﴾ يعني القرآن.\n﴿مُبَارَكٌ﴾ فيه مغفرة للذنوب (١) لمن آمن به (٢).\n﴿لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ﴾ ليقفوا على ما فيه ويعملوا به.\n﴿وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾ وليتعظَ بالقرآنِ ذَوُوا (٣) العقول.\n﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ﴾ أي أعطيناه.\nابن عباس ﵄: \" أولادُنا من مواهبِ الله لنا \" (٤)، ومثله ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا﴾ [الشورى: ٤٩] الآية.\n﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ سليمان (٥).\n﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ (٣٠)﴾ رَجَّاعٌ إلى الله بالعبادة (٦).\nوقيل: ﴿إِذْ عُرِضَ﴾ ظرف لقوله: ﴿أَوَّابٌ (٣٠)﴾.\nوقيل: نعم العبد: داود كما قال: ﴿دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾.\n﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ﴾ على سليمان بإجماع (٧) إلا ابن بحر (٨) فإنه قال: \" عُرِضَ على داود\" (٩).\n﴿بِالْعَشِيِّ﴾ بعد الظهر (١٠).\n_________\n(١) في (ب) \" الذنوب \".\n(٢) المؤلف قيد البركة بالمغفرة للذنوب، وهي أشمل من ذلك، وهذا أحد بركات القرآن لمن آمن به وعمل بمقتضاه، قال ابن عطيَّة: \" المعنى: هذا كتابٌ لمن أراد التمسك بالإيمان والقربة إلينا، وفي هذه الآيات اقتضاب وإيجاز بديع حسب إعجاز القرآن العزيز، ووصفه بالبركة؛ لأنَّ أجمعها فيه، لأنَّه يُورث الجنَّة ويُنقذ من النار، ويحفظ المرء في حال الحياة الدنيا، ويكون سبب رفعة شأنه في الحياة الآخرة \" [المُحَرَّرُ الوجِيز (٤/ ٥٠٢)].\n(٣) في (ب) \" ذو \".\n(٤) انظر: تفسير السَّمَرْقَنْدِي (٣/ ١٥٩).\n(٥) انظر: جامع البيان (٢٣/ ١٥٢)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٤/ ٢٤٧).\n(٦) انظر: جامع البيان (٢٣/ ١٥٢).\n(٧) انظر: جامع البيان (٢٣/ ١٥٢)، النُّكَت والعُيُون (٥/ ٩٢)، المُحَرَّرُ الوجِيز (٤/ ٥٠٢)، تفسير البيضاوي (٢/ ٣١١)، تفسير أبي السعود (٥/ ٣٦٠).\n(٨) ابن بحر: محمد بن مسلم بن بحر، أبو مُسْلِم الأصفهاني المعتزلي، كان عالمًا بالتفسير وبغيره من صنوف العلم، وله شعر، من كتبه (جامع التأويل) في التفسير، أربعة عشر مجلدًا، جمع سعيد الانصاري الهندي نصوصًا منه وردت في (مفاتيح الغيب) المعروف بتفسير الفخر الرازي، وسمَّاها (ملتقط جامع التأويل لمحكم التنزيل - ط) في جزء صغير.\nومن كتبه (الناسخ والمنسوخ) وكتاب في (النحو)، توفي سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة للهجرة. [انظر تَرْجَمَتَه: بغية الوعاة (١/ ٥٩)، طبقات المُفَسِّرين؛ للدَّاوودي (٢/ ١٠٩)، الأعلام (٦/ ٥٠)].\n(٩) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٩٩٩).\n(١٠) انظر: تفسير البيضاوي (٢/ ٣١١) تفسير أبي السعود (٥/ ٣٦٠).","vol":"1","page":2479},{"text":"﴿الصَّافِنَاتُ﴾ الخيول (١)، والصافن من الخيل: القائم بأي وصف كان (٢).\nوالأكثر على أن الصافن الذي يثني إحدى يديه أو إحدى رجليه، ويقف على سُنبكه (٣).\n﴿الْجِيَادُ (٣١)﴾ جمع جواد، وهو الفرس الذي يجود بالركض (٤).\nابن عيسى: \" جمع جَوْد كسَوْط وسياط، تقول: مطر جَوْد، أي كثير\" (٥).\nوقيل: ﴿الْجِيَادُ (٣١)﴾: الطوال الأعناق مشتق من الجِيْد، حكاه أقضى القضاة (٦) (٧) وغيره (٨).\n_________\n(١) انظر: كتاب العين (٧/ ١٣٤)، جامع البيان (٢٣/ ١٥٤)، تفسير البيضاوي (٢/ ٣١١) تفسير أبي السعود (٥/ ٣٦٠).\n(٢) انظر: لسان العرب (١٣/ ٢٤٧).\n(٣) جامع البيان (٢٣/ ١٥٤)، تفسير البيضاوي (٢/ ٣١١) تفسير أبي السعود (٥/ ٣٦٠).\n(٤) انظر: جامع البيان (٢٣/ ١٥٤)، غرائب التفسير (٢/ ٩٩٩).\n(٥) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٩٩٩).\n(٦) المقصود به الماوردي، وهو أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب البصري الشافعي مصنف \" الحاوي \" و\" الاقناع \" و\" أدب الدنيا والدين \" وغير ذلك، وكان إمامًا في الفقه والأصول والتفسير بصيرًا بالعربية ولي قضاء بلاد كثيرة، ثم سكن بغداد وعاش ستًا وثمانين سنة، مات سنة خمسين وأربعمائة للهجرة. [انظر ترجمته: سِيَرُ أعلام النُّبَلاء (١٨/ ٦٤) العبر (١/ ٢٠٧)، طبقات المُفَسِّرِين؛ للداوودي (١/ ٤٢٨)].\n(٧) التسمية بقاضي القضاة، وأقضى القضاة ألحقها العلماء بما جاء فيه النهي عن التسمي بملك الأملاك كما أخرج مسلم في صحيحه في كتاب الآداب عن أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قَالَ: «إن أخنع اسمٍ عند الله رجلٌ تَسَمَّى: ملك الأملاك، لا مالك إلا الله»، قال المناوي في [فيض القدير (١/ ٢٨٥)]: \" قال ابن أبي جمرة يلحق بملك الأملاك قاضي القضاة، وإن اشتهر في بلاد الشرق من قديم الزمان! ! \"، وقد عقد له الإمام محمد بن عبد الوهاب بابًا في [كتاب التوحيد (٢/ ١٨٠)]، باسم: باب: التسمِّي بقاضي القضاة ونحوه \"، وقال الشيخ صالح الفوزان: \" «قاضي القضاة» هذا لا يليق إلا لله - ﷾ -؛ لأنَّ الله - ﷾ - يقضي بين الناس يوم القيامة القضاء النهائي، يقضي بين جميع الخلق، ملوكهم وعامتهم، وعلمائهم وعوامهم ... ففي هذه الكلمة «قاضي القضاة» تعظيم زائد، ومنحٌ للمخلوق لصفة لا يستحقها ومرتبة لا يرقى إليها \" [إعانة المستفيد (٢/ ١٨٠)، وانظر: معجم المناهي اللفظية؛ للشيخ بكر أبو زيد (ص: ١١٤) و(ص: ٤٣٣)].\n(٨) انظر: النُّكَت والعُيُون؛ للماوردي (٥/ ٩٢)، غرائب التفسير (٢/ ٩٩٩)، الجامع لأحكام القرآن (١٥/ ١٨٤).","vol":"1","page":2480},{"text":"﴿فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ﴾ أي الخيل (١).\nوفي مصحف ابن مسعود - ﵁ -: ﴿حبَّ الخيل﴾ (٢).\nوقيل: الخير: المال.\n﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ قال بعضهم ﴿عَنْ﴾ هاهنا بمعنى على وأحببت بمعنى آثرت (٣).\nابن جرير (٤): \"أحببتُ الخيرَ حُبًَّا \" (٥) فَقُدِّم وأُضِيفَ إلى المفعول.\nقال: \" ومعنى: ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ سهوت عن ذكر ربي \" (٦).\n_________\n(١) قال الزَّجِّاج: \" (الخير) هاهنا: الخيل \" [معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٤/ ٢٤٨)]. ومن ذهب إلى القول بأنَّ الخير: المال فالمعنى واحد، كما قال ابن الجوزي: \" والقولان يرجعان إلى معنى واحد؛ لأنه أراد بالخير: الخيل، وهي مال\" [زادُ المَسِير (٧/ ٢٢)].\n(٢) انظر: شواذ القراءات للكرماني (ص: ٢٠٨)، غرائب التفسير (٢/ ٩٩٩) المُحَرَّرُ الوجِيز (٤/ ٥٠٤).\n(٣) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٤/ ٢٤٧).\n(٤) هو: محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الطَّبَرِي، الإمام أبو جعفر، رأس المُفَسِّرِين على الإطلاق، أحد الأئمة، جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره، فكان حافظًا لكتاب الله، عارفًا بالقراءات، بصيرًا بالمعاني، فقيهًا في أحكام القرآن، عالمًا بالسُّنن وطرقها، صحيحها وسقيمها، ناسخها ومنسوخها، عالمًا بأحوال الصحابة والتابعين، بصيرًا بأيام الناس وأخبارهم، توفِّي سنة عشرٍ وثلاثمائة للهجرة. [انظُر تَرْجَمَتَه: غاية النِّهاية، (٢/ ١٠٦)؛ معرفة القُرَّاء الكبار؛ للذَّهبي، (ص: ١٥٠) طبقات المُفَسِّرِين؛ للسيوطي، (ص: ٨٢)].\n(٥) انظر: جامع البيان (٢٣/ ١٥٤) بلفظ \"أحببت حبًا للخير \".\n(٦) انظر: جامع البيان (٢٣/ ١٥٥).","vol":"1","page":2481},{"text":"وحكى صاحب النظم (١): \" أحببت بمعنى آثرت\" ثمَّ قال: \" وله وجه آخر، وهو أن أحببت بمعنى: قعدت وتأخرت مأخوذ من إحباب البعير إذا برك، أي تقاعدت عن ذكر ربي لحب الخير (٢)، وأنشد:\nدَعَتْك إليها مُقْلتاها وجيدُها ... فمِلتَ كما مال المحبُّ على عَمدِ (٣) (٤)\nالمحب: الجمل الذي به عمد وهو عِلَّةٌ في السَّنام (٥).\n﴿حَتَّى تَوَارَتْ﴾ تَسَتَّرتِ الشَّمْسُ (٦).\n﴿بِالْحِجَابِ (٣٢)﴾ بالليل؛ لأنَّ الليل يستر كلَّ شيء (٧).\n\nوقيل: الحجاب: جبل قاف (٨).\nوقيل معنى: ﴿أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ أي (٩) آثرت حبَّ الخير عن ذكر ربي (١٠) لا من تلقاء نفسي، ولا حرصًا على المال.\n_________\n(١) صاحب النظم: هو أبو علي، الحسن بن يحيى بن نصر الجرجاني الجماجمي، من أهل جرجان كان يسكن بجرجان بباب الخندق في سكة تعرف بجماجمو، له من التصانيف عدة، في نظم القرآن مجلدتان، وكان من أهل السنة يروي عن العباس بن عيسى العقيلي، وروى عنه أبو النضر محمد بن محمد بن يوسف الطوسي. [انظر: الأنساب؛ للسمعاني (٢/ ٨٠)، تفسير البغوي (٨/ ٤٦٥)] \".\n(٢) في (أ) \" بحب الخير \".\n(٣) البيت لأبي ذؤيب الهذلي [انظر: فصل المقال في شرح كتاب الأمثال، لأبي عبيد البكري (ص: ٣٩٤)].\n(٤) لم أقف عليه.\n(٥) انظر: غرائب التفسير (٢/ ٩٩٩).\n(٦) قال ابن كثير: \" على المشهور من قولي المُفَسِّرِين\" [تفسير القرآن العظيم (٤/ ٣١٢)]، وقال القرطبي: \" الأكثر في التفسير انَّ التي توارت بالحجاب هي الشمس، وتركها لدلالة السامع عليها بما ذُكر مما يرتبط بها ويتعلَّق بذكرها\" [الجامع لأحكام القرآن (١٥/ ١٨٨)].\n(٧) انظر: النُّكَت والعُيُون (٥/ ٩٣).\n(٨) وهو بعيد عن سياق الآيات وإن كان قد ذكر غير واحد أنه جبل قاف أو جبل دونه [انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١١٨)، النُّكَت والعُيُون (٥/ ٩٣)، والجامع لأحكام القرآن (١٥/ ١٨٦)] قال في الكشاف: \" (٤/ ٩٤): \" ومن بدع التفاسير: أن الحجاب جبل دون قاف بمسيرة سنة تغرب الشمس من ورائه \".\n(٩) \" أي \" سقطت من (ب).\n(١٠) في (ب) \" أمر ربي \".","vol":"1","page":2482},{"text":"وقيل: أحببت حبَّ الخير عن ذكر ربي لها بالخيل (١)، أي أحببت الخيل لحب الخيل (٢) عن جهة ذكر ربي بما فيها من الخير فيكون المفعول محذوفًا، وحبّ الخير مفعول له.\nوقيل: ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ عن صلاة العصر، وكانت فرضًا عليه.\nوقيل: وظيفة وظَّفها على نفسه وذلك أنه صلى الظهر ثمَّ جلس على الكرسي ليعرض عليه الخيل وكانت الخيل وردت عليه من غنيمة (٣).\nوقيل: ورثها من أبيه داود.\nوقيل: كانت ألف فرس أخرجتها (٤) الشياطين من البحر.\nوقيل: أخرجها الشيطان (٥) من مرج من المروج.\nوقيل: كانت عشرين فرسًا ذوات أجنحة حتى توارت الشمس بالحجاب أي غربت. وجازت (٦) الكناية عن الشمس وإن لم يتقدم ذكرها؛ لأن العشي دلَّ على ذكرها.\nابن عيسى: \" الضمير في توارت للخيل، أي إلى أن غُيبت عني وسُترت عن بصري بحجابها وهو مرابطها \" (٧).\n﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ﴾ أي الخيل (٨).\n﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ (٣٣)﴾ طَفِقَ مثلُ: ظلَّ بالنهار، أي ما زال (٩) يمسح مسحًا (١٠).\n_________\n(١) في (ب) \" عن ذكر الله لها بالخير \".\n(٢) في (ب) \" الخير \".\n(٣) في (أ) \" من الغنيمة \".\n(٤) في (أ) \" أخرجها \".\n(٥) في (أ) \" الشياطين \".\n(٦) في (ب) \" وجاز \".\n(٧) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٠٠٠)، واختار هذا القول أبو حيان حيث قال: \"والظاهر أن الضمير في (توارت) عائد على (الصافنات)، أي دخلت اصطبلاتها، فهي الحجاب \" [البحر المحيط (٩/ ١٥٤)].\n(٨) انظر: جامع البيان (٢٣/ ١٥٥)، النُّكَت والعُيُون (٥/ ٩٣).\n(٩) في (أ) \" ما زالت \".\n(١٠) في (ب) \" يفعل مسحًا يمسح مسحًا \". قال ابن عاشور: \" (مسحًا) مصدر أقيم مقام الفعل، أي طفق يمسح مسحًا ... والمسح حقيقته: إمرار اليد على الشيء لإزالة ما عليه من غبش أو ماء أو غبار وغير ذلك مما لا يراد بقاؤه على الشيء ويكون باليد وبخرقة أو ثوب، وقد يطلق المسح مجازا على معان منها: الضرب بالسيف يقال: مسحه بالسيف. ويقال: مسح السيف به. ولعل أصله كناية عن القتل بالسيف؛ لأنَّ السيف يسمح عنه الدم بعد الضرب به\" [التَّحْرِيرُ والتَّنْوير (٢٣/ ٢٥٧).","vol":"1","page":2483},{"text":"﴿بِالسُّوقِ﴾: جمع ساق كدار ودور، ولابَةٍ ولُوْبٍ (١).\n﴿وَالْأَعْنَاقِ﴾: جمع عنق.\nوالمعنى: قطع أعناقها وعَرْقَبَ (٢) أرجلها؛ لأنها منعته عن الصلاة (٣).\nالزَّجاج: \" لم يفعل ذلك إلا وقد أباح الله له ذلك، وما أباح الله فليس بمنكر \" (٤).\nوقيل: ذبحه (٥) للفقراء والمساكين إلا مائة منها، فما في أيدي الناس من الخيل العِراب (٦) فهي منها.\nابن عباس - ﵄ -: \" ما ضرب أعناقها ولا عرقبها (٧) بل مسح أعناقها وسُوْقها (٨) بيده حبَّا لها \" (٩).\n_________\n(١) اللَّوب واللَّواب العَطَش وقد لابَ يَلُوب والواحد لائب والجميع لوبٌ ولوائب يقال إبل لوبٌ ونخل لوائب، وقيل هو استدارةُ الحَائِم حَوْلَ الماءِ وهو عَطشان لا يَصِل إِليه، واللاّبة الحَرَّة السّوداء والعدد لابات والجميع لابٌ ولوبٌ. [انظر: كتاب العين (٨/ ٣٣٧)، لسان العرب (١/ ٧٤٥)].\n(٢) العُرْقُوب العَصَبُ الغليظُ المُوَتَّرُ فوق عَقِبِ الإِنسان وعُرْقُوبُ الدابة في رجلها بمنزلة الرُّكْبة في يدها وعَرْقَبَ الدابة قَطَعَ عُرْقُوبَها .. وعَرْقَبَه: قَطَع عُرْقُوبَه. [انظر: تاج العروس (١/ ٧٥٤) لسان العرب (١/ ٥٩٤)، القاموس المحيط (١/ ١٤٦)].\n(٣) قال ابن الجوزي: \" روى مجاهد عن ابن عباس قال: \" مسح أعناقها وسوقها بالسيف \"، وقال الحسن وقتادة وابن السائب: قطع أعناقها وسوقها، وهذا اختيار السُّدي ومقاتل والفراء وأبي عبيدة والزَّجاج وابن قتيبة وأبي سليمان الدمشقي والجمهور\" [زادُ المَسِير (٧/ ٢٤) وانظر: تفسير مقاتل (٣/ ١١٨)، مجاز القرآن؛ لأبي عبيدة (٢/ ١٨٣)، معاني القرآن؛ للفراء (٢/ ٤٠٥) معاني القرآن؛ للزَّجاج (٤/ ٢٤٩) النُّكَت والعُيُون (٥/ ٩٣) تفسير القرآن العظيم (٤/ ٣٧)، وغيرها].\n(٤) معاني القرآن (٤/ ٢٤٩) [بتصرف].\n(٥) في (أ) \" وقد ذبحه \".\n(٦) العِراب: الخَيْل العَرَبِيّات الخُلّص والمُعْرِبُ من الخيْل: الذِي ليسَ فيهِ عرْقٌ هَجِين.\n[انظر: تاج العروس (١/ ٧٤١) الفائق (٢/ ٤١٧)].\n(٧) في (أ) \" وما عرفها \".\n(٨) في (ب) \" وأسواقها \".\n(٩) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (٢٣/ ١٥٦) عن علي بن أبي طلحة، وانظر: النُّكَت والعُيُون (٥/ ٩٣)، وصحيفة علي بن أبي طلحة (ص: ٤٢٧). ورجح هذا القول ابن جرير قال ابن جرير [جامع البيان (٢٣/ ١٥٦)]: \" وهذا القول الذي ذكرناه عن ابن عباس أشبه بتأويل الآية؛ لأنَّ نبي الله - ﷺ - لم يكن - إن شاء الله - ليعذب حيوانًا بالعرقبة ويهلك مالا من ماله بغير سبب سوى أنه اشتغل عن صلاته بالنظر إليها ولا ذنب لها باشتغاله بالنظر إليها \" وكذا ابن عاشور: حيث قال: \" وهذا هو الجاري على المناسب لمقام نبي والأوفق بحقيقة المسح، ولكنه يقتضي إجراء ترتيب الجُمل على خلاف مقتضى الظاهر .. \" [التَّحْرِيرُ والتَّنْوير (٢٣/ ٢٥٨)].\nقال ابن كثير: \"وهذا الذي رجح به ابن جرير فيه نظر؛ لأنه قد يكون في شرعهم جواز مثل هذا ولا سيما إذا كان غضبا لله تعالى بسبب أنه اشتغل بها حتى خرج وقت الصلاة ولهذا لما خرج عنها لله تعالى عوضه الله ﷿ ما هو خير منها وهو الريح التي تجري بأمره رخاء حيث أصاب غدوها شهر ورواحها شهر فهذا أسرع وخير من الخيل\". ... [تفسير القرآن العظيم: (٤/ ٣٧)].\nوقال الشوكاني: ولا متمسك لمن قال: إن فساد المال لا يصدر عن النبي فإن هذا مجرد استعباد باعتبار ما هو المتقرر في شرعنا مع جواز أن يكون في شرع سليمان أن مثل هذا مباح على أن إفساد المال المنهي عنه في شرعنا إنما هو مجرد إضاعته لغير غرض صحيح وأما لغرض صحيح فقد جاز مثله في شرعنا كما وقع منه ﷺ من إكفاء القدور التي طبخت من الغنيمة قبل القسمة ولهذا نظائر كثيرة في الشريعة ومن ذلك ما وقع من الصحابة من إحراق طعام المحتكر\" [فتح القدير (٤/ ٦١٤) \"].","vol":"1","page":2484},{"text":"قال: ومعنى (مسح) غسل.\nوقيل: مسح الغبار عن أعناقها (١) وسُوقها بيده.\nوقيل: وَسَمَ أعناقهنَّ وسُوقهنَّ وجعلهن في سبيل الله.\nوقيل: ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ﴾ يعني الشمس، والخطاب للملائكة (٢)، تضرع (٣) إلى الله فردَّ الله له الشمس فصلَّى العصر.\n﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾ ابتليناه (٤).\nوقيل: عاقبناه.\nوقيل: شددنا عليه في التكليف.\n_________\n(١) في (ب) \" أعرافها \".\n(٢) وهذا في غاية البعد كما ذكر ابن عاشور [انظر: التَّحْرِيرُ والتَّنْوير (٢٣/ ٢٥٦)].\n(٣) في (أ) \" يتضرع \".\n(٤) انظر: النُّكَت والعُيُون (٥/ ٩٤).","vol":"1","page":2485},{"text":"﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (٣٤)﴾\nاختلف المفسرون في سبب ذلك، وفي الجسد (١)، وأولى ما ذكر فيه ما روي عن النبي - ﷺ -، وهو أنه قال: قال سليمان بن داود - ﵉ - \" لأطوفن الليلة على سبعين امرأة، ويروى على مائة، ويروى على ألف امرأة تأتي كل واحدة بفارس يجاهد (٢) في سبيل الله فقال له صاحبه: قل إن شاء الله ولم يقل.\nفطاف عليهن فلم (٣) تحمل منهنَّ إلا امرأة (٤) واحدة جاءت بشق ولد، فو الذي نفس محمد بيده لو قال: إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرسانًا \" (٥) فلم يستثن فلم يرض الله ذلك منه، وهو الجسد الذي ألقي على كرسيه، أي سرير ملكه.\nوقيل: كرسيه: ملكه (٦).\nالشَّعبي (٧): \" سبب ذلك أنه ولد لسليمان - ﵇ - ابن فاجتمعت الشياطين وقال بعضهم لبعض: إن عاش له ولد لم ننفك مما نحن فيه من البلاء والسُّخرة فسبيلنا أن نقتل ولده فعلم\n_________\n(١) \" وفي الجسد \" سقطت من (أ).\n(٢) في (أ) \" مجاهد \".\n(٣) في (أ) \" ولم \".\n(٤) \" امرأة \" سقطت من (أ).\n(٥) الحديث أصله في الصحيحين عن أبي هريرة - ﵁ -، فقد أخرجه البخاري في كتاب كفارات الأيمان، باب: كيف كان يمين النبي - ﷺ -، برقم (٦٧٢٠)، ولفظه: عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «قَالَ سُلَيْمَانُ لأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى تِسْعِينَ امْرَأَةً، كُلُّهُنَّ تَأْتِى بِفَارِسٍ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. فَلَمْ يَقُلْ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ. فَطَافَ عَلَيْهِنَّ جَمِيعًا، فَلَمْ تَحْمِلْ مِنْهُنَّ إِلَاّ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ، جَاءَتْ بِشِقِّ رَجُلٍ، وَأيْمُ الَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ. لَجَاهَدُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ فُرْسَانًا أَجْمَعُونَ»، وأخرجه مسلم في كتاب الأيمان، باب الاستثناء برقم (٤٢٦٢)، ولفظه: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ نَبِيُّ اللَّهِ لأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى سَبْعِينَ امْرَأَةً كُلُّهُنَّ تَأْتِي بِغُلَامٍ يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ أَوْ الْمَلَكُ: قُلْ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَلَمْ يَقُلْ وَنَسِيَ، فَلَمْ تَأْتِ وَاحِدَةٌ مِنْ نِسَائِهِ إِلا وَاحِدَةٌ جَاءَتْ بِشِقِّ غُلامٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: وَلَوْ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، لَمْ يَحْنَثْ، وَكَانَ دَرَكًا لَهُ فِي حَاجَتِهِ»، وأمَّا رواية ألف امرأة فقد ذكرها الماوردي في النُّكت والعيون (٥/ ٩٦) من حديث أبان عن أنس - ﵁ -، وما في الصحيحين أصحُّ منه.\n(٦) في (أ) \" كرسي ملكه \".\n(٧) الشَّعبي: عامر بن شراحيل بن عبد ذي كبار، الإمام، علامة العصر، أبو عمرو الهمداني ثم الشعبي، ويقال: هو عامر بن عبد الله، راوية، فقيه، من التابعين، يضرب المثل بحفظه، وسئل عما بلغ إليه حفظه، فقال: \" ما كتبت سوداء في بيضاء، ولا حدثني رجل بحديث إلا حفظته \"، مات - ﵀ - سنة خمسٍ ومائة للهجرة. [انْظُر تَرْجَمَتَهُ: مشاهير علماء الأمصار (ص: ١٢٧)، سِيَرُ أعلام النُّبَلاء (٤/ ٢٩٤)، الأعلام (٣/ ٢٥١)].","vol":"1","page":2486},{"text":"بذلك سليمان فأمر السَّحاب حتى حملته الرِّيح إليه فغدا ابنه في السَّحاب خوفًا من معرَّة (١) الشيطان (٢) فعاقبه بخوفه من الشيطان ومات الولد وألقي ميِّتًا على كرسيه فهو (٣) الجسد الذي قال الله تعالى: ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ ٤).\nابن بحر: مرض سليمان مرضًا شديدًا امتحنه الله به حتى صار جسدًا على كرسيه مطروحًا \" (٥).\nوجاء (٦) في المثل: جسدًا بلا روح؛ لأن الجسد هو الجسم (٧) الذي لا روح فيه. وتقديره: ألقيناه على كرسيه جسدًا، وقد يُوصف المريض بمثل هذا فيقال: جسد بلا روح.\n﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾: عاد إلى الصحة (٨).\nوقال جمهور المفسرين: الجسد الملقي على كرسي سليمان - ﵇ - كان شيطانًا جلس على كرسي ملكه أربعين يومًا، وذلك أن ملكه كان في خاتمه فأخذ الشيطان الخاتم فزال ملكه، وصار الملك للشيطان (٩)، ثمَّ اختلفوا في ذلك:\nفقال سعيد بن المسيب (١٠): \" كان سليمان وضعه تحت رأسه فأخذه الشيطان من تحت رأسه \" (١١).\n_________\n(١) المَعَرَّةُ: الأَمر القبيح المكروه والأَذى. ...\n[انظر: النهاية في غريب الحديث (٣/ ٢٠٤)، مادة \" عَرَرَ \"، لسان العرب (٤/ ٥٥٥)، مادة \" عَرَرَ \"].\n(٢) في (أ) \" الشياطين \".\n(٣) في (أ) \" وقد ذبحه \".\n(٤) انظر: زادُ المَسِير (٧/ ٢٦).\n(٥) انظر: النُّكَت والعُيُون (٥/ ٩٦).\n(٦) \" وجاء \" سقطت من (ب).\n(٧) \" الجسم \" سقطت من (أ).\n(٨) وهو قول ابن بحر كما أورده الماوردي [(النُّكَت والعُيُون (٥/ ٩٨)].\n(٩) انظر: تفسير القرآن؛ لعبد الرزاق بن همَّام الصنعاني (٣/ ١٦٤) جامع البيان (٢٣/ ١٥٦)، النُّكَت والعُيُون (٥/ ٩٦)، تفسير البغوي (٧/ ٩٤)، المُحَرَّرُ الوجِيز (٤/ ٥٠٤)، زادُ المَسِير (٧/ ٢٧).\n(١٠) سعيد بن المسيب بن حزْن بن أبي وهب المخزومي القرشي، أبو محمد، وكان من سادات التابعين فقهًا وورعًا وعبادةً وفضلًا وزهادةً وعلمًا، تُوفِّيَ - ﵀ - سنة ثلاثٍ وتسعينَ. [انظُر تَرْجَمَتَه: مشاهير علماء الأمصار (ص: ٨١)، حلية الأولياء (٢/ ١٦١)، تذكرة الحفاظ (١/ ٤٤)، الوافي بالوفيات: (٤/ ٢٦٢)].\n(١١) انظر: النُّكَت والعُيُون (٥/ ٩٧)","vol":"1","page":2487},{"text":"وقال مجاهد: قال سليمان - ﵇ - لشيطان يقال له آصف كيف تفتنون الناس؟ قال: أرني خاتمك أخبرك، فلمَّا أعطاه إيّاه نبذه آصف في البحر فذهب ملكه وقعد آصف على كرسِّيه (١).\nوعن عليٍّ - ﵁ - أنه (٢) قال: بينما سليمان جالس على شاطيء البحر وهو يعبث بخاتمه إذ (٣) سقط منه في البحر، وكان مُلكه في خاتمه \" (٤).\nوقيل: إنه وطئ امرأة في الحيض فذلك ذنبه حكاه ابن عيسى (٥).\nوقيل: إن امرأة يقال لها جرادة قالت له: إن أخي بينه وبين رجل حكومة فإذا أتيا غدًا فاقض له، فقال: نعم، ولم يفعل فابتلاه الله سبحانه بسبب هذا (٦) الذنب وأزال ملكه أربعين يومًا.\nوقال جماعة من المفسرين: كان سليمان - ﵇ - إذا أراد دخول الخلاء دفع الخاتم إلى جارية.\nقال ابن عباس: اسمها جرادة (٧).\nوقيل: الأمينة (٨).\nوكان شيطان يقال له: صخر، وقيل: آصف، وقيل: غيره تصوَّر بصورة سليمان وخرج إلى المرأة، وقال: هاتي الخاتم فأعطته إيِّاه ظنًَّا منها أنه سليمان فلمَّا خرج سليمان ولم يجد\n_________\n(١) انظر: تفسير مجاهد (٢/ ٥٤٩)، جامع البيان (٢٣/ ١٥٧)، تفسير السَّمَرْقَنْدِي (٣/ ١٦٠)، النُّكَت والعُيُون (٥/ ٩٧).\n(٢) \" أنه \" سقطت من (ب).\n(٣) في (أ) \" إذا \".\n(٤) انظر: زادُ المَسِير (٧/ ٢٦)، الجامع لأحكام القرآن (١٥/ ١٩٢)، الدُّرُّ المَنْثُور (١٢/ ٥٧٧).\n(٥) لم أقف عليه، وأصله للحسن، [انظر: النُّكَت والعُيُون (٥/ ٩٤)، الجامع لأحكام القرآن؛ للقرطبي (١٥/ ١٩٠).\n(٦) في (أ) \" ذلك \".\n(٧) انظر: جامع البيان (١/ ٤٤٩)، النُّكَت والعُيُون (٥/ ٩٦).\n(٨) في (ب) \" الأمنيَّة \".","vol":"1","page":2488},{"text":"الخاتم علم أنه ابتلي فخرج يطوف أربعين يومًا إلى أن قبل الله توبته، وكان ذلك الشيطان يقضي بين الناس ويتمكن من جميع ملكه إلا نساءه (١).\nوقيل: من جميع ملكه ومن ونسائه، وكان يأتي النساء الحُيَّض منهن فلمَّا أراد الله ردَّ الملك على سليمان أنكر قُرَّاء بني إسرائيل قضية قضاها الشيطان فأحضروا التوراة فلمَّا قرؤوها عليه فرَّ الشيطان وألقى الخاتم في البحر فابتلعته (٢) سمكة فصادها صائد ووهبها لسليمان (٣).\n_________\n(١) انظر: تفسير بن أبي حاتم (١٠/ ٣٢٤١)، جامع البيان (١/ ٤٤٩)، تفسير القرآن العظيم (٤/ ٣٩)، الدُّرُّ المَنْثُور (١٢/ ٥٧٣).\n(٢) في (ب) \" وابتلعته \".\n(٣) انظر: تفسير بن أبي حاتم (١٠/ ٣٢٤١)، جامع البيان (١/ ٤٤٩)، تفسير القرآن العظيم (٤/ ٣٩) الدُّرُّ المَنْثُور (١٢/ ٥٧٣).\nوهذه الأخبار لا تثبت سندًا، ولا تصِّح عقلًا، قال الإمام ابن كثيرٍ - ﵀: [تفسير القرآن العظيم (٤/ ٣٩): \"وأرى هذه كلها من الإسرائيليات ومن أنكرها ما قاله ابن أبي حاتم ... عن سعيد ابن جبير عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (٣٤)﴾ قال أراد سليمان -﵊ - أن يدخل الخلاء فأعطى الجرادة خاتمه ... \" إسناده إلى ابن عباس - ﵄ - قويٌّ، ولكنَّ الظاهر أنه إنما تلقاه ابن عباس - ﵄ - إن صح عنه من أهل الكتاب وفيهم طائفة لا يعتقدون نبوة سليمان - ﵊ - فالظاهر أنهم يكذبون عليه، ولهذا كان في السِّياق منكرات من أشدها ذكر النساء؛ فإن المشهور عن مجاهد وغير واحد من أئمة السلف أن ذلك الجني لم يسلط على نساء سليمان بل عصمهن الله - ﷿ - منه تشريفًا وتكريمًا لنبيه - ﵇ -، وقد رويت هذه القصة مطولة عن جماعة من السلف - ﵃ - كسعيد بن المسيب وزيد بن أسلم وجماعة آخرين وكلها متلقاة من قصص أهل الكتاب والله ﷾ أعلم بالصواب\".\nوقال النَّسَفي: \" وأما ما يروى من حديث الخاتم والشيطان وعبادة الوثن في بيت سليمان - ﵇ - فمن أباطيل اليهود \" [تفسير النَّسَفي (٣/ ١٠١١)].\nقال أبو شهبة: \" والحق: أن نسج القصة مهلهل، عليه أثر الصنعة والاختلاق، ويصادم العقل السليم، والنقل الصَّحيح في هذا.\nوإذا جاز للشيطان أن يتمثل برسول الله سليمان - ﵇ - فأي ثقة بالشرائع تبقى بعد هذا؟!\nوكيف يسلِّط الله الشيطان على نساء نبيه سليمان، وهو أكرم على الله من ذلك؟!.\nوأي مُلكٍ أو نبوة يتوقَّف أمرهما على خاتم يدومان بدوامه، ويزولان بزواله؟! وما عهدنا في التاريخ البشري شيئًا من ذلك.\nوإذا كان خاتم سليمان - ﵇ - بهذه المثابة: فكيف يُغفل الله شأنه في كتابه الشاهد على الكتب السماوية، ولم يذكره بكلمة؟! وهل غيَّر الله - سبحانه - خِلقة سليمان في لحظة، حتى أنكرته أعرف الناس به، وهي: زوجته جرادة \". [الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير (ص: ٢٧٣)]","vol":"1","page":2489},{"text":"وقيل: أعطاها على أُجرة عمله يومًا فأخرج من بطنها الخاتم، وردَّ الله عليه مُلكه فذلك قوله (١): ﴿ثُمَّ أَنَابَ (٣٤)﴾ أي رجع إلى ملكه (٢).\nوقيل: إن ذنبه أنه (٣) تزوج امرأة من غير بني إسرائيل وكانت ممن تعبد الأصنام فأعجب بها فقالت: إن أبي كان بارًَّا بي فلو أذنت لي أن اتخذ صورة على صورة أبي، وأجعلها في بيت لي فكنت أتسلى بها إذا رأيتها فأذن لها فاتخذت صورة (٤)، وكانت تعبد في بيته أربعين يومًا فعاقبه الله على ذلك وسلبه ملكه أربعين يومًا (٥).\nوحكى الثَّعلبي (٦): أنَّ في بعض الروايات أن سليمان﵇ - لمَّا افتتن سقط الخاتم من يده فأخذه سليمان فأعاده إلى يده فسقط من يده فلمَّا رآه سليمان لا يثبت في يده أيقن بالفتنة، وأن آصف وزيره قال لسليمان: إنك مفتون بذنبك، والخاتم لا يثبت في يدك\n_________\n(١) في (أ) \" وهو قوله \".\n(٢) انظر: \" تفسير مقاتل (٣/ ١١٩)، جامع البيان (٢٣/ ١٥٩)، تفسير البغوي (٧/ ٩٤)، تفسير القرآن العظيم؛ لابن كثير (٤/ ٣٨).\nوعلى القول بتكذيب الخبر، فالأولى أن يكون المعنى رجَّاع إلى الله تعالى، وهو ما اختاره الشوكاني؛ حيث قال في معنى: ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾: \" أي رجع إلى ملكه بعد أربعين يوما وقيل: معنى أناب: رجع إلى الله بالتوبة من ذنبه وهذا هو الصواب \" [فتح القدير (٤/ ٦١٥)].\nوقال ابن عثيمين - ﵀ -: \" والمتعيِّن: أنَّ المعنى: أناب إلى الله، أي: أنَّه عرف أنَّ هذا الذي نزل به لأمر صدر منه، فرجع إلى الله وأناب إليه، وأحسن التوبة، وأصلح العمل \" [تفسير القرآن الكريم - سورة ص ... (ص: ١٦٧)].\n(٣) \" أنه \" سقطت من (أ).\n(٤) في (ب) \" صنمًا \".\n(٥) وهذا القول لا يستقيم، قال الرازي: \" لو قلنا: إنَّ سليمان أّذن لتلك المرأة في عبادة تلك الصورة فهذا كفر منه، وإن لم يأذن فيه البتَّة فالذَّنب على تلك المرأة، فكيف يؤاخذ الله سليمان بفعلٍ لم يصدر عنه؟ [التفسير الكبير (٢٦/ ١٨٦)].\n(٦) الثَّعلبي: أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، أبو إسحاق النِّيسابوري: مفسر، من أهل نيسابور، كان عالمًا بعلوم القرآن والعربية، من كتبه (عرائس المجالس - ط) في قصص الانبياء، و(الكشف والبيان في تفسير القرآن - ط) يعرف بتفسير الثعلبي، توفي سنة سبعٍ وعشرين وأربعمائة للهجرة. [انظر تَرْجَمَتَهُ: سير أعلام النبلاء (١٧/ ٤٣٥)، طبقات المُفَسِّرِين؛ للسُّيوطي (ص: ١٧)].","vol":"1","page":2490},{"text":"أربعة عشر يومًا ففِرَّ إلى الله تائبًا من ذنبك وأنا أقوم مقامك وأسير في عالمك (١) وأهل بيوتك بسيرتك إلى أن يتوب الله عليك ويردك إلى ملكك ففرَّ سليمان هاربًا إلى ربِّه (٢)، وأخذ آصفُ الخاتمَ ووضعه في يده وثبت \" (٣).\nوالجسد الذي ألقي على كرسيه: آصف وزير سليمان، وكان عنده علم من الكتاب، وقام آصف في مُلكه أربعة عشر يومًا إلى أن ردَّ الله عليه مُلكه (٤) فقام آصف وجلس سليمان على كُرسيِّه، واتخذ الخاتم بيده فثبت فيها (٥).\nوعن سعيد بن المسيب: \" أن سليمان احتجب عن الناس ثلاثة أيام فأوحى الله إليه يا سليمان احتجبت عن الناس فلم (٦) تنظر في أمور عبادي، ولم تنصف مظلومًا من ظالم، ثم ذكر الخاتم، وأخذ الشيطان منه ورجوعه إلى سليمان\" (٧).\nقال مقاتل (٨): \"ملك سليمان قبل الفتنة عشرين سنة وبعد الفتنة عشرين سنة، ثمَّ إن سليمان ظفر بالشيطان فجعله في تابوت وسدّه (٩) بالنُّحاس وألقاه في البحر\" (١٠)، والله أعلم.\n_________\n(١) في (أ) \" عيالك \".\n(٢) في (أ) \" إلى الله \".\n(٣) انظر: تفسير الثعلبي (٤/ ٣٩).\n(٤) في (أ) \" ملكه عليه \".\n(٥) تفسير البغوي (٧/ ٩٣) زادُ المَسِير (٧/ ٢٥)، وفيه يقول ابن الجوزي: \" وهذا لا يصح ولا ذكره مَن يوثق به \". وقال القاضي عياض: \" ولا يصح ما نقله الأخباريون من تشَّبه الشيطان به، وتسلُّطه على ملكه، وتصرفه في أمته بالجور في حكمه؛ لأنَّ الشياطين لا يُسَلَّطون على مثل هذا، وقد عصم الأنبياء من مثله \" [الشِّفا (٢/ ١٦٧)].\n(٦) في (أ) \" ولم \".\n(٧) انظر: تفسير الثعلبي (٤/ ٣٩)، النُّكَت والعُيُون (٥/ ٩٤)، زادُ المَسِير (٧/ ٢٧).\n(٨) مقاتل بن سليمان بن كثير الأزدي بالولاء الخراساني، أبو الحسن البلخي، المفسِّر، كذَّبوه وهجروه، ورمي بالتَّجسيم. قال ابن المبارك \" - وأحسن -: ما أحسن تفسيره لو كان ثقة! \"، وله كتاب التفسير، والوجوه والنظائر، والناسخ والمنسوخ، وغيرها، وقد توفي سنة خمسين ومائة للهجرة. [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: سير أعلام النبلاء (٧/ ٢٠١)، طبقات المُفَسِّرين؛ للداوودي (٢/ ٣٣٠)].\n(٩) في (أ) \" وشدَّه\".\n(١٠) تفسير مقاتل (٣/ ١١٨). باختصار.","vol":"1","page":2491},{"text":"﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٣٥)﴾ أبو عبيدة (١) في كتاب (المجاز): معنى: ﴿لَا يَنْبَغِي﴾: لا يكون \" (٢)، وحقيقة لا ينبغي لا ينفعل من بغيت الشيء طلبته، أي لا يصير مطلوبًا لأنه سماوي، وليس ذلك في طوق البشر ولا مما يخطر على قلب أحدٍ، وإنما سأل بهذه الصفة ليكون معجزة لا منافسة وحسدًا (٣)، وكان قبل ذلك لم يُسَخَّرْ له الرِّيح والشياطين فلمَّا دعا (٤) بذلك سُخِّرت له الريح والشياطين.\nوالمعجزة (٥): هي التي لا ينبغي لغير من أُيِّد بها (٦).\nوقيل: سأل ذلك كذلك بإذن الله إيَّاه في السؤال.\nوقيل: لا ينبغي لأحد أن يسلب مني بعد هذه السَّلبة.\nوقيل: لأقوى به على من عصاني من الجن والإنس.\nوقيل: ﴿لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾: أي غيري ممن بعثت إليهم، ولم يرد من بعده إلى يوم القيامة.\n﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ المُعطي.\n﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ﴾ ذلَّلناها لطاعته.\n_________\n(١) أبو عبيدة: هو مَعْمَرُ بن المثنى التميمي البصري، أبو عبيدة، العلامة اللغوي النَّحوي، كان يميل إلى مذهب الخوارج، صنَّف \" مجاز القرآن \"، و\" نقائض جرير والفرزدق \" و\" الأمثال \" وغيرها، توفي سنة عشرٍ ومائتين للهجرة [انظُر تَرْجَمَتَه: تاريخ بغداد (١٣/ ٢٥٢)، نزهة الألِبَّاء (٨٤)، إنباه الرواة (٣/ ٢٧٦)، سِيَرُ أعلام النُّبلاء (٩/ ٤٤٥)].\n(٢) مجاز القرآن (٢/ ١٨٣) وفيه: \"لا يكون لأحد من بعدي \".\n(٣) في (أ) \" هذه الصفة أن تكون معجزة لا منافسة ولا حسدًا \".\n(٤) في (ب) \" دعي \".\n(٥) المعجزة: أمر خارق للعادة داع إلى الخير والسعادة مقرون بدعوى النبوة قصد به إظهار صدق من ادعى أنه رسول من الله [انظر: التعريفات؛ للجرجاني (ص: ٢٨٢)، دراسات في علوم القرآن الكريم؛ للدكتور زاهر الألمعي (ص: ١٧١)].\n(٦) في (أ) \" أيديها \".","vol":"1","page":2492},{"text":"﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ﴾ أي (١) بأمر سليمان - ﵇ -.\nوقيل: بأمر الله إلى حيث يأمرها.\nوقيل: تحمل ما يأمرها.\n﴿رُخَاءً﴾ لينة من الرَّخاوة (٢).\nوقيل: طيبة.\nوقيل: سريعة.\nوقيل: مطيعة لا عاصفة ولا ضعيفة.\n﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ أراد (٣)، والعرب تقول: أصاب الصواب فأخطأ الجواب (٤).\nوقيل: ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾: حيثما قصد، من إصابة السَّهم.\nوقيل: حيث شاء (٥) حملته الريح.\n﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ﴾ أي (٦) وسخرنا له الشياطين كلَّ بنَّاء يبنون له الأبنية العجيبة من قوله: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ ...﴾. [سبأ: ١٣].\n﴿وَغَوَّاصٍ﴾ يغوصون في البحر لإخراج اللؤلؤ، وهو أول من استخرج اللؤلؤ من البحر (٧).\n_________\n(١) \" أي \" سقطت من (أ) \".\n(٢) قال ابن الجوزي: \" فإن قيل: كيف وصفها بهذا بعد أن وصفها في سورة الأنبياء (٨١) بأنَّها عاصفة؟\nفالجواب: أنَّ المُفَسِّرِين قالوا: كان يأمر العاصف العاصفَ تارةً، ويأمر الرُّخاء أخرى، وقال ابن قتيبة: \" كأنَّها كانت تشتَّد إذا أراد، وتلينَ إذا أراد \". [زادُ المَسِير (٧/ ٢٩)].\n(٣) وهو بإجماعٍ، قال الفراء: \" إجماع المُفَسِّرِين، وأهل اللغة أنَّه حيث أراد، وحقيقته قَصَدَ \" [معاني القرآن (٤/ ٢٥١)، وانظر: الإجماع في التفسير (ص: ٣٨٢)].\n(٤) انظر: معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ١١٥)، كتاب جمهرة الأمثال؛ لأبي هلال العسكري (١/ ١٩٧).\n(٥) في (ب) \" بحيث شاء \".\n(٦) \" أي \" سقطت من (ب).\n(٧) انظر: الكشاف (٤/ ٩٧).","vol":"1","page":2493},{"text":"﴿وَآَخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٣٨)﴾ يعني مردة الشياطين موثَّقين في الحديد ما لم يؤمنوا فإذا آمنوا خلى سبيلهم.\nوالأصفاد: السلاسل من الحديد.\nوقيل: الأصفاد: الأغلال.\nوالصَّفد: القيد والعطاء (١)، وحقيقته التعويض على الخير والشر.\n﴿هَذَا عَطَاؤُنَا﴾ أي قلنا لسليمان هذا عطاؤنا.\nوفي المشار إليه بـ ﴿هَذَا﴾ أقوال:\nأحدها: أنه إشارة إلى المُلك ﴿فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أي أعط من شئت وامنع من شئت ليس عليك في ذلك حرج، لا تُحاسب على ما تُعطي وتمنع يوم القيامة (٢).\nوذهب جماعة إلى أن ﴿هَذَا﴾ إشارة إلى تسخير الشياطين، أي: امنن على من شئت فأطلقه (٣) واجعل ذلك منَّة عنده، وأمسك من شئت واحبسه فأنت في سعة من ذلك لا تُحاسب في حبس من حبستَ، وإطلاق من أطلقتَ (٤).\nابن عباس - ﵄ -: \" أُوتي على الجماع قوة مائة رجل (٥)، وكان عنده ثلاثمائة امرأة وسبعمائة سريَّة فقيل هذا عطاؤنا فجامع من شئت واترك من شئت لا حساب عليك في ذلك (٦) (٧).\n_________\n(١) قال الزَّجَّاج: \" والأصفاد: السلاسل من الحديد، وكل ما شدَدتَه شدًَّا وثيقًا بالحديد وغيره فقد صَفَدْتَه، وكلُّ من أعطيته عطاءً جزيلًا فقد أصفدتَه كأنَّك أعطيته ما ترتبط به \" [معاني القرآن (٤/ ٢٥٠)، وقال في الكشَّاف: \" (٤/ ٩٧) والصَّفَدُ: القيد وسُمِّي به العطاء؛ لأنه ارتباط للمنعم عليه، ومنه قول علي - ﵁ -: \" من برَّك فقد أسرك، ومن جفاك فقد أطلقك \".\n(٢) انظر: جامع البيان (٢٣/ ١٦٢)، النُّكَت والعُيُون (٥/ ١٠٠).\n(٣) في (ب) \" وأطلقه \".\n(٤) انظر: جامع البيان (٢٣/ ١٦٢)، زادُ المَسِير (٧/ ٢٩).\n(٥) في (أ) \" قوة على مائة رجلٍ \".\n(٦) انظر جامع البيان (٢٣/ ١٦٢) ورواية ابن جرير \" تسعمائة سرِّية\".\n(٧) ورجَّح ابن جرير أن المراد بالعطاء الملك: \" وذلك أنَّه جلَّ ثناؤه ذكر ذلك عُقيب خبره عن مسألة نبيه سليمان - صلوات الله وسلامه عليه - إيَّاه مُلكًا لا ينبغي لأحدٍ من بعده، فأخبره أنَّه سخَّر له ما لم يُسخِّر لأحدٍ من بني آدم، وذلك تسخيره له الرِّيح والشياطين على ما وصفت، ثم قال له عزَّ ذكره: هذا الذي أعطيناك من المُلك، وتسخيرنا ما سخرنا لك عطاؤنا ... \" [جامع البيان (٢٣/ ١٦٣)].","vol":"1","page":2494},{"text":"وقيل: ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾: بغير جزاء.\nوقيل: ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾: صفة للعطاء، أي عطاؤنا بغير حسابٍ: يعني كثيرًا.\n﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى﴾ القُربة في الآخرة.\n﴿وَحُسْنَ مَآبٍ (٤٠)﴾ مرجع، وهو الجنة ونعيمها.\nالحسن: \" إن الله لم يُعْطَ أحدًا عطيَّة إلا جعل عليه (١) فيها حسابًا إلا سليمان فإنه أعطاه عطاء هنيئًا فقال: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ فإن أعطى أُجر، وإن لم يُعط لم يكن له (٢) عليه (٣) تبعة \" (٤).\n﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ﴾ كان أيوب في زمان يعقوب بن إسحاق وامرأته ليَّا بنت يعقوب (٥)، ويُروى: ألياء.\nو﴿عَبْدَنَا﴾ مفعول، ﴿واذْكُرْ﴾ و﴿أَيُّوبَ﴾ بدل منه أو عطف بيان.\n﴿إِذْ نَادَى﴾ وَجْهُ دعاه.\nو﴿إِذْ﴾ نصب بفعل مضمر يجوز أن يكون: اذكر فيكون مفعولًا به، ويجوز أن يكون بدلًا منه بدل الاشتمال أي زمان بلائه.\n_________\n(١) \" عليه \" سقطت من (ب).\n(٢) \" له \" سقطت من (ب).\n(٣) \" عليه \" سقطت من (أ).\n(٤) انظر: تفسير البغوي (٧/ ٩٥)، وأورده السِّيُوطي في الدُّرِّ المنثور (١٢/ ٥٩٥) وعزاه لعبد بن حميد.\n(٥) انظر: النُّكَت والعُيُون (٥/ ١٠١) قصص الأنبياء؛ لابن كثير (: ٢٥٨).","vol":"1","page":2495},{"text":"﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ﴾ فيه أقوال: أحدها (١): قال بعضهم مسَّه بالوَسْوَسَة وذكَّره ما سُلِبَ منه من النِّعمة، وسُلِّطَ عليه من المِحْنَةِ (٢).\nوقيل: وسْوَسَ إليه بالقنوط من رحمة ربِّه وتزْيِين الجزع المحبط لأجرة.\nوقيل: وسوس إلى الذين آمنوا به بأن أيوب لو كان نبيًا لمَا سلط عليه الأمراض المستقذرة حتى أخرجوه (٣) من العمران ثم أبقاه فيه سبع سنين (٤).\nوقيل: ثماني عشرة سنة فشَكوا في دينهم حتى رجع عن دينه بعض من كان آمن به.\nوقيل: مسَّه بأن استأذن الله وسأله أن يُسلطه على ماله ثمَّ على أهله وأولاده ثمَّ على بدنه حتى سعى الدود في بدنه وقال: مسَّني الضر وأنت أرحم الراحمين.\nوقوله: ﴿بِنُصْبٍ﴾ قُرئ بفتحتين (٥)، وضمَّتين (٦)، وضمَّة وسكون (٧)، وهي لغات (٨)، والمعنى: بِضُرٍّ (٩) في بدني.\n_________\n(١) \" أحدها \" سقطت من (ب).\n(٢) انظر: النُّكَت والعُيُون (٥/ ٩٩).\n(٣) في (أ) \" أخرجه \".\n(٤) قال الألوسي: \" فلا بد من القول بأن ما ابتلي به أيوب - ﵇ - لم يصل إلى حد الاستقذار والنفرة كما يشعر به ما روي عن قتادة ونقله القُصَّاص في كتبهم وذكر بعضهم أن داءه كان الجدري ولا أعتقد صحة ذلك، والله تعالى أعلم \" [روح المعاني (٢٣/ ٢٠٨)].\n(٥) أي ﴿بِنَصَبٍ﴾، وهي قراءة يعقوب [انظر: معاني القراءات (ص: ٤١٦)، البحر المحيط (٩/ ١٦١)، النشر (٢/ ٢٧٠)].\n(٦) أي ﴿بِنُصُبٍ﴾، وهي قراءة أبي جعفر [انظر: معاني القراءات (ص: ٤١٦) البحر المحيط (٩/ ١٦١) النشر (٢/ ٢٧٠)]\n(٧) أي، ﴿بِنُصْبٍ﴾، وهي قراءة الجمهور، وصوَّبها ابن جرير [انظر: جامع البيان (٢٣/ ١٦٦)، معاني القراءات (ص: ٤١٦) الحجة للقراء السبعة (٦/ ٧٠) البحر المحيط (٩/ ١٦١) النشر (٢/ ٢٧٠)].\n(٨) قال ابن عطية - بعد ذكر القراءات في الآية - \" وذلك كُله بمعنى واحد، معناه: المَشَقَّة، وكثيرًا ما يستعمل النَّصب في مشقة الإعياء، وفرَّق بعض الناس بين هذه الألفاظ، والصواب أنَّها لغات بمعنى، من قولهم: أنصبني الأمر ونصبني إذا شقَّ عليَّ \". [المُحَرَّرُ الوجِيز (٤/ ٥٠٧)].وقال البغوي: \" ومعنى الكل واحد \" [تفسير البغوي (٧/ ٩٦)].\n(٩) في (أ) \" يصير \".","vol":"1","page":2496},{"text":"﴿وَعَذَابٍ﴾ أي في أهلي ومالي.\nوقيل: كلاهما في البدن.\nوقيل: هما واحدٌ كُرِّرَ لاختلاف اللفظين.\nوكان سبب ابتلائه: أنَّ رجلًا استعانه على دفع ظُلم؛ فلم يُعنه.\nوقيل: كان مواشيه (١) في ناحية ملك كافر فداهنه ولم يغزه.\nوقيل: كان كثير المال فأعجب به.\nوقيل: ذبح شاة فأكلها وجاره جائع لم يطعمه.\nوقيل: رأى منكرًا فسكت عنه.\nوقيل: ابتلاه الله لرفع الدرجات، ولم يكن منه ذنب يعاقب عليه (٢).\n﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ أي أرسلنا إليه جبريل - ﵇ - فقال له: اركض برجلك على الأرض (٣) فركض فنبعت عينٌ حارَّة من تحت قدميه فأمره بأن يغتسل منها فاغتسل ثم ركض برجله (٤) الأخرى فنبعت عين أخرى ماء عذب بارد فشرب منها فزال ما في باطنه وظاهره (٥) من القروح والجراحات (٦).\n﴿هَذَا مُغْتَسَلٌ﴾ ما تغتسل به (٧) (٨).\n_________\n(١) في روح المعاني \" كانت مواشيه \" [انظر: روح المعاني (٢٣/ ٢٠٦)].\n(٢) قال الألوسي: \" وكلُّ هذه الأقوال عندي متضمنة ما لا يليق بمنصب الأنبياء - ﵇ -. [روح المعاني (٢٣/ ٢٠٦)].\n(٣) قال الرَّاغب \" الرَّكْضُ: الضربُ بالرِّجل فمتى نُسِب إلى الراكب فهو إعداءُ مركوبٍ نحو: رَكَضْتُ الفَرَسَ، ومتى نُسِبَ إلى الماشي: فوطءُ الأرض نحو قوله تعالى: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ ... [ص / ٤٢] وقوله: ﴿لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ﴾ [الأنبياء / ١٣] \" [المفردات (ص: ٣٦٤)].\n(٤) في (أ) \" ركض رجله \".\n(٥) في (ب) \" ظاهره وباطنه \".\n(٦) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٢٠)، جامع البيان (٢٣/ ١٦٦)، تفسير السَّمَرْقَنْدِي (٣/ ١٦٢).\n(٧) في (أ) \" ما يغتسل به \".\n(٨) والمُغْتَسَلُ يُطلق على الماء الذي يُغْتَسَلُ به، وكذا يطلق على المكان الذي يُغتَسَل فيه. [انظر: جامع البيان (٢٣/ ١٦٧)، النُّكَت والعُيُون (٥/ ١٠٢)].","vol":"1","page":2497},{"text":"﴿بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ قيل تقديره: هذا (١) مغتسلٌ، وهذا شراب بارد.\n﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾ فيه أقوال:\nأحدها: أحياهم الله بأعيانهم وزاده مثلهم؛ لأنهم ماتوا من غير آجالهم فأحياهم ليستوفوا (٢) بقية آجالهم.\nوقيل: أحياهم ومثلهم معهم: يعني من نسلهم فيكون مثلهم أولاد الأولاد.\nوعلى القول الأول: أولاد الصُلب.\nوقيل: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ﴾ نؤتيه في الآخرة.\n﴿وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾: في الدنيا.\nوقال ابن بحر: \" كانوا قد غابوا عنه وتفرقوا فجمعهم الله عليه \" (٣).\nوقال أيضًا: \" أو كانوا مرضى فشفاهم الله \" (٤)، وقول الجمهور أولى بالاتباع \" (٥).\n﴿رَحْمَةً مِنَّا﴾ أي: رحمناه رحمةً، ويجوز أن يكون مفعولًا له (٦).\n_________\n(١) في (أ) \" وهذا \".\n(٢) في (أ) \" فأحياهم حتى يستوفوا \".\n(٣) غرائب التفسير (٢/ ١٠٥)، النُّكَت والعُيُون (٥/ ١٠٢).\n(٤) المصدر السابق (٥/ ١٠٢).\n(٥) يعني القولين الأولين، قال أبو حيان: \" والجمهور: على أنَّه تعالى أحيا له من مات من أهله، وعافى المرضى، وجمع عليه من شتَّت منهم \". [انظر: جامع البيان (٢٣/ ٧٢) النُّكَت والعُيُون (٥/ ١٠٢)، البحر المحيط (٩/ ١٦٢)].\nقال الشيخ ابن عثيمين: \" وأمَّا القول بإحياهم بعد إماتتهم فهذا يحتاج إلى ثبوت الإماتة من قبل، ولكنَّ الصحيح أنَّه لم تثبت الإماتة ولا الإحياء، وإنَّما هذه الهبة إعادة موهوبٍ سابقٍ؛ لأنَّهم نفروا منه، وشردوا عنه \". [تفسير القرآن الكريم (ص: ١٨٦)].\n(٦) انظر: مشكل إعراب القرآن؛ لمكي (٢/ ٦٢٦).\nوالمفعول له: هو علة الإقدام على الفعل وهو جواب لمه، ويُسَمَّى المفعولَ لأجِلِهِ ومن أجله ومِثَالُه: \" جِئْتُ رَغْبَةً فِيكَ \" [انظر: المفصَّل في علم العربية؛ للزمخشري (ص: ٥٦)، أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك؛ لابن هشام (٢/ ٢٢٥)].","vol":"1","page":2498},{"text":"﴿وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ أي إذا ابتلي اللَّبيب (١) ذَكَر بلاء أيوب.\n﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ (٢) وذلك أنه حلف في مرضه ليضربنَّ زوجته مائة ضربة (٣).\nواختلفوا في ذلك:\nفقيل (٤): ذهبت في حاجة فأبطأت (٥) في الرجوع فضاق صدر المريض فحلف إن شفاه الله ضربها مائة ضربة.\nوقيل: إن الشيطان أمرها أن تحمل أيوب على أن يذبح عَنَاقًا (٦) باسم الشيطان فأدت إليه رسالة إبليس فقال: ولا كفَّا من تراب، فحلف ليجلدنَّها مائة.\nوقيل: إن إبليس لقيها في صورة طبيب فدعته لمُداواة أيوب، فقال: أداويه على أنه إذا برئ قال: أنتَ شفيتني، لا أريد جزاءً سواه.\nقالت: نعم. فأشارت على أيوب بذلك فحلف ليضربنَّها.\nوقيل: جاءته (٧) بزيادة على ما كانت تأتيه به (٨) من الخبز فخاف خيانتها فحلف.\nوفي بعض القصص: باعت ذوائبها (٩) بطعام فحملته إليه فساء ظنُّه فحلف فلمَّا عُوفي شكر اللهُ حسنَ خدمتها لأيوبَ أيَّامَ بلائه فأمره الله أن يجمع قُضْبان رَيْحان عددها مائة (١٠) فيضربها بها (١١) ضربةً ليبرَّ يمينه.\n_________\n(١) اللَّبيبُ: العاقِلُ والجمع: ألِبَّاءُ. [انظر: القاموس المحيط، للفيروز أبادي (١/ ١٧٠)].\n(٢) في (أ) \" ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ﴾ ضِغْثًا وذلك ... ﴿فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾ ... أي على البلاء \".\n(٣) انظر: [جامع البيان (٢٣/ ١٦٨)، النُّكَت والعُيُون (٥/ ١٠٣) تفسير البغوي (٧/ ٩٦)].\n(٤) في (أ) \" وقيل \".\n(٥) في (أ) \" وأبطأت \".\n(٦) العَناق: \" الأُنْثَى من أولادِ المَعِزِ إِذا أَتَتْ عليها سنةٌ وجَمْعُها عُنُوق وهذا جمعٌ نادِرٌ \" [غريب الحديث؛ لابن الجوزي (٢/ ١٣١)].\n(٧) في (أ) \" جاءت \".\n(٨) \" به \" سقطت من (أ).\n(٩) في (ب) \" ذاوبتيها \" وهو تصحيف.\n(١٠) \" مائة \" سقطت من (أ).\n(١١) \" بها \" سقطت من (ب).","vol":"1","page":2499},{"text":"وقيل: الضِّغث: غُصنٌ ذات أغصانٍ كثيرة.\nوقيل: هو الشِّمراخ (١).\nوقيل: هو الحُزمة من الحشيش والريحان.\nوقيل: قبضة من سنبلة فيها مائة سنبلة.\nمجاهد: \"هو لأيوب خاصة \" (٢)، وهو منسوخ في شريعتنا (٣).\nقتادة: \" عامٌّ في هذه الأمة \" (٤).\nوقيل: هذا جائز في المريض والمعذور، ولا يجوز في غيرهم (٥).\nوقيل: إذا اتصل به ألم جاز، وإن خلا من الألم لا يجوز.\nوقيل: إذا أصابه جاز، وإن لم (٦) يصبه لم يجز.\n﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾ أي على البلاء.\n﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ يريد أيوب.\n﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ مقبل على طاعة ربِّه (٧).\n_________\n(١) الشِّمْراخُ والشُّمْروخ العِثْكالُ الذي عليه البُسْرُ وأَصله في العِذْق وقد يكون في العنب. [انظر: لسان العرب (٣/ ٣١)]. وقال الطيبي: \" العثكال الغصن الكبير الذي يكون عليه أغصان صغار ويسمى كل واحد من تلك الأغصان شمراخًا \" انتهى. [عون المعبود (١٢/ ١١١)].\n(٢) انظر: النُّكَت والعُيُون (١٠٤). زادُ المَسِير (٧/ ٣١)، والمعنى: المشار إليه هنا الحنث في اليمين في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْنَثْ﴾.\n(٣) قال النَّحَّاس: \" قوله ﷿: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ فمن العلماء من قال: هذا منسوخ في شريعتنا، وإذا حلف رجل أن يضرب إنسانًا عشر ضربات ثم لم يضربه عشر مرات حنث،\nوقال قوم: بل لا يحنث إذا ضربه بما فيه عشرة بعد أن تصيبه \" [الناسخ والمنسوخ؛ للنحاس (ص: ٦٤٧)].\n(٤) انظر: النُّكَت والعُيُون (٥/ ١٠٤).\n(٥) في (ب) \" غيره \".\n(٦) في (ب) \" فإن لم \".\n(٧) قال القرطبي: \" قال ابن العربي القاضي أبو بكر ﵁: ولم يصح عن أيوب في أمره إلا ما أخبرنا الله عنه في كتابه في آيتين الأولى قوله تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ [الأنبياء: ٨٣] والثانية في \" ص \" ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (٤١)﴾ [ص: ٤١]، وأما النبي - ﵇ - فلم يصح عنه أنه ذكره بحرف واحد إلا قوله: «بينا أيوب يغتسل إذ خَرَّ عليه رِجْل من جراد ذهب» .. الحديث، وإذ لم يصح عنه فيه قرآن ولا سنة إلا ما ذكرناه، فمَنِ الذي يوصل السامع إلى أيوب خبره، أم على أي لسان سمعه؟ والإسرائيليات مرفوضة عن العلماء على البتات فأعرض عن سطورها بصرك وأصمم عن سماعها أذنيك فإنها لا تعطي فكرك إلا خيالًا ولا تزيد فؤادك إلا خبالًا \" [انظر: الجامع لأحكام القرآن (١٥/ ٢٠١)].","vol":"1","page":2500},{"text":"﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ قُرِئَ بالواحد (١) والجمع (٢) فمن جمع فإبراهيم ومن بعده بدل منه، وكلهم داخلون (٣) في العبودية والذِّكر، ومن وحَّد فإبراهيم وحده بدل منه، وداخل في العبودية والذكر وغيرهم عطف على العبد داخل في الذكر فحسب (٤).\n﴿أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾ قيل: أولي القوة في العبادة والبصيرة في الدين (٥)، فعبَّر عن القوة باليد؛ لأنَّ بها يكون البطش، وعبَّر عن المعرفة بالأبصار؛ لأن بالبصيرة تُحَصِّل المعارف (٦).\n_________\n(١) وهي قراءة ابن كثير [انظر: جامع البيان (٢٣/ ١٦٩)، معاني القرآن؛ للزَّجاج (٤/ ٢٥٢)، إعراب القرآن؛ للنَّحاس (٣/ ٣١٢)، معاني القراءات؛ للأزهري (ص: ٤١٧) التيسير في القراءات السبع؛ للدَّاني (ص: ١٥٢) النَّشر (٢/ ٢٧٠)].\n(٢) وقرأ بها الجمهور عدا ابن كثير [انظر: جامع البيان (٢٣/ ١٦٩)، معاني القرآن؛ للزَّجاج (٤/ ٢٥٢) إعراب القرآن؛ للنَّحاس (٣/ ٣١٢)، معاني القراءات؛ للأزهري (ص: ٤١٧) التيسير في القراءات السبع؛ للدَّاني (ص: ١٥٢) النَّشر (٢/ ٢٧٠)].\n(٣) في (ب) \" داخلونه \".\n(٤) انظر: جامع البيان (٢٣/ ١٦٩)، معاني القرآن؛ للزَّجاج (٤/ ٢٥٢) إعراب القرآن؛ للنَّحاس (٣/ ٣١٢)، معاني القراءات؛ للأزهري (ص: ٤١٧)، مشكل إعراب القرآن، لمكي (٢/ ٦٢٦)].\n(٥) قلت: وهو قول الجمهور، قال النَّحاس: \" فأما ﴿وَالْأَبْصَارِ﴾ فمتَّفق على تأويلها أنَّها البصائر في الدِّين وأمَّا ﴿الْأَيْدِي﴾ الْأَيْدِي، فمختلف في تأويلها، فأهل التفسير يقولون: إنَّها القوة في الدين، وقوم يقولون: الأيدي جَمع يدٍ، وهيِّ النعمة، أي هم أصحاب النِّعم، أي الذين أنعم الله عليهم، وقيل: هم أصحاب النِّعم والإحسان؛ لأنَّهم قد أحسنوا وقدَّموا خيرًا \". [إعراب القرآن؛ للنَّحاس (٣/ ٣١٣)، وانظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٥٠)، معاني القرآن؛ للفراء (٢/ ٤٠٦)، جامع البيان (٢٣/ ١٧٠)، معاني القرآن؛ للزَّجاج (٤/ ٢٥٢) تفسير البغوي (٧/ ٩٧)، الإجماع في التفسير (ص: ٣٨٣)].\n(٦) انظر: جامع البيان (٢٣/ ١٧٠).","vol":"1","page":2501},{"text":"وقيل: ﴿الْأَيْدِي﴾: النِّعمة؛ لأنَّ الله قد أنعم عليهم.\nابن بحر: أُولِي ﴿الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾ كقولك: أولي العمل والعلم.\nوالمراد بالأيدي: العمل، وبالأبصار: العلم (١).\nابن جرير: \" لهم عند الله أيدي، أي الأعمال الصالحة التي قدموها، كما تقول له: قبلكَ يدٌ \" (٢).\n﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (٤٦)﴾ خالصة: مصدر.\nوالمعنى: جعلناهم يُذِّكرون الناس بدار الآخرة، ويُزَهِّدونهم في الدنيا.\nوقيل: يكثرون ذكر الآخرة والرجوع إلى الله تعالى.\nوقيل معنى: ﴿ذِكْرَى الدَّارِ﴾ العمل لها.\n[وقيل: ﴿ذِكْرَى الدَّارِ﴾: النبوة] (٣).\nوقيل: الكتب التي فيها ذكر الآخرة.\nوقيل (٤): ﴿بِخَالِصَةٍ﴾: بنعمة (٥) خالصة لهم دون غيرهم.\nوالدار: الجنة، أي لهم فيها ذكر رفيع جليل القدر لقيامهم بأمر النبوة (٦)، وأداء الرسالة.\nوقُرِئَ بالإضافة (٧)، أي: أخلصناهم بأفضل ما في الجنة، كما تقول: أخلصناهم بخير الآخرة.\n_________\n(١) انظر: النُّكَت والعُيُون (٥/ ١٠٥).\n(٢) انظر: جامع البيان (٢٣/ ١٧٠) قلت: واختار ابن جرير القول الأول: أي القوة في العبادة والبصيرة في الدين. قال ابن جرير: \" وقد يمكن أن يكون عنى بقوله أُولِي ﴿الْأَيْدِي﴾: أولي الأيدي عند الله بالأعمال الصالحة فجعل الله أعمالهم الصالحة التي عملوها في الدنيا أيديًا لهم عند الله تمثيلا لها باليد تكون عند الرجل الآخر\"\n(٣) مابين المعقوفتين ساقط من (ب).\n(٤) \" وقيل \" سقطت من (أ).\n(٥) \" بنعمة \" سقطت من (أ).\n(٦) في (ب) \" بحق النبوة \".\n(٧) أي ﴿بِخَالِصَةِ ذِكْرَى﴾، وهي قراءة نافعٍ، وهشام بخلاف عنه، والجمهور على التنوين ﴿بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى﴾ ... [انظر: \" معاني القراءات (ص: ٤١٦) الحُجَّة (٦/ ٧٢)، التيسير (ص: ١٥٢) النشر (٢/ ٢٧٠)].","vol":"1","page":2502},{"text":"وقيل: الدار في الآية: الدنيا.\nوالذكرى: الثناء الحسن، والوصف بالتعظيم، وهذا شيء قد أخلصهم به فليس يذكر غيرهم في الدنيا بمثل ما يذكرون به يقويه قوله (١):\n﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ﴾ [مريم: ٥٠] وقوله: ﴿وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١)﴾ [الصافات: ١٨١]، وقوله: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآَخِرِينَ (١٠٨) سَلَامٌ﴾ [الصافات: ١٠٨ - ١٠٩]. (٢)\nو﴿ذِكْرَى﴾: يجوز أن يكون رفعًا ونصبًا في الوجهين.\nو﴿الدَّارِ﴾: يجوز أن يكون ظرفًا، ويجوز أن يكون مفعولًا به (٣).\n﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ﴾ أي: المجتبين\n﴿الْأَخْيَارِ﴾ جَمْعُ خَيِّرٍ كمَيِّت وأمواتٍ، وشَرٍّ وأشرارٍ (٤).\n﴿وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ﴾ وهو خليفة إلياس كما سبق (٥).\nوقيل: هو ابن إسحاق.\n_________\n(١) في (ب) \" يقوله قوله \".\n(٢) انظر: الحُجَّة (٦/ ٧٢)، المُحَرَّرُ الوجِيز (٤/ ٥٠٩).\n(٣) انظر: الأوجه الإعرابية وتوجيهها: الحُجَّة (٦/ ٧٢)، إملاء ما من به الرحمن من وجوه الإعراب والقراءات في القرآن؛ للعُكبري (٢/ ٢١١)، البحر المحيط (٩/ ١٦٤)].\n(٤) في (ب) \" وقيل: كشرٍّ وأشرار \" قلت: ويجوز: أن يقال: جمعُ خَيْر وخيِّر كمَيْتٍ ومَيِّت [انظر: المُحَرَّرُ الوجِيز (٤/ ٥٠٩) البحر المحيط (٩/ ١٦٥)].\n(٥) واسمه كما قال ابن جرير وغيره: \" اليسع بن أخطوب بن العجوز \" [جامع البيان (٢٧/ ٢٦١)]، وقد سبق الحديث عنه عند تفسير الآية (٨٦) من سورة الأنعام.","vol":"1","page":2503},{"text":"﴿وَذَا الْكِفْلِ﴾ الحسن: \" كان نبيًا \" (١).\nقتادة: \" كان رجلًا صالحًا كفل بعمل رجلٍ صالح كان يُصلِّي كل يوم مائة صلاة \" (٢).\nوقيل: بمائة نبي انفلتوا من القتل فآواهم وكفلهم.\nوالكفل: الجدُّ والحظ، والكفل: النصيب (٣).\nوقيل: هو يُوْشَع بن نون.\nوقيل: هو اليَسَع.\nوقيل: هو زكريا - ﵈ -.\n﴿وَكُلٌّ﴾ أي وكلُّهم ﴿مِنَ الْأَخْيَارِ﴾.\n﴿هَذَا ذِكْرٌ﴾ أي شرف لهم.\nوقيل: ما تقدم من أول السورة من أمور الأنبياء ذكرٌ.\nوقيل: ﴿هَذَا﴾: أي القرآن ذكرٌ لك ولقومك.\n﴿وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآَبٍ﴾ مرجع ومصير، ثمَّ فسَّر فقال:\n﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ دار إقامة.\n﴿مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ﴾ أي إذا وصلوا إليها وجدوها مفتوحة الأبواب.\nوقيل: لا يحتاجون إلى مفاتيح وفتحٍ بمعاناة (٤).\nوقيل: هذا مثلٌ كما تقول: متى (٥) جئتني وجدت بابي مفتوحًا، أي لا يمنع من الدخول.\n_________\n(١) انظر: النُّكَت والعُيُون (٤/ ٤٦٤) زادُ المَسِير (٥/ ٢٧٩)، قال ابن كثير: \" وأما ذو الكفل فالظاهر من السياق أنه ما قرن مع الأنبياء إلا وهو نبي وقال آخرون: إنما كان رجلا صالحا وكان ملكًا عادلًا وحكمًا مقسطًا وتوقف ابن جرير في ذلك، فالله أعلم \" [تفسير القرآن العظيم (٣/ ١٩٩)].\n(٢) انظر: تفسير الصنعاني (٣/ ٢٧)، جامع البيان (١٧/ ٧٥).\n(٣) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٢/ ٤٠٨)، معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ١٢٦).\n(٤) في (أ) \" ومعاناة \".\n(٥) \" متى \" سقطت من (ب).","vol":"1","page":2504},{"text":"ابن بحر: \" هذا وصف بالسعة حتى يسافر الطرف (١) في كل جانب\" (٢).\nوالأبواب: بدلٌ من الضمير في مفتَّحة، وقيل: تقديره: الأبواب منها.\nوقيل: الألف واللام قائم مقام الضمير، أي أبوابها، والقول هو الأول (٣).\n﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا﴾ حال من المضمرين في ﴿لَهُمُ﴾، أي جالسين في جلسة المتنعمين للراحة.\n﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ الفاكهة ما يؤكل للذَّة لا للغداء (٤).\n﴿وَشَرَابٍ﴾ أي وشرابٍ كثير فحذف اكتفاءً بالأول (٥)، أي يتحكَّمون في ثمارها وشرابها، فإذا قالوا (٦) لشيء منها: أقبل حصل عندهم.\nوقيل: يتمنّون ويسألون.\n﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ أي أزواج غاضَّات البصر لا ينظُرْنَ إلى غير أزواجهن (٧).\n﴿أَتْرَابٌ﴾ لدَّات، واشتقاقها من اللَّعِب بالتراب (٨) (٩).\n_________\n(١) في (ب) \" الطراف \".\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) وهو رأي البصريين، والرأي الثاني للكوفيين [انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٢/ ٤٠٨)، البيان في غريب إعراب القرآن؛ لابن الأنباري (٢/ ٣١٦)].\n(٤) قال الشوكاني: \" وقد اختلف أهل الفقه في لفظ الفاكهة على ماذا يطلق؟ اختلافا كثيرا وأحسن ما قيل: إنها تطلق على الثمرات التي يأكلها الناس وليست بقوت لهم ولا طعام ولا إدام \" [فتح القدير (٣/ ٦٨٥)]\nوقال ابن عاشور: \" والفواكه: جمع فاكهة وهي الطعام الذي يتفكه بأكله أي يتلذذ بطعمه من غير قصد القوت فإن قصد به القوت قيل له طعام \" [التَّحْرِيرُ والتَّنْوير (١٨/ ٣٣)].\n(٥) انظر: الجامع لأحكام القرآن (١٥/ ٢١٠)، تفسير النَّسَفي (٣/ ١٠١٤).\n(٦) في (أ) \" فإن قالوا \".\n(٧) انظر: جامع البيان (٢٣/ ١٧٤).\n(٨) انظر: النُّكَت والعُيُون (٥/ ١٠٦).\n(٩) اللِّدَةُ: التِّرْبُ والجمع: لِداتٌ ولِدونَ والتَّصغيرُ: وُلَيْداتٌ ووُلَيْدونَ. [انظر: القاموس المحيط (١/ ٤١٧)].","vol":"1","page":2505},{"text":"وقيل: على خلْق أزواجهن لا أصغر ولا أكبر.\nوقيل: هنَّ مستويات في السِّن لا عجوز فيهنَّ ولا صبيّة.\nوقيل: أقران.\nوقيل: أمثال.\nوقيل: بنات ثلاث وثلاثين على ميلاد واحد (١).\n﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ (٥٣)﴾ أي لأجل يوم الحساب؛ لأن الحساب عِلَّة الوصول إلى جزاء العمل.\nوقيل: ما وعدتم أعطيتم (٢) في يوم الحساب.\n﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ (٥٤)﴾ من نهاية بل هو دائمٌ لا ينقطع.\n﴿هَذَا﴾ الزجَّاج: خبر، والمبتدأ محذوف، أي الأمر هذا.\nوقيل: مبتدأ، والخبر محذوف \" (٣). أي هذا مآل أهل (٤) الجنَّة.\n﴿وَإِن لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآَبٍ﴾ مرجع.\n﴿جَهَنَّمَ﴾ بدل منه (٥).\n﴿يَصْلَوْنَهَا﴾ يدخلونها، ويقاسون حرَّها.\n﴿فَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ ما مُهِّد لهم (٦)، أي جهنَّم.\nوقيل: بئس ما مهَّدوا لأنفسهم.\n_________\n(١) وهذه الأقوال كُلُّها صحيحة، وهي جِماع ما ذكره أهل التفسير [انظر: جامع البيان (٢٣/ ١٧٤)، النُّكَت والعُيُون (٥/ ١٠٦)].\n(٢) في (ب) \" أعطاه \".\n(٣) معاني القرآن (٤/ ٢٥٤).\n(٤) في (ب) \" ما لأهل \".\n(٥) معاني القرآن؛ للزَّجاج (٤/ ٢٥٤).\n(٦) في (أ) \" ما مهد إليهم \".","vol":"1","page":2506},{"text":"﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (٥٧)﴾ الحميم: الماء الحار (١) يبلغ في الحرارة أن يحرق.\nوالغسَّاق: البارد الذي يبلغ من (٢) برده أن يحرق (٣).\nوقيل: هو ما يسيل من القيح والصديد، وهو من النَّتن بحيث لو وقعت (٤) منه قطرة في المشرق لأنتن منها أهل المغرب (٥).\nوقيل: هو ما يأخذ بالحلق (٦) إذا أراد الإنسان شربه وابتلاعه.\nوقيل: الغسَّاق: الزَّمْهرير (٧).\nوقيل: وادٍ في جهنَّم تسيل (٨) إليه حُمَة (٩) كلّ ذي حُمَة (١٠).\nوقيل: هو مشتق من قولهم: غَسَقَتْ عينه: إذا سالت.\nابن بحر: \"مأخوذ من الغَسَقُ، وهو الظُّلمة والسَّواد، وهذا ضدُّ ما يراد في الشراب من الصَّفا والرِّقَّة والحُسْن \" (١١).\nوغسَاق (١٢): بالتخفيف أقرب من التشديد (١٣)؛ لأن فعَّال في الأسماء قليل، ولو جعلته وصفًا استدعى موصوفًا، وليس في الآية موصوف (١٤).\n_________\n(١) \" الحار\" سقطت من (ب).\n(٢) \" من \" سقطت من (ب).\n(٣) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٢/ ٤١٠)، تفسير البغوي (٧/ ٩٨)، تفسير القرآن العظيم (٤/ ٤٥)].\n(٤) في (أ) \" لو قطعت \".\n(٥) في (أ) \" في الشرق لأنتن منها أهل الغرب \" وما أثبت أعلاه هو الوارد في كتب التفسير.\n(٦) في (أ) \" الحلق \".\n(٧) الزَّمْهَرِيرُ شدة البَرْدِ ... [كتاب العين (٤/ ١٢٤) اللسان (٤/ ٣٣٠)].\n(٨) في (ب) \" يسيل \".\n(٩) الحُمَة - بالتخفيف -: السَّمُّ وقد يُشَدّد ... ويُطْلَق على إبْرة العَقْرب \". [النهاية في غريب الحديث (١/ ٤٤٦)].\n(١٠) في (ب) \" جمَّة كل ذي جُمَّة \".\n(١١) انظر: النُّكَت والعُيُون (٥/ ١٠٧).\n(١٢) في (أ) \" والغساق \".\n(١٣) أي القراءة بالتَّخفيف في السِّين ﴿وَغَسَاق﴾، وقد قرأ بها حمزة والكسائي وحفص عن عاصم، واستحسنها أبو عليِّ الفارسي، وأما التشديد للسِّين ﴿وَغَسَّاقٌ﴾ فقد قرأ بها الباقون، وأبو بكر عن عاصم، واختارها النَّحاس [انظر: معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ١٢٩)، معاني القراءات (ص: ٤١٧)، الحُجَّة (٦/ ٧٧)، النَّشر (٢/ ٢٧٠)].\n(١٤) في (ب) \" موصوفه \".","vol":"1","page":2507},{"text":"ومحلّ ﴿هَذَا﴾ رفع من ثلاثة أوجه:\nأحدها: أن يكون مبتدأ، وحميمٌ: خبره، وغسَّاقٌ: عطفٌ على الخبر، وقوله:\n﴿فَلْيَذُوقُوهُ﴾ اعتراض.\nوالثاني: أن يكون مبتدأ، وفليذوقوه: خبره، وحميمٌ خبر مبتدأٍ آخر، أي: هو حميمٌ وغسَّاقٌ.\nالفرَّاء: \" منه حميم ومنه غسَّاق، [ويجوز أن يكون في محلِّ النَّصب] \" (١).\nوالثالث: أن يكون متَّصلًا بالأول، أي: فبئس المهاد هذا.\n﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ﴾ وعذاب آخر، وأنواع أخر ﴿مِنْ شَكْلِهِ﴾ (٢) من مثل العذاب المذكور.\nوقيل: من مثل عذاب الدنيا.\nوقيل: يعود إلى الحميم.\nوقيل: إلى الآخر.\n﴿أَزْوَاجٌ﴾ أصناف وألوان.\nوقيل: مقترنات.\n﴿هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ أي إذا دخلت جماعة النار ثمَّ دخل (٣) آخرون (٤).\n_________\n(١) ما بين المعقوفتين ساقط من (ب).\n(٢) قوله: ﴿مِنْ شَكْلِهِ﴾ من (ب).\n(٣) في (أ) \" دخلت \".\n(٤) قال ابن جرير: \" وهذا خبرٌ من الله عن قيل الطاغين الذين كانوا قد دخلوا النار قبل هذا الفوج المقتحِم للفوج المقتَحم فيها عليهم، لا مرحبا بهم، ولكن الكلام اتصل فصار كأنه قول واحد \" [جامع البيان (٢٣/ ١٧٩)].","vol":"1","page":2508},{"text":"والفوج الأول: قيل: إبليس وبنوه، والثاني: بنوا آدم.\nوقيل: الفوج الأول: الرؤساء المُضِلُّون، والثاني: الأتباع.\nوقيل: الفوج الأول: قادة المشركين ومطعموهم يوم بدر، والفوج الثاني: أتباعهم ببدر (١).\nيقول الملائكة الذين هم خزنة النار.\nوقيل: يقول الله لهم: ﴿هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ أي داخل معكم النار.\nوالاقتحام: الدخول في الشي بشدَّة، (٢) ويقول الفوج (٣) الأول ﴿لَا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ أي لا وسَّع الله لهم.\n﴿إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ﴾ كما صليْنا.\nوقيل: إنَّما قالوا ذلك، ولم يَصدر من الأتباع ذنب في حقّ من قبلهم؛ لأن النار تكون مملوءة منهم.\nوقيل: إنَّما قال ذلك الخزنة.\nوقيل: إنما قالوا إخبارًا (٤) لا دعاءً، أي قد وردوا موردًا لا رحب فيه ولا سعة.\nويُحتمل أنهم إنما قالوا ذلك؛ لأن عذابهم يُضاعف بسببهم (٥).\n﴿قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾ ولا أهلًا ولا سهلًا.\n﴿أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا﴾ جعلتموه لنا قُدمًا: يعني العذاب.\nوالقدم: كل عملٍ يوجب شيئًا (٦).\n_________\n(١) انظر: النُّكَت والعُيُون (٥/ ١٠٨).\n(٢) انظر: المفردات (ص: ٦٥٦)، تفسير البغوي (٧/ ٩٩)، زادُ المَسِير (٧/ ٣٥).\n(٣) في (ب) \" ويقول للفوج \".\n(٤) كذا في النسختين ولعل هناك سقط كلمة: \"ذلك، أي \" قالوا ذلك إخبارًا \".\n(٥) في (أ) \" بسيئهم \".\n(٦) انظر: جامع البيان (٢٣/ ١٨٠) ولفظ ابن جرير: \" يعنون: من قدم لهم في الدنيا بدعائهم إلى العمل الذي يوجب لهم النار التي وردوها وسكنى المنزل الذي سكنوه منها\".","vol":"1","page":2509},{"text":"وقيل: أنتم قدمتموه لنا (١) أي العذاب لأنَّكم سننتم الكُفر ودعوتمونا إليه فضللنا باتباعكم ﴿فَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ أي النار.\n﴿قَالُوا﴾ أي الفوج الثاني.\n﴿رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ﴾ الضِّعف: المِثْلُ المضموم إلى مثله ضدّ النِّصف، والتضعيف ضد التنصيف (٢).\nوقيل: هذا من كلام الجميع (٣) كأن كل واحدٍ أحال الذنب إلى آخر.\n﴿وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ (٦٢)﴾ يريد يقول أبو جهل وصناديد قريش في النار ﴿مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا﴾ يعني فقراء المؤمنين صهيبًا (٤) وبلالًا (٥) وعمَّارًا (٦) وخَبَّابًا (٧).\n_________\n(١) \" لنا \" سقطت من (أ).\n(٢) انظر: كتاب العين (١/ ٢٨٢)، مادة \" ضَعُفَ \".\n(٣) في (أ) \" ضد النصف، وقيل: التنصيف، وقيل: هذا من كلام الجميع \".\n(٤) صُهَيْبٌ بن سنان بن مالك بن النَّمر بن قاسط الرومي، يعرف بذلك لأنَّه أخذ لسان الروم إذ سَبَوْهُ وهو صغير، فنشأ بالروم فابتاعته منهم كلب فقدمت به مكة فاشتراه عبد الله بن جدعان التيَّمي منهم، فأعتقه، فأقام معه حتى هلك عبد الله بن جدعان، وبُعث النبي - ﷺ -، أسلم قديمًا، وكان من المستضعفين المعذبين في الله تعالى ثم هاجر إلى المدينة وشهد بدرًا والمشاهد كلّها مع رسول الله - ﷺ -، وهو من السابقين الأولين، وهو سابق الروم، وكنيته أبو يحيى، توفِّي - ﵁ - سنة ثمانٍ وثمانين بالمدينة، وقيل: سنة تسعٍ وثلاثين [انظُر تَرْجَمَتَه: الاستعياب (٢/ ٢٨٢)؛ أسد الغابة (٣/ ٣٨)، صفة الصفوة؛ لابن الجوزي (١/ ٢٢٤)].\n(٥) بلال بن رَبَاح الحبشي المؤذن، وأمُّه حمامة: يكنى أبا عبد الله، وقيل: أبا عبد الكريم، وقيل: أبا عبد الرحمن، وهو مولى أبي بكر الصديق، اشتراه أبو بكر من المشركين لمَّا كانوا يُعَذِّبُونه على \"التوحيد\"، فأعتقه فلزم النبي وأذّن له، وشهد معه جميع المشاهد، ثم خرج بلال بعد موت النبي - ﷺ - إلى الشام مجاهدًا، مات - ﵁ - بدمشق، ودفن عند الباب الصغير بمقبرتها سنة عشرين للهجرة. [انظُر تَرْجَمَتَه: الاستيعاب (١/ ٢٥٨)، أسد الغابة (١/ ٤١٥)، الإصابة (١/ ٤٥٥)].\n(٦) عمَّار بن ياسر بن عامر الكناني القحطاني، أبو اليقظان، صحابي من الولاة الشجعان ذوي الرأي، أحد السابقين إلى الإسلام والجهر به، وقد عُذِّب وأمُّه سُمية في ذات الله، أول من بنى مسجدًا في الإسلام، توفي - ﵁ - سنة سبع وثلاثين للهجرة [انظُر تَرْجَمَتَه: الاستيعاب (٣/ ٢٢٧)، حلية الأولياء (١/ ١٣٩)، صفة الصفوة (١/ ٢٠٢)].\n(٧) خَبَّاب بن الأرَتِّ بن جندلة بن سعد بن خزيمة بن كعب بن سعد التَّميمي، ويقال: الخُزاعي، يكنى أبا ... عبد الله، وقيل: يكنى أبا يحيى، وقيل: يكنى أبا محمد، كان قَينًا يعمل السيوف في الجاهلية فأصابه سِباء فبيع بمكة، وكان فاضلًا من المهاجرين الأولين، شهد بدرًا وما بعدها من المشاهد مع النبي - ﷺ -، وكان قديم الإسلام ممن عذب في الله وصبر على دينه، نزل الكوفة، ومات بها سنة سبع وثلاثين للهجرة على الأشهر. [انظُر تَرْجَمَتَه: الاستيعاب (٢/ ٢١)، أسد الغابة (٢/ ١٤٧)، الإصابة (٢/ ٢٢١)].","vol":"1","page":2510},{"text":"﴿كُنَّا نَعُدُّهُمْ﴾ أي في الدنيا.\n﴿مِنَ الْأَشْرَارِ﴾ أي الأراذل (١).\n﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا﴾ كنَّا نسخر بهم في الدنيا، وسُخريًا بالضم: نتسخُّرهم (٢)، وقيل: هما لغتان (٣).\n﴿أَمْ زَاغَتْ﴾ مالت.\n﴿عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ﴾ فلا نراهم، والمعنى: أهم (٤) في النار معنا فزاغت عنهم الأبصار فلا نراهم؟ أم ليسوا معنا؟.\nوقيل: أم زاغت عنهم الأبصار في الدنيا تحقيرًا لهم.\nقال الحسن: \"كلُّ ذلك فعلوا اتخذوهم سُخريًا وسِخريًا وزاغت عنهم الأبصار تحقيرًا لهم\" (٥).\n_________\n(١) في (ب) \" الأرذال \".\n(٢) في (أ) \" يُتسخَّر بهم \".\n(٣) وبهما قرأ فقد قرأ نافع وحمزة والكسائي ﴿سُخريًا﴾ بضم السِّين والباقون بكسرها [انظر: السَّبعة (ص: ٥٥٦)،، الحُجَّة (٦/ ٨٥)، التيسير (ص: ١٣٠)].\n(٤) في (أ) \" أنهم \".\n(٥) انظر: النُّكَت والعُيُون (٥/ ١٠٨).","vol":"1","page":2511},{"text":"قُرِئ ﴿اتخذناهم﴾ على الخبر، فيكون صفة لقوله ﴿رِجَالًا﴾، وقُرئ بالاستفهام، وحمل على معنى التسوية كقوله: ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ [البقرة: ٦] (١).\nإِنَّ ﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى ما تقدم من كلام أهل النار.\n﴿لَحَقٌّ﴾ لصدق كائن (٢) لا محالة ثمَّ صرَّح فقال:\n﴿تَخَافَنَّ أَهْلِ النَّارِ﴾ فارتفاعه بالبدل أو بالخبر، هو (٣) تخاصم، أو بالخبر بعد الخبر، وهو جواب القسم على ما سبق (٤).\n﴿قُلْ﴾ يا محمد ﴿إِنَّمَا أَنَا مُنْذِر﴾ رسولٌ أخوِّفكم عذاب الله.\n﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ يعني: قاهر الخلق.\n﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (٦٦)﴾ العزيز بالنقمة، الغفَّار للمؤمنين بالرحمة (٥).\n﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧)﴾ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: القرآن، وسمَّاه عظيمًا؛ لأنَّه كلام رب العالمين (٦).\nوقيل: يوم القيامة.\n_________\n(١) من قرأ بالوصل ﴿من الأشرار اتخذناهم﴾ هم أبو عمرو وحمزة والكسائي، ومن قرأ على الاستفهام وهم ابن كثير ونافع وابن عامرٍ وعاصم. [انظر: السبعة (ص: ٥٥٦)، معاني القراءات (ص: ٤١٨)، الحُجَّة (٦/ ٨٢)، التيسير (ص: ١٥٢)].\n(٢) في (ب) \" وكائن \".\n(٣) في (أ) \" وهو \".\n(٤) في صدر السورة، [وانظر الإعراب: مُشكل إعراب القرآن (٢/ ٦٢٩)، إملاء ما من به الرحمن (٢/ ٢١٣)].\n(٥) \" بالرحمة \" سقطت من (ب).\n(٦) انظر: جامع البيان (٢٣/ ١٨٣)، زادُ المَسِير (٧/ ٣٧)، وقد عزاه لابن عباس ومجاهدٍ والجمهور، ورجَّح ابن جزيٍّ الكلبي في التسهيل (٣/ ١٨٩) حمله على العموم، ويعنى به ما تضمنته الشريعة من التوحيد والرسالة والدار الآخرة].","vol":"1","page":2512},{"text":"وقيل: النبأ الذي أنبأتكم به عن الله نبأ عظيم.\n﴿أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (٦٨)﴾ غافلون.\nوالإعراض عن الشيء: الذَّهاب عنه في عرض أي في (١) جانب (٢).\n﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٦٩)﴾ أي لو لم أكن نبيًِّا يوحى إلي لما كان لي علم بالملأ الأعلى وهم الملائكة واختصامهم.\nوفي إخباري (٣) إيَّاكم ذلك دليل على أني أُعلمت ذلك بالوحي.\nإِنْ ﴿يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٧٠)﴾ أي ما يوحى إليَّ إلا لأني نذير مبين. [وقيل: ما يوحى إلي إلا: أنما أنت نذير مبين] (٤).\nوقيل: ما يوحى إليَّ إلا الإنذار.\nوقيل تقديره (٥): ما يُوحى إليَّ إلا أنما أنت نذير مبين، فعبَّر عنه بالمعنى (٦).\nوأما اختصامهم فهو ما ذكر في شأن آدم - ﵇ - حين أخبرهم بخلقه فقالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا ...﴾ [البقرة: ٣٠]\nوقيل: اختصامُهُمْ: مخالفتهم لإبليس ومخاصمتهم له.\nوقيل: تَخَاصُمهم: مناظرتهم بينهم في استنباط العلم؛ لأنَّ بعضهم أعلم من بعض، كما تجري (٧) المناظرة بين أهل العلم.\n﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا﴾ يعني آدم.\n_________\n(١) \" في \" سقطت من (ب).\n(٢) انظر: الكشاف (٢/ ٦٤٥)، لسان العرب (٧/ ١٦٥) مختار الصحاح (١/ ٤٦٧).\n(٣) في (ب) \" في إخباري \".\n(٤) ما بين المعقوفتين ساقط من (ب).\n(٥) في (ب) \" تقدير\".\n(٦) في (ب) \" المعنى \".\n(٧) في (أ) \" تجر \".","vol":"1","page":2513},{"text":"﴿مِنْ طِينٍ﴾ ترابٍ مبلول.\n﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ يريد التي هي مخلوقتي ومملوكتي (١).\nوالرُّوح: جسم رقيق هوائي في كل جزء منه حياة (٢).\n_________\n(١) وهذا هو المتقرر في اعتقاد أهل السنة، قال ابن أبي العز: \" وقد أجمعت الرسل على أنها محدثة مخلوقة مصنوعة مربوبة مدبرة وهذا معلوم بالضرورة من دينهم أن العالم محدث ومضى على هذا الصحابة والتابعون حتى نبغت نابغة ممن قصر فهمه في الكتاب والسنة فزعم أنها قديمة واحتج بأنها من أمر الله وأمره غير مخلوق! وبأن الله أضافها إليه بقوله: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الأنبياء: ٨٥] وبقوله: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [ص: ٧٢]، كما أضاف إليه علمه وقدرته وسمعه وبصره ويده وتوقف آخرون واتفق أهل السنة والجماعة أنها مخلوقة وممن نقل الإجماع على ذلك: محمد بن نصر المروزي وابن قتيبة وغيرهما ومن الأدلة [على] أن الروح مخلوقة قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢] فهذا عام لا تخصيص فيه بوجه ما ولا يدخل في ذلك صفات الله تعالى فإنها داخلة في مسمى إسمه فالله تعالى هو الإله الموصوف بصفات الكمال فعلمه وقدرته وحياته وسمعه وبصره وجميع صفاته - داخل في مسمى إسمه فهو سبحانه بذاته وصفاته الخالق وما سواه مخلوق ومعلوم قطعا أن الروح ليس هي الله ولا صفة من صفاته وإنما هي من مصنوعاته ومنها قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (١)﴾ [الإنسان: ١] وقوله تعالى لزكريا: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (٩)﴾ [مريم: ٩] ... وأما استدلالهم بإضافتها إليه بقوله: ﴿مِنْ رُوحِي﴾ [ص: ٧٢] - فينبغي أن يعلم أن المضاف إلى الله نوعان: صفات لا تقوم بأنفسها كالعلم والقدرة والكلام والسمع والبصر فهذه إضافة صفة إلى الموصوف بها فعلمه وكلامه وقدرته وحياته صفات له وكذا وجهه ويده سبحانه والثاني: إضافة أعيان منفصلة عنه كالبيت والناقة والعبد والرسول والروح فهذه إضافة مخلوق إلى خالقه لكن إضافة تقتضي تخصيصا وتشريفا يتميز بها المضاف عن غيره \" [شرح للعقيدة الطحاوية (٢/ ٥٦١)].\nوقال ابن جماعة: \" اعلم أن الروح التي بها حياة الأحياء في الحيوان المتشعبة في الأجسام لا يجوز إطلاقها على الباري تعالى لما ثبت من استحالة الجسمية والتجزي عليه ﷾ فوجب حمله في الآيات المذكورة على غير ذلك.\nأما قوله في حق آدم ﴿مِنْ رُوحِي﴾ فهو إضافة خلق إلى خالقه وملك إلى مالكه لأن الأرواح كلها بيد الله تعالى لا أنه جزء منه تعالى الله عن ذلك وإضافته إليه إضافة تشريف إما لآدم ﵇ كما قال خلقت بيدي أو لأنها جوهر لطيف شريف علوي وأما النفخ فالمراد به والله أعلم خلقها وإيجادها.\nوقال بعضهم كيفية النفخ لا يعلمها إلا الله تعالى \". [إيضاح الدليل (١/ ١٤٢)]\n(٢) قال الخليل الرُّوحُ: \" النَّفْسُ التي يحيا بها البدن يقال خرجت رُوُحُهُ أي نَفْسُه ويقال خَرَجَ فيُذَكَّرُ \". [كتاب العين (٣/ ٢٩١)].","vol":"1","page":2514},{"text":"وهذا (١) عند من يزعم أن الرُّوح معلومة، وأنَّ المراد بقوله: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ [الإسراء: ٨٥]: اليهود.\nوأمَّا عند الجمهور فالرُّوح من أمر الله لا يعرف كيفيته.\nوقيل: الرُّوح: ما يمتاز به الحيُّ من الميِّت.\nوقيل: من روحي: الذي خلقته له، وأضافه إليه تخصيصًا، كبيت الله، وناقة الله (٢). ... ﴿فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ وكان انحناء يدلُّ على التواضع (٣).\nوقيل: كان سجدة لله.\nوقيل: صلّى آدم بهم فصلُّوا في جماعة وسجدوا في الصلاة.\n﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٧٣) إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ استثناء متَّصل عند بعضهم، منقطع عند بعضٍ، وقد سبق (٤).\n﴿اسْتَكْبَرَ﴾ تعظَّم، وأول من استكبر إبليس.\n﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ قيل: صار.\nوقيل: كان منهم في سابق علم الله.\nوقيل: لم يزل كافرًا.\nوقيل: كان مؤمنًا ثمَّ كفر، وهذا هو القول الأول.\n﴿قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ﴾   أي ما منعك السجود، ومن السجود؟\n﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ تولِّيت خلقه من غير أن أمرت به، ولا سببٍ أدى إليه (٥). وقيل: بقدرتي ونعمتي (٦)، والتثنية هاهنا كالجمع في قوله: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس: ٧١].\n﴿أَسْتَكْبَرْتَ﴾ استفهام إنكار.\n﴿أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ من قوله: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ ... [القصص: ٤].\n﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (٧٦)﴾ وهذا قياس فاسد، ولهذا استحق اللعن، وقد سبق (٧).\n﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا﴾ من الجنّة.\nوقيل: من السماء.\n_________\n(١) في (ب) \" هذا \".\n(٢) وهذا هو المراد.\n(٣) والصحيح أنه سجود حقيقي لكن ليس سجود عبادة، وهو مذهب الجمهور، قال القرطبي: \" واختلف الناس في كيفية سجود الملائكة لآدم بعد اتفاقهم على أنه لم يكن سجود عبادة؛ فقال الجمهور: كان هذا امرًا للملائكة بوضع الجباه على الأرض، كالسجود المعتاد في الصلاة؛ لأنه الظاهر من السجود في العُرف والشرع، وعلى هذا قيل: كان ذلك السجود تكريمًا لآدم وإظهارًا لفضله، وطاعة لله تعالى\" [الجامع لأحكام القرآن (١/ ٣٠٦)، وانظر: الإجماع في التفسير (ص: ١٦٢)].\n(٤) وذلك عند تفسير الآية (٣٤) من سورة البقرة.\n(٥) في الآية تأويل من الكرماني - عفا الله عنه - لمعنى صفة اليدين لله تعالى، قال الشيخ ابن عثيمين - ﵀ - في تعليقه على تفسير الجلالين، وقد فسَّر الآية بنحو ما فسَّرها الكرماني -: \" يقول: [تولَّيتُ خلقه] فرارًا من إثبات اليد لله، ولا شكَّ أن هذا تحريفٌ ... وبناءً على كلام المؤلِّف لا يبقى لآدم - ﵇ - فضلٌ على سائر المخلوقات ما دمنا نفسِّر ... ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ أي: تولَّيت خلقه؛ فإن الله تولَّى خلق بني آدم، وخلق الإبل والبقر والغنم وغير ذلك، فلم يبق لآدم فضل على أي أحدٍ، بل لم يبق لآدم فضل على الشيطان الذي أبى أن يسجد؛ لأن الشيطان تولَّى خلْقه الله ﷿، ولهذا نقول إن المؤلِّف: أخطأ في هذا، وأن معنى الآية: أن الله تعالى خلق آدم بيده، وخلق غير آدم من الشياطين والملائكة بكلمته، أي: بقول كن، أمَّا آدم فبيده، وهذا هو وجه الميزة والخصِّيصة لآدم - ﵇ - أنَّ الله خلقه بيده \". [تفسير القرآن الكريم (ص: ٢٣٨)].\n(٦) والصحيح أنَّ لله تعالى يدين حقيقيتين ليستا كيد المخلوقين خلافًا للمعتزلة الذين أولوا صفة اليدين لله بالقدرة، ولا يمكن حمل اليدين هنا على القدرة؛ فإنَّ الأشياء جميعًا - حتى إبليس - خلقها الله بقدرته فلا يبقى لآدم خصوصية يتميز بها، ثمَّ لفظ اليدين بالتَّثنية لم يُعرف استعماله إلا في اليد الحقيقية، ولم يرد قطُّ بمعنى القُدرة أو النِّعمة؛ فإنَّه لا يسُوغ أن يقال: خلَقه الله بقدرتين أو بنعمتين. [انظر: شرح العقيدة الواسطية؛ للهرَّاس (ص: ١١٥)].\n(٧) وذلك عند الآية (١١) من سورة الأعراف.","vol":"1","page":2515},{"text":"وقيل: من صورة الملَك.\nوقيل: من الأرض إلى جزائر البحور.\n﴿فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾ ملعون مشتوم (١).\nوقيل: إن رجعت إليها رُجمت بالشهاب الثاقب، أي رُجم آدم، ورُجم إبليس.\n﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي﴾ طردي من الجنَّة، وإبعادي من كل خير.\n﴿إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ يوم الجزاء والحساب.\n﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٧٩)﴾ وفي التفسير: إنَّما قال: يبعثون لئلا (٢) يذوق الموت، فأبى الله أن يعطيه سؤله (٣).\n﴿قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٨٠) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٨١)﴾ يعني نفخة الموت، وهذا إخبار منه سبحانه لا استجابة لدعائه (٤).\nوقال بعضهم: لم يُعلمه الوقت الذي أنظره إليه.\n﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢)﴾ لأضلَّنَّهم.\nوقيل: لأحملنَّهم على الغي، وهو ضد الرُّشد.\n﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)﴾ وهم الذين عصمهم الله من إضلالي.\nإن فَتَحْتَ وإن كسرت فهم الذين أخلصوا طاعتهم لله (٥).\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (١٤/ ٣٢).\n(٢) في (أ) \" لكيلا \".\n(٣) انظر: تفسير البغوي (٣/ ٢١٧)، الجامع لأحكام القرآن (١٠/ ٣٢)، تفسير النَّسَفي (٢/ ٥٦٨).\n(٤) انظر: جامع البيان (٨/ ١٣٢)، النُّكَت والعُيُون (٢/ ٢٠٥).\n(٥) قرأ الكوفيون [عاصم وحمزة والكسائي] ونافع ﴿المُخلَصين﴾ إذا كان في أوله ألف ولام حيث وقع بفتح اللام، والباقون بكسرها [انظر: السبعة (ص: ٣٤٨)، التيسير (ص: ١٠٥)، سراج القارئ؛ لابن القاصح (ص: ٢٥٧)، الوافي في شرح الشاطبية؛ للقاضي (ص: ٢٩٥)].\nوقد رجَّح ابن جرير - ﵀ -: ما اختاره المؤلف من اتحاد القراءتين في المعنى حيث قال: \" والصواب من القول في ذلك أن يقال: إنهما قراءتان معروفتان، قد قرأ بهما جماعة كثيرة من القُرَّاء، وهما متفقتا المعنى، وذلك أن من أخلصه الله لنفسه فاختاره، فهو مخلص لله التوحيد والعبادة، ومن أخلص توحيد الله وعبادته فلم يشرك بالله شيئا، فهو ممن أخلصه الله، فبأيتهما قرأ القارئ فهو للصواب مصيب \". [جامع البيان (١٢/ ١٩١)].","vol":"1","page":2516},{"text":"﴿قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤)﴾ الأول رُفع (١) من وجوه:\nأحدها: بالخبر، أي: أنا الحق، وقيل: بالابتداء، أي الحقُّ منِّي، وقيل: الحق ... ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ أي أن أملأ جهنَّم.\nوالحق أقول: اعتراض، ويحتمل: فالحق يميني لأملأن جهنم كما قال: ﴿لَعَمْرُكَ﴾ ... [الحجر: ٧٢].\nأي لعمرك يميني وقسمي (٢).\nومن نصب فعلى إضمار القول، أي أقول الحق لأملأنَّ.\nوقيل: قسمٌ، كقولك حقًا لأملأنَّ.\nوقيل: بالحقِّ فحذف الجار ونصب كقولك: الله ما فعلت.\nوالحق أقول اعتراض، وقيل: نُصب بفعل مضمر كقوله: ﴿وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ﴾ [يونس: ٨٢]، وقيل: نُصب على الإغراء (٣)، أي: اتبعوا الحق.\nوقيل تقديره: فسأفعل الحق في أمرك.\nوأمَّا الثاني فمنصوب بقوله: أقول.\n_________\n(١) وهي قراءة عاصم وحمزة، والباقون بالنصب، ولا خلاف في نصب الثاني ﴿وَالْحَقَّ﴾ عند جميع القُرَّاء.\n[انظر: جامع البيان (٢٣/ ١٨٧)، السبعة (ص: ٥٥٧)، التيسير (ص: ١٥٢)، وانظر توجيه القراءتين إضافة لما سبق: معاني القرآن؛ للزجَّاج (٤/ ٢٥٧)، معاني القراءات (ص: ٤١٩)، الحجة؛ لأبي علي الفارسي (٦/ ٨٧)، مُشْكِل إعراب القرآن (٢/ ٦٢٩)، إملاء ما منَّ به الرحمن (٢/ ٢١٣)، حجة القراءات؛ لابن زنجلة (ص: ٦١٨، الحجة في القراءات السبع؛ لابن خالوية (ص: ٣٠٧)].\n(٢) الإغراء: هو: أمر المخاطب بلزوم ما يحمد به، وهو كالتحذير: في أنه إن وجد عطفٌ أو تكرار وجب إضمار ناصبه، وإلا فلا. [شرح ابن عقيل (٢/ ٣٠١)].\n(٣) في (ب) \" قسمي ويميني \".","vol":"1","page":2517},{"text":"وقيل: هما قسَمَان.\n﴿مِنْكَ﴾ يا إبليس ﴿وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ أي من الجِنَّة والنَّاس.\n﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ على تبليغ الرِّسالة.\nوقيل: على النبأ العظيم.\nوقيل: على القرآن.\n﴿مِنْ أَجْرٍ﴾ جُعْل (١) ورزق.\n﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ لهذا القرآن من تلقائي (٢).\nوقيل: ما أنا من المتكلفين بأن آمركم ما لم أؤمر به (٣).\nوالتَّكلُّف (٤): تعسُّفٌ في طلب الأمر الذي لا يقتضيه العقل (٥).\n﴿إِنْ هُوَ﴾ ما القرآن (٦).\n﴿إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ شرفٌ وعظة.\n﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ﴾ نبأ القرآن وما فيه من الوعد والوعيد وذكر البعث والنشور.\n﴿بَعْدَ حِينٍ﴾ بعد الموت (٧).\n_________\n(١) الجُعل بالضم والجُعَالة (بتثليث الجيم) والجعيلة ما يجعل للإنسان على عمله، وهو أعم من الأجر والثواب ... [انظر: التوقيف على مهمات التعاريف؛ للمناوي (ص: ٢٤٦)].\n(٢) انظر: تفسير البغوي (٧/ ١٠٣)، زادُ المَسِير (٧/ ٣٩).\n(٣) في (ب) \" ما لا أؤمر به \".\n(٤) في (أ) \" والتكليف \".\n(٥) انظر: المفردات (ص: ٧٢١)، وقد جعل الراغب التَّكلُّف على ضربين: محمودٌ: وهو ما يتحرَّاه الإنسان ليتوصَّل به إلى أن يصير الفعل الذي يتعاطاه سهلًا عليه، ويصير كلِفًا به ومحبًَّا له، والثاني: مذمومٌ، وهو ما يتحراه الإنسان مُراءاةً، وإيَّاه عُنِي بقوله: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦)﴾ [ص: ٨٦].\n(٦) انظر: جامع البيان (٢٣/ ١٨٨)، زادُ المَسِير (٧/ ٣٩).\n(٧) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٢/ ٤١٣) النُّكَت والعُيُون (٥/ ١١٢) وكذا ما بعده من الأقوال.","vol":"1","page":2518},{"text":"وقيل: بعد أن يأمر الله محمدًا بالقتل والسَّبي.\nوقيل: يوم بدر، وقيل: يوم القيامة (١).\nفتح السُّورة بالذِّكر وختم بالذِّكر (٢).\n_________\n(١) قال ابن جرير: \" وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إنَّ الله أعلم المشركين المُكذِّبين بهذا القرآن أنَّهم يعلمون نبأه بعد حين من غير حدٍّ منه لذلك الحين بحدٍّ، وقد نبأه من أحيائهم الذين عاشوا إلى ظهور حقيقته، ووضوح صحَّته في الدنيا، ومنهم من علم حقيقة ذلك بهلاكه ببدر، وقبل ذلك، ولا حدَّ عند العرب للحين، لا يُجاوز ولا يقصر عنه. فإن كان ذلك كذلك فلا قول فيه أصح من أن يطلق كما أطلقه الله من غير حصر ذلك على وقتٍ دون وقت\" [جامع البيان (٢٣/ ١٨٩)].\n(٢) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٠٠٧)، مراصد المطالع؛ للسيوطي (ص: ٦٢).","vol":"1","page":2519},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-145>سورة الزُّمَر </span>(١)\nخمس وسبعون آية (٢) (٣)، ويقال لها (٤): سورة الغُرَف (٥).\nمكِّية إلا ثلاث آيات من قوله: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا﴾ فإنها نزلت بالمدينة إلى تمام ثلاث آيات (٦).\nوقيل: إلى تمام سبع آيات (٧) (٨).\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n﴿تَنْزِيلُ﴾ أي: هذا تنزيل ﴿الْكِتَابِ﴾ والكتاب: القرآن (٩).\nوقيل: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ﴾ مبتدأ خبره ﴿مِنَ اللَّهِ﴾.\nوالمعنى: تنزيل الكتاب من الله لا كما يقوله المشركون أنَّ محمدًا تَقَوَّله (١٠) من تلقاء نفسه.\nوقيل معناه: تنزيل الكتاب من الله فاستمعوا له، واعملوا به.\n_________\n(١) سُمِّيت \" سورة الزُّمَر \" من عهد النبي - ﷺ - فقد روى الترمذي عن عائشة قالت: «كان النبي - ﷺ - لا ينام حتى يقرأ الزمر وبني إسرائيل». وإنما سميت سورة الزمر لوقوع هذا اللفظ فيها دون غيرها من سور القرآن، ويُقَال لها: سُورة الغُرَف، وهو مروي عن وهْبِ بن مُنَبَّه. [انظر: التَّحرير والتَّنوير (٢٣/ ٣١١)].\n(٢) \" خمس وسبعون آية \" ساقطة من (ب)، وفي (أ) زيادة \" مكية \" وهي مكررة مع ما بعدها.\n(٣) وهذا على عدِّ أهل الكوفة. [انظر: البيان في عدِّ آي القرآن (ص: ٢١٦)، غَيْثُ النَّفْع (ص: ٣٣٨)].\n(٤) \" لها \" ساقطة من (ب).\n(٥) انظر: معاني القرآن؛ للزجاج (٤/ ٢٥٨)، غرائب التفسير (٢/ ١٠٠٩)، زاد المسير (٧/ ٤٠). .\n(٦) انظر: النُّكَت والعُيُون (٥/ ١١٣)، المحرر الوجيز (٤/ ٥١٧) - وحكَى فيه ابن عطية الإجماع على مكيتها إلا الثلاث الآيات المذكورة -.\n(٧) في (أ) \" مكيِّة إلا ثلاث آيات، وقيل: إلى تمام سبع آياتٍ من قوله: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا﴾ فإنَّها نزلت بالمدينة إلى تمام ثلاث آيات \".\n(٨) انظر: النُّكَت والعُيُون (٥/ ١١٣).\n(٩) قال ابن عطية: \" قال المفسرون: هو القرآن، ويظهر إليَّ أنَّه اسم عامٌّ لجميع ما تنزَّل من الكتب \" [المحرر الوجيز (٤/ ٥١٧)].\n(١٠) في (ب) \" يقوله \".","vol":"1","page":2520},{"text":"﴿الْعَزِيزُ﴾ في سلطانه.\n﴿الْحَكِيمِ (١)﴾ في تدبيره.\n﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ لإثبات الحق، وهو الإيمان بالله وصفاته (١)، وقيل: بالصِّدق في الإخبار عمَّا كان، وعمَّا يكون.\nوليس قوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا﴾ تكرارٌ؛ لأنَّ الأول كالعنوان للكتاب، والثاني: لبيان ما في الكتاب (٢).\n﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢)﴾ الخطاب للنبي - ﷺ -، والمراد به هو وأمَّته (٣)، أي: اعبدوه (٤) مخلصين له الطاعة (٥) من غير شائبة شكٍّ ونفاق (٦).\n﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ الطاعة الخالصة (٧)، أي: هي التي تقع موقع القبول.\nوقيل: الطاعة الخالصة لا يستحقُّها إلا الله.\nوقيل: الواجب عليهم أن يخلصوا الطاعة.\nوقيل: الدين هاهنا: كلمة لا إلا الله.\nوقيل: هو الإسلام (٨).\n﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ يعني: آلهة يعبدونها ويوالونها.\n﴿مَا نَعْبُدُهُمْ﴾ أي يقولون: ما نعبدهم.\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٣/ ١٩٠).\n(٢) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٠٠٩).\n(٣) انظر: تفسير السمرقندي (٣/ ١٦٨).\n(٤) في (ب) \" اعبدوا \".\n(٥) في (أ) \" مخلصين له الدين له لطاعة \".\n(٦) قال الشَّنْقِيطي: \" والإخلاص: إفراد المعبود بالقصد في كل ما أمر بالتق رب به إليه \" [أضواء البيان (٧/ ٤٢)].\n(٧) انظر: جامع البيان (٢٣/ ١٩٠).\n(٨) قلت: والآية تحتمل ذلك كلَّه.","vol":"1","page":2521},{"text":"وقيل: الذين اتخذوا: رفع بإضمار القول، أي: يقول الذين اتخذوا من دونه أولياء.\n﴿إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ أي: إلا ليشفعوا لنا.\nقيل: هم الملائكة وعيسى وعُزَير.\nوالزُّلفى: الشفاعة (١).\nوقيل: القربى والمنزلة.\n﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ يحكم بين المسلمين والمشركين فيظْهَر المُحِقُّ من المُبْطِل، وهذا ردُّ لقولهم ووعيد.\n﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي﴾ لا يرشد إلى دينه، وقيل: لا يهدي إلى الحق، وقيل: إلى الجنَّة. ﴿مَنْ هُوَ كَاذِبٌ﴾ في قوله: إنَّ (٢) الملائكة بنات الله، وعيسى وعزير ابنا الله (٣) (٤).\n﴿كَفَّارٌ (٣)﴾ ... في عبادة غير الله.\n﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ كما زعموا ﴿لَاصْطَفَى﴾ لاختار ﴿مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ أي الأفضل لا الأنقص، وهنَّ البنات (٥).\nوقيل: لو اتخذ من خلقه ولدًا لم يتخذه باختيارهم وقولهم، بل يختص (٦) من خلقه ما يشاء.\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٣/ ١٩١)، النُّكَت والعُيُون (٥/ ١١٤)، تفسير القرآن العظيم (٤/ ٤٩)، وفيه نقل ابن كثير جمعًا بين القولين فقال: \" قال قتادة، والسُّدي، ومالك عن زيد بن أسلم، وابن زيد ﴿إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ أي: ليشفعوا لنا ويقربونا عنده منزلة \".\n(٢) \"إنَّ \" ساقطة من (ب).\n(٣) في (أ) \" أبناء \".\n(٤) قال ابن الجوزي: \" ويدخل في هؤلاء اليهود حين قالوا: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: (٣٠)]، والنصارى لقولهم: ﴿الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: (٣٠)]، وجميع عُبَّاد الأصنام \". [زاد المسير: (٧/ ٤١)].\n(٥) في (ب) \" وهي البنات \".\n(٦) في (ب) \" بل كان يختص \".","vol":"1","page":2522},{"text":"وذكر لفظ ﴿مَا﴾ دون ﴿مَنْ﴾ ليكون أعمَّ.\n﴿سُبْحَانَهُ﴾ نزَّه نفسه عن الولد ﴿هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٤)﴾.\n﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ للحقِّ لا للعبث والباطل.\n﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾ أي لا ينقص من أحدهما أو يزيد في الآخر.\n[وقيل: معنى ﴿يُكَوِّرُ﴾: يغشي] (١).\nوقيل: معنى قوله (٢): ﴿يُكَوِّرُ﴾: يزيد، من قولهم: نعوذ بالله من الحَوْر بعد ... الكَوْر (٣)، أي من النقص بعد الزيادة.\nوقيل: يكوِّر: أي: يلفُّ من تكوير العمامة، ومنه كارَة القَصَّار (٤) (٥).\nوَسَخَّرَ ﴿الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ سبق (٦).\n_________\n(١) ما بين المعقوفتين ساقط من (ب).\n(٢) \" قوله\" ساقطة من (ب).\n(٣) انظر: كتاب العين (٣/ ٢٨٧)، مادة \" حَوَرَ \"، الزاهر في معاني كلمات الناس؛ لابن الأنباري (١/ ٢٥)، قلت: وقد جاء ذلك في دعاء النبي - ﷺ - فلعله أصل المثل، فمن ذلك على المثال، ما رواه الترمذي في كتاب دعوات النبي - ﷺ -، باب: ما يقول إذا خرج مُسافرًا، عن عبد الله بن سَرْجِسَ قال: كان النبي - ﷺ - إذا سافر يقول: ... «اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ وَالْخَلِيفَةُ فِي الأهل، اللَّهُمَّ اصْحَبْنَا فِي سَفَرِنَا وَاخْلُفْنَا فِي أَهْلِنَا، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرَ وَكَآبَةِ الْمُنْقَلَبِ، وَمِنْ الْحَوْرِ بَعْدَ الكَوْرِ، وَمِنْ دَعْوَةِ الْمَظْلُومِ وَمِنْ سُوءِ الْمَنْظَرِ فِي الأهْلِ وَالْمَالِ»، ويروى: \" ومن الحَوْرِ بعدَ الكَونٍ \".\n(٤) كارَةُ القَصَّار: سُمِّيت كارَة القَصَّار كارة؛ لأنه يجمع ثيابه في ثوب واحدٍ يُكوِّرُ بَعْضَها على بعضٍ\" [انظر: كتاب العين (٥/ ٤٠٠)، مادة \" كَوَرَ \"، التفسير الكبير (٣١/ ٦١)، لسان العرب (٥/ ١٥٤) مادة \" كَوَرَ \"].\n(٥) انظر: مجاز القرآن (٢/ ١٨٨)، جامع البيان (٢٣/ ١٩٢)، النُّكَت والعُيُون (٥/ ١١٤)، المحرر الوجيز (٤/ ٥١٩).\n(٦) في سورة الأعراف، الآية (٥٤).","vol":"1","page":2523},{"text":"﴿كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ قيل: القيامة.\nوقيل: لكلٍّ منها منازل لا يعدوها ولا يقصر دونها (١).\n﴿أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ﴾ فلا يغالب.\n﴿الْغَفَّارُ (٥)﴾ لمن تاب.\n﴿خَلَقَكُمْ﴾ يا بني آدم.\n﴿مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ يعني آدم - ﵇ -.\n﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ يعني حوَّاء خلقت من قُصيري آدم، وهو آخر أضلاعه، وقيل: خُلِقت من بقية طين آدم (٢).\nوقوله (٣): ﴿ثُمَّ جَعَلَ﴾ فيه أقوال: أحدها: أنَّ الله خلق آدم، وأخرج ذرِّيته من ظهره، ثُمَّ ردَّهم إلى مكانههم (٤)، ثمَّ خلق منها حواء.\nوالثاني: أن التراخي في الإخبار لا في الجعل.\nوالثالث: أنَّ ﴿ثُمَّ﴾ قد يأتي مع الجملة دالًا على التقدُّم، كقوله: ﴿ثُمَّ اهْتَدَى (٨٢)﴾ ... [طه: (٨٢)].\nوكذلك (٥) قوله: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ [البلد: (١٧)]، وكذلك قوله - ﷺ -: \" فليكفِّر عن يمينه، ثمَّ ليفعل الذي هو خير \" (٦).\n_________\n(١) كذا ذكر ابن جرير وغيره [انظر: جامع البيان (٢٣/ ١٩٣)، المحرر الوجيز (٤/ ٥١٩)].\n(٢) انظر: جامع البيان (٢٣/ ١٩٣).\n(٣) في (ب) \" قوله\".\n(٤) في (ب) \" مكانه\".\n(٥) في (أ) \" فكذلك\".\n(٦) الحديث: أصله عند مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة - ﵁ -، كتاب الأيمان، باب: ندب من حلف يمينًا، فرأى غيرها خيرًا منها، أن يأتي الذي هو خير، ويكفِّر عن يمينه، برقم (٤٢٤٧) - (٤٢٤٩).","vol":"1","page":2524},{"text":"والرابع: أن التقدير: خلقكم من نفسٍ واحدةٍ خلقها ثمَّ جعل منها زوجها (١).\n﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ قيل: (أنزل): بمعنى جعل (٢).\nوقيل: أنزلها من الجنة.\nوقيل: (أنزل): بمعنى: خلق.\nوقيل: عبَّر عن الخلق بالإنزال لما فيه (٣) من معنى الرِّفعة والاعتلاء، كما يقال: رفعت القصَّة إلى الأمير، وإن كان الأمير في سَرَبٍ.\nوقيل: لأنها لا تقوم إلا بالنبات، والنبات من المطر، والمطر ينزل من السَّماء، فكأنَّ الأنعام منزَّلٌ (٤).\nوالأنعام عند الانفراد يقع على الإبل خاصة، والمراد بها هاهنا ما بُيِّنَ في سورة الأنعام: ... ﴿مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٣] ﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٤] (٥).\nوخصَّت هذه بالذِّكر؛ لكثرة الانتفاع بها من اللبن، واللحم، والجلد، والشعر، والوبر (٦) (٧).\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٣/ ١٩٤)، معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ١٥٢)، أحكام القرآن؛ للجَصَّاص (٣/ ٥٠٦)، المحرر الوجيز (٤/ ٥١٩)]، وقد رجَّح ابن جرير القول الأول حيث قال: \" والقول الذي يقوله أهل العلم أولى بالصواب، وهو القول الأول الذي ذكرت أنَّه يقال: إنَّ الله أخرج ذرية آدم من صلبه قبل أن يخلق حواء، وبذلك جاءت الرواية عن جماعة من أصحاب رسول الله - ﷺ - \" [جامع البيان (٢٣/ ١٩٤)].\n(٢) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٢٧)، جامع البيان (٢٣/ ١٩٤).\n(٣) في (ب) \" بما فيه \".\n(٤) قال شيخ الإسلام ابن تيمية: \" ولا حاجة إلى إخراج اللفظ عن معناه المعروف لغة؛ فان الأنعام تنزل من بطون أمهاتها، ومن أصلاب آبائها تأتى بطون أمهاتها\" [مجموع الفتاوى: (١٢/ ٢٥٤)].وقال ابن جزي: \" وهذا بعيدٌ \". ... [التسهيل (٣/ ١٩١)].\n(٥) أي الذكر والأنثى من الضأن والمعز والبقر والإبل، فهي ثمانية، وهو الأشهر عند الإطلاق.\n(٦) الوَبَرُ: صوف الإبل والأرانب ونحوها، والجمع: أوبار [انظر: لسان العرب (٥/ ٢٧١)، مادة (وَبَرَ)].\n(٧) قال بنحوه ابن سعدي، وزاد: \" ولاختصاصها بأشياء لا يصلح غيرها، كالأضحية والهدي والعقيقة، ووجوب الزكاة فيها، واختصاصها بالدِّية \". [تيسير الكريم الرحمن؛ لابن السعدي (ص: ٧١٩)].","vol":"1","page":2525},{"text":"والأزواج: جمع زوج، والزَّوج: الفرد له مثيل، وقد يقال: لها زوج، تقول: زوج حمامة، وزوج خُفٍّ (١).\n﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ﴾  نطفة، ثمَّ علقة، ثمَّ مضغة إلى تمام الخلق.\nوقيل: خلقًا في بطن الأم، من بعد خلقٍ في صُلب آدم - ﵇ -.\nوقيل: خلقًا في بطن الأم، من بعد خلقٍ في صُلب الأب.\nويحتمل: أن ذكر الأنعام في الآية اعتراضٌ حسَّن الاعتراض ذكر الأزواج بعد قوله: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ أي كلُّ حيوان ذي زوج (٢).\nقوله (٣): ﴿فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾ ظلمة البطن، وظلمة الرحم، وظلمة المشيمة (٤) (٥).\nوقيل: ظلمة الصُّلب، وظلمة البطن، وظلمة الرَّحِم.\nوقيل: الظلمات الثلاث: الحوايا (٦)، والأحشاء، والرَّحِم.\n﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ﴾ أي الذي خلق هذه الأشياء خالقكم ورازقكم.\n_________\n(١) انظر: الفائق؛ للزمخشري (٢/ ١٣٢)، مختار الصحاح (ص: ١١٧).\n(٢) في (أ) \" ذو زوج \".\n(٣) \" قوله \" ساقطة من (ب).\n(٤) المَشِيْمَةُ: غشاء من جِلد يخلق مع الجنين محيطًا به ليقيه، وليكون به استقلاله مما ينجرُّ إليه من الأغذية في دورته الدموية الخاصة به دون أمِّه. [انظر: التحرير والتنوير (٢٣/ ٣٣٤)].\n(٥) وهو قول الجمهور: انظر: جامع البيان (٢٣/ ١٩٦)، معاني القرآن؛ للزَّجاج (٤/ ٢٦٠)، معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ١٥٤)، زاد المسير (٧/ ٤٢) قال ابن جزي: \" والأول أرجح؛ لقوله: ﴿فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ ولم يذكر الصُّلب \" [التسهيل (٣/ ١٩١)].\n(٦) الحوايا: قال ابن العربي: \" والحوايا واحدها حاوياء أو حوية وهي عند العلماء على ثلاثة أقوال:\nالأول: المباعِر.\nالثاني: أنها خزائن اللبن.\nالثالث: أنها الأمعاء التي عليها الشحوم \". [أحكام القرآن (٢/ ٢٩٥)].","vol":"1","page":2526},{"text":"﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٦)﴾ عن الرَّشاد.\n﴿إِنْ تَكْفُرُوا﴾ يا أهل مكَّة (١).\n﴿فَإِن اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾ أي عن عبادتكم الله وإيمانكم (٢).\n﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ أي لعباده المؤمنين، كقوله: ﴿يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ ... [الإنسان: ٦].\nوقيل: هو عامٌّ (٣)، والكفر ليس برضا الله، وإن كان بإرادته (٤).\nوقيل: لا يرضى منهم الكفر.\n﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا﴾ أي ما أنعم عليكم بالإيمان والطاعة.\n﴿يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ يرضى (٥) ذلك الشكر لكم فيثيبكم عليه الجنَّة، والمعنى: هو يرضى الشكر، ولا يرضى الكُفر.\n﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ أي: لا يؤخذ أحد بذنب آخر.\n_________\n(١) والأولى العموم كما اختاره غير واحدٍ من المُحقِّقين [انظر: جامع البيان (٢٣/ ١٩٧)].\n(٢) في (أ) \" عن عبادتكم وإيمانكم\".\n(٣) أي لجميع الناس [انظر: جامع البيان (٢٣/ ١٩٧)، المحرر الوجيز (٤/ ٥٢٠)].\n(٤) ومعنى الآية كما قال البغوي: \" ومعنى الآية: لا يرضى لعباده الكفر أن يكفروا به، يروى ذلك عن قتادة، وهو قول السلف، قالوا: كفر الكافر غير مرضي لله - ﷿ -، وإن كان بإرادته \" [تفسير البغوي (٧/ ١٠٩)].\nوقال ابن جزي: \" تأول الأشعرية هذه الآية على وجهين:\nأحدهما: أنَّ الرضا بمعنى الإرادة، ويعني بعباده: من قضى الله له بالإيمان والوفاة عليه، فهو كقوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: (٤٢)].\nوالآخر: أنَّ الرضا غير الإرادة، والعباد على هذا على العموم، أي: لا يرضى الكفر لأحد من البشر، وإن كان قد أراد أن يقع من بعضهم فهو لم يرضه دينًا ولا شرعًا، وأراده وقوعًا ووجودًا، وأما المعتزلة؛ فإنَّ الرضا عندهم بمعنى: الإرادة، والعباد على العموم جريًا على قاعدتهم في القدر وأفعال العباد\" [التسهيل لعلوم التنزيل (٣/ ١٩٢)].\n(٥) في (ب) \" يرض \".","vol":"1","page":2527},{"text":"والوِزْرُ: الذَّنْب وعقابه (١).\n﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٧)﴾ فيحاسبكم عليه ويجازيكم.\n﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ﴾ مقاتل: \" نزلت في أبي حُذيفة بن المغيرة \" (٢) (٣).\n﴿ضُرٌّ﴾ بلاء وشِدَّة، واستعمال المسِّ في الإعراض مجازٌ (٤).\n﴿دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ﴾ راجعًا إلى الله بالدعاء لا يدعو سِواه.\n﴿ثُمَّ إِذَا﴾ سَوَّلَتْ أي أعطاه، والخَوَلُ: العطاء.\nوالتَّخْويل: الإعطاء، وأصله الإرعاء (٥).\n﴿نِعْمَةً مِنْهُ﴾ من الله.\n﴿نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ﴾ قيل: النِّعمة، أي نسي البلاء.\nوقيل: نسي الله.\nو﴿مَا﴾ بمعنى (مَنْ)، كقوله: ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣)﴾ [الكافرون: ٣] (٦).\n_________\n(١) وكذا يطلق على العَون كما قال تعالى: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩)﴾ [طه: ٢٩] [انظر: الوجوه والنظائر (ص: ٧٩٨)].\n(٢) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٢٨)، تفسير البغوي (٧/ ١١٠)، زاد المسير (٧/ ٤٣).\n(٣) أبو حذيفة بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي، كان حليفًا لياسر بن عامر الكناني، فزوجه أَمَتَهُ سُمية بنت خيَّاط، فولدت له عمَّار بن ياسر، وكان أحد الأربعة الذين وضعوا ركن الكعبة حين اختلفت قريش في إعادة بنائها وقبلت بحكم النبي - ﷺ -، ولم أقف على خبر وفاته غير أنَّه مات على الشِّرك، والله أعلم. [الطبقات؛ لابن سعد (١/ ٦٩)، الاستيعاب (٤/ ١٥٠)].\n(٤) المجاز: اسم لما أريد به غير ما وضع له لمناسبة بينهما كتسمية الشجاع أسدا وهو مفعل بمعنى فاعل من جاز إذا تعدى كالمولى بمعنى الوالي سمي به لأنه متعد من محل الحقيقة إلى محل المجاز \" [التعريفات (ص: ٢٥٧)].\n(٥) انظر: جامع البيان (٢٣/ ١٩٩)، معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ١٥٥)، التحرير والتنوير (٢٣/ ٣٤٣).\n(٦) انظر: جامع البيان (٢٣/ ٢٠٠)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٤/ ٢٦٠).","vol":"1","page":2528},{"text":"وقيل: نسي الدعاء.\n﴿وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ أمثالًا.\n﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ الإسلام، واللام لام العاقبة (١).\nوقُرِئَ بالضَّم أي ﴿لِيُضِلَّ الناس﴾ (٢)، فيكون اللام لام العِلَّة (٣).\n﴿قُلْ﴾ يا محمد له (٤): ﴿تَمَتَّعْ﴾ أي عش ﴿بِكُفْرِكَ قَلِيلًا﴾ في الدنيا.\nلفظ (٥) أمرٍ، معناه: التهديد (٦).\n﴿إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ (٨)﴾ أي أهل النار في الآخرة.\n﴿أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ﴾ في سبب النُّزول عن (٧) ابن عبَّاس - ﵄ -: \"نزلت في أبي بكر الصِّديق (٨) - ﵁ - \" (٩) (١٠).\n_________\n(١) هذا على قراءة ﴿ليَضِلَّ﴾. وقد التزمت مصحف حفصٍ في الكتابة. وهي على قراءة ابن كثير وأبي عمرو. [انظر: السبعة (ص: ٢٦٧)، معاني القراءات (ص: ١٦٧)، التيسير (ص: ١٠٩)، البحر المحيط (٩/ ١٨٨)].\n(٢) وقرأ بها الباقون. [انظر: السبعة (ص: ٢٦٧)، معاني القراءات (ص: ١٦٧)، التيسير (ص: ١٠٩) البحر المحيط (٩/ ١٨٨)].\n(٣) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٠١١) البحر المحيط (٩/ ١٨٨).\n(٤) \" له \" ساقطة من (أ).\n(٥) في (أ) \" لفظه أمر \".\n(٦) انظر: جامع البيان (٢٣/ ٢٠٠)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٤/ ٢٦٠)، البحر المحيط (٩/ ١٨٨).\n(٧) \" عن \" ساقطة من (ب).\n(٨) \" الصديق \" ساقطة من (ب).\n(٩) أبو بكر الصِّدِّيق هو: عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن مسعد بن تَيْم بن مُرَّة بن كعب بن لؤي القُرشي التَّيمي، أبو بكر الصديق بن أبي قُحَافة، واسم أبي قُحَافة: عثمان، ويلقب أبا بكر بعتيق وهو صاحب رسول الله - ﷺ - في الغار وفي الهجرة، والخليفة بعده، وسمي الصِّدِّيق؛ لتصديقه رسول الله - ﷺ - في كل ما جاء به. وقيل: بل قيل له الصِّدِّيق لتصديقه له في خبر الإسراء.\nواختلف في وفاته - ﵁ - فقيل: يوم الجمعة، لسبع ليالٍ بقين من جمادى الآخرة، سنة ثلاث عشرة، وصلَّى عليه عمر بن الخطاب، وقيل: توفِّي عَشَيَّ يوم الاثنين، وقيل: ليلة الثلاثاء، وقيل: عشي يوم الثلاثاء، لثمانٍ بقين من جمادى الآخرى، ودفن بجوار رسول الله - ﷺ -، وكانت مدَّة خلافته سنتين وثلاثة أشهر، وبضعًا وعشرين يومًا. [انْظُر تَرْجَمَتَهُ: الطَّبقات؛ لابن سعد (٣/ ٩٠)، مشاهير علماء الأمصار (ص: ١٠٠)، الاستيعاب (٣/ ٩١)، أسد الغابة (٣/ ٣١٠)].\n(١٠) انظر: النُّكَت والعُيُون (٥/ ١١٧)، أسباب النزول؛ للواحدي (ص: ٣٠٥)، زاد المسير (٧/ ٤٤)، لُبَاب النُّقول؛ للسيوطي (ص: ٢٥٣).","vol":"1","page":2529},{"text":"قال ابن عمر - ﵄ - (١): \" نزلت في عثمان بن عفَّان - ﵁ - \" (٢).\nقال مقاتل: \" نزلت في عمَّار بن ياسر - ﵁ - \" (٣).\nقُرِئَ بالتَّخفيف والتَّشديد (٤).\nوللتخفيف وجهان: أحدهما: أنه ألف استفهام (٥)، أي: أمَّن هو قانت كمن جعل لله أندادًا؟، وفيه ضعفٌ؛ لأنَّ ألف الاستفهام لا يدخل في مَنْ إلاّ مع الواو والفاء (٦).\nوالثاني: أن يكون للنداء فهو كما تقول: فلان لا يُصَلِّي ولا يصوم، فيا من تصوم وتصلِّي (٧) أبشر.\nوقيل: المنادى هو رسول الله - ﷺ - يقوِّيه قوله: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ﴾.\n_________\n(١) ابن عمر هو: عبد الله بن عُمَر بن الخطّاب بن نُفيل القُرشي العَدوي، أبو عبد الرحمن، أسلم مع أبيه وهاجَرَ وعُرض على النبي - ﷺ - بِبَدر فاستصغره ثم بأُحُدٍ فكذلك، ثم بالخندق فأجازه، وهو يومئذٍ ابن خمس عشرة سنة، وهو من المكثرين عن النبي - ﷺ - في رواية الحديث. وكان - ﵁ - من أهل الورَع والعلم، وكان كثير الاتباع لآثار رسول الله - ﷺ - شديد التَّحري والاحتياط والتَّوخَّي في فتواه. توفِّي - ﵁ - بمكة سنة ثلاث وسبعين للهجرة. [انْظُر تَرْجَمَتَهُ: الاستيعاب (٣/ ٨٠)، أسد الغابة (٣/ ٣٧٣)، الإصابة (٤/ ١٥٨)].\n(٢) انظر: النُّكَت والعُيُون (٥/ ١١٧)، أسباب النزول؛ للواحدي (ص: ٣٠٥)، زاد المسير (٧/ ٤٤)، تفسير القرآن العظيم (٤/ ٥٢)، لُبَاب النُّقول؛ للسيوطي (ص: ٢٥٣) ..\n(٣) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٢٨)، النُّكَت والعُيُون (٥/ ١١٧)، أسباب النزول؛ للواحدي (ص: ٣٠٥)، زاد المسير (٧/ ٤٤)، لُبَاب النُّقول؛ للسيوطي (ص: ٢٥٣).\n(٤) بالتَّخفيف أي للميم ﴿أَمَنْ﴾ وبه قرأ ابن كثير ونافع وحمزة، والتَّشديد لها ﴿أَمَّن﴾ وبه قرأ ابن عامرٍ وعاصمٍ وأبي عمروٍ، والكسائي [انظر: السَّبعة (ص: ٥٦١)، الحُجة (٦/ ٩٢)، التيسير (ص: ١٥٣)].\n(٥) في (ب) \" الاستفهام \".\n(٦) وهذا على مذهب سيبوية، وأجازه الكوفيون [الكتاب (١/ ٣٢٥)، مُشْكِلُ إعراب القرآن؛ لمكي (٢/ ٦٣٠)]\n(٧) في (ب) \" يصوم ويصلِّي \".","vol":"1","page":2530},{"text":"وللتَّشديد وجهان: أحدهما: أن يكون أم هي المُعادِلة، والتقدير: الجاحِد الكافر (١) أم الذي هو قانت، ودلَّ على المحذوف قوله: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾.\nوالثاني: أن يكون المنقطعة، وتقديره: بل أمَّن هو قانت كمن بضدِّه (٢).\nوالقانت: القائم المطيع لله.\n﴿آَنَاءَ اللَّيْلِ﴾: أوقات وساعاته.\nوقيل: جوف الليل.\nوقيل: بين المغرب والعشاء.\n﴿سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ أي مصَلِّيًا.\nوقيل: مرَّة ساجدًا ومرَّة قائمًا.\n﴿يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ﴾ عذاب الآخرة.\n﴿وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ نعيم الجنَّة.\n﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾\nالزَّجَّاج: \" أي كما لا يستوي العالم والجاهل، لا يستوي المُطِيعُ والعاصي \" (٣).\nوقيل: ﴿الَّذِينَ يَعْلَمُونَ﴾: هم المؤمنون الموقنون.\n﴿وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾: الكافرون المرتابون.\n_________\n(١) في (ب) \" الكفار \".\n(٢) قال ابن جرير: \" والقول في ذلك عندنا أنَّهما قراءتان، قرأ بكلِّ واحدة علماء من القرَّاء مع صحَّة كُلِّ واحدة منهما في التأويل والإعراب، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب \". [جامع البيان (٢٣/ ٢٠٢)، وانظر توجيه القراءتين: \" معاني القراءات (ص: ٤٢٠)، الحجة (٦/ ٩٢)، المحرر الوجيز (٤/ ٥٢٢)، البحر المحيط (٩/ ١٨٨)].\n(٣) معاني القرآن (٤/ ٢٦١).","vol":"1","page":2531},{"text":"وقيل: ﴿الَّذِينَ يَعْلَمُونَ﴾ ما لهم وما عليهم، ﴿وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ذلك.\n﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩)﴾ أنَّهما ليسا سواء؛ فإنَّ قيمة كلِّ امرئٍ ما يُحْسِنُه.\n﴿قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه.\n﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا﴾ أي أطاعوا الله في الدنيا.\nوقيل: قالوا: لا إله إلا الله.\nوقيل: ثبتوا على إيمانهم.\n﴿حَسَنَةٌ﴾ في الآخرة، وهي الجنة والكرامة.\nوقيل: فيها تقديم وتأخير، أي للذين أحسنوا حسنة في هذه الدنيا.\nوفسَّروا الحسنة: بالصِّحة والعافية.\nوقيل: نور القلب وبهاء الوجه واليقين.\nوقيل: الظفر والغنيمة.\nوقيل: الثناء الجميل (١).\nومحلّها نصب على الحال؛ لأنَّ نعت النكرة إذا تقدَّم عليها انتصب على الحال كقوله (٢):\nلخَولة موحشًا طلل ... . . . . . . . . . . . . . . . . (٣)\n﴿وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ﴾ أي فهاجروا فيها، فيكون خطابًا لمن خُوطِب بقوله: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً﴾ [النساء: ٩٧].\n_________\n(١) وكل ذلك محتملٌ ففضل الله واسع، قال ابن كثير: \" أي لمن أحسن العمل في هذه الدنيا حسنة في دنياهم وأخراهم \". [تفسير القرآن العظيم (٤/ ٥٢)].\n(٢) \" كقوله \" ساقطة من (ب).\n(٣) البيت لكثير عزة [انظر: كتاب العين (٣/ ٢٦٢) مادة (وَحَشَ)، ولفظه: لسلمى، الجامع لأحكام القرآن (١١/ ٢٨٦) ولفظه: لعزَّة، لسان العرب (٦/ ٣٦٨)، مادة (وَحَشَ) ولفظه لسلمى. وتتمت البيت:\n. . . . . . . . . . . ... . . . يلُوحُ كأنَّه خِلَلُ].","vol":"1","page":2532},{"text":"وقيل: ﴿وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ﴾ أي: رزق الله واسع؛ لأنه من (١) الأرض يكون.\n﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ﴾ على أداء فرائض (٢) الله، واجتناب محارمه.\nوقيل: الصابرون على المصائب والمكاره (٣).\n﴿أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠)﴾ قتادة: \" بغير مكيال ولا ميزان \" (٤).\nوقيل: ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ يعرفه الخَلْق (٥)، إنما يعرفه الخالق.\nوقيل: يُعطون أجورهم بالواحد عشرًا (٦) وبالواحد سبع مائة لقوله (٧):\n﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]، ولقوله (٨): ﴿سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ﴾ [البقرة: ٢٦١]، ويُعطون بغير حساب لقوله (٩): ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١].\nوقيل: ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾: بغير تضييق.\nوقيل: ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾: بلا نهاية.\nوقيل: بلا منَّة.\n﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ﴾ في بعض التفاسير: \" أنَّ كفار قريش قالوا للنبي - ﷺ -: ألا تنظر إلى أبيك عبد الله، وملَّة جدَّك عبد المُطَّلِب (١٠)، وسادات قومك يعبدون اللات والعُزَّى (١١)، فأنزل الله ﴿قُلْ﴾ يا محمد ﴿إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ﴾ (١٢)\nأي: بأن أعبد الله.\n﴿مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (١١)﴾ موحِّدًا له.\nوقيل: خالصًا لا يشوبه معصية.\n﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ﴾ قيل: بأن أكون، واللام بدل من الباء.\nوقيل: المفعول محذوف، واللام للعلَّة، أي وأمرت بالإخلاص؛ لأن أكون.\nويحتمل: أن اللام عِلَّة للأُولى، وأمرت مكرر (١٣).\nقوله: ﴿أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (١٢)﴾ قيل: من أمَّتي (١٤).\nوقيل: في بلدي (١٥).\nوقيل: لأن أكون نبيًا، وهو أول المسلمين.\nوقيل: قبل (١٦) أن يعبده معي غيري.\n_________\n(١) في (أ) \" لأنَّ من \".\n(٢) في (ب) \" فريض\".\n(٣) وكلا القولين محكي عند العلماء، قال السعدي: \" وهذا عام في جميع أنواع الصبرِ: الصبرُ على أقدار الله المؤلمة فلا يتسخطها، والصبر عن معاصيه فلا يرتكبها والصبر على طاعته حتى يؤديها\". [تيسير الكريم الرحمن (ص: ٧٢١)].\n(٤) انظر: جامع البيان (٢٣/ ٢٠٤)، تفسير الثعلبي (٨/ ٢٢٥)، الوجيز؛ للواحدي (٢/ ٩٣٠)، المحرر الوجيز (٤/ ٥٢٤)].\n(٥) في (ب) \" يعرفونه الخلق \".\n(٦) في (ب) \" الواحد عشرًا \".\n(٧) في (أ) \" كقوله \".\n(٨) في (أ) \" كقوله \".\n(٩) في (أ) \" كقوله \".\n(١٠) عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، أبو الحارث: زعيم قريش في الجاهلية، وأحد سادات العرب ومقدميهم.\nكان عاقلا، ذا أناة ونجدة، فصيح اللسان، حاضر القلب، أحبه قومه ورفعوا من شأنه، فكانت له السقاية والرفادة.\nوهو جدُّ رسول الله - ﷺ - قيل: اسمه شيبة و\" عبد المطلب \" لقب غلب عليه، مات بمكة عن نحو ثمانين عامًا أو أكثر. مات قبل الهجرة بسبعٍ وعشرين ومائة للهجرة. [انظر تَرْجَمَتَه: الطبقات؛ لابن سعد (١/ ٣٧)، الأعلام (٤/ ١٥٤)].\n(١١) سيأتي الحديث عنهما في سورة النجم - إن شاء الله -.\n(١٢) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٢٩)، زاد المسير (٧/ ٤٥).\n(١٣) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٠١١).\n(١٤) قال الرازي: في قوله: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (١٢)﴾ التنبيه على كونه رسولًا من عند الله واجب الطاعة؛ لأن أول المسلمين في شرائع الله لا يمكن أن يكون إلا رسول الله؛ لأن أول من يعرف تلك الشرائع والتكاليف هو الرسول المبلغ \" [التفسير الكبير (٢٦/ ٢٢٢)، وانظر: تفسير البغوي (٧/ ١١٢)، المحرر الوجيز (٤/ ٥٢٤)].\n(١٥) في (ب) \" من بلدي \".\n(١٦) \" قبل \" ساقطة من (أ).","vol":"1","page":2533},{"text":"صاحب النظم: \"أول المسلمين في الجزاء والثواب عنه\" (١).\n﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣)﴾ قيل: أخاف خوف اليقين، لا خوف الشكِّ.\nوقيل: الخوف هاهنا: لزوم الطاعة فقط.\nوقيل المعنى: إني لا أعصي الله؛ لأني أخاف إن عصيته (٢) عذاب يوم عظيم.\nوقيل: المراد به أمَّته.\nوقيل: منسوخ.\nوقيل: قبل أن غفر الله له.\n﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤)﴾ أي: امتثلت ما أُمِرْتُ به.\n﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ هذا تهديد ووعيد (٣) كقوله: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩].\nوقيل: كقوله: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)﴾ [الكافرون: ٦].\n﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ قال الفقيه (٤) أبو الليث (٥): \" قيل له: خَسِرت أن خالفت دين آبائك، فأنزل الله: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ \" (٦) أهلكوها بالمصير إلى النار.\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) في (ب) \" عصيت \".\n(٣) انظر: تفسير البغوي (٧/ ١١٢)، المحرر الوجيز (٤/ ٥٢٤)، التسهيل (٣/ ١٩٣).\n(٤) \"الفقيه \" ساقطة من (ب).\n(٥) أبو الليث: نصر بن محمد بن أحمد بن إبراهيم السَّمرقندي الحنفي، الفقيه المحدث الزاهد، الملقب بإمام الهدى: علامة، صاحب كتاب \" تنبيه الغافلين \" وله كتاب \" الفتاوى \"، و\" تفسير القرآن \" وغيرها، تُوفِّي سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة، وقيل: سنة خمسٍ وسبعين وثلاثمائة للهجرة. [انْظُر تَرْجَمَتَهُ: سِيَرُ أعلام النُّبلاء (١٦/ ٣٢٢)، طبقات المُفَسِّرين؛ للداوودي (٢/ ٣٤٦)، الأعلام (٨/ ٢٧)].\n(٦) تفسير السَّمرقندي (٣/ ١٧٢).","vol":"1","page":2534},{"text":"وقيل: لم يغنموها إذ لم يستعملوها في طاعة الله.\n﴿وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أي: الحُوْرُ العِين في الجنَّة (١).\nوقيل: لأنه لا يكون في النار أهل.\nوقيل: خسروا أهليهم؛ لأنَّهم أضلوهم فصاروا إلى النار.\n﴿أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١٥)﴾ الظاهر، حيث استبدلوا بالجنة نارًا، وبالدرجات دركات (٢).\n﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ (٣) أي النار محيطة بهم، وسمَّى النار ظلَّة؛ لغلظها وكثافتها، وأنها (٤) تمنع من النَّظر إلى ما فوقهم (٥).\nوقيل: أي تحتهم من النار ما يعلوهم حتى يصير ظُلل.\nوقيل: من فوقهم ظُلَلٌ من النار ومن تحتهم ظُلَلٌ لآخرين منهم، والنار دركات، وهم بين أطباقها.\nوقيل: سَمَّى ما تحتهم ظُلَلٌ ازدواجًا للكلام، ويحتمل: أنَّها تدور عليهم، فهوكما تقول: فوقنا سماء وتحتنا سماء.\n﴿ذَلِكَ﴾ أي ذلك الذي تقدَّم من العذاب.\nوقيل: ذلك الظُلَلُ.\n_________\n(١) وهذا على القول بأهليهم الذين أعدوا لهم في الجنة إضافة إلى أهليهم المؤمنين في الدنيا [انظر: النُّكَت والعُيُون (٥/ ١١٩)، المحرر الوجيز (٤/ ٥٢٤)، زاد المسير (٧/ ٤٥)].\n(٢) دركات النار: منازل أهلها، والنار دركات والجنة درجات \" [مختار الصحاح (ص: ٨٥)، مادة (دَرَكَ)].\n(٣) الظلة: ما غشي وغمَّ كالسَّحابة وسقف البيت ونحوه [انظر: المحرر الوجيز (٤/ ٥٢٥)، لسان العرب (١١/ ٤١٥)، مادة (ظَلَلَ)، الكليات (ص: ٥٨٨)].\n(٤) في (ب) \" وإنما \".\n(٥) انظر: تفسير البغوي (٧/ ١١٢)، المحرر الوجيز (٤/ ٥٢٥)، التسهيل (٣/ ١٩٣).","vol":"1","page":2535},{"text":"﴿يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ﴾ في القرآن ليؤمنوا (١).\n﴿يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ (١٦)﴾ وحِّدوني وأطيعوني.\n﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ﴾ في سبب النُّزول: ابن زيد (٢): \"نزلت في ثلاثة نفر كانوا في الجاهلية يقولون: لا إله إلى الله: زيد بن عمرو (٣)، وأبي ذَرٍّ الغِفَاري (٤)، وسلمان الفارسي (٥) \" (٦).\n_________\n(١) وذلك لقرب العهد في الذكر، وإلا فتخويف الله لعباده ليس محصورًا في القرآن فقط.\n(٢) ابن زيد هو: عبد الرحمن بن زيد بن أَسْلَم العَدوي، مولاهم المدني. له: (التفسير) و(الناسخ والمنسوخ)، كان مِمَّن يقلب الأخبار وهو لا يعلم حتى كثُر ذلك في روايته من رفع المراسيل وإسناد الموقوف فاستحق التَّرك والتضعيف، توفِّي سنة اثنتين وثمانين ومائة للهجرة [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: الضعفاء الكبير؛ للعُقيلي (٢/ ٧٢)، المجروحين؛ لابن حبَّان (٢/ ٥٧)، سِير أعلام النُّبلاء (٨/ ٣٤٩)، طبقات المفسرين؛ للداوودي (١/ ٢٧١)].\n(٣) زيد بن عمرو بن نُفيل بن عبد العُزى، القُرشي العَدوي: نصير المرأة في الجاهلية، وأحد الحكماء، وهو ... ابن عمِّ عمر بن الخطاب - ﵁ -، لم يدرك الإسلام، وكان ينتظر بعثة النبي - ﷺ - ليؤمن به، وكان يكره عبادة الأوثان ولا يأكل مما ذبح عليها، ورحل إلى الشام باحثًا عن عبادات أهلها، فلم تستمله اليهودية ولا النصراينة، فعاد إلى مكة يعبد الله على دين إبراهيم، وجاهر بعداء الأوثان، فتألب عليه جمع من قريش، فأخرجوه من مكة، فانصرف إلى (حراء) فسلَّط عليه عمه الخطاب شبانًا لا يدعونه يدخل مكة، فكان لا يدخلها إلا سرًا، توفي قبل مبعث النبي - ﷺ - بخمس سنين. [انظْر تَرْجَمَتَه: الطبقات؛ لابن سعدٍ (١/ ٧٧)، الأعلام (٣/ ٦٠)].\n(٤) أبو ذَرٍّ: اختلف في اسمه على أقوال أصَحُّها: جندب بن جُنادة بن قيس بن عمرو بن غفار، الكناني الغفاري، أبو ذَرٍ، من فضلاء الصحابة ونجبائهم، وأحد السابقين الأولين، قيل: كان رابع أربعة أو خامس خمسة في الإسلام، انصرف إلى بلاد قومه بعد أن أسلم فأقام بها إلى أن هاجر النبي - ﷺ - فهاجر معه ولازمه وجاهد معه، وكان يفتي في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان. وكان -﵁- رأسًا في الزهد والصدق والعلم قوالًا للحق لا تأخذه في الله لومة لائم. قال فيه النبي - ﷺ -: «ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء من رجل أصدق لهجة من أبي ذَرٍ». توفي - ﵁ - سنة اثنتين وثلاثين للهجرة على الأشهر. [انْظُرْ تَرْجَمَتَه: الاستيعاب (١/ ٣٢١)، أسد الغابة (٦/ ١٠٦)، سير أعلام النبلاء (٢/ ٤٦)].\n(٥) سلمان الفارسي، أبو عبد الله، وكان يُسَمَّي نفسه سلمان بن الإسلام من بني آدم، مولى رسول الله - ﷺ - ويعرف بـ \"بسلمان الخير \"، كان أصله من فارس من رام هرمز، وكان - ﵁ - يطلب دين الله تعالى ويتبع من يرجو ذلك عنده فدان بالنصراينة وغيرها وقرأ الكتب وصبر في ذلك على مشقات نالته وتداوله - كما قال - بضعة عشر ربًا، من رَبٍّ إلى رَبٍّ حتى أفضى إلى النبي - ﷺ - ومَنَّ الله عليه بالإسلام.\nأول مشاهده الخندق، وهو الذي أشار بحفره فقال: أبو سفيان وأصحابه؛ إذ رأوه: \" هذه مكيدة ما كانت العرب تكيدها \"، ولم يفته بعد الخندق مشهد مع رسول الله - ﷺ -، وكان خيرًا فاضلًا حبرًا عالمًا زاهدًا متقشفًا.\nتوفي - ﵁ - في آخر خلافة عثمان سنة خمس وثلاثين على الأشهر. [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: مشاهير علماء الأمصار (ص: ٥٦)، الاستيعاب (٢/ ١٩٤)، سِيَرُ أعلام النُّبَلاء (١/ ٥٠٥)].\n(٦) انظر: جامع البيان (٢٣/ ٢٠٦)، المحرر الوجيز (٤/ ٥٢٥)، زاد المسير (٧/ ٤٦) وهذا الخبر فيه نظر على القول بمكية السورة على مذهب الجمهور، قال ابن جزي: \" وهذا ضعيف؛ لأنَّ سلمان إنما أسلم بالمدينة، والآية مكية \" [التسهيل (٣/ ١٩٣)].","vol":"1","page":2536},{"text":"والطاغوت: الأوثان.\nوقيل: الشيطان.\nوقيل: الكَهنة.\nوكلُّ ما عبد من دون الله طاغوت (١).\n﴿أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ بدل (٢) أي عبادتها (٣).\nوقيل: طاعتها.\nوالطاغوت مؤنَّث يقع على الواحد والجمع، واشتقاقها من الطغيان، ووزنها فَلعوت (٤).\nوقيل: اسم أعجمي، والوجه هو الأول.\n﴿وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ﴾ رجعوا إلى عبادة الله بعد الصنم.\nوقيل: أقبلوا إلى طاعة الله.\n﴿لَهُمُ الْبُشْرَى﴾ بالجنة، أي الملائكة يبشرونهم (٥).\nوقيل: يبشرهم الله.\nوقيل: البشرى: الجنَّة.\nوقيل: سرور عند الموت.\n_________\n(١) قلت: \" وهذا هو القول عند المحقِّقين، والحظ الأكبر من ذلك للشيطان [انظر: جامع البيان (٢٣/ ٢٠٦)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٢/ ٥٠)، معاني القرآن؛ للنَّحاس (٢/ ١١١)، التسهيل (٣/ ١٩٣)، أضواء البيان (١/ ١٩٩)].\n(٢) \" بدل \" ساقطة من (أ).\n(٣) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٠١١)، الكشاف (٤/ ١٢٢)، البحر المحيط (٩/ ١٩٢).\n(٤) انظر: معاني القرآن؛ للأخفش (ص: ٢٧٤)، جامع البيان (٣/ ١٩)، المحرر الوجيز (٤/ ٥٢٥)، لسان العرب (٨/ ٤٤٤)، مختار الصحاح (ص: ١٦٥).\n(٥) قال ابن جرير: \" لهم البُشرى في الدنيا بالجنة في الآخرة \" [جامع البيان (٢٣/ ٢٠٩)].","vol":"1","page":2537},{"text":"﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾\nابن عباس - ﵄ -: أنَّ أبا بكر - ﵁ - آمن بالنبي - ﷺ - فجاء (١) عثمان وعبد الرحمن (٢) وطَلْحَة (٣) والزُّبَير (٤) وسَعْد (٥)\n_________\n(١) في (ب) \" فجاءه \".\n(٢) عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد الحارث بن زُهْرة بن كلاب بن مُرَّة القُرشي الزُّهري، يُكْنى أبا مُحمد، أحد الثمانية الذين سبقوا إلى الإسلام، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة، هاجر الهجرتين، وشهد بدرًا والمشاهد كلّها مع رسول الله - ﷺ -، وبعثه النبي - ﷺ - إلى دَوْمَة الجَندل، وكان أحد الستة أصحاب الشورى الذين جعل عمر بن الخطاب الخلافة فيهم، وكان - ﵁ - عظيم التجارة مبارك الكَسب، كثير الإنفاق في سبيل الله، توفي - ﵁ - بالمدينة سنة إحدى وثلاثين، وقيل: اثنتين وثلاثين للهجرة ... [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: الاستيعاب (٢/ ٣٨٥)، أسَد الغابة (٣/ ٤٧٥)، سِيَرُ أعلام النُّبلاء (١/ ٦٨)].\n(٣) طَلْحَة بن عُبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب، أبو محمد، القُرشي التَّيمي، من السابقين الأولين إلى الإسلام، دعاه أبو بكر الصديق إلى الإسلام فأسلم، وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد أصحاب الشورى، ولم يشهد بدرًا؛ لأنَّ النبي - ﷺ - أرسله ومعه سعيد بن زيد إلى طريق الشام يتجسَّسان أخبار عير قريش، ثم رجعا إلى المدينة، فطلبا سهمها وأجرهما فأقرهما النبي - ﷺ - على ذلك ووفَّاهما، وشهد - ﵁ - أحدًا وما بعدها من المشاهد، وبايع بيعة الرضوان، وأبلى يوم أحد البلاء العظيم، ووقى رسول الله - ﷺ - بنفسه، واتقى عنه النبل بيده، حتى شُلَّت إصبعه، وضرب على رأسه، وحمل رسول الله - ﷺ - على ظهره حتى صعد الصخرة، ثم شهد طلحة بن عبيد الله يوم الجمل محاربًا لعلي - ﵁ - سنة ست وثلاثين للهجرة فقتل فيها - ﵁ -. [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: مشاهير علماء الأمصار (ص: ١٢)، الاستيعاب (٢/ ٣١٦)، أسَد الغابة (٣/ ٨٤)].\n(٤) الزُّبَيْرُ بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العُزى بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب، الأسدي القرشي، أبو عبد الله، حواري رسول الله - ﷺ -[أي الصاحب المُستخلص]، وابن عمته صفية بنت ... عبد المطلب، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الذين توفي رسول الله - ﷺ - وهو راض عنهم، وأحد الستة أهل الشورى، وأول من سلَّ سيفه في سبيل الله، ولم يتخلف الزبير عن غزوة غزاها رسول الله - ﷺ -، وشهد الزُّبير الجمل مقاتلًا لعلي، فناداه علي ودعاه، فانفرد به وقال له: \" أتذكر إذ كنت أنا وأنت مع رسول الله - ﷺ -، \"ونحن نضحك فقال \" لتقاتلنه وأنت له ظالم \"، فذكر الزبير ذلك، فانصرف عن القتال، فنزل بوادي السِّباع، وقام يصلي فأتاه ابن جُرموز فقتله؟ وجاء بسيفه إلى علي فقال: إنَّ هذا سيف طالما فرَّج الكرب عن رسول الله - ﷺ -، ثم قال: بَشِّر قاتل ابن صفية بالنار \"، وكان قتله - ﵁ - يوم الخميس لعشر خلون من جمادى الأولى من سنة ست وثلاثين للهجرة.\n[انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: مشاهير علماء الأمصار (ص: ١٣)، الاستيعاب (٢/ ٨٩)، سير أعلام النبلاء (١/ ٤١)].\n(٥) سعد بن أبي وقاص [مالك] بن وهيب، وقيل: أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب ابن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة القُرشي الزُّهري، أبو إسحاق القرشي، من السابقين إلى الإسلام، =","vol":"1","page":2538},{"text":"وسَعِيْدٌ (١) فسألوه، فأخبرهم بإيمانه، فآمنوا فأنزل الله تعالى (٢): ﴿فَبَشِّرْهُ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ﴾ (٣) يريد من أبي بكر فيتَّبعون أحسنه.\nوقيل (٤): القول: عامٌّ، ويتبعون أحسنه: أي في العقل (٥).\nوقيل: القول: أقاويل أهل الملل، وأحسنه: الإسلام.\nوقيل: القول (٦): القرآن، وأحسنه العفو والتجافي دون القصاص والدِّية، وكذلك يتَّبعون المُحكم دون المتشابه.\nابن عباس - ﵄ -: \" هو (٧) الرَّجل يجلس مع القوم فيسمع الحديث فيه محاسن ومساوٍ فيحدِّث (٨) بأحسن ما يسمع \" (٩).\n_________\n= أسلم بعد ستة، وقيل: بعد أربعة، وكان عمره لما أسلم سبع عشرة سنة. روى عنه أنه قال: أسلمت قبل أن تفرض الصلاة، وهو أحد الذين شهد لهم رسول الله - ﷺ - بالجنة وتوفي - ﷺ - وهم عنهم راضٍ، وأحد العشرة سادات الصحابة، وأحد الستة أصحاب الشُّورى، وكان مستجاب الدعوة، شهد بدرًا وأحدًا، والخندق، والمشاهد كلها مع رسول الله - ﷺ -، وهو أول من أراق دمًا في سبيل الله، وأول من رمي بسهم في سبيل الله، وكان أميرًا لجيشِ الذين هزموا الفرس بالقادسية، وهو الذي فتح مدائن كسرى بالعراق، وهو الذي بني الكوفة، وولي العراق، وتوفي بالعقيق على سبعة أميال من المدينة، فحمل على أعناق الرجال إلى المدينة فأدخل المسجد فصلى عليه مروان بن الحكم، وأزواج النبي - ﷺ -، واختلف في سنة وفاته - ﵁ - فقيل: توفي سنة خمس وخمسين، وقيل: سنة ثمان وخمسين، وقيل: سنة أربع وخمسين. [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: مشاهير علماء الأمصار (ص: ١٣)، الاستيعاب (٢/ ١٧١)، سِيَرُ أعلام النُّبَلاء (١/ ٩٣)].\n(١) سعيد بن زيد بن عمرو بن نُفيل بن عبد العُزي القُرشي العدوي، يكنى أبا الأعور القرشي، ابن عمِّ عمر بن الخطاب وزوج أخته فاطمة بن الخطاب، من السابقين الأولين وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وتوفي رسول الله - ﷺ - وهو عنهم راضٍ، ولم يشهد بدرًا؛ لأنَّ النبي - ﷺ - أرسله ومعه طلحة بن عبيد الله إلى طريق الشام يتجسَّسان أخبار عير قريش، ثم رجعا إلى المدينة، فطلبا سهمها وأجرهما فأقرهما النبي - ﷺ - على ذلك ووفَّاهما، وشهد - ﵁ - أحدًا وما بعدها من المشاهد، وبايع بيعة الرضوان، وكان أبوه زيد بن عمرو بن نُفيل يطلب دين الحنيفية دين إبراهيم - ﵇ - قبل أن يبعث النبي - ﷺ -، ومات قبل أن يُدرك البعثة، توفي سعيد بن زيد - ﵁ - بأرضه بالعقيق، ودفن بالمدينة في أيام معاوية سنة خمسين أو إحدى وخمسين للهجرة. [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: مشاهير علماء الأمصار (ص: ١٣)، الاستيعاب (٢/ ١٧١)، أسَد الغابة (٢/ ٤٧٦)].\n(٢) في (ب) \" فنزلت \".\n(٣) انظر: تفسير البغوي (٧/ ١١٣)، المحرر الوجيز (٤/ ٥٢٤)، الجامع لأحكام القرآن (١٥/ ٢٣٣).\n(٤) في (أ) \" قيل \".\n(٥) في (ب) \" أي في العقل فآمنوا \".\n(٦) \" القول \" ساقط من (أ).\n(٧) \" هو \" ساقط من (أ).\n(٨) في (ب) \" فيتحدَّث \".\n(٩) انظر: النُّكَت والعُيُون (٥/ ١٢١).","vol":"1","page":2539},{"text":"الزَّجَّاج: \"يسمعون القرآن وغيره فيتَّبعون القرآن\" (١).\nوقيل: يتَّبِعون العزائم (٢) دون الرُّخَص.\nوقيل: أحسنه: لا إله إلا الله.\nوقيل: أحسنه: الطاعة (٣).\n﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾ لدِيْنه.\nوقيل: لنيل جنَّته.\n﴿وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٨)﴾ ذُوا العقول (٤).\n﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ أي: كفر واستحقَّ الوعيد.\nوقيل: أفمن وجب عليه كلمة العذاب في سابق علم الله، ودخل ألف الاستفهام للتقرير.\n﴿أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ (١٩)﴾ تخلِّصه، أي ليس إليك ذلك، والألف الثاني ... زيادة (٥)، ولا يدخل الألف المبتدأ ثمَّ يدخل الخبر.\nو(مَنْ) وقع موقع الضمير، أي تنقذه، وجاز؛ لأنه هو.\nوقيل: تقديره من في النار منهم فحذف.\nوقيل: كلُّ واحد منهما جملة مستقلة. (٦)\nوخبر المبتدأ الأول مضمر تقديره: أفمن حقَّ عليه كلمة العذاب ينجو منه.\n_________\n(١) معاني القرآن (٤/ ٢٦٢).\n(٢) المراد بالعزائم: ما وردت العزيمة من الشارع على فعله كصيغة الأمر مثلًا، وهو خلاف الرخصة [انظر: فتح الباري؛ لابن حجر (٣/ ٢٥٧)].\n(٣) قال ابن عطية: \" كلام عامٌّ في جميع الأقوال، وإنما القصد الثناء على هؤلاء ببصائر هي لهم، وقوام في نظرهم حتى إنهم إذا سمعوا قولًا ميَّزوه واتبعوا أحسنه \" [المحرر الوجيز (٤/ ٥٢٥)].\n(٤) \" ذُوا العقول \" كذا في النسختين.\n(٥) هذا القول على أن الكلام جملة واحدة.\n(٦) وهذا القول الثاني.","vol":"1","page":2540},{"text":"وقيل: أفمن حقَّ عليه كلمة العذاب كمن يهديه الله، وحذف؛ لأن الآية الأولى تدُلُّ عليه.\nالفَرَّاء: \"تقدير الآية: أفأنت تنقذ من حقَّت عليه كلمة العذاب \" (١) فلمَّا وقع الاستفهام غير موقعه (٢) أعيد (٣).\n﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ﴾ أي: لهم علالي فوقها علالي (٤)، درجات بعضها أرفع من بعض؛ ليتخيروا منها ما أحبُّوا، ويكونوا منها حيث شاؤا.\nوقيل: لهؤلاء ظُلل من النار، ولهؤلاء غرف من الجنَّة.\n_________\n(١) معاني القرآن (٢/ ٤١٨).\n(٢) في (ب) \" عن موضعه \".\n(٣) قال النَّحاس: \" وقوله جلَّ وعزَّ: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ (١٩)﴾: يقال: كيف جيء باستفهامين، وقد أجمع أهل العربية، أنه لا يجوز استفهامان في اسم وخبره؟ ففي هذا جوابان:\nأحدهما: أن العرب إذا طال الكلام، كرَّرت توكيدًا، وكذلك قال سيبويه في قول الله جلَّ وعزَّ: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (٣٥)﴾ [المؤمنون: ٣٥].\nالمعنى على هذا: أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذه؟\nوالكلام شرط وجوابه، وجيء بالاستفهام، ليدل على التوقيف والتقرير.\nقال الفَرَّاء: المعنى: أفأنت تنقذ من حقت عليه كلمة العذاب؟\nقال أبو جعفر: وهذا والأول واحدٌ؟\nوالجواب الآخر: أنَّ في الكلام حذفًا.\nوالمعنى: أفمن حق عليه كلمة العذاب يتخلص، أو ينجو؟\nثم حذفَ الجواب، وكان ما بعده مستأنفًا\nوالمعنى: أفمن سبق في علم الله جلَّ وعزَّ أنه يدخل النار ينجو أو يتخلص؟ \". [معاني القرآن (٦/ ١٦٣) وانظر: معاني القرآن؛ للفراء (٢/ ٤١٨)، جامع البيان (٢٣/ ٢٠٧)، الكشاف (٤/ ١٢٣)، التسهيل (٣/ ١٩٣)، أضواء البيان (٧/ ٥٠)، وفيه رجَّح الشنقيطي القول الثاني إذ يقول: \" أما القول بأن الكلام جملة واحدة شرطية، كما قال الزمخشري: \" أصل الكلام: أمَّن حق عليه كلمة العذاب، فأنت تنقذه جملة شرطية دخل عليها همزة الإنكار والفاء فاء الجزاء، ثم دخلت الفاء التي في أولها للعطف على محذوف يدل عليه الخطاب تقديره: أأنت مالك أمرهم، فمن حق عليه العذاب فأنت تنقذه؟ والهمزة الثانية: هي الأولى كرِّرت لتوكيد معنى الإنكار والاستبعاد، ووضع ﴿مَنْ فِي النَّارِ﴾ موضع الضمير، فالآية على هذا جملة واحدة، فإنه لا يظهر كل الظهور\"].\n(٤) انظر: جامع البيان (٢٣/ ٢٠٩).","vol":"1","page":2541},{"text":"﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ أي تحت منازلها، ويحتمل منابعها من تحتها.\nوقيل: من جهتها.\n﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾ نصب على المصدر (١).\nو﴿لَهُمْ﴾: دلَّ (٢) على وعد ﴿لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ (٢٠)﴾\n﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ يريد المطر، وكل ما في الأرض فأصله من السماء (٣).\nوقيل: ماء المطر (٤) ينزله الله من السماء إلى الغيم، ثمَّ من الغيم إلى الأرض.\n﴿فَسَلَكَهُ﴾.\n﴿يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ﴾ جمع (٥) يُنْبُوع، وهو الماء الذي يخرج من الأرض.\nوينابيع: نصب على الحال (٦).\nوقيل: اليَنْبُوع: الموضع الذي يخرج منه الماء كالعيون والآبار (٧)، فيكون نصبًا على ... الظرف، أي في ينابيع، فيكون ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ صفة لينابيع.\n_________\n(١) انظر: المحرر الوجيز (٤/ ٥٢٦)، الكشاف (٤/ ١٢٣)، زاد المسير (٧/ ٤٧).\n(٢) في (ب) \" يدلُّ \".\n(٣) في هذا المعنى أورد ابن كثير في تفسيره عن ابن عباس - ﵄- في قوله تعالى: \" ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ﴾ قال: \" ليس في الأرض ماء إلا نزل من السماء ولكن عروق في الأرض تغيره فذلك قوله تعالى: ﴿فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ﴾، فمن سرَّه أن يعود الملح عذبا فليصعده\"، وكذا قال سعيد بن جبير وعامر الشعبي: \" أن كل ماء في الأرض فأصله من السماء \" ... [تفسير القرآن العظيم (٤/ ٥٤)].\n(٤) \" المطر \" ساقط من (أ).\n(٥) في (ب) \"مع \".\n(٦) انظر: التحرير والتنوير (٢٣/ ٣٧٧).\n(٧) انظر: -كلا المعنيين -: تفسير السَّمرقندي (٣/ ١٧٣)، المفردات (ص: ٧٨٨)، لسان العرب (٨/ ٣٤٥).","vol":"1","page":2542},{"text":"﴿ثُمَّ يُخْرِجُ﴾ بِهِ بالماء ﴿زَرْعًا﴾ الزَّرع: النَّبت من غير ساق.\n﴿مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ﴾ أصنافه كالبُر والشعير وسائر الحبوب.\nوقيل: ألوانه من الصُّفرة والحُمْرة والخُضرة وغيرها.\n﴿ثُمَّ يَهِيجُ﴾ أي يتَمُّ جفافه. عن الزَّجاج (١).\nقال أبو عبيدة: \" هاج الرُّطَبُ إذا ذوى \" (٢).\n﴿فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا﴾ أي يابسًا (٣).\n﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا﴾ رُفاتًا مُتَكَسِّرًا، وقيل: هالكًا (٤).\n﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ في إنزال الماء، وإخراج الزَّرع.\n﴿لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٢١)﴾ لذوي العقول.\n﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ في سبب النزول: أنَّها نزلت في حمزة وعلي ... - ﵄ -، وأبي لهب وولده (٥)، فعليٌّ وحمزة ممن شرح الله صدره وأبو لهب وولده هم الذين قست قلوبهم عن ذكر الله (٦).\nالكَلْبي (٧): نزلت في رسول الله - ﷺ - (٨).\n_________\n(١) معاني القرآن (٤/ ٢٦٣)\n(٢) مجاز القرآن (٢/ ١٨٩).\n(٣) قال ابن جرير في المعنى: \" ييبس ذلك الزرع من بعد خضرته، يقال للأرض إذا يبس ما فيها من الخُضْرِ وذَوِيَ: هاجت الأرض وهاج الزرع\". [جامع البيان (٢٣/ ٢٠٧)].\n(٤) انظر: جامع البيان (٢٣/ ٢٠٧)، معاني القرآن (٤/ ٢٦٤).\n(٥) سيأتي الحديث عنه وعن ولده فيما ذكره المؤلف في سورة المسد.\n(٦) انظر: أسباب النزول؛ للواحدي (ص: ٣٠٦)، المحرر الوجيز (٤/ ٥٢٧)، زاد المسير (٧/ ٤٨)، الجامع لأحكام القرآن (١٥/ ٢٣٦)، التسهيل (٣/ ١٩٤).\n(٧) الكَلْبِي: محمد بن السَّائب بن بشر بن عمرو بن الحارث الكلبي، أبو النضر الكوفي، نسَّابَة مفسر عالمٌ بالأخبار وأيام العرب، شيعي كذاب متروك الحديث، توفى سنة سِتٍّ وأربعين ومائة للهجرة. [انْظُر تَرْجَمَتَهُ: وفيات الأعيان (٤/ ٣٠٩)، سِيَرُ أعلام النُّبلاء (٦/ ١٣٣)، طبقات المُفَسِّرين؛ للأدنه وي (ص: ١٧)].\n(٨) انظر: تفسير الثعلبي (٨/ ٢٢٩)، النُّكَت والعُيُون (٥/ ١٢٢)، زاد المسير (٧/ ٤٨).","vol":"1","page":2543},{"text":"مقاتل: نزلت في عمَّار (١).\nالنَّقَّاش (٢): نزلت في عثمان - ﵁ - (٣).\nوفي شرح الصَّدر قولان: أحدهما: أنَّ الله يبتدئ قومًا بأن يشرح صدورهم وكذلك يضيِّق صدور قوم ابتداء، فعلى هذا شرح الصَّدر قبل الإسلام، وأنكر هذا (٤) بعضهم.\nوقالوا: الشَّرح بعد الإسلام، ومعنى شَرَح صدره: وسَّع صدره للإسلام فاهتدى، وملأ قلبه بالنُّور.\n﴿فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ بيان وبصيرة (٥).\nوقيل: النُّور: القرآن، وهو نور لمن تمسك به.\nوقيل: على معرفة.\nوالألف في أول الآية للاستفهام (٦)، والفاء لعطف جملة على جملة بينهما نوع اتصال، والتقدير: أفمن شرح الله صدره كمن قسا قلبه فحُذِف؛ لأن قوله ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ يدل عليه (٧).\nوالقلب القاسي: اليابس الذي لا ينجع فيه الإيمان ولا الوعظ.\n_________\n(١) انظر: تفسير الثعلبي (٨/ ٢٢٩)، النُّكَت والعُيُون (٥/ ١٢٢)، الجامع لأحكام القرآن (١٥/ ٢٣٦).\n(٢) النَّقَّاش: محمد بن الحسن بن محمد بن زياد بن هارون، الموصلي، البغدادي، أبو بكر، المقرئ المُفَسِّر، المعروف بالنَّقاش، كان عالمًا بالقرآن والتفسير، وصنَّف في التفسير كتابًا، سمَّاه \" شفاء الصدور\" وصنَّف غيره، وكان واسع الرحلة، وهو في القراءات أقوى منه في الروايات، تُوُفِّي سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة للهجرة. [انْظُر تَرْجَمَتَه: وفيات الأعيان (٤/ ٢٩٨)، سِيَرُ أعلام النُّبلاء (١٥/ ٥٧٣)، طبقات المفسرين؛ للسِّيوطي (ص: ٨٠)].\n(٣) انظر: النُّكَت والعُيُون (٥/ ١٢٢).\n(٤) \" هذا \" ساقط من (أ).\n(٥) انظر: جامع البيان (٢٣/ ٢٠٩).\n(٦) في (ب) \" الاستفهام\".\n(٧) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجاج (٤/ ٢٦٤)، المحرر الوجيز (٤/ ٥٢٧)،.","vol":"1","page":2544},{"text":"قوله: ﴿مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ قيل: (مِن) (١) بمعنى عن، أي: القاسي المعرض عن ذكر الله (٢).\nوقيل: القاسي: الخالي من ذكر الله، وذكر الله: القرآن.\n﴿أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٢)﴾ في خطأ ظاهر.\n﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ في سبب النزول عن سعد (٣) - ﵁ - قالوا يارسول الله: ... «لو حدَّثتنا، فأنزل الله ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾» (٤).\nوالحديث: كلام يتضمن الخبر عن حال متقدِّمة.\nوقيل: سُمِّي حديثًا؛ لأنَّه حديثٌ بالنُّزول بعدما تقدَّمه الكتب.\nوالقرآن أحسن الحديث؛ لكونه صدقًا كُلُّه.\nوقيل: أحسن الحديث؛ لفصاحته وإعجازه.\nوقيل: لأنه أكمل الكتب، وأكثرها إحكامًا (٥).\n﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ يشبه بعضه بعضًا في الحجج والأحكام، والصدق والبيان.\nوقيل: مُتشابهًا: في الفصل والوعظ (٦).\nوقيل: مُتشابهًا: يشبه كتب الله المتقدِّمة.\nوقيل: مُتشابهًا: خيارًا لا حشو فيه.\nوقيل: هو من قوله: ﴿مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧] فيكون صفة (٧) للقرآن.\n_________\n(١) \" مِن \" ساقط من (ب).\n(٢) وهو اختيار الفَرَّاء والطبري [انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٢/ ٤١٨)، جامع البيان (٢٣/ ٢٠٩)].\n(٣) أي سعد بن أبي وقَّاص وقد تقدَّمت ترجمته (ص: ١٣٨).\n(٤) انظر: أسباب النزول؛ للواحدي (ص: ٣٠٦)، وكذا الحاكم في مستدركه (٢/ ٣٤٥)، كتاب التفسير، وصحَّحَه الذهبي، وأخرجه ابن جرير في تفسيره (٢٣/ ٢١١) عن ابن عباس، ولباب النُّقول؛ للسيوطي (ص: ١٦٨).\n(٥) في (ب) \" وأكثر إحكامًا \" وما أثبت هو المنقول من النُّكَت والعُيُون (٥/ ١٢٢).\n(٦) في (أ) \" في الفصل وفي الوعظ \".\n(٧) في (أ) \" صلة \".","vol":"1","page":2545},{"text":"وقيل: القرآن متشابه تفسيره، وتأويله إلى الله، وهذا القول ضعيف.\nوقيل: متشابهًا (١) يشبه اللفظُ اللفظَ، والمعنى مختلف.\n﴿مَثَانِيَ﴾ ابن عباس - ﵄ - سُمِّي مثاني؛ لأنَّها تثنى (٢) في التلاوة فلا يملُّ لحُسن مسموعه \" (٣).\nوقيل: ثنِّيت (٤) فيه القصص والأخبار، وذكر الجنة والنار.\nوقيل: تقشعر منه وتلين تفسير (٥) لقوله: ﴿مَثَانِيَ﴾.\nوقيل: سُمِّي مثاني؛ لأنَ فيه السبع المثاني، وهي الفاتحة (٦).\nالكلبي: \" لأنَّ الآية تُثَنَّى بعد الآية، والسورة تُثَنَّى بعد السورة \" (٧).\nوقيل: لأنها نزلت مرَّتين، فإنَّ معاني القرآن كلَّها منزَّلة على الأنبياء المتقدِّمة لقوله (٨) تعالى:\n﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (١٩)﴾ [الأعلى: ١٨ - ١٩].\nوعن ابن عبَّاسٍ - ﵄ - أيضًا (٩): \" القرآن (١٠) يُفسِّر بعضه بعضًا، ويردّ بعضه على بعض \" (١١).\nوالمثاني: عند الفَرَّاء: اسم لكل سورة عدد آيها أقل من مائة آية؛ لأنَّها تثنَّى أكثر مما تُثنَّى (١٢) الطوال (١٣) (١٤) والمئون (١٥) \" (١٦).\n_________\n(١) في (أ) \" متشابه \".\n(٢) في (أ) \" يثنَّى \".\n(٣) لم أقف عليه لابن عباس، وقد نسب هذا القول الماوردي في النُّكَت والعُيُون (٥/ ١٢٣) لابن عيسى.\n(٤) في (ب) \" تثبت \".\n(٥) في (ب) \" تقشعرُّ تفتر \".\n(٦) في (ب) \" وهو الفاتحة \".\n(٧) انظر: النُّكَت والعُيُون (٥/ ١٢٣).\n(٨) في (أ) \" كقوله \".\n(٩) \" أيضًا \" ساقطة (ب).\n(١٠) \" القرآن \" ساقط من (أ).\n(١١) انظر: النُّكَت والعُيُون (٥/ ١٢٣).\n(١٢) في (أ) \" يثنَّنى أكثر مما يثنى \".\n(١٣) في (ب) \" الطول \".\n(١٤) الطِّوال: سبع سور: البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف؛ فهذه ستة، واختلفوا في السابعة أهي الأنفال وبراءة معًا - لعدم الفصل بينهما بالبسملة؟ أم هي سورة يونس؟. [انظر: فضائل القرآن؛ لأبي عبيد ... (ص: ٧٤)، البيان في عد آي القرآن (ص: ١٣٨)، البرهان؛ للزَّركشي (١/ ٢٤٤)، الإتقان؛ للسيوطي (١/ ٦٥)، مناهل العرفان في علوم القرآن (١/ ٣٢٥)، معجم علوم القرآن؛ للجرمي (ص: ١٦٤)].\n(١٥) المئون: هي التي تزيد آياتها على مائة أو تقاربها، وهي السور التي تلي السبع الطوال، وهي من أول الأنفال إلى نهاية السجدة (ما عدا سورة يونس فإنَّها من السبع الطوال على قول) [انظر: البرهان، (١/ ٢٤٤)، الإتقان (١/ ٦٥)، مناهل العرفان (١/ ٣٢٥)، معجم علوم القرآن، (ص: ٢٣٨)].\n(١٦) لم أجد هذا القول في معاني القرآن؛ للفراء، وهو في غرائب التفسير (٢/ ١٠١٢)، والإتقان (١/ ٦٥)، مناهل العرفان (١/ ٣٢٥).","vol":"1","page":2546},{"text":"والمثاني: جمع مثنَّى ومثْنىَ مفعلٌ من ثَنَيْت وثنّيت، مخفَّفٌ ومثقَّل بمعنى (١)، وهو أن تضيف إلى الشيء مثله (٢).\nقال ابن بحر: \" لمَّا كان القرآن مخالفًا لنظم البشر ونثرهم جعل أسماءه بخلاف ما سمّوا به كلامهم على الجملة والتفصيل، فسمَّى جملته قرآنًا، كما سمّوه ديوانًا، وكما قالوا: قصيدة وخطبة ورسالة، قال: سورة، وكما قالوا: بيت، قال (٣): آية، وكما سمّيت الأبيات لاتِّفاق أواخرها قوافي، سمَّى الله القرآن لا تفاق خواتيم الآي فيها مثاني \" (٤).\n﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ تشمئز، وقيل: تضطرب، أي تقشعر (٥) من الوعيد والخوف، وتلين من الوعد والرَّجاء (٦).\nوقيل: تقشعرُّ لإعظامه، وتلين عند تلاوته.\nقتادة: \" هذا نعت أولياء الله، نَعتهم بأن تقشعر جلودهم، وتطمئن قلوبهم إلى ذِكر الله، ولم ينعتُهم بذهاب عقولهم والغشيان عليهم، إنَّما ذلك في أهل البدع، وهو من الشيطان\" (٧).\n_________\n(١) \" بمعنى \" ساقطة من (أ).\n(٢) انظر: لسان العرب (١٤/ ١١٥)، مختار الصحاح (ص: ٣٧).\n(٣) في (أ) \" قاله \".\n(٤) انظر: النُّكَت والعُيُون (٥/ ١٢٣)، غرائب التفسير (٢/ ١٠١٢).\n(٥) قال ابن عطية في معنى قوله تعالى: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ ... \" عبارة عن قفِّ شعر الإنسان عندما يداخله خوف ولين قلب عند سماع موعظة أو زجر قرآن ونحوه.\" [المحرر الوجيز (٤/ ٥٢٨)].\n(٦) انظر: النُّكَت والعُيُون (٥/ ١٢٣)، تفسير البغوي (٧/ ١١٥).\n(٧) انظر: تفسير القرآن؛ لعبد الرزاق (٣/ ١٧٢)، فهم القرآن؛ للحارث المحاسبي (ص: ٢٧٩)، تفسير البغوي (٧/ ١١٦).","vol":"1","page":2547},{"text":"ابن جرير: \" تقشعر الجلود خوفًا ﴿ثُمَّ تَلِينُ﴾، وتم الكلام، ثم قال: ﴿جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ ... أي جلودهم إلى العمل بما فيه، وقلوبهم إلى ذكر الله، أي التصديق به \" (١).\nوقيل: هذا في أصحاب رسول - ﷺ - يقول: إذا سمعوا بنزول سورة من القرآن اقشعرت جلودهم إشفاقًا من أن نقم (٢) عليهم ذنب أو أنكر عليهم فعل، ثمَّ إذا تليت عليهم لانت جلودهم وقلوبهم، أي استسلموا لما أمر الله فيها.\n﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى الكتاب.\n﴿هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٢٣)﴾ إلى الإيمان والثواب.\nوقيل: ﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى الاقشعار، واللين.\nوالمراد باللين: الاسترسال والإسراع إلى الطاعة، فقوبل الاقشعرار بضده.\n﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ وذلك أن الكافر يلقى في النار مغلولًا فلا يمكنه أن يقي النار إلا بوجهه (٣).\nوقيل: يُسحب على وجهه في النار.\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٣/ ٢١١) بمعناه.\n(٢) في (أ) \" يقم عليهم \".\n(٣) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٢/ ٤١٨)، جامع البيان (٢٣/ ٢١٢)، معاني القرآن؛ للزَّجاج (٤/ ٢٦٥)، والمحرر الوجيز (٤/ ٥٢٨) وفيه قال ابن عطية: \" واختلف المتأولون في قوله: ﴿يَتَّقِي بِوَجْهِهِ﴾ ... وقالت فرقة: المعنى صفة كثرة ما ينالهم من العذاب، وذلك أنه يتقيه بجميع جوارحه، ولا يزال العذاب يتزيد حتى يتقيه بوجهه الذي هو أشرف جوارحه وفيه حواسه، فإذ بلغ به العذاب إلى هذه الغاية ظهر أنه لا متجاوز بعدها.\nقال القاضي أبو محمد: وهذا المعنى عندي أبين بلاغة \".","vol":"1","page":2548},{"text":"وقيل: النار تبدأ بوجهه إذا دخلها.\nوقيل: يرمى فيها مَكْبُوْبًَا (١).\nوقيل: معناها: لا يترك أن يصرف وجهه عن النار.\nوقيل: هذا مثلٌ للمقيم على كفره وقد وضحت له الدلائل، فيكون قوله: ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ من صلة ﴿سُوءَ الْعَذَابِ﴾ لا من صلة الاتقاء.\nومعنى الآية: أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب كمن هو في الراحة والنعيم (٢).\n﴿وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٢٤)﴾ أي جزاء فعلكم.\nقيل: تقديره: إذا كان يوم القيامة، وقيل للذين ظلموا ذوقوا.\nوقيل: الواو للحال، وقد (٣) مقدر.\n﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ قبل قريش (٤).\n﴿فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٢٥)﴾ أي لا يعرفون له مدفعًا ولا مردًا، وقيل: بغتة لا يحس بما أتاه (٥).\n﴿فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الهوان، أي: أحسّوا به إحساس الذائق بالمطعوم.\n﴿وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ﴾ المعدِّ لهم ﴿أَكْبَرُ﴾ من عذاب الدنيا.\n﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٢٦)﴾ جواب (٦) لولا آمنوا وأطاعوا (٧).\n﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ أي من كلِّ مَثَلٍ (٨) رأينا المصلحة في ضربه، يريد هاهنا: تخويفهم بذكر ما أصاب من قبلهم ممن سلكوا سبيلهم في الكفر.\n﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٧)﴾.\n﴿قُرْآَنًا﴾ حال من القرآن؛ لأنه نكرة، والأول معرفة (٩).\n﴿عَرَبِيًّا﴾ صفة للقرآن (١٠)، أو حال للقرآن (١١).\n﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ اختلاف (١٢).\nوقيل: غير ذي لبس ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٢٨)﴾.\n﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا﴾ بدل، وإن شئت قلت تقديره: مثلُ رجلٍ، وكذلك الثاني (١٣).\nوقيل: ضرب المثل يتعدى إلى مفعولين.\n_________\n(١) في (ب) \" مكبوتًا \".\n(٢) انظر: جامع البيان (٢٣/ ٢١٢).\n(٣) \" وقد \" كذا في النسختين.\n(٤) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٣٢)، جامع البيان (٢٣/ ٢١٢).\n(٥) في (أ) \" لا يحس به بما \".\n(٦) \" جواب\" ساقطة من (ب).\n(٧) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٠١٣) وعبارته \" جوابه: لآمنوا \".\n(٨) المِثْل والمَثَلُ: الشِّبْه يقال: مِثْلٌ ومَثَلٌ، وشِبْه وشَبَه بمعنى واحد .. والمَثَلُ والمَثِيلُ كالمِثْل، والجمع أَمْثالٌ [انظر: لسان العرب (١١/ ٦١٠)، مادة (مَثَلَ)].\nوالمَثَلُ في القرآن كما قال ابن القيم: \" تشبيه شيء بشيء في حكمه، وتقريب المعقول من المحسوس أو أحد المحسوسين من الآخر، واعتبار أحدهما بالآخر \". [الأمثال في القرآن الكريم؛ لابن القيم (١/ ٩)، إعلام الموقعين، لابن القيم (١/ ١٥٠)].\n(٩) انظر: معاني القرآن؛ للأخفش (ص: ٢٧٥)، جامع البيان (٢٣/ ٢١٢).\n(١٠) في (ب) \" صفة القرآن \".\n(١١) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٤/ ٢٦٥)، إعراب القرآن؛ للنَّحاس (٤/ ٨).\n(١٢) قال النَّحاس: \" المعنى: أنَّه مستقيمٌ، لا يُخالف بعضه بعضًا؛ لأنَّ الشَّيءَ المِعْوَجَّ مُختلفٌ \". [معاني القرآن (٦/ ١٧٠)].\n(١٣) قال أبو السعود: \" ومثلًا مفعولٌ ثانٍ لِضَرَبَ، ورجلًا مفعولُه الأوَّل أُخِّر عن الثاني للتَّشويق إليه، وليتَّصلَ به ما هو من تتمتِه التي هي العُمْدة في التمثيل \" [تفسير أبي السعود (٥/ ٣٩١)].","vol":"1","page":2549},{"text":"﴿فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾ أي كلُّهم يُسِيءُ خُلُقَه في استخدامه، فهذا يأمره بشيء، وهذا ينهاه عن ذلك الشيء.\nوقيل: متشاكسون: متنازعون فيه (١).\nوقيل: يتضايقون من قولهم: رَجُلٌ شَكِسٌ.\nوقيل: متظالمون، من قولهم: شكسني مالي، أي ظلمني فيه.\n ﴿وَرَجُلًا سَالِمًا لِرَجُلٍ﴾  خالصًا من غير شركة (٢)، وكذلك ﴿سَلَمًا﴾، أي ذا سَلْمٍ، وهو الخلوص أيضًا (٣).\nوالمعنى: من عبد آلهة شتَّى فهو مدفوع إلى طلب رضا جماعة، ومن عبد الله سبحانه وحده فهو كعبد لواحدٍ، وليس طلب رضى (٤) واحد كطلب رضى (٥) جماعة مختلفين، ولو كان الحقُّ هذا وعدلوا إلى واحد لكانوا اعذر منهم، وقد عدلوا عن الواحد إلى جماعة.\nوقيل: هذا مثلٌ للكفَّار، أي لا ينتفعون (٦) بعبادة الله حيث أشركوا، وليسوا كمن ... أخلص.\n_________\n(١) في (أ) \" يتنازعون فيه \".\n(٢) هذا المعنى على قراءة ﴿سَالِمًَا﴾ وبها قرأ ابن كثير والتي فسَّر بها المؤلف تفسيره، ووافقه أبو عمرو، وقرأ الباقون: ﴿سَلَمًا﴾ [انظر: السبعة (ص: ٥٦٢)، الحُجَّة (٦/ ٩٤)، التيسير (ص: ١٥٣)].\n(٣) قال ابن جرير في توجيه القراءتين: \" والصواب من القول في ذلك عندنا أنهما قراءتان معروفتان قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القرَّاء، متقاربتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيبٌ، وذلك أن السَّلَم مصدرٌ، من قول القائل: سَلِم فلانٌ لله سَلَمًَا، بمعنى خَلَصَ له خُلُوصًَا، تقول العرب: رَبِحَ فلانٌ في تجارته رِبْحًَا وَرَبَحًَا، وسَلِمَ سِلْمًَا وسَلَمًَا وسَلامَةً، وأنَّ السَّالم من صفة الرَّجُل وسَلَمٌ مَصْدَرٌ من ذلك.\nوأمَّا الذي توهَّمه من رغب عن قراءة ذلك ﴿سَلَمًا﴾ من أنَّ معناه صُلْحًَا فلا وجه للصُّلح في هذا الموضع، لأنَّ الذي تقدَّم من صفة الآخر، إنما تقدم بالخبر عن اشتراك جماعة فيه دون الخبر عن حربه بشيء من الأشياء، فالواجب أن يكون الخبر عن مُخَالِفه بِخُلوصِهِ لواحدٍ لا شريك له، ولا موضع للخبر عن الحرب والصُّلح في هذا الموضع \". ... [جامع البيان (٢٣/ ٢١٣)].\n(٤) في (ب) \" رضا \".\n(٥) في (ب) \" رضا \".\n(٦) في (ب) \" فلا ينتفعون \".","vol":"1","page":2550},{"text":"قتادة: \" هو المشرك تنازعته الشياطين \" (١).\n﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ وُحِّدَ، والقياس التَّثنية؛ لأنهما معًا ضُرِبا مثلًا (٢).\nوقيل: مثلًا: صفة استفهام، معناه الإنكار، أي: لا يستويان.\n﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ أي له الحمد كلُّه دون غيره من المعبودين.\nوقيل: الحمد لله على أن لا يأمرهم بعبادة غيره، فكان يصير حالهم كحال العبد المشترك الذي يحتاج إلى (٣) أن يخدم جماعة، ويطلب رضا (٤) قوم مختلفين.\nوقيل: الحمد لله على احتجاجه بالمَّثَل الذي خَصَمَ المشركين به.\nوقيل: تقديره: قولوا: الحمد لله شكرًا على ذلك.\n﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٢٩)﴾ موقع هذه النِّعمة.\nوقيل: لا يعلمون بالمثل المضروب، وبأن الله سبحانه هو الإله المعبود.\n[﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠)﴾ قيل: المراد: التحذير فإنَّ هذا أمرٌ معلوم] (٥) عند المُقِّر والجاحد.\nوقيل: ذُكر حَثًَّا على الطاعة والاستعداد للموت.\nوقيل: إعلامًا أن الخلق فيه سواءٌ.\nوقيل: لئلا تختلفوا في موت النبي - ﷺ - كما اختلفوا في غيره من الأنبياء.\nوقيل: المراد به ذكر الاختصام.\nوقيل: لمَّا قال الكفار: نتربص به ريب المنون أنزل الله ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠)﴾ (٦).\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٣/ ٢١٤)، الحُجة (٦/ ٩٤).\n(٢) انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٢/ ٤١٩)، جامع البيان (٢٣/ ٢١٥).\n(٣) \"إلى \" ساقطة من (ب).\n(٤) في (أ) \" رضى \".\n(٥) ما بين المعقوفتين ساقط من (ب).\n(٦) انظر: تفسير السمرقندي (٣/ ١٧٧).","vol":"1","page":2551},{"text":"والمعنى: إنك ستموت، وإنَّهم سيموتون، وسمَّاه ميِّتًا بما يؤول إليه (١).\nوقُرئ في الشواذ: ﴿مائِتٌ﴾ (٢).\n﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (٣١)﴾ تتكلمون بحجّتكم، الكافر مع المؤمن، والمظلوم مع الظالم، والصادق مع الكاذب (٣).\nقال ابن عمر (٤) وأبو العالية (٥): \"الاختصام بين أهل الملَّة، وذلك (٦) في الدماء والمظالم التي بينهم (٧).\nوروى الرَّقَاشي (٨): أنَّ النَّبي - ﷺ - قيل له: \"فيم الخصومة؟ فقال (٩): في الدِّماء في الدنيا (١٠) (١١).\n_________\n(١) قال الماوردي: \" ومعنى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ﴾، أي ستموت، يُقال: مَيِّتٌ: بالتَّشديد للذي سيموت، ومَيْتٌ بالتَّخفيف لمن قد مات \". [النُّكَت والعُيُون (٥/ ١٢٥)].\n(٢) وهي قراءة ابن الزبير وابن محيصن وابن أبي عبلة وعيسى بن عمر وابن أبي إسحاق. [انظر: إعراب القرآن؛ للنَّحاس (٤/ ٩)، شواذ القراءات؛ للكرماني (ص: ٤١٤)، الجامع لأحكام القرآن (١٥/ ٢٤٢)، البحر المحيط (٩/ ١٩٩)].\n(٣) انظر: جامع البيان (٢٤/ ٢).\n(٤) في (أ) \" وقال \".\n(٥) أبو العالية: رُفِيْعُ بن مِهْران الرِّياحي، أبو العالية البصري، الإمام، المقرئ، الحافظ، المُفَسِّر، الفقيه، أدرك زمان النبي - ﷺ - وهو شاب، وأسلم في خلافة أبي بكر الصديق، ودخل عليه.\nقال أبو بكر بن أبي داود: \" وليس أحد بعد الصحابة أعلم بالقرآن من أبي العالية، وبعده سعيد بن جبير \".\nوقد وثَّق أبا العالية الحافظان أبو زرعة وأبو حاتم، توفي - ﵀ - سنة ثلاثٍ وتسعين للهجرة. [انظر: تَرْجَمَتَهُ: ... سير أعلام النبلاء (٤/ ٢٠٧)، غاية النِّهاية (١/ ٢٨٤)، طبقات المُفَسِّرين؛ للداوودي (١/ ١٧٨)].\n(٦) \" وذلك\" ساقطة من (أ).\n(٧) انظر: جامع البيان (٢٤/ ٢).\n(٨) يزيد بن أبان الرَّقَاشي - بتخفيف القاف - أبو عمرو البصري القاصُّ الزاهد. روى عن أبيه وأنس بن مالك وغنيم بن قيس وأبي الحكم البجلى والحسن البصري، وكان منكر الحديث، وضعَّفه يحيى بن معين، مات قبل العشرين ومائة للهجرة. [انْظُر تَرْجَمَتَهُ: الطبقات؛ لخليفة بن خياط (ص: ٣٦٧)، الكامل؛ لابن عدي (٧/ ٢٥٧)، تهذيب الكمال؛ للمِزِّي (٣٢/ ٦٤)، تقريب التهذيب (ص: ٥٩٩)].\n(٩) في (أ) \" قال\".\n(١٠) \" في الدنيا \" ساقطة من (أ).\n(١١) أورده السِّيُوطي بنحوه في الدُّرِّ المنثور (١٢/ ٦٥٧)، وعزاه لأبي عبيد، وعبد بن حُميد عن الفضل بن عيسى.","vol":"1","page":2552},{"text":"وقال أبو العالية: \" قلت له (١): قال الله ﴿لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ [ق: ٢٨].\nثم قال: ﴿إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ كيف هذا؟ قال: قوله: ﴿لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ لأهل الشِّرك، وقوله: ﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (٣١)﴾ لأهل المِلَّة في المظالم التي بينهم \" (٢).\nوعن ابن عبَّاس - ﵄ -: \" إن في القيامة مواطن فهم يختصمون في بعضها ويسكتون في بعضها\" (٣).\nوروي أنَّه لمَّا نزل: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (٣١)﴾\nقالت الصحابة: ما خصومتنا بيننا (٤) ونحن إخوان؟ فلمَّا قُتِل عثمان - ﵁ - قالوا: هذه خصومتنا بيننا (٥).\nويحتمل: أن قوله ﴿لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ إثبات وتقويه لقوله:\n﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (٣١)﴾ إذ لو لم يكن اختصام لما قال: لا تختصموا لدي، والله أعلم (٦) (٧).\n_________\n(١) في جامع البيان (٢٤/ ٢)، وتفسير السمرقندي (٣/ ١٧٧)، الدر المنثور (١٣/ ٦٣٨) عن الربيع بن أنس عن أبي العالية، فكأنَّ القائل الربيع بن أنس.\n(٢) أخرجه بن جرير في جامع البيان (٢٤/ ٢)، وأورده أبو الليث في تفسيره تفسير السمرقندي (٣/ ١٧٧).\nوأورده السِّيُوطي في الدر المنثور (١٣/ ٦٣٨)، وعزاه لعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن الربيع بن أنس عن أبي العالية.\n(٣) انظر: تأويل مشكل القرآن؛ لابن قتيبة (ص: ٦٥)، تفسير الثعلبي (٥/ ٣٥٤)، زاد المسير (٤/ ٣١٩).\n(٤) \" بيننا \" ساقط من (أ).\n(٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ١٧٢)، وابن جرير في جامع البيان (٢٤/ ٢)، وأوره السِّيُوطي في الدر المنثور (١٢/ ٦٥٦)، وعزاه إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن عساكر عن إبراهيم النخعي.\n(٦) في (أ) \" ويحتمل: أن قوله: ﴿لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ إذ لو لم يكن اختصام لما قال: لا تختصموا لدي إثبات وتقويه لقوله: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (٣١)﴾، والله أعلم \".\n(٧) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٠١٤).","vol":"1","page":2553},{"text":"﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ﴾ استفهام توبيخ، أي: أظلم على نفسه.\nوقيل: أضرّ بنفسه.\nوقيل: لا أحد أظلم ممن كذب على الله، أي: وصفه بغير صفاته.\n﴿وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ﴾: بالقرآن، أو (١) كذَّب النبي - ﷺ - بسبب ما جاء من القرآن (٢). وقيل: ﴿بِالصِّدْقِ﴾: أي بالصادق، يعني محمدًا - ﷺ -.\n﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (٣٢)﴾ استفهام تقرير، أي أليس (٣) هذا الكافر يستحقُّ الخلود في النار (٤).\n﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾ قيل: هو جبريل - ﵇ -، والصِّدق: القرآن.\n﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾: محمد - ﷺ -، وقيل: حفظة القرآن إلى يوم القيامة.\nوقيل: الذي جاء بالصِّدق محمد - ﷺ -، والصِّدق: لا إله إلا الله، وصدَّق به: هو محمد - ﷺ - أيضًا.\nوعن علي - ﵁ - أنه قال: \" ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾: يعني أبا بكر - ﵁ - \" (٥).\nوقيل: جميع المؤمنين.\nوقيل: جاء بالصدق وصدَّق به: عامٌّ في جميع المؤمنين (٦).\n_________\n(١) في (ب) \" أي \".\n(٢) انظر: جامع البيان (٢٤/ ٢).\n(٣) في (أ) \" أي ليس \".\n(٤) انظر: تفسير السمعاني (٤/ ٤٦٩)، تفسير البغوي (٧/ ١٢٠).\n(٥) انظر: جامع البيان (٢٤/ ٣)، تفسير الثعلبي (٨/ ٢٣٦)، غرائب التفسير (٢/ ١٠١٤).\n(٦) وهو ما اختاره غير واحدٍ من المُحقِّقين، قال ابن جرير: \" والصواب من القول في ذلك أن يقال إن الله تعالى ذكره عنى بقوله: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ كُلُّ من دعا إلى توحيد الله، وتصديق رسله والعمل بما ابتعث به رسوله - ﷺ - من بين رسل الله، وأتباعه والمؤمنين به، وأن يقال: الصِّدْق: هو القرآن، وشهادة أن لا إله إلا الله، والمصَدِّق به: المؤمنون بالقرآن من جميع خلق الله كائنًا من كان من نبي الله وأتباعه .... \". [جامع البيان (٢٤/ ٤)].","vol":"1","page":2554},{"text":"والوجه في العربية: أن يكون جاء وصدَّق لفاعلٍ واحد؛ لأن التغاير يستدعي إضمار الذي، وذلك غير جائز، أو إضمار الفاعل من غير تقدُّم الذَّكر، وذلك بعيدٌ (١).\n﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣)﴾: ذكر بلفظ الجمع؛ لأن الذي يجري مجرى مَنْ فَحُمِلَ على المعنى (٢).\nوقيل: أراد الذين فحذف، وقد سبق.\n﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أي ما يتمنّون في الجنَّة.\n﴿ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٣٤)﴾ ثواب المُوَحِّدين.\n﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ ليغفر الله (٣) لهم.\n﴿أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ أي الكفر بالتوحيد والمعاصي بطاعتهم.\n﴿وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ﴾ ويعطيهم ثوابهم.\n﴿بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (٣٥)﴾ أي بسبب إيمانهم.\nوقيل: يجزيهم بالمحاسن، ولا يجزيهم بالمساوئ.\nوقيل: أسوأ الذي عملوا قبل الإيمان، وأحسن الذي عملوا في الإيمان.\nواللام في قوله ﴿لِيُكَفِّرَ﴾ قيل: متَّصِلٌ بالمُحْسِنين.\nوقيل: بالجزاء، أي جزاؤهم كي يُكَفِّر.\n_________\n(١) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٠١٤).\n(٢) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٢/ ٤١٩)، جامع البيان (٢٤/ ٤)، إعراب القرآن؛ للنَّحاس (٤/ ١٠)، النُّكَت والعُيُون (٥/ ١٢٧).\n(٣) لفظ الجلالة \" الله \" ساقط من (ب).","vol":"1","page":2555},{"text":"﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ محمدًا - ﷺ -، ومن قرأ بالجمع (١)، فالمراد به محمد، وجميع الأنبياء (٢) - ﵈ -.\n﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ كانوا يُخَوِّفون النبي - ﷺ - بأن يناله من آلهتهم مكروه (٣).\nوقيل: نزل في شأن (٤) خالد بن الوليد (٥)، وقد أنفذه رسول الله - ﷺ - لِكسْر العُزَّى، فقال له سَادتها: أُحَذِّرْكَها يا خالد؛ فإنَّ بأسها شديد (٦).\nونُزِّل تخويف خالد تنزيل تخويف النبي - ﷺ -.\n﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٦)﴾ أي من أضله عن طريق الرَّشاد (٧) فلا يهديه غيره.\nوقيل: من أضله عن طريق الجنَّة.\nوقيل: الإضلال: الخذلان.\n﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ﴾ لا يخذله أحد (٨).\n_________\n(١) أي: ﴿عباده﴾، وبها قرأ حمزة والكسائي، وقرأ الباقون بالإفراد [انظر: السبعة (ص: ٥٦٢)، جامع البيان (٢٤/ ٥)، الحجة (٦/ ٩٤)، معاني القراءات (ص: ٤٢٢)، التيسير (ص: ١٥٣)].\n(٢) في (ب) \" وسائر الأنبياء \".\n(٣) انظر: جامع البيان (٢٤/ ٦)، النُّكَت والعُيُون (٥/ ١٢٧).\n(٤) في (ب) \" من شأن \".\n(٥) خالد بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عُمر بن مَخْزُوم القرشي المَخْزُومي، سيف الله تعالى، وفارس الإسلام، وليث المشاهد، قائد المجاهدين، أبو سليمان، القرشي المخزومي المكي، أحد أشراف قريش وفرسانها في الجاهلية، أسلم وهاجر في السنة السابعة، وقيل: الثامنة، شهد مؤتة، وشهد مع رسول الله - ﷺ - فتح مكة، وحُنَينًا، وأمَّرَه أبو بكر - ﵁ - لقتال أهل الرِّدة فأبلى في قتالهم بلاء عظيمًا، ثم ولَّاه حرب فارس والروم، ففتح دمشق، واستخلفه أبو بكر على الشام إلى أن عزله عمر - ﵃ جميعًا -، تُوفي - ﵁ - سنة إحدى وعشرين في خلافة عمر - ﵁ -. [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: الاستيعاب (٢/ ١١)، أسد الغابة (٢/ ١٤٠)، سير أعلام النبلاء (١/ ٣٦٦)].\n(٦) الأثر أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ١٧٣)، وابن جرير في جامع البيان (٢٤/ ٦)؛ وابن أبي حاتم في تفسير القرآن (١٠/ ٣٢٥١) عن قتادة.\n(٧) في (ب) \" الطريق الرشاد \".\n(٨) في (ب) \" أحدًا \".","vol":"1","page":2556},{"text":"﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ﴾ في مُلكه ﴿ذِي انْتِقَامٍ (٣٧)﴾ من عدوه.\n﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ فسألهم النبي - ﷺ - عن ذلك فقالوا: الله خلقها، فقال الله لمحمد - ﷺ -: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾ أصابني الله ببلاء ومرضٍ وضيق معيشةٍ (١).\n﴿هَلْ هُنَّ﴾ يعود إلى معنى (ما).\n﴿كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾ شدَّته عنِّي.\n﴿أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ﴾ نِعمة وصِحَّة (٢).\n﴿هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ﴾ هل الأصنام تدفع عني ذلك؟ فسألهم النبي - ﷺ - عن ذلك فسكتوا، فقال الله تعالى: ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ﴾ فهو يقيني من شرِّها (٣).\nالتنوين والإضافة بمعنى (٤)؛ لأنَّها للاستقبال.\nو﴿هَلْ هُنَّ﴾ في موضع المفعول الثاني لأرأيتم.\n_________\n(١) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٣٤)، جامع البيان (٢٤/ ٧).\n(٢) انظر: جامع البيان (٢٤/ ٧)، تفسير البغوي (٧/ ١٢١).\n(٣) الحسيب: هو الكافي فعيل بمعنى مفعل من أحسبني الشيء إذا كفاني، والله حسيبي وحسيبك، أي كافينا، أي يكون حكمًا بيننًا كافيًا. [انظر: زاد المسير (٢/ ١٣)، لسان العرب (١/ ٣١٠)].\n(٤) يشير إلى القراءتين في الآية، فقد قرأ أبو عمرو بالتنوين في ﴿كاشفاتٌ﴾ و﴿ممسكاتٌ﴾، ونصب ﴿ضُرَّه﴾ و﴿رحمتَه﴾، وقرأ الباقون بالإضافة أي من غير تنوين ﴿كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾ و﴿مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِكَ﴾، وخفض ﴿ضُرِّهِ﴾ و﴿رَحْمَتِهِ﴾ والمعنى واحدٌ [انظر: السبعة (ص: ٥٦٢)، جامع البيان (٢٤/ ٧)، إعراب القرآن؛ للنَّحاس (٤/ ١٠)، معاني القراءات (ص: ٤٢٢)، الحجة (٦/ ٩٦)، التيسير (ص: ١٥٢)].","vol":"1","page":2557},{"text":"﴿عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ (٣٨)﴾ به يثق الواثقون.\n﴿قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾ على ناحيتكم (١).\nوقيل: على قُدرتكم وما يمكنكم.\nمكانة (٢): مصدر مَكُنَ مكانة، وقيل: على شِرككم.\n﴿إِنِّي عَامِلٌ﴾ على مكانتي (٣).\n﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٩) مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾ يُهِيْنُه (٤)، أي: في القيامة.\n﴿وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٤٠)﴾ دائم لا يفارقه (٥) (٦)، قيل: هذا تهديد.\nوقيل: منسوخ بآية السِّيف (٧) (٨).\n﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾: القرآن (٩).\n﴿لِلنَّاسِ﴾ لجميع الناس.\n﴿بِالْحَقِّ﴾ بسبب الحق ليعمل به، وقيل: بالخبر عمَّا هو حقٌّ وكائن.\n_________\n(١) هذا القول نسبه النحاس لمجاهد، وقال: \" وهذا قولٌ صحيحٌ، والمعنى: على ناحيتكم التي اخترتموها، وتمكَّنت عندكم \". [معاني القرآن (٦/ ١٧٨)].\n(٢) \"مكانة\" ساقطة من (ب).\n(٣) في (أ) \" مكاني \".\n(٤) انظر: جامع البيان (٢٤/ ٨).\n(٥) في (ب) \"يفارق \".\n(٦) انظر: جامع البيان (٢٤/ ٨).\n(٧) وهي قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾ [التوبة: (٥)].\n(٨) قال ابن الجوزي: \" ذكر بعض المفسرين: أنَّها والآية التي تليها نُسِخت بآية السيف \". [زاد المسير (٧/ ٥٥)].\n(٩) انظر: جامع البيان (٢٤/ ٨)، المحرر الوجيز (٤/ ٥٣٣)، زاد المسير (٧/ ٥٥).","vol":"1","page":2558},{"text":"﴿فَمَنِ اهْتَدَى﴾ إلى الحقِّ ولَزِمه ﴿فَلِنَفْسِهِ﴾ نفع ذلك.\n﴿وَمَنْ ضَلَّ﴾ فارَقَ الحقَّ ﴿فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ أي فوبال ذلك على نفسه.\n﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (٤١)﴾ بمُسَلَّطٍ (١) تحملهم على الإيمان، إنّما عليك البلاغ.\n﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أي الله يتوفَّى الأنفس مرَّتين، مرَّة حين موتها، ومرَّة حين نومها، فيكون ﴿فِي﴾ متعلق (٢) بيتوفى (٣).\nقال الفَرَّاء: \" ﴿فِي﴾ متعلقة بالموت على تقدير: ويتوفى التي لم تمت في منامها عند انقضاء حياتها \" (٤)، والأول أظهر.\nوالتي تُفارق عند الموت: هي ما يمتاز الميت عن الحي به، وهي نفس الحياة فيمسكها عن الجسد، والتي تفارق عند (٥) النوم: هي ما يمتاز به النائم من اليقظان، وهي نفس التمييز والعقل، فيرسلها إلى أجلٍ مُسَمَّى (٦).\nوقيل: يقبض أنْفُسَ الأحياء والأموات، فيمسك أنفس الأموات، ويرسل أنفس الأحياء من غير غلطٍ.\nويُحْتَمل: أنَّ التَّوفِّي الأول إماتة كقوله: ﴿* قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ [السجدة: ١١]، وأن الثاني: إنامة كقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾ [الأنعام: ٦٠] (٧).\n_________\n(١) السَّلاطة: القهر، وقد سلَّطه الله فتسَلَّط عليهم. [انظر: لسان العرب (٧/ ٣٢٠)، ماد (سَلَطَ)].\n(٢) في (ب) \"متعلقة \".\n(٣) انظر: جامع البيان (٢٤/ ٨)، تفسير البغوي (٧/ ١٢١)، غرائب التفسير (٢/ ١٠١٥).\n(٤) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٢/ ٤٢٠).\n(٥) في (ب) \" حين \".\n(٦) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٤/ ٢٦٨)، تفسير البغوي (٧/ ١٢٢).\n(٧) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (ص: ٤٢٠)، الوجوه والنظائر (ص: ١٨٣)، المفردات (ص: ٨٧٨)، قرة العيون النواظر (ص: ٨٤).","vol":"1","page":2559},{"text":"وروي أن في التوراة: يابن آدم كما تنام تموت، وكما تستيقظ تبعث (١).\n﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ فيما تقدَّم ﴿لَآَيَاتٍ﴾ لدلالات على (٢) البعث ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٤٢)﴾.\n﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ﴾ في ... ﴿أَمْ﴾ أقوال: قال بعضهم: هي المعادِلة لهمزة الاستفهام، وتقديره: أعبدوا الأوثان؛ لأنها خَلَقت الكائنات، أم لأنها تدفع المكروه؟ أم لأنها تشفع لهم (٣)؟.\nوقيل: هي عديلة الألف في قوله: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾.\nوقيل: هي جواب لما في قوله: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾، أي هل يتفكرون في ذلك فيقرِّون بالبعث، أم يزعمون أنَّ مع الله غيره له شفاعة (٤).\nوالشفيع: هو (٥) الذي يصير الطالب به شفعًا، مأخوذ من الشفْع.\nوقيل: الشفيع هو الأولى بالشيء كشفيع الدار والعقار (٦).\n﴿قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ (٤٣)﴾ ﴿أَوَلَوْ﴾: تقريرٌ، أي كيف تُرجى الشفاعة ممن لا يملك شيئًا ولا يعقل؟ (٧).\nوقيل: هؤلاء قوم عبدوا ما يَعقِل فقيل لهم الأمر فيما يعقلُ والجماد سواء.\n﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ فلا يشفع ولا يملك أحدٌ الشفاعة إلا بإذنه.\nوانتصبَ ﴿جَمِيعًا﴾ الحال (٨)، وليس بتأكيد؛ لأنَّه لو كان تأكيدًا لقال: جمْعًا.\n﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٤٤)﴾.\n﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ﴾ إذا قيل له: لا إله إلا الله (٩).\nوقيل: إذا قرئ: بسم الله الرحمن الرحيم.\n﴿اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ﴾ انقبضت.\nوقيل: استكبرت، وقيل: نفرت، وقيل: أنِفَت (١٠).\nوانقبضت أحسنُ ليقع في مقابلة يستبشرون (١١)؛ لأن الاستبشار: انبساط الوجه، والاشمئزاز: التَّقَبُّض (١٢).\n﴿وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ أي الأوثان.\n﴿إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٥)﴾ وفي بعض التفاسير: أنَّ هذا كان يوم قرأ - ﷺ - سورة: والنَّجم، وذكر آلهتهم فاستبشروا (١٣).\n_________\n(١) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٠١٦).\n(٢) \" على \" ساقطة من (ب).\n(٣) في (أ) \" لكم \".\n(٤) انظر: معاني (أم): الجمل في النحو؛ للخليل بن أحمد الفراهيدي (ص: ٣٣٩)، الجنى الداني؛ للمرادي (ص: ٢٠٤)، مغني اللبيب؛ لابن هشام (ص: ٦١).\n(٥) \" الذي \" ساقطة من (أ).\n(٦) انظر: جامع البيان (١/ ٢٦٧)، لسان العرب (٨/ ١٨٣) مادة (شَفَعَ).\n(٧) انظر: معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ١٨٠)، المحرر الوجيز (٤/ ٥٣٤).\n(٨) انظر: إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٤/ ١٢)، المحرر الوجيز (٤/ ٥٣٤)، غرائب التفسير (٢/ ١٠١٦).\n(٩) قال ابن جرير: \" يقول تعالى ذكره وإذا أفرد الله جل ثناؤه بالذكر فدعي وحده، وقيل: لا إله إلا الله اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالمعاد والبعث بعد الممات \" [جامع البيان (٢٤/ ١٠)].\n(١٠) وهذه الأقوال جِماع ما ذُكر في الآية [انظر: جامع البيان (٢٤/ ١٠)، النُّكَت والعُيُون (٥/ ١٢٩) تفسير البغوي (٧/ ١٢٣).\n(١١) وهو قول ابن عبَّاس ومجاهد وقتادة وغيرهم [انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٣٥)، جامع البيان (٢٤/ ١٠)، تفسير البغوي (٧/ ١٢٣)].\n(١٢) قال الزَّمخشري: \" ولقد تقابل الاستبشار والاشمئزاز؛ إذ كل واحدٍ منهما غاية في بابه؛ لأنَّ الاستبشار: أن يمتلئ قلبه سرورًا حتى تَنْبَسط له بشرة وجهه ويتهلّل، والاشمئزاز: أن يمتلئ غمًَّا وغيظًا حتى يظهر الانقباض في أديم وجهه \". [الكشاف (٤/ ١٣٤)].\n(١٣) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٣٥)، جامع البيان (٢٤/ ١٠)، المحرر الوجيز (٤/ ٥٣٤)، تفسير البغوي (٧/ ١٢٣).","vol":"1","page":2560},{"text":"ويقال: إنه سمع في تلك المحفل (تلك الغرانيق العُلى وإنَّ شفاعتهنَّ لتُرتجى) فاستبشروا (١).\n﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ السِّر والعلانية، وما غاب عن العباد، وما لم يغب، وما مضى، وما هو كائن.\n﴿أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ﴾ أي تقضي بينهم في الآخرة، وقيل: خبر معناه الدعاء، وقيل: هذه محاكمة من النبي - ﷺ - للمشركين إلى الله.\nو(فاطرَ): نصب على النداء (٢)، أي: يا فاطرَ السماوات، وليس بوصف لقوله: ﴿اللَّهُمَّ﴾، وذهب المُبَرِّد والفَرَّاء إلى أنه وصفٌ لله (٣).\n﴿فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٤٦)﴾ أي في الدِّين (٤).\n﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ﴾ الهاء تعود إلى (ما).\n﴿لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ﴾ شدَّة العذاب.\n﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ لو كان يُخَلِّصهم ذلك، وقيل: لا يقبل منهم ذلك.\n﴿وَبَدَا لَهُمْ﴾ أي ظهر لهم.\n_________\n(١) قصة الغرانيق سيأتي الحديث عنها والحكم عليها في سورة النجم - إن شاء الله -.\n(٢) انظر: إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٤/ ١٢)، المحرر الوجيز (٤/ ٥٣٥)، الجامع لأحكام القرآن (١٥/ ٢٥٣).\n(٣) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٠١٦).\n(٤) انظر: تفسير أبي الليث (٣/ ١٨٠) والمعنى أعمَّ من ذلك؛ إذ يقول ابن جرير: \" ﴿فِي مَا كَانُوا فِيهِ﴾ ... في الدنيا ﴿يَخْتَلِفُونَ﴾ من القول فيك، وفي عظمتك، وسلطانك، وغير ذلك من اختلافهم بينهم فتقضي يومئذ بيننا وبين هؤلاء المشركين الذين إذا ذُكرتَ وحدكَ اشمأزت قلوبهم، وإذا ذكر من دونك استبشروا بالحق \". ... [جامع البيان (٢٤/ ١١)].","vol":"1","page":2561},{"text":"﴿مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (٤٧)﴾ في الدنيا أنَّه نازل بهم، أي: ظنُّوا أنَّ لهم ثوابًا على حسناتهم فلم ينفعهم (١) حسناتهم مع الشِّرك بالله (٢).\nوقيل: لأنَّهم كانوا ينكرون البعث.\nوالاحتساب: الاعتداد بالشيء من جهة دخوله فيما يحسبه (٣).\n﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا﴾ أي عقاب ذلك.\n﴿وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٤٨)﴾ ... أحاط بهم جزاء استهزائهم.\n﴿فَإِذَا مَسَّ﴾ أصاب.\n﴿الْإِنْسَانَ﴾ الكافر، عامُّ (٤).\nوقيل: أبا جهل، وقيل: أبا حذيفة بن المغيرة.\n﴿ضُرٌّ﴾ بلاء وشدَّة ومرض.\n﴿دَعَانَا﴾ أخلص في الدعاء.\n﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ﴾ أعطيناه.\n﴿نِعْمَةً مِنَّا﴾ صحَّة، أي بدَّلنا ذلك، والتخويل: الإعطاء على غير الجزاء (٥).\n﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ إي بفضل علمٍ (٦) عندي كسِبته (٧).\n_________\n(١) كذا في النسختين.\n(٢) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٣٦)، تفسير السمرقندي (٣/ ١٨١).\n(٣) انظر: مجمل اللغة؛ لابن فارس (ص: ١٦٩)، مادة (حَسَبَ)، لسان العرب (١/ ٣١٤)، مادة (حَسَبَ).\n(٤) أي من غير تحديد فهو لجنس الإنسان الكافر، قال أبو حيان: \" والظاهر أنَّ الإنسان هنا جنس الكافر. ... [البحر المحيط (٩/ ١٨٧)].\n(٥) انظر: ... معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٤/ ٢٦٨)، معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ١٨٢).\n(٦) \" علمٍ \" ساقطة من (أ).\n(٧) قال ابن جزي عن معنى الآية: \" يحتمل وجهين: أحدهما وهو الأظهر: أن يريد على علمٍ منِّي بالمكاسب والمنافع، والآخر على علمٍ الله باستحقاقي لذلك \". [التسهيل (٣/ ١٩٧)].","vol":"1","page":2562},{"text":"وقيل: بعلمي وحِيلتي وكياستي توصَّلت إليه.\nوقيل: على علمٍ منِّي بالدَّواء.\nوقيل: على علمٍ من الله أنَّي أستحقُّه.\nوقيل: علمٌ يرضاه منِّي.\n﴿بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ﴾ أي التي خوَّلناها إيَّاه (١).\n﴿فِتْنَةٌ﴾: بلاء واختبار؛ لننظر أيشكر أم يكفر؟.\nوقيل: ﴿بَلْ هِيَ﴾ الشِّدَّة والضُّر.\nوقيل: مقالته (٢)؛ لأنه يُعذَّبُ عليها.\nابن بحر: \" ﴿فِتْنَةٌ﴾: عذاب؛ لأنه أضافه (٣) إلى غير موليه \" (٤).\n﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٤٩)﴾ أنَّها فتنة، وقيل: لا يعلمون أنَّها من الله.\nقَدْ ﴿قَدْ قَالَهَا﴾ أي هذه المقالة (٥).\n﴿الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ قارون (٦)، حيث قال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٨] (٧).\n_________\n(١) انظر: [جامع البيان (٢٤/ ١٢)، إعراب القرآن (٦/ ١٨٢)، زاد المسير (٧/ ٨٥)].\n(٢) أي عود الضمير في بَلْ ﴿هِيَ﴾.\n(٣) في (أ) \" أضاف \".\n(٤) لم أقف عليه.\n(٥) انظر: جامع البيان (٢٤/ ١٣)، زاد المسير (٧/ ٥٨).\n(٦) قارون: هو قارون بن يصهر بن قاهث، وهو بإجماعٍ رجل من بني إسرائيل كان مِمَّن آمن بموسى وحفظ التوراة، وكان من اقرأ الناس لها، وكان عند موسى - ﵇ - من عبَّاد المؤمنين ثُمَّ إنَّه لَحِقَه الزَّهو والإعجاب فبغى عليهم\". [انظر: جامع البيان (٢٠/ ١٠٥) المحرر الوجيز (٤/ ٢٩٨)].\n(٧) قال أبو حيان: \" والظاهر أن قائلي ذلك: جماعة من الأمم الكافرة الماضية كقارون في قوله: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾، وقيل ﴿الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: هم قارون وقومه؛ إذ رضوا بمقالته، فنسب القول إليهم جميعًا \". [البحر المحيط (٩/ ٢١١)، وانظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٣٦)، جامع البيان (٢٤/ ١٣)، زاد المسير (٧/ ٥٨)].","vol":"1","page":2563},{"text":"﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٥٠)﴾ لم ينفعهم مالهم.\nوقيل: عبادتهم الأوثان.\n﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا﴾ جَزَاهُ (١)، وقيل: سُمِّي سيئة للازدواج كقوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠].\n﴿وَالَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ كفروا.\n﴿مِنْ هَؤُلَاءِ﴾ من كفَّار أمَّتك (٢).\n﴿سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا﴾ مثل ما أصابهم.\n﴿وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥١)﴾ فائتين من عذاب الله (٣).\n﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ يُوسِّع (٤).\n﴿وَيَقْدِرُ﴾ يُضَيِّق (٥)، وقيل: يجعله على قَدْرِ القُوْتِ (٦) (٧).\n_________\n(١) انظر: تفسير البغوي (٧/ ١٢٥)، زاد المسير (٧/ ٥٨).\n(٢) انظر: جامع البيان (٢٤/ ١٣) تفسير البغوي (٧/ ١٢٥)، زاد المسير (٧/ ٥٨).\n(٣) انظر: تفسير السمرقندي (٣/ ١٨٢)، تفسير البغوي (٧/ ١٢٥).\n(٤) \" يُوسِّع \" ساقطة من (ب).\n(٥) يُقال: قَدَرْتُ عليه الشيءَ: ضَيَّقْتُهُ، كأنَّما جعلتَه بِقَدَرٍ. [انظر: المفردات (ص: ٦٥٧)، مادة (قَدَرَ)].\n(٦) في (ب) \" الفوت \".\n(٧) القُوْتُ: ما يُمْسك الرَّمَقَ من الرِّزق، وقيل: هو ما يقوم به بدن الإنسان من الطعام، يقال: ما عنده قوت ليلة [انظر: مجمل اللغة (ص: ٨٥١)، مادة (قَوَتَ)، لسان العرب (٢/ ٧٤)، مادة (قَوَتَ)].","vol":"1","page":2564},{"text":"﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢)﴾ بأنَّ الرِّزق من الله لا كمن قال: ﴿أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ﴾.\n﴿*  قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾  في سبب النزول: قال ابن عبَّاسٍ - ﵄ -: نزلت في أهل مكَّة قالوا: يزعم محمد - ﷺ - أنَّ من عبد الأوثان، وقتل النَّفس التي حرَّم الله لن يُغْفر له، ونحن قد عبدنا الأوثان، وقتلنا الأنفس، فأنزل الله هذه الآية (١).\nابن عمر - ﵄ -: نزلت في عيَّاش بن أبي ربيعة (٢)، والوليد بن الوليد (٣)، ونفر من المسلمين أسلموا ثمَّ عُذِّبوا فارتدُّوا فنزلت فيهم.\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (٢٤/ ١٥)، وأورده الثعلبي في تفسيره (٨/ ٢٤١)، والسِّيُوطي في الدر المنثور (١٢/ ٦٧٤)، وعزاه إلى ابن جرير وابن مردوية، وهو أصح ما جاء في الآية؛ إذ أصله في الصحيحين فقد رواه البخاري في كتاب التفسير - تفسير سورة الزمر - باب: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية، حديث رقم (٤٨١٠)، ولفظه: عن ابن عباس - ﵄ -: \" أنَّ ناسًا من أهل الشرك كانوا قد قَتَلوا وأكثروا، وزَنَوا وأكثروا، فأتوا محمدًا - ﷺ -، فقالوا: إنَّ الذي تقول وتدعوا إليه لحسَنٌ، لو تخبرنا أنَّ لِمَا عَمِلنا كفارةٌ؛ فنزل: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ ...﴾ [الفرقان: ٦٨] ونزل: ﴿* قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ ... [الزمر: ٥٣].؛ ومسلمٌ (بنحوه) في كتاب الإيمان، بابٌ: في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَر ...﴾ [الفرقان: ٦٨] وقوله: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ ... [الزمر: ٥٣]. حديث رقم (٣١٨).\n(٢) عَيَّاش بن أبي ربيعة - واسم أبي ربيعة - عمرو بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، يكنى أبا ... عبد الرحمن القُرَشِي المَخْزُومي. وقيل: يكنى أبا عبد الله، كان إسلامه قديمًا قبل أن يدخل رسول الله - ﷺ - دار الأرقم، وهاجر - ﵁ - إلى أرض الحبشة مع امرأته أسماء بنت سلمة بن مخربة وولد له بها ابنه عبد الله، ثم هاجر إلى المدينة فجمع بين الهجرتين، ولمَّا هاجر إلى المدينة قدم عليه أخواه لأمه: أبو جهل، والحارث ابنا هشام، فذكرا له أن أمه حلفت\n\nألا يدخل رأسها دهن ولا تستظل حتى تراه، فرجع معهما فأوثقاه رباطًا وحبساه بمكة فكان رسول الله - ﷺ - يدعو له في القنوت هو المستضعفين من المسلمين بمكة.\nواختلف أهل التراجم في وفاته فقيل: مات بمكة، وقيل: مات سنة خمس عشرة بالشام في خلافة عمر، وقيل: استشهد باليمامة، وقيل: باليرموك.\n[انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: الاستيعاب (٣/ ٣٠١)، أسد الغابة (٤/ ٣٠٨)، الإصابة (٤/ ٦٢٣)].\n(٣) الوليد بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عُمر بن مخزوم القرشي المخزومي، أخو خالد بن الوليد، أُسِر يوم بدر كافرًا فقدم في فدائه أخواه: خالد وهشام، فلمَّا افتكاه أسلم، فقيل له: هلا أسلمت قبل أن تفتدي وأنت مع المسلمين فقال: كرهت أن تظنوا بي أني جزعت من الإسار فحبسوه بمكة، فكان رسول الله - ﷺ - يدعو له فيمن دعا له من مستضعفي المؤمنين بمكة، ثم أفلت من إسارهم ولحق برسول الله - ﷺ - وشهد عمرة القضية. [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: الاستيعاب (٤/ ١١٨)، أسد الغابة (٥/ ٤٢٣)، الإصابة (٤/ ٤٨٤)].","vol":"1","page":2565},{"text":"قال: وكان (١) عمر - ﵁ - كاتبًا فكتبها إلى عيَّاش، والوليد، وإلى أولئك النفر فأسلموا وهاجروا (٢).\nوقيل: نزلت هذه الآيات بالمدينة في الوحشي (٣)، وقد سبق (٤).\nوالمعنى: يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم بالذنوب.\n﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ لا تيأسوا من مغفرة الله.\n﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)﴾\nقيل: يغفرها بالعفو عنها جميعًا (٥) إلا الشرك (٦).\n_________\n(١) في (أ) \" قال: كان \".\n(٢) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (٢٤/ ١٥)، وأورده الثعلبي في تفسيره (٨/ ٢٤١) والبغوي في تفسيره (٧/ ١٢٦)، والبيهقي في السنن الكبرى (٩/ ١٣) برقم (١٧٥٣٤)، والسِّيُوطي في الدر المنثور (١٢/ ٦٧٣) وعزاه لابن مردويه والبيهقي في سننه.\n(٣) الوحشي هو: وحشي بن حرب الحبشي، أبو دَسْمَةَ الحبشي، من سودان مكة، مولى لطعيمة بن عدي، ويقال: هو مولى جُبير بن مُطْعم بن عدي، وهو الذي قتل حمزة بن عبد المطلب عمّ النبي - ﷺ - يوم أحد، وكان يومئذ وحشي كافرًا، ثم أسلم وحشي بعد أخذ الطائف وشهد اليمامة ورمى مسيلمة بحربته التي قتل بها حمزة فاشترك في قتله مع عبد الله بن زيد - ﵁ -. وكان يقول: \" قتلت بحربتي هذه خير الناس وشر الناس \"، وسكن حمص، فمات - ﵁ - بها في خلافة عثمان - ﵁ - في حدود سنة خمسٍ وعشرين للهجرة. [انْظُر تَرْجَمَتَهُ: الاستيعاب (٤/ ١٢٥)، أسد الغابة (٥/ ٤٠٩)، الأعلام (٨/ ١١١)].\n(٤) عند قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الفرقان (٧٠)] ...، وانظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٣٧) جامع البيان (٢٤/ ١٤)، تفسير الثعلبي (٨/ ٢٤١)، التسهيل (٣/ ١٧٩)\n(٥) في (ب) \" جميعها \".\n(٦) قال ابن عطية: \" وقوله: إِنَّ ﴿اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ عمومٌ بمعنى الخصوص؛ لأنَّ الشرك ليس بداخل في الآية إجماعًا، وهي أيضًا في المعاصي مقيدة بالمشيئة \". [المحرر الوجيز (٤/ ٥٣٧)].","vol":"1","page":2566},{"text":"وقيل: يغفرها بالتَّوبة منها.\nوقيل: يغفر الصغائر باجتناب الكبائر.\nوعن النَّبي - ﷺ - أنَّه قال: \"ما أحب أنَّ لي الدنيا وما فيها بهذه الآية \" (١).\n﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ﴾ توبوا إليه والتمسوا رحمته.\n﴿وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ وانقادوا له بالطاعة فيما يأمركم به، وقيل: أخلصوا له.\n﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (٥٤)﴾ قيل: هذه الآية متَّصلة بما قبلها.\nوقيل: الكلام قد تمَّ على الآية الأولى، ثمَّ خاطب الكفَّار بهذه الآية فقال: وَأَنِيبُوا ﴿إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾.\n﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ المأمور دون المنهي (٢) عنه.\nوقيل: النّاسخ دون المنسوخ، وزيَّفه بعضهم (٣).\nوقيل: العزائم دون الرُّخص، وقيل: العفو دون القصاص.\nوقيل: ﴿أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾: القرآن فيه ذِكرُ القبيح ليُجتنب منه، وذِكْرُ الأَدْون لِيُرغب عنه، وذِكر الأحسن ليختاره، (٤) وقد سبق.\n_________\n(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٥/ ٢٧٥)، برقم (٢٢٤١٦)، والطبراني في المعجم الأوسط عن ثوبان، برقم (١٧٤) ورقم (١٨٩٠)، والبيهقي في شعب الإيمان برقم (٧١٣٧)، وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة، برقم (٤٤٠٩).\n(٢) في (ب) \" النهي \".\n(٣) قال ابن جزي \" وهو بعيد \". [التسهيل (٣/ ١٨٩)].\n(٤) وقد ذكره غير واحِدٍ من المفسرين [انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٣٧)، جامع البيان (٢٤/ ١٧)، تفسير البغوي (٤/ ١٢٤) وفيه نسبة هذا القول للحسن، حيث قال البغوي: \" ومعنى الآية ما قاله الحسن: \" التزموا طاعته واجتنبوا معصيته؛ فإنَّ في القرآن ذِكْرُ القبيحِ لتجْتَنِبَه، وذِكْرُ الأدْوَنِ لئلا تَرغب فيه، وذكر الأحسن لتُؤْثِرَهُ \"].","vol":"1","page":2567},{"text":"﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً﴾ فجأة (١).\nوقيل: الموت فيقعوا (٢) في العذاب.\n﴿وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٥٥)﴾.\n﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ﴾ كراهة أن تقول نفس (٣)، وقيل: لأن لا تقول نفسٌ، وقيل: قبل أن تقول نفس، وقيل: احذروا أن تقول نفسٌ.\n﴿يَا حَسْرَتَا﴾ الألف بدل من ياء المُتَكَلِّم (٤).\n﴿عَلَى مَا فَرَّطْتُ﴾ قصَّرتُ، والتفريطُ: إمهال ما ينبغي أن يُقَدَّم (٥).\n﴿فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ في أمر الله.\nقال:\nأما تتقين الله في جنب عاشق ... له كبد حرَّى عليك تقطع (٦)\nالحسن: \" في ذات الله \" (٧).\n_________\n(١) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٣٧)، جامع البيان (٢٤/ ١٧)، معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ١٨٦).\n(٢) في (ب) \" فيقعون \".\n(٣) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٤/ ٢٧٠)، معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ١٨٦)، التسهيل (٣/ ١٩٨).\n(٤) لأنَّ العرب تُحَوِّل الياء إلى الألف في كلِّ كلامٍ كان معناه الاستغاثة، فتقول: يا حسرتا، يا ويلتا. [انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٢/ ٤٢١)، جامع البيان (٢٤/ ١٨)، تفسير البغوي (٧/ ١٢٩)].\n(٥) انظر: المفردات (ص: ٦٣١)، مادة (فَرَطَ).\n(٦) البيت لكُثير عزة [انظر: الجامع لأحكام القرآن (١٥/ ٢٥٩)، مجمع الأمثال؛ لأبي الفضل الميداني (١/ ١٧٦)].\n(٧) انظر: النُّكَت والعُيُون (٥/ ١٣٢)، تفسير البغوي (٧/ ١٢٩)، ولفظ البغوي \" في طاعة الله \".","vol":"1","page":2568},{"text":"وقيل: في ذكر الله، وقيل: قرب الله من الجنَّة، من قوله: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ [النساء: ٣٦].\nابن عيسى: \" في طاعة الله \" (١).\nالزَّجاج: \" في طريق الله (٢) الذي دعاني إليه\" (٣).\nابن بحر: \" الأمر كلُّه طريقين هُدى وضلال فكلُّ واحد منهما جانب، وجنب، أي في جانب هدى الله \" (٤).\n﴿وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (٥٦)﴾ المستهزئين بالقرآن، والنبي، والمؤمنين (٥).\nقتادة: \"لم يكفهم ما ضيعوا من أمر الله وطاعته حتَّى سخروا ممن أطاع الله \" (٦).\n﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَن اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٥٧)﴾ أي مرَّة تقول هذا ومرَّة تقول ذلك (٧).\nوقيل: إن قومًا تقول ذلك، وبه قومًا تقول هذا (٨).\nابن عبَّاس - ﵄ -: \" [أخبر عمَّا سيقوله الكفَّار ويفعلونه \" (٩) والمعنى] (١٠): لو أرشدني إلى دينه لكنت من المتقين الذين يتقون الشرك (١١).\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) لفظ الجلالة \" الله \" ساقط من (أ).\n(٣) معاني القرآن (٤/ ٢٧٠).\n(٤) لم أقف عليه.\n(٥) انظر: جامع البيان (٢٤/ ١٩)، النُّكَت والعُيُون (٥/ ١٣٣)، تفسير البغوي (٧/ ١٢٩)\n(٦) انظر: جامع البيان (٢٤/ ١٩)، تفسير البغوي (٧/ ١٢٩)\n(٧) هذا من كلام قتادة كما عند ابن جرير [انظر: جامع البيان (٢٤/ ١٩)].\n(٨) في (أ) \" وقيل: إن قومًا يقول ذلك، وقومًا يقول هذا \".\n(٩) انظر: جامع البيان (٢٤/ ٢٠)، تفسير القرآن العظيم (٤/ ٦٦).\n(١٠) ما بين المعقوفتين ساقط من (أ).\n(١١) انظر: زاد المسير (٧/ ٦٠).","vol":"1","page":2569},{"text":"وذهب بعض المفسرين إلى أنَّ هذا كذب منهم لقوله: ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آَيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا﴾.\nوذهب بعضهم إلى أنَّ المعنى: لو أنَّ الله هداني وردَّني إلى دار التكليف مرة أخرى لكنت من المتَّقين، لقوله (١): ﴿أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَن لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٨)﴾ أي الموحِّدين (٢).\n﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ﴾ أي يقال لهذا القائل: قد جاءتك ﴿آَيَاتِي﴾ يعني القرآن.\n﴿فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٥٩)﴾\nوروت أمَّ سَلَمَة (٣) عن النبي - ﷺ -: ﴿بلى قد جاءتكِ آياتي فكذبتِ واستكبرتِ وكنتِ﴾ (٤) بالتأنيث خطابًا للنَّفس (٥).\n_________\n(١) في (أ) \" كقوله \".\n(٢) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٣٨).\n(٣) أمُّ سَلمة: هي أمُّ المؤمنين هند بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله القرشية، المخزومية، زوج النبي - ﷺ - دخل بها النبي - ﷺ - سنة ثلاث، وقيل أربع من الهجرة، وكانت قبل النبي - ﷺ - عند أخيه من الرضاعة أبي سلمة بن عبد الأسد المخزومي، أسلمت قديمًا هي وزوجها، وهاجرا الهجرتين، وكانت - ﵂ - موصوفة بالعقل البالغ والرأي الصائب، وكانت تعد من فقهاء الصحابيات، وقد تُوُفِّيَت - ﵂ وأرضاها - سنة تسع وخمسين، وقيل: ستين وقيل: اثنتين وستين. وكانت آخر أمهات المؤمنين موتًا. [انْظُر تَرْجَمَتَهَا: الاستيعاب: (٤/ ٤٧٢)، أسد الغابة (٧/ ٢٧٨)، سير أعلام النبلاء (٢/ ٢٠١)].\n(٤) الحديث: أخرجه أبو داود في كتاب الحروف والقراءات، الباب الأول، برقم (٣٩٩٠)، وفيه قال أبو داود: هذا مرسلٌ، الربيع لم يُدرك أمّ سَلمة \"، وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٢٣/ ٣٩٤)، برقم (٣٩٤)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٣٢٤) \" رواه البزار - [من طريق أبي بكرة]، وفيه عاصم الجحدري وهو قارئ، قال الذهبي: قراءته شاذة وفيها ما ينكر وبقية رجاله ثقات وفي بعضهم ضعف ولم يسمع عاصم من أبي بكرة \".\nوضعَّفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود (١/ ٣٩٣)، برقم (٨٥٨).\n(٥) وهي قراءة ابن يَعْمُر وعاصم الجحدري، وهي شاذة [انظر: جامع البيان (٢٤/ ٢١)، إعراب القرآن؛ للنَّحاس (٤/ ١٤)، المحرر الوجيز (٤/ ٥٣٨)، شواذ القراءات (ص: ٤١٥)].","vol":"1","page":2570},{"text":"﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ﴾ بأنَّ له ولدًا وصاحبة وشريكًا (١). ﴿وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ بما ينالهم من لفح النار، وقيل: هو من قوله: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦].\nووجُوهُهُم: رُفع بالابتداء، ومسودَّةٌ: بالخبر، والجملةُ في محل نَصْبٍ على الحال، وحُذف واو الحال اكتفاءً بالضمير العائد منها، أي (٢) ذي الحال (٣).\n﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى﴾ منزلًا ومقامًا.\n﴿لِلْمُتَكَبِّرِينَ (٦٠)﴾ عن الإيمان.\n﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ﴾ المفاز والمفازة، كالمكان والمكانة، وهي المَفْعلة من الفَوْز مصدرٌ (٤)، ومن جَمَعَ (٥) فلاختلاف أجناسها (٦) (٧).\nوالمعنى: بما استحقُّوا من الفوز، وقيل: بإيمانهم، وقيل: بأعمالهم، وقيل: باجتنابهم من الذُّنوب والمعاصي.\nوالباء للسَّبب، وقيل: هي التي تجري مجرى الآلة -تعالى الله -، أي بالذي يليق بهم (٨).\n﴿لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ﴾ النار (٩).\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٤/ ٢٢).\n(٢) في (ب) \" إلى \".\n(٣) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجاج (٤/ ٢٧١)، إعراب القرآن؛ للنَّحاس (٤/ ١٥)، غرائب التفسير (٢/ ١٠١٨)، البحر المحيط (٩/ ٢١٦)].\n(٤) في (ب) \" مصدرًا \".\n(٥) أي بقراءة ﴿مفازاتهم﴾، وهي قراءة أبي بكر عن عاصم وحمزة والكسائي، والباقون على الإفراد [انظر: السبعة (ص: ٥٦٣)، الحجة (٦/ ٩٧)، معاني القراءات (ص: ٤٢٣)، التيسير (ص: ١٥٤)].\n(٦) في (أ) \" أجناسهما \".\n(٧) انظر: جامع البيان (٢٤/ ٢٢)، إعراب القرآن؛ للزَّجَّاج (٤/ ١٥)، تفسير البغوي (٧/ ٣٠).\n(٨) كذا في النسختين، وهو غير واضح المعنى.\n(٩) انظر: جامع البيان (٢٤/ ٢٣)، \" وفيه يقول ابن جرير: \" لا يمسُّ المتقين من أذى جهنم شيء، وهو السُّوء الذي أخبر جلَّ ثناؤه أنَّه لن يمسهم ولا هم يحزنون \".","vol":"1","page":2571},{"text":"﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦١)﴾ لأنَّهم نالوا ما أرادوا، والمعنى: لا يمسُّ أبدانهم أذىً، ولا قلوبهم حَزَنٌ.\nوقال الماوردي: \" بما سلكوا مفاوز الطاعات الشاقَّة من مفازة السَّفر \" (١). وهو ركيكٌ.\n﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ردّ على الثنوية (٢).\nابن الهَيْصَم (٣): \" أي كلُّ شيءٍ بائنٌ منه \" (٤).\n﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢)﴾ حافظ (٥)، وقيل: كَفِيلٌ بأرزاقهم.\n﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي (٦) مفاتيحها، واحدها مَقْلِيد ومِقْلَد.\nوقيل: إقليد، وقيل: لا واحد لها من لفظها، وقيل: المِقليد: المفتاح، والقفل أيضًا، تقول: أقلَدَ (٧) بابه إذا أغلقه وإذا فتحه.\nوقيل: إقليد مُعَرَّب من قولهم: إكليد بالفارسية.\nومقاليد السماوات [والأرض: خزائنها، فمقاليد السماوات:] (٨) الأمطار، ومقاليد الأرض: النَّبات (٩).\n_________\n(١) انظر: النُّكَت والعُيُون (٥/ ١٣٢).\n(٢) الثنوية: من مذاهب المجوس ونحوهم يقولون: إن العالم صادر عن أصلين النور والظلمة، والنور عندهم هو إله الخير المحمود، والظلمة هي الإله الشرير المذموم. ... [انظر: اعتقادات المسلمين والمشركين؛ لمحمد بن عمر الرَّازي (ص: ٨٨)، الجواب الصحيح، لابن تيمية (ص: ٣٥١)، الموسوعة الميسرة (٢/ ١٠٣٢)].\n(٣) ابن الهَيْصَم: محمد بن الهيصم، أبو عبد الله، شيخ الكرَّامية وعالمهم في وقته، وهو الذي ناظره ابن فورك بحضرة السلطان محمود بن سبكتكين، وليس للكرامية مثله في الكلام والنظر، وكان في زمانه رأس طائفته الهيصمية، ولم أقف على تاريخ وفاته [انظر: الوافي بالوفيات (٥/ ١٧١)، تاريخ الخلفاء للسيوطي (ص ٣٥٦)].\n(٤) لم أقف عليه.\n(٥) انظر: جامع البيان (٢٤/ ٢٣)، تفسير البغوي (٧/ ١٣٠).\n(٦) \" أي \" ساقط من (ب).\n(٧) في (ب) \" قَلَدَ \".\n(٨) ما بين المعقوفتين ساقط من (ب).\n(٩) انظر: تفسير مجاهد (٢/ ٥٦٠)، جامع البيان (٢٤/ ٢٣)، غريب القرآن؛ للسِّجستاني (ص: ٤٢٤)، معاني القرآن، للنَّحاس (٦/ ١٨٩)، تفسير السمرقندي (٣/ ١٨٤)، المفردات (ص: ٦٨٢)، مادة (قَلَدَ).","vol":"1","page":2572},{"text":"وعن النبي - ﷺ -: \" مقاليد السماوات والأرض: لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان (١) الله وبحمده، أستغفر الله، لا قوة إلا بالله، الأول، والآخر، والظاهر، والباطن، يحيي ويميت، وهو على كلِّ شيء قدير \" (٢).\nوالمعنى: لا ينزل من السماء مَلَكٌ، ولا قطرة، ولا ينبت من الأرض نبات إلا بإذنه.\n﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ﴾ جحدوا قدرته على ذلك ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦٣)﴾.\n﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ﴾ أي قلْ لهم بعد هذا البيان: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤)﴾ بتوحيد الله، وذلك أنَّ قُريشًا دعته إلى دين آبائه (٣).\n﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥)﴾\nابن عبَّاس - ﵄ -: \" هذا أدبٌ من الله لنبيه وتهديد لغيره؛ لأنَّ الله عصَمه من الشِّرك، ومُداهنة الكُّفار \" (٤).\nوقيل معناه: هذا حالك فكيف حال غيرك، وقيل: خطاب للنبي - ﷺ -، والمراد به غيره، وتقديره: ولقد أوحي إليك، وأُوحي إلى الذين من قبلك بمثل ذلك، فأخبر عن الأول، وكفَّ عن الثاني.\n_________\n(١) في (ب) \" سبحان\".\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (١٠/ ٣٢٥٤)، من حديث عثمان - ﵁ -. (بنحوه)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٥٥): \"وفيه الأغلب بن تميم، وهو ضعيفٌ \"، وقال ابن كثير في تفسيره (٤/ ٦٧): \" روى ابن أبي حاتم هاهنا حديثًا غريبًا جدًا، وفي صحته نظرٌ، ولكن نحن نذكره كما ذكره \".\n(٣) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٣٨)، تفسير البغوي (٧/ ١٣٠).\n(٤) انظر: زاد المسير (٧/ ٦٢).","vol":"1","page":2573},{"text":"ومعنى: ﴿لَيَحْبَطَنَّ﴾: ليفسُدَّنَّ، من قولهم: حبط بطنه، إذا فسد من داء معروف (١)، وقد سبق (٢).\n﴿وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥)﴾ بالمصير إلى العقوبة.\n[قُرئ: ﴿تأمرونني﴾ على الأصل (٣)، و﴿تأمرونِّي﴾: بالإدغام (٤)، و﴿تامرونِي﴾ ... بالحذف تخفيفًا (٥)، وقد سبق له نظائر (٦).\n(غيرَ) منصوب من وجهين: أحدهما بأعبد (٧) على تقدير: أعبد غير الله فيما تأمرونني.\nوالثاني: بتأمرونني، وتقديره: أتأمرونني بغير الله، أي بعبادة غير الله.\nوأن مُقَدَّر مع أعبد، وهما بدل من (غيرَ)، و(غَيرَ) المفعول الثاني، والياء المفعول الأول.\nولا يجوز أن ينتصب بأعبد على هذا التقدير؛ لأنَّ أنْ (٨) المقدَّرة مع الفعل في تأويل المصدر، ولا يتقدَّم عليه ما في صِلته.\n_________\n(١) انظر: إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٤/ ١٤)، لسان العرب (٧/ ٢٦٩)، مادة (حبط).\n(٢) عند قوله: ﴿فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧)﴾ [البقرة: (٢١٧)].\n(٣) وهي قراءة ابن عامر على أكثر الروايتين عن هشام وابن ذكوان، وروي عنه بنون واحدة مخففة، مع إسكان الياء [انظر: السبعة (ص: ٥٦٣)، معاني القراءات (ص: ٤٢٣)، الحجة (٦/ ٩٧)، النشر (٢/ ٢٧٢)، إتحاف فضلاء البشر (ص: ٤٨٣)].\n(٤) قرأ ابن كثير ﴿تأمرونِّيَ﴾ مشددة النون مفتوحة الياء، وقرأ الباقون ﴿تأمرونِّيْ﴾ مشددة النون ساكنة الياء ... [انظر: السبعة (ص: ٥٦٣)، معاني القراءات (ص: ٤٢٣)، الحجة (٦/ ٩٧)، التيسير (ص: ١٥٤)، النشر (٢/ ٢٧٢)، إتحاف فضلاء البشر (ص: ٤٨٣)].\n(٥) وهي قراءة نافع، وتروى عن ابن عامر من طريق ابن ذكوان، غير أنَّ نافعًا يقرأ بفتح الياء، وابن عامرٍ بإسكانها. [انظر: السبعة (ص: ٥٦٣)، معاني القراءات (ص: ٤٢٣)، الحجة (٦/ ٩٧)، التيسير (ص: ١٥٤)، النشر (٢/ ٢٧٢)، إتحاف فضلاء البشر (ص: ٤٨٣)].\n(٦) عند قوله تعالى: ﴿قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ﴾ [الأنعام: (٨٠)].\n(٧) في (أ) \" لأحد \".\n(٨) \" أنْ \" ساقطة من (أ).","vol":"1","page":2574},{"text":"وأجاز ذلك قوم فقالوا: لَمَّا حُذِف أنْ بطل حكمه، وهذا فاسدٌ عند الحُذَّاق] (١) (٢).\n﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ﴾ وحِّده وأطعه.\n﴿وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾ إنعامه عليك.\n﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ أي: ما وصفوه بوصفه الذي يجب له، وما عظَّموه حقَّ عظمته.\nوالقَدْر والقَدَر في اللغة: ما عليه الشيء من مساواة أو زيادة أو نقصان (٣)، فكأنَّه قال: ما أعطوه في الوصف ما استحقَّه، وما قدَّروا فيه التقدير الذي هو حقّ التقدير فيه.\nفي سبب النزول عن الأَعْمَشِ (٤) (٥) عن عَلْقَمُةَ (٦) عن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: \" أتى النبي - ﷺ - رجلٌ من أهل الكتاب، وقال: يا أبا القاسم بلغك أنَّ الله يحمل الخلائق على إِصْبِعٍ، والأرضين (٧) على إِصْبِعٍ، والسماء على إِصْبِعٍ، والبحور على إِصْبِعٍ، والثرى على ... إِصْبِعٍ\n_________\n(١) ما بين المعقوفتين مؤخَّر في الشرح في النسختين وحقه أن يقدم مع الآية السابقة.\n(٢) انظر: معاني القرآن؛ للأخفش (ص: ٢٧٥)، جامع البيان (٢٤/ ٢٤)، إعراب القرآن؛ للنَّحاس (٤/ ١٦) الحجة (٦/ ٩٨)، مُشْكِلُ إعراب القرآن (٢/ ٦٣٢).\n(٣) انظر: المفردات (ص: ٦٥٧)، مادة (قَدَرَ)، لسان العرب (٥/ ٧٤)، مادة (قَدَرَ).\n(٤) الأصل في الرواية عن الأعمش عن إبراهيم النخعي عن علقمة، فلعل إبراهيم النخعي قد سقط عند النُّساخ.\n(٥) الأعْمَشُ هو: سليمان بن مِهران الأسدي الكاهلي، مولاهم الكوفي، أبو محمد، تابعي مشهور، كان عالمًا بالقرآن والحديث والفرائض، لُقِّب بالأعمش لعمشٍ في عينيه، وكان مع إمامته مُدَلِّسًَا في روية الحديث، تُوُفِّي - ﵀ - سنة ثمانٍ وأربعين ومائة للهجرة [انظر تَرْجَمَتَهُ: مشاهير علماء الأمصار (ص: ١٣٨)، سِيَرُ أعلام النُّبلاء (٦/ ٢٢٦)، غاية النهاية (١/ ٢٦١)].\n(٦) عَلْقَمة بن قيس بن عبد الله بن مالك بن علقمة بن سلامان، النخعي، أبو شبل الكوفي التابعي، فقيه الكوفة وعالمها ومقرئها، الإمام، الحافظ، المُجَوِّد، المجتهد الكبير، عمُّ الأسود بن يزيد وأخيه عبد الرحمن، وخال فقيه العراق إبراهيم النخعي، ولد في أيام الرسالة المحمدية، وعداده في المخضرمين، وهاجر في طلب العلم والجهاد، ونزل الكوفة، ولازم ابن مسعود حتى رأس في العلم والعمل، وتفقه به العلماء، وبعد صيته.\nحدَّث عن عمر، وعثمان، وعلي، وسلمان، وأبي الدرداء وغيرهم، وجوَّد القرآن على ابن مسعود، وكان يشبَّه بابن مسعود في هديه ودَلِّه وسَمْتِه، تُوُفِّي - ﵀ - سنة اثنتين وستِّين للهجرة. [انْظُر تَرْجَمَتَه: مشاهير علماء الأمصار (ص: ١٢٥)، سِيَرُ أعلام النُّبلاء (٤/ ٥٣)، غاية النِّهاية (١/ ٥١٦)].\n(٧) في (أ) \" والأرض \".","vol":"1","page":2575},{"text":"(١) فضحك رسول الله - ﷺ - حتى بدت نواجذه (٢)، فأنزل الله: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ \" (٣).\nالقبضة تُذكر، والمراد بها ما قبضتَ عليه بجمع كفِّك، وتُذْكَرُ (٤) والمراد بها: ما في تصرُّفك، كما يكتب في الشروط صارت (٥) الدار في مُلكه وقبضه (٦)، والتي في الآية منها (٧)؛ لأن المراد\n_________\n(١) في الصحيحين: \" ثم يقول: أنا الملك، فضحك رسول الله - ﷺ - ... \"\n(٢) النَّجْذُ: شِدَّة العَضِّ بالناجِذِ وهو السِنُّ بين الأنيابِ والأَضْراسِ، والنَّواجِذُ من الأسْنان: الضَّواحِك وهي التي تَبْدو عند الضَّحك. والأكثر الأشْهَر أنها أقْصى الأسْنان، والمعنى في قوله: (بدت نواجذه: انْفَتح فُوهُ من شِدَّة الضَّحِك حتى رأى آخر أضْراسه من اسْتقبله\". [انظر: كتاب العين (٦/ ٩٥)، مادة (نَجَذَ)، غريب الحديث؛ لابن قتيبة (١/ ٤١٦)، جامع الأصول؛ لابن الأثير (٢/ ٣٣٩)، النهاية في غريب الحديث (٥/ ٤٨)، مادة (نَجَذَ)].\n(٣) الحديث: أخرجه البخاري في كتاب التوحيد باب قول الله تعالى: (لما خلقت بيدي) [ص: ٧٥]، برقم (٧٤١٥)، وفي كتاب التفسير - سورة الزمر، باب قوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾، برقم (٤٨١١)، وأخرجه مسلم في كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، باب: كتاب صفة القيامة، والجنَّة والنار، برقم (٦٩٧٩).\n(٤) في (أ) \" يذكر \" في الموضعين.\n(٥) في (أ) \" وصارت\".\n(٦) انظر: كتاب العين (٥/ ٥٣) مادة (قَبَضَ)، المفردات (ص: ٦٥٢)، مادة (قَبَضَ)، لسان العرب (٧/ ٢١٣)، مادة (قَبَضَ).\n(٧) والصحيح في الآية هو الأول، والمعنى الثاني ليس هو المقصود هنا، بل هذا مما وقع فيه الجهمية، وغيرهم، وهو خلاف ما قرره أهل السنة والجماعة في ذلك.\nقال ابن بَطَّة: \" \"وقالت الجهمية إنما معنى قوله: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ كقولك: الدار في قبض فلان، يعني: في مُلكه، وقد قبضت المال وليس في كفك شيء، وكذلك تقول: الأرض والدار والغلام والدابة في قبضتي فقول الجهمي: الدار في قبضه فلان، إنما يريد بذلك المغالطة وإدخال الشك والريب على قلب الضعفاء من المسلمين، فسوى بجهله بين القبض والقبضة.\nألا ترى أنه لا يجوز أن تقول: الدار في قبضة فلان، فإذا أردت الملك وما أشبهه من القبض لم تدخل الهاء، فإن أردت قبضة اليد أدخلت الهاء، فكذلك قوله: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ﴾ \". [الإبانة في أصول الديانة (٣/ ٣١٦)]. =","vol":"1","page":2576},{"text":"بها: شدَّة التَّمكن من مُلك الشيء، والمبالغة في القُدرة على التَّصرُّف فيه تصرُّفك في الشيء الحاصل في الكفِّ.\nوقيل: المراد به قوله: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨].\n﴿وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ قيل: بقدرته وقوَّته، من قول الشاعر:\n. . . . . . . . . . . . . . . . . ... تَلَقَّها عُرَابةُ باليمين (١)\nوقيل: بقَسَمه؛ لأنَّه حَلف أنَّه يطويها، ويفنيها.\nوقيل: بيمينه بيده، ولله يدان كلتاهما يمينان (٢)، وهذا جواب لليهود حين قالوا: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤].\n_________\n= وقال ابن القيم: \" فيما اجتمعت عليه الأمة من أمور الديانة من السنن التي خلافها بدعة وضلالة أن الله ﷾ اسمه، له الأسماء الحسنى والصفات العلى لم يزل بجميع صفاته، وهو سبحانه موصوف بأنَّ له علمًا وقدرةً وإرادةً ومشيئةً وأنَّه يَسمع ويَرى ويَقْبِضُ ويَبْسط، وأنَّ يديه مبسوطتان، والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه، وأن يديه غير نعمته في ذلك، وفي قوله سبحانه:\n﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: (٧٥)] \" [اجتماع الجيوش الإسلامية (ص: ٨٣)].\nوقال ابن كثير: \"وردت أحاديث كثيرة متعلقة بهذه الآية الكريمة والطريق فيها وفي أمثالها مذهب السلف وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تحريف \". [تفسير القرآن العظيم (٤/ ٦٧)].\nوقال الشيخ الغنيمان: \" القبض هو أخذ الشيء باليد، وجمعه، والطي: هو ملاقاة الشيء بعضه على بعض وجمعه. وهو قريب من القبض، وهذا من صفات الله تعالى الاختيارية، وهي ثابتة بآيات كثيرة وأحاديث صحيحة عن رسول الله - ﷺ -، وهي مما يجب الإيمان به؛ لأنَّ ذلك داخل في الإيمان بالله تعالى، ويحرم تأويلها المخرج لمعانيها عن ظاهرها. . \" [شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري (١/ ١٤٠)].\nوانظر: [نقض الإمام أبي سعيد عثمان بن سعيد على المريسي الجهمي العنيد (١/ ٣٧٠)، جامع البيان (٢٤/ ٢٥)، التوحيد؛ لابن خزيمة (ص: ٧٦)، بيان تلبيس الجهمية، لابن تيمية (٢/ ١٩٧) صفات الله - ﷿ الواردة في الكتاب والسُّنة (ص: ١٩٨).]\n(١) البيت للشَّمَّاخ، وتمامه:\nإذا مارايةٌ رُفِعَتٍ لمجدٍ ... تلقَّاها عُرَابةُ باليمين\nأي بالقوة، وعُرَابَةُ اسم ملك اليمن [انظر: تفسير الثعلبي (٨/ ١٤٣)، لسان العرب (١/ ٥٨٦)، مادة (عَرَبَ)، و(١٣/ ٤٥٨)، مادة (يَمَنَ)].\n(٢) وهذا هو الحق الذي لا مرية فيه، وقد سبق تقرير مذهب أهل السنة والجماعة عند تفسير قول الله تعالى: قَالَ ﴿يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]، وأنَّ لله تعالى يدان حقيقيتان، لا تفسران بالنعمة، ولا بالقدرة.","vol":"1","page":2577},{"text":"وقيل: ملكه من قولهم: مُلْكُ اليمين.\nومعنى: ﴿مَطْوِيَّاتٌ﴾: مستولٍ عليها استيلاؤك على الشيء المطويِّ عندك وبيدك (١).\nوقيل: ﴿مَطْوِيَّاتٌ﴾: يوم القيامة، من قوله: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤].\nوقيل: فيه تقديم وتأخير، تقديره: والأرض جميعًا قبضته والسماوات مطويات بيمينه يوم القيامة.\nوالمذهب والمعتقد في هذا وأمثاله التَّنزيهُ عن التشبيه، والوصف بالجسم، والعَرض والكيف والكَمُّ والزَّمان، وما رواه المفسِّرون في هذه الآية فكُلُّها مؤولٌ (٢).\nمن ذلك ماروي عن ابن عبَّاس - ﵄ - أنه قال: \" ما السماوات السبع، والأرضون السبع في يد الله إلا كخردلة في يد أحدكم \" (٣).\n﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ نزَّه نفسه (٤) عمَّا لا يليق به من الصِّفات، ونصب ﴿جَمِيعًا﴾ على الحال، كما تقول: هذا بُسْرًا أطيبُ منه رُطَبًا.\n﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ الأكثرون على أنَّه قرن ينفخ فيه إسرافيل (٥).\nوقال بعضهم: الصُّور والنَّاقور واحدٌ.\nوقال بعضهم: الصُّور: جمع صُوْرة، وقد سبق (٦).\n_________\n(١) هذا من التأويل الذي وقع فيه المؤلِّف - عفا الله عنه -، والصحيح أنَّ الطي من صفات الله الفعلية الاختيارية، وقد تقدَّم تقرير معتقد أهل السنة فيها عند قوله: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾.\n(٢) هذا ليس على إطلاقه قال ابن كثير في تفسيره - تفسير القرآن العظيم - (٤/ ٦٧): \"وردت أحاديث كثيرة متعلقة بهذه الآية الكريمة، والطريق فيها وفي أمثالها مذهب السلف، وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تحريف \".\n(٣) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (٢٤/ ٢٥)، وأخرجه أبو الشيخ في العظمة (٢/ ٤٤٤) برقم (١٣٧).\n(٤) في (ب) \" نزَّه عن نفسه\".\n(٥) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٣٩)، جامع البيان (٢٤/ ٢٩)، المحرر الوجيز (٤/ ٢٧٢)، الجامع لأحكام القرآن (٧/ ٢٤)، التسهيل (٣/ ١٩٩).\n(٦) سورة الأنعام (٧٣).","vol":"1","page":2578},{"text":"وقيل: هذا مثلٌ للنُّزول والرَّحيل، وقيل: إنَّه علامة لتصَوُّر العقل أجزاء الأمر، ثمَّ تجديد الخلق.\nقال الكلبي: \"لا أدري ما هو \" (١).\nوالنَّفخة اثنتان: الأولى للموت، والثانية للبعث، وبينهما أربعون سنة (٢).\nالحسن: \" بينهما أربعون، ولم يُفَسِّر \" (٣).\nوالأكثرون على أنَّه ثلاث نفخات: الأولى للفزع؛ والثانية للموت، والثالثة للإعادة (٤).\n﴿فَصَلِّ﴾ الحسن: \" مات \" (٥).\nوقيل: مات بحال هائلة شديدة.\n﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ جاء في الخبر أنَّهم جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وملك الموت (٦).\nوقيل: هم حملة العرش.\nوقيل: موسى - ﵇ - من المُسْتَثْنين؛ لأنَّه صُعِق مرَّة.\nوقيل: هم الشُهداء وهم مُتقَلِّدون السيوف حول العرش (٧).\n﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ﴾ من قبورهم.\n_________\n(١) أي الصُّور. [انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٢/ ٤٢٥)، الجامع لأحكام القرآن (٧/ ٢٤)].\n(٢) انظر: جامع البيان (٢٤/ ٣٠)، الجامع لأحكام القرآن (٧/ ٢٤)، وهو اختيار القرطبي.\n(٣) أورده السِّيُوطي في [الدر المنثور (١٢/ ٧١١)]، وعزاه لعبد بن حميد، ولفظه: \" عن الحسن قال بلغني أن رسول الله - ﷺ - قال: \" بين النفختين أربعون: \" يقول الحسن فلا ندري أربعين سنة، أو أربعين شهرًا، أو أربعين ليلة\".\n(٤) انظر: جامع البيان (٢٤/ ٣٠)، المحرر الوجيز (٤/ ٢٧٢)، التفسير الكبير (٢٧/ ١٧)، تفسير النسفي (٣/ ١٠٣٥).\n(٥) انظر: جامع البيان (٢٤/ ٣١).\n(٦) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (٢٤/ ٢٩) عن أنس بن مالك - ﵁ -، وأخرجه النَّحاس في معاني القرآن (٥/ ١٤٩) عن مقاتل.\n(٧) في (ب) تقديم وتأخير بين القولين: وقيل: هم الشُهداء وهم مُتقَلِّدون السيوف حول العرش، وقيل: ... موسى - ﵇ - من المُسْتَثْنين؛ لأنَّه صُعِق مرَّة \".","vol":"1","page":2579},{"text":"﴿يَنْظُرُونَ (٦٨)﴾ إلى البعث، وقيل: ينتظرون أمر الله فيهم.\n﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ أضاءت أضاءة دائمة عامَّة لجميعها لا ظلمة عليها؛ لأنَّه نهار لا ليل بعده (١).\nالزَّجاج: \" لمَّا أراد الله الحساب والمجازاة أشرقت الأرض بنور الله \" (٢) (٣).\n[وقيل: أشرقت بعدله؛ لأنَّها كانت مظلمة بالجور، وقيل: يخلق نورًا للأرض.\nوقيل: أرض الجنَّة.\nوقيل: أُلْبِسَتِ الأرضُ الإشراقَ بنور الله] (٤) (٥).\nابن جرير: \"ذلك حين يبرز الرحمن ﷻ (٦) لفصل القضاء بين عباده \" (٧).\n﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ﴾ يعني: كُتُبُ الأعمال للمحاسبة والجزاء (٨).\nوقيل: وضع ما في أيدي أصحابه (٩) حتى يقرؤوا منها أعمالهم.\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٤/ ٣٢)، المفردات (ص: ٤٥١)، مادة (شَرَقَ)، المحرر الوجيز (٤/ ٥٤٢)، البحر المحيط (٩/ ٢٢٢).\n(٢) في (ب) \" بنوره \" وفي أصل الكتاب \" .... الأرض \" وما بعدها زيادة.\n(٣) معاني القرآن (٤/ ٢٧٣).\n(٤) ما بين المعقوفتين ساقط من (أ).\n(٥) والصحيح أنَّ النُّور صفة ذاتية لله ﷿ ثابتة بالكتاب والسُّنة، وقد عدَّ بعضهم النور من أسماء الله تعالى قال شيخ الإسلام بن تيمية في [مجموع الفتاوى (٦/ ٣٩٢) دقائق التفسير (٢/ ٤٧٧)]: \"قد أخبر الله في كتابه أن الأرض تشرق بنور ربِّها، فإذا كانت تشرق من نوره؛ كيف لا يكون هو نورًا، ولا يجوز أن يكون هذا النور المضاف إليه إضافة خلق ومُلك واصطفاء؛ كقوله: ﴿نَاقَةُ اللَّهِ﴾ [الأعراف: (٧٣)، هود: (٦٤)]. ونحو ذلك لوجوه .... \"، وقال ابن القيم: في [اجتماع الجيوش الإسلامية (ص: ١٠)]: \" فالنور الذي هو من أوصافه قائم به، ومنه اشتق له اسم النور الذي هو أحد الأسماء الحسنى، والنور يضاف إليه سبحانه على أحد وجهين: إضافة صفة إلى موصوفها، وإضافة مفعول إلى فاعله؛ فالأول كقوله ﷿: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ فهذا إشراقها يوم القيامة بنوره تعالى إذا جاء لفصل القضاء \". [وانظر: صفات الله - ﷿ - الواردة في الكتاب والسُّنة (ص: ٢٥٩)].\n(٦) في (أ) \" الرحمن تعالى \".\n(٧) انظر: جامع البيان (٢٤/ ٣٣).\n(٨) انظر: جامع البيان (٢٤/ ٣٢)، المحرر الوجيز (٤/ ٥٤٢)، البحر المحيط (٩/ ٢٢٣).\n(٩) في (أ) \"وضع في يد أصحابه \".","vol":"1","page":2580},{"text":"وقيل: ﴿الْكِتَابُ﴾: هو اللوح المحفوظ يقابل صُحُفَ أعمالِهم (١) بما في اللوح المحفوظ (٢).\n﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ﴾ ليسألهم ربُّهم عن تبليغ الرِّسالة، وما أجابهم قومهم.\n﴿وَالشُّهَدَاءِ﴾ من قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ الآية [البقرة: ١٤٣] (٣).\nوقيل: الشُّهداء: هم الأبرار في كل زمان يشهدون على أهل (٤) ذلك الزَّمان.\nوقيل: الشُّهداء: هم الذين قتلوا في سبيل الله.\nوقيل: هم الملائكة.\nوقيل: الجوارح، والمكان والزمان.\n\n﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ بين العباد.\n﴿بِالْحَقِّ﴾ بالعدل.\n_________\n(١) في (أ) \" الأعمال \".\n(٢) قال ابن عطية: \"وقالت فرقة: وضِع اللوح المحفوظ، وهذا شاذ وليس فيه معنى التوعُّد، وهو مقصد الآية \"، وقال أبو حيَّان في [البحر المحيط (٩/ ٢٢٣)]: \" وأبعد من قال: (الكتاب) هنا: اللوح المحفوظ \"\n(٣) وهذا ما اختاره ابن جرير وغيره، قال ابن جرير: \"وقوله: ﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ﴾ يقول: وجيء بالنبيين؛ ليسألهم ربهم عمَّا أجابتهم به أممهم، وردَّت عليهم في الدنيا حين أتتهم رسالة الله، ... ﴿وَالشُّهَدَاءِ﴾ ... يعني بالشهداء: أمَّة محمد - ﷺ - يستشهدهم ربهم على الرسل فيما ذَكَرَت من تبليغها رسالة الله التي أرسلهم بها ربهم إلى أممها؛ إذ جحدت أممهم أن يكونوا أبلغوهم رسالة الله، ... وقيل: عني بقوله: (الشهداء): الذين قتلوا في سبيل الله، وليس لما قالوا من ذلك في هذا الموضع كبير معنى؛ لأنَّ عُقيب قوله: ﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ﴾، وفي ذلك دليلٌ واضحٌ على صحة ما قلنا من أنَّه إنما دُعِيَ بالنبيِّين والشهداء؛ للقضاء بين الأنبياء وأممها، وأنَّ الشهداء: إنما هي جَمْعُ شهيدٍ، الذين يَشهدون للأنبياء على أممهم \".\n[انظر: جامع البيان (٢٤/ ٣٣)، تفسير البغوي (٧/ ١٣٢)، المحرر الوجيز (٤/ ٥٤٢)، زاد المسير (٧/ ٦٤)].\n(٤) \" أهل \" ساقطة من (ب).","vol":"1","page":2581},{"text":"﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٦٩)﴾ لا يُنقص أحدٌ شيئًا مما استحقَّه.\n﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ﴾ أي جزاؤه (١).\n﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ (٧٠)﴾ فلا يخفى عليه شيء.\n﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ﴾ سوقًا عنيفًا يسحبون على وجوههم إلى جهنم (٢).\n﴿زُمَرًا﴾ جماعةً جماعة (٣) (٤)، وقيل: جماعات في تفرقة، وقيل: أفواجًا وأممًا.\nابن عيسى: \" الزُّمْرة: الجماعة لها صوت كصوت المِزمار، وأنشد:\nله زجلٌ (٥) كأنه صوت حادٍ ... إذا طلب الوسيقة أو زميرُ \" (٦) (٧).\nوإنَّما يساقون زمرة زُمرة؛ لأنَّه تُحشر (٨) أمَّة بعد أمَّة مع إمامها إلى الجنَّة أو النَّار.\nوقيل بعضهم: قبل الحساب، وبعضهم بعد الحساب.\n﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ وهي سبعة لقوله: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ﴾ [الحجر: ٤٤].\nوكانت قبل ذلك مغلقة ففُتحت للكفَّار (٩).\n﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ من بني آدم.\n_________\n(١) في (ب) \" جزاه \".\n(٢) قال أبو حيان: \" والسَّوق يقتضي الحثّ على المسير بعنفٍ وهو الغالب فيه \". [البحر المحيط (٩/ ٢٤٢)].\n(٣) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٤٠)، جامع البيان (٢٤/ ٣٤) النُّكَت والعُيُون (٥/ ١٣٦)، المحرر الوجيز (٤/ ٥٤٢)، المفردات (ص: ٣٨٣)، مادة (زَمَرَ).\n(٤) \" جماعة \" ساقطة من (أ).\n(٥) في (أ) \" زحلٌ \".\n(٦) البيت منسوب للشماخ [انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٠٢١)، لسان العرب (١١/ ٣٠١)].\n(٧) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٠٢١).\n(٨) في (أ) \" لأنه لحشر\".\n(٩) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٤٠).","vol":"1","page":2582},{"text":"﴿يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ يأخذون إقرارهم بأنَّهم استحقوا العذاب.\n﴿قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧١)﴾ كلمة العذاب، قوله سبحانه: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: (١١٩)، السجدة: (١٣)] (١).\nوقيل: ظهر حقُّها بمجيء مصداقِها.\nوقيل: ﴿كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾: علم الله السابق، وكان القياس: ولكن حقَّت كلمة العذاب علينا، وإنَّما عدل إلى الغيبة؛ لأنَّ التقدير قالوا: بلى، ولكن كفرنا فحقَّت كلمة العذاب على الكافرين.\n[ويُحتمل أن قوله: ﴿وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ من كلام الله] (٢).\n﴿قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ حال مُقَدَّر (٣)، وقيل: عالمين أنَّكم تُخَلَّدون.\n﴿فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٢)﴾ المذموم محذوف وهو النار (٤).\n﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾ ذكر بلفظ (سيق) لازدواج الكلام (٥).\n_________\n(١) انظر: تفسير البغوي (٧/ ١٣٢)، الجامع لأحكام القرآن (١٥/ ٢٧٢)، غرائب التفسير (٢/ ١٠٢١).\n(٢) ما بين المعقوفتين ساقط من (أ).\n(٣) انظر: تفسير النسفي (٣/ ١٠٣٦).\n(٤) انظر: الكشاف (٤/ ١٤٩)، تفسير النسفي (٣/ ١٠٣٦).\n(٥) أي للمقابلة بين الفريقين [انظر: البحر المحيط (٩/ ٢٢٤)، غرائب التفسير (٢/ ١٠٢٢)، التحرير والتنوير (٢٤/ ٧١)].","vol":"1","page":2583},{"text":"﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ قيل: الواو زيادة، وقد تزاد (١) الواو في جواب ﴿حَتَّى إِذَا﴾، وفي جواب: فلمَّا، وقيل: الواو للحال، والجواب محذوف، فقال بعضهم: سُعِدوا بدخولها.\nوقيل: الجواب مُقَدَّر تقديره: إذا جاؤها جاؤها وفتحت أبوابها.\nوقيل: مُقَدَّر في قوله: فادخلوها، أي إذا جاؤها دخلوها.\nوقيل: الواو في قوله: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾ زيادة، وقيل: الواو واو الثمانية، وهي الدالة على أن الأبواب ثمانية، وفيه ضعف عند النحويين، وقد سبق شرح ذلك في قوله: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ﴾ [التوبة: ١١٢] في سورة التوبة.\n﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾ جمع خازن مثل: كَتَبَة.\n﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ يُسَلِّمون عليهم إكرامًا لهم بإذن الله.\nوقيل: سلمتم من أحزان الدنيا، وأهوال القيامة.\n﴿طِبْتُمْ﴾ جاء في التفسير: \"أنَّ أهل الجنَّة إذا انتهوا إلى بابها وجدوا عندها (٢) عينين تجريان (٣) من ساق شجرة فيتطهرون من إحديهما فتجري (٤) عليهم نضرة النعيم، فلم ... تغير (٥) أبشارُهُم بعدها أبدًا، ويشربون من الأخرى فيذهب ما في بطونهم من أذى وقذى، فيقول لهم الخزنة: ﴿طِبْتُمْ﴾ \" (٦).\n_________\n(١) في (أ) \" يزاد \".\n(٢) في (ب) \" عنده \".\n(٣) في (ب) \" تخرجان \".\n(٤) في (أ) \" من إحداهما فيجري\".\n(٥) في (ب) \" فلن تغير\".\n(٦) أخرجه عبد الرزاق في [تفسيره (٣/ ١٧٦)]، وأخرجه ابن جرير في [جامع البيان (٢٤/ ٣٤)]، وابن أبي حاتم في تفسيره (١٠/ ٣٢٦٢) جميعهم عن علي - ﵁ -. وانظر: ضعيف الترغيب والترهيب، للألباني (٢/ ٢٤٢).","vol":"1","page":2584},{"text":"﴿فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (٧٣)﴾ وقيل: كنتم طيبين في الدنيا، وقيل: طبتم نفسًا بما نلتم من الجنة ونعيمها، وقيل: كنتم طيبين (١) بأفعالكم الصالحة.\nالفَرَّاء: \" ﴿طِبْتُمْ﴾: زكوتم فادخلوها خالدين \" (٢).\n﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ أي: أنجز ما وعدنا في الدنيا من نعيم العُقبى.\nوقيل: ما وعدنا في الدنيا من النُّصرة والفتح.\n﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ﴾ يريد أرض الجنَّة عند الجمهور (٣).\n﴿نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ﴾ نتَّخذ منها (٤) لأنفسنا منازل (٥).\n﴿فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (٧٤)﴾ في الدنيا الجنَّة (٦)، وقيل: الأرض أرض الدُّنيا بجهادنا.\n﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ﴾ محدقين بحفافَيْه، أي جانبيه، وذلك بعد أن أحياهم الله (٧).\nو﴿حَافِّينَ﴾ نصب على الحال؛ لأن ترى من رؤية العين (٨).\n_________\n(١) \" كنتم طيبين \" ساقطة من (أ).\n(٢) معاني القرآن (٢/ ٢٢٥).\n(٣) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٤٠)، معاني القرآن؛ للفراء (٢/ ٤٢٥)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٤/ ٢٧٥)، النُّكَت والعُيُون (٥/ ١٣٨)، المحرر الوجيز (٤/ ٥٤٣).\n(٤) في (أ) \" نتخذ فيها \".\n(٥) انظر: المحرر الوجيز (٤/ ٥٤٣)، زاد المسير (٧/ ٦٦).\n(٦) انظر: جامع البيان (٢٤/ ٣٧).\n(٧) انظر: جامع البيان (٢٤/ ٣٧)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٤/ ٢٧٥)، تفسير البغوي (٧/ ١٣٤)، الكشاف (٤/ ١٥٠).\n(٨) انظر: مُشْكِلُ إعراب القرآن (٢/ ٦٣٣)، البيان؛ لابن الأنباري (٢/ ٣٢٧)، إملاء ما منَّ به الرحمن (٢/ ٢١٧).","vol":"1","page":2585},{"text":"الفَرَّاء: \" لا واحد لها؛ لأنَّ هذا الاسم لا يقع لهم إلا مجتمعين \" (١).\nوقيل: الحافُّ بالشيء الملازم له (٢).\n﴿مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ (من) زيادة، وقيل: لابتداء الغاية، أي ابتداء حفوفهم من حول العرش إلى حيث شاء الله (٣).\nوقيل: متَّصل بالرؤية.\n﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ تلذُّذًا لا تعبُّدًا (٤)، والباء للحال، أي حامدين.\n﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ بين الخلق، وقيل: بين الأنبياء وأممهم.\nوقيل: تكرارٌ لقوله: ﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ﴾، وقيل: هو حالٌ، وقد مقدَّر معه، أي يسبِّحون بحمد ربهم، وقد قضي بينهم بالحق.\n﴿وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٧٥)﴾\n﴿وَقِيلَ﴾: استئناف، أي: ويقضي بينهم بالحق، ويقال: الحمد لله ربِّ العالمين، أي الحمد لله (٥) على ما قضى بيننا، ونجَّانا من القوم الظالمين.\nالزَّجَّاج: \" إن الله ابتدأ خلق الأشياء بالحمد فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الأنعام: ١]، كذلك (٦) ختم بالحمد (٧) فقال لمَّا استقر أهل النار في النار وأهل الجنَّة في الجنَّة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ \" (٨).\n_________\n(١) لم أجده في معاني القرآن، وقد نقله عنه مكي في مُشْكِل إعراب القرآن (٢/ ٦٣٣).\n(٢) في (ب) \" اللازم له \".\n(٣) وهو ما رجَّحه ابن عطية [انظر: المحرر الوجيز (٤/ ٥٤٣)].\n(٤) انظر: النُّكَت والعُيُون (٥/ ١٣٩)، تفسير البغوي (٧/ ١٣٤).\n(٥) لفظ الجلالة \" الله \" ساقط من (أ).\n(٦) في (ب) \" ولذلك \".\n(٧) في (أ) \" بالحمد الله \"، وما أثبت تبعًا للكتاب الأصل.\n(٨) معاني القرآن (٤/ ٢٧٥).","vol":"1","page":2586},{"text":"وقيل: هذا كقوله: ﴿وَآَخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠)﴾ [يونس: ١٠]، أي على ما جازانا من نِعمه وإحسانه.\nوقيل: هذا من كلام الملائكة، أي: الحمد له دائم، وإن انقطع التكليف.","vol":"1","page":2587},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-146>سورة المؤمن </span>(١)\n[خمسٌ وثمانون آية مكية] (٢) (٣).\nابن عباس - ﵄ -: \" الحواميم كلُّها مَكِّيَّة \" (٤) (٥).\nمجاهد وقتادة (٦): \" حم المؤمن مَكِّيَّة إلا آيتين منها نزلت بالمدينة، قوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِ اللَّهِ﴾، والتي بعدها \" (٧).\nالحسن: \"مكِّية، إلا قوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٥٥)﴾؛ لأنَّ الصلوات فرضت بالمدينة \" (٨).\nابن مسعود: \" إذا وقعتُ في آل حميم وقعتُ في روضاتٍ دَمِثَاتٍ (٩) أتأنَّق فيها \" (١٠).\n_________\n(١) قال ابن عاشور: \" وردت تسمية هذه السورة في السُّنة \" حم المؤمن \"، روى الترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" من قرأ ﴿حم (١)﴾ المؤمن إلى ﴿إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣)﴾، وآية الكرسي حين يصبح حفظ بهما .. \" الحديث، وبذلك اشتهرت في مصاحف المشرق، وبذلك ترجمها البخاري في صحيحه والترمذي في الجامع. ووجه التسمية: أنها ذكرت فيها قصة مؤمن آل فرعون، ولم تذكر في سورة أخرى بوجه صريح .. وتُسمَّى أيضًا سورة \" الطَّول \"، لقوله تعالى في أولها: ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾، وقد تُنوسي هذا الاسم، وتُسَمَّى سورة \" غافر\"؛ لذكر وصفه تعالى ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ﴾ في أوَّلها، وبهذا الاسم اشتهرت في مصاحف المغرب \" [التحرير والتنوير (٢٤/ ٧٥) وانظر: المحرر الوجيز (٤/ ٥٤٥)، الجامع لأحكام القرآن (١٥/ ٢٧٦)].\n(٢) \" خمس وثمانون آية مكية \" ساقطة من (ب).\n(٣) هذا على عدِّ أهل الكوفة، [انظر: الناسخ والمنسوخ؛ لهبة الله بن سلامة (ص: ١٠٥)، البيان؛ للداني (ص: ٢١٨)].\n(٤) انظر: تفسير السَّمَرْقَندي (٣/ ١٨٩)، تفسير النسفي (٣/ ١٠٣٧)، وأورده السِّيُوطي في الدر المنثور (١٣/ ٥) وعزاه إلى ابن الضُّرَيس، والنَّحاس، والبيهقي في الدلائل، عن ابن عباس.\n(٥) القول بمكية سور الحواميم، نقل فيه ابن عطية وأبو حيان الإجماع. [انظر: المحرر الوجيز (٤/ ٥٤٥)، البحر المحيط (٩/ ٢٣١)].\n(٦) \" وقتادة \" ساقطة من (أ).\n(٧) انظر: زاد المسير (٧/ ٦٨).\n(٨) انظر: الجامع لأحكام القرآن (١٥/ ٢٧٦).\n(٩) دَمِثَات: جمع دَمْثَة، ودَمَثَ الشيء؛ إذا مَرَسَه حتى يلين، وتَدْمِيْثُ المضْجع تَلْيِيْنُه \" [لسان العرب (٢/ ١٤٩) مادة (دَمَثَ)]، والمعنى كما قال أبو عبيد في غريب الحديث (٤/ ٩٤): \" وقوله: \" أتأنق فيهن\" يعني: أتتبّع محاسنهن، ومنه قيل: منظر أنِيق إذا كان حسنًا مُعْجِبًَا \".\n(١٠) أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن (٨٥)، وابن أبي شيبة في مصنفه، كتاب فضائل القرآن، باب فضل الحوميم، برقم (٣٠٢٨٥)، وأورده السِّيُوطي في الدر المنثور (١٣/ ٦) وعزاه إلى أبي عبيد، ومحمد بن نصر، وابن المنذر \" ولفظ الحديث فيها: \" أتأنَّق فيهن \".","vol":"1","page":2588},{"text":"وزاد بعضهم: \" فإنَّها ديباج القرآن \" (١).\nوعن النبي - ﷺ - أنَّه قال (٢): \" من أراد أن يرتع (٣) في رياض (٤) الجنَّة فليقرأ الحواميم \" (٥).\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحِيمِ الرَّحْمَنِ\n﴿حم (١)﴾ سبق القول في الحروف.\nوقيل: حم: اسم الله الأعظم، وقيل: اسم القرآن، وقيل: اسم السورة، وقيل: قَسَمٌ، وقيل: محمد - ﷺ - وقيل: حم: ما هو كائن.\nابن عباس - ﵄ - \" ﴿الر﴾، ﴿حم﴾، ﴿ن﴾، مجموع الرحمن \" (٦).\nوروي أن أعرابيًا قال للنبي - ﷺ -: \" ما حَمَ؟ فقال: \" بدء أسماء، وفواتح سور (٧) \" (٨).\n_________\n(١) أخرجه الحاكم في مستدركه في كتاب التفسير - تفسير سورة حم المؤمن (٢/ ٤٣٧) وابن أبي شيبة في مصنفه، كتاب فضائل القرآن، باب فضل الحواميم، برقم (٣٠٢٨٣)، والبيهقي في شعب الإيمان - باب تعظيم القرآن، فصل في ذكر الحواميم (٢/ ٤٨٣)، برقم (٢٤٧١)، وأورده السِّيُوطي في الدر المنثور (١٣/ ٦) وعزاه إلى أبي عبيد، وابن الضُّرَيس، وابن المنذر، والحاكم، والبيهقي في شعب الإيمان، والحديث قال عنه الألباني موضوع، كذا في ضعيف الجامع الصغير وزياداته (ص: ٤١٢) برقم (٢٨٠٠)، والسلسلة الضعيفة (٨/ ٣٨)، برقم (٣٥٣٧).\n(٢) \" أنَّه قال \" ساقطة من (ب).\n(٣) الرَّتْعُ: الأكل والشّرب في الربيع رغدًا في الرِّيف [كتاب العين (٢/ ٦٧) مادة (رَتَعَ)، لسان العرب (٨/ ١١٢) مادة (رَتَعَ)].\n(٤) في (أ) \" روضات \".\n(٥) أورده المتقي الهندي في كنز العمال، برقم (٢٦٩٦) وعزاه إلى أبي نعيم عن ابن عباس، ولفظه: \" من سرَّه أن يرتع في رياض الجنة \"، وأورده السِّيُوطي في الدر المنثور (١٣/ ٨)، وعزاه إلى ابن الضُّرَيس عن أبي فروة، وأورده أبو الليث في تفسيره (٣/ ١٨٩)، والثعلبي في تفسيره (٨/ ٢٦٢).\n(٦) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (٢٤/ ٣٩)، بنحوه، وابن أبي حاتم في تفسيره (١/ ٣٢)، وأورده السِّيُوطي في الدر المنثور (٧/ ٦٢٦)، وعزاه إلى ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن ابن عباس - ﵄ -.\n(٧) في (أ) \" وفواتح السور \".\n(٨) أورده الثعلبي في تفسيره (٨/ ٢٦٣)، وابن عطية في المحرر الوجيز (٤/ ٥٤٥)، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن (١٥/ ٢٧٧) عن أنسٍ - ﵁ -.","vol":"1","page":2589},{"text":"﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢)﴾ خصَّ العزيز؛ لأن المعنى: التنزيل من الله، وليس من تقوُّل محمد كما زعمه الكُّفار ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥)﴾ [الحاقة: ٤٤ - ٤٥]؛ فإنه العزيز لا يُغالب، ولا يمتنع عليه شيء.\n﴿الْعَلِيمِ﴾: الواسع المعلوم.\n﴿غَافِرِ الذَّنْبِ﴾ يستره ولا يفضح صاحبه يوم القيامة.\n﴿وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ التَّوب والتَّوبة مصدران، وقيل: (التَّوب): جمع توبة على أنَّها اسم (١)، أي: ما ذنبٌ تاب منه العبد إلا قبل توبته، وقيل: هذا تكرار فإنَّهما بمعنى واحد.\nوقيل: غافر الذنب الصغير، وقابل التَّوب عن الذنب الكبير.\nوقيل: غافر الذنب بإسقاط العقاب، وقابل التَّوب بإيجاب الثَّواب.\nويحتمل أن فيها تقديمًا وتأخيرًا، أي قابل التَّوب وغافر الذَّنب.\n﴿شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾ إذا عاقب فعقابه شديد.\n﴿ذِي الطَّوْلِ﴾: ذي النِّعم والقُدرة والغنى والخير والمنِّ والفضل، وكلَّها أقوالٌ (٢).\nوخفض ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ من وجهين:\nأحدهما: البدل؛ لأنَّهما نكرتان في معنى المستقبل.\n_________\n(١) انظر: النُّكَت والعُيون (٥/ ١٤٢)، رُوْح المعاني (٢٤/ ٤٢).\n(٢) قال ابن جرير: \" وقوله: ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ يقول: ذي فضل والنعم المبسوطة على من شاء من خلقه، يقال منه: إنَّ فلانًا لذو طَوْلٍ على أصحابه؛ إذا كان ذا فضل عليهم\" [جامع البيان (٢٤/ ٤١)، وانظر: تفسير مقاتل (٣/ ٤١٤)، معاني القرآن؛ للزَّجاج (٤/ ٢٧٦)، معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ٢٠٣)، النُّكَت والعُيون (٥/ ١٤٢)، تفسير البغوي (٧/ ١٣٨)].","vol":"1","page":2590},{"text":"والثاني: الصِّفة على أنه وقع لفظ الماضي موضع المُستقبل كأكثر ألفاظ القيامة، وقد سبق في ... ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة: (٤)]، فيكون معرفة (١)، وقيل معناه: من شأنه غفران الذُّنوب فيما مضى، وفيما يُستقبل.\n﴿شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾ أي (٢): على الشِّرك، وهذا بدلٌ لا غير (٣).\n﴿ذِي الطَّوْلِ﴾: معرفة يجوز فيه البدل والوصف.\nثمَّ وحَّد نفسه فقال: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣)﴾ المرجع في الآخرة.\n﴿مَا يُجَادِلُ فِي آَيَاتِ اللَّهِ﴾ ما يخاصم فيها بالتكذيب بها، والإنكار لها (٤).\n﴿إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أصلُ المجادلة من جَدَلْتُه، أي فتلته.\nوقيل: من الجدالة وهي وجه الأرض، أي: يجادل لكل واحد صَرْع صاحبه عليها (٥).\nوالمجادلة تستعمل بين مُبطلين، أو مُبطل ومُحقِّ والمناظرة تسعمل بين مُحقِّين أو مُحِق ومُبطل (٦).\n﴿فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ (٤)﴾ بالتِّجارات والغنى، وقيل: يريد رحلة الشتاء والصيف، وقيل: سالِمين؛ فإنَّ عاقبتهم النار ثمَّ صرَّح فقال:\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٤/ ٤٠)، إعراب القرآن؛ للنَّحاس (٤/ ١٩)، البحر المحيط (٩/ ٢٣٣).\n(٢) \" أي \" ساقطة من (ب).\n(٣) لأنَّه نكرة [انظر: معاني القرآن؛ للزَّجاج (٤/ ٢٧٦)، إعراب القرآن؛ للنَّحاس (٤/ ١٩)].\n(٤) قال ابن عطية: \" وقوله: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آَيَاتِ اللَّهِ﴾ يريد: جدالًا باطلًا؛ لأنَّ الجدال فيها يقع من المؤمنين لكن في إثباتها وشرحها \". [المحرر الوجيز (٤/ ٥٤٦)، وانظر: مناهج الجدل في القرآن الكريم؛ للدكتور زاهر بن عوَّاض الألمعي].\n(٥) انظر: مجمل اللغة (ص: ١٢٣) مادة (جَدَلَ)، لسان العرب (١١/ ١٠٣) مادة (جَدَلَ)، المفردات ... (ص: ١٨٩)، مادة (جَدَلَ).\n(٦) انظر: زاد الماوردي فرقًا آخر بعد ذكر الأول: \" الثاني: أنَّ المجادلة: فَتْل الشخص عن مذهبه مُحِقًَّا أو مُبطلًا، والمناظرة: التوصل إلى الحقِّ في أي من الجهتين كان. [النُّكَت والعُيون (٥/ ١٤٣)، الكليات (ص: ٨٤٩)].","vol":"1","page":2591},{"text":"﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ في بعض التفاسير: نزلت في الحارث بن قيس ... السَّهمي (١)، أحد المستهزئين (٢).\nقوله: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ﴾ قبل قومك.\n﴿قَوْمُ نُوحٍ﴾ نُوحًا.\n﴿وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ وهم الذين تحزَّبوا على الأنبياء بالتكذيب (٣).\n﴿وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ﴾ ليقتلوه ويهلكوه لقوله: ... ﴿فَأَخَذْتُهُمْ﴾.\nوقيل: ليأسروه، والأسير: الأخيذ، وقيل: ليبطشوا به، من قوله:\n﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ﴾ [هود: (١٠٢)] (٤)، وأخذ الناس لا يستخدم إلا في مكروه (٥).\n﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ﴾ ما لا حقيقة له.\nقتادة: \" بإبليس \" (٦).\n_________\n(١) الحارث بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم السهمي، كان أحد المستهزئين الذين يؤذون رسول الله - ﷺ - وهو ابن الغيطلة، وهي أُمُّه، وكان يأخذ حجرًا يعبده، فإذا رأى أحسن منه ترك الأول وعبد الثاني. وكان يقول: قد غَرَّ محمد أصحابه ووعدهم أن يحيوا بعد الموت، والله ما يهلكنا إلا الدهر، وفيه نزلت: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ ... [الجاثية: (٢٣)]؛ وأكل حوتًا مملوحًا فلم يزل يشرب الماء حتى مات، وقيل: أخذته الذبحة، وقيل: امتلأ رأسه قيحًا فمات. [انْظُرْ: الكامل في التاريخ (١/ ٢٦٢)، سبل الهُدى والرَّشاد؛ للصالحي (٢/ ٤٦)].\n(٢) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٤٢)، النُّكَت والعُيون (٥/ ١٤٣).\n(٣) انظر: جامع البيان (٢٤/ ٤٢)، تفسير البغوي (٧/ ١٣٩).\n(٤) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٤٢)، جامع البيان (٢٤/ ٤٢)، النُّكَت والعُيون (٥/ ١٤٣)، معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ٢٠٤)، البحر المحيط (٩/ ٢٣٦).\n(٥) هذا هو الغالب في القرآن؛ فقد ورد بمعنى الحبس، والعذاب، والقتل، والأسر [انظر: الوجوه والنظائر (ص: ١٢٤)].\n(٦) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ١٣٣)، وأورده النَّحاس في معاني القرآن (٥/ ٤٢٥) وابن عطية في المحرر الوجيز (٣/ ٤٨٠).","vol":"1","page":2592},{"text":"﴿لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ ليُزِيلوا به.\n﴿فَأَخَذْتُهُمْ﴾ فأهلكتهم بالعقوبة.\n﴿فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (٥)﴾ قيل: هذا سؤال عن صدق العذاب، وقيل: عن صفة العذاب (١).\nقال قتادة: \"شديدٌ والله \" (٢).\n﴿وَكَذَلِكَ﴾ ومثل ذلك ﴿حَقَّتْ﴾ وجبت.\n﴿كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ ما أوجب الله بوعيده.\n﴿عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (٦)﴾ أي: لأنَّهم وبأنَّهم (٣)، وقيل: بدل من الكلمة، ومحله رفع.\nثُمَّ أخبر بفضل المؤمنين، فقال: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ﴾ يريد حاملي العرش، والحافِّين حوله، وهم الكَروبيون سادة الملائكة (٤).\n﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ أي: يسبِّحون الله ويحمدونه، وقيل: الباء يدلُّ على أنَّ تسبيحهم بالحمد له، كما تقول: يُعظِّمونه بالحمد له.\n﴿وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ أي: يُسَبِّحون تسبيح تلفُّظ لا تسبيح دلالة، ويحتمل أنَّه مُقَدَّم ومؤخَّر.\n_________\n(١) انظر: النُّكَت والعُيون (٥/ ١٤٤).\n(٢) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (٢٤/ ٤٣)، وأورده الماوردي في النُّكَت والعُيون (٥/ ١٤٤)، تفسير السمعاني (٥/ ٧).\n(٣) انظر: معاني القرآن؛ للأخفش (ص: ٢٧٦)، جامع البيان (٢٤/ ٤٣).\n(٤) الكَرُوْبِيُّون: جمع كَرُوْبِي - بفتح الكاف وضم الراء المهملة المخففة، وتشديدها خطأ، ثم واو بعدها باء موحدة ثم ياء مشددة، من كَرَبَ بمعنى: قَرُبَ، وهم سادة الملائكة: جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، وهم أقرب الملائكة إلى حملة العرش؛ وقد توقف بعضهم في سماعه من العرب وأثبته أبو علي الفارسي. [انظر: تفسير البغوي (٧/ ١٣٩)، الفائق (٣/ ٢٥٨) مادة (كَرَبَ)، لسان العرب (١/ ٧١٤) مادة (كَرَبَ)، روح المعاني (٢٤/ ٤٦)].","vol":"1","page":2593},{"text":"﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا﴾ للمؤمنين ﴿رَبَّنَا﴾ أي: يقولون ﴿ربَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ أي: نالت رحمتك في الدُّنيا كلَّ شيء (١).\nو﴿رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ نُصب على التمييز، وصرف الفعل عنه (٢).\n﴿فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا﴾ رجعوا عن المعاصي.\n﴿وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ دينك الإسلام (٣).\n﴿وَقِهِمْ﴾ وادفع عنهم ﴿عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧)﴾.\n﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ ﴿وَمَنْ﴾ عطف على المُضمر في ﴿وَأَدْخِلْهُمْ﴾ أي: ليتم أنسهم بالاجتماع، وقيل: عطف على ﴿وَعَدْتَهُمْ﴾ (٤).\n﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ﴾ لا يمتنع عليك شيء.\n﴿الْحَكِيمُ﴾ يضع الشيء موضعه.\n﴿وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ﴾ يعني عذاب النار (٥)، وقيل: الكُفر.\nوقيل: اصرف عنهم سوء عاقبة سيئاتهم.\n_________\n(١) قال ابن جرير: \" ويعني بقوله: ﴿وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ وسِعَتْ رحمتك وعلمك كلَّ شيءٍ من خلقك، فعلمتَ كلَّ شيءٍ؛ فلم يخف عليك شيءٌ، ورحمتَ خلقكَ ووسعتهم برحمتك \" [جامع البيان (٢٤/ ٤٤)].\n(٢) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٤/ ٢٧٨)، غرائب التفسير (٢/ ١٠٢٦).\n(٣) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٤٣)، جامع البيان (٢٤/ ٤٤).\n(٤) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ٥)، جامع البيان (٢٤/ ٤٤)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٤/ ٢٧٨).\n(٥) انظر: جامع البيان (٢٤/ ٤٥).","vol":"1","page":2594},{"text":"وقيل: الضمير يعود إلى الآباء والأزواج والذُّرِّيات فإنَّه قد دعا لهم أولًا (١). ... ﴿وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ﴾ أي: دفع العذاب.\n﴿هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ﴾ لمَّا عاين الكُفَّار النَّار ودخلوها مقتوا أنفسهم، يريد: لاموها (٢)، وغضبوا عليها فنادتهم خزنة النار، أي: يقولون لهم بصوت رفيع:\n﴿لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ أي: مقت الله إيَّاكم، يريد: غضبه وسخطه أكبر من مقتكم بعضكم أنفسكم في القيامة (٣).\n﴿إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ﴾ في الدُّنيا (٤) ﴿فَتَكْفُرُونَ﴾ وقيل: تثبتون على الكُفر.\nو﴿إِذْ تُدْعَوْنَ﴾ منصوب بفعل مُضْمَر دلَّ عليه المقْت، ولا يُنْصَب بالمقت الأول؛ للاعتراض بالخبر، ولا بالثاني لاختلاف الزمانين.\nويحتمل: أن ينتصب بالمقت الثاني فيكون من باب: الصَّيفَ ضيَّعتِ اللبنَ (٥) (٦).\n﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ الموتة الأولى: النُّطفة، والموتة الثانية عند انقضاء الأجل، والحياة الأولى في الدنيا، والثانية في القبر.\n_________\n(١) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٠٢٧).\n(٢) \" يريد: لاموها \" ساقطة من (ب).\n(٣) انظر: تفسير مجاهد (٢/ ٥٦٤)، تفسير مقاتل (٣/ ١٤٤)، جامع البيان (٢٤/ ٤٦).\n(٤) انظر: جامع البيان (٢٤/ ٤٦).\n(٥) \" الصيفَ ضيعتِ اللبن \"، ويروى \" في الصيف ضيعتِ اللبن \" مثلٌ من أمثال العرب يضرب لمن فرط في طلب الحاجة وقت إمكانها، ثم طلبها بعد فواتها. [انظر: جمهرة الأمثال؛ لأبي هلال العسكري (١/ ٥٧٥): مجمع الأمثال؛ للميداني (٢/ ٨٠)].\n(٦) انظر: مشكل إعراب القرآن (٢/ ٦٣٤)، البيان في غريب إعراب القرآن (٢/ ٣٢٨)، غرائب التفسير (٢/ ١٠٢٧)، تفسير البيضاوي (٢/ ٣٣٦).","vol":"1","page":2595},{"text":"وقيل: الموتة الأولى في الدنيا، والثانية في القبر بعد الإحياء لسؤال الملك، والحياة الأولى في الدنيا والثانية في القبر.\nوقيل: الحياة الأولى: إحياء الله إيَّاهم حين أخرجهم من ظهر آدم، والموتة الأولى بعد ذلك الإحياء، والحياة الثانية في الدنيا، والموتة الثانية في الدنيا (١).\nالقُرَظِي (٢): \" موت الكافر موت قلبه، وحياته بالأنفاس، ثم موته الذي لا يأكل فيه، ثُمَّ حياته للبعث \" (٣).\n﴿فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا﴾ أقررنا بكفرنا وظهر لنا أنَّ البعث حقٌّ.\n﴿فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ (١١)﴾ قيل: خُروج إلى الدنيا.\nالحسن: \"فيه إضمار تقديره: لا سبيل إلى الخروج \" (٤).\n﴿ذَلِكُمْ﴾ أي: المقت، وقيل: إشارة إلى منع الخروج.\n﴿بِأَنَّهُ﴾ بسبب أنَّه.\n﴿إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ﴾ أي: إذا دُعيتم إلى الله كفرتم، وقيل: إذا سمعتم لا إله إلا الله كفرتم.\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (١/ ١٨٦) و(٢٤/ ٤٧)، النُّكَت والعُيون (٥/ ١٤٦) المحرر الوجيز في (٤/ ٥٤٩)، وفي المحرر يقول ابن عطية: \" والأول أثبت الأقوال \".\n(٢) القُرَظِي: محمد بن كعب بن سُليم، أبو حمزة، وقيل: أبو عبد الله القُرَظِي المدني، من حلفاء الأوس، وكان قد سكن الكوفة، ثم المدينة، وهو يرسل كثيرًا في رواية الحديث، ويروي عمن لم يلقهم، وكان من أوعية العلم.\nقال عنه ابن المديني وأبو زرعة والعجلي: \" ثقة \"، وزاد العجلي: \" مدني تابعي رجل صالح عالم بالقرآن \".\nوذُكِر في وفاته أنه كان له جلساء من أعلم الناس بالتفسير، وكانوا مجتمعين في مسجد الرِّبدة، فأصابتهم زلزلة، فسقط عليهم المسجد، فماتوا جميعًا تحته، واختلف في سنة ذلك فقيل: سنة ثمان ومائة، وقيل: سنة عشرين ومائة للهجرة.\n[انْظُر تَرْجَمَتَهُ: مشاهير علماء الأمصار (ص: ٨٥)، سير أعلام النبلاء (٥/ ٦٥)، طبقات المفسرين؛ للأدنه وي (ص: ٩)].\n(٣) انظر: المحرر الوجيز (٤/ ٥٤٩) \" بنحوه \".\n(٤) في النكت والعون (٥/ ١٤٦): \" ﴿فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾ فيه وجهان: ... الثاني: فهل عملٌ نخرج به من النار، ونتخلص به من العذاب؟ قاله الحسن. وفي الكلام مضمر محذوف تقديره: لا سبيل إلى الخروج \".","vol":"1","page":2596},{"text":"﴿وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾ تُصَدِّقوا، وقيل: تؤمنوا بالأوثان، وقيل: إذا دُعيتم إلى الشِّرك أجبتم، وقيل: هذا استئناف خاطب الله الكفار به في الدنيا.\n﴿فَالْحُكْمُ لِلَّهِ﴾ يعني القضاء فيكم لله (١).\n﴿الْعَلِيِّ﴾ الرَّفيع القاهر ﴿الْكَبِيرِ (١٢)﴾ بالقدرة والمنزلة (٢).\n﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آَيَاتِهِ﴾ الدَّالة (٣) على التوحيد ﴿وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾ مطرًا هو سبب الرِّزق (٤)، ويقال: الملائكة بتدبير الرِّزق حكاه الفقيه (٥) أبو الليث (٦).\n﴿وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ (١٣)﴾ ولا يتَّعظ بالقرآن إلا من أقبل على طاعته، وأقلع عن معصيته.\n﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ اعبدوه بالإخلاص.\n﴿وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (١٤)﴾ ... وإن شقَّ ذلك عليهم.\n﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ﴾ رافع السماوات بعضها فوق بعض، وقيل: رافع الدرجات في الدنيا بالمنزلة، وفي الآخرة بالجنَّة (٧)، وقيل: رفيع الدرجات، أي عالي الصفات كما تقول: فلان في العلم في الدرجة العليا، وقيل: مرفوع الدرجات، وفيه بُعدٌ (٨).\n_________\n(١) لفظ الجلالة \" لله \" ساقط من (ب).\n(٢) قال ابن جرير: \" العليُّ على كلِّ شيء، الذي كلُّ شيءٍ دونه مُتصاغرٌ له اليوم \" [جامع البيان (٢٤/ ٤٨)]، وقال ابن منظور: \" الكبير في صفة الله تعالى العظيم الجليل \" [لسان العرب (٥/ ١٢٥) مادة (كَبَرَ)].\n(٣) في (أ) \" الدلالة \".\n(٤) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٤٤)، جامع البيان (٢٤/ ٤٩)، تفسير السَّمَرْقَندي (٣/ ١٩٢).\n(٥) \"الفقيه\" ساقطة من (ب).\n(٦) تفسير السَّمَرْقَندي (٣/ ١٩٢).\n(٧) انظر: النُّكَت والعُيون (٥/ ١٤٧)، تفسير البغوي (٧/ ١٤٣)، تفسير السَّمَرْقَندي (٣/ ١٩٢)، المحرر الوجيز (٤/ ٥٥٠).\n(٨) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٠٢٧).","vol":"1","page":2597},{"text":"﴿ذُو الْعَرْشِ﴾ مالكه وخالقه (١).\nوقيل: العرش ها هنا المُلك (٢).\n﴿يُلْقِي الرُّوحَ﴾ قيل: هو جبريل - ﵇ - وقيل: القرآن، وقيل: الوحي، وقيل: النُّبوة، وقيل: الرَّحمة، وقيل: روح العبد (٣).\n﴿مِنْ أَمْرِي﴾ حالٌ للروح.\n﴿عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ (١٥)﴾ يوم القيامة (٤)، وهو مفعولٌ به، ومعنى: ﴿التَّلَاقِ﴾ يلتقي فيه أهل السماء وأهل الأرض، وقيل: يلتقي فيه الأولون والآخرون، وقيل: يلقى فيه المرء عمله، وقيل: تتلاقاهم الملائكة (٥).\n﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ﴾ من قبورهم، وقيل: يُكشف ما كان مستورًا من أمرهم، وقيل: ظاهرون لعيون الناظرين (٦).\n_________\n(١) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٤٧١)، جامع البيان (١١/ ٧٧)، تفسير البغوي (٧/ ١٤٣)، الجامع لأحكام القرآن (١٥/ ٢٨٦) الجامع لأحكام القرآن (١٥/ ٢٨٦)، لسان العرب (٦/ ٣١٣)، مادة (عَرَشَ)، قال الآلوسي في روح المعاني (١٦/ ١٥٣): \" (العرش) في اللغة سريرُ المُلْك، وفي الشَّرع: سريرٌ ذو قوائم، له حملة من الملائكة - ﵈ - فوق السموات، مثل القُبَّة \".\n(٢) والأول هو الصحيح، وإن ورد في اللغة وبعض كتب التفسير. [الجامع لأحكام القرآن (١٥/ ٢٨٦)، لسان العرب (٦/ ٣١٣)، مادة (عَرَشَ)].\n(٣) قال ابن جرير: \" وهذه الأقوال متقاربات المعاني، وإن اختلفت ألفاظ أصحابها بها \" [جامع البيان (٢٤/ ٥٠)].\n(٤) انظر: جامع البيان (٢٤/ ٥٠).\n(٥) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٤٥) جامع البيان (٢٤/ ٥٠)، النُّكَت والعُيون (٥/ ١٤٨)، زاد المسير (٧/ ٧٢)، تفسير القرآن العظيم (٤/ ٨١). وفيه قال ابن كثير: \" وقد يقال: إنَّ يوم التلاق يشمل هذا كله، ويشمل أنَّ كل عامل سيلقى ما عمله من خير وشرِّ، كما قاله آخرون\".\n(٦) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٤٥)، تفسير الصنعاني (٣/ ١٨٠)، جامع البيان (٢٤/ ٥٠).","vol":"1","page":2598},{"text":"﴿لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ﴾ لأنَّهم برزوا له، وقيل: لا يخفى من أعمالهم التي عملوها، وقيل: لا يبقى أحدٌ إلا حضر ذلك الموقف (١).\n﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ أي: يقول الله ذلك حين لا أحد يجيبه، فيجيب الله نفسه بقوله: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (١٦)﴾ وزيَّفَ هذا القول جماعة من المفسرين، وقالوا: إذا لم يكن من يجيب فلا معنى للاستفهام، ولا للجواب إذا لم يكن من يسمع، بل يقول الله ذلك للخلائق تقريرًا لهم على أنَّ المُلك له؛ لأنَّ الكُّفار كانوا (٢) يُنازعونه في المُلك لعبادتهم غيره؛ فيُجيب الجميع: لله الواحد القهار، يقوله المؤمن تلذُّذًا، ويقوله الكافر صغارًا وهوانًا وعلى سبيل التَّحسُّر والنَّدامة (٣).\nوقال ابن بحر: \" خرج الكلام مخرج السؤال والجواب، والمعنى معنى الإخبار، أي: يرث عباده ما ملَّكهم في الدنيا، فلا يملك أحدٌ شيئًا إلا الله الواحد القهار\" (٤).\nوقيل: هذا تخصيص كملك يوم الدين.\n﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ عملت في الدنيا من خيرٍ وشرٍّ (٥).\n﴿لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِن اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٧)﴾ لا يشغله واحدٌ عن واحدٍ، وقد سبق (٦).\n﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآَزِفَةِ﴾ الآزفة: صفة القيامة والمجازاة، وأزف الشيء دنا (٧).\n_________\n(١) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٤٥)، تفسير الصنعاني (٣/ ١٨٠)، جامع البيان (٢٤/ ٥٠)، النُّكَت والعُيون (٥/ ١٤٨).\n(٢) \" كانوا \" ساقطة من (ب).\n(٣) انظر: إعراب القرآن؛ للنَّحاس (٤/ ٢١)، غرائب التفسير (٢/ ١٠٢٨).\n(٤) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٠٢٨).\n(٥) في (ب) \" من خيرٍ ومن شرٍّ \".\n(٦) في سورة البقرة، الآية (٢٠٢).\n(٧) وهو قول الجمهور كما ذكر ابن الجوزي [زاد المسير (٧/ ٧٤)، وانظر: معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ٢١١)، تفسير السَّمَرْقَندي (٣/ ١٩٣)، النُّكَت والعُيون (٥/ ١٤٩)].","vol":"1","page":2599},{"text":"وقيل: يوم الآزفة: يوم الموت، وقت خروج الرُّوح.\n﴿إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ﴾ أي: التراقي (١)، يريد فارقت (٢) قلوبهم أماكنها خوفًا فصارت في حُلوقهم، فلا هي تعود إلى أماكنها، ولا هي تخرج فتستريح (٣).\n﴿كَاظِمِينَ﴾ سُكوتًا لا معذرة لهم، والكاظم: الْمُمْسِك للشيء على ما فيه (٤).\nوقيل: حابسين الكلام، والزَّبد (٥) (٦) وكل ما يخرج من الجوف، وقيل: مُردِّدين حُزْنهم في أجوافهم كحرَّة البعير (٧)، وقيل: باكين، وقيل (٨): مغمومين (٩).\nوهو نصب على الحال من أنذِرهم (١٠)، وقيل: حال عن القلوب محمول على أصحابها.\n﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ﴾ قريبٍ ينفع ﴿وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ (١٨)﴾ يُجاب إلى شفاعته، والمعنى: ليس لهم شفيع ليُجاب.\n﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ﴾ يريد النَّظرة الثانية إلى المُحرَّم، فإنَّ النَّظرة الأولى إذا لم تكن من عَمْدٍ معفوٌّ عنها (١١).\n_________\n(١) التَّراقي: جمع تَرْقُوَة، وهي العظم الذي بين ثُغْرة النَّحر والعاتق، تكون للنَّاس وغيرهم [كتاب العين (٥/ ١٢٦) مادة (تَرَقَ)، النِّهاية في غريب الحديث (١/ ١٨٧)، مادة (تَرَقَ)، لسان العرب (١٠/ ٣٢)، مادة (تَرَقَ)].\n(٢) في (ب) \" فارق \".\n(٣) انظر: جامع البيان (٢٤/ ٥٢)، معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ٢١٢)، تفسير البغوي (٧/ ١٤٤).\n(٤) انظر: معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ٢١٢)، النُّكَت والعُيون (٥/ ١٤٩)، تفسير القرآن؛ لأبي المظفر السَّمعاني (٥/ ١٣)، زاد المسير (٧/ ٧٤).\n(٥) في (ب) \" والزَّبور \".\n(٦) الزَّبَدُ: لعابٌ أبيض على مِشفر الجمل الهائج، وتزَبَّد الإنسان: خَرَجَ على شِدقيه زَبَدٌ من الغضب [كتاب العين (٧/ ٣٥٧)، مادة (زَبَدَ)، لسان العرب (٣/ ١٩٢)، مادة (زَبَدَ)].\n(٧) الجِرَّة: ما يُخْرِجه البعير من بطنه ليَمضُغَه ثُم يَبْلَعه، يقال: اجترَ البعيرُ يجترُّ. [النهاية في غريب الحديث (١/ ٢٥٨)، مادة (جَرَرَ)].\n(٨) \"وقيل \" ساقطة من (أ).\n(٩) وكلُّ ذلك مجتمع لهم - نسأل الله السلامة والعافية -.\n(١٠) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ٦)، جامع البيان (٢٤/ ٥٢)، معاني القرآن؛ للزَّجاج (٤/ ٢٧٩)، إعراب القرآن؛ للنَّحاس (٤/ ٢٢)، المحرر الوجيز (٤/ ٥٥٢).\n(١١) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ٧) المحرر الوجيز (٤/ ٥٥٢).","vol":"1","page":2600},{"text":"وقيل: هي إيماء الرَّجل بعينه إلى بعض من بحضرته يستره عن غيره، وقيل: لحظ العين إلى ما نُهي عنه، وقيل: مُسارقة النَّظر، وقيل: الرَّمز بالعين على وجه العيب.\nوقيل: هو قول الإنسان رأيت ولم ير، وما رأيت ورأى (١).\nوالخائنة والخيانة مصدران كالكاذبة والخاطئة، وقيل: عُيونًا خائنة، ونسبة الخيانة إلى العين توسُّع (٢).\n﴿وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (١٩)﴾ ما يُسِرُّ الإنسانُ من أمانةٍ أو خيانة (٣)، وقيل: الوسوسة.\nابن عباس: \"ما تُخفي الصُّدور بعد النَّظر إليها أيزني بها أم لا؟ \" (٤).\nوالمراد القلوب، وسُمِّيت الصُّدور؛ لأنَّها فيها (٥).\n﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ بالعدل، ويجزى المحسن والمسيء.\n﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ أي: ليسوا بأهل القضاء أصلًا.\n﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٢٠)﴾ مُتَّصل بقوله: ﴿خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ (٦).\n_________\n(١) والآية عامة في الإخبار بعلم الله بذلك كلِّه، قال ابن عطية: \" وهذه الآية عبارة عن علم الله تعالى بجميع الخفيات، فمن ذلك كسر الجفون، والغمز بالعين، أو النظرة التي تفهم معنى، أو يريد بها صاحبها معنى \" [المحرر الوجيز (٤/ ٥٥٣)].\n(٢) قال الكرماني في غرائب التفسير (٢/ ١٠٢٨): \" ونسبة الخيانة إلى العين توسُّع، وهي النظر إلى المحرمات \".\n(٣) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٤٦).\n(٤) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (٢٤/ ٥٢)، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (١٠/ ٣٢٦٥)، وأخرجه أبو نعيم في الحلية (١/ ٣٢٣) وأخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (٢/ ٧١) برقم (١٢٨٣)، والبيهقي في شُعب الإيمان (٤/ ٣٧٠) برقم (٥٤٤٣).\n(٥) انظر: النُّكَت والعُيون (٥/ ١٥٠)، غرائب التفسير (٢/ ١٠٢٩).\n(٦) انظر: المحرر الوجيز (٤/ ٥٥٣).","vol":"1","page":2601},{"text":"﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: آخر أمر الذين كذَّبوا الرُّسل قبلهم ﴿كَانُوا هُمْ﴾ ﴿هُمْ﴾: عماد وفصل (١)، ويجوز أن يكون تأكيدًا للضمير الذي هو اسم كان (٢).\n﴿أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ بطشًا وقُدرة، وقُرئ ﴿مِنْكُمْ﴾ على تلوين الخطاب (٣).\n﴿وَآَثَارًا فِي الْأَرْضِ﴾ أكثر إعمارًا (٤) ومدائن وأبنية، وقيل: أشدُّ لها طلبًا وأبعد غاية، وقيل: المشي فيها بالأرجل.\nابن عيسى: \"الأثرُ: أمرٌ يظهر به أمرٌ \" (٥).\n﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ عاقبهم بسبب ذنوبهم.\n﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (٢١)﴾ مانع يمنعهم من العذاب.\n﴿ذَلِكَ﴾ أي (٦) الأخذ ﴿بِأَنَّهُمْ﴾ بسبب أنَّهم ﴿كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ بالدلالات الواضحات، وقيل: بالأمر والنَّهي.\n﴿فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ﴾ كرَّر ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ﴾ لبيان عِلَّة (٧) الأخذ.\n_________\n(١) العماد: ما يفصل به بين النعت والخبر، وله موضع من الأعراب عند الكوفيين، فذهب بعضهم إلى أن حكمه حكم ما قبله، وذهب بعضهم إلى أن حكمه حكم ما بعده، وذهب البصريون إلى أنه يسمى فصلا؛ لأنه يفصل بين النعت والخبر إذا كان الخبر مضارعًا لنعت الاسم ليخرج من معنى النعت كقولك زيد هو العاقل ولا موضع له من الإعراب. [انظر: الأصول في النحو؛ لأبي بكر ابن السراج (٢/ ١٢٥)؛ الإنصاف في مسائل الخلاف؛ لابن الأنباري (٢/ ٧٠٦)].\n(٢) في (ب) \"الضمير الذي هم كان \".\n(٣) وهي قراءة ابن عامر وحده [انظر: السبعة (ص: ٥٦٩)، معاني القراءات (ص: ٤٢٦)، الحجة (٦/ ١٠٦)، التيسير ٠ (ص: ١٥٥)].\n(٤) في (ب) \" أعمالًا \".\n(٥) لم أقف عليه.\n(٦) \" أي \" ساقطة من (أ).\n(٧) \" علة \" ساقطة من (ب).","vol":"1","page":2602},{"text":"﴿إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢٢)﴾\n﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا﴾ التِّسع (١) (٢).\n﴿وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢٣)﴾ حُجَّة قاهرة للباطل مُتسلِّطة عليه (٣).\n﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ﴾ أي (٤): موسى ﴿كَذَّابٌ (٢٤)﴾.\n﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ﴾ أعاد القتل عليهم كالذي كان أولًا، وكان أمسك عن قتلهم (٥)، وقيل: أعاد القتل؛ لأنّه قيل له: إنَّ مُلكك يزول بسبب غلام سيولد بعد، وليس ذلك موسى، ولا من الذين معه من الرِّجال.\nقال أبو القاسم: \" الآية تدُلُّ على أنَّه أمرَ بذبح الأبناء بعد مجيء موسى - ﵇ - \".\n﴿وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ﴾ للخدمة وغيرها، وكان يُزَوِّج بناتهم من القِبْطِ.\n_________\n(١) \"التِّسع \" ساقطة من (ب).\n(٢) تقدم ذكرها عند قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [الإسراء: (١٠١)] وخلاصة ما ذكر فيها عند المفسرين: أنها على معنيين: الأول: أنها بمعنى المعجزات والدلالات، ثم اتفق جمهور المفسرين على سبع آيات منها، وهي: يده والعصا والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم، وفي الآيتين الآخرتين على أقوال أحدها: أنهما العقدة التي في لسانه والبحر الذي فلق له، والثاني: البحر والجبل الذي نتق فوقهم، والثالث: السنين ونقص الثمرات، وقيل: غير ذلك.\nوالثاني: أنَّها آيات الكتاب. [انظر: تفسير مقاتل (٢/ ٤٧٠)، جامع البيان (١٥/ ١٧٠)، تفسير البغوي (٥/ ١٣٢)، زاد المسير (٥/ ٦٧)].\n(٣) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٤٦)، معاني القرآن؛ للنَّحاس (٣/ ٣٧٨).\n(٤) \" أي \" ساقطة من (أ).\n(٥) انظر: جامع البيان (٢٤/ ٥٦).","vol":"1","page":2603},{"text":"﴿وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (٢٥)﴾ عَمَّم الإخبار فتضمَّن إبطال كيد فرعون وجنوده (١).\n﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى﴾ قال هذا بعد قولهم له: ﴿أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾ [الأعراف: (١١١)، الشعراء: (٣٦)].\nوقيل: كانوا يزعمون أنَّ موسى ساحر فإن قتله فرعون هلك فمنعوه عن قتله، وقيل: خوَّفوه من قتله، وقالوا: لا تأمن أن نعجز أو ينالنا من الآلهة وعصاه مكروه.\nوقيل: معنى (٢): ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ﴾: أشيروا عليَّ بقتله.\n﴿وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ فإنَّه لا يُجاب، وليسْتعن ربَّه فإنَّه لا يُعان، وقيل: وليدع (٣) ربَّه فإنَّه لا يجيء من دعائه شيء؛ لأنَّه يدعوا ما لا حقيقة له.\n﴿إِنِّي أَخَافُ﴾ إن لم أقتله ﴿أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾ عبادتكم، وقيل: يغير أمركم الذي أنتم عليه، وقيل: دينكم الحق بدِينه الباطل.\n﴿أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ (٢٦)﴾ المحاربة والقتال، وقيل: الفساد: عبادة غير فرعون بزعم فرعون، وقيل: الفساد: أن يقتل أبناءكم كما قتلتم أبناءهم (٤)، ويستحيي نساءكم كما استحييتم نساءهم.\nقُرئ بالواو، أي: أخاف هذين الأمرين (٥)، وقُرئ بأو، أي: أحد هذين غير معين (٦).\n_________\n(١) قال ابن سعدي: \" وتدبَّر هذه النكتة التي يكثر مرورها بكتاب الله تعالى: إذا كان السِّياق في قصة معينة أو على شيء معين، وأراد الله أن يحكم على ذلك المعين بحكمٍ لا يختص به ذَكَرَ الحكم، وعلَّقه على الوصف العام ليكون أعم، وتندرج فيه الصورة التي سبق الكلام لأجلها، وليندفع الإيهام باختصاص الحكم بذلك المعين، فلهذا لم يقل: (وما كيدهم إلا في ضلال) بل قال: ﴿وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ \" [تيسير الكريم الرحمن ... (ص: ٧٣٦)].\n(٢) \" معنى \" ساقطة من (ب).\n(٣) في (أ) \" فليدع \".\n(٤) \"كما قتلتم أبناءهم \" ساقطة من (ب).\n(٥) أي: ﴿أن يبدِّل دينكم وأن﴾. وهي قراءة ابن كثير ونافع وأبو عمروٍ وابن عامرٍ. [انظر: جامع البيان (٢٤/ ٥٦)، السبعة (ص: ٥٦٩)، معاني القراءات (ص: ٤٢٦)، الحجة (٦/ ١٠٧)، التيسير (ص: ١٥٥)].\n(٦) أي: ﴿أَوْ أَنْ﴾ وهي قراءة عاصم وحمزة والكسائي. [انظر: جامع البيان (٢٤/ ٥٦)، السبعة (ص: ٥٦٩)، معاني القراءات (ص: ٤٢٦)، الحجة (٦/ ١٠٧)، التيسير (ص: ١٥٥)].\nقال ابن مُجاهد: \" واختلفوا في ضم الياء وفتحها من قوله: ﴿يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ فقرأ نافع وأبو عمرو ﴿يُظهر﴾ مضمومة الياء ﴿الفسادَ﴾ نصبًا، وقرأ ابن كثير وابن عامر ﴿يَظهر﴾ منصوبة الياء ﴿الفسادَ﴾ رفعًا.\nوقرأ عاصم في رواية أبى بكر وحمزة والكسائي ﴿يَظهر﴾ بفتح الياء ﴿الفسادُ﴾ رفعًا، وقرأ حفص عن عاصم ... ﴿يُظهر﴾ برفع الياء ﴿الفسادَ﴾ نصبًا\" [السبعة في القراءات (ص: ٥٦٩)].","vol":"1","page":2604},{"text":"﴿وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ (٢٧)﴾ قال موسى اعتصمت بالله من شرِّك وشرِّ أمثالك.\nومعنى: ﴿لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾: لا يعتقد البعث والجزاء على الأعمال.\n﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾ في (مِنْ) قولان: أحدهما: أنَّه متَّصل بالكتمان، قيل: وكان يكتم إيمانه منهم مائة سنة، ولم يكن من آل فرعون مؤمن أصلًا.\nوالثاني: أنَّه صفة للرَّجل (١) (٢).\nقيل: وكان ابن عم فرعون، وقيل: كان زوج ماشطة ابنة فرعون، وليس بين هذين القولين مُنافاة.\nوقيل: كانت أُمُّه من بني إسرائيل.\nالسُّدِّي: هو الذي قال لموسى: ﴿إِن الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ [القصص: ٢٠] (٣)، وأنَّ اسمه حبيب، وقيل: سمعان، وقيل: خربيل (٤).\n_________\n(١) في (ب) \" صفة الرجل \".\n(٢) انظر: جامع البيان (٢٤/ ٥٨)، معاني القرآن؛ للزَّجاج (٤/ ٢٨١)، معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ٢١٥).\n(٣) انظر: تفسير الثعلبي (٨/ ٢٧٢)، تفسير البغوي (٧/ ١٤٦).\n(٤) وقيل: حربيل، وقيل غير ذلك، ولا دليل على هذه الأقوال، ولا أثر لتحديد اسمه [انظر: تفسير الثعلبي (٨/ ٢٧٢)، النُّكَت والعُيون (٥/ ١٥٢)، تفسير البغوي (٧/ ١٤٦)، زاد المسير (٧/ ٧٧)].","vol":"1","page":2605},{"text":"﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا﴾ أتقصدون قتل رجل؟ استفهام إنكار.\n﴿أَنْ يَقُولَ﴾ لأجل أن يقول: ﴿رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ المعجزات.\n﴿وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾ فعليه وبَالُ كذبه.\n﴿وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ أي: يُصبكم ما يتوعدكم من العذاب، و﴿بَعْضُ﴾: صلة.\nوقيل: ﴿بَعْضُ﴾ بمعنى كُلُّ: قال:\n. . . . . . . . . . . . . . . . . ... أو يرتبط بعض النفوس حِمامها * (١) (٢)\nوقيل: بعض الذي يعدكم، وفي البعض هلاككم، وقيل: قال لهم: إن آمنتم أثابكم الله، وإن كفرتم عاقبكم، فالعقوبة بعض ما وعد.\nوقيل: وعدهم عذاب الدنيا والآخرة، والبعضُ عذاب الدنيا، وقيل: بعض الذي يعدكم ابتداءً ثُمَّ يتواتر، وقيل: توعَّدهم (٣) أشياء من العذاب على أشياء (٤) من المعاصي، فالبعض في مقابلة البعض.\n_________\n(١) البيت للبيد بن ربيعة، وتمامه:\nتَرَّاكُ أمْكِنَةٍ إذَا لَمْ أَرْضَهَا ... أَوْ يَرْتَبِطْ بَعْضُ النُّفُوسِ حِمَامَهَا\n[انظر: جامع البيان (٢٥/ ٩٢)، لسان العرب (٧/ ١١٩)، مادة \" بعض \"، وفي اللسان \" أو يعتلق بعض النفوس].\n(٢) قال أبو جعفر النَّحاس: \" وهذا القول مردود عند جميع النحويين، ولا حاجة عليه من معقول أو خبرٍ؛ لأنَّ \"بعضا\" معناها خلاف معنى \" كل \" في كل المواضع \" [إعراب القرآن (٤/ ٧٨)].\nوقال ابن جزي: \" قيل: إن بعض هنا بمعنى: كل، وذلك بعيدٌ، وإنما قال بعض ولم يقل كل مع أن الذي يصيبهم هو كل ما يعدهم؛ ليلاطفهم في الكلام، ويبعد عن التعصب لموسى، ويظهر النصيحة لفرعون وقومه، فيرتجي إجابتهم للحق \" [التسهيل (٤/ ٥)].\n(٣) \" يوعدهم \" ساقطة من (أ).\n(٤) \" على أشياء \" ساقطة من (ب).","vol":"1","page":2606},{"text":"﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ (٢٨)﴾ قال بعضهم: هذا من تمام كلام المؤمن، وعني به فرعون (١)، وقيل: أوهم أنَّه يعني بالمسرف موسى، وهو يعني به فرعون.\nوقال بعضهم: هذا استئناف كلام من الله.\nوالمُسرف: المُتجاوز الحدّ في المعصية (٢)، وقيل: السافك للدِّماء (٣).\n﴿يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ﴾ مُستعلين غالبين (٤).\n﴿فِي الْأَرْضِ﴾ في أرض مصر (٥)، وهذا (٦) من كلام المؤمن لفرعون وملئه.\n﴿فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ﴾ عذابه ﴿إِنْ جَاءَنَا﴾ حلَّ بنا، أضافهم إلى نفسه ليكون أدعى للقبول (٧).\n﴿قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ﴾ من الهُدى ﴿إِلَّا مَا أَرَى﴾.\nوقيل: ما آمركم إلا ما رأيت لنفسي أنَّه حقُّ وصواب.\n﴿وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ (٢٩)﴾ إلا طريق الهُدى والرَّشد.\nوقيل: الرَّشاد اسم من أسماء أصنامه، حكاه الفقيه (٨) أبو الليث - ﵀ - (٩).\n_________\n(١) \" فرعون \" ساقط من (أ).\n(٢) انظر: المفردات (ص: ٤٠٦) مادة \" سَرَفَ\"، لسان العرب (٩/ ١٤٨)، مادة \" سَرَفَ \".\n(٣) وكلا المعنيين مقصود، وهو ما اختاره الإمام ابن جرير: \" والصواب من القول في ذلك أن يقال: إنَّ الله أخبر عن هذا المؤمن أنه عمَّ بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ والشرك من الإسراف، وسفك الدم بغير حق من الإسراف، وقد كان مجتمعًا في فرعون الأمران كلاهما، فالحق أن يعمَّ ذلك كما أخبر جلَّ ثناؤه عن قائله أنَّه عمَّ القول بذلك \". [جامع البيان (٢٤/ ٥٩)].\n(٤) انظر: تفسير الثعلبي (٨/ ٢٧٤)، تفسير البغوي (٧/ ١٤٧).\n(٥) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٢٨)، جامع البيان (٢٤/ ٥٩)، تفسير البغوي (٧/ ١٤٧).\n(٦) في (أ) \" هذا \".\n(٧) في (ب) \" القبول \".\n(٨) \" الفقيه \" ساقط من (أ).\n(٩) انظر: تفسير السَّمَرْقَندي (٣/ ١٩٦).","vol":"1","page":2607},{"text":"﴿وَقَالَ الَّذِي آَمَنَ﴾ هذا من كلام المؤمن، وعليه الجمهور (١).\nوقال أبو علي: \" هو من كلام موسى \" (٢)، وهو المعني بقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِي آَمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ﴾ في تكذيبه ﴿مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ (٣٠)﴾ مثل عذاب الأمم الخالية \".\n﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ عذاب قوم نوح، وقيل: عادة قوم نوح (٣).\n﴿وَعَاد وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ (٣١)﴾ لا يُعاقب بغير ذنب، وهذا تخويف من عذاب الدنيا، ثُمَّ خوَّفهم عذاب الآخرة فقال:\n﴿وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (٣٢)﴾ أي: عذاب يوم التناد، وهو يوم القيامة، أي ينادي بعضهم بعضًا، وقيل: هو من قوله: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [الأعراف: (٥٠)] ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: (٤٤)] ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ﴾ [الأعراف: (٤٨)] (٤).\nوقيل: هو دعاؤهم إلى المحشر.\nوقيل: يُنادي المُنادي بالسعادة والشقاوة ألا إنَّ فلانًا قد سعد سعادة لا يشقى بعدها أبدًا، ألا إنَّ فُلانًا قد شقي شقاوة (٥) لا يسعد بعدها أبدًا.\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٤/ ٥٩)، تفسير السَّمَرْقَندي (٣/ ١٩٦)، المحرر الوجيز (٤/ ٥٥٧).\n(٢) انظر: لم أقف عليه.\n(٣) الدَّأَبُ: إدامة السَّيْر ....، والدَّأَب: العادة المُسْتمرِّة دائمًا على حالة [المفردات (ص: ٣٢١)].\n(٤) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٤٨)، جامع البيان (٢٤/ ٦٠)، تفسير السَّمَرْقَندي (٣/ ١٩٦)، تفسير البغوي (٧/ ١٤٧).\n(٥) \" شقاوة \" ساقط من (أ).","vol":"1","page":2608},{"text":"﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ﴾ أي: عن الموقف ﴿مُدْبِرِينَ﴾ أي: إلى النار، وقيل: يوم النَّفخ، وقُرئ في الشَّواذ ﴿التنادِّ﴾ من ندَّ البعير (١).\n﴿مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ﴾ من عذاب الله ﴿مِنْ عَاصِمٍ﴾ مانعٍ ودافع.\n﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٣)﴾ مُرشِد ولا عاصم (٢).\n﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ﴾ فيه ثلاثة أقوال:\nأحدها: أنَّه يوسف بن يعقوب، وفرعون موسى، هو فرعون يوسف (٣).\nوفي بعض التفاسير: \" مات لفرعون فرس قيمته ألوف فدعا يوسف فأحياه الله \"، وفيه أيضًا: \"كشفت الشمس فدعا يوسف فكشفها الله فآمن به فرعون، ثُمَّ عاد إلى الكُفر بعد موت يوسف \" (٤).\nوالثاني: \" هو يوسف بن إبراهيم بن يُوسف بن يعقوب أقام فيهم عشرين سنة \"، قاله ابن عباس - ﵄ - (٥).\nالثالث: قال النَّقَّاش في تفسيره: \" إنَّ الله تعالى بعث إليهم رسولًا من الجنِّ اسمه يوسف \" (٦)، وأورده أقضى القضاة أيضًا (٧) (٨).\n﴿مِنْ قَبْلُ﴾ من قبل موسى، وقيل: من قبل المؤمن.\n﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾ من حمله على يوسف بن يعقوب قال: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾ تعبيره الرؤيا، ومن حمله على غيره فالمراد: المعجزات.\n﴿فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ﴾ أي مات (٩).\n﴿قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا﴾ أي: أحدًا يدَّعي الرِّسالة.\nوقيل معناه: انقطع عنكم الرُّسل بعد يُوسف زمانًا طويلًا.\n﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ﴾ مُشرك.\n﴿مُرْتَابٌ (٣٤)﴾ شاكّ.\nوقيل: مسرفٌ لقوله: ﴿لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا﴾.\n﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ﴾ عظُم بُغْضًا عند الله ﴿وَعِنْدَ الَّذِينَ آَمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (٣٥)﴾ قُرئ بالتنوين وبالإضافة، فمن نوَّنَ (١٠) جعل التقدير: كلّ قلبٍ مُتكبرٍ جبارٍ صاحبه، ومن أضاف (١١): جعل التقدير على قلبِ كلِّ مُتكبرٍ جبارٍ\n_________\n(١) وهي قراءة ابن عبَّاس والضحاك وأبي صالح والكلبي [معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ٨)، جامع البيان (٢٤/ ٦١)، معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ٢٢٠)، المُحتَسَب (٢/ ٢٨٧)، شواذ القراءات (ص: ٤١٨)].\n(٢) \" ولا عاصم \" ساقطة من (ب).\n(٣) هذا القول يروى عن وهب بن مُنَبِّه، قال أبو الليث: \" وروي عن وهب بن منبه قال: فرعون موسى هو الذي كان في زمن يوسف فعاش إلى زمان موسى، وهذا خلاف قول جميع المفسرين \" [تفسير السَّمَرْقَندي (٣/ ١٩٧)].\n(٤) لم أقف عليه.\n(٥) ذكره الكرماني في غرائب التفسير (٢/ ١٠٣٠)، ولم ينسبه لأحد.\n(٦) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٠٣٠)، النُّكَت والعُيون (٥/ ١٥٥).\n(٧) النُّكَت والعُيون (٥/ ١٥٥).\n(٨) والجمهور على أنَّه يوسف بن يعقوب - ﵉ -، وفرعون ليس هو فرعون موسى [انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٤٩)، جامع البيان (٢٤/ ٦٣)، تفسير الثعلبي (٨/ ٢٧٤)، تفسير السمعاني (١٥/ ١٩) تفسير البغوي (٧/ ١٤٨)، زاد المسير (٧/ ٨٠)].\n(٩) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٤٩)، جامع البيان (٢٤/ ٦٣).\n(١٠) أي: ﴿على كلِّ قلبٍ متكبِّرٍ﴾، وهي قراءة أبي عمرو وحده. [انظر: جامع البيان (٢٤/ ٦٤)، السبعة ... (ص: ٥٧٠)، إعراب القرآن؛ للنَّحاس (٤/ ٢٥)، معاني القراءات (ص: ٤٢٧)، الحجة (٦/ ١٠٩)، التيسير (ص: ١٥٥)].\n(١١) أي: ﴿عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ وهي قراءة الجمهور [انظر: جامع البيان (٢٤/ ٦٤)، السبعة (ص: ٥٧٠)، إعراب القرآن؛ للنَّحاس (٤/ ٢٥)، معاني القراءات (ص: ٤٢٧)، الحجة (٦/ ١٠٩)، التيسير (ص: ١٥٥)].","vol":"1","page":2609},{"text":"كما جاء فلان يصوم كلّ يوم جُمعة، أي: يوم كلِّ جُمعة، وقيل تقديره: على كل قلب كلِّ مُتكبِّرٍ جبَّارٍ.\n﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ﴾ وكان وزيره (١).\nابن عباس - ﵄ -: \" لم يكن من القِبط، ولا من بني إسرائيل \" (٢).\n﴿ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ بناءً عاليًا من التصريح وهو الإظهار.\nوقيل: مجلسًا، وقيل: بناءً بالآجُرِّ (٣)، فبناه بالآجر (٤) لقوله: ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا﴾ [القصص: (٣٨)].\nوقيل: شُغل بالآيات التِّسع عن بناء الصَّرح (٥).\n﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ﴾\nابن عباس - ﵄ -: \" منزل السَّماء \" (٦).\nوقيل: أبواب السَّماء.\nوقيل: طُرقها، وقيل: لعلي أتسبَّب إلى مُرادي.\n﴿فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ فأصل إليه.\nالحسن: \" أراد التلبيس على الضعفة مع علمه باستحالة ذلك \" (٧).\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٤/ ٦٤)، تفسير البغوي (٧/ ١٤٩).\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) الآجر: الطُّوب الذي يُبْنَى به، فارسيٌّ مُعَرَّبٌ [انظر: مجمل اللغة (ص: ٤٦)، مادة \"أَجَرَ \"، مختار الصحاح ... (ص: ٦)، مادة \" أَجَرَ \"].\n(٤) \" فبناه بالآجر \" ساقط من (ب).\n(٥) الصَّرح: البناء الظاهر الذي لا يخفى على الناظر، وإن بُعد، وأصله من التصريح وهو الإظهار [انظر: تفسير الثعلبي (٨/ ٢٧٥)، تفسير البغوي (٧/ ١٤٩)].\n(٦) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (٢٤/ ٦٥).\n(٧) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٠٣٠)، النُّكَت والعُيون (٥/ ١٥٦).","vol":"1","page":2610},{"text":"والجمهور: على أنَّه قصد ببنائه الصُّعود إلى السَّماء ورؤية إله موسى سبحانه، وجهله حمله على ذلك (١).\nوقال بعضهم: أراد بناء رصدٍ في موضعٍ عالٍ يرصد منه الكواكب، وكان فرعون يعبد الشمس، ويعتقد أنَّ الشمس قد استجابته (٢)، وقد سبق.\nقُرئ ﴿فأطلعُ﴾ الرَّفع عطفًا على ﴿أبلغُ﴾ (٣)، وبالعطف على جواب (لعل) (٤).\n﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ﴾ يعني موسى ﴿كَاذِبًا﴾ في قوله: له إله غيري، وقيل: معنى أظنُّ: أتيقَّن.\n﴿وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ﴾ أي: زَيَّن الشيطان ذلك له وصدَّه (٥)، وقُرئ ﴿وصَدَّ﴾ بالفتح (٦)، فيجوز أن يكون لازمًا، ويجوز أن يكون مُتعديًا، والفعل لفرعون، أي: صَدَّ الناس عن الإيمان، ويجوز أن يكون الفاعل هو الله، أي: صدَّه الله عن إبطال أمر موسى، وقيل: في بناء الصَّرح.\n﴿وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ (٣٧)﴾ خسار وهلاك من قوله: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: (١)].\n_________\n(١) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٠٣٠)، تفسير البيضاوي (٢/ ٣٤١)، تفسير أبي السعود (٥/ ٤٢٠)، فتح القدير (٤/ ٧٠٢).\n(٢) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٠٣٠).\n(٣) وهي قراءة الجمهور وعاصم في رواية أبي بكر [انظر: جامع البيان (٢٤/ ٦٦)، السبعة (ص: ٥٧٠)، معاني القراءات (ص: ٤٢٧)، الحجة (٦/ ١١١)، التيسير (ص: ١٥٥)].\n(٤) وهي قراءة حفصٍ عن عاصم. [انظر: جامع البيان (٢٤/ ٦٦)، السبعة (ص: ٥٧٠)، معاني القراءات (ص: ٤٢٧)، الحجة (٦/ ١١١)، التيسير (ص: ١٥٥)].\n(٥) وقد قرأ بها عاصم وحمزة والكسائي [انظر: جامع البيان (٢٤/ ٦٦)، السبعة (ص: ٥٧١)، إعراب القرآن؛ للنَّحاس (٤/ ٢٥)، الحجة (٦/ ١١١)، حجة القراءات؛ لابن زنجلة (ص: ٦٣٢)، التيسير (ص: ١٠٨)].\n(٦) وقرأ بها ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر [انظر: جامع البيان (٢٤/ ٦٦)، السبعة (ص: ٥٧١)، إعراب القرآن؛ للنَّحاس (٤/ ٢٥)، الحجة (٦/ ١١١)، حجة القراءات؛ لابن زنجلة (ص: ٦٣٢)، التيسير (ص: ١٠٨)].","vol":"1","page":2611},{"text":"﴿وَقَالَ الَّذِي آَمَنَ﴾ ذهب أبو علي: إلى أنَّه موسى - ﵇ - غيره مؤمن (١) آل فرعون (٢).\n﴿يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ (٣٨)﴾ طريق السَّعادة، وصلاح الأمر. والرَّشاد والرَّشد واحدٌ (٣).\n﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ﴾ انتفاع يسير.\n﴿وَإِنَّ الْآَخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ (٣٩)﴾ المحلُّ الذي يُستقرُّ فيه.\n﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ (٤٠)﴾ لا مكيال فيها ولا ميزان.\n﴿* وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ﴾ أي: إلى الجنَّة ﴿وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (٤١)﴾ ويحتمل: أنَّ التقدير: أدعوكم إلى النَّجاة والجنَّة، وتدعونني إلى الهلاك والنار، فاكتفى بذكر أحدهما من كلِّ طرف.\nوهو استفهام إنكارٍ، ثُمَّ أوضح كيفية دعائهم إيَّاه إلى النار فقال: ﴿تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ أي: ما لا يصِحُّ أن يُعلم، وقيل: ما ليس لي به علمٌ أنَّه إله، ثُمَّ بيَّن ما يدعوا هو إليه فقال: ﴿وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ (٤٢)﴾ وهو الله عزَّ اسمه.\n_________\n(١) في (ب) \" من آل فرعون \".\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) انظر: لسان العرب (٣/ ١٧٥).","vol":"1","page":2612},{"text":"﴿لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ ﴿لَا﴾ ردٌّ لكلامهم.\nو﴿جَرَمَ﴾: بمعنى: وجَبَ (١)، وقيل معنى: ﴿لَا جَرَمَ﴾: حَقًَّا، وقيل معناه: لا بدَّ، وقد سبق في هود (٢).\n﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا﴾ أي: ليس له استجابة دعوة (٣)، وقيل: ليس له دعوة تجب بالإلهية في الدنيا.\n﴿وَلَا فِي الْآَخِرَةِ﴾ قيل (٤): لا يعودُ على من عَبَدَهُ خيرٌ لا في الدنيا ولا في الآخرة.\nوقيل: ليس له شفاعة في الدنيا، ولا في الآخرة، وقيل معناه: ليس هو بشيء (٥).\n﴿وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ﴾ مرجعنا بعد الموت إليه.\n﴿وَأَن الْمُسْرِفِينَ﴾ المشركين، وقيل: الذين يَقْتُلون بغير حقٍّ.\n﴿هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (٤٣)﴾ مُلازِموها.\n﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ﴾ من النَّصيحة عند نزول العذاب (٦)، وقيل: في الآخرة.\n﴿وَأُفَوِّضُ﴾ أُسَلِّمُ (٧) ﴿أَمْرِي إِلَى اللَّهِ﴾ لا أشتغل بمحاربتكم، وقيل: أتوكل على الله، وقيل: أشهد عليكم الله (٨).\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ٢٢٦)، النُّكَت والعُيون (٥/ ١٥٧)، المحرر الوجيز (٤/ ٥٦١).\n(٢) عند قوله تعالى: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآَخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (٢٢)﴾ [سورة هود (٢٢)].\n(٣) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٥٠)، النُّكَت والعُيون (٥/ ١٥٧).\n(٤) في (أ) \" وقيل \".\n(٥) في (أ) \" هو شيء \".\n(٦) انظر: جامع البيان (٢٤/ ٧٠)، تفسير السَّمَرْقَندي (٣/ ١٩٩)، النُّكَت والعُيون (٥/ ١٥٨).\n(٧) انظر: جامع البيان (٢٤/ ٧٠)، النُّكَت والعُيون (٥/ ١٥٨).\n(٨) والمعنى يحتمل ذلك كلَّه [النُّكَت والعُيون (٥/ ١٥٨)].","vol":"1","page":2613},{"text":"﴿إِن اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (٤٤)﴾ أي بأعمالهم ومصيرهم (١).\n﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا﴾ الضمير يعود إلى موسى - ﵇ -.\n﴿وَحَاقَ بِآَلِ فِرْعَوْنَ﴾ يريد فرعون وجنوده، وقيل: شخصُه.\n﴿سُوءُ الْعَذَابِ (٤٥)﴾ الغرق (٢).\nوقيل: الضمير في ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ﴾ يعود إلى المؤمن (٣)، خرج من عندهم هاربًا إلى جبلٍ، فأرسلَ في طلبه، فوجدوه قائمًا يُصلي، والوحوش صفوف عنده فَرُعِبَ الطَّلَبُ منه رُعْبًا شديدًا، فرجعوا فقتلهم فرعون، وهو قوله ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآَلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (٤٥)﴾ (٤) أي: قتْلُ فرعون إيَّاهم، وقيل: الغرق أيضًا.\n﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا﴾ ﴿النَّارُ﴾: بدلٌ من ﴿سُوءُ الْعَذَابِ﴾، وقيل: هو النار، وقيل: ﴿النَّارُ﴾ مبتدأ خبره ﴿يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا﴾ (٥).\n﴿غُدُوًّا﴾ مصدر غدا، وجعله ها هُنا ظرفًا.\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٤/ ٧٠)، تفسير القرآن العزيز؛ لابن أبي زمنين (٤/ ١٣٥)، النُّكَت والعُيون (٥/ ١٥٨).\n(٢) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٥١)، زاد المسير (٧/ ٨٣)، وقال الثعلبي والبغوي: \" الغرق في الدُّنيا والنار في الآخرة \" [انظر: تفسير الثعلبي (٨/ ٢٧٧)، تفسير البغوي (٧/ ١٥٠)].\n(٣) وهو رأي الجمهور، ويدُّل عليه سياق الآيات [انظر: جامع البيان (٢٤/ ٧٠)، تفسير السَّمَرْقَندي (٣/ ١٩٩)، النُّكَت والعُيون (٥/ ١٥٨) تفسير السمعاني (٥/ ٢٢)، تيسير الكريم الرحمن (ص: ٧٣٩)].\n(٤) انظر: النُّكَت والعُيون (٥/ ١٥٩)، تفسير السمعاني (٥/ ٢٢).\n(٥) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ٩)، معاني القرآن؛ للأخفش (ص: ٢٧٧)، إعراب القرآن؛ للنَّحاس (٤/ ٢٦)، مشكل إعراب القرآن (٢/ ٦٣٦).","vol":"1","page":2614},{"text":"﴿وَعَشِيًّا﴾ أي يُعذَّبون دائمًا، كقوله: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (٦٢)﴾ [مريم: ٦٢]، وقيل: هو ما روى ابن مسعود - ﵁ -: \" إنَّ أرواحهم في أجواف طير سُود تُعرض (١) على النار بُكرة وعَشِيًّا إلى يوم القيامة \" (٢).\nوفي هذه الآية أدلُّ دليل على عذاب القبر لقوله (٣): ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾ لأنَّ المعطوف غير المعطوف عليه (٤).\nوقيل: يُعرضون (٥) في الآخرة، والقول ما ذكرت.\nوقيل: هذا من المقلوب، أي: النار تُعرض (٦) عليهم.\n﴿أَدْخِلُوا آَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)﴾ من قرأ بالوصل نصب ﴿آَلَ فِرْعَوْنَ﴾ على النداء (٧)، ومن قطع نصبه على المفعول به (٨)، ويقال: مُضمرٌ في القراءتين.\n_________\n(١) في (أ) \" يُعرض \".\n(٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ١٨٢)، وابن جرير في جامع البيان (٢٤/ ٧١)، وابن أبي حاتم في تفسيره (١٠/ ٣٢٦٧) عن عبد الله بن مسعود.\n(٣) في (أ) \" كقوله \".\n(٤) قال الإمام ابن كثير: \" وهذه الآية أصل كبير في استدلال أهل السنة على عذاب البرزخ في القبور \" [تفسير القرآن العظيم (٤/ ٨٨)، وانظر: معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ٢٣٠)، تفسير السَّمَرْقَندي (٣/ ١٩٩)، أحكام القرآن؛ للجصَّاص (٣/ ٥٠٧)، إعتقاد أئمة الحديث؛ لأبي بكر الإسماعيلي (ص: ٦٩)، تفسير الثعلبي (٨/ ٢٧٧)، إثبات عذاب القبر؛ لأبي بكر البيهقي (ص: ٥٤)، تفسير السمعاني (٥/ ٢٣)].\n(٥) في (ب) \" تعرضون \".\n(٦) في (ب) \" تُعرضون \".\n(٧) أي: ﴿الساعة ادخُلوا آل فرعونَ﴾ بألف موصولة وضمِّ الخاء، وقد قرأ بها ابن كثير وأبو عمروٍ وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكرٍ [انظر: معاني القرآن؛ للفراء (ص: ٩)، جامع البيان (٢٤/ ٧٢)، السبعة (ص: ٥٧١)، إعراب القرآن؛ للنَّحاس (٤/ ٢٦)، الحجة (٦/ ١١٢)، حجة القراءات؛ لابن زنجلة (ص: ٦٣٣)، التيسير (ص: ١٥٥)].\n(٨) أي: ﴿السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آَلَ فِرْعَوْنَ﴾ بقطع الهمزة وفتحها، وكسر الخاء، وقرأ بها نافع وحمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص [انظر: معاني القرآن؛ للفراء (ص: ٩)، جامع البيان (٢٤/ ٧٢)، السبعة (ص: ٥٧١)، إعراب القرآن؛ للنَّحاس (٤/ ٢٦)، الحجة (٦/ ١١٢)، حجة القراءات؛ لابن زنجلة (ص: ٦٣٣)، التيسير (ص: ١٥٥)].","vol":"1","page":2615},{"text":"و﴿أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ قيل: أسفل العذاب.\nوقيل: أشدَّ من العذاب الذي كانوا فيه.\n﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ﴾ يتخاصم الضعفاء والرؤساء ﴿فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ يعني الرؤساء ﴿إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا﴾ في دينكم في الدنيا\n﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا﴾ دافعون، وقيل: حاملون ﴿نَصِيبًا مِنَ النَّارِ (٤٧)﴾ أي بعض الذي علينا (١).\nوالتَّبع مَصْدر، ويجوز أن يكون: جمع تابعٍ (٢).\n﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ أي الرؤساء للضُّعفاء.\n﴿إِنَّا كُلٌّ فِيهَا﴾ نحن وأنتم، فلا يُغني واحدٌ عن واحدٍ.\nابن بحر: \" لو قدرنا أن نغني عنكم لأغنينا عن أنفسنا \" (٣).\n﴿إِن اللَّهَ قَدْ حَكَمَ﴾ قضى ﴿بَيْنَ الْعِبَادِ (٤٨)﴾ بين التابع والمتبوع، وقيل: حكم فأنزلنا منازلنا، وأنزلكم منازلكم.\nو﴿كُلٌّ﴾ رُفع بالابتداء، ولا يجوز أن يكون تأكيدًا؛ لأنَّه إذا اختُزِلَت (٤) عنه الإضافة لا يؤكَّد به ولا يُوصف به (٥).\n_________\n(١) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٥١)، جامع البيان (٢٤/ ٧٣)، تفسير السَّمَرْقَندي (٣/ ٢٠٠).\n(٢) هذا على قول بعض نحويي البصرة، وفي قول بعض نحويي الكوفة جمع لا واحد له [انظر: جامع البيان (٢٤/ ٧٣)، مشكل إعراب القرآن (٢/ ٦٣٧) تفسير البغوي (٧/ ١٥١)، لسان العرب (٨/ ٢٧)، مادة \" تَبِعَ \"].\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) الخَزَل: من الانْخِزَال في المَشْي كأَن الشَّوْكَ شاك قَدَمه، والخزل: القطع يقال: خَزَلْته فانخزل، أَي: قطعته فانقطع والاختزال الحذف [انظر: لسان العرب (١١/ ٢٠٣)، مادة \" خَزَلَ \"].\n(٥) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ١٠)، معاني القرآن؛ للأخفش (ص: ٢٧٨)، مشكل إعراب القرآن ... (٢/ ٦٣٧)، البيان في غريب إعراب القرآن (٢/ ٣٣٢).","vol":"1","page":2616},{"text":"﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ﴾ إذا اشتدَّ (١) الحال عليهم ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ﴾ سَلوه بدعائكم ﴿يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا﴾ من أيام الدنيا.\n﴿مِنَ الْعَذَابِ (٤٩)﴾ من النار ونكالها، فنستريح (٢)، فيجيبهم الخزنة:\n﴿قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ بالبراهين والمعجزات، وقيل: ألم (٣) تخبركم (٤) الرُّسل (٥) أنَّ عذاب جهنَّم مُخَلَّد، لا تخفيف فيه ولا انقطاع؟.\n﴿قَالُوا﴾ أي الكفَّار ﴿بَلَى﴾ ﴿قَالُوا﴾ أي: الخزنة ﴿فَادْعُوا﴾ أنتم ما شئتم فلا استجابة لدعائكم، وقيل: هذا استهزاءٌ بهم.\n﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (٥٠)﴾ لا يُسمع ولا يُجاب.\nيجوز: أن يكون من كلام الخزنة، ويجوز: أن يكون استئنافًا من الله (٦).\n﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا﴾ بالغلبة والحجَّة والانتقام من الكفرة ﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا﴾ ونصر المؤمنين على سائر الأديان ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ بالغلبة والحُجَّة. (٧) (٨)\n_________\n(١) في (ب) \" إذا اشتدت \".\n(٢) في (ب) \" فتستريح \".\n(٣) في (ب) \" لم \".\n(٤) في (أ) \" يُخبركم \".\n(٥) \" الرسل \" ساقط من (ب).\n(٦) انظر: المحرر الوجيز (٤/ ٥٦٣)، تفسير النَّسفي (٣/ ١٠٤٩)، التسهيل (٤/ ٧).\n(٧) انظر: تفسير السَّمَرْقَندي (٣/ ٢٠٠)، النُّكَت والعُيون (٥/ ١٦٠)، تفسير البغوي (٧/ ١٥٢).\n(٨) قال الإمام ابن جرير: \" يقول القائل: وما معنى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ فقد علمنا أنَّ منهم من قتله أعداؤه ومثلوا به كشعياء ويحيى بن زكريا وأشباههما، ومنهم من هَمَّ بقتله قومه فكان أحسن أحواله أن يخلص منهم حتى فارقهم ناجيًا بنفسه، كإبراهيم الذي هاجر إلى الشام من أرضه مفارقا لقومه، وعيسى الذي رفع إلى السماء إذ أراد قومه قتله، فأين النصرة التي أخبرنا أنه ينصرها رسله والمؤمنين به في الحياة الدنيا؟ وهؤلاء أنبياؤه قد نالهم من قومهم ما قد علمت وما نصروا على من نالهم بما نالهم به؟ قيل: إن لقوله: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ وجهين كلاهما صحيحٌ معناه، أحدهما أن يكون معناه: إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا، إما بإعلائنا هم على من كذبنا، وإظفارنا بهم حتى يقهروهم غلبة ويذلوهم بالظفر ذلة، كالذي فعل من ذلك بداود وسليمان فأعطاهما من الملك والسلطان ما قهرا به كلّ كافرٍ، وكالذي فعل بمحمد - ﷺ - بإظهاره على من كذبه من قومه، وإما بإنتقامنا ممن حادَّهم وشاقهم بإهلاكهم وإنجاء الرسل ممن كذبهم وعاداهم كالذي فعل تعالى ذكره بنوح وقومه من تغريق قومه وإنجائه والوجه الآخر: أن يكون هذا الكلام على وجه الخبر عن الجميع من الرسل والمؤمنين، والمراد واحد فيكون تأويل الكلام حينئذ: إنا لننصر رسولنا محمدًا - ﷺ -، والذي آمنوا به في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد \" [جامع البيان (٢٤ - ٧٤)].","vol":"1","page":2617},{"text":"﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١)﴾ أي: ولهم الغلبة في القيامة أيضًا، حين تحضر الشهود، فشهدت للأنبياء (١) بالتبليغ، وللمؤمنين بالتَّصديق، وللكافرين بالتكذيب.\nوالأشهاد: جمع شاهد وشهيد (٢).\nالحسن: \" الأشهاد: هم الرُّسل \" (٣)، وقيل: هم الحفظة.\n﴿يَوْمَ﴾ بدل من الأول ﴿لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ أي: لا يُقبل عنهم (٤) عذرهم.\n﴿وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ السُّخطة (٥) ﴿وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٥٢)﴾ يعني: عذاب جهنَّم.\n﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى﴾ التوراة ﴿وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ (٥٣)﴾ أعطيناهم على لسان الرُّسل الكتاب، أي: التوراة، والإنجيل والزَّبور.\n_________\n(١) في (ب) \" فتشهد الأنبياء \".\n(٢) انظر: جامع البيان (٢٤/ ٧٥)، النُّكَت والعُيون (٥/ ١٦٠).\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) \" عنهم \" ساقطة من (ب).\n(٥) انظر: تفسير السَّمَرْقَندي (٣/ ٢٠٠).","vol":"1","page":2618},{"text":"﴿هُدًى﴾ من الضلالة ﴿وَذِكْرَى﴾ وموعظة (١) ﴿لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٥٤)﴾ لذوي العقول.\n﴿فَاصْبِرْ﴾ يا محمد على أذى المشركين ﴿إِن وَعْدَ اللَّهِ﴾ بالنَّصرة (٢)\n﴿حَقٌّ﴾ كائن في الدنيا، وقيل: في الآخرة.\n﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ هذه الآية نزلت قبل قوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ﴾ الآية [الفتح: ٢] (٣).\nوقيل: واستغفر من ذنبٍ إن كان منك، وقيل: لذنب أمَّتك، وقيل: تعبَّد بالاستغفار ليصير سُنَّة.\n﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٥٥)﴾ أي دائمًا (٤)، وقيل: صلاة الليل، وصلاة النهار.\nالحسن: \" صلاته قبل فرض الصلوات بمكة ركعتان بكرة، وركعتان بالعشي \" (٥).\nوالباء للحال أي سبِّحه حامدًا، وقيل: سبِّحه بقولك: الحمد لله.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ﴾ فيه قولان:\nأحدهما: أنَّها نزلت في مشركي مكَّة (٦)، وأراد بالصُّدور القلوب، وبالكبر: الحسد، والأمر العظيم كقوله: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ﴾، والمعنى: ما في صدورهم إلا عظمة (٧).\n_________\n(١) انظر: تفسير السَّمَرْقَندي (٣/ ٢٠٠)، زاد المسير (٧/ ٨٦).\n(٢) في (ب) \" بالنَّصر \".\n(٣) انظر: تفسير السَّمَرْقَندي (٣/ ٢٠١).\n(٤) انظر: تفسير البيضاوي (٢/ ٣٤٣)، تفسير أبي السعود (٥/ ٤٢٤)، روح المعاني (٢٤/ ٧٧).\n(٥) انظر: النُّكَت والعُيون (٥/ ١٦١)، زاد المسير (٧/ ٨٦).\n(٦) انظر: النُّكَت والعُيون (٥/ ١٦١)، تفسير السمعاني (٥/ ٢٧)، زاد المسير (٧/ ٨٦)، تفسير البيضاوي (٢/ ٣٤٣)، البحر المحيط (٩/ ٢٦٦)، تفسير أبي السعود (٥/ ٤٢٥)، ورجَّح هذا القول ابن الجوزي.\n(٧) انظر: تفسير (٢/ ٥٦٦)، تفسير مقاتل (٣/ ١٥٣)، جامع البيان (٢٤/ ٧٧)، تفسير السَّمَرْقَندي (٣/ ٢٠١)، النُّكَت والعُيون (٥/ ١٦١)، تفسير البغوي (٧/ ١٥٢).","vol":"1","page":2619},{"text":"﴿مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ أي (١): ببالغي تلك العظمة فإنَّ الله يخذلهم، وقيل: عَظُم كبرهم حتى كأنَّه ما في صدورهم إلا كبر.\nوالثاني (٢): أنَّها نزلت في اليهود حين قالوا للنَّبي - ﷺ -: إنَّ صاحبنا المسيح (٣) بن داود يعنون الدَّجال \" (٤).\nالشعبي: \" كنيته، أبو يوسف \" (٥).\nومن روى المِسِّيح بالكَسر والتَّشديد فغير مرضي عند المُحدِّثين (٦)، وأنَّه يخرج في آخر الزَّمان فيبلُغُ سُلطانه البرَّ والبحر، ويردُّ الملك إلينا، وتسير (٧) معه الأنهار.\nوهو آية من آيات الله، فأنزل الله تعالى هذه الآية (٨)، ثُمَّ قال:\n﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ أي: من فتنة الدَّجال (٩) ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٥٦)﴾.\n﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ﴾ فمالكم تُنكرون البعث؟ (١٠).\n_________\n(١) \" أي \" ساقطة من (أ).\n(٢) في (ب) \"والأكثر\".\n(٣) في (أ) \" المسيخ\".\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره عن أبي العالية (١٠/ ٣٢٦٨)، وانظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٥٣)، تفسير السمعاني (٥/ ٢٧)، تفسير البغوي (٧/ ١٥٣)، زاد المسير (٧/ ٨٦)، تفسير البيضاوي (٢/ ٣٤٣)، البحر المحيط (٩/ ٢٦٦)، قال الإمام ابن كثير: \" وهذا قولٌ غريبٌ، وفيه تعسفٌ بعيدٌ، وإن كان قد رواه ابن أبي حاتم في كتابه، والله ﷾ أعلم \" [تفسير القرآن العظيم (٤/ ٩١)].\n(٥) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٠٣٢)، تفسير الثعلبي (٨/ ٢٧٧).\n(٦) انظر: التمهيد، لابن عبد البر (١٤/ ١٨٧)، تنوير الحوالك، للسيوطي (١/ ١٦٨)، شرح السِّيُوطي لسنن النَّسائي (٣/ ٥٦).\n(٧) في (ب) \" ويسير \".\n(٨) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٠٣٢).\n(٩) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٥٣)، وهذا على القول الثاني، وقد ذُكر بُعده.\n(١٠) قال ابن جرير - في معنى الآية -: \" يقول تعالى ذكره: لابتداع السماوات والأرض وإنشاؤها من غير شيء أعظم أيها الناس عندكم، إن كنتم مستعظمي خلق الناس وإنشائهم من غير شيء من خلق الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلمون أن خلق جميع ذلك هين على الله \" [جامع البيان (٢٤/ ٧٧)].","vol":"1","page":2620},{"text":"وقيل: من خلق الناس، يعني: الدَّجال، ردٌّ على اليهود حين عظَّموا أمره.\nوعن أسماء بنت يزيد (١) قالت: قال رسول الله - ﷺ -: \" إنَّ قبل خروج الدجَّال (٢) ثلاث سنين، أول سنة تُمسك السماء ثلث قطرها، والأرض ثُلث نباتها، والسَّنة الثانية تُمسك السماء ثلثي قطرها، وتُمسك الأرض ثُلثي نباتها، والسَّنة الثالثة تُمسك السَّماء ما فيها والأرض ما فيها، ويُهلك كلّ ذات ضرس وظلف \" (٣).\nوعن أبي أمامة الباهلي - ﵁ - (٤) قال: «خطبنا رسول الله - ﷺ - ذات يوم فكان (٥) أكثر خطبته أن يُحدِّثنا عن الدَّجال، وأنَّ الله تعالى لم يبعث نبيًا إلا حذَّره أمَّته، وأنا آخر الأنبياء (٦)، وأنتم آخر الأمم، وهو خارج فيكم لا محالة، فإن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيج كُلِّ مُسلم، وإن يخرج بعدي فكل (٧) امريءٍ حجيج نفسه، والله خليفتي عن كلِّ مُسلم أنَّ يخرج بين\n_________\n(١) أسماء بنت يزيد بن السكن الأنصارية الأوسية الأشهلية، وهي ابنه عمة معاذ بن جبل، تكنى أمّ سلمة، وقيل: أم عامر، من ذوات العقل والدِّين، ومن أخطب نساء العرب ومن ذوات الشجاعة والإقدام، وفدت على رسول الله - ﷺ - في السنة الأولى للهجرة فبايعته وسمعت حديثه، وحضرت وقعة اليرموك فكانت تسقي الظماء وتضمِّد جراح الجرحى، واشتدت الحرب فقتلت بعمود خبائها يوم اليرموك تسعة من الروم، سكنت دمشق وبها ماتت، وقبر أم سلمة، الذي بمقبرة الباب الصغير، هو قبرها. [انْظُر تَرْجَمَتَهَا: الاستيعاب (٤/ ٣٥٠)، سِيَرُ أعلام النُّبلاء (٢/ ٢٩٦)، الأعلام (١/ ٣٠٦)].\n(٢) في (ب) \" دجَّال \".\n(٣) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١١/ ٣٩١) برقم (٢٠٨٢١)، وأحمد في مسنده (٦/ ٤٥٣ و٤٥٤ و٤٥٥) قال الهيثمي: \" رواه كله أحمد والطبراني من طرق، وفى إحداها يكون قبل خروجه سنون خمس جدب، وفيه شهر بن حَوشب، وفيه ضعف، وقد وُثِّقَ \". [مجمع الزوائد (٧/ ٣٤٥)].\n(٤) أبو أمامة: صُدَيّ بن عجلان بن وهب الباهلي السَّهمي، أبو أمامة الباهلي، غلبت عليه كنيته كان يسكن حمص، وقد توفي - ﵁ - سنة إحدى وثمانين وهو ابن إحدى وتسعين سنة ويقال: مات سنة ست وثمانين.\n[انْظُر تَرْجَمَتَه: الاستيعاب (٢/ ٢٨٩)، أسد الغابة (٣/ ١٥)، سِيَرُ أعلام النُّبلاء (٣/ ٣٥٩)].\n(٥) في (أ) \" وكان \".\n(٦) \" وأنا آخر الأنبياء \" ساقط من (أ).\n(٧) في (أ) \" وكلُّ \".","vol":"1","page":2621},{"text":"العراق والشام فيعيث (١) يمينًا وشمالًا، فيا عباد الله: اثبتوا فإنَّه يبدأ ويقول (٢): \" أنا نبيٌّ، ولا نبي بعدي، ثُمَّ يقول بعد ذلك: أنا ربُّكم، ولن تروا ربَّكم حتى تموتوا، وإنَّه أعور، وإنَّ ربكم ليس بأعور، وإنَّه مكتوب بين عينيه ك ف ر، أي (٣): كافرٌ، يقرؤه كلّ مؤمن، فمن لقيه منكم فليتْفُل في وجهه.\nوإنَّ من فتنته أنَّ معه جنَّة ونارًا، فناره جنَّة وجنَّته نار، فمن ابتلي بناره فليقرأ بفواتح (٤) سورة الكهف، ويستغث (٥) بالله؛ فتكون عليه بردًا وسلامًا كما كانت على إبراهيم - ﵇ - وإنَّ من فتنته أنَّ معه الشياطين تتمثل على صُورة الناس فيأتي الأعرابي، فيقول: إنَّ بعثت لك أباك وأمَّك، أتشهد أنِّي ربُّك فيقول: نعم، فيتمثَّل له شياطينه على صُورة أبيه وأمِّه فيقولان له: يا بني: اتَّبعْه فإنَّه ربُّك، وإنَّ من فتنته: أن يُسلّط على نفسٍ فيقتلها ثُمَّ يحيها، ولن يعود لها بعد ذلك، ولا يصنع ذلك بنفس غيرها، فيقول: انظروا إلى عبدي هذا فإنِّي بعثته الآن، ويزعم أنَّ له ربًا غيري (٦).\nمقاتل بن سليمان: \" الرُّجل الذي يُسلّط عليه الدَّجال رجلٌ من خثعم، فيبعثه فيقول: من ربُّك؟ فيقول: ربِّي الله، وأنت الدَّجال عدو الله \" (٧).\nوقيل: إنَّ النَّفس التي يُسَلَّط عليها (٨) الدجَّال (٩) إلياس - ﵇ - (١٠).\n_________\n(١) في (ب) \" فيبعث \".\n(٢) في (ب) \" يبدأه فيقول \".\n(٣) \" ك ف ر، أي \" ساقطة من (ب).\n(٤) في (أ) \" ويستغيث \".\n(٥) في (ب) \" دجَّال \".\n(٦) أخرجه ابن ماجة في سُننه في كتاب الفتن، باب: فتنة الدجال وخروج المسيح عيسى ابن مريم وخروج يأجوج ومأجوج، برقم (٤٠٧١)، وأخرجه الحاكم في مستدركه في كتاب الفتن والملاحم (٤/ ٥٣٦)، وقال: \" هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه بهذه السياقة \".\n(٧) لم أقف عليه.\n(٨) في (أ) \" عليه \".\n(٩) \" الدَّجال \" ساقط من (ب).\n(١٠) لم أقف عليه.","vol":"1","page":2622},{"text":"«وإنَّ من فتنته أن يقول للأعرابي: أرأيت إن بعثت لك إبلك أتشهد أنِّي ربُّك، فيقول: نعم فتتمثَّل له الشياطين على صُورة إبله، وإنَّ من فتنته: أن يمرَّ بالحي فيُكذِّبوه، فلا تبقى لهم سائمة إلا هلكت، ويمرُّ بالحي فيصدِّقوه (١)، فيأمر السماء أن تُمطر فَتُمْطر، ويأمر الأرض أن تُنبت فتنبت، فتروح لهم مواشيهم من يومهم ذلك أعظم ما كانت وأسمنه وأدرَّه ضُروعًا، وإنَّ أيامه أربعون يومًا، فيوم كالسَّنة، ويوم دون ذلك، ويوم كالشَّهر، ويوم دون ذلك، ويوم كالأسبوع، ويوم دون ذلك، ويوم كاليوم، ويوم دون ذلك، ويوم يُصبح الرَّجل بباب المدينة فلا يبلغ بابها الآخر حتى تغرب الشَّمس.\nقالوا يارسول الله: فكيف نصلِّي (٢) في تلك (٣) الأيام القصار؟ قال تُقدِّرون فيها كما تُقدِّرون في هذه الأيام (٤) الطِّوال، ثُمَّ تُصَلُّون، وإنَّه لا يبقى شيءٌ من الأرض إلا وطِيه وغلب عليه، إلا مكَّة والمدينة، فإنَّه لا يأتيهما (٥) من نَقبٍ من أنقابهما، إلا لقيه ملك مُصلت بالسيف، حتى ينزل الكثيب الأحمر عند مجتمع السيول، عند منقطع السَّبخة، ثُمَّ ترجف (٦) المدينة بأهلها ثلاث رجفات، فلا يبقى منافق ولا منافقة إلا خرج إليه، تنفي (٧) المدينة يومئذٍ الخبث كما ينفي (٨) الكير خبث الحديد، يُدعى ذلك اليوم يوم الخلاص، فقيل: أين النَّاس يومئذٍ؟ قال: ببيت المقدس فخرج (٩) حتى يُحاصرهم (١٠)، وإمام النّاس يومئذٍ رجلٌّ صالحٌ، فيصبح يومًا وقد دخل صلاة الصُّبح فينزل عيسى ابن مريم، فإذا رآه ذلك الرُّجل عرفه، فرجع يمشي القهقرى، فيتقدَّم عيسى - ﵇ - فيضع يده بين كتفيه فيقول له: صلِّ فإنَّما أقيمت لك الصلاة، فيُصلِّي عيسى - ﵇ - وراءه ثُمَّ يقول: افتحوا الباب فيفتحون الباب، ومع الدَّجَّال يومئذٍ سبعون ألف يهودي كُلُّهم ذو سلاح وسيفٍ مُحلَّى، فإذا نظر إلى عيسى - ﵇ - ذاب\n_________\n(١) في (أ) \" فيصدقونه \".\n(٢) في (ب) \" تصلِّي \".\n(٣) في (أ) \" ذلك\".\n(٤) \" في هذه الأيام \" ساقطة من (أ).\n(٥) في (أ) \" لا يأتينهما \".\n(٦) في (ب) \" يرجف \".\n(٧) في (ب) \" ينفي \".\n(٨) في (أ) \" تنفي \".\n(٩) في (ب) \" فيخرج \".\n(١٠) في (ب) \" يحاضرهم \".","vol":"1","page":2623},{"text":"كما يذوب الرَّصاص في النار والملح في الماء (١)، ثُم يخرج فيقول له عيسى - ﵇ - إنَّ لي فيك ضربة لن تفوتني بها، فيدركه عند باب الشَّرقي، فيقتله فلا يبقى شيء مما خلق الله تعالى يتوارى به يهودي، إلا أنطق الله ذلك الشيء لا شجر ولا حجر ولا دابة إلا قال: يا عبد الله المسلم هذا كافر فاقتله إلا الغرقد، فإنَّها من شجرهم فلا ينطق، ويكون عيسى - ﵇ - عدلًا وإمامًا مُقسطًا فيدقُّ الصليب ويقتل الخِنزير ويضع الجزية ويترك الصَّدقة، فلا يسعى على شاة ولا بقرة، ويرفع الشحناء والتباغض، ويُنزع حُمَة كلِّ دابة حتى يُدخل الوليد يده في الحُشِّ فلا يَضُرُّه، ويلقى الوليد الأسد فلا يَضُرُّه، ويكون في الإبل كأنَّه كلبها، ويكون الذئب في الغنم كأنَّه كلبها، وتملأ الأرض من السِّلم، ويُسلبُ الكُفار مُلكهم، ولا يكون الْمُلك إلا الإسلام، وتكون الأرض كفاثور الفضَّة (٢) تُنبت نباتها كما كانت على عهد آدم - ﵇ - ويَجْتمع النَّفر على الرُّمَّانة، ويكون الفرس بالدُّريهمات، ويكون الثور بالدراهم (٣) الكثيرة\" (٤).\n﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٥٧)﴾ أنَّ الدَّجال خلق من خلق الله.\nوقيل: لا يعلمون أنَّ الآخرة حقُّ كائن.\n﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ﴾ لا: زائدة (٥).\n﴿قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ (٥٨)﴾ تتعظون.\n﴿إِنَّ السَّاعَةَ﴾ قيام الساعة ﴿لَآَتِيَةٌ﴾ كائنة ﴿لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ لا شكَّ فيها عند المؤمنين، وقيل: لا تشكّوا فيها.\n_________\n(١) \" في الماء \" ساقط من (أ).\n(٢) الفَاثُور: عند العامة الطَّست أَو الخِوان يتخذ من رُخامٍ أَو فضة أَو ذهب. [انْظُرْ: كتاب العين (٨/ ٢٢١)، مادة \" فَثَرَ \"، لسان العرب (٥/ ٤٤)، مادة \" فَثَرَ \"].\n(٣) في (أ) \" الدراهم \".\n(٤) هذا من تتمة حديث أبي أمامة - ﵁ - السابق ذكره.\n(٥) انظر: تفسير ابن أبي زمنين (٤/ ١٣٩)، إملاء ما منَّ به الرحمن (٢/ ٢١٩).","vol":"1","page":2624},{"text":"﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (٥٩)﴾ لا يُصَدِّقون.\n﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ وحِّدوني اغفر لكم، وقيل: ادعوني فيما ينوبكم من النوائب، ويعرض لكم من الحوائج (١) أستجب دعاءكم، وقد سبق في قوله:\n﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ﴾ [البقرة: ١٨٦]\n﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ يتكبرون ﴿عَنْ عِبَادَتِي﴾ توحيدي وطاعتي (٢).\n﴿سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ صاغرين (٣) (٤).\n﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ﴾ خلق (٥) ﴿لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ لتستريحوا من تعب النَّهار، وقيل: تخلوا بنفسك فتحاسبها. (٦)\n﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ قيل: مُضيئًا، وقيل: يُبِّصركم المرئيات، وقيل: مُبصرًا فيه، وقد سبق (٧).\n﴿إِن اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ يخلق الليل والنَّهار، وقيل: لذو فضلٍ على الكافرين (٨) بتأخير العذاب ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٦١)﴾.\n_________\n(١) في (أ) \" الجوائح \".\n(٢) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٥٤)، جامع البيان (٢٤/ ٧٩)، تفسير السَّمَرْقَندي (٣/ ٢٠٢).\n(٣) الصاغر: الراضي بالمنزلة الدنية [المفردات (ص: ٤٨٥) مادة \" صَغَرَ \"].\n(٤) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٥٤)، جامع البيان (٢٤/ ٧٩)، تفسير السَّمَرْقَندي (٣/ ٢٠٢).\n(٥) قال النَّحاس: \" ﴿جَعَلَ﴾: ها هنا بمعنى: خلق، والعرب تُفرِّق بين \" جَعَلَ \" إذا كانت بمعنى خلق، وبين \" جَعَلَ\" إذا لم تكن بمعنى خلق، فلا تعديها إلا إلى مفعولٍ واحد، وإذا لم تكن بمعنى خلق عديتها إلى مفعولين، نحو قوله جلَّ وعزَّ: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: (٣)] [إعراب القرآن (٤/ ٣٠)].\n(٦) في (أ) \" بنفسكم فتحاسبونها \".\n(٧) في سورة يونس عند قوله: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ [يونس: (٦٧)].\n(٨) في (ب) \" الكافر \".","vol":"1","page":2625},{"text":"ابن هيصم: \" جعل الليل مناسبًا للسُّكون من الحركة؛ لأنَّ الحركة على وجهين: حركة طبع وحركة اختيار، وحركة الطبع من الحرارة، وحركة الاختيار من الخطرات المتتابعة بسبب الحواس، فخلق الليل باردًا ليسكّن الحركة، مُظلمًا ليسدَّ الحواس \" (١).\n﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ قيل: كل شيءٍ يباينه.\nوقيل: كلُّ بمعنى البعض، وقيل: عامُّ خُصَّ منه ما لا يدخل في الخلق (٢).\n﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٦٢)﴾ تُصرفون عن الحقِّ، وقيل: تُكذِّبون (٣).\n﴿كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٦٣)﴾ أي يُصرف، وقيل: يُكذِّب (٤).\n﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ﴾ خلق ﴿لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا﴾ موضع استقرارٍ عليها وفيها. ... ﴿وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ سَقفًا فوقكم.\n﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ صورة الإنسان أحسن الصور.\n﴿وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ ... اللذائذ، وقيل: الحلالات (٥).\n﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٦٤)﴾\n﴿هُوَ الْحَيُّ﴾ أي: الحي الذي لا يموت.\n_________\n(١) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٠٣٣).\n(٢) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٠٣٣).\n(٣) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٥٤)، جامع البيان (٢٤/ ٨٠)، تفسير السَّمَرْقَندي (٣/ ٢٠٣)، تفسير السمعاني (٥/ ٢٩).\n(٤) انظر: المصادر السابقة.\n(٥) انظر: جامع البيان (٢٤/ ٨٠)، تفسير السَّمَرْقَندي (٣/ ٢٠٣)، تفسير السمعاني (٥/ ٢٩).","vol":"1","page":2626},{"text":"﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ﴾ فاعبدوه ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أي: مُوحِّدين.\n﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ أي هو الذي يجب أن يحمده عباده.\nقال ابن عباسٍ - ﵄ -: \" إذا قلتم: لا إله إلا الله، فصلوه بالحمد لله ربِّ العالمين \" (١).\n﴿* قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: الأصنام. ... ﴿لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي﴾ هو القرآن، وقيل: العقل والوحي.\n﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٦)﴾ أستقيم وأنقاد (٢).\n﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾.\nأطفالًا، وقيل: واحدًا بعد واحدٍ، وقيل: كلُّ واحدٍ منكم طفلًا (٣).\n﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا﴾ ثُمَّ يُبقيكم لتبلغوا ﴿أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى﴾ يموت.\n﴿مِنْ قَبْلُ﴾ قبل بلوغ الأشد، وقيل: قبل كونه شيخًا.\n﴿وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى﴾ انقضاء الأجل، وقيل: أراد به القيامة.\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (٢٤/ ٨١)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٤٧٦) وقال: \" هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، والبيهقي في الأسماء والصفات، وأورده السِّيُوطي في الدر المنثور (١٣/ ٧٣)، وعزاه إلى ابن جرير، وابن المنذر، والحاكم وصححه، وابن مردوية، والبيهقي في \" الأسماء والصفات \".\n(٢) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٥٥)، جامع البيان (٢٤/ ٨١)، تفسير السَّمَرْقَندي (٣/ ٢٠٣).\n(٣) انظر: تفسير الثعلبي (٨/ ٢٨١)، تفسير السمعاني (٥/ ٣٠)، الكشاف (٤/ ١٨٢)، وفيه قال الزمخشري:\n\" والمعنى كل واحد منكم، أو اقتصر على الواحد؛ لأنَّ الغرض بيان الجنس \".","vol":"1","page":2627},{"text":"﴿وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦٧)﴾ وحدانية الله وقدرته.\n﴿هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْرًا﴾ أراد كون شيء.\n﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٦٨)﴾ سبق في البقرة (١).\n﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ (٦٩)﴾ ذكر الجدال مُكررًا في السورة في ثلاث مواضع، فجاز أن يكون في ثلاثة أقوام، أو ثلاثة أصناف، وجاز أن يكون التكرير للتأكيد (٢).\n﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٧٠) إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ جمع بين سوف وبين (٣) إذ وبينهما تضاد؛ لأنَّ المُتوقَّع في حُكم الموجود، ولأنَّ أكثر ألفاظ القيامة جاءت بلفظ الماضي تحقيقًا (٤).\nالمُبرِّد: \" إذ صارت زمانًا قبل سوف؛ لأنَّ العلم وقع منهم بعد ثبوت الأغلال.\nوالمعنى: علموا مسَّ الأغلال الذي كانوا وعدوه بعد أن حقَّ بالوجود، واستدل بقول أبي ذؤيب (٥):\nفسوف تقول إذْ هي لم تجدني ... أخان العهد أم أَثِمَ الحليف (٦)\n_________\n(١) عند قوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (١١٧)﴾ [البقرة: (١١٧)].\n(٢) تفسير النسفي (٣/ ١٠٥٢).\n(٣) \" وبين \" ساقطة من (أ).\n(٤) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٠٣٣).\n(٥) أبو ذؤيب: خُوَيْلِدُ بن خالد بن محرث الهُذلي، أبو ذؤيب، من بني هذيل بن مدركة، من مضر: شاعر فَحْلٌ، مُخَضْرَمٌ، أدرك الجاهلية والإسلام. قال البغدادي: \" هو أشعر هذيل من غير مدافعة\".\nوقد وفد على النبي - ﷺ - ليلة وفاته، فأدركه وهو مُسَجَّى وشهد دفنه، وسكن المدينة، واشترك في الغزو والفتوح، وعاش إلى أيام عثمان - ﵁ -، فخرج في جند عبد الله بن سعد بن أبي السَّرح إلى إفريقية غازيًا، فشهد فتح إفريقية وعاد مع عبد الله بن الزبير وجماعة يحملون بشرى الفتح إلى عثمان - ﵁ - فلما كانوا بمصر مات أبو ذؤيب فيها، وقيل: مات بإفريقية في حدود سنة سبع وعشرين للهجرة. [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: الشِّعر والشُّعراء؛ لابن قتيبة (ص: ٣٩٧)، الأعلام (٢/ ٣٢٥)].\n(٦) البيت لأبي ذؤيب كما في لسان العرب (٩/ ٥٣)، مادة \" حَلَفَ \"، وفيه بلفظ: فسوف تقول إن هي لم تجدني.","vol":"1","page":2628},{"text":"لأنَّ القول كان بعد فقدها (١).\n﴿وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ﴾ يُجرُّون في الماء الحار (٢).\n﴿ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (٧٢)﴾ أي: يُعذَّبون مرَّة بهذا ومرَّة بهذا، وقيل: يُعذَّبون بالماء، وقيل: يُعذَّبون بالماء الحار ثُمَّ يُحرقون بالنَّار (٣).\nمقاتل: \" ﴿فِي الْحَمِيمِ﴾ يعني: في حرِّ النار\" (٤).\n﴿وَالسَّلَاسِلُ﴾ عطف على ﴿الْأَغْلَالُ﴾، وقيل: رفع بالابتداء، وما بعدها خبره، والتقدير: يُسحبون بها في الحميم.\n﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ﴾ أي: تقول (٥) لهم الخزنة.\n﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: الأصنام التي تعبدونها.\n﴿قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا﴾ اشتغلوا بأنفسهم، وقيل: ضاعوا عنَّا، ولم يصل إلينا ما كُنَّا نرجوه من النَّفع والشفاعة.\n﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا﴾ أي: ندعوا شيئًا يستحق العبادة (٦).\n_________\n(١) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٠٣٣).\n(٢) انظر: تفسير السَّمَرْقَندي (٣/ ٢٠٤)، تفسير البغوي (٧/ ١٥٨).\n(٣) قال ابن جرير: \" وقوله: ﴿ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ يقول: ثم في نار جهنم يحرقون، يقول: تُسْجَرُ بهم جهنم، أي: تُوْقَدُ بهم \" [جامع البيان (٢٤/ ٨٤)]، وقال الرَّاغب: \" السَّجْر: تهييجُ النَّار \" [المفردات (ص: ٣٩٧)، مادة \" سَجَرَ \"].\n(٤) تفسير مقاتل (٣/ ١٥٦).\n(٥) في (ب) \" يقول \".\n(٦) في (ب) \" العباد \".","vol":"1","page":2629},{"text":"هذا على قول من لم يجوِّز أن يكون في القيامة كذبٌ، ومن جوَّز قال: أنكروا عبادتهم الأصنام، والأول أظهر لقولهم (١): ﴿ضَلُّوا عَنَّا﴾ (٢).\nوقيل: لمَّا ذُمُّوا على إقرارهم أنكروا.\n﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ (٧٤)﴾ قيل: عن الحُجَّة، وقيل: عن الإيمان، وقيل: عن طريق الجنَّة.\n﴿ذَلِكُمْ﴾ أي: العذاب ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ﴾ تبطرون وتتكبَّرون (٣).\n﴿فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ أي: الباطل.\n﴿وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ (٧٥)﴾ أي: هذا جزاء فرحكم بتكذيب الأنبياء، وأشركم، وكفركم لنعم الله، واستهزائكم بالمؤمنين.\nالفرح: السُّرور، والمرح: البطر (٤).\nوقيل: الفرح: الشِّرك، والمرح: العُدوان.\nوقيل: الفرح: الإفراط في إظهار السُّرور، والمرح: الخيلاء والإعجاب.\n﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: يُقال لهم: ادخلوا أبواب جهنَّم.\n﴿فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٦)﴾ بئس منزل من تكبَّر عن الإيمان جهنَّم.\n﴿فَاصْبِرْ﴾ يا محمد ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ﴾ بهلاك الكُّفار ﴿حَقٌّ﴾ كائنٌ.\n﴿فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ من العذاب، وهو القتل والأسر.\n_________\n(١) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٠٣٤).\n(٢) في (ب) \" كقولهم \".\n(٣) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٥٦) تفسير السَّمَرْقَندي (٣/ ٢٠٥).\n(٤) انظر: النُّكَت والعُيون (٥/ ١٦٥)، تفسير السمعاني (٥/ ٣٢).","vol":"1","page":2630},{"text":"﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ قبل أن نُريك عذابهم في الدنيا ﴿فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (٧٧)﴾ في الآخرة فنجزيهم (١) بأعمالهم.\n﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ﴾ أي: أرسلناهم إلى أممهم.\n﴿مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ﴾ يعني: سمَّيناهم لك فأنت تعرفهم.\n﴿وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ يعني: لم نسمِّهم لك، فصبروا على أذى القوم فتأسَّ بهم واصبر.\nذهب بعض المفسِّرين إلى أنَّ الأنبياء معدودون، وأنَّ عددهم مائة ألفٍ وأربع (٢) وعشرون ألفًا (٣)، وذهب بعضهم (٤) إلى أنَّ عددهم ثمانية آلاف (٥)، وذهب بعضهم إلى أنَّ عددهم غير معلوم، ولا يجوز حَصرهم بل يجب الإيمان بجملتهم (٦).\nوعن علي - ﵁ - أنَّه قال: \" بعث الله نبيًا لم يقصّ علينا قِصَّته \"، وفي رواية: \" بعث حبشيًا عبدًا أسودًا \" (٧).\n﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآَيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أي: بإذنه له في الإتيان بالآية.\nوإذنه إيَّاه: إعطاؤه إيَّاها، وأمره بعرضها، وذلك أنَّ كُفَّار مكَّة سألوا رسول الله - ﷺ - أن يأتيهم بآية (٨).\n_________\n(١) في (ب) \" فيجزيهم \".\n(٢) \" وأربع \" ساقط من (أ).\n(٣) انظر: تفسير السمعاني (٥/ ٣٢)، غرائب التفسير (٢/ ١٠٣٤)، تفسير البيضاوي (٢/ ٣٤٦).\n(٤) في (أ) \" وبعضهم ذهب \".\n(٥) انظر: أخرج ابن جرير عن أنس - ﵁ - هذا العدد (جامع البيان (٢٤/ ٨٦)، غرائب التفسير (٢/ ١٠٣٤).\n(٦) وهذا هو الواجب كما قرر علماء الاعتقاد.\n(٧) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (٢٤/ ٨٧)، وابن أبي حاتم في تفسيره تفسير ابن أبي حاتم (٤/ ١١١٩)،\nوالطبراني في المعجم الأوسط (٩/ ١٢٧) برقم (٩٣١٩)، قال الهيثمي: \"رواه الطبراني في الأوسط، وفيه محمد بن أبي ليلى، وهو سيئ الحفظ وبقية رجاله ثقات \" [مجمع الزوائد (٧/ ٢٢٧)]، وقال ابن عطية: \" وهذا إنما ساقه على أن هذا الحبشي مثال لمن لم يقص لا أنه هو المقصود وحده فإن هذا بعيد\" [المحرر الوجيز (٤/ ٥٧٠)].\n(٨) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٥٧)، تفسير السَّمعاني (٥/ ٣٣).","vol":"1","page":2631},{"text":"﴿فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ أي: بالعذاب لهم (١) (٢).\n﴿قُضِيَ بِالْحَقِّ﴾ أي: أهلكوا.\nوقيل: ﴿أَمْرُ اللَّهِ﴾: الساعة، ﴿قُضِيَ بِالْحَقِّ﴾ أي: لم يُظلموا إذا عُذِّبوا.\nابن بحر: \" أمر الله الآية التي اقترحوها، ويقع الاضطرار عندها\" (٣).\n﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ (٧٨)﴾ أي الكافرون، والمُبطل صاحب الباطل (٤).\n﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ﴾ خلق لكم.\n﴿الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٧٩)﴾ أي: لتركبوا بعضها، وتأكلوا بعضها (٥).\n﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾ أي: الألبان والأوبار والأشعار.\n﴿وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ﴾ أي: لتسافروا عليها (٦)، وقيل: لتبلغوا عليها ما تحتاجون إليه من الأمور، وقيل: هو من قوله: ﷿: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ ...﴾ الآية [النحل: (٧)].\n﴿وَعَلَيْهَا﴾ أي: على الأنعام ﴿وَعَلَى الْفُلْكِ﴾ السُّفن (٧) ﴿تُحْمَلُونَ (٨٠)﴾ قيل (٨) من قول العرب: حملتُ فلانًا على الفرس، إذا وهبتُ له فرسًا.\n_________\n(١) في (أ) \" العذاب لهم \".\n(٢) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٥٧)، تفسير السَّمَرْقَندي (٣/ ٢٠٥).\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) انظر: جامع البيان (٢٤/ ٨٧)، تفسير السَّمَرْقَندي (٣/ ٢٠٥)، المفردات (ص: ١٢٩)، مادة \" بَطَلَ \".\n(٥) انظر: جامع البيان (٢٤/ ٨٧).\n(٦) انظر: تفسير مجاهد (٢/ ٥٦٦)، جامع البيان (٢٤/ ٨٧)، تفسير السَّمَرْقَندي (٣/ ٢٠٥).\n(٧) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٥٧)، جامع البيان (٢٤/ ٨٨)، تفسير السَّمَرْقَندي (٣/ ٢٠٦).\n(٨) \" قيل \" ساقطة من (ب).","vol":"1","page":2632},{"text":"﴿وَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ﴾ وهي أكثر من أن تُحصى.\n﴿فَأَيَّ آَيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ (٨١)﴾ أنَّها ليس من عند الله، و\" أيَّ \" منصوب بتنكرون، ولو أثبتَّ الهاء رفعتَ بخلاف: أزيدًا ضربته (١).\nوفرَّقَ سيبويه (٢) بينهما (٣).\n﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا﴾ فيما سلكوه من سبُلهم.\n﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ﴾ عَدَدًَا.\n﴿وَأَشَدَّ قُوَّةً﴾ في الأبدان والعُدد (٤).\n﴿وَآَثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢)﴾ لم يغنِ عنهم جميع ذلك شيئًا.\nوقيل: ﴿ما أغنى عنهم﴾ استفهامٌ، ومحلُّ (ما) نصب.\n﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ أي: أعجبوا بجهلهم وظنُّوه علمًا ولم يلتفتوا إلى ما آتاهم الرسل من العلم (٥).\n_________\n(١) انظر: مشكل إعراب القرآن (٢/ ٦٣٨)، غرائب التفسير (٢/ ١٠٣٤) إملاء ما منَّ به الرحمن (٢/ ٢٢٠).\n(٢) سِيْبويه: عمرو بن عثمان بن قنبر، الفارسي، ثم البصري. أبو بشر، المُلَقَّب بسيبويه، إمام النحو، وحجة العرب، وقد طلب الفقه والحديث مدة، ثم أقبل على العربية، فبرع وساد أهل العصر وألف فيها كتابه الكبير الذي لا يدرك شأوه فيه، المسمى \" كتاب سيبويه \"، استملى على حماد بن سلمة، وأخذ النحو عن عيسى بن عمر، ويونس ابن حبيب، والخليل، وكان أبرز تلاميذ الخليل، وقد اختلف في عمره ووفاته، فقيل: عاش اثنتين وثلاثين سنة، وقيل: نحو الأربعين، وأمَّا وفاته فقيل: سنة ثمانين ومائة، قال الذَّهبي: \" وهو أَصَحُّ \"، وقيل: سنة ثمان وثمانين ومائة.\n[انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: وفيات الأعيان (٣/ ٤٦٣)، سِيَرُ أعلام النُّبلاء (٨/ ٣٥١)، الأعلام (٥/ ٨١)].\n(٣) انظر: الكتاب (١/ ٢٣).\n(٤) انظر: جامع البيان (٢٤/ ٨٨)، تفسير السَّمَرْقَندي (٣/ ٢٠٦).\n(٥) انظر: جامع البيان (٢٤/ ٨٨)، تفسير السَّمَرْقَندي (٣/ ٢٠٦)، تفسير السمعاني (٥/ ٣٤).","vol":"1","page":2633},{"text":"وقيل: علمهم قولهم: لن نُبعث ولن نُعذَّب، وقيل: من قِلَّة علمهم رضوا بما عندهم.\nوقيل: ﴿مِنَ الْعِلْمِ﴾ علم التِّجارة والصِّناعات، وقيل: فيه (١) تقديم وتأخير تقديره: فلمَّا جاءتهم رسُلُهم بالبينات من العلم فرحوا بما عندهم وحاق.\nوقيل: ﴿فَرِحُوا﴾ أي: الرُّسل بما عندهم من العلم بنجاتهم وهلاك الكُفار (٢).\n﴿وَحَاقَ بِهِمْ﴾ أحاط بهم ولزمهم ﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٨٣)﴾ أي: جزاء فعلهم وقولهم.\n﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ عاينوا العذاب (٣) ﴿قَالُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤)﴾ أي: تبرأنا من الأصنام.\n﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ لأنَّه إيمان إلجاء واضطرار (٤).\n﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ﴾ أي: سَنَّ الله سُنَّة بينهم، وهي عذاب الكُفَّار وعدم الانتفاع بالإيمان وقت البأس.\n﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ (٨٥)﴾ هلك عند ذلك المُكذِّبون، وقيل: تبيَّن لهم خُسرانهم إذا رأوا العذاب (٥).\n_________\n(١) \" فيه \" ساقطة من (أ).\n(٢) والذي عليه الجمهور في عود الضمير هو القول الأول، أي فرح الكفار [انظر حكاية الإجماع: المحرر الوجيز (٤/ ٥٧١)، زاد المسير (٧/ ٨٩)، الإجماع في التفسير (ص: ٣٨٤)].\n(٣) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٥٨)، جامع البيان (٢٤/ ٨٨)، تفسير السَّمَرْقَندي (٣/ ٢٠٦).\n(٤) انظر: جامع البيان (٢٤/ ٨٩٨)، تفسير السَّمَرْقَندي (٣/ ٢٠٦).\n(٥) انظر: جامع البيان (٢٤/ ٨٩٨)، معاني القرآن؛ للنَّحَّاس (٦/ ٢٣٦).","vol":"1","page":2634},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-147>سورة حم السَّجدة </span>(١)\n\" أربع وخمسين آية (٢) (٣) مكية \" (٤).\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n﴿حم (١)﴾ اسم للسُّورة (٥)، وسُمِّيت هذه السُّور السَّبع \"حم \" على الاشتراك في الاسم لِما بينهنَّ من التَّشاكل الذي اختُصَّت به، وهو أنَّ كُلّ واحدة منها استفتحت بالكتاب، أو صفة الكتاب مع تقارب المقادير في الطول والقصر، وتشاكل الكلام في النِّظام (٦).\n﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢)﴾ أي: نزل به جبريل - ﵇ - من عند الله، ... و﴿تَنْزِيلٌ﴾: رفع بالابتداء، ﴿مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢)﴾ صفته، ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ﴾ خبره.\nوإن شئت رفعت ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ﴾ بالابتداء، تنزيل (٧) بالخبر، وهذا أولى لأنَّهم أنكروا أنَّه من الله (٨).\nالفَرَّاء: \" هذا تنزيل \" (٩).\n_________\n(١) قال ابن عاشور: \" تُسمَّى \"حم السجدة \" بإضافة \" حم \" إلى \" السجدة \" ...، وبذلك تُرجمت في صحيح البخاري، وفي جامع الترمذي؛ لأنَّها تميَّزت عن السُّور المفتتحة بحروف \" حم \" بأنَّ فيها سجدة من سجود القرآن ...، وسمِّيت هذه السُّورة في كثير من التفاسير \" سورة فصلت \" [التحرير والتنوير (٢٤/ ٢٢٧)].\n(٢) \" أربع وخمسين آية \" ساقطة من (ب).\n(٣) وهو على العَدِّ الكوفي [انظر: البيان؛ للداني (ص: ٢٢٠)، المحرر الوجيز (٥/ ٣)].\n(٤) وقد حكى ابن عطية الإجماع على مكيتها [انظر: المحرر الوجيز (٥/ ٣)].\n(٥) في (أ) \"اسم السورة \".\n(٦) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٠٣٧).\n(٧) في (أ) \" وتنزيل الكتاب \" وفي (ب) \" تنزيل الكتاب \"، ولفظة \" الكتاب \" ليست في الآية ولعلها وهم من النسَّاخ.\n(٨) انظر: معاني القرآن؛ للأخفش (ص: ٢٧٩)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٤/ ٢٧٨)، مشكل إعراب القرآن (٢/ ٦٣٩)، المحرر الوجيز (٥/ ٣)، البيان في غريب إعراب القرآن (٢/ ٣٣٦).\n(٩) معاني القرآن (٢/ ٤١٤).","vol":"1","page":2635},{"text":"وقيل: ﴿حم﴾: مبتدأ، ﴿تَنْزِيلٌ﴾: خبره.\n﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ﴾ بالأمر والنَّهي، والحلال والحرام، والوعد والوعيد.\nوقيل: ﴿فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ﴾ بفواصل فصاحة وبلاغة وإعجاز.\nوقيل: ﴿فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ﴾ أظهرت دلالاته وحُججه (١).\n﴿قُرْآَنًا عَرَبِيًّا﴾ بلسان العرب.\nو﴿قُرْآَنًا﴾ نصب على الحال من الهاء، وقيل: نصب على المدح، وقيل: على التمييز، وقيل: فصَّلناه قُرآنًا، والقول هو الأول، والكوفيون يُسمُّونه قطعًا (٢).\n﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣)﴾ العربية (٣)، وقيل: لقوم يعلمون فيصَدّقون.\n﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ صفتان للقرآن، وقيل: حالان، \" أي: يبشِّر المؤمنين وينذر الكافرين\" (٤) بما فيه (٥) من البشارة والنَّذارة (٦).\n﴿فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ﴾ يعني: أهل مكة عن قبوله واتِّباعه (٧).\n_________\n(١) قلت: وكلُّ ذلك محتمل، والأول أعمُّ. [انظر: النُّكَت والعُيُون (٥/ ١٦٧)، المحرر الوجيز (٥/ ٣)، روح المعاني (٢٤/ ٩٥)].\n(٢) لأنَّ الكلام تمَّ عند قوله: ﴿آَيَاتِي﴾. [انظر: معاني القرآن؛ للفَرَّاء (٢/ ١٢)، جامع البيان (٢٤/ ٩١)، مشكل إعراب القرآن (٢/ ٦٣٩)].\n(٣) انظر: جامع البيان (٢٤/ ٩١)، معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ٢٤٢)، النُّكَت والعُيُون (٥/ ١٦٨).\n(٤) في (ب) \" أي بشيرًا للمؤمنين ومنذرًا للكافرين \".\n(٥) \" بما فيه \" ساقطة من (أ).\n(٦) انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٢/ ١٢)، جامع البيان (٢٤/ ٩١)، مشكل إعراب القرآن (٢/ ٦٣٩).\n(٧) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٦٠)، جامع البيان (٢٤/ ٩١)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢٠٧).","vol":"1","page":2636},{"text":"﴿فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (٤)﴾ لا يقبلون، وقيل: لا ينتفعون بسماعة، وقيل: إذا تلاه النبي - ﷺ - لا يستمعون (١).\n﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ﴾ أغطية جمع كِنان (٢).\n﴿مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ﴾ من التوحيد فلا نفهمه ولا نعيه (٣).\n﴿وَفِي آَذَانِنَا وَقْرٌ﴾ فلا نسمعه (٤) (٥).\n﴿وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ سِتر وغطاء، وقيل: خلاف في الدِّين (٦).\nويحتمل: أنَّ هذا استهزاءٌ من الكُفَّار، وجوابٌ لقوله: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ [الأنعام: ٢٥، الإسراء: ٤٦]. وقوله:\n﴿جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (٤٥)﴾ [الإسراء: (٤٥)]، وقيل: إنَّ هذا يجري مجرى المثل، أي حالنا معك حال من يكون بهذه الصِّفة.\n﴿فَاعْمَلْ﴾ في دينك، ولربِّك ﴿إِنَّنَا عَامِلُونَ (٥)﴾ في ديننا ولربِّنا (٧).\nوقيل: اعمل لهلاكنا وإبطال ديننا إننا عاملون (٨) لهلاكك وإبطال دينك.\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٤/ ٩١)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢٠٧)، تفسير الثعلبي (٨/ ٢٨٥).\n(٢) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٦٠)، جامع البيان (٢٤/ ٩١)، معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ٢٤٢) تفسير السمرقندي (٣/ ٢٠٧).\n(٣) في (ب) \" فلا تفهمه ولا تعيه \".\n(٤) في (أ) \"فلا تسمعه \".\n(٥) قال الماوردي: \" ﴿وَفِي آَذَانِنَا وَقْرٌ﴾ أي: صممٌ، وهما في اللغة يفترقان، فالوقْر: ثقل السَّمع، والصَّمم ذهاب جميعه \" [النُّكَت والعُيُون (٥/ ١٦٨)].\n(٦) انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٢/ ١٢)، جامع البيان (٢٤/ ٩٢)، تفسير الثعلبي (٨/ ٢٨٥)، النُّكَت والعُيُون (٥/ ١٦٨).\n(٧) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٢/ ١٢)، جامع البيان (٢٤/ ٩٢)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢٠٧).\n(٨) في (أ) \"إنا عاملون \".","vol":"1","page":2637},{"text":"وقيل: فاعمل لآخرتك إننا عاملون لدُنيانا.\n﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ في الطَّبْع والجنس.\n﴿يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ أي: لست بمَلَكٍ ولا مَلِكٍ، ولا أطلب بمقالتي رئاسة، إنَّما أعلمكم ما يُوحى إليَّ من أنَّ المعبود واحدٌ.\nالحسن: \" علَّمه التواضع بقوله: ﴿يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ \" (١).\n﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ﴾ وجِّهوا وجوهكم إليه (٢)، وقيل معناه: واستقيموا له.\nابن بحر، معنى الآية: \" لو كان كُفْركم بي كان سهلًا عليكم؛ لأنِّي بشر مثلكم، ولكنَّه كفر بالله فهو (٣) يدخلكم (٤) به النار \" (٥) (٦).\n﴿وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ أي: من الشِّرك ﴿وَوَيْلٌ﴾ فشدَّة عذابٍ.\n﴿لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ لا يعتقدون وجوبها (٧).\n_________\n(١) انظر: تفسير الثعلبي (٨/ ٢٨٦)، تفسير البغوي (٧/ ١٦٤)، المحرر الوجيز (٥/ ٤)، البحر المحيط (٩/ ٢٨٦).\n(٢) انظر: جامع البيان (٢٤/ ٩٢)، تفسير الثعلبي (٨/ ٢٨٦).\n(٣) في (أ) \" ولكنَّه كفركم بالله يدخلكم به النار \".\n(٤) \" فهو \" ساقطة من (أ).\n(٥) في (ب) \"يدخلهم \".\n(٦) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٠٣٨).\n(٧) فتكون الزكاة هنا زكاة الفرض، وهو ما اختاره الإمام ابن جرير وغيره، قال ابن جرير: \" والصواب من القول في ذلك، ما قاله الذين قالوا: معناه لا يؤدون زكاة أموالهم، وذلك أنَّ ذلك هو الأشهر من معنى الزكاة، وأنَّ في قوله: ﴿وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ دليلًا على أنَّ ذلك كذلك؛ لأنَّ الكفار الذين عُنوا بهذه الآية كانوا لا يشهدون أن لا إله إلا الله، فلو كان قوله: ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ مرادًا به الذين لا يشهدون أن لا إله إلا الله، لم يكن لقوله: ﴿وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ معنى؛ لأنَّه معلوم أنَّ من لا يشهد أن لا إله إلا الله لا يؤمن بالآخرة، وفي اتباع الله قوله: ﴿وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ قوله ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ ما ينبئ عن أنَّ الزكاة في هذا الموضع معنيٌّ بها زكاة الأموال \" [جامع البيان (٢٤/ ٩٣)، وانظر: تفسير السمرقندي (٣/ ٢٠٨)، الوجيز؛ للواحدي (٢/ ٩٥٢)، تفسير السمعاني (٥/ ٣٧)، التَّسهيل (٤/ ١١)].","vol":"1","page":2638},{"text":"الحسن: \" لا يُطيعون الله في (١) الطاعة التي يصيرون بها أزكياء\" (٢).\nوقيل: الزَّكاة ها هنا: الإيمان.\nابن عبَّاس - ﵄ -: \" لا يشهدون أن لا إله إلا الله، وهي زكاة النَّفس\" (٣).\nوقيل: لا يُطَهِّرون أنفسهم، فإنَّما المشركون نجس، والزكاة بمعنى التطهير.\n﴿وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (٧)﴾ يعني: بالبعث بعد الموت، والثواب والعقاب.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٨)﴾ غير منقوص ولا مقطوعٍ عنهم، ولا ممنون به عليهم (٤).\n﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ أي: في وقتٍ على مقدار يومين من أيام الدنيا، وقيل: من أيَّام الآخرة (٥).\nويحتمل: أنَّه خلق في كلِّ يوم ما خلق في أسرع ما يكون من غير استغراق اليوم به، ثُمَّ في اليوم الثاني وما بعده كذلك.\nوقيل: إنَّما أحدث شيئًا بعد شيء مع قدرته على خلق جميعها في أيسر وقت؛ ليُرشد خلقه إلى الأناة في أمورهم، وليكون بصيرة لمن رأى ذلك (٦)، وحُجَّة لمن سمع (٧).\nوقيل: إنَّما فرَّق بينهما؛ لأنَّ فيها الشيء وضدَّه، ومُحال الجمع بين الضدِّين كالليل والنَّهار، وكذلك بين المختلفين والمختلفات كالطَّلْع والبُسر والرُّطب والتَّمر.\n_________\n(١) \"في \" ساقطة من (ب).\n(٢) انظر: النُّكَت والعُيُون (٥/ ١٦٩).\n(٣) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (٢٤/ ٩٢)، وابن أبي حاتم في تفسيره (١٠/ ٣٢٧٠)، وأورده الثعلبي في تفسيره تفسير الثعلبي (٨/ ٢٨٦)، وتفسير البغوي (٧/ ١٦٤)، وزاد المسير (٧/ ٩١).\nقال ابن عطية: \" ويرجح هذا التأويل أنَّ الآية من أول المكي، وزكاة المال إنما نزلت بالمدينة، وإنما هذه زكاة القلب والبدن، أي: تطهيره من الشرك والمعاصي \"، وهو رأي ابن كثير [المحرر الوجيز (٥/ ٥)، تفسير القرآن العظيم (٤/ ٩٩)].\n(٤) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٦١)، جامع البيان (٢٤/ ٩٣)، معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ٢٤٤)، النُّكَت والعُيُون (٥/ ١٦٩).\n(٥) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٠٣٨).\n(٦) \" ذلك \" ساقطة من (ب).\n(٧) انظر: تفسير السمعاني (٥/ ٣٩).","vol":"1","page":2639},{"text":"﴿وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا﴾ شُركاء وأشباهًا (١) ﴿ذَلِكَ﴾ أي: الذي خلق ما سبق.\n﴿رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩)﴾ خالق جميع الموجودات وسيدها ومربِّيها.\n﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا﴾ أي: في الأرض جبالًا (٢)، والرَّواسي جمع راسية من رسا أصله (٣)، وقيل: لأنَّ الأرض رسَت بها.\nالماوردي: \"سُمِّيت رواسي؛ لعُلوِّ رؤوسها\" (٤).\nذهب إلى أنَّها مشتقٌّ من الرأس، وهو سهو، وذكر غيره أيضًا.\n﴿وَبَارَكَ فِيهَا﴾ في الأرض أنبت شجرها من غير غرس، وأخرج زرعها من غير بذر، وأودعها منافع أهلها (٥).\nوقيل: ﴿فِيهَا﴾: يعود إلى الرَّواسي، أي: جعل فيها معادن الذَّهب والفضَّة، وسائر الفِلِزَّات (٦) (٧).\n﴿وَقَدَّرَ فِيهَا﴾ في الأرض.\n﴿أَقْوَاتَهَا﴾ قيل: هي المطر، وقيل: قدَّر في كلِّ قرية عملًا لا يصلح في (٨) الأخرى، وقيل: أرزاق أهلها (٩).\n_________\n(١) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٦١)، النُّكَت والعُيُون (٥/ ١٧٠)، تفسير النسفي (٣/ ١٠٥٦).\n(٢) انظر: جامع البيان (٢٤/ ٩٥)، النُّكَت والعُيُون (٥/ ١٧٠) تفسير السمرقندي (٣/ ٢٠٩).\n(٣) انظر: لسان العرب (١٤/ ٣٢١)، مادة \"رسا \".\n(٤) النُّكَت والعُيُون (٥/ ١٧٠).\n(٥) انظر: جامع البيان (٢٤/ ٩٥) النُّكَت والعُيُون (٥/ ١٧٠).\n(٦) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٠٣٨).\n(٧) الفِلِزُّ: النُّحاس الأبيض تجعل منه القدور العظام المفرغة والهاونات ...، وقيل: هو جميع جواهر الأرض من الذهب والفضة والنحاس وأشباهها وما يرمى من خبثها. [لسان العرب (٥/ ٣٩٢)، مادة \" فَلَزَ \"].\n(٨) \" في \" ساقطة من (ب).\n(٩) والأولى العموم، وعدم التخصيص لهذا التقدير، وهو ما رجَّحه الإمام ابن جرير، حيث قال: \" والصواب من القول في ذلك أن يقال: إنَّ الله تعالى أخبر أنه قدَّر في الأرض أقوات أهلها، وذلك ما يقُوْتُهُم من الغِذاء ويصلحهم من المعاش، ولم يُخَصِّص جلَّ ثناؤه بقوله: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ أنه قدَّر فيها قوتًا دُون قوتٍ بل عمَّ الخبر عن تقديره فيها جميع الأقوات، ومما يقوت أهلها ما لا يصلحهم غيره من الغذاء، وذلك لا يكون إلا بالمطر والتصرف في البلاد لما خصَّ به بعضًا دون بعض، ومما أخرج من الجبال من الجواهر، ومن البحر من المآكل والحلي، ولا قول في ذلك أصحّ مما قال جل ثناؤه قدر في الأرض أقوات أهلها لما وصفنا من العلة \" [جامع البيان (٢٤/ ٩٧)].","vol":"1","page":2640},{"text":"﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ في تتمَّة (١) أربعة أيَّام، وهذا التقدير سائغ في الكلام شائع: تقول: سِرت من البصرة إلى بغداد في عشرة (٢)، وإلى الكوفة في خمسة عشر، أي: في تتِّمَّة خمسة عشر (٣).\nولا يكون بين قوله تعالى: ﴿فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [الأعراف: ٥٤)، وغيرها]، وبين هذه الآيات مناقضة كما زعمت الملاحدة.\n﴿سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ فيه أقوال:\nأحدها: للسَّائلين الرِّزق والقوت، أي لطالبيه.\nوالثَّاني: سواءً لمن سأل، ولمن لم يسأل.\nوعن ابن عبَّاسٍ - ﵄ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - وأنا رديفه يقول: ... «خلق الله الأرواح قبل الأجسام بأربعة آلاف سنة، وخلق الأرزاق قبل الأرواح بأربعة آلاف سنة، سواء لمن سأل، ولمن لم يسأل، وأنا من الذين لم يسألوا الله الرِّزق، ومن سأل فهو جهل منه\" (٤).\n_________\n(١) \" أي \" ساقطة من (أ).\n(٢) في (ب) \" عشر\".\n(٣) انظر: معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ٢٤٧)، النُّكَت والعُيُون (٥/ ١٧١)، الوجيز للواحدي (٢/ ٩٥٢)، تفسير السمعاني (٥/ ٣٩).\n(٤) أورده بنحوه السمرقندي في تفسيره (٣/ ٢٠٩)، والبغوي في تفسيره (٢/ ١٨)، قال العجلوني: \"وأمَّا حديث: \" خلق الله الأرواح قبل الأجسام بألفي عام \" فضعيف جدًا فلا يعول عليه، وكذا قول ابن عباس: \" خلق الله الأرواح قبل الأجسام بأربعة آلاف سنة، وخلق الأرزاق قبل الأرواح بأربعة آلاف سنة \" فلم يثبت عن ابن عباس، بل هو باطل عنه \" قاله ابن حجر المكي في فتاويه الحديثية \". [كشف الخفاء (١/ ٢٦٤)].","vol":"1","page":2641},{"text":"ونصب ﴿سَوَاءً﴾ على المصدر (١)، ومن جرَّه جعله وصفًا للأيام (٢)، أي: لا زائد ولا ناقص، ومن رفع فهو على الخبر، أي: هو سواء (٣).\nوالثالث: سواء للسَّائلين: في كم مُدَّة خلقت السماوات والأرض وما بينهما؟؛ لأنَّ اليهود سألوا رسول الله عن ذلك (٤).\n﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ قصد نحوها (٥)، وقيل: صعد أمره إلى السَّماء (٦).\nوقيل معنى ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾: لم يخلق بعد الأرض وما عليها شيئًا إلا السَّماء، وقد سبق (٧).\nوليس بين هذه الآية، وبين قوله: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠)﴾ [النازعات: (٣٠)] مناقضة كما زعمت الملاحدة (٨) من وجهين:\nأحدهما: - وهو قول الجمهور: - أنَّ الأرض خُلِقت قبل السَّماء غير مَدحُوَّة، ثُمَّ دُحِيت بعد خلق السَّماء.\n_________\n(١) انظر: وهي قراء الجمهور (وهي القراءة الصحيحة) [انظر: جامع البيان (٢٤/ ٩٨)، إعراب القرآن؛ للنّحاس (٤/ ٣٦)،، معاني القراءات (ص: ٤٣٠)، النشر (٢/ ٢٧٤)].\n(٢) انظر: وهي قراءة الحسن البصري وأبي جعفر المدني [انظر: جامع البيان (٢٤/ ٩٨)، إعراب القرآن؛ للنّحاس (٤/ ٣٦)، معاني القراءات (ص: ٤٣٠)، النشر (٢/ ٢٧٤)].\n(٣) انظر: وهي قراءة يعقوب الحضرمي [انظر: جامع البيان (٢٤/ ٩٨)، إعراب القرآن؛ للنّحاس (٤/ ٣٦)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢٠٩)، معاني القراءات (ص: ٤٣٠)، إتحاف فضلاء البشر (ص: ٤٨٨)].\n(٤) انظر: جامع البيان (٢٤/ ٩٧)، معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ٢٤٧)، إعراب القرآن؛ للنَّحاس (٤/ ٣٦)، تفسير الثعلبي (٨/ ٢٨٧)، زاد المسير (٧/ ٩٣).\n(٥) قال الإمام ابن جرير \" وأولى المعاني بقول الله - جلَّ ثناؤه -: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ﴾ ... [البقرة (٢٩)]: علا عليهنَّ وارتفع فدبَّرهن بقدرته، وخلقهن سبع سماوات \" [جامع البيان (١/ ١٩٢)]، وقال الإمام البغوي: \" قال ابن عباس، وأكثر مفسري السلف، أي: ارتفع إلى السماء \" [تفسير البغوي (١/ ٧٨)].\n(٦) انظر: تفسير السمرقندي (٣/ ٢٠٩) وهذا معنى باطل، وتأويل لمعنى الآية.\n(٧) في تفسير الآية (٢٩) من سورة البقرة.\n(٨) في (ب) \" الملحدة \".","vol":"1","page":2642},{"text":"والثاني: أنَّ السَّماء خُلقت قبل الأرض، و﴿ثُمَّ﴾ في قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ لتراخي الإخبار لا لتراخي الخلق، ولأنَّ ﴿ثُمَّ﴾ يأتي مع الجملة في مواضع، ومعناها التَّقدم كقوله: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ [البلد: ١٧]، وقوله: ﴿ثُمَّ اهْتَدَى (٨٢)﴾ [طه: (٨٢)]، وقد سبق كذلك في الآية (١).\n﴿وَهِيَ دُخَانٌ﴾ ابن عيسى: \" الدخُان جسمٌ لطيف مُظلم مُتنفشّ \" (٢).\nوقيل: هو بخار الماء (٣).\nوجاء في الخبر: \" أنَّ أول ما خلقه الله جوهر، ونظر إليه بالهيبة فصار ماء، وسلَّط عليه نارًا فارتفع البخار، فخلق منه السَّماوات، ثُمَّ أرسل ريحًا على الماء، فارتفع زبد فخلق منه الأرض فكانتا رتقًا \" (٤).\n﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ فانفتق البعض عن البعض، وانتظم الكل (٥) فذلك قوله: ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾.\nوفي الإتيان والقول قولان:\nأحدهما: أنَّه عبارة عن الإيجاد والوجود، وليس ثمَّ أمرٌ ولا قول.\nوالثَّاني: أنَّ الله تعالى خاطبهما وقدَّرهما على الإجابة؛ فنطق من سائر (٦) الأرض موضع الكعبة ومن السَّماء ما يحاذيها (٧)، فجعل الله لها حُرمة على سائر الأرض (٨).\n_________\n(١) انظر: تأويل مشكل القرآن (ص: ٦٧)، جامع البيان (١/ ١٩٢)، غرائب التفسير (٢/ ١٠٣٩)، زاد المسير ... (١/ ٥٠)، دفع إيهام الاضطراب (ص: ٢٠)، أضواء البيان (٧/ ١١٨)\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) وهو رأي جمهور المفسرين [انظر: جامع البيان (٢٤/ ٩٩)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢١٠)، تفسير الثعلبي (٨/ ٢٨٧)، الوجيز؛ للواحدي (٢/ ٩٥٢)، تفسير البغوي (٧/ ١٦٥)، مجموع الفتاوى (١٧/ ٢٦٥)].\n(٤) لم أقف عليه.\n(٥) \" الكل \" ساقطة من (ب).\n(٦) \"سائر \" ساقطة من (ب).\n(٧) في (ب) \"بحذائها\".\n(٨) انظر: النُّكَت والعُيُون (٥/ ١٧٢)، غرائب التفسير (٢/ ١٠٤٠).","vol":"1","page":2643},{"text":"وقيل هذا خطاب بعد الوجود معناه: جِيْبَا (١) بما خلقت فيكما: أمَّا أنت يا سماء، فأطلعي الشمس والقمر والنُّجوم، وأمَّا أنت يا أرض، فأخرجي ما خلقت فيك من النبات قالتا (٢): جئنا بما أحدثت فينا مُستجيبين لأمرك (٣).\nوجمع؛ لأنَّ كل واحدٍ منهما سبعٌ جمع السَّلامة (٤)؛ لأنَّه وصفهم بصفة العُقلاء، وهو المُخاطبة والمُحاورة فأجري مجراهم، وقيل: أتينا بمن (٥) فينا طائعين.\nوقوله: ﴿طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ أي: إن (٦) لم تأتيا طوعًا أتيتما كرهًا (٧).\nوقيل معنى: ﴿طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ اشتدَّ عليكما، وقيل: كونا كما أردت من شدَّة ولين.\nوالطَّوع: اللين والسُّهولة من قوله: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ﴾ [المائدة: ٣٠] (٨).\nوالكُره من قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ أي: شدَّة (٩).\n﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ﴾ خلقهن وأتقن صُنعهن (١٠)، وجمع الضمير؛ لأنَّ الضمير للجنس، وقيل: لأنَّها جمع سماوة.\n﴿فِي يَوْمَيْنِ﴾ رُوي عن النبي - ﷺ - أنَّه قال: «إنَّ الله تعالى خلق الأرض يوم الأحد والاثنين، وخلق الجبال يوم الثلاثاء، وخلق يوم الأربعاء الشَّجر والماء والعمران والخراب فتلك أربعة أيام،\n_________\n(١) في (ب) \"جيئيا\".\n(٢) في (ب) \" فقالتا \".\n(٣) هذا المعنى ذكره ابن جرير [انظر: جامع البيان (٢٤/ ٩٨)].\n(٤) جمع السلامة:\n(٥) في (ب) \" ممن \".\n(٦) في (ب) \"أي إذا\".\n(٧) انظر: تفسير السمعاني (٥/ ٤٢).\n(٨) انظر: المفردات (ص: ٥٢٩)، مادة \" طَوَعَ \"، لسان العرب (٨/ ٢٤٠)، مادة \" طَوَعَ \".\n(٩) انظر: كتاب العين (٣/ ٣٧٦)، مادة \" كَرِهَ \"، لسان العرب (١٣/ ٥٣٤)، مادة \" كره \".\n(١٠) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٦٢)، معاني القرآن؛ للفرَّاء (٢/ ١٣)، جامع البيان (٢٤/ ٩٩)، معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ٢٥١).","vol":"1","page":2644},{"text":"وخلق يوم الخميس السَّماء، وخلق يوم الجُمعة النُّجوم والشَّمس والقمر والملائكة وآدم - صلوات الله عليه ـ» (١) الحديث مرفوع، وفي ذكر آدم معهم إشكال.\n﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ قيل: أمر أهل كلِّ سماء أمرهم من العبادة.\nوقيل: معناه خلق فيها خلقها.\nوقيل: جعل في كل سماء ملائكة فذلك أمرها، وقيل: أمر في كلِّ سماء ما يُصلحها.\nوقيل: الوحي ها هنا: الإرادة والتكوين، والأمر الحال والهيبة (٢).\n﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا﴾ أي: من الأرض.\n﴿بِمَصَابِيحَ﴾ بكواكب.\n﴿وَحِفْظًا﴾ أي: حفظناها من الشياطين حفظًا، وقيل: مفعول له، وقيل: حال، أي: زَيَّنَّاها حافظين، وقيل: خُلقت الكواكب للزِّينة والحفظ جميعًا (٣).\n﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ﴾ الغالب غير المغلوب.\n﴿الْعَلِيمِ (١٢)﴾ العالم بمواقع الأمور.\n﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا﴾ عن الإيمان بعد هذا البيان.\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (٢٤/ ٩٤)، والنَّحاس في الناسخ والمنسوخ (ص: ٦٨٠)، وأبو الشيخ في العظمة (٤/ ١٣٦١)،والحاكم في مستدركه (٢/ ٥٩٢)، وقال: \" هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه \" وتعقبه الذهبي فقال: \" أبو سعيد البقال [أي أحد الرواة] قال ابن معين: لا يكتب حديثه]، قال ابن كثير: \" هذا الحديث فيه غرابة \" [تفسير القرآن العظيم (٤/ ١٠١)].\n(٢) انظر: النُّكَت والعُيُون (٥/ ١٧٣)، لعل أجمع ما قيل في الآية ما ذكر الإمام ابن جرير: \" وقوله: ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ يقول: وألقى في كل سماء من السماوات السبع ما أراد من الخلق \". [جامع البيان (٢٤/ ٩٩)].\n(٣) انظر: جامع البيان (٢٤/ ٩٩) معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ٢٥٢)، النُّكَت والعُيُون (٥/ ١٧٣)، تفسير الثعلبي (٨/ ٢٨٨).","vol":"1","page":2645},{"text":"﴿فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ﴾ خوَّفتكم.\n﴿صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (١٣)﴾ (١) عذابًا شديدًا، وأصلها رَعْدٌ معه نار (٢).\nوقيل: وقعة مثل وقعة عادٍ وثمود، أي: ينزل بكم مثل ما نزل بهم.\n﴿إِذْ جَاءَتْهُمُ﴾ يعني عادًا (٣) وثمودًا (٤) (٥).\n﴿الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾ يريد: آباءهم ومن كان قبلهم.\n﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ اختلفوا في هذا الضمير فقيل: هو عائد إلى الرُّسل، أي: جاءهم رُسُل بعد الرُّسل، وقيل: يعود إلى القوم أيضًا، والمعنى: بين أيديهم ومعهم.\nوقيل: من بين أيدهم، أي: من كان قبلهم، ومن خلفهم: من كان بعدهم.\nوقيل: جاءتهم الرُّسل؛ فحذَّروهم من بين أيديهم الآخرة، ومن خلفهم الدنيا.\nوقيل: هذه عبارة عن الكثرة، يقال للشِّيء إذا كثر: أتاه من بين يديه ومن خلفه، ويحتمل من بين أيديهم، أي: هم الذين عاينوهم.\nومن خلفهم: هم الذين وصل إليهم خبرهم وكتبهم (٦).\n_________\n(١) في (ب) \" ﴿صَاعِقَةً﴾ عذابًا شديدًا، وأصلها رعد معه نار ﴿مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (١٣)﴾ قيل: وقعة مثل ... \".\n(٢) انظر: كتاب العين (١/ ١٢٨) مادة \" صَعِقَ \"، المفردات (ص: ٤٨٤)، مادة \" صَعِقَ \"، لسان العرب (١٠/ ١٩٨)، مادة \" صَعِقَ \".\n(٣) عاد: قبيلة تنتسب إلى عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح - ﵇ -، وكانوا يسكنون بالأحقاف كما أخبر الله سبحانه والأحقاف جمع حِقْف (بكسر المهملة) وهو المعوج من الرمل، وكانت بين عُمَان وحضرموت بأرض مطلة على البحر يقال لها \"الشِّحْر\". [انظر: البداية والنهاية (١/ ٢٨٢)، قصص الأنبياء؛ لابن كثير، (ص: ١٠٥)].\n(٤) في (ب) \" وثمود \".\n(٥) ثمود: قبيلة تنتسب إلى ثمود بن عابر بن أرم بن سام بن نوح، وهم من العرب العاربة قبل إبراهيم الخليل - ﵇ -\nوأما موطن ديارهم فهو يسمى بـ (الحِجْر) بين الحجاز والشام إلى وادي القرى وما حوله، وتسمى الآن بـ (مدائن صالح) [انظر: جامع البيان (٨/ ٢٢٤)، تفسير القرآن العظيم (٢/ ٢٣٧)، الجامع لأحكام القرآن (٧/ ٢٢٩)، الآثار في شمال الحجاز؛ لحمود القثامي (ص: ١٥٢)].\n(٦) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٦٢)، جامع البيان (٢٤/ ١٠٠)، معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ٢٥٣)، النُّكَت والعُيُون (٥/ ١٧٤)، التفسير الكبير (٢٧/ ٩٦).","vol":"1","page":2646},{"text":"وحقيقة بين يديه: أن يستعمل للشيء الحاضر، ومجازه أن يستخدم للشيء الماضي بزمانٍ قريب.\n﴿أَلَّا تَعْبُدُوا﴾ بأن لا تعبدوا ﴿إِلَّا اللَّهَ﴾ وقيل: إن هي (١) المُفسِّرة، والقول مُقَدَّر، أي: وقالوا: لا تعبدوا إلا الله.\n﴿قَالُوا﴾ أي: القوم ﴿لَوْ شَاءَ رَبُّنَا﴾ إرسال رسول ﴿لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً﴾ فلم يَتَخَالَجُنا شكٌّ (٢) في أمرهم.\n﴿فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾ أي: بزعمكم.\n﴿كَافِرُونَ (١٤)﴾ جاحدون (٣).\n﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ تعظَّموا عن الإيمان ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾.\nوقيل: تجبَّروا في الأرض كبرًا بغير ما أذن الله لهم فيه، وقيل: بالظُّلم.\n﴿وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ لا أحد أشدَّ منَّا، أي: اغتروا بقوتهم وشوكتهم.\n﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَن اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ أوسع قُدرة.\n﴿وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (١٥)﴾ هذه معطوفة على قوله: ﴿فَاسْتَكْبَرُوا﴾.\n﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ باردة، وقيل: شديدة السُّموم، وقيل: شديدة الصوت، واشتقاقه من الصَّرير، وقيل: باردة ذات صوت.\nوجاء في التفسير: أنَّها الدَّبور (٤).\n_________\n(١) \" هي \" ساقطة من (ب).\n(٢) يتخالجنا شكُّ: أي يصيبنا ويجذبنا، والخَلَجُ: الجَذْبُ، يقال: خَلَجَهُ يَخْلِجُه خَلْجًا وتَخَلَّجَهُ واخْتَلَجَهُ إِذا جَبَذَهُ وانْتَزَعَهُ. [انظر: لسان العرب (٢/ ٢٥٦)، مادة \" خَلَجَ \"].\n(٣) انظر: جامع البيان (٢٤/ ١٠١)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢١١).\n(٤) انظر: جامع البيان (٢٤/ ١٠١)، النُّكَت والعُيُون (٥/ ١٧٤)، زاد المسير (٧/ ٩٥).","vol":"1","page":2647},{"text":"﴿فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾ مشؤمات عليهم تقول: نُحِسَ نحْسًا فهو منْحوس، كقولهم: سَعُد فهو مسعود.\nوقيل: باردات، والنَّحْس: البرد، وقيل: ذات غُبار، وقيل: مُتتابعات (١).\nابن عبَّاس: - ﵄ -: \"كُنَّ آخر شوال من الأربعاء إلى الأربعاء، وما عُذِّب قوم إلا في يوم الأربعاء \" (٢).\nوالنَّحْس مصدر لقوله: ﴿يَوْمِ نَحْسٍ﴾ [القمر: (١٩)]، فأضاف إليه.\nوالكسر اسم الفاعل، والتَّسكين تخفيفه، وإن شئت قلت وُصِف بالمصدر (٣).\n﴿لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ عذاب الهون الذي يستحيى من مثله لفضيحة أهله.\n﴿وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَخْزَى﴾ أشدُّ إهانة لهم من عذاب الدُّنيا (٤).\n﴿وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ (١٦)﴾ لا يُمنع العذاب عنهم.\n_________\n(١) قال ابن جرير: \" وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال عنى بها أيام مشائيم ذات نُحُوْس؛ لأنَّ ذلك هو المعروف من معنى النحس في كلام العرب \" [جامع البيان (٢٤/ ١٠١)، وانظر: معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ٢٥٥)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢١٢)، غرائب التفسير (٢/ ١٠٤٠)].\n(٢) أورده بهذا اللفظ الألوسي في روح المعاني (٢٤/ ١١٣) وأورده الماوردي في النُّكَت والعُيُون (٥/ ١٧٤)، والكرماني في غرائب التفسير (٢/ ١٠٤١)، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن (١٥/ ٣٣٣) مختصرًا بلفظ: \"وما عُذِّب قوم إلا في يوم الأربعاء \" قال الشنقيطي: \" فهذه الروايات وأمثالها، لا تدل على شؤم يوم الأربعاء على من لم يكفر بالله ولم يعصه؛ لأنَّ أغلبها ضعيف، وما صحَّ معناه منها، فالمراد بنحسه شؤمه على أولئك الكفرة العصاة الذين أهلكهم الله فيه بسبب كفرهم ومعاصيهم \". [أضواء البيان (٧/ ١٢٤)].\n(٣) يشير إلى القراءتين في قوله: ﴿نَحِسَاتٍ﴾ فقد قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي ﴿نَحِسَاتٍ﴾ ... مكسورة الحاء، وقرأ بإسكانها ﴿نَحْسات﴾ ابن كثير ونافع وأبو عمرو [انظر: جامع البيان (٢٤/ ١٠٣)، السبعة في القراءات (ص: ٥٧٦) إعراب القرآن؛ للنَّحاس (٤/ ٣٨)، معاني القراءات (ص: ٤٣٠)، الحجة (٦/ ١١٦)].\n(٤) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٦٣)، جامع البيان (٢٤/ ١٠٤)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢١٢).","vol":"1","page":2648},{"text":"﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ أي بيَّنَّا سبيل الخير والشَّرِّ لهم.\nوقيل: أعلمناهم الهُدى من الضلالة، وقيل: دللناهم إلى طريق الرشد، فعدلوا عنه إلى طريق الغَي، وقيل: دعوناهم (١).\n﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ فاختاروا الكفر على الإيمان (٢).\n﴿فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ﴾ وهي النَّار، وقيل: هي صيحة كانت من السماء (٣)، وقيل: الموت.\nقوله: ﴿الْهُونِ﴾ أي: ذي الهُون، وهو الهَوان (٤).\nوقيل: العطش، حكاه النَّقَّاش (٥).\n﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٧)﴾ باختيارهم الكفر.\n﴿وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ بصالحٍ ﴿وَكَانُوا يَتَّقُونَ (١٨)﴾ الشّرك (٦)، أي: نجَّيناهم من تلك الصاعقة.\n﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٩)﴾ يُمنعون من التَّفرُّق، وقيل: يُحبس أولهم على آخرهم، وقيل: يُطردون إلى النَّار (٧).\n﴿حَتَّى﴾ ها هنا بمنزلة الواو ﴿إِذَا مَا جَاءُوهَا﴾ و﴿مَا﴾ صلة، والمعنى: صاروا بحضرتها (٨).\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٤/ ١٠٤)، النُّكَت والعُيُون (٥/ ١٧٥)، تفسير البغوي (٧/ ١٦٩)، زاد المسير (٧/ ٩٥).\n(٢) انظر: جامع البيان (٢٤/ ١٠٥)، إعراب القرآن؛ للنَّحاس (٤/ ٣٩)، النُّكَت والعُيُون (٥/ ١٧٥).\n(٣) في (ب) \" كانت في السماء \".\n(٤) انظر: جامع البيان (٢٤/ ١٠٥)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢١٢)، النُّكَت والعُيُون (٥/ ١٧٥).\n(٥) انظر: النُّكَت والعُيُون (٥/ ١٧٥)، غرائب التفسير (٢/ ١٠٤١).\n(٦) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٦٣)، جامع البيان (٢٤/ ١٠٥)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢١٢)، النُّكَت والعُيُون (٥/ ١٧٥).\n(٧) انظر: النُّكَت والعُيُون (٥/ ١٧٦)، إعراب القرآن؛ للنَّحاس (٤/ ٣٩)، تفسير الثعلبي (٨/ ٢٩٠).\n(٨) انظر: تفسير السمرقندي (٣/ ٢١٣).","vol":"1","page":2649},{"text":"﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٠)﴾ واحدها الجلد، وهو غشاء البدن (١)، وقيل: هي ها هنا كناية عن الفُروج (٢).\nوشهادتها: أن يُنطقها الله تعالى؛ فتشهد (٣)، وقيل: الشهادة مضافة إليها مجازًا، والشاهد هو الله، وقيل: هي دلالة تظهر على الأعضاء.\nوفي تفسير ابن جرير: «أنَّ النبي - ﷺ - ضحك فسئل - ﷺ - عن مُوجبه فقال: ضحكت عجبًا من مُجادلة العبد ربَّه يوم القيامة يقول: ياربِّ أليس وعدتني ألا تظلمني، قال: لك ذلك، قال: فإنِّي لا أقبل عليَّ شاهدًا إلا من نفسي، قال: أليس كفى بي شهيدًا، وبالملائكة الكرام الكاتبين؟، قال: فيُختم على فيه ويتكلَّم أعضاؤه بما كان يعمل، قال: فيقول لهنَّ (٤) بُعدًا لكُنَّ وسُحقًا عن كنَّ كنت أُجادل» (٥).\n﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ ... أي: كلَّ شيء ناطق (٦)، والنُّطق: إدارة اللسان في الفم بالكلام.\n_________\n(١) انظر: المفردات (ص: ١٩٩)، مادة \" جَلَدَ \"، لسان العرب (٣/ ١٢٤)، مادة \" جَلَدَ \".\n(٢) قال الفَرَّاء: \" الجلد ها هنا - والله أعلم - الذَّكر \" [معاني القرآن (٣/ ١٦)، وانظر: تفسير السمرقندي (٣/ ٢١٣)، تفسير الثعلبي (٨/ ٢٩٠)، تفسير السمعاني (٥/ ٤٥)].\nوردَّ هذا القول الإمام ابن جرير - حيث قال: \" وقد قيل عني بالجلود في هذا الموضع الفروج ... وهذا القول الذي ذكرناه عمَّن ذكرنا عنه في معنى الجلود، وإن كان معنى يحتمله التأويل، فليس بالأغلب على معنى الجلود، ولا بالأشهر، وغير جائز نقل معنى ذلك المعروف على الشيء الأقرب إلى غيره إلا بحجة يجب التسليم لها \" [جامع البيان (٢٤/ ١٠٦) ووافقه في خلاف هذا القول النَّحاس في معاني القرآن (٦/ ٢٥٧)، والماوردي في النُّكَت والعُيُون (٥/ ١٧٦)].\n(٣) انظر: جامع البيان (٢٤/ ١٠٧).\n(٤) في (أ) \" فيقولهن \".\n(٥) أخرجه ابن جرير عن أنس - ﵁ - في جامع البيان (٢٤/ ١٠٧)، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (١٠/ ٣٢٧١)، والحاكم في مستدركه (٤/ ٦٤٤)، وقال: \" صحيح على شرط مسلم \"، ووافقه الذهبي. وأصله عند مسلم في كتاب الزهد والرقاق، باب: الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، برقم (٧٣٦٥).\n(٦) انظر: تفسير السَّمعاني (٥/ ٤٦).","vol":"1","page":2650},{"text":"﴿وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ غير ناطق ثمَّ أنطقكم، ويحتمل: أنَّ الكلام تمَّ عند قوله: ... ﴿أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ ثمَّ استأنف، فقال: ﴿وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أي: (١) في الدُنيا (٢).\n﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢١)﴾ في الأُخرى.\n﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ﴾\nابن مسعود - ﵁ -: \" قال: كنت مُستترًا بأستار الكعبة، إذ جاء ثلاثة نفرٍ ثقفي (٣)، واسمه ... عبد يا ليل (٤)، وخَتْناه (٥) قُرَشيان: ربيعة (٦) وصفوان بن أميَّة (٧)؛ فتحدثوا بينهم الحديث؛\n_________\n(١) \" أي \" ساقطة من (أ).\n(٢) انظر: معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ٢٥٨)، تفسير ابن أبي زمنيين (٤/ ١٥٠)، الوجيز للواحدي (٢/ ٩٥٤).\n(٣) ثقفي: نسبة إلى القبيلة المعروفة المنسوبة إلى ثقيف بن منبه بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة ابن قيس بن عيلان بن مضر، وقيل: اسم ثقيف: قُسَيُّ، وقد نزلت أكثر هذه القبيلة بالطائف وانتشرت منها في البلاد. [انْظُر: الأنساب؛ للسمعاني (١/ ٥٠٨)].\n(٤) عبد يا ليل بن عمرو بن عمير الثقفي، كان وجهًا من وجوه ثقيف، وهو الذي أرسلته ثقيف إلى رسول الله - ﷺ - في إسلامهم وبيعتهم، وبعثت معه لذلك خمسة رجالٍ؛ إذ أبى أن يمضي وحده خوفًا مما صنعوا بعروة بن مسعود، وهم: عثمان بن أبي العاص، وأوس بن عوف، ونمير بن خرشة، والحكم بن عمرو، وشرحبيل بن غيلان بن سلمة، فأسلموا كلهم وحسن إسلامهم وانصرفوا إلى قومهم ثقيف فأسلمت بأسرها، ولم أقف على تاريخ وفاته [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: الاستيعاب (٣/ ١٢٩)، أسد الغابة (٣/ ٥٠٧)].\n(٥) الخَتَنُ: أَبو امرأَة الرجل وأَخو امرأَته، وكلُّ من كان من قِبَلِ امرأَته. [لسان العرب (١٣/ ١٣٧)، مادة ... \" خَتَن \"].\n(٦) ربيعة بن أمية بن خَلَفٍ بن وهب بن حُذافة بن جُمَحٍ القُرشي الجُمحي، أخو صفوان بن أمية، أسلم عام الفتح وشهد حجة الوداع، وكان قد شرب الخَمْر فضربه عمر بن الخطاب الحد ونفاه إلى خيبر، فلحق بأرض الروم إلى قيصر فتنصر ومات عنده، وقد أرسل إليه عثمان بن عفان - ﵁ - أبا الأعور السُّلمي فقال له: \" ارجع إلى دينك وبلدك واحفظ نسبك وقرابتك من رسول الله - ﷺ - واغسل ما أنت فيه بالإسلام \" فلم يجبه. [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: الاستيعاب (٢/ ٢٧٧)، الإصابة (٢/ ٤٣٢)].\n(٧) صفوان بن أمية بن خلف بن وهب بن حذافة بن جُمح بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي بن غالب، القُرشي الجُمحي المكي، يكنى أبا وهب، وقيل: يكنى أبا أمية، وهما كنيتان له مشهورتان، وكان إسلامه بعد الفتح وكان صفوان بن أمية أحد أشراف قريش في الجاهلية وأحد المُطْعِمين، وكان يقال له: سداد البطحاء، وهو أحد المؤلفة قلوبهم وممن حسن إسلامه منهم، وكان من أفصح قريش لسانًا، وقد روى أحاديث عن النبي - ﷺ -، وحسن إسلامه، وشهد اليرموك أميرًا على كردوس، توفي - ﵁ - بمكة سنة اثنتين وأربعين في أول خلافة معاوية - ﵁ -.\n[انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: الاستيعاب (٢/ ٢٧٤)، سِيَرُ أعلام النُّبلاء (٢/ ٥٦٢)].","vol":"1","page":2651},{"text":"فقال أحدهم: أترى الله يسمع ما نقول؟ فقال الآخر: إذا رفعنا أصواتنا (١) يسمع، وإذا لم نرفع لا يسمع، وقال الآخر: إن كان يسمع إذا رفعنا صوتنا، فهو يسمع إذا خفضنا، فأتيت النَّبي - ﷺ - فذكرت ذلك له؛ فأنزل الله ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ﴾ الآية (٢).\nواختلف في ﴿تَسْتَتِرُونَ﴾ فقال بعضهم معناه: تستخفون (٣)، والمعنى: لم يكن يُمكنكم أن تستتروا أعمالكم عن أعضائكم؛ لأنَّها أعوانكم فجعلها الله شهودًا عليكم.\nوقيل معناه: ما كُنتم تتركون المعاصي حذرًا أن تشهد عليكم جوارحكم.\nواستخفاؤها من الجوارح: تركها فحسب.\nوقيل: لم تكونوا تخافون أن تشهد عليكم فتستروا (٤) منها.\nوأصله: ما كنتم تستترون من أن تشهد؛ لأنَّ استتر لازم، والتقدير: أن لا تشهد فحذف لا؛ لأن ﴿لَا﴾ في قوله: ﴿وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ﴾ يدل (٥) عليه. وقيل: وما كان قصدكم باستتاركم وقت المعاصي أن تستروها من الجوارح؛ فإنَّ ذلك غير ممكن، لكن\n_________\n(١) في (ب) \" أصواتهم \".\n(٢) الحديث أصله في الصحيحين، فقد أخرجه البخاري (بنحوه) في كتاب التفسير، باب: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢)﴾، برقم (٤٨١٦)، وفي كتاب التفسير أيضًا، باب: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ برقم (٤٨١٧)، وأخرجه مسلم (بنحوه) في كتاب صفات المنافقين، وأحكامهم، باب: صفات المنافقين، وأحكامهم، برقم (٦٩٥٩)، وفي جميع الروايات لم يرد ذكر الأسماء، وهذا لفظ الثعلبي في تفسيره (٨/ ٢٩١).\n(٣) في (ب) \"تستحقون \".\n(٤) في (ب) \"فتستترون \".\n(٥) في (أ) \" بدل \".","vol":"1","page":2652},{"text":"ظننتم أنَّكم تسترونها عن الله، وهو قوله: ﴿وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ﴾ ... أي: أهلككم، والرَّدى: الهلاك (١).\nابن عبَّاس - ﵄ - \" رماكم في النَّار \" (٢).\n﴿فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ الهالكين.\n﴿ذَلِكُمْ﴾ مبتدأ، ﴿ظَنُّكُمُ﴾ بدل منه، ﴿الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ﴾ صفته ... ﴿أَرْدَاكُمْ﴾ خبره.\nويجوز أن يكون ﴿ظَنُّكُمُ﴾ خبر المبتدأ، ﴿أَرْدَاكُمْ﴾ خبر بعد خبر.\nويجوز أن يُضمر قَدْ مع أرداكم؛ فيكون حالًا، أي: مُرديًا (٣).\n﴿فَإِنْ يَصْبِرُوا﴾ (٤) أي في النَّار.\n﴿فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ مسكن ومنزل (٥)، وقيل: إن تصبروا عن (٦) الشكوى والاستغاثة.\nوقيل: إن تصبروا على آلهتكم لقوله: ﴿أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آَلِهَتِكُمْ﴾ [ص: ٦].\n﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ (٢٤)﴾ إن يطلبوا الرِّضى فما هم بمرضى عنهم.\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٤/ ١٠٩)، معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ٢٦٠).\n(٢) انظر: تفسير البغوي (٧/ ١٧١).\n(٣) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ١٦)، جامع البيان (٢٤/ ١١٠)، إعراب القرآن؛ للنَّحاس (٤/ ٤٠)، مشكل إعراب القرآن (٢/ ٦٤٠).\n(٤) في (أ) \" تصبروا \" ولم يقرأ بها أحد.\n(٥) انظر: جامع البيان (٢٤/ ١١٠).\n(٦) في (ب) \"على \".","vol":"1","page":2653},{"text":"وقيل: إن يجزعوا فما هم من الآمنين.\nوقيل معناه: إن يسألوا أن يُرجع بهم (١) إلى ما يُحبِّون لم يُرجع بهم (٢).\nوأصل العتاب عند العرب استصلاح الجلد بإعادته في الدِّباغ، ومن أمثالهم: إنَّما يُعاتب الأديم ذو البشرة (٣) (٤)، ثُمَّ استعير لما يُنكر فيقال: عتب عليه إذا أنكر عليه شيئًا، وعاتبه أظهر له ما أنكره منه على وجه الاستصلاح.\nولك العُتبى: (٥) أي الرُّجوع إلى ما تُحب.\nواستعتب: طلب منه الرُّجوع إلى الرِّضا، وأعتبه أزال المكروه منه (٦) وعاد إلى المحبوب (٧).\nوقيل: ﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا﴾: يسترجعوا من الآخرة إلى الدنيا فما هم من المرجوعين. وقيل: وإن يعتذروا فما هم ممن يُقبل عُذرهم.\n﴿* وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ﴾ سبَّبنا لهم من حيث لا يحتسبون (٨)، وقيل: هيأنا، وقيل: خلَّينا بينهم وبين الشياطين، وقيل: سلَّطنا عليهم.\nابن بحر: \" بدَّلنا لهم شياطين بدل هدى الله وألطافه.\nقال: والقيض: البدل، ومنه قولهم: قايضت فلانًا بكذا إذا بادلته \" (٩).\n_________\n(١) \" بهم\" ساقطة من (ب).\n(٢) انظر: النُّكَت والعُيُون (٥/ ١٧٧).\n(٣) في (أ) \" الأديم والبشرة \".\n(٤) قولهم: \" إنما يعاتب الأديم ذو البشرة \" معناه إنما يُراجع من تصلح مراجعته، ويعاتب من الإخوان من لا يحمله العتاب على اللجاج فيما كره منه وعوتب من أجله، وأصله أن الجلد إذا لم تصلحه الدبغة الأولى أعيد في الدباغ إن كان ذا قوة ومسكة، وترك إن كان ضعيفًا لئلا يزيد ضعفًا \" [جمهرة الأمثال (١/ ٦٩)، وانظر: مجمع الأمثال (١/ ٤٠)، المستقصى في أمثال العرب (١/ ٤٢٠)].\n(٥) في (أ) \" وذلك العتبى \".\n(٦) \"منه\" ساقطة من (ب).\n(٧) انظر: كتاب العين (٢/ ٧٥) مادة \" عَتَبَ \"، مجمل اللغة (ص: ٥٠٠)، مادة \" عَتَبَ \"، لسان العرب (١/ ٥٧٦)، مادة \" عَتَبَ \".\n(٨) قال النَّحاس: \" معنى قيَّضت له كذا: سبَّبته له من حيث لا يحتسب \" [معاني القرآن (٦/ ٢٦٢)، وانظر: معاني القرآن؛ للزَّجاج (٤/ ٢٩١)، تفسير الثعلبي (٨/ ٢٩٢)، النُّكَت والعُيُون (٥/ ١٧٧)].\n(٩) لم أقف عليه.","vol":"1","page":2654},{"text":"وقيل: قدَّرنا.\nوقيل: هذا التقييض: هو (١) إحواجه بعضهم إلى بعض كالمرأة إلى الرَّجل، والرَّجل إلى المرأة، والغني إلى الفقير، والفقير إلى الغني يستعين (٢) بعضهم ببعض.\n﴿قُرَنَاءَ﴾ قيل: هم الشياطين، وقيل: هم قرناء السُّوء.\n﴿فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ الدُّنيا والآخرة، أي: لا جَنَّة ولا نار، ولا بعث ولا حساب.\nوقيل: ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾: أعمالهم التي عملوها ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ ما عزموا على فعله.\nوقيل: ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ (٣): زيَّنوا لهم فعل مُفسدي زمانهم، ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ فعل (٤) مُفسدي من تقدَّم زمانهم (٥).\n﴿وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ وجب عليهم العذاب، وقيل: حق عليهم القول: هو قوله تعالى: أنَّهم يكفرون فيُعَّذَّبون.\n﴿فِي أُمَمٍ﴾ في جُملة أُمم، وقيل: معهم.\nالمُبرِّد: \" إذا كان العد لا يُحصى فـ\"في\" بمعنى \"مع\"، كما تقول: جاءني زيد في جيشٍ، أي مع جيش، وإذا عُلِم عددهم افترقا تقول: خرج في عشرة أي هو عاشرهم، وخرج مع عشرة أي هو الحادي عشر \" (٦).\n_________\n(١) في (ب) \" هنا \".\n(٢) في (ب) \" يستغني \".\n(٣) \" ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ \" ساقطة من (ب).\n(٤) \" فعل \" ساقطة من (ب).\n(٥) انظر: النُّكَت والعُيُون (٥/ ١٧٨).\n(٦) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٠٤٢).","vol":"1","page":2655},{"text":"﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ قبل أهل مكَّة (١) ﴿مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ أي: كانوا في الدنيا عملوا بمثل معاصيهم.\n﴿إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (٢٥)﴾ مثلهم، وقيل: خاسرين بالعقوبة.\n﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآَنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾ نزلت في أبي جهل وأصحابه كانوا يقولون: إذا سمعتم القرآن من محمد فارفعوا أصواتكم بالشعر والكلام في وجهه حتى تلبسوا عليه (٢).\nومعنى: ﴿وَالْغَوْا فِيهِ﴾ عارضوه بكلام غير مفهوم، وقيل: اجحدوه.\nوقيل: أنكروه، وقيل: غادروه.\nواللغو من الكلام ما ليس له معنى، وقيل: هو المُكاء والتَّصدية والتخليط في المنطق.\nوقيل: الغطوا فيه، واللغط: الشَّغب والجلب (٣).\n﴿لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (٢٦)﴾ أي تغلبونه فيسكت أو ينسى (٤).\n﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٧)﴾ أشدّ (٥) من غير تخفيف شيء منه.\nو﴿أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٧)﴾: هو الكفر (٦).\n_________\n(١) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٦٥)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢١٤).\n(٢) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٦٥)، معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ١٧)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢١٤)، المحرر الوجيز (٥/ ١٣).\n(٣) انظر: تفسير مجاهد (٢/ ٥٧٠)، تفسير مقاتل (٣/ ١٦٥) جامع البيان (٢٤/ ١١٢)، معاني القرآن؛ للزَّجاج (٤/ ٢٩١)، معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ٢٦٣)، النُّكَت والعُيُون (٥/ ١٧٨).\n(٤) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٦٥)، جامع البيان (٢٤/ ١١٢).\n(٥) في (ب) \" أشده \".\n(٦) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٦٥)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢١٤)، تفسير البغوي (٧/ ١٧١).","vol":"1","page":2656},{"text":"﴿ذَلِكَ﴾ العذاب ﴿جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ﴾\n﴿ذَلِكَ﴾ مبتدأ، والجزاء خبره بدل من العذاب (١)، ويحتمل وجوهًا أُخر.\nوقد وقف بعض القراء على قوله: ﴿جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ﴾.\nو﴿النَّارُ﴾ مبتدأ ﴿لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآَيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (٢٨)﴾ خبره (٢).\nومعنى: ﴿لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ﴾ أي: موضع (٣) المقام أبدًا (٤)، والنار أعمُّ من الدَّار.\nالزَّجَّاج: \" هو كما تقول لك في هذه الدَّار دار السُّرور. وأنت تعني الدار بعينها (٥) \" (٦).\n﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يقولون يوم القيامة (٧):\n﴿رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ أكثر المفسِّرين على أنَّ المراد من الجنِّ إبليس ومن الإنس قابيل (٨)، وقيل: أراد دُعاة النوعين (٩).\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن؛ للأخفش (ص: ٢٨٠)، مشكل إعراب القرآن (٢/ ٦٤٢).\n(٢) انظر: البيان في غريب إعراب القرآن (٢/ ٣٣٩).\n(٣) \" موضع \" ساقطة من (أ).\n(٤) انظر: جامع البيان (٢٤/ ١١٣)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢١٤)، المحرر الوجيز (٥/ ١٥).\n(٥) في (ب) \" تعنيها \".\n(٦) معاني القرآن (٤/ ٢١).\n(٧) في (ب) \" في القيامة \".\n(٨) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٦٦)، جامع البيان (٢٤/ ١١٣)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢١٤)، تفسير الثعلبي (٨/ ٢٩١)، النُّكَت والعُيُون (٥/ ١٧٨)، تفسير السمعاني (٥/ ٤٩)، تفسير البغوي (٧/ ١٧٢)\n(٩) وهو رأي ابن جرير وابن عطية، وغيرهما، قال ابن جرير: \" يقول تعالى ذكره، وقال الذين كفروا بالله ورسوله يوم القيامة بعد ما أدخلوا جهنم: يا ربنا: أرنا اللذين أضلانا من خلقك من جِنِّهم وإنسهم، وقيل إن الذي هو من الجن إبليس، والذي هو من الإنس بن آدم الذي قتل أخاه \" [جامع البيان (٢٤/ ١١٣) وقال ابن عطية:\n\" وظاهر اللفظ يقتضي أن الذي في قولهم: ﴿الَّذِينَ﴾ إنما هو للجنس، أي: أرنا كل مغوٍ ومضلٍّ من الجن والإنس وهذا قول جماعة من المفسرين، وقال علي بن أبي طالب وقتادة:\n\"وطلبوا ولد آدم الذي سن القتل والمعصية من البشر، وإبليس الأبالسة من الجن \"\nقال القاضي أبو محمد: \" وتأمل هل يصح هذا عن علي بن أبي طالب - ﵁ - لأن ولد آدم مؤمن عاص وهؤلاء إنما طلبوا المضلين بالكفر المؤدي إلى الخلود؟ وإنما القوي أنهم طلبوا النوعين، وقد أصلح بعضهم هذا القول بأن قال يطلب ولد آدم كلّ عاص دخل النار من أهل الكبائر، ويطلب إبليس كلّ كافر، ولفظ الآية يزحم هذا التاويل؛ لأنه يقتضي أن الكفرة إنما طلبوا اللذَين أضلا \" [المحرر الوجيز (٥/ ١٤)، وانظر: روح المعاني (٢٤/ ١٢٠)، وتيسير الكريم الرحمن (ص: ٧٤٨)].","vol":"1","page":2657},{"text":"﴿نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا﴾ نَدُسْهما ونطأهما انتقامًا منهما وإذلالًا لهما.\nوقيل: نجعلهما في الدرك الأسفل (١).\n﴿لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ (٢٩)﴾ أسفل منَّا (٢).\nابن عبَّاس - ﵄ - \" ليكونا أشدّ عذابًا \" (٣).\n﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ في سبب النُّزول عن ابن عبَّاس ... - ﵄ - \" أنَّها نزلت في أبي بكر الصدِّيق - ﵁ -، فإنَّ المشركين قالوا ربُّنا الله، والملائكة بنات الله، واليهود قالوا: ربُّنا الله، وعزير ابن الله، ومحمد - ﷺ - ليس بنبي، وأبو بكر - ﵁ - قال: ربُّنا الله وحده لا شريك له ومحمد عبده ورسوله فاستقام \" (٤).\nومعنى الآية: إنَّ الذين أقروا بوحدانية الله تعالى، ونفوا عنه الأنداد والصاحبة والأولاد، ثم أقاموا على طاعته، وأداء فرائضه، مخلصين له الدين إلى حين موتهم.\n﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ عند الموت (٥)، وقيل: عند (٦) الخروج من القبر.\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٤/ ١١٤)، النُّكَت والعُيُون (٥/ ١٧٧)، تفسير السمعاني (٥/ ٤٩)، تفسير البيضاوي (٢/ ٣٥٣).\n(٢) قال ابن جرير: \" يقول: نجعل هذين اللذين أضلانا تحت أقدامنا؛ لأنَّ أبواب جهنم بعضها أسفل من بعض، وكلُّ ما سفُل منها فهو أشدُّ على أهله، وعذاب أهله أغلظ، ولذلك سأل هؤلاء الكفار ربهم أن يريهم اللذين أضلاهم ليجعلوهما أسفل منهم ليكونا في أشد العذاب في الدرك الأسفل من النار \". [جامع البيان (٢٤/ ١١٤)].\n(٣) انظر: تفسير البغوي (٧/ ١٧٢)\n(٤) انظر: أسباب النزول؛ للواحدي (ص: ٣١٠)، زاد المسير (٧/ ٩٩)، الجامع لأحكام القرآن (١٥/ ٣٤٧)، البحر المحيط (٩/ ٣٠٣).\n(٥) انظر: تفسير مجاهد (٢/ ٥٧١)، معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ١٨)، جامع البيان (٢٤/ ١١٦)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢١٥)، تفسير الثعلبي (٨/ ٢٩٤)، النُّكَت والعُيُون (٥/ ١٨٠)، تفسير السمعاني (٥/ ٥٠).\n(٦) \" عند \" ساقطة من (أ).","vol":"1","page":2658},{"text":"﴿أَلَّا تَخَافُوا﴾ بأن لا تخافوا، وقيل: لا تخافون الموت قائلين: لا تخافوا الموت وما بعده.\n﴿وَلَا تَحْزَنُوا﴾ على ما خلفتم في الدنيا (١).\n﴿وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠)﴾ في الدُّنيا على لسان الرُّسل\nبشرى للمؤمنين (٢) في ثلاثة مواطن: عند الموت، وفي القبر، وعند البعث (٣).\n﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ﴾ أودَّاؤكم ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ بالاستغفار.\n﴿وَفِي الْآَخِرَةِ﴾ بالشفاعة (٤).\nقيل: هم الحفظة، وقيل: هم ملائكة وَكَلَهُمُ الله بالمؤمنين يثبِّتونهم على الإيمان.\nوقيل: نحفظكم في الحياة الدنيا، ولا نفارقكم في الآخرة حتى تدخلوا الجنَّة.\nوقيل: أولياؤكم في الدنيا بالهداية، وفي الآخرة بالكرامة.\n﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ﴾ من النَّعيم، وقيل: البقاء السَّرمد لأنَّ النَّاس يشتهون ذلك.\nوالشَّهوة: مُنازعة النَّفس إلى ما فيه اللذة (٥).\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٤/ ١١٦)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢١٥)، تفسير الثعلبي (٨/ ٢٩٤)، تفسير السمعاني (٥/ ٥٠).\n(٢) في (ب) \" المؤمن \".\n(٣) انظر: إعراب القرآن؛ للنَّحاس (٤/ ٤٢)، تفسير السمرقندي (٣/ص ٢١٥)، تفسير الثعلبي (٨/ ٢٩٤)، النُّكَت والعُيُون (٥/ ١٨٠)، تفسير السمعاني (٥/ ٥٠).\n(٤) والذي يظهر - والله أعلم - أنَّ ولايتهم للمؤمنين أعمُّ من الاستغفار في الدنيا، والشفاعة في الآخرة، قال الإمام ابن كثير: \" أي تقول الملائكة للمؤمنين عند الاحتضار نحن كنا أولياءكم، أي: قرناءكم في الحياة الدنيا نسددكم ونوفقكم ونحفظكم بأمر الله، وكذلك نكون معكم في الآخرة نؤنِّس منكم الوحشة في القبور، وعند النفخة في الصُّور، ونؤمنكم يوم البعث والنشور، ونجاوز بكم الصراط المستقيم، ونوصلكم إلى جنات النعيم \" [تفسير القرآن العظيم (٤/ ١٠٧)].\n(٥) انظر: التعريفات (ص: ١٧٠)، التوقيف على مهمات التعاريف (ص: ٤٤٠).","vol":"1","page":2659},{"text":"﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١)﴾ تفتعلون من الدُّعاء.\nوقيل: ما تتمنون.\nوقيل: تطلبون (١).\nوقيل: تدَّعون في الدنيا أنَّها لكم في الآخرة.\nوقيل: من ادعى شيئًا في الجنَّة فهو له؛ لأنَّ الإنسان في الجنَّة لا يدَّعي ما لا يستحقُّه.\n﴿نُزُلًا﴾: هو ما يهيأ للضيف إذا نزل (٢).\nالحُجَّة: \" جمع نازل، وأنشد:\n. . . . . . . . . . . . . . ... . . . . . . . . فإنَّا معشرٌ نُزُلُ \" (٣) (٤).\nفيكون حالًا من الضمير في تدَّعون، وعلى الوجه الأول حال عن ﴿مَا﴾، وقيل: نصب على المصدر ﴿مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾.\n﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ أي (٥) إلى طاعة الله وتوحيده (٦).\n﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ أدى الفرائض (٧).\n﴿وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ تفاخُرًا بالإسلام وتمدُّحًا (٨).\nوفيه ثلاثة أقوال (٩):\n_________\n(١) انظر: النُّكَت والعُيُون (٥/ ١٨٠)، تفسير الثعلبي (٨/ ٢٩٥)، الوجيز للواحدي (٢/ ٩٥٥).\n(٢) انظر: غريب القرآن؛ للسجستاني (ص: ٤٧٤)، معاني القرآن؛ للنَّحاس (٤/ ٢٩٨).\n(٣) البيت للأعشى، وتمامه:\nإن تركبوا فركوب الخيل عادتنا ... أو تنزلون فإنا معشرٌ نُزُلُ\n[انظر: إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٤/ ٦٣)، المحرر الوجيز (٢/ ١٠٢)].\n(٤) لم أقف عليه.\n(٥) \" أي \" ساقطة من (أ).\n(٦) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٧٦)، جامع البيان (٢٤/ ١١٧)، تفسير الثعلبي (٨/ ٢٩٥).\n(٧) انظر: النُّكَت والعُيُون (٥/ ١٨١)، زاد المسير (٧/ ١٠٠).\n(٨) انظر: تفسير البيضاوي (٢/ ٣٥٣)، تفسير النسفي (٤/ ١٠٦٠).\n(٩) أي في بيان المقصود بهذه الصفات.","vol":"1","page":2660},{"text":"أحدها: أنه (١) النبي - ﷺ - (٢).\nوالثاني: أنَّ المراد به المؤذنون، وأنَّ العمل الصالح ها هنا الصلاة بين الأذان والإقامة (٣).\nوقيل: نزلت في بلال (٤).\nمقاتل: \" هو جميع الأئمة والدعاة إلى الله تعالى \" (٥).\n﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ﴾ (لا): زائدة (٦)، أي لا يستوي الإيمان والشِّرك والحلم والضجر والطاعة والمعصية، والرِّفق والعنف (٧).\nوقيل: الحالة الحسنة والحالة السِّيئة.\n﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ ابن عباس - ﵄ -: أمر الله في هذه الآية بالصبر عند الغضب، والحلم عند الجهل، والعفو عند الإساءة، فإذا فعلوا ذلك عصمهم الله من الشيطان، وجعل لهم عدوهم كأنَّه وليٌّ حميم \" (٨).\n_________\n(١) \" أنه \" ساقطة من (ب).\n(٢) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٦٧)، جامع البيان (٢٤/ ١١٨)، معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ٢٦٧) تفسير الثعلبي (٨/ ٢٩٦)، النُّكَت والعُيُون (٥/ ١٨١)، الوجيز للواحدي (٢/ ٩٥٦)، تفسير السمعاني (٥/ ٥١).\n(٣) انظر: جامع البيان (٢٤/ ١١٨)، معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ٢٦٧)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢١٦) تفسير الثعلبي (٨/ ٢٩٦)، الوجيز للواحدي (٢/ ٩٥٦) قال السمعاني: \" وقد ضعف بعضهم هذا القول؛ لأنَّ السورة مكية، والأذان كان بعد الهجرة إلى المدينة \". [تفسير السمعاني (٥/ ٥١)].\n(٤) انظر: النُّكَت والعُيُون (٥/ ١٨١)، غرائب التفسير (٢/ ١٠٤٣).\n(٥) لم أقف عليه في تفسير مقاتل، وقد نسبه إليه غير واحدٍ [انظر: تفسير الثعلبي (٨/ ٢٩٦)، المحرر الوجيز (٥/ ١٥) البحر المحيط (٩/ ٣٠٥)، روح المعاني (٢٤/ ١٢٢)].\nوالقول المختار في الآية قول مقاتل أي العموم في كلِّ داع إلى الله، قال ابن عطية: \" وهو لفظ يعمُّ كلَّ من دعا قديمًا وحديثًا إلى الله تعالى، وإلى طاعته من الأنبياء والمؤمنين، والمعنى لا أحد أحسن قولًا ممن هذه حاله، وإلى العموم ذهب الحسن ومقاتل وجماعة \". [المحرر الوجيز (٥/ ١٥)، وانظر: روح المعاني (٢٤/ ١٢٢)، تفسير البيضاوي ... (٢/ ٣٥٣) التسهيل (٤/ ١٤) البحر المحيط (٩/ ٣٠٥)، تفسير القرآن العظيم (٤/ ١٠٨)].\n(٦) انظر: جامع البيان (٢٤/ ١١٨)، معاني القرآن؛ للزَّجاج (٤/ ٢٩٢)، معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ٢٦٨).\n(٧) انظر: جامع البيان (٢٤/ ١١٨)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢١٦)، النُّكَت والعُيُون (٥/ ١٨٢).\n(٨) انظر: أخرجه ابن جرير في جامع البيان (٢٤/ ١١٩)، والنَّحاس في الناسخ والمنسوخ (ص: ٧٣٦)، والبيهقي في السنن الكبرى (٧/ ٤٥) برقم (١٣٠٧٨)، والحديث وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (٢/ ١١٢) برقم (١٦٤٢)].","vol":"1","page":2661},{"text":"وقيل: ادفع بحقِّك باطلهم وبحلمك جهلهم.\nمقاتل: \" نزلت في أبي سفيان (١): كان مُؤْذِيًا للنَّبي - ﷺ - فصار وليًا \" (٢).\nوقيل: نزلت في أبي جهل كان يؤذي النبي - ﷺ - فأمره بالصَّفح عنه إلى وقته (٣).\nوقيل معنى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾: أن تقول لمن جهل عليك: السلام عليك.\n﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤)﴾ أي إذا دفعت بالإحسان لانَ جانبهم لك ومالوا إليك، وصار عدوك كأنَّه قريب شفيق.\n﴿وَمَا يُلَقَّاهَا﴾ أي هذه الخصلة (٤)، وقيل: هذه المجازاة، وهي الدفع بالأحسن، وقيل: الجنَّة.\n﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ على الظلم.\n_________\n(١) أبو سفيان: صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب، أبو سفيان القرشي الأموي، غلبت عليه كنيته، رأس قريش وقائدهم يوم أحد ويوم الخندق، تداركه الله بالإسلام يوم الفتح فأسلم، وكان من المؤلفة قلوبهم، ثم حَسُن إسلامه، وكان من دهاة العرب، ومن أهل الرأي والشرف فيهم.\nشهد حنينًا، وأعطاه صهره رسول الله - ﷺ - من الغنائم مائة من الإبل، وأربعين أوقية من الدراهم يتألفه بذلك، وشهد قتال الطائف، ففقئت عينه حينئذ، ثم فقئت الأخرى يوم اليرموك، وكان يومئذ يحرض على الجهاد، وكان تحت راية ولده يزيد، فكن يصيح: \" يا نصر الله اقترب \"، وقد توفي - ﵁ - بالمدينة سنة ثلاثين، وقيل: سنة إحدى وثلاثين، وقيل: سنة أربع وثلاثين وصلى عليه عثمان بن عفان - ﵁ -. [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: الاستيعاب (٢/ ٢٧٠)، أَسَد الغابة (٣/ ٩)، سِيَرُ أعلام النُّبلاء (٢/ ١٠٥)].\n(٢) انظر: تفسير البغوي (٧/ ١٧٤)، الجامع لأحكام القرآن (١٥/ ٣٤٦).\n(٣) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٦٧)، النُّكَت والعُيُون (٥/ ١٨٢)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢١٦)، أحكام القرآن؛ لابن العربي (٤/ ٨٥).\n(٤) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ١٨)، جامع البيان (٢٤/ ١٢٠)، معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ٢٧٠)، تفسير الثعلبي (٨/ ٢٩٧)، النُّكَت والعُيُون (٥/ ١٨٢).","vol":"1","page":2662},{"text":"﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥)﴾ من العقل والرأي والصبر، وقيل: الحظ العظيم: الجنَّة (١).\n﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ﴾ وسوسة وغضب، ودعاك إلى مقابلة القبيح بالقبيح فاستعذ بالله (٢).\nوالنَّزغ: القول الفاسد (٣)، وقيل: تحريك إلى الشَّر.\nابن عيسى: \" الفحش إلى ما يدعوا إلى الفساد \" (٤).\n﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ اعتصم بالله ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾ لاستعاذتك.\n﴿الْعَلِيمُ (٣٦)﴾ بنزع الشيطان (٥).\nوقيل: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ﴾ في إمهالي إيَّاهم، وترك استئصالي شأفتهم (٦) فاستعذ بالله.\n﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ﴾ آيات قدرته ودلالات وحدانيته.\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٤/ ١٢٠)، معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ٢٧٠)، النُّكَت والعُيُون (٥/ ١٨٢)، الوجيز للواحدي (٢/ ٩٥٦)، تفسير السمعاني (٥/ ٥٣)، غرائب التفسير (٢/ ١٠٤٤).\n(٢) انظر: جامع البيان (٢٤/ ١٢٠)، غريب القرآن؛ للسِّجستاني (ص: ٥٠٨)، النُّكَت والعُيُون (٥/ ١٨٣)، تفسير السمعاني (٥/ ٥٣).\n(٣) انظر: كتاب العين (٤/ ٣٨٤)، مادة \" نَزَغَ \"، لسان العرب (٨/ ٤٥٤) مادة \" نَزَغَ \".\n(٤) انظر: لم أقف عليه.\n(٥) والأولى عدم قصر صفة السمع على الاستعاذة، والعلم بنزغ الشيطان، وهو ما ذهب إليه الإمام ابن جرير إذ يقول: \" إن الله هو السميع لاستعاذتك منه، واستجارتك به من نزغاته، ولغير ذلك من كلامك وكلام غيرك، العليم بما ألقى في نفسك من نزغاته، وحدَّثتك به نفسك، ومما يذهب ذلك من قبلك، وغير ذلك من أمورك وأمور خلقه \" [جامع البيان (٢٤/ ١٢٠)].\n(٦) الشَّأفَةُ: القُرْحَةُ تَخْرُجُ بِالقَدمِ فَتُكْوَى فَتَذْهَبُ، ويُقَالُ: اسْتَأْصَلْنَا شأفَتَهُمُ إذا حُسِمَ الأمْرُ من أَصْلِهِ، واسْتأْصَل الله شأْفَته أَي أَصلَه، والشأْفةُ: العداوةُ [انظر: غريب الحديث لابن الجوزي (١/ ٥١٣)، لسان العرب ... (٩/ ١٦٧)، مادة \" شَأَفَ \"].","vol":"1","page":2663},{"text":"﴿اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ﴾ وإن كثرت منافعهما.\n﴿وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ لأنَّ عبادة الخالق أولى من عبادة المخلوق.\nيجوز أن تعود الكناية إلى الآيات، ويجوز أن تعود (١) إلى الليل والنَّهار والشمس والقمر، (٢) ولم يُغلِّب المذكَّر على القياس لأنَّ ذلك مع العُقلاء (٣).\n﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (٣٧)﴾ فاعبدوه وحده؛ لأنَّ من عبد مع الله غيره لا يكون عابدًا له.\n﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا﴾ عن عبادة الله.\n﴿فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ أي الملائكة (٤)، ومعنى عنده: له، كما تقول: عند فلان ألف غلامٍ وألف فرس، وقيل: ذكر (عند) للمرتبة والمنزلة.\n﴿يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ أي يُسبَّحون ويُمَجِّدون ويُكبِّرون ويُهلِّلون دائمًا، وكلُّها تسبيح، وقيل: يُصلُّون.\n﴿وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ) (٣٨)﴾ لا يَملُّون (٥).\nقيل: التسبيح منهم كالتَّنفس من النَّاس.\nموضع السَّجدة آخر هذه الآية إجماع، إلا ما رُوي عن ابن مسعود والحسن - ﵄ -: \" أنَّهما ذهبا إلى (٦) أنَّ موضعه ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (٣٧)﴾ (٧).\n﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً﴾ يابسة غبراء دارسة (٨).\nوقيل: ذليلة بالقحط.\n﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ﴾ المطر.\n﴿اهْتَزَّتْ﴾ للنَّبات.\n﴿وَرَبَتْ﴾ ارتفعت (٩).\nوقيل: اهتزَّت تشقَّقت، وربت: انتفخت.\nوقيل: انفطرت للنَّبات، وربت نباتها وزادت، وقيل فيه: تأخير: أي ربت واهتزت.\n﴿إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا﴾ بعد موتها بإنزال المطر عليها (١٠).\n﴿لَمُحْيِي الْمَوْتَى﴾ في الآخرة.\n﴿إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ من الإحياء والإماتة.\n_________\n(١) في (ب) \" يجوز أن يعود ... ويجوز أن يعود \".\n(٢) انظر: معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ٢٧١)، تفسير النسفي (٤/ ١٠٦٢)، البحر المحيط (٩/ ٣٠٩).\n(٣) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ١٨)، جامع البيان (٢٤/ ١٢١)، معاني القرآن؛ للزَّجاج (٤/ ٢٩٣)، تفسير الثعلبي (٨/ ٢٩٧) البحر المحيط (٩/ ٣٠٩).\n(٤) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٦٧)، جامع البيان (٢٤/ ١٢١)، معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ٢٧١)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢١٧).\n(٥) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٦٧)، جامع البيان (٢٤/ ١٢١)، معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ٢٧١).\n(٦) \" إلى \" ساقطة من (أ).\n(٧) قيل موضع السجود عند قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (٣٧)﴾، لأنه متصل بالأمر، وقيل عند قوله: ﴿وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ) (٣٨)﴾؛ لأنه تمام الكلام.\nانظر: النُّكَت والعُيُون (٥/ ١٨٤)، الكشاف (٤/ ٢٠٦)، أحكام القرآن؛ لابن العربي (٤/ ٨٦)، زاد المسير (٧/ ١٠١)، التفسير الكبير (٢٧/ ١١٢) تفسير البيضاوي (٢/ ٣٥٤)، تفسير النسفي (٤/ ١٠٦٣)، البحر المحيط (٩/ ٣٠٨)، فتح القدير (٤/ ٧٣٧).\n(٨) انظر: جامع البيان (٢٤/ ١٢٢)، النُّكَت والعُيُون (٥/ ١٨٤).\n(٩) انظر: جامع البيان (٢٤/ ١٢٢)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٤/ ٢٩٤)، النُّكَت والعُيُون (٥/ ١٨٤).\n(١٠) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٦٧)، جامع البيان (٢٤/ ١٢٢)، تفسير السمعاني (٥/ ٥٣).","vol":"1","page":2664},{"text":"﴿قَدِيرٌ (٣٩)﴾ قادر بالكمال.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ﴾ يميلون ﴿فِي آَيَاتِنَا﴾ القرآن حين قالوا: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآَنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾.\nوقيل (١): يُكذِّبون، وقيل: يكفرون، وقيل: معاندون (٢) رُسُلنا، وقيل: هو المُكَاء والتَّصدية (٣) والصَّفير عند تلاوته (٤).\n﴿لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا﴾ فنلقيهم (٥) في النَّار، ثُمَّ قال:\n﴿أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ﴾ يعني أبا جهل - عليه اللعنة - (٦).\n﴿أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ قيل: هو عثمان، وقيل: عمر، وقيل: عمَّار بن ياسر - ﵃ - (٨).\nمقاتل: \" هو رسول الله - ﷺ - \" (٩).\n﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ هذه نهاية في التهديد والوعيد (١٠).\n_________\n(١) \" وقيل \" ساقطة من (أ).\n(٢) في (ب) \"يعاندون \".\n(٣) \" والتصدية \" ساقطة من (ب).\n(٤) هذه الأقوال أوردها الماوردي في النُّكَت والعُيُون (٥/ ١٨٤)، وكلُّ ذلك يحتمله المعنى.\n(٥) في (ب) \"فتلقيهم \".\n(٦) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٦٨)، معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ٢٧٤)، النُّكَت والعُيُون (٥/ ١٨٤)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢١٨)، تفسير الثعلبي (٨/ ٢٩٨)، تفسير السمعاني (٥/ ٥٤)، زاد المسير (٧/ ١٠٠)، لباب النقول (ص: ٢٥٨).\n(٧) في (أ) \" أفمن يأتي \".\n(٨) انظر: النُّكَت والعُيُون (٥/ ١٨٤)، تفسير الثعلبي (٨/ ٢٩٨)، تفسير السمعاني (٥/ ٥٤)، زاد المسير (٧/ ١٠٠).\n(٩) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٦٨).\n(١٠) وهذا بإجماع المفسرين، قال ابن عطية: \" وقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ وعيدٌ في صيغة الأمر بإجماع من أهل العلم، ودليل الوعيد ومبينه قوله: ﴿إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤٠)﴾ [المحرر الوجيز (٥/ ١٩)، وانظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٦٨)، جامع البيان (٢٤/ ١٢٤)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢١٨)، تفسير الثعلبي (٨/ ٢٩٨)، الإجماع في التفسير (ص: ٣٨٥)].","vol":"1","page":2665},{"text":"﴿إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤٠)﴾ فيجازيكم عليه.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ﴾ بالقرآن (١) ﴿لَمَّا جَاءَهُمْ﴾ حين جاءهم ﴿وَإِنَّهُ﴾ وإنَّ القرآن.\n﴿لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١)﴾ لا يقدر أحد أن يأتي بمثله، وقيل: عزيزٌ من تمسَّك به أعزَّه الله في الدنيا والآخرة، وقيل: عزيزٌ ممتنع (٢) من الباطل بما فيه من حُسن البيان ووضوح البرهان، وقيل: عزيز محفوظ من أن يُغَيَّر أو يبدَّل (٣) (٤).\n﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ﴾ الشيطان (٥)، وقيل: التبديل، وقيل: التناقض، وقيل: الكذب. وقيل: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ أي: في أخباره عمَّا تقدَّم ولا عمَّا تأخَّر، وقيل: لا يأتيه الباطل بوجه من الوجوه (٦).\n_________\n(١) وهذا بإجماع المفسرين كما ذكر ابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن جزي [انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٦٨)، جامع البيان (٢٤/ ١٢٤)، معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ٢٧٥)، المحرر الوجيز (٥/ ١٩)، الجامع لأحكام القرآن (١٥/ ٣٥١)، البحر المحيط (٩/ ٣٠٩)، التسهيل (٤/ ١٥)، الإجماع في التفسير (ص: ٣٨٥)].\n(٢) في (ب) \" منيع \".\n(٣) في (أ) \"تغير وتبدل \".\n(٤) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٦٨)، جامع البيان (٢٤/ ١٢٤)، معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ٢٧٥)، النُّكَت والعُيُون (٥/ ١٨٥).\n(٥) انظر: معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ٢٧٥)، النُّكَت والعُيُون (٥/ ١٨٤)، تفسير الثعلبي (٨/ ٢٩٨)، الوجيز للواحدي (٢/ ٩٧٥)، تفسير السمعاني (٥/ ٥٥).\n(٦) وهذا هو المعنى الأولى بالآية والأجمع لما قيل فيها، وبنحوه ذهب الإمام ابن جرير: \" وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب أن يقال معناه: لا يستطيع ذو باطل بكيده تغييره بكيده، وتبديل شيء من معانيه عمَّا هو به، وذلك هو الإتيان من بين يديه، ولا إلحاق ما ليس منه فيه، وذلك إتيانه من خلفه \" [جامع البيان (٢٤/ ١٢٥)].","vol":"1","page":2666},{"text":"وقيل: ﴿مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ﴾ لفظه، ﴿وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ تأويله.\n﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾.\nاختلفوا في خبر إنَّ، والجمهور على أنَّه ﴿أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٤٤)﴾، والذي بينهما اعتراض فيه ذكر المبتدأ (١)، وقيل: خبره مُقَدَّر تقديره: إنَّ الذين كفروا بالذِّكر كفروا به لمَّا جاءهم.\nوقيل: هلكوا، وقيل: خبره ﴿مَا يُقَالُ لَكَ﴾ لأنَّ تقديره ما يقولون لك.\n﴿إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾ أي ما قول (٢) قومك لك إلا ما قالت الأمم الماضية لرسُلهم من قبلك إنَّه كاذب، إنَّه ساحر، إنَّه مفتر (٣).\nوفيه قول آخر: أي ما يقول الله لك في الوحي والتنزيل إلا ما قد قيل للرسل من قبلك (٤) فيما أوحي إليهم، فعلى هذا لا يصلح للخبر (٥).\n﴿إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ﴾ للمؤمنين، ﴿وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ (٤٣)﴾ للكافرين.\nوقيل: ﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾ مفعول لقوله:\n﴿يُقَالُ﴾ وقيل: على الحكاية، ثُمَّ عاد إلى وصف الذِّكر فقال:\n﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ﴾ أي الذِّكر ﴿قُرْآَنًا أَعْجَمِيًّا﴾ على لغة العجم (٦) (٧) لنفرت منه العرب (٨): ﴿لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ﴾ بلسان العرب (٩).\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٤/ ١٢٩)، إعراب القرآن؛ للنَّحاس (٤/ ٤٤)، غرائب التفسير (٢/ ١٠٤٤).\n(٢) في (أ) \" ما يقول \".\n(٣) انظر: النُّكَت والعُيُون (٥/ ١٨٦)، تفسير السمعاني (٥/ ٥٥).\n(٤) في (ب) \" إلا ما قال للرسل قبلك \".\n(٥) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٦٨)، جامع البيان (٢٤/ ١٢٥)، تفسير ابن أبي زمنين (٤/ ١٥٥)\n(٦) في (ب) \"على لغة غير العرب \".\n(٧) العُجْمة: خلاف الإبانة، والعَجَمُ: خِلافُ العَرَب، والعَجَمِيُّ منسوبٌ إليهم، والأعجم: مَن في لسانه عُجْمَة، عربيًا كان أو غير عربي، اعتبارًا بقلة فهمهم عن العجم، ومنه قيل للبهيمة: عَجْمَاء. [المفردات (ص: ٥٤٩)، مادة \" عَجَمَ \" - باختصار-].\n(٨) في (ب) \" العرب وقالوا: ﴿لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ﴾ \".\n(٩) انظر: جامع البيان (٢٤/ ١٢٦)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢١٩) النُّكَت والعُيُون (٥/ ١٨٦).","vol":"1","page":2667},{"text":"﴿أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ من تمام كلامهم، أي: المُنْزَل أعجمي، والمُنزل عليه عربي كيف يتوافقان؟ (١)\nوقيل: المنزل أعجمي، والمنزل إليهم عربيون.\nوالاستفهام للإنكار.\nوقال بعضهم: يعني بالأعجمي غير المُبيَّن، أي لو أنزلناه غير مُبيَّن لقالوا: لولا أنزل إليه مُبينًا (٢).\nوقيل تقدير الآية: إنَّ الذين كفروا بالذِّكر لمَّا جاءهم، وقالوا: لولا أنزل بلسان العجم ليكون أقرب إلى المعجزة لعجزك عن نظم الكتاب على لغة العجم.\n﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١)﴾ الآيات، ثُمَّ قال مُجيبًا لهؤلاء:\n﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا أَعْجَمِيًّا﴾ كما اقترحوا ﴿لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ﴾ ... بلسان العرب لنفهمه نحن من غير ترجمان، ثُمَّ قال:\n﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا هُدًى﴾ من الضلالة (٣).\n﴿وَشِفَاءٌ﴾ من الشَّك؛ فإنَّ الشَّك مرض (٤).\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ١٩)، جامع البيان (٢٤/ ١٢٦) تفسير السمرقندي (٣/ ٢١٩)، النُّكَت والعُيُون (٥/ ١٨٦)، تفسير الثعلبي (٥/ ٥٦).\n(٢) انظر: النُّكَت والعُيُون (٥/ ١٨٦).\n(٣) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٦٢)، النُّكَت والعُيُون (٥/ ١٨٦).\n(٤) انظر: النُّكَت والعُيُون (٥/ ١٨٦)، الكشاف (٤/ ٢٤١)، تفسير النسفي (٤/ ١٠٦٣).","vol":"1","page":2668},{"text":"﴿وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آَذَانِهِمْ وَقْرٌ﴾ أي هم لتركهم قبوله بمنزلة من في أُذنه صَمَم.\n﴿وَهُوَ﴾ أي القرآن ﴿عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ لا يُبصرون به مراشدهم (١).\nوقيل: عمى القلب.\nويحتمل أن يكون (الذين) في محل جر عطفًا على ﴿لِلَّذِينَ آَمَنُوا﴾، وتقديره (٢): والذين لا يؤمنون وقرٌ في آذانهم (٣).\n﴿أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٤٤)﴾ يسمعون الصَّوت بالقرآن، ولا يفهمون المعنى (٤).\nوقيل: بعيد من قلوبهم.\nوقيل: بعيد من الإجابة.\nوقيل: هو مثلٌ لمن لا يفهم، وعلى الضدِّ أنَّه يأخذ من قريب، وقيل: يُنادون في القيامة بأشنع الأسماء (٥).\n﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ التوراة (٦).\n﴿فَاخْتُلِفَ فِيهِ﴾ فاختلف أمَّته فيها فمن مُصَدِّقٍ ومُكذِّب ومُحرِّفٍ ومُبدِّل.\n﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ قيل: هو (٧) الأجل المُسَمَّى.\n_________\n(١) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٦٢)، جامع البيان (٢٤/ ١٢٨).\n(٢) في (ب) \" ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾، فتقديره \".\n(٣) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٠٤٥)، قال مكي: \" (الذين) رفع بالابتداء، وما بعده خبره \". [مشكل إعراب القرآن (٢/ ٦٤٣)].\n(٤) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ٢٠)، جامع البيان (٢٤/ ١٢٨)، معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ٢٨١)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢١٩)، تفسير البغوي (٧/ ١٧٧).\n(٥) انظر: جامع البيان (٢٤/ ١٢٨)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢١٩)، النُّكَت والعُيُون (٥/ ١٨٧).\n(٦) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٦٩)، جامع البيان (٢٤/ ١٢٩)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢٢٠).\n(٧) في (ب) \" هي \".","vol":"1","page":2669},{"text":"وقيل: هي (١) قوله: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤].\nوقيل: هي (٢) قوله: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ (٤٦)﴾ [القمر: ٤٦].\nوقيل هي قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧].\nوالمعنى: سبقت بتأخير العذاب (٣).\n﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ أهلكهم إهلاك استئصال (٤).\n﴿وَإِنَّهُمْ﴾ وإنَّ اليهود، ﴿لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (٤٥)﴾ أي معه تهمة (٥).\nوقيل: تمَّ الكلام على قوله ﴿فَاخْتُلِفَ فِيهِ﴾ أي اختلف اليهود في كتابهم كما اختلف قومك في القرآن، ثُمَّ رجع إلى القول في العرب فقال: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ﴾ الآية.\n﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾ ثوابه ﴿وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ عقابه.\n﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦)﴾ ذكر بلفظ المبالغة لمكان العبيد فإنَّه جمع (٦).\nوقيل: كأنَّه جواب قائل: إنَّه ظلَّام، وقيل: من ظلم وعلم أنَّه يظلم فهو ظلَّام.\n_________\n(١) في (ب) \" هُنَّ \".\n(٢) \" هي\" ساقطة من (ب).\n(٣) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٦٩)، جامع البيان (٢٤/ ١٢٩)، معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ٢٨١).\n(٤) انظر: جامع البيان (٢٤/ ١٢٩)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢١٩)، تفسير الثعلبي (٨/ ٢٩٩)، تفسير النسفي (٤/ ١٠٦٤)\n(٥) قال الراغب: \" والرَّيْب: أن تتوهم بالشيء أمرًا ما، فينكشف عمَّا تتوهمه \". [المفردات (ص: ٣٦٨)، مادة \" رَيَبَ \"]، وقال الألوسي: \" وبعضٌ فرَّق بين الرَّيب والشك، بأنَّ الرَّيب شَكٌّ مع تُهْمةٍ \" [روح المعاني (١/ ١٠٦)].\n(٦) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٠٤٥).","vol":"1","page":2670},{"text":"﴿* إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ أي: علمها عند الله فحسب (١)، وقيل: من يسأل عنها، قال: الله تعالى يعلم (٢).\nوقيل: يجب على المسؤول أن يقول: الله يعلم ذلك.\n﴿وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا﴾ (٣) من أوعيتها (٤).\n﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ﴾ حملها ﴿إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ أي: والله عالم به، فالباء (٥) للحال.\n﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي﴾ بزعمكم (٧).\n﴿قَالُوا آَذَنَّاكَ﴾ أعلمناك، وقيل: أخبرناك، وقيل: أسمعناك من قوله: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٢)﴾ [الانشقاق: ٢] (٨).\n﴿مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ (٤٧)﴾ أي: لهم، وقيل: ما منَّا من شهيدٍ أنَّ لك شريكًا، لأنَّهم لمَّا عاينوا القيامة تبرؤا من معبوديهم (٩).\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (١/ ٢٥)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢٢٠).\n(٢) في (أ) \" من سئل قال الله يعلم \"\n(٣) في (أ) ﴿وما تخرج من ثمرة﴾، بالإفراد، وبالجمع ﴿ثَمَرَاتٍ﴾ وهي قراءة نافع وابن عامر وحفص عن عاصم، وقرأ الباقون وعاصم من روية أبي بكر بالإفراد. [انظر: السَّبعة (ص: ٥٧٧)، معاني القراءات (ص: ٤٣٢)، الحُجَّة (٦/ ١١٨)].\n(٤) قال أبو عبيدة: \" ﴿مِنْ أَكْمَامِهَا﴾، أي: أوعيتها، واحدها كُمَّة، وهو ما كانت فيه، وكُمٌّ وكُمَّة واحدٌ، وجمعها: أكمامٌ وأكِمَّة \" [مجاز القرآن (٢/ ١٩٨)].\n(٥) في (ب) \"والباء \".\n(٦) في (ب) \" فيقول\"، وهي ليست من الآية.\n(٧) في (أ) \" بزعمهم \".\n(٨) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٧٠)، معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ٢٠)، جامع البيان (٢٥/ ١) معاني القرآن؛ للزَّجاج (٤/ ٢٩٦)، معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ٢٨٢).\n(٩) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٧٠)، جامع البيان (٢٥/ ١) معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ٢٨٢) تفسير السمرقندي (٣/ ٢٢٠).","vol":"1","page":2671},{"text":"وقيل: يقول المعبودون: ما منَّا من شهيدٍ يشهد لهم بأنَّهم كانوا مُحقِّين، وقيل: كلام العابدين والمعبودين.\n﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ﴾ يعبدون ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ قبل يوم القيامة، أي لم يتنفعوا بهم (١).\n﴿وَظَنُّوا﴾ أيقنوا (٢)، والظنُّ ها هنا مُعلَّق عمل في المعنى دون اللفظ كما يُعلَّق مع لام الابتداء وألف الاستفهام (٣).\n﴿مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (٤٨)﴾ مهرب ومخلص من عذاب الله (٤).\nوعن بعض القُرَّاء الوقف على ﴿وَظَنُّوا﴾ أي فظنُّوهم (٥) آلهة، ثُمَّ استأنف فقال: ﴿مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (٤٨)﴾ فلا يكون الظنُّ مُعلَّقًا (٦).\n﴿لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ﴾ الكافر (٧)، وقيل: عامٌّ للجنس.\n_________\n(١) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٧٠)، جامع البيان (٢٥/ ٢)، تفسير ابن أبي زمنيين (٤/ ١٥٨).\n(٢) انظر: جامع البيان (٢٥/ ٢) معاني القرآن؛ للزَّجاج (٤/ ٢٩٦)، معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ٢٨٣).\n(٣) واختلف أهل العربية في المعنى الذي من أجله أبطل عمل الظن في هذا الموضع فقال بعض أهل البصرة فعل ذلك؛ لأنَّ معنى قوله: ﴿وَظَنُّوا﴾: استيقنوا، قال: و(ما) ها هنا حرف وليس باسم، والفعل لا يعمل في مثل هذا فلذلك جعل الفعل ملغي، وقال بعضهم: ليس يلغى الفعل وهو عامل في المعنى إلا لعلة.\nقال: والعلة أنه حكاية فإذا وقع على ما لم يعمل فيه كان حكاية وتمنيا، وإذا عمل فهو على أصله \". [جامع البيان (٢٥/ ٢)].\n(٤) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٧٠)، جامع البيان (٢٥/ ٢) تفسير السمرقندي (٣/ ٢٢٠).\n(٥) في (ب) \"وظنوا\".\n(٦) قال النَّحَّاس: \" وقال أبو حاتم: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا﴾ تامٌّ، وخُولف في هذا، فقيل التمام: ﴿مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ لأنَّ المعنى: وأيقنوا أنَّه لا ينفعهم الفرار \". [القطع والائتناف (ص: ٤٦٠)، وانظر: تفسير البحر المحيط (٩/ ٣١٥)، روح المعاني (٢٥/ ٣)].\n(٧) وهو ما عليه الجمهور، قال ابن عطية: \" وجلُّ الآية يعطي أنها نزلت في كُفَّارٍ، وإن كان أولها يتضمن خلقًا ربما شارك فيه بعض المؤمنين \". [المحرر الوجيز (٥/ ٢٢)، وانظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٧٠)، جامع البيان (٢٥/ ٢)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢٢٠) تفسير الثعلبي (٨/ ٣٠٠)].","vol":"1","page":2672},{"text":"﴿مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾ أي: من دُعائه الخير، والخير ها هنا: المال، وقيل: الصِّحة والعافية، والمعنى: لا يملُّ من جمع المال وطلبه له (١).\n﴿وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ﴾ الفقر ﴿فَيَئُوسٌ﴾ من الخير ﴿قَنُوطٌ (٤٩)﴾ من الرحمة (٢). وقيل: يؤوس من الإجابة قنوط بسوء الظنّ.\nوقيل: يؤوس قنوط من عَود (٣) النِّعمة وزوال المكروه.\n﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا﴾ يعني: أصبناه عافية وغنى.\n﴿مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ﴾ يعني: من بعد شدَّة أصابته (٤).\n﴿لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾ يعني: أنا أهل لهذا ومستحقّه (٥)، وقيل: هذا لي، أي: من خيرٍ عندي، وقيل: هذا لعلمي، وقيل: هذا إلىَّ وأنا حقيق به.\nوالمعنى: لا يرى ذلك تفضُّلًا من الله وجب عليه شكره له.\nوشكَّ في الآخرة أيضًا وقال (٦): ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ ما أراها تكون.\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٥/ ٢)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢٢١)، تفسير ابن أبي زمنيين (٤/ ١٥٩)، تفسير الثعلبي (٨/ ٣٠٠)، الوجيز للواحدي (٢/ ٩٥٨)، تفسير السمعاني (٥/ ٥٩).\n(٢) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٧٠)، جامع البيان (٢٥/ ٢)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢٢١)، النُّكَت والعُيُون (٥/ ١٨٨) تفسير السمعاني (٥/ ٥٩).\n(٣) في (ب) \"عن عود \".\n(٤) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٧٠)، جامع البيان (٢٥/ ٣)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢٢١)، تفسير الثعلبي (٨/ ٣٠٠)، النُّكَت والعُيُون (٥/ ١٨٨).\n(٥) انظر: تفسير مجاهد (٢/ ٥٧٢)، تفسير مقاتل (٣/ ١٧٠)، جامع البيان (٢٥/ ٣)، معاني القرآن (٦/ ٢٨٤)، تفسير الثعلبي (٨/ ٣٠٠) النُّكَت والعُيُون (٥/ ١٨٨).\n(٦) في (ب) \" فقال \".","vol":"1","page":2673},{"text":"﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي﴾ كما يقول المسلمون.\n﴿إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾ يُفضِّلني في الآخرة كما فضَّلني في الدنيا؛ لأنَّ تفضيله إيَّايَ يدُلُّ على رضاه عنِّي (١).\nوقيل: هذا استهزاءٌ وتكذيبٌ (٢).\nوالحُسنى: ما يحسُنُ ذكره ضد السوءى (٣) (٤)، وقيل: الحسنى: الجنَّة.\n﴿فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا﴾ لنجزينَّهم بأعمالهم.\n﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (٥٠)﴾ شديد لا يَفْتُر عنهم (٥).\n﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ﴾ عن الشكر والطاعة مُتكبرًا مُتَجبرًا. (٦)\n﴿وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ تباعد بكلِّيته، لأنَّه إذا أبعد الجانب الذي هو فيه فقد بعد وأبعد كلّ متعلق به (٧).\nوقرأه من قرأ ﴿وناء بجانبه﴾ (٨)، مقلوب نأى، وبمعناه (٩).\nوقيل معناه: فأعجب (١٠) بنفسه وتكبَّر (١١).\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٥/ ٣).\n(٢) في (ب) \" وقيل: قال هذا استهزاءً وتكذيبًا \".\n(٣) في (ب) \"السؤى \".\n(٤) انظر: كتاب العين (٣/ ١٤٣)، مادة \" حَسُنَ \"، لسان العرب (١٣/ ١١٤)، مادة \" حَسُنَ \".\n(٥) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٧١)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢٢١)، تفسير الثعلبي (٨/ ٣٠٠).\n(٦) في (ب) \"متحبرًا \".\n(٧) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٧١)، جامع البيان (٢٥/ ٣)، معاني القرآن (٦/ ٢٨٥)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢٢١)، النُّكَت والعُيُون (٥/ ١٨٨).\n(٨) وهي قراءة ابن ذكوان عن ابن عامر [انظر: السبعة (ص: ٥٧٧)، معاني القراءات (ص: ٢٦٠)، الحجة (٦/ ١٢٤)، التيسير (ص: ١١٤)].\n(٩) انظر: الحجة (٦/ ١٢٤).\n(١٠) في (ب) \" أعجب \".\n(١١) انظر: معاني القراءات (ص: ٢٦٠).","vol":"1","page":2674},{"text":"﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ (٥١)﴾ كثير، وقيل: طويل (١).\nوالوصف بالعرض أبلغ من الوصف بالطول؛ لأنَّ الشيء إذا كان عريضًا فهو طويل لا بُدَّ،\nوقد يكون الشيء طويلًا في قليلٍ من العرض كالحبل والخيط، وقد يكون طويلًا لا عرض له البتَّة كالخط فإنَّه طولٌ لا عرض له (٢).\nولا منافاة بين قوله: ﴿فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ (٤٩)﴾ وبين قوله: ﴿فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ (٥١)﴾ (٣) لأنَّ الأول في قومٍ والثاني في قومٍ (٤).\nوقيل: قنوط في البحر، وذو (٥) دعاءٍ في البرِّ.\nوقيل: يؤوس قنوط بالقلب، دعَّاء باللسان.\nوقيل: يؤوس قنوط من الصنم، دعَّاء لله.\n﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ﴾ أي: القرآن (٦) ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ﴾ أي: جحدتم وأنكرتم أنَّه من عند الله، وأفاد ﴿ثُمَّ﴾ أنَّكم (٧) كفرتم به الآن.\n﴿مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (٥٢)﴾ خلاف بعيد عن الوفاق، أي: لا أحد أضل منه.\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٥/ ٤)، معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ٢٨٥)، النُّكَت والعُيُون (٥/ ١٨٨)، تفسير الثعلبي (٨/ ٣٠٠)، تفسير السمعاني (٥/ ٦٠).\n(٢) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٠٤٦).\n(٣) في النسختين (أ) و(ب) \" ذو دعاء \".\n(٤) انظر: تفسير السمرقندي (٣/ ٢٢١).\n(٥) في (ب) \"ذو دعاء \".\n(٦) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٧١)، جامع البيان (٢٥/ ٤).\n(٧) \" أنكم \" ساقطة من (ب).","vol":"1","page":2675},{"text":"﴿سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ﴾ هو ما أخبرهم النبي - ﷺ - بوقوعه من الفتن وظهور الآيات في آفاق الأرض بعده، ولم يُصدِّقوه، ثُمَّ كان كما أخبر.\nوقيل: ﴿آَيَاتِنَا﴾: الأعلام التي تدلُّ على التوحيد.\nوقيل: آثار من كذَّب الرُّسل، وآثار خلق الله في كلِّ البلاد.\nوقيل: ﴿آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ﴾: هي الشمس والقمر والنُّجوم وأحوالها.\nوقيل: انشقاق القمر.\n﴿وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ بأن خلقهم من تراب ثُمَّ من نطفة، الآية.\nوقيل: ﴿فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ بالأمراض والبلايا.\nوقيل: ﴿فِي الْآَفَاقِ﴾ بما فتح عليه من نواحي مكة، وأقطار الأرض.\n﴿وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ فتح مكة (١).\nوجاء في بعض التفاسير: أنَّ أبا جهل قال للنَّبي - ﷺ -: ائتنا بعلامة فانشق القمر بنصفين (٢)، فقال أبو جهل: يا معشر قريش: قد سحركم محمدٌ فوجِّهوا رسلكم في الآفاق هل عاينوا القمر\n_________\n(١) وهذا القول الأخير هو اختيار ابن جرير والنَّحاس وابن عطية وابن جزي، قال ابن جرير: \" وأولى القولين في ذلك بالصواب القول الأول وهو ما قاله السدي وذلك أن الله ﷿ وعد نبيه - ﷺ - أن يري هؤلاء المشركين الذين كانوا به مكذبين آيات في الآفاق، وغير معقول أن يكون تهددهم بأن يريهم ما هم رأوه، بل الواجب أن يكون ذلك وعدًا منه لهم أن يريهم ما لم يكونوا رأوه قبل، من ظهور نبي الله - ﷺ - على أطراف بلدهم، وعلى بلدهم، فأما النجوم والشمس والقمر فقد كانوا يرونها كثيرًا قبل وبعد، ولا وجه لتهددهم بأنه يريهم ذلك \" [جامع البيان (٢٥/ ٥)] وقال النَّحاس: \" في معناه ثلاثة أقوال ... والقول الثالث ... ظهور النبي - ﷺ - على الناس، ﴿وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ قال: ظهوره عليهم، قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب هذا، ونسق الكلام يدل عليه\" [إعراب القرآن (٤/ ٤٧)].\nوقال ابن عطية: \" وهذا تأويل حسن ينتظم الإعلام بغيب ظهر وجوده بعدُ كذلك، ويجري معه لفظ الاستئناف الذي في الفعل، والتأويل الأول أرجحها، والله اعلم \" [المحرر الوجيز (٥/ ٢٣)].\nوقال ابن جزي: \" الضمير لقريش وفيها ثلاثة أقوال: أحدها: أن الآيات في الآفاق هي فتح الأقطار للمسلمين، والآيات في أنفسهم: هي فتح مكة، فجمع ذلك وعدًا للمسلمين بالظهور، وتهديدًا للكفَّار، واحتجاجًا عليهم بظهور الحق وخمول الباطل ... والأول هو الراجح \". [التسهيل لعلوم التنزيل (٤/ ١٦)].\n(٢) كذا في النسختين، وفي تفسير السمرقندي \" نصفين \".","vol":"1","page":2676},{"text":"كذلك؟ فإن عاينوا شيئًا فهو آية وإلا فذلك (١) سِحر فوجَّهوا رسلهم في الأرض فإذا النَّاس كلُّهم يتحدثون في انشقاق القمر، فقال أبو جهل - عليه اللعنة -: هذا سِحرٌ مستمرٌّ، فنزل: ﴿سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ (٢).\n﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ﴾ أنَّ (٣) القرآن.\nوقيل: إنَّ (٤) محمدًا - ﷺ - (٥). وقيل: إنَّ الله تعالى.\nوقيل: إنَّ الدِّين ﴿الْحَقُّ﴾.\n﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣)﴾ أي: أولم يكف للإنسان (٦) من الزاجر والرادع عن المعاصي كون الله شهيدًا عليه (٧).\nوقيل: أولم يكف بربك شهيدًا لا يختلف ما وعد.\n﴿أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ﴾ شكٌّ ﴿مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ﴾ البعث والحساب (٨).\nوقيل: المخاطبة والمُحاسبة.\n﴿أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ (٥٤)﴾ أي: عالمٌ حافظ له، فقد أحاط به علمه ... وقدرته (٩)، والحمد لله حقَّ حمده.\n_________\n(١) في (ب) \" فذاك \".\n(٢) انظر: تفسير السمرقندي (٣/ ٢٢٢).\n(٣) \" أن\" ساقطة من (أ).\n(٤) \" إنّ \" ساقطة من (ب).\n(٥) قال النَّحاس: \" وهذا أشبهها بنسق الكلام \" - أي في عود الضمير -. [إعراب القرآن (٤/ ٤٦)].\n(٦) في (ب) \" الإنسان \".\n(٧) انظر: جامع البيان (٢٥/ ٥).\n(٨) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٧١)، جامع البيان (٢٥/ ٥)، معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ٢٨٥)، النُّكَت والعُيُون (٥/ ١٩١).\n(٩) انظر: جامع البيان (٢٥/ ٦).","vol":"1","page":2677},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-148>سورة حم عسق </span>(١)\nثلاث وخمسون آية (٢)، وقيل (٣): هي (٤) سورة الشورى مكية (٥)\nابن عباس - ﵄ - \" إلا أربع آيات من قوله: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ فإنها نزلت بالمدينة \". (٦)\nمقاتل: \"مكية إلا قوله: ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ﴾ إلى قوله: ﴿الصُّدُورِ (٢٤)﴾.\nوقوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ﴾ إلى: ﴿مِنْ سَبِيلٍ (٤١)﴾ \" (٧).\nالرَّحِيمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ بِسْمِ\n﴿حم (١) عسق (٢)﴾ الكلام في ﴿حم (١)﴾ سبق (٨).\nواختلفوا في ﴿عسق (٢)﴾:\nفقيل: اسم للسورة (٩)، وقيل: اسم من أسماء الله تعالى، وقيل: اسم جبل ق (١٠).\n_________\n(١) قال ابن عاشور: \" اشتهرت تسميتها عند السلف (حم عسق)، وكذلك ترجمها البخاري في (كتاب التفسير) والترمذي في جامعه، وكذلك سُمِّيت في عدة من كتب التفسير وكثير من المصاحف.\nوتسمَّى \" سورة الشورى \" بالألف واللام كما قالوا \" سورة المؤمن \"، وبذلك سميت في كثير من المصاحف والتفاسير، وربما قالوا \" سورة شُورى \" بدون ألف ولام حكاية للفظ القرآن، وتسمى \" سورة عسق \" بدون لفظ \" حم \" لقصد الاختصار ... ولم يثبت عن النبي - ﷺ - شيء في تسميتها \". [التحرير والتنوير (٢٥/ ٢٣)].\n(٢) على العدِّ الكوفي [انظر: البيان في عدِّ آي القرآن (ص: ٢٢١)، المحرر الوجيز (٥/ ٢٥)].\n(٣) \"ثلاث وخمسون آية، وقيل \" ساقطة من (أ).\n(٤) في (ب) \" وهي \".\n(٥) وهي مكية على قول أكثر المفسرين [انظر: تفسير السمرقندي (٣/ ٢٢٣)، تفسير الثعلبي (٨/ ٣٠١)، البيان في عدِّ آي القرآن (ص: ٢٢١)، المحرر الوجيز (٥/ ٢٥)].\n(٦) انظر: النكت والعيون (٥/ ١٩١)، زاد المسير (٧/ ١٠٨)، الجامع لأحكام القرآن (١٦/ ٥).\n(٧) انظر: تفسير السمعاني (٥/ ٦٢)، زاد المسير (٧/ ١٠٨).\n(٨) أي الحديث عن الحروف المقطَّعة في أكثر من موطن أولها في أول سورة البقرة.\n(٩) في (ب) \" اسم السورة \".\n(١٠) \" ق \" ساقطة من (ب).","vol":"1","page":2678},{"text":"وعن ابن عباس - ﵄ -: \" أنها نزلت في رجل يقال له: أبو عبد الله ينزل على نهر من أنهار المشرق يبني عليه مدينتين \" حكاه الثعلبي (١) وأطال، ورواه أيضًا مرفوعًا (٢).\nوقيل: هي رموز إلى فِتَنٍ كان علي - ﵁ - عنه يعرف بها الفتن (٣).\nوذهب بعضهم: إلى أن الحاء: حكم الله، والميم: مُلْكه، والعين: عِلمه، والسِّين: سناؤه، والقاف: قدرته (٤).\nوقيل: الحاء: حرب علي - ﵁ - ومعاوية (٥)، والميم: ولاية المروانية (٦)، والعَين: ولاية العبَّاسية (٧)، والسِّين: ولاية السَّفيانية (٨)، والقاف: قدرة مَهْدِيّ (٩) (١٠) \"، وأطالوا بمثل هذه الأقاويل،\n_________\n(١) تفسير الثعلبي (٨/ ٣٠١).\n(٢) تفسير الثعلبي (٨/ ٣٠١)، وأخرجه ابن جرير في جامع البيان (٢٥/ ٦)، وقد تعقَّبه ابن كثيرٍ في تفسيره فقال: \" وقد روى ابن جرير ها هنا أثرًا غريبًا عجيبًا منكرًا \" [تفسير القرآن العظيم (٤/ ١١٤)].\n(٣) انظر: تفسير السَّمرقندي (٣/ ٢٢٣).\n(٤) انظر: المرجع السابق.\n(٥) معاوية بن (أبي سفيان) صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأموي، أمير المؤمنين، أسلم هو وأبوه وأخوه يزيد وأمه هند، في الفتح، وكان معاوية يقول: إنَّه أسلم عام القضية (عمرة القضاء) وإنَّه لقي رسول الله - ﷺ - مسلمًا وكتم إسلامه من أبيه وأمه. شهد مع رسول الله - ﷺ - حُنينًا، وأعطاه من غنائم هوازن مائة بعير، وأربعين أوقية، وكان هو وأبوه من المؤلفة قلوبهم، وحسن إسلامهما، وكان أحد الكتبة لرسول الله - ﷺ -، تُوفَّي - ﵁ - بدمشق سنة ستين للهجرة على الصحيح. [انظُر تَرْجَمَتَه: مشاهير علماء الأمصار (ص: ٦٤)، أسد الغابة (٥/ ٢٠١)، الإصابة (٦/ ١٢٠)].\n(٦) المروانية: نسبة إلى ولاية مروان بن الحكم بن أبى العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، أبو عبد الملك الخليفة الأموي، هو أول من ملك من بني الحكم بن أبى العاص، وإليه ينسب (بنو مروان) ودولتهم (المروانية).\nوكان مروان قد أسن فرحل من المدينة في خلافة معاوية بن يزيد إلى الجابية (في شمالي حوران) ودعا إلى نفسه، فبايعه أهل الأردن سنة أربع وستين للهجرة، ودخل الشام فأحسن تدبيرها. [انظر: فوات الوفيات؛ للكتبي (٢/ ٢٣٣)، الإصابة (٦/ ٢٠٣)، الأعلام (٧/ ٢٠٧)].\n(٧) العَبَّاسية: نسبة إلى العَبَّاس بن عبد المطلب، وأول خلفائهم من نسله أبو العباس السَّفاح، واسمه عبد الله ... ابن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس، وأول حكمهم سنة اثنتين وثلاثين ومائة للهجرة. [انظر: وفيات الأعيان (٦/ ٣١٥)، فوات الوفيات؛ للكتبي (٢/ ٢٣٣)].\n(٨) السُّفيانية: نسبة إلى أبي سفيان بن حرب، وأول خلفائهم معاوية بن أبي سفيان، وقد بدأت خلافته عن بيعة الجميع له بعد مبايعة الحسن بن علي بن أبي طالب - ﵄ - سنة إحدى وأربعين للهجرة. [انظر: فوات الوفيات؛ للكتبي (٢/ ٢٣٣)، أسد الغابة (٥/ ٢٠١)، الإصابة (٦/ ١٢٠)].\n(٩) وفي الإتقان (٢/ ١٨٧) \" قدوة مهدي \".\n(١٠) لعله يقصد المهدي المنتظر؛ وأمَّا المهدي بن المنصور فهو ثالث خلفاء بني العَبَّاس، فلم تكن له بداية دولة، وإنما جاء بعد أبيه المنصور، والمهدي المنتظر هو محمد بن عبد الله خليفة راشد من آل بيت النبي - ﷺ - واسمه كاسمه يكون قبل ظهور المسيح عيسى بن مريم - ﵇ - يملأ الأرض عدلًا، كما مُلئت جَورًا وظُلمًا، وليس هو محمد بن الحسن العسكري بن علي الهادي، أبو القاسم، والذي ينتظر الرافضة ظهوره في آخر الزمان من السرداب بسامراء، وقد دخل فيه كما زعموا سنة خمس وستين ومائتين للهجرة [انظر: سِيَر أعلام النبلاء (١٣/ ١١٩)، البداية والنهاية (١٩/ ٥٥)، الأعلام (٦/ ٨٠)].","vol":"1","page":2679},{"text":"حتى قال أبو مُسلم (١) بعد ما حكى بعضها: \" أردت بذكر ذلك أن يُعلم (٢) أن فيمن يدعي العلم أيضًا حمقى والسلام \" (٣) (٤).\nوفي بعض مصاحف ابن مسعود - ﵁ - (حم سق) وكذلك (٥) قرأه ابن عباس - ﵄- (٦).\nوفصل: ﴿حم﴾ ﴿عسق (٢)﴾ (٧) ﴿عسق (٢)﴾ خلاف ﴿كهيعص (١)﴾ [مريم: (١)] لتقدم: ﴿حم﴾ (١) قبله واستقلال هذه بنفسها، ولهذا عدَّا آيتين (٨).\nابن عيسى: \" إنما فصلت من سائرها بذكر ﴿عسق (٢)﴾ لأنَّ جميعها ذكر الكتاب بعده على التصريح، إلا هذه فإنه دلَّ عليه دلالة التضمين بذكر الوحي الذي يرجع إلى الكتاب \" (٩).\n_________\n(١) هو محمد بن بحر، وقد تقدمت ترجمته في (ص: ٧٨).\n(٢) في (أ) \" أن تعلم \".\n(٣) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٠٤٧)، الإتقان (٢/ ١٨٧).\n(٤) وهذه الأقوال الحكم فيها ما ذكره أبو حيان بقوله: \" وذكر المفسرون في ﴿حم (١) عسق﴾ أقوالًا مضطربة، لا يصح منها شيء كعادتهم في هذه الفواتح، ضربنا عن ذكرها صفحًا \" [البحر المحيط (٩/ ٣٢٢)].\n(٥) في (أ) \" كذلك \".\n(٦) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ٢١)، جامع البيان (٢٥/ ٦)، المحتسب (٢/ ٢٩٥)، الكشاف (٤/ ٢١٣)، وهي قراءة شاذة.\n(٧) \" من \" ساقطة من (أ).\n(٨) انظر: تفسير الثعلبي (٨/ ٣٠١)، غرائب التفسير (٢/ ١٠٤٧) وقال ابن عطية: \" فصلت ﴿حم﴾ من ﴿عسق﴾، ولم يفعل ذلك بـ ﴿كهيعص (١)﴾ [مريم: (١)] لتجري هذه مجرى الحواميم أخواتها \" [المحرر الوجيز (٥/ ٢٥)].\n(٩) لم أقف عليه.","vol":"1","page":2680},{"text":"﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ﴾.\nابن عباس: - ﵄-: \" ليس من نبي صاحب كتاب إلا أوحى الله إليه (١) \" (٢).\n﴿حم (١) عسق (٢)﴾ ولذلك (٣) قال: ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ﴾.\nوقيل: أوحى معانيها على سائر الأنبياء.\nوقيل: إشارة إلى ما سيذكر في السورة.\nوقيل: إشارة إلى شأن النبي - ﷺ - وما كان عليه، أي: حال كلُّ من أوحي إليه كانت كحالك جوابًا لمن أنكر الوحي.\nومن قرأ ﴿يُوْحَى﴾ على المجهول فـ ﴿اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣)﴾ رفع بفعل دلَّ عليه ﴿يُوْحَى﴾ (٤)، ومثله ﴿يُسَبَّح له فيها﴾ [النور: (٣٦)] فيمن فتح الباء (٥).\nقال الشاعر (٦):\nليبك يزيد ضارع (٧) لخصومةٍ ... ومختبط مما تُطِيح الطوائح (٨)\n_________\n(١) في (أ) \" إلا يوحي الله إليه \".\n(٢) انظر: تفسير السمرقندي (٣/ ٢٢٤)، تفسير الثعلبي (٨/ ٣٠٣)، تفسير البغوي (٧/ ١٨٤).\n(٣) في (ب) \" وكذلك \".\n(٤) وهي قراءة ابن كثير، والباقون من السبعة، بكسر الحاء ﴿يُوحِي﴾ [انظر: السبعة (ص: ٥٨٠)، معاني القراءات (ص: ٤٣٣)، الحجة (٦/ ١٢٦)، التيسير (ص: ١٥٧)].\n(٥) وهي قراءة ابن عامر، وأبو بكر عن عاصم، والباقون بكسر السين [انظر: جامع البيان (١٨/ ١٤٥)، السبعة (ص: ٤٥٦)، معاني القراءات (ص: ٣٣٥)، التيسير (١٣٢)].\n(٦) \" الشاعر \" ساقطة من (ب).\n(٧) في (أ) \" ضارعًا \".\n(٨) اختلف في قائله، ولعل الصحيح أنه لنهشل بن حري كما في خزانة الأدب (١/ ١٥٢)، ومعجم الشواهد العربية (١/ ٨٣).","vol":"1","page":2681},{"text":"وقيل: رفع بالابتداء وما بعده خبر له.\n﴿وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ أي: الأنبياء (١).\n﴿اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣)﴾ ﴿الْعَزِيزُ﴾ في سلطانه ﴿الْحَكِيمُ﴾ في أمور عباده.\n﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ خلقًا وملكًا ﴿وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ كذلك.\n﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ﴾ شأنه ﴿الْعَظِيمُ (٤)﴾ برهانه.\n﴿تَكَادُ السَّمَوَاتُ﴾ تقرب (٢).\nوقيل من قوله: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ [يوسف: (٧٦)]. (٣)\n﴿يَتَفَطَّرْنَ﴾ يتشققن (٤)، و﴿يَنْفَطِرْنَ﴾ ينشققن (٥)، التشديد للمبالغة.\n﴿مِنْ فَوْقِهِنَّ﴾ الضمير يعود إلى السماوات أي: تكاد (٦) كل واحدة منها تنفطر فوق التي تليها (٧).\nوقيل: ينفطرن من أعلاهن عظمة لله، فيكون متصلًا بقوله: ﴿الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٤)﴾ (٨).\n_________\n(١) في (ب) \" من الأنبياء \".\n(٢) انظر: المفردات (ص: ٧٢٨)، مادة \" كَيَدَ \".\n(٣) قلت: وهذا بعيد، لأنَّ الثاني من الكيد والاستدراج والمكر. [انظر: المفردات (ص: ٧٢٨)، مادة \" كَيَدَ \"].\n(٤) انظر: مجاز القرآن (٢/ ١٩٨)، تفسير مقاتل (٣/ ١٧٢)، جامع البيان (٢٥/ ٦).\n(٥) قوله: ﴿يَتَفَطَّرْنَ﴾ بياء ثم تاء، وتشديد الطاء، وهي قراءة ابن كثير وابن عامر وحمزة وحفص عن عاصم، وقرأ ﴿يَنْفَطِرْنَ﴾ بياء ثم نون، مع كسر الطاء أبو عمرو، وأبو بكر عن عاصم [انظر: السبعة (ص: ٥٨٠)، معاني القراءات (ص: ٢٨٦)، الحجة (٦/ ١٢٧)، التيسير (١٥٧)].\n(٦) في (ب) \" يكاد \".\n(٧) انظر: تفسير الثعلبي (٨/ ٣٠٣)، الوجيز؛ للواحدي (٢/ ٩٦٠)، تفسير البغوي (٧/ ١٨٤).\n(٨) وهذا هو الأقرب لسياق الآيات. [انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٧٢)، جامع البيان (٢٥/ ٧)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٤/ ٢٩٩)، معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ٢٩٣)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢٢٤)، تفسير الثعلبي (٨/ ٣٠٣)، النكت والعيون (٥/ ١٩٢)].","vol":"1","page":2682},{"text":"وقيل: ﴿مِنْ﴾ لابتداء الغاية، أي: تفطرها من فوقها خشية من فوقها، فجهة فوقها سبب تفطرها.\nوقيل: انفطاره؛ لأن دعوا للرحمن ولدا كما في الآية الأخرى (١).\nوقيل: ﴿تَكَادُ﴾ بمعنى (٢): تقرب (٣)، والمعنى: قربت الساعة وانفطار السماوات.\nوما روي عن ابن عباس - ﵄ -: \"ينفطرن من ثقل الرحمن\" (٤)، فإن صح عنه فهو كما جاء في صفة القرآن: ﴿قَوْلًا ثَقِيلًا (٥)﴾ [المزمل: (٥)]، وليس المراد به اعتمادًا يجب التَّحدر والتَّسفل - تعالى الله عن ذلك -.\nوقيل: الضمير يعود إلى الأرض، فهو متصل بقوله: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾.\n﴿وَالْمَلَائِكَةُ﴾: قيل: هم عام، وقيل: هم حملة العرش (٥).\n﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ قيل: يُصَلُّون، وقيل: يسبحون بالحمد لله (٦)، ... وقيل: يسبحون حامدين، وقيل: ﴿بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾: أي: (٧) بإذنه، وقيل: بشكره.\n_________\n(١) يعني قول الله تعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتِ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١)﴾ [مريم: (٩٠ - ٩١)].\n(٢) \" بمعنى \" ساقطة من (ب).\n(٣) هذا المعنى مكرر، ولا أدري لم أعاده.\n(٤) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (٢٥/ ٧)، وأورده السيوطي في الدر المنثور (١٣/ ١٣١) وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ والحاكم وصححه، وأخرجه الحاكم المستدرك (٢/ ٤٨٠) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. تعليق الذهبي قي التلخيص: صحيح.\n(٥) في (أ) \" قيل: هو عام، وقيل: هو حملة العرش \".\n(٦) لفظ الجلالة \"لله \" ساقط من (أ) \".\n(٧) \" أي \": ساقط من (أ).","vol":"1","page":2683},{"text":"﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: المؤمنين منهم (١)، كقوله: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا﴾ [غافر: (٧)] (٢).\nواستغفارهم: شفاعتهم لهم، وقيل: يسألون لهم الرزق (٣).\nوما رواه الماوردي عن علي - ﵁ -: \" ﴿لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾: الحسين - ﵁ - \" (٤) (٥)، فلعله أراد منهم الحسين، والله أعلم.\n﴿أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥) وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ أي: أعوانًا وأنصارًا أشركوهم معه في العبادة.\n﴿اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ﴾ حافظ لأعمالهم فيجازيهم عليها (٦).\n﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (٦)﴾ لم توكل على منعهم من الكفر وحملهم على الإيمان.\n_________\n(١) في (ب) \" أي: بالمؤمنين منهم \".\n(٢) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٧٢)، جامع البيان (٢٥/ ٨)، معاني القرآن؛ للزَّجاج (٤/ ٢٩٩)، معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ٢٩٣)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢٢٤).\n(٣) النكت والعيون (٥/ ١٩٣)، زاد المسير (٧/ ١١٠).\n(٤) الحسين بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم الهاشمي القُرَشِي، أبو عبد الله، سِبط رسول الله - ﷺ - وريحانته، ومن أشبه الناس به - ﷺ -، وأمه فاطمة بنت رسول الله - ﷺ -، ولد بعد أخيه الحسن، وكان فاضلًا دينًا كثير الصيام والصلاة والحج، وقد قتل - ﵁ - يوم الجمعة لعشر خلت من المحرم يوم عاشوراء سنة إحدى وستين بموضع يقال له كربلاء من أرض العراق بناحية الكوفة، قتله سنان بن أنس النخعي، وقيل: شمَّر بن ذي الجوشن، وأجهز عليه خولي بن يزيد الأصبحي من حِمْيَر جَزَّ رأسه وأتى به عبيد الله بن زياد.\n[انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: الاستيعاب (١/ ٤٤٢)، أسَد الغابة (٢/ ٢٤)، الإصابة (٢/ ٦٧)].\n(٥) أورده الماوردي في النكت والعيون (٥/ ١٩٤) عن الأصبغ بن نباته، وأصبغ بن نباته الحنظلي المجاشعي الكوفي قال ابن حبَّان عنه: \" فتن بحب علي فأتى بالطامات في الروايات فاستحق من أجلها الترك\"، وقال النسائي وابن حبَّان: \" متروك \". [انظر: الضعفاء؛ للعقيلي (١/ ١٢٩) المجروحين (١/ ١٧٣) ميزان الاعتدال (١/ ٢٧١)].\n(٦) انظر \" جامع البيان (٢٥/ ٨)، تفسير الثعلبي (٨/ ٣٠٤)، تفسير السمعاني (٥/ ٦٤).","vol":"1","page":2684},{"text":"﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا﴾ بلسان قومك أي (١): كما أوحينا إلى سائر (٢) رسلنا من (٣) قبلك أوحينا إليك.\nقال صاحب النظم: \" تقدير هذه الآيات: إنا أوحينا إلى الذين من قبلك بمثل هذه الحروف، كذلك أوحينا إليك بمثل هذه (٤) الحروف قرآنًا \" (٥).\nابن بحر: \" هو الكلام (٦) الأول أعيد لمّا اعترض بين الكلامين ما يخرج عن معناهما \" (٧).\n﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى﴾ يعني مكة، لأنَّ سائر الأرض دحيت من تحتها (٨).\nوقيل: لأنها أشرف البقاع، وفيها بيت الله العتيق.\nوالمعنى: لتنذر أهلها (٩).\n﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ حول مكة، يعني: العرب وهم المبدوء بهم في الإنذار ثم الأقرب فالأقرب (١٠)، وقيل: ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾: أهل الأرض جميعًا.\n﴿وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ﴾ أي: تنذر الناس بيوم القيامة (١١) فهو مفعول به لا ظرف (١٢).\n﴿لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ﴾ مُتَنَعِّمُون.\n_________\n(١) \" أي \": ساقط من (ب).\n(٢) \"سائر \": ساقط من (أ).\n(٣) \"من \": ساقط من (ب).\n(٤) في (أ) \" بهذه \".\n(٥) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٠٤٨).\n(٦) في (أ) \" هذا الكلام \".\n(٧) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٠٤٩).\n(٨) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٧٣) جامع البيان (٢٥/ ٨)، معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ٢٩٥).\n(٩) انظر: معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ٢٩٥).\n(١٠) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ٢٢)، جامع البيان (٢٥/ ٨)، الوجيز؛ للواحدي (٢/ ٩٦١).\n(١١) في (أ) \" يوم القيامة \".\n(١٢) انظر: جامع البيان (٢٥/ ٨)، معاني القرآن؛ للزجاج (٤/ ٢٩٩)، معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ٢٩٦).","vol":"1","page":2685},{"text":"﴿وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (٧)﴾ مُعَذَّبون.\n﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ مسلمين كلهم يدخلون الجنة (١)، وقيل لألجأهم إلى الإيمان فيطبقوا عليه، لكن لم يستحقوا به الثواب، وقيل: لجعلهم أهل ضلالة.\n﴿وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ الإسلام (٢)، أي: يكرم بالإسلام من كان أهلًا لذلك.\n﴿وَالظَّالِمُونَ﴾: الكافرون ﴿مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ﴾ والٍ يمنعهم من العذاب ﴿وَلَا نَصِيرٍ (٨)﴾ ينصرهم.\n﴿أَمِ اتَّخَذُوا﴾ بل اتخذوا ﴿مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ أي (٣): الأصنام ﴿فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ﴾ الذي تنفع (٤) ولايته لا الصنم.\n﴿وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَى﴾ يحيهم بعد موتهم، وقيل: هو (٥) يحيي ويميت لا الصنم.\n﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٩)﴾ قادر بذاته.\n﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ من أمور الدِّين والدُّنيا.\n﴿فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ فعلمه عند الله (٦)، وقيل: كلوا علمه إلى كتاب الله، وسنة الرسول، كقوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: (٥٩)]، وقيل: فحكمه\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٥/ ٨)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢٢٥)، تفسير ابن أبي زمنين (٤/ ١٦٢).\n(٢) انظر: جامع البيان (٢٥/ ٨)، تفسير ابن أبي زمنين (٤/ ١٦٢)، النكت والعيون (٥/ ١٩٤).\n(٣) \" أي \": ساقط من (أ).\n(٤) في (ب) \" ينفع \".\n(٥) \" هو \" ساقط من (ب).\n(٦) والمعنى كما قال ابن عطية: \" قل لهم يا محمد، وما اختلفتم فيه أيها الناس من تكذيب وتصديق، وإيمان وكفر وغير ذلك، فالحكم فيه والمجازاة عليه ليست إليَّ ولا بيدي، وإنما ذلك إلى الله الذي صفاته ما ذكر، من إحياء الموتى والقدرة على كل شيء \". [المحرر الوجيز (٥/ ٢٨)].","vol":"1","page":2686},{"text":"إلى الله، وقد بين ذلك في القرآن إما ظاهرًا منصوصًا، وإما مضمَّنًا (١) فيه تضمينًا قريب المأخذ أو تضمينًا بعيد المأخذ.\nقال (٢) مقاتل: \" إن أهل مكة كَفَرَ بعضهم بالقرآن وآمن بعضهم به \" (٣).\nفأخبر أنَّ حكمهم إلى لله يحكم يوم القيامة للمُحِقِّ على المُبْطِل؛ فيصير المحقُّ إلى النعيم، والمُبْطل إلى الجحيم.\nوقيل: يحكم في الدنيا بإظهار المؤمنين عليهم وقتلهم وأسرهم.\n﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ في جميع أموري ﴿وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (١٠)﴾ أرجع بالأعمال والأقوال.\n﴿فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ مبتدأ ﴿جَعَلَ﴾ خبره، وقيل: هو فاطر السماوات والأرض (٤).\n﴿جَعَلَ لَكُمْ﴾ خلق لكم ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ من جنسكم نساء (٥).\nوقيل: من أنفسكم ذكورًا وإناثًا.\n﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا﴾ ذكورًا وإناثًا لتكثر (٦) منافعكم بها (٧).\n﴿يَذْرَؤُكُمْ﴾ يخلقكم بكثرة (٨)، وقيل: يُكْثِر نسلكم، وقيل: يجعلكم ذرية.\n_________\n(١) في (أ) \" متضمنًا \".\n(٢) \" قال \": ساقط من (أ).\n(٣) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٧٣).\n(٤) انظر: مشكل إعراب القرآن، لمكي (٢/ ٦٤٤)، الكشاف (٤/ ٢١٧)، البيان في إعراب غريب القرآن (٢/ ٣٤٥).\n(٥) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٧٣)، جامع البيان (٢٥/ ١١)، معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ٢٩٦).\n(٦) في (أ) \" ليكثر \".\n(٧) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٧٣) معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ٢٢)، جامع البيان (٢٥/ ١١).\n(٨) انظر: جامع البيان (٢٥/ ١١)، معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ٢٩٦)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢٢٦).","vol":"1","page":2687},{"text":"ابن عيسى: \"الذَّرء: إظهار الخلق بإيجاده \" (١).\n﴿فِيهِ﴾ أي: به فيمن جعل الهاء كناية عن مصدر ﴿جَعَلَ﴾ (٢).\nوقيل: له فيمن جعل (٣) الهاء كناية عن الاختلاف كما في قوله: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: (١١٨ - ١١٩)].\nوقيل: الهاء تعود إلى الذَّرء.\nوقيل: معنى ﴿يَذْرَؤُكُمْ﴾: يعيشكم ويرزقكم (٤).\nوالهاء تعود إلى ﴿الْأَنْعَامِ﴾، ووحَّدَ كقوله: ﴿فِي بُطُونِهِ﴾ [النحل: (٦٦)]، وقد سبق.\nوقيل: ﴿فِيهِ﴾ في الوقت، وقيل: ﴿فِيهِ﴾ فيما ذكرناه (٥).\nوقيل: في الرحم، وقيل: في البطن خلقًا من بعد خلق، وقيل: في التزاوج، وذكر الأزواج يدل عليه.\n﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ قيل: الكاف زيادة زيدت لتأكيد نفي التماثل، ومثله (٦) قول الشاعر:\nوقتلى كمثل جذوع النخيل ... يغشاهم سيل منهمر (٧)\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) وهو قول الفراء [انظر: معاني القرآن (٢/ ٢٢)].\n(٣) في (أ) \" فمن جعل \".\n(٤) ذكر ابن جرير القولين: أي بمعنى: الخلق، وبمعنى: يعيشكم فيه.\nثم قال: \" وهذان القولان، وإن اختلفا في اللفظ من قائليهما، فقد يحتمل توجيههما إلى معنى واحد، وهو أن يكون القائل في معناه: يعيشكم فيه، أراد بقوله ذلك: يحييكم بعيشكم به، كما يحيى من لم يخلق بتكوينه إيِّاه، ونفخه الروح فيه حتى يعيش حيًا \" [جامع البيان (٢٥/ ١١)]\n(٥) في (ب) \" ذكرنا \".\n(٦) في (أ) \"ومثل \".\n(٧) البيت؛ لأوس بن حجر [انظر: جامع البيان (٢٥/ ١٢)، تفسير الثعلبي (٨/ ٣٠٦)].","vol":"1","page":2688},{"text":"وتقديره: ليس مثله شيء.\nوقيل: مثل زيادة، والتقدير (١): ليس كَهُوَ شيء. (٢)\nوقيل: مثل عبارة عن الذات، كأنه قال: ليس كذاته شيء، وقول الناس: مثلي لا يفعل هذا يخرّج على القولين.\nوقيل: مِثل ومَثَل يأتيان بمعنى الصفة، أي: ليس كصفته صفة.\nوقيل: مثلُ الشيء صاحب صفات كصفاته، والله تعالى واحدٌ، ومحال أن يقع الواحد على اثنين، فإذًا معناه: ليس كصاحب صفاته شيء، وصاحب صفاته إنما هُوَ هُوَ؛ لأنَّ من صفاته ما لا يجوز أن يشترك فيه اثنان.\nوقيل: الكاف لتشبيه الصفة، ومثل لتشبيه الذات، فنفى بِـ (لَيْسَ) الشبهَ عن الذَّات والصفات، وهذا ضعيف لا وجه له في الإعراب (٣).\n﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ لجميع (٤) المسموعات بغير أذن ﴿الْبَصِيرُ (١١)﴾ بجميع المرئيات بغير حدقة (٥).\nوختم الآية بقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ لئلا يتوهم أنه لا صفات له كما لا مثل له.\n﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ جمع إقليد (٦)، جاء على غير بناء الواحد.\nوقيل: جمع (٧) مقلاد ومقليد، وقيل: هو معرَّب.\n_________\n(١) في (ب) \" وتقديره \".\n(٢) انظر: جامع البيان (٢٥/ ١٢)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٤/ ٣٠٠)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٤/ ٥١)، تفسير البغوي (٧/ ١٨٦)\n(٣) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٠٥٠).\n(٤) في (أ) \" بجميع \".\n(٥) هذان تأويلان لصفة السمع والبصر على منهج الأشاعرة، والصحيح أن لله سمع لا كسمع المخلوقين، وعينين لا كعيني المخلوقين [انظر: صفات الله - ﷿ - الواردة في الكتاب والسُّنة؛ للسَّقَّاف (ص: ٦٩) و(ص: ١٤٩)].\n(٦) تقدم الحديث عن معاني هذه الآية في سورة الزمر (ص: ١٧٤).\n(٧) \" جمع \" ساقطة من (ب)، وفيه \" مقليد ومقلاد \".","vol":"1","page":2689},{"text":"ومقاليد السماوات والأرض: خزائنها، في السماء خزانة المطر، وفي الأرض خزانة النبات.\nوقيل: خزانة السماء: الغيوب، وخزانة الأرض: الآيات.\nوقيل: ﴿مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: مفاتيحهما، ومن ملك المفتاح ملك الخزانة. وروى ابن عمر - ﵄ - أن عثمان - ﵁ - سأل النبي - ﷺ - عن مقاليد السماوات والأرض؟، فقال - ﷺ - ما سألني أحد عنها، إنها قول: لا إله إلا الله، والله أكبر، سبحان لله، وأستغفر الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، هو الأول والآخر والظاهر والباطن، بيده الخير يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير \" (١).\n﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ أي: يوسِّع الرزق لمن يشاء، ويقْدر على من يشاء: أي (٢): يُضَيِّقُ (٣).\nوقيل: ... ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ أي: يُقَدِّر له البسط، فاكتفي بذكر أحد الضدين عن الآخر.\n﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ من مصالح العباد ﴿عَلِيمٌ (١٢)﴾ فيعطيهم بقدر مصالحهم.\n﴿* شَرَعَ﴾ بيَّن (٤)، وقيل: أوجب، وقيل: شرع شريعة في الخير والشر، وقيل: فتح عليكم.\n﴿لَكُمْ﴾ لأجلكم، وقيل: عليكم.\n﴿مِنَ الدِّينِ﴾ قيل: ﴿مِنَ﴾ زيادة، وقيل: اختار لكم من الأديان دينًا.\n﴿مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ أي: الذي أمر به نوحًا، وقدَّم نوحًا؛ لأنه أول من أوحي إليه الحلال والحرام، وقيل: أول من أوحي إليه تحريم الأمهات والأخوات والبنات (٥).\n_________\n(١) تقدم تخريج الحديث في سورة الزمر (ص: ١٧٥).\n(٢) \" أي \": ساقط من (أ).\n(٣) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٧٤)، جامع البيان (٢٥/ ١٤)، النكت والعيون (٥/ ١٩٦)، تفسير السمعاني (٥/ ٦٧).\n(٤) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٧٤)، جامع البيان (٢٥/ ١٤).\n(٥) انظر: جامع البيان (٢٥/ ١٤)، تفسير الثعلبي (٨/ ٣٠٦)، النكت والعيون (٥/ ١٩٦).","vol":"1","page":2690},{"text":"﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى﴾ أي: شرع لكم ذلك كله.\nوقيل: ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا﴾ مبتدأ، ﴿وَمَا وَصَّيْنَا﴾ عطفٌ، و(١) ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ﴾ خبره.\nالزجاج: \" يجوز في موضع أن النصب على البدل من ما، والرفع على هو أن أقيموا، والجر على البدل من الهاء في به، ويجوز أن يكون متصلًا بوصينا، أي: وصّينا بأن أقيموا\" (٢).\nومعنى: ﴿أَقِيمُوا﴾: اعبدوا (٣)، وأخلصوا في الدِّين (٤).\nوقيل: إقامة الدِّين التمسك به والعمل بموجبه (٥)، وقيل: ادعوا إليه، وقيل: اعملوا به.\n﴿وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ أي (٦): لا تختلفوا في الدِّين، فإن الحق واحد (٧).\nوعن علي - ﵁ -: \" لا تتفرقوا فالجماعة رحمة، والفرقة عذاب \" (٨).\n﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ التوحيد، وقول: لا إله إلا الله والإخلاص (٩).\n_________\n(١) في (ب): عطفٌ، ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ﴾ خبره \" بدون واو \".\n(٢) معاني القرآن (٤/ ٣٠٠).\n(٣) في (أ) \" اعبدوه \".\n(٤) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٧٤)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢٢٦)، تفسير السمعاني (٥/ ٦٧).\n(٥) وهو أعم من القول السابق. [انظر: جامع البيان (٢٥/ ١٥)، تفسير السمعاني (٥/ ٦٧)].\n(٦) \" أي \": ساقط من (ب).\n(٧) انظر: جامع البيان (٢٥/ ١٥)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢٢٦)، تفسير الثعلبي (٨/ ٣٠٦)، النكت والعيون (٥/ ١٩٧).\n(٨) لم أقف عليه من قول عليٍّ - ﵃ -، ويروى كجزء من حديث: الترغيب والترهيب [(٢/ ٤٦] عن النعمان ابن بشير - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ - من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله والتحدث بنعمة الله شكر وتركها كفر والجماعة رحمة والفرقة عذاب \" وفيه ضعف.\n(٩) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٧٤)، جامع البيان (٢٥/ ١٥)، معاني القرآن؛ للنَّحَّاس (٦/ ٣٠٠) تفسير السمرقندي (٣/ ٢٢٦).","vol":"1","page":2691},{"text":"وقيل: ما خُصِصتَ به من النبوة والرسالة (١).\nويُحتمل أنه يعود إلى قوله: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾.\n﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ أي: يختار للنبوة والرِّسالة (٢) (٣)، والهاء تعود إلى ما يعود إليه في قوله: ﴿مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾.\nوقيل: يعود إلى الله ﷾، أي: يصطفي ويضم من يراه أهلًا لذلك.\nوعدَّاه بـ\"إلى\"؛ لأنَّ الاجتباء بمعنى الجمع، من جبيت الماء في الحوض (٤)، والجمع يُعدى بـ\"إلى \" تقول: جمعت إليه كما تقول ضممت إليه، وقيل: إلى متعلق بمضمر تقديره: يجتبي ويدعو إليه.\n﴿وَيَهْدِي إِلَيْهِ﴾ يرشد ويوفِّق ﴿مَنْ يُنِيبُ (١٣)﴾ يُقبل إليه.\n﴿وَمَا تَفَرَّقُوا﴾ يعني الأمم (٥) الذين تقدَّم ذكرهم (٦)، وقيل: أهل الكتاب.\n﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾: أي: العلم بصحة ما أمروا به.\nوقيل: العلم: القرآن.\nوقيل العلم: محمد (٧) - ﷺ -.\n_________\n(١) قال الماوردي: \" ويحتمل: أن يكون من الاعتراف بنبوته، لأنه عليهم أشد، وهم منه أنفر \" [النكت والعيون (٥/ ١٩٧)] قلت: ويؤيد هذا القول ما جاء بعدها ﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ﴾.\n(٢) في (ب) \" يختار الرسالة والنبوة \".\n(٣) انظر: تفسير ابن أبي زمنين (٤/ ١٦٤)، تيسير الكريم الرحمن (ص: ٧٥٥)، وفيه قال السَّعدي: \" أي: يختار من خليقته من يعلم أنه يصلح للاجتباء لرسالته وولايته، ومنه أن اجتبى هذه الأمة وفضَّلها على سائر الأمم، واختار لها أفضل الأديان وخيرها \"، وجعل كثير من المفسرين جعل الاجتباء للتوحيد والطاعة [انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٧٤) جامع البيان (٢٥/ ١٦)، معاني القرآن؛ للنَّحَّاس (٦/ ٣٠١) تفسير السمرقندي (٣/ ٢٢٦)، الجامع لأحكام القرآن (١٦/ ١٤)].\n(٤) انظر: المفردات (ص: ١٨٦)، مادة \" جَبَى \".\n(٥) في (أ) \" يعني أمم \".\n(٦) انظر: جامع البيان (٢٥/ ١٦)، تفسير الثعلبي (٨/ ٣٠٦)، تفسير البغوي (٧/ ١٧٨).\n(٧) في (ب) \" بمحمد \".","vol":"1","page":2692},{"text":"وقيل: العلم بإقامة الدِّين وترك التفرق فيه.\nوقيل: جاءهم أسباب العلم فلم ينظروا فيها؛ لأنه ختم الآية بقوله: ﴿لَفِي شَكٍّ مِنْهُ﴾ والشَّكُّ والعلم لا يجتمعان (١).\n﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ حسدًا وعداوة (٢)، فهو مفعول له.\nوعن أبي بن كعب - ﵁ - (٣): \" لابتغاء الدنيا، وطلب ملكها \" (٤).\n﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ بالإمهال.\n﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ قيل: هو قوله: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ﴾ [القمر: (٤٦)]،\nوقيل: تأخيرهم إلى وقت معلوم، وقيل: إنظارهم إلى آخر أعمارهم.\n﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ لعجلت العقوبة لهم في الدنيا (٥).\n﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ أي: التوراة والإنجيل (٦).\n﴿لَفِي شَكٍّ مِنْهُ﴾ من القرآن، وقيل: من الإخلاص لله، وقيل: من صدق الرسول (٧).\n_________\n(١) والمعنى يحتمل ذلك كلَّه [انظر: جامع البيان (٢٥/ ١٦)، معاني القرآن؛ للنَّحَّاس (٦/ ٣٠١)، النكت والعيون (٥/ ١٩٧)، زاد المسير (٧/ ١١٣)].\n(٢) انظر: جامع البيان (٢٥/ ١٦)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢٢٧)، تفسير السمعاني (٥/ ٦٨).\n(٣) أبي بن كعب بن قيس بن عبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النّجار، أبو المنذر الأنصاري، أقرأ الأمّة، عرض القرآن على النبي - ﷺ -، شهد بدرًا والمشاهد كلّها، وهو أحد كَتَبَة الوحي، وكان من فقهاء الصحابة، تُوفِّي بالمدينة سنة اثنتين وعشرين في خلافة عمر. وقال عمر - ﵁ - يوم مات أُبي -: \"اليوم مات سَيِّدُ المسلمين\".\n[انْظُر تَرْجَمَتَهُ: مشاهير علماء الأمصار (ص: ١٩)، الاستيعاب (١/ ١٦١)، معرفة القراء الكبار (ص: ١٣)].\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٣٧٧)، (٢/ ٦١)، وأورده الماوردي في النكت والعيون (٥/ ١٩٧).\n(٥) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٧٥)، جامع البيان (٢٥/ ١٦)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢٢٧)، تفسير الثعلبي (٨/ ٣٠٧).\n(٦) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٧٥)، جامع البيان (٢٥/ ١٦)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢٢٧)، النكت والعيون (٥/ ١٩٨).\n(٧) هذه الأقوال ذكرها الماوردي في النكت والعيون (٥/ ١٩٨).","vol":"1","page":2693},{"text":"﴿مُرِيبٍ (١٤)﴾ مدخل في الريبة، وقيل: هم العرب ورثوا الكتاب بعدهم فشكوا فيه.\n﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ﴾ قيل: إشارة إلى الدين والتوحيد، وقيل: إشارة إلى القرآن.\nواللام بمعنى إلى، أي (١): أدع إلى ذلك (٢)، وقيل: هما يتعاقبان كما تقول: أوحي إليه وله، وقيل: لما أوتيت من العلم فادع، فيكون اللام لتعليل وجوب الدعاء.\n﴿وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ أثبت على الدِّين، وقيل: على أمر الله، وقيل: على تبليغ الرسالة، وقيل: على طاعة الله كما أمرت في القرآن (٣).\n﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ لا تعمل بأهوائهم، وذلك حين دعوه إلى ملة آبائه (٤).\nوقيل: نزلت في الوليد بن المغيرة، وشَيْبَة بن ربيعة حين وَعَدَه الوليد أن يعطيه نصف ماله، ووعده شيبة أن يزوجه ابنته إن رجع عن دعوته ودينه إلى دين قريش (٥).\n﴿وَقُلْ آَمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ﴾ أي: جميع كتب الله تعالى (٦).\n﴿وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ [أسوي بينكم في التبليغ، وقيل] (٧): أسوي بينكم في الحكم (٨)، وقيل: لأسوي بيني وبينكم فأعمل (٩) بما آمركم، وأنتهي عمَّا أنهاكم عنه.\n_________\n(١) \" أي \": ساقط من (أ).\n(٢) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ٢٢)، جامع البيان (٢٥/ ١٧)، معاني القرآن؛ للزَّجاج (٤/ ٣٠١)، معاني القرآن؛ للنَّحَّاس (٦/ ٣٠٢)، النكت والعيون (٥/ ١٩٨).\n(٣) انظر: جامع البيان (٢٥/ ١٧)، النكت والعيون (٥/ ١٩٨)، الوجيز؛ للواحدي (٢/ ٩٦٢)، تفسير البغوي (٧/ ١٨٧).\n(٤) انظر: تفسير السمرقندي (٣/ ٢٢٧)، المحرر الوجيز (٥/ ٣٠).\n(٥) انظر: النكت والعيون (٥/ ١٩٩)، الجامع لأحكام القرآن (١٦/ ١٦).\n(٦) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٧٥)، جامع البيان (٢٥/ ١٧) تفسير السمرقندي (٣/ ٢٢٧).\n(٧) ما بين المعقوفتين ساقط من (ب).\n(٨) انظر: جامع البيان (٢٥/ ١٨)، الوجيز؛ للواحدي (٢/ ٩٦٢)، تفسير الثعلبي (٨/ ٣٠٧)، النكت والعيون (٥/ ١٩٩).\n(٩) في (ب) \" وأعمل \".","vol":"1","page":2694},{"text":"﴿اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾ خالقنا جميعًا ﴿لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ يجازي بها (١) جميعًا ولا يؤاخذ أحد بذنب غيره.\n﴿لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ﴾ لا خصومة بيننا في الدين (٢)، والحجة: بمعنى الحجاج، كالخصومة بمعنى الخصام (٣).\nابن عباس: \" هو خطاب لأهل الكتاب، ثم نسخ بقوله: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [التوبة: (٢٩)] \" (٤).\nفيكون المعنى: لم نؤمر أن نحتج عليكم ونقاتلكم، ثم نسخ.\nوقيل: هي محكمة (٥)، والمعنى: قد ظهرت البراهين، وقامت الحجج فلا نحتاج إلى حجة نقيمها (٦).\nابن عيسى: \" معناه عدلتم عن الحجة بإظهار العداوة والحسد \" (٧).\nويُحتمل لا حجة بيننا وبينكم، بل السيف بيننا وبينكم.\n﴿اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا﴾ في القيامة.\n﴿وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٥)﴾ المعاد لفصل القضاء.\n﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ﴾ يخاصمون النبي والمؤمنين في توحيد الله (٨)، وقيل: هم المشركون، وقيل: أهل الكتاب قالوا: كتابنا قبل كتابكم، [ونبينا قبل نبيكم] (٩)، وديننا قبل دينكم فنحن خير منكم.\n_________\n(١) \" بها \": ساقطة من (ب).\n(٢) انظر: تفسير مجاهد (٢/ ٥٧٤)، تفسير مقاتل (٣/ ١٧٥)، جامع البيان (٢٥/ ١٨)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢٢٧).\n(٣) انظر: لسان العرب (٢/ ٢٢٦).\n(٤) انظر: الناسخ والمنسوخ؛ للنَّحاس (ص: ٦٥٢).\n(٥) أي غير منسوخة.\n(٦) انظر: الناسخ والمنسوخ؛ للنَّحاس (ص: ٦٥٢).\n(٧) انظر: النكت والعيون (٥/ ١٩٩).\n(٨) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٧٦)، جامع البيان (٢٥/ ١٨)، النكت والعيون (٥/ ١٩٩) [وقد ذكر القولين].\n(٩) ما بين المعقوفتين ساقط من (ب).","vol":"1","page":2695},{"text":"﴿مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ﴾ قيل: من بعد ما استجاب الله محمدًا بإظهار المعجزة الدالة على نبوته (١).\nوقيل: من بعد ما استجاب أهل الكتاب، وأقروا بنبوته لوجودهم نعته في كتبهم واستفتحوا به.\nوقيل: من بعد ما استجاب المؤمنون لربهم وآمنوا بكتابهم.\nوقيل: أجيب له يوم الميثاق، وقيل: من بعد ما أجُيبوا إلى ما طلبوا من البيان والحجة، وقيل: الاستجابة ها هنا: خلق السماوات ونصب الأدِلَّات (٢).\n﴿حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ﴾ لا تؤدي (٣) إلى الحق، وقيل: ﴿دَاحِضَةٌ﴾ باطلة زائلة لتمسكهم بالباطل (٤)، وسمّيت حجة بزعمهم.\n﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ﴾ بكفرهم (٥).\n﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ (١٦)﴾ في النار.\n﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ﴾ اسم جنس (٦) ﴿بِالْحَقِّ﴾ بالصدق.\n﴿وَالْمِيزَانَ﴾ العدل (٧)، وقيل: الأحكام، وقيل: هو عين الميزان في زمن نوح - ﵇ -، وقيل: ألهم (٨) اتخاذ الميزان، وقيل: الميزان محمد - ﷺ - يقضي بينهم بالكتاب.\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٥/ ١٨)، النكت والعيون (٥/ ٢٠٠)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢٢٨)، تفسير الثعلبي (٨/ ٣٠٧).\n(٢) في (أ) \" ونصب أدلات \".\n(٣) في (أ) \" يؤدي \".\n(٤) وكلاهما متقارب المعنى، والثاني قول أكثر المفسرين [انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٧٦)، جامع البيان (٢٥/ ١٨)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢٢٨)، النكت والعيون (٥/ ٢٠٠)].\n(٥) في (أ) \" بالباطل، ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ وسمّيت حجة بزعمهم ﴿وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ﴾ بكفرهم \".\n(٦) في (أ) \" اسم للجنس \".\n(٧) وهو رأي الجمهور [انظر: جامع البيان (٢٥/ ١٨)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢٢٨)، تفسير ابن أبي زمنيين (٤/ ١٦٥)، تفسير الثعلبي (٨/ ٣٠٧)، النكت والعيون (٥/ ٢٠٠)، تفسير السمعاني (٥/ ٧٠)، تفسير البغوي (٧/ ١٨٨) - وفيه قال البغوي: \" سُمِّي العدل ميزانًا؛ لأنَّ الميزان آلة الإنصاف والتسوية \"-].\n(٨) في (أ) \" وقيل: لهم \".","vol":"1","page":2696},{"text":"﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾ يا محمد ﴿لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (١٧)﴾ أي: قريب إتيانها.\nسيبوية: \" ذات قرب على النسب \" (١).\nالزجّاج: \" لأن تأنيثها غير حقيقي \" (٢).\nأبو عبيدة: \" القريب والبعيد إذا كانا ظرفين أو بمعنى الظرف يستوي فيهما المذكر والمؤنث والواحد والجميع (٣) (٤).\n﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا﴾ استهزاءً. وقيل: طمعًا في أن يذكر النبي - ﷺ - ... لها وقتًا معينًا ثم يمضي الوقت فلا يقع فصير حجَّة لهم عليه.\n﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا﴾ خائفون منها وجلون لهولها (٥).\nوقيل: ﴿مُشْفِقُونَ مِنْهَا﴾ خائفون (٦) أن تقوم فتحولَ (٧) بينهم وبين التوبة.\n﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ﴾ الكائن لا محالة.\n﴿أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ﴾ يجادلون في وجودها (٨)، وقيل: يشكون في وقوعها، وقيل: يدخلهم المرية فينفونها.\n_________\n(١) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٠٥١).\n(٢) معاني القرآن (٤/ ٣٠١).\n(٣) في (أ) \" والجمع \".\n(٤) مجاز القرآن (١٩٩).\n(٥) \" خائفون \" ساقط من (ب).\n(٦) انظر: جامع البيان (٢٥/ ٢٠)، معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ٣٠٥) تفسير السمرقندي (٣/ ٢٢٨).\n(٧) في (أ) \" فيحول \".\n(٨) انظر: جامع البيان (٢٥/ ٢٠)، معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ٣٠٥) تفسير السمرقندي (٣/ ٢٢٨).","vol":"1","page":2697},{"text":"﴿لَفِي ضَلَالٍ﴾ خطأ ﴿بَعِيدٍ (١٨)﴾ عن الصواب.\n﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾ أي بارٌّ بهم (١).\n﴿يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ﴾ البرُّ والفاجر.\nوقيل: معنى ﴿لَطِيفٌ﴾ يرزقهم من حيث لا يعلمون، وقيل معناه: يعلم خفيات أمورهم، واللطف (٢) في الأصل: الرِّقة (٣)، وقيل: يلطف بهم فلا يعاجلهم بالعقوبة كي يتوبوا.\n﴿وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (١٩)﴾ الغالب غير المغلوب.\n﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآَخِرَةِ﴾ أي ثواب الآخرة بعمله (٤)، وقيل تقديره: من كان يريد حرث الآخرة (٥)، أي: بعمله، وقيل تقديره: حرث خير الآخرة، وسُمِّي حرثًا أي: كالزارع الحارث (٦) يطلب بحرثه مزروعًا (٧).\n﴿نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾ فيعطيه بالواحد عشرًا ومائة وأضعافًا.\nوقيل: ﴿نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾ نجمع له الدنيا والآخرة.\n_________\n(١) وهذا تفسير عكرمة [انظر: تفسير الثعلبي (٨/ ٣٠٨)، تفسير البغوي (٧/ ١٨٩)].\n(٢) في (أ) \" واللطيف \".\n(٣) قال الزَّجاج: \" أصلُ اللطف في الكلام: خفاء المسلك، يقال: فلان لطيف في علمه يراد به أنه دقيق الفطنة، حسن الاستخراج له، فهذا الذي يستعمل منه، وهو في وصف الله يفيد: أنه المحسن إلى عباده في خفاء وستر من حيث لا يعلمون \" [انظر: تفسير أسماء الله الحسنى (ص: (٤٤)].\nوقال السعدي: \" اللطيف: الذي أحاط علمه بالسرائر والخفايا، وأدرك الخبايا والبواطن والأمور الدقيقة، اللطيف بعباده المؤمنين، الموصل إليهم مصالحهم بلطفه وإحسانه، من طرق لا يشعرون بها، فهو بمعنى: الخبير، وبمعنى: الرؤوف \" [تيسير الكريم الرحمن (ص: ٩٤٧)].\n(٤) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٧٦)، جامع البيان (٢٥/ ٢٠)، معاني القرآن؛ للزَّجاج (٤/ ٣٠١)، معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ٣٠٥) الجامع لأحكام القرآن؛ للقرطبي (١٦/ ٢٠).\n(٥) في (ب) \" بحرثه الآخرة \".\n(٦) في (ب) \" الحرَّاث \".\n(٧) في (ب) \" مرزوعًا \".","vol":"1","page":2698},{"text":"﴿وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ ما قسمناه، و(مَن) للتبعيض.\n﴿وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ﴾ أي: في خير الآخرة ﴿مِنْ نَصِيبٍ (٢٠)﴾ لأنه كذَّب بها.\nقتادة: \" إن الله يعطي الدنيا على نية الآخرة، ولا يعطي الآخرة على نية الدنيا \" (١).\nوقيل: نزلت في الذين حاربوا مع (٢) رسول الله - ﷺ - فمنهم من كان غرضه وجه الله، فالله وعده ذلك وزاده في الدنيا الغنيمة، ومنهم من كان غرضه الغنيمة وهم المنافقون، فآتاهم ذلك لأن النبي - ﷺ - قسَّم الغنيمة بين الكل (٣).\nوفي كتاب الناسخ والمنسوخ: \" إنَّ في هذه الآية قولين: أحدهما: أنها منسوخة بقوله: ... ﴿عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ [الإسراء: (١٨)] وهو رواية جُوَيْبِر (٤) عن الضَّحاك (٥) عن ابن عباس - ﵄ -.\nوالقول الثاني: أنها ثابتة \"وهو القول الذي لا يجوز غيره؛ لأنَّه خبر والخبر لا يدخله النسخ (٦).\n﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ﴾ ﴿أَمْ﴾ هي المنقطعة عند بعضهم تقديره: بل ألهم شركاء؟.\nوقال بعضهم: هي المعادلة لألف الاستفهام.\n_________\n(١) انظر: النكت والعيون (٥/ ٢٠١)، الجامع لأحكام القرآن (١٦/ ٢١).\n(٢) \" مع \" ساقطة من (ب).\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) جُوَيْبِرُ بن سعيد البَلْخِي الأزدي، أبو القاسم البلخي المفسر، صاحب الضحاك، وله رواية ومعرفة بأيام الناس وحاله حسن في التفسير، وهو لَيِّنٌ في الرِّواية.\nقال عنه ابن معين: \" ليس بشيء \"، وقال النَّسائي والدارقطني وغيرهما: \" متروك الحديث \"، مات بين الأربعين إلى الخمسين ومائة. [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: الكامل؛ لابن عدي (٢/ ١٢١)، ميزان الاعتدال (١/ ٤٢٧)، تهذيب التهذيب (٢/ ١٠٦)].\n(٥) الضَّحاك بن مزاحم الهلالي البَلْخي، أبو محمد، وقيل: أبو القاسم المُفَسِّر، أصله من الكوفة ثمَّ أقام ببلْخ.\nكان من أوعية العلم، وله باع كبير في التفسير والقصص ومِمَّن عني بعلم القرآن عناية شديدة مع لزوم الورع، وكان يُعَلِّمُ ولا يأخذ أجرًا، وثَّقَه أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وغيرهما، وقد ضَعَّفَه يحيى بن سعيد، وقيل: كان يدلس، تُوُفِّي سنة خمسٍ ومائة للهجرة. [انْظُر تَرْجَمَتَهُ: مشاهير علماء الأمصار (ص: ٢٢٧)، سِيَرُ أعلام النُّبلاء (٤/ ٥٩٨)، طبقات المفسرين؛ للداوودي (١/ ٢٢٢)].\n(٦) انظر: الناسخ، والمنسوخ؛ للنَّحاس (ص: ٦٥٤).","vol":"1","page":2699},{"text":"وفي الكلام مضمر تقديره: أفتقبلون ما شرع الله من الدِّين الذي وصَّى به نوحًا أم لهم آلهة ... ﴿شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ﴾ وصفوا لهم (١).\n﴿مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ أي: لم يأمرهم الله به، وقيل: لم يعلم به كقوله: ﴿بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الرعد: (٣٣)]، والإذن: العلم بالمسموعات (٢).\n﴿شَرَعُوا﴾: ما ليس بشريعة إذ لو كان شريعة لعلمها الله، وقيل: ما لم يطلق الله لهم التدين به كما قال: ﴿آَللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩)﴾ [يونس: (٥٩)].\n﴿وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ﴾ وهي نظرتهم إلى وقت آجالهم.\n﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ لعجِّلت لهم العقوبة.\n﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢١) تَرَى الظَّالِمِينَ﴾ في القيامة.\n﴿مُشْفِقِينَ﴾ خائفين ﴿مِمَّا كَسَبُوا﴾ من جزاء كفرهم.\n﴿وَهُوَ﴾ أي: الجزاء ﴿وَاقِعٌ بِهِمْ﴾ لا محيص لهم عنه.\n﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ﴾ في رياض الجنان، والروضة: المكان الكثير الخضرة والماء (٣).\n﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أي يتمنَّون ويشتهون في الجنة (٤).\n﴿ذَلِكَ﴾ أي: إعطاء هذه الأشياء.\n_________\n(١) انظر: تفسير النسفي (٤/ ١٠٧٠) التسهيل (٤/ ٢٠).\n(٢) انظر: المفردات (ص: ٧٠)، مادة \" أَذِنَ \".\n(٣) انظر: جامع البيان (٢٥/ ٢٢)، المفردات (ص: ٣٧٢)، مادة \"رَوَضَ \".\n(٤) في (أ) \" في القيامة \".","vol":"1","page":2700},{"text":"﴿هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٢٢)﴾ النعيم الدائم على القليل من العمل.\n﴿ذَلِكَ﴾ أي الفضل الكبير هو (١):\n﴿الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أي: هو لهم خاصة.\n﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ في سبب النزول عن ابن عباس - ﵄ -: \" لمَّا قَدِمَ المدينة أتاه الأنصار، فقالوا (٢): إنك ابن أختنا وقد هدانا الله على يدك وتنوبك نوائب وحقوق، وليس عندك سعة فرأينا أنْ نجمع لك من أموالنا شطرًا فنأتيك به، وتستعين (٣) على ما ينوبك \" فنزلت هذه الآية (٤).\nقال قتادة: \" اجتمع المشركون في مجمع لهم فقال بعضهم لبعض: أترون محمدًا يسأل على ما يتعاطاه أجرًا؟ فأنزل الله هذه الآية \" (٥).\nوفي الناسخ والمنسوخ: \" أنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ﴾ \"، وفي معناه أربعة أقوال:\nأحدها: أن معنى قوله: ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ إلا تودّوني في نفسي لقرابتي منكم وهذا لقريش خاصة وهو قول ابن عباس وعكرمة ومجاهد.\nالثاني: عن سعيد بن جبير أنه قال (٦) لمَّا نزلت (٧) هذه الآية قالوا يا رسول الله: من هؤلاء الذين نودُّهم؟\n_________\n(١) \" هو \" ساقط من (ب).\n(٢) في (ب) \" وقالوا \".\n(٣) في (ب) \" ونستعين \".\n(٤) انظر: تفسير الثعلبي (٨/ ٣١٠)، أسباب النزول؛ للواحدي (ص: ٣١٠).\n(٥) انظر: تفسير الثعلبي (٨/ ٣١٠) قال الثعلبي: \" وهذا التأويل أشبه بظاهر الآية والتنزيل؛ لأنَّ هذه السورة مكّية \"، أسباب النزول؛ للواحدي (ص: ٣١٠).\n(٦) \" قال \" ساقط من (أ).\n(٧) في (ب) \" نزل \".","vol":"1","page":2701},{"text":"قال: علي وفاطمة (١) وولدهما (٢) \" (٣).\nالثالث: عن الحسن - ﵁ -: \" إلا أن تودّوا إلى الله، وتتقربوا إليه بالطاعة، والعمل الصالح \" (٤).\nالرابع: إلا أن تودُّوا أقرباءكم، وتصلوا أرحامكم (٥) (٦).\n_________\n(١) فاطمة بنت - إمام المتقين رسول الله - ﷺ - محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم الهاشمية القُرَشية، كانت أصغر بنات النبي - ﷺ - وأحبهنَّ إليه، ومن سيدات نساء الجنة، وأمها خديجة بنت خويلد - ﵂ -، تزوجها أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب - ﵁ - في الثامنة عشرة من عمرها، وولدت له الحسن والحسين وأم كلثوم وزينب، وتوفِّيت - ﵂ - بالمدينة سنة إحدى عشرة للهجرة، وصلَّى عليها زوجها علي بن أبي طالب، وقيل: العبَّاس. [انْظُرْ تَرْجَمَتَهَا: الاستيعاب (٤/ ٤٤٧)، أسَد الغابة (٧/ ٢١٦)، الإصابة (٨/ ٢٦٢)].\n(٢) وولدهما: الحسن والحسين، وقد تقدَّمت ترجمت الحسين في هذه السورة فأمَّا الحسن فهو:\nالحسن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم الهاشمي القرشي، أبو محمد، سِبط رسول الله - ﷺ - وريحانته، ومن أشبه الناس برسول الله - ﷺ -، وأمه فاطمة بنت رسول الله - ﷺ -، ولد قبل أخيه الحسين، وكان - ﵁ - حليمًا ورعًا فاضلًا دعاه ورعه وفضله إلى أن ترك المُلْك والدُّنيا رغبة فيما عند الله، وقال: \" والله ما أحببت منذ علمت ما ينفعني وما يضرني أنَّ إلي أمر أمة محمد - ﷺ - على أن يهراق في ذلك محجمة دَمٍ \"، وقد توفي الحسن بن علي - ﵄ - بالمدينة، واختلف في وقت وفاته فقيل تُوفِّي سنة تسع وأربعين، وقيل: سنة خمسين، ودفن ببقيع الغرقد. [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: الاستيعاب (١/ ٤٣٦)، أسَد الغابة (٢/ ١٣)، الإصابة (٢/ ٦٠)].\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره تفسير هـ (١٠/ ٣٢٧٧)، وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٣/ ٤٧) برقم (٢٦٤١)، عن ابن عباس - ﵄ -.\nقال ابن كثير: \" وهذا إسناد ضعيف فيه مُبْهَمٌ لا يُعرف عن شيخ شيعي مخترق، وهو حسين الأشقر ولا يقبل خبره في هذا المحل، وذكر نزول الآية في المدينة بعيدٌ؛ فإنها مكية ولم يكن إذ ذاك لفاطمة - ﵂ - أولاد بالكلية فإنها لم تتزوج بعلي - ﵁ - إلا بعد بدر من السنة الثانية من الهجرة \". [تفسير القرآن العظيم (٤/ ١٢٢)]\nوقال الهيثمي: \"رواه الطبراني من رواية حرب بن الحسن الطحان، عن حسين الأشقر عن قيس بن الربيع، وقد وثِّقُوا كلهم، وضعفهم جماعة وبقية رجاله ثقات \". [مجمع الزوائد (٧/ ٢٢٩)]\nوقال الألباني: \" باطل \". [السلسلة الضعيفة برقم (٤٩٧٤)].\n(٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ١٩١)، وأخرجه ابن جرير في جامع البيان (٢٥/ ٢٦).\n(٥) انظر: الناسخ والمنسوخ؛ للنَّحاس (ص: ٦٥٦).\n(٦) قال ابن جرير: \" وأولى الأقوال في ذلك بالصواب وأشبهها بظاهر التنزيل قول من قال معناه: قل لا أسألكم عليه أجرًا يا معشر قريش إلا أن تودوني في قرابتي منكم، وتصلوا الرحم التي بيني وبينكم.\nوإنَّما قلت هذا التأويل أولى بتأويل الآية؛ لدخول ﴿فِي﴾ في قوله: ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ ولو كان معنى ذلك على ما قاله من قال إلا أن تودوا قرابتي أو تقربوا إلى الله لم يكن لدخول ﴿فِي﴾ في الكلام في هذا الموضع وجه معروف، ولكان التنزيل إلا مودة القربى إن عني به الأمر بمودة قرابة رسول الله - ﷺ - أو إلا المودة بالقربى، أو ذا القربى إن عني به التودد والتقرب\" [جامع البيان (٢٥/ ٢٦)].","vol":"1","page":2702},{"text":"وفي الاستثناء قولان: أحدهما: أنه متصل (١) وهو فيمن جعله منسوخًا.\nوقيل: منقطع، أي: لا أسألكم أجرًا البتَّة، لكن أذكركم المودَّة في القربى (٢).\n﴿وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً﴾ يكتسب طاعة (٣)، وقيل: حبُّ آل محمد - ﷺ -.\nوقرف واقترف بمعنى.\nوقيل (٤): الاقتراف لا يستعمل إلا في الشرِّ، لكن لمَّا كان معناه معنى الفعل استعمله مكان الفعل (٥).\nابن عيسى: \" الاقتراف عمل شيء يؤخذ منه، مثل قرف التبر (٦) في القلِّة (٧).\n﴿نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا﴾ نضاعفها له، والضمير يعود إلى الحسنة، وقيل: إلى الجنة.\n﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لمن أذنب (٨) ﴿شَكُورٌ (٢٣)﴾ لمن أطاع.\nالسُّدي: \" ﴿غَفُورٌ﴾ لذنوب آل رسول الله (٩) - ﷺ -، ﴿شَكُورٌ﴾ لحسناتهم \" (١٠).\n﴿أَمْ يَقُولُونَ﴾ أن محمدًا ﴿افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ بدعوى النبوة وتقوُّل القرآن.\n﴿فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾ لأنساك ما آتاك من القرآن، ولكنه لم يشأ فأثبته فيه.\nابن عيسى: \" لو حدَّثت نفسك أن تفتري على الله كذبًا بالطبع على قلبك \" (١١).\n_________\n(١) \" أنه متصل \" ساقط من (أ).\n(٢) انظر: معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ٣٠٩)، جامع البيان (٢٥/ ٢٦)، زاد المسير (٧/ ١١٦).\n(٣) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٧٧)، جامع البيان (٢٥/ ٢٦)، معاني القرآن؛ للزَّجاج (٤/ ٣٠٢)، معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ٣١٠)، النكت والعيون (٥/ ٢٠٢).\n(٤) في (ب) \" قيل \".\n(٥) انظر: المفردات (ص: ٦٦٧)، مادة \"قَرَفَ \".\n(٦) في (ب) \" قرف التمرة \".\n(٧) لم أقف عليه.\n(٨) في (ب) \" لمن أحب \".\n(٩) في (أ) \" آل الرسول الله \".\n(١٠) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٠٥٢)، الجامع لأحكام القرآن (١٦/ ٢٦)، البحر المحيط (٩/ ٣٣٥).\n(١١) انظر: النكت والعيون (٥/ ٢٠٣)، غرائب التفسير (٢/ ١٠٥٢).","vol":"1","page":2703},{"text":"وقيل: يجعل (١) قلبك كالمختوم عليه لا يصل إليه شيء ولا يخرج منه شيء.\nوقيل: لأماتك فإن قلب الميت كالمختوم عليه، ومثله: ﴿لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦)﴾ [الحاقة: (٤٦)].\nمقاتل: \" فإن يشأ الله يربط على قلبك بالصبر على أذاهم فلا يدخل قلبك حَزن ... ولا ضيق \" (٢).\nثم استأنف فقال: ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ﴾ يرفعه ويزيله، ويهلك الشر.\nوحذف الواو من الخط لا للجزم ومثله: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ﴾ [الإسراء: (١١)] و﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (١٨)﴾ [العلق: (١٨)].\nوذهب أبو علي الجُبَّائي (٣): \" أن الواو حذف للجزم، وجعل معنى الآية: إن اقتربت ختم على قلبك ومحا الباطل المفترى \" (٤).\nفعلى قوله: ﴿وَيُحِقُّ الْحَقَّ﴾: استئنافٌ، ومعناه: يُظهر الحق ويُثبته.\n﴿بِكَلِمَاتِهِ﴾ بالقرآن، وقيل: يُصَدِّق رسوله بوحيه، وقيل: ينصُر دينه بوعده.\n﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٢٤)﴾ بضمائر القلوب، فلو علم من قلبه أنه همَّ بالافتراء لعاجله بالعقوبة (٥)، فكيف إذا نطق به وصرَّح ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ إذا تابوا؛ لأنه إن لم يقبل كان إغراءً بالمعاصي (٦).\n_________\n(١) في (ب) \" لجعل \".\n(٢) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٧٨).\n(٣) أبو علي الجُبَّائي هو: محمد بن عبد الوهاب بن سلام، أبو علي الجُبَّائي البصري، شيخ المعتزلة، كان رأسًا في الفلسفة والكلام، وإليه نسبة الطائفة (الجبائية)، وله مقالات مشهورة وتصانيف وتفسير، أخذ عنه ابنه أبو هاشم، والشيخ أبو الحسن الأشعري، ثم أعرض الأشعري عن طريق الاعتزال وتاب منه ونابذه وتسنن، تُوُفِّي الجُبَّائي سنَة ثلاث وثلاثمائة للهجرة. [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: سِيَرُ أعلام النُّبَلاء (١٤/ ١٨٣)، طبقات المفسرين؛ للسِّيُوطي (ص: ٨٨) الأعلام (٦/ ٢٥٦)].\n(٤) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٠٥٢).\n(٥) في (ب) \" العاجلة بالعقوبة \".\n(٦) في (أ) \" كان إعراضًا لمعاصي \".","vol":"1","page":2704},{"text":"﴿وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ بعد التوبة ﴿وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (٢٥)﴾ فيجازيهم عليه، وقيل: يعلم اعتقادهم فلا يقبل إلا التوبة النصوح.\n﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أي: يجيبهم إلى ما يدعونه، وقيل: يقبل طاعتهم، وقيل: هو دعاء بعضهم لبعض.\nواستجاب وأجاب بمعنىً، زيد السين للتوكيد كقوله (١): تعظَّم واستعظم، وتثبَّت واستثبت، وقيل: ويستجيب للذين فحذف اللام، [كما قال: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: (١٩٥)] (٢)، منَّ عليهم بأن أمهلهم للتوبة، ثمَّ إذا تابوا قَبِلَهَا منهم (٣) بعد التوبة عن سيئاتهم، واستجاب لهم ربهم وزادهم من فضله (٤).\nو﴿الَّذِينَ﴾ على هذين القولين نصب، وقيل: محلّه رفع، أي: يجيب المؤمنون ربهم فيما دعاهم إليه (٥).\n﴿وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ يعطيهم في الجنة أكثر مما سألوا (٦).\nابن عباس ﵄: \" يشفِّعهم في إخوانهم، ويزيدهم من فضله: يشفِّعهم في إخوان إخوانهم \" (٧).\nالضحَّاك: \" ﴿وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ يجعل لهم محبة في صدورهم، ويسبغ عليهم النعمة في الدنيا والآخرة \" (٨).\n_________\n(١) في (أ) \" لقوله \".\n(٢) ما بين المعقوفتين ساقط من (ب).\n(٣) \" منهم \" ساقطة من (أ).\n(٤) انظر: مجاز القرآن (٢/ ٢٠٠)، جامع البيان (٢٥/ ٢٨).\n(٥) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ٢٤)، معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ٣١٢).\n(٦) في (ب) \" ما سألوا \".\n(٧) أخرجه الثعلبي في تفسيره (٨/ ٣١٧)، وأورده البغوي في تفسيره (٧/ ١٩٤).\n(٨) لم أقف عليه.","vol":"1","page":2705},{"text":"وعن عبد الله - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: ﴿وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾: الشفاعة لمن وجبت له النار \" (١).\n﴿وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ (٢٦)﴾ في الآخرة.\n﴿* وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ﴾ لو أغناهم جميعًا (٢).\n﴿لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: بغى بعضهم على بعض.\nوقيل: لظلموا في الأرض.\nوقيل: لبغوا بارتكاب المعاصي.\nوقيل: لتراموا إلى إفساد الأرض بأن لا يحتاج بعضهم إلى بعض فلا يتعاونوا.\n﴿وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ﴾ أي: بقدر ما علم أن فيه صلاحهم.\nمحمد بن جرير: \" أنها نزلت في أصحاب الصُّفَّة تمنَّوا الغنى \" (٣).\nوقيل: هذا في العرب كانوا إذا أخصبوا تحاربوا وأغار بعضهم على بعض، وإذا أجدبوا انتجعوا في طلب الرِّزق، وفيه يقول الشاعر:\nوفي البقل إن لم يدفع الله شره ... شياطين ينزوا بعضهم على بعض (٤)\nومثله:\nقوم إذا نبت الربيع بأرضهم (٥) نبتت عداوتهم مع البقل (٦)\n_________\n(١) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١٠/ ٢٠١) برقم (١٠٤٦٢) والأوسط (٦/ ٥٣) برقم (٥٧٧٠) عن عبد الله ابن مسعود - ﵁ -، قال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط والكبير، وفيه إسماعيل بن عبد الله الكندي، ضعَّفه الذهبي من عند نفسه، فقال: أتى بخبر منكر، وبقية رجاله وثِّقوا \" [مجمع الزوائد (٧/ ٧٤)].\n(٢) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٧٨)، جامع البيان (٢٥/ ٣٠).\n(٣) جامع البيان (٢٥/ ٣٠).\n(٤) البيت أورده المبرد في الكامل (٣/ ٧٠)، ولم ينسبه لأحد، وهو كذلك في روح المعاني (٢٣/ ٩٦).\n(٥) في (ب) \" الربيع لهم \".\n(٦) البيت؛ للحارث بن دوس الإيادي يخاطب المنذر بن ماء السماء. [انظر: لسان العرب (١١/ ٦٠) مادة \" بَغَلَ \"].","vol":"1","page":2706},{"text":"﴿إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (٢٧)﴾ علم صلاحهم (١) وصلاح كلُّ أحد منهم، فأعطى كل أحد منهم (٢) ما كتب له من الرزق.\nوقيل: لو رزقهم من غير كسب لتفرغوا (٣) للفساد، ولكن شغلهم بالكسب لئلا يتفرغوا للفساد.\n﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ وهو من المطر ما كان نافعًا، وفي وقته، والمطر قد يكون نافعًا ومضرًا، وفي وقته وغير وقته.\n﴿مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا﴾ أيسوا منه لتأخُّر نزوله (٤).\n﴿وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ نعمته وخصبه (٥) فتعمُّ (٦) السَّهل والجبل والعامر والغامر.\nوقيل: رحمته مطره.\nوقيل: نشرها عمومها لجميع الخليقة.\n﴿وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ (٢٨)﴾ الرَّبُّ المحمود يعيد المطر عامًا بعد عام مرَّة بعد أخرى (٧)، وذهب بعض المفسرين إلى أن الولي في الآية: المطر الذي يقع بعد الوسمي (٨).\n﴿الْحَمِيدُ﴾ المحمود أثره (٩).\n_________\n(١) \" صلاحهم \" ساقطة من (ب).\n(٢) \" منهم \" ساقطة من (ب).\n(٣) في (أ) \" ليتفرغوا \".\n(٤) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٧٨)، جامع البيان (٢٥/ ٣٠)، معاني القرآن؛ للزَّجاج (٤/ ٣٠٣).\n(٥) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٧٨)، جامع البيان (٢٥/ ٣١)، النكت والعيون (٥/ ٢٠٣).\n(٦) في (أ) \" فيعم \".\n(٧) انظر: تفسير السمرقندي (٣/ ٢٣٢)، غرائب التفسير (٢/ ١٠٥٣)، قال ابن جرير: \" وقوله ﴿وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ يقول: وهو الذي يليكم بإحسانه وفضله، الحميد بأياديه عندكم ونعمه عليكم في خلقه \". [جامع البيان (٢٥/ ٣١)].\n(٨) الوَسْميُّ: أول مطر السنة يَسِمُ الأرض بالنَّبات، فيصير فيها أثرًا من المطر في أول السنة [انظر: كتاب العين (٧/ ٣٢١)، مادة \" وَسَمَ \"، لسان العرب (١٢/ ٦٣٥)، مادة \" وَسَمَ \"].\n(٩) انظر: كتاب العين (٨/ ٣٦٥)، مادة \" وَلِيَ \"، غرائب التفسير (٢/ ١٠٥٣).","vol":"1","page":2707},{"text":"﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ﴾ من علامات قدرته ﴿خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ مع عظمهما (١) وكثرة أجزائهما.\n﴿وَمَا بَثَّ﴾ خلق وفرَّق (٢) ﴿فِيهِمَا﴾ في السماوات والأرض ﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾ من خلق،\nوقيل: من دابة الإنسان والجن والملائكة وسائر الحيوان.\nالفراء: \" ﴿فِيهِمَا﴾ يعود إلى الأرض وحدها كقوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (٢٢)﴾ [الرحمن: (٢٢)] \" (٣).\n﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ﴾ إحيائهم بعد الموت ﴿إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ (٢٩)﴾ قادر على ذلك.\n﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ﴾ غمٍّ وألمٍ ومكروه ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ فهو عقوبة للمعاصي التي ارتكبتموها.\n﴿وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾ من الذنوب فلا يعاقب عليه، وقيل: عن كثير من الناس فلا يعاجلهم بالعقوبة، إما عطفًا ورحمة، وإمَّا زيادة في العذاب واستدراجًا.\nالحسن: \" أراد به إقامة الحدود على المعاصي، ويعفوا عن كثير فلم يجعل له حدًَّا \" (٤).\nمن قرأ بالفاء فهو لجواب الشرط [أو بمعنى الشرط] (٥)، ومن حذف الفاء جعل ما مبتدأ (٦)، وإن شئت قلت: لمّا لم يعمل جزمًا لم يحتج إلى الفاء.\n_________\n(١) في (ب) \" عظمها \".\n(٢) جامع البيان (٢٥/ ٣١)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢٣٢).\n(٣) انظر: معاني القرآن (٣/ ٢٤)، وتعقبه النَّحاس فقال: \" وهذا غلط \" [معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ٣١٤)].\n(٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ١٩٢) وأخرجه ابن جرير في جامع البيان (٢٥/ ٣٢)، وأورده النَّحَّاس في معاني القرآن (٦/ ٣١٦)، والماوردي في النكت والعيون (٥/ ٢٠٤).\n(٥) ما بين المعقوفتين ساقطة (ب).\n(٦) قرأ نافع وابن عامر ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ بغير فاء، وكذلك هي في مصاحف أهل المدينة والشام، وقرأ الباقون ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ بالفاء [انظر: السبعة في القراءات (ص: ٥٨١)، معاني القرآن؛ للنَّحَّاس (٦/ ٣١٦)، معاني القراءات (ص: ٤٣٤)، الحجة (٦/ ١٢٨)، التيسير (ص: ١٥٨)].","vol":"1","page":2708},{"text":"وفي تفسير الكَعْبِيّ: \" تعلَّق بهذه الآية من يقول بالتناسخ، وقالوا: لولا أن الأطفال والبهائم كانت لهم حالة كانوا عليها قبل هذه الحالة ما كانوا ليتألموا.\nقال: وقال الآخرون: لمَّا بطل قول أصحاب التناسخ وصحَّ أن الأطفال لا ذنوب لهم صحَّ أن الأطفال لا يألمون.\nفإن (١) قال قيل لهم: هذا خطاب للبالغين المكلفين، وليس فيهم طفل ولا شيء من البهائم والحيوان غير البالغ المكلَّف العاقل \" (٢).\nوقال غيره: إنها في البالغين عقوبة وفي الأطفال مثوبة، وقيل: فيما يصيب الطفل مثوبة الوالدين (٣).\n﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: فائتين فلا يغرَّنكم إمهاله.\n﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾ يحفظكم ﴿وَلَا نَصِيرٍ (٣١)﴾ ناصر يدفع عنكم العذاب إذا ما حلَّ بكم.\n﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ﴾ جمع جارية وهي السفينة (٤)، من قوله: ﴿حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (١١)﴾ [الحاقة: (١١)].\n﴿كَالْأَعْلَامِ (٣٢)﴾ كالجبال في العِظم (٥).\n_________\n(١) \" فإن \" ساقط من (ب).\n(٢) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٠٥٤).\n(٣) انظر: المرجع السابق، ولفظه \" مثوبة لهم ولوالديهم \".\n(٤) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٧٩)، جامع البيان (٢٥/ ٣٣)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢٣٢).\n(٥) انظر: تفسير مجاهد (٢/ ٥٧٦)، تفسير مقاتل (٣/ ١٧٩)، جامع البيان (٢٥/ ٣٣).","vol":"1","page":2709},{"text":"﴿إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ﴾ أي: فيبقين واقفة على ظهر الماء (١).\nتقول (٢): ركد إذا وقف وثبت، ومنه الماء الراكد الواقف (٣).\n﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣٣)﴾ أي: لكل مؤمن، فإنَّ الإيمان نصفان نصف صبر، ونصف شكر، وقيل صبَّار في السفينة شكور إذا خرج منها.\n﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا﴾ يهلك كثيرًا من السفن ومن فيها بذنوبهم (٤).\n﴿وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ (٣٤)﴾ فينجيهم، وقيل: يعف عن كثير من الذنوب، فلا يجازي عليها في الدنيا، وقيل: لا يجازي عليها في الدنيا والآخرة.\n﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِنَا﴾ أي: يجعلون الأوثان لله شركاء.\n﴿مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (٣٥)﴾ من العذاب.\nقوله: ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ﴾ جزم بالعطف، وكذلك ﴿وَيَعْفُ﴾.\nو﴿وَيَعْلَمَ﴾ قرأ بالرفع والنصب، النصب (٥) بإضمار أن، والكوفيون يسمُّونه صرفًا أي صرف عن إعراب الأول، والرفع على الاستئناف (٦).\n_________\n(١) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٧٩)، جامع البيان (٢٥/ ٣٤)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢٣٢).\n(٢) في (أ) \" يقول \".\n(٣) انظر: كتاب العين (٥/ ٣٢٧) مادة \" رَكَدَ \"، لسان العرب (٣/ ١٨٤)، مادة \" رَكَدَ \".\n(٤) انظر: تفسير مجاهد (٢/ ٥٧٦)، جامع البيان (٢٥/ ٣٤)، معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ٢١٨).\n(٥) \" النصب \" ساقطة من (أ).\n(٦) قرأ نافع وابن عامر ﴿وَيَعْلَمُ﴾ برفع الميم، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي بالنصب ﴿وَيَعْلَمَ﴾ [انظر: جامع البيان (٢٥/ ٣٥)، السبعة (ص: ٥٨١)، معاني القراءات (ص: ٤٣٤)، الحجة (٦/ ١٣٠)، التيسير (ص: ١٥٨)].","vol":"1","page":2710},{"text":"﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أي: أموالكم تنفعكم (١) مدَّة حياتكم في الدنيا، وهو نفع يسير.\n﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آَمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٣٦)﴾ يريد منافع الآخرة المعدَّة للمؤمنين المتوكلين خير؛ لأنه أمتع وألذ وأبقى؛ لأنه دائم لا ينقطع.\n﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ﴾ عطف على ﴿الذين آمنوا﴾ ومحله جر.\n﴿كَبَائِرَ الْإِثْمِ﴾ أضاف إلى الإثم، فإن في الإثم الصغيرة والكبيرة، والصغيرة (٢) مغفورة إذا اجتنبت الكبيرة كقوله: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ [النساء: (٣١)].\nوقيل: مضاف إلى نفسه كقولك: عجائب خلق الله.\n[ومن وحَّد فالمراد به الجمع أيضًا (٣)، لإجماعهم على الجمع في قوله: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ﴾\n[النساء: (٣١)].\nقال ابن عباس - ﵁ -: \"] (٤) من وحَّد أراد الشرك \" (٥).\n﴿وَالْفَوَاحِشَ﴾ عطفٌ على الكبائر.\nوقيل هي (٦) الزنا، وقيل: ما عظُم قُبْحُه فهو فاحشة (٧).\n_________\n(١) في (أ) \" ينفعكم \".\n(٢) في (أ) \" الصغيرة \".\n(٣) من وحَّد يريد قراءة حمزة والكسائي ﴿كبيرُ الإثم﴾ وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وعاصم وأبو عمرو ... ﴿كَبَائِرَ﴾ بالجمع [انظر: جامع البيان (٢٥/ ٣٦)، السبعة (ص: ٥٨١)، معاني القراءات (ص: ٤٣٥)، الحجة (٦/ ١٣٢)، التيسير (ص: ١٥٨)].\n(٤) ما بين المعقوفتين ساقط من (أ).\n(٥) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ٢٥)، معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ٣١٩)، تفسير الثعلبي (٨/ ٣٢٢).\n(٦) في (أ) \" هو \".\n(٧) قال مقاتل بن سليمان: \" ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ﴾ يعني: كُلَّ ذَنْبٍ يختم بالنار ... ﴿... وَالْفَوَاحِشَ﴾ ... يعني: كُلّ ذنب فيه حدٌّ \" [تفسير مقاتل (٣/ ٢٩٢)].","vol":"1","page":2711},{"text":"﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (٣٧)﴾ أي: غضبوا من أمور دنياهم عفوًا.\nوقيل (١): إذا غضب بعضهم على بعضٍ تجاوزوا.\n﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ﴾ أجابوه إلى ما دعاهم إليه من الطاعة.\n﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ أي: الصلوات الخمس في مواقيتها بشرائطها.\n﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ أي: إذا حزبهم أمر استشاروا ذوي الرأي منهم (٢).\nوالمشاورة: المفاوضة في الكلام ليظهر الصواب، واشتقاقها من شُرت الدَّابة شورًا إذا استخرجتْ (٣) ما عندها من الجري، وكذلك شُرت العسل (٤).\n﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٨)﴾ يتصدقون، وقيل: ينفقون من الحلال.\nويُحتمل: ينفقون مقرِّين بأنه من رزق الله، فإن الكافر أيضًا ينفق مما رزقه الله لكنه جاحد.\n﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ﴾ الظلم (٥) ﴿هُمْ يَنْتَصِرُونَ (٣٩)﴾ ينتقمون ويقتصون.\nوليس بين هذه الآية وبين قوله: ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (٣٧)﴾ منافاة؛ لأنَّ البغي هو الذي يؤدي إلى الفساد \".\nوقيل: أصابهم بغي المشركين انتصروا بالسيف منهم.\nابن زيد: \" منسوخة بالجهاد \" (٦).\nغيره: محكمة؛ لأن الانتصار من الظالم تقويم له ممدوح ومحمود \" (٧).\n_________\n(١) \" قيل \" ساقطة من (أ).\n(٢) انظر: جامع البيان (٢٥/ ٣٧)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢٣٣)\n(٣) في (ب) \" استخرجتها \".\n(٤) انظر: مجمل اللغة (ص: ٣٩٤)، مادة \" شَوَرَ \"، المفردات (ص: ٤٦٩) مادة \" شَوَرَ \".\n(٥) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٨٠)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢٣٢).\n(٦) انظر: الناسخ والمنسوخ؛ للنَّحاس (ص: ٦٥٩)\n(٧) انظر: المصدر السابق، وقد رجّح النَّحاس أنَّها: محكمة، حيث قال: \" وهذا أولى من قول ابن زيد لأن الآية عامة \"، وهو رأي ابن جرير وابن الجوزي [انظر: جامع البيان (٢٥/ ٣٨)، زاد المسير (٧/ ١٢٢)، نواسخ القرآن؛ لابن الجوزي (ص: ٢٢١)].","vol":"1","page":2712},{"text":"﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ قيل: ذلك في القصاص.\nمجاهد: \" إذا قال أخزاه الله، فله أن يقول له مثل ذلك \" (١).\nوأفاد ﴿مِثْلُهَا﴾ قدر الجناية من غير زيادة.\nوسمى الثاني (سيئة) ازدواجًا للكلام وليست هي سيئة (٢).\nويحتَمل: أن المراد (بالسيئة) ها هنا ما يكرهه الناس طبعًا كالقصاص والقطع والحدود وغير ذلك (٣).\n﴿فَمَنْ عَفَا﴾ ترك الانتقام ﴿وَأَصْلَحَ﴾ ما بينه وبين أخيه، وقيل: أصلح العمل.\n﴿فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ أي: هو (٤) المتولي لذلك.\nوروي مرفوعًا: \" أنه ينادي يوم القيامة منادٍ من له أجر على الله فليقم، فيقوم من عفا ... وأصلح \" (٥).\n_________\n(١) انظر: تفسير البغوي (٧/ ١٩٨)، زاد المسير (٧/ ١٢٢).\n(٢) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٤/ ٣٠٥)، معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ٣٢٢).\n(٣) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٠٥٥).\n(٤) في (ب) \" أي: هو \".\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (بنحوه) في تفسيره (١٠/ ٣٢٨٠) عن أنسٍ - ﵁ -، وأورده البغوي في تفسيره (٧/ ١٩٨) عن الحسن، وأورده السيوطي في الدر المنثور (١٣/ ١٧٢)، وعزاه إلى ابن مردويه عن ابن عباس - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا كان يوم القيامة أمر الله مناديا ينادي ألا ليقم من كان له على الله أجر فلا يقوم إلا من عفا في الدنيا وذلك قوله: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾»، وأورد عن ابن مردويه عن ابن عباس - ﵄ - قال: قال النبي - ﷺ -: «إذا كان يوم القيامة نادى مناد من كان له على الله أجر فليقم فيقوم عنق كثير فيقال لهم: ما أجركم على الله؟ فيقولون: نحن الذين عفونا عمن ظلمنا \" وذلك قول الله: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾، فيقال لهم: ادخلوا الجنة بإذن الله»، وأورد عن ابن مردويه أيضًا عن الحسن - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن أول مناد من عند الله يقول: أين الذين أجرهم على الله؟ فيقوم من عفا في الدنيا فيقول الله أنتم الذين عفوتم لي ثوابكم الجنة»، وأورد عن سعيد بن منصور وابن المنذر عن محمد بن المنكدر - ﵁ - قال: «إذا كان يوم القيامة صرخ صارخ الأرض ألا من كان له على الله حق فليقم فيقوم من عفا وأصلح».","vol":"1","page":2713},{"text":"﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٤٠)﴾ المبتدئين (١) بالسيئة (٢).\nوقيل: المجازي بأكثر من السيئة، وقيل: الذين يمنعون الواجب.\n﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ أي: أخذ حقَّه بعد أن ظُلِمَ.\n﴿فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١)﴾ أي: سبيل (٣) إلى لومه.\nوقيل: ما عليهم من إثم.\n﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ﴾ باللوم والإثم (٤).\n﴿عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ يستطيلون (٥) على الناس ويفسدون عليهم.\n﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤٢)﴾ وجيع (٦).\n﴿وَلَمَنْ صَبَرَ﴾ أي: صبر على مظلمة، ولم يقتصّ ﴿وَغَفَرَ﴾ تجاوز عنه.\n﴿إِنَّ ذَلِكَ﴾ أي: الصبر والمغفرة.\n﴿لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣)﴾ أي: من الأمور التي (٧) ندب إليها (٨).\nوقيل: من الثابت الذي لا ينسخ.\n_________\n(١) في (أ) \" المبتدئ \".\n(٢) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٨٠)، جامع البيان (٢٥/ ٣٨).\n(٣) \" أي: سبيل \" ساقطة من (أ) \".\n(٤) في (أ) \" بالإثم واللوم \".\n(٥) أي: يتطاولون على الناس.\n(٦) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٨١)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢٣٥).\n(٧) في (أ) \" الذي \".\n(٨) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٨١)، جامع البيان (٢٥/ ٤٠).","vol":"1","page":2714},{"text":"والعزم: الإقدام على الأمر بعد الرويِّة والفكرة (١).\nوقيل: عزم الأمور: حقيقتها، والعائد إلى المبتدأ مقدَّر أي: منه وله.\nنزلت في أبي بكر الصديق - ﵁ - (٢).\n﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ بالخذلان ﴿فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ﴾ أي: ما له أحد يهديه بعد خذلان الله إيّاه (٣).\n﴿وَتَرَى الظَّالِمِينَ﴾ في القيامة ﴿لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ﴾ يعني: حين يرون فجاء بلفظ الماضي تحقيقًا.\n﴿يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ (٤٤)﴾ هل إلى رجعة إلى الدنيا من حيلة فنؤمن بك؟.\n﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا﴾ يساقون إليها.\nوأنَّث (العذاب) حملًا على المعنى وهو النار (٤)، وقيل: على جهنَّم.\n﴿خَاشِعِينَ﴾ ساكنين متواضعين (٥).\n﴿مِنَ الذُّلِّ﴾ الذِّلَّة والخزي والحزن.\n﴿يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ أي: ينظرون إلى النار بعين ضعيفة، وطرف ساقطة (٦).\nوالطَّرف: العين، وأصله مصدر فلم يجمع (٧).\n_________\n(١) قال الخليل: \" العَزْمُ: ما عَقدَ عليه القلبُ أَنَّكَ فاعلهُ، أو من أمرٍ تيقَّنْتَهُ \". [كتاب العين (١/ ٣٦٣) مادة \" عَزَمَ \"، وانظر: المفردات (ص: ٥٦٥) مادة \" عَزَمَ \"، لسان العرب (١٢/ ٣٩٩)، مادة \" عَزَمَ \"].\n(٢) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ٢٥)، النكت والعيون (٥/ ٢٠٩).\n(٣) انظر: جامع البيان (٢٥/ ٤٠)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢٣٥).\n(٤) انظر: الجامع لأحكام القرآن (١٦/ ٤٤)\n(٥) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٨١)، جامع البيان (٢٥/ ٤١)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢٣٥).\n(٦) في (ب) \" وطرف ساقط \".\n(٧) انظر: كتاب العين (٧/ ٤١٣) مادة \" طَرَفَ \"، لسان العرب (٩/ ٢١٣)، مادة \" طَرَفَ \".","vol":"1","page":2715},{"text":"وقيل: يسارقون النظر إلى النار حذرًا.\nوقيل: الطَّرف الخفي: عين القلب؛ لأنَّهم يُحشرون عميًا (١).\nوقيل: من طرف خفي ذليل (٢).\nوقيل: ينظرون إلى النار ببعض أبصارهم؛ لأنهم يجزعون من النظر إليها بجميع أبصارهم، وقيل: غضُّوا من أبصارهم استكانة وذلًا (٣).\nوقيل: ينظرون من تحت أشفارهم (٤).\n﴿وَقَالَ الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ أي: يقولون في القيامة إذا رأوا الظالمين، وقيل: يقولون في الدنيا، وقيل: هذا تعليم للمؤمنين.\n﴿إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ لا ينتفعون بأنفسهم.\n﴿وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ (٤٥)﴾ قيل: هذا من تمام كلامهم، وقيل: هذا تصديق من الله لهم.\n﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: يحولون بينهم وبين عذاب الله ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ يخذله.\n﴿فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ (٤٦)﴾ حُجَّة، وقيل: سبيل إلى النَّجاة.\n﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ﴾ أجيبوه إلى ما دعاكم إليه.\n_________\n(١) قال ابن عطية: \" وفي هذا التأويل تكلُّفٌ \" [المحرر الوجيز (٥/ ٤١)].\n(٢) وهو اختيار ابن جرير، حيث قال: \" والصَّواب من القول في ذلك، القول الذي ذكرناه عن ابن عباس ومجاهد، وهو أنَّ معناه: أنهم ينظرون إلى النار من طَرْف ذليلٍ وصفه الله جل ثناؤه بالخفاء، للذِّلة التي قد ركبتهم حتى كادت أعينهم أن تغور فتذهب \" [جامع البيان (٢٥/ ٤٢)].\n(٣) \" استكانة وذلًا \" ساقطة من (ب).\n(٤) الشُّفرُ: بالضم شُفْرُ العين، وهو ما نبت عليه الشعر، والجمع: أَشْفارٌ. [انظر: كتاب العين (٦/ ٢٥٣) مادة \" شَفُرَ \"، مجمل اللغة (ص: ٣٨٧) مادة \" شَفُرَ \"، لسان العرب (٤/ ٤١٨) مادة \" شَفُرَ \"].","vol":"1","page":2716},{"text":"﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾ وهو يوم القيامة، وقيل: يوم الموت.\n﴿لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ قيل: (مِنْ) متصَّل بيأتي، أي: يأتي يوم من الله لا مردَّ له، وقيل: متَّصل بمردَّ أي: لا يردُّه الله، وقيل: لا يرجع فيه بعدما حكم به.\n﴿مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَأٍ﴾ مفرٍّ وحرْزٍ.\n﴿يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ (٤٧)﴾ مُغِيْرٍ يدفع عذاب الله عنكم (١).\n﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا﴾ عن الإيمان.\n﴿فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ مسلَّطًا بحفظهم على الإيمان، ويمنعهم من الكفر، وقيل: حسيبًا، وقيل: كفيلًا بإيمانهم، وقيل: هذا قبل أن أُمر بالقتال.\n﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ أي: ليس عليك إلا تبليغ الرسالة وقد فعلتَ.\n﴿وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً﴾ نعمة وخصبًا وسَعة.\n﴿فَرِحَ بِهَا﴾ بطر لأجلها وزهى إعجابًا بها، فلم يشكر من أزلها وأسداها.\n﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ محنة وقحط وضيق.\n﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ بسبب معاصيهم عقوبة لها، وجمع حملًا على الجنس كما استثنى في العصر.\n﴿فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ (٤٨)﴾ يعدّ (٢) المصائب ويجحد النعم (٣).\nوقيل: يسخط من قضاء الله ولم يره عقوبة وهو من كفران النعمة.\nوقيل: هذا خاص، والمراد به الكفر بالله ﷾، ولهذا ذكر بلفظ المبالغة.\n_________\n(١) انظر: تفسير مجاهد (٢/ ٥٧٧)، جامع البيان (٢٥/ ٤٣)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢٣٦).\n(٢) في (ب) \" بعد \".\n(٣) انظر: جامع البيان (٢٥/ ٤٣).","vol":"1","page":2717},{"text":"﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ من غير اعتراض عليه.\n﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا﴾ بنات دون البنين، وقدَّم ذكر البنات تطييبًا لقلب آبائهن.\n﴿وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩)﴾ البنين دون البنات، وأدخل الألف واللام فضيلة للمذكر (١) وتعريفًا، ومراعاة لروي الآيات (٢).\n﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا﴾ أي ويهب (٣) لمن يشاء البنين والبنات.\nومعنى ﴿يُزَوِّجُهُمْ﴾: يجمعهم، وقيل: يقرنهم، من قول العرب: زوجتُ إبلي إذا قرن الضعيف بالقوي (٤).\nمجاهد: \"هو أن تلد المرأة غلامًا ثم جارية ثم غلامًا ثم جارية \" (٥).\nابن الحَنَفِيِّة (٦): \" تلد توأمًا غلامًا وجارية \" (٧).\n﴿وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا﴾ لا بنين له ولا بنات، والعقيم الذي لم يلد من الرجل والمرأة، والعقيم من الريح التي لا خير معها.\n_________\n(١) في (أ) \" فضيلة المذكر \".\n(٢) انظر: تفسير البيضاوي (٢/ ٣٦٦)، التسهيل (٤/ ٢٥).\n(٣) في (أ) \" أي: وهب \".\n(٤) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٤/ ٣٠٦)، معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ٣٢٥).\n(٥) انظر: تفسير مجاهد (٢/ ٥٧٧)، جامع البيان (٢٥/ ٤٤)، النكت والعيون (٥/ ٢١١).\n(٦) ابن الحنفية: محمد بن علي بن أبي طالب الهاشمي القرشي أبو القاسم بن الحنفية، وردت الرواية عنه في حروف القرآن، أمه خولة بنت جعفر بن قيس الحنفية من سبي اليمامة فدعي بها، رأى عمر وروى عن أبيه وعثمان وعمار وأبي هريرة وغيرهم - ﵃ -، كان من أفاضل أهل البيت ومن خيار التابعين، وكانت الشيعة تسميه المهدي، ومنهم من يجعله لم يمت، تُوُفِّي برضوى ودفن بالبقيع سنة ثلاث وسبعين، وقيل: إحدى وثمانين، وقيل: غير ذلك. [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: مشاهير علماء الأمصار (ص: ٧٩)، تهذيب التهذيب (٩/ ٣١٥)، غاية النِّهاية (٢/ ٢٠٤)].\n(٧) انظر: تفسير الثعلبي (٨/ ٣٢٥)، النكت والعيون (٥/ ٢١١).","vol":"1","page":2718},{"text":"ابن عباس ﵄: \" الآية خاصة في الأنبياء - ﵈ - وهب الله للوط - ﵇ - بنات، ولإبراهيم - ﵇ - بنين، ولمحمد - ﷺ - البنين والبنات، وجعل عيسى ويحي﵉ -: عقيما \" (١).\n[وقيل معناه: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا﴾: الدنيا، ﴿وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾ الآخرة ﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا﴾ الدنيا والآخرة ﴿وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا﴾ لا دنيا ولا عقبى] (٢) (٣).\n﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ﴾ بمصالح العباد.\n﴿قَدِيرٌ (٥٠)﴾ قادر على الكمال.\n﴿* وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا﴾ رؤيا منام، وقيل: نفثًا في الروع (٤)،\nوقيل: إلهامًا كما كان لداود - ﵇ - فإنه ألهم الزَّبور فكتب حفظًا (٥).\n﴿أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ قيل: حجاب عن إدراك ذلك الكلام إلا المكلم، وقيل: حجاب لموضع الكلام.\nوقيل: من وراء حجاب أي: بمنزلة ما يسمع من وراء حجاب؛ لأنه على خلاف المخاطبة كما كلم الله موسى - ﵇ -.\n_________\n(١) انظر: أخرجه الثعلبي في تفسيره (٨/ ٣٢٥) عن إسحاق بن بشر، وانظر: تفسير السمرقندي (٣/ ٢٣٧)، غرائب التفسير (٢/ ١٠٥٦)، قال ابن الجوزي: \" وهذه الأقسام موجودة في كل الناس، وإنما الأنبياء تمثيلًا \" [زاد المسير (٧/ ١٢٥)].\n(٢) ما بين المعقوفتين ساقط من (ب).\n(٣) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٠٥٦).\n(٤) الرَّوْعُ: الفزع، يقال: راعني هذا الأمرُ يَرُوعني وارتَعْت لهِ وروَّعَني فتروَّعْت منه، والرُّوع موضع الرَّوْع، وهو القلب \" [انظر: كتاب العين (٢/ ٢٤٢)، مادة \" رَوَعَ \"، لسان العرب (٨/ ١٣٥) مادة \" رَوَعَ \"].\n(٥) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٨٣)، جامع البيان (٢٥/ ٤٥)، معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ٣٢٦)، النكت والعيون (٥/ ٢١٢).","vol":"1","page":2719},{"text":"﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ جبريل - ﵇ -.\n﴿فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ كما جاء إلى محمد - ﷺ -.\nوجعل إرسال الرسول أحد أقسام الكلام.\nقوله: ﴿أَوْ يُرْسِلَ﴾ لا يجوز أن يكون محمولًا على أنْ المتقدمة؛ لأن الحمل عليه إنكار لإرسال الرسل، وذلك غير جائز بل يكون حملًا (١) على أنّ آخر تقديره: إلا وحيًا أو أن يرسل رسولًا.\nوقيل: ﴿أَوْ﴾ ها هنا بمعنى: إلا أن، كما تقول: لا أفارقك أو تعطيني حقِّي كأنه قال: إلا أن يرسل رسولًا فيوحي بإذنه.\nومن رفع ﴿يرسلُ﴾ ﴿فَيُوحِيَ﴾ جعله حالًا أو استئنافًا (٢).\n﴿إِنَّهُ عَلِيٌّ﴾ متعالٍ عمّا لا يليق به من الأوصاف.\n﴿حَكِيمٌ (٥١)﴾ يدبِّر ما يريد.\n﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ أي: كما أوحينا إلى سائر الأنبياء أوحينا إليك، بأن أرسلنا إليك جبريل - ﵇ - (٣).\nويحتمل: أنه إشارة إلى الخلال (٤) الثلاث لأنه - ﷺ - كان في بدء الأمر (٥) يرى الرؤيا، وسمع من وراء حجاب الكلام ليلة المعراج، وأتاه جبريل - ﵇ - على الدوام (٦).\n_________\n(١) في (ب) \" محمولًا \".\n(٢) قرأ نافع ﴿أو يرسلُ رسولًا﴾ برفع اللام ﴿فيوحيْ بإذنه﴾ بإسكان الياء، والجمهور على نصب اللام والياء ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ﴾ [انظر: جامع البيان (٢٥/ ٤٥) السَّبعة (ص: ٥٨٢)، معاني القراءات (٤/ ٣٠٦)، الحجة (٦/ ١٣٣)، التيسير (ص: ١٥٨)].\n(٣) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٨٣)، جامع البيان (٢٥/ ٤٦).\n(٤) في (ب) \" الخال \".\n(٥) في (ب) \" الإسلام \".\n(٦) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٠٥٧).","vol":"1","page":2720},{"text":"قوله: ﴿رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ أي: القرآن وسماَّه روحًا؛ لأن حياة الأديان به (١).\nوقيل: ﴿رُوحًا﴾: وحيًا، وقيل: رحمة، وقيل: جبريل - ﵇ - أي: أوحيناه بالقرآن إليك.\n﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ﴾ أي: قبل الوحي، ﴿وَلَا الْإِيمَانُ﴾ أي (٢): قبل البلوغ، وقيل: ﴿وَلَا الْإِيمَانُ﴾: لولا [إنعامنا عليك، وقيل: ولا أهل الإيمان.\nوقيل: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ﴾ لولا] (٣) الوحي وهذا أشدُّ اتصالًا بما قبله (٤).\n﴿وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ﴾ أي: الكتاب (٥)، وقيل: الإيمان، وقيل: يعود إليهما (٦).\n﴿نُورًا﴾ ضياء ﴿نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ نوفّق من كان أهلًا لذلك.\n﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي﴾ ترشد وتدعو.\n﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢)﴾ الإسلام.\nوعن علي بن أبي طالب - ﵁ -: \" كتاب مستقيم\" (٧).\n﴿صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ خلقًا وملكًا.\n_________\n(١) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٨٣)، جامع البيان (٢٥/ ٤٦)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢٣٧)، تفسير ابن أبي زمنين (٤/ ١٧٤)، النكت والعيون (٥/ ٢١٢)، تفسير السمعاني (٥/ ٨٨).\n(٢) \" أي \": ساقط من (أ).\n(٣) ما بين المعقوفتين ساقط من (ب).\n(٤) انظر: تفسير السمرقندي (٣/ ٢٣٧)، تفسير ابن أبي زمنين (٤/ ١٧٤)، تفسير الثعلبي (٨/ ٣٢٦).\n(٥) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٨٣)، جامع البيان (٢٥/ ٤٦) إعراب القرآن؛ للنَّحاس (٤/ ٦٤)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢٣٧)، تفسير ابن أبي زمنين (٤/ ١٧٤).\n(٦) قال الزَّجَّاج: \" ولم يقل: جعلناهما؛ لأنَّ المعنى: ولكن جعلنا الكتاب نورًا، وهو دليل على الإيمان \". [معاني القرآن (٤/ ٣٠٧)].\n(٧) انظر: النكت والعيون (٥/ ٢١٣).","vol":"1","page":2721},{"text":"﴿أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (٥٣)﴾ هذا وعيد بالجحيم، ووعد بالجنة والنعيم (١)، [والله أعلم بالصواب] (٢).\n_________\n(١) انظر: النكت والعيون (٥/ ٢١٣)، الجامع لأحكام القرآن (١٦/ ٥٩).\n(٢) ما بين المعقوفتين ساقط من (ب).","vol":"1","page":2722},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-149>سورة الزُّخْرُف </span>(١)\nتسع وثمانون آية (٢) (٣) مكِّية (٤).\nقال مُقَاتِل (٥): \" إلا آية من قوله: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا﴾ \" (٦).\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n﴿حم (١) وَالْكِتَابِ﴾ الكتاب (٧): القرآن، أقسم الله به أنَّه جعله بلسان العرب ليعقلوه.\nوقيل: أقسم به أن الله جعله قرآنًا عربيًا وليس بمفترى (٨) كما زعمه بعضهم، وهذا أولى بالجواب (٩)؛ لأنَّ كونه عربيًا غير مشكوك فيه.\nقال (١٠) القَفَّال (١١): \" يجوز أن يكون الكتاب عامًَّا، وجعلناه كناية عن غير مذكور كقوله:\n_________\n(١) كذا في جميع المصاحف والتفاسير، ولم تشتهر باسم غيره، ووجه التسمية أن كلمة ﴿وَزُخْرُفًا﴾ وقعت فيها، ولم تقع في غيرها من سور القرآن فعرَّفوها بهذه الكلمة [انظر: التحرير والتنوير (٢٥/ ١٥٧)].\n(٢) \" تسع وثمانون آية \" ساقطة من (أ).\n(٣) وهذا على العدِّ الكوفي [انظر: جامع البيان (٢٥/ ٤٧)، البيان في عدِّ آي القرآن (ص: ٢٢٣)، المحرر الوجيز (٥/ ٤٥)].\n(٤) وقد حكى ابن عطية في المحرر الوجيز (٥/ ٤٥) وابن الجوزي في زاد المسير (٧/ ١٢٧) الإجماع على مكِّيتها.\n(٥) مقاتل بن حيان النبطي البلخي، أبو بسطام، الخراز، الإمام العالم المُحَدِّث، الثِّقة، وقد كان من العلماء العاملين، ذا نُسُكٍ وفضل، صاحب سُنَّة، هرب من خراسان أيام أبي مُسْلِم صاحب الدولة، إلى بلاد كابل، فدعاهم إلى الله، فأسلم على يده خلق، قال عنه يحيى بن معين: \" ثقة \"، وقال أبو داود: \" ليس به بأس \"، وقال ابن خزيمة: \" لا أحتج به \"، وقد توفي في حدود الخمسين ومائة للهجرة. [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: مشاهير علماء الأمصار (ص: ٢٢٨)، سير أعلام النبلاء (٦/ ٣٤٠)، طبقات المفسرين؛ للدَّاوودي (٢/ ٣٢٩)].\n(٦) انظر: الكشاف (٤/ ٢٤٠)، زاد المسير (٧/ ١٢٧).\n(٧) \" الكتاب \" ساقط من (أ).\n(٨) في (أ) \" مفترى \".\n(٩) انظر: جامع البيان (٢٥/ ٤٧).\n(١٠) في (أ) \" فقال \".\n(١١) القَفَّال: محمد بن علي بن إسماعيل، أبو بكر الشَّاشي، الفقيه الشافعي المعروف بالقَفَّال الكبير، المُفَسِّر الفقيه الأصولي اللغوي الشاعر، عالم خراسان، وصاحب التصانيف، سمع من ابن خُزيمة وابن جرير، وأبي القاسم البَغَوي وأبي عَروُبة الحَرَّاني، تُوُفِّي سنة خمس وستين وثلاثمائة للهجرة. [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: وفيات الأعيان (٤/ ٢٠٠)، سِيَرُ أعلام النُّبَلاء (١٦/ ٢٨٣)، طبقات المفسرين؛ للسيوطي (ص: ٩٤)].","vol":"1","page":2723},{"text":"﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١)﴾ [القدر: (١)] \" (١).\nويحتمل على قول القَفَّال: أنَّ الكتاب لمَّا كان للجنس اشتمل على القرآن فصار كالمتقدم ذكره فجاز الكناية عنه.\nوقيل تقديره: وربِّ الكتاب، وقيل: الكتاب: اللوح المحفوظ.\nابن بحر: \" الكتاب: الخط، وأقسم به تعظيمًا لنعمته فيه، وفي القسم بالشيء تعظيم لذلك الشيء وتوكيد لما يقسم عليه\" (٢).\n﴿الْمُبِينِ (٢)﴾: أبان الأحكام، والحلال والحرام، وقيل: بيَّن الهدى والرَّشاد.\nوقيل: ﴿الْمُبِينِ﴾ البَيِّن؛ لأنه من حروفٍ يعرفونها.\nقال ابن عيسى: البيان: ما يظهر به المعنى للنَّفس عند الإدراك بالبصر والسمع، وذلك على خمسة أوجه: لفظ وخط وإشارة وعقد وهيئة كالإعراض وتكليح الوجه \" (٣).\n﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا﴾: أي: بيَّنَّاه بلغة العرب (٤).\nوقيل: وصَفْنَاه، وقيل: قلناه.\nالثعلبي: معنى ﴿جَعَلْنَاهُ﴾: سمَّيناه كقوله: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ [الزخرف: (١٩)] \" (٥) وهذا مزيفٌ؛ لأنَّ القرآن عربي في جميع الأحوال.\n﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣)﴾: لكي تفهموا معانيه، وما شرع لكم فيه، فيكون عامًَّا.\nوقيل: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ يعني العرب.\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٠٥٩).\n(٣) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٠٥٩)، ولم يذكر ابن عيسى.\n(٤) انظر: جامع البيان (٢٥/ ٤٨).\n(٥) انظر: تفسير الثعلبي (٨/ ٣٢٧).","vol":"1","page":2724},{"text":"وقيل: لعل: للطمع، أي: ليرجو محمدًا (١) - ﷺ - أن يسمعوا فيعقلوا فيؤمنوا.\n﴿وَإِنَّهُ﴾: عطف على القسم، أي: القرآن.\nوقيل: علم الساعة.\nوقيل: عمل بني آدم.\n﴿فِي أُمِّ الْكِتَابِ﴾: في اللوح المحفوظ، وسمَّاه أُمَّا (٢)؛ لأنه أصل كلِّ كتاب (٣).\nابن بحر: \" الكتاب: الحكمة: أي كلّ كتب الله منزل بالحكمة \" (٤).\nوقيل: هو الكتاب الذي فيه أعمال العباد عند الحفظة.\n﴿لَدَيْنَا﴾: عندنا، أي (٥): في محلِّ الشرف والكرامة لا يتطرق إليه التغيير والتبديل.\n﴿لَعَلِيٌّ﴾: عليُّ الشأن، وقيل: عليٌّ في البلاغة؛ لظهور ما بالعباد إليه الحاجة فيه.\n﴿حَكِيمٌ (٤)﴾: محكم (٦)، وقد سبق (٧)، واللام لخبر إنَّ.\nوالتقدير: وإنه لعلي حكيم في أمِّ الكتاب لدينا.\n﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ أفنمسك (٨) عن الذكر.\nتقول: ضَرَبَ عن الذكر وأضرب: إذا أمسك عنه (٩).\n_________\n(١) في (أ) \" محمد \".\n(٢) في (أ) \" وسما أمّ الكتاب \".\n(٣) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٨٥)، جامع البيان (٢٥/ ٤٨) غريب القرآن (ص: ٩٥)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢٣٩)، تفسير البغوي (٧/ ٢٠٥).\n(٤) انظر: النكت والعيون (٥/ ٢١٥)، غرائب التفسير (٢/ ١٠٦٠).\n(٥) \" أي\" ساقط من (أ).\n(٦) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٨٥)، معاني القرآن؛ للنَّحَّاس (٦/ ٣٣٤).\n(٧) في الآية الأولى من سورة يونس.\n(٨) في (أ) \" فنمسك \".\n(٩) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٤/ ٣٠٨)، معاني القرآن؛ للنَّحَّاس (٦/ ٣٣٥)، لسان العرب (١/ ٥٤٣)، مادة \" ضَرَبَ \".","vol":"1","page":2725},{"text":"قال القَفَّال: \" هذا من ضرب في الأرض إذا أبعدَ، وأنشد:\nأضرب عنك الهموم طارقها ... ضربك بالسيف قَوْنَس الفرس.\" (١) (٢)\nوالصفح: الإعراض مصدر من غير لفظ الفعل السابق، والأصل فيه: أن تولِّي (٣) الشيء صفحة عنقك (٤).\nوقيل: نُصِبَ على الحال، أي: صافحين، ولا يمتنع أن يكون مفعولًا له.\nوتأويل: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ أي: نكف ونمسك عنكم إنزال القرآن، والتذكير بالوعد والوعيد صفحًا إعراضًا عن تنبيهكم.\nوقيل: المراد بالذِّكر: هو أن يُذَكَّروا بالعقوبة، أي: يعاقبوا.\nوقيل: ضرب الذِّكر: رفْعُ القرآن عن الأرض، أي: أفنرفع القرآن من بين أظهركم لإشراككم مع علمنا بأنَّه سيأتي من يقبله ويعمل به.\nالسُّدِّي: \" أفنترككم سُدى لا نأمركم ولا ننهاكم \" (٥).\nالنَّقاش: \" نُهملكم فلا نُعَرِّفكم ما يجب عليكم \" (٦).\nوالأليق بالآية ذكر العذاب لقوله تعالى: ﴿فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا﴾ (٧).\n﴿أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ (٥)﴾: مشركين، قرئ بالفتح أي: لأن كنتم، وبالكسر، وله وجهان: أحدهما: أن يكونوا قومًا مُسرفين نضرب.\n_________\n(١) البيت منسوب لطرفة، كما قال ابن بري، وقونس الفرس: ما بين أذنيه وقيل عظم ناتئ بين أذنيه، وقيل: مقدم رأسه [انظر: لسان العرب (٦/ ١٨٣) مادة \" قنس \"، الكشاف (٤/ ٢٤١)، المحرر الوجيز (٥/ ٤٩٦)].\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) في (ب) \" أن يولِّي \".\n(٤) انظر: معاني القرآن؛ للنَّحَّاس (٦/ ٣٣٤)، المفردات (ص: ٤٨٦) مادة \" صَفَحَ \"، لسان العرب (٢/ ٥١٢)، مادة \" صَفَحَ \"\n(٥) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (٢٥/ ٤٩)، وأورده البغوي في تفسيره تفسير البغوي (٧/ ٢٠٦)، وابن الجوزي في زاد المسير (٧/ ١٢٨).\n(٦) انظر: النكت والعيون (٥/ ٢١٦).\n(٧) وهو اختيار ابن جرير والزجاج وغيرهما [انظر: جامع البيان (٢٥/ ٤٩)، معاني القرآن؛ للزَّجاج (٤/ ٣٠٨)، تفسير الثعلبي (٨/ ٣٢٧)].","vol":"1","page":2726},{"text":"والثاني: أن يقع مثل هذا نضرب عنكم، وقد مضى في قوله: ﴿أَنْ صَدُّوكُمْ﴾ [المائدة: (٢)] (١).\nوقول من قال: (أنْ) بمعنى: (إذْ) مُزَيَّف (٢).\n﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ (٦)﴾ أي: ما أكثر ما أرسلنا من الأنبياء في الأمم الماضين.\n﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٧)﴾ أي: لم يكن يأتيهم نبي إلا استهزؤا به كما استهزأ قومك بك.\n﴿فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ﴾ أي: أشدهم.\n﴿بَطْشًا﴾: كعاد وثمود، و(مِنْ): زيادة، وقيل: أشد من قومك بطشًا.\nويحتمل أن التقدير: أشدَّ منكم، فجاء بالهاء كما في قوله: ﴿كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ [يونس: (٢٢)] (٣).\n﴿وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ (٨)﴾: سُنَّتهم وعقوبتهم (٤)، وقيل: صفتهم وذكرهم في القرآن، وقيل: حديثهم والإخبار عنهم: ﴿وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ (٤٥)﴾ [إبراهيم: (٤٥)].\n﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ أي: القوم المشركين (٥)، وقيل: الرسل.\n_________\n(١) قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وابن عامر ﴿صَفْحًا أَنْ﴾ بفتح الألف، وقرأ نافع وحمزة والكسائي ... ﴿صَفْحًا﴾ إِنْ بكسر الألف [انظر: جامع البيان (٢٥/ ٥٠)، السبعة في القراءات (ص: ٥٨٤)، معاني القراءات (ص: ٤٣٧)، الحجة (٦/ ١٣٨)، التيسير (ص: ١٥٨)].\n(٢) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٠٦٠).\n(٣) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٠٦٠).\n(٤) انظر: جامع البيان (٢٥/ ٥١)، معاني القرآن؛ للنَّحَّاس (٦/ ٣٣٨)، النكت والعيون (٥/ ٢١٦).\n(٥) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٨٦)، جامع البيان (٢٥/ ٥٢)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢٤٠).","vol":"1","page":2727},{"text":"﴿مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ﴾: المنيع، فلا يغالب.\n﴿الْعَلِيمُ (٩)﴾: فلا يخفى عليه شيء، وتم كلامهم.\nثم وصف الله تعالى نفسه بناءً على كلامهم فقال:\n﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا﴾ فيكون رفعًا بالوصف، ويجوز أن يكون استئنافًا، أي: هو الذي جعل لكم الأرض.\n﴿مَهْدًا﴾: موضع قرار وطمأنينة (١)، وقرئ ﴿مِهَادًا﴾، وقد سبق (٢).\n﴿وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا﴾: طُرقًا لتسلكوا فيها (٣) لأمور الدين والدنيا.\n﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠)﴾: لكي تهتدوا في أسفاركم، وقيل: تهتدوا إلى الإيمان.\n﴿وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ﴾ على قدر حاجة العباد إليه (٤).\n﴿فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ مقفرة من النبات (٥)، وذكِّر حملًا على المكان.\n﴿كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (١١)﴾: أي: كما أحيينا الأرض بعد موتها نحييكم (٦) بعد موتكم فتُخْرَجون وتَخْرُجون من قبوركم (٧).\n_________\n(١) انظر: تفسير السمرقندي (٣/ ٢٤٠).\n(٢) قرأ حمزة والكسائي وعاصم ﴿مَهْدًا﴾ والباقون ﴿مِهَادًا﴾ بالألف [انظر: جامع البيان (١٦/ ١٧٤)، السبعة (ص: ٤١٨)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢٤٠) معاني القراءات (ص: ٢٩٢)، التيسير (ص: ١٢٣)، وقد سبق في سورة طه (الآية: ٥٣) فالقراءة واحدة في الموضعين].\n(٣) \" لتسلكوا فيها \" ساقطة من (ب).\n(٤) \" إليه \" ساقطة من (أ).\n(٥) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٨٦)، جامع البيان (٢٥/ ٥٢)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢٤٠).\n(٦) في (ب) \" يحييكم \".\n(٧) يشير إلى القراءتين في الآية، فقد قرأ حمزة والكسائي وابن عامر ﴿كَذَلِكَ تَخْرُجُونَ﴾ بفتح التاء وضم الراء، وقرأ الباقون ﴿كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (١١)﴾ بضم التاء وفتح الراء [انظر: السبعة (ص: ٢٧٩)، معاني القراءات (ص: ١٧٧)، التيسير (ص: ١٥٨)، البحر المحيط (٩/ ٣٦١)].","vol":"1","page":2728},{"text":"﴿وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا﴾ أي: النبات من كل زوج بهيج.\nوقيل: جميع الأصناف من كل الأشياء كالذكر والأنثى، والسماء والأرض، والشمس والقمر، والليل والنهار، والصيف والشتاء، والجنة والنار (١).\n﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ﴾: السفن.\n﴿وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (١٢)﴾: قيل: الإبل خاصة، وقيل: جميع ما يركب (٢).\n﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾: جمع الظهر حملًا على اللفظ والمعنى، ووحَّد الهاء حملًا على لفظ الفلك (٣)، وقيل: على الأنعام، كقوله: ﴿فِي بُطُونِهِ﴾ في النحل [الآية: (٦٦)].\nوقيل: حملًا على لفظ (ما)، وهو الوجه (٤)، والمعنى: لتنتفعوا بركوبها برًَّا وبحرًا.\n﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ أي: تذكروها بقلوبكم.\n﴿وَتَقُولُوا﴾: بألسنتكم.\n_________\n(١) وهذا القول أعمُّ من سابقة، وهو رأي الجمهور [انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٨٦)، جامع البيان (٢٥/ ٥٣)، معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ٣٣٨)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢٤٠)، تفسير البغوي (٧/ ٢٠٧)].\n(٢) وهذا القول أعمُّ من سابقة كذلك [انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٨٦)، جامع البيان (٢٥/ ٥٣)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢٤٠)، تفسير البغوي (٧/ ٢٠٧)].\n(٣) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ٢٨)، جامع البيان (٢٥/ ٥٣)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢٤٠)، النكت والعيون (٥/ ٢١٨).\n(٤) وهو رأي أبي عبيدة والنَّحَّاس وغيرهما، قال أبو جعفر النَّحَّاس: \" وأولى من هذا أن يكون يعود على لفظ ... (ما)؛ لأنَّ لفظها مُذَكَّرٌ مُوَحَّدٌ، وكذا ﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣)﴾، جاء على التذكير \"، [إعراب القرآن (٤/ ٦٧)، وانظر: مجاز القرآن (٢/ ٢٠٢) تفسير السمعاني (٥/ ٩٣)، الجامع لأحكام القرآن (١٦/ ٦٤)].","vol":"1","page":2729},{"text":"﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا﴾ [تنزيها لله الذي] (١) ذلَّل هذا المركوب لنا.\n﴿وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣)﴾: لم نطق ركوبها مع صعوبتها، والمقرن: المطيق.\nأبو عبيدة \": المقرن: الضابط \" (٢).\nوقيل: المماثل: تقول: أقرنت فلانًا، إذا صرت قِرنًا له، وقيل: من المقارنة، كأنَّ المعنى: نطيق حمله في تصرفه (٣).\nوقيل: نطيق: أي: يقرن (٤) بعضها ببعض حتى نسيرها إلى حيث نريد.\n﴿وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ (١٤)﴾ أي: راجعون إلى الله في آخر عمرنا (٥).\nطاووس (٦): \"حقٌّ على كل مسلم إذا ركب دابَّة أو سفينة أن يقول: اللهم لك الحمد هذا من فضلك ونعمك علينا، فلك الحمد، سبحان الذي سخَّر لنا هذا وما كنَّا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون \" (٧).\nوقيل: معنى قوله: ﴿وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ (١٤)﴾ أي: راجعون في آخر عُمرنا على مركبٍ آخر، وهو الجنازة، أمر بهذا التذكر عند ركوبه مركب الدنيا آخر مركبه منها.\n﴿وَجَعَلُوا لَهُ﴾: اعتقدوا، وقيل: أثبتوا ﴿مِنْ عِبَادِهِ﴾ أي: الملائكة.\n_________\n(١) ما بين المعقوفتين ساقط من (ب).\n(٢) مجاز القرآن (٢/ ٢٠٢).\n(٣) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٨٧)، جامع البيان (٢٥/ ٥٤)، غريب القرآن (ص: ٤٤٩)، معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ٣٤٠)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢٤٠)، النكت والعيون (٥/ ٢١٨).\n(٤) في (ب) \" أن نقرن \".\n(٥) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٨٧)، جامع البيان (٢٥/ ٥٥)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢٤٠).\n(٦) طاووس بن كيسان الهمداني الخولاني، أمه من فارس، أبو عبد الرحمن اليماني، من فقهاء أهل اليمن وعبادهم وخيار التابعين وزهادهم، وحديثه في دواوين الإسلام، وهو حُجَّة باتفاق، وكانت وفاته بالحج بمنى سنة إحدى ومائة للهجرة، وصلَّى عليه هشام بن عبد الملك بن مروان بين الركن والمقام [انْظُر تَرْجَمَتَه: مشاهير علماء الأمصار (ص: ١٥٠)، سير أعلام النبلاء (٥/ ٣٨)، طبقات المفسرين؛ للأدنه وي (ص: ١٢)].\n(٧) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٠٦١).","vol":"1","page":2730},{"text":"﴿جُزْءًا﴾: مثلًا، وقيل: ولدًا؛ لأنَّ الولد بعض أبيه، وجزء منه (١)، وقيل: بنتًا (٢).\nقال:\nإن أجزأت حرة يومًا فلا عجب ... قد تجزئ الحرَّةُ المِذْكَار أحيانًا (٣) (٤).\nالزَّجاج: \"لا أدري أَمُوَلَّدٌ هذا البيت أم عربي؟ \" (٥).\nوقيل: معنى هذه الآية معنى قوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا﴾ الآية [الأنعام: (١٣٦)] (٦).\n_________\n(١) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٨٧)، جامع البيان (٢٥/ ٥٥)، معاني القرآن؛ للنَّحَّاس (٦/ ٣٤١).\n(٢) في (ب) \" نبتًا \".\n(٣) البيت غير منسوب في معاني القرآن؛ للزجاج (٤/ ٣٠٩) وفي لسان العرب (١/ ٤٥)، مادة \"جزء \"، ومعنى البيت كما قال الزَّجَّاج: \" أي: إن أنَّثت، ولدت أنثى \".\n(٤) وأنكر هذا القول الزمخشري فقال \" ومن بدع التفاسير تفسير الجزء بالإناث، وادعاء أنَّ الجزء في لغة العرب اسم للإناث، وما هو إلا كذب على العرب ووضع مستحدث منحول، ولم يقنعهم ذلك حتى اشتقوا منه أجزأت المرأة، ثم صنعوا بيتًا وبيتًا \" [الكشاف (٤/ ٢٤٥)].\nوالصحيح أن المراد بالآية الإناث على كلا التفسيرين، الولد أو الإناث؛ لأنَّ الولد يشمل الذكر والأنثى، والسياق هنا يدلُّ على الإناث، وهذا هو اختيار ابن جرير كما قال: \"وجعل هؤلاء المشركون لله من خلقه نصيبًا، وذلك قولهم للملائكة: هم بنات الله، وإنما اخترنا القول الذي اخترناه في تأويل ذلك؛ لأنَّ الله جلَّ ثناؤه أتبع ذلك قوله: ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ (١٦)﴾ توبيخًا لهم على قولهم ذلك، فكان معلومًا أنَّ توبيخه إيَّاهم بذلك، إنما هو عمَّا أخبر عنهم من قِيلهم ما قالوا، في إضافة البنات إلى الله جلَّ ثناؤه \" [جامع البيان (٢٥/ ٥٥)]، وهو رأي الشنقيطي، إذ يقول: \" والوجه الثاني، وهو التحقيق - إن شاء الله - أنَّ المراد بالجزء في الآية الولد، وأنَّه أطلق عليه اسم الجزء؛ لأنَّ الفرع كأنَّه جزء من أصله، والولد كأنَّه بضعة من الوالد كما لا يخفي،\nوأمَّا كون المراد بالولد المعبَّر عنه بالجزء في الآية خصوص الإناث؛ فقرينة السِّياق دالة عليه دلالة واضحة؛ لأنَّ جعل الجزء المذكور لله من عباده هو بعينه الذي أنكره الله إنكارًا شديدًا، وقَرَعَ مرتكبه تقريعًا شديدًا في قوله تعالى بعده ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ (١٦) وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا. . .﴾ إلى قوله ﴿وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ (١٨)﴾ \" [أضواء البيان (٧/ ٢١٥)].\n(٥) معاني القرآن (٤/ ٣٠٩)\n(٦) قال الشنقيطي عن هذا القول: \" غير صوابٍ في الآية؛ لأنَّ المجعول لله في آية الأنعام، هو النصيب مما ذرأ من الحرث والأنعام، والمجعول له في آية الزخرف هذه، جزء من عباده لا مما ذرأ من الحرث والأنعام، وبين الأمرين فرقٌ واضح كما ترى \" [أضواء البيان (٧/ ٢١٥)].","vol":"1","page":2731},{"text":"﴿... إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (١٥) أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ (١٦)﴾ اختار لكم البنين (١) وهو أفضل، ولنفسه البنات وهنَّ أدون (٢).\n﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا﴾ وهو البنت.\n﴿ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ لما يعتريه من الكآبة والغم.\n﴿وَهُوَ كَظِيمٌ (١٧)﴾: مملوء حُزنًا (٣).\nوقيل: ينطوي على حزنٍ خفي (٤).\n﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ﴾ (٥) أي: البنات، وقيل: الجواري، وقيل: الأصنام (٦).\n﴿وَهُوَ فِي الْخِصَامِ﴾: في المجادلة والذَّب عن الحريم.\n﴿غَيْرُ مُبِينٍ (١٨)﴾: لا ينطق بحجَّة في الخصومة ولا بلاغة عنده (٧)، وقيل: ما تحاكمت المرأة إلا نطقت بما هو عليها.\nومن حمل على الصنم فالمعنى: هو عاجز عن الجواب.\nوقيل: الخصام: جمع خصم.\nو(مَنْ) في محل نصب، أي: جعلوا من ينشأ، وقيل: رفع بالابتداء، وخبره مضمر أي كضده، وقيل: محله جرَّ حملًا على قوله: ﴿بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا﴾.\n_________\n(١) \" البنين \" ساقط من (ب).\n(٢) هذا على حسب حالهم، ويدل عليه ما بعده.\n(٣) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٨٧)، جامع البيان (٢٥/ ٥٦)، معاني القرآن؛ للنَّحاس (٤/ ٧٥) - وفيه قال النَّحاس: \" الكظيم: الحزين الذي يُخْفِي غيظه ولا يشكو ما به \".\n(٤) في (ب) \" خزي خفي \".\n(٥) المعنى: كما قال ابن جرير: \" يقول تعالى ذكره أَوَ مَنْ ينبت في الحلية ويزين بها \" [جامع البيان (٢٥/ ٥٦)].\n(٦) يعني بهذه الأقوال المراد بذلك [انظر: جامع البيان (٢٥/ ٥٦)، النكت والعيون (٥/ ٢١٩)].\n(٧) انظر: \" تفسير مقاتل (٣/ ١٨٧)، جامع البيان (٢٥/ ٥٦)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢٤١).","vol":"1","page":2732},{"text":"﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ أي: قالوا، وقيل: حكموا، وقيل: سَمُّوا، و﴿عِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾: جمع عبد، وقيل: جمع عابد.\nوقرئ: ﴿عِنْدَ الرَّحْمَنِ﴾ (١) أي: مقرَّبون منه كرامة لا مسافة تعالى الله عن ذلك.\n﴿إِنَاثًا﴾ أي: وصفوهم بالتأنيث خطأ، كما وصفوه بالولد خطأ، ثمَّ بالأدون خطأً وجهلًا.\n﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾: أحضروا وقت خلق الله إياهم فشاهدوهم إناثًا.\nوقيل: أشاهدوا خلقهم ورأوا صورهم.\nوالمعنى: لم يحضروا خلقي إياهم ولم يصح عندهم ذلك بالسمع فقد كذَّبوا.\nوقرئ: ﴿أَأُشهِدوا﴾ (٢) على المجهول (٣).\n﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ﴾: على الملائكة، أي: تحفظ (٤) (٥).\n﴿وَيُسْأَلُونَ (١٩)﴾ أي: عن الشهادة وهذا (٦) وعيد لهم.\n﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾: أي الأصنام، وقيل: الملائكة.\n_________\n(١) قراءة ﴿عِنْدَ الرَّحْمَنِ﴾ قرأ بها ابن كثير ونافع وابن عامر، وقرأ عاصم وأبو عمرو وحمزة والكسائي ... ﴿عِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ بالباء [انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ٢٩)، جامع البيان (٢٥/ ٥٨) السبعة (ص: ٥٨٥)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٤/ ٦٩)، معاني القراءات (ص: ٤٣٨)، الحجة (٦/ ١٤٠)، التيسير (ص: ١٥٩)].\n(٢) في (أ) \" أُشْهدوا \".\n(٣) قرأ نافع وحده ﴿أاُشهدوا﴾ بهمزة مفتوحة بعدها ضمة من أشهدوا، والمسيبي عن نافع ﴿آاُشهدوا ...﴾\nوالباقون عن نافع لا يمدون، وقرأ الباقون ﴿أَشَهِدُوا﴾، وقال في التيسير بهمزتين الثانية مضمومة مسهلة بين الهمزة والواو [انظر: جامع البيان (٢٥/ ٥٨)، (السبعة ص: ٥٨٥)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٤/ ٦٩)، معاني القراءات (ص: ٤٣٨)، الحجة (٦/ ١٤١)، التيسير (ص: ١٥٩)].\n(٤) في (أ) \" أي: يُحفظ \".\n(٥) انظر: جامع البيان (٢٥/ ٥٨)، تفسير الثعلبي (٨/ ٣٣١)، الوجيز؛ للواحدي (٢/ ٩٧٢).\n(٦) في (ب) \" هذا \".","vol":"1","page":2733},{"text":"وقيل: لو شاء الرحمن ما أمرنا بعبادتهم كقولهم: ﴿وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ [الأعراف: (٢٨)].\nوقيل: قالوها استهزاء، وقيل معناه: لو لم يشاء لعذبنا عليها.\n﴿مَا لَهُمْ بِذَلِكَ﴾ بكون الملائكة بنات (١) ﴿مِنْ عِلْمٍ﴾ دلالة عقلية.\n﴿إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (٢٠)﴾ ما هم إلا كاذبون (٢).\nوقيل: ﴿مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾، أي: لم أُعلمهم (٣) ما عندي من المشيئة في ذلك.\n﴿أَمْ آَتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ﴾ من قبل القرآن (٤)، وقيل: من قبل هذا القول منهم، أي: كتابًا فيه جواز عبادة الأصنام.\n﴿فَهُمْ بِهِ﴾ بذلك الكتاب ﴿مُسْتَمْسِكُونَ (٢١)﴾ آخذون عاملون، استفهام إنكار.\nوقيل: فيه تقديم وتأخير تقديره: أشهدوا خلقهم أم آتيناهم كتابًا فيه: إن الملائكة إناث.\n﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ دين وملة وطريقة (٥).\n﴿وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (٢٢)﴾ مُتَّبعون، أي: قلَّدوا آباءهم من غير حُجَّة.\nوفي بعض التفاسير: أنَّها نزلت في الوليد بن المغيرة، وأبي سفيان بن حرب، وأبي جهل بن هشام، وعُتْبة وشيْبة ابني ربيعة من قريش (٦).\n﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ﴾ بلدة.\n﴿مِنْ نَذِيرٍ﴾ نبي.\n_________\n(١) في (أ) \" بناتًا \".\n(٢) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٨٧)، تفسير السَّمرقندي (٣/ ٢٤٢)، تفسير الثعلبي (٨/ ٣٣١).\n(٣) في (ب) \" لا أعلمهم \".\n(٤) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٨٨)، جامع البيان (٢٥/ ٥٩)، تفسير السَّمرقندي (٣/ ٢٤٢).\n(٥) انظر: جامع البيان (٢٥/ ٥٩)، معاني القرآن؛ للنَّحَّاس (٦/ ٣٤٦)، النكت والعيون (٥/ ٢٢١).\n(٦) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٨٨)، النكت والعيون (٥/ ٢٢١)","vol":"1","page":2734},{"text":"﴿إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا﴾ مُتنعموها.\n﴿إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣)﴾ هذا تسلية للنبي (١) - ﷺ - أي: هذا دأب كل قوم، وأن تقليد الآباء والكبراء داءٌ قديم (٢).\n﴿* قَالَ﴾ أي: النذير، ومن قرأ ﴿قُلْ﴾: أي: أوحينا إلى النذير.\nوقيل: قل يا محمد، والأول أظهر (٣).\n﴿أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آَبَاءَكُمْ﴾ وجواب (لو) مُقَدَّر تقديره: أتقيمون على دين آبائكم، والمعنى: جميع الأنبياء دعوا أممهم إلى ترك التَّقليد.\n﴿قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٢٤)﴾ أي: قال المُترفون.\n﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ أي: (٤) أهلكناهم هلاك استئصال.\n﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٢٥)﴾ أي: عاقبة تكذيبهم الرُّسل.\nقال القفَّال: \" ليس هذا لمحمد - ﷺ - ولا لأمَّته \" (٥).\n﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦)﴾ أي: اذكر إذ قال.\nوقيل: تقديره ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ﴾ الآية ﴿قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾.\nوقوله: ﴿بَرَاءٌ﴾: مصدر أي: بريء، وقيل: وصف كهيمٍ وكهامٍ (٦) (٧).\n_________\n(١) في (ب) \" تسلية النبي\".\n(٢) انظر: تفسير البيضاوي (٢/ ٣٧١)، تفسير النسفي (٤/ ١٠٨٢).\n(٣) قرأ ابن عامر وحفص عن عاصم ﴿قَالَ﴾ بألف، وقرأ الباقون وأبو بكر عن عاصم ﴿قُلْ﴾ بغير ألف [انظر: السبعة (ص: ٥٨٥)، معاني القراءات (ص: ٤٣٨)، الحجة (٦/ ١٤٧)، التيسير (ص: ١٥٩)].\n(٤) \" أي \" ساقط من (ب).\n(٥) لم أقف عليه.\n(٦) يقال: كَهُمَ الرجل وكَهَمَ يَكْهَم كَهامةً، فهو كَهامٌ وكَهِيمٌ وتكَهَّمَ: بَطُؤَ عن النُّصرة والحرب، وفَرَسٌ كَهام بِطيء عن الغاية، ورجل كَهام وكَهِيم: ثقيل مُسِنٌّ. [انظر: كتاب العين (٣/ ٣٨٢) مادة \" كَهَمَ \"، مجمل اللغة (ص: ٦١٣) مادة \" كَهَمَ \"، لسان العرب (١٢/ ٥٢٩) مادة \" كَهَمَ \"].\n(٧) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ٣٠)، جامع البيان (٢٥/ ٦٢)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٤/ ٣١١)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٤/ ٧٠)، النكت والعيون (٥/ ٢٢٢)].","vol":"1","page":2735},{"text":"﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾: قيل: الاستثناء مُتَّصل، وكان فيهم من يعبد الله، وقيل: منقطع (١).\nوقيل: محله جرَّ بالبدَل مِنْ (مَا) في قوله: ﴿مِمَّا﴾، أي: إلا من الذي فطرني.\n﴿فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧)﴾ يثبتني على الهداية (٢)، وقيل: يثيبني.\n﴿وَجَعَلَهَا﴾ أي: جعل إبراهيم، وقيل: جعل الله، والكناية تعود إلى قوله: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ﴾ الآيتين، والمعنى: أوصى ولده بعبادة الله، والبراءة من كل معبود سوى الله.\nوقيل: كناية عن شهادة إلا إله إلا الله، وقيل: عن كلمة التوحيد، وقيل: عن كلمة الإسلام، والكلُّ واحد (٣).\n﴿كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ مَنْ خَلَفَه.\nوقيل: في ذرِّيته ولده وولد ولده (٤)، وقيل: هذا حُكم باقي إلى آخر الأبد، أي (٥): لم يزل في ولد إبراهيم من يوَحِّد ولا يُشرك.\n﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٨)﴾ التَّرجي لإبراهيم (٦)، أي: قال ما قال لقومه رجاء قبولهم ذلك منه. وقيل: قل يا محمد مثله لقومك فإنَّهم ولده، لعلهم يرجعون إلى الله وإلى مِلَّته.\n_________\n(١) انظر: إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٤/ ٧٠)، النكت والعيون (٥/ ٢٢٢)، المحرر الوجيز (٥/ ٥٢).\n(٢) انظر: جامع البيان (٢٥/ ٦٢)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢٤٣).\n(٣) انظر: جامع البيان (٢٥/ ٦٣)، معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ٣٤٩)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢٤٣)، النكت والعيون (٥/ ٢٢٢).\n(٤) انظر: جامع البيان (٢٥/ ٦٣)، معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ٣٤٩)، النكت والعيون (٥/ ٢٢٢).\n(٥) في (أ) \" أي أي \".\n(٦) انظر: تفسير النسفي (٤/ ١٠٨٢).","vol":"1","page":2736},{"text":"﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ وَآَبَاءَهُمْ﴾ في الدنيا بالإمهال والسلامة من العذاب لعلمي (١) بمن يولد منهم فيؤمنون.\n﴿حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ﴾ التوحيد والإيمان والقرآن.\n﴿وَرَسُولٌ﴾ محمد - ﷺ - ﴿مُبِينٌ (٢٩)﴾ ظاهر بالمعجزات (٢)، وقيل: يبين لهم الهدى والرَّشاد.\n﴿وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ﴾: القرآن والمعجزة (٣) ﴿قَالُوا هَذَا سِحْرٌ﴾: شيء لا ثبات له، وقيل: معنى سِحر حيلة خفية توهم المعجزة ﴿وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ (٣٠)﴾.\n﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآَنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ﴾ أي: إحدى القريتين مكة والطائف (٤).\n﴿عَظِيمٍ (٣١)﴾: له أعوان وأموال (٥).\nوعنوا بعظيم مكَّة: الوليد بن المُغيرة، [وقيل: الأخنس بن شُريق] (٦) (٧)، وقيل: عتبة بن ربيعة، وقيل: أبو جهل.\n_________\n(١) \" لعلمي \" ساقط من (ب).\n(٢) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٨٩)، جامع البيان (٢٥/ ٦٤) - وفيه يقول ابن جرير: \" يعني بقوله: ﴿وَرَسُولٌ مُبِينٌ (٢٩)﴾ محمدًا - ﷺ - والمبين: أنه يُبَيِّن لهم بالحُجَجِ التي يحتج بها عليهم أنَّه لله رسولٌ مُحِقٌّ فيما يقول \" -.\n(٣) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٨٩)، جامع البيان (٢٥/ ٦٤)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢٤٣).\n(٤) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٨٩)، معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ٣١)، جامع البيان (٢٥/ ٦٦)، التعريف والإعلام (ص: ١٥٢).\n(٥) انظر: تفسير البيضاوي (٢/ ٣٧٢)، التسهيل (٤/ ٢٨)، البحر المحيط (٩/ ٣٦٩).\n(٦) ما بين المعقوفتين ساقط من (أ).\n(٧) الأخنس بن شُريق بن عمرو بن وهب بن علاج الثقفي، يكنى أبا ثعلبة. واسمه أُبِيُّ بن شريق، ثمَّ عُرف بالأخنس، وذلك أنَّه كان حليفًا لبني زهرة ومقدمًا فيهم، فلمَّا خرجت قريش إلى بدر، وأتاهم الخبر عن أبي سفيان ابن حرب أنه قد نجا من النبي - ﷺ -، وأجمعت قريش على إتيان بدر، أشار الأخنس على بني زهرة بالرجوع إلى مكة، فعادوا، فلم يقتل منهم أحد ببدر، وحينئذ لقب: الأخنس، ثم أسلم فكان من المؤلفة قلوبهم، وشهد حنينًا، وتوفي في أول خلافة عمر بن الخطاب - ﵁ -. [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: أسد الغابة (١/ ١٦٦)، الإصابة (١/ ١٩٢)].","vol":"1","page":2737},{"text":"وبعظيم الطائف: حبيب بن عمرو الثقفي (١)، وقيل: ابن عبد ياليل (٢)، وقيل: عروة ... ابن مسعود (٣)، وقيل: أبو (٤) مسعود الثقفي (٥) (٦).\n﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ يريد: النبوة (٧)، فيضعوها حيث شاؤوا.\n_________\n(١) حَبِيْبُ بن عمرو بن عُمَير بن عوف بن غِيَرَة بن عوف الثقفي، وهو أخو عبد ياليل بن عمرو ومسعود بن عمرو، وكانوا من أشراف الطائف، وقد دخلوا في الإسلام، وروى ابن جرير من طريق عكرمة في قوله تعالى:\n\" ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ الآية [البقرة: (٢٧٨)] قال: نزلت في ثقيف: منهم مسعود، وحبيب، وربيعة، وعبد ياليل، بنو عمرو بن عمير، وكذا ذكره مقاتل في تفسيره، وأخرجه ابن منده من طريق الكلبي عن أبي صالح عن بن عباس، ولم أجد من أخباره ووفاته شيئًا غير ما ذكر.\n[انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: أسد الغابة (١/ ٦٧٧) الإصابة (٢/ ١٩)].\n(٢) لعلَّ المقصود هو حبيب المتقدم ذكره، وقد جاء في بعض الروايات أو أن يكون المقصود هو أخوه عبد ياليل ابن عمرو المتقدم ترجمته في (ص: ٢٥٤)، والله أعلم.\n(٣) عروة بن مسعود بن معتب بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعيد بن عوف الثقفي، أبو مسعود، وقيل: أبو يعفور، شهد صلح الحديبية، وهو ممن أرسلته قريش إلى النبي - ﷺ - يوم الحديبية، فعاد إلى قريش وقال لهم: \" قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها \"، ولما انصرف رسول الله - ﷺ - من الطائف اتبع أثره عروة بن مسعود حتى أدركه قبل أن يصل إلى المدينة فأسلم، وسأل رسول الله - ﷺ - أن يرجع إلى قومه بالإسلام، فقال له رسول الله - ﷺ -: ...\n\" إن فعلت فإنهم قاتلوك \"، فقال له عروة: يا رسول الله، أنا أحب إليهم من أبصارهم، وكان فيهم محببًا مطاعًا، فخرج يدعو قومه إلى الإسلام فاظهر دينه رجاء ألا يخالفوه لمنزلته فيهم، فلما أشرف على قومه وقد دعاهم إلى دينه رموه بالنبل من كل وجه فأصابه سهم فقتله - ﵁ -. [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: الاستيعاب (٣/ ١٧٦)، أسد الغابة (٤/ ٣٠)].\n(٤) \" أبو \" ساقط من (أ).\n(٥) لعل هذا مكرر مع ما قبله وهذا يظهر من ترجمة عروة بن مسعود، قال الصنعاني: \" وأبو مسعود الثقفي من الطائف، واسمه عروة بن مسعود \" [تفسير الصنعاني (٣/ ١٩٦)].\n(٦) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٨٩)، معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ٣١)، جامع البيان (٢٥/ ٦٦)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٤/ ٣١١)، النكت والعيون (٥/ ٢٢٣)، التعريف والإعلام (ص: ١٥٢)، زاد المسير (٧/ ١٣٣).\nوهذه الأقوال لم يرد فيها سند صحيح فيما أعلم - والله أعلم - والمنهج فيها ما قاله ابن جرير: \" وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال كما قال جلَّ ثناؤه مخبرًا عن هؤلاء المشركين ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآَنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١)﴾ ... إذ كان جائزًا أن يكون بعض هؤلاء، ولم يضع الله ﵎ لنا الدلالة على الذين عنوا منهم في كتابه، ولا على لسان رسوله - ﷺ - والاختلاف فيه موجود على ما بيَّنت \" [جامع البيان (٢٥/ ٦٦)] وكذا قول ابن كثير: \" والظاهر أنَّ مرادهم رجل كبير من أي البلدتين كان \" [تفسير القرآن العظيم (٤/ ١٣٧)].\n(٧) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٨٩)، جامع البيان (٢٥/ ٦٦)، الوجوه والنظائر (ص: ٣٤٠)، قرة العيون النواظر (ص: ١٣٥).","vol":"1","page":2738},{"text":"﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ﴾ أرازقهم (١).\n﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ يريد في الرزق والمعيشة حتى صار واحد مالكًا، وآخر مملوكًا.\n﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ خدمًا ومِلْكًا وأجيرًا ويستعمل هذا ذاك، وينتفع كل طبقة بالأخرى (٢)، واللام لام العاقبة، وقيل: لام الغرض.\n﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٣٢)﴾ أي: النبوة خير من المال، يريد: لم يفوض إليهم قسمة معيشتهم ورزقهم، وهو حقير تافه، فكيف نفوض إليهم قسمة النبوة وهي أعلى مراتب العباد في الدنيا، وفي المعاد؟.\nوقيل معناه: أهم يقسمون رحمة ربك، يعني: الرزق، فيقتسموا النبوة أيضًا، أي: لم نفوض (٣) إليهم صلاح دنياهم فكيف نفوض (٤) إليهم صلاح دينهم.\nوقيل: ورحمة ربك عباده بالإسلام والإيمان خير من الأموال.\nوقيل: ورحمة ربك الجنة.\n﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ أي: مجتمعين على اختيار الدنيا على الآخرة (٥)، وقيل: مجتمعين على الكذب.\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ٣٥٢)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢٤٤)، النكت والعيون (٥/ ٢٢٣).\n(٢) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٩٠)، جامع البيان (٢٥/ ٦٧)، النكت والعيون (٥/ ٢٢٤).\n(٣) في (أ) \" لم يفوض \".\n(٤) \" نفوض \" ساقط من (أ).\n(٥) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٤/ ٣١٢)، معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ٣٥٢)، تفسير الثعلبي (٨/ ٣٣٣).","vol":"1","page":2739},{"text":"﴿لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ﴾: بدل من بدل الاشتمال دخله اللام (١)، كما دخل قوله: ﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ﴾ [الأعراف: (٧٥)]؛ لأنَّ العامل في البدل غير العامل في المُبدل (٢).\nوقيل: \" اللام \" بمعنى \"على \"، وفيه ضعف.\nوقيل: اللام للتبيين نحو قوله: سُقيا لك.\nوقيل: اللام لام للعلة كما تقول: وهبت لك لأخيك درهمًا، أي لأجله، وهذا أظهر الوجوه.\n﴿سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾ أعلى البيوت (٣)، وإذا كان السَّقف من فضة فالجدار كذلك.\nوقيل: ﴿سُقُفًا﴾ أبوابًا، والسُّقُف (٤)، بضمتين جمع سَقْفٍ، كرهن ورُهُن.\nوقيل: جمع سُقوف جمع الجمع (٥).\nويحتمل أن المراد: السُّقوف فحذف الواو كما قرئ ﴿وبالنُّجُم هم يهتدون﴾ (٦)، أي: النجوم.\nمجاهد: \"ما كان من السَّماء فهو السَّقف بالفتح، وما كان من البيوت فهو السُّقف بضمَّتين \" (٧).\n﴿وَمَعَارِجَ﴾: مصاعد ومراقي، أي: الدرج من فضة (٨).\n﴿عَلَيْهَا﴾: على المعارج ﴿يَظْهَرُونَ (٣٣)﴾ السَّقف والغرف (٩)، وقيل: على السقف.\n_________\n(١) يعني قوله: ﴿لِبُيُوتِهِمْ﴾ [انظر: جامع البيان (٢٥/ ٦٩)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٤/ ٧١)، مشكل إعراب القرآن (٢/ ٦٥٠)].\n(٢) ورجَّح النَّحاس هذا القول، فقال: \" وهذا القول أولى بالصَّواب؛ لأنَّ الحروف لا تنقل عن بابها إلا بحجة يجب التسليم لها \" [إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٤/ ٧١)].\n(٣) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٩٠)، جامع البيان (٢٥/ ٦٩)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢٤٤).\n(٤) في (ب) \" السُّقُف \".\n(٥) انظر: مجاز القرآن (٢/ ٢٠٣)، معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ٣٢)، جامع البيان (٢٥/ ٦٩).\n(٦) وهي قراءة شاذة، قرأ بها الحسن [المحتسب (٢/ ٥٠)، غرائب التفسير (٢/ ١٠٦٣)، الكشاف (٢/ ٥٦٠) شواذ القراءات (ص: ٢٦٩)، إتحاف فضلاء البشر (ص: ٣٥٠)].\n(٧) انظر: الحُجَّة (٦/ ١٤٨).\n(٨) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٩٠)، جامع البيان (٢٥/ ٧٠)، معاني القرآن؛ للنَّحَّاس (٤/ ٣٥٣).\n(٩) في (ب) \" السقف أو الغرف \".","vol":"1","page":2740},{"text":"﴿وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا﴾ يريد من فضة ﴿وَسُرُرًا﴾ من فضة ﴿عَلَيْهَا﴾ على السُّرر.\n﴿يَتَّكِئُونَ (٣٤) وَزُخْرُفًا﴾ ذهبًا (١).\nوقيل: متاع البيت.\nوقيل: زينة.\nوقيل: هو عطف على محل ﴿مِنْ فِضَّةٍ﴾، أي: سُقفًا من فضَّة وزخرف، وقيل: فرشًا.\nوالمعنى: لو فعل ذلك بالكفار لا فتتن بهم غيرهم، وتوهموا أن ذلك لفضيلة في الكفار فيكفرون ويكونون في الكفر أمةً واحدةً.\nوقيل: معناه: لولا ما أردنا (٢) أن يكون الناس أمةً واحدةً بأن يكونوا مؤمنين، وفي المؤمنين غني وفقير لجعلنا للكافرين ما ذكرنا لهوان الدنيا وحقارة قدر متاعها.\n﴿وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ مَنْ شدَّد ﴿لَمَّا﴾ (٣) جعل (إنْ) بمعنى (ما) النفي، ومن خفَّف ﴿لَمَا﴾ جعل (أن) المُخفَّفة من المثقَّلة، وجعل اللام هي التي (٤) تصحبه إذا خفَّف وجعل (ما) صلة.\n﴿وَالْآَخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ أي: وثواب الآخرة خير ﴿لِلْمُتَّقِينَ (٣٥)﴾.\nوقيل: والجنة عند ربك للمتقين (٥).\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ٣٢)، تفسير مقاتل (٣/ ١٩٠)، جامع البيان (٢٥/ ٧١)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢٤٥)، النكت والعيون (٥/ ٢٢٤) المفردات (ص: ٣٧٩)، مادة \" زَخرَفَ \".\n(٢) في (أ) \" لو ما أردنا \".\n(٣) مَنْ شدَّد ﴿لَمَّا﴾ يعني تشديد الميم وهما عاصم وحمزة، وخفَّفَها الباقون، وقرأ ابن عامر في رواية ابن ذكوان ﴿لَمَا﴾ خفيفة، وفي رواية هشام ابن عمار ﴿لَمَّا﴾ [انظر: السبعة (ص: ٥٨٦)، معاني القراءات (ص: ٤٣٩) الحجة (٦/ ١٤٩) التيسير (ص: ١٥٩)].\n(٤) في (أ) \" هو الذي \".\n(٥) في (ب) \" وقيل: والجنة عند ربك، وقيل: والجنة عند ربك للمتقين \" ولعلها مكررة.","vol":"1","page":2741},{"text":"﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ أي: يعرض عنه (١).\nوقيل معناه: من لم ينظر في حُجج الله تعالى بالإعراض منه عنها بجهله (٢) إلا نظرًا ضعيفًا (٣)، وقيل: يعش عنه لإظلامه عليه بجهله به (٤).\nوقيل: يعش عنه عمي عنه (٥).\nومعنى عشوت إلى الشيء: نظرتُ إليه بشيء ضعيف.\nوكان القياس: إلى ذكر الرحمن، [فقيل: لأن المعنى حدث له العُشو عن ذكر الرحمن، وفيه ضعفٌ، إلا أن يُحمل على ترك ذكر الرحمن] (٦) (٧).\nوقيل معنى ﴿عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾: عن معرفة الله وطاعته؛ لأنه لا يذكره إلا من عرفه وأطاعه.\nوقيل: عن القرآن، ويحتمل أن المراد به من نزل فيهم:\n﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: (٦٠)].\n﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦)﴾\n﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا﴾، أي: نُسَبب له، وقيل: نُتيح ونُيَسِّر (٨).\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ٣٢)، جامع البيان (٢٥/ ٧٢)، تفسير الثعلبي (٨/ ٣٣٤)، النكت والعيون (٥/ ٢٢٥).\n(٢) \" بجهله \" ساقطة من (ب).\n(٣) هذا المعنى غير تامٍّ، وتمامه عند ابن جرير: \" ومن لا ينظر في حُجَجِ الله بالإعراض منه عنه إلا نظرًا ضعيفًا، كنظر من قد عَشِيَ بصره ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا﴾ \" [جامع البيان (٢٥/ ٧٣)].\n(٤) في (ب) \" لجهله \" و\" به \" ساقطة.\n(٥) قال ابن جرير: \" وقد تأوَّله بعضهم بمعنى: ومن يَعْمَ، ومن تأوَّلَ ذلك كذلك، فيجب أن تكون قراءته ... ﴿وَمَنْ يَعْشَ﴾ بفتح الشين \" [جامع البيان (٢٥/ ٧٣)].\n(٦) ما بين المعقوفتين ساقط من (أ).\n(٧) والمعنى للآية كما قال ابن كثير: \" يقول تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ﴾ أي: يتعامى ويتغافل ويعرض ﴿عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ والعشا في العين ضعف بصرها، والمراد ها هنا: عشا البصيرة \" [تفسير القرآن العظيم (٤/ ١٢٩)].\n(٨) في (أ) \" ونيسره \".","vol":"1","page":2742},{"text":"وقيل: نُسَلِّط عليه.\nوقيل: يخذله الله ويبدله شيطانًا يقارنه.\nوقيل: يُخَلِّيه وإيَّاه، ويكله إلى نفسه.\nوقيل: ذلك في القيامة يقرن كل إنسي بالشيطان الذي كان يدعوه.\n﴿فَهُوَ﴾ أي: الشيطان ﴿لَهُ﴾ أي (١): لبني آدم ﴿قَرِينٌ (٣٦)﴾ لازم في الدنيا أو في النار على القولين (٢).\n﴿وَإِنَّهُمْ﴾ أي: الشياطين، وجمع؛ لأنَّ مع (٣) كلّ من يعشوا شيطانًا.\nوقيل: حمل على معنى (مَنْ) (٤).\n﴿لَيَصُدُّونَهُمْ﴾ أي: الكفار ﴿عَنِ السَّبِيلِ﴾ عن الإسلام (٥).\n﴿وَيَحْسَبُونَ﴾ أي: الكُفار ﴿أَنَّهُمْ﴾ أنَّ الشياطين.\nوقيل: أن الكافرين.\n﴿مُهْتَدُونَ (٣٧)﴾ مُسْتبصرون في دينهم، [وقيل: في الدنيا] (٦).\n﴿حَتَّى إِذَا جَاءَنَا﴾ يعني الكافر (٧)، ومن ثنَّى الضمير (٨) فهو الكافر وقرينه.\n_________\n(١) \" أي \" ساقط من (ب).\n(٢) انظر: تفسير السمرقندي (٣/ ٢٤٥)، النكت والعيون (٥/ ٢٢٦).\n(٣) \" مع \" ساقط من (أ).\n(٤) قال الزَّمخشري: \" فإن قلتَ: لِمَ جمع ضمير ﴿مَنْ﴾، وضمير الشيطان في قوله: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ﴾؟ قلتُ: لأنَّ ﴿مَنْ﴾ مبهم في جنس العاشي، وقد قيَّض له شيطان مبهم في جنسه، فلمَّا جاز أن يتناولا لإبهامهما غير واحِدَين: جاز أن يرجع الضمير إليهما مجموعًا \" [الكشاف (٤/ ٢٥٦)، وانظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ٣٢)، جامع البيان (٢٥/ ٧٣)، إعراب القرآن؛ للنَّحاس (٤/ ٧٢)، الجامع لأحكام القرآن (١٦/ ٨٨)].\n(٥) في (ب) \" ﴿لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾، أي: الكفار عن الإسلام \".\n(٦) ما بين المعقوفتين ساقط من (ب).\n(٧) في (أ) \" الكافرين \".\n(٨) ثنَّى الضمير أي قرأ ﴿جَاءَانا﴾ على التثنية، وهي قراءة ابن كثير ونافع وابن عامر وعاصم في رواية أبى بكر وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم ﴿جَاءَنَا﴾ على فعل الواحد [جامع البيان (٢٥/ ٧٣)،\nالسبعة (ص: ٥٨٦)، معاني القراءات (ص: ٤٣٩)، الحجة (٦/ ١٥٠)، التيسير (ص: ١٥٩)].","vol":"1","page":2743},{"text":"﴿قَالَ﴾ أي: الكافر.\n﴿يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ﴾ أي: يا ليتني (١) لم أعرفك وليت بيني وبينك ﴿بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾ أي: المشرق والمغرب، كالقمرين (٢)، وقيل: مشرق الصيف، ومشرق الشتاء (٣) (٤).\n﴿فَبِئْسَ الْقَرِينُ (٣٨)﴾ كنت في الدنيا، وقيل: بئس القرين أنت في النار، فهذا من تمام كلام (٥) منْ في النار، وقيل: هذا استئناف وكلام من الله.\n﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ﴾ كفرتم في الدنيا.\n﴿أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٩)﴾: اشتراككم في العذاب، كما كان يتسلى البعض بالبعض في الدنيا ويستأنس؛ لأنَّ كل واحد مشتغل بنفسه.\n[و(أنَّ) مع ما بعده الفاعل. وقيل: الفاعل مضمر تقديره: لن ينفعكم الاعتذار لأنَّكم في العذاب مشتركون] (٦).\n﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٤٠)﴾ هذا خطاب للنبي - ﷺ - أي: لا يضق (٧) صدرك، فإنَّ من سبق علم الله بكفره لا يستمع (٨) ولا يهتدي (٩).\n_________\n(١) في (أ) \" أي: ليتني \".\n(٢) في (أ) \" كالعمرين \".\n(٣) في (ب) \" مشرق الصيف والشتاء \".\n(٤) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ٣٣)، جامع البيان (٢٥/ ٧٤)، معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ٣٦٠)، النكت والعيون (٥/ ٢٢٦).\n(٥) في (ب) \" وهذا من تمام الكلام \".\n(٦) ما بين المعقوفتين ساقط من (أ).\n(٧) في (أ) \" لا يضيق \".\n(٨) في (أ) \" لا يسمع \".\n(٩) انظر: جامع البيان (٢٥/ ٧٥).","vol":"1","page":2744},{"text":"﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ﴾ قبضناك إلينا فنتوفينك (١) قبل أن نريك ما نعدهم من العذاب (٢).\n﴿فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ (٤١)﴾ بعد موتك.\nالحسن - ﵀ -: \" الله أكرمه بأن لم يُرِهِ تلك النقمة \" (٣).\nوقيل: وإما نذهبنَّ بك من مكة فإنا منهم منتقمون يوم بدر، فعلى هذا رأى الانتقام (٤).\n﴿أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ﴾ حال حياتك، يعني العذاب في الدنيا.\n﴿فَإِنَّا عَلَيْهِمْ﴾ على عذابهم (٥) ﴿مُقْتَدِرُونَ (٤٢)﴾ قادرون.\nوعن جابر - ﵁ - (٦) أنه قال: لمَّا نزلت: ﴿فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ (٤١)﴾ قال النبي - ﷺ -: ... «بعلي (٧) بن أبي طالب - ﵁ -» (٨).\n_________\n(١) في (أ) \" ونتوفَّينك \".\n(٢) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٩١)، جامع البيان (٢٥/ ٧٥)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٤/ ٣١٤)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢٤٦)، النكت والعيون (٥/ ٢٢٧).\n(٣) أخرجه ابن جرير - بنحوه - عن الحسن في جامع البيان (٢٥/ ٧٥).\n(٤) وهذا رأي أكثر المفسرين، واختاره ابن جرير، حيث قال: \" وهذا القول الثاني أولى التأويلين في ذلك بالصَّواب، وذلك أنَّ ذلك في سياق خبر الله عن المشركين، فلأن يكون ذلك تهديدًا لهم أولى من أن يكون وعيدًا لمن لم يجر له ذكر، فمعنى الكلام إذ كان ذلك كذلك: \" فإن نذهب بك يا محمد من بين أظهر هؤلاء المشركين فنخرجك من بينهم، ﴿فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ﴾ كما فعلنا ذلك بغيرهم من الأمم المكذبة رسلها، ... ﴿أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ﴾ يا محمد من الظفر بهم وإعلائك عليهم، ﴿فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ﴾ أن نظهرك عليهم ونخزيهم بيدك وأيدي المؤمنين بك \" [جامع البيان (٢٥/ ٧٦)، وانظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٩١)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٤/ ٣١٤)، تفسير البغوي (٧/ ٢١٤)، المحرر الوجيز (٥/ ٥٦)].\n(٥) \" على عذابهم \" ساقط من (ب).\n(٦) جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام بن ثعلبة بن حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة، الإمام الكبير، المجتهد الحافظ، صاحب رسول الله - ﷺ -، أبو عبد الله، وأبو عبد الرحمن، الأنصاري الخزرجي السُّلمي المدني الفقيه، من أهل بيعة الرضوان، وكان آخر من شهد ليلة العقبة الثانية موتًا، وقد روى علما كثيرًا عن النبي - ﷺ -، وكان مفتي المدينة في زمانه، وشاخ وذهب بصره، وقارب التسعين، وتوفي - ﵁ - سنة أربع وسبعين، وقيل: سنة ثمان وسبعين، وقيل: سنة سبع وسبعين بالمدينة، وصلَّى عليه أبان بن عثمان وهو أميرها.\n[انْظُرْ تَرْجَمَتَه: مشاهير علماء الأمصار (ص: ١٧)، الاستيعاب (١/ ٢٩٢)، سير أعلام النبلاء (٣/ ١٨٩)].\n(٧) في (أ) \" لعلي \".\n(٨) أورده ابن عطية في المحرر الوجيز (٥/ ٥٦)، وأورده السِّيُوطي في الدر المنثور (١٣/ ٢٠٦)، وعزاه إلى\nابن مردويه.","vol":"1","page":2745},{"text":"﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ﴾ أي: تمسَّك بالقرآن واتله حقَّ تلاوته، وامتثل أوامره واجتنب نواهيه.\n﴿إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٣)﴾ على الدِّين الذي (١) لا عوج له.\n﴿وَإِنَّهُ﴾ إنَّ القرآن ﴿لَذِكْرٌ﴾ لذكر عظة وتبصرة ﴿لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ أمَّتك، والجمهور على أنه شرف لك ولأمتك (٢)، وقيل: ﴿وَلِقَوْمِكَ﴾ قريش.\n﴿وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ (٤٤)﴾: عن هذه الموعظة أو عن هذا الشرف هل أدَّيتم شكره أم لا؟ (٣)\nوقيل: عن كفركم بمحمد - ﷺ -.\n﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا﴾ سمَّينا وحكمنا.\n﴿مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ﴾ سوى الرحمن.\n﴿آَلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)﴾ آلهة يعبدون مع الله.\nقيل: الخطاب للنبي - ﷺ - وهو لم يسألهم لأنه أعلم به منهم، وقيل: الخطاب للنبي والمراد به غيره كقوله: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ﴾ [يونس: (٩٤)].\n_________\n(١) \" الذي \" ساقط من (أ).\n(٢) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ٣٤)، جامع البيان (٢٥/ ٧٦)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢٤٦)، النكت والعيون (٥/ ٢٢٧).\n(٣) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ٣٤)، جامع البيان (٢٥/ ٧٦)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢٤٦).","vol":"1","page":2746},{"text":"واختلفوا في الآية فقيل تقديره: واسأل أهم من أرسلنا؟ فحذف المضاف، والمراد: أهل الكتابين؛ لأنهم كانوا يرجعون إليهم في كثير من أمورهم.\nالقفال: \" تقديره فسل من أرسلنا إليهم من قبلك رسولًا من رسلنا \" (١).\nفحذف الصلة كما حُذف من قوله: ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ﴾ [الشورى: (٢٣)]: أي به.\nوهذا والأول في المعنى سواء، ويختلفان في التقدير.\nوقيل: واسأل من أرسلنا ليلة المعراج، وقد رأى منهم جماعة منهم موسى وعيسى - ﵉ -، وهو قول ابن عباس - ﵄ - (٢).\nوقيل: واسأل جبريل عمن أرسلنا، ومثله: ﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ﴾، وتقديره: سل جبريل - ﵇ - عمن أرسلنا، فحذف حرف الصلة، وكذلك سل بني إسرائيل عن كمِّية ذلك، وعلى هذا تم الكلام على قوله: ﴿مَنْ أَرْسَلْنَا﴾ (٣).\n_________\n(١) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٠٦٤).\n(٢) انظر: النكت والعيون (٥/ ٢٢٨)، تفسير البغوي (٧/ ٢١٦).\n(٣) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ٣٤)، جامع البيان (٢٥/ ٧٧)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٤/ ٣١٥)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢٤٦)، تفسير الثعلبي (٨/ ٣٣٧)، تفسير البغوي (٧/ ٢١٦)، زاد المسير (٧/ ١٣٨)، واختار ابن جرير أنَّ المراد مؤمنوا أهل الكتابين، وقال: فإن قال قائل: وكيف يجوز أن يقال: سل الرسل، فيكون معناه سل المؤمنين بهم وبكتابهم؟ قيل: جاز ذلك من أجل أنَّ المؤمنين بهم وبكتبهم أهل بلاغ عنهم ما أتوهم به عن ربهم، فالخبر عنهم وعمَّا جاؤوا به من ربهم إذا صح بمعنى خبرهم، والمسألة عمَّا جاؤوا به بمعنى مسألتهم إذا كان المسئول من أهل العلم بهم والصدق عليهم، وذلك نظير أمر الله جل ثناؤه إيَّانا بردِّ ما تنازعنا فيه إلى الله وإلى الرسول، يقول:\n﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: (٥٩)] ومعلوم أنَّ معنى ذلك، فردوه إلى كتاب الله وسنة رسوله؛ لأنَّ الرد إلى ذلك رد إلى الله والرسول، وكذلك قوله: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا﴾ إنما معناه: فاسأل كتب الذين أرسلنا من قبلك من الرسل فإنك تعلم صحة ذلك من قبلنا، فاستغني بذكر الرسل من ذكر الكتب؛ إذ كان معلوما ما معناه \" [جامع البيان (٢٥/ ٧٨)].","vol":"1","page":2747},{"text":"ابن مسعود - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: أتاني ملك فقال: يا محمد سل من أرسلنا من قبلك من رسلنا علام بعثوا؟ قال: قلت علام بعثوا؟ قال: على ولايتك وولاية علي بن أبي طالب - ﵁ - \"رواه الثعلبي (١).\nثم قال: ﴿أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آَلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)﴾ ويجوز أن يكون (مَن) رفعًا بالابتداء وخبره: ﴿أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آَلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)﴾، والعائد مضمرٌ، أي: على ألسنتهم (٢).\n﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٦)﴾ في هذه الآيات تسلّي (٣) للنبي - ﷺ - (٤).\n﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآَيَاتِنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ (٤٧)﴾ استهزؤا بها، وقالوا: إنها سحر وتخييل.\n﴿وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا﴾: شَبِيْهَهَا التي تقدمت، أي: أنها كلّها كبار متكافئة في الكِبرَ.\nويحتمل أن يقال: إنَّ (٥) الآية الأولى كبيرة، والتي تليها أكبر من الأولى، والثالثة (٦) أكبر من الثانية، وكذلك ما بعدها (٧).\n_________\n(١) أخرجه الثعلبي في تفسيره (٨/ ٣٣٧)، وأورده الألوسي في روح المعاني (١٦/ ٢٤١)، وعزاه للإمامية من خبر جارود بن المنذر العبدي، ولفظه: «أن النبي - ﷺ - قال له: يا جارود ليلة أسرى بي إلى السماء أوحى الله - ﷿إلى أن سل من أرسلنا قبلك من رسلنا علام بعثوا؟ قلت: علام بعثوا؟ قال: على نبوتك وولاية علي بن أبي طالب والأئمة منكما، ثم عرفني الله - تعالى - بهم بأسمائهم، ثم ذكر - ﷺ - أسماءهم واحدًا بعد واحدٍ إلى المهدى» قال الألوسي: \" وهو خبر طويل يتفجر الكذب منه \".\n(٢) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٠٦٥).\n(٣) في (ب) \" تسلِّ \".\n(٤) انظر: جامع البيان (٢٥/ ٧٩).\n(٥) \" إنِّ \" ساقطة من (أ).\n(٦) في (ب) \" والثالث \".\n(٧) انظر: جامع البيان (٢٥/ ٧٩)، غريب القرآن (ص: ١٤٦)، تفسير الثعلبي (٨/ ٣٣٨).","vol":"1","page":2748},{"text":"﴿وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ﴾ السنين ونقص من الثمرات إلى سائر ما ابتلوا به.\n﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤٨)﴾ عن كفرهم.\n﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ﴾ أي: العالم، ولم يكن السِّحر عندهم ذمًَّا، وقيل: يقال للعالِم البالغ في العلم إنه لساحر، أي: يعلم ما لا يعلمه غيره (١).\nوقيل: الساحر الغالب للسِّحر، من باب فاعَلْتُه ففعلتُه، أي: ساحرته فسحرته.\nوقيل: كانوا بعدُ على كفرهم قالوا: يا أيها الساحر (٢).\n﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ أنَّ من (٣) آمن بك كشفتُ العذاب عنه (٤)، وقيل: أدعه بما عوَّدك الإجابة به.\n﴿إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ (٤٩)﴾ مؤمنون.\n﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (٥٠)﴾ ينقضون العهد ولا يوفون ... به (٥).\n﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ﴾ قيل: نادى بنفسه، وقيل: أمر مناديًا فنادى (٦).\n﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ﴾ وهي المعروفة.\nمجاهد: اسكندرية (٧) (٨).\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٥/ ٨٠)، معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ٣٦٧)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢٤٧)، تفسير الثعلبي (٨/ ٣٣٨)، لسان العرب (٤/ ٣٤٨)، مادة \" سَحَرَ \".\n(٢) في (أ) \" أيها الساحر \".\n(٣) في (أ) \" أي: من \".\n(٤) انظر: تفسير مجاهد (٢/ ٥٨٢)، تفسير مقاتل (٣/ ١٩٢)، جامع البيان (٢٥/ ٧٩).\n(٥) في (ب) \" ولا يفون به \".\n(٦) انظر: النكت والعيون (٥/ ٢٢٩).\n(٧) الاسكندرية: مدينة عظيمة ببلاد مصر على ساحل البحر الأبيض المتوسط، وقد اختلفوا في أول من أنشأها اختلافا كثيرًا، فقيل: إنه الإسكندر بن فيلفوس الرومي، وبه سُمِّيت، وذكر آخرون أن الذي بناها هو الاسكندر الأول ذو القرنين الرومي، واسمه أشك بن سلوكوس وقيل غير ذلك. [انظر: معجم البلدان (١/ ١٨٢)].\n(٨) انظر: تفسير مجاهد (١/ ٢٩٦)، النكت والعيون (٥/ ٢٢٩).","vol":"1","page":2749},{"text":"وذلك أن موسى - ﵇ - لمَّا (١) دعا الله فكشف الله العذاب عن القِبط خاف فرعون أن يؤمن به بعضهم فجمعهم ونادى فيهم فقال: يا قوم أليس لي مُلك مصر.\n﴿وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ﴾ يريد: أنهار النيل (٢).\nوفي التفاسير: كانت ثلاثمائة وستين نهرًا، وقيل: كان معظمه أربعة.\n﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ أي: تحت قصري، وقيل: بين يديه لارتفاع سريره، وقيل: في مُلكي، وقيل: في أمري.\nوقال عبد الله بن المبارك الدينوري (٣) في تفسيره الواضح: \" ﴿وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ﴾ أي: الجياد من الخيل، وسمَّاه نهرًا \".\nولم يبعد ابن المبارك فقد قال - ﷺ - للفرس الذي ركبه: \" وجدته بحرًا \" (٤) (٥).\nالضحاك: \" ﴿وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ﴾ أي: القواد (٦) والجبابرة تحت لوائي \" (٧)، وهذا يقرب من قول ابن المبارك.\n_________\n(١) \" لمَّا \" ساقطة من (أ).\n(٢) انظر: تفسير الثعلبي (٨/ ٣٣٩)، النكت والعيون (٥/ ٢٣٠)، تفسير البغوي (٧/ ٢١٧).\n(٣) عبد الله بن محمد بن وهب، أبو محمد الدينوري، مُفَسِّر من حفَّاظ الحديث، سمع الكثير وطوَّف الأقاليم.\nوقال الدارقطني \" متروك الحديث \". وقال ابن عدي: \" وقد قبل قوم ابن وهب الدينوري وصدَّقوه \"، وفي طبقات الداوودي أن اسمه \" عبد الله بن المبارك الدينوري \" أي كما أشار المؤلِّف، تُوُفِّي سنة ثمان وثلاثمائة للهجرة، وهو غير عبد الله بن المبارك بن واضح المُحَدِّث الحجَّة المُتَوَفَّى سنة إحدى وثمانين ومائة للهجرة [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: سِيَر أعلام النُّبلاء (١٤/ ٤٠٠)، طَبَقَات المُفَسِّرين؛ للدَّاوودي (٢/ ٢٥٠)، الأعلام (٤/ ١١٩)].\n(٤) جزء من حديث أخرجه البخاري في كتاب \" الجهاد والسِّير \"، باب: الشجاعة في الحرب والجبن، برقم (٢٨٢٠)، ومسلم في كتاب \" الفضائل \"، باب: في شجاعة النبي - ﵇ -، وتقدمه للحرب، برقم (٥٩٦١).\n(٥) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٠٦٥).\n(٦) في (أ) \" أي: هو القواد \".\n(٧) انظر: النكت والعيون (٥/ ٢٣٠)، الجامع لأحكام القرآن (١٦/ ٩٦).","vol":"1","page":2750},{"text":"﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ مُلكي وقوَّتي، وقيل: (١) أفلا تبصرون قُوَّتي وعجز موسى - ﵇ - (٢).\n﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ﴾ فيه أقوال:\nقال بعضهم: معناه: بل أنا خيرٌ.\nوقال بعضهم: تقديره: أفلا تبصرون، أم تُبصرون فحذف إحدى (٣) الجملتين.\nسيبويه: تقديره: أفلا تبصرون أم تبصرون؛ لأنهم إذا قالوا: أنت خير صاروا عندهم بُصراء \" (٤).\nوقيل: تقديره: أفلا تبصرون أني خير أم أبصرتم، ثمَّ استأنف فقال: أنا خيرٌ.\nويحتمل أن التقدير: أهو خير من هذا الذي له مُلك مِصر، والأنهار تجري من تحته (٥).\n﴿مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (٥٢)﴾ ومعنى ﴿مَهِينٌ﴾: ضعيف (٦).\nوقيل: قليل من المهَانة وهي القِلة.\nوقيل: ﴿مَهِينٌ﴾ يَمْتَهِن نفسه في جميع حاجاته وليس له من يكفيه ذلك.\nوقيل: ﴿مَهِينٌ﴾: فقير ولا يكاد يبين وفي لسانه ثقل.\nقيل: أراد ما كان في لسانه من العُقدة، وإن كان الله قد أزال ذلك من لسانه.\nوقيل: معنى: ﴿لَا يَكَادُ يُبِينُ﴾: [لا يكاد يبين] (٧) ما يدعيه بحُجَّة واضحة (٨).\n_________\n(١) \" وقيل \" ساقطة من (أ).\n(٢) انظر: جامع البيان (٢٥/ ٨١)، النكت والعيون (٥/ ٢٣٠)، تفسير البغوي (٧/ ٢١٧).\n(٣) في (أ) \" أحد \".\n(٤) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجاج (٤/ ٣١٦)، معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ٣٦٩).\n(٥) ورجَّح ابن جرير أن تكون \" أم \" هنا استفهامية حيث قال: \" وأولى التأويلات بالكلام إذ كان ذلك كذلك تأويل من جعل: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ﴾ من الاستفهام الذي جعل بأم، لاتصاله بما قبله من الكلام، ووجهه إلى أنه بمعنى: أأنا خير من هذا الذي هو مهين؟ أم هو؟ ثم ترك ذكر أم هو؟ لما في الكلام من الدليل عليه \" [جامع البيان (٢٥/ ٨٢)].\n(٦) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٩٢)، جامع البيان (٢٥/ ٨٢)، إعراب القرآن؛ للنَّحاس (٤/ ٧٥) - وفيه قال النَّحاس: \" وفي معنى: ﴿مَهِينٌ﴾ قولان: قيل معناه الذي يمتَهِنُ نفسه في حاجاته ومعاشه ليس له من يكفيه، وقال الكسائي: \" المهين: الضعيف الذَّليل، وقد مَهُنَ مَهانة \"، وهذا أولى بالصِّواب \" -.\n(٧) ما بين المعقوفتين ساقط من (أ).\n(٨) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٩٢)، جامع البيان (٢٥/ ٨٢)، معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ٣٧١)، النكت والعيون (٥/ ٢٣٠).","vol":"1","page":2751},{"text":"﴿فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ﴾ أي: هلا كان في حُلِيِّة وزيٍّ حسن، كما أن الملوك يُشْهرون رسلهم بخِلَعٍ (١) وكرامات.\n﴿أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (٥٣)﴾ يمشون معه يقترن بعضهم ببعض، وقيل: اثنين اثنين، وقيل: أعوانًا يعينونه (٢).\nالسِّوار والأساور هو: الذي يُلبس مكان القُلْبين (٣).\nوأسورة جمع سِوار كجراب وأجربة، وأساورة جمع أسْوار، حذف الواو وعُوِّض الهاء كفرازنة وزنادقة (٤) (٥).\nوقيل: أساورة جمع أسْوَره جمع الجمع (٦) (٧).\n﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾ أي: طلب منهم الخِفَّة في الطاعة، وهي الإسراع إليها فأطاعوه (٨)، وقيل: استخفَّ عقولهم.\nالقفَّال: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ﴾: \"عمل فيهم كلامه فخفُّوا في طاعته \" (٩).\n_________\n(١) الخِلَع: الثِّياب، والخِلْعَةُ: أَجْوَدُ مالِ الرَّجُل، والخِلْعةُ من الثياب ما خَلَعْتَه فَطَرَحْتَه على آخر أَو لم تَطْرَحْه ... [انظر: كتاب العين (١/ ١١٨) مادة \" خَلَعَ \"، لسان العرب (٨/ ٧٦) مادة \" خَلَعَ \"].\n(٢) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٩٣)، جامع البيان (٢٥/ ٨٣)، النكت والعيون (٥/ ٢٣١).\n(٣) في (أ) \" القُلْبتين \". قال السِّجِّستاني: \" أساور جمع أسورة ... وهو الذي يُلبس في الذِّراع من ذهب فإن كان من فضة، فهو قُلْب وجمعه قلبه \" [غريب القرآن (ص: ٦٨)].\n(٤) \" زنادقة \" ساقطة من (ب).\n(٥) الزِّنديق: هو الذي لا يؤمن بالآخرة، وبالربوبية، وهو فارسي مُعرَّب \" [انظر: كتاب العين (٥/ ٢٥٥) مادة \" زَنْدَقَ \"، لسان العرب (١٠/ ١٤٧) مادة \" زَنْدَقَ \"].\n(٦) انظر: جامع البيان (٢٥/ ٨٢)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٤/ ٣١٧)، لسان العرب (٤/ ٣٨٤) مادة \" سَوَرَ \".\n(٧) قال الثعلبي: \" قال مجاهد: \" كانوا إذا سوَّدوا رجلًا سوّروه بسوار وطوّقوه بطوق من ذهب يكون ذلك دلالة لسيادته، وعلامة لرئاسته، فقال فرعون هلا ألقى ربّ موسى أسورة من ذهب \" [تفسير الثعلبي (٨/ ٣٣٩)].\n(٨) انظر: جامع البيان (٢٥/ ٨٤)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢٤٨)، النكت والعيون (٥/ ٢٣١).\n(٩) لم أقف عليه.","vol":"1","page":2752},{"text":"وقيل: استجهلهم فأطاعوه.\n﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (٥٤)﴾ خارجين عن دين الله.\n﴿فَلَمَّا آَسَفُونَا﴾ أغضبونا (١)، والأسف الغضب (٢)، ويقال: أشد الغضب.\nوقيل: الأسف الغمّ والتحسر على الفائت، فيكون التقدير: فلمَّا آسفونا (٣)، أي: رسُلنا.\n﴿انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ جازينهم على فعلهم.\n﴿فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٥)﴾ أهلكناهم بالماء.\n﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا﴾ مُقدمة لمن بعدهم من الكفار.\nالسَّلَف: بفتحتين مصدر سَلَفَ إذا تقدم، فهو سالف وسليف، ويجوز أن يكون: جمع سالف كحارس وحرس.\nو﴿سُلُفًا﴾ بضمتين (٤) جمع سَليف، وقيل (٥): [ويجوز أن يكون] (٦) جمع سلف، وقيل: جعلهم الله مقدمة كفار أمَّة محمد - ﷺ - إلى النار.\n﴿وَمَثَلًا لِلْآَخِرِينَ (٥٦)﴾ يُضرب بهم الأمثال فيما بينهم، وقيل: جعلناهم حديثًا (٧) لمن بعدهم (٨).\n_________\n(١) في (أ) \" أغضبوا \"\n(٢) انظر: تفسير مجاهد (٢/ ٥٨٢)، تفسير الثوري (ص: ٢٧٢)، جامع البيان (٢٥/ ٨٤).\n(٣) في (أ) \" أسفوا رسلنا \".\n(٤) وهي قراءة حمزة والكسائي، وقرأ الباقون بفتح السِّين واللام ﴿سَلَفًا﴾ وهي اختيار ابن جرير [انظر: جامع البيان (٢٥/ ٨٤)، السبعة (ص: ٥٨٧)، معاني القراءات (ص: ٤٤٠)، الحجة (٦/ ١٥٢)، التيسير (ص: ١٥٩)].\n(٥) \" وقيل \" ساقطة من (أ).\n(٦) ما بين المعقوفتين ساقط من (ب).\n(٧) في (أ) \" جعلنا حدثنا \".\n(٨) انظر: تفسير مجاهد (٢/ ٥٨٢)، تفسير مقاتل (٣/ ١٩٣)، جامع البيان (٢٥/ ٨٤)، معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ٣٧٣)، النكت والعيون (٥/ ٢٣٢).","vol":"1","page":2753},{"text":"﴿* وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا﴾ وذلك أنَّ قريشًا قالوا: إذا جاز أن يكون عيسى ابن الله جاز أن يكون الملائكة بنات الله، فيكون الضارب للمثل كافرًا (١).\n﴿إِذَا قَوْمُكَ﴾ أي: المؤمنون.\nوقيل: إن ابن الزِّبَعْرى (٢) قال: إذا جاز أن يكون عيسى ابن الله (٣) في النار جاز أن يكون آلهتنا فيها، وقد سبق في سورة الأنبياء (٤) فيكون الضارب للمثل أيضًا (٥) كافرًا (٦).\n﴿إِذَا قَوْمُكَ﴾ على هذا القول يحتمل أن يكونوا مؤمنين، ويحتمل أن يكونوا كافرين.\nوقيل: لمَّا نزل قوله: ﴿إِن مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آَدَمَ﴾ [آل عمران: (٥٩)] قالوا: إن محمدًا يريد أن يتخذه ربًا كما اتخذ النصارى عيسى فيكون الضارب للمثل هو الله تعالى (٧).\n﴿إِذَا قَوْمُكَ﴾: المشركون.\n﴿مِنْهُ﴾ من المثل، وقيل: من ضرب المثل، وقيل: من الله، وقيل: من عيسى - ﵇ -.\n﴿يَصِدُّونَ (٥٧)﴾ (٨) يَعِجُّون.\n_________\n(١) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٩٣)، جامع البيان (٢٥/ ٨٥)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢٤٩)، مجموع الفتاوى (١٦/ ٤٠).\n(٢) عبد الله بن الزِّبَعْري بن قيس بن عدي بن سعيد بن سهم القرشي السَّهمي، كان من أشد الناس على رسول - ﷺ - وعلى أصحابه بلسانه ونفسه، وكان من أشعر الناس وأبلغهم، يقولون: إنه أشعر قريش قاطبة، ثم أسلم عام الفتح، ومدح رسول الله - ﷺ - بِشِعْره، ثم شهد ما بعد الفتح من المشاهد، ولم أقف على تاريخ وفاته - ﵁ -.\n[انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: الاستيعاب (٣/ ٣٦)، أسد الغابة (٣/ ٢٣٩)، الإصابة (٤/ ٧٦)].\n(٣) \" ابن الله \" ساقط من (ب).\n(٤) يراجع قول الله تعالى: \" إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم \".\n(٥) \" أيضًا \" ساقط من (أ).\n(٦) والذي عليه أكثر المفسرين أنَّ هذه الآية في مجادلة عبد الله بن الزعبرى للنبي - ﷺ - [انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٩٣)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢٤٩)، تفسير الثعلبي (٨/ ٣٤٠)، النكت والعيون (٥/ ٢٣٣)، تفسير البغوي (٧/ ٢١٨)].\n(٧) انظر: تفسير مجاهد (٢/ ٥٨٣)، النكت والعيون (٥/ ٢٣٣).\n(٨) في نسخة (أ) (يصِدون) وفي نسخة (ب) (يصُدون).","vol":"1","page":2754},{"text":"[وقيل: يضحكون.\nوقيل: يجزعون.\nوقيل: يضجون.\nوقيل: يعجون] (١) ويُصفِّقون بأيديهم سرورًا بأن جعلوا يحتجون على محمد - ﷺ - (٢).\nوالضم في هذه كلها لغة (٣)، وقيل: الضم بمعنى: ينفرون صدودًا ويمنعون غيرهم صدًا (٤).\n﴿وَقَالُوا أَآَلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ﴾: يعنون الملائكة خير من عيسى.\nوقيل معناه: عيسى خير من الأصنام، وهو في النار لعموم قوله: ﴿وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [لأنبياء: (٩٨)] كذلك آلهتنا.\nوقيل: ﴿أَمْ هُوَ﴾ يعود إلى محمد - ﷺ -، والمعنى: أنطيع محمدًا وندع آلهتنا عَنوْا أنَّ الآلهة خير ... منه (٥).\n﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ﴾ ما ضربوا (٦) هذا المثل، وقيل: ما قالوا هذا القول.\n﴿إِلَّا جَدَلًا﴾ باطلًا لا برهان عليه.\n_________\n(١) ما بين المعقوفتين ساقط من (ب).\n(٢) انظر: تفسير مجاهد (٢/ ٥٨٣)، تفسير مقاتل (٣/ ١٩٤)، معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ٣٦)، جامع البيان (٢٥/ ٨٦)، معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ٣٧٦)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢٤٩)، تفسير الثعلبي (٨/ ٣٤٠)، النكت والعيون (٥/ ٢٣٣).\n(٣) أي من قرأ بضم الصاد في ﴿يَصُدُّونَ﴾ وهم نافع وابن عامر والكسائي، وقرأ باقي السبعة بكسر الصاد ﴿يَصِدُّونَ﴾. [انظر: جامع البيان (٢٥/ ٨٦)، السبعة (ص: ٥٨٧)، معاني القراءات (ص: ٤٤٠)، الحجة (٦/ ١٥٣)، التيسير (ص: ١٥٩)].\n(٤) واختار الفراء وابن جرير أنهما لغتان بمعنى واحد [انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ٣٦)، جامع البيان (٢٥/ ٨٦)].\n(٥) والسياق يدلُّ على أنَّ الضمير يعود على عيسى ... - ﵇ - [انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٩٤)، معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ٣٧٧)، النكت والعيون (٥/ ٢٣٤)، تفسير البغوي (٧/ ٢١٨)].\n(٦) في (ب) \" وجعنا قرآنًا \".","vol":"1","page":2755},{"text":"﴿بَلْ هُمْ﴾، أي: قومك.\n﴿قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨)﴾ حاذقون في الخُصومة (١).\n﴿إِنْ هُوَ﴾ ما هو ﴿إِلَّا عَبْدٌ﴾ يعني: عيسى - ﵇ - ﴿أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾ بالنبوة.\n﴿وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا﴾ دلالة ﴿لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩)﴾ على صدقه، وقيل: وجعلنا قولنا (٢):\n﴿إِن مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آَدَمَ﴾ [آل عمران: (٥٩)] مثلًا لبني إسرائيل.\n﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (٦٠)﴾ قيل: لجعلنا من الإنس ملائكة، وإن لم تجر العادة كما خلقنا عيسى من غير أبٍ، وقيل: لو نشاء لجعلنا بعضكم ملائكة أو جميعًا، فجعلناهم سكان الأرض، كما جعلنا الملائكة سكان السماوات، إذ ليس في كونهم في السماوات ما يوجب لهم الإلاهية، ولا نسبًا من الله.\nوالأكثر على أن ﴿مِن﴾ بمعنى البدل (٣)، أي: لو نشاء لجعلنا بدلكم ومكانكم ملائكة في الأرض يخلفون يكونون بدلًا عنكم (٤)، وقيل: يخلف بعضكم بعضًا (٥).\n﴿وَإِنَّهُ﴾ وإنَّ عيسى - ﵇ - ﴿لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ أي: نزوله من أشراط الساعة يُعلم بنزوله قربها وثبوتها (٦).\nوقيل: إن عيسى (٧) - ﵇ - كان يُحيي الموتى فَعُلِم به الساعة والبعث.\nوقرئ في الشواذ ﴿لَعَلَمٌ للسَّاعة﴾ (٨) (٩)، وهو كما تقول من أشراط الساعة.\n_________\n(١) انظر: تفسير السمرقندي (٣/ ٢٤٩)، النكت والعيون (٥/ ٢٣٤).\n(٢) \" أيضًا \" ساقط من (أ).\n(٣) انظر: جامع البيان (٢٥/ ٨٨)، معاني القرآن؛ للزَّجاج (٤/ ٣١٨)، النكت والعيون (٥/ ٢٣٤).\n(٤) \" عنكم \" ساقطة من (ب).\n(٥) في (ب) \" بعضهم بعضًا \".\n(٦) انظر: تفسير مجاهد (٢/ ٥٨٣)، تفسير مقاتل (٣/ ١٩٤)، جامع البيان (٢٥/ ٩١)، معاني القرآن؛ للزَّجاج (٤/ ٣١٨)، معاني القرآن؛ للزَّجاج (٤/ ٣١٨)، معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ٣٨٠).\n(٧) في (أ) \" وقيل: كان \".\n(٨) في (أ) \" وقرئ ﴿لعَلَمٌ للساعة﴾ في الشواذ \".\n(٩) وهي قراءة ابن عباس وأبو هريرة وعكرمة والضحاك وقتادة والأعمش. [انظر: جامع البيان (٢٥/ ٩١)، معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ٣٨٠)، شواذ القراءات (ص: ٤٢٩)، إتحاف فضلاء البشر (ص: ٤٩٧)].","vol":"1","page":2756},{"text":"وقال - ﷺ -: \" أنا أولى الناس بعيسى ليس بيني وبينه نبي، وإنه (١) أوَّل نازل يكسر الصليب ويَقتل الخنزير، ويقاتل الناس على الإسلام \" (٢).\nمقاتل: \" ينزل عيسى - ﵇ - بجبل بأرض الشام يقال له: أفِيق \" (٣) (٤).\nوقيل (٥): إذا نزل عيسى - ﵇ - رُفع التكليف، وفيه بُعد.\nالحسن: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ أي: القرآن علم للساعة \" (٦) (٧)، أي: يُعلم منه، وفيه ثبوث ذلك.\n﴿فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا﴾ لا تشكنَّ فيها ولا تكذِّبون (٨) (٩).\n﴿وَاتَّبِعُونِ﴾ فيما آمركم به.\n﴿هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١)﴾: دين قيم.\n_________\n(١) في (ب) \" وإن \".\n(٢) هذا الحديث أورده الماوردي في النكت والعيون (٥/ ٢٣٥) عن الحسن وهو من مرسلات الحسن، وأصله في الصحيحين موصولًا من حديث أبي هريرة - ﵁ -، فقد روى البخاري في صحيحه في كتاب أحاديث الأنبياء، باب: قول الله: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا﴾ [مريم: (١٦)]، برقم (٣٤٤٣) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَالأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلَّاتٍ أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى، وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ»، وأخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الفضائل، باب: فضائل عيسى - ﵇ -، بروايات بنحو ما في البخاري، منها: برقم (٦٠٨٥).\n(٣) قال مقاتل: \" أفيق: وهو جبلٌ ببيت المقدس \" [انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٩٤)].\n(٤) تفسير مقاتل (٣/ ١٩٤).\n(٥) في (ب) \" ويقال \".\n(٦) في (أ) \" علم الساعة \".\n(٧) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (٢٥/ ٩١)، وأورده النَّحاس في إعراب القرآن (٤/ ٧٨)، والماوردي في النكت والعيون (٥/ ٢٣٥).\n(٨) في (أ) \" لا يشكَّن فيها ولا يكذَّبن \".\n(٩) انظر: جامع البيان (٢٥/ ٩١)، معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ٣٨١)، النكت والعيون (٥/ ٢٣٦).","vol":"1","page":2757},{"text":"الحَسن: \" القرآن صراط إلى الجنة مُستقيم \" (١).\n﴿وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ﴾ أي: عن الإيمان بالساعة والقرآن.\n﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٢)﴾ ظاهر العداوة.\n﴿وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ﴾ بالمعجزات (٢)، وقيل: بالإنجيل.\n﴿قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ﴾ بما يفصل بين الحق والباطل، وقيل: بالنبوة (٣).\n﴿وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ وهو أمر الدِّين لا أمر الدنيا، وهو بعض ما اختلفوا فيه، وقيل: \" بعض \" بمعنى \" كل \"، وقد سبق (٤).\nوقيل: بعض الذي تختلفون نصًَّا فاجتهدوا في طلب الباقي.\n﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٦٣) إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ﴾ خالقي ورازقي، وأنا عبد مخلوق محتاج إلى الرِّزق.\n﴿فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦٤)﴾ يجوز أن يكون من تمام كلام عيسى (٥) - ﵇ -، ويجوز أن يكون استئنافًا من الله تعالى (٦).\n_________\n(١) انظر: النكت والعيون (٥/ ٢٣٦).\n(٢) انظر: جامع البيان (٢٥/ ٩٢)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٤/ ٣١٨)، النكت والعيون (٥/ ٢٣٦).\n(٣) وهو اختيار ابن جرير [انظر: جامع البيان (٢٥/ ٩٢) وانظر: معاني القرآن؛ للزَّجاج (٤/ ٣١٨)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢٥٠)].\n(٤) انظر: عند قول القائل: أو يختلط بعض النفوس حمامها. قال ابن جرير: \" وليس لما قال هذا القائل كبير معنى؛ لأنَّ عيسى إنما قال لهم: ﴿وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾؛ لأنه قد كان بينهم اختلاف كثير في أسباب دينهم ودنياهم، فقال لهم أبين لكم بعض ذلك، وهو أمر دينهم دون ما هم فيه مختلفون من أمر دنياهم، فلذلك خصَّ ما أخبرهم أنه يبينه لهم \". [جامع البيان (٢٥/ ٩٢)].\n(٥) في (ب) \" تمام الكلام عيسى \".\n(٦) انظر: تفسير البيضاوي (٤/ ٣٧٦).","vol":"1","page":2758},{"text":"﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ﴾ أي: الذين تحزبوا بعد عيسى - ﵇ -، وهم اليعقوبية (١)، والنَّسطورية (٢)، والمَلْكانية (٣) (٤)، والمرقوسية (٥) (٦).\n_________\n(١) اليعقوبية: طائفة نصرانية، أصحاب: يعقوب البرادعي، هم القائلون بأن عيسى هو الله، وهم القائلون بالأقانيم الثلاثة (الوجود والعلم والحياة)؛ إلا أنهم قالوا: انقلبت الكلمة لحمًا. ودمًا؛ فصار الإله هو المسيح، وهو الظاهر بجسده، بل هو: هو - تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا -، وهؤلاء اليوم هم (الأرثودوكس) [انظر: جامع البيان (١٦/ ٨٤)، الملل والنحل؛ للشهرستاني (٣/ ٢٥٣)، التحرير والتنوير (١٦/ ١٠٦)].\n(٢) النَّسطورية: طائفة من النصارى تقول: إن عيسى ابن الله، وقالوا: إن الله - تعالى - واحد، ذو أقانيم ثلاثة: الوجود، والعلم، والحياة؛ وهذه الأقانيم ليست زائدة على الذات، ولا هي هو. واتحدت الكلمة بجسد عيسى - ﵇ -: لا على طريق الامتزاج؛ كما قالت الملكانية، ولا على طريق الظهور به؛ كما قالت اليعقوبية، ولكن؛ كإشراق الشمس في كوة على بلورة، وكظهور النقش في الشمع إذا طبع بالخاتم، وقيل سميت بذلك نسبة إلى نسطوريوس بطريك القسطنطينية في القرن الخامس الميلادي، وقال الشهرستاني هم أصحاب: نسطور الحكيم الذي ظهر في زمان المأمون، وتصرف في الأناجيل بحكم رأيه\" قلت: وهذا القول بعيد. [انظر: جامع البيان (١٦/ ٨٤) الملل والنحل ... (٣/ ٢٤٩)، الموسوعة الميسرة (٢/ ١١٦١)].\n(٣) في (ب) \" والملكائية \".\n(٤) الملكانية: طائفة نصرانيةً سُمِّيت بذلك نسبة إلى ملوك النَّصارى، وقيل هم أصحاب: ملكا، الذي ظهر بأرض الروم، واستولى عليها. ومعظم الروم ملكانية وهم الكاثوليك اليوم، وقالوا: إن الكلمة اتحدت بجسد المسيح، وتدرعت بناسوته: ويعنون بالكلمة: أقنوم العلم، ويعنون بروح القدس: أقنوم الحياة؛ ولا يسمون العلم قبل تدرعه ابنًا، وهم القائلون بعقيدة التثليث وقالت الملكانية: إن المسيح ناسوت كلي، لا جزئي؛ وهو قديم أزلين وقد ولدت مريم - ﵍ - إلهًا أزليًا؛ والقتل والصلب وقع على الناسوت واللاهوت معًا. وأطلقوا لفظ الأبوة والنبوة على الله ... - ﷿ - وعلى المسيح - تعالى الله عمَّا يقولون علوًا كبيرًا -. [انظر: تفسير السَّمرقندي (١/ ٤٠٢)، الملل والنحل؛ للشهرستاني (٣/ ٢٤٨)، التحرير والتنوير (١٦/ ١٠٦)].\n(٥) المرقوسية: وهم الملكانية القائلين بعقيدة التثليث [انظر: تفسير السمرقندي (١/ ٣٨٤)، تفسير البغوي (٢/ ٣١٣)].\n(٦) أخرج عبد الرَّزاق في تفسيره (٣/ ٨)، عن قتادة في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣٤)﴾ [مريم: (٣٤)] قال: «اجتمع بنو إسرائيل فأخرجوا منهم أربعة نَفَرٌ: أخرج كل قوم عالمهم فامتروا في عيسى حين رفع فقال أحدهم: هو الله هبط إلى الأرض فأحيا من أحيا وأمات من أمات ثم صعد إلى السماء وهم اليعقوبية، قال فقال الثلاثة: كذبت، ثم قال اثنان منهم للثالث: قل. فقال: هو ابن الله وهم النسطورية، فقال اثنان: كذبت. ثم قال أحد الاثنين للآخر: قل فيه. قال هو: ثالث ثلاثة: الله، وهو إله، وأمه إله، وهم الإسرائيلية، وهم ملوك النصارى.\nقال الرابع: كذبت. هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته، وهم المسلمون فكانت لكل رجل منهم أتباع على ما قال فاقتتلوا فظهر على المسلمين وذلك قول الله: ﴿وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: (٢١)]، قال قتادة: وهم الذين قال الله فيهم: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ﴾ [مريم: (٣٧)] فاختلفوا فيه فصاروا أحزابا\"، وانظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٩٥)، جامع البيان (١٦/ ٨٥)، تفسير السمرقندي (٢/ ٣٧٤).","vol":"1","page":2759},{"text":"وقال مقاتل: \" والشَّمْعُونِيِّة \" (١) (٢).\n﴿مِنْ بَيْنِهِمْ﴾ من بين النصارى.\nوقيل: فيما بينهم.\nوقيل: من بين اليهود والنصارى.\nوقيل: \"مِن \" زيادة، وقيل: ﴿مِنْ بَيْنِهِمْ﴾ من عند أنفسهم لم يؤمروا به (٣).\nوقيل: الأحزاب هم الذين آمنوا به، أي: اختلف الأحزاب من بين الناس.\n﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ قالوا في عيسى - ﵇ - ما كفروا به.\n﴿مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٦٥)﴾ وهو القيامة.\n﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ﴾ قيل: الضمير لقوم عيسى - ﵇ -، وقيل: للكفار.\n﴿أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً﴾ بدلٌ من الساعة (٤).\n﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٦٦)﴾.\n﴿الْأَخِلَّاءُ﴾: جمع خليل (٥).\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) الشَّمعونية: طائفة من طوائف اليهود، ولها قول مشهور في أن النسخ ممتنع عقلًا ونقلًا، وأن التوراة لم تنسخ بل باقية في أيديهم ما دامت السماوات والأرض. [انظر: مناهل العرفان (٢/ ٢٠٣) (٢/ ٢١٨)].\n(٣) في (أ) \" ﴿مِنْ بَيْنِهِمْ﴾ من بين اليهود والنَّصارى، وقيل: فيما بينهم، وقيل: لم يؤمروا به \".\n(٤) انظر: إملاء ما منَّ به الرحمن (٢/ ٢٢٨).\n(٥) قال ابن جزي: \" الأخلاء: جمع خليل، وهو الصديق، وإنما يعادي الخليل خليله يوم القيامة؛ لأنَّ الضرر دخل عليه من صحبته، ولذلك استثنى المتقين؛ لأنَّ النفع دخل على بعضهم من بعض \" [التسهيل (٤/ ٣٢)].","vol":"1","page":2760},{"text":"﴿يَوْمَئِذٍ﴾ مجاهد: \" في الدنيا \" (١)، والجمهور على أنه يوم القيامة (٢).\n﴿بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ يريد الكفار والأحزاب، وقيل: الأخلاء على معصية الله.\n﴿إِلَّا الْمُتَّقِينَ (٦٧)﴾ أي: المؤمنين، وقيل: الذين يتقون المعاصي.\n﴿يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٦٨)﴾ أي: لا تخافوا ولا تحزنوا،\nقيل (٣): هو متصل بالأول، أي: إلا المتقين، فإنه يقال لهم: يا عبادي.\n﴿الَّذِينَ آَمَنُوا بِآَيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ (٦٩)﴾ على دين إبراهيم - ﵇ -، وقيل: داخلين في الإسلام والدِّين.\nقيل (٤): هذا مبتدأ، وخبره (٥): ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ أي: يقال لهم: ادخلوا الجنة، وقيل: صفة للمؤمنين (٦)، وقيل: بدل من (عبادي)، وقيل: مبتدأ وخبره ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ﴾.\nوقوله: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ مُتَّصل بقوله: ﴿يَا عِبَادِ﴾، وهو اعتراض بين المبتدأ وخبره، والمبتدأ اعتراض بين المنادي والمنادى به (٧).\n_________\n(١) انظر: تفسير مجاهد (٢/ ٥٨٣) والذي يظهر أنَّ قول مجاهد هو قول الجمهور حيث قال: \" ﴿الْأَخِلَّاءُ﴾ قال يعني في الدنيا على معصية الله ﴿يَوْمَئِذٍ﴾: يعني يوم القيامة \".\n(٢) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٩٥)، جامع البيان (٢٥/ ٩٤)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢٥٠)، تفسير الثعلبي (٨/ ٣٤٢).\n(٣) في (أ) \" وقيل \".\n(٤) في (أ) \" وقيل \".\n(٥) في (ب) \" خبره \".\n(٦) في (ب) \" للمتقين \".\n(٧) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٠٦٤).","vol":"1","page":2761},{"text":"﴿أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ (٧٠)﴾: قيل: الحور، وقيل: النساء المسلمات.\nومعنى (١): ﴿تُحْبَرُونَ﴾ تُزَينون، والحُبر: حُسن الهيئة، وقيل: ﴿تُحْبَرُونَ﴾ تُسرُّون.\nوالحُبور السُّرور، وقيل: تُكَرَّمون، وقيل: تُنَعَّمون، وقيل: تُعجبون، وقيل: إنه التلذذ بالسَّماع (٢).\n﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ﴾ جمع صَحْفة، أي: فيها طعام (٣).\n﴿وَأَكْوَابٍ﴾ أي: من ذهب أيضًا، جمع كوب، وهو الإبريق لا عُروة له (٤). وقد سبق (٥).\n﴿وَفِيهَا﴾ أي: في الجنَّة ﴿مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ﴾ تنازع النفوس إلى الظفر به.\n﴿وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ تجد بالنظر (٦) إليه لذَّة لإفراط حسنه في مرآها، وما التذَّته العين (٧) قبلته النَّفس؛ لأنَّها رائد النفس (٨).\nقال القفَّال: \" جمع بهاتين اللفظتين ما لو اجتمع الخلق كلُّهم على وصف ما فيهما على التفصيل لم يخرجوا عنه \" (٩).\n_________\n(١) \" ومعنى \" ساقط من (ب).\n(٢) وكلُّها معاني متقاربة تدُلُّ على الإكرام والإنعام [انظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٩٦)، جامع البيان (٢٥/ ٩٥)، معاني القرآن؛ للزَّجاج (٤/ ٣١٩)، معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ٣٨٣)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢٥١)، النكت والعيون (٥/ ٢٣٨)].\n(٣) انظر: جامع البيان (٢٥/ ٩٥)، معاني القرآن؛ للزَّجاج (٤/ ٣٢٠) - وفيه قال الزَّجَّاج: \" واحدها صَحْفة، وهي القصعة \" -.\n(٤) أي لا أذن له [انظر: كتاب العين (٢/ ٢٣٣) مادة \" عَرُوَ \"، جامع البيان (٢٥/ ٩٦)، معاني القرآن؛ للزَّجاج (٤/ ٣٢٠)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢٥١) النكت والعيون (٥/ ٢٣٨) لسان العرب (١٥/ ٤٤) مادة \" عَرَا \"].\n(٥) في سورة الصافات، الآية (٤٥).\n(٦) في (ب) \" تجد النظر \".\n(٧) في (أ) \" وما التذ به العين \".\n(٨) انظر: النكت والعيون (٥/ ٢٣٩)، تفسير السَّمعاني (٥/ ١١٦)، زاد المسير (٧/ ١٤٤).\n(٩) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٠٦٦).","vol":"1","page":2762},{"text":"وقرئ ﴿تَشْتَهي﴾ (١) فحذف الضمير، وحذف الضمير من الموصول (٢) أحسن من الإثبات (٣).\n﴿وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٧١)﴾ لأنَّ نعيمها لا ينقطع ولا يزول.\n﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢)﴾ أي: يقال لهم ذلك.\n﴿لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ﴾ تتعلَّلون بها بعد الطعام والشراب.\n﴿مِنْهَا تَأْكُلُونَ (٧٣)﴾ أي: ما اشتهيتم منها، وهذا ردٌّ على من زعم أن لا أكل في الجنَّة (٤).\nثم ذكر (٥) جزاء الكفَّار للتقابل فقال: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (٧٤)﴾ رُفِعَ.\n﴿خَالِدُونَ﴾ بالخبر؛ لأنَّه المقصود بالذِّكر، ويجوز أن يكون خبرًا بعد خبر (٦).\n﴿لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾ لا يُخَفَّف عنهم زمانًا ولا نقصانًا (٧).\n﴿وَهُمْ فِيهِ﴾ في العذاب ﴿مُبْلِسُونَ﴾ آيسون من النَّجاة مُتَحَيِّرون (٨).\n_________\n(١) ﴿تَشْتَهي﴾ وهي قراءة ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي وعاصم في رواية أبى بكر، وقرأ نافع وابن عامر وحفص عن عاصم ﴿تَشْتَهِيهِ﴾ بهاء بعد الياء. [انظر: جامع البيان (٢٥/ ٩٧)، السبعة (ص: ٥٨٨)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٤/ ٧٩)، معاني القراءات (ص: ٤٤١)، الحجة (٦/ ١٥٨)، التيسير (ص: ١٦٠)].\n(٢) في (ب) \" من الموصل \".\n(٣) انظر: الحجة (٦/ ١٥٨).\n(٤) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٠٦٦).\n(٥) \" ذكر \" ساقط من (ب).\n(٦) انظر: إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٤/ ٧٩)، غرائب التفسير (٢/ ١٠٦٦) تفسير النسفي (٤/ ١٠٩٠).\n(٧) انظر: جامع البيان (٢٥/ ٩٨)، معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ٣٨٤)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢٥١).\n(٨) قال ابن جرير: \" والمُبْلِس في هذا الموضع: هو الآيس من النجاة الذي قد قنط فاستسلم للعذاب والبلاء \" ... [جامع البيان (٢٥/ ٩٨)، وانظر: تفسير مقاتل (٣/ ١٩٧)، معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ٣٧)، معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ٣٨٤)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢٥١)].","vol":"1","page":2763},{"text":"﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ﴾ بالعذاب ﴿وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ (٧٦)﴾ أي: هم ظلموا أنفسهم بكفرهم، و﴿لَظَالِمِينَ﴾: نُصِبَ بكانَ، و﴿هُمُ﴾: عِماد (١).\n﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ﴾ لمَّا يئِسُوا من فتور العذاب نادوا: يا ملك، وهو خازن النار.\n﴿لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ لِيُمِتنا ربُّك (٢).\n﴿قَالَ﴾ مالك بعد أربعين عامًا (٣)، وقيل: بعد مائة عام، وقيل: بعد ألف عام (٤):\n﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (٧٧)﴾ لابثون في العذاب أبدًا لا تتخلَّصُون عنه لا بموتٍ ولا فتور (٥).\nوقيل: هذا تمنٍّ منهم لا طمع؛ لأنَّهم يعلمون أنَّه لا مُخَلِّص لهم.\n﴿لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ﴾ هذا استئناف كلام: أي جاءكم رُسلنا بالحق الذي لا باطل معه.\n﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (٧٨)﴾ أي: كرهتم ما جاءكم الرَّسول به، وخِفتُم زوال رئاستكم.\nوقيل: هذا مُتَّصل بكلام مالك، أي: جئناكم، يعني الملائكة، وهم رسل الله، وهو منهم (٦).\n﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا﴾ عدل من الخطاب إلى الغيبة (٧).\nوالمعنى: أحكموا أمرًا في المكر بمحمدٍ - ﷺ - (٨).\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ٣٧)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٤/ ٣٢٠)، غرائب التفسير (٢/ ١٠٦٧)، البحر المحيط (٩/ ٣٨٨).\n(٢) انظر: جامع البيان (٢٥/ ٩٨)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢٥٢)، النكت والعيون (٥/ ٢٣٩)\n(٣) في (ب) \" أربعين يومًا \".\n(٤) لم يرد نصُّ من كتاب الله ولا سنة رسوله - ﷺ - عن مُدَّة تأخره في الرَّد عليهم، وإنما وردت آثار عن الصحابة أورد الإمام ابن جرير جملة منها [انظر: جامع البيان (٢٥/ ٩٩)].\n(٥) في (ب) \" لا بموتٍ ولا قبورٍ \".\n(٦) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٠٦٧)، تفسير البيضاوي (٢/ ٣٧٨).\n(٧) في (ب) \" الخيبة \".\n(٨) انظر: جامع البيان (٢٥/ ١٠٠)، تفسير الثعلبي (٨/ ٣٤٥).","vol":"1","page":2764},{"text":"﴿فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (٧٩)﴾ مُحكِمون أمرًا في مُجازاتهم.\nقيل: نَزلت في كفَّار قُريش حين اجتمعوا في دار الندوة (١)، وأجمعوا على [اغتيال محمد] (٢) - ﷺ - (٣).\nالفراء: \" أحكموا أمرًا ينجيهم من العذاب بزعمهم، فإنَّا مُبرمون مُعَذِّبوهم (٤) \" (٥).\nقتادة: \" أجمعوا (٦) على التكذيب، وأجمعنا على التعذيب \" (٧).\nوقيل: أعلموا دينهم بل هم في جهل، فإنا مُبرمون ما دعوناهم إليه من الدين.\nابن بحر: \" هو عطف على قوله: ﴿أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آَلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)﴾ \" (٨).\n﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا﴾ رأوا رأيًا عزموا عليه ﴿فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (٧٩)﴾ فاعلون ما يليق بفعلهم (٩).\n﴿أَمْ يَحْسَبُونَ﴾ يتوهمون.\n﴿أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ﴾ حديث أنفسهم.\n﴿وَنَجْوَاهُمْ﴾ ما يتحدثون فيما بينهم ويُخفونها عن غيرهم.\n﴿بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ﴾ أي: الحفظة (١٠).\n_________\n(١) دار الندوة: هي دار بمكة بناها قصي بن كلاب بمكة، وإنما سميت دار الندوة؛ لأنَّ قريشًا كانوا ينتدون ... فيها، أي يجتمعون للخير والشر \" [انظر: كتاب العين (٨/ ٧٦) مادة \" نَدَوَ \"، الطبقات الكبرى (١/ ٧٠)، لسان العرب (١٥/ ٣١٣) مادة \" نَدَيَ \"].\n(٢) في النُّسختين \" الاغتيال بمحمد \"، والظاهر ما أثبت.\n(٣) انظر: النكت والعيون (٥/ ٢٤٠).\n(٤) في (ب) \" مُعذِّبونَ \".\n(٥) انظر: معاني القرآن (٣/ ٣٨).\n(٦) \" أجمعوا \" ساقطة من (أ).\n(٧) انظر: النكت والعيون (٥/ ٢٤٠).\n(٨) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٠٦٨).\n(٩) لم يذكر المؤلف هذا الكلام في غرائب التفسير حين نقله لكلام ابن بحر، فإما أن يكون من كلام ابن بحر، وإما أن يكون من كلام المؤلِّف فكأنه فسَّر الآية مرتين.\n(١٠) انظر: جامع البيان (٢٥/ ١٠٠)، تفسير الثعلبي (٨/ ٣٤٥).","vol":"1","page":2765},{"text":"﴿يَكْتُبُونَ (٨٠)﴾ ما يكون منهم، ثم (١) يعرضون عليهم في القيامة، ليعلموا أنه لا يخفى على ملائكتنا فكيف علينا؟.\n﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (٨١)﴾ فيه أقوال:\nأحدها: إن كان للرحمن ولد بزعمكم، فأنا أول العابدين بأنَّه واحدٌ (٢) لا ولد له (٣).\nوقيل: \" إنْ \" بمعنى النفي، والفاء لعطف جملة على جملة، أي: ما كان للرحمن ولد، وأنا أول العابدين بأنَّه لا ولد له من هذه الأمَّة.\nوقيل: من الآنفين، وقيل: إن للشَّرط، و\" ﴿الْعَابِدِينَ﴾ بمعنى: الآنفين (٤).\nوقيل: إن كان للرحمن ولد فأنا أول من يعبد ذلك الولد، ولكن: (٥) ليس له ولد.\nوقيل: إن كان للرحمن ولد فأنا أعبد الله بهذه الصِّفة، لكن ليس له ولد، ولم يثبت، فليس إليَّ اعتقاده سبيلٌ (٦). حكاهما القَفَّال (٧).\n_________\n(١) \" ثُمَّ \" ساقطة من (أ).\n(٢) في (أ) \" أحدٌ \".\n(٣) فيكون هذا من قبيل المحاجة والإلزام، هو الظاهر - والله أعلم - وهو اختيار ابن كثير، وابن جزي، قال ابن كثير: \" أي لو فرض هذا لعبدته على ذلك؛ لأنِّي عبد من عبيده مطيع لجميع ما يأمرني به، ليس عندي استكبار ولا إباء عن عبادته، فلو فرض هذا لكان هذا، ولكن هذا ممتنع في حقه تعالى، والشرط لا يلزم منه الوقوع ولا الجواز أيضا، كما قال ﷿: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٤)﴾ [الزمر: (٤)] \" [تفسير القرآن العظيم (٤/ ١٤٧)، وقال ابن جزي: \" في تأويل الآية أربعة أقوال: الأول: أنها احتجاج وردٌّ على الكفار على تقدير قولهم، ومعناها: لو كان للرحمن ولد كما يقول الكفار، لكنت أنا أول من يعبد ذلك الولد، كما يعظم خدم الملك ولد الملك لتعظيم والده، ولكن ليس للرحمن ولد فلست بعابد إلا الله وحده، وهذا نوع من الأدلة يسمى دليل التلازم؛ لأنه علق عبادة الولد بوجوده ووجوده محال فعبادته محال .... والأول هو الصحيح لأنه طريقة معروفة في البراهين والأدلة \" [التَّسهيل (٤/ ٣٣)].\n(٤) أي: الجاحدين [انظر: جامع البيان (٢٥/ ١٠١)، تفسير الثعلبي (٨/ ٣٤٥)، النكت والعيون (٥/ ٢٤٠)، زاد المسير (٧/ ١٤٥)].\n(٥) \" ثُمَّ \" ساقطة من (أ).\n(٦) \" سبيلٌ \" ساقطة من (ب).\n(٧) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٠٦٨).","vol":"1","page":2766},{"text":"وقال: \" هذا على تعريض الكلام كما قال: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٤)﴾ \" [سبأ: ٢٤]\nسُفيان بن عُيينة: \" إن كان للرحمن ولدٌ فأنا أوَّل، ولست بأول (١) العابدين، فليس لله ولد. قال: وهذا كما تقول: إن كان ما تقول حقَّا، فإنَّا جماد، أي: ليس ذلك بحق كما لستُ بجماد \" (٢).\nثمَّ نزَّه نفسه عن الولد فقال:\n﴿سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٨٢) فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا﴾ في باطلهم ﴿وَيَلْعَبُوا﴾ في دنياهم.\n﴿حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٨٣)﴾ أي: القيامة.\n﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ﴾ أي (٣): معبود في السماء يعبده الملائكة، ﴿وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ مُعبودٌ في الأرض يعبده الإنس والجن، أي: ليس له فيهما (٤) ولد ولا شريك (٥).\nوقرئ: ﴿وهو الذي في السماء الله وفي الأرض الله﴾ (٦) وقرئ في الغريب ﴿وهو الذي في السماء لاه وفي الأرض لاه﴾ (٧).\n﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ﴾ خلقها بحكمته ﴿الْعَلِيمُ (٨٤)﴾ علم ما يكون فيهما.\n_________\n(١) \" ولست بأول \" ساقطة من (أ).\n(٢) انظر: النكت والعيون (٥/ ٢٤١)، غرائب التفسير (٢/ ١٠٦٨).\n(٣) \" أي \" ساقط من (أ).\n(٤) في (ب) \" فيها \".\n(٥) انظر: جامع البيان (٢٥/ ١٠٤)، تفسير القرآن العظيم (٤/ ١٤٧).\n(٦) بألف ولام من غير تنوين ولا همز فيهما، وهي قراءة شاذة تروى عن عمر بن الخطاب وابن مسعود وابن عباس وأبي بن كعب وابن السميفع وابن يعمر والجحدري وغيرهم [انظر: معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ٣٨٩) شواذ الكرماني (ص: ٤٢٩)، المحرر الوجيز (٥/ ٦٦) زاد المسير (٧/ ١٤٧)، البحر المحيط (٩/ ٣٩١)].\n(٧) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٠٦٩)، شواذ الكرماني (ص: ٤٢٩)، روح العاني (١/ ٥٦).","vol":"1","page":2767},{"text":"﴿وَتَبَارَكَ﴾ تعالى ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ وهو الهواء، وقيل: هو المخلوقات فيهما.\n﴿وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ أي: القيامة، وقيل: علم ساعة قيام القيامة.\n﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٥)﴾ للثواب والعقاب.\n﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٨٦)﴾ أي: الذين يدعونهم، فهو عام (١) في المَدعوين من الملائكة والإنس والجنِّ والصنم ثم استثنى فقال: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾ فإنَّهم يملكون الشفاعة، يعني: الملائكة وعيسى وعزيرًا - ﵈ - (٢).\nومَنْ في محل رفعٍ، وله وجه (٣) ثان تقديره: ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة لأحد، فحُذِف اقتصارًا؛ لأنَّ الشفاعة تقتضي (٤) مشفوعًا له (٥) (٦).\n﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾ [أي: لِمَن شهد بالحقِّ] (٧)، وهم المؤمنون، فحذف اللام، و\" مَنْ \" في محل نصب.\nوله وجه ثالث: وهو أن يحمل ﴿الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ على الداعين، أي: لا يملك أحد منهم شفاعة، إلا من شهد، أي: لكن من شهد بالحقِّ فإنَّه يملك الشفاعة.\nوالاستثناء: منقطع، و\" مَنْ \" في محل نصب، ومعنى ﴿يَمْلِكُ﴾: ينال (٨).\n_________\n(١) في (ب) \" فهم عامٌّ \".\n(٢) انظر: تفسير مجاهد (٢/ ٥٨٤)، تفسير مقاتل (٣/ ١٩٩)، جامع البيان (٢٥/ ١٠٤).\n(٣) في (أ) \" وليس وجه \".\n(٤) في (ب) \" يقتضي \".\n(٥) \" له \" ساقط من (أ).\n(٦) \" له \" ساقط من (أ).\n(٧) ما بين المعقوفتين ساقط من (أ).\n(٨) انظر: تفسير الثعلبي (٨/ ٣٤٧)، غرائب التفسير (٢/ ١٠٦٩).","vol":"1","page":2768},{"text":"ووجه رابع: وهو أن يُجعل \" مَنْ \" بمعنى \" ما \" المصدر، فيكون التقدير: لا يملك المدعوون إلا الشهادة. حكاه القفَّال (١) (٢).\nومثلُ حمل \" مَنْ \" على المصدر حملهم \" الذي \" عليه في قوله: ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ﴾ [الشورى: (٢٣)]، وقد سبق (٣) (٤).\nومعنى ﴿شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٨٦)﴾: إذا حملته على الملائكة والنبيين، أي: الذين يُخلصون الوحدانية على علمٍ منهم ويقين.\nوقيل: إلا من شهد من الملائكة له بأنَّه كان على دين الحقِّ مع علمهم بذلك منهم.\nومن حمله على المؤمنين فمعناه إلا من قال: لا إله إلا الله على علم وعقيدة خلاف ما يقوله المنافق (٥).\nابن بحر: \" الشفاعة ها هنا الشِّركة، و﴿مَنْ شَهِدَ﴾ بمعنى: الشهادة \" (٦).\n﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ أي: المعبودين (٧) من خلقهم ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾، وقيل: ولئن سألت العابدين.\nوقوله: ﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٨٧)﴾ محمول في الوجهين على العابدين، والمعنى: يصرفون عن الحق إلى الباطل، وقيل: فأنَّى يُكَذِّبون.\n﴿وَقِيلِهِ يَا رَبِّ﴾: الهاء تعود (٨) إلى النَّبي - ﷺ - (٩).\nوقد تقدم ذكره بالكناية في قوله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ﴾.\nأبو علي: \" يعود إلى عيسى - ﵇ -، لأنَّه المذكور في آخر هذه السورة \" (١٠).\n﴿يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ (٨٨)﴾ قاله حين يئس (١١) من صلاح قومه، وأراد به تصبير محمد - ﷺ - (١٢).\nابن بحر: \"يعود الضمير إلى (١٣) ﴿مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾ \" (١٤)، أي: لا يُقبل منه (١٥) إلا الشهادة بالحقِّ.\nوقوله: ﴿يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ (٨٨)﴾ الوجه (١٦) هو الأول (١٧)، والمعنى: إنَّ هؤلاء قوم ليس من هِمَمِهِم الإيمان والتصديق بالحقِّ، لتركهم النَّظر، وركونهم إلى الباطل (١٨).\nقُرئ بالنَّصب والجرِّ. الجرُّ بالعطف على الساعة، أي: عنده علم السَّاعة، وعلمُ قيله.\nوالنَّصبُ بالعطف على محلِّ العِلم.\nوقيل: بالعطف على قوله: سِرَّهُمْ ﴿وَنَجْوَاهُمْ﴾ و﴿وقِيْلَهُ﴾.\nوقيل: نصب على المصدر، أي: قال: قيله يارب (١٩).\n_________\n(١) في (ب) \" حكاها القفال \".\n(٢) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٠٧٠).\n(٣) انظر: (ص: ٣٠٥).\n(٤) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٠٧٠).\n(٥) انظر: جامع البيان (٢٥/ ١٠٥)، النكت والعيون (٥/ ٢٤٢)، تفسير السمعاني (٥/ ١١٩).\n(٦) انظر: النكت والعيون (٥/ ٢٤١).\n(٧) في (أ) \" المعبودون \".\n(٨) في (أ) \" يعود \".\n(٩) تفسير مقاتل (٣/ ٢٠٠)، جامع البيان (٢٥/ ١٠٦).\n(١٠) انظر: الحُجَّة (٦/ ١٥٩).\n(١١) في (ب) \" حين يبين \".\n(١٢) انظر: جامع البيان (٢٥/ ١٠٦)، تفسير الثعلبي (٨/ ٣٤٧) الوجيز؛ للواحدي (٢/ ٩٨٠).\n(١٣) في (أ) \" يعود إلى الضمير إلى \".\n(١٤) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٠٧٠).\n(١٥) \" منه \" ساقطة من (أ).\n(١٦) في (أ) \" والوجه \".\n(١٧) المعنى غير واضح.\n(١٨) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٠٠).\n(١٩) قرأ عاصم وحمزة ﴿وَقِيلِهِ﴾ بكسر اللام، وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وأبو عمرو والكسائي ... ﴿وقِيْلَهُ﴾ نصبًا [انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ٣٨)، جامع البيان (٢٥/ ١٠٦)، السبعة (ص: ٥٨٩)، معاني القراءات (ص: ٤٤١)، الحجة (٦/ ١٥٩)، التيسير (ص: ١٦٠)].","vol":"1","page":2769},{"text":"﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ﴾ أعرض عنهم.\n﴿وَقُلْ سَلَامٌ﴾ أي: معروفًا، ثمَّ نُسِخ بالقتال (١).\nقال القفَّال: \" وقد يكون ذلك مع الأمر بالقتال على حسب اختلاف الأحوال \" (٢).\nوقيل: قل ما تسلم من شَرِّهم واحلم عنهم، وقل (٣) خيرًا بدل شَرِّهم.\nالنَّقَّاش: \" ودِّعهم \" (٤).\nوقيل: هو ما نُدب إليه في مواضع كقوله: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣)﴾ ... [الفرقان: (٦٣)]، ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ (٥٥)﴾ [القصص: (٥٥)].\nابن بحر: \" من شأن العرب ختم كل أمر وقول يبلغون آخره بالسلام، كأنّهم يقولون: أتينا على ما أردنا، وتخلصنا منه والسلام \". (٥)\nابن عيسى: \" أصل فاصفح من قولك: صَفَحتُ الورقة وتَصَفَّحتها إذا تجاوزتها إلى غيرها، سواء قرأتها أم لم تقرأ غيره هو من الإعراض.\nأي: أعرضت حتى أبديت له صفحة عُنُقي \" (٦).\n﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٨٩)﴾ بالياء والتاء (٧) تهديد ووعيد.\n_________\n(١) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٠٠)، النكت والعيون (٥/ ٢٤٣).\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) في (ب) \" وقيل \".\n(٤) انظر: النكت والعيون (٥/ ٢٤٣).\n(٥) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٠٧١).\n(٦) لم أقف عليه.\n(٧) في (ب) \" بالتاء والياء \".","vol":"1","page":2770},{"text":"الياء للغيبة، والتاء على تقدير: قل لهم يا محمد ذلك (١).\n[وصلى الله على محمدٍ، وعلى آله وسلَّم] (٢).\n_________\n(١) قرأ نافع وابن عامر من طريق ابن ذكوان ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ بالتاء، وقرأ الباقون وهشام بن عمار عن ابن عامرٍ ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٨٩)﴾ بالياء [انظر: جامع البيان (٢٥/ ١٠٦)، السبعة (ص: ٥٨٩)، معاني القراءات (ص: ٤٤٢)، الحجة (٦/ ١٦١)].\n(٢) ما بين المعقوفتين ساقط من (ب).","vol":"1","page":2771},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-150>سورة الدُّخَان </span>(١)\nتسع وخمسون آية (٢) (٣) مكية (٤)\nالنقاش: \" مَكِّية إلا آية من قوله: ﴿إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ﴾ \" (٥).\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢)﴾ سبق في الزُّخرف.\nواختلف في الجواب فقيل جوابه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾.\nصاحب النظم: جوابه: ﴿إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣)﴾، وقال: ليس من عادتهم أن يقسموا بنفس الشيء إذا أخبروا عنه، وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ اعتراض \" (٦).\nوقيل: \" جواب القسم مُقَدَّم: أي: والكتاب المبين حم ما هو كائن.\n_________\n(١) سُمِّيت في المصاحف وفي كتب السنة (سورة الدخان)، ووجه تسميتها بالدخان وقوع لفظ \" الدخان \" فيها، المراد به آية من آيات الله أيَّد الله بها رسوله - ﷺ - فلذلك سُمِّيت به اهتماما بشأنه وإن كان لفظ (الدخان) بمعنى آخر قد وقع في سورة (حم تنزيل) في قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت: (٤١)] وهي نزلت قبل هذه السورة على المعروف من ترتيب تنزيل سور القرآن عن رواية جابر بن زيد التي اعتمدها الجعبري وصاحب الإتقان \" [انظر: التحرير والتنوير (٢٥/ ٢٧٥)].\n(٢) \" تسع وخمسون آية \" ساقطة من (ب).\n(٣) وهذا على العدِّ الكوفي [انظر: جامع البيان (٢٥/ ١٠٧)، تفسير الثعلبي (٨/ ٣٤٨)، البيان في عدِّ آي القرآن (ص: ٢٢٥)، المحرر الوجيز (٥/ ٦٨)].\n(٤) وهي مَكِّية كُلَّها في قول الجمهور. قال ابن عطية: \" هي مَكِّيَّة لا أحفظ خلافًا في شيء منها \" [المحرر الوجيز (٥/ ٦٨)، وانظر: جامع البيان (٢٥/ ١٠٧)، معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ٣٩٥)، البيان في عدِّ آي القرآن (ص: ٢٢٥)].\n(٥) لم أقف على قول النَّقاش، وقد أورد هذا القول من غير نسبته الزَّمخشري في الكشَّاف (٤/ ٢٧٢)، والرازي في التفسير الكبير (٢٧/ ٢٠٢)، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن (١٦/ ١٢٣).\n(٦) لم أقف عليه، وقد أورده الكرماني من غير نسبة في غرائب التفسير (٢/ ١٠٧٣).","vol":"1","page":2772},{"text":"والجمهور على أنَّ الجواب: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ (١) على أن المعنى: إنا أنزلنا القرآن على محمد، ولم يتقوَّله كما زعم البعض.\nويحتمل أنَّ القسم وقع على إنزاله ﴿فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ لا على الفاعل والمفعول.\nقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ قيل: القرآن (٢)، وقيل: جبريل.\n﴿فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ الجمهور على أنها: ليلة القدر (٣)، لقوله (٤): ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١)﴾ [القدر: (١)] وليلة القدر في شهر رمضان لقوله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ﴾ [البقرة: (١٨٥)].\nوقيل (٥): أنزله جملة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا ثم نزل به جبريل - ﵇ - في وقت الحاجة إليه، وقيل: كان (٦) ينزل ما يحتاج إليه في طول السنة في ليلة القدر إلى قابل.\nوقيل: كان بدءُ إنزاله في ليلة القدر، ويحتمل: إنا (٧) أنزلناه في شأن ليلة مباركة ومنزلتها.\nعكرمة (٨): \" ليلة النصف من شعبان \" (٩).\n_________\n(١) انظر: الكشَّاف (٤/ ٢٧٢)، زاد المسير (٧/ ١٤٩)، إملاء ما منَّ به الرحمن (٢/ ٢٢٩).\n(٢) وهو رأي الجمهور [انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٠١)، جامع البيان (٢٥/ ١٠٧)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢٥٤)، تفسير ابن أبي زمنين (٤/ ١٩٨)، النكت والعيون (٥/ ٢٤٥)، تفسير الواحدي (٢/ ٩٨١)، المحرر الوجيز (٥/ ٦٨)].\n(٣) انظر: تفسير مجاهد (٢/ ٥٨٧)، تفسير مقاتل (٣/ ٢٠١) تفسير الصنعاني (٣/ ٢٠٥)، جامع البيان (٢٥/ ١٠٧)، معاني القرآن، للنَّحاس (٦/ ٣٩٥)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢٥٤)، تفسير ابن أبي زمنين (٤/ ١٩٨)، تفسير الواحدي (٢/ ٩٨١)، تفسير البغوي (٧/ ٢٢٧)، المحرر الوجيز (٥/ ٦٨)].\n(٤) في (ب) \" كقوله \".\n(٥) في (أ) \" فقيل \".\n(٦) في (ب) \" وقيل: إن كان \".\n(٧) \" إنا \" ساقطة من (ب).\n(٨) عكرمة بن عبد الله البَرْبَرِيُّ الهاشمي، أبو عبد الله، مولى عبد الله بن عباس - ﵄ - أصله من البربر من أهل المغرب، كان لحصين بن الحر العنبري، فوهبه لابن عباس - ﵄ -، حين ولي البصرة لعلي ابن أبي طالب - ﵁ -، واجتهد ابن عباس في تعليمه القرآن والسنن وسمَّاه بأسماء العرب.\nوهو أحد فقهاء مكة وتابعيها، وكان ينتقل من بلد إلى بلد، وقد تكلم الناس فيه؛ لأنه كان يرى رأي الخوارج.\nوتوفي عكرمة وكثير عزة الشاعر في يوم واحد، سنة خمس ومائة وقيل: سنة سبعٍ ومائة، فقال الناس: مات أفقه الناس وأشعر الناس، وكان موتهما بالمدينة \" [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: مشاهير علماء الأمصار (ص: ١٠٧)، وفيات الأعيان (٣/ ٢٦٥)، طبقات المفسرين؛ للداوودي (٢/ ٣٨٦)].\n(٩) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (١٠/ ٣٢٨٧)، وأورده الماوردي في النكت والعيون (٥/ ٢٤٤).\nقال ابن كثير: \" ومن قال: إنها ليلة النصف من شعبان كما روي عن عكرمة فقد أبعد النَّجعة؛ فإنَّ نَصَّ القرآن أنها في رمضان، والحديث الذي رواه عبد الله بن صالح عن الليث عن عقيل عن الزهري أخبرني عثمان بن محمد بن المغيرة ابن الأخنس قال: إنَّ رسول الله - ﷺ - قال: \" تقطع الآجال من شعبان إلى شعبان، حتى إنَّ الرجل لينكح ويولد له، وقد أخرج اسمه في الموتى \"، فهو حديث مرسل، ومثله لا يعارض به النصوص \" [تفسير القرآن العظيم (٤/ ١٤٨)].","vol":"1","page":2773},{"text":"قوله: ﴿مُبَارَكَةٍ﴾ أي: كثيرة البركة (١) لما ينزل فيها من الرحمة ويُجاب فيها من الدعوة، وقيل: سمّاها مباركة؛ لأنه ﷾ (٢) يقسِّم فيها نعمه على الخلق ويكتب ذلك فيهم (٣) طول سنتهم (٤).\n﴿إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣)﴾ أي: أنذر قومك به جريًا على عادتي في إنذار سائر الأمم.\n﴿فِيهَا﴾ في تلك الليلة.\n﴿يُفْرَقُ﴾ يفصل ويظهر (٥) وقيل: يكتب، وقيل: يقضى، وقيل: ينزل، وقيل: يُخرج (٦).\n﴿كُلُّ أَمْرٍ﴾ قيل: هو عامٌّ في الرزق والأجل والشقاوة والسعادة (٧).\n_________\n(١) في (ب) \" أي: كثير البركة \".\n(٢) في (ب) \" لأنها سبحانه يقسم \".\n(٣) في (ب) \" فيه \".\n(٤) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٠١)، النكت والعيون (٥/ ٢٤٥)، تفسير السمعاني (٥/ ١٢١).\n(٥) في (ب) \" فيظهر \".\n(٦) كلُّ هذه الأقوال يحتملها المعنى، وقد وردت عند المفسرين [انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٠١)، تفسير الصنعاني (٣/ ٢٠٥)، جامع البيان (٢٥/ ١٠٩)، معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ٣٩٦)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢٥٤)، النكت والعيون (٥/ ٢٤٥)، تفسير السمعاني (٥/ ١٢١)].\n(٧) قال الشنقيطي: \" وإيضاح معنى الآية: \" أنَّ الله ﵎ في كُلِّ ليلة قَدْرٍ من السَّنة يُبَيِّنُ للملائكة ويكتب لهم بالتفصيل والإيضاح جميع ما يقع في تلك السنة إلى ليلة القدر من السنة الجديدة، فتبين في ذلك الآجال والأرزاق والفقر والغنى، والخصب والجدب والصحة والمرض والحروب والزلازل، وجميع ما يقع في تلك السنة كائنًا ما كان \" [أضواء البيان (٧/ ٣٢٠)].","vol":"1","page":2774},{"text":"ابن عمر - ﵄ -: \" إلا السعادة والشقاوة فإنهما في أمُّ الكتاب لا يُغيّر ولا يُبدّل \" (١).\nمجاهد: \"إلا الحياة والموت \" (٢).\nوقيل: فيها (٣) ينزل الكتب على الأنبياء - ﵈ -.\n﴿حَكِيمٍ (٤)﴾ أي مُحْكَم (٤)، وقيل: الحكيم: الأمر الصواب، ويُحتمل: ﴿حَكِيمٍ﴾ محكوم به، وهو ما حكم الله به.\n﴿أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا﴾ أي: أمرًا منَّا لذلك بأن نقول له: كن فيكون.\nو﴿أَمْرًا﴾ نُصِبَ من وجوه أحدها: أن يكون حالًا من ﴿أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾، وإن كان نكرة؛ لأنه قَرُب من المعرفة بالوصف.\nوقيل: حال عن الهاء في﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾، وقيل: حال عن الفاعل أي أنزلناه آمرين، ... وقيل: على المصدر، أي: أمرنا أمرًا، وقيل مصدر من غير لفظ الفعل الأول، أي: يفرق أمرًا، وقيل: نصب على المدح؛ لقوله: ﴿مِنْ عِنْدِنَا﴾ أي: أمرًا أردناه، وقيل: تمييز، وقيل: مفعول، أي: أحكمنا أمرًا، ودلَّ ﴿حَكِيمٍ﴾ عليه (٥).\n﴿إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٥)﴾ أي: أرسلنا إليك جبريل - ﵇ - بالقرآن على عادتنا بإرسال الرسل إلى الأنبياء - ﵈ - قبلك.\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (١٠/ ٣٢٨٧)، وأورده الماوردي في النكت والعيون (٥/ ٢٤٥).\n(٢) تفسير مجاهد (٢/ ٥٨٧).\n(٣) \" فيها \" ساقطة من (ب).\n(٤) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٠١)، جامع البيان (٢٥/ ١٠٩)، معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ٣٩٨)، النكت والعيون (٥/ ٢٤٥).\n(٥) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ٣٩)، جامع البيان (٢٥/ ١١٠)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٤/ ٣٢٢)، معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ٣٩٨)، مشكل إعراب القرآن (٢/ ٦٥٤)، غرائب التفسير (٢/ ١٠٧٣).","vol":"1","page":2775},{"text":"﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ رحمة منا للخلق وإنعامًا عليهم.\nو﴿رَحْمَةً﴾ نصب على الحال، أي: راحمين، وقيل: مفعول له، أي: للرَّحمة.\nوقيل مفعول به، وهو محمد - ﷺ - لقوله (١): ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً﴾ [الأنبياء: (١٠٧)]، وقيل: مصدر (٢).\n﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾ لمَّا يقول الرسول ويجاب، ﴿الْعَلِيمُ (٦)﴾ قبل الإرسال والإجابة.\n﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ الرفع محمول على ما قبله أو على الاستئناف، أي: هو رب، والجر على البدل (٣).\n﴿إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٧)﴾ في إقراركم إذا سئلتم من خلقها؟ فقلتم: الله، فأيقنوا أنه لا يهملكم.\nوقيل: إن كنتم موقنين بشيء فأيقنوا بما أخبرتكم.\nوقيل معناه: رب السماوات والأرض وما بينهما فاعلموا ذلك وكونوا موقنين به.\nوقيل: الموقن (٤) الذي يريد اليقين فيطلبه كالمُتْهِم والمنْجِد (٥) أي: كنتم تريدون اليقين، فاعلموا: أنَّ الإله هو الله ﷿.\nوقيل: \" إنْ \" بمعنى النفي، أي: ما كنتم موقنين.\n_________\n(١) في (أ) \" كقوله \".\n(٢) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ٣٩)، معاني القرآن؛ للأخفش (ص: ٢٨٤)، جامع البيان (٢٥/ ١١٠)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٤/ ٣٢٢)، مشكل إعراب القرآن (٢/ ٦٥٤)، غرائب التفسير (٢/ ١٠٧٤).\n(٣) قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمر رَبُّ ﴿السَّمَاوَاتِ﴾ بالرفع على القطع والاستئناف، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بالكسْر ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ﴾ على البدل من \" رَبِّكَ \" المُتَقَدِّم [انظر: جامع البيان (٢٥/ ١١٠)، السبعة (ص: ٥٩٢)، معاني القراءات (ص: ٤٤٣)، الحجة (٦/ ١٦٤)، التيسير (ص: ١٦٠)].\n(٤) في (ب) \" المؤمن \".\n(٥) في (ب) \" ويطلبه كالمنجد والمتهم \".","vol":"1","page":2776},{"text":"واليقين: العلم بلا ريب (١)، وقيل: اليقين: ثَلَجُ (٢) الصدر بالعلم.\n﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٨)﴾ ظاهر (٣).\n﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ﴾ أي: ليسوا بموقنين، بل قلدوا آباءهم.\n﴿يَلْعَبُونَ (٩)﴾ في كلامهم، فإنَّ كلامهم ينقض بعضه بعضًا.\nوقيل: ﴿يَلْعَبُونَ﴾: في الدنيا لا يتفكرون ولا يتدبرون.\n﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ﴾ أي: انتظر لهم هذا اليوم وتوقعه (٤).\nواليوم: عبارة عن ذلك الوقت، وقيل: هو يوم القيامة.\n﴿يَوْمَ تَأْتِي﴾ يحدث في الهواء دُخَان.\nواختلفوا في الدُّخَان:\nفقيل: هو عبارة عن الجوع؛ لأنَّ الجائع يرى بينه وبين السماء كهيئة الدُّخَان من ضعف بصره، وذلك أنَّ النبي - ﷺ - دعا عليهم بعد قتلى بِئْرُ مَعُوْنَة (٥)، فقال: \" اللهم اشدد وطأتك على\n_________\n(١) انظر: لسان العرب (١٣/ ٤٥٧)، مادة \" يَقَنَ \".\n(٢) الثَّلْجُ: الثَّلْجُ الذي يسقط من السماء معروف، وثَلِجَتْ نفسي بالشيء ثَلَجًا اشتفت به واطمأَنت إِليه، يقال: ثَلَجَتْ نفسي بالأَمر: إِذا اطمأَنت إِليه وسكنت وثبت فيها ووَثِقَتْ به. [انظر: لسان العرب (٢/ ٢٢٢)، مادة \" ثَلَجَ \"].\n(٣) أي: المعنى.\n(٤) انظر: جامع البيان (٢٥/ ١١١)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢٥٦)، النكت والعيون (٥/ ٢٤٦).\n(٥) بِئْرُ مَعُوْنَة: بئر واقعة في أُبْلى من بلاد سُليم بالمدينة، وهي بين ديار بني عامر وحرَّة بني سليم، وهناك اعترض عامر بن الطفيل أصحاب رسول الله - ﷺ -، وكان عامر بن مالك، أبو براء، عمُّ عامر بن الطفيل قد سأل رسول الله - ﷺ - أن يبعث بهم إليهم ليدعوا الناس إلى الإسلام ويفقهوهم فيه فغدر بهم عامر بن الطفيل وأرسل من قتلهم أجمعين وأخفر ذِمَّة عَمِّه فيهم، وسكان أُبْلَى اليوم هم قبيلة مطير بن عبد الله \" [انظر: معجم ما استعجم (٤/ ١٢٤٥)، معجم البلدان (١/ ٣٠٢)، معجم الأمكنة (ص: ٥٦)].","vol":"1","page":2777},{"text":"مُضَرَ (١)، واجعلها سنين كسني يوسف - ﵇ -، فقحطوا سبع سنين حتى أكلوا العِلْهِز (٢) (٣) والجيف\" (٤)، فيكون الناس في قوله: ﴿يَغْشَى النَّاسَ﴾ العرب.\nوقيل: الدُّخَان عبارة عن الجدب ويبوسة الأرض؛ فإنه يثور منه في الأرض وفي آفاق السماء كالدخان من الغبار المنكدر الذي يشوبه الظلمة، والعرب تقول: جوع أغبر، وسنة غبراء، وسمّي عام الرَّمادة في زمن عمر - ﵁ - لهذا.\nوقيل: الدُّخان عبارة عمَّا علاهم يوم فتح مكة، والعرب تضع (٥) الدُّخَان موضع الشَّرِّ، فعلى هذه الأقوال قد مضى الدُّخَان.\nوقيل: هو دخان يجيء قبل قيام الساعة، وأنَّ الدنيا تصير كبيت لا خصاصَ له مملوء دخانًا يدخل في أنوف الكفار وآذانهم فيصيرون كالسُّكارى، ويصيب (٦) المؤمن منه كالزُّكام فيبقى ذلك أربعين يومًا (٧) (٨).\n_________\n(١) مُضَر: - بضم الميم، وفتح الضاد المعجمة، وفي آخرها الراء - وهي القبيلة المعروفة التي ينسب إليها قريش، وهو مضر بن نزار بن معد بن عدنان، أخو ربيعة بن نزار، وهما القبيلتان العظيمتان [انظر: الأنساب؛ للسمعاني (٥/ ٣١٨)].\n(٢) في (ب) \" والد \".\n(٣) العِلْهِز: \" هو شيء يَتَّخِذونه في سِنِي المجَاعَة يَخْلِطون الدَّمَ بأوْبَارِ الإبِل، ثم يَشْوُونه بالنَّار ويأكلونه \".\n[النهاية (٣/ ٢٩٣)، مادة \" عَلْهَزَ \"].\n(٤) أخرجه البخاري (بنحوه) في كتاب الدعوات، باب: الدعاء على المشركين، برقم (٥٩١٤)، عن أبي هريرة - ﵁ -، وأخرجه مسلم (بنحوه) في كتاب المساجد، باب: استحباب القنوت في جميع الصلاة إذا نزلت بالمسلمين نازلة، برقم (١٥٣٨) عن أبي هريرة - ﵁ -.\n(٥) في (أ) \" يضع \".\n(٦) في (ب) \" ونصيب \".\n(٧) انظر: جامع البيان (٢٥/ ١١١)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢٥٥)، النكت والعيون (٥/ ٢٤٦)، تفسير السمعاني (٥/ ١٢٣) غرائب التفسير (٢/ ١٠٧٤)، زاد المسير (٧/ ١٥٠)، التسهيل (٤/ ٣٥)، تفسير القرآن العظيم (٤/ ١٤٩)، روح المعاني (٢٥/ ١١٧)، تيسير الكريم الرحمن (ص: ٧٧٢).\n(٨) وهذا القول الأخير هو الظاهر - والله أعلم - وأنه من أشراط السَّاعة، وقد اختار هذا القول ابن كثير في تفسيره معتمدًا على:\n- الأحاديث الواردة المرفوعة من الصحاح والحسان وغيرهما التي أوردها الصحابة مما فيه مقنع ودلالة ظاهرة على أن الدخان من الآيات المنتظرة.\n- أنه ظاهر القرآن لقول الله ﵎: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠)﴾ أي: بيِّنٌ واضحٌ يراه كُلُّ أحدٍ، وعلى ما فسر به ابن مسعود - ﵁ - إنما هو خيال رأوه في أعينهم من شدة الجوع والجهد.\n- قوله تعالى: ﴿يَغْشَى النَّاسَ﴾ أي: يتغشاهم ويعميهم ولو كان أمرًا خياليًا يخص أهل مكة المشركين لما قيل فيه: ﴿يَغْشَى النَّاسَ﴾ \" [انظر: تفسير القرآن العظيم (٤/ ١٥٠)]\nوقال السعدي: \" واختلف المفسرون في المراد بهذا الدخان، فقيل: إنه الدخان الذي يغشى الناس ويعمُّهم حين تقرب النار من المجرمين في يوم القيامة، وأمر نبيه أن ينتظر بهم ذلك اليوم، ويؤيد هذا المعنى: أنَّ هذه الطريقة هي طريقة القرآن في توعد الكفار، والتأني بهم وترهيبهم بذلك اليوم وعذابه وتسلية الرسول والمؤمنين بالانتظار بمن آذاهم، ويؤيده أيضًا أنَّه قال في هذه الآية: ﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (١٣)﴾، وهذا يقال يوم القيامة للكفار حين يطلبون الرجوع إلى الدنيا، فيقال قد ذهب وقت الرجوع \" [تيسير الكريم الرحمن (ص: ٧٧٢)، وانظر: اليوم الآخر - القيامة الصغرى؛ للأشقر (ص: ٢٢١)].","vol":"1","page":2778},{"text":"وجاء عن ابن مسعود - ﵁ - إنكار هذا، وذهب إلى أنَّه الجذب والجوع على ما سبق (١)، وروى بعضهم عن حذيفة - ﵁ - (٢) أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أول الآيات الدُّخَان ونزول عيسى بن مريم - ﵇ - ونار تخرج من قعر (٣) عَدَنِ أَبْيَنَ (٤) تسوق الناس إلى ... المحشر» (٥).\n_________\n(١) انظر: تفسير الصنعاني (٣/ ٢٠٥)، جامع البيان (٢٥/ ١١١).\n(٢) حذيفة بن اليَمَان، واليمان لقب، واسمه حِسْل، ويقال: حُسَيل فهو حذيفة بن حِسْل بن جابر بن عمرو ... ابن ربيعة القطيعي، أبو عبد الله العبسي، هاجر مع النبي - ﷺ - فخيَّره بين الهجرة والنُّصرة، فاختار النُّصرة، وشهد مع النبي - ﷺ - أحدًا، وقَتَل أباه يومئذٍ بعض المسلمين وهو يحسبه من المشركين، وكان حذيفة صاحب سِرِّ رسول الله - ﷺ - في المنافقين، استعمله عُمر على المدائن، فلم يزل بها حتى مات بعد قَتْل عثمان وبعد بيعة علي، بأربعين يومًا. وذلك في سنة ست وثلاثين للهجرة. [انْظُر تَرْجَمَتَهُ: الاستيعاب (١/ ٣٩٣)، أسد الغابة (١/ ٧٠٦)، الإصابة (٢/ ٣٩)].\n(٣) في (ب) \" قصر \".\n(٤) عَدَن أَبْيَن: عَدن مدينة معروفة باليمن، وأَبْيَن - يفتح أوله ويكسر، بوزن أحمر ويقال: يبين، ولا يعرف أهل اليمن غير الفتح -، ويقال: إنه سمي بأبين بن زهير بن أيمن الحميري؛ لأنه عدن بها، أي أقام [انظر: معجم البلدان (١/ ٨٦)، لسان العرب (١٣/ ٢٧٩)، مادة \"عَدَنَ \"].\n(٥) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (٢٥/ ١١٤)، ولفظ ابن جرير \" الدَّجَّال \" بدلًا من \" الدُّخان\"، وقد تعَقَّب سند هذا الحديث ابن جرير بقوله: \" وإنما لم أشهد له بالصحة؛ لأنَّ محمد بن خلف العسقلانيّ حدثني أنه سأل روّادًا عن هذا الحديث، هل سمعه من سفيان؟ فقال له: لا، فقلت له: فقرأته عليه، فقال: لا، فقلت له: فقريء عليه وأنت حاضر فأقرّ به، فقال: لا، فقلت: فمن أين جئت به؟ قال: جاءني به قوم فعرضوه عليّ وقالوا لي: اسمعه منا فقرؤوه عليّ، ثم ذهبوا، فحدّثوا به عني، أو كما قال; فلما ذكرت من ذلك لم أشهد له بالصحة \".","vol":"1","page":2779},{"text":"وقيل: الدُّخَان يكون في القيامة إذا خرجوا من قبورهم تأتي السماء بدخان مبين محيط بالخلائق.\n﴿هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١)﴾ يجوز أن يكون تقديره: هو عذاب أليم فارتقبه، ويجوز أن يكون حكاية كلامهم (١) متصلًا بما بعده، أي: يقولون: هذا عذاب أليم (٢).\n﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ﴾ أي: هذا العذاب.\n﴿إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢)﴾ أي: آمنَّا فاكشف العذاب عنا.\n﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى﴾ من أين لهم أن يتذكروا، وكيف يتذكرون بذلك؟.\n﴿وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (١٣)﴾ يعني: محمدًا - ﷺ - فلم يتذكروا (٣) بالرسول (٤).\n﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ﴾ أعرضوا عنه.\n﴿وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ (١٤)﴾ أي: ما أتى به من البيان والقرآن يعلمه الشيطان كما يعلمه الكهنة، وقيل: هو من قولهم: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: (١٠٣)].\n﴿إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ﴾ بدعاء النبي - ﷺ -، وهو الجوع والقحط (٥).\nوقيل: الثَّلْج حكاه الماوردي، وأنكره (٦).\n﴿قَلِيلًا﴾ أي: يكشف عنهم بعض العذاب.\n_________\n(١) في (ب) \" حكاية لكلامهم \".\n(٢) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ٤٠)، إعراب القرآن؛ للنَّحاس (٤/ ٨٤)، المحرر الوجيز (٥/ ٧٠).\n(٣) في (أ) \" يتدكروا \".\n(٤) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٠٢)، جامع البيان (٢٥/ ١١٥)، تفسير الثعلبي (٨/ ٣٥١).\n(٥) وهذا على القول بوقوعه لقريش.\n(٦) انظر: النكت والعيون (٥/ ٢٤٧).","vol":"1","page":2780},{"text":"وقيل: كل العذاب زمانًا قليلًا، وهذا دليل على أنه وقع (١) في الدنيا.\nوقيل تقديره: إنا لو كشفنا العذاب لعدتم إلى الكفر.\nوقيل: هو بين النفختين.\n﴿إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (١٥)﴾ إلى الكفر الذي كنتم فيه، وقيل: إلى العذاب.\n﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾ العقوبة الكبرى (٢).\n﴿إِنَّا مُنْتَقِمُونَ (١٦)﴾ أي: ننتقم يوم نبطش، وهو يوم بدر عند جماعة (٣).\nوعند جماعة: يوم القيامة (٤).\nوقيل: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ﴾ عطف على ﴿يَوْمَ تَأْتِي﴾ ومنتصب بقوله: ﴿فَارْتَقِبْ﴾ فحذف واو العطف.\nوقيل: منصوب بقوله: ﴿عَائِدُونَ﴾، وقيل منصوب بـ ﴿تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ﴾.\n﴿* وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ﴾ امتحنا قبل هؤلاء المشركين ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ بالإيمان وطاعة الله ورسوله.\n﴿وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ (١٧)﴾ على الله اصطفاه لنبوته.\nوقيل: كريم حَسِيْبٌ نَسِيْبٌ في قومه.\nوقيل: كريم الأخلاق (٥).\n_________\n(١) في (ب) \" يقع \".\n(٢) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٠٣)، النكت والعيون (٥/ ٢٤٨).\n(٣) انظر: تفسير مجاهد (٢/ ٥٨٨)، تفسير مقاتل (٣/ ٢٠٣)، جامع البيان (٢٥/ ١١٦)، معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ٤٠٠)، النكت والعيون (٥/ ٢٤٨).\n(٤) انظر: جامع البيان (٢٥/ ١١٦)، معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ٤٠٠)، النكت والعيون (٥/ ٢٤٨).\n(٥) وكلُّ ذلك مجتمعٌ في موسى - ﵇ - [انظر: جامع البيان (٢٥/ ١١٨)، النكت والعيون (٥/ ٢٤٩)، زاد المسير (٧/ ١٥٢)].","vol":"1","page":2781},{"text":"﴿أَنْ أَدُّوا﴾ بأن أدوا ﴿إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ﴾ أرسلوا بني إسرائيل معي وأطلقوهم عن الاستعباد (١)، من قول العرب: أدي إليَّ حقي، أي: لا تحبسه.\nوعباد: جمع عبد، وقيل: جمع عابد، أي: هم عباد الله ليسوا بعبيدكم.\nوقيل: أَدُّوا إليَّ حق الله، وما وجب عليكم من الإيمان به والاعتراف بنعمته (٢) يا عباد الله فحذف حرف النداء (٣).\n﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٨)﴾ غير متهم في إرادة (٤) الخير لكم.\nوقيل: أمين على وحيه.\n﴿وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ﴾ لا تتكبروا عليه، ولا ترفعوا أنفسكم عن طاعته وطاعة رسوله، وقيل: لا تفتروا على الله.\n﴿إِنِّي آَتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (١٩)﴾ بحجة ظاهرة وهي معجزاته وبراهنه.\nقتادة: \" بعذر مبين \" (٥).\n﴿وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾ لُذْتُ، والتجأت إليه، وتوكلت عليه.\n﴿أَنْ تَرْجُمُونِ (٢٠)﴾ من أن تعذبوني (٦) رجمًا (٧).\nوقيل: من أن تشتموني وتنسبوني إلى السِّحر.\n_________\n(١) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٠٤)، جامع البيان (٢٥/ ١١٨).\n(٢) في (ب) \" بنعمه \".\n(٣) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٠٧٥).\n(٤) في (أ) \" إراد \".\n(٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٢٠٧) وابن جرير في جامع البيان (٢٥/ ١١٩)، وأورده الماوردي في النكت والعيون (٥/ ٢٤٩).\n(٦) في (أ) \" تعذبون \".\n(٧) قال الفراء: الرجم ها هنا: القتل \" [معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ٤٠)، وقال ابن جرير: \" والصواب أن يقال: استعاذ موسى بربه من كل معاني رجمهم الذي يصل منه إلى المرجوم أذى ومكروه، شتمًا كان ذلك باللسان، أو رجمًا بالحجارة باليد [جامع البيان (٢٥/ ١٢٠)].","vol":"1","page":2782},{"text":"وقيل: عُذت بالله من أن ترجموني فلا تقدرون (١) على قتلي، من قوله: ﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا﴾ [طه: (٤٦)].\nوقيل مجاز قوله: ﴿عُذْتُ بِرَبِّي﴾ نشدتك الله، وأقسمتُ عليه (٢) أن تفعل كذا.\n﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ (٢١)﴾ إن لم تصدقوني (٣) فيما أخبركم به عن الله ففارقوني وكونوا بمعزل مني لا عليَّ ولا ليا (٤).\n﴿فَدَعَا رَبَّهُ﴾ شاكيًا قومه: ﴿أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ (٢٢)﴾ مُصِرُّون على الكفر فاعمل بهم ما تعمل بالمجرمين (٥).\nثم أخبر جلَّ ثناؤه عمَّا آل إليه أمر فرعون مع موسى - ﵇ -.\n﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي﴾ أي: أجبنا دعاه، وقلنا له أسر بعبادي بني إسرائيل ومن آمن بموسى - ﵇ - من غيرهم.\n﴿لَيْلًا﴾ قبل الصبح.\n﴿إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٢٣)﴾ يتبعكم فرعون وقومه إذا علموا بخروجكم من مصر.\n﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ﴾ أي: لا تضربه ثانيًا واتركه.\n﴿رَهْوًا﴾ ساكن الجري (٦)، فيكون حالا عن ﴿الْبَحْرَ﴾.\nوقيل: صفة لسير موسى - ﵇ -؛ لأنه عجَّل حين دخل البحر، فقيل له: سِرْ ساكنًا كما تقول: افعل كذا سهوًا رهوًا (٧) أي: ساكنًا بغير تشدُّدٍ.\n_________\n(١) في (أ) \" ترجمون ولا تقدرون \".\n(٢) كذا في النسختين، ولعلَّ صوابها: نشدتك الله، وأقسمت عليك.\n(٣) في (أ) \" تصدقون \".\n(٤) في (أ) \" ولا لي \".\n(٥) في (أ) \" على المجرمين \".\n(٦) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٠٤)، كتاب العين (٤/ ٨٤)، جامع البيان (٢٥/ ١٢١).\n(٧) في (ب) افعل ذلك رهوًا، أي: ساكنًا.","vol":"1","page":2783},{"text":"وقيل: واترك البحر منفرجًا منكشفًا كما قد (١) كشفته من قول العرب: امرأة رَهْوٌ ... ورَهْوَى: أي واسعة الهَنُ (٢).\nوقيل: ﴿رَهْوًا﴾ أي: على حاله يتبع بعض الناس بعضًا متقاطرين أرسالًا.\nوالرَّهو: القطار (٣).\nالزجاج: \"يبسًا من قوله: ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا﴾ [طه: (٧٧)] \" (٤).\nوقيل واسعًا، وقيل: غَرِقًا.\n﴿إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ (٢٤)﴾ مهلكون بالماء بعد خروجك من البحر.\n﴿كَمْ تَرَكُوا﴾ ﴿كَمْ﴾ عبارة عن الكثرة.\n﴿مِنْ جَنَّاتٍ﴾ بساتين كثيرة الأشجار ﴿وَعُيُونٍ (٢٥)﴾ نابعة بالماء.\nسعيد بن جبير: \" عيون الذهب \" (٥).\n﴿وَزُرُوعٍ﴾ فنون الأقوات وألوان الأطعمة، أي: كانوا أهل ريف وخصب خلاف حال العرب.\n﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦)﴾ محافل الاجتماعات للتدبير والتشاور فيها.\nوقيل: المنابر، وقيل: المنازل (٦).\n_________\n(١) \" قد\" ساقطة من (أ).\n(٢) يقال: امرأَةٌ رَهْوٌ ورَهْوَى لا تمتنع من الفُجور وقيل هي التي ليست بمحمودة عند الجماع من غير أَن يُعَين ذلك وقيل هي الواسعة الْهَنُ (أي الفرج) [انظر: لسان العرب (١٤/ ٣٤٠)، مادة \" رَهَا \"؛ و(١٥/ ٣٦٥) مادة \" هَنَا \"].\n(٣) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٠٧٥).\n(٤) انظر: معاني القرآن (٤/ ٣٢٤).\n(٥) انظر: النكت والعيون (٥/ ٢٥١)، وهو خلاف رأي الجمهور الذي يرى: أن المعنى عيون الماء.\n(٦) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ٤١)، النكت والعيون (٥/ ٢٥١)، غرائب التفسير (٢/ ١٠٧٦).","vol":"1","page":2784},{"text":"﴿وَنَعْمَةٍ﴾ وتنعم في عيش (١).\n﴿كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (٢٧)﴾ لاعبين لاهين، وقيل: متنعمين بأنواع اللذات (٢).\n﴿كَذَلِكَ﴾ هكذا كان، فلا تَشُكَّن فيه، وقيل: كذلك أهلكناهم.\n﴿وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آَخَرِينَ (٢٨)﴾ أي: نقلناها إلى بني إسرائيل ومن آمنوا معهم.\nوقيل: غير بني إسرائيل؛ لأنهم لم يعودوا إلى مصر (٣).\n﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ (٢٩)﴾ كانت العرب تزعم أن الرئيس الجليل إذا مات بكت له السماء والأرض، يعنون أنَّ المصيبة به عمَّت المخلوقين (٤).\nوقيل: كانوا يعتقدون ذلك، ويجعلون الخسوف والكسوف والحمرة تحدث في السماء بكاء على الميت ولهذا قال - ﷺ - عند موت ابنه إبراهيم (٥) يوم كسفت الشمس، وقال الناس كسفت\n_________\n(١) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٠٥)، تفسير السَّمرقندي (٣/ ٢٥٧)، تفسير البغوي (٧/ ٢٣١).\n(٢) انظر: جامع البيان (٢٥/ ١٢٣) وهو اختياره، تفسير الثعلبي (٨/ ٣٥٣)، تفسير البغوي (٧/ ٢٣١).\n(٣) وهو ما اختاره ابن عطية، حيث قال: \" وقال قتادة: \" القوم الآخرون: هم بنو إسرائيل \"، وهذا ضعيفٌ؛ لأنَّه لم يرو أنَّ بني إسرائيل رجعوا إلى مصر في شيء من ذلك الزمان ولا ملكوها قط؛ إلا أن يريد قتادة أنهم ورثوا نوعها في بلاد الشام \" [المحرر الوجيز (٥/ ٧٣)].\n(٤) انظر: غرائب التفسير (٥/ ٢٥٢)، التسهيل (٤/ ٣٦).\n(٥) إبراهيم بن سيد البشر محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم، أمُّة مارية القبطية، أهداها لرسول الله - ﷺ - المقوقس صاحب الإسكندرية، وكان مولده في ذي الحجة سنة ثمان من الهجرة، وسرُّ النبي - ﷺ - بولادته كثيرًا وولد بالعالية، وكانت قابلته سلمى مولاة النبي - ﷺ - امرأة أبي رافع، وفي الصحيحين عن أنس قال: قال رسول الله - ﷺ -: ... \" ولد لي الليلة ولد فسميته باسم أبي إبراهيم. ثم دفعه إلى أم سيف امرأة قَيْنٍ بالمدينة \".\nوتوفي إبراهيم - ﵁ - وهو ابن ثمانية عشر شهرًا وغَسَّلته أمُّ بُرْدة وحمل من بيتها على سرير صغير، وصلَّى عليه ... رسول الله - ﷺ - بالبقيع، وفي حديث شيبان: فدمعت عينا رسول الله - ﷺ -، فقال رسول الله - ﷺ -: \" تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا \". [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: الاستيعاب (١/ ١٥٣)، أسد الغابة (١/ ١٥٢)؛ الإصابة (١/ ٣١٨)].","vol":"1","page":2785},{"text":"لموت إبراهيم فخطبهم رسول الله (١) - ﷺ - فقال: \" إنَّ الشمس والقمر آيتان من آيات الله تعالى لا ينكسفان لموت أحد، ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة \" (٢).\nوقيل: ما بكت عليهم أهل السماء وأهل الأرض، فحذف المضاف.\nوقيل: هو ما جاء في الخبر أنَّ المؤمن ليبكي عليه من الأرض مصلاه وموضعُ عبادته، ومن السماء مصعد عمله (٣)، والمعنى: ما بكت عليهم حيث لم يكن لهم أثرٌ في طاعة وعبادة.\nوقيل معناه: لم ينتصر لهم ولم يطلب بثأرهم أحد، ومن أثبت لهما بكاء قال: بكاؤهما (٤) حمرة أطرافها.\nوقيل: يُبْكى كبكاء الناس.\nوقيل: أمارة تظهر منها؛ تَدُلُّ على حزنٍ وأسف.\n﴿وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ (٢٩)﴾ مؤخَّرين عن العذاب ولا طرفة عين.\nمقاتل: \"لم يُنظروا (٥) بعد الآيات التسع \" (٦).\n﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ﴾ أي: استعباده إيَّاهم، واستخدامه لهم وقتله أولادهم.\n﴿الْمُهِينِ (٣٠) مِنْ فِرْعَوْنَ﴾ أي عذابه.\n_________\n(١) \" رسول الله \" ساقط من (ب).\n(٢) أخرجاه في الصحيحين (بنحوه) في أكثر من موطن، فقد أخرجه البخاري في كتاب الكسوف، باب في صلاة كسوف الشمس، برقم (١٠٤٢)، ومسلم في كتاب الكسوف، باب: ذكر النداء بصلاة الكسوف \" الصلاة جامعة، برقم (٢١١٨) كلاهما عن ابن عمر - ﵄ -.\n(٣) أخرج الترمذي في كتاب التفسير، باب: ومن تفسير سورة الدخان، برقم (٣٢٥٥)، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ما من مؤمن إلا وله بابان باب يصعد منه عمله وباب ينزل منه رزقه فإذا مات بكيا عليه فذلك قوله ﷿: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ (٢٩)﴾ قال أبو عيسى: هذا حديث غريب لا نعرفه مرفوعا إلا من هذا الوجه وموسى عبيدة ويزيد بن أبان الرقاشي يضعفان في الحديث \".\n(٤) في (ب) بكاؤها.\n(٥) في (أ) لم ينتظروا.\n(٦) تفسير مقاتل (٣/ ٢٠٥).","vol":"1","page":2786},{"text":"﴿إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا﴾ قاهرًا للعباد غير منقاد لأوامرنا.\n﴿مِنَ الْمُسْرِفِينَ (٣١)﴾ المجاوزين الحدَّ المفرط في معاصيه.\n﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ﴾ أي: بني إسرائيل.\n﴿عَلَى عِلْمٍ﴾ منَّا باستحاقهم ذلك وقيامهم بالشكر عليه.\n﴿عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٢)﴾ عالمي زمانهم فجعلنا فيهم الكتاب والنبوة والملك (١).\nوقيل: اخترناهم على جميع العالمين بما جعلنا فيهم من كثرة الأنبياء - ﵈ -، ... وهذه خاصة لهم ليست لغيرهم.\n﴿وَآَتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآَيَاتِ مَا فِيهِ بَلَاءٌ﴾ أي: آتيناهم معجزات موسى وسائر ... أنبياء (٢) بني إسرائيل ما فيه بلاء ونعمة (٣).\nوقيل: محنة، وقيل: اختبار.\n﴿مُبِينٌ (٣٣)﴾ ظاهرٌ لا يخفى على من تأمله.\n﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ﴾ يعني: كفار قريش (٤) ﴿لَيَقُولُونَ (٣٤) إِنْ هِيَ﴾ ما الموتة.\n﴿إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى﴾ ويُحتمل: ما النهاية، ويُحتمل: الحالة والعاقبة إلا موتتنا الأولى.\nقوله: ﴿الْأُولَى﴾ ليس بإثباتٍ لثانيةٍ، وإنما هي (٥) بمنزلة قول (٦) القائل: حجّ فلان الحجة الأولى ومات (٧).\n_________\n(١) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٠٦)، تفسير الصنعاني (٣/ ٢٠٨)، جامع البيان (٢٥/ ١٢٧)، معاني القرآن؛ للنَّحاس (٤/ ٣٢٥) النكت والعيون (٥/ ٢٥٤).\n(٢) في (أ) لم ينتظروا.\n(٣) في (ب) \" ﴿مَا فِيهِ بَلَاءٌ﴾ نعمة \".\n(٤) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٠٦)، جامع البيان (٢٥/ ١٢٨)، النكت والعيون (٥/ ٢٥٥).\n(٥) في (أ) \" هو \".\n(٦) \" قول \" ساقطة من (ب).\n(٧) انظر: تفسير البيضاوي (٢/ ٣٨٣)، تفسير النسفي (٤/ ١٠٩٧)، فتح القدير (٤/ ٨١٩)، روح المعاني (٢٥/ ١٢٧).","vol":"1","page":2787},{"text":"وقيل: لمَّا سمعوا وصف مَنْ في (١) النار بقوله: ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ [إبراهيم: (١٧)] قالوا: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى﴾.\nوزيَّف القفَّال هذا القول وقال: إن الله قال: ﴿وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ (٢).\nويحتمل أن هذا إنكار لما أثبته غيره في قوله: ﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ ... [غافر: (١١)].\n﴿وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (٣٥)﴾ بمبعوثين (٣).\n﴿فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٦)﴾ أنا نبعث؟ (٤)، فلم يجبهم الله بل أوعدهم، وإنما لم يجبهم؛ لأنَّ البعث الموعود إنما هو في دار الجزاء يوم القيامة، والذي كانوا يطلبونه بعث في الدنيا وحالة التكليف، وبينهما تغايرٌ.\nوقوله: ﴿فَأْتُوا﴾ بمنزلة قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: (١)] (٥).\n ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾  أي: ليسوا بخير منهم في العُدة والعدد والعزَّ والمَنَعَةِ (٦).\nابن عباس: - ﵄ - \" تُبَّع: نبي \" (٧).\n_________\n(١) \" من في \" ساقطة من (ب).\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٠٦)، جامع البيان (٢٥/ ١٢٨)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٤/ ٣٢٥).\n(٤) في (ب) \" آباء تبعث \".\n(٥) قال ابن جرير: \" وخوطب - ﷺ - هو وحده خطاب الجميع كما قيل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: (١)] \"، وكما قال: \" ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩)﴾ [المؤمنون: (٩٩)] \" جامع البيان (٢٥/ ١٢٨)].\n(٦) انظر: النكت والعيون (٥/ ٢٥٥)، تفسير السمعاني (٥/ ١٢٩)، تفسير البغوي (٧/ ٢٣٣).\n(٧) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٠٧٧)، الجامع لأحكام القرآن (١٦/ ١٤٣).","vol":"1","page":2788},{"text":"أبو هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: لا أدري تُبَّع نبيًا كان أو غير نبي \" رواه الثَّعلبي (١).\nعائشة - ﵂ - (٢) قالت: \" إنَّ تُبَّعًَا كان رجلًا صالحًا \" (٣).\nسعيد بن جبير: \" إنَّ تُبَّعًَا كسا البيت \" (٤)، يعني: الكعبة.\nقتادة: \" كان رجلًا من حِمْير (٥) سار حتى حَيّرَ حِيْرَةً (٦)، ثم أتى سَمَرْقَنْدَ (٧) فهدمها، وقيل: فبناها \" (٨).\nوقيل: كان اسمه أسعد بن مَلكي كَرِب (٩).\nأبو عبيدة: \" هم ملوك اليمن يُسمَّى كل واحد منهم تُبَّعًَا؛ لأنه يتبع صاحبه، وهو بمنزلة الخليفة للمسلمين وكسرى للفرس وقيصر للروم \" (١٠)، وجمعه تبابعة.\nوقيل: سُمِّيَ تبعًا لكثرة تبعه.\n_________\n(١) تفسير الثعلبي (٨/ ٣٥٤).\n(٢) عائشة بنت أبي بكر الصِّدِّيق عبد الله بن عثمان، أمُّ المؤمنين، زوج النَّبي - ﷺ -، وأشهر نسائه، وأمُّها أمُّ رُومَان الكِنانية، تزوجها النَّبي - ﷺ - قبل الهجرة بسنتين وعمرها ست سنوات، وابتنى بها وهي بنت تسع بالمدينة، لم ينكح النَّبي - ﷺ - بكرًا غيرها، وكانت تُكْنى بأمِّ عبد الله - بابن أختها عبد الله بن الزبير ـ، قال عطاء بن أبي رباح: \" كانت عائشة أفقه النَّاس، وأعلم النّاس، وأحسن النَّاس رأيًا في العامَّة \"، تُوفيت - ﵂ - سنة ثمان وخمسين عند الأكثر، وقيل: سنة سبع وخمسين للهجرة. [انْظُر تَرْجَمَتَها: الاستيعاب (٤/ ٤٣٥)، أسد الغابة (٧/ ١٨٦)، الإصابة (٨/ ٢٣١)].\n(٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٢٠٨)، وابن جرير في جامع البيان (٢٥/ ١٢٩).\n(٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٢٠٨)، وابن جرير في جامع البيان (٢٥/ ١٢٩)، وأورده السمرقندي في تفسيره (٣/ ٢٥٩).\n(٥) حِمْيَر: قبيلة من أصول القبائل العربية، نزلت أقصى اليمن، وسُمِّيت نسبة لحِمْيَر بن سبأ بن يشجب ... ابن يعرب بن قحطان، جدٌّ جاهلي قديم، كان ملك اليمن، وكان شجاعًا مظفرًا يقول مؤرخو العرب: إنه حكم بعد أبيه سبأ، وعاصمة ملكه صنعاء، وإنه غزا وافتتح حتى بلغ بعض غزاته الصين، ومن ملوك الحميريين: التبابعة والأقيال [انظر: الأنساب (٢/ ٢٧٠)، الأعلام (٢/ ٢٨٤)].\n(٦) حَيَّرَ حِيْرَةً: أي جمع مالًا كثيرًا وخولًا وأهلًا. [انظُر: لسان العرب (٤/ ٢٢٢)، مادة \" حَيَرَ \"].\n(٧) سَمَرْقَند: مدينة الصُّغد معروفة وهي من خراسان، غزاها شَمَّر ملك من ملوك اليمن وهو شَمَّر يرعش ... ابن إفريقش فهدمها فسُمِّيت شمركند فُعُرِّبت، فقيل: سمرقند، وقيل: هو بناها فسميت شمركنت وعُرِّبت سمرقند.\n[انظر: معجم ما استعجم (٣/ ٧٥٤)، معجم البلدان (٣/ ٢٤٦)، لسان العرب (٤/ ٤٢٧)، مادة \" شَمَرَ \"].\n(٨) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (٢٥/ ١٢٨)، وأورده الماوردي في النكت والعيون (٥/ ٢٥٥)، والكرماني في غرائب التفسير (٢/ ١٠٧٧).\n(٩) انظر: تفسير السَّمرقندي (٣/ ٣١٨).\n(١٠) انظر: مجاز القرآن (٢/ ٢٠٩).","vol":"1","page":2789},{"text":"وكان يكتب إذا كتب: بسم الله الذي (١) ملك برًا وبحرًا وضحًَّا (٢) وريحًا (٣).\nكعب (٤): \" هو رجل صالح ذمَّ الله قومه ولم يذمَّه \" (٥).\nوقيل: خصَّهم بالذِّكر لقربهم من العرب مكانًا وزمانًا.\n﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ قبل قوم تبع، ويجوز أن يكون الضمير عن كفار قريش فيحسن الوقف على ﴿تُبَّعٍ﴾ (٦).\n﴿أَهْلَكْنَاهُمْ﴾ يجوز أن يكون خبرًا عن ﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾، ويجوز أن يكون استئنافًا يعود إلى ﴿قَوْمُ تُطِعِ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ فيكون التقدير: أهم خير أم قوم تبع؟ والذين من قبلهم خير (٧).\n﴿إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (٣٧)﴾ كافرين ينكرون البعث.\n﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨)﴾ عابثين لاهين (٨)، فإنَّ اللعب يقتضي الإهمال.\n_________\n(١) \" الذي \" ساقط من (ب).\n(٢) أي: الشمس [انظر: كتاب العين (٣/ ٢٦٥) مادة \" ضَحَوَ \"، لسان العرب (١٤/ ٤٧٤) مادة \" ضَحَا \"].\n(٣) انظر: جامع البيان (٢٥/ ١٢٨)، تفسير الثعلبي (٨/ ٣٥٤)، النكت والعيون (٥/ ٢٥٥).\n(٤) كعب بن ماتع الحميري اليماني العلامة الحَبَر، أبو إسحاق، المعروف بكعب الأحبار، وقد كان يهوديًا فأسلم بعد وفاة النبي - ﷺ -، وقدم المدينة من اليمن في أيام عمر - ﵁ -، فجالس أصحاب محمد - ﷺ -، فكان يحدثهم عن الكتب الإسرائيلية، ويحفظ عجائب، ويأخذ السنن عن الصحابة، وكان حسن الإسلام، متين الدِّيانة، من نبلاء العلماء،\nوكان خبيرًا بكتب اليهود، له ذوق في معرفة صحيحها من باطلها في الجملة، وقد سكن بالشام بآخر عمره، وكان يغزو مع الصحابة، توفي كعب بحمص ذاهبًا للغزو في أواخر خلافة عثمان - ﵁ -، تُوفي سنة اثنتين وثلاثين، وقيل: أربع وثلاثين للهجرة. [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: مشاهير علماء الأمصار (ص: ١٤٥)، سير أعلام النبلاء (٣/ ٤٨٩)].\n(٥) انظر: تفسير عبد الرزاق (٣/ ٢٠٨)، جامع البيان (٢٥/ ١٢٨)، تفسير الثعلبي (٨/ ٣٥٤).\n(٦) انظر: القطع والائتناف؛ للنَّحاس (ص: ٤٧٥)، التسهيل (٤/ ٣٦) [ورجَّح فيه ابن جزي القول الأول]، روح المعاني (٢٥/ ١٣٠).\n(٧) في (ب) \" خبر \".\n(٨) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٠٦)، جامع البيان (٢٥/ ١٢٩).","vol":"1","page":2790},{"text":"﴿مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ بسبب الحق، وقيل: للحَقِّ وهو الجزاء والحساب، وذلك يقتضي البعث والنشور.\nوقيل: الباء للحال أي محقِّين، وقيل: ﴿بِالْحَقِّ﴾ بالجدِّ ضد اللعب.\n﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٩)﴾ إنَّه خلق لذلك.\n﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ﴾ يعني: يوم القيامة، يفصل بين المحق والمبطل، وقيل: يفصل بين الوالد وولده، والرجل وزوجته (١)، والمرء وخليله.\n﴿مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٠)﴾ وقت موعودهم كلهم (٢).\n﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي﴾ لا يدفع ولا يمنع ﴿مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا﴾ وليّ عن وليّ، ووالد (٣) عن ولده، ولا مولود عن والده (٤).\nأبو عبيدة: \" ابن العم عن ابن العم، كما يمنع في الدنيا \" (٥).\n﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤١)﴾ ليس لهم من ينصرهم من عذاب الله بالشفاعة، فإنَّ النصرة في القيامة بالشفاعة.\nوقيل: لا ينصرهم (٦) الذين كانوا يعبدونهم (٧) من دون الله.\n﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ﴾ يجوز أن يكون الاستثناء متصلًا، أي: إلا المؤمنون فإنه يشفع بعضهم لبعض.\n_________\n(١) في (أ) \" الوالد والولد، والرجل والزوجة \".\n(٢) \" كُلُّهم \" ساقطة من (أ).\n(٣) في (ب) \" والد \".\n(٤) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٠٧)، جامع البيان (٢٥/ ١٣٠)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٤/ ٣٢٦)، مشكل إعراب القرآن (٢/ ٦٥٧).\n(٥) انظر: مجاز القرآن (٢/ ٢٠٩).\n(٦) في (ب) \" وقيل: لهم لا ينصرهم \".\n(٧) في (ب) \" يعبدون \".","vol":"1","page":2791},{"text":"وقيل: الاستثناء منقطع، أي: لكن من رحمة الله فإنه مغفور له (١).\n﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ﴾ على أعدائه.\n﴿الرَّحِيمُ (٤٢)﴾ لأوليائه.\n﴿إِن شَجَرَةَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤)﴾ شجرة الزَّقوم على صورة شجر الدنيا لكنها من النار، والزَّقوم: ثمرها، وهو ما أكل بتكرُّهٍ شديدٍ (٢).\nثَعْلَب (٣): \" كلُّ طعامٍ ثقيلٍ فهو زقوم \" (٤).\nوفي التفسير: أنَّ ابن الزِّبَعرى قال: إن أهل اليمن يُسَمُّون أكل التَّمْر مع الزُّبْد (٥) التَّزقم فدعا أبو جهل بتمر وزُبْد فقال: تزقَّموا فإنَّ هذا هو الذي يخوفكم به محمد فنزل: ... ﴿إِن شَجَرَةَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤)﴾ يعني بالأثيم: أبا جهل (٦).\nالنقاش: \" ﴿شَجَرَةَ الزَّقُّومِ﴾ أبو جهل \" (٧)، وهو ضعيف.\nوالأثيم: الكافر، وقيل: الأثيم كثير الإثم (٨).\n﴿كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥)﴾ المُهل: ما يمهل في النار حتى يذوب كالذهب والفضة وسائر الفِلِزَّات (٩).\nوقيل: المهل عَكَرُ الزَّيت أي درديِّه (١٠).\nمجاهد: \" المهل: القيح والدم \" (١١).\n﴿يَغْلِي﴾ قُرِئ بالياء والتَّاء (١٢)، التَّاء: على \"الشجرة \"، والياء على \"الزقوم\"، أو لإضافة الشجرة إلى مُذَكَّر، ومن ذهب إلى أن التذكير للمُهل، فقد أخطأ؛ لأنَّ الغليان للمأكول وهو شجرة الزقوم لا المهل.\n﴿كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (٤٦)﴾ غليًا كغلي الحميم.\n﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ﴾ أي: ثم يقول الله للزبانية: خذوه أي: الأثيم ﴿فَاعْتِلُوهُ﴾ سوقوه بدفع وجذب (١٣).\nوالعُتُلُّ: الجافي الغليظ (١٤)، الكسْر والضّم لغتان (١٥).\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ٤٢)، جامع البيان (٢٥/ ١٣٠)، إعراب القرآن؛ للنَّحاس (٤/ ٨٨).\n(٢) انظر: جامع البيان (٢٥/ ١٣٠)، النكت والعيون (٥/ ٢٥٧).\n(٣) ثَعْلَب هو: أحمد بن يحيى بن زيد، وقيل: يزيد بن سيَّار، أبو العباس الشيباني بالولاء، المعروف بثعلب، العلامة المحدث الأديب، إمام النحو، وله كتاب: \" اختلاف النحويين \"، وكتاب \" القراءات \"، وكتاب \" معاني القرآن \"، وغيرها، وعمِّر، وأصمَّ، صدمته دابة، فوقع في حفرة، ومات منها سنة إحدى وتسعين ومائتين للهجرة. [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: نزهة الألبَّاء (ص: ١٧٣)، إنباه الرواة (١/ ١٧٣)، سير أعلام النُّبلاء (١٤/ ٥)].\n(٤) لم أقف عليه.\n(٥) في (ب) \" التمر بالزبد \".\n(٦) انظر: تفسير مجاهد (٢/ ٥٤٢)، تفسير السَّمرقندي (٢/ ٣١٨)، النكت والعيون (٥/ ٥١)، تفسير السمعاني (٥/ ١٣١).\n(٧) انظر: النكت والعيون (٥/ ٢٥٧)، غرائب التفسير (٢/ ١٠٧٨).\n(٨) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٠٧)، جامع البيان (٢٥/ ١٣٠)، النكت والعيون (٥/ ٢٥٧)، غرائب التفسير (٢/ ١٠٧٨).\n(٩) انظر: كتاب العين (٤/ ٥٧)، مادة \" مَهَلَ \"، جامع البيان (١٥/ ٢٤٠)، المفردات (ص: ٧٨٠)، لسان العرب (١١/ ٦٣٣) مادة \"مَهَلَ\"].\n(١٠) دُرْدِيُّ الزيت وغيره: هو ما يبقى في أَسفله. [انظر: لسان العرب (٣/ ١٦٦) مادة \" دَرَدَ \"].\n(١١) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٥/ ٢٤٠)، وأورده النَّحاس في معاني القرآن (٤/ ٢٣٤)، وأورده أبو الليث في تفسير السمرقندي (٢/ ٣٤٥).\n(١٢) قرأ ابن كثير وحفص عن عاصم ﴿يَغْلِي﴾ بالياء، وقرأ عاصم في رواية أبى بكر وأبو عمرو وابن عامر ونافع وحمزة والكسائي ﴿تَغْلِي﴾ بالتَّاء [انظر: السَّبعة (ص: ٥٩٢)، معاني القراءات (ص: ٤٤٣)، الحُجَّة (٦/ ١٦٦)، التيسير (ص: ١٦٠)].\n(١٣) انظر: جامع البيان (٢٥/ ١٣٣)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢٦٠)، النكت والعيون (٥/ ٢٥٧).\n(١٤) انظر: الكشاف (٤/ ٢٨٤)، لسان العرب (١١/ ٤٢٣) مادة \" عَتَلَ \".\n(١٥) قرأ عاصم وأبو عمرو وحمزة والكسائي ﴿فَاعْتِلُوهُ﴾ بكسر التاء، وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر ... ﴿فاعتُلُوه﴾ برفع التاء [انظر: جامع البيان (٢٥/ ١٣٣)، السَّبعة (ص: ٥٩٢)، الحُجَّة (٦/ ١٦٥)].","vol":"1","page":2792},{"text":"﴿إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٤٧)﴾ وسطها الذي تستوي (١) المسافة إليه من جميع أطرافه (٢).\n﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (٤٨)﴾ الماء الحار، فالحميم مصبوبٌ فوق رأسه يأخذ جميع بدنه من خارج، والزقوم في جوفه من داخل.\nويحتمل أن المعنى: ثم اسقوه الماء الحميم، فيكون العائد في ﴿فَوْقَ رَأْسِهِ﴾ يعود إلى ... ﴿الزَّقُّومِ﴾.\n﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩)﴾\nالحسن: \" أي عند نفسك \" (٣).\nوقيل: إنك الذي تطلب العزة والكرم بمعصية الله في قومك.\nسعيد بن جبير: \" هذا استهزاء به \" (٤).\nوقيل: هو على الضد، أي: الذليل المهين.\nالكسر على الاستئناف، والفتح على لأنك (٥).\nوقيل: ذق بهذا القول، وذلك أن النبي - ﷺ - لقي أبا جهل فهدده فقال: أولى لك يا أبا جهل (٦) فأولى، فأنزل الله تعالى ما قالها له، فردَّ عليه أبو جهل وقال (٧): ما تقدر أنت ولا\n_________\n(١) في (ب) \" يستوي \".\n(٢) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٠٨)، جامع البيان (٢٥/ ١٣٣)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢٦٠)، النكت والعيون (٥/ ٢٥٧).\n(٣) لم أقف عليه من قول الحسن، وقد أورده الماوردي في النكت والعيون (٥/ ٢٥٨) عن قتادة.\n(٤) انظر: النكت والعيون (٥/ ٢٥٨).\n(٥) يعني كسر الهمزة وفتحها، فقد قرأ الكسائي وحده﴾ ﴿انَّكَ﴾ ﴿بفتح الهمزة؛ والباقون ﴿إِنَّكَ﴾ بكسر الهمزة [انظر: جامع البيان (٢٥/ ١٣٥)، السَّبعة (ص: ٥٩٣)، الحُجَّة (٦/ ١٦٦)، التيسير (ص: ١٦٠)].\n(٦) في (أ) \" يا با جهل \".\n(٧) في (أ) وردَّ أبو جهلٍ فقال \".","vol":"1","page":2793},{"text":"ربك عليّ إني لأكرم (١) أهل الوادي وأعزهم \"، فنزلت الآية (٢) (٣)، ومعناها التوبيخ، أي: ذق بهذا القول الذي قلته، أي: بسببه (٤).\n﴿إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ (٥٠)﴾ أي: يقال لجماعتهم إنَّ (٥) هذا ما كنتم به تمترون، أي: تَشُكُّون وتجادلون في دفعه (٦) إذا أنذرتموه (٧).\n﴿إنَّ المُتَّقِين في مُقَامٍ﴾ موضع إقامة لا زوال عنها (٨)، وبالفتح في مجلس.\n﴿أَمِينٍ (٥١)﴾ [يأمن فيه صاحبه، وقيل: ﴿أَمِنَ﴾ بمعنى مأمون، أي: مأمون الغوائل والآفات] (٩) (١٠).\n﴿فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٢)﴾ بدلٌ من ﴿مَقَامٍ أَمِينٍ﴾.\n_________\n(١) في (أ) \" إني أكرم \".\n(٢) \" الآية \" ساقطة من (أ).\n(٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٢٠٩)، وابن جرير في جامع البيان (٢٥/ ١٣٤)، وأورده النَّحاس في معاني القرآن (٦/ ٤١٤)، والماوردي في النكت والعيون (٥/ ٢٥٨)، والكرماني في غرائب التفسير (٢/ ١٠٧٨) عن قتادة - ﵀ -.\n(٤) قال ابن جرير: \" فإن قال قائل: وكيف قيل وهو يهان بالعذاب الذي ذكره الله، ويُذَلُّ بالعُتل إلى سواء الجحيم: إنك أنت العزيز الكريم؟ قيل: إنَّ قوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ غير وصف من قائل ذلك له بالعزة والكرم، ولكنه تقريع منه له بما كان يصف به نفسه في الدنيا، وتوبيخ له بذلك على وجه الحكاية؛ لأنه كان في الدنيا يقول: إنك أنت العزيز الكريم، فقيل له في الآخرة إذ عُذِّب بما عذب به في النار: ذُق هذا الهوان اليوم، فإنك كنت تزعم أنك أنت العزيز الكريم، وإنك أنت الذليل المهين، فأين الذي كنت تقول وتدعي من العز والكرم هلا تمتنع من العذاب بعزتك \". [جامع البيان (٢٥/ ١٣٤)].\n(٥) \" إنَّ \" ساقطة من (أ).\n(٦) في (ب) \" لدفعه \".\n(٧) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٠٨)، جامع البيان (٢٥/ ١٣٤).\n(٨) هذا التفسير على قراءة نافع وابن عامر بضم الميم الأولى ﴿مُقَامٍ﴾، وقرأ الباقون ﴿مَقَامٍ﴾ بفتحها ... [انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ٤٤)، جامع البيان (٢٥/ ١٣٥)، السَّبعة (ص: ٥٩٣)، إعراب القرآن؛ للنَّحاس (٤/ ٩٢)، الحُجَّة (٦/ ١٦٧)، التيسير (ص: ١٦٠)].\n(٩) ما بين المعقوفتين ساقط من (ب).\n(١٠) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٠٨)، جامع البيان (٢٥/ ١٣٥)، تفسير السمعاني (٥/ ١٣٢).","vol":"1","page":2794},{"text":"﴿يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ﴾ وهو ما رَقَّ من الحرير يجري مجرى الشِّعار (١) لهم (٢)، وهو ألين من الدِّثار (٣) في المعتاد.\n﴿وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ وهو ما غلظ نسجه (٤)، وقيل: هو فارسي مُعَرَّب، وقيل: سُمِّي به لبريقه يجري مجرى الدِّثار، وهو أرفع نوع من أنواع الحرير.\nوالحرير نوعان: نوع كُلَّمَا كان (٥) أدقّ كان أنفس، ونوعٌ كُلَّما كان (٦) أرَزَنَ بكثرة الإبْرِيسَم (٧) كان (٨) أنفس.\n﴿مُتَقَابِلِينَ (٥٣)﴾ يتقابلون في مجالسهم.\nوقيل: يتقابلون أزواجهم من الحور العين.\nوقيل من القَبول، أي: يقبل بعضهم بعضًا، ويتوادُّون من غير عداوةً ولا منافسةٍ (٩).\n﴿كَذَلِكَ﴾ أي: كما أكرمناهم [بما تقدَّم ذكره أكرمناهم] (١٠) بأن زوجناهم بالحور العين.\n_________\n(١) الشِّعارُ: ما ولي شَعَرَ جسد الإِنسان دون ما سواه من الثياب، والجمع أَشْعِرَةٌ. [انظر: كتاب العين ... (١/ ٢٥٠) مادة \" شَعَرَ \"، مُجمل اللغة (ص: ٣٨٥) مادة \" شَعَرَ \"، لسان العرب (٤/ ٤١٠) مادة \" شَعَرَ \"].\n(٢) انظر: جامع البيان (٢٥/ ١٣٥) معاني القرآن؛ للزَّجاج (٤/ ٣٢٦)، معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ٤١٦)، النكت والعيون (٥/ ٢٥٨).\n(٣) الدِّثارُ: ما يُتَدَثَّرُ به، وقيل: هو كل ما كان فوق الثياب من الشِّعار [انظر: مجمل اللغة (ص: ٢٥٨) مادة \" شَعَرَ \"، لسان العرب (٤/ ٢٧٦) مادة \" شَعَرَ \"].\n(٤) انظر: جامع البيان (٢٥/ ١٣٥) معاني القرآن؛ للزَّجاج (٤/ ٣٢٦)، معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ٤١٦)، النكت والعيون (٥/ ٢٥٨).\n(٥) \" كان \" ساقطة من (أ).\n(٦) \" كان \" ساقطة من (أ).\n(٧) الإبْرِيسَم: مُعَرَّبٌ وهو نوع من الحرير الجيد. [انظر: لسان العرب (١٢/ ٤٦)، مادة \" بَرْسَمَ \"].\n(٨) \" كان \" ساقطة من (أ).\n(٩) وكُلُّ ذلك حاصلٌ في الجنَّة بفضل الله [انظر: جامع البيان (٢٥/ ١٣٦)، النكت والعيون (٥/ ٢٥٨)، غرائب التفسير (٢/ ١٠٧٩)].\n(١٠) ما بين المعقوفتين ساقط من (ب).","vol":"1","page":2795},{"text":"وقيل: كذلك يدومون على تلك الحال، فلا تتبدل أحوالهم (١).\nوقيل: كذلك هم في حكم الله، ومحله رفع، أي: الأمر كذلك.\nوقيل: نصب، أي: وجعلنا كذلك (٢).\n﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٥٤)﴾ أي: قرناهم (٣)، ولهذا عُدي بالباء.\nوقيل: زوجته امرأةً وزوجته بامرأة، لغتان.\nوأنكره الأخْفَش (٤)، وقال: معناه: \"جعلناهم أزواجًا بالحور\" (٥).\n﴿يَدْعُونَ فِيهَا﴾ أي: يحكمون ويأمرون بإحضار ما يشتهون.\n﴿بِكُلِّ فَاكِهَةٍ﴾ أي: فاكهة كلِّ زمان وكلِّ مكان، وذلك لا يجتمع في الدنيا.\n﴿آَمِنِينَ (٥٥)﴾ من الزوال والانقطاع وتولد ضرر من الإكثار (٦).\n﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ﴾ أي: لا يذوقون في الجنة موتًا ﴿إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ قيل: ﴿إِلَّا﴾ ها هنا بمعنى \" بَعْدَ \"، وهذا يدفعه ﴿فِيهَا﴾.\n_________\n(١) في (أ) \" يتبدل أحوالهم \".\n(٢) في (ب) \" فعلنا كذلك \".\n(٣) انظر: تفسير ابن أبي زمنين (٤/ ٢٠٨)، تفسير البغوي (٧/ ٢٣٧).\n(٤) الأخفش هو: سعيد بن مَسْعدة المجَاشعي البلخي البصري، مولى بني مجاشع، أبو الحسن النَّحوي، أخذ عن الخليل بن أحمد، ولزم سيبويه حتى برع، وكان من أسنان سيبويه، بل أكبر، وقد اشتهر بالأخفش الأوسط، والأخفش: الصغير العينين مع سوء بصرهما، قال عنه أبو حاتم السجستاني: \" كان الأخفش قدريًا رجل سوء، كتابه في المعاني صُوَيْلح، وفيه أشياء في القدر \"، وله كتب كثيرة في النحو والعروض ومعاني القرآن، منها: كتاب الأوسط في النحو، وكتاب تفسير معاني القرآن، وكانت وفاته في سنة خمس عشرة ومائتين، وقيل: سنة عشر ومائتين للهجرة. [أنْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: وفيات الأعيان (٢/ ٣٨٠)، سير أعلام النبلاء (١٠/ ٢٠٦)، طبقات المُفَسِّرين؛ للداوودي (١/ ١٩١)].\n(٥) معاني القرآن؛ للأخفش (ص: ٢٨٤)، وفي نسخة (أ) \" أزواجًا بالحور العين \".\n(٦) في (ب) \" من إكثار \".","vol":"1","page":2796},{"text":"وقيل: بمعنى \" سِوى \"، وهذا يدفعه المعنى، لأنَّ ﴿إِلَّا﴾ تكون (١) ناقصة أبدًا، وإذا (٢) جعلته بمعنى \" سِوى \" تكون (٣) زائدة نحو قولك: عندي ألف إلا الألف الذي من قِبل زيد، أي: سواه يلزمه ألفان، وهذا يؤدي في الآية إلى أنهم يذوقون من جنس الموتة الأولى.\nوقيل: الاستثناء منقطعٌ، أي: لكن الموتة الأولى (٤) قد ذاقوها (٥)، وهذا لولا الإضمار حَسَنٌ.\nوقيل: إنما قال هذا لأنَّه (٦) أخبرهم بذلك وهم أحياء في الدنيا، فلما كان الخبر متقدمًا لموتهم في الدنيا جاز أن يقال: لا ينالهم فيها موتٌ إلا الموت في الدنيا، وهذا أيضا يدفعه قوله: ﴿فِيهَا﴾.\nوقيل: لأنهم في وقت المعاينة ينظرون إلى الجنة كأنهم فيها (٧)، وهذه (٨) جملة ما قيل في الآية (٩).\nويحتمل: أنَّ الهاء في قوله: ﴿فِيهَا﴾ يعود إلى الآخرة، لا إلى الجنة؛ لأنَّ هذا وصف عامٌّ لأهل الجنة وأهل النار، وجاز استثناء الموت؛ لأنَّ الموت أول أحكام الآخرة، والقبر أول منزل من منازل الآخرة، ولهذا لا يقبل التوبة عند النزع كما لا يقبل يوم القيامة والله أعلم.\nويُحتمل أيضًا: أن يجعل ﴿فِيهَا﴾ حالًا دائمًا من الضمير في ﴿يَذُوقُونَ﴾ لا صلةَ للذوق (١٠)، وفي هذا نوع غموض في الإعراب (١١).\n_________\n(١) في (ب) \" يكون \".\n(٢) في (ب) \" وإن \".\n(٣) في (ب) \" يكون \".\n(٤) في (أ) \" موتة الأولى \".\n(٥) في (ب) \" قد ذاقوه \".\n(٦) في (أ) \" هذه الآية \".\n(٧) في (ب) \" فكأنَّهم فيها \".\n(٨) في (أ) \" وهذا \".\n(٩) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ٤٤)، جامع البيان (٢٥/ ١٣٧)، زاد المسير (٧/ ١٥٨)، البيان في إعراب غريب القرآن (٢/ ٣٦٢)، التسهيل (٤/ ٣٧).\n(١٠) في (ب) \" لا صلة الذوق \".\n(١١) غرائب التفسير (٢/ ١٠٨٠).","vol":"1","page":2797},{"text":"﴿وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٥٦) فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ﴾ أي: تفضُّلًا منه (١)، أي: لأجل تفضله عليهم ودلَّ ما قبله على فعله.\nويجوز أن يكون مصدرًا من غير لفظ الفعل الأول (٢)، لكن من نوعه (٣).\nوروي عن النبي - ﷺ - أنه قال: \" لا يدخل الجنة أحد إلا بفضل الله، فقيل (٤): ولا أنت يا رسول الله، فقال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته وفضله \" (٥).\n﴿ذَلِكَ﴾ أي: صرف العذاب ودخول الجنة ﴿هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٥٧)﴾ النجاة العظيم.\n﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ﴾ أي: الكتاب في قوله: ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ﴾ (٦).\nفتتح السورة بذكر الكتاب وختمها به (٧).\n﴿بِلِسَانِكَ﴾ بلغتك؛ ليسهل عليهم (٨) تفهمه (٩).\nوقيل: أطلقنا لسانك به تيسيرًا، ولولا تيسيرنا ذلك لم يمكنك قراءته؛ لأنه كلام الله تعالى، ولا يمكن (١٠) حفظه وقراءته إلا بتيسير الله (١١).\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ٤٤)، جامع البيان (٢٥/ ١٣٨).\n(٢) وهو قوله: ﴿وَوَقَاهُمْ﴾.\n(٣) انظر: إعراب القرآن؛ للنَّحاس (٤/ ٩١)، غرائب التفسير (٢/ ١٠٨٠).\n(٤) في (ب) \" وقيل \".\n(٥) أخرجه البخاري (بنحوه) في صحيحه في كتاب المرض، باب: تمني المريض الموت، برقم (٥٦٧٣)، وأخرجه مسلم كذلك في صحيحه في كتاب صفات المنافقين، باب: لن يدخل أحد الجنة بعمله بل برحمة الله، برقم (٧٠٤٨) كلاهما عن أبي هريرة - ﵁ -.\n(٦) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٠٩)، جامع البيان (٢٥/ ١٣٨)، النكت والعيون (٥/ ٢٥٩).\n(٧) غرائب التفسير (٢/ ١٠٨١).\n(٨) في (ب) \" عليك \".\n(٩) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٠٩)، جامع البيان (٢٥/ ١٣٨)، النكت والعيون (٥/ ٢٥٩).\n(١٠) في (أ) \" فلا يمكن \".\n(١١) في (ب) \" إلا بتيسيره \".","vol":"1","page":2798},{"text":"﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ يتَّعظون.\n﴿فَارْتَقِبْ﴾ هلاكهم وإظفارك عليهم ﴿إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ (٥٩)﴾ منتظرون الدوائر، ورَيب المنون (١).\nوقيل: يحل بهم الوعيد حلول الشيء المنتظر.\nوقيل معناه: فارتقب فعن قريب يتحقق أَمَلُك، وتَخِيْبَ آمالهم، والله أعلم.\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٥/ ١٣٨)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢٦١)، النكت والعيون (٥/ ٢٥٩).","vol":"1","page":2799},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-151>سورة الجاثية </span>(١)\n[سبع وثلاثون آية (٢) مكية] (٣) (٤) وتسمَّى سورة الدَّهر، وسورة الشَّريعة مَكية.\nابن عباس وقتادة: \" مكِّية إلا آية ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آَمَنُوا يَغْفِرُوا﴾ فإنَّها مدينة نزلت في عمر بن الخطاب - ﵁ - (٥).\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n﴿حم (١)﴾ محله رفع بالابتداء فيمن جعله اسم السورة.\n﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ﴾ خبره أو رُفع بالخبر، والتقدير: هذه ﴿حم﴾.\nومن جعله قسمًا فالمقسم عليه ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ﴾.\nولم يأت بحرف الجواب لأنَّه لمَّا عُدل القسم عن وجهه خُفِّف (٦) حُكم جوابه.\nوقيل: ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ خبره.\n_________\n(١) سُمِّيَت هذه السورة في كثير من المصاحف وكتب التفسير، وفي صحيح البخاري (سورة الجاثية) معرفًا باللام وتُسَمَّى \" حم الجاثية \" لوقوع لفظ ﴿جَاثِيَةً﴾، ولم يقع في موضع آخر من القرآن، واقتران لفظ ... \" الجاثية \" بلام التعريف في اسم السورة مع أن اللفظ المذكور فيها خَلِيَ عن لام التعريف، لقصد تحسين الإضافة، والتقدير: سورة هذه الكلمة، وتُسَمَّى \" سورة شريعة \" لوقوع لفظ ﴿شَرِيعَةٍ﴾ فيها، ولم يقع في موضع آخر من القرآن وتُسَمَّى \" سورة الدهر \" لوقوع ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ فيها، ولم يقع لفظ الدهر في ذوات \"حم \"الأُخَر [انظر: التحرير والتنوير (٢٥/ ٣٢٣)].\n(٢) وهذا على العدِّ الكوفي [انظر: البيان في عدِّ آي القرآن (ص: ٢٢٦)، المحرر الوجيز (٥/ ٧٩)، زاد المسير (٧/ ١٦٠)].\n(٣) قال ابن عطية: \" بلا خلاف \" أي في مكِّيتها [المحرر الوجيز (٥/ ٧٩)، وانظر: النكت والعيون (٥/ ٢٦٠)، زاد المسير (٧/ ١٦٠)].\n(٤) ما بين المعقوفتين ساقط من (ب).\n(٥) انظر: النكت والعيون (٥/ ٢٦٠)، زاد المسير (٧/ ١٦٠)، الجامع لأحكام القرآن (١٦/ ١٥٣).\n(٦) في (أ) \" خفَّ \".","vol":"1","page":2800},{"text":"ومن جعل ﴿حم﴾ لافتتاح الكلام حالًا (١) فـ ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ﴾ رفع بالابتداء.\n﴿مِنَ اللَّهِ﴾ خبره (٢)، والمعنى: القرآن كلام الله.\n﴿الْعَزِيزِ﴾ في انتقامه.\n﴿الْحَكِيمِ (٢)﴾ في تدبيره، وليس كما زعم المُبطلون إنَّه شعر أو كهانة أو تقوُّل محمد.\n﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (٣)﴾ يجوز أن يكون المراد في السماوات والأرض: دلائل على الوحدانية.\nويجوز أن يكون المراد بالآيات: ما في السماوات (٣) من الشمس والقمر والنُّجوم وغيرها، وما في الأرض من الجبال والأشجار والأنهار وغيرها فإنَّ كل واحدة (٤) منها آية دالة على توحيد الله تعالى (٥).\nوخصَّ المؤمنين بالذِّكر لانتفاعهم بها (٦).\nوقيل: معناه: من كان يؤمن بآياته (٧) ففيها مقنع ومُكتفى.\n﴿وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آَيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٤)﴾ أي: من تأمَّل في خلق نفسه، وخلق الحيوان جميعًا، واختلاف طبائعها وعجائب صُنعها تيقَّن أنَّ لها صانعًا حكيمًا.\nوخصَّ الموقنين بالذِّكر؛ لأنَّ اليقين يقع بالاستدلال (٨).\n_________\n(١) في (ب) \" كالًا \".\n(٢) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٠٨٣).\n(٣) في (ب) \" السماء \".\n(٤) في (ب) \" واحدٍ \".\n(٥) انظر: تفسير السمرقندي (٣/ ٢٦٢)، تفسير السمعاني (٥/ ١٣٤).\n(٦) انظر: التحرير والتنوير (٢٥/ ٣٢٧).\n(٧) في (ب) \" بآية \".\n(٨) انظر: التحرير والتنوير (٢٥/ ٣٢٧).","vol":"1","page":2801},{"text":"﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ بالظلمة والضياء، وقيل: بتعاقبهما.\n﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ من السحاب، وقيل: من جهة السماء، وقيل: من سماء الملائكة.\n﴿مِنْ رِزْقٍ﴾ مطر؛ لأنَّه سبب رزق الحيوان.\n﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ أنبتت (١) بالمطر نباتها وأشجارها، وتلك حَيوتها بعد يبسها بانقطاع الماء عنها.\n﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾ وتصريف الرِّياح جنوبًا وشمالًا، ودُبورًا وصبَّاء ونكباء.\nوقيل: وتصْرِيفها رحمة وعذابًا (٢).\n﴿آَيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٥)﴾ خصَّ العقلاء بالذِّكر؛ لأنَّ بالعقل (٣) يمكن الوقوف على الدلائل المذكورة في هذه الآيات الثلاث، وهي أكبر الأدلَّة (٤).\nقُرِئ ﴿آَيَاتٌ﴾ بالرفع والنَّصب في المحل (٥)، فالنَّصب بالعطف على اسم إنَّ.\nوالرَّفع بالابتداء على مذهب سيبويه وأصحابه، أو بالعطف (٦) على اسم إنَّ وخبره، أو بالظرف (٧) على مذهب الأخفش (٨).\n_________\n(١) في (ب) \" أنبتَ \".\n(٢) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢١٠)، جامع البيان (٢٥/ ١٤١).\n(٣) في (ب) \" لأنَّ العقل \".\n(٤) في (أ) \" وهو أكثر \".\n(٥) قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم ﴿وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آَيَاتٌ﴾ ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آَيَاتٌ﴾ رفعًا، وقرأ حمزة ﴿آيَاتٌ﴾ كسرًا فيهما. [انظر: جامع البيان (٢٥/ ١٤٠)، السَّبْعة (ص: ٥٩٤)، إعراب القرآن؛ للنَّحاس (٤/ ٩٢)، معاني القراءات (ص: ٤٤٥)، الحجة (٦/ ١٦٩)، التيسير ... (ص: ١٦١)].\n(٦) في (ب) \" وبالعطف \".\n(٧) في (ب) \" وبالظرف \".\n(٨) في (ب) \" الأخفس \".","vol":"1","page":2802},{"text":"وفي الآية الثالثة: عطف على عاملين سواء رفعت أو نصبت، وذلك غير جائزٍ عند سيبويه وأصحابه.\nوله وجهان: أحدهما: أنَّ الآيات هي الأولى ذكرت تأكيدًا من غير حاجة إلى ذكرها كما تقول: إنَّ في الدار زيدًا، وفي الحُجرة زيدًا، وفي (١) المسجد زيدًا، وأنت تريد أنَّ في الدار زيدًا، وفي الحُجرة والمسجد.\nوالثاني: أنَّ قوله: ﴿وَاخْتِلَافِ﴾ مجرور بمحذوفٍ دلَّ عليه الجار الأوّل، كما قال الشاعر:\nأكل امريءٍ تحسبين امرأً ... ونارٍ تأجَّج بالليل نارًا (٢)\nأي وكل نارٍ، ومثله قولهم: بمن تمرر أمرر، فتحذف (٣) الباء من الثاني؛ لأنَّ الأول يدلُّ عليه، ولا يجوز: من تضرب أمرر، وأجاز الأخفش العطف على عاملين، واستدل بالآية وليس له فيه استدلال كما سبق (٤) (٥).\n﴿تِلْكَ﴾ أي: الدلائل المتقدمة.\n﴿آَيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا﴾ يقرأ ذكرها (٦).\n﴿عَلَيْكَ﴾ أي: بقراءة جبريل - ﵇ -.\nقال أبو علي: \" لا يستعمل التلاوة إلا في كتاب الله، والأصل فيها: إتيان الثاني أثرَ الأوَّل \" (٧).\n_________\n(١) \" في \" ساقطة من (ب).\n(٢) البيت ينسب لأبي دؤاد الإيادي، وإلى جارية بن حمدان الحذافي [انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٤/ ٣٢٨)، إعراب القرآن؛ للنَّحاس (٤/ ٩٣)، الجامع لأحكام القرآن؛ للقرطبي (١٥/ ٣٠٠)].\n(٣) في (أ) \" وتحذف \".\n(٤) في (ب) \" لما سبق \".\n(٥) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ٤٥)، جامع البيان (٢٥/ ١٤٠)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٤/ ٣٢٨)، إعراب القرآن؛ للنَّحاس (٤/ ٩٢)، معاني القراءات (ص: ٤٤٥)، الحجة (٦/ ١٦٩).\n(٦) في (أ) \" نقرأ ذكرها \".\n(٧) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٠٨٥).","vol":"1","page":2803},{"text":"وقيل: هذه آيات القرآن نتلوها عليك.\n﴿بِالْحَقِّ﴾ مُحقِّين، وقيل: نخبر عنها بالحقِّ لا بالباطل (١)، وقيل: لأجل الحقِّ الذي قصدناه.\n﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآَيَاتِهِ﴾ بعد حديث الله وآياته، كقوله (٢): ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا﴾ [الزمر: (٢٣)] (٣).\nوقيل: هو (٤) ما يتحدَّث به عن وحدانيته ونبوة رسوله.\nوقيل (٥): فبأي آية بعد آيات الله وهي القرآن.\n﴿يُؤْمِنُونَ (٦)﴾ أي: من لم يؤمن بكلام الله فلن يؤمن بحديث سواه.\nوقيل معناه: القرآن آخر كتب الله ومحمدًا آخر رسله؛ فإن لم يؤمنوا به، فبأي كتاب يؤمنون؟ فلا كتاب بعده ولا نبي (٦).\nقُرئ بالياء حملًا على القوم، وبالتاء حملًا تقدير: قل يا محمد (٧).\nوقيل: ﴿بَعْدَ اللَّهِ﴾ بعد إعراضكم عن الله.\n﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ﴾ كثير الكذب.\n_________\n(١) في (ب) \" لا الباطل \".\n(٢) في (ب) \" بعد حديث الله لقوله \".\n(٣) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٤/ ٣٢٩).\n(٤) \" هو \" ساقطة من (ب).\n(٥) في (ب) \" قيل \".\n(٦) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٠٨٥).\n(٧) من قرأ بالياء أي ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ ابن كثير ونافع وعاصم في رواية حفص وأبو عمرو، وقرأ بالتَّاء ... ﴿تُؤْمِنُونَ﴾ ابن عامر وحمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر [انظر: السَّبْعة (ص: ٥٩٤)، معاني القراءات (ص: ٤٤٥)، الحجة (٦/ ١٧٣)، التيسير (ص: ١٦١)].","vol":"1","page":2804},{"text":"﴿أَثِيمٍ (٧)﴾ كثير الإثم.\nوقيل: ﴿أَفَّاكٍ﴾ يُكذِّب ربَّه.\nقتادة: \" كاهن \" (١).\n﴿يَسْمَعُ آَيَاتِ اللَّهِ﴾ القرآن (٢).\n﴿تُتْلَى عَلَيْهِ﴾ أي: يسمع النبي بعد آيات الله، فحذف المفعول الأول (٣).\nو﴿تُتْلَى﴾ حال من ﴿آَيَاتِ اللَّهِ﴾.\n﴿ثُمَّ يُصِرُّ﴾ يبقى بعد سماع القرآن كافرًا (٤).\nوالإصرار: العزم على الأمر، وأكثر ما يستعمل في الإقامة على الذَّنْب (٥).\n﴿مُسْتَكْبِرًا﴾ عن الإيمان.\n﴿كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا﴾ في عدم الانتفاع بها، والقبول لها.\n﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٨)﴾ قيل: هذا استهزاء.\nوقيل: أخبره خبرًا يظهر أثره على بشرته من التَّرح (٦).\nوقيل (٧): نزلت في النضر بن الحارث، وكذلك التي بعدها (٨)، وهي:\n_________\n(١) انظر: النكت والعيون (٥/ ٢٦١)، غرائب التفسير (٢/ ١٠٨٥).\n(٢) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢١١)، جامع البيان (٢٥/ ١٤٢)، النكت والعيون (٥/ ٢٦١)، غرائب التفسير (٢/ ١٠٨٥).\n(٣) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٠٨٥).\n(٤) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢١١)، جامع البيان (٢٥/ ١٤٢)، النكت والعيون (٥/ ٢٦١).\n(٥) انظر: كتاب العين (٧/ ٨١) مادة \" صَرَّ \"، النكت والعيون (٥/ ٢٦١)، تفسير السمعاني (٥/ ١٣٥)، التعريفات (ص: ٢٤).\n(٦) التَّرَح: ضدُّ الفَرَحِ، وتَرَّحَه الأَمرُ تَتْريحًا، أَي: أَحْزَنه. [انظر: كتاب العين (٣/ ١٩٠)، مادة \" تَرَحَ \"، لسان العرب (٢/ ٤١٧) مادة \" تَرَحَ \"].\n(٧) في (أ) \" قيل \".\n(٨) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢١١)، تفسير السَّمرقندي (٣/ ٢٦٣).","vol":"1","page":2805},{"text":"﴿وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آَيَاتِنَا شَيْئًا﴾ (١) أي: سمعها وفهمها وحفظها.\nوقيل: علم وعاند.\n﴿اتَّخَذَهَا هُزُوًا﴾ استهزاءً بها، وعارضها بحديث الفُرْس يُرِي العوام، أنه لا حقيقة لذلك.\n﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٩)﴾ مُذلٌّ مُخْزٍ، وجمع حملًا على معنى كُلِّ (٢) (٣).\n﴿مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ﴾ أي: قدّامهم؛ لأنَّه لم يأت بعد (٤).\nوقيل: من خلفهم؛ لأنَّه يكون بعد انقضاء آجالهم وقيامهم من قبورهم.\nوكل ما يوارى (٥) عنك، فهو وراءٌ، تَقَدَّم أو تأخَّر (٦) (٧).\n﴿وَلَا يُغْنِي عَنْهُمْ﴾ لا يدفع عنهم.\n﴿مَا كَسَبُوا﴾ كسبهم المال والأولاد ﴿شَيْئًا﴾ من عذاب الله.\n﴿وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ﴾ أي: الأصنام، وما عبدوه.\n﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠)﴾ دائم لا ينقطع.\n﴿هَذَا هُدًى﴾ أي: القرآن سبب الهداية والرَّشاد لمن تدبره وتفكَّر فيه.\n_________\n(١) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢١١)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢٦٣)، النكت والعيون (٥/ ٢٦٢).\n(٢) في (ب) \" الكل \".\n(٣) انظر: معاني القرآن؛ للأخفش (ص: ٢٨٥)، جامع البيان (٢٥/ ١٤٢).\n(٤) انظر: مجاز القرآن (٢/ ٢١٠)، جامع البيان (٢٥/ ١٤٢)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢٦٣)، الوجوه والنَّظائر (ص: ٧٨١).\n(٥) في (ب) \" توارى \".\n(٦) في (ب) \" ما تقدَّم أو تأخَّر \".\n(٧) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٣/ ٢٤٩)، لسان العرب (١/ ١٩٣) مادة \" وَرَأَ \".","vol":"1","page":2806},{"text":"وقيل: هذا العذاب الذي ذكره حقٌّ. حكاه الفقيه (١) أبو الليث - ﵀ - (٢).\n﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ﴾ قيل: الرِّجز أشد العذاب لقوله: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ﴾ [الأعراف: (١٣٥)]، فيكون التَّقدير: لهم عذاب من أشدِّ العذاب، فأفاد الصِّفة.\nوقيل: الرِّجْز النتن، وأصله الارتعاد والسرعة (٣).\n﴿أَلِيمٌ (١١)﴾ مؤلمٌ، الرَّفع (٤) صفة للعذاب، والجرّ صفة للرجز (٥).\n﴿* اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ﴾ سَهَّلَ لكم ركوب البحر.\n﴿لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ﴾ السُّفن.\n﴿فِيهِ بِأَمْرِهِ﴾ لتسخيره ذلك لكم دون غيره.\n﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ لتطلبوا المال بالتجارة في البحر، واستخراج الجواهر منه، وصيد ما فيه.\n﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢)﴾ ولتشكروني على هذه النِّعم.\n_________\n(١) \" الفقيه \" ساقط من (ب).\n(٢) انظر: تفسير السمرقندي (٣/ ٢٦٣).\n(٣) الرِّجْز: القَذَر مثل الرِّجْس: والرِّجْز: العذاب، والرِّجْز والرُّجْز: عبادة الأَوثان، وقيل: هو الشِّرْك، وأَصل الرَّجز في اللغة: تتابُعُ الحركات، ومن ذلك قولهم: ناقة رَجْزاءُ إِذا كانت قوائمها ترتعدُ عند قيامها. [انظر: لسان العرب (٤/ ٣٤٨) مادة \" رَجَزَ \"].\n(٤) في (ب) \" بالرفع \".\n(٥) قرأ ابن كثير وعاصم في رواية حفص ﴿أَلِيمٌ﴾ بضم الميم، والباقون ﴿أَلِيمٍ﴾ بالكسْرِ [انظر: السَّبْعة (ص: ٥٩٤)، معاني القراءات (ص: ٣٨٩)، الحجة (٦/ ١٧٤)، التيسير (ص: ١٤٦)].","vol":"1","page":2807},{"text":"﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ صَيَّره بحيث يتصرَّفون فيه وتنتفعون (١) به في دنياكم ودينكم بالاستدلال به على التوحيد.\nابن عبَّاس - ﵄ -: \" سخَّر لكم ما في السماوات: المطر والثلج والبرَد، وما في الأرض: النبات والأشجار والثمار \" (٢).\n﴿جَمِيعًا﴾ نصب على الحال، ﴿مِنْهُ﴾ أي: هذه النِّعم كُلّها منه خلقًا، فيكون خبر مبتدأ محذوف.\nوقيل: تسخير الجميع منه، وقيل: تقديره مَنْ خَلْقه، فحذف المُضاف، وقيل: ابتداء كونه منه.\nويجوز أن يكون صفة للمصدر أي تسخيرًا منه، ويجوز أن يكون منه حالًا (٣).\nوقرأ ابن عبَّاس ﴿مِنَّة﴾ (٤) أي: منَّ بها عليكم منَّة.\nويحتمل: أن يكون العائد في ﴿مِنْهُ﴾، أي: من أمره كما قال في الآية الأولى ﴿بِأَمْرِهِ﴾ (٥).\n﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١٣)﴾ أي: في تسخير القوي للضعيف دلالة على صانع قديرٍ حكيم.\n﴿قُلْ لِلَّذِينَ آَمَنُوا يَغْفِرُوا﴾ في سبب النُّزول: ابن عبَّاس برواية عطاء: ... \" أنَّها نزلت في عمر بن الخطاب - ﵁ -، وذلك أنَّهم نزلوا في غزوة بني المُصْطَلَق (٦) على بئرٍ\n_________\n(١) في (أ) \" وينتفعون \".\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) انظر: إعراب القرآن؛ للنَّحاس (٤/ ٩٤)، غرائب التفسير (٢/ ١٠٨٥)، الكشاف (٤/ ٢٩١).\n(٤) انظر: إعراب القرآن؛ للنَّحاس (٤/ ٩٤)، المُحْتَسَب (٢/ ٣١٠)، تفسير الثعلبي (٨/ ٣٥٩)، غرائب التفسير (٢/ ١٠٨٦) شواذ القراءات (ص: ٤٣٣)، الكشاف (٤/ ٢٩١).\n(٥) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٠٨٦).\n(٦) بنو المُصْطَلَق: بطن من بطون خُزاعة، وهم ينتسبون إلى سعد بن عمرو، وسعد هو المصطلق، وكانت الغزوة سنة ستٍّ للهجرة. [انظر: معجم ما استعجم (٤/ ١٢٢٠)، الأنساب؛ للسَّمعاني (٥/ ٣١٢)].","vol":"1","page":2808},{"text":"يقال لها: المُرَيْسِيع (١)، فأرسل عبد الله بن أُبيّ (٢) غُلامَه ليستقي الماء فأبطأ عليه فلمَّا أتاه قال: ما حَبسك؟ قال: غلامُ عُمر - ﵁ - قعد على رأس البئر، فما ترك أحدًا يستقي حتى ملأ قِرَبَ النبي - ﷺ -، وقِرَب أبي بكر، وملأ لمولاه - ﵄ -، فقال ... عبد الله: ما مثلنا ومثل هؤلاء، إلا كما قيل: سَمِّن كَلبك يأكلك \".\nفبلغ قوله عمر - ﵁ - فاشتمل بسيفه يريد التَّوجه إليه فأنزل الله هذه الآية \" (٣).\nوعن ميمون بن مِهران (٤) عن ابن عباس - ﵄ -، قال: \" لما نزلت ... ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: (٢٤٥)، الحديد: (١١)] قال يهودي بالمدينة يقال له: فنحاص بن عازوراء احتاج ربُّ محمد، فبلغ ذلك عمر فاشتمل على سيفه، وخرج في طلبه فجاء جبريل - ﵇ - وأنزل: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آَمَنُوا يَغْفِرُوا﴾ (٥).\n﴿لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾: لا يخافون مثل عقوبات الأيام الخالية، والعرب تعبِّر (٦) عن الوقائع بالأيام كيوم أُحُدٍ (٧) ويوم حُنَين (٨) (٩).\nوقيل: ﴿لَا يَرْجُونَ﴾: لا يطمعون في أيام الله نصرة الله لأولياء الله.\nوقيل: لا يطمعون في أيام الله التي وعدها الله المؤمنين في الجنة، أضاف إلى الله كبيت الله.\nومعنى: ﴿يَغْفِرُوا﴾ ها هنا يعفوا ويصفحوا (١٠).\nوجزمه على جواب قوله: ﴿قُلْ﴾ على اللفظ (١١).\nوقيل: على إضمار أمر أي: وهو اغفروا يَغْفِروا (١٢)، وقيل: بإضمار اللام أي: ليغفروا، والقول الأول فيه ضعف (١٣).\n﴿لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾: أي ليجزيهم الله على فعلهم.\nوقُرئ ﴿لِيُجْزَى قَوْمًَا﴾ (١٤) أي (١٥) ليجزى الخير والشر قومًا.\nومن قال: ليجزي الجزاء قومًا ففي قوله ضعفٌ.\n_________\n(١) المُرَيْسِيع: ماء لبني المصطلق من خزاعة بناحية قُدَيد جنوب المدينة، وهي معروفة الآن بهذا الاسم. [معجم ما استعجم (٤/ ١٢٢٠)، معجم الأمكنة (ص: ٤٠٢)].\n(٢) عبد الله بن أُبي بن مالك بن الحارث بن عبيد الخزرجي، أبو الحُباب، المشهور بابن سَلُوْل، وسَلُوْلٌ جَدَّته لأبيه، رأس المنافقين في الإسلام، وكان سيِّد الخزرج في آخر جاهليتهم، وأظهر الإسلام تقيّة، وكان كلَّما حلَّت بالمسلمين نازلة شمت بهم، وكلَّما سمع بسيئة نشرها، مات في السّنة التاسعة من الهجرة، فصلَّى عليه رسول - ﷺ -، ولم يُصَلِّ بعدها على منافق؛ لأنَّ الله أنزل: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (٨٤)﴾ [التوبة: ٨٤] [انْظُر تَرْجَمَتَهُ: أسد الغابة (١/ ١٣٢)، شَذَرات الذَّهب (١/ ١٣)، الأعلام (٤/ ٦٥)].\n(٣) انظر: أسباب النزول؛ للواحدي (ص: ٣١٢)، تفسير السَّمعاني (٥/ ٤٤٤)، زاد المسير (٧/ ١٦٢).\n(٤) هو الأعمش، وقد تقدَّمت ترجَمَته (ص: ١٧٧).\n(٥) أخرجه الثعلبي في تفسيره (٨/ ٣٥٩)، والواحدي في أسباب النزول (ص: ٣١٢)، وأورده ابن الجوزي في زاد المسير (٧/ ١٦٢).\n(٦) في (أ) \" والعرب يُعبّر \".\n(٧) أُحُد: اسم الجبل الذي كانت عنده غزوة أحد وهو مرتجل لهذا الجبل، وهو جبل بينه وبين المدينة قرابة ميل في شماليها، وقد أصبح الآن داخل النطاق العمراني للمدينة النبوية، وعنده كانت الوقعة التي كانت بين المسلمين وكفار قريش، والتي قتل فيها حمزة عم النبي - ﷺ - وسبعون من المسلمين وكسرت ربَاعية النبي - ﷺ - وشجَّ وجهه الشريف، وكُلِمت شَفَتَه، وكان يوم بلاء وتمحيص، وذلك لسنتين وتسعة أشهر وسبعة أيام من مهاجرة النبي - ﷺ -، وهو في سنة ثلاث \" [انظر: معجم البلدان (١/ ١٠٩)، معجم الأمكنة (ص: ١٩)].\n(٨) حُنَين: هو وادٍ قريب من الطائف بينه وبين مكة، يبعد عن حدود الحرم أحد عشر كيلًا، ويعرف اليوم بالشرائع. ... [انظر: معجم ما استعجم (١/ ٤٧١)، معجم الأمكنة (ص: ١٩٥)].\n(٩) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢١٢)، جامع البيان (٢٥/ ١٤٤)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢٦٤).\n(١٠) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢١٢)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢٦٤)، النكت والعيون (٥/ ٢٦٢).\n(١١) وهو رأي الفرَّاء [انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ٤٥)].\n(١٢) في (أ) \" اغفروا تغفروا \".\n(١٣) انظر: إعراب القرآن؛ للنَّحاس (٤/ ٩٥)، غرائب التفسير (٢/ ١٠٨٦).\n(١٤) وهي قراءة أبي جعفر، قال الفراء: \" وهو في الظاهر لَحنٌ، فإن كان أضمر في \" يُجزَى \" فعلًا يقع به الرفع، كما تقول: أعطي ثوبًا ليُجزى ذلك الجزاء قومًا، فهو وجه \" [انظر: معاني القرآن (٣/ ٤٦)، وانظر: جامع البيان (٢٥/ ١٤٥)، شواذ القراءات (٤٣٣)، النشر (٢/ ٢٧٨)، إتحاف فضلاء البشر (ص: ٥٠٢)].\n(١٥) \" أي \" ساقطة من (أ).","vol":"1","page":2809},{"text":"والقوم: هم المؤمنون، وقيل: الكافرون، وكلاهما جائزان لقوله بعده:\n﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ أي: لها الثواب وعليها العقاب.\n﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١٥)﴾ أكثر المفسرين على أنَّها منسوخة بآية السَّيف (١).\n﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ﴾ التوراة.\n﴿وَالْحُكْمَ﴾ أي: الحِكمة، وقيل: الفقه، وقيل: السُّنَّة، وقيل: القضاء بين النَّاس.\n﴿وَالنُّبُوَّةَ﴾ فإنَّ إبراهيم - ﵇ - كان شجرة الأنبياء.\n﴿وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ الحلال، وقيل: اللذيذ، وقيل: المَن والسَّلوى.\n﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ﴾ أعطيناهم الزِّيادة.\n﴿عَلَى الْعَالَمِينَ (١٦)﴾ عالِمي زمانهم.\nوقيل: خصَصْنا بكثرة الأنبياء من بين سائر الأمم.\n﴿وَآَتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ﴾ يريد أمر محمدٍ - ﷺ - (٢).\n_________\n(١) وهي قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: (٥)] [انظر: الناسخ والمنسوخ؛ لقتادة (ص: ٤٥)، تفسير مقاتل (٣/ ٢١٢)، تفسير الصنعاني (٣/ ٢١٢)، جامع البيان (٢٥/ ١٤٥)، النَّاسخ والمنسوخ؛ للنَّحَّاس (ص: ٦٦٣)، النكت والعيون (٥/ ٢٦٢)، الإيضاح لناسخ القرآن (ص: ٣٥٥)].\nوجمع ابن عطية بين قول القائلين بالنَّسخ، والقائلين بالإحكام أي عدم النَّسخ فقال: \" قال أكثر الناس: وهذه آية منسوخة بآية القتال، وقالت فرقة: الآية محكمة، والآية تتضمن الغفران عمومًا، فينبغي أن يقال: إنَّ الأمور العظام كالقتل والكفر مجاهرة ونحو ذلك قد نَسَخَ غفرانه آية السيف والجزية، وما أحكمه الشرع لا محالة، وإن الأمور المحقرة كالجفاء في القول ونحو ذلك يحتمل أن تبقى محكمة، وأن يكون العفو عنها أقرب إلى التقوى \" [المحرر الوجيز (٥/ ٨٢)].\n(٢) انظر: النكت والعيون (٥/ ٢٦٣)، تفسير الواحدي (٢/ ٩٩٠)، تفسير السمعاني (٥/ ١٣٨).","vol":"1","page":2810},{"text":"﴿فَمَا اخْتَلَفُوا﴾ في كونه نبيًا.\n﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ محمد - ﷺ -، والقرآن.\n﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٧)﴾.\nوقيل: أراد بالاختلاف اختلافهم في أوامر الله ونواهيه في التوراة (١).\n﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ حسدًا، لا عن جهلٍ يكون الإنسان به (٢) معذورًا.\n﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ﴾ أي: بعد اختلاف أهل الكتاب جعلناك على طريقة ومنهج (٣).\n﴿مِنَ الْأَمْرِ﴾ من الدِّين.\nوقيل: على ملَّة مشروعة لك من أمرنا الذي أمرناه من قبلك من رسلنا.\nوقيل: من الأمر الذي أنت بصدده.\nقتادة: \"الشريعة: الفرائض والحدود والأمر والنهي \" (٤).\nوقيل: على بيِّنة، وقيل: على سُنَّة.\nابن عيسى: \" أصل الشريعة: علامة تُنب على الطريق دلالة على الماء \" (٥) (٦).\n_________\n(١) وهذا هو الظاهر من البينات، والاختلاف فيها، ويدلُّ عليه سياق الآيات [انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢١٣)، جامع البيان (٢٥/ ١٤٦)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢٦٥)، النكت والعيون (٥/ ٢٦٣)، زاد المسير (٧/ ١٦٣)، الجامع لأحكام القرآن (١٦/ ١٥٩)].\n(٢) \" به \" ساقطة من (ب).\n(٣) انظر: مجاز القرآن (٢/ ٢١٠) معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ٤٦)، جامع البيان (٢٥/ ١٤٦)، معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ٤٢٤)].\n(٤) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (٢٥/ ١٤٧)، وأورده النَّحاس في معاني القرآن (٦/ ٤٢٤)، والماوردي في النكت والعيون (٥/ ٢٦٤).\n(٥) انظر: لسان العرب (٨/ ١٧٥) مادة \" شَرَعَ \".\n(٦) لم أقف عليه من قول ابن عيسى.","vol":"1","page":2811},{"text":"﴿فَاتَّبِعْهَا﴾ فاتبع هذه الشريعة، واعمل بها واتَّخذها إمامًا.\n﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨)﴾ لا تتَّبع الكافرين والمنافقين، ولا تعمل بهواهم.\n﴿إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ إنَّ هؤلاء الكفار والمنافقين غير نافعيك مما يريده الله بك من العذاب، ولا كافيك ما يشاؤه فيك من العقاب (١).\n﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ أي: الظالم وهو الكافر يوالي ظالمًا مثله وينصره ويعينه، وقيل: هم متَّفقون على عداوتك.\n﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (١٩)﴾ أي: يُوالي المتقين، وهم المؤمنون.\n﴿هَذَا﴾ أي: القرآن (٢)، وقيل: ما تقدَّم من اتباع الشريعة وترك طاعة الظالم.\n﴿بَصَائِرُ لِلنَّاسِ﴾ بيِّنات ودلائل في أمر دينهم (٣).\n﴿وَهُدًى﴾ رُشْدٌ.\n﴿وَرَحْمَةٌ﴾ نعمة من الله.\n﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٢٠)﴾ لا يَشُوبُ إيمانهم شكٌّ وارتياب.\n﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ﴾ اكتسبوا معاصي الله، وارتكبوا مآثم المآثم (٤) (٥).\n_________\n(١) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢١٣)، جامع البيان (٢٥/ ١٤٧).\n(٢) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢١٣)، جامع البيان (٢٥/ ١٤٧)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٤/ ٣٢٩).\n(٣) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢١٣)، جامع البيان (٢٥/ ١٤٧)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢٦٥).\n(٤) \" المآثم \" ساقطة من (ب).\n(٥) انظر: مجاز القرآن (٢/ ٢١٠)، معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ٤٧)، جامع البيان (٢٥/ ١٤٨)، النكت والعيون (٥/ ٢٦٤).","vol":"1","page":2812},{"text":"﴿أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾ نزلت فيمن قالوا: نُعطى في الآخرة خيرٌ مِمَّا يُعطى المؤمنون (١).\nوقيل: أم حسب عُتبة وشَيْيبة والوليد وأتباعهم أن نجعلهم كعلي وحمزة وعبيدة ... ابن الحارث - ﵃ - (٢).\n﴿سَوَاءً﴾ أي: حسبوا أن يُسوَّى بين الفريقين في المحيا والممات، أي: في الدنيا والعُقبى.\n﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٢١)﴾ بئس هذا الحكم بل نفرِّق بينهم، فنُعلي المؤمنين وننصُرهم في الدنيا والآخرة، ونُخزي الكافرين فيهما.\nوقيل: المراد بالمحيا: الحياة بعد الموت، وبالممات: القبر من قوله: «القبر روضة من رياض الجنَّة أو حفرة من حُفر النيران» (٣).\nوقيل: أحسب الكفَّار أن يُشاركوا المؤمنين فيما يعطيهم الله في الآخرة كما شاركوهم فيما أعطاهم في الدنيا من قوله سبحانه: ﴿قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف: (٣٢)].\nقُرِئ ﴿سَوَاءٌ﴾ بالرفع والنَصب (٤)، فمن رفع فـ ﴿مَحْيَاهُمْ﴾ المبتدأ ... ﴿وَمَمَاتُهُمْ﴾ عطف على المبتدأ، و﴿سَوَاءٌ﴾ خبر المبتدأ تقدَّم عليه ولم يُثَنَّ لأنَّه مصدر.\n_________\n(١) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢١٣)، تفسير الثعلبي (٨/ ٣٦١)، تفسير البغوي (٧/ ٢٤٤)، زاد المسير (٧/ ١٦٤).\n(٢) انظر: تفسير السمرقندي (٣/ ٢٦٦)، النكت والعيون (٥/ ٢٦٤).\n(٣) جزء من حديث أبي سعيد الخدري أخرجه الترمذي في سننه في كتاب صفة القيامة، باب حديث أكثروا من ذكر هاذم اللذات، برقم (٢٤٦٠) والطبراني في الأوسط (٨/ ٤٣٤)، برقم (٨٨٥٢)، قال الهيثمي: \" رواه الطبراني في الأوسط، وفيه: محمد بن أيوب بن سويد، وهو ضعيف\" [مجمع الزوائد (٣/ ٤٦)].\n(٤) قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم في رواية أبى بكر ﴿سَوَاء مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾ برفع ... ﴿سَوَاءٌ﴾، وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم ﴿سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾ بنصب ﴿سَوَاءً﴾.\n[انظر: السَّبْعة (ص: ٥٩٥)، معاني القراءات (ص: ٤٤٦)، الحجة (٦/ ١٧٥)، التيسير (ص: ١٦١)].","vol":"1","page":2813},{"text":"ويجوز في الجملة: أن تكون (١) واقعة موقع المفعول الثاني لجَعَلَ.\nويجوز أن يكون استئنافًا وما قبله وقف، أي: محياهم محيا سواء ومماتهم كذلك، وهذا أولى؛ لأنَّه قطع فلا يدخل في الحُسبان.\nومن نَصب جاز أن يكون المفعول الثاني لجعل وجاز أن يكون حالًا، والمفعول الثاني ... ﴿كَالَّذِينَ آَمَنُوا﴾ ويرتفع ﴿مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾ بالمصدر، وفيه ضعف؛ لأنَّه ليس باسم الفاعل ولا بالصِّفة المُشَبَّهة باسم الفاعل (٢).\nوفي الضمير (٣) قولان:\nأحدهما: أنَّه يعود إلى الكُفار فحسب، وقيل: إلى القَبِيْلِين (٤).\nويحتمل أن يعود إلى المؤمنين فحسب، كما (٥) قُرِئَ في الشواذ بالجرِّ (٦)، فيكون التقدير: أن يجعل محيا الكفار ومماتهم كمحيا المؤمنين ومماتهم، فحذف الأول.\nوقُرِئَ بالنصب (٧)، فيكون للكفار (٨) على البدل وحذف الثاني.\nويجوز في النَّصب: أن يكون ظرفًا. والله أعلم (٩).\n_________\n(١) في (أ) \" أن يكون \".\n(٢) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ٤٧)، جامع البيان (٢٥/ ١٤٨)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٤/ ٣٢٩)، إعراب القرآن؛ للنَّحاس (٤/ ٩٦)، معاني القراءات (ص: ٤٤٦)، الحجة (٦/ ١٧٥)، غرائب التفسير (٢/ ١٠٨٧).\n(٣) أي: في قوله: ﴿مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾.\n(٤) في (أ) \" القبيلتين \".\n(٥) في (ب) \" لِمَا \".\n(٦) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٠٨٧) ولم يذكر قرأ بها.\n(٧) وهي قراءة الأعمش وعيسى بن عمر [انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٤/ ٣٢٩)، الكشاف (٤/ ٢٩٣)، الجامع لأحكام القرآن (١٦/ ١٦٢)، البحر المحيط (٩/ ٤٢٠)، غرائب التفسير (٢/ ١٠٨٧)، فتح القدير (٥/ ١٢)].\n(٨) في (أ) \" فيكون الكفار \".\n(٩) انظر: جامع البيان (٢٥/ ١٤٩)، الحجة (٦/ ١٧٧) غرائب التفسير (٢/ ١٠٨٧) الكشاف (٤/ ٢٩٣)، البحر المحيط (٩/ ٤٢٠).","vol":"1","page":2814},{"text":"﴿وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ بالعدل، فلا يَقتضي التَّساوي بين الفريقين، وقيل: لم يخلقه عبثًا لكن للجزاء ثُمَّ بيَّنه فقال: ﴿وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٢)﴾.\nوقيل: خلق للعدل، ولتُجزى.\n﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ أي: بهواه وإيثاره، لا بالأدلة والبراهين.\nقال ابن عباس: \" كان أحدهم يَعبد حجرًا فإذا رأى ما هو أحسن منه رمى به وعبد ما هو أحسن \" (١).\nوقيل: فيه تقديم وتأخير، والتقدير: اتَّخذ هواه إلهه فَرَكِبَ ما اشتهاه من غير ... زاجر (٢).\n﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ﴾ خذله الله، وقيل: أضله من الثواب، وقيل: أضله وجده ضالًا.\n﴿عَلَى عِلْمٍ﴾ أي: على علمٍ من الله بضلاله في سابق علمه (٣) (٤).\nوقيل: ﴿عَلَى عِلْمٍ﴾ حال للمفعول، فيكون علم التجارة وسائر الصناعة، وفيه ضعف.\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٨/ ٢٦٩٩)، وأورده أبو الليث في تفسيره (٣/ ٢٦٦)، وابن الجوزي في زاد المسير (٦/ ١٨)، وابن كثير في تفسير القرآن العظيم (٣/ ٣٣٢).\n(٢) قال ابن جرير: \" وأولى التأويلين في ذلك بالصَّواب قول من قال معنى ذلك: أفرأيت يا محمد من اتخذ معبوده هواه، فيعبد ما هوي من شيء دون إله الحق الذي له الألوهة من كل شيءٍ؛ لأنَّ ذلك هو الظاهر من معناه دون غيره \" [جامع البيان (٢٥/ ١٥٠)، وانظر: النكت والعيون (٥/ ٢٦٤)].\n(٣) انظر: جامع البيان (٢٥/ ١٥٠)، النكت والعيون (٥/ ٢٦٥)، تفسير الواحدي (٢/ ٩٩١).\n(٤) قال ابن كثير: \" وقوله: ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ يحتمل قولين:\nأحدهما: وأضله الله لعلمه أنه يستحق ذلك، والآخر: وأضله الله بعد بلوغ العلم إليه وقيام الحجة عليه، والثاني يستلزم الأول ولا ينعكس \" [تفسير القرآن العظيم (٤/ ١٦٢)].","vol":"1","page":2815},{"text":"ويجوز: أن يكون المراد به المُعاند؛ لأنَّ ضلاله على علم (١).\n﴿وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ﴾ فلا ينتفع بما يسمع.\n﴿وَقَلْبِهِ﴾ فلا يتفكَّر في آيات الله.\n﴿وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾ فلا يبصر الحق.\n﴿فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ أي: غير الله، وقيل: بعد هداية الله، وقيل: بعد خذلان الله إيَّاه (٢).\n﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٢٣)﴾.\nوجواب ﴿مَنِ اتَّخَذَ﴾ ﴿فَمَنْ يَهْدِيهِ﴾ (٣).\n﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا﴾ ﴿هِيَ﴾ كناية عن الحياة؛ لأنَّهم وُعدوا حياة ثانية، فقالوا ما الحياة إلا حياتنا ﴿الدُّنْيَا﴾ التي نحن فيها (٤).\nوقولهم: ﴿الدُّنْيَا﴾ ليس بتسليم لثانية، وإنَّما هو كقوله: (يا أيها الرسول) أي: بزعمك (٥).\n﴿نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ قيل: فيه تقديم وتأخير، أي: نحيا (٦) ونموت، ولأنَّ الواو لا يوجب الترتيب.\n_________\n(١) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٠٨٨).\n(٢) كُلُّها بمعنى، انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢١٤)، جامع البيان (٢٥/ ١٥١)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢٦٦)، غرائب التفسير (٢/ ١٠٨٨).\n(٣) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٠٨٨).\n(٤) انظر: تفسير النّسفي (٤/ ١١٠٤).\n(٥) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٠٨٨).\n(٦) في النسختين \" نحيى \".","vol":"1","page":2816},{"text":"وقيل: يموت الآباء ويحيا الأبناء، وحياة الأبناء حياة الآباء، لأنَّ الأبناء بحيوة الآباء صاروا أحياء.\nوقيل: يموت بعض ويحي بعض، وقيل: كنَّا مَواتًا فحيينا (١).\nويحتمل: أنَّ هذا كلام من يقول بالتناسخ، أي: يموت الرّجل، ثُمَّ يجعل روحه في موات فيحيا به (٢).\n﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ مُضي الأيام والليالي، وقيل: طول الدَّهر بالهرم.\nقتادة: \" إلا العمر \" (٣).\nعكرمة: \" إلا الله \" (٤). وفيه نظر.\n﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٢٤)﴾ وما هم (٥) في اعتقاد هذا القول إلا على شك.\n﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾ أي: القرآن، واضحات الدلائل، ويريد بالآيات ها هنا: ما فيه ذِكر البعث والنَّشور (٦).\n﴿مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ﴾ أي: جوابهم وما احتجُّوا به (٧)، وسُمِّي حُجَّة على زعمهم (٨).\n﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا﴾ أحيوهم ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٥)﴾ في دعوى البعث.\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٥/ ١٥١)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٤/ ٣٣٠)، معاني القرآن؛ للنَّحَّاس (٦/ ٢٦٦)، النكت والعيون (٥/ ٢٦٦).\n(٢) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٠٨٨)، تفسير البيضاوي (٢/ ٣٨٩)، تفسير النسفي (٤/ ١١٠٤).\n(٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٢١٢)، وأورده الماوردي في النكت والعيون (٥/ ٢٦٦)، والكرماني في غرائب التفسير (٢/ ١٠٨٨).\n(٤) انظر: النكت والعيون (٥/ ٢٦٦)، غرائب التفسير (٢/ ١٠٨٩) فتح القدير (٥/ ١٣).\n(٥) في (ب) \" ما هم \".\n(٦) انظر: جامع البيان (٢٥/ ١٥٣)، تفسير الواحدي (٢/ ٩٩١) تفسير النسفي (٤/ ١١٠٤).\n(٧) في (أ) \" جوابه ما احتجوا به \".\n(٨) انظر: الجامع لأحكام القرآن (١٦/ ١٦٨)، تفسير البيضاوي (٢/ ٣٨٩)، تفسير النسفي (٤/ ١١٠٤).","vol":"1","page":2817},{"text":"﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ﴾ في الدنيا ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ فيها.\n﴿ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ﴾ في القبور (١) ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾.\n﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ في اليوم، وقيل: في الجمع، أي: لا ترتابوا فيه.\nوقيل: قد قامت الدلالة على صحَّة البعث فلم يبق (٢) فيه ارتياب.\n﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٦)﴾ قُدرة الله على البعث لإعراضهم عن التدبُّر والتَّفكُر في الدلائل.\n﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾: يجوز أن يكون عطفًا على محل ﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فيكون مفعولًا به، ويجوز أن يكون ظرفًا.\nوقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ بدل منه (٣)، ومعنى: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾: حينئذٍ.\n﴿يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ (٢٧)﴾ من لا حُجَّة له.\n﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ﴾ أمَّة كل نبي يوم القيامة.\n﴿جَاثِيَةً﴾: ابن عباس - ﵄ -: \" مُجتَمعة للحساب \" (٤).\nوقيل: باركة جلسة المدعي عند الحاكم.\nوقيل: مُستوفز (٥) لا يصيب الأرض إلا ركبتاه وأطراف أنامله (٦).\n_________\n(١) \" في القبور \" ساقطة من (أ).\n(٢) \" فلم يبق \" ساقط من (ب).\n(٣) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٠٨٩)، الكشاف (٤/ ٢٩٥)، البحر المحيط (٩/ ٤٢٤).\n(٤) انظر: النكت والعيون (٥/ ٢٦٧)، الجامع لأحكام القرآن (١٦/ ١٦٩)، البحر المحيط (٩/ ٤٢٥).\n(٥) المستوفِزُ: من الوَفَزَة: وهي أن ترى الانسان مستوفزا، قد استقل على رجليه ولما يستو قائما، وقد تهيأ للأفْز والوثوب والمضي، واسوفز الرجل في قِعْدَته: انتصبَ فيها غير مطمئن، ويقال له: اطْمَئنَّ فإنِّي أَراكَ مُسْتَوْفِزًا. ... [انظر: كتاب العين (٧/ ٣٩٠)، مادة \" وَفَزَ \"، لسان العرب (٥/ ٤٣٠)، مادة \" وَفَزَ \"].\n(٦) هذا على معنى: الجاثي.","vol":"1","page":2818},{"text":"وقيل: مُتميزة، وقيل: خاضعة (١).\nوالجُثُوُّ للكُفَار خاصَّة، وقيل: عامٌّ (٢).\nتقول: جَثَا يَجْثُوا: إذا جلس على ركبتيه، وجذا يجذوا بمعناه (٣).\n﴿كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا﴾ يريد: كتاب الحَفَظَة ليقرؤه، ويستوفوا الجزاء (٤)، وهو قوله: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨)﴾ في الدنيا.\nالجاحظ (٥): \" إلى كتاب نبيها فينظر هل عملوا به أم لا؟ \" (٦).\nوقيل: إلى حِسابها، وقيل: يُدعي: يُسأل، كما تقول: سألت الله كذا، ودعوته بكذا.\nويحتمل يدعون بكتاب نبيها فيقال: يا أهل التوراة، يا أهل القرآن، كما سبق في قوله  ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾  [الإسراء: (٧١)] أي: بكتابهم.\n﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ﴾ أي: يُبَيِّنُ لكم، وُضِع النُّطق موضع البيان (٧).\n﴿بِالْحَقِّ﴾ بالعدل.\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٥/ ١٥٤)، معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ٤٣٠) النكت والعيون (٥/ ٢٦٧)، الجامع لأحكام القرآن (١٦/ ١٦٩).\n(٢) انظر: النكت والعيون (٥/ ٢٦٧)، الجامع لأحكام القرآن (١٦/ ١٦٩).\n(٣) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٤/ ٣٣١).\n(٤) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢١٥)، جامع البيان (٢٥/ ١٥٥)، معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ٤٣٢) وهو اختياره حيث قال: \" وهذا أولى؛ لأنَّ بعده ما يدلُّ عليه \".\n(٥) الجَاحِظ هو: عمرو بن بحر بن محبوب الكناني بالولاء الليثي البصري، أبو عثمان المعروف بالجاحظ، صاحب التصانيف في كل فَنٍ، وإليه تنتسب الفرقة المعروفة بالجاحظية من المعتزلة، وكان تلميذ النَّظام المتكلم المشهور، ومن أحسن تصانيفه وأمتعها كتاب ... \" الحيوان \" فلقد جمع كل غريبة، وكذلك كتاب \" البيان والتبيين \" وغيرها من الكتب، وهي كثيرة جدًا، وكان مشوه الخلقة، وإنما قيل له: \" الجاحظ \"؛ لأن عينيه كانتا جاحظتين،، وكان أحد الأذكياء، قال ثعلب: ما هو بثقة.\nوقد مات بالبصرة والكتاب على صدره، قتلته مجلدات من الكتب وقعت عليه سنة خمسين ومائتين، وقيل: سنة خمس وخمسين ومائتين للهجرة. [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: وفيات الأعيان (٣/ ٤٧٠)، سير أعلام النُّبلاء (١١/ ٥٢٦)، الأعلام (٥/ ٧٤)].\n(٦) انظر: النكت والعيون (٥/ ٢٦٨).\n(٧) انظر: معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ٤٣٢)، النكت والعيون (٥/ ٢٦٨)، زاد المسير (٧/ ١٦٦).","vol":"1","page":2819},{"text":"﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٩)﴾ نُثْبِتُ، وقيل: نحفظ أعمالكم، وليس ذلك بنقلٍ من كتاب، تقول: نَسَخت واستنسختُ بمعنى، نحو: عَجِبتُ واستَعْجَبْتُ (١)، وقيل: نأمرُ بإثباتها.\nوالاستنساخ: الأمر بالنَّسخ، وعليه باب الاستفعال.\nوقيل: نستنسخ أعمالكم من اللوح المحفوظ كُتِبَ قبل أن تُخْلقوا وقبل أن تعلموا، فيكون النَّسخ نقلًا من كتابٍ إلى كتاب (٢).\nوقيل: كِتابنا القرآن يدلكم على ما فيه، فهو شاهد عليكم.\n﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (٣٠)﴾.\n﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فيقال لهم:\n﴿أَفَلَمْ تَكُنْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ يعني: الكتب المُنزَّلة على الأنبياء (٣).\n﴿فَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ تعظَّمتم عن الانقياد والإيمان بها.\n﴿وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ (٣١)﴾: كافرين مُذنبين.\nوالفاء في ﴿أَفَلَمْ﴾ قام مقام المحذوف (٤).\n_________\n(١) في (ب) \" عجب واستعجب \".\n(٢) انظر: مجاز القرآن (٢/ ٢١٠)، جامع البيان (٢٥/ ١٥٦)، غريب القرآن (ص: ٤٦٧)، معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ٤٣٣)، تفسير الثعلبي (٨/ ٣٦٧)، النكت والعيون (٥/ ٢٦٨)، المحرر الوجيز (٥/ ٨٩).\nقال ابن الجوزي: \" وأكثر المفسرين على أنَّ هذا الاستنساخ من اللوح المحفوظ، تستنسخ الملائكة كل عام ما يكون من أعمال بني آدم، فيجدون ذلك موافقًا ما يعملونه \" [زاد المسير (٧/ ١٦٦)].\n(٣) \" على الأنبياء \" ساقط من (ب).\n(٤) أي: فيقال لهم [انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ٤٩)، معاني القرآن؛ للأخفش (ص: ٢٨٥)، جامع البيان (٢٥/ ١٥٦)].","vol":"1","page":2820},{"text":"﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ أي: قيل لكم إن البعث والجزاء كائن.\n﴿وَالسَّاعَةُ﴾ القيامة ﴿لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ أي: قائمة لا محالة.\n﴿قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ﴾ أي: لسنا نعلم ما تُريدون بقولكم الساعة، وكيفية قيامها.\n﴿إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ (٣٢)﴾\nأبو علي: لا يُجرى هذا الكلام على ظاهره؛ لأنَّ كلَّ من يَظُنُّ فإنَّه لا يَظُنُّ غير الظنِّ، قال: ويصحُّ الكلام بأن يُقدَّر بـ ﴿إِلَّا﴾ التقديم (١)، وهو قول الأخفش (٢) أي: ما نحن إلا نظُّن ظنًَّا، والتوكيد غير مُستنكر.\nالمازني (٣): \" تقديره: إن نظن نحن إلا أنَّكم ظننتم وما نحن بمستيقنين أنَّكم لا تَظنُّون \" (٤)، أي: هذا الذي تدعوننا إليه ظنٌّ منكم وأنتم شاكُّون فيه.\nوقيل: إن نظنُّ إلا ظنًَّا لا يؤدِّي إلى العلم، وما نحن بمُستيقنين، أي: نشك في جواز وقوعه ولا نستيقن ذلك.\n﴿وَبَدَا لَهُمْ﴾ ظهر لهؤلاء المشركين حين شاهدوا القيامة، وأُخرج لهم ما كتبت الحفظة من أعمالهم.\n﴿سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا﴾ قبائح أفعالهم.\n_________\n(١) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٠٨٩).\n(٢) انظر: معاني القرآن (ص: ٢٨٥).\n(٣) المازني هو: بكر بن محمد بن عثمان - وقيل: بقية، وقيل: عدي - بن حبيب المازني البصري النحوي، أبو عثمان المازني، كان إمام عصره في النحو والأدب، وأخذ الأدب عن أبي عبيدة والأصمعي وأبي الأنصاري وغيرهم، وأخذ عنه أبو العباس المبرد، وله من التصانيف: كتاب \"ما تلحن فيه العامة \"، وكتاب \" التصريف \"، وكتاب \" العروض \"، قال عنه المبرد: \"لم يكن أحد بعد سيبويه أعلم بالنحو من المازني \"، وقد توفي سنة تسع وأربعين ومائتين، وقيل: ثمان وأربعين ومائتين للهجرة بالبصرة. [انْظُرْ تَرْجَمَتَه: وفيات الأعيان (١/ ٢٨٤)، سِيَرُ أعلام النُّبلاء (١٢/ ٢٧٠)].\n(٤) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٠٨٩).","vol":"1","page":2821},{"text":"﴿وَحَاقَ بِهِمْ﴾ أحاط بهم ولزمهم.\n﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٣٣)﴾ جزاء استهزائهم بقائل ذلك، والمُخبر به.\n﴿وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ أي: تقول لهم الملائكة اليوم نترككم في النار ترك الشيء المنْسِي الذي لا يُذكر، كما أعرضتم عن تَدَبُّر الوعيد والإنذار إعراض من نَسِيَ الشَّيء (١).\n﴿وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ﴾ منزلكم ومثواكم جهنَّم (٢).\n﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٣٤)﴾ من ينصركم ويدفع عنكم ممن كنتم تتعزَّزون (٣) بهم في الدنيا.\n﴿ذَلِكُمْ﴾ أي: ذلكم العذاب ﴿بِأَنَّكُمُ﴾ بسبب أنَّكم.\n﴿اتَّخَذْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ﴾ أي: ما كان يُتلى (٤) عليكم.\n﴿هُزُوًا﴾ تنزلونها منزلة الهُزُء الذي لا يُقبل عليه، ولا يُتَدبر فيه.\n﴿وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ اغتررتم بما مُدَّ لكم فيها من الحياة السريعة الانقضاء وما وُسِّع عليكم من أسباب دُنياكم.\n﴿فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا﴾ لأنَّهم فيها خالدون.\n﴿وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٣٥)﴾ لا يُطلب رضاهم، وقيل: لا يُطالبون بالتوبة، وقيل: لا يُردُّون إلى الدُّنيا، وقيل: لا يُراجعون الكلام بعد دخول النار.\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ٤٩)، جامع البيان (٢٥/ ١٥٨)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٤/ ٣٣٢)، معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ٤٣٤).\n(٢) \" جهنم \" ساقط من (أ).\n(٣) في (ب) \" كنتم يتعززون \".\n(٤) في (أ) \" ما كان تتلى \".","vol":"1","page":2822},{"text":"وقيل: لا يُقبل منهم العُتبى، وهو إعطاء الرِّضى.\n﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦)﴾ ختم السُّورة بكلمة الإخلاص، وقيل قولوا: الله الحمد، عرَّفهم كيف يحمدون ربَّهم.\n﴿وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: العظمة والجلال (١).\nوقيل: استحقاق التَّعظيم في أعلى المراتب له وحده.\n﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ بسُلطانه.\n﴿الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ فيما أمر ونهى، وخلق وقضى.\n_________\n(١) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢١٧)، جامع البيان (٢٥/ ١٥٩)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٤/ ٣٣٢)، معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ٤٣٤).","vol":"1","page":2823},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-152>سورة الأحقاف </span>(١)\nخمس وثلاثون آية (٢) (٣) مكِّيَّة (٤)\nابن عباس وقتادة \"إلا آية فإنَّها مدنية وهي قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ \" (٥) وقيل هي: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ (٦).\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢)﴾\nسبق (٧)، وإنَّما كرَّر ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ﴾ لأنَّه بمنزلة عنوان الكتب، ثمَّ ذكر ما أنزل فقال: ﴿مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ أي (٨): للحقِّ وإقامة الحقِّ (٩)، وقيل: بالعدل في الخلق، وقيل: لتدلَّ (١٠) على وحدانية الله تعالى.\n_________\n(١) سُمِّيت هذه السورة \" سورة الأحقاف \" في جميع المصاحف وكتب السُّنة، ووجه تسميتها (الأحقاف) ورود لفظ الأحقاف فيها ولم يرد في غيرها من سور القرآن. [انظر: التحرير والتنوير (٢٦/ ٥)].\n(٢) \" خمس وثلاثون آية \" ساقطة من (ب).\n(٣) وهذا على العدِّ الكوفي. [انظر: البيان في عدِّ آي القرآن (ص: ٢٢٧)، التحرير والتنوير (٢٦/ ٥)].\n(٤) وهي مكية في قول الجمهور، واستثنى بعضهم منها آيتين كما ذكر المؤلف، قال ابن عطية: \" هذه السورة مكية ولم يختلف منها إلا في آيتين، وهي قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ [الأحقاف: (١٠)]، وقوله ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: (٣٥) الآية]، فقال بعض المفسرين: هاتان آيتان مدنيتان وضعتا في سورة مكية \". ... [المحرر الوجيز (٥/ ٩١)، وانظر: تفسير السمرقندي (٣/ ٢٧٠)، البيان في عدِّ آي القرآن (ص: ٢٢٧)، تفسير البغوي (٧/ ٢٥١)].\n(٥) انظر: النكت والعيون (٥/ ٢٧٠) [وقد حكم الماوردي على هذه الرواية بالشُّذوذ]، المحرر الوجيز (٥/ ٩١)، زاد المسير (٧/ ١٦٩).\n(٦) انظر: المصادر السابقة.\n(٧) في أول سورة غافر (ص: ١٩٠).\n(٨) \" أي \" ساقطة من (أ).\n(٩) في (ب) \" للحقِّ ولإقامة الحق \".\n(١٠) \" أي \" ساقطة من (أ).","vol":"1","page":2824},{"text":"وقيل: بالصدق، وقيل: إلا للبعث.\n﴿وَأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أي: خلقه مقرونًا بأجلٍ مُسَمَّىً إلى وقت معلوم قد سَمَّاه، وإن كان قد طوى علمه عن عباده.\nوقيل: هو الأجل المخلوق لكل مَقدور.\nالمُبَرِّد: ما خلقناهما (١) إلا بأجل مُسَمَّى، والأجل المُسَمَّى قوله: ﴿فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ ... [الأعراف: (٤٥) وغيرها] (٢).\n﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بالآخرة ﴿عَمَّا أُنْذِرُوا﴾ به وهو الجزاء يوم المعاد.\n﴿مُعْرِضُونَ (٣)﴾ لا يتفكرون، وقيل: أعرضوا بعدما قامت عليهم الحُجَّة.\n﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: تدعونه إلهًا، وقيل: تعبدونه من الأصنام، وقيل: الملائكة والجن وعيسى.\n﴿أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾ هل خلق واحد منهم شيئًا من الأرض؟.\n﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ أي: في خلقها ومُلكها.\n﴿ائْتُونِي بِكِتَابٍ﴾ أنزله الله تعالى فيه برهانُ (٣) ما تدعون، أي: التوراة والإنجيل والزَّبور وسائر كُتبه.\n﴿مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ قبل القرآن.\n_________\n(١) في (أ) \" ما خلقناهم \".\n(٢) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٠٩١).\n(٣) في (ب) \" وفيه \".","vol":"1","page":2825},{"text":"﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ رواية، تقول: أثره يأثره، وخبر مأثور، وجاء في الأثر. تريد (١) ما كانت العرب تعلم بعض الأشياء به من القيافة والزَّجر والطَّرق مما كانوا يأثرونه عن أسلافهم ويعدونه علمًا، وإن لم يكن فيه ما يوجب الوثيقة.\nوقيل: الأثارة: البقية، تقول العرب: سمَّنت الإبل على أثارة، أي: بقية من الشَّحم، وقيل: أثارة، أي: ميراث من علم، وقيل: خاصَّة من علم، وقيل: بيِّنة.\nوقيل: مناظرة من علم، لأنَّ المناظرة في العلم مثيرة لمعانيه، ولعل هذا على (٢) من قرأ ... ﴿إثارة﴾ (٣) بالكسر.\nوقيل: اجتهاد بعلمٍ، وقيل: هو إسناد الحديث، وقُرئ في الشَّواذ على وجوه (٤)، ومعانيها قريبٌ (٥) بعضها من بعض (٦) (٧).\n﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤)﴾ أي: إن صدقتم في دعواكم فأتوني به.\nورُوي مرفوعًا في قوله: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾: أنَّه الخَطُّ \" (٨).\n_________\n(١) \" تريد \" ساقطة من (ب).\n(٢) \" على \" ساقطة من (أ).\n(٣) وهي قراءة الحسن [انظر: شواذ القراءات (ص: ٤٣٥)].\n(٤) انظر: المحتسب (٢/ ٣١٢)، إعراب القرآن؛ للنَّحاس (٤/ ١٠٤)، شواذ القراءات (ص: ٤٣٥).\n(٥) \" قريب \" ساقطة من (ب).\n(٦) انظر: مجاز القرآن (٢/ ٢١٢)، معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ٥٠)، جامع البيان (٢٦/ ٢)، معاني القرآن؛ للزجاج (٤/ ٣٣٣)، النكت والعيون (٥/ ٢٧١).\n(٧) قول المؤلف: \"ومعانيها قريبٌ بعضها من بعض \" هو قول أبي جعفر النَّحاس أيضًا حيث قال: \" وهذه الأقوال متقاربة؛ لأنَّ البقية هو شيء يؤثر، ومعروف في اللغة أن يقال: سَمَّنْتُ الناقة على أثارة، أي: على بقية من سمنٍ \" [معاني القرآن (٦/ ٤٣٨)]، واختار ابن جرير أنَّ المعنى هو البقية من علمٍ، إذ يقول: \" وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: الأثارة البقية من علمٍ، لأنَّ ذلك هو المعروف من كلام العرب، وهي مصدر من قول القائل: أَثَرَ الشَّيءَ أَثَارةً، مثل: سَمِجَ سَمَاجة، وقبح قباحة، كما قال راعي الإبل:\nوذات أثارةٍ أَكَلَتْ عليها ... نباتًا في أكِمَّتِه قَفَارًا\nيعني: وذات بقية من شحم، فأمَّا من قرأه ﴿أو أثرة﴾ فإنه جعله أثرة من الأثر، كما قيل: قَتَرَةٌ وغُبْرَةٌ. [جامع البيان (٢٦/ ٣)].\n(٨) أخرجه الحاكم في مستدركه (٢/ ٤٥٤) في كتاب التفسير - سورة الأحقاف - عن عبد الله بن عباسٍ - ﵄ -، وقال: \" هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقد أسند عن الثوري من وجه غير معتمد \" ووافقه الذهبي.","vol":"1","page":2826},{"text":"وقال: \" كان نبي من الأنبياء يخطُّ فمن صادف مثل خطِّه علم \" (١).\nوروى القَفَّال: \" أنَّ نبيًا كان يخطُّ فمن صادف مثل خطِّه علم \" (٢).\nقال أبو سليمان (٣) في غريبه عن ابن الأعرابي (٤) قال: \" يأتي صاحب الحاجة إلى الحازي فيعطيه حُلوانًا (٥) وهو جعْله فيقول له: أقعد حتى أخط لك، قال: وبين يدي الخازي غلام معه ميل ثمّ يأتي إلى أرض رُخوة فيخطّ خُطُوطًا كثيرة بالعجلة لئلا يلحقها العدد، قال: ثُمَّ يرجع فيمحوا على مهلٍ خطَّين خطَّين فإن بقي منهما خطَّان فهما علامة النَّجاح (٦).\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٢١٥) عن عطاء بن يسار، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ١٩٢)\nعن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" قد كان نبي من الأنبياء يخط فمن وافق خطه ذلك الخط علم، وقال: \"رواه البزار عن شيخه أبي الصباح محمد بن الليث، وأبو الصباح محمد بن الليث ذكره ابن حبان في الثقات، وقال يخطئ ويخالف \"، وبقية رجاله رجال الصحيح \".\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) أبو سليمان: حمد بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب البستي، أبو سليمان الخطابي؛ كان فقيهًا أديبًا مُحَدِّثًا له التصانيف البديعة منها: \" غريب الحديث \"، و\" معالم السنن في شرح سنن أبي داود \"، و\" أعلام السنن في شرح البخاري \"، وكتاب \" شأن الدعاء \"، وكتاب \" إصلاح غلط المحدثين \" وغير ذلك، وكان يُشَبَّه في عصره بأبي عبيد القاسم بن سلام علمًا وأدبًا وزهدًا وورعًا وتدريسًا وتأليفًا، وكانت سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة للهجرة بمدينة بُست. [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: وفيات الأعيان (٢/ ٢١٤)، سير أعلام النبلاء (١٧/ ٢٣)].\n(٤) ابن الأعرابي هو: محمد بن زياد بن الأعرابي الهاشمي، مولاهم، أبو عبد الله ابن الأعرابي الكوفي إمام اللغة، وكان راوية لأشعار القبائل ناسبًا، وكان أحد العالمين باللغة المشهورين بمعرفتها، يقال: لم يكن في الكوفيين أشبه برواية البصريين منه، وهو ربيب المفضل الضبي، قال عنه الأزهري: \" ابن الأعرابي صالح زاهد وَرِعٌ صَدُوق، حفظ ما لم يحفظه غيره، وسمع من بني أسد، وبني عقيل فاستكثر، وصحب الكسائي في النحو \"، وقال الذَّهبي: \" له مصنفات كثيرة أدبية، وتاريخ القبائل، وكان صاحب سُنَّة واتِّباع \"، تُوفِّي بسامُرَّاء سنة إحدى وثلاثين ومائتين للهجرة. [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: وفيات الأعيان (٤/ ٣٠٦)، سِير أعلام النبلاء (١٠/ ٦٨٧)].\n(٥) الحُلْوان وهو ما يُعطاه الكاهن ويجعل له على كهانته، تقول: منه حَلَوْتُه أَحْلوه حُلوانًا إذا حَبَوْته. [انظر: كتاب العين (٣/ ٢٩٥) مادة \" حَلَوَ \"، لسان العرب (١٦٤/ ١٩١) مادة \" حَلَا \"].\n(٦) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٠٩٢)، لسان العرب (٧/ ٢٨٧) مادة \" خَطَطَ \".","vol":"1","page":2827},{"text":"وكانت العرب تُسمِّي ذينك الخطين ابني عيان فيقول الحازي (١): ابني عيان (٢) أسرعا البيان، وإن بقي خطٌّ واحدٌ فهو علامة الخيبة (٣).\nابن عباس - ﵄ -: \" قال: الخطُّ الذي يَخطُّه الحازي (٤) علمٌ قَديم تركه الناس \" (٥).\n﴿وَمَنْ أَضَلُّ﴾ أيْ: أيُّ أحدٍ أبين ضلالًا؟، والمعنى: لا أحد أشد ضلالًا.\n﴿مِمَّنْ يَدْعُو﴾ يَعبد، وقيل: يطلب ويسألُ (٦).\n﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ أي: يسأل شيئًا لو دعاه إلى يوم القيامة لم يستجب له دعاءه، ولا كان عنده معونة، والمعنى: لا يستجيب أبدًا.\n﴿وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥)﴾ قيل: هي الأصنام التي هي جماد فأجراها مجرى العقلاء في الإخبار على زعمهم (٧).\nوقيل: هم الملائكة والجن، وهم مشتغلون عنهم غير عالمين بعبادتهم.\nوقيل: قوله ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ استبعاد كما ذكرت.\nوقيل: غاية؛ لأنَّ المعبود يُجيب العابد يوم القيامة، كما جاء في القرآن في مواضع نحو: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البقرة: (١٦٦)]، ونحو قوله: ﴿رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ﴾ [ق: (٢٧)]، ونحو قوله: ﴿يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ﴾ [العنكبوت: (٢٥)]، ويقويه قوله عقبه:\n_________\n(١) في (ب) \" الخازي \".\n(٢) في (أ) \" يا بني عيان \".\n(٣) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٠٩٢)، لسان العرب (٧/ ٢٨٧)، مادة \" خَطَطَ \".\n(٤) في (ب) \" الخازي \".\n(٥) انظر: لسان العرب (٧/ ٢٨٧)، مادة \" خَطَطَ \".\n(٦) \" ويسأل \" ساقطة من (أ).\n(٧) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢١٩)، معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ٥٠)، جامع البيان (٢٦/ ٤).","vol":"1","page":2828},{"text":"﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً﴾ أي: المعبودين للعابدين (١) أعداء.\nوقيل: العابدون للمعبودين أعداء.\n﴿وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (٦)﴾ كقوله: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)﴾ ... [الأنعام: (٢٣)]، وقيل: كان المعبودون كافرين لم يشكروهم عليها بل ذمُّوهم.\n﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾ واضحات الدلائل، وهي القرآن.\n﴿قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧)﴾ أي: لا حقيقة له يوهم إذا قرع السَّمع أنَّه شيء لا أصل له، وقيل: هذا سحر، أي: كلام منظوم نظمًا دقيقًا يأخذ القلوب كما يقال: هو السِّحر الحلال.\n﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ اختلقه محمد - ﷺ -، وأضافه إلى الله كذبًا.\n﴿قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ أي: إن كذبت على الله كما زعمتم فلا تملكون دفع عذابه عنِّي ولا نفع لي من قبلكم.\n﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ الله أعلم بما تقولون فيما بينكم وبما ترمونني به وتخوضون فيه (٢).\n﴿كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ أي: هو شاهدي على صدق ما أدعوكم إليه؛ إذ هو المرسِل إليكم.\n﴿وَهُوَ الْغَفُورُ﴾ لمن تاب من شِركه وأسلم.\n﴿الرَّحِيمُ (٨)﴾ لم يُعجِّل بالعقوبة.\nوقيل: معنى الآية: إن افتريته فقد أسأت إذًا الاختيار لنفسي (٣).\n_________\n(١) في (أ) \" أي: المعبودون للعابدين \".\n(٢) انظر: تفسير مجاهد (ص: ٥٩٣)، تفسير مقاتل (٣/ ٢١٩)، جامع البيان (٢٦/ ٥).\n(٣) في (أ) \" الاختيار نفسي \".","vol":"1","page":2829},{"text":"وقيل: معناه: إن افتريته فغاية ذلك إن أخدعنكم تتبعوني (١)، وما انتفاعي باتباعكم وأنتم لا تملكون دفع عذاب الله عنِّي.\n﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ البِدْع: ما لا سابق له، أي: لست بأول رسولٍ أرسله الله، ولا جئتكم بأمرٍ بديع لم يكن لي إلى مثله سابق (٢).\n﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي﴾ أي: في الدنيا؛ لأنَّ لله في الأنبياء أحكامًا يمتحنهم بها من جهة قومهم من إخراجٍ من البلد، أو قتلٍ، أو تعذيبٍ، أو إنجاء (٣) من هذه المحن، أو أمرٍ بالهجرة (٤)، أو بالمقاتلة مع القوم.\n﴿وَلَا بِكُمْ﴾ من خسفٍ أو مسخٍ أو رجفةٍ أو تغريقٍ أو إهلاكٍ بريحٍ أو قتلٍ أو أخذ جزيةٍ (٥) أو كفرٍ أو إيمانٍ (٦).\n﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ ولم يوح إليَّ في هذا الباب شيء.\n﴿وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٩)﴾ اقتصر على ما قصرني الله عليه من الإنذار لكم.\nوقيل: لا أدري ما أُؤمر به (٧) ولا ما تُؤمرون به.\nوقيل: كان هذا قبل نزول: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ [سورة الفتح: (٢)]، ثُمَّ نُسِخ به فعلم بعد ذلك ما يُفعل به (٨).\n_________\n(١) في (ب) \" أي: أخدعكم فتتبعوني \".\n(٢) انظر: مجاز القرآن (٢/ ٢١٢)، جامع البيان (٢٦/ ٥)، لسان العرب (٨/ ٦) مادة \" بَدَعَ \".\n(٣) في (ب) \" أو إلجاء \".\n(٤) في (أ) \" أو أمرًا بالهجرة \".\n(٥) في (أ) \" وأخذ جزية \".\n(٦) انظر: جامع البيان (٢٦/ ٦)، معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ٤٤١)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢٧١)، النكت والعيون (٥/ ٢٧٢)، تفسير القرآن العظيم (٤/ ١٦٧).\n(٧) \" به \" ساقطة من (أ) \".\n(٨) أخرج الطبراني في المعجم الأوسط (٧/ ٢٦) عن قتادة في قوله: ﴿مَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ قال قد علم نبي الله - ﷺ - بعد ذلك ما يفعل به حين أنزل الله ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١)﴾ [الفتح: (١)] قال همام فحدثنا عن أنس بن مالك أنَّ نبي الله - ﷺ - لما أنزلت عليه هذه الآية قال: \" لقد أنزلت عليَّ آية أحبُّ إليَّ من الدنيا جميعًا، فلما تلا نبي الله - ﷺ - قال رجل من القوم هنيئًا لك يا نبي الله قد بَيِّنَ الله لك ما يفعل بك فماذا يفعل بنا؟ فأنزل الله ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [الفتح: (٥)] الآية لم يرو هذا الحديث عن همام إلا عبد الله بن محمد بن المغيرة \"، وأمَّا القول بالنَّسخ، فقد رواه غير واحدٍ [انظر: الناسخ والمنسوخ؛ للسدوسي (ص: ٤٦)، تفسير مقاتل (٣/ ٢٢٠)، جامع البيان (٢٦/ ٧)، الناسخ والمنسوخ؛ للنحاس (ص: ٦٦٤)، النكت والعيون (٥/ ٢٧٢)، تفسير السمعاني (٥/ ١٥١)، تفسير القرآن العظيم (٤/ ١٦٧)]\nوأنكر هذا أبو جعفر النَّحاس، وقال: \" قال أبو جعفر: فمحالٌ أن يكون في هذا ناسخ ولا منسوخ من جهتين: إحداهما: أنَّه خبر.\nوالآخر: أنَّ من أول السورة إلى هذا الموضع فيه خطاب للمشركين، واحتجاج عليهم وتوبيخ لهم فوجب أن يكون هذا أيضا خطابا للمشركين، كما كان ما قبله وما بعده، ومحال أن يقول - ﷺ - للمشركين: وما أدري ما يفعل بي ولا بكم في الآخرة، ولم يزل - ﷺ - من أول مبعثه إلى وفاته يخبر أنَّ من مات على الكفر مخلد في النار، ومن مات على الإيمان واتبعه وأطاعه فهو في الجنة، فقد رأى - ﷺ - ما يفعل به وبهم في الآخرة، وليس يجوز أن يقول لهم ما أدري ما يفعل بي ولا بكم في الآخرة فيقولوا كيف نتبعك وأنت لا تدري أتصير إلى خفض ودعة أم إلى عذاب وعقاب؟ والصحيح في معنى الآية قول الحسن \". [الناسخ والمنسوخ؛ للنحاس (ص ٦٦٥)].","vol":"1","page":2830},{"text":"وقيل: لا يجوز أن يقول الرَّسول: ما أدري ما يُفعل بي ولا بكم، بل سبب ذلك \" أنَّه رأى في المنام أن يتحول إلى أرضٍ ذات نخلٍ وشجر وماء فأخبرَ أصحابه بها فلمَّا بطؤَ حصول ذلك راجعوه في ذلك، فنزلت الآية \" (١).\nوقال ابن بحر: \" معنى قوله: ﴿مَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ أي (٢): لا أدّعي علم ذلك ولا معرفة ما يفعله بي ولا بكم (٣) من الإحياء والإماتة والنِّعمة والجدب، وسائر ما ينفع ويضرّ إلا أن يُوحى إليَّ في ذلك شيء فأتَّبعه \" (٤)، وهذا أحسن الأقوال (٥)، ومثله: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ [الأعراف: (١٨٨)].\n_________\n(١) أخرجه قتادة السدوسي عن الكلبي في الناسخ والمنسوخ (ص: ٤٧)، وأورده أبو الليث في تفسير السمرقندي (٣/ ٢٧١)، وأورده الماوردي في النكت والعيون (٥/ ٢٧٢)، والواحدي في أسباب النزول (ص: ٣١٣)، والكرماني في غرائب التفسير (٢/ ١٠٩٢).\n(٢) \" أي \" ساقطة من (ب) \".\n(٣) في (ب) \" بي وبكم \".\n(٤) غرائب التفسير (٢/ ١٠٩٣).\n(٥) وهذا القول هو اختيار ابن جرير وابن كثير، قال ابن جرير: \" وأولى الأقوال في ذلك بالصحة وأشبهها بما دل عليه التنزيل القول الذي قاله الحسن البصري الذي رواه عنه أبو بكر الهذلي، وإنما قلنا ذلك أولاها بالصواب؛ لأنَّ الخطاب من مبتدأ هذه السورة إلى هذه الآية، والخبر خرج من الله ﷿ خطابًا للمشركين وخبرًا عنهم وتوبيخًا لهم واحتجاجًا من الله تعالى ذكره لنبيه - ﷺ -، فإذا كان ذلك كذلك فمعلوم أنَّ هذه الآية أيضًا سبيلها سبيل ما قبلها وما بعدها في أنها احتجاج عليهم وتوبيخ لهم أو خبر عنهم، وإذا كان ذلك كذلك فمحال أن يقال للنبي - ﷺ -: قل للمشركين ما أدري ما يفعل بي ولا بكم في الآخرة؟ وآيات كتاب الله ﷿ في تنزيله ووحيه إليه متتابعة بأن المشركين في النار مخلدون، والمؤمنون به في الجنان منعمون، وبذلك يرهبهم مرة ويرغبهم أخرى، ولو قال لهم ذلك لقالوا له: فعلام نتبعك إذن وأنت لا تدري إلى أي حال تصير غدًا في القيامة إلى خفض ودعة أم إلى شدة وعذاب، وإنما اتباعنا إياك إن اتبعناك وتصديقنا بما تدعونا إليه رغبة في نعمة وكرامة نصيبها أو رهبة من عقوبة وعذاب نهرب منه، ولكنَّ ذلك كما قال الحسن، ثم بين الله لنبيه - ﷺ - ما هو فاعل به وبمن كذَّب بما جاء به من قومه وغيرهم \" [جامع البيان (٢٦/ ٨)]، وقال ابن كثير: \" قال أبو بكر الهذلي عن الحسن البصري في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ قال: أمَّا في الآخرة فمعاذ الله، وقد علم أنه في الجنة، ولكن قال: لا أدري ما يفعل بي ولا بكم في الدنيا، أُخرج كما أخرجت الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - من قبلي، أم أقتل كما قتلت الأنبياء من قبلي، ولا أدري أيخسف بكم أو ترمون بالحجارة، وهذا القول هو الذي عوَّل عليه ابن جرير، وأنه لا يجوز غيره، ولا شك أنَّ هذا هو اللائق به - ﷺ -، فإنه بالنسبة للآخرة جازم أنَّه يصير إلى الجنة هو ومن اتبعه، وأمَّا في الدنيا فلم يدر ما كان يؤول إليه أمره وأمر مشركي قريش إلى ماذا أيؤمنون أم يكفرون فيعذبون فيستأصلون بكفرهم؟ \" [تفسير القرآن العظيم (٤/ ١٦٧)].","vol":"1","page":2831},{"text":"﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ﴾ أي: أخبروني ﴿إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ أي: القرآن.\nوقيل: محمد - ﷺ -.\n﴿وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ الجمهور أنَّه عبد الله بن سَلام - ﵁ - (١)، والآية مدنية (٢)، وذلك أنَّه جاء إلى النَّبي - ﷺ -، وقال: اجعلني يا رسول الله حكمًا بينك وبين\n_________\n(١) عبد الله بن سلام بن الحارث الإسرائيلي، ثم الأنصاري، يكنى أبا يوسف الإسرائيلي، حليف الأنصار، وهو من ولد يوسف بن يعقوب - ﵉ -، وكان اسمه في الجاهلية \" الحصين \"، فلما أسلم سمَّاه رسول الله - ﷺ - ... عبد الله، وكان إسلامه لما قدم النبي - ﷺ - المدينة مهاجرًا، وقد شهد له النبي - ﷺ - بالجنة، وكان حبرًا قبل أن يُسْلم، وكان من فقهاء الصحابة وعلمائهم بالكتب، وقد تُوفي - ﵁ -، بالمدينة في خلافة معاوية سنة ثلاث وأربعين للهجرة. [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: مشاهير علماء الأمصار (ص: ٢٢)، الاستيعاب (٣/ ٥٣)، سير أعلام النبلاء (٢/ ٤١٣)].\n(٢) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٢١)، تفسير الصنعاني (٣/ ٢١٥)، معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ٥١)، النكت والعيون (٥/ ٢٧٣)، تفسير الواحدي (٢/ ٩٩٥)، تفسير السمعاني (٥/ ١٥١) - وفيه يقول: \" هو المشهور \" -، تفسير البغوي (٧/ ٢٥٤)، المحرر الوجيز (٥/ ٩٤)، زاد المسير (٧/ ١٧١).","vol":"1","page":2832},{"text":"اليهود، فسألهم عنه، أي رجل هو فيكم؟ فقالوا: سيدنا وابن سيدنا وعالمنا وابن عالمنا (١)، ... [عبد الله بن سلام] (٢)، قال: فإنَّه قد آمن بي \" (٣).\nالشَّعبي - في جماعة -: \" ليس بعبد الله (٤)؛ لأنَّ السُّورة مكِّية، وإنَّما أسلم ابن سلامٍ بالمدينة \" (٥).\nوقالوا: الشاهد من بني إسرائيل هو موسى - ﵇ -، وشهادته هو ما في التوراة من نعت محمد - ﷺ - وبعثته (٦).\n_________\n(١) في (ب) \" سيدنا وعالمنا \".\n(٢) ما بين المعقوفتين ساقط من (ب).\n(٣) أخرجه البخاري في صحيحه (بنحوه) في كتاب مناقب الأنصار، باب هجرة النبي - ﷺ - وأصحابه إلى المدينة، برقم (٣٩١١)، عن أنس بن مالك - ﵁ -.\n(٤) في (ب) \" ليس عبد الله \".\n(٥) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (٢٦/ ٩)، وأورده النَّحاس في معاني القرآن (٦/ ٤٤٢)، وفي إعراب القرآن (٤/ ١٠٦)، وأبو الليث في تفسير السمرقندي (٣/ ٢٧٢).\n(٦) وهو رأي مسروق بن الأجدع، ورجَّحه ابن جرير وابن عطية وابن كثير، قال ابن جرير: \" والصواب من القول في ذلك عندنا أنَّ الذي قاله مسروق في تأويل ذلك أشبه بظاهر التنزيل؛ لأنَّ قوله ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ في سياق توبيخ الله - تعالى- ذكره مشركي ... قريش، واحتجاجًا عليهم لنبيه، وهذه الآية نظيرة سائر الآيات قبلها، ولم يجر لأهل الكتاب ولا لليهود قبل ذلك ذِكرٌ فتوجَّه هذه الآية إلى أنها فيهم نزلت، ولا دلَّ على انصراف الكلام عن قصص الذين تقدَّم الخبر عنهم معنى، غير أنَّ الأخبار قد وردت عن جماعة من أصحاب رسول الله - ﷺ - بأنَّ ذلك عُنِيَ به عبد الله بن سلام، وعليه أكثر أهل التأويل، وهم كانوا أعلم بمعاني القرآن، والسبب الذي فيه نزل، وما أريد به، فتأويل الكلام إذ كان ذلك كذلك، وشهد عبد الله بن سلام، وهو الشاهد من بني إسرائيل على مثله، يعني على مثل القرآن، وهو التوراة، وذلك شهادته أنَّ محمدًا مكتوب في التوراة أنَّه نبي تجده اليهود مكتوبا عندهم في التوراة، كما هو مكتوب في القرآن أنَّه نَبِيٌّ \". [جامع البيان (٢٦/ ١٢)].\nوقال ابن عطية: \" وقال مسروق بن الأجدع والجمهور، الشاهد: موسى بن عمران - ﵇ -، والآية مكية، ورجحه الطبري \". [المحرر الوجيز (٥/ ٩٤)].\nوقال ابن كثير: \" وهذا الشاهد: اسم جنس يَعُمُّ عبد الله بن سلام - ﵁ - وغيره، فإنَّ هذه الآية مكية نزلت قبل إسلام عبد الله بن سلام - ﵁ -، وهذه كقوله ﵎: ﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آَمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣)﴾ [القصص: (٥٣)] وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨)﴾ [الإسراء: (٧ - ٨)] ... \" [تفسير القرآن العظيم (٤/ ١٦٨)].","vol":"1","page":2833},{"text":"قوله: ﴿عَلَى مِثْلِهِ﴾ على مثل (١) ما شهد عليه القرآن ومحمد - ﷺ -.\n﴿فَآَمَنَ﴾ أي: الشاهد ﴿وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ عن الإيمان.\nوقيل: وشهد موسى - ﵇ - على (٢) مثل القرآن فآمن به بنوا إسرائيل وكفرتم يا معشر العرب بمحمدٍ - ﷺ - والقرآن.\nالفرَّاء: \" أي: شهد رجلٌ من اليهود على مثل ما شهد به عبد الله بن سلام، فآمن ذلك الرجل واستكبرتم \" (٣).\nوفي بعض التفاسير: الرَّجل يامين بن يامين (٤)، وكان أسلم قبل عبد الله بن سلام، ثُمَّ أسلم ابن سلامٍ فشهد على مثل ما شهد عليه يامين (٥).\nوقيل: على مثل شهادة الله، وقيل: شهادة محمد - ﷺ -، وقيل: شهادة القرآن.\nوقيل: في الآية تقديم وتأخير، تقديره: \" إن كان من عند الله، وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم وكفرتم به \".\nوجواب: ﴿إِنْ كَانَ﴾ مُقدَّر تقديره: أليس قد ظلمتم، فحذف؛ لأنَّ قوله ﴿إِن اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠)﴾ يدل عليه.\n_________\n(١) \" مثل \" ساقطة (أ).\n(٢) \" على \" ساقطة (أ).\n(٣) معاني القرآن (٣/ ٥١).\n(٤) يامين بن يامين الإسرائيلي، أبو كعب النضيري، من مسلمي أهل الكتاب، وقد اختلف في اسم أبيه، فقيل: هو يامين بن عُمَير بن كعب بن عمرو بن جحاش، من بني النضير، أسلم وأحرز ماله، وحسن إسلامه، ولم يحرز ماله من بني النضير غيره وغير أبي سعيد بن عمرو بن وهب، وكان - ﵁ - من كبار الصحابة، ولم أقف على تاريخ وفاته. ... [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: الاستيعاب (٤/ ١٥١)، أسد الغابة (٥/ ٤٣٤)، الإصابة (٦/ ٥٠٢)].\n(٥) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٢١)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢٧٢)، النكت والعيون (٥/ ٢٧٣)، تفسير السمعاني (٥/ ١٥١).","vol":"1","page":2834},{"text":"وقيل: جوابه فمن أضلُّ (١) منكم، وقيل: أتؤمنون به؟ (٢)، وقيل جوابه: أتأمنون عُقوبة الله؟ .\n﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا﴾ اللام لام العلة، أي: لأجلهم.\nوقيل: هو كقولك: قلت له، والوجه هو الأول.\nقيل: المراد بـ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: اليهود (٣)، قالوا: ﴿لَوْ كَانَ﴾ ما أتى به محمد.\n﴿خَيْرًا﴾ أي: صدقًا وحقًَّا.\n﴿مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ ولكنَّا أسرع إلى قبوله من الذين آمنوا؛ لأنَّا أرباب العلم والكتاب.\nوقيل: المراد بهم مشركو العرب، وذلك أنه لما أسلمت جُهَينة (٤) ومُزَينة (٥) وأَسْلَم (٦) وغِفَار (٧)،\n_________\n(١) في (أ) \" من أضلُّ \".\n(٢) في (أ) \" أيؤمنون \".\n(٣) انظر: جامع البيان (٢٦/ ١٣)، معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ٤٤٥) تفسير الثعلبي (٩/ ١٠)، تفسير البغوي (٧/ ٢٥٦). قال ابن جرير: وهذا التأويل على مذهب من تأول قوله: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أنَّه معنِيٌّ به عبد الله بن سلام، فأمَّا على تأويل من تأول أنه عُنِيَ به مشركو قريش فإنه ينبغي أن يوجه تأويل قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ أنه عني به مشركو قريش، وكذلك كان يتأوله قتادة، وفي تأويله إياه كذلك ترك منه تأويله قوله: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ أنه معنيٌّ به عبد الله بن سلام \". [جامع البيان (٢٦/ ١٢)].\n(٤) جُهَينة: وهي قبيلة من قُضاعة نسبة إلى جهينة زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة، نزل كثيرٌ من بنيه بعد الإسلام، إلى الكوفة والبصرة وصعيد مصر، وبعضهم في بلاد إخميم وحلب وغيرها من البلاد الشامية، ولا يزال منهم كثيرون الآن على شاطئ البحر الأحمر، من جنوبي ديرة (بلى) إلى جنوبي ينبع. [انظر: الأنساب؛ للسمعاني (٢/ ١٣٤)، الأعلام (٢/ ١٤٢)].\n(٥) مُزَيْنَةُ: قبيلة عربية معروفة من مُضَر، نسبة إلى مزينة بن أدّ بن طابخة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، واسم مزينة عمرو، وإنما سمي باسم أمه مزينة بنت كلب بن وبرة، وولدت هي عثمان وأوسًا ابني عمرو بن أدّ ... ابن طابخة بن إلياس بن مضر، وكانت منازلهم في جبال (رضوى) وما حولها. [انظر: الأنساب؛ للسمعاني (٥/ ٢٧٧)، لسان العرب (١٣/ ٤٠٦)، مادة \" مَزَنَ \"، الأعلام (٧/ ٢١٢)].\n(٦) أَسْلَم: قبيلة من مضر، نسبة إلى أسلم بن أفصى - بالصاد المهملة - بن عامر، من بني إلياس بن مضر، دخل بنوه في خزاعة. [انظر: الأنساب (١/ ١٥١)، الأعلام (١/ ٣٠٤)].\n(٧) غِفَار: بطن من بطون كِنانة، وهذه النِّسبة إلى غفار بن مليل بن ضمرة (بن بكر) بن عبد مناة بن كنانة ... ابن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار. [انظر: الأنساب (٤/ ٣٠٤)، الأعلام (٥/ ١٢١)].","vol":"1","page":2835},{"text":"قالت بنو عامر (١) وغَطَفَان (٢) وأَسَد (٣) وأَشْجَع (٤): لو كان ما دخل فيه هؤلاء من الدِّين (٥) خيرًا ما سبقونا إليه، ونحن أرفع منهم حالًا وأكثر مالًا وهؤلاء رُعاة الغنم (٦).\n﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ (١١)﴾ كذب مثل كذب عيسى - ﵇ -.\nوقيل: هو كقولهم: ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الأنعام: (٢٥)، وغيرها]، ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ [يونس: (٣٩)].\n_________\n(١) بنو عامر: ينسبون إلى ثلاثة رجال: منهم: عامر بن لؤي.\nوالثاني: منسوب إلى عامر بن عدي بن تجيب.\nوالثالث: منسوب إلى عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر، من قيس عيلان، من مُضَر، وبنوه بطون كثيرة: ربيعة، وفيه البيت والعدد؛ وهلال؛ ونمير؛ وسواءة، وهم المقصودون هنا. [انظر: الأنساب (٤/ ١١٣)، الأعلام (٣/ ٢٥١)].\n(٢) غَطَفَان: قبيلة من مُضَر، نسبة إلى غطفان بن سعد بن قيس عيلان، من مضر، من العدنانية، بنوه بطون كثيرة ترجع أنسابها إلى ابنيه \" أعصر \" و\" ريث \" وكانت منازل غطفان، فيما يلي وادي القرى وجبلي طيئ، وصنمهم في الجاهلية \" العُزى \" وهي شجرة عندها وثن، قطعها خالد بن الوليد وكسر الوثن.\n[انظر: الأنساب (٤/ ٣٠٢)، لسان العرب (٩/ ٢٦٩)، مادة \" غَطَفَ \"، الأعلام (٥/ ١٢٠)].\n(٣) أَسَدُ: وهو اسم لعدد من القبائل، والمقصود هنا: المنتسبون لأسد بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر، وكانت بلادهم في نجد، ثم تفرقوا وتكاثروا في شمال شبه الجزيرة، وراء جبال شمر، ونزل جماعات منهم بين البصرة والكوفة، وفي الكوفة نفسها، في حي خاص بهم، وقطن آخرون منهم بلدة (سطيف) غربي القيروان، في إفريقية. [انظر: الأنساب (١/ ١٣٨)، الأعلام (١/ ٢٩٧)].\n(٤) أَشْجَعُ: قبيلة من مُضَر، نسبة إلى أشجع بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس عيلان، وكانت منازل غطفان قبل الإسلام بنجد، ونزل بنو أشجع حول المدينة، ولم يبق منهم أحد في نجد. [انظر: الأنساب (١/ ١٦٥)، الأعلام (١/ ٣٣١)].\n(٥) في (ب) \" من الذين \".\n(٦) أخرجه عبد الرزاق (بنحوه) عن الحسن (٣/ ٢١٣)، وأورده الفراء في معاني القرآن (٣/ ٥١)، والزَّجاج في معاني القرآن (٤/ ٣٣٦)، والنَّحاس في معاني القرآن (٦/ ٤٤٥)، والثعلبي في تفسيره (٩/ ١٠)، والماوردي في النكت والعيون (٥/ ٢٧٤)، وأبو المظفر السمعاني في تفسيره (٥/ ١٥٢).","vol":"1","page":2836},{"text":"وأفاد دخول السِّين أنَّهم في المستقبل يقولون هذا القول أيضًا.\nقيل (١): الواو في ﴿وَإِذْ﴾ زيادة، وهو ظرفٌ لقوله: ﴿قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ثُمَّ استأنف فقال: ﴿فَسَيَقُولُونَ﴾ (٢).\n﴿وَمِنْ قَبْلِهِ﴾ أي: قبل القرآن ﴿كِتَابُ مُوسَى﴾ أي: التوراة.\n﴿إِمَامًا﴾ مقصدًا بالاتباع ﴿وَرَحْمَةً﴾ نعمةً ونجاة ﴿وَهَذَا﴾ أي: القرآن.\n﴿كِتَابٌ مُصَدِّقٌ﴾ أي: التوراة (٣).\nوفي مصحف ابن مسعود - ﵁ - ﴿مُصدق لما بين يديه﴾ (٤).\n﴿لِسَانًا﴾ حال من هذا، وقيل: من الضمير في ﴿مُصَدِّقٌ﴾، وقيل: مفعول به، والتقدير: مُصَدِّق ذا لسان عربي، وقيل: مُصَدِّق التَّوراة والإنجيل لسانًا (٥) (٦).\n﴿عَرَبِيًّا﴾ أي: يُصدِّقهما في هذه الحال.\n﴿لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ (٧) لينذر الكتاب، وقيل: الله، وقيل: محمد - ﷺ -.\n_________\n(١) في (أ) \" وقيل \".\n(٢) انظر: الكشاف (٤/ ٣٠٥)، وتعقبه ابن جزي في التسهيل (٤/ ٤٢) وقال: \" فإن قيل كيف تعمل ... ﴿فَسَيَقُولُونَ﴾ في ﴿إِذْ﴾ وهي للماضي والعامل مستقبل؟ فالجواب: أنَّ العامل في ﴿إِذْ﴾ محذوف تقديره: إذ لم يهتدوا به ظهر عنادهم، فسيقولون، قال ذلك الزمخشري، ويظهر لي أنَّ ﴿إِذْ﴾ إذ هنا بمعنى التعليل، لا ظرفية بمعنى الماضي، فلا يلزم السؤال، والمعنى: أنهم قالوا هذا إفك بسبب أنهم لم يهتدوا به، وقد جاءت ﴿إِذْ﴾ بمعنى التعليل في القرآن وفي كلام العرب ومنه: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ﴾ [الزخرف: (٣٩)]. أي: بسبب ظلمكم \".\n(٣) انظر: تفسير السمعاني (٥/ ١٣٥)، البحر المحيط (٩/ ٤٣٨).\n(٤) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ٥١)، جامع البيان (٢٦/ ١٤)، معاني القرآن؛ للنَّحَّاس (٦/ ٤٤٦).\n(٥) \"لسانًا \" ساقطة من (ب).\n(٦) انظر: جامع البيان (٢٦/ ١٣)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٤/ ٣٣٦)، إعراب القرآن؛ للنَّحاس (٤/ ١٠٧).\n(٧) في (ب) \" لتنذر \" وهي قراءة نافع وابن عامر.","vol":"1","page":2837},{"text":"﴿وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ (١٢)﴾ أي: هو بشرى، وقيل: وليبشِّرَ بشرى.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ جاء مَرفوعًا: \" أقامُوا عليه ولم يرجعوا عنه \" (١).\nوقيل: استقاموا على كلمة الإخلاص (٢)، وأداء الفرائض.\n﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ في القيامة.\n﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٣)﴾ عند الموت.\n﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٤)﴾.\n﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا﴾ (٣) أمرناه أن يُحسن إليهما إحسانًا.\n﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا﴾ أي: بالمشقة والصعوبة يريد حالة ثقل الحمل في بطنها، لا في ابتداء الحمل (٤).\n﴿وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ بالمشقة والصُّعوبة، الضَّمُّ والفتحُ (٥) لغتان (٦)، وقيل: الفتحُ المصدر والضَّمُّ الاسم، وقيل: الفتح المَّشقة، والضَّم: الإجبار.\n﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ﴾ أراد مُدَّة حمله وفصاله، وهو الفطام (٧) (٨).\n﴿ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ ذكر أقل الحمل، وهو ستة أشهر، ونهاية الرَّضاع، وهي حولان لقوله: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: (١٤)]، وما يزاد في أحدهما نقص (٩) من الآخر، وليس هذا حتمًا واجبًا، وللفقهاء فيه خلاف (١٠).\nوقال صاحب النَّظم: \" هذه الآية خاصَّة لرسول الله - ﷺ - وكان حمله ستَّة أشهر \" (١١).\n﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي﴾:\nقيل: نزلت في سعد بن أبي وقاص، وقد سبق (١٢).\nوفي سبب (١٣) النزول عن ابن عباس - ﵄ - في رواية عطاء أنَّها (١٤) نزلت في أبي بكر الصديق - ﵁ -، وذلك أنَّه صحب رسول الله - ﷺ - وهو ابن ثماني عشرة سنة، ورسول الله - ﷺ - ابن عشرين سنة، وهم يريدون الشام، فنزلوا منزلًا فيه سدرة فقعد رسول الله - ﷺ - في ظلِّ السِّدرة (١٥)، ومضى أبو بكر إلى راهبٍ هناك يسأله من الدِّين فقال له: من الرَّجل الذي في ظلِّ السِّدرة؟\nفقال أبو بكر (١٦) - ﵁ -: ذاك محمد بن عبد الله بن عبد المطلب.\nفقال: هذا والله نبيٌّ، فما استظَلَّ تحتها (١٧) أحدٌ بعد عيسى بن مريم إلا محمدٌ - صلى الله عليهما - (١٨) فوقع في قلب أبي بكر - ﵁ - اليقين والتَّصديق (١٩) فكان لا يكاد يفارق رسول الله\n_________\n(١) أورده الماوردي في النكت والعيون (٥/ ٢٧٥) عن أنس - ﵁ - مرفوعًا.\n(٢) في (ب) \" حكم الإخلاص \".\n(٣) في (ب) \" حسنا \". قرأ بها ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر بغير ألف.\n(٤) انظر: تفسير مجاهد (٢/ ٥٩٤)، تفسير مقاتل (٣/ ٢٢٢)، جامع البيان (٢٦/ ١٥)، النكت والعيون (٥/ ٢٧٦).\n(٥) في (أ) \" الفتح والضمُّ \".\n(٦) أي: للكاف في ﴿كُرْهًا﴾ \" فقد قرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي ﴿كُرْهًا﴾ بضم الكاف في الحرفين، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ﴿كَرْهًا﴾ بنصب الكاف في الحرفين. [انظر: جامع البيان (٢٦/ ١٥)، السبعة (ص: ٥٩٦)، معاني القراءات (ص: ١٢٢)، الحجة (٦/ ١٨٤)، التيسير (ص: ١٦١)].\n(٧) الفِطَام: يقال: فَطَمَتِ الصَّبِيَّ أُمُّهُ تَفْطِمُهُ أي: تَقْطَعُهُ عن الرَّضاع. [انظر: كتاب العين (٧/ ٤٤٢) مادة \" فَطَمَ \"، لسان العرب (١٢/ ٤٥٤) مادة \" فَطَمَ \"].\n(٨) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٢٢)، جامع البيان (٢٦/ ١٦)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٤/ ٣٣٧).\n(٩) في (أ) \" ينقص \".\n(١٠) انظر: أحكام القرآن؛ للجَصَّاص (٣/ ٥١٧)، النكت والعيون (٥/ ٢٧٦)، تفسير السمعاني (٥/ ١٥٤)، المحرر الوجيز (٥/ ٩٧)، المغني؛ لابن قدامة (١١/ ٢٣١)، الجامع لأحكام القرآن (١٦/ ١٨٨).\n(١١) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٠٩٤).\n(١٢) الآية (١٤) من سورة لقمان، والآية (٨) من سورة العنكبوت.\n(١٣) في (ب) \" في سبب \".\n(١٤) \" أنَّها \" ساقطة (ب).\n(١٥) في (ب) \" في ظلِّها \".\n(١٦) \" أبو بكر \" ساقط من (أ).\n(١٧) \" تحتها \" ساقطة من (أ).\n(١٨) في (ب) \"محمد نبيُّ الله \".\n(١٩) في (أ) \" والصدق \".","vol":"1","page":2838},{"text":"- ﷺ - في أسفاره وحضوره، فلمَّا نُبِّئ رسول الله - ﷺ - وهو ابن أربعين سنة، وأبو بكر - ﵁ - ابن ثمانٍ وثلاثين سنة، أسلم وصدَّق رسول الله - ﷺ -، فلمَّا بلغ أربعين سنة قال ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ﴾ الآية (١).\nقوله: ﴿أَشُدَّهُ﴾ قيل: حدُّ الإسلام، وبلوغ التَّكليف، وهو ثمان عشرة سنة، وبلغ أربعين سنة، وهو عند كمال حُجَّة الله عليه، ولهذا خصّ هذين الوقتين بالذِّكر.\nوالقول في ﴿أَشُدَّهُ﴾ قد سبق (٢).\n﴿قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي﴾ ألهمني، يقول: هو موزع بكذا، أي (٣): مولع به (٤).\nوقيل: أصله من المنع من الانصراف.\n﴿أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ﴾ ولم يكن في الصَّحابة (٥) من أسلم وأسلم والداه وأولاده إلا أبو بكر - ﵁ - (٦).\n﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي﴾ أي: في جماعة أولادي وتبعهم.\n﴿إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (١٥)﴾\n_________\n(١) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٠٩٤)، أسباب النزول، للواحدي (ص: ٣١٤)، زاد المسير (٧/ ١٧٤)، الجامع لأحكام القرآن (١٦/ ١٨٨).\n(٢) في الآية (٢٢) من سورة يوسف.\n(٣) \" أي \" ساقطة من (أ).\n(٤) انظر: مجاز القرآن (٢/ ٢١٢)، جامع البيان (٢٦/ ١٧)، النكت والعيون (٥/ ٢٧٧).\n(٥) في (ب) \" من الصَّحابة \".\n(٦) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٢٣)، تفسير الثعلبي (٩/ ١٢)، تفسير الواحدي (٢/ ٩٩٦).","vol":"1","page":2839},{"text":"﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا﴾ أي: الطاعة، والمباح لا يثاب عليه (١).\n﴿وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ (٢) أي: كبائرهم بالتوبة، وصغائرهم بالاستغفار (٣).\n﴿فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ﴾ أي: وعَدَ وعْدَ الصِّدق.\n﴿الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (١٦)﴾ أي: في الدنيا.\nومعنى ﴿الصِّدْقِ﴾ (٤) لا خُلف فيه.\n﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا﴾ مُبتدأ خبره ﴿أُولَئِكَ﴾ وهو واقع موقع الواحد، ﴿وَالَّذِي﴾ واقع موقع الجمع، وقيل: تقديره: واذكر الذي قال.\nذهب السُّدي: إلى أنَّ الآية نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر - ﵄ - (٥) قبل الإسلام، وأنَّه كان يقول لوالديه أبي بكر الصِّديق (٦) وأُمُّ رُوْمَان (٧): أفٍ لكما قذرًا ونتنًا، وهي لفظة استقذار وطرد (٨).\n_________\n(١) ولا يعاقب عليه أيضًا، [انظر: النكت والعيون (٥/ ٢٧٩)، وانظر - الكلام على المباح -: الواضح في أصول الفقه؛ لأبي الوفاء ابن عقيل (١/ ٢٨)، الموافقات؛ للشاطبي (ص: ٦٣)، إرشاد العقول (١/ ٢٦)].\n(٢) في النسختين \" ﴿يتقبل﴾ ﴿ويتجاوز﴾ \" قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر \" ﴿يتقبل﴾ ﴿ويتجاوز﴾ بالياء، وقرأ حفص عن عاصم وحمزة والكسائي ﴿نَتَقَبَّلُ﴾ ﴿وَنَتَجاوَزُ﴾ بالنون. ... [انظر: السَّبعة في القراءات (ص: ٥٩٧)، الحُجَّة (٦/ ١٨٤)].\n(٣) انظر: النكت والعيون (٥/ ٢٧٩).\n(٤) \" الذي \" ساقط من (أ).\n(٥) عبد الرحمن بن عبد الله - وهو أبو بكر الصديق - بن عثمان بن أبي قحافة القرشي التيمي، يُكنى أبا عبد الله، وقيل: أبو محمد، وأمه أم رومان، وشهد بدرًا وأحدًا مع الكفار، وكان شجاعًا راميًا حسن الرمي، وأسلم في هدنة الحديبية، وحسن إسلامه، وكان اسمه عبد الكعبة فسمَّاه رسول الله - ﷺ - عبد الرحمن، وشهد اليمامة مع خالد بن الوليد، فقتل سبعة من أكابرهم، وهو الذي قتل محكم اليمامة بن طفيل، رماه بسهم في نحره فقتله، وشهد وقعة الجمل مع أخته عائشة، وخرج إلى مكة قبل أن تتم البيعة ليزيد بن معاوية فمات بها بمكان اسمه حبشي على نحو عشرة أميال من مكة، وحمل إلى مكة فدفن بها، وكان موته - ﵁ - سنة ثلاث وخمسين، وقيل: سنة خمس وخمسين للهجرة، والأول أكثر. [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: مشاهير علماء الأمصار (ص: ٢١)، الاستيعاب (٢/ ٣٦٨)، أسد الغابة (٣/ ٤٦٢)].\n(٦) \" الصِّديق \" ساقط من (ب).\n(٧) أمُّ رُوْمان - ويقال: بفتح الراء وضمها - اختلف في اسمها، فقيل: زينب، وقيل: دعد بنت عامر بن عويمر ... ابن عبد شمس، من بني غنم بن مالك بن كنانة، امرأة أبي بكر الصديق، وأمُّ عائشة وعبد الرحمن بن أبي بكر ... - ﵃ -، وكانت قبل أبي بكر تحت عَبْد الله بن الحَارِث بن سَخْبَرة الأزدي، فولدت له الطفيل، وتوفي عنها، فخلف عليها حَلِيْفَه أبو بكر، فولدت له عائشة وعَبْد الرَّحْمَن، وتوفيت - ﵂ - في حياة ... رسول الله - ﷺ - سنة ست من الهجرة، فنزل رسول الله - ﷺ - في قبرها، واستغفر لها. [انْظُرْ تَرْجَمَتَهَا: الاستيعاب (٤/ ٤٨٩)، أسد الغابة (٧/ ٣٢٠)، الإصابة (٨/ ٣٩١)].\n(٨) انظر: النكت والعيون (٥/ ٢٧٩)، غرائب التفسير (٢/ ١٠٩٤)، الجامع لأحكام القرآن (١٦/ ١٩١).","vol":"1","page":2840},{"text":"وقيل: كلمة تبرُّم يُقصد بها إظهار السَّخط، وقُبح الرَّد، وقد سبق (١).\n﴿أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ﴾ أُبعث (٢).\n﴿وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي﴾ وقد تفانت الأُمم (٣)، فلم يرجع أحدٌ (٤) منهم إلى الدُّنيا ولا خرج من قبره (٥).\n﴿وَهُمَا﴾ أبواه.\n﴿يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ﴾ ويسألانه أن يُوفِّقه للإيمان (٦) ويقولان له: ﴿وَيْلَكَ آَمِنْ﴾ بالله والبعث.\n﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ﴾ بالبعث وثواب المؤمن وعقاب الكافر ﴿حَقٌّ﴾ صدقٌ.\n﴿فَيَقُولُ﴾ لهما (٧) ﴿مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٧)﴾ إلا أباطيل الأولين، أي: قد كتبها الأولون لا حقيقة لها.\n_________\n(١) في الآية (٢٣) من سورة الإسراء.\n(٢) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٢٤)، جامع البيان (٢٦/ ١٢)، النكت والعيون (٥/ ٢٧٩).\n(٣) في (أ) \" تفاتت الأمم \".\n(٤) \" أحدٌ \" ساقط من (ب).\n(٥) في (ب) \" من غيره \".\n(٦) في (ب) \" يوفقه الإيمان \".\n(٧) \" لهما \" ساقطة من (أ) \".","vol":"1","page":2841},{"text":"قال السُّدِّي: \"فاستجاب الله فيه دعوة أبي بكرٍ - ﵁ -، فأسلم وحسن إسلامه، ولقد رأيته وما بالمدينة أعبد منه، - قال-: \"ولمَّا أسلم نزلت فيه: \" ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ \" (١).\nوأنكر أكثر المُفسرين هذا؛ لِما رُوي عن عائشة ﵂ أنَّها قالت لمروان بن الحكم حين خطب ليزيد (٢) بالمدينة فأثنى على معاوية، وردَّ عليه عبد الرحمن، فقال مروان: هذا الذي قال لوالديه ﴿أُفٍّ لَكُمَا﴾: كذبت؛ فإنَّها نزلت في أبيك وأخيك \"، وفي رواية قالت: والله ما هو به ولو شئت لسمَّيته، ولكنَّ الله لعن أباكَ وأنت في صُلبه، فأنت ممن لعن الله \" (٣).\nقال الزَّجاج: \" يدل على أنَّها ليست في عبد الرحمن أنَّ الله تعالى أخبر بأنَّه من أهل النار في قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ \" (٤).\nقال (٥) مجاهد: \" نزلت في عبد الله بن أبي بكر - ﵁ - (٦) إلى آخر القصَّة \" (٧) (٨).\n_________\n(١) انظر: النكت والعيون (٥/ ٢٨٠)، غرائب التفسير (٢/ ١٠٩٥).\n(٢) يزيد بن معاوية بن أبي سفيان بن حرب بن أمية، أبو خالد، القرشي، الأموي، الدمشقي، ثاني ملوك الدولة الأموية في الشام، وولي الخلافة بعد وفاة أبيه سنة ستين للهجرة وأبى البيعة له عبد الله بن الزبير والحسين بن علي، له على هناته حسنة، وهي غزو القسطنطينية، وكان أمير ذلك الجيش وفيهم مثل أبي أيوب الأنصاري، قال الذَّهبي: ... \" ويزيد ممن لانَسُبُّه ولانُحِبُّه \"، توفي سنة أربع وستين للهجرة [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: سِيَرُ أعلام النُّبَلاء (٤/ ٣٥)، الأعلام (٨/ ١٨٩)].\n(٣) انظر: معاني القرآن، للزَّجاج (٤/ ٣٣٨) غرائب التفسير (٢/ ١٠٩٥)، تفسير السمعاني (٥/ ١٥٥)، تفسير البغوي (٧/ ٢٥٩)، المحرر الوجيز (٥/ ٩٩)، وحديث عاشة - ﵂ - وأصل الحديث في البخاري في كتاب التفسير، باب: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آَمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٧)﴾ برقم (٤٨٢٧). وأورده أبو الليث في تفسيره (٣/ ٢٧٥)، والثعلبي في تفسيره (٩/ ١٣)، قال الحافظ ابن حجر: \" نفي عائشة أن تكون نزلت في عبد الرحمن وآل بيته أصحُّ إسنادًا، وأولى بالقبول \" [فتح الباري (٩/ ٥٤٩)].\n(٤) معاني القرآن (٤/ ٣٣٨).\n(٥) \" قال \" ساقطة من (أ).\n(٦) عبد الله بن عبد الله بن عثمان، وهو عبد الله بن أبي بكر الصديق، وهو أخو أسماء بنت أبي بكر لأبويها، أمها قُتَيلة، من بني عامر بن لؤي، وهو الذي كان يأتي النبي - ﷺ - وأباه أبا بكر بالطعام وبأخبار قريش إذ هما في الغار، كل ليلة، وكان إسلامه قديمًا، ولم يسمع له بمشهد إلا شهوده الفتح، وحنينًا، والطائف، وقد شهد الطائف مع ... رسول الله - ﷺ -، فرمي بسهم، رماه أبو محجن الثقفي فجرحه، فاندمل جرحه، ثم انتقض به، فمات منه - ﵁ - أول خلافة أبيه أبي بكر، وذلك في شوال من سنة إحدى عشرة للهجرة. [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: الاستيعاب (٣/ ١١)، أسد الغابة (٣/ ٣٠٠)، الإصابة (٤/ ٢٤)].\n(٧) انظر: تفسير الثعلبي (٩/ ١٣)، النكت والعيون (٥/ ٢٨٠)، فتح الباري (٩/ ٥٤٩).\n(٨) قال الحافظ ابن حجر في الفتح: \"والقول في عبد الله كالقول في عبد الرحمن فإنه أيضًا أسلم، وحَسُن ... إسلامه \". [فتح الباري (٩/ ٥٤٩)].","vol":"1","page":2842},{"text":"الحسن \" لم يرد واحدًا بعينه، إنَّما هو عام \" (١).\nقوله ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ القول يعني: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ ... [هود: (١١٩)]، وقيل: حقَّ خبر الله أنَّه لا يُؤمن.\nقوله: ﴿فِي أُمَمٍ﴾ في جُملة أُمم ﴿قَدْ خَلَتْ﴾ مضت.\n﴿مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (١٨)﴾ خسروا أنفسهم.\n﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ﴾ مراتب ﴿مِمَّا عَمِلُوا﴾ وقيل: على قدر أعمالهم، وقيل: أراد درجات ودركات، فاقتصر على أحد الضِّدين.\n﴿وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ﴾ أي: جزاءها ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٩)﴾.\n﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ﴾ قيل: بعد الدخول، وقيل: قبل الدخول عند إظهار العذاب لهم.\n﴿أَذْهَبْتُمْ﴾ أي: يقال لهم: أذهبتم (٢).\nقُرئ بالاستفهام والخبر، الاستفهام بمعنى التوبيخ، والخبر هو الوجه (٣).\n_________\n(١) انظر: تفسير الثعلبي (٩/ ١٣)، النكت والعيون (٥/ ٢٨٠)، المحرر الوجيز (٥/ ٩٨).\n(٢) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٢٤)، جامع البيان (٢٦/ ٢١).\n(٣) قرأ ابن كثير ﴿ءاذهبتم﴾ بهمزة مطولة، وقرأ ابن عامر ﴿أأذهبتم﴾ بهمزتين، فهاتان القراءتان على ... الاستفهام، وقرأ نافع وعاصم وأبو عمرو وحمزة والكسائي ﴿أَذْهَبْتُمْ﴾ على الخبر [انظر: السَّبعة (ص: ٥٩٨)، معاني القراءات (ص: ٤٤٨)، الحجة (٦/ ١٨٨)، التيسير (ص: ١٦٢)].","vol":"1","page":2843},{"text":"﴿طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ نلتم لذَّاتكم وأصبتم شهواتكم في الدنيا، غير مُتفكِّرين في حرامها وحلالها.\n﴿وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ بملاذها، والهاء تعود (١) إلى الدنيا، وقيل: إلى الطيبات.\n﴿فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ الذُّلُّ والهوان ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ تتكبَّرون ﴿فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ (٢٠)﴾ أي: باستكباركم ... وفسقكم (٢).\nوقيل: الطيبات من الرزق: الحلالات التي أنفقتموها في شهواتكم ولذاتكم، ولم تنفقوها في مرضاة الله تعالى وتقدَّس.\nوقيل: أذهبتم طيباتكم في الآخرة بمعاصيكم في الحياة الدنيا.\nوقيل: أذهبتم طيباتكم، أي: لذَّات الدنيا (٣) التي نلتموها بما استوجبتم من عذاب العُقبى. وقيل: طيباتكم: شبابكم وقوَّتكم، من قول العرب: \" ذهب أطيباه \" (٤).\nالمفضل (٥): \" ﴿طَيِّبَاتِكُمْ﴾ حسنات أعمالكم بإنكاركم هذه النار \" (٦).\n_________\n(١) في (أ) \" يعود \".\n(٢) في (ب) \" أي: استكباركم أو فسقكم \".\n(٣) في (أ) \" أي: بدار الدنيا \".\n(٤) انظر: النكت والعيون (٥/ ٢٨٠).\n(٥) المفضل بن محمد بن يعلى بن عامر الضَّبِّي، أبو محمد النحوي الكوفي، إمام مقرئ نحوي أخباري موثق، راوية للآداب والأشعار، قال عنه أبو حاتم السجستاني: \"ثقة في الأشعار غير ثقة في الحروف \"، ومن تصانيفه الأشعار المختارة المعروفة بـ\"المفضليات \"، كان يكتب المصاحف ويقفها على الناس ويقول: هذا تكفير لما كتبته من أهاجي الناس، وقد توفي سنة ثمان وستين ومائة للهجرة [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: البلغة في تراجم أئمة النحو واللغة (ص: ٧٦)، غاية النهاية (٢/ ٣٠٧)، الأعلام (٧/ ٢٨٠)].\n(٦) لم أقف عليه.","vol":"1","page":2844},{"text":"وعن عمر - ﵁ - أنَّه قال: \" أنا أعلم بالعيش فلو شئت لجعلت أكبادًا وأسنمة وصلاءً (١) وصنابًا وصلائق، ولكن استبقي حسناتي لأنَّ الله وصف قومًا فقال: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ (٢).\nالصِّلاء: الشواء، والصِّناب: الأصبغة، والصلائق: الرِّقاق العريض (٣).\nوعن عمر - ﵁ - أيضًا (٤): أنَّ رجلًا دعاه إلى طعام فأكل، ثم قدّم شيئًا حُلوًا فامتنع، وقال: رأيت الله نعى على قوم شهواتهم، فقال: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ فقال الرجل: اقرأ يا أمير المؤمنين (٥) ما قبلها ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ﴾ فلست منهم فأكل وسرَّه ما سَمِعَ \" (٦).\n﴿* وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ﴾ يعني هُودًا، وكان منهم فسمَّاه أخًا لهم.\nوعاد قوم من العرب لهم قوة وأيد ومَنعة، وكانوا ينزلون الأحقاف، وهي منزِل بين عُمان (٧) وحضرموت (٨) (٩).\n_________\n(١) في (أ) \" وصلىً \".\n(٢) انظر: النكت والعيون (٥/ ٢٨١)، غرائب التفسير (٢/ ١٠٩٦)، الكشاف (٤/ ٣٠٩)، الجامع لأحكام القرآن؛ للقرطبي (١٦/ ١٩٤) البحر المحيط (٩/ ٤٤٤).\n(٣) انظر: النكت والعيون (٥/ ٢٨١)، غرائب التفسير (٢/ ١٠٩٦)، الجامع لأحكام القرآن؛ للقرطبي ... (١٦/ ١٩٤) البحر المحيط (٩/ ٤٤٤).\n(٤) \" أيضًا \" ساقطة من (أ).\n(٥) في (ب) \" اقرأ يا عمر \".\n(٦) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٠٩٦).\n(٧) عُمَان - بضم أوله وتخفيف ثانيه وآخره نون - اسم بلد عربي معروف على ساحل بحر اليمن والهند، وعمان في شرقي هجر تشتمل على بلدان كثيرة ذات نخل وزروع. [انظر: معجم البلدان (٤/ ١٥٠)].\n(٨) حَضْرَموت: بلد معروف ببلاد اليمن، وهي ناحية واسعة في شرقي عدن بقرب البحر، وحولها رمال كثيرة تعرف بالأحقاف. [انظر: معجم البلدان (٢/ ٢٦٩)، معجم الأمكنة (ص: ١٩٠)].\n(٩) انظر: معجم ما استعجم (١/ ١١٩)، معجم البلدان (١/ ١١٥)، قصص الأنبياء؛ لابن كثير (ص: ١٠٥).","vol":"1","page":2845},{"text":"ابن عباس - ﵄ -: \" وادٍ بين عُمَان ومَهَرة (١) \" (٢).\nالضحاك: \" جبل بالشام \" (٣).\nقتادة: \" رمال مُشرفة (٤) على البحر بالشِّحْر (٥) (٦) من اليمن \" (٧).\nالحسن: \" أرض خلالها رمل \" (٨) (٩).\nوالأحقاف: جمع حِقف وهو ما استطال واعوجَّ من الرَّمل العظيم (١٠).\nوروي عن علي بن أبي طالب (١١) - ﵁ -: \" خير واديين في الناس وادٍ بمكة، ووادٍ نزل به آدم - ﵇ - بأرض هندٍ (١٢)، وشرُّ واديين في الناس وادي الأحقاف (١٣) ووادٍ بحضرموت يُدعى برهوت\n_________\n(١) مَهَرة - ويقال: بإسكان الهاء - من بلاد حضرموت اليمن، وهي اسم قبيلة تنسب لمهرة بن حيدان ... ابن عمرو بن الحاف بن قضاعة، تنسب إليهم الإبل المهرية. [انظر: معجم البلدان (٥/ ٢٣٤)].\n(٢) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (٢٦/ ٢٣) وأورده الماوردي في النكت والعيون (٥/ ٢٨٢)، والكرماني في غرائب التفسير (٢/ ١٠٩٦)، والسمعاني في تفسيره (٥/ ١٥٨).\n(٣) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (٢٦/ ٢٢)، وأورده الماوردي في النكت والعيون (٥/ ٢٨٢)، والكرماني في غرائب التفسير (٢/ ١٠٩٦).\n(٤) في (ب) \" مشرقة \".\n(٥) في (أ) \" بالشَّجَر \".\n(٦) الشِّحْر: ساحل اليمن وهو ممتد بينها وبين عمان على ساحل بحر الهند. [انظر: معجم ما استعجم (٣/ ٧٨٣)، معجم البلدان (٣/ ٣٢٧)].\n(٧) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٢١٧)، وابن جرير في جامع البيان (٢٦/ ٢٣)،\n(٨) لم أقف عليه.\n(٩) قال ابن جرير: \" وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال إن الله ﵎ أخبر أن عادا أنذرهم أخوهم هود بالأحقاف، والأحقاف ما وصفت من الرمال المستطيلة المشرفة ... وجائز أن يكون ذلك جبلًا بالشام، وجائز أن يكون واديًا بين عمان وحضرموت، وجائز أن يكون الشِّحر، وليس في العلم به أداء فرض، ولا في الجهل به تضييع واجب، وأين كان فصفته ما وصفنا من أنهم كانوا قومًا منازلهم الرمال المستعلية المستطيلة \". [جامع البيان (٢٦/ ٢٣)]، والصَّحيح المشهور: أنَّها ببلاد اليمن، قال ابن عطية: \" والصحيح من الأقوال أن بلاد عادٍ كانت باليمن \" [المحرر الوجيز (٥/ ١٠١)، وانظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٢٥)، تفسير السمعاني (٥/ ١٥٨)، تفسير البغوي (٧/ ٢٦٢)، التسهيل (٤/ ٤٤)].\n(١٠) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ٥٤)، جامع البيان (٢٦/ ٢٢)، النكت والعيون (٥/ ٢٨٢).\n(١١) \" بن أبي طالب \" ساقطة (أ).\n(١٢) كذا في النُّسختين، وفي التفاسير \" بأرض الهند \".\n(١٣) في (أ) \" الأحفاف \".","vol":"1","page":2846},{"text":"يُلقى فيه أرواح الكُفار، وخير بئرٍ في الناس بئر زمزم، وشرُّ بئرٍ في الناس بئر بلهوت في ذلك الوادي الذي بحضرموت \". (١)\n﴿وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ﴾ مضت الرُّسل.\n﴿مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ قبل هودٍ وبعده، وهذا اعتراض (٢).\n﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ أي: لا تعبدوا، وقيل: قال لهم: لا تعبدوا ﴿إِلَّا اللَّهَ﴾.\nوقيل: هو متَّصل بـ ﴿النُّذُرُ﴾، وفيه ضعف.\n﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ﴾ إن لم تؤمنوا ﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٢١)﴾ هائل يريد يوم القيامة، وقيل: يوم عذابهم في الدنيا.\n﴿قَالُوا﴾ أي: قوم هودٍ ﴿أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا﴾ لتصرفنا (٣).\n﴿عَنْ آَلِهَتِنَا﴾ إلى دينك، وهذا ما لا يكون.\n﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾ من العذاب الذي توعدنا به.\n﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٢)﴾ فيما تقول.\n﴿قَالَ﴾ هود ﴿إِنَّمَا الْعِلْمُ﴾ بوقت مجيء العذاب.\n﴿عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ﴾ أي: الذي أُمرت بتبليغه إليكم، وليس فيه تعيين وقت العذاب.\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه في كتاب المناسك باب زمزم وذكرها برقم (٩١١٨) (٥/ ١١٦)، وابن أبي حاتم في تفسيره (١٠/ ٣٢٩٦) وأورده الماوردي في النكت والعيون (٥/ ٢٨٢)، والكرماني في غرائب التفسير (٢/ ١٠٩٦)، وأبو المظفر السمعاني تفسيره (٥/ ١٥٨).\n(٢) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ٥٤)، جامع البيان (٢٦/ ٢٢)، المحرر الوجيز (٥/ ١٠١).\n(٣) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٢٥)، جامع البيان (٢٦/ ٢٤)، معاني القرآن؛ للنَّحَّاس (٦/ ٤٥٢).","vol":"1","page":2847},{"text":"﴿وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (٢٣)﴾ لا ستعجالكم العذاب.\nوقيل (١): تجهلون ما يجب عليكم (٢) من الاستماع منِّي، وقيل: تجهلون مراشدَكم.\n﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ﴾ أي: ما وعدوا به واستعجلوه، وهو العذاب.\nوقيل: يعود إلى غير مذكور.\n﴿عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ﴾ عرض في نواحي السماء.\n﴿قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ ذكر أنَّ المطر كان قد احتبس عنهم، فاشتدَّت (٣) حاجتهم إليه (٤) فرأوا سحابة استقبلت أوديتهم، فقالوا: هذا سحابٌ يأتينا بالمطر فأظهروا لذلك (٥) فرحًا (٦).\nابن عيسى: \" العارض المارُّ سريعًا لا يلبث \" (٧).\nالمفضَّل: العارض: سحاب يعلوا الأفق \" (٨).\nوقوله: ﴿مُمْطِرُنَا﴾ أي: يمطر السَّحاب لنا، يقال: مطرت السَّحاب وأمطرت الرِّيح السَّحاب.\nوقيل: العرب تُسَمِّي السَّحاب الذي يُرى في بعض أقطار السَّماء عشيًا (٩)، ثُمَّ يُصبح من الغد قد استوى وحَبَا (١٠) (١١) بعضه إلى بعضٍ عارضًا (١٢).\n_________\n(١) \" وقيل \" ساقطة من (أ).\n(٢) \" عليكم \" ساقطة من (أ).\n(٣) في (أ) \" واشتدت \".\n(٤) \" إليه \" ساقطة من (أ).\n(٥) في (أ) \" فأظهروا ذلك \".\n(٦) انظر: جامع البيان (٢٦/ ٢٤)، زاد المسير (٧/ ١٧٨).\n(٧) لم أقف عليه بهذا اللفظ، وعند الماوردي في النكت والعيون (٥/ ٢٨٣): \" وفي تسميته عارضًا ثلاثة أقاويل: ...\nأحدها: لأنَّه أخذ في عرض السماء، قاله ابن عيسى \".\n(٨) لم أقف عليه.\n(٩) في (أ) \" غيثًا \".\n(١٠) في (ب) \" وجبا \".\n(١١) الحَبِيُّ: سحاب فوق سحاب، والحَبْوُ امتلاء السحاب بالماء، وكلُّ دانٍ فهو حابٍ والحَبِيُّ من السحاب المُتَراكِمُ \" [لسان العرب (١٤/ ١٦٠)، مادة: (حَبَا)].\n(١٢) انظر: جامع البيان (٢٦/ ٢٥).","vol":"1","page":2848},{"text":"﴿بَلْ هُوَ﴾ أي: قال هودٌ ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ﴾ من العذاب، ثُمَّ فسَّره فقال: ﴿رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ﴾ تُهلك ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ أمرت بتدميره.\nوالتدمير: إهلاك استئصال، وأصله من دَمَر إذا دخل من غير إذن. ... وقيل: التدمير أن يرمي (١) ببعض الشيء على بعض حتى يهلك (٢).\nقوله: ﴿بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ يعود إلى الرِّيح.\n﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ أي: فصاروا لو حضرت بلادهم لا ترى إلا مساكنهم (٣).\nوقرئ ﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾، بلفظ المجهول، يقول: فجاءتهم الرِّيح فدمَّرتهم فلم يبق منهم أحد، وبقيت مساكنهم خالية لا ساكن فيها.\nوعن النبي - ﷺ -: \" نصرت بالصَّبا (٤) وأُهلكت عاد بالدَّبور (٥) \" (٦).\n_________\n(١) في (ب) \" أن ترمي \".\n(٢) انظر: لسان العرب (٤/ ٢٩١)، مادة \" دَمَرَ \".\n(٣) هذا المعنى على قراءة ﴿لَا تَرَى إلا مساكنَهم﴾ بالتاء، وفتح النون، وقرأ بها ابن كثير ونافع وابن عامر وأبو عمرو والكسائي، وقرأ عاصم وحمزة ﴿لَا يُرَى﴾ بياء مضمومة ﴿إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ برفع النون [انظر: السبعة (ص: ٥٩٨)، معاني القراءات (ص: ٤٤٨)، الحُجَّة (٦/ ١٨٦)، التيسير (ص: ١٦٢)].\n(٤) الصَّبَا: الرِّيح الشرقية. [المنهاج؛ للنووي (٦/ ٤٣٧)].\n(٥) الدَّبور: الرِّيح الغربية [المنهاج؛ للنووي (٦/ ٤٣٧)].\n(٦) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الاستسقاء، باب: قول النبي - ﷺ -: «نُصِرْت بالصَّبا»، برقم (٢٠٨٤)، وأخرجه مُسلم في صحيحه في كتاب صلاة الاستسقاء، باب: في ريح الصَّبا والدَّبور، برقم (٢٠٨٤)، كلاهما عن ابن عباس - ﵄ -.","vol":"1","page":2849},{"text":"﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (٢٥)﴾ أي: من أجرم مثل جرمهم، وهذا تحذير لمشركي العرب.\nوفي التفسير: فخرج هود من بين أظهرهم، ونزلت الرِّيح في شعب مواشيهم، فهلك الرُّعاة والأنعام وحلَّقت بهم في السماء ثُمَّ قذفتهم في البحر، ثمَّ تتبَّعت أهل البيوت فجعلتهم كالرَّميم (١).\n﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ﴾ أي: مكَّنَّا عادًا في البلاد والمال والأولاد ما لم نمكنكم فيه (٢) (٣).\nوقيل: ﴿إِنْ﴾ صلة، والتَّقدير: مكناهم فيما مكَّنَّاكم فيه.\nوقيل: ﴿إِنْ﴾ للشَّرط، وجزاؤه مضمر تقديره: في الذي إن مكَّنَّاكم فيه كان بغيكم أكثر. حكاه أقضى القضاة (٤).\n﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً﴾ أي: آلات المدارك والفهم.\n﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [فلم يُغْنِ عنهم شيء] (٥) مما كنت جعلته لهم.\n﴿إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ﴾ لإقامتهم على الجحود بأعلامه الدَّالة على التوحيد وصدق الرَّسول، أي: كانت لهم آلة الدفع، فلم يقدروا (٦) على دفعها.\n﴿وَحَاقَ بِهِمْ﴾ نزل بهم، وأحاط بهم.\n_________\n(١) انظر: تفسير الثعلبي (٩/ ١٧)، النكت والعيون (٥/ ٢٨٤)، تفسير السمعاني (٥/ ١٦٠).\n(٢) في (أ) \" ما لم يمكنكم \".\n(٣) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٢٧)، جامع البيان (٢٦/ ٢٨).\n(٤) انظر: النكت والعيون (٥/ ٢٨٤).\n(٥) ما بين المعقوفتين ساقط من (أ).\n(٦) في (ب) \" ولم يقدروا \".","vol":"1","page":2850},{"text":"﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٢٦)﴾ جزاء استهزائهم، وقول من قال: ﴿وَحَاقَ﴾: بمعنى حُقَّ، والألف بدل من القاف، بعيدٌ ضَعِيفٌ (١).\n﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ﴾ يخاطب العرب.\n﴿مِنَ الْقُرَى﴾ كَحِجْر ثمود (٢)، وقُرى قوم لُوط (٣)، ونحوها ممَّا كان يجاور (٤) بلاد الحجاز (٥).\n﴿وَصَرَّفْنَا الْآَيَاتِ﴾ بتكرير ذكرها وإعادة أقاصيص الأمم الخالية بتكذيبها وشركها (٦).\n﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٧)﴾ عن شركهم.\nوقيل: تصريف الآيات للعرب المخاطبين دون الماضين.\nوقيل: للماضين، وهو أظهر؛ لقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٧)﴾.\n﴿فَلَوْلَا﴾ فهلا.\n﴿نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آَلِهَةً﴾ أي: اتخذوهم آلهة.\nفـ ﴿آَلِهَةً﴾ المفعول الثاني، و﴿قُرْبَانًا﴾ مفعولًا له، أي: للقربة بزعمهم (٧).\n_________\n(١) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٠٩٨).\n(٢) حِجْر ثمود: الحِجْر: بلد ثمود بين الشام والحجاز بوادي القرى، وهي شمال المدينة بـ (٣٤٥) كيلًا، وتُعرف اليوم بِمَدائن صالح [انظر: معجم ما استعجم (١/ ٤٢٦)، معجم البلدان (٢/ ٢٢٠)، معجم الأمكنة (ص: ١٦٥)].\n(٣) قُرى قوم لوط: المؤتفكات، سَدُوم، وعامورا، ودادوما، وصبوا، وهي بأرض فلسطين. [انظر: تفسير الثعلبي (٥/ ١٨٣)].\n(٤) في (ب) \" يجاوز \".\n(٥) الحِجَازُ: جبل ممتد حال بين الغور غور تهامة ونجد فكأنه منع كل واحد منهما أن يختلط بالآخر، وهي تشمل الآن جميع سلاسل جبال السَّروات الممتدة من أقصى اليمن شمالًا بحذاء ساحل البحر الأحمر إلى نهايتها في بلاد الشَّام. ... [انظر: معجم البلدان (٢/ ٢١٨)، معجم الأمكنة (ص: ١٦٤)].\n(٦) في (ب) \" وشكرها \".\n(٧) انظر: إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٤/ ١١٥)، البيان في غريب إعراب القرآن (٢/ ٣٧٢).","vol":"1","page":2851},{"text":"﴿بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ﴾ هلكوا عنهم، فلم يجدوهم عند حاجتهم إليه لدفع عذاب الله عنهم.\n﴿وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٨)﴾ أي: وهذا محصول إفكهم وتوقعهم لشفاعة النُصرة من عندهم.\nوقيل: ذلك عاقبة إفكهم وافترائهم.\n﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآَنَ﴾ عطف على قوله ... ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ﴾.\nومعنى: ﴿صَرَفْنَا﴾: صَيَّرناهم إليك، وقيل: سبَّبنا ذلك، وقيل: ألجأناهم.\nوقيل: وقفناهم بصرفنا إيَّاهم عن بلادهم إليك (١).\nوالجمهور: على أنَّ سبب ذلك ما حدث من طردهم عن السماء برجمهم بالشُّهب، وكانوا قبل ذلك يقعدون منها مقاعد للسَّمع (٢)، وقالوا: لم يحدث هذا في السَّماء إلا بحادث في الأرض فيتبعوا (٣) ذلك، فوافقوا النَّبي - ﷺ - بنخلة (٤) يصلي بأصحابه.\nفمنهم من قال: كان يُصلي صلاة العشاء الآخرة.\nومنهم من قال: كان يُصلي الصُّبح، فقرأ فيها سورة: اقرأ.\nوقيل: كان يُصلي وحده (٥).\n_________\n(١) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٢٨)، الكشاف (٤/ ٣١٤)، تفسير النسفي (٤/ ١١١٤).\n(٢) في (ب) \" مقاعد السَّمع \".\n(٣) في (ب) \" فتتبعون\".\n(٤) نخلة: واد من الحجاز بينه وبين مكة مسيرة ليلتين إحدى الليلتين من نخلة يجتمع بها حاج اليمن وأهل نجد ومن جاء من قبل الخط وعمان وهجر ويبرين فيجتمع حاجهم بالوباءة، وهي أعلى نخلة وهي تسمَّى نخلة اليمانية وتسمى النخلة الأخرى الشامية وهي ذات عرق التي تسمى ذات عرق، وقال البلادي: \"وادٍ فحل من أودية الحجاز وهو أحد رافدي مرّ الظهران العظيمين ... \" [انظر: معجم البلدان (٥/ ٢٧٨)، معجم معالم الحجاز؛ للبلادي (٩/ ٤٠)].\n(٥) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٢٨)، تفسير عبد الرزاق (٣/ ٢١٨)، جامع البيان (٢٦/ ٣٠)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢٧٨)، تفسير الثعلبي (٩/ ٢٠)، النكت والعيون (٥/ ٢٨٥)، تفسير البغوي (٧/ ٢٦٦)، زاد المسير (٧/ ١٨٠).","vol":"1","page":2852},{"text":"ثُمَّ من المُفَسرين من قال: لم يكن ذلك بعلمٍ منه - ﷺ - حتى أوحى الله إليه فأخبره بما كان منهم.\nومنهم من قال: بل أُمر - ﷺ - بذلك، فقال لأصحابه: «إنِّي أُمرت أن أقرأ القرآن على الجن فأيّكم يتبعني، فأطرقوا لها ثلاثًا (١)، فاتّبعه ابن مسعود - ﵁ -، فدخل رسول الله - ﷺ - شِعْب الحَجُون (٢)، وخط على ابن مسعود، وقال له: لا تبرح حتى آتيك» (٣) (٤).\nوروي عن ابن مسعود - ﵁ -: أنّه قال للنبي - ﷺ -: «لمَّا خشيتهم كِدت أذهب فتذكرت قولك لي: لا تبرح: فقال له (٥) - ﷺ -: لو ذهبت ما التقينا إلى يوم القيامة» (٦).\nوروي عن ابن مسعود - ﵁ -: \" أنَّه رأى رجالًا من الزُّطِّ (٧) طوالًا شمطانًا سُودًا فقال: هُم أشبه شيءٍ بالجنِّ الذين قرأ النبي - ﷺ - عليهم القرآن \" (٨) (٩).\nوروي عنه - ﵁ - أيضًا (١٠): «أنَّه قال فسمعت لغطًا شديدًا حتى خِفت على رسول الله - ﷺ -، ثُمَّ على القرآنُ أصواتهم، فلمَّا رجع رسول الله - ﷺ - سألته عن اللغط، فقال: اختصموا إلي في قتيل كان بينهم فقضيت بينهم» (١١).\n_________\n(١) في (ب) \" فأطرقوا قالها ثلاثًا \".\n(٢) شِعْبُ الحَجُون: الشِّعْب: الوادي بين جبلين، والحَجُون - بفتح أوله -: جبل بأعلى مكة عنده مدافن أهلها، بجوار المقبرة المعروفة بالأبطح، والتي يقال لها: الحَجُون. [انظر: معجم ما استعجم (١/ ٤٢٧)، معجم البلدان (٢/ ٢٢٥)، معجم الأمكنة (ص: ١٧٢)].\n(٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٢١٨) (بنحوه) عن قتادة مُرسلًا، وكذا أخرجه ابن جرير في جامع البيان (٢٦/ ٣١).\n(٤) انظر: جامع البيان (٢٦/ ٣١)، النكت والعيون (٥/ ٢٨٦)، تفسير البغوي (٧/ ٢٦٦).\n(٥) \" له \" ساقطة من (ب).\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (١٠/ ٣٢٩٦) عن الحكم بن أبان عن عكرمة مرسلًا، وأورده الماوردي في النكت والعيون (٥/ ٢٨٦).\n(٧) الزُّطُّ: جيل أَسْوَدُ من السِّنْدِ إِليهم تُنسب الثياب الزُّطِّيَّةُ، وقيل: هم جنس من السُّودان والهُنود، والواحد زُطِّيّ، مثل: الزِّنْجِ والزِّنْجِيّ. [انظر: لسان العرب (٧/ ٣٠٨)].\n(٨) في (ب) \" الذي قرأ عليهم النبي - ﷺ - القرآن \".\n(٩) جزء مما أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٢١٨) (بنحوه) عن قتادة مُرسلًا، وكذا أخرجه ابن جرير في جامع البيان (٢٦/ ٣١).\n(١٠) \" أيضًا \" ساقطة من (ب).\n(١١) جزء مما أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٢١٨) (بنحوه) عن قتادة مُرسلًا، وكذا أخرجه ابن جرير في جامع البيان (٢٦/ ٣١).","vol":"1","page":2853},{"text":"وعن ابن مسعودٍ - ﵁ - أنَّه قال (١): قال لي (٢) رسول الله - ﷺ - «أمعك ماء؟ قلت: يا رسول الله معي إداوة (٣) فيها شيء من نبيذ التمر فاستدعاه، فصببت على يده فتوضأ وقال: تمرة طيبة، وماء طهور» (٤) (٥).\nواختلفوا في عددهم:\nابن عباس - ﵄ -: \"كانوا تسعة من جنِّ نَصِيْبِين (٦) \" (٧).\nوقيل: من أهل نِيْنَوَى (٨).\nعكرمة: \" كانوا عشرة من جزيرة المَوْصِل (٩) \" (١٠).\nزِرُّ بن حُبَيْش (١١): \" كانوا تسعة، وفيهم زوبعة \" (١٢) (١٣).\n_________\n(١) \" قال \" ساقطة من (ب).\n(٢) \" لي \" ساقطة من (أ).\n(٣) في (أ) \" مع إدوة \".\n(٤) في (ب) \" وقال: تمرة طيبة، وقال: تمرة وماء طهور \".\n(٥) أخرجه الإمام أحمد في مسنده، في مُسْند عبد الله بن مسعود - ﵁ - (١/ ٤٠٢)، وقال الشيخ شعيب الأرنؤوط: \" إسناده ضعيف \".\n(٦) نَصِيْبِين: وهي مدينة عامرة من بلاد الجزيرة بين دجلة والفرات، على جادة القوافل من الموصل إلى الشام\n[انظر: معجم ما استعجم (٤/ ١٣١٠)، معجم البلدان (٥/ ٢٨٨)، معجم الأمكنة (ص: ٤٣٢)].\n(٧) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (٢٦/ ٣٠)، وأورده الثعلبي في تفسيره (٩/ ٢٢)، والماوردي في النكت والعيون (٥/ ٢٨٦) وابن الجوزي في زاد المسير (٧/ ١٨١).\n(٨) نِيْنَوى: - بكسر النون - وهي قرية يونس بن مَتَّى - ﵇ - بالموصل، وبسواد الكوفة ناحية يقال لها: نينوى منها كربلاء بأرض العراق. [انظر: معجم البلدان (٥/ ٣٣٩)، لسان العرب (١٣/ ٤٣٠)].\n(٩) المَوْصِل: المدينة المشهورة العظيمة باب العراق ومفتاح خراسان، وسميت الموصل؛ لأنها وصلت بين الجزيرة والعراق، وقيل: وصلت بين دجلة والفرات [انظر: معجم ما استعجم (٤/ ١٢٧٨)، معجم البلدان (٥/ ٢٢٣)].\n(١٠) انظر: النكت والعيون (٥/ ٢٨٦)، غرائب التفسير (٥/ ١٠٩٨).\n(١١) زِرُّ بن حُبَيش بن حُباشة بن أوس بن هلال أو بن بلال الأسدي، من بني أسد بن خزيمة، يُكنى أبا مريم، وقيل: يكنى أبا مطرف، أدرك الجاهلية ولم ير النبي - ﷺ -، وهو من أجلَّة التابعين من كبار أصحاب ابن مسعود، وكان عالمًا بالقرآن قارئًا فاضلًا توفي سنة ثلاث وثمانين للهجرة، وهو ابن مائة وسنة وعشرين سنة، وقيل: سنة إحدى ... وثمانين، والأول أصح؛ لأنه مات بدير الجماجم وكانت وقعة الجماجم في شعبان سنة ثلاث وثمانين. [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: الاستيعاب (٢/ ١٣١)، أسد الغابة (٢/ ٣١٢)، سير أعلام النبلاء (٤/ ١٦٦)].\n(١٢) زوبعة: اسم شيطان مارد، ويقال: رئيس من رؤساء الجن. [لسان العرب (٨/ ١٤٠) مادة \" زَبَعَ \"].\n(١٣) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (٢٦/ ٣١)، والثعلبي في تفسيره (٩/ ٢٢)، وابن الجوزي في زاد المسير (٧/ ١٨١).","vol":"1","page":2854},{"text":"مجاهد: \"كانوا سبعة ثلاثة من نَجْرَان (١)، وأربعة من نَصِيبين وعدَّ أسماءهم (٢) \" (٣).\nوقيل: كانوا سبعين من بني إقليثي (٤)، وفيهم زوبعة.\nقال القَفَّال: \" والذي في ظاهر الكتاب أنَّ الله تعالى صرف نفرًا من الجنِّ يستمعون القرآن، وليس في شيء من ذلك أنهم خاطبوه ولا خاطبهم هو، وإنما فيه: أنهم استمعوا القرآن (٥) فآمنوا ورجعوا إلى قومهم فأعلموهم وأنذروهم \" (٦).\nوروي: أنَّهم خاطبوا النبي - ﷺ - فسألوه أشياء منها: أنهم قالوا يا رسول الله: ...» إنَّ الأرض التي بيننا وبينك مَحَل لا تنبت (٧) فأعطاهم روثة وعظمًا، وقال: لكم بالروثة كُلَّ تربة تمرون بها خرابًا مثلها يوم كانت مخصبةً، ولكم بكلِّ عظم مررتم به مثله يوم كان عليه اللحْم» فمن ثَمَّ نهي أن يستنجى بروث أو عظم، ثُمّ بعثهم رسول الله إلى سائر الجنِّ مُنذرين، فكانوا رسلَ رسولِ الله (٨).\nوقيل: لم يكونوا رُسلًا؛ بل كانوا مُنذرِيَنَ، ولم يبعث الله رسولًا إلى الثقلين إلا ... محمدًا - ﷺ - (٩).\n_________\n(١) نجران في عدة مواضع منها: نجران المدينة المعروفة المحاذية لليمن، قالوا سمي بنجران بن زيدان وقيل: زيد بن سبأ ابن يشجب بن يعرب بن قحطان؛ لأنه كان أول من عمرها، وتقع في جنوب المملكة العربية السعودية،\nونجران أيضًا: موضع على يومين من الكوفة فيما بينها وبين واسط على الطريق، يقال: إن نصارى نجران لما أخرجوا سكنوا هذا الموضع وسمي باسم بلدهم، ولعله المقصود هنا لقربه من البلدان المذكورة. [انظر: معجم ما استعجم (٤/ ١٢٩٨)، معجم البلدان (٥/ ٢٦٦)، معجم الأمكنة (ص: ٤٢٥)].\n(٢) في (ب) \" أسمائهم \".\n(٣) انظر: النكت والعيون (٥/ ٢٨٦).\n(٤) في (أ) \" إقليتي \".\n(٥) في (أ) \" استمعوا للقرآن \".\n(٦) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٠٩٨).\n(٧) في (ب) \" محل لا ينبت \".\n(٨) جزء مما أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٢١٨) (بنحوه) عن قتادة مُرسلًا، وكذا أخرجه ابن جرير في جامع البيان (٢٦/ ٣١).\n(٩) قال مجاهد: \" ليس في الجنِّ رسلٌ، وإنما الرسل في الإنس، والنَّذارة في الجن \" [تفسير السمرقندي (٣/ ٢٧٨)].","vol":"1","page":2855},{"text":"﴿فَلَمَّا حَضَرُوهُ﴾ أي: محمدًا - ﷺ -، وقيل: القرآن، وقيل: استماع القرآن.\n﴿قَالُوا﴾ قال بعضهم لبعض ﴿أَنْصِتُوا﴾ لسماع لقرآن.\n﴿فَلَمَّا قُضِيَ﴾ فرغ النبي - ﷺ - من القراءة.\n﴿وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩)﴾ قيل: مُسلمين.\nوقيل: مُنذرين إياهم برسول الله - ﷺ -.\n﴿قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا﴾ قرآنًا.\n﴿أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ ذهب بعضهم إلى أنَّهم كانوا هُودًا، ولهذا قالوا ﴿مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ (١).\nقال (٢) ابن عباس: \" كانت الجنُّ لم تسمع أمر عيسى - ﵇ -، ولذلك قالوا: ﴿مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ \" (٣).\n﴿مُصَدِّقًا﴾ مُوافقًا ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ من الكتب.\n﴿يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ﴾ أي: إلى دين الحق، وقيل: إلى الله (٤).\n﴿وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠)﴾.\n﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ﴾ أي: محمدًا - ﷺ - (٥).\n_________\n(١) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٢٨)، تفسير السمعاني (٥/ ١٦٣)، غرائب التفسير (٢/ ١٠٩٩)، تفسير البغوي (٧/ ٢٦٨)، زاد المسير (٧/ ١٨٢).\n(٢) \" قال \" ساقطة من (أ).\n(٣) انظر: الكشاف (٤/ ٣١٦)، المحرر الوجيز (٥/ ١٠٦)\n(٤) في (ب) \" إلى دين الله \".\n(٥) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٢٩)، جامع البيان (٢٦/ ٣٤)، النكت والعيون (٥/ ٢٨٧).","vol":"1","page":2856},{"text":"﴿وَآَمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١)﴾.\nوَمَنْ ﴿لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ﴾ أي (١): كفر بمحمد - ﷺ -.\nفَلَيْسَ ﴿بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ﴾ بأن لا يلحقه (٢) عذاب.\nوَلَيْسَ ﴿لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ﴾ يمنعونه منه.\n﴿أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٢)﴾\n﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ﴾\nقيل لم يتعب، وقيل: لم يعجز (٣).\nوقيل: لم يذهب عليه وجه الحكمة (٤) في خلقه من قولك: عَيِبْتُ بهذا الأمر، إذا لم تعرف وجْهَه وتحيّرت فيه (٥).\n﴿بِقَادِرٍ﴾: قيل: الباء دخل خبر أنَّ زيادة، ومثله: (٦) ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ﴾ [النساء: (٦)]، وقيل: دخلت للتَّعجب كقوله (٧): ﴿أَبْصِرْ بِهِ﴾ [الكهف: (٢٦)]، وهذا مُزَّيف.\nوالباء دخل في مكان النفي في أول الكلام، ولأنَّ المعنى: أليس الله بقادر (٨) ﴿عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾؟ (٩)\n_________\n(١) \" أي \" ساقطة من (ب).\n(٢) في (أ) \" أن لا يلحقه \".\n(٣) انظر: جامع البيان (٢٦/ ٣٥)، تفسير الثعلبي (٩/ ٢٤)، تفسير السمعاني (٥/ ١٦٤).\n(٤) في (ب) \"لم يذهب وجه الحكمة عليه \".\n(٥) انظر: كتاب العين (٢/ ٢٧١) مادة \" عَيِيَ \"، لسان العرب (١٥/ ١١١) مادة \" عَيَا \".\n(٦) في (أ) \" مثله \".\n(٧) في (ب) \" كقولك \".\n(٨) في (أ) \" ليس الله بقادر \".\n(٩) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ٥٦)، جامع البيان (٢٦/ ٣٥)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٣/ ٥٦)، إعراب القرآن؛ للنَّحاس (٤/ ١١٤).","vol":"1","page":2857},{"text":"﴿بَلَى﴾ جواب للنفي.\n﴿إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ من الإحياء والإماتة.\n﴿قَدِيرٌ (٣٣)﴾ قادر بذاته.\n﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ﴾ فيقال لهم: ﴿أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ﴾\nأي: هذا الجزاء حق لا باطل، وقيل: معناه أليس هذا بمُستحق لكم.\n﴿قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا﴾ اعترفوا به، وحلفوا عليه.\n﴿قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٤)﴾ بكفركم في الدنيا.\n﴿فَاصْبِرْ﴾ يا محمد على أذى قومك لك، وعلى إقامتهم على تكذيبك (١).\n﴿كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ أي: من رُسل الله الذي أنت من جملتهم، والعزم: توطين النَّفس على الفعل مع البصيرة، وقيل: العزم: القوة والثبات (٢).\nوالمُحَقِّقُون: على أنَّ جميع رُسل الله أولو العزم، و﴿مِنْ﴾ في الآية للتبيين لا للتبعيض كقوله: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج: (٣٠)] (٣).\nوذهب بعضهم إلى أنَّ أولي العزم من الرسل: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد (٤) - ﵈ - (٥).\n_________\n(١) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٣١)، جامع البيان (٢٦/ ٣٧).\n(٢) انظر: كتاب العين (١/ ٣٦٣) مادة \" عَزَمَ \"، المفردات (ص: ٥٦٥) ماد \" عَزَمَ \"، لسان العرب (٢٦/ ٣٧) مادة \" عَزَم \".\n(٣) وهذا القول مروي عن ابن زيد، واختاره ابن الأنباري. [انظر: جامع البيان (٢٦/ ٣٧)، النكت والعيون (٥/ ٢٨٨)، تفسير السمعاني (٥/ ١٦٥)، المحرر الوجيز (٥/ ١٠٧)، زاد المسير (٧/ ١٨٣)].\n(٤) \" محمد \" ساقط من (ب).\n(٥) انظر: جامع البيان (٢٦/ ٣٧)، معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ٤٥٤)، النكت والعيون (٥/ ٢٨٨) زاد المسير (٧/ ١٨٣).","vol":"1","page":2858},{"text":"السُّدِّي: \" الذين أمروا بالقتال من الرُّسل \" (١).\nأبو العالية: \"كانوا ثلاثة رابعهم محمد، نوح وإبراهيم وهود- عليهم الصلاة والسلام -\" (٢). وقيل: هم الذين أوذوا في سبيل الله، وقيل: هم أصحاب الشرائع.\nابن جريج (٣): \" ليس منهم يونس لقوله: ﴿وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ [القلم: (٤٨)]، ... ولا سليمان، ولا آدم﵈ - لقوله: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (١١٥) [طه: (١١٥)] (٤)، وقد سبق في موضعه (٥) (٦).\n_________\n(١) انظر: تفسير السمرقندي (٣/ ٢٨٠)، زاد المسير (٧/ ١٨٣)\n(٢) انظر: تفسير السمرقندي (٣/ ٢٨٠)، تفسير الثعلبي (٩/ ٢٦)، النكت والعيون (٥/ ٢٨٨).\n(٣) ابن جُرَيْج هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج القرشي، مولاهم، أبو الوليد وقيل: أبو خالد: فقيه الحرم المكي، كان إمام أهل الحجاز في عصره، وهو أول من صنف التصانيف في العلم بمكة، رومي الأصل، مكي المولد والوفاة، من موالي قريش، قال الذهبي: \"كان ثبتًا، لكنه يدلس \"، توفي سنة تسع وأربعين، وقيل: سنة خمسين ومائة للهجرة. [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: مشاهير علماء الأمصار، غاية النهاية (١/ ٤٦٩)، تهذيب التهذيب (٦/ ٣٥٧)].\n(٤) انظر: النكت والعيون (٥/ ٢٨٩)، تفسير البغوي (٧/ ٢٧١)، زاد المسير (٧/ ١٨٣).\n(٥) أي في موضعه في سورة طه، الآية (١١٥).\n(٦) قال ابن كثير: \" وقد اختلفوا في تعداد أولي العزم على أقوالٍ، وأشهرها: أنهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى وخاتم الأنبياء كلهم محمدًا - ﷺ -، وقد نَصَّ الله تعالى على أسمائهم من بين الأنبياء في آيتين من سورتي الأحزاب والشورى \" [تفسير القرآن العظيم (٤/ ١٨٥)]\nوقال الشنقيطي: \"، وأشهر الأقوال في ذلك أنهم خمسة، وهم الذين قدمنا ذكرهم في الأحزاب والشورى، وهم: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد - عليهم الصلاة والسلام -، وعلى هذا القول، فالرسل الذين أمر رسول الله - ﷺ - أن يصبر كما صبروا أربعة فصار هو - ﷺ - خامسهم، واعلم أنَّ القول بأنَّ المراد بأولي العزم جميع الرسل - عليهم الصلاة والسلام - وأن لفظة ﴿مِنَ﴾ في قوله: ﴿مِنَ الرُّسُلِ﴾ بيانية يظهر أنه خلاف التحقيق، كما دلَّ على ذلك بعض الآيات القرآنية كقوله تعالى ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ [القلم: (٤٨)]، فأمر الله جلَّ وعلا نبيه في آية القلم هذه بالصبر ونهاه عن أن يكون مثل يونس؛ لأنَّه هو صاحب الحوت، وكقوله: ... ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آَدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (١١٥)﴾ [طه: (١١٥)]، فآية القلم وآية طه المذكورتان كلتاهما تدلُّ على أنَّ أولي العزم من الرسل الذين أمر النبي - ﷺ - بأن يصبر كصبرهم ليسوا جميع الرسل، والعلم عند الله تعالى \". [أضواء البيان (٧/ ٤٠٨)].","vol":"1","page":2859},{"text":"﴿وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ لا تسل الله أن يعجِّل عذابهم وإهلاكهم.\n﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ﴾ أي: يرون العذاب في القيامة.\nوقيل: في الدنيا.\n﴿لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ﴾ أقل ما يكون من الزَّمان، استقصروا تلك المُدَّة لمَا دُفعوا إليه من العذاب في الدنيا.\nوقيل: في القبر، وقيل: في القيامة ينسيهم هول ما ينزل بهم مُدَّة اللبث.\n﴿بَلَاغٌ﴾ قيل: هذه السورة بلاغ يبلغ الكفاية (١) في الحاجة لمن تدبَّر.\nالحسن: \" القرآن بلاغ \" (٢).\n[وقيل ذلك اللُّبث: بلاغٌ.\nوقيل: ساعة من نهار بلاغ، أي: يسيره.\nوقيل: هو بلاغ] (٣)، أي: الإتيان بالرسالة بلاغ، أي: إذا بلَّغت فقد فعلت ما وجب عليك (٤).\nووقف أبو حاتم (٥) على قوله ﴿وَلَا تَسْتَعْجِلْ﴾ على تقدير: لهم بلاغ،: أي وقت يَبلغون إليه (٦).\n_________\n(١) في (أ) \" تبلغ الكفاية \".\n(٢) انظر: النكت والعيون (٥/ ٢٨٩).\n(٣) ما بين المعقوفتين ساقط من (أ).\n(٤) انظر: جامع البيان (٢٦/ ٣٨)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢٨٠)، النكت والعيون (٥/ ٢٩٨).\n(٥) أبو حاتم هو: سهل بن محمد بن عثمان بن يزيد الجُشَمي السِّجِّستاني، البصري، المقرئ، النحوي، اللغوي، أبو حاتم السِّجِّستاني، نزيل البصرة وعالمها، كان إمامًا في علوم الآداب، وعنه أخذ علماء عصره كابن دريد والمبرد وغيرهما، وكان عالمًا باللغة والشعر، حسن العلم بالعروض، وتصدر للإقراء والحديث والعربية، وله كتاب: \" إعراب القرآن \"، وكتاب \" ما يلحن فيه العامة \"، وكتاب \" المقصور والممدود \"، وكتاب \" المقاطع والمبادئ \"، وكتاب \" القراءات \"، وكتاب \" اختلاف المصاحف \"، وغير ذلك، تُوُفِّي آخر سنة خمس وخمسين ومائتين، وقيل: سنة خمسين ومائتين للهجرة. [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: وفيات الأعيان (٢/ ٤٣٠)، سير أعلام النبلاء (١٢/ ٢٦٨)، غاية النهاية (١/ ٣٢٠)].\n(٦) قلت: هذا الوقف لم يقفه أبو حاتم السِّجِّستاني، وإنما قال: \" أخبرني من لا أطمئن إليه أن الوقف ﴿وَلَا تَسْتَعْجِلْ﴾ ثم ابتدأ: ﴿لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ﴾ أي: لهم ... بلاغٌ، - قال-: وهذا مما لا أعرفه، ولا أدري كيف تفسيره؟ وهو عندي غير جائز \". [انظر: القطع والائتناف ... (ص: ٤٨٢)].","vol":"1","page":2860},{"text":"و﴿بَلَاغٌ﴾: مبتدأ، و﴿لَهُمْ﴾: خبره، وما بينهما اعتراض قائم بنفسه مُتَّصل به في المعنى (١).\nوقيل: ﴿بَلَاغٌ﴾ واقع موقع بَلَغَ.\nقيل: إنها منسوخة بآية السَّيف، وقيل: مُحكمة (٢) (٣).\n﴿فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ (٣٥)﴾\nالمشركون، أي: فلن يُهلك بعد هذا البلاغ بعذاب الله إلا من خرج عن طاعة الله (٤).\nقيل: إنَّها أرجى آية في الرحمة.\nوعن مقاتل: \" أنَّها نزلت يوم أُحُد \" (٥).\n[وصلَّى الله على محمد، وآله وصحبه أجمعين].\n_________\n(١) انظر: البيان في غريب إعراب القرآن (٢/ ٣٧٣)، المحرر الوجيز (٥/ ١٠٨).\n(٢) \" وقيل: محكمة \" ساقط من (أ).\n(٣) انظر: الناسخ والمنسوخ؛ لهبة الله بن سلامة (ص: ١١٤)، نواسخ القرآن؛ لابن الجوزي (ص ٢٢٨)، وفيه يقول ابن الجوزي: \" قوله تعالى ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ زعم بعضهم أنها نسخت بآية السيف، ولا يصح له هذا إلا أن يكون المعنى: فاصبر عن قتالهم وسياق الآيات يدل على غير ذلك، قال بعض المفسرين: كأنه ضجر من قومه فأحب أن ينزل العذاب بمن أبى منهم فأمر بالصبر \".\n(٤) في (ب) \" من طاعة الله \".\n(٥) تفسير مقاتل (٣/ ٢٣١).","vol":"1","page":2861},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-153>سورة محمد - ﷺ </span>- (١)\nثمان وثلاثون آية (٢) (٣) مدنية (٤) ويُقال لها: سورة القِتَال (٥).\nابن عباس وقتادة إلاّ آية، نزلت حين خرج رسول الله - ﷺ - من مكة فنظر إليها حَزنًا عليها وهي قوله (٦): ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ﴾ (٧).\n﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: منعوا الناس عن الإيمان صدًّا، وامتنعوا صُدودًا.\n﴿أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (١)﴾: جعلها ضلالًا على غير هدىً.\nوقيل: أبطل كيدَهم بالمؤمنين.\nوقيل: أبطل ثوابَها وصيّرها عِقابًا.\n_________\n(١) سُمِّيت هذه السورة في كتب السُّنة \" سورة محمد \"، وكذلك ترجمت في صحيح البخاري من رواية أبي ذر عن البخاري وكذلك في التفاسير قالوا: وتسمى \" سورة القتال \"، ووقع في أكثر روايات صحيح البخاري \" سورة الذين كفروا \"، والأشهر الأول ووجهه أنها ذكر فيها اسم النبي - ﷺ - في الآية الثانية منها فعرفت به قبل سورة آل عمران التي فيها ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ [آل عمران: (١٤٤)]، وأمَّا تسميتها \" سورة القتال \" فلأنها ذكرت فيها مشروعية القتال ولأنها ذكر فيها لفظه في قوله تعالى: ﴿وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ﴾ ... أنَّ المعني بها هذه السورة فتكون تسميتها \" سورة القتال \" تسمية قرآنية. [التحرير والتنوير (٢٦/ ٧١)].\n(٢) \" ثمان وثلاثون آية \" ساقطة من (ب).\n(٣) وهذا العدُّ للآيات على عدِّ أهل الكوفة [انظر: البيان في عدِّ آي القرآن (ص: ٢٢٨)، المحرر الوجيز (٥/ ١٠٩)].\n(٤) قال ابن عطية: \" هذه السورة مدنية بإجماع غير أنَّ بعض الناس قال في قوله تعالى: \" ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ﴾ [محمد (١٣)] إنها نزلت بمكة في وقت دخول النبي فيها عام الفتح أو سنة الحديبية، وما كان مثل هذا فهو معدود في المدني، لأنَّ المراعى في ذلك إنما هو ما كان قبل الهجرة أو بعدها \" ... [المحرر الوجيز (٥/ ١٠٩)، وانظر: جامع البيان (٢٦/ ٣٨)، البيان في عدِّ آي القرآن (ص: ٢٢٨)].\n(٥) في (ب) \" سورة القتال، ويقال لها: سورة محمد - ﷺ - مدنية.\n(٦) \" قوله \" ساقطة من (أ).\n(٧) انظر: النكت والعيون (٥/ ٢٩٠)، زاد المسير (٧/ ١٨٥)، الجامع لأحكام القرآن (١٦/ ٢١٦).","vol":"1","page":2862},{"text":"وقيلَ: أبطل صلتَهم الأرحامَ، وإطعامَ الطعامِ، وعمارتَهم المسجد الحرام (١).\nوعن ابن عباسٍ - ﵄ -: \" أنها نزلت في المطعِمينَ (٢) يومَ بدرٍ \" (٣).\nمقاتل: \" كانوا اثني عشرَ رجلًا \" (٤).\nالنقاش: هم: أبو جهل، وعُتبةُ، وشيبةُ، والوليدُ بنُ عتبةَ، وعُقبةُ بنُ أبي مُعيطٍ (٥)، وأُميّةُ بنُ خلَفٍ (٦)، ومُنَبِّهُ (٧)، ونُبَيهُ (٨)، وحكيمُ بنُ حِزامٍ (٩)، وزَمعةُ بنُ الأسودِ (١٠)، والحارثُ بنُ عامر ابنِ نوفلَ (١١)، وأبو البَخْتَريّ (١٢). كانوا يصدُّون الناسَ عن الإيمانِ، ويأمرونهم بالكفر (١٣).\n_________\n(١) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٣٣)، جامع البيان (٢٦/ ٣٨)، النكت والعيون (٥/ ٢٩٠).\n(٢) هم كفَّار قريش الذين تكفَّلوا بإطعام الكفَّار وزادهم يوم بدر.\n(٣) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١١٠١)، المحرر الوجيز (٥/ ١٢١)، الجامع لأحكام القرآن (١٦/ ٢١٦).\n(٤) تفسير مقاتل (٣/ ٢٣٣).\n(٥) عقبة بن أبي معيط [أبان] بن ذكوان بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي، وكان من شر عباد الله وأكثرهم كفرا وعنادًا وبغيًا وحسدًا وهجاءً للإسلام وأهله، وكان يؤذي النبي - ﷺ - وهو يصلي بمكة، وقد أسر في معركة بدر، وكان الذي أسره عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلِمَةَ أَحَدُ بَنِي الْعَجْلان، وفي أثناء عود النبي - ﷺ - إلى المدينة حتى إذا كان رسول الله - ﷺ - بالصفراء أمر بقتل النضر بن الحارث، قتله علي بن أبي طالب، ثم خرج حتى إذا كان بعرق الظبية قتل عقبة بن أبي معيط، وكان الذي قتله عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح، أخو بني عمرو بن عوف. [انْظُر: البداية والنهاية (٥/ ١٨٨)، السِّيرة النبوية؛ لابن هشام (١/ ٦٤٤)].\n(٦) أُمَيَّة بن خَلَف وهب، من بني لؤي، وكان مع أخيه أُبي على شرِّ ما عليه أحد من أذى رسول الله - ﷺ - وتكذيبه، وكان أحد جبابرة قُريش في الجاهلية، ومن ساداتهم، أدرك الإسلام، ولم يُسلم، وقد أَسَرَه عبد الرحمن بن عوف يوم بدر، فرآه بلال فصاح بالناس يحرِّضهم على قتله، فقتله خُبيب وبلال، وقيل: قتله رِفاعة ابن رافع الأنصاري. [انْظُر تَرْجَمَتَهُ: الكامل (٢/ ٤٨)، الأعلام (٢/ ٢٢)].\n(٧) مُنَبِّه بن الحجاج بن عامر بن حذيفة السعدي السهمي القرشي، من أشراف قريش في الجاهلية وزنادقتها.\nتعلَّم الزندقة من نصارى الحيرة، وكان نديمًا لطعيمة بن عدى، وحضر معه وقعة (بدر) ونحر منبه عشرًا من الإبل، وقتله أبو قيس الأنصاري في تلك الوقعة، وقيل: قتله علي بن أبي طالب - ﵁ -. [انْظُر تَرْجَمَتَهُ: السِّيرة النبوية؛ لابن هشام (١/ ٧١٢)، الأعلام (٧/ ٢٨٩)].\n(٨) نُبَيه بن الحجاج بن عامر بن حذيفة السعدي السهمي القرشي، أبو الرزام، شاعر، من ذوي الوجاهة في قريش قبل الإسلام، وكان نديمًا للنضر بن الحارث، وكان هو وأخوه منبه من \" المقتسمين \"، وهم سبعة عشر رجلًا من قريش اقتسموا أعقاب مكة يصدون الناس عن رسول الله - ﷺ -، وقتل مع أخيه منبه، مشركين، في وقعة بدر قَتَلَهُ أَبُو الْيَسَرِ أَخُو بَنِي سَلِمَةَ، وقيل: حمزة بن عبد المطلب - ﵁ -. [انْظُر تَرْجَمَتَهُ: السِّيرة النبوية؛ لابن هشام (١/ ٧١٢)، الأعلام (٨/ ٨)].\n(٩) حَكِيم بن حزام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب، أبو خالد القرشي الأسدي، ابن أخي خديجة بنت خويلد، أم المؤمنين - ﵂ -، وكان من أشراف قريش، وعقلائها، ونبلائها، في الجاهلية والإسلام، ولد في جوف الكعبة، وأسلم يوم الفتح، وحسن إسلامه، وغزا حنينًا والطائف، تُوفي - ﵁ - بالمدينة سنة أربع وخمسين للهجرة. [انْظُرْ تَرْجَمَتَه: الاستيعاب (١/ ٤١٨)، سير أعلام النبلاء (٣/ ٤٤)].\n(١٠) زَمْعَةُ بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى القرشي، من وجهاء قريش وسادتهم في الجاهلية، وقد قتل على الشرك ببدر، قيل: قَتَلَهُ ثَابِتُ بْنُ الْجِذْعِ، أَخُو بَنِي حَرَامٍ، وقيل: اشْتَرَكَ فِيهِ حَمْزَةُ وَعَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ [انظر: الطبقات؛ لابن سعد (٢/ ٢٥٧)، السيرة النبوية؛ لابن هشام (١/ ٧٠٩)].\n(١١) الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف، كان من أشراف قريش في الجاهلية، وكان من المطعمين ببدر، وقتل بها وهو مشرك قتله خُبِيبُ بْنُ عدي - ﵁ -. [انظر: الطبقات؛ لابن سعد (٢/ ٢٥٧)، السيرة النبوية؛ لابن هشام (١/ ٧٠٩)].\n(١٢) أبو البَخْتَري، هو: العاص (أو العاصي) بن هشام بن الحارث بن أسد بن عبد العزى، أبو البَخْتَري: من زعماء قريش في الجاهلية، كان ممن نقض الصحيفة التي تعاقد فيها مشركو قريش على مقاطعة بني هاشم وبني المطلب حتى يسلموا إليهم محمدا - ﷺ - واتفق مع آخرين على تمزيقها، فشقوها، ولم يعرف عنه إيذاء للنبي - ﷺ - بل كان في بدء الدعوة يكف الناس عنه، ولما كانت وقعة (بدر) حضرها مع المشركين، من قريش وغيرهم: ونحر لهم على ماء بدر عشرة جزر، وقد نهى النبي - ﷺ - عن قتله، إلا أن المُجَدَّر بن ذِياد البلوي قتله بعد محاولة أسْره؛ لأنه أراد القتال مع زميله جُنادة بن مُليحة. [انْظُرْ تَرْجَمَتَه: البداية والنهاية (٥/ ١٣٠)، الأعلام [(٣/ ٢٤٧)].\n(١٣) انظر: النكت والعيون (٥/ ٢٩١).","vol":"1","page":2863},{"text":"و﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾: كلُّ ما أُريدَ به وجهُ الله.\n﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: بالمواساة: يعني: الأنصارَ.\nوقيل: بالهجرة، يعني: المهاجرين. وقيل: هم المهاجرون والأنصارُ، وقيل: هو (١) عامٌّ.\n﴿وَآَمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ﴾: يعني: القرآنَ.\n﴿وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾: لأنه ناسخٌ لسائر الكتب، والناسخُ حقٌّ.\nوقيل: ﴿هُوَ﴾: يعودُ إلى محمدٍ - ﷺ -، وقيل: يعودُ إلى إيمانهم.\n﴿كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾: غفرها لهم وسترها عليهم.\n﴿وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ (٢)﴾: شأنهم في دينهم ودُنياهم (٢).\n_________\n(١) \" هو \" ساقطة من (ب).\n(٢) انظر: تفسير مجاهد (٢/ ٥٩٧)، جامع البيان (٢٦/ ٣٩)، النكت والعيون (٥/ ٢٩١).","vol":"1","page":2864},{"text":"والبالُ لا يُثنّى ولا يُجمعُ.\nالنقاشُ: ﴿بَالَهُمْ﴾: \" قلوبُهم، أي: أمرُ دينِهم، وأنشد:\nلو كنتُ من بالكَ لم تنسني ... لكنني لم أكُ من بالكا \" (١)\n﴿ذَلِكَ﴾: إشارةٌ إلى الإضلالِ والإصلاح.\n﴿بِأَنَّ﴾: بسبب أنَّ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ﴾: الشيطان ووساوسه.\n﴿وَأَنَّ﴾: وبأنَّ ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾: محمد أو القرآن.\n﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ﴾: يبين الله.\n﴿لِلنَّاسِ﴾: محمد - ﷺ -، وقيل: عامٌّ.\n﴿أَمْثَالَهُمْ (٣)﴾: أمثالُ حسنات المؤمنين وسيئات الكافرين.\nوقيل: ﴿أَمْثَالَهُمْ﴾: صفاتُ أفعالِهم، وقيل: إخباره (٢) عن الفريقين بغير تصريحٍ مثلٌ مضروب لَهما؛ لأنه مثّل لحالِهما، وهذا حقيقةُ ضربِ المثل.\n﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: في دار الحرب (٣)، وقيل: في القتال.\n﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾: فاضربوا أعناقهم (٤).\nوخصَّ الرقابَ؛ لأنه لا يعيشُ بعدَه (٥).\nوقيل: هذا تعليمُ للقتل (٦)، وقيل: كنايةٌ عن القتل بالسلاح.\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) في (ب) \" إخبار \".\n(٣) في (ب) \" من دار الحرب \".\n(٤) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٣٤)، جامع البيان (٢٦/ ٤٠).\n(٥) انظر: معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ٤٦١)، غرائب التفسير (٢/ ١١٠٢).\n(٦) في (ب) \" تعليم القتل \".","vol":"1","page":2865},{"text":"و\" ضرب الرِّقاب \": مصدرٌ مضافٌ إلى المفعول (١).\n﴿حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ﴾: ظفرتم بهم، وأكثرتم فيهم القتلَ، وثقُل أمرُكم عليهم (٢).\nوأصلُ الثَّخْن: الثِّقَلُ (٣).\n﴿فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾: إئسروهم، وشدُّوهم بالحبال والسيور المحكمَة الوثيقة (٤).\n﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾: أيْ: إمَّا أنْ تَمُنُّوا عليهم بعفوٍ من غير عوضٍ، وإمَّا أنْ تُفادوهم فِداءً بمالٍ.\nوقيل: إِمَّا ﴿مَنًّا﴾ بالعتق (٥)، ﴿وَإِمَّا فِدَاءً﴾ بالبيع (٦).\nوالفداءُ ها هنا مصدرُ: (فادى)، فهو ممدودٌ مكسورٌ.\nوإذا كان من (فدَيتُ): جاز فيه المدُّ مفتوحًا، ومكسورًا، ومضمومًا، وجاز القصرُ مضمومًا لا غير (٧).\n﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾: ﴿حَتَّى﴾ متّصلٌ بالقتل والأسر.\nالحسن: فيه تقديمٌ وتأخيرٌ: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ ... حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ (٨).\nوالمعنى عند الفرّاء: \" حتى تضعَ حربُكم أوزارَ كفرِكم بالإسلام، أي: آثامكم، فلا يبقى إلاّ مسلمٌ أو مسالِمٌ\" (٩).\n_________\n(١) انظر: مشكل إعراب القرآن (٢/ ٦٧١)، غرائب التفسير (٢/ ١١٠٢).\n(٢) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٣٤)، جامع البيان (٢٦/ ٤٠).\n(٣) انظر: كتاب العين (٤/ ٢٤٨) مادة \" ثَخَنَ\"، لسان العرب (١٣/ ٧٧) مادة \" ثَخَنَ \".\n(٤) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٣٤)، جامع البيان (٢٦/ ٤٠)، النكت والعيون (٥/ ٢٩٣).\n(٥) في (أ) \" وقيل: ﴿مَنًّا﴾ بالعتق \".\n(٦) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٣٤)، جامع البيان (٢٦/ ٤٠)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢٨٢)، النكت والعيون ...\n(٥/ ٢٩٣).\n(٧) انظر: إعراب القرآن؛ للنَّحاس (٤/ ١١٨)، غرائب التفسير (٢/ ١١٠٢).\n(٨) لم أقف عليه.\n(٩) انظر: معاني القرآن (٣/ ٥٧).","vol":"1","page":2866},{"text":"قتادة: \"حتى لا يكونَ شركٌ (١) \" (٢).\nمجاهدُ وسعيدُ: \" حتى يخرجَ عيسى بن مريمَ - ﵇ - \" (٣).\nوروى أبو هريرة - ﵁ - أنَّ النبيَّ - ﷺ - قال: «يوشكُ مَن عاش منكم أنْ يلقى عيسى إمامًا هاديًا وحكَمًا عدْلًا، يكسرُ الصليبَ، ويقتلُ الخنزيرَ، وتضع الحرب أوزارها، حتى تدخلَ (٤) كلمةُ الإخلاص كلَّ بيتٍ من وَبَرٍ أو مَدَرٍ، بعزِّ عزيزٍ أو ذُلّ ذليلٍ، ويبتزُّ قريشًا الإمارةَ» (٥)، أي: ينزعُها عنهم.\nوقيل: حتى يضعَ أهلُ الحرب أوزارَ الحرب، وهي السلاح. وفسّره الأعْشَى (٦): رماحًا وخيلًا ودروعًا (٧).\n_________\n(١) في (ب) \" مشرك \".\n(٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٢٢١)، وابن جرير في جامع البيان (٢٦/ ٤٢).\n(٣) وسعيد أي: ابن جبير [انظر: تفسير مجاهد (٢/ ٥٩٧)، وأخرجه عنه ابن جرير في جامع البيان (٢٦/ ٤٢) وأورده النحاس في معاني القرآن (٦/ ٤٦٣)، والكرماني في غرائب التفسير (٢/ ١١٠٣)].\n(٤) في (ب) \" حتى يدخل \".\n(٥) هذا الحديث لم أقف عليه بهذا اللفظ، والظاهر أن هذا اللفظ لحديثين مختلفين، فالأول أخرجاه في الصحيحين بنحوهما، فالبخاري في كتاب أحاديث الأنبياء، باب: نزول عيسى بن مريم - ﵉ -، برقم (٣٤٤٨)، ولفظه: عن أبي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمْ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَدْلًا، فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلَ الْخِنْزِيرَ وَيَضَعَ الْجِزْيَةَ، وَيَفِيضَ الْمَالُ حَتَّى لا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ حَتَّى تَكُونَ السَّجْدَةُ الْوَاحِدَةُ خَيْرًا مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا ..»، ومسلم في كتاب الإيمان، باب: نزول عيسى بن مريم حاكما بشريعة نبينا محمد - ﷺ - برقم (٣٨٧) عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمْ ابْنُ مَرْيَمَ - ﷺ - حَكَمًا مُقْسطًا، فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلَ الْخِنْزِيرَ وَيَضَعَ الْجِزْيَةَ، وَيَفِيضَ الْمَالُ حَتَّى لا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ»، والثاني أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٤/ ١٠٣)، عن تميم الداري قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين، بعزِّ عزيز أو بذل ذليل، عزًا يعز الله به الإسلام، وذلًا يذل الله به الكفر»، وكان تميم الداري يقول: \" قد عرفت ذلك في أهل بيتي، لقد أصاب من أسلم منهم الخير والشرف والعز، ولقد أصاب من كان منهم كافرًا الذل والصغار والجزية \"، والحديث قال عنه الشيخ شعيب الأرنؤوط في تعليقه على المسند: \" إسناده صحيح على شرط مسلم \".\nوأخرج ابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٧/ ٤٩٩)، عن زيد بن أسلم قال: \" يهبط المسيح عيسى بن مريم إمامًا مقسطًا وحكمًا عدلًا، يكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، وتضع الحرب أوزارها، وتُنْبَرُ قريش ... الإمارة».\n(٦) الأعشى، هو: ميمون بن قيس بن جندل، من بني قيس بن ثعلبة الوائلي، أبو بصير، المعروف بأعشى قيس، ويقال له: أعشى بكر بن وائل، والأعشى الكبير، وهو من شعراء الطبقة الأولى في الجاهلية، وأحد أصحاب المعلقات، وقد سُمِّي بـ (صناجة العرب)، عاش عمرًا طويلا، ولقب بالأعشى لضعف بصره، وعمي في أواخر عمره، وأدرك الإسلام ولم يسلم؛ لأخذه برأي قريش، وقد توفي أثناء عودته من مكة ألقاه بعيره فقتلة بحي منفوحة بمدينة الرياض [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: الشعر والشعراء (ص: ١٤٢)، الأعلام (٧/ ٣٤١)].\n(٧) يعني قول الأعشى: وَأَعْدَدْتُ لِلْحَرْبِ أَوْزَارَهَا ... رِمَاحًا طِوَالًا وَخَيْلًا ذُكُورًا\n[انظر: الكشاف (٤/ ٣٢٠)، غرائب التفسير (٢/ ١١٠٣)].","vol":"1","page":2867},{"text":"وقيل: حتى تضعَ (١) الحربُ ثِقَلَها عنكم، وتخفَّ عليكم (٢).\nوقيل: الحربُ جمعُ حاربٍ، فلا يحتاجُ إلى إضمار الأهل.\nوفي النسخ أقوالٌ:\nقال بعضهم: الآيةُ منسوخةٌ، وهي في أهل الأوثان، لا يجوزُ أنْ يُفادوا ولا يُمنُّ عليهم، والناسخُ لها: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾، [التوبة: (٥)].\nوقال بعضُهم: هي ناسخةٌ، ولا يجوزُ أنْ يُقتَلَ الأسيرُ ولكنْ يُمَنُّ عليه أو يُفادي.\nوقال بعضُهم: لا يجوزُ الأسرُ إلاّ بعدَ الإثخان والقتل، فإذا أُسرَ العدوُّ بعد ذلك فللإمامِ أنْ يحكمَ فيه بما يرى من قتلٍ أو منٍّ أو مفاداةٍ (٣) (٤).\n﴿ذَلِكَ﴾: أي الحكم فيهم ذلك. فهو مبتدأٌ وخبرٌ، وقيل: أفعل بهم ذلك، فهو نصبٌ.\n_________\n(١) في (أ) \" قَضَعَ \".\n(٢) في (أ) \" ويخف عليكم \".\n(٣) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٣٤)، جامع البيان (٢٦/ ٤١)، معاني القرآن؛ للنَّحَّاس (٦/ ٤٦٢) النَّاسخ ... والمنسوخ؛ للنَّحَّاس (ص: ٦٦٨).\n(٤) قال ابن جرير: \" والصواب من القول عندنا في ذلك أنَّ هذه الآية محكمة غير منسوخة، وذلك أنَّ صفة الناسخ والمنسوخ ما قد بينا في غير موضع في كتابنا، إنه ما لم يجز اجتماع حكميهما في حال واحدة أو ما قامت الحجة بأن أحدهما ناسخ الآخر، وغير مستنكر أن يكون جعل الخيار في المَّنِّ والفداء والقتل إلى الرسول - ﷺ - وإلى القائمين بعده بأمر الأمة، وإن لم يكن القتل مذكورًا في هذه الآية؛ لأنَّه قد أذن بقتلهم في آية أخرى، وذلك قوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ الآية [التوبة: (٥)]، بل ذلك كذلك؛ لأنَّ رسول الله - ﷺ - كذلك كان يفعل فيمن صار أسيرًا في يده من أهل الحرب فيقتل بعضًا ويفادي ببعض، ويمنُّ على بعضٍ مثل يوم بدر، قتل عقبة بن أبي معيط، وقد أتي به أسيرًا، وقتل بني قريظة وقد نزلوا على حكم سعد وصاروا في يده سلمًا، وهو على فدائهم والمنّ عليهم قادر، وفادى بجماعة أسارى المشركين الذين أسروا ببدر، ومَنَّ على ثمامة بن أثال الحنفي وهو أسير في يده، ولم يزل ذلك ثابتًا من سِيره في أهل الحرب من لدن أذن الله له بحربهم إلى أن قبضه إليه - ﷺ - دائمًا ذلك فيهم، وإنَّما ذكر جلَّ ثناؤه في هذه الآية المنَّ والفداء في الأسارى فخصَّ ذكرهما فيها، لأنَّ الأمر بقتلهما والإذن منه بذلك قد كان تقدم في سائر آي تنزيله مكررًا فأعلم نبيه - ﷺ - بما ذكر في هذه الآية من المَنَّ والفداء ماله فيهم مع القتل \". [جامع البيان (٢٦/ ٤٢)].","vol":"1","page":2868},{"text":"﴿وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ﴾: بغير قتالٍ، أو بغيركم، أو بالملائكة، أو يُسلّطُ عليهم أضعفَ خلقِه.\n﴿وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾: يمتحنكم بمقاتلة الكفُّار؛ ليظهر المحقُّ من المبطِلِ، فيُجازيكم على ما يظهر.\n﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: أيْ: الشهداء.\nوقُرئ: ﴿قَاتَلُوا﴾، أيْ: المجاهدين (١).\n﴿فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (٤)﴾: خلافَ الكفَّار.\n﴿سَيَهْدِيهِمْ﴾: إلى الثواب، يعني: الشهداء، وقيل: يُثَبِّتُهم على الهدايةِ، يعني: المجاهدين، وقيل: سيهديهم إلى جواب المُنْكَر والنَّكِير في القبر.\n﴿وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (٥)﴾: أمرُ معاشهم في الدنيا، وقيل: حالُهم في النعيم.\nوكُرِّر؛ لأن الأولَ سببُ النعيم، والثاني نفسُ النعيم (٢).\nويحتمل على قول النقّاش: \" قلوبهم \" (٣) بإخراج الغلِّ منها.\n﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (٦)﴾: جعلَ كلَّ واحدٍ يعرفُ منزلَه من الجنة (٤).\nوقيل: يُعرِّفُها لهم الحفَظَةُ.\nابن عيسى: ﴿عَرَّفَهَا﴾ بوصفها [على مايُشَوِّق إليها ليعملوا بما يستوجبونها \" (٥).\n_________\n(١) قرأ أبو عمرو وحفص عن عاصم ﴿قُتِلُوا﴾ بضم القاف وكسر التاء خفيفة، وقرأ الباقون وأبو بكر عن عاصم ﴿قَاتَلُوا﴾ بألف. [انظر: جامع البيان (٢٦/ ٤٣)، السبعة في القراءات (ص: ٦٠٠)، معاني القراءات (ص: ٤٥٠)، الحجة (٦/ ١٩٠)، التيسير (ص: ١٦٢)].\n(٢) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١١٠٣).\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٣٤)، جامع البيان (٢٦/ ٤٤).\n(٥) انظر: النكت والعيون (٥/ ٢٩٤).","vol":"1","page":2869},{"text":"وقيل: عَرَّفهم حال الجنة ومآلهم فيها بما وصفها] (١) به في القرآن \".\nوقيل: طيّبها لهم، من العَرْف، وهو: الريحُ الطَّيِّبةُ التي تقبلُها النفسُ.\nوقيل: عَرَّف أهلَ السماءِ أنها لهم. حكاه الماورديّ (٢).\nوقيل: عَرّف أن طريقَ الوصول إليها بالحسنات (٣).\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ﴾: أي: نبيَّ الله بالجهادِ معه لإظهار (٤) دين الله (٥).\n﴿يَنْصُرْكُمْ﴾: على عدوّكم.\n﴿وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (٧)﴾: يُشجّعْكم ويقوِّيكم فتَثبتوا (٦) وتُنصروا.\nوقيل: يُثبِّتُ أقدامَكم على الصراطِ.\nقتادة: \" حقٌّ على الله أنْ ينصرَ مَن نصره؛ لقوله: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ [محمد: ٧]، وأنْ يزيدَ مَن شكره؛ لقوله: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧]، وأن يذكرَ مَن ذكره؛ لقوله: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢]، وأنْ يُوفِّي بعهده (٧)؛ لقوله: ... ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠] \" (٨).\n﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ﴾ في الدنيا بالقتل، وفي العُقبى بالتردِّي في النار، أي: عثارًا لهم، ضدّ الانتعاش وتثبيت الأقدام.\nوقيل: ﴿تَعْسًا﴾: هلاكًا، وكسْرًا، وحُزنًا، وبُعدًا، وشقاءً، وشتمًا، وخيبةً، وقُبحًا، ورغْمًا.\n_________\n(١) ما بين المعقوفتين ساقط من (ب).\n(٢) انظر: النكت والعيون (٥/ ٢٩٤).\n(٣) في (ب) \" الحسنات \".\n(٤) في (أ) \" لإظها \".\n(٥) انظر: جامع البيان (٢٦/ ٤٥)، تفسير الثعلبي (٩/ ٣١)، النكت والعيون (٥/ ٢٩٤).\n(٦) في (ب) \" ويقوّ قلوبكم فتثبتوا \".\n(٧) في (ب) \" بعهدكم \".\n(٨) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (٢٦/ ٤٥) مختصرًا، وأورده الكرماني في غرائب التفسير (٢/ ١١٠٤).","vol":"1","page":2870},{"text":"هذا كلُّه كلامُ المفسِّرين (١)، والوجه هو الأول، والمعنى: تعسِهم الله فَتَعِسُوا تعسًا، ولهذا عطف عليه بالفعلِ، فقال: ﴿وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (٨)﴾: أي: التي لولا كفرُهم لكانتْ حسناتٍ.\n﴿ذَلِكَ﴾: أي: التعْسُ والإضلالُ (٢) ﴿بِأَنَّهُمْ﴾: بسبب أنهم.\n﴿كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾: استثقلوا القرآن.\n﴿فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٩)﴾: فلم ينالوا بها خيرًا.\nابن عيسى: \"إنما كَرَّر ليكونَ كلَّما ذُكروا وُصل ذكرُهم بالذمّ والتحقير والإخبار بسوء الحال \" (٣).\n﴿* أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾: يعني: كفارَ أمَّتكَ.\n﴿فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: استفهامٌ بمعنى الأمر، أي: سيروا.\nوقيل: بمعنى الخبر، أي: ساروا في الأرض، فهلاّ اعتبروا بما رأوا من سوء عاقبة مَن تقدَّمهم مِمَّن فعلوا فعلَهم.\nوقيل: هلاّ قرؤوا القرآن ليعرفوا حالَ مَن تقدَّمهم، فيعتبروا.\nقوله: ﴿فَيَنْظُرُوا﴾: يجوزُ أنْ يكونَ جزمًا على اللفظ (٤)، ويجوزُ أنْ يكونَ نصبًا على الجواب (٥).\n﴿دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾: أهلكهم إهلاكَ استئصال (٦).\n﴿وَلِلْكَافِرِينَ﴾: ولمشركي قريشٍ.\n_________\n(١) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٣٥)، معاني القرآن، جامع البيان (٢٦/ ٤٥)، تفسير الثعلبي (٩/ ٣١)، النكت والعيون (٥/ ٢٩٥).\n(٢) في (أ) \" والضَّلال \".\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) في (ب) \" على العطف\".\n(٥) انظر: إعراب القرآن؛ للنَّحاس (٤/ ١١٩)، غرائب التفسير (٢/ ١١٠٣).\n(٦) انظر: جامع البيان (٢٦/ ٤٦)، معاني القرآن؛ للزَّجاج (٥/ ٧)، معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ٤٦٨).","vol":"1","page":2871},{"text":"﴿أَمْثَالُهَا (١٠)﴾: أمثالُ تلك العقوبات وتلك العاقبة.\n﴿ذَلِكَ﴾: إشارةٌ إلى النصْر والتَّعْس.\n﴿بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آَمَنُوا﴾: أي: وليُّهم وناصرُهم.\n﴿وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (١١)﴾: لا من الله سبحانه، ولا من غيره.\nوسأل عليّ - ﵁ - ابنَ الكواء (١): مَن رب السماوات؟ فقال: الله، فقال: مَن مولى الناس؟ فقال: الله، فقال: كذبتَ؛ ﴿اللَّه مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا، وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ (٢).\nالمبرّد: \" الله مولى العبد من ثلاثة أوجه: الاختراعُ، وملكُ التصرُّف فيه، وهو غيرُ الاختراع، والنُّصرةُ والوِلايةُ.\nفهو وليُّ المؤمنين والكافرين من جهة الاختراع والتصرُّف فيهم، ومولى المؤمنين خاصّةً من جهة النُّصرة والوِلاية \" (٣).\n﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ كلُّ ما اغترفتَ منه فهو تحتك.\n﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ﴾: بنعيم الدنيا.\n﴿وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ﴾: شبَّهَهُم بالأنعام لأكلِهم بالشَّرَه والنَّهَم، ولجهلِهم عاقبة أمرِهم وما يجبُ عليهم معرفتُه، ولتركِهم الاستدلال بالآيات، ولأن الأكلَ على وجهين: أكلُ الشهوة والمصلحةِ، وهو أكلُ العاقل، وأكلُ الشهوة (٤) فقط، وهو أكلُ الأنعامِ والبهائمِ.\n_________\n(١) عبد الله بن الكواء: من رؤوس الخوارج، وله أخبار كثيرة مع علي وكان يلزمه ويعييه في الأسئلة، وقد رجع عن مذهب الخوارج وعاود صحبة علي \". [انظر: ميزان الاعتدال (٢/ ٤٧٤)، لسان الميزان (٢/ ٥٦)].\n(٢) انظر: تفسير السمعاني (٥/ ١٧٢).\n(٣) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١١٠٥).\n(٤) في (أ) \" وأكل للشهوة \".","vol":"1","page":2872},{"text":"﴿وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (١٢)﴾: يجوزُ أنْ يكونَ \" المثوى\" في محلِّ رفعٍ بالخبر، ويجوزُ أنْ يكونَ في محلِّ نصبٍ بالحال، و﴿لَهُمْ﴾ (١) الخبر (٢).\n﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾: أي: وكم من قريةٍ؟، فهي للتكثير (٣)، والمعنى: أهل قريةٍ.\n﴿هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ﴾: أي: أخرجك أهلُها.\n﴿أَهْلَكْنَاهُمْ﴾: بأنواع العذاب.\n﴿فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ (١٣)﴾: لم يكنْ لهم مَن ينصرُهم ويدفعُ العذابَ عنهم.\nوقيل: ولا ناصر لهم الآن فينتقمَ لهم.\n﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [على حُجَّة وبرهانٍ، وعقلٍ وتبيانٍ.\nقيل: هو محمد - ﷺ -، والبينة: القرآن.\nوقيل: هم المؤمنون، والبينة: معجزة للنبي] (٤) (٥).\n﴿كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾: زيّن له (٦) الشيطانُ، وسوَّلتْ له نفسُه (٧).\n﴿وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (١٤)﴾: جُمع على معنى ﴿مَن﴾ (٨).\nوقيل: هم جميعُ الكفّار، وقيل: الاثنا عشر الذين (٩) تقدّم ذكرُهم، وقيل: هم الكافرون.\n_________\n(١) في (أ) \" وله \".\n(٢) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ٥٩)، إعراب القرآن؛ للنَّحاس (٤/ ١٢٠)، غرائب التفسير (٢/ ١١٠٥).\n(٣) في (أ) \" وهي للتَّكثير \".\n(٤) ما بين المعقوفتين ساقط من (ب).\n(٥) انظر: جامع البيان (٢٦/ ٤٨).\n(٦) \" له \" ساقطة من (ب).\n(٧) انظر: جامع البيان (٢٦/ ٤٨)، النكت والعيون (٥/ ٢٩٧).\n(٨) انظر: معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ٤٧١)، إعراب القرآن؛ للنَّحاس (٤/ ١٢١).\n(٩) في (ب) \" الذي \".","vol":"1","page":2873},{"text":"﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ﴾: المَثَلُ والمِثْلُ واحدٌ.\n﴿الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾: وُعدوا في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ﴾ [الحج: (١٤)] (١).\nو﴿الْمُتَّقُونَ﴾: أمةُ محمد - ﷺ -.\n﴿فِيهَا أَنْهَارٌ﴾: أي: جنةٌ فيها أنهارٌ، فحُذف الموصوفُ، وأُقيمت الصفةُ مقامَه. وفيه ضعفٌ عند سيبويه (٢).\nوأكثرُهم على أن معنى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ﴾: صفةُ الجنة (٣) (٤)، كقوله: ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾، [الفتح: ٩٢]، فيكونُ أيضًا مبتدأً خبره محذوف، والتقدير: صفةُ الجنة فيما نقصُّ (٥) عليكم، ثم شرع في قصَّتها.\nوقيل: (المثَلُ) زيادةٌ، كما يُزاد المِثْل، والتقدير: الجنةُ التي وُعدَ المتّقون فيها أنهارٌ.\n[فـ ﴿الْجَنَّةِ﴾ مبتدأٌ، و﴿فِيهَا أَنْهَارٌ﴾ خبرُه (٦).\nالكِسَائيّ (٧): \" مَثَلُ أصحابِ الجنةِ كمَن هو خالدٌ في النار \" (٨).\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٨)، إعراب القرآن؛ للنَّحاس (٤/ ١٢١).\n(٢) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١١٠٥).\n(٣) \" صفة الجنة \" ساقط من (ب).\n(٤) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ٦٠)، جامع البيان (٢٦/ ٤٩)، معاني القرآن؛ للنَّحاس (٣/ ٥٠١).\n(٥) في (أ) \" يقصُّ \".\n(٦) انظر: مشكل إعراب القرآن (٢/ ٦٧٣)، غرائب التفسير (٢/ ١١٠٥).\n(٧) الكِسائي هو: علي بن حمزة بن عبد الله الأسدي بالولاء الكوفي، أبو الحسن الكسائي، أحد القراء السبعة، كان إمامًا في النحو واللغة والقراءات، انتهت إليه رئاسة الإقراء بالكوفة بعد حمزة الزيات، وكان يؤدب الأمين ... ابن هارون الرشيد ويعلمه الأدب، وتوفي بالري سنة تسع وثمانين ومائة للهجرة. [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: وفيات الأعيان (٣/ ٢٩٥)، غاية النهاية (١/ ٥٣٥)].\n(٨) انظر: إعراب القرآن؛ للنَّحاس (٤/ ١٢١)، مشكل إعراب القرآن (٢/ ٦٧٣)، غرائب التفسير (٢/ ١١٠٦).","vol":"1","page":2874},{"text":"﴿فِيهَا أَنْهَارٌ﴾] (١) جمعُ نهرٍ.\nابن بحرٍ: \" يجوزُ أنْ يكونَ المرادُ بها الأنهار (٢) المعروفةَ، ويجوزُ أنْ يكونَ عبارةً عن كثرةِ هذه الأشياء وسعتِها فيها \" (٣).\n﴿مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آَسِنٍ﴾: أي: غيرُ متغَيِّرِ الرِّيحِ (٤) والطَّعم واللَّون، من قولهم: أسِن الرجلُ إذا أُغُشيَ عليه (٥) من ريحٍ خبيثةٍ (٦).\nو﴿أسِنٍ﴾ - بالقصر - في الحال، و﴿آسن﴾ - بالمدّ - في المآل (٧)، كما تقول: عَوِرَ وحَوِلَ اليومَ، وعاوِرَ وحاوِلَ غدًا.\n﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾: إلى حُموضةٍ وغيرِها مما يعتري الألبان في الدنيا؛ لأنه لم يخرجْ من ضرعٍ (٨).\n﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾: لذيذٌ طعمُها.\nالمبرّدُ \" شرابٌ لذٌّ ولذيذٌ، كطَبٌّ وطبيبٌ، فتكونُ (٩) التاءُ لتأنيثِ الخمرِ \" (١٠).\nوقيل: مصدرٌ، وتقديرُه: خمرٌ ذاتُ لذّةٍ، تُطرِبُ ولا تُسكِرُ ولا تَصرَعُ، وليس بحامضٍ ولا مرٍّ ولا منتنٍ؛ لأنها لم تُعصرٍ بالأيدي والأرجلِ.\n_________\n(١) ما بين المعقوفتين ساقط من (أ).\n(٢) في (ب) \"المراد بالأنهار \".\n(٣) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١١٠٦).\n(٤) في (ب) \" بالرِّيح \".\n(٥) في (ب) \" غُشِيَ عليه \".\n(٦) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ٦٠)، جامع البيان (٢٦/ ٤٩)، معاني القرآن؛ للزجَّاج (٥/ ٨).\n(٧) قرأ ابن كثير وحده ﴿غير أسِنٍ﴾ بهمزة مقصورة في وزن فعل وقرأ الباقون ﴿غَيْرِ آَسِنٍ﴾ ممدودًا. ...\n[انظر: السبعة (ص: ٦٠٠)، معاني القراءات (ص: ٤٥٠)، الحجة (٦/ ١٩٠)، التيسير (ص: ١٦٢)].\n(٨) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٣٦)، معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ٦٠)، جامع البيان (٢٦/ ٤٩).\n(٩) في (أ) \" فيكون \".\n(١٠) انظر: لم أقف عليه.","vol":"1","page":2875},{"text":"﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ من الشمعِ والرَّغوة والعكر والكَدَر؛ لأنه لم يخرجْ من ... بطنٍ (١).\n﴿وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾: مما يُعرَفُ، وما لا يُعرَفُ.\n﴿وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾: وسترُ الذنوبِ وتركُ العِتابِ والتذكيرِ، وفيه كمالُ لذّاتِهم - جعلنا الله من أهل الجنةِ بسعة طَولِه وفضلِه، إنه جوادٌ كريمٌ -.\n﴿كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا﴾: حارًَّا في النهايةِ.\n﴿فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ (١٥)﴾: مجاري شرابِهم إذا دخل أجوافَهم.\nقولُه: ﴿كَمَنْ هُوَ﴾: تقديرُه: أفمَن هو خالدٌ في الجنةِ كمن هو خالدٌ في النار. فحذف إحدى الجملتين؛ لأن ما قبلَها يدلُّ عليها، كما حُذفت الجملةُ الثانيةُ في كثيرٍ من المواضعِ في القرآن وغيره (٢).\nالكسائيّ: \" مَثَلُ أصحابِ الجنةِ كمن هو خالدٌ في النار \" (٣). وقد سبق.\nوقيل: هو عطفٌ على ﴿كَمَنْ زُيِّنَ﴾، فحذف الواو.\nويحتملُ: أنه بدلٌ منه، فلا يحتاجُ إلى الواو.\n﴿وَمِنْهُمْ﴾: من الكافرين، وقيل: من المنافقين.\n﴿مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾: أي: إلى خطابكَ يومَ الجمعةِ، وقد يكونُ فيها عيبُ المنافقين (٤).\nوقيل: كان عبدُ اللهِ بنُ أبيّ بن سلولٍ، ورفاعةُ بن زيد (٥)، ومالكُ بنُ الجُعْشُم (٦)، وأصحابُهم يحضرون مجالسَ النبيِّ - ﷺ - والجمُعاتِ، ويسمعون كلامَه، ولا يعونه كما يعيه المسلمون (٧).\n_________\n(١) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٣٧)، جامع البيان (٢٦/ ٤٩)، معاني القرآن؛ للنحاس (٦/ ٤٧٤).\n(٢) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ٦٠)، جامع البيان (٢٦/ ٤٩)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٩).\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٣٧)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢٨٥)، النكت والعيون (٥/ ٢٩٧).\n(٥) رِفاعة بن زيد بن التابوت، كان مِنْ عُظَمَاءِ يَهُودَ من بني قَيْنُقاع، وقد أسلم نفاقًا، وكان كهفًا للمنافقين، سيئ الأدب مع رسول الله - ﷺ -، وكان إذَا كَلّمَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - لَوَى لِسَانَهُ وَقَالَ: أَرْعِنَا سَمْعَك يَا مُحَمّدُ حَتّى نُفْهِمَك، ثُمّ طَعَنَ فِي الإسلام وعابه، وفي عود النبي - ﷺ - من غزوة بني المُصْطَلق هبت على الناس ريح شديدة آذتهم وتخوفوها فقال رسول الله - ﷺ -: «لا تخافوا فإنما هبت لموت عظيم من عظماء الكفار»، فلما قدموا المدينة وجدوا رفاعة بن زيد بن التابوت قد مات في ذلك اليوم. [انظر: تاريخ الأمم والملوك (٢/ ٢٦٢)، السِّيرة النبوية؛ لابن هشام (١/ ٥٢٦)، (١/ ٥٥٩)].\n(٦) كذا ورد في النسختين (مالك بن الجعشم)، وهو تصحيفٌ من حيث اللفظ، والصواب في الاسم أنه مالك ابن الدُّخْشُم، ويقال: الدُّخْشُن بن غنم بن عوف بن عمرو بن عوف، الأنصاري، وقيل: مالك بن الدُّخشم ... ابن مالك بن الدُّخشم بن مرضخة بن غنم، اختلفوا في شهوده للعقبة، ولم يختلفوا أنه شهد بدرًا وما بعدها من المشاهد، وهو الذي أسر يوم بدر سهيل بن عمرو، وكان يتهم بالنفاق، ولا يصحُّ ذلك فقد نفى عنه النبي - ﷺ - ذلك، ثم هو بدري، وقال أبو عمر بن عبد البر: \" لا يصح عنه النفاق، وقد ظهر من حسن إسلامه ما يمنع من اتهامه. والله أعلم \"، وهو الذي أرسله رسول الله - ﷺ - فأحرق مسجد الضرار، هو ومعن بن عدي. [انْظُرْ تَرْجَمَتَه: الاستيعاب (٣/ ٤٠٥)، أسد الغابة (٥/ ٢٠)، الإصابة (٥/ ٥٣٤)].\n(٧) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٣٧)، النكت والعيون (٥/ ٢٩٧).","vol":"1","page":2876},{"text":"﴿حَتَّى إِذَا خَرَجُوا﴾: انصرفوا وخرج المسلمون.\n﴿مِنْ عِنْدِكَ﴾: يا محمدُ ﴿قَالُوا﴾: أي: هؤلاء المنافقون.\n﴿لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ ... عكرمة: \" هو ابنُ عباس - ﵄ - \" (١).\nوروي عنه أنه قال: «أنا ممن أُوتوا العلمَ بالقرآن» (٢).\nقال عبدُ الله بنُ بريدةَ (٣): هو ابنُ مسعودٍ - ﵁ - (٤).\nوقيل: هو (٥) أبو الدَّرْدَاء (٦).\n_________\n(١) انظر: النكت والعيون (٥/ ٢٩٧).\n(٢) أخرجه ابن جرير بنحوه في جامع البيان (٢٦/ ٥١).\n(٣) عبد الله بن بريدة بن الحَصيب الأسلمي، أبو سهل المروزي، ولاه يزيد بن المهلب القضاء بمرو، قال عنه ابن معين والعجلي وأبو حاتم: \" ثقة \"، توفي بمرو سنة خمس عشرة ومائة للهجرة. [انظُر تَرْجَمَتَه: مشاهير علماء الأمصار (ص: ١٥٤)، تهذيب التهذيب (٥/ ١٣٧)].\n(٤) انظر: النكت والعيون (٥/ ٢٩٧)، تفسير السمعاني (٥/ ١٧٤).\n(٥) \" هو \" ساقط من (ب).\n(٦) أبو الدَّرْداء: عويمر بن عامر، ويقال: عويمر بن قيس بن زيد، وقيل: عويمر بن ثعلبة بن عامر بن زيد ... ابن قيس بن أمية بن مالك بن عامر بن عدي بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج، أبو الدرداء الأنصاري مشهور بكنيته، شهد أحدًا وما بعدها من المشاهد، وقيل: إنه لم يشهد أحدًا؛ لأنه تأخر إسلامه، وشهد الخندق وما بعدها من المشاهد، وكان أبو الدَّرداء أحد الحكماء العلماء والفضلاء، ولاه معاوية قضاء دمشق. وقيل: إن عمر - ﵁ - ولاه قضاء دمشق.\nتوفي - ﵁ - سنة اثنتين وثلاثين بدمشق. [انْظُرْ تَرْجَمَتَه: مشاهير علماء الأمصار (ص: ٦٤)، الاستيعاب (٣/ ٢٩٨)، أسد الغابة (٤/ ٣٠٦)].","vol":"1","page":2877},{"text":"وقيل: هم الصحابةُ (١) (٢).\n﴿مَاذَا قَالَ آَنِفًا﴾: أيُّ شيءٍ قال محمدٌ الآن.\nوسؤالُهم هذا استهزاءٌ وإعلامٌ أنهم لم يلتفتوا إلى ما قاله.\nوقيل: سؤالُ بحثٍ عمَّا لم يفهموه.\n﴿آَنِفًا﴾ أي: في ساعتِنا هذه، من قولهم: استأنفتُ الأمرَ: إذا ابتدأتَه.\nوأنفُ (٣) كلِّ شيءٍ: ما تقدَّم منه.\nو﴿آَنِفًا﴾: وزنُه فاعلٌ، وليس من لفظ فَعَلَ ثُلاثيّ، إنما يُقالُ: ائتنفَ الكلامَ ائتنافًا: إذا ابتدأ به واستأنفت (٤) الأمرَ، كما تقولُ من فقير ورفيعٍ: افتقر وارتفع (٥).\n﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾: عُقوبةً لهم.\n﴿وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (١٦)﴾: ركبوا رؤوسَهم.\nابنُ عيسى: \"الهوى: رقةُ ميلِ القلبِ كرقّة هواءِ الجوّ \" (٦).\n﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا﴾: بالإيمان والاستماع إلى القرآن.\n_________\n(١) وهو اختيار ابن جرير [انظر: جامع البيان (٢٦/ ٥١)].\n(٢) أورد هذه الأقوال الماوردي في النكت والعيون (٥/ ٢٩٧).\n(٣) في (أ) \" أنف \" بدون واو.\n(٤) كذا في النسختين، ولعل الصحيح: \" واستأنف الأمر \".\n(٥) انظر: معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ٤٧٥)، النكت والعيون (٥/ ٢٩٨)، غرائب التفسير (٢/ ١١٠٦)، تفسير البغوي (٧/ ٢٨٢).\n(٦) لم أقف عليه.","vol":"1","page":2878},{"text":"﴿زَادَهُمْ﴾: اللهُ، وقيل: استماعُ كلامِ النبي - ﷺ -، وقيل: استهزاءُ المنافقين وإعراضُهم (١).\n﴿هُدًى﴾: علمًا وبصيرةً، وقيل: شرحَ صدرٍ ويقينًا، وقيل: تصديقًا.\n﴿وَآَتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (١٧)﴾: بيَّن لهم ما يتَّقون، وقيل: آتاهم جزاءَ تقواهم، وقيل: العملَ بالناسخِ دونَ المنسوخِ (٢).\n﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ﴾: أي: إتيانُها، فهو بدلٌ من الساعةِ.\n﴿بَغْتَةً﴾: فجأةً.\n﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾: آياتُها وأعلامُها من انشقاقِ القمرِ وغيرِه.\nوقيل: هو النبي - ﷺ -؛ فإنه قال: «بُعثتُ والساعةَ كهاتين» (٣)، وأشارَ بالسبابة والوُسطى، ولأن النبي - ﷺ - آخرُ الأنبياءِ وأُمتُه خيرُ الأمم (٤).\n﴿فَأَنَّى لَهُمْ﴾: من أين وكيف لهم؟.\n﴿إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ (١٨)﴾: أي: لا ينفعُهم إيمانُهم وتذكُّرُهم حينئذٍ. وتقديرُ الآية: أنى لهم الذكرى، كقوله: ﴿وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾، [الفجر: (٢٣)].\nو\" الذكرى\": (٥) مبتدأٌ، ﴿فَأَنَّى لَهُمْ﴾: خبرُه، وفاعل ﴿جَاءَتْهُمْ﴾ مضمرٌ يعودُ (٦) إلى \"الذكرى \".\n_________\n(١) وكل ذلك زادهم هدى ويقينًا [انظر: جامع البيان (٢٦/ ٥١)]\n(٢) انظر: جامع البيان (٢٦/ ٥١)، النكت والعيون (٥/ ٢٩٨).\n(٣) أخرجه البخاري في كتاب الرقاق، باب: قول النبي - ﷺ -: «بعث أنا والساعة كهاتين»، برقم (٦٥٠٤)، وأخرجه مسلم في كتاب الفتن، باب قرب الساعة، برقم (٧٣٣٠)، كلاهما عن أنس بن مالك - ﵁ - بلفظ: ... «بعث أنا والساعة كهاتين».\n(٤) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٣٨)، جامع البيان (٢٦/ ٥١)، النكت والعيون (٥/ ٢٩٩).\n(٥) في (ب) \" فالذكرى \"، وقد عبر المؤلف - ﵀ - عدةَ مراتٍ بلفظ الذكرى كما في آية سورة الفجر، ومقصوده لفظ ﴿ذِكْرَاهُمْ﴾ الوارد في هذه الآية، وإنما عبَّر به؛ لأنه الأصل قبل إضافة الضمير إليه.\n(٦) في (ب) \" ويعود \".","vol":"1","page":2879},{"text":"ويجوزُ أنْ يرتفعَ (١) \" الذكرى \" بالفعل، والمبتدأُ مقدَّرٌ دلَّ عليه الفاعلُ (٢).\nوقيل: وأنى لهم الذكرى إذا جاءتهم الساعةُ.\nوقيل: \" الذكرى \" (٣) دعاؤهم بأسمائهم في القيامة تبشيرًا وتخويفًا.\nوعن أنس - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «أحسِنوا أسماءكم؛ فإنكم تُدعَون يومَ القيامةِ: يا فلانُ قمْ إلى نورك، يا فلانُ قمْ فلا نورَ لكَ» (٤) - نعوذ بالله - (٥).\n﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾: أي: اعلم خبرًا يقينًا ما علمتَه نظرًا واستدلالًا.\nوقيل: معناه: فاذكر لا إله إلاّ اللهُ.\nوقيل: اثبتْ على العلم.\nوقيل: هذا خطابٌ للنبي - ﷺ - والمرادُ به أمتُه، واحدًا بعدَ واحدٍ.\nوالهاء في ﴿أَنَّهُ﴾ (٦): يعودُ إلى الأمرِ والشأن، ويَحتملُ أنه يعودُ إلى الله تعالى، فلمَّا كنَّى في الأول، وصرّح في الثاني.\nوالفاءات في هذه الآياتِ لعطفِ جملةٍ على جملةٍ بينهما اتّصالٌ.\n﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾: استغفر اللهَ لصغائر ذنوبك، وقيل: سلِ اللهَ العصمةَ من الذنوب.\n﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ أي: استغفرْ لذنوبهم، وقيل: هو أنْ يشفعَ لهم.\n_________\n(١) في (أ) \" أن يقع \".\n(٢) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ٦١)، جامع البيان (٢٦/ ٥٣)، إعراب القرآن؛ للنَّحاس (٤/ ١٢٣).\n(٣) في (أ) \" الذِّكر \".\n(٤) أخرجه أبو داود في سننه (بنحوه) في كتاب الأدب، باب: في تغيير الأسماء، برقم (٤٩٤٨) قال أَبُو دَاوُد: \" ابن أبي زكريا لم يُدرك أبا الدَّرداء \"، وأخرجه الإمام أحمد في مسنده (٥/ ١٩٤)، قال الشيخ شعيب الأرنؤوط ... - في تعليقه على المسند -: \" إسناده ضعيف؛ لانقطاعه، فإن عبد الله بن أبي زكريا لم يسمع من أبي الدرداء \"، والحديث ضعَّفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (٢/ ٩)، برقم (١٢٢٧) كلاهما عن أبي الدَّرداء - ﵁ -، وأما روايته عن أنس - ﵁ - فقد أوردها الماوردي في النُّكت والعيون (٥/ ٢٩٩).\n(٥) \" نعوذ بالله \" ساقطة من (ب).\n(٦) \" في ﴿أَنَّهُ﴾ \" ساقطة من (أ).","vol":"1","page":2880},{"text":"﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾: أي: تصرُّفُكم في الدنيا ومنزلكم فيها.\nوقيل: ﴿مُتَقَلَّبَكُمْ﴾: منزلُكم في الدنيا، و﴿وَمَثْوَاكُمْ﴾ [في الآخرةِ.\nوقيل: ﴿مُتَقَلَّبَكُمْ﴾: في الأسفار، و﴿وَمَثْوَاكُمْ﴾ في الحضر.\nوقيل: ﴿مُتَقَلَّبَكُمْ﴾: منتشرَكم في النهار، و﴿وَمَثْوَاكُمْ﴾ مستقرَّكم بالليل.\nوقيل: ﴿مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾] (١): انقلابَكم من أصلابِ الآباءِ إلى الأرحام (٢)، ثم منها إلى الدنيا، ثم منها إلى القبور (٣)، ثم منها إلى الجنة أو إلى النار، - نعوذ بالله من النار - (٤).\n﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آَمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ﴾\nابنُ عيسى: \" تمنَّوا نزولَ السورةِ؛ لأنهم كانوا يأنسون بنزول الوحي ويستوحشون لإبطائة \" (٥).\nوقيل: اشتهوا نزولَ سورةٍ تدلُّ على لزومِ الحرب والقتال ليتحمّلوا المشقةَ ويعودوا بالمثوبةِ.\nوقيل: تمنوا نزولَ سورةٍ فيها القتالُ؛ لأنَّ في القتال إحدى الحسنين: الشهادة والجنة، أو الظَّفَر والغنيمة.\nالفرّاءُ: \"كان المؤمنون يكرهون القتالَ، فإذا نزلت سورةٌ فيها القتالُ توقَّعوا نسخَها فقال الله: ... ﴿فَأَوْلَى﴾ لمن كرهها \" (٦).\nواستضعف هذا القول منه المفسرون (٧) (٨).\n_________\n(١) ما بين المعقوفتين ساقط من (أ).\n(٢) في (ب) (الأرحام الأمهات)، ولا يُجمع في اللغة بين التعريف بـ (أل) والإضافة. و\" الأمهات \" ساقطة من (أ).\n(٣) في (أ) \" القبر \".\n(٤) قال البغوي - بعد إيراد نحو هذه الأقوال: \" والمعنى: أنَّه عالم بجميع أحوالكم فلا يخفى عليه شيء منها \" ... [تفسير البغوي (٧/ ٢٨٥) وبنحوه ذكر القرطبي، انظر: الجامع لأحكام القرآن (١٦/ ٢٣٣)].\n(٥) لم أقف عليه.\n(٦) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ٦٢).\n(٧) في (ب) \" منه المفسرين \".\n(٨) لم أقف على استضعاف المفسرين لقول الفراء مباشرة، وغالب ما ذكروا هي الأقوال الأول التي ذكرها المؤلف [انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٣٨)، جامع البيان (٢٦/ ٥٤)، معاني القرآن؛ للنَّحَّاس (٦/ ٤٧٩)، النكت والعيون (٥/ ٣٠٠)].","vol":"1","page":2881},{"text":"﴿فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ﴾: مبيِّنةٌ (١) ما فيها، كقوله: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ﴾ [هود: (١)]. وذكرُ المحكمِ والمتشابهِ قد سبق (٢).\nوقيل: محكمةٌ فيها أحكامُ الغزو.\nقتادةُ: \" كلُّ سورةٍ ذُكر فيها القتالُ محكَمةٌ، وهي أشدُّها على المنافقين \" (٣).\nوقيل: محكَمةٌ فيها الحلالُ والحرامُ.\nوقيل: محكَمةٌ أي: \" محدَثةٌ \"، وهكذا هو في مصحفِ ابنِ مسعودٍ - ﵁ - (٤).\n﴿وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ﴾: أُمر فيها الجهادُ (٥).\n﴿رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾: شكٌّ ونفاقٌ.\n﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ﴾ يَشخصون نحوَك بأبصارِهم فينظرون نظرًا حديدًا، كما ينظرُ الشاخصُ بصره (٦) عندَ الموت لكراهتهم القتالَ (٧).\nوقيل: يُبهتونَ كراهةَ القتالِ كأنهم مغشيٌّ عليهم غشيةً وغمًَّا وجزعًا.\nوقيل: شبههم به للدهش وزوال العقل.\n﴿مِنَ الْمَوْتِ﴾: قيل: متَّصلٌ بالنظرِ، أي: ينظرون خوفًا من الموت.\nوقيل: متَّصلٌ بالغشية، كما ذكرتُ.\n_________\n(١) في (أ) \" مثبتة \".\n(٢) في الآية (٧) من سورة آل عمران.\n(٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٢٢٣) وابن جرير في جامع البيان (٢٦/ ٥٤).\n(٤) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ٦٢)، جامع البيان (٢٦/ ٥٤)، النكت والعيون (٥/ ٣٠٠).\n(٥) انظر: جامع البيان (٢٦/ ٥٤).\n(٦) في (أ) \" الشاخص بصره \".\n(٧) انظر: تفسير السمرقندي (٣/ ٢٨٧) وفيه \" نظرًا شديدًا \".","vol":"1","page":2882},{"text":"﴿فَأَوْلَى لَهُمْ (٢٠)﴾: كلمة تحذير أي: وَلِيَكَ شرٌّ فاحذرْه، هذه عبارةُ كثيرٍ من المفسرين (١).\nوقيل: العقابُ أولى لهم، [أي: أولى الأشياءِ لهم أنْ يُعاقبوا.\nوقيل: ﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾: أولى لهم] (٢) من الجزعِ عند الجهاد، فلا يكونُ حينئذٍ للوعيد.\nويُحتملُ أن ﴿أَوْلَى﴾ اسمٌ على وزن أفعل، جُعل علَمًا للتهديدِ والوعيد، فلم ينصرفْ.\nويجوزُ أنْ يكونَ أفعل للتفضيل، أي: أولى الأشياء بك كذا، كما ذكرت.\nويجوزُ أنْ يكونَ فعلًا متعديًا من (وَلِيَ)، أي: أولاه اللهُ المكروهَ، كثُرَ استعمالُها، فحُذف بعضُها للعلم به.\nويجوزُ أنْ يكونَ \" فعلى \" من (آل، يؤول)، أي: يؤولُ أمرُك إلى شرٍّ فاحذرْه (٣).\nوذُكر عن ابن عباسٍ ﵄ أنه قال: ﴿أَوْلَى﴾ وعيدٌ، والكلامُ به تامٌّ، ثم قال ... ﴿لَهُمْ﴾، أي: للمؤمنين. ﴿طَاعَةٌ﴾ لله ولرسوله، ﴿وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾. حكاه الفرّاء، ثم قال: «وكلامُ العرب عندنا أن يكونَ ﴿لَهُمْ﴾: متّصلًا بـ ﴿فَأَوْلَى﴾» (٤).\nالمبردُ: \" يُقال للإنسان إذا كاد يعطب، ثم أفلت: أولى لك، أي: قاربتَ العطَب ثم نجوتَ، قال: وهو في القرآن على معنى التحذير \" (٥).\nوقول الشاعر (يتلهَّف على الصيد):\nفلو كان \" أولى \" يُطعم (٦) القوم صدتها ... ولكن \" أولى \" يُتركُ القومُ جُوَّعا (٧) (٨)\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ٦٢)، جامع البيان (٢٦/ ٥٥)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ١١)، معاني القرآن؛ للنَّحَّاس (٦/ ٤٧٩)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢٨٧)، النكت والعيون (٥/ ٣٠١).\n(٢) ما بين المعقوفتين ساقط من (أ).\n(٣) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١١٠٦)، البيان في غريب إعراب القرآن (٢/ ٣٧٥)، المحرر الوجيز (٥/ ١١٧).\n(٤) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ٦٢)، وهذا القول أورده ابن جرير في جامع البيان (٢٦/ ٥٥) وقال عن إسناده أنَّه غير مرتضى.\n(٥) انظر: الجامع لأحكام القرآن؛ للقرطبي (١٦/ ٢٣٤).\n(٦) في (أ) \" مطعم \".\n(٧) البيت أورده غير واحدٍ من أهل اللغة والتفسير غير معزو [انظر: معاني القرآن؛ للنَّحَّاس (٦/ ٤٨٠) الجامع لأحكام القرآن؛ للقرطبي (١٦/ ٢٣٤)، لسان العرب (١٥/ ٤٠٦) مادة \" ولي \"، البحر المحيط (٩/ ٥٥٦)].\n(٨) المعنى للبيت: أن كلمة \" أولى \" لو كانت تطعم أحدًا من القوم لصاد الأرانب والغزلان، ولكنَّ هذه الكلمة تترك الناس جياعًا خمص البطون. [انظر حاشية (١) (٦/ ٤٨٠) معاني القرآن؛ للنَّحَّاس].","vol":"1","page":2883},{"text":"أنشده بعضُهم حجّةً لما قاله ابنُ عباس. والله أعلم.\n﴿طَاعَةٌ﴾: أي طاعةٌ لله.\n﴿وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾: أي حسن، وقيل: ما عُرف صحّتُه خيرٌ من الجزع عند فرض الجهاد، فهو مبتدأٌ محذوفُ الخبر.\nوقيل: أمرنا ﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾، فيكونُ خبرَ مبتدأ محذوف، وهذا حسنٌ.\nوقيل: هذا أمرٌ للمنافقين (١)، أي: قولوا ﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾.\nوقيل: هذا كان منهم قبلَ الأمر بالجهاد، فلما أُمروا به امتنعوا عنه.\n﴿فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ﴾: جدَّ الأمرُ ولزم فرضُ القتال، أي: صار الأمرُ معزومًا عليه، كذبوا ونكلوا، وهذا جواب ﴿إِذَا﴾.\n﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ﴾: في الإيمان والجهاد.\n﴿لَكَانَ﴾: الصدقُ.\n﴿خَيْرًا لَهُمْ (٢١)﴾: من الكفر وكراهة الجهاد.\n﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾: فلعلّكم (٢) إنْ أعرضتم عن الإسلام والطاعة وما جاء به محمدٌ - ﷺ -.\n﴿أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢)﴾: تعودوا إلى ما كنتم عليه في الجاهلية من قطيعة الرحم، وقتل بعضِكم بعضًا (٣).\n_________\n(١) في (ب) \" أمر المنافقين \".\n(٢) في (أ) \" ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ للصدق ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ﴾ من الكفر وكراهة الجهاد ﴿إِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾: ...\nفلعلّكم ... \".\n(٣) انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ٦٣)، جامع البيان (٢٦/ ٥٦)، معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ٤٨٢)، النُّكت ...\nوالعيون (٥/ ٣٠٢).","vol":"1","page":2884},{"text":"﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾: أبعدهم اللهُ من رحمته.\n﴿فَأَصَمَّهُمْ﴾: فلا يسمعون الحقَّ.\n﴿وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (٢٣)﴾: فلا يهتدون سبيلًا.\nوقيل: معناه: أتظنون إنْ تركتم النبيَّ وأعرضتم عن الإسلام تُتركون أنْ تُعاوِدوا ما كنتم عليه من قبلُ من الغارات، وتخريب البلاد، وقتلِ بعضِكم بعضًا من ذوي الرحم، كلاّ، فإن اللهَ يحولُ بينكم وبين ذلك. فيكون توليتم من الإعراض.\nوقيل: لعلّكم ﴿إِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ أمورَ الناس ﴿أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾: بالظلم.\nوقيل: ﴿تَوَلَّيْتُمْ﴾ الحكم، فجعلكم حكّامًا، ﴿أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾: بأخذ الرِّشى، فيكونُ من التولية.\nوالمخاطَبون: هم المنافقون، وقيل: قريشٌ.\nورُويَ عن المُزَنِيّ (١): أنهم الخَوَارِج (٢). حكاه الماورديّ (٣).\nوجزاء ﴿أَنْ﴾ محذوفٌ، دلَّ عليه ما قبلَه.\n_________\n(١) المُزَني هو: بكر بن عبد الله بن عمرو بن هلال، أبو عبد الله المزني، كان أبوه من الصحابة، وكان بكر من المتعبدين وأهل الفضل في الدِّين، قال عنه: محمد بن سعد الكاتب: \" كان بكر المزني ثقةً، ثبتًا، كثير الحديث، حُجَّة، فقيهًا \"، توفي سنة ست ومائة للهجرة. [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: مشاهير علماء الأمصار (ص: ١١٥)، سير أعلام النبلاء (٤/ ٥٣٢)].\n(٢) الخَوارِج: هم كلُّ من خرج على الإمام الحق الذي اتفقت عليه الجماعة، والمقصود بهم هنا الطائفة المشهورة التي خرجت على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - ﵁ - سنة، وقد افترقوا على نحو عشرين فرقة، ومن أسمائهم أيضًا: المُحَكِّمة الأولى، والأزارقة، والحرورية، والنَّجدات، ويجمعهم القول بالتبري من عثمان وعلي - ﵄ - كما أجمعوا - عدا النجدات منهم - على تكفير مرتكب الكبيرة وتخليده في النار إذا مات مصرًا عليها، وقد جاء في ذمهم والترغيب في قتالهم أحاديث صحيحة مرفوعة. [انظر: الفَرْقُ بين الفِرَق؛ للبغدادي (ص: ٢٧)، الموسوعة الميسرة (٢/ ١٠٥٣)، شرح لمعة الاعتقاد؛ لابن عثيمين (ص: ١٦٢)].\n(٣) انظر: النكت والعيون (٥/ ٣٠٢)، ورَّجح أنَّهم المنافقون.","vol":"1","page":2885},{"text":"و﴿أَنْ تُفْسِدُوا﴾: في محلّ نصبٍ بـ\"عسى \".\n﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ﴾: فيعرفون ما لهم وما عليهم.\n﴿أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾: فأضاف الأقفالَ إلى القلوب (١)؛ لأنه ليست من حديدٍ، إنما هي طبع وختمٌ، ورَينٌ أو غِشاءٌ وغِلافٌ، ممّا وُصف قلوبُ الكفّار به، وذلك أقفال ... القلوب.\nوقيل: هذا جوابٌ لهم حين قالوا: ﴿قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ﴾، [فصلت: ٥]، و﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾، [البقرة: ٨٨].\n﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ﴾: كفروا بمحمد - ﷺ -، يريد: اليهود (٢).\n﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى﴾: يُريد في التوراة؛ فإنَّ فيها صفةَ - ﷺ - ونعتِه.\nوقيل: هم المنافقون ارتدُّوا بعدما سمعوا القرآن.\n﴿الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ﴾: زيّن لهم خطاياهم.\nالمفضَّلُ: \" مَنَّاهم، والسُّوَال: الأمنية \" (٣).\nابنُ بحرٍ: \" لفظ ﴿سَوَّلَ﴾: من السُّول (٤)، وهو: ما يتمنّاه الإنسانُ في نفسِه، وكأنه دعاهم إلى ما كانوا يُريدون، فوافق لهم سُؤلَهم وأمنيّتَهم \" (٥).\nوتمَّ الكلام، ثم قال:\n_________\n(١) في (ب) \" القلب \".\n(٢) انظر: جامع البيان (٢٦/ ٥٨)، معاني القرآن (٦/ ٤٨٣).\n(٣) انظر: لم أقف عليه.\n(٤) في (أ) \" من السُّؤال \".\n(٥) انظر: النكت والعيون (٥/ ٣٠٣).","vol":"1","page":2886},{"text":"﴿وَأَمْلَى لَهُمْ (٢٥)﴾: أي ﴿وَأَمْلَى﴾ اللهُ وأمهلهم في العمر، وأخَّر عنهم العذابَ، ... والمعنى: أمدَّ لهم في الآجال ملاوةً من الدهر (١) (٢).\nوقُرئ: ﴿وَأُمْلِيَ لَهُمْ﴾: على المجهول (٣).\nوقُرئ: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ﴾: مرسَلةَ الياء (٤).\nوقيل: الشيطانُ، ﴿وَأَمْلَى لَهُمْ﴾: أي طوَّل أملَهم فاغترُّوا به.\n﴿ذَلِكَ﴾: أي ذلك الإملاء، وقيل: الإضلال.\n﴿بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ﴾: قيل: هم الذين يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ.\nوقيل: كرهوا أنْ يُؤمنوا بما نزّل الله.\n﴿سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ﴾: قالت اليهود للمنافقين (٥). ﴿سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ﴾، يعنون: كتم نعتٍ محمد - ﷺ - وتكذيبه.\nوقيل: قال المنافقون لليهود ﴿سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ﴾: عداوةِ محمدٍ، والقعودِ عن نُصرته، والميلِ إليكم، والتظاهرِ عليه، والارتدادِ بعدَ الإيمان.\n﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ (٢٦)﴾: فيما بينهم في هذا الكلام (٦).\n_________\n(١) الملاوة من الدهر: المدة والحين [انظر: لسان العرب (١٥/ ٢٩٠)، مادة \" مَلا \"].\n(٢) انظر: جامع البيان (٢٦/ ٥٩).\n(٣) وهي قراءة أبي عمرو البصري وحده من السبعة، والباقون ﴿وَأَمْلَى﴾ بفتح الألف واللام، وإسكان الياء ...\n[انظر: جامع البيان (٢٦/ ٥٩)، السبعة (ص: ٦٠٠)، معاني القراءات (ص: ٤٥١)، الحُجَّة (٦/ ١٩٤)].\n(٤) هي قراءة شاذة قرأ بها الأعرج ومجاهد والجحدري والأعمش ويعقوب [انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ٦٣)،\nجامع البيان (٢٦/ ٥٩)، المحتسب (٢/ ٣٢١) المحرر الوجيز (٥/ ١١٩)].\n(٥) في (ب) \" للمؤمنين \".\n(٦) هذا المعنى على قراءة من قرأ بفتح الألف ﴿أَسْرَارهم﴾ وهم ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم في ...\nرواية أبى بكر. [انظر: السبعة (ص: ٦٠١)، معاني القراءات (ص: ٤٥١)، الحُجَّة (٦/ ١٩٦)].","vol":"1","page":2887},{"text":"وقُرئ: ﴿إِسْرَارَهُمْ﴾: على المصدر (١).\nوقيل: يعلم اعتقادَهم هذا، وما أسرُّوه في أنفسِهم.\n﴿فَكَيْفَ﴾: أي فكيف حالُهم.\n﴿إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾: يصفُ عظيمَ ما حلَّ بهم.\nوقيل: فكيف لا يعلم ما يحلُّ بهم عند الموت.\nوقيل: كيف يُنافقون ﴿إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ وعرفنا أَسْرَارَهُمْ.\nثم ذكر حالَهم فقال:\n﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ (٢٧)﴾: أي: ﴿وُجُوهَهُمْ﴾ عند الموت ﴿وَأَدْبَارَهُمْ﴾: حالةَ السَّوق إلى النار.\nوقيل: يُريدُ حالةَ القتال: ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ﴾ عند الطَّلَب ﴿وَأَدْبَارَهُمْ﴾ عندَ الهرَب (٢).\n﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ﴾: أي: ﴿ذَلِكَ﴾ الضرب ﴿بِـ﴾ سبب ﴿أَنَّهُمُ﴾.\n﴿اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ﴾: يعني المعاصي ومعاونة المشركين.\nوقيل: كتمان صفة محمدٍ - ﷺ - ونعته.\n﴿وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ﴾: ما يرضاه من الطاعة ونُصرة المؤمنين.\n﴿فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٢٨)﴾.\n_________\n(١) وقرأ بها حمزة والكسائي وحفص عن عاصم ﴿إِسْرَارَهُمْ﴾ بكسر الألف. [انظر: جامع البيان (٢٦/ ٥٩)،\nمعاني القراءات (ص: ٤٥١)، الحُجَّة (٦/ ١٩٦)].\n(٢) انظر: تفسير السمرقندي (٣/ ٢٨٩)، النكت والعيون (٥/ ٣٠٤).","vol":"1","page":2888},{"text":"﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ (٢٩)﴾: حقدَهم وغشّهم، وحسدَهم، وعداوتَهم (١).\nوالضغن: إضمارُ سوءٍ يتربّصُ به إمكانَ الفرصة (٢).\n﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾: أي: لو نشاءُ لعرّفناكهم بأعينهم، بأنْ نجعلَ على وُجوههم علامةً تعرفهم بها.\nواللاّم الأولى جوابُ ﴿لَوْ﴾، والثانيةُ تكرارُ لها وزيادةٌ.\n﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾: أي في فحوى كلامِهم ومتضمّنه، فإنهم لا يقدرون على كتمان ما في أنفسهم.\nواللَّحن: ذهابُ الكلامِ إلى خلاف جهتِه (٣).\nالكلبيُّ: لحنُ القول: كذبُه، قال: \" لم يتكلَّمْ بعد نزولها منافقٌ عند رسولِ الله - ﷺ -، إلاّ عرفه \" (٤). ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ (٣٠)﴾: يراها، ظاهرَها وباطنِها، ويُميِّزُ خيرَها من شرِّها.\n﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾: نُعاملكم معاملةَ المبتلى.\n﴿حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾: أي: نعلمُهم عِيانًا، كما علمناهم غيابًا؛ فإن المجازاة تقعُ على ما يظهر منهم.\nوالمجاهدون: هم الغزاةُ.\nوقيل: الزاهدون في الدنيا، والصابرون على الجهاد، وقيل: عن الدنيا (٥).\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ٦٣)، غريب القرآن؛ للسِّجِّستاني (ص: ٨٠)، النكت والعيون (٥/ ٣٠٤).\n(٢) انظر: كتاب العين (٤/ ٣٦٦) \" ضَغَنَ \"، لسان العرب (١٣/ ٢٥٥) مادة \" ضَغَن \".\n(٣) انظر: كتاب العين (٤/ ٣٦٦) \"ضَغَنَ\"، معاني القرآن؛ للنَّحَّاس (٦/ ٤٨٥)، النكت والعيون (٥/ ٣٠٤)، لسان\nالعرب (١٣/ ٢٥٥) مادة \" ضَغَن\".\n(٤) انظر: النكت والعيون (٥/ ٣٠٤).\n(٥) انظر: جامع البيان (٢٦/ ٦١)، النكت والعيون (٥/ ٣٠٤).","vol":"1","page":2889},{"text":"﴿وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (٣١)﴾: أسرارَكم، وقيل: ما ستفعلونه.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: يعني: المُطعِمينَ يومَ بدرٍ. وقد سبق (١).\n﴿وَشَاقُّوا الرَّسُولَ﴾: عادَوه.\n﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى﴾: أي: بعد ما ظهر لهم أنه الحقُّ، وعرفوا الرسول.\nوقيل: نزلتْ في قومٍ آمنوا ثم ارتدُّوا (٢).\n﴿لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾: بارتدادهم.\n﴿وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ (٣٢)﴾: يعني ثوابِ أعمالِهم، بسبب معاداتهم.\nوقيل: ﴿وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ﴾: كيدَهم على النبيِّ - ﷺ - والمؤمنين، ولهذا دخل عليه السين.\n﴿* يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾، قيل: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ﴾ بتوحيده، و﴿الرَّسُولَ﴾ بتصديقه.\n﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (٣٣)﴾: أي: احذروا مخالفةَ اللهِ ورسوله؛ فإنها مُبطلةٌ للحسنات.\nوقيل: لا تُبطلوها بالمعاصي والربا.\nوعن أبي العالية قال: «كان أصحابُ رسول الله - ﷺ - يرون أنه لا يضرُّ مع لا إله إلاّ الله ذنبٌ، كما لا ينفعُ مع الشرك عملٌ، حتى نزلت: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾. (٣)\nفإنَّ الشرَّ يُبطِلُ الخيرَ، والخيرُ يُبطلُ الشرَّ، ومِلاكُ العمل: خواتمُه (٤).\nوقيل: لا يرجعون بعد الإيمان كفّارًا، ولا بعد الطاعة عصاةً.\n_________\n(١) انظر: في أول السورة (ص: ٤٧١).\n(٢) انظر: المحرر الوجيز (٥/ ١٢١).\n(٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٠/ ٣٢٩٩)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢٩٠)، تفسير البغوي (٧/ ٢٩٠).\n(٤) انظر: جامع البيان (٢٦/ ٦٢).","vol":"1","page":2890},{"text":"مقاتل: \" نزلت في الذين يَمُنُّون إذا أسلموا \" (١).\n﴿... إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ (٣٤)﴾.\nمقاتل: نزلت في رجلٍ سأل النبيَّ - ﷺ - عن والده، وقال: إنه كان مُحسنًا في كفره، فقال: ... «هو في النار»، فولَّى الرجلُ وهو يبكي، فدعاه، فقال: «والدك، ووالدي، ووالدُ إبراهيمَ في النار»، فنزلت هذه الآية (٢).\nالكلبيُّ: نزلت في رؤساءِ أهل بدرٍ (٣) (٤).\n﴿فَلَا تَهِنُوا﴾: لا تضعفوا.\n﴿وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ﴾: أي: ولا تدعوا الكفّارَ إلى الصلح.\nويجوزُ أنْ يكونَ نصبًا بالجواب بالواو.\nوالسَّلْمُ، والسِّلْم لغتان.\nوقيل: السَّلْمُ من الإسلام، كالنَّبات من الإنبات، والعَطاء من الإعطاء (٥).\n﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾: عليهم. قيل: حال، وقيل: استئنافٌ ووعدٌ.\n﴿وَاللَّهُ مَعَكُمْ﴾: بالنُّصرة.\n﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ (٣٥)﴾: لن يُنقصَكم أجرَ أعمالِكم (٦).\n_________\n(١) تفسير مقاتل (٣/ ٢٤١).\n(٢) المصدر السابق.\n(٣) انظر: تفسير السمرقندي (٣/ ٢٩١).\n(٤) وحكم الآية عامٌّ في جزاء الكفَّار. [انظر: تفسير الثعلبي (٩/ ٣٨)، تفسير البغوي (٧/ ٢٩٠)].\n(٥) وهما قراءتان، فقد قرأ ابن كثير ونافع والكسائي وأبو عمرو وابن عامر وحفص عن عاصم ﴿السَّلْمِ﴾ بفتح السين، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر، وحمزة ﴿السِّلْمِ﴾ بكسر السين. [انظر: السَّبعة (١/ ١٨٠)، معاني القراءات (ص: ٧٣)].\n(٦) انظر: جامع البيان (٢٦/ ٦٤)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ١٤) النكت والعيون (٥/ ٣٠٦).","vol":"1","page":2891},{"text":"وقيل: لن يسلبكم أعمالَكم. وقيل: لن يطلبَكم (١)، وقيل: في أعمالِكم، فحُذف الجارُّ.\nوالأول أظهر.\n﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾: ينقطعان في أسرع مدَّةٍ.\nابنُ بحرٍ: \" ينقضيان عن غير عُقبى \" (٢).\nوقيل: ذات لعبٍ ولهوٍ؛ لأن غالبَ أمرِ الناس فيها اللّعبُ واللهو.\n﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا﴾: بالله ورسولِه.\n﴿وَتَتَّقُوا﴾: الشركَ والمعاصي.\n﴿يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ (٣٦)﴾: لا يأمركم أنْ تخرجوا من جميع أموالِكم.\nوقيل: لا يسألكم أموالَكم لنفسه سبحانه، وقيل: لا يسألكم أموالَكم، إنما ذلك مالُه، وهو المُنعِمُ بإعطائه (٣).\n﴿إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا﴾: الإحفاء والإلحاف في المسألة: المبالغةُ فيها (٤).\nابنُ بحرٍ: أحفيتُ المسألةَ إذا ألطفتُها وأنعمتُها، فبرزت فيها، من قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم: ٤٧] (٥).\nوقيل: الإحفاءُ: أنْ تأخذَ كلّ شيءٍ بيدكَ، كأنه جعله حافيًا من المال عاريًا منه، كالحافي الذي لا حذاءَ له.\nوقيل: ألحَّ عليكم وشدَّد.\nوقيل: لا يسألكم رسولي أموالَكم لنفسه.\n_________\n(١) كذا في النَّسختين، ولعلها: يظلمكم.\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) حكاها الماوردي [انظر: النكت والعيون (٥/ ٣٠٦)].\n(٤) انظر: جامع البيان (٢٦/ ٦٥)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢٩١)، النكت والعيون (٥/ ٣٠٧).\n(٥) لم أقف عليه.","vol":"1","page":2892},{"text":"﴿وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ (٣٧)﴾: يبعث ذلك منكم حقدًا يظهر ولا يخفى (١).\nوقيل: يصيرُ سببًا للأضغان؛ لأن المؤمنين لم يكنْ في قلوبهم أضغانٌ.\nوفاعل ﴿وَيُخْرِجْ﴾ هو الله على طريق التسبُّب، أي: ﴿وَيُخْرِجْ﴾ بامتناعِكم ﴿أَضْغَانَكُمْ﴾.\nوقيل: البخل هو الفاعل. وقيل: هذا خاصٌّ بالمنافقين (٢).\n﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ﴾: أي: كيف يأمركم بإخراج جميع أموالِكم، وقد دعاكم إلى إنفاق البعض في سبيل الله ﴿فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ﴾ ولا ينفق.\nو﴿هَا﴾ للتنبيه، وكرّر مع ﴿ؤُلَاء﴾ للتوكيد.\nوقيل: جاز دخولُه على الضمير لمشاكلته المبهمَ في أنه معرفة، تصلحُ لكلّ مكنىً عنه (٣).\nالفرّاء: \" دخلت للتقريب، والعرب إذا أرادت التقريبَ جعلت المكنَّى بين (ها)، و(ذا)، فقالت: ها أنت ذا قائمًا، وربما أعادت، فقالت: ها أنت هذا قائمًا \" (٤).\nوقال بعضُهم: ﴿هَؤُلَاءِ﴾ ها هنا موصولٌ، ﴿تُدْعَوْنَ﴾ صلتُه.\nوقيل: يا ﴿هَؤُلَاءِ﴾، وفيه بعدٌ.\nوالكلامُ كما سبق.\n﴿وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ﴾: أي يضرُّ بذلك نفسَه.\nوقيل: تقديره: فإنما يبخلُ عن داعي نفسه، لا عن داعي ربِّه.\nوقيل ﴿عَنْ﴾ بمعنى (على)، أي: يبخل على نفسه بالجزاء والثواب.\n_________\n(١) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٤٢)، جامع البيان (٢٦/ ٦٥)، معاني القرآن؛ للنَّحَّاس (٦/ ٤٨٧).\n(٢) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ٦٤)، زاد المسير (٧/ ١٩٧).\n(٣) انظر: جامع البيان (٢٦/ ٦٥)، المحرر الوجيز (٥/ ١٢٣).\n(٤) انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (١/ ٢٣١)، وتعقبه الزَّجَّاج بقوله: \" والقول في هذا عندنا أن الاستعمال في ...\nالمضمر أكثر فقط \" [انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (١/ ٣٨٩)].","vol":"1","page":2893},{"text":"والبخلُ: منعُ الواجب وما يَقبُحُ منعُه (١).\n﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ﴾: أي الغنيُّ عن إنفاقكم لا حاجةَ به إلى مالِكم.\n﴿وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾: لا تستغنون عنه في دنياكم وأُخراكم.\n﴿وَإِن تَتَوَلَّوْا﴾: تُعرضوا يا أهلَ مكةَ عن دينه وطاعتِه، واتّباعِ رسوله، والإنفاقِ في سبيله.\n﴿يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾: أقام مقامَكم قومًا آخرينَ أطوعَ منكم (٢).\n﴿ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (٣٨)﴾: أي: في حال تولِّيكم إنْ تولّيتم، وليس يُريدُ به الحالةَ الأولى؛ لأنهم كانوا على أحسن حالٍ.\nوقيل: في جميع الأحوال.\nوقيل: إنهم العرب، والقوم المستبدَلُ بهم الملائكةُ. وزيّفه الزجّاجُ، وقال: القومُ لا يقعُ على الملائكة (٣).\nوقيل: قومًا بعد الذين خُوطبوا.\nوقيل: أهل اليمن.\nورُوي أن النبيَّ - ﷺ - «سُئل عن الذين يستبدلهم الله بهم، وكان سلمانُ إلى جنبه، فضرب فخذَه، وقال: «هذا وقومُه» (٤)، يعني: العجم.\nوفي خبرٍ آخَر أنه قال: «والذي نفسي بيده، لو كان الدِّينُ منُوطًا بالثُّريا (٥) لتناولته رجالٌ من فارس (٦») (٧).\n_________\n(١) انظر: المفردات (ص: ١٠٩)، مادة \" بَخِلَ \"، التعريفات (ص: ٣٣).\n(٢) انظر: جامع البيان (٢٦/ ٦٦)، معاني القرآن؛ للَّزَّجاج (٥/ ١٥).\n(٣) انظر: معاني القرآن؛ للَّزَّجاج (٥/ ١٥).\n(٤) انظر: أخرجه الترمذي في سننه (بنحوه) في كتاب تفسير القرآن، باب: ومن سورة محمدٍ - ﷺ -، برقم\n(٣٢٦٠) عن أبي هريرة - ﵁ -، وقال الترمذي بعد إيراده له: \" هذا حديث غريبٌ، في إسناده مقال، وقد روى ...\nعبد الله بن جعفر أيضًا هذا الحديث عن العلاء بن عبد الرحمن \"، وأخرجه الحاكم في مستدركه (٢/ ٤٥٨)، في ...\nكتاب التفسير - تفسير سورة محمد - ﷺ -، وقال: \" هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه \" والحديث\nصَحَّحَه الألباني في السلسلة الصحيحة (٣/ ١٣)، برقم (١٠١٧).\n(٥) الثُّريا: النجم المعروف، ويقال: إِن خلال أَنجم الثُّريا الظاهرة كواكب خفية كثيرة العدد. [لسان العرب\n(١٤/ ١١٠)، مادة \" ثَرا \"].\n(٦) فارس: ولاية واسعة وإقليم فسيح، أول حدودها من جهة العراق أرجان، ومن جهة كرمان السيرجان ومن\nجهة ساحل بحر الهند سيراف، ومن جهة السند مكران \". [انظر: معجم البلدان (٤/ ٢٢٦)].\n(٧) أخرجه البخاري في صحيحه (بنحوه) في كتاب التفسير، باب قوله: ﴿وَآَخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا فِيهِمْ﴾، برقم (٤٨٩٧)، وأخرجه مسلم في صحيحه في كتاب فضائل الصحابة، باب فضل فارس، برقم (٦٤٤٤)، ...\nوأخرجه الترمذي، (واللفظ له) في سننه في كتاب تفسير القرآن، باب: ومن سورة محمدٍ - ﷺ -، برقم (٣٢٦١)\nجميعهم عن أبي هريرة - ﵁ -","vol":"1","page":2894},{"text":"وكان أبو الدَّرْدَاء من الذين أوتوا العلم، فقال: أبشروا يا بني فرُّوخ (١) (٢).\nالكلبيُّ: شرط الاستبدالَ بهم بشرط تولِّيهم، ثم لم يتولَّوا، فلم يستبدلْ بهم (٣). والله أعلم.\n_________\n(١) بنو فرُّوخ: يقال: إنَّهم من ولد إبراهيم - ﵇ -، ولد بعد إسحق وإسماعيل، وكثر نسله ونما عدده، فولد العجم\nالذين هم في وسط البلاد. [انظر: كتاب العين (٤/ ٢٥٣)، مادة \" فَرَخَ \"، لسان العرب (٣/ ٤٢)، مادة \" فَرَخَ \"].\n(٢) لم أقف على هذه الزيادة في كتب السنة، وانظر: غرائب التفسير (٢/ ١١٠٩).\n(٣) انظر: لم أقف عليه.","vol":"1","page":2895},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-154>سورة الفتح </span>(١)\n\" تسع وعشرون آية \" (٢) (٣) مدنيةٌ (٤).\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ (١)\nفي سبب النزول عن الزُّهريّ (٥) عن عُرْوةَ (٦) عن المِسْوَرِ بنِ مَخْرمةَ (٧) ومروانَ بنِ الحكم قالا: أُنزلتْ سورةُ الفتحِ بين مكةَ والمدينة في شأن الحديبية من أولها إلى آخرها \" (٨).\n_________\n(١) سُمِّيت في كلام الصحابة (سورة الفتح)، ووقع في صحيح البخاري عن عبد الله بن مُغَفَّل قال: قرأ النبي - ﷺ - يوم فتح مكة (سورة الفتح) فرجَّع فيها ... ولا يعرف لها اسم آخر \" [التحرير والتنوير (٢٦/ ١٤١)].\n(٢) \" تسع وعشرون آية \" ساقطة من (ب).\n(٣) قال الدَّاني: \" وهي عشرون وتسع آيات في جميع العدد ليس فيها اختلاف \" [البيان في عدِّ آي القرآن (ص: ٢٢٩)].\n(٤) انظر: معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ٤٩١)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢٩٣)، البيان في عدِّ آي القرآن (ص: ٢٢٩).\n(٥) الزُّهري، هو: محمد بن مُسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزُّهري، الإمام العالم، حافظ زمانه، أبو بكر القرشي الزهري المدني نزيل الشام، أحد الأئمة الكبار من أعلام التابعين، وحافظ زمانه، روى عن ابن عمر وجابر وأنس وآخرين، جمع حديثه الإمام محمد بن يحيى بن خالد الذهلي المتوفى سنة ٢٥٨ هـ، وسمَّاه \" الزُّهريات \". قال الليث بن سعد: \" ما رأيت عالما قط أجمع من ابن شهاب، يحدِّث في الترغيب، فتقول: لا يحسن إلا هذا، وإن حدَّثَ عن العرب والأنساب، قلت: لا يحسن إلا هذا، وإن حدَّثَ عن القرآن والسنة، كان حديثه.\"\nتوفي - ﵀ - سنة أربع أو ثلاث وعشرين ومائة للهجرة. [انظر ترجمته: الكامل، لابن عدي (١/ ٥٦)، غاية النهاية (٢/ ٢٦٢)، سير أعلام النبلاء (٥/ ٣٢٦)].\n(٦) عُرْوة بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب، الإمام، عالم المدينة، أبو عبد الله القرشي الأسدي، المدني، الفقيه، أحد الفقهاء السبعة وأفاضل التابعين وعباد قريش، أخو عبد الله بن الزبير، أُمُّهما أسماء بنت أبى بكر الصديق، وهو الذي حفر بئر عروة بالمدينة، وما بالمدينة أعذب من مائها.\nقال عنه ابنه هشام: ما سمعت أحدًا من أهل الأهواء يذكر أبي بسوء، وقال أحمد بن عبد الله العجلي: \" عروة بن الزبير تابعي ثقة، رجل صالح، لم يدخل في شيء من الفتن \"، توفى سنة تسع وتسعين للهجرة. [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: مشاهير علماء الأمصار (ص: ٨٢)، سير أعلام النبلاء (٤/ ٤٢١)].\n(٧) المِسْوَر بن مخرمة بن نوفل بن أُهيب بن عبد مناف بن زهرة القرشي الزهري، أبو عبد الرحمن، له صحبة، وأمه عاتكة بنت عوف، أخت عبد الرحمن بن عوف. وقيل: اسمها الشفاء، ولد بمكة بعد الهجرة بسنتين وقدم به أبوه المدينة في النصف من ذي الحجة سنة ثمان عام الفتح، وقد حج مع النبي - ﷺ - حجة وحفظ جوامع أحكام الحج واستوطن المدينة وكان فقيهًا من أهل العلم والدين، وأقام بالمدينة إلى أن قتل عثمان - ﵁ -، ثم سار إلى مكة فلم يزل بها حتى توفي معاوية، وأقام مع ابن الزبير بمكة، حتى قدم الحصين بن نمير إلى مكة في جيش من الشام لقتال ابن الزبير بعد وقعة الحرة، فقتل المسور، أصابه حجر منجيق وهو يصلي في الحِجر، فقتله مستهل ربيع الأول من سنة أربع وستين، وصلى عليه ابن الزبير. [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: مشاهير علماء الأمصار (ص: ٢٩)، الاستيعاب (٣/ ٤٥٥)، أسد الغابة (٥/ ١٧٠)].\n(٨) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١٢/ ١٧)، برقم (١٦)، وأخرجه الحاكم في مستدركه (٢/ ٤٥٩)، في\nكتاب التفسير - تفسير سورة الفتح -، وقال: \" هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه \" ووافقه الذهبي.","vol":"1","page":2896},{"text":"وعن أنس: لما رجعنا من غزوة الحديبية، وقد حِيل بيننا وبين نُسكِنا فنحنُ بين الحُزْن والكآبة، أنزل الله: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا﴾، فقال - ﷺ -: «لقد أُنزلَ عليَّ آيةٌ هي أحبُّ إليَّ من الدنيا كُلّها» (١).\nوعن عطاءَ عن ابنِ عباس - ﵄ -: أنَّ اليهودَ شَمَتوا بالنبيِّ - ﷺ - والمسلمين لما نزلت: ﴿مَا يُفْعَلُ بِي﴾، [الأحقاف: ٩]، فاشتدَّ ذلك على النبيّ - ﷺ -، فأنزل الله ... ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ فسُرَّ \" (٢).\nوالفتح، هو فتحُ خَيْبَر (٣).\nمجاهد: \" هو فتحُ مكةَ \" (٤).\nوالجمهور على أنه يومُ الحديبية (٥).\n_________\n(١) أخرجه الترمذي في سننه (بنحوه) في كتاب التفسير، باب: ومن سورة الفتح، برقم (٣٢٦٣)، وابن جرير في جامع البيان (٢٦/ ٦٩)، والواحدي في أسباب النزول (ص: ٣١٥).\n(٢) انظر: أسباب النزول؛ للواحدي (ص: ٣١٥).\n(٣) خَيْبر: بلدة تقع على بعد (١٧١) كيلًا من المدينة على طريق تبوك، وأما لفظ خيبر فهو بلسان اليهود: الحصن، ولكون هذه البقعة تشتمل على هذه الحصون سميت خيابر، وقد فتحها النبي - ﷺ - كلها في سنة سبع ... للهجرة، وقيل: سنة ثمان. [انظر: معجم البلدان (٢/ ٤٠٩)، معجم الأمكنة (٢١٥)].\n(٤) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١١١١)، وفي تفسير مجاهد (٢/ ٦٠١) \" يعني: نحره بالحديبية وحلقه رأسه \".\n(٥) انظر: مجاهد (٢/ ٦٠١)، تفسير مقاتل (٣/ ٢٤٤)، جامع البيان (٢٦/ ٦٨)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (١٥/ ١٦)، النكت والعيون (٥/ ٣٠٩)، المحرر الوجيز (٥/ ١٢٥)، الجامع لأحكام القرآن (١٦/ ٢٥٠)، البحر المحيط (٩/ ٤٨٢).","vol":"1","page":2897},{"text":"والحديبيةُ بئرٌ، وسُمِّيَ المكانُ بها، وكان قد غاض ماؤُها، فتمضمضَ فيها رسولُ اللهِ - ﷺ - فجاء بالماء حتّى عمتَّهم (١) (٢).\nوقيل: غرز فيها سهمًا من كنانته، فجاش بالرِّواء (٣) حتى ضرب الناسُ عليه بعطَنٍ (٤). وسُمِّيَ يومَ الحديبية فتحًا؛ لأنَّه كان سببَ فتحِ مكةَ (٥).\nوالمعنى: دنا فتحُه.\nوعن ابن شهابٍ (٦)، قال: \" لم يكن في الإسلام فتحٌ أعظمَ من فتحِ الحديبية، وُضعتِ الحربُ، وأَمنَ الناسُ فتلاقَوا، ولم يكلَّمْ أحدٌ [بعقدِ الإسلام] (٧) إلاّ دخل فيه، وقد دخل في تلك السنين مثلُ مَن كان قبلَ ذلك أو أكثرُ \" (٨).\nقال الشعبيُّ: \" أصاب النبيُّ - ﷺ - في تلك الغزوة ما لم يُصبْ في غيرها، بُويعَ فيها بيعةَ الرضوان، وغُفرَ له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّرَ، وظفرَ الرومُ على الفرس، وكان وَعد به فصحَّ صدقُه، وأُطعمَ نخيلَ خيبرَ، وقيل: نَفَلَ خيبرَ \" (٩)، وذلك أنَّ رسولَ الله - ﷺ - بعد هجرته إلى المدينة أحبَّ أنْ يزورَ بيتَ اللهِ الحراِمَ بمكةَ، فخرج قاصدًا نحوَه في سنة ستٍّ من الهجرة، وأمر مَن حوالي المدينة أنْ يخرجوا معه، فخرج أولو البصيرة، وتخلَّف مَن كان في قلبه مرضٌ من المنافقين، ظنًا ﴿أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا﴾ فاستصحب سبعين بدنةً، لينحرَها بمكةَ، ولمّا كان بذي الحُلَيفة (١٠) قلّد الهديّ وأشعره وأحرمَ بالعمرة؛ لتعلم قريشٌ أنه لم يأتِ لقتالٍ، وأرسل عثمانَ إلى قريشٍ ليسألَهم أنْ يُمكّنوه وأصحابَه من الزيارةِ والطوافِ، فأبطأَ عليه رجوعُ عثمانَ، وأُرجف بقتله، فقال: لا نبرحُ حتى نناجزَ القومَ، ودعا أصحابَه إلى مبايعته على أنْ يُقتلوا قريشًا ولا يفرُّوا عنهم ولا يُولُّوهم أدبارَهم، وكانوا ألفًا وثلاثمائة، وقيل: ألفًا وأربعمائة، وقيل: ألفًا وخمسمائة، فبايعوه إلاّ جَدُّ بنَ قيسٍ (١١)، فإنه اختبأ تحت إبط ناقتِه، وهذه البيعةُ هي التي تُسمَّى ببيعة الرضوان، وكانت تحت الشجرة، وهي سَمُرَةٌ، وقيل: سِدْرةٌ، والأول أكثرُ في التفاسير، فرجع عثمانُ، ولم يُجبه قريش إلى ما سأل، وجاء عروةُ بنُ مسعودٍ لإيقاع صلحٍ، فلمّا رأى أصحابَ النبيَّ - ﷺ - قال: أي محمد، أرأيتَ إن استأصلت قومَك، هل سمعتَ بأحدٍ من العرب اجتاح أهلَه، على أني أرى وجوهًا وأشوابًا خليقًا أنْ يفرُّوا ويدعوك، فشتمه أبو بكر، فلمّا عاد إلى قريشٍ قال: لقد وفدت على كسرى وقيصر والنجاشي، وغيرهم من الملوك، ما رأيت ملكًا يعظمُه أصحابُه ما يعظم أصحابُ محمدٍ محمدًا، والله إنْ يتنخم نخامةً إلا وقعتْ في كفِّ رجلٍ منهم، فَدَلَكَ بها وجهَه وجلَده، وإذا أمرهم ابتدروا أمرَه، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلّموا خفضوا أصواتَهم عنده، وما يُحدُّون النظرَ إليه تفخيمًا، وإنه قد عرض عليكم خُطة رشدٍ فاقبلوها منه، فلمّا اتّفقوا على الصلح جاء سُهيلُ بنُ عمروٍ المخزوميُّ (١٢)، وتصالحوا على أنْ لا يدخلَ\n_________\n(١) انظر: في (ب) \" عمَّهم \".\n(٢) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ١٦)، غرائب التفسير (٢/ ١١١١)، معجم البلدان (٢/ ٢٢٩).\n(٣) جاش بالرِّواء: أي ارتفع الماء وفاض منه. [انظر: كتاب العين (٦/ ١٥٨) مادة \" جَيَشَ \"، وانظر: النُّكت والعيون (٥/ ٣١٠)].\n(٤) العَطَنُ: ما حول الحوض والبئر من مَبارِكِ الإبل، ومُناخِ القومِ ويجمع على أعطان [انظر: كتاب العين\n(٢/ ١٤) مادة \" عَطَنَ \"].\n(٥) انظر: الناسخ والمنسوخ؛ للنَّحاس (ص: ٦٧٧).\n(٦) ابن شهاب هو الزهري، وقد تقدمت ترجمته آنفًا في (ص: ٥٠٤).\n(٧) في النسختين \" بعقد الإسلام \" والصواب ما أثبت وهو الموافق للأثر.\n(٨) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (٢٦/ ١٠٨)، والنَّحَّاس في الناسخ والمنسوخ (ص: ٦٧٧)، وأورده الثعلبي في تفسيره تفسير الثعلبي (٩/ ٦٤)، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن (١٦/ ٢٧٨).\n(٩) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٢٢٥)، وأخرجه ابن جرير في جامع البيان (٢٦/ ٧١).\n(١٠) ذو الحُلَيفة: قرية بينها وبين المدينة ستة أميال أو سبعة، تقع بوادي العقيق، وفيها ميقات أهل المدينة. ... [انظر: معجم البلدان (٢/ ٢٩٥)، معجم الأمكنة (ص: ٢٤٠)].\n(١١) جَدُّ أو الجد بن قيس بن صخر بن خنساء بن سنان السُّلمي الأنصاري، يكنى أبا عبد الله، كان ممن يغمص عليه النفاق من أصحاب رسول الله - ﷺ - وكان قد ساد في الجاهلية جميع بني سلمة فانتزع رسول الله - ﷺ - سؤدده وسود فيهم عمرو بن الجموح، وقد تخلَّف عن بيعة الحديبية مع حضوره واستتر ببطن ناقته، وتخلف عن عزوة تبوك،\nويقال إنه مات في خلافة عثمان، وقال ابن عبد البر - في آخر ترجمته - \" يقال: إنه تاب وحسنت توبته ومات في خلافة عثمان\". [انْظُرْ تَرْجَمَتَه: الاستيعاب (١/ ٣٣١)، أسد الغابة (١/ ٥٢١)].\n(١٢) سهيل بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي بن غالب القرشي العامري يكنى أبا يزيد، أحد أشراف قريش وعقلائهم وخطبائهم وساداتهم، أسر يوم بدر كافرًا، ثم فدي، وقد تولى صُلح الحديبية من جانب قريش، ثمَّ أسلم يوم الفتح وحسن إسلامه، وخرج بأهل بيته إلا ابنته هند إلى الشام مجاهدًا، فماتوا هناك، ولم يبق إلا ابنته هند، قيل: استشهد باليرموك، وقيل: بل استشهد في طاعون عمواس في خلافة عمر، سنة ثمان عشرة. [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: الاستيعاب (٢/ ٢٢٩)، أسد الغابة (٢/ ٥٨٥)].","vol":"1","page":2898},{"text":"- ﷺ - مكةَ سنتَه، بل يعودُ في القابل، ويُقيمُ بمكةَ ثلاثةَ أيامٍ، ثم ينصرفُ، فلمّا كتب عليٌّ بنُ أبي طالبٍ - ﵁ -:\nبسم الله الرحمن الرحيم، قال سُهَيلُ: ما نعرفُ الرحمنَ الرحيمَ، اكتبْ في قضيتنا: بسمك اللهمَّ، ولمّا كتب: محمد رسول الله، قال: لو علمنا أنك رسولُ الله ما قاتلناك، اكتب محمد بن عبد الله، فأجابه إلى الأمرين، وكتبه: هذا ما صالح محمد بن عبد الله قريشًا، صالحهم على أنه لا إغلالَ ولا إسْلال (١)، وعلى أن مَن قدم مكةَ من أصحاب محمدٍ حاجًا أو معتمرًا أو يبتغي من فضل الله فهو آمنٌ على دمه وماله، ومَن قدِم المدينةَ من قريشٍ مجتازًا إلى مصرَ والشام يبتغي من فضل الله فهو على دمه وماله آمنٌ، وعلى أن مَن جاءَ محمدًا من قريشٍ فهو إليهم ردٌّ، ومَن جاء من أصحاب محمدٍ فهو لهم، واشتدَّ ذلك على المسلمين، فقال النبيُّ - ﷺ -: مَن جاءهم منا فأبعده الله، ومَن جاءنا منهم رددناه إليهم، فإنْ علم اللهُ منه الإسلامَ جعل له مخرجًا.\nفلما فرغوا من الهُدنة نحر النبيُّ - ﷺ - وحلق، وفعلَ أصحابُه ذلك، فنزل عليه في طريقه في هذا الشأن: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾، يُريدُ ما كان من أمر الحديبية (٢).\nوالفتحُ قد يكونُ بالصلح.\nوقيل: كان هذا الفتحُ عن ترامٍ بالحجارةِ، ولم يكنَ قتالًا شديدًا.\nوالفتح: هو الظَّفَرُ بالمكان بصلحٍ أو حربٍ (٣)؛ لأن الموضعَ يكون مغلَقًا (٤)، فيُفتحُ، إمَّا بحربٍ أو هُدنةٍ وصلحٍ (٥).\nوقيل: المرادُ به فتحُ مكةَ، وعده اللهُ ذلك.\n_________\n(١) لا إغلال ولا إسلال: الإغْلال: الخِيانة أو السَّرِقة الخَفِيَّة، والإسْلال: مِن سَلَّ البَعيرَ وغيرَه في جَوْف الليل إذا انْتَزعته مِن بين الإبل وهي السَّلَّة، وقيل: هو الغَارة الظَّاهرة يقال: غَلَّ يَغُلُّ وسَلَّ يَسُلّ، ويكون أيضًا أن يُعين غيره عليهما، وقيل الإغْلال: لُبْس الدُّرُوع، والإسْلال: سَلُّ السُّيوف. [النِّهاية (٣/ ٣٨٠)، مادة \" غَلَلَ \"].\n(٢) الخبر أصله في مسند الإمام أحمد (٤/ ٣٢٤)، وقد حسنه الشيخ شعيب الأرنؤوط، وانظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٤٥)، الطبقات الكبرى؛ لابن سعد (١/ ٢٩٧).\n(٣) في (أ) \" لحرب أو صلح \".\n(٤) في (ب) \" منغلقا \".\n(٥) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ٦٤)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ١٦)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢٩٣).","vol":"1","page":2899},{"text":"ابنُ بحرٍ: \" ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ معناه: أعلمناك فيما أنزلناه عليك من القرآن وأمَرْناك به من الدِّين أمرًا مبينًا.\nوقد يُعبَّر عن العلم بالفتح، كقوله: ﴿* وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ [الأنعام: (٥٩)]، أي: علم الغيب \" (١).\nابنُ عيسى: \"الفتحُ: الفرَج المزيلُ للهمّ (٢)، ومنه فتحُ المسألة إذا انفرجت عن بيانٍ يُؤدِّي إلى الثقة \" (٣).\nوقيل: الفتحُ القضاءُ والحُكمُ، والفتَّاح: القاضي، أي: حكمنا لك بهذه المهادنة.\nوقيل: أرشدناك إلى الإسلام.\n﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾: قيل: الفتح ليس بسبب للمغفرة (٤)، وإنما التقدير: إنا فتحنا لك فاستغفر ليغفرَ لك الله، ومثله: \" إذا جاء نصر الله والفتح فسبح واستغفر \" (٥) (٦).\n_________\n(١) انظر: النكت والعيون (٥/ ٣٠٩)، غرائب التفسير (٢/ ١١١١).\n(٢) في (ب) \" المزيل الهم \".\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) في (ب) \" بسبب للمغفرة \".\n(٥) يعني بذلك التقدير للمعنى في قوله تعالى: \" ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾ [سورة النصر: (١ - ٣)].\n(٦) وإلى هذا المعنى ذهب ابن جرير وقال: \" اخترنا هذا القول في تأويل هذه الآية لدلالة قول الله ﷿ ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾ [سورة النصر: (١ - ٣)] على صحته إذ أمره تعالى ذِكْره أن يُسبح بحمد ربه إذا جاءه نصر الله وفتح مكة وأن يستغفره وأعلمه أنه توَّاب على من فعل ذلك ففي ذلك بيان واضح أنَّ قوله تعالى ذكره ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ إنَّما هو خبرٌ من الله جلَّ ثناؤه نبيه - ﷺ - عن جزائه له على شكره له على النعمة التي أنعم بها عليه من إظهاره له ما فتح لأنَّ جزاء الله تعالى عباده على أعمالهم دون غيرها .. \" [جامع البيان (٢٦/ ٦٧)].\nوقد تعقَّبه ابن عطية بقوله: \" قال القاضي أبو محمد، وهذا ضعيفٌ من وجهين:\nأحدهما: أنَّ سورة ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ [النصر: (١)] إنَّما نزلت من آخر مدة النبي - ﷺ - ناعية له نفسه حسبما قال ابن عباس عندما سأل عمر عن ذلك.\nوالآخر: أنَّ تخصيص النبي - ﷺ - بالتشريف كان يذهب؛ لأنَّ كلَّ أحد من المؤمنين هو مخاطب بهذا الذي قال الطبري، أي: سَبِّح واستغفر لكي يغفر الله، ولا يتضمن هذا أنَّ الغفران قد وقع، وما قدَّمناه أولًا يقتضي وقوع الغفران للنبي - ﷺ -، ويدل على ذلك قول الصحابة له حين قام حتى تورَّمت قدماه أتفعل هذا يا رسول الله، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: \" أفلا أكون عبدًا شكورًا \" فهذا نصٌّ في أنَّ الغفران قد وقع \" [المحرر الوجيز (٥/ ١٢٦)].","vol":"1","page":2900},{"text":"وإذا جُعل الفتح بمعنى الحكم فهو متّصلٌ به من غير إضمارٍ، وكذلك فيمَن جعله بمعنى العلم والإرشاد.\nوقيل: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ﴾ بصبرك على ما امتحنتَ به.\nابن الأنباريّ (١): \" يجتمع لك المغفرة مع الفتح فتتم النعمة (٢) عليك\" (٣).\nوذهب سَهل (٤) إلى أن اللاّمَ لامُ القسم، أي: ليغفرن الله، فلما حذفت النون كسرت اللام، وأنشد:\nإذا قال قَطْني قُلتُ آليتُ حِلفةً ... لِتُغْني عني ذا إنائكَ أجمعًا (٥) \" (٦).\nوقد سبق (٧).\n_________\n(١) ابن الأنباري، هو: محمد بن القاسم بن محمد بن بشار بن الحسن بن بيان بن سماعة، أبو بكر الأنباري، النحوي صاحب التصانيف في النحو والأدب؛ كان علامة وقته في الآداب وأكثر الناس حفظًا لها، وكان صدوقًا ثقةً دَيِّنًَا خَيِّرًَا من أهل السنة، وصنف كتبًا كثيرة في علوم القرآن، وغريب الحديث، والمُشْكِل، والوقف والابتداء والرد على من خالف مصحف العامة وكتاب الزاهر وغيرها، وتوفي: ليلة عيد النحر سنة ثمان وعشرين، وقيل سنة سبع وعشرين وثلاثمائة للهجرة. [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: وفيات الأعيان (٤/ ٣٤١)، البلغة في تراجم أئمة النحو واللغة (١/ ٧١)].\n(٢) في (ب) \" ويتم النعمة \".\n(٣) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١١١٢)، الجامع لأحكام القرآن؛ للقرطبي (١٦/ ٢٥١).\n(٤) هو أبو حاتم السِّجستاني، وقد تقدمت ترجمته (ص: ٤٦٨).\n(٥) البيت لحُريث بن عَنَّاب الطائي كما في خزانة الأدب؛ للبغدادي (١١/ ٤٤٢)، وقد جاء في المحرر الوجيز (٣/ ٣٨٨) من غير نسبة بلفظ:\nإذا قلت قدني قال تالله حلفة ... لتغني عني ذا إنائك أجمعا.\n(٦) انظر: تفسير السَّمعاني (٥/ ١٨٩)، ولم يذكر البيت.\n(٧) عند إيراد المؤلف له في سورة التوبة في تفسير الآية (١٢١).","vol":"1","page":2901},{"text":"وقيل: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ﴾ بمجاهدتك ومقاتلتك (١) أهل مكة ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ فاللام متلق بالجهاد والقتال (٢).\nوقيل: المغفرة سبب للفتح (٣) أي لمغفرتنا لك ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا﴾ كما تقول أكرمتك لفضلك (٤).\n﴿مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ﴾: أي: تقدَّم النبوة.\n﴿وَمَا تَأَخَّرَ﴾: بعدها.\nوقيل: قبل الفتح وبعده.\nوقيل: ما تقدم من ذنب آدم وحواء - ﵉ -، وما تأخَّر ذنوب أمتك (٥).\nوقيل: ما وقع وما يقع على طريق الوعد مغفور.\nوقيل: أوّل ذُنُوبكَ وآخرهَا فَوحَّد (٦) لأنَّهُ إشارة إلى الجنس (٧).\nوقيل: هذا على وجه المبالغة، كما تقول: أعطى مَن رأى ومَن لم يَرَ (٨).\n﴿وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾: بإعلاء دينك، وفتح البلاد على يدك.\n﴿وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢)﴾: أي: يثبِّتك (٩) عليه.\n﴿وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ (٣): ذا عزٍ لا ذلَّ بعده أبدًا.\n_________\n(١) في (ب) \" وقتالك \".\n(٢) في (ب) \" بالقتال والجهاد \".\n(٣) في (أ) \" سبب الفتح \".\n(٤) انظر: جامع البيان (٢٦/ ٦٨)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٤/ ١٢٩)، تفسير الثعلبي (٩/ ٤٢).\n(٥) قلت: وهذا خلاف ظاهر الآية.\n(٦) في (أ) \" ووحَّدَ \".\n(٧) في (ب) \" الحس \".\n(٨) انظر: جامع البيان (٢٦/ ٦٨)، النُّكت والعيون (٥/ ٣١٠).\n(٩) في (أ) \" ويثبِّتك \".","vol":"1","page":2902},{"text":"وقيل: مُعِزًَّا. وقيل: ممتنعًا على غيرك مثله.\nوقيل: عزيزًا لا يزيله ولا يعلوه عدوٌّ (١)، من قولهم: تمرّد ما رِدٌ وعزّ الأبلق (٢)\n﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ابن عيسى: \" السَّكينة البصيرة التي تسكن إليها النَّفس \" (٣).\nوقيل: السَّكينة: اسمٌ لما يَسكَن به الشيءُ أنْ يدومَ على ما هو عليه ولا يزول (٤).\nوقيل: السَّكينة: الصبر على أمر الله، والثقة بوعد الله، والتعظيم لأمر الله.\n﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ أي: يقينًا مع يقينهم.\nوقيل: إيمانًا بالشرائع مع إيمانهم بالله.\nوقيل: صبرًا مع جهادهم.\n﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: أي: كلُّهم عبيده (٥).\nوقيل: كل ما في السماوات والأرض بمنزلة الجُند له، لو شاء لانتصر به، كما ينتصر بالجند.\nوقيل: جنود السماوات: الملائكةُ، وجنودُ الأرض: الإنس والجن.\nوقيل: كلّها جنودٌ من حيث إنها (٦) تدل (٧) على الوحدانية.\n﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾: بما فيهما (٨).\n﴿حَكِيمًا (٤)﴾: بخلقهما.\n_________\n(١) في (ب) \" ولا يعلوه أحدٌ \".\n(٢) هذا المثل يضرب للرجل العزيز المنيع الذي لا يقدر على اهتضامه، والمثل للزَّباء الملكة، ومارد حصن دَوْمَةِ الجَنْدل، والأبلق حصن تَيماء، وكانت الزَّباء أرادت هذين الحصنين فامتنعا عليها فقالت (تمرد مارد وعز الأبلق) وعزَّ، أي: امتنع من الضَّيم \" [انظر: كتاب جمهرة الأمثال (١/ ٢٥٧)، وانظر: مجمع الأمثال (١/ ١٦٠)].\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) في (أ) \" أنَّ تدوم على ما هو عليه ولا تزول \".\n(٥) انظر: معاني القرآن؛ للنَّحَّاس (٦/ ٤٩٧).\n(٦) \" إنَّها \" ساقطة من (أ) \".\n(٧) في (أ) \" تدل \".\n(٨) في (أ) \" بما فيها \".","vol":"1","page":2903},{"text":"﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾: في سبب النزول أنها متصلة بالأولى على ما حكينا قبُل أنها نزلت عند نزول قوله: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ [الأحقاف: (٩)]، فلمَّا نزلت: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ قال رجل من القوم: هنيئًا مريئًا لك يا نبيَّ الله، قد بيّنَ الله لنا ما يفعل بك، فماذا يفعل بنا فأنزل الله تعالى: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ (١).\n﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾: يغطيها، فهو بمعنى المغفرة، أي: يكفر عنهم سيئاتهم قبل أن يدخلهم الجنة ليدخلوها معرَّين من الآثام.\nوقوله: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾: أي: في الدار الآخرة.\nوقيل: في حكم الله، كما تقول: هذا عند الشافعي (٢) (٣) جائز. أي: في حكمه.\n﴿وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا (٥)﴾ (٤).\nوهذه اللام (٥) متعلقة بـ ﴿فَتَحْنَا﴾، ولم تدخل الواو؛ لأنَّ التقدير: [\" إنَّا فتحنا ليغفر \"] (٦)، \" إنَّا فتحنا ليدخل المؤمنين \" (٧).\n_________\n(١) تقدم في صدر السورة (ص: ٥٠٤).\n(٢) في (ب) \" عند أبي حنيفة \".\n(٣) الشافعي، فهو: محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم ابن المطلب بن عبد مناف القرشي المطلبي الشافعي، يجتمع مع رسول الله - ﷺ - في عبد مناف المذكور، الإمام، عالم العصر، ناصر الحديث، فقيه الملة، أبو عبد الله القرشي ثم المطلبي الشافعي المكي، الغَزِّي المولد أحد الأئمة الأربعة الفقهاء، صَنَّف التصانيف، ودَوَّن العلم، وردَّ على الأئمة متبعًا الأثر، وصنف في أصول الفقه وفروعه، وبعد صيته، وتكاثر عليه الطلبة، قال عنه الإمام أحمد بن حنبل: \" ما عرفت ناسخ الحديث ومنسوخه حتى جالست الشافعي\"، وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: \" ما رأيت رجلًا قطُّ أكمل من الشافعي، ولم يزل بها إلى أن توفي يوم الجمعة آخر يوم من رجب سنة أربع ومائتين [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: وفيات الأعيان (٤/ ١٦٣)، سير أعلام النبلاء (١٠/ ٥)].\n(٤) كذا في النسختين، والأولى تقديمها عن قوله: وقوله: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾.\n(٥) يعني في قوله: ﴿لِيُدْخِلَ﴾.\n(٦) ما بين المعقوفتين ساقط من (أ).\n(٧) انظر: جامع البيان (٢٦/ ٧٣)، تفسير الثعلبي (٩/ ٤٣)، البحر المحيط (٩/ ٤٨٥).","vol":"1","page":2904},{"text":"وقيل: متصل بـ ﴿أَنْزَلَ﴾، وتقديره: \" ليزدادوا إيمانًا ليدخل المؤمنين \"، فيكونُ بدلًا من قوله: ﴿لِيَزْدَادُوا﴾ بدلَ الاشتمال.\nوقيل: متّصلٌ بقوله ﴿لِيَزْدَادُوا﴾ و﴿لِيُدْخِلَ﴾.\nوقيل: متّصلٌ بالمعنى، وتقديرُه: ولله جنود السماوات والأرض، ولم ينتصرْ بهم، وانتصرَ بالمؤمنين ليدخل المؤمنين.\n﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ﴾: هو عطفٌ على ﴿لِيُدْخِلَ﴾ على الوجوه كلِّها (١).\n﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾: هو ظنُّهم: ﴿أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا﴾ (٢).\nوقيل: ظنُّهم أن اللهَ ينصرُهم على رسوله والمؤمنين.\nوقيل: هو (٣) ظنُّهم أن لله شريكًا.\nوقيل: ظنُّهم أن لن يبعث الله أحدًا.\n﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾: أي يدورُ (٤) عليهم ويعودُ إليهم ضررُ ما دبّروا، ويقعُ الفسادُ والهلاك بهم.\n_________\n(١) \" كلّها \" ساقطة من (أ).\n(٢) وهذا هو أظهر الأقوال مع احتمال ما بعده، قال ابن جزي: \" والأول أظهر بدليل ما بعده \"، [التسهيل (٤/ ٥١)، وانظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٤٦)، جامع البيان (٢٦/ ٧٣)، النكت والعيون (٥/ ٣١٢)].\n(٣) \" هو\" ساقطة من (أ).\n(٤) في (أ) \" أي: تدور \".","vol":"1","page":2905},{"text":"﴿السُّوء﴾ - بالضم - المصدر، ويصلحُ للاسم، وقد جاء مجموعًا نحو الأسواء.\nو﴿السَّوْءِ﴾ بالفتح - النعت (١).\nو﴿ظَنَّ السَّوْءِ﴾: أي: ظن الأمر السَّوء، فيكونُ من باب مسجد الجامع، وصلاة الأُولى.\n﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾: انتقم منهم (٢).\n﴿وَلَعَنَهُمْ﴾: أبعدهم (٣) من رحمته.\n﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ﴾: هيأها لهم.\nوكلُّ لفظةٍ من هذه (٤) الثلاث يُنبئُ عن الآخَرين، لكن الإطنابَ في الإيعاد أبلغُ (٥).\n﴿وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾: أي: جهنم.\n﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: فيدفعُ كيدَ مَن عادى نبيَّه - ﷺ - والمؤمنين بما شاءَ منها.\n﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا﴾ في أمره، ﴿حَكِيمًا (٧)﴾: في فعله.\n﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا﴾: على أمتكَ يومَ القيامة.\nوقيل: شاهدًا لهم بعملهم. وقيل: شاهدًا للأنبياء - ﵈ - بالتبليغ.\n_________\n(١) قرأ ابن كثير وأبو عمرو ﴿السُّوءُ﴾ بضَمِّ السِّين، وقرأ الباقون ﴿السَّوْءِ﴾ [انظر: جامع البيان (٢٦/ ٧٣)، السبعة (ص: ٦٠٣)، معاني القراءات (ص: ٢١٣)، الحجة (٦/ ٢٠٠)، التيسير (ض: ٩٧)].\n(٢) تفسير الغضب بالانتقام أو إرادة الانتقام تأويل لهذه الصفة على منهج الأشاعرة، والصحيح أن الغضب صفة لله تعالى على ما يليق بجلاه وهي خلاف صفة الرضى. [انظر: شرح لمعة الاعتقاد؛ لابن عثيمين (ص: ٥٤)].\n(٣) في (أ) \" وأبعدهم \".\n(٤) في (ب) \" من هذا \".\n(٥) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١١١٢).","vol":"1","page":2906},{"text":"وقيل: مبيِّنًا لهم.\nوقد سبق (١).\n﴿وَمُبَشِّرًا﴾: للمؤمنين، ﴿وَنَذِيرًا (٨)﴾: للكافرين.\nوقيل: ﴿مُبَشِّرًا﴾ لمَن أطاع ﴿وَنَذِيرًا﴾ لمن عصى.\n﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾: نزَّل خطابَ النبي - ﷺ - منزلةَ خطاب المؤمنين.\nومَن قرأ بالياء (٢)، فتقديره: \"إنا (٣) أرسلناك إليهم ليؤمنوا \"، وكذلك ما بعده.\n﴿وَتُعَزِّرُوهُ﴾: تُطيعوه، وقيل: تُبجِّلوه، وقيل: تنصروه بالسيف.\nالعزْر (٤) والتعزيرُ: النصرُ مرةً بعدَ أخرى، وقيل: تعظِّموه (٥).\nوالهاءُ يعودُ إلى الله سبحانه، كقوله (٦) تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ [محمد: ٧].\nوكذلك قوله: ﴿وَتُوَقِّرُوهُ﴾: يعودُ إلى الله سبحانه، أي: تُعظِّموه، كقوله تعالى: ﴿لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح: ١٣]، أي: عَظَمَةً.\nوقيل: الضميرُ فيهما يعود إلى النبيّ - ﷺ -، أي: تُعظِّموا النبيّ، وتدعوه (٧) باسم الرَّسول وباسم النبيّ - ﷺ - (٨).\n﴿وَتُسَبِّحُوهُ﴾: أي: تسبحوا الله وتنزهوه.\nوقيل: تصَلُّوا له. وهذا لله خاصة (٩).\nواستحسنوا الوقف على: ﴿وَتُوَقِّرُوهُ﴾ لهذا (١٠).\nويحتمل وتسبحوا له معه، فيكون للنبي - ﷺ - أيضًا، وفيه بُعدٌ (١١) (١٢).\n﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٩)﴾: بالغداة والعَشِيّ. وقيل: دائمًا.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ هي (١٣) بيعة الرِّضوان تحتَ الشجرة (١٤)، على ما سبق (١٥).\nوقيل: ليلة العَقَبَة (١٦)، وفيه بُعدٌ.\nوسمّاها مبايعةً تشبيهًا بعقد البيع.\n_________\n(١) عند قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥)﴾ [الأحزاب (٤٥)].\n(٢) أي: ﴿لِيُؤْمنوا﴾ وكذلك قوله بعدها ﴿ويُعَزِرُوه ويُوَقِّرُوه ويُسَبِّحوه﴾ وهي قراءة ابن كثير وابن عامر ...\nوقرأ نافع وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي بالتاء جميعًا [انظر: جامع البيان (٢٦/ ٧٤)، السبعة (ص: ٦٠٣)، معاني القراءات (ص: ٢١٣)، الحجَّة (٦/ ٢٠٠)].\n(٣) \" إنَّا \" ساقطة من (أ).\n(٤) في (ب) \"والعزر \".\n(٥) قال ابن جرير: \" وهذه الأقوال متقاربات المعنى، وإن اختلفت ألفاظ أهلها بها، ومعنى التعزير في هذا الموضع: التقوية بالنصرة والمعونة ولا يكون ذلك إلا بالطاعة والتعظيم والإجلال \" [جامع البيان (٢٦/ ٧٥)].\n(٦) في (ب) \" لقوله \".\n(٧) في (ب) \" وتدعوا \".\n(٨) انظر: معاني القرآن؛ للنَّحَّاس (٦/ ٥٠٠).\n(٩) انظر: جامع البيان (٢٦/ ٧٥)، معاني القرآن؛ للنَّحَّاس (٦/ ٥٠٠).\nقال ابن عطية: \" وقال بعض المتأولين الضمائر في قوله ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ﴾ هي كلُّها لله تعالى،\nوقال الجمهور ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ هما للنبي - ﵇ - ﴿وَتُسَبِّحُوهُ﴾: هي لله \". [المحرر الوجيز (٥/ ١٢٩)].\n(١٠) انظر: تفسير الثعلبي (٩/ ٤٤)، فتح القدير (٥/ ٦٨).\n(١١) ورد في حاشية نسخة (ب) تهميش ما نصه: «بعدُه؛ لإضمار (مع)، فإنه لا يضمر إلاّ مع الواو، نحو: جاء البردُ والطيالسة. قال: ومن جعل ليلة العقبة فبُعدُه: أن في الآية ذكر البيعة والشجرة والرضوان، وليس في ليلة العقبة شيءٌ من هذا». وفي هذا النص تعليق على تفسير الآيتين في الموضعين.\n(١٢) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١١١٢).\n(١٣) في (أ) \" هو \".\n(١٤) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٤٧)، جامع البيان (٢٦/ ٧٦)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢٩٨).\n(١٥) في تفسير الآية الأولى.\n(١٦) العقبة مرمى الجمرة الكبرى بمنى، وكان يوافي عندها النبي - ﷺ - القبائل ويعرض عليهم الإسلام، وقد أسلم ستة من الأنصار، وبايعوا النبي - ﷺ - إحدى ليالي الحج، سنة إحدى عشرة من النبوة وقبل الهجرة. [انظر: معجم البلدان (٤/ ١٣٤)، الفصول في سيرة الرسول (ص: ٧٣)، معجم الأمكنة (ص: ٣٢٨)].","vol":"1","page":2907},{"text":"وقيل: هو بيعٌ وشراء؛ لقوله: ﴿* إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ﴾ الآية، [التوبة: ١١١].\n﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾: قوّةُ الله في نُصرةِ الرسول فوقَ قوَّتهم (١).\nالقفّال: \"المعنى: راجعٌ إلى ما جرت به العادةُ من التصافق بالأيدي في المبايعات \".\nوقال أيضًا: هو من قوله - ﷺ -: «اليدُ العليا خيرٌ من اليد السُّفلى» (٢)، العُليا: المعطيةُ، أي: الله يُعطيهم ما يكونُ له به الفضلُ عليهم \" (٣).\nابنُ عيسى: \" عقدُ اللهِ في هذا البيعة فوقَ عقدِهم \" (٤).\nوقيل: ملكُ اللهِ فوقَ ملكِهم.\nوقيل: يدُ اللهِ بالوِفاء (٥) فوقَ أيديهم.\nوقيل: نعمُ اللهِ بما هداهم له فوقَ إجابتهم إلى ما أجابوا إليه من البيعة.\n﴿فَمَنْ نَكَثَ﴾: نقض العهدَ، ولم يفِ به (٦)، وقيل: كفر.\nوالنَّكثُ: نقضُ الفتل، والنِّكث: بالكسر المنكوث (٧).\n﴿فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾: أي: عليها وبالُ ذلك.\n﴿وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ﴾: أي: أتى به وافيًا غيَر منتقض، وقيل: عاهد عليه اللهَ في إيمانه.\n﴿فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١٠)﴾: جزيلًا، وهو الجنةُ ونعيمُها.\n﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ﴾: هم: أسلمُ، وجُهينةُ، ومُزينةُ، وغِفارُ (٨)، سُمُّوا مخلَّفين؛ لأنَّ اللهَ سَلبهم التوفيقَ لمّا لم يُخلصوا فخلَّفهم.\nوقيل: المخلَّفُ الذي لا يُؤبهُ به.\nقال الشاعر (٩):\nمُخَلَّفون ويقضي الناسُ أمرَهمُ ... غُشُّوا (١٠) الأمانةَ صُنبورٌ فصُنبور (١١) (١٢)\nشَغَلَتْنَا ﴿أَمْوَالُنَا﴾ وَأَهْلُونَا أي: لم يكنَ لنا مَن يخلُفنا في أموالنا وأهلينا، فخفنا الضياعَ علينا وعليهم.\n﴿فَاسْتَغْفِرْ لَنَا﴾: سلِ اللهَ أنْ يغفرَ لنا تخلُّفَنا عنك، وإنْ كان عن عذرٍ.\n﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾: يعني قولهم: اسْتَغْفِرْ ﴿لَنَا﴾.\nوقيل: هو قولُهم: شَغَلَتْنَا ﴿أَمْوَالُنَا﴾ وَأَهْلُونَا؛ لأنَّهم علموا أنَّ المانعَ خبث نيتهم (١٣).\n﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾: مَن يمنعكم من عذاب الله.\n﴿إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا﴾: وأنتم (١٤) في أموالكم وأهليكم.\nوقيل: ﴿أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا﴾: هزيمة.\n﴿أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا﴾: ظهورًا على عدوِّكم وغنيمة، وقيل: معناه: استغفاري لكم مع خُبث نيتكم لا يدفعُ عنكم عذابَ الله.\n﴿بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١١)﴾.\nردَّ بـ ﴿بَلْ﴾ (١٥) قولَهم: شَغَلَتْنَا ﴿أَمْوَالُنَا﴾ وَأَهْلُونَا.\n﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ﴾ أَبَدًا أي: إنما خلَّفكم ظنُّكم أنَّ المشركين يستأصلون الرسولَ والمؤمنين، فلا يرجعُ أحدٌ منهم إلى أهله، إما أنْ يُقتَلوا، أو يهربوا (١٦) فيتبدَّدوا (١٧) في البلاد.\n﴿وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ﴾: زيّنه الشيطان، وقيل: قُوِّيَ في قلوبكم (١٨).\n﴿وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ﴾: من علوِّ الكفّار وانتشار الفساد.\n﴿وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا (١٢)﴾: هالكين، وقيل: فاسدين، وقيل: شرارًا (١٩)، يُقال للواحد والجمع: بورٌ.\n_________\n(١) قال ابن جرير: \" وفي قوله: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ وجهان من التأويل:\nأحدهما: يد الله فوق أيديهم عند البيعة؛ لأنهم كانوا يبايعون الله ببيعتهم نبيه - ﷺ -.\nوالآخر: قوة الله فوق قوتهم في نصرة رسوله - ﷺ - لأنهم إنما بايعوا رسول الله - ﷺ - على نصرته على العدو \". [جامع البيان (٢٦/ ٧٦)].\n(٢) أخرجه البخاري في كتاب الزكاة، باب لا صدقة إلا عن ظهر غنى، برقم (١٤٢٩)، وأخرجه مسلم في كتاب الزكاة، باب: بيان أن اليد العليا خير من اليد السفلى، وأن اليد العليا هي المنفقة، وأن السفلى هي الآخذة، برقم (٢٣٨٢)، عن عبد الله بن عمر﵄ -\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) لم أقف عليه، وقد أورده الكرماني في غرائب التفسير (٢/ ١١١٣) بلا عزوٍ.\n(٥) في (ب) \" بالوفاق \"، والصَّواب ما أثبت، أي: الوفاء بالوعد والعقد.\n(٦) انظر: تفسير السمرقندي (٣/ ٢٨٩)، تفسير السمعاني (٥/ ١٩٤).\n(٧) انظر: لسان العرب (٢/ ١٩٦)، مادة \" نَكَثَ \".\n(٨) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٤٨)، تفسير السمرقندي (٣/ ٢٩٩)، تفسير الثعلبي (٩/ ٤٥)، تفسير السَّمعاني (٥/ ١٩٤).\n(٩) \" الشاعر \" ساقطة (ب).\n(١٠) ويروى \" غُسُّ \" الغُسُّ بالضم: الضعيف اللئيم من الرجال، وقيل: الضُّعفاء في آرائهم وعقولهم [انظر: لسان العرب (٦/ ١٥٤) مادة \" غَسَسَ \"].\n(١١) في (أ) \" صُنبورًا فصُنبورًا \"، والصُّنْبُورَةُ والصُّنْبُورُ جميعًا النخلة التي دقت من أَسفلها وانْجَرَد كَرَبُها وقلّ حَمْلها وقد صَنْبَرَتْ والصُّنْبُور سَعَفات يخرجن في أَصل النخلة والصُّنْبُور أَيضًا والصُّنْبُور أَيضًا النخلة المنفردة من جماعة النخل \". [لسان العرب (٤/ ٤٦٩) مادة \" صَنْبَرَ \"].\n(١٢) البيت لأوس بن حجر يعيب قومًا [انظر: لسان العرب (٤/ ٤٦٩) مادة \" صَنْبَرَ \"، (٦/ ١٥٤) مادة \" غَسَسَ \"].\n(١٣) في (أ) \"حدث بينهم \".\n(١٤) في (ب) \" فأنتم \".\n(١٥) في (ب) ﴿بَلْ﴾ ردَّ ب ﴿بَلْ﴾ \".\n(١٦) في (أ) \" أو يهزموا \".\n(١٧) التَّبْدِيْدُ: التَّفريق: يُقال: شَملٌ مُبَدَّد، وبَدَّد الشَّيءَ فتَبَدَّدَ فرّقه فتفرّق، وتبدّد القوم إِذا تفرّقوا. [لسان العرب (٣/ ٧٨) مادة \" بَدَدَ \"].\n(١٨) في (أ) \" قوي قلوبكم \".\n(١٩) في (ب) \" شوارًا \".","vol":"1","page":2908},{"text":"وبار الشَّيءُ هلك وفسد، وبارت الأرضُ: لم تُثمرْ ولم تُنبتْ (١).\n﴿وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا (١٣)﴾: نارًا مسعورةً ملتهبةً.\n﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٤)﴾.\n﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ﴾: جمهور المفسرين على أنَّ هؤلاء هم ... ﴿الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ﴾ المذكورون فيما تقدَّم (٢).\n﴿إِذَا انْطَلَقْتُمْ﴾: ذهبتم.\n﴿إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا﴾: هي مغانمُ خيبرَ (٣)، وعُد أهلُ الحديبية ذلك أن غنائمَ خيبرَ لهم خصوصًا، مَن غاب منهم ومَن حضر.\nقالوا: ولم يغِبْ منهم عنها (٤) أحدٌ إلاّ جابر بن عبد الله، فقسَم له رسولُ الله - ﷺ - كَسَهْمِ مَن حضر (٥).\nوذكر الزهريُّ: أنَّ غنائمَ خيبرَ كانت بين أهل الحديبية مَن حضر منهم خيبرَ ولمَن غاب، ولمَن حضرها من غيرهم من الناس (٦).\n_________\n(١) انظر: تفسير مجاهد (٢/ ٤٤٨)، تفسير مقاتل (٣/ ٢٤٩)، معاني القرآن، للفراء (٣/ ٦٦)، جامع البيان (٢٦/ ٧٨)، لسان العرب (٤/ ٨٦) مادة \" بَوَرَ \".\n(٢) يعني في قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ﴾، [انظر: جامع البيان (٢٦/ ٧٩)، تفسير السمرقندي (٣/ ٣٠٠)، تفسير السمعاني (٥/ ١٩٦)، تفسير البغوي (٧/ ٣٠٢)].\n(٣) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٤٩)، جامع البيان (٢٦/ ٧٩) تفسير السمرقندي (٣/ ٣٠٠).\n(٤) في (ب) \" منهم عنَّا \".\n(٥) انظر: تاريخ الأمم والملوك؛ للطبري (٢/ ١٤٠)، الجامع لأحكام القرآن (١٦/ ٢٥٩).\n(٦) في (ب) \" من الذي \".","vol":"1","page":2909},{"text":"وكان انصرافُ رسولِ الله - ﷺ - من الحديبية في ذي الحِجّة، فأقام بالمدينة بقيّةَ ذي الحجّة، وبعضَ المحرَّم من سنة ستٍّ، ثم خرج في بقيَّة المحرَّم إلى خيبرَ، وخرج معه مَن شهد الحديبية، ففتحها، وغنم أموالًا كثيرةً، وجعلها لهم خاصَّةً (١).\nورويَ أنه - ﷺ - لمّا بدا حصنُها قال: «خَرِبتْ خيبرُ: إنَّا إذا نزلنا بساحةِ قومٍ فساء صباحُ المنذَرين» (٢).\nفلمَّا سمع هؤلاءِ المنافقون بوعد رسول الله - ﷺ - أصحابَه غنائمَ خيبرَ قالوا:\n﴿ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ﴾: فمنعهم النبيُّ - ﷺ -؛ لأنَّ اللهَ أمره أنْ لا يُخرجَ إلى خيبرَ إلاّ أهلَ الحديبية؛ لتكون (٣) الغنيمةُ لهم، عِوَضًا عن غنائم مكةَ، إذا انصرفوا عنهم على صلحٍ.\n﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾: هو مصدرٌ، وقُرئ ﴿كَلِمَ اللَّهِ﴾ جمعُ كلمةٍ (٤)، وهو قوله: لا يخرجْ إلى خيبرَ إلاّ أهلُ الحديبية.\nوقيل: هو قوله: ﴿لَنْ تَتَّبِعُونَا﴾ ولم تكونوا مؤمنين (٥) بوعد الله المسلمين ما وعدهم، لكن استئذانَهم إلى خيبرَ كان فعلَ مَن يُريدُ تبديلَ كلامِ الله. فقال الله لنبيه:\n﴿قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا﴾: هو نفيٌ، وليس بنهي؛ لأنَّ اللهَ قال ذلك، ولا يُبدَّل القولُ لديه (٦).\nوقيل (٧): إلى خيبرَ فقط، وقيل: عامٌّ في غزواته.\n_________\n(١) والجمهور أنَّها ست سبعٍ للهجرة. [انظر: الطبقات؛ لابن سعد (٢/ ٣٠٣)، الفصول في سيرة الرسول (ص: ١٦٥)].\n(٢) أخرجه البخاري (بنحوه) في كتاب المغازي، باب: غزوة خيبر، برقم (٤١٩٧)، و(٤١٩٨)، وأخرجه مسلم كذلك في كتاب الجهاد، باب: غزوة خيبر، برقم (٤٦٤١) كلاهما عن أنس بن مالك - ﵁ -.\n(٣) في (أ) \" ليكزن \".\n(٤) قرأ حمزة والكسائي ﴿كَلِمَ اللَّهِ﴾، وقرأ الباقون ﴿كَلَامَ اللَّهِ﴾. [انظر: جامع البيان (٢٦/ ٨١)، السبعة (١/ ٦٠٤)، معاني القراءات (ص: ٤٥٤)].\n(٥) في (أ) \" ولم يكونوا مؤمنين \".\n(٦) في (أ) \" القول لدي \".\n(٧) في (أ) كذا في المخطوطتين، ولعل فيهما سقطًا.","vol":"1","page":2910},{"text":"﴿كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ﴾: قبلَ انصرافِهم إلى المدينة، وقبل: تهيؤهم للخروج (١) إلى خيبرَ.\nوذهب جماعةٌ من المفسرين - فيهم الزجاج - إلى أنَّ كلامَ الله ها هنا قولُه في سورة براءة: ﴿فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾، [التوبة: ٨٣].\nوذهب بعضهم إلى أنَّ هذا في قصة تبوك (٢) (٣)، كما سبق، وهي بعد الحديبية بسنتين، بإجماعٍ من أهل المغازي في هذا، حتى ذهب بعضُهم إلى أن هذه الآيةَ، أعني:\n﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ﴾ نزلت في غزوة تبوك، والذي عليه المحقِّقون ما ذكرتُ أولًا.\nوقيل: لا يُنكَرُ أنْ يكونَ الله قد نهى نبيه - ﷺ - عن الغزو بهؤلاء بوحيٍ غير القرآن (٤).\n﴿فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا﴾ أي: لم يأمركم به الله، بل تحسدوننا أنْ نشارككم في الغنيمة.\n﴿بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥)﴾: أي: لا يفقهون من كلام الله إلاّ شيئًا قليلًا.\nوقيل: لا يعلمون أن لا تبديل لكلام الله.\nوقيل: الاستثناء من واو الضمير (٥) ونصب على أصل الاستثناء، وهم الّذين أسلموا منهم.\n﴿قُلْ﴾: يا محمد.\n﴿لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ﴾: المخلَّفين عن الحديبية.\n_________\n(١) \" للخروج \" ساقطة من (ب).\n(٢) تَبُوك: مدينة معروفة كانت في آخر غزوات النبي - ﷺ - في السنة التاسعة من الهجرة مع الروم، وتبعد عن المدينة في الطريق إلى الشام حوالي (٧٧٨) كيلًا. [انظر: معجم البلدان (٢/ ١٨)، معجم الأمكنة (ص: ١٠٣)].\n(٣) وهو مروي عن ابن زيد. [انظر: جامع البيان (٢٦/ ٨٠)، تفسير البغوي (٧/ ٣٠٢)].\n(٤) في (أ) \" بهؤلاء حتى عبر القرآن، أي قراء نسخه \"!!.\n(٥) في (أ) \" من أول الضمير \".","vol":"1","page":2911},{"text":"﴿سَتُدْعَوْنَ﴾: يدعوكم النبيُّ - ﷺ -.\n﴿إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيد﴾: هم هَوَازِن (١) وغطفان.\nوقيل: هم الروم غزاهم رسول الله - ﷺ - في تبوك.\nوقيل: يدعوهم (٢) أبو بكر - ﵁ - إلى بني حَنِيفة (٣) مع مُسَيْلَمةَ الكذاب (٤).\nوقيل: عمر - ﵁ - إلى فارس.\nوقيل: المخلَّفون عن تبوك، وهم ثلاثةٌ أصنافٍ: صنفٌ كفروا ونزل فيهم:\n﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾، [التوبة: ١٠١]، وصنف أسلموا، وهم الذين: ﴿اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾، [التوبة: ١٠٢]، وصنفٌ هم: ... ﴿وَآَخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ﴾، [التوبة: ١٠٦]، وهم المعنيُّون بهذه الآية (٥) (٦).\n_________\n(١) هوازن: قبيلة معروفة، كثيرة البطون، وهي تنتسب إلى هوازن بن منصور بن عكرمة، من قيس عيلان، من عدنان، كانت منازلهم ما بين غور تهامة إلى ما والى \" بيشة \" وناحية السراة والطائف، من بطونهم وقبائلهم: بنو ... \" سعد\" الذين منهم حليمة السعدية، و\" ثقيف \". [انظر: الأنساب؛ للسَّمعاني (١/ ٥٠٨)، الأعلام (٨/ ١٠١)].\n(٢) في (ب) \" وقيل: يدعوكم \".\n(٣) بنو حنيفة: حي من بكر بن وائل من العدنانية، وهم بنو حنيفة بن لُجَيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل، وكانت منازل بني حنيفة اليمامة، وكانوا قد تبعوا مسيلمة الكذاب المتنبي، ثم أسلموا زمن أبي بكر - ﵁ - وقتل مسيلمة. [انظر: الأنساب، للسمعاني (٢/ ٢٨٠)، نهاية الأرب؛ للقلقشندي (١/ ٨٣)].\n(٤) مُسِيلمة بن ثمامة بن كبير بن حبيب الحنفي الوائلي، وقيل: اسمه (هارون) ومسيلمة لقبه، ويقال: كان اسمه (مسلمة) وصغره المسلمون تحقيرًا له، أبو ثمامة: متنبئ كذاب، وتلقب في الجاهلية بالرحمن، وعرف برحمن اليمامة ولد ونشأ باليمامة، في القرية المسماة اليوم بالجبيلة، بقرب (العيينة) بوادي حنيفة، في نجد، وفد مع بني حنيفة إلى النبي - ﷺ - وتخلف مع الرحال، خارج مكة، وهو شيخ هرم، فأسلم الوفد وذكروا للنبي - ﷺ - مكان مسيلمة فأمر له بمثل ما أمر به لهم، وقال: «ليس بشركم مكانا»، ولما رجعوا إلى ديارهم ادعى النبوة والمشاركة للنبي - ﷺ - فيها وذلك في أواخر السنة العاشرة للهجرة، وأكثر مسيلمة من وضع أسجاع يضاهي بها القرآن، وتوفى النبي - ﷺ - قبل القضاء على فتنته، فلما انتظم الأمر لأبي بكر، انتدب له أعظم قواده خالد بن الوليد - ﵁ - على رأس جيش قوي، هاجم ديار بني حنيفة، وصمد هؤلاء، فكانت عدة من استشهد من المسلمين على قلتهم في ذلك الحين ألفًا ومائتي رجل، منهم أربعمائة وخمسون صحابيًا، وانتهت المعركة بظفر خالد ومقتل مسيلمة في السنة الثانية عشرة للهجرة.\n[انْظُر تَرْجَمَتَهُ: السِّيرة النبوية؛ لابن هشام (٢/ ٥٧٦)، الأعلام (٧/ ٢٢٦)].\n(٥) انظر: جامع البيان (٢٦/ ٨٢)، تفسير السَّمرقندي (٣/ ٣٠٠)، النكت والعيون (٥/ ٣١٥).\n(٦) قال ابن جرير: \" وأولى الأقوال في ذلك بالصَّواب أن يقال: إنَّ الله تعالى ذكره أخبر عن هؤلاء المُخَلَّفين من الأعراب أنهم سَيُدعون إلى قتال قومٍ أولي بأسٍ في القتال ونجدة في الحروب، ولم يوضع لنا الدليل من خبر ولا عقل على أنَّ المعني بذلك هوازن ولا بنو حنيفة ولا فارس ولا الروم ولا أعيان بأعيانهم، وجائز أن يكون عنى بذلك بعض هذه الأجناس، وجائز أن يكون عني بهم غيرهم، ولا قول فيه أصحّ من أن يقال كما قال الله جلَّ ثناؤه إنهم سيدعون إلى قوم أولي بأس شديد \" [جامع البيان (٢٦/ ٨٣)].","vol":"1","page":2912},{"text":"والداعي يجوزُ أنْ يكونَ النبيُّ - ﷺ -، ويجوزُ أنْ يكونَ أبا بكرٍ وعمر - ﵄ -؛ لأنهم بقوا إلى هذه المدَّة (١).\nوقيل: الخلفاءُ جميعًا داخلون في الآية، وكذلك الكفَّارُ جميعًا.\n﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾: أي: أو هم يُسلمون (٢)، وقيل: إلى أنْ يُسلموا، فلمّا حذف (أنْ) رفع الفعل.\n﴿فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا﴾: في الدنيا الغنيمة، وفي الآخرة الجنة.\nوقيل: الغنيمةُ فحسبُ فيمَن حمله (٣) على المنافقين، وجعل الدَّاعي غيرَ النبيِّ - ﷺ -؛ لأنهم إذا أظهروا الإيمانَ لزمَ الخلفاءَ والمؤمنينَ إجراءَهم مجرى المخلِصين.\n﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾: أي: عن الحديبية.\n﴿يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (١٦): في الآخرة.\n﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾: قال ابن عباس - ﵄ -: قال أهلُ الزَّمانة (٤): وكيف بنا يا رسولَ الله، فأنزلَ اللهُ: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ (٥) إثمٌ في التخلُّف (٦)؛ لأنَّه كالطَّائر المقصوص الجناح لا يمتنعُ على مَن قصده.\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٢٠).\n(٢) انظر: إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٤/ ١٣٣)، تفسير السَّمرقندي (٣/ ٣٠٠)، المحرر الوجيز (٥/ ١٣٢).\n(٣) في (ب) \" وقيل: يدعوكم \".\n(٤) الزَّمانة: آفة في الحيوانات، ورجل زَمِنٌ أَي: مُبْتَلىً بَيِّنُ الزَّمانة، والزَّمانة العاهة [انظر: لسان العرب (١٣/ ١٩٩) مادة \" زَمَنَ \"].\n(٥) انظر: تفسر السمرقندي (٣/ ٣٠٠)، تفسير الثعلبي (٩/ ٤٦)، تفسير البغوي (٧/ ٣٠٣)، الجامع لأحكام القرآن (١٦/ ٢٦١)، ولفظه عند القرطبي: \" قال بن عباس لما نزلت ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٦)﴾ قال أهلُّ الزَّمانة: كيف بنا يا رسول الله؟ فنزلت ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ \".\n(٦) في (ب) \" عن التَّخلُّف \".","vol":"1","page":2913},{"text":"﴿وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ﴾: من العلّة اللاّزمة إحدى الرجلين أو كلتيهما.\n﴿وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ﴾: الذي لا قوَّةَ به، ﴿حَرَجٌ﴾.\nوتمَّ الكلامُ، ثم (١) قال: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾: فيما يأمرُه وينهاه ... ﴿يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾.\n﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ﴾ يُعرِضْ عن الطاعة ﴿يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا (١٧)﴾.\n﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾: هم الذين تقدَّم ذكرُهم (٢).\nوقيل: ذلك عامٌّ في كلّ مَن بايع رسولَ الله - ﷺ -، وهذا خاصٌّ في بيعة أصحاب الرِّضوان (٣)، وسمي بيعة (٤) الرضوان لقوله: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٥).\nوالشجرةُ كانت سمُرةً (٦)، وقيل: سِدْرةً.\nقال القفّال: \"ورُويَ أنها عُمِّيتْ عليهم من قابلٍ، فلم يدروا أين ذهبت \" (٧).\n_________\n(١) \" ثمَّ \" ساقطة من (أ).\n(٢) أي: في الحديبة، وهو الراجح: [انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٥٠)، جامع البيان (٢٦/ ٨٥)، تفسير الثعلبي (٩/ ٤٦)، تفسير السمعاني (٥/ ٢٠٠)].\n(٣) في (ب) \"في أصحاب بيعة الرضوان \".\n(٤) في النكت والعيون (٥/ ٣١٦): \" وسميت بيعة \".\n(٥) انظر: النكت والعيون (٥/ ٣١٦)، زاد المسير (٧/ ٢٠٨).\n(٦) انظر: جامع البيان (٢٦/ ٨٥)، تفسير السمرقندي (٣/ ٣٠١)، النكت والعيون (٥/ ٣١٦).\n(٧) لم أقف عليه.","vol":"1","page":2914},{"text":"﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾: من صحّة العقائد، ونُصرة الرسول - ﷺ - (١).\n﴿فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾: الصبر وسكون النفس إلى صدق الوعد، وقوَّة القلب، حتى اطمأنّت إلى طاعة الرسول - ﷺ -.\n﴿وَأَثَابَهُمْ﴾: جازاهم.\n﴿فَتْحًا قَرِيبًا (١٨)﴾: فتح خيبرَ، وقيل: فتح مكةَ، وقيل: فتح مكةَ وعدًا (٢).\n﴿وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا﴾: هي مغانم خيبرَ، ﴿يَأْخُذُونَهَا﴾: يغنمونها.\n﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٩)﴾.\n﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا﴾: هي ما أصابوه مع النبيّ - ﷺ - وبعدَه (٣) إلى يوم القيامة.\n﴿فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾: يعني: غنيمةَ خيبرَ (٤).\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٦/ ٨٨)، معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ٥٠٦).\n(٢) قال ابن جرير: \" وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله أخبر أنه جعل لرسوله والذين كانوا معه من أهل بيعة الرضوان فتحًا قريبًا من دون دخولهم المسجد الحرام، ودون تصديقه رؤيا رسول الله - ﷺ - وكان صلح الحديبية وفتح خيبر دون ذلك، ولم يخصص الله تعالى ذكره خبره ذلك عن فتح من ذلك دون فتح بلَّ عم ذلك، وذلك كله فتح جعله الله من دون ذلك، والصَّواب أن يعمَّه كما عمَّه فيقال جعل الله من دون تصديقه رؤيا رسول الله - ﷺ - بدخوله وأصحابه المسجد الحرام مُحَلِّقين رؤوسهم ومقصرين لا يخافون المشركين صلح الحديبية وفتح خيبر \" [جامع البيان (٢٦/ ١٠٩)، وانظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٥٣)، النكت والعيون (٥/ ٣١٦)].\n(٣) في (أ) \"بعده \".\n(٤) وهذا اختيار ابن جرير حيث قال: \" وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصَّواب ما قاله مجاهد وهو أنَّ الذي أثابهم الله من مسيرهم ذلك مع الفتح القريب المغانم الكثيرة من مغانم خيبر، وذلك أنَّ المسلمين لم يغنموا بعد الحديبية غنيمة ولم يفتحوا فتحًا أقرب من بيعتهم رسول الله - ﷺ - بالحديبية إليها من فتح خيبر وغنائمها، وأمَّا قوله وَعَدَهَا ﴿اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً﴾ فهي سائر المغانم التي غنَّمَهُمُوها الله بعد خيبر كغنائم هوازن وغطفان وفارس والروم، وإنما قلنا ذلك كذلك دون غنائم خيبر؛ لأنَّ الله أخبر أنَّه عجَّل لهم هذه التي أثابهم من مسيرهم الذي ساروه مع رسول الله - ﷺ - إلى مكة، ولمَّا علم من صحة نيتهم في قتال أهلها إذ بايعوا رسول الله - ﷺ - على أن لا يفروا عنه ولا شك أنَّ التي عُجِّلت لهم غير التي لم تعجل لهم \" [جامع البيان (٢٦/ ٩٠)].","vol":"1","page":2915},{"text":"﴿وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ﴾: أي (١): أيدي قريش، وقيل: أيدي اليهود عنكم حين خرجتم وخلَّفتم عيالَكم في المدينة، وهمَّت اليهودُ بهم فمنعهم ذلك.\n﴿وَلِتَكُونَ آَيَةً﴾: قيلَ: (٢): هذه الغنيمة المعجَّلة دليلًا على ما وعدهم من الغنائم.\nوقيل: ولتكون هذه الغنيمةُ دلالةً للنبوَّة؛ لأنَّه (٣) وعدهم فتحَ خيبرَ في طريق الحديبية.\nوقيل: كفّ اليهود عن عيالكم آية (٤) ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٥).\nواللاّمُ في ﴿وَلِتَكُونَ آَيَةً﴾ عطفٌ على المعنى؛ لأنَّ تقديرَ (٦) الآية: \" وعدكم الله مغانم ليُجازيكم على ما كان منكم ولتكون آية للمؤمنين \" (٧).\n﴿وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ ﴿وَأُخْرَى﴾: أي (٨): وعدكم الله (٩) مغانمَ أُخرى.\n﴿لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا﴾: على فتحها فيما مضى.\n﴿قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا﴾: قَدِر على تمكينكم منها وفتحها لكم (١٠).\nابنُ عباس: \"هي فارس \" (١١).\nوقيل: قرى عيينة.\nوقيل: فتح مكةَ.\nوقيل: وعدكم مغانمَ أخرى بنصره إياكم على الكفّار لم تقدروا (١٢) بعدُ عليها، قد أحاط الله بها علمًا (١٣) أنها ستصيرُ إليكم، وهي غنائمُ فارسَ والروم.\n﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ (٢١) قَدِيرًا﴾: قادرًا بذاته (١٤).\n﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: أي: لو قاتلكم قريشٌ يومَ الحديبية (١٥).\n﴿لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ﴾: لانهزموا، أي: لم يكن قتالٌ، ولو كان لكان بهذه الصفة (١٦).\n﴿ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا﴾: يلي أمرَهم.\n﴿وَلَا نَصِيرًا (٢٢)﴾: ينصرُهم (١٧).\n_________\n(١) \" أي \": ساقطة من (ب).\n(٢) في (ب) \"قبل \".\n(٣) في (أ) \" ولأنَّه \".\n(٤) \" آية \" ساقطة من (أ) \".\n(٥) كلُّ هذه الأقوال لها وجهها في المعنى، إلا أنَّ القول الأخير أعني قول قتادة - ﵀ - والذي قال فيه: \" كفَّ أيدي الناس عن عيالهم بالمدينة \" هو ما اختاره ابن جرير وجمعٌ من المفسِّرين.\nقال ابن جرير: \" والذي قاله قتادة في ذلك عندي أشبه بتأويل الآية، وذلك أنَّ كفَّ الله أيدي المشركين من أهل مكة عن أهل الحديبية قد ذكره الله بعد هذه الآية في قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ فعُلم بذلك أنَّ الكفَّ الذي ذكره الله تعالى في قوله ﴿وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ﴾ غير الكف الذي ذكر الله بعد هذه الآية في قوله ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ \" ... [جامع البيان (٢٦/ ٩٠)، وانظر: معاني القرآن؛ للنَّحَّاس (٦/ ٥٠٧)، الوجيز للواحدي (٢/ ١٠١١)، تفسير السَّمعاني (٥/ ٢٠٢)].\n(٦) في (ب) \" لأنَّ التقدير \".\n(٧) انظر: الجامع لأحكام القرآن (١٦/ ٢٦٦)، البحر المحيط (٩/ ٤٩٤).\n(٨) \" أي \" ساقطة من (ب).\n(٩) لفظ الجلالة \" الله \" ساقط من (ب).\n(١٠) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٥١)، جامع البيان (٢٦/ ٩١).\n(١١) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (٢٦/ ٩١)، وأورده الماوردي في النكت والعيون (٥/ ٣١٨).\n(١٢) في (ب) \" لم يقدروا \".\n(١٣) في (ب) \" وقد أحاط بها علمًا \".\n(١٤) \" قادرًا بذاته \" ساقطة من (أ).\n(١٥) انظر: جامع البيان (٢٦/ ٩٢)، معاني القرآن؛ للنَّحَّاس (٦/ ٥٠)، المحرر الوجيز (٥/ ١٣٥).\n(١٦) في (أ) \" بهذا الصفة \".\n(١٧) في (أ) ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا﴾: ينصرُهم، ﴿وَلَا نَصِيرًا (٢٢)﴾: يلي أمرَهم \".","vol":"1","page":2916},{"text":"﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: سنَّ سنةً قديمةً فيمَن مضى من الأمم أنَّ مَن قاتل نبيًّا غُلب.\nوقيل: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ﴾ في نصره مَن أمره من الأنبياء بالقتال.\nوقيل: سنته أنَّ كلَّ قومٍ قاتلوا أنبياءَهم انهزموا.\n﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ﴾: في نصره رسلَه.\n﴿تَبْدِيلًا (٢٣)﴾: تغييرًا.\n﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾: في سبب النزول عن أنسٍ - ﵁ -: أنَّ ثمانين رجلًا من أهل مكةَ هبطوا على رسولِ الله - ﷺ - من جبل التنعيم (١) متسلِّحين يُريدونَ غِرَّةَ النبي - ﷺ - وأصحابِه، فأخذهم فاستحياهم، فأنزلَ اللهُ هذه الآية \" (٢).\nوعن عبدِ الله بنِ مُغَفَّل المُزني (٣) (٤) أنَّه (٥) قال: \" كنّا مع رسولِ الله - ﷺ - بالحديبية في أصل الشجرة التي ذكرها اللهُ تعالى في القرآن، فبينا نحنُ كذلك إذْ خرج علينا ثلاثون شابًّا عليهم\n_________\n(١) جبل التنعيم مكان معروف بمكة وهو على أربعة أميال منها في جهة طريق المدينة، وهو الآن ميقات معروف يحرم منه المكِّيون بالعمرة، وهو المكان الذي أمر رسول الله - ﷺ - عبد الرحمن بن أبي بكر أن يعتمر منه بعائشة ... -﵂ -، وإنما سمي التنعيم؛ لأنَّ الجبل الذي عن يمينه يقال له نعيم، والذي عن يساره يقال له: ناعم، والوادي نعمان. [انظر: معجم ما استعجم (١/ ٣٢١)، معجم البلدان (٢/ ٤٩)، معجم الأمكنة (ص: ١١١)].\n(٢) أخرجه مسلم (بنحوه) في صحيحه، في كتاب الجهاد والسِّير، باب: قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ مِنْكُمْ﴾ الآية، برقم (٤٦٥٦)، وانظر: أسباب النزول؛ للواحدي (ص: ٣١٦).\n(٣) في (ب) \" المدني \".\n(٤) عبد الله بن مغفل بن عبد غنم، ويقال: بن عبد نهم بن عفيف بن أسحم بن ربيعة بن عداء بن عدي بن ثعلبة بن ذؤيب بن سعد بن عداء بن عثمان بن عمرو المزني، كان من أصحاب الشجرة، وقد سكن المدينة ثم تحول عنها إلى البصرة وابتنى بها دارًا قرب المسجد الجامع، يكنى أبا سعيد، وقيل: يكنى أبا زياد، قال الحسن: \" كان عبد الله بن مغفل أحد العشرة الذين بعثهم إلينا عمر يفقهون الناس، وكان من نقباء أصحابه وكان له سبعة أولاد \"، وهو أول من أدخل من باب مدينة \" تستر \"، لما فتحها المسلمون، وقد توفي بالبصرة سنة تسع وخمسين، وقيل: سنة ستين للهجرة، وصلَّى عليه أبو برزة الأسلمي. [انْظُرْ تَرْجَمَتَه: الاستيعاب (٣/ ١١٨)، أسد الغابة (٣/ ٣٩٥)].\n(٥) \" أنه \" ساقطة من (أ).","vol":"1","page":2917},{"text":"السلاحُ، فثاروا في وجوهنا، فدعا عليهم رسول الله - ﷺ -، فأخذَ اللهُ بأبصارهم، فقمنا إليهم فأخذناهم، فقال لهم رسولُ الله - ﷺ -: هل كنتم في عهدِ أحدٍ؟ وهل جعل لكم أحدٌ أمانًا (١)؟ فقالوا: اللهمَّ لا، فخلَّى سبيلَهم، فأنزلَ اللهُ هذه الآيةَ \" (٢).\nوقيل: كفَّ أيديَكم بأنْ أمركم أنْ لا تُحاربوا المشركين، وكفَّ أيديهم عنكم بإلقاء الرُّعب في قلوبهم (٣).\nوقيل: بالصلح من الجانبين.\nوقيل: إنَّ عِكْرَمةَ بنَ أبي جهلٍ (٤) خرج في خمسمائة رجلٍ، فقال رسولُ الله - ﷺ - لخالدِ ابنِ الوليد: «هذا ابنُ عمِّكَ قد أتاكَ في الخيل (٥»)، فقال خالدُ: أنا سيفُ الله وسيفُ رسولِه، ارمِ بي حيثُ شئتَ، فبعثه على جندٍ (٦)، فلقيَ عكرمةَ في الشِّعب، فهزمه حتى أدخله حيطانَ مكةَ، ثم عاد فهزمه حتى أدخلَه جوفَ مكةَ، فأنزلَ اللهُ هذه الآيةَ (٧)، وسُمِّيَ خالدٌ يومئذٍ: سيفَ الله (٨).\n_________\n(١) في (ب) \" زمانًا \".\n(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده، (٤/ ٨٦)، وأخرجه الحاكم في مستدركه في كتاب التفسير - تفسير سورة الفتح (٢/ ٤٦٠)، وقال: \" هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، وقال الشيخ شعيب الأرنؤوط - في تعليقه على المسند -: \" إسناده صحيح \"، وانظر: أسباب النزول؛ للواحدي (ص: ٣١٦).\n(٣) \" في قلوبهم \" ساقطة من (أ).\n(٤) عكرمة بن أبي جهل عمرو بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤي، أبو عثمان القرشي المخزومي المكي، لما قتل أبوه، تحولت رئاسة بني مخزوم إلى عكرمة، وكان عكرمة شديد العداوة لرسول الله - ﷺ - في الجاهلية هو وأبوه وكان فارسًا مشهورًا، هرب حين الفتح فلحق باليمن ولحقت به امرأته أم حكيم بنت الحارث بن هشام فأتت به النبي - ﷺ - فلما رآه قال: \" مرحبًا بالراكب المهاجر \"، فأسلم وحسن إسلامه وذلك سنة ثمان بعد الفتح، وكان عكرمة مجتهدًا في قتال المشركين مع المسلمين، ثم لزم الشام مجاهدًا حتى قتل يوم اليرموك في خلافة عمر - ﵄ -، وقيل: قتل يوم أجنادين. [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: الاستيعاب (٣/ ١٩٠)، سير أعلام النبلاء (١/ ٣٢٣)].\n(٥) في (ب) \" في الجَبَل \".\n(٦) في (أ) \" على خيلٍ \".\n(٧) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (٢٦/ ٩٥)، وأورده الثعلبي في تفسيره (٩/ ٥٤)، وابن عطية في المحرر الوجيز (٥/ ١٣٥). وقد تعقَّب ابن كثير هذه الرِّواية بقوله: \" وهذا السياق فيه نظر فأنه لا يجوز أن يكون عام الحديبية؛ لأنَّ خالدًا - ﵁ - لم يكن أسلم بل قد كان طليعة المشركين يومئذ كما ثبت في الصَّحيح، ولا يجوز أن يكون في عمرة القضاء لأنهم قاضوه على أن يأتي في العام القابل فيعتمر ويقيم بمكة ثلاثة أيام، ولمَّا قدم - ﷺ - لم يمانعوه ولا حاربوه ولا قاتلوه فإن قيل: فيكون يوم الفتح، فالجواب ولا يجوز أن يكون يوم الفتح لأنه لم يسق عام الفتح هديا، وإنما جاء محاربًا مقاتلًا في جيش عرمرم فهذا السياق فيه خلل وقد وقع فيه شيء فليتأمل والله أعلم \". [تفسير القرآن العظيم (٤/ ٢٠٧)].\n(٨) والصحيح: أنَّه سمِّي سيف الله يوم مؤتة.","vol":"1","page":2918},{"text":"ويحتملُ ﴿كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾ بالرُّعب؛ لقوله - ﷺ -: «نُصرتُ بالرُّعب» (١)، ﴿وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾ بقوله: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ ..﴾ الآية.\nورُويَ: أنَّ كفّارَ مكةَ خرجوا يومَ الحديبية يرمون المسلمين، فرماهم المسلمون بالحجارة، حتى أدخلوهم بيوتَ مكةَ (٢).\nقال (٣) القفّال: \" ويجوزُ أنْ يكونَ جميعُ ما رُوي \" (٤).\n﴿بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾: أي: كَفَّ أيديَكم عن القتال ببطن مكةَ، فهو ظرفٌ للقتال.\nوبطنُ مكةَ هو: الحديبية؛ لأنها من أرض الحرم (٥).\nوقيل: ببطن أرضِ مكة، والحرمُ كلُّه مكةَ.\nوقيل: إظفارُه: دخولُه بلادِهم بغير إذنهم.\nوقيل: أظفركم عليهم بفتح مكةَ.\nوقيل: بقضاء العمرة.\nوقيل: هذه الآيةُ نزلت بعد فتح مكةَ، حكاه أقضى القضاة (٦).\n_________\n(١) أخرجه البخاري (بنحوه) في كتاب الجهاد والسِّير، باب قول النبي - ﷺ -: «نصرت بالرعب مسيرة شهر»، وقول الله - ﷿ -: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: (١٥١)، برقم (٢٩٧٧)، وأخرجه مسلمٌ كذلك في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، برقم (١١٦٣) كلاهما عن أبي هريرة - ﵁ -، وروياه في مواضع أخرى عن جابر بن عبد الله - ﵁ -.\n(٢) انظر: تفسير السَّمرقندي (٣/ ٣٠٢).\n(٣) \" قال \" ساقطة من (ب).\n(٤) لم أقف عليه.\n(٥) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٥٢)، جامع البيان (٢٦/ ٩٣)، معاني القرآن؛ للنَّحَّاس (٦/ ٥٠٩).\n(٦) انظر: النكت والعيون (٥/ ٣١٨).","vol":"1","page":2919},{"text":"﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٢٤)﴾.\n﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: يعني: قريشًا (١).\n﴿وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾: أنْ تطوفوا (٢) به للعمرة.\n﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا﴾: وصدُّوا الهديَ معكوفًا.\nقيل (٣): صدُّوكم مع الهدي (٤).\nو﴿مَعْكُوفًا﴾ حال، أي: وهو معكوفٌ: ممنوعٌ، وقيل: مجموعٌ، وقيل: موقوفٌ.\n﴿أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾: منحرَه، أي: أن لا يبلغُ (٥).\nوقيل: معكوفًا عن أنْ يبلغَ، أي: يُنحرَ، وينتهي الأمرُ به إلى ما سِيقَ له (٦).\nوالمحِلُّ اسمُ الزمان والمكان، من حلَّ يحِلُّ: إذا وجب (٧).\nقيل (٨): محلُّ هدي العمرة مكةَ، ومحلٌّ هدي الحجّ منىً.\nوالهدي: جمعُ هديّةٍ، ولم يُؤنّث؛ لأنَّ الجمعَ إذا لم يكنَ بين واحدِه وجمعِه إلاّ الهاءُ جاز تذكيرُه وتأنيثُه.\n﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ﴾: أي: لم تعرفوهم بأعيانهم أنهم مؤمنون.\n﴿أَنْ تَطَئُوهُمْ﴾: تُوقِعوا بهم، تقول: وطئتُ القومَ: إذا أوقعتَ بهم (٩) (١٠).\n_________\n(١) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٥٢)، جامع البيان (٢٦/ ٩٣).\n(٢) في (أ) \" أن يطوفوا \".\n(٣) في (أ) \" قيل \".\n(٤) انظر: جامع البيان (٢٦/ ٩٥).\n(٥) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ٦٨)، جامع البيان (٢٦/ ٩٥)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٥/ ٢٣).\n(٦) في (ب) \" إلى ما سبق له \".\n(٧) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٣١٩)، لسان العرب (١١/ ١٦٣)، مادة \" حَلَلَ \".\n(٨) في (أ) \" وقيل \".\n(٩) في (ب) \" أوقعت به \".\n(١٠) انظر: تفسير السَّمعاني (٥/ ٢٠٥)، تفسير البغوي (٧/ ٣٢٠).","vol":"1","page":2920},{"text":"قال الشاعر (١):\nوَوَطِئْتَنَا وَطَأً على حَنَقٍ ... وَطْءَ المقيَّد نابتَ الهَرم (٢).\nومنه قوله - ﷺ -: «اشدد وطأتَك على مُضرَ» (٣).\nويقال: إنَّ قولَ النبيِّ (٤) - ﷺ -: «إنَّ آخرَ وطأةٍ (٥) وطأها اللهُ بوَجَّ (٦») (٧) من هذا (٨)؛ لأنَّ وَجَّ وادٍ بالطائف، وكان آخرَ وقعة النبيّ - ﷺ - بها (٩).\nوقيل: ﴿أَنْ تَطَئُوهُمْ﴾: بخيلكم ورجلكم، فتقتلوهم بسيوفكم.\nومحلُّ ﴿أَنْ تَطَئُوهُمْ﴾: رفعٌ بالبدل، من قوله: ﴿رِجَالٌ﴾ بدلَ الاشتمال.\nوقيل: محلُّه نصبٌ، بدلٌ من الضمير في: ﴿تَعْلَمُوهُمْ﴾.\n_________\n(١) \" الشاعر \" ساقطة من (ب).\n(٢) البيت للحارث بن وعلة الذهلي، وقد نسبه الخليل وابن منظور لزهير بن أبي سلمى، والأول أشهر. [انظر: كتاب العين (٤/ ٤٩) مادة \" هرم \" الكشاف (٤/ ٣٤٥)، لسان العرب (١٢/ ٦٠٧)، شرح ديوان الحماسة (ص: ٦٤)].\n(٣) سبق تخريجه (ص: ٢٨٣).\n(٤) في (ب) \" إنَّ قوله النبي \".\n(٥) قال ابن الأثير: \" الوَطْء في الأصل: الدَّوْس بالقَدَم فسُمَّيَ به الغَزْوُ والقتل؛ لأنَّ مَن يَطَأ على الشَّيء بِرِجْلِه فقد اسْتَقْصَى في هَلاكه وإهانته، والمعْنَى أنَّ آخِرَ أخْذَةٍ وَوَقْعةٍ أوْقَعَها اللَّه بالكُفَّار كانت بِوَجّ، وكانَت غَزْوَة الطَّائف آخِرَ غَزَواتِ رسول اللَّه - ﷺ - فإنَّه لم يَغْزُ بَعْدَها إلَاّ غَزْوةَ تَبُوك ولم يكن فيها قِتال \" [النِّهاية (٥/ ٢٠٠)، مادة \" وطِأ \"].\n(٦) وَجُّ: من بلاد ثقيف بينها وبين مكة اثنا عشر فرسخًا. [انظر: معجم ما استعجم (٤/ ١٣٦٩)، معجم البلدان (٤/ ٩)].\n(٧) أخرجه أحمد في المسند (٦/ ٤٠٩)، والطبراني في الكبير (١٢/ ٢٣٩، ٢٤١)، قال الهيثمي: رواه أحمد والطبراني ورجالهما ثقات إلا أن عمر بن عبد العزيز لا أعلم له سماعًا من خولة [مجمع الزوائد (١٠/ ٥٤)]، وقال الشيخ شعيب الأرنؤوط - في تعليقه على المسند -: \" إسناده ضعيف لانقطاعه، عمر بن عبد العزيز لا يعرف له سماع من خولة بنت حكيم ولجهالة ابن أبي سويد \".\n(٨) في (أ) \" من هذه \".\n(٩) وقيل: هي الطائف [انظر: معجم ما استعجم (٤/ ١٣٦٩)، معجم البلدان (٥/ ٣٦١)].","vol":"1","page":2921},{"text":"وقيل: كراهةَ ﴿أَنْ تَطَئُوهُمْ﴾.\nوالوجه هو الأول (١).\n﴿فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ﴾: من جهتهم.\n﴿مَعَرَّةٌ﴾: عيبٌ، بأنْ قَتلتم مَن على دينِكم. وقيل: ديةٌ. وقيل: إثمٌ.\nوقيل: كفارة، عتق رقبة، أو صيام شهرين. وقد سبق (٢).\nوالمعَرَّة: العيبُ، والعَرّ: الجرَبُ، والعُرَّة: القذرة. قريبٌ بعضُها من بعضٍ (٣).\nوجواب ﴿لَوْلَا﴾ محذوفٌ، تقديره: لفتح عليكم مكةَ في الحال.\nوقيل: جواب﴾ لَوْ ﴿و﴿لَوْلَا﴾ معًا قوله: ﴿لَعَذَّبْنَا﴾.\n﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾: اللاّم متعلّق بما دلّ عليه ... ﴿كَفَّ﴾.\nوقيل: متصلٌ بالمؤمنين والمؤمنات، أي: آمنوا ﴿لِيُدْخِلَ اللَّهُ﴾، حكاه القفال. ... وقال: قوله: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ متقدم في النية، تقديره: لم تعلموهم أن تطؤوهم بغير علمٍ، قال: ويجوز أنْ يكونَ: ﴿فَتُصِيبَكُمْ﴾ جوابًا للنفي، ويجوزُ أنْ يكونَ عطفًا على ﴿أَنْ تَطَئُوهُمْ﴾ (٤).\n_________\n(١) انظر: إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٤/ ١٣٤)، مشكل إعراب القرآن (٢/ ٦٧٨)، غرائب التفسير (٢/ ١١١٥).\n(٢) لعله عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً ... ...﴾ الآية [النساء (٩٢)].\n(٣) انظر: كتاب العين (١/ ٨٥)، جامع البيان (٢٦/ ٩٥)، لسان العرب (٤/ ٥٥٥).\n(٤) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١١١٥) قال الكرماني: \"والصَّواب أن يقال متَّصل بفعل آخر دلَّ عليه ﴿كَفَّ﴾ أو المؤمنون والمؤمنات \".","vol":"1","page":2922},{"text":"﴿لَوْ تَزَيَّلُوا﴾: تميّزوا (١).\nوقيل: تفرقوا، من قوله: ﴿فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ﴾ [يونس: ٢٨].\n﴿لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ﴾: كنايةً عن أهل مكة، فيكون ﴿مِنْ﴾ للتبعيض.\nوقيل: هم الصادُّون، فيكون ﴿مِنْ﴾ زيادة.\n﴿عَذَابًا أَلِيمًا (٢٥)﴾: بالقتل والسَّيف.\n﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: العامل في ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ﴾: \"عذبنا \".\nوقيل: واذكر إذ جعل الذين كفروا قريشًا.\n﴿فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾: الحمية: الَأنَفَة.\nوالحميةُ: حالةٌ تمنعُ (٢) النفسَ عندها ممّا يعاب به، تقول (٣): حميتُ أنفي حميةً، وحميتُ المريضَ حِميةً، وحميتُ القومَ حِمايةً (٤).\nو﴿حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾: أنفتُهم من الإقرار لمحمدٍ - ﷺ - بالرسالة، والاستفتاح: ببسم الله الرحمن الرحيم، ومحمد رسول الله، ومنعهم إيَّاه دخولَ مكةَ (٥).\nوسمَّاها ﴿حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾:؛ لأنَّ اللهَ لم يأمرْ بها (٦).\n_________\n(١) أي يتميز المؤمن من الكافر في الحرب [انظر: جامع البيان (٢٦/ ١٠٢)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٤/ ١٣٤)].\n(٢) في (أ) \" يمنع \".\n(٣) في (أ) \" يقول \".\n(٤) انظر: جامع البيان (٢٦/ ١٠٤)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٤/ ١٣٤)، لسان العرب (١٤/ ١٩٧)، مادة \" حَمَا \".\n(٥) انظر: جامع البيان (٢٦/ ١٠٣)، تفسير الثعلبي (٩/ ٦٣)، تفسير البغوي (٧/ ٣٢١).\n(٦) انظر: جامع البيان (٢٦/ ١٠٤).","vol":"1","page":2923},{"text":"وقيل: هي العصبيةُ للأصنام والأنَفَةُ من عبادة الله تعالى.\nوقيل: هي تقليدُ الآباء.\n﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾: أي وقارً وصبرًا.\n﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾: أي ما يتّقون بها (١) غضبَ الله، وهي توحيدُ اللهِ والإيمانُ برسوله.\nوالجمهورُ على أنها: لا إله إلا الله (٢).\nوقيل: بسم الله الرحمن الرحيم.\nوقيل: هي الإخلاص.\nوقيل: سمعنا وأطعنا (٣).\nوقيل: معنى ﴿وَأَلْزَمَهُمْ﴾: أوجب عليهم، وقيل: ألزمهم (٤) الثباتَ عليها.\n﴿وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾: من غيرهم؛ لأنَّ اللهَ ﷾ اختار لنبيه - ﷺ - مَن هم خيارُ أمته (٥).\nوقيل: كان المؤمنون أحقَّ بكلمة التقوى من المشركين.\nوقيل: أحقَّ بمكة أنْ يدخلوها؛ لإسلامهم.\nوقيل: ﴿وَكَانُوا﴾: يعني: أهلَ مكةَ، ﴿أَحَقَّ بِهَا﴾: أي: بكلمة التقوى؛ لتقدُّم (٦) إنذارهم، لولا ما سُلبوهم من التوفيق.\n_________\n(١) في (أ) \" يتقون بما \".\n(٢) انظر: تفسير مجاهد (٢/ ٦٠٣)، تفسير مقاتل (٣/ ٢٥٣)، جامع البيان (٢٦/ ١٠٤)، تفسير السمرقندي (٣/ ٣٠٣)، تفسير الثعلبي (٩/ ٦٣)، تفسير السمعاني (٥/ ٢٠٧)، تفسير البغوي (٧/ ٣٢١)، المحرر الوجيز (٥/ ١٣٨)، التسهيل (٤/ ٥٥)، تفسير القرآن العظيم (٤/ ٢٠٨).\n(٣) يعنى قول الله تعالى: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٥].\n(٤) في (أ) \" وألزمهم \".\n(٥) انظر: جامع البيان (٢٦/ ١٠٦)، معاني القرآن؛ للنَّحَّاس (٦/ ٥١١)، تفسير السمعاني (٥/ ٢٠٧).\n(٦) في (أ) \" لتقديم \".","vol":"1","page":2924},{"text":"وقُرئ: ﴿وَكَانُوا أَهْلَهَا وَأَحَقَّ بِهَا﴾ (١).\nالمبرد: \" إنَّ الذين كانوا قبلنا لا يكون لأحد أنْ يقول: لا إله إلا الله في اليوم والليلة إلاّ مرةً واحدةً لا يستطيع أنْ يقولَها (٢) أكثرَ من ذلك، وكان قائلها يمدُّ بها صوتَه حتى ينقطعَ النفَسُ التماسَ بركتِها وفضيلتِها، وجعل الله تعالى لهذه الأمةِ أنْ يقولوها (٣) متى شاءوا وهو قوله: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾ من الأمم السالفة \" (٤).\nوقال مجاهد: \" ثلاثة: لا يحجبن عن الرَّب: لا إله إلا الله من قلب مؤمن، ودعوة ... الوالدين، ودعوة المظلوم \" (٥).\n﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٢٦)﴾: فيُجرى الأمورَ على مصالحها.\nوقيل: هو (٦) انتقام الله لهم.\n﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ﴾: كان رسولُ الله - ﷺ - رأى في المنام رؤيًا، ولها ثلاثةُ أوجهٍ:\nأحدها: أنه رأى رؤيا تعبيرُها دخولُ مكةَ على الصفة المذكورة في القرآن.\nوالثاني: أنه رأى يدخل المسجد الحرام مع أصحابه، محلِّقين رؤوسَ البعض ومقصرين رؤوس (٧) البعض، غير خائفين.\n_________\n(١) وهي قراءة شاذة تُنسب لابن مسعود [انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ٦٨)، جامع البيان (٢٦/ ١٠٦)، الكشاف (٤/ ٣٤٦)، المحرر الوجيز (٥/ ١٣٨)].\n(٢) في (ب) \" يقول \".\n(٣) في (أ) \" يقولها \".\n(٤) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١١١٦).\n(٥) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١١١٦).\n(٦) \" هو \" ساقطة من (أ) \".\n(٧) \" رؤوس \" ساقطة من (ب).","vol":"1","page":2925},{"text":"والثالث: رأى في المنام أن ملَكًَا قال له: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ﴾، ثم إنَّ رسول الله - ﷺ - أخبر بها أصحابَه، فلمَّا صُدُّوا عن البيت، وأظهر رسولُ الله - ﷺ - الرغبة في الانصراف على الصلح، قال بعضُهم لبعض: أليس كان يعدُنا رسولُ الله - ﷺ - أنْ نأتيَ البيتَ فنطوفَ به؟ فأجابه بعضٌ: هل أخبركم أنكم تأتونه العامَ؟! فقال (١): لا، قال: فإنكم تأتونه وتطوفون بالبيت، فأنزل الله: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ﴾ (٢): أي: بتحقيقه ما أراه، وهو أنْ يكونَ ما أراه كما أراه.\nويحتمل أنْ يكونَ ﴿بِالْحَقِّ﴾ قَسَمًا ﴿لَتَدْخُلُنَّ﴾ جوابُه، فيحسُن الوقفُ على ... ﴿الرُّؤْيَا﴾ (٣).\nومعنى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾: أي مُحرمين بالعمرة.\n﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾: في الاستثناء (٤) أقوال:\nأحَدُهَا: أنَّه حكايةٌ لقول الملَك، الذي قال له في المنام، فأخبر اللهُ أنَّ ذلك كان منه وبأمره، وأنه مُحِقُّ (٥) هذه البشارةَ، فأُخرج بهذا القول الاستثناءُ من أنْ يكونَ على سبيل التعليق لإنجاز الوعد.\nوالثاني: أنَّ ذلك خارجٌ على ما جاء في القرآن في مواضع كثيرة، من ذكر المشيئة ... كقوله (٦): ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٤٠].\n_________\n(١) في (أ) \" قال \".\n(٢) الأثر أخرجه مجاهد في تفسيره (٢/ ٦٠٣)، وابن جرير في جامع البيان (٢٦/ ١٠٧)، وأورده أبو الليث في تفسيره تفسير السمرقندي (٣/ ٣٠٤) وابن عطية في المحرر الوجيز (٥/ ١٣٩).\n(٣) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١١١٦).\n(٤) في (ب) \" وفي الاستثناء \".\n(٥) في (ب) \" مُحَقِّقٌ \".\n(٦) في (أ) \" لقوله \".","vol":"1","page":2926},{"text":"والمعنى: أنه يفعلُ بالعباد ما هو الصَّلاحُ، فيكون استثناءَ تحقيقٍ لا تعليق.\nوالثالث: أنَّ اللهَ علم أنه يُميت بعضَ هؤلاء ويُغيب البعضُ، فوقع الاستثناءُ لهذا.\nوالرابع: أنه لمَّا أدَّب اللهُ نبيَّه عليه - ﷺ - باستعمال الاستثناء في كلّ ما يُريد أنْ بفعلَه غدًا (١)، أجرى هذا على ما أدّبَهُ، ومثله ما رُوي عن النبي - ﷺ -: أنَّه دخل البقيعَ (٢)، فقال:\n«وإنا بكم لاحقون إن شاء الله» (٣)، وليس في الموت استثناءٌ (٤).\nوقيل: الاستثناءُ من الخوف والأمن.\nوقيل: معنى ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ بإذنه.\nوقيل: الصِّيغةُ صيغةُ استثناء، والمعنى تسبيح (٥)، كما ترد صيغةُ الأمر، وليس بأمرٍ، ويُعرَفُ ذلك بالقرينة.\nوقيل: ﴿إِنْ﴾ بمعني (إذْ)، وهو مزيفٌ (٦).\n﴿آَمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ﴾\n﴿فَعَلِمَ﴾: من تأخير ذلك.\n﴿مَا لَمْ تَعْلَمُوا﴾: وهو ما ذكر من قوله: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ ..﴾ الآية.\nوقيل: علم الله أنَّه سيكونُ ذلك في السنة الثانية، ولم تعلموا أنتم، فلذلك وقع في نفوسكم ما وقع.\n_________\n(١) يعني قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣)﴾ [الكهف: ٢٣)].\n(٢) البَقِيْعُ: هو بقيع الغرقد، وهو مقبرة المدينة بجوار مسجد النبي - ﷺ -. [انظر: معجم ما استعجم (١/ ٢٦٥)].\n(٣) أخرجه مسلم في صحيحه (بنحوه) في كتاب الجنائز، باب: ما يقال عند دخول القبور والدعاء لأهلها، برقم (٢٢٥٢)، عن عائشة - ﵂ -.\n(٤) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٥٣)، معاني القرآن؛ للنَّحَّاس (٦/ ٥١٢)، إعراب القرآن؛ للنَّحاس (٤/ ١٣٤)، النكت والعيون (٥/ ٣٢٠)، تفسير السمعاني (٥/ ٢٠٨)، المحرر الوجيز (٥/ ١٣٩).\n(٥) \" تسبيحٌ \" ساقطة من (أ).\n(٦) قال النَّحاس: \" وهذا قول لا يُعرَّج عليه، ولا يعرف أحد من النحويين \"إن \" بمعنى \"إذ \" وإنما تلك أن فغلط وبينهما فصل في اللغة والأحكام عند الفقهاء والنحويين \" [إعراب القرآن (٤/ ١٣٦)].","vol":"1","page":2927},{"text":"وقيل: علم من صلاح الصلح مالم تعلموه.\nوقيل: علم أنَّه يَفتح خَيْبَر ولم تعلموه.\nفَجَعَلَ ﴿مِنْ دُونِ ذَلِكَ﴾: أي: دون دخولكم المسجد.\n﴿فَتْحًا قَرِيبًا (٢٧)﴾: يعني فتحَ خيبرَ.\nوقيل: صلح الحديبية، وسُمِّيَ فتحًا قريبًا، [أي: يَصِلون بعده قريبًا] (١) إلى دخول مكة (٢).\nوعن المبّرد: أنَّ الآيةَ نزلت بعد فتح مكة (٣).\nوقوله: ﴿لَتَدْخُلُنَّ﴾: حكايةُ حالٍ.\n﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى﴾: بالبيان الواضح. وقيل: بالقرآن.\nوقيل: بشهادة (٤) أن لا إله إلا الله.\n﴿وَدِينِ الْحَقِّ﴾: هو الإسلام.\n﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ﴾ ليُظهرَ الدينَ ويُبطلَ سائرَ الملل، وذلك كائنٌ عند نزول عيسى - ﵇ - (٥).\nوقيل: قد فعل ذلك؛ لأنَّه ليس من أهل دين إلاّ وقد قهرهم المسلمون، وظهروا عليهم وعلى بلدانهم، أو على بعضها، وظهورهم على بعض بلدانهم ظهورٌ عليهم.\nوقيل: ليُظهر محمدًا، والمعنى: ليُطلعه على كلِّ الفَرائض، فيكونُ ظاهرًا له كاملًا.\nوقيل: ليُظهرَه بالحّجة والبرهان.\n_________\n(١) ما بين المعقوفتين ساقط من (أ).\n(٢) والأولى العموم بالنسبة للفتح دون تحديده، وهو ما اختاره ابن جرير إذ يقول: \" والصَّواب أن يعمَّه كما عمَّه فيقال: جعل الله من دون تصديقه رؤيا رسول الله - ﷺ - بدخوله وأصحابه المسجد الحرام محلقين رؤوسهم ومقصرين لا يخافون المشركين صلح الحديبية وفتح خيبر \". [جامع البيان (٢٦/ ١٠٨)].\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) في (أ) \" وقيل: القرآن، وقيل: شهادة \".\n(٥) انظر: جامع البيان (٢٦/ ١٠٩).","vol":"1","page":2928},{"text":"ومعنى الظهور: الغلبة والعلوّ.\n﴿عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٢٨)﴾: لنبيّه.\nوشهادتُه له: ما آتاه من المعجزات.\nوقيل: وكفى به شهيدًا أنَّه يُظهرَهُ (١).\n﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾: يجوزُ أنْ يكونَ بيانًا للشهادة، ويجوزُ أنْ يكونَ استئنافًا.\n﴿مُحَمَّدٌ﴾: رفع بالابتداء، ﴿رَسُولُ اللَّهِ﴾: خبرُه.\n﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾: ابتداء، ﴿أَشِدَّاءُ﴾: خبره.\nويجوزُ أنْ يكونَ ﴿مُحَمَّدٌ﴾: ﴿رَسُولُ اللَّهِ﴾: صفته، أو عطف بيان، ... ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾: عطف على المبتدأ، ﴿أَشِدَّاءُ﴾: خبر عن الجميع.\nويجوز أنْ يكونَ ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾: في محلّ جرٍّ عطفًا على قوله: ﴿بِاللَّهِ﴾، فيكون كقوله (٢): ﴿حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، [الأنفال: ٥٤].\nويحتمل (٣) الرّفع أيضًا من هذا الوجه؛ فإنَّ الباءَ زيادة، والتقدير: وكفى الله.\nويجوز أنْ يكونَ ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾: في محلّ نصبٍ لقوله (٤): ﴿تَرَاهُمْ﴾، كما تقول: زيدًا رأيته، فينتصب بفعلٍ مضمرٍ (٥).\nوالجمهور على أنَّ قوله: ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ الصحابة (٦).\n_________\n(١) في (ب) \" قيل: وكفى به شهيدًا به يظهره \".\n(٢) في (ب) \" كقولك \".\n(٣) في (ب) \" ومحتمل \".\n(٤) في (أ) \" كقوله \".\n(٥) انظر: إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٤/ ١٣٦)، مشكل إعراب القرآن (٢/ ٦٧٨)، غرائب التفسير (٢/ ١١١٧)، المحرر الوجيز (٥/ ١٤٠)، البحر المحيط (٩/ ٥٠٠).\n(٦) انظر: جامع البيان (٢٦/ ١٠٩)، المحرر الوجيز (٥/ ١٤٠)، الجامع لأحكام القرآن (١٦/ ٢٧٩)، التسهيل (٤/ ٥٦)، البحر المحيط (٩/ ٥٠٠).","vol":"1","page":2929},{"text":"وقيل: هم الأنبياءُ أجمعون، فيكونُ التقديرُ: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ رسلُ اللهِ. فيحسُنُ الوقفُ ﴿مَعَهُ﴾\nومعنى ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾: يُغلظون على مَن خالف دينَهم، وإنْ كانوا آباءَهم أو أبناءَهم (١) (٢).\n﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾: يَحِنُّ ويعطِفُ بعضُهم على بعضٍ.\n﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا﴾: راكعين.\n﴿سُجَّدًا﴾: ساجدين، أي: يُكثرون الصلاة.\n﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ﴾: بالصَّفح عن تقصيرهم.\n﴿وَرِضْوَانًا﴾: أنْ يتقبّلَ (٣) أعمالَهم التي أتوا بها على قدر إمكانهم.\n﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ (٤): قيل: ثرى الأرض، وندى الطَّهور.\nوقيل: أمارة التهجُّد في وجوههم من السَّهر، وقيل: هو الخشوع والسَّمتُ الحسن.\nوقيل: تحسبُهم مرضى وما هم بمرضى.\nوقيل: هو في القيامة من ابيضاض الوجوه، ومن قوله - ﷺ -: «أمتي الغُرُّ المحجَّلون من آثار الوضوء» (٥).\n_________\n(١) في (ب) \" آباءهم وأبناءهم \".\n(٢) انظر: جامع البيان (٢٦/ ١٠٩)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٢٤).\n(٣) في (أ) ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا﴾: بالصَّفح عن تقصيرهم ﴿مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾: أنْ يتقبّلَ .. \".\n(٤) قال الراغب: \" السِّيماء والسِّيمياء: العلامة ... وقد سوَّمته أي: أعلمته \" [المفردات (ص: ٤٣٨)].\n(٥) أخرجه البخاري (بنحوه) في صحيحه، في كتاب: الوضوء، باب: فضل الوضوء، والغر المحجَّلون من آثار الوضوء، برقم (١٣٦)، ومسلم في صحيحه في كتاب: الوضوء، باب: استحاب إطالة الغرة والتحجيل في الوضوء، برقم (٥٧٨)، كلاهما عن أبي هريرة - ﵁ -.","vol":"1","page":2930},{"text":"وقيل: يسهر باللّيل فيُصبِح مصفرًَّا.\nابنُ عباس - ﵄ -: \"أثر صلاتهم يبدوا في وجوههم \" (١)، من قوله - ﷺ -: «مَن كثر صلاتُه باللّيل حسُن وجهُه بالنَّهار» (٢).\nوقيل: هو (٣) ما يبين من جباه المؤمنين (٤) (٥).\n﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ﴾: صفتهم.\n﴿فِي التَّوْرَاةِ﴾: عُرِّفوا إلى بني إسرائيلَ بهذا الوصف، ليعرفوهم إذا أبصروهم، ثم ابتدأ فقال: ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ﴾.\nوقيل: الأول والثاني مثلان لهم في التوراة والإنجيل معًا، أي: ذُكروا في كلّ واحدٍ من الكتابين بهذه الأوصاف.\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (٢٦/ ١١٠)، وأورده الماوردي في النكت والعيون (٥/ ٣٢٣).\n(٢) أخرجه ابن ماجة في سننه، في كتاب إقامة الصلوات، باب: ما جاء في قيام الليل، برقم (١٣٣٣)، عن إسماعيل بن محمد الطلحي عن ثابت بن موسى عن شَريك عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر بن عبد الله، بلفظ:\n«من كَثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنَّهار».\nقال السَّخاوي: \" لا أصل له، وإن روى من طرق عند ابن ماجة بعضها ... واتفق أئمة الحديث ابن عدي والدارقطني والعقيلي وابن حبان والحاكم على أنه من قول شَريك قاله لثابت لما دخل عليه، وقال ابن عدي سرقه جماعة من ثابت كعبد الله بن شبرمة الشريكي وعبد الحميد بن بحر وغيرهما \" [المقاصد الحسنة (ص ٤٢٥)].\n(٣) \" هو \" ساقط من (أ).\n(٤) في (ب) \" في حياة بعض المؤمنين \".\n(٥) قال ابن جرير: \" وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إنَّ الله تعالى ذكره أخبرنا أنَّ سيما هؤلاء القوم الذين وصف صفتهم في وجوههم من أثر السجود، ولم يخصَّ ذلك على وقت دون وقت، وإذ كان ذلك كذلك فذلك على كل الأوقات فكان سيماهم الذي كانوا يعرفون به في الدنيا أثر الإسلام، وذلك خشوعه وهديه وزهده وسمته وآثار أداء فرائضه وتطوعه، وفي الآخرة ما أخبر أنهم يعرفون به، وذلك الغرة في الوجه والتحجيل في الأيدي والأرجل من أثر الوضوء وبياض الوجوه من أثر السجود \" [جامع البيان (٢٦/ ١١٢)، انظر: معاني القرآن؛ للنَّحَّاس (٦/ ٥١٤)، تفسير السمرقندي (٣/ ٣٠٥)، تفسير الثعلبي (٩/ ٦٥)، النكت والعيون (٥/ ٣٢٣)].","vol":"1","page":2931},{"text":"والأول أظهر (١).\n﴿كَ﴾ ـمثلِ ﴿زَرْعٍ﴾.\n﴿أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾: نباتَه.\nوقيل: فراخَه، وأشطأ الزرعُ: أخرجَ فراخَه، والشَّطأ: فراخُ الزَّرع التي تنبتُ إلى جانب الأصل، ومنه شاطئُ النهر (٢).\nوقُرئ بالفتح (٣) (٤)، وهما لغتان.\n﴿فَآَزَرَهُ﴾: أعان الزرعُ الشطأ وقوّاه، والأزْر: القوّة، وآزر: أفعل الحجة، وآزر الشطأ الزرع فصار في طوله، كأنه جعل وزنَه (فاعَل).\nوقُرئ: ﴿أَزَرَهُ﴾ بالقصر (٥)، وهو بمعنى المدّ.\n﴿فَاسْتَغْلَظَ﴾: الشَّطأ: غلظ.\n﴿فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾: تنامى فصار كالأصل (٦).\nو﴿سُوقِهِ﴾ جمع ساق الزرع، أي: قصبه (٧)، وقيل: السَّاق حاملة الشجر، فيكون ها هنا مستعارًا.\n_________\n(١) أي: مثلان منفصلان. [انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٥٤)، جامع البيان (٢٦/ ١١٢)، التسهيل (٤/ ٥٩)].\n(٢) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٥٤)، جامع البيان (٢٦/ ١١٢)، تفسير السمعاني (٥/ ١١٠).\n(٣) في (أ) \" وقرئ بالفتح فراخ \" ولعل المقصود شطأه.\n(٤) أي ﴿شَطَأَه﴾ بفتح الطاء والهمزة وهي قراءة ابن كثير وابن عامر، وقرأ الباقون بإسكان الطاء. [انظر: السبعة في القراءات (ص: ٦٠٤)، تفسير السمرقندي (٣/ ٣٠٥)، معاني القراءات (ص: ٤٥٥)، الحجة (٦/ ٢٠٣)].\n(٥) وهي قراءة ابن عامر وحده، وقرأ الباقون بمد الهمزة ﴿فَآَزَرَهُ﴾، [انظر: السبعة في القراءات (ص: ٦٠٥)، تفسير السمرقندي (٣/ ٣٠٥)، معاني القراءات (ص: ٤٥٦)، الحجة (٦/ ٢٠٤)].\n(٦) في (ب) \" فصار هو الأصل \".\n(٧) انظر: جامع البيان (٢٦/ ١١٤)، معاني القرآن؛ للنَّحاس (٦/ ٥١٧)، تفسير السمرقندي (٣/ ٣٠٥).","vol":"1","page":2932},{"text":"﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ﴾: يَسُرَّ الأَكَرَةَ (١)، ويتعجّبون من قوَّته.\n﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾: متَّصلٌ بقوله: ﴿مَثَلُهُمْ﴾، أي: ضرب ذلك المثل ليُغيظ اللهُ بمحمد - ﷺ - وأصحابِه الكفَّار.\nوقيل: هذا الزرعُ يغيظ (٢) بأكرته الكفّارَ، أي: سائر الزُّرَّاع الذين ليس لهم مثلُ زرعهم.\nوالكافر: الزارع، وهذا قولٌ ضعيفٌ، والله أعلم (٣).\nأي (٤): أنَّ النبيَّ - ﷺ - خرج وحدَه ثم اتّبعه (٥) من ها هنا قليلٌ، [ومن ها هنا] (٦) حتى كثُروا واستفحلَ أمرُهم فغاض بهم أهلُ مَكةَ وكفّارُ العرب والعجم (٧).\nوفي بعض التفاسير: ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ أبو بكر، ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾: ... عمر، ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾: عثمان، ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾: عليّ، ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ طلحةُ والزبير (٨)، ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾: سعدٌ، وسعيدٌ، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدةَ بن الجرّاج، ... فهؤلاء (٩) العشرة - ﵃ - مثلهم في التوراة والإنجيل. والله أعلم (١٠).\n_________\n(١) الأكرة: الزُّرَّاع. [انظر: لسان العرب (٤/ ٢٦)].\n(٢) \" يغيض \" ساقطة من (أ).\n(٣) قال النَّحَّاس: \" قيل: الكفَّار ها هنا الزُّرَّاع؛ لأنَّهم يُغطُّون الزَّرع، وقيل: هم الذين كفروا بمحمدٍ - ﷺ -، وهذا أولى؛ لأنَّه لا يجوز يُعجب الزُّرَّاع لِيَغيض بهم الزُّراع \" [إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٤/ ١٣٧)].\n(٤) لعلل هناك سقطًا في العبارة، كعبارة: والمعنى \".\n(٥) في (ب) \" من اتبعه \".\n(٦) ما بين المعقوفتين ساقط من (ب).\n(٧) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ٦٩)، جامع البيان (٢٦/ ١١٢)، النكت والعيون (٥/ ٣٢٤).\n(٨) في (ب) \" وزبير \".\n(٩) في (ب) \" وهؤلاء \".\n(١٠) انظر: تفسير السمرقندي (٣/ ٣٠٥)، تفسير الثعلبي (٩/ ٦٦)، تفسير السمعاني (٥/ ٢١٠) [قال السمعاني: وهذا قول غريب ذكره النَّقاش، والمختار والمشهور هو القول الأول أنَّ الآية في جميع أصحاب النبي من غير تعيين، وعليه المفسرون]، غرائب التفسير (٢/ ١١١٨).","vol":"1","page":2933},{"text":"﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: الطاعات.\nوقيل: العملُ الصالح في الآية حبُّ الصَّحابة.\n﴿مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٢٩): قيل: ﴿مِنْهُمْ﴾ لبيان الجنس.\nوقيل: معناه: قاموا على الإيمان، والعمل الصالح منهم.\nوقيل: هذا الوعد لهؤلاء الذين ذُكروا في الآية، وهم أصحاب النبيّ - ﷺ -، وإنْ كان سائرُ المؤمنين قد وعدهم الله المغفرة.\nوقيل: إنَّ الكنايةَ في قوله: ﴿مِنْهُمْ﴾ راجعةٌ إلى معنى الشَّطأ؛ لأنَّ الشَّطأَ ما يتفرَّخُ عن أصل الزَّرع، والمرادُ به مَن يدخلُ في الدِّين من (١) بعدَ الصحابة إلى يوم القيامة، وفي أولئك مَن يُوصف بالعمل الصالح، ومنهم مَن لا يُوصفُ به. حكاه القفّال (٢)، وقال: هذا محتمل. والله أعلم.\n_________\n(١) \" من \" ساقطة من (ب).\n(٢) لم أقف عليه.","vol":"1","page":2934},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-155>سورة الحُجرات </span>(١)\nثمان عشرة آية (٢) (٣) مدنيةٌ (٤).\nابن عباس - ﵄ -: مدنيةٌ، إلَاّ قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ إلى آخر الآية (٥).\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾:\nفي سبب النزول عن ابن أبي مُلَيكة (٦): أنَّ عبدَ الله بنَ الزُّبير (٧) أخبره: أنه قَدِمٌ ركبٌ من بني تميمٍ (٨) على رسول الله - ﷺ -، فقال أبو بكر - ﵁ - لرسول الله - ﷺ - أَمِّر القعقاعَ بنَ مَعبَد (٩)، وقال (١٠)\n_________\n(١) قال ابن عاشور: \" سُمِّيَت في جميع المصاحف وكتب السُّنة والتفسير \" سورة الحجرات \" وليس لها اسم غيره ووجه تسميتها أنها ذكر فيها لفظ \" الحجرات \"، ونزلت في قصَّة نداء بني تميم رسول الله - ﷺ - من وراء حجراته فعرفت بهذه الإضافة\" [التحرير والتنوير (٢٦/ ١٣)].\n(٢) \" ثمان عشرة آية \" ساقطة من (ب).\n(٣) قال الداني: \" وهي ثماني عشرة آية في جميع العدد ليس فيها اختلاف، وليس فيها مما يشبه الفواصل \" [البيان في عدِّ آي القرآن (ص: ٢٣٠)].\n(٤) انظر: جامع البيان (٢٦/ ١١٦)، البيان في عدِّ آي القرآن (ص: ٢٣٠)، المحرر الوجيز (٥/ ١٤٤).\n(٥) لم أقف عليه، والإجماع على أنَّ جميع السورة مدنية.\n(٦) ابن أبي مُلَيكة: عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة [زهير] بن عبد الله بن جدعان بن عمرو بن كعب بن سعد ابن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي، الإمام الحجة الحافظ، أبو بكر وأبو محمد، القرشي التيمي المكي القاضي المؤذن، رأى ثمانين من أصحاب النبي - ﷺ -، وكان من الصالحين والفقهاء في التابعين والحفاظ والمتقنين، وكان عالمًا مفتيًا صاحب حديث وإتقان، معدود في طبقة عطاء، وقد ولي القضاء لابن الزبير، والأذان أيضًا، وقد وثَّقه أبو زرعة، وأبو حاتم، توفِّي سنة سبع عشرة ومائة للهجرة. [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: مشاهير علماء الأمصار (ص: ١٠٧)، سير أعلام النبلاء (٥/ ٨٨)].\n(٧) عبد الله بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي القرشي الأسدي، له كنيتان أبو بكر وأبو خبيب، أمُّه أسماء بنت أبى بكر الصديق حملت به بمكة وخرجت مهاجرة إلى المدينة وهى حامل فلما قدمت المدينة فولدته بها وأتت به النبي - ﷺ - فوضعه في حجره ودعا بتمرة فمضغها وحنكه بها فكان أول شيء دخل جوفه ريق رسول الله - ﷺ -، ثم دعا له وبرَّك عليه، وهو أول مولود ولد في الإسلام من المهاجرين بالمدينة، قتله الحجاج بن يوسف في المسجد الحرام سنة ثنتين وسبعين للهجرة، ثم صلبه في ولاية عبد الملك بن مروان. [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: مشاهير علماء الأمصار (ص: ٣٨)، الاستيعاب (٣/ ٨٣)].\n(٨) بنو تَمِيم: قبيلة عربية مشهورة تنتسب إلى تميم بن مر، ويقال: مرة بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر بن نزار ابن معد بن عدنان. [انْظُر: الأنساب؛ للسمعاني (١/ ٤٧٨)].\n(٩) القعقاع بن مَعْبد بن زُرَارة بن عُدس بن زيد بن عبد الله بن دارم التميمي الدارمي، كان من سادات تميم، وفد على النبي - ﷺ - في وفد تميم هو والأقرع بن حابس وغيرهما، قيل: كانت فيه رقة ولذلك أشار أبو بكر الصديق على النبي - ﷺ - بتأميره، وقال هشام بن الكلبي \" كان يقال للقعقاع: \" تيار الفرات \" لسخائه. [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: الاستيعاب (٣/ ٣٤٦)، أسد الغابة (٤/ ٣٩٠) الإصابة (٥/ ٣٤٤)].\n(١٠) في (أ) \" فقال \".","vol":"1","page":2935},{"text":"عمر - ﵁ -: بل أَمِّر الأَقْرَعَ بنَ حابِس (١)، فقال أبو بكر: ما أردتَ إلا خِلافي، وقال عمر: ما أردتُ خلافَك، فتماريا حتى ارتفعت أصواتُهما، فنزلت في ذلك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا﴾ (٢).\nوالقراءةُ المعروفة: ﴿لَا تُقَدِّمُوا﴾ بضمّ التاء (٣)، وقرأ يعقوبُ (٤): بفتح التاء (٥).\n_________\n(١) الأقرع بن حابس بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع التميمي المجاشعي الدرامي أحد المؤلفة قلوبهم.\nقيل: اسم الأقرع: فراس، ولقب الأقرع؛ لقرع كان به في رأسه، والقرع: انحصاص الشعر، وقد قدم على رسول الله - ﷺ - مع عطارد بن حاجب في أشراف بني تميم بعد فتح مكة، وكان الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن شهدا مع رسول الله - ﷺ - فتح مكة وحنينًا والطائف، وشهد الأقرع بن حابس مع خالد بن الوليد حرب أهل العراق، وشهد معه فتح الأنبار،، واستعمله عبد الله بن عامر على جيش سيره إلى خراسان، فأصيب بالجوزجان هو والجيش. [انْظُرْ تَرْجَمَتَه: الاستيعاب (١/ ١٩٣)، أسد الغابة (١/ ٢٦٤)].\n(٢) أخرجه البخاري بنحوه في كتاب التفسير - سورة الحجرات - باب ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ...﴾، برقم (٤٨٤٥)، وانظر: أسباب النزول؛ للواحدي (ص: ٣١٧)، لباب النقول؛ للسيوطي (ص: ٢٧٢).\n(٣) وهي قراءة الجمهور [انظر: جامع البيان (٢٦/ ١١٧)، معاني القراءات (ص: ٤٥٧)، النشر (٢/ ٢٨١)، إتحاف فضلاء البشر (ص: ٥١٢)].\n(٤) يعقوب بن إسحاق بن يزيد بن عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي بالولاء، أبو محمد البصري المقرئ المشهور إمام أهل البصرة ومقريها، وهو أحد القراء العشرة، وهو المقرئ الثامن، وله في القراءات رواية مشهورة منقولة عنه، وهو من أهل بيت العلم بالقراءات والعربية وكلام العرب والروايات الكثيرة للحروف والفقه، وكان من أقرأ القرَّاء.\nقال أبو حاتم السجستاني: \" كان يعقوب الحضرمي أعلم من أدركنا ورأينا بالحروف والاختلاف في القرآن الكريم وتعليله ومذاهبه ومذاهب النحو في القرآن الكريم \"، وقد توفي سنة خمس ومائتين للهجرة. [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: وفيات الأعيان (٦/ ٣٩٠)، غاية النهاية (٢/ ٣٨٦)].\n(٥) أي ﴿لا تَقَدَّموا﴾ [انظر: معاني القراءات (ص: ٤٥٧)، النشر (٢/ ٢٨١)، إتحاف فضلاء البشر (ص: ٥١٢)].","vol":"1","page":2936},{"text":"والظاهر في قَدَّمَ أنه متعدٍ، فيكون المفعولُ محذوفًا، أي: ﴿لَا تُقَدِّمُوا﴾ القولَ والفعلَ.\nوقيل: الأمرَ والكلامَ بين يدي رسول الله - ﷺ -، فإن ابنَ عباسْ - ﵄- قال: ... «نُهوا أنْ يتكلَّموا بين يدي كلامه، بل عليهم أنْ يُصغوا ولا يتكلَّموا» (١).\nمجاهد: \" لا تفتاتوا على رسول الله بشيءٍ حتى يقضيه اللهُ على لسانه\" (٢).\nابنُ زيد: \"لا تقطعوا الأمرَ دونَ اللهِ ورسولِه \" (٣).\nوقيل: لا تقولوا ما لم يأمركم اللهُ ولا رسولُه.\nالحسَن والزَّجَّاج: \" نزلت في رجلٍ ذبح الأُضحيةَ قبل الصلاة، وقبلَ ذبحِ النبيِّ - ﷺ -، فأمره بإعادتها\" (٤) (٥).\nورُويَ: أنَّ رجلًا صامَ يومَ الشَّكِّ، فقالت عائشةُ - ﵂ -: لا تفعلْ؛ فإن هذه الآيةَ نزلتْ فيه (٦).\nورُويَ: \" أنَّ ذلك في القِتال، أي: لا تحملوا على الكفّار في الحرب، قبلَ أنْ يأمرَ ... النبيُّ - ﷺ - \" (٧).\nورُويَ: \" أنَّ ناسًا كانوا يقولون: لو أُنزل في كذا وكذا، لكان كذا وكذا، فكره اللهُ ذلك \" (٨).\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (٢٦/ ١١٦)، وأورده الماوردي في النكت والعيون (٥/ ٣٢٥).\n(٢) انظر: تفسير مجاهد (٢/ ٦٠٥)، وأخرجه ابن جرير في جامع البيان (٢٦/ ١١٦)، وأورده الماوردي في النكت والعيون (٥/ ٣٢٥).\n(٣) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (٢٦/ ١١٧).\n(٤) في (أ) \" وقيل: ذبح فأمره النبي - ﷺ - بإعادتها \".\n(٥) انظر - قول الحسن -: جامع البيان (٢٦/ ١١٧)، النكت والعيون (٥/ ٣٢٥)، وانظر - قول الزَّجَّاج -: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٢٦).\n(٦) أخرجه الطبراني في الأوسط (٦/ ٢٥٢)، برقم (٢٨١٦)، قال الهيثمي: \" رواه الطبراني في الأوسط، وفيه حبال ابن رقيدة، وهو مجهول \". [مجمع الزوائد (٣/ ١٤٨)].\n(٧) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (٢٦/ ١١٧)، عن الضحاك.\n(٨) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٢٣٠) عن قتادة، وكذا أخرجه عنه ابن جرير في جامع البيان (٢٦/ ١١٧).","vol":"1","page":2937},{"text":"وقيل: قدّم بمعنى: تقدَّم، نحو: علّقتُ الشيءَ وتعلّقتُه، وبنيتُه وتبيّنته.\nومعناه: لا تُقدِّموا بالقول ولا بالفعل بين يدي الله ورسولِه (١)، ولا تمشوا أمامَه (٢)، ولا تُمكِّنوا أحدًا يمشي أمامَه؛ ليكونوا تابعينَ له في التقديم والتقدُّم.\nوقوله: ﴿بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾: ذُكِرَ اللهُ للتعظيم، وقيل: لأنَّ التقديمَ بين يدي رسول الله - ﷺ - كالتقديم بين يدي الله.\nوقيل: معناه: لا تُخالفوا كتابَ الله وسنةَ رسوله.\n﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: في التقديم.\n﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾: لأقوالكم ﴿عَلِيمٌ (١)﴾: بأفعالكم.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ في سبب النزول: أنها نزلت في ثابت بن قيس بن شمَّاس - ﵁ - (٣) كان في أذنيه وَقر وكان جَهْوَرِيَّ الصوت، فكان يتأذَّى (٤) رسولُ الله - ﷺ - بصوته، فلمَّا نزلت هذه الآية قال ثابت: أنا الذي أرفع صوتي فوقَ صوت النبي - ﷺ -، وأنا من أهل النار، فذُكر ذلك لرسول الله - ﷺ -، فقال: «بل هو من أهل الجنة» (٥).\nهذا تأديبٌ من الله سبحانه، أي: إذا كلمتموه فليكن كلامُكم أخفضَ من كلامه لكم.\n﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾: قيل: هو تكرارٌ؛ لأنَّ الجهرَ بالقول هو (٦): إعلاءُ الصوت ورفعُهُ به.\nوقيل: معناه - وهو قول الجمهور - لا تخاطبوه باسمه وكنيته كما يخاطِبُ بعضُكم بعضًا، بل خاطبوه بالنبوة والرسالة، وقولوا: يا نبي الله، يا رسول الله (٧).\nوقيل: لا تجهروا عليه.\n﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ﴾: كراهةَ أنْ تَحبط، ولئلاّ تَحبط أعمالُكم (٨)؛ لأنَّ ذلك - إذا كان عن قصدٍ بعد النهي - كفرٌ؛ لأن فيه استخفافُ بالنبي - ﷺ -، وذلك محبطٌ.\n﴿وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢)﴾: أنه محبطٌ.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾: في سبب النزول: \" أن أبا بكر - ﵁ - قال: آليتُ على نفسي أنْ لا أكلمَ النبيَّ - ﷺ - إلا كأخي السِّرار، فنزلتْ فيه هذه ... الآية \" (٩).\nوكان عمر - ﵁ - بعد هذه الآية لا يُسمِعُ رسولَ الله حتى يستفهمه، وروي يستأذنه (١٠) (١١).\nومعنى: ﴿يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ﴾: يخفضونها في مجلسه تعظيمًا له.\n﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾: أخلص قلوبهم (١٢).\n_________\n(١) هذا المعنى على قراءة الجمهور.\n(٢) هذا المعنى على قراءة يعقوب.\n(٣) ثابت بن قيس بن شماس بن زهير بن مالك بن امرئ القيس بن مالك الأغر بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج، يكنى أبا محمد، وقيل: أبا عبد الرحمن. خطيب النبي - ﷺ - والأنصار، وكان من نجباء أصحاب محمد - ﷺ - والمشهود لهم بالجنة، ولم يشهد بدرًا، وشهد أحدًا، وبيعة الرضوان، وكان جهير الصوت، خطيبًا، بليغًا، فلما كان يوم اليمامة انهزم الناس، فقال ثابت - ﵁ -: \" أف لهؤلاء ولما يعبدون! وأف لهؤلاء ولما يصنعون! يا معشر الانصار! خلوا سنني لعلي أصلى بحرها ساعة، ورجل قائم على ثلمة، فقتله وقتل \". [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: الاستيعاب (١/ ٢٧٦)، سير أعلام النبلاء (١/ ٣٠٨)].\n(٤) في (أ) \" ينادي \".\n(٥) أخرجه البخاري (بنحوه) في صحيحه، في كتاب التفسير، باب: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ الآية، برقم (٤٨٤٦) عن أنس بن مالك - ﵁ -، وأخرجه الواحدي في أسباب النزول (ص: ٣١٧).\n(٦) \" هو \" ساقطة من (أ).\n(٧) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٥٧)، جامع البيان (٢٦/ ١١٧)، النكت والعيون (٥/ ٣٢٦).\n(٨) \" أعمالكم \" ساقطة من (أ).\n(٩) أخرجه الحاكم في مستدركه في كتاب التفسير - سورة الحجرات - (٢/ ٤٦٢) عن أبي هريرة، وقال: \" صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه \" وخالفه الذَّهبي؛ لأن فيه حسين بن عمر، وهو واهٍ.\n(١٠) \" وروي يستأذنه \" ساقطة من (ب).\n(١١) هذا من كلام عبد الله بن الزُّبير -﵄ - تتمة لقصة أبي بكر وعمر - ﵄ - في صدر السورة، وقد أخرج ذلك البخاري في كتاب التفسير - سورة الحجرات - باب ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ...﴾، برقم (٤٨٤٥) والواحدي في أسباب النزول (ص: ٣١٨).\n(١٢) انظر: جامع البيان (٢٦/ ١٢٠)، معاني القرآن؛ للزَّجاج (٥/ ٢٧).","vol":"1","page":2938},{"text":"وقيل: معنى: ﴿امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾: علم خُلوص نياتهم.\nوقيل: اختصَّهما للتقوى.\nوقيل: عاملهم معاملةَ المختبر، واشتقاقه من مَحَنْتُ الناقةَ وامتحنتُها إذا أخرجتَ لبنها بمعالجةٍ يشقُّ عليها (١).\nواللام في ﴿لِلتَّقْوَى﴾: لام العاقبة، أي: أدّى الامتحانُ إلى التقوى.\n﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾: لذنوبهم.\n﴿وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٣)﴾: لطاعتهم.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾: قدم وفدٌ من تميمٍ على رسول الله - ﷺ -، وهم سبعون رجلًا، فيهم: الأقرعُ بنُ حابسٍ، وعُيَيْنَةُ بنُ حِصْنٍ (٢)، والزِّبرقانُ بنُ بدرٍ (٣)، وقيسُ بنُ عاصمٍ (٤)، فدخلوا المسجدَ ونادوا النبيَّ - ﷺ - من وراء حجراته.\n_________\n(١) في (ب) \" تشق عليه \".\n(٢) عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري، يكنى: أبا مالك، ويقال: كان اسمه حذيفة فلقب عيينة؛ لأنه أصابته شجة فجحظت عيناه، وقد أسلم بعد الفتح. وقيل: قبل الفتح، وشهد الفتح مسلمًا وهو من المؤلفة قلوبهم، وبعثه النبي - ﷺ - لبني تميم فسبي بعض بني العنبر، ثم كان ممن ارتد في عهد أبي بكر ومال إلى طلحة فبايعه، ثم عاد إلى الإسلام، وعاش إلى خلافة عثمان - ﵁ -. [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: الاستيعاب (٣/ ٣١٦)، الإصابة (٤/ ٦٣٨)].\n(٣) الزِّبْرِقان بن بدر بن امرئ القيس بن خلف بن بهدلة بن عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم البهدلي السعدي التميمي، يكنى أبا عياش، وقيل: يكنى أبا سدرة، وفد على رسول الله - ﷺ - في قومه، وكان أحد ساداتهم، فأسلموا، وذلك في سنة تسع فولاه رسول الله - ﷺ - صدقات قومه وأقره أبو بكر وعمر على ذلك، وقيل: إن الزبرقان بن بدر اسمه الحصين بن بدر، وإنما سمي الزِّبْرقان لحسنه، شُبِّه بالقمر؛ لأن القمر يقال له: الزِّبْرقان، وعاش الزبرقان إلى خلافة معاوية - ﵁ -. [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: الاستيعاب (٢/ ١٢٩)، الإصابة (٢/ ٤٥٤)].\n(٤) قيس بن عاصم بن سنان بن خالد بن منقر بن عبيد بن الحارث، والحارث هو مقاعس بن عمرو بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم المنقري التميمي، يكنى: أبا علي، وقيل: يكنى أبا طلحة. والمشهور أبو علي. قدم في وفد بني تميم على رسول الله - ﷺ -، وذلك في سنة تسع، فلما رآه رسول الله - ﷺ - قال: \" هذا سيد أهل الوبر \"، وكان - ﵁ - عاقلًا حليمًا مشهورًا بالحلم، وكان قيس بن عاصم قد حرم على نفسه الخمر في الجاهلية، وقد توفي بالبصرة. [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: مشاهير علماء الأمصار (ص: ٤٩)، الاستيعاب (٣/ ٣٥٤)، أسد الغابة (٤/ ٤١١)].","vol":"1","page":2939},{"text":"- وجُمع؛ لأن لكلِّ واحدةٍ من أمهات المؤمنين حجرةٌ، ولعلَّهم أتوا كلَّ حجرةٍ فنادَوه فيها -، وقالوا: أن اخرج إلينا يا محمد، فإن مدحَنا زينٌ وذمَّنا شينٌ، فتأذي رسولُ الله - ﷺ - من ذلك، فخرج إليهم، وهو يقول: «إنما ذلكم اللهُ، الذي مدحُه زينٌ وذمُّه شينٌ»، فقال لهم: (فيم جئتم)؟ فقالوا: جئنا بخطيبنا وشاعرنا نُفاخِرُكَ ونُشاعِرُكَ، فقال: «ما بالشِّعر بُعثتُ، ولا بالفخارِ أُمِرْتُ»، فقام خطيبُهم فخطب، وقام شاعرهم فأنشد، فأمَرَ النبيٌّ - ﷺ - ثابتَ بنَ قيس: فقام وخطب، وأمر حَسَّانًا (١): فقام وأنشد، فلما فرغوا قام الأقرعُ، وقال: إن محمدًا لمؤتى له، والله ما أدري ما هذا تكلّمَ خطيبنا فكان خطيبُهم أحسنَ قولًا، وأنشد شاعرُنا فكان شاعرُهم أشعرَ، ثم دنا من رسولِ الله - ﷺ - فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسوله \" (٢).\nوروى زيدُ بنُ أرقمَ (٣): أنهم قالوا (٤): \" نمتحنه، فإن يكنْ مَلِكًا عشنا في جنابه، وإنْ يكن (٥) نبيًا كان الأولى أنْ نكونَ أسعدَ الناسِ به \" (٦).\nوفي بعض التفاسير: أنهم وَفدوا شافعين في أسرى من (٧) بني العنبر (٨) (٩).\n_________\n(١) حسان بن ثابت بن المنذر بن حرام بن عمرو بن زيد بن مناة بن عديّ بن عمرو بن مالك بن النجَّار الأنصاريّ، الشاعر، يُكْنَى أبا الوليد، وقيل: أبا عبد الرحمن، وقيل: أبا الحسام، وكان يقال له: شاعر رسول الله - ﷺ -. توفِّي - ﵁ - قبل الأربعين في خلافة علي - ﵁ -، وقيل: بل مات سنة خمسين وهو ابن مائة وعشرين سنة. ولم يختلفوا أنَّه عاش مائة وعشرين سنة منها: ستون في الجاهلية، وستون في الإسلام. [انْظُر تَرْجَمَتَهُ: الشِّعْرُ والشُّعَراء (ص: ١٧٤)، الاستيعاب (١/ ٤٠٠)].\n(٢) أخرجه الثعلبي في تفسيره (٩/ ٧٣)، الواحدي في أسباب النزول (ص: ٣١٩)، كلاهما عن جابر بن عبد الله.\n(٣) زيد بن أرقم بن قيس بن النعمان بن مالك الأنصاري الخزرجي، من مشاهير الصحابة، استصغر يوم أحد، وأول مشاهده الخندق، وقيل: المريسيع، غزا مع النبي - ﷺ - سبع عشرة غزوة، وله حديث كثير، روى عنه ابن عباس وأنس وغيرهما، شهد صفين مع علي، وتوفي - ﵁ - سنة ست وستين، وقيل: ثمان وستين. [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: الاستيعاب (١/ ٥٣٧)، أسد الغابة (٢/ ٣٢٨)، الإصابة (١/ ٥٤٢)].\n(٤) في (ب) \" أنَّه قال \".\n(٥) في (ب) \" وإن كان \".\n(٦) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (٢٦/ ١٢١).\n(٧) \" من \" ساقطة من (أ).\n(٨) بنو العنبر، ويقال \" بلعنبر \": بطن من تميم ينتسبون إلى العنبر بن عمرو بن تميم بن مر بن أد بن طابخة بن إلياس ابن مضر بن نزار. [انظر: الأنساب؛ للسمعاني (٤/ ٢٤٥)].\n(٩) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٥٩)، تفسير السَّمرقندي (٣/ ٣٠٨).","vol":"1","page":2940},{"text":"قوله: ﴿أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٤)﴾: أي: الذين ينادونك من جملة قومٍ أكثرهم لا يعقلون.\nفيه قولان: أحدهما: لا يفعلون فعلَ العقلاء لقلة أناتهم وكثرة تهوُرِهِم؛ فإنَّ النبيَّ - ﷺ - لم يكنْ يحتجب عن الناس إلاّ في وقتٍ يَخلو فيه بأمر نفسه، فمن أزعجه عن ذلك كان منسوبًا إلى قلة العقل، وسوء الأدب.\nوالثاني: لا يعلمون عِظَمَ حرمتك، وأنَّ الصبرَ خيرٌ لهم (١).\nوالحُجْرة: المكانُ الذي (٢) يتحجَّره المرءُ لنفسه يمنعُ غيرَه من مشاركته فيه، مشتقةٌ من الحَجْر، وهو الحبس (٣).\n﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ﴾: أي: لو صبروا عمَّا فعلوا وانتظروا خروجك.\n﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾: في دينهم بما ينالون من الثواب في تعظيم نبي الله - ﷺ -، وفي دنياهم بما يكون في ذلك من الدلالة على وفور عقلهم باستعمال السَّكينة والوقار.\nوقيل: ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾: أبلغَ لهم في نيل ما كانوا (٤) يشفعون فيه من الصَّفح عن الأسرى، ولأطلق لهم أسراهم جميعًا؛ لأن النبَّيَّ - ﷺ - اعتق النِّصف وفادى النِّصف (٥).\n﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ﴾: أي: مع هذا غفورٌ لمنْ تاب منهم.\n﴿رَحِيمٌ (٥)﴾: في قَبول التوبة.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾: أجمع المفسرون على أنها نزلت في الوليد بن عقبة (٦)، بعثه رسول الله - ﷺ - إلى بني المصطلِق مصدِّقًا وكان بينهما إحنةٌ (٧)، فلما\n_________\n(١) انظر: النكت والعيون (٥/ ٣٨٢)، التسهيل (٤/ ٥٨).\n(٢) \" الذي \" ساقطة من (أ).\n(٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن؛ للقرطبي (١٦/ ٢٩٦)، لسان العرب (٤/ ١٦٥) مادة (حَجَرَ).\n(٤) في (أ) \" ما كان \".\n(٥) انظر: النكت والعيون (٥/ ٣٢٨).\n(٦) الوليد بن عقبة بن أبي معيط [أبان] بن ذكوان بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، أبو وهب الأموي، وأخو عثمان بن عفان لأمه، له صحبة قليلة، ورواية يسيرة، من مسلمة الفتح، بعثه رسول الله - ﷺ - على صدقات بني المصطلق، وكان من رجال قريش وشعرائها وكان له خلق ومروءة استعمله عثمان على الكوفة إذ عزل عنها سعدًا فحمدوه وقتًا ثم رفعوا عليه فعزله، وولى سعيد بن العاص الكوفة، فلما قتل عثمان نزل البصرة ثم خرج إلى الرقة فنزلها واعتزل عليًا ومعاوية ومات بها، وبالرقة قبره. [انْظُر تَرْجَمَتَهُ: الاستيعاب (٤/ ١١٤)، سير أعلام النبلاء (٣/ ٤١٢)].\n(٧) إحنة: الإحنة: الحقد في الصدر، وربما قالوا: حنة. [انظر: كتاب العين (٣/ ٣٠٥)، مادة \" أحن \"].","vol":"1","page":2941},{"text":"سمعوا به ركبوا إليه، فلما سمع بهم خافهم فرجع، فقال (١): إن القومَ همُّوا بقتلي ومنعوا صدقاتهم، فهمَّ رسولُ الله - ﷺ - بغزوهم (٢)، فبينا هم في ذلك قدم وفدُهم، وقالوا: يا رسولَ الله، سمعنا برسولك فخرجنا نُكرمُه ونُؤدِّي إليه ما قبلناه من الصدقة، فاستمر راجعًا (٣) (٤).\nوفي بعض التفاسير: فأرسل ﵊ إليهم خالدَ بنَ الوليد، فأنزل الله: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ﴾: كاذبٌ (٥).\nوقيل: خارج عن أمر الله إلى كثيرًا من الذنوب.\n﴿بِنَبَإٍ﴾: بخبرٍ يعظُم وقعُه في القلوب.\n﴿فَتَبَيَّنُوا﴾: تعرَّفوا صحّته و﴿فَتَثَبَّتوا﴾: اتَّئدوا ولا تعجلوا (٦).\n﴿أَنْ تُصِيبُوا﴾: كراهةَ أنْ تصيبوا، ولئلاّ تصيبوا.\n﴿قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾: أي: بجهالةٍ منكم بحالهم في استحقاق ما تصيبونه.\n﴿فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (٦)﴾: فتصحبوا نادمين على عجلتكم.\n_________\n(١) في (ب) \" وقال \".\n(٢) في (ب) \" أنَّه قال \".\n(٣) في (ب) \" فاشتمر راجعًا \".\n(٤) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٥٩)، جامع البيان (٢٦/ ١٢٣)، أسباب النزول؛ للواحدي (٣٢٢).\n(٥) انظر: تفسير الصنعاني (٣/ ٢٣١)، جامع البيان (٢٦/ ١٢٤).\n(٦) قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ بالياء والنون، وقرأ حمزة والكسائي ﴿فتثبَّتوا﴾ بالثاء والتاء. [انظر: جامع البيان (٢٦/ ١٢٣)، السبعة (ص: ٢٣٦)، معاني القراءات (ص: ١٣٢)].","vol":"1","page":2942},{"text":"وذكر بعض المفسرين في هذه الآية: أن خبرَ الواحد العدل يجبُ العملُ به؛ لأنَّ الله تعالى أمر بالتثبُّت في خبر الفاسق، ولو تثبّتنا في خبر العدل لسويّنا بينهما.\nوذهب بعضهم إلى أنَّ الوليدَ كان ثقةً عند رسول الله - ﷺ - فصار فاسقًا بكذبه، فخبر الواحد متردِّدٌ حتَّى يُخبر آخرُ بمثله.\nوقيل: إنَّ الوليدَ لم يقصد الكذبَ؛ لأنه ظنَّ لمّا اجتمعوا لإكرامه أنْ يكونوا همُّوا بقتله (١).\n﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ﴾: أي: فلا تقولوا الباطلَ فإنَّ الله يخبره.\nوقيل: معناه: وفيكم رسول الله والرأي معه.\n﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾: لنالكم المكروهُ، أي: لو عمل برأيكم لكان يُخطئُ في أفعاله، كما لو قبل (٢) من الوليد فَقَتَلَ وقَتَلْتُم، وأخذ المال وأخذتم.\n﴿لَعَنِتُّمْ﴾: لأثمتم.\nوقيل: معناه: لو فعل جميعَ ما تختارون (٣) وتريدون لنَالَكم ضررٌ.\nوقيل: لغويتم. وقيل: لهلكتم. وقيل: لنالكم شدة.\nوقوله: ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ﴾: جاء على الأصل؛ لأنَّ الطاعةَ موافقةُ الدَّاعي، غير أنَّ المستعملَ في حق الأكبر الإجابةُ، وفي حق الأدون الطاعةُ.\n﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ قيل (٤): بنصب الأدلة.\nوقيل: حسّنه وزيَّنه بتوفيقه له.\nوقيل: بما وعد عليه من النصر والفتح في الدنيا، والجنة والنعيم في الأخرى.\nوالمعنى: لكنَّ اللهَ حببَ إليكم الإيمانَ فأطعتموه فوقاكم الله العنَتَ.\n﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ﴾: أي: قبّحه.\nوقيل: بما أوعد عليه العذابَ في الدنيا والآخرة.\n﴿وَالْفُسُوقَ﴾: وهو (٥) الكذب والخروج من أمر الله وارتكاب الكبائر.\nوقيل: الفسوق الكبائر ﴿وَالْعِصْيَانَ﴾: الصغائر.\n﴿أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧)﴾: الذين قد أصابوا طريقَ الحق ولم يَضِلوا عن الهدى.\n﴿فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً﴾: مفعول له، أي: حبَّبَ وكرَّه للفضل والنعمة.\nوقيل: نصب على المصدر.\n﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾: بخلقه ﴿حَكِيمٌ (٨)﴾: في تدبيره.\n﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾: في الصحيحين عن أنس - ﵁ - أنه قال: قيل: لرسول الله - ﷺ -: يا نبَّي الله لو أتيتَ عبدَ الله بنَ أُبيّ فانطلق إليه (٦) رسولُ الله - ﷺ - على حمار، وانطلق المسلمون يمشون، وهي أرض سبِخةٌ، فلما أتاه النبيُّ - ﷺ - راث حمارُه، فقال عبد الله (٧): إليك عنّي، فوالله لقد آذاني نتنُ روثِ (٨) حمارِك، فقال رجلٌ من الأنصار: والله لروثُ حمار (٩) رسول الله أطيبُ ريحًا منك فغضب لعبد الله رجلٌ من قومه، وغضب لكلّ واحدٍ منهما\n_________\n(١) انظر: أحكام القرآن؛ للجصَّاص (٣/ ٥٢٩)، غرائب التفسير (٢/ ١١٢٢)، المحرر الوجيز (٥/ ١٤٧)، تفسير القرآن العظيم (٤/ ٢٢٣).\n(٢) في (ب) \" كما لو قيل \".\n(٣) في (ب) \" يختارون \".\n(٤) \" قيل \" ساقطة (أ).\n(٥) \" وهو \" ساقطة (أ).\n(٦) في (ب) \" فانطلق به \".\n(٧) \" عبد الله \" ساقطة (ب).\n(٨) \" روث \" ساقطة (أ).\n(٩) في (أ) \" والله لحمار \".","vol":"1","page":2943},{"text":"أصحابُه، فكان بينهما (١) حربٌ بالجريد والأيدي والنِّعَال، فأنزلت فيهم: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ ٢)\nوعن (٣) سعيد بن جبير: أنَّ الأوسَ (٤) والخزرجَ (٥) كان بينهما حرب في عهد رسول الله - ﷺ - (٦) بالسَّعف والنعال، فترلت فيهم هذه الآية (٧).\nقتادة: نزلتْ في رجلين اختصما في مالٍ، فجرّ قومُ المدّعِي المدّعَى عليه، فجاء قومُ المدّعَى عليه فمنعوه، فوقع بينهم قتالٌ بالأيدي والنعال (٨).\nوقيل: ابتداؤه من امرأةٍ من الأنصار، يقال لها: أمّ زيدٍ (٩) بغضت زوجَها، فأرادت أنْ تلحق بأهلها، فجعلها في غُرفةٍ له، وأمر أهلَه أنْ يحتفظوا بها، وخرج إلى حاجةٍ، فأرسلتْ إلى أهلها،\n_________\n(١) في (أ) \" بينهم \" (أ).\n(٢) أخرجه البخاري (بنحوه) في صحيحه في كتاب الصلح، باب: ما جاء في الإصلاح بين الناس، برقم (٢٦٩١)، ومسلم في كتاب الجهاد والسِّير، باب: في دعاء النبي - ﷺ -، وصبره على أذى المنافقين، برقم (٤٦٣٧)، كلاهما عن أنس بن مالك - ﵁ -، وانظر: أسباب النزول؛ للواحدي (ص: ٣٢٤).\n(٣) في (أ) \" عن \".\n(٤) الأوس: وهم بطن من الأنصار، ينتسبون إلى أوس بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر، من بني مزيقياء، من الأزد، من كهلان، تحول بنوه من اليمن إلى المدينة، وجاء الإسلام وهم فيها، وتفرعت عنهم بطون متعددة، وكان صنمهم في الجاهلية \" مناة \" منصوبًا بفدك مما يلي ساحل البحر، يشاركهم فيه الخزرج. [انظر: الأنساب؛ للسمعاني (١/ ٢٢٨)، الأعلام (٢/ ٣١)].\n(٥) الخزرج: وهم بطن من الأنصار، ينتسبون إلى الخزرج بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر، من بني مزيقياء، من الأزد، من كهلان، بنوه من أصل يماني نزلوا المدينة هم وأبناء عمهم الأوس، وتعرف القبيلتان بالأنصار. [انظر: الأنساب؛ للسمعاني (٢/ ٣٥٩)، الأعلام (٢/ ٣٠٤)].\n(٦) في (ب) \" كان بينهما على عهد رسول الله - ﷺ - قتالٌ \".\n(٧) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٣٣٠)، الجامع لأحكام القرآن (١٦/ ٣٠٠).\n(٨) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٣٣٠)، تفسير القرآن العظيم (٤/ ٢٢٦).\n(٩) أمُّ زَيْدٍ الأنصارية: لم أقف لها على ترجمة، وقد أوردها ابن الأثير مبهمة مع ذكر ما أشار إليه المفسرون من قصتها مع زوجها، وقد ذكروا أن اسمه عمران، قال ابن الأثير: \" أم زيد. روى أسباط، عن السدَّي قال: كانت امْرَأَة من الأنصار يقال لها: أمُّ زيدٍ اختصمت مع زوجها، وأرادت أن تلحق بأهلها، فمنعها، فاقتتل زوجها وأهلها، فنزل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾، لا أدري هي واحدة ممن قبلها، أم غيرها، لأنه لم يرفع في نسبها حتى تُعرف، فذكرناها احتياطًا إلى أن تُحَقق \". [انظر: أسد الغابة (٧/ ٣٢٣)].","vol":"1","page":2944},{"text":"فجاء ناسٌ من أهلها وأرادوا أنْ يذهبوا بها، فاقتتلوا بالنعال فلاطموه، ... فنزلت (١) ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ﴾ (٢).\nوالقتالُ قد يكونُ بالسلاح وبما دونه.\nوعن ابن بحرٍ أنه قال (٣): \" القتال لايكونُ بالنعال والأيدي، وإنما هذا في المنتظَر من ... الزمان! \" (٤).\nوالطائفة: الجماعة.\nوقيل: يقع على الواحد أيضًا. وقد سبق في النور (٥).\nوارتفاعُه بمضمر، دلَّ عليه ما بعده، أي: إن (٦) اقتتلت طائفتان.\nوجُمع ﴿اقْتَتَلُوا﴾ حملًا على المعنى.\n﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾: أي: ادعوهما (٧) إلى كتاب الله تعالى، والرضى بما فيه لهما وعليهما.\n﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى﴾: تعدى إحدى الطائفتين على الطائفة الأخرى فطلبت ما ليس بمستحَقٍّ.\n﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾: تتعدى (٨) في القتال.\nوقيل: بالعدول عن الصلح.\n_________\n(١) في (ب) \" وتلاطموا، فنزل \".\n(٢) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٣٣٠).\n(٣) \" أنه قال \" ساقطة من (أ).\n(٤) لم أقف عليه.\n(٥) عند تفسير قول الله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾.\n(٦) \" إن \" ساقطة من (ب).\n(٧) في (أ) \" ادعوهم \".\n(٨) في (ب) \" يتعدى \".","vol":"1","page":2945},{"text":"﴿حَتَّى تَفِيءَ﴾: ترجع.\n﴿إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾: كتاب الله وسنة رسوله.\nوقيل: ﴿إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾: ما أَمر به.\n﴿فَإِنْ فَاءَتْ﴾: رجعتْ عن البغي إلى أمر الله.\n﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ﴾: في ترك الهوى والميل. وقيل: بالعدل بكتاب الله.\nوَأَقْسِطُوا ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩)﴾: أي: اقسطوا أيها الناس، فلا تقتلوا بتمانع الحق.\n﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾: العادلين في القول والفعل.\nالقفال: \" ﴿وَأَقْسِطُوا﴾: خطابٌ للمصلحين، والمعنى: خذوا بالصفح والعفو والفضل بينكم، من قوله: ﴿أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة: ٨] \" (١).\nوفي الآية جواز قتال الباغي بالسلاح، وأن الباغيَ مؤمنٌ (٢).\nوعن علي - ﵁ -: \" إخوانُنَا بغوا علينا \" (٣).\nوقيل: الباغية في حال بغيها ليست بمؤمنة، فسمَّاهم الله مؤمنين قبلَ بغيها، كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ﴾، [المائدة: ٥٤]، وليس (٤) بمؤمن حالةَ الارتداد.\n﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾: متواخون على الإيمان، والإيمان أشرف أنسابهم، وقد قطع الله الولايةَ بينهم وبين مَن خالفهم في الدِّين من أنسابهم.\n_________\n(١) انظر: لم أقف عليه.\n(٢) انظر: جامع البيان (٢٦/ ١٢٧)، تفسير البغوي (٧/ ٣٤١).\n(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه، (٨/ ٧٠٧)، في كتاب الجمل وصفين والخوارج.\n(٤) في (أ) \" فلَيْسَ \".","vol":"1","page":2946},{"text":"﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾: فأنتم أيضًا إخوَةٌ لهما، فتكونوا (١) قد قضيتُم حَقَّ المظلوم بإيصال حقه إليه، وحقَّ الظالم بإزالة الإثم عنه.\nوثُنِّيَ لأن أقلَّ مَن يقعُ بينهم القتالُ اثنان، وقيل: التثنية قد يقعُ موقعَ الجمع، كقولهم (٢): (لبيك وسعديك)، (ولا يَدَيْ لك) (٣).\nوقيل: بين رئيسي الفريقين؛ لأنهما إذا اصطلحا اصطلح الفريقان.\nوقيل: بين كلّ مسلمَين.\nوقرئ: ﴿بَيْنَ إِخْوَتِكُمْ﴾ (٤)، و: ﴿بَيْنَ إِخْوَانِكُمْ﴾ (٥).\nوالأكثر في النَسَب الإخوة والإخاء، وفي الصداقة الإخوان، وتقع كلُّ واحدٍ منهما موقعَ الآخَر (٦).\n﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠)﴾.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾: جمهورُ المفسرين على أنها نزلت في ثابت بن قيس بن شمّاس، وذلك أنه كان في أُذنه وَقرٌ، وكان إذا (٧) أتى رسولَ اللهِ - ﷺ -، أوسعَ له (٨) حتى يجلسَ إلى جنبه - ﷺ - فيسمعَ ما يقوله، فجاء يومًا وقد أخذ الناسُ مجالسَهم، فجعل (٩)\n_________\n(١) في (ب) \" فيكونوا \".\n(٢) في (ب) \" كقوله \".\n(٣) انظر: المحتسب (٢/ ٣٢٧).\n(٤) وهي قراءة ابن عامر وحده. [انظر: السَّبعة (ص: ٦٠٦)، الحُجَّة (٦/ ٢٠٧)].\n(٥) وهي قراءة شاذة مروية عن زيد بن ثابتٍ وابن مسعود والحسن - بخلاف - وابن سيرين، وعاصم الجحدري.\nقال ابن جرير: \" وذكر عن بن سيرين أنه قرأ ﴿بين إخوانكم﴾ بالنون على مذهب الجمع، قال: وذلك من جهة العربية صحيح، غير أنه خلاف لما عليه قراء الأمصار فلا أحب القراءة بها \". [جامع البيان (٢٦/ ١٣٠)، وانظر: المحتَسَب (٢/ ٣٢٧)].\n(٦) كذا في النسختين، ولو قيل: \" وتقع كلُّ واحدة منهما موقعَ الأخرى \" لكان أولى.\n(٧) \" إذا \" ساقطة من (ب).\n(٨) في (ب) \" أوسعوا له \".\n(٩) في (ب) \" فجلس \".","vol":"1","page":2947},{"text":"يتخطّى رقابَ الناس، ويقول: تفسَّحوا، تفسّحوا (١)، فقال له (٢) رجل: أصبتَ مجلسًا فاجلس، فجلس ثابت مغضَبًا، ثم قال للرجل: يافلانُ بنَ فلانة، فذكر (٣) أُمًَّا له يعيَّر بها في الجاهلية، فنكَّسَ الرجلُ استحياءً، فأنزل الله هذه الآية (٤).\nوقيل: نزلت في كَعْب بن مالك (٥)، قال لعبد الله: يا أعرابي، فقال (٦) له عبد الله: يا يهودي (٧).\nوقيل: نزلت في الذين نادوا رسول الله - ﷺ - من وراء الحجرات (٨) واستهزؤا بالفقراء (٩) (١٠)\n﴿عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ﴾.\n﴿وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ﴾: نزلت في عائشة - ﵂ - وقد عابت أمَّ سلمة بالقِصَر.\nوقيل: أنها ربطت حقويها بثوب أبيض، وسدلت طرفيها خلفها، وكانت تجره، فقالت عائشة لحفصة - ﵂ - (١١): انظري ما تجرُّ خلفَها، كأنه (١٢) لسان كلب (١٣).\n_________\n(١) في (ب) \" ويقول: تفسحوا فجعل تفسحوا \".\n(٢) \" له \" ساقطة من (ب).\n(٣) في (أ) \" وذكر \".\n(٤) انظر: تفسير الثعلبي (٩/ ٣٠)، النُّكت والعيون (٥/ ٣٣٣)، أسباب النزول؛ للواحدي (٣٢٤).\n(٥) كعب بن مالك بن أبي كعب [عمرو] بن القين بن كعب بن سواد بن غنم بن كعب بن سلمة الأنصاري، الخزرجي، يكنى أبا عبد الله، وقيل: أبا عبد الرحمن، كان أحد شعراء رسول الله - ﵁ - الذين كانوا يردون الأذى عنه، وكان مجودًا مطبوعًا قد غلب عليه في الجاهلية أمر الشعر، وعرف به ثم أسلم وشهد العقبة ولم يشهد بدرًا وشهد أحدًا والمشاهد كلها حاشا تبوك، فإنه تخلف عنها، ثم تاب الله عليه، وتوفي كعب بن مالك - ﵁ - في زمن معاوية سنة خمسين. وقيل: سنة ثلاث وخمسين للهجرة. [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: الاستيعاب (٣/ ٣٨١)، سير أعلام النبلاء (٢/ ٥٢٣)].\n(٦) في (أ) \" قال \".\n(٧) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٣٣٣).\n(٨) في (ب) \" الحجاب \".\n(٩) في (ب) \" وقيل: نزلت في الذين نادوا ... وقيل: نزلت في كعب \".\n(١٠) انظر: تفسير الثعلبي (٩/ ٣٠)، النُّكت والعيون (٥/ ٣٣٣)، أسباب النزول؛ للواحدي (ص: ٣٢٥).\n(١١) حفصة بنت عمر بن الخطاب بن نفيل العدوية القرشية، أم المؤمنين زوج النبي - ﷺ -، وهي أخت عبد الله بن عمر لأبيه وأمه، وكانت حفصة من المهاجرات وكانت قبل رسول الله - ﷺ - تحت خُنيس بن حذافة السهمي. وقد تزوجها ... رسول الله - ﷺ - عند أكثرهم في سنة ثلاث من الهجرة، وتوفيت - ﵂ - سنة إحدى وأربعين، وقيل: سنة خمس وأربعين للهجرة. [انْظُرْ تَرْجَمَتَهَا: الاستيعاب (٤/ ٣٧٢)، أسد الغابة (٧/ ٦٧)].\n(١٢) في (ب) \" كأنها \".\n(١٣) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٣٣٣)، أسباب النزول؛ للواحدي (ص: ٣٢٥).","vol":"1","page":2948},{"text":"قال أنس - ﵁ -: \" نزلت في نساء النبي - ﷺ -، عَيَّرْنَ أمَّ سَلَمَةَ بالقِصَر \" (١).\nابنُ عباس - ﵄ -: أن صَفِيَّةَ بنتَ حُيَيّ بن أخْطَب (٢) أتت رسول الله - ﷺ - فقالت: إنَّ النساء تعيرنني، فيقلن لي (٣): يا يهوديةَ بنتَ يهوديَّين، فقال لها رسول الله - ﷺ -: «هلا قلتِ: إنَّ أبي موسى، وعمِّي هارون (٤)، وزوجي محمد - ﷺ -»، فأنزل الله هذه الآية (٥).\nوالمعنى: لا يستهزئ قومٌ بقومٍ.\nوالسُّخْرة: الاستهزاء، وقيل: عيبٌ واحتقارٌ.\nوالسُّخْرة تقع بما لا يمكنُ للمسخور منه دفعُه، كالقِصَرِ، والذَّمامة (٦)، والفقر، وقد يكونُ بما يمكنه دفعُه كالرجل يتزيّا بغير زيّه من لباسٍ وغيره، وقد يكونُ الاستهزاءُ من الدُّهاة بأهل السلامة.\nوجملة ذلك: أنهم نُهوا عن الازدراء بالضعفاء والفقراء (٧).\nوالقوم اسمٌ مختصٌّ بالرجال دون النساء، من القيام على الشئ وتعاون البعض للبعض.\nوأنشدوا (٨):\nوما أدري (٩) وسوف أخالُ أدري ... أقومٌ آلُ حصنٍ أم نساءُ (١٠)\n_________\n(١) انظر: أسباب النزول؛ للواحدي (ص: ٣٢٥).\n(٢) صفية بنت حُيَي بن أخطب بن شعبة بن ثعلبة بن عبيد بن كعب بن الخزرج بن أبي حبيب بن النضير بن النحام بن تحوم، من بني اسرائيل من سبط هارون بن عمران، كانت صفية بنت حيي عند سلام بن مشكم وكان شاعرًا ثم خلف عليها كنانة بن أبي الحقيق وهو شاعر فقتل يوم خيبر، وتزوجها النبي - ﷺ - سنة سبع من الهجرة، استصفاها رسول الله - ﷺ - وصارت في سهمه ثم أعتقها وجعل عتقها صداقها، وكانت صفية حليمة عاقلة فاضلة، وقد توفيت - ﵂ - في شهر رمضان في زمن معاوية سنة خمسين للهجرة. [انْظُرْ تَرْجَمَتَها: الاستيعاب (٤/ ٤٢٦)، أسد الغابة (٧/ ١٦٨)].\n(٣) \" لي \" ساقطة من (أ).\n(٤) في (ب) \" أبي هارون، وعمِّي موسى \".\n(٥) انظر: تفسير الثعلبي (٩/ ٨١)، أسباب النزول؛ للواحدي (ص: ٣٢٥).\n(٦) في (ب) \" والدَّمامة \".\n(٧) انظر: جامع البيان (٢٦/ ١٣١).\n(٨) في (أ) \" وأنشد \".\n(٩) في (ب) \" فما أدري \".\n(١٠) البيت لزهير بن أبي سلمى. [انظر: تفسير الثعلبي (٩/ ٨١)، الكشاف (٤/ ٣٧٠)].","vol":"1","page":2949},{"text":"وقيل: القوم جمعٌ، واحده رجلٌ، كالنساء جمعٌ، واحده امرأةٌ. وهذا مزيّفٌ (١).\n﴿عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾: أي: عسى أنْ يكونَ المسخورُ منه خيرًا عند الله من الساخر.\nوقيل: عسى أنْ يزولَ فقرُه ويصيرَ أغنى من الساخر، ويزول ذمامتُه (٢) وقُبحُه منه إليه مما الله قادر على إزالته.\n﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾: لا تعيبوا ولا تطعنوا أهلَ دينكم.\nوقيل: لا يلمز بعضُكم بعضًا. واللمزُ العيب والإشارة.\n﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾: النبزُ: القذف باللّقب المكروه، والنَبَزُ: بالفتح الاسم، والتنابز بين القوم، ولا يستعمل إلاّ في القبيح.\nواللقب يُستعمل في الحسن والقبيح، وهو اسمٌ أو وصفٌ يبقى على الإنسان فيجرى مجرى اسم العلم (٣).\n﴿بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾: فيه تأويلان:\nأحدهما: ﴿بِئْسَ الِاسْمُ﴾ اسمُ الفسق، وهو: أنْ يقولَ له: يا فاسقُ، يا سارقُ، يا زاني، يذكره باسم ذنبه بعد إيمانه وتوبتِه، وكذلك: يا يهودي، يا نصراني، يا خنزير، يا قرد.\nوالثاني: أنَّ مَن أقدم على ما نُهيَ عنه من السخرة، واللمز، والنبز باللقب، فهو فاسق.\nومعنى ﴿بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾: بدلًا عن الإيمان.\nوقيل: بعد دخوله في الإيمان. وقيل: ﴿بَعْدَ﴾ بمعنى مع.\n_________\n(١) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١١٢٣).\n(٢) في (ب) \" أو يزول دمامته \".\n(٣) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١١٢٣)، تفسير السَّمعاني (٥/ ٢٢٢).","vol":"1","page":2950},{"text":"﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ﴾: أي: عمَّا نُهي عنه.\n﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (١١).\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾: معنى اجتنبوا كونوا منه في جانب، أي: ناحية.\nوالظن على أربعة أوجه: مأمورٌ به، ومحظورٌ، ومندوبٌ إليه، ومباحٌ:\nأمَّا المأمور به فحُسن الظن بالله، قال رسول الله - ﷺ -: «لا يموتنَّ أحدكم إلاّ وهو يحسن الظَّنّ بالله» (١)، وكذلك حسن الظن (٢) بالمؤمنين [من قوله: «إنَّ حسنَ الظن من الإيمان» (٣)، وقوله تعالى: ﴿ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ١٢].\nوالمحظور: ظن السَّوء بالله وبالمؤمنين] (٤)، وهو قوله: ﴿إِن بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾، أي -: الظَّنّ السوء.\nمقاتل: \" هو أنْ يتكلمّ بما ظنَّه، فإنْ لم يتكلم به فلا إثم عليه (٥) \" (٦).\nوأمَّا المندوب إليه: فالظن بمن ظاهره الفسق، عن أنس - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «احترسوا من الناس بسوء الظن» (٧)، وقال - ﷺ -: «الحزم سوء الظن» (٨)، والحزم مندوب إليه.\n_________\n(١) أخرجه مسلم (بنحوه) في صحيحه، في كتاب الجنة ونعيمها، باب الأمر بحسن الظن بالله - تعالى - عند الموت، برقم (٧١٥٨)، عن جابر بن عبد الله.\n(٢) في (أ) \" أحسن الظن \".\n(٣) لم أقف على تخريجه بهذا اللفظ، وقد أخرج ابن جرير في جامع البيان (٢٦/ ١٣٥) عن ابن عبَّاس - ﵄ - قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾ يقول: \" نهى الله المؤمن أن يظن بالمؤمن شرًا \".\n(٤) ما بين المعقوفتين ساقط من (أ).\n(٥) في (ب) \" فلا يكون إثمًا \".\n(٦) لم أقف عليه.\n(٧) أخرجه الطبراني في الأوسط (٢/ ١٠٨)، برقم (٦٠٩)، وقال الهيثمي: \" رواه الطبراني في الأوسط وفيه بقية بن الوليد وهو مدلس، وبقية رجاله ثقات \" [مجمع الزوائد (٨/ ٨٩)]، وقال الألباني في ضعيف الجامع (ص: ٢٧) \" ضعيف جدًا \".\n(٨) أورده السخاوي في المقاصد الحسنة (ص: ٢٣) عن أبي الشيخ ومن طريقه الديلمي في مسنده عن علي بن أبي طالب - ﵁ - من قوله: \" الحزم سوء الظن \" وأخرجه القضاعي في مسند الشهاب عن عبد الرحمن بن عائذ رفعه مرسلًا، قال: \" وكلها ضعيفة، وبعضها يتقوى ببعض \"، وضعَّفه الألباني في ضعيف الجامع (ص: ٤١٠).","vol":"1","page":2951},{"text":"وأمَّا المباح: فكالظن في الصلاة والصوم والقِبلة، أُمِرَ صاحبه بالتحرِّي فيها، والبناء على غلبة الظن (١)، ولهذا الانقسام قال: ﴿كَثِيرَةٍ مِنَ الظَّنِّ﴾، ولم يقل: اجتنبوا الظنَّ مطلقًا.\nثم قال: ﴿إِن بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾: ويحتمل أنَّ المعنى: احترزوا من الكثير ليقع التحرُّزُ عن البعض (٢).\n﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾: ولا تتّبعوا (٣) عثرات المؤمن.\nوقيل: هو البحث عما خفيَ حتى يظهر. وقرى بالحاء، شاذًا (٤).\nفقيل (٥): بالجيم البحث لغيرك، وبالحاء البحث لنفسك، وكلاهما منهيٌّ عنه (٦) (٧).\n﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾: الغيبة ذكر الغائب (٨) بظهر الغيب (٩).\nأبو هريرة - ﵁ - قال (١٠): سئل رسولُ الله - ﷺ - عن الغِيبة، فقال: «هو أنْ تقول (١١) لأخيك ما فيه، إنْ كنت صادقًا فقد (١٢) اغتبته، وإنْ كنت كاذبًا فقد بهته» (١٣).\n_________\n(١) انظر: الوجوه والنظائر؛ للدامغاني (ص: ٥٢٥).\n(٢) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١١٢٤).\n(٣) في (أ) \" لا تتبعوا \".\n(٤) أي: ﴿ولا تَحَسَّسُوا﴾، وهي رواية عن ابن عباس - ﵄ - وعن أبي رجاء العطاردي وابن سيرين. [انظر: تفسير الثعلبي (٩/ ٨٢)، شواذ القراءات (ص: ٤٤٥)].\n(٥) في (أ) \" وقيل \".\n(٦) في (ب) \" منهيٌّ منه \".\n(٧) انظر: تفسير الثعلبي (٩/ ٨٢)، النُّكت والعيون (٥/ ٣٣٤).\n(٨) في (ب) \" الغيب \".\n(٩) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٣٣٤).\n(١٠) \" قال \" ساقطة من (أ).\n(١١) في (أ) \" يقول\".\n(١٢) \" فقد \" ساقطة من (ب).\n(١٣) أخرجه مسلم (بنحوه) في صحيحه في كتاب البِر والصلة، باب: تحريم الغيبة، برقم (٦٥٣٦).","vol":"1","page":2952},{"text":"وقيل: الغِيبةُ: أنْ تقولَ فيه وهو غائب ما لو قلتَ في وجهه لكرهه.\n﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾: هذا مثلٌ.\nوالمعنى: كما تكرهون أكلَ لحمِه ميتًا فاجتنبوا ذكرَه بالسوء غائبًا (١).\nوقيل: كما تكرهون أكلَ لحمِه ميتًا فاكرهوا ذكرَه بالسوء حيًا.\nوقيل: كما تكرهون أكلَ لحمِه ميتًا، فإنه معصية الله (٢) فاتركوا غِيبته فإنه معصيةً لله.\nوإنما مثَّله بالأكل؛ لأنَّ العربَ تقول لمَن ذُكر بالسوء: إنَّ الناسَ يأكلون فلانًا ويمضغونه، فعبَّر عن إرادة ذكره بالفم بالأكل (٣).\nوقيل: لأنَّ الميتَ لا يشعرُ بما يُؤكَل منه ولا يحسُّ به، كذلك الغائبُ لا يشعرُ به ... ولا يحسُّ.\nقوله: ﴿فَكَرِهْتُمُوهُ﴾: أي: بل عافته نفوسُكم فكرهتموه.\nوقيل: كرهتم أكلَ لحمِه طبعًا، فاكرهوا اغتيابَه؛ فإنَّه (٤) مثلُ أكله (٥).\nابن عيسى: \" كرهتم أكلَ لحمِه ميتًا فأكرهوا غِيبِته عَقْلًا؛ لأنَّ داعي العقل أولى بالاتباع من داعي الطبع، لأن داعيَ الطبع أعمىً جاهل، وداعي العقل بصير عالم، وكِلاهما في صفة الناصح \" (٦) (٧).\nوقيل: كرهتم أنْ تُغْتابوا، فلا تغتابوا غيركم.\n﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: فيما ينهاكم عنه وتوبوا إليه عما قد سلف.\n﴿إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (١٢)﴾.\n_________\n(١) في (أ) \" حيًَّا \".\n(٢) كذا في النسختين، والأنسب \" معصية لله \".\n(٣) في (ب) \" كالأكل \".\n(٤) في (ب) \" لأنَّه \".\n(٥) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٣٣٥)، الجامع لأحكام القرآن (١٦/ ٣١٩).\n(٦) في (ب) \" صحَّة الناصح \".\n(٧) لم أقف عليه.","vol":"1","page":2953},{"text":"﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾: نزلت في ثابت بن قيس حين قال: فلان ابن فلانة، فقال رسول الله - ﷺ -: «مَنِ الذاكرُ فلانة»؟! فقام ثابت، فقال: أنا يا رسول الله، فقال: «انظر في وجوه القوم»، فنظر، فقال: «ما رأيتَ يا ثابت»؟ قال: رأيت أبيضَ وأسودَ وأحمرَ، قال: فإنك لا تفضُلهم إلا بالتقوى والدِّين، فأنزل الله هذه الآية (١).\nمقاتل: \" لما كان يومُ فتح مكة، أمر رسولُ الله - ﷺ - بلالًا حتى أذَّن على ظهر الكعبة، فقال: عَتَّاب بنُ أَسِيد (٢): الحمد الله الذي قبض أبي حتى لم يرَ هذا اليومَ \".\nوقال الحارثُ بنُ هشام (٣): أما وجد محمدٌ غيرَ هذا الغرابِ الأسودَ مؤذِّنًا.\nوقال سهيلُ بنُ عمرو: إنْ يرد الله شيئًا يغيره.\nوقال أبو سفيان: إني لا أقول شيئًا، إني (٤) أخاف أنْ يخبر به ربُّ السَّماء.\nفأتى جبريلُ - ﵇ -، وأخبره بما قالوا، فدعاهم وسألهم عما قالوا، فاقرُّوا، فأنزل الله تعالى هذه الآيةَ، وزجرهم عن التفاخر بالأنساب، والتكاثر بالأموال، والازدراء بالفقراء، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ﴾ (٥) آدم ﴿وَأُنْثَى﴾ حوَّاء - ﵉ -، أي: كلكم بنو أبٍ واحدٍ، وأمٍّ واحدةٍ.\n﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾: [أي لم تُصَدَّقوا بقلوبكم] (٦) ليعرف بعضُكم بعضا أشدَّ مما كان يعرفه لو كان بنو آدم مع كثرتهم نوعًا واحدًا، ولم يختلفوا بالسَّوَدان والبِيضان، والعرب والعجم.\n﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾: فالتمسُوا منها الشرف والفضل.\nوالشعوبُ: جمع شَعب بالفتح، والقبائل: جمع قبيلة.\nوذكر القفَّال عن الزبير بن بكّارٍ (٧)، قال: \" العرب على ستِّ طبقات: شَعبٌ، ثم قبيلةٌ، ثم عِمارةٌ، ثم بطنٌ، ثم فخذٌ، ثم فصيلةٌ \" (٨) (٩).\nوعن غيره أنها (١٠) خمسٌ، وكلها مأخوذة من بَدَنِ (١١) الإنسان.\nوقيل: الشعوب: عرب اليمن وقحطان (١٢) (١٣)، والقبائلُ: ربيعة (١٤) ومُضرَ وسائرُ عدنان (١٥).\n_________\n(١) انظر: أسباب النزول؛ للواحدي (ص: ٣٢٦).\n(٢) عَتَّاب بن أَسِيد بن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس القرشي الأموي، يكنى أبا عبد الرحمن، وقيل: أبو محمد. أسلم يوم فتح مكة واستعمله النبي - ﷺ - على مكة عام الفتح حين خروجه إلى حنين، وكان عمره لما استعمله رسول الله - ﷺ - نيفًا وعشرين سنة، ولم يزل عتاب أميرًا على مكة حتى قبض رسول الله - ﷺ -، وأقره أبو بكر عليها، ولم يزل إلى أن مات. وكان رجلًا صالحًا خيرًا فاضلًا، وكانت وفاته فيما ذكروا يوم مات أبو بكر الصديق - ﵁ -، أي سنة ثلاث عشرة للهجرة. [انْظُرْ تَرْجَمَتَه: الاستيعاب (٣/ ١٤٣)، أسد الغابة (٣/ ٥٤٩)].\n(٣) الحارث بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم القرشي المخزومي، يكنى: أبا عبد الرحمن، من سادات قريش في الجاهلية والإسلام، شهد بدرًا كافرًا مع أخيه شقيقه أبي جهل وفر حينئذ وقتل أخوه، وعُيِّر الحارث بن هشام لفراره، ثم اعتذر من قومه، ثم غزا أحدًا مع المشركين أيضًا، ثم أسلم يوم الفتح وحسن إسلامه وكان من فضلاء الصحابة وخيارهم، وكان من المؤلفة قلوبهم وممن حسن إسلامه منهم، وخرج إلى الشام في زمن عمر بن الخطاب راغبًا في الرباط والجهاد فتبعه أهل مكة يبكون لفراقه فقال \" إنها النقلة إلى الله وما كنت لأوثر عليكم أحدًا \" فلم يزل بالشام مجاهدًا حتى مات في طاعون عمواس سنة ثمان عشرة، وقال المدائني: \" قتل الحارث ابن هشام يوم اليرموك وذلك في رجب سنة خمس عشرة للهجرة \". [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: الاستيعاب (١/ ٣٦٤)، أسد الغابة (١/ ٦٤٣)].\n(٤) \" إني \" ساقطة من (أ).\n(٥) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٦٣) أسباب النزول؛ للواحدي (ص: ٣٢٦).\n(٦) ما بين المعقوفتين ساقط من (ب).\n(٧) الزُّبير بن بكر بن بكَّار بن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن ... عبد العزى بن قصي بن كلاب القرشي الأسدي، أبو عبد الله الزبيري المدني المكي، العلامة الحافظ النَّسَّابة، قاضي مكة وعالمها، وصنَّف الكتب النافعة، منها كتاب \" نسب قريش \" وقد جمع فيه شيئًا كثيرًا، وعليه اعتماد الناس في معرفة نسب القرشيين، وله غيره مصنفات دلت على فضله واطلاعه، وتوفي بمكة وهو قاض عليها سنة ست وخمسين ومائتين للهجرة. ... [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: وفيات الأعيان (٢/ ٣١١)، سير أعلام النبلاء (١٢/ ٣١٢)].\n(٨) في (أ) \" ثمَّ فصيلة ثُمَّ فخِذٌ \".\n(٩) لم أقف عليه.\n(١٠) \" أنَّها \" ساقطة من (أ) \".\n(١١) في (ب) \" من أعضاء الإنسان \".\n(١٢) في (ب) \" عرب اليمن وابن قحطان \".\n(١٣) قحطان: قبيلة عربية عريقة، تنتسب إلى قحطان بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح: أصل العرب القحطانية، وأبو بطون حمير، وكهلان، والتبابعة، وقيل اسمه يقطان، وقيل: اسم قحطان مهزم سمي قحطان؛ لأنه كان أول من تجبر وغصب وظلم وقحط أموال الناس من ملوك العرب. [انظر: الأنساب للسمعاني (٤/ ٤٥٥)، الأعلام (٥/ ١٩٠)].\n(١٤) ربيعة: قبيلة عدنانية، تنتسب إلى ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان، جاهلي قديم، كان مسكن أبنائه بين اليمامة والبحرين والعراق، وهو الذي يقال له: (ربيعة الفَرَس)، من نسله بنو أسد، وعنزة، ووائل، وجديلة، وآخرون، وتفرعت عنهم بطون وأفخاذ ما زال منها العدد الأوفر إلى اليوم. [انظر: الأنساب (٣/ ٤٣)، الأعلام (٣/ ١٧)].\n(١٥) عدنان: أحد من تقف عندهم أنساب العرب، والمؤرخون متفقون على أنه من أبناء إسماعيل بن إبراهيم، فهو عدنان بن أد بن أدد بن الهميسع بن عابر بن صلح بن نبت بن إسماعيل بن إبراهيم، وإلى عدنان ينتسب معظم أهل الحجاز ولد له \" معد \" وولد لمعد \" نزار \" ومن نزار \" ربيعة، ومضر \" [انظر: الأنساب (١/ ٢٤)، الأعلام (٤/ ٢١٨)].","vol":"1","page":2954},{"text":"وقيل: الشعوبُ: بطون العجم، والقبائلُ: بطون العرب (١).\n﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ﴾: بهم ﴿خَبِيرٌ (١٣)﴾: بفعلهم.\n﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا﴾: في سبب النزول: أنها نزلت في أعرابٍ من بني أَسَد بن خزيمة، قدموا على رسول الله - ﷺ - في سنةٍ جدبةٍ، وأظهروا الشهادتين، ولم يكونوا مؤمنين في السِّرّ، وأفسدوا طريقَ المدينة بالعَذِرات وأغلوا أسعارَها، وكانوا يقولون لرسول الله - ﷺ -: أتيناك بالأثقال والعيال، ولم نقاتلك كما قاتلك (٢) بنو فلان، فأعطنا من الصَّدَقة، وجعلوا يمنُّون عليه، فأنزل الله: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا﴾ (٣): أي: إيمانًا بِشرائطه فأَطلع الله نبيَّه على غيبهم، فقال: ﴿قُلْ﴾: لهم لَمْ ﴿تُؤْمِنُوا﴾: أي: لم تصدِّقوا ... بقلوبكم (٤).\n﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾: أي: خضعنا وانقدنا خوفًا من القتل، وإرادة الدخول في جملة أهل الملة، وذلك استسلام؛ لأنَّ (أَسَلَمَ) يأتي على وجهين:\nأحدهما: شرعي، وهو: بمعنى الإيمان سواء.\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٦/ ١٣٨)، تفسير الثعلبي (٩/ ٨٧)، النُّكت والعيون (٥/ ٣٣٥).\n(٢) في (أ) \" قاتل \".\n(٣) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (٢٦/ ١٤٢)، عن قتادة، وانظر: أسباب النزول؛ للواحدي (ص: ٣٢٧)، الجامع لأحكام القرآن؛ للقرطبي (١٦/ ٣٣١)، زاد المسير (٧/ ٢٣٠).\n(٤) \" بقلوبكم \" ساقطة من (أ) \".","vol":"1","page":2955},{"text":"والثاني: لغويٌّ، بمعنى: استسلم وانقاد ودخل في السَّلم، وهو الذي أثبته لهؤلاء الأعراب مع نفي الإيمان عنهم (١).\n﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ أي: ولم يدخل الإيمانُ في قلوبكم، فهو بمعنى: لَمْ (٢).\nوقيل: ﴿لَمَّا﴾: على أصله؛ لأنَّ فيها عِدَة.\n﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾: بترك النفاق وباعتقاد الإيمان بالقلوب.\n﴿لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ﴾: لا ينقصكم من ثواب أعمالكم الحسنة (٣) (٤).\n﴿شَيْئًا﴾: بل يؤتيكم (٥) ثوابًا مضاعفًا.\n﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾: يستر الذنوب (٦).\n﴿رَحِيمٌ (١٤)﴾: بهدايتهم للتوبة.\nأي: فلستم أنتم إذًا بمؤمنين ولا مسلمين، إنما أنتم مستسلمون؛ لأن الوصفَ بالإيمان عامٌّ لجميع أهل الكتب كاليهود والنصارى، والإسلامُ وصفٌ خاصٌّ لأُمة محمدٍ - ﷺ -، وهو كالاسم العَلَم لهم (٧).\nومعنى: ﴿لَا يَلِتْكُمْ﴾: قيل: لا ينقصكم. ألِتَ يألِتُ ألتًا: إذا نقص.\nوقيل: لا يُغلِظ عليكم.\n_________\n(١) انظر: الوجوه والنظائر؛ للدامغاني (ص: ١١٧).\n(٢) في (ب) \" و﴿لَمَّا﴾: بمعنى: لَمْ \".\n(٣) في (أ) \" ﴿لَا يَلِتْكُمْ﴾: لا ينقصكم من ثواب ﴿مِنْ أَعْمَالِكُمْ﴾ الحسنة \".\n(٤) انظر: جامع البيان (٢٦/ ١٤٣)، النكت والعيون (٥/ ٣٣٧).\n(٥) في (أ) \" يوفيكم \".\n(٦) في (ب) \" يستر الذنوب \".\n(٧) انظر: النكت والعيون (٥/ ٣٣٧).","vol":"1","page":2956},{"text":"ومعنى: ﴿لا يَألِتكم﴾: قيل: لا ينقصكم كالأول.\nوقيل: لا يصرفكم. قال:\nوليلةٍ ذاتِ ندىً سَرَيتُ ... ولم يلتني عن هواها ليتُ (١)\nأي: لم يصرفني (٢).\nقطرب (٣): \" ولته يلته \"، بمعنى: صرفه عن وجهه \" (٤).\nفيكونُ ﴿يَلِتْكُمْ﴾: على وزن يَعِدْكُمْ، وعلى الوجه الأول على وزن يَبِعْكُم، ويَكِلْكُم.\nثُمَّ وصف المؤمنين المُحَقِّين فقال:\n﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ أي: آمنوا بإخلاصٍ من عقائدهم، ثم حَقَّقوا بأفعالهم، وهو قوله:\n﴿وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: طاعته والجهاد.\n﴿أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾: في إيمانهم لاجتماع (٥) الإقرار باللّسان، والتصديق بالقلب، ثم بالعمل الصالح.\n_________\n(١) البيت في لسان العرب (٢/ ٨٦)، مادة \" ليت \"، ولم ينسبه لأحد.\n(٢) قرأ الجمهور ﴿لَا يَلِتْكُمْ﴾، وقرأ أبو عمرو وحده من السَّبعة ﴿لا يَألِتكم﴾. [انظر: السبعة (ص: ٦٠٦)، معاني القراءات (ص: ٤٥٨)].\n(٣) قطرب: هو محمد بن المستنير بن أحمد، أبو علي، البصري، الشهير بقطرب: نحوي، عالم بالأدب واللغة، ويقال إن سيبويه لقبه قطربا لمباكرته إياه في الأسحار قال له يوما ما أنت الا قطرب ليل فبقي هذا اللقب، وله من التصانيف كتاب \" معاني القرآن في التفسير \" وكتاب \" الرد على الملحدين في تشابه القرآن \" وتوفي (٢٠٦ هـ)\n[انظر ترجمته: تاريخ بغداد (٣/ ٢٩٨)، طبقات المفسرين، للأدنه وي (ص: ٢٨)، الأعلام (٧/ ٩٥)].\n(٤) لم أقف عليه.\n(٥) في (ب) \" باجتماع \".","vol":"1","page":2957},{"text":"﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ﴾ (١): في بعض التفاسير: أنَّه لمَّا نزلت الآيةُ الأولى جاءت هؤلاء الأعراب، وحلفوا أنهم مؤمنون معتقدون، فنزلت: ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ﴾ (٢)، استفهام توبيخ، أي: كيف تُعلمونه بدينكم؟!\n﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٦)﴾: لا يخفى عليه خافيةٌ.\nو\" عَلِمَ \": يأتي بمعنى (أعلم)، وهو الذي في الآية (٣).\nوعلَّم في الأصل: إفادةُ العلم على التدريج والمعالجة الشديدة (٤)، وقيل: التعليم: تعريضُ مَن لا يعلم بإفهام المعنى لأنْ يعلم.\nوالباء في ﴿بِدِينِكُمْ﴾ للسبب.\n﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾: سبب نزوله ما سبق.\nالزَّجَّاج في جماعةٍ: نزلتْ في قومٍ من المؤمنين منُّوا بإيمانهم على رسول الله - ﷺ -، وتقديره: يَمُنُّون عليك بإسلامهم (٥).\n﴿قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ﴾: أي: بإسلامكم.\n﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ﴾: أي: المِنّةُ لله عليكم.\n﴿أَنْ هَدَاكُمْ﴾: بأنْ هداكم؛ وقيل: لأنْ هداكم، وقيل: هو نصبٌ.\n﴿لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٧)﴾: في إيمانكم، أي: فلستم صادقين، ولو كنتم مؤمنين صادقين، لكانت المنةُ لله، لا لكم.\nقال بعضُ المفسرين: وهذا دليلٌ على أن الإيمانَ والإسلامَ واحدٌ، ولو كانا غَيْرينِ ما كان للكلام وجهٌ (٦).\nالمنُّ: يُذْكرُ، ويراد به (٧): التحمُّدُ بالنِّعمة، وهو مذمومٌ من العباد.\nويُذْكرُ: ويُرادُ به (٨) الإنعامُ، وعليه وصفَ الله بأنَّه (٩) منَّانٌ (١٠).\nوقوله: ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ﴾: أي: أنعم عليكم.\nوقيل: ﴿بَلِ اللَّهُ﴾: أحقُّ بالتحمُّد بالنعمة.\n﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: ما غاب فيهما عنكم.\n﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٨)﴾: هم (١١)، و﴿تَعْمَلُونَ﴾ أنتم.\nوفي الآية ذِكْرُ الغَيبة والحضور، فحسُنَ الوجهان (١٢). والله أعلم.\n_________\n(١) في (أ) \" ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ﴾ باللسان والتصديق بالقلب ثم بالعمل الصالح ﴿بِدِينِكُمْ﴾ \" ولعلها مكررة.\n(٢) انظر: تفسير السمرقندي (٣/ ٣١٤)، النُّكت والعيون (٥/ ٣٣٨)، تفسير الوجيز (٢/ ١٠٢٠).\n(٣) انظر: زاد المسير (٧/ ٢٣١)، الكُلِّيات (ص: ٦١٠).\n(٤) في (ب) \" الشَّديد \".\n(٥) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٣٣)، وفيه قال الزَّجَّاج: \" والأشبه - والله أعلم - أن يكون في قوم من المنافقين \".\n(٦) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١١٢٦).\n(٧) في (ب) \" والمراد به \".\n(٨) في (ب) \" والمراد به \".\n(٩) في (ب) \" لأنه \".\n(١٠) انظر: الوجوه والنظائر (ص: ٧٣٦).\n(١١) هذا على قراءة من قرأ بالياء ﴿يَعْمَلُونَ﴾ وهي قراءة ابن كثيرٍ وحده، والجمهور بالتاء ﴿تَعْمَلُونَ﴾ ... [انظر: السبعة (ص: ٦٠٦)، تفسير السمرقندي (٣/ ٣١٤)، التيسير (ص: ١٦٤)].\n(١٢) في (ب) \" فحسن وجهان \".","vol":"1","page":2958},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-156>سورة ق </span>(١)\n\" خمس وأربعون آية \" (٢) (٣) مكيةٌ (٤).\nابنُ عباس وقتادة: مكيةٌ إلاّ آية، وهو قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ. . .﴾ (٥).\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحِيمِ الرَّحْمَنِ\n﴿ق﴾: قيل: هو اسمٌ من أسماء الله تعالى.\nوقيل هو (٦): اسم القرآن.\n_________\n(١) قال ابن عاشور: سميت في عصر الصحابة (سورة ق) \" ينطق بحروف: قاف بقاف وألف وفاء، فقد روى مسلم عن قطبة بن مالك \" أن النبي - ﷺ - قرأ في صلاة الصبح سورة ﴿ق وَالْقُرْآَنِ الْمَجِيدِ (١)﴾ وربما قال: ﴿ق﴾، وروى مسلم عن أم هشام بنت حارثة بن النعمان \" ما أخذت ﴿ق وَالْقُرْآَنِ الْمَجِيدِ (١)﴾ إلا عن لسان رسول الله - ﷺ - يقرؤها كل يوم على المنبر إذ خطب الناس \".\nوهي من السور التي سميت بأسماء الحروف الواقعة في ابتدائها مثل طه وص. وق. ويس لانفراد كل سورة منها بعدد الحروف الواقعة في أوائلها بحيث إذا دعيت بها لا تلتبس بسورة أخرى، وفي الإتقان أنها تسمى سورة: (الباسقات). هكذا بلام التعريف ولم يعزه لقائل، والوجه أن تكون تسميتها هذه على اعتبار وصف لموصوف محذوف، أي سورة النخل الباسقات إشارة إلى قوله ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠)﴾ \" [التحرير والتنوير (٢٦/ ٢٧٣) باختصار].\n(٢) \" ما بين المعقوفتين \" ساقط من (ب).\n(٣) عند جميع أهل العدِّ [انظر: البيان في عدِّ آي القرآن (ص: ٢٣١)، المحرر الوجيز (٥/ ١٥٥)].\n(٤) وهي مكية بالإجماع [انظر: البيان في عدِّ آي القرآن (ص: ٢٣١)، المحرر الوجيز (٥/ ١٥٥)، زاد المسير (٧/ ٢٣٣)].\n(٥) انظر: زاد المسير (٧/ ٢٣٣)، الجامع لأحكام القرآن؛ للقرطبي (١٧/ ٥)، البحر المحيط (٩/ ٥٢٨).\n(٦) \" هو \" ساقطة من (ب).","vol":"1","page":2959},{"text":"وقيل: اسمُ السورة، وقيل: اسمُ جبلٍ من زَبرْجَدٍ أخضرَ، محيطٍ بالأرض، خُضرةُ (١) السماء منه (٢).\nوقيل: حرفٌ من اسمه - ﷿ -: قادر، قاهر، قابض، قدُّوس، قويّ، قيّوم، اقتصر عليه، كما قال:\nقلتُ لها قِفي فقالت قاف (٣) لا تحسبي أنّا نسِينا الإيجاف (٤)\nوقيل: معناه: قُضيَ الأمرُ، كما قيل في ﴿حم﴾: حُمَّ ما هو كائنٌ.\nوقيل: قف يا محمد على أداء الرسالة، والعملِ بما أُمرتَ، حكاه الماورديّ (٥).\nوالأحسن أنْ يُقال: هو من الحروف المقطَّعة لسكون آخره على ما سِيقَ أمثالُه.\n﴿وَالْقُرْآَنِ الْمَجِيدِ (١)﴾: الشريف العظيم الشأن.\nأقسم اللهُ - تعالى- به لبيانه أحكامَ الدنيا والآخرة.\nواختُلف في جواب القسم: فقيل: مضمَرٌ، تقديره: لتُبعثُنَّ.\n_________\n(١) في (ب) \" خضرة \" بدون واو.\n(٢) هذا القول يروى عن ابن عباس - ﵄ - ويروى عن مجاهد، وهو قول مقاتل، والتعقيب على هذا القول ما ذكره الحافظ ابن كثير في تفسيره: \" وقد روي عن بعض السلف أنهم قالوا ﴿ق﴾ جبل محيط بجميع الأرض يقال له: جبل قاف، وكأنَّ هذا من خرافات بني إسرائيل التي أخذها عنهم بعض الناس لمَّا رأى من جواز الرواية عنهم مما لا يُصدق ولا يُكذب، وعندي أنَّ هذا وأمثاله وأشباهه من اختلاق بعض زنادقتهم يُلبسون به على الناس أمر دينهم كما افترى في هذه الأمة مع جلالة قدر علمائها وحفاظها وأئمتها أحاديث عن النبي - ﷺ - وما بالعهد من قدم فكيف بأمة بني إسرائيل مع طول المدى وقلة الحفاظ النقاد فيهم وشربهم الخمور وتحريف علمائهم الكلم عن مواضعه وتبديل كتب الله وآياته، وإنما أباح الشارع الرواية عنهم في قوله: \"وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج \" فيما قد يجوزه العقل، فأمَّا فيما تحيله العقول ويحكم فيه البطلان ويغلب على الظنون كذبه فليس من هذا القبيل والله أعلم \". [تفسير القرآن العظيم (٤/ ٢٣٦)، وانظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٦٧)، جامع البيان (٢٦/ ١٤٦)، تفسير الثعلبي (٩/ ٩٢) زاد المسير (٧/ ٢٣٢)، الإسرائيليات والموضوعات (ص: ٣٠٤)].\n(٣) أي واقفة.\n(٤) البيت منسوب في المحرر الوجيز (٥/ ١٥٦) للوليد بن المغيرة، وقد أورده الطبري في جامع البيان (٢٦/ ١٤٨)، والثعلبي في تفسيره (١/ ١٣٨)، ولم ينسباه لأحد.\n(٥) انظر: النكت والعيون (٥/ ٣٤٠).","vol":"1","page":2960},{"text":"وقيل: ﴿قَدْ عَلِمْنَا﴾، أي: لقد.\nوقيل: ﴿بَلْ عَجِبُوا﴾؛ لتضمُّن ﴿بَلْ﴾ معنى النفي.\nوقيل: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ﴾.\nوقيل: مضمَرٌ، تقديره: أن محمدًا - ﷺ - رسولُ الله، ودلَّ عليه قوله: ﴿جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ﴾.\nوقيل: مقدَّمٌ، فيمَن جعل معنى ﴿ق﴾: قضى.\nويحتمل: أن جوابَه ما يستدعيه ﴿بَلْ﴾، وهو ما آمنوا بل عجبوا (١).\nوالضمير (٢) يعود إلى الكافرين في قوله (٣): ﴿فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ﴾ وإنْ كان متأخِّرًا، إلاّ أنه يجري مجرى ما يُفسِّره ما بعده.\nوقيل: هو بمنزلة قولك: جاءني زيدٌ، وقال الفاسقُ كذا. يعني به زيدًا.\n﴿أَنْ جَاءَهُمْ﴾: لأنْ جاءهم، ﴿مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾: يعني محمدًا - ﷺ -.\n﴿فَقَالَ الْكَافِرُونَ﴾: ذُكر بالفاء لاتّصال الثاني، وهو: ﴿شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ بالأول، وهو: ﴿عَجِبُوا﴾، وليس في ﴿ص﴾ كذلك، فلذلك قال: ﴿وَلَدٌ الْكَافِرُونَ﴾ بالواو (٤).\n_________\n(١) انظر الأوجه الإعرابية: جامع البيان (٢٦/ ١٤٧)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٣٤)، إعراب القرآن؛ للنَّحاس (٤/ ١٤٧)، مشكل إعراب القرآن (٢/ ٦٨٢).\n(٢) أي في قوله: ﴿بَلْ عَجِبُوا﴾.\n(٣) في (ب) \" من قوله \".\n(٤) قال الكرماني: \"قوله تعالى: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ﴾ [ص: ٤] بالواو وفي \" ق \" ﴿فَقَالَ﴾ بالفاء؛ لأنَّ اتصاله بما قبله في هذه السورة معنوي فحسب، وهو أنهم عجبوا من مجيء المنذر، وقالوا هذا المنذر ساحر كذاب، واتصاله في \" ق \" معنوي ولفظي، وهو أنهم عجبوا فقالوا: ... ﴿هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ (٢)﴾ فراعى المطابقة بالعجز والصدر وختم بما بدأ، وهو النهاية في البلاغة \" [البرهان (ص: ٢٧٨)].","vol":"1","page":2961},{"text":"قوله (١): ﴿هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ (٢)﴾: قيل: إشارة إلى اختيار الله تعالى محمدًا - ﷺ - للرسالة والإنذار.\nوقيل: إشارة إلى البعث بعدَ الموت، ولفظ ﴿مُنْذِرٌ﴾ دلَّ عليه، وقيل: ما بعده يدلُّ (٢) عليه.\n﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا﴾: استفهام إنكارٍ واستبعادٍ، والعاملُ فيه مضمَرٌ، تقديرُه: أنُبعثُ؟ أنرجِعُ إذا متنا وكنا ترابًا؟! (٣)\n﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (٣)﴾: من الصدق، لا يكونُ، وليس المرادُ بُعْدَ الزمان.\nوقيل: معنى: ﴿بَعِيدٌ﴾ محالٌ.\n﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ﴾ أي: تأكلُ الأرضُ بعد موتهم من أجسادهم لحمَها وعظمَها، ودمَها وشعرَها، ويصيرُ جزءًا من الأرض (٤).\n﴿وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ (٤)﴾ أي ومع هذا في السماء كتابٌ كُتب فيه ذلك وحُفظ.\nومعنى حفظِه: أنه مُثبَتٌ فيه، فعيلٌ بمعنى فاعلٍ، وقيل: بمعنى مفعول، وهو اللّوحُ ... المحفوظ (٥).\nوقيل: يَحفظُ عددَهم وأسماءَهم.\nوقيل: يُريدُ به (٦) كتابَ الحفَظَةِ، أي: يحفظُ أقوالَهم وأفعالَهم، ثم يُجازي عليه.\n_________\n(١) في (أ) \" وقوله \".\n(٢) في (ب) \" تدل \".\n(٣) انظر: جامع البيان (٢٦/ ١٤٨).\n(٤) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٦٨)، جامع البيان (٢٦/ ١٤٨)، النكت والعيون (٥/ ٣٤١).\n(٥) انظر: جامع البيان (٢٦/ ١٤٨)، تفسير السمرقندي (٣/ ٣١٦)، النكت والعيون (٥/ ٣٤١).\n(٦) \" به \" ساقطة من (أ).","vol":"1","page":2962},{"text":"وقيل: الكتابُ عبارةٌ عن العلم والإحصاء، حكاه القفّال، وأنشد بيتَ أبي تمام (١)\nإذا شئتَ أنْ تُحصِي فواضلَ كفِّه ... فكنْ كاتبًا أو فاتّخذْ لك كاتبا (٢)\nوعن الحسن: \"هذا وعدٌ من الله لنبيه بنُصرته، وإظهار دينه على سائر الأديان، فقال: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ﴾ بأنْ يُقتلوا، أو يموتوا، أو ينتقلوا عن دينهم (٣)، ﴿وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾ فيه نصرُك عليهم، فلا يضيقنَّ صدرُك \" (٤).\n﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ﴾: بمحمدٍ - ﷺ - والقرآن (٥).\n﴿لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (٥)﴾: مختلِطٍ ملتبِسٍ، أي: في حقِّ محمدٍ - ﷺ -، فمرّةً يقولون: هو شاعرٌ، ومرةً: كاهنٌ، ومرةً: مجنونٌ.\nوقيل: مختلطٌ في حقِّ البعث، فمرةً يقولون: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ [الأنعام: ٢٩]، ومرةً: ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي﴾ [فصلت: ٥٠]، ومرةً: ﴿مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ﴾ [الجاثية: ٣٢].\nوقيل: مريجٌ متناقضٌ بإنكارهم القدرةَ (٦) على الإعادة، مع إقرارِهم بالقدرة على الابتداء.\n_________\n(١) أبو تمَّام، هو: حبيب بن أوس بن الحارث بن قيس الطائي، أبو تمام، شاعر العصر، وأحد أمراء البيان، وقد سَحَّت قريحته بالنظم البديع، فسمع به المعتصم، فطلبه، وقدَّمه على الشعراء، وله فيه قصائد، وكان يوصف بطيب الأخلاق والظرف والسماحة. في شعره قوة وجزالة. له تصانيف منها: (ديوان الحماسة) و(ديوان شعره)، وتوفي بالموصل سنة إحدى وثلاثين ومائتين للهجرة. [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: وفيات الأعيان (٢/ ١٢)، سير أعلام النبلاء (١١/ ٦٣)، الأعلام (٢/ ١٦٥)].\n(٢) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١١٢٨).\n(٣) في (أ) \" أو انتقلوا فتولوا عن دينهم \".\n(٤) لم أقف عليه.\n(٥) كلاهما حصل التكذيب به. وبهما قال أكثر أهل التفسير، واختار ابن جرير والماوردي أنَّ الحق المكذب به: القرآن، [انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٦٨)، جامع البيان (٢٦/ ١٤٩)، تفسير السمرقندي (٣/ ٣١٦) تفسير الثعلبي (٩/ ٩٤)، النكت والعيون (٥/ ٣٤١)، تفسير البغوي (٧/ ٣٥٦)].\n(٦) في (أ) \" للقدرة \".","vol":"1","page":2963},{"text":"و﴿مَرِيجٍ﴾: فعيلٌ بمعنى مفعولٌ من (مَرِجَ): إذا اضطرب، قال (١):\nمرِج الدين فأعددتُ له ... [مُشرفَ الحارِكِ محبوكَ الكَتَد] (٢) (٣)\nوقيل: فعيلٌ مِن مَرَجَ (٤) بمعنى مفعولٌ، من قوله: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٩]: أرسلَهما وخلاّهما (٥) (٦).\n﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ﴾: ثم دلّهم على قدرته على البعث، فقال: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ﴾.\n﴿فَوْقَهُمْ﴾: أي: ثابتًا مُطلًاّ فوقَهم، فهو حالٌ للسماء.\n﴿كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا﴾: أي: بالنجوم والشمس والقمر.\n﴿وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦)﴾: فيه أقوال:\nأحدُها: من خللِ وفُتوقٍ وصُدوعٍ وشُقوقٍ (٧).\n_________\n(١) في (أ) \" وقال \".\n(٢) ما بين المعقوفتين ساقط من (أ).\n(٣) البيت لأبي دؤاد. [انظر: تفسير الثعلبي (٥/ ١٥٧)، لسان العرب (٢/ ٣٦٤) مادة \"مَرَج \"]. ...\nوالحارك: فرع الكاهل، والكاهل: ما بين الكتفين، والكَتَدُ: ما بين الكاهل والظهر، والمحبوك: المحكم الخلق، من حبكت الثوب إذا أحكمت نسجه. [انظر: لسان العرب (١/ ٢٠٨) مادة \" أَرَبَ \"].\n(٤) \" مِنْ مَرَجَ \" ساقطة من (ب).\n(٥) في (أ) \" وخلا لهما \".\n(٦) جميع هذه المعاني متقاربة، قال الإمام ابن جرير: \" وإنما قلت هذه العبارات، وإن اختلفت ألفاظها فهي في المعنى متقاربات؛ لأنَّ الشيء مختلف ملتبس معناه مشكلٌ، وإذا كان كذلك كان منكرًا، لأنَّ المعروف واضح بين، وإذا كان غير معروف كان لا شك ضلالة؛ لأنَّ الهدى بَيِّنٌ لا لبس فيه \" [جامع البيان (٢٦/ ١٥١)، وانظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٦٨)، تفسير السمرقندي (٣/ ٣١٦)، تفسير الثعلبي (٩/ ٩٤)، النكت والعيون (٥/ ٣٤١)].\n(٧) وهذا القول قول جمهور المفسرين. [انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٦٨)، جامع البيان (٢٦/ ١٥١)، تفسير السمرقندي (٣/ ٣١٦)، تفسير الثعلبي (٩/ ٩٤)، النكت والعيون (٥/ ٣٤١)].","vol":"1","page":2964},{"text":"والثاني: ﴿مِنْ فُرُوجٍ﴾ يُمكنُ السلوكُ فيه، وأما الملائكةُ فيَنزِلون من السماء ويَعرُجون إلى الباب، ثم يُطبَقُ البابُ (١).\nوقيل: معناه: السماءُ خلْلٌ واحدٌ، ليست أقطاعًا ضُمَّ بعضُها إلى بعضٍ كأبنية الناس\nقال (٢) القفّالُ: \" قال بعضُ الناس: إنَّ في هذه حجةً على استدارة السماءِ وإحاطتِها بالأرض من جميع (٣) جهاتها؛ لأنه أخبر أنه لا فروجَ فيها \".\nوقال في موضعٍ آخَرَ: ﴿هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾ [الملك: ٣]، ولو كانتْ مبسوطةً غيرَ متّصلة الأجزاء (٤) لم يكنْ كذلك \" (٥).\n﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا﴾: بسطناها من تحتهم (٦) إلى ما لا يعلمون (٧) من غايتها.\nوقيل: إلى مسيرة كذا سنة.\nوقال (٨) بعضُهم: هذا دليلٌ على أن الأرضَ مبسوطةٌ، وليستْ على شكل الكُرَة.\nوقال بعضُهم: أرادَ بالمدِّ التطويلَ، والمُدَوَّرُ والكُرَةُ لها طولٌ وعَرْضٌ وعُمقٌ (٩).\n﴿وَأَلْقَيْنَا فِيهَا﴾: في الأرض على وجهها ﴿رَوَاسِيَ﴾: جبالًا ثوابت.\n﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا﴾: في الأرض، ﴿مِنْ كُلِّ زَوْجٍ﴾: أي: صنف.\n﴿بَهِيجٍ (٧)﴾: حسَن، والبَهِجُ (١٠): الحسنُ المنظَر.\n_________\n(١) انظر: النكت والعيون (٥/ ٣٤٢).\n(٢) \" قال \" ساقطة من (أ).\n(٣) في (ب) \" جمع \".\n(٤) في (أ) \" الأطراف \".\n(٥) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١١٢٩).\n(٦) في (أ) \" من تحتها \".\n(٧) في (أ) \" ما لا تعلمون \".\n(٨) في (ب) \" قال \".\n(٩) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١١٢٩).\n(١٠) في (أ) \" والبهيج \".","vol":"1","page":2965},{"text":"وقيل: حسَنٌ له رُواءٌ عند الرؤية.\nوقيل: ﴿بَهِيجٍ﴾: سارٌّ، من البهجة.\nوالمرادُ بـ ﴿زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ النباتُ، عند الجمهور (١).\nوقيل: أنواع الحيوان. وبهجتُها: حُسْنُ صورتِها.\nولفظ: (أنبت) كقوله: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ [نوح: ١٧]: والنباتُ (٢) مذكورٌ بعد هذه الآية (٣).\nويحتمل أنْ يعودَ الضميرُ (٤) إلى ﴿رَوَاسِيَ﴾.\nوالزُّوجُ البهيجُ: الذهبُ والفضّةُ وسائر الفِلِزَّات (٥).\n﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨)﴾: ليُبصِّرهم ويجعلَهم ذوي بصائرَ، وليتذكروا بذلك.\nوالمنيبُ: الراجع إلى الله، والإنابةُ: الرجوع.\nوقيل: المقبِل، والإنابةُ: الإقبال.\n﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ﴾: من جانب السَّماء، وقيل: من السَّحاب، وقيل: من سماء الملائكة.\n﴿مَاءً﴾: مطرًا، ﴿مُبَارَكًا﴾: يلبثُ في أجزاء الأرض، فينبُع طولَ السنة.\nوقيل: ﴿مُبَارَكًا﴾ للخلق، فيه بركاتٌ ومنافعُ.\n_________\n(١) انظر: تفسير مقاتل (٢/ ٣٧٧)، جامع البيان (٢٦/ ١٥١)، معاني القرآن؛ للنَّحاس (٤/ ٣٨١)، تفسير السمرقندي (٣/ ٣١٦).\n(٢) في (ب) \" قال والنبات \" والسياق لا يحتمل كلمة \" قال \".\n(٣) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١١٢٩).\n(٤) في قوله ﴿فِيهَا﴾.\n(٥) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١١٢٩).","vol":"1","page":2966},{"text":"﴿فَأَنْبَتْنَا﴾: فأخرجنا (١) من الأرض، ﴿بِهِ﴾: بذلك الماء.\n﴿جَنَّاتٍ﴾: أي (٢): الأشجار، والفواكه، والثمار.\n﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩)﴾: أي: وحبًَّا يُحصَدُ (٣)، كالبرّ والشعير، وسائر الحبوب التي تُحصَد (٤).\nو﴿حَبَّ الْحَصِيدِ﴾: عند بعض النحاة من إضافة الشيءِ إلى صفته.\nوعند بعضهم: الحصيد وصفٌ للقصب، أو للسنبلة (٥) التي فيها الحبُّ، وذلك يُحصَدُ لا الحبُّ (٦).\n﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾: طِوالًا عجيبةَ الخَلْق.\nوقيل: ﴿بَاسِقَاتٍ﴾ أي: حوامل، من قولهم: أبسقت الشاةُ: إذا حملتْ، فيكونُ من باب (أفعَلَ)، فهو فاعلٌ (٧). وقد سبق في الحِجْر.\n﴿لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠)﴾: منضودٌ بعضُه إلى بعضٍ، وهو ما دام في كُفُرَّاه (٨)، فإذا خرج فليس بنضيدٍ (٩).\n_________\n(١) في (أ) (أخرجنا).\n(٢) \" أي \" ساقطة من (أ).\n(٣) في (أ) \" وحبَّ الحصيد \".\n(٤) انظر: جامع البيان (٢٦/ ١٥٢)، تفسير السمرقندي (٣/ ٣١٦)، تفسير الثعلبي (٩/ ٩٥).\n(٥) في (أ) \" للقصب، أو السنبلة \".\n(٦) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ٧٦)، جامع البيان (٢٦/ ١٥٢)، إعراب القرآن؛ للنَّحاس (٤/ ١٤٦)، مشكل إعراب القرآن (٢/ ٦٢٨).\n(٧) انظر: جامع البيان (٢٦/ ١٥٢)، النكت والعيون (٥/ ٣٤٣).\n(٨) كُفَرَّاه وكافُوره: وعاؤه [النهاية (٣/ ١١٢)، مادة (طَبَعَ)].\n(٩) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٦٩)، جامع البيان (٢٦/ ١٥٣)، غريب القرآن؛ للسِّجِّستاني (ص: ٣١٩)، النكت والعيون (٥/ ٣٤٣).","vol":"1","page":2967},{"text":"وقيل: طلعها ثمرُها، لقوله (١): ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ [الصافات: ٦٥]، فيكونُ المعنى (٢): ثمارُها في حُلوقها ورؤوسِها، لا كسائر الأشجار متفرِّقٌ ثمارُها.\nأبو عبيدة (٣): \" نخلُ الجنةِ نضيدٌ ما بين أصله وفرعه (٤)، كلَّما نُزعت (٥) رُطبةٌ عادت ألينَ من الزُّبد وأحلى من العسل \" (٦).\n﴿رِزْقًا لِلْعِبَادِ﴾: أي: عطاءً دارًَّا عليهم.\n﴿وَأَحْيَيْنَا بِهِ﴾: بذلك الماء.\n﴿بَلْدَةً مَيْتًا﴾: قد جفَّ نباتُها وتهشّم، فأنبتنا فيها، فاهتزّتْ بالنبات وحَييتْ.\n﴿كَذَلِكَ الْخُرُوجُ (١١)﴾: من قبورهم يومَ البعث، بعد أنْ كنتم أمواتًا.\nوعن ابن عباسٍ - ﵄ -: \" يُنزِلُ اللهُ تعالى من السماء مطرًا كنُطف الرجال، فيَنبتُ عليه اللحمُ والعظامُ والأجسامُ، فترجِعُ (٧) كلُّ روحٍ إلى جسدها \" (٨).\n_________\n(١) في (ب) \" كقوله \".\n(٢) في (أ) \" فتكون المعنى \".\n(٣) أبو عبيدة: عامر بن عبد الله بن مسعود الهذلي، أبو عبيدة الكوفي، ويقال: اسمه كنيته، روى عن أبيه رواية كثيرة. قال محمد بن سعد: \" وذكروا أنه لم يسمع منه شيئًا، وقد سمع من أبي موسى وسعيد بن زيد الأنصاري. وكان ثقة كثير الحديث، توفي سنة ثمانين، وقيل: سنة اثنتين وثمانين. [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: الطبقات؛ لابن سعد ... (٦/ ٤٦٥)، تهذيب التهذيب (٥/ ٦٥)].\n(٤) في (ب) \" ما بين أصله إلى فرعه \".\n(٥) في (ب) \" كما نزعت \".\n(٦) أخرجه الثعلبي (بنحوه) عن أبي عبيدة في تفسيره (٩/ ١٩٤).\n(٧) في (أ) \" فيرجع \".\n(٨) لم أقف عليه، وله شاهد من حديث عبد الله بن عمرو - ﵁ - في خبر الدَّجال، وقد أخرجه مسلم في كتاب الفتن، باب: في خروج الدَّجال ومكثه في الأرض ونزول عيسى، وقتله إيَّاه، وذهاب أهل الخير والإيمان، وبقاء شرار الناس وعبادتهم الأوثان، والنفخ في الصور، وبعث من في القبور، برقم (٧٣٠٧). وفيه: «ثم يرسل الله، - أوقال - ينزل الله مطرًا كأنه الطَّل أو الظِّل، فتنبت منه أجساد الناس ...».","vol":"1","page":2968},{"text":"﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ (١٢) وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ (١٣)﴾ يُريد: قوم لوطٍ (١)، وسمّاهم إخوانَه؛ لأن بينهم نسبًا قريبًا.\nوَأَصْحَابُ ﴿الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُطِعِ﴾. سبق في الدخان (٢).\n﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾: أي: كلُّ قومٍ كذّبوا رسولَهم.\nوقيل: كلُّ قومٍ كذّبوا الرسلَ جميعًا؛ لأن مَن كذّب رسولًا واحدًا فقد كذّب جميعَهم في الحكم.\n﴿فَحَقَّ وَعِيدِ (١٤)﴾: أي: فوجب ما كنتُ توعّدتُهم (٣) به على ألسنة رسلي من العقاب.\nوقيل: فصار حقًّا عندهم لما عاينوه بعدَ (٤) أنْ كانوا يتوهّمونه غيرَ حقٍّ، لكنه لم ينفعْهم.\n﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ﴾: أفعجزنا عن الخلْق الأول وجهلنا وجهَ الأمر فيه حين أنشأناه فنعجزُ عن الخلق الثاني (٥)؟! استفهامُ إنكارٍ.\nوالخلْق الأول: الإبداء، وهم مقرُّون بقُدرة الله تعالى عليه.\nوالخلْق الثاني (٦): الإعادة.\nالحسن: \" الخلْق الأول آدم - ﵇ - \" (٧).\nوقيل: معناه ﴿أَفَعَيِينَا﴾ عن إهلاك مَن قبلَهم، فنعيا (٨) عن إهلاكهم.\n﴿بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ (١٥)﴾: لبَّس الشيطانُ عليهم بشُبهِهِ (٩).\n_________\n(١) في (ب) \" وقوم لوط \".\n(٢) انظر: (ص: ٣٩٣).\n(٣) في (ب) \" ما توعَّدتهم \".\n(٤) في (أ) \" فبعد \".\n(٥) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٦٩)، جامع البيان (٢٦/ ١٥٦)، إعراب القرآن؛ للنَّحاس (٤/ ١٤٩).\n(٦) في (أ) \" وخلق الثاني \".\n(٧) لم أقف عليه.\n(٨) في (ب) \" فيغني \".\n(٩) انظر: البحر المحيط (٩/ ٥٣٣).","vol":"1","page":2969},{"text":"﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾: أي: ما يخطُر بباله لم يفعلْه بعدُ.\nوالوسوسة: حديث النفس في خفاءٍ (١).\n﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦)﴾: أي: نحن أعلمُ بضميره، ممَّن كان في القرب منه بمنزلة حبل الوريد، وهو العِرْق الذي بين الحلقوم والعِلباوين (٢).\nوقيل: هو حبل العاتق (٣).\nوقيل: ﴿حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾: نياط (٤) القلب.\nوقيل: معناه نحن أعلمُ بما تُوسوسُ به نفسُه من حبل وريده بذلك، هو عرقٌ متّصلٌ بالقلب.\nوهما: وريدان عن اليمين والشمال، وسُمّيَ وريدًا؛ لأنه ينصبُّ إليه ما يردُ من الرأس (٥)، والإضافةُ من باب مسجد الجامع.\nوقُربُ الله سبحانه بالعلم، وقيل: بالقدرة (٦).\n﴿إِثْمٌ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ﴾: أي: يتلقّى الملَكان الموكّلان قولَه وعملَه (٧).\nوالتلقّي: الأخذُ، والقَبولُ، والتلقُّفُ، والتلقُّن (٨) واحدٌ (٩)، كقوله: ﴿فَتَلَقَّى آَدَمُ﴾، ... [البقرة: ٣٧].\nوقيل: التلقّي للشيءِ: أخذُه عن قائله (١٠).\n﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ﴾: أي: أحدهما عن يمينه يكتبُ حسناتِه، والآخَرُ عن شِماله يكتبُ سيئاتِه.\n﴿قَعِيدٌ (١٧)﴾: قاعدٌ جالسٌ (١١)\nوقيل: ﴿قَعِيدٌ﴾: رصَدٌ. ووُحِّدَ لأنَّ التقديرَ: عن اليمين قعيدٌ، وعن الشمال قعيدٌ، فاستغنى بذكر أحدِهما عن الآخَر (١٢).\nوقيل: فعيلٌ قد يقع موقعَ الجمع، فكذلك (١٣) يقعُ موقعَ التثنية، كقوله:\n_________\n(١) انظر: تفسير السمعاني (٥/ ٢٣٩)، النكت والعيون (٥/ ٣٤٦).\n(٢) العلباوان: عصبا العنق، واحدها عِلباء [انظر: كتاب العين (٢/ ١٤٧) مادة \"عَلَبَ \"، لسان العرب (١/ ٦٢٧) مادة \" عَلَبَ \"].\n(٣) العاتق: عَصَبٌ ما بين المَنْكب والعُنُقِ. [كتاب العين (١/ ١٤٦) مادة \" عَتَقَ \"، لسان العرب ... (١٠/ ٢٣٤)، مادة \" عَتَقَ \"].\n(٤) النِّياطُ: عِرْقٌ غليظٌ قد عُلِّق به القَلْبُ من الوَتين وجَمْعُه: أَنْوِطة. [انظر: كتاب العين (٧/ ٤٥٦)، مادة \" نَوَطَ \"، لسان العرب (٧/ ٤٥٥) مادة \" نَوَطَ \"].\n(٥) انظر: النكت والعيون (٥/ ٣٤٦).\n(٦) قال ابن جرير: \" وقد اختلف أهل العربية في معنى قوله: وَنَحْنُ ﴿أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦)﴾، فقال بعضهم معناه نحن أملك به وأقرب إليه في المقدرة عليه، وقال آخرون بل معنى ذلك ونحن أقرب إليه من حبل الوريد بالعلم بما توسوس به نفسه \" [جامع البيان (٢٦/ ١٥٧)]، وقال ابن كثير: \" يخبر تعالى عن قدرته على الإنسان بأنه خالقه وعلمه محيط بجميع أموره، حتى إنه تعالى يعلم ما توسوس به نفوس بني آدم من الخير والشر، وقد ثبت في الصحيح عن رسول الله - ﷺ - انه قال: \" إن الله تعالى تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تقل أو تعمل \"، وقوله ﷿: ﴿حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ يعني ملائكته تعالى أقرب إلى الإنسان من حبل وريده إليه، ومن تأوله على العلم فإنما فرَّ لئلا يلزم حلول أو اتحاد، وهما منفيان بالإجماع، تعالى الله وتقدَّس، ولكن اللفظ لا يقتضيه؛ فإنه لم يقل: وأنا أقرب إليه من حبل الوريد، وإنما قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦)﴾ كما قال في المحتضر: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (٨٥)﴾ [الواقعة: ٨٥]، يعني ملائكته، وكما قال ﵎: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩]، فالملائكة نزلت بالذكر وهو القرآن بإذن الله ﷿، وكذلك الملائكة أقرب إلى الإنسان من حبل وريده إليه باقتدار الله جلَّ وعلا لهم على ذلك ... \" [تفسير القرآن العظيم (٤/ ٢٣٩)].\n(٧) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٧٠).\n(٨) في (ب) \" التلفق \".\n(٩) \" واحدٌ \" ساقطة من (ب).\n(١٠) انظر: كتاب العين (٥/ ٢١٥)، مادة \" لقي \"، لسان العرب (١٥/ ٢٥٣)، مادة \" لقا \".\n(١١) في (أ) \" قاعد وجالس \".\n(١٢) انظر: جامع البيان (٢٦/ ١٥٧)، تفسير السمرقندي (٣/ ٣١٨).\n(١٣) في (ب) \" فلذلك \".","vol":"1","page":2970},{"text":"﴿... وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾، [التحريم: ٤]، وقوله: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾، ... [النور: ٦١].\nوقيل: ﴿قَعِيدٌ﴾: بمعنى مقاعِد، كجليس وشرِيبٍ، وهو يقتضي اثنين.\nمَا ﴿يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ﴾: ما يتكلم به، وما يرمي به من فيهِ (١).\n﴿إِلَّا لَدَيْهِ﴾: عنده.\nقيل: يعود إلى الإنسان.\nوقيل: إلى القول الملفوظ (٢).\n﴿رَقِيبٌ﴾: حافظ (٣).\n﴿عَتِيدٌ (١٨)﴾: ثابت لازم.\nوقيل: العتيد: المعَدّ لِلُزوم الأمر (٤).\nوالله - ﷾ - وكَّلَّ بكلِّ مكلَّفٍ أربعةَ أملاكٍ، ملكَين بالليل، وملَكين بالنهار، يُحصِيان عليه كلَّ شيءٍ (٥).\nابن عباس - ﵄ -: \" لا يكتبان إلاّ الخيرَ والشرَّ \" (٦).\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٦/ ١٥٩)، النكت والعيون (٥/ ٣٤٧)، تفسير البغوي (٧/ ٣٥٩).\n(٢) في (أ) \" قيل يعود إلى القول الملفوظ، وقيل: إلى الإنسان \".\n(٣) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٧٠)، جامع البيان (٢٦/ ١٥٩).\n(٤) انظر: تفسير السمرقندي (٣/ ٣١٩)، النكت والعيون (٥/ ٣٤٧).\n(٥) أخرج ابن جرير في جامع البيان (٢٦/ ١٥٩) عن ابن عباس - ﵄ - قوله ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ إلى ﴿عَتِيدٌ (١٨)﴾ قال: \" جعل الله على بن آدم حافظين في الليل وحافظين في النهار يحفظان عليه عمله ويكتبان أثره \".\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره بنحو عن ابن عباس - ﵄ - (١٠/ ٣٣٠٨)، وأخرجه الحاكم في مستدركه في كتاب التفسير (٢/ ٥٠٥).","vol":"1","page":2971},{"text":"الحسنُ: \"عجبتُ لابن آدمَ، ملَكاه على نابيه، لسانُه قلمٌ لهما، ورِيقُه مدادٌ لهما، كيف يتكلّمُ فيما يعنيه وما لا يَعنيه (١) \"؟! (٢)\n﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ﴾ شدَّتُه وغلَبتُه على فهم الإنسان، كشدَّة النَّوم والشراب (٣).\n﴿بِالْحَقِّ﴾: أي: ببيان ما يصيرُ إليه الإنسانُ بعدَ موته من جنةٍ أو نارٍ (٤).\nوقيل: ﴿بِالْحَقِّ﴾: بأمر الله وحكمه الذي عمَّ به جميعَ الأحياء.\nوقيل: ﴿الْحَقِّ﴾: هاهنا هو الله تعالى (٥)، ولعلَّ هذا القائلَ أرادَ بعلم الحقّ واليقين الذي لا يبقى معه شكٌّ ولا ارتيابٌ (٦) (٧).\nوقيل: ﴿بِالْحَقِّ﴾: الموعود المحقوق.\nوقيل: ﴿بِالْحَقِّ﴾: قسمٌ. وفيه بُعدٌ (٨).\n﴿ذَلِكَ﴾: إشارةٌ إلى الموت، وقيل: إلى الحقِّ.\n﴿مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (١٩)﴾: تميلُ وتروع وتكره (٩).\nوهذا (١٠) من قول الملَك، وقيل: من قول الله.\n_________\n(١) في (ب) \"يتكلم فيما لا يعنيه \".\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) انظر: جامع البيان (٢٦/ ١٦٠).\n(٤) انظر: جامع البيان (٢٦/ ١٦٠)، النكت والعيون (٥/ ٣٤٦).\n(٥) انظر: تفسير الثعلبي (٩/ ١٠٠).\n(٦) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١١٣١).\n(٧) أو يكون هذا المعنى كما ذكر ابن جرير على قراءة ابن مسعود، وتقديرها عنده: \"وجاءت سكرة الله بالموت فيكون الحق هو الله تعالى \" [انظر: جامع البيان (٢٦/ ١٦٠)].\n(٨) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١١٣١).\n(٩) انظر: جامع البيان (٢٦/ ١٦١)، النكت والعون (٥/ ٣٤٨).\n(١٠) في (أ) \" هذا \".","vol":"1","page":2972},{"text":"وكأنَّ في الآية زيادة، والمعنى: فاستعدَّ له.\n﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾: يعني نفخةَ البعث.\n﴿ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (٢٠)﴾: أي: يتحقّق فيه الوعيد.\n﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ (٢١)﴾ أي: تجيءُ كلُّ نفسٍ في هذا اليوم ومعها سائقٌ يسوقُها إلى موقف الحساب، ولا مفرَّ له، وشاهدٌ يشهدُ عليه (١)، فلا إنكارَ ... له (٢).\nقيل (٣): السائق: كاتبُ سيئاتِه، والشهيدُ: كاتبُ حسناته.\nوقيل: السائقُ: الملَكُ، والشهيدُ: جوارحُه.\nوقيل: السَّائق (٤): عملُه، وقيل: الشهيدُ نفسُه.\nوقيل: السائقُ قرينُه من الشياطين، والشهيدُ: الملَكُ (٥).\n﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾: القولُ مضمَرٌ، والخطابُ للكفار عند بعضهم.\nوالغفلةُ هو الإنكار، وقيل: هو عامٌّ، والغفلةُ: الاشتغال.\n﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ﴾: فرفعنا وأزلنا عنكَ الحجابَ.\nقال بعضُهم: يُريدُ يومَ الوِلادةِ من الأمِّ.\nوقيل: بالنشْر من القبر.\nوقيل: وقتَ العرض في القيامة (٦).\n_________\n(١) في (ب) \" يشهد له \".\n(٢) وهو اختيار ابن جرير وابن كثير [انظر: جامع البيان (٢٦/ ١٦١)، تفسير القرآن العظيم (٤/ ٢٤١)].\n(٣) في (أ) \" وقيل \".\n(٤) في (ب) \" الشهيد \".\n(٥) انظر: جامع البيان (٢٦/ ١٦١)، النكت والعيون (٥/ ٣٤٨)، زاد المسير (٧/ ٢٣٨).\n(٦) وهو ما يدل عليه سياق الآيات. [انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٧١)، جامع البيان (٢٦/ ١٦٤)، النكت والعيون (٥/ ٣٤٩)].","vol":"1","page":2973},{"text":"﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (٢٢)﴾: فعلمُكَ اليومَ نافذٌ (١)، وقيل: بصرُه عينه، وقيل: البصر الحديد: لسانُ الميزان (٢).\nقال ابنُ زيدٍ: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾: خطابٌ للنبيّ - ﷺ -، أي: كنتَ قبلَ الوحي في غفلةٍ من هذا العلم، ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ﴾ بما أوحينا إليكَ، ... ﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ فعلمُكَ ثاقبٌ نافذٌ، وهذا كقوله: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ \" [الشورى: ٥٢] (٣).\n﴿وَقَالَ قَرِينُهُ﴾: الجمهورُ على أنه الملَك (٤).\nوقيل: قرينه من الشياطين (٥)، وقيل: قرينه من الإنس.\nوحكي عن (٦) محمد بن جرير: أنَّ القرينَ واحدٌ، والمرادُ به اثنان، كالأسماء الموحَّدة التي تقعُ على الواحد والاثنين والجمع \" (٧).\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٦/ ١٦٤)، تفسير السمرقندي (٣/ ٣١٩).\n(٢) قال ابن جرير: \" وقد روي عن الضحاك إنه قال: معنى ذلك، ﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾: لسان الميزان، وأحسبه أراد بذلك: أنَّ معرفته وعلمه بما أسلف في الدنيا شاهد عدل عليه، فشبَّه بصره بذلك بلسان الميزان الذي يعدل به الحق في الوزن ويعرف مبلغه الواجب لأهله عما زاد على ذلك أو نقص، فكذلك علم من وافى القيامة بما اكتسب في الدنيا شاهد عليه كلسان الميزان \" [جامع البيان (٢٦/ ١٦٤)].\n(٣) انظر: جامع البيان (٢٦/ ١٦٣)، غرائب التفسير (٢/ ١١٣١)، الجامع لأحكام القرآن؛ للقرطبي (١٧/ ١٨)، قال ابن جرير: \" وعلى هذا التأويل الذي قاله ابن زيد يجب أن يكون هذا الكلام خطابًا من الله لرسوله - ﷺ - أنه كان في غفلة في الجاهلية من هذا الدين الذي بعثه به، فكشف عنه غطاءه الذي كان عليه في الجاهلية فنفذ بصره بالإيمان وتبينه حتى تقرر ذلك عنده فصار حادَّ البصر به \" [جامع البيان (٢٦/ ١٦٤)]، وقد تعقَّب قول ابن زيدٍ غير واحد من المفسرين، قال ابن جزي: \" وهذا في غاية الضعف؛ لأنه خروج عن سياق الكلام \" [التسهيل (٤/ ٦٤)] وقال ابن كثير: \" والظاهر من السياق خلاف هذا، بل الخطاب مع الإنسان من حيث هُوَ \" [تفسير القرآن العظيم (٤/ ٢٤١)].\n(٤) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٧١)، جامع البيان (٢٦/ ١٦٤)، تفسير السمرقندي (٣/ ٣١٩)، تفسير الثعلبي (٩/ ١٠١)، تفسير السمعاني (٥/ ٢٤٢)، تفسير البغوي (٧/ ٣٦٠).\n(٥) في (أ) \" من الشيطان \".\n(٦) \" عن \" ساقطة من (ب).\n(٧) انظر: جامع البيان (٢٦/ ١٦٥).","vol":"1","page":2974},{"text":"وقد سبق مثلُ هذا في ﴿قَعِيدٌ﴾، فيكونُ القرينُ الملَكين الحافظَين.\n﴿هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ (٢٣)﴾: أي: هذا ما كنت أكتبه، فهو (١) حاضرٌ عندي.\nفإنْ كان العبدُ من أهل الإيمان والجنة أُحضر كتابُ حسناته؛ لأن سيئاتِه قد كُفِّرت (٢)، وإنْ كان من أهل الكفر والنار أُحضر كتابُ سيئاتِه؛ لأن حسناتِه حبِطت لكفره.\nوعلى التأويل الآخَر يقولُ قرينُه من الشيطان الإنسيّ: ﴿هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾، يعني: ما يحضرُ به من العذاب الذي أعدَّه الله لهما.\nوعلى التأويلِ الثالثِ: يقولُ الإنسيُّ للشيطان: لم أجدْ ممّا وعدتني به في الدنيا إلاّ هذا العذابَ الحاضرَ عندي، والوجه هو الأولُ.\nوالعتيدُ: المعَدُّ الحاضرُ (٣)، وهو صفةٌ لـ ﴿مَا﴾ إذا جعلتَه نكرةً، أو خبرٌ بعد خبر، أو بدلٌ (٤) من الخبر.\n﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ﴾: أي: يُقالُ: ﴿أَلْقِيَا﴾.\nوقيل: يقولُ اللهُ: ﴿أَلْقِيَا﴾.\nوفي المخاطَبُ به أقوالٌ:\nأحدُها: أنهما (٥) السائقُ والشهيدُ، فيمَن جعلهما الملَكين؛ لأنهما معه إلى أنْ يدخلَ الجنةَ أو النار.\nوالثاني: أنهما ملَكان من خزَنة النار.\n_________\n(١) \" فهو \" ساقطة من (أ).\n(٢) في (أ) \" وقد كفرت \".\n(٣) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٧١)، جامع البيان (٢٦/ ١٦٥).\n(٤) في (ب) \" وبدل \".\n(٥) في (ب) \" أنه \".","vol":"1","page":2975},{"text":"وقيل: خِطابٌ لمالكٍ خازن النار، وثُنِّيَ على عادة العرب في خِطاب الواحد خطابَ الاثنين، قال الشاعر (١):\nفإنْ تزجُراني يا ابنَ عفانَ انزجرْ ... وإنْ تدَعاني أحمِ عِرْضًا مُمَنَّعا (٢)\nومثلُه:\nفقلتُ لصاحبي لا تحبِسانا ... بنزعِ أُصوله واجتزَّ شِيحا (٣)\nوله أمثالٌ. وقد سبق.\nوقيل: الألف في ﴿أَلْقِيَا﴾ بدلٌ من نون التأكيد المخفَّفة، أُجريَ في الوصل مجرى الوقف.\nوقيل: أراد: ألقِ ألقِ، فلمْ يُمكنْ تثنيةُ الفعل، فثنى الضمير.\nوعلى هذه الأقوال الثلاثة حُمل:\nقِفا نبك. . . . . . . . . . . . ... . . . . . . . . . . . . (٤)\nويحتملُ أنه خِطابٌ للقرين فيمَن جعله بمعنى التثنية (٥). على ما سبق.\n﴿كُلَّ كَفَّارٍ﴾: كُلَّ (٦) كافر، مبالغٌ في كفره.\n﴿عَنِيدٍ (٢٤)﴾: عادل عن الصواب، تقول: عَنِدَ عنه: مَالَ عنه.\n﴿وعَدَدَ﴾: بمعنى: عانِد، أي: مائل.\n_________\n(١) \" الشاعر \" ساقطة من (ب).\n(٢) البيت لأبي ثروان سويد بن كراع العكلي [انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ٧٨)، تأويل مشكل القرآن (ص: ٢٩١)، جامع البيان (٢٦/ ١٦٥)، لسان العرب (٥/ ٣١٩)، مادة \" زَجَرَ \"].\n(٣) البيت لمضرس بن ربعي الأسدي كما في لسان العرب (٥/ ٣١٩)، مادة \" زَجَرَ \"، وهو غير منسوب في: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ٧٨)، تأويل مشكل القرآن، لابن قتيبة (ص: ٢٩١)، جامع البيان (٢٦/ ١٦٥).\n(٤) البيت لامرئ القيس من مُعَلَّقَتِه الشهيرة، وتمامه:\nقِفا نبكِ من ذكرى حبيبٍ ومنزلِ ... بِسِقط اللوى بين الدخول فحومل\n[انظر: ديوانه (ص: ٢٩)].\n(٥) انظر: جامع البيان (٢٦/ ١٦٩)، تفسير السمرقندي (٣/ ٣١٩)، النكت والعيون (٥/ ٣٥٠)، المحرر الوجيز (٥/ ١٦٣)، زاد المسير (٧/ ٢٤٠).\n(٦) \" كُلَّ \" ساقطة من (أ).","vol":"1","page":2976},{"text":"وقيل: ﴿عَدَدَ﴾: بمعنى مُعاند.\nوله وجهان:\nأحدهما: يعرفُ الحقَّ فيجحدُه.\nوالثاني: لا يعرفُ خطأَ ما هو عليه (١).\n﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾: الزكاة المفروضة، وقيل: كلُّ حقٍّ أوجبه الله تعالى.\nو(الخير): المال، وقيل: (الخير) الإسلام (٢).\nوالمرادُ به: الوليدُ بنُ المغيرة، وكان يمنع بنيه ولُحمتَه من الإسلام (٣).\n﴿مُعْتَدٍ﴾: يظلمُ الناسَ بلسانه ويدِه.\nوقيل: يأتي الأمورَ القبيحةَ (٤).\n﴿مُرِيبٍ (٢٥)﴾: الداخلُ في الرَّيب.\nوقيل: هو الذي يأتي (٥) الرِّيبةَ.\n﴿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ (٢٦)﴾ الأول أمرٌ بالإلقاء في النار، والثاني بالإلقاء (٦) في العذاب الشديد، وقيل: التكرار للتأكيد.\n﴿قَالَ قَرِينُهُ﴾: يعني الشيطانَ المقيَّضَ له (٧).\n_________\n(١) انظر: النكت والعيون (٥/ ٣٥١).\n(٢) انظر: النكت والعيون (٥/ ٣٥١)، تفسير السمرقندي (٣/ ٣٢٠)، زاد المسير (٧/ ٢٤١). والأولى العموم، وهو اختيار الطبري، حيث قال: \" والصواب من القول في ذلك عندي: أنه كل حق وجب لله، أو لآدمي في ماله، والخير في هذا الموضع هو المال، وإنما قلنا ذلك هو الصواب من القول؛ لأنَّ الله تعالى ذكره عَمَّ بقوله: مَنَّاعٍ ﴿لِلْخَيْرِ﴾ عنه أنه يمنع الخير، ولم يخصص منه شيئا دون شيء، فذلك على كل خير يمكن منعه طالبه \". [جامع البيان (٢٦/ ١٦٦)].\n(٣) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٧١)، النكت والعيون (٥/ ٣٥٢).\n(٤) انظر: جامع البيان (٢٦/ ١٦٦).\n(٥) في (ب) \" أتى \".\n(٦) في (ب) \" بإلقاء \".\n(٧) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٧١)، جامع البيان (٢٦/ ١٦٧)، تفسير السمرقندي (٣/ ٣٢٠)، تفسير السمعاني (٥/ ٢٤٣)، المحرر الوجيز (٥/ ١٦٣).","vol":"1","page":2977},{"text":"وهذا حجةُ مَن ذهب في الآية الأولى إلى أنه الشيطان.\nوالمعنى: أنه إذا أُلقيَ في النار ادَّعى على قرينه من الشياطين، فيقولُ قرينُه:\n﴿رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ﴾: كما زعم.\n﴿وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (٢٧)﴾: وصَحِبتُه على طُغيانه وضلاله، وقيل: ولكنْ كان طاغيًا باختياره.\nالفرّاء: \" ﴿فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾ من الرَّشاد والحقِّ \" (١).\nوقيل: ﴿فِي ضَلَالٍ﴾ متقادِمٍ بعيد المدّة عن وقت صُحبتي.\n﴿قَالَ﴾ الله تعالى (٢) ﴿لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾: بإحالة بعضِكم الذنبَ على البعض، فكلٌّ منكم مستحقٌّ للعذاب.\n﴿وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (٢٨)﴾: بهذا العذاب على ألسنة رُسلي، فلا عذرَ لأحدٍ عندي.\nابنُ عباس - ﵄ -: \" الوعيد: الرسول \" (٣).\nوقيل: القرآن، وقيل: الأمر والنهي.\n﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾: هو إخلادُ الكفّار في النار (٤).\nوقيل: لا يُحرَّفُ ولا يُزادُ ولا يَنقُصُ.\nوقيل: هو قولُه: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾، [هود: ١١٩].\n_________\n(١) لم أقف عليه في معاني القرآن؛ للفرَّاء.\n(٢) لفظ الجلالة \" الله \" ساقط من (أ).\n(٣) انظر: النكت والعيون (٥/ ٣٥٢).\n(٤) انظر: تفسير النسفي (٤/ ١١٤٦)، التسهيل (٤/ ٦٥).","vol":"1","page":2978},{"text":"وقيل: هو قولُه: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾. . الآية، [الأنعام: ١٦٠].\nوقيل: قولُه: ﴿مَا أَطْغَيْتُهُ﴾: من كلام الملَك؛ لأنَّ الكافرَ يقول: كان يعجلني عن التوبة، فيقول: ما أطغيتُه ولكن كان ضالًا (١).\nوقال بعضُ المفسرين في قوله: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾: معناه (٢): ما يُكْذَبُ عندي؛ لعلمي بحقِّه من باطله (٣).\nوقيل: تبديلُه: أنْ يفعلَ بخلاف ما أَخبرْتُه.\nوقيل: هو كقوله: ﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ [الأنعام: ١١٥].\nوقوله (٤): ﴿وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٢٩)﴾. سبق (٥).\n﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (٣٠)﴾:\n﴿يَوْمَ﴾: نُصب بقوله: ﴿ظَلَّام﴾ عند بعضِهم.\nوقيل: نُصب بقوله: ﴿يُبَدَّلُ﴾.\nوقيل: أنذرهم ﴿يَوْمَ نَقُولُ﴾، كقوله: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ [مريم: ٣٩].\nوقيل: ظرفٌ لجميع ما تقدَّم. أي: ذلك يكونُ (٦) يومَ نقول نحن.\nوقُرئَ: بالياء (٧)، أي يقول الله لجهنمّ:\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٦/ ١٦٨)، النكت والعيون (٥/ ٣٥٢).\n(٢) \" معناه \" ساقطة من (أ).\n(٣) انظر: معاني القرآن (٣/ ٧٩).\n(٤) \" وقوله \" ساقطة من (أ).\n(٥) في سورة الأنفال، الآية (٤٥).\n(٦) في (أ) \" ذلك بك \".\n(٧) أي ﴿يَقُولُ لِجَهَنَّمَ﴾ وهي قراءة نافع وأبي بكر عن عاصم. [انظر: السَّبعة (ص: ٦٠٧)، معني القراءات (ص: ٤٦٠)، الحجة (٦/ ٢١٣)].","vol":"1","page":2979},{"text":"﴿هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ﴾ حمل جلُّ المفسرين القولَ على الحقيقة، كما سبق في قوله: ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾،\n[فصلت: ١١]، ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾، [الإسراء: ٤٤].\nوقال بعضُهم: الخطابُ والجوابُ لأهل جهنمَ.\nوقال بعضُهم: هذا مجازٌ، وتقديرُه: لو كان لها تمييزٌ لقالت (١): ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾.\nومثله قولُه (٢):\nامتلأَ الحوضُ وقال قَطني ... مهلًا (٣) رُويدًا قد ملأت بطني (٤)\nوهذا كثير (٥).\nوقوله: ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾: فيه ثلاثة أقوال:\nأحدها: أنها امتلأت وصارت بحيث لا ينجع (٦) فيها إبرةٌ، تصديقًا لقول الله تعالى: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩)﴾ [هود: ١١٩]، وهذا سؤال توبيخٍ لمَن في\n_________\n(١) في (ب) \" لقال \".\n(٢) في (أ) \" قوله \".\n(٣) في (ب) \" سَلًَّا \".\n(٤) البيت أورده ابن جرير في جامع البيان (١/ ٥١٠)، والسَّمعاني في تفسيره (١/ ١١٠) ولم ينسباه.\n(٥) قال الشنقيطي: \" اعلم أن التحقيق أن النار تبصر الكفار يوم القيامة كما صرح الله بذلك في قوله هنا ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾، رؤيتها إياهم من مكان بعيد تدل على حدة بصرها كما لا يخفى كما أن النار تتكلم كما صرح الله به في قوله ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (٣٠)﴾، والأحاديث الدالة على ذلك كثير، كحديث: محاجة النار مع الجنة، وكحديث: اشتكائها إلى ربها، فأذن لها في نفسين، ونحو ذلك ويكفى في ذلك أنَّ الله جلَّ وعلا صرَّح في هذه الآية أنها تراهم، وأنَّ لها تغيظًا على الكفار، وأنها تقول: هل من مزيد، واعلم أنَّ ما يزعمه كثير من المفسرين وغيرهم من المنتسبين للعلم من أنَّ النَّار لا تبصر ولا تتكلم ولا تغتاظ، وأنَّ ذلك كله من قبيل المجاز، أو أنَّ الذي يفعل ذلك خزنتها كله باطل ولا معول عليه لمخالفته نصوص الوحي الصحيحة بلا مستند، والحق هو ما ذكرنا، وقد أجمع من يعتد به من أهل العلم على أنَّ النصوص من الكتاب والسنة لا يجوز صرفها عن ظاهرها إلا لدليل يجب الرجوع إليه، كما هو معلوم في محله \". [أضواء البيان (٦/ ٢٨٩)].\n(٦) كذا في النسختين، والظاهر \" لا يتّسع \".","vol":"1","page":2980},{"text":"النار، وزيادة في مكروههم. والمعنى: لم يبقَ في موضعٍ زيادةٌ، ومثله قوله - ﷺ -: «هل ترك لنا عقيلٌ (١) من دارٍ؟!» (٢).\nأي: لم يترك؛ لأنه باع دُورَ المهاجرين بعدَ هجرتهم إلى مكةَ (٣) (٤).\nوالثاني: أنها تزيدُ، وأن هذا قبلَ دخولِ جميعِهم فيها.\nوالثالث: أن قولَها: ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾: طلبٌ لأن يُزادَ في سعتها؛ لتزيدَهم (٥) انتفاخًا (٦)، وقد جاء (٧) في الأخبار «غِلَظُ جلدِ الكافر في النار سبعون ذِراعًا بذِراع الجبّار» (٨).\n_________\n(١) عقيل بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم القرشي الهاشمي، يكنى أبا يزيد، وهو أكبر إخوته وآخرهم موتًا، وكان من أعلم قريش بالأنساب، وقد شهد بدرًا مشركًا، وأخرج إليها مكرهًا، فأسر، ولم يكن له مال، ففداه عمُّه العباس، وقد خرج عقيل مهاجرًا في أول سنة ثمان، وشهد مؤتة، ثم رجع فتمرض مدة، فلم يسمع له بذكر في فتح مكة ولا حنين ولا الطائف، وقد انتقل إلى البصرة، ثم الكوفة، ثم أتى الشام، وتوفى - ﵁ - في خلافة معاوية. [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: الاستيعاب (٣/ ١٨٦)، سير أعلام النبلاء (١/ ٢١٨)].\n(٢) أخرجه البخاري (بنحوه) في صحيحه، في كتاب الحج، باب توريث دور مكة وبيعها وشرائها، وأن الناس في المسجد الحرام سواء خاصة؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٥)﴾، برقم (١٥٨٨)، وأخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الحج، باب: النزول بمكة للحاج، توريث دورها، برقم (٣٢٨١)، كلاهما عن أسامة بن زيد - ﵄ -.\n(٣) كذا في النسختين، والظاهر بعد هجرتهم من مكة.\n(٤) انظر: جامع البيان (٢٦/ ١٦٨)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٣٨)، إعراب القرآن (٤/ ١٥٢).\n(٥) في (أ) \" ليزيدهم \".\n(٦) وهذا القول اختيار ابن جرير حيث قال: \" وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب، قول من قال: هو بمعنى الاستزادة، هل من شيء ازداده؟ وإنما قلنا ذلك أولى القولين بالصواب؛ لصحة الخبر عن رسول الله - ﷺ - بما حدثني أحمد بن المقدام العجلي، قال ثنا محمد بن عبد الرحمن الطفاوي، قال ثنا أيوب، عن محمد، عن أبي هريرة أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: \" إذا كان يوم القيامة لم يظلم الله أحدًا من خلقه شيئًا، ويلقي في النار، تقول: هل من مزيد حتى يضع عليها قدمه، فهنالك يملؤها ويزوي بعضها إلى بعض، وتقول: قط قط \". [جامع البيان (٢٦/ ١٧٠)]، وانظر: إعراب القرآن؛ للنَّحاس (٤/ ١٥٣).\n(٧) في (ب) \" فقد جاء \".\n(٨) أخرجه الترمذي (بنحوه) في كتاب صفة جهنم، باب: ما جاء في عظم أهل النار، برقم (٢٥٧٧)، عن أبي هريرة - ﵁ -، وأخرجه عنه أيضًا الحاكم في مستدركه (٤/ ٥٩٥) في كتاب الأهوال، وقال: \" هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه \"، ووافقه الذهبي.","vol":"1","page":2981},{"text":"وأما ما ذكره المفسِّرون وجاء في الخبر من قوله - ﷺ -: «لن تمتلئ النارُ حتى يضعَ الجبّارُ قدمَه فيها (١)، فتقول: قطْ، قطْ، قد امتلأتُ» (٢)، فذهب بعضُهم إلى أن الجبارَ هو (٣) الكافرُ من قوله: ﴿وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾، [إبراهيم: ١٥].\nوروى بعضُهم: «حتى يضعَ الرحمنُ قدمَه فيها» (٤)، فذهب بعضُ العلماء إلى أن القَدَمَ هم الذين أعدَّهم للنار وخلقَهم لها، ومثلُه قولُه: ﴿قَدَمَ صِدْقٍ﴾، [يونس: ٢].\nوروى بعضُهم: «حتى يضعَ رجلَه فيها» (٥)، والرجلُ: الجماعةُ المعدَّة لها أيضًا.\nقال الشاعر (٦):\nفمرَّ بنا رِجلٌ من الناس وانزوى ... إليهم من الحيِّ اليمانينَ (٧) أرجُلُ (٨)\nورِجْلٌ من الجراد، معروفٌ (٩).\n_________\n(١) \" هو \" ساقطة من (ب).\n(٢) أخرجه ومسلم في صحيحه (بنحوه) في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: النار يدخلوها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء، برقم (٧١٠٦) عن أنس - ﵁ -.\n(٣) في (أ) \" في النار \".\n(٤) أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب قوله: هل من مزيد، برقم (٤٨٥٠)، ومسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: النار يدخلوها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء، برقم (٧١٠٤)، كلاهما عن أبي هريرة - ﵁ -.\n(٥) أخرجه ومسلم في صحيحه (بنحوه) في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: النار يدخلوها\nالجبارون والجنة يدخلها الضعفاء، برقم (٧١٠٦) عن أنس - ﵁ -.\n(٦) \" الشاعر \" ساقط من (ب).\n(٧) في (أ) \" الثمانين \".\n(٨) انظر: المحرر الوجيز (٥/ ١٦٦) ولم ينسبه لأحد.\n(٩) في نسخة (ب) زيادةٌ مشطوبُ عليها هي: «قوله: إن القدمَ هم الذين أعدّهم للنار، أي: سبق القضاءُ على كونهم في النار. يعني: القِدَم: السَّبَق» والسياق يصلح بدونها \".","vol":"1","page":2982},{"text":"وأنكر بعضُ المفسّرين الخبرَ أصلًا، وقال: إنَّ هذا كلام المجسِّمة (١)، ثم قال: ولا أدري كيف قولُهم في قدمه (٢)، أيتركُها في جهنمَ بحالها أم يخرجها؟! فإنْ تركها وجب أنْ تكونَ (٣) مخلَّدةً في النار مع أهل النار، وإنْ أخرجها عادت جهنمُ غيرَ مملوءةً.\nوهذا اعتراضٌ على المجسِّمة مسكتٌ.\nوروى الثعلبي: (قِدمُه) بكسر القاف، وفسَّره بأنهم قومٌ خلقهم الله تعالى قبلَ آدمَ - ﵇ -، يُقال لهم: (القِدَمُ)، رؤوسُهم كرؤوس الكلاب والذئاب، وسائرُ أعضائهم كأعضاء بني آدمَ - ﵇ -، فعصوا ربَّهم فأهلكهم، يملأُ اللهُ بهم جهنم \" (٤).\nوهذا ضعيفٌ في الرواية، ركيكٌ.\nوالاعتراضُ على هذا وعلى المجسِّمة من وجهٍ أحسن من الأول، هو أنْ يُقال: إنَّ اللهَ سبحانه عيَّن وبيَّن، فقال: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾، [هود: ١١٩]، فإذا ملأها ممّا ذهب إليه الثعلبيّ، أو ممّا ذهب إليه المجسِّمةُ لا يكونُ إنجازًا وبرًا، بل يكونُ خُلْفًا. والله أعلم (٥).\n﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (٣١)﴾ أي: قُرِّبت وأُدنيت (٦).\nوالإزلافُ: التقريبُ في الخير، قيل: هذا قبلَ الدخول، يرونها من قُربٍ إلى أنْ يدخلونها بعدَ الحساب، ومثلُه: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (٩٠) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ﴾، [الشعراء: ٩٠ - ٩١].\n_________\n(١) المُجَسِّمة: هم المشبِّهة، وهم على النقيض من الجهمية، وقد أثبتوا الأسماء والصفات لله تعالى غير أنهم شبَّهوها بالمخلوق، فقالوا لله جسم كجسم المخلوق، ولله سمعًا كسمع المخلوق، تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا. [انظر: شرح العقيدة الواسطية؛ للهرَّاس (ص: ١٨٥)].\n(٢) في (ب) \" قدامه \".\n(٣) في (ب) \" أن يكون \".\n(٤) انظر: تفسير الثعلبي (٩/ ١٠٤).\n(٥) والصحيح خلافًا لكلام المؤلِّف أنَّ صفة القدم والرجل ثابتة لله تعالى، وهي من صفات ذاته، قال الشيخ الغنيمان [في شرحه لكتاب التوحيد من صحيح البخاري (١/ ١٢٥) بعد ذكر روايات القدم والرجل]: \" ففي مجموع هذه الروايات البيان الواضح بأنَّ القدم والرِّجل - وكلاهما عبارة عن شيء واحد - صفة لله تعالى حقيقة على ما يليق بعظمته \"، وانظر: صفات الله؛ للسَّقاف (ص: ١٢٥).\n(٦) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٧٢)، جامع البيان (٢٦/ ١٧١).","vol":"1","page":2983},{"text":"وقيل: بعدَ الدخول، أي: قُرِّبتْ (١) لهم مواضعُهم فيها، فلا يطلُبون منها بعدًا.\nوقيل: قُرِّبتْ للمتقين لتُقرِّبَهم قُربَ ظَفَرٍ ودخولٍ (٢).\n﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾: أي: قريب، فلم يبعُد (٣)، وقيل: ﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾: في الزمان والمكان، وذِكْرُ البعيد حملًا على الزمان أو المكان.\n﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (٣٢)﴾: أي يُقال للمتّقين وقد أُزلفت الجنة: ﴿هَذَا﴾ الذي ﴿تُوعَدُونَ﴾ في الدنيا ﴿لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ﴾.\nوقيل: خاطبهم في الدنيا فقال: ﴿هَذَا﴾ الذي وُعدتم ﴿لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ﴾.\nوهذا أظهر.\nو﴿هَذَا﴾ في الآية مبتدأٌ، ﴿مَا تُوعَدُونَ﴾ صفته، [﴿لِكُلِّ أَوَّابٍ﴾ خبرُه.\nومعنى:] (٤) ﴿لِكُلِّ أَوَّابٍ﴾: راجع من المعصية إلى الطاعة.\nوقيل: توَّاب، كلّما أذنب ذنبًا تاب.\nابنُ عباس - ﵄ -: \" مسبِّحٍ \" (٥).\n﴿حَفِيظٍ﴾: يحفظُ ذنوبَه حتى يتوبَ منها، وقيل: الحفيظُ لما يَسمعُ من كلامِ الله وسنة رسوله، وقيل: يحفظُ كلَّ ما قرّبه إلى ربه، وقيل: يذكرُ ذنبَه إذا خلا؛ فيستغفرُ اللهَ منه، وقيل: الحفيظُ: المُطيع، وقيل: يحفظُ نفسَه فلا يشرعُ في معصيةٍ.\nوقيل: ﴿لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ﴾: هو الرجلُ يكونُ في المجلس فإذا أرادَ أنْ يقومَ قال: اللهمّ اغفرْ لي ما أصبتُ في مجلسي هذا.\nومعنى ﴿حَفِيظٍ﴾: حافظ، وقيل: محافظ (٦).\n﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾: مَن أخلص لله في السرِّ والعلانية.\nوقيل: مَن آمن بالبعث والجزاء، وذلك غيبٌ.\nوقيل: خشي عذابَ الله بالغيب من حيثُ لا يشعر به الناس.\n﴿وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (٣٣)﴾: مُقبل إلى الله بطاعته، راجع إليه بعمله.\n﴿مَنْ خَشِيَ﴾: [يجوزُ أنْ يكونَ خفضًا على البدل، و] (٧) يجوزُ أنْ يكونَ خبرًا، أي: هم مَن خشي، ويجوزُ أنْ يكونَ مبتدأً، والخبر: يُقال لهم: ادخلوها.\nوقيل: ضُمَّ بالنداء، تقديره: يا (٨) مَن خشيَ الرحمنَ ادخلوها، فلا يحتاجُ إلى إضمار القول.\nوالباء في ﴿بِالْغَيْبِ﴾: للحال، وقيل: بظهر الغيبط.\n﴿وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾: بسريرةٍ مُرضيةٍ، وعقيدةٍ صحيحة.\n﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ﴾: أي: سالمين ناجين من كلّ مكروهٍ.\n﴿ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (٣٤)﴾: إما في الجنة، وإما في النار.\nوالتقدير: ادخلوها خالدين ذلك يوم الخلود.\n﴿لَهَمَّتْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا﴾: هو كقوله: ﴿مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ ... [الزخرف: ٧١].\n﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (٣٥)﴾: بالواحد عشرًا.\nوقيل: المزيد التزوُّج بالحور العين.\nوالجمهور على أنَّ المزيدَ رؤيةُ الله سبحانه (٩).\nالزجّاج: \" إن السحابَ يمرُّ بأهل الجنة فيُمطِرهم الحورَ، فيقول الحورُ: نحن الذي قال الله تعالى: وَلَدَيْنَا ﴿مَزِيدٌ﴾ \" (١٠).\n﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ﴾: قبلَ قومك.\n﴿مِنْ قَرْنٍ﴾: من القرون الذين (١١) كذّبوا رسلَهم.\n﴿هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ﴾: من قومك.\n﴿بَطْشًا﴾: قوةً، وأقوى أبدانًا، وأشدّ سطوةً على الناس.\n﴿فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ (٣٦)﴾: طوّفوا وفتّشوا وساروا وسلكوا (١٢).\nقال امرؤ القيس (١٣):\n_________\n(١) في (أ) \" أي: قريب \".\n(٢) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١١٣٤).\n(٣) في (أ) \" أي: قربت ولم تبعد \".\n(٤) ما بين المعقوفتين ساقط من (أ).\n(٥) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (٢٦/ ١٧٢).\n(٦) قال ابن جرير - ﵀ -: \" وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره وصف هذا التائب الأواب بأنه حفيظ، ولم يخصَّ به على حفظ نوع من أنواع الطاعات دون نوع فالواجب أن يعمَّ كما عمَّ جلَّ ثناؤه، فيقال: هو حفيظ لكل ما قَرَّبَه إلى ربه من الفرائض والطاعات والذنوب التي سلفت منه للتوبة منها والاستغفار\". [جامع البيان (٢٦/ ١٧٣)]، وانظر معاني ﴿حَفِيظٌ﴾ والعيون (٥/ ٣٥٢)، تفسير السمرقندي (٣/ ٣٢١)، تفسير السمعاني (٥/ ٢٤٥)، زاد المسير (٧/ ٢٤٣)].\n(٧) ما بين المعقوفتين ساقط من (أ).\n(٨) \" يا \" ساقطة من (أ).\n(٩) انظر: جامع البيان (٢٦/ ١٧٣)، تفسير السمعاني (٥/ ٢٤٦)، تفسير البغوي (٧/ ٣٦٣)، تفسير القرآن العظيم (٤/ ٢٤٤)، أضواء البيان (٧/ ٦٥٤)، شرح العقيدة الواسطية؛ للهرَّاس (ص: ١٥٥).\n(١٠) معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٣٩).\n(١١) في (أ) \" الذي \".\n(١٢) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ٨٠)، جامع البيان (٢٦/ ١٧٦)، النكت والعيون (٥/ ٣٥٥).\n(١٣) امرؤ القيس بن حُجْر بن الحارث الكِندي، أشهر شعراء العرب على الإطلاق، يماني الأصل، مولده بنجد، وقد اشتهر بلقبه، واختلف المؤرخون في اسمه، فقيل: حندج، وقيل: مليكة، وقيل: عدي، وكان أبوه ملك أسد وغطفان، وكثر الاختلاف في ديانته ولعل الصحيح أنه كان على المزدكية، ويعرف امرؤ القيس بالملك الضليل (لاضطراب أمره طول حياته) وذي القروح (لما أصابه في مرض موته) وكتب الأدب مشحونة بأخباره، ... وقد توفي في أنقرة سنة ثمانية قبل الهجرة. [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: الشِّعر والشُّعراء (ص: ٤١)، الأعلام (٢/ ١١)].","vol":"1","page":2984},{"text":"لقد نقّبتُ في الآفاق حتى ... رضِيتُ من الغنيمةِ بالإيابِ (١)\nفلم يجدوا من الموت محيصًا، أي: موضعًا يهربون إليه.\nوقيل: المنقِّبون (٢) هم الذي كذّبوا الرسل، تقول: نقّبوا في البلاد يطلبون محيصًا من عذابهم، فلم يجدوه.\nوقيل: فنقّب مشركو قريشٍ، وساروا في بلاد أولئك القوم، وشاهدوا آثارَ ما حلّ بهم من حيثُ لم يجدوا منه محيصًا.\nوالمعنى: ﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤٥] (٣).\nوقيل: معناه: هل كان لهم من محيص.\nوالنقْبُ: الخرْقُ والدخولُ (٤) في الشيءٍ، والنَّقْبُ الطريق أيضًا.\nوالمعنى: ساروا في طرقها (٥).\nوقيل: (نَقَّبُوا في البلاد): أكثروا السيرَ فيها، حتى نقبت دوابُّهم، أي: صارت في خُفها نُقوبٌ.\n﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾: فيما ذُكر في هذا السورة ﴿لَذِكْرَى﴾: تذكيرًا وعِظةً.\n﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾: أي: عقل، والقلبُ يُذكرُ والمرادُ به (٦) العقل (٧).\n_________\n(١) ديوان امرئ القيس (ص: ٧٢)، وفيه بلفظ:\nوقد طوَّفت في الآفاق حتى ... رضِيتُ من الغنيمةِ بالإيابِ.\nولفظ المتن في جامع البيان (٢٦/ ١٧٦).\n(٢) في (أ) \" المنقوب \".\n(٣) أي في مثل معنى الآية.\n(٤) في (أ) \" والنقب والخرق: الدخول \".\n(٥) انظر: جامع البيان (٢٦/ ١٧٦)، المفردات (ص: ٨٢٠)، مادة \" نَقَبَ \"، لسان العرب (١/ ٧٦٥)، مادة \" نَقَبَ \".\n(٦) في (أ) \" ويريد به \".\n(٧) ويطلق ويراد به القلب الذي بعينه في الصدر ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)﴾ [الحج: ٤٦]، كما يطلق ويراد به الرأي، كما قال تعالى: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ [الحشر: ١٤] [انظر: الوجوه والنظائر؛ للدامغاني (ص: ٦٣٩)].","vol":"1","page":2985},{"text":"وقيل: القلب محلُّ التَّدبر (١)، كما قال: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾، [محمد: ٢٤]، فيكونُ المعنى: لمَن استعمل قلبَه في التدبير والنظر.\nقال الشاعر (٢):\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... وأنكِ مهما تأمُري القلبَ يفعلِ (٣)\nوفي بعض التفاسير: ما بُني الإنسان إلاّ على قلبٍ، ولكن لمَن كان له قلبٌ حيٌّ (٤).\n﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ﴾: أصغى إلى مواعظه وزواجره.\nوإلقاء السمع هو السَّمعُ إلى الشيءِ، قال: ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾، [الشعراء: ٢٢٣].\n﴿وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧)﴾: من الشهادة التي هي الحضور، أي: حاضر القلب والفكر غير ساهٍ غافلٍ عمَّا يُقال ويُسمع.\nوقيل: ﴿شَهِيدٌ﴾: من الشَّهادة التي يثبتُ بها (٥) الحقوقُ.\nوالمعنى: يتذكّر بالقرآن أحدُ الرجلين: إما رجلٌ له قلبٌ وعقلٌ، يعرف معجزتَه فيُؤمنُ به، وإما رجلٌ مستمعٌ مسترشدٌ.\n_________\n(١) في (ب) \" التدبير \".\n(٢) \" الشاعر \" ساقط من (ب).\n(٣) البيت لامرئ القيس من مُعَلَّقته، وصدره:\nأغركِ مني أنَّ حبك قاتلي ... . . . . . . . . . . . . . . . . .\n[انظر: ديوان امرئ القيس (ص: ٢٩)].\n(٤) وهو قول مأثور عن قتادة وغيره، انظر: جامع البيان (٢٦/ ١٧٧)، غرائب التفسير (٢/ ١١٣٥)، تفسير الثعلبي (٩/ ١٠٦).\n(٥) في (ب) \" بها يثبت \".","vol":"1","page":2986},{"text":"وقيل: ﴿مَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾: هو المؤمن من العرب، ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾: المؤمنُ من أهل الكتاب؛ لأنه شاهدٌ بأنَّ في الكتاب الأول نعتُ محمدٍ - ﷺ -، وشاهدٌ أنَّ هذا الكتاب مصدِّقٌ للكتاب الأول.\n﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾: عن (١) عكرمةَ عن ابنِ عباسٍ - ﵄ -: أنَّ اليهودَ أتت النبيَّ - ﷺ - فسألته عن خلق السماوات والأرض، فقال: «خلق اللهُ الأرضَ يومَ الأحد والاثنين، وخلق الجبالَ وما فيها من المنافع يومَ الثلاثاء، وخلق الشجرَ والنباتَ والماءَ يومَ الأربعاء، وخلق السماواتِ يومَ الخميس، وخلق النجومَ والشمسَ والقمرَ يومَ الجمعة»، فقالت اليهودُ: ثم ماذا يا محمدُ؟ قال: ثم استوى على العرش \"، قالوا: قد أصبتَ، أو تمّمتَ، ثم استراحَ يومَ السبت (٢)! فغضب النبيُّ - ﷺ - غضبًا شديدًا، فنزلت: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ. . .﴾» (٣).\n﴿وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨)﴾.\n﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾.\nالمرادُ (٤) بقوله: هي: ﴿فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾: هي أيامٍ (٥) كأيام الدنيا.\nالضحّاك: \"كلُّ يومٍ كألف سنةٍ ممّا تعدُّون \" (٦). وقد سبق.\nفي (٧) بعض التفاسير: وقوعُ العالَم على هذا الترتيب والتأليف، وأنْ يكونَ بعضُه سببًا لبعضٍ مستحيلٌ في نفسِه أنْ يُوقَعَ في أقلَّ ممّا أُوقعَ فيه، واللهُ سبحانه لا يُوصَفُ بالقُدرة على المستحيلاتِ (٨).\n_________\n(١) \" عن \" ساقطة من (أ).\n(٢) \" يوم السبت \" ساقطة من (أ).\n(٣) تقدم تخريجه في سورة فصلت (ص: ٢٤٧)، وانظر: أسباب النزول؛ للواحدي (ص ٣٢٨).\n(٤) في (ب) \" والمراد \".\n(٥) \" أيَّام \" ساقطة من (ب).\n(٦) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (٢٦/ ١٧٩).\n(٧) في (ب) \" وفي \".\n(٨) لم أقف على موطنه، وأهل السنة والجماعة، يقولون عن علم، الله تعالى: يعلم ما كان، وما يكون، وما لا يكونُ لو كان كيف يكون، ومنه معرفته سبحانه بأن الكفار المخلدين في النار لو عادوا إلى الدنيا - وهو محالٌ شرعًا - لرجعوا إلى كفرهم، قال تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٢٨)﴾، [الأنعام: ٢٨].","vol":"1","page":2987},{"text":"قوله: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾: أي: تعبٌ وإعياءٌ، خلافًا لليهود حيث قالوا: استراحَ يومَ السبت، فوضعَ إحدى رجليه على الأخرى في الجلوس (١).\nقيل (٢): لما سمّى اللهُ تعالى يومَ (٣) السبت يومَ الراحة ظنُّوه استراحَ فيه، وإنما أراحهم؛ إذْ جعله عيدًا لهم.\nوأنكر اليهودُ التربيعَ في الجلوس، وزعموا أنه جلس تلك الجلسة يومَ السبت.\n﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾: أي: على ما قالت اليهودُ.\nوقيل: فاصبرْ على أذى الكفّار، ولا تستعجلْ عذابَهم.\nقيل: منسوخٌ بقوله: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩].\n﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾: نزّهه عن الجَلسة والإعياء والراحة والتربيع.\nوالجمهور على أن المرادَ بالتسبيح هاهنا الصلواتُ الخمسُ، «وكان النبيُّ - ﷺ - إذا حزبه أمرٌ فزِع إلى الصلاة» (٤).\nقوله: ﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾: صلاة الفجر.\n﴿وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (٣٩)﴾: صلاة الظهر والعصر.\n﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾: صلاةُ المغرب وصلاةُ العشاء الآخِرة.\nقتادة: \" قبلَ غروبها: صلاةُ العصر \" (٥).\nوقيل: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾: صلاةُ صلاة العشاء الآخِرة.\nوقيل: فسبِّح اللهَ (٦) بالليل.\n﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ (٤٠)﴾: قُرئ بالكسر والفتح:\nالكسر: مصدر (أدبر)، والفتحُ: جمع دُبُر، والمعنى واحدٌ؛ لأن انقضاءَ الشيء إنما يكونُ بآخره، وآخره إنما يكونُ بانقضائه (٧).\nوالتقدير: وقت إدبار السجود.\nوفيه ثلاثة أقوالٍ:\nأحدُها: أنه التسبيح المعروف باللسان أعقابَ الصلوات.\nوقيل: هو النوافلُ بعدَ المفروضات بعد كلّ صلاةٍ مكتوبةٍ ركعتان. والظاهر يدلُّ على هذا، والأولى اتّباع الجمهور.\nوقيل: هي (٨) الركعتان بعدَ صلاة المغرب.\nورُويَ عن النبيّ - ﷺ - أنه قال: ﴿أَدْبَارَ السُّجُودِ﴾: ركعتان بعدَ صلاة المغرب، ﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ [الطور: ٤٩]: ركعتان قبلَ صلاة الفجر» (٩).\n﴿وَاسْتَمِعْ﴾: السَّمعُ (١٠) إدراك المسموع، والاستماعُ: طلب إدراك المسموع بالإصغاء إليه.\n﴿يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ﴾ أي: صفة: ﴿يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ﴾، فحُذف المضافُ، وهو مفعولٌ به، وليس بظرفٍ، وعُدِّيَ إليه الاستماعُ من غير (إلى)، واللاّم كقوله: ﴿يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ﴾، [الزمر: ١٨].\nالمفضَّلُ: \" ﴿يَوْمَ يُنَادِ﴾ ظرفٌ للاستماع \" (١١)، والمعنى: كأنكَ به، من صِدْق الوعد وقُرب الوقت \" (١٢).\nوالمنادِي: إسرافيلُ، والنِّداءُ نفخُه.\nوقيل: المنادِي: هو الله تعالى، وسُمِّيَ نداءً من حيث إنه جعله علَمًا للخروج والحشر، وإنما يقعُ ذلك بالنِّداء، كأذان المؤذِّن، وعلاماتِ الرحيل في العساكر، وقيل: هو النِّداءُ حقيقةً.\n﴿مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (٤١)﴾: هو صخرةُ بيتِ المقدِس، وهي أقربُ الأرض من السماء بثمانية عشر ميلًا، وموضعها وسط الأرض، يقفُ عليها (١٣) ملَكٌ ويضعُ إصبعيه في أُذنيه، ويُنادي: أيتها العِظامُ النَّخِرةُ، والأوصالُ الباليةُ، واللُّحوم المتمزقة، والشُّعور المتفرِّقة، قومي إلى مُحاسبة رب العِزّة (١٤).\nوسُمِّيَ قريبًا؛ لأنه يُسمعهم جميعًا، ولا يبعُدُ أحدٌ منه.\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٦/ ١٧٨)، تفسير السمرقندي (٣/ ٣٢٢)، النكت والعيون (٥/ ٣٥٦).\n(٢) في (أ) \" قيل \".\n(٣) \" يوم \" ساقطة من (ب).\n(٤) أخرجه أبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، باب: وقت قيام النبي - ﷺ - من الليل، برقم (١٣١٩)، وأخرجه الإمام أحمد في مسنده (٥/ ٣٨٨)، وقال الشيخ شعيب الأرنؤوط في تعليقه على المسند: إسناده ضعيف \".\nوالحديث حسَّنه الألباني في صحيح الجامع (٢/ ٨٥٨)، برقم (٤٧٠٣).\n(٥) انظر: جامع البيان (١٦/ ٢٣٤).\n(٦) في (أ) \" تسبيح الله \".\n(٧) قرأ ابن كثير ونافع وحمزة ﴿وَإِدْبَارَ السُّجُودِ﴾ بكسر الألف، وقرأ أبو عمرو وابن عامر وعاصم والكسائي ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ بفتح الألف [انظر: جامع البيان (٢٦/ ١٨٢)، السبعة (ص: ٦٠٧)، معاني القراءات (ص: ٤٦٠)].\n(٨) \" هي \" ساقطة من (أ).\n(٩) أخرجه الحاكم في مستدركه (١/ ٣٢٠) في كتاب صلوات التطوع عن ابن عباس - ﵄ -، وقال الحاكم: \" هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه \"، وخالفه الذهبي بقوله: \" رَشْدين ضَعَّفه أبو زرعة والدارقطني \"، والحديث ضعَّفه الألباني أيضًا في ضعيف الجامع (ص: ٤٦٤)، برقم (٣١٦٥).\n(١٠) \" السمع \" ساقط من (أ).\n(١١) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١١٣٥).\n(١٢) في (ب) \" الوعد \".\n(١٣) في (أ) \" عليه \".\n(١٤) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٧٤)، جامع البيان (٢٦/ ١٨٣)، تفسير القرآن العظيم (٤/ ٢٤٧) وهو مروي عن كعب الأحبار.","vol":"1","page":2988},{"text":"وقيل: كلُّ أحدٍ يسمعه من تحت قدميه (١).\nوقيل: المنادي هو اللهُ تعالى، والمكان القريب هو الأُذُن (٢).\n﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ﴾: بدلٌ من اليوم الأول.\n﴿بِالْحَقِّ﴾: بما هو حقٌّ من الجزاء والثواب والعقاب.\n﴿ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ (٤٢)﴾: من القبور.\nويومُ الخروج عند أبي عبيدة من أسماء يوم القيامة (٣).\nوسُمِّيَ يومُ العيد يومَ الخروج أيضًا تشبيهًا به.\n﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ﴾: أي نحي الخلقَ، ونُميتهم في الدنيا (٤).\n﴿وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ (٤٣)﴾: بالبعث في الآخرة.\n﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ﴾: تتصدّعُ الأرضُ، فتخرجُ الموتى من صُدوعها\n﴿سِرَاعًا﴾: مُسرعين ذَلِكَ ﴿حَشْرٌ﴾: جمعُهم.\n﴿عَلَيْنَا يَسِيرٌ (٤٤)﴾: هيِّنٌ، نقول له (٥): كنْ فيكونُ.\n﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ﴾: هذا تصبيرٌ للنبيِّ - ﷺ -، يقول: نحنُ أعلمُ بما يقولُ المشركون من تكذيبِكَ، والافتراءِ على ربّكَ، ونحنُ لهم بالمرصاد.\n﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾: بمسلَّطٍ تسيرُ (٦) فيهم بالجبريّة، حتى لا يُرضيكَ إلاّ عقوبتُهم.\n_________\n(١) في (ب) \" قدمه \".\n(٢) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١١٣٥).\n(٣) انظر: مجاز القرآن (٢/ ٢٢٤).\n(٤) في (ب) \" ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي﴾: الخلقَ، ﴿وَنُمِيتُ﴾: ونُميتهم، أي: في الدنيا \".\n(٥) في (ب) \" تقول له \".\n(٦) \" تسير \" ساقطة من (أ).","vol":"1","page":2989},{"text":"وقيل: ﴿بِجَبَّارٍ﴾: تجبرهم على الإسلام، إنما بُعثتَ مُذكِّرًا.\nفيكونُ (أجبر) فهو جبّارٌ، كـ (أدرك) (١)، فهو درّاكٌ.\nوجاء أيضًا جبرتُه (٢) على كذا، فالجبّارُ صحيحٌ (٣).\n﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآَنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ (٤٥)﴾: قال (٤) ابنُ عباسٍ - ﵄ -: قال المؤمنون: لو ذكّرتنا يا رسولَ الله، فأنزلَ اللهُ تعالى: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآَنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ (٥)، فخصَّ الخائفين لانتفاعهم به.\n[والحمدُ لله حقَّ حمده] (٦).\n_________\n(١) في (ب) \" لأدرك \".\n(٢) في (ب) \" جبروه \".\n(٣) انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ٨١)، جامع البيان (٢٦/ ١٨٥)، غرائب التفسير (٢/ ١١٣٦)\n(٤) \" قال \" ساقطة من (أ).\n(٥) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (٢٦/ ١٨٥)، وأورده الثعلبي في تفسيره (٩/ ١٠٨).\n(٦) \" ما بين المعقوفتين \" زيادة في (ب).","vol":"1","page":2990},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-157>سورة الذَّاريات </span>(١) (٢)\nستون آية (٣) (٤)، مكية بالإجماع (٥)\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (١)﴾: أقسم الله تعالى بالذَّاريات لمنافعها.\nوقيل: تقديره: وربِّ الذَّاريات، وجلُّ المفسرين على أنَّ المرادَ بها الرِّياحُ (٦)، تقول:\nذرت الرِّيح تذرو وتَذري، وأَذرت وتُذري.\nوذروًا: مصدر أفاد (٧) المبالغة في الكثرة.\nوقيل: ذروًا مفعول، والمراد به المذروّ.\nالكلبِي (٨): \" أقسم بالذَّاريات وما ذرت \" (٩)، وهو سهو منه.\nوقيل: الذَّاريات من ذرى الفَرَس وأذرى: إذا أسرع في السِّير.\n_________\n(١) في (ب) \" والذاريات \".\n(٢) تُسمى هذه السورة بسورة \" والذاريات \" بإثبات الواو تسمية بحكاية الكلمتين الواقعتين في أولها، وبهذا عنونها البخاري في كتاب التفسير من صحيحه وابن عطية في تفسيره، وتسمى أيضًا سورة \" الذاريات \" بدون واو اقتصارًا على الكلمة التي لم تقع في غيرها من سور القرآن، وكذلك عنونها الترمذي في سننه، وجمهور المفسرين، وكذلك هي في المصاحف، ووجه التسمية أنَّ هذه الكلمة لم تقع بهذه الصيغة في غيرها من سور القرآن. [التحرير والتنوير (٢٦/ ٣٣٥) باختصار].\n(٣) \" ستون آية \" ساقطة من (ب).\n(٤) قال الدَّاني: \"وهي ستون آية في جميع العدد ليس فيها اختلاف \" [البيان في عدِّ آي القرآن (ص ٢٣٢)، التحرير والتنوير (٢٦/ ٣٣٥)].\n(٥) انظر: البيان في عدِّ آي القرآن (ص ٢٣٢)، تفسير السَّمعاني (٥/ ٢٥٠)، المحرر الوجيز (٥/ ١٧١).\n(٦) انظر: تفسير مجاهد (٢/ ٦١٥)، تفسير مقاتل (٣/ ٢٧٥)، جامع البيان (٢٦/ ١٨٥)، تفسير السَّمرقندي (٣/ ٣٢٤)، تفسير الثعلبي (٩/ ١٠٩)، النُّكَت والعُيُون (٥/ ٣٦٠)، تفسير السَّمعاني (٥/ ٢٥٠)، المحرر الوجيز (٥/ ١٧١)، الإجماع في التفسير (ص: ٣٩١).\n(٧) في (أ) \" مصدر فإذا \".\n(٨) في (ب) \" والكلبي \".\n(٩) انظر: النُّكَت والعُيُون (٥/ ٣٦٠)، غرائب التفسير (٢/ ١١٣٧).","vol":"1","page":2991},{"text":"وذهب أقضى القضاة إلى أن الذَّارياتِ: النساءُ الولودات؛ لأنَّ في ترائبهنَّ ذَرْوَ الخلق، ... ولأنهنَّ يُذرين الأولادَ فصُرن ذاريات (١).\n﴿فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا (٢)﴾: الجمهور على أنها السَّحاب تحمل الماء (٢).\nوقيل: هي الرِّياح تحمل السَّحاب.\nوأقضى القضاة حملها على النساء الحوامل (٣).\n﴿فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا (٣)﴾: أكثرهم على أنها السفنُ تجري في البحر سهلًا (٤).\nوقيل: الشَّمس، والقمر، والنُّجوم.\nوقيل: الرِّياح.\nابنُ عمر - ﵄ - \"الرياح ثمانٌ (٥) أربعٌ منها عذابٌ، وأربع منها رحمة: أمَّا الرَّحمة: فالناشرات، والمبشرات، والذاريات والمرسَلات، وأمَّا العذاب: فالعاصف، والقاصف، والصَّرصر، والعقيم \" (٦).\nوأراد ابنُ عمر ما في القرآن من ألفاظ الرِّياح.\n_________\n(١) انظر: النُّكَت والعُيُون (٥/ ٣٦٠)، ورأى ابن عطية اعتبار هذا الرأي كما قال: \"وقال جماعة من العلماء هي أيضا مع هذا جميع الحيوان الحامل وفي جميع ذلك معتبر \" [المحرر الوجيز (٥/ ١٧١)]، وخالفه الشنقيطي في ذلك وقال: \" ولا يخفى سقوط قول من قال: إنَّ الذَّاريات النساء \" [أضواء البيان (٧/ ٦٥٩)].\n(٢) انظر: تفسير مجاهد (٢/ ٦١٥)، تفسير مقاتل (٣/ ٢٧٥)، جامع البيان (٢٦/ ١٨٧)، تفسير السَّمرقندي (٣/ ٣٢٤)، تفسير الثعلبي (٩/ ١١٠)، النُّكَت والعُيُون (٥/ ٣٦١)، تفسير السَّمعاني (٥/ ٢٥٠)، المحرر الوجيز (٥/ ١٧١).\n(٣) انظر: النُّكَت والعُيُون (٥/ ٣٦٠).\n(٤) انظر: تفسير مجاهد (٢/ ٦١٥)، تفسير مقاتل (٣/ ٢٧٥)، جامع البيان (٢٦/ ١٨٧)، تفسير السَّمرقندي (٣/ ٣٢٤)، تفسير الثعلبي (٩/ ١١٠)، النُّكَت والعُيُون (٥/ ٣٦١)، تفسير السَّمعاني (٥/ ٢٥٠)، المحرر الوجيز (٥/ ١٧١).\n(٥) في (ب) \" الرِّيَاح ثمانُ ابن عمر أربعُ منها \".\n(٦) انظر: تفسير السَّمرقندي (٣/ ٣٢٤)، تفسير القرآن العظيم (٣/ ٤٤٦) عن عبد الله بن عمرو، وقد عزاه ابن كثير لابن أبي حاتم عن ابن عمرو، ولم أقف عليه، وأورده السيوطي في الدر (٢/ ١١١) \" وعزاه لأبي عبيد وابن أبي الدنيا في \" كتاب المطر \" وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في \" العظمة \" عن ابن عمرو \".","vol":"1","page":2992},{"text":"وأجمعت العرب على أن الرِّياحَ أربعٌ: الشِّمال، والدَّبور، والجَنوب، والصِّبا، ويقال لها: القبول (١).\nومهبُّ الشمال: من بنات النَّعش (٢) إلى مغرب الشمس، ومهبُّ الدَّبور: من مغرب الشمس إلى مطلع سهيل، ومهبُّ الجنوب: من مطلع سهيل إلى مطلع الشمس، ومهبُّ الصِّبا: من مطلع الشمس إلى بنات النَّعش (٣).\n﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا (٤)﴾: كلُّ المفَسِّرين على أنهم الملائكة يقسِّمون الأرزاق بين العباد (٤).\nوقيل: بين الحيوان على ما ينزله الله على أهل الأرض.\nوقيل: يقسم ما يوحي الله إليهم.\nوقيل: معنى يقسّم الملائكة أي: تأتي (٥) بأمور مُخْتَلِفَة: جَبْرَيلُ بالغِلْظة (٦)، وميكائيل بالرحمة، وعزرائيل (٧) بالموت، وإسرافيل بالنفخ (٨).\nوقال (٩) ابن بحر: ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾ (١٠): هي الرياح، أيضًا، أي: تصيب بمطرها على ما قدّره الله (١١) تعالى من زيادة ونقصان وإصابة وحرمان \" (١٢).\n_________\n(١) قال ابن منظور: \" الدَّبور بالفتح: الرِّيح التي تقابل الصِّبا، والقَبُول: وهي ريح تهبُّ من نحو المغرب، والصِّبا: تقابلها من ناحية المشرق \" [لسان العرب (٤/ ٢٦٨) مادة \" دَبَرَ \"].\n(٢) بنات النعش: بنات نعش سبعة كواكب، أربعةٌ نعش وثلاثةٌ بنات والواحد: ابن نعش، لأن الكوكب مذكّر فيذكّرونه على تذكيره، [انظر: كتاب العين (١/ ٦٠) مادة \" نَعَشَ \"، الصَّحاح (...) مادة \" نَعَشَ \"، مجمل اللغة (ص: ٧٠٥) مادة \" نَعَشَ \"].\n(٣) انظر: التفسير الكبير (٣/ ١).\n(٤) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٧٥)، جامع البيان (٢٦/ ١٨٧)، تفسير السَّمرقندي (٣/ ٣٢٤)، تفسير الثعلبي (٩/ ١١٠)، النُّكَت والعُيُون (٥/ ٣٦١)، تفسير السَّمعاني (٥/ ٢٥٠)، المحرر الوجيز (٥/ ١٧١).\n(٥) في (أ) \" يأتي \".\n(٦) أي على الكافرين والمُهلكين.\n(٧) عزرائيل: لم يرد اسمه في حديث صحيح، وهو من الإسرائيليات، وقد اشتهر عند العامة بذلك، والتسمية الثابتة في القرآن والسُّنة \" ملك الموت \".\n(٨) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ٨٢)، النُّكَت والعُيُون (٥/ ٣٦١).\n(٩) \" وقال \" ساقطة من (أ).\n(١٠) \" ﴿أَمْرًا﴾ \" ساقطة من (أ).\n(١١) في (أ) \" ما قدَّر الله \".\n(١٢) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١١٣٨).","vol":"1","page":2993},{"text":"ويحتمل أن المرادَ بالكلِّ الملائكة؛ لإجماعهم على أنَّ المُقسِّمات أمرًا: هم الملائكة، ... فيكون الكلُّ من جنسٍ واحدٍ؛ لأنَّه عطف بعضَها على بعضٍ بالفاء، وذلك يَقْتَضِى اتّصالًا وتعقيبًا، فيصيرُ التقديرُ: أقسم بالملائكة التي تذروا الرياح فتحمل السحابَ فتجري بها وتقسمها في البلاد بين العباد (١).\nولهذا المعنى حمل ابنُ بحرٍ الجميعَ على الرِّياح (٢).\nوسأل عبد الله بن الكوّاء عليّا - ﵁ - عن ﴿وَالذَّارِيَاتِ﴾، فقال: \" الرِّياح، وعن ... ﴿فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا﴾، فقال: السَّحاب، وعن ﴿فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا﴾، فقال: السُّفن،\nوعن ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾، فقال: الملائكة \" (٣).\nوهذا أولى الأقوال. والله أعلم (٤).\n﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (٥)﴾: لصدقٌ، وقع اسمُ الفاعل موقعَ المصدر (٥).\nوقيل: ﴿لَصَادِقٌ﴾: أي: ذو صدق.\nوقيل: تقديره لوعد صادق، فحذف المضاف وأُقيم المضافُ إليه مَقامه.\nويحتمل: أن الوعدَ وُصف بالصدق للمبالغة، كما تقول شِعْرٌ شَاعرٌ، وسِرٌّ كاتمٌ.\n﴿وَإِنَّ الدِّينَ﴾: الجزاء على الأعمال.\n_________\n(١) في (أ) \" بين البلاد وبين العباد \".\n(٢) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١١٣٨).\n(٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٢٤١)، وأخرجه ابن جرير في جامع البيان (٢٦/ ١٨٧)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٥٠٦) وقال: \" هذا حديث صحيح الاسناد ولم يخرجاه \".\n(٤) \" والله أعلم \" ساقطة من (أ).\n(٥) انظر: جامع البيان (٢٦/ ١٨٧).","vol":"1","page":2994},{"text":"﴿لَوَاقِعٌ (٦)﴾: لكائن.\nمجاهد: \" وإنّ الحسَابَ لوَاجبٌ \" (١).\n﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ (٧)﴾: هذا قسمٌ آخرُ.\nابن عباس - ﵄ - \" حُبْكُها: حسنُها واستواؤها \" (٢).\nوقيل: الحبك الطرائق الحسنة، مثل ما يظهر على الماء من هبوب الريح وعلى الرمل،\nومثله في الشَّعر والذرع (٣).\nوقيل: ﴿ذَاتِ الْحُبُكِ﴾ ذات الزينة.\nوقيل: ﴿ذَاتِ الْحُبُكِ﴾: البنيان المتقن.\nوقيل: ذات الشدّة، تقول: حبَكتُ الشيء شددته.\nوقيل: حُبْك السَّماء ارتفاعٌ وانخفاضٌ في خَلْقها وليست بملساء.\nوقيل: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ (٧)﴾: السماء السابعة.\nوقيل: المراد بالسَّماء: السَّحاب، وبالحبك: ما يظهر على الرَّمل والماء.\nوالحُبُكُ جمع حبيكةٍ، كطريقة وطُرُق.\nوقيل: جمع حِباك كجرابٍ وجرب، فيكون (٤) الحِباكُ الذي بمعنى الرِّباط وهو\nالحبل (٥).\n_________\n(١) انظر: تفسير مجاهد (٢/ ٦١٥)، جامع البيان (٢٦/ ١٨٨)، النُّكَت والعُيُون (٥/ ٣٦٢).\n(٢) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (٢٦/ ١٨٩)، وابن أبي حاتم في تفسيره (١٠/ ٣٣١١).\n(٣) في (أ) \" والزرع \" وهي غير واضحة.\n(٤) في (ب) \" ويكون \".\n(٥) قال ابن كثير: \" وكلُّ هذه الأقوال ترجع إلى شيءٍ واحدٍ، وهو الحُسْنُ والبَهَاء \" [تفسير القرآن العظيم (٤/ ٢٤٩)]، وقال الشنقيطي: \" فيه للعلماء أقوالٌ متقاربةٌ لا يكذِّب بعضها بعضًا ... والآية تشمل الجميع فكلُّ الأقوال حقٌّ \" [أضواء البيان (٧/ ٦٦٢)]، وانظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٧٥)، معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ٨٢)، جامع البيان (٢٦/ ١٨٩)، تفسير السَّمرقندي (٣/ ٣٢٤)، تفسير الثعلبي (٩/ ١١٠)، النُّكَت والعُيُون (٥/ ٣٦٢)، تفسير السَّمعاني (٥/ ٢٥١)، المحرر الوجيز (٥/ ١٧٢).","vol":"1","page":2995},{"text":"﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨)﴾: أي: مصدِّقٍ بالقرآن ومكذِّبٍ به (١).\nوقيل: هو قولهم: شِعرٌ وسِحرٌ (٢) وكهانة، وإنْ هو إلاّ قولُ محمدٍ - ﷺ -.\nوقيل: معنى ﴿قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾: محقٌّ ومبطلٌ.\nوقيل: مؤمنٌ وكافرٌ ومطيعٌ وعاصٍ.\nوقيل: في ﴿قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾: [في ثبوت القيامة من قوله سبحانه: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (٢) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾ [النبأ: ١ - ٣].\nوقيل: إنكم في الحقّ لفي قول مخَّتلف] (٣)، ولا يصحُّ إلا واحدٌ فاطلبوا ذلك الواحد.\n﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (٩)﴾: أي: يُصرفُ عن الإيمان بالقرآن من صُرف عن جميع الخيرات (٤).\nوقيل: مَن خُدع عنه فقد خُدع.\nوقيل: يكذب عنه من كذب.\nويحتمل: أن الأولَ من الأَفك - بالفتح - وهو الصرف، والثاني من الإِفك ... - بالكسر - (٥)، وهو الكذب.\nوالمعنى أي: يُصرف عن الحقّ من كذّب ودُعي إلى الباطل (٦).\n﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (١٠)﴾: الجمهور على أن معنى ﴿قُتِلَ﴾: لُعن؛ لأنَّ من لعنه اللهُ فقد قتله (٧).\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٦/ ١٩١)، تفسير السَّمرقندي (٣/ ٣٢٥)، النُّكَت والعُيُون (٥/ ٣٦٣).\n(٢) في (أ) \" سِحرٌ وشِعرٌ \".\n(٣) ما بين المعقوفتين ساقط من (أ).\n(٤) انظر: جامع البيان (٢٦/ ١٩١)، النُّكَت والعُيُون (٥/ ٣٦٣).\n(٥) \" بالكسر \" ساقطة من (ب).\n(٦) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١١٣٩).\n(٧) انظر: تفسير مجاهد (٢/ ٦١٦)، معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ٨٣)، جامع البيان (٢٦/ ١٩٢)، تفسير السَّمرقندي (٣/ ٣٢٥)، تفسير الثعلبي (٩/ ١١١)، النُّكَت والعُيُون (٥/ ٣٦٣)، زاد المسير (٧/ ٢٥٠).","vol":"1","page":2996},{"text":"ابنُ عيسى أي: \" قتلوا باللَّعن \" (١).\nوقيل: هذا دعاءٌ عليهم.\nويحتمل: أن هذا إخبارٌ بما يؤول إليه أمرُهم، إذا أذن الله لنبيه في القتال.\nوذُكر بلفظ الماضي تحقيقًا لذلك وقطعًا به.\nو﴿الْخَرَّاصُونَ﴾: الكذَّابون الذين قالوا: محمدٌ شاعرٌ، وكاهنٌ، ومجنونٌ (٢).\nوقيل: هم المتكبرون.\nوالخرَّاص: الذَّي الذي يقطع بالشيء تخمينًا وتقديرًا من دون علم، والخرْصُ: الكذب.\nوقيل: الخرْصُ الظَّن، والخرْص الحزْر في العدد والكيل (٣).\n﴿الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ﴾: غفلةٍ متناهيةٍ (٤).\nوالغمرةُ فوقَ الغفلة، والسَّهوُ دون الغفلة (٥).\nوالغمر في الأصل: الماء الذي يغمر كلَّ شيءٍ، أي: يستره (٦).\n﴿سَاهُونَ (١١)﴾: لاهون.\nوقيل: في ضلالتهم (٧) متمادون.\nوقيل: في عمىً وشُبهةٍ متردّدون، والمعنى: هم في غاية الجهل ساهون عن الحقّ.\n﴿يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ (١٢)﴾: أي: يقولوا استهزاءً: متي اليوم الذي تُوعِّدنا فيه بوقوع الجزاء؟.\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ٨٣)، جامع البيان (٢٦/ ١٩٢)، تفسير الثعلبي (٩/ ١١١)، زاد المسير (٧/ ٢٥٠).\n(٣) انظر: المفردات (ص: ٢٦٩)، مادة \" خَرَصَ \"، لسان العرب (٧/ ٢١).\n(٤) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٧٦)، جامع البيان (٢٦/ ١٩٢)، تفسير السَّمرقندي (٣/ ٣٢٥)، النُّكَت والعُيُون (٥/ ٣٦٤).\n(٥) انظر: الكُّلِّيات؛ للكفوي (ص: ٥٠٦).\n(٦) انظر: المفردات (ص: ٦١٤)، مادة \" غَمَرَ \"، لسان العرب، (٥/ ٢٩)، مادة \" غَمَرَ \".\n(٧) في (أ) \" في صلاتهم \".","vol":"1","page":2997},{"text":"و﴿أَيَّانَ﴾: في معنى متى، وجاء مكسورًا شاذًا (١)، وأصله عند الكوفيين أيُّ آنٍ.\n﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣)﴾: هذا جواب من الله لهم، أي: يقع الجزاء يوم يُحرَقون بالنار.\nوقيل: يُنضجون. وقيل: يُعذبون (٢).\nوفتنتُ (٣) الشيءَ: أحرقت خبثه؛ ليظهر خلاصه، والكافر كلُّه خبيث (٤)، فيحرقُ كلُّه.\nو﴿أَيَّانَ﴾: ظرف، وهو خبر المبتدأ، و﴿يَوْمُ الدِّينِ﴾: المبتدأ، و﴿يَوْمَ هُمْ﴾ جواب عن ﴿أَيَّانَ﴾؛ لأنَّ السؤالَ وقع عن وقت وقوع الجزاء، فهو ظرف.\nوقيل: ﴿أَيَّانَ﴾ في محل رفع؛ لانَّ المعنى: أيُّ يومٍ يومُ الجزاء (٥)، فيكون ﴿يَوْمَ هُمْ﴾ مبنيًا على الفتح؛ لإضافته إلى الجملة ومثله (يومئذ)، ومحله رفعٌ، أي: ذلك اليوم ... ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ (٦).\n﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾: أي: تقول (٧) لهم خزنة النار: ذوقوا عذابَكم وإحراقَكم بالنَّار.\n﴿هَذَا﴾: أي: هذا العذاب. وقيل: هذا اليوم.\n_________\n(١) أي بكسر الهمزة، وهي قراءة أبي عبد الرحمن السُّلمي. [انظر: إعراب القرآن؛ للنَّحاس (٤/ ١٥٨)، المحتسب (٢/ ٣٣٨)، شواذ القراءات (ص: ٤٤٨) المحرر الوجيز (٥/ ١٧٣)].\n(٢) واختار ابن جرير هذا القول، حيث قال في [جامع البيان (٢٦/ ١٩٤)]: \" وأولى القولين بالصواب في تأويل قوله ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣)﴾ قول من قال: يُعذَّبون بالإحراق؛ لأنَّ الفتنة أصلها الاختبار، وإنما يقال: فَتَنْتُ الذَّهب بالنار: إذا طبختها بها لتعرف جودتها فكذلك قوله ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣)﴾ يُحْرَقُون بها كما يُحرق الذهب بها \".\n(٣) في (أ) \" وفنيئت \".\n(٤) في (ب) \" خبث \".\n(٥) في (أ) \" أيُّ يوم الدِّين \".\n(٦) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ٨٢)، جامع البيان (٢٦/ ١٩٤)، إعراب القرآن؛ للنَّحاس (٤/ ١٥٨).\n(٧) في (ب) \" يقول \".","vol":"1","page":2998},{"text":"﴿الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (١٤)﴾ بقولكم: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾ (١)،\n[يونس: ٤٨]، وقولكم (٢): ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾، [الأعراف: ٧٠].\nثم ذكر حالَ المؤمنين فقال:\n﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ﴾: بَسَاتِينَ.\n﴿وَعُيُونٍ (١٥)﴾: أنهار جارية.\n﴿آَخِذِينَ مَا آَتَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾: أي: أخذوا ثواب أعمالهم، ووصل ذلك إليهم.\nوقيل: معناه قابلين، وهو حالٌ مقدَّرٌ.\nوقيل: حالٌ ثابتٌ لهم في الدنيا، أي: عاملين بما أمرهم الله (٣).\n﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ﴾: قبل دخول الجنة، يعني: في الدنيا.\n﴿مُحْسِنِينَ (١٦)﴾: مؤمنين مطيعين. فهذا جزاء أعمالهم.\nثم ذكر أحوالهم في الدنيا، فقال:\n﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧)﴾: أي: يُحيون أكثرَ الليل (٤).\nالحسن: \" يمدّون الصلاةَ إلى السَّحَر، ثم يستغفرون \" (٥).\nقتادة: \" لا ينامون عن صلاة العشاء \" (٦)، أي: هُجُوعهُم قليلٌ في جنب يقظَتهم لصلاة العشاء الآخِرة.\n_________\n(١) ورد هذا النص في عدة آيات من القرآن في سور مختلفة، أولها سورة يونس، ولذا عزي إليه.\n(٢) القول في هذا النص كالقول في الذي قبله، وقد جاء حكاية عن قول قوم نوح، وهود، وصالح.\n(٣) في (ب) \" أمرهم ربهم \".\n(٤) قال ابن جزي: \" الهَجُوع: النُّوم، وفي معنى الآية قولان: أحدهما وهو الصحيح: أنهم كانوا ينامون قليلًا من الليل ويقطعون أكثر الليل بالسَّهر في الصلاة والتَّضرع والدُّعاء، والآخر: أنهم كانوا لا ينامون بالليل قليلا ولا كثيرًا \" [التسهيل: (٤/ ٦٨)].\n(٥) أخرجه ابن جرير (بنحوه) في جامع البيان (٢٦/ ١٩٨)، وانظر: تفسير مجاهد (٢/ ٦١٧)، النُّكَت والعُيُون (٥/ ٣٦٦).\n(٦) انظر: أحكام القرآن؛ للجَصَّاص (٣/ ٥٤٦).","vol":"1","page":2999},{"text":"وقيل: يُصلُّون بين المغرب والعشاء.\nوفي ﴿مَا﴾: ثلاثة أقوال:\nأحدها: أنَّه صلة، أي: كانوا يهجعون قليلًا من الليل، فيكون ﴿يَهْجَعُونَ﴾ خبرَ ... كان، و﴿قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ ظرفٌ.\nوالثاني: أنه للمصدر، أي: كانوا قليلًا من الليل هجوعُهم، فيرتفع الهجُوعُ بالبدل من واو الضمير (١).\nوقيل: يرتفع بـ\"قليل\".\nوهذا مع وصفه بقوله: ﴿مِنَ اللَّيْلِ﴾ ممتنع.\nوالثالث: للنفي.\nوهذا القول لا يصحُّ في العربية؛ لمكان قوله: ﴿مِنَ اللَّيْلِ﴾؛ لأنك إنْ جعلته من صلة ﴿يَهْجَعُونَ﴾ لا يجوز؛ لأنَّ ما بعد (ما) النفي لا يتقدّم عليه، وإنْ جعلته من صلة قليلٍ امتنع؛ لأنه يصح أنْ يكونَ خبرًا لكان، لفساده في المعنى، وهو أنَّه ليس إيَّاهم، ولا أن يكونوا ظرفًا للمضمرين، لأنهم جثث. والله أعلم (٢).\n_________\n(١) في (أ) \" من أول الضمير \".\n(٢) انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ٨٤)، جامع البيان (٢٦/ ١٩٦)، إعراب القرآن؛ للنَّحاس (٤/ ١٦٠)، تفسير الثعلبي (٩/ ١١١)، مشكل إعراب القرآن (٢/ ٦٨٦)، المحرر الوجيز (٥/ ١٧٤)، إملاء ما من به الرحمن (٢/ ٢٤٤)، وأظهر هذه الأقوال عند المفسرين القول الثاني: أي مصدرية قال ابن جرير: \" وأولى الأقوال بالصِّحة في تأويل قوله: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧)﴾ قول من قال: كانوا قليلا من الليل هجوعهم؛ ... لأنَّ الله - ﵎ - وصفهم بذلك مدحًا لهم، وأثنى عليهم به فوصفهم بكثرة العمل وسهر الليل ومكابدته فيما يقربهم منه ويرضيه عنهم أولى وأشبه من وصفهم من قلة العمل وكثرة النوم، مع أنَّ الذي اخترنا في ذلك هو أغلب المعاني على ظاهر التنزيل \" [جامع البيان (٢٦/ ٢٠٠)].","vol":"1","page":3000},{"text":"﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨)﴾: قيل (١): يُصلُّون.\nوقيل: يستغفرون الله.\nابن زيد: \" السَّحَرُ: السُّدسُ الأخير من الليل \" (٢).\nوسُمِّي سَحرًا لاشتباهِه بين الضياء والظلمة \" (٣) (٤).\n﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (١٩)﴾: فيه قولان:\nأحدهما: الزَّكاة.\nوالثاني: حقّ سوى الزَّكاة (٥)، تَصِلُ به رحمًا، أو تَقري به ضيفًا، أو تحمل به كَلًَّا (٦).\nوَذَهَبَ (٧) بعضهم إلى أنه منسوخ بآية الزَّكاة (٨) (٩).\nوالسَّائل: هو الذي يسأل الناسَ لحاجته وفاقته.\nوقيل: هو الذي يسأل المعونةَ بإظهار حاجته إليها واستحقاقه (١٠) لها (١١)، ويجب أنْ\n_________\n(١) \" قيل \" ساقطة من (أ).\n(٢) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (٢٦/ ٢٠٠)، وأورده في الماوردي النُّكَت والعُيُون (٥/ ٣٦٦).\n(٣) في (أ) \" من الضياء والظلمة \".\n(٤) انظر: النُّكَت والعُيُون (٥/ ٣٦٦).\n(٥) في (ب) \" سوى الله \".\n(٦) قال ابن جزي: \"الحقُّ هنا: نوافل الصدقات، وقيل المراد: الزُّكاة، وهذا بعيدٌ؛ لأنَّ الآية مكية، وإنما فرضت الزكاة بالمدينة \" [التسهيل (٤/ ٦٨)] \"، وانظر: أحكام القرآن؛ للجصَّاص (٣/ ٥٤٦)، النُّكَت والعُيُون (٥/ ٣٦٦)، تفسير السَّمعاني (٥/ ٢٥٤)، زاد المسير (٧/ ٢٥١).\n(٧) في (أ) \" فذهب \".\n(٨) وهي قوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣)﴾ [التوبة: (١٠٣)].\n(٩) وهو مروي عن الضحاك، قال مكي: \" والذي يوجبه النَّظر، وقال به أهل العلم: أنَّها في غير الزَّكاة على النَّدب لفعل الخير والتَّطوع بالصَّدقات، في ندب غير منسوخة \" [الإيضاح (ص: ٣٦٢)]، وقال ابن جزي: ... \" وقيل: إنَّ الآية منسوخة بالزَّكاة وهذا لا يحتاج إليه؛ لأنَّ النسخ إنما يكون مع التعارض ولا تعارض بين الزكاة والنوافل وتسمية النوافل بالحق كقوله: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦]، وإن كان غير واجب \" ... [التسهيل (٤/ ٦٨)]، وانظر: الناسخ والمنسوخ للنَّحَّاس (ص: ٦٨٢)، الناسخ والمنسوخ؛ لابن سلامة (ص: ١١٧).\n(١٠) في (ب) \" واستخفافه لها \".\n(١١) انظر: جامع البيان (٢٦/ ٢٠٠)، النُّكَت والعُيُون (٥/ ٣٦٦)، تفسير القرآن العظيم (٤/ ٢٥١).","vol":"1","page":3001},{"text":"يُعطى من غيره تفتيش عن حاله؛ لقوله - ﷺ -: «للسَّائل (١) حقٌّ وإنْ جاءَ على\nفرس» (٢).\nوالمحروم هو: الذي حُرم من الرزق ما يكفيه.\nوفيه أقوال:\nأحدها: أنَّه المصابُ ثمرُه، من قوله تعالى: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾، [القلم: (٢٧)].\nوقيل: هو المحَارفُ الذي لا يكاد يكتسب، ولا سهمَ له (٣).\nوقيل: هو المتعففُ الذي لا يُظهر فاقتَه بالسؤال.\nوقيل: هو الذي لا ينمى له مالٌ.\nوقيل: هو أبو البنات.\nوقيل: هو المملوكُ يُنفق عليه سيده.\nوقيل: الكلب، وهو مرويٌّ عن عمرَ بنِ عبدِ العزيز (٤) (٥).\nوقيل: مَن وجب عليك نفقتُه لفقره من ذوي نسبك، حكاه الماورديّ (٦).\n_________\n(١) في (أ) \" فللسَّائل \".\n(٢) أخرجه أبو داود في سننه، في كتاب الزكاة، باب حق السائل، برقم (١٦٦٤)، وأخرجه الإمام أحمد في مسنده (١/ ٢٠١) كلاهما عن الحسين بن علي - ﵄ -. قال الشيخ شعيب الأرنؤوط في تعليقه: \" إسناده ضعيف \"، وضعَّفه الألباني في ضيف الجامع (ص: ٦٨٤)، برقم (٤٧٤٦).\n(٣) وفي لسان العرب (٩/ ٤١): \" المُحارَف الذي يَحْتَرِفُ بيدَيه قد حُرِم سَهْمَه من الغنيمة لا يَغْزُو مع المسلمين فَبَقِيَ محْرومًا يُعْطى من الصدقة ما يَسُدُّ حِرْمانَه \".\n(٤) انظر: الناسخ والمنسوخ؛ للنَّحَّاس (ص: ٦٨٢)، النُّكَت والعُيُون (٥/ ٣٦٧)، زاد المسير (٧/ ٢٥٢).\nقال القرطبي: \" روي أنَّ عمر بن عبد العزيز كان في طريق مكة فجاء كلب فانتزع عمر - ﵀ - كَتِفَ شاةٍ فرمى بها إليه، وقال: يقولون: إنه المحروم \" [الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ٤٢)].\n(٥) عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبى العاص بن أمية بن عبد شمس الأموي القرشي، أبو حفص، الإمام الحافظ العلامة المجتهد الزاهد العابد، الخليفة الزاهد الراشد أشج بني أمية، وكان من أئمة الاجتهاد، ومن الخلفاء الراشدين المهديين الذي أحيا ما أميت قبله من السنن وسلك مسلك من تقدمه من الخلفاء الأربعة، وقد توفي سنة إحدى ومائة للهجرة، وكانت خلافته مثل خلافة أبى بكر الصديق سواء. [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: مشاهير علماء الأمصار (ص: ٢٠٩)، سير أعلام النبلاء (٥/ ١١٤)].\n(٦) انظر: النُّكَت والعُيُون (٥/ ٣٦٦).","vol":"1","page":3002},{"text":"قال (١) الشعبيُّ: \" أعياني أنْ أعلمَ ما المحروم؟ \" (٢).\nوقيل: \" بعث رسولُ الله - ﷺ - سريّةً فأصابوا وغنموا (٣)، فجاء قوم بعد أنْ فرغوا، فنزلت: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (١٩)﴾ \" (٤) (٥).\n﴿وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ﴾: دلالات. يُريد ما فيها من الجبال، والبحار، والأشجار، والنبات، وأنواع الطيور والحيوان.\nوقيل: يريد ما وقع فيها من العذاب بالأمم الخالية.\nوقيل: في (٦) سكون الأرض على غير عمدٍ دلالاتٍ:\n﴿لِلْمُوقِنِينَ (٢٠)﴾: لمن طلب العلمَ بالدليل.\n﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ﴾: أي: وفي أنفسكم آيات، وهي أقرب الأشياء إليكم، وآياتها تُربو على آيات السماوات، منها: استواءُ الخِلقة والمفاصل.\nوقيل: يأكل ويشرب من مدخل، ويخرجان من مخرجين.\nوقيل: تغيّره من حالٍ إلى حالٍ (٧).\n_________\n(١) \" قال \" ساقطة من (أ).\n(٢) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (٢٩/ ٨١)، وأورده السَّمرقندي في تفسيره (٣/ ٤٧٣).\n(٣) في (أ) \" وأغنموا \".\n(٤) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (٢٦/ ٢٠٣)، عن الحسن بن محمد، وأورده ابن كثير في تفسير القرآن العظيم (٤/ ٢٥١)، وقال: \" وهذا يقتضي أن هذه مدنية وليس كذلك بل هي مكية شاملة لما بعدها \"، وانظر: لباب النقول (ص: ٢٨٠).\n(٥) انظر: جامع البيان (٢٦/ ٢٠٠)، تفسير السَّمرقندي (٣/ ٤٧٣)، تفسير الثعلبي (٩/ ١١٢)، النُّكَت والعُيُون (٥/ ٣٦٦)، تفسير السَّمعاني (٥/ ٢٥٤)، الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ٤١)، زاد المسير (٧/ ٢٥٢).\nوالراجح في المحروم أنه يشمل هذه الأقوال، قال ابن جرير: \" والصَّواب من القول في ذلك عندي أنَّه الذي قد حُرم الرِّزق واحتاج، وقد يكون ذلك بذهاب ماله وثمره فصار ممن حرمه الله ذلك، وقد يكون بسبب تعففه وتركه المسألة، ويكون بأنه لا سهم له في الغنيمة لغيبته عن الوقعة، فلا قول في ذلك أولى بالصواب من أن تعمُّ كما قال ... - جل ثناؤه - ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (١٩)﴾ \" [جامع البيان (٢٦/ ٢٠٤)].\n(٦) في (ب) \" وفي \".\n(٧) انظر: جامع البيان (٢٦/ ٢٠٤)، النُّكَت والعُيُون (٥/ ٣٦٧).","vol":"1","page":3003},{"text":"﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾: تنظرون نظرَ مَن يعتبر.\nوما روي عن بعضهم: أنَّ التقدير: أفلا تبصرون في أنفسكم، فقُدَّم. ضعيفٌ بعيدٌ؛ لأنَّ ما بعد ألف الاستفهام لا يتقدّم عليه (١).\n﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ﴾: يريد المطرَ الذي هو سبب الرزق (٢).\nوقيل: السَّماء السَّحاب.\nوكان الحَسَنُ إذا نظر إلى السحاب، قال:\n\" فيه والله رزقكم، ولكن تُحرمون بخطاياكم وأعمالكم \" (٣).\nوقيل: السَّماء: المطر.\nوقيل: وفي السَّماء تقديرُ رزقكم من زيادةٍ ونقصانٍ.\nوقيل: ﴿فِي﴾: بمعنى (على)، وتقديره: وعلى ربّ السماء رزقكم وما توعدون.\nتقديره (٤): وفي السماء ما توعدون؛ لأنه: عطف على رزقكم.\nوقيل: تمَّ الكلام على قوله رزقكم، ثمَّ استأنف فقال: ﴿وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢)﴾:\nوخبره قوله: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾:\nواختلف في قوله: ﴿وَمَا تُوعَدُونَ﴾:\nفقيل الجنة، وأنها في السماء السابعة.\nوقيل: ما توعدون من الجزاء.\nوقيل: ما توعدون من أمر الساعة.\n_________\n(١) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١١٤١)، إملاء ما من به الرحمن (٢/ ٢٤٤).\n(٢) وهو قول جمهور المفسرين، انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٧٧)، جامع البيان (٢٦/ ٢٠٥)، تفسير السَّمرقندي (٣/ ٣٢٦)، تفسير الثعلبي (٩/ ١١٥)، النُّكَت والعُيُون (٥/ ٣٦٧)، زاد المسير (٧/ ٢٥٢).\n(٣) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (٢٦/ ٢٠٥)، وأورده السُّيُوطي في الدر المنثور (٢/ ١٢٠) وعزاه إلى أبي الشيخ.\n(٤) في (ب) \" وتقديره \".","vol":"1","page":3004},{"text":"وقيل: ما توعدون من نزول الملائكة، من قوله: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ﴾ (١) الآية، [الفرقان: ٢٥] (٢).\nوالهاء في قوله: ﴿إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾:\nقيل: يعود إلى الرزق.\nوقيل: إلى مَا ﴿تُوعَدُونَ﴾.\nوقيل: إلى جميع ما في السورة (٣).\nالحسن: بلغني أن رسولَ الله - ﷺ - قال: «قاتل الله أقوامًا أقسم الله لهم (٤)، ثُمَّ لم يُصَدِّقوه» (٥).\n﴿مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (٢٣)﴾ ابن عباس - ﵄-: \" إنَّه حقّ، كما أنَّ قولَ: (لا اله إلا الله) حقّ \" (٦).\nوقيل: إنه حقٌّ كما أنَّ نطقَكم حقٌّ.\nوقيل: كما لا شك أنكم ناطقون، كذلك لاشكّ في وقوع ما توعدون.\nالزَّجَّاج: \" شبَّه الله تحقّقَ ما أخبر عنه بتحقّق نطق الآدمي ووجوده \" (٧).\nوفي بعض التفاسير: كما لا يدري أحدُكم من أين نطقُه؟، ومن أين يجتمع الكلامُ حرفًا حرفًا؟، كذلك يأتيه رزقه قوتًا قوتًا، ولا يدري من أين يأتيه؟ (٨).\n_________\n(١) الآية ساقطة من (أ).\n(٢) انظر: جامع البيان (٢٦/ ٢٠٦)، تفسير السَّمرقندي (٣/ ٣٢٦)، النُّكَت والعُيُون (٥/ ٣٦٨)، زاد المسير (٧/ ٢٥٣)، ورجَّحَ ابن جرير قول مجاهد: وما توعدون من خير أو شرٍّ، حيث قال: \" وأولى القولين بالصواب في ذلك عندي القول الذي قاله مجاهد؛ لأنَّ الله عمَّ الخبر بقوله: ﴿وَمَا تُوعَدُونَ﴾ عن كلِّ ما وعدنا من خيرٍ أو ... شرٍّ، ولم يُخَصِّص بذلك بعضًا دون بعض، فهو على عمومه كما عمَّه الله جلَّ ثناؤه \" [جامع البيان (٢٦/ ٢٠٦)]\n(٣) انظر: التسهيل (٤/ ٦٩).\n(٤) في (ب) \" أقسم لهم ربُّهم \".\n(٥) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (٢٦/ ٢٠٦) عن الحسن مرسلًا، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (١٠/ ٣٢١٢).\n(٦) لم أقف عليه.\n(٧) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجاج (٥/ ٤٤).\n(٨) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١١٤١).","vol":"1","page":3005},{"text":"قُرئ ﴿مِثْلَ مَا﴾: بالرفع على أنَّه صفةٌ لقوله: ﴿لَحَقٌّ﴾.\nوقُرئ بالنَّصب (١).\nومذهب سيبويه أنَّه مبنيٌّ على الفتح؛ لإضافته على مبنيّ، وهو: ﴿مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ (٢)، و(ما) زيادةٌ وصلةٌ (٣).\nومذهب المازني: أنَّ (ما) مع (مثل) كشيءٍ واحدٍ. وأنشد:\nوتداعى منخراه بدمٍ. . . ... مثلَ ما أثمر حُمَّاضُ (٤) الجبل (٥) (٦)\nالجَرْميّ (٧): نصبه (٨) على الحال، وإن كان ذو الحال نكرة (٩).\n_________\n(١) قرأ عاصم في رواية شعبة وحمزة ﴿مِثْلَ مَا﴾ بالرَّفع، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وحفص عن عاصم ﴿مِثْلَ مَا﴾ نصبًا على الأوجه التي أوردها المؤلف في المتن [انظر القراءات وتوجيهها: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ٨٣)، جامع البيان (٢٦/ ٢٠٧)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٤٤)، السَّبعة في القراءات (ص: ٦٠٩)، معاني القراءات (ص: ٤٦٢)، الحُجَّة (٦/ ٢١٦)].\n(٢) \" ﴿مَا﴾ \" ساقطة من (ب).\n(٣) انظر: إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٤/ ١٦١).\n(٤) الحُمَّاض: بقلة برية تنبت أيام الربيع في مسايل الماء ولها ثمرة حمراء وهي من ذكور البقول [لسان العرب (٧/ ١٤٠)، مادة \" حَمِضَ \"].\n(٥) البيت للنابغة الجعدي [انظر: لسان العرب (٧/ ١٤٠)، مادة \" حَمِضَ \"].\n(٦) انظر: الحُجَّة (٦/ ٢١٨)، مشكل إعراب القرآن (٢/ ٦٨٧).\n(٧) الجَرْمِي، هو: صالح بن إسحاق الجَرْمي، مولاهم، وقيل مولى لبجيلة، ونزل في جرم فقيل له: جَرْمي، أبو عمر، إمام في النحو، ناظر الفَّراء ببغداد، وأخذ عن الأخفش وغيره، وكان عالم دين وورع، من أهل البصرة، وسكن بغداد. وله مصنفات منها: كتاب في (السير) و(كتاب الأبنية) و(غريب سيبويه)، وقد توفي سنة خمس وعشرين ومائتين للهجرة. [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: البلغة في تراجم أئمة النحو واللغة (١/ ٢٦)، الأعلام (٣/ ١٨٩)].\n(٨) في (أ) \" نُصب \".\n(٩) انظر: الحُجَّة (٦/ ٢١٨)، مشكل إعراب القرآن (٢/ ٦٨٧).","vol":"1","page":3006},{"text":"وأبو علي: جعله حالًا من الضمير في ﴿لَحَقٌّ﴾ (١).\nالفَرَّاء: \" صفةٌ مصدرٍ محذوفٍ، أي: لحقٌّ حقًَّا \" (٢).\n﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ﴾: أي: ما كان من شأنهم، والعرب تقول للمخاطَب إذا أُخبر (٣) عن خبرٍ ماضٍ: هلّ أتاك خبرُ كذا، وإنْ علم أنَّه لم يأته (٤).\nوقيل: ﴿هَلْ﴾ هاهنا بمعنى (قد)، أي: قد أتاك (٥).\nوقيل: الخطاب للنبيّ - ﷺ -، والمراد به القومُ، أي: هل يمكنهم أنْ يقولوا: أتاك حديث إبراهيم من (٦) غير وحيٍ به إليك؟.\nقوله: ﴿الْمُكْرَمِينَ (٢٤)﴾: أي: عند الله من قوله: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾، [الأنبياء: ٢٦].\nوقيل: أكرمهم (٧) بأنْ خدمهم بنفسه.\nوقيل: استحقوا أنْ يكرموا؛ لأنهم جاءوا من غير أنْ دعوا (٨).\n﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾: ظرف للحديث، ويجوز أنْ يكونَ ظرفًا للإكرام على القول الثاني والثالث، والواو ضمير للضيف، وجُمع؛ لأنهم كانوا أحدَ عشرَ، معهم جبريل - ﵇ -.\nوقيل: كان جبريل، وميكائيل، وإسرافيل - ﵈ -.\nوسمَّاهم أضيافًا؛ لأنهم جاؤوه (٩) مجيءَ الأضياف.\n_________\n(١) انظر: الحُجَّة (٦/ ٢١٨).\n(٢) انظر: معاني القرآن (٣/ ٨٥).\n(٣) في (أ) \" أخبره \".\n(٤) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ٨٦)، تفسير البحر المحيط (٩/ ٥٥٤).\n(٥) وهو قول ابن عباس ومقاتل. [انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٧٧)، زاد المسير (٧/ ٢٥٤)].\n(٦) في (أ) \" من جهة \" بزيادة \" جهة \"، والكلام يستقيم من دونها.\n(٧) في (ب) \" إكرامهم \".\n(٨) انظر: تفسير الثعلبي (٩/ ١١٧)، النُّكَت والعُيُون (٥/ ٣٦٩)، زاد المسير (٧/ ٢٥٤).\n(٩) في (أ) \" جاؤا\".","vol":"1","page":3007},{"text":"وقيل: لأنَّه (١) عَاملهم معاملةَ الأضياف (٢).\nفَقَالُوا ﴿سَلَامًا﴾: أي: سلَّموا عليه سلامًا للتحية.\n﴿قَالَ سَلَامٌ﴾: أي: ردّ ﵈ بمثل ما سلَّموا.\nوقيل: بل زاد، كما أُمر في قوله: ﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ﴾ مِنْهَا [النساء: ٨٦]\nوتلك الزيادة في الرفعيَّة؛ لأن مرتبةَ الرَّفع قبلَ النَّصب. وليس الموضعُ موضعَ بيانه.\nوقيل: أرادوا نحن سِلْمٌ لكَ غيرُ محاربين، لتسكن (٣) نفسُه، فأجابهم بمثل ذلك، فقال: سِلمٌ، أي: نحن سِلمٌ (٤) أيضًا (٥).\nوسلامٌ وسِلْمٌ (٦) لغتان (٧).\n﴿قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٢٥)﴾: غُرباء لا أعرفكم (٨).\nابن عبّاس - ﵄ -: \" قال في نفسه؛ لأنّه ظنّ أنَّهم بنو آدم ولم يعرفْهم \" (٩).\nوقيل: لم يكن السَّلامُ تحيتَهم، فلمَّا سلّموا عليه نَكِرَهم.\nوقيل: لأنَّهم دخلوا عليه بغير استئذان (١٠).\n﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ﴾: أتاهم في خُفية من ضيفه؛ لئلا يعلموا بما يتكلّفه لهم.\n_________\n(١) \" لأنَّه \" ساقطة من (أ).\n(٢) انظر: النُّكَت والعُيُون (٥/ ٣٦٩)، زاد المسير (٧/ ٢٥٤).\n(٣) في (ب) \" ليسكن نفسه \".\n(٤) \" سِلْمٌ \" ساقطة من (أ).\n(٥) انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٢/ ٢٠)، جامع البيان (١٢/ ٦٩) (٢٦/ ٢٠٨)، إعراب القرآن؛ للنَّحاس (٢/ ١٧٥).\n(٦) في (أ) \" سَلامٌ وسِلْمٌ \".\n(٧) وهما قراءتان سبعيتان صحيحتان، فقد قرأ حمزة والكسائي ﴿قال سِلْمٌ﴾ بكسر السِّين، وقرأ الباقون ... ﴿قَالَ سَلَامٌ﴾. [انظر: جامع البيان (١٢/ ٦٩)، السَّبعة (ص: ٣٣٧)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٤/ ١٦٢)].\n(٨) انظر: جامع البيان (٢٦/ ٢٠٨)، تفسير الثعلبي (٩/ ١١٧).\n(٩) انظر: تفسير البغوي (٧/ ٣٧٦)، زاد المسير (٧/ ٢٥٤).\n(١٠) في (أ) \" دخلوا على غير استئذان \".","vol":"1","page":3008},{"text":"وقيل: (راغ): أسرع في خَفَاءٍ (١).\n﴿فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (٢٦)﴾: مشويٍّ (٢).\nوكان أكثرَ مالِه - ﵇ -: البقرُ، واختار السمينَ زيادةً في إكرامهم (٣).\n﴿فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ﴾: فوضعه بين أيديهم، فلم يأكلوا؛ لأنَّهم لا يأكلون ولا يشربون.\n﴿قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (٢٧) فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾: فوقع في نفسه الخوفُ منهم.\nوقيل: معناه فأضمر في نفسه خيفةً منهم، حيث لم يأكلوا طعامه وظنَّ أنهم جاؤوه بشرٍّ يريدونه به.\n﴿قَالُوا لَا تَخَفْ﴾: إنَّا رسلُ الله.\nوقيل: إنَّ جبريلَ مسح العجلَ بجناحه، فقام يدرجُ حتى لحقَ بأُمه، وكانت في الدار، فصدّقهم وأمن منهم (٤) (٥).\n﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ﴾: يعني إسحاق - ﵇ - بإجماع من المفسرين (٦)، إلا مجاهدًا (٧) وحده ... فإنَّه (٨) قال: المبشَّر به في الآية إسماعيل - ﵇ - (٩).\n﴿عَلِيمٍ (٢٨)﴾: يعلم إذا بلغ، والعليم: المبالِغ في العلم (١٠).\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٦/ ٢٠٨)، النُّكَت والعُيُون (٥/ ٣٧٠).\n(٢) انظر: جامع البيان (٢٦/ ٢٠٨)، تفسير البغوي (٧/ ٣٧٦).\n(٣) انظر: النُّكَت والعُيُون (٥/ ٣٧٠)، وقد عزاه الماوردي لقتادة.\n(٤) \" منهم\" ساقطة من (ب).\n(٥) أخرجه الثعلبي في تفسيره (٩/ ١١٧)، وأورده الماوردي عن عون بن أبي شداد في تفسيره النُّكَت والعُيُون (٥/ ٣٧٠).\n(٦) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٧٨)، جامع البيان (٢٦/ ٢٠٨)، النُّكَت والعُيُون (٥/ ٣٧١)، الجامع لأحكام القرآن؛ للقرطبي (١٧/ ٤٩).\n(٧) في (أ) \" إلا مجاهدٌ \".\n(٨) \" فإنه \" ساقطة من (أ).\n(٩) انظر: تفسير مجاهد (٢/ ٦١٩)، النُّكَت والعُيُون (٥/ ٣٧١)، قال ابن جرير في جامع البيان [(٢٦/ ٢٠٨)]: \" وإنَّما قُلت عنى به إسحاق؛ لأنَّ البشارة كانت بالولد من سارة، وإسماعيل لهاجر، لا لسَارة \".\n(١٠) انظر: جامع البيان (٢٦/ ٢٠٨)، الجامع لأحكام القرآن؛ للقرطبي (١٧/ ٤٩).","vol":"1","page":3009},{"text":"وقيل: الفرق بين العليم والعالم كالسَّميع والسَّامع، فإن السَّامعَ لابدَّ له من مسموعٍ، والسَّميع هو: الذي إن صحّ مسموعٌ سمعه.\n﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ﴾: أي: جعلتْ، وليس إقبالَ نُقلةٍ (١).\nوقيل: كانت بالبُعد فلمَّا سمعت الملائكةَ يبشِّرون إبراهيمَ - ﵇ - بالولد أقبلت إلى إبراهيم.\nفِي ﴿صَرَّةٍ﴾: قيل (٢): في رنَّة.\nوقيل: في صياح تقول: أَوَّه.\nوقيل: كانت تقول: أألِدُ؟!.\nوقيل: فِي ﴿صَرَّةٍ﴾: حياء؛ لأنها رأت أثرَ الحيض.\nوقيل: فِي ﴿صَرَّةٍ﴾: جماعة من النساء.\nقال:\n. . . . . . . . . . . . ... . . . . . . في صرَّةٍ لم تزيّلِ (٣)\nوكانت في جماعة منهنّ (٤).\n﴿فَصَكَّتْ وَجْهَهَا﴾: ضربت جبهتها.\nوقيل: لَطمت وجهَها. والصَّك: الضرب باعتمادٍ شديدٍ، أي: جمعت أصابعَها فضربتْ جبهتَها أو وجهَها (٥) (٦).\n﴿وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (٢٩)﴾: أي: أنا عجوز.\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ٨٧)، جامع البيان (٢٦/ ٢٠٩).\n(٢) في (ب) \" وقيل \".\n(٣) البيت لامرئ القيس، كما في ديوانه (ص: ٢٩) وتمامه:\nفألحقنا بالهاديات ودونه ... جواحرها في صرة لم تزيل\n(٤) انظر: جامع البيان (٢٦/ ٢٠٩)، النُّكَت والعُيُون (٥/ ٣٧١) زاد المسير (٧/ ٢٥٥).\n(٥) \" أو وجهها \" ساقطة من (ب).\n(٦) انظر: جامع البيان (٢٦/ ٢٠٩)، النُّكَت والعُيُون (٥/ ٣٧١) زاد المسير (٧/ ٢٥٥).","vol":"1","page":3010},{"text":"وقيل: قالت: أتلد عجوزٌ ولها تسعٌ وتسعونَ سنةً؟! وكانتْ في شبابها عقيمًا.\nوقيل: صكَّت وجهها حياءً من أثر الدم.\nوالعجوز سُمِّيت بذلك لعجزها عمَّا تقوى عليه الشَّوابُّ.\nوالعقيم: التي لم تلد، وأصله الامتناعُ والشدّةُ (١).\n﴿قَالُوا كَذَلِكِ﴾: أي: قالت الملائكة.\n﴿قَالَ رَبُّكِ﴾: كذلك.\nوقيل: كذلك تلدين.\n﴿إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ﴾: في فعله.\n﴿الْعَلِيمُ (٣٠)﴾: بعباده وتدبيره (٢).\n﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٣١)﴾: أي: أُرسلتم لأمر جليلٍ وشأنٍ عظيمٍ فما ذلك (٣)؟.\n﴿قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٣٢)﴾: أي: لإهلاكهم، وهم قوم لوط - ﵇ -، وقيل (٤): ومدينتهم سَدُوم (٥) (٦).\n﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣)﴾: قيل: على الشُّذَّان منهم.\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٦/ ٢١٠)، تفسير السَّمرقندي (٣/ ٣٢٧)، المحرر الوجيز (٥/ ١٧٨).\n(٢) \" وتدبيره \" ساقطة من (ب).\n(٣) في (ب) \" ذاك \".\n(٤) \" وقيل \" ساقطة من (ب).\n(٥) لعل الصواب في لفظ (أ) \" وقيل: مدينتهم سدوم\".\n(٦) سَدُوم: مدينة من مدائن لوط، كان قاضيها يقال له: سدوم، ويضرب به المثل، ويقال: أجور من قاضي سَدُوم، وأجور من سَدُوم، وتسمَّى أيضًا سرمين، وهي بلدة من أعمال حلب بالشام. [انظر: معجم ما استعجم (٣/ ٧٢٩)، معجم البلدان (٣/ ٢٠٠)].","vol":"1","page":3011},{"text":"وقيل: عليهم وعلى الشُّذَّان منهم؛ لقوله: ﴿جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً﴾، [هود: ٨٢].\nمِنْ ﴿طِينٍ﴾: أي: آجُرٍّ (١)، فإنَّه طينٌ طُبخ فصار حجارةً (٢).\nوقيل: حجارة الأرض كلُّها كانت طينًا صارتْ حجارةً بتأثيِر الشمس على مرِّ الدُّهُور (٣).\n﴿مُسَوَّمَةً﴾: فيها قولان:\nأحدهما: مُعَلَّمة بنقطةٍ سوداءَ في الأبيض وبيضاءَ في الأسود.\nالزجّاج: \" جُعل في كلِّ حجرٍ اسمُ من أُهلك به \". (٤)\nوقيل: كانت حجارةً حمراءَ عليها الخواتيمُ.\nوالسَّومةُ والسِّيماءُ: العلامةُ.\nوالثاني: ﴿مُسَوَّمَةً﴾: مرسلةً غيرَ محظورةٍ، من قولهم: سامت الماشية (٥).\n﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾: في مُلكه وسلطانه (٦).\n﴿لِلْمُسْرِفِينَ﴾: للكافرين المجاوزين الحدّ فيه.\n﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا﴾: في قرى قوم لوط.\n﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥)﴾: يعني لوطًا ومن آمن به.\n﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦)﴾: أي: غير أهل بيتٍ، وصفهم بالإيمان والإسلام جميعًا، وهما واحدٌ لئلا يتكرَّرَ لفظُ المؤمنين (٧).\n﴿وَتَرَكْنَا فِيهَا آَيَةً﴾: أي: في إهلاك قومها وقلبها آيةً؛ فإنه لا يقدر عليه إلا الله القادر على ما يشاء (٨).\nوقيل: هي تلك الأحجار (٩) وغيرها مما يدلّ على سخط الله عليهم.\n﴿لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٣٧)﴾: أي: جعلناها عبرةً لمن بعدهم.\n﴿وَفِي مُوسَى﴾: أي: وفي إنجاء موسى وإغراق فرعون.\nوقيل: هو: عطفٌ على قوله: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ﴾ ﴿وَفِي مُوسَى﴾.\nوقيل: تركنا فيها وفي موسى (١٠).\n﴿إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٣٨)﴾: بِحُجَّةٍ (١١) ظاهرة، وهي: اليد والعصا إلى سائر معجزاته.\n﴿فَتَوَلَّى﴾: فرعون (١٢): أعرض عن الإيمان.\n﴿بِرُكْنِهِ﴾: بجموعه وجنوده.\n_________\n(١) \" الأُجُرُّ والآجُرُّ والآجُرُ طبيخُ الطين الواحدة بالهاء أُجُرَّةٌ وآجُرَّةٌ وآجِرَّة، أَبو عمرو: هو الآجُر مخفف الراء وهي الآجُرَة، وقال غيره: آجِرٌ وآجُورٌ على فاعُول وهو الذي يبنى به فارسي معرّب \". قاله ابن منظور في لسان العرب (٤/ ١٠) مادة \" أَجَرَ \".\n(٢) انظر: جامع البيان (٢٧/ ١)، تفسير الثعلبي (٥/ ١٨٤)، المحرر الوجيز (٥/ ١٧٨).\n(٣) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١١٤٣).\n(٤) انظر: معاني القرآن؛ للزجاج (٥/ ٤٦).\n(٥) انظر: جامع البيان (١٢/ ٩٥)، معاني القرآن؛ للنَّحَّاس (٣/ ٣٧٢)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٤/ ١٦٣)، المحرر الوجيز (٣/ ١٩٨).\n(٦) الأولى - والله أعلم - أن يقال: في علمه وتقديره.\n(٧) وإن كان الإيمان أعمُّ من الإسلام كما هو مذهب أهل السُّنَّة والجماعة. [انظر: المحرر الوجيز (٥/ ١٧٨)، الجامع لأحكام القرآن؛ للقرطبي (١٧/ ٥١)، تفسير القرآن العظيم (٤/ ٢٥٣)].\n(٨) الصوابُ التعميم في المشيئة وإطلاقها، فيُقال: على كلّ شيءٍ قدير، كما ورد في النصوص الشرعية من الكتاب والسنة، وما ورد في بعض المواضع من قرن المشيئة بالقدرة، فهو وارد على بعض الجزئيات بأعيانها، فلا يصحُّ تعميمُه.\n(٩) في (ب) \" الحجارة \".\n(١٠) انظر: إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٤/ ١٦٤)، الحُجَّة (٦/ ٢٢٣)، تفسير البغوي (٧/ ٣٧٨)، المحرر الوجيز (٥/ ١٧٩)، التَّسهيل (٤/ ٧٠).\n(١١) في (ب) \" حُجَّة \" وفيه \" ﴿إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ﴾: حجةٍ ﴿مُبِينٍ (٣٨)﴾ ظاهرة \".\n(١٢) \" فرعون \" ساقطة من (ب).","vol":"1","page":3012},{"text":"وقيل: بجانبه وجميع بدنه، وهو (١) كنايةٌ عن المبالغة في الأعراض.\nوقيل: بقوّته.\nوقيل: بميله عن الحقّ.\nوالرُّكن: ما رَكَنَ إليه الإنسان من مالٍ وجندٍ وقوّةٍ (٢).\n﴿وَقَالَ﴾: فرعون (٣): مُوسَى:\n ﴿سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٣٩) فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾: فأغرقناهم في البحر.\n﴿وَهُوَ مُلِيمٌ (٤٠)﴾: أي: بما يلام عليه (٤) (٥).\n﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (٤١)﴾: هي التي لا رحمةَ فيها ولا منفعةَ ولا تُلقح ولا تُنبت، وهي الدَّبور (٦) من قوله - ﷺ -: «نصرت بالصِّبا وأُهلكت عادٌ ... بالدَّبور» (٧).\nوقيل: هي الجنوب.\n﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ (٤٢): كالشَّيء البالي الذي أتت عليه الأيامُ والليالي.\nوقيل: الرَّميم: الرَّماد.\nوقيل: التُّراب المدقوق.\nوقيل: العظمُ البالي.\nوقيل: الهشيم من النبَّات.\nوقيل: مارمَّته الماشيةُ بمرَّمتها، وهي الشَّفة (٨).\nوالمعنى: ما تتركُ (٩) من شيء هبّتْ عليه من أنفُسِهم وأنعامِهم وأموالهم إلاّ أهلكته (١٠).\n﴿وَفِي ثَمُودَ﴾: قَومُ صَالِح.\n﴿إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ (٤٣)﴾ (١١): إلى آخر أعماركم إن آمنتم.\nوقيل: إذا قيل لهم حين عقروا النَّاقةَ: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ [سورة هود: ٦٥].\n﴿فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ﴾: فجاوزوا الحدَّ بالخروج عن أمرِ ربّهم (١٢).\nوقيل: فطغوا بردِّهم أمرَ ربّهم، فأتاهم العُتُوُّ عن هذه الجهة.\n﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ﴾: العذاب بعد الثلاثة، وكلُّ عذابٍ مهلكٍ صاعقةٌ.\nوقيل: الموتُ (١٣).\nوقُرئ: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ﴾ (١٤)، وهي صوت الصاعقة.\n﴿وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٤٤)﴾: إلى العذاب.\n_________\n(١) في (أ) \" وهي \".\n(٢) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٧٩)، جامع البيان (٢٧/ ٣)، النُّكَت والعُيُون (٥/ ٣٧٢)، تفسير البغوي (٧/ ٣٧٨).\n(٣) \" فرعون \" ساقطة من (ب).\n(٤) \" عليه \" ساقطة من (أ).\n(٥) انظر: تفسير السَّمرقندي (٣/ ٣٢٨)، تفسير الثعلبي (٩/ ١١٨)، وفيه \" قد أتى بما يلام عليه \" وبه يتم المعنى.\n(٦) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٧٩)، جامع البيان (٢٧/ ٤)، النُّكَت والعُيُون (٥/ ٣٧٢).\n(٧) تقدم تخريجه في سورة الأحقاف (ص: ٤٥٧).\n(٨) انظر لسان العرب (١٢/ ٢٥١)، مادة \" رَمَمَ \".\n(٩) في (أ) \" ما يترك \".\n(١٠) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٧٩)، جامع البيان (٢٧/ ٥)، النُّكَت والعُيُون (٥/ ٣٧٣).\n(١١) في (ب) \" ﴿وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ﴾: قَومُ صَالِح ﴿تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ (٤٣)﴾ \".\n(١٢) \" عن أمر ربهم \" ساقطة من (أ).\n(١٣) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٥)، تفسير الثعلبي (٩/ ١١٨)، تفسير البغوي (٧/ ٣٧٨)، زاد المسير (٧/ ٢٥٧).\n(١٤) وهي قراءة الكسائي وحده من السبعة، وقرأ الباقون: ﴿الصَّاعِقَةُ﴾ بألف [انظر: جامع البيان (٢٧/ ٦)، السَّبعة (ص: ٦٠٩)، معاني القراءات (ص: ٤٦٢)، الحُجَّة (٦/ ٢٢٢)].","vol":"1","page":3013},{"text":"﴿فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ﴾: أي: ما قاموا لها ولا طلبوا مَن ينصرهم.\nوقيل: ما استطاعوا من أنْ يُقيموا به فيدفعوه عن أنفسهم.\n﴿وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ (٤٥)﴾: ممتنعين من العذاب.\nوقيل: معناه لم يمكنْهم مقابلتنا بالعذاب؛ لأنّ معنى الانتصار المقابلة (١).\n﴿وَقَوْمَ نُوحٍ﴾: مَن جرّه عطفه على ما قبله من عادٍ وثمودَ، ومَن نصبه عطفه على المحلّ (٢).\nوقيل: عطفه على ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ﴾، أي: أهلكناهم وأهلكنا قوم نوحٍ.\nوقيل: واذكر لهم قوم نوحٍ.\nوقيل: عطف على قوله: ﴿فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾ ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ﴾؛ لأنّ المعنى أغرقناهم وأغرقنا قومَ نوح (٣).\n﴿مِنْ قَبْلُ﴾: قبل هؤلاء المذكورين.\n﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (٤٦)﴾: كافرين عاصين.\n﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾: بقوة. والأَيدُ والآدُ: القوة (٤).\n_________\n(١) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٧٣)، جامع البيان (٢٧/ ٦).\n(٢) يعني جرَّ الميم في قوله: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ﴾ وبها قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي، وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وعاصم ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ﴾ بالنَّصب ... [انظر: جامع البيان (٢٧/ ٧)، السَّبعة) ص: ٦٠٩)، معاني القراءات (ص: ٤٦٣)، الحُجَّة (٦/ ٢٢٣)].\n(٣) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٧)، السَّبعة) ص: ٦٠٩)، معاني القراءات ... (ص: ٤٦٣)، الحُجَّة (٦/ ٢٢٣).\n(٤) وهو بإجماع عند أهل السُّنة وهو قول ابن عباس ومجاهد قتادة وغيرهم من المفسرين واللغويين من السلف والخلف - ﵃ - [انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٨٠)، جامع البيان (٢٧/ ٧)، النُّكَت والعُيُون (٥/ ٣٧٣)، تفسير السَّمعاني (٥/ ٢٦١)، المفردات (ص: ٨٨٩)، مادة (يد)، زاد المسير (٧/ ٢٥٧)، تفسير القرآن العظيم (٤/ ٢٥٤)، تيسير الكريم الرحمن (ص: ٨١١)].","vol":"1","page":3014},{"text":"﴿وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (٤٧)﴾: أي: أوسعنا السَّماء.\nوقيل: جعلنا بينها وبين الأرض سعةً.\nالحسن: \" نُوسِّعُ (١) بالمطر \" (٢).\nوقيل: إنا لذو سَعَةٍ لخلقنا.\nوقيل: نحن في سَعةٍ مما نُريد، ولا يَضيق (٣) عنَّا شيءٌ نريده.\nوقيل: قادرون.\nوقيل: أغنياء.\nوقيل: علماء (٤).\n﴿وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا﴾: بسطناها ومهَّدناها لتستقرُّوا عليها ﴿فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ (٤٨)﴾ (٥).\n﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾: يريد الحيوان ذكرًا وأنثى.\nوقيل: التلقيح للنخل، والتسميد للزرع، ولكلّ ضَرْبٍ من النبات تدبير يقومُ مقامَ التزويج الذّي بين الحيوان.\nوقيل: أراد نوعين، كالليل والنَّهار، والشمس والقمر، والإنس والجنّ، والسَّماء والأرض، فكذلك (٦) أنواع الثمار والنبات.\nوالمعنى: استأثر الله بالوحدانية (٧)، وجعل لكلِّ ما خلقه مِثلًا أو مُقابلًا (٨).\n_________\n(١) في (أ) \" فوسع \".\n(٢) انظر: النُّكَت والعُيُون (٥/ ٣٧٣)، زاد المسير (٧/ ٢٥٧).\n(٣) في (ب) \" لا يضيق\".\n(٤) انظر: تفسير الثَّعلبي (٩/ ١١٩)، النُّكَت والعُيُون (٥/ ٣٧٣)، تفسير البغوي (٧/ ٣٧٩)، زاد المسير (٧/ ٢٥٧).\n(٥) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٨)، تفسير الثَّعلبي (٩/ ١١٩).\n(٦) في (ب) \" وكذلك \".\n(٧) في (ب) \" بالواحدانية \".\n(٨) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٨٠)، جامع البيان (٢٧/ ٨) [وفيه يقول ابن جرير: \" وأولى القولين في ذلك قول مجاهد، وهو: أنَّ الله ﵎ خلق لكل ما خلق من خلقه ثانيًا له مخالفًا في معناه، فكلُّ واحدٍ منهما زوج للآخر، ولذلك قيل: ﴿خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾، وإنما نبَّه جلَّ ثناؤه بذلك من قوله على قدرته على خلق ما يشاء خلقه من شيءٍ، وأنه ليس كالأشياء التي شأنها فعل نوعٍ واحدٍ دون خلافه؛ إذ كلّ ما صفته فعل نوعٍ واحدٍ دون ما عداه، كالنار التي شأنها التسخين ولا تصلح للتبريد، وكالثَّلْج الذي شأنه التبريد ولا يصلح للتسخين، فلا يجوز أن يوصف بالكمال وإنما كمال المدح للقادر على فعل كلِّ ما شاء فعله من الأشياء المختلفة والمتفقة \"].","vol":"1","page":3015},{"text":"﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٤٩)﴾: فتعلمون (١) أنَّ الله وِترٌ وليس بشَفع، ولا كمثله شيء.\n﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠)﴾: أي: بادروا إلى الإيمان بالله والطاعة له.\nوقيل: فرّوا من الشيطان إلى الرَّحمن، ومن العذاب إلى الثواب (٢).\nعثمان بن عفان - ﵁ -: \" ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾: اُخرجوا إلى مكة \" (٣).\n﴿إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ﴾: من العذاب، ﴿نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾: منذرٌ.\nوقيل: ﴿نَذِيرٌ﴾: عالم، من قولهم: (نَذَر)، إذا علم (٤).\nويحتمل: أن قوله: ﴿مِنْهُ﴾ صفة لـ ﴿نَذِيرٌ﴾، لا صلة تقدم عليه.\nوالمعنى: أي (٥) نذيرٌ من عند الله وكذلك الذي بعده.\n﴿وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ أي (٦): من الإشراك.\n_________\n(١) في (ب) \" فتعلموا \".\n(٢) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٩)، تفسير السَّمرقندي (٣/ ٣٣٠)، تفسير الثَّعلبي (٩/ ١١٩).\n(٣) أخرجه الثعلبي في تفسيره (٩/ ١١٩)، وأورده القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ٥٥) وعزياه لمحمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان.\n(٤) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١١٤٤).\n(٥) \" أي \" ساقطة من (ب).\n(٦) \" أي \" ساقطة من (ب).","vol":"1","page":3016},{"text":"والتكرار للتأكيد، والإطالة في الوعيد أبلغ.\nوقيل: الأول متَّصل بالمعصية، والثاني بالشرك، وإذا اختلفا لا يكون تكرارًا (١).\n﴿كَذَلِكَ﴾: أي: كقول قومك لك: ساحرٌ أو مجنون.\n﴿مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: قبل قومك.\n﴿مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢)﴾: أي: رمَوا الأنبياء من فرْط جهلهم بأمرين بينهما تضادّ؛ لأنَّ الساحرَ لا يكون إلاّ فَطِنًا لبيبًا (٢)، والمجنون بالضدِّ من ذلك.\n﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ﴾: أي: كان بعضَهم أوصى بعضًَا بهذا المقال.\nبَلْ ﴿هُمْ قَوْمٌ﴾: أي: قومكم. ويجوز أنْ يعودَ إلى الكلّ.\n﴿طَاغُونَ (٥٣)﴾ (٣): متجاوزون الحدَّ في العصيان، أي: لم يتواصَوا ولكن اتّفقوا فيما أوجب ذلك، وهو الطغيان (٤) والعصيان.\n﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ (٥٤)﴾:\nالضحاك: \" التولِّي عنهم (٥) منسوخٌ بالإقبال عليهم بالموعظة، وهو قوله: ﴿بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ \" (٦) [المائدة: ٦٧].\nوقيل: تولّ عنهم حتى نأمرَك بالقتال.\n_________\n(١) انظر: إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٤/ ١٦٧)، البرهان في متشابه القرآن (ص: ٣٠٤)، المحرر الوجيز (٥/ ١٧٢).\n(٢) أي في القدرة على الاحتيال والمكر.\n(٣) في (أ) \" بَلْ ﴿هُمْ﴾: أي: قومكم ... ﴿قَوْمٌ طَاغُونَ (٥٣)﴾ \".\n(٤) \" الطغيان \" ساقطة من (أ).\n(٥) \" عنهم \" ساقطة من (ب).\n(٦) انظر: الناسخ والمنسوخ؛ للنَّحَّاس (ص: ٦٨٥)، الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ٥٦).","vol":"1","page":3017},{"text":"وقيل: هذا وعيدٌ للكفار، كقوله: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ﴾، [القلم: ٤٤].\nفَمَا ﴿أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾: لا لومَ عليك من الله وقد بلَّغت الرسالةَ.\n﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (٥٥)﴾: بأنْ يزيدَ في علم المؤمنين وإن لم يتذكرْ (١) بها الكافرون.\n﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾: أي: ليوحدوني، يريد المؤمنين منهم، ومَن سواهم فهم الذين قال فيهم: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾، [الأعراف: ١٧٩] (٢).\nوقيل (٣): إلاّ لآمرهم بالعبادة وأدعوهم إلى الطاعة.\nوقيل: ليعبدوه طوعًا لا كرهًا، وليس كالنار تُحرق طبعًا والثلج يُبرّد (٤) طبعًا.\nابن عبّاس -﵄ -: إلاّ ليُذعنوا لي بالعبوديّة \" (٥).\nابنُ عيسى: \" إلاّ ليعبدوني هم وغيرهم \" (٦).\nوقيل: إلاّ ليعرفوني.\nويحتمل: ما خلقت الجنَّ والإنسَ إلاّ ليكونوا عبادًا لي.\nومثله: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣].\n_________\n(١) في (ب) \" يتذكره \".\n(٢) وهذا قول مروي عن ابن عباس - ﵄ - وقد قرأ ﴿وما خلقت الجن والإنس من المؤمنين إلا ليعبدون﴾، والآية عامة، [انظر: تفسير الثعلبي (٩/ ١٢٠)، تفسير السَّمعاني (٥/ ٢٦٤)، تفسير البغوي (٧/ ٣٨٠)].\n(٣) \" وقيل \" ساقطة من (أ).\n(٤) في (أ) \" تُبْردُ \".\n(٥) أخرجه ابن جرير (بنحوه) في جامع البيان (٢٧/ ١٢)، وابن أبي حاتم في تفسيره (١٠/ ٣٣١٣).\n(٦) لم أقف عليه.","vol":"1","page":3018},{"text":"﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧)﴾ أي: ما خلقتُهم ليرْزُقوا شيئًا من مخلوقاتي، ولا أنْ يرزقوا أنفسَهم، ولا أنْ يرزقوني ويطعموني؛ فإن الله هو الرَّزاق، بل خلقتُهم لعبادتي (١).\nوقيل: ﴿مِنْ رِزْقٍ﴾: جُعلٍ وأَجرٍ على الإيمان.\nوقيل: أنْ يطعموا عبادي، فحُذف المضاف.\n﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ﴾ الرَّزَّاق (٢): المبالغُ فيه غير المرزوق، النفَّاعُ لغيره لا ينفعه شيء (٣).\n﴿ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾: ذوا الاقتدار الشَّديد، أي: غالبٌ لا يُغلبُ، وقاهرٌ لا يُقهر، وقادرٌ لا يَعجز.\nوالقوة في أصل اللغة: الطاقة، من الحبل، فإذا انضاف إليه طاقاتٌ فهو الحبلُ المتين، ثمَّ استُعير لكلّ أيدٍ وشدَّة.\nوقيل: معنى ﴿ذُو الْقُوَّةِ﴾: أنَّ القوةَ (٤) التي يتقوى بها (٥) جميعُ خلقه له (٦).\nو﴿الْمَتِينُ﴾: بالرَّفع، إجماعٌ، وهو: وصفٌ لـ ﴿ذُو﴾.\nوقرئ (٧) في الشَّواذِّ بالجرّ، حملًا على القوة، وذلك يستدعى المتنية (٨).\n_________\n(١) في (أ) \" ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ﴾: أي ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧)﴾؛ فإن الله هو الرزاق. . \".\n(٢) \" الرَّزَّاق \" ساقطة من (ب).\n(٣) انظر: جامع البيان (٢٧/ ١٢)، تفسير أسماء الله الحسنى؛ للزَّجَّاج (ص: ٣٨)، تيسير الكريم الرحمن (ص /٨١٣).\n(٤) \" أنَّ القوة \" ساقطة من (أ).\n(٥) في (أ) \" تتقوى به \".\n(٦) انظر: جامع البيان (٢٧/ ١٢)، تفسير أسماء الله الحسنى؛ للزَّجَّاج (ص: ٥٤)، تيسير الكريم الرحمن (ص: ٨١٣).\n(٧) في (ب) \" وقوئ \".\n(٨) قرأ الجمهور ﴿الْمَتِينُ﴾ بالرِّفع بإجماع، وقرأ يحيى بن وثَّاب والأعمش ﴿الْمَتِينُ﴾ بالجرِّ، وهو شاذٌّ. [انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ٩٠)، جامع البيان (٢٧/ ١٢)، المحتَسَب (٢/ ٣٣٨)، شواذّ القراءات (ص: ٤٤٩)].","vol":"1","page":3019},{"text":"﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ﴾ أي: لكفار قومكم حظًا\nونصيبًا (١) من العذاب مثلُ ما كان للأمم (٢) قبلَهم (٣).\nمجاهد: \" سيلًا \" (٤).\nقتادة: \"عذابًا \" (٥).\nالحسن: \"دولةً \" (٦).\nالكسائيّ: \" حظًَّا \" (٧).\nوأصل الذَّنوب: الدَّلوُ العظيم، قال:\nلنا ذَنوبُ ولكم ذَنوبٌ ... وإنْ أبيتمُ فلنا القليبُ (٨) (٩)\nالزجّاج: \" الذَّنوب: النصيب، والذَّنوب الدلو \" (١٠)، ولا يُسمّى ذَنَوبًا إلاّ إذا كانت ملأى (١١).\n_________\n(١) في المخطوطتين: حظًا ونصيبًا، بالنصب، والصواب من حيثُ اللغة الرفع؛ لأنه مبتدأ مؤخَّرٌ، والخبر الجار والمجرور المتقدم (لكفار). وله وجه في اللغة، وهو أنْ يكون على الحكاية، مراعاةً للّفظ المفسَّر ﴿ذَنُوبًا﴾، وهو منصوب، ومثله القول في (مثل)، فإنه شُكل في المخطوطتين بالنصب، مراعاةً للفظ المفسَّر.\n(٢) في (ب) \" من الأمم \".\n(٣) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٨١)، جامع البيان (٢٧/ ١٣).\n(٤) انظر: جامع البيان (٢٧/ ١٣)، وفيه: \" سجلًا \"، النُّكَت والعُيُون (٥/ ٣٧٣) وفيه \" سبيلًا \"،\n(٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٢٤٥)، وابن جرير في جامع البيان (٢٧/ ١٤).\n(٦) انظر: تفسير الثعلبي (٩/ ١٢٢).\n(٧) انظر: المصدر السابق.\n(٨) البيت في جامع البيان (٢٧/ ١٤) لسان العرب (١/ ٣٨٩) مادة \" ذَنَب \"، وهو غير منسوب.\n(٩) انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ٩٠)، جامع البيان (٢٧/ ١٣).\n(١٠) انظر: معاني القرآن؛ للزجاج (٥/ ٤٨).\n(١١) في (ب) \" مليء \".","vol":"1","page":3020},{"text":"وقيل: إذا انحدر فهو دلو، وإذا ارتفع فهو ذَنوبٌ وسِجْل؛ لأنها في الانحدار فارغةٌ وفي الارتفاع ملأى (١).\nوقيل: معناه: عذابًا بعدَ عذابٍ، كالدَّلو يتبعُ الدَّلوَ.\n﴿فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ (٥٩)﴾: هذا جوابٌ للنضر وأصحابه حين استعجلوا العذابَ (٢)، فلحقهم يومَ بدرٍ (٣).\n﴿فَوَيْلٌ﴾: شدّة عذاب، وقيل: وادٍ في جهنَّم (٤). وقد سبق.\n﴿لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٦٠)﴾: يعني من عذاب يوم القيامة. وقيل: يوم بدر (٥). والله أعلم بالصواب (٦)\n_________\n(١) في (ب) \" مليء \".\n(٢) في (أ) \"استعجلوا إلى العذاب \".\n(٣) انظر: تفسير السَّمرقندي (٣/ ٣٣١).\n(٤) \" جهنَّم \" ساقطة من (أ).\n(٥) انظر: تفسير السَّمرقندي (٣/ ٣٣١)، تفسير الثعلبي (٩/ ١٢٢).\n(٦) \" بالصَّواب\" ساقطة من (ب).","vol":"1","page":3021},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-158>سورة الطُّور </span>(١)\nتسعٌ وأربعون آية (٢) (٣)، مكيةُ (٤).\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n﴿وَالطُّورِ (١)﴾: هو الجبل بالسُّريانية (٥).\nوقيل: الطُّور: الجبل عليه الشجر.\nوالمُرادُ بالطُّور ها هنا: طورُ سينين، وهو الجبل الذي بِمَدْيَن (٦) كلَّم الله - تعالى -\nعليه موسى - ﵇ -.\nوقيل: عامٌّ في الجبال كلِّها.\nوقيل: وربِّ الطُّور (٧).\nوحكى الماورديّ: \" الطُّوْر ما طرى على قلوب الخائفين \" (٨).\nوهو ضعيف ركيك.\n﴿وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢)﴾: مكتوبٌ.\nوالسَّطر: ترتيب الحروف على جهة الطُّول (٩).\n_________\n(١) سُمِّيت هذه السورة عند السَّلف من المفسرين والمحدِّثين \" سورة الطُّور \" دون واو قبل الطور \" [انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٨٢)، جامع البيان (٢٧/ ١٥)، التَّحرير والتنوير (٢٧/ ٣٥)].\n(٢) \" تسعٌ وأربعون آية \" ساقطة من (ب).\n(٣) وهذا على العدِّ الكوفي والشامي [انظر: البيان في عدِّ آي القرآن (ص ٢٣٣)].\n(٤) بإجماع المفسرين. [انظر: المحرر الوجيز (٥/ ١٨٥)، زاد المسير (٧/ ٢٦١)].\n(٥) السُّريانية: لغة من اللغات المتفرعة عن الآرامية، التي هي من اللغات السامية؛ كالعربية والعبرانية، وهي من اللغات التي أنزلت بها التوراة والإنجيل، وأمر النبي - ﷺ - زيد بن ثابت - ﵁ - بتعلمها. [انظر: التحرير والتنوير (١٣/ ١٨٥)].\n(٦) مَدْيَن: على بحر القلزم (البحر الأحمر) محاذية لتبوك على نحو من ست مراحل، وهي أكبر من تبوك وبها البئر التي استقى منها موسى - ﵇ - لسائمة شعيب، وهي مدينة قوم شعيب سميت بمدين بن إبراهيم - ﵇ -. [انظر: معجم البلدان (٥/ ٧٧)].\n(٧) انظر: جامع البيان (٢٧/ ١٥)، النُّكت والعيون (٥/ ٣٧٦)، زاد المسير (٧/ ٢٦١).\n(٨) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٣٧٦).\n(٩) انظر: المفردات (ص: ٤٠٩)، مادة (سَطَرَ)، لسان العرب (٤/ ٣٦٣)، مادة (سَطَرَ).","vol":"1","page":3022},{"text":"وقيل: هو اللوح المحفوظ.\nوقيل: الكتاب المسطور: هو آخر سطر في اللوح المحفوظ، وهو (١): «سبقت رحمتي غضبي» (٢)، «مَن أتاني بشهادة أن لا إله (٣) إلا الله أدخلته الجنةَ» (٤).\nوقيل: القرآن.\nوقيل: كتاب الحفظة.\nوقيل: التوراة فيها نعت محمد - ﷺ -، وذكر الإنجيل بعده (٥) (٦).\n﴿فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣)﴾: قيل: هي (٧) الرَّق المعهود، والكاغد المعروف يكتب فيه القرآن والتوراة والإنجيل.\nوقيل: الرَّقُّ أحسن ما يُكتب فيه.\nوقيل: هو ما كُتب عليه وفيه اللّوح المحفوظ، وكتاب الحفَظَة.\nوسُمِّيَ رَقًَّا؛ لِرِقَّة حواشيه.\n_________\n(١) في (أ) \" وقيل وهو \".\n(٢) أخرجه البخاري في كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآَنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (٢٢)﴾ ﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢)﴾، برقم (٧٥٥٣)، ومسلم (واللفظ له) في كتاب التوبة، باب: في سعة رحمة الله، وأنها سبقت غضبه، برقم (٦٩٠٤). عن أبي هريرة.\n(٣) في (ب) \" بشهادة \" لا إله \".\n(٤) أخرجه الثعلبي في تفسيره (٧/ ٢٥٢) عن سهل بن سعد الساعدي.\n(٥) انظر: جامع البيان (٢٧/ ١٥)، النُّكت والعيون (٥/ ٣٧٧)، زاد المسير (٧/ ٢٦١).\n(٦) قال ابن القيم: \" واختلف في هذا الكتاب: فقيل: هو اللوح المحفوظ، وهذا غلطٌ فإنه ليس برِقٍّ، وقيل: هو الكتاب الذي تضمن أعمال بني آدم، وقال مقاتل: تخرج إليهم أعمالهم يوم القيامة في رق منشور، وهذا وإن كان أقوى وأصح من القول الأول واختاره جماعة من المفسرين ومنهم من لم يزَكِّ غيره، فالظاهر: أنَّ المراد به الكتاب المنزل من عند الله، وأقسم الله به لعظمته وجلالته وما تضمنه من آيات ربوبيته وأدلة توحيده وهداية خلقه.\nثم قيل: هو التوراة التي أنزل الله على موسى، وكأنَّ صاحب هذا القول رأى اقتران الكتاب بالطور فقال: هو التوراة، ولكن التوراة إنما أنزلت في ألواح لا في رق إلا أن يقال: هي في رقٍّ في السماء وأنزلت في ألواح، وقيل: هو القرآن، ولعل هذا أرجح الأقوال؛ لأنه سبحانه وصف القرآن بأنه في صحف مطهرة بأيدي سفرةٍ كرامٍ بررةٍ، فالصُّحف هي الرِّق، وكونه بأيدي سفرة هو كونه منشورًا \" [التبيان في أقسام القرآن (ص: ٢٦٥)].\n(٧) \" هي \" ساقطة من (ب).","vol":"1","page":3023},{"text":"وعن ابن عباسٍ - ﵄ -: \" الرَّقُّ المنشورُ ما بين المشرق إلى المغرب \" (١).\nوقيل: ﴿وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣)﴾: قلب المؤمن (٢)، من قوله\n- ﷿ -: ﴿كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ﴾، [المجادلة: ٢٢] (٣) (٤).\n﴿وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (٤)﴾: جاء مرفوعًا: «أنه بيت في السماء حِيالَ الكعبة لو خرَّ خرَّ عليها، يدخله كلَّ يوم سبعونَ ألف مَلَكٍ، ثم لا يعودون إليه إلى يوم القيامة» (٥).\nوقيل: اسمه الضُّرَاحُ (٦).\nوقيل: كان في الدنيا فرُفع يومَ الطوفان.\nالحسن وابن بحر: \" البيت المعمور\": الكعبة \" (٧).\nوالمعمور: المأهول.\nوقيل: من القصد.\nوقيل: من العِمارة (٨).\n_________\n(١) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٣٧٧)، الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ٦١).\n(٢) \" قلب المؤمن \" ساقطة من (أ).\n(٣) انظر: جامع البيان (٢٧/ ١٦)، النُّكت والعيون (٥/ ٣٧٧)، تفسير الثعلبي (٩/ ١٢٣)، المحرر الوجيز (٥/ ١٨٥).\n(٤) قال القرطبي: \" وفي هذا القول تجوُّزٌ؛ لأنَّه عبَّر بالقلوب عن الرِّقِّ \" [الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ٦١)].\n(٥) أخرجه عبد الرزَّاق الصنعاني في تفسيره (٣/ ٢٤٦) بنحوه عن قتادة، وأخرجه ابن جرير في جامع البيان (٢٧/ ١٦) عن أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة رجل من قومه، وبنحوه عن علي - ﵁ - موقوفًا، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (١٠/ ٣٣١٤)، عن علي - ﵁ - موقوفًا، وأخرجه الحاكم في مستدركه في كتاب التفسير (٢/ ٤٦٨) عن أنس بن مالك - ﵁ -، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه \".\nقلت: وأصله عند مسلم في كتاب الإيمان، باب: الإسراء برسول الله - ﷺ - إلى السماوات، وفرض الصلوات، برقم (٧٤) عن أنس بن مالك - ﵁ -.\n(٦) الضراح: قال ابن الأثير: ويروى: الضَّريح: والبيت المعمور، من المُضارحة، وهي المقابلة والمضارعة ... ومن رواه بالصاد فقد صحَّفَ \"، [النهاية (٣/ ٨١)]، وروى ابن جرير بسنده عن خالد بن عرعرة أنَّ رجلا قال لعلي - ﵁ - ما البيت المعمور؟ قال: بيت في السماء يقال له الضراح وهو بحيال الكعبة من فوقها حرمته في السماء كحرمة البيت في الأرض يصلي فيه كل يوم سبعون ألفا من الملائكة ولا يعودون فيه أبدًا \" [جامع البيان (٢٧/ ١٦)].\n(٧) انظر قول الحسن: النُّكت والعيون (٥/ ٣٧٨)، زاد المسير (٧/ ٢٦٢)، ولم أقف على قول ابن بحر.\n(٨) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٣٧٨).","vol":"1","page":3024},{"text":"سَهْل بن عبد الله (١): \" البيت المعمور \": هو (٢) قلب المؤمن، وعمارته الإخلاص \" (٣).\n﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (٥)﴾: السَّماء.\nوقيل: العرش (٤).\n﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (٦)﴾: قيل: هو بحر الدنيا.\nوقيل: هو جهنم.\nوقيل: بحر تحت العرش.\nوقيل: المَسْجُور المملوء ماءً.\nوقيل: الموقَد نارًا، من سَجَّرت التنور، وعنه - ﷺ -: «﴿الْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾: نارٌ في نار» (٥).\nوقيل: المَسْجُور المختلط من السجير، وهو: الخليط.\nوقيل: المرسَل (٦).\nوقيل: المَسْجُور اليابس.\nالأصمعي (٧) عن أبي عمرو بن العلاء (٨) عن ذي الرُّمَّة (٩) عن ابن عباس: \" المسجور: الفارغ، \" (١٠) قال (١١): وليس لذي الرُّمَّة حديث غير هذا.\n_________\n(١) سهل بن عبد الله بن يونس بن عيسى بن عبد الله بن رفيع التُّسْتُري أبو محمد، المفسِّر الزاهد، أحد أئمة التصوف، ولم يكن له في وقته نظير في المعاملات والورع؛ وكان صاحب كرامات، وكانت وفاته بالبصرة سنة ثلاث وثمانين ومائتين، وقيل: سنة ثلاث وسبعين ومائتين للهجرة، [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: وفيات الأعيان (٢/ ٤٢٩)، طبقات المفسرين؛ للداوودي (١/ ٢١٥)، الأعلام (٣/ ١٤٣)].\n(٢) \" هو \" ساقطة من (أ).\n(٣) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٣٧٨) وفيه قال الماوردي: \" وهو بعيد \"، غرائب التفسير (٢/ ١١٤٦).\n(٤) والجمهور على أنه السَّماء، [انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٨٢)، جامع البيان (٢٧/ ١٨)، النُّكت والعيون (٥/ ٣٧٨)، غرائب التفسير (٢/ ١١٤٦)].\n(٥) لم أقف على أصل هذا الحديث ولا راويه، وقد أورده الثعلبي في تفسيره (٩/ ١٢٥)، وابن عطية في المحرر الوجيز (٥/ ١٦٨)، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ٢٢٠).\n(٦) في (ب) \" الموسل \".\n(٧) الأصمعي، هو: عبد الملك بن قريب بن أصمع بن مظهر، الباهلي الأصمعي، أبو سعيد البصري، الإمام العلامة الحافظ، حجة الأدب، لسان العرب، اللغوي الأخباري، أحد الأعلام، قيل: يحفظ ستة عشر ألف أرجوزة، وقال عنه ابن معين: \" كان الأصمعي من أعلم الناس في فنه \"، وقال أبو داود: \" صدوق \"، وتصانيف الأصمعي ونوادره كثيرة، وأكثر تواليفه مختصرات، وقد فقد أكثرها، وقد توفي سنة خمس عشرة ومائتين، وقيل: سنة ست عشرة ومائتين للهجرة. [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: سير أعلام النبلاء (١٠/ ١٧٥)، البُلغة في تراجم أئمة النحو واللغة (١/ ٣٥)].\n(٨) زَبان بن العلاء بن عمار بن العريان بن عبد الله بن الحسين بن الحارث بن جلهمة بن حجر بن خزاعي ... ابن مازن، أبو عمرو، الإمام المازني البصري، أحد القراء السبعة، وكان أعلم الناسب بالقرآن والعربية مع الصدق والثقة والزهد، وقد عني بالأدب والقراءة حتى صار إمامًا يرجع إليه فيها ويقتدى باختياره، ولد أبو عمرو بمكة ونشأ بالبصرة وتوفي بالكوفة سنة أربع وخمسين ومائة وقيل سنة خمس وخمسين ومائة للهجرة. [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: مشاهير علماء الأمصار (ص: ١٨٣)، غاية النهاية (١/ ٢٨٨)، البلغة في تراجم أئمة النحو واللغة (١/ ٢٢)].\n(٩) ذو الرُّمَّة: غَيلان بن عُقبة بن بُهيس، مضري النَّسب، يكنى أبا الحارث، وهو من فحول الشعراء، والرُّمة: هي الحبل، شبب بمية بنت مقاتل المنقرية، وبالخرقاء، قال أبو عمرو بن العلاء: \" افتتح الشعراء بامرئ القيس، وختموا بذي الرُّمَّة \"، وحدَّث عن ابن عباس، روى عنه أبو عمرو بن العلاء، وعيسى بن عمر النحوي، وقد توفي بأصبهان كهلًا سنة سبع عشرة ومائة للهجرة. [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: الشِّعر والشُّعراء (ص: ٣٢٦)، سير أعلام النبلاء (٥/ ٢٦٧)].\n(١٠) الأثر: أخرجه الثعلبي في تفسيره (٩/ ١٢٥)، وأورده القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ٦٣)، وأورده ابن كثير في تفسير القرآن العظيم (٤/ ٢٥٧)، وعزاه لابن مردويه في مسانيد الشعراء.\n(١١) القائل ابن أبي داود. [انظر: تفسير الثعلبي (٩/ ١٢٥)، الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ٦٣)].","vol":"1","page":3025},{"text":"وقيل: المَسْجُور: المحبوس (١) (٢).\n﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ﴾: أي: الذي أوعد به الكفارَ والعصاةَ.\n﴿لَوَاقِعٌ (٧)﴾: بهم يوم القيامة.\n﴿مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ (٨)﴾: لا يدفعه دافعٌ، ولا يمنعه مانعٌ.\n﴿يَوْمَ تَمُورُ﴾: ﴿يَوْمَ﴾ (٣) ظرف ﴿لَوَاقِعٌ﴾.\nومعنى: ﴿تَمُورُ﴾:\n_________\n(١) في (ب) \" المحنوس \"، وهو تصحيف.\n(٢) الجمهور على أنه بحر الدنيا، وأظهر الأقوال فيه: أنه البحر المملوء نارًا [انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ٩١)، جامع البيان (٢٧/ ١٨)، النكت والعيون (٥/ ٣٨٧)، المحرر الوجيز (٥/ ١٨٦)، التَّسهيل (٤/ ٧١)].\n(٣) ﴿يَوْمَ﴾ ساقطة من (ب).","vol":"1","page":3026},{"text":"قيل: تنشق وتموج وتدور وتجري وتضطرب وتكفّأ وتنقلب.\nهذا كلُّه من عبارات المفسرين (١).\nابن عيسى: المورُ: تردُّد الشيء في المجيء والذهاب، كما يتردَّد الدخان ثم يضمحل،\nوذلك عند انقطاعها، وتغير نظامها \" (٢).\nأبو زيد (٣): لا نعلم ما المَوْرُ \" (٤).\n﴿السَّمَاءُ مَوْرًا (٩)﴾\n﴿وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا (١٠)﴾: أي: تسير عن وجه الأرض فتصير هباءً منثورًا (٥) منبثًّا.\n﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١١)﴾: هذا تأكيد في الوعيد، والفاء لمعنى: الجزاء، أي: إذا وقع الجزاء (٦) والعذاب فويلٌ لهم.\nالأخفش: \" لأنَّ ﴿يَوْمَ تَمُورُ﴾ محمولٌ على معنى (إذا) \" (٧).\nوالكوفيون يجيزون حملَ جميعِ الأوقات المستقبلية، على معنى: (إذا) (٨).\n﴿الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ (١٢)﴾: أي: في إنكارهم البعث، وتكذيبهم محمد - ﷺ - وسائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، يلعبون من غير بيانٍ وحجةٍ.\nوقيل: في أسباب الدنيا يلعبون من غير فكرٍ في ثوابٍ وعقابٍ.\nوقيل: معناه: يسرعون إلى المعاصي.\n_________\n(١) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٨٣)، جامع البيان (٢٧/ ٢٠)، النكت والعيون (٥/ ٣٧٩).\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) أبو زيد: لم أقف عليه وعند الطبري في جامع البيان (٢٧/ ٢١) ابن زيد، وهو الظاهر، والله أعلم.\n(٤) أخرجه ابن جرير (بنحوه) في جامع البيان (٢٧/ ٢١).\n(٥) \" منثورًا \" ساقطة من (ب).\n(٦) \" الجزاء \" ساقطة من (أ).\n(٧) انظر: معاني القرآن؛ للأخفش (ص: ٢٢٨).\n(٨) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٢٢).","vol":"1","page":3027},{"text":"والخوضُ: التخبُّط في الباطل (١).\nويقال: خاض في الخير أيضًا.\nوقيل: تشاغلهم (٢) بكفرهم لعبٌ، عاقبته العذاب.\n﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣)﴾: يُدْفَعون إليها بعنفٍ وجفاءٍ (٣)، فيقال: ﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٤)﴾: أي: في الدنيا.\n﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا﴾: أي: أكان الوعيدُ بهذا العذاب والإخبار سحرًا، كما زعمتم في الدنيا؟!\n﴿أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ (١٥)﴾: أم كنتم لا تبصرون.\nوقيل: عنفوا بمثل ما كانوا ينسبون النبيَّ - ﷺ - إليه (٤) من السِّحر، وتسكُّير (٥) البصر، والأخذ بالأعين، فقيل لهم: أتمويهٌ هذا وحيلةٌ، أم غُطِّيَ على أبصاركم فلا تُبصرون.\n﴿اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ﴾: أي: أنتم لازمون لها حالتيكم من الجزع والاستغاثة، والتصَبُّر وتركُ الجزع.\nوهو خبر في صيغة أمر، تقديره: الجزع وترك الجزع سواءٌ، فهو خبر مبتدأ محذوف.\n﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٦)﴾: أي: هذا جزاء أعمالكم.\nوقيل: ﴿إِنَّمَا﴾ بمعنى (ما)، أي: ما جُوزيتم إلا جزاءَ أعمالكم.\n﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ (١٧)﴾.\n﴿فَاكِهِينَ بِمَا آَتَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾: معجبين ناعمين فرحين.\n_________\n(١) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٨٣)، التّسهيل (٤/ ٧١).\n(٢) في (أ) \" يشاغلهم \".\n(٣) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٨٣)، جامع البيان (٢٧/ ٢٢)، النكت والعيون (٥/ ٣٨٠).\n(٤) في (ب) \" ينسبون إلى النبي - ﷺ - إليه \"، والصواب ما أثبت.\n(٥) في (ب) \" تسكر \".","vol":"1","page":3028},{"text":"وقيل: متقابلين بالحديث، الذي يسرُّ ويؤنس، مأخوذٌ من الفَكاهة.\nوقيل: ذوو فاكهة، كلابنٍ وتامرٍ (١).\nوالفاكهة: كل طعام من ثمار يُتناولُ (٢) للذة لا للغذاء (٣).\n﴿وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (١٨)﴾: دفع عنهم ربهم عذابَ النار.\nويقال لهم:\n﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا﴾: لا داءٍ ولا غائلةٍ فيه، ولا تنغيصٍ للذّاته.\nو﴿هَنِيئًا﴾: مصدر، أي: هنئتم هنيئًا.\n﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٩)﴾.\n﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ﴾: جمع سرير.\n﴿مَصْفُوفَةٍ﴾: موصولٌ بعضُهما ببعضٍ.\nوقيل: موصولةٌ (٤) بالذَّهب والفضِّة (٥).\nوالصفُّ: مدُّ الشيءِ على الوِلاء (٦).\nوقيل: تقديره: متكئين على نمارقَ مصفوفةٍ على سررٍ: فحذف؛ لأن الاتِّكاءَ يدلُّ على التكأة (٧).\n_________\n(١) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٨٣)، جامع البيان (٢٧/ ٢٣)، النكت والعيون (٥/ ٣٨٠).\n(٢) في (ب) \" يتناولون \"، والظاهر ما أثبت.\n(٣) انظر: لسان العرب (١٣/ ٥٢٣)، مادة \" فكه \".\n(٤) في (ب) \" مرمولة \"، والظاهر ما أثبت.\n(٥) انظر: النكت والعيون (٥/ ٣٨٠)، الجامع لأحكام القرآن؛ للقرطبي (١٧/ ٦٧).\n(٦) الوِلاء: الشيء بعد الشيء. [انظر: كتاب العين (٨/ ٣٦٥)، مادة \" وَلِيَ \"، مجمل اللغة (ص: ٧٦٢)].\n(٧) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٢٤)، قال الكرماني في غرائب التفسير (٢/ ١١٤٧): \" وهذا القول لا يستقيم على الظاهر، فإن جعل التقدير على سرر مصفوفة عليها النَّمارق، صحَّ \".","vol":"1","page":3029},{"text":"﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٢٠)﴾: قرناهم، والمعنى: جعلنا ذُكرانَ أهلِ الجنة أزواجًا للحور العِين، ومعنى الباء: أنهم صاروا بسببهن أزواجًا.\nوقيل: زوجت به لغة (١).\nوالحور: جمع حوراء، ولا يُقال للمذكر أحور (٢).\nوذهب بعضُهم إلى أن الحورَ نساءُ المؤمنين في الدنيا.\nوهذا خلاف الآية، وإن قال: صرن في الحسن مثلَهن وفوقَهن. فهذا قريب (٣).\n﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ﴾: الذُّرية تستعمل (٤) في الأولاد والآباء، والآية تحتملهما، وهي جمع في المعنى (٥).\nومَن جمع، فلأنها واحدةٌ في اللفظ.\nوقوله: ﴿بِإِيمَانٍ﴾: حال، فجاز أنْ يكونَ حالًا من الفاعلين، وجازَ أنْ يكونَ حالًا من المفعولين، وجاز أنْ يكونَ منهما جميعًا.\n﴿أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾: والمعنى: إذا دخل الأبُ الجنةَ، أُلحق به (٦) ذريتُه حيث هو في الجنة، وإنْ لم يكن للذرية (٧) من العمل ما يستحق ذلك (٨)، تكرمة من الله للأب.\nوكذلك إذا دخل الابنُ الجنةَ أُلحق به أبوه وأمُه (٩).\n_________\n(١) انظر: زاد المسير (٧/ ١٥٨).\n(٢) في (أ) \" حور \"، والظاهر ما أثبت.\n(٣) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١١٤٧).\n(٤) في (ب) \" يستعمل \".\n(٥) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١١٤٨)، لسان العرب (١/ ٧٩)، مادة \" ذرأ \".\n(٦) في (ب) \" إذا دخل الآباء الجنة ألحقت به \".\n(٧) في (ب) \" الذُّرية \".\n(٨) في (أ) \" بذلك \".\n(٩) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٨٤)، جامع البيان (٢٧/ ٢٤)، تفسير السمرقندي (٣/ ٣٣٤)، النكت والعيون (٥/ ٣٨١)، المحرر الوجيز (٥/ ١٨٩).","vol":"1","page":3030},{"text":"الضحّاك: \" يُريد الضِّعافَ والأطفالَ الذين لم يبلُغوا الإيمانَ، يُلحقون بالآباء (١) لإيمان الآباء \" (٢).\nوقيل: أراد بالذُّرية النساءَ، أي (٣): يُردُّ إليهم نساءُ الدنيا مع الحُور.\nوذهب جماعةٌ من المفسرين إلى أن ثوابَ الذرية على قدر عمل الذريّة؛ لأنَّ الثوابَ على قدر الأعمال، لكن يجمعُ الله بينهم في الجنة، فتقَرُّ عيونُ الآباء بالأبناء، والأبناء بالآباء (٤).\nوالأول قول الجمهور، وقد جاء مرفوعًا (٥).\n﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾: أي: يُلحقُ الثاني بالأول من غير أن يُنقص من عمل الأول شيءٌ.\nوعلى القول الثاني، معناه: ما نقصنا أحدًا من أجر عمله شيئًا (٦).\nوفيه خمس لغات: أَلِتَ، يَألِتُ، وعلى الضد: أَلِتَ، يَألَتُ، وأَلاتَ يُلِيْتُ، ولاتَ يَلِيْتُ، وحُكى: وَلَتَ يَلِتُ. وقد سبق في الحجرات (٧).\nفمن قرأ: ﴿أَلَتْنَاهُمْ﴾ فله ثلاثة أوجه: أحدها: من أَلِتَ.\nوالثاني: من أَلاتَ.\n_________\n(١) في (ب) \" يلحق بالآباء \".\n(٢) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٢٥)، تفسير الثعلبي (٩/ ١٢٨)، المحرر الوجيز (٥/ ١٨٩).\n(٣) \" أي \" ساقطة من (أ).\n(٤) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٢٤)، تفسير البغوي (٧/ ٣٨٨).\n(٥) عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ﴾ ... قال: \" إن الله يرفع ذرية المؤمن معه في درجة في الجنة وإن كانوا دونه في العمل، ثم قرأ ﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ﴾ ...، قال: وما نقصناهم\".\nوالحديث: أخرجه عبد الرَّزَّاق في تفسيره (٣/ ٢٤٧)، وابن جرير في جامع البيان (٢٧/ ٢٤)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٥٠٩).\n(٦) في (أ) \" عمله شيء شيئًا \".\n(٧) انظر: (ص: ٥٧٢).","vol":"1","page":3031},{"text":"والثالث: من وَلَتَ، قلبت همزة. وفيه ضعفٌ.\nومن قرأ: ﴿أَلَتْنَاهُمْ﴾ بالكسر: فمن (أَلِتَ) لا غير (١).\nوقُرئ في الشاذّ (٢): ﴿لِتْنَاهُم﴾ (٣) من لاتَ يَليتُ.\nوقرأ الأعمشُ: ﴿ما لَتْناهم﴾ بفتح اللام (٤)، وكلهم على أن ذلك غيرُ جائزٍ، وله وجهان من القياس:\nأحدهما: أنه لَيَّنَ الهمزةَ، فقرُبت من الساكن، فحُذف لالتقاء الساكنين.\nوالثاني: أنه أجريَ مجرى ليس، تقول: لستُ، ولَسْنا.\n﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ (٢١)﴾: أي: لا يُظلمُ أحدٌ فيما يُجزى من الأعمال.\nوقيل: هذا يعودُ إلى الكفار.\nوالرَّهين: المرهون المأخوذُ على أمرٍ يُؤدَّى عنه.\nوقيل: ﴿رَهِينٌ﴾: بمعنى: راهن، وهو المقيمُ، أي: كلُّ إنسانٍ مقيمٍ في جزاءِ ما قدَّم (٥) (٦).\n﴿وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ﴾: أي: ذلك دائمٌ لهم لا ينقطعُ.\n﴿وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢٢)﴾: يختارون.\n﴿يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا﴾: يتناولونها ويأخذُ بعضُهم من بعضٍ بحرصٍ وشهوةٍ.\n_________\n(١) قرأ الجمهور ﴿أَلَتْنَاهُمْ﴾ بفتح اللام، وقرأ ابن كثير: ﴿أَلَتْنَاهُمْ﴾ بكسر اللام [انظر: السَّبعة (ص: ٦١٢)، معاني القراءات (ص: ٤٦٤)، الحجة (٦/ ٢٢٦)].\n(٢) في (ب) \" في الشَّواذ \".\n(٣) وهي قراءة عبد الله بن مسعود وأبي وطلحة والأعمش. [انظر: المحتسب (٢/ ٣٤٠)، البحر المحيط (٩/ ٥٧١) النَّشر (٢/ ٢٨٢)].\n(٤) انظر: شواذ القراءات (ص: ٤٥٠)، البحر المحيط (٩/ ٥٧١)، النَّشر (٢/ ٢٨٢).\n(٥) في (أ) \" ما تقدَّم \".\n(٦) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٨٤)، جامع البيان (٢٧/ ٢٨)، النكت والعيون (٥/ ٣٨٢).","vol":"1","page":3032},{"text":"﴿لَا لَغْوٌ فِيهَا﴾: اللَّغو: الساقط من الكلام، تقول: لغا فلانٌ فهو لاغٍ، ولاغيةٌ للمبالغة، ولا يُقال: لغت الكلمةُ ولا الكلمةُ لا غيةٌ (١).\nوقوله: ﴿لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً﴾، [الغاشية: ١١]، أي: ناطقًا بسوء.\nويقال: لغا الدِّيك: إذا صاح.\nقال:\n. . . . . . . . . ... قبلَ الصباح وقبلَ لغوِ الدِّيكِ (٢)\nوقيل: ﴿لَا لَغْوٌ فِيهَا﴾: أي: لا كذبٌ ولا باطلٌ.\n﴿وَلَا تَأْثِيمٌ (٢٣)﴾: لا إثمَ في شُربها كما في الدنيا.\nوقيل: \" لا تأثيم \": لا يُنسب شاربها إلى الإثم (٣).\n﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ (٢٤)﴾: أي: ﴿يَطُوفُ﴾ بالكأس والفاكهة ﴿غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ﴾ من بياضهم وصفاء لونهم ﴿لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ مصون مستور عن الشمس والغبار (٤).\nوقيل: هم أولادُهم الذين سبقوهم أقرَّ اللهُ بهم أعينَهم (٥).\nالحسن: \" أولاد المشركين ذكورُهم غِلمانُ أهل الجنة، وإناثهم هن الحُورُ العِينُ، وأولادُ المؤمنين مع آبائهم على هيئتهم التي كانوا عليها \" (٦).\n_________\n(١) انظر: المفردات (ص: ٧٤٢)، مادة (لغا)، لسان العرب (١٥/ ٢٥٠) مادة \" لغا \".\n(٢) البيت لم أقف على قائله ومصدره، وقد ورد في لسان العرب بنحوه عن ثعلبة بن صعير المازني:\nباكرتهم بسباء جون ذارع ... قبل الصباح وقبل لغو الطائر\n[انظر: لسان العرب (١٥/ ٢٥٠)، مادة (لغا)].\n(٣) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٨٤)، جامع البيان (٢٧/ ٢٨)، النكت والعيون (٥/ ٣٨٢).\n(٤) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٢٩)، النكت والعيون (٥/ ٣٨٣)، تفسير السَّمعاني (٥/ ٢٧٥).\n(٥) انظر: النكت والعيون (٥/ ٣٨٣)، غرائب التفسير (٢/ ١١٤٨).\n(٦) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١١٤٨).","vol":"1","page":3033},{"text":"﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٥)﴾: أي: يسألُ بعضُهم بعضًا عن سبب نيلهم الجنةَ (١).\n﴿قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ (٢٦)﴾: موقنين بوعده ووعيده، خائفين من عصيانه.\nوقال ابنُ جرير: \" إن هذا التساؤلَ عند البعث من القبور \" (٢).\n﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾: تفضّل علينا بالمغفرة والرحمة.\nوقيل: بالهداية في الدنيا والتوفيق.\n﴿وَوَقَانَا﴾: دفع عنا.\n﴿عَذَابَ السَّمُومِ (٢٧)﴾ قيل: السَّموم من أسماء جهنم.\nوقيل: السَّموم: وَهَجُ النار.\nالضحاك: \" حَرُّ السَّموم في الدنيا، أي: العذاب فيها \" (٣).\nوقيل: شدّةُ البرد أيضًا، قال:\nاليومُ يومٌ (٤) باردٌ سَمومُهُ ... مَن جَزِع اليومَ فلا أَلومُهُ (٥) (٦).\nوفي البيت وجهٌ آخرُ، وهو: أن الباردَ بمعنى: الثابت (٧).\n﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ﴾: أن يتفضل علينا بالمغفرة.\n_________\n(١) في (أ) \" يسألُ بعضُهم عن سبب نيلهم الجنةَ بعضًا \".\n(٢) هذا أحد قولي ابن جرير في الآية، ونصه كما في جامع البيان (٢٧/ ٣٠): \" وأقبل بعض هؤلاء المؤمنين في الجنة على بعض يسأل بعضهم بعضًا، وقد قيل: إن ذلك يكون منهم عند البعث من قبورهم \".\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) \" يوم \" ساقطة من (ب).\n(٥) انظر البيت غير منسوب في النُّكت والعيون (٥/ ٣٨٣) لسان العرب (٣/ ٨٢)، مادة \" برد\".\n(٦) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٣٨٣)، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٧/ ٧٠).\n(٧) انظر: لسان العرب (٣/ ٨٢)، مادة \" برد\".","vol":"1","page":3034},{"text":"﴿إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ﴾: البارُّ.\nوقيل: البرُّ الصادق في وعده.\nوقيل: اللطيف (١).\n﴿الرَّحِيمُ (٢٨)﴾: بالمؤمنين.\n﴿فَذَكِّرْ﴾: أي: بالقرآن.\n﴿فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾: برحمة ربك. وقيل: برسالة ربك (٢).\n﴿بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ (٢٩)﴾: كما زعموا، والتقدير: ما أنت بكاهنٍ ولا مجنونٍ بنعمة ربك، وهو اعتراضٌ بين اسم (ما) وخبره.\nوقيل: بين قولهم: كاهنٌ ومجنون تضادٌّ، كما سبق (٣).\nوقيل (٤): سمَّوه مجنونًا على أنه يطلبَ ما لا يليق به.\nويقال: سمَّوه مجنونًا؛ لأنَّه كان عندهم يقفُ على أخبار السَّماء، وذلك عندهم بتعليم الجن إيِّاهم، وكذلك الشعراءُ عندهم يقولون (٥) الشِّعر بمعاونة الجن إياهم، وقالوا: لكلّ شاعرٍ مُعينٌ من الجنّ، فيكون معنى ﴿مَجْنُونٍ﴾: معه جنيٌّ، وعلى هذا قوله: ﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ (١٤)﴾ (٦) [الدخان: ١٤].\n﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (٣٠)﴾:\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٣٠)، النُّكت والعيون (٥/ ٣٨٣)، تفسير السَّمعاني (٥/ ٢٧٦).\n(٢) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٣٨٥)، جامع البيان (٢٧/ ٣١).\n(٣) الذي سبق التناقض بين قولهم: ساحر أو مجنون، والكاهن يشترك مع الساحر في ادّعاء المغيَّبات، والفرق بينهما ظاهر.\n(٤) في (ب) \" ويقال \".\n(٥) في (أ) \" يقولون عندهم \".\n(٦) في (ب) \" وعلى هذا قالو ﴿مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ \".","vol":"1","page":3035},{"text":"﴿رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ (١): حوادثَ الدهور (٢).\nو\" المنون \" عند الأصمعي: الدهر (٣).\nوعند غيره الموت، وكلاهما يقطع العمر وينقصه (٤).\nابنُ عيسى: ﴿رَيْبَ الْمَنُونِ﴾: علل الموت (٥).\nوفي بعض التفاسير: قال قائلون من المجتمعين في دار الندوة: تربّصوا بمحمدٍ - ﷺ - الموتَ يكفِكُموه، كما كفاكم شاعرَ بني فلان، وشاعرَ بني فلان (٦).\nالفراء: \" تربصوا (٧) إلى ريب المنون، فحذف الجارّ \" (٨).\nوفي هذه الآيات إلزامات، وهي خمسةَ عشرَ، قبلته عقولهم إنْ لم يُكابروا.\nو﴿أَمْ﴾ في هذه الآيات للاستفهام، بمعنى (بل) والألف، ومعنى أكثرها الإنكارُ، ومعنى بعضها الإثباتُ (٩).\n﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ (٣١)﴾: أمر تهديدٍ (١٠)، والمعنى: ما يرجونه في محمدٍ لا يكونُ، وما ينتظره فيكم يقعُ عن قريبٍ.\n_________\n(١) \" ﴿رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ ساقطة من (ب).\n(٢) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٣٨٥)، جامع البيان (٢٧/ ٣١).\n(٣) انظر: زاد المسير (٧/ ٢٦٧).\n(٤) انظر: تفسير الثعلبي (٩/ ١٣١).\n(٥) لم أقف عليه.\n(٦) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٣١)، النُّكت والعيون (٥/ ٣٨٤).\n(٧) لفظ الآية: ﴿نَتَرَبَّصُ﴾ بِهِ وليس تربصوا، وقد ورد في المخطوطتين كذلك، ولعله تصحيف، أو هو من كلام الفراء عن الآية التالية، وهي بلفظ: ﴿تَرَبَّصُوا﴾.\n(٨) لم أقف عليه من كلام الفراء، وهو معنى كلام الأخفش. [انظر: معاني القرآن؛ للأخفش (ص: ٢٨٨)، الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ٧٣)].\n(٩) في (أ) \" للإثبات \".\n(١٠) في (أ) \" أم تهديد \".","vol":"1","page":3036},{"text":"الزجّاج: كان أبو جهلٍ فيمَن قالوا: ﴿نَتَرَبَّصُ﴾ بِهِ، فأهلكهم الله جميعًا قبلَ رسول الله - ﷺ - \" (١).\nوقيل: الذي تهدّدهم به نالهم يومَ بدر (٢).\nوقيل: منسوخٌ بآية القتال (٣).\n﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ﴾: عقولهم ﴿بِهَذَا﴾ الحِلم العقل (٤).\nوقيل: الحلم أشرف من العقل، ويوصَفُ الله تعالى بالحِلم ولا يُوصف بالعقل، وقد يُنفى الحِلمُ عمَّن يُوصَفُ بالعقل.\nوقيل: الحِلم الإمهالُ الذي تدعوا إليه (٥) الحكمة.\nوفي بعض التفاسير: كانت قريش تدعى (٦) في الجاهلية الحُلومَ، ويصفهم الناس بالحِلم؛ لأنَّ اللهَ وصفهم بالحِلم وأثبته لهم (٧).\n﴿أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (٣٢)﴾: مجاوزون الحدَّ (٨) في الكفر.\nوالمعنى: لم يأمرهم عقولهم؛ لأنَّ في الطغيان مخالفةَ العقل.\n﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ﴾: تقوَّله (٩) محمدٌ من تِلقاءِ نفسه.\n﴿بَلْ﴾: ردٌّ عليهم، أي: ليس الأمرُ كما زعموا.\n_________\n(١) معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٥٢)، ولفظ الزَّجاج: \" ... هلكوا كلهم قبل وفاة رسول الله - ﷺ - \".\n(٢) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٣٨٥).\n(٣) قال ابن الجوزي: \" وبعض المفسرين يقول: هذا منسوخ بآية السيف، ولا يصحُّ إذ لا تضاد بين الآيتين \" [زاد المسير (٧/ ٢٦٧)].\n(٤) في (ب) \" ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا﴾ الحِلم العقل \".\n(٥) في (ب) \" يدعوا إليه \".\n(٦) في (ب) \" يدَّعي \".\n(٧) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٣٢)، تفسير الثعلبي (٩/ ١٣١).\n(٨) في (ب) \" تجاوزوا الحدَّ \".\n(٩) في (ب) \" يقوله \".","vol":"1","page":3037},{"text":"﴿لَا يُؤْمِنُونَ (٣٣)﴾: لعتوِّهم (١) وحسدهم.\n﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (٣٤)﴾: أي: إنْ كنتم صادقين في أنَّ محمدًا - ﷺ - تقوَّله (٢) من تِلقاءِ (٣) نفسِه، فليأتوا بكلامٍ مثلِه، فإنه بلسانهم، وهم فصحاء زمانهم.\n﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ﴾: أي: لغير شيء عبثًا، لا يُؤمرون ولا يُنهون.\n﴿أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥)﴾: للأشياء (٤)، فلهم الأمر والنهي.\nوقيل: أم خُلقوا من غير أبٍ وأُمٍ، فهم جُهَّال (٥) لا يعقلون الأمرَ والنهي، ﴿أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾: فلا يأتمرون؟!\nوقيل: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ﴾ خالقٍ، ﴿أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ أنفسَهم (٦).\n﴿أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾: هو عطف على قوله: ﴿أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾:، والمعنى: أَخلقوا أنفسَهم، أم خلقوا السماواتِ والأرضَ.\n﴿بَلْ﴾: أي (٧): لم يخلقوا شيئًا منها.\n﴿لَا يُوقِنُونَ (٣٦)﴾: أي: لا يتدبرون في الآيات فيعلموا خالقَهم وخالقَ السماواتِ والأرضِ وسائرِ المخلوقات.\n_________\n(١) في (ب) \" كعتوهم \".\n(٢) في (ب) \" يقوله \".\n(٣) \" تلقاء \" ساقطة من (أ) \".\n(٤) في (أ) \" الأشياء \".\n(٥) في (أ) \" جماد \".\n(٦) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٣٣).\n(٧) \" أي \" ساقطة من (أ).","vol":"1","page":3038},{"text":"وقيل: بل لا يوقنون وعدَ الله (١) فهانت عليهم المعاصي.\n﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ﴾: قيل: خزائن العلم، فيعلموا أنْ لا بعثَ ولا حسابَ.\nوقيل: خزائن الرزق، فلا يحتاجون إلى مَن يرزقهم (٢).\n﴿أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ (٣٧)﴾: المسيطر: الجبَّار المسلِّط، تقول: تسيطر: إذا تغلّب على الشيء (٣).\nابنُ عيسى: \" هو مجري السطوِ على غيره بما يُلْزِمُهُ قهرًا \" (٤).\nوقيل: هم الأرباب.\nابنُ بحرٍ: \" هم الملائكة \" (٥)، أي: يكتبون لأنفسهم ما يريدون (٦).\n﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ﴾: مرتقى، وقيل: ما يُتوصَّل به إلى عوالي الأشياء (٧).\n﴿يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾: أي: عَليه. وقيل: في السماء.\nوالمعنى: ليس معهم كتاب (٨)، فهل لهم سُلَّمٌ هو سببٌ إلى بلوغ السماء واستماع ما يدَّعون أنه حق.\nالزَجَّاج: ألهم كجبريلُ (٩) - ﵇ - الذي يأتي النبَّي - ﷺ - بالوحي ويُنْبئُ عن الله ما كان وما يكون؟! \" (١٠).\n_________\n(١) في (أ) \" وقيل: لا يوقنون وعد الله \".\n(٢) انظر: تفسير الثعلبي (٩/ ١٣١)، النكت والعيون (٥/ ٣٨٥).\n(٣) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٨٦)، جامع البيان (٢٧/ ٣٤)، النكت والعيون (٥/ ٣٨٥).\n(٤) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١١٤٩).\n(٥) انظر: النكت والعيون (٥/ ٣٨٥).\n(٦) والقول الأول هو المختار، وهو اختيار كثير من المفسرين، قال ابن جرير: \" وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال معنى ذلك: أم هم الجبارون المتسلطون المستكبرون على الله، وذلك أنَّ المُسَيطر في كلام العرب الجبار المُتَسَلِّط، ومنه قول الله ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ (٢٢)﴾ [الغاشية: ٢٢] يقول: لست عليهم بجبار مسلط \" ... [جامع البيان (٢٧/ ٣٤)].\n(٧) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٣٤)، النكت والعيون (٥/ ٣٨٥).\n(٨) في (أ) \" ليس لهم كتاب \".\n(٩) في (ب) \" ألهم جبريل \".\n(١٠) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٥٣).","vol":"1","page":3039},{"text":"وقيل: إن ادَّعوا أنهم يستمعون من الملائكة ما يستغنون به عن الأنبياء -﵈ -:\n﴿فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٣٨)﴾: بحجة ظاهرة (١) على صدق دعواه.\nوقيل: معناه: أم يستمعونَ الوحيَ من السماءِ فقد وَثِقُوا (٢) بما هم عليه، وردُّوا ما سواه.\n﴿أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ (٣٩)﴾: فيه تسفيه لأحلامهم واختاروا حيث اختاروا لله ما يأنفون هم (٣) عنه.\n﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا﴾: جُعْلًا على تبليغ الرسالة.\n﴿فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ﴾: من أداءِ ذلك ﴿مُثْقَلُونَ (٤٠)﴾\nالمَغْرَمُ: إلزام الغُرْم، والغُرْمُ: المطالبة بإلحاحٍ (٤).\n﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤١)﴾: ابنُ عباسٍ - ﵄ -: ... ﴿الْغَيْبُ﴾: اللوح المحفوظ ﴿فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤١)﴾ منه ويخبرون الناس \" (٥).\nوقيل: يعلمون متى يموت محمد - ﷺ -.\nويحتمل: أم عندهم الوحي فهم يكتبون ما يوحى إليهم.\n﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا﴾: سوءًا بك.\n﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ (٤٢)﴾: يريد: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣]، فكانوا هم المكيدون ببدر (٦) (٧).\n_________\n(١) \" ظاهرة \" ساقطة من (أ).\n(٢) في (أ) \" قد وثقوا \".\n(٣) \" هم \" ساقطة من (ب).\n(٤) انظر: غريب القرن؛ للسِّجِّستاني (ص: ٤١٧)، المفردات (ص: ٦٠٦)، مادة \"غرم \".\n(٥) انظر: تفسير الثعلبي (٩/ ١٣٢)، زاد المسير (٧/ ٢٧٠).\n(٦) في (أ) \" فكانوا المكيدين ببدر \".\n(٧) انظر: تفسير الثعلبي (٩/ ١٣٢)، زاد المسير (٧/ ٢٧٠).","vol":"1","page":3040},{"text":"وقيل: معناه: أم يظنون أنهم يُخفون علينا سرائرَهم.\n﴿أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾: يمنعهم من عذاب الله.\n﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٤٣)﴾.\n﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ (٤٤)﴾: أي: لو أُجيبت دعوتُهم فيما اقترحوا بقولهم: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾، [الشعراء: ١٨٧]، لما آمنوا، بل قالوا: هذا سحابٌ تراكَمَ بعضُها على بعضٍ.\n﴿فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (٤٥)﴾: أي: لا ينفع إنذارُ هؤلاء، فذرهم حتى يلاقوا يومَ القيامة.\nوقيل: يومَ (١) الموت، وقيل: عندَ النفخة الأولى (٢).\nوقُرِئَ ﴿يُصْعَقُونَ﴾، صَعِقَ وصُعِقَ جائزان، كسَعِدَ وسُعِدَ (٣).\nوقيل: هو من أصعقه الله، أي: أماته.\nوقيل: ﴿يُصْعَقُونَ (٤٥)﴾: يهلكون بصاعقة.\n﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ أي: لا يدفع مكرُهم عنهم عذابَ الله (٤).\n﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٦)﴾: يُمنعون من عذاب الله.\n_________\n(١) \" يوم \" ساقطة من (أ).\n(٢) انظر: النكت والعيون (٥/ ٣٨٦)، زاد المسير (٧/ ٢٧٠).\n(٣) قرأ ابن عامر وعاصم ﴿يُصْعَقُونَ﴾ مرفوعة الياء، وقرأ ﴿يُصْعَقُونَ﴾ بفتح الياء [انظر القراءة وتوجيهها: جامع البيان (٢٦/ ٣٧)، السبعة في القراءات (ص: ٦١٣)، معاني القراءات (ص: ٤٦٥)، الحجة (٦/ ٢٢٧)].\n(٤) في (أ) \" لا يدفع مكرهم عذاب الله عنهم \".","vol":"1","page":3041},{"text":"﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ﴾: يريد عذابَ القبر.\nوهذا قول جمهور المفسرين (١) (٢).\nوقيل: عذاب الجوع الذي ابتُلوا به.\nوقيل: مصائب الدنيا.\nوقيل: ما أصابهم يوم بدر.\nوقيل: ﴿دُونَ ذَلِكَ﴾: إشارة على الصَّعق.\nوقيل: ﴿لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾: هم أصحاب الصغائر.\nوقيل: أصحاب الحدود، لأن الحدودَ تخفِّفُ (٣) عنهم العذابَ (٤).\n﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٤٧)﴾: أنه يأتيهم ذلك.\n﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾: لبلائه فيما ابتلاك به من قومك.\nوقيل: ﴿لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾: لقضائه فيما حمّلك من رسالته.\nوقيل: لما حكم من تأخير عذابهم.\n﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾: بمرأى منا (٥)، وقيل: بعلمنا.\n_________\n(١) في (ب) \" وهذا قول الجمهور \".\n(٢) ما ذكره المؤلف - ﵀ - أنه قول الجمهور لا يسلم له، بل هذا القول حكاه الجمهور، ولم يجزم به المحققين منهم، قال ابن جرير: \" والصَّواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر أن للذين ظلموا أنفسهم بكفرهم به عذابًا دون يومهم الذي فيه يُصعقون، وذلك يوم القيامة فعذاب القبر دون يوم القيامة؛ لأنه في البرزخ والجوع الذي أصاب كفار قريش والمصائب التي تصيبهم في أنفسهم وأموالهم وأولادهم دون يوم القيامة، ولم يخصص الله نوعًا من ذلك أنه لهم دون يوم القيامة، دون نوع، بل عم فقال: ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ﴾ فكل ذلك لهم عذاب، وذلك لهم دون يوم القيامة، فتأويل الكلام: وإن للذين كفروا بالله عذابًا من الله دون يوم القيامة، ولكن أكثرهم لا يعلمون بأنهم ذائقو ذلك العذاب\" [جامع البيان (٢٧/ ٣٧)].\n(٣) في (أ) \" يُخفّف \".\n(٤) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٣٦)، النكت والعيون (٥/ ٣٨٦)، زاد المسير (٧/ ٢٧١).\n(٥) في الآية إثبات صفتين لله تعالى على ما يليق بجلاله وعظمته: صفة الرؤية، وصفة العينين، والأُولى من الصفات الفعلية، والثانية من الصفات الذاتية، وكون معنى الآية: أن الله يراه، لا ينفي إثبات العينين لله تعالى؛ لأنه لو كان المرادُ إثبات مجرد الرؤية، لما كان لذكر العينين، وتثنيتهما معنى. [انظر: شرح العقيدة الواسطية؛ للهَرَّاس (ص: ٩٦)].","vol":"1","page":3042},{"text":"وقيل: بحراستنا وحفظنا، والكلُّ واحدٌ، والمعنى: إنك مراعىً محفوظٌ محروسٌ، لا يصِلون إليك بمكروه (١).\n﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (٤٨)﴾: من النوم، يعني: صلاة الصبح.\nوقيل: حين تقوم من القيلولة، فيكون صلاةَ الظهر.\nوقيل: حين تقوم إلى الصلاة، فيكون التسبيحُ: سبحانك اللهم وبحمدك ... إلى آخره.\nوقيل (٢): هو الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرةً وأصيلًا.\nوقيل: هو سبحان ربي العظيم في الركوع، وسبحان ربي الأعلى في السجود.\nوقيل: فسبح حين تقوم من مجلسك (٣).\nروى أبو هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - إنه قال: «مَن جلسَ في مجلسٍ كثُر فيه لَغَطُه، فقال حين قام: سبحانك اللهم، وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك، وأتوب إليك، غُفر الله ما كان في مجلسه ذلك» (٤).\n﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾: يريد: صلاةَ الليل.\nوقيل: صلاتي المغرب والعشاء الآخرة (٥).\nوقيل: هو التسبيح بالليل (٦) إذا انتبه من نومه (٧).\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٣٧)، النكت والعيون (٥/ ٣٨٧)، تفسير السَّمعاني (٥/ ٢٨١).\n(٢) أي في صفة هذا التسبيح، وما قبله في وقت قوله.\n(٣) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٣٨)، تفسير الثعلبي (٩/ ١٣٣)، النكت والعيون (٥/ ٣٨٧).\n(٤) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الأدب، باب في كفارة المجلس، برقم (٤٨٥٧)، وأخرجه الترمذي في سننه في كتاب الدعوات، باب: ما يقول إذا قام من مجلسه، برقم (٣٤٣٣) والحديث صححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢/ ١٠١).\n(٥) في (أ) \" صلاة المغرب والعشاء الآخرة \".\n(٦) في (أ) \"باللسان\" وهو تصحيف.\n(٧) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٣٩)، النكت والعيون (٥/ ٣٨٧)، المحرر الوجيز (٥/ ١٩٤).","vol":"1","page":3043},{"text":"﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ (٤٩)﴾: استتارها عن العيون.\nوالجمهور، على أنه ركعتا الفجر (١)، وجاء مرفوعًا: «أنهما خيرٌ من الدنيا جميعًا» (٢).\nوقيل: هما صلاة فرض الصبح (٣).\nواستدل بعضُهم بهذا على أن الإسفارَ (٤) بصلاة الصبح أفضل (٥)، وكذلك قراءةُ من قرأ: ... ﴿وَإِدْبَارَ﴾ بالفتح (٦)، وهو: عن يعقوب؛ لأنَّ النجومَ لا أَدبارَ لها ولا إِدبارَ، وإنما ذلك بالاستتار عن العيون. والله أعلم (٧).\n_________\n(١) أي نافلة الفجر: وهو جمع من الصحابة والمفسرين منهم عمر وعلي بن أبي طالب وأبو هريرة والحسن ... - ﵃ أجمعين -. [انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٨٨)، تفسير السمرقندي (٣/ ٣٣٨)، أحكام القرآن؛ للجصَّاص (٣/ ٥٤٩)، تفسير الثعلبي (٩/ ١٣٣)، تفسير السَّمعاني (٥/ ٢٨٢)، تفسير البغوي (٧/ ٣٩٦)، المحرر الوجيز (٥/ ١٩٤)، زاد المسير (٧/ ٢٧٢)].\n(٢) أخرجه مسلم في كتاب صلاة المسافرين، باب: استحباب ركعتي سنة الفجر، والحث عليهما وتخفيفهما، والمحافظة عليهما، وبيان ما يستحب أن يقرأ فيهما، برقم (١٦٨٥)، عن أمِّ المؤمنين عائشة - ﵂ -.\n(٣) وهو قول الضحاك وابن زيد، وهو اختيار ابن جرير. [انظر: جامع البيان (٢٧/ ٣٩)، تفسير البغوي (٧/ ٣٩٦)].\n(٤) الإسفار: التأخير، يقال: أسفر الصَّبح، إذا نكشف وأضاء. [انظر: النهاية (٢/ ٣٧٢)].\n(٥) وهو رأي الثوري، وأصحاب الرأي، والتغليس: أي التبكير هو قول مالك، والشافعي، وإسحاق. [انظر: تفسير السمرقندي (٣/ ٣٣٨)، المغني؛ لابن قدامة (٢/ ٤٤)].\n(٦) انظر: المحتسب (٢/ ٣٤٢)، المحرر الوجيز (٥/ ١٩٤)، إتحاف فضلاء البشر (ص: ٥٢٠).\n(٧) \" والله أعلم \" ساقط من (أ).","vol":"1","page":3044},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-159>سورة النَّجْم </span>(١)\n\"اثنان وستون آية \" (٢) (٣) مكيةٌ (٤).\nابن عباس وقتادة \": مكيةٌ، إلاّ آية، وهي: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ﴾ فإنها مدنيةٌ \" (٥).\nوعن ابن مسعودٍ: \" أنها أول سورةٍ أعلنها رسولُ الله - ﷺ - بمكةَ \" (٦).\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١)﴾: الظاهر في الآية أن الألفَ واللامَ للجنس.\nوالمراد به: النجومُ كلُّها (٧).\nوهويُّها: سقوطُها وانتشارُها يومَ القيامة.\nوقيل: هويُّها غروبُها.\nوقيل: هويُّها أنَّها لا تفتُر طالعةً وغاربةً.\nوقيل: هويُّها انقضاضُها رُجومًا للشياطين.\nوقال بعضُهم: هويُّها طلوعُها (٨).\n_________\n(١) سميت بسورة النجم لمفتتحها، وتسمى سورة \" النجم \" بدون واو، والاسمان وردا في صحيح البخاري \"النجم \" في حديث ابن عباس - ﵄ -، وعن ابن مسعود - ﵁ - \"والنجم \" وبه ترجم البخاري، وقد وقعت في المصاحف والتفاسير بالوجهين. [انظر: بصائر ذوي التميز (١/ ٤٤٣)، التحرير والتنوير (٢٧/ ٨٧)].\n(٢) \" اثنان وستون آية \" ساقطة من (ب).\n(٣) قال الداني: \"وهي ستون وآيتان في الكوفي، وآية في عدد الباقين \" [البيان (١/ ٢٣٤)].\n(٤) قال ابن عطية: \" بإجماع من المتأولين \" [المحرر الوجيز (٥/ ١٩٥)]، وانظر: الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ٨٣)، زاد المسير (٧/ ٢٧٣)، بصائر ذوي التمييز (١/ ٤٤٣)].\n(٥) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٣٨٩)، زاد المسير (٧/ ٢٧٢)، الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ٨٣)، قال ابن عاشور: \" وسنده ضعيف \" [التحرير والتنوير (٢٧/ ٨٧)].\n(٦) أورده السيوطي في الدُّر المنثور (١٤/ ٥)، وعزاه لابن مردويه، وقد أورده مقاتل في تفسيره (٣/ ٢٨٩) من غير عزوه لابن مسعود - ﵁ -، وكذا في تفسير السمعاني (٥/ ٢٨٣).\n(٧) وهو قول الحسن وقتادة وأبي عبيدة، وهو اختيار السمعاني والسَّعدي. [انظر: مجاز القرآن (٢/ ٢٣٥)، تفسير السَّمعاني (٥/ ٢٨٣)، تيسير الكريم الرحمن (ص: ٨١٨)].\n(٨) انظر: النكت والعيون (٥/ ٣٩٠)، تفسير الثعلبي (٩/ ١٣٥).","vol":"1","page":3045},{"text":"وحكى الأزهريّ: \" هوى سقط وغرب، هَوِيَّا بالفتح، وهويَ إذا علا وصعد هُوِيَّا بالضم.\nوأنشد:\n. . . . . . . . . . . . . . . . . ... والدَّلوُ في إصعادها عجلى الهُويّ (١) (٢) \".\nوذهب جماعةٌ إلى أنه الثريا، والعرب تسمَّى الثريّا النجمَ. مطلقًا، وهي سبعة: ستّةٌ منها ظاهرةٌ، وواحدٌ خفيٌّ يُجرَّبُ بها البصر (٣).\nقال: ساجع (٤) العرب:\nإذا طلع النجم عشاءً ... . . . ابتغى الراعي كساء\nإذا طلع النجم غديَّه ... طلب الراعي شُكَيَّه (٥) (٦).\n﴿إِذَا هَوَى﴾ غاب مع الصبح، وقيل: ﴿هَوَى﴾: ارتفع وطلع (٧).\nوروي أن النبيَّ - ﷺ - قال \": إذا طلع النجم ارتفعت العاهات \" (٨).\n_________\n(١) البيت غير منسوب، ولم أقف على تمامه، [انظر: تهذيب اللغة (٢/ ٣٩٠)، مادة \" هَوِيَ \"، لسان العرب (١٥/ ٣٧١)، مادة \" هَوا \"].\n(٢) انظر: تهذيب اللغة (٢/ ٣٩٠)، مادة \" هَوِيَ \".\n(٣) وهو مروي عن ابن عباس ومجاهد وجماعة من المفسرين. [انظر: جامع البيان (٢٧/ ٤٠)، تفسير السمرقندي (٣/ ٣٣٩)، تفسير الثعلبي (٩/ ١٣٤)، النكت والعيون (٥/ ٣٨٩)].\n(٤) السَّاجع، هو الذي يقول السجع، والسجع: تواطؤ الفاصلتين من النثر على حرف واحد في الآخر.\n[انظر: التعريفات (ص: ٨٥)].\n(٥) الشُّكَيَّة: تصغير الشَّكْوة وذلك أَن الثُّرَيّا إِذا طَلَعت هذا الوقت هَبَّت البوارِحُ ورَمِضَت الأَرض وعَطِشَت الرُّعيان فاحتاجوا إِلى شِكاءٍ يَسْتقُون فيها لشفاهِهِم ويحقِنُون اللُّبَيْنة في بعضِها ليشربوها قارِصةً يقال شَكَّى الراعي وتشَكَّى إِذا اتخذ الشَّكْوةَ. شكا [لسان العرب (١٤/ ٤٣٩)، مادة \" شَكَا \"].\n(٦) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١١٥١)، المحرر الوجيز (٥/ ١٩٦)، لسان العرب (١٤/ ٤٣٩).\n(٧) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٤٠)، المحرر الوجيز (٥/ ١٩٦)، لسان العرب (١٤/ ٤٣٩).\n(٨) أخرجه الإمام أحمد في المسند، عن أبي هريرة - ﵁ - بلفظين، الأول: (٢/ ٣٤١)، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا طلع النجم ذا صباح رفعت العاهة» وحسنه الأرنؤوط في تعليقه.\nوالثاني: (٢/ ٣٨٨) عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: «ما طلع النجم صباحًا قط، وتقوم عاهة إلا رفعت عنهم أو خفت» وحسنه الأرنؤوط في تعليقه.\nقال الهيثمي: \"رواه كله أحمد والبزار والطبراني في الصغير ... وفيه عسل بن سفيان وثقة بن حبان، وقال: يخطئ ويخالف. وضعفه جماعة. وبقية رجاله رجال الصحيح \" [مجمع الزوائد (٤/ ١٠٣)]، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع الصغير، برقم (٥٠٩٦).","vol":"1","page":3046},{"text":"السدّيُّ: \" هو الزهرة \" (١).\nوعن علي - ﵁ -: \" أنه زُحَل \" (٢).\nوعن جماعة أنه نجوم القرآن؛ لأنَّ القرآنَ نزل نجمًا نجمًا في عشرين سنةً.\nومعنى: ﴿هَوَى﴾: نزل (٣) (٤).\nوقيل: النجم: محمد - ﷺ -، سمّاه نجمًا كما سمّاه سِرَاجًا، ﴿إِذَا هَوَى﴾: نزل من السَّماء ليلةَ المعارج.\nوعلى التأويل الآخر: عرج إلى السماء وصعد (٥).\nوقيل: ﴿النَّارِ﴾ النبات، ﴿إِذَا هَوَى﴾: سقط على الأرض، فإن النجمَ ليس له ساق، وعلى التأويل الآخر: طال ونمى (٦).\nويحتمل من التأويل: المصلِّي إذا سجد، والغازي إذا قُتل شهيدًا، والعالم إذا مات، فإنَّ هؤلاء نجوم الأرض والأخبارُ ناطقة بها (٧).\nوقيل: تقديره: وربّ النجم، وهو: قسم بالإجماع (٨).\n_________\n(١) انظر: النكت والعيون (٥/ ٣٨٩)، تفسير السَّمعاني (٥/ ٢٨٣).\n(٢) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١١٥١)، تفسير السَّمعاني (٦/ ٢٠٢).\n(٣) وهو مروي عن ابن عباس ومجاهد ومقاتل. [انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٨٩)، جامع البيان (٢٧/ ٤٠)، النكت والعيون (٥/ ٣٨٩)].\n(٤) وقد تعقب هذا القول ابن القيم بقوله: \" وليس بالبين تسمية القرآن عند نزوله بالنجم إذا هوى، ولا تسمية نزوله هويًا، ولا عُهِد في القرآن ذلك، فيحمل هذا اللفظ عليه \" [التبيان (ص: ٢٤٢)].\n(٥) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١١٥٢).\n(٦) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١١٥٢)، تفسير البغوي (٧/ ٣٩٧)، الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ٨٤).\n(٧) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١١٥٢).\n(٨) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٨٩)، النكت والعيون (٥/ ٣٨٩) التبيان، لابن القيم (ص: ٢٤٢).","vol":"1","page":3047},{"text":"وما ذكره الماورديّ أنه رجومٌ للشياطين، وأنَّه على هذا التأويل خبر وليس بقسم (١)، فسهوٌ منه.\nوجاء في الأخبار: أنَّه لمَّا نزل: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾، قال عتبةُ بنُ أبي لهب (٢): كفرتُ بربّ النجم، وطلّق ابنةَ النبي - ﷺ -، فدعا رسولُ - ﷺ - فقال: اللهمّ سلِّط عليه كلبًا من كلابك، فخرج في تجارةٍ إلى الشام، فقال: أبو لهبٍ احفظوه، فإني أخاف عليه دعوةَ محمدٍ، فنزلوا منزلًا، فأشرف عليهم راهبٌ من دَيرٍ (٣)، وقال: هذه أرضٌ مسبِعةٌ (٤)، فقال: أبو لهبٍ لأصحابه: أعينونا هذه الليلة، فجمعوا أحمالَهم وفرشوا لعُتبةَ في أعلاها، وناموا حولَه، فجاء أسدٌ، فضرب الله على أصمختهم، ثمَّ ثنى ذنبَه فوثب وضرب عتبةَ بيده ضربة كسرت صُلْبَه ولم يأكل منه \" (٥).\n_________\n(١) انظر: النكت والعيون (٥/ ٣٩٠).\n(٢) عتبة بن أبي لهب [عبد العزى] بن عبد المطلب القرشي الهاشمي، وهو ابن عم النبي - ﷺ -، وأمه أم جميل بنت حرب بن أمية، أخت أبي سفيان، وهي حمالة الحطب، تزوج رقية بنت النبي - ﷺ -، فلما أنزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١)﴾ ... [المسد (١ - ٥)] قال أبوه: رأسي من رأسك حرام، إن لم تطلق بنته، ففارقها قبل الدخول، ثم تزوجها عثمان، وقد أسلم هو وأخوه معتب يوم الفتح، وكان قد هربا من النبي - ﷺ -، فبعث النبي - ﷺ - العباس بن عبد المطلب عمهما إليهما، فأتى بهما، فأسلما، فسرَّ رسول الله - ﷺ - بإسلامهما، وشهدا مع رسول الله - ﷺ - حنينًا، وكانا ممن ثبت ولم ينهزم، وشهدا الطائف ولم يخرجا عن مكة، ولم يأتيا المدينة. [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: الطبقات؛ لابن سعد ... (٤/ ٣٤٨)، الاستيعاب (٣/ ١٤٩)، سير أعلام النبلاء (٢/ ٢٥٠)].\nقلت: والظاهر: أن المقصود هو أخوه عتيبة، وقد صحِّف إلى عتبة، وإن كان قد ورد ذكر عتبة في السير وعند المفسرين، وقد ذكر ذلك أبو هلال العسكري في تصحيفات المحدِّثين (ص: ٧٠٥)، وانظر: معجم ما استعجم (٢/ ٦٩٦)، تاريخ دمشق (١٧/ ١٦١).\n(٣) الدَّيْرُ: البيعة ومكان العبادة للنصارى [انظر: لسان العرب (٤/ ٣٠٠)، مادة \" دَيَرَ \"].\n(٤) مَسْبَعة: أي: كثيرة السباع والذئاب، وهي جمع سبُع، وهو الحيوان المتوحش المفترس [انظر: كتاب العين (١/ ٣٤٤)، مادة \" سبع \"، لسان العرب (٨/ ١٤٦)].\n(٥) أخرجه الحاكم في المستدرك، في كتاب التفسير - سورة أبي لهب (٢/ ٥٣٩) باسم لهب بن أبي لهب، وقال: \" صحيح الإسناد، ولم يخرجاه \"، ووافقه الذهبي، وحسنه الحافظ ابن حجر في فتح الباري: (٤/ ٥١٢) باسم عتبة بن أبي لهب، وعزاه للحاكم، وأخرجه ابن جرير عن قتادة في جامع البيان (٢٧/ ٤١)، وأورده القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ٨٤)، قلت: والحديث فيه العباس بن الفضل الأنصاري الموصلي المقرئ، قال عنه يحيى بن معين: \" ليس بثقة \"، وقال البخاري: \"منكر الحديث \"، وقال الذهبي: \" واهٍ \". توفي سنة ستٍّ وثمانين للهجرة. [انْظُرْ: الضعفاء للعُقيلي (٣/ ٣٦١)، الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة؛ للذهبي (١/ ٥٣٦)].","vol":"1","page":3048},{"text":"﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ﴾: جواب القسم، وهو: محمد رسول الله أفضل صاحب وأكرمه وأجله وأعظمه - ﷺ - صلاةً لا يَنقطع أمدُها ولا يُحصَى عددُها.\nوذلك أن قريشًا قالوا: ضلَّ محمدٌ عن دين آبائه وغوى، ثمَّ تقوَّل على الله وافترى، فأنزل الله: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ﴾.\n﴿وَمَا غَوَى (٢)﴾: أي: ﴿مَا ضَلَّ﴾، بل اهتدى، ﴿وَمَا غَوَى﴾: بل رشد.\nوقيل: معنى: ﴿مَا غَوَى﴾: ما خاب سعيُه (١).\n﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣)﴾: أي: لم يأتكم بالقرآن من تِلقاء نفسه وبهواه ومراده.\nو﴿عَنْ﴾ بمعنى الباء، وقد يتعاقبان كقوله: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩]، أي: عنه (٢).\nوالهوى: ميل القلب إلى خلاف الصواب (٣).\n﴿إِنْ هُوَ﴾: ما القرآن (٤). وقيل: ما الذّي ينطق به.\n﴿إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾: يوحيه الله إليه.\nوقيل: يوحيه جبريل.\n﴿عَلَّمَهُ﴾: علّم محمدًا.\n﴿شَدِيدُ الْقُوَى (٥)﴾: هو جبريل عند الجمهور (٥).\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٤١)، النُّكَت والعيون (٥/ ٣٩٠)، تفسير السَّمرقندي (٣/ ٣٣٩).\n(٢) انظر: مجاز القرآن (٢/ ٢٣٦)، جامع البيان (٢٧/ ٤٢)، تفسير السَّمرقندي (٣/ ٣٣٩).\n(٣) انظر: المفردات (ص: ٨٤٩)، مادة \" هوى \"، التعريفات (ص: ١٧٢).\n(٤) قال ابن عطية: \" بإجماع \" [المحرر الوجيز (٥/ ١٩٦)].\n(٥) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٨٩)، جامع البيان (٢٧/ ٤٢) النُّكَت والعيون (٥/ ٣٩١).","vol":"1","page":3049},{"text":"والقُوى: جمع القوة، وهي في الأصل الطاقةُ، من الحبل يُضممُّ إلى أخرى، وجبريل من بين الملائكة موصوفٌ بالقوة (١).\n﴿ذُو مِرَّةٍ﴾: قوّة.\nوأصلها: إمرارُ الفتل حتى يستحكم.\nوقيل: المِرّة صحةُ الجسم والسلامة من الآفات (٢).\nابن عباس: \"ذو منظرٍ حسنٍ \" (٣).\nابنُ الأنباريّ: \"ذو عقل \" (٤).\nوقيل: ﴿شَدِيدُ الْقُوَى﴾: أخبارٌ عن قوّته في أمر الله، ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾: أخبارٌ عن قوة جسمه.\nوقيل: ﴿مِرَّةٍ﴾ فِعْلةٍ، من المرور، أي: ذو مرة في الجوّ في صُعوده وانحداره.\n﴿فَاسْتَوَى (٦)﴾: قيل معناه: استولى بفرْط قوته على ما جُعل إليه من الأمر (٥).\nوقيل: ﴿فَاسْتَوَى﴾: على صورته التي خلقها الله عليها.\nوقيل: استوى: اعتدل واقفًا بعد أنْ كان مسرعًا (٦).\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٤٢)، المحرر الوجيز (٥/ ١٩٦).\n(٢) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٤٢)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٤/ ١٧٩)، النُّكَت والعيون (٥/ ٣٩١).\n(٣) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٤٢)، النُّكَت والعيون (٥/ ٣٩١).\n(٤) انظر: النُّكَت والعيون (٥/ ٣٩١)، غرائب التفسير (٢/ ١١٥٢).\n(٥) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١١٥٢).\n(٦) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٣٩٢)، زاد المسير (٧/ ٢٧٥). قال الإمام ابن جرير [جامع البيان (٢٧/ ٤٣ - ٤٤)]: \" يقول: فاستوى هذا الشديد القوي وصاحبكم محمد بالأفق الأعلى، وذلك لما أسرى برسول الله - ﷺ - استوى هو وجبريل - ﵉ - بمطلع الشمس الأعلى وهو الأفق الأعلى وعطف بقوله:\n﴿وَهُوَ﴾: على ما في قوله ﴿فَاسْتَوَى﴾ من ذكر محمد - ﷺ - والأكثر من كلام العرب إذا أرادوا العطف في مثل هذا الموضع أن يظهروا كناية المعطوف عليه فيقولوا استوى هو وفلان، وقلَّما يقولون: استوى وفلان ... وقد قيل: إن المستوي هو جبريل؛ فإن كان ذلك كذلك فلا مؤنة في ذلك لأن قوله ﴿وَهُوَ﴾ من ذكر اسم جبريل وكأن قائل ذلك وجه معنى قوله ﴿فَاسْتَوَى﴾: أي ارتفع واعتدل \".","vol":"1","page":3050},{"text":"﴿وَهُوَ﴾: جبريل.\n﴿بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧)﴾: قيل: قِبَلَ مطلِعِ الشمس.\nوقيل: ناحية من السماء (١).\n﴿ثُمَّ دَنَا﴾: جبريل من محمد - ﷺ - (٢) ﴿فَتَدَلَّى (٨)﴾: زاد في القُرب.\nوقيل: ثم تدلى من الأفق الأعلى، فدنا من محمدٍ - ﷺ -.\nوالتدلِّي: الامتداد إلى جهة السُّفل (٣).\nوقيل: هو التعلق فيما بين علو وسفل.\nوقيل: هو من الدلو، أي: نزل قليلًا قليلًا واسترسل من علو إلى سفل.\nوقيل: ثم دنا جبريل من محمدٍ فتدلى نكّس رأسَه إليه (٤).\nوقيل: دنا جبريل من محل القُربة.\nوقيل: التدلِّي من الدلال، قُلبت لامُه ياءً (٥).\n﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ﴾: الضمير في \" كان \" يعود إلى جبريل (٦).\nو﴿قَابَ قَوْسَيْنِ﴾: نُصب على الظرف، كما تقول: هو مني معقِدَ الإزار ومناطَ الثريا.\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٤٤)، النُّكت والعيون (٥/ ٣٩٢).\n(٢) وهو قول الجمهور كما قال ابن عطية، واختاره الطبري وابن كثير [انظر: جامع البيان (٢٧/ ٤٧)، المحرر الوجيز (٥/ ١٩٧)، تفسير القرآن العظيم (٤/ ٢٦٦)].\n(٣) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١١٥٣).\n(٤) انظر: تفسير الثعلبي (٩/ ١٣٧)، غرائب التفسير (٢/ ١١٥٣).\n(٥) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٣٩٣)، غرائب التفسير (٢/ ١١٥٣)، زاد المسير (٢٧٥).\n(٦) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٤٥)، النُّكت والعيون (٥/ ٣٩٣).","vol":"1","page":3051},{"text":"وقيل: الضمير في ﴿كَانَ﴾: للمسافة، أي: كانت المسافةُ بينهما قاب قوسين، فيكون نصبًا على الظرف، أو بـ ﴿كَانَ﴾ (١).\nواختلفوا في ﴿قَابَ﴾:\nقال المبرد: \" القاب، والقِيد، والقَدُّ، أو القدر (٢): واحدٌ، والقوسان هما قوسان ... عربيتان، وكانوا يذرعون الأشياءَ ويُقدرونَ بقُسِيِّهم \" (٣).\nوقال مجاهد: \" كان منه حيث الوترُ من كبد القوس \" (٤).\nوقيل: من مِقبضِها إلى طرفها (٥).\nوذهب قومٌ من المفسرين إلى أن القوسين الذراعان، ويحتمل على هذا التأويل أنْ يجعل ... ﴿قَدَمَ قَوْسَيْنِ﴾: عبارة عن المعانقة؛ لأنَّ المعانقةَ تقعُ [بين] (٦) الذراعين.\nوالمعنى: دنا جبريل من محمدٍ - ﷺ - متعانقًا، ويكون قولُه: أَوْ ﴿أَدْنَى﴾: عبارةً عن مجاوزة إحدى اليدين الأخرى (٧).\nوذُكر أيضًا أن القوسين عبارةٌ عن الشِّبرين.\nوقوله: أَوْ ﴿أَدْنَى (٩)﴾: قيل: بل أدنى.\nوقيل: وأدنى، وهو عند النحاة للإبهام على المخاطَبين، أي: لو رأى واحدٌ منكم ذلك لقال: ﴿قَدَمَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾، وأفاد ﴿أَوْ﴾ تحقيقَ الخبر عن القُرب (٨).\n_________\n(١) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١١٥٣).\n(٢) في (أ) \" والقُداد، والقَدَد! \".\n(٣) لم أقف عليه في الكامل ولا المقتضب؛ للمبرد.\n(٤) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٤٥)، النُّكت والعيون (٥/ ٣٩٣).\n(٥) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٣٩٣).\n(٦) جاء في المخطوطتين (بعين)، والظاهر ما أُثبت.\n(٧) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٤٥) النُّكت والعيون (٥/ ٣٩٣)، زاد المسير (٧/ ٢٧٦).\n(٨) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٥٧)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٤/ ١٨٠).","vol":"1","page":3052},{"text":"﴿فَأَوْحَى﴾: جبريلُ - ﵇ -.\n﴿إِلَى عَبْدِهِ﴾: محمدٍ - ﷺ -. والهاء يعود إلى الله ﷿ لا غير، وإنْ لم يتقدم ذكرُ الله سبحانه صريحًا فقد تقدم ضمنًا (١).\nمَا ﴿أَوْحَى (١٠)﴾: جبريل.\nوقيل: ما أوحى الله إلى جبريل (٢).\nوأبهم مَا ﴿أَوْحَى﴾ تعظيمًا لشأن ذلك.\nوقيل أوحى الله إليه: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (٨) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (١٠) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ٦] إلى آخر السورة (٣).\nوقيل: أوحى إليه أن الجنةَ محرمةٌ على الأنبياء حتى تدخلَها أنت، وعلى الأمم حتى تدخلَها أمتك (٤).\nوذهب بعض المفسرين في هذه الآيات إلى تأويل آخر، فقالوا ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥) ذُو مِرَّةٍ﴾: هو الله، وهذا كقوله: ﴿هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الطور: ٥٨] (٥).\nوزاد بعضهم فقال: ﴿فَاسْتَوَى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧)﴾ ﴿فَاسْتَوَى﴾ من فعل الله، كقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] (٦).\n_________\n(١) وهو اختيار ابن جرير والزَّجَّاج وغيرهما. [انظر: جامع البيان (٢٧/ ٤٧)، معاني القرآن (٥/ ٨٥)].\n(٢) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٤٧)، النُّكت والعيون (٥/ ٣٩٣).\n(٣) وعند البغوي والقرطبي إلى ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٤)﴾ [٤: الشرح]. [انظر: تفسير البغوي ... (٧/ ٤٠٢)، الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ٩٣)].\n(٤) انظر: تفسير البغوي (٧/ ٤٠٢)، الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ٩٣)، تفسير القرآن العظيم (٤/ ٢٦٧).\n(٥) وهو مروي عن الحسن. [انظر: تفسير السَّمعاني (٥/ ٢٨٥)، غرائب التفسير (٢/ ١١٥٢)، المحرر الوجيز (٥/ ١٩٦)].\n(٦) ذُكرت الآية في المخطوطة بلفظ (فاستوى)، ولم يرد في القرآن بالفاء، وإنما وردت في هذا السياق ... بـ ﴿ثُمَّ﴾.","vol":"1","page":3053},{"text":"وقال: والأفق الأعلى فوقَ السماوات السبع، يعنى: العرش، ثم دنا من محمدٍ فتدلى (١).\nو﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ﴾: عبارةٌ عن قُرب المنزلة والمكانة، لا عن المنزل والمكان (٢).\nوعلى الوجه الذي ذكرتُ عبارةُ: عن قربٍ ليس وراءه قرب، تعالى الله عن المنزل والمكان والاجتماع والافتراق.\nفأوحى إلى عبده محمدٍ ما أوحى وتكلم معه ما تكلّم وأمره ما أمر.\nوذَهَبَ بعضهم في الآية إلى تأويل آخر، فقال: ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾: محمد - ﷺ -، ﴿فَاسْتَوَى﴾: قام ما به جنونٌ [!!]، وكان صعِقَ لمَّا رأى جبريلَ في صورته، ﴿وَهُوَ﴾: أي: محمد ﴿بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى﴾، ﴿ثُمَّ دَنَا﴾: محمد ﴿فَتَدَلَّى﴾: من العرش ومحلِّ القُربة، ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩) فَأَوْحَى﴾ اللهُ ﴿إِلَى﴾: محمد ﴿مَا أَوْحَى﴾ (٣).\nوذَهَبَ الفرَّاءُ في قوله: ﴿فَاسْتَوَى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧)﴾: أي: \" فاستوى جبريل ومحمد - عليهما الصَّلاة والسَّلام -، أي: صار كلُّ واحدٍ مساويًا للآخر، فعطف على ضمير المرفوع المتَّصل من غير حائل \" (٤).\nوهذا غير جائز من البصريين، وقد جاء في الشِعر (٥). والله أعلم.\n_________\n(١) انظر: تفسير الثعلبي (٩/ ١٣٧)، غرائب التفسير (٢/ ١١٥٢).\n(٢) هذا تأويل للعلو، وهو خلاف الأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة، التي تثبت علوَّ الله على خلقه، وتشمل العلو بأنواعه الثلاثة: علو الذات والمكان، وعلو القدر والمكانة، وعلو القهر والغلَبة، وكذلك مسألة معية الله لخلقه الثابتة بالكتاب والسنة، والتي لا تنافي كون الله تعالى مع خلقه حقيقة وكونه في السماء على عرشه حقيقة. [انظر: القواعد المثلى؛ لابن عثيمين (ص: ١٦٨)، صفات الله - ﷿ -؛ للسقَّاف (ص: ٢٣٤)].\n(٣) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١١٥٣)، وكان الأولى من الكرماني - عفا الله عنه - عدم إيراد هذا القول.\n(٤) انظر: معاني القرآن (٣/ ٩٥).\n(٥) وهو قولهم:\nألم تر أنَّ النَّبْع يُخلقُ عُودُه ... ولا يستوي والخروعُ المتقصِّفُ\nفَرَدَّ الخروع على ما في يستوي من ذكر النَّبْع. [انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ٩٤)، جامع البيان (٢٧/ ٤٣)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٥٧)].","vol":"1","page":3054},{"text":"﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١)﴾: قيل: ما كذب الفؤاد ما رأى الفؤاد.\nوقيل: ما كذّب الفؤاد ما رأى محمد بعينه (١).\nوذكر الثعلبيُّ ما كذّب الفؤاد ما رأى القلب، قال: \"والفؤاد وعاء القلب\" (٢).\nوفي هذا القول بعدٌ.\nثم اختلفوا في المرئيّ:\nفذهب ابنُ مسعود ﵁ - في جماعةٍ - إلى أنه جبريل، رآه على صورته التي خلقه الله عليها، وإلى هذا ذهبت عائشة - ﵂ وعن أبيها - (٣).\nوذهب ابن عباس - ﵄ - في جماعة إلى أنه الرَّبّ سبحانه، رآه بعين رأسه (٤).\nوذهب جماعة إلى إنه رآه بقلبه (٥).\nمرفوعًا أنه سئل - ﷺ - هل رأيت ربك؟ فقال: «رأيته بفؤادي ولم أره بعيني» (٦)، وروى أبو العالية قال: سئل - ﷺ - هل رأيتَ ربك؟ فقال: «رأيت نورًا، ورأيت وراءَ النور حجابًا، ورأيت وراءَ الحجاب نورًا، لم أر غير ذلك» (٧).\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٤٧)، النُّكت والعيون (٥/ ٣٩٣).\n(٢) انظر: تفسير الثعلبي (٩/ ١٤٠).\n(٣) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٤٧)، النُّكت والعيون (٥/ ٣٩٤)، تفسير البغوي (٧/ ٤٠٣).\n(٤) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٤٨)، النُّكت والعيون (٥/ ٣٩٤)، زاد المسير (٧/ ٢٧٧)، وروى ابن جرير عن ابن عباس - ﵄ - أيضًا: أنه رآه بقلبه \"، وهو الأصحُّ [جامع البيان (٢٧/ ٤٨)] قال الإمام ابن كثير: \" عن أبي العالية، عن ابن عباس: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾، ﴿وَلَقَدْ رَآَهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ قال: رآه بفؤاده مرتين.\nوكذا رواه سِمَاك، عن عكرمة، عن ابن عباس، مثله. وكذا قال أبو صالح والسّدي وغيرهما: إنه رآه بفؤاده مرتين [أو مرة]، وقد خالفه ابن مسعود وغيره، وفي رواية عنه أنه أطلق الرؤية، وهي محمولة على المقيدة بالفؤاد. ومن روى عنه بالبصر فقد أغرب، فإنه لا يصح في ذلك شيء عن الصحابة، - ﵃ -، وقولُ البغوي في تفسيره: وذهب جماعة إلى أنه رآه بعينه، وهو قول أنس والحسنُ وعكرمة. فيه نظر، والله أعلم \". [تفسير القرآن العظيم (٤/ ٢٦٧)].\n(٥) وهو قول ابن عباس وعكرمة. [انظر: جامع البيان (٢٧/ ٤٧)، النُّكت والعيون (٥/ ٣٩٤)، تفسير البغوي (٧/ ٤٠٣)].\n(٦) أخرجه ابن جرير في [جامع البيان (٢٧/ ٤٦)] عن محمد بن كعب القرظي.\n(٧) انظر: أخرجه ابن أبي حاتم (١٠/ ٣٣١٩) قال ابن كثير عنه [تفسير القرآن العظيم (٤/ ٢٦٨)] \"وذلك غريب جدًَّا \".","vol":"1","page":3055},{"text":"وعن الحسن: \" أنه رآه في المنام، وأنه لم يعرج بجسمه إلى السَّماء وإنما عرج بروحه وجسمه نائم بمكة \" (١).\nويحتمل: أن ما رأى هو: الذي فسره الله ﷿ فقال: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾، ولهذا قال: ﴿مَا رَأَى﴾، ولم يقل من رأى (٢). والله أعلم.\nقُرئ ﴿كَذَبَ﴾ بالتخفيف والتشديد (٣):\nفمن خفّف فتقديره ما كذب الفؤادُ محمدًا حديثَ ما رأى، فحُذف المضافُ؛ لأن كذب يتعدى إلى مفعولين، ومن شرط المفعول الثاني أنْ يكونَ مسموعًا وفي الآية مرئي، والوجه إضمار الحديث. وقيل: ما كذب الفؤاد فيما رأى، ولا بد من إضمار الحديث أيضًا.\nومن شدَّد، فالمعنى حقّق الرؤيةَ ولم يجعلها شبهةً وتخيّلًا.\nوقيل: ما كذب الفؤاد ما أدّاه إليه جبريل، بل رآه صدقًا غير كذبٍ ولا ظنّ (٤).\n﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (١٢)﴾: وقرئ: ﴿أَفَتَمْرُونَهُ عَلَى مَا يَرَى﴾ (٥): أي: تجحدونه وتدفعونه، يقال مرآه حقَّه إذا جحده.\nوأصل المِرَى: من مَريت النَّاقةَ: إذا استخرجتَ لَبَنَهَا بعلاج.\n_________\n(١) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١١٥٤)، الكشاف (٢/ ٦٠٦).\n(٢) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١١٥٤).\n(٣) قرأ الجمهور ﴿مَا كَذَبَ﴾ مخففة الذَّال، وقرأ ابن عامر في رواية ابن ذكوان ﴿مَا كَذَبَ﴾ خفيفة، وفى رواية هشام بن عمَّار ﴿مَا كَذَّبَ﴾ مشَدَّدة. [انظر: السبعة في القراءات (ص: ٦١٤)، معاني القراءات (ص: ٤٦٦)، الحُجَّة (٦/ ٢٣٠)].\n(٤) انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ٩٦)، معاني القراءات (ص: ٤٦٦)، الحُجَّة (٦/ ٢٣٠).\n(٥) قرأ الجمهور ﴿أَفَتُمَارُونَهُ﴾ بضم التاء وألف، وقرأ حمزة والكسائي ﴿أَفَتَمْرُونَهُ﴾ بفتح التاء بغير ألف \". [انظر: السَّبعة (ص: ٦١٥)، معاني القراءات (ص: ٤٦٧)، الحُجَّة (٦/ ٢٣٠)].","vol":"1","page":3056},{"text":"ووجه تمارونه تجادلونه من المراء، وهو: الجدال بالباطل، ولفظ ﴿عَلَى﴾ يقوِّي هذا الوجه (١).\n﴿وَلَقَدْ رَآَهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣)﴾: الخلاف فيه كالخلاف في الأول.\nابن عبّاس - ﵄ -: \" رأى الرَّبّ سبحانه مرَّتين \" (٢).\nابن مسعود - ﵁ -: \" رأى جبريلَ على صورته مرّتين: مرّةً عند سِدْرَةِ المنتهى، ومرّةً بأجْيَاد (٣)، وقد سَدَّ الأُفقَ، له ستمائة جناح \" (٤).\nومعنى ﴿نَزْلَةً أُخْرَى﴾: مرّةً أخرى (٥).\nوتقديره: رآه نازلًا ﴿نَزْلَةً أُخْرَى﴾ وكان أحدُ النزولين الدنّو، والآخَرُ التدلِّي.\n﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤)﴾: الجمهور: على أنها شجرة النَّبِق (٦) (٧).\nوروى أنس - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال في صفة ليلة المعراج: «ورُفعتْ لي سدرةٌ، منتهاها في السماء السابعة، نَبِقُها مثلُ قِلالِ (٨) هَجَرَ (٩») (١٠).\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ٩٦)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٥٨)، معاني القراءات (ص: ٤٦٦)، الحُجَّة (٦/ ٢٣٠).\n(٢) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٥٢)، تفسير البغوي (٧/ ٤٠٤).\n(٣) أجياد: جبل بمكة يلي الصفا، واختلف في سبب تسميته بهذا الاسم، فقيل: سمي بذلك؛ لأنَّ تبعًا لمَّا قدم مكة ربط خيله فيه فسمي بذلك، وهما أجيادان أجياد الكبير وأجياد الصغير [انظر: معجم البلدان (١/ ١٠٥)، معجم ما استعجم (١/ ١١٥)، لسان العرب (٣/ ١٣٥)، مادة \" جَوَدَ \"].\n(٤) انظر: زاد المسير (٧/ ٢٧٧).\n(٥) انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ٩٦)، جامع البيان (٢٧/ ٥٠).\n(٦) النَّبِق: بفتح النون وكسر الباء، وقد تسكن: ثمر السِّدْر. واحدته: نَبِقَه ونَبْقَة. [انظر: النهاية (٥/ ١٠)، مادة \" نَبِقَ \"، لسان العرب (١٠/ ٣٥٠)، مادة \" نَبِقَ \"].\n(٧) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٥٢)، تفسير الثعلبي (٩/ ١٤٢)، تفسير السَّمعاني (٥/ ٢٨٠).\n(٨) القِلال: جمع قُلَّة، والقُلَّة: الجرة الكبيرة، سمِّيت بذلك؛ لأنها تُقل أي: تُرفع وتُحمل [النهاية (٤/ ١٠٤) \" مادة قَلَلَ \"، لسان العرب (١١/ ٥٦٣)، \" مادة قَلَلَ \"].\n(٩) هَجَر: قرية من قرى المدينة. قال ابن الأثير: (فأما هَجَر التي تنسب إليها القلال الهَجَريَّة فهي قرية من قرى المدينة). [انظر: النهاية (٥/ ٢٤٧)، وانظر: معجم البلدان (٥/ ٤٥٢)، لسان العرب (٥/ ٢٥٧)].\n(١٠) جزء من حديث مالك بن صعصعة - ﵁ - في المعراج، أخرجه البخاري في كتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة، برقم (٢٣٠٧)، ومسلم في كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول الله - ﷺ - إلى السموات وفرض الصلوات برقم: (١٦٢).","vol":"1","page":3057},{"text":"وسمّيت سدرةَ المنتهى؛ لأنه ينتهي إليها علمُ الخلائق وأعمالهم، وإليها ينتهي مَن فوقَها ويصعد إليها مَن تحتها (١).\nوعن ابن مسعود - ﵁ -: قال: لمَّا أُسري برسول الله - ﷺ - إلى سِدرة المنتهى، وهي في السماء السّابعة، وإليها ينتهي ما يَعرُجُ من أرواح العباد فيقبض منها، وإليها ينتهي ما أُهبط من فوقها فيقبض منها (٢).\nوقال ابنُ بحرٍ في تفسيره: هي الشجرة التي يقول الله فيها: ﴿إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨]، وأوّل قوله: ﴿عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾: أي: نالوا الجنةَ من البيعة التي جرت عندها، ولمّا بلغ إلى قوله: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ خلط كلامه (٣).\nوهذا تأويلٌ بعيدٌ غيرُ مرضيّ.\n﴿عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥)﴾: مصدر، تقديره جَنَّة الرجوع.\nابن عبّاس: \" جَنَّة المأوى عن يمين العرش، فيها أرواح الشهداء \" (٤).\nوقيل: هي التي كان فيها آدم.\nوقيل: هي الجنَّة التي وعد المتقون (٥).\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٥٢)، النُّكت والعيون (٥/ ٣٩٥). قال ابن جرير: \" والصَّواب من القول في ذلك أن يقال: إن معنى المنتهى الانتهاء فكأنه قيل عند سدرة الانتهاء، وجائز أن يكون قيل لها سدرة المنتهى؛ لانتهاء علم كل عالم من الخلق إليها، كما قال كعب، وجائز أن يكون قيل ذلك لها؛ لانتهاء ما يصعد من تحتها وينزل من فوقها إليها كما روي عن عبد الله، وجائز أن يكون قيل ذلك كذلك؛ لانتهاء كل من خلا من النَّاس على سنة رسول الله إليها، وجائز أن يكون قيل لها ذلك؛ لجميع ذلك ولا خبر يقطع العذر بأنه قيل ذلك لها لبعض ذلك دون بعض، فلا قول فيه أصحّ من القول الذي قال ربنا ﷻ، وهو أنها سدرة المنتهى \" [جامع البيان (٢٧/ ٥٣)].\n(٢) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب: في ذكر سدرة المنتهى برقم: (١٧٣).\n(٣) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١١٥٥).\n(٤) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٥٥)، النُّكت والعيون (٥/ ٣٩٦).\n(٥) انظر: إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٤/ ١٨٢)، قال ابن عطية في [المحرر الوجيز (٥/ ١٩٩)]: \" قال الحسن: وهي الجنة التي وعد بها العالم المؤمن، وقال قتادة وابن عباس بخلاف: هي جنة يأوي إليها أرواح الشهداء ... والمؤمنين، وليست بالجنة التي وعد بها المؤمنون جنة النعيم، وهذا يحتاج إلى سَنَدٍ، وما أراه يصحُّ عن ابن عباس \".","vol":"1","page":3058},{"text":"﴿... إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦)﴾ أي: رآه ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ (١).\nعن بعضهم: يغشاها الملائكةُ (٢)، وعن بعضهم: يغشاها فَراشٌ من ذهب (٣).\nوقيل: جرادٌ من ذهب (٤).\nوقيل: \"ملائكةٌ مثل الغربان حين يقعن على الشَّجر \" (٥).\nوقيل: يغشاها النُّور (٦).\nوعن ابن عبّاس - ﵄ - \" يغشاها الرَّبُّ سبحانه \" (٧)، وأراد ابن عبّاس: بذلك نور الرَّبّ سبحانه (٨).\nوعن عائشة - ﵂ -: \" يغشاها لؤلؤٌ وياقوتٌ وزَبَرْجَدٌ \" (٩) (١٠).\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٥٥)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٤/ ١٨٣).\n(٢) وهو مروي عن ابن عبَّاس - ﵄ - والحسن ومقاتل [انظر: انظر: جامع البيان (٢٧/ ٥٦)، النُّكت والعيون (٥/ ٣٩٦)، زاد المسير (٧/ ٢٧٨)].\n(٣) وهو مروي عن ابن عن مسعود وابن عباس وابن زيد - ﵃ -. [انظر: جامع البيان (٢٧/ ٥٥)، النُّكت والعيون (٥/ ٣٩٦)].\n(٤) وهو مروي عن ابن مسعود ومسروق [انظر: تفسير السَّمرقندي (٣/ ٣٤١)، تفسير السّمعاني (٥/ ٢٩٢)، المحرر الوجيز (٥/ ٢٠٠)].\n(٥) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (٢٧/ ٥٦) براويتين، الأولى: عن الربيع بن أنس ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ قال: غشيها نور الرَّب، وغشيتها الملائكة من حب الله مثل الغربان حين يقعن على الشجر، والثانية عن الربيع بن أنس عن أبي العالية الرياحي عن أبي هريرة أو غيره شك أبو جعفر قال لما أسري بالنبي انتهى إلى السدرة، قال فغشيها نور الخلاق وغشيتها الملائكة أمثال الغربان حين يقعن على الشجر، قال: فكلمه عند ذلك فقال له: سل \".\n(٦) وهو مروي عن الربيع بن أنس والضحاك [انظر: جامع البيان (٢٧/ ٥٦)، النُّكت والعيون (٥/ ٣٩٦)، زاد المسير (٧/ ٢٧٨)].\n(٧) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (٢٧/ ٥٦) عن ابن عباس - ﵄ - بلفظ: \" غشيها الله فرأى محمد من آيات ربه الكبرى \".\n(٨) ليس في المروي عن ابن عباس - ﵄ - ليس فيه ما يدل على رؤية النور.\n(٩) لم أقف عليه من حديث عائشة - ﵂ -، وقد أخرجه ابن جرير في جامع البيان (٢٧/ ٥٦) عن مجاهد.\n(١٠) قال ابن عطية: \" وقيل غير هذا ممَّا هو تكلُّف في الآية؛ لأنَّ الله تعالى أبهم ذلك، وهُم يريدون شرحه \" ... [المحرر الوجيز (٥/ ٢٠٠)].","vol":"1","page":3059},{"text":"وإبهامه يدلُّ على عظم قدره (١).\n﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧)﴾: ما مال يمينًا وشمالًا، ولا جواز الحدّ قُدَّامًا.\nوقيل: ﴿مَا زَاغَ﴾: ما قصّر عن النظر إلى ما أُمر به، ﴿وَمَا طَغَى﴾: ولا جاوز ما لم يُؤمرْ بالنظر إليه.\nوقيل: ما زاد وما نقص (٢).\n﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨)﴾: هي ما رأى ليلةَ المعراج ويطول تعدادها.\nولا يدخل في هذه الآية رؤيةُ الله تعالى؛ لأنَّ آياتِ الله غيرُ الله (٣).\nو﴿الْكُبْرَى﴾: يجوزُ أنْ يكونَ المفعولَ، أي: لقد رأى الكبرى من آيات ربه، فيكون ﴿مِنْ﴾ للتبعيض.\nويجوز أنْ يكونَ صفةً للآيات، ومحلها جرٌّ، والمفعولُ محذوفٌ، أي: آيات من آيات ربه الكبرى، ويجوز أنْ يكونَ ﴿مِنْ﴾ زيادة، و﴿آَيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾: مفعول. وزيادة من الإثبات قليل (٤).\n﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠)﴾: ذهب بعض المفَسِّرين إلى أنها أسماءُ أصنامٍ (٥) كانت في الكعبة تعبدها العربُ (٦).\n_________\n(١) انظر: التسهيل (٤/ ٧٦)، البحر المحيط (١٠/ ١٤).\n(٢) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٥٧)، النُّكت والعيون (٥/ ٣٩٦).\n(٣) لعلَّ هذا ردٌّ من المؤلِّف على من فسَّر الآيات الكبرى برؤية الله تعالى، قال السّمعاني في تفسيره (٥/ ٢٩٢): \" وينبغي أن يقال: إن ثبت النَّقل أنه رأى ربَّه، نحكم بالرؤية ونعتقدها، وإن لم يثبت النَّقل فالأمثل أنه لم ير \"\n(٤) انظر: الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ٩٩)، البحر المحيط (١٠/ ١٤).\n(٥) الأصنام: هي المنحوتة على خلقة البشر، وما كان منحوتًا على غير خلقه البشر، فهي أوثان. [انظر: المحرر الوجيز (٣/ ٣٤١)].\n(٦) ذكره أبو عبيدة في مجاز القرآن (٢/ ٢٣٦)، وابن جرير في جامع البيان (٢٧/ ٦٠)، وحكاه عن بعض أهل المعرفة بكلام العرب من أهل البصرة، وقال ابن الكلبي: \"ولم تكن قريش بمكة ومن أقام بها من العرب يُعَظِّمون شيئًا من الأصنام إعظامهم العُزَّى ثُمَّ اللات ثُمَّ مناة \". [الأصنام (ص: ٤٢)].","vol":"1","page":3060},{"text":"وقيل: ﴿اللَّاتَ﴾ بيت بنخلةَ كانت قريش تعبده (١).\nو﴿وَالْعُزَّى﴾ بيت بالطائف تعبده ثقيف (٢).\nقتادة: بيت ببطن نخلة، ﴿وَمَنَاةَ﴾: بيت يعبده بنو كعبٍ (٣) \" (٤).\nقتادة: \" ﴿اللَّاتَ﴾ صنم بالطائف \" (٥).\nوقيل: كان رجلًا يلتُّ السويقَ (٦) للحاجِّ، فلمَّا مات عبدوه (٧) (٨).\nقال الكلبيّ: اسمه صَرِمَة بن غَنْم \". (٩) (١٠)\n_________\n(١) وهو مروي عن ابن زيد. [انظر: جامع البيان (٢٧/ ٥٨)، النُّكت والعيون (٥/ ٣٩٨)].\n(٢) وهو مروي عن ابن زيد [انظر: جامع البيان (٢٧/ ٥٩)].\n(٣) بنو كعب: بطن من خزاعة من بني مزيقيا من الأزد من القحطانية، وهم بنو كعب بن عمرو بن ربيعة بن حارثة بن مزيقيا، وكانت مواطنهم مكة ومرّ الظهران وما بينهما، وكانوا حلفاء لقريش. [انظر: نهاية الأرب (ص: ١٣٣)، الأعلام (٢/ ٣٠٤)].\n(٤) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٥٩).\n(٥) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٥٨)، المحرر الوجيز (٥/ ٢٠٠) - وقد رجَّح فيه ابن عطية قول قتادة -.\n(٦) السَّويق: الطعام الذي يتخذ من الحنطة والشعير [انظر: لسان العرب (١٠/ ١٦٦)، مادة \" سَوَقَ \"].\n(٧) وهو مروي عن ابن عباس ومجاهد وأبي صالح [انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ٩٨)، جامع البيان (٢٧/ ٥٨)، النُّكت والعيون (٥/ ٣٩٧)].\n(٨) قال السُّهيلي: \" وقوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩)﴾: أصل هذا الاسم لرجلٍ كان يلّت السَّويق للحاج إذا قدموا، وكانت العرب تعظِّم ذلك الرجل؛ لإطعامه الناس في كلِّ موسم، ويقال: إنه عمرو ... ابن لُحي بن قمعة بن إلياس بن مضر، ويقال: هو ربيعة بن حارثة، وهو والد خزاعة، وعمِّر عمرًا طويلا، فلما مات اتخذ مقعده الذي كان يلتُّ فيه السَّويق منْسَكًا، ثم سخَّ [أي وصل] الأمر بهم إلى أنهم عبدوا تلك الصخرة، التي كان يقعد عليها، ومثَّلوها صنمًا وسمّوها اللات، اشتقوا لها من اللت أعني لتّ السويق.\nذكر ذلك كثير ممن ألَّف في الأخبار والتفسير، ذكروا هذا المعنى بألفاظ شتَّى فلخصتها بهذا التلخيص، وتحريت فيها القصد إلى معنى ما ذكروه، والله المستعان \" [التعريف والأعلام (ص: ١٦٢)].\n(٩) صَرِمَة بن غَنْم، كان يسلأ السَّمن فيضعها على صخرة ثم تأتيه العرب فتلت به أسوقتهم، فلما مات الرجل حولتها ثقيف إلى منازلها فعبدتها، فسدرة الطائف على موضع اللات [انظر: تفسير البغوي (٧/ ٤٠٧)، الجامع لأحكام القرآن؛ للقرطبي (١٧/ ١٠٠)، فتح الباري (٩/ ٥٩٤)].\n(١٠) انظر: تفسير البغوي (٧/ ٤٠٧)، الجامع لأحكام القرآن؛ للقرطبي (١٧/ ١٠٠).","vol":"1","page":3061},{"text":"وقيل: اسمه عامر بن الظَّرِب (١) (٢).\nقال مجاهد: \" ﴿الْعُزَّى﴾ شجرةٌ لغطفان (٣) يعبدونها، فبعث النبيُّ - ﷺ - خالدَ بنَ الوليد فقطعها وجعل يضربها بالفأس، ويقول:\nيا عُزَّ كفرانكَ لا سبحانك ... إني رأيت الله قد أهانك\nفخرجت منها شيطانه ناشرة شعرها داعية ويلها واضعة يدها على رأسها فقتلها فرجع إلى النبي - ﷺ - وأخبره بذلك فقال: «تلك العزّى لن تُعبدَ أبدًا» \" (٤).\nالضحاك: \" هي صنمٌ لغطفان، وضعها لهم سعدُ بنُ ظالم الغَطَفانيّ\" (٥) (٦).\nوقيل: حجرٌ أبيضُ (٧).\n_________\n(١) عامر بن الظَّرِب بن عمرو بن عياذ العدواني: حكيم، خطيب، رئيس، من الجاهليين، كان إمام مضر وحكمها وفارسها. وممن حرم الخمر في الجاهلية. وَكَانَتْ الْعَرَبُ لَا يَكُونُ بَيْنَهَا نَائِرَةٌ وَلَا عُضْلَةٌ فِي قَضَاءٍ إلّا أَسْنَدُوا ذَلِكَ إلَيْهِ ثُمّ رَضُوا بِمَا قَضَى فِيهِ فَاخْتَصَمَ إلَيْهِ فِي بَعْضِ مَا كَانُوا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ فكانت وكانت العرب لا تعدل بفهمه فهما ولا بحكمه حكما.، وهو أحد المعمرين في الجاهلية، وأول من قرعت له العصا، وكان يقال له (ذو الحلم) [انظر: الروض الأنف؛ للسهيلي (١/ ٢٣١)، الأعلام (٣/ ٥٢)].\n(٢) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٣٩٨)، الجامع لأحكام القرآن؛ للقرطبي (١٧/ ١٠٠).\n(٣) غطفان: قبيلة من قيس عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. [انظر: الأنساب للسَّمعاني (٤/ ٣٠٢)، ومعجم القبائل العربية (٣/ ٨٨٨)].\n(٤) أخرجه النسائي في السُّنن الكبرى (٦/ ٤٧٤) في كتاب التفسير، باب قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩)﴾ والبيهقي في دلائل النبوة (٥/ ٧٧)، عن أبي الطفيل، قال الهيثمي - عن رواية أبي الطفيل -: \" رواه الطبراني، وفيه يحيى بن المنذر وهو ضعيف، وقال: \"وعن أبى عبد الرحمن السلمى أن خالد بن الوليد مر على اللات فقال: كفرانك لا سبحانك ... إنى رأيت الله قد أهانك \" رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح إلا أنه مرسل \". [مجمع الزوائد - (٦/ ١٧٦)]، وانظر قول مجاهد: تفسير الثعلبي (٩/ ١٤٥)، تفسير البغوي (٧/ ٤٠٨).\n(٥) وقيل: اسمه: ظالم بن أسعد بن ربيعة بن مالك بن مُرَّة بن عوف بن سعد بن ذبيان [انظر: الأصنام؛ لابن الكلبي (ص: ٣)، وانظر: معجم البلدان (٤/ ١١٦)، الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ٩٩)].\n(٦) انظر: تفسير الثعلبي (٩/ ١٤٥)، تفسير البغوي (٧/ ٤٠٨).\n(٧) انظر: وهو مروي عن ابن جبير [انظر: جامع البيان (٢٧/ ٥٩)، الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ١٠٠)].","vol":"1","page":3062},{"text":"وأمَّا ﴿وَمَنَاةَ﴾ فكانت لخزاعة (١) (٢).\nوفي اشتقاق ﴿اللَّاتَ﴾ ثلاثة أقوال:\nأحدها: أنها من لتَّ السويق، فخفّف، بدليل من قرأ: ﴿اللَّاتَّ﴾ بالتشديد (٣).\nوالثاني: من لويتُ على الشيءِ إذا عكفتَ عليه وعطفتَ إليه، وكانوا يعكفون على أصنامهم، والهاءُ فيه للتأنيث (٤).\nوالثالث: أنهم أدخلوا الهاءَ على الله، وهذا لا يصحُّ.\nأو يقال: فصار في الوقف اللهه، فاجتمع هاءان، فحذف الأول (٥).\nوروى الكسائيّ أنه كان يقف عليها بالهاء، وترقيق اللام (٦).\nوأمَّا ﴿الْعُزَّى﴾: فمشتقّة من العزّة في مقابلة العزيز (٧).\n﴿وَمَنَاةَ﴾: قرئَ بالمدّ والقصر (٨)، واشتقاقها من مناة يمينه إذا قطعه.\n_________\n(١) خُزاعة: اختلف في نسبهم مع الاتفاق على أنهم من ولد عمرو بن لحيّ بن حارثة بن عمرو بن عامر، ولحيّ هو ربيعة ولحي لقب له. فقيل هم من مُضَر لحديث أبي هريرة في الصحيح عن النبي - ﷺ -: (عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف أبو خزاعة)، فهم بهذا النسب عدنانيون من مضر، وقيل: هم قحطانيون من الأزد، وقيل لهم خزاعة؛ لأنهم انقطعوا عن الأزد لما تفرقت الأزد من اليمن أيام سيل العرم، فنزلوا بأنحاء مكة وسار الآخرون إلى المدينة والشام وعمان. [انظر: اللباب (١/ ٤٣٩)، فتح الباري (٦/ ٦٣٣)، معجم قبائل العرب (١/ ٣٣٨)، الأعلام (٢/ ٣٠٤)].\n(٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ١٠٠)، البحر المحيط (١٠/ ١٥).\n(٣) قرأ الجمهور ﴿اللَّاتَ﴾ مخففة التَّاء، وقرأ في الشاذ ﴿اللَّاتَّ﴾ بتشديد التَّاء، وهي قراءة ابن عباس ومجاهد وأبو صالح ومنصور بن المعتَمِر، وجعلوه صفة للوثن الذي عبدوه، [انظر: المحتَسَب (٢/ ٣٤٤)، جامع البيان (٢٧/ ٥٨)، شواذ القراءات (ص: ٤٥١)، زاد المسير (٧/ ٢٧٩)].\n(٤) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٥٨)، النُّكت والعيون (٥/ ٣٩٧).\n(٥) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٥٩)، تفسير الثعلبي (٩/ ١٤٦).\n(٦) أي: ﴿اللاه﴾. انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ٩٧)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٥٩)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٤/ ١٨٣).\n(٧) انظر: إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٤/ ١٨٣)، المحرر الوجيز (٥/ ٢٠١).\n(٨) قرأ ابن كثير وحده ﴿ومناءَة الثالثة﴾ مهموزة ممدودة، وقرأ الباقون ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ﴾ بغير همز. [انظر: السبعة (٦١٥)، معاني القراءات (ص: ٤٦٧)، الحُجَّة (٦/ ٢٣١)].","vol":"1","page":3063},{"text":"قيل: كانوا يذبحون عندها القرابين ومنه؛ لأنَّ هناك تذبح المناسك (١).\nوقوله: ﴿الثَّالِثَةَ﴾ تأكيد كـ ﴿طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨].\nوقيل: تقديره ومناة الأخرى الثالثة، فقدّم وأخّر لفواصل الآي.\nوذهب بعضهم إلى أنَّ التقديرَ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ﴾ الأولى ﴿وَالْعُزَّى﴾ الأخرى، و﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ﴾، فحذف الأولى استغناء عنها وأخرَّ ﴿الْأُخْرَى﴾ الآية (٢).\nوما رُوي أنَّ النبيَّ - ﷺ - جرى على لفظه: \"تلك الغرانيق العُلى (٣) منها الشفاعة تُرتجى\" (٤). فقد أنكره بعضُ المفسرين وقالوا: هذا من روايات الملحدة (٥).\n_________\n(١) انظر: إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٤/ ١٨٣)، النُّكت والعيون (٥/ ٣٩٨)، الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ١٠١)، تفسير البيضاوي (٢/ ٤٤٠).\n(٢) انظر: البحر المحيط (١٠/ ١٧)، زاد المسير (٧/ ٢٧٩).\n(٣) الغَرانِيقُ العُلا: ها هنا هي الأَصنام، وهي في الأصل الذكور من طير الماء، واحدها غُرْنُوق، وقيل: الغرانيق: السادة العظام الأقدار، ومنه قول الشاعر: أهلا بصائدة الغرانق. . . . . . . . . . . \".\n[انظر: المحرر الوجيز (٤/ ١٢٩)، النَّهاية (٣/ ٣٦٤) مادة \" غَرْنَقَ \"، لسان العرب (١٠/ ٢٨٦)، مادة \" غَرْنَقَ \"].\n(٤) أخرجه ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي (١٧/ ١٨٧)، وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس (١٧/ ١٨٩)، وعن معمر عن قتادة (١٧/ ١٩١)، والواحدي في أسباب النزول (ص: ٢٥٩)، قال ابن كثير: \" قد ذكر كثير من المفسرين هاهنا قصة الغرانيق، وما كان من رجوع كثير من المهاجرة إلى أرض الحبشة ظنًا منهم أن مشركي قريش قد أسلموا، ولكنها من طرق كلها مرسلة ولم أرها مسندة من وجه صحيح -والله أعلم -\" [تفسير القرآن العظيم (٣/ ٢٣٩)]، وقال الشنقيطي \" اعلم أن مسألة الغرانيق مع استحالتها شرعًا ودلالة القرآن على بطلانها لم تثبت من طريق صالح للاحتجاج وصرح بعدم ثبوتها خلق كثير من علماء الحديث كما هو الصواب، والمفسرون يروون هذه القصة عن ابن عباس من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، ومعلوم أنَّ الكلبي متروك، وقد بين البزار - ﵀ - أنها لا تعرف من طريق يجوز ذكره إلا طريق أبي بشر عن سعيد بن جبير مع الشك الذي وقع في وصله، وقد اعترف الحافظ ابن حجر مع انتصاره لثبوت هذه القصة بأن طرقها كلّها إما منقطعة أو ضعيفة إلا طريق سعيد بن جبير، وإذا علمت ذلك فاعلم أن طريق سعيد ابن جبير لم يروها بها أحد متصلة إلا أمية بن خالد وهو وإن كان ثقة فقد شك في وصلها، فقد أخرج البزار وابن مردويه من طريق أمية بن خالد عن شعبة عن أبي بشر عن سعيد ابن جبير عن ابن عباس فيما أحسب، ثم ساق حديث القصة المذكورة، وقال البزار: لا يرى متصلًا إلا بهذا الإسناد تفرد بوصله أمية بن خالد وهو ثقة مشهور، وقال البزار: وإنما يروى من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس والكلبي متروك فتحصل أنَّ قصة الغرانيق لم تَرِد متصلة إلا من هذا الوجه الذي شك رواية في الوصل، ومعلوم أن ما كان كذلك لا يحتج به لظهور ضعفه، ولذا قال الحافظ ابن كثير في تفسيره: \" إنه لم يرها مسندة من وجه صحيح \" [أضواء البيان (٥/ ٧٣٠)].\n(٥) انظر: أحكام القرآن؛ لابن العربي (٣/ ٣٠٣)، المحرر الوجيز (٤/ ١٢٨)، زاد المسير (٥/ ٣٢٢)، الجامع لأحكام القرآن (١٢/ ٨٥)، تفسير القرآن العظيم (٣/ ٢٣٩)، لباب النقول؛ للسيوطي (ص: ٢٠١)، فتح القدير (٣/ ٦٦١)، أضواء البيان (٥/ ٧٣٠)، نصب المجانيق في نسف قصة الغرانيق، للألباني، الإسرائليات والموضوعات (ص: ٣١٤) وقد توسع أبو شهبة في ردّ الشبه.","vol":"1","page":3064},{"text":"وقال بعضهم: كان ذلك من تلاوة الشيطان في أثناء قراءة النبيِّ - ﷺ -. وقد سبق في الحجّ (١).\nمجاهد: \" كان قرآنًا فنُسخ \" (٢) على تقدير الاستفهام، والمعنى: تلك الغرانيق العلى بزعمكم أَمِنها الشَّفاعة تُرتجى وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئًا \" والله أعلم.\n﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١)﴾: وذلك أنهم قالوا: إنها بنات الله، كما قالوا: الملائكة بنات الله (٣).\nوقيل: كانوا يقولون: قد استوطنتها جنّياتٌ، هنَّ بناتُ الله، من قوله: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات: ١٥٨].\nوقيل: زعموا أنهم اتخذوها على هياكل الملائكة، فلهذا قال الله تعالى: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى﴾.\n﴿تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢)﴾: ناقصة منقوصة.\nوقيل: عوجاء مخالفة.\n_________\n(١) وذلك عند قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آَيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢)﴾ [الحج: ٥٢].\n(٢) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١١٥٦).\n(٣) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٩١)، جامع البيان (٢٧/ ٦٠).","vol":"1","page":3065},{"text":"واشتقاقها من الضِّيز، وهو: الجَور في االقضية. ووزنها عند النحاة فُعلى بالضمّ؛ لأنَّ فِعلى بالكسر لا يأتي وصفًا، ثم كُسر الفاءُ ليصحَّ الياءُ، كما فعل في بِيض، ومثله رجل كِيصى: يأكل وحده، ومِشَّية حِيكى (١).\nوقرأ ابن كثير: ﴿ضِئزَى﴾ بالهمز (٢).\nوهما لغتان.\nقال أبو علي \" وهي على قراءته مصدرٌ كالذكرى\" (٣).\n﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ﴾: أي: ما هذه التي تصفون الأصنامَ والملائكةَ والجنَّ بها من أنها بنات الله، وأنها تستحقُّ العبادةَ، وأنها تشفع لكم، إلاّ أسماءً وضعتموها أنتم وآباؤكم.\n﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾: أي: ما أذن لكم فيه، ولا أمركم به، ولا أنزل عليكم حجّةً توجب ذلك.\n﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ﴾: أي: ظنوا ظنًا باطلًا فاتّبعوه وسكنت إليه نفوسُهم.\nوَلَقَدْ ﴿جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى (٢٣)﴾: الرَّسول والكتاب فتركوه ولم يعملوا به (٤).\n﴿أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى (٢٤)﴾: أم هي المنقطعة (٥)، والتقدير: أللإنسان يعنى: الكافر ما تمنى من الشفاعة.\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٦٠)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٥٩)، الحُجَّة (٦/ ٢٣٤).\n(٢) والجمهور: ﴿ضِيزَى﴾ بغير همز. [انظر: السبعة (ص: ٦١٥)، معاني القراءات (ص: ٤٦٧)، الحُجَّة؛ (٦/ ٢٣٢)].\n(٣) الحُجَّة؛ لأبي علي الفارسي (٦/ ٢٣٢).\n(٤) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٦٢)، تفسير السمرقندي (٣/ ٣٤٢).\n(٥) وهو الأظهر [انظر: الكشاف (٤/ ٤٢٤)، التفسير الكبير (٢٨/ ٢٦٠)].","vol":"1","page":3066},{"text":"﴿فَلِلَّهِ الْآَخِرَةُ وَالْأُولَى (٢٥)﴾: لا يملك أحدٌ غيرَه فيهما نفعًا ولا ضرّا.\n﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا﴾: لا يرجى شفاعة الملائكة المقرّبين، فكيف يرجى شفاعة الأوثان.\nابن جرير وابن زيد: \" معنى: ﴿أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى﴾: اشتهى محمدٌ النبوةَ والرسالةَ فأعطاه الله إيّاها ﴿فَلِلَّهِ الْآَخِرَةُ وَالْأُولَى﴾: يعطى مَن يشاء \" (١).\nوقيل: معناه ليس للكافر ما تمنى ﴿فَلِلَّهِ الْآَخِرَةُ وَالْأُولَى﴾: يُعطي مَن أطاعه.\nوقيل: أَم هي المتصلة، وتقديره: ألكم الذكر وله الأنثى، أم للإنسان ما تمنى من البنين فلله الآخرة والأولى، أي: هو أجل وأعظم، فإن له الآخرة والأولى.\n﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ﴾: كم للتكثير، ولهذا جَمع شفاعتهم، والمعنى كثير من الملائكة في السماوات ﴿لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا﴾ (٢).\n﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (٢٦)﴾: وله وجهان:\nأحدهما: لمن يشاء من الشافعين.\nوالثاني: لمن يشاءُ من المشفوع له.\nوكذلك قوله: ﴿وَيَرْضَى﴾: أي: عن الشافع، والثاني يرضى عن المشفوع له.\nوهذا أظهر لقوله: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨] (٣).\nوالمعنى: عبدوا الملائكة بزعمهم ليقربونهم إلى الله، وهم لا يشفعون إلاّ لمن ارتضى.\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٦٢).\n(٢) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٦٢)، تفسير السَّمعاني (٥/ ٢٩٦).\n(٣) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٦٢)، تيسير الكريم الرحمن (ص: ٨٢٠).","vol":"1","page":3067},{"text":"﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى (٢٧)﴾: يعنى قولهم: الملائكة بنات الله.\n﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾: أي: بما يقولون من معرفة.\n﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾: وهو: تقليد الآباء (١).\n﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (٢٨)﴾: لا يقوم مقامه.\nوالحقُّ العلم هاهنا (٢).\nوقيل: الحقّ هو: الله ﷿.\nوالمعنى: لا يدفع من عذاب الله شيئًا (٣).\n﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى﴾: فاصفح عمَّن أعرض.\nعَنْ ﴿ذِكْرِنَا﴾: القرآن.\n﴿وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٢٩)﴾: أي: لم يَسْعَ إلاّ لها.\n﴿ذَلِكَ﴾: أي: اختيارهم الدنيا والرِّضى بها.\n﴿مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾: منتهى علمهم، وهو: قليلٌ حقيرٌ.\nوقيل: هو إشارةٌ إلى تسمية الملائكة إناثًا.\nوقيل: علموا ما يحتاجون إليه في معاشهم، ونبذوا الآخرة وراء ظهورهم (٤).\n_________\n(١) في عبادة الله بغير علم واتباع، قال ابن جرير: \" وقوله: ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ يقول تعالى: وما لهم يقولون من تسميتهم الملائكة تسمية الأنثى من حقيقة علم ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ يقول: ما يتبعون في ذلك إلا الظن يعني أنهم إنما يقولون ذلك ظنا بغير علم \" [جامع البيان (٢٧/ ٦٣)].\n(٢) انظر: تفسير البغوي (٤/ ٢٥١)، زاد المسير (٧/ ٢٨١).\n(٣) قال أبو حيان: \" [البحر المحيط (١٠/ ١٩)]: \" ويحتمل أن يكون المراد بالحق هنا هو الله تعالى، أي الأوصاف الإلهية لا تستخرج بالظنون، ويدل عليه ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ [الحج (٦٢)] \".\n(٤) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٩٢)، تفسير السَّمرقندي (٣/ ٣٤٣)، تفسير البغوي (٧/ ٤١٠).","vol":"1","page":3068},{"text":"﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾: دينه.\n﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى (٣٠)﴾: أصاب، هذا متعلق بقوله: ﴿فَأَعْرِضْ﴾.\nوالمعنى: كلهم إليَّ فإني مجازي محسنِهم ومسيئهم.\n﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ﴾: اللام متصل بالمعنى، أي: ملكهم ليجزي، واللاّم في ﴿لِلَّهِ﴾ دلّ على ملكهم.\nوقيل: خلقها ﴿لِيَجْزِيَ﴾.\nوقيل: اللام لام العاقبة، وهو: متّصل بقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ. . .﴾ الآية، أي: كان عاقبةُ ذلك أنْ نجازيهم على أعمالهم (١).\n﴿الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا﴾: أي: بمثل عملهم.\nوَيَجْزِيَ ﴿الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١)﴾: بالأحسن من الأعمال.\nوقيل: بالجنَّة.\n﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ﴾ قيل: محل ﴿الَّذِينَ﴾ نصب على الصفة لـ ﴿الَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾.\nوقيل: هم ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ﴾ (٢).\n﴿كَبَائِرَ الْإِثْمِ﴾: قُرئَ بالجمع؛ لأنَّ الكبائرَ كثيرٌ. وقُرئَ بالواحد (٣)؛ لأنَّ فعيلًا قد يقع موقعَ الجمع، نحو: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩]، ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٤].\n_________\n(١) انظر: مشكل إعراب القرآن (٢/ ٦٩٣)، تفسير أبي السعود (٦/ ١٥٩)، روح المعاني (٢٧/ ٦١).\n(٢) انظر: مشكل إعراب القرآن (٢/ ٦٩٤)، إملاء ما منَّ به الرحمن (٢/ ١١٨٩).\n(٣) قرأ الجمهور ﴿كَبَائِرَ﴾ بالجمع، وقرأ حمزة والكسائي ﴿كَبِيْرَ﴾ على التوحيد. [انظر: السَّبعة (ص: ٦١٥)، معاني القراءات (ص: ٤٣٥)، الحجة (٦/ ٢٣٤)].","vol":"1","page":3069},{"text":"واختلفوا في الكبائر: فقيل: الكبائر الشرك.\n﴿وَالْفَوَاحِشَ﴾: المعاصي.\nوقيل: كبائر الإثم: ما له حدٌّ في الدنيا، والفواحش الزنا خاصَّة (١).\nوهذه الآية مثلُ ما في سورة النساء: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ الآية [النساء: ٣١].\nوقوله: إِلَّا ﴿اللَّمَمَ﴾: بمنزلة قوله: ﴿نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١]، ومنها الصغائر، وذلك مغفور بشرط اجتناب الكبائر.\nوقيل: اللّمم: ما كان منهم في الجاهليّة، وغُفر لهم ذلك بالإسلام.\nوقيل: إلاّ أن يُلمَّ بالذنب ثم يتوب.\nابنُ عبّاس ﵄: كان رسولُ الله - ﷺ - يقول:\nإنْ تغفر اللهم تغفرْ جمًّا. . . ... . . . وأيُّ عبدٍ لك لا ألمّا (٢)؟\nوقيل: هو: كالنظر واللمسة وغيرهما ما لم يكن وطئًا، فقد رُويَ عن النبيِّ - ﷺ -: «العينان تزنيان، واليدان تزنيان، والرجلان تزنيان، والفرج يُصدِّق ذلك أو يكذبُ) (٣) (٤).\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٦٤)، النُّكت والعيون (٥/ ٤٠٠).\n(٢) أخرجه الترمذي في كتاب التفسير، باب ومن سورة \" والنجم \"، برقم (٣٢٨٤) وقال: (هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث زكريا بن إسحاق \"، وأخرجه الحاكم في مستدركه في كتاب التفسير، تفسير سورة النجم، برقم (٣٧٠٩)، وقال: \" هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه \"، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٦/ ٢٤٤)، برقم (١٤١٧) وقد قال ذلك النبي - ﷺ - مستشهدًا مرتجزًا، والبيت لأمية بن أبي الصلت كما في لسان العرب (١٢/ ٥٤٧)، مادة \" لمَمَ \".\n(٣) أخرجاه في الصحيحين (بنحوه) عن أبي هريرة - ﵁ -، فقد أخرجه البخاري في كتاب الاستئذان، باب زنا الجوارح دون الفرج، برقم (٦٣٤٣)، وأخرجه مسلم في كتاب القدر، باب: قُدِّر على ابن آدم حظه من الزنا وغيره، برقم (٦٦٩٥).\n(٤) قال ابن الجوزي - بعد إيراده للحديث -: \" فإن تقدم بفرجه كان الزِّنا، وإلا فهو اللمم \" [زاد المسير (٧/ ٢٨٢)].","vol":"1","page":3070},{"text":"وقيل: هو أن يقرب منه فلا يقع فيه.\nوقيل: النظرة الأولى، فإنْ عاد فليس بِلَمَم.\nوقيل: هو: ما ألمَّ على القلب.\nوقيل: هو: ما لا حدَّ عليه في الدنيا، ولم يُوجب اللهُ عليه العذابَ في الأُخرى.\nوقيل: اللّممُ النكاح (١).\nقيل: نزلت في نبهان التمّار (٢) (٣). وقد مضى في سورة آل عمران (٤).\nوقيل: ﴿إِلَّا﴾: بمعنى الواو، أي: واللمم. وهذا ضعيف (٥).\nوفي الاستثناء قولان:\nأحدهما: أنه متّصل، والآخر: أنه منفصل (٦).\nوالإلمام: الإتيان على الشيء من غير إقامةٍ عليه (٧).\n ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾: يسع جميعَ ذنوب العباد ولا يَضيقُ عنها.\nابنُ عبّاس: \"واسعُ المغفرة لمن فعل ذلك ثمَّ تاب \" (٨).\n﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾: ابتدأكم منها، يريد آدم (٩).\n﴿وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ﴾: جمع جنين، وهو: الولد ما دام في البطن.\n﴿فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾: أي: علم ضعفَكم وميلَكم إلى اللّمم (١٠).\nوقيل: إلمامكم، بذلك فلم يأخذْكم به.\nوقيل: هو: متّصلٌ بما بعده ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾: ﴿هُودًا أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ﴾.\nومعنى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾: أي: بما ليس فيها.\nوقيل: بما فيها؛ ليكون أقربَ إلى الإخلاص وأبعدَ من الرياء.\nوقيل: معناه لا تعملوا بالمعاصي، فتقولوا: نحن عاملون بالطاعة!\nوقيل: لا يمدحْ بعضكم بعضًا (١١).\n﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (٣٢)﴾: وبمن لم يتقِ منكم.\nوفي سبب النزول: كانت اليهودُ تقول إذا هلك لهم صبيّ: هو صِدِّيق، فبلغ ذلك النبيَّ - ﷺ -، فقال: «كذبت اليهودُ، ما من نسمةٍ يخلقه الله في بطن أمة، إلاّ هو: شقيٌّ أو سعيدٌ، ... فأنزل الله: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ ...﴾ الآية» (١٢).\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٦٤)، النُّكت والعيون (٥/ ٤٠٠)، زاد المسير (٧/ ٢٨١).\n(٢) نَبْهَان التَّمَّار، أبو مقبل، - ولم أقف على زيادة على ما ذكر - [انظر: أسد الغابة (٥/ ٢٩٣)، الإصابة (٦/ ٣٢٩)].\n(٣) قال مقاتل: \" نزلت في نبهان التمار، وذلك أنه كان له حانوت يبيع فيه التمر فأتته امرأة تريد تمرًا فقال لها: ادخلي الحانوت فإن فيه تمرًا جيدًا، فلمَّا دخلت راودها عن نفسها فأبت عليه فلما رأت الشر خرجت فوثب إليها فضرب عجزها بيده، فقال: والله ما نلت مني حاجتك ولا حفظت غيبة أخيك المسلم، فذهبت المرأة وندم الرجل فأتى النبي - ﷺ - فأخبره بصنيعه فقال له النبي - ﷺ -: ويحك يا نبهان، فلعل زوجها غاز في سبيل الله\"، فقال: الله ورسوله أعلم، فقال: أما علمت أن الله يغار للغازي ما لا يغار للمقيم \"، فلقى أبا بكر - ﵁ - فأعلمه فقال: ويحك فلعل زوجها غاز في سبيل الله، فقال: الله أعلم، ثم رجع فلقي عمر بن الخطاب - ﵁ - فأخبره فقال: ويحك لعل زوجها غاز في سبيل الله، قال: الله أعلم، فصرعه عمر فوطئه، ثم انطلق به إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله إخواننا غزاة في سبيل الله تكسر الرماح في صدورهم يخلف هذا ونحوه أهليهم بسوء فاضرب عنقه فضحك النبي - ﷺ - فقال: أرسله يا عمر فنزلت فيه ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ يعني ضربه عجيزتها بيده ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ لمن تاب \". [تفسير مقاتل (٣/ ٢٩٢)، وانظر: النُّكت والعيون (٥/ ٤٠١)، المحرر الوجيز (٥/ ٢٠٤)].\n(٤) انظر: وذلك في تفسير الآية: (١٣٥) من سورة آل عمران، ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ الآية.\n(٥) انظر: تفسير السمَّرقندي (٣/ ٣٤٥)، غرائب التفسير (٢/ ١١٥٧).\n(٦) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٦٤)، تفسير الثعلبي (٩/ ١٤١).\n(٧) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٦١)، لسان العرب (١٢/ ٥٤٧)، مادة \" لمَمَ \".\n(٨) انظر: تفسير البغوي (٧/ ٤١٣)، الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ١٠٨).\n(٩) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٦٩)، النكت والعيون (٥/ ٤٠١).\n(١٠) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٦٩)، زاد المسير (٧/ ٢٨٢).\n(١١) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٦٩)، النكت والعيون (٥/ ٤٠٢).\n(١٢) انظر: تفسير السَّمعاني (٥/ ٢٩٩)، زاد المسير (٧/ ٢٨٢)، لباب النقول (ص: ٢٨٢).","vol":"1","page":3071},{"text":"﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (٣٣) وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى (٣٤)﴾:\nمجاهد وابن زيد وابن عبّاس في رواية عطاء ومقاتل: نزلت في الوليد بن المغيرة، وكان قد اتّبع رسولَ الله - ﷺ - فعيّره بعضُ الكافرين، وقال له: أتركتَ دينَ الأشياخ، وضلّلتهم، وزعمت أنهم في النار؟! قال: إني خشِيتُ عذابَ النار، فضمن له إنْ هو أعطاه شيئًا من ماله ورجع إلى شركه أنه يتحمّل عنه عذابَ الله، ففعل، وأعطى الذي عاتبه بعضَ ما كان ضمن له، ثمّ بخل ومنعه، فأنزل الله هذه الآيات (١).\nقال الضحاك: قدم أعرابي على قَعود له، وهو: ينادي بأعلى صوته: من يشتري حسناتي بصاعٍ من تمرٍ؟ فقال: أبو خَيْثَمة (٢) - وكان رجلًا صالحًا راغبًا في الخيرات -: أنا أشتري حسناتِك بوسقٍ من تمر. فنزلت هذه الآية (٣).\nوقيل: نزلت في النضر بن الحارث (٤).\nوقيل: في المنافقين، كانوا يُخرجون القليلَ من أموالهم رياءً.\nوعن ابن عبّاس والكلبيّ والسدّي وابن شَريك (٥): أنها نزلت في رجل من أكابر الصحابة - ﵃ - (٦).\n_________\n(١) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٩٣)، جامع البيان (٢٧/ ٧٠)، النكت والعيون (٥/ ٤٠٢)، أسباب النزول للواحدي (ص: ٣٢٩).\n(٢) أبو خيثمة، هو: عبد الله بن خيثمة وقيل: مالك بن قيس بن العجلان أحد بني سالم من الخزرج، أبو خيثمة الأنصاري السالمي، شهد أحدًا مع النبي - ﷺ -، وهو الذي لحق النبي - ﷺ - في غزوة تبوك فقال - ﷺ -: «كن أَبا خيثمة» فكان هو، وقد بقي - ﵁ - إلى أيام يزيد بن معاوية. [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: الاستيعاب (٤/ ٢٠٧)، أسد الغابة (٦/ ٨٩)].\n(٣) انظر: تفسير السَّمعاني (٥/ ٣٠٠).\n(٤) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٤٠٢)، زاد المسير (٧/ ٢٨٣).\n(٥) ابن شريك، هو: المسيب بن شريك الشقري، ويكنى أبا سعيد، وهو من بني شقرة تميم، ولد بخراسان، ونشأ بالكوفة، وسمع الحديث من الأعمش وإسماعيل بن أبي خالد وعبد الملك بن أبي سليمان وغيرهم، وكان ضعيفًا في الحديث لا يحتج به، قال يحيى بن معين: \" ليس بشيء \"، وقال الدارقطني: \" ضعيف \"، وقد قدم بغداد فنزلها وولي بيت المال لهارون أمير المؤمنين، وكان منزله في مدينة أبي جعفر المنصور، وله عقب، وتوفي ببغداد سنة ست وثمانين للهجرة. [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: الطبقات؛ لابن سعد (٧/ ١٦٢)، ميزان الاعتدال (٤/ ١١٤)].\n(٦) انظر: تفسير الثعلبي (٩/ ١٥٠).","vol":"1","page":3072},{"text":"فتحاشيت عن ذكر ذلك، وقد عيّنه الثعلبيّ، ثمَّ فسر الآية فقال: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى﴾: أعرض يومَ أحد (١).\nوكم بين هذا وذاك؟! وما أقبحَ اتباعَ الهوى؟! (٢)\nومعنى ﴿أَهْدَى﴾: قطع العطاءَ. وأصله من قول العرب: أكدى الحافر، أي: بلغَ الكديةَ، وهي حجر صُلْب، لا يعمل فيه المِعْولُ، فيترك الحفرَ، وصار مثلًا لكلّ مَن منع خيرَه (٣).\n﴿أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى (٣٥)﴾: أنَّ صاحبَه يتحمّل عنه.\nوقيل: يراه شاهدًا.\n﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ﴾: لم يخبِّر.\n﴿بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦)﴾: أي: التوراة.\n﴿وَإِبْرَاهِيمَ﴾: ما أُنزل عليه.\n﴿الَّذِي وَفَّى (٣٧)﴾: أي: وفّى بما عاهد اللهَ على القيام به.\nوالتوفيةُ: بلوغ آخر ما لزمه (٤).\nوقيل: وفَّى بالكلمات العشر (٥).\nوقيل: وفّى بذبح ولده، والصَّبر على نار نمروذ، وعلى الاختتان.\nوقيل: وفّى بتبليغ الرسالة.\n_________\n(١) وقد ذكر أن المقصود هو عثمان بن عفان - ﵁ -. [انظر: تفسير الثعلبي (٩/ ١٥٠)].\n(٢) قال ابن عطية: \" وذكر الثعلبي عن قوم أنها نزلت في عثمان بن عفان في قصة جرت له مع عبد الله بن سعد ابن أبي سرح، وذلك كله عندي باطل وعثمان - ﵁ - منزه عن مثله \" [المحرر الوجيز (٥/ ٢٠٥)] وقال الشنقيطي: \" ولا يخفى سقوط هذا القول وبطلانه وأنه غير لائق بمنصب أمير المؤمنين عثمان بن عفان - ﵁ \" [أضواء البيان (٧/ ٧٠٧)].\n(٣) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٧٠)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٦١).\n(٤) انظر: لسان العرب (١٥/ ٣٩٨)، مادة \"وفي \".\n(٥) المذكورة في الآيات.","vol":"1","page":3073},{"text":"وقيل: عهد أنْ لا يسألَ أحدًا شيئًا، فوفّى حين أتاه جبريلُ يومَ أُلقيَ في النَّار، فقال: له ألك حاجة؟ فقال: أمَّا إليكَ فلا، فأثنى الله عليه، فقال: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ (١).\nوالقول الأول مشتمل على هذه كلها (٢).\nوعن النّبي - ﷺ -: «أنه وفّى عملَ يومه بأربع ركعات، أوّلَ النّهار» (٣)، يعني: صلاةَ الضحى.\nثمَّ بيّن ما في صحف موسى وإبراهيم فقال:\n﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨)﴾: فهو بدل من ﴿مَا﴾. ومحله جرٌّ.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (بنحوه) عن معتمر بن سليمان التيمي عن بعض أصحابه (جامع البيان (١٧/ ٤٥)، وأورده البغوي في تفسيره معالم التنزيل (٥/ ٣٢٧)، ونقله العجلوني في كشف الخفاء (١/ ٣٥٧) عن البغوي ولم يعلق عليه بشيء، وروى نحوه مع زيادة أبو نعيم في الحلية (١/ ٢٠) عن مقاتل وسعيد.\n(٢) وهو اختيار ابن جرير، حيث قال: \" وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: وفَّى جميع شرائع الإسلام وجميع ما أمر به من الطاعة؛ لأن الله تعالى ذكره أخبر عنه أنه وفَّى فعمَّ بالخبر عن توفيته جميع الطاعة ولم يخصص بعضًا دون بعض \" [جامع البيان (٢٧/ ٧٣)، وانظر: النُّكت والعيون (٥/ ٤٠٣)، التَّسهيل (٤/ ٧٨)، زاد المسير (٧/ ٢٨٤)].\n(٣) أخرجه ابن جرير في [جامع البيان (١/ ٥٢٨) (٢٧/ ٧٣)] عن أبي أمامة - ﵄ -، وأورده البغوي في [معالم التنزيل (٥/ ٣٢٧)]، وأورده السيوطي في [الدر المنثور (١٤/ ٤٥)]، وعزاه لسعيد بن منصور وعبد ابن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردوية والشيرازي في الألقاب والديلمي، وقال: بسند ضعيف.\nقال ابن جرير: \" روي عن النبي في نظير معنى ذلك خبران لو ثبتا، أو أحدهما كان القول به في تأويل ذلك هو الصواب:\nأحدهما: ما حدثنا به أبو كريب قال ثنا راشد بن سعد قال حدثني ريان بن فائد عن سهل بن معاذ بن أنس عن أبيه قال كان النبي يقول: ألا أخبركم لم سمى الله إبراهيم خليله الذي وفى .... والآخر منهما ما حدثنا به أبو كريب قال ثنا الحسن بن عطية قال ثنا إسرائيل عن جعفر بن الزبير عن القاسم عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ قال أتذرون ما وفى؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: \" وفى عمل يومه أربع ركعات في النهار \" ... غير أنهما خبران في أسانيدهما نظر \" [جامع البيان (١/ ٥٢٨)] قال ابن كثير - بعد إيراده لكلام ابن جرير -: \" ثم شرع ابن جرير يضعف هذين الحديثين، وهو كما قال؛ فإنه لا يجوز روايتهما إلا ببيان ضعفهما، وضعفهما من وجوه عديدة، فإن كلا من السندين مشتمل على غير واحد من الضعفاء مع ما في متن الحديث مما يدل على ضعفه والله أعلم \" وقال أيضًا عن هذا الحديث: \" [تفسير القرآن العظيم (١/ ١٧٢)]، وقال أيضًا: \" رواه ابن جرير من حديث جعفر بن الزبير وهو ضعيف \". [تفسير القرآن العظيم (٤/ ٢٧٦)].","vol":"1","page":3074},{"text":"وذُكر في التفاسير: أنه كان قبلَ إبراهيم يُقتل الأبُ بالابن، والأخُ بالأخ، والرجلُ بزوجه، والعبدُ بسيّده، حتى جاء إبراهيمُ - ﵇ - فأوحي إليه: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ أي: لا يؤخذْ أحدٌ بذنبِ غيره (١).\n﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾: أي: وكان في صحف موسى وإبراهيم أنْ ليس للإنسان إلاّ ثواب ما عمل من خيرٍ أو شرٍّ، وما عمل غيره فليس له ولا عليه (٢).\nابنُ عبّاس ﵄: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾: منسوخ بقوله: ﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾، [الطور: ٢١] (٣). وقد سبق (٤).\nومن يُصَّدَّقُ عنه أو يُصامُ له أو يُحجُّ عنه فذلك لاحقٌ به وإنْ لم يأمر.\nوذهب بعضهم: إلى أنه لا ينفعُه إلاّ أنْ يكونَ له فيه سعيٌ (٥).\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٧٢)، النُّكت والعيون (٥/ ٤٠٣)، تفسير الثعلبي (٩/ ١٥١).\n(٢) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٧٤)، تفسير البغوي (٧/ ٤١٦).\n(٣) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٧٤)، الناسخ والمنسوخ؛ للنَّحَّاس (ص: ٦٨٩).\nقال ابن جزي: \" والصحيح أنها محكمة؛ لأنها خبر والأخبار لا تنسخ، وفي تأويلها ثلاثة أقوال:\nالأول: أنها إخبار عمَّا كان في شريعة غيرنا فلا يلزم في شريعتنا.\nالثاني: أن للإنسان ما عمل بحق وله ما عمل له غيره بهبة العامل له فجاءت الآية في إثبات الحقيقة دون ما زاد عليها. الثالث: أنها في الذنوب، وقد اتفق أنه لا يحتمل أحد ذنب أحد، ويدل على هذا قوله بعدها ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾، وكأنه يقول: لا يؤاخذ أحد بذنب غيره ولا يؤاخذ إلا بذنب نفسه \". [التسهيل (٤/ ٧٨)، وانظر: دفع إيهام الاضطراب (ص: ٢٢١)].\n(٤) في سورة الطور (ص: ٦٥٤).\n(٥) قال ابن كثير: \" ومن هذه الآية الكريمة استنبط الشافعي - ﵀ - ومن اتبعه أن القراءة لا يصل إهداء ثوابها إلى الموتى؛ لأنه ليس عملهم ولا كسبهم ولهذا لم يندب إليه رسول الله - ﷺ - أمته ولا حثهم عليه ولا أرشدهم إليه بنصٍ ولا إيماءٍ، ولم يُنقل ذلك عن أحد من الصحابة - ﵃ -، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه، وباب القربات يقتصر فيه على النصوص ولا يتصرف فيه بأنواع الأقيسة والآراء، فأمَّا الدعاء والصدقة فذاك مجمع على وصولهما ومنصوص من الشارع عليهما.\nوأمَّا الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: من ولد صالح يدعو له أو صدقة جارية من بعده أو علم ينتفع به» فهذه الثلاثة في الحقيقة هي من سعيه وكدِّه وعمله كما جاء في الحديث: «إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه». والصدقة الجارية كالوقف ونحوه هي من آثار عمله ووقفه، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ﴾ [سورة يس الآية ١٢]، والعلم الذي نشره في الناس فاقتدى به الناس بعده هو أيضا من سعيه وعمله، وثبت في الصحيح: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا». [تفسير القرآن العظيم (٤/ ٢٧٦)]. وقال الشنقيطي: \" وقد أجمع العلماء على انتفاع الميت بالصلاة عليه والدعاء له والحج عنه ونحو ذلك مما ثبت الانتفاع بعمل الغير فيه \" [أضواء البيان (٧/ ٧٠٩)].","vol":"1","page":3075},{"text":"ولا تناقض بين قوله: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (١) وبين قوله:\n﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾، [العنكبوت: ١٣]؛ لأنَّ ذلك لسنَّة سَنُّوها.\nوقيل: لا تزر طوعًا، بل يحمل كرهًا.\n﴿وأَنْ﴾: في الآيتين مخفّفة من المثقّلة، واسمها مضمر معها (٢).\n﴿وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (٤٠)﴾: أي: يريه اللهُ جزاءَ سعيه.\n﴿ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (٤١)﴾: الجنَّة أو النار.\nفي ﴿يَجْزِيَ﴾ الضمير المرفوع، والهاء يعودُ إلى السِّعي، والجزاء نُصب على المصدر (٣).\n﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (٤٢)﴾: المصير والمعاد.\nوقيل: بلوغ النهاية.\nوقيل: يصير إلى حيثُ لا ينفذ فيه حكمٌ إلاّ حكمُ الله (٤).\n_________\n(١) انظر: أورد في المخطوطتين الآية بلفظ: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾، وهي جزءٌ من الآية ... (١٦٤) من سورة الأنعام، والظاهر أن المؤلف يريد أية النجم بلفظ ﴿أَلَّا﴾، ولذا أثبته.\n(٢) انظر: الكشَّاف (٤/ ٤٢٨)، المحرر الوجيز (٥/ ٢٠٦).\n(٣) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجاج (٥/ ٦٢)؛ إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٤/ ١٨٧).\n(٤) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٧٤)، تفسير الثعلبي (٩/ ١٥٤)، الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ١١٣).","vol":"1","page":3076},{"text":"وقيل: معناه إذا انتهى الكلامُ إلى الله فأمسكوا، ومَن تعاطى ذلك هلك (١).\n﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (٤٣)﴾: أضحك أهلَ الجنَّة وأبكى أهلَ النار.\nوقيل: سرَّ وأحزنَ.\nوقيل: أنعم بما يُوجب الضحكَ، وابتلى بما يُوجب البكاءَ (٢).\nابنُ بحرٍ: وأنه خلق القوتين اللتين منهما ينبعث الضحكُ والبكاءُ، والإنسان لا يعلم ما تلك القوى \" (٣) (٤).\nوالضحكُ والبكاء أمران خصّ الله بهما الإنسانَ من بين الحيوان، وما نُسب إلى القرد من الضحك، وإلى الإبل من البكاء عند الحنين فدعوى لا حقيقةَ لها (٥).\n\nابنُ عيسى: \" الضحك: تفتُّحُ أسرارِ الوجه عن سرور عجب في القلب، والبكاءُ: جريان الدمع على الخدِّ عن غمٍّ في القلب \" (٦).\n_________\n(١) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١١٥٨)، الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ١١٤).\n(٢) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٧٤)، النُّكت والعيون (٥/ ٤٠٤)، تفسير البغوي (٧/ ٤١٨).\n(٣) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١١٥٨)، النكت والعيون (٥/ ٤٠٤) ولم يعزه الماوردي لابن بحر.\n(٤) قال أبو حيان: \" وقال الزمخشري: \" ﴿أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾: خلق قوتي الضحك والبكاء\" انتهى، وفيه دسيسة الاعتزال إذ أفعال العباد من الضحك والبكاء وغيرهما مخلوقة للعبد عندهم لا لله تعالى، فلذلك قال خلق قوتي الضحك والبكاء \" [البحر المحيط (١٠/ ٢٥)].\n(٥) لعله يشير إلى ما ذكره الماوردي في ذلك. [انظر: النكت والعيون (٥/ ٤٠٤)، وانظر: الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ١١٥)].\n(٦) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١١٥٨)، ولم يعزه لابن عيسى.","vol":"1","page":3077},{"text":"وما جاء في الخبر: «إن الله يضحك إلى عبده ..» (١)، معناه: يرضى عنه (٢).\nوقيل: اضحك الأرضَ بالنبات، وأبكى السماءَ بالمطر، وهذا استعارة وتشبيه لا حقيقةَ لها (٣).\n﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا (٤٤)﴾: الإحياء والإماتة بيد الله سبحانه لا يقدر عليهما غيرُ الله.\nوالقتل: نقض البِنية التي تصحُّ معها الحياةُ ويفعله غيرُ الله (٤)، والتخنيق (٥) ضرب من القتل؛ لأنَّ من تمام البِنية التنفّس فإذا حِيل بينه وبين الهواء فقد نُقِضَتِ البُنية (٦).\nوالمعنى: أمات في الدنيا وأحيا.\nوقيل: أمات الآباء وأحيا الأبناء.\nوقيل: خلق الموت والحياة.\nوقيل: خلق أسباب الموت والحياة.\nوقيل: أنام وأيقظ.\nوقيل: أمات بالجهل، وأحيا بالعلم.\nوقيل: بالمعصية والطاعة.\n_________\n(١) أخرجه ابن بطة في الإبانة (٦/ ١١٦) عن علي بن أبي طالب - ﵁ -، ولفظه: «عن النبي - ﷺ - قال: إن الله تعالى يضحك إلى عبده إذا قال: لا إله إلا أنت سبحانك إني ظلمت نفسي فاغفر لي؛ فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، قال: عبدي عرف أنَّ له ربًا يغفر ويعاقب».\n(٢) هذا تأويل لصفة الضحك، والصحيح أن الضحك من صفات الله - تعالى - الفعلية الثابتة بالكتاب والسنة، وهو مذهب أهل السنة والجماعة، قال الإمام ابن خزيمة: \" باب: ذكر إثبات ضحك ربنا - ﷿ - بلا صفة تصف ضحكه - جلَّ ثناؤه -، لا ولا يُشَبَّه بضحك المخلوقين، وضحكهم كذلك، بل نؤمن بأنه يضحك، كما أعلم النبي - ﷺ -، ونسكت عن صفة ضحكه - جلَّ وعلا - إذ الله - ﷿ - استأثر بصفة ضحكه، لم يطلعنا على ذلك، فنحن قائلون بما قال النبي - ﷺ -، مُصَدِّقون بذلك \" [كتاب التوحيد؛ لابن خزيمة (ص: ٢٣٠)، وانظر: صفات الله - ﷿ -؛ للسقاف (ص: ١٦٧)].\n(٣) انظر: زاد المسير (٧/ ٢٨٧)، التسهيل (٤/ ٧٨).\n(٤) انظر: المفردات (ص: ٦٥٥)، مادة \" قَتَلَ \".\n(٥) والمراد الخنق، وفي (ب) \" التحقيق \"! وهو تصحيف قطعًا.\n(٦) انظر: لسان العرب (١٠/ ٩٢)، مادة \" خنق \".","vol":"1","page":3078},{"text":"وقيل: أجدب وأخصب (١).\n﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٤٥) مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى (٤٦)﴾:\nأي: كلّ ذكر وأنثى مخلوق من نطفة تمنى سوى آدم وحواء وعيسى.\nوالنطفة: الماء القليل، وصار يستعمل لماء الفحل.\nوالمني: الفعيل من المنى، وهو التقدير.\nوالإمناء: صبُّ المنِيِّ في الرَّحم.\nفمعنى: ﴿تُمْنَى﴾: تَصَب في الرَّحم.\nوقيل: ﴿تُمْنَى﴾: يقدّر منها الولد؛ إذ ليس كل منيٍّ يصير ولدًا (٢).\n﴿وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى (٤٧)﴾: الإحياء بعد الموت، تقول: أنشأته نشأةً ونشاءةً، كقوله: أنبته نباتًا (٣) (٤).\nوذكر بلفظ (على) إيجابًا منه سبحانه على نفسه إعادةَ الخلق للجزاء ثوابًا وعاقبًا (٥).\n﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى (٤٨)﴾: أي: ﴿أَغْنَى﴾: بالذهب والفضّة صنوفَ الأموال، ﴿وَأَقْنَى﴾: بالنعم خاصّة، وهي القُنية.\nوقيل: ﴿أَغْنَى﴾: بما أعطى في الحال، ﴿وَأَقْنَى﴾: جعل له أصل مال في الاستقبال من قولهم: اقتنى مالًا اتخذه للإقامة.\nوقيل ﴿أَغْنَى﴾: أخدم.\n_________\n(١) هذه الأقوال كلها محتملة وإن كان بعضها داخل في بعض. [انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٤٠٤، الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ١١٥)].\n(٢) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٧٥)، إعراب القرآن؛ للنَّحاس (٤/ ١٨٧)، الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ١١٥).\n(٣) لعله يشير إلى نحو قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾، [نوح: ١٧].\n(٤) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٧٥)، لسان العرب (١/ ١٧٠)، مادة \" نَشَا \".\n(٥) انظر: البحر المحيط (١٠/ ٢٥)، روح المعاني (٢٧/ ٦٩).","vol":"1","page":3079},{"text":"وقيل ﴿أَغْنَى﴾: أرضى.\nوقيل: أفقر، كقوله: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الرعد: ٢٦] (١).\nوقيل: أقنع (٢).\n﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى (٤٩)﴾: هي الشِّعرى العُبور، يسمَّى مرزم الجوزاء، وهما شعريان: الغميصاء (٣) والعَبُور، والعُبُورُ أشدّهما ضياءً (٤).\nوخُصَّت بالذكر؛ لأنَّ أبا كبشةَ (٥) أحد أجداد رسول الله - ﷺ - من قِبَل أمّه قال: لا أرى شمسًا ولا قمرًا ولا نجمًا يقطع السماء عرْضًا غيرُها فليس شيء مثلها.\nفعبدها وعبدتها خزاعة، فخالفوا قريشًا في عبادة الأوثان، وكانت قريش تُسمّي محمدًا - ﷺ - ابنَ أبي كبشة (٦).\nوالمعنى: أن الشِّعرى مربوبٌ فاعبدوا ربَّه (٧).\n_________\n(١) وقد ورد هذا الجزء من القرآن في عدة آيات في سور مختلفة، أولها سورة الرعد، ولذا عزي إليها.\n(٢) قال الإمام ابن كثير: \" أي مَلَّك عباده المال وجعله لهم قنية مقيمًا عندهم لا يحتاجون إلى بيعه، فهذا تمام النِّعمة عليهم، وعلى هذا يدور كلام كثير من المفسرين \" [تفسير القرآن العظيم (٤/ ٢٧٧)، وانظر: جامع البيان (٢٧/ ٧٥)، النكت والعيون (٥/ ٤٠٥)].\n(٣) وعند الثعلبي \" الغميضاء \". [انظر: تفسير الثعلبي (٩/ ١٥٧)].\n(٤) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٩٤)، جامع البيان (٢٧/ ٧٦)، إعراب القرآن؛ للنَّحاس (٤/ ١٨٨)، تفسير الثعلبي (٩/ ١٥٧)، النُّكت والعيون (٥/ ٤٠٥).\n(٥) أبو كَبْشَةَ: قِيلَ: هُوَ رَجُل مِنْ خُزَاعَة كَانَ يَعْبُد الشِّعْرَى، وَلَمْ يُوَافِقهُ أَحَد مِنْ الْعَرَب فِي عِبَادَتهَا فَشَبَّهُوا النَّبِيّ - ﷺ - بِهِ لِمُخَالَفَتِهِ إِيَّاهُمْ فِي دِينهمْ كَمَا خَالَفَهُمْ أَبُو كَبْشَة، وَقِيلَ: إِنَّ أَبَا كَبْشَة جَدّ النَّبِيّ - ﷺ - مِنْ قِبَل أُمّه، وَقِيلَ: هُوَ أَبُوهُ مِنْ الرَّضَاعَة، وَهُوَ الْحَارِث بْن عَبْد الْعُزَّى السَّعْدِيّ، وقيل: قَالُوا اِبْن أَبِي كَبْشَة عَدَاوَة لَهُ - ﷺ - فَنَسَبُوهُ إِلَى نَسَب لَهُ غَيْر نَسَبه الْمَشْهُور، إِذْ لَمْ يُمْكِنهُمْ الطَّعْن فِي نَسَبه الْمَعْلُوم الْمَشْهُور، وقيل: كَانَ وَهْب بْن عَبْد مَنَافٍ بْن زُهْرَة جَدّه أَبُو آمِنَة يُكَنَّى أَبَا كَبْشَة، وَكَذَلِكَ عَمْرو بْن زَيْد بْن أَسَد الأنْصَارِيّ النَّجَّارِيُّ أَبُو سَلْمَى أُمّ عَبْد الْمُطَّلِب كَانَ يُدْعَى أَبَا كَبْشَة، وقيل: غير ذلك مما أرادوا به عيب النبي - ﷺ - [انظر: المنهاج شرح صحيح مسلم (١٢/ ٣٢٨)].\n(٦) انظر: إعراب القرآن؛ للنَّحاس (٤/ ١٨٨)، تفسير الثعلبي (٩/ ١٥٧)، النُّكت والعيون (٥/ ٤٠٥).\n(٧) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٩٤)، النكت والعيون (٥/ ٤٠٥).","vol":"1","page":3080},{"text":"﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى (٥٠)﴾: \" أنَّ \" في هذه الآيات كلها محل جرّ، بدلًا من: ﴿بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦)﴾.\nاختلفوا في ﴿عَادًا الْأُولَى﴾: فذهب بعضهم إلى أنَّ الأولى بمنزلة القرون الأولى.\nالحسن: \" ﴿الْأُولَى﴾: أي: قبلكم \" (١).\nوقيل: ﴿عَادًا الْأُولَى﴾: هي عاد إرَم، ولمّا أُهلكوا بقيتْ منهم بقيَّةٌ، يقال لهم: بنو لقيم، وكانوا بمكة عند أخوالهم العمالقة، وهم أولاد عِمْلِيق بن لاوذ بن سام، فلم يصبهم يومئذٍ العذاب، وبقوا بعدهم زمانًا فسُمُّوا: عادًا الأخرى (٢).\nوقيل: ﴿عَادًا الْأُولَى﴾: قومُ ثمود، والثاني ثمود؛ لأنَّهم من نَسْلهم.\nوقيل: ﴿عَادًا الْأُولَى﴾: أهلكوا بالريح، والثانية قوم هود (٣).\n﴿وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى (٥١)﴾: عطف على (عاد).\nولا ينتصب بقوله: ﴿فَمَا أَبْقَى﴾؛ لأنَّ ما بعد النفي لا يعمل فيما قبله، ومفعول ﴿فَمَا أَبْقَى﴾ عادٌ وثمود جميعًا (٤).\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٧٨)، تفسير القرآن العظيم (٤/ ٢٧٨).\n(٣) والذي يظهر - والله أعلم - هو القول الأول، وهو أنَّ الأولى بمنزلة الأولى، وهو اختيار ابن عطية، حيث قال: \" قال ابن زيد والجمهور ذلك؛ لأنها في وجه الدهر وقديمِه، فهي أولى بالإضافة إلى الأمم المتأخرة، وقال الطبري: سُمِّيت أولى؛ لأنَّ ثمَّ عادًا أخيرة، وهي قبيلة كانت بمكة مع العماليق، وهم بنو لقيم بن هزال \".\nقال القاضي أبو محمد: \" والقول الأول أبين؛ لأنَّ هذا الأخير لم يصح \" [المحرر الوجيز (٥/ ٢٠٨) وهو اختيار ابن جزي كما في التسهيل (٤/ ٧٩)].\n(٤) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٦٣)، إعراب القرآن؛ للنَّحّاس (٤/ ١٨٩).","vol":"1","page":3081},{"text":"﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ﴾: أي: أهلك قوم نوح من قبل عاد وثمود.\n﴿إِنَّهُمْ﴾: إن قومَ نوحٍ.\n﴿كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى (٥٢)﴾: من عاد وثمود؛ لأنَّ نوحًا دعاهم ألْفَ سنة إلاّ خمسين عامًا، فـ ﴿مَا آَمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ (١)، [هود: ٤٠].\n﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى (٥٣)﴾: يريد قريةَ قومِ لوط، واسمها (سَدوم).\nإئتفكت بأهلها، أي: انقلبت (٢).\nوأبو الليث - ﵀ - فسَّرها بالمكذِّبة، من الإفك (٣). وفيه بعدٌ.\n﴿أَهْوَى﴾: أهواها جبريل، أي: رفعها ثمَّ قلبها.\nوقيل: أهواها، جعلها تهوي.\nوقيل: قلبها في موضعها، فهوت خسْفًا (٤).\nوقيل: ألفُ ﴿أَهْوَى﴾: للتفضيل، أي: أكثر ممن تقدّم ذكرهم عملًا بالهوى، حكاه الماورديّ (٥).\nوهذا القائل حمله على قوله: ﴿أَظْلَمَ وَأَطْغَى﴾: وذلك للتفضيل لا غير.\n_________\n(١) أصل الآية: ﴿وَمَا آَمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ وأتى قبلها حرف الفاء فاجتمع حرفا عطف.\n(٢) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٧٩)، النُّكت والعيون (٥/ ٤٠٦).\n(٣) ولفظ أبي الليث: \" ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى﴾: يريد قريةَ قومِ لوط، واسمها (سَدوم)، يعني مدينة قوم لوط سمَّاها مؤتفكة؛ لأنها ائتفكت أي: انقلبت ... ويقال: \" المؤتفكة \": يعني المكذبة \" [تفسير السمرقندي (٣/ ٣٤٧)].\n(٤) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٧٩)، الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ١١٨).\n(٥) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٤٠٦).","vol":"1","page":3082},{"text":"ويكون ﴿الْمُؤْتَفِكَةَ﴾: نصبًا بـ ﴿أَهْلَكَ﴾، و﴿أَهْوَى﴾: في محل نصبٍ بخبر كان، أي: والمؤتفكة كانوا أهوى، والمراد: أهل المؤتفكة.\nويجوز أنْ يكونَ ﴿أَيْدِي﴾ حالًا (١).\n﴿فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى (٥٤)﴾: أصابها. وقيل: ألبسها. وقيل: عمّها.\nوأبهم؛ ليكون أوقع في القلوب.\nوقيل: هو العذاب، وقيل: الحجارة (٢).\n﴿فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى (٥٥)﴾: تشك أيها المخاطَب بما أولاك من النِّعم أو بما كفاك من النِّقم.\nوقيل: بأيِّ نعم ربك الدّالةِ على وحدانيّته تشكُّ (٣).\nوقيل: لم يُعذِّب أمَّةَ محمدٍ - ﷺ - بواحدةٍ من هذه النقم، فهي نعمة عليهم.\n﴿هَذَا نَذِيرٌ﴾: يعنى: محمدًا - ﷺ -.\n﴿مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى (٥٦)﴾: أي: من جنس النذر الأولى، والمعنى: يُنذر بما أَنذروا به.\nوقيل: هذا الكتاب نذير من جنس الكتب المتقدّمة.\nوقيل: ما تقدّم من ذكر العذاب نذير من جنس النّذر الأولى (٤).\nوالنذيرُ يأتي بمعنى المنذِر، وبمعنى المنذَر به.\nوقيل: ﴿مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى﴾: في اللّوح المحفوظ.\n﴿أَزِفَتِ الْآَزِفَةُ (٥٧)﴾: دنت القيامةُ (٥).\n_________\n(١) انظر: إملاء ما منَّ به الرحمن (٢/ ١١٩١)، البحر المحيط (١٠/ ٢٨).\n(٢) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٤٠٦)، الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ١١٨).\n(٣) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٨٠)، النُّكت والعيون (٥/ ٤٠٦).\n(٤) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٨٠)، النُّكت والعيون (٥/ ٤٠٦)، زاد المسير (٧/ ٢٨٨).\n(٥) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٩٥)، جامع البيان (٢٧/ ٨١).","vol":"1","page":3083},{"text":"﴿لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ (٥٨)﴾: لا يكشفُ وقتَها، ولا يزيل غطاءَها أحدٌ دونَ الله، فإنه لم يطّلعْ على وقتها ملَكٌ مقرَّبٌ ولا نبيٌّ مرسَلٌ.\nوقيل: إذا وقعت شدائدُ القيامة، وعذابها لا يكشفها أحدٌ دون الله فإنه يكشفها عن ... المؤمنين (١) (٢).\nوالهاء في ﴿كَاشِفَةٌ﴾: قيل: للمبالغة، وقيل: نفسٌ كاشفةٌ، وقيل: مصدرٌ كالطاغية والكاذبة (٣).\n﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ﴾: يعني القرآن.\n﴿تَعْجَبُونَ (٥٩)﴾ أي: ﴿تَعْجَبُونَ﴾ أن محمدًا أتاكم نبيًا يتلو عليكم كتابًا، كقوله: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا﴾ الآية، [يونس: ٢] (٤).\n﴿وَتَضْحَكُونَ﴾: استهزاءً.\n﴿وَلَا تَبْكُونَ (٦٠)﴾: تحزُّنًا أنْ ينالَكم مثلُ ما نال مَن تقدَّم ذكرُهم.\n﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ (٦١)﴾: غافلون، لاهون، لاعبون، مستكبرون (٥).\nمجاهد: \" كانوا يمرُّون بالنبيِّ - ﷺ - غِضابًا، مُبرطِمين، والبرطمةُ: الإعراض (٦) \" (٧).\nابن عباس وعكرمة: \" السُّمودُ الغِناء، وكانوا إذا سمعوا القرآنَ عارضوه بالغناء\nليَشغلوا الناسَ عن استماعه\" (٨).\n_________\n(١) كذا في النسختين، و\" عن المؤمنين \" أولى في اللفظ.\n(٢) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٨١)، تفسير البغوي (٧/ ٤٢٠).\n(٣) انظر: إعراب القرآن؛ للنَّحاس (٤/ ١٩٠)، الدُّر المصُون (١٠/ ١١٥).\n(٤) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٨٢)، النُّكت والعيون (٥/ ٤٠٧).\n(٥) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٨١)، النُّكت والعيون (٥/ ٤٠٧)، تفسير البغوي (٧/ ٤٢٠).\n(٦) انظر: كتاب العين (٧/ ٤٧٣)، مادة \" بَرْطَمَ \"، لسان العرب (١٢/ ٤٧)، مادة \" بَرْطَمَ \".\n(٧) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٨٢)، تفسير البغوي (٧/ ٤٢١).\n(٨) وهي بلغة أهل اليمن، انظر: تفسير عبد الرزاق (٣/ ٢٥٥)، جامع البيان (٢٧/ ٨٢).","vol":"1","page":3084},{"text":"الكلبيُّ: \"مقيمون \" (١).\nورويَ أن عليًا - ﵁ - خرج إلى الصَّلاة فرأى الناسَ قيامًا، فقال: \" ما لي أراكم\nسامدين\"؟! (٢)\nوكانوا يكرهون أنْ يقوموا للصلاة قبلَ الإمام.\n﴿فَاسْجُدُوا! وَاعْبُدُوا (٦٢)﴾: أي: صلّوا لله ووحّدوه.\nوقيل: هي سجدة التلاوة (٣).\n\"ولما قرأ رسولُ الله - ﷺ - السورةَ سجد وسجد معه المؤمنون، والمشركون، والجنُّ \" (٤). ... والله أعلم.\n_________\n(١) لم أقف عليه بهذا اللفظ، وفي تفسير الثعلبي (٩/ ١٥٨): \" قال الكلبي: السامد: الحزين بلسان طَي، وبلسان أهل اليمن: اللاهي \".\n(٢) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (٢٧/ ٨٣).\n(٣) انظر: تفسير السمرقندي (٣/ ٣٨٤)، النكت والعيون (٥/ ٤٠٧).\n(٤) أَخْرَجه البخاري في صحيحه، في كتاب التفسير، باب: ﴿فَاسْجُدُوا! وَاعْبُدُوا﴾، برقم (٤٨٦٢)، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ -، ولفظه: «سَجَدَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِالنَّجْمِ وَسَجَدَ مَعَهُ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ وَالْجِنُّ وَالإِنْسُ».","vol":"1","page":3085},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-160>سورة القمر </span>(١)\nخمسٌ وخمسون آيةً (٢) (٣)، مكيةٌ (٤).\nوعن ابن عباس - ﵄ -: أنها مدنيةٌ (٥).\nوعن مقاتلٍ: أنها مكيةٌ، إلاّ ثلاث آيات من قوله: سَيُهْزَمُ ﴿الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥)﴾ (٦).\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)﴾:\n_________\n(١) بهذا سميت في المصاحف وكتب التفسير، وبذلك ترجمها الترمذي، واسمها بين السلف \"سورة اقتربت الساعة \"، ففي حديث أبي واقد الليثي - ﵁ - \" أن رسول الله - ﷺ - كان يقرأ بـ\"قاف \"، و\"اقتربت الساعة وانشق القمر \" في الفطر والأضحى، وبهذا الاسم عنون لها البخاري في كتاب التفسير. [انظر: بصائر ذوي التمييز (١/ ٤٤٥)، التحرير والتنوير (٢٧/ ١٦٥)].\n(٢) \"خمس وخمسون آية \" ساقطة من (ب).\n(٣) في جميع العدد ليس فيها اختلاف [انظر: البيان في عدِّ آي القرآن (ص: ٢٣٦)، جمال القراء (١/ ٢١٨)، بصائر ذوي التمييز (١/ ٤٤٥)].\n(٤) مكية في قول الجمهور كما حكاه الماوردي وابن عطية والفيروز أبادي [انظر: النكت والعيون (٥/ ٤٠٨)، المحرر الوجيز (٥/ ٢١١)، بصائر ذوي التمييز (١/ ٤٤٥)].\n(٥) لم أقف عليه، والجمهور- كما تقدم - على مكِّيتها - والوارد عن ابن عباس - ﵄ -: أنها مدنية، فقد أورد السيوطي في الدُّرِّ المنثور (١٤/ ٦٣) عن النحاس عن ابن عباس - ﵄ - قال: نزلت \"سورة القمر \" بمكة، وأخرج ابن الضريس وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس - ﵄ - قال: نزلت بمكة سورة \" اقتربت الساعة \".\n(٦) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٣٠١)، النكت والعيون (٥/ ٤٠٨). ويرد هذا القول ما روي عن عائشة ... -﵂- قالت: لقد أنزل على محمد - ﷺ - بمكة وإني لجارية ألعب: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ (٤٦)﴾ رواه البخاري في كتاب التفسير، باب قوله ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ (٤٦)﴾ برقم (٤٨٧٦)، وكذلك بما رواه الطبري عن عمر - ﵁- قال: \" لما نزلت ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ﴾ جعلت أقول: أي جمع يهزم، فلما كان يوم بدر رأيت النبي - ﷺ - يثب في الدرع ويقول: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥)﴾ \" [جامع البيان (٢٧/ ١٠٨)].","vol":"1","page":3086},{"text":"في سبب النزول عن ابن مسعودٍ - ﵁ -، قال: انشق القمرُ على عهد رسول الله - ﷺ -، فقالت قريشٌ: هذا سحرُ ابنِ أَبِي كَبْشَةَ، فأرسلوا السُّفَّار (١)، فسألوهم، فقالوا: نعم، قد ... رأيناه، فأنزل الله هذه الآياتِ (٢).\nوفي التفسير سألَ أهلُ مكة النبيَ - ﷺ -: آيةً، فانشق القمر بمكة مرتين (٣).\nابن عباس - ﵄ -: \" انشق شِقتين حتى رآه الناس، وقالت اليهود: سُحر القمرُ \" (٤).\nوعلى هذا جلُّ المفسرين (٥)، ورواه البخاري (٦) ومسلم (٧) (٨) - ﵏ - في صحيحيهما (٩).\n_________\n(١) السُّفار: جمع سافر، وهو من خرج إلى السفر. [انظر: كتاب العين (٧/ ٢٤٧) مادة \" سَفَرَ \"، لسان العرب (٤/ ٣٦٧)، مادة \" سَفَرَ \"].\n(٢) أخرجه ابن جرير في \" جامع البيان\" (٢٧/ ٨٥)، والواحدي في \" أسباب النزول \"، وأورده البغوي في تفسيره (٧/ ٤٢٥)، وابن الجوزي في زاد المسير (٧/ ٢٩١).\n(٣) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٩٦)، جامع البيان (٢٧/ ٨٤)، النُّكت والعيون (٥/ ٤٠٩).\n(٤) لم أقف عليه بهذه الرواية وقد تعقب نحوها الألوسي في [روح المعاني (٢٧/ ٧٥)] بقوله: \" وما في خبر أبي نعيم الذي أخرجه من طريق الضحاك عن ابن عباس - ﵄ - من أنه انشق فصار قمرين، أحدهما: على الصفا، والآخر: على المروة قدر ما بين العصر إلى الليل ينظرون إليه ثم غاب ... \" لا يعول عليه كيف وقد تضمن ذلك الخبر: أن الانشقاق وقع لطلب أحبار اليهود وأن القائل: هذا سحر مستمر: هم، وهو مخالف لما نطقت به الأخبار الصحيحة الكثيرة كما لا يخفى على المتتبع، وقد شاع: أن النبي - ﷺ - أشار إلى القمر بسبابته الشريفة فانشق\"، ولم أره في خبر صحيح والله تعالى أعلم.\nقلت: والثابت عن ابن عباس - ﵄ - في الصحيحين، خلاف ذلك، فقد قال: انشق القمر في زمان النبي - ﷺ - \"، كما أخرجه في \" كتاب التفسير \"، باب: ... ﴿وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آَيَةً يُعْرِضُوا﴾ برقم (٤٨٦٦)]، وأخرجه مسلم بنحوه في كتاب: صفات المنافقين وأحكامهم. باب انشقاق القمر، برقم (٧٠١٠).\n(٥) أي القول بانشقاق القمر.\n(٦) البخاري، هو: محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبه، وقيل: بن الأحنف الجعفي، مولاهم أبو عبد الله البخاري، حبر الإسلام، وحافظ الحديث، وصاحب الجامع الصحيح، الشهير \" بصحيح البخاري \"، وله أيضًا \" تاريخ البخاري \" وقال عنه أحمد بن يسار المروزي: \" طلب العلم وجالس الناس ورحل في الحديث ومهر فيه وأبصر، وكان حسن المعرفة حسن الحفظ، وكان يتفقه، وقد توفي سنة ستٍّ وخمسين ومائتين للهجرة [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: سير أعلام النبلاء (١٢/ ٣٩١)، تهذيب التهذيب (٩/ ٤١)].\n(٧) في (ب) \" والمسلم \".\n(٨) مسلم بن الحَجَّاج بن مسلم بن ورد بن كوشاذ القشيري النيسابوري، أبو الحسين النيسابوري، الإمام\nالكبير الحافظ المجود الحُّجَّة الصادق صاحب الصحيح؛ أحد الأئمة الحفاظ وأعلام المحدثين، وكان من الثقات.\nقال أبو قريش الحافظ: سمعت محمد بن بشار يقول: \" حُفَّاظ الدنيا أربعة: أبو زرعة بالري، ومسلم بنيسابور، ...\nوعبد الله الدارمي بسمرقند، ومحمد بن إسماعيل ببخارى \"، وقد توفي سنة إحدى وستين ومائتين للهجرة.\n[انُظُرْ تَرْجَمَتَهُ: وفيات الأعيان (٥/ ١٩٤)، تهذيب الكمال (٧/ ٩٥)، سير أعلام النبلاء (١٢/ ٥٥٧)].\n(٩) روى البخاري في \" كتاب التفسير \"، باب: ﴿وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آَيَةً يُعْرِضُوا﴾ برقم (٤٨٦٤)، عن ابن مسعود -﵁- قال: انشق القمر على عهد رسول الله - ﷺ - فرقتين: فرقة فوق الجبل، وفرقة دونه فقال رسول الله - ﷺ -: «اشهدوا»، ورواه مسلم (بنحوه) في كتاب: صفات المنافقين وأحكامهم. باب انشقاق القمر، برقم (٧٠٠٤).","vol":"1","page":3087},{"text":"وذهب قومٌ إلى أن هذا مما يكون في القيامة، كقوله: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾، [الانشقاق: ١]، منهم: الحسن، فقال: \" لو انشق ما بقيَ أحدٌ إلا رآه؛ لأنه آيةٌ، والناس في الآياتِ سواءٌ \" (١).\nومنهم عليُّ بنُ عطاءٍ (٢)، قال: \" سينشقُّ القمر \" (٣).\nوذهب ابنُ بحرٍ إلى أن انشقاقَ القمرِ عبارةٌ عن وضوح أمرِ النبيِّ - ﷺ -، وصحة الإسلام، قال: وهذا كقولهم للشيء المعروف المشهور: (ابن جلا)، وهو (٤) القمر \" (٥).\nوهذان القولان خلافُ الإجماع، وخلافُ النصّ أيضًا، فإن قولَه سبحانه: ﴿وَإِنْ يَرَوْا آَيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (٢)﴾، لا يمكن حملُه على القيامة بإجماعٍ (٦).\nوقُرئ: ﴿اقتربت الساعةُ وقد انشقَّ القمرُ﴾ (٧).\n_________\n(١) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٤٠٩).\n(٢) كذا ورد في النسختين، والصحيح أن اسمه عثمان بن عطاء بن أبي مسلم الخراساني، أبو مسعود المقدسي، ضعيف من السابعة، ضعفه مسلم ويحيى بن معين والدارقطني، مات سنة خمس وخمسين ومائة للهجرة [انظر ترجمته: تقريب التهذيب (ص: ٣٨٥)، ميزان الاعتدال (٣/ ٤٨)].\n(٣) انظر: تفسير الثعلبي (٩/ ١٦٠)، زاد المسير (٧/ ٢٩٠).\n(٤) في (أ) \" وهو \".\n(٥) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١١٦١).\n(٦) قال الإمام ابن كثير: \" وهذا أمر متفق عليه بين العلماء أنَّ انشقاق القمر قد وقع في زمان النبي - ﷺ -، وأنه كان إحدى المعجزات الباهرات \" [تفسير القرآن العظيم (٤/ ٢٨٠)]، وانظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٩٦)، جامع البيان (٢٧/ ٨٤)، تفسير السمعاني (٥/ ٣٠٦)، تفسير البغوي (٧/ ٤٢٥)، المحرر الوجيز (٥/ ٢١١).\n(٧) وهي قراءة حذيفة. [انظر: المحتسب (٢/ ٣٤٧)، تفسير الثعلبي (٩/ ١٦٠)، شواذ القراءات (ص: ٤٥٣)، المحرر الوجيز (٥/ ٢١٢)].","vol":"1","page":3088},{"text":"وقيل: تقديره: انشقَّ القمرُ فاقتربت الساعةُ.\nومعنى: ﴿اقْتَرَبَتِ﴾: دنت دنوًا قريبًا؛ لأن في (اقترب) من المبالغة ما ليس في قَرُبَ، وكذلك اقتدر؛ لأن أصلَ (افتعل) طلبُ إعداد الشيء بالمبالغة فيه (١).\nو﴿السَّاعَةُ﴾: القيامة (٢).\n﴿وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾: وكان ليلةَ بدرٍ (٣).\nقال أنسٌ - ﵁ -: فصار فِلقتين حتى رأينا جبلَ حِراءٍ (٤) بينهما (٥)، وقال لنا رسول الله - ﷺ -: «اشهدوا» (٦).\n﴿وَإِنْ يَرَوْا آَيَةً﴾: تُوجب العلمَ اليقينَ (٧).\n﴿يُعْرِضُوا﴾ عن الإيمان بها، كما أعرضوا عن انشقاق القمر. وقيل: إنه عامٌّ (٨).\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٨٤)، التحرير والتنوير (٢٧/ ١٧٠).\n(٢) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٩٦)، جامع البيان (٢٧/ ٨٤).\n(٣) أي من ليالي الإبدار لا ليلة معركة بدر.\n(٤) جبل حِراء: جبل معروف بمكة، ويسمَّى أيضًا جبل النور، وهو على ثلاثة أميال من الحرم، وقد أصبح الآن داخل العمران. [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: معجم البلدان (٢/ ٢٣٣)، معجم الأمكنة (ص: ١٨٠)].\n(٥) في (ب) \" رأينا حرى بينهما \".\n(٦) أخرجه البخاري (بنحوه)، في صحيحه، في \" كتاب التفسير \"، باب: ﴿وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آَيَةً يُعْرِضُوا﴾ برقم (٤٨٦٤)، عن ابن مسعود -﵁- قال: انشق القمر على عهد رسول الله - ﷺ - فرقتين: فرقة فوق الجبل، وفرقة دونه فقال رسول الله - ﷺ -: «اشهدوا»، ورواه مسلم (بنحوه) في كتاب: صفات المنافقين وأحكامهم. باب انشقاق القمر، برقم (٧٠٠٤).\n(٧) في (ب) \" يوجب العلم باليقين \".\n(٨) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٨٧)، النكت والعيون (٥/ ٤٠٩).","vol":"1","page":3089},{"text":"﴿وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (٢)﴾: محكَمٌ شديدٌ صاحبُه حاذِقٌ، من (المِرَّة)، تقول: أمْرَرْتُهُ فاستمرَّ: أحكمتُه فاستحكم.\nوقيل: ﴿مُسْتَمِرٌّ﴾: باطلٌ ذاهبٌ، من المرور.\nوقيل: ﴿مُسْتَمِرٌّ﴾: يُشبه بعضُه بعضًا، من قولهم: مطَّرِدٌ مستمرٌّ.\nوقيل: ﴿مُسْتَمِرٌّ﴾: دائمٌ استمر من الأرض إلى السماء حتى سَحَرَ القمر (١).\n﴿وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾: ما مالت إليهم طباعُهم دونَ الحقّ الواضح، وهما عطف على ﴿يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا﴾، ويجوز أنْ يكونَ استئنافًا.\n﴿وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ (٣)﴾: أي: كلٌّ منتهٍ إلى غايةٍ، لأن الشيءَ إذا انتهى إلى غايته استقرَّ وثبت.\nوقيل: ﴿مُسْتَقِرٌّ﴾ في الآخرة.\nوقيل: ﴿مُسْتَقِرٌّ﴾ خيره وشره لأهله.\nوقيل: معناه: المقدورُ كائنٌ لا محالةَ (٢).\n﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ﴾: جاء أهلَ مكة في القرآن ﴿مِنَ الْأَنْبَاءِ﴾: أخبارِ الأمم السالفة (٣).\n﴿مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (٤)﴾: ازدجارٌ عن الكفر والمعاصي، تقول: زجرتُه وازدجرتُه: إذا نهيتَه. وتاءُ الافتعال مع الزاي والذال تصير دالًا (٤).\n﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ﴾: بدلٌ من ﴿فِيهِ﴾.\nوقيل: هو ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ﴾، أي: القرآن حكمةٌ تامّة في الزجر.\nوقيل: ﴿بَالِغَةٌ﴾: لا خللَ فيها ولا فسادَ.\nوقيل: ﴿بَالِغَةٌ﴾: من الله إليكم (٥).\n﴿فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ (٥)﴾: يجوز أنْ يكونَ نفيًا، ويجوز أنْ يكونَ استفهامًا.\nومحله نصبٌ بـ ﴿تُغْنِ﴾ (٦).\nو﴿النُّذُرُ﴾: جمع: نذير، وهو الرسل (٧).\nوقيل: النذير المنذَر منه.\nوقيل: النذر مصدرٌ بمعنى الإنذار.\n﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾: فقد أدّيت الرسالةَ، ودعني وإياهم، وهذا تهديدٌ.\nوقيل: تولَّ عنهم: إلى أنْ تؤمرَ بالقتال، وتمَّ الكلام (٨).\n﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ﴾: قيل هو: إسرافيل - ﵇ - (٩).\n﴿إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ (٦)﴾: قُرئ: بالضم والسكون (١٠).\nوالأصل بالضم، (وفُعْلٌ) في الوصف قليلٌ، حكى سيبويه ناقة أُجْدٌ (١١).\nوالمعنى: فظيعٌ هائلٌ، لم يروا مثلَه فينكرونه استعظامًا له.\nواختلفوا في عامل: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ﴾:\nفقيل: اذكر، فيكون مفعولًا به لا ظرفًا.\nوقيل: العامل فيه ﴿يَخْرُجُونَ﴾.\nوقيل: تقديره فتولى عنهم إلى يوم يدع، [فحُذف الجارُّ.\nوقيل: فتولى عنهم يوم يدع الداعي] (١٢)، ولا تشفعْ لهم (١٣)، كما تولَّوا عنك في ... الدنيا.\nوقيل: انشق القمر يوم يدع الداعي، وهذا على قول من قال: سينشق (١٤).\n﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ﴾: ذليلةٌ خاضعة عند رؤية العذاب.\nوأضاف إلى البصر؛ لأن ذلةَ الذليل وعزةَ العزيز تتبين (١٥) في نظره (١٦).\n﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾: من القبور، جمع جَدَثٍ وجَدَفٍ، فإذا جمعتَ قلتَ أجداث، بالثاء لا غير (١٧).\n﴿كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ (٧)﴾: في كثرتهم وتفرُّقهم في كلِّ جهةٍ.\n﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ﴾: مسرعين قِبَلَه لانقيادهم وذلهم، ولئلا يجدوا ملجأً.\nوقيل: ناظرين لا يُقلعون أبصارَهم.\nوقيل: يُسرعون بنظرهم قِبَلَ داعيهم.\n_________\n(١) انظر: تفسير السَّمرقندي (٣/ ٣٤٩)، تفسير الثعلبي (٩/ ١٦٢)، النكت والعيون (٥/ ٤١٠).\n(٢) انظر: تفسير الثعلبي (٩/ ١٦٢)، النكت والعيون (٥/ ٤١٠).\n(٣) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٩٦)، جامع البيان (٢٧/ ٨٩)، التحرير والتنوير (٢٧/ ١٧٠).\n(٤) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٨٩)، إعراب القرآن؛ للنَّحاس (٤/ ١٩٢).\n(٥) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٨٩)، النُّكت والعيون (٥/ ٤١٠).\n(٦) انظر: إعراب القرآن؛ للنَّحاس (٤/ ١٩٢)، مشكل إعراب القرآن (٢/ ٦٩٧).\n(٧) كذا في المخطوطتين، والأصل من حيث التناسب بين الضمير وصاحبه أن يقال: وهو الرسول، أي المنذر. أو: وهم الرسل، أي النذر.\n(٨) انظر: القطع والائتناف (ص: ٥٠٦).\n(٩) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٩٦)، تفسير السَّمرقندي (٣/ ٣٥٠).\n(١٠) قرأ الجمهور ﴿نُكُرٍ﴾ بضم الكاف، وقرأ ابن كثير بإسكان الكاف ﴿نُكْر﴾ [انظر: السَّبعة (ص: ٦١٧)، معاني القراءات (ص: ٤٧٠)، الحجة (٦/ ٢٤٢)].\n(١١) انظر: الكتاب (٢/ ٣١٥)، الحجة (٦/ ٢٤٢).\n(١٢) ما بين المعقوفتين ساقط من (ب).\n(١٣) في (أ) \" ولا يشفع لهم \".\n(١٤) انظر: الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ١٢٦)، البحر المحيط (١٠/ ٣٥).\n(١٥) في (ب) \" يتبين \".\n(١٦) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٩٠)، الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ١٢٦).\n(١٧) انظر: جامع البيان (٢٣/ ١٥)، معاني القرآن؛ للنَّحاس (٥/ ٥٠٤).","vol":"1","page":3090},{"text":"وقيل: مادِّي أعناقِهم نحوَه.\nوقيل: قابضين ما بين أعينهم.\nوقيل: مائلين آذانِهم إلى القول الداعي.\nحكاهما الماورديّ (١) (٢).\n﴿يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (٨)﴾: صعبٌ شديدٌ، مثله:\n﴿يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (١٠)﴾ [المدثر: ٩ - ١٠].\n﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾: أي: قبلَ قومك.\n﴿فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا﴾: نوحًا.\nوالمعنى: كذبت قومُ نوحٍ (٣) بآياتنا، فكذّبوا رسلنا (٤) لأجل ذلك، فعطف بالفاء؛ لأنَّ الثَّاني ظهر من الأوَّل.\n﴿وَقَالُوا مَجْنُونٌ﴾: أي: هو: مجنون.\n﴿وَازْدُجِرَ (٩)﴾: زُجر عن أداء الرِّسالة بالشّتم، وهُدِّد بالقتل (٥).\nمجاهد: \" استُطير جنونًا \" (٦).\n﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي﴾: بأنّي (٧).\n﴿مَغْلُوبٌ﴾: لا يمكنني مقاومتُهم إلاّ بنصرك.\n_________\n(١) كذا في النسختين والصحيح حكاها الماوردي.\n(٢) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٤١١).\n(٣) \" نوحٍ \" ساقطة من (ب).\n(٤) في (أ) \" وكذبوا رسلنا \".\n(٥) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٩٢)، تفسير السمرقندي (٣/ ٣٥١).\n(٦) \" بأني \" ساقطة من (ب).\n(٧) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٩٢)، تفسير الثعلبي (٩/ ١٦٣). قال ابن عطية [المحرر الوجيز (٥/ ٢١٤)]: ... \" وهذا قول فيه تعسف وتحكم \".","vol":"1","page":3091},{"text":"﴿فَانْتَصِرْ (١٠)﴾: فانتقم لي منهم.\n﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ﴾: ففتحت رتاجها (١).\nابن عيسى: \" فتحُ أبوابها إجراؤُه من السماء؛ كجريانه (٢) إذا فُتح عنه بابٌ كان مانعًا له \" (٣).\nوعن علي - ﵁ -: \" فتُحت السَّماء من المجرَّة، وهي شرْج السَّماء \" (٤).\n﴿بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١)﴾: منصبٍّ انصبابًا شديدًا، كما يسيل من أفواه القِرب.\nوقيل: متدفِّقٍ سريعِ الانصباب.\nوقيل: بماءٍ سائلٍ خارجٍ عن طريق (٥) المعتاد، لم ينقطعْ أربعين ليلةً ولم يكن قَطَراتٍ (٦).\n﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾: فشققنا الأرضَ عن الماء عيونًا تنبع منها، فصارت الأرضُ كلُّها كالعيون.\nوالعين: ما يفورُ (٧) عن الأرض مستديرًا كاستدارة عين الحيوان (٨).\nوهي نصبٌ على التمييز.\nويجوز: وفجّرنا في الأرض عيونًا، فيكونُ مفعولًا به.\nو﴿الْأَرْضَ﴾: نصبٌ على الظرف بعد حذف الجارّ.\nوقيل: بعيون، فحذف الجارّ.\n_________\n(١) الرَّتج والرِّتاج: الباب العظيم، وقيل: هو الباب المغلق، وقد أرتج الباب إذا أغلقه إغلاقًا وثيقًا. [انظر: مجمل اللغة (ص: ٣١٤)، مادة \" رَتَجَ \"، لسان العرب (٢/ ٢٧٩)، مادة \" رَتَجَ \"].\n(٢) في (ب) \" لجريانه \".\n(٣) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١١٦٣) ولم يعزه لابن عيسى.\n(٤) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٠/ ٣٣٢٠)، النُّكت والعيون (٥/ ٤١٢).\n(٥) \" طريق \" ساقطة من (ب).\n(٦) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٩٧)، جامع البيان (٢٧/ ٩٢)، النُّكت والعيون (٥/ ٤١٢).\n(٧) في (أ) \" يعود \"، والصواب ما أثبت.\n(٨) انظر: المفردات (ص: ٥٩٨)، مادة \"عَيَنَ \"، لسان العرب (١٣/ ٢٩٨)، مادة \"عَيَنَ \".","vol":"1","page":3092},{"text":"وقيل: ﴿عُيُونًا﴾: نصبٌ على الحال (١).\n﴿فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ﴾: يعني ماء الأرض وماء السماء، فسدَّ اسمُ الجنس مسدَّ التثنية؛ لأنَّه النهاية ها هنا (٢) (٣).\nوقُرئ في الشواذّ بالتثنية، وهو ﴿ماءآن على أمر﴾ \" (٤) (٥).\n﴿قَدْ قُدِرَ (١٢)﴾: قدّره الله وقضاه لإهلاك الكفّار.\nوقيل: قُدِر في اللوح المحفوظ.\nوقيل: قُدر ماءُ الأرض على مقادر ماء السماء.\nوقيل: على ما قدّره الله تعالى لا زيادة ولا نقصانًا.\nوقيل: على أمرٍ قد (٦) عرف الله تعالى (٧) مقدارَه ومبلغَه (٨).\n﴿وَحَمَلْنَاهُ﴾: يعني نوحًا - ﵇ -، ومَن آمن معه.\n﴿عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ﴾: وهي الخشبات العريضة.\n﴿وَدُسُرٍ﴾: هي المسامر والشرط التي يشدُّ بها (٩) ألواحُ السفينة، واحدها (دِسَارٌ).\nقال المفسرون: هذه عبارةٌ وحكايةٌ عن السفينة.\n_________\n(١) انظر: البحر المحيط (١٠/ ٣٩).\n(٢) \" ها هنا \" ساقطة من (ب).\n(٣) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ١٠٦)، جامع البيان (٢٧/ ٩٢)، إعراب القرآن؛ للنَّحاس (٤/ ١٩٤).\n(٤) \" وهو ماءان \" ساقطة من (ب).\n(٥) وبها قرأ علي بن أبي طالب وأبي بن كعب والحسن وأبو رجاء وعاصم الجحدري [انظر: شواذ القراءات (ص: ٤٥٤)، المحرر الوجيز (٥/ ٢١٤)، زاد المسير (٧/ ٢٩٣)، البحر المحيط (١٠/ ٣٩)].\n(٦) \"قد \" ساقطة من (ب).\n(٧) يُوصف الله تعالى بالعلم، ولا يوصف بالمعرفة، وبينهما فروقٌ كثيرةٌ لفظية ومعنوية، وقد بيّنها الإمام ابن القيم - رحمه الله تعالى - في مدارج السالكين (٣/ ٣٤٩)، ومع هذا فقد يُتسامح في إطلاقه على الله تعالى من باب الإخبار؛ لأن باب الإخبار أوسعُ من باب الوصف.\n(٨) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٩٢)، النُّكت والعيون (٥/ ٤١٢).\n(٩) في (ب) \" يسدّ بها \".","vol":"1","page":3093},{"text":"ويحتمل: على سفينةٍ ذاتِ ألواحٍ كثيرةٍ ودُسُرٍ كثيرةٍ، أي: عظيمةٍ.\nابن عبّاس - ﵄ -: ﴿وَدُسُرٍ﴾ كَلْكَلُ السَّفينة وصدرها \" (١).\nمجاهد: \"عوارضها \" (٢).\nالضحَّاك: \" طرفاها \" (٣).\nويحتمل أنَّه مصدر، كالشغْل بمعنى الدسر، وهو: الدفع، أي: على ذات ألواح ودسر، أي: تدْسر الماء، من قوله - ﷺ - في العنبر (٤): «إنَّ ذلك شيءٌ دسره البحر» (٥)، أي: دفعه ورماه (٦).\n﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾: بمرأىً منّا وحفظٍ (٧)، والباءُ للحال، أي: محفوظة منّا (٨).\nوقيل: بأعين ملائكتنا الحفظة، فحُذف المضاف.\nوقيل: بأعين المياه التي فجّرنا الأرض عيونًا (٩)، فيكون الباء للظرف (١٠).\nمقاتل: \" بوحينا \" (١١).\nوقيل: \"بإذننا \" (١٢).\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٩٤)، تفسير الثعلبي (٩/ ١٦٤).\n(٢) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٩٤)، النُّكت والعيون (٥/ ٤١٢).\n(٣) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٩٤)، تفسير الثعلبي (٩/ ١٦٤).\n(٤) أي في حكم زكاته، والعنبر: هي سَمَكة بَحْرِيَّة كبيرة يُتَّخذَ من جلدها التِّراسُ، ومنها يَخرج الطيب المعروف. [انظر: النهاية (٣/ ٣٠٦)، مادة \" عنبر \"، لسان العرب (٤/ ٦٠٣) مادة \" عنبر \"].\n(٥) أخرجه البخاري في كتاب الزكاة، باب ما يستخرج من البحر عن ابن عباس - ﵄ - موقوفًا.\n(٦) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٩٧)، جامع البيان (٢٧/ ٩٣)، النكت والعيون (٥/ ٤١٢).\n(٧) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٩٤)، تفسير البغوي (٧/ ٤٢٩).\n(٨) في (أ) \" بنا \".\n(٩) قال ابن عطية: [المحرر الوجيز (٥/ ٢١٥)]: \" وقال الرُّماني: وقيل: إن قوله ﴿بِأَعْيُنِنَا﴾ يريد العيون المفجرة من الأرض، قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف \".\n(١٠) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٤١٢).\n(١١) لفظ مقاتل: \" يقول تجري السفينة في الماء بعين الله - تعالى - \" [تفسير مقاتل (٣/ ٢٩٧)]، وعند الثعلبي: \" مقاتل بن سليمان: بوحينا \" [تفسير الثعلبي (٩/ ١٦٥)].\n(١٢) والصحيح القول الأول، وفيه عند أهل السنة والجماعة إثبات صفة العينين لله تعالى، ولا يمنع معيته وحفظه لأوليائه، قال الإمام ابن كثير: \" أي: بأمرنا بمرآى منَّا وتحت حفظنا وكلاءتنا \" [تفسير القرآن العظيم (٤/ ٢٨٣)]، وقال ابن سعدي: \" برعاية من الله وحفظ منه لها عن الغرق ونظر وكلاءة منه تعالى، وهو نعم الحافظ والوكيل \" ... [تيسير الكريم الرحمن (ص: ٨٢٤)].","vol":"1","page":3094},{"text":"﴿جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ (١٤)﴾: ﴿مَنْ﴾: كناية عن نوح - ﵇ -، وتقديره: كُفِرَ ... بِه (١).\nقال الكسائي: \"كفرته وكفرت به لغتان \" (٢).\nمجاهد: \"كناية عن الله تعالى\" (٣).\nابن عبّاس: \"انتصر لنفسه \" (٤).\nالفراء: \" جزاءً لكفرهم \" (٥).\nو﴿مَنْ﴾ بمعنى (ما) المصدر (٦).\nوقرئ في الشَّواذّ: ﴿جزاءً لمن كان كَفَرَ﴾ بفتحتين (٧).\nوَلَقَدْ ﴿تَرَكْنَاهَا آَيَةً﴾: يعني سفينة نوح، وكانت باقية حتّى رآها أوائلُ هذه ... الأمَّة (٨).\nوقيل: تركنا حديثَها.\nوقيل: تركنا أمثالَها من السّفن.\nوقيل: تركنا تلك الفعلةَ وتلك العقوبةَ (٩).\n_________\n(١) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٩٧)، جامع البيان (٢٧/ ٩٥).\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) أي لمن كفر بالله، وهو اختيار ابن جرير. [انظر - قول مجاهد -: جامع البيان (٢٧/ ٩٤)، النُّكت والعيون (٥/ ٤١٣)].\n(٤) انظر: المحرر الوجيز (٥/ ٢١٥)، البحر المحيط (١٠/ ٤٠).\n(٥) انظر: معاني القرآن (٣/ ١٠٦).\n(٦) في (ب) \" ما المقدر \".\n(٧) وبها قرأ يزيد بن رومان وقتادة ومجاهد وحميد. [انظر: المحتَسب (٢/ ٣٤٨)، شواذ القراءات (ص: ٤٥٤)، الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ١٣٠)، البحر المحيط (١٠/ ٤٠)].\n(٨) وهو قول قتادة. [انظر: جامع البيان (٢٧/ ٩٥)، النُّكت والعيون (٥/ ٤١٣)].\n(٩) انظر: تفسير السَّمرقندي (٣/ ٣٥٢)، النُّكت والعيون (٥/ ٤١٣).","vol":"1","page":3095},{"text":"﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٥)﴾: متّعظٍ يتعظُ ويعتبرُ.\nوقيل: معناها (١) هل من طالبِ خيرٍ فيُعان عليه؟.\nوأصله: (اذدكر)، افتعل من الذِّكر، كما سبق، فأدغم الذّال في الدّال فصار دالًا (٢).\n﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (١٦)﴾: استفهامُ تعظيمٍ لما مضى وتخويف لمن [لم] (٣) يؤمن بمحمد - ﷺ -.\nوالنذر: اسمٌ من الإنذار.\nوقيل: جمع نذير، أي: فكيف كان حالُ نذري.\nوكُرّرَ (٤)؛ لأنّ كلَّ واحدٍ وقع مع قصّةٍ أخرى، فلم يكن تكرارًا في المعنى (٥).\n﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ﴾: هوناه وسّهلنا قراءَته وتلاوتَه، ولولا ذلك ما أطاق العبادُ أنْ يتكلّموا بكلام الله تعالى.\nوقيل: يسَّرناه للحفظ حتى يحفظَه الصبيّ والكبيرُ والعربيّ والعجميّ والأمي والبليغُ، وسائر كتب الله - تعالى - يقرؤونها نظرًا ولا يحفظُها عن آخرها أحدٌ حفظًا.\nوقيل: يسَّرنا استنباطَ (٦) معانيه وسهّلنا علمَ ما فيه (٧).\n﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧)﴾: يتذكر ما فيه، وهل من طالب علمٍ فيُعان عليه؟! وهذا حثٌّ على الذكر؛ لأنّه طريقُ العلم.\n_________\n(١) في (أ) \" معناه \".\n(٢) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٩٥)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٤/ ١٩٥)، النُّكت والعيون (٥/ ٤١٣).\n(٣) \" لم \" ساقطة من النسختين، والمعنى لا يستقيم بدونها.\n(٤) في (أ) \" وتكرَّر \".\n(٥) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١١٦٤).\n(٦) في (ب) \" يسرناه استنباط \".\n(٧) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٩٦)، النُّكت والعيون (٥/ ٤١٣)، المحرر الوجيز (٥/ ٢١٥).","vol":"1","page":3096},{"text":"ثمّ ختم قصَّةَ نوحٍ وعادٍ وثمودَ ولوطٍ به؛ لما في كلِّ واحدٍ منها (١) من التخويف (٢) والتحذير وبدائع ما حلّ بهم، فيتعظُّ به تالي القرآن وحافظه ومن يستنبط معانيه ويعظ غيرَه به. والله أعلم (٣).\n﴿كَذَّبَتْ عَادٌ﴾: سبق في سورة النّجم (٤).\n﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (١٨)﴾: ألم يكن مبيرًا مهلكًا؟! ألم يكن حقًَّا صدقًا؟!\n﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾: باردةً ذاتَ هبوبٍ.\nالمبّرد: \" ﴿صَرْصَرًا﴾: شديد الصوت، قال الشاعر:\n. . . . . . . . . . . . . . ... كما صرصر العصفورُ في الرطب الثَّعْد (٥) (٦) \" (٧).\n﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (١٩)﴾: مشؤومٍ دائمِ الشؤم.\nوقيل: نحس بارد، قال الشاعر:\nوليلة (٨) نحسٍ يصطلي القوسَ ربُّها ... وأقطعه اللاتي بها يتنبّل (٩) (١٠)\n﴿مُسْتَمِرٍّ﴾: دائم على مرور ساعاته.\nوقيل: استمر عليهم سبع ليال وثمانية أيَّام.\n_________\n(١) \" منها \" ساقطة من (ب).\n(٢) في (أ) \" التحريف \".\n(٣) انظر: البرهان في متشابه القرآن (ص: ٣٠٥)، بصائر ذوي التمييز (١/ ٤٤٦).\n(٤) انظر: (ص: ٧١٦).\n(٥) الثَّعْد: الرُّطَبُ وقيل البُسْرُ الذي غلبه الإِرطاب وأصبح لينًا، واحدته ثَعْدة. [انظر: النِّهاية (١/ ٢١٢)، مادة \" ثَغَدَ \"، لسان العرب (٣/ ١٠٤)، مادة \" ثَغَدَ \"]. وتمام البيت:\nوشتان ما بيني وبين رعاتها. . . ... كما صرصر العصفورُ في الرطب الثَّعْد\n(٦) البيت في الكامل (١/ ١٧٠) وفي لسان العرب (٣/ ١٠٤)، مادة \" ثَغَدَ \" ولم أقف على قائله.\n(٧) انظر: الكامل (١/ ١٧٠).\n(٨) في (ب) \" وليل \".\n(٩) يعني أنه لشدة بردها يصطلي بقوسه وسهامه التي يدفع بها عن نفسه. [انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٤١٤)].\n(١٠) البيت للشنفرى عمرو بن مالك الأزدي. [انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٤١٤)].","vol":"1","page":3097},{"text":"وقيل: استمر بهم العذاب إلى نار جهنّم.\nوقيل: ﴿مُسْتَمِرٍّ﴾: شديدٍ ماضٍ على الصغير والكبير، لم يبق منهم أحدًا، وكان يوم الأربعاء آخر الشّهر (١).\n﴿تَنْزِعُ النَّاسَ﴾: تقلعهم وترمي بهم على رؤوسهم، فتدق (٢) رقابَهم (٣).\nوقيل: كانوا استتروا عن الرِّيح بحفرٍ حفروها فتغطّوا فيها، فنزعتهمُ الريح من تلك الحفر وصرعتهم موتى (٤).\n﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (٢٠)﴾: هذا واقع موقع الحال.\nابن عباس - ﵄ -: \" أصولُ نخلٍ \" (٥).\nوقيل: أوراك نخلٍ، جمع عجز؛ لأنَّ الريحَ كانت تُبِينُ رؤوسَهم عن أجسادِهم، فتبقى (٦) بلا رأسٍ (٧).\n﴿مُنْقَعِرٍ﴾: منقلع (٨) من أصله؛ لأنَّ قعرَ الشيء أصلُه، تقول: قعرته فانقعر ولم يقل منقعرة؛ لأنَّ الجمعَ إذا لم يكن بين واحده وجمعه إلاّ هاءُ التأنيث جاز تذكيره وتأنيثه، ... [كنخلٍ ونخلةٍ، وتمرٍ وتمرةٍ، ومثلها] (٩) (١٠).\nقال مقاتل: \" كان طولُ الواحد منهم اثني عشر ذراعًا \" (١١).\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٩٨)، النُّكت والعيون (٥/ ٤١٤)، المحرر الوجيز (٥/ ٢١٦).\n(٢) في (ب) \" فيدق \".\n(٣) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٩٨)، تفسير السَّمرقندي (٣/ ٣٥٢).\n(٤) انظر: المحرر الوجيز (٥/ ٢١٦)، الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ١٣٢).\n(٥) انظر: تفسير الثعلبي (٩/ ١٦٦)، تفسير الثعلبي (٧/ ٤٣٠).\n(٦) في (أ) \" فيبقى \".\n(٧) انظر: تفسير الثعلبي (٩/ ١٦٦)، تفسير الثعلبي (٧/ ٤٣٠).\n(٨) في (ب) \" منقطع \".\n(٩) ما بين المعقوفتين ساقط من (ب).\n(١٠) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٩٨)، مشكل إعراب القرآن (٢/ ٢٩٩)، تفسير السمعاني (٥/ ٣١٣).\n(١١) تفسير مقاتل (٣/ ٢٩٨).","vol":"1","page":3098},{"text":"وقيل: أربعون، وقيل: ستّون، وقيل: ثمانون.\nوذكر في القصّة أنّ سبعةً منهم قاموا مصطفِّين على باب الشِّعب، ليردوا الريح عمّن في الشِّعب من العيال، فجعلت تجحفهم (١) رجلًا رجلًا حتى هلكوا.\nوذكر الثعلبيّ أسماءهم، وأنشد أبياتًا، فيها ...:\nوالذي سدّ مهبَّ الـ ريح أيَّامَ البليَّات (٢).\nوعن النبي - ﷺ - أنَّه قال: «انتزعت الريحُ النَّاسَ من قبورهم» (٣).\nوذكر أن قوله: ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾: أراد به (٤) تشبيهَ الحفر التي حفروها بأصول نخلٍ قد هلك ما كان قائمًا منها، وبقي موضعُها منقعرًا.\nوهذا بعيد؛ لقوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ﴾، ولم يقل كأنَّها (٥).\n﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (٢١)﴾: أعاد في قصّة عادٍ مرتين، فقيل الأول: في الدنيا، والثَّاني في العقبى، كما قال في هذه القصّة: ﴿لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَخْزَى﴾، [فصلت: ١٦].\nوقيل: الأوَّل لتحذيرهم قبلَ هلاكهم، والثَّاني لتحذير غيرهم بهم بعدَ هلاكهم (٦).\n﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٢٢)﴾.\n﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (٢٣)﴾: كذبوا صالحًا.\nوالنذرُ (٧) جمع نذير.\n_________\n(١) في جامع البيان (٢٧/ ٩٨)، وتفسير الثعلبي (٩/ ١٦٦): \" فجعلت الريح تخفقهم \".\n(٢) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٩٨)، تفسير الثعلبي (٩/ ١٦٦)، الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ١٣٢).\n(٣) أخرجه الثعلبي (٩/ ١٦٦) عن محمد بن قرظة بن كعب عن أبيه، وأورده القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ١٣٢).\n(٤) \" به \" ساقطة من (أ) \".\n(٥) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٩٩)، إعراب القرآن، للنَّحاس (٤/ ١٩٦).\n(٦) انظر: البرهان في متشابه القرآن (ص: ٣٠٥)، بصائر ذوي التمييز (١/ ٤٤٦).\n(٧) \" والنذر \" ساقطة من (أ).","vol":"1","page":3099},{"text":"وقيل: المواعظ والكتب السَّابقة.\nوقيل: العذاب (١).\n﴿فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ﴾: أَنَتَّبِعُ آدميًا مثلَنا ونُطيع واحدًا من جملتنا ليس له فضلٌ علينا؟.\n﴿إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٢٤)﴾: ذهب بعضهم إلى أن السُّعُرَ الجنونُ، تقول العرب: ناقةٌ مسعورةٌ: إذا كان بها (٢) جنونٌ (٣).\nوقيل: ﴿سَفَرٍ﴾: عذابٍ، جمع سعير.\nالفرَّاء: \"في عَناءٍ وعذابٍ \" (٤).\nوقيل: بُعدٍ من الحقّ (٥).\nوذكر ابن بحر له (٦) وجهين آخرين:\nأحدهما: في احتراقٍ، كما يقال: هلكنا واحترقنا. عند شدّة الحال وعظم البليّة.\nوالثّاني: أنهم كانوا وُعدوا على الكفر بالنبي الذي جاءهم الضلال والنَّار، فقالوا: إن أتّبعنا رجلًا منا صرنا إلى الضّلال والنَّار (٧).\n ﴿أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا﴾: أي: الكتاب والوحي (٨) (٩).\n﴿بَلْ هُوَ كَذَّابٌ﴾: فيما يدّعيه.\n_________\n(١) انظر: زاد المسير (٧/ ٢٩٦).\n(٢) في (أ) \" به \".\n(٣) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٧١)، النُّكت والعيون (٥/ ٤١٥).\n(٤) انظر: معاني القرآن (٣/ ١٠٨).\n(٥) انظر: جامع البيان (٢٧/ ١٠٠)، إعراب القرآن، للنَّحاس (٤/ ١٩٧).\n(٦) \" له \" ساقطة من (أ).\n(٧) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٤١٥).\n(٨) في (ب) \" الكتاب والذِّكر \"، والصواب ما أُثبت؛ لأن الذكرَ هو المفسَّر وهو المنصوص في الآية، ولا\nيصحُّ تفسيرُ الشيء بنفسه.\n(٩) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٩٩)، جامع البيان (٢٧/ ١٠٠).","vol":"1","page":3100},{"text":"﴿أَشِرٌ (٢٥)﴾: عظيم الكذب، وقيل: بَطرٌ فَرِحٌ، يريد أنْ يتعظَّم علينا.\nوقيل: الأَشِرُ الذي لا يبالي ما يقول.\nوقيل: متعدٍّ إلى منزلةٍ لا يستحقُّها (١).\nسَيَعْلَمُونَ ﴿غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (٢٦)﴾: أي: إذا لحقهم العذاب (٢) يوم القيامة علموا أنَّهم الكاذبون لا صالح.\nوسمّاه غدًا للتقريب وشدّة الوعيد (٣).\nوقيل: ﴿غَدًا﴾: يريد به يومَ العذاب في الدنيا.\n﴿إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ﴾: ابن عبّاس - ﵄ -: سألوا صالحًا - ﵇ - أنْ يُخرج لهم ناقةً حمراءَ عشراء من صخرة، ثمَّ تضع حملَها، ثمَّ ترد ماءَهم فتشربه، ثمَّ تغدوا عليهم بمثله لبنًا، فأجاب الله صالحًا - ﵇ - إلى ذلك، فقال: ﴿إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ﴾ (٤).\nأي: ننشئها، فعبّر عنه بالإرسال؛ لأنَّ المعنى نوجِّهها.\nوأصله من أرسلت الشيءَ: إذا أزلت عنه ما يحبِسُه عن الانبعاث.\n﴿فِتْنَةً لَهُمْ﴾: امتحانًا واختبارًا لهم أيؤمنون أم لا.\n﴿فَارْتَقِبْهُمْ﴾: فانتظر (٥) ما هم صانعون.\n﴿وَاصْطَبِرْ (٢٧)﴾: على ما يصيبك من أذاهم.\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٧/ ١٠٠)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٧٢)، النُّكت والعيون (٥/ ٤١٥).\n(٢) في (أ) \" لحق بهم العذاب \".\n(٣) انظر: تفسير الثعلبي (٩/ ١٦٧)، تفسير البغوي (٧/ ٤٣١).\n(٤) انظر: تفسير البسيط (٢/ ٢٧٨) عن ابن عباس، وأورده في تفسير البغوي (٧/ ٤٣١)، والجامع لأحكام القرآن (١٧/ ١٣٦)، ولم يعزواه لابن عباس - ﵄ -.\n(٥) في (ب) \" وانتظر \".","vol":"1","page":3101},{"text":"﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ﴾: يومٌ لها ويومٌ لهم، وجُمع جمعَ السَّلامة تغليبًا للعقلاء (١).\n﴿كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ (٢٨)﴾: تحضرون شِرْبَكم: نصيبكم من الماء، وتحضر هي شربَها، لا يزاحم البَعضُ البَعضَ.\nمجاهد: \"إذا غابت حضرتم الماء، وإذا حضرت الماءَ حضرتم اللبن\" (٢)، فالشِّرب (٣) على هذا: الحظّ من الماء واللّبن.\n﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ﴾: هو: قُدار بنُ سالف (٤).\nوقيل: كانا اثنين: قُدار ومِصدَع (٥)، يقال لقُدار: أحمرَ ثمود وأُحيمرَ ثمود.\nقال الزجاج: \" وربما غلط بعضُ العرب فيجعله أحمر عاد \" (٦)، ويحتمل أن ذلك لما سبق أنْ ثمودَ عند بعضهم عادٌ الأخرى.\n﴿فَتَعَاطَى فَعَقَرَ (٢٩)﴾: جاء في القصص: أن عدةً منهم - وفيهم قدار - تواطؤوا على عقرها، وكمنوا لها بين جبلين في مرورها، ثم هاب الآخَرون عن الإقدام، فتعاطى قدار هذا الفعل، من قولهم: فلان يتعاطى هذا الأمر: إذا تكلّف تناولَه.\nوقيل: ﴿فَتَعَاطَى﴾: تناولها بيده فعقرها.\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٧/ ١٠١)، تفسير البغوي (٧/ ٤٣١)، تفسير النسفي (٤/ ١١٧٣).\n(٢) انظر: تفسير البغوي (٧/ ٤٣١)، المحرر الوجيز (٥/ ٢١٨).\n(٣) في (أ) \" والشِّرب \".\n(٤) قُدَار بن سالف بن جندع، وكان أحمر أزرق أصهب، وكان يقال إنه ولد زانية، ولد على فراش سالف، وهو ابن رجل يقال له صيبان، وكان فعله ذلك باتفاق جميعهم، فلهذا نسب الفعل إليهم كلهم. [قصص الأنبياء؛ لابن كثير - (ص: ١٢٥)، وانظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٩٩)، جامع البيان (٢٧/ ١٠٢)، تفسير القرآن العظيم (٤/ ٢٨٤)].\n(٥) ويقال له مصرع بن مهرج بن المحيا، وهو أحد المفسدين المذكورين في قوله تعالى ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (٤٨)﴾ [النمل (٤٨)] [انظر: قصص الأنبياء؛ لابن كثير - (ص: ١٢٦)].\n(٦) معاني القرآن (٥/ ٧٢).","vol":"1","page":3102},{"text":"وقيل: ارتفع على أطراف أصابعه ثمَّ عقرها (١)، كما تعطوا الشَّاة إذا لم تنل الغصنَ فرفعت يديها (٢).\n﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٠)﴾.\n﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾: أسمعهم الله (٣) صيحةً فأهلكهم بها في الحال.\nوقيل: صاح بهم جبريل - ﵇ - فماتوا عن آخرهم (٤).\nوقيل: كان صوت الفَصِيل (٥) (٦).\n﴿فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ (٣١)﴾: أي: صاروا بعدَ نضارتهم (٧) وحُسنهم كهشيم الشجر.\nهشيم: بمعنى مهشوم، أي: مكسور، وهو ما يبس من الورق.\nابن عبّاس: \" العظم المحترق \" (٨).\nسعيد بن جبير: \" هو التراب يتناثر من الحائط \" (٩).\nابن زيد: \" هو الشَّوْكُ (١٠) يُحظرَ به حولَ المواشي \" (١١).\nمجاهد: \" هو ما يُكسر من خشب الخيمة \" (١٢).\n_________\n(١) في (أ) \" ثم عقر \".\n(٢) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٤١٦)، قصص الأنبياء؛ لابن كثير (ص: ١٢٥)، الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ١٣٧).\n(٣) في (ب) \" سمعهم الله \".\n(٤) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١١٦٥)، تفسير البغوي (٧/ ٤٣١)، المحرر الوجيز (٥/ ٢١٨).\n(٥) الفَصِيل: ولد الإبل. [انظر: كتاب العين (٧/ ١٢٦)، مادة \" فصل \"، لسان العرب (١١/ ٥٢١)، مادة \"\nفصل \"].\n(٦) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١١٦٥).\n(٧) في (ب) \" غضارتهم \".\n(٨) انظر: جامع البيان (٢٧/ ١٠٣)، النُّكت والعيون (٥/ ٤١٧).\n(٩) انظر: جامع البيان (٢٧/ ١٠٣).\n(١٠) في (أ) \"الشَّرَك\".\n(١١) انظر: إعراب القرآن؛ للنَّحاس (٤/ ١٩٩)، المحرر الوجيز (٥/ ٢١٨).\n(١٢) انظر: جامع البيان (٢٧/ ١٠٣).","vol":"1","page":3103},{"text":"والمحتظَر المكان الذي يُحتظر، والمحتظِر (١) المبتني حظيرةً على غنمه أو بستانه، والمحتظِر صاحب الحظيرة (٢).\nوقيل: ﴿كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾، الهشيم: ما يعدّ المحتظر من الحشيش لماشيته في الشتاء ووقت إعواز المرعى (٣).\n﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٣٢)﴾.\n﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ (٣٣)﴾.\n﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا﴾: حجارةً.\nوقيل: ﴿حَاصِبًا﴾: راميًا بالحصباء، وهو السَّحاب. والحصباء: الحصى الصغار.\nوقيل: ﴿حَاصِبًا﴾: ريحًا فيها حصباء (٤).\n﴿إِلَّا آَلَ لُوطٍ﴾: ابنتيه ومَن آمن معه.\n﴿نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ (٣٤)﴾: من الإسحار.\nوالباء للحال، أي: مسحرين، كما تقول: جاء بالغداة، أي: غاديًا.\n_________\n(١) قرأ الجمهور ﴿الْمُحْتَظِرِ﴾ بكسر الظاد، وقرأ الحسن بن أبي الحسن وأبو رجاء ﴿المُحْتظَر﴾ بفتحها، وهي شاذة [انظر:، جامع البيان (٢٧/ ١٠٣)، المحتسب (٢/ ٣٥٠)، شواذ القراءات (ص: ٢٣٤)، المحرر الوجيز (٥/ ٢١٨)، الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ١٣٨)].\n(٢) انظر: جامع البيان (٢٧/ ١٠٣)، المحتسب (٢/ ٣٥٠)، المحرر الوجيز (٥/ ٢١٨)، الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ١٣٨).\n(٣) قال ابن الجوزي: \" والمراد من جميع ذلك، أنهم بادوا وهلكوا حتى صاروا كالشيء المتحطم \" [زاد المسير (٧/ ٢٩٧)].\n(٤) انظر: جامع البيان (٢٧/ ١٠٤)، النُّكت والعيون (٥/ ٤١٧). قال ابن عطية: \" والحاصب: السحاب الرامي بالبَرد وغيره \" [المحرر الوجيز (٥/ ٢١٩)].","vol":"1","page":3104},{"text":"ويجوز أنْ يكونَ الباءُ الذي ينوب عن (في) ظرف المكان، تقول: شربت ببغداد، أي: فيها (١).\n﴿نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾: أي: الإنعام، فهي مفعول، والمعنى: فعلنا ذلك بهم لشكرهم.\n﴿كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ (٣٥)﴾: أي: من آمن بالله لم نعذّبْه مع المشركين.\n﴿وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ﴾: لوط.\n﴿بَطْشَتَنَا﴾: شدّةَ أخذِنا وانتقامِنا.\n﴿فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ (٣٦)﴾: كذّبوهم بما قالوا.\nوقيل: شكّوا بالإنذار.\nوقيل: جادلوا لوطًا في الرسل الذين أتوه (٢) في صورة الأضياف ليمكِّنهم منهم (٣).\n﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ﴾: أي: قصدوا الفجورَ بأضياف لوطٍ.\n﴿فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ﴾: مسح جبريلُ - ﵇ - بجناحه (٤) أعينَهم فصاروا عُميًا لا يقدّرون على الخروج (٥) (٦).\nالضّحاك: \" أُخفوا عن أبصارهم حتّى لم يروهم مع بقاء أعينهم \" (٧).\n﴿فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٧)﴾: أي: وقلنا لهم (٨).\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٧/ ١٠٤)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٧٢).\n(٢) في (أ) \" أتو \".\n(٣) انظر: جامع البيان (٢٧/ ١٠٤)، المحرر الوجيز (٥/ ٢١٩).\n(٤) \" بجناحه \" ساقطة من (أ).\n(٥) \"على الخروج \" ساقطة من (ب)، وتكملة (لا يقدرون) ضرورية، لكن على الخروج غير مناسبةٍ لها، ولعل المراد لا يقدرون الرؤية أو على الرؤية.\n(٦) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٣٠٠)، جامع البيان (٢٧/ ١٠٤).\n(٧) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٤١٨)، المحرر الوجيز (٥/ ٢١٩).\n(٨) في (أ) \" أي: قلنا لهم \".","vol":"1","page":3105},{"text":"وقيل: أمرٌ بمعنى الخبر، أي: فأذقناهم.\n﴿وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ (٣٨)﴾: نزل بهم فلم يُقلعْ عنهم.\nوقيل: ﴿مُسْتَقِرٌّ﴾: حقٌّ.\nوقيل: مستديمٌ إلى نار جهنمَ (١).\nوقيل: العذاب الأول: رمي الحجارة، وذلك لم يستقرَّ، والعذابُ الآخَرُ الخسفُ، فبقي إلى يوم القيامة.\nويحتملُ: أن العذابَ الأولَ ذهابُ البصر، والثاني الخسف (٢).\n﴿فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٩)﴾: كُرِّر (٣)؛ لأن الثاني قام مَقامَ قوله: ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾.\n﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٤٠)﴾.\n﴿وَلَقَدْ جَاءَ آَلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (٤١)﴾: فرعون (٤) وخاصّته وأتباعه (٥).\nوالنذر: موسى وهارون، وقيل: ما كان معه من الآيات (٦).\n﴿كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا كُلِّهَا﴾ يجوز أنْ يكونَ الضميرُ لفرعونَ وآله، وعليه الجمهور.\nويجوزُ أنْ يكونَ الكلامُ تمَّ على قوله: ﴿النُّذُرُ﴾، ثم قال: ﴿كَذَّبُوا﴾، فيكونُ إخبارًا عن جميع مَن تقدَّم ذكرُهم، ولهذا لم يأتٍ بواو العطف (٧).\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٧/ ١٠٦) الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ١٤٠).\n(٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ١٤٠)، التفسير الكبير (٢٩/ ٥٧).\n(٣) \" كرر \" ساقطة من (أ).\n(٤) في (أ) \" آل فرعون \" بزيادة \" آل \".\n(٥) انظر: دقائق التفسير؛ لابن تيمية (٢/ ٢٥٥).\n(٦) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٣٠٠)، جامع البيان (٢٧/ ١٠٧).\n(٧) انظر: المحرر الوجيز (٥/ ٢٢٠).","vol":"1","page":3106},{"text":"﴿فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ﴾: غالبٍ لا يُغلب (١).\n﴿مُقْتَدِرٍ (٤٢)﴾: قادرٍ بالكمال، وقيل: أهلكهم بعزّته وقدرته.\n﴿أَكُفَّارُكُمْ﴾: هؤلاء يا معشرَ العرب (٢).\n﴿خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ﴾: أي: من أولئك الكفار، فلا يلحقهم ما لحق مَن تقدَّمهم؟! استفهام إنكارٍ، أي: ليسوا بخيرٍ منهم.\n﴿أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ (٤٣)﴾: ألهم براءةٌ من العذاب في الكتب أنه لا يصيبُهم ما أصاب مَن قبلَهم؟!\n﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (٤٤)﴾: ننتصرُ من أعدائنا، فنحن يدٌ واحدةٌ على مَن خالفنا وعادانا.\nوقيل: معناه: إنّا مجتمعون متوافقون متناصرون ينصرُ بعضُنا بعضًا.\nووحّد منتصرًا، حملًا على لفظ ﴿جَمِيعٌ﴾، كما يُحمَل على لفظ (كلّ) (٣).\n﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥)﴾: في بعض التفاسير: نزلت في أبي جهلٍ، كان له فرسٌ كُميتٌ، يعلفُه كلَّ يومٍ فَرْقًا من ذرةٍ، ويحلفُ باللاّت والعُزى ليقتلنَّ عليه محمدًا، فأنزلَ الله تعالى: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ﴾ (٤)، أي: جمعُ أهل مكةَ في الحرب، ﴿وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾: سيُصرفون (٥) منهزمين، يعني: يومَ بدرٍ (٦) (٧).\n_________\n(١) في (ب) \" غالب لا يغلبه \".\n(٢) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٣٠١)، جامع البيان (٢٧/ ١٠٧).\n(٣) انظر: إعراب القرآن (٤/ ٢٠١)، وفي تفسير الثعلبي (٩/ ١٦٩): \" وكان حقّه منتصرون فتبع رؤوس الآي \".\n(٤) انظر: تفسير الثعلبي (٩/ ١٧٠).\n(٥) في (أ) \" يصرفون \".\n(٦) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٣٠١)، جامع البيان (٢٧/ ١٠٩)، النُّكت والعيون (٥/ ٤١٩).\n(٧) قال ابن عطية: \" والجمهور على أن الآية مكية \" [المحرر الوجيز (٥/ ٢٢٠)].","vol":"1","page":3107},{"text":"وهذه علامةٌ من علامات النبوّة (١).\nوعن عمرَ (٢) - ﵁ - أنه قال: \" لمّا نزلت هذه الآيةُ كنتُ لا أعلمُ ما هي، فلمّا كان يومُ بدرٍ رأيتُ رسولَ الله - ﷺ - يلبس الدِّرعَ ويقول: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ \" (٣).\n﴿الدُّبُرَ﴾: اسم للجنس؛ ولهذا لم يُجمعْ، وقيل: يولّي كلُّ واحدٍ الدبر (٤).\n﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ﴾: موعدُ عذابهم.\n﴿وَالسَّاعَةُ﴾: أي: عذابُ يومِ القيامة.\n﴿أَدْهَى﴾: أشدُّ من عذاب السيف، وقيل: من عذاب الدنيا.\nوالداهيةُ: الأمرُ الشديدُ الذي لا يُهتدَى لدوائه (٥).\nوقيل: أخبث، وقيل: أعظم (٦).\n﴿وَأَمَرُّ (٤٦)﴾: أي: أمرُّ مذاقًا من عذاب الدنيا.\nوقيل: ﴿أَمَرَ﴾: أشدُّ، من المِرَّة (٧).\n﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ﴾: عن الحقّ، يعني (٨): في الدنيا.\n_________\n(١) لأن هذه الآية نزلت بمكة وأخبرهم أنهم سيهزمون في الحرب فكان كما قال [انظر: تفسير السمرقندي (٣/ ٣٥٥)، النُّكت والعيون (٥/ ٤١٩)، المحرر الوجيز (٥/ ٢٢٠)].\n(٢) في (أ) \" عن عمر \".\n(٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره من طريق عكرمة (٣/ ٢٥٩)، وكذا أخرجه ابن جرير في جامع البيان (٢٧/ ١٠٨).\n(٤) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ١١٠)، جامع البيان (٢٧/ ١٠٨).\n(٥) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٧٤).\n(٦) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٧٤)، النُّكت والعيون (٥/ ٤١٩).\n(٧) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٤١٩)، زاد المسير (٧/ ٢٩٩).\n(٨) \" يعني \" ساقطة من (أ).","vol":"1","page":3108},{"text":"﴿وَسُعُرٍ (٤٧)﴾: في عذاب النار في الآخرة.\nوقيل: ﴿فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾: جنونٌ، جوابٌ لقولهم: ﴿إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٢٤)﴾ (١).\n﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ﴾: يُجرُّون في النار ﴿عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾.\nويُقالُ لهم: ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨)﴾: إصابةَ جهنمَ إياكم بالعذاب.\nوسَقَر من أسماء جهنمَ (٢).\nإِنَّا ﴿كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾: أي: كلُّ ما خلقناه مقدَّرٌ ومكتوبٌ في اللّوح المحفوظ قبلَ وقوعه.\nوقيل: كلُّ ما خلقناه جعلناه على مقدارٍ نعلمُه، كقوله: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾، [الرعد: ٨].\nوقيل: هذا يعودُ إلى العذاب، و﴿بِقَدَرٍ﴾: أي: بقدر أعمالكم تُعذَّبون (٣).\nابنُ بحرٍ: \" أي: كلًّ شيءٍ خلقناه فهو على قدْر (٤) ما أردناه، لا زائدًا ولا ناقصًا \" (٥).\nوفي سبب النزول: عن أبي هريرة - ﵁ - قال: جاءت قريشٌ يختصمون في القَدَر، فأنزلَ الله هذه الآيةَ (٦).\nوعن أبي أُمامةَ الباهليّ - ﵁ - مسلسلًا (٧) يقول: أشهدُ بالله، لسمعتُ رسولَ الله - ﷺ - يقولُ في هذه الآية: «إنها نزلت في القدريّة (٨») (٩).\n_________\n(١) انظر: تفسير البغوي (٤/ ٢٦٤)، زاد المسير (٧/ ٣٠٠).\n(٢) انظر: جامع البيان (٢٧/ ١١٠)، زاد المسير (٧/ ٣٠٠).\n(٣) انظر: جامع البيان (٢٧/ ١١٠)، النُّكت والعيون (٥/ ٤٢٠)، زاد المسير (٧/ ٣٠٠).\n(٤) \" قدر \" ساقطة من (أ) \".\n(٥) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٤٢٠).\n(٦) أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب القدر، باب: كل شيء بقدر، برقم (٦٦٩٤)، وانظر: أسباب النزول؛ للواحدي (ص: ٣٣٠)، لباب النقول (ص: ٢٨٤)، الصحيح من أسباب النزول؛ للحميدان (ص: ٣٠٢).\n(٧) الحديث المسلسل: هو عبارة عن تتابع رجال الإسناد وتواردهم فيه، واحدًا بعد واحد، على صفة أو حالة واحدة، كمسلسل التشبيك باليد، وكاتفاق أسماء الرواة أو صفة روايتهم. [انظر: مقدمة ابن الصلاح - (ص: ٦١)، تدريب الراوي (٢/ ٦٤٠)].\n(٨) القدرية: هم الذين يزعمون أن كل عبدٍ خالقٌ لفعله، ولا يرون الكفر والمعاصي بتقدير الله تعالى. ... [التعريفات (ص: ١٢٢)].\n(٩) انظر: تفسير السمعاني (٥/ ٣١٩) وفيه قال: \" وهذا خبر غريب \"، زاد المسير (٧/ ٣٠٠)، أسباب النزول؛ للواحدي (ص: ٣٣١)، والحديث أورده السيوطي في الدر المنثور: \" (١٤/ ٩٠): \" وعزاه لابن عدي وابن مردويه والديلمي وابن عساكر، - وقال السيوطي: - بسند ضعيف \".","vol":"1","page":3109},{"text":"وعن النبيِّ - ﷺ - مرفوعًا: أن هذه الآيةَ نزلت في أُناسٍ من آخر هذه الأمةِ يُكذِّبون ... بقدر الله \" (١).\nوتقديرُ الآية: إنّا (٢) خلقنا كلَّ شيءٍ بقَدَرٍ (٣).\nو﴿كُلَّ﴾: منصوبٌ بفعلٍ مضمَرٍ، دلَّ عليه ما بعدَه.\nوقيل: بدلٌ من اسم إن بدلَ الاشتمال.\nولم يُقرأ بالرفع؛ لأن الرفعَ يحتمل وجوهًا كلُّها مرغوبٌ عنها في حقّ الله تعالى (٤).\n﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠)﴾: أي: إذا أردنا خلقَ شيءٍ قلنا مرةً واحدةً: كن فيكون، لا مراجعةَ فيها.\n_________\n(١) أسباب النزول؛ للواحدي (ص: ٣٣١) عن أبي زرارة الأنصاري عن أبيه، ورواه الطبراني بنحوه في المعجم الكبير (٥/ ٢٧٦)، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١١٧) وقال: (رواه الطبراني وفيه من لم أعرفه)، وأورده السيوطي في الدر المنثور (١٤/ ٨٩)، وعزاه لابن أبي حاتم والطبراني وابن شاهين وابن منده في \" الصحابة \" والباوردي وابن مردويه والخطيب في \" تالي التلخيص \" وابن عساكر \".\n(٢) \" إنا \" ساقطة من (أ).\n(٣) قال الإمام ابن كثير: \" يستدل بهذه الآية الكريمة أئمة السنة على إثبات قدر الله السابق لخلقه، وهو علمه الأشياء قبل كونها وكتابته لها قبل تبرمها، وردُّوا بهذه الآية بما شاكلها من الآيات وما ورد في معناها من الأحاديث الثابتات على الفرقة القدرية الذين نبغوا في أواخر عصر الصحابة \" [تفسير القرآن العظيم (٤/ ٢٨٦)].\n(٤) انظر: جامع البيان (٢٧/ ١١١)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٤/ ٢٠٢)، مشكل إعراب القرآن (٢/ ٧٠١)، المحرر الوجيز (٥/ ٢٢١).","vol":"1","page":3110},{"text":"وقيل: إذا أردنا خلقَ شيءٍ خلقناه (١) بمرةٍ واحدةٍ وإرادةٍ واحدةٍ بلا معاناةٍ ولا مُعالجةٍ. ﴿كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾: على قدْر ما يَلمحُ أحدُكم ببصره.\nوقيل: المرادُ بأمرنا القيامة، كقوله: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ﴾ ... [النحل: ٧٧] (٢).\n﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ﴾: أمثالَكم من الأمم المتقدّمة.\nوقيل: أتباعَكم في محاربة رسولِ الله - ﷺ -.\n﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٥١)﴾: متّعِظٍ.\n﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ﴾: أي: أولئك الكفّار.\n﴿فِي الزُّبُرِ (٥٢)﴾: قيل: في كتب الحَفَظَة، وقيل: كان مكتوبًا في اللّوح المحفوظ، وقيل: إنْ فعلوه [فهل من مدَّكرٍ؟] (٣) (٤).\n﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ﴾: من الذنوب والطاعات.\n﴿مُسْتَطَرٌ (٥٣)﴾: مكتوبٌ في اللّوح المحفوظ (٥).\nوقيل: في كتب الحفظَة.\nوأعاد الذكر؛ لأن الأولَ خاصٌّ وهذا عامٌّ.\nوقيل: ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ﴾ من الأرزاق والآجال، والموت والحياة، وغير ذلك مكتوبٌ (٦).\n_________\n(١) في (أ) \" خلقنا \".\n(٢) انظر: جامع البيان (٢٧/ ١١١)، تفسير السمرقندي (٣/ ٣٥٦)، تفسير البغوي (٧/ ٤٣٦).\n(٣) ما بين المعقوفتين ساقط من (أ).\n(٤) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٣٠١)، جامع البيان (٢٧/ ١١١)، النُّكت والعيون (٥/ ٤٢٠)، زاد المسير (٧/ ٣٠١).\n(٥) \" المحفوظ \" ساقط من (ب).\n(٦) انظر: جامع البيان (٢٧/ ١١٢)، تفسير البغوي (٧/ ٤٣٦).","vol":"1","page":3111},{"text":"﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤)﴾: أي في (١) أنهار، فوحّد الآية.\nوقيل: في نَهَرٍ: ضياءٍ ونورٍ، وقيل: في سَعةٍ من العيش (٢).\n﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾: في غاية الرِّضا.\nوقيل: حقٌّ لا لغوٌ فيه ولا تأثيمٌ (٣).\nوقيل: في مقعدٍ صَدَقَ اللهُ وعدَه أولياءَه فيه. فاكتفى بالمصدر.\nوالمَقعدُ: موضعُ القُعود، وكذلك القعود (٤).\n﴿عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾: أي: عند الله المالك القادر، الذي لا يُعجزه شيءٌ.\nوالمعنى: في كنَفِه وضيافته (٥).\nوقيل: في علم الله صائرون إلى ذلك (٦).\nجعلنا اللهُ من المتّقين الفائزين برحمته.\n_________\n(١) \" في \" ساقط من (ب).\n(٢) انظر: جامع البيان (٢٧/ ١١٢)، النُّكت والعيون (٥/ ٤٢٠).\n(٣) قال أبو المظفر السمعاني [تفسير السمعاني (٥/ ٣٢١)]: \" وكل مكان ليس فيه لغو ولا تأثيم فهو مقعد صدق \".\n(٤) انظر: جامع البيان (٢٧/ ١١٣)، النُّكت والعيون (٥/ ٤٢١).\n(٥) قال أبو المظفر السمعاني [تفسير السمعاني (٥/ ٣٢١)]: \" ومعنى الآية ذكر كرامة المؤمنين وقربهم من الله - تعالى - وهو النهاية في الإكرام \".\n(٦) انظر: جامع البيان (٢٧/ ١١٣)، تفسير البغوي (٧/ ٤٣٦)، تفسير القرآن العظيم (٤/ ٢٨٨).","vol":"1","page":3112},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-161>سورة الرَّحْمن </span>(١)\nثمانٌ وسبعون آية (٢) (٣) مكيةٌ (٤).\nابن عباسٍ وقتادة: إلاّ آية منها نزلت في المدينة، وهي: يَسْأَلُهُ ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾، الآية (٥).\nوعن ابن مسعودٍ ومقاتل: مدنيةٌ (٦).\nوجاء عن بعضهم التوقُّفُ فيها (٧).\nوعن النبيّ - ﷺ -: «لكلّ شيءٍ عَروسٌ، وعَروسُ القرآنِ سورة (٨) الرحمنُ» (٩).\n_________\n(١) وهو الاسم المعروف لها، وقد وردت تسميتها بسورة \" الرحمن \" في أحاديث منها ما رواه الترمذي عن جابر بن عبد الله - ﵁ - قال: \" خرج رسول الله - ﷺ - على أصحابه فقرأ سورة \" الرحمن \" .. الحديث.\nوكذلك سمِّيت في المصاحف وفي كتب السُّنة، ووجه تسمية هذه السورة بسورة \" الرحمن \" أنَّها ابتدئت باسمه تعالى ﴿الرَّحْمَنُ﴾. [التحرير والتنوير (٢٧/ ٢٦٧) \" باختصار وتصرف \"، وانظر: المحرر الوجيز (٥/ ٢٢٣)].\n(٢) \" ثمان وسبعون آية \" ساقطة من (ب).\n(٣) على عدِّ أهل الكوفة والشام [انظر: البيان في عدِّ آي القرآن (ص: ٢٣٧)، وبصائر ذوي التمييز (١/ ٤٤٧)، المحرر الوجيز في عد آي الكتاب العزيز، لعبد الرزاق موسى (ص: ١٥٤)].\n(٤) وهو قول الجمهور من الصحابة والتابعين \" [انظر: المحرر الوجيز (٥/ ٢٢٣)، زاد المسير (٧/ ٣٠٢)، الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ١٤٧)، بصائر ذوي التمييز (١/ ٤٤٧)].\n(٥) انظر: النكت والعيون (٥/ ٤٢٢).\n(٦) انظر: النكت والعيون (٥/ ٤٢٢)، وفي نفسير مقاتل (٣/ ٣٠٣) \" مكية \".\n(٧) لم أجد من قال بذلك.\n(٨) سورة ساقطة من (ب).\n(٩) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان باب: تعظيم القرآن، فصل: في فضائل السور والآيات، برقم (٢٤٩٤) عن علي بن أبي طالب - ﵁ -، وعليه يكون اسم آخر للسورة، وانظر: الجامع لأحكام القرآن ... (١٧/ ١٤٧)، قال الألباني في \" السلسلة الضعيفة والموضوعة \" (٣/ ٥٢٦): منكر، أورده السيوطي في \" الجامع الصَّغير \" من رواية البيهقي في \" شعب الإيمان \".","vol":"1","page":3113},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n﴿الرَّحْمَنُ (١)﴾: هو الله ﷿، اسمٌ لا يستطيع النَّاسُ أنْ ينتحلوه (١).\nنزلت حين قالوا: ﴿وَمَا الرَّحْمَنُ﴾، [الفرقان: ٦٠] (٢).\nسعيد بن جبير: \" هو مجموع ثلاث سور الرحمن \" (٣)، وهذا كأنه أخذ قولَ ابن عبّاس - ﵄ - \" حيث قال: ﴿الر﴾ ﴿حم﴾ ﴿ن﴾ هو ﴿الرَّحْمَنُ﴾ \" (٤)، ثمَّ عكسه، فقال: الرحمن مجموع ثلاث سور، وبين القولين بونٌ (٥).\n﴿عَلَّمَ الْقُرْآَنَ (٢)﴾: هذا ردٌّ على مَن قال: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾، [النحل: ١٠٣]، و﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾، [ص: ٧] (٦).\nأي: الرحمنُ علَّم القرآنَ محمدًا ليعلّمه أمتَه.\nوقيل: مكَّنهم من تعلُّمه بأنْ أنزله عربيًا.\nوقيل: من رحمته تعليم القرآن (٧).\nوالتعليم: تبيين ما يصير به المرءُ عالمًا.\nوالإعلامُ: إيجادُ ما يصير به عالمًا (٨).\n_________\n(١) حكاه الماوردي عن الحسن وقطرب. [انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٤٢٢)].\n(٢) قال مقاتل: لما نزل ﴿اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ﴾ قال كفار مكة ﴿وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾ ... [الفرقان: (٦٠)] فأنكروا الرحمن، وقالوا: لا نعرف الرحمن، فأخبر الله تعالى عن نفسه، وذكر صنعه ليُعرف\nفيوحَّد فقال: ﴿الرَّحْمَنُ﴾ الذي أنكروه هو الذي ﴿عَلَّمَ الْقُرْآَنَ (٢)﴾ \" [تفسير مقاتل (٣/ ٣٠٣)، وانظر: تفسير السمرقندي (٣/ ٣٥٨)، تفسير الثعلبي (٩/ ١٧٧)، تفسير البغوي (٧/ ٤٣٨)].\n(٣) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٤٢٣)، الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ١٤٨).\n(٤) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٤٢٣).\n(٥) البون: البعد والاختلاف، والبين: الوصل. [انظر: كتاب العين (٣/ ٣٨٠) مادة \" بَوَنَ \"، لسان العرب (١٣/ ٦٢)، مادة \" بَوَنَ \"].\n(٦) انظر: تفسير الثعلبي (٩/ ١٧٧)، تفسير البغوي (٧/ ٤٣٨).\n(٧) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٤٢٣)، تفسير البغوي (٧/ ٤٣٨).\n(٨) انظر: كتاب العين (٢/ ١٥٢)، مادة \" عَلِمَ \"، لسان العرب (١٢/ ٤١٦)، مادة \" عَلِمَ \".","vol":"1","page":3114},{"text":"وقيل: معناه جعله آيةً يُعتبر بها (١).\n﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (٤)﴾:\nقيل: الإنسان عامٌّ، والبيان الكلام.\nوقيل: التمييز والنطق.\nوقيل: الإنسان آدم، علّمه الأسماء، وقيل: جميع اللغات.\nوقيل: الإنسان محمد - ﷺ -، والبيان القرآن، فيه بيان ما كان وما يكون.\nوقيل: الإنسان عامٌّ، والبيان الكتابة والخط بالقلم.\nوقيل: ما يقول وما يُقال له.\nوقيل: الخير والشّر وما يأتي ويذر (٢).\nولم يأت بحرف العطف؛ لجواز أنْ يكونَ خبرًا بعد خبر؛ ولأنَّ ما فيها من العائد قام مقامَ العاطفة، أو لأنَّ كلَّ واحدٍ منها كلامٌ مستأنفٌ (٣).\n﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (٥)﴾: أي: يجريان بحسابٍ ومنازلَ، فالشمس تقطع بروجَ السماء في ثلاثمائة وخمس وستين يومًا، والقمر يقطعها في ثمانية وعشرين يومًا.\nوقيل: ذاتُ كلّ واحدٍ منها حساب، فالشمس سعتها ستّة آلافٍ وأربعمائة فرسخ في مثلها، وسعةُ القمرِ ألفُ فرسخٍ في ألفِ فرسخٍ. والله أعلم.\nوقيل: لهما أجلٌ وحسابٌ، فإذا انتهيا إليه هلكا.\n_________\n(١) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١١٦٧) قال أبو حيان: \" وأبعد من ذهب إلى أنَّ معنى جعله آية يعتبر بها \" ... [البحر المحيط (١٠/ ٥٥)] \".\n(٢) قال ابن عطية: \" والبيان: النُّطق والفهم والإبانة عن ذلك بقولٍ، قاله ابن زيد والجمهور، وذلك هو الذي فضَّل الإنسان من سائر الحيوان \" [المحرر الوجيز (٥/ ٢٣٢)]، وقال ابن كثيرٍ: \" قال الحسن: يعني النُّطق، وقال الضحاك وقتادة وغيرهما: يعني الخير والشر، وقول الحسن ها هنا أحسن وأقوى؛ لأنَّ السَّياق في تعليمه تعالى القرآن، وهو أداء تلاوته، وإنما يكون ذلك بتيسير النطق على الخلق وتسهيل خروج الحروف من مواضعها من الحلق واللسان والشفتين على اختلاف مخارجها وأنواعها \" [تفسير القرآن العظيم (٤/ ٢٨٩)، وانظر: جامع البيان (٢٧/ ١١٤)، النُّكت والعيون (٥/ ٤٢٣)، تفسير البغوي (٧/ ٤٣٨)].\n(٣) انظر: البحر المحيط (١٠/ ٥٥)، فتح القدير (٥/ ١٨٦).","vol":"1","page":3115},{"text":"وقيل: يُعرَف من جريهما الحساب، كقوله: ﴿وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾، [الإسراء: ١٢].\nوالحُسبان: مصدر حَسِبَ. وقيل: جمع حساب، كشِهاب وشُهبان (١).\nوخبر المبتدأ مضمر، أي: يجريان بحساب.\nوقيل: الجارُّ خبره، كما تقول: فلانٌ بِخيرٍ، أي: له خيرٌ (٢).\n﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (٦)﴾: قيل النّجم ها هنا: ما لا ساقَ له من النبات لاقترانه بالشّجر (٣).\nوقيل: النّجم هو كوكب السَّماء (٤).\nواشتقاق النّجمين من نَجَمَ: إذا طلع.\nوسجودُهما: حملُ غيرهما على السّجود.\nوقيل: سجودهما دلالتُهما على التوحيد.\nوقيل: سجودهما بظلالهما (٥).\n_________\n(١) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٤٢٣)، تفسير البغوي (٧/ ٤٤٢).\nقال ابن جرير: \" وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: معناه الشمس والقمر يجريان بحساب ومنازل، لأنَّ الحُسبان مصدرٌ من قول القائل: حسبته حسابًا وحسبانًا، مثل قولهم: كفرته كفرانًا وغفرته غفرانًا، وقد قيل: إنه جمع حساب كما الشُّهبان جمع شهاب \". [جامع البيان (٢٧/ ١١٦)].\n(٢) انظر: جامع البيان (٢٧/ ١١٦)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٤/ ٢٠٤).\n(٣) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٣٠٣)، معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ١١٢)، جامع البيان (٢٧/ ١١٦).\n(٤) وهو قول مجاهد والحسن وقتادة، وهو اختيار ابن كثير [تفسير القرآن العظيم (٤/ ٢٩٠)]، وكذا اختاره الشنقيطي، قال في [أضواء البيان (٧/ ٧٢٧)]: \" الذي يظهر لي صوابه أن المراد بالنجم: هو نجوم السَّماء، والدليل على ذلك أنَّ الله جلَّ وعلا في سورة الحج صرَّح بسجود نجوم السماء والشجر، ولم يذكر في آية من كتابه سجود ما ليس له ساق من النبات بخصوصه، ونعني بآية الحج قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَن اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ﴾ [الحج: (١٨)] فدلت هذه الآية أنَّ الساجد من الشجر في آية الرحمن هو النجوم السماوية المذكورة مع الشمس والقمر في سورة الحج، وخير ما يُفَسَّر به القرآنُ القرآنَ، وعلى هذا الذي اخترناه فالمراد بالنجم النجوم \".\n(٥) انظر: جامع البيان (٢٧/ ١١٧)، النُّكت والعيون (٥/ ٤٢٤)، المحرر الوجيز (٥/ ٢٢٤).","vol":"1","page":3116},{"text":"وقيل: هما يسجدان، ولا يقف (١) على سجودهما، كما قال: ﴿وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾، [الإسراء: ٤٤] (٢).\nوَالسَّمَاءَ ﴿رَفَعَهَا﴾: أي: رفعها على الأرض.\nوقيل: معناه خلقها رفيعةً (٣).\nونَصَبَ السماءَ، وحقُّها من الأعراب الرَّفعُ؛ لأنَّ الجملةَ التي قبلَها جملةٌ اسميّةٌ، لكن خبرَ المبتدأ الأول جملةٌ فعليةٌ فجاز النّصبُ لذلك (٤).\n﴿وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (٧)﴾: يريد الميزان المعهود، له لسان وعمود وكِفّتان (٥).\nوقيل: أنزل الله تعالى الميزان زمنَ نوح - ﵇ -.\nوقيل: ألهم النَّاسَ كيفيةَ اتخاذ الميزان، كما تقول: وضع لنا مثالًا نعمل عليه (٦).\nوقيل: الميزان عبارةٌ عن العدل (٧).\nوقيل: الميزان القرآن. حكاه الثّعلبي (٨).\n﴿أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (٨)﴾: لأنْ لا تطغوا، أي: لأنْ لا تُجاوزوا الحدَّ والإنصافَ فيما لكم وعليكم.\nوقيل: لئلا تتخذوا إحدى كِفَّتَية أرجحَ من الأخرى، فتستوفوا بالأخفّ وتوفُّوا ... بالأرجح (٩).\n_________\n(١) في (ب) \" ولا تقف \".\n(٢) وهو اختيار ابن جرير. [انظر: جامع البيان (٢٧/ ١١٧)].\n(٣) انظر: جامع البيان (٢٧/ ١١٨)، النُّكت والعيون (٥/ ٤٢٤)، البحر المحيط (١٠/ ٥٦).\n(٤) انظر: المحرر الوجيز (٥/ ٢٢٤)، التبيان؛ للعكبري (٢/ ١١٩٧)، البحر المحيط (١٠/ ٥٦).\n(٥) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٣٠٣)، أضواء البيان (٧/ ١٨٣)، قال الشنقيطي: \" الذي يظهر لي- والله تعالى أعلم - أن الميزان في سورة الشورى وسورة الحديد: هو العدل والإنصاف كما قاله غير واحد من المفسرين، وأن الميزان في سورة الرحمن: هو الميزان المعروف أعني آلة الوزن التي يوزن بها بعض المبيعات ... \" [أضواء البيان (٧/ ١٨٣)].\n(٦) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٣٠٣)، النُّكت والعيون (٥/ ٤٢٤)، تفسير السمرقندي (٣/ ٣٥٨).\n(٧) وهو اختيار الفرَّاء وابن جرير. انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ١١٣)، جامع البيان (٢٧/ ١١٨).\n(٨) حكاه عن الحسين بن الفضل. [انظر: تفسير الثعلبي (٩/ ١٨٧)].\n(٩) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٧٦)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٤/ ٢٠٥)، تفسير البغوي (٧/ ٤٤٢).","vol":"1","page":3117},{"text":"وقيل: (أنْ) هي المفسِّرة، و(لا) للنهي (١).\n﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ﴾: أي: لسان الميزان (٢).\n﴿بِالْقِسْطِ﴾: وقيل: الإقامة باليد، والقِسط بالقلب (٣).\n﴿وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (٩)﴾: ولا تُنقِصوه.\nوخَسِرَ وأخسَر لغتان.\nوقيل: الميزان ميزان القيامة، فلا تُخسِروا ميزانَ أعمالِكم.\nوقيل: الميزان العقل، فلا تخسروه، بأنْ يكونَ معطَّلًا غيرَ متَّبعٍ.\nوصرّح بالميزان ولم يضمرْ؛ ليكون قائمًا بنفسه غيرَ محتاجٍ إلى الأول.\nوقيل: لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما غيرُ الآخَر.\nوقيل: لأنها نزلت متفرّقةً في أزمنةٍ مختلفةٍ فاقتضى الإظهارَ (٤).\n﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ (١٠)﴾: بسطها، وقيل: خلقها (٥).\nوالأحسن خلقها موضوعةً.\nوالأنام: الإنس.\nوقيل: الإنس والجنّ، وهما المخاطَبان فيما بعد.\nوقيل: الأنام كلُّ ذي رُوح (٦).\nوليس على الترتيب من هذا التركيب غيره (٧).\nوجاء الأنِيم أيضًا بمعناه (٨).\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٧٦)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٤/ ٢٠٥).\n(٢) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٣٠٣)، جامع البيان (٢٧/ ١١٨).\n(٣) وهو قول ابن عيينة. [انظر: تفسير الثعلبي (٩/ ١٧٨)، تفسير البغوي (٧/ ٤٤٢)].\n(٤) انظر: الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ١٥١)، البحر المحيط (١٠/ ٥٧)، روح المعاني (٢٧/ ١٠٢).\n(٥) انظر: جامع البيان (٢٧/ ١١٩)، النُّكت والعيون (٥/ ٤٢٥).\n(٦) انظر: جامع البيان (٢٧/ ١١٩)، تفسير الثعلبي (٩/ ١٧٨)، تفسير السَّمعاني (٥/ ٣٢٣).\n(٧) في غرائب التفسير (٢/ ١١٦٧): \"ليس هذا من التركيب على هذا الترتيب غيره، وغير الاسم بمعناه \".\n(٨) قال ابن منظور في [لسان العرب (١٢/ ٣٧)]: \" أنِم: الأنام: ما ظهر على الأرض من جميع الخلق، ويجوز في الشعر الأنيم \".","vol":"1","page":3118},{"text":"وقيل: هو مقلوب نأم: إذا صوّت (١).\n﴿فِيهَا فَاكِهَةٌ﴾: نَكَّر؛ لكثرتها وعمومها.\n﴿وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ (١١)﴾: ذات الأحمال، والكمّ الكُفْري.\nوقد سبق (٢).\n﴿وَالْحَبُّ﴾: هو الحنطة والشّعير والذّرة، وغير ذلك.\n﴿ذُو الْعَصْفِ﴾: العصف التّبن، وقيل: ورق الزرع إذا كُسر، تقول: عصفتُه: إذا دققتَه وفركتَه. ويُسمى العصف والعصيفة.\nوقيل: العصف: أولُ ما يبدو من الزرع.\nوقيل: العصف بقْل الزرع، والعرب تقول: خرجنا نَعْتَصِفُ الزرعَ: إذا قطعوا منه شيئًا قبلَ أنْ يُدرك.\nوقيل: العصفُ النّباتُ الأخضرُ الذي منه الرَّيحان.\nوقيل: العصفُ ما يؤكَلُ من الحبّ والثّمر وغيرهما. قال:\nإذا جمادى منَعَتْ قطرَها. . . ... زار جنابي عَطَنٌ مُعصفُ (٣) (٤)\nأي: يعطي ما يؤكل (٥).\n﴿وَالرَّيْحَانُ (١٢)﴾: هو المشموم المشهور (٦)، وقيل: الرّيحان الرِّزق، تقول العرب: خرجت أطلب ريحان الله، أي: رِزْقَه (٧).\nوقيل: الذي في الآية الرِّزق (٨).\nوتقدير الآية: والحبّ ذو علف الأنعام وطعام الأنام.\nووزن ريحان عند الحذَّاق (فيعلان)، على وزن يوحان، قُلب وأُدغم ثمّ خُفّف.\nوقيل: (فعلان)، قلب واوه ياءً، من غير موجِب.\nوهو اسم، وقيل: مصدر (٩).\nالرّفع بالعطف على ﴿الْحَجُّ﴾، والجرّ على ﴿الْعَصْفِ﴾.\nوالنّصب بالعطف على ﴿الْحَجُّ﴾ بعد أن نصبه عطفًا على (وضع)؛ لأنَّه بمعنى خلق (١٠).\n﴿فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٣)﴾: الآلاءُ: النَّعماء، وقيل: القدرة.\nوقد سبق (١١).\nوالخطاب للإنس والجنّ، وقد تقدّما في قوله: ﴿لِلْأَنَامِ﴾.\n_________\n(١) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١١٦٨).\n(٢) في سورة فصلت (ص: ٢٧٥).\n(٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ١٥٢)، لسان العرب (٩/ ٢٤٧)، مادة \" عَصَفَ\".\n(٤) البيت لأبي القيس بن الأسلت الأنصاري كذا في الصحاح (١/ ٤٧٤) مادة \" عَصَفَ \"، والجامع لأحكام القرآن (١٧/ ١٥٢)، وفي العباب؛ للصاغاني (١/ ٤٨٧)، لأحَيْحَةَ بن الجُلاحِ، ونقل ابن منظور في لسان العرب عن ابن بري، صحة نسبته لأحيحة، لا لأبي قيس. [انظر: لسان العرب (٩/ ٢٤٧)، مادة \" عَصَفَ\"].\n(٥) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ١١٣)، جامع البيان (٢٧/ ١٢٠)، الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ١٥٢).\n(٦) \" المشهور \" ساقطة من (ب).\n(٧) انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ١١٣)، جامع البيان (٢٧/ ١٢٢)، النُّكت والعيون (٥/ ٤٢٦).\n(٨) وهو قول ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير، واختيار ابن جرير [انظر: جامع البيان (٢٧/ ١٢٢)، النُّكت والعيون (٥/ ٤٢٦)، الوجوه والنظائر (ص: ٣٦٢)].\n(٩) انظر: الحُجَّة (٦/ ٢٤٦)، البَّحر المحيط (١٠/ ٥٨).\n(١٠) قرأ ابن عامر وحده ﴿والحبَّ ذا العصف والريحانَ﴾ بنصب الباء والنون، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم ﴿وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ﴾ بضم الباء والنون، وقرأ حمزة والكسائي هكذا إلا أنهما كسرا النون في قوله ﴿والرَّيحانِ﴾. [انظر القراءات وتوجيهها: جامع البيان (٢٧/ ١٢٣)، معاني القراءات (ص: ٤٧٢)، الحُجَّة (٦/ ٢٤٤)].\n(١١) في سورة النجم (ص: ٧٠٨).","vol":"1","page":3119},{"text":"وقيل: خطابٌ للثقلين في قوله:  ﴿أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾، وإنْ تأخّرَ لفظًا.\nوقيل: لمّا تقدّم ذكرُ أحدِهما وقرُب ذكرُ الآخَر جاز أنْ يُذكرَ بلفظ التثنية.\nقال:\nولا أدري إذا يمّمت أرضًا ... أُريد الخيرَ أيَّهما يَليني\nأألخيرُ الذّي أنا ابتغِيته ... أَمِ الشرُّ الذّي لا يأتليني (١)\nأي: لا يُقصِّر عنّي.\nويحتمل: أنه ذكرَهما في قوله: خَلَقَ   ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤) وَخَلَقَ الْجَانَّ﴾  .\nوقيل: خاطب الواحدَ بلفظ التثنية، والمرادُ به الإنسُ، كقوله:\nفإنْ تزجُراني يا بنَ عفّانَ انزجِرْ. . . ... وإنْ تَدَعَاني أحمِ أنفًا ممنَّعا (٢) (٣)\nوفي تكرار هذه الآية في سورةٍ واحدةٍ أقوالٌ:\nأحدها: أنَّه تكرارٌ للتأكيد، والعربُ كما تختار الإيجازَ في مواضع، تختار الإطنابَ في مواضع، منها الخُطبُ والمقاماتُ والمواعظُ.\nقال مهلهلُ بنُ ربيعة (٤) يَرثي أخاه كُليبًا:\nعلى أنْ ليس عدلًا من كُليبٍ. . . ... . . . إذا طُرد اليتيمُ عن الجزورِ\n_________\n(١) البيت للمثَقِّب العَبْدي، واسمه مِحْصَن بن ثَعْلبة، وقيل: اسمه عائذ، وقد جاء في المفضليات بلفظ:\nوما أدري إذا يمّمت أمرًا ... . . . أُريد الخيرَ أيَّهما يَليني\nأألخيرُ الذّي أنا ابتغِيته ... أَمِ الشرُّ الذّي هو يبتغيني\n[انظر: المُفضليات (ص: ٢٨٣)، الشِّعر والشعراء؛ لابن قتيبة (ص: ٢٣٤)، جامع البيان (٢٢/ ١٥١)].\n(٢) تقدم (ص: ٥٩٤)، وفيه:. . . . . . . . . . . . . . . . . . ... وإن تدعاني أحم عرضًا ممنعًا.\n(٣) انظر: تأويل مشكل القرآن؛ لابن قتيبة، جامع البيان (٢٧/ ١٢٤)، الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ١٥٤)، فتح القدير (٥/ ١٨٨).\n(٤) هو عديُّ بن ربيعة أخو كُليب وائل الذي هاجت بمقتله حرب بكر وتغلب، وسُمِّي مُهَلهِلًا؛ لأنه هَلْهَلَ الشعرَ، أي أرَّقه، وهو خال امرئ القيس، وجدُّ عمرو بن كلثوم، أبو أمَّه ليلى، وهو أحد الشَّعراء الكذبة [انظر: الشِّعر والشِّعراء (ص: ١٦٨)].","vol":"1","page":3120},{"text":"على أنْ ليس عدلًا من كُليب ... إذا ما ضِير جيرانُ المجيرِ\nعلى أنْ ليس عدلًا من كُليبٍ ... إذا خرجت مخبّأتُ الخُدورِ (١)\nومثله:\nكم نعمةٍ كانت لكم ... كمْ كمْ وكم (٢)\nوالثاني: أن كلَّ واحدٍ منها غيرُ الأول، فأعاد لتقرير النِّعمة بعد النِّعمة.\nوالثّالث: أن كلَّ واحدةٍ منها اقتضت من التقرير بها مثل ما اقتضته الأول، فلم يكن تكرارًا (٣).\nوجاء في الخبر: أن النّبيَّ - ﷺ - قرأ سورةَ الرحمن، ثمّ قال: «مالي أراكم سكوتًا؟ لَلجنُّ كانوا أحسنَ منكم ردًّا، ما قرأتُ عليهم هذه الآية من مرَّة: ﴿فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾، إلا قالوا: ولا بشيءٍ من نعمة ربّنا نُكذّب، فلك الحمد» (٤).\nوما في السورة من ذكر الشّدائد والنَّار والعذاب فالنّعمة فيها من وجهين:\nأحدهما: في صرفها من المؤمنين إلى الكفّار، وتلك نعمةٌ عظيمة، تقتضي شكرًا عظيمًا.\nوالثاني: أنَّ في التّخويف منها والتّنبيه عليها نعمة عظيمة؛ لأنَّ اجتهادَ الإنسان رهبة ممّا يؤمّله أكثرُ من اجتهاده رغبة فيما ينعّمه (٥).\n_________\n(١) انظر: الأمالي؛ للقالي (١/ ٩٣)، النُّكت والعيون (٥/ ٤٢٧).\n(٢) البيت لم أقف على قائله، وقد استشهد به للتأكيد، والعناية بتكثير العدد. [انظر: كتاب الصناعتين؛ لأبي هلال العسكري (ص: ٦٠)، تفسير الثعلبي (٩/ ١٨٠)].\n(٣) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٤٢٧)، تفسير البغوي (٧/ ٤٤٣)، الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ١٥٥)، التحرير والتنوير (٢٧/ ٢٤٦).\n(٤) أخرجه الترمذي في سننه، كتاب تفسير القرآن، باب: ومن سورة الرحمن، برقم (٣٢٩١)، وقال: \" هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث الوليد بن مسلم عن زهير بن محمد\"، وأخرجه الحاكم في المستدرك في كتاب التفسير، تفسير سورة الرحمن، برقم (٣٧٦٦) وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.\nوأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١١٧)، وقال: \" رواه البزار عن شيخه عمرو بن مالك الراسبي، وثقه ابن حبان، وضعفه غيره، وبقية رجاله رجال الصحيح \"، وقال المبارك فوري في تحفة الأحوذي (٩/ ١٢٧): \" حديث جابر هذا رواه الوليد بن مسلم عن زهير بن محمد وهو من أهل الشام، ففي الحديث ضعف، ولكن له شاهد من حديث ابن عمر أخرجه ابن جرير والبزار والدارقطني في الأفراد وغيرهم، وصحح السيوطي إسناده كما في فتح البيان \". وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي (٣/ ١١٢).\n(٥) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١١٦٩).","vol":"1","page":3121},{"text":"وكرّر هذه الآية في السورة إحدى وثلاثين مرة، ثمانية منها ذكرها عقيب آيات فيها تعداد عجائب خلق الله وبدائع صنعه، ومبدأ الخلق ومعادهم، ثمَّ سبعة منها عقيب آيات فيها ذكر النّار وشدائدها، على عدد أبواب جهنّم، وبعد هذه السّبعة ثمانية فيها وصف الجنّات وأهلها على أبواب الجنّة، وثمانية أخرى بعدها للجنّتين اللتين دونهما، فمن اعتقد الّثمانيةَ الأولى، وعمل بموجبها استحقَّ كلتا الثمانيتين من الله، ووقاه من السّبعة السّابقة. والله أعلم (١).\nخَلَقَ ﴿الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ﴾: يعني آدم (٢).\nخلقه من تراب؛ لقوله: ﴿خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾، [آل عمران: ٥٩].\nثمَّ صار طينًا؛ لقوله: ﴿مِنْ طِينٍ لَازِبٍ﴾، [الصافات: ١١].\nثمَّ صار حمأً؛ لقوله: ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ ...، [الحجر: ٢٦].\nثمَّ صار صَلصالًا؛ لقوله: ﴿مِنْ صَلْصَالٍ﴾ (٣).\n﴿كَالْفَخَّارِ (١٤)﴾: والصَّلصال: الطين إذا يبس وصار كالخزف، فإنَّ الفخّارَ هو الطّين الذي قد طُبخ في النَّار، والصَّلصالُ مشتق من صلَّ اللحمُ: إذا انتن.\nوقيل: له صوتٌ، من صلصلة الحديد (٤).\n﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ﴾: أبا الجنّ، وقيل: هو إبليس (٥).\n﴿مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ (١٥)﴾: المارج: لهب النار.\nوقيل: خالص النَّار.\nوقيل: شعب النَّار.\nوقيل: اللهب الذي له حُمرة وصُفرة وخُضرة، مشتقٌ من مَرَجَ إذا اضطرب.\nوقيل: من مَرَج إذا أُرسل.\nوالنَّار: هي التي بين الخلق.\nوقيل: من النار التي لا تكونُ فيها الصواعق.\nالكلبي: \" نار دون السَّماء، كالكِلّة الرَّقيقة (٦) \" (٧).\nوقيل: من نار الجحيم (٨).\n﴿فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٦)﴾.\n﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (١٧)﴾: أحد المشرقين هو الذي تطلع منه الشمسُ في أطول يوم من السنة، والثاني الذي تطلع منه في أقصر يوم، بينهما مائةٌ وثمانون (٩) مشرقًا، وكذلك الكلام في المغربين (١٠).\nوقيل: أحد المشرقين الشمس، والثاني القمر، وكذلك المغربان.\nوقيل: أحد المشرقين الفجر، والثاني والشمس.\nوقيل: أحد المغربين الشمس، والثاني الشفق. حكاه الماوردي (١١).\n﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٨)﴾:\n﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (١٩)﴾: أي: أرسل، من مَرَجْتُ الدّابة: إذا أرسلتها للرعي.\nوقيل: خَلَط، من قوله: ﴿أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾، [ق: ٥] (١٢).\nوالبحران عند بعضهم: بحر فارس والروم، يلتقيان في معظم البحر.\nوقيل: تحت الأرض (١٣).\n﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ﴾: حاجز، وهو: جزيرة العرب، وقيل: عرض الأرض (١٤).\n﴿لَا يَبْغِيَانِ (٢٠)﴾: لا يبغي أحدُهما على الآخر، فيُغرق الخلق (١٥).\nوالبغي: الخروج إلى فساد (١٦).\nابن عبّاس: \" بحر في السماء وبحر في الأرض يلتقيان كلَّ سنة، ومنه المطر، بينهما حاجز يمنع بحرَ السماء من النزول وبحرَ الأرض من الصعود \" (١٧).\nوذهب جماعة إلى  ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾  الماء الملح والعذب، ﴿يَلْتَقِيَانِ﴾ في بعض البحار، ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ﴾ من لطف الله ﴿لَا يَبْغِيَانِ﴾: لا يغلب أحدهما الآخر إلى جنسه (١٨).\n﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢١) يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (٢٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢٣)﴾:\nابن عبّاس - ﵄ -: \" من ماء بحر السَّماء وبحر الأرض؛ لأنَّ ماءَ السَّماء إذا وقع في صَدَف البحر انعقد اللؤلؤ وكان خارجًا منهما \" (١٩).\nوقيل: يخرج من الأُجاج والعذب جميعًا (٢٠).\nوقيل: من اجتماع الملح مع الأجاج (٢١).\nوذهب أكثرهم إلى أنَّهما يخرجان من الأُجاج، ولا يخرجان من الفرات (٢٢).\nوحمل قوله: ﴿مِنْهُمَا﴾ على وجهين:\nأحدهما: أن الشيءَ قد يُنسب إلى اثنين وهو لواحدٍ، كقوله: ﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾، [الكهف: ٦١]. وقد سبق (٢٣).\nوالثاني: من أحدهما، فحُذف المضاف (٢٤).\nقوله: ﴿اللُّؤْلُؤُ﴾:\nقيل: الكبير منه، والمرجان الصغير (٢٥).\nوقيل: المرجان الكبير، واللؤلؤ عامّ للجنس (٢٦).\n_________\n(١) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١١٦٩).\n(٢) انظر: جامع البيان (٢٧/ ١٢٤)، النُّكت والعيون (٥/ ٤٢٨).\n(٣) قال أبو المظفر السَّمعاني: \" فإن قيل قد قال في موضع آخر ﴿مِنْ طِينٍ لَازِبٍ﴾، وقال في موضع ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾، وقال ها هنا ﴿مِنْ صَلْصَالٍ﴾، فكيف وجه التوفيق؟ الجواب عنه: أنَّ الجميع صحيح على القطع فالله تعالى خلق آدم من تراب جعله طينًا لازبًا ثم جعله حمأً مسنونًا ثم جعله صلصالًا كالفخار ثم صورَّه \" [تفسير السمعاني (٥/ ٣٢٤)].\n(٤) انظر: جامع البيان (٢٧/ ١٢٤)، النُّكت والعيون (٥/ ٤٢٨).\n(٥) قال الماوردي: \" وهو قول مأثور \" [النُّكت والعيون (٥/ ٤٢٨)، وانظر: تفسير السَّمرقندي (٣/ ٣٦٠)، تفسير البغوي (٧/ ٤٤٤)]، وأورد القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ١٥٧) عن الحسن قوله: \" الجانُّ إبليس، وهو أبو الجن \"، فجعله قولًا واحدًا.\n(٦) الكِلَّة: السِّتر الرَّقيق الذي يخاط مربعًا كالبيت، والجمع كِلَل، [انظر: النِّهاية (٤/ ١٩٧) مادة \" كلل \"، لسان العرب (١١/ ٥٩٠)، مادة \" كَللَ \"].\n(٧) انظر: جامع البيان (٢٧/ ١٢٥)، النُّكت والعيون (٥/ ٤٢٩).\n(٨) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٤٢٨)، تفسير البغوي (٧/ ٤٤٤).\n(٩) في (ب) \"مائة وثمانين \" بالجر، والصواب \" وثمانون \"بالرفع، كما أثبت.\n(١٠) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٤٠٣)، جامع البيان (٢٧/ ١٢٧).\n(١١) النُّكت والعيون (٥/ ٤٢٩)، وانظر: جامع البيان (٢٧/ ١٢٧).\n(١٢) انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ١١٥)، جامع البيان (٢٧/ ١٢٨)، تفسير السَّمرقندي (٣/ ٣٦١).\n(١٣) وهو قول الحسن وقتادة [انظر: تفسير عبد الرزَّاق (٣/ ٢٦٣)، جامع البيان (٢٧/ ١٢٨)].\n(١٤) انظر: جامع البيان (٢٧/ ١٢٩)، النُّكت والعيون (٥/ ٤٣٠)، تفسير البغوي (٧/ ٤٤٤).\n(١٥) انظر: جامع البيان (٢٧/ ١٢٩)، النُّكت والعيون (٥/ ٤٣٠).\n(١٦) انظر: لسان العرب (١٤/ ٧٥)، مادة \" بَغَا \".\n(١٧) وهو قول ابن عباس، [انظر: جامع البيان (٢٧/ ١٢٩)، النُّكت والعيون (٥/ ٤٣٠)].\n(١٨) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٤٢٩)، تفسير البغوي (٧/ ٤٤٤).\n(١٩) انظر: جامع البيان (٢٧/ ١٣٢)، النُّكت والعيون (٥/ ٤٣١)، الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ١٥٩).\n(٢٠) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٣٠٥)، النُّكت والعيون (٥/ ٤٣١).\n(٢١) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٤٣١).\n(٢٢) وحكى فيه ابن عطية الإجماع. [المحرر الوجيز (٥/ ٢٢٨)، وانظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ١١٤)، مجاز القرآن (٢/ ٢٤٤)، تأويل مشكل القرآن (ص: ٢٨٧)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٧٩)، النُّكت والعيون (٥/ ٤٣١)].\n(٢٣) وقد سبق أي في الآية (٦٢) من سورة الكهف.\n(٢٤) انظر: مُشْكل إعراب القرآن (٢/ ٧٠٥)، غرائب التفسير (٢/ ١١٧٠).\n(٢٥) وهو مروي عن ابن عباس وقتادة والضحاك. انظر: مجاز القرآن (٢/ ٢٤٤)، جامع البيان (٢٧/ ١٣١)، النُّكت والعيون (٥/ ٤٣١).\n(٢٦) انظر: جامع البيان (٢٧/ ١٣١)، النُّكت والعيون (٥/ ٤٣٠).","vol":"1","page":3122},{"text":"قال ابن مسعود: \"هو الخرّز الأحمر \"، كالقضبان (١) يقال له (٢): البُسَّذُ (٣) \" (٤).\nوقيل: المرجان الجوهر المختلط (٥). وفيه بعدٌ.\nوما حكاه الثَّعلبي عن بعض المفسّرين: أنَّ اللؤلؤَ والمرجانَ الحسنُ والحسينُ ... - ﵄ -، فقد حمل هذا القائل قوله سبحانه: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ على علي وفاطمة - ﵄ -، والبرزخ على محمد - ﷺ - (٦)، فتأويلٌ مزيفٌ عند ... المحقّقين (٧).\n﴿وَلَهُ الْجَوَارِ﴾: لله إجراءُ السّفن، جمع جارية.\n﴿الْمُنْشَآَتُ فِي الْبَحْرِ﴾: بالفتح: المحدَثات.\nوقيل: المخلوقات.\nوقيل: المرفوعات الشُّرُع.\nوقيل: أُنْشِأنَ وأُجرينَ.\nو﴿المنشِآت﴾ - بالكسر (٨) - السَّيْرَ، أي: أُنشِأن (٩)، فحُذف المفعول.\nوقيل: ﴿كَالْأَعْلَامِ (٢٤)﴾: مفعولُها، على تقدير: أمواجًا كالأعلام، وعلى ... الوجه (١٠) الأول ﴿كَالْأَعْلَامِ﴾: صفة لـ ﴿الْجَوَارِ﴾.\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٧/ ١٣١)، النُّكت والعيون (٥/ ٤٣١).\n(٢) \" له \" ساقطة من (ب).\n(٣) البُسَّذُ: جوهر أحمر أصله فارسي. [انظر: لسان العرب (٢/ ٣٦٤)، مادة \" مَرَج \"].\n(٤) انظر: جامع البيان (٢٧/ ١٣١)، النُّكت والعيون (٥/ ٤٣١)، تفسير السَّمعاني (٥/ ٣٢٧).\n(٥) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٤٣١).\n(٦) انظر: تفسير الثعلبي (٩/ ١٨٢).\n(٧) انظر: المحرر الوجيز (٥/ ٢٢٧)، البحر المحيط (١٠/ ٥٩).\n(٨) قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر والكسائي ﴿الْمُنْشَآَتُ﴾ بفتح الشين، وقرأ حمزة ﴿المُنْشِئاتُ﴾ بكسر الشين [انظر: جامع البيان (٢٧/ ١٣٣)، السبعة في القراءات (ص: ٦١٩)، الحُجَّة (٦/ ٢٤٨)].\n(٩) \" أي: أنشأن \" ساقطة من (ب).\n(١٠) \" الوجه \" ساقط من (ب).","vol":"1","page":3123},{"text":"و﴿الْأَعْلَامِ﴾: الجبال، وقيل: القصور.\nالمبرّد: \" المنشَآت بالفتح ما رُفع شراعها، وبالكسر الباديات \" (١).\nوقيل: بالكسر مجاز، كما يقول: مرض زيدٌ وانكسر الكوزُ، والفعل في الحقيقة لغيرهما (٢).\n﴿فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢٥)﴾.\n﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦)﴾: أجمع المفسرون على أن الهاءَ يعود إلى الأرض، قالوا: وهو كقولهم: ليس عليها أكرمُ من فلانٍ، يعنون على الأرض، وإنْ لم يتقدم لها ذكرٌ.\n[ولعلّهم يعنون لم يتقدّم لها ذكرٌ في الآية] (٣)، وأمَّا في السَّورة فقد تقدم في قوله: ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا﴾ (٤).\nوالمعنى: يُفني اللهُ جميعَ الحيوان الذي على وجه الأرض.\nوقيل: يريد الإنسَ والجنَّ خاصّةً؛ لقوله: ﴿مَنْ عَلَيْهَا﴾ (٥).\nوالقول هو الأول؛ لأنَّ غيرَ العاقل تبعٌ لهم في الجموع (٦).\nويحتمل الضميرَ في الآية - والله أعلم - أنه يعود إلى الأرض والسماوات، كقوله: ﴿لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ ...﴾، [الزخرف: ٩]، فيكون المعنى: يُفني اللهُ كلَّ شيءٍ ويبقى وجهه وحدَه، كقوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾، [القصص: ٨٨].\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) انظر: حُجة القراءات؛ لابن زنجلة (ص: ٦٩١).\n(٣) ما بين المعقوفتين ساقط من (أ).\n(٤) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٣٠٥)، جامع البيان (٢٧/ ١٣٤)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٧٨).\n(٥) انظر: جامع البيان (٢٧/ ١٣٤).\n(٦) انظر: تفسير السَّمعاني (٣/ ٣٢٨)، تفسير البغوي (٧/ ٤٤٥)، المحرر الوجيز (٥/ ٢٢٩).","vol":"1","page":3124},{"text":"ولما ذهب إليه المحقّقون وهو: أن الموت ليس بإفناءٍ؛ لأنَّ جسمَ الميت باقٍ، وإنمَّا الإفناءُ أنْ يعدَمه حتى يصيرَ بالفناء في حكم ما لم يُوجدْ، ثمَّ يُعيده ويُرجعه ثانيًا على الصِّفة التي كان عليها في الوجود الأول، وفَناءُ بعضِ الأجسام فَناءٌ لسائرها.\nقالوا: والنعمة في الفناء التسويةُ بينهم، حتى لا يكون لأحدٍ منهم فضلٌ في الحياة.\nويحتمل: أن النعمةَ في الإفناء هو ما يبتني عليه من الإعادة؛ ليصل المؤمنون إلى ما وُعدوا به من النّعيم الدائم السَّرمد.\n﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾: الوجه ها هنا صلةٌ، كما تقول: هذا وجه الأمر، وعين الشَّيء.\nوقيل: ﴿وَجْهُ رَبِّكَ﴾: ما يبتغى (١) به الله ﷿ (٢).\n﴿ذُو الْجَلَالِ﴾: ذو العَظَمة.\n﴿وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾: الإعظام بالإحسان، وقيل: الجلال التنزيه، من قولهم: هو أجلّ عن هذا (٣).\n﴿فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢٨)﴾.\n﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: يسأله أهلُ الأرض الرزقَ والمغفرةَ، وأهلُ السَّماء القوةَ والمغفرةَ.\nوقيل: يسألون الرزقَ والمغفرةَ للمؤمنين، كما سبق (٤).\n﴿كُنَّا يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (٢٩)﴾: ظرف للسؤال، وقيل: ظرف لشأن، أي: شأن يقع كلّ يوم (٥).\nواليوم ها هنا عبارةٌ عن الوقت (٦).\nوقد أكثروا في تفسير الشأن، والأَولى ما جاء مرفوعًا عن - ﷺ - أنه قال: «شأنه أن يغفرَ ذنبًا ويدفعَ كربًا ويرفعُ قومًا ويضعُ آخرين (٧») (٨).\nوقيل: شأنه سبحانه سَوْق المقادير إلى المواقيت.\nوقيل: بَعْثُ الرسل وشَرْعُ الشرائع (٩).\nوذهب بعض المفسرين إلى أن ﴿كُلَّ يَوْمٍ﴾ ظرفٌ للسؤال، وهو صلةٌ.\nو﴿فِي شَأْنٍ﴾ متعلق بالسَّائلين، أي: شأن يحدث لهم ويتجدّد (١٠).\nوعلى هذا التأويل يجوز أنْ يكونَ ﴿هُوَ﴾ كناية عن السؤال، و﴿فِي شَأْنٍ﴾ خبره، أي: سؤالهم كلّ يوم في شأن يبدو لهم ويظهر. والله أعلم.\nابن بحر: الدهر كلّه عند الله يومان: مدّةُ الدنيا يومٌ، وهو في الدنيا: في الأمر والنَّهى وتدبير العالم، والآخَرُ: يومُ القيمة، وهو في الآخرة في الجزاء والحساب والثّواب والعقاب\" (١١).\n﴿فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٠)﴾.\n﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ (٣١) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٢)﴾: هذا تهديد ووعيد بالجزاء والحساب بالإجماع؛ إذْ ليس له سبحانه شُغلٌ يكون له فَراغٌ، وهذا كما تقول لمن تهدّده: سأَفرُغ لك، قال جَرِير (١٢):\nالآن وقد فَرَغتُ إلى نُمَير ... وهذا حين كنتُ لهم عذابا (١٣) (١٤)\nوقيل: معناه سينتهي الأمد (١٥)، ويصل إليكم الوعد والمتوعَّد.\nوقيل: معناه سنقصدكم بعد تركٍ وإمهالٍ (١٦).\nوقيل: الفراغ للفعل (١٧): التوفّرُ عليه دون غيره (١٨).\n﴿أَيُّهَا الثَّقَلَانِ﴾: هما الإنس والجن، سُمِّيا الثقلين لثقلهما على الأرض.\nوقيل: لعقلهم ورزانتهم وقدْرهم.\nوقيل: إنَّهما مُثْقلان بالذنوب.\nوقيل: مُثْقلان بالتكليف (١٩).\n﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا﴾: أي: إنْ قدرتم أنْ تخرجوا من جوانب الأرض سابقين الله معجزين له فاخرجوا، أو هذا كقوله: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾، [العنكبوت: ٢٢].\nخاطبهم به في الدنيا، ثمَّ قال: ﴿لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (٣٣)﴾: لا تخرجون من سلطاني إلا بحجة، والمعنى حيث خرجتم إليه فثمَّ سلطاني، فيكون الباء للظرف، كما تقول: اجتزتُ بقرية كذا.\nوقيل: لن تجتازوا أرضًا إلا لقيكم سلطانُ الموت، فيكونُ كما تقول: اجتزت به.\nوقيل: الباء بمعنى (إلى)، أي: إلى سلطان.\nوقيل: لا تجتازون موضعًا إلا شاهدتم سلطانَ الله وحجّتَه الدالة على الوحدانية.\nوقيل: يخاطبهم به في القيامة إذا نزلت الملائكة وصفُّوا حولَ الإنس والجنّ، والمعنى: يقال لكم عند الفراغ: يَا مَعْشَرَ ﴿الْجِنِّ وَالْإِنْسِ ..﴾ الآية.\nومعنى ﴿لَا تَنْفُذُونَ﴾: لا تجوزون.\n﴿إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾: بإيمانٍ وطاعةٍ.\nوقيل: إذا أَتوا بالحجّة، وهي الإيمان والطّاعة، أُمر بهم إلى الجنَّة فيخرجون من أقطارهما؛ لأنَّ الجنَّة خارجة من أقطارهما.\nوقيل: فانفذوا أمر تعجيز (٢٠).\nوعن ابن عبّاس: إن استطعتم أن تعلموا ما في السماوات والأرض فاعلموا، لا تعلمون ﴿إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾: إلا بالبيّنة من الله \" (٢١).\n_________\n(١) في (ب) \" ما ينتهي \".\n(٢) والوجه صفة من صفات الله العلي الذاتية وقد وصف بها نفسه فعلينا أن نصدق ربنا ونؤمن بما وصف به نفسه مع التنزيه التام عن مشابهة صفات الخلق، وهذا من الأشاعرة تأويل وخروج عن إثبات صفة الوجه لله تعالى، في حين عند أهل السنة هذه الآية من آيات الصفات التي تثبت بها صفة الوجه لله تعالى على ما يليق بجلاله. ... [انظر: مجموع الفتاوى (٣/ ١٣٣)].\n(٣) انظر: تفسير السَّمعاني (٥/ ٣٢٨)، تفسير البغوي (٧/ ٤٤٥).\n(٤) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٤٣٢)، تفسير البغوي (٧/ ٤٤٥).\n(٥) انظر: الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ١٦٢)، البحر المحيط (١٠/ ٦٣).\n(٦) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٤٣٣).\n(٧) في (ب) \" أخرى \".\n(٨) أخرجه ابن ماجة في سُننه، في المقدمة، باب: فيما أنكرت الجهمية، برقم (٢٠٢) عن أبي الدرداء - ﵁ -، والطبراني في المعجم الكبير (٤/ ٢٢٠) برقم (١٧٩٦)، قال الهيثمي: \" وفيه الوزير بن صبيح، ولم أعرفه \". [مجمع الزوائد (١٧/ ١١٧)].\n(٩) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٤٣٢)، الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ١٦٢).\n(١٠) انظر: الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ١٦٢).\n(١١) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٤٣٢)، الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ١٦٢)، وفي تفسير البغوي (٧/ ٤٤٦) بنحو هذا القول لسفيان بن عيينة.\n(١٢) جرير بن عطية بن الخَطَفِي التميمي البصري. شاعر زمانه، أبو حزرة، مدح يزيد بن معاوية، وخلفاء بني أمية، وشعره مدون، وقد اشتهر بالهجاء والنقائض وخوصًا فيما بينه وبين الفرزدق، وقيل: كان جرير عفيفًا منيبًا، وقد جمعت (نقائضه مع الفرزدق - ط) في ثلاثة أجزاء، و(ديوان شعره - ط) في جزأين، وأخباره مع الشعراء وغيرهم كثيرة جدًا، وتوفي سنة عشر للهجرة بعد الفرزدق بشهر [انظر ترجمته: الشِّعر والشعراء (ص: ٢٨٤)، سير أعلام النبلاء (٤/ ٥٩٠)، الأعلام (٢/ ١١٩)].\n(١٣) البيت لجرير، ولم أقف عليه في ديوانه. وانظر: الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ١٦٤)، البحر المحيط (١٠/ ٦٣).\n(١٤) انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ١١٦)، جامع البيان (٢٧/ ١٣٦)، تفسير السَّمرقندي (٣/ ٣٦٢)، النُّكت والعيون (٥/ ٤٣٤)، المحرر الوجيز (٥/ ٢٢٩).\n(١٥) في (أ) \" الأمر \".\n(١٦) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٤٣٢)، الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ١٦٢).\n(١٧) في (ب) \"للفراغ للفعل \".\n(١٨) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١١٧١).\n(١٩) انظر: تفسير البغوي (٧/ ٤٤٧)، البحر المحيط (١٠/ ٦٤).\n(٢٠) انظر: جامع البيان (٢٧/ ١٣٦)، المحرر الوجيز (٥/ ٢٣٠)، زاد المسير (٧/ ٣١٠).\n(٢١) انظر: جامع البيان (٢٧/ ١٣٧)، زاد المسير (٧/ ٣١٠).","vol":"1","page":3125},{"text":"﴿فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٤)﴾.\n﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ﴾: الشُّواظ: اللهب الذي لا دخانَ معه (١).\nوقيل: الشواظ: نار تتأجّج.\nوقيل: اللهب الأخضر.\nوقيل: خلط من النار والدخان (٢).\n﴿وَنُحَاسٌ﴾: هو الدُّخان (٣).\nابن عبّاس: \" الصُّفْر المذابُ، يصبُّ على رؤوس أهل النار\" (٤).\nالرَّفع بالعطف على \"الشّواظ\"، والجرّ بالعطف على \"نار\".\nوقيل: عطف على \"شواظ\" وجرٌّ بالمتابعة والجوار (٥).\nالحسن وابن زيد: \" لا ندري ما النُّحاس في الآية \" (٦).\nوقيل: الشواظ طائفة من العذاب، والنُّحاس نحسٌ لأعمالكم (٧) (٨).\n﴿فَلَا تَنْتَصِرَانِ (٣٥)﴾: لا تقدران على الامتناع مما يُعمل بكما وتكرهانه.\n﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٦)﴾.\n﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ﴾: انفكّ بعض من بعض لقيام السَّاعة.\n﴿فَكَانَتْ﴾: فصارت ﴿وَرْدَةً﴾: قيل: كلون الورد المشموم.\nابن عبّاس: \" يصير كلون الفرس الورد \" (٩).\nوقيل: كلون الفرس الوردة؛ لأنَّه يتلون في الفصول الأربعة، فشبّة تلوُّنَها بتلوّن الوردة من الخيل (١٠).\nقوله: ﴿كَالدِّهَانِ﴾: قيل: جمع دُهن، أي: تحمرُّ احمرارَ الورد، ثمَّ تذوب ذَوَبانَ الدّهن.\nوقيل: كالدهان المختلفة، يُصبُّ بعضُها على بعض.\nوحمل هذا القائل المهل على الدّردي.\nوقيل: الدهان الأديم الأحمر، أي: تحمّرُ السماءُ فتصير كالنِّطع المتَّخَذ من الأديم، وحمل قوله: كالمهل على الفلزّ المذاب.\nوقيل: السماء الدنيا من الحديد، ولهذا تذوب، ولو كان غير الجوهر لاحترق.\nوقيل: أصل لون السماء الحمرة، لكنها من بُعدها وكثرةِ الحوائل تُرى زرقاء (١١).\nوفي بعض التفاسير: كانت كشعاعِ دهنٍ في شمس. والوردة قرص الشمس.\nوقيل: الدهان الشيء الزَّلِق.\n﴿فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٨)﴾.\n﴿فَيَوْمَئِذٍ﴾: أي: فيومَ تنشقُّ السَّماء.\n﴿لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ (٣٩)﴾: وقال في سورة أخرى ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾، [الحجر: ٩٢]، ولا تناقضَ؛ لأنَّ التقديرَ: لا يُسألُ سؤالَ استعلامٍ؛ لأنهم يُعرَفون بسيماهم، لكن يُسألون سؤالَ توبيخٍ وتقريعٍ (١٢).\nابن عبّاس: \" في القيامة مواقفُ، يُسألون في بعضها ويُختم على أفواههم في بعضها \" (١٣).\nوالأول ظاهر؛ لقوله: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾، [آل عمران: ١٠٦]. ولقوله: ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾، [طه: ١٠٢].\nوالضمير مقدَّمٌ في اللفظ، والتقدير: لا يُسأل إنس ولا جان عن ذنبه.\nوقيل: إضمار (عن) غير مذكور، والذَّنب يدلّ عليه، أي: لا يسأل عن ذنب المذنب إنس ولا جان. والمعنى: لا يؤخذ أحدٌ بذنب غيره (١٤).\n﴿فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٠)﴾.\n﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ﴾: هو ما تقدّم من سواد الوجوه (١٥) وزُرقة العيون وما (١٦) يعلوهم من الكآبة والحزن.\n﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي﴾: مرّةً، كقوله: ﴿لَنَسْفَعَنْ بِالنَّاصِيَةِ﴾، [العلق: ١٥].\n﴿وَالْأَقْدَامِ (٤١)﴾: مرّة؛ لقوله: ﴿يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾، [القمر: ٤٨].\nوقيل: يُجمع بين النواصي والأقدام (١٧).\nنعوذ بالله من النَّار وعقابها.\nوالسِّيماء: العلامة.\n_________\n(١) انظر: مجاز القرآن (٢/ ٢٤٤)، تفسير مقاتل (٣/ ٣٠٦)، جامع البيان (٢٧/ ١٣٩).\n(٢) انظر: جامع البيان (٢٧/ ١٣٩)، النُّكت والعيون (٥/ ٤٣٤)، زاد المسير (٧/ ٣١١).\n(٣) انظر: جامع البيان (٢٧/ ١٤٠)، النُّكت والعيون (٥/ ٤٣٥).\n(٤) انظر: جامع البيان (٢٧/ ١٤٠)، تفسير البغوي (٧/ ٤٤٨).\n(٥) قرأ ابن كثير وأبو عمرو ﴿وَنُحَاسٍ﴾ خفضًا، وقرأ نافع وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي ... ﴿وَنُحَاسٌ﴾ رفعًا. [انظر: السبعة (ص: ٦٢١)، معاني القراءات (ص: ٤٧٤)، الحجة (٦/ ٢٤٩)].\n(٦) لم أقف عليه بهذا اللفظ، وروى ابن جرير في جامع البيان (٢٧/ ١٣٩) عن ابن زيد \" .. وأما النحاس فالله أعلم بما أراد به \".\n(٧) وهو مروي عن الحسن. انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٤٣٥).\n(٨) ورجَّح ابن جرير أنَّ المراد بالنَّحاس الدخان، وقال: \" وذلك أنَّه جل ثناؤه ذكر أنه يرسل على هذين الحيين شواظ من نار، وهو النار المحضة التي لا يخلطها دخان، والذي هو أولى بالكلام أنه توعدهم بنار هذه صفتها أن يتبع ذلك الوعد بما هو خلافها من نوعها من العذاب دون ما هو من غير جنسها، وذلك هو الدخان والعرب تسمي الدخان نُحاسًا - بضم النون - ونِحاسًا - بكسرها -، والقُرَّاء مجمعة على ضمها \" [جامع البيان (٢٧/ ١٤٠)].\n(٩) انظر: جامع البيان (٢٧/ ١٤١)، تفسير الثعلبي (٩/ ١٨٧).\n(١٠) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ١١٧)، جامع البيان (٢٧/ ١٤١)، النُّكت والعيون (٥/ ٤٣٥).\n(١١) انظر: جامع البيان (٢٧/ ١٤٢)، النُّكت والعيون (٥/ ٤٣٦).\n(١٢) انظر: معاني القرآن؛ للنَّحاس (٣/ ١٠)، تفسير السَّمرقندي (٣/ ٣٦٤)، تفسير البغوي (٧/ ٤٤٩).\n(١٣) انظر: تفسير الثعلبي (٥/ ٣٥٤)، تفسير البغوي (٤/ ٣٤٩).\n(١٤) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١١٧١)، تفسير أبي السُّعود (٦/ ١٧٩).\n(١٥) في (أ) \" الوجه \".\n(١٦) في (ب) \" يومًا \"، وهو تصحيف.\n(١٧) انظر: جامع البيان (٢٧/ ١٤٣)، زاد المسير (٧/ ٣١٣).","vol":"1","page":3126},{"text":"والنَّاصية: شعر مقدَّم الرَّأس، سمّيت ناصيةً لاتصاله به، وأصل الكلمة الاتصال (١).\n﴿فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٢)﴾.\n﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (٤٣)﴾: أي: يقال لهم وهم فيها: هذه جهنَّم التي كان المشركون يُنكرونها ويُكذبون بها، توبيخًا لهم وزيادةً في تعذيبهم.\nوقيل: هو استئناف كلام، أي: هذه يا محمدُ صفةُ جهنّمَ التي يُكذب بها المجرمون، أي: المشركون.\n﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا﴾: بين النَّار.\n﴿وَبَيْنَ حَمِيمٍ﴾: ماءٍ حارٍّ بلغ النهاية في الحرارة، يُصبُّ عليهم مرّةً ويُسقون منه أُخرى، قوله: ﴿يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾، [غافر: ٧١ - ٧٢].\nومعنى: ﴿آَنٍ (٤٤)﴾: بلغ النِّهاية في الحرارة.\nوقيل: معنى ﴿آَنٍ﴾: آن شُربُه.\nوقيل: ﴿آَنٍ﴾: حاضر.\nوالمعنى: لا مخلصَ لهم من النَّار (٢).\n﴿فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٥)﴾.\n﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾: أي: خاف فأدى الفرائض.\nوقيل: خاف فترك المعاصي.\nوالمقام: المصدر، أو المكان، فإنْ جعلته المصدرَ فالفعلُ للخائف، وأضاف إلى الله إضافةَ مُلكٍ، كما تقول مسجدُ الله.\nويحتمل: مقامَ حسابِ ربّه مصدرًا ومكانًا (٣).\n_________\n(١) انظر: المفردات (ص: ٨١٠)، مادة \" نَصَا \"، لسان العرب (١٥/ ٣٢٧)، مادة \" نَصَا \".\n(٢) والأول أظهر. [انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ١١٨)، جامع البيان (٢٧/ ١٤٣)، التَّسهيل (٤/ ٨٥)].\n(٣) انظر: جامع البيان (٢٧/ ١٤٥)، النُّكت والعيون (٥/ ٤٣٧)، البحر المحيط (١٠/ ٦٧).","vol":"1","page":3127},{"text":"ذهب جماعة إلى أنها نزلت في أبي بكر - ﵁ - شرب لبنًا فقيل له إنه من غير حلٍّ فاستقاء (١).\nقوله: ﴿جَنَّتَانِ﴾:\nقيل: جنَّة للإنس، وجنّة للجنّ.\nوقيل: جنَّة عدنٍ، وجنَّة نعيم.\nوقيل: جنَّة هو فيها، وجنَّة فيها أزواجه وخدمه.\nوقيل: جنَّة في قصره، وجنَّة خارج قصره يذهب إليها تنزّهًا (٢).\nالفَّراء: \" إنما هي جنَّة واحدة، فَثُنِّيَ على عادة العرب في إجراء الواحدِ مجري التّثنية، وأنشد:\nومهمهين فَدْفدين مَرَّتين ... قطعته بالسَّمت لا بالسَّمْتين (٣) \" (٤).\nوقول الفراء ضعيف؛ لقوله: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (٦٢)﴾ (٥).\n﴿فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٧)﴾.\n﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ (٤٨)﴾: قيل: ألوان وأنواع من الأشجار والثمار وغيرها، جمع فنٍّ.\nوقيل: أغصان، جمع فَنَنٍ (٦).\n_________\n(١) وهو مروي عن ابن الزُّبير وعطاء والضحاك. [انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٤٣٧) تفسير السمعاني (٥/ ٣٣٣)].\n(٢) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٤٣٧)، تفسير السمعاني (٥/ ٣٣٣)، البحر المحيط (١٠/ ٦٧).\n(٣) البيت لخطامٍ المجاشعي، وهو شاعرٌ إسلاميٌّ ... والواو في مهمهين واو رب. والمهمه: القفر المخوف. ...\nوالقذف، بفتح القاف والذال المعجمة بعدها فاء: البعيد من الأرض، وقال العيني: هو المكان المرتفع الصلب. قال: ويروى: فدفدين. والفدفد: الأرض المستوية. قاله الجوهري. [انظر: خزانة الأدب (٣/ ١٠٣)].\n(٤) انظر: معاني القرآن (٣/ ١١٨)، وفيه:\nومَهْمهين قذفين مرَّتين ... قطعته بالأمِّ لا بالسَّمتين\n(٥) أورد هذا البيت الرازي بلفظ:\nومهمهين سرت مرتين ... قطعته بالسهم لا السهمين\nوتعقَّبه بقوله: أراد مهمهًا واحدًا بدليل توحيد الضمير في قطَّعته، وهو باطل؛ لأن قوله: بالسهم يدل على أن المراد مهمهان، وذلك لأنه لو كان مهمهًا واحدًا لما كانوا في قطعته يقصدون جدلًا، بل يقصدون التعجب وهو إرادته قطع مهمهين بأهبة واحدة وسهم واحد، وهو من العزم القوي، وأما الضمير: فهو عائد إلى مفهوم تقديره قطعت كليهما، وهو لفظ مقصور معناه التثنية ولفظه للواحد، يقال: كلاهما معلوم ومجهول\" [التفسير الكبير (٢٩/ ١٠٨)].\n(٦) انظر: جامع البيان (٢٧/ ١٤٧)، النُّكت والعيون (٥/ ٤٣٧).","vol":"1","page":3128},{"text":"وقيل: ذواتا فِناء واسعة. حكاه الماوردي (١). وهو بعيد.\nوجاء: (شجرة فَنْواء)، يريد: كثيرة الأفنان (٢).\nالأخفش: \" ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾: ذواتا أشجار \" (٣).\nعكرمة: \" ﴿أَفْنَانٍ﴾: أطراف الأغصان، وأنشد:\nما هاج شوقك من هدير (٤) حمامة ... تدعو على فَنَنِ الغصون (٥) حَمامًا\nتدعو أبا فرخين صادف ضاريًا ... ذا مخلبين من الصقور قِطاما (٦) \" (٧).\n﴿فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٩)﴾.\n﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ (٥٠)﴾: في الجنَّتين عينان من الماء تجريان إلى حيث يشاء الله.\n﴿فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥١)﴾.\n﴿فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ (٥٢)﴾: أي: من جميع أجناسهما صنفان رطب ويابس، كالرُّطب والتمر، والعنب والزبيب.\nابن عبّاس - ﵄ -: \" ما في الدنيا ثمرةٌ حلوٌ ولا مرٌّ إلاّ وهى في الجنَّة حتى الحنظل (٨) \" (٩).\n﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٣)﴾.\n﴿مُتَّكِئِينَ﴾: جالسين جلوسَ راحةٍ ودَعَةٍ.\nعَلَى ﴿فُرُشٍ﴾: جمع فراش، وهو: ما استُمهد للجلوس والنوم.\n﴿بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾: جمع بطانة، والإستبرق: الديباج الثخين الغليظ بكثرة الإِبْرِيْسَم.\nولم يذكر الظِّهارة لعلم الناس بفضل الظِّهارة على البِطانة (١٠).\nابن عبّاس﵄ - \"وصف لكم البطائن، وظواهرها لا يعلمها إلاّ الله\" (١١).\nقال الفراء: \" أراد بالبطائن الظهائر، كما تقول: باطن السَّماء، تريد: ظاهرها \" (١٢).\n﴿وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ (٥٤)﴾: قريبٌ لا يردُّه بُعدٌ ولا شوكٌ.\nوقيل: دانٍ لمن أراد تناولَه قائمًا أو قاعدًا بيده أو بفيه (١٣).\nوالجنا: اسمٌ بمعنى المجنيّ.\n﴿فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٥)﴾.\n﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾: جمعٌ بعد التثنية؛ لأنَّ المرادَ في قصور الجنَّتين.\nوقيل: يعودُ إلى الجِنان؛ لأنَّه ذكر ثنتين، وعن قريبٍ يذكر أُخريين.\nوقيل: يعود إلى الفُرُش. وهو الوجه (١٤).\nومعنى ﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾: حَبسن الطَّرفَ على أزواجهنّ من غيرهم.\n_________\n(١) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٤٣٧).\n(٢) انظر: لسان العرب (١٣/ ٣٢٦)، مادة \" فَنَنَ \".\n(٣) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٤٣٧)، وفي معاني القرآن؛ للأخفش (ص: ٣٠٦) \" وقال: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾ وواحدها: الفَنَن \".\n(٤) في النسختين \" هدير \" والأشهر في رواية البيت \" هديل \"، ويصحُّ وصف صوت الحمام بالهدير. [انظر: كتاب العين (٤/ ٢٢)، مادة \" هَدَرَ \"، لسان العرب (٥/ ٢٥٧)، مادة \" هَدَرَ \"].\n(٥) في (ب) \" الأغصان \" وهو تصحيف.\n(٦) لم أقف على قائل البيتين. [انظر: جامع البيان (٢٧/ ١٤٧)، لسان العرب (١١/ ٦٩١)، مادة \"هَدَلَ \"].\n(٧) انظر: جامع البيان (٢٧/ ١٤٧)، تفسير القرآن العظيم (٤/ ٢٩٨).\n(٨) الحَنْظَلُ: الشَّجر المُرُّ، واحدته حَنْظَلة. [انظر: لسان العرب (١١/ ١٨٣)، مادة \" حَنْظَلَ \"].\n(٩) انظر: تفسير الثعلبي (٩/ ١٩٠)، تفسير البغوي (٧/ ٤٥٣)، وفيهما زيادة: \"حتى الحنظل إلاّ أنه حلو \".\n(١٠) انظر: تفسير السَّمرقندي (٣/ ٣٦٦)، زاد المسير (٧/ ٣١٤).\n(١١) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٤٣٩)، زاد المسير (٧/ ٣١٤).\n(١٢) معاني القرآن (٣/ ١١٨).\n(١٣) انظر: جامع البيان (٢٧/ ١٤٩)، النُّكت والعيون (٥/ ٤٣٩)، زاد المسير (٧/ ٣١٤).\n(١٤) وهو اختيار ابن جرير، والسمعاني [انظر: جامع البيان (٢٧/ ١٥٠) تفسير السمعاني (٥/ ٣٣٥)].","vol":"1","page":3129},{"text":"والطَّرف: النظر بطرف العين، وهو الجفن.\nولم يُجمع في الآية؛ لأنَّ المرادَ به المصدرُ (١).\n﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ﴾: لم يمسهنَّ ﴿إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (٥٦)﴾: قيل ما أدماهنَّ بالجماع أحدٌ.\nوالطَّمث: المجامعة بالتَّدمية (٢)، والضّمُ فيه لغةٌ (٣).\nوقوله: ﴿إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾: أي: حورٌ للإنس لم يطمثهن إنس، وحورٌ للجنّ لم يطمثهن جنٌّ. وهذا دليل أنَّ الجنّ يجامع (٤).\nوقيل: لم يجامع حورَ الإنسِ الجنُّ، فقد روي: \" أنَّ الرَّجل إذا لم يذكر اسمَ الله عند الجماع شاركه في جماعه الشيطانُ يجامعُ امرأتَه معه \" (٥).\nالحسن: يقول هنّ المؤمنات، لم يمسُّهنَّ قبلَ أزواجهن في الجنَّة أحدٌ بعد خلق الله إياهنّ الخلقَ الثاني \" (٦).\n﴿فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٧)﴾.\n﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ (٥٨)﴾: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ﴾ حمرةً وصفاءً، ... ﴿وَالْمَرْجَانُ﴾: بياضًا وضياء (٧).\n﴿فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٩)﴾.\n﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠)﴾: أي: ذلك جزاء المؤمنين، أحسَنوا في الدنيا فأحسَن الله إليهم في العُقبى.\nابن عبّاس ﵄: \" هل جزاء لا اله إلا الله إلا الجنَّةُ ونعيمُها \" (٨) (٩).\nابن عبّاس أيضًا وابن عمر ﵃، قالا: قال رسول - ﷺ -: «يقول الله ما جزاء مَن أنعمت عليه لمعرفتي وتوحيدي إلا أنْ أسكنَه جنتي وحظيرةَ قدسي برحمتي» (١٠).\n﴿فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦١)﴾.\n﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (٦٢)﴾: أي: دون الجنّتين اللتين تقدّمتا جنتان أُخريان.\nومعنى ﴿دُونِهِمَا﴾:\nقيل: في الدرجة.\nوقيل: في المكان، أقرب منهما إلى قصره (١١).\nوقيل: معنى ﴿دُونِهِمَا﴾: معهما، فيكونُ لكلّ مؤمن أربعُ جِنانٍ في الجهات الأربع: بين يديه ومن خلفه ويمينه وشماله.\nوقيل: أربعُ جِنانٍ على التوالي، ليتضاعف لكَ السّرورُ بالتنقُّل من جنَّةٍ إلى جنَّةٍ.\nالمبرّد: جنتان علييان سفليان، فالعلييان: جنَّة عدن وجنَّة النعيم، والسُّفليان: جنَّة الفردوس وجنَّة المأوى (١٢).\nوقيل: الأوليان جنتان في القصر، والأُخريان جنتان خارجَ القصر.\nوقيل: الأوليان للرجال والولدان، والأُخريان للنساء والحور العين (١٣).\nالحسن: الأوليان للسابقين إلى الأنبياء بالإيمان، والجنتان دونهما للأتباع \" (١٤).\n_________\n(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ١٧٤)، البحر المحيط (١٠/ ٦٩).\n(٢) انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ١١٨)، جامع البيان (٢٧/ ١٦٢).\n(٣) وبها قرأ الكسائي من السبعة ﴿يَطْمُثْهُنَّ﴾، والجمهور على كسر الميم لَمْ ﴿يَطْمِثْهُنَّ﴾، [انظر: السَّبعة (ص: ٦٢١)، معاني القراءات (ص: ٤٧٥)، الحُجَّة (٦/ ٢٥٢)].\n(٤) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٨١)، الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ١٧٥).\n(٥) أخرجه ابن جرير في تفسيره (جامع البيان (٢٧/ ١٥١) عن مجاهد، وأورده البغوي في تفسيره (٧/ ٤٥٤).\n(٦) انظر: تفسير السَّمعاني (٥/ ٣٣٦).\n(٧) انظر: جامع البيان (٢٧/ ١٥٢)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٨٢).\n(٨) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٤٤٠)، تفسير البغوي (٧/ ٤٥٥).\n(٩) هذا القول مؤخر في (أ) عما بعده، والسياق يقتضي تقديمه.\n(١٠) أخرجه الثعلبي في تفسيره (٩/ ١٩٢)، وأوره القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ١٧٧).\n(١١) انظر: جامع البيان (٢٧/ ١٥٤)، النُّكت والعيون (٥/ ٤٤٠).\n(١٢) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٤٤٠)، الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ١٧٧).\n(١٣) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٤٤٠).\n(١٤) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٤٤٠) المحرر الوجيز (٥/ ٢٣٥).","vol":"1","page":3130},{"text":"وقيل: المراد بالتثنية ها هنا الجمع، كقولك: لبّيكَ وسعديكَ، وحنانيكَ، وما جاء مثنّى والمراد به الجمع والدوام، والمعنى: لهم الجنانُ متصلةُ بعضُهما ببعضٍ.\n﴿فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٣)﴾.\n﴿مُدْهَامَّتَانِ (٦٤)﴾: أي: مرتويتان ناعمتان.\nوقيل: خضراوان، تضرب خضرتُهما إلى السَّواد.\nوالدُّهمة: السواد، أي: الغالبُ على هاتين الجنتين النباتُ والرياحينُ المنبسطةُ على وجه الأرض، وفي الأُوليين الأشجار والفواكه (١).\n﴿فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٥)﴾.\n﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ (٦٦)﴾: النَّضخ: دون الجري.\nوقيل: ﴿نَضَّاخَتَانِ﴾: فوّارتان بالماء (٢).\nوقيل: جاريتان.\nوقيل: مملوءتان لا ينقطعان (٣) (٤).\nأنس - ﵁ -: ﴿نَضَّاخَتَانِ﴾: \" بالمسك والعنبر\" (٥).\nالحسن: \" بالخير والبركة \" (٦).\nسعيد بن جبير: \" بأنواع الفاكهة \" (٧) (٨).\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٧/ ١٥٤)، النُّكت والعيون (٥/ ٤٤١)، تفسير السَّمعاني (٥/ ٣٣٧).\n(٢) وهو اختيار ابن جرير وابن عطية. [انظر: جامع البيان (٢٧/ ١٥٤)، المحرر الوجيز (٥/ ٢٣٥)].\n(٣) انظر: جامع البيان (٢٧/ ١٥٤)، النُّكت والعيون (٥/ ٤٤١)، تفسير السَّمعاني (٥/ ٣٣٧).\n(٤) ما بعده من الكلام، كما عند الماوردي في النُّكت والعيون (٥/ ٤٤١) هو جواب على سؤال: بماذا هما نضَّاختان؟.\n(٥) انظر: جامع البيان (٢٧/ ١٥٤)، النُّكت والعيون (٥/ ٤٤١)، تفسير البغوي (٧/ ٤٥٧).\n(٦) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٤٤١)، زاد المسير (٧/ ٣١٧).\n(٧) انظر: جامع البيان (٢٧/ ١٥٦)، النُّكت والعيون (٥/ ٤٤١).\n(٨) وقد ضعفه ابن عطية. [انظر: المحرر الوجيز (٥/ ٢٣٥)].","vol":"1","page":3131},{"text":"﴿فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٧)﴾.\n﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (٦٨)﴾: هذه دون الأولى؛ لأنَّه ذكر في الأُولى من كلّ فاكهةٍ.\nوالنخل والرُّمان عند بعض الفقهاء ليسا من الفاكهة؛ لأنَّ المعطوفَ غيرُ المعطوف عليه، قال: ولو حلف لا يأكلُ الفاكهةَ، ثم أكل تمرًا ورمّانًا لا يحنث.\nوعند بعضهم هما من الفاكهة، وأُفردا بالذكر لفضلهما عند العرب، ومثله: ... ﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾، [البقرة: ٩٨] (١).\n﴿فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٩)﴾.\n﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ (٧٠)﴾: في الجنان الأربع.\nوقيل: يعود إلى الخيام المذكورة بعدُ.\nوالخيرات: جمع خيرة، والأصل خيِّرة بالتشديد، فخُفّف كهين وهيّن، ولين وليِّن.\nوقيل: ﴿خَيْرَاتٌ﴾، أي: عذارى، حسانُ الوجوه.\nوقيل: جنات فيهن محاسن من فعل الخير وحُسن الخُلق.\nوذُكر أن الفعلَ من الأول حَسُن وجهُه بالضّم، ومن الثاني حَسِن بالكسر.\nوالجمهور على أنَّهنّ الحور العين، أنشأهنّ الله للمؤمنين.\nوقيل: هنَّ نساء المؤمنين.\nوقيل: هنَّ النساء المؤمنات الخيرات الصَّالحات (٢).\n ﴿فَبِأَيِّآَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧١)﴾.\n﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (٧٢)﴾: محبوسات في الحِجال.\nوقيل: مقصوراتُ الطَّرْف على أزواجهنَّ.\nوقيل: مخدَّرات.\nوقيل: مبيَّضات، من قصارة الثوب، وهو تبييضُه. وفيه بُعدٌ (٣) (٤).\nوفي الخيام ثلاثة أقوال:\nأحدها: أنَّها البيوت.\nالثاني: لأهل الجنَّة خيامٌ خارجَ القصور كهيئة البدو.\nوالثالث: هي الخيام في الدرّ، فيهن الحور العين (٥).\n﴿فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧٣)﴾.\n﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (٧٤)﴾: كُرّر لأنَّهنَّ غير الأُوليات (٦).\n﴿فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧٥)﴾.\n﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ﴾: وسائدَ ونمارقَ، الواحد رفرفةٌ، أي: كما اتَّكؤوا في الأُوليين ﴿عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ كما اتَّكؤوا في الأُوليين ﴿عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ﴾.\nوقيل: الرَّفرف رياض الجنان، واحدها رفرفةٌ، من رفَّ النّبتُ يرِفُّ: إذا صار غضًّا نضِرًا.\n_________\n(١) وقد نسب القول في ذلك لأبي حنيفة، والجمهور أنه من الفاكهة. [انظر: جامع البيان (٢٧/ ١٥٦)، أحكام القرآن؛ للجصَّاص (٣/ ٥٥٤)، الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ١٧٧)، المغني لابن قدامة (١٣/ ٥٩١)].\n(٢) انظر: جامع البيان (٢٧/ ١٥٨)، النُّكت والعيون (٥/ ٤٤١)، زاد المسير (٧/ ٣١٧).\n(٣) انظر: جامع البيان (٢٧/ ١٥٩)، النُّكت والعيون (٥/ ٤٤٢).\n(٤) قال ابن جرير: \" والصَّواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إنَّ الله - ﵎ - وصفهن بأنهن مقصورات في الخيام، والقصر: هو الحبس، ولم يُخَصِّص وصفهن بأنهن محبوسات على معنى من المعنيين اللذين ذكرنا دون الآخر بل عَمَّ وصفهن بذلك \" [جامع البيان (٢٧/ ١٦٠)].\n(٥) انظر: جامع البيان (٢٧/ ١٦٠)، تفسير الثعلبي (٩/ ١٥٩)، النُّكت والعيون (٥/ ٤٤٢).\n(٦) قال ابن كثير: \" وقوله تعالى: \" ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ قد تقدَّم مثله سواء إلا أنه زاد في وصف الأوائل بقوله: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ (٥٨) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٩)﴾ [تفسير القرآن العظيم (٤/ ٢٩٨)].","vol":"1","page":3132},{"text":"وقيل: الرَّفرف: المجالس.\nوقيل: فضول المحابس. والرَّفرف هو فضل الثياب.\nوقيل: ذيول الخيام يتكئون عليها (١).\nوالرَّفرف في كتاب العين: \" كِسر الخِباء، وما يخاط (٢) في أسفل السُّرادِق \" (٣).\n﴿وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ (٧٦)﴾: بُسُطٍ، وقيل: ديباجٍ. وقيل: طنافسٍ (٤) ثِخانٍ.\nوقيل: العبقريُّ صفةٌ لكلِّ ما بُولِغَ (٥) في وصفه، ومنه قوله - ﷺ - في عمرّ - ﵁ -: «لم أرَ عبقريًا يَفرِي فَرْيَه» (٦) أي: يعمل عملَه (٧).\nوأصل عَبْقَرَ: بلدٌ كان يوشَى (٨) فيه البُسُط وغيرُها، فنُسب إليه.\nوقيل: عَبْقَرُ: اسم أرض يسكنها الجنُّ، ينسب إليهما خيارُ كلّ شيء (٩).\nوجُمع ﴿خُضْرٍ﴾: حملًا على الجنس (١٠).\n﴿فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧٧)﴾.\n﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ﴾: تعالى صفته عن صفات المخلوقين.\nوقيل: تبارك ربّك، والاسم صلةٌ، كقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي﴾، [الفرقان: ١].\n﴿ذِي الْجَلَالِ﴾: ذي العظمة.\nوالجلالُ لا يُستعمل إلا لله سبحانه (١١).\nوقُرئ: ﴿ذِو الْجَلَالِ﴾؛ حملًا على الاسم (١٢).\n﴿وَالْإِكْرَامِ (٧٨)﴾: يكرم أولياءَه بالإِنعام عليهم والإحسان.\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٧/ ١٦٣)، النُّكت والعيون (٥/ ٤٤٣).\n(٢) في (ب) \" تحاط \".\n(٣) كتاب العين (٨/ ٢٥٥)، مادة \" رَفْرَفَ \".\n(٤) طنافس: الطِّنْفِسَة والطُّنْفُسة: النُّمْرُقَة فوق الرَّحل، وجمعها: طَنافِسُ، وقيل: هي البِساط الذي له خَمْلٌ رقيق. [انظر: لسان العرب (٦/ ١٢٧)، مادة \" طَنْفَسَ \"].\n(٥) في (ب) \" يُولغُ \".\n(٦) أخرجه البخاري في كتاب فضائل أصحاب النبي - ﷺ -، باب مناقب عمر بن الخطاب - ﵁ -، برقم (٣٦٧٦)، وأخرجه مسلم بنحوه في كتاب فضائل الصحابة، باب: من فضائل عمر - ﵁ -، برقم (٦١٤٦) عن ابن عمر - ﵄ -.\n(٧) انظر: جامع البيان (٢٧/ ١٦٤)، النُّكت والعيون (٥/ ٤٤٣)، تفسير البغوي (٧/ ٤٥٩).\n(٨) أي: يُحسَّن ويُنسَج ويُزين فيها الثياب. [انظر: لسان العرب (١٥/ ٣٩٢)، مادة \" وَشِيَ \"]. .\n(٩) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٤٤٤)، معجم البلدان (٤/ ٧٩).\n(١٠) انظر: مشكل إعراب القرآن (٢/ ٧٠٨).\n(١١) نقله أبو علي الفارسي في الحجة (٦/ ٢٥٣) عن الأصمعي.\n(١٢) وهي قراءة ابن عامر وحده، وقرأ الجمهور ذِي ﴿الْجَلَالِ﴾. [انظر: السَّبعة (ص: ٦٢١)، معاني القراءات (ص: ٤٧٥)، الحجة (٦/ ٢٥٣)].","vol":"1","page":3133},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-162>سورة الواقعة </span>(١)\n\" سِتٌ وستون آية \" (٢) (٣) مكيةٌ (٤).\nابن عباس وقتادة: \" إلاّ آيةً، نزلت في المدينة، وهي: وَتَجْعَلُونَ ﴿رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢)﴾ \" (٥).\nوقيل: إلاّ قولَه: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآَخِرِينَ (٤٠)﴾، وقولَه: ... ﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (٨١)﴾ (٦) (٧).\nوروى جماعةٌ من المفسرين: أنَّ عثمانَ بنَ عفانَ دخل على ابنِ مسعودٍ - ﵄ - في مرضه الذي مات فيه، فقال له (٨): ما تشتكي؟ فقال: ذنوبي، قال: ما تشتهي؟ قال: رحمةَ ربي (٩)، قال: أفلا ندعو الطبيبَ؟ قال: الطبيبُ أمرضني، قال: ألا نأمر بعطائكَ؟ قال: لا حاجةَ لي فيه، فقال: ندفعه (١٠) إلى بناتكَ، قال: لا حاجةَ لهن فيه، قد أمرتُهنَّ\n_________\n(١) بذلك سُميت في المصاحف وكتب السُّنة، وبذلك سمَّاها النبي - ﷺ -، وافتتحت بها السُّورة. [انظر: بصائر ذوي التمييز (١/ ٤٥٠)، التحرير والتنوير (١٧/ ٢٧٩)].\n(٢) \" ست وتسعون آية \" ساقطة من (ب).\n(٣) في عدِّ أهل الكوفة [انظر: البيان؛ للداني (ص: ٢٣٩)، جمال القراء (٢/ ٥٤٨)، المحرر الوجيز في عدِّ آي الكتاب العزيز (ص: ١٥٧)].\n(٤) وهو قول الأكثرين من الصحابة ومن بعدهم منهم ابن عباس والحسن وعطاء وعكرمة وقتادة وجابر ومقاتل، قال ابن عطية: \"وهي مكية بإجماع من يُعتد بقوله من المفسرين \" [المحرر الوجيز (٥/ ٢٣٨)، وانظر: النُّكت والعيون (٥/ ٤٤٥)، زاد المسير (٧/ ١٣٠)].\n(٥) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٤٤٥)، زاد المسير (٧/ ١٣٠).\n(٦) انظر: الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ١٨٧)، الإتقان (١/ ١٧).\n(٧) قال ابن عطية: \"وقيل: إنَّ فيها آيات مدنية، أو مما نزل في السفر، وهذا كله غير ثابت\". [المحرر الوجيز (٥/ ٢٣٨)].\n(٨) \" له \" ساقطة من (ب).\n(٩) في (ب) \" رحمة الله \".\n(١٠) في (أ) \" تدفعه \".","vol":"1","page":3134},{"text":"أنْ يقرأنَ سورةَ الواقعة؛ فإني سمعتُ رسولَ الله - ﷺ - يقول: «مَن قرأ سورةَ الواقعة كلَّ ليلةٍ لم تُصبْه (١) فاقةٌ أبدًا» (٢) (٣).\n\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١)﴾: تقديره: أذكر ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾.\nوقيل: ﴿إِذَا﴾ شرط، جوابُه محذوفٌ، دلّ عليه: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾، أي: ﴿إِذَا وَقَعَتِ﴾ خفضت ورفعت.\nقال سيبوبه: \" ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً﴾ مكتفىً به عن الجواب \" (٤).\nالفرَّاء في جماعة: \" ﴿وَكُنْتُمْ﴾ جوابه، والواو (٥) زيادة \" (٦).\nوقيل: هو: جواب قولهم (٧): ﴿أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾، [النازعات: ٤٢].\nوقيل: ﴿إِذَا﴾ مبتدأ خبره إِذَا ﴿رُجَّتِ الْأَرْضُ﴾، أي: وقت هذا وقت ذاك (٨).\nويحتمل: أنَّ العاملَ فيه ﴿وَقَعَتِ﴾؛ لأنَّ ﴿إِذَا﴾ شرط، وإنما يمتنع ما بعده عن العمل فيه إذا كان مضافًا إلى الفعل، نحو: آتيكَ إذا أحمرَّ البُسْرُ (٩) (١٠).\n_________\n(١) في (أ) \" لا تصبه \".\n(٢) انظر: تفسير الثعلبي (٩/ ١٩٩)، الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ١٨٧).\n(٣) أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن (ص: ٨٥)، أخرجه الثعلبي في تفسيره (٩/ ١٩٩)، والبيهقي في شعب الإيمان في ذكر المفصل، برقم (٢٣٩٦)، والبغوي في تفسيره (٨/ ٢٨)، والحديث ضعفه الشوكاني في الفوائد المجموعة (ص: ٣١١)، والألباني في ضعيف الجامع الصغير (ص: ٨٣٢).\n(٤) انظر: إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٤/ ٢١٣)، غرائب التفسير (٢/ ١١٧٥).\n(٥) في (ب) \" الواو \".\n(٦) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١١٧٥).\n(٧) هذا جوابٌ من الناحية المعنوية، لا من الناحية اللفظية اللغوية، التي تكون فيها أداة الشرط والجزاء والجواب في سياقٍ واحدٍ.\n(٨) في (أ) \" وقت ذلك \".\n(٩) البُسْرُ من التمر قبل أن يرطب، والواحدة بسرة، وأبسر النخل صار بسرًا بعد ما كان بلحًا. [كتاب العين (٧/ ٢٥٠)].\n(١٠) انظر: إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٤/ ٢١٥)، غرائب التفسير (٢/ ١١٧٥)، الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ١٨٧).","vol":"1","page":3135},{"text":"﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (٢)﴾: أي: كذبٌ، والمعنى: لا كَذِبَ في وقوعها، فيكون اللام بمعنى (في). والوقوع ظهور بالحدوث.\nوقيل: ليس لها مردٌّ.\nوقيل: لا رجوعَ فيها ولا مثنويّةَ.\nوقيل: ليس لأجل وقعتها كاذبة. والمعنى: مَن أَخبر عنها صَدق.\nوالتاء لتأنيث النَّفس أو للمبالغة.\nوقيل: قصّته كاذبة.\nوقيل: ليس الخبرُ عن وقوعها كذبًا (١).\n﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (٣)﴾: أي: هي تخفض أعداءَ الله في النَّار وإنْ كانوا أعزّةً في ... الدنيا، وترفع أولياءَ الله إلى الجنَّة وإنْ كانوا أذلاءَ في الدنيا.\nوقيل: تُخفض فيسمعها القريبُ، وتُرفع فيسمعها البعيدُ، فالقريبُ والبعيدُ فيها سواء.\nوقيل: خفضت فأماتت الخلقَ كلَّهم، ورفعتْ فأحيت الخلقَ كلَّهم. حكاه أقضى ... القضاة (٢).\nوقُرئ بالنَّصب على الحال الدائم (٣).\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٧/ ١٦٦)، النُّكت والعيون (٥/ ٤٤٥).\n(٢) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٤٤٥)، ولفظ القول الثالث عند الماوردي: \" أنها خفظت بالنفخة الأولى من أماتت، ورفعت بالنفخة الثانية من أحيت \".\n(٣) أي ﴿خافضةً﴾، وهي قراءة شاذة قرأ بها الحسن واليزيدي والثقفي وأبي حيوة [المحتسب (٢/ ٣٥٨)، شواذ القراءات (ص: ٤٦١)]. قال النَّحَّاس: \" وهذه القراءة شاذة متروكة من غير جهة، منها: أنَّ الجماعة الذين تقوم بهم الحجة على خلافها، ومنها: أنَّ المعنى على الرفع في قول أهل التفسير والمحققين من أهل العربية، فأما أهل التفسير: فإن ابن عباس قال: \" خفضت أناسًا ورفعت آخرين، فعلى هذا لا يجوز إلا الرفع؛ لأنَّ المعنى خفضت قومًا كانوا أعزاء في الدنيا إلى النار ورفعت قومًا كانوا أذلاء في الدنيا إلى الجنة، فإذا نصب على الحال اقتضت الحال جواز أن يكون الأمر على غير ذلك، كما أنك إذا قلت جاء زيدٌ مسرعًا فقد كان يجوز أن يجيء على خلاف هذه الحال ... وأما أهل العربية فقد تكلم منهم جماعة في النصب: فقال محمد بن يزيد: \" لا يجوز \"، وقال الفراء: \" يجوز بمعنى إذا وقعت الواقعة وقعت خافضة رافعة \"، فأضمر وقعت، وهو عند غيره من النحويين بعيد ... قبيح، ولو قلت: إذا جئتك زائرًا، تريد إذا جئتك جئتك زائرًا، لم يجز هذا الإضمار؛ لأنه لا يعرف معناه، وقد يتوهم السامع أنه قد بقي من الكلام شيء، وأجاز أبو إسحاق النصب على أن يعمل في الحال \" وقعت \"، قد بينا فساده على أن كل من أجازه فإنه يحمله على الشذوذ فهذا يكفي في تركه \". [إعراب القرآن (٤/ ٢١٦)].","vol":"1","page":3136},{"text":"﴿إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤)﴾\n﴿إِذَا﴾: قيل: بدلٌ من الأول.\nوقيل: خبر عن الأوَّل. كما سبق.\nوقيل: العامل فيه ﴿وَقَعَتِ﴾ (١).\nومعنى: (٢) ﴿رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا﴾: حرّكت الأرض تحريكًا شديدًا لقيام السَّاعة.\nوالرَّجُّ: حركةٌ شديدةٌ لها صوت.\nوقيل: يُرجُّ ما فيها كما يرجُّ الغِربال (٣) (٤).\n﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥)﴾: أي: سيرت سيرًا. والبَسُّ: السوقُ.\nوقيل: كسرت كسرًا بليغًا. والبسّ: اللتُّ، كما يُبس السَّويقُ.\nوقيل: البسُّ: الطحنُ.\nوقيل: البسُّ: الفتُّ. وكلٌّ قريبٌ.\nوقيل: سالت سيلًا.\nوقيل: هُدَّت هدًَّا.\nوقيل: قُطعت قَطعًا وقُلعت قَلعًا (٥).\n_________\n(١) انظر: المحرر الوجيز (٥/ ٢٣٩)، البحر المحيط (١٠/ ٧٨).\n(٢) في (ب) \"والمعنى \".\n(٣) الغِرْبال: وعاء أشبه بالدُّف يُغربل به الدقيق والحبوب ليميز بين جيده ورديئه. [انظر: لسان العرب (١١/ ٤٩١)، مادة \" غربل \"].\n(٤) انظر: جامع البيان (٢٧/ ١٦٧)، معاني القرآن؛ للزَّجاج (٥/ ٨٥)، النُّكت والعيون (٥/ ٤٤٦).\n(٥) انظر: جامع البيان (٢٧/ ١٦٧)، النُّكت والعيون (٥/ ٤٤٦).","vol":"1","page":3137},{"text":"﴿فَكَانَتْ﴾: أي (١): الجبال ﴿هَبَاءً﴾: غبارًا، كما يرى في الكُوَّة (٢) مع الشمس.\nوقيل: هي نفس الهواء أُدرك بالبصر. وقد سبق (٣).\n﴿مُنْبَثًّا (٦)﴾: متفرقًا أجزاؤه في الجهات منتشرًا.\n﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا﴾: أصنافًا (٤) ﴿ثَلَاثَةً (٧)﴾: قيل: في كلِّ صنفٍ مستكثِرٍ ومقصِّرٍ، فكان زوجًا.\nوقيل: في كلّ صنفٍ رجالٌ ونساءٌ، فكان زوجًا (٥).\nوجاء مرفوعًا: \"أنهم أصحاب الميمنة، وأصحاب المشأمة، والسَّابقون \" (٦).\nوقوله (٧): فَأَصْحَابُ ﴿الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (٩)﴾: هذا: تعظيم للمذكور، وكذلك أمثالها في القرآن، يجرى مجرى التعجيب من أمرهم (٨).\nو﴿أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾: من اليمين، أي: الذين يأخذون كتبَهم بأيمانهم.\n_________\n(١) \" أي \" ساقطة من (ب).\n(٢) الكُوَّةُ: الخَرْق في الحائط والثَّقْب في البيت ونحوه. [لسان العرب (١٥/ ٢٣٥)، مادة \" كوي \"].\n(٣) أي عند تفسير قوله تعالى: \" ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ \" ... [الفرقان (٢٣)].\n(٤) انظر: جامع البيان (٢٧/ ١٦٩)، تفسير الثعلبي (٩/ ٢٠١).\n(٥) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٤٤٨).\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (١٠/ ٣٣٣٠)، عن النعمان بن بشير - ﵁ -، ولفظه: عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله - ﷺ - ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧)﴾ [التكوير: (٧)] قال: الضُّرباء كل رجل مع قوم كانوا يعملون بعمله، وذلك بأن الله تعالى يقول: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (٧) فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (٩) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠)﴾ قال: هم الضرباء\".\n(٧) في (ب) \" قوله \".\n(٨) انظر: المحرر الوجيز (٥/ ٢٤٠)، التسهيل (٤/ ٨٨).","vol":"1","page":3138},{"text":"وقيل: يدخلون الجنَّةَ، وهي على يمين العرش.\nوقيل: كانوا على يمين آدم صلوات الله عليه يومَ أخذ الميثاق.\nوقيل: هو من اليُمن، أي: هم: الميامين على أنفسهم، وهؤلاء أصحاب الحسنات (١).\nو﴿أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾: العرب تسمّى الشِّمال الشُّؤمي، والمعنى: يؤتَون كتبَهم بشمالهم ويدخلون النَّار، وهي على يسار العرش، وكانوا على يسار آدم - ﵇ -.\nوقيل: هم: المشائيم على أنفسهم.\nوهؤلاء أصحاب السيئات (٢).\nو﴿أَصْحَابُ﴾: رفع بالابتداء، ﴿مَا أَصْحَابُ﴾: جملة من مبتدأ وخبرٍ، وخبر هي خبر المبتدأ الأوَّل، والصريح قام مقامَ (٣) الضمير العائد.\nوأجمع أهلُ الأعراب أن ﴿مَا﴾ رفع بالابتداء، و﴿أَصْحَابُ﴾ رفع بالخبر، وكذلك: ﴿مَا الْحَاقَّةُ﴾، [الحاقة: ٢]، و﴿مَا الْقَارِعَةُ (٢)﴾، [القارعة: ٢].\nويحتمل: أن ﴿مَا﴾ رفع بالخبر، وما بعده رفع بالابتداء، فإن ﴿مَا﴾ نكرة، وتقديره: أيُّ شيءٍ، وهي بالخبر أولى، لكن قدّم للاستفهام، كما قدّم الخبر تقديمًا لازمًا في أين زيد؟ ومتى القيام؟ وكيف بكر؟ للاستفهام، وهذا ظاهر (٤).\n﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠)﴾: قيل هم: الذين سبقوا إلى الإيمان في جميع الأديان.\nوقيل: هم: الأنبياء - صلوات الله عليهم -.\nوقيل: هم: الذين سبقوا إلى الطاعات.\nابن عبّاس: \" هم خِربيل مؤمن آل فرعون، وحبيب النجَّار صاحب أنطاكية (٥)، وأبو بكر وعلي - ﵄ - \" (٦).\n_________\n(١) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٤٤٨)، تفسير الثعلبي (٩/ ٢٠١).\n(٢) انظر: جامع البيان (٢٧/ ١٧٠)، تفسير الثعلبي (٩/ ٢٠١).\n(٣) في (أ) \" قائم مقام \".\n(٤) انظر: مُشكل إعراب القرآن؛ لمكي (٢/ ٧١١)، البحر المحيط (١٠/ ٧٨).\n(٥) أنطاكيَة: - بتخفيف الياء - مدينة من الثغور الشامية معروفة، وهي حاضرة اللاذقية وحلب وكانت\nتحت بلاد الروم. [انظر: معجم ما استعجم (١/ ٢٠٠)، معجم البلدان (١/ ٢٦٦)].\n(٦) انظر: النكت والعيون (٥/ ٤٤٨) [وفيه: وفيه عمر بدلًا من علي]، تفسير السمعاني (٥/ ٣٤٣)، وقال الألباني في ضعيف الجامع (ص: ٥١٩) برقم (٣٥٥٠) \" موضوع \".","vol":"1","page":3139},{"text":"وقيل: هم: المذكورون في قوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾، [التوبة: ١٠٠].\nوقيل: هم أهل القرآن، وهم: المتوَّجون يوم القيامة (١).\n﴿أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (١٢)﴾: المكرَمون المبجَّلون.\nوقيل: المقرَّبون من رحمة الله وجزيل ثوابه.\n﴿والسَّابِقُونَ﴾ رفع بالابتداء ﴿السَّابِقُونَ﴾ خبره.\nوالتقدير: ﴿السَّابِقُونَ﴾ إلى الإيمان والطّاعة ﴿السَّابِقُونَ﴾ إلى الجنَّة والرضوان.\nوقيل: الأوّل رفع بالابتداء، والثَّاني تأكيدٌ له ﴿أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾: خبره، كما تقول: زيدٌ زَيدٌ قائمٌ.\nوقيل: ﴿السَّابِقُونَ﴾ الأوَّل رفع بالخبر، والتقدير: هم أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة والسَّابقون، ثمَّ ابتدأ فقال: ﴿السَّابِقُونَ﴾، فهو رفع بالابتداء، ﴿أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ خبره.\nهذا جملة كلام النحاة.\nويحتمل: أن تقديرَ الآية: والسَّابقون ما السَّابقون، فحُذف (ما)؛ لأنَّ الأُوليين تدّلان عليه، فيكون الكلامُ في الثلاثة على نَسَقٍ واحدٍ. والله أعلم.\nوقيل: إن (ما) في الأوليين زيادة. ومعنى الميمنتين والمشأمتين مختلف (٢).\n_________\n(١) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٤٤٨)، زاد المسير (٧/ ٣٢٤).\n(٢) انظر: جامع البيان (٢٧/ ١٧١)، مُشْكل إعراب القرآن؛ لمكي (٢/ ٧١١)، البحر المحيط (١٠/ ٧٩).","vol":"1","page":3140},{"text":"﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآَخِرِينَ (١٤)﴾: فيه ثلاثة أقوال:\nأحدها: أن سابقي سائر الأمم الذين آمنوا بأنبيائهم أكثرُ من سابقي أمة محمد؛ لكثرة الأنبياء، وهذا لا ينقض قولَه - ﷺ -: «إن أمتي يَكثُرون سائرَ الأمم» (١)؛ لأنَّه - ﷺ - قال: (أمتي)، ولم يقل سابقو أمتي.\nوالثَّاني: أن ﴿ثُلَّةٌ﴾ في معنى قليل من النَّاس؛ لأنَّ اشتقاقَه من الثَّل، وهو القطع\". قاله الزجاج (٢).\nوالثالث: أن الثُّلةَ الشَّطر، وهو النَّصف. عن الضّحاك (٣).\nأبو عبيد: \"الثلّة: البقية \" (٤).\nوقيل: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآَخِرِينَ (١٤)﴾: كلاهما من أمَّة محمد - ﷺ -، وقد جاء مرفوعًا أنَّه قال: «كلتا الثلتين أمتي» (٥).\nوروى أيضًا أنَّه قال: «أهل الجنَّة مائة وعشرون صفًَّا، ثمانون صفًَّا منهما أمّتي، ومنها الفائزون الأخيار» (٦) (٧).\n_________\n(١) لم أقف عليه بهذا اللفظ، وقد أورده البيضاوي في تفسيره (٢/ ٤٥٩)، والألوسي في روح المعاني (٢٠/ ٢٠٧)، قال المناوي في الفتح السَّماوي بتخريج أحاديث القاضي البيضاوي (٣/ ١٠٢٢) \"لم أقف عليه \".\n(٢) انظر: معاني القرآن (٥٨٧).\n(٣) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٤٤٩).\n(٤) انظر: مجاز القرآن (٢/ ٢٤٨).\n(٥) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (٢٧/ ١٩١) عن ابن عباس - ﵄، ولفظه: \" هما جميعا من أمتي \"، وقد قال \"من وجه عنه صحيح \"، وأخرجه ابن عدي في الكامل (١/ ٣٨٧)، وقال: \" وأبان بن أبي عياش له روايات غير ما ذكرت وعامة ما يرويه لا يتابع عليه وهو بيِّن الأمر في الضعف \".\n(٦) أخرجه الترمذي في سننه (بنحوه) في كتاب صفة الجنة، باب: ما جاء في كم صف أهل الجنة، برقم (٢٥٤٦)، وأخرجه ابن ماجه في الزهد. باب: صفة أمة محمد - ﷺ -، برقم (٤٢٨٩)، وأخرجه الإمام أحمد في مسنده (١/ ٤٥٣)، (٥/ ٣٤٧، ٣٥٥)، جميعهم عن سليمان بن بريدة عن أبيه، وصحَّحه الألباني في صحيح سنن الترمذي (٢/ ٣١٤).\n(٧) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٤٤٩)، زاد المسير (٧/ ٣٢٤)، الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ١٩٣).","vol":"1","page":3141},{"text":"وفي سبب النزول: أنَّه لمّا نزل: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآَخِرِينَ (١٤)﴾، بكى عمر - ﵁ - وقال: يا نبيَّ الله، آمنَّا بك وصدّقناك ما ينجو منّا قليلٌ، فأنزل الله: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآَخِرِينَ (٤٠)﴾، فدعا عمر - ﵁ -، وقال: يا ابنَ الخطاب قد أنزل الله كما قلتَ \"، فجعل ثلّة من الأولين وثلّة من الآخرين (١).\nقوله: عَلَى ﴿سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (١٥)﴾: مرمولةٍ بالذّهب، مشتبكةٍ بالدرِّ والياقوت، مضفورةٍ منسوجة السطوح، وذلك ألينُ للجالس عليها.\nوقيل: ﴿مَوْضُونَةٍ﴾: جُعل كلُّ سريرٍ بجنب سريرٍ (٢).\n﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ (١٦)﴾: أي: يتَّكئون على تلك السُّرر ويتوانسون بالتقابل حالةَ الزيارة.\n﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ﴾: يخدمُهم وينقلبُ إليهم.\n﴿وِلْدَانٌ﴾: غِلمان، جمعُ وليدٍ، وخِدمةُ الغلمان أمتعُ من خدمة الكبار، وهم ولدانٌ أنشأهم اللهُ تعالى لخدمة أهل الجنة (٣).\nالحسن: \" هم الأطفال، لم يستوجبوا النارَ ولا الدرجات (٤)، مشتق من الولادة\" (٥).\n﴿مُخَلَّدُونَ (١٧)﴾: باقون لا يموتون، وقيل: يبقَون على غُلومتهم لا تتغير نضارتُهم.\n_________\n(١) أخرجه الثعلبي في تفسيره (٩/ ٢١١) وأورده ابن كثير في تفسير القرآن العظيم (٤/ ٣٠٥)، وعزاه لابن عساكر من طريق عروة بن رويم عن جابر - ﵁ -، وتعقبه بقوله: \"ولكن في إسناده نظر \"، أي لوجود عروة بن رويم، وانظر: أسباب النزول؛ للواحدي (ص: ٣٣٢)، لباب النقول (ص: ٢٨٦).\n(٢) انظر: مجاز القرآن (٢/ ٢٤٨)، جامع البيان (٢٧/ ١٧٢)، النُّكت والعيون (٥/ ٤٥٠).\n(٣) انظر: غريب القرآن؛ للسِّجِّستاني (ص: ٤٨٩)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٤/ ٢١٨).\n(٤) في (ب) \" ولا الدركات \"، والظاهر ما أثبت، والمعنى: لم يستوجبوا جنةً ولا نارًا، لا درجات الجنة، ولا دركات النار.\n(٥) انظر: تفسير الثعلبي (٩/ ٢٠٤)، تفسير البغوي (٨/ ١٠).","vol":"1","page":3142},{"text":"وقيل: مقرَّطون مزيَّنون، من الخلدة وهي القُرط.\nوقيل: لا ينصرفون عنهم (١).\n﴿بِأَكْوَابٍ﴾: جمع كوب، وهو الإناء لا عُروةَ لها ولا خرطوم (٢) (٣).\n﴿وَأَبَارِيقَ﴾: جمع (٤) إبريق، وهو الإناء له عُروةٌ وخرطومٌ، مشتق من البريق (٥).\nوقيل: معرَّب آب ريز.\n﴿وَكَأْسٍ﴾: قدحٍ مملوءٍ.\n﴿مِنْ مَعِينٍ (١٨)﴾: من خمرٍ.\nواختُلف في وزن معيّن، وقد سبق (٦).\nالكوبُ للماء وغيره، والإبريقُ لغَسل الأيدي، والكأسُ لشرب الخمر (٧).\n﴿لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا﴾: تُطرِبهم ولا تُؤذيهم بصداعٍ.\nوقيل: لا يتفرّقون عنها، تقول (٨): صَدَعتُهم فانصدعوا.\nوقيل: لا يُمنَعون عنها (٩).\n﴿وَلَا يُنْزِفُونَ (١٩)﴾ (١٠): لا ينزف عقولهم.\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٧/ ١٧٣)، النُّكت والعيون (٥/ ٤٥٠)، والأول اختيار ابن جرير حيث قال: ... \" والذي هو أولى بالصواب في ذلك قول من قال معناه: إنهم لا يتغيرون ولا يموتون؛ لأن ذلك أظهر معنييه، والعرب تقول للرجل إذا كبر ولم يَشْمط إنه لمخلد، وإنما هو مَفْعَل من الخَلَد \". [جامع البيان (٧٢/ ١٧٤)].\n(٢) في (ب) \" ولا.\n(٣) انظر: مجاز القرآن (٢/ ٢٤٩)، جامع البيان (٧٢/ ١٧٤).\n(٤) \" جمع \" ساقطة من (أ).\n(٥) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ١٢٣)، جامع البيان (٧٢/ ١٧٥).\n(٦) عند تفسير قوله تعالى \" ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (٤٥)﴾ \" [الصافات (٤٥)].\n(٧) انظر: جامع البيان (٧٢/ ١٧٥)، النُّكت والعيون (٥/ ٤٥١).\n(٨) في (ب) \" بقول \".\n(٩) انظر: جامع البيان (٧٢/ ١٧٥)، النُّكت والعيون (٥/ ٤٥١).\n(١٠) في النسختين ﴿ولا يُنْزَفُون﴾ بفتح الزَّاي، والمعنى المفَسَّر بعدها على القراءة بالفتح، وهي قراءة ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم بكسر الزَّاي ﴿وَلَا يُنْزِفُونَ﴾ [انظر: السَّبعة (ص: ٥٤٧)، معاني القراءات (ص: ٤٠٩)، الحجة (٦/ ٥٤)].","vol":"1","page":3143},{"text":"وقيل: لا يتقيئون.\nوقيل: لا يبولون، يقال لكلّ ما استُقضى عليه حتى يذهبَ كلُّه: نزف وأنزف.\nابن عبّاس - ﵄ -: \" في الخمر أربعُ خصالٍ: السُّكْرُ، والصُّداعُ، والقيءُ، والبولُ، والله - ﷿ - نزّه خمرَ الجنَّة عنها كلَّها \" (١).\nوقرئ: ﴿يُنْزِفُونَ﴾ بالكسر (٢)، وفُسِّر: لا ينفد شرابهم، تقول: أنزف القوم: إذا أفنى شرابهم.\nوقيل: أنزف: سَكِر، قال الشاعر (٣):\nلعَمْري لئن أنزفتُمُ أو صحوتم ... [لبئس الندامى أنتم آل أبجرا] (٤) (٥) (٦).\n﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠)﴾: يختارون، أي: كلُّها خِيارٌ.\nوقيل: التخيُّر لذلك: إرادته وشهوته.\nوَلَحْمِ ﴿طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢١)﴾: أي: يجدون لذّةً وشهوةً في أكله من غير قَرَمٍ (٧).\nقوله: ﴿مِمَّا﴾: يحتمل جنس الطَّير كالدَّجاج والقَبَجُ (٨)، وغير ذلك.\n_________\n(١) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٤٥١)، الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ١٩٦).\n(٢) وهي قراءة حمزة والكسائي وعاصم كما تقدم في بداية تفسير الآية.\n(٣) \" الشاعر \" ساقطة من (ب)\n(٤) ما بين المعقوفتين ساقط من (أ).\n(٥) البيت للأبيرد بن المعذر. [انظر: مجاز القرآن (٢/ ٢٤٩)، الصحاح (٤/ ١٤٣١)، مادة \" نَزَفَ \"، لسان العرب (٩/ ٣٢٥)، مادة \" نَزَفَ \"].\n(٦) انظر: جامع البيان (٧٢/ ١٧٥)، معاني القراءات (ص: ٤٠٩)، الحجة (٦/ ٥٤)، النُّكت والعيون (٥/ ٤٥١).\n(٧) القَرَمُ: - بالتحريك - شدّة الشهوة إِلى اللحم، يقال: قَرِمَ إِلى اللحم إذا اشتهاه حتى لا يُصبَر عنه [انظر: كتاب العين (٥/ ١٥٨)، مادة \" قَرَمَ \"، لسان العرب (١٢/ ٤٧٣)، مادة \" قَرَمَ \"].\n(٨) القَبْجُ: الحَجَلْ والقَبْجُ الكَرَوانُ معرَّب وهو بالفارسية كبْجْ معرّب لأَن القاف والجيم لا يجتمعاني في كلمة واحدة من كلام العرب. [انظر: لسان العرب (٢/ ٣٥١)، مادة \" القَبَجَ \"].","vol":"1","page":3144},{"text":"ويحتمل: اتخاذ الألوان، كالمطبوخ والمشويّ.\nويحتمل: أجزاء الطير، فقد جاء مرفوعًا: «طير الجنَّة مثل البُخْتِ (١») (٢).\n﴿وَحُورٌ﴾: جمع حوراء، من الحَوَر، وهو شدّة بياض العين في سوادها.\nمجاهد: \" تحار في حسنها العينُ \" (٣). وفيه ضعفٌ.\n﴿عِينٌ (٢٢)﴾: جمع عيناء، وهي (٤) الواسعة العين.\n﴿كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (٢٣)﴾: في الصفاء والنقاء.\n﴿الْمَكْنُونِ﴾: المصون عمّا يضرُّ به.\nوقيل: ﴿الْمَكْنُونِ﴾: في الصَّدف.\nأنس - ﵁ - عن النبي - ﷺ -: «إنَّ اللهَ خلقَ الحورَ العِيَنَ من الزَّعفران (٥») (٦).\nقُرِئ: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ بالرَّفع، والخفض (٧).\n_________\n(١) البُخْت: إبل خراسانية طوال تنتج من إبل عربية. [انظر: كتاب العين (٤/ ٢٤١)، مادة \" بَخَتَ \"، النِّهاية (١/ ١٠١)، مادة \" بَخَتَ \"].\n(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده، في مسند أنس بن مالك - ﵁ - (٣/ ٣٠١)، وأخرجه الترمذي في كتاب صفة الجنة، باب ما جاء في صفة طير الجنة، برقم (٢٥٤٢)، قال الهيثمي: \" رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير سيار بن حاتم وهو ثقة \" [المَجمع (١٠/ ٤١٤)]، وقال الشيخ شعيب الأرنؤوط في تعليقه على مسند الإمام أحمد (٣/ ٣٠١) \": حديث صحيح، وهذا إسناد ضعيف لضعف سيار بن حاتم وقد توبع \"، والحديث حسَّنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣/ ٢٦٦).\n(٣) انظر: جامع البيان (٢٧/ ١٧٨).\n(٤) في (ب) \" وهو \".\n(٥) الزَّعْفَرَانُ: الصِّبْغُ المعروف، وهو نوع من الطِّيب [لسان العرب (٤/ ٣٢٤)، مادة \" زَعْفَرَ \"].\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم في التفسير (١٠/ ٣٢٩٠)، عن أبي أمامة - ﵁ -، وأخرجه الثعلبي في تفسيره (٩/ ٢٠٥)، عن أنسٍ - ﵁ -، قال الهيثمي: \" رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفى إسنادهما ضعفاء \" [المَجْمَع (١٠/ ٤١٩)]، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع الصغير (ص: ٤١٨)، برقم (٢٨٤٠).\n(٧) قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ رفعًا، وقرأ حمزة والكسائي ﴿وحُوْرٍ عِيْنٍ﴾. [انظر: جامع البيان (٢٧/ ١٧٦)، السَّبعة (ص: ٦٢٢)، معاني القراءات (ص: ٤٧٦)].","vol":"1","page":3145},{"text":"أبو علي في «الحجة»: \" الرَفع محمول على المعنى، أي: لهم أكوابٌ وحورٌ عينٌ، قال: ويجوز أنْ يُحْمَل على ﴿سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾، أي: على سُرُرٍ موضونة حُورٌ عِين.\nقال: ويجوز أنْ يكونَ عطفًا على الضمير ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ أو ﴿مُتَقَابِلِينَ﴾، ولم يؤكَّد لطول الكلام.\nقال: وَوَجْهُ الجر: أنْ يُحمل على قوله: فِي ﴿جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾، وفي حور عين، أي: في مقارنة حور عين.\nقال: وحمله على الباء في ﴿بِأَكْوَابٍ﴾ ممكنٌ، إلاّ أنّ الأخفشَ قال: في هذا بعضُ الوَحشة \" (١).\nالفرّاء: \"الجرُّ على الجِوار، وإنْ لم يكن يَحسُنُ في آخره ما حَسُن في أوّله.\nوأنشد:\nعلفتُها تِبنًا وماءً باردًا (٢). . . . . . . . . . . . . . (٣).\n. . . . . . . . . . . . . . ... وزجَّجنَ الحواجبَ والعُيونا (٤) (٥).\nويحتمل: أنْ يرتفعَ ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ بالعطف على ﴿وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾.\nولا أدري لم سكت عنه أبو علي.\n_________\n(١) انظر: الحُجَّة (٦/ ٢٥٥).\n(٢) قال الفرَّاء: \" والماء لا يعتلف؛ إنما يُشرب، فجعله تابعًا للتِّبن \" [معاني القرآن (٣/ ١٢٤)].\n(٣) البيت أنشده الفراء لبعض بني دبير، ولم أقف على قائله، وتمامه:\nعلفتُها تِبنًا وماءً باردًا ... حتى شتت همَّالة عيناها\nانظر: البيت في معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ١٢٤)، جامع البيان (١/ ١١٤)، لسان العرب (٢/ ٢٨٥) مادة \" زَجَجَ \".\n(٤) البيت منسوب في لسان العرب (٢/ ٢٨٥) مادة \" زَجَجَ \"، للراعي النميري، وتمامه:\nإذا ما الغانيات برزن يومًا ... وزججن الحواجب والعيونا\nوانظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ١٢٣)، جامع البيان (٣/ ١٢٣)، ولم ينسباه.\n(٥) انظر: معاني القرآن؛ (٣/ ١٢٣).","vol":"1","page":3146},{"text":"ولا يمتنع الجرُّ من العطف على ﴿بِأَكْوَابٍ﴾، كما لم يمتنع منه الفاكهة واللحم، ويكون الطائفُ بالحور العين مَن اختَصَّ بخدمتهنّ كالخَصِىّ والمجبوب في المعهود. والله أعلم.\nجَزَاءً ﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤)﴾: جزاءً للسَّابقين على أعمالهم.\n﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا﴾: في الجنَّة.\n﴿لَغْوًا﴾: باطلًا.\nوقيل: يمينًا كاذبًا.\nوقيل: صِياحًا وصَخَبًا وعَبثًا.\n﴿وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥)﴾: أي: لا يقال لهم: أثمتم وأسأتم.\nوقيل: لا يأثمونَ إثمًا، فيكونُ كقولك: أكلتُ خبزًا ولبنًا؛ لأنَّ التأثيمَ لا يسمع.\n﴿إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (٢٦)﴾: إلاّ قولًا ذا سلامةٍ.\nوالاستثناء منقطعٌ، أي: لكن قيلًا سلامًا يسمعون.\nوقيل: إلا سلامٌ عليكم، من قوله: ﴿وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾، [يونس: ١٠].\nوفي نصب سلام ثلاثة أقوال:\nأحدها: أنْ يكونَ صفةً للقِيل، كما ذكرت.\nوالثَّاني: أن ينتصب بالقول، أي: إلا أنْ يقولوا سلامًا.\nوالثالث: على المصدر، وتقديره: إلا أنْ يقولوا سلّمك الله سلامًا، كقوله: ﴿أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾، [نوح: ١٧] (١).\nوقيل: إلاّ قولًا سارًّا وكلامًا حسنًا.\nوقيل: إلَاّ قِيلا هنيئًا مريئًا. حكاه الماورديّ (٢).\n﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (٢٧)﴾: التقدير ها هنا: ما لأصحاب اليمين (٣) على التعجيب (٤) ممَّا لهم.\nوفي سبب النزول: قال أبو العالية والضحاك: نظر المسلمون إلى وَجٍّ، وهو وادٍ مُخصبٍ بالطائف، فأعجبهم سِدرُه، وقالوا: يا ليتَ لنا مثلُ هذا، فأنزل الله تعالى هذه الآية (٥).\n﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨)﴾: السِّدر: شجر النبق، والمخضود: الذي لا شوك له.\nوقيل: المخضود الذي قُطع شوكُه.\nوقيل: المخضودُ السَّريعُ الانثناء (٦).\n﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩)﴾ قيل: شجر أم غيلان، وله نورٌ، رائحته طيّبة (٧) جدًّا.\nوقيل: الموز، وثمره يكون منضودًا بعضُه فوقَ بعضٍ (٨).\nوعن علي - ﵁ - أنَّه قُرئ عنده وَطَلْحٍ ﴿مَنْضُودٍ﴾، فقال: ما بال الطّلح؟! إنَّما هو الطَّلع، فقال القارئ: أفلا نحوّلها؟ فقال أمير المؤمنين علي - ﵁ -: \" إن القرآن لا يُهاجَ اليوم ولا يحوَّل (٩) \" (١٠).\n﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠)﴾: دائم لا تنسخه الشمسُ (١١).\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٧/ ١٧٨)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٨٩)، البحر المحيط (١٠/ ٨١).\n(٢) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٤٥٢).\n(٣) \" اليمين \" ساقطة من (ب).\n(٤) في (ب) \" التعجب \".\n(٥) أي: فِي ﴿سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨)﴾ [انظر: تفسير الثعلبي (٩/ ٢٠٦)، أسباب النزول؛ للواحدي (ص: ٣٣٢)، تفسير البغوي (٨/ ١١).\n(٦) انظر: جامع البيان (٢٧/ ١٧٩)، النُّكت والعيون (٥/ ٤٥٣).\n(٧) في (ب) \" رائحته طيب \".\n(٨) القول الثاني قول الأكثرين من الصحابة والتابعين كعلي وابن عباس وأبو هريرة وأبو سعيد الخدري والحسن وعطاء وغيرهم - ﵃ - [انظر: جامع البيان (٢٧/ ١٨١)، النُّكت والعيون (٥/ ٤٥٣)، زاد المسير (٧/ ٣٢٩)].\n(٩) في (أ) \" ولا يُحوَّل \".\n(١٠) والمعنى: \" أنه رجع إلى ما في المصحف، وعلم أنه هو الصواب وأبطل الذي كان فرط من قوله \" [انظر: الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ٢٠١)، وانظر: جامع البيان (٢٧/ ١٨٠)، تفسير البغوي (٨/ ١٢)].\n(١١) انظر: جامع البيان (٢٧/ ١٨٢)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٨٩).","vol":"1","page":3147},{"text":"مقاتل: \" هو ظلُّ العرش \" (١).\nويحتمل: أنَّه عبارةٌ عن الحفظ، تقول: فلانٌ في ظلِّ فلانٍ، أي: في كنفه؛ لأنه لا شمسَ هناك.\n﴿وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ (٣١)﴾: جارٍ، وقيل: مصبوبٍ سائلٍ.\nوقيل: لا يتعبونَ فيه، بل ينسكبُ لهم كما يُحبّون.\nوقيل: يَجري في غير أُخدودٍ.\nوقيل: يُسكب على الخمر فيُشرب ممزوجًا (٢).\n﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢)﴾: أي: كثيرة الأجناس والأنواع.\n﴿لَا مَقْطُوعَةٍ﴾: بالزمن، ﴿وَلَا مَمْنُوعَةٍ (٣٣)﴾: بالثَّمن.\nوقيل: ﴿لَا مَقْطُوعَةٍ﴾: كلّما قُطِعَ نَبَتَ آخرُ مكانَه، ﴿وَلَا مَمْنُوعَةٍ﴾: لا محظورةَ بالجدار.\nوقيل: ﴿وَلَا مَمْنُوعَةٍ﴾: بشوكٍ، أو بُعدِ متناوَلٍ (٣).\n﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (٣٤)﴾: رفيعة القدر.\nوقيل: طويلة في الهواء، طولها مسيرة خمسمائة عامٍ بعضُها فوقَ بعضٍ (٤).\nوقيل: هي النِّساء بلغة خَثْعَم (٥)، واحدها فَريش، يقال (٦): استفرشت المرأةُ إذا طلبتْ فحلًا (٧).\n_________\n(١) لم أقف من قول مقاتل، وقد ذكره القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ٢٠١)، وعزاه للربيع بن أنس.\n(٢) انظر: جامع البيان (٢٧/ ١٨٤)، النُّكت والعيون (٥/ ٤٥٤).\n(٣) انظر: جامع البيان (٢٧/ ١٨٤)، النُّكت والعيون (٥/ ٤٥٤)، زاد المسير (٧/ ٣٢٩).\n(٤) انظر: جامع البيان (٢٧/ ١٨٥)، تفسير البغوي (٨/ ١٣).\n(٥) خَثْعَمُ: قبيلة عربية معروفة تنتسب إلى خثعم بن أنمار بن أراش، من كهلان، من قحطان، كانت منازل بنيه في سروات اليمن والحجاز، وصنمهم في الجاهلية (ذو الخلصة)، وكانوا يدعون مكانه (الكعبة اليمانية) يشاركهم فيه بنو بجيلة، وافترق أبناء خثعم في الآفاق، أيام الفتح، فلم يبق منهم في مواطنهم إلا القليل. [انظر: الأنساب؛ للسمعاني (٢/ ٣٢٦)، الأعلام (٢/ ٣٠٢)].\n(٦) في (ب) \" واحدها فرش فقال \".\n(٧) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١١٧٨)، لسان العرب (٦/ ٣٢٦)، مادة \" فَرَشَ \".","vol":"1","page":3148},{"text":"وقيل: كناية عن النساء، كما قال - ﷺ -: «الولد للفراش» (١) (٢).\nومعنى ﴿مَرْفُوعَةٍ﴾: رفيعة القدر (٣).\n﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥)﴾: قيل: يعود الضميرُ إلى الحور.\nواستبعده المحقّقون، وقالوا: إنَّها في قصَّةٍ وهذه في أخرى، بل يعود إلى الفُرش، فإنَّها النساء أو كناية عن النساء، كما سبق، وتقول: أفترشها كناية عن الوطء.\nوقيل: الفُرُش محلّ النساء، فدّلت عن النساء (٤).\nومعنى \" ﴿أَنْشَأْنَاهُنَّ﴾: خلقهن الله ابتداءً لأوليائه، لسن ممَّن وقعتْ عليهنَّ الولادةُ (٥).\nالضَّحاك: \" هنَّ المؤمنات من النِّساء \" (٦).\nالحسن: \" هنَّ عجائزُكم الغُمص الرُّمص (٧)، صيّرهن الله كما تسمعون\" (٨).\nقال مجاهد: قال رسول الله - ﷺ - في امرأةٍ كانت (٩) عند عائشةَ من بني عامرٍ، وكانت عجوزًا: «إن الجنَّةَ لا يدخلُها (١٠) العُجْزُ»، فولَّت تبكي، فقال - ﷺ -: «أخبروها أنَّها يومئذٍ ليست بعجوز، إن الله يقول: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ﴾ الآية» \" (١١).\n﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (٣٦)﴾: عذاري (١٢) لا يأتيها الرجلُ إلاّ وجدها بِكرًا.\n﴿عُرُبًا﴾: جمع عَروب.\nابن عبَّاس - ﵄ - في جماعة (١٣): \" هي العواشق للأزواج \" (١٤) (١٥).\nقال ابن عبّاس﵄ -: \" تقول (١٦) للنَّاقة إذا أرادت فحْلًا: هي عربة\" (١٧).\nالزّجاج: \" غَنِجةٌ متحبِّبةٌ لزوجها \" (١٨).\nأبو عبيدة: \" الحسنة التبعُّل \" (١٩).\nوقيل: هي الخَفِرَة المبتذلة لزوجها.\nوقيل: هي: اللَّعوب بزوجها أُنسًا به (٢٠).\nبعض التفاسير: مرفوعًا: «﴿عُرُبًا﴾: كلامهنّ عربيّ» (٢١).\n﴿أَتْرَابًا (٣٧)﴾: جمع تِربٍ، أي: مستوياتٍ على سنٍّ واحدٍ.\nقيل: ثلاثة وثلاثون سنة.\nوقيل: هنَّ اللواتي نشأن معًا، مأخوذ من لعب الصّبيان بالتراب.\nوقيل: جُعلن أشكالًا (٢٢) لأزواجهنّ في الجسم والمقدار (٢٣).\n﴿لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ (٣٨)﴾: قيل: هنَّ ﴿لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾.\nوقيل: أنشأناهنَّ ﴿لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾.\nوعن بعض القُرَّاء الوقف على \" أترابًا \"، ثمَّ قال الله: ﴿لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ (٣٨) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآَخِرِينَ (٤٠)﴾.\nوقيل: تقديره أصحاب اليمين ثلة من الأولين وثلة من الآخرين .. (٢٤).\nوَأَصْحَابُ ﴿الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (٤١)﴾: المشأمة والشِّمال واحدٌ (٢٥).\n﴿فِي سَمُومٍ﴾: وهي الريح الحارّة تدخل في المسامّ (٢٦).\n﴿وَحَمِيمٍ (٤٢)﴾: وهي (٢٧) الماء الحارُّ في النهاية.\n﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣)﴾: وهو دخّانٌ شديدُ السواد من الحُمَمَة.\nويحموم (يفعول) منه.\n_________\n(١) أخرجه البخاري في كتاب البيوع، باب تفسير المُشَّبَهات، برقم (٢٠٥٣)، وأخرجه مسلم في كتاب الرضاع، باب: الولد للشُّبهات، وتوقي الشُّبهات، برقم (٣٥٩٨)، كلاهما عن عائشة - ﵂ -.\n(٢) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٤٥٤)، غرائب التفسير (٢/ ١١٧٨).\n(٣) تقدم هذا التفسير بالنصّ، ولعله وهم من النُّسَّاخ.\n(٤) انظر: جامع البيان (٢٧/ ١٨٥)، المحرر الوجيز (٥/ ٢٤٤)، زاد المسير (٧/ ٣٣٠).\n(٥) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٨٩)، المحرر الوجيز (٥/ ٢٤٤).\n(٦) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١١٧٨).\n(٧) الغُمْصُ والرُّمْص: واحد، والرمص: غمص أبيض تلفظه العين فتوجع له، وقيل: الغمص: اليابِس منه والرَّمص الجاري. [انظر: كتاب العين (٧/ ١٢٢)، مادة \" رَمَصَ \"، النهاية في غريب الأثر (٣/ ٣٨٦)، مادة \"غَمَصَ \"، لسان العرب (٧/ ٦١)، مادة \" غَمَصَ \"].\n(٨) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١١٧٨).\n(٩) \" كانت \" ساقطة من (ب).\n(١٠) في (أ) \" لا تدخلها \".\n(١١) أخرجه الترمذي في الشمائل المحمدية، باب ما جاء في صفة مزاح رسول الله - ﷺ -، برقم (٢٤١) عن الحسن البصري، وأخرجه الثعلبي في تفسيره (٩/ ٢١٠)، والبغوي في تفسيره (٨/ ١٤)، وأورده السُّيوطي في الدُّر المنثور (١٤/ ١٩٩)، وعزاه لعبد بن حميد والترمذي في الشمائل وابن المنذر والبهيقي في البعث عن الحسن، والحديث ضعفه الألباني في تحقيقه لمختصر الشمائل المحمدية (ص: ١٢٨).\n(١٢) في المخطوطتين \" عذاري \" بالياء، ويجوز في الاسم المختوم بألف التأنيث على وزن \" فعالى \" الوجهان، بالياء، وبالألف المقصورة، مثل: عذاري، وعذارى، وصحاري وصحارى.\n(١٣) \" في جماعة \" ساقطة من (أ).\n(١٤) في (ب) \" العواشق الأزواج \".\n(١٥) وبه قال الحسن وقتادة ومقاتل والمبرد. [انظر: جامع البيان (٢٧/ ١٨٧)، زاد المسير (٧/ ٣٣٠)].\n(١٦) في (ب) \" يقول \"، والأنسب: يقال.\n(١٧) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١١٧٨).\n(١٨) انظر: معاني القرآن (٥/ ٨٩).\n(١٩) انظر: مجاز القرآن (٢/ ٢٥١).\n(٢٠) قال السَّمعاني يمكن الجمع بين هذه الأقوال كلّها، فكأنها تتحبب إلى زوجها بغنج، وشَكَلٍ، وكلام حَسَنٍ، ومَيْلٍ شديدٍ، وبلفظ عربي \" [تفسير السَّمعاني (٥/ ٣٥٠)].\n(٢١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (١٠/ ٣٣٣٢) عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده، وأورده الماوردي في النُّكت والعيون (٥/ ٤٥٦)، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ٢٠٣).\n(٢٢) في (أ) \" شِكالًا \" ... .\n(٢٣) انظر: جامع البيان (٢٧/ ١٨٩)، النُّكت والعيون (٥/ ٤٥٦).\n(٢٤) وهو رأي الأخفش، وخالفه أبو حاتم. [انظر: القطع والائتناف (ص: ٥١٣)].\n(٢٥) يشير إلى ما تقدم في السورة من قوله سبحانه: ﴿وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (٩)﴾.\n(٢٦) المسَامُّ: والسُّموم والسِّمام ومَسامُّ الجسد: ثُقَبُه، ومَسامُّ الإنسان: تَخَلْخُل بشرته وجلْده الذي يبرُزُ عَرقُهُ وبُخار باطنه، منها سمِّيت مَسامَّ؛ لأَن فيها خُروقًا خفيّة. [انظر: كتاب العين (٧/ ٢٠٦) مادة \" سَمَمَ \"، لسان العرب (١٢/ ٣٠٢)، مادة (سَمَمَ)].\n(٢٧) في (أ) \" وهو \".","vol":"1","page":3149},{"text":"قابل بهذا الظّل ظلَّ أصحاب الميمنة.\nوقيل: اليحمومُ هو النَّار السوداء (١).\nابن كيسان: \" اليحموم من أسماء النَّار \" (٢).\nوقيل: يحموم جبل في النَّار يستغيث إلى ظلّه أهل النَّار.\nوقيل: في نارٍ لا ضوء لها (٣).\nالزّجاج: في نار يعذّبون، كقوله: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾، [الزمر: ١٦] \" (٤).\n﴿لَا بَارِدٍ﴾: كسائر الظلال ﴿وَلَا كَرِيمٍ (٤٤)﴾: على صاحبه.\nوقيل: لا بارد المدخل ولا كريم المخرج.\nوالعرب إذا بالغت في ذمّ الشيء نفت (٥) عنه الكرم (٦).\n﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ﴾: يعني في الدنيا.\n﴿مُتْرَفِينَ (٤٥)﴾: متنعّمين، فمنعهم ذلك عن الانزجار وشغلهم عن الاعتبار.\nوقيل: وصفهم بالتُّرفة؛ لأنَّ عذابَ المترَف أشدُّ ألمًا.\nوقيل: ﴿مُتْرَفِينَ﴾: فيما حرّم الله عليهم (٧).\nالسُّدِّي: \" ﴿مُتْرَفِينَ﴾: مشركين \" (٨).\n﴿وَكَانُوا يُصِرُّونَ﴾: يداومون.\nوالإصرار الإقامةُ على الشيء، بخلاف التّوبة (٩).\n﴿عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ (٤٦)﴾: أي: الشرك.\nوالحنث: نقض العهد المؤكَّد باليمين.\nوقيل: على الكذب.\nوقيل: على الذنب العظيم.\nوقيل: اليمين الغموس، هو قوله: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾، [النحل: ٣٨] (١٠)، يقوّيه ما بعده.\n﴿وَكَانُوا يَقُولُونَ أَخْذًا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٤٧)﴾: تقديره: أنبعث إذا مِتنا، وهو العامل في الظرف، وجاز حذفُه؛ لأنَّ قولَه: ﴿مَبْعُوثُونَ﴾ يدلّ عليه، ولا يعمل فيه ﴿مَبْعُوثُونَ﴾؛ لمكان (إنّ)، ولمكان الاستفهام، وكلُّ واحدٍ منهما يمنعُ أنْ يعملَ ما بعده فيما قبله (١١).\n﴿أَوَآَبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (٤٨)﴾: أي: لانُبعثُ نحن ولا آباؤنا.\nمن حرّك الواوَ جعله عطفًا واستفهامًا، ومن سكّنه جعله عطفًا (١٢).\n ﴿قُلْ إِن الْأَوَّلِينَ وَالْآَخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٥٠)﴾ أي: يُحشرون إلى مكان الحساب أو زمان الحساب في يومٍ معلومٍ عند الله.\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٧/ ١٩١)، النُّكت والعيون (٥/ ٤٥٦).\n(٢) انظر: تفسير الثعلبي (٩/ ٢١٣)، تفسير البغوي (٨/ ١٨).\n(٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ٢٠٥).\n(٤) انظر: معاني القرآن (٥/ ٩٠).\n(٥) في (ب) \" نفي \".\n(٦) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ١٢٦)، جامع البيان (٢٧/ ١٩٣).\n(٧) انظر: النكت والعيون (٥/ ٤٥٦)، الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ٢٠٥)، البحر المحيط (١٠/ ٨٥).\n(٨) انظر: النكت والعيون (٥/ ٤٥٧)، الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ٢٠٥).\n(٩) انظر: جامع البيان (٢٧/ ١٩٣).\n(١٠) انظر: النكت والعيون (٥/ ٤٥٧)، زاد المسير (٧/ ٣٣٢).\n(١١) انظر: إعراب القرآن؛ للنُّحَّاس (٤/ ٢٢٣)، البحر المحيط (١٠/ ٨٦).\n(١٢) قرأ نافع وابن عامر بالجزم (أو)، وقرأ الباقون بفتح الواو [انظر: معاني القراءات (ص: ٤٧٧)، المحرر الوجيز (٥/ ٢٤٦)، زاد المسير (٧/ ٣٣٢)].","vol":"1","page":3150},{"text":"وقيل: ﴿لَمَجْمُوعُونَ﴾ في القبر ﴿إِلَى مِيقَاتِ﴾ المحشر.\nوروي عن بعض القرَّاء الوقفُ على قوله: ﴿قُلْ إِن الْأَوَّلِينَ وَالْآَخِرِينَ﴾ كأنه خرج مخرج الجواب، ثمَّ ابتدأ، فقال: ﴿لَمَجْمُوعُونَ﴾، أي: لهم مجموعون.\nوهذا الوقف حَسَنٌ من حيث المعنى، وإنْ كان فيه بعضُ تعسّف (١).\n﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (٥١) لَآَكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢)﴾.\n﴿فَمَالِئُونَ مِنْهَا﴾: من الشَّجر ﴿الْبُطُونَ (٥٣)﴾؛ لأنَّ اللهَ تعالى يسلط عليهم جوعًا شديدًا فيملئون بطونَهم بأكلها رجاءَ زوال الجوع، فإذا امتلئوا منه وجدوا عطشًا شديدًا، فيُعرض عليهم الحميم فيشربون شرب الإبل أصابتها (٢) علّةُ الهيام، وهو داءٌ يأخذ الإبل من العطش، فلا تزال تشرب حتى تَهلك (٣)، وهو قوله:\n﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ﴾ أي (٤) على الزَّقوم، أو على الأكل، أو على الشَّجر، فذكَّر للجنس.\n﴿مِنَ الْحَمِيمِ (٥٤)﴾\n﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (٥٥)﴾: الفتح والضَّم لغتان (٥).\n_________\n(١) انظر: القطع والائتناف (ص: ٥١٣)، غرائب التفسير (٢/ ١١٧٩).\n(٢) في (ب) \" شرب الهيم الإبل أصابتها \".\n(٣) في (أ) \" فلا يزال تشرب حتى يهلك \".\n(٤) \" أي \" ساقطة من (ب).\n(٥) قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر والكسائي ﴿شَرْبَ الهِيْمِ﴾ بفتح الشين، وقرأ نافع وعاصم وحمزة ﴿شُرْبَ الْهِيمِ﴾ بضم الشين، وهما لغتان كما ذكر المؤلف - ﵀ -. [انظر: السَّبعة (ص: ٦٢٣)، معاني القراءات (ص: ٤٧٧)، الحُجَّة (٦/ ٢٦٠)].","vol":"1","page":3151},{"text":"قيل (١): ﴿الْهِيمِ﴾: الرَّمل (٢).\nوقيل: هي: الإبل الضَّوالّ؛ لأنَّها تهيمُ في الأرض القفر فلا تجد ماءً (٣)، فإذا وجدته فلا شيءَ أكثر منها شرابًا (٤).\n﴿هَذَا﴾: أي: الطعام والشراب.\n﴿نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ (٥٦)﴾: ما أُعدَّ لضيافتهم يومَ الجزاء.\n﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ (٥٧)﴾: فهلاّ تُصدِّقون بالبعث والحساب.\nوقيل: فهلاّ تُصدِّقون بأنّا خلقناكم.\n﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨)﴾: تُريقون من المني.\n﴿أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ﴾: تجعلونه بشرًا سويًّا.\n﴿أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (٥٩)﴾: فتذكَّروا بالإبداء الإعادةَ (٥).\n﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ﴾: قضينا عليكم الفناءَ في الدنيا.\nوقيل: بيّنا وقتَه وزمانَه، فلا يزيدُ ولا يَنقصُ، ولا يتقدّم ولا يتأخر.\nوقيل: سوّينا بينكم الموتَ، بين المطيع والعاصي، وبين أهل السماء وأهل (٦) الأرض (٧).\n﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠)﴾: لا يسبقنا أحدٌ فيهرب من الموت، أو يؤخر وقته أو يقدّمه.\n_________\n(١) في (أ) \" وقيل \".\n(٢) أي الأرض الرملة التي لا تروى بالماء.\n(٣) في (ب) \" ولا تجد ماءً \".\n(٤) انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ١٢٨)، جامع البيان (٢٧/ ١٩٥).\n(٥) في (أ) \" بالإبداء والإعادة \".\n(٦) \" وأهل \" ساقطة من (ب).\n(٧) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٤٥٨)، زاد المسير (٧/ ٣٣٤).","vol":"1","page":3152},{"text":"وقيل: لا يسبقنا أحدٌ إلى إماتتكم قبل الوقت (١) (٢).\n﴿عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ﴾: لِنبدّل أمثالَكم، و﴿عَلَى﴾ بمعنى اللام، وهو متّصل [بقوله نَحْنُ ﴿قَدَّرْنَا﴾ ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ أو حال، وقيل: السَّبق بمعنى الغَلبة و﴿عَلَى﴾ مُتَّصل] (٣) بالغَلَبة، أي: وما نحن بمغلوبين على أنْ نستبدلَ أمثالَكم في الدنيا، فنخلق فيها بدلَكم غيرَكم.\nوالتقدير: نبدّلكم بأمثالكم، فحُذف المفعولُ الأولُ وحذف الجارُّ من المفعول الثَّاني.\nويحتمل: أنّ المثلَ زيادةٌ، والتقدير: نبدّلَكم. وتبديلُهم: نقلُهم من صورةٍ إلى صورةٍ، أو حالٍ إلى حالٍ، أو من الحيوان إلى الجماد.\nويحتمل أيضًا: أنَّ المثلَ ها هنا الشخصُ، من قولهم: مَثُل بين يديه (٤).\n﴿وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦١)﴾: نخترعَكم في صورٍ لا تعلمونها.\nومعنى الآية: نحن قادرون على إحيائكم وإنشائكم ثانيًا، وإنْ كنتم لا تعلمون النشأةَ الثَّانيةَ (٥).\n﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى﴾: نطفةً، ثمَّ علقةً، إلى تمام الخِلقة.\n﴿فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ (٦٢)﴾: أن مَن قدر على شيءٍ مرّةً لم يَعجَزْ عنه ثانيةً.\n﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣)﴾: تُثيرون الأرضَ وتُلقون فيها البذرَ.\n﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ﴾: تُنبتونه ﴿أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤)﴾: المنبتون (٦).\n_________\n(١) في (ب) \" قبل الموت \".\n(٢) انظر: جامع البيان (٢٧/ ١٩٧)، النُّكت والعيون (٥/ ٤٥٩).\n(٣) ما بين المعقوفتين ساقط من (ب).\n(٤) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١١٧٩)، تفسير البيضاوي (٢/ ٤٦٢)، تفسير أبي السُّعود (٦/ ١٩٢).\n(٥) انظر: جامع البيان (٢٧/ ١٩٧)، النُّكت والعيون (٥/ ٤٥٩).\n(٦) انظر: جامع البيان (٢٧/ ١٩٨)، تفسير البغوي (٨/ ٢٠).","vol":"1","page":3153},{"text":"والحرث: فعلُ العبد، والزرع: فعل الله وحده، ولهذا قال النبي - ﷺ -: «لا يقولنّ أحدُكم زرعتُ ولكن حرثتُ» (١).\nوقد يسمى الحارث زارعًا على أنَّه فعلَ أسبابَ الزَّرع والإنبات.\n﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾: هشيمًا متكسرًا قبل إدراكه وأوانه بآفةٍ تُصيبه.\nفَظَلْتُمْ ﴿تَفَكَّهُونَ (٦٥)﴾: دمتم بعد أنْ صار حُطامًا تعجبون.\nوقيل: تندمون.\nوقيل: تحزنون.\nوأصل التفكّه: التنقل بصنوف (٢) الفاكهة، ويستعمل أيضًا في التفكّه بالحديث، ومنه الفُكاهة، وهي المزاح.\nوالمعنى: فظلتم تتحدّثون (٣) ممَّ كان؟، وما موجبه؟ وأشباه هذا. يقوّيه قولُ من قال: تقديره: ﴿تَفَكَّهُونَ﴾ بقولكم: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾.\nوقيل: معنى ﴿تَفَكَّهُونَ﴾: تتنعمون، فيه تقديم وتأخير، وتقديره: أَمْ ﴿نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾، ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾: تتنعمون بذلك ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾.\nوفيه بعد؛ لأنَّ ما بعدَه يبقى كلامًا غير مفيد (٤).\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (٢٧/ ١٩٨) عن أبي هريرة - ﵁ -، وأخرجه الطبراني في الأوسط (٩/ ٥٦٠) برقم (٨٢٥٥) والبيهقي في السنن الكبرى (٦/ ١٣٨) من طريق مسلم الجرمي. في كتاب المزارعة باب: ما يستحب من حفظ المنطق في الزرع. وذكر قبله نحوه من قول مجاهد، ثم قال البيهقي: (وقد روي فيه حديث مرفوع غير قوي)، قال الهيثمي في المَجمع (٤/ ١٢٠): \" رواه الطبراني في الأوسط والبزار، وفيه مسلم بن أبى مسلم الجرمى، ولم أجد من ترجمه، وبقية رجاله ثقات \"، وصحَّحه الألباني في السلسلة الصحيحة (٦/ ٧١٥)، برقم (٢٨٠١).\n(٢) في (أ) \" بضروب \".\n(٣) في (أ) \" يتحدثون \".\n(٤) قال ابن جرير: \" وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: معنى: ﴿فَظَلْتُمْ﴾ فأقمتم تعجبون مما نزل بزرعكم، وأصله من التَّفَكُّه بالحديث، إذا حَدَّث الرجلُ الرجلَ بالحديث يعجب منه ويلهى به، فكذلك ذلك، وكأنَّ معنى الكلام: فأقمتم تتعجبون يعجب بعضكم بعضًا مما نزل بكم \" [جامع البيان (٢٧/ ١٩٩)، وانظر: إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٤/ ٢٢٧)، النُّكت والعيون (٥/ ٤٦٠)].","vol":"1","page":3154},{"text":"ومعنى: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦)﴾: أصابنا غُرمٌ في أموالنا.\nوالغُرم: ذهابُ المال (١) بغيرِ عوضٍ (٢).\nقتادة: \" ﴿مُغْرَمُوْنَ﴾: مُعذّبون \" (٣) من الغَرام، وهو العذاب (٤).\nمجاهد: \"مُولَعٌ بنا \" (٥).\n﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٦٧)﴾: حُرمنا ومُنعنا رزقَنا.\nوقيل: محدودون لا مجدودون (٦).\nقوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ﴾: قيل: هي (٧) من رؤية العين ﴿مَا تَحْرُثُونَ﴾: مفعوله.\nوقيل: من رؤية القلب.\nوقوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ﴾: في موضع المفعول الثَّاني.\nوقيل: معناه: نُنبته، فلا مفعولَ له إذًا.\n﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨)﴾: يعني العذْب.\n_________\n(١) في (أ) \" الأموال \".\n(٢) انظر: المفردات (ص: ٦٠٦)، مادة \" غَرِمَ \"، النَّهاية (٢/ ٣٦٣)، مادة \" غَرِمَ \".\n(٣) انظر: جامع البيان (٢٧/ ١٩٩)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٤/ ٢٢٧).\n(٤) قال النَّحاس: \" وقول قتادة حَسَنٌ بَيِّنٌ؛ لأنَّه معروف في كلام العرب، إنَّه يقال: للعذاب والهلاك: غرامٌ \" [إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٤/ ٢٢٧)].\n(٥) انظر: تفسير الصنعاني (٣/ ٢٧٣)، جامع البيان (٢٧/ ١٩٩).\n(٦) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٢٠٠)، تفسير الثعلبي (٩/ ٢١٦).\n(٧) في (أ) \" هو \".","vol":"1","page":3155},{"text":"﴿أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ﴾: وهو السَّحاب. واحدها مُزنة (١).\n﴿أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩)﴾: بقدرتنا.\n﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾: مِلحًا. وقيل: مُرًّا. مشتقٌّ من الأَجيج، يُحرق الفمَ بمُلوحته ومَرارته (٢).\n﴿فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (٧٠)﴾.\n﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١)﴾: تَقدحون.\n﴿أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا﴾: وهي المَرْخُ والعَفَار، يُقدح بهما النَّار، ومنه:\nفي كلّ شجر نار، واستمجد المَرْخُ والعَفَار (٣).\nوقيل: ﴿تُورُونَ﴾: من الشجر والحديد والحجر (٤).\n﴿أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا﴾: أصلَها (٥).\n﴿أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (٧٢)﴾: الخالقون لها ابتداءً.\n﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا﴾: في الهاء ثلاثة أقوال:\nأحدها: يعود إلى خروج النَّار من الشجرة الخضراء.\n﴿تَذْكِرَةً﴾: لقدرتنا.\nوالثاني: جعلنا نارَ الدنيا تذكرةً لنار جهنم، قال النبي - ﷺ -: «نارُكم هذه جزءٌ من سبعين جزءًا من حرِّ نارِ جهنَّمَ» (٦).\nوقيل: تبصرةً للناس (٧) في الظلام.\nوالثالث: جعلنا النعمَ التي تقدّمت تذكرةً لحقّ الله وما يجب من طاعته (٨).\nوالأكثرون: على أنَّها تعود إلى النار، ولهذا لم يُذكر بعدها: لو نشاء لأطفيناها ... وأخمدناها، كما قال: في الأوليين؛ لأنَّها تذكرةً يذكر بها نارُ الآخرة (٩).\nقوله: ﴿وَمَتَاعًا﴾: متعةً يتمتّعون بها.\n﴿لِلْمُقْوِينَ (٧٣)﴾: لمن نزل بالقِواء، أي: المسافرين.\nوقيل: لمن نفذ زادهم، من قولهم: أقوت الدارُ: إذا خلتْ من ساكنيها.\nوقيل: للجائعين في إصلاح زادهم (١٠).\nوقيل: ﴿لِلْمُقْوِينَ﴾: لمن أصحابه أقوياء، تقول: أقوى الرجل: صارَ أصحابُه أقوياء، وكذلك أَضْعَفَ: صار أصحابُه ضُعفاء.\nوقيل: ﴿لِلْمُقْوِينَ﴾: أصحاب القوَّة، أي: يَستمتع بها الغنيُّ والفقيرُ (١١).\nبدأ بذكر خلق الإنسان، فقال: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨)﴾؛ لأنَّ النعمةَ فيه سابقةٌ على جميع النعم.\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٢٠٠)، تفسير السَّمعاني (٥/ ٣٥٦).\n(٢) انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ١٢٩)، جامع البيان (٢٧/ ٢٠١).\n(٣) هذا مثلٌ معروف، يقال: استمجد المرخ والعفار، أي استكثرا وأخذا من النار ما هو حسبهما شبهًا بمن يكثر العطاء طلبًا للمجد؛ لأنهما يسرعان الوري، ويضرب هذا المثل في تفضيل بعض الشيء على بعض.\nقال أبو زياد: \" ليس في الشجر كله أورى زنادًا من المرخ \". مجمع الأمثال؛ للميداني (٢/ ٨٧)، لسان العرب (٤/ ٥٨٣)، مادة \" عَفَرَ \".\n(٤) انظر: الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ٢١٣)، التَّسهيل (٤/ ٩١).\n(٥) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٢٠١)، النُّكت والعيون (٥/ ٤٦١).\n(٦) أخرجه البخاري في صحيحه (بنحوه) في كتاب بدء الخلق، باب: صفة النار، وأنها مخلوقة، برقم ... (٣٢٦٥)، وأخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: في شدة حر جهنم وبعد قعرها وما تأخذ من المعذبين، برقم (٧٠٩٤) كلاهما عن أبي هريرة - ﵁ -.\n(٧) في (ب) \" للنار \"، وهو تصحيف.\n(٨) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٤٦١)، زاد المسير (٧/ ٣٣٥).\n(٩) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٩٢)، الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ٢١٣)، البحر المحيط (١٠/ ٩٠).\n(١٠) وهو قول ابن زيد، قال أبو حيَّان: \" وهو ضعيفٌ جدَّا \" [البحر المحيط (١٠/ ٩٠)].\n(١١) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٢٠١)، النُّكت والعيون (٥/ ٤٦١)، البحر المحيط (١٠/ ٩٠).","vol":"1","page":3156},{"text":"ثمَّ بما فيه قِوامُ النَّاس، وهو الحبُّ، فقال: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣)﴾.\nثمَّ بالماء الذّي يُعجن به ويشرب عليه، فقال: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨)﴾ ثمَّ بالنار التي يُخبَز بها، فقال: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١)﴾.\nفصار مجموعُ الثلاثةِ طعامًا لا يَستغني عنه الجسدُ مادام حيًّا (١).\nثمَّ قال: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾: نزه اللهَ عما لا يليقُ به (٢).\nوقيل: قلْ سبحان ربي العظيم، وجاء مرفوعًا: \" أنَّه لمَّا نزل هذه الآية قال النبيُّ - ﷺ -: ... «اجعلوها في ركوعكم، ولمَّا نزل: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، [الأعلى: ١]، قال: اجعلوها في سجودكم» (٣).\n﴿فَلَا أُقْسِمُ﴾: في ﴿لا﴾ أقوال:\nأحدها: أنَّه صلةٌ للكلام، وليس بنفي، كما في قوله: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾، [الحديد: ٢٩]، أي: ليعلم.\nوقيل: ردٌّ لكلامٍ سابقٍ، أي: ليس الأمرُ كذلك.\nوقيل: أصلُه لأُقْسِمُ، فأُشبع اللامُ فصارَ (لا)، وكذلك قرأه الحسن (٤).\nوقيل: إنَّه نفيٌ للقسم، أي: الكلامُ أوضحُ من أنْ يُحتاجَ معه إلى قسم.\nوقيل: إنه نفيٌ بالقسم، والمقصود بالقسم ثابت، كما يقول الرجل: لا أحلف، لقد كان كذا، يريد بذلك تحقيقَ الكلام، وهي مستعملةٌ في كلام العرب والعجم.\n_________\n(١) انظر: البرهان؛ للكرماني (ص: ٣٠٧)، البحر المحيط (١٠/ ٩٠).\n(٢) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٢٠٣)، تفسير الثعلبي (٩/ ٢٢٥).\n(٣) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٤/ ١٥٥)، أبو داود في سننه في كتاب الصلاة، باب: ما يقوله الرجل في ركوعه وسجوده، برقم (٨٦٩)، وابن ماجة في كتاب إقامة الصلوات، باب التسبيح في الركوع والسجود، برقم (٨٨٧).\n(٤) أي ﴿فَلأُقْسِمُ﴾، وهي قراءة شاذّة [انظر: المحتَّسب (٢/ ٣٦٠)، شواذ القراءات (ص: ٤٦٣)، المحرر الوجيز (٥/ ٢٥٠)].","vol":"1","page":3157},{"text":"وقول من قال: التقدير في هذه الأقسام: وربّ مواقع النجوم، وربّ الشمس، وربّ النجم، وربّ التين: عدولٌ عن الظاهر، ثمَّ لا يَطَّرد في الكلام، لا يقول: الرجل وأبي ما فعلت، ورأسك لقد فعلت، ومقصوده وربّ رأسك وربّ أبي، ولو ساغ هذا لم يُمنع عن الحلف بغير الله (١).\nوقوله: ﴿بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥)﴾: قيل: المراد به المصدر، وجُمعَ لاختلاف أجناسه، ويقوّيه قراءةُ مَن قرأ بالتوحيد (٢).\nوقيل: المرادُ به المكان، وهي مغاربها ومطالعها ومجاريها في أفلاكها.\nوقيل: مواقع النجوم: منازلِ النجوم.\nوقيل: مواقع السَّماء، فهي قَسَمٌ بالسماء.\nوقيل: المراد به الزمان، وهو يوم القيامة يومَ انتثارها وانكدارها.\nوقيل: هي نجومُ القرآن وأوقاتُ نزولها.\nوقيل: نجوم القرآن هي المحكمات منه.\nابن بحر: \" المراد بها النجوم ذوات الأنواء، والنَّوء: سقوط نجم وطلوع رقيبه في البرج السابع منه، وكانت العرب تُراعى ذلك \" (٣).\nويحتمل: أنَّ النجومَ نجومُ الرجوم ورماتها؛ لأنَّها حدثت عند مولده وبعثته.\nويحتمل أيضًا على [قول] (٤) مَن حمله على نجوم القرآن: أنه قَسَمٌ بمحمدٍ - ﷺ -؛ لأنَّ قلبَه محلُّ وقوعه. والله أعلم (٥) (٦).\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٢٠٣)، المحرر الوجيز (٥/ ٢٥٠)، البحر المحيط (١٠/ ٩٠).\n(٢) قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر ﴿بِمَوَاقِعِ﴾ بالجمع، وقرأ حمزة والكسائي ﴿بِمَوْقعِ﴾ بالإفراد [انظر: السَّبعة (ص: ٦٢٤)، معاني القراءات (ص ٤٧٨)، الحُجَّة (٦/ ٢٦٢)].\n(٣) ليست في المخطوطتين، والسياق يقتضيها.\n(٤) لم أقف عليه.\n(٥) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٢٠٣)، النُّكت والعيون (٥/ ٤٦٢)، زاد المسير (٧/ ٣٣٧)، الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ٢١٥).\n(٦) والخلاصة أنَّ الخلاف في المسألة على قولين:\nالأول: قول ابن عبَّاس وعكرمة ومجاهد وغيرهم هي نجوم القرآن التي نزلت على محمد - ﷺ -.\nالثاني: وهو قول جمهور كثير من المفسرين أنَّ النجوم هنا: الكواكب المعروفة، واختلف في موقعها على أقوال كما ذكر المؤلف.\nقال ابن جرير - ﵀ -: \" وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال معنى ذلك: فلا أقسم بمساقط النجوم ومغايبها في السَّماء، وذلك أنَّ المواقع جمع مَوْقِع، والموقع المَفْعِل من وَقَعَ يَقَعُ مَوْقِعًَا، فالأغلب من معانيه والأظهر من تأويله ما قلنا في ذلك، ولذلك قلنا هو أولى معانيه به \". [جامع البيان (٢٧/ ٢٠٤)].\nوقال ابن القيم - ﵀ -: ويرجح هذا القول أيضًا أن النجوم حيث وقعت في القرآن، فالمراد منها الكواكب كقوله تعالى: ﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ [الطور: (٤٩)] وقوله: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ﴾ [الأعراف: (٥٤)].\nوعلى هذا فتكون المناسبة بين ذكر النجوم في القسم وبين المقسم عليه وهو القرآن من وجوه:\nأحدها: أن النجوم جعلها الله يهتدى بها في ظلمات البر والبحر وآيات القرآن يهتدى بها في ظلمات الجهل والغي فتلك هداية في الظلمات الحسية وآيات القرآن في الظلمات المعنوية فجمع بين الهدايتين مع ما في النجوم من الرجوم للشياطين.\nوفي آيات القرآن من رجوم شياطين الإنس والجن والنجوم آياته المشهودة المعاينة، والقرآن آياته المتلوة السمعية مع ما في مواقعها عند الغروب من العبرة والدلالة على آياته القرآنية ومواقعها عند النزول \" [التبيان في أقسام القرآن (ص: ٢١٦)].","vol":"1","page":3158},{"text":"﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦)﴾: هذا اعتراضٌ بين القَسَم والمقسَم عليه.\nوالمعنى: القسمُ بمواقع النجوم قسمٌ عظيمُ القدرِ لو تعلمون.\nوهذا اعتراضٌ بين الصفة والموصوف في ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧)﴾ (١): كثيرُ الخير عامُّ المنافع تُنال ببركته الدنيا والآخرة والرُّؤْيةُ والنعيمُ.\nوقيل: ﴿كَرِيمٌ﴾: عند الله.\nوقيل: ﴿كَرِيمٌ﴾: يُكرم حافظُه ويكرم قارئه.\nوقيل: ﴿كَرِيمٌ﴾: يُكرمه المؤمنون والملائكة المقَّربون (٢).\n﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨)﴾: مصون محروس (٣).\n_________\n(١) انظر: المحرر الوجيز (٥/ ٢٥١)، التبيان في أقسام القرآن (ص: ٢١٦).\n(٢) كلُّ ذلك الوصف يصدق على القرآن. [انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٤٦٣)، الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ٣٣٧)].\n(٣) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٢٠٤)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٩٢).","vol":"1","page":3159},{"text":"ابن عبّاس: \"هو اللوح المحفوظ \" (١).\nوقيل: \"هو المصحف\" (٢).\n﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾: لا يمس اللوحَ المحفوظَ إلاّ الملائكةُ.\nوقيل: لا يمس المصحفَ إلاّ المطهرون من الأحداث. واللفظ نفيٌ والمراد به نهيٌ.\nوقيل: لا يقرؤه إلاّ المطهرون من الجنابة (٣).\nوقيل: لا يمسّه إلاّ المطهرون: من الشرك.\nوقيل: معنى لا يمسّه: لا يطلبه إلاّ المؤمنون.\nوقيل: لا يمسُّ تأويلَه ولا يَفهم معانيه إلاّ المطهرون (٤).\n﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٠)﴾: لا يفتريه ولا يتقوّلُه محمدٌ - ﷺ -.\n﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ﴾: يعني القرآن، وفيه ذكر حوادث الأمور.\n﴿أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (٨١)﴾: مُكذّبون.\nوقيل: كاذبون. وقيل: منافقون. وقيل: كافرون.\nوأدهن وداهن: أسرَّ خلافَ ما أظهر (٥).\nوقيل: تُلينون القولَ وتُساهلون، كالدهن.\nوقيل: مُعرِضون (٦).\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٢٠٥)، النُّكت والعيون (٥/ ٤٦٣).\n(٢) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٤٦٣)، المحرر الوجيز (٥/ ٢٥١).\n(٣) في (ب) \" من الخيانة \".\n(٤) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٤٦٤)، التسهيل (٤/ ٩٢).\nوالأولى الحمل على العموم سواء كان اللوح المحفوظ، فيكون المقصود الملائكة، أو كان المصحف فيكون المقصود من الأنبياء والرسل، وكل مطهر من الذنوب والأردان، قال ابن جرير - ﵀ -: \" والصواب من القول من ذلك عندنا أنَّ الله جل ثناؤه أخبر أن لا يمس الكتاب المكنون إلا المطهرون فعمَّ بخبره المطهرين، ولم يخصص بعضًا دون بعض، فالملائكة من المطَهَّرين، والرسل والأنبياء من المُطَهَّرين، وكلُّ من كان مطهَّرًا من الذنوب، فهو ممن استثني وعُني بقوله: ﴿إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [جامع البيان (٢٧/ ٢٠٦)].\n(٥) انظر: المفردات (ص: ٣٢٠) مادة \" دَهَن \"، لسان العرب (١٣/ ١٦٠)، مادة \" دَهَن \".\n(٦) في (ب) \" مُغْرِضون \"، وهو تصحيفٌ.","vol":"1","page":3160},{"text":"وقيل: ممالون ومعاونون (١).\nقيل: الإدِّهان ضدُّ الحزم. والمعنى: تتساهلون فيه وتستهينون (٢).\n﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢)﴾: الجمهور على أنَّ هذا ردٌّ على مَن يقول بالأنواء. والمعنى: تجعلون شُكْر رزقِكم تكذيَبكم، فحُذف المضاف (٣).\nوقيل: الرِّزق: الشُّكر. ذكره الزَّجَّاج (٤).\nوذهب بعضُهم إلى أن الرزقَ الحظّ (٥). والمعنى: تجعلون حظَّكم من الرِّزق التكذيبَ.\nعكرمة: \" هو الاكتسابُ بالسِّحر \" (٦).\nوقيل: هو: ما كانوا ينالونه من سفلتهم على تكذيبهم محمد - ﷺ -. حكاه الماوردي (٧).\nقال الشّعبي: \" التكذيبُ على وجهين: تكذيبُ جَحْدٍ، وتكذيبُ تركِ الأمر \" (٨).\n﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ﴾: أي: الرُّوح (٩).\n﴿الْحُلْقُومَ (٨٣)﴾: ممر الطعام والشراب في الحلْق (١٠).\n﴿وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤)﴾: لا يمكنكم دفعُها.\n_________\n(١) \" ومعاون \" ساقط من (أ).\n(٢) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٤٦٤)، الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ٢١٩).\n(٣) قال ابن عطية: \" أجمع المفسرون على أن الآية توبيخ للقائلين في المطر الذي ينزله الله للعباد، هذا بنوء كذا وكذا، وهذا بعثانين الأسد، وهذا بنوء الجوزاء، وغير ذلك \" [المحرر الوجيز (٥/ ٢٥٢)، وانظر: جامع البيان (٢٧/ ٢٠٧)، تفسير السَّمعاني (٥/ ٣٦٠)، الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ٢١٩)].\n(٤) انظر: معاني القرآن (٥/ ٩٣).\n(٥) قال الحسن: \" خسر عبد لا يكون حظه من كتاب الله إلا التكذيب \" [انظر: جامع البيان (٢٧/ ٢٠٩)،\nتفسير الثعلبي (٩/ ٢٢١)].\n(٦) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٤٦٥).\n(٧) المرجع السابق.\n(٨) لم أقف عليه.\n(٩) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٢٠٩)، معاني القرآن (٥/ ٩٣).\n(١٠) انظر: كتاب العين (٣/ ٤٨)، مادة \" حَلْقَمَ \"، لسان العرب (١٢/ ١٥٠)، مادة \" حَلْقَمَ \".","vol":"1","page":3161},{"text":"والجمهور على أن قوله: ﴿وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ خطابٌ لمن حضر الميّتَ تلك الساعة، أي: أنتم تنظرون إلى الميّت (١).\nوقيل: إلى سلطان الله وقدرته (٢).\nوقيل: وأنتم تنظرون أنْ يحلَّ بكم كما حلَّ به، وفي الخبر: «لا يموتُ أحدٌ حتى يعلمَ أهو من أهل الجنَّة أم [من] (٣) أهل النَّار» (٤).\n﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ﴾: إلى ذلك الميّت.\n﴿مِنْكُمْ﴾: يراه الله سبحانه من غير مسافة.\nوقيل: تدبيرنا ﴿أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ﴾.\nوقيل: مَلَكُ الموت ورسلُنا ﴿أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ﴾ (٥).\n﴿وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (٨٥)﴾: اللهَ وتدبيرَه، ومَلَكَ الموت ورسلَه.\nوقيل: معنى ﴿لَا تُبْصِرُونَ﴾: لا تعقلون ولا تعلمون.\n﴿فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٨٧)﴾: أي: هلاّ رددتم الأرواحَ والنفوس من حُلوقكم إلى أبدانكم إذا بلغت الحلقومَ إنْ كنتم صادقين أنَّكم غيرَ محاسبين مجزيين في القيامة.\nوقيل: إنْ كنتم غير مملوكين مقهورين مربوبين، فهلّا تمتنعون (٦) من الموت، فتردون (٧) الروحَ إلى النفس، فتبقون أحياءَ.\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ٢٢٤)، جامع البيان (٢٧/ ٢٠٩)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٩٣).\n(٢) انظر: تفسير الثعلبي (٩/ ٢٢٣)، تفسير البغوي (٨/ ٢٥).\n(٣) في المخطوطتين بدون \" من \" الثانية، والسياق يقتضيها.\n(٤) أورده ابن كثير عن محمد بن كعب. [انظر: تفسير القرآن العظيم (٤/ ٣٢٢)].\n(٥) انظر: زاد المسير (٧/ ٣٣٩)، تفسير البغوي (٨/ ٢٥)، ولفظ البغوي: \" بالعلم والقدرة والرؤية. وقيل: ورسلنا الذين يقبضون روحه أقرب إليه منكم \".\n(٦) في (أ) \" يمتنعون \".\n(٧) في (أ) \" وتردون \".","vol":"1","page":3162},{"text":"الحسن: \" معنى: ﴿مَدِينِينَ﴾: مبعوثين \" (١).\nوالتقدير: إنْ لم أكن (٢) قادرًا على البعث لم أكن قادرًا على النزع، فكما أن القبضَ إليَّ مع عجزكم، كذلك البعث إليَّ (٣).\nو﴿لَوْلَا﴾: في الآيتين للتحضيض (٤) يستدعى فعلًا، وهو قوله: ﴿تَرْجِعُونَهَا﴾، فاكتفى من ذكر الفعل على مرّة واحدة.\nوقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ﴾: شرطٌ دخل على شرطٍ، فيكون الثَّاني مقدَّمًا في التقدير، أي: إن كنتم صادقين إن كنتم غير مملوكين مجزيّين فأرجعوا أرواحَكم إلى أبدانكم ممتنعين عن الموت (٥). والله أعلم.\nالزجاج: هذا جواب لقولهم: ﴿لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾، [آل عمران: ١٦٨]، و: ﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾، [آل عمران: ١٥٦]، أي: لو كان الحياةُ والموتُ بأيديكم فادفعوا عن أنفسكم الموتَ \" (٦).\nوزُيّف هذا القول؛ لأنَّ سورةَ الواقعة مكيّةٌ، وذلك القولُ كان من المنافقين بعدها بمدّةٍ.\n﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨)﴾: ختم السورةَ بذكر الفرق الثلاث (٧)، فقال: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ﴾ المتوفَّى ﴿مِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾، أي: السَّابقين؛ لقوله أوَّلَ السورة: وَالسَّابِقُونَ ﴿السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١)﴾.\nوقيل: المقربون أهلُ جنَّة عدنٍ (٨).\n﴿فَرَوْحٌ﴾: أي: فله ﴿رَوح وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ (٨٩)﴾.\nالرَّوح: بالفتح الفَرَح، وبالضّم: الحياةُ الدائمةُ (٩).\nوقيل: الرَّوح: الهواء الذّي يُلِذّ النفسَ ويُزيل الهمَّ عنها (١٠).\n﴿وَرَيْحَانٌ﴾: رزقٌ.\nوقيل: هو المشموم.\nوقيل: يَشمُّ عندَ الموت رَيحانةُ فيخرج بها روحُه. اللَّهم اجعلنا منهم.\nوقيل: ﴿رَيْحَانٌ﴾: رحمةٌ ومغفرةٌ ورزقٌ طيّبٌ هنيٌّ.\nالزّجاج: \" الريحان ها هنا: التَّحية لأهل الجنَّة \" (١١).\nوقيل (١٢): الرَّوحُ في القبر، والريحان في الجنَّة.\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٢١٠)، النُّكت والعيون (٥/ ٤٦٥).\n(٢) في (أ) \" وإن لم أكن \".\n(٣) والقول الأول هو الراجح، وهو اختيار ابن جرير. [انظر: جامع البيان (٢٧/ ٢١٠)، النُّكت والعيون (٥/ ٤٦٥)، زاد المسير (٧/ ٣٤٠)].\n(٤) في (أ) \" للتَّخصيص \".\n(٥) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ١٣٠)، الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ٢٢٣).\n(٦) انظر: معاني القرآن (٥/ ٩٣).\n(٧) في النُّسختين: \" الفرق الثلاثة \"، بتاء التأنيث، والموافق لقواعد اللغة العربية حذفها، كما أُثبت؛ لأن تاء التأنيث تُحذف في العدد مع المؤنث من ثلاثة إلى عشرة، وتذكر مع المذكّر، وقد جاء على الصواب في المخطوطتين في الموضع التالي، في تفسير الآية (٩٥).\n(٨) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٤٦٦)، تفسير السَّمرقندي (٣/ ٣٧٧).\n(٩) قرأ الجمهور ﴿فَرَوْحٌ﴾ بفتح الرَّاء، وقرأ أبو بكر الصديق وأبو رزين والحسن وعكرمة ورويس عن يعقوب بضمِّ الرَّاء ﴿فَرُوْحٌ﴾، وهي شاذَّة. [انظر: جامع البيان (٢٧/ ٢١١)، المحتَسَب (٢/ ٣٦١)، البحر المحيط (١٠/ ٩٥)].\n(١٠) انظر: لسَان العرب (٢/ ٤٥٥)، مادة \" رَوَحَ \".\n(١١) انظر: معاني القرآن (٥/ ٩٤).\n(١٢) أي: في محلِّ الرَّوح.","vol":"1","page":3163},{"text":"وقيل: الرَّوح للقلب، والريحان للنفس، والجنَّة للبدن (١).\n﴿وَجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾: \" ابن عيسى: النعمةُ مضمونٌ بالشكر؛ لأنَّها فعلُ المنعَم من أنعم نعمةً، وليس كذلك النعيم؛ لأنَّه من نَعم نعيمًا، كقولهم: انتفع انتفاعًا \" (٢).\nوالفاء في ﴿فَرَوْحٌ﴾: جواب ﴿أَمَّا﴾؛ لأنَّ معناه: مهما يكن من شيءٍ فله رَوح، و(أمَّا) لا يلي الفعل؛ لأنَّه ناب عن الفعل، وإنما يلي الأسماءَ والجملَ.\nوجواب الشرط محذوفٌ.\nوقيل: مقدّمٌ؛ لأنَّه لم يجزمْ.\nوقيل: الفاء تنوب عن الجوابين (٣).\n﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠)﴾: هم: أصحاب الميمنة.\n﴿فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩١)﴾ أي: أنك ترى فيهم ما تحبُّ من السلامة.\nوقيل: سلامٌ عليك منهم؛ لأنَّهم معكَ في الجنَّة. واللام ناب عن (على).\nوقيل: هو صلواتُهم وتسليمُهم عليه في الدنيا.\nوقيل: فسلامٌ لك من العذاب، أي: أمانٌ لكَ أنْ لا يُعذَّبوا (٤).\nوقيل: تقديره: وأمَّا إنْ كان من أصحاب اليمين فمسلَّمٌ لك، ثمَّ استأنف، فقال: إنَّك أو أنت من أصحاب اليمين، فحذف إنك أو أنت.\nوقيل: هذا خطابٌ لكلّ مَن مات منهم، يقول لهم الملائكة يبشرونه عند قبض روحه: سلامٌ لك إنك من أصحاب اليمين.\n_________\n(١) قال ابن جرير - ﵀ -: \" وأولى الأقوال في ذلك بالصواب عندي قول من قال: عني بالرَّوح: الفرح والرحمة والمغفرة، وأصله من قولهم: وجدت روحًا إذا وجد نسيمًا يستروح إليه من كرب الحر، وأما الريحان: فإنه عندي الريحان الذي يتلقى به عند الموت، كما قال أبو العالية والحسن ومن قال في ذلك نحو قولهما؛ لأنَّ ذلك الأغلب والأظهر من معانيه \". [جامع البيان (٢٧/ ٢١٢)، وانظر: النُّكت والعيون (٥/ ٤٦٦)، تفسير البغوي (٨/ ٢٦)، زاد المسير (٧/ ٣٤٠)].\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) انظر: إملاء ما منَّ به الرحمن) ٢/ ١٢٠٦)، البحر المحيط (١٠/ ٩٥).\n(٤) في (ب) \" ألا تُعذِّبوا \".","vol":"1","page":3164},{"text":"وقيل: يبشرونه في القبر.\nوقيل: عند الخروج من القبر (١).\n﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢)﴾: هم أصحاب المشأمة (٢).\n﴿فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤)﴾: أي: فله رزق ممَّا أُعدّ له في النَّار.\n﴿إِنَّ هَذَا﴾: الذي ذكرت لهؤلاء الفرق الثلاث.\n﴿لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (٩٥)﴾: وقيل: كلّ ما ذكرن في هذه السورة فهو يقين حقّ اليقين، أي: الخبر الذي لا شكَّ فيه.\nوذهب بعضهم إلى أن هذا إضافةُ الشيءِ إلى نفسه.\nوامتنع عنه البصريُّون، وقالوا: التقدير حقَّ الأمرُ اليقينُ (٣).\nواليقين: علمٌ يحصلُ به ثَلَجُ الصدر، ويُسمى بَرْدَ اليقين.\nوقيل: هو علم يحصل بالدّليل.\n﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٩٦)﴾: اُذْكُره بأسمائه العلى وصفاته الحسنى.\nوالله أعلم.\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٢١٣)، النُّكت والعيون (٥/ ٤٦٧)، زاد المسير (٧/ ٣٤١).\n(٢) والذين تقدَّم ذكرهم في قوله تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (٩)﴾.\n(٣) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٢١٤)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٤/ ٢٣١).","vol":"1","page":3165},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-163>سورة الحديد </span>(١)\nتسع وعشرون آيةً (٢) (٣) مدنيةٌ، عند الأكثرين (٤).\nقال (٥): الكلبيّ: \" مكية \" (٦).\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: بدأ سورةَ بني إسرائيل (٧) بلفظ المصدر، وبدأ سورةَ الحديد والحشر والصف بلفظ الماضي، والجمعة والتغابن بلفظ المستقبل، وسورة الأعلى بلفظ الأمر؛ استيعابًا لهذه الكلمة من جميع جهاتها، وهي أربع: المصدر، والماضي، والمستقبل، وأمر المخاطَب فحسب (٨).\nوالتسبيح يأتي بمعنى الصلاة، والتنزيه، والتمجيد، والتبرئة (٩)، ورفع الصَّوت بالدُّعاء (١٠).\nفحمله ابن عبّاس: في الآية على الصلاة (١١)، فيكون ﴿مَا﴾ بمعنى ﴿مَن﴾.\n_________\n(١) كذا سُمِّيت من عهد الصَّحابة، وفي المصاحف، وفي كتب السُّنة والتفاسير لوقوع لفظ الحديد في قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾، وهو وإن ذكر في سورة الكهف إلا أن التسمية بسورة الكهف للاعتناء بقصة أهل الكهف. [انظر: بصائر ذوي التمييز (١/ ٤٥٣)، التحرير والتنوير (٢٧/ ٣٥٣)].\n(٢) \" تسع وعشرون آية \" ساقطة من (ب).\n(٣) في عدِّ أهل الكُوفة والبصرة، وفي عدِّ الباقين ثمان وعشرين. [انظر: البيان في عدِّ آي القرآن (ص: ٢٤١)، بصائر ذوي التمييز (١/ ٤٥٣)، المحرر الوجيز في عدِّ آي الكتاب العزيز (ص: ١٦٣)].\n(٤) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٤٦٨)، تفسير البغوي (٨/ ٢٩)، زاد المسير (٧/ ٣٤٣).\n(٥) \" قال \" ساقطة من (ب).\n(٦) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٤٦٨)، زاد المسير (٧/ ٣٤٣)، وقال ابن عطية [المحرر الوجيز (٥/ ٢٥٦)]: \" ولا خلاف أن فيها قرآنًا مدنيًا، لكن يشبه صدرها أن يكون مكيًَّا، والله أعلم \".\n(٧) أي سورة الإسراء بقوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء (١)].\n(٨) انظر: البرهان؛ للكرماني (ص: ٣٠٧)، التسهيل (٤/ ٩٥)، تفسير النَّسفي (٤/ ١١٩٢).\n(٩) أي تبرئة الله من السُّوء والنقص.\n(١٠) انظر: الوجوه والنظائر (ص: ٤٢٩).\n(١١) لم أقف على عزوه لابن عباس - ﵄ -، وقد عزاه الماوردي لسفيان والضحاك. [انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٤٦٨)].","vol":"1","page":3166},{"text":"وكذلك إن (١) حُمل على رفع الصَّوت بالدُّعاء.\nوإنْ حملتَه على التنزيه والتمجيد، ففيه قولان:\nأحدهما: أن ذلك عامٌّ في جميع ما خلقه الله تعالى، يقوله قولًا إلا الكافر؛ لقوله (٢): ... ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ الآية، [الحج: ١٨].\nوالثَّاني: أن ذلك بالدلالة على التوحيد وحمل الغير على التسبيح، وذلك مطَّرد لا مُثنويةَ فيه. وقد سبق (٣).\nوجاء سبّحة، وسبّح اسمَه، وسبح باسمه، وسبح بحمده:\nفمعنى: (سبحه): نزهه ومجّده.\nومعنى: (سبَّح لله)، و(سبّح الله)؛ لأجل استحقاقه التسبيحَ، أو صلى لله، كما فسّره ابن عبّاس - ﵄ -، أو رفع صوتَه بالدعاء لله.\nومعنى: (سبّح اسمَه): جعل صفتَه ذاتَ براءةٍ ممَّا لا يليق به.\nومعنى: (سبّح باسمه): تلفّظ بما يدلُّ على براءته.\nومعنى: (سبّح بحمده): سبّح اللهَ بأنْ حمده وأثنى عليه، وقال: الحمد لله. والله أعلم.\nوفي هذه السورة: ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، وكذلك آخر الحشر، وفي سائرها: ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، وهو القياس. ولكن في هذه السُّورة نَزّل المكانين منزلةَ مكانٍ واحدٍ.\n[وأما آخر الحشر فقد تقدّم ذكر ﴿الْخَالِقُ الْبَارِئُ﴾ [الحشر: ٢٤]، فنزلهما منزلةَ مكانٍ واحدٍ، وجعل الخلقَ فيهما خلقًا واحدًا، موافقةً لما بعده؛ لأنَّ في هذه الآياتِ الخمسِ أربع\n_________\n(١) \" إن \" ساقطة من (ب).\n(٢) في (أ) \" إلا الكافرين كقوله \".\n(٣) أي سورة الإسراء بقوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء (١)].","vol":"1","page":3167},{"text":"مرَّات ﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، فلذلك نزّلهما منزلةَ خلقٍ واحدٍ (١)]، كأنه قال خالق الخلق وبارئهم. وليس كذلك سائر السُّور. والله أعلم (٢).\n﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾: في أمره.\n﴿الْحَكِيمُ (١)﴾: في قضائه.\nوقيل: ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾: في حجته وعذره إلى عباده.\n﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: لا يملكهما غيره.\nوقيل: خزائنُ المطر والنبات وسائر الرزق.\n﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾: أي: في الدُّنيا.\nوقيل: ﴿يُحْيِي﴾ في الآخرة، ﴿وَيُمِيتُ﴾ في الدنيا (٣).\n﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾: من الإحياء والإماتة.\n﴿قَدِيرٌ (٢)﴾: قادر بالكمال.\n﴿هُوَ الْأَوَّلُ﴾: معنى ﴿الْأَوَّلُ﴾: عند الجمهور: أنَّه قبل كلّ شيء.\n﴿وَالْآَخِرُ﴾: هو: الباقي على كلّ شيء (٤).\nوقيل: ﴿الْأَوَّلُ﴾: كان ولا شيء معه، و﴿الْآَخَرُ﴾: يكون ولا شيء معه.\nوقال المحقّقون: لا يقال لله أوّلُ الأشياء ولا أوّلُ كلِّ شيءٍ؛ لأنها لا توافقه ولا هو مثلُها، و(أفعل) يضاف إلى ما هو منه (٥).\n_________\n(١) ما بين المعقوفتين ساقط من (ب).\n(٢) انظر: البرهان؛ للكرماني (ص: ٣٠٨)، غرائب التفسير (٢/ ١١٨٣).\n(٣) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٢١٥)، تفسير السَّمرقندي (٣/ ٣٨٠).\n(٤) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ١٣٢)، جامع البيان (٢٧/ ٢١٥)، تفسير السَّمرقندي (٣/ ٣٨٠).\n(٥) بل يوصف الله تعالى بأنه الأول الذي ليس قبله شيء كما وصف نفسه ﷾ في هذه الآية.","vol":"1","page":3168},{"text":"و(أولُ) يأتي على ثلاثة أوجه:\nاسم منصرف، تقول: ما تركت له أوّلًا ولا آخرَ، أي: لا قديمًا ولا حديثًا.\nويأتي صفةً، ويلزمه: (مِن)، أو الألف واللام، أو الإضافة، كباب (أَفْعَل من)، وقد يحذف (مِن)، وهي مرادةٌ، كما يحذف من قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: ٧]، وقوله: ﴿أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾، [الروم: ٢٧].\nويأتي ظرفًا، نحو: ما رأيته مذ عامِ أوّلَ.\nويُبنى على الضمّ، كما يُبنى على الغايات.\nوالذي جاء في حقّ الله هو الاسمُ لا الوصفُ.\nو﴿الْأَوَّلُ﴾: اسمٌ لمفردٍ سابقٍ، ووزنه (أَفْعَلُ)، وفاءُ فعله وعينه واوان. وليس له في كلام العرب نظير، ولا يُعرف اشتقاقُه. وقول مَن قال: وزنه (فَوْعَلَ)، من آل يؤول، [أو (أَفْعَل) من آل] (١). مردودٌ عند النحاة (٢).\n﴿وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾: قيل: للظاهر ثلاثة تأويلات:\nالغالب، من قوله سبحانه: ﴿فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾، [الصف: ١٤].\nوالعالم، من قول الشاعر:\nولقد ظهرتُ على أمورك بعدَ ما ... قد كان أمرُك عندنا مجهولًا (٣)\nوالجلي الوجود، من ظهور الشيء جدًّا (٤).\nو﴿الْبَاطِنُ﴾:\nقيل: هو العالم بما بَطَن.\n_________\n(١) ما بين المعقوفتين ساقط من (أ).\n(٢) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١١٨٣).\n(٣) لم أقف على قائله، ولا ناقله.\n(٤) انظر: النَّكت والعيون (٥/ ٤٩٦)، زاد المسير (٧/ ٣٤٢).","vol":"1","page":3169},{"text":"وقيل: ﴿الْبَاطِنُ﴾ عن إحساس خلقه (١).\nوقيل: معنى: ﴿الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾: أي: على أمره يكون، وبه تتم الأمور (٢).\n﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ﴾: من أمر الدنيا والآخرة والظاهر والباطن.\n﴿عَلِيمٌ (٣)﴾.\n﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾\nابن عبّاس - ﵄: كلُّ يومٍ كألفِ سنةٍ مِمَّا تُعدون \" (٣).\nالحسن: \" ستّة أيّام من أيّام الدنيا، ولو أراد أنْ يجعلَها في طرفةِ عينٍ كان قادرًا على ... ذلك \" (٤).\nوقيل: إنما خلقها في ستّة أيام؛ ليُشاهد الملائكةُ حدوثَه شيئًا بعد شيءٍ.\nوالمراد بـ ﴿سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾: مقدر ستة أيام.\nوقيل: كان خلقُه في أقلَّ من ذلك على الحدّ الذي هو مركَّب عليه مستحيلًا، لأنَّه يؤدي إلى الجمع بين أضداده (٥)، والله تعالى لا يوصَف بالقدرة على المستحيل (٦).\nابن بحر: \" جمع الله لنا في الأخبار عن مدّة خلق العالَم في ستة أيامٍ علمَ الحساب بتصيير الستةِ أصلًا له، إليها المرجعُ وعليها المدار \" (٧).\n﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾: علمه محيطٌ بكم لا يخفى عليه شيءٌ.\nوقيل: قدرته معكم لا يُعجزه شيءٌ (٨).\n﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤)﴾: فيجازيكم على أعمالكم.\n﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: كرّر؛ لأنَّ المرادَ بالأُولى حالةُ الدنيا، والمرادَ بالثانية الدَّارُ الآخرة، ولهذا ختم بقوله: وَإِلَى ﴿اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٥)﴾ (٩).\n﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٦)﴾: سبق (١٠).\n﴿آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا﴾: في الزكاة والجهاد ووجوه البرّ (١١).\n﴿مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾: أي: جعلكم خلفاءَ في المال بالوراثة ممّن قبلَكم.\nوقيل: معناه جعلكم مملَّكين، وهو رزقه وعطيته.\nوقيل: استخلفكم بعد الذين كانوا قبلكم (١٢).\n_________\n(١) انظر: تفسير السَّمرقندي (٣/ ٣٨٠)، النَّكت والعيون (٥/ ٤٩٦)، زاد المسير (٧/ ٣٤٢).\n(٢) والأولى في ذلك كله ما صح به التفسير عن النبي - ﷺ - للآية بدعائه: \" اللهم أنتَ الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء \" [خرَّجه مسلم في صحيحه، كتاب الذِّكر، باب: ما يقول عند النوم وأخذ المضجع، برقم (٦٨٢٧)].\n(٣) انظر: جامع البيان (١٧/ ١٨٣).\n(٤) انظر: غرائب التفسير (١/ ٤٠٦).\n(٥) في (أ) أضداد، والأصل ما أُثبت.\n(٦) انظر: غرائب التفسير (١/ ٤٠٦).\n(٧) انظر: النُّكت والعيون (٢/ ٢٢٩)، غرائب التفسير (١/ ٤٠٦).\n(٨) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٤٦٩)، تفسير السَّمعاني (٥/ ٣٦٥)، والصحيح هو القول الأول، ولا ينافي معيته لخلقه استواؤه على عرشه، وقد فسَّر ابن جرير الآية بقوله: \" يقول: وهو شاهد لكم أيها الناس أينما كنتم: يعلمكم ويعلم أعمالكم ومتقلبكم ومثواكم، وهو على عرشه فوق سمواته السبع \" [جامع البيان (٢٧/ ٢١٦)].\n(٩) انظر: البرهان؛ للكرماني (ص: ٣٠٨).\n(١٠) في مواطن أولها في سورة آل عمران عند قوله تعالى: ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ [آل عمران: (٢٧)].\n(١١) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٤٧١)، التَّسهيل (٤/ ٩٥).\n(١٢) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٢١٧)، النُّكت والعيون (٥/ ٤٧١).","vol":"1","page":3170},{"text":"وقيل: جَعَلَكُمْ ﴿مُسْتَخْلَفِينَ﴾ على القيام بأداء حقوقه. حكاه الماوردي (١).\n﴿فَالَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ﴾: أي: بالله ورسله.\n﴿وَأَنْفَقُوا﴾: من ماله في الوجوه المندوب إليها.\n﴿لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (٧)﴾.\n﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ﴾: أيّ أيُّ عذرٍ لكم في حال ترككم الإيمان ودعاء الرسول إيَّاكم إلى الإيمان حاصلٌ موجودٌ.\n﴿وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ﴾ قيل: هو من قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾ الآية، [الأعراف: ١٧٢] (٢).\nوقيل: هو ما نَصب من الأدلة، ووضع في الجِبِلّة من العقل، فنزّل ذلك منزلة العهد وأخذ الميثاق (٣).\nوقُرِئ: ﴿أُخِذَ﴾ بالضّم ﴿مِيْثَاقُكُم﴾: بالرَّفع، والمعنيان واحدٌ (٤).\n﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨)﴾: مقرّين بذلك.\n﴿هُوَ الَّذِي﴾: أي: الله الذي ﴿يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ﴾: محمد - ﷺ -.\n﴿آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾: القرآن فيه نبأ الأوَّلين والآخرين.\n_________\n(١) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٤٧١).\n(٢) وهو الأشهر عند المفسرين. [انظر: جامع البيان (٢٧/ ٢١٨)، تفسير البغوي (٨/ ٣٣)، المحرر الوجيز (٥/ ٢٥٨)].\n(٣) انظر: تفسير البغوي (٨/ ٣٣)، تفسير الثعلبي (٩/ ٣٢١).\n(٤) وهي قراءة أبي عمرو وحده، وقرأ الباقون ﴿وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ﴾ [انظر: جامع البيان (٢٧/ ٢١٨)، السَّبعة (ص: ٦٢٥)، معاني القراءات (ص: ٤٨٠)].","vol":"1","page":3171},{"text":"وقيل: ذات بيانٍ مستقلّةٍ بأنفسهما في الدلالة على ما جُعلت علامةً له ودلالةً عليه، بخلاف قول من قال: إنّ معنى القرآن لا يتبيّن من لفظه.\n﴿لِيُخْرِجَكُمْ﴾: أي: الله. وقيل: محمد - ﷺ -. وقيل: القرآن أيها المخاطبون ومن بلغه القرآن أو يبلغه.\n﴿مِنَ الظُّلُمَاتِ﴾: الكفر والضلال والباطل. وقيل: ظلمات الجهل.\n﴿إِلَى النُّورِ﴾: نور الإيمان والهدى والحق. وقيل: نور العلم (١).\n﴿وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٩)﴾: الرَّافة أشدّ الرحمة، ووزنه (يقظ)، ومَن أشبع فوزنه: صبور، شكور.\n﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا﴾: أيُّ شيءٍ لكم في ترك الإنفاق فِي ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾. وقيل: أيُّ شيءٍ يمنعكم. فيكون ﴿لَا﴾ زيادة (٢).\n﴿وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: الواو للحال.\nوالمعنى: تصير الأمور إلى الله بانقراض من في السماوات والأرض (٣).\nوقيل: مُلكُ السماوات والأرض (٤).\n﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً﴾: أي: لا يستويان في الثواب والمنزلة، فإنَّ السَّابقينَ أعظمُ درجةً وأعلى رتبةً؛ لأنَّه على حسب الأحوال يتفاضل الأعمالُ.\nوالفتح: فتح مكَّة (٥). وقيل: فتح الحديبية (٦).\n﴿مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾: بعد الفتح.\n﴿وَكُلًّا﴾: السَّابق واللاحق.\n﴿وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾: الجنة. وقيل: قَبول الحسنات (٧).\nمَن نَصب ﴿كُلًّا﴾ جعله المفعولَ الأولَ لـ ﴿وَعَدَ﴾، و﴿الْحُسْنَى﴾ المفعول الثاني.\nومَن رفعه: فبالابتداء، وأضمر العائدَ، وهو المفعول، أي: كلٌّ وعده (٨).\n﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٠)﴾: فيجازيكم بقدر أعمالكم.\nفي سبب النزول: أن هذه الآيةَ نزلت في أبي بكر - ﵁ -، وفي هذه الآية دليلٌ واضحٌ وبرهانٌ لائحٌ على فضل أبي بكر - ﵁ - وتقديمه؛ لأنَّه أوّل من أسلم (٩).\nوعن أمير المؤمنين علي - ﵁ - أنَّه قال: سبق رسول الله - ﷺ - وثنّى (١٠) أبو بكر وثلّث عمر - ﵄-، فلا أُوتى برجلٍ فضّلني على أبي بكرٍ وعمرَ إلاّ جلدته جلدَ المفتري، وطرح الشهادة \" (١١).\n﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾: استعار لفظ القرض التزامًا للجزاء. والقرض: هو الإنفاق في سبيل الله.\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٢١٨)، تفسير البغوي (٨/ ٣٣)، الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ٢٣٠).\n(٢) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٢١٩)، البحر المحيط (١٠/ ١٠٢).\n(٣) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٣٢١)، جامع البيان (٢٧/ ٢١٩)، النُّكت والعيون (٥/ ٤٧١).\n(٤) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٤٧١).\n(٥) وهو قول ابن عباس، وبه قال جمهور المُفسرين. [انظر: تفسير الثعلبي (٩/ ٢٣٢)، النُّكت والعيون (٥/ ٤٧١)، تفسير البغوي (٨/ ٣٣)، زاد المسير (٧/ ٣٤٤)].\n(٦) انظر: وهو قول الشعبي اختيار ابن جرير. [انظر: جامع البيان (٢٧/ ٢٢١)].\n(٧) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٢٢١)، النُّكت والعيون (٥/ ٤٧١).\n(٨) قرأ السبعة ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ غير ابن عامر فإنه قرأ ﴿وَكُلٌّ﴾. [انظر: السَّبعة (ص: ٦٢٥)، معاني القراءات (ص: ٤٨٠)، الحُجَّة (٦/ ٢٦٦)].\n(٩) انظر: تفسير السَّمرقندي (٣/ ٣٨٢)، تفسير الثعلبي (٩/ ٢٣٢)، تفسير البغوي (٨/ ٣٣).\n(١٠) في (ب) \" وصلّى \"، وهو واردٌ لغةً، والمصلّي، هو الخيل الذي يجيء ثانيًا في السباق، قيل له مُصَلٍّ؛ لأَنه يكونُ عند صَلا الأَوّلِ وصَلاهُ جانِبا ذَنَبِه عن يمينهِ وشمالهِ ثم يَتْلُوه الثالثُ \" [انظر: لسان العرب (١٤/ ٤٦٤) مادة \" صلا \"].\n(١١) أخرجه الثعلبي في تفسيره (٩/ ٢٣٦).","vol":"1","page":3172},{"text":"وقيل: التطوع بالعبادات.\nوقيل: النّفقة على الأهل والأولاد.\nوقيل: جميع أعمال الخير.\nوقيل: هو قول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلاّ الله، والله أكبر (١) (٢).\n﴿فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾: يكتب بالواحد عشرًا.\nوقيل: يضاعف ثوابَه أضعافًا مضاعفة.\n﴿وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١١)﴾: الجنَّة (٣).\nوقيل: يكرم على مَن ناله.\nوقيل: ﴿كَرِيمٌ﴾ لأنه لم يُبتذَلْ في طلبه.\nوقيل: ﴿كَرِيمٌ﴾ صاحبُه.\nوقيل: يخلفه الله في الدنيا (٤).\nقُرِئَ بالنصب والرَّفع (٥). وقد سبق (٦).\n﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ﴾: يمضي نورهم (٧).\n﴿بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾: وهو أعمالهم الصَّالحة.\nقتادة: \"هو ضياء يكرَمون به في الآخرة يسعى بين أيديهم \" (٨).\n﴿وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾: أي: النور الذي يسعى بين أيديهم وبأيمانهم.\nعن ابن مسعود - ﵁ -: \" نورهم على قدر أعمالهم، يمرّون على الصراط، ومنهم مَن نُورِه مثلُ الجبل، ومنهم مَن نوره مثلُ النخلة، وأدناهم نورًا مَن نورُه في إبهامه يتّقدُ مرّةً ويطفأ أخرى \" (٩).\nوقيل: يؤتَون كتبَهم بأيمانهم.\nوقيل: الباء بمعنى (في)، أي: في أيمانهم كتبُهم، ومنها نورهم.\nوقيل: الباء بمعنى (عن)، والتقدير: يسعى نورُهم بين أيديهم وعن إيمانهم.\nيريد: وعن (١٠) شمائلهم، فاكتفى بذكر أحدهما عن الآخَر.\nوقيل: بأيمانهم بسبب صدقاتهم التي أعطوها بأيمانهم؛ لأنَّ الغالبَ في إعطاء الصّداقات أنْ يكونَ بالأيمان.\nوقيل: يسعى ثوابُ أعمالهم (١١).\n﴿بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ﴾: يجوز أنْ يكونَ البشرى اسمًا، أي: المبشَّرُ به جنّاتٌ.\nويجوز أنْ يكونَ مصدرًا، والتّقدير: بُشراكم اليومَ دخولُ جنّات، فحُذف المضاف (١٢).\n﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢)﴾.\n﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آَمَنُوا﴾: أي: يقولون لهم إذا رأوهم وهم في ضياء ونور والمنافقون خلفَهم في ظُلمةٍ لا يُبصرون مواقعَ أقدامهم.\n﴿انْظُرُونَا﴾: انتظرونا.\nومن قطع (١٣)، فمعناه أخِّرونا. وقيل: انتظرونا.\n﴿نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾: نأخذ من نوركم قبسًا: سراجًا أو شعلة.\nوقيل: معنى: ﴿نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾: نمشي فيه معكم (١٤).\n﴿قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾: أي: يقول لهم المؤمنون.\nوقيل: يقول لهم الملائكة: ارجعوا إلى الموضع الذي أَخذنا منه النورَ فاطلبوا منه النورَ (١٥).\nابن بحرٍ: \" هذا كما يقول للرجل إذا أراد منعه: وراءك أوسَعُ لك \" (١٦).\nوقيل: هذا استهزاء بهم، جزاءً على استهزائهم في الدنيا.\nوقيل: ﴿وَرَاءَكُمْ﴾ ها هنا اسم من الأسماء التي سُمّيت الأفعالُ بها.\nوالمعنى: ارجعوا، ارجعوا، وليس بظرفٍ؛ لأنَّ لفظ ﴿ارْجِعُوا﴾ يُنبئُ عن الوراء (١٧).\nوقيل: يُؤْيسهم (١٨) بذلك من وجود النور.\nويحتمل: ارجعوا إلى الدنيا؛ فإن النورَ يُلتمَسُ هناك بالإيمان والإخلاص (١٩).\n﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ﴾: وفي بعض التفاسير: فيرجعون إذا قيل لهم: ... ﴿ارْجِعُوا﴾، فيضرب بينهم بسور، والباء زيادة.\nوقيل: الضرب ها هنا ليس من ضَربتُ فلانًا، وإنما بمعنى: حِيل بينهم بسورٍ.\n﴿لَهُ بَابٌ﴾: والسُّور هو الأَعراف، في قوله: ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ﴾، [الأعراف: ٤٦].\nوقيل: هو حائطٌ بين الجنة والنَّار سوى الأعراف (٢٠).\nوفي بعض التفاسير: \" عن عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ -: أنَّه سورُ المسجدِ الشرقيّ \" (٢١) يعني ببيت المقدس.\n﴿بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ﴾: وهو المسجد.\n﴿وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ (١٣)﴾: يعني: وادي جهنم.\nغيره: ﴿بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ﴾: الجنَّة، وقيل: النور، ﴿وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾: يعني جهنّم، وقيل: الظلمة (٢٢).\n_________\n(١) حكاها الماوردي في النُّكت والعيون (٥/ ٤٧٢).\n(٢) قال ابن كثير: \" والصَّحِيح أنه أعمُّ من ذلك؛ فكلُّ من أنفق في سبيل الله بنية خالصة، وعزيمة صادقة دخل في عُمُوم هذه الآية \" [تفسير القرآن العظيم (٤/ ٣٢٩)].\n(٣) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٢٢٢)، زاد المسير (٧/ ٣٤٤).\n(٤) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٤٧٢).\n(٥) قرأ ابن كثير ﴿فيضَعِّفُهُ﴾ مُشَدَّدة العين، مضمومة الفاء، وقرأ ابن عامر ﴿فيضَعِّفَهُ﴾ مُشَدَّدة العين، منصوبة الفاء، وقرأ عاصم ﴿فيضَاعِفُهُ﴾ بالألف وفتح الفاء، وقرأ أبو عمرو ونافع وحمزة والكسائي ... ﴿فيضَاعِفُهُ﴾ بالألف ورفع الفاء. [انظر: السَّبعة (ص: ٦٢٥)، معاني القراءات (ص: ٧٩)، الحُجَّة (٦/ ٢٦٦)].\n(٦) عند تفسير قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ ... [البقرة: (٢٤٥)].\n(٧) انظر: تفسير السَّمرقندي (٣/ ٣٨٣)، زاد المسير (٧/ ٣٤٥).\n(٨) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٤٧٣)، تفسير القرآن العظيم (٤/ ٣٣٠).\n(٩) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٢٢٣)، النُّكت والعيون (٥/ ٤٧٣).\n(١٠) في (ب) \" ويريده عن شمائلهم \".\n(١١) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ١٣٢)، جامع البيان (٢٧/ ٢٢٣)، المحرر الوجيز (٥/ ٢٦١).\n(١٢) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ١٣٢)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٤/ ٢٣٦).\n(١٣) أي: قرأ بهمزة القطع في ﴿أنظِرونا﴾ مع كسر الظاء، والجمهور بهمزة\nوصل مع ضم الظاء ﴿انْظُرُونَا﴾ [انظر: السَّبعة (ص: ٦٢٥)، معاني القراءات (ص: ٤٨٠)،\nالحُجَّة (٦/ ٢٦٩)].\n(١٤) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٢٢٤)، المحرر الوجيز (٥/ ٢٦٢).\n(١٥) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٤٧٤)، تفسير البغوي (٨/ ٣٥).\n(١٦) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١١٨٥).\n(١٧) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١١٨٥).\n(١٨) في (أ) \" يؤنسهم \" بالنون، وهو تصحيف.\n(١٩) انظر: تفسير السَّمرقندي (٣/ ٣٨٤)، قال السَّمعاني: \" وقوله: \" ﴿فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾: \" أي اطلبوا نورًا ثَمَّ، فيرجعون، فلا يجدون شيئًا، وقال بعضهم: معناه فارجعوا إلى الدنيا واطلبوا النور بالأعمال الصالحة، وهذا على التعيير والتبكيت، وهو قول غريب، والمعروف هو الأول \" [تفسير السمعاني (٥/ ٣٧٠)].\n(٢٠) قال ابن كثير: \" وهو الصَّحيح \". [تفسير القرآن العظيم (٤/ ٣٣١)].\n(٢١) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٢٢٥)، النُّكت والعيون (٥/ ٤٧٥).\nقال ابن عطية: \" وهذا القول في السُّور بعيدٌ، والله اعلم \" [المحرر الوجيز (٥/ ٢٦٢)].\nوقال الشُّوكاني: \" ولا يخفاك أنَّ تفسير السُّور المذكور في القرآن في هذه الآية بهذا السُّور الكائن ببيت المقدس فيه من الإشكال مالا يدفعه مقال، ولا سيما بعد زيادة قوله: بَاطِنُهُ ﴿فِيهِ الرَّحْمَةُ﴾ المسجد؛ فإنَّ هذا غير ما سيقت له الآية، وغير ما دلت عليه، وأين يقع بيت المقدس أو سوره بالنسبة إلى السور الحاجز بين فريقي المؤمنين والمنافقين؟ وأي معنى لذكر مسجد بيت المقدس ها هنا؟ فإن كان المراد أن الله سبحانه ينزع سور بيت المقدس ويجعله في الدار الآخرة سورًا مضروبًا بين المؤمنين والمنافقين، فما معنى تفسير باطن السور وما فيه من الرحمة بالمسجد؟ وإن كان المراد أن الله يسوق فريقي المؤمنين والمنافقين إلى بيت المقدس فيجعل المؤمنين داخل السور في المسجد ويجعل المنافقين خارجه؛ فهم إذ ذاك على الصراط وفي طريق الجنة، وليسوا ببيت المقدس فإن كان مثل هذا التفسير ثابتًا عن ... رسول الله - ﷺ - قبلناه وآمنا به، وإلا فلا كرامة ولا قبول \" [فتح القدير (٥/ ٢٤٣)].\n(٢٢) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٢٢٥)، تفسير السَّمرقندي (٣/ ٣٨٤)، تفسير البغوي (٨/ ٣٦).","vol":"1","page":3173},{"text":"الكعبيّ: \" هذا مَثَلٌ معروفٌ، يقول الرجل: بيني وبينكَ حجابٌ فما أسمعكَ ولا أراكَ، إذا أرادَ البراءةَ منه، قال: وقوله: لَهُ ﴿بَابٌ﴾: مثل قولك: بابٌ من العلم، وبابُ هذا الأمر كذا \" (١).\n﴿يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾: أي: في حكم الإسلام (٢).\n﴿قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾: بإبطانكم النفاق (٣).\nوقيل: رجعتم عمّا أعطيتم بألسنتكم.\nوقيل: استعملتموها في الفتنة.\nوقيل: بالمعاصي وبالشهوات (٤).\n﴿وَتَرَبَّصْتُمْ﴾: بمحمد - ﷺ - والمؤمنين الهلاكَ.\nوقيل: ﴿وَتَرَبَّصْتُمْ﴾ بالتوبة.\n﴿وَارْتَبْتُمْ﴾: شككتم في التوحيد (٥).\n﴿وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ﴾: خدعتكم الدنيا.\nوقيل: اليوم وغدًا.\nوقيل: الطمعُ فيما لا مَطمعَ فيه.\nوقيل: هو قولهم: ﴿سَيُغْفَرُ لَنَا﴾، [الأعراف: ١٦٩] (٦).\n﴿حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ﴾: ظهور الإسلام.\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٢٢٦)، تفسير السَّمعاني (٥/ ٣٧١).\n(٣) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٢٢٦)، تفسير القرآن العظيم (٤/ ٣٣١).\n(٤) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٤٧٦)، تفسير القرآن العظيم (٤/ ٣٣١).\n(٥) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٢٢٦)، تفسير البغوي (٨/ ٣٦).\n(٦) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٤٧٦)، الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ٢٣٨).","vol":"1","page":3174},{"text":"وقيل: الموت.\nوقيل: البعث والنشور (١).\n﴿وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (١٤)﴾: غرّكم الشيطان إذا طمعكم في بطلان الإسلام وأنْ لا بعثَ ولا حسابَ (٢).\nوقيل: ﴿الْغَرُورُ﴾ الدنيا (٣).\nوقيل: الباء في ﴿بِاللَّهِ﴾ للقَسَم تأكيدًا للكلام.\n﴿فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ﴾: أيها المنافقون.\n﴿فِدْيَةٌ﴾: فداءٌ وعِوَضٌ ﴿وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: أي: من المشركين.\n﴿مَأْوَاكُمُ النَّارُ﴾: مرجعُكم ومصيرُكم.\n﴿هِيَ مَوْلَاكُمْ﴾: جلُّ المفسرين: على أن المعنى: هي أولى بكم، وهذا تأويله من حيث المعنى.\nوأمَّا اللفظ فلا ينبئ عن التفصيل؛ لأنَّه (مفعل)، فيحتمل أن التقديرَ: المتضمّن لجزائكم والقائم بأمركم النَّار، ومنه المولى لابن العمّ.\nويجوز أيضًا: أنْ يكونَ مصدرًا مضافًا إلى المفعول، أي: النَّار تمسكم وتليكم (٤).\n﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٥)﴾: النَّار.\n﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾:\nالكلبي ومقاتل: \" نزلت في المنافقين \" (٥).\n_________\n(١) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٤٧٦)، التسهيل (٤/ ٩٧).\n(٢) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٢٢٧)، تفسير البغوي (٨/ ٣٦).\n(٣) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٤٧٦).\n(٤) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٢٢٨)، المحرر الوجيز (٥/ ٢٦٣)، البحر المحيط (١٠/ ١٠٧).\n(٥) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٣٢٣)، النُّكت والعيون (٥/ ٤٧٧).","vol":"1","page":3175},{"text":"والمعنى: أما حان وقتُ الإخلاص، وقد ظهرت المعجزة والآيات.\nالزجاج: \" نزلت في فريق من المؤمنين اُسْتُعْتِبوا التقصيرَ كان منهم \" (١).\nوذهب بعضهم إلى أن المؤمنين قالوا: يا رسول الله لو قصصتَ علينا، فأنزل الله تعالى: ... ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾، [يوسف: ٣]، وقالوا: لو حدّثتنا، فأنزل الله: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا﴾، [الزمر: ٢٣]، وقالوا: لو ذكرتنا فأنزل الله: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ (٢).\nوقيل: \" كثُر في أصحاب رسول الله - ﷺ - المزاحُ والضحكُ فأنزل الله هذه الآية \" (٣).\nمقاتل بن حيّان: \" نزلت في اليهود \" (٤).\nالحسن: \" نزلت في المؤمنين استبطأهم الله وهم أحبُّ الخلق إليه \" (٥).\nابن مسعود - ﵁ -: \" ما كان بين أنْ أسلمنا وبين أنْ عُوتبنا بهذه الآية إلاّ أربعُ سنين، فجعل بعضُنا ينظرُ إلى بعضٍ، ويقول: ما أحدثنا؟! \" (٦).\nابن عبّاس - ﵄ -: \" استبطأ قلوبَ المهاجرين على رأس ثلاثَ عشرةَ سنةً لنزول القرآن\" (٧).\nقوله: ﴿يَأْنِ﴾: من أنيَ يأني أنيًا وإنًا، وآن يئين بمعناه (٨)، وقُرِئَ به في الشَّواذ (٩).\n﴿أَنْ تَخْشَعَ﴾: تخضعَ وتلينَ.\n﴿لِذِكْرِي اللَّهِ﴾: القرآن. وقيل: خوف الله.\n﴿وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾: القرآن. وقيل (١٠): الهدى والحلال والحرام.\nقُرِئَ بالتشديد، أي: نزّله الله، ﴿ومَا﴾: بمعنى الذي، ويجوز أنْ يكونَ للمصدر.\nوقُرِئَ بالتخفيف (١١)، ﴿ومَا﴾: بمعنى الذي، وفي ﴿نَزَلَ﴾ ضمير يعود إليه. ولا يجوز أنْ يكونَ للمصدر.\n﴿وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ﴾: يعني اليهود والنّصارى (١٢).\nيجوز أنْ يكونَ عطفًا على ﴿أَنْ﴾، فيكون نصبًا.\nويجوز أنْ يكونَ جزمًا على النهي (١٣)، كقراءة يعقوب بالتاء (١٤).\n﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ﴾: الوقت الممتدّ.\nوقيل: الدهر (١٥).\nوقيل: أمد الجزاء.\nوقيل: ما بينهم وبين نيّتهم (١٦).\nوقيل: طال عليهم إنجازُ ما وُعدوا وأُوعدوا فارتابوا (١٧).\n﴿فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾: شكّوا وركبوا المعاصي، وزال عنهم الخشوعُ واللينُ.\n﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (١٦)﴾: خارجون عن الإيمان وعن الطاعة، وهم الّذين بقَوا على قساوة قلوبهم ولم يؤمنوا بمحمدٍ - ﷺ -، أي: وقليلٌ منهم مؤمنون.\n﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٧)﴾: أي: كما أحيا الأرضَ بعدَ موتها كذلك يحيي الموتى.\nوقيل: كما أحيا الأرضَ يُحيي الكافرَ بالإيمان.\nوقيل: كما أحيا الأرضَ يُليّن القلوبَ القاسيةَ لتتفكّروا في الآيات (١٨).\n﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ﴾: قُرِئَ بتشديد الصاد والدال، فهو اسمُ الفاعل، من (تصدّق)، أدغمت التاء في الصاد.\nوقُرِئَ بتشديد الدَّال وحده، فهو اسم الفاعل من صدّق تصديقًا (١٩).\nوالمعنى على الوجه الأول: إن الذين تصدّقوا وأقرضوا.\nوعلى الوجه الثاني: إن الذين صدّقوا اللهَ ورسولَه (٢٠).\n﴿وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾: أنفقوا في وجوه الخير قرضًا وتطوّعًا، وجاز عطفُ الفعل على الاسم؛ لأنَّ الأوّلَ فيه معنى الفعل.\n﴿يُضَاعَفُ لَهُمْ﴾: خبرُ ﴿إِنَّ﴾، ويجوز أنْ يكونَ ﴿وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ اعتراضًا بين اسم ﴿إِنَّ﴾ وخبره.\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٩٩).\n(٢) أخرجه أبو الليث السمرقندي في تفسيره (٣/ ٣٨٤) عن الخليل بن أحمد، وأورده الثعلبي في تفسيره (٩/ ٢٤٠).\n(٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٠/ ٣٣٣٨)، لباب النقول (ص: ٢٨٨).\n(٤) انظر: تفسير الثعلبي (٩/ ٢٤١)، النُّكت والعيون (٥/ ٤٧٧).\n(٥) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٤٧٧)، الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ٢٤٠).\n(٦) انظر: تفسير الثعلبي (٩/ ٢٤٠)، النُّكت والعيون (٥/ ٤٧٧).\n(٧) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٤٧٧)، تفسير البغوي (٨/ ٣٧).\n(٨) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٩٩)، المحرر الوجيز (٥/ ٢٦٤).\n(٩) أي ﴿يَئِنِ﴾، وهي قراءة الحسن، انظر: البحر المحيط (١٠/ ١٠٨)، تفسير أبي السُّعود (٦/ ٢٠٥).\n(١٠) \" وقيل \" ساقطة من (ب)، والمناسب ما أُثبت.\n(١١) قرأ نافع وحفص والمفضل عن عاصم وَمَا ﴿نَزَلَ﴾ خفيفة، وقرأ الباقون وأبو بكر عن عاصم ﴿وما نَزَّل﴾ مشددة الزاي مفتوحة النون. [انظر: السَّبعة (ص: ٦٢٦)، معاني القراءات (ص: ٤٨١)، الحُجَّة (ص: ٢٧٣)].\n(١٢) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٢٢٨)، تفسير السَّمرقندي (٣/ ٣٨٥).\n(١٣) انظر: إعراب القرآن (٤/ ٢٣٩)، التَّسهيل (٤/ ٩٨).\n(١٤) أي: ﴿وَلَا تَكُونُوا﴾. [انظر: الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ٢٤٠)، البحر المحيط (١٠/ ١٠٨)].\n(١٥) في (ب) \" الدهن \".\n(١٦) في تفسير الثعلبي \" أنبيائهم \" (٩/ ٢٤٠).\n(١٧) انظر: تفسير الثعلبي (٩/ ٢٤٠)، الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ٢٤٠).\n(١٨) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٤٧٨)، الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ٢٤٢).\n(١٩) قرأ ابن كثير وعاصم في رواية أبى بكر ﴿إنَّ المُصَدقين والمصَدِقات﴾ بتخفيف الصاد فيهما، وقرأ الباقون وحفص عن عاصم ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ﴾ مُشددة الصاد فيهما. [انظر: السَّبعة (ص: ٦٢٦)، معاني القراءات (ص: ٤٨١)، الحُجَّة (٦/ ٢٧٤)].\n(٢٠) انظر: معاني القراءات (ص: ٤٨١)، الحُجَّة (٦/ ٢٧٤).","vol":"1","page":3176},{"text":"وزيّف العطفَ بعضُ النحاة، وقال: كيف يُعطَف على الصّلة، وقد حِيلَ بينهما ... ﴿الْمُصَّدِّقَاتِ﴾ وحمل على أن ﴿وَالْمُصَّدِّقَاتِ﴾: بمعنى مع المصدّقات (١)، وناب عن خبر ﴿إِنَّ﴾.\nويحتمل أنْ يُقال: ﴿وَأَقْرَضُوا﴾ عائدٌ إلى المصدّقين والمصدّقات، فغُلِّب التذكيرُ، ولهذا قال عُقَيْبَه لهم: ﴿وَلَهُمْ﴾: بلفظ التذكير (٢).\n﴿أَجْرٌ كَرِيمٌ (١٨)﴾: الجنَّة.\n﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾: المبالغون في الصدق.\n﴿وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾: أي: هم عدولُ الآخرة، كقوله: ﴿وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾، [الحج: ٧٨].\nوذهب ابن عبّاس ﵄ في جماعة: إلى أن الكلام تمَّ على قوله: ﴿هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ﴾. رفع بالابتداء وهم الذين قتلوا في سبيل الله؛ لأن الشهيدَ إذا أُطلقَ تناول المقتولَ في سبيل الله (٣).\nوقيل: الشّهداء هم الأنبياء (٤).\n﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾: جزاءُ أعمالهم (٥).\n﴿وَنُورُهُمْ﴾: الذي يسعى بين أيديهم يومَ القيامة (٦).\n﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١٩)﴾.\n﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾: الأقربُ إلى الحيّ.\n﴿لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾: في الآية إضمارٌ، تقديره: متاعُ الحياة الدنيا وهذه الأشياء.\nوقيل: لذّةُ الحياة الدنيا ونعيمُها منقسمةٌ إلى هذه الأشياء.\nالحسن: \"أهلُ الحياة الدنيا أهلُ لعب ولهو \" (٧).\nوقيل: أكثر أهل الحياة الدنيا. فأخرجه مخرجَ الأعمّ.\n﴿لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾: أي: يزول سريعًا ويفنى.\nوقيل: يحبُّونها كما يُحَبّ اللعبُ واللَّهو (٨).\n﴿وَزِينَةٌ﴾: هي ما يكون في الملابس والمراكب (٩) والمنازل.\n﴿وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ﴾: يفخر البعضُ على البعض.\nوالتفاخرُ: ادِّعاءُ ما يُوجب الرئاسةَ (١٠).\n﴿وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾: أي: مباهاةٌ بهما.\nوالتكاثرُ: ادِّعاءُ الاستكثار من المنافع (١١).\nوقيل: اللعب ما رَغّب في الدنيا، واللَّهو ما ألهى عن الآخرة.\nوقيل: اللعبُ الاقتناء (١٢)، واللَّهو النساء (١٣).\n_________\n(١) في (ب) زيادة لفظ \" العطف \" بعد قوله: \" مع المصدقات \"، ولا معنى لها.\n(٢) انظر: تفسير الثعلبي (٩/ ٢٤٣)، غرائب التفسير (٢/ ١١٨٧)، إملاء ما منَّ به الرحمن؛ للعكبري (٢/ ١٢٠٩).\n(٣) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٢٣٠)، تفسير البغوي (٨/ ٣٩).\n(٤) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٢٣١)، النُّكت والعيون (٥/ ٤٧٩).\n(٥) في (ب) \" جزاء عملهم \".\n(٦) انظر: تفسير الثعلبي (٩/ ٢٤٤)، النُّكت والعيون (٥/ ٤٧٩).\n(٧) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١١٨٨).\n(٨) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٤٨٠)، غرائب التفسير (٢/ ١١٨٨).\n(٩) في (ب) \" المواكب \" بالواو، والمناسب ما أُثبت.\n(١٠) انظر: المفردات (ص: ٦٢٧)، مادة \" فَخَرَ \"، التعريفات (ص: ١١٧).\n(١١) انظر: المفردات (ص: ٧٠٣)، مادة \" كَثُرَ \"، لسان العرب (٥/ ١٣١) مادة \" كَثُرَ \".\n(١٢) في (أ) \"الافتتاء \".\n(١٣) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٤٨٠).","vol":"1","page":3177},{"text":"وقيل: \" ﴿لَعِبٌ﴾: كلعب الصبيان، ﴿وَلَهْوٌ﴾: كلهو الشبَّان، ﴿وَزِينَةٌ﴾: كزينة النِّسوان، ﴿وَتَفَاخُرٌ﴾: كتفاخر الأقران، ﴿وَتَكَاثُرٌ﴾: كتكاثر السلطان \"، حكاه الثَّعلبيّ (١).\n﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ﴾: مطر.\n﴿أَعْجَبَ الْكُفَّارَ﴾: أي: الحرَّاث، ﴿نَبَاتُهُ﴾: ما ينبت بذلك الغيث، وهو قول الجمهور (٢).\nوقيل: هم الكفار المشركون؛ لأنَّهم أكثرُ إعجابًا بالدنيا وأشدُّ حرصًا عليها.\nوقيل: لأنَّ المؤمنَ يعرفُ موجبَه فلا يعجبه، والكافرُ لا يعرف الموجِبَ فيعجبه (٣).\n﴿ثُمَّ يَهِيجُ﴾: ييبس ذلك النباتُ.\n﴿فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا﴾: بعد خُضرته. وقيل: تهيج ريحٌ باردةٌ، أي: تهبُّ فتجعلُ الزرعَ مُصْفَرًَّا فتراه كذلك.\nوقيل: يسمع له بدخول الريح فيه صوت.\n﴿ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا﴾: متفتّتًا أي: فلا ينبغي للعاقل أنْ يتغيرَ بما هذا سبيلُه.\nوالجمهور على أنّ الكلامَ تمَّ، ثمَّ استأنفَ فقال:\n﴿وَفِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾: لِلْكُفَّار.\n﴿وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ﴾: أي: للمؤمنين، أي: إمّا هذا وإمّا ذاك.\n_________\n(١) انظر: تفسير الثعلبي (٩/ ٢٤٤)، وفيه بلفظ \" وتكاثر كتكاثر الدهقان \".\n(٢) انظر: غريب القرآن (ص: ٣٦٥)، معاني القرآن؛ للزجاج (٥/ ١٠١)، تفسير السمرقندي (٣/ ٣٨٦)، تفسير البغوي (٨/ ٣٩).\n(٣) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١١٨٨)، معاني القرآن؛ للزجاج (٥/ ١٠١).","vol":"1","page":3178},{"text":"وقيل: وفي الآخرة عذاب شديد متّصلٌ بالأول، ومغفرة من الله مبتدأ ورضوان عطف عليه، والخبر محذوف، أي: خير من ذلك (١).\n﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾: أي: ملاذُّها.\n﴿إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (٢٠)﴾: سريعُ الفناء، سريعُ الانقضاء.\nابن بحر: \" ﴿الْغُرُورِ﴾ جمع غرّ الثوب، وهو طيُّه، أي: متاعٌ ينطوي وينقضي سريعًا \" (٢).\n﴿سَابِقُوا﴾: بادروا في السبْق واجتهدوا كلَّ الجهد.\nوسابق: طلب ذلك مع طلب غيره له (٣).\n﴿إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾: يعني إلى محمد - ﷺ -.\nوقيل: إلى التوبة.\nوقيل: إلى التكبيرة الأولى مع الإمام.\nوقيل: إلى الصَّف الأوَّل (٤).\n﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾: أي: عرضها كجميع السَّماوات والأرض مبسوطاتٍ، كلّ واحدةٍ إلى صاحبتها.\nوخصّ العرضَ بالذكر دونَ الطول؛ لأنَّ العادةَ جرت بأن العرضَ أقلُّ من الطولِ، فإذا كان العرضُ على هذا فما ظنك بالطول (٥).\nوقيل: العَرض ثمنُها وما يقابلها. وقد سبق في آل عمران (٦).\n﴿أُعِدَّتْ﴾: الإعداد: وضعُ الشيء للحاجة إليه في المستأنف (٧).\nوهذا دليلٌ على أنَّها مخلوقةٌ، وهو المذهب.\nوذهب بعضُهم إلى أنَّها لم تخلقْ بعدُ.\nوذهب بعضُهم إلى أن الجنَّةَ في السماء الرَّابعة، والتي في إحدى السماوات لا يكون في عرض السماوات والأرض، قالوا: فالله يُفنيها ثمَّ يُعيدها في الآخرة، ويزيد في طولها وعرضها.\nوذهب بعضُهم إلى أن الجنَّةَ والنَّارَ خَلْقين مفرَدين من السَّماء والأرض (٨).\n﴿لِلَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ﴾: أي: ذلك الجزاءُ تفضُّلٌ منه (٩).\nوقيل: التوفيقُ لذلك فضلُ الله.\n﴿يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾: من (١٠) المؤمنين.\nابن عبّاس - ﵄ -: \" ﴿ذَلِكَ﴾: إشارةٌ إلى الدِّين يؤتيه من يشاء من عباده \" (١١).\n﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١)﴾.\n﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ﴾: أي: لم يُصيبْ ولا تُصيبُ مصيبةٌ.\n﴿فِي الْأَرْضِ﴾: من الغلاء والقحط والجوائح.\n﴿وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ ابن عبّاس - ﵄ -: \" في الدنيا والدين\" (١٢).\nوقيل: الأمراض، والأوصاب (١٣) (١٤)، وضيق المعاش، وموت الأولاد.\nوقيل: إقامة الحدود (١٥).\nوقيل: في الأرض ظرفٌ لـ ﴿أَصَابَ﴾، وقيل: ظرف لـ ﴿مُصِيبَةٍ﴾.\nوقيل: صفة لـ ﴿مُصِيبَةٍ﴾، وهذا ضعيف؛ لمكان ﴿لَا﴾، أو يُقال: ﴿لَا﴾ زيادة (١٦).\n﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾: يعني: اللوح المحفوظ (١٧).\n﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾: نخلق المصيبة، وقيل: نخلق الأرض، وقيل: النَّفس (١٨).\n﴿إِنَّ ذَلِكَ﴾: أي: علم ما سيكون. وقيل: كتب ذلك في اللوح.\n﴿عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢)﴾: سهلٌ هينٌ.\n﴿لِكَيلَا تَأْسَوْا﴾: أي: كتب ﴿لِكَيلَا﴾ (١٩).\nوقيل: عرّفكم ذلك ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا﴾: تحزنوا حزنًا يؤدّي إلى ترك الشكر.\n﴿عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾: من الدنيا وخصبها أو من العافية وصحَّتها.\n﴿وَلَا تَفْرَحُوا﴾: فرحَ الخيلاء، أي: لا تأشَروا.\n﴿بِمَا آَتَاكُمْ﴾: أعطاكم الله من الدنيا.\nوقُرِئَ: ﴿أَتَاكُمْ﴾:، أي: جاءكم من الله (٢٠).\n﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ﴾: يستطيل (٢١) لنعمه.\n﴿فَخُورٍ (٢٣)﴾: يعد ذلك احتقارًا للغير.\n﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾: أي: يبخلون بالإنفاق المأمور في السورة، ويحضّون غيرَهم على البخل.\nوقيل: هم: اليهود بخلوا بتعريف النَّاس ما كان في التوراة من صفته - ﷺ - ويحثّون النَّاسَ على كتمانه.\nوقيل: الذين يبخلون بالعلم ويأمرون النَّاسَ أنْ لا يُعلِّموا أحدًا شيئًا (٢٢).\n﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ﴾: يعرض عن الإنفاق.\n﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٤)﴾: أي: ﴿الْغَنِيُّ﴾ عن إنفاقهم، ﴿الْحَمِيدُ﴾: على أفعاله.\nوقُرِئ بغير ﴿هُوَ﴾ (٢٣)؛ لأنَّه كان فصلًا وعِمادًا، فجاز حذفُه.\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ١٣٥)، القطع والائتناف (ص: ٥١٩)، الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ٢٤٦).\n(٢) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١١٨٨).\n(٣) انظر: المفردات (ص: ٣٩٥)، مادة \" سَبَقَ \".\n(٤) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٤٨٠).\n(٥) انظر: جامع البيان (٤/ ٩١)، المحرر الوجيز (١/ ٥٠٩).\n(٦) وذلك عند تفسير قوله تعالى: ﴿* وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣)﴾.\n(٧) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١١٨٨)، لسان العرب (٣/ ٢٨١)، مادة \" عَدَدَ \".\n(٨) ما ذكره المؤلف من أنَّ الجنة والنار مخلوقتان هو الصحيح، وهو مذهب أهل السنة والجماعة [انظر: المحرر الوجيز (١/ ٥٠٩)، العقيدة الطحاوية مع شرحها؛ لابن أبي العز (٢/ ٦١٤)].\n(٩) في (أ) \" بفضلٍ منه \".\n(١٠) تصحف \" مِنْ \" في (ب) إلى \" عَن \".\n(١١) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٤٨١).\n(١٢) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٢٣٤)، النُّكت والعيون (٥/ ٤٨١).\n(١٣) في (ب) \" الأوصاف \".\n(١٤) الأوصاب: جمع وصَبٍ، وهو المرض، ورجلٌ يتَوصَّب: يجد وجعًا. [انظر: كتاب العين (٧/ ١٦٨)، مادة \" وَصَبَ \"].\n(١٥) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٢٣٣)، النُّكت والعيون (٥/ ٤٨١)، تفسير البغوي (٨/ ٤٠).\n(١٦) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١١٨٨)، إملاء ما منَّ به الرحمن؛ للعكبري (٢/ ١٢١٠).\n(١٧) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٤٨١)، تفسير البغوي (٨/ ٤٠).\n(١٨) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٢٣٣)، تفسير السَّمرقندي (٣/ ٣٨٧).\n(١٩) وردت هنا زيادة في نسخة (ب): \" وقيل: عرّفكم ذلك ﴿لِكَيلَا﴾ \"، وهي جزء من القول التالي.\n(٢٠) قرأ أبو عمرو وحده ﴿بِمَا أَتَاكُمْ﴾ بألف مقصورة، وقرأ الباقون بِمَا ﴿آَتَاكُمْ﴾ ممدودا. [السبعة (ص: ٦٢٦)، معاني القراءات (ص: ٤٨٢)، الحجة (٦/ ٢٧٥)].\n(٢١) استطال عليه، أي تطاول وتكبر [انظر: لسان العرب (١١/ ٤١٠)، مادة \" طَوَلَ \"].\n(٢٢) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٤٨٢)، تفسير السَّمعاني (٥/ ٣٧٧).\n(٢٣) وهي قراءة نافع وابن عامر، وقرأ الباقون من السَّبعة فَإِنَّ ﴿اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [انظر: جامع البيان (٢٧/ ٢٣٦)، السبعة (ص: ٦٢٧)، معاني القراءات (ص: ٤٨٢)].","vol":"1","page":3179},{"text":"﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾: أي: أرسلنا الأنبياءَ بالمعجزات الدالّة على صدقهم.\n﴿وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ﴾: أي: مع الأنبياء الكتبَ التي تتضمّن مصالحَ دينهم ودنياهم.\nوقيل: الرسل ها هنا الملائكة؛ لقوله: ﴿عَنْهُمْ﴾؛ لأنَّ الأنبياءَ ينزل عليهم وإليهم.\n﴿وَالْمِيزَانَ﴾: فيه ثلاثة أقوال:\nأحدها: أنزل عينَ الميزان زمنَ نوح ﵇. وقيل: على آدم - ﵇ -.\nوالثَّاني: أنزل عليهم وضعه وعرَّفهم كيف يتّخذونه.\nوالثالث: الميزان هو العدل، بدليل قوله: ﴿عَنْهُمْ﴾ بلفظ الجمع (١)، فإن الميزانَ الذي يتعامل عليه إنَّما أُنزل على واحدٍ منهم والأمر بالعدل مع جميع الأنبياء (٢).\n﴿لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾: أي: بالعدل في معاملاتهم، إيفاءً واستيفاءً ولا يَظلم أحدٌ أحدًا في ذلك (٣).\n﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾: جمهور المفسرين على أن آدمَ - ﵇ - هبط بالعَلاة (٤) والمطرقة والكلبتين (٥) (٦).\n_________\n(١) في (ب) \" الجميع \" بالياء، والمناسب ما أثبت.\n(٢) وهو اختيار ابن جرير [جامع البيان (٢٧/ ٢٣٧)، وانظر: تفسير السمرقندي (٣/ ٣٨٨)، زاد المسير (٧/ ٣٥٠)].\n(٣) \" في ذلك \" ساقطة من (ب).\n(٤) العَلاة: الزُّبْرة التي يَضْرِب عليها الحدَّاد الحديدَ والعلاة: السَّنْدان، والجمع العَلا [انظر: لسان العرب (١٥/ ٨٣) مادة \" علا \"].\n(٥) الكَلْبتانِ: التي تكونُ مع الحَدَّاد يأْخُذُ بها الحديد المُحْمَى يقال حديدةٌ ذاتُ كَلْبَتَيْن وحديدتانِ ذواتا كلبتين. [لسان العرب (١/ ٧٢١)، مادة \" كَلب \"].\n(٦) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (٢٧/ ٢٣٧)، وأورده أبو الليث السمرقندي في تفسيره (٣/ ٣٨٨)، والثعلبي في تفسيره (٩/ ٢٤٦).","vol":"1","page":3180},{"text":"وعن ابن عبّاس ﵄: \" نزلت مع آدم ثلاثةُ أشياء: الحجر الأسود، وكان أشدُّ بياضًا من الثّلج، وعصا موسى، وكانت من آس الجنَّة (١) طولها عشرة أذرع، والحديد\" (٢).\nوروي عن ابن عمر - ﵄ - النّبي - ﷺ - (٣) أنَّه قال: «أنزل الله - تعالى - أربع (٤) بركاتٍ من السماء: الحديد، والنَّار والماء (٥) والملح» (٦).\nوقيل: معنى أنزل خلق وأظهر كقوله: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ﴾ [الزمر: ٦].\nوقيل: ﴿وَأَنْزَلَ﴾: هيأ، من النُّزل، تقول: أنزل الأمير لفلان نُزُلًا حسنًا.\nوقيل: أنزل الماءَ فانعقد به جوهرُ الحديد، فأصله من الماء، وهو منزَلٌ (٧).\nوالقول هو الأول؛ لأنَّه (٨) لولا ذلك لمّا تهيّأ استخراجُ شيءٍ من المعادن واتخاذ شيء\nمن الآلات؛ لأنه لا يستغني في شيء من ذلك عن الحديد، والحديدُ لا يعمل إلاّ\nبالحديد (٩).\n﴿فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ أي: يُتحصَّن به عن العدوّ باتّخاذ الدِّرع والمِغفَر، وغير ذلك منه. ويُقتل به العدوُّ باتّخاذ السيف والسِّنان والزُّجّ (١٠)، وغير ذلك منه.\n﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾: في الحرث والحصد وسائر الصناعات (١١).\n﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ﴾: قيل: أنزل الحديدَ لينصرَ عبادُه ربَّهم ورسلَه وأولياءَه بهذا الحديد (١٢).\nالزَّجاج: ليعلمَ من يقاتلُ في سبيله (١٣).\nوقيل: أنزلَ الكُتبَ والميزانَ وأرسل الرسلَ ليختبرَ النَّاسَ بذلك فيعلمَ وقوعَ الفعلِ في نصرتهم.\nويحتمل: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ﴾: فعل ما فعل.\nومعنى \"يعلم الله \" قد سبق (١٤).\nقوله: ﴿بِالْغَيْبِ﴾: متعلّق بقوله: ﴿يَنْصُرُهُ﴾.\nقوله: ﴿وَرُسُلَهُ﴾ عطف على الهاء، ولا يجوز في العربية أنْ يكونَ عطفًا على ... ﴿مَنْ﴾ (١٥).\n﴿إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢٥)﴾: أي: ﴿قَوِيٌّ﴾ على الامتناع، ﴿عَزِيزٌ﴾ عن الاعتراض عليه.\n﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ﴾: خُصّا بالذكر؛ لأنهما أبوان للأنبياء ... - ﵈ - (١٦) (١٧).\n﴿وَجَعَلْنَاهُ فِي ذُرِّيَّتِهِمَا﴾: أولادهما.\n﴿النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾: أي: الكتب. فهو للجنس.\nابن عبّاس - ﵄ -: \" الخطّ بالقلم \" (١٨).\n﴿فَمِنْهُمْ﴾: من الذريّة ﴿مُهْتَدٍ﴾: مَن اهتدى باتّباع الرسل.\n﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٢٦)﴾: خارجون عن الإيمان والطاعة.\n﴿ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آَثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا﴾: أي: أرسلنا رسولًا بعدَ رسولٍ على إثر نوحٍ وإبراهيمَ - ﵉ - ومَن مضى من الأنبياء.\nولا يعود الضميرُ إلى الذريّة؛ لأنَّ الذريّةَ باقيةٌ بعدُ (١٩).\n﴿وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾: أتبعناهم جميعًا عيسى.\n﴿وَآَتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ﴾: قيل: جاءه دفعةً واحدةً (٢٠).\n﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾: ساروا سيرته (٢١) واتّبعوا منهاجَه.\n﴿رَأْفَةً﴾: مودّةً ﴿وَرَحْمَةً﴾: شفقةً وعطفًا، أي: أمرناهم بالرَّحمة فيما بينهم (٢٢).\nوقيل: أُمروا بالصَّفح عن أذى النَّاس، وقيل لهم: مَن لطم خدكَ الأيمنَ فولّه خدكَ الأيسرَ، ومَن سلب رداءَك فأعطه قميصَك (٢٣).\n_________\n(١) الآسُ: شجر ورقه العطر، الواحدة بالهاء آسة. [انظر: كتاب العين (٧/ ٣٣١)، مادة \" آس \"].\n(٢) أورده الماوردي في النكت والعيون (٥/ ٤٨٣)، والسمعاني في تفسيره (٥/ ٣٧٨).\n(٣) في (ب) \" وروي عن النبي - ﷺ - \" بدون ذكر ابن عمر.\n(٤) \" أربع \" ساقطة من (ب).\n(٥) \" الماء \" ساقطة من (ب).\n(٦) أخرجه الثعلبي في تفسيره (٩/ ٢٤٧) وأورده البغوي في تفسيره (٨/ ٤١)، وعزاه الزيلعي للثعلبي في تفسيره، وقال الحافظ ابن حجر: \" أخرجه الثعلبي من حديث ابن عمر، وفي إسناده من لا يعرف\". [انظر: تخريج الكشاف (٣/ ٤١٨)].\n(٧) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١١٨٨)، تفسير البغوي (٨/ ٤١).\n(٨) في (ب) \" ولأنَّه \".\n(٩) فيكون الإنزال حقيقي على اختيار المصنف، وهو قول ابن عباس - ﵄ -. [انظر: جامع البيان (٢٧/ ٢٣٧)، النُّكت والعيون (٥/ ٤٨٣)، زاد المسير (٧/ ٣٥٠)].\n(١٠) الزُّجُّ: زُجُّ الرُّمْحِ والسَّهم، والزُّجُّ الحديدة التي تُرَكَّبُ في أَسفل الرمح والسِّنانُ يُرَكَّبُ عاليَتَه والزُّجُّ تُرْكَزُ به الرُّمْح في الأَرض والسِّنانُ يُطْعَنُ به، والجمع أَزْجاجٌ [انظر: لسان العرب (٢/ ٢٨٥)، مادة \" زَجَجَ \"].\n(١١) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٢٣٧)، النُّكت والعيون (٥/ ٤٨٣).\n(١٢) انظر: تفسير السمعاني (٥/ ٣٧٨)، زاد المسير (٧/ ٣٥٠).\n(١٣) معاني القرآن (٥/ ١٠٣).\n(١٤) تكرر هذا المعنى في أكثر من موضع في القرآن كقوله تعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ﴾ [البقرة: (١٨٧)].\n(١٥) انظر: إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٤/ ٢٤٤)، إملاء ما منَّ به الرحمن؛ للعكبري (٢/ ١٢١٠).\n(١٦) في (ب) \" أبوان الأنبياء \".\n(١٧) قال أبو حيان: \" لما ذكر تعالى إرسال الرسل جملة أفرد منهم في هذه الآية نوحًا وإبراهيم - ﵉ - تشريفًا لهما بالذكر، أمَّا نوح؛ فلأنه أول الرسل إلى من في الأرض، وأما إبراهيم فلأنه انتسب إليه أكثر الأنبياء - ﵈ - وهو معظم في كل الشرائع \". [انظر: البحر المحيط (١٠/ ١١٤)].\n(١٨) انظر: الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ٢٥٠)، البحر المحيط (١٠/ ١١٥).\n(١٩) انظر: تفسير البيضاوي (٢/ ٤٧١)، تفسير أبي السعود (٦/ ٢٠٩).\n(٢٠) انظر: إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٤/ ٢٤٥)، تفسير السمعاني (٥/ ٣٧٩).\n(٢١) في (ب) \" ساروا بسيرته \".\n(٢٢) انظر: النكت والعيون (٥/ ٤٨٤)، تفسير السمرقندي (٣/ ٣٨٩).\n(٢٣) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١١٩٠)، تفسير القرآن العظيم (٢/ ٨٩).","vol":"1","page":3181},{"text":"وصفوا بالرَّحمة خلافَ اليهود الذين وُصفوا بالقسوة.\n﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾: أي: ابتدعوا رهبانيّةً ابتدعوها، فهي منصوبةٌ بفعلٍ دلَّ عليه ما بعده (١).\nوالرهبانيَّة: من الرَّهبة، ومعناها: البلوع في النُسك أعلى المبالغ مع الانقطاع عن النَّاس وملاذّ الدنيا.\nوقيل: هي التبتّل والخَلوة بالعبادة، ابتدعوها من تلقاء أنفسهم، لم يؤمَروا بها (٢).\nالابتداعُ: أحداثُ شيءٍ على غيرِ مثالٍ سابقٍ (٣).\nابن عبّاس﵄ -: \"هم قومٌ رأوا المنكرَ فلم يقدروا على تغييره فساحوا (٤) في الأرض ولزموا البراري \" (٥).\nقتادة: \"رفضوا النساء واتّخذوا الصوامع \" (٦).\n﴿مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾: لم نأمرْهم بها ولم نوجبْها عليهم.\n﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ﴾: أي: ما كتبناها عليهم ولم يفعلوها إلاّ ابتغاءَ مرضاة الله، فهو نصبٌ على أنها مفعولٌ له (٧).\nالزّجاج هو: \"بدل من الهاء في قوله: ﴿مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ﴾ \" (٨)، فيكون مفعولًا به.\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ١٠٣)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٤/ ٢٤٤).\n(٢) انظر: تفسير السمعاني (٥/ ٣٧٩)، لسان العرب (١/ ٤٣٦)، مادة \" رَهَبَ \"، التَّسهيل (٤/ ١٠٠).\n(٣) انظر: التعريفات (ص: ٣٣)، الكليات (٢٢٦).\n(٤) في (ب) \" ساخوا \".\n(٥) لم أقف عليه من كلام ابن عباس - ﵄ - بهذا اللفظ، وقد أخرجه ابن جرير بمعناه مطولًا في جامع البيان (٢٧/ ٢٤٠).\n(٦) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٤٨٤).\n(٧) انظر: إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٤/ ٢٤٥)، البحر المحيط (١٠/ ١١٦).\n(٨) معاني القرآن (٥/ ١٠٣).","vol":"1","page":3182},{"text":"الحسن: \"تطوّعوا بابتداعها، ثمَّ كُتبت بعد ذلك عليهم \" (١).\nوقيل: ذلك كالتطوع مَن التزمه لزمه، ولهذا ذمهم الله، فقال:\n﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾: أي: ما قاموا بها حقَّ القيام بها، بل قصّروا فيها (٢).\nوقيل: ﴿حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾: إذ بدّلوا دينهم.\nوقيل: إذ لم يؤمنوا بمحمد - ﷺ -، فيكون المراد بهم مَن كان منهم في زمن النّبي - ﷺ - (٣).\n﴿فَآَتَيْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْهُمْ﴾: ولم يبدّلوا دينهم. وقيل: آمنوا بمحمد - ﷺ - (٤).\n﴿أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٢٧)﴾: كافرون.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا﴾: الخطاب لأهل الكتاب.\nاتَّقُوا ﴿اللَّهَ﴾: ولا تشركوا به وَآَمِنُوا ﴿بِرَسُولِهِ﴾: محمد - ﷺ - (٥).\nيُؤْتِكُمْ ﴿كِفْلَيْنِ﴾: نصيبين مِنْ ﴿رَحْمَتِهِ﴾: كِفلًا بإيمانكم بنبيكم الأوَّل، وكفلًا بإيمانكم بمحمد - ﷺ - حين بُعث (٦).\nوقيل: الكِفلُ: الضعفُ.\nوقيل: الكفلُ: الأجرُ (٧).\n_________\n(١) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٤٨٥)، زاد المسير (٨/ ١٧٦).\n(٢) وهذا على قول مَن قال يجب إتمامُ النوافل والتطوعات بعد الشروع فيها، وفيه خلاف وتفصيل، موضعه في كتب أصول الفقه، وانظر: تفسير السَّمرقندي (٣/ ٣٨٩)، الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ٢٥٣)، التسهيل (٤/ ١٠٠).\n(٣) انظر: تفسير السَّمرقندي (٣/ ٣٨٩)، النُّكت والعيون (٥/ ٤٨٥).\n(٤) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٢٤١)، زاد المسير (٧/ ٣٥٢).\n(٥) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٢٤١)، تفسير السمرقندي (٣/ ٣٩٠).\n(٦) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٢٤٢)، تفسير السمرقندي (٣/ ٣٩٠)، تفسير البغوي (٨/ ٤٥).\n(٧) انظر: المفردات (ص: ٧١٧)، الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ٢٥٥).","vol":"1","page":3183},{"text":"الزّجاج وغيره: \" الكِفلُ في الأصل: الكساءُ الذي يجعله الرَّاكبُ حولَه إذا ارتدف ليحفظه عن السقوط \" (١).\nالفراء: \" يحصّنكم هذا الفعلُ من عذاب الله، كما يحصّن الكِفل مَن يتكفّل به من ... السقوط \" (٢).\n﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾: من قوله: ﴿يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الحديد: (١٢)].\nوقيل: ضياءً يومَ القيامة.\nابن عبّاس ﵄: \" النور القرآن \" (٣).\nوقيل: النورُ: الهدى.\nوقيل: نورًا يمشون به في النَّاس يدعونهم به إلى الله. وقيل: تمشون به إلى الجنَّة (٤).\n﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٨)﴾.\n﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾: أي: جعلنا لمؤمني أهل الكتاب كِفلين من الأجر ليعلم أهل الكتاب، وهم الذين لم يؤمنوا وحسدوا مَن آمن منهم ﴿أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾: أي: لا ينالون رحمةً ولا جنَّةً (٥).\n﴿ولَا﴾ صلةٌ عند الجمهور (٦)، وقرأ ابن مسعود - ﵁ -: ﴿لِيَعْلَمَ﴾ (٧).\nالفراء: \" العربُ تزيد (لا) في كلّ كلامٍ دخل في آخره أو أوّله (٨) جحدٌ \" (٩).\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن (٥/ ١٠٤)، الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ٢٥٥).\n(٢) معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ١٣٧).\n(٣) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٢٤٤)، النُّكت والعيون (٥/ ٤٨٦).\n(٤) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٢٤٤)، النُّكت والعيون (٥/ ٤٨٦)، الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ٢٥٦).\n(٥) انظر: جامع البيان (٢٧/ ٢٤٥)، تفسير البغوي (٨/ ٤٥).\n(٦) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ١٣٧)، جامع البيان (٢٧/ ٢٤٦)، إعراب القرآن؛ للنَّحاس (٤/ ٢٤٥).\n(٧) كذا في النُّسختين والمروي في القراءة أنه قرأها: ﴿لكي يعلمَ أهل الكتاب﴾ [انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ١٣٧)، جامع البيان (٢٧/ ٢٤٦)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٤/ ٢٤٥)].\n(٨) في (أ) \" أوله أو آخره \".\n(٩) معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ١٣٧).","vol":"1","page":3184},{"text":"وقيل: ﴿لَا﴾ الأخيرة زيادة، والتقدير: لئلاّ يعلم أهلُ الكتاب أنهم يقدرون على\nشيءٍ من فضل الله بغير إيمان محمد - ﷺ -، فلمّا خفّف (أن) زيد ﴿لَا﴾؛ ليصير حائلًا\nبينه وبين الفعل.\nوقيل: كلاهما واقعان موقعهما، ولكن الضميرَ في ﴿يَقْدِرُونَ﴾ يعود على من\nآمن منهم (١).\nالزّجاج: \" الآية خطابٌ لأصحاب النبيّ - ﷺ -، أمرهم بالثبات على الإيمان\" (٢).\nوقيل: يا أيها الذين آمَنوا بعيسى آمِنوا بمحمدٍ - ﷺ - ليعلم أهلُ التوراة (٣).\nقوله: ﴿وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾: عطف على اللام، أي:\nلئلاّ يعلم؛ ولأنَّ الفضل.\nوقيل: عطف على أنَّهم لا يقدرون.\nوالمعنى: وأنَّ القرآنَ والأجرَ والنبوّةَ والرزقَ. (٤)\n﴿بِيَدِ اللَّهِ﴾: يملكه (٥) دونهم ﴿يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾: يعطيه من هو أهلٌ لذلك (٦).\n﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)﴾: ذو الأفضال على مَن يشاء من عباده\nالمؤمنين.\nوالله أعلم.\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ١٠٤)، غرائب التفسير (٢/ ١١٩٠)، البحر المحيط (١٠/ ١١٧).\n(٢) انظر: تفسير السَّمعاني (٥/ ٣٨١).\n(٣) انظر: معاني القرآن (٥/ ١٠٤).\n(٤) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١١٩٠)، الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ٢٥٧).\n(٥) في (ب) \" بملكه \".\n(٦) تقييد فضل الله بالمشيئة وارد، أما تقييده بالإيمان فمحل نظر، إلا إن أريد بالفضل الكرامة في الدين.","vol":"1","page":3185},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-164>سورة المجادَلة </span>(١)\nاثنتان وعشرون آية (٢) (٣) مدنيةٌ (٤).\nالكلبيُّ: \" مدنيةٌ، إلاّ قولَه: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ﴾، فإنها نزلت بمكةَ \" (٥).\nعطاء: \" العشرُ الأُولُ منها مدنيٌّ، والباقي مكيٌّ \" (٦).\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾: المفسرون على أن هذه الآيةَ نزلت في خَولةَ، وقيل: خُويلةَ - بالتصغير -، وقيل: اسمُها جميلةُ بنتُ ثعلبةَ، وقيل: بنتُ خويلد، وقيل: ثعلبةُ وخُويلدُ: أحدُهما أبوها، والآخَرُ جدُّها (٧).\nوزوجُها أوسُ (٨) بنُ الصامت (٩)، أخو عبادةَ بنِ الصامت (١٠) (١١).\n_________\n(١) تُسمَّى سورة المُجَادَلة أو المجادِلة وبه سُمِّيت في المصاحف وكتب التفسير والسُّنة، وهو أشهر أسمائها، وتسمَّى سورة \" قَدْ سَمِعَ \" لابتداء السورة بذلك في قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾، وقد سُمِّيت في مصحف أبي - ﵁ - \" سورة الظِّهار \". [انظر: بصائر ذوي التمييز (١/ ٤٥٦)، الإتقان (١/ ٥٦)، التَّحرير والتنوير (٢٨/ ٥)].\n(٢) \"اثنتان وعشرون آية \" ساقطة من (ب).\n(٣) وهذا في عدِّ أهل الشام والبصرة والكوفة، وفي عدِّ أهل المدينة ومكة إحدى وعشرون آية. [انظر: البيان؛ للداني (ص: ٢٤٢)، بصائر ذوي التمييز (١/ ٤٥٦)، التَّحرير والتنوير (٢٨/ ٦)].\n(٤) وهي مدنية في قول الجمهور، قال الماوردي: \" مدنية في قول الجميع \" [النُّكت والعيون (٥/ ٤٨٧)]، وقال ابن عطية: \" وهي مدنية بإجماع \" [المحرر الوجيز (٥/ ٢٧٢)].\n(٥) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٤٨٧)، زاد المسير (٨/ ٣).\n(٦) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٤٨٧).\n(٧) والأشهر في اسم المجادلة عند المحقِّقِين، هي: خولة بنت مالك بن ثعلبة بن أصرم بن فهر بن ثعلبة بن غنم بن عوف، قال ابن كثير: \" خولة بنت ثعلبة، ويقال فيها: خولة بنت مالك بن ثعلبة. وقد تصغر فيقال: خويلة. ولا منافاة بين هذه الأقوال، فالأمر فيها قريب، والله أعلم \" .. [تفسير ابن كثير (٤/ ٣٤٢)، وانظر ترجمتها: الاستيعاب (٤/ ٢٨٢)، أسد الغابة (٧/ ١٠٢)، الإصابة (٤/ ٢٨٢)].\n(٨) في (ب) \" أويس بن الصامت \".\n(٩) أَوْسُ بن الصامت بن قيس بن أصرم الخزرجي الأنصاري، أخو عبادة بن الصامت، وكان أول من ظاهر في الإسلام، شهد بدرًا والمشاهد كلها مع رسول الله - ﷺ -، تُوفي - ﵁ - في عهد عثمان - ﵄ -، بالمدينة في حدود سنة أربع وثلاثين للهجرة، وله خمس وثمانون سنة. [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: مشاهير علماء الأمصار (ص: ٢٥)، الاستيعاب (١/ ٤٩)، أسد الغابة (١/ ٢٢٠)].\n(١٠) عبادة بن الصامت بن قيس بن أصرم الخزرجي الأنصاري، يكنى أبا الوليد، شهد بدرًا والمشاهد كلها، وكان أحد النقباء بالعقبة، وكان ممن جمع القرآن، وممن تفقه في دين الله، وكان رجلًا طوالًا جسيمًا جميلًا، توفي - ﵁ - بالرَّملة ودفن ببيت المقدس سنة أربع وثلاثين للهجرة. [انظر ترجمته: الاستيعاب (٢/ ٤٤١)، الإصابة (٢/ ٢٦٠) سير أعلام النبلاء (٢/ ١٠)].\n(١١) انظر: جامع البيان (٢٨/ ١)، تفسير السَّمعاني (٥/ ٣٨٢)، تفسير البغوي (٨/ ٤٧)، تفسير القرآن العظيم (٤/ ٣٤٠).","vol":"1","page":3186},{"text":"وقيل: نزلت في سلمةَ بنِ صخرٍ (١) وامرأةٍ له (٢).\nوالصَّحيح الأول.\nوكان أوسُ بنُ الصامت رجلًا فيه سُرعةٌ ولَمَمٌ، فغضب ذاتَ يومٍ عليها، وقال لها: \"أنتِ عليَّ كظهر أُمي \".\nوكان ذلك أولَ ظهارٍ في الإسلام. وكان طلاقُ الجاهلية الظهارَ والإيلاءَ، ثم ندِمَ على ما قال، فقال لها: ما أظنكِ إلاّ حَرُمتِ عليَّ، قالت (٣): لا تقلْ ذلك وأتِ رسولَ الله - ﷺ - فسلْه، فقال: إني أجدني أستحيي منه أنْ أسأَلَه عن هذا، قالت: فدعْني أسأله، قال: سليه، فأتتِ النبيَّ - ﷺ - وعائشةُ - ﵂ - تغسِلُ رأسَه، فقالت: يا رسولَ الله، إن زوجي أوسَ بنَ الصامت تزوّجني وأنا شابَّةٌ (٤) غنيةٌ ذات مالٍ وأهلٍ، حتّى إذا أكل مالي، وأفنى شبابي، ونفضتُ (٥) له بطني، وتفرّق أهلي، وكبِرت سنّي، ظاهر مني، فقال النبيُّ - ﷺ -: «حَرُمْتٍ عليه»، فقالت: أشكو إلى الله فقري وفاقتي، وضعفي ووَحْدتي، وصِبيةً صِغارًا، إنْ ضممتَّهم إليه ضاعوا، وإنْ ضمتُهم إليَّ جاعوا، فقال رسولُ الله: «ما أراكِ إلاّ حَرُمتِ عليه»، فجعلت ترفعُ صوتَها وتقول: اللهم إني أشكو إليك، فأنزل الله - تعالى -: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ. .﴾، الآيات، فدعا أوسَ بنَ الصامت، فتلا عليه: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ. .﴾، وحكمَ الظهار، وبيانَ الكفارة» (٦).\nقالت عائشة - ﵂ -: \" تبارك الله وَسِعَ سمعُه كلَّ شيء، إني لأسمع كلامَ خولةَ ويخفى عليَّ بعضُه، وهي تحاور رسولَ الله - ﷺ -، فما برحتْ حتى جاء جبريلُ بهذه الآيات \" (٧)، فقال له (٨) رسولُ الله - ﷺ -: «اعتق رقبة»، قال: مالي بذاك يدان، قال: «فصم شهرين متتابعين»، قال: إمَّا أني إذا أخطأ أنْ آكل في اليوم مرتين كلّ بصري، قال: «فأطعم ستّين مسكينًا»، قال: لا أجد إلاّ أنْ تُعينني منكَ بعونٍ وصلةٍ، فأعانه رسولُ الله - ﷺ - بخمسةَ عشرَ صاعًا حتى جمع الله له (٩)، وكانوا يرون أنَّ عنده مثلَها، وذلك لستين مسكينًا \" (١٠).\nقوله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾: وفي بعض المصاحف: ﴿قد يسمع الله قول التي﴾ (١١) أي: المرأة التي (١٢).\n_________\n(١) سلمة بن صخر بن سلمان بن الصمة بن الحارث بن زيد مناة الأنصاري الخزرجي، كان يقال له: البياضي لأنه كان حالفهم، ويقال: اسمه سلمان وسلمة أصح وهو الذي ظاهر من امرأته، وكان أحد البكائين، ولم أقف على وفاته - ﵁ -. [انْظُر ترجمته: الاستيعاب (٢/ ٢٠١)، أسَد الغابة (٢/ ٥٢٥)، الإصابة (٣/ ١٢٦)].\n(٢) انظر: تفسير السَّمرقندي (٣/ ٣٩٣)، تفسير البغوي (٨/ ٥٣).\n(٣) في (ب) \" فقالت \".\n(٤) في (ب) \" شابه \".\n(٥) في (أ) \"ونقضت \"، وفي بعض روايات الحديث \" ونثرت له بطني \".\n(٦) انظر: جامع البيان (٢٨/ ١)، أسباب النزول؛ للواحدي (٣٣٥)، تفسير البغوي (٨/ ٤٧)، تفسير القرآن العظيم (٤/ ٣٤٠).\n(٧) قول عائشة - ﵂ - أخرجه البخاري تعليقًا في كتاب التوحيد، باب: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ بلفظ: \" الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ الأصْوَاتَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾، وأخرجه النَّسائي في كتاب الطلاق، باب الظهار برقم (٣٤٠٦)، وابن ماجة في المقدمة، أنكرت الجهمية برقم (١٨٤) والواحدي في أسباب النزول (ص: ٣٣٦).\n(٨) هذا من تمام القصة السابقة، وكان الأولى أن يتمها، ثم يذكر حديث عائشة - ﵂ -.\n(٩) \" له \" ساقطة من (ب).\n(١٠) القصة أخرجها أبو داود في كتاب الطلاق، باب الظهار برقم (١٨٩٣)، وابن جرير في جامع البيان (٢٨/ ١)، والواحدي في أسباب النزول (ص: ٣٣٦).\n(١١) وهو في مصحف عبد الله بن مسعود - ﵁ -، والعمل على مصحف عثمان - ﵁ -. [انظر: المحرر الوجيز (٥/ ٢٧٢)].\n(١٢) \" أي المرأة التي \" ساقطة من (ب).","vol":"1","page":3187},{"text":"﴿تُجَادِلُكَ﴾: تخاصمُك ﴿فِي زَوْجِهَا﴾: في أمر زوجها، فحُذف المضافُ.\n﴿وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾: تُظهر ما بها من المكروه.\nوالاشتكاء: إظهارُ ما بالإنسان من المكروه (١).\nوالشَّكوى: إظهارُ ما يصنعه غيره به (٢) (٣).\n﴿وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾: مراجعتَكما (٤) الكلامَ، من حَارَ: إذا رجع (٥). وليس هذا [تكرارًا (٦)]؛ لأنَّ الأوَّلَ لما حكته عن زوجها، والثاني لما كان يجري بينها (٧) وبين رسول الله - ﷺ -؛ لأنَّ الأولَ ماضٍ والثاني مستقبلٌ.\n﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾: لكلامها ﴿بَصِيرٌ (١)﴾: بحالها.\n﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ﴾: هذا فعلٌ مشتقٌّ من اسم نحو ما تقول: رأستُه، وبطنته، ورجلته، وكذلك (ظَاهَرَ)، أي: قال لها: أنتِ عليَّ كظهر أمي (٨).\nوقيل: هو من الظَّهر الذي يذكر، والمراد به المركوبُ، أي: حرُمَ عليَّ ركوبك، كما حرُم عليَّ ركوبُ أمي (٩).\nوقيل: هو من الظَّهَرِ، الذي هو العلوّ والغلَبة، من قوله: ﴿فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ ... [الصف: ١٤]، أي: عُلُوِّي عليكِ حرامٌ، كعُلُوِّي على أمي (١٠).\n_________\n(١) انظر: كتاب العين (٥/ ٣٨٨)، مادة \" شَكَوَ \"، المفردات (ص: ٤٦٣)، مادة \" شَكَا \".\n(٢) في (ب) \" الشكوى: إظهار ما يصنعه به غيره \".\n(٣) انظر: كتاب العين (٥/ ٣٨٨)، مادة \" شَكَوَ \"، لسان العرب (١٤/ ٤٣٩)، مادة \" شَكَا \".\n(٤) في (أ) \"مراجعتكم \".\n(٥) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٤٨٨)، التَّحرير والتنوير (٢٨/ ٩).\n(٦) في المخطوطتين (تكرار) بالرفع، والصواب بالنصب (تكرارًا)، كما أُثبت؛ لأنه خبر ليس، وهي تعمل عملَ كان، فترفعُ الاسم وتنصب الخبر.\n(٧) في (أ) \" بينهما \".\n(٨) انظر: جامع البيان (٢٨/ ٧)، تفسير البغوي (٨/ ٥٠).\n(٩) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١١٩١)، البحر المحيط (١٠/ ١٢٠)، الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ٢٦١).\n(١٠) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١١٩١)، البحر المحيط (١٠/ ١٢٠).","vol":"1","page":3188},{"text":"وهذان الوجهان أولى من الأول؛ ليدخلَ فيه البطنُ، والفخِذُ، والفرجُ، وغيرُها (١).\nوفيه لغاتٌ:\n﴿ظَاهَرَ﴾، و﴿تَظَاهَرَ﴾، و﴿تَظَهَّرَ﴾، و﴿اظَّاهَرَ﴾، و﴿اظَّهَرَ﴾، وبكلٍّ ... قُرئ (٢).\nقوله (٣): ﴿مِنْكُمْ﴾: أي: حكمُ الظهار بين المسلمين دون غيرهم (٤).\n﴿مِنْ نِسَائِهِمْ﴾: زوجاتهم ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾: أي: لم يجعل الأزواجَ كالأمهات في شيءٍ من الأحكام (٥).\n﴿إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ﴾: ما أُمهاتُهم ﴿إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ﴾: خرجوا من بطونهن.\n﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ﴾: بالظِّهار.\n﴿مُنْكَرًا مِنْ الْقَوْلِ﴾: لا يُعرفُ ﴿وَزُورًا﴾: كذبًا (٦).\n﴿وَإِلَى اللَّهَ لَعَفُوٌّ﴾: لما مضى ﴿غَفُورٌ (٢)﴾: لمن تاب (٧).\n﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾: بيّن في الآية الأولى ما أن ذلك من قائليه\nمنكرٌ وزورٌ، وبيّن في الثانية حكمَ مَن قال ذلك، ولم يقل منكم في هذه الآية؛ لأنه\nبيانٌ للأول (٨) (٩).\n﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾: حمله بعضُهم على معنى القول (١٠)، وبعضُهم على\nعين القول (١١) (١٢).\nفمَن حمله على معنى القول، قالوا:\nتقديره: يعودون لنقض ما قالوا وإفساده.\nوقيل: يعودون إلى ما قالوا، وفيما قالوا من التحريم.\nوقيل: يرجعون عمّا قالوا.\nثم اختلفوا على ثلاثة أقوال:\nأحدها: أن العَوْدَ إنما يكونُ بالعزم على الوطء، فيلزمه الكفارةُ بالعزم.\nوالثاني: أن العَوْدَ يكونُ بالإمساك، فيلزمُه الكفارةُ بالإمساك.\nوالثالث: أن العَوْدَ يكونُ بالوطء، فيلزمُه الكفارةُ بالوطء (١٣).\n_________\n(١) قال البغوي: \" وصورة الظهار: أن يقول الرجل لامرأته: أنت عليَّ كظهر أمي، أو أنت مني أو معي أو عندي كظهر أمي، وكذلك لو قال: أنت عليَّ كبطن أمي أو كرأس أمي أو كيد أمي أو قال بطنك أو رأسك أو يدك علي كظهر أمي أو شبَّه عضوًا منها بعضوٍ آخر من أعضاء أمّه فيكون ظهارًا \". [تفسير البغوي (٨/ ٥٠)].\n(٢) لعله يقصد الكلمة باشتقاقها، فقد قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وخلف ﴿يَظَّاهَرون﴾ بفتح الياء وتشديد الظاء وألف وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو ويعقوب ﴿يَظَّهَّرون﴾ بحذف الألف وتشديد الهاء والظاء وفتح الياء وقرأ أبو العالية وعاصم وزر بن حبيش ﴿يُظَاهِرُونَ﴾ بضم الياء وتخفيف الظاء وألف وكسر الهاء، وكلُّها صحيحة، وفي قراءة أُبي ﴿يَتَظَاهَرُون﴾ وهي شاذة. [انظر: جامع البيان (٢٨/ ٧) السَّبعة (ص: ٦٢٨)، الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ٢٦١)، إتحاف فضلاء البشر (ص: ٥٣٥)].\n(٣) \" قوله \" ساقطة من (أ).\n(٤) فإنَّ أنكحة الكفار فاسدة لخلوها من شروط الصحة فلا يتعلَّق بها حكم طلاق ولا ظهار. [انظر: أحكام القرآن؛ لابن العربي (٤/ ١٨٨)، الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ٢٦٤)].\n(٥) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ١٠٦)، تفسير البغوي (٨/ ٥٠).\n(٦) بجعل الزَّوجات كالأمهات. [انظر: جامع البيان (٢٨/ ٧)، زاد المسير (٨/ ٥)].\n(٧) قال ابن كثير: \" أي عمَّا كان منكم في حال الجاهلية، وهكذا أيضًا عمَّا خرج من سبق اللسان، ولم يقصد إليه المتكلم \" [تفسير القرآن العظيم (٤/ ٣٤٤)].\n(٨) في (أ) \" بيان الأول \".\n(٩) انظر: البرهان؛ للكرماني (ص: ٣٠٩)، نظم الدُّرر (٧/ ٤٨٢).\n(١٠) أي بالعزم على الجماع الذي حرموه على أنفسهم أو إمساك الزوجة، وهو مذهب الجمهور من الأئمة الأربعة وغيرهم [انظر: جامع البيان (٢٨/ ٧)، أحكام القرآن؛ لابن العربي (٤/ ١٩٢)، الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ٢٦٧)، تفسير القرآن العظيم (٤/ ٣٤٤)، دفع إيهام الاضطراب (ص: ٢٢٨)].\n(١١) في (أ) \" القبول \".\n(١٢) أي: تكريره، وهو مذهب داوُد الظاهري واختاره ابن حزم، وبكير بن الأشج والفراء وفرقة من أهل الكلام. [انظر: أحكام القرآن؛ لابن العربي (٤/ ١٩٢)، الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ٢٦٧)، تفسير القرآن العظيم (٤/ ٣٤٤)].\n(١٣) انظر: جامع البيان (٢٨/ ٧)، أحكام القرآن؛ لابن العربي (٤/ ١٩٢)، الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ٢٦٧)، تفسير القرآن العظيم (٤/ ٣٤٤)، دفع إيهام الاضطراب (ص: ٢٢٨).","vol":"1","page":3189},{"text":"ومَن حمله على ظاهر القول وعينه اختلفوا على قولين:\nأحدهما: أن العودَ إنما يكونُ بتكرار اللّفظ، وهو أنْ يقولَ: أنتِ عليَّ كظهر أمي،\nأنتِ عليَّ كظهر أمي. فإذا قالها مرتين صار مُظاهرًا، ولزمته الكفارةُ لتكراره اللّفظَ.\nوالثاني: أنهم كانوا في الجاهلية يقولون للنساء (١) إذا أرادوا الطلاقَ: أنتِ عليَّ كظهر\nأمي، فإذا عاد في الإسلام إلى مثل ذلك القول لزمه الكفارةُ، فعلى هذا يلزمه الكفارةُ\nبمجرَّد الظهار (٢).\nالأخفش: \" تقدير الآية: الذين يُظاهرون من نسائهم فتحريرُ رقبةٍ لما قالوا ثم\nيعودون \" (٣).\nأبو علي: \" ﴿لِمَا قَالُوا﴾: في تقدير مصدرٍ وقع موقعَ المفعول، أي: يعودون في\nالقول فيه \" (٤) (٥).\nابنُ بحرٍ: \"الظهار يمينٌ، يلزمه الكفارةُ بالحنث \" (٦). والله أعلم (٧).\n_________\n(١) في (ب) \" كانوا يقولون في الجاهلية للنساء \".\n(٢) انظر: جامع البيان (٢٨/ ٧)، أحكام القرآن؛ لابن العربي (٤/ ١٩٢)، الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ٢٦٧)، تفسير القرآن العظيم (٤/ ٣٤٤)، دفع إيهام الاضطراب (ص: ٢٢٨).\n(٣) معاني القرآن (ص: ٢٩٢).\n(٤) في (ب) \"المقول فيه \".\n(٥) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١١٩٢).\n(٦) انظر: المرجع السابق.\n(٧) والتحقيق - والله أعلم - في المسألة ما قال الشنقيطي: \" قال مقيّده - عفا اللَّه عنه وغفر له - الذي يظهر لي - واللَّه تعالى أعلم - أنَّ العَود له مبدأ ومنتهى، فمبدؤه العزم على الوطء، ومنتهاه الوطء بالفعل، فمن عزم على الوطء فقد عاد بالنيّة فتلزمه الكفّارة لإباحة الوطء، ومن وطء بالفعل تحتم في حقه اللزوم وخالف بالإقدام على الوطء قبل التكفير، ويدلّ لهذا قوله - ﷺ - لما قال: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار، قالوا يا ... رسول اللَّه: قد عرفنا القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصًا على قتل صاحبه»، فبيّن أنَّ العزم على الفعل عمل يؤاخذ به الإنسان.\nفإن قيل: ظاهر الآية المتبادر منها يوافق قول الظاهرية الذي قدمنا بطلانه لأن الظاهر المتبادر من قوله: ... ﴿لِمَا قَالُوا﴾ أنه صيغة الظهار فيكون العود لها تكريرها مرة أخرى؟\nفالجواب: أن المعنى ﴿لِمَا قَالُوا﴾ أنَّه حرام عليهم وهو الجماع، ويدلّ لذلك وجود نظيره في القرآن في قوله تعالى: ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ﴾ [مريم: (٨٠)] أي ما يقول إنه يؤتاه من مال وولد في قوله: ﴿لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ [مريم: (٧٧)]، وما ذكرنا من أنَّ من جامع قبل التكفير يلزمه الكفّ عن المسيس مرّة أخرى حتى يكفّر هو التحقيق خلافًا لمن قال: تسقط الكفارة بالجماع قبل المَسِيْس.\nكما روي عن الزهري وسعيد بن جبير وأبي يوسف، ولمن قال: تلزم به كفارتان كما روي عن عبد اللَّه بن عمرو ابن العاص، وذكره بعضهم عن عمرو بن العاص وعبد الرحمن بن مهدي، ولمن قال: تلزمه ثلاث كفارات كما رواه سعيد بن منصور عن الحسن وإبراهيم، والعلم عند اللَّه تعالى \" [دفع إيهام الاضطراب (ص: ٢٣٠)، أضواء البيان (٦/ ٥١٥)].","vol":"1","page":3190},{"text":"قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾: أي: فعليه إعتاقُ رقبةٍ.\n﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾: يُجامعا (١).\nوقيل: عنى به كلَّ أنواع المسِيْس؛ لأن اللّفظَ عامٌّ (٢).\n﴿ذَلِكُمْ﴾: إشارةٌ إلى الكفارة.\n﴿تُوعَظُونَ بِهِ﴾: فلا تأتون ما هو منكرٌ وزورٌ، ولا يُطلِّقون إلاّ على الوجه المشروع.\n﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣)﴾.\n﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾: أي: الرقبةَ.\n﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ﴾: أي: فعليه صيامُ شهرين.\n﴿مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾: فإنْ أفطرَ بينهما لغير عذرٍ فعليه الاستئنافُ، وإنْ أفطر لعذرٍ ففيه خلافٌ (٣).\n﴿فَمَالِ لَمْ يَسْتَطِعْ﴾: أي: الصومَ.\n﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾: أي: فعليه إطعامُ ستين مسكينًا.\nلكلِّ مسكينٍ مدٌّ، وقيل: نصفُ صاعٍ (٤) (٥).\nوجوّز بعضُهم في الإطعام أنْ يكونَ بعد أنْ يتماسّا؛ لأنه لم يُشترطْ في الآية، كما اشتُرط في الرقبة مع الصوم (٦).\n﴿ذَلِكَ﴾: إشارةٌ إلى الصوم والإطعام. وقيل: يعودُ إلى الكلّ.\n﴿لِتُؤْمِنُوا﴾: أي: فرض ذلك لتؤمنوا.\n﴿بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾: ولا تستعملوا أحكامَ الجاهلية (٧) (٨).\n﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾: أوامرُه ونواهيه.\n﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤)﴾.\n_________\n(١) في (أ) \" يجامعها \".\n(٢) انظر: جامع البيان (٢٨/ ٨)، تفسير السَّمعاني (٥/ ٣٨٤)، تفسير القرآن العظيم (٤/ ٣٤٤).\n(٣) قال ابن قدامة: «أجمع أهل العلم على وجوب التتابع في الصيام في كفارة الظهار، وأجمعوا على من صام بعض الشهر ثم قطعه لغير عذر، وأفطر، أن عليه استئناف الشهرين، وإنما كان ذلك لورود لفظ الكتاب والسُّنة به، ومعنى التتابع: الموالاة بين صيام أيامها، فلا يفطر فيهما، ولا يصوم غير الكفارة ...، وإن أفطر لمرض مخوف لم يقطع التتابع أيضًا، وروي ذلك عن ابن عباس، وبه قال ابن المسيب، والحسن، وعطاء، والشعبي، وطاووس، ومجاهد، ومالك، وإسحاق، وأبو عبيد، وأبو ثور، وابن المنذر، والشافعي في القديم، وقال في الجديد: ينقطع التتابع، وهذا قول سعيد بن جبير، والنخعي، والحكم، والثوري، وأصحاب الرأي؛ لأنه أفطر بفعله، فلزمه الاستئناف كما لو أفطر ... لسفرٍ \" [المغني (١١/ ٩٢)، وانظر: جامع البيان (٢٨/ ٩)].\n(٤) قال ابن قدامة: \" وجملة الأمر، أنَّ قدر الطعام في الكفارات كلِّها مدّ من بُرٍ لكل مسكين، أو نصف صاع من تمر أو شعير\". [المغني (١١/ ٩٤)].\n(٥) المدُّ والصَّاع من المكاييل، فالصَّاع: مِكْيال يَسَع أرْبَعة أمْدادٍ. والمدُّ مُخْتَلَفٌ فيه فقيل هو رِطْل وثلُث بالعِرَاقي، وبه يقولُ الشافعيّ وفُقهاء الحجاز. وقيل: هو رطْلان وبه أخذ أبو حنيفة وفُقهاء العِرَاق فيكونُ الصاع خمسةَ أرْطال وثلُثًا أو ثمانية أرْطال \" [النهاية (٣/ ٦٠) \"مادة صَوَعَ \"، لسان العرب (٨/ ٢١٤)، \"مادة صَوَعَ \"].\n(٦) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١١٩٢)، والصَّحيح أنَّ المظاهر يحرم عليه وطء زوجته قبل التكفير؛ لقول الله تعالى في العتق والصيام، فإن وطئ عصى ربه لمخالفة أمره والكفارة في ذمَّته، وتحريم زوجته باقٍ حتى يُكَّفر، وهذا قول أهل العلم والتحقيق. [انظر: المغنى: (١١/ ١١٠)].\n(٧) في (أ) ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ﴾: أي: فرض ذلك لتؤمنوا ﴿وَرَسُولِهِ﴾: ولا تستعملوا أحكامَ الجاهلية.\n(٨) ومنها الظهار كما تقدَّم.","vol":"1","page":3191},{"text":"﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾: يُعادون ويُخالفون، وأصلُه عند النحاة من الحدّ، أي: يصيرون في حدٍّ غير حدِّه.\nوكذلك: يُشاقُّون الله (١)، ويُعادون من الشَّقّ وعَدوة الوادي (٢). وقد سبق.\nابنُ جرير: \" يُخالفونه في حدوده وفرائضه، فيضعون حدودًا غيرَ حدوده \" (٣).\nابنُ بحرٍ: \" ﴿يُحَادُّونَ﴾: يُفاعلون. من الحديد \" (٤)، أي: يُقاتلون.\n﴿كُبِتُوا﴾: أُخزوا، وقيل: أُهلكوا وأُذِلُّوا، وقيل: كُسروا (٥).\nوقيل: بمعنى (٦): كُبُّوا على وجوههم (٧).\nالنقّاش: \" أصله كُبدوا، أي: أُصيبوا في أكبادهم، قُلب الدالُ تاءً \" (٨).\n﴿كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: كفارُ الأمم الخالية. وقيل: يومَ بدرٍ (٩).\n﴿وَقَدْ أَنْزَلْنَا آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾: وقيل: هي (١٠) القرآن، وقيل: معجزات النبيّ - ﷺ -، وقيل: الدَّلالاتُ العقليات (١١).\nقال صاحبُ النظم: \" تقديره: آيات في المحادِّين؛ ليكونَ بينهما اتّصالٌ \" (١٢).\n﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾: أي: النار.\n﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾: أي: يُجازَون بالعذاب (١٣) ﴿جَمِيعًا﴾: من الأرض.\n﴿فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا﴾: تقريرًا على ما يستحقُّون.\n﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ﴾: أي: أحصى ما عملوا إحصاءَ عددٍ وإحاطةٍ به.\n﴿وَنَسُوهُ﴾: لكثرته وطُول زمانه.\n﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٦)﴾: لا يغيبُ عنه شيءٌ، وقيل: يشهدُ عليهم فلا يستطيعون ردَّها دفعًا وإنكارًا.\n﴿أَلَمْ تَرَ﴾: ألم تعلم، وقيل: ﴿تَرَ﴾: من (١٤) رؤية العين، أي: ألم تر الدلائلَ على أنه عالمٌ، وقيل: معناه تنبَّه (١٥).\n﴿أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ﴾: ما يقعُ ﴿مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ﴾ من مناجاة.\nالنجوى: السَّرّائر، مصدرٌ (١٦) على وزن (فَعْلَى)، مشتقٌّ من النَّجوة، وهي: الارتفاعُ لبُعد الحاضرين عنها (١٧).\nابنُ سَماعةَ (١٨): \"لا يكونُ النجوى (١٩) إلاّ بين ثلاثةٍ \". حكاه أقضى القضاة (٢٠).\n_________\n(١) كأن المؤلف يشير إلى آيةٍ بهذا اللفظ، والوارد في نص القرآن بلفظين (يُشاقّ الله)، و(يشاقق الله)، وكلاهما بالإفراد.\n(٢) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٤٨٩)، الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ٢٧٤).\n(٣) انظر: جامع البيان (٢٨/ ١١).\n(٤) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١١٩٣).\n(٥) انظر: جامع البيان (٢٨/ ١١)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ١٠٨)، إعراب القرآن؛ للنَّحاس (٤/ ٢٤٩).\n(٦) \" بمعنى \" ساقطة من (ب).\n(٧) قال ابن منظور: \" وكَبَتَه الله لوجهه كبْتًا، أي صرعه الله لوجهه فلم يَظْفَر \". [لسان العرب (٢/ ٧٦)، مادة \" كَبَتَ \"].\n(٨) لم أقف على قول النَّقَّاش.\nقال النَّحَّاس: \" والأصل كُبِدُوا، من قولهم: كَبَدَهُ: إذا أصابه بوجع في كَبِدِهِ \" [إعراب القرآن (٤/ ٢٤٩)].\n(٩) انظر: الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ٢٧٥)، البحر المحيط (١٠/ ١٢٤).\n(١٠) في (ب) \" هو \".\n(١١) انظر: جامع البيان (٢٨/ ١٢)، البحر المحيط (١٠/ ١٢٤).\n(١٢) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١١٩٣).\n(١٣) في (ب) \" ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ﴾: أي: يُجازَون يوم يبعثهم ﴿اللَّهُ جَمِيعًا﴾: من الأرض \".\n(١٤) \" من \" ساقطة من (أ).\n(١٥) انظر: جامع البيان (٢٨/ ١٢)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٤/ ٢٥٠).\n(١٦) في (ب) \" ﴿مِنْ نَجْوَى﴾: من مناجاة ﴿ثَلَاثَةٍ﴾ النجوى: السَّرّاء، ومصدرٌ \".\n(١٧) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٤٩٠)، الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ٢٧٥).\n(١٨) ابن سَماعة، هو: محمد بن سماعة بن عبيد الله بن هلال التميمي الكوفي أبو عبد الله، صاحب أبي يوسف ومحمد. ولي القضاء ببغداد للمأمون فلم يزل حتى ضعف بصره في أيام المعتصم فاستعفي.\nقال ابن معين: \" لو أن المحدثين يصدقون في الحديث كما يصدق ابن سماعة في الفقه، لكانوا فيه على نهاية\"، عُمِّر مائة سنة وثلاث سنين، وتوفي سنة ثلاث وثلاثين ومائتين للهجرة، وقيل سنة ستٍ وثلاثين [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: سير أعلام النبلاء (١٠/ ٦٤٦)، تهذيب التهذيب (٩/ ١٨١)، الأعلام (٦/ ١٥٣)].\n(١٩) \" النَّجوى \" ساقطة من (أ).\n(٢٠) ذكره الماوردي، لكنه عزاه لسراقة، ولم يعزه لابن سماعة، انظر: غرائب التفسير (٢/ ١١٩٣).","vol":"1","page":3192},{"text":"النقّاش (١): \" النَّجوى: الكلامُ يكونُ بين القليل والكثير \" (٢).\nوقيل: النجوى: المُتناجون، كقولهم: ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾ [الإسراء: ٤٧)] (٣).\n﴿وثَلَاثَةٍ﴾: بدلٌ، ويجوزُ أنْ يكونَ مضافًا إليه (٤).\n﴿إِلَّا هُوَ﴾: إلاّ الله ﴿رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾\nالرابعُ هاهنا: اسمٌ للفاعل (٥)، وكذلك السادسُ.\nوأما رابعُ أربعةٍ، وخامسُ خمسةٍ، وسادسُ ستةٍ، فأسماءٌ بمعنى واحدٍ من أربعة.\nويجوزُ في الأول التنوينُ ونصبُ ما بعدَه، ولا يجوزُ في الثاني (٦).\n﴿وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ﴾: أي: ولا أقل من الثلاثة.\n﴿وَلَا أَكْثَرَ﴾: أي: من الخمسة.\n﴿إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ﴾: يعلمُ ما يأتون، كما يعلمُ مَن هو معهم.\n﴿أَيْنَ مَا كَانُوا﴾: من السَّماء والأرض.\n﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: يُخبرهم، فيُجازيهم عليه.\n﴿إِنَّكَ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧)﴾.\n﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى﴾:\nفي سبب النزول: عن (٧) ابنِ عباسٍ ومجاهدٍ: نزلت في اليهود والمنافقين (٨)، كانوا يتناجَون فيما بينهم وينظرون إلى المؤمنين، ويتغامزون بأعيُنهم، فإذا رأى المؤمنون ذلك قالوا: ما نراهم إلاّ وقد بلغهم عن إخواننا وأقربائنا الذين خرجوا في السرايا قتلٌ أو موتٌ (٩) أو مصيبةٌ أو هزيمةٌ، فيقعُ ذلك في قلوبهم ويُحزنُهم، فلما طالَ ذلك شكَوا إلى رسول الله - ﷺ -، فأمرهم أنْ لا يتناجَوا دونَ المسلمين، فلم ينتهوا، وعادوا إلى مناجاتهم، فأنزلَ اللهُ:\n﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى﴾ (١٠).\n﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾: لأن المسلمين كانوا يحزنون ويخافون من ذلك، فكان ذلك إثمًا وعُدواناُ منهم.\n﴿وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ﴾ أي: وبما يصيرون عاصين (١١) للرسول إذْ كان نهاهم عن ذلك.\n﴿يَتَنَاجَوْنَ﴾، و﴿يَنْتَجُوْنَ﴾ بمعنىً (١٢)، نحو: تَعاوَنوا، واعْتَونُوا.\n\n﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾: يُريدُ اليهودَ، فإنهم كانوا إذا دخلوا على رسولِ الله - ﷺ -، قالوا: السامُ عليكَ، وكان النبيُّ (١٣) - ﷺ - يقول لهم: وعليكم، فسمعتْ\n_________\n(١) في (ب) \"النقَّاس \".\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) انظر: جامع البيان (٢٥/ ٢٧٦).\n(٤) انظر: مشكل إعراب القرآن (٢/ ٧٢٣)، المحرر الوجيز (٥/ ٢٧٦).\n(٥) في (أ) \"اسم الفاعل \".\n(٦) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١١٩٣).\n(٧) في (ب) \" قال \".\n(٨) في (ب) \" نزلت في المنافقين واليهود \".\n(٩) (\" ... (أو موت \" ساقطة من (أ).\n(١٠) انظر: أسباب النزول؛ للواحدي (ص: ٣٣٨)، زاد المسير (٨/ ٨)، تفسير البغوي (٨/ ٥٥).\n(١١) في (أ) \"عاصيًا \".\n(١٢) وهما قراءتان صحيحتان، فقد قرأ الجمهور ﴿يَتَنَاجَوْنَ﴾، وقرأ حمزة وحده ﴿يَنْتَجُوْنَ﴾ من غير ألف. [انظر: السَّبعة (ص: ٦٢٨)، معاني القراءات (ص: ٤٨٤)، الحُجَّة (٦/ ٢٧٨)].\n(١٣) \" النبي \" ساقطة من (أ).","vol":"1","page":3193},{"text":"عائشةُ - ﵂ - يومًا، فقالت: عليكم السَّامُ والذَّام (١)، فقال النبيُّ - ﷺ -: يا عائشةُ «إن اللهَ يُحبُّ الرِّفقَ، ويكره الفُحشَ والتفحُّشَ»، فقالت: يا رسولَ الله، ألستَ ترى ما يقولون؟! فقال رسول الله - ﷺ - (٢): ألستِ ترينَ ما أردُّ عليهم\" (٣).\nثم قال (٤): «إذا سلّم عليكم كتابيٌّ فقولوا: وعليك». أي: عليكَ ما قلتَ، فنزلتْ هذه الآيةُ (٥).\nقال المفسرون: السامُ: الموتُ.\nوقيل: السيفُ.\nوقيل: معناه: ستُسأمون دينَكم (٦).\nابنُ بحرٍ: \" كانوا يُحيُّونه بتحيّة الجاهلية: أنعِم صباحًا، وأمثاله، واللهُ أمر بالتسليم\nعليه والصلاة \" (٧).\nوقيل: الموتُ بلغة اليهود، وهو (٨) في لغة العرب: عُروق الذهب والفضة (٩).\nويحتملُ: أنهم كانوا (١٠) يقولون - لعنهم الله - السامَّ - بالتشديد - من سمّ الموت.\n﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾: أي: يقولون\n_________\n(١) الذَّامُ: - بالذال المعجمة، وتخفيف الميم - بمعنى العَيب، وروي بالدال المهملة، ومعناه: الدَّائم. [انظر: المنهاج شرح صحيح مسلم (١٤/ ٣٧١)].\n(٢) \" رسول - ﷺ - \" ساقطة من (ب).\n(٣) أخرجه البخاري (بنحوه) في كتاب الأدب، باب: الرفق في الأمر كله برقم (٥٥٦٥) عن عائشة ... - ﵂ -، وأخرجه مسلم كذلك في كتاب السلام (بألفاظ مختلفة)، باب: النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام، وكيف يردُّ عليهم، برقم (٥٦٢١)، وأخرجه الواحدي في أسباب النزول (ص: ٣٣٨).\n(٤) \" قال \" ساقطة من (ب).\n(٥) أخرجه مسلم (بنحوه) في كتاب السلام، باب: النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام، وكيف يردُّ عليهم، برقم (٥٦١٧) عن أنس - ﵁ -، وعن ابن عمر - ﵄ - برقم (٥٦١٩)، وأخرجه الواحدي في أسباب النزول (ص: ٣٣٨).\n(٦) انظر: جامع البيان (٢٨/ ١٣)، النُّكت والعيون (٥/ ٤٩١)، لسان العرب (١٢/ ٣٠٢)، مادة \" سَمَمَ \".\n(٧) لم أقف عليه، قلت: وهذا المعنى بعيد لأنها تحية تقدير، وتحية اليهود كراهية وبغضًا.\n(٨) في (ب) \" وهي \".\n(٩) انظر: مجمل اللغة (ص: ٣٦٥)، مادة \"سَامَ\"، لسان العرب (١٢/ ٣٠٢)، مادة \" سَمَمَ \".\n(١٠) \" كانوا \" ساقطة من (ب).\n(١١) \" ﴿فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ \" ساقطة من (أ).","vol":"1","page":3194},{"text":"فيما بينهم: لو كان نبيًا لعاقبنا اللهُ بما نقوله.\nوقيل: لو كان محمدٌ نبيًا لاستُجيب دعاؤُه علينا بقوله: (وعليكم) (١)، فقال اللهُ\nسبحانه: ﴿حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ﴾ أي: فيما أعدَّ لهم في الآخرة كفايةً عن عذاب\nالدنيا.\n﴿يَصْلَوْنَهَا﴾: يدخلونها ويلزمونها.\n﴿فَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٨)﴾: المرجعُ جهنمُ.\nثم خاطب المؤمنين فقال:\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ﴾: فِعلَ المنافقين واليهود.\n﴿وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾: بالطاعة والخير.\n﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ﴾: أي (٢) إلى جزائه.\n﴿تُحْشَرُونَ (٩)﴾: قيل: هذا خطابٌ للمنافقين، يريد: يا أيها الذين آمنوا في\nالظاهر (٣).\n﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ﴾: أي: النجوى بالإثم والعُدوان من فعل\nالشيطان.\n﴿لِيَحْزُنَ﴾: قيل: الشيطان، وقيل: النجوى ليحزُن (٤) (٥).\n_________\n(١) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٣٣٢)، جامع البيان (٢٨/ ١٥)، الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ٢٨٠).\n(٢) \" أي \" ساقطة من (ب).\n(٣) وهو قول عطاء ومقاتل، وظاهر الآية أنه خطاب تحذير للمؤمنين أن يشابهوا المنافقين واليهود، وهو قول الجمهور، [انظر: جامع البيان (٢٨/ ١٥)، تفسير السَّمعاني (٥/ ٣٨٧)، زاد المسير (٨/ ١٠)].\n(٤) \" ليحزن \" ساقطة من (أ).\n(٥) والأول أولى لسياق الآيات. [انظر: جامع البيان (١٨/ ١٥)، البحر المحيط (١٠/ ١٢٧)].","vol":"1","page":3195},{"text":"﴿الَّذِينَ آَمَنُوا﴾: بما يتوهَّمون أنه لوقوع (١) بليّةٍ ومصيبةٍ.\n﴿وَلَيْسَ﴾: الشَّيطانُ أو النجوى (٢).\n﴿بِضَارِّهِمْ﴾: أي: المؤمنين.\n﴿شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: بعلمه وقضائه وقدره.\nوقيل: لا يضرُّهم شيئًا إلاّ ما أراد الله.\n﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٠)﴾: فلْيُفوِّضوا أمورَهم إليه وليثقوا به (٣).\nابنُ بحرٍ: \" أمر اللهُ بالتوكُّل عليه، ومَن لم يتوكّل عليه فقد أذن اللهُ أنْ يحزنَ عُقوبةً له \" (٤).\nوقيل: في معنى قوله: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ﴾: هو أحلامُ النوم التي يراها الإنسانُ في نومه فيحزُنه (٥).\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ﴾ (٦):\nفي سبب النزول: عن المقاتِلَين (٧): كان النبيُّ - ﷺ - في الصُّفّة وفي المكان ضِيقٌ، وكان يومَ جُمُعةٍ، فجاء ناسٌ من أهل بدرٍ وقد سُبقوا إلى المجلس، فقاموا حِيالَ رسولِ الله - ﷺ - على\n_________\n(١) في (ب) \" بما يتوهمونه أنه كوقوع \".\n(٢) وليس الشيطان أو النجوى التي هي من تزيينه. [انظر: جامع البيان (١٨/ ١٥)، تفسير البغوي (٨/ ٥٦)، البحر المحيط (١٠/ ١٢٧)].\n(٣) في (ب) \" وليتَّقوا به \".\n(٤) لم أقف عليه.\n(٥) انظر: جامع البيان (٢٨/ ١٦)، النُّكت والعيون (٥/ ٤٩١).\n(٦) في (ب) \" ﴿الْمَجلِسِ﴾ بالإفراد، وهي قراءة الجمهور، وقرأ عاصم وحده ﴿الْمَجَالِسِ﴾ بالجمع [انظر: جامع البيان (٢٨/ ١٨)، السَّبعة (ص: ٦٢٨)، معاني القراءات (ص: ٤٨٤)].\n(٧) أي: مقاتل بن حيان، وقد تقدمت ترجمته في سورة الزخرف، ومقاتل بن سليمان، وقد تقدمت ترجمته في سورة ص.","vol":"1","page":3196},{"text":"أرجلهم ينتظرون أنْ يُوسَّعَ لهم، فلم يُفسحوا لهم، وشقَّ ذلك على رسول الله - ﷺ -؛ لأنه كان يُكرمُ أهلَ بدرٍ من المهاجرين والأنصار، فقال لمن حولَه من غير أهل بدرٍ:\n«قم يا فلانُ، وأنتَ يا فلانُ»، فأقام من المجلس بقدر القوم الذين قاموا بين يديه من أهل بدرٍ، فشقَّ ذلك على مَن أُقيم من مجلسه، وعَرف رسولُ الله - ﷺ - الكراهةَ في وجوههم، وقال المنافقون للمسلمين: ألستم تزعمون أن صاحبَكم يعدل بين الناس، فو الله ما عدل على هؤلاء القوم، أخذوا مجالسَهم، وأحبُّوا القُربَ من نبيّهم، فأقامهم وأجلس مَن أبطأَ عنهم مكانَهم، فأنزل اللهُ تعالى هذه الآيةَ \" (١).\nالكلبيُّ: \" عن أبي صالحٍ (٢) عن ابن عباسٍ - ﵄ - \": أنها نزلت في ثابت بن قيس \" (٣). وقد سبق في سورة الحجرات (٤).\nمجاهد: \" هذا في مجلس النبيّ - ﷺ - خاصّة \" (٥).\nوقيل: عامٌّ في مجالس الخير كلِّها (٦).\nالحسن: \" ذلك في الغزو \" (٧) (٨).\n﴿فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾: ذلك المجلس، بإزالة وَحشة التضايُق، وتطييب النفوس به.\nوقيل: ﴿يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾: في الجنة.\nوقيل: ﴿يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾ (٩): في القبر.\nوقيل: ﴿يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾ بأنْ يخلُق هناك سعةً تسعُكم (١٠).\n﴿وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا﴾: ارتفعوا في المجلس.\nوقيل: ذلك عند النهوض من المجلس، ومعناه: قوموا.\nوقيل: هو عن الدعاء إلى كلّ خيرٍ.\nوقيل: هو الصلاة.\nوقيل: ذلك عند القتال مع رسول الله - ﷺ - خاصّةً (١١).\n﴿فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾: ذهب بعضُهم إلى أن الدرجات الأولى: العلمُ خاصّةً، أي: يرفع الله الذين آمنوا منكم، ويرفع الذين أوتوا العلمَ درجاتٍ.\nوروى الزجّاجُ أنَّ النبيَّ - ﷺ - قال: «عبادةُ العالمِ يومًا تعدِلُ عبادةَ العابد أربعين سنةً» (١٢).\nوقيل: تقديره: يرفع الله الذين آمنوا (١٣) منكم لإيمانه وطاعته درجةً ومنزلةً، ويرفع الذين أوتوا العلمَ من المؤمنين على مَن ليس بعالمٍ درجاتٍ (١٤).\n_________\n(١) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٣٣٣)، أسباب النزول؛ للواحدي (٣٣٩)، تفسير البغوي (٨/ ٥٧).\n(٢) أبو صالح: باذام، ويقال: باذان الكوفي، حدَّث عن مولاته، أمُّ هانئ بنت أبي طالب، وأخيها علي، وأبي هريرة، وابن عباس، وحدث عنه أبو قلابة، والأعمش، والسُّدي، ومحمد بن السائب الكلبي.\nقال عنه يحيى بن معين: \" ليس به بأس، وإذا حدَّث عنه الكلبي فليس بشيء \"، وقال ابن عدي: \" عامة ما يرويه تفسير وما أقل ماله من المسند، وفي ذلك التفسير ما لم يتابعه عليه أهل التفسير، ولم أعلم أحدًا من المتقدمين رضيه، وقال عنه ابن حجر في التقريب: \" ضعيفٌ مُدَلِّسٌ، يرسل، من الثالثة \"، ولم أقف على تاريخ وفاته.\n[انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: سير أعلام النبلاء (٥/ ٣٧)، تهذيب التهذيب (١/ ٣٦٤)، تقريب التهذيب (ص: ١٢٠)].\n(٣) انظر: تفسير البغوي (٨/ ٥٧).\n(٤) انظر: (ص: ٥٦٢).\n(٥) انظر: جامع البيان (٢٨/ ١٧)، النُّكت والعيون (٥/ ٤٩٢).\n(٦) وهو قول قتادة [انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٤٩٢)، تفسير القرآن العظيم (٤/ ٣٤٦)].\n(٧) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٤٩٢)، البحر المحيط (١٠/ ١٢٧).\n(٨) وقول قتادة هو الظاهر من معنى الآية، وقد اختاره غير واحدٍ من المحقِّقين، قال القرطبي: \" قلت: الصَّحيح في الآية: أنها عامَّة في كل مجلس اجتمع المسلمون فيه للخير والأجر، سواء كان مجلس حرب أو ذكر ... أو مجلس يوم الجمعة، فإن كل واحد أحق بمكانه الذي سبق إليه قال - ﷺ -: \"من سبق إلى ما لم يسبق إليه فهو أحق به\"، ولكن يوسع لأخيه ما لم يتأذ بذلك فيخرجه الضيق عن موضعه \". [الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ٢٨٣)، وانظر: جامع البيان (٢٨/ ١٨)، البحر المحيط (١٠/ ١٢٧)].\n(٩) \" وقيل: ﴿يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾ ... \" ساقطة من (ب).\n(١٠) انظر: جامع البيان (٢٨/ ١٨)، البحر المحيط (١٠/ ١٢٧).\n(١١) انظر: جامع البيان (٢٨/ ١٨)، النُّكت والعيون (٥/ ٤٩٢)، زاد المسير (٨/ ١١).\n(١٢) انظر: معاني القرآن (٥/ ١١٠)، ولفظ الزجَّاج: \" ما روي عن النبي - ﷺ - أنه قال: \" عبادة العالم يومًا واحدًا تعدل عبادة العابد الجاهل أربعين سنة \"، ولم أقف على تخريج له.\n(١٣) \" آمنوا \" ساقطة من (ب).\n(١٤) انظر: جامع البيان (٢٨/ ١٩)، النُّكت والعيون (٥/ ٤٩٢)، الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ٢٨٥).","vol":"1","page":3197},{"text":"وفي الدرجات قولان:\nأحدهما: في الدنيا، بالمرتبة والشرف، والقُرب من النبيّ - ﷺ - ليتبيّنَ أهلُ العلم والحِلم\nوالنُّهى من غيرهم.\nوقيل: الدرجات في الجنة (١).\n﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١)﴾: فيه تهديدٌ، أي: امتثِلوا أوامرَه ونواهيه.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ﴾: في سبب النزول: قال مقاتلُ بنُ حيّانَ: نزلت الآيةُ في الأغنياء، وذلك أنهم كانوا يأتون النبيَّ - ﷺ - فيُكثرون مناجاتِه، ويَغلِبون على المجلس، حتى كره رسولُ الله - ﷺ - ذلك من طُول جُلوسهم ومناجاتِهم، فأنزل اللهُ هذه الآيةَ، وأمرَ بالصَّدقة عندَ المُناجاة، فأما أهلُ العُسرة فلم يجدوا شيئًا، وأما أهلُ الميْسَرَةِ فبخِلوا، واشتدَّ ذلك على أصحاب النبيّ - ﷺ -، فنزلت الرخصةُ (٢).\nقال أميرُ المؤمنين (٣) عليُّ بنُ أبي طالبٍ - ﵁ -: \" إن في كتاب الله لآيةً ما عمل بها أحدٌ قبلي، ولا يعملُ بها أحدٌ بعدي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ﴾: كان لي دينارٌ فبِعتُه بدراهم (٤)، وكنتُ إذا ناجيتُ الرسولَ تصدَّقتُ بدرهمٍ حتى نفِد، فنُسختْ بالآية الأخرى: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ﴾ \" (٥).\n_________\n(١) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٤٩٢)، زاد المسير (٨/ ١٢).\n(٢) انظر: أسباب النزول؛ للواحدي (ص: ٣٤٠)، زاد المسير (٨/ ١٢).\n(٣) \" أمير المؤمنين \" ساقطة من (أ).\n(٤) \" بدراهم \" ساقطة من (ب).\n(٥) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (٢٨/ ٢٠)، والحاكم في مستدركه في كتاب التفسير - تفسير سورة المجادلة (٢/ ٤٨١)، وقال: \" هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه \"، ووافقه الذهبي، وأخرجه الواحدي في أسباب النزول؛ للواحدي (ص: ٣٤٠).","vol":"1","page":3198},{"text":"وعن عليٍّ - ﵁ - أيضًا، قال: \" لما نزلت هذه الآيةُ دعاني رسولُ الله - ﷺ -، فقال لي: ... «ما ترى؟ ترى دينارًا؟»، قلت: لا يُطيقونه، قال: «كم؟»، قلتُ: حبةً أو شعيرةً، قال لي: «إنك لزهيدٌ»، فنزلت الآيةٌ الثانيةُ \" (١).\nقوله: ﴿إِذَا نَاجَيْتُمُ﴾: أي: إذا أردتم أن تُناجوا رسولَ الله - ﷺ -.\n﴿فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ﴾: أعطوا أمامَ مناجاتِكم الفقراءَ.\n﴿صَدَقَةً ذَلِكَ﴾: أي: التصدُّقُ ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾: من البُخل.\n﴿وَأَطْهَرُ﴾: أي: لأنفسكم وأزكى لها.\n﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا﴾: ما تتصدّقونه (٢).\n﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾: لمن لم يجدْ (٣).\n﴿رَحِيمٌ (١٢)﴾: رخَّص له في المناجاة من غير صدقةٍ يُقدِّمُها (٤) (٥).\nوقيل: \" إن لم تجدوا فإن الرُّخصةَ فيه كالمغفرة، رحمةً منه لكم، فدلَّ بالصفة على هذا المعنى \". قاله ابنُ عيسى (٦).\nثم نُسخ، فقال بعضُهم: عمل الناسُ بهذا الفرض ثم نُسخ (٧).\n_________\n(١) أخرجه الترمذي في سُننه، في كتاب التفسير، باب: ومن سورة المجادلة، برقم (٣٣٠٠) -وقال: \"هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ إِنَّمَا نَعْرِفُهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ\"، وأخرجه النَّحَّاس في الناسخ والمنسوخ؛ (ص: ٧٠١)، وأورده السُّيوطي في لباب النقول (ص: ٢٩٢)، والحديث ضَعَّفه الألباني في ضعيف سنن الترمذي (ص: ٤٢٤).\n(٢) في (أ) \" ما يتصدقونه \".\n(٣) في (أ) \" لمن لا يجد \".\n(٤) في (أ) \" تقدمها \".\n(٥) قال ابن عطية: \" يريد للواجد وأمَّا من لا يجد، فالرخصة له ثابتة أولًا بقوله تعالى: فَإِنْ ﴿لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢)﴾ [المحرر الوجيز (٥/ ٢٨٠)].\n(٦) لم أقف عليه.\n(٧) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٤٩٣)، الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ٢٨٨).","vol":"1","page":3199},{"text":"وقيل: إنه كان في ساعةٍ من نهارٍ ثم نُسخ (١).\nواتّصالُها (٢) بالآية لا يمنعُ من حصول التراخي.\n﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ﴾: أي: أخشِيتم الفقرَ والفاقةَ من هذه الصدقة، وعصيتم اللهَ بأنْ لم تفعلوا ما أمركم به (٣) (٤).\nثم قال: ﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾: من هذه المعصية، وأسقط عنكم هذا الفرضَ.\n﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ﴾: المفروضةَ في مالكم، فإن هذا لا يُوضعُ عنكم بوجهٍ (٥).\n﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٣)﴾.\n﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا﴾:\nفي صحيح البخاريّ عن ابن عباسٍ - ﵄ -، أن رسولَ الله - ﷺ - كان في ظِلّ حُجرةٍ من حُجره، وعنده نفرٌ من المسلمين قد كاد الظِّلُّ يقلُصُ عنهم، فقال لهم: «إنه سيأتيكم إنسانٌ ينظرُ إليكم بعيني شيطانٍ (٦)، فإذا أتاكم فلا تُكلِّموه» (٧)، فجاء عبدُ الله ... ابنُ نبتل (٨) (٩) - وكان أزرقَ (١٠) -، فدعاه رسولُ الله - ﷺ -، فكلّمه، فقال: «علامَ تشتمني أنتَ\n_________\n(١) وهو مروي عن ابن عباس وقتادة. [انظر: زاد المسير (٨/ ١٣)، الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ٢٨٨)].\n(٢) في (ب) \" واتصاله \".\n(٣) لا يفهم من الآية أن ترك المناجاة معصيةٌ، وهم إنما حصل منهم الخشية من تقديم الصدقة للفقر، ولم يحصل منهم مخالفةٌ للأمر، وهو المناجاة بغير تقديم صدقة.\n(٤) انظر: جامع البيان (٢٨/ ٢٢)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٢٥٣).\n(٥) انظر: جامع البيان (٢٨/ ٢٢)، تفسير البغوي (٨/ ٦١).\n(٦) في (أ) \" يعني شيطان \".\n(٧) في (أ) \" فلا تُكلموا \".\n(٨) في (أ) \" عبد الله بن أبي \" والصواب ما أثبت \".\n(٩) عبد الله بن نبتل بن الحارث من بني لوذان بن عمرو بن عوف من بنى قينقاع، وكان من عظماء المنافقين ... وممن يكيد للإسلام وأهله وكان جسيمًا ثائر الرأس، أحمر العينين، أسفع الخدين \" [انظر: تاريخ الطبري (٢/ ٣٦٨)، الإصابة (٤/ ٢١٢)].\n(١٠) أي العينين.","vol":"1","page":3200},{"text":"وفلان وفلان (١)، نفرٌ سمّاهم بأسمائهم، فانطلق، فدعاهم، فحلفوا بالله واعتذروا إليه»، فأنزل الله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا﴾ \" (٢).\n﴿غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾: أي: يُوالُون اليهودَ، وهم المغضوبُ عليهم.\n﴿مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ﴾: كقوله: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [النساء: ١٤٣]، بل هم منافقون (٣).\n﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ﴾: أنهم ليسوا منافقين.\n﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤)﴾: أنهم كاذبون منافقون (٤).\n﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٥)﴾.\n﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ﴾: الكاذبةَ.\n﴿جُنَّةً﴾: وِقايةً دونَ دمائهم وأموالِهم.\n﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: عن طاعته والإيمان به.\nوقيل: صدُّوا المؤمنين عن سبيل حُكمه من القتل في أمثالهم الكفَرَة (٥).\n﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٦)﴾.\n﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ﴾: لن تدفع.\n﴿أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١٧)﴾.\n﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ﴾: لله في الآخرة أنهم كانوا مخلصين في الدنيا غير منافقين.\n﴿كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾: في الدنيا.\nوقيل: هو قولُهم: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣].\n﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ﴾: في الدنيا.\n﴿عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٨)﴾: وقيل: ليس في القيامة كذبٌ، وأنهم يحلفون أنهم لم يكونوا كفارًا عند أنفسِهم (٦).\nالحسن: \"في مواطن يدهشون فيكذبون، كما يكذبُ الصبيُّ، ثم يعرفون قُبحَ الكذب فيتركون \" (٧) (٨).\nوقيل: هو من قوله: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٢٤]، أي: يتكلَّمون بمثل ما كانوا يتكلَّمون في الدنيا (٩).\n﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ﴾: استولى وغلب، من قول العرب: حُذتُ الإبلَ وحزتُها: إذا استولى عليها، ورجلٌ أحوذيٌّ: نافذٌ في الأمور.\nوالاستحياذُ: الاستيلاءُ، وشذَّ عن القياس؛ لأنهم لا يستعملوه إلاّ بزيادة (١٠).\n﴿فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ﴾: الإيمانَ به، وقيل: الأمرَ والنهيَ.\n﴿أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ﴾: جنودُه.\n﴿أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٩)﴾.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (٢٠)﴾: الأسفلين الصاغرين، في الدنيا بالقتل والسبي، وفي الآخرة بالعذاب والنار (١١).\n﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ﴾: قَضَى وحَكَمَ، وقيل: مضى حكمُه، وقيل: أوجب ذلك، وقيل: كتب الله في اللّوح المحفوظ: أن رسلَه غالبون، وأخبر به، فهو كذلك لا محالةَ (١٢).\nويحتمل: أن (١٣) ﴿كَتَبَ اللَّهُ﴾: بمعنى: أقسم، ولهذا وقع بعده اللام ونون التأكيد (١٤)، وهذا ظاهر.\nوالمعنى لأغلبنَّ ﴿أَنَا وَرُسُلِي﴾: وتغلبُ رُسُلِي: بالسيف والحجة (١٥) (١٦).\n﴿إِن اللَّهَ قَوِيٌّ﴾: لا يمتنعُ عليه ما يُريد.\n﴿عَزِيزٌ﴾: غالبٌ غيرُ مغلوبٍ.\n﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ﴾ أي: لا يوادُّون أعداءَ الله، ولو كان ذلك العدوُّ أقربَ الناس إليهم.\nابنُ جُرَيج: \" نزلت في أبي بكرٍ، سبَّ أبو قُحَافةَ (١٧) الرسول - ﷺ - فصكَّه أبو بكرٍ - ﵁ - صكةً شديدةً سقط منها. ثم ذكر ذلك للنبيّ - ﷺ -، فقال: «أوَ فعلتَه»؟، قال: نعم، قال: «فلا تعُدْ إليه»، فقال أبو بكرٍ - ﵁ -: والله لو كان السيفُ حاضرًا لضربتُه به \" (١٨).\nوعن ابن مسعودٍ - ﵁ -: أنها نزلت في أبي عبيدةَ بنِ الجرّاح (١٩)، قتل أباه يومَ أُحدٍ، وفي أبي بكرٍ دعا ابنَه يومَ بدرٍ إلى البِراز، فقال: يا رسولَ الله، دعني أكن في الرَّعْلة (٢٠) الأول، فقال: له رسولُ الله - ﷺ -: «متِّعنا بنفسِكَ، يا أبا بكرٍ (٢١)، أما تعلمُ أنكَ عندي بمنزلة سمعي وبصري»\n_________\n(١) في (ب) \" أنت وفلان، نفرٌ فسماهم \".\n(٢) لم أقف عليه في البخاري، ولعله: \" وهم مني أو من المؤلِّف \"، وأخرجه الحاكم في مستدركه في كتاب التفسير، تفسير سورة المجادلة (٢/ ٤٨٢) وقال: \" هذا حديث صحيح الإسناد على شرط مسلم ولم يخرجاه \"، وأخرجه ابن جرير في جامع البيان (٢٨/ ٢٣)، وأخرجه الواحدي في أسباب النزول (ص: ٣٤٠).\n(٣) انظر: جامع البيان (٢٨/ ٢٢)، تفسير البغوي (٨/ ٦١).\n(٤) في (أ) \" أنهم يكذبون منافقون \".\n(٥) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٤٩٤)، الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ٢٩٠).\n(٦) وقد تعقَّب هذا القول النحَّاس في تفسير قول الله تعالى: \" ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ \" أي فيحلفون له على الباطل، وهذا دليلٌ بيّن على بطلان قول من قال: إنَّ أحدًا لا يتكلَّم يوم القيامة إلا بالحق لما يعاين \" [إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٤/ ٢٥٤)].\n(٧) في (ب) \" فيقولون \".\n(٨) لم أقف عليه.\n(٩) انظر: جامع البيان (٢٨/ ٢٤)، الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ٢٩٠)، تفسير البيضاوي (٢/ ٤٧٧).\n(١٠) انظر: جامع البيان (٥/ ٣٣٢)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ١١١)، الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ٢٩١).\n(١١) انظر: جامع البيان (٢٨/ ٢٤)، تفسير القرآن العظيم (٤/ ٣٥٢).\n(١٢) انظر: جامع البيان (٢٨/ ٢٦)، زاد المسير (٨/ ١٦)، الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ٢٩١).\n(١٣) \" أنَّ \" ساقطة من (أ).\n(١٤) انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ١٤٢)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٤/ ٢٥٥).\n(١٥) في (ب) والمعنى لأغلبن ﴿أَنَا﴾ وتغلب﴾ وَرُسُلِي ﴿: بالسيف والحجة \".\n(١٦) قال الزَّجَّاج: \" ومعنى غلبة الرُّسل على نوعين: من بُعث في الحرب فغالب في الحرب، ومن بُعث منهم بغير حرب فهو غالب بالحُجَّة [معاني القرآن (٥/ ١١٢)].\n(١٧) أبو قُحَافة، هو: عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي، أبو قحافة القرشي التيمي. والد أبي بكر الصديق، من سادات قريش أسلم يوم فتح مكة، وأتى به أبو بكر إلى النبي - ﷺ - ليبايعه، فأسلم ورأسه ولحيته كالثغامة بياضًا. فقال رسول الله - ﷺ -: \" غيروهما وجنبوه السواد \"، فكان أول مخضوب في الإسلام، وعاش بعد ابنه أبي بكر، وورثه، وهو أول من ورث خليفة في الإسلام، إلا أنه رد نصيبه من الميراث، وهو السدس، على ولد أبي بكر، وقد توفي - ﵁ - سنة أربع عشرة للهجرة. [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: الاستيعاب (٣/ ٣١٨)، أسد الغابة (٣/ ٥٧٥)].\n(١٨) انظر: تفسير الثعلبي (٩/ ٢٦٤)، النُّكت والعيون (٥/ ٤٩٧).\n(١٩) أبو عبيدة، هو: عامر بن عبد الله بن الجراح القرشي الفهري، أبو عبيدة، غلبت عليه كنيته، يجتمع في النسب هو والنبي - ﷺ - في فِهر، شهد له النبي - ﷺ - بالجنة، وسماه أمين الأمة، كان من السابقين الأولين إلى الإسلام، شهد بدرًا وأحدًا والمشاهد كلها مع رسول الله - ﷺ -، وروى عن النبي - ﷺ - أحاديث معدودة، من قواد الفتوح في عهد أبي بكر وعمر - ﵃-، وكان موصوفًا بحسن الخلق والحلم الزائد والتواضع. وفضائله جمة، توفي - ﵁ - في طاعون عمواس سنة ثمان عشرة بأرض الشام. [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: الاستيعاب (٤/ ١٢٠)، أسد الغابة (٣/ ١٢٤)، سير أعلام النبلاء (١/ ٥)، الإصابة (٢/ ٢٤٤)].\n(٢٠) الرَّعْلة: القَطِيع أَو القِطْعة من الخيل ليست بالكثيرة، وقيل: هي أَوَّلها ومُقَدِّمتها. [انظر: كتاب العين (٢/ ١١٥)، مادة \" رَعَلَ \"، لسان العرب (١١/ ٢٨٦)، مادة \" رَعَلَ \"].\n(٢١) في النسختين \" يا با بكر \".","vol":"1","page":3201},{"text":"(١)، وفي [مصعب بنِ عُمير] (٢) (٣)، قتل أخاه عُبيدَ بنَ عُميرٍ (٤) يومَ أُحدٍ، وفي عمرَ - ﵁ -، قتل خالَه العاصَ بنَ هشام (٥) (٦)، وفي عليٍّ وحمزةَ وعُبيدةَ، قتلوا: عُتبةَ، وشيبةَ ابني ربيعةَ، والوليدَ بنَ عُتبةَ، يومَ بدرٍ (٧).\nوذلك قولُه:\n﴿وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾: قيل: خرج مخرجَ المدح، وقيل: خرج مخرجَ النهي.\n﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ﴾: أي: أثبته، فيكونُ: ﴿فِي﴾ من صلة: ﴿كَتَبَ﴾.\nوقيل: ﴿كَتَبَ﴾ في اللّوح المحفوظ ﴿فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ﴾، فيكونُ متعلِّقًا بالإيمان. وفيه نظرٌ.\nوقيل: حكم الله (٨) بذلك وأوجب.\n_________\n(١) مقدمة خبر ابن مسعود أخرجها الحاكم في مستدركه، في كتاب معرفة الصحابة - ﵃ - ذكر مناقب عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق - ﵄ - (٣/ ٤٧٤).\n(٢) في (أ) \" مصعب ابن عمير \" وفي (ب) \" مصعب بن عمرو\"، والصواب ما أثبت.\n(٣) مُصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن قصي القرشي، يُكنى أبا عبد الله، كان من أجلة الصحابة وفضلائهم، أسلم قديمًا والنبي - ﷺ - في دار الأرقم وكتم إسلامه خوفًا من أمه وقومه فعلمه عثمان بن طلحة فأعلم أهله فأوثقوه فلم يزل محبوسًا إلى أن هرب مع من هاجر إلى الحبشة ثم رجع إلى مكة، وبعثه النبي - ﷺ - قبل الهجرة بعد العقبة الثانية إلى المدينة يقرئهم القرآن، وأسلم على يده أسيد بن حضير وسعد بن معاذ. قال ابن الأثير: \"وكفى بذلك فخرًا وأثرًا في الإسلام\" وشهد بدرًا ثم أحدًا ومعه اللواء فاستشهد - ﵁ - [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: الاستيعاب (٣/ ٤٤١)، أسد الغابة (٥/ ١٩٠)، سير أعلام النبلاء (١/ ١٤٥)].\n(٤) في (ب) \" عمرو \".\n(٥) في (ب) \" العاص بن هاشم \".\n(٦) العاص بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي، خال عمر بن الخطاب، وقد قتله عمر كافرًا يوم بدر. [انظر: الطبقات لابن سعد (٢/ ٢٥٤)، الاستيعاب (٤/ ١٠١)].\n(٧) انظر: تفسير الثعلبي (٩/ ٢٦٤)، أسباب النزول؛ للواحدي (ص: ٣٤١)، زاد المسير (٨/ ١٥).\n(٨) لفظ \" الله \" سقط من (ب).","vol":"1","page":3202},{"text":"وقيل: قضى، و﴿فِي﴾ بمعنى اللاّم.\nوالمرادُ بالقلوب: أصحابُها.\nوقيل: ﴿كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ﴾ علامةَ ﴿الْإِيمَانَ﴾، بخلاف الطبع على\nالقلب (١).\n﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾: قيل: القرآن.\nوقيل: جبريلُ.\nوقيل: بنور القلب.\nوقيل: بشرح الصدور (٢).\nوقيل: برحمةٍ منه (٣).\n﴿وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ﵃﴾: أي: في الدنيا بطاعتهم.\n﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾: في الآخرة بالجنة والثواب.\nوقيل ﴿رَضُوا عَنْهُ﴾: بما قضى عليهم في الدنيا، من غير كراهةٍ (٤).\n﴿أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ﴾: أنصار حقّه، ودُعاةُ خلقه.\n﴿أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٢٢)﴾: الباقون في النعيم المقيم (٥).\nوالحمدُ لله حقَّ حمده (٦).\n_________\n(١) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٤٩٦)، زاد المسير (٨/ ١٦).\n(٢) في (ب) \" الصدر \".\n(٣) وكلُّها معانٍ متقاربة [انظر: جامع البيان (٢٨/ ٢٧)، النُّكت والعيون (٥/ ٤٩٦)، فتح القدير (٥/ ٢٧٣)].\n(٤) انظر: جامع البيان (٢٨/ ٢٧)، النُّكت والعيون (٥/ ٤٩٦).\n(٥) انظر: جامع البيان (٢٨/ ٢٧)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ١١٣).\n(٦) \" والحمدُ لله حقَّ حمده \" ساقطة من (أ).","vol":"1","page":3203},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-165>سورة الحشر </span>(١)\nأربع وعشرون آية (٢) (٣) مدنية بالإجماع (٤).\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١)﴾: سبق أوَّل سورة الحديد.\nوفي سبب النزول: أن هذه السورةَ نزلت بأسرها في بني النضير (٥)، وذلك أن النبيَّ - ﷺ - لمَّا قدم المدينةَ صالحه بنو النضير على أنْ لا يقاتلوه ولا يقاتلوا معه، وقبل رسولُ الله - ﷺ - ذلك منهم، فلمَّا غزا رسولُ الله - ﷺ - بدرًا، وظهر على المشركين، قالت بنو النضير: والله (٦) إنه النبيُّ الذي وجدنا (٧) نعتَه في التوراة لا تُرد له رايةٌ، فلمَّا غزا رسول الله - ﷺ - (٨) أُحدًا وهُزم\n_________\n(١) وهو اسمها لوقوع لفظ \" الحشر \" في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾، ولكونها ذكر فيها حشر بني النضير من ديارهم، وقد سمَّاها ابن عباس ... - ﵄ - \" سورة بني النضير \"، فقد أخرج البخاري في صحيحه، في كتاب التفسير، باب: تفسير سورة الحشر، برقم (٤٨٨٣) عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس - ﵄ -: \" سورة الحشر قال: قل: سورة بني النضير \". قال ابن حجر: \" كأنه كره تسميتها بالحشر؛ لئلا يظن أن المراد يوم القيامة، وإنما المراد به هنا إخراج بني النضير \" [فتح الباري: (٩/ ٦١٨)، وانظر: بصائر ذوي التمييز (١/ ٤٥٨)، الإتقان (١/ ٥٦)، التحرير والتنوير (٢٨/ ٦٢)].\n(٢) \" أربع وعشرون آية \" ساقطة من (ب)، وفي (أ) \" تسع وعشرون \" وهو خطأ.\n(٣) بإجماع أهل العدِّ. [انظر: البيان؛ للدَّاني (ص: ٢٤٣)، جمال القراء (٢/ ٥٤٩)، بصائر ذوي التمييز (١/ ٤٥٨)].\n(٤) وهو كما قال. [انظر: بصائر ذوي التمييز (١/ ٤٥٨)، المحرر الوجيز (٥/ ٢٨٣)، زاد المسير (٨/ ١٧)].\n(٥) بنو النضير: هم قبيلة كبيرة من اليهود، من زفر خيبر من ولد هارون - ﵇ -، دخلوا في العرب على نسبهم، كان رئيسهم حيي بن أخطب، سكنوا حصنًا قريبًا من المدينة انتظارًا لرسول الله - ﷺ - فلما بعث كفروا به وهموا بالغدر به فأجلاهم النبي - ﷺ - من المدينة إلى الشام. [انظر: تاريخ الطبري (٢/ ٢٢٣)، الأنساب؛ للسمعاني (٥/ ٥٠٢)، تهذيب الأسماء واللغات؛ للنووي (٢/ ٢٩٢)، المحرر الوجيز (٥/ ٢٨٣)].\n(٦) لفظ \" والله \" سقط من (أ).\n(٧) في (ب) \" وجدناه \".\n(٨) \" رسول الله - ﷺ - \" ساقطة من (أ).","vol":"1","page":3204},{"text":"المسلمون، نقضوا العهدَ وأظهروا العداوةَ لرسول الله - ﷺ - والمؤمنين، فحاصرهم رسول الله - ﷺ -، ثم صالحهم على الجلاء من المدينة، وعلى أن لهم ما أقلّت الإبلُ إلا الحلْقة، وهي السلاح، وفي رواية: إلاّ السلاح والذهب والفضة، وكانوا (١) يُخربون بيوتهم، فيأخذون منها ما (٢) وافقهم من خشبها فأنزل الله: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ﴾، حتى بلغ: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦)﴾ \" (٣).\n﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ يعني: بني النضير (٤).\n﴿مِنْ دِيَارِهِمْ﴾: التي كانوا فيها بأرض المدينة.\n﴿لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾: قيل: اللام للعلة، والمعنى: أُخرجوا؛ ليكون حشرُهم إلى الشام أولَ الحشر.\nوقيل: ﴿هُوَ﴾ بمعنى (في) (٥).\nواختلفوا في أوَّل الحشر:\nقال ابن عبَّاس - ﵄ -: \" من شكّ أن المحشرَ بالشام فليقرأ هذه الآية، فهو (٦) الحشرُ الأول وسائرُ الناس الحشرُ الثاني\" (٧).\nالحسن: \"قال لهم رسول الله - ﷺ - لمَّا خرجوا: «امضوا؛ فإنّكم أوَّلُ الحشر، ونحن على الأثر» \" (٨).\n_________\n(١) في (أ) \" فكانوا \".\n(٢) \" ما \" سقط من (ب).\n(٣) انظر: تفسير الصنعاني (٣/ ٢٨٢)، جامع البيان (٢٨/ ٢٧)، أسباب النزول؛ للواحدي (ص: ٣٤٢).\n(٤) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٣٣٧)، جامع البيان (٢٨/ ٢٧).\n(٥) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١١٩٧)، مغني اللبيب؛ لابن هشام (ص: ٢٨٠).\n(٦) في (ب) \" فهم \".\n(٧) انظر: تفسير الثعلبي (٩/ ٢٦٨)، تفسير البغوي (٨/ ٦٩).\n(٨) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (٢٨/ ٢٩) عن الحسن مرسلًا، وأورده الماوردي في النُّكت والعيون (٥/ ٤٩٩).","vol":"1","page":3205},{"text":"قتادة: \" إذا (١) كان آخرُ الزمان جاءت نارٌ من قبل المشرق فحشرت الناسَ إلى أرض الشام، وبها تقوم (٢) عليهم القيامة \" (٣).\nوبنو النضير لمَّا حُشروا إلى الشام قبلَ سائر الناس كانوا أُخرجوا لأول الحشر. وإليه ذهب الزهريّ (٤).\nوذهب جماعةٌ إلى أن المعنى: هم أول من أُجلي من جزيرة العرب (٥).\nالخليل بن أحمد (٦): \" مبدؤها من حَفَر أبي موسى (٧) إلى اليمن في الطول، ومن رمل يَبْرِين (٨) إلى منقطع السَّماوة (٩) من العرض، وسميت جزيرةً؛ لأنَّ بحرَ الحبش (١٠)، وبحرَ فارسَ (١١)، ودجلة، والفرات (١٢) قد أحاطت بها\" (١٣).\n_________\n(١) في (أ) \" إذ \".\n(٢) في (ب) \" يقوم \".\n(٣) انظر: تفسير الصنعاني (٣/ ٢٨٢)، جامع البيان (٢٨/ ٢٩).\n(٤) انظر: جامع البيان (٢٨/ ٢٨)، تفسير الصنعاني (٣/ ٢٨٢).\n(٥) وهو قول الكلبي. [انظر: تفسير الثعلبي (٩/ ٢٦٨)، تفسير البغوي (٨/ ٦٩)].\n(٦) الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم الفراهيدي، ويقال: الفرهودي الأزدي اليحمدي، أبو عبد الرحمن البصري، كان إمامًا في علم النحو، وكان رأسًا في لسان العرب، دَيِّنًَا، وَرِعًَا، قانعًا، متواضعًا، كبير الشأن، يقال: إنه دعا الله أن يرزقه علمًا لا يُسبق إليه، ففتح له بالعروض، وله كتاب: \" العين \"، في اللغة، وثقة ابن حبان، توفي سنة بضع وستين ومائة، وقيل: بقي إلى سنة سبعين ومائة للهجرة. [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: وفيات الأعيان (٢/ ٢٤٤)، سير أعلام النبلاء (٧/ ٤٢٩)، البلغة في تراجم أئمة النحو واللغة (١/ ٢١)].\n(٧) حَفَر - بفتح أوله وثانية - وهي ركايا أحفرها أبو موسى الأشعري على خمس مراحل من البصرة في الطريق إلى مكة وماؤها عذب. [انظر: معجم ما استعجم (١/ ٤٥٧)، معجم البلدان (٢/ ٢٧٥)].\n(٨) رَمْلُ يَبْرِين ويقال: أبرين، ويقال: يبرون رمل معروف في ديار بني سعد من تميم، موصوفة بكثرة الرمل، بينه وبين الفلج ثلاث مراحل، وبينه وبين الأحساء وهجر مرحلتان. [انظر: معجم ما استعجم (٤/ ١٣٨٦)، معجم البلدان (٥/ ٤٢٧)].\n(٩) السَّماوة: مفازة ببلاد العراق، بين الكوفة والشام، وقيل: بين الموصل والشام، وهي من أرض كلب،\nوقال أبو حاتم عن الأصمعي وغيره: \" السماوة أرض قليلة العرض طويلة \". [انظر: معجم ما استعجم (٣/ ٧٥٤) معجم البلدان (٣/ ٢٤٥)].\n(١٠) بحر الحبش: هو ما يعرف الآن بالبحر الأحمر، لأنه يطل على الحبشة وما جاورها.\n(١١) بحر فارس: هو المعروف الآن بالخليج العربي.\n(١٢) دجلة والفرات نهران عظيمان معروفان ببلاد العراق في شمال الجزيرة العربية. [انظر: معجم البلدان (٢/ ٤٤٠)، (٤/ ٢٤١)].\n(١٣) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ١١٥) والنقل مضطرب مختلط. ففي معاني القرآن؛ للزَّجَّاج: \" قال الخليل: \" جزيرة العرب مَعْدنها ومسكنها، وإنما قيل لها جزيرة العرب؛ لأنَّ بحر الحبش وبحر فارس ودجلة والفرات قد أحاطت بها، فهي أرضها ومعدنها، قال أبو عبيدة: \"جزيرة العرب من حَفَر أبي موسى إلى اليمن في الطول، ومن رمل بيرين إلى منقطع السماوة في العرض \"، وقال ابن عطية: \" قال الخليل: - في ما حكى الزَّجَّاج: سُمِّيت جزيرة؛ لأنَّه أحاط بها بحر الحبشة وبحر فارس ودجلة والفرات، وفي هذه الإحاطة نظر \". [المحرر الوجيز (٥/ ٢٨٤)].","vol":"1","page":3206},{"text":"وقيل: كان هذا أول الحشر من المدينة، والحشر الثَّاني من خيبرَ وجميعِ جزيرة العرب إلى أَذْرِعات (١) وأريحا (٢) من الشام في أيام عمرَ - ﵁ - فتح على (٣) يديه (٤)، وذلك أن النبيَّ - ﷺ - قال في مرضه: «لا يكونَنَّ في جزيرة العرب دينان» (٥).\nوقال يمان (٦): إنما قال: ﴿أَوَّلِ الْحَشْرِ﴾؛ لأنَّ الله فتح على نبيه أوَّل ما قاتلهم. حكاه الثعلبي (٧).\nابن بحر: \"الحشر والإخراج واحدٌ، لكنّ الحشرَ لا يقال إلاّ في الكثير \" (٨) (٩).\n﴿مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا﴾: لعزَّتهم ومنعَتهم.\n﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ﴾: أي: يمنعهم.\n﴿حُصُونُهُمْ﴾: وارتفاعها بكونها فاعلةً، لا بالابتداء.\n﴿مِنَ اللَّهِ﴾: من أمره وقضائه، ويحتمل من رسول الله.\n﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾: أتاهم أمره وعقابه (١٠).\n﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾: بقتل كعب بن الأشرف (١١)، وقال النبي (١٢) - ﷺ -: ... «نُصرت بالرعب مسيرةَ شهرٍ» (١٣) (١٤).\n﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ﴾: كانوا ينقضون الدُّورَ المبنيةَ بالآجرِّ ليرموا المؤمنين بالحجارة.\nالزَّجَّاج: \" يخربون ليسدّوا أبوابَ أَزِقَّتِهم \" (١٥).\nوقيل: كان يعجبهم البابُ أو الخشبةُ فيقلعونها ليحملوها معهم. وقد سبق.\n﴿وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾: وكان المؤمنون يخرّبونها ليتّسع لهم موضعُ القتال، وأضاف التخريب بالأيدي (١٦)؛ لأنَّهم مكنوهم منه (١٧) وتسببوا له.\n_________\n(١) أَذْرِعات: بلد في أطراف الشام يجاور أرض البلقاء وعَمَّان. [انظر: معجم البلدان (١/ ١٣٠)].\n(٢) أَرِيْحَا: وهي مدينة الجبارين في الغور من أرض الأردن بالشام ببلاد فلسطين، وقيل سُمِّيت فيما قيل بأريحا ابن مالك بن أرفخشد بن سام بن نوح - ﵇ -. [انظر: معجم البلدان (١/ ١٦٥)].\n(٣) \" فتح \" ساقطة من (ب) وفي (ب) \" وعلى يديه \".\n(٤) وهو قول مرة الهمداني وغيره. [تفسير الثعلبي (٩/ ٢٦٨)، زاد المسير (٨/ ١٨)].\n(٥) أخرجه الإمام أحمد (بنحوه) في مسند عائشة - ﵂ - (٦/ ٢٧٤) والطبراني في الأوسط (٣/ ٧٧) برقم (١١١٦)، وقال الهيثمي: \" رواه أحمد والطبراني في الأوسط ورجال أحمد رجال الصحيح غير ابن إسحق وقد صرح بالسماع \" [المَجمع: (٥/ ٣٢٥)] وقال الشيخ شعيب الأرنؤوط في تعليقه على المسند: ... \": صحيح لغيره، وهذا إسناد حسن من أجل ابن إسحاق \".\n(٦) يمان بن رئاب أو رباب، تفاوت كتب التفسير في تسميته، خراساني، قال الدارقطني: \" ضعيف من الخوارج \". [انظر: ميزان الاعتدال؛ للذهبي (٤/ ٤٦٠)].\n(٧) انظر: تفسير الثعلبي (٩/ ٢٦٩).\n(٨) في (ب) \" الكبير \".\n(٩) لم أقف عليه.\n(١٠) انظر: جامع البيان (٢٨/ ٢٩)، تفسير السَّمعاني (٥/ ٣٩٦).\n(١١) كعب بن الأشرف الطائي، من بني نبهان، أمه من بني النضير، وكان سيدًا في أخواله، يقيم في حصن له قريب من المدينة، لما كانت وقعة بدر كُبت وذل، فخرج إلى مكة فبكى قتلى قريش وحرضهم بالشعر، وكان يهجو رسول الله - ﷺ -، ويحرض عليه الكفار، ويُشَبِّبُ في أشعاره بنساء الصحابة. فقال النبي - ﷺ -: «من لي بابن الأشرف فقد آذاني». فاجتمع له خمسة من الأنصار، فقتلوه في ظاهر حصنه، وحملوا رأسه إلى المدينة، وهم: محمد بن مَسْلمة، وعبَّاد بن بِشر وأبو نائلة واسمه سِلْكان بن سلامة، وهو أخو كعب من الرَّضاع، والحارث بن أوس وأبو عبْس بن جبر، وذلك لأربع عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول بعد خمس وعشرين شهرًا من الهجرة. [انظر: السيرة النبوية؛ لابن كثير (٣/ ١١)، زاد المعاد (٣/ ١٩١)، الأعلام (٥/ ٢٢٥)].\n(١٢) \" النبي \" ساقطة من (أ).\n(١٣) تقدم تخريجه (٥٣٢).\n(١٤) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٤٩٩)، زاد المسير (٨/ ١٩).\n(١٥) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ١١٥).\n(١٦) في (ب) \" إليهم \".\n(١٧) \" منه\" ساقطة من (أ).","vol":"1","page":3207},{"text":"وقيل: ﴿بِأَيْدِيهِمْ﴾: لنقض العهد، وَأَيْدِي ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ بالقتال.\nوقيل: ﴿بِأَيْدِيهِمْ﴾: في تركها، وَأَيْدِي ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ في إجلائهم (١).\nوالتخريب والإخراب بمعنىً، وهو: الهدم والنقض (٢).\nوفرق أبو عمرو وقال (٣): \"الإخراب: التعطيل، والتخريب: الهدم \" (٤).\n﴿فَاعْتَبِرُوا﴾: اتعظوا واعبروا (٥) من الشّك إلى اليقين (٦).\nوقيل: معنى \" اعتبروا \": تبيّنوا، واعتبرتُ (٧) الشيءَ: طلبتُ بيانَه، وعبّرتُ الدرهمَ\n: تعرفتُ (٨) وزنَه (٩).\n﴿يَا أُولِي الْأَبْصَارِ (٢)﴾ يا ذوي العقول. وقيل: يا (١٠) مَن رأى ذلك بعينه (١١).\n﴿وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ﴾: الخروج من الوطن مع الأهل\nالولد.\nوقيل: الفناء. حكاه الماوردي (١٢).\n﴿لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا﴾: بالقتل والسبي (١٣).\n﴿وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ (٣)﴾: استئناف كلام، وليس بعطف على جواب ﴿لَوْلَا﴾.\n﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ﴾ أي: أصابهم ذلك بسبب أنَّهم ﴿شَاقُّوا اللَّهَ﴾: خالفوا الله ﴿وَرَسُولَهُ﴾.\n﴿وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٤)﴾: يناله العذاب الأليم.\n﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾: في سبب النزول: أن رسولَ الله - ﷺ - أمر بقطع نخلهم (١٤) لمَّا تحصَّنوا، فجزعوا عند ذلك وقالوا: زعمتَ أنك تُريد الصلاحَ، وقطعُ الشجرةِ\nالمثمرةِ وعقرُ النخيل فسادٌ في الأرض، فأنزل الله تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ.﴾ (١٥).\n﴿أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾: أي: بإذن الله قطعُها\nوتركُها، أَذِن لكم في ذلك وأمركم به على لسان نبيّكم، وما كان بأمره يكون\nصلاحًا لا فسادًا.\n﴿وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ (٥)﴾: أي: فعلتم ذلك؛ لأنَّ الله أذن فيه.\n﴿وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾: يذلّهم ويفضحهم.\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٨/ ٢٩)، النُّكت والعيون (٥/ ٤٩٩)، زاد المسير (٨/ ١٩).\n(٢) قرأ أبو عمرو وحده ﴿يُخَرِّبُوْنَ بُيُوْتَهُم﴾ مُشَدَّدَةً، وقرأ الباقون من السَّبعة ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ﴾ خفيفة [انظر: جامع البيان (٢٨/ ٣٠)، السَّبعة (ص: ٦٣٢)، الحُجَّة (٦/ ٢٨٣)].\n(٣) في (ب) \" فرق أبو عمرو فقال \".\n(٤) انظر: جامع البيان (٢٨/ ٣٠)، الحُجَّة (٦/ ٢٨٣).\n(٥) في (ب) \" واعتبروا \".\n(٦) انظر: جامع البيان (٢٨/ ٣٠)، زاد المسير (٨/ ١٩).\n(٧) في (أ) \" وعبرت \".\n(٨) في (أ) \" فعرفت \".\n(٩) انظر: إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٤/ ٢٥٧)، لسان العرب (٤/ ٥٢٩)، مادة \" عَبَرَ \".\n(١٠) \" يا \" ساقطة من (أ).\n(١١) انظر: إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٤/ ٢٥٧)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٩).\n(١٢) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٥٠٠).\n(١٣) انظر: جامع البيان (٢٨/ ٣١)، تفسير البغوي (٨/ ٧٠).\n(١٤) في (أ) \" أن رسول الله - ﷺ -: يقطع نخلهم، أمر بقطع نخلهم \".\n(١٥) انظر: أسباب النزول؛ للواحدي (ص: ٣٤٣)، زاد المسير (٨/ ٢٠)، تفسير البغوي (٨/ ٧٠)، وسبب النزول قد ثبت في الصحيحين مختصرًا، فقد أخرجه البخاري في كتاب التفسير، تفسير سورة الحشر - باب:\n﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾ برقم: (٤٠٣١)، ومسلم في كتاب الجهاد والسير، باب: جواز قطع أشجار الكفار برقم (٤٥٢٧) عن ابن عمر - ﵄ -.","vol":"1","page":3208},{"text":"وقيل: ﴿وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾: أذن فيه.\nواللينة: النخلة، وجمعها ألوان من ألوان النخل، وأصله (لونة)، قُلبت ياءً\nلانكسار ما قبلها.\nوقيل: لينة من لان يلين، وجمعها أليان.\nوالأول أصح (١).\nوقيل: اللينة (٢): كرام النخل (٣).\nوقيل: البرني والعجوة لا يسمّيان لينة، وما سواهما لينة (٤).\n﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾: أعاده عليه، والفيء كالعود والرجوع،\nيستعمل بمعنى المصير وإن لم يتقدّم ذلك (٥).\nقوله: ﴿مِنْهُمْ﴾: أي: من مال بني النضير (٦).\nوقيل: نزّل ما في أيدي المشركين تنزيلَ شيءٍ غَلبوا عليه فردّه الله إلى (٧) المسلمين.\n﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾: لم تسيروا إليها على خيلٍ ولا إبلٍ إنما كانت (٨) ناحيةً من المدينة مشوا إليها مشيًا.\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٨/ ٣٤)، مجاز القرآن (٢/ ٥٦)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ١١٦).\n(٢) \" اللينة \" ساقطة من (أ).\n(٣) وهو قول سفيان الثوري. [انظر: جامع البيان (٣٨/ ٣٣)، النُّكت والعيون (٥/ ٥٠٢)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ١٢)].\n(٤) وهو قول الزهري، وأبو عبيدة وابن قتيبة ومالك، وهو اختيار ابن جرير، ورَجَّحه ابن العربي، قال ابن العربي: \" والصحيح ما قاله الزهري ومالك لوجهين:\nأحدهما: أنهما أعرف ببلدهما وثمارها وأشجارها.\nالثاني: أنَّ الاشتقاق يعضده، وأهل اللغة يصحِّحُونه، قالوا: اللينة وزنها لونة واعتلت على أصلهم فآلت إلى لينة فهو لون فإذا دخلت الهاء كسر أولها كبَرك الصدر بفتح الباء وبرِكه بكسرها لأجل الهاء \" [أحكام القرآن؛ لابن العربي (٤/ ٢١٠)، وانظر: مجاز القرآن (٢/ ٥٦)، زاد المسير (٨/ ٢٠) الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ١٢)].\n(٥) انظر: جامع البيان (٢٨/ ٣٥)، تفسير السَّمعاني (٥/ ٣٩٩).\n(٦) انظر: جامع البيان (٢٨/ ٣٥)، النُّكت والعيون (٥/ ٥٠٣).\n(٧) في (أ) \" على \".\n(٨) في (أ) \" كان \".","vol":"1","page":3209},{"text":"وقيل: على ميلين من المدينة، وكان رسولُ الله - ﷺ - راكب على (١) حمار فحسب.\nوالإيجاف: الحمل على الوجيف، وهو السير الشديد، مثل الإيضاع.\nوقيل: الإيجاف للخيل، والإيضاع للركاب (٢)، والركاب الإبل (٣).\n﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾: أي: يمكنهم من عدوّهم من غير قتالٍ ويقذف في قلوب أعدائهم الرعبَ.\n﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦)﴾: فجعل ما أخذوا من بني النضير خالصًا لرسوله - ﷺ - يضعه حيث يشاء، فقسمه النبي (٤) - ﷺ - بين المهاجرين، إلا أبا دُجانةَ (٥) وسَهْلَ ابنَ حُنَيف (٦) فإنهما شَكَوَا فقرًا فأعطاهما (٧).\n﴿مَاءً أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾: في هذه الآية ستة أقوال:\nأحدها: أن هذه الآيةَ تفسيرٌ للأولى (٨).\nوزيّف هذا القولَ بعضٌ من المفسرين، فقال: الآية الأولى نزلت في أموال بني النضير، وقد جعلها الله تعالى (٩) لرسوله خاصة، والآية الثانية لأصنافٍ (١٠) بعينهم، فلا تكون (١١) الأولى (١٢).\nوالثاني: أن (١٣) ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى هو الجزية والخراج (١٤).\nوالثالث: قال قتادة: هي منسوخة. والفيء والغنيمة واحد، وكان في بدو الإسلام يقسم الغنيمة على هذه الأصناف ولم يكن لمن قاتل عليها شيءٌ، إلاّ أن يكون في هذه الأصناف، ثمَّ نُسخ بما في الأنفال، فجعل لهؤلاء الخُمسَ، وجعل الأربعةَ الأخماسَ لمن حارب، فقال: ﴿* وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ الآية [الأنفال: ٤١] (١٥).\nوالرابع: قال سُفْيان الثَّوري (١٦): \"الفيء خلاف الغنيمة، والغنيمة ما أُخذ عَنوةً بالغلَبة والحرب، يكون (١٧) خمسُه لهذه الأصناف، وأربعةُ أخماسه للّذين قاتلوا عليه.\nوالفيء: ما صُولح (١٨) أهلُ الحرب عليه، فيكون مقسومًا في هذه الأربعة الأصناف، ولا يخمّس \" (١٩) (٢٠).\nوالخامس: ذهب بعضُ الفقهاء إلى أن الفيءَ غيرُ الغنيمة أيضًا، وهو: ما صولحوا عليه، إلاّ إنه يُخرج خمسُه في هذه الأصناف، فيكون أربعةُ أخماسه خارجةً في صلاح المسلمين (٢١).\nوالسادس: قال يزيد بن رومان (٢٢): \" الفيء: ما قُوتل عليه وأُوجف عليه بالخيل والركاب \" (٢٣) (٢٤). والله أعلم.\nقوله: ﴿فَلِلَّهِ﴾: بدأ بذكره تعظيمًا، كقوله (٢٥): ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١]. وكذلك: ﴿الْأَنْفَالُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ١]، وقد سبق.\nوقيل: أصول الأشياء لله.\nوقيل: معناه: أنه باق على ملكيته.\n_________\n(١) \" على \" ساقطة من (ب).\n(٢) في (أ) \" الإيجاف: الخيل، والإيضاع الركاب \".\n(٣) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ١٤٤)، مجاز القرآن (٢/ ٥٦)، جامع البيان (٢٨/ ٣٥)، النُّكت والعيون (٥/ ٥٠٣).\n(٤) \" النبي \" ساقطة من (أ).\n(٥) أبو دُجانة، هو: سِمَاك بن خَرَشة ويقال سِمَاك بن أوس بن لوذان بن عبد ود بن زيد الساعدي الخزرجي الأنصاري، أبو دُجانة الأنصاري، مشهور بكنيته، وكان أحد الشجعان، وله مقامات محمودة في مغازي رسول الله - ﷺ -، وقد شهد بدرًا، وكان يوم أحد عليه عصابة حمراء، وثبت يوم أحد مع النبي، - ﷺ -، وبايعه على الموت، وهو من كبار الأنصار، وقد استشهد يوم اليمامة في حرب مسيلمة الكذاب، رمى بنفسه في الحديقة يومئذ فانكسرت رجله فقاتل حتى قتل - ﵁ - شهيدًا سنة إحدى عشرة للهجرة. [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: الاستيعاب (١/ ٢١٢) سير أعلام النبلاء (١/ ٢٤٣)].\n(٦) سهل بن حُنيف بن واهب بن العُكيم بن ثعلبة بن مجدعة بن الحارث بن عمرو بن خناس، ويقال: ابن خنساء بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس، يكنى أبا سعيد. وقيل: أبا سعد، شهد بدرًا والمشاهد كلها مع رسول الله - ﷺ -، وثبت يوم أحد، وكان بايعه يومئذ على الموت فثبت معه حين انكشف الناس عنه وجعل ينضح بالنبل يومئذ عن رسول الله - ﷺ - فقال رسول الله - ﷺ -: \" نَبِّلوا سهلًا فإنه سهل \". ثم صحب عليًا - ﵁ - من حين بويع له وإياه استخلف علي - ﵁ - حين خرج من المدينة إلى البصرة، ثم شهد مع علي صفين وولَّاه على فارس، فأخرجه أهلها، وتوفي - ﵁ - بالكوفة سنة ثمان وثلاثين للهجرة وصلَّى عليه علي - ﵁ -. [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: الاستيعاب (٢/ ٢٢٣) أسد الغابة (٢/ ٥٧٢)].\n(٧) انظر: جامع البيان (٢٨/ ٣٦)، زاد المسير (٨/ ٢٢)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ١٤).\n(٨) وهو قول الشافعي: [انظر: جامع البيان (٢٨/ ٣٨)، أحكام القرآن؛ لابن العربي (٤/ ٢١٤)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ١٦)].\n(٩) \" تعالى \" ساقطة من (ب).\n(١٠) في (ب) \" لأصنافهم \".\n(١١) في (أ) \" فلا يكون \".\n(١٢) انظر: جامع البيان (٢٨/ ٣٨)، أحكام القرآن؛ لابن العربي (٤/ ٢١٤)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ١٦).\n(١٣) \" أن \" ساقطة من (ب).\n(١٤) وهو قول معمر. [انظر: جامع البيان (٢٨/ ٣٧)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ١٤)].\n(١٥) انظر: الناسخ والمنسوخ؛ لقتادة (ص: ٤٨)، جامع البيان (٢٨/ ٣٧)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ١٤).\n(١٦) سفيان بن سعيد بن مسروق بن حبيب بن رافع الثُّوري، أبو عبد الله الثَّوري الكوفي، شيخ الإسلام، وإمام الحفاظ، وسيد العلماء العاملين في زمانه، والفقهاء في الدين ممن لزم الحديث والفقه والورع والعبادة ولم يبال بما فاته من حطام هذه الفانية الزائلة مع سلامة دينه له حتى صار عَلَمًَا يرجع إليه في الأمصار وملجئًا يقتدى به في الأقطار. قال عباس الدوري: \" رأيت يحيى بن معين، لا يقدم على سفيان أحدًا في زمانه، في الفقه والحديث والزهد وكل ... شيء \". وقد توفي بالبصرة سنة إحدى وستين ومائة للهجرة. [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: مشاهير علماء الأمصار (ص: ٢٠١)، سير أعلام النبلاء (٧/ ٢٢٩)].\n(١٧) في (ب) \" فيكون \".\n(١٨) في (أ) \" ما صالح \".\n(١٩) في (أ) \" ولا تُخمَّس \".\n(٢٠) انظر: جامع البيان (١٠/ ١) المحرر الوجيز (٢/ ٥٢٨).\n(٢١) انظر: جامع البيان (٢٨/ ٣٧)، أحكام القرآن؛ لابن العربي (٤/ ٢١٤).\n(٢٢) يزيد بن رومان الأسدي أبو روح المدني، مولى آل الزبير، روى عن ابن الزبير وأنس وعبيد الله وسالم ابني عبد الله بن عمر، وكان من قراء أهل المدينة، وكان عالمًا كثير الحديث ثقة. قال النسائي: \" ثقة \"، وذكره ابن حبان في الثقات. وقد توفي سنة ثلاثين ومائة للهجرة. [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: مشاهير علماء الأمصار (ص: ١٦٤)، تهذيب التهذيب (١١/ ٢٨٤)].\n(٢٣) انظر: جامع البيان (٢٨/ ٣٧)، زاد المسير (٨/ ٢٢).\n(٢٤) قال ابن جرير: \" والصواب من القول في ذلك عندي أنَّ هذه الآية حكمها غير حكم الآية التي قبلها، وذلك أنَّ الآية التي قبلها مال جعله الله ﷿ لرسوله - ﷺ - خاصة دون غيره لم يجعل فيه لأحد نصيبًا، وبذلك جاء الأثر عن عمر بن الخطاب - ﵁ - \" [جامع البيان (٢٨/ ٣٨)]، وقال ابن جزي: \" والصحيح أنه لا تعارض بين هذه الآية وبين آية الأنفال؛ فإن آية الأنفال في حكم الغنيمة التي تؤخذ بالقتال وإيجاف الخيل والركاب، فهذا يُخرج منه الخمس ويقسم باقيه على الغانمين، وأما هذه الآية ففي حكم الفيء: وهو ما يؤخذ من أموال الكفار من غير قتال ولا إيجاف خيل ولا ركاب، وإذا كان كذلك فكل واحدة من الآيتين في معنى غير معنى الأخرى ولها حكم غير حكم الأخرى؛ فلا تعارض بينهما ولا نسخ \" [التسهيل لعلوم التنزيل (٤/ ١٠٨)].\n(٢٥) في (ب) \" لقوله \".","vol":"1","page":3210},{"text":"وقيل: معناه: فلله أنْ يأمرَكم فيه بما أحبَّ.\nوقيل: لله سهمٌ يُصرفُ إلى عمارة الكعبة والمساجد.\n﴿وَلِلرَّسُولِ﴾: قيل: ذكره أيضًا التيّمن والتبرّك كذكر الله.\nوقيل: أضاف تولية القسمة إليه.\nوقيل: له سهمٌ يُصرَف إلى الخليفة بعده.\nوقيل: يصرف إلى الكُراع (١) والسلاح ومصالح المسلمين.\n﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾: القرابة من رسول الله - ﷺ -.\nوذهب (٢) بعضهم إلى أنه سقط سهمهم بموته - ﷺ -، وهم في ذلك كسائر المسلمين.\nومنهم من ذهب إلى أنَّه ثابتٌ كما كان.\n﴿وَالْيَتَامَى﴾: أي: المحتاجين منهم.\n﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾: أي: المحتاجين.\n﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾: المسافر المنقطع عن ماله (٣).\n﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾: كيلا يغلب الأغنياءُ الفقراءَ\nعلى الفيء فيقسموه بينهم.\n_________\n(١) الكُراع: المقصود به هنا الخيل والسلاح. [لسان العرب (٨/ ٣٠٦)، مادة \" كَرَعَ \"].\n(٢) في (أ) \" فذهب \".\n(٣) تقدَّم الكلام على هذه المعاني، وما فيها من مسائل عند قوله تعالى: ﴿* وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ..﴾ [الآية: (٤١) الأنفال]، وخلاصتها ما قاله ابن جرير - ﵀ - في هذه الآية \" وقوله: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ يقول: ولذي قرابة رسول الله - ﷺ - من بني هاشم وبني المطلب ﴿وَالْيَتَامَى﴾ وهم أهل الحاجة من أطفال المسلمين الذين لا مال لهم ﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾ وهم الجامعون فاقة وذل المسألة ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ وهم المنقطع بهم من المسافرين في غير معصية الله ﷿ \". [جامع البيان (٢٨/ ٣٩)].","vol":"1","page":3211},{"text":"ابن عيسى: \" الدَّولة: المرة من الاستيلاء، والدُّولة بالضّم: نقلة النعمة من قوم إلى قوم \" (١).\nوقيل: \" الدَّولة في الحرب، والدُّولة في المال \" (٢).\n﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾: أي: وما أعطاكم (٣) من مال الفيء فخذوه واقبلوه.\n﴿وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ﴾: ما يمنعكم منه.\n﴿فَانْتَهُوا﴾: ولا تطلبوه. وقيل: هو عامٌّ في جميع أوامره ونواهيه.\nقال (٤) الكلبيّ: \" نزلت في رؤساء المؤمنين، قالوا: فيما ظهر عليه رسولُ الله - ﷺ - من أموال المشركين: يا رسول الله، خذ صفيَّتك والربعَ ودعنا والباقي كما كنا نفعل في الجاهلية. وأنشدوا شعرًا (٥):\nلك المِرباع منها والصفايا ... وحكمك والنشيطة والفضول (٦)\nفنزلت هذه الآية، فقالوا: سمعًا وطاعة لأمر الله وأمر رسوله \" (٧).\n﴿وَاتَّقُو االلَّهَ﴾: في مخالفة رسوله ﴿إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) انظر: جامع البيان (٢٨/ ٣٩)، النُّكت والعيون (٥/ ٥٠٣)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ١٩).\n(٣) في (ب) \" أي: ما أعطاكم \".\n(٤) \" قال \" ساقطة من (أ).\n(٥) \" شعرًا \" ساقطة من (ب)، وفي (أ) \" شعرٌ \"، والصواب ما أثبت.\n(٦) البيت منسوب لعبد الله بن عَنَمة، ويقال: غَنَمة الضَّبي يخاطب بسطام بن قيس.\nوالمِرباع: رُبْع الغنيمة يكون لرئيس القوم في الجاهلية دون أصحابه، وله أيضًا الصفايا جمع صفي، وهو ما يصطفيه لنفسه مثل السيف والفرس والجارية قبل القسمة مع الربع الذي له. [انظر: كتاب العين (٣/ ١٣٢)، مادة \" رَبَعَ \"، لسان العرب (٧/ ٤١٣)، مادة \" نَشِط \"].\n(٧) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٥٠٤)، تفسير الثعلبي (٩/ ٢٧٦)، ولم يعزه للكلبي.","vol":"1","page":3212},{"text":"﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾: بدل من المساكين، وأعاد اللام؛ لأن العاملَ في البدل غير العامل في المبدل، كقوله: ﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ﴾ [الأعراف: ٧٥)] (١).\n﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾: هم: الذين هجروا أوطانَهم بمكّة وقومَهم واختاروا النبيَّ - ﷺ - والإسلامَ.\n﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾: يطلبون الجنَّةَ ورضى الله، لم يقصدوا سوى هذين (٢).\n﴿أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨)﴾: في إيمانهم. فهؤلاء المهاجرون.\nثم ذكر الأنصار، فقال:\n﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ﴾: لزموا المدينة، ودورهم بها.\n﴿وَالْإِيمَانَ﴾: وقبلوا الإيمانَ وآثروه، فهو منصوب بفعلٍ مضمرٍ.\nوقيل: مواضع الإيمان (٣).\nوقيل: هذا مجازٌ ومَثَلٌ، هذا (٤) كما تقول: تبوأ أشرفَ المنزلة.\nوذكر النقّاش: \" أن الإيمانَ اسمُ المدينة، سمَّاها النبيُّ - ﷺ - \" (٥).\n﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: قبل المهاجرين.\nوالأكثرون على أن الأنصارَ آمنوا قبلَ المهاجرين، استدلالًا بهذه الآية (٦).\nوقيل: فيه تقديمٌ وتأخيرٌ، تقديره: تبوؤا الدارَ من قبلهم وقبلوا الإيمانَ من بعدهم (٧) (٨).\n_________\n(١) انظر: إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٤/ ٢٦٢)، المحرر الوجيز (٥/ ٢٨٦).\n(٢) انظر: جامع البيان (٢٨/ ٤٠)، النُّكت والعيون (٥/ ٥٠٥).\n(٣) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٥٠٥)، المحرر الوجيز (٥/ ٢٨٧).\n(٤) \" هذا \" ساقطة من (ب).\n(٥) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١١٩٨).\n(٦) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٥٠٥)، غرائب التفسير (٢/ ١١٩٨)، تفسير البغوي (٨/ ٧٦).\n(٧) \" من بعدهم \" ساقطة من (ب).\n(٨) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٥٠٥)، زاد المسير (٨/ ٢٢).","vol":"1","page":3213},{"text":"﴿يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾: أي: يحبّ الأنصارُ المهاجرين بقلوبهم، حتى شاطروهم أموالَهم وأنزلوهم مساكنَهم، ومَن كانت عنده امرأتان نزل عن واحدةٍ منهما (١) لواحدٍ منهم.\n﴿وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾ (٢): أي: حسدًا وحزازة على ما أَعطى النبيُّ - ﷺ - المهاجرين وخصّهم به.\nوقيل: مما أعطوا (٣) من الفضل والتقّدم عليهم.\nوقيل: ضيقًا لما ينفقون عليهم.\nوقيل: معناه: هم راضون بما أوتوا، أي: من جهة قناعتهم بما أوتوا: لا من جهة كثرة أموالهم.\nوقيل: لا يجدون في أنفسهم مساس حاجة من فقْد ما أُوتوا، فحُذف المضاف (٤) (٥).\n﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾: أي: يقدّمون المهاجرين على أنفسهم.\n﴿وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾: [وإن كانوا فقراءَ.\nوأصل] (٦) الخصاصة من الخَصاص، وهي: الفرج يتخلّلها البصر.\nوالخَصُّ: البيت من القصب يتخلّل (٧) الهواءُ إياه، وأصل (٨) الاختصاص [من الانفراد بالأمر، والخصاصة] (٩) الإنفراد عمَّا يحتاج إليه، والخاصة انفراد المعنى، والخصّ: لانفراد كلّ قصبةٍ عن الأخرى (١٠).\n﴿ومن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾ يُدفع ويُمنع (١١) ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)﴾:\nالشُّحُّ: منع الواجب (١٢).\nوقيل: أكلُ مال الغير ظلمًا (١٣)، وقال النبي (١٤) - ﷺ -: «بريءٌ من الشحّ مَن آتى الزكاة، وقرى الضيفَ، وأعطى في النائبة» (١٥).\nوقيل: الشُّحُّ: أنْ تطمح عيُن الرَّجل إلى (١٦) ما ليس له، فقال النبي (١٧) - ﷺ -: «من الشّح نظرك إلى امرأة غيرك» (١٨).\n_________\n(١) في (ب) \" منها \".\n(٢) في (ب) \" ﴿وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً﴾: أي: حسدًا ... أي: من جهة قناعتهم مِمَّا ﴿أُوتُوا﴾: لا من جهة كثرة أموالهم \".\n(٣) \" مما أعطوا \" ساقطة من (ب).\n(٤) في (ب) \" عن فقد ما أوتوا فُحذف المُضافان \".\n(٥) انظر: جامع البيان (٢٨/ ٤١)، النُّكت والعيون (٥/ ٥٠٥)، زاد المسير (٨/ ٢٢).\n(٦) ما بين المعقوفتين ساقط من (أ).\n(٧) في (أ) \" للتخلل \".\n(٨) في (أ) \" وأصله \".\n(٩) ما بين المعقوفتين ساقط من (ب).\n(١٠) انظر: جامع البيان (٢٨/ ٤٢)، المفردات (ص: ٢٨٤)، مادة \" خصَّ \"، لسان العرب (٧/ ٢٤)، مادة ... \" خصَصَ \".\n(١١) انظر: تفسير السَّمرقندي (٣/ ٤٠٦).\n(١٢) انظر: تفسير السَّمعاني (٥/ ٤٥٥)، زاد المسير (٨/ ٢٤).\n(١٣) وهو مروي عن ابن مسعود - ﵁ - وغيره [انظر: جامع البيان (٢٨/ ٤٣)، النُّكت والعيون (٥/ ٥٠٦)].\n(١٤) \" النبي \" ساقطة من (أ).\n(١٥) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (٢٨/ ٤٣) عن مُجَمِّع بن جارية الأنصاري عن عمه يزيد بن جارية الأنصاري عن أنس بن مالك عن رسول الله - ﷺ - قال: \" بريءٌ من الشُّحِّ من أدَّى الزكاة، وقَرَى الضيف، وأعطى في النائبة \"، وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٤/ ٢٥٥)، برقم (٣٩٨٩) ولفظه: \" عن خالدَ بن زيدٍ الأنصاري قَالَ: قال رسول الله - ﷺ -: \" بريء من الشحِّ من أدَّى الزكاة، وقَرَى الضيف، وأعطى في النائبة \" وبرقم (٣٩٩٠) ولفظه \" عن خالد بن زيد بن جارية أنَّ النبي - ﷺ - قال: \" ثلاثٌ من كُنَّ فيه وُقِيَ شُحِّ نفسه: من أدَّى الزكاة، وقَرَى الضيف وأعطى في النائبة \" قال الهيثمي في المَجْمَع (٣/ ٦٨): \" رواهما الطبراني في الكبير وفيه إبراهيم بن إسماعيل بن مُجَمِّع، وهو ضعيفٌ \".\n(١٦) \" النبي \" ساقطة من (أ).\n(١٧) \" إلى \" ساقطة من (أ).\n(١٨) لم أقف على تخريجه كحديث عن النبي - ﷺ -، وقد أورد السُّيوطي في الدر المنثور (١٤/ ٣٧١) روايتين في هذا المعنى، أولاهما: عن عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عمر -﵄ في قوله: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾ قال: ليس الشحيح أن يمنع الرجل ماله ولكنه البخل، وإنه لشرٌ، إنما الشح أن تطمح عين الرجل إلى ما ليس له\".\nوالثانية: عن ابن المنذر عن الحسن - ﵁ - قال: \" النظر إلى المرأة لا يملكها من الشُّحِّ \".","vol":"1","page":3214},{"text":"الحسن: \"هو العمل بمعاصي الله \" (١).\nطاووس: \"الشُّحُّ بما في يد غيرك، والبخل بما في يدك \" (٢).\nقيل: محلّ ﴿الَّذِي﴾ رفع بالابتداء؛ لأن النبيَّ - ﷺ - لم يعطهم الفيءَ، إلاّ الرجلين تقدما أعطاهما منها أرضًا.\nوالأظهر أنَّه جرّ بالعطف على ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾ (٣)، وكذلك الذي بعده وهو قوله:\n﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ (٤)،: وإلى هذا ذهب عمر - ﵁ -، فقال: \"استوعبت هذه الآيةُ الناسَ، ولم يبق أحد من المسلمين إلاّ وله في الفيء حقٌّ إلاّ بعضُ مَن تملكون، وإنْ عشتُ ليأتين كلَّ مسلم حظُّه \" (٥).\nقوله: ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ﴾:\nقيل: بعد المهاجرين والأنصار، وهم التابعون، ولفظ ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ يدلّ عليه.\nوقيل: هم مَن هاجر بعدَ المهاجرين الأولين.\nوقيل: هم المؤمنون إلى يوم القيامة، كما سبق، والصفة تدلّ (٦) على ذلك، وهي قوله: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾: أي: من هذه الأمة.\nوقيل: ﴿الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾: المهاجرون والأنصار.\nوقيل: مؤمنو أهل الكتاب.\n_________\n(١) النُّكت والعيون (٥/ ٥٠٧).\n(٢) النُّكت والعيون (٥/ ٥٠٧)، تفسير الثعلبي (٩/ ٢٨٠).\n(٣) في (أ) \" ﴿الفُقراء﴾ \".\n(٤) انظر: البحر المحيط (١٠/ ١٤٢)، تفسير البيضاوي (٢/ ٤٨١).\n(٥) انظر: جامع البيان (٢٨/ ٣٧)، تفسير الثعلبي (٩/ ٢٧٦).\n(٦) في (أ) \" يَدُلُّ \".","vol":"1","page":3215},{"text":"والقول هو الأول (١).\nومعنى: ﴿سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾: سبقونا إلى الإسلام بأنْ آمنوا قبلَ إيماننا.\n﴿وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا﴾: غِشًّا وبُغضًا وحِقدًا (٢).\n﴿لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾.\n﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا﴾ ثم عجّب نبيه، فقال: ألم تر يا محمدُ إلى ... عبد الله بن أُبِيِّ بن سلولٍ وأشياعِه.\n﴿يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾: قيل: هم بنو النضير، والآية نزلت قبل إجلائهم، راسلوا إليهم بما في الآية (٣).\nالحسن: \" ضمنوا من جميع اليهود، وسمَّاهم إخوانهم لموافقتهم (٤) في مقاصد الكفر وعداوة محمد - ﷺ - \" (٥).\n﴿لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ﴾: أي: من دياركم.\n﴿لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا﴾: يعني محمدًا - ﷺ -، أي: لا نمتثل أمره في إيذائكم (٦).\nوَإِنْ ﴿قُوتِلْتُمْ﴾: أي: قتلكم محمدٌ - ﷺ -.\n﴿لَنَنْصُرَنَّكُمْ﴾: لنعاوِنَنَّكم أحسنَ المعاونة.\n﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١١)﴾: سمّاهم كاذبين بما آل إليه أمرهم، فإن الكذبَ يكون في الماضي، والخُلْفُ (٧) يكون في المستقبل (٨).\n﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ﴾: أي: هم لا يفون بما عاهدوهم (٩).\nواللام الأول لام توطئة القسم، والثاني لام القسم (١٠)، وصار الحكمُ للقسم دونَ جزاءِ الشرط وقد يحذف (١١) لامُ توطئة القسم (١٢) اكتفاءً بدلالة جواب القسم عليه، كقوله: ﴿وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ﴾، أراد (١٣): ولئن قوتلتم (١٤).\nوفي قوله: ﴿وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (١٢)﴾: بعد\nقوله: ﴿لَا يَنْصُرُونَهُمْ﴾: أقوال، فإن اللهَ تعالى إذا أخبر عن شيءٍ لم يوجد المخبَر\nبخلاف ما أخبر به:\nأحدها: أي: إن تعاطوا نصرَهم ما نصروهم.\nوقيل: إذا نصروهم وولوا الأدبارَ يكون خُذلانًا لا نَصرًا؛ لأن النصرَ صدقُ المعاونة وإجمال المظاهرة.\n_________\n(١) أي: بعد المهاجرين والأنصار من التابعين ومن بعدهم. [انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٣٤١)، النُّكت والعيون (٥/ ٥٠٧)، تفسير البغوي (٨/ ٧٩)].\n(٢) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٥٠٧)، تفسير البغوي (٨/ ٧٩).\n(٣) انظر: جامع البيان (٢٨/ ٤٥)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٤/ ٢٦٣)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٣٤)، البحر المحيط (١٠/ ١٤٤).\n(٤) في (ب) \" بموافقتهم \".\n(٥) لم أقف عليه.\n(٦) في (ب) \" لا تمثل أمره في إبدائكم \".\n(٧) في (أ) \" والحلف \".\n(٨) انظر: زاد المسير (٨/ ٢٦).\n(٩) في (أ) \" بما عاهدوا لهم \".\n(١٠) كذا في النسختين، ولعلها على تقدير \" وحرف اللام الأول، والحرف الثاني \"، ويصح: \" واللام الأولى، ... والثانية \".\n(١١) في (أ) \" تحذف \".\n(١٢) في (ب) \" لام التوطئة \".\n(١٣) في (أ) \" أرادوا \".\n(١٤) انظر: إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٤/ ٢٦٣)، التحرير والتنوير (٢٨/ ١٠٠).","vol":"1","page":3216},{"text":"وقيل: ﴿لَا يَنْصُرُونَهُمْ﴾: أي: لا يدومون على النصر.\nوقيل: ﴿لَا يَنْصُرُونَهُمْ﴾: طائعين وإنْ نصروهم كارهين.\nوقيل: الفعل في قوله: ﴿لَئِنْ نَصَرُوهُمْ﴾ لغير الذين أَخبر أنهم: ﴿لَا يَنْصُرُونَهُمْ﴾.\nوقيل: ولئن نصر اليهود المنافقين، والضميران مختلفان.\nوقيل: أخبر عما لم يكن بأنَّه لو كان كيف كان (١).\n﴿لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ﴾: أي: من رهبة الله، فحذف المضاف، أي: أوقع الله الرعبَ في قلوبهم (٢).\n﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (١٣)﴾: فإن الفقهَ هو: العلم بمفهوم الكلام وظاهره (٣) الجلي، وغامضه الخفي بسرعةِ فطنةٍ وجودةِ قريحةٍ، وهؤلاء لو فقهوا لعلموا أنَّ قوةَ النبي - ﷺ - بقوة الله (٤).\nثُمَّ أُخْرِجَ بنو النضير فلم يخرجوا معهم، وقُوْتِلَ قريظةُ (٥) فلم ينصرهم منافقٌ (٦).\n﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا﴾: أي: مؤتلفين مجتمعين.\n﴿إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ﴾: أي: إذا اجتمعوا لقتالكم لم يجسروا على البروز، وإنما يقاتلونكم وراءَ حصونهم المحصنةِ بالسور (٧).\n﴿أَخْذُ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ﴾: بالنَبْلِ والحجر.\nمَنْ وحَّد حمل على الجنس، ومَن جمع فلجمع (٨) القُرى (٩).\n﴿بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ﴾: أي: هم متعادون محتنقون شديدٌ بعضُهم على بعضٍ.\nوقيل: نِكايتهم فيما بينهم شديدةٌ إذا تحاربوا، فأمَّا معكم فالله تعالى أرهبهم منكم ولا يغنون شيئًا.\nوقيل: هذا امتنانٌ من الله، أي: هم مع قوتهم وشدتهم يخافون منكم (١٠).\n﴿تَحْسَبُهُمْ﴾: أي: اليهود والمنافقين ﴿جَمِيعًا﴾: مجتمعين في الرأي.\n﴿وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾: مختلفة متفرقة (١١).\n﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (١٤)﴾: فإن العداوةَ لا تقع بين العقلاء.\nابن بحر: \" المعنى: ألقى اللهُ في قلوبهم البأسَ الشديدَ فتفرّقوا، خلافَ ما فعل بالمؤمنين من قوله: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ [الأنفال: ٦٣]، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾ أمره ونهيه \" (١٢).\n﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: أي: مَثَلُ اليهود ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا﴾: قيل: هم: أهل بدر (١٣).\n_________\n(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٣٥)، البحر المحيط (١٠/ ١٤٥).\n(٢) انظر: جامع البيان (٢٨/ ٤٧)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٣٥).\n(٣) في (أ) \" ظاهره \".\n(٤) أي منه يستمدها. [انظر: البرهان؛ للكرماني (ص: ٣١٠)].\n(٥) قُريظة: قبيلة من قبائل اليهود، نسبة لرجل نزل قلعة حصينة بقرب المدينة، فنسب إليه، وقريظة والنضير أخوان، من أولاد هارون النبي - صلوات الله عليه -، والمنتسب إليه قُرَظِي. [الأنساب؛ للسمعاني (٤/ ٤٧٥)].\n(٦) وهذه معجزة إذ كان الأمر كما قال الله تعالى. [انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ١١٨)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٤/ ٢٦٤)، زاد المسير (٨/ ٢٦)].\n(٧) انظر: جامع البيان (٢٨/ ٤٧)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ١١٨).\n(٨) في (أ) \" فلم يجمع \".\n(٩) يشير إلى القراءتين الصحيحتين في الآية، فقد قرأ ابن كثير وأبو عمرو ﴿أَوْمِنْ ورآءِ جدارٍ﴾ بألف، وقرأ الباقون: ﴿جُدُرٍ﴾ بالجمع [انظر: السَّبعة (ص: ٦٣٢)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٤/ ٢٦٤)، معاني القراءات (ص: ٤٨٦)].\n(١٠) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٥٠٨)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٣٦).\n(١١) أخرج ابن جرير في جامع البيان (٢٨/ ٤٧) عن قتادة قوله في الآية: \" تجد أهل الباطل مختلفة شهادتهم، مختلفة أهواؤهم، مختلفة أعمالهم، وهم مجتمعون في عداوة أهل الحق \".\n(١٢) لم أقف عليه.\n(١٣) أي: الكفار، وهو قول مجاهد. [انظر: تفسير مجاهد (٢/ ٦٦٥)، جامع البيان (٢٨/ ٤٨)].","vol":"1","page":3217},{"text":"وقيل: \" بني قينقاع (١) وكان رسول الله - ﷺ - أخرجهم قبل النضير \". وهذا قول ... ابن عبّاس - ﵄ - (٢).\nوقيل: كمثل من أهلك الله من الأمم (٣).\nوقيل: تقديره: ولئن نصروهم ليولُّنَّ الأدبار كمثل الذين من قبلهم قريبًا (٤) يوم\nبدر (٥).\n﴿ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾: عقوبةَ كفرهم في الدنيا.\n﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٥)﴾: مع ذلك في النار.\n﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ﴾: أي: ومثلهم أيضًا كمثل الشيطان (٦).\n﴿إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ﴾:\n_________\n(١) بنو قَيْنُقاع: هم قبيلة من اليهود كانوا بأطراف المدينة حلفاء لعبد الله بن أُبِي بن سلول، وكان النبي - ﷺ - قد عاهدهم وأمنهم على أنفسهم وأموالهم وحرية دينهم، فنقضوا عهده، فغزاهم بعد وقعة بدر في السنة الثانية من الهجرة. [انظر: الطبقات؛ لابن سعد (٢/ ٢٦٣)، الأعلام (٦/ ٢١٨)].\n(٢) انظر: جامع البيان (٢٨/ ٤٨)، تفسير البغوي (٨/ ٨١).\n(٣) انظر: إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٤/ ٢٦٤)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٣٧).\nوقد اختار هذا القول ابن جرير؛ إذ يقول: \" وأولى الأقوال بالصواب أن يقال: إنَّ الله ﷿ مثَّلَ هؤلاء الكفَّار من أهل الكتاب مما هو مذيقهم من نكاله، بالذين من قبلهم من مكذبي رسوله - ﷺ - الذين أهلكهم بسخطه، وأمرُ بني قينقاع ووقعة بدر كانا قبل جلاء بني النضير، وكل أولئك قد ذاقوا وبال أمرهم، ولم يخصص الله - ﷿ - \" ... [جامع البيان (٢٨/ ٤٨)، وهو اختيار النَّحَّاس في إعراب القرآن (٤/ ٢٦٤)].\n(٤) \" قريبًا \" ساقطة من (أ).\n(٥) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١١٩٩).\n(٦) قال القرطبي: \" هذا ضَرْبُ مثلٍ للمنافقين واليهود في تخاذلهم وعدم الوفاء في نصرتهم، وحذف حرف العطف ولم يقل: وكمثل الشيطان؛ لأنَّ حذف حرف العطف كثيرٌ، كما تقول: أنت عاقل، أنت كريم، أنت عالم \". [الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٣٧)].","vol":"1","page":3218},{"text":"قيل: المرادُ به ها هنا ما قاله إبليس لأبي جهل يومَ بدر: ﴿لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٨] \" (١).\nوقيل: هذا عامّ في جميع الكفّار، في دعائه إياهم إلى الكفر والمعاصي ووعده لهم ... بالغُرور (٢).\nوأكثر المفسّرين على أنَّ هذا الإنسانَ راهبٌ يقال له: (برصيصا)، تعبّد ستين سنةً في صومعةٍ، فأراده الشيطانُ فأعياه، فعمد إلى امرأةٍ فأجنها، وقال لإخوةٍ لها: عليكم بهذا القسّ فيداويها، فجاءوا بها إليه، فداواها، فلمَّا عاد إليها جمالها أعجبته، فأتاها فأحبلها، ثم قتلها ودفنها مخافةَ الشنعة، فلما عُثِرَ على صنيعه، قال له الشيطان: أنا أوقعتك فيما أنت فيه، فلا ينجيك إلاّ أنْ تسجدَ لي، فسجد له.\n﴿فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (١٦)﴾: فلما فعل قال: إني بريء منك فصلب ومات \" (٣) (٤).\nوعن ابن مسعود - ﵁ -: \" أنها كانت امرأةٌ ترعى الغنمَ وتأوي إلى صومعةِ هذا القسّ، ففعل بها (٥) ذلك، فأرى الله تعالى إخوةً لها في المنام \" (٦).\n_________\n(١) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢٠٠)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٤٢).\n(٢) وهو قول مجاهد. [انظر: تفسير مجاهد (٢/ ٦٦٥)، جامع البيان (٢٨/ ٥١)، النُّكت والعيون (٥/ ٥٠٩)].\n(٣) في (ب) \" فسجد له فلما فعل ﴿فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ﴾ فصلب ومات ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (١٦) فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا﴾: عاقبةَ هذا الإنسان والشيطان \" أي تقديم وتأخير.\n(٤) وقد وردت بروايات موقفة على عليٍّ وابن مسعود وابن عباس - ﵃ -. [انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٣٤٣)، جامع البيان (٢٨/ ٤٩)، تفسير الثعلبي (٩/ ٢٨٤)، النُّكت والعيون (٥/ ٥٠٩)، تفسير البغوي (٨/ ٨٢)، والقصة أخرجها الحاكم في مستدركه في كتاب التفسير، تفسير سورة الحشر (٢/ ٤٨٤) عن علي بن أبي طالبٍ - ﵁ -، وقال: \" هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه \"، ووافقه الذهبي، وقال ابن عطية: \" وهذا كُلُّهُ حديثٌ ضعيفٌ \" [المحرر الوجيز (٥/ ٢٩٠)]، وقال ابن جزي: \" وهذا ضعيفٌ في النَّقْلِ \" [التسهيل (٤/ ١١١)].\n(٥) في (أ) \" يفعل بها \" ... .\n(٦) انظر: جامع البيان (٢٨/ ٤٩)، تفسير القرآن العظيم (٤/ ٣٦٥).","vol":"1","page":3219},{"text":"ابن عبّاس - ﵄ -: \" هي امرأة مرضت واتفق لإخوتها سفرٌ، فجاؤا إلى الراهب بها، وقالوا: إنْ ماتت فادفنها وإنْ عاشت فاحفظها إلى أنْ نعود. ففعل بها ما سبق ذكره \" (١) (٢).\n﴿فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا﴾: عاقبةَ هذا الإنسان (٣) والشيطان (٤).\n﴿أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ.﴾ (١٧)\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾: توبوا إليه (٥) واجتنبوا المعاصي.\n﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾: يعني: يوم القيامة.\nووحد بعد الجمع، أي: اتقوا الله مجتمعين وفُرادى. وأصل غدٍ غدوٌ (٦).\n﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: التكرار (٧) للتأكيد.\nوقيل: دوموا عليها في المستأنَفِ (٨).\n﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨)﴾.\n﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ﴾: تركوا أمرَ الله وذكرَه.\n﴿فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾: أنْ يعملوا لها خيرًا.\nوقيل: ﴿نَسُوا اللَّهَ﴾ عند الذنوب ﴿فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ عند التوبة.\n[وقيل: أنساهم حظوظ أنفسهم، فحذف المُضاف.\nوقيل: ترك ذكرهم بالرحمة والتوفيق]. (٩)\nوقيل: أنزل بهم من العذاب ما نسي بهم بعضُهم بعضًا لما شغل به كلّ واحد من\nالعذاب، كقوله: ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١] (١٠).\n﴿أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (١٩)﴾: الكاذبون العاصون.\n﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾: لأنهم في النعيم المقيم، وهو\nفي العذاب الأليم.\nوقيل: لا يستويان عند الله؛ لأنَّهم أولياؤه، وأصحاب النار أعداؤه.\n﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠)﴾: المقرَّبون المكرمون الناجون من\nالنار (١١).\n﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ﴾: مع أمره ونهيه ووعده ووعيده وكثرة عجائبه.\n﴿عَلَى جَبَلٍ﴾: مع شدَّته وغلظته.\n﴿لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا﴾: خاضعًا منقادًا.\n﴿مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾: من فَرَق عذابه، وأن قلوبَ بني آدم لم تلن ولم ترقّ (١٢).\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٨/ ٤٩)، النُّكت والعيون (٥/ ٥٠٩)، تفسير الثعلبي (٩/ ٢٨٤).\n(٢) والصحيح - والله أعلم - هو القول بالعموم، وقد حكى أبو حيان أنه قول الجمهور [البحر المحيط (١٠/ ١٤٧)، وهو اختيار ابن عطية [المحرر الوجيز (٥/ ٢٩٠)]، وابن جزي: [التسهيل (٤/ ١١١)]، وابن كثير [تفسير القرآن العظيم (٤/ ٣٦٤)]، زاد ابن كثير - ﵀ - فائدة لطيفة في ذلك: \"وقد ذكر بعضهم ها هنا قصة لبعض عباد بني إسرائيل، هي كالمثال لهذا المثل، لا أنها المرادة وحدها بالمثل، بل هي منه مع غيرها من الوقائع المُشَاكِلَةِ لها \".\n(٣) \" الإنسان \" ساقطة من (أ).\n(٤) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٣٤٣)، جامع البيان (٢٨/ ٥١).\n(٥) \" إليه \" ساقطة من (أ).\n(٦) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ١١٩)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٤/ ٢٦٦).\n(٧) في (ب) \" تكرارٌ \".\n(٨) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٥١٠)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٤٣).\n(٩) ما بين المعقوفتين ساقط من (ب).\n(١٠) انظر: تفسير السَّمرقندي (٣/ ٤٠٩)، النُّكت والعيون (٥/ ٥١١)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٤٣).\n(١١) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٥١١)، تفسير القرآن العظيم (٤/ ٣٦٦).\n(١٢) انظر: جامع البيان (٢٨/ ٥٣)، النُّكت والعيون (٥/ ٥١٢)، تفسير القرآن العظيم (٤/ ٣٦٦).","vol":"1","page":3220},{"text":"وقيل: الجبل: الأمم الخالية. ولعل هذا القائلَ أخذه من قوله: ﴿وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٤] (١).\nوفيه ضعفٌ.\nوقيل: \" هذا امتنانٌ على النبي - ﷺ -، أي: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ﴾: لما ثبت له وتصدَّع لنزوله عليه، وقد أنزلناه عليك وثبتناك له \". حكاه الماوردي (٢).\nقال الزَّجاج: \" لو أُنزلنا (٣) هذا القرآنُ على جبلٍ، وجُعل فيه تمييزًا لرأيته خاشعًا. وهذا على وجه المثل \" (٤).\nثُمَّ قال (٥): ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٢١)﴾: في أمثال الله.\n﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾: قيل: هذه الآية ترجع إلى أول السورة (٦).\nالمبّرد: \" ترجع إلى قوله: ﴿مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾، الذي لا إله إلا هو \" (٧).\nوقيل: هو جواب لمن شبَّهه بخلقه.\n﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾: السِّرُّ والعلانية.\nوقيل: الآخرة والدنيا.\nوقيل: الغيب: ما لم يكن، والشهادة (٨): ما كان.\nوقيل: الغيب: ما لم يروه، والشهادة: ما رأوه (٩).\n﴿هَوَى الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢)﴾.\n﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾: الطاهر، ومنه القُدس لما يُتطهّر منه (١٠).\nومنه: يقدّسه الملائكة (١١) (١٢).\nوقيل: المبارك (١٣).\n﴿السَّلَامُ﴾: مصدر، أي: ذو السلام، والمعنى: سلم من الأوصاف التي لا تليق ... به (١٤).\nوقيل: سلّم عبادَه من ظلمه (١٥).\n﴿الْمُؤْمِنُ﴾: مؤمن (١٦) عبادَه من الخوف (١٧).\n[وقيل: يصدقهم وعده (١٨).\nوقيل: رسلَه بإظهار معجزاتهم لهم] (١٩) (٢٠).\nوقيل: الداعي إلى الإيمان (٢١).\n_________\n(١) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢٠٠).\n(٢) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٥١٢).\n(٣) في (ب) \" لو أنزل \".\n(٤) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ١٢٠).\n(٥) \" ثُمَّ قال \" ساقطة من (ب).\n(٦) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ١٢٠).\n(٧) انظر: لم أقف عليه.\n(٨) في (أ) \" والسِّرُّ \".\n(٩) انظر: تفسير السَّمرقندي (٣/ ٤١٠)، النُّكت والعيون (٥/ ٥١٢).\n(١٠) وهو قول وهب بن منبه. [انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٥١٣)، تفسير القرآن العظيم (٤/ ٣٦٧)].\n(١١) في (أ) \" وقيل: تقدسه الملائكة \".\n(١٢) وهو قول ابن جرير. [انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٥١٣)، تفسير القرآن العظيم (٤/ ٣٦٧)].\n(١٣) وهو قول قتادة. [انظر: جامع البيان (٢٨/ ٥٤)، النُّكت والعيون (٥/ ٥١٣)].\n(١٤) وهو قول قتادة. [انظر: جامع البيان (٢٨/ ٥٤)، تفسير السَّمعاني (٥/ ٤٠٩)].\n(١٥) وهو قول ابن عباس - ﵄ -. [انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٥١٣)، تفسير السَّمعاني (٥/ ٤٠٩)].\n(١٦) في (ب) \" يؤمن \".\n(١٧) وهو قول ابن عباس ومقاتل. [انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٣٤٥)، زاد المسير (٨/ ٣١)، تفسير القرآن العظيم (٤/ ٣٦٧)].\n(١٨) وهو قول ابن زيد. [انظر: جامع البيان (٢٨/ ٥٤)، النُّكت والعيون (٥/ ٥١٣)].\n(١٩) ما بين المعقوفتين ساقط من (أ).\n(٢٠) انظر: تفسير الثعلبي (٩/ ٢٨٩)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٤٥).\n(٢١) وهو قول الحسين بن الفضل وابن بحر [انظر: تفسير الثعلبي (٩/ ٢٨٩)، النُّكت والعيون (٥/ ٥١٣)] \".","vol":"1","page":3221},{"text":"الزَّجاج: \" الذي وحّد نفسَه بقوله: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [آل\nعمران: ١٨] \" (١).\n﴿الْمُهَيْمِنُ﴾: الأمين (٢).\nوقيل: الشهيد (٣).\nوقيل: المصدِّق ﴿الْمُؤْمِنُ﴾ \" (٤).\nوقيل: اسم من أسماء الله تعالى في الكتب، الله أعلم بتأويله (٥).\nوكذلك القدوس فيها \" قِدِّيشا \" (٦).\nوقيل: أصله مؤيمن، من الأمن والأمانة، قلبت الهمزة هاء (٧).\nوقيل: هو (٨) مأمونٌ على خلقه (٩).\nوقيل: الرقيب (١٠).\nوقيل: المطّلع (١١).\nوقيل: القاضي، وقيل: الحدِب، وقيل: الدالّ (١٢).\n﴿الْعَزِيزُ﴾: الغالبُ غيرُ المغلوب.\nوقيل: لا يُرام ولا يمتنعُ عليه ما يَروم (١٣).\n﴿الْجَبَّارُ﴾: العظيم وجبروته عظمته (١٤).\nوقيل: الجبار من أجبر، أي: أجبر خلقه على ما أراد منهم، أجبر فهو جبَّار،\nوأدرك فهو درّاك (١٥).\nوقيل: من الجبر، أي: يَجبُر أحوالَ عباده ويُصلح أمورَ خلقه (١٦).\nوقيل: لا يُنال ولا يُقهر، ومنه جبار النخل لا يلحقه كلّ أحدٍ (١٧).\n﴿الْمُتَكَبِّرُ﴾: تكبّر عن كلّ سوءٍ (١٨).\nوقيل: تكبّر، وتعالى، وتنزّه بمعنىً (١٩).\nوقيل: المستحق لصفات التعظيم (٢٠).\n﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣)﴾\n﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ﴾: الموجد للأشياء الذي يفعل على مقدار ما تقتضيه (٢١)\nالحكمة (٢٢).\n﴿الْبَارِئُ﴾: المنشئ الأعيان من العدم إلى الوجود (٢٣).\n﴿الْمُصَوِّرُ﴾: الذي يجعل لكل ما يخلق هيئةً (٢٤) وشكلًا يتميز بها البعضُ عن\nالبعض.\nوقيل: هو الذي يغيره من حالٍ إلى حال نطفة ثم علقةً إلى تمام خلْقه (٢٥).\n﴿لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾: لأنها مشقةٌ من أفعالٍ كلُّها حسنةٌ (٢٦).\n﴿يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: ينزهه عما لا يليق به.\n﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾: ختم السورةَ بما فتحها به، فسبحان الله على كلّ\nحالٍ (٢٧).\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ١٢٠).\n(٢) وهو قول الضَّحَّاك. [انظر: جامع البيان (٢٨/ ٥٥)، النُّكت والعيون (٥/ ٥١٣)].\n(٣) وهو قول ابن عباس وقتادة. [انظر: جامع البيان (٢٨/ ٥٤)، زاد المسير (٨/ ٣٢)].\n(٤) وهو قول ابن زيد. [انظر: جامع البيان (٢٨/ ٥٥)، النُّكت والعيون (٥/ ٥١٣)].\n(٥) وهو قول ابن كيسان. [انظر: تفسير الثعلبي (٩/ ٢٨٩)].\n(٦) أي في الكتب السابقة، وهو قول ابن كيسان أيضًا. [انظر: تفسير الثعلبي (٩/ ٢٨٩)، غرائب التفسير (٢/ ١٢٠٠)].\n(٧) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ١٢١)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٤/ ٢٦٨).\n(٨) \" هو \" ساقطة من (أ).\n(٩) وهو قول عطاء [انظر: تفسير الثعلبي (٩/ ٢٨٩)].\n(١٠) وهو قول الخليل [انظر: تفسير الثعلبي (٩/ ٢٨٩)].\n(١١) وهو قول يمان [انظر: تفسير الثعلبي (٩/ ٢٨٩)].\n(١٢) لم أقف على من ذكر المعاني الأخيرة، وانظر: لسان العرب (١٣/ ٤٣٦)، مادة \" هَمَنَ \".\n(١٣) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٥١٤)، تفسير القرآن العظيم (٤/ ٣٦٧)، تيسير الكريم الرحمن (ص: ٨٥٤).\n(١٤) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٥١٤)، زاد المسير (٨/ ٣٣).\n(١٥) وهو قول أبي هريرة وقتادة والحسن [انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٥١٤)، تفسير القرآن العظيم (٤/ ٣٦٧)]، قال النَّحَّاس \" وهذا خطأ عند أهل العربية؛ لأنه إنما يجيء من هذا مجبرٌ، ولا يجيء فعَّال من أفعل \" [إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٤/ ٢٦٨)].\n(١٦) انظر: جامع البيان (٢٨/ ٥٥)، النُّكت والعيون (٥/ ٥١٣)].\n(١٧) انظر: تفسير أسماء الله الحسنى؛ (ص: ٣٤)، البحر المحيط (١٠/ ١٤٩).\n(١٨) وهو قول قتادة. [انظر: جامع البيان (٢٨/ ٥٦)، النُّكت والعيون (٥/ ٥١٤)].\n(١٩) انظر: إعراب القرآن (٤/ ٢٦٨)، النُّكت والعيون (٥/ ٥١٤).\n(٢٠) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٥١٤)، البحر المحيط (١٠/ ١٤٩).\n(٢١) \" ما \" ساقطة من (ب)، وفيها \" يقتضيه \".\n(٢٢) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٥١٤)، تفسير البغوي (٨/ ٨٨).\n(٢٣) انظر: جامع البيان (٢٨/ ٥٦)، النُّكت والعيون (٥/ ٥١٤)، قال ابن الأثير - في معنى: ﴿الْبَارِئُ﴾ \" هو الذي خلق الخلق لا عن مثال، ولهذه اللفظة من الاختصاص بخلق الحيوان ما ليس لها بغيره من المخلوقات، وقلَّما تستعمل في غير الحيوان، فيقال: برأ الله النَّسَمة، وخلق السموات والأرض \". [النِّهاية (١/ ١١١)، مادة \" بَرَأَ \"].\n(٢٤) في (ب) \" لكل ما خلق هيبة \".\n(٢٥) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٥١٤)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٤٧).\n(٢٦) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٥١٥)، المحرر الوجيز (٥/ ٢٩٢).\n(٢٧) انظر: نظم الدُّرَر (٧/ ٥٤٦)، مراصد المطالع (ص: ٧٠).","vol":"1","page":3222},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-166>سورة الممتحنة </span>(١)\nثلاث عشرةَ آيةً (٢) (٣) مدنيةٌ (٤).\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾:\nروى البخاري ومسلم في صحيحيهما أن هذه الآياتِ نزلت في: حاطب بن أبي ... بلتعة (٥)، وذلك أنَّ رسولَ الله - ﷺ - لما أراد أنْ يغزوَ أهلَ مكة، قدمت عليه امرأةٌ يقال لها: سارة من موالي بني المطلب (٦)، فحث رسولُ الله - ﷺ - بني عبد المطلب، فكسوها وأعطوها، فلما أرادت الانصرافَ أتاها حاطبٌ، وكتب معها كتابًا إلى أهل مكة.\nفي الكتاب: من حاطبٍ إلى أهل مكة: إن رسولَ الله - ﷺ - يريدكم فخذوا حذرَكم، وأعطاها عشرةَ دنانير على أنْ توصِل الكتابَ إلى أهل مكة، فخرجت سارةُ، ونزل\n_________\n(١) عُرِفت هذه السُّورة بسورة \" المُمْتَحَنة \" وهو المشهور من اسمها في المصاحف وكتب السنة والتفسير، وقد تكسر الحاء فيها \" الممتحِنة. قال ابن حجر: \" والمشهور في هذه التسمية فتح الحاء، وقد تكسر. وبه جزم السهيلي، فعلى الأول هي صفة المرأة نزلت بسببها ...، ومن كسر جعلها صفة للسورة كما قيل لبراءة الفاضحة \" [فتح الباري (٩/ ٦٣٢).]. وتسمَّى سورة \"الامتحان\" لقوله: ﴿فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ كما سميت بسورة المودة لقوله: ... ﴿تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ وقوله: ﴿وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً﴾ ... [انظر: الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٤٩)، جمال القراء (٢/ ٥٤٩)، بصائر ذوي التمييز (١/ ٤٦٠)، الإتقان (٢/ ٥٦)].\n(٢) \" ثلاث عشرة آية \" ساقطة من (ب).\n(٣) بإجماع أهل العدِّ من غير خلاف. [انظر: البيان؛ للداني (ص: ٢٤٤)، جمال القراء (٢/ ٥٤٩)، المحرر الوجيز في عدِّ آي الكتاب العزيز (ص ١٦٥)].\n(٤) في قول الجميع، وقد نقل الإجماع على مدنيتها غير واحدٍ من المفسرين. [انظر: النكت والعيون (٥/ ٥١٦)، المحرر الوجيز (٥/ ٢٩٣)، زاد المسير (٨/ ٣٤)، بصائر ذوي التمييز (١/ ٤٦٠)].\n(٥) حاطب بن أبي بلتعة بن عمرو بن عمير اللخمي حليف بني أسد بن عبد العزى، يكنى أبا عبد الله، وقيل: أبا محمد، من مشاهير المهاجرين، شهد بدرًا والحديبية، وكان رسول النبي - ﷺ - إلى المقوقس، سنة ست، فأتاه من عنده بهدية منها مارية القبطية، وسيرين أختها، وقد توفي سنة ثلاثين في خلافة عثمان - ﵄ -. [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: الاستيعاب (١/ ٣٤٧)، أسد الغابة (١/ ٥٢٨)، سير أعلام النبلاء (٢/ ٤٣)، الإصابة (١/ ٢٩٩)].\n(٦) سارة مولاة لعمران بن أبي صيفي القرشي [المنهاج؛ للنووي (١٦/ ٢٧٣)].","vol":"1","page":3223},{"text":"جبريل - ﵇ - وأخبر النبي - ﷺ - بما فعل حاطبٌ، فبعث رسول الله - ﷺ - عليًا وعمارًا والمقداد بن الأسود (١) والزُّبير وعمر وطلحة وأبا مَرْثَد (٢) - ﵃ -، وكانوا كلُّهم ... فرسانًا، وقال لهم: «انطلقوا حتى تأتوا روضةَ خاخٍ (٣)؛ فإن بها ظعينةً (٤) معها كتابٌ من حاطبٍ إلى المشركين، فخذوه منها وخلوا سبيلَها، فإنْ لم تدفع إليكم فاضربوا عنقَها»، فخرجوا حتى أدركوها في ذلك المكان، فقالوا لها: أين الكتاب، فحلفت، ما معها ... كتاب، فلما رأت الجدَّ أخرجته من ذوائبها (٥) فخلوا سبيلَها، ورجعوا بالكتاب إلى رسول الله - ﷺ - فأرسل رسولُ الله - ﷺ - إلى حاطبٍ، فأتاه فقال: ما حملكَ على ما صنعتَ، قال: يا رسول الله والله ما كفرتُ منذ أسلمت، ولا غششتك منذ نصحتك، ولكن حملني على ذلك أني كنت ملصَقًا في القوم (٦)، وليس في أصحابك إلا من له من أقربائه مَن يذبُّ عن عياله، فأحببت أنْ أتَّخِذ (٧) عندهم يدًا، وقد علمتُ أن اللهَ ينزلُ بهم بأسَه، وأن كتابي لا يُغني عنهم شيئًا، فصدّقه رسولُ\n_________\n(١) المقداد بن الأسود، بالتبني؛ لأنه ربي في حجر الأسود بن عبد يغوث الزهري، وأما اسمه حقيقة فهو: المقداد بن عمرو بن ثعلبة بن مالك بن ربيعة القضاعي الكندي البهراني، يكنى أبا معبد، وقيل: أبا الأسود، صاحب ... رسول الله - ﷺ -، وأحد السابقين الأولين، شهد بدرًا والمشاهد، وثبت أنه كان يوم بدر فارسًا، وكان من الفرسان الشجعان والفضلاء النجباء الكبار الخيار من أصحاب النبي - ﷺ -، وشهد المقداد فتح مصر، وتوفي - ﵁ - في أرضه بالجرف، فحمل إلى المدينة، ودفن بالبقيع، وصلى عليه عثمان بن عفان سنة ثلاث وثلاثين للهجرة. [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: الاستيعاب (٤/ ٤٢)، سير أعلام النبلاء (١/ ٣٨٥)].\n(٢) أبو مرثد: اشتهر بكنيته، واسمه: كَنَّاز بن حصن. ويقال: كَنَّاز بن حصين بن يربوع بن عمرو بن يربوع ابن خرشة بن سعد بن طريف، الغَنَوي، من بني غني بن أعصر، حليف حمزة بن عبد المطلب، صحابي بدري، آخى رسول الله - ﷺ - بينه وبين عبادة بن الصامت، وشهد سائر المشاهد مع رسول الله - ﷺ -، وتوفي - ﵁ - سنة اثنتي عشرة في خلافة أبي بكر - ﵁ -. [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: الاستيعاب (٤/ ٣١٧)، أسد الغابة (٦/ ٢٧٦)].\n(٣) رَوْضة خاخ: واحدها الرياض، وهي على الطريق بين مكة والمدينة، بقرب قرية حمراء الأسد من المدينة. ... [انظر: معجم البلدان (٢/ ٣٣٥)، معجم ما استعجم (٢/ ٤٨٢)، معجم الأمكنة (ص: ٢٦٣)].\n(٤) الظَّعِينة: واحِدة الظُّعُن من النِّساء، وأصلُ الظَّعِينة: الرَّاحلَةُ التي يُرْحَل ويُظْعَن عليها: أي يُسار، وقيل للمرأة ظَعينة؛ لأنها تَظْعَن مع الزَّوج حَيثُما ظَعَن، أو لأنَّها تُحْمَل على الرَّاحِلَة إذا ظَعَنت [كتاب العين (٢/ ٨٨) مادة \" ظَعَنَ \"، النهاية (٣/ ١٥٧)، مادة \" ظَعَنَ \"].\n(٥) في (أ) \" ذؤابتها \".\n(٦) في (أ) \" إلى القوم \".\n(٧) في (ب) \" أن آخذ \".","vol":"1","page":3224},{"text":"الله - ﷺ - وعذره، فقام عمرُ بنُ الخطاب - ﵁ - وقال (١): دعني يا رسول الله أضرب عنقَ هذا المنافق، فقال له (٢) رسولُ الله - ﷺ -: «وما يدريك يا عمر، لعل الله قد اطّلع على أهل بدر، فقال لهم: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم»، ونزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ (٣): فسمَّاه مؤمنًا.\n﴿لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ أي: لا تتخذوا الكافرين أعوانًا وأنصارًا (٤) (٥).\n﴿تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ﴾: تكتبون وتبعثون.\nوالجملة (٦) صفة لأولياء وقيل: حال للمخاطبين.\nوقيل: استئناف: أي: أنتم ﴿تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾.\nوقيل: الاستفهام مقدر: أي: أتلقون إليهم بالمودة؟!\nالأخفش: \" الباء زيادة\" (٧).\nالمبرد: \" ألقيتُ إليه المودةَ وبالمودةِ، لغتان \" (٨).\n_________\n(١) \" وقال \" ساقطة من (أ).\n(٢) \" له \" ساقطة من (أ).\n(٣) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد والسير، باب الجاسوس، برقم (٣٠٠٧)، ولم يذكر: فنزلت. وأخرجه بنحوه في كتاب المغازي، باب غزوة الفتح وما بعث به حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة يخبرهم بغزو النبي - ﷺ -، برقم (٤٢٧٤)، وذكر فيه نزول الآية، وفي كتاب التفسير. باب: ﴿لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾، برقم (٤٨٩٠)، وأخرجه مسلم بنحوه في كتاب: فضائل الصحابة. باب: من فضائل أهل بدر ﵃ وقصة حاطب بن أبي بلتعة، برقم (٦٣٥١) جميعها من حديث علي - ﵁ -، وأخرجه الواحدي في أسباب النزول (ص: ٣٤٦)، وروايات الصحيحين لم تذكر سوى عليٍّ والزبير والمقداد، فلعل المؤلف أخذ برواية الواحدي. وأنهم كانوا معهم غير أنَّ في ذكر - ﵁ - نظر؛ إذ القصَّة تخالف ذلك، والله أعلم.\n(٤) في (ب) \" الكافرون أنصارًا وأعوانًا \".\n(٥) انظر: جامع البيان (٢٨/ ٥٧).\n(٦) في (ب) \" فالجملة \".\n(٧) انظر: البرهان؛ للكرماني (ص: ٣١١).\n(٨) انظر: لم أقف عليه.","vol":"1","page":3225},{"text":"وقيل: الباء للسبب، أي: بسبب أنْ تودوا (١).\nالزَّجَّاج: \" تلقون إليهم أخبارَ النبيّ - ﷺ - وسرَّه بالمودة التي بينكم وبينهم \" (٢).\n﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾: يعني: النبي - ﷺ - والقرآن.\n﴿يُخْرِجُونَ﴾: حال من المضمَرين في: ﴿كَفَرُوا﴾.\n﴿الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ﴾: أي: من مكة.\n﴿أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ﴾: بأنْ ولأن، أي: بسبب إيمانكم، ولأجل إيمانكم (٣)، وذكر بلفظ المستقبل، أي: لأنكم الساعةَ تؤمنون به.\n﴿إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا﴾: أي: خرجتم من أوطانكم للجهاد ﴿فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي﴾ هذا مؤخر في اللفظ مقدم في المعنى، والتقدير: إن كنتم خرجتم للجهاد ولطلب مرضاة الله، فلا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء (٤) (٥).\n﴿تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ بدل من قوله: ﴿تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ (٦).\n﴿وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ﴾: قيل: الباء زيادة، أي: أعلم إظهارَكم المودة، وإسرارَكم إيَّاها.\nوقيل: ما أخفيتم: المودة، وما أعلنتم: الإيمان.\nوقيل: ﴿أَعْلَمُ﴾ للتفضيل.\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ١٤٧)، جامع البيان (٢٨/ ٥٧)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٥١).\n(٢) انظر: معاني القرآن (٥/ ١٢٣).\n(٣) انظر: جامع البيان (٢٨/ ٥٧)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٤/ ٢٧١)،\n(٤) \" أولياء \" ساقطة من (ب).\n(٥) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ١٢٣)، تفسير الثعلبي (٩/ ٢٩٢).\n(٦) على الوجوه المذكورة في إعرابه [انظر: إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٤/ ٢٧١)، البرهان؛ للكرماني (ص: ٣١١)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٥٣)].","vol":"1","page":3226},{"text":"وهو الأظهر (١).\n﴿وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ﴾: أي: الاتخاذ المنهي عنه بعد النهي.\n﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١)﴾: أخطأ طريقَ الرشاد وبعُد عن الطريق المستقيم.\n﴿إِنْ يَثْقَفُوكُمْ﴾: يأخذوكم ويأسروكم ويظفروا بكم.\n﴿يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً﴾: ولا ينفعكم إلقاءُ المودة إليهم.\n﴿وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾: بالقتل والضرب ﴿وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ﴾: بالشتم والسب (٢).\n﴿وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ (٢)﴾: ويتمنوا (٣) أنْ تكونوا كفارًا مثلهم.\nوجاز وقوعُ الماضي موقعَ المستقبل بمعنى الشرط (٤).\nوقيل: هو عطف على ﴿وَقَدْ كَفَرُوا﴾، أي: كفروا وودُّوا لو تكفرونَ (٥).\n﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ﴾: فلا تُهلكوا أنفسَكم بسبب مَن لا ينفعكم\n﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُفَصِّلُ بَيْنَكُمْ﴾ (٦): يفرق بين الوالد وولده، وبين القريب والقريب.\n_________\n(١) انظر: المحرر الوجيز (٥/ ٢٩٤) البحر المحيط (١٠/ ١٥٣).\n(٢) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٣٤٩)، زاد المسير (٨/ ٣٦).\n(٣) في (أ) \" وتتمنوا \".\n(٤) قال أبو حيان - في تعقيبه على الزَّمخشري في نقله لمثل هذا المعنى -: \" وكأنَّ الزمخشري فهم من قوله: ... ﴿وَوَدُّوا﴾ أنه معطوف على جواب الشرط فجعل ذلك سؤالًا وجوابًا، والذي يظهر أن قوله: ﴿وَوَدُّوا﴾ ليس على جواب الشرط؛ لأنَّ ودادتهم كفرهم ليست مترتبة على الظفر بهم والتسلط عليهم، بل هم وادُّون كفرهم على كل حال، سواء أظفروا بهم أم لم يظفروا، وإنما هو معطوف على جملة الشرط والجزاء \". [البحر المحيط (١٠/ ١٥٤)].\n(٥) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢٠٤)، البحر المحيط (١٠/ ١٥٣).\n(٦) كان الأصل الكتابة على رواية حفص عن عاصم ﴿يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾، لكن المؤلف أتى بالتفسير على القراءة الأخرى ﴿يُفَصِّلُ﴾ وهي قراءة حمزة والكسائي، ولهذا أثبتها.","vol":"1","page":3227},{"text":"وقيل: يحكم بينكم (١).\nويجوز أن يتعلق ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ بقوله: ﴿يُفَصِّلُ بَيْنَكُمْ﴾.\nوقُرِئَ ﴿يَفْصِلُ﴾ على وجوه، كلها ظاهر (٢).\nومن قرأ بلفظ المجهول فالظرف أُقيم مقامَ الفاعل، ومثله: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ ... [الأنعام: ٩٤] وكذلك: ﴿مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾ [الجن: ١١] ذكره في «الحجة» (٣).\n﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣)﴾: فيجازيكم بأعمالكم (٤).\n﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ﴾: قدوةٌ وسنةٌ ﴿حَسَنَةٌ﴾: فالضم فيها لغة (٥).\n﴿فِي إِبْرَاهِيمَ﴾: أي: في أقواله ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾: من المؤمنين.\nوقيل: كانوا أنبياء.\n_________\n(١) انظر: تفسير السَّمرقندي (٣/ ٤١٣)، التَّسهيل (٤/ ١١٣).\n(٢) قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ﴿يُفْصَلُ بَيْنَكم﴾ برفع الياء وتسكين الفاء ونصب الصاد، وقرأ عاصم ﴿يَفْصِلُ﴾ بفتح الياء وتسكين الفاء وكسر الصاد، وقرأ ابن عامر ﴿يُفَصَّلُ﴾ بالتشديد وفتح الصاد ورفع الياء وقرأ حمزة والكسائي ﴿يُفَصِّلُ﴾ بالتشديد للصاد كسرًا وفتح العين ورفع الياء. [انظر: السَّبعة (ص: ٦٣٣)، معاني القراءات (ص: ٤٨٧)، الحُجَّة (٦/ ٢٨٥)].\n(٣) انظر: الحُجَّة؛ لأبي علي الفارسي (٦/ ٢٨٥).\n(٤) في (ب) \" أعمالكم \".\n(٥) يشير إلى كلمة ﴿أُسْوَةٌ﴾ فقد قرأ عاصم ﴿أُسْوَةٌ﴾ برفع الألف حيثما وردت، وقرأ الباقون ﴿إسْوَةٌ﴾ بكسر الألف حيثما وردت، وهما لغتان وقراءتان صحيحتان. [انظر: السَّبعة (ص: ٦٣٣)، معاني القراءات ... (ص: ٣٨٤)، الحُجَّة (٦/ ٢٨٦)].","vol":"1","page":3228},{"text":"﴿إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ﴾: أي: للكافرين (١) منهم.\n﴿إِنَّا بُرَآَءُ مِنْكُمْ﴾: جمع بريء كظريف وظرفاء، أي: من قرابتكم.\n﴿وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: أي: معبودكم.\n﴿كَفَرْنَا بِكُمْ﴾: أي: تبرأنا منكم (٢).\n﴿وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا﴾: بالسيف والغَلَبة (٣).\n﴿حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾: أي: تؤمنوا بالله (٤) بأنَّه واحد لا شريكَ له، فحينئذٍ نترك (٥) عداوتَكم ونواليكم.\nوالمعنى: هلاّ قلتَ يا حاطبُ كما قال إبراهيم ومَن كان معه (٦).\nقوله: ﴿إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾: وذلك لموعدة وعدها ... إيَّاه (٧)، وقد سبق (٨).\n﴿وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾: من عذابٍ.\nوقيل: من هدايةٍ ومعرفةٍ وتوفيق.\nوالاستثناء من المضمر مع إبراهيم هو (٩) أقوالُه.\n_________\n(١) في (ب) \"الكافرون \" بالرفع والأولى الكافرين بالنصب، أو الجر.\n(٢) انظر: جامع البيان (٢٨/ ٦٢)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٥٥).\n(٣) في (ب) \" والغَلَبِ \".\n(٤) لفظ \" بالله \" ساقطة من (أ).\n(٥) في (أ) \" يُترك \".\n(٦) انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ١٤٩)، النُّكت والعيون (٥/ ٥١٨).\n(٧) في (أ) \" زيادة لفظ \" وعدها مفعول إياه \" بزيادة لفظة \" مفعول \" والسياق لا يحتملها.\n(٨) عند تفسير قول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (١١٤)﴾ [سورة التوبة: (١١٤)].\n(٩) في (ب) \" وهو \".","vol":"1","page":3229},{"text":"وقيل: الاستثناء منقطعٌ، أي (١): لكن قول إبراهيم لأبيه، فليس لكم به (٢) أسوة (٣).\n﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا﴾: فوضنا إليك أمورَنا.\nقيل: هذا من تمام كلام إبراهيم.\nوقيل: استئناف، أي: قولوا (٤).\nوقيل: خطابٌ لحاطب، أي: قلتَ هذا فلن تحتج إلى ما فعلت (٥).\n﴿وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا﴾: أقبلنا ﴿وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٤)﴾: المرجع.\n﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾: أي: لا تسلّطهم علينا فيفتِنونا بعذابٍ لا طاقةَ لنا به.\nوقيل: لا تعذبنا بعذابٍ من عندك.\nوقيل: لا تُرهم ما يشمتون له بنا.\nوقيل: لا تُظفِرْهم علينا، فيظنوا أنهم على الحقّ ونحن على الباطل (٦).\nوقيل: احفظنا من الشيطان، لا نتّبعهم فنصيَر فتنةً لهم.\n﴿وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٥)﴾.\n_________\n(١) \" أي \" ساقطة من (أ).\n(٢) \" به \" ساقطة من (ب).\n(٣) انظر: جامع البيان (٢٨/ ٦٢)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٥٦)، البحر المحيط (١٠/ ١٥٥).\n(٤) انظر: إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٤/ ٢٧٢)، البحر المحيط (١٠/ ١٥٥).\n(٥) انظر: تفسير السمرقندي (٣/ ٤١٥)، غرائب التفسير (٢/ ١٢٠٥).\n(٦) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٥١٨)، التسهيل (٤/ ١١٤)، البحر المحيط (١٠/ ١٥٦).\nقال ابن عطية: \" والمعنى: لا تغلبهم علينا فتكون لهم فتنة وسبب ضلالة؛ لأنهم يتمسكون بكفرهم ويقولون: إنما غلبناهم لأنَّا على الحق وهم على الباطل نحا هذا المنحى قتادة وأبو مجلز، وقال ابن عباس: المعنى: لا تسلطهم علينا فيفتنوننا عن أدياننا، فكأنه قال: لا تجعلنا مفتونين فعبَّر عن ذلك بالمصدر، وهذا أرجح الأقوال؛ لأنهم إنما دعوا لأنفسهم وعلى منحى قتادة إنما دعوا للكفار ... \" [المحرر الوجيز (٥/ ٢٩٦)].","vol":"1","page":3230},{"text":"﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾: قيل: في إبراهيم وقومه، وكرر لأن الأول: أسوة بأقواله، والثاني: بأفعاله.\nوقيل: في محمد - ﷺ - والمؤمنين (١).\n﴿لِمَنْ كَانَ﴾: بدل من ﴿لَكُمْ﴾.\n﴿يَرْجُو اللَّهَ﴾: أي: ثوابه\n﴿وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ﴾: وما يعطي الله في ذلك اليوم أولياءَه (٢).\nوقيل: يخشى اللهَ واليومَ الآخر.\n﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ﴾: عن أمرنا ووالى الكفارَ ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ﴾: عن الخلق.\n﴿الْحَمِيدُ (٦)﴾: المستحقُّ للحمد. وقيل: المحمود.\n﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ﴾: لما نزل: ﴿لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ عادى المؤمنون (٣) أقاربَهم المشركين وأظهروا لهم العداوةَ والبراءةَ، وعلم الله شدةَ وَجْدِ (٤) المؤمنين بذلك، فأنزل: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً﴾: فأسلم كثيرٌ منهم، وصاروا لهم أولياءَ وإخوانًا، وخالطوهم وناكحوهم، وتزوج رسول الله - ﷺ - أمَّ حبيبةَ بنتَ أبي سفيان (٥)، فلانَ لهم أبو سفيان وبلغه ذلك وهو مشرك، فقال: \"ذلك الفحل، لا يُقرع أنفُه\" (٦) (٧).\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٨/ ٦٤)، البرهان؛ للكرماني (ص: ٣١١)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٥٧).\n(٢) \" أولياءه \" ساقطة من (أ).\n(٣) في (ب) \" المؤمنين \" بالنصب، والصواب ما أثبت.\n(٤) في (ب) \" وَحدِ \".\n(٥) أمُّ حبيبة، هي: رملة بنت أبي سفيان [صخر] بن حرب بن أُمَيَّة، أم حبيبة زوج النبي - ﷺ - اختلف في اسمها فقيل رملة وقيل هند والمشهور رملة وهو الصحيح عند جمهور أهل العلم بالنسب، وكانت أم حبيبة تحت عبيد الله بن جحش الأسدي، خرج بها مهاجرًا من مكة إلى أرض الحبشة مع المهاجرين، ثم افتتن وتنصر ومات نصرانيًا وأبت أم حبيبة أن تتنصر وثبتها الله على الإسلام والهجرة، فتزوجها النبي - ﷺ - وهي بأرض الحبشة زوجه إياها النجاشي وأمهرها أربعة آلاف درهم، وقيل: أربعمائة دينار فبعث بها مع شرحبيل بن حسنة وجهزها من عنده وما بعث إليها النبي - ﷺ - بشيء، وتزوجها رسول الله - ﷺ - سنة ست، وتوفيت سنة أربع وأربعين. [انْظُرْ تَرْجَمَتَهَا: الاستيعاب (٢/ ٩٥)، أسد الغابة (٣/ ٣٥٣)].\n(٦) يريد هذا الْكُفءَ الذي لا يُرَدّ نكاحُه، وأصله في الإبل أنَّ الفحل الهَجين إذا أراد أن يَضْرب كرائم الإبل قَرعُوا أنْفَه بِعَصًا أو غيرها ليرْتَدَّ عنها ويَتْرُكَها، ويُروى: \" لا يُقْدَعُ \" والمعنى واحد. [انظر: النهاية (١/ ١٣٣)، مادة (بَضَعَ)، لسان العرب (٨/ ٢٦٢)، مادة \" قرع \"].\n(٧) انظر: تفسير الثعلبي (٩/ ٢٩٣)، أسباب النزول؛ للواحدي (ص: ٣٤٨)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٥٧).","vol":"1","page":3231},{"text":"وقيل: المراد به أهل مكة حين أسلموا عامَ الفتح (١).\nوقيل: المراد به إسلامُ أبي سفيان. (٢)\nوقال الزُّهري: \"هو أن أبا سفيان استعمله - ﷺ - على بعض اليمن، فلما قبض - ﷺ - أقبل ذو الخِمَار (٣) مرتدًا فقاتله، وكان أولَ من قاتل في الردة، وجاهد في الدِّين \" (٤).\nو﴿عَسَى﴾ من الله واجب، والمعنى: ليجعل.\nوقيل: معناه: كوَّنُوا على رجاءٍ وطمعٍ.\n﴿وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧)﴾.\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٨/ ٦٥)، النُّكت والعيون (٥/ ٥١٩).\n(٢) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٥١٩)، زاد المسير (٨/ ٣٨).\n(٣) ذو الخِمار، هو: عيهلة بن كعب بن عوف العنسي، الملقب بالأسود العنسي، متنبئ مشعوذ، وكان يزعم أن الذي يأتيه بالوحي ذو خمار، وكان بطاشًا جبارًا، أسلم لما أسلمت اليمن، وارتد في أيام النبي - ﷺ - فكان أول مرتد في الإسلام، وادعى النبوة، وأرى قومه أعاجيب استهواهم بها، فاتبعته مذحج، وتغلب على نجران وصنعاء، واتسع سلطانه، وجاءت كتب رسول الله - ﷺ - إلى من بقي على الإسلام في اليمن، بالتحريض على قتله، فاغتاله أحدهم فيروز الديلمي - ﵁ - وكان مقتله قبل وفاة النبي - ﷺ - بشهر واحد [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: الاستيعاب (٣/ ٣٣٠)، الأعلام (٥/ ١١١)].\n(٤) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٥١٩).","vol":"1","page":3232},{"text":"﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ﴾ في سبب النزول: قدمت قتيلة بنتُ عبد العُزى (١) (٢) على أسماء بنت أبي بكر (٣) - ﵂ - بهدايا: سمن وأقط وضِباب (٤) - وقيل: سمن\nوتمر وقرظ - فلم تقبل هداياها ولم تدخلها بيتها (٥)، فسألت لها عائشة النبيَّ - ﷺ - عن\nذلك، فأنزل الله هذه الآية، فأدخلتها منزلها، وقبلت منها هداياها. وكان أبو بكر\n- ﵁ - طلقها في الجاهلية \" (٦).\nقتادة: \" الآية منسوخة بقوله: \" ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ \" [التوبة: (٥)] (٧).\nمجاهد: \" ﴿الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾: هم الذين آمنوا وأقاموا بمكة، ولم\nيهاجروا \" (٨).\nالحسن: \"هم خزاعة، وبنو الحارث (٩)، أمرهم بأنْ يوفّوا لهم العهدَ الذي كان (١٠)\n_________\n(١) في (ب) \" بنت العزى \".\n(٢) قُتَيلة، وقيل: قيلة بنت عبد العزى بن سعد من بني مالك بن حِسل بن عامر بن لؤي القرشية، تزوجها أبو بكر الصديق، فأنجبت له عبد الله وأسماء، وقد طلَّقها مشركة. [انظر: جامع البيان (٢٨/ ٦٦)، الاستيعاب (٤/ ٣٤٤)].\n(٣) أسماء بنت أبي بكر الصديق عبد الله بن أبي قحافة، زوج الزبير بن العوام، وأخت أمِّ المؤمنين عائشة لأبيها، أم عبد الله بن الزبير، وتعرف بذات النطاقين، أسلمت قديمًا بمكة، وهاجرت إلى المدينة وكانت آخر المهاجرات وفاة، روت عدة أحاديث، وأدركت مقتل ابنها عبد الله. توفيت - ﵂ - سنة ثلاث وسبعين، بعد مقتل ابنها بليالي. [انظر ترجمتها: الاستيعاب (٤/ ٢٢٨)، أسد الغابة (٧/ ١١)، الإصابة (٤/ ٢٢٤)، سير أعلام النبلاء (٢/ ٢٨٧)].\n(٤) فسره في هامش (أ) بقوله: (الضِباب: جمع ضبّ).\n(٥) في (ب) \" فلم تقبل هدايا، ولم يدخلها \".\n(٦) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (٢٨/ ٦٦)، والحاكم في مستدركه (٢/ ٤٨٥)، وصححه ووافقه الذهبي. وقال الهيثمي: \"رواه أحمد والبزاز وفيه مصعب بن ثابت، وثقَّه ابن حبان، وضعَّفه جماعة، وبقية رجاله رجال الصحيح\" [المجمع (٧/ ١٢٣)]، وأخرجه الواحدي في أسباب النزول (ص: ٣٤٩).\n(٧) انظر: تفسير الصَّنعاني (٣/ ٢٨٧)، جامع البيان (٢٨/ ٦٦).\n(٨) انظر: جامع البيان (٢٨/ ٦٥)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٥٨).\n(٩) بنو الحارث: هذه النسبة إلى قبائل منها إلى بني حارثة من الخزرج، منهم من بني الحارثة بن الحارث.\nومنهم إلى بني الحارث بن مالك بن ربيعة بن كعب بن الحارث بن كعب بن عمرو بن علة بن جلد بن مالك بن أدد ابن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، ولعلهم المقصودون هنا، وحارثة بطن من مراد. [انظر: الأنساب؛ للسَّمعاني (٢/ ١٥٠)].\n(١٠) \" كان \" ساقطة من (ب).","vol":"1","page":3233},{"text":"بينهم \" (١).\nوقيل: هم النساء والصبيان (٢).\nوقيل: عامَّةٌ محكمة، وسبب النزول يدل على هذا (٣).\nقوله: ﴿أَنْ تَبَرُّوهُمْ﴾: تحسنوا إليهم (٤) بالقول والفعل.\nومحل ﴿أَنْ تَبَرُّوهُمْ﴾ جرَّ بالبدل عن ﴿الَّذِينَ﴾ بدل الاشتمال (٥).\n﴿وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾: تُحسنوا إليهم وتعطوهم مما تملكون من طعامٍ وغيره قِسْطًا.\nوالإقساط: \" أن تعطوهم مثل ما يعطون، تقول: أَقْسَطَ: إذا عدل وسلب القسطَ، وهو الجَور \" (٦).\nوقيل: أقسط: أعطى قسطه، وأنصف أعطى نصفَه، أي: نصيبه، وعُدِّيَ بالياء ... لتضمنه، معنى: الإحسان.\nوقيل: انتهوا إليهم بالقِسط (٧).\n_________\n(١) انظر: المحرر الوجيز (٥/ ٢٩٥)، زاد المسير (٨/ ٣٨).\n(٢) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ١٢٥)، النُّكت والعيون (٥/ ٥١٩).\n(٣) وهو ما اختاره المحقِّقون كابن جرير وابن عطية والقرطبي وغيرهم. [انظر: جامع البيان (٢٨/ ٦٦) المحرر الوجيز (٥/ ٢٩٥)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٥٨)].\n(٤) \" إليهم \" ساقطة من (ب).\n(٥) بدل الاشتمال: هو الدال على معنى في متبوعه، نحو \" أعجبني زيدٌ علمه، واعرفه حقه \". [انظر: شرح ابن عقيل (٢/ ٢٤٩)].\n(٦) انظر: معاني القرآن، للزَّجَّاج (٥/ ١٢٥).\n(٧) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٥٢٠)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٥٨).\nقال ابن العربي: \" أي: تعطوهم قسطًا من أموالكم على وجه الصلة، وليس يريد به من العدل، فإنّ العدل واجب فيمن قاتل وفيمن لم يقاتل \" [أحكام القرآن (٤/ ٢٢٨)].","vol":"1","page":3234},{"text":"﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾: هم أهل الحرب، أي: ينهاكم عن برهم.\n﴿وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾: أي: المشركين.\n﴿وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ﴾: بدل عن ﴿الَّذِينَ﴾، والمعنى: تناصحوهم.\n﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩)﴾: الذين وضعوا الولاية غيرَ موضعها.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾: قال (١) ابن عباس - ﵄ -: إن مشركي مكة صالحوا رسولَ الله - ﷺ - عامَ الحديبية على أن مَن أتاه من أهل مكة ردّه إليهم، ومَن أتاهم من أصحابه فهو لهم، وكتبوا بذلك كتابًا وختموه، فجاءت سُبيعة بنت الحارث (٢) - وقيل: سعيدة، وقيل: أم كلثوم (٣)، والصحيح سُبيعة -\n_________\n(١) \" قال \" ساقطة من (أ).\n(٢) المشهور بهذه التسمية، هي سُبيعة بنت الحارث الأسلمية، وكانت امرأة سعد بن خولة فتوفي عنها بمكة في حجة الوداع، فقال لها أبو السنابل بن بعكك: \" إن أجلك أربعة أشهر وعشرًا \"، وذلك حينما خطبها وقبلت غيره، وقد كانت وضعت بعد وفاة زوجها بليال. فأتت النبي - ﷺ - فقال لها: (قد حللت فانكحي من شئت). روى هذا الحديث عنها فقهاء المدينة والكوفة. [انْظُرْ تَرْجَمَتَهَا: الاستيعاب (٤/ ٤١٤)، الإصابة (٨/ ١٧١)].\nوقيل: سبيعة بن الحارث الأسلمية، وزوجها مسافر بن أسلم.\nوقد ترجم ابن حجر لها باسم سبيعة الأسلمية، فقال: \" سبيعة الأسلمية التي روى عنها بن عمر ذكرها العقيلي وقال: هي غير بنت الحارث زوج سعد بن خولة. ورده بن عبد البر فقال: لا يصح ذلك عندي.\nقلت: وأخرج حديث بن عمر المذكور بن مندة في ترجمة سبيعة بنت الحارث وهو في مسند يحيى الحماني عن الدراوردي عن أسامة بن زيد عن عبد الله بن عكرمة عن عبد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن سبيعة الأسلمية أن النبي - ﷺ - قال: \" من استطاع منكم أن يموت بالمدينة فليمت فإنه لن يموت بها أحدٌ إلا كنت له شفيعًا يوم القيامة \"، وانتصر بن فتحون للعقيلي فقال: ذكر الفاكهي أن سبيعة بنت الحارث أول امرأة أسلمت بعد صلح الحديبية إثر العقد وطي الكتاب ولم تخف فنزلت آية الامتحان فامتحنها النبي - ﷺ - ورد على زوجها مهر مثلها وتزوجها عمر، قال بن فتحون: فابن عمر إنما يروي عن سبيعة يعني امرأة أبيه قال: ويؤيد ذلك أن هبة الله في الناسخ والمنسوخ ذكر أن النبي - ﷺ - لما انصرف من الحديبية لحقت به سبيعة بنت الحارث امرأة من قريش فبان أنها غير الأسلمية \" [الإصابة (٨/ ١٧٢)].\n(٣) أم كُلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، وهو ما اختاره الحافظ ابن حجر في الفتح [الفتح: (٩/ ٦٢٣)].","vol":"1","page":3235},{"text":"بعد الفراغ من الكتاب، والنبي - ﷺ - بالحديبية، فأقبل زوجُها واسمه: مسافر (١)، وكان كافرًا، فقال: يا محمدُ، أُرْدُد عليَّ امرأتي، فإنك شرطت لنا أن تردَّ علينا مَن أتاك منا، وهذه طينة الكتاب لم تجفَّ (٢) بعدُ، فأنزل الله هذه الآية (٣)، فبين أن ذلك في الرِّجال لا في النساء؛ لأنَّ المسلمةَ لا تَحِلُّ لكافرٍ بوجهٍ ما.\nوقيل: لما نزلَ صار ذلك في الرجال، دون النساء.\nوقيل: نسخت هذه الآيةُ الحكمَ الأولَ (٤).\nقوله: ﴿جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ﴾، فسمَّاهن مؤمنات، بمجرد الهجرة (٥).\nثم قال: ﴿فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾: أي: اختبروهن.\nوقيل: سلوهن.\nوقيل: حلِّفوهن ما خرجن إلاّ حرصًا على الإسلام، وطلبًا لرضا الله تعالى ورسوله، لا بغضًا للزوج، ولا رغبة في الدنيا (٦).\n_________\n(١) مسافر بن أسلم من بني مخزوم. [انظر: أخبار مكة؛ للفاكهي (٢/ ٤٢٥)، تفسير البغوي (٨/ ٩٧)].\n(٢) في (أ) \" لم يجفَّ \".\n(٣) أسباب النُّزول؛ للواحدي (ص: ٣٤٩)، تفسير البغوي (٨/ ٩٧).\n(٤) أي في إرجاع النِّساء المسلمات بعد صلح الحديبة مثل الرِّجال إلى مكة على شرط قريش، قال الماوردي: ... \" واختلف أهل العلم، هل دخل النساء في عقد الهدنة لفظًا أو عمومًا:\nفقالت طائفة منهم: قد كان شرط ردهن في عقد الهدنة لفظًا صريحًا، فنسخ الله ردهن من العقد ومنع منه، وأبقاه في الرجال على ما كان، وهذا يدل على أنَّ للنبي - ﷺ - أن يجتهد رأيه في الأحكام، ولكن لا يقره الله على خطأ. وقالت طائفة من أهل العلم: لم يشترط ردهن في العقد لفظًا، وإنما أطلق العقد في ردِّ من أسلم، فكان ظاهر العموم اشتماله عليهن مع الرجال، فبيَّنَ الله خروجهن عن العموم وفرَّق بينهن وبين الرجال؛ لأمرين:\nأحدهما: أنهن ذوات فروج يحرمن عليهم.\nالثاني: أنهنَّ أرقُّ قلوبًا وأسرع تقلبًا منهم .. \" فأما المقيمة منهن على شركها فمردودة عليهم [النُّكت والعيون (٥/ ٥٢١)، وانظر: جامع البيان (٢٨/ ٦٩)، الناسخ والمنسوخ؛ للنَّحَّاس (ص: ٧١٦)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٥٢١)].\n(٥) انظر: التسهيل (٤/ ١١٤).\n(٦) قال المفسرون، وذلك أنَّ المرأة كانت إذا غضبت على زوجها بمكة، قالت: لألحقَّن بمحمدٍ. [انظر: جامع البيان (٢٨/ ٦٥)، النُّكت والعيون (٥/ ٥٢١)، زاد المسير (٨/ ٤٠)].","vol":"1","page":3236},{"text":"وعن ابن عباس - ﵂ -: \" امتحانها: أن تقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسولُ الله \" (١).\nوعن عائشة - ﵂ -: \"امتحانها بما (٢) في الآية الأخرى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ ..﴾ \" (٣).\nوقيل: امتحانها في ردها مهرَ زوجها.\n﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ﴾: فإنكم (٤) تعلمون الظاهر، والله يتولى السرائر.\n﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾: أي: بغالب الظن (٥).\n﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ﴾: أي (٦): لا تردوهن.\n﴿إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾: تكرار للازدواج ... والمطابقة (٧).\nوالمعنى: وقعت الفرقة بينهما بخروجها مسلمة.\nوليس عليها العِدة عند بعضهم، وعند بعضهم عليها العدة (٨) (٩).\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٨/ ٦٨)، زاد المسير (٨/ ٤٠).\n(٢) \" بما \" ساقطة من (ب).\n(٣) انظر: جامع البيان (٢٨/ ٦٨)، زاد المسير (٨/ ٩٧).\n(٤) في (ب) \" إنكم \".\n(٥) قال ابن كثير ﵀ -: \" فيه دلالة على أنَّ الإيمان يمكن الاطلاع عليه يقينًا \" [تفسير القرآن العظيم (٤/ ٣٧٥)].\n(٦) \" أي \" ساقطة من (أ).\n(٧) انظر: تفسير البيضاوي (٢/ ٤٨٧).\n(٨) \" عند بعضهم، وعند بعضهم عليها العدة \" ساقطة من (ب).\n(٩) قال أبو الليث السَّمرقندي: \" وفي الآية تأييد لقول أبي حنيفة - ﵀ - أنه لا عدة عليها، وفي قول أبي يوسف ومحمد عليها العُدة \". [تفسير السمرقندي (٣/ ٤١٧)، فلعل الكرماني قد نقل ذلك، وهو أحد مصادره] وقال الجصَّاص: \" واختلف أهل العلم في الحربية تخرج إلينا مسلمة، فقال أبو حنيفة في الحربية تخرج إلينا مسلمة ولها زوج كافر في دار الحرب: قد وقعت الفرقة فيما بينهم، ولا عدة عليها، وقال أبو يوسف ومحمد: عليها العدة وإن أسلم الزوج لم تحل له إلا بنكاح مستقبل، وهو قول الثوري وقال مالك والأوزاعي والليث والشافعي: إن أسلم الزوج قبل أن تحيض ثلاث حيض، فقد وقعت الفرقة، ولا فرق عند الشافعي بين دار الحرب وبين دار الإسلام لا حكم للدار عنده \". [أحكام القرآن؛ للجصاص (٣/ ٥٨٥)].","vol":"1","page":3237},{"text":"﴿وَآَتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا﴾: يعني: المهر الذي أعطاها الحَربي (١).\n﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾: أي: لا جناح في نكاح المهاجرات.\n﴿إِذَا آَتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾: مهورهن.\n﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾: أي لا تُبقوا (٢) نكاحَ الكافرات، بل طلقوهن إن لم يؤمنَّ.\nوأمسك ومسّك بمعنىً (٣).\nوالباء صلةٌ.\nوالعِصَم: جمع عِصمةٍ، وهي الحبل، أي: حبل النكاح، وهو العقد (٤).\nو﴿الْكَوَافِرِ﴾: جمع كافرةٍ، وهي التي بقيت في دار الحرب، أو هربت منكم إلى دار الحرب (٥).\nوقال بعضهم: معناه: لا حظرَ عليكم في نكاح المهاجرة لعصمة زوجها.\nوهذا بعيدٌ؛ لأن ﴿الْكَوَافِرِ﴾: جمع كافرةٍ - كما سبق - لا كافر، ولا يُحمل على الشُّذوذ (٦).\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٨/ ٦٩)، النُّكت والعيون (٥/ ٥٢٢).\n(٢) \" أي \" ساقطة من (ب)، وفيها \" ولا تبقوا \".\n(٣) يشير إلى القراءتين في الآية: فقد قرأ الجمهور: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾، وقرأ أبو عمرو وحده ﴿ولا تُمَسِّكوا﴾ بالتشديد [انظر: جامع البيان (٢٨/ ٧٣)، السَّبعة (ص: ٦٣٤)، معاني القرآن (ص: ٤٨٧)].\n(٤) انظر: جامع البيان (٢٨/ ٧١)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٤/ ٢٧٤).\n(٥) انظر: جامع البيان (٢٨/ ٧١)، تفسير السَّمعاني (٥/ ٤١٨).\n(٦) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢٠٥).","vol":"1","page":3238},{"text":"ولما نزلت هذه الآيةُ طلّق عمر - ﵁ - امرأتين له، وطلق طلحة امرأةً له بقين في دار ... الحرب (١).\n﴿وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا﴾: أي: إنْ ذهب بعضُ أزوجكم إلى الكفار الذين بينكم وبينهم عهدٌ، فاسألوهم أنْ يعطوكم (٢) ما أعطيتموهن من المهر، كما يأخذون منكم ما أعطوا نساءَهم من المهر إذا صِرن إليكم مؤمنات.\n﴿ذَلِكُمْ﴾ (٣): أي: ما تقدم ﴿حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ وهو منسوخ على ما سبق ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾.\n﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾: أي: واحدةٌ منهن، وهكذا هو (٤) في حرف ابن مسعود - ﵁ - (٥).\n﴿إِلَى الْكُفَّارِ﴾: أي: من فاتته (٦) زوجتُه بأنْ كفرت ولحقت بالمشركين، ولم يصل إليه مهرُها من جهتهم.\n﴿فَعَاقَبْتُمْ﴾: اقتصصتم.\nوقيل: فيكون لكم منهم عقبى، أي: ظَفَرٌ وغنيمةٌ.\nوقيل معناه: غزوتم مرَّة بعد أخرى (٧).\nوقيل: عاقبتم: غنمتم.\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٨/ ٧٢)، النُّكت والعيون (٥/ ٥٢٣).\n(٢) في (ب) \" يعطوهم \"، بضمير الغيبة، والأنسب ما أثبت.\n(٣) في (ب) \" ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾: أي: ما تقدم.\n﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾. وهو منسوخ على ما قد سبق \".\n(٤) \" هو \" ساقطة من (أ).\n(٥) قرأ ابن مسعود - ﵁ - ﴿وإن فاتكم أحد من أزواجكم﴾. [المحرر الوجيز (٥/ ٢٩٨)].\n(٦) في (ب) \" إن فاتته \".\n(٧) \" وقيل معناه: غزوتم مرَّة بعد أخرى \" ساقطة من (ب).","vol":"1","page":3239},{"text":"وقيل: عاقبتم: فعلتم بهم مثل ما فعلوا بكم.\nوعاقب وعَقَّب واعتقب وأعقب (١) وتعقّب وعَقَب، كله (٢) بمعنى: كانت العاقبة له (٣).\n﴿فَآَتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ﴾: أي: ارتدت ولحقت بالمشركين.\nوقيل: لحقت (٤) بأهل الهدنة من قريش.\n﴿مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا﴾: يعني: مهر زوجته من الغنيمة.\nقيل: من الخمس (٥).\nوقيل: من ألفي.\nوقيل: من صداق من أسلمت منهن عن زوجٍ كافرٍ، فيكون معنى: ﴿فَعَاقَبْتُمْ﴾ ...: بمصير أزواجهم إليكم مؤمنات، أومن جهة سبي (٦).\nابن بحر \" أي: عاقبتم المرتدةَ فقتلتموها، فأعطوا زوجَها (٧) من الغنيمة صداقَها \" (٨).\nفجعل عاقبتم من العقوبة وفيه بعدٌ.\nوهذا أيضًا منسوخ (٩).\n_________\n(١) \" وأعقب \" ساقطة من (أ).\n(٢) في (أ) \" كلمة بمعنى كأنَّه العاقبة له \".\n(٣) انظر: جامع البيان (٢٨/ ٧٥)، تفسير الثعلبي (٩/ ٢٩٦)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٦٧).\n(٤) \" لحقت \" ساقطة من (أ).\n(٥) في (أ) \" قبل الخمس \".\n(٦) انظر: جامع البيان (٢٨/ ٧٥)، النُّكت والعيون (٥/ ٥٢٣)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٦٧).\n(٧) في (أ) \" أزواجها \".\n(٨) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٥٢٣).\n(٩) قيل: نسخت بصدر سورة براءة إلى آية السيف (رقم: ٥) قال ابن الجوزي: \" قال القاضي أبو يعلى: \" وهذه الأحكام في أداء المهر وأخذه من الكفار وتعويض الزوج من الغنيمة أو من صداق قد وجب ردُّه على أهل الحرب منسوخة عند جماعة من أهل العلم، وقد نصَّ أحمد على هذا، قلت: وكذا قال مقاتل: كلُّ هؤلاء الآيات نسختها آية السيف \" [زاد المسير (٨/ ٤٢)، انظر: النَّاسخ والمنسوخ؛ لقتادة (ص: ٤٩)، تفسير مقاتل (٣/ ٣٥٣)، النَّاسخ والمنسوخ؛ للنَّحَّاس (ص: ٧٤٢) أحكام القرآن؛ لابن العربي (٤/ ٢٣٣)].","vol":"1","page":3240},{"text":"وذهب بعضهم: إلى أن هذه أحكام تبعت الهجرة والهدنة التي كانت بينهم، فلما انقضت زالت تلك الأحكام (١) (٢).\n﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (١١)﴾.\n﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾: الجمهور على أن هذه المبايعة كانت قبلَ فتح مكة، بايعهن - ﷺ - بنفسه وعلى يده - ﷺ - ثوبٌ (٣).\nوقيل: وضع بين يديه قَعْبًا (٤) فيه ماء وغمس يده فيه، وأمرهن أنْ يغمسن أيديهن ... فيه! (٥)\n_________\n(١) انظر: المحرر الوجيز (٥/ ٢٩٨)، البحر المحيط (١٠/ ١٦٠).\n(٢) وخلاصة ما في الآية ما اختاره ابن جرير - ﵀ - بقوله: \" وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: أمر الله - ﷿ - في هذه الآية المؤمنين أن يعطوا من فرَّت زوجته من المؤمنين إلى أهل الكفر إذا هم كانت لهم على أهل الكفر عقبى، إما بغنيمة يصيبونها منهم أو بلحاق نساء بعضهم بهم، مثل الذي أنفقوا على الفارة منهم إليهم، ولم يخصص إيتاءهم ذلك من مالٍ دون مالٍ، فعليهم أن يعطوهم ذلك من كل الأموال التي ذكرناها \". ... [جامع البيان (٢٨/ ٧٧)].\n(٣) ما ذكره المؤلف - ﵀ - من كونه قول الجمهور غير مسلَّمٌ له، فغالب المفسرين ذكروا أنَّه في فتح مكة، مع قوة القول الأول وصحة الأحاديث الواردة فيه ومستندهم في ذلك الأحاديث الصحيحة الواردة في هذا الخبر وممن اختار القول الأول ابن جرير في جامع البيان (٢٨/ ٦٨) وابن كثير في تفسير القرآن العظيم (٤/ ٣٧٦) ودليلهم ما جاء في البخاري في كتاب التفسير، باب: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾، برقم (٤٨٩١)، عن عروةَ أنَّ عائشة - ﵂ - زوج النبي - ﷺ - أخبرته أنَّ رسول الله - ﷺ - كان يمتحن من هاجر إليه من المؤمنات بهذه الآية بقول الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ إلى قوله ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢)﴾ قال عروة: قالت عائشة: فمن أقر بهذا الشرط من المؤمنات قال لها رسول الله - ﷺ -: (قد بايعتك كلامًا)، ولا والله ما مست يده يد امرأة قط في المبايعة ما يبايعهن إلا بقوله: (قد بايعتك على ذلك). وأخرجه مسلم في كتاب الإمارة، باب: كيفية بيعة النساء، برقم (٤٨١١) \". وذهب جمع من المفسرين إلى أن بيعة النسِّاء هذه، إنما كانت في فتح مكة ثاني أيام الفتح، وممن ذهب إلى ذلك: مقاتل في تفسيره (٣/ ٣٥٣)، وأبو الليث السمرقندي في تفسيره (٣/ ٤١٨) والثعلبي في تفسيره (٩/ ٢٩٧)، والماوردي في النكت والعيون (٥/ ٤٢٥)، والبغوي في تفسيره (٨/ ١٠٠).\nقلت: ولا يمنع أن تكون المبايعة قد شرعت قبل الفتح كما في حديث عائشة - ﵂ - إذ مفهومه في المهاجرات، وأن تكون هناك مبايعة أخرى لمن لم تسلم وكانت في مكة، والله أعلم.\n(٤) القَعْبُ: القَدَح الضَّخْمُ الغلِيظُ الجافي، وقيل: قَدَح من خَشَب مُقَعَّر. [انظر: لسان العرب (١/ ٦٨٣)].\n(٥) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٥٢٤)، تفسير السَّمعاني (٥/ ٤٢٢).","vol":"1","page":3241},{"text":"وقيل: قال - ﷺ -: «إني لا أصافح النساء، وإني آخذ على مائةٍ بأخذي على ... واحدةٍ» (١).\nقال مقاتل: \" جلس - ﷺ - على الصفا، وعمر بن الخطاب - ﵁ - دون الصفا، فأمره أنْ يبايع النساء \" (٢).\nوقيل: أَمر أختَ خديجة (٣) خالة فاطمة، فبايعت النساء (٤).\nقوله: ﴿وَلَا يَسْرِقْنَ﴾: جاء في التفاسير (٥): \"وكانت في جملتهن هندٌ امرأةُ أبي ... سفيان (٦)، فقالت: إني لأصبت من أبي سفيان الهَنَةَ ما أدري أيحل لي أم لا؟ فقال أبو سفيان: ما\n_________\n(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده من حديث أميمة بنت رُقَيقة - ﵂ - (٦/ ٣٥٧)، وأخرجه النسائي في سننه، كتاب البيعة، بيعة النساء، برقم (٤١٨٦)، عن أميمة بنت رقيقة، وقال الشيخ شعيب الأرنؤوط في تعليقه على المسند: \" إسناده صحيح، ورجاله ثقات رجال الصحيحين\"، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٢/ ٦٣)، برقم (٥٢٩).\n(٢) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٣٥٣).\n(٣) خديجة بِنْت خويلد بن أسد بن عَبْد العُزى بن قصيّ القُرَشِيَّة الأَسَدِيَّة، أم المؤمنين، زوج النَّبِيّ - ﷺ -، أول امْرَأَة تزوجها، وأول خلق الله أسلم بإجماع المسلمين، لم يتقدمها رجلٌ ولا امْرَأَة.\nوكانت تدعى في الجاهلية الطاهرة، وكانت خديجة قبل رسول الله - ﷺ - تحت أبي هالة بن زرارة التميمي، ثم خلف عليها بعد أبي هالة عتيق بن عابد المخزومي، ثم خلف عليها بعد عتيق رسول الله - ﷺ - قبل الوحي وعُمره حينئذ خمس وعشرون سنة، وقيل: إحدى وعشرون سنة، زوّجها منه عمها عَمْرو بن أسد، وكان عُمرها حينئذ أربعين سنة وأقامت معه أربعًا وعشرين سنة، وولدت لرسول - ﷺ - ولده كلهم قبل أن ينزل عليه الوحي: زينب، وأم كُلْثُوم، وفاطِمَة، ورقية، والقاسم، وقيل: ولدت له الطاهر والطيب أيضًا. غير أنهم ماتوا قبل الإسلام، وبالقاسم كان يكنى رسول الله - ﷺ -، وأما بناته فأدركن الإسلام، فهاجرن معه واتبعنه وآمنّ به.\nوقد توفيت - ﵂ - قبل الهجرة بثلاث سنين على الأصح، ودفنت بالحجون. [انْظُرْ تَرْجَمَتَهَا: الاستيعاب (٤/ ٣٧٩)، أسد الغابة (٧/ ٨٠)].\nوأمَّا أختها فهي رُقَيقة بنت خويلد بن أسد، أمُّ أميمة، وأخت خديجة، وخالة فاطمة بنت رسول الله - ﷺ -، وكانت من المبايعات. [انظر: الاستيعاب (٧/ ٢٥)].\n(٤) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (٢٨/ ٧٩) عن محمد بن المنكدر عن أميمة بنت رقيقة، وأوره الماوردي في النكت والعيون (٥/ ٥٢٤)، وعزاه لمحمد بن المنكدر، وذكر أنَّ اسمها: أميمة.\n(٥) سيأتي تخريج الخبر في آخره - بإذن الله تعالى -.\n(٦) هِنْدُ بنت عُتبة بنت ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف القُرَشِيِّة الهاشمية، أمُّ معاوية بن أبي سفيان، أسلمت عام الفتح بعد إسلام زوجها أبي سفيان بن حرب، فأقرَّهما رسول الله - ﷺ - على نكاحهما، وكانت امرأة لها نَفسٌ وأَنَفَةٌ، ورأي وعقل، شهدت اليرموك، وحرَّضت على قتال الرُّوْم مع زوجها أبي سفيان، وتوفِّيت - ﵂ - في خلافة عمر بن الخطّاب في اليوم الذي مات فيه أبو قُحَافة والد أبي بكر الصِّدِّيق. ... [انْظُر تَرْجَمَتَهَا: الاستيعاب (٤/ ٤٧٤)؛ أسد الغابة (٧/ ٢٨١)؛ الإصابة (٨/ ٣٤٦)].","vol":"1","page":3242},{"text":"أصبتِ من شيءٍ مضى أو بقي فهو لك حلالٌ، فضحك رسولُ الله - ﷺ - وعرفها، فقال: أنت هند، قالت: أُعْفُ عني ما سلف عفا الله عنكَ (١)، تريد ما صنعت ... بحمزة (٢).\nثم قال: ﴿وَلَا يَزْنِينَ﴾: فقالت هند: وهل تزني الحرة؟! فقال - ﷺ -: «لا والله ما تزني الحرة» (٣)\n﴿وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾: يريد: وأْدَ البنات، قالت هندٌ: نحن ربيناهم صغارًا وأنتم قتلتموهم كبارًا، تريد (٤) يومَ بدر، وأنتم وهم أعلم، فضحك عمر - ﵁ - حتى ... استلقى \" (٥).\nوفي بعض التفسير: فضحك عمر - ﵁ - حينما قالت هند: وهل تزني الحرة؟! (٦)\n﴿وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾: فيه أقوال:\nأحدها: لا يُلْحِقْنَ بأزواجهن غيرَ أولادهم، وهو على وجهين:\nأحدهما: كانت المرأةُ تأتي باللقطة فتضعها بين يديها ورجليها وتقولُ (٧): هذا ولدك ولدته منكَ. وليس الولد له، ولا حملت به.\nوالثاني: أنْ تحبلَ بالولد من غير زوجها فتُلحقه به (٨).\nوقيل: ﴿بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ﴾ عبارةٌ عن اللقطة، ﴿وَأَرْجُلِهِنَّ﴾ عبارة عن الولد من الزنا.\nوقيل: البهتان في الآية: الكذبُ والنميمة والمشي بالسِّعاية، يختلقنه من تلقاء أنفسهن.\nوقيل: قذف المحصَنين والمحصَنات والكذب على الناس.\nوقيل: البهتان: السحر والتمويه (٩).\nوروي: أن هندًا قالت: \" والله إن البهتانَ لأمر قبيحٌ، وما تأمر إلاّ بالأرشد، ومكارم الأخلاق \" (١٠).\nوروي أيضًا: \" أنها قالت: \"أما ولي ضرةٌ، فلا أدع البُهت\" (١١).\n﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾: جميع ما أمر رسولُ - ﷺ - ونهى عنه معروفٌ يقبله العقلُ ويعرفه ويدعو إليه.\nوقيل: أُمرن أنْ لا يعصينه في ترك النَّوح، وخدْش الوجه، وقطع الشعر (١٢).\nوروي: \" أن هندًا قالت: ما جلسنا هذا المجلس وفي (١٣) أنفسنا أنْ نعصيك في شيءٍ (١٤) (١٥).\n﴿فَبَايِعْهُنَّ﴾: اضمن لهن الجنةَ بشرط الوفاء بهذه الأشياء إلى الممات.\n﴿وَاسْتَغْفِرْهُ لَهُنَّ اللَّهَ﴾: عمَّا مضى ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢)﴾.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾: في القوم\nقولان:\nأحدهما: أنهم اليهود (١٦).\n﴿قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآَخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ (١٣)﴾:\nفيه وجوه:\nأحدها: أنهم وصفوها بغير ما وصفها الله به من: الطعام والشراب والنساء في الجنة، ومن العذاب والنَّكال في النار فصاروا كالكفار الذين أنكروها أصلًا.\nوقوله: ﴿مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾: صفةٌ للكفار، أي: في الحكم كالموتى.\nوالوجه الثاني (١٧): أنهم يئسوا من ثوابها لِما أتوا في شأن محمدٍ - ﷺ - من إنكارهم نعته،\nوتغييرهم صفته (١٨)، فصاروا كالكفار الذين يئسوا من رجوع أصحاب القبور إليهم.\nالجاحظ: \" أي: لا حظَّ لهم (١٩) في الآخرة وإنْ كانوا منها على طمعٍ، كما لاحظَّ لمن\nمات كافرًا \" (٢٠).\nوقيل: يئس اليهودُ عن الثواب كما يئس موتى الكفار؛ لأنهم علموا (٢١) بعد موتهم أن لا حظَّ لهم في نعيم الآخرة (٢٢).\n_________\n(١) في (أ) \" عفا الله عمَّا سلف \".\n(٢) في (ب) \" يريد ما بحمزة \".\n(٣) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٣٥٣)، جامع البيان (٢٨/ ٧٨)، تفسير الثعلبي (٩/ ٢٩٧).\n(٤) في (ب) \" يريد \".\n(٥) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٣٥٣) تفسير الثعلبي (٩/ ٢٩٧)، تفسير البغوي (٨/ ١٠١).\n(٦) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٣٥٣) تفسير الثعلبي (٩/ ٢٩٧)، النُّكت والعيون (٥/ ٥٢٥).\n(٧) في (أ) \" فتقول \".\n(٨) وهو قول الجمهور على أي الوجهين كان فهو إلحاق وهو محرم. [انظر: جامع البيان (٢٨/ ٧٧)، النُّكت والعيون (٥/ ٥٢٥)، تفسير السَّمعاني (٥/ ٤٢١) الجامع لأحكام القرآن، (١٨/ ٦٩)].\n(٩) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٥٢٥)، زاد المسير (٨/ ٤٣)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٦٩).\n(١٠) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٣٥٣)، جامع البيان (٢٨/ ٧٨)، تفسير الثعلبي (٩/ ٢٩٧).\n(١١) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢٠٦).\n(١٢) انظر: جامع البيان (٢٨/ ٧٨)، النُّكت والعيون (٥/ ٥٢٥).\n(١٣) في (ب) \" في \" بدون واو.\n(١٤) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٣٥٣)، جامع البيان (٢٨/ ٧٨)، تفسير الثعلبي (٩/ ٢٩٧).\n(١٥) قصة هند بنت عتبة - ﵂ - أوردها مقاتل في تفسيره (٣/ ٣٥٣) وأخرجها أبو يعلى في مسنده (٨/ ١٩٤)، وابن جرير في جامع البيان (٢٨/ ٧٨)، وأوردها الثعلبي في تفسيره (٩/ ٢٩٧)، وابن حجر في الإصابة (٨/ ٣٤٦). وقد أورد ابن كثير رواية ابن جرير في تفسيره، وتعقَّبها بقوله: \" وهذا أثر غريب وفي بعضه نكارة، والله أعلم؛ فإنَّ أبا سفيان وامرأته لما أسلما لم يكن رسول الله - ﷺ - يخيفهما بل أظهر الصفاء والود لهما، وكذلك كان الأمر من جانبه ﵇ لهما \". [تفسير القرآن العظيم (٤/ ٣٧٨)]، والقصة مع ذلك مستفيضة في كتب التفسير والسِّير.\n(١٦) وسيأتي القول الثاني في آخر السورة.\n(١٧) في (أ) \" الوجه الثاني \".\n(١٨) في (أ) \" وصفه \".\n(١٩) \" لهم \" ساقطة من (ب).\n(٢٠) لم أقف عليه.\n(٢١) في (ب) \" عملوا \"، والصواب ما أثبت.\n(٢٢) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٥٢٦)، تفسير السَّمعاني (٥/ ٤٢٢)، زاد المسير (٨/ ٤٤).","vol":"1","page":3243},{"text":"والقول الثاني: أن القومَ هم الكفار، ﴿يَئِسُوا مِنَ الْآَخِرَةِ﴾؛ لأنهم ينكرون البعثَ والنشورَ ﴿كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ﴾، أي: كما يئسوا من أنْ ينالَهم من أهل القبور خير، فوضع الظاهرَ موضع الضمير (١).\n_________\n(١) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٥٢٦)، الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ٧٣).","vol":"1","page":3244},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-167>سورة الصَّفِّ </span>(١)\n\"أربع عشر آية \" (٢) (٣) مدنيةٌ (٤)، ويُقال لها سورة عيسى - ﵇ -، ويُقال لها: سورة الحواريين. (٥)\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١)﴾:\nسبق (٦).\nبدأ بالتسبيح لحُسن الاستفتاح، كما بدأ بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾\nللتيمُّن والتدبُّر (٧).\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢)﴾: في سبب\n_________\n(١) تُسَّمى هذه السُّورة بسورة الصفِّ لقوله سبحانه في السورة: ﴿إِنْ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾، وهو الأسم الأشهر لها، وبه سُميت في المصاحف وكتب السُّنَّة والتفاسير، وتسمَّى سورة الحواريين لقوله: ﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾، وتُسَّمَّى سورة عيسى، قال ابن عاشور: \" وإذا ثيت تسميتها \" سورة عيسى \" فلما فيها من ذكر \"عيسى\" مرتين \" [التَّحرير والتنوير (٢٨/ ١٧١)، وانظر: زاد المسير (٨/ ٥٠)، بصائر ذوي التمييز (١/ ٤٦٢)، الإتقان (١/ ٥٦)، روح المعاني (٢٨/ ٨٣)].\n(٢) \" أربع عشر آية \" ساقط من (ب).\n(٣) بلا خلاف عند أهل العدِّ. [انظر: البيان؛ للداني (ص ٢٤٥)، بصائر ذوي التمييز (١/ ٤٦٢)، المحرر الوجيز في عدِّ آي الكتاب العزيز (ص: ١٦٥)].\n(٤) قال الماوردي: \" مدنية في قول الجميع \" [النكت والعيون (٥/ ٥٢٧)، ونسبه ابن عطية وابن الجوزي للجمهور [المحرر الوجيز (٥/ ٣٠١)، زاد المسير (٨/ ٤٥)] وروي عن ابن عباس - ﵄ - رواية أخرى: أنها مكية. قال ابن عطية: \" والأول أصح لأنَّ معاني السورة تعضده، ويشبه أن يكون فيها المكي والمدني \".\n(٥) في (ب) سورة الصف، ويُقال لها سورة عيسى، ويُقال لها سورة الحواريين مدنيةٌ \".\n(٦) في سورتي الحديد والحشر.\n(٧) انظر: زاد المسير (٨/ ٥٠).","vol":"1","page":3245},{"text":"النزول: \" كان المسلمون يقولون: لو نعلمُ أحبَّ الأعمال إلى الله لبذلنا فيه أموالَنا وأنفسَنا، فدلّهم الله على أحبِّ الأعمال إليه، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ﴾، الآية، فابتُلوا يومَ أُحدٍ بذلك، فولَّوا مدبرين، فأنزل الله: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ \" (١).\nابن عباسٍ - ﵄ -: \" نزلت في قومٍ قالوا: لو علمنا أحبَّ الأعمال إلى الله سارعنا إليه، فلما نزل فرضُ الجهاد تثاقلوا (٢) عنه \" (٣).\nعكرمة: \" نزلت في قومٍ كان الرجلُ منهم يقول: قاتلتُ، ولم يُقاتلْ، وطعنتُ، ولم يَطعن، وضربتُ، ولم يضربْ، وصبرتُ، ولم يصبرْ \" (٤).\nالحسن: \"نزلت في المنافقين، وسمّاهم مؤمنين بزعمهم\" (٥).\nوقال أبو مُوْسَى (٦): \" لقد نزلت سورةٌ كنا نُسمِّيها (المسبِّحات)، أولها: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ﴾، حفظتُ منها: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾، فيَكتبُ شهادةً في أعناقكم، ثم عنها يومَ القيامة تُسألون \" (٧).\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (٢٨/ ٨٣) عن ابن عباس وأبي صالح ومجاهد، وأخرجه الترمذي في سننه في كتاب التفسير، باب: ومن سورة الصف، برقم (٣٣٠٩) عن عبد الله بن سلام - ﵁ - والدارمي في سننه في كتاب الجهاد، باب: الجهاد في سبيل الله أفضل العمل، برقم (٢٣٩٠)، والحاكم في المستدرك في كتاب التفسير/ باب: تفسير سورة الصف، برقم (٣٨٠٦). وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وأخرجه الواحدي في أسباب النزول (ص: ٣٥١).\n(٢) في (ب) \" تناقلوا \".\n(٣) انظر: جامع البيان (٢٨/ ٨٤)، زاد المسير (٨/ ٤٦).\n(٤) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٥٢٧)، زاد المسير (٨/ ٤٦).\n(٥) لم أقف عليه من قول الحسن، وقد روي عن ابن زيد [انظر: جامع البيان (٢٨/ ٨٤)، النُّكت والعيون (٥/ ٥٢٧)].\n(٦) أبو موسى، هو: عبد الله بن قيس بن سليم بن حَضَّار بن حرب بن عامر بن عنز بن بكر بن عامر بن عذر ابن وائل بن ناجية بن الجماهر بن الأشعر، أبو موسى الأشعري التميمي الفقيه المقرئ، صحابي اشتهر باسمه وكنيته.\nقدم وأسلم ليالي فتح خيبر، وغزا، وجاهد مع النبي - ﷺ -، وحمل عنه علمًا كثيرًا، وهو معدود فيمن قرأ على ... النبي - ﷺ -، وقد أقرأ أهل البصرة، وفقههم في الدين، وقد استعمله النبي - ﷺ - ومعاذًا على زبيد، وعدن وولي إمرة الكوفة لعمر، وإمرة البصرة لعمر وعثمان وبها توفي - ﵁ - سنة اثنتين وأربعين، وقيل: سنة أربع وأربعين للهجرة، وقيل غير ذلك. [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: الاستيعاب (٣/ ١٠٣)، سير أعلام النبلاء (٢/ ٣٨٠)].\n(٧) انظر: الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٧٦).","vol":"1","page":3246},{"text":"قال الماورديّ: \" الآيةُ وإنْ كان ظاهرُها الإنكار لمن قال ما لا يفعلُ، فالمرادُ به: الإنكارُ لمن لم يفعلْ ما قال؛ لأنَّ المقصودَ بها الالتزامُ دون الإسقاط \" (١).\nوعن سُفْيان بنِ عُيَيْنَة (٢): \" أنَّ المعنى: لم تقولون ما ليس المراد (٣) فيه إليكم، فلا تدرون هل تفعلون، أم لا تفعلون\" (٤) (٥).\nوأصل ﴿لِمَ﴾ (لما)، فحُذفُ الألفُ في الاستفهام، وتقول في الوقف: (لِمْ)، وإنْ شئتَ: (لِمَه) (٦) (٧)، وهي قراءةُ يعقوب (٨).\n_________\n(١) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٥٢٧).\n(٢) سفيان بن عيينة بن أبي عمران ميمون، مولى محمد بن مزاحم، أخي الضحاك مزاحم، أبو محمد الهلالي الكوفي، ثم المكي، الإمام الكبير حافظ العصر، شيخ الإسلام، من الحفاظ المتقنين وأهل الورع في الدين ممن عني بعلم ... كتاب الله وكثرة تلاوته له وسهره فيه، وعني بعلم السنن وواظب على جمعها والتفقه فيها وطلب الحديث، ولقي الكبار، وحمل عنهم علمًا جمًَّا، وأتقن، وجوَّد وجمع وصنَّف. قال عنه الإمام الشافعي: \" لولا مالك وسفيان بن عيينة، لذهب علم الحجاز\"، وقال عبد الله بن وهب: \" لا أعلم أحدًا أعلم بتفسير القرآن من ابن عيينة \"، وقد توفي بمكة سنة ثمان وتسعين ومائة للهجرة [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: مشاهير علماء الأمصار (ص: ١٧٩)، سير أعلام النبلاء (٨/ ٤٥٤)].\n(٣) في (ب) \" الأمر\".\n(٤) انظر: الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٧٨).\n(٥) قال ابن جرير: \" وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية قول من قال: عنى بها الذين قالوا: لو عرفنا أحب الأعمال إلى الله لعملنا به، ثم قصَّروا في العمل بعد ما عرفوا، وإنما قلنا هذا القول أولى بها؛ لأنَّ الله جلَّ ثناؤه خاطب بها المؤمنين فقال ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا﴾، ولو كانت نزلت في المنافقين لم يسموا ولم يوصفوا بالإيمان ولو كانوا وصفوا أنفسهم بفعل ما لم يكونوا فعلوه كانوا قد تعمدوا قِيلَ الكذب، ولم يكن ذلك صفة القوم، ولكنهم عندي أملوا بقولهم: لو علمنا أحبّ الأعمال إلى الله عملناه أنهم لو علموا بذلك عملوه، فلمَّا علموا ضعفت قوى قوم منهم عن القيام بما أملوا القيام به قبل العلم، وقوي آخرون فقاموا به وكان لهم الفضل والشرف \" [جامع البيان (٢٨/ ٨٥)].\n(٦) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ١٢٩)، البحر المحيط (١٠/ ١٦٤).\n(٧) قال الزَّجَّاج: \" فإذا وقفت عليها قلت: لمه، ولا يوقف عليها في القرآن بها لئلا يخالف المصحف، وينبغي للقارئ أن يصلها \". [معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ١٢٩)].\n(٨) انظر: إتحاف فضلاء البشر (ص: ٥٤١).","vol":"1","page":3247},{"text":"﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ﴾: أي: بُغضًا، ومَن مقته الله فله النارُ، كما أن مَن ... أحبّه اللهُ فله الجنةُ (١).\n﴿أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾: تقديره عند النحاة: ﴿كَبُرَ﴾ المقتُ ﴿مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا﴾، فهو في محلّ رفعٍ بالابتداء.\nو﴿مَقْتًا﴾ نُصبٌ على التمييز (٢).، نحو: نعمَ الرجلُ رجلًا زيدُ.\nوقال بعضُهم: ... ﴿كَبُرَ﴾ مقتُهم ﴿مَقْتًا﴾ هو ﴿أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾.\nوالأول أولى (٣).\nإِنَّ ﴿اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾: أي: مصطفِّين (٤)، مصدرٌ وقع موقعَ الحال (٥).\n﴿كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (٤)﴾: شديدُ اللصوقُ، من رصِّ (٦) البناء، وهو إحكامُه (٧) في اتّصالٍ واستقامةٍ.\nوقيل: ﴿بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (٤)﴾: بُني بالرَّصاص.\nوالمعنى: لاصقٌ بعضُه إلى بعضٍ، لا يُغادرُ شيءٌ منه شيئًا.\n_________\n(١) انظر: تفسير السَّمرقندي (٣/ ٤٢٠)، تفسير البغوي (٨/ ١٠٤).\n(٢) في (ب) \" التميير \".\n(٣) انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ١٥٣)، جامع البيان (٢٨/ ٨٥)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ١٢٩).\n(٤) في (أ) \" المصطفين \".\n(٥) انظر: جامع البيان (٢٨/ ٨٥)، البحر المحيط (١٠/ ١٦٣).\n(٦) في (أ) \" ومن رصِّ \".\n(٧) في (ب) \" إحكامها \".","vol":"1","page":3248},{"text":"وقيل: يُريدُ استواءَ نياّتهم في حرب عدوِّهم، حتى يكونوا لاجتماع كلمتِهم كالبناء لا خللَ فيه ولا فُرَج (١).\nوفي بعض التفاسير: \"وكان بعضُهم يُؤثرُ القتالَ راجلًا على القِتال راكبًا؛ لأن الفرسان لا يصطفُّون، وأن ذلك من وصْف الرَّجّالة \" (٢).\n﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾: بما جئتكم من المعجزات.\nوما آذَوا به موسى سبق في قوله: ﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آَذَوْا مُوسَى﴾ [الأحزاب: ٦٩].\nوفي الآية تسليةٌ للنبيّ - ﷺ -، أي: إذا آذاك المنافقون فتذكَّر موسى، وإيذاءَ قومه إياه.\n﴿فَلَمَّا زَاغُوا﴾: عدلوا ومالوا عن الحقّ: الطريق المُستقيم (٣).\nوقيل: شكُّوا بعدما أيقنوا، يُريدُ قومَ موسى الذين آذَوه (٤).\nوقيل: كان في قومه - أيضًا - منافقون (٥).\nوقيل: هم الخوارج (٦).\n﴿أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ (٧): أضلَّهم الله (٨) وصرف قلوبَهم وخذلهم.\nوقيل: أزاغهم عن الثواب.\n﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٥)﴾: لا يُرشدهم.\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٨/ ٨٥)، النُّكت والعيون (٥/ ٥٢٨)، زاد المسير (٨/ ٤٦).\n(٢) روي ذلك عن أبي بحرية عبد الله التراغمي [انظر: جامع البيان (٢٨/ ٨٥)، زاد المسير (٨/ ٤٦)].\n(٣) \" الطريق المستقيم \" ساقطة من (ب).\n(٤) انظر: جامع البيان (٢٨/ ٨٦)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٨٠).\n(٥) انظر النُّكت والعيون (٥/ ٥٢٩).\n(٦) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (٢٨/ ٨٦) عن أبي أمامة، وأورده الماوردي في النُّكت والعيون (٥/ ٥٢٩) عن مصعب بن سعيد عن أبيه.\n(٧) في (أ) \" أَحَقُّ ﴿اللَّهُ﴾: أضلَّهم وصرف ﴿قُلُوبَهُمْ﴾ وخذلهم \".\n(٨) لفظ \" الله \" سقط من (ب).","vol":"1","page":3249},{"text":"وقيل: لا يهديهم إلى الجنة.\n﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾: وتَذَكَّرْ - أيضًا - عيسى بن مريم إذْ قال لقومه:\n﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾: أي: بحضرتي وقُدّامي، وتصديقُه لها إقرارُه بأنها حقٌّ.\nوقيل: تصديقُه لها أن في التوراة حديث موسى (١)، ووقوع المخبَر به يُصدِّق المخبِر المتقدّم (٢).\n﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾: يعني: محمدًا - ﷺ -، سمّاه الله أحمدَ، ومحمدًا (٣).\nولهذا قال - ﷺ -: «أنا دعوةُ إبراهيم، وبُشرى عيسى» (٤)، وأراد بدعوة إبراهيمَ\nقولَه تعالى حاكيًا عن إبراهيم - ﵇ -: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٩]. وقد سبق.\nوتقديره: اسمه قولُ أحمد، فحُذف المضافُ.\nقال (٥) القفّال والنقّاش: \" اسمه في الإنجيل (فار قليطا) \" (٦) (٧)، أي: ليس بمذمومٍ.\n_________\n(١) في (ب) \" حديث عيسى \".\n(٢) انظر: تفسير السَّمرقندي (٣/ ٤٢١)، تيسير الكريم الرحمن (ص: ٨٥٩).\n(٣) في (أ) \" ومحمدٍ \".\n(٤) أخرجه الحاكم (بنحوه) في مستدركه في كتاب التفسير (٢/ ٦٠٠ - ٦٠١) من طريق ابن إسحاق قال: \" حدثني ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن أصحاب رسول الله - ﷺ -. ثم قال الحاكم: خالد بن معدان من خيار التابعين صحب معاذ بن جبل فمن بعده من الصحابة، فإذا أسند حديثًا إلى الصحابة فإنه صحيح الإسناد وإن لم يخرجاه\"، وروى الحاكم نحوه من طريق آخر موصولًا ثم قال: \" هذا حديث صحيح الإسناد شاهد للحديث الأول.\" ووافقه الذَّهبي على تصحيح الحديثين، وأورده ابن كثير في تفسيره (٤/ ٣٨٤) عن ابن إسحاق وقال: \" وهذا إسناد جيد، ورُوى له شواهد من وجوه أخر. \"، وصححه الألباني في صحيح الجامع (١/ ٣٠٦)، برقم (١٤٦٢).\n(٥) \" قال \" ساقطة من (ب).\n(٦) في (ب) \" فار قليظا \".\n(٧) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢٠٨)، تفسير السَّمعاني (٥/ ٤٢٦).","vol":"1","page":3250},{"text":"وقال محمد بنُ هيصم: اسمه في الإنجيل (فار قطيطا)، وفي التوراة (بمادْ ماد) \" (١) (٢).\nوزعموا أن المرادَ به ما يُوافقُ من الأسماء هذه العدّةَ من حساب الجُمَّل، فالميمان في مقابلة الميمين من محمد، وإحدى الدالين في مقابلة الدال، وبقي أَلِفان وباءٌ ودالٌ، ومجموعها ثمانيةٌ، والحاء في محمدٍ ثمانيةٌ (٣). والله أعلم.\n﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾: يعني: جاءهم (٤) عيسى - ﵇ - بالمعجزات.\nوقيل: جاءهم محمدٌ - ﷺ - (٥).\n﴿قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (٦)﴾: أي: ما جاء به سحرٌ.\nومَن قرأ بالألف: أي عيسى ساحرٌ مبينٌ (٦).\n﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾: أي: نسب النبيَّ إلى السِّحر.\n﴿وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ﴾: وهو يدعوه النبيُّ إلى الإسلام.\nوالمعنى: لا أحدَ أظلمُ منه (٧).\n﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٧)﴾: لا يُرشدُهم.\nوذُكر الكذبُ معرَّفًا، وفي أمثاله من القرآن منكَّرًا؛ لأنه أشار به إلى كذب اليهود والنصارى. وقد تقدّم ذكرهما (٨).\n_________\n(١) في (ب) \" وفي التوراه مادْ مابد \".\n(٢) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢٠٨).\n(٣) غرائب التفسير (٢/ ١٢٠٨).\n(٤) \" يعني: جاءهم \" ساقطة من (أ).\n(٥) انظر: الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٨١)، التَّسهيل (٤/ ١١٨) [وفيه يقول ابن جزي: \" يحتمل أن يريد عيسى أو محمد - عليهما الصلاة والسلام - ويؤيد الأول اتصاله بما قبله، ويؤيد الثاني قوله: ﴿وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ﴾؛ لأنَّ الداعي إلى الإسلام هو محمد - ﷺ - \"].\n(٦) قرأ حمزة والكسائي ﴿سَاحِرٌ﴾ بالألف وقرأ الباقون ﴿سِحْرٌ﴾ بغير ألف. [انظر: السَّبعة (٢٤٩)، معاني القراءات (ص: ١٤٧)، التيسير (ص: ١٠١)].\n(٧) انظر: جامع البيان (٢٨/ ٨٧)، التحرير والتنوير (٢٨/ ١٨٨).\n(٨) انظر: البرهان؛ للكرماني (ص: ٣١١).","vol":"1","page":3251},{"text":"﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ﴾: هذا مثلٌ ضربه الله، أي: مَن أراد إطفاءَ نورِ الشمس بفيه، كما يُطفأُ السراجُ، وجد مطلوبَه مستحيلًا، كذلك مَن أراد إبطال ... الحقّ (١).\nوقيل: يُريدون إبطالَ نور الله.\nوهو القرآن، وقيل: محمدٌ - ﷺ -، وقيل: الإسلام، وقيل: حُجج الله (٢).\n﴿بِأَفْوَاهِهِمْ﴾: بكلامهم وإنكارهم ذلك بلسانهم (٣).\nواللاّم في ﴿لِيُطْفِئُوا﴾ بمعنى: (أنْ)، عند بعض المفسرين، وعند بعضهم زائدةٌ (٤)، و(أنْ) مقدَّر بعده (٥)، وقيل: محمولٌ على المصدر.\nوالصحيحُ: أنَّ المفعولَ محذوفٌ، واللاّم للعلّة، والتقديرُ: يُريدون الكذبَ ليُطفئوا ... نورَ الله (٦).\n﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٨)﴾: قرئَ بالتنوين وبالإضافة، وحقُّ ما وقع الإضافةُ، وحقُّ ما لم يقع التنوينُ (٧).\nوالمعنى: أتمَّ نورَه، ويُتمّمُه أبدًا.\nوعن ابن عباسٍ - ﵄ -: \" أبطأَ الوحيُ عن النبيِّ - ﷺ - أربعين يومًا، فقال كعبُ بنُ الأشرف لليهود: أبشِروا، فقد أطفأَ اللهُ نورَ محمدٍ ممّا كان ينزل عليه، وما كان اللهُ ليُتمَّ نورَه. فحزن رسول الله - ﷺ -، فأنزل اللهُ هذه الآيةَ. ثم اتّصل الوحيُ (٨).\n﴿هَوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى﴾: أي: بالقرآن.\n﴿وَدِينِ الْحَقِّ﴾: الإسلام. والحقّ صفته، وقيل: الحقُّ هو الله تعالى (٩).\n﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٩)﴾: أي: يُظهره (١٠) بالغَلَبَة والاستعلاء، وقد (١١) حصل؛ لأن الإسلامَ ما بقي دينٌ (١٢) إلاّ غلبه وعلاه.\nوقيل: ليُظهره بالحُجج والبيِّنات.\nوقيل: ليُطلعه على جميع الأديان، وما خالف أهلُها فيه رسلَهم، حتى يكونَ عالمًا بذلك (١٣).\nوقيل: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ بنزول عيسى - ﵇ - ودخول أهل الأرض قاطبةً في الإسلام. قاله أبو هريرةَ - ﵁ - (١٤) (١٥).\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا﴾: النَّداءُ للمخلِصِين (١٦).\nوقيل: عامٌّ كما في أول السورة، وقيل: هذا وإن تأخَّر في التلاوة فهو أولٌ نزولًا (١٧).\n﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ﴾: استفهامٌ في اللّفظ، إيجابٌ في المعنى (١٨).\nوالتجارةُ: طلبُ الرِّبح بالمبايعة، والمرادُ بها ها هنا: طاعةُ الله (١٩).\n﴿تُنْجِيكُمْ﴾: تُخلِّصُكم وتبعِدُكم (٢٠) ﴿مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠)﴾\nوُتنجِّيكم (٢١) - بالتَّشديد - بمعناه (٢٢).\n﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾: تثبتون على إيمانكم.\n﴿وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ﴾ أي الإيمان (٢٣) والجهاد.\n﴿خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١)﴾.\nقيل: ﴿تُؤْمِنُونَ﴾ بدلٌ من التجارة، أي: هي أن تُؤمنوا، فلمّا حُذف (أنْ)، رفع، وكذلك ﴿تُجَاهِدُونَ﴾.\nوعند سيبويه: ﴿تُؤْمِنُونَ﴾ و﴿تُجَاهِدُونَ﴾: واقعان موقعَ (آمنوا)، و(جاهدوا).\n﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾: مجزومٌ عند الفرّاء؛ لأنه جوابُ الاستفهام (٢٤) (٢٥)، وفيه بعدٌ عند البصريين (٢٦).\nوعند سيبويه مجزومٌ على أنه جوابُ الأمر.\n_________\n(١) حكاه ابن عيسى. [انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٥٣٠)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٨١)].\n(٢) انظر: جامع البيان (٢٨/ ٨٨)، النُّكت والعيون (٥/ ٥٣٠)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٨٢).\n(٣) \" بلسانهم \" ساقطة من (أ)\n(٤) في (أ) \" عند بعضهم، وعند بعض المفسرين \".\n(٥) في (ب) \" مُقدرةٌ بعدها \".\n(٦) انظر: المحرر الوجيز (٥/ ٣٠٣)، البحر المحيط (١٠/ ١٦٦).\n(٧) قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم وَاللَّهُ ﴿مُتِمُّ نُورِثُ﴾ مضافًا، وقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر وأبو بكر عن عاصم ﴿مُتِمٌّ نُوْرَهُ﴾ بالتنوين وفتح الرَّاء. [السَّبعة (ص: ٦٣٥)، معاني القراءات (ص: ٤٨٩)، الحُجَّة (٦/ ٢٨٩)].\n(٨) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٥٣٠)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٨٢).\n(٩) انظر: جامع البيان (١٠/ ١١٦)، المحرر الوجيز (٣/ ٢٦).\n(١٠) في (أ) \" يُظْهِرُ\".\n(١١) في (أ) \" وقيل \".\n(١٢) في النسختين \" دينًا \".\n(١٣) انظر: النُّكت والعيون (٥/ ٥٣٠)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٨٣).\n(١٤) انظر: جامع البيان (١٠/ ١١٦)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٨٣).\n(١٥) قال ابن عطية: \" فكأن هذه الفرقة رأت الإظهار على أتم وجوهه، أي حتى لا يبقى معه دين آخر \". ... [المحرر الوجيز (٣/ ٢٦)].\n(١٦) في (أ) \" للمُخاطبين \".\n(١٧) انظر: جامع البيان (١٠/ ١١٦)، زاد المسير (٨/ ٤٨).\n(١٨) انظر: مشكل إعراب القرآن؛ لمكي (٢/ ٧٣١)، البحر المحيط (١٠/ ١٦٧).\n(١٩) أي من أيمان وجهاد في سبيل الله كما بينته الآيات.\n(٢٠) في (ب) \" يُخلصكم ويُبعدكم \".\n(٢١) في (ب) \" ويُنَجِّيكم \".\n(٢٢) قرأ ابن عامر وحده من السَّبعة ﴿تُنَجِّيْكُمْ﴾ مشددة، وقرأ الباقون ﴿تُنْجِيكُمْ﴾ مخفَّفَةً. [انظر: السَّبعة (ص: ٦٣٥)، معاني القراءات (ص: ٤٨٩)، الحُجَّة (٦/ ٢٨٩)].\n(٢٣) في (ب) \" ذلك إلى الإيمان \".\n(٢٤) في (أ) \" للاستفهام \".\n(٢٥) انظر: معاني القرآن (ص: ٣/ ١٥٤).\n(٢٦) انظر: مشكل إعراب القرآن؛ لمكي (٢/ ٧٣١)، البحر المحيط (١٠/ ١٦٧).","vol":"1","page":3252},{"text":"وكذلك ﴿وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢)﴾: سبق.\n﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ قيل: ولكم خلّةٌ أخرى (١).\nثم فسّرها، فقال: ﴿نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾: يعني: فتح (٢) مكةَ.\nوقيل: فارس والروم.\nوقيل: عطف على التجارة، أي: وأدُلُّكم على تجارةٍ أخرى.\n﴿تُحِبُّونَهَا﴾: أي: محبوبة في الجِبِلَّة.\nثمَّ فسّر، فقال: ﴿نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾: يفتح لكم البلادَ والأمصارَ (٣).\n﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١٣)﴾: بهذين الثوابين عاجلًا وآجلًا.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ﴾: الخِطابُ لأهل المدينة، وهم\nالأنصار، وكانوا سبعين نفرًا، بايعوا رسولَ الله (٤) - ﷺ - ليلةَ العقبَة (٥).\n﴿كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ﴾: قيل: معناه: إني أدعوكم إلى\nهذا، كما دعا عيسى - ﵇ - قومَه، فقال:\n﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾: وقيل: انصُروا الله (٦) مثلَ نُصرة الحواريين ... لدين الله (٧).\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٨/ ٩٠)، تفسير البغوي (٨/ ١١٠).\n(٢) \" فتح \" ساقطة من (ب).\n(٣) انظر: إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٤/ ٢٧٨)، تفسير السَّمعاني (٥/ ٤٢٨)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٨٦).\n(٤) في (أ) \" تابعوا النبي \".\n(٥) انظر: جامع البيان (٢٨/ ٩١)، التسهيل (٤/ ١١٨)، البحر المحيط (١٠/ ١٦٨).\n(٦) لفظ \" الله \" سقط من (ب).\n(٧) انظر: جامع البيان (٢٨/ ٩١)، تفسير البغوي (٨/ ١١٠).","vol":"1","page":3253},{"text":"قُرئ: ﴿أنَصَارًا لِلَّهِ﴾ بالتنوين. أي: دوموا أنصارًا، واثبتوا أنصارًا (١).\nوقُرئ بالإضافة، قياسًا على قوله: ﴿نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ (٢).\nوالحواريون: أصحاب عيسى - ﵇ -، وكانوا اثني عشر رجلًا، أول مَن آمن به (٣)،\nوقد سبق (٤)، وفي بعض التفاسير: الغسّالُ بلغة النبطية حواري (٥).\nومعنى: ﴿إِلَى اللَّهِ﴾: عند بعضهم: مع الله، كما جاء: الذَّودُ (٦) إلى الذَّود إبلٌ (٧).\nوقيل: معناه مَن يضمُّ نصرَة إلى نصرة الله (٨) (٩).\n﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾: أي: أنصار الحقّ.\n﴿فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾: أي: بعيسى.\n﴿وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ﴾: قوَّيناهم\nونصرناهم.\n﴿فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ (١٤)﴾: غالبين (١٠).\nقيل: قاتل أصحابُ عيسى بعد عيسى - ﵇ -، فنصرهم الله، ولم يكنْ عيسى أُمر بالقتال والقتل.\nوقيل: ظاهرين بالحجة، لا بالحرب.\nوقيل: حارب مؤمنو أصحاب عيسى كافري أصحابه، ذبًَّا عن دينهم، فغَلب المؤمنون الكافرين (١١).\nوقيل: ﴿فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ بمحمدٍ - ﷺ - ﴿وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ﴾ (١٢).\nوعن ابن عباسٍ - ﵄ - في قوله: فَأَصْبَحُوا ﴿ظَاهِرِينَ﴾ \" أي: قاتلوا ليلًا فَأَصْبَحُوا ﴿ظَاهِرِينَ﴾ \" (١٣).\n_________\n(١) في (أ) \" بالتنوين أيضًا، واثبتوا أنصارًا \".\n(٢) قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ﴿كُوْنُوا أنَصَارًا لِلَّهِ﴾ منونةً، وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة ﴿أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ مضافًا [انظر: جامع البيان (٢٨/ ٩١)، السَّبعة (ص: ٦٣٥)، معاني القراءات (ص: ٤٨٩)].\n(٣) انظر: جامع البيان (٢٨/ ٩١)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٨٧).\n(٤) عند تفسير قول الله تعالى: \" ﴿* فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ \" [آل عمران: (٥٢)]. قال ابن جرير - ﵀: \" وأشبه الأقوال التي ذكرنا في معنى الحواريين قول من قال: سُمُّوا بذلك لبياض ثيابهم؛ ولأنهم كانوا غسالين وذلك أنَّ الحَور عند العرب شدّة البياض، ولذلك سُمِّي الحوارى من الطعام حوارى لشدة بياضه، ومنه قيل للرجل الشديد البياض مقلة العينين: أحور، وللمرأة حوراء، وقد يجوز أن يكون حواريو عيسى كانوا سموا بالذي ذكرنا من تبييضهم الثياب وأنهم كانوا قصارين فعرفوا بصحبة عيسى واختياره إياهم لنفسه أصحابًا وأنصارًا فجرى ذلك الاسم لهم واستعمل حتى صار كل خاصة للرجل من أصحابه وأنصاره حواريه ... \" [جامع البيان (٣/ ٢٨٧)].\n(٥) انظر: جامع البيان (٢٨/ ٩١)، تفسير السَّمرقندي (١/ ٢٤٢).\n(٦) الذَّود: القطيع من الإبل الثلاث إلى التسع، وقيل: ما بين الثلاث إلى العشر [لسان العرب (٣/ ١٦٨)، مادة \" ذَوَدَ \"].\n(٧) وهو مثلٌ يضرب في اجتماع القليل إلى القليل حتى يؤدي إلى الكثير. [مجمع الأمثال؛ للميداني (١/ ٣٤٢)، وانظر: جامع البيان (٣/ ٢٨٤)].\n(٨) في (ب) \" نصره إلى نصر الله \".\n(٩) انظر: تفسير السمعاني (٥/ ٤٢٩)، تفسير البغوي (٢/ ٤٢).\n(١٠) انظر: تفسير السَّمرقندي (٣/ ٤٢٣)، البحر المحيط (١٠/ ١٦٩).\n(١١) انظر: الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٨٧)، التَّسهيل (٤/ ١١٨).\n(١٢) وهذا المعنى كما قال مقاتل: \" ﴿فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ بعيسى - ﵇ - ﴿وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ﴾ ثم انقطع الكلام ﴿فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ يقول قوينا الذين آمنوا بمحمد - ﷺ - ﴿عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ بمحمد - ﷺ - على أهل الأديان \" [تفسير مقاتل (٣/ ٣٥٨)].\n(١٣) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢٠٩).","vol":"1","page":3254},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-168>سورة الجمعة </span>(١)\nإحدى عشرة آية (٢) (٣) مدنية، بالإجماع (٤) (٥).\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١)﴾: سبق (٦) (٧).\n﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ﴾ أرسل فيهم (٨).\nوفيه (٩) ثلاثة أقوال:\nأحدها: أنهم قريشٌ.\nوالثاني: أنهم العربُ جميعًا، وكانوا أُميين: لا يكتبون ولا يقرؤون، وإنما وقعت إليهم الكتابةُ بعدُ، من الطائف، والحِيرة (١٠)، والأنبار (١١).\n_________\n(١) تُسمَّى هذه السُّورة بسورة الجمعة، وبذلك سُمِّيت في المصاحف وكتب السُّنَّة والتفاسير، ولا يوجد لها اسم غيرها، وقيل: تُسَمَّى سورة الجمعة لوقوع لفظ الجمعة فيها في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾. [انظر: بصائر ذوي التمييز (١/ ٤٦٤)، التحرير والتنوير (٢٨/ ٢٠٤)].\n(٢) \" إحدى عشرة آية \" ساقطة من (ب).\n(٣) في عدِّ الجميع. [انظر: البيان؛ للداني (ص: ٢٤٦)، بصائر ذوي التمييز (١/ ٤٦٤)، المحرر الوجيز في عدِّ آي الكتاب العزيز (ص: ١٦٥)].\n(٤) \" بالإجماع \" ساقطة من (أ).\n(٥) انظر: تفسير السَّمعاني (٥/ ٤٣٠)، المحرر الوجيز (٥/ ٣٠٦)، زاد المسير (٨/ ٥٠).\n(٦) \" سبق \" ساقطة من (أ).\n(٧) أي الكلام على التسبيح في سورة الحشر.\n(٨) في (ب) ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ﴾ أرسل ﴿فِي الْأُمِّيِّينَ﴾ فيهم، ثلاثة أقوال \".\n(٩) \" وفيه \" ساقطة من (ب).\n(١٠) الحِيْرَة: مدينة شمال العراق على ثلاثة أميال من الكوفة. [انظر: معجم البلدان (٢/ ٣٢٨)، معجم الأمكنة (ص: ٢٠٣)].\n(١١) الأنْبَار: مدينة معروفة قرب بلخ وهي حد فارس، وإنما سميت بهذا الاسم تشبيها لها ببيت التاجر الذي ينضد فيه متاعه وهي الأنبار. [انظر: معجم ما استعجم (ص: ١٩٧)، معجم البلدان (١/ ٢٥٧)].","vol":"1","page":3255},{"text":"وقيل: يجوزُ تسميتُهم (١) أُمِّيِّين على الأغلب.\nوالأميُّ: منسوبٌ إلى الأُمّ، أي: هو على أصل الوِلادة، لم يتعلّم كتابةً.\nالحسن: \"سُمُّوا أُميين؛ لأنهم (٢) لم يأتِهم كتابٌ كما أتى اليهودَ [والنصارى، وغيرَهم \" (٣).\nالثالث: الأُميُّون أمةُ محمدٍ - ﷺ -، نُسبوا إلى الأُمَّة، كما تقول: أمة نوحٍ، وأمةُ هودٍ] (٤) (٥).\nوالمرادُ بهم هاهنا: هم الذين كانوا في زمانه - ﷺ - (٦).\n﴿رَسُولًا مِنْهُمْ﴾: يعني: محمدًا - ﷺ -؛ ليكونَ مثلَهم، فالجنسُ إلى الجنس أميلُ.\nوقيل: ليكونَ أبعدَ من الريب.\nوقيل: ليكونَ موافقًا لما في الكتب المتقدِّمة؛ لأنَّ وصفَه فيها (٧) النبيّ الأميّ (٨).\n﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ﴾: القرآن.\n﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾: يُطهّرهم من الذنوب.\nوقيل: يُعرّضهم لما يصيرون به أزكياء.\n﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ﴾: القرآن.\n_________\n(١) في (أ) \" تسمية \".\n(٢) في (أ) \" لأنَّه \".\n(٣) لم أقف عليه من قول الحسن، [انظر: جامع البيان (٢٨/ ٩٤)، النُّكت والعيون (٦/ ٥)].\n(٤) ما بين المعقوفتين ساقط من (ب).\n(٥) انظر: جامع البيان (٢٨/ ٩٣)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ١٣٣)، النُّكت والعيون (١/ ١٥٠)، (٦/ ٥)، المفردات (ص: ٨٥)، مادة \" أمَّ \"، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٨٩).\n(٦) انظر: جامع البيان (٢٨/ ٩٣)، النُّكت والعيون (١/ ١٥٠)، (٦/ ٥).\n(٧) في (أ) \" فيه \".\n(٨) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٥)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٨٩).","vol":"1","page":3256},{"text":"﴿وَالْحِكْمَةَ﴾: مواعظ القرآن. وقيل: السُّنة.\nوقيل: الفقه في الدِّين.\nوقيل: الكتابة؛ لأنهم تعلّموها وفشت فيهم بعدَ الشريعة (١).\n﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ﴾: وأنهم كانوا من قبل محمدٍ - ﷺ -.\n﴿لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾: كفرٍ وجهالةٍ.\n﴿وَآَخَرِينَمِنْهُمْ﴾: هم الذين جاءوا بعدَ الصحابة، أي: التابعين إلى يوم الدين.\n﴿لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ أي: لم يلحقوا بعدُ.\nوقيل: هم أولادُ الصحابة [ممّن] (٢) أدركوا النبيَّ - ﷺ -.\nوقيل: هم العجم (٣).\nومحل ﴿آخَرِينَ﴾: نصبٌ، عطفًا على: ﴿يُكَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ ويُعلّم ﴿آخَرِينَ﴾.\nوقيل: في محلّ جرٍّ عطفًا على ﴿الْأُمِّيِّينَ﴾. وهذا أظهر.\nو﴿مِنْ﴾ في ﴿مِنْهُمْ﴾ للتبعيض (٤).\n_________\n(١) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٦).\n(٢) في النسختين \" من \" ولعل الصواب \" ممن \".\n(٣) انظر: جامع البيان (٢٨/ ٩٥)، النُّكت والعيون (٦/ ٧).\nوالقول الأول أولى، قال ابن جرير: \" وأولى القولين في ذلك بالصواب عندي قول من قال: عني بذلك كل لاحق لحق بالذين كانوا صحبوا النبي - ﷺ - في إسلامهم من أي الأجناس؛ لأنَّ الله ﷿ عمَّ بقوله: وَآَخَرِينَ ﴿مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ كل لاحق بهم من آخرين، ولم يخصص منهم نوعًا دون نوع، فكل لاحقٍ بهم فهو من الآخرين الذي لم يكونوا في عداد الأولين الذين كان رسول الله - ﷺ - يتلو عليهم آيات الله، وقوله: لَمَّا ﴿يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ يقول: لم يجيئوا بعد وسيجيئون \". [انظر: جامع البيان (٢٨/ ٩٦)].\n(٤) انظر: الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٨٩) البحر المحيط (١٠/ ١٧١).","vol":"1","page":3257},{"text":"وقيل: هو الذي يصحب (أفعل) للتفضيل.\nوفيه بعدٌ؛ لا يُستعملُ (مِن)، مع (آخر)، ولا مع (أول) (١).\n﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾: لا يمتنعُ (٢) عليه شيءٌ.\n﴿الْحَكِيمُ (٣)﴾: يضعُ الشيءَ موضعَه.\n﴿ذَلِكَ﴾: قيل: النبوّة. وقيل: انقيادُ الناس لأمره. وقيل: الإسلام (٣).\n﴿فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤)﴾: يشمل (٤)\nفضله الدنيا والآخرة.\n﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ﴾: أي: عُلِّموها، وكُلِّفوا العملَ بما فيها.\n﴿ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا﴾: أي: لم يفعلوا ما أُمروا فيها من إظهار صفة محمدٍ - ﷺ -\nونعته، بل غيّروها وحرّفوا الكلِمَ عن مواضعها.\nوقيل: ﴿حُمِّلُوا﴾ من الحمالة، وهي: الكفالةُ، لا من الحَمل.\nوقيل: ﴿حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ﴾: قرؤوها، ﴿ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا﴾: أي: لم\nيعلموا معانيها (٥).\n﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾: كتبًا لا يدري ما فيها، وعليه نقلُها ولا\nنفعَ له فيها.\nالأسفار: جمعُ سِفْرٍ، وهو الكتابُ الكبير.\n_________\n(١) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢١١).\n(٢) في (أ) \" لا يمنع \".\n(٣) انظر: جامع البيان (٢٨/ ٩٧)، النُّكت والعيون (٦/ ٧).\n(٤) في (أ) \" يشتمل \".\n(٥) انظر: جامع البيان (٢٨/ ٩٧)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٩١).","vol":"1","page":3258},{"text":"وقيل: هو الكتابُ يُطوى.\nوقيل: لأنها تكشِفُ (١) عن المعنى بإظهارها له، كما تُسفرُ المرأةُ وجهَها (٢).\nوقيل: نبطيةٌ (٣)، وهو قول الضحّاك (٤).\nالمبرّد: \" جمعٌ لا واحدَ له \" (٥).\n﴿بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ﴾: أي: بئس هذا المثل\nالمذكورُ مثلُ القوم.\nقال أبو علي: \" ﴿بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ﴾ مثلُ ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ﴾،\nفحُذفُ المضافُ، و﴿الَّذِينَ﴾: في محلّ رفعٍ.\nقال: وإنْ شئتَ جررتَ، والمذموم محذوف (٦) كما حُذف الممدوحُ في قوله: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ [ص: ٣٠] \" (٧).\n﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥)﴾: لا يُرشدُهم.\n﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ﴾: يُريدُ قولَهم: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨].\nوقولهم (٨): ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا﴾ [البقرة: ١١١].\n﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦)﴾: ادعوا على أنفسِكم.\nوقيل: تمنّوها بقلوبكم، فإن من هذه حالُه، فالجنةُ آثرُ عنده.\n﴿وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾: في شأن محمدٍ - ﷺ -، وكتمانِ\nنعتِه، وتغيير صفته (٩).\n﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٧)﴾: سبق بيانُ هذه الآية في سورة البقرة (١٠).\n﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ (١١): أي:\nتكرهونه.\nوقيل: تهربون منه.\nوقيل: لا تلتفتون إليه.\nوالأول أظهر؛ لأن الفرارَ منه لا يُمكنُ ﴿فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾: يحلُّ بكم\nويأتيكم (١٢).\n﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ﴾: بالموت.\n﴿إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾: لا تخفى عليه خافيةٌ.\n﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨)﴾: يُخبرُكم ويُجازيكم عليه.\nوالفاء دخل خبرَ المبتدأ؛ لأن المبتدأَ (١٣) - وإنْ لم يكنْ موصولًا - فهو موصوفُ\nبموصولٍ، والصفة والموصوف شيءٌ واحدٌ (١٤).\n_________\n(١) في (ب) \" يكشف \".\n(٢) انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ١٥٥)، جامع البيان (٢٨/ ٩٧)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٩١).\n(٣) في (ب) \" يبطَّنه \".\n(٤) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢١٢).\n(٥) انظر: المرجع السابق.\n(٦) \" والمذموم محذوف \" ساقطة من (ب).\n(٧) لم أقف عليه.\n(٨) في (ب) \" وقيل \".\n(٩) في (أ) \" وصفه \".\n(١٠) هذا الجزء من الآية، هو تذييل الآية (٢٤٦)، من سورة البقرة.\n(١١) \" ﴿فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾، ساقطة من (أ).\n(١٢) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٨)، زاد المسير (٨/ ٥٢).\n(١٣) \" لأنَّ المبتدأ \"، ساقطة من (أ).\n(١٤) انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ١٥٥)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٤/ ٢٨٢).","vol":"1","page":3259},{"text":"الأخفش: الفاءُ زيادةٌ (١).\nوفي حرف ابن مسعود - ﵁ -: ﴿إن الموتَ الذي تفرُّون منه ملاقيكم﴾ (٢).\nوقيل: تمَّ الكلامُ عند قوله: ﴿تَفِرُّونَ مِنْهُ﴾، ثم قال: ﴿فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾، على تقدير: فرُّوا أو لا تَفرُّوا فإنه ملاقيكم (٣).\nوفيه بُعدٌ.\nوقال صاحبُ النظم: \" دخلت الفاءُ؛ لأنه جوابٌ لقوله: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ﴾ .. ﴿فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ \" (٤).\nوالقول هو الأول، وهو مذهب أبي عليّ (٥).\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾: المرادُ به الأذان لصلاة الجمعة (٦).\nوالجمعةُ سُمِّيت جمعةً (٧) لاجتماع الناس فيها (٨) للصلاة (٩).\nوكانت العربُ تُسمّيه العَروبة (١٠) (١١).\n_________\n(١) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢١٢).\n(٢) انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ١٥٦)، شواذ القراءات (ص: ٤٧٣)، المحرر الوجيز (٥/ ٣٠٨).\n(٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٩٣).\n(٤) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢١٢).\n(٥) انظر: الإغفال؛ لأبي علي الفارسي (٢/ ٥٤٤).\n(٦) أي إذا حضر الإمام للخطبة وجلس على المنبر. [انظر: جامع البيان (٢٨/ ٩٩)، تفسير البغوي (٨/ ١١٤)، أحكام القرآن؛ لابن العربي (٤/ ٢٤٧)].\n(٧) في (ب) \" وسُمِّيت الجمعة جمعة \".\n(٨) في (أ) \" فيه \".\n(٩) قال البغوي: \" واختلفوا في تسمية هذا اليوم جمعة، منهم من قال: لأن الله تعالى جمع فيه خلق آدم - ﵇ -. وقيل: لأن الله تعالى فرغ من خلق الأشياء فاجتمعت فيه المخلوقات. وقيل: لاجتماع الجماعات فيه. وقيل: لاجتماع الناس فيها للصلاة \". [تفسير البغوي (٨/ ١١٦)، وانظر: تفسير الثعلبي (٩/ ٣٠٨)].\n(١٠) في (ب) \" تَسْمِيَةُ عروبة \".\n(١١) انظر: تفسير الثعلبي (٩/ ٣٠٨)، النُّكت والعيون (٦/ ٩)، أحكام القرآن؛ لابن العربي (٤/ ٢٤٧).","vol":"1","page":3260},{"text":"وقيل: أولُ مَن سمَّاه يومَ الجُمُعة: كعبُ بنِ لؤيّ بنِ غالبٍ (١)؛ لاجتماع الناس فيه إلى كعبٍ (٢).\nوعن النبيّ - ﷺ -: «إنما سُمّيَ يومَ الجُمُعَة؛ لأنه جُمع فيه طِينةُ آدمَ - ﵇ -» (٣).\nويجوزُ تسكينُ الميم في الشاذّ (٤).\n﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾: امشوا على القَدم.\nوقيل: اقصدوا.\nوقيل: امضوا مسرعين غير متثاقلين.\nوقيل: فاسعَوا بالنية في القلوب والإرادة والخشوع.\nوقيل: أجيبوا (٥).\nوقيل: السَّعي: قصُّ الشارب، ونتف الإبط، وتقليمُ الأظفار، والغُسل، والتطييب للجمُعة، ولُبسُ أفضل الثياب (٦).\nوكان عمر وابن مسعودٍ - ﵄ - يقرآن: (فامضوا) (٧) (٨).\n_________\n(١) كعب بن لؤي بن غالب، من قريش، من عدنان، أبوهصيص: جد جاهلي، خطيب، من سلسلة النسب النبوي، كان عظيم القدر عند العرب، حتى أرخوا بموته إلى عام الفيل، وهو أول من سن الاجتماع يوم الجمعة، وكان اسمه \" يوم العروبة \" فكانت قريش تجتمع إليه فيه، فيخطبهم ويعظم. من نسله بنو سعد وبنو سهل وبنو ... العاص، توفي سنة ١٧٣ قبل الهجرة. [الأعلام للزركلي (٥/ ٢٢٨)].\n(٢) انظر: تفسير الثعلبي (٩/ ٣٠٨)، النُّكت والعيون (٦/ ٩).\n(٣) أخرجه الثعلبي في تفسيره (٩/ ٣٠٨) عن الضبي عن سليمان، وأورده السُّيوطي في الدُّرِّ المنثور (١٤/ ٤٥٩)، وعزاه لسعيد بن منصور وابن مردويه عن أبي هريرة.\nوالحديث له أصل فيما أخرجه مسلم في كتاب الجمعة، باب فضل يوم الجمعة، برقم (١٩٧٣) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ - «خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه أدخل الجنة وفيه أخرج منها ولا تقوم الساعة إلا يوم الجمعة».\n(٤) أي: ﴿الجمْعَة﴾، وبها قرأ أبو عبد الرحمن السُّلمي وعكرمة وابن أبي عبلة والأعمش. [انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ١٥٦)، شواذ القراءات (ص: ٤٧٣)، زاد المسير (٨/ ٥٣)].\n(٥) والمقصود الحث على العمل والمبادرة فيه. [انظر: جامع البيان (٢٨/ ٩٩)، النُّكت والعيون (٦/ ٨)، زاد المسير (٨/ ٥٣)].\n(٦) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢١٢)، أحكام القرآن؛ لابن العربي (٤/ ٢٤٩).\n(٧) انظر: جامع البيان (٢٨/ ١٠٠)، المُحْتَسب (٢/ ٣٧٥)، شواذ القراءات (ص: ٤٧٣).\n(٨) قال أبو الفتح ابن جني: \" في هذه القراءة تفسير للقراءة العامة: فَاسْعَوْا ﴿إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾، أي فاقصدوا، وتوجَّهوا. وليس فيه دليل على الإسراع، وإنما الغرض المضي إليها، كقراءة من ذكرنا \". [المُحْتَسب (٢/ ٣٧٥)].","vol":"1","page":3261},{"text":"وقال عبدُ الله: \" لو كان (فاسْعوا) لعدوتُ واشتددتُ حتى يسقطَ ردائي \" (١).\nوقرأ رجلٌ عند عمرَ - ﵁ -، فقال: \" مَن أقرأكَ هذا؟ فقال: أُبيّ، قال: كان أُبيُّ\nأقرأَنا للمنسوخ \" (٢).\nقوله: ﴿مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾: قيل ﴿مِنْ﴾ زيادةٌ، أي: نوديَ للصلاة في يوم\nالجمعة.\nوقيل: هو للتبعيض على أصله؛ لأن النداءَ يكونُ في وقتٍ من يوم (٣) الجمعة (٤).\nقوله: ﴿إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾: الجمهور على أنه الخُطبةُ (٥).\nوقيل: الصلاة (٦).\nالسُّدي: \"إلى الوقت \" (٧).\n﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾: أرادَ البيعَ والشراءَ، فاكتفى بأحدِهما؛ لأنه لا يتأتّى إلاّ به.\nوقيل: لأنَّ البائعَ والمشتري يقعُ عليهما البِيِّعان (٨).\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٨/ ١٠٠)، تفسير السَّمرقندي (٣/ ٤٢٦).\n(٢) انظر: جامع البيان (٢٨/ ١٠٠)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٩٨).\n(٣) \" يوم \" ساقطة من (أ).\n(٤) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢١٢)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٩٤).\n(٥) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٩)، زاد المسير (٨/ ٥٤).\n(٦) وهو قول سعيد بن المسيب، واختاره السمعاني وابن عطية. [انظر: تفسير السمعاني (٥/ ٤٣٥)، المحرر الوجيز (٥/ ٣٠٩)].\nواختار ابن العربي القولين: حيث قال: \" والصحيح أنه واجب الجميع أوّله الخطبة فإنها تكون عقب النداء، وهذا يدل على وجوب الخطبة ... وإذا قلنا إن المراد بالذكر الصلاة فالخطبة من الصلاة والعبد يكون ذاكرًا لله بفعله كما يكون مسبِّحا لله بفعله \". [أحكام القرآن؛ لابن العربي (٤/ ٢٤٩)].\n(٧) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٩).\n(٨) انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ١٥٦)، تفسير الثعلبي (٩/ ٣١١)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ١٠٤).","vol":"1","page":3262},{"text":"وعند الفقهاء: البيعُ يصحُّ وإنْ كان محرَّمًا (١).\nالضحّاك: \"إذا زالت الشمسُ حرُم البيعُ والشراءُ \" (٢).\nالحسن: \"كلُّ بيعٍ تفوت (٣) معه الصلاةُ فهو محرَّمٌ \" (٤).\nويحرُم البيعُ حالَ أذان الخُطبة، دون ما تقدّم (٥).\n﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾: أي: السَّعيُ إلى ذكر الله خيرٌ من البيع والشراء.\n﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩)﴾: فلا تُؤثرون الشِّرَّاء (٦) على الخير.\nوقيل: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: أي: مؤمنين. وكذلك جميع (٧) ما في القرآن.\n﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ﴾: أُدِّيت. أي: أدّيتم وفرغتم (٨).\n﴿فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾: هذا إطلاقُ للحظر\nالمتقدّم ذِكره (٩)، وكلُّ أمرٍ وقع بعدَ حظرٍ فهو للإباحة (١٠).\nو﴿فَضْلِ اللَّهِ﴾: الرِّزق بالبيع (١١) والشراء (١٢).\n_________\n(١) فقد اتفق الأئمة الأربعة وغيرهم على التحريم، واختلفوا على صحته بعد وقوعه إلا أنَّ الخلاف في كون البيع مكروهًا أو محرمًا؟ فقال أبو حنيفة وأبو يوسف وزفر ومحمد والشافعي: البيع يقع مع النهي، والبقية على خلافه أخذًا بظاهر الآية. [انظر: أحكام القرآن؛ للجصَّاص (٣/ ٥٩٩)، أحكام القرآن؛ لابن العربي (٤/ ٢٤٩)، النُّكت والعيون (٦/ ١٠)، المغني (٥/ ١٦٢)].\nانظر: النُّكت والعيون (٦/ ١٠)، تفسير السَّمرقندي (٣/ ٤٢٦).\n(٢) انظر: جامع البيان (٢٨/ ١٠١)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٤/ ٢٨٢).\n(٣) في (ب) \" يفوت \".\n(٤) انظر: تفسير السمرقندي (٣/ ٤٢٦)، التفسير الكبير (٣٠/ ٩).\n(٥) انظر: أحكام القرآن؛ للجصَّاص (٣/ ٥٩٩)، المغني (٥/ ١٦٢).\n(٦) في (ب) \" الشرَّ \".\n(٧) في (ب) \" لجميع \".\n(٨) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ١٠)، تفسير السمرقندي (٣/ ٤٢٦).\n(٩) \" ذِكره \" ساقطة من (ب)، والمقصود الحظر في البيع بعد نداء الجمعة الثاني.\n(١٠) انظر: أحكام القرآن؛ للجصَّاص (٣/ ٦٠٠)، المحرر الوجيز (٥/ ٣٠٩)، المُسَوَّدة؛ لآل تيمية (ص: ١٢).\n(١١) في (أ) \" في البيع \".\n(١٢) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ١٠)، تفسير السمرقندي (٣/ ٤٢٦). قال الجصَّاص: \" ويدلُّ على أنَّه إنما أراد ذلك أنه قد عقَّبه بذكر الله فقال: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ \" [أحكام القرآن؛ للجصَّاص (٣/ ٦٠١)].","vol":"1","page":3263},{"text":"وعن أنسٍ - ﵁ -، قال: قال رسولُ الله - ﷺ - ﴿وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ قال: «ليس بطلب دنيا، لكن من عيادة (١)، [مريض] (٢) وحضور جَنازةٍ، وزيارة أخٍ في الله» (٣).\nوفي بعض التفاسير: \" أرض المسجد \" (٤).\nالحسن وسعيدُ بنُ جبير: \" ﴿وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾: هو طلبُ العلم \" (٥).\nوقيل: \" ﴿وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ يوم السبت \" (٦).\nوحرّم بعضُهم المكاسبَ يومَ الجمعة، وأوّلوا قولَه: فَانْتَشِرُوا ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ على إباحة السَّفر والغزو بعدَ الصلاة لا غير (٧).\n﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾: اشكروه على ما وفّقكم لطاعته وأداء فرائضه.\nوقيل: واذكروه في تجاراتكم وأسواقكم.\nوقيل: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾: في الصَّلاة.\n﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠)﴾: لكي تسعدوا وتبقَوا في الجنة.\n﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾: في سبب النزول: في الصحيحين عن جابر بن عبد الله - ﵁ -، قال: كنّا مع رسول الله - ﷺ - في الجمعة فمرّت عِيرٌ تحمل (٨) الطعامَ، فخرج الناسُ إلاّ اثني عشر رجلًا، فنزلت: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ (٩).\nوذلك إن أهلَ المدينة أصابهم جوعٌ وغلاءُ سعرٍ، فقدِم دِحْيَةُ بنُ (١٠) خليفةَ الكَلبيُّ (١١) بتجارةٍ من الشام، وضُرب طَبْلٌ ليَعلمَ الناسُ بقدومه (١٢).\nورسول الله - ﷺ - يخطب يومَ الجمعة، فخرج إليه الناسُ، ولم يبقَ في المسجد إلاّ اثني (١٣) عشرَ رجلًا، فيهم أبو بكرٍ وعمرُ - ﵄ -، فنزلت هذه الآية، فقال - ﷺ -: «لو تتابعتم حتّى لا يبقى منكم أحدٌ (١٤) لسال بكم الوادي نارًا» (١٥).\n_________\n(١) في (ب) \" من عبادة \".\n(٢) في النسختين سقط لفظ \"مريض \".\n(٣) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (٢٨/ ١٠٣)، والثعلبي في تفسيره (٩/ ٣١٧)، وأورده الماوردي في النُّكت والعيون (٦/ ١٠).\n(٤) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢١٣)، ولعله يقصد ما أورده الماوردي في النُّكت والعيون (٦/ ١٠) \" عن عراك بن مالك: أنَّه كان إذا صلَّى الجمعة انصرف فوقف على باب المسجد فقال: \" اللهم إنِّي أجبت دعوتك وصلِّيت فرضيتك وانتشرت كما أمرتني فارزقني من فضلك، وأنت خير الرَّازقين \".\n(٥) انظر: تفسير الثعلبي (٩/ ٣١٧)، تفسير البغوي (٨/ ١٢٣).\n(٦) وهو قول جعفر بن محمد. [انظر: تفسير الثعلبي (٩/ ٣١٧)، النُّكت والعيون (٦/ ١٠)].\n(٧) والصَّحيح أنَّ التحريم مقيدٌ بوقت الصلاة كما تقدم. [انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢١٣) المغني (٣/ ١٦٢)].\n(٨) في (أ) \" يحمل \".\n(٩) أخرجه البخاري في كتاب التفسير سورة الجمعة، باب: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً﴾، برقم (٤٨٩٩)، ومسلم في كتاب الجمعة باب: في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ برقم (١٩٩٤).\n(١٠) في (أ) \" ابن خليفة \".\n(١١) دِحْيَة بن خليفة بن فروة بن فضالة الكلبي، صاحب رسول الله - ﷺ -، ورسوله بكتابه إلى قيصر، وكان يضرب بدحية المثل في حسن الصورة، وكان جبريل - ﵇ - ينزل على صورته أحيانًا، قيل: إن دحية أسلم قبل بدر ولم يشهدها، وكانت أول مشاهده الخندق، وقيل أحد. وشهد اليرموك .. وعاش ﵁ إلى خلافة معاوية. [انظر: الاستيعاب (٢/ ٤٤)، سير أعلام النبلاء (٢/ ٥٥٠)، والإصابة (٢/ ٣٢١)].\n(١٢) في (ب) زيادة ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ \" في قوله \" بقدومه ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾\nورسول الله - ﷺ - يخطب \" والسياق لا يحتمل ذلك.\n(١٣) في (ب) \" اثنا عشر \".\n(١٤) في (ب) \" أحدُ منكم \".\n(١٥) قال الحافظ ابن رجب: \" (فَائِدَة): \" ذَكَرَ الْحُمَيْدِيّ \"فِي الْجَمْعِ\" أنَّ أبا مسعود الدِّمَشقي ذكر في آخر هذا الحديث أنَّه - ﷺ - قال: \" لو تتابعتم حتى لم يبق منكم أحدٌ لسال بكم الوادي نارًا \" قَالَ: وهذا لم أجده في الكتابين، ولا في مستخرجي الإسماعيلي والبُرقاني، قال: وهي فائدة من أبي مسعود، وَلَعَلَّنَا نَجِدُهَا بِالإسناد فِيمَا بَعْدُ اِنْتَهَى \"، وَلَمْ أَرَ هَذِهِ الزِّيَادَةَ فِي الأطراف لأبي مسعود ولا هي في شيءٍ من طرق حديث جابر المذكورة، وإنَّما وقعت في مُرْسلي الحسن وقتادة المتقدِّم ذِكْرُهما، وكذا في حديثِ ابن عبَّاسٍ عند ابن مردويه، وفي حديث أنسٍ عند إسماعيل بن أبي زيادٍ، وسنده ساقط \". [الفتح (٣/ ٩٣)، وانظر: زاد المسير (٨/ ٥٦)، تفسير القرآن العظيم (٤/ ٣٩٢)].","vol":"1","page":3264},{"text":"وقيل: بقي اثنا عشرَ رجلًا وامرأةٌ.\nوقيل: بقي ثمانيةُ رجالٍ.\nوقيل: اللهو في الآية: المزامير، وقيل: الغِناءُ (١).\nقوله ﴿انْفَضُّوا﴾ أي (٢): تفرّقوا عن الخُطبة. وقيل: ذهبوا.\n﴿إِلَيْهَا﴾: إلى التجارة، وقيل: إليهما، فأجرى التثنيةَ مجرى الجمع.\nوقيل: إذا رأوا تجارة انفضوا إليها (٣)، أو لهوًا انفضّوا إليه، فاقتصر على ذكر\nأحدِهما (٤).\nوقيل: كان قصدُهم إلى التجارة دون اللهو مما كانوا فيه من الجَهد.\nوقيل: انفضَّ الشيوخُ للتجارة، والشُّبانُ إلى اللهو.\nوقيل: انفضُّوا مرةً لهذا (٥) ومرةً لهذا (٦).\nوهذا أولى؛ لقوله (٧): ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ ٨): أي: على المنبر، ﴿قَائِمًا﴾:\nتخطُب.\nوأول مَن استراح على المنبر عثمانُ - ﵁ - فإنه (٩) جلس ولم يتكلّمْ، ثم عاد قائمًا،\nوأول من خطب جالسًا معاويةُ - ﵁ - (١٠).\n﴿قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ﴾: من الثواب.\n﴿خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ﴾: وقيل: ما عند الله من الرزق خير (١١).\n﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١)﴾: أي: لم يكن يفوتكم الرزقَ لو أقمتم؛ لأن اللهَ\nخيرُ الرازقين. ... والحمد لله رب العالمين (١٢).\n_________\n(١) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ١٢)، زاد المسير (٨/ ٥٦).\n(٢) \" أي \" ساقطة من (ب).\n(٣) \" إليها \" ساقطة من (ب).\n(٤) انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ١٥٧)، النُّكت والعيون (٦/ ١٢).\n(٥) في (أ) \" لهذه \".\n(٦) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢١٣).\n(٧) في (أ) \" كقوله \".\n(٨) \" ﴿قَائِمًا﴾ \" ساقطة من (ب).\n(٩) \" فإنَّه\" ساقطة من (ب).\n(١٠) قال الحافظ فى \" الفتح \" (٣/ ٤٠١): \" روى سعيد بن منصور عن الحسن قال: أول من استراح في الخطبة يوم الجمعة عثمان، وكان إذا أعيي جلس ولم يتكلم حتى يقوم، وأول من خطب جالسًا معاوية \" ... ولا حُجَّة في ذلك لمن أجاز الخطبة قاعدًا؛ لأنَّه تبين أنَّ ذلك للضرورة \".\n(١١) \" خير \" ساقطة من (أ).\n(١٢) \" والحمد لله رب العالمين \" ساقطة من (أ).","vol":"1","page":3265},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-169>سورة المنافقون </span>(١) (٢)\nإحدى عشرة آية (٣) (٤) مدنية (٥).\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾: في سبب النزول: عن زيدِ بنِ أرقمَ - ﵁ - قال: غزونا مع رسول الله - ﷺ - ومعنا ناسٌ من الأعراب، وكنا نبتدر الماءَ، وكان الأعرابُ يسبقوننا، ويسبق الأعرابيُّ (٦) أصحابَه فيملأ الحوضَ، ويجعلُ حولَه حجارةً ويجعلُ النِّطعَ (٧) عليه حتى يجيءَ أصحابُه، فأتى رجلٌ من الأنصار، فأرخى زمامَ ناقته لتشربَ، فأبى أنْ يدعَه الأعرابيُّ، فانتزع حجرًا ففاض الماءُ، فرفع الأعرابيُّ خشبةً فضربَ بها رأسَ الأنصاريّ فشجَّه، فأتى الأنصاريُّ عبدَ الله بنَ أُبيّ رأسَ المنافقين، فأخبره - وكان من أصحابه -فغضب عبدُ الله بنُ أُبيّ، ثم قال: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله، يعني: الأعراب (٨).\n_________\n(١) في (ب) \" المنافقين \".\n(٢) سُمِّيت هذه السورة في المصاحف \" سورة المنافقون \"، وهكذا سُمِّيت في كُتب السنَّة، وكتب التفسير، وسُميت في بعضها \" سورة المنافقين \" اعتبارًا بذكر أحوالهم، وكما جاء في حديث زيد بن أرقم \" فلمَّا أصبحنا قرأ رسولُ الله - ﷺ - سورةَ المنافقين \" [انظر: بصائر ذوي التمييز (١/ ٤٦٥)، التحرير والتنوير (٢٨/ ٢٣١)].\n(٣) \" إحدى عشرة آية \" ساقطة من (ب).\n(٤) في عدِّ الجميع [البيان؛ للداني (ص: ٢٤٧)، بصائر ذوي التمييز (١/ ٤٦٥)، المحرر الوجيز في عد آي الكتاب العزيز (ص: ١٦٥)].\n(٥) بالإجماع كما حكاه ابن عطية وابن الجوزي والفيروز أبادي [انظر: المحرر الوجيز (٥/ ٣١١)، زاد المسير (٨/ ٥٦)، بصائر ذوي التمييز (١/ ٤٦٥)].\n(٦) في (ب) \" فيسبق الأعراب \".\n(٧) النِّطْعُ والنَّطْعُ: ما يتخذ من الأدم، يجمع على أنطاع، والنطع مثل فَخَذٍ وفَخْذٍ: ما ظهر من الغار الاعلى، وهي الجلدة الملتصقة بعظم الخُليقاء، وفيها آثار كالتحزيز. [انظر: كتاب العين (٢/ ١٦)، مادة \" نَطَعَ \"].\n(٨) أخرجه الترمذي في كتاب التفسير، باب ومن سورة المنافقين، برقم (٣٣١٣)، والواحدي في أسباب النزول (ص: ٣٥٣).","vol":"1","page":3266},{"text":"وفي رواية أخرى قال: \"والله ما مثلُنا ومثلُهم إلاّ كما قيل: سمّن كلبَك يأكلك، ثم قال لأصحابه: إذا رجعتم إلى المدينة فليُخْرِج الأعزُّ منها الأذلَّ \" (١).\nقال زيد بن أرقم: وأنا رديفُ (٢) عمّي، فسمعت عبدَ الله يقول ذلك، فأخبرت عمّي، فانطلق فأخبر رسولَ الله - ﷺ -، فأرسل إليه رسولُ الله فحلف وجحد، فصدّقه رسول الله - ﷺ - وكذّبني، فجاء إليَّ عمّي فقال: ما أردت إلاّ أنْ مقتك رسولُ الله - ﷺ - وكذّبَكَ وكذّبك المسلمون، فوقع عليَّ من الغمِّ ما لم يقعْ على أحدٍ قطُّ، فبينا أنا أَسير مع رسول الله - ﷺ - إذْ أتأني فعرك أُذني وضحك في وجهي، فما كان يسرّني أن لي بها الدنيا، فلمَّا أصبحنا قرأ رسولُ الله - ﷺ - سورةَ المنافقين: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ حتى إذا بلغ ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾، حتى بلغ: ﴿لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ (٣).\nوذُكِر أنَّ الماءَ الذي نزلوا عليه يُقال له: المُرَيْسِيع.\n﴿قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾: أي: إذا (٤) حضروك شهدوا (٥) شهادةً مؤكدّةً بأنَّك رسول الله - ﷺ -.\n_________\n(١) أخرج هذه الرواية ابن أبي حاتم في تفسيره (٦/ ١٨٤٣)، برقم (١٠٤٠٣) عن قتادة في تفسير قول الله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا﴾ [التوبة: (٧٤)].\n(٢) في (أ) \" ردف عمِّي \".\n(٣) تتمة ما أخرجه الترمذي في كتاب التفسير، باب ومن سورة المنافقين، برقم (٣٣١٣)، والواحدي في أسباب النزول (ص: ٣٥٣)، وهذه التتمة أصلها في البخاري في كتاب التفسير، سورة المنافقين، باب قوله: ... ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١)﴾ برقم (٤٩٠٠).\n(٤) \" إذا \" ساقطة من (أ).\n(٥) \" شهدوا \" ساقطة من (ب).","vol":"1","page":3267},{"text":"وقيل: معنى ﴿نَشْهَدُ﴾: نحلف؛ ولهذا وقع بعده ﴿إِنَّ﴾، واللام.\nوقيل: معنى ﴿نَشْهَدُ﴾: نعلم (١).\n﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾: لأنه أرسلك إلى الخلق.\nوهذا اعتراض، وهو من كلام الله سبحانه، فيه تعظيمٌ لنبيّه - ﵇ -.\n﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ﴾: قيل: يحلف. وقيل: يعلم.\n﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١)﴾: في قولهم: ﴿نَشْهَدُ﴾؛ لأنَّهم لا يشهدون إذا خلوا، بل يقولون: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤].\nوهذا كما يقول (٢) الرجلُ: أنا أقرأ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]، أو أكتب: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]، أو: سمعت زيدًا يذهب.\nفتقول له: كذبتَ، أي: لا تقرأ أو لا تكتب ولا تسمع (٣)، ولا يكون ذلك مصروفًا إلى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾، ولا إلى ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، ولا إلى قوله: زيدٌ يذهب.\nوليس هذا كما زعم بعضُهم أن الكذبَ مصروفٌ (٤) إلى قوله سبحانه: ﴿إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾، وأنهم قالوا غير ما في ضميرهم؛ لأن التصديقَ والتكذيبَ والصدقَ والكذبَ يحملان على الخبر لا غير.\nوالخبر ها هنا ﴿نَشْهَدُ﴾، وقد كذبوا فإنهم لا يشهدون إذا خلوا إلى شياطينهم.\n_________\n(١) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ١٣)، تفسير أبي السُّعود (٦/ ٢٥٠).\n(٢) في (ب) \" تقول \".\n(٣) في (أ) \" ولم تسمع \".\n(٤) في (أ) \" مصروفًا \" بالنصب، وهو خطأٌ؛ لأنه جواب (أنّ)، وجواب أنّ يكون مرفوعًا، واسمها يكون منصوبًا، عكس معمولي الفعل الناسخ (كان) وأخواتها.","vol":"1","page":3268},{"text":"وقيل: ﴿لَكَاذِبُونَ﴾: بمعنى مكذِّبون (١) (٢). والله أعلم.\n﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ﴾: أي: حلفهم الكاذب.\n﴿جُنَّةً﴾: وقايةً تقيهم (٣) الأذى، وسترةً يتستّرون بها من القتل (٤).\n﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: أعرضوا عن طاعة الله.\nوقيل: صدّوا غيرَهم عن الإيمان بإلقاء الشبه.\nوقيل: فصدوا اليهود، وكانوا يقولون لهم: نحن في الباطل معكم.\nوقيل: ﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: عن الأحكام التي تجب فيهم من القتل والسَّبي لولا ما أظهروه.\nوقيل: تخلّفوا عن الجهاد، فاقتدى بهم غيرهم (٥).\n﴿إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢)﴾: أي: بئس العملُ عملُهم حين أظهروا خلافَ ما أضمروا، وحلفوا عليه كاذبين.\nوأفاد ﴿كَانُوا﴾ أنهم بهذه الصفة مذ كانوا.\n﴿ذَلِكَ﴾: أي: ذلك الكذب.\n﴿بِأَنَّهُمْ آَمَنُوا﴾: في الظاهر وبالقول (٦).\n﴿ثُمَّ كَفَرُوا﴾: في السِّرِّ وبالقلب.\n﴿فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾: خُتم عليها حتى لا يدخلَها الإيمانُ جزاءً على نفاقهم.\nوقيل: وُسمت بسمة الكفر.\n﴿فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (٣)﴾: لا يتدبَّرون.\nوقيل: لا يعرفون صحةَ الإيمان كما يعرفه المؤمنون.\n﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ﴾: كان عبدُ الله بنُ أُبيّ حسنَ الجسم، حلوَ الكلام يُصغي النبيُّ - ﷺ - إلى كلامه، وهو قوله: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ﴾.\n﴿وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾: أي: لقولهم: لا إله إلاّ الله (٧).\n﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾: أي: هم في قلة تفهُّمهم وعدم عقلهم وتدبّرهم (٨) خُشبٌ منصوبةٌ.\nوقيل: ممالةٌ إلى الجدار (٩)، فهم أشباحٌ بلا ألبابٍ.\nوقيل: كأنَّهم خُشبٌ نَخِرةٌ متآكلّةٌ يُعجب الرائي ظواهرُها، وإذا وقف على بواطنها علم أنْ لا خيرَ فيها (١٠).\nالمبرد: ﴿مُسَنَّدَةٌ﴾: \"طوال، تقول: رجل مسنَّد، أي: طويل \" (١١).\nوالخُشُبُ: بضمتين جمع خَشَبةٍ، كثَمَرَةٍ وثَمَرٍ، وبضمَّة واحدة كبَدَنَةٍ وبُدْنٍ.\nوقيل: هو تخفيف كرُسْلٍ (١٢).\n_________\n(١) في (ب) \" بمعنى كذبوا \".\n(٢) انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ١٥٨)، إعراب القرآن؛ للنَّحاس (٤/ ٢٨٤)، البحر المحيط (١٠/ ١٧٩).\n(٣) في (أ) \" يقيهم \".\n(٤) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ١٤)، تفسير السَّمعاني (٥/ ٤٤٠).\n(٥) وكلُّ ذلك حصل منهم. [انظر: النُّكت والعيون (٦/ ١٥)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ١٢٠)].\n(٦) في (ب) \" في الظاهر والقول \".\n(٧) ولقولهم الحسن أيضًا [انظر: جامع البيان (٢٨/ ١٠٧)، النُّكت والعيون (٦/ ١٥)].\n(٨) في (أ) \" وتدبيرهم \".\n(٩) \" إلى الجدار \" ساقطة من (أ).\n(١٠) انظر: إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٤/ ٢٨٥)، النُّكت والعيون (٦/ ١٥).\n(١١) لم أقف عليه.\n(١٢) وهما قراءتان، فقد قرأ ابن كثير في رواية قنبل وأبو عمرو والكسائي ﴿خُشْبٌ﴾ بإسكان الشِّين، وقرأ الباقون من السَّبعة ﴿خُشُبٌ﴾ بتحريك الشين. [انظر: السَّبعة (ص: ٦٣٦)، معاني القراءات (ص: ٤٩١)، الحُجَّة (٦/ ٢٩١)].","vol":"1","page":3269},{"text":"﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾: ﴿كُلَّ صَيْحَةٍ﴾: المفعول الأول،\nو﴿عَلَيْهِمْ﴾: المفعول الثاني، وتمَّ الكلام (١).\nوالمعنى: هم جبناء متّهمون، وكلما صاح صائحٌ أو تكلّم متكلمٌ ظنوا أنه قد عَرف\nدخيلتهم (٢) فيُفضحون.\nثم قال: هُمُ ﴿الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ﴾: ولا تأمن مَعَرَّتَهم وممايلتَهم لأعدائك ولا\nتثق بهم.\nوقيل: هم: لجبنهم إذا سمعوا صوتًا ظنوا أنه القتلُ حلّ بهم وأن العدوَّ قد أتاهم.\n[وقيل: كلما سمعوا صوتًا ظنوا أن النبيَّ أمر بقتلهم] (٣) (٤).\n﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾: أي: لعنهم وطردهم.\nابن عيسى: \"أحلهم محلّ من يقاتله عدوٌّ قاهرٌ له \" (٥).\n﴿أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٤)﴾: يُصرفون عن الحقّ ويَعدلون عن الصواب، وقيل: يكذبون.\n﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾: لعبدِ الله بنِ أُبيّ ومَن مال إليه (٦).\n﴿تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ﴾: وذلك أن بني أبيه (٧) قالوا\n_________\n(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ١٢١)، تفسير البيضاوي (٢/ ٤٩٥).\n(٢) في (ب) \" دخلتهم \" بدون ياء.\n(٣) ما بين المعقوفتين ساقط من (أ).\n(٤) انظر: جامع البيان (٢٨/ ١٠٧)، النُّكت والعيون (٦/ ١٥)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ١٢٢).\n(٥) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ١٦)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ١٢٢).\n(٦) انظر: جامع البيان (٢٨/ ١٠٨)، النُّكت والعيون (٦/ ١٦).\n(٧) في (أ) \" بني أميَّة \".","vol":"1","page":3270},{"text":"لعبد الله: نزلت فيك، آيٌ شديدةٌ (١)، فأت محمدًا واعتذر إليه يستغفر لك، فجعل يلوي رأسَه، أي: لست أفعل ذلك (٢).\nومعنى لوَّى رأسه: أعرض عن الشيء أَنَفةً عنه. وقيل: حرَّك رأسه (٣).\nوالتَّشديد للتكرير، والتخفيف للعموم (٤).\n﴿وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٥)﴾: أي: يعرضون متكبّرين عن الاعتذار وعن مسألة النبيّ الاستغفار.\n﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾:\nأي: لن يغفر الله (٥) لهم ماداموا مُصِرِّين على النِّفاق.\nوقيل: كان النبيُّ - ﷺ - يستغفرُ لهم فنزلت هذه الآية.\nوقيل: هذا بعد موت عبد الله (٦).\n﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٦)﴾.\n﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾: يتفرقوا.\n﴿وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: أي: أنه يرزق المهاجرين لا هؤلاء وهو يرزق المؤمنين والكافرين جميعًا.\nابن عيسى: \"خزائن الله: مقدوراته التي يُخرج منها ما يشاء \" (٧).\n﴿وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ (٧)﴾.\n﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ﴾: عنى به نفسَه.\n﴿مِنْهَا﴾: من المدينة ﴿الْأَذَلَّ﴾: يعني به محمدًا - ﷺ -.\n﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ﴾: بإعزاز كلمته وإظهار دينه.\n﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾: بنصر الله إيّاهم على من ناوأهم.\n﴿وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨)﴾: أنهم لا يقدرون على إخراج الرسول.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾: أي: لا يشغلكم عن الصلوات الخمس.\nوالتقدير: لا تلهوا بها عن ذكر الله، فنسب الفعل إليها، والدليل عليه قوله: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾: أي: اشغل بشيءٍ من ذلك عن (٨) ذكر الله (٩).\n﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٩)﴾: والمعنى (١٠): لا تؤثروا حبَّها على ما فيه فلاحُكم، فإن من بخس نفسَه حقَّها، فقد خسر خُسرانًا مبينًا.\n﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ أي: اجعلوا المالَ فِداءَ أنفسكم وأدّوا الزكاةَ.\n﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾: أي: أسبابُه ويصيرَ إلى حال اليأس.\n﴿فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا﴾: هلاّ ﴿أَخَّرْتَنِي﴾: أمهلتني.\n﴿إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾: أي: أبقني زمانًا غيرَ طويلٍ.\n﴿فَأَصَّدَّقَ﴾: أَتصدّق وأُزكي وأُنفق مالي في طاعتكَ كما أمرتَ.\n﴿وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠)﴾: ابن عبّاس: \" أحجُّ \" (١١).\nالضحاك: \"لا ينزلُ بأحدٍ الموتُ لم يحجج ولم يودّ الزكاةَ إلاّ سألَ الرجعةَ، وقرأ هذه الآية \" (١٢).\nقرئ بالجزم عطفٌ على محلّ ﴿فَأَصَّدَّقَ﴾، وبالنصب عطفًا على اللفظ (١٣).\n_________\n(١) في (أ) \" آي شديدٌ \".\n(٢) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ١٦)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ١٢٣).\n(٣) انظر: المفردات (ص: ٧٥٢)، مادة \" لَوَى \"، لسان العرب (١٥/ ٢٦٣)، مادة \" لَوِيَ \".\n(٤) يشير إلى القراءتين الصحيحتين في الآية، فالتشديد للواو في ﴿لَوَّوْا﴾ قراءة الجمهور، وقرأ نافعٌ وحده ﴿لَوَوا﴾ مخفَّفة. [انظر: جامع البيان (٢٨/ ١٠٨)، السَّبعة (ص: ٦٣٦)، الحُجَّة (٦/ ٢٩٢)].\n(٥) لفظة \" الله \" ساقطة من (ب).\n(٦) انظر: المحرر الوجيز (٥/ ٣١٤)، البحر المحيط (١٠/ ١٨٢).\n(٧) انظر: لم أقف عليه.\n(٨) \" ذلك عن \" ساقطة من (أ).\n(٩) وهو قول الضحاك وعطاء [انظر: جامع البيان (٢٨/ ١١٧)، النُّكت والعيون]\nقلت: والأولى حمله على العموم، قال ابن جزي: \" وذكر الله هنا على العموم في الصلاة والدعاء والعبادة، وقيل: يعني الصلاة المكتوبة والعموم أولى\" [التسهيل (٤/ ١٢٣)]، وقال أبو حيَّان: \"هو عامٌّ في الصلاة والثناء على الله تعالى بالتَّسبيح والتحميد وغير ذلك والدعاء \" [البحر المحيط (١٠/ ١٨٤)].\n(١٠) في (ب) \" المعنى \".\n(١١) انظر: تفسير الثعلبي (٩/ ٣٢٣)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ١٢٦). قال ابن العربي: \" أخذ ابن عباس بعموم الآية في الإنفاق الواجب خاصة دون النفل، وهو الصحيح لأن الوعيد إنما يتعلق بالواجب دون النفل، وأما تفسيره بالزكاة فصحيح كله عمومًا وتقديرًا بالمائتين، وأما القول في الحج ففيه إشكال لأنَّا إن قلنا إن الحج على التراخي ففي المعصية في الموت قبل أدائه خلاف بين العلماء بيّناه في أصول الفقه فلا تخرَّج الآية عليه.\nوإن قلنا إن الحجَّ على الفور فالآية على العموم صحيح؛ لأنَّ من وجب عليه الحج فلم يؤدّه لقي من الله ما يودّ أنه رجع ليأتي بما ترك من العبادات \" [أحكام القرآن؛ لابن العربي (٤/ ٢٥٩)].\n(١٢) انظر: جامع البيان (٢٨/ ١١٨)، تفسير البغوي (٨/ ١٣٤).\nوتمام هذا القول وأصله ما أخرجه الترمذي في كتاب التفسير، باب ومن سورة المنافقين، برقم (٣٣١٦) عن الضحاك عن بن عباس - ﵄ - قال: \"من كان له مال يبلغه حج بيت ربه أو تجب عليه فيه الزكاة؛ فلم يفعل، سأل الرجعة عند الموت. فقال رجل: يا بن عباس اتق الله، إنما سأل الرجعة الكفار.\nقال: سأتلو عليك بذلك قرآنًا ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٩) وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١١)﴾ قال فما يوجب الزكاة؟ قال: إذا بلغ المال مائتي درهم فصاعدًا، قال: فما يوجب الحج؟ قال الزاد والبعير \".\n(١٣) قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي ﴿وَأَكُنْ﴾ جزمًا بحذف الواو، وقرأ أبو عمرو ﴿وَنَكُونَ﴾ بواو. [انظر: جامع البيان (٢٨/ ١١٨)، السَّبعة (ص: ٦٣٧)، معاني القراءات (ص: ٤٩١)].","vol":"1","page":3271},{"text":"وزيادة الواو ليس بخلاف الإمام (١)، فإن حروفَ المدّ واللين قد زيدت في مواضع لا\nحاجةَ إليها، وحُذفت في مواقعَ تخفيفًا لو أُثبتت لجاز (٢) (٣).\n﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا﴾: عن الموت.\n﴿إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾: إذا انقضى أجلُها المكتوبُ في اللوح المحفوظ.\n﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١١)﴾: قيل: معناه لو بقّاه لم يتب من جُرمه.\nقُرئ بالتاء، حملًا على الآية الأولى.\nوقُرئ بالياء، حملًا على الثانية (٤). والله أعلم (٥).\n_________\n(١) يعني: مصحف عثمان - ﵁ -، ويسمَّى المصحف الإمام.\n(٢) في (أ) \" لو أثبتَ جازَ \".\n(٣) انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ١٦٠)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٤/ ٢٨٨).\n(٤) قرأ عاصم في رواية أبى بكر ﴿بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ بالياء، وقرأ حفص والباقون ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ بالتاء. [السَّبعة (ص: ٦٣٧)، معاني القراءات (ص: ٤٩٢)، الحُجَّة (٦/ ٢٩٤)].\n(٥) \" والله أعلم \" ساقطة من (أ).","vol":"1","page":3272},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-170>سورة التَّغابن </span>(١)\nاثنتا عشرة آية (٢) (٣) مدنية (٤).\nالضَّحاك: \" مكيةٌ \" (٥).\nالكلبي: مكية إلاّ قوله: يَا أَيُّهَا ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا إِن مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ ..﴾ (٦) إلى آخر السورة (٧).\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾: أي: التسبيح في الأزمنة الثلاثة من أهل السماء وأهل الأرض لله (٨)، وهو الملك المحمود القدير على ما يريد (٩).\n﴿هَوَى الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾:\nفيه قولان:\nأحدهما: خلقكم في بطون أمهاتكم كفارًا ومؤمنين.\nوجاء في التفاسير: \" أن يحيى بن زكريا - ﵇ - خُلق في بطن أمِّه مؤمنًا، وأن فرعون\nخلق (١٠) في بطن أمِّه كافرًا \" (١١).\nوالثاني: (١٢): ﴿خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ﴾ بأن الله خلقه ﴿وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾\nبأن الله خلقه.\nوالفاء يدلُّ على المعنى الثاني (١٣).\nوروي عن النبي - ﷺ - أنه قال: «إن بني آدم خُلقوا على طبقاتٍ شتى: فمنهم مَن ولد مؤمنًا ويموت مؤمنًا، ومنهم مَن ولد كافرًا ويموت كافرًا (١٤)، ومنهم من ولد مؤمنًا\nويموت كافرًا ومنهم مَن ولد كافرًا ويموت مؤمنًا» (١٥)، [رواه أبو الليث في تفسيره (١٦).\nالحسن: \" أراد: فمنكم كافر، ومنكم مؤمن] (١٧)، ومنكم فاسق، ومنكم منافق،\nفاقتصر على ذكر الكافر، والمؤمن \" (١٨).\n_________\n(١) ولا تعرف بغير هذا الاسم، فالسُّورة سميت بذلك لذكر لفظ \" التغابن \" في قوله: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾، ولم يقع في غيرها، وبه سُميت في المصاحف وكتب السُّنة والتفاسير. ... [انظر: بصائر ذوي التمييز (١/ ٤٦٧)، التَّحرير والتنوير (٢٨/ ٢٥٨)].\n(٢) \" اثنتا عشرة آية \" ساقطة من (ب).\n(٣) عند جميع أهل العدد ليس فيها اختلاف. [انظر: البيان؛ للداني (ص: ٢٤٨)، بصائر ذوي التمييز (١/ ٤٦٧)، المحرر الوجيز في عدِّ آي الكتاب العزيز (ص: ١٦٥)].\n(٤) قال الماوردي \" مدنية في قول الأكثرين \" [النُّكت والعيون (٦/ ٢٠)]، وقال ابن الجوزي: \"مدنية، قاله الجمهور \"].\n(٥) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٢٠)، زاد المسير (٨/ ٦٣)، الجامع لأحكام القرآن (٢٨/ ١٢٨).\n(٦) \" ﴿عَدُوًّا لَكُمْ﴾ \" ساقطة من (ب).\n(٧) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٢٠)، زاد المسير (٨/ ٦٣).\n(٨) قال الكرماني: \" وإنَّما كرَّر ﴿مَا﴾ في أول السُّورة؛ لاختلاف تسبيح أهل الأرض وأهل السَّماء في الكثرة والقلَّة والقرب والبعد من المعصية والطاعة \". [البرهان في متشابه القرآن؛ للكرماني (ص: ٣١٣)].\n(٩) تخصيص القدرة بالإرادة لا يصح، كتخصيصها بالمشيئة، والصواب أن القدرةَ أعم وأشمل. وقد تقدم التنبيه على ذلك.\n(١٠) \" خلق \" ساقطة من (ب).\n(١١) انظر: تفسير الثعلبي (٩/ ٣٢٦)، زاد المسير (٨/ ٦٤).\nوالحديث أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٩/ ٧٩) برقم (١٠٣٩٢) عن عبد الله بن مسعود - ﵁ -.\nقال الهيثمي: \"رواه الطبراني، وإسناده جيدٌ \" [المَجْمَع (٧/ ١٩٣)]، وحسَّنه الألباني في صحيح الجامع (ص: ٦١٦).\n(١٢) في (أ) \" الثاني\" بدون واو.\n(١٣) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٢٠)، غرائب التفسير (٢/ ١٢١٧)، زاد المسير (٨/ ٦٣).\n(١٤) في (ب) \" كافر\".\n(١٥) في (ب) تقديم وتأخير \" ومنهم مَن ولد كافرًا ويموت مؤمنًا، ومنهم من ولد مؤمنًا ويموت كافرًا \"\n(١٦) انظر: تفسير السمرقندي (٣/ ٤٣٢)، وهو جزء من حديث أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٣/ ١٩) عن أبي سعيد الخدري - ﵁ -، والترمذي في سننه في كتاب الفتن عن رسول الله، باب ما أخبر النبي - ﷺ - أصحابه. برقم (٢١١٧) وقال: \" وهذا حديث حسن \"، وأخرجه الحاكم في المستدرك في كتاب الفتن والملاحم (٤/ ٥٠٥)، وقال: \" هذا حديث تفرد بهذه السياقة علي بن زيد بن جدعان القرشي، عن أبي نضرة. والشيخان - ﵄لم يحتجا بعلي بن زيد \"، وقال الشيخ شعيب الأرنؤوط: - في تعليقه على المسند \" إسناده ضَعِيفٌ \"\n(١٧) ما بين المعقوفتين ساقط من (أ).\n(١٨) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٢١)، غرائب التفسير (٢/ ١٢١٧).","vol":"1","page":3273},{"text":"﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢)﴾: عالم بأعمالكم فيُجازيكم عليها.\n﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾: قيل: للحقّ دون الباطل.\nوقيل: بالعدل.\nوقيل: على ما تقتضيه (١) الحكمة. وقيل: بقوله: كن.\n﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾: أي: جعل صورةَ الإنسان أحسنَ صور (٢)\nالحيوان، ولم يشارك بني آدم في صورته وشكله غيرُهم من الموجودات (٣).\nوهذا معنى قول النبي - ﷺ - (٤): «إن اللهَ خلق آدمَ على صورته فأحسنَ صورته» (٥)،\nأي: صورته التي صوّره عليها.\nوقيل: الهاء يعود إلى الله - تعالى -، وأضافه إلى نفسه سبحانه إجلالًا لآدم - ﵇ -، كبيت الله وناقة الله (٦).\n_________\n(١) في (ب) \" ما يقتضيه \".\n(٢) في (أ) \" صورة \".\n(٣) انظر: جامع البيان (٢٨/ ١٢٠)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ١٤٠).\n(٤) في (أ) \" قوله - ﷺ - \".\n(٥) أخرجه البخاري (بنحوه) في كتاب الاستئذان، باب بدء السلام، برقم (٦٢٢٧)، ولفظه عن أبي هريرة - ﵁ - عن النَّبي - ﷺ - قال: \" خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعًا، فلمَّا خلقه قال: اذهب فسلِّم على أولئك النَّفر من الملائكة جلوس فاستمع ما يحيونك فإنَّها تحتك وتحية ذرِّيتك، فقال السلام عليكم ... \" الحديث، وأخرجه مسلم (بلفظه) في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: يدخل الجنة أقوام، أفئدتهم مثل أفئدة الطير، برقم (٧٠٩٢)، وأخرجه في كتاب البر والصلة، باب: النهي عن ضرب الوجه، برقم (٦٥٩٨)، ولفظه: \" إذا قاتل أحدكم أخاه، فليتجنب الوجه؛ فإن الله خلق آدم على صورته \" ولم أقف على ما زاده المؤلف في الحديث: ... \" فأحسن صورته \".\n(٦) قال ابن الجوزي في معنى الحديث: \" للناس فيه ثلاثة مذاهب أحدها: مذهب جمهور السلف وهو السكوت عن تفسير هذا وأمثاله، والثاني: أن الهاء راجعة إلى آدم فيكون المعنى أنه خلقه على تلك الحال ولم ينقله من نطفة إلى علقة وهذا مذهب أبي سليمان الخطابي، والثالث: أنها ترجع إلى الله سبحانه فهي مضافة إضافة ملك لا إضافة ذات كما أضاف الروح التي نفخت في آدم إليه فقال: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [الحجر: (٢٩)] وهذا مذهب ابن عقيل \" [كشف المشكل من حديث الصحيحين؛ لابن الجوزي (١/ ٩٩٢)].","vol":"1","page":3274},{"text":"وقيل: في قوله (١): ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾: يريد حسنه في العقل والحكمة ولم يرد استحلاء الناظر، فقد قيل: كلّ ما كان على ملائمةٍ لا تفاوتَ فيه فهو حسنٌ.\nوقيل: الحُسْن ها هنا قَبول الطبع، فإن ابنَ آدم لو خُير بين الصور ما اختار إلاّ صورتَه (٢).\n﴿وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣)﴾: فأحسنوا سرائرَكم، فقد أحسن الله علانيتَكم.\n﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٤)﴾: فارتدِعوا عن المعاصي وأَقبِلوا على الطاعات فإن الله يتولى المجازاة.\n﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ﴾: يا أهلَ مكةَ ﴿نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ﴾: قوم نوح، وهود، وصالح، ولوط (٣).\n﴿فَذَاقُوا﴾: الفاء للتعقيب، أي: كفروا فذاقوا.\n﴿وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾: الوبالُ مصدر وبيل (٤)، وهو الطعام (٥) الثقيل الذي لا يُوافق آكلَه، أي: ذاقُوا وبالَ كفرهم في الدنيا (٦).\n﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٥)﴾: في العُقبى.\n﴿ذَلِكَ﴾: أي ذلك العذاب.\n﴿بِأَنَّهُ﴾: بسبب أنه، والهاء كنايةٌ عن الأمر والشأن.\n﴿كَانَتَا تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾: بالمعجزات، والآيات.\n﴿فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾: أنكروا أنْ يكونَ الرسلُ من بني آدم.\nوالبشرُ يقع على الواحد والجمع (٧).\n﴿فَكَفَرُوا﴾: بالرُّسل ﴿وَتَوَلَّوْا﴾: أعرضوا عن التفكُّر في البينات.\n﴿وَاسْتَغْنَى اللَّهُ﴾: بما أرسل معهم من البينات عن زيادةٍ تدعوا (٨) إلى الرَّشاد (٩).\n﴿وَاللَّهُ غَنِيٌّ﴾: عن عبادتهم ﴿حَمِيدٌ (٦)﴾: مستحقٌ للحمد.\n﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾\nالموّرج: \" ﴿زَعَمَ﴾: بمعنى كذب بلغة حمير \" (١٠).\nشُرَيْح (١١): \" ﴿زَعَمَ﴾: كنايةٌ عن الكذب، أي: زعموا أنهم لا يُبعثون، ولا\nيُحشرون للحساب والثواب والعقاب \" (١٢).\n﴿قُلْ بَلَى﴾: أي: ليس الأمرُ كما زعمتم.\n﴿وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾: أكّد الإخبارَ باليمين.\n﴿ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ﴾ (١٣): لتُخبرنَّ، ولتُحاسبنَّ بعملكم، وتُجازَون عليه.\n﴿وَذَلِكَ﴾: البعث.\n﴿عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧)﴾: هينٌ لا يلحقه (١٤) مشقةٌ.\n﴿فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾: محمد - ﷺ -.\n﴿وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا﴾: يعني القرآن فيه بيانُ كلّ شيءٍ.\n﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٨)﴾.\n﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ﴾: قيل: ظرف لقوله: ﴿لَتُبْعَثُنَّ﴾.\nوقيل: واذكر ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ﴾ (١٥).\nابن جرير: \" خبيرٌ بأعمالكم ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ﴾ \" (١٦).\nوفيه كلام.\n﴿لِيَوْمِ الْجَمْعِ﴾: لحضور يوم الجمع ولأجله، وهو يوم القيامة يُجمع فيه الأولون والآخِرون، والملائكة والإنس والجن أجمعون.\nوقيل: يجمع فيه الثواب والعقاب، والظالم والمظلوم، والنبيّ ومَن آمن به (١٧).\n﴿ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾: يوم القيمة، أي: يتغابنون في المنازل عند الله - تعالى-،\n_________\n(١) \" في قوله \" ساقطة من (أ).\n(٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ١٣٠)، التفسير الكبير (٣٠/ ٢٠)، البحر المحيط (١٠/ ١٨٨).\n(٣) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٣٦٧)، جامع البيان (٢٨/ ١٢٠).\n(٤) في (ب) \" الوبيل \".\n(٥) \" الطعام \" ساقطة من (أ).\n(٦) انظر: المفردات (ص: ٨٥٢)، مادة \" وَبَلَ \"، زاد المسير (٨/ ٦٤)، تفسير البيضاوي (٢/ ٤٩٨).\n(٧) لأنه اسم جنس. [انظر: إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٤/ ٢٩٢)، زاد المسير (٨/ ٦٤)].\n(٨) في (أ) \" يدعوا \".\n(٩) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٢١)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ١٣١).\n(١٠) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢١٨).\n(١١) شُريح بن الحارث القاضي الكِنْدي، أبو أمية، وقيل: أبو عبد الرحمن، أدرك شُريح القاضي الجاهلية ويعد في كبار التابعين، وكان قاضيًا لعمر بن الخطاب على الكوفة ثم لعثمان ثم لعلي -﵃ - فلم يزل قاضيًا بها إلى زمن الحجاج، وكان من أعلم الناس بالقضاء، وكان ذا فطنة وذكاء ومعرفة وعقل ورصانة وكان شاعرًا محسنًا، قيل: له صحبة، ولم يصح، بل هو ممن أسلم في حياة النبي - ﷺ - وانتقل من اليمن زمن الصديق، وقد توفِّي سنة ثمانٍ وسبعين للهجرة، وهو ابن مائة وعشرين سنة. [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: مشاهير علماء الأمصار (ص: ١٢٥)، الاستيعاب (٢/ ٢٥٧) سير أعلام النبلاء (٤/ ١٠٠)].\n(١٢) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٢٢)، تفسير السَّمعاني (٥/ ٤٥١).\n(١٣) في (ب) \" ﴿ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ﴾: لتُخبرن ... ﴿بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ﴾: البعث. \".\n(١٤) في (ب) \" لا تلحقه \".\n(١٥) انظر: إعراب القرآن؛ للنَّحاس (٤/ ٢٩٢)، البحر المحيط (١٠/ ١٩٠).\n(١٦) انظر: جامع البيان (٢٨/ ١٢٢).\n(١٧) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٢٢)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ١٣٢).","vol":"1","page":3275},{"text":"ففريق في الجنة وفريق في السعير.\nوقيل: يغبن أهل الجنة أهل النار، ويغبن المظلوم الظالم (١).\nابن بحر: \" ﴿يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾: من الغَبن، وهو الإخفاء، أي: اليوم الذي\nأخفاه الله، ومنه المغابن، ومنه الغبن للموضع الذي يُخفى فيه الشيءُ \" (٢).\nابن عيسى: \" ﴿التَّغَابُنِ﴾: التفاوت في أخذ الشيء بدون قيمته \" (٣).\n﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾: يُصَدِّقُ بوحدانيَّته.\n﴿وَيَعْمَلْ صَالِحًا﴾: يؤدّي الفرائض.\n﴿يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ\nخَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩)﴾: النجاة التَّامة.\n﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا﴾: بالرسل وبالقرآن (٤).\n﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٠)﴾: مرجع\nالمغبونين.\n﴿مَا أَصَابَ﴾: ما لحق بني آدم. والصوابُ مشتقٌّ منه، وهو لحوق المقصود.\n﴿مِنْ مُصِيبَةٍ﴾: شدّةٍ، ومرضٍ، وموتِ أهلٍ أو شيءٍ يقتضي همًا يفعله الله.\nوقيل: عامٌّ في الظلم والسرقة وما يكون بين العباد (٥).\n﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: بعلمه (٦) وإرادته وأمره (٧).\n﴿وَمِمَّنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾: يصدِّق به ويعلم أنَّ المصيبةَ من الله.\n﴿يَهْدِ قَلْبَهُ﴾: للاسترجاع ويوّفقه لذلك، فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون (٨).\nوقيل: ﴿يَهْدِ قَلْبَهُ﴾: فيصبر على البلاء ويشكر على النعماء.\nوقيل: يزد قلبَه هدايةً ويثبته عليها.\nويحتمل أنه على القلب، أي: ومَن يهد قلبه يؤمن بالله، وله في القرآن نظائر (٩).\nوَاللَّهُ ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١)﴾.\n﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ﴾: فيما يأمركم.\n﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾: فيما يؤدي عن الله وفي سننه.\nوقيل: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ﴾: في الرضى بقضائه، وَأَطِيعُوا ﴿الرَّسُولَ﴾: فيما\nيأمركم (١٠) بالصبر وترك الجزع.\n﴿فَإِن تَوَلَّيْتُمْ﴾: عن الإيمان بالله ورسوله.\n﴿فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (١٢)﴾: أي: عليه الإبلاغ، وقد فعل.\nوقيل: عليه البلوغ، وقد حصل.\n﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣)﴾.\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٨/ ١٢٢)، النُّكت والعيون (٦/ ٢٢).\n(٢) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢١٨)، وذكره الماوردي في النُّكت والعيون (٦/ ٢٣)، ولم يعزه لابن بحر.\n(٣) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢١٨).\n(٤) في (ب) \" بالرُّسل والقرآن \".\n(٥) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٢٣)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ١٣٥).\n(٦) في (أ) \" بفعله \".\n(٧) المراد بالإرادة والأمر هنا: الإرادة الكونية والأمر الكوني المتعلق بمحض المشيئة، لا الإرادة الشرعية والأمر الشرعي المتعلق بالحبِّ.\n(٨) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٣٦٩)، معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ١٦١).\n(٩) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٢٣)، زاد المسير (٨/ ٦٦).\n(١٠) في (أ) \" فيما يأكم \".","vol":"1","page":3276},{"text":"﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾: في سبب النزول: عن ابن عبّاس﵄ -:: كان\nالرجل يُسلمُ فإذا أراد أنْ يهاجرَ منعه أهلُه وولدُه، فقالوا: أنشدتك (١) اللهَ أنْ تذهبَ\nوتدعَ أهلَك وعشيرتَك وتصيرَ إلى المدينة بلا أهلٍ ولا مالٍ، فمنهم من يَرِقُّ لهم ويقيمُ\nولا يهاجرُ (٢).\nوعن (٣) عكرمة عن ابن عبّاسٍ - ﵄ -: فلما هاجر هؤلاء (٤)، ورأوا\nالناسَ قد فَقِهوا (٥) في الدِّين همّوا أنْ يُعاقبوا أهليهم الذين منعوهم، فأنزل الله:\n﴿وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِن اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤)﴾ (٦).\nوقيل (٧): نزلت في عوف بن مالك الأشجعي (٨)، شكا إلى النبي - ﷺ - جفاء أهله\nوولده، وهذه الآيات نزلت بالمدينة (٩).\nوفي قوله: ﴿عَدُوًّا لَكُمْ﴾ قولان:\nأحدهما: يَحملانه على البخل بالأموال عن الفرائض ووجوه البر، وعلى أنْ يُعصى الله في طلب مرضاتهما. وهذا فعل العدوّ؛ لأنه يناله من ذلك ضررٌ فوقَ كلّ ضررٍ.\nوجاء في الخبر: \" ليس عدوّك الذي ألفيته (١٠) فقتلته وآجرك الله على قتله، ولكن\n_________\n(١) في (ب) \" نشدتك \".\n(٢) انظر: جامع البيان (٢٨/ ١٢٤)، أسباب النزول؛ للواحدي (ص: ٣٥٤).\n(٣) في (أ) \" عن \" بدون واو.\n(٤) في (أ) \" هاجروا هؤلاء \".\n(٥) في (ب) \" فهموا \".\n(٦) انظر: جامع البيان (٢٨/ ١٢٤)، أسباب النزول؛ للواحدي (ص: ٣٥٥).\n(٧) في (أ) \" قيل \" بدون واو.\n(٨) عوف بن مالك بن أبي عوف الأشجعي الغطفاني مختلف في كنيته فقيل: أبو عبد الرحمن، وقيل: ... أبو عبد الله، وقيل غير ذلك، وكان من نبلاء الصحابة، أسلم عام خيبر، ونزل حمص، وقد شهد الفتح وكان معه راية أشجع، توفي - ﵁ - سنة ثلاث وسبعين للهجرة. [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: الاستيعاب (٣/ ١٣١)، سير أعلام النبلاء (٢/ ٤٨٧)، الإصابة (٣/ ٤٣)].\n(٩) انظر: النَّاسخ والمنسوخ؛ للنَّحَّاس (ص: ٧٤٥)، تفسير السَّمعاني (٥/ ٤٥٣).\n(١٠) في (أ) \" ألقيته \".","vol":"1","page":3277},{"text":"أعدى عدوّك: نفسُك التي بين جنبيك، وامرأتُك التي تضاجعك (١) على فراشك،\nوولدك الذي من صلبك \" (٢).\nوالثاني: يُريدون هلاكَه كما يريد العدوّ (٣) (٤).\nوقال بعضهم: \"من مَنع من الأزواج والأولاد عن طاعة الله فهو عدوّ يجب أنْ يُحْذَر\" (٥).\nالحسن: \" يعني الكفارَ من الأزواج والأولاد \" (٦).\nقوله: ﴿وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا﴾: تكرارٌ للتأكيد، والمراد به واحدٌ.\nوقيل: ﴿تَعْفُوا﴾: تتركوا عقابَهم، وأصله المحو.\n﴿وَتَصْفَحُوا﴾: تولوُّهم صفحةَ أعناقكم بالإعراض عن التوبيخ.\n﴿وَتَغْفِرُوا﴾: تستروا ذنوبَهم (٧).\n﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾: محنةٌ وبليَّةٌ واختبارٌ لكم، فمَن كسب الحرامَ لأجل الأولاد ومنع مالَه عن الحقوق، فهو مفتونٌ بالمال والولد.\n_________\n(١) في (ب) \" يضاجعك \".\n(٢) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٣/ ٤٧٣) عَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ، برقم (٣٣٦٧)، قال الهيثمي في المَجْمَع (١٠/ ٢٤٥): \" رواه الطبراني، وفيه محمد بن إسماعيل بن عياش، وهو ضعيفٌ \" وضَعَّفه الألباني في ضعيف الجامع الصغير (ص: ١٧٨)، برقم (١٢٤٠).\n(٣) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٢٤)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ١٣٨).\n(٤) قال القرطبي: \" والحذر على النفس يكون بوجهين: إمَّا لضرر في البدن، وإمَّا لضرر في الدِّين، وضرر البدن يتعلق بالدنيا، وضرر الدِّين يتعلق بالآخرة، فحذَّر الله سبحانه العبد من ذلك وأنذره به \" [الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ١٣٨)].\n(٥) أورده بنحوه الماوردي في النُّكت والعيون (٦/ ٢٤) وعزاه لسهل التستري.\n(٦) لم أقف عليه من قول الحسن.\n(٧) والأولى حمله على العموم، فالعفو على كل مخالفة منهم. [انظر: جامع البيان (٢٨/ ١٢٦)، تفسير البغوي (٨/ ١٤٣).","vol":"1","page":3278},{"text":"وقيل: هما فتنةٌ؛ لأنَّه يلهو (١) بهما عن آخرته ويتوفَّر لأجلهما على دنياه، فيمنع حقَّ الله لأجلهما (٢).\nوأدخل ﴿مِنْ﴾ في الأولى، ولم يُدخل في الثانية (٣)؛ لأنَّ كلَّهم فتنة على ما ذكرنا فإن الإنسانَ يثقل عليه المواساةُ بالمال بعد وجود الزَّوجة والولد ويَخفّ عليه قبلَ ذلك \" (٤).\nولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٥)﴾: أي: في الآخرة، وذلك أعظم من منفعتكم (٥) بأموالكم وأولادكم.\n﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾: قيل: هي: ناسخة لقوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢]؛ لأنَّ استطاعةَ العبد دونَ حقّ تقواه (٦).\nوقيل: بل هي مُفسِّرة لها (٧)؛ لأنَّ ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ هو قدرُ الاستطاعة (٨) (٩).\n﴿وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا﴾: في الجهاد.\nوقيل (١٠): هو الصدقة، وقيل: نفقة (١١) المؤمن على نفسه (١٢).\n﴿خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ﴾: أي: قدّموا ﴿خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ﴾.\nوقيل: إنفاقًا ﴿خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ﴾.\nالكسائيّ: \" يكن ﴿خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ \" (١٣).\n﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾ بخلَها وحرصَها ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٦)﴾\n﴿إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾: على نيّةٍ وإخلاصٍ.\n﴿يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ﴾: يقبلُ القليلَ ويُعطي الجزيلَ.\n﴿حَلِيمٌ (١٧)﴾ عن البخيل (١٤) (١٥)\n﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)﴾.\n_________\n(١) \" يلهو\" ساقطة من (ب).\n(٢) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٢٥)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ١٣٩).\n(٣) \" ولم يُخل في الثانية \" ساقطة من (ب).\n(٤) انظر: تفسير الثعلبي (٩/ ٣٣٠)، زاد المسير (٨/ ٦٧).\n(٥) في (ب) \" منفعتهم \" بضمير الغيبة، والمناسب ما أثبت.\n(٦) انظر: جامع البيان (٢٨/ ١٢٧)، النَّاسخ والمنسوخ؛ للنَّحَّاس (ص: ٧٤٦)، تفسير البغوي (٨/ ١٤٤).\n(٧) في (ب) \" بل هي تفسير لها \".\n(٨) في (أ) \" هو قدرة الاستطاعة \".\n(٩) وهو اختيار ابن جرير والنَّحاس وابن عطية، قال ابن جرير: \" وليس في قوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ دلالة واضحة على أنه لقوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ ناسخ؛ إذ كان محتملًا قوله ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ فيما استطعتم، ولم يكن بأنه له ناسخ عن رسول الله - ﷺ -، فإذا كان ذلك كذلك فالواجب استعمالهما جميعًا على ما يحتملان من وجوه الصحة \" [جامع البيان (٢٨/ ١٢٧)، وانظر: إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٤/ ٢٩٤)، المحرر الوجيز؛ لابن عطية (٥/ ٣٢١)].\n(١٠) \" وقيل \" ساقطة من (ب).\n(١١) في (ب) \" نفقه \" بالهاء.\n(١٢) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٢٦)، زاد المسير (٨/ ٦٨).\n(١٣) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢١٩).\n(١٤) في (أ) \" عن البخل \".\n(١٥) فلم يعاجله بالعقوبة لمنعه حقَّ الله أو معصيته له، ولا يقتصر حلمه عن البخيل فقط، بل هو كما قال ابن كثير: \" ﴿حَلِيمٌ﴾ أي: يصفح ويغفر ويستر ويتجاوز عن الذُّنوب والزَّلات والخطايا والسيئات \" [تفسير القرآن العظيم (٤/ ٤٠٢)].","vol":"1","page":3279},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-171>سورة الطَّلاق </span>(١)\nاثنتا عشرة آية (٢) (٣) مدنية (٤)، وتُسمَّى سورةَ النِّساء القُصرى (٥).\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾: في سبب النزول: روى قتادةُ عن أَنَسٍ (٦) قال: طلّق رسولُ الله - ﷺ - حفصةَ، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وقيل له: راجِعْها؛ فإنها صوَّامةٌ قوَّامةٌ، وهي إحدى أزواجك ونسائكَ في الجنة (٧).\nالسدّيّ: \" نزلت في عبد الله بن عمر - ﵄ - وذلك أنه طلّق امرأتَه حائضًا، فأمره رسولُ الله - ﷺ - أنْ يُراجعَها ويُمسكَها، حتى تطهُرَ ثم تحيض حيضةً أخرى، فإذا طهرت\n_________\n(١) وهو اسمها المشهور في المصاحف وكتب السنة والتفاسير، وقد سَّماها ابن مسعود - ﵁ - بسورة \" النِّساء القُصرى \" احترازًا عن السورة المشهورة المسمَّاة بسورة \" النِّساء \". [انظر: بصائر ذوي التمييز\n(١/ ٤٦٩)، الإتقان (١/ ٥٦)، روح المعاني (٢٨/ ١٢٨)، التَّحرير والتنوير (٢٨/ ٢٩٣)].\n(٢) \" اثنتا عشرة \" ساقطة من (ب).\n(٣) وهي اثنتا عشرة في عدِّ الجميع إلا في عدِّ أهل البصرة فهي إحدى عشرة آية. [انظر: البيان؛ للداني (ص: ٢٤٩)، جمال القرَّاء (٢/ ٥٤٩)، غيث النفع (ص: ٢٦٨)].\n(٤) بإجماعٍ عند المفسرين كما ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز (٥/ ٣٢٢)، وابن الجوزي في زاد المسير (٨/ ٦٩).\n(٥) في (ب) \" وتسمَّى سورة النِّساء القصرى، مدنية \".\n(٦) أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام الخزرجي النَّجَّاري، خادم رسول الله - ﷺ - كان يتسمَّى به ويفتخر بذلك، وكنيته أبو حمزة، وهو أحد المكثرين من الرواية عنه، قَدِمَ النبي - ﷺ - المدينة وهو ابن عشر سنين فأهدته أمه -أُمُّ سُليم بنت ملحان- للنبي - ﷺ - يخدمه فخدم نبي الله - ﷺ - عشر سنين وانتقل من المدينة إلى البصرة ومات بها سنة إحدى وتسعين للهجرة، وقيل: غير ذلك، [انْظُر تَرْجَمَتَهُ: مشاهير علماء الأمصار (ص: ٤٧)، أسد الغابة (١/ ٢٩٤)، الإصابة (١/ ٢٧٥)].\n(٧) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (٢٨/ ١٣١) مرسلًا، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (١٠/ ٣٣٥٩) عن أنسٍ - ﵁ -، أسباب النزول؛ للواحدي (ص: ٣٥٥)، قال ابن كثير - بعد ذكره لروايتي ابن جرير وابن أبي حاتم -: \" وقد ورد من غير وجه أن رسول الله - ﷺ - طلَّق حفصة ثمَّ راجعها \" [تفسير القرآن العظيم (٤/ ٤٠٣)].","vol":"1","page":3280},{"text":"طلَّقها إنْ شاءَ قبلَ أنْ يُجامعَها، فإنها العدّةُ (١) التي أمر اللهُ تعالى بها \" (٢). وهذا في الصحيحين (٣).\nمقاتلُ بنُ حَيَّانَ: \" نزلت في عبد الله بن عمرو بن العاص (٤) \" (٥).\nالنقاشُ: \" نزلت في عبد الرحمن بن [عمر] (٦) الخطّاب (٧)، وعتبةَ (٨) بنِ عمرو المازنيّ (٩) \" (١٠).\n_________\n(١) في (أ) \" فإذا طهرت طلقها إن شئت قبل أن تجامعها فإنَّ العدة. . . \".\n(٢) انظر: أسباب النزول؛ للواحدي (ص: ٣٥٥)، زاد المسير (٨/ ٦٩).\n(٣) أخرجه البخاري بنحوه في كتاب التفسير، تفسير سورة الطلاق، باب: وقال مجاهد: وبال أمرها: جزاء أمرها برقم (٤٩٠٨)، وفي كتاب الطلاق باب قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾، برقم (٥٢٥١)، وأخرجه مسلم في كتاب الطلاق، باب: تحريم طلاق الحائض بغير رضاها، وأنَّه لو خالف وقع الطلاق ويؤمر برجعتها، برقم (٣٦٣٧).\n(٤) عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل القُرشي السَّهمي، أبو محمد، أسلم قبل أبيه، وكان فاضلًا عالمًا قرأ القرآن والكتب المتقدمة، قال أبو هريرة: - ﵁ - \"ما كان أحدٌ أحفظ لحديث النبي - ﷺ - مني إلا عبد الله بن عمرو؛ فإنَّه كان يعي بقلبه، وأعي بقلبي، وكان يكتب وأنا لا أكتب \"، وقد اختلف في وفاته - ﵁ - فقيل: سنة ثلاث وستين، وقيل: سنة سبع وستين للهجرة، وقيل: غير ذلك. [انْظُر تَرْجَمَتَهُ: الاستيعاب (٣/ ٨٦)، أسد الغابة (٣/ ٣٤٥)، الإصابة (٤/ ١٦٥)].\n(٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٠/ ٣٣٥٩).\n(٦) \" عمر \" ساقط من النسختين.\n(٧) عبد الرحمن الأكبر بن عمر بن الخطاب، أخو عبد الله وحفصة، أمهم زينب بنت مظعون، أدرك النبي - ﷺ - ولم يحفظ عنه، وعبد الرحمن بن عمر الأوسط أبو شحمة، وهو الذي ضربه عمرو بن العاص، بمصر في الخمر، ثم حمله إلى المدينة فضربه أبوه عمر بن الخطاب أدب الوالد، ثم مرض فمات بعد شهر. [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: الاستيعاب (٢/ ٣٨٥)، أسد الغابة (٣/ ٤٧٣)].\n(٨) عُتْبة بن غَزوان بن جابر، ويقال: عتبة بن غزوان بن الحارث بن جابر بن وهب بن نسيب بن زيد بن مالك بن الحارث بن عوف المازني، يكنى أبا عبد الله، وقيل: أبا غزوان، كان إسلامه بعد ستة رجال فهو سابع سبعة في إسلامه، هاجر الهجرتين، ثم شهد بدرًا والمشاهد كلها، وكان أول من نزل من البصرة من المسلمين وهو الذي اختطها، وقد خرج عتبة حاجًا وخلَّف مجاشع بن مسعود وأمره أن يسير إلى الفرات وأمر المغيرة بن شعبة أن يصلي بالناس فلم ينصرف عتبة من سفره ذلك في حجته حتى مات فأقر عمر المغيرة بن شعبة على البصرة، وكان ذلك سنة خمس عشرة، وقيل: سنة سبع عشرة للهجرة. [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: الاستيعاب (٣/ ١٤٦)، أسد الغابة (٣/ ٥٨٨)].\n(٩) في (ب) \" وعتبه \".\n(١٠) لم أقف على قول النقاش، ولا من ذكر عبد الرحمن بن عمر والمشهور عبد الله بن عمر بن الخطاب، [وانظر - الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ١٤٤)، البحر المحيط (١٠/ ١٩٥) وقد أسمياه باسمه الصحيح: عتبة بن غزوان المازني خلافًا للمؤلِّف].","vol":"1","page":3281},{"text":"والوجه هو الأول؛ لأنَّ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾: إذا خاطبه في خاصّة نفسه أو في شيءٍ يُريدُ أنْ (١) يتبعَه عليه المؤمنون خاطبه بالنبوَّة، وإذا (٢) خاطبه خطابًا عامًّا خاطبه بالرسالة (٣).\nوفي قوله: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾: بلفظ الجمع أقوالٌ:\nأحدها: أنه جاء بلفظ الجمع تعظيمًا له، كما يُخاطَب الملوكُ بلفظ الجمع.\nوالثاني: أنه خطابٌ له، والمرادُ به أمَّتُه (٤).\nوالثالث: أن التقديرَ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ والمؤمنون ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾: فحُذف؛\nلأن الحكمَ يدلُّ عليه (٥).\nوالرابع: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ قل للمؤمنين ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾: أي: إذا أردتم\nطلاقَهن (٦).\nوالطلاقُ: حلُّ عُقدة النكاح (٧).\n﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾: أي: في حال طُهرهن من غير أنْ تكونوا\nجامعتموهن منذ طُهرهنَّ تطليقةً واحدةً، وهذه (٨) طلاقُ السنة (٩).\n_________\n(١) \" أنْ \" ساقطة من (ب).\n(٢) في (ب) \" فإذا \".\n(٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ١٤٤).\n(٤) انظر: تفسير البغوي (٨/ ١٤٥)، المحرر الوجيز (٥/ ٣٢٢)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ١٤٤)، البحر المحيط (١٠/ ١٩٦).\n(٥) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢٢١)، التسهيل (٤/ ١٢٥).\n(٦) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ١٤٣)، غرائب التفسير (٢/ ١٢٢١)، وضَّعف هذا القول ابن جزي؛ لأنه كما قال: \"ضعيف؛ لأنه يقتضي اختصاصه - ﵊ - بالحكم دون أُمَّته \" [التسهيل (٤/ ١٢٥)].\n(٧) انظر: المغني (١٠/ ٣٢٣)، لسان العرب (١٠/ ٢٢٥)، مادة \" طلق \".\n(٨) في (ب) \" وهو \".\n(٩) قسَّم العلماء الطلاق من حيث السنُّة والبدعة إلى ثلاثة أقسام:\nالأول: الطَّلاق السُّني أي الموافق للسُّنة، وهو أن يطلقها في طهر لم يجامعها فيه، ثم يدعها حتى تحيض ثلاث ... حيضات، فإذا فعل ذلك بانت منه، ولم يحلَّ له نكاحها إلا بمهرٍ جديد، ولا رجعة له عليها، وذلك هو الطلاق للعدة؛ لأنها تعتد بذلك الطهر من عدة وتقع في العدة عقيب الطلاق فلا يطول عليها زمان العدة.\nالثاني: الطلاق البدعي، وهو أن يقع في حال الحيض أو في طهر قد جامعها فيه فهو واقع وصاحبه آثم.\nالثالث: قسمٌ لا سُنَّة فيه ولا بدعة، وهو طلاق الصغيرة، والآيسة، وغير المدخول بها. [انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ١٦٢)، زاد المسير (٨/ ٦٩)، المُغْني (١٠/ ٣٢٥)، تفسير القرآن العظيم (٤/ ٤٠٣)].","vol":"1","page":3282},{"text":"وذهب بعضهم (١) إلى أنه إذا طلَّقها طاهرًا من غير جماعٍ فهو مطلَّقٌ للسنة، طلَّق\nواحدةً (٢) أو اثنتين أو ثلاثًا (٣).\nوهذا القولُ يُذهبُ فائدةَ قوله: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾.\nفإنْ طلّقها في حيضٍ أو طهرٍ جامعها فيه يقع الطلاقُ لغير السُّنة (٤).\nوذهب بعضُهم إلى أنه إذا طَلَّقها ثلاثًا تقعُ (٥) واحدةً (٦).\nوذهب بعضُهم إلى أنها لا تقعُ أصلًا (٧)؛ لأنها ليست كما أمر الله.\nوهذان (٨) القولان مذهبا الشِّيعة (٩) (١٠)، وهو خلافٌ للمسلمين؛ لأن النَّهيَ لا يُوجبُ فسادَ المنهي عنه، بل يُوجبُ العصيانَ.\n_________\n(١) \" بعضهم \" ساقطة من (ب).\n(٢) في (أ) \" طلقة واحدة \".\n(٣) وهو رأي الشافعي. [انظر: الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ١٤٧)، البحر المحيط (١٠/ ١٩٧)].\n(٤) انظر: تفسير البغوي (٨/ ١٤٨)، زاد المسير (٨/ ٦٩)، المُغْني (١٠/ ٣٢٥) وما بعدها، تفسير القرآن العظيم (٤/ ٤٠٣).\n(٥) في (ب) \" يقع \".\n(٦) هذه المسألة من المسائل التي اختلف العلماء فيها قديمًا وحديثًا، فاختلفوا أولًا في حكم الفعل، ثمَّ اختلفوا ثانيًا في وقوعه، فأمًا وقوعه وهي التي أشار إليها المؤلف - ﵀ -، فمذهب جمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إيقاع الثلاث بكلمة واحدة ثلاثًا، ومذهب أبي بكر وعمر في صدر خلافته وعلي وابن مسعود وابن عباس والزبير بن العوام وكثير من التابعين ومن بعدهم وأهل الظاهر، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم، واللجنة الدائمة للبحوث العلمية بالمملكة العربية السعودية، وقوع الثلاث طلقات في كلمة واحدة بطلقة واحدة.، ولكلٍّ منهم دليله [انظر: المغني؛ لابن قدامة (١٠/ ٣٣٤)، مجموع الفتاوى (٣٣/ ٧)، زاد المعاد؛ لابن القيم (٥/ ٢٤١)، أبحاث هيئة كبار العلماء: مسألة حكم الطلاق الثلاث بلفظ واحد (١/ ٢١٦)].\n(٧) في (ب) \" إلى أنَّه لا يقع أصلًا \".\n(٨) في (أ) \" هذان \" بدون واو.\n(٩) الشِّيعة: فرق شتَّى، وهم الذين شايعوا عليًَّا، ﵁، وقالوا: إنه الإمام بعد رسول الله - ﷺ -، واعتقدوا أن الإمامة لا تخرج عنه وعن أولاده، ثم ظهرت منهم الرافضة، وسبُّوا الشيخين أبا بكر وعمر وقدَّموا عليًا على عثمان في الأفضلية، واستقر بهم الحال إلى الغلو في علي، واعتقاد الإمامة والعصمة والتقية. [انظر: التعريفات؛ للجرجاني (ص ٩٣)، مسألة التقريب بين أهل السنة والشيعة؛ للقفاري (١/ ١١٩)، الموسوعة الميسرة (٢/ ١٠٨٤)].\n(١٠) ذكر ذلك أيضًا شيخ الإسلام ابن تيمية، لكن القول الأول منهما منقول عن جماعة من السلف والخلف، أما القول الثاني فقال به من عدم لزومه شيء فقد قال به بعض المعتزلة والشيعة [انظر: مجموع الفتاوى (٣٣/ ٧)، وانظر: زاد المعاد (٥/ ٢٤٧)].","vol":"1","page":3283},{"text":"وكذلك إذا راجعَها ضِرارًا فالنكاحُ صحيحٌ والرجلُ عاصٍ.\nقوله: ﴿لِعِدَّتِهِنَّ﴾: أي: لوقتٍ يقدِرنَ أنْ يعتدِدْنَ عقيبَ الطلاق. وذلك\nحالة الطهر بلا خلافٍ (١).\nوقيل: المرادُ بالعدّة عددُ الطلاق، أي: إذا طلقتموهن فطلقوهن لمعرفتكم عدد\nالطلاق (٢).\nوقيل: هي إشارةٌ إلى العدّة المبيَّنة في قوله سبحانه: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]\nويحتمل: أن اللاّمَ لامُ التاريخ، كما تقولُ: كتبتُ لثلاثٍ بقينَ، وخمسٍ بقين (٣).\nوفي الشواذِّ: ﴿فطلّقوهن لقبيل عدّتهن﴾ (٤)، أي: طاهرًا من غير جماعٍ.\n﴿وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾: عددَ الحيض للمراجعة إنْ أردتم ذلك (٥).\nوقيل: عددَ الطلاق (٦).\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٨/ ١٢٨)، النُّكت والعيون (٦/ ٢٨)، تفسير القرآن العظيم (٤/ ٤٠٣).\n(٢) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢٢١).\n(٣) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢٢١)، البحر المحيط (١٠/ ١٩٦).\n(٤) كذا في المخطوطتين، وفي كتب الشَّواذ والتفسير: ﴿فطلقوهن في قُبْل عدتهن﴾ وروي ﴿قُبُلِ﴾ وروي ﴿لِقُبُلِ﴾، وهي مروية عن ابن عباس وابن عمر وأُبي وجابر بن عبد الله، قال أبو حيَّان: \" هو على سبيل التفسير لا على أنه قرآن، لخلافه سواد المصحف الذي أجمع عليه المسلمون شرقًا وغربًا [البحر المحيط (١٠/ ١٩٦)، وانظر: المُحْتَسب (٢/ ٣٨٠) شواذ القراءات (ص: ٤٧٦)، النُكت والعيون (٦/ ٢٩)].\n(٥) انظر: جامع البيان (٢٨/ ١٣٢)، تفسير السَّمرقندي (٣/ ٤٣٨)، أحكام القرآن (٤/ ٢٧٢).\n(٦) هذا المعنى يصَحُّ على قول من قال: إنَّه أمر بإحصاء العدة؛ لتفريق الطلاق على الأقراء إذا أراد أن يطلق ثلاثًا [انظر: تفسير البغوي - (٨/ ١٤٩)، زاد المسير (٨/ ٧٠)].","vol":"1","page":3284},{"text":"والعدَّة والعدد واحدٌ؛ لقوله (١) تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ﴾، [التوبة: ٣٦].\n﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾: أي: المواضع التي\nكنّ سكنَّ (٢) فيها، أي: أمسكوا المطلَّقاتِ في بُيوتكم إلى أنْ تنقضي عدّتُهن.\nوأضاف البيوتَ إليهن لاستحقاقهن السُّكنى فيها بعدَ الطلاق إلى انقِضاء (٣) العِدّة،\nولأنهن كنَّ يسكنَّ فيها. وليست بإضافة مُلكٍ (٤).\n﴿وَلَا يَخْرُجْنَ﴾: نهاهنَّ عن الخروج باختيار أنفُسهنَّ قبلَ انقِضاءِ عدَّتهنَّ (٥).\n﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾: الاستثناءُ عند الجمهور من الجملة الأولى.\nوالتقديرُ: لا تُخرجوهنَّ إلا أن يأتين بفاحشةٍ، وهي الزِّنا عند أكثرهم (٦).\nوقيل: كلُّ معصيةٍ فيها حدُّ الله، كالزنا والسرقة، تُخرَج لإقامة الحدّ (٧).\nابنُ عباس - ﵄ -: \" الفاحشةُ: البَذاءُ \" (٨).\nقتادة: \" النُّشوز \" (٩).\nوقيل: الاستثناء منقطِعٌ، أي: إلا (١٠) إنْ تفحش فتُخرج، [والمعنى: من خرجت\nفقد أتت بفاحشة.\nالسُّدي: الفاحشة: \" نفس الخروج \"] (١١) (١٢).\n_________\n(١) في (أ) \" كقوله تعالى \".\n(٢) في (أ) \" يسكنَّ \".\n(٣) في (أ) \" إلى قضاء \".\n(٤) انظر: زاد المسير (٨/ ٧٠)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ١٤٩).\n(٥) في (أ) \" العدَّة \".\n(٦) انظر: جامع البيان (٢٨/ ١٣٣)، النُّكت والعيون (٦/ ٢٨)، زاد المسير (٨/ ٧٠).\n(٧) وهذا أوجه الأقوال - والله أعلم - وهو أحد قولي ابن عباسٍ - ﵄ -، واختيار ابن جرير والنَّحَّاس [انظر: جامع البيان؛ لابن جرير (٢٨/ ١٣٤)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٤/ ٢٩٦)].\n(٨) أي على أهل الزوج والأرحام. [انظر: جامع البيان (٢٨/ ١٣٣)، تفسير السمعاني (٥/ ٤٥٩)].\n(٩) انظر: تفسير الصنعاني (١/ ١٥٢)، جامع البيان (٢٨/ ١٣٤).\n(١٠) في (ب) \" أي: لكن\".\n(١١) ما بين المعقوفتين ساقط من (ب).\n(١٢) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٢٩)، تفسير البغوي (٨/ ١٥٠).","vol":"1","page":3285},{"text":"ويحتمل على هذين القولين أنْ يُجعل (١) الاستثناءُ من الجملة الثانية.\nويحتمل - أيضًا - أنْ يكونَ قولُه: ﴿وَلَا يَخْرُجْنَ﴾: نفيًا لا نهيًا (٢).\n﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾: أي: الأحكام المذكورة.\n﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾: استحقَّ عقابَ الله.\nوقيل: منع نفسَه ما كان اللهُ (٣) جعله له، وهي المراجعة.\n﴿لَا تَدْرِي﴾: أي: النفس، وقيل: أنت ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾، أو أنت أيها\nالمطلّقُ.\n﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (١)﴾: أي: يُحدث في العِدّة [بعد\nالطلاق رغبة في المُطلَّقة.\nوقيل: بعد نفور قلبه عنها ميلًا إليها.\nوقيل: ﴿أَمْرًا﴾: رجعة في العدة] (٤) أو نكاحًا جديدًا بعدَ البينونة (٥) (٦).\n﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾: أي: قاربن القُرءَ الثالثَ (٧).\n﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾: راجعوهنَّ.\n﴿بِمَعْرُوفٍ﴾: من النفقة والكِسوة وحُسنِ العِشرة.\nوقيل: معنى ﴿بِمَعْرُوفٍ﴾: غيرَ مضارّ.\n﴿أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾: قيل: بإيفاء الصَّداق والمتعة، وقيل: بتركها حتى\nتَبِينَ بانقضاء العِدّة (٨).\n﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾:\nابنُ عباس - ﵄ -: على الرجعة \" (٩).\nوقيل: ندبٌ، كقوله: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] (١٠).\nوقيل: على الطلاق (١١).\nوقيل: إنْ لم يُشهدوا فالطلاقُ غيرُ واقعٍ!. (١٢)، وليس هذا مذهبُ الفقهاء.\n﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ!﴾: أي: إقامتُها واجبةٌ عند الحاجة إليها.\n﴿ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾:\n_________\n(١) في (ب) \" أن تجعل\".\n(٢) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢٢٢).\n(٣) في (أ) \" ما كان لله \".\n(٤) ما بين المعقوفتين ساقط من (ب).\n(٥) في (أ) \" البيتوتة \" والبينونة: إذا أبانها الزوج فطلقها طلاقًا لا رجعة فيه، وهذا بعد أن تنكح زوجًا غيره.\n(٦) انظر: جامع البيان (٢٨/ ١٣٥)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ١٥٢).\n(٧) القرء واحد القروء: والقرء عند أهل الحجاز الطهر وعند أهل العراق الحيض، وكلٌ قد أصاب؛ لأنَّ القرء: هو خروج من شيء إلى شيء، فخرجت المرأة من القرء الحيض إلى الطهر، ومن القرء الطهر إلى الحيض. [انظر: مجاز القرآن (١/ ٧٤)، جامع البيان (٢/ ٤٣٨)، غريب القرآن؛ للسِّجِّستاني (ص: ٣٨١)].\n(٨) انظر: جامع البيان (٢٨/ ١٣٦)، النُّكت والعيون (٦/ ٣٠).\n(٩) وروي عنه الإشهاد على الطلاق أيضًا. [انظر: جامع البيان (٢٨/ ١٣٧)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٤/ ٢٩٧)].\n(١٠) وهو مذهب أبي حنيفة وأحد قولي الشافعي. [انظر: تفسير السَّمعاني (٥/ ٤٦١)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ١٥٣)].\n(١١) والعلماء على القولين، لكن هذه الآيات غالبة في أمر الرَّجعة، قال ابن جُزَي: \" وقال ابن عباس: هو الشهادة على الطلاق وعلى الرجعة، وهذا أظهر؛ لأنَّ الإشهاد به يرفع الإشكال والنزاع، ولا فرق في هذا بين الرجعة والطلاق. [التسهيل (٤/ ١٢٦)، وانظر: جامع البيان (٢٨/ ١٣٧)، تفسير السَّمرقندي (٣/ ٤٣٨)، تفسير البغوي (٨/ ١٥٠)، تفسير القرآن العظيم (٤/ ٤٠٥)].\n(١٢) وقد أورد ابن كثير - ﵀ - قول عطاء في قوله: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ \" قال: لا يجوز في نكاح ولا طلاق ولا رجاع إلا شاهدا عدلٍ، كما قال الله ﷿، إلا أن يكون من عذر \" [تفسير القرآن العظيم (٤/ ٤٠٥)]، ومذهب الجمهور أن الإشهاد يكون واجبًا في النكاح، ويقع الطلاق والرجعة من دونه [انظر: أحكام القرآن؛ للجصَّاص (٣/ ٦٠٩)، تفسير السَّمعاني (٥/ ٤٦١)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ١٥٣)].","vol":"1","page":3286},{"text":"قيل: ﴿ذَلِكُمْ﴾ يعود إلى جميع ما في الآية.\nوقيل: يعودُ إلى إقامة الشهادة، كقوله: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آَثِمٌ قَلْبُهُ﴾\n[البقرة: ٢٨٣] (١).\n﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢)﴾: أي: ﴿يَتَّقِ اللَّهَ﴾ في طلاق السنة، ﴿يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ بالمراجعة (٢).\nوقيل: هو عامٌّ، أي: ﴿مَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ من الحرام إلى\nالحلال، ومن العقاب إلى الثواب، ومن الجحيم إلى النعيم (٣).\nالحسن: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ﴾ فيما أمره، ﴿يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ عمّا نهاه عنه\" (٤) (٥).\nوقيل: مَن فارق امرأتَه غيرَ مضارٍّ بها، رزقه اللهُ غيرَها، وألهمه الصبرَ عنها (٦).\n﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾: يأتيه ما يحتاجُ إليه من حيث لا يرجوه ... ولا يتأمّلُ (٧).\nوقيل: هو البركةُ في الرِّزق (٨).\nوقيل: هذا في الآخرة (٩) (١٠).\n_________\n(١) والأول أعمُّ.\n(٢) وهو قول ابن عباس والضحاك والشعبي. [انظر: جامع البيان (٢٨/ ١٣٨)، النُّكت والعيون (٦/ ٣١)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ١٥٤)].\n(٣) انظر: زاد المسير (٨/ ٧٢)، تفسير السَّمعاني (٥/ ٤٦١).\n(٤) \" عنه \" ساقطة من (ب).\n(٥) انظر: تفسير الثعلبي (٩/ ٣٣٧)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ١٥٤).\n(٦) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٣١)، زاد المسير (٨/ ٧٢).\n(٧) انظر: جامع البيان (٢٨/ ١٣٧)، زاد المسير (٨/ ٧٢).\n(٨) وهو قول سفيان بن عيينة. انظر: [النُّكت والعيون (٦/ ٣١)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ١٥٤)].\n(٩) انظر: زاد المسير (٨/ ٧٢).\n(١٠) والظاهر - والله أعلم - أنَّ الآية عامة، ويدخل فيها أمر الطلاق دخولًا أوَّليًا، وهو قول ابن مسعود ومسروق. [انظر: الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ١٥٥)] وهو اختيار ابن الجوزي حيث قال: \" والصحيح أنَّ هذا عامٌّ؛ فإنَّ الله تعالى يجعل للتقي مخرجًا من كل ما يضيق عليه، ومن لا يتقي يقع في كل شدة. قال الرَّبَيع بن خُثَيم: \" يجعل له مخرجًا من كل ما يضيق على الناس \" [زاد المسير (٨/ ٧١)] واختاره الشوكاني أيضًا إذ يقول: \" وظاهر الآية العموم، ولا وجه للتخصيص بنوع خاص، ويدخل ما فيه السياق دخولًا أوَّليًا \". [فتح القدير (٥/ ٣٣٩)].","vol":"1","page":3287},{"text":"وعن النبيّ - ﷺ - أنه قال: «إني لأعرفُ آيةً لو أخذ الناسُ بها كفتهم (١): وَمَنْ ﴿يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾»، يقولُها ويُعيدُها \" (٢).\nوفي سبب النزول: \" أن المشركين أسروا ابنًا لعوف بن مالكٍ الأشجعيّ، فأتى ... رسولَ الله - ﷺ -، وشكا إليه الفاقةَ، فقال (٣): إن العدوَّ أسر ابني وجزعتِ الأمُّ، فما تأمرُني؟ فقال النبي - ﷺ - (٤): «اتّق اللهَ واصبرْ، وآمرُكَ وإيَّاها أنْ تستكثرا (٥) من قول: لا حولَ ولا قوّةَ إلاّ بالله) [فعاد إلى بيته، وقال لامرأته: إنَّ رسول الله - ﷺ - أمرني وإيَّاك أن نستكثر من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله] (٦)، فقالت (٧): نِعمَ ما أمرنا به، فجعلا يقولان، فغفل العدوُّ عن ابنه (٨)، فساق غنمَهم، وجاء بها إلى أبيه، وهي أربعةُ آلاف شاةٍ!، فنزلت هذه ... الآيةُ» (٩).\nقوله (١٠): ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾: يكلُ أمرَه إليه.\nمشتقٌّ من الدابّة المواكِل، الذي (١١) ليس يسيرُ بسير (١٢) غيرِه منقادًا له (١٣).\n﴿فَهُوَ حَسْبُهُ﴾: كافِيه في الدنيا والآخرة.\n﴿إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾: سيبلغُ أمرُه إلى ما يُريدُ في خلقِه (١٤)\nومَن أضاف: فللتَّخفيف (١٥).\n﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)﴾: قيل: يُريد الطلاقَ والعدّةَ، وغير\nذلك مما تقدّم.\nوقيل: عامٌّ، أي: جعل (١٦) لكلّ شيءٍ ميقاتًا وأجلًا.\nوقيل: منتهىً وغايةً.\n_________\n(١) في (أ) \" لو أخذ الناس لكفتهم \".\n(٢) حديث أبي ذرٍّ - ﵁ - أخرجه أحمد في الزهد (ص: ١٨٢) وابن ماجة في سننه، في كتاب الزهد/ باب: الورع والتقوى برقم (٤٢٢٠)، ولفظه: (إني لأعرف كلمة (وقال عثمان: آية) لو أخذ الناس كلهم بها؛ لكفتهم) قالوا: يا رسول الله! أيّة آية؟ قال: وَمَنْ ﴿يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾، وابن حبان في صحيحه في كتاب التاريخ، باب: إخباره - ﷺ - عما يكون في أمته من الفتن والحوادث، برقم (٦٦٦٩)، وأخرجه الحاكم في مستدركه في كتاب التفسير، باب: تفسير سورة الطلاق (٢/ ٤٩٢)، وقال الحاكم: ... \" هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه \"، ووافقه الذهبي في تلخيصه على المستدرك، وقال الهيثمي في المَجْمع (٥/ ٢٢٣): \"رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح، إلا أنَّ أبا سليل ضريب بن نفير لم يدرك أبا ذرٍّ \".\n(٣) في (ب) \" وقال \".\n(٤) في (ب) \" رسول الله - ﷺ - \".\n(٥) في (أ) \" تستكثروا \".\n(٦) ما بين المعقوفتين ساقط من (ب).\n(٧) في (ب) \" فقال \".\n(٨) في (ب) \" فغفل العدو بابنه \".\n(٩) أخرج ابن جرير نحوه في جامع البيان (٢٨/ ١٣٨)، وأورده الواحدي في أسباب النزول (ص: ٣٥٦) بغير إسناد في الأولى وإسناد في الثانية، وأخرجه الحاكم في مستدركه في كتاب التفسير، باب: تفسير الطلاق (٢/ ٤٩٢) وقال: \" هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه\". وتعقبه الذهبي فقال: \" بل منكر وعباد رافضي جبل وعبيد متروك، قاله الأزدي \". المستدرك مع التلخيص (٢/ ٤٩٢)، وقد ذكر سبب النزول هذا غير واحدٍ من المفسرين [انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٣٧٢)، تفسير السمرقندي (٣/ ٤٣٩)، تفسير البغوي (٨/ ١٥١) وغيرهم من المفسرين].\n(١٠) \" قوله \" ساقطة من (ب).\n(١١) كذا في النسختين، ولعل الأولى أن يقال: \" التي \".\n(١٢) في (ب) \" ليس يسيرُ يَسيرُ \".\n(١٣) قال أهل اللغة: والوِكال في الدَّابة: أن لا تمشي إلا بمشي غيرها. [انظر: المفردات (ص: ٨٨٢)، مادة \" وَكَلَ \"، لسان العرب (١١/ ٧٣٤)، مادة \" وَكَلَ \".\n(١٤) هذا التفسير بناء على القراءة التي يسير عليها المفسر ﴿بَالِغٌ أَمْرَه﴾.\n(١٥) قرأ حفص عن عاصم من السَّبعة ﴿بَالِغُ﴾ أَمْرِي على الإضافة، وقرأ الباقون مُنَوَّنًَا ﴿بَالِغٌ أَمْرَه﴾ ... [انظر: السَّبعة (ص: ٦٣٩)، معاني القراءات (ص: ٤٩٤)، الحجَّة (٦/ ٣٠٠)].\n(١٦) \" جعل \" ساقطة من (أ).","vol":"1","page":3288},{"text":"وقيل: مقدارًا معلومًا لا يزيدُ ولا يَنقُصُ.\nوقيل: متّصلٌ بقوله: ﴿بَالِغُ﴾ أَمْرِي، ومرادُه: في الوقت الذي قدَّره (١).\n﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾: عن أبي بن كعبٍ - ﵁ -، قال: قلت: يا رسولَ الله، إن ناسًا من أهل (٢) المدينة قالوا لما نزلت الآيةُ التي في البقرة في عِدّة النساء (٣)، بقيَ من النساء عددٌ لم يُذكرْ في القرآن: الصغيرة، والآيسةُ، وذاتُ الحمل، قال: فنزلت التي في النساء القُصرى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾: (٤) أي: قعدن عن الحيض (٥).\n﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾: شككتم في عدّتهن ولم تعلموها (٦) ﴿فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾: مجاهد وقتادة في جماعةٍ: أي: ارتبتم بما يظهر منها منها من الدم، فلم تدروا (٧) أدمَ حيضٍ أم دمَ استحاضةٍ، من كبرٍ ذلك أم عِلَّة، لأنه لو كان كذلك لقال: إنْ أشكل عليكم (٨).\nوقيل: في الآية تقديمٌ وتأخيرٌ، والتقدير: واللائي لم يحضن إن ارتبتم في حيضهن \" واللائي لم يحضن إن ارتبتم، أي: إن ارتبتم في حيضهن (٩).\nوالجمهور على القول الأول (١٠).\n﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾: تقديره: واللائي لم يحضن عدَّتُهن ثلاثةُ أشهرٍ. فحُذف\nالخبرُ؛ لأن خبرَ المبتدأ الأول يدلُّ عليه (١١).\n﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ﴾: أي: عدَّتُهن ﴿أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾.\nوقيل: ﴿أَجَلُهُنَّ﴾ في الانقطاع فيما بينهن وبين أزواجهن ﴿أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ في الطلاق والوفاة جميعًا (١٢).\nوعن علي وابن عباسٍ - ﵃ -: \" أن عدّةَ المتوفَّى عنها زوجُها أبعدُ\nالأجلين \" (١٣).\n﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا (٤)﴾: يُسهِّل عليه أمرَه ويُوفقُّه\nللخير.\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٨/ ١٤٠)، النُّكت والعيون (٦/ ٣٢).\n(٢) \" أهل \" ساقطة من (ب).\n(٣) يعني قول الله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: (٢٢٨)].\n(٤) أخرجه ابن جرير (بنحوه) في جامع البيان (٢٨/ ١٤١)، وأخرجه الحاكم في مستدركه في كتاب التفسير، تفسير سورة الطلاق (٢/ ٤٩٢)، نحوه عن أبي - ﵁ - والسائل فيه غيره، قال: (قالوا قد بقي عدد من عدد النساء ...) وقال الحاكم: \"صحيح الإسناد ولم يخرجاه\"، وقال الذهبي: \" صحيح\" [لمستدرك مع التلخيص (٢/ ٤٩٣)]، وأخرجه الواحدي في أسباب النزول (ص: ٣٥٧).\n(٥) انظر: جامع البيان (٢٨/ ١٤١)، تفسير البغوي (٨/ ١٥٢).\n(٦) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٣٧٢)، معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ١٦٣).\n(٧) في (أ) \" فلا تدروا \".\n(٨) انظر: جامع البيان (٢٨/ ١٤٠)، النُّكت العيون (٦/ ٣٢).\n(٩) في (ب) \" والتقدير: واللائي لم يحضن إن ارتبتم، أي: إن ارتبتم في حيضهن \".\n(١٠) قال ابن جرير: \" وأولى الأقوال في ذلك بالصحة قول من قال عني بذلك إن ارتبتم فلم تدروا ما الحكم فيهن، وذلك أن معنى ذلك لو كان كما قاله من قال: إن ارتبتم بدمائهن فلم تدروا أدم حيض أو استحاضة لقيل: إن ارتبتن؛ لأنهن إذا أشكل الدم عليهن فهن المرتابات بدماء أنفسهن لا غيرهن، وفي قوله: ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ وخطابه الرجال بذلك دون النساء الدليل الواضح على صحة ما قلنا من أن معناه: إن ارتبتم أيها الرجال بالحكم فيهن؛ وأخرى وهو أنه جلَّ ثناؤه قال: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ واليائسة من المحيض هي التي لا ترجو محيضًا للكبر، ومحال أن يقال ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ﴾ ثم يقال: ارتبتم بيأسهن؛ لأنَّ اليأس هو انقطاع الرجاء، والمرتاب بيأسها مرجوٌّ لها، وغير جائز ارتفاع الرجاء ووجوده في وقت واحد، فإذا كان الصواب من القول في ذلك ما قلنا فبُيِّن أن تأويل الآية: واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم بالحكم فيهن، وفي عددهن فلم تدروا ما هن، فإن حكم عددهنَّ إذا طُلِّقن وهن ممن دخل بهن أزواجهن فعدتهن ثلاثة أشهر\". ... [جامع البيان (٢٨/ ١٤٠)، وانظر: تفسير مقاتل (٣/ ٣٧٢)، معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ١٦٣)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٤/ ٢٩٨)].\n(١١) انظر: جامع البيان (٢٨/ ١٤٢)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ١٥٩).\n(١٢) وهو مذهب الجمهور من الصحابة والفقهاء في المطلقة وأما المتوفى عنها زوجها فكذلك عند الجمهور أخذًا بالآية واتباعًا للسنة، كما في قصة سبيعة الأسلمية خلافًا لعلي وابن عباس - ﵄ - كما سيأتي. [انظر: جامع البيان (٢٨/ ١٤٢)، النُّكت والعيون (٦/ ٣٣)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ١٦٠)، تفسير القرآن العظيم (٤/ ٤٠٧)].\n(١٣) أي من الحمل وعدة الوفاة في حال وفاة الزوج. [انظر: جامع البيان (٢٨/ ١٤٤)، زاد المسير (٨/ ٧٣)، تفسير القرآن العظيم (٤/ ٤٠٧)].","vol":"1","page":3289},{"text":"وقيل: أمر بالتقوى في أحكام الطلاق ثلاثَ مراتٍ، ووعد في كلّ مرةٍ نوعًا من الجزاء، فقال: أولًا: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾، يُخرجه مما دخل فيه وهو يكرهه، ويُتيحُ له محبوبَه من حيثُ لا يتأمّل.\nوقال في الثاني: يُسهّل عليه الصعبَ من أمره، ويُتيحُ له خيرًا ممَّن طلّقها، إنْ كان الطلاقُ من جهتها.\nوالثالث: وعد (١) عليه أفضلَ الجزاء، وهو ما يكونُ في الآخرة من النَّعماء (٢).\n﴿ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ﴾: أي: المفروضُ المتقدّم ذكرُه فرضُ الله.\n﴿أَنْزَلَهُ﴾: من اللّوح المحفوظ ﴿إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا (٥)﴾: سبق.\n﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾: أي: أنزلوهن الدارَ والمسكنَ الذي أنتم به\nسكنتم ونزلتم (٣).\n﴿مِنْ وُجْدِكُمْ﴾: من غنائكم الذي به ملكتم المساكنَ.\nوقيل: الأمرُ بالسُّكنى قد تقدّم، وهذا أمرٌ بالإنفاق عليهن. والمعنى: أشركوهن (٤)\nفيما وجدتم من المال.\nوقيل: ﴿مِنْ وُجْدِكُمْ﴾: سعتكم وقُدرتكم (٥).\n﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ﴾: أي: في السُّكنى، ولا في النفقة.\nوالمضارّةُ: المضايقةُ والمزاحمةُ.\n﴿لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾: فتُحوِجوهنَّ إلى الخروج (٦).\n﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ﴾: أي: المطلَّقات ذوات الأحمال.\n﴿فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾: أجمعوا على أنَّ المطلَّقةَ إذا كانت\nحاملًا فلها النَّفقةُ، وكذلك كُلُّ (٧) مطلَّقةٍ ما دامت في العدّة فلها السُّكنى والنفقةُ.\nوقال بعضُهم: إذا بانت فلها السُّكنى دون النفقة (٨).\n﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ﴾: يعني: النساءَ البوائنَ أولادَكم منهن.\n﴿فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾: على الإرضاع؛ لأنه لا يجبُ عليها الإرضاع.\n﴿وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ﴾: ليأمرُ بعضُكم بعضًا بالجميل في إرضاع الولد.\nوقيل: ﴿بِمَعْرُوفٍ﴾: بمشورةٍ في الإرضاع.\nوقيل: هو أنْ لا يضرَّ الرجلُ بالمرأة، ولا المرأةُ بالرجل في الإرضاع.\n﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ﴾: تضايقتم واختلفتم في الإرضاع، فأبت الأمُّ أو أبى الأب، أو\nتضايقتم في الأجرة.\n﴿فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى (٦)﴾: بدفع (٩) الصبيِّ إلى امرأةٍ أخرى، ولا تجبرُ (١٠)\nالأمَّ على الإرضاع، فإنْ لم يقبل الصبيُّ ثديَ غيرها أُجبرت على إرضاعه بأُجرة المثل (١١).\n﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾: أي: لينفق الكثيرُ المالِ على المطلَّقة، وعلى أمِّ الولد من غِناه وثروته.\n﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾: أي: رزقه الله على قدر قوّته.\nوقيل: ضيِّق وقتِّر (١٢).\n﴿فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آَتَاهُ اللَّهُ﴾: أي: لينفق من ذلك الذي يؤتى وإنْ كان قليلًا.\n﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آَتَاهَا﴾: ما أعطاها من الرزق.\nوقيل: \" ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آَتَاهَا﴾: أي: بقدر عقلها. حكاه\nالنقاش \" (١٣)، فعلى هذا التأويل لا يكونُ متّصلًا بما قبلها.\n﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (٧)﴾: أي: بعد ضِيقٍ في المعيشة سعةً.\nوهذا وعدٌ للمؤمنين، كقوله: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٥]، أي:\nعاجلًا وآجلًا (١٤).\n﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾: أهل قريةٍ ﴿عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ﴾ (١٥):\nخالفت (١٦) اللهَ ورُسُلَه (١٧).\nوقيل: هم قومٌ عُذِبوا بمعصيتهم وتعدِّيهم (١٨) في الطَّلاق (١٩).\n﴿فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا (٨)﴾:\nقيل: فيه تقديمٌ وتأخير، أي: عذَّبناها عذابًا شديدًا في الدنيا، ونُحاسبُها (٢٠) حسابًا\nشديدًا في القيامة (٢١).\nوجاء بلفظ الماضي للتَّحقيق، كأكثر ألفاظ القيامة (٢٢).\nوقيل: حاسبناها في الدنيا، أي (٢٣): أخذنا ما لنا وأعطينا ما لهم، والمعنى: أخذناهم\nبالذنوب.\nوقيل: جازيناها، من قوله: ﴿فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [المؤمنون: ١١٧].\nوقيل: ضيّقنا عليها (٢٤).\nومعنى ﴿نُكْرًا﴾: فظيعًا (٢٥) شديدًا.\nوقيل: لا يُعهدُ مثلُه (٢٦).\n﴿فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا﴾: نالت وبيلَ فعلِها وعقوبةَ صُنعها.\n﴿وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا (٩)﴾: أي: آخر أمرها خُسرانًا، لا رِبحَ فيه.\nثم فسّر فقال (٢٧):\n﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾: يا ذوي\nالعقول. ولبُّ كلّ خالصُه، وقيل: اللُّبُّ: القلب (٢٨).\n_________\n(١) في (ب) \" توعد \".\n(٢) انظر: البرهان؛ للكرماني (ص: ٣١٣)، البحر المحيط (١٠/ ٢٠١).\n(٣) في (ب) \" وسكنتم ونزلتم \".\n(٤) في (أ) \" أتركوهنَّ \".\n(٥) وكلُّها معانٍ متقاربة. [انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ١٦٣)، جامع البيان (٢٨/ ١٤٥)].\n(٦) انظر: جامع البيان (٢٨/ ١٤٦)، النُّكت والعيون (٦/ ٣٣).\n(٧) \" كُلُّ \" ساقطة من (ب).\n(٨) وهو مذهب مالك والشافعي، ورواية عن أحمد. [انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٣٣)، زاد المسير (٨/ ٧٤)، تفسير البغوي (٨/ ١٥٤)].\n(٩) في (ب) \" يُدفعُ \".\n(١٠) في (أ) \" ولا تُجبرُ \".\n(١١) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٣٤)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ١٦٣).\n(١٢) انظر: جامع البيان (٢٨/ ١٤٨)، زاد المسير (٨/ ٧٥).\n(١٣) لم أقف عليه.\n(١٤) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ١٤٦)، زاد المسير (٨/ ٧٥)، تفسير البيضاوي (٢/ ٥٠٣).\n(١٥) في (أ) \" عَتَتْ ﴿عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا﴾: خالفت اللهَ ﴿وَرُسُلِهِ﴾ \".\n(١٦) في (ب) \" خالفَ \".\n(١٧) انظر: جامع البيان (٢٨/ ١٥٠)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ١٤٦).\n(١٨) في (أ) \" وتعذيبهم \".\n(١٩) ذكره ابن جرير بسنده في جامع البيان (٢٨/ ١٥٠) عن عمرو بن أبي سلمة عن عمر بن سليمان، وأورده النَّحَّاس في إعراب القرآن (٤/ ٢٩٩).\n(٢٠) في (أ) \" ويُحاسبها \".\n(٢١) انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ١٦٤)، تفسير الثعلبي (٩/ ٣٤٢).\n(٢٢) انظر: تفسير الثعلبي (٩/ ٣٤٢)، تفسير البيضاوي (٢/ ٥٠٣).\n(٢٣) \" أي \" ساقطة من (أ).\n(٢٤) انظر: جامع البيان (٢٨/ ١٥٠)، تفسير السَّمرقندي (٣/ ٤٤٢)، زاد المسير (٨/ ٧٦).\n(٢٥) في (أ) \" قطيعًا \".\n(٢٦) انظر: جامع البيان (٢٨/ ١٥٠)، تفسير الثعلبي (٩/ ٣٤٢).\n(٢٧) \" فقال \" ساقطة من (أ).\n(٢٨) انظر: المفردات (ص: ٧٣٣)، مادة \"لَبَّ\".","vol":"1","page":3290},{"text":"﴿الَّذِينَ آَمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (١٠)﴾: أي: القرآن.\n﴿رَسُولًا﴾: وأرسل رسولًا، يعني: محمدًا - ﷺ - (١).\nوقيل: جبريل - ﵇ - (٢).\nوقيل: تقديره: ذا ذكرٍ وشرفٍ، ﴿رَسُولًا﴾: يعني (٣) محمدًا، فيكونُ بدلًا من ﴿ذِكْرًا﴾ (٤).\nوقيل: ﴿رَسُولًا﴾، أي: رسالةً، فيكونُ بدلًا من ﴿ذِكْرًا﴾ (٥) أيضًا (٦).\nوقيل: \" ﴿ذِكْرًا﴾ منصوبٌ بـ ﴿أَنْزَلَ﴾ (٧)، و﴿رَسُولًا﴾ بالمصدر، أي: ذكر رسولٍ \". قاله أبو علي (٨).\nوقيل: تمّ الكلامُ على ﴿ذِكْرًا﴾، و﴿رَسُولًا﴾ نُصب على الإغراء.\nوقيل: التقدير: أنزلنا إليكم ذكرًا آتاه رسولًا (٩).\n﴿يَتْلُو عَلَيْكُمْ﴾: أي: الرسول يتلو عليكم، وقيل: الفعل لله.\n﴿آَيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ﴾: الله، وقيل: ليُخرجَ الرسولُ (١٠).\n﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ﴾: الكفر.\n﴿إِلَى النُّورِ﴾: الإيمان.\nوقيل: من الجهل إلى العلم.\nوقيل: من النار إلى الجنة.\nوقيل: من الضلال إلى الرشاد، وقيل: من الباطل إلى الحقّ (١١).\nومعناهن واحدٌ.\n﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا (١١)﴾: أي: يرزقُه فيها رزقًا حسنًا.\nووحّد ﴿يُدْخِلْهُ﴾ حملًا على لفظ ﴿مَنْ﴾:.\nوجُمع ﴿خَالِدِينَ﴾ حملًا على المعنى.\nثم وحّد قوله: ﴿لَهُ﴾ على اللّفظ (١٢).\nوليس لهذا (١٣) في القرآن نظيرٌ.\n﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾: أجمع المفسرون على أن السَّماء (١٤) سبعٌ، غِلَظُ كلّ سماءٍ مسيرةَ خمسمائة عامٍ، وبين كلّ سماءٍ وسماءٍ مسيرةَ خمسمائة عامٍ.\nفي كلّ سماءٍ نوعٌ من الملائكة، يُسبّحون اللهَ ويُقدّسونه ويُمجّدونه (١٥).\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٨/ ١٥٢)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ١٤٧).\n(٢) وهو قول الكلبي، [انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ١٤٧) الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ١٦٧)]، وقد استبعد هذا القول ابن جزي. [التَّسهيل (٤/ ١٢٩)].\n(٣) \" يعني \" ساقطة من (أ).\n(٤) في (ب) \" ذِكر \".\n(٥) في (ب) \" ذِكر \".\n(٦) \" أيضًا \" ساقطة من (أ).\n(٧) في (أ) \" منصوب بأنزلنا \".\n(٨) انظر: البحر المحيط (١٠/ ٢٠٤).\n(٩) انظر: إعراب القرآن؛ للنَّحاس (٤/ ٣٠١)، مُشْكِلُ إعراب القرآن؛ لمكي (٢/ ٧٤١)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ١٦٧)، البحر المحيط (١٠/ ٢٠٤).\n(١٠) انظر: البحر المحيط (١٠/ ٢٠٤)، تفسير أبي السُّعود (٦/ ٢٦٤).\n(١١) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٣٦)، تفسير القرآن العظيم (٤/ ٤١٠).\n(١٢) في (أ) \" وليس هذا \".\n(١٣) انظر: البحر المحيط (١٠/ ٢٠٤)، تفسير أبي السُّعود (٦/ ٢٦٤).\n(١٤) كذا في النسختين، ولعلها \" السماوات \".\n(١٥) انظر: جامع البيان (٢٨/ ١٥٣)، النُّكت والعيون (٦/ ٣٦)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ١٦٨)، التَّسهيل (٤/ ١٢٩).","vol":"1","page":3291},{"text":"واختلفوا في الأرض، على أقوال:\nأحدها: أن الأرضَ واحدةٌ، وقوله: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾، أي: في الخلْق، لا في العدد، وليس في القرآن ما يدلُّ على أنه سبعٌ.\nوالثاني: أن المرادَ بها الأقاليمُ السبعةُ، والدعوة (١) شاملةٌ جميعها.\nالثالث: أنها سبعُ أرضينَ متّصلةٌ بعضُها ببعضٍ، والحائلُ بين كلّ أرضٍ وأرضٍ بحارٌ لا يُمكنُ قطعُها ولا الوصولُ إلى الأرض الأخرى، ولا تصلُ الدعوةُ إليهم.\nوالرابع: أنها سبعُ أرضين، بعضُها فوقَ بعضٍ، متّصلةٌ لا فُرجةَ بينها (٢) (٣).\nوالخامسُ: أنَّ بينَ كلِّ (٤) واحدةً منها إلى الأخرى مسيرةَ خمسمائة عامٍ، كما جاء في ذكر السماء، وفي كلّ أرضٍ منها خلْقٌ، حتى قالوا: في كلّ ارضٍ آدمُ، وحواءُ، ونوحٌ، وإبراهيمُ. وهم يُشاهدون السماءَ من جانب أرضهم، ويشهدون الضياءَ منها (٥).\nوقيل: جعل اللهُ لهم نورًا يستضيئون به (٦).\nوذكر النقّاشُ في تفسيره فصلًا في خلائق السماوات والأرض وأشكالِهم وأسمائهم (٧).\nولم يكن ذلك في سائر التفاسير، فأضربتُ عن إيراده. والله أعلم بذلك.\nقوله: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ قيل: نصب بالعطف على ﴿سَبْعَ سَمَوَاتٍ﴾\nوقيل: بفعل آخر دلَّ عليه الأول، أي خلق من الأرض مثلهُنَّ (٨)؛ لأنه لا يُحالُ بين\n_________\n(١) يعني رسالةَ النبي - ﷺ -.\n(٢) في (أ) \" بينهما \".\n(٣) وهو قول الجمهور، لأنَّ المثلية تقتضي الموافقة، وقد بينتها السُّنة ذلك في عدَّة أحاديث، كقوله - ﷺ -: ...» طوقه من سبع أرضين»، وقوله - ﷺ -: «وربِّ الأرضين السبع وما أقللن». [انظر: جامع البيان (٢٨/ ١٥٣)، النُّكت والعيون (٦/ ٣٦)، المحرر الوجيز (٥/ ٣٢٧)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ١٦٨)، البحر المحيط (١٠/ ٢٠٥)].\n(٤) \" بينَ كُلَّ \" ساقطة من (ب).\n(٥) ذكره أبو حيان، وقال: \" عن ابن عباسٍ، من رواية الواقدي الكذاب \" [البحر المحيط (١٠/ ٢٠٥)].\n(٦) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٣٦)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ١٦٨)، البحر المحيط (١٠/ ٢٠٥).\n(٧) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢٢٣).\n(٨) \" قيل: نصب بالعطف على ﴿سَبْعَ سَمَوَاتٍ﴾، وقيل: بفعل آخر دلَّ عليه الأول، أي خلق من الأرض مثلهُنَّ \" ساقطة من (ب).","vol":"1","page":3292},{"text":"واو العطف والمعمول به، وبابه (١) الشِّعر (٢). وقد سبق في سورة هود ... .\nقوله: ﴿يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾: أي: بين السماء والأرض، يُريد الأمرَ والنهيَ،\nوالرسلَ والوحيَ، وقيل: ﴿بَيْنَهُنَّ﴾: بين كلّ سماءٍ وسماءٍ، وأرضٍ وأرضٍ، ... و﴿الْأَمْرُ﴾: القضاءُ والقدر (٣).\n﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: اللاّم متعلّقٌ بالخلْق.\nوقيل: بقوله: ﴿يَتَنَزَّلُ﴾ والأول أولى (٤).\n﴿وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾: فلا تخفى (٥) عليه خافيةٌ.\n﴿عِلْمًا﴾: مصدرٌ من غير لفظ الأول، أي: علم كلَّ شيءٍ علمًا (٦).\n_________\n(١) في (أ) \" وبابة \".\n(٢) انظر: إملاء ما منَّ به الرحمن (٢/ ١٢٢٨)، البحر المحيط (١٠/ ٢٠٥).\n(٣) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٣٧)، تفسير البغوي (٨/ ١٥٨)، البحر المحيط (١٠/ ٢٠٥).\n(٤) انظر: إعراب القرآن؛ للنَّحاس (٤/ ٣٠١)، مُشْكل إعراب القرآن؛ لمكي (٢/ ٧٤١).\n(٥) في (أ) \" فلا يخفى عليه \".\n(٦) انظر: إعراب القرآن؛ للنَّحاس (٤/ ٣٠١).","vol":"1","page":3293},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-172>سورة التحريم </span>(١)\nاثنتا عشرة آية (٢) (٣) مدنية (٤).\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾: في سبب النزول.\nعن ابن عباس -﵄ -: «أن النبي - ﷺ - دخل على حفصةَ في يوم نوبتها، فخرجت هي إلى بعض شأنها، فأرسل رسولُ الله - ﷺ - إلى ماريةَ (٥)، جاريتَه أمَّ إبراهيم، وأدخلها بيتَ حفصةَ، وواقعها، فلمّا رجعت حفصةُ علمت بذلك، فغضبت وبكت، وقالت (٦): أما لي حُرمةٌ عندكَ وحقٌّ، فقال رسولُ الله - ﷺ -: «اسكتي فهي حرامٌ عليَّ، أبتغي بذلك رضاكِ»، وحلف أنْ لا يقربها، وبشّرها (٧) أن الخليفةَ من بعده أبوها، ... وأبو عائشةَ (٨)، وقال لها: «لا تُخبري أحدًا بما أسررتُ إليكِ، من أمرِ الجارية، وأمرِ الخليفة بعدي»، فلمّا خرج رسولُ الله - ﷺ - أخبرت عائشةَ بذلكَ، وقالت: قد أراحنا اللهُ ... من ماريةَ، فإن رسولَ الله\n_________\n(١) وبه سُمِّيت في المصاحف وفي كتب السُّنة والتفاسير وهو أشهر أسمائها، وتسمى سورة \" المُتحرم \"، وسورة \" اللِّمَ تُحرِّم \"، وتسمَّى سورة \" النَّبي \"، وسَمَّاها ابن الزبير: سورة \" النِّساء \". [انظر: بصائر ذوي التمييز\n(١/ ٤٧١)، الإتقان (١/ ٥٦)، فتح القدير (٥/ ٣٤٨)، التحرير والتنوير (٢٨/ ٣٤٣)].\n(٢) \" اثنتا عشرة \" ساقطة من (ب).\n(٣) بلا خلاف عندَّ أهل العدِّ. [انظر: البيان؛ للداني (ص: ٢٥٠)، بصائر ذوي التمييز (١/ ٤٧١)].\n(٤) بإجماع المفسرين كما حكاه غير واحدٍ [انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٣٨)، المحرر الوجيز (٥/ ٣٢٩)، زاد المسير (٨/ ٧٨)].\n(٥) مارية بنت شمعون القبطية، أم ابراهيم ولد رسول الله - ﷺ -، بعث بها المقوقس صاحب الإسكندرية إلى رسول الله - ﷺ - سنة سبع من الهجرة مع حاطب بن أبي بلتعة فدعاها إلى الإسلام فأسلمت، وكان - ﷺ - يطؤها بملك اليمين، وضرب عليها مع ذلك الحجاب، فحملت منه ووضعت في ذي الحجة سنة ثمان، ماتت في خلافة عمر - ﵁ - في المحرم سنة ست عشرة ودفنت بالبقيع. [انْظُرْ تَرْجَمَتَهَا: الاستيعاب (٤/ ٣٩٦)، الإصابة (٤/ ٣٩١)].\n(٦) في (أ) \" فقالت \".\n(٧) في (أ) \" ويُسِرُّها \".\n(٨) زيادة ذكر الخلافة ضعيفة، ولا يصح شيء منها، وأورد ابن كثير هذه الرواية عن الطبراني وقال: \" إسناده فيه نظر \" [تفسير القرآن العظيم (٤/ ٤١٦)، وكذا الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١٢٦)] وقد أورد السيوطي في الدر المنثور (١٤/ ٥٧٥) جملة منها.","vol":"1","page":3294},{"text":"- ﷺ - حرَّمها على نفسه، وقصَّت عليها القصَّةَ، وكان بينهما مصافاتٌ وتظاهرٌ، فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ...﴾ (١).\nوذهب جماعةٌ من المفسرين إلى أنها في يوم عائشةَ فاطَّلعت (٢) حفصةُ على ذلك، فقال لها (٣): «لا تُخبري عائشةَ واسكتي، فهي حرامٌ عليَّ» (٤).\nوفي صحيح البخاري عن هشام بن عروةَ (٥) عن عروةَ (٦) عن عائشة - ﵂ -: \" أن حفصةَ أهدتْ لها امرأةٌ من قومها عُكّةَ عَسَلٍ (٧)، وكانت تسقي النبيَّ - ﷺ - من ذلك، قلت: أَمَا والله (٨) لنحتالنَّ له، فقلتُ لسودةَ بنتِ زَمعةَ (٩): إنه سيدنو منكِ إذا دخل عليكِ، فقولي له: يا رسولَ\n_________\n(١) أخرج هذا الحديث النَّسائي في سُنَنِه مختصرًا في كتاب عشرة النّساء، باب الغيرة، برقم (٣٨٩٧)، وابن جرير في جامع البيان (٢٨/ ١٥٥)، والواحدي في أسباب النزول (ص: ٣٥٧) [وليس فيه ذكر الخلافة] وأورده مقاتل في تفسيره (٣/ ٣٧٦) والسيوطي في الدُّرِّ المنثور (١٤/ ٥٧٥).\n(٢) في (ب) \" وأطلعت \".\n(٣) في (ب) \" وقال لها \".\n(٤) انظر: تفسير السَّمرقندي (٣/ ٤٤٤).\n(٥) هشام بن عروة بن الزبير بن العوام القرشي الأسدي، أبو المنذر، وقيل: أبو بكر، أحد تابعي المدينة المشهورين المكثرين في الحديث، المعدودين من أكابر العلماء وجلة التابعين، وهو معدود في الطبقة الرابعة من أهل المدينة، وقدم بغداد على المنصور، وتوفي بها سنة ست وأربعين ومائة، وقيل: سنة خمس وأربعين للهجرة، وصلَّى عليه المنصور، ودفن بمقبرة الخيزران. [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: مشاهير علماء الأمصار (ص: ١٠٥)، وفيات الأعيان (٦/ ٨٠)].\n(٦) \" عن عروة \" ساقطة من (أ).\n(٧) العُكَّة: أَصغرُ من القِرْبة للسمن وهو زُقَيْقٌ صغير وجمعها عُكَكٌ وعِكَاكٌ، وهي وعاء من جلود مستدير يختص بالسَّمن والعسل، وهو بالسمن أَخص. [انظر: النهاية (٣/ ٢٨٤)، مادة \" عَكَكَ \"، لسان العرب (١٠/ ٤٦٨)، مادة \" عَكَكَ \"].\n(٨) في المخطوطتين \" إنّا والله \"، والصحيح \" أَمَا والله \" وهو بهذا اللفظ في الصحيحين.\n(٩) سَوْدَةُ بنت زَمْعة بن قيس بن عبد شمس القرشية العامرية، أم المؤمنين، تزوجها النبي - ﷺ - بعد موت خديجة، ... وكانت سيدة جليلة نبيلة، وانفردت به نحوًا من ثلاث سنين أو أكثر، حتى دخل بعائشة، وكانت أولًا عند السكران ابن عمرو، وقد توفيت - ﵂ - آخر خلافة عمر بن الخطاب - ﵁ -. [انْظُرْ تَرْجَمَتَهَا: الاستيعاب (٤/ ٣١٧)، أسد الغابة (٧/ ١٧٣)، سير أعلام النبلاء (٢/ ٢٦٥)، الإصابة (٤/ ٣٣٠)].","vol":"1","page":3295},{"text":"الله، أكلتَ مغافير (١)، فإنه سيقول لك: «سقتني حفصةُ شربةَ عسلٍ»، فقولي له: جَرَسَت (٢) نحلة العُرفُط (٣)، وسأقول ذلك، وقولي له أنت يا صفيةُ ذلك، قالت عائشةُ: قالت سودةُ: فو الله ما هو إلاّ أنْ قام على الباب، فكدت أنْ أناديه بما أمرتني به، فلما دنا - ﷺ - منها قالت له سودةُ: يا رسولَ الله، أكلتَ مغافير، قال: «لا، سقتني حفصةُ شربةَ عسلٍ»، قالت: جَرَسَتْ نحلة العُرْفُط، قالت: فلما دخل عليّ قلت له مثلَ ذلك، فلما دار (٤) إلى صفيةَ قالت له مثل ذلك، فلما دار إلى حفصة قالت: يا رسول الله أَسقيك منه؟ قال: «لا حاجةَ لي فيه»، قالت: قالت سودة: سبحان الله، والله لقد حرمناه، قالت: قلت لها اسكتي (٥).\nوروى ابنُ أبي مُليكةَ أنه - ﷺ - شرب في بيت سودةَ بنتِ زَمعةَ (٦).\nوروى أسباطُ (٧) عن السدّيّ: أنه شرب عند أمّ سلمةَ (٨).\nوذكر أقضى القضاة والنقّاش (٩) عن عكرمة (١٠): أن الآية نزلت في المرأة التي وهبت نفسَها للنبيّ - ﷺ -، فلم يقبلها (١١).\n_________\n(١) المَغَافِيرُ: واحِدُها مُغْفُور بالضَّم، وله رِيحٌ كرِيهة مُنْكَرة. ويُقال أيضا [المَغاثِير]، والمَغافِير: صمغٌ يسيل من شجر العرفط غير أَن رائحته ليست بطيبة. [انظر: النِّهاية (٣/ ٣٧٤)، مادة \" غَفَرَ \"، لسان العرب (٥/ ٢٥)، مادة \" غَفَرَ \"].\n(٢) جَرَسَت: أي أكلته، والجاروس كثير الأكل. [انظر: مجمل اللغة؛ لابن فارس (ص: ١٦٢)، مادة \" جَرَسَ \"، لسان العرب (٦/ ٣٥)، مادة \" جَرَسَ \"].\n(٣) العُرْفُط: بالضم: شجَرُ الطَّلْح وله صَمْغٌ كريهُ الرَّائحة فإذا أكَلتْه النَّحلُ حصَل في عسلها من ريحهِ [النهاية (٣/ ٤٤٤)، مادة \" عَرَفَطَ \"].\n(٤) في (أ) \" جاء \".\n(٥) أخرجه البخاري في كتاب الحِيَل، باب: ما يكره من احتيال المرأة مع الزوج والضرائر، وما نزل على النبي - ﷺ - في ذلك (٦٩٧٢).\n(٦) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٣٩).\n(٧) أسباط بن نصر الهمداني، أبو يوسف، ويقال: أبو نصر، روى عن سماك بن حرب وإسماعيل السُّدِّي ومنصور ابن المعتمر وغيرهم، وقد ضَعَّفه أبو نعيم، وقال \" أحاديثه عامية سقط مقلوب الأسانيد \"، وقال النسائي ليس بالقوي، وذكره ابن حبان في الثقات، توفِّي سنة ثنتين وستين ومائة للهجرة. [انْظُرْ تَرْجَمَتُه: الثقات؛ لابن حبَّان (٦/ ٨٥)، تهذيب التهذيب (١/ ١٨٥)].\n(٨) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٣٩).\n(٩) \" النَّقاش \" ساقطة من (أ).\n(١٠) \" عن عكرمة \" ساقطة من (ب).\n(١١) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٣٨)، وقد رواه عن ابن عبَّاسٍ - ﵄ - فيكون قولًا ثالثًا في نزول الآية، قال السَّمعاني في تفسيره: \" وعن ابن عباس في رواية: أنَّ الآية وردت في الواهبة نفسها للنبي، وهو قول شاذُّ. [تفسير السمعاني (٥/ ٤٧١)]، وقال ابن كثير: \"وهذا قول غريب \" [تفسير القرآن العظيم (٤/ ٤١٣)].","vol":"1","page":3296},{"text":"والأكثرون على أنه حرّم ماريةَ على نفسه، وطلَّق حفصةَ، واعتزل (١) النساءَ تسعًا وعشرين يومًا، وكان حرَّمَ (٢) على نفسِه إنْ لا يدخُلَ عليهن شهرًا، فأنزلَ اللهُ هذه الآيةَ، وأخبر النبيّ - ﷺ - أن حفصةَ صوّامةٌ قوّامةٌ، وأنها إحدى نسائكَ في الجنة (٣).\nقال أبو القاسم: \"لم يُطلِّق حفصةَ \".\nمقاتلُ: \" همَّ أنْ يُطلِّقَها فجاء جبريلُ - ﵇ -، وأخبر أن حفصةَ صوّامةٌ قوّامةٌ، وأنها إحدى نسائكَ في الجنة، فأمسِك عن طلاقها وراجِعْها على قول مَن يقول (٤) طلقها.\nواستحلَّ ماريةَ، وعاد إلى سائر نسائه \" (٥).\nقوله: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾: قيل: حلف يمينًا فحرَّمها بها، فأُمر بالكفّارة باليمين.\nوقيل: حرّمها على نفسه من غير يمينٍ. وكان التحريمُ موجبًا لكفارة اليمين، وهي ما في سورة المائدة (٦) (٧).\n_________\n(١) في المخطوطتين \" عزل \"، بالفعل الثلاثيّ، والمناسب ما أُثبت وهو الموافق للروايات.\n(٢) في (ب) \" جعل \".\n(٣) كذا في المخطوطتين، والظاهر أن في النص سقطًا، وفيه تكرارٌ مع ما بعده بالحرف، وخلط في رواية مراجعة حفصة - ﵂ -، عن مقاتل من قول جبريل - ﵇ -، وانظر: النُّكت والعيون (٦/ ٣٩)، فقد نقل بعض قوله منه.\n(٤) \" يقول \" ساقطة من (ب).\n(٥) انظر: تفسير البغوي (٨/ ١٦٤).\n(٦) يعني كفارة اليمين في قول الله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩)﴾ [المائدة: (٨٩)].\n(٧) انظر: جامع البيان (٢٨/ ١٥٥)، النُّكت والعيون (٦/ ٣٩)، قال ابن جرير: \" والصواب من القول في ذلك أن يقال: كان الذي حرمه النبي - ﷺ - على نفسه شيئًا كان الله قد أحله له، وجائز أن يكون ذلك كان جاريته وجائز أن يكون كان شرابًا من الأشربة وجائز أن يكون كان غير ذلك، غير أنه أي ذلك كان فإنه كان تحريم شيء كان له حلالًا فعاتبه الله على تحريمه على نفسه ما كان له قد أحله، وبيَّن له تحلة يمينه في يمين كان حلف بها مع تحريمه ما حرَّم على نفسه \" [جامع البيان (٢٨/ ١٥٨)].","vol":"1","page":3297},{"text":"قوله: ﴿تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ﴾: تطلُب رضاهنَّ.\nقيل: في محلّ نصبٍ على الحال (١).\nوقيل: ابتغاءَ رضاهنّ (٢)، على أنه مفعولٌ له (٣).\nواللّفظ لا يحتملُ هذا.\nويحتملُ: أن الاستفهامَ مقدَّرٌ، أي: أتبتغي (٤) مرضاةَ أزواجك بتحريم ما أحلَّ الله.\n﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١)﴾: قد غفر لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخَّر.\n﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ﴾: قيل: أوجب، وقيل: بيّن لكم (٥)، وقيل: قدَّر.\n﴿تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾: تحليلَها، وهو إطلاقٌ يُحلُّ ما حظره عقد التحريم.\nوتحليل القسم: إزالةُ الحِنْث عنه (٦).\n﴿وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ﴾: فابتغوا (٧) تحليلَه وتحريمَه.\n﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٢)﴾.\n﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ﴾: يعني: حفصةَ.\n﴿حَدِيثًا﴾: حديث ماريةَ والخلافةِ.\nوقيل: ذكر تحريم العسل والخلافة (٨).\n﴿فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ﴾: أخبرت حفصةُ عائشةَ بالحديثِ (٩).\n﴿وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾: أطلعَ اللهُ محمدًا - ﷺ - على إفشائها الحديث (١٠).\n﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ﴾: عرَّف حفصةَ بعضَ ما أفشت، يعني: حديثَ ماريةَ، أو ذكر العسل.\n﴿وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾: فلم يُخبرْها به (١١) كرمًا، وهو حديث الخلافة، كراهةَ أنْ ينتشرَ (١٢).\nسفيان: \"ما زال التغافُلُ من فعل الكرام \" (١٣).\nالحسن: \" ما استقصى كريمٌ قطُّ \" (١٤).\n﴿فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ﴾: نبأَ النبيُّ - ﷺ - حفصةَ بما أفشت من السرِّ إلى عائشةَ.\n﴿قَالَتْ﴾: أي: حفصةُ للنبيّ - ﷺ -.\n﴿مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا﴾: مَن أخبركَ بما فعلتُ؟\n﴿قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ﴾: بخفيَّات القلوب.\n﴿الْخَبِيرُ (٣)﴾: فلا يخفى عليه شيءٌ.\n﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ﴾: يريد حفصةَ وعائشةَ - ﵄ -.\n﴿فَقَدَرَ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾: مالت عن الواجب وزاغت بسروركما بما كره النبيّ - ﷺ - من تحريم ماريةَ.\nوجمع القلوبَ في موضع التثنية؛ لأن الأعضاء الوِترَ إذا أُضيفت إلى إنسانين جُمع في موضع التثنية (١٥)؛ لزوال الالتباس (١٦).\nوجواب الشرط محذوفٌ، والتقدير: إن تتوبا إلى الله فهو الواجب.\nوقيل: قبلت توبتَكما.\nوقيل: إن لا تتوبا فقد صغت قلوبكما.\nوقيل: إن تتوبا فقد صغت قلوبكما إلى الحقّ (١٧).\n﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ﴾: تعاونا على إيذائه.\n﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ﴾: ناصرُه ووليُّه.\n﴿وَجِبْرِيلُ﴾: وليُّه ومُعينُه.\n﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾: المخلصون من المؤمنين.\nقتادةُ: \" هم الأنبياء \" (١٨).\nوقيل: هم الصحابةُ (١٩).\nوقيل: المرادُ به أبو بكرٍ وعمرَ - ﵄ -؛ فإنهما أبوا عائشةَ وحفصةَ،\nوهو تفسيرُ النبيّ - ﷺ - (٢٠).\nوقيل: \" المرادُ به عليٌّ - ﵁ - \" (٢١).\n_________\n(١) انظر: التسهيل (٤/ ١٣٠)، البحر المحيط (١٠/ ٢٠٩).\n(٢) في (أ) \" مرضاتهنَّ \".\n(٣) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢٢٥).\n(٤) في (ب) \" أتبغي \".\n(٥) \" لكم \" ساقطة من (أ).\n(٦) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٣٩)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ١٧٧).\n(٧) في (ب) \" فاتبعوا \".\n(٨) تقدَّم الحديث عن ضعف الروايات الواردة في خبر الإسرار بالخلافة، والمتعين هو خبر العسل وماريه.\n(٩) في (ب) \" الحديثَ \".\n(١٠) في (أ) \" على إفشاء الحديث \".\n(١١) \" به \" ساقطة من (ب).\n(١٢) انظر: جامع البيان (٢٨/ ١٦٠)، النُّكت والعيون (٦/ ٤٠)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ١٧٩).\n(١٣) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢٢٥)، البحر المحيط (١٠/ ٢١٠).\n(١٤) انظر: تفسير الثعلبي (٩/ ٣٤٦)، تفسير البغوي (٨/ ١٦٤).\n(١٥) \"لأن الأعضاء الوِترَ إذا أُضيفت إلى إنسامين جُمع في موضع التثنية \" ساقطة من (ب).\n(١٦) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢٢٦)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ١٨٠).\n(١٧) انظر: جامع البيان (٢٨/ ١٦١)، النُّكت والعيون (٦/ ٤٠).\n(١٨) انظر: جامع البيان (٢٨/ ١٦٣)، النُّكت والعيون (٦/ ٤١)، زاد المسير (٨/ ٤١).\n(١٩) وهو قول السُّدي. [انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٤١)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ١٨١)].\n(٢٠) وهو قول الضحاك عكرمة وسعيد بن جبير. [انظر: جامع البيان (٢٨/ ١٦٣)، النُّكت والعيون (٦/ ٤١)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ١٨١)].\n(٢١) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٤١)، تفسير القرآن العظيم (٤/ ٤١٥) وقد ضعَّف ابن كثير الرواية الواردة في ذلك.","vol":"1","page":3298},{"text":"قال ابنُ زيدٍ: \"هم الملائكةُ \" (١) (٢).\nوالجمهور: على أنه واحدٌ وقع موقعَ الجمع (٣).\nوقيل: أصله: (صالحوا)، فحُذف الواوُ، كما حُذف من قوله: ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ [العلق: ١٨]، و﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ﴾ [الشورى: ٢٤] \" (٤).\n﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ﴾: بعد نصر مَن تقدّم ذكرُهم. وقيل: مع ذلك.\n﴿ظَهِيرٌ (٤)﴾: أعوانٌ متظاهرون على مَن يُؤذيه (٥).\nو(فعيلٌ) يقع للجمع (٦). قال الشاعر (٧):\n. . . . . . . . . . . . . . . ... إن العواذلَ لسن لي بأمينِ (٨)\nوقد سبق.\nومن القراء مَن اختار الوقفَ على: ﴿هُوَ مَوْلَاهُ﴾، ثم آخر الآية.\nومنهم مَن اختار على: ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾.\nويجوز على: ﴿جِبْرِيلُ﴾ (٩).\n﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ (١٠): هذا دليلٌ لمَن قال: لم يُطلِّق حفصةَ.\nوفي الآية تخويفٌ لنسائه، وإخبارٌ عن قُدرة الله على تبديله خيرًا (١١) منهنَّ إنْ طلّق أزواجَه (١٢).\n﴿وعَسَى﴾ من الله واجبٌ.\nوقيل: \" كلّ (عسى) من الله في القرآن (١٣) واجبٌ إلاّ هذا \" (١٤) (١٥).\nومعنى: ﴿خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾: قيل: أطوعَ له منكن.\nوقيل: أحبُّ إليه منكنَّ (١٦).\nالسُّديّ: \"خيرًا منكنَّ في الدنيا \" (١٧).\nوالآية واردةٌ في الإخبار عن القدرة لا عن الكون في الوقت؛ لأنه قال:\n﴿إِنْ طَلَّقَكُنَّ﴾، وعلم أنه لا يُطلِّقهن، وإذا (١٨) لم يُطلِّقْهُنَّ فهنَّ خيرُ نساء الأُمة (١٩).\nقوله (٢٠): ﴿مُسْلِمَاتٍ﴾: قيل: من الإسلام، ولم تصلح (٢١) للنَّبي - ﷺ - غير مُسلمة.\n_________\n(١) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٤١)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ١٨١).\n(٢) والأولى العموم في معنى الآية، قال النَّحَّاس: \" فمن أصحِّ ما قيل فيه أنه لكل صالح من المؤمنين، ولا يخصُّ به واحدٌ إلا بتوقيف \". [إعراب القرآن (٤/ ٣٠٣)].\n(٣) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ١٦٧)، جامع البيان (٢٨/ ١٦٣)، إعراب القرآن، للنَّحاس (٤/ ٣٠٣).\n(٤) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢٢٦)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ١٨١).\n(٥) انظر: جامع البيان (٢٨/ ١٦٣)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ١٨٣).\n(٦) في (ب) \" للجميع \".\n(٧) \" الشاعر \" ساقطة من (ب).\n(٨) البيت لم أقف على قائله، وتمامه:\nيا عاذلاتي لا تزدن ملامتي ... إنّ العواذل لسن لي بأمين\nأي أمناء، ويروى: إن العواذل لسن لي بأمير. أي أمراء [انظر: مجاز القرآن (ص ٢/ ٢٦١)، جامع البيان (١٩/ ٥٤)، تفسير الثعلبي (٧/ ١٥٣)، لسان العرب (٤/ ٥٢٠)].\n(٩) انظر: القطع والائتناف (ص: ٥٣٧).\n(١٠) في (أ) \" ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ﴾ هذا دليلٌ ومعنى: ﴿أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾: قيل: أطوعَ. . . \".\n(١١) في (أ) \" خيرٌ \".\n(١٢) انظر: جامع البيان (٢٨/ ١٦٣)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ١٨٤).\n(١٣) \" في القرآن \" ساقطة من (ب).\n(١٤) انظر: معاني القرآن؛ للنَّحاس (٤/ ١٨٥)، تفسير السَّمعاني (٤/ ١٥٢)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ١٨٤).\n(١٥) قال القرطبي: \" وقيل: هو واجب، ولكنَّ الله - ﷿ - علَّقه بشرط، وهو التطليق ولم يطلقهن \" [الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ١٨٤)].\n(١٦) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٤١)، تفسير السَّمعاني (٥/ ٤٧٤).\n(١٧) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٤١).\n(١٨) في (أ) \" وإذ \".\n(١٩) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢٢٦)، تفسير البغوي (٨/ ١٦٨).\n(٢٠) \" قوله \" ساقطة من (أ).\n(٢١) في (أ) \" يصلح \".","vol":"1","page":3299},{"text":"وقيل: مستسلمات لأمر الله وأمر رسوله (١).\n﴿مُؤْمِنَاتٍ﴾: أي: بالله وكتبه ورسله، منقادات لأوامره ونواهيه (٢).\n﴿قَانِتَاتٍ﴾: قيل: مصلِّياتٍ. وقيل: ثابتاتٍ على الطاعة (٣).\n﴿تَائِبَاتٍ﴾: أي: عن الذنوب، راجعاتٍ إلى أمر الله (٤).\n﴿عَابِدَاتٍ﴾: أي: عابداتٍ لله.\nوقيل: متذلّلاتٍ لأمر الرسول بالطاعة (٥).\n﴿سَائِحَاتٍ﴾ قيل: صائماتٍ. وسُمّي الصائمُ سائحًا؛ لأنه يَسيحُ (٦) في النهار بلا زادٍ.\nوقيل: مهاجراتٍ. وقيل: يَسُحن حيثُ يَسيحُ (٧) (٨).\n﴿ثَيِّبَاتٍ﴾: جمع ثيّبٍ، وهي: التي ثاب (٩) إليها الزوج (١٠).\n﴿وَأَبْكَارًا (٥)﴾: جمع بِكرٍ، وهي: التي على خِلْقتِها القُدمى، مشتقّةٌ من البكرة، والباكورة (١١).\nوالمعنى: على حسب ما يشتهيه منها (١٢).\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٨/ ١٦٤)، النُّكت والعيون (٦/ ٤١).\n(٢) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٤١)، زاد المسير (٨/ ٨٢).\n(٣) انظر: تفسير الثعلبي (٩/ ٣٤٩)، تفسير البغوي (٨/ ١٦٨).\n(٤) انظر: جامع البيان (٢٨/ ١٦٤)، النُّكت والعيون (٦/ ٤٢).\n(٥) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٤٢)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ١٨٥).\n(٦) في (أ) \" تسيح \".\n(٧) في (أ) \" تسيح \".\n(٨) انظر: جامع البيان (٢٨/ ١٦٤)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ١٥١)، النُّكت والعيون (٦/ ٤٢).\n(٩) في (أ) \" يأتِ \".\n(١٠) لعل تمام الكلام أن يقال: هي التي رجع إليها زوجها، أو رجعت إلى غيره، أو ثابت إلى بيت أبويها فلم تتزوج. [انظر: جامع البيان (٢٨/ ١٦٥)، النُّكت والعيون (٦/ ٤٢)].\n(١١) انظر: جامع البيان (٢٨/ ١٦٥)، النُّكت والعيون (٦/ ٤٢)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ١٨٥).\n(١٢) \" منها \" ساقطة من (أ).","vol":"1","page":3300},{"text":"قال ابن عباسٍ - ﵄ -: \" وعد اللهُ نبيَّه أنْ يُزوِّجه في الجنة آسيةَ امرأةَ فرعون، وهي الثَّيبُ، ومريمَ بنت (١) عمرانَ، وهي البكر، ويكون في الجنة وليمةٌ، فيجتمعُ عليها ... أهلُها \" (٢).\nولم يتكلّم من المفسرين أحدٌ في هذه الواو (٣) (٤)، ووجه ذلك أنْ يُقالَ: لمّا لم يُمكن الجمعُ بين الثيّب والبكارة، كما أمكن الجمعُ بين سائر الأوصاف، قطع بالواو (٥)، فيحسُنُ الوقفُ على ﴿ثَيِّبَاتٍ﴾، والابتداء بقوله: ﴿وَأَبْكَارًا﴾ على تقدير: وأبكارًا (٦) موصوفاتٍ بالأوصاف التي تقدّمت، إلاّ الثيّب، تقول: ما كنتُ ثيّبًا، ولقد تثيّبتُ تثيُّبًا \" (٧).\nومَن ذهب إلى أن الواو للثمانية (٨) فهذا من حجّته أيضًا.\nوقد سبق في التوبة، مع قوله: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ﴾ [التوبة: ١١٢]. والله أعلم.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾: أي: اجعلوا بينكم وبين النار وقايةً من طاعة الله (٩).\nوقوا أهليكم: بتعليمهم الخير، وأمرهم ونهيهم، وأخذهم بما يُنجيهم منها (١٠).\n_________\n(١) في (أ) \" مريم ابنت \".\n(٢) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢٢٦).\n(٣) في (أ) \" هذا الواو \".\n(٤) لعله يقصد قبله أو فيما وقف عليه.\n(٥) انظر: الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ١٨٥)، البحر المحيط (١٠/ ٢١٢).\n(٦) \" على تقدير: وأبكارًا \" ساقطة من (ب).\n(٧) انظر: القطع والائتناف (ص: ٥٣٧)، غرائب التفسير (٢/ ١٢٢٦).\n(٨) في (ب) \" الواو للثمانية \".\n(٩) انظر: جامع البيان (٢٨/ ١٦٥)، التسهيل (٤/ ١٣٢).\n(١٠) وقد روي نحوًا من هذا القول عن علي بن أبي طالب وقتادة ومجاهد - ﵃ أجمعين - [انظر: جامع البيان (٢٨/ ١٦٥)، النُّكت والعيون (٦/ ٤٤)، زاد المسير (٨/ ٨٢)].","vol":"1","page":3301},{"text":"الضحاك: \"قوا أنفسَكم، ولْيقوا أهلوكم أنفسَهم (١)، وهذا يستدعي الرفعَ، والواو ويحتمل على قول الضحاك أنْ يكونَ مفعولًا معه، حملًا على الواو في ﴿قُوا﴾، وهذا فعلٌ حُذف فاعلُه، ولامُ فعله (٢).\n﴿وَقُودُهَا النَّاسُ﴾: أي: حطبُها وما يُوقِدُ به الناسُ.\nاقتصر على ذكر الناس دون الجن؛ لأن المقصودَ بالآية تحذيرُ الإنس (٣).\n﴿وَالْحِجَارَةُ﴾: هي حجارةٌ يُعذّبون بها.\nوقيل: هي حجارة الكبريت.\nوقيل: هي الأصنام (٤).\nوقيل: هي كنوزُ الذهب والفضة؛ لأنهما من الحجارة (٥).\n﴿عَلَيْهَا﴾: على النار.\n﴿مَلَائِكَةٌ﴾: موكَّلون، وهم الزبانيةُ التسعةَ عشرَ وأعوانُهم.\n﴿غِلَاظٌ شِدَادٌ﴾: أي: غِلاظ الأقوال، شِدادُ الأفعال (٦).\nوقيل: غِلاظُ الخَلْق أقوياء يعملون بأرجلهم كما يعملون بأيديهم، لم يخلق الله فيهم\nرحمةً (٧).\n_________\n(١) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٤٤)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ١٨٥).\n(٢) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢٢٧).\n(٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن (١/ ٢٥٣)، البحر المحيط (١/ ١٧٦).\n(٤) كما قال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨)﴾ ... [المؤمنون: (٩٨)].\n(٥) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٤٤)، غرائب التفسير (١/ ١٢٧)، البحر المحيط (١/ ١٧٥).\n(٦) انظر: تفسيره السَّمعاني (٥/ ٤٧٦)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ١٨٧).\n(٧) نقل هذا القول الكرماني من أبي الليث السَّمرقندي، ولا أدري ما مستنده في هذا الوصف؟ [انظر: تفسير السَّمرقندي (٣/ ٤٤٣)].","vol":"1","page":3302},{"text":"ابن عيسى: \" غِلاظٌ في (١) الأخلاق، رِقاقٌ في الأجسام؛ لأنهم روحانيون\" (٢).\n﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾: قيل: الآن في دار التكليف، وأما في دار\nالآخرة فلا هم يعصون ولا الإنس ولا الجنُّ (٣).\nوقيل: الزبانية يلتذُّون (٤) عذابَ الكفار التذاذَ أهل الجنة الأكلَ والشربَ.\n﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾: من غير تأخيرٍ، وزيادةٍ ونُقصانٍ.\nوقيل: هذا تكرارٌ.\nوقيل: معناه: لا يضعفون كما يَضعف الإنسانُ إذا كُلِّف أمرًا عظيمًا (٥).\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧)﴾ (٦).\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا﴾:\nخيثمةُ (٧): \" كلُّ ما في القرآن ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنَتْ﴾ ففي التوارة: «يا أيها ... المساكين» (٨).\n﴿تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾: قيل: هي من النصيحة، أي: يبالغ فيها في نصيحة نفسه.\nوقيل: من النَّصاحة، وهي الخياطةُ، أي: موثقة المخيط.\nويحتمل: أنه جعل الذنب كالخَرْق يقع في الثوب، والتوبةُ نصاحةٌ لذلك الخَرْق (٩).\nالأخفش: \"نصحتُه، بمعنى: صدقتُه، وتوبةٌ نصوحٌ: صادقةٌ \" (١٠).\nوقُرئ: ﴿نَصُوحًا﴾، وهو مصدرٌ، أي (١١): ينصحُ نفسَه بالتوبة نَصوحًا.\nوقيل: جمعُ نُصْحٍ، كبُرْدٍ، وبُرودٍ (١٢).\nوقد أكثروا القولَ في وصف التوبة النصوح، وأجمعُه ما جاء مرفوعًا: «أن التوبةَ\nالنصوحَ أنْ يتوبَ ثم لا يعودُ إلى الذنب، كما لا يعودُ اللبنُ إلى الضرع» (١٣).\n_________\n(١) \" في \" ساقطة من (ب).\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) قال القرطبي: \" وقيل: أي لذتهم في امتثال أمر الله، كما أن سرور أهل الجنة في الكون في الجنة ذكره بعض المعتزلة، وعندهم أنه يستحيل التكيف غدًا، ولا يخفى معتقد أهل الحق في أنَّ الله يكلف العبد اليوم وغدًا، ولا ينكر التكليف في حق الملائكة ولله أن يفعل ما يشاء\". [الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ١٨٨)].\n(٤) في (أ) \" تلتذُّون \".\n(٥) انظر: جامع البيان (٢٨/ ١٦٦)، النُّكت والعيون (٦/ ٤٥).\n(٦) سقطت كتابة الآية في (ب) وسقط تفسيرها من المخطوطتين معًا، والكلام متصل في تفسير ما قبلها وما بعدها، فلعله سهو من المؤلف أو الناسخ.\n(٧) خيثمة بن عبد الرحمن بن أبي سَبْرة يزيد بن مالك بن عبد الله بن ذؤيب الجعفي المذحجي، الكوفي، الفقيه\nالتابعي، كان لأبيه ولجدِّه صحبة.\nحدث عن أبيه، وعن عائشة، وعبد الله بن عمرو، وعدي بن حاتم، وابن عباس، وابن عمر، وعن سويد بن غفلة، وطائفة، وحدث عنه عمرو بن مرة، وطلحة بن مصرف، ومنصور بن المعتمر، وإسماعيل بن أبي خالد، والأعمش.\nوكان من العلماء العبَّاد، ما نجا من فتنة ابن الأشعث إلا هو وإبراهيم النخعي فيما قيل، وحديثه في دواوين الإسلام، وكان سخيًا، جوادًا يركب الخيل ويغزو.\nقال عنه ابن معين والنسائي: \" ثقة \"، وقال العجلي: \" كوفي تابعي ثقة \".\nتُوفِّي بعد سنة ثمانين للهجرة. [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: مشاهير علماء الأمصار (ص: ١٢٩)، سير أعلام النبلاء (٤/ ٣٢٠)، تهذيب التهذيب (٣/ ١٥٤)].\n(٨) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٤٣)، تفسير القرآن العظيم (١/ ١٥٣).\n(٩) انظر: جامع البيان (٢٨/ ١٦٧)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ١٩٠)، لسان العرب (٢/ ٦١٥)، مادة ... \" نَصَحَ \".\n(١٠) انظر: الحُجَّة (٦/ ٣٠٤).\n(١١) \" أي \" ساقطة من (ب).\n(١٢) قرأ أبو بكر \" شعبة \" عن عاصم وخارجة عن نافع ﴿نَصُوحًا﴾ بضم النون، وقرأ حفص عن عاصم وغير خارجة عن نافع والباقون﴾ نَصُوحًا ﴿بفتح النون. [انظر: السَّبعة (ص: ٦٤١)، معاني القراءات (ص: ٤٩٦)، الحُجَّة (٦/ ٣٠٣)].\n(١٣) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٨/ ١٥٤)، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٣٠٣)، وابن جرير في جامع البيان (٢٨/ ١٦٧) جميعهم بنحوه عن عمر - ﵁ -، وأورده البغوي في تفسيره بلفظه (٨/ ١٦٩)، من رواية عمر وأُبي ومعاذ - ﵃ - وأورده السُّيوطي في الدُّرِّ المنثور (١٤/ ٥٩٤) وعزاه لابن مردويه عن ابن عباس ... - ﵄ - قال: قال معاذ بن جبل يا رسول الله: ما التوبة النصوح؟ قال: أن يندم العبد على الذنب الذي أصاب فيعتذر إلى الله ثم لا يعود إليه كما لا يعود اللبن إلى الضرع \".","vol":"1","page":3303},{"text":"ابن عيسى: \" التوبةُ النصوح هي التي يُناصحُ الإنسانُ فيها نفسَه بإخلاص الندم، مع\nالعزم على ترك المعاودة من غير تضجيعٍ في ذلك ولا تقصيرٍ \" (١).\n﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾: أي: لا يُؤاخذكم بذنوبكم.\nوقيل: توبوا من الكبائر يغفر لكم الصغائر.\nوتكفيرُ السيئات: سترُها وحطُّها.\n﴿وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ﴾: أي: لا يُذلُّهم ولا يفعلُ بهم ما يفعله بالكفار.\nوقيل: لا يُخزي النبيّ: أي: لا يشُوِّره فيما يشفعُ، ولا يقعُ خُلْفٌ فيما وعد المؤمنين من الله (٢).\nوقيل (٣): الكلام تامٌّ على: ﴿النَّبِيَّ﴾، ثم استأنف فقال: ﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ﴾ (٤).\n﴿نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾. سبق في سورة الحديد (٥).\n﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾: يقولون ذلك إذا طَفئَ نورُ المنافقين.\n﴿وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٨)﴾.\n﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ﴾: بالسِّيف.\n﴿وَالْمُنَافِقِينَ﴾: بالوعيد واللسان.\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) انظر: تفسير السَّمرقندي (٣/ ٤٤٨)، تفسير السَّمعاني (٥/ ٤٧٧).\n(٣) \" وقيل \" ساقطة من (ب).\n(٤) انظر: القطع والائتناف (ص: ٥٣٧).\n(٥) انظر: (ص: ٨٢١).","vol":"1","page":3304},{"text":"وقيل: إذا ظهر منهم النفاقُ قاتلهم.\nالحسنُ: \" جاهد المنافقين بإقامة الحدود عليهم، وكان أكثرُ مَم يُصيبُ الحدودَ هم\nالمنافقون \" (١).\nوقيل: جهادُهم الغلظةُ واكفهرارُ الوجوه.\n﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾: بالقول والزجر والإيعاد (٢) والهجر (٣).\n﴿وَمَأْوَاهُمْ﴾: أي: المنافقين والكافرين.\n﴿جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٩)﴾.\n﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ﴾: ختم السَّورةَ بما يعودُ إلى (٤) أولها من وعظ نساء النبيّ - ﷺ -، وإعلامِهنّ أنّ اتّصالَهنّ برسول الله - ﷺ - لا يدفعُ عنهنّ العذابَ، كما لم يدفع ولم يَنفع امرأةَ نوحٍ، واسمُها (واعلةُ)، وامرأةَ لوطٍ، واسمُها ... (واهلةُ)، وإنما ينفعُ العملُ الصالحُ (٥).\nكَانَتَا ﴿تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا﴾: بالنفاق وإبطان الكفر وإفشاء أسرارِهما.\nوكانت امرأةُ نوحٍ تقول: إنه مجنونٌ، وتُخبرُ الجبابرةَ بإيمان مَن آمن به ليقتلوه ... ويَفتنوه.\nوكانت امرأةُ لوطٍ تُخبرُ القومَ إذا أتاه ضيفُ ليتعرّضوا له بالفُجور.\nولم تكن (٦) خيانتُهما في الفرج، فقد عصم اللهُ أنبياءَه من ذلك، ومَن ذهب إلى ذلك فقد أساء القولَ (٧).\n﴿فَلَمْ يُغْنِيَا﴾: يعني: نوحًا ولوطًا ﴿عَنْهُمَا﴾: عن امرأتيهما.\n﴿مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾: أي: دفعَ عذابٍ.\n﴿وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (١٠)﴾: أي: يُقالُ (٨) لهما في القيامة.\nوقيل: يُقالُ لهما عند النزع (٩).\nوذُكر بلفظ جمْع (١٠) المذكّر؛ لأنهنَّ لا ينفردن (١١) بالدخول، وإذا اجتمعا فالغلبةُ للمذكَّر (١٢)، وكذلك قولُه: ﴿مِنَ الْقَانِتِينَ (١٢)﴾ (١٣).\n﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آَمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ﴾: وهي آسيةُ بنتُ مُزاحمَ. وفرعون: أعتى الناس وأكفرُهم.\n﴿إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾: وذلك أنه لمّا اطّلع على إيمانِها، وتَدَ لها أربعةَ أوتادٍ شدَّ بها يديها ورجليها، ووضع على صدرِها رَحاءً، وجعلها في الشمس، وأن اللهَ تعالى أفرج لها فرأتْ بيتَها في الجنّة، فقالت: ربِّ ابن لي عندك بيتًا في الجنة (١٤) (١٥).\n﴿وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ﴾: خلِّصني من فرعون.\n﴿وَعَمَلِهِ﴾: تعذيبِه إياي. وقيل: عمله: كفرُه وشركُه.\nوقيل: أرادت بعمله: جزاءَ عمله، وهو النار (١٦).\n_________\n(١) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٤٦)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ١٩٢).\n(٢) في (أ) \" والإبعاد \".\n(٣) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٤٦)، تفسير السَّمعاني (٥/ ٤٧٨).\n(٤) \" إلى \" ساقطة من (ب).\n(٥) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٤٦)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ١٩٢)، مراصد المطالع (ص: ٧٢).\n(٦) في النُّسختين \" يكن \" ولعل الصواب ما أثبت.\n(٧) انظر: جامع البيان (٢٨/ ١٦٩)، النُّكت والعيون (٦/ ٤٦)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ١٩٢).\n(٨) \" يُقالُ\" ساقطة من (أ).\n(٩) انظر: البحر المحيط (١٠/ ٢١٥).\n(١٠) \" جَمْعِ \" ساقطة من (أ).\n(١١) في (أ) \" لا ينفردون \".\n(١٢) في (ب) \" للمذكور \".\n(١٣) انظر: إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٤/ ٣٠٦)، غرائب التفسير (٢/ ١٢٢٧).\n(١٤) \" في الجنَّة\" ساقطة من (ب).\n(١٥) انظر: جامع البيان (٢٨/ ١٧١)، النُّكت والعيون (٦/ ٤٧)، تفسير البغوي (٨/ ١٧١).\n(١٦) انظر: جامع البيان (٢٨/ ١٧١)، النُّكت والعيون (٦/ ٤٨)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ١٩٣).","vol":"1","page":3305},{"text":"وقيل: مضاجعتِه. حُكي عن أحمدَ بنِ حنبلَ (١) - ﵀ - (٢).\n﴿وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١١)﴾: الكافرين.\nوقيل: أهل مصر (٣).\nوجاء في التفسير: \" أن الملائكةَ كانت تُظلُّها بأجنحتِها \" (٤).\nالحسنُ: \" رفع اللهُ امرأتَه بجسدِها وهي حيّةٌ إلى الجنة، فهي فيها \" (٥).\n﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾: عن الرجال.\n﴿فَنَفَخْنَا﴾: يعني: نفخ جبريلُ بأمرنا.\n﴿فِيهِ﴾: في جَيب دِرعها.\nوقيل: في فرجها (٦).\nوقيل: في عيسى (٧).\n﴿مِنْ رُوحِنَا﴾: المخلوقةِ لنا (٨).\n﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا﴾: بعيسى، وهو كلمةُ الله. وقيل: بوعدِ ربها.\nوقيل: بعجائب الله وبدائعه من خلقِه (٩).\n﴿وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (١٢)﴾: الدائمين على طاعة الله.\n_________\n(١) أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد بن إدريس بن عبد الله بن حيان البكري الوائلي الذُّهلي الشيباني المروزي ثم البغدادي، أبو عبد الله، شيخ الإسلام، وأحد الأئمة الأربعة الأعلام، أصله من بلاد مرو، وخرجت أمه من مرو وهي حامل به، فولدته في بغداد، في شهر ربيع الأول سنة أربع وستين ومائة، وقيل: إنه ولد بمرو وحمل إلى بغداد وهو رضيع، وكان إمام المحدثين، صنف كتابه المسند، وجمع فيه من الحديث ما لم يتفق لغيره، وقيل: إنه كان يحفظ ألف ألف حديث، وكان من أصحاب الإمام الشافعي - رضي الله تعالى عنهما - وخواصه، ولم يزل مصاحبه إلى أن ارتحل الشافعي إلى مصر، ودعي إلى القول بخلق القرآن أيام المعتصم فلم يجب، فضرب وحبس وهو مصر على الامتناع، وكان ضربه في العشر الأخير من شهر رمضان، سنة عشرين ومائتين، وكانت مدة حبسه إلى أن خلي عنه ثمانية وعشرين يومًا وبقي إلى أن مات المعتصم فلما ولي الواثق منعه من الخروج من داره إلى أن أخرجه المتوكل وخلع عليه وأكرمه ورفع المحنة في خلق القرآن، وقد أخذ عنه الحديث جماعة من الأماثل، منهم محمد بن إسماعيل البخاري، ومسلم بن الحجاج النيسابوري، ولم يكن في آخر عصره مثله في العلم والورع.\nقال عنه عبد الرزاق: \" ما رأيت أحدا أفقه ولا أورع من أحمد بن حنبل \".\nوقال قتيبة: \" لولا الثوري، لمات الورع، ولولا أحمد لأحدثوا في الدِّين، أحمد إمام الدنيا \".\nوقال حرملة: سمعت الشافعي يقول: \" خرجت من بغداد فما خلفت بها رجلا أفضل، ولا أعلم، ولا أفقه، ولا أتقى من أحمد بن حنبل \".\nتوفي سنة إحدى وأربعين ومائتين ببغداد، ودفن بمقبرة باب حرب. [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: وفيات الأعيان (١/ ٦٣)، سير أعلام النبلاء (١١/ ١٧٧)].\n(٢) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢٢٧).\n(٣) قاله الكلبي. [انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٤٨)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ١٩٣)].\n(٤) انظر: جامع البيان (٢٨/ ١٧١)، تفسير الثعلبي (٩/ ٣٥٢).\n(٥) انظر: تفسير البغوي (٨/ ١٧١)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ١٩٣).\n(٦) \" وقيل: في فرجها \" ساقطة من (ب).\n(٧) انظر: جامع البيان (٢٨/ ١٧٢)، النُّكت والعيون (٦/ ٤٨)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ١٩٤).\n(٨) قال ابن كثير - ﵀ - في الآية: \" ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾ أي: بواسطة الملك وهو ... جبريل؛ فإن الله بعثه إليها فتمثَّل لها في صورة بشر سوي، وأمره الله تعالى أن ينفخ بِفِيه في جيب درعها فنزلت النفخة فولجت في فرجها، فكان منه الحمل بعيسى - ﵇ - ولهذا قال تعالى: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ﴾: أي بقدره وشرعه \" [تفسير القرآن العظيم (٤/ ٤٢٠)].\n(٩) انظر: الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ١٩٤)، البحر المحيط (١٠/ ٢١٦).","vol":"1","page":3306},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-173>سورة المُلْك </span>(١)\nثلاثون آية (٢) (٣)، مكية (٤).\nويُقال لها: \" المُنجيةُ \"، تُنجي قارئَها من عذاب القبر (٥).\nوجاء مرفوعًا: «مَن قرأها في ليلةٍ فقد أطنبَ وأكثر» (٦).\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n﴿تَبَارَكَ﴾: تفاعل من البركة، وكذلك تعالى، معنى علا، أي: امتدّ بقاؤه\nودام، والبركة: البقاء والدوام.\nوقيل: تعالى وتعظّم؛ لأن الشيءَ إذا زادَ ارتفعَ وعظُم، والبركةُ: الزيادةُ.\nوقيل: ﴿تَبَارَكَ﴾: جاء من قِبَله البركة، وهي: الخير والكثرة (٧) (٨).\nالَّذِينَ ﴿بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾: يؤتيه من يشاء وينزعه ممّن يشاء، وهو الملك مالك\nالملك غير المملَّك.\nواليد: عبارةٌ عن القدرة والتصرّف والاستيلاء على الشيء (٩).\nوقيل: اليد صلةٌ.\nو﴿الْمُلْكُ﴾: مُلكُ السماوات والأرض.\nوقيل: النبّوة، يُعزّ بها مَن اتّبع النبيَّ، ويُذلّ بها مَن خالفه (١٠).\n﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾: أي: من الإنعام والانتقام قدير (١١) قادر\nبالكمال.\n﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾: أنكر بعضهم أن يكون جنسًا من المخلوقات.\nوتوقف بعضهم فيه، وأثبته بعضهم عقلًا.\nوهما حالتان تتعاقبان (١٢) على الإنسان وغيره، والله تعالى خالق الذوات والحالات (١٣).\n_________\n(١) قال ابن عاشور: \" والشائع في كتب السنة وكتب التفسير، وفي أكثر المصاحف تسمية هذه السورة سورة المُلك، وكذلك ترجمها الترمذي: باب ما جاء في فضل سورة الملك، وكذلك عنونها البخاري في كتاب التفسير من صحيحه. [التحرير والتنوير (٢٩/ ٦)، وانظر: تفسير البغوي (٨/ ١٧٥)، المحرر الوجيز (٥/ ٣٣٧)].\n(٢) \" ثلاثون آية \" ساقطة من (ب).\n(٣) عند الجميع عدا أهل الحجاز، فهي إحدى وثلاثون آية في المدني الأخير والمكي [انظر: البيان في عد آي القرآن (ص: ٢٥١)، المحرر الوجيز (٥/ ٣٣٧)، التحرير والتنوير (٢٩/ ٧)].\n(٤) بإجماع المفسرين كما حكاه ابن عطية وابن الجوزي. [المحرر الوجيز (٥/ ٣٣٧)، زاد المسير (٨/ ٨٦)].\n(٥) كما أخرجَ الترمذي في كتاب فضائل القرآن، باب مَا جَاءَ فِي فَضْلِ سُورَةِ الْمُلْكِ، برقم (٢٨٩٠) عن عبد الله بن عبَّاس - ﵄ - قَالَ ضَرَبَ بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِي - ﷺ - خِبَاءَهُ عَلَى قَبْرٍ وَهُوَ لا يَحْسِبُ أَنَّهُ قَبْرٌ فَإِذَا فِيهِ إِنْسَانٌ يَقْرَأُ سُورَةَ تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ حَتَّى خَتَمَهَا فَأَتَى النَّبِي - ﷺ - فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي ضَرَبْتُ خِبَائِي عَلَى قَبْرٍ وَأَنَا لا أَحْسِبُ أَنَّهُ قَبْرٌ فَإِذَا فِيهِ إِنْسَانٌ يَقْرَأُ سُورَةَ تَبَارَكَ الْمُلْكُ حَتَّى خَتَمَهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «هِي الْمَانِعَةُ هِي الْمُنْجِيَةُ تُنْجِيهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ». قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.\n(٦) عن عبد الله بن مسعود - ﵁ -، وقد أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٨/ ٣٧) (بنحوه)، برقم (٨٥٧٢) عن عبد الله بن مسعود قَالَ: \"يُؤْتَى الرَّجُلُ فِي قَبْرِهِ فَيُؤْتَى رِجْلاهُ فَيَقُولانِ: لَيْسَ لَكُمْ عَلَى مَا قِبَلَنَا مِنْ سَبِيلٍ كَانَ يَقْرَأُ عَلَيْنَا سُورَةَ الْمُلْكِ، ثُمَّ يُؤْتَى جَوْفُهُ، فَيَقُولُ: لَيْسَ لَكُمْ عَلَيَّ سَبِيلٌ قَدْ كَانَ وَعَى فِيَّ سُورَةَ الْمُلْكِ، ثُمَّ يُؤْتَى مِنْ رَأْسِهِ، فَيَقُولُ: لَيْسَ لَكُمْ عَلَى مَا قِبَلِي سَبِيلٌ كَانَ يَقْرَأُ فِيَّ سُورَةَ الْمُلْكِ\"، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: \"فَهِيَ الْمَانِعَةُ تَمْنَعُ عَذَابَ الْقَبْرِ، وَهِي فِي التَّوْرَاةِ هَذِهِ سُورَةُ الْمُلْكِ مَنْ قَرَأَهَا فِي لَيْلَةٍ أَكْثَرَ وَأَطْيَبَ\"، وأخرجه الحاكم في مستدركه (٢/ ٤٩٨) في كتاب التفسير، بلفظ \" فقد أكثر وأطنب \"، وقال: \" صحيح الإسناد ولم يخرجاه.\n(٧) في (أ) \" وهي الكثرة والخير \".\n(٨) انظر: جامع البيان (٢٩/ ١)، النُّكَت والعُيون (٦/ ٤٩).\n(٩) ما ذكره المؤلف لا يمنع إثبات صفة اليدين لله تعالى، وهي ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع، وبنحو تفسيره ذكر ابن جرير - ﵀ -: \" ﴿الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ بيده ملك الدنيا والآخرة وسلطانهما، نافذ فيهما أمره وقضاؤه، ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ يقول: وهو على ما يشاء فعله ذو قدرة لا يمنعه من فعله مانع ولا يحول بينه وبينه عجز \" [جامع البيان (٢٩/ ١)]، وقال ابن كثير: \" يُمَجِّدُ تعالى نفسه الكريمة، ويخبر أنه بيده الملك، أي: هو المتصرف في جميع المخلوقات بما يشاء، لا مُعَقِّبَ لِحُكْمه، ولا يُسأل عما يفعل لقهره وحكمته وعدله، ولهذا قال تعالى: وَهُوَ ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ \" [تفسير القرآن العظيم (٤/ ٤٢٢)، وانظر: مجموع الفتاوى (٦/ ٣٧٠)، موقف ابن تيمية من الأشاعرة؛ للمحمود (٣/ ١١٥٤)، صفات الله ﷿؛ للسَّقاف (ص: ٢٧٤)].\n(١٠) انظر: النُّكَت والعُيون (٦/ ٤٩).\n(١١) \" قدير \" ساقطة من (ب).\n(١٢) في (أ) \" حالتان متعاقبان \".\n(١٣) والصحيح: أن الموت والحياة أمران وجوديان، وأنهما مخلوقان، قال ابن كثير - ﵀ -: ... \" واستدل بهذه الآية من قال: إنَّ الموت أمر وجودي؛ لأنه مخلوق. ومعنى الآية: أنه أوجد الخلائق من العدم، ليبلوهم ويختبرهم أيهم أحسن عملا؟ \" [تفسير القرآن العظيم، (٤/ ٤٢٢)]، وقال الألوسي: \" والموت على ما ذهب الكثير من أهل السنة صفة وجودية تضاد الحياة، واستدل على وجوديته بتعلق الخلق به وهو لا يتعلق بالعدمي لأزلية الإعدام \" [روح المعاني (٢٩/ ٤)، وانظر: شرح العقيدة الطحاوي؛ لابن أبي العز (١/ ٩٣)].","vol":"1","page":3307},{"text":"وقيل: معناه خلقكم للموت والحياة.\nوقيل: خلق الموت على صورة كبشٍ أملحَ، لا يمرّ بشيء ولا يجد ريحه شيء ولا يطأ على كلّ شيء إلاّ مات.\nوعن النبي - ﷺ -: «يؤتي بالموت يوم القيامة على صورة كبشٍ أملحَ فيذبح بين الجنَّة\nوالنار» (١).\nوخلق الحياة على صورة فرس أنثى لا تمرّ بشيءٍ ولا بجد ريحَها شيءٌ ولا تطأ على شيءٍ إلَاّ حيي (٢).\nويحتمل - والله أعلم - خلق الموت والحياة (٣).\nوقيل: الدنيا والآخرة.\nوقيل: خلق الحياةَ نعمةً ليشكروا، وخلق الموتَ ليصبروا إذا مات (٤) أحياؤهم (٥).\nوبدأ بالموت لكون التراب والنطفة بالوصف الأوَّل، أي: موتًا ثم حياة ثم موتًا ثم حياة لا موتَ بعدها (٦).\n﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾: طاعةً له، وجاء مرفوعًا: «أحسن عقلًا» (٧).\nوقيل: ﴿أَحْسَنُ عَمَلًا﴾: أتركُ للمعاصي، وقيل: أخلصه، وقيل: أصبر على المصائب في الطاعات (٨).\nو﴿أَيُّكُمْ﴾ رفع بالابتداء، والفعل قبله مقدر (٩)، والتقدير: ليبلوكم فيعلم (١٠):\nأيكم أحسن عملًا، كقوله (١١): ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى﴾ [الكهف: (١٢)].\nوقيل: ليبلوكم فينظر أيُّكم، كقوله: ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُمْ﴾ [القلم: (٤٠)]،\nأي (١٢): فانظر أيّهم.\nوقيل: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾ فيقول أَيُّكُمْ ﴿أَحْسَنُ عَمَلًا﴾.\nوالقول هو الأوَّل (١٣).\n﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾: لمن أساء عملُه.\n﴿الْغَفُورُ (٢)﴾: لمن تاب.\n﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا﴾ بعضُها فوقَ بعضٍ، جمع طَبَقٍ كجبل وجبال.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (بنحوه) في كتاب التفسير تفسير سورة \" كهيعص \"، باب قوله: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾، برقم (٤٧٣٠)، ومسلم في كتاب الجنة ونعيمها، باب: النار يدخلها الجبارون، والجنة يدخلها الضعفاء، برقم (٧١١٠) كلاهما عن أبي سعيد الخدري - ﵁-. ...\nقال ابن عطية - ﵀ -: \" والموت والحياة معنيان يتعاقبان جسم الحيوان يرتفع أحدهما بحلول الآخر وما في الحديث من قوله - ﷺ - \" يؤتى بالموت يوم القيامة في صورة كبش أملح فيذبح على الصراط \" فقال أهل العلم ذلك تمثال كبش يُوْقِعُ الله عليه العلم الضروري لأهل الدارين إنه الموت الذي ذاقوه في الدنيا، ويكون ذلك التمثال حاملًا للموت على أنه يحل الموت فيه فتذهب عنه حياة، ثم يقرن الله تعالى بذبح ذلك التمثال إعدام الموت \" [المحرر الوجيز (٥/ ٣٣٧)].\n(٢) قال الألوسي: \" وأما ما روي عن ابن عباس - ﵄ - من أنه تعالى خلق الموت في صورة كبش أملح لا يمر بشيء إلا مات، وخلق الحياة في صورة فرس بلقاء لا تمر بشيء ولا يجد رائحتها شيء إلا حيي فهو أشبه بكلام الصوفية لا يعقل ظاهره، وقيل هو وارد على منهاج التمثيل والتصوير \" [روح المعاني (٢٩/ ٤)].\n(٣) في (أ) \" الموات والحيوان \".\n(٤) في (أ) \" ليصبروا وإذا مات \" وهي تصحيف.\n(٥) انظر: تفسير السَّمرقندي (٣/ ٤٥١)، تفسير السَّمعاني (٦/ ٦).\n(٦) انظر: تفسير البغوي (٨/ ١٧٣)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ١٩٧).\n(٧) الحديث أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٢/ ٥) عن عبد الله بن عمر عن النبي - ﷺ - أنه تلا هذه الآية: «﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ قال: \" أيكم أحسن عقلا وأورع عن محارم الله وأسرع في طاعة الله»، وأخرجه الثعلبي في تفسيره (٩/ ٣٥٥)، وأورده البغوي في تفسيره (٨/ ١٧٦).\n(٨) \" في الطاعات \" ساقطة من (أ).\n(٩) في (ب) \" معلَّق \".\n(١٠) في (أ) \" ليبلوكم فيقول \".\n(١١) في (ب) \" لقوله \".\n(١٢) \" أي \" ساقطة من (أ).\n(١٣) انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ١٦٩)، إعراب القرآن؛ للنَّحاس (٤/ ٣٠٧)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ١٩٩).","vol":"1","page":3308},{"text":"وقيل: جمع طبقةٍ كرحبةٍ ورِحابٍ.\nوقيل: ﴿طِبَاقًا﴾: مصدر طابق. تقول (١): بين ثوبيه: إذا لبس أحدَهما فوقَ الآخر (٢).\nو﴿طِبَاقًا﴾ صفة. وقيل: نصب على المصدر.\n﴿مَا تَرَى﴾: أيُّها الإنسان.\n﴿فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾: و﴿تفوتٍ﴾ (٣).\nالتفاوتُ: بُعدُ ما بين الشيئين في الصحة، والتفوُّت بمعناه، كالتعهّد والتعاهد (٤) (٥).\nوقيل: هو أنْ يفوت الشيءُ بعضُه بعضًا.\nوفي الآية قولان:\nأحدهما: ما ترى في خلق الرحمن السَّماء من تفاوت: أي: خلل واضطراب وتفرَّق (٦).\nوالثاني: أنه عامّ في جميع خلق الرحمن، أي: لم يَفته شيء أراده (٧) ولم يخرج شيءٌ\nعن موجِب الحكمة (٨).\nوقيل: الخلق في الآية مصدر، وأن المعنى: يخلق (٩) كلَّ شيء صغيرًا أو كبيرًا بأمرٍ\n_________\n(١) \" تقول \" ساقطة من (ب).\n(٢) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٢)، النُّكَت والعُيون (٦/ ٥٠).\n(٣) وهما قراءتان سبعيتان، فقد قرأ الجمهور ﴿مِنْ تَفَاوُتٍ﴾، وقرأ حمزة والكسائي ﴿مِن تَفَوّت﴾ بغير ألف [انظر: جامع البيان (٢٩/ ٢)، السَّبعة (ص: ٦٤٤)، معاني القراءات (ص: ٤٩٧)، الحجة (٦/ ٣٠٥)].\n(٤) في (ب) \" كالتَّعهد والتعاهد \".\n(٥) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ١٧٠)، جامع البيان (٢٩/ ٢)، معاني القراءات (ص: ٤٩٧)، الحجة (٦/ ٣٠٥).\n(٦) قال ابن جزي: \" ولا شَكَّ أنَّ جميع المخلوقات متقنة، ولكن تخصيص الآية بخلقة السموات أظهر لورودها بعد قوله: ﴿خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا﴾ فبان قوله: ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ بيان وتكميل ما قبله \" [التسهيل (٤/ ١٣٤)].\n(٧) في (ب) \" شيء إرادة \".\n(٨) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٢)، المحرر الوجيز (٥/ ٣٣٨).\n(٩) في (أ) \" فخلق \".","vol":"1","page":3309},{"text":"واحدٍ لا تفاوت في ذلك، وهو قوله: كن.\nوقيل: الرؤية في الآية، بمعنى: العلم؛ لبعد السماء عن الإدراك بحاسّة البصر.\n﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ﴾: أيها الإنسان.\nوقيل: الخطاب للنبي - ﷺ -. وفيه بعدٌ، أي: نظرتَ إليها غير متفكّر فيها فارجع\nالبصرَ الآن وتفكّر فيها (١).\nالفرَّاء: \" تقديره فانظر إليها، ثم ارجع البصر \" (٢).\n﴿هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣)﴾: شُقوقٍ وخللٍ ووهيٍ وصُدوعٍ.\n﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾: أي: كرّر النظرَ مرَّتين، أي: كرَّتين (٣) مع\nالأولى، وقيل: سوى الأولى، فيكون ثلاثَ مرَّات (٤).\nويحتمل على قول الفرَّاء أنْ يكونَ أربعَ مرَّات، أي: انظر إليها فارجع البصر،\nفهاتان كرّتان، ثم ارجع البصر كرَّتين أخريين.\nالحسن: \" لو كرَّرتَ النظر إلى يوم القيامة لم تَرَ فطورًا \" (٥).\nوقيل: المرادُ بالتثنية الجمعُ، كما يقال: لبيكَ وسعديكَ؛ فإن البصرَ لا يصير حسيرًا\nبمرتين اثنتين.\nوالمعنى: ردِّد طرفكَ وعقلكَ في المحسوس والمعقول هل ترى خللًا أو تتبين معيبًا.\nقوله: ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ﴾: يرجع إليك.\nوقيل: لأنه لا ترى فطورًا فينفذ.\n﴿خَاسِئًا﴾: صاغرًا، وقيل: ذليلًا، وقيل: منقطعًا.\n_________\n(١) انظر: التفسير الكبير (٣٠/ ٥١)، التحرير والتنوير (٢٩/ ١٧).\n(٢) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ١٧٠).\n(٣) \" أي: كرَّتين \" ساقطة من (ب).\n(٤) انظر: البرهان في متشابه القرآن (ص: ٣١٤)، تفسير النَّسفي (٤/ ١٢٤٣).\n(٥) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢٣١).","vol":"1","page":3310},{"text":"وقيل: بعيدًا ممَّا يريد، من قوله: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا﴾، [المؤمنون: (١٠٨)].\nأي: ابعدوا ممَّا سألتم.\nوقيل: ﴿خَاسِئًا﴾: مطرودًا طردَ إهانةٍ؛ لأن مَن طلب عيبَ مَن لا يليقُ به العيبُ\nاستحقَّ الطردَ والإهانةَ، تقول: خسأتُه فخسأ (١).\n﴿وَهُوَ حَسِيرٌ (٤)﴾: أي: مَعيي (٢)، وقيل: كليلٌ، وقيل: متحسِّرٌ على ما لم\nيجده (٣).\n﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا﴾: وهي التي تلي الأرضَ (٤).\n﴿بِمَصَابِيحَ﴾: بكواكبَ تضيئها كإضاءة الصبح (٥).\n﴿وَجَعَلْنَاهَا﴾: أي: بعضَها.\n﴿رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾: جمع رَجَم بالفتح كالقبض، ويقال لها: كواكبُ (٦)\nالأخذ (٧).\nقتادة: \" خلق الله النجومَ لثلاثة أشياءٍ: زينة للسماء (٨)، ورجومًا للشياطين،\nوليهتدى بها في ظلمات البرّ والبحر، فمن أولها على غير ذلك فقد قال (٩) رأيه\nوأخطأ حظّه \" (١٠).\n_________\n(١) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٣٨١)، معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ١٧٠)، جامع البيان (٢٩/ ٣).\n(٢) في (ب) \" معي\".\n(٣) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٣٨١)، معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ١٧٠)، جامع البيان (٢٩/ ٣).\n(٤) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٣٨١)، تفسير البغوي (٨/ ١٧٧).\n(٥) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٣)، تفسير السَّمعاني (٦/ ٨).\n(٦) في (ب) \" كوكب \".\n(٧) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٣)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٤/ ٣٠٨)، غرائب التفسير (٢/ ١٢٣١).\n(٨) في (ب) \" زينة السماء \".\n(٩) يحتمل أن يكون اللفظ (مال رأيه) فينظر في غير المخطوطتين.\n(١٠) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (٢٩/ ٣)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٩/ ٢٩١٣).","vol":"1","page":3311},{"text":"الضحاك: \"الكواكب التي تُرى لا يُرجم بها، والتي يُرجم بها (١) الشياطيُن لا يراها ... الناس \" (٢).\nأبو علي: \" الكواكبُ أنفسُها لا يرجمْ؛ لأنَّ الكواكبَ ثابتةٌ لا تزول عن السماء ولا ... تفقد (٣)، إنما ينفصل عنها شهابٌ محرَّقٌ \" (٤).\n﴿وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ﴾: للشياطين.\n﴿عَذَابَ السَّعِيرِ (٥)﴾: النارَ المسعورةَ سوى هذه الرجوم، أي: في الآخرة.\nويحتمل أن ﴿عَذَابَ السَّعِيرِ﴾ ... هو: ما يصيبُهم من الشهب.\nوقيل: ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ﴾، أي: للكفَّار.\nوالأول أظهر (٥).\n﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ﴾: هذا استئناف.\nوقُرِئَ في الشواذّ بالنصب. وفيه كلام (٦).\n﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٦)﴾: المرجع جهنم.\n﴿إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا﴾: صوتًا كصوت الحمار، وهو: أنكر الأصوات وأعلاها، من قولهم جبلٌ شاهقٌ (٧).\n_________\n(١) في (أ) \" لا ترجم بها، والتي ترجم بها \".\n(٢) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢٣١).\n(٣) في (ب) \" ولا يفقد \".\n(٤) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢٣١).\n(٥) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٣٨٢)، جامع البيان (٢٩/ ٣)، تفسير السَّمرقندي (٣/ ٤٥٢).\n(٦) عطفًا على ﴿عَذَابَ السَّعِيرِ﴾، وبها قرأ الضحاك والأعرج وأسيد بن أسيد المزني والحسن في رواية هارون عنه. [انظر: معاني القرآن؛ للزَّجاج (٥/ ١٥٥)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٤/ ٣٠٨)، شواذ القراءات ... (ص: ٤٧٩)، البحر المحيط (١٠/ ٢٢٣)].\n(٧) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٣٨٢)، جامع البيان (٢٩/ ٤).","vol":"1","page":3312},{"text":"﴿وَهِيَ تَفُورُ (٧)﴾: ترتفع بالغليان.\n﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾: تكاد تنقطع، وقيل: تتفرَّق من شدّة الغضب على\nالكفار، وقيل: صوتُها يشبه صوتَ المغتاظ، وقيل: غيظُها غَلَيانُها (١).\n﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ﴾: قومٌ (٢) وجماعةٌ من الكفار.\n﴿سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨)﴾: يُخوّفكم هذا العذابَ. وهذا سؤالُ\nتبكيتٍ وتقريعٍ.\n﴿قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ﴾: يعنى: الرَّسول.\n﴿فَكَذَّبْنَا﴾: أي: كذبناه.\n﴿وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾: أي: كتابٍ ولا رسولٍ.\n﴿إِنْ أَنْتُمْ﴾: ما أنتم (٣).\n﴿إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ (٩)﴾: في قولكم ودعواكم.\nوقع النذيرُ موقعَ الجمع.\nويجوز أنْ يكونَ نذيرُ كلِّ فوجٍ رسولُهم، ثم جُمع على ما سبق أن من كذّب رسولًا\nفقد كذّب الرسلَ جميعًا (٤).\n﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ﴾: أي: ﴿نَسْمَعُ﴾: سمعَ منتفعٍ، ﴿أَوْ نَعْقِلُ﴾ عقلَ متفكّرٍ معتبرٍ.\n﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (١٠)﴾: أي: من جملة أهل النار.\n﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ﴾: أقروا بكفرهم.\nوالاعتراف: إقرارٌ عن معرفةٍ. والذنب في الأصل مصدرٌ فلم يُجمع (٥).\n﴿فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ (١١)﴾: أي: أسحقهم الله إسحاقًا، قال (٦)\nأبعدهم إبعادًا، فوقع سُحقًا موقعَ إسحاقٍ، كـ ﴿أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾\n[نوح: (١٧)]، وهذا إثباتٌ للوعيد (٧) وتوكيده (٨).\nوقيل: السُّحق وادٍ في جهنم (٩).\n﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾: يخافون اللهَ ويتركون معصيتَه حيثُ لا\nيراهم أحدٌ من الناس.\nوقيل: ﴿بِالْغَيْبِ﴾: أي: بقلوبهم ونياتهم، لا كالذين قالوا بأفواههم ما ليس في\nقلوبهم.\nوقيل: يخافونه وهم لم يروه.\nوقيل: يخشون ربّهم قبلَ المصير إليه (١٠).\n﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾: لذنوبهم.\n﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢)﴾: عظيمٌ في الآخرة.\n﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٣)﴾: في\n_________\n(١) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٣٨٢)، جامع البيان (٢٩/ ٥)، النُّكَت والعُيون (٦/ ٥٣).\n(٢) \" قوم \" ساقطة من (ب).\n(٣) انظر: إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٤/ ٣٠٨)، تفسير السَّمرقندي (٣/ ٤٥٣).\n(٤) انظر: تفسير البيضاوي (٢/ ٥١٠)، نظم الدرر (٨/ ٧٢).\n(٥) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ١٧٠)، جامع البيان (٢٩/ ٥)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٤/ ٣٠٩).\n(٦) \" قال \" ساقطة من (أ).\n(٧) في (ب) \" الوعيد \".\n(٨) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٥)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ١٥٦)، مشكل إعراب القرآن (٢/ ٧٤٥).\n(٩) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٦)، النُّكَت والعُيون (٦/ ٥٣).\n(١٠) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٦)، النُّكَت والعُيون (٦/ ٥٤)، تفسير السَّمعاني (٦/ ١٠).","vol":"1","page":3313},{"text":"سبب النزول: ابن عبّاس - ﵄ -: نزلت في المشركين كانوا ينالون من\nرسول الله - ﷺ -، فيخبره جبريلُ بما قالوا فيه ونالوا منه، فيقول بعضُهم لبعضٍ: أسروا\nقولكم كي لا يسمعَ إلهُ محمدٍ \" (١).\nوالمعنى: سواءٌ على الله تعالى الإسرارُ والإجهارُ؛ لأنَّه يعلمُ مضمَرات القلوب وما\nتُخفي الصدور.\n﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾: أي: ألا يعلم السَّر (٢) من خلق السِّر.\nوقيل: ألا يعلم ما في الصدور مَن خلق الصدور.\nوقيل: ألا يعلم من خلق الأشياء ما في صدور عباده (٣).\nو﴿مَنْ﴾ في هذه الوجوه رفعٌ (٤).\nوقيل: التقدير: ألا يعلم اللهُ مَن خلق، أي: خلقهم، فيكون في محلّ نصب (٥).\nوقيل: ﴿مَنْ﴾، بمعنى (ما). وفيه بعدٌ.\n﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾: العالم بدقائق الأشياء وبواطنها.\n﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا﴾ قوله: ﴿ذَلُولًا﴾ (٦) ليّنةً سهلةً\nمذلَّلةً يَسهل لكم السلوكُ فيها.\nوقيل: ليّنها بالجبال حتى تستقرَّ ولا تزولُ بأهلها (٧).\n﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ جوانبها، ومنكبا الرجل جانباه، وقيل: في جبالها،\nوقيل: في طرقها (٨) (٩).\n﴿وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾: والتمسوا من الله الرِّزق.\n﴿وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (١٥)﴾: المرجعُ فيُجازيكم بأعمالكم.\n﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾: قيل: هو الله - ﷾ - (١٠)، على تقدير: مَنْ\nفي السَّماء عرشُه وسلطانُه (١١).\nوقيل: هم: الملائكة (١٢).\n﴿أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾: بأمر الله.\nوقيل: خاطب العربَ على ما كانوا يعتقدونه، فإنهم زعموا أن الأصنامَ آلهةٌ للأرض وأن اللهَ إلهُ السماء.\nوقيل: خصَّ السماءَ بالذكر تعظيمًا لها وتفخيمًا لشأنها.\nقال أبو القاسم: \" قال الله تعالى: إنه في السماء، ولم يقل إنه ليس في غيرها، قال: ونحن نقول بكلّ مكانٍ (١٣)، على أنه حافظٌ لكل مكانٍ عالمٌ به مدبّرٌ له\" (١٤).\nوقيل: ﴿مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ أي: على السَّماء، كقوله: ﴿فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١].\n﴿أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾: يشقُّ الأرضَ فيُغيبكم فيها، كما خَسف بقارون.\n﴿فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦)﴾: تضطرب وتتحرك.\nوالمورُ: التردّدُ في المجيء والذهاب.\n﴿وأَنْ يَخْسِفَ﴾ بدل من ﴿مَنْ﴾، وأجاز النحاسُ أنْ يكونَ مفعولًا به (١٥).\nوقدَّم الخسف على الحصب؛ لأنَّ المخاطبين في الأرض، فهي إليهم أقرب (١٦).\n﴿أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾: حجارةً، والحاصب والحصباء واحدٌ.\nوقيل: الحاصب مطرٌ فيه حصباءُ، كما فعل بأصحاب لوط.\nوقيل: ﴿حَاصِبًا﴾: سَحابًا فيه حجارةٌ.\nوقيل: كان الحجر يحصب (١٧).\n_________\n(١) انظر: تفسير الثعلبي (٩/ ٣٥٩)، أسباب النزول للواحدي (ص: ٣٦٠)، تفسير البغوي (٨/ ١٧٨).\n(٢) \" السِّر \" ساقطة من (ب).\n(٣) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٣٨٣)، جامع البيان (٢٩/ ٦).\n(٤) انظر: مشكل إعراب القرآن (٢/ ٧٤٥)، المحرر الوجيز (٥/ ٣٤٠).\n(٥) وقد تعقَّب هذا القول النَّحَّاس ومكي، قال أبو جعفر النَّحَّاس: \" ربَّما توهم الضعيف في العربية أنَّ \" مَنْ \" في موضع نصب، ولو كان موضعها نصبًا لكان: ألا يعلم ما خلق؛ لأنه راجع إلى ... ﴿بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾، وإنما التقدير: إلا يعلم من خلقها سِرَّها وعلانيتها \" [إعراب القرآن (٤/ ٣٠٩)].\nوقال مكي: \" وقد قال بعض أهل الزيغ: إن \"من\" في موضع نصب اسم للمسرِّين والجاهرين، ليخرج الكلام عن عمومه ويدفع عموم الخلق عن الله جلَّ ذكره، ولو كان كما زعم لقال: ألا يعلم ما خلق؛ لأنه إنما تقدَّم ذكر ما تُكِنُّ الصُّدور، فهو في موضع \"ما \" ولو أتت \" ما \" في موضع \" مَنْ \" لكان فيه أيضًا بيان العموم: أنَّ الله خالق كلِّ شيء من أقوال الخلق أسروها أو أظهروها خيرًا كانت أو شرًا، ويقوى ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾، ولم يقل: عليم المُسِرِّين والجاهرين، وتكون \" ما \" في موضع نصب، وإنما تخرج الآية من هذا العموم إذا جعلت \"مَنْ \" في موضع نصب اسمًا للأناس المخاطبين قبل هذه الآية، وقوله: ﴿بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ يمنع من ذلك \" [مشكل إعراب القرآن (٢/ ٧٤٦)].\n(٦) \" قوله: ﴿ذَلُولًا﴾ \" ساقطة من (أ).\n(٧) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٣٨٣)، جامع البيان (٢٩/ ٦).\n(٨) في (ب) ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾: جوانبها، ومنكبا الرجل ... قوله: ﴿ذَلُولًا﴾: ليّنةً سهلةً ... تزولُ بأهلها \".\n(٩) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٣٨٣)، جامع البيان (٢٩/ ٦)، تفسير البغوي (٨/ ١٧٨).\n(١٠) وهذا هو الصحيح كما قرر ابن أبي العز وغيره من أهل السُّنة.\n(١١) هذا التقدير باطل فهو على مذهب الأشاعرة في نفي صفة العلو لله تعالى، فهم لا يثبتون علو الذَّات، وإنما يُثبتون علو القهر والغلبة والسُّلطان.\n(١٢) قال ابن أبي العز في النصوص المصرحة بأنه تعالى في السماء: \" وهذا عند المفسرين من أهل السنة على أحد وجهين:\n- إما أن تكون ﴿في﴾ بمعنى (على).\n- وإما أن يراد بالسماء العلو، لا يختلفون في ذلك، ولا يجوز الحمل على غيره\" [شرح العقيدة الطحاوية ... (٢/ ٣٨٣)، وانظر: شرح العقيدة الواسطية؛ لابن عثيمين (١/ ٣٩٧)].\n(١٣) يقيد القول بأنه بكل مكان بعلمه وتدبيره لا كما قالت الجهمية والمعتزلة وأهل الحلول أنه حال بكل مكان، وهذا باطل - تعالى الله عن ذلك -\n(١٤) لم أقف عليه.\n(١٥) انظر: إعراب القرآن (٤/ ٣٠٩).\n(١٦) انظر: البرهان؛ للكرماني (ص: ٣١٤)، التحرير والتنوير (٢٩/ ٣٦).\n(١٧) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٣٨٣)، جامع البيان (٢٩/ ٧)، لسان العرب (١/ ٣١٨)، مادة (حَصَبَ).","vol":"1","page":3314},{"text":"﴿فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (١٧)﴾: أي: إن (١) لم أُعاجلكم بالعذاب، فستعلمون كيف عاقبةُ ما خوّفتكم به.\nوكان القياس أنْ يكونَ ﴿أَمْ﴾ لأحد المذكورين، كما في قولك: أزيد جاءكم أم عمر، ولكن الآية فيها معنى التخويف والتهديد وليس باستفهامٍ، فجاز الجمعُ بين المذكورين.\n﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: قبلَ قومِكَ.\n﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (١٨)﴾: إنكاري عليهم. وقيل: عقوبتي.\n﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ﴾:\nثم نبَّه على قدرته على الخسف وإرسال الحاصب، فقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ﴾: جمع طائر.\n﴿فَوْقَهُمْ﴾: في الهواء.\n﴿صَافَّاتٍ﴾: أجنحتهنّ، كالحِداء أو النِّسر (٢).\n﴿وَيَقْبِضْنَ﴾: أي: أجنحتَهنّ يضربن بها جنوبَهن كالحمام.\nوقيل: يَصْفُفْنَ (٣) أحيانًا ويقبضن أحيانًا.\nوقيل: ﴿صَافَّاتٍ﴾: مصطفات واقفاتٍ، ﴿وَيَقْبِضْنَ﴾: الأجنحةَ إذا وقفن من الطيران (٤).\nوقيل: في الهواء طيورٌ لا يقعن بالأرض أبدًا، طعامها النمل والبعوض إذا طرن في الهواء قبضن على أذنابهنّ وأجنحتهنّ. حكاه ابن هيصم (٥).\n﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ﴾: في الجوّ.\n﴿إِلَّا الرَّحْمَنُ﴾: بقدرته، فإن الثقيلَ يَستفِلُ (٦) طبعًا ولا يعلو.\n﴿إِنَّهُ﴾: إنَّ اللهَ ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ (١٩)﴾: عالمٍ بمصلحة كلّ شيءٍ.\n﴿أَمْ مَنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ﴾: أي:\nمن جندكم الذي ينصركم، ويحول بينكم وبين عذاب الرحمن، فأمنتم عذابه بسببه.\nوقيل: معناه: هل شيءٌ من أصنامكم يدفعُ عنكم عذابَ الله.\n﴿إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ (٢٠)﴾: أي: هم مغترّون بغُرور الشيطان، غيرَ\nمتمسّكين بحجَّةٍ وبرهانٍ. وقيل: معناه: مَن ينصركم سوى الرحمن.\n﴿أَمْ مَنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ﴾: أي: ومَن يرسل المطرَ\nعليكم إنْ أمسكَ اللهُ المطرَ.\nوقيل: إنْ أمسكَ جميعَ أسبابِ الرزق.\n﴿بَلْ لَجُّوا﴾: تمادَوا (٧).\n﴿فِي عُتُوٍّ﴾: استكبارٍ عن الحقِّ وعن الداعي إليه.\n﴿وَنُفُورٍ (٢١)﴾: عنه.\n﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا﴾: تقول: كببتُه فأكبَّ.\n﴿عَلَى وَجْهِهِ﴾: أي: مطرِقًا لا يلتفت ولا يتأمل الطرقَ واختلافَها.\n﴿أَهْدَى﴾: أرشدَ وأدلَّ.\n﴿أَمْ مَنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٢)﴾: المعنى: أفمن يمشي مُطرِقًا\nلا يلتفتَ إلى الطرقِ (٨) واختلافِها أرشدُ أم الذي يرفعُ رأسَه ينظرَ إلى الجادّة.\nوهذا مثلٌ ضربه الله.\nوقيل: ﴿مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ﴾: يعملُ بالمعاصي أرشدُ أم مَن يمشي سويًّا يعمل\nبطاعة الله.\nوقيل: ﴿يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ﴾: إلى النار، من قوله: ﴿يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ [الفرقان: (٣٤)]، كمَن يمشي على قدميه إلى الجنة (٩)،\nوقد سبق (١٠).\nوقيل: نزلت في أبي جهل، وعمّار، وابن مسعود - ﵄ - (١١).\n﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ﴾: خلقكم ابتداءً.\n﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾: خصَّ هذه الثلاثةَ بالذكر؛\nلأن العلومَ والمعارفَ بها تحصل (١٢).\n﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (٢٣)﴾: أي: تشكرون شكرًا قليلًا.\nو﴿مَا﴾ زيادة.\nوقيل: القلّة عبارةٌ عن العَدَم، كقول الشاعر:\n_________\n(١) \" إن \" ساقطة من (أ).\n(٢) الحِداء جمع حِدأة، وهي والنِّسر طائران معروفان.\n(٣) في (ب) \" يضعفن \".\n(٤) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٨)، تفسير الثعلبي (٩/ ٣٦٠)، تفسير السَّمعاني (٦/ ١٢).\n(٥) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢٣٢)،فيه بلفظ \" في الهواء طيور ... إذا طارت في الهواء تبيض على أذنابهن\nوأجنحتهن \".\n(٦) في (أ) \" يستقل \".\n(٧) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٩)، تفسير السَّمعاني (٦/ ١٢)، تفسير البغوي (٨/ ١٧٩).\n(٨) في (أ) \" إلى الطريق \".\n(٩) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٩)، النُّكت والعُيون (٦/ ٥٦)، المحرر الوجيز (٥/ ٣٤٢).\n(١٠) انظر: سورة الفرقان، آية (٣٤).\n(١١) وقيل: هذا مثلٌ عامُّ في كلِّ مؤمن وكافر. [انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٥٦)، تفسير السَّمعاني (٦/ ١٣)]، ولم أقف على من ذكر ابن مسعود - ﵁ -.\n(١٢) انظر: الكَشَّاف (٣/ ٢٠١)، تفسير البيضاوي (١/ ٥٥٢).","vol":"1","page":3315},{"text":". . . . . . . . . . . . . ... قليلًا بها الأصواتُ إلاّ بِغامها (١)\nأي: لا صوتَ بها إلا بغامها (٢). وقد سبق.\n﴿قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾: خلقكم فيها صغارًا.\n﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)﴾: إلى دار الحساب والجزاء.\nوقيل: حيث لا يجري لغيره فيه (٣) أمرٌ.\n﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾: أي: ما وُعدوا من الخسف والحاصب، وقيل: البعث والنشور.\n﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٥)﴾: أي: إنْ صدّقتم في كونه فاعلموا زمانَه، فإن مَن عرف مجيءَ شيءٍ عرف كونَه وزمانَه.\n﴿قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ﴾: أي: علمُ وقتِ العذاب. وقيل: علمُ الساعة.\n﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾: لم يُطلع عليه أحدًا.\n﴿وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٦)﴾: أخوّفكم بمجيئه، ولا أعلمُ وقتَه.\n﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً﴾: عاينوا (٤) عذابَ الله قريبًا منهم (٥).\n﴿سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: أي: ورد عليهم ما يسوؤهم.\nوقيل: أُنيلت السوءَ، أي: ما ساءها.\n_________\n(١) البيت لذي الرِّمة، وتمامه:\nأنيخت فألقت بلدة فوق بلدة ... قليل بها الأصوات إلا بغامها.\n[انظر: لسان العرب (١٢/ ٥١)، مادة (بَغَمَ)].\n(٢) بغام الظبية صوتها، وبغام الناقة صوت لا تفصح به، وبغمت الناقة تبغِم بالكسر بِغاما قطعت الحنين ولم تمده. [انظر: لسان العرب (١٢/ ٥١)].\n(٣) \" فيه \" ساقطة من (أ).\n(٤) في (ب) \" عاينة \".\n(٥) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٣٨٥)، جامع البيان (٢٩/ ٩)، تفسير السَّمرقندي (٣/ ٤٥٦).","vol":"1","page":3316},{"text":"وقيل: أسودّت وجوهُهم، وهذا يوم القيامة (١).\nوقيل: كان يوم بدر (٢).\n﴿وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ (٢٧)﴾: أصله تفتعلون، من\nالدعوى، أي: تدّعون إنه كذبٌ.\nوقيل: تفتعلون، من الدعاء، أي: تدعون الله (٣) بإيقاعه وتستعجلون،\nوتقولون (٤): ائتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين.\nوقيل: دعا وادَّعى، بمعنىً (٥).\nوقُرئ: ﴿تَدْعُوْن﴾ خفيفًا (٦).\n﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا﴾: هذا جوابٌ لقولهم (٧): ... ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ [الطور: (٣٠)]، وأن أمرَ محمدٍ لا يتمُّ ولا يبقى (٨)، أي: إن أماتني اللهُ وأمات مَن معي أو رحمنا وأخّر آجالَنا:\n﴿فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٨)﴾: فمَن ينجيهم من العذاب، فإنه نازلٌ بهم لا محالةَ، فأيُّ نفعٍ لكم في موتي (٩).\n_________\n(١) انظر: النُّكَت والعُيون (٦/ ٥٧)، تفسير السَّمعاني (٦/ ١٤)، تفسير البغوي (٨/ ١٨٠).\n(٢) قال القرطبي: \" وأكثر المفسرين على أنَّ المعنى: فلمَّا رأوه يعني: العذاب، وهو عذاب الآخرة، وقال مجاهد: يعني عذاب بدر \" [الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢١١)].\n(٣) في (أ) \" يدعون الله \".\n(٤) في (أ) \" ويستعجلون ويقولون \".\n(٥) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ١٧١)، جامع البيان (٢٩/ ١٢)، تفسير البغوي (٨/ ١٨٠)، المحرر الوجيز (٥/ ٣٤٣).\n(٦) على معنى يستعجلون، وبها قرأ أبو رزين وأبو رجاء والحسن والضحاك وقتادة وابن يسار وابن أبي عبلة ويعقوب ﴿يَدْعُون﴾ بسكون الدال وتخفيفها. [انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ١٧١)، جامع البيان (٢٩/ ١٢)، المحرر الوجيز (٥/ ٣٤٣)، زاد المسير (٨/ ٩٠)].\n(٧) في (ب) \" لهم \" والصواب ما أثبت.\n(٨) في (أ) \" لا يتم ويبقى \".\n(٩) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٣٨٥)، جامع البيان (٢٩/ ١٢)، تفسير البغوي (٨/ ١٨٠).","vol":"1","page":3317},{"text":"ابن جرير معناه: \"لا حاجةَ بكم إلى أنْ تستعجلوا قيامَ الساعة ونزولَ العذاب، فإن ذلك غير نافعكم، بل ذلك بلاءٌ عظيمٌ عليكم \" (١).\nوقيل: معناه: لا تتمنوا موتي (٢)؛ فإنه لا ينفعُكم، وتمَّنوا ما يُجيركم من عذاب الله؛ فإن ذلك أنفعُ لكم.\nوقيل: معناه: نحن مع إيماننا خائفون، فمَن يمنعكم من عذاب الله (٣) وأنتم كافرون (٤).\n﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آَمَنَّا بِهِ﴾: أي: الذي أدعوكم إليه الله.\n﴿وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا﴾: فوَّضنا إليه أمورَنا.\n﴿فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٩)﴾: نحن أم أنتم.\n﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا﴾: غائرًا ذاهبًا ناضبًا، لا تناله الأيدي\nوالدِّلاء (٥) (٦).\nقال الكلبي: بئرُ زمزم، وبئر ميمون بن (٧) الحضرمي، أخي عمرو بن الحضرمي، وهي بئر عادية قديمة (٨) (٩).\n﴿فَمَالِ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ (٣٠)﴾ ظاهر تناله الأيدي.\nوقيل: جارٍ، وقيل: عذْبٌ (١٠).\nو﴿مَعِينٍ﴾: فعيل من المَعن والإمعان، وقيل: مفعولٌ من العين (١١)، وقد سبق (١٢).\nوالفاء في قوله ﴿فَمَنْ يُجِيرُ﴾ قيل: هو زيادة، وقيل: جوابٌ للشرط (١٣). وهو ضعيف مزيّف.\nوالفاء جواب (انتبه)، الدالّ عليه ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾، وليس بجوابٍ للشرط (١٤)، وإنما جوابُه مدلولٌ عليه (١٥). والله أعلم.\n_________\n(١) جامع البيان (٢٩/ ١٢).\n(٢) في (أ) \" لا يتمنوا موتي \".\n(٣) في (أ) \" من عذابه \".\n(٤) انظر: تفسير الثعلبي (٩/ ٣٦١)، تفسير البغوي (٨/ ١٨٠).\n(٥) الدِّلاء: معروفة واحدة الدَّلاءِ التي يُسْتَقَى بها تذكَّر وتؤنَّث، والجمع أَدْلٍ في أَقل العدد والكثير دِلاءٌ ودُليٌّ. [انظر: لسان العرب (١٤/ ٢٦٤)، مادة (دَلا)].\n(٦) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٣٨٥)، جامع البيان (٢٩/ ١٣)، تفسير البغوي (٨/ ١٨٠).\n(٧) \" بن \" ساقطة من (أ).\n(٨) بئر مَيمون: اسم رجل: بئر بمكة بين البيت والحجون بأبطح مكة وهي منسوبة إلى ميمون بن الحضرمي أخي العلاء بن الحضرمي، وهم حلفاء بني أمية، كان ميمون حفرها في الجاهلية وعندها توفي أبو جعفر المنصور، وقال الحسن بن أحمد بن يعقوب الهمداني: \"إنما احتفرها ميمون بن قحطان بن ربيعة من الصدف رهط الحضرمي ... في الجاهلية قبل أن يقع عبد المطلب على زمزم بدهر طويل وفيها أنزل الله - تعالى - قوله لقريش: قُلْ ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ (٣٠)﴾، ولم يكن لهم ماء للشفة سواه \". [انظر: معجم ما استعجم (٤/ ١٢٨٥)، معجم البلدان (١/ ٣٠٢)].\n(٩) انظر: تفسير السَّمعاني (٦/ ١٥)، المحرر الوجيز (٥/ ٣٤٤)، روح المعاني (٢٩/ ٢٢).\n(١٠) في (ب) \" وقيل: عذْب، وقيل: جارٍ \".\n(١١) في (ب) \" وقيل: من المعين \".\n(١٢) عند قوله في الصافات ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (٤٥)﴾ [الصافات: (٤٥)] وانظر: إعراب القرآن؛ للنَّحاَّس (٤/ ٣١١).\n(١٣) في (ب) \" الشرط \".\n(١٤) في (ب) \" الشرط.\n(١٥) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢٣٣).","vol":"1","page":3318},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-174>سورة ن </span>(١)\nاثنتان وخمسون آية (٢) (٣) مكية (٤).\nقال ابن عباس وقتادة مكية من أولها إلى قوله: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (١٦)﴾، ومن قوله: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا﴾ إلى قوله: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ مدني، ومن قوله: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٣٤)﴾ إلى قوله: ﴿يَكْتُبُونَ (٤٧)﴾ مكيّ.\nومن قوله: ﴿فَاصْبِرْ﴾ إلى قوله: ﴿مِنَ الصَّالِحِينَ (٥٠)﴾ مدني، والباقي مكي \" (٥).\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١)﴾ نزلت هذه الآيات جوابًا للمشركين حين قالوا لرسول الله - ﷺ - إنك لمجنون، لشاعر مجنون معلَّم مجنون، فقال: ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢)﴾ (٦).\nوالظاهر في ﴿ن﴾ أنه من حروف التهجي، وبناؤه على السُّكون وكتابته في المصحف يدلَّان على ذلك (٧).\n_________\n(١) كذا بالإفراد في بعض كتب التفسير والسنن، كما ترجمها الترمذي في سننه، وتسمى في بعض التفاسير \" سورة ن والقلم \" وبها ترجم البخاري في صحيحه، وأشهر أسمائها في المصاحف وكتب التفسير \" سورة القلم \". [انظر: بصائر ذوي التمييز (١/ ٤٧٦)، التحرير والتنوير (٢٩/ ٥٧)].\n(٢) \" اثنتان وخمسون آية \" ساقطة من (ب).\n(٣) بإجماع أهل العدِّ. [انظر: البيان؛ للدَّاني (ص: ٢٥٢)، بصائر ذوي التمييز (١/ ٤٧٦)، المحرر الوجيز في عدِّ آي الكتاب العزيز (ص: ١٦٩)].\n(٤) وهو قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر. [انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٥٩)، بصائر ذوي التميز (١/ ٤٧٦)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢١٤)].\nوقال ابن عطية: \" ولا خلاف فيها بين أحد من أهل التأويل \" [المحرر الوجيز (٥/ ٣٤٥)].\n(٥) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٥٩)، زاد المسير (٨/ ٩٢)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢١٤).\n(٦) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٦١)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢١٦).\n(٧) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ١٥٨)، التسهيل (٤/ ١٣٧)، البحر المحيط (١٠/ ٢٣٤).","vol":"1","page":3319},{"text":"وروي عن ابن عبَّاس - ﵄ - فيه ثلاثة أقوال:\nأحدهما: أنَّ الر حم ن مجموع الرحمن (١)، وقد سبق.\nوالثاني: أنَّه الحوت الذي دحيت الأرض عليه. وجاء ذلك مرفوعًا (٢).\nقال الكلبي ومقاتل: \" اسمه بُهموت \" (٣).\nالواقدي: لويثا (٤).\nكعب: لويثا (٥).\nوعن علي - ﵁ - \": بلهوت \" (٦) (٧).\nوعنه - ﵁ - في بعض رجزه:\nمالي أراكم كلكم سكوتا ... والله ربي خالق البُلهوتا (٨)\nوالثالث: الدواة، وهي أليق بالقلم (٩).\nوسمعت الثقات أنَّ أصحاب البحر يستخرجون من بعض الحيتان شيئًا أسودًا كالنِّقس (١٠) أو أشد سوادًا منه يكتبون به، فيكون النون، وهو الحوت عبارة عن الدواة (١١).\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٩/ ١٥)، النُّكت والعيون (٦/ ٦٠).\n(٢) والصحيح موقوف عن ابن عباس - ﵄ - بروايات مختلفة ساقها عبد الرزاق الصنعاني وابن جرير منها: عن بن عباس - ﵄ -: \" قال أول ما خلق الله من شيء القلم فجرى بما هو كائن ثم رفع بخار الماء فخلقت منه السماوات ثم خلق النون فبسطت الأرض على ظهر النون فتحركت الأرض فمادت فأثبتت بالجبال فإن الجبال لتفخر على الأرض قال: وقرأ ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١)﴾ \" [انظر: تفسير الصَّنعاني (٣/ ٣٠٧)، جامع البيان (٢٩/ ١٥)].\n(٣) انظر: تفسير الثعلبي (١٠/ ٥) وفيه \"يهموت \"، تفسير البغوي (٨/ ١٨٢).\n(٤) انظر: تفسير الثعلبي (١٠/ ٥) وفيه \" لوسا \"، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢١٥).\n(٥) انظر: تفسير الثعلبي (١٠/ ٥) وفيه لوسا\"، تفسير البغوي (٨/ ١٨٢)\n(٦) في (ب) \" يلهوت \".\n(٧) انظر: تفسير الثعلبي (١٠/ ٥)، غرائب التفسير (٢/ ١٢٣٥).\n(٨) انظر: تفسير الثعلبي (١٠/ ٥)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢١٥).\n(٩) انظر: جامع البيان (٢٩/ ١٥)، النُّكت والعيون (٦/ ٦٠).\n(١٠) النِّقس: المِدَادُ. [انظر: لسان العرب (٦/ ٢٤٠)، مادة \" نَقَسَ \"].\n(١١) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢٣٥).","vol":"1","page":3320},{"text":"يقويه ما روي عن النبي - ﷺ - أنه قال: «أول شيء خلقه الله القلم، ثم خلق النون، وهي الدواة، ثم قال له: اكتب ما هو كائن من عملٍ أو أثرٍ أو رزق أو أجل، فكتب ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة، ثم ختم على القلم، فلم ينطق، ولا ينطق إلى يوم القيامة» (١).\nوجاء في الشِّعر:\nإذا ما الشوق برَّح بي إليهم ... ألقتِ النُّونُ بالدَّمعِ السُّجوم (٢)\nمعاوية بن قرة (٣) مرفوعًا: \" إنَّ النُّوح لوحٌ من نور \" (٤).\nوقيل: النُّون قسمٌ أقسم الله تعالى به.\nوقيل: اسم السُّورة كأخواتها (٥).\nوقيل: اسم نهر في الجنَّة (٦) (٧).\nالضحاك: \"وفارسي أنون، فترجم بعضهم عنه فقال: اصنع ما شئت (٨)، والله أعلم.\n﴿وَالْقَلَمِ﴾ أقسم الله بالقلم، أو بربِّ القلم كما سبق، وهو قلم من نور طوله ما بين السَّماء والأرض (٩).\nوذهب ابن بحر إلى أنه القلم الذي يكتب به من قوله ﴿عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ [العلق: (٤)]، وهي اليراعة (١٠) المُبَرية (١١).\n﴿وَمَا يَسْطُرُونَ (١)﴾ أي: يكتبون.\nوقيل: يعلمون، كناية عن غير سابق، أي يكتبه الحفظة من أفعال بني آدم.\nابن بحر: \" ما نكتبه (١٢) نحن من قوله: ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ [العلق: (٥)]، يعني: الخطَّ والكتابة \" (١٣).\nوذكر النَّقاش: \" ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ أي يسطُّره القلم \" (١٤).\nوفيه نظرٌ، أو يحمل على أصحاب القلم.\nوفي ﴿مَا﴾ قولان:\nأحدهما: أنَّه بمعنى الذي.\n_________\n(١) أورده ابن كثير في تفسير القرآن العظيم (٤/ ٤٧٢)، وعزاه لابن عساكر، من حديث أبي هريرة - ﵁ -، وأورده كذلك السيوطي في الدُّر المنثور (١٤/ ٦١٩)، وعزاه للحكيم الترمذي، وقال الشوكاني: \" قال ابن عدي: \"باطل منكر آفته محمد بن وهب الدمشقي \"، وقال في الميزان: \" صدق ابن عدي في أن هذا الحديث باطل \"، وقد أخرجه الدارقطني في الغرائب من طريقه، ورواه ابن عساكر عن أبي هريرة مرفوعًا والحكيم الترمذي والخطيب عن علي مرفوعًا \" [الفوائد المجموعة (ص: ٤٧٩)].\n(٢) لم أقف على قائله، وانظر ممن حكاه: تفسير الثعلبي (١٠/ ٦)، المحرر الوجيز (٥/ ٣٤٥)، البحر المحيط (١٠/ ٢٣٤).\n(٣) معاوية بن قرة بن إياس بن هلال بن رئاب، الإمام العالم الثبت، أبو إياس المزني البصري والد القاضي إياس، من فقهاء التابعين ودهاة أهل البصرة، روى عن أبيه وعن عدد من الصحابة، وثَّقَة علماء الجرح والتعديل كابن معين، والعجلي، وأبو حاتم، وابن سعد، والنسائي، وقد توفي سنة ثلاث عشر ومائة للهجرة [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: مشاهير علماء الأمصار (ص: ١١٧)، تهذيب الكمال (٢٨/ ٢١٠)، سير أعلام النبلاء (٥/ ١٥٣)].\n(٤) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (٢٩/ ١٥) قال ابن كثير في تفسير القرآن العظيم (٤/ ٤٢٨) \" وهذا مرسل غريب \".\n(٥) انظر: جامع البيان (٢٩/ ١٤)، تفسير الثعلبي (١٠/ ٥)، النُّكت والعيون (٦/ ٥٩)، زاد المسير (٨/ ٩٢).\n(٦) انظر: تفسير الثعلبي (١٠/ ٧)، زاد المسير (٨/ ٩٢).\n(٧) قال أبو حيَّان: \" ﴿ن﴾ حرف من حروف المعجم وما يروى عن ابن عباس ومجاهد أنه اسم الحوت الأعظم الذي عليه الأرضون السبع، وعن ابن عباس أيضًا والحسن وقتادة والضحاك: \" أنه اسم الدواة \"، وعن معاوية بن قرة يرفعه: «أنه لوح من نور»، وعن ابن عباس أيضًا: \" أنه آخر حرف من حروف الرحمن \"، وعن جعفر الصادق: \" أنه نهر من أنهار الجنة \"، لعله لا يصح شيء من ذلك [البحر المحيط (١٠/ ٢٣٤)، وانظر: الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير (ص: ٣٠٥)].\n(٨) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٦٠)، غرائب التفسير (٢/ ١٢٣٥).\n(٩) قوله: قلم من نور، طوله كما بين السماء والأرض، ذكره الماوردي في النكت والعيون (٦/ ٦٠)، ولم يصح وصفه في حديث صحيح بذلك - حسب ما ظهر لي - وجماع ما يقال فيه ما ذكره ابن جرير - ﵀: \" وأما القلم فهو القلم المعروف، غير أن الذي أقسم به ربنا من الأقلام القلم الذي خلقه الله تعالى ذكره فأمره فجرى بكتابة جميع ما هو كائن إلى يوم القيامة \" [جامع البيان (٢٩/ ١٦)].\n(١٠) في (ب) \" البراعة \".\n(١١) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٦٠)، غرائب التفسير (٢/ ١٢٣٦).\n(١٢) في (ب) \" ما يكتبه \".\n(١٣) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢٣٦).\n(١٤) لم أقف عليه.","vol":"1","page":3321},{"text":"وقيل: هو للمصدر (١) (٢).\nوحكى محمد بن الهيصم: \" أنَّ النُّون: الفم، والقلم: اللسان، وما يسطرون: ما يكتبه الحفظة \" (٣)\nوقال الحسن: \" عجبت من ابن آدم كيف يتكلَّم بالفضول، وحافظاه على نابيه، لسانه قلمهما وريقه مدادهما، وهو فيما بين ذلك يتكلم بما لا يعنيه \" (٤).\n﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢)﴾ جواب القسم (٥).\nوالمجنون: المستور العقل، تقولُ: جُنَّ (٦)، فهو مجنون (٧).\nالنَّحَّاس: \" أُجِنَّ، فهو مجنون، مثل: أحبَّ (٨) فهو محبوبٌ \" (٩).\nوالنعمة: الرَّحمة، والنِّعمة: النُّبوة.\nوالباء في ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ قيل: للسَّبب، أي ما أنت بمجنون بسبب أنَّ الله أنعم عليك بكمال العقل والمعرفة.\nوقيل: نسبوه إلى الجنون فقال الله تعالى [: ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢)﴾ أي] (١٠): ليست النُّبوة سببًا للجنون (١١).\nوقيل: هو كقولك: ما أنت بحمد الله بمجنون.\nوالمعنى: انتفى عنك الجنون بنعمة ربك.\n_________\n(١) في (ب) \" هو المصدر \".\n(٢) انظر: جامع البيان (٢٩/ ١٧)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٥/ ٤).\n(٣) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢٣٦).\n(٤) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢٣٦).\n(٥) انظر: إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٥/ ٤)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢١٦).\n(٦) في (ب) \" المستور الفعل منه جنَّ \".\n(٧) انظر: إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٥/ ٤).\n(٨) في (أ) \" ما أحبَّ \".\n(٩) انظر: إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٥/ ٤).\n(١٠) ما بين المعقوفتين ساقط من (ب).\n(١١) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢٣٦).","vol":"1","page":3322},{"text":"وقيل: الباء للقسم، حكاه أقضى القضاة (١)، وفيه ضعفٌ؛ لأَنَّ القسم لا يدخل على القسم.\n﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا﴾ ثوابًا على تبليغ الرِّسالة وتحمل المشاقِّ ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ (٣)﴾\nغير مقطوع، غير منقوص، غير محسوبٍ، غير ممنون به، فذلك كلُّه أقوال.\nالضَّحاك: \" أجرًا من غير عمل \" (٢)، وقد سبق.\n﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ قيل: على الدِّين العظيم، وقيل: على الإسلام، وقيل: على القرآن، وقيل: على آداب القرآن.\nوفي حُسن أخلاق النبي - ﷺ - كثرة لا يأتي عليها العدُّ.\nوعن أبي الدَّرداء قال: سألت عائشة - ﵂ - عن خلق النبي - ﷺ - فقالت: ... «كان خلقه القرآن يسخط بسخطه، ويرضى برضاه» (٣).\nوعن عائشة - ﵂ - قالت: «ما دعاه أحدٌ من أصحابه، ولا من أهل بيته إلا قال: لبَّيك» (٤).\nوقال: - ﷺ -: «أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خُلُقًا» (٥).\nوفرَّق علي بن عيسى بن الخُلق والخِيم، فقال: الخلق: ما يأخذ الإنسان به نفسه من الآداب، والخِيم: الطبع الغريزي \" (٦).\nوقيل: أصله ما ذُكر، ثُمَّ كثر الخُلق في الكلام حتى يستعمل مكان الطبع والجِبِلَّة.\n﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (٥) بِأَيِّيكُمُ الْمَفْتُونُ (٦)﴾ أي عن (٧) قريب، ترى ويرون بأيكم المفتون.\n_________\n(١) انظر: تفسير الثعلبي (١٠/ ٢٤١)، النُّكت والعيون (٦/ ٦١).\n(٢) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٦١).\n(٣) أورده السُّيوطي في الدُّر المنثور (١٤/ ٦٢٢)، وعزاه لابن مردويه وأبو نعيم \"في الدلائل\" والواحدي \".\n(٤) أورده السُّيوطي في الدُّر المنثور (١٤/ ٦٢٢)، وعزاه لابن المنذر وابن مردويه والبيهقي \"في الدلائل\".\n(٥) أخرجه أبو داود في سُننه في كتاب السُّنة، باب: الدليل على زيادة الإيمان ونقصانه، برقم (٤٦٨٢)، وأخرجه الترمذي في سُنَنه في كتاب الرَّضاع، باب: ما جاء في حق المرأة على زوجها، برقم (١١٦٢)، كلاهما عن أبي هريرة - ﵁ -.\n(٦) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٦١)، زاد المسير (٨/ ٩٣)، ولم يعزواه لابن عيسى.\n(٧) (\" ... (عن \" ساقطة من (ب).","vol":"1","page":3323},{"text":"وهذا وعيدٌ لهم لقولهم له: إنَّه لمجنون.\nوالمفتون: الذي فُتِنَ.\nوقيل: المفتون: المجنون.\nوقيل: الضالُّ.\nوقيل: الأولى بالشيطان، وقيل: بأيكم: إبليس عدو الله (١) (٢).\nوالباء بمعنى \" في \" أي في أي الفريقين فريق المؤمنين، وفريق الكافرين.\nوقيل: الباء للإلصاق.\nوالمفتون: الفتنة كما تقول به داء.\nأبو عبيدة: \" الباء زائدة \" (٣).\nابن بحر: ويتبين أنَّ المفتون بمن يصير مفتونًا، أبدعائك يا محمد، أم بدعاء رؤوس الضلالة وأتباعهم (٤).\nالمبرد: بأيكم فُتِنَ المفتونُ (٥).\n﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٧)﴾ أي: سيميز بعضهم عن بعض في الآخرة.\n﴿فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (٨)﴾ أي في الكفِّ عن التَّشدد عليهم وعيب آلهتهم، وذلك أنهم سألوه أن يكف عنهم ويداريهم.\n﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (٩)﴾ أي تمايلهم وتجاملهم، وقيل: توافق معهم وتترك مناصحتهم.\nوقيل: تلين لهم فيلينون لك.\n_________\n(١) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢٣٧).\n(٢) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٦٢)، زاد المسير (٨/ ٩٤)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢٢٠).\n(٣) انظر: مجاز القرآن (٢/ ٢٦٤).\n(٤) لم أقف عليه.\n(٥) لم أقف عليه.","vol":"1","page":3324},{"text":"وقيل: لو تقاربهم فيقاربون لك.\nوقيل: لو تضعف.\nوقيل: لو تكذبُ (١).\nوقيل: تُرَخِّصُ.\nوقيل: لو وهِنْتَ عن هذا الأمر (٢).\nوالفاء للعطف لا للجواب.\n﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ﴾ ابن عباس - ﵄ - \" هو أبو جهلٍ \" (٣).\nمقاتل: \"الوليد بن المغيرة \" (٤).\nمجاهد: \"هو الأسود بن عبد يغوث (٥) \" (٦).\nالكلبي: \" الأخنس بن شريق \" (٧).\nقوله: ﴿حَلَّافٍ﴾ كثير الحَلِف بالباطل.\nوقيل: الإكثار من اليمين مذموم؛ فإن الله تعالى عابه على مجرد الحلف، ولم يتعرض للصدق والكذب.\n﴿مَهِينٍ (١٠)﴾ حقير، قليلٌ في الرأي والتمييز، من المَهانة، تقول: مهُنُ بالضَّمِّ فهو مَهين.\nوقيل: من المُهنة وهي الخدمة.\n_________\n(١) \" لو تكذب \" ساقطة من (ب).\n(٢) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٢٢)، النُّكت والعيون (٦/ ٦٢)، زاد المسير (٨/ ٩٤)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢٢١).\n(٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢٢١).\n(٤) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٣٨٧).\n(٥) الأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ بْنِ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ الزُّهري، أحد الْمُسْتَهْزِئُين بِالنبي - ﷺ - مِنْ بَنِي زُهْرَةَ ... ابْنِ كِلابٍ، وقد دعا عليه النبي - ﷺ - فخرج في رأسه قروح فمات منها. [انظر: تفسير الصنعاني (٢/ ٣٥١)، جامع البيان (١٤/ ٧٢)، البداية والنهاية (٣/ ١٣١)، سيرة ابن هشام (١/ ٤١٠)].\n(٦) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٠/ ٣٣٦٤)، النُّكت والعيون (٦/ ٦٣).\n(٧) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٦٣)، زاد المسير (٨/ ٩٤) وقد أورداه عن السُّدي.","vol":"1","page":3325},{"text":"والفعل: مهَنَ بالفتح مَهنًا ومِهنة.\nوالماهِنُ: العبد، وليس من الهوان (١).\nالحسن: \" المَهينُ: المكثار في الشِّرِّ \" (٢).\nالفرَّاء: \" الفاجر \" (٣).\nوقيل: الضعيف القلب.\nوقيل: من أكثر الحلف الكاذبة بالله فهو عند الناس مهين (٤).\nالنَّحَّاس: \" ويجوز أن يكون بمعنى: مهان \" (٥)، وفيه تعسُّفٌ.\n﴿هَمَّازٍ﴾ هو الذي يغتاب الناس ويقع فيهم من ورائهم.\nوقيل: الذي يهمز الناس، أي يكسر عينه إذا ولَّى صاحبه.\nوقيل: العيَّاب (٦).\n﴿مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١)﴾ نقَّال للحديث، وهو الواشي.\nوالنميم: جمع نميمة، والنميم والنميمة واحدٌ، والاسم النَّمَّام (٧).\n﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ يبخل بماله.\nوقيل: يمنع الناس عن الإيمان (٨).\n﴿مُعْتَدٍ﴾ على النَّاس من غير عدلٍ وإنصافٍ.\n﴿أَثِيمٍ (١٢)﴾ كثير الإثم (٩).\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٢٢)، النُّكت والعيون (٦/ ٦٣)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢٢٢).\n(٢) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٢٢)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢٢٢).\n(٣) انظر: معاني القرآن (٣/ ١٧٣).\n(٤) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٢٢)، النُّكت والعيون (٦/ ٦٣)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢٢٢).\n(٥) انظر: إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٥/ ٦).\n(٦) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٢٢)، النُّكت والعيون (٦/ ٦٣)، المحرر الوجيز (٥/ ٣٤٧).\n(٧) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٢٢)، النُّكت والعيون (٦/ ٦٣)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢٢٢).\n(٨) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ١٦٠)، النُّكت والعيون (٦/ ٦٤).\n(٩) في (ب) \" كبير الإثم \".","vol":"1","page":3326},{"text":"﴿عُتُلٍّ﴾ جاء مرفوعًا: \" الفاحش اللئيم \" (١).\nوقيل: العتل: الشديد الخصومة.\nوقيل: الأكول الشَّروب القوي الشديد.\nوقيل: الأكول الأشِر.\nوقيل: الغليظ الجافي، من قوله: ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ﴾ [الدخان: (٤٧)]، أي جرُّوه على عُنفٍ (٢).\n﴿بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (١٣)﴾ أي بعد هذه الخصائل، ومع هذه الرذائل ملصق بالقوم ليس منهم، مأخوذ من زنمتي الشاة.\nوقيل: له زنمة في الشَّرِّ يُعرف بها كما تُعرف الشاةُ بزنمتيها (٣).\nوجاء مرفوعًا: \" إنه اللئيم \" (٤).\nابن عباس - ﵄ -: \" الفاجر \" (٥).\nالضَّحَّاك: \" كانت للوليد أسفل من أذنه زُنْمة كزنمَة الشاة \" (٦).\nعكرمة: \" ولد الزِّنا \"، وأنشد:\nزَنِيمٌ ليس يُعْرفُ مَنْ أبوه ... بَغِيُّ الأمِّ ذو حَسَبٍ لئيمٍ (٧) (٨)\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (٢٩/ ٢٤) عن القاسم مولى معاوية قال: «سئل رسول الله - ﷺ - عن العتل الزنيم؟ قال: الفاحش اللئيم».\n(٢) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٢٣)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٥/ ٦)، النُّكت والعيون (٦/ ٦٤).\n(٣) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٢٣)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ١٦٠)، النُّكت والعيون (٦/ ٦٤).\n(٤) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (٢٩/ ٢٤) عن القاسم مولى معاوية قال: «سئل رسول الله - ﷺ - عن العتل الزنيم؟ قال: الفاحش اللئيم».\n(٥) لم أقف عليه من قول ابن عباس - ﵄ -، وقد أخرجه ابن جرير في جامع البيان (٢٩/ ٢٧) عن أبي رزين.\n(٦) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٦٥).\n(٧) في (ب) \" حسبٍ اللئيم \".\n(٨) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٦٥)، غرائب التفسير (٢/ ١٢٣٨)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢٢٥).","vol":"1","page":3327},{"text":"وقيل: هو الذي يُعرف بالأبنة (١). رواه الماوردي (٢).\n﴿أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (١٤)﴾ لأن كان، أي لأجل كونه ذا مالٍ وأولاد (٣).\n﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا﴾ أي القرآن ﴿قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٥)﴾ أي: كذبهم وما كتب عنهم ولا حقيقة له.\nوالعامل في ﴿أَنْ كَانَ﴾ عند الزَّجَّاج أحد الفعلين، أحدهما قوله: ﴿قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾.\nوالثاني: ﴿لَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ﴾، لأجل أن كان ذا مال وبنين، أي لا تطعه ليساره (٤).\nولم يُجز أبو علي الوجه الأول، قال: لأنَّ حكم الجواب أن يكون بعد ما هو جواب له (٥).\nوقرئ بالاستفهام، والتقدير: أَلِأَن كان (٦) ذا مالٍ تُطيعه (٧).\nوجاء في التفسير: أنَّ الوليد كان له عشرة بنين، وتسعة آلاف مثقال فضة (٨).\nالضحاك: \" كانت له حديقة في الطائف واثنا عشر ابنًا \" (٩).\n﴿سَنَسِمُهُ﴾ من الوسْم، وهو الكيُّ.\n_________\n(١) الأُبنة: أي يُعرف بالأمر القبيح والسوء. [انظر: لسان العرب (١٣/ ٣)، مادة \" أَبَنَ \"].\n(٢) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٦٥).\n(٣) \" وأولاد \" ساقطة من (ب).\n(٤) انظر: معاني القرآن؛ للزجَّاج (٥/ ١٦٠).\n(٥) الحجة؛ لأبي علي الفارسي (٦/ ٣١٠).\n(٦) في (أ) \" لإن كان \".\n(٧) وهي قراءة حمزة وأبي بكر عن عاصم ﴿أَأَنْ كان﴾، وقرأ ابن عامر ﴿آنْ كان﴾ بهمزة مطولة وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو والكسائي وحفص عن عاصم ﴿أَنْ كَانَ﴾. [انظر: جامع البيان (٢٩/ ٢٧)، السَّبعة ... (ص: ٦٤٦)، الحجَّة؛ لأبي علي الفارسي (٦/ ٣١٠)، حجة القراءات؛ لابن زنجلة (ص: ٧١٧)].\n(٨) انظر: النكت والعيون (٦/ ١٣٩)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ٧١).\n(٩) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٦٥).","vol":"1","page":3328},{"text":"﴿عَلَى الْخُرْطُومِ (١٦)﴾ وهو الأنف (١).\nوالمتدلي من وجه الفيل أنفه، وهو من السِّباع الشفة، وفيه أقوال:\nأحدها: أنَّه الأنف في الحقيقة وقد أصابه يوم بدرٍ جراحة فبقي أثرها عليه.\nوقيل: المراد به الوجه، أي يسودُّ وجهه يوم تبيضُّ وجوه وتبيضُّ وجوه.\nوقيل: يسودُّ وجهه ويجعل على أنفه علامة لعداوته محمدًا - ﷺ -.\nوقيل: استعارة عن لزوم العار والشنار بما وصفه الله به، كما قال الشاعر (٢):\nلمَّا وضعت على الفرزدق ميسمي ... وعلى البعيث جدعت أنف الأخطل (٣)\nفإن الله لم يصف أحدًا بمثل ذلك (٤).\nوقال النضر بن شميل (٥): \" ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ﴾ سنحده على شُرْبِ الخمر، وأنشد:\nتظلُّ يومك في لهوٍ وفي طربٍ ... وأنت بالليل شرَّاب الخراطيم (٦)\nحكاه الثعلبي (٧)، وفيه تعسُّفٌ.\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٢٨).\n(٢) \" الشاعر \" ساقط من (ب).\n(٣) البيت لجرير [انظر: ديوان جرير (ص: ٣٥٧)، تفسير الثعلبي (١٠/ ١٥) البحر المحيط (١٠/ ٢٣٣)]، والبيت في ديوان جرير بلفظ:\nلمَّا وضعت على الفرزدق ميسمي ... وَضَغَا البغيث، جدعت أنف الأخطل\n(٤) انظر: تفسير الثعلبي (١٠/ ١٥)، النُّكت والعيون (٦/ ٦٦)، غرائب التفسير (٢/ ١٢٣٨)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢٢٧).\n(٥) النضر بن شُمَيل بن خَرشَه بن يزيد بن كلثوم التميمي، أبو الحسن المازني البصري، العلامة الإمام الحافظ القارئ، النحوي الأخباري، نزيل مرو وعالمها، جمع بين القراءة والحديث والفقه والنحو والغريب والشعر ومعرفة أيام الناس، وكان صدوقًا ثقة، حدَّث عن: هشام بن عروة وبهز بن حكيم، وغيرهم. وعنه: يحيى بن معين وإسحاق ابن راهويه، وجمعٌ من الرواة، تُوفي - ﵀ - في أول سنة أربع ومائتين. [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: إنباه الرواة (٣/ ٣٤٨)، سير أعلام النبلاء (٩/ ٣٢٨)، غاية النهاية (٢/ ٣٤١)].\n(٦) البيت للأعرج المغني كما نسبه أبو حيان في البحر المحيط (١٠/ ٢٣٣)، وانظر: تفسير الثعلبي (١٠/ ١٦)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢٢٨).\n(٧) انظر: تفسير الثعلبي (١٠/ ١٦).","vol":"1","page":3329},{"text":"﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ أي: بلونا قريشًا وأهل مكة بالجوع والقحط بدعاء النبي - ﷺ -: «اللهم اشدد وطأتك على مُضر، واجعلها سنين كَسِنيَّ ... يوسف» (١) (٢).\nوأمر أهل هجر أن لا يحملوا إلى أهل مكة طعامًا وانقطع عنهم الطريق من قِبَل العراق.\nوأمَّا أصحاب الجنة، فقال المفسرون: هي جنَّة بصنعاء.\nويقال: دون صنعاء بفرسخين اسمها حَرْد، وقيل: صوران (٣).\nوكان أهل القرية قومًا بين عيسى ومحمد - ﵉ - متمسكين بشرائع الإنجيل (٤).\nالحسن: \" كانوا كفَّارًا \" (٥).\nوالجمهور على القول الأول.\nوكان (٦) فيهم رجل، وله بستان فيها زرعٌ ونخل وعنبٌ.\nمجاهد: زرع وعنب يخرج وقت الصِّرام إلى جنَّتِه، وينادي الفقراء والمساكين، فيخرجون معه، فما أذرته الريح وألقته الطير، وأخطأه المنجل، أو بعد من البساط الذي يُبسط تحت النَّخلة جعله للفقراء، ثم يخرج بعد ذلك صدقة ماله وثماره فيُقْسِمها لهم، وكان في ذلك فضل كثير، وكان على ذلك حتى مات، وكان له بنون ثلاثة، فقالوا لو صنعنا ما كان يصنع أبونا ضاق علينا، فقد كثر عيالنا، فتعالوا لا نُعْلِمُ المساكين إذا خرجنا لصرام جنتنا يكن ذلك الفضل لنا فاجتمعوا على ذلك، فقال أوسطهم أعدلهم قولًا، وقيل: خيارهم من قوله: ﴿أُمَّةً وَسَطًا﴾\n_________\n(١) تقدم تخريجه في سورة الدخان (٣٨٢).\n(٢) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٢٩)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ١٦٣)، البحر المحيط (١٠/ ٢٤١).\n(٣) وقيل: ضيروان، وقيل: بضوران. [انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٣٨٨)، غرائب التفسير (٢/ ١٢٣٩)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢٢٩)، تفسير القرآن العظيم (٤/ ٤٣٣)].\n(٤) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٣٨٨)، جامع البيان (٢٩/ ٢٩)، النُّكت والعيون (٦/ ٦٧).\n(٥) لم أقف عليه.\n(٦) في (أ) \" فكان \".","vol":"1","page":3330},{"text":"[البقرة: (١٤٣)]، أي خيارًا لا تفعلوا فإن الله - تعالى - كان (١) يبارك لأبينا؛ لإخراجه حقَّ الله تعالى فأبوا عليه \" (٢).\n﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا﴾ ليقطعنَّ ثمارها (٣).\n﴿مُصْبِحِينَ (١٧)﴾ وقت الصبح.\n﴿وَلَا يَسْتَثْنُونَ (١٨)﴾ لم يقولوا إن شاء الله، وقد أمرهم أوسطهم بالاستثناء.\nعكرمة: \" لا يستثنون حقَّ المساكين \" (٤).\nوقيل معنى: ﴿يَسْتَثْنُونَ﴾ لم يقولوا سبحان الله (٥).\nوالاستثناء: أن يشرط الحالف في فعله مشيئة الله تعالى فيصرفه عن الوقوع.\n﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (١٩)﴾ ابن عباس﵄ -: \" أمرٌ من أمر ربك \" (٦).\nقتادة: عذاب ربك \" (٧).\nابن جريج: \" عُنُق من النار \" (٨).\nوقيل: إعصار فيه نارٌ فاحترقت.\n﴿وَهُمْ نَائِمُونَ (١٩)﴾ أي: بالليل.\n_________\n(١) (\" ... (كان \" ساقط من (أ).\n(٢) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٣٨٨)، معاني القرآن (٣/ ١٧٤)، جامع البيان (٢٩/ ٢٩)، تفسير الثعلبي (١٠/ ١٦)، النُّكت والعيون (٦/ ٦٧)، ولم يعزوه لمجاهدٍ.\n(٣) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٢٩)، تفسير السمرقندي (٣/ ٤٦١).\n(٤) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٢٩)، النُّكت والعيون (٦/ ٦٧).\n(٥) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ١٧٤)، جامع البيان (٢٩/ ٢٩).\n(٦) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٣٠)، النُّكت والعيون (٦/ ٦٧).\n(٧) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٦٧)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢٣١).\n(٨) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٦٧)، البحر المحيط (١٠/ ٢٤٢).","vol":"1","page":3331},{"text":"﴿فَأَصْبَحَتْ﴾ أي الجنة ﴿كَالصَّرِيمِ (٢٠)﴾ أي محترقة سوداء (١) كالليل.\nوقيل: بيضاء لم يبق فيها سود زرع ولا شجر، كالنَّهار.\nوالصريم: الليل، والصريم النهار؛ لأنَّ كل واحدٍ منهما ينصرم عن صاحبه.\nوقيل: كالصريم: كالبستان الذي صُرمَ زرعه وثماره صريم بمعنى مصروم، ولهذا لم يدخله التاء، ككفٍّ خضيب وعين كحيل (٢).\nالمؤرج: \" كالرملة الصَّرِمة من معظم الرمل\" (٣).\n﴿فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ (٢١)﴾ نادى بعضهم بعضًا عند الصباح.\n﴿أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ﴾ أخرجوا إليه عند الغداة ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ (٢٢)﴾ أي قاطعين.\n﴿فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (٢٣)﴾ يتسارُّون (٤) بينهم ﴿أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا﴾ أي الجنة ﴿الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (٢٤)﴾.\nوقيل: يخفون أنفسهم من الناس.\nوقيل: يخفون كلامهم.\nوقيل: يتكلَّفون ذلك (٥).\n﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ﴾ على قصدٍ من قول الشاعر:\n. . . . . . . . . . . . . . . ... يحرد حرد الجنة المُغِلَّة (٦)\n_________\n(١) \" في (أ) \" محترقة سوادٌ \".\n(٢) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٣٠)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٥/ ٨)، النُّكت والعيون (٦/ ٦٧)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢٣٢).\n(٣) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢٣٩)، البحر المحيط (١٠/ ٢٤٢).\n(٤) \" في (ب) \" يتشاورون \".\n(٥) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٦٨)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢٣٢).\n(٦) الرجز لم أقف على قائله، وصدره:\nوجاء سيل كان من أمر الله ... يحرد حرد الجنة المغلة\nوقد روي أيضًا بلفظ \" قد جاء سيل \"، ومعنى يحرد حرد الجنَّة، يقصد قصدها [انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ١٧٦)، جامع البيان (٢٩/ ٣٣)، لسان العرب (٣/ ١٤٤)، مادة \" حَرَدَ \"].","vol":"1","page":3332},{"text":"وقيل: على غضبٍ على المساكين (١).\nوالحرد الغضب، والفتح فيه أكثر.\nوقيل: على منعٍ من قولهم: حاردت السنة، إذا لم يكن فيها مطرٌ.\nوقيل: على قدرة ونشاطٍ وجدٍّ في أنفسهم.\nالحسن: \" على فاقة وحاجة \" (٢).\nوقيل: على أمرٍ أسَّسوه وأجمعوا عليه.\nوقيل: على حرصٍ، وقيل: هو اسم جنَّتهم، والأقوال الثلاثة الأولى، أقوال اللغة (٣).\n﴿قَادِرِينَ (٢٥)﴾ على جنتهم لا يحول بينهم وبينها أحدٍ، أي عند أنفسهم.\n[وقيل: قادرين: خرجوا في الوقت الذي قدَّروه] (٤).\nوقيل: قادرين على المساكين (٥)، وفيه ضعفٍ.\n﴿فَلَمَّا رَأَوْهَا﴾ أي: الجنة بخلاف ما تركوها.\n﴿قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (٢٦)﴾ أي ضللنا طرق جنتنا.\nوقيل: ﴿لَضَالُّونَ﴾ بمنعنا حقَّ المساكين.\nفلمَّا عرفوا أنَّها جنتهم قالوا:\n﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٢٧)﴾ حُرمنا خير جنتنا وثمرها.\nوقيل معنى: ﴿مَحْرُومُونَ﴾ حُوْرِفْنَا (٦) طريقنا (٧).\n_________\n(١) (\" ... (في (ب) \" على مساكين \".\n(٢) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٣٢)، النُّكت والعيون (٦/ ٦٩).\n(٣) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٣٢)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٥/ ٨)، النُّكت والعيون (٦/ ٦٨)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢٣٣)، زاد المسير (٨/ ٩٩).\n(٤) ما بين المعقوفتين ساقط من (ب).\n(٥) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٦٩)، زاد المسير (٨/ ١٠٠).\n(٦) حُوْرِف: حُرِمَ، وقد حُورِفَ كَسْبُ فلان إذا شُدِّد عليه في مُعاملَته وضُيِّقَ في مَعاشِه كأَنه مِيلَ بِرِزْقه عنه من الانْحِرافِ عن الشيء، وهو الميل عنه. [انظر: لسان العرب (٩/ ٤١)، مادة \" حَرَفَ \"].\n(٧) انظر: تفسير الصنعاني (٣/ ٣٠٩)، النُّكت والعيون (٦/ ٦٩).","vol":"1","page":3333},{"text":"﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ أعدلهم، وخيرهم، وأفضلهم، وأعقلهم، كلُّها أقوالٌ (١).\n﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (٢٨)﴾ لولا تستثنون عند قولكم: ﴿لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ﴾.\nوالاستثناء تسبيحٌ؛ لأنَّه تنزيه الله، والإقرار بأنَّه لا يقدر أحدٌ أن يفعل فعلًا إلا بمشيئة الله؛ ولأنَّ التسبيح ذكر الله، وهو موجود في الاستثناء.\nوقيل: لولا تذكرون نعم الله عليكم، فتؤدُّوا (٢) حقَّ الله من أموالكم (٣).\n﴿قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٢٩) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ (٣٠)﴾ أي يحيل بعضهم باللائمة على بعضٍ، ثُمَّ أقروا جميعًا أنَّهم تجاوزوا ما حدَّ الله لهم، وهو قوله: ﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ (٣١)﴾ الويل غلظ المكروه، والشَّاق على النَّفس.\n﴿عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ (٣٢)﴾ أي راغبون (٤) في المسألة أن يتوب علينا، وأن يرزقنا خيرًا منها.\nوقيل معناه: تائبون.\nقال المفسرون: تابوا فأبدلهم بها جنة خيرًا منها، واسمها الحيوان.\nابن مسعود - ﵁ -: \" أبدلهم فيها عنب يحمل البغل منها عنقودًا \" (٥).\nقال الدِّمياطي (٦): \" حدثني من رأى تلك الجنة، وقال: رأيت فيها كل عنقودٍ منها كالرجل الأسود القائم \" (٧) (٨).\nوذهب بعضهم إلى أنَّ هذا قول الفقراء والمساكين، أي عسى أن يرزقنا خيرًا من جنتهم (٩) إنا إلى ربنا راغبون راجون واثقون (١٠).\nوالجمهور على القول الأول.\n﴿كَذَلِكَ الْعَذَابُ﴾ أي كما ذكرنا يقع العذاب في الدنيا لمن سلك (١١) سبيلهم ... ﴿وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَكْبَرُ﴾ لأنَّه دائم لا ينقطع ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ لما أقاموا على ما يؤدِّيهم إلى هذا العذاب.\nابن بحر: \" أي نعذِّب الهمازين المشَّائين بالنمائم بمثل ما عذَّبنا أصحاب الجنة \" (١٢).\n﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٣٤)﴾ أي للذين (١٣) يتقون الشرك في الآخرة أي بساتين نعيمها مقيم، لا يبيد ولا يفنى، خلافًا لبساتين الدنيا؛ فإنَّها فانية هالكة صاحبها في عناء من عمارتها، فلا ترغبوا بها عنها، فلمَّا نزلت هذه الآية أو ما بمعناها قال عتبة بن ربيعة وامرأته لئن كان ما يقوله محمد حقًَّا من الثواب في الجنة (١٤) لنكونن أكثر ثوابًا\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٣٤)، تفسير السمرقنيدي (٣/ ٤٦٢)، النُّكت والعيون (٦/ ٦٨).\n(٢) في (ب) \" فتردُّوا \".\n(٣) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٣٥)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ١٦٢)، النُّكت والعيون (٦/ ٦٨).\n(٤) \" أي راغبون \" ساقطة من (أ).\n(٥) انظر: تفسير الثعلبي (١٠/ ١٨)، غرائب التفسير (٢/ ١٢٤٠).\n(٦) الدِّمياطي، هو: بكر بن سهل بن إسماعيل بن نافع: الإمام، المحدث، أبو محمد الهاشمي، مولاهم الدمياطي، المفسر، المقرئ، وسمع: نعيم بن حماد، وعبد الله بن يوسف التنيسي، وعبد الله بن صالح، كاتب الليث، وسليمان بن أبي كريمة، وتلا على تلامذة ورش. قال النسائي: \"ضعيف\"، مات بدمياط في ربيع الأول، سنة تسع وثمانين ومائتين للهجرة. ... [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: سير أعلام النبلاء (١٣/ ٤٢٥)، غاية النهاية (١/ ١٧٨)، طبقات المفسرين؛ للداوودي (١/ ١١٩)].\n(٧) انظر: تفسير الثعلبي (١٠/ ١٨)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢٣٥).\n(٨) انظر: تفسير الثعلبي (١٠/ ١٨)، زاد المسير (٨/ ١٠١).\n(٩) في (أ) \" خيرًا منها \".\n(١٠) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢٤٠).\n(١١) في (ب) \" بمن سلك \".\n(١٢) لم أقف عليه.\n(١٣) في (أ) \" أي الذين \".\n(١٤) في (ب) \" من الثواب والجنة \".","vol":"1","page":3334},{"text":"منهم، كما نحن اليوم أفضل منهم في الدنيا، فأنزل الله: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥)﴾ استفهام إنكاري، أي (١) لا نفعل، فإنَّ المسلمين في الجنة، ... والمجرمون، وهم الكافرون في النار (٢).\n﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦)﴾ أي من أين حكمتم بالسوية بين المطيع والعاصي، وأي عقل (٣) اقتضى ذلك.\n﴿أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (٣٧)﴾ تقرؤون.\n﴿إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ (٣٨)﴾ أم قلتم ذلك من كتاب أنزله الله إليكم، وفيه إنَّ لكم من الله ما تختارون لأنفسكم، و﴿إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ﴾ مفعول ﴿تَدْرُسُونَ﴾.\nوكسر ﴿إِنَّ﴾ للام.\nوقيل: استئناف على وجه الإنكار (٤).\n﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ (٣٩)﴾ أي أم لكم عهود ومواثيق بالغة مؤكدة باليمين، فلا يحسبن نقضها إن لكم لما تحكمون به لأنفسكم.\nوفي ﴿إِنَّ﴾ وجهان كالأول.\nوقوله: ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ في أكثر التفاسير: إنَّ لكم حكمكم إلى آخر الدنيا.\nوفي بعضها: إنَّ لكم حكمكم إلى أن ينتهي إلى يوم القيامة فيجتمع لكم بتلك الأيمان ما تحكمون في الدنيا والآخرة.\n_________\n(١) \" أي \" ساقطة من (ب).\n(٢) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٣٨٩)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ١٦٣)، تفسير السَّمرقندي (٣/ ٤٦٢).\n(٣) في (ب) \" وأي عدلٍ \".\n(٤) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٣٧)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٥/ ١٠).","vol":"1","page":3335},{"text":"وفي بعضها: الأيمان بالغة لا يصحُّ نقضها (١) إلى يوم القيامة، وهذا أولى؛ لأن ما بعدَ أنْ لا يتقدم عليه، ويكون المعنى: بالغة لا يجوز نقضها أبدًا (٢).\n﴿سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ﴾ أي بما يقولون: إن لكم لما تخيرون وتحكمون ﴿زَعِيمٌ (٤٠)﴾ كفيل بأنه يكون لهم، فإن من كان على بصيرة من شيء تكفل به (٣).\nوإذا لم يتكفلوا دلَّ على أنهم غير واثقين بما يقولون.\nالحسن: \" الزعيم: في الآية بمعنى الرسول \" (٤)، أي أفيهم رسول أو جاءهم رسول بصحة ما يقولون.\nالأصم: \" أي أيكم يقوم بالحجة والدعوى \" (٥).\n﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ﴾ يريد الأصنام يقولون لهم ذلك.\nوقيل: شركاء جعلوا فيه ما تحكمون.\nوقيل: شهداء يشهدون لهم بصدق ما يدعون (٦).\n﴿فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (٤١)﴾ فيما زعموا.\n﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ عن أمرٍ فظيعٍ شديد، وهو ظهور أمر الآخرة.\nوالجمهور على أنَّ كشف الساق عبارة عن شدَّة الأمر وصعوبته، وأنشدوا أبياتًا منها:\nقد شَمَّرت عن ساقها فشُدُّوا ... وجدَّت الحرب بكم فجدُّوا (٧) (٨)\n_________\n(١) في (ب) \" بعضها \".\n(٢) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ١٧٦)، جامع البيان (٢٩/ ٣٧)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٥/ ١٠)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢٣٧).\n(٣) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٣٧)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ١٦٣).\n(٤) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٣٧)، النُّكت والعيون (٦/ ٧٠).\n(٥) انظر: تفسير الثعلبي (١٠/ ١٥)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢٣٧).\n(٦) انظر: تفسير الثعلبي (١٠/ ١٥)، زاد المسير (٨/ ١٠٢).\n(٧) ذكره المبرد في الكامل (١/ ٢٨٦)، في إحدى خطب الحجاج، وانظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ١٦٤).\n(٨) وبه قال ابن عباس ومجاهد. [انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٣٩٠)، مجاز القرآن (٢/ ٢٦٦)، معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ١٧٧)، جامع البيان (٢٩/ ٣٨)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ١٦٤)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٥/ ١٠) النُّكت والعيون (٦/ ٧١)، تفسير القرآن العظيم (٤/ ٤٣٥)].","vol":"1","page":3336},{"text":"وتوصف سنة الجدب به، قال:\nفي سَنة قد كشفت عن ساقها ... حمراء تبري اللحم عن عُراقها (١)\nابن عباس - ﵄ - أشد ساعة في القيامة \" (٢).\nأبو موسى الأشعري - ﵁ - عن النبي - ﷺ - ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ قال: «عن نورٍ عظيم يخرون له سجَّدا» (٣).\nوعن الحسن: \"عن ساق الآخرة \" (٤).\nوهو الستر الذي بين الدنيا والآخرة.\nوقيل: عن ساق العرش (٥).\nوقيل: يُكشف ما كان خفيًِّا كقوله: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (٩)﴾ [الطارق: (٩)].\nعن ابن مسعود - ﵁ -: \"يوم يكشف الرب عن ساقه \" (٦)، وهذا يؤول كما يؤول غيره مما جاء في القرآن، ولا يوصف الله تعالى بالأعضاء والأجزاء والأبعاض (٧).\n_________\n(١) لم أقف على قائل هذا الرجز، وقد حكاه غير واحدٍ من المفسرين. [انظر: تفسير الثعلبي (١٠/ ١٩)، النُّكت والعيون (٦/ ٧٠)].\n(٢) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٣٩٠)، جامع البيان (٢٩/ ٣٩).\n(٣) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (٢٩/ ٤٢)، وأورده السيوطي في الدُّرِّ المنثور (١٤/ ٦٤٣)، وعزاه لأبي يعلى، وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي \"في الأسماء والصفات\" وضَعَّفَه، وابن عساكر \". وقال ابن كثير في تفسير القرآن العظيم (٤/ ٤٣٥) \" وفيه رجل مُبْهَم \"\n(٤) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٧٠)، تفسير السمعاني (٦/ ٢٨).\n(٥) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢٤١).\n(٦) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٣١٠)، وأورده السُّيوطي في الدُّرِّ المنثور (١٤/ ٦٤٢)، وعزاه لعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن منده \".\n(٧) بل الصحيح أنَّه يثبت لله تعالى كما يليك بجلالة كما هو مقرر عند علماء الاعتقاد من علماء أهل السنة والجماعة، وبه قد صحَّت والأحاديث وتواترت، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الآية: \" روي عن ابن عباس وطائفة أن المراد به الشدة في الآخرة، وعن أبي سعيد وطائفة أنهم عدوها في الصفات؛ للحديث الذي رواه أبو سعيد في الصحيحين، ولا ريب أن ظاهر القرآن لا يدل على أن هذه من الصفات فإنه قال: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ نكرة في الإثبات لم يضفها إلى الله، ولم يقل عن ساقه فمع عدم التعريف بالإضافة لا يظهر أنه من الصفات إلا بدليل آخر، ومثل هذا ليس بتأويل \" [مجموع الفتاوى (٦/ ٣٩٤)، وانظر: صفات الله الواردة في الكتاب والسنة (ص: ١٣٧)].","vol":"1","page":3337},{"text":"وروى أبو بُردة بن أبي موسى الأشعري عن أبيه قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إذا كان يوم القيامة مُثِّلَ لكل قومٍ ما كانوا يعبدون في الدنيا، وذهب كلُّ قومٍ إلى ما كانوا يعبدون في الدنيا، فيبقى (١) أهل التوحيد، فيقال لهم: ما تنتظرون قد ذهب الناس، فيقولون إنَّ لنا ربًَّا كنَّا نعبده في الدنيا لم نره، قال: وتعرفونه إذا رأيتموه، فيقولون: ... نعم، فيقال له: وكيف تعرفونه ولم تروه، قالوا: إنَّه لا شبيه له، فيكشف لهم ... الحجاب فينظرون إلى الله - تعالى -، فيخرِّون له سُجَّدًا، ويبقى أقوامٌ ظهورهم مثل صياصي البقر (٢)، فيريدون السجود فلا يستطيعون، فيقول الله: عبادي ارفعوا رؤوسكم فقد جعلت بدل كلِّ واحدٍ منكم واحدًا من اليهود والنصَّارى في النار» (٣).\nقال أبو بردة: فحدَّثُتُ بهذا الحديث عمر بن عبد العزيز فقال، آلله الذي لا إله إلا هو لحدَّثك (٤) بهذا الحديث أبوك، فحلفت له ثلاثة أيمان فقال عمر: ما سمعت في أهل التوحيد حديثًا هو أحبُّ إليَّ من هذا \" (٥).\nوقيل: هذه استعارة؛ لأنَّ الرَّجل إذا وقع في الشِّدة يقال: شَمَّر ساقه.\nويحتمل: أنَّ هذا في الدنيا وقت النَّزع من قوله: ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾ [القيامة: (٢٩)].\nوقوله: ﴿وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ﴾ أي: دعتهم أنفسهم إلى الإيمان ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢)﴾ ... لذهاب زمان التكليف، والعلم عند الله.\n_________\n(١) في (ب) \" يبقى \".\n(٢) صياصي البقر: أي قرونها، واحدتها صِيْصَةٌ [انظر: النِّهاية (٣/ ٦٧)، مادة \" صَيَصَ \"، لسان العرب (١٤/ ٤٧٣)، مادة \" صَيَا \"].\n(٣) أخرجه أبو الليث السمرقندي في تفسيره (٣/ ٤٦٣)، وأورده السُّيوطي في الدُّرِّ المنثور (١٥/ ١١٩)، وعزاه لابن عساكر.\n(٤) في (أ) \" حدَّثك \".\n(٥) انظر: تفسير السمرقندي (٣/ ٤٦٣).","vol":"1","page":3338},{"text":"قوله: ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ﴾ ذليلة ﴿تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ يعلوها صغار.\n﴿وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ﴾ في الدنيا، وقيل قبل المعاينة (١).\n﴿وَهُمْ سَالِمُونَ (٤٣)﴾ فلم يسجدوا.\nقوله: ﴿وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ يدل على الوجه الذي أولْناه؛ لأنَّ المعنى وهم أصحاء.\n﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ﴾ أي بالقرآن.\nوقيل: بالقيامة.\nأي دع هؤلاء الذين لا يؤمنون وفوِّض أمرهم إليَّ، فإنِّي كافيك، وإني قادر على أخذهم متى شئت (٢).\n﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (٤٤)﴾ ندنيهم من العذاب درجة درجة من حيث (٣) لا يعلمون أن العذاب نازل بهم (٤).\nالسُّدي: \" كلما جددوا معصية جددنا لهم نعمة وأنسيناهم شكرها \" (٥).\nوقيل: كان ذلك يوم بدر (٦).\nوأصله من الدُّرجة.\nابن بحر: \" نأخذهم (٧) حيث دبُّوا ودرجوا، أي يسلكونه فنحن بهم محيطون \" (٨).\nمشتق من المدرجَة وهي الطريق، وهم لا يعلمون أين (٩) نأخذهم ومتى نأخذهم.\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٤٢)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٥/ ١٠)، النُّكت والعيون (٦/ ٧٢).\n(٢) والأول قول الجمهور: جامع البيان (٢٩/ ٤٢) النُّكت والعيون (٦/ ٧٢)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢٤١).\n(٣) في (ب) \" ممن حيث \".\n(٤) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٣٩٠)، جامع البيان (٢٩/ ٤٤) النُّكت والعيون (٦/ ٧٢).\n(٥) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٧٢)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢٤١).\n(٦) انظر: تفسير الثعلبي (١٠/ ٢٢)، تفسير البغوي (٨/ ٢٠١)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢٤١).\n(٧) في (ب) \" نأخذ بهم \".\n(٨) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٧٢).\n(٩) في (ب) \" أي\".","vol":"1","page":3339},{"text":"ابن عيسى: \"سنستدرجهم إلى العقاب حالًا بعد حال \" (١).\nوقيل: نرقِّيهم إلى العذاب درجة درجة بانقضاء أعمارهم، تقول: دَرَّجَهُ تدريجًا أوصله إليه شيئًا فشيئًا.\nواستدرجه أمر غيره أن يُرقى إليه درجة بعد أخرى (٢).\n﴿وَأُمْلِي لَهُمْ﴾ أبقيهم ملاوة من الدهر (٣).\n﴿إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (٤٥)﴾ لا يحال بيني وبين عذابهم.\n﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٦)﴾ سبق، وهو عطف على قوله: ﴿أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ﴾ ﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ﴾.\n﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ﴾ أكثرهم على أن المراد بالغيب اللوح المحفوظ ﴿فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤٧)﴾ منه (٤).\nوقيل: أم لأنهم يعلمون الغيب فهم يكتبون ذلك علموا أنك لست بمحقٍّ فيما أتيتهم به (٥).\nابن بحر: \" أم عندهم الغيب الذي هو من آيات إعجاز القرآن فهم يكتبون كتابًا مثله (٦) يأتون فيه بما في القرآن من الأخبار عمَّا كان وعمَّا يكون \" (٧).\n﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ على تبليغ الوحي وتحمل الأذى.\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) انظر: جامع البيان (٩/ ١٣٥)، معاني القرآن؛ للنَّحَّاس (٣/ ١٠٩)، المفردات (ص: ٣١٠)، مادة \" دَرَجَ \"، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢٤١).\n(٣) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٤٤)، معاني القرآن؛ للنَّحَّاس (٣/ ١٠٩).\n(٤) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٤٤)، تفسير السَّمرقندي (٣/ ٤٦٤)، تفسير السَّمعاني (٦/ ٣١).\n(٥) انظر: تفسير الثعلبي (٩/ ١٣٢)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢٤٢).\n(٦) \" مثله \" ساقطة من (ب).\n(٧) لم أقف عليه.","vol":"1","page":3340},{"text":"﴿وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ يونس - ﵇ - (١).\nقيل: لا تضجر كما ضجر.\nوقيل: لا تغضب كما غضب.\nوقيل: لا تعجل كما عجل (٢).\nوقيل: لا تجبن كما جبن (٣).\n﴿إِذْ نَادَى﴾ ربه تعالى من بطن الحوت، وقال: لا إله إلا أنت سبحانك إنِّي كنت من الظالمين (٤).\n﴿وَهُوَ مَكْظُومٌ (٤٨)﴾ قيل (٥): مجهود.\nوقيل: مكروبٌ.\nوقيل: مغمومٌ.\nوقيل: مملوء من الغضب (٦).\nوقيل: محبوس عن التصرف، وهو من كَظَمَ غَيْظَه أي حَبَسه، وكان القياس وهو كاظمٌ، لكن التقدير: فهو مكظوم غيظه (٧).\n﴿لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ قيل: هو النبوة.\nوقيل: عبادته السابقة.\nوقيل: قوله: لا إله إلا أنت سبحانك.\nوقيل: رحمة ربه بقبول توبته (٨).\n_________\n(١) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٢٩١)، جامع البيان (٢٩/ ٤٤)، النُّكت والعيون (٦/ ٧٣).\n(٢) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٤٤)، زاد المسير (٨/ ١٠٣)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢٤١).\n(٣) لم أقف على هذا القول، والأولى تنزيه الأنبياء - ﵈ - عن هذه الأوصاف.\n(٤) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٣٩١)، النُّكت والعيون (٦/ ٧٣).\n(٥) في (ب) \" وقيل \".\n(٦) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٤٤)، معاني القرآن؛ للزجَّاج (٥/ ١٦٤)، النُّكت والعيون (٦/ ٧٣)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢٤٣).\n(٧) وهو قول ابن بحر. [انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٧٣)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢٤٣)].\n(٨) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٧٣)، المحرر الوجيز (٥/ ٣٥٤)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢٤٣).","vol":"1","page":3341},{"text":"﴿لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ﴾ حيث لا شجر ولا غيره (١) من جبل (٢).\nوقيل: العراء: وجه الأرض.\nوقيل: العراء: أرض المحشر (٣).\nوقال أبو القاسم: \" النبذ بالعراء تستعملها العرب في موضع الذِّم، وفي الشيء يُستخف به ويطرح \" (٤).\nوهو وجه لولا قوله: ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ [الصافات: (١٤٥)].\nوقوله: ﴿وَهُوَ مَذْمُومٌ (٤٩)﴾ مذنب مبعدٌ من الرحمة.\nوقيل: مليم لكي تداركه النعمة، فنبذ غير مذموم (٥).\n﴿فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ﴾ اختاره لرسالته ﴿فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٥٠)﴾ من الأنبياء.\nوقيل: حكم له بالصلاح.\n﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ﴾ نزلت حين أراد الكفار أن يُعِينوا رسول الله - ﷺ - فيصيبوه بالعين، فنظر إليه قوم من قريش، وقالوا: ما رأينا مثله، ولا مثل حُجَجِه، وكانت العين في بني أسد حتى إنَّ الرجل منهم ينظر إلى الناقة السمينة أو البقرة السمينة، ثم يَعِينها، ثم يقول للجارية: خذي المكتل والدرهم فأتينا من لحم هذه، فما تبرح حتى تقع فتنحر (٦).\n_________\n(١) \" ولا غيره \" ساقطة من (ب).\n(٢) \" من جبل \" غير واضحة وهي الأقرب في اللفظ مع بعدها في المعنى.\n(٣) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٧٣)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢٤٣)، البحر المحيط (١٠/ ٢٩٤).\n(٤) لم أقف عليه، وقد أشار إليه المؤلف من غير نسبة في غرائب التفسير (٢/ ١٢٤١).\n(٥) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٤٥)، النُّكت والعيون (٦/ ٧٣).\n(٦) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ١٦٥)، أسباب النزول؛ للواحدي (ص: ٣٦٠)، غرائب التفسير (٢/ ١٢٤١)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢٤٤).","vol":"1","page":3342},{"text":"وكان الواحد إذا أراد أن يَعِين شيئًا يجوع له ثلاثة أيام، ثم يعرض له فيقول: تالله ما رأيت مالًا أكثر ولا أحسن من هذا فيتساقط (١) ذلك الشيء، فأرادوا مثل ذلك برسول الله - ﷺ - فعصمه الله من ذلك (٢).\nهذا قول الجمهور.\nوقال بعضهم: إنما يصيب الإنسان بالعين ما يستحسنه وتميل نفسه إليه، وكان نظرهم إلى النبي - ﷺ - نظرة البغض والغيظ، وذلك ضدَّه (٣) (٤).\nوأنكر بعضهم العين أصلًا، وقالوا معنى الآية: نظروا إليك نظر عداوة وتوعّد كما يقال: نظر إليَّ نظرًا كاد يأكلني به (٥).\nوالقول هو الأول؛ فإنَّ النبي - ﷺ - قال: «إن العين حقُّ، ولو كان شيء يسبق القدر لكان ذلك العين» (٦).\nوقال - ﷺ -: «العينُ تُدْخِلُ الرَّجُلَ القبر، والجمل القِدْرَ» (٧).\nوجاء في الشِّعر:\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... وإخال أنك سيد معيون (٨).\n_________\n(١) في (ب) \" فتساقط \".\n(٢) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ١٧٩)، جامع البيان (٢٩/ ٤٥)، أسباب النزول؛ للواحدي (ص: ٣٦٠)، غرائب التفسير (٢/ ١٢٤١).\n(٣) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٤٦)، إعراب القرآن؛ للنَّحاس (٥/ ١٢)، تفسير السمرقندي (٣/ ٤٦٥).\n(٤) وقد جمع القرطبي بين القولين، فقال: \" أقوال المفسرين واللغويين تدل على ما ذكرنا، وأن مرادهم بالنظر إليه قتله، ولا يمنع كراهة الشيء من أن يصاب بالعين عداوة حتى يهلك \" [انظر: الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢٤٤)].\n(٥) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ١٦٥)، غرائب التفسير (٢/ ١٢٤٢).\nقلت: وهذا خلاف ما عليه الإجماع عند أهل السُّنة مما استفاضت به الأحاديث الصحاح، قال ابن كثير - ﵀ -: \" وفي هذه الآية دليل على أنَّ العين إصابتها وتأثيرها حقٌّ بأمر الله - ﷿ - كما وردت بذلك الأحاديث المروية من طرق متعددة كثيرة \" ثم ساق جملة منها. [انظر: تفسير القرآن العظيم (٤/ ٤٣٦)].\n(٦) أخرجه مسلم في صحيحه (بنحوه) في كتاب الطب، باب الطب والمرضى والرقى، برقم (٥٦٦٦)، ولفظ مسلم: عن ابن عباس عن النبي - ﷺ - قال: «العَيْنُ حَقٌّ، وَلَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابَقَ الْقَدَرَ سَبَقَتْهُ الْعَيْنُ، وَإِذَا اسْتُغْسِلْتُمْ فَاغْسِلُوا».\n(٧) أخرجه أبو نعيم في الحلية عن جابر بن عبد الله - ﵁ - (٧/ ٩٠)، وضعَّفه السخاوي في المقاصد الحسنة (ص: ٢٩٤)، والشوكاني في الفوائد المجموعة (ص: ٢٦٣)، وحسَّنه الألباني في السِّلسِلة الصحيحة (٣/ ٢٥٠).\n(٨) البيت منسوب في لسان العرب لعبَّاس بن مرداس، وتمامه:\nقد كان قومك يحسبونك سيدًا ... وإخال أنك سيد معيون\n[انظر: لسان العرب (١٣/ ٣٠١)، مادة \" عَيَنَ \"، وانظر: جامع البيان (٢٩/ ١٣٦)، تفسير الثعلبي (١٠/ ٢٣)].","vol":"1","page":3343},{"text":"و\" يَزلقونك \" بالفتح والضمِّ لغتان، تقول: أزلقته رميتُه، وأزلق رأسه حلقه من أصله، ويقال أيضًا: زلقته فزَلِق، كما تقول: حزنته فحزن، وشترت عينه فشترت (١) (٢).\n﴿لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ﴾ أي القرآن.\n﴿وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (٥١)﴾ معه جنِّيٌّ يُعلمه الكتاب.\nوقيل: مختلط العقل، قالوه حسدًا.\nوقيل: يطلب مالا يليق به، فهو مجنون.\nختم السورة بذكر ما بدأ به (٣).\n﴿وَمَا هُوَ﴾ ما القرآن، وقيل: ما محمد - ﷺ - ﴿إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٥٢)﴾ الجن والإنس.\nقال الحسن: \" دواء إصابة العَين ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إلى آخر السورة \" (٤).\n[وبالله التوفيق والعون] (٥).\n_________\n(١) الشَّتَرُ: انقلاب جَفْنِ العين من أَعلى وأَسفل وتَشَنُّجُه، وقيل: هو أَن ينشَقَّ الجفن حتى ينفصل الحَتَارُ [انظر: لسان العرب (٤/ ٣٩٣)، مادة \" شَتَرَ \"].\n(٢) قرأ نافع وحده ﴿لَيَزْلِقُوْنُكَ﴾ بفتح الياء من زَلَقَ، وقرأ الباقون ﴿لَيُزْلِقُونَكَ﴾ بضم الياء من أَزْلَقَ.\n[انظر: القراءة وتوجيهها: جامع البيان (٢٩/ ٤٦)، السَّبعة (ص: ٦٤٧)، الحجة (٦/ ٣١٢)].\n(٣) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢٤٢)، مراصد المطالع (ص: ٧٤).\n(٤) انظر: تفسير الثعلبي (١٠/ ٢٤)، غرائب التفسير (٢/ ١٢٤٢)، التَّسهيل (٤/ ١٤١).\n(٥) ما بين المعقوفتين ساقط من (ب).","vol":"1","page":3344},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-175>سورة الحاقة </span>(١)\nاثنان وخمسون آية (٢) (٣)، مكية بالإجماع (٤)\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n﴿الْحَاقَّةُ (١)﴾: فيها ثلاثةُ أقوال:\nأحدها: أنَّها اسمٌ من أسماء القيامة.\nوالثاني: أنَّها الصيحة التي تقوم (٥) عندها القيامة ويموت الخلق.\nوقيل: ﴿الْحَاقَّةُ﴾ الكلمة التي حقّت، من قوله تعالى: ﴿حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾، ... [يونس: ٣٣] في مواضع، وهي: كلمةُ العذاب الواجب بوعيدِ الله.\nوالجمهور على القول الأول (٦).\nواختلفوا في لفظها.\nوقيل: هو مصدر كالكاذبة والعافية (٧).\nوالجمهور على أنَّها اسم الفاعل، وفيها خمسة أقوال:\n_________\n(١) وهو اسمها وبه سُمِّيت في المصاحف وكتب السُّنة والتفسير، وسُمِّيت لوقوع كلمة ﴿الْحَاقَّةُ (١)﴾، في أولها، ولم تقع في غيرها من سور القرآن، كما تسمى بسورة السلسلة لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (٣٢)﴾. [انظر: بصائر ذوي التمييز (١/ ٤٧٨)، التحرير والتنوير (٢٩/ ١١٠)].\n(٢) \" اثنان وخمسون آية \" ساقطة من (ب).\n(٣) عندَّ أهل العدِّ عد البصري والشامي، ففي عددهم إحدى وخمسون آية. [انظر: البيان؛ للداني (ص: ٢٥٣)، بصائر ذوي التمييز (١/ ٤٧٨)، المحرر الوجيز في عدِّ آي الكتاب العزيز (ص: ١٦٩)].\n(٤) وقد حكى الإجماع فيها أيضًا ابن عطية في المحرر الوجيز (٥/ ٣٥٦)، وابن الجوزي في زاد المسير (٨/ ١٠٦).\n(٥) في (أ) \" أي تقوم \".\n(٦) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ١٧٩)، جامع البيان (٢٩/ ٤٧)، النُّكت والعيون (٦/ ٧٥).\n(٧) في (أ) \" والعاقبة \".","vol":"1","page":3345},{"text":"أحدها: أنَّها من حقَّ يحِقُّ بالكسر، أي: وجبَ، وصحَّ مجيؤها للجزاء: على الطاعة ثوابًا وعلى المعصية عقابًا.\nوقيل (١): فيها الثوابُ وحواقُّ الأمور.\nوالثاني (٢): من حقَّ يحُقُّ بالضم، تقول: حقّقت عليه القضاءَ: أوجبته، والمعنى: توجب لكل أحدٍ ما استحقه.\nوالثالث: أحقَّ فهو حاقٌّ. وهذا ضعيفٌ؛ لأنَّ حقّقت القضاءَ وأحققته بمعنىً، فلا حاجةَ إلى أنْ يقال: أفعل فهو فاعل.\nوالرابع: من حقّه يحُقُّه إذا جعله جديرًا وحقيقًا، والشيء محقوق.\nوالخامس: من حاقّه فحقّه، أي: غلَبة؛ لأنَّها تحقُّ كلّ مُحاقٍّ (٣) في دين الله بالباطل (٤).\nو﴿الْحَاقَّةُ﴾: رفع بالابتداء. وقيل: بالخبر، والتقدير: هذه ﴿الْحَاقَّةُ﴾.\n﴿مَا الْحَاقَّةُ (٢)﴾: أيُّ شيءٍ هي؟ على التعظيم لشأنها والتهويل لها، أي: حقُّها أن يُستفهم (٥) عنها لعظمها.\n﴿مَا﴾ رفعَ بالابتداء، ﴿الْحَاقَّةُ﴾ خبره، والجملة خبر المبتدأ الأوَّل، وهذا قول جميع المفسرين والنحاة (٦).\nويحتمل أن يرتفعَ ﴿الْحَاقَّةُ﴾ الثانية بالابتداء، و﴿مَا﴾ يرتفعُ بالخبر؛ لأنَّها نكرة وجبَ تقديمها لمكان معنى الاستفهام، كقولك: أين بيتك؟ ومتى الساعة؟ فإذا قلت: ما معك؟ ارتفع بالابتداء؛ إذ ليس لقوله: معك صلاحيّة الابتداء (٧).\nوَمَاءٍ ﴿أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ (٣)﴾: أي شيء أعلمك ما هي؟ ومن أين علمت ذلك؟\nوقيل: معناه ليس ذلك من علمك ولا من علم قومك (٨).\nو﴿مَا﴾ رفعَ بالابتداء، وكذلك: ﴿الْحَاقَّةُ﴾ على ما سبق.\nوالفعل قبله معلّق؛ لأنه بمعنى (٩): ما أعلمك.\n﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَاد بِالْقَارِعَةِ (٤)﴾: أي: بـ ﴿الْحَاقَّةُ﴾ فَوَضَع القارعة موضعهما؛ لأنهما من أسماء القيامة.\nوفيها أقوال:\nأحدها: تَقرَع القلوب بأهوالها.\nوالثاني: قرعتْ كلّ شيء، أي: كسرته وأهلكته.\nوقيل: يقرع الله العباد فيها.\nوقيل: من القُرْعة، أي: يقرع بعضهم بعضًا، فيعلو بعضٌ ويسفل بعضٌ.\nوقيل: القارعة: العذابُ الذي أهلكَ عاد وثمود به (١٠).\n﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (٥)﴾: أهلكَ الله قومَ صالح بسبب طغيانهم ومجاوزتهم الحدّ في كفرهم.\nوقيل: الطاغية: الصاعقة من قوله: ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ﴾، [البقرة: ٥٥].\nوقيل: الطاغية: الطّاغي، وهو: قُدَار بن سالف عاقر الناقة، والهاء للمبالغة.\nوقيل: الفرقة الطاغية، وهم: قدار وأتباعه.\nوقيل: الطاغية: الصيحة التي أهلكوا بها.\nوقيل: الطاغية: اسمُ البقعة التي أهلكوا فيها، حكاه ابن الهيصم (١١).\n_________\n(١) في (ب) \" قيل \".\n(٢) في (ب) \" الثاني \".\n(٣) أي مجادل، وفي (ب) مجّان، وهو تصحيف.\n(٤) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢٤٣)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢٤٦)، البحر المحيط (١٠/ ٢٥٤).\n(٥) في (أ) \" يستقيم \". والصواب ما أثبت.\n(٦) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ١٨٠)، جامع البيان (٢٩/ ٤٧)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٥/ ١٤)، البحر المحيط (١٠/ ٢٥٤).\n(٧) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢٤٣)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢٤٦).\n(٨) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٧٦)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢٤٦).\n(٩) في (ب) \" أنه بمعنى \".\n(١٠) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٤٨)، النُّكت والعيون (٦/ ٧٦)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢٤٦).\n(١١) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢٤٤).","vol":"1","page":3346},{"text":"وقيل: سمّيت طاغية ازدواجًا كقوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] (١).\n﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ﴾: وهي (٢): الدَّبور، من قوله - ﷺ -: «نصرتُ بالصبا وأهلكتْ عاد بالدَّبُور» (٣).\n﴿صَرْصَرٍ﴾: باردة في النهاية. والتضعيف يدل على المبالغة.\nوقيل: لها صَرْصَرٌّ: أي صوت.\nوقيل: شديد السموم (٤).\nوالريح: الهواء المتحرك، واشتقاقها من يروح إذا رجع.\n﴿عَاتِيَةٍ (٦)﴾: عاصيةٍ عتتْ خُزَّانها غضبًا على أعداء الله، أذن (٥) الله تعالى لها من دون الخُزاّن.\nقتادة: \" لم تخرج (٦) إلا مقدار خاتم \" (٧).\nابن عباس - ﵄ -: \"ما خرجتْ الريح إلَاّ بمكيال وميزان بأمر خزانها \" (٨).\nوقيل: العاتية: القاهرة. وقيل: الشديدة (٩).\nوقيل: ازدواج. كما سبق.\n﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ﴾: وهب (١٠) (١١): سلطها عليهم (١٢).\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٤٨)، النُّكت والعيون (٦/ ٧٧)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢٤٨).\n(٢) في (أ) \" وهو \".\n(٣) تقدم تخريجه (ص: ٤٥٧).\n(٤) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٧٦)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢٤٧).\n(٥) كذا في النسختين، ولعل استقامة الكلام أن يقال: \" فقد أذن الله \".\n(٦) في (أ) \" لم يخرج \".\n(٧) لم أقف عليه.\n(٨) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٥٠)، المحرر الوجيز (٥/ ٣٥٧).\n(٩) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٤٩)، النُّكت والعيون (٦/ ٧٧)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢٤٧).\n(١٠) \" وهب \"ساقطة من (أ).\n(١١) وهب بن منبه بن كامل بن سيج أبو عبد الله الصنعاني الذماري من أهل فارس، وعالم أهل اليمن، ولد سنة أربع وثلاثين، روى عن عدد من الصحابة، وحديثه في الصحيحين وعنده من علم أهل الكتاب شيء كثير. وقد طال عمره وعاش إلى سنة نيف وثلاثين. كان ثقة واسع العلم. توفي سنة أربع عشرة ومائة. [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: مشاهير علماء الأمصار (ص: ١٥٠)، التاريخ الكبير (٨/ ١٦٤)، تذكرة الحفاظ (١/ ٧٧)].\n(١٢) لم أقف عليه.","vol":"1","page":3347},{"text":"وقيل: أدماها.\nوقيل: حبسها عليهم ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ﴾ (١).\nوهب: \" كانت الأيامُ التي تسميها العرب: أيام العجوز، وهي ذاتَ بردٍ وريحٍ شديدة، قال: وإنما نسبت إلى العجوز؛ لأن عجوزًا دخلت سربًا فتبعتها الريح فقتلتها اليومَ الثامن من نزول العذاب \" (٢).\nوقيل: سميت أيام العجوز لأنها تكون في عجزة الشتاء، أي: أواخرها. وكانَ ابتداءُ العذاب يوم الأربعاء آخر (٣) الشهر إلى الأربعاء الآخر \" (٤).\nوجاء مرفوعًا \" أنَّ الأربعاء من الشهر يوم نحس \" (٥).\nوأسماء أيام (٦) العجوز عند العرب سبعة، يجمعها قول الشاعر أنشده ثعلب:\nكُسعَ الشتاءُ (٧) بسبعةٍ غبر ... أيامِ شهلتنا (٨) من الشهرِ\nفإذا مضتْ أيامَ شهلتنا ... (٩) بالصِنِّ والصنبرِ والوبرِ\nوبآمرِ وأخيهِ مؤتمرٍ ... ومعللٍ وبمطفئِ الجمرِ\nذهبَ الشتاءُ مولِّيًا هربًا. . . ... وأتتكَ واقدةً (١٠) من النجرِ (١١)\n_________\n(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢٤٨)، زاد المسير (٨/ ١٠٧).\n(٢) انظر: تفسير الثعلبي (١٠/ ٢٦)، غرائب التفسير (٢/ ١٢٤٥)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢٤٩).\n(٣) في (أ) \" في آخر \".\n(٤) انظر: تفسير الثعلبي (١٠/ ٢٦)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢٤٩).\n(٥) تقدم تخريجه بنحوه (ص: ٢٥١).\n(٦) في (أ) \" أيام \" ساقطة.\n(٧) كَسَعَ الشتاء، أي ضَرَبَ، وأصل الكَسْعِ أَنْ تَضْرِبَ بيدك أَو برجلك بصدر قدمك على دبر إِنسان أَو شيء. [انظر: لسان العرب (٨/ ٣٠٩)، مادة \" كَسَعَ \"].\n(٨) في (أ) \" سهلتنا \".\n(٩) في (أ) \" سهلتنا \".\n(١٠) في (أ) \" وافدة \".\n(١١) الأبيات لأبي شبل الأعرابي كما في اللسان (٨/ ٣٠٩)، مادة \" كَسَعَ \".","vol":"1","page":3348},{"text":"واسم اليوم الثامن: مكفئ الظعن (١) (٢).\nقولة (٣): ﴿حُسُومًا﴾: تذهبهم (٤) وتفنيهم، فهو نصب على المصدر.\nوقيل: ﴿حُسُومًا﴾ تباعًا، من حَسَمْت الدابة إذا تابعت بين كِيها.\nالضحاك: الحسوم: المشائيم أي: نحوسًا (٥).\nوقيل: ﴿حُسُومًا﴾: جمع حاسم وهو القاطع، أي: قاطعة لدابر أولئك الكفرة، فيكون نصبًا على الصفة (٦).\nالمبرد: الفُعُول في التعدّي لا يكون إلاّ جمعًا (٧).\n﴿فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى﴾: أي: لو كنتَ حاضرًا هناكَ لرأيتَ القومَ فيها في تلك الأيّام. وقيل: في الريح. وقيل: في بيوتِهم (٨).\nوقيل: في الطاغية، فيمن جعلها اسم بقعة (٩).\n﴿صَرْعَى﴾: جمع صريع، أي: سقوطًا.\n_________\n(١) في (ب) \" الظهر \".\n(٢) انظر: تفسير الثعلبي (١٠/ ٢٦)، غرائب التفسير (٢/ ١٢٤٥)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢٤٩)، اللسان (٨/ ٣٠٩)، مادة \" كَسَعَ \".\n(٣) في (أ) \" قوله \" ساقطة.\n(٤) في (أ) \" يذهبهم ويفنيهم \".\n(٥) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢٤٥).\n(٦) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٧٧)، غرائب التفسير (٢/ ١٢٤٥)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢٤٩).\n(٧) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢٤٤).\n(٨) انظر: الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢٥٠)، التسهيل (٤/ ١٤٢)، قال أبو حيان: \" أي في الليالي والأيام، أو في ديارهم أو في مهاب الريح احتمالات، أظهرها الأول؛ لأنه أقرب ومصرَّحٌ به \" [البحر المحيط (١٠/ ٢٥٥)].\n(٩) وهو ابن الهيصم كما تقدم في معنى فَأَمَّا ﴿ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (٥)﴾.","vol":"1","page":3349},{"text":"﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ﴾: جذوع ﴿نَخْلٍ﴾. وقيل: أصول ﴿نَخْلٍ﴾، وهو ما يبقى على المكان بعدَ قطعِ الجذعِ.\n﴿خَاوِيَةٍ (٧)﴾: قيل: فارغةٌ متآكلة، من قولهم: خويَ بطنُه إذا خلا، وخويَ المنزلُ عن القُطَّان.\nوقيل: ساقطة.\nوصفهم بعظم الأجسام وأنَّ الريحَ قطعتهم وقلعت رؤوسَهم.\nوقيل: كانَ طولُهم اثني عشر ذراعًا.\nوقيل: ﴿خَاوِيَةٍ﴾: الأجواف من الحياة.\nوقيل: ﴿خَاوِيَةٍ﴾ من الأحشاء؛ لأن الريحَ أخرجت ما في بطونها. وهذان القولان ضعيفان؛ لأن قوله: ﴿خَاوِيَةٍ﴾ بالجر: صفة للنخل (١).\nأو يقال: لخلوها من الحياة أو من الأحشاء، شبههم (٢) بنخلٍ خاوية. (٣)\n﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ (٨)﴾: أي: نفسٍ باقية.\nوقيل: مصدر، أي: هل ترى لهم من (٤) بقاء.\n﴿وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ﴾: أتباعه (٥).\nسيبويه: يقال قبل: لمن وليَ الشيء، تقول: اذهب قِبَل المشرق (٦).\n_________\n(١) في (ب) \" لنخل \".\n(٢) في (أ) \" شبهتهم \".\n(٣) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٧٨)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢٥٠).\n(٤) \" من \" ساقطة من (أ).\n(٥) قرأ أبو عمرو والكسائي ﴿ومَنْ قِبَلَهُ﴾ بكسر القاف وفتح الباء، وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وحمزة\n﴿وَمَنْ قَبْضًا﴾ ساكنة الباء. [انظر: الحُجَّة، لأبي علي الفارسي (٦/ ٣١٤)، السَّبعة (ص: ٦٤٨)، معاني القراءات (ص: ٥٠٢)].\n(٦) الحُجَّة، لأبي علي الفارسي (٦/ ٣١٤).","vol":"1","page":3350},{"text":"وقرئ ﴿وَمَنْ قَبْلَهُ﴾ أي تقدمه. والواو للجمع.\n﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ (٩)﴾: فيها قولان: أحدهما: أنَّها قرياتُ قومِ لوط ائتفكتْ بهم أي انقلبتْ.\nوقيل: قرون وكنوز (١).\nوالثاني: هم الذين أؤتفكوا بذنوبهم (٢).\nوالخاطئة والخطأ: الذنب الكبير (٣) (٤).\n﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ﴾: قيل: قوم لوطٍ لُوطًا.\nوقيل: رُسل ربهم.\nوقيل: كل أمة رسولهم.\nوقيل: رسالة ربهم (٥).\n﴿فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً (١٠)﴾: شديدة تربوا وتعظم وتزيد على الأخذات.\nوقيل: مرتفعة سمع بها (٦) الخلق.\n﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ﴾: ارتفعَ وتجاوزَ الحد المعتاد.\nوقيل: ﴿طَغَى﴾ ظهر.\nمجاهد: \" طغا الماء على كل شيءٍ بمقدار خمسةَ عشرَ ذراعًا \" (٧).\n_________\n(١) كذا في النسختين، ولعله \" قارون وكنوزه \"، وفي النُّكت والعيون (٦/ ٧٨) \" قارون وقومه \".\n(٢) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٧٨)، والأشهر هو الأول أي قرى قوم لوط.\n(٣) في (أ): الخاطئة، والخطأ العظيم: الذنب الكبير.\n(٤) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ١٦٧)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢٥١).\n(٥) وهذا عند من يرى التعبير عن الرسالة بالرسول. [انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٧٩)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢٥١)].\n(٦) \" بها \" ساقطة من (ب).\n(٧) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٥٤)، تفسير السمرقندي (٣/ ٤٦٧)، النُّكت والعيون (٦/ ٧٩) عن قتادة، ولم يذكروه عن مجاهد.","vol":"1","page":3351},{"text":"ابن عباس: \" طغا على خُزّانه فخرج من الكيل والوزن \" (١).\nوقيل: سمي طاغيًا ازدواجًا. وقد سبق.\n﴿حَمَلْنَاكُمْ﴾: يا ذريةَ نوح.\n﴿فِي الْجَارِيَةِ (١١)﴾: وقيل: حملنا آباءَكُم وأنتم في أصلابهم في الجارية، ... أي (٢): السفينة؛ لأنَّ من شأنها الجري في الماء.\n﴿لِنَجْعَلَهَا﴾: أي: السفينة الجارية؛ فإنها بقيت ألوَاحُها دهرًا.\nوقيل: لنجعل ما اتخذ على مثالها.\nوقيل: لنجعل هذه الحالات التي تقدمت (٣).\n﴿لَكُمْ تَذْكِرَةً﴾: عبرة وعظة.\n﴿وَتَعِيَهَا﴾: تحفظها (٤) ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ (١٢)﴾: أذنُ إنسانٍ شأنه أن يحفظَ ما يحبُ حفظه (٥). تقول: وعيته في قلبي، وواعيتُه في وِعَائي (٦).\nوعن مكحول (٧) قال: لما نزلت ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ قال رسول الله - ﷺ -: «دعوتُ الله أن يجعلها أُذُنَك يا علي». قال علي ﵁: فما نسيتُ شيئًا بعدَ ذلك وما كانَ لي أن أنساه، رواه الثعلبي والنقاش (٨).\n_________\n(١) انظر: النكت والعيون (٦/ ٧٩)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢٥٢).\n(٢) \" أي \" ساقطة من (ب).\n(٣) انظر: النكت والعيون (٦/ ٧٩)، البحر المحيط (١٠/ ٢٥٦).\n(٤) في (أ) \" وتحفظها \".\n(٥) في (ب): \" حفطه \".\n(٦) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ١٨١)، جامع البيان (٢٩/ ٥٥)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ١٦٩).\n(٧) مكحول بن أبي مسلم شهراب بن شاذل بن سند بن شروان بن يزدك بن يغوث بن كسرى، يكنى أبا عبد الله وقيل: أبو أيوب، وقيل: أبو مسلم الدمشقي، الفقيه، وكان من فقهاء أهل الشام وصالحيهم وجمَّاعيهم للعلم، اشتهر بمكحولٍ الشامي، وكان مولى، واختلف في ولائه، فقيل: مولى امرأة هذلية، وهو أصح، وقيل: مولى امرأة أموية، وقيل: كان لسعيد بن العاص فوهبه للهذلية فأعتقته، وكان نوبيًا، وقيل: من سبي كابل، وكان عداده في أوساط التابعين، من أقران الزهري، أرسل عن النبي - ﷺ - أحاديث، وأرسل عن عدة من لصحابة لم يدركهم، وقد حدَّث عنه الزهري، وربيعة الرأي، وزيد بن واقد، ومحمد بن إسحاق وغيرهم. ...\nقال الزهري: العلماء أربعة: سعيد بن المسيب بالمدينة، والشعبي بالكوفة، والحسن بالبصرة، ومكحول بالشام.\nوقال محمد بن عبد الله بن عمار: \" مكحول إمام أهل الشام \"، وقال العجلي: \" تابعي ثقة\"، وقال أبو حاتم: \" ما بالشام أحد أفقه من مكحول \"، واختلف في وفاته فقال أبو نعيم ودحيم وجماعة: سنة اثنتي عشرة ومائة، وقال أبو مسهر: مات سنة ثلاث عشرة، وقال مرة: بعد سنة اثنتي عشرة \" [انظر: مشاهير علماء الأمصار (ص: ١٤١) سير أعلام النبلاء (٥/ ١٥٥)، تهذيب التهذيب (١٠/ ٢٥٨)].\n(٨) أخرجه الثعلبي في تفسيره (١٠/ ٢٨) عن عبد الله بن الحسن، ولم أقف على تخريج النقاش له، كما أخرجه ابن جرير في جامع البيان (٢٩/ ٥٥) عن مكحول، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (١٠/ ٣٣٧٠) عن مكحول، وأورده السُّيوطي في الدُّرِّ المنثور (١٤/ ٦٦٨)، وعزاه لسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن مكحول، وأورده ابن كثير عن ابن أبي حاتم من طريق مكحول. ثم قال ابن كثير: \"وهو حديث مرسل\". [تفسير القرآن العظيم (٤/ ٤٤١)]، وحكم عليه شيخ الإسلام ابن تيمية بالوضع، [مجموع الفتاوى (٣/ ١٩٥)].","vol":"1","page":3352},{"text":"قتادة: \" هي أذن عَقلت عن الله وانتفعت بما سمعتْ \" (١).\n﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣)﴾: النفخةُ والنفخُ واحدٌ للتأكيد؛ لأن النفخة لا تكونُ إلاّ واحدة، وهي النفخةُ الأولى، فيمن جعل النفخة نفختين: أحداهما يموت عندها الناس. والثانية: يبعثون عندها.\n﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ﴾: قلعت من أماكنِها.\n﴿فَدُكَّتَا﴾: أي الأرضُ والجبالُ.\n﴿دَكَّةً وَاحِدَةً (١٤)﴾: كسرتا كسرًا شديدًا فصارت غبارًا.\nوقيل: ﴿فَدُكَّتَا﴾ قلعتا.\nوقيل: جُعلتا بساطًا.\nوالدَّك: البسط، وناقة دكاء مفترشة السنام.\nوالدَّكاء: الأرض المتسعة (٢).\nالفراء: \" دكُّها: زلزلتُها \". (٣)\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٥٥)، تفسير البغوي (٨/ ٢٠٩).\n(٢) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٥٦)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢٥٢).\n(٣) انظر: معاني القرآن (٣/ ١٨١).","vol":"1","page":3353},{"text":"ابن بحر: \" دكُّها: أن تصيرَ قطعةً واحدة لا ترى فيها عوجًا ولا أمتًا \" (١).\nالمبرد: دكَّتا: أُلصِقتا فجعلتا مثل الدكة الواحدة، وهي (٢) الدُكان \" (٣).\n﴿فَيَوْمَئِذٍ﴾: حينئذٍ.\n﴿وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١٥)﴾: أي ﴿الْوَاقِعَةُ﴾ التي توعدون وهي قيامُ الساعة وصحتها (٤). ووقعت جواب ﴿إِذَا﴾. و﴿يَوْمَئِذٍ﴾ بدل من ﴿إِذَا﴾ كرر لمَّا طال الكلام.\n﴿وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ﴾: قال عليٌّ: \" عن المجرة \" (٥).\nابن جريح: \" فتحت أبوابًا \" (٦).\nوالانشقاق: وقوعُ الفُرجةِ بينَ أجزاء الشيء.\n﴿فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (١٦)﴾: ﴿وَاهِيَةٌ﴾ كالغزل المنقوض.\nوقيل: متخرقة. وقيل: ساقطةٌ متشققة (٧).\n﴿وَالْمَلَكُ﴾: اسم جنس.\n﴿أَرْجَائِهَا﴾: نواحيها وأطرافها.\nوقيل: أبوابها. واحدها رجًا.\nوقيل: (٨) أرجاءَ السماء. وقيل: أرجاء الأرض. وقيل: أرجاء الدنيا.\nوقيل: على قطعها التي ليست بمتشققة.\n﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ﴾: فوقَ الخلق. وقيل: فوقَ الثمانية؛ لأنَّها في نيّة التقديم.\n﴿يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (١٧)﴾: أي ثمانيةَ أملاك أرجلُهم تحتَ الأرض السابعة.\nوقيل: ورؤوسُهم فوق السابعة.\nوقيل: الخلقُ عشرة أجزاء: جزء للإنس والجن وسائر الحيوان (٩)، وجزء ملائكةُ السماوات والأرض، وثمانية أجزاء: حملةُ العرش، وهم الكَرّوبيون (١٠) (١١).\nوجاءَ مرفوعًا: «أنهم اليوم أربعةٌ، وإذا جاءَ يومُ القيامة أمدهم بأربعةٍ آخرين» (١٢).\nمجاهد: هم اليوم أربعة: \" فواحدٌ وجههُ وجه رجل، وواحدٌ وجههُ وجه ثور، وواحدٌ وجهه وجه نسر، وواحدٌ وجههُ وجه أسد، وكلُّ واحدٍ يشفعُ لما يشبهه \" (١٣).\nوقيل: لكلِّ واحدٍ أربعةُ أوجهٍ على الوصف المذكور (١٤).\nوروي أنه أنشد بين يدي الرسول - ﷺ - قول أميَّةَ بن أبي الصلت:\nرَجُلٌ وثورٌ تحتَ رجل يمينه ... والنسرُ للأخرى وليثٌّ مرصد\nفقال (١٥) النبي - ﷺ -: صدق (١٦).\nوالفائدةُ من ذكرِ العرش عقيب ما تقدم: أنَّ العرش بحاله خلافَ السماءِ والأرض.\n﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (١٨)﴾: روى أبو موسى الأشعري عن النبي - ﷺ - أنه قال: «يعرضُ الناسُ يومَ القيامةِ ثلاث عرضات (١٧)، فأمَّا عرضتان فجدال ومعاذير، وأما العرضةُ الثالثة فعندها تطيرُ الصحفُ في الأيدي، فآخذٌ باليمين وآخذٌ بالشمال» (١٨). وليس يعرضهم ليعلمَ ما لم يكنْ عالمًا به، ولكنهم يعرضونَ مبالغةً ومظاهرةً في العدلِ.\nوقيل: معنى العرض: أن يعرفَ كلُّ واحدٍ ما يستحقه من ثوابٍ وعقاب (١٩).\nابن بحر: \"يعرضونَ بأعمالهم وأقوالهم كما يعرضُ السلطان جنده بأسلحتهم ودوابهم (٢٠).\n﴿لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾: ما أسررتموه (٢١) أو أعلنتموه.\n﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾: هذا إخبارٌ عن قولِ الفريقين إذا وصلَ إليهم كتابُ الحفظة.\n﴿فَيَقُولُ﴾: المؤمنون (٢٢): ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾: تقديره:\n﴿هَاؤُمُ﴾ كتابي، واقرؤوا كتابي، فحذف المفعول (٢٣) الأول؛ لأن الثاني يدل عليه.\nوفي (هاء) لغات: أحدها (٢٤): هاء، هاؤما، هاؤم، هائي، هاؤا (٢٥)، هاؤنَّ.\nومنهم من قال: هاء، هاؤا، هائي. ومنهم من قال: هاك هاكما.\nوقيل: معنى ﴿هَاؤُمُ﴾: تعالوا. وقيل: معناه (٢٦) يا هؤلاء. والوجه هو الأوَّل (٢٧).\nوالهاء في ﴿كِتَابِيَهْ﴾ للاستراحة، وخفة الحذف في الوصل، فمن أثبته فلموافقة الإمام (٢٨). والمعنى: يقول (٢٩) ذلك سرورًا به لما يرى فيه من الخيرات وأن لا يكونَ فيه ما يفضحه. وقيل: ذلك كتاب سوى كتاب الحفظة فيه البشارة من الله؛ لأن كتاب الحفظة بينه وبين الله.\n﴿إِنِّي ظَنَنْتُ﴾: أي علمتُ.\n﴿أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (٢٠)﴾: أني (٣٠): معاين حسابي فكنتُ استعد له.\nقال (٣١) الكلبي والضحاك: نزلتْ في أبي سلمة بن عبد الأسد (٣٢) (٣٣)، فيكونُ هو سببُ النزول ويعم المعنى جميعَ أهلِ الإيمان.\n﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٢١)﴾: أي أنواعٍ من العيش مرضية.\nوقيل: ذاتُ رضىً.\nوقيل: تامّة كأنَّها أعطيتْ حتى رضيتْ فتمتْ (٣٤).\nالفرَّاء: \" إنَّما يصرفُ من لفظ المفعول \" (٣٥).\n﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (٢٢)﴾: عالية المكان. وقيل: عاليةَ القدر والشأن.\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) في (أ) \"وهو \".\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) في (أ) \" وصيحتها \".\n(٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٠/ ٣٣٧٠)، النُّكت والعيون (٦/ ٨١).\n(٦) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٨١).\n(٧) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٥٧)، النُّكت والعيون (٦/ ٨١)، زاد المسير (٨/ ١٠٩).\n(٨) في (أ) \" قيل \"، بدون واو.\n(٩) في (أ) \" والحيوان جزء، وجزء والملائكة \".\n(١٠) في (ب) \" الكروبيين \".\n(١١) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٨١)، غرائب التفسير (٢/ ١٢٤٥)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢٥٥).\n(١٢) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (٢٩/ ٥٩) عن ابن إسحاق مرفوعًا.\n(١٣) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢٤٤)، وقد أخرجه عبد الرزاق بنحوه في تفسيره (٣/ ٣١٤) عن وهب بن منبه عن أبيه.\n(١٤) والأولى أن يعرض عن هذه الأقوال صفحًا كما قال أبو حيَّان: \" وذكروا في صفات هؤلاء الثمانية أشكالًا متكاذبة ضربنا عن ذكرها صفحًا \" [البحر المحيط (١٠/ ٢٥٩)].\n(١٥) في (أ) \" فقال - ﷺ - \".\n(١٦) أخرجه الإمام أحمد في مسنده في مسند عبد الله بن عباس - ﵄ - (١/ ٢٥٦) والطبراني في المعجم الكبير، برقم (١١٤٢٦)، قال الهيثمي: \" رواه أحمد وأبو يعلي والطبراني ورجاله ثقات إلا أن ابن اسحق مدلس \" [مجمع الزوائد (٨/ ١٢٧)]، وانظر: تفسير الثعلبي (١٠/ ٢٩)، غرائب التفسير (٢/ ١٢٤٦)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢٥٥).\n(١٧) في (ب) \" ثلاثة عرضات \".\n(١٨) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٤/ ٤١٤)، وأخرجه ابن ماجة في كتاب الزهد، باب في ذكر البعث، برقم (٤٢٧٧) ابن جرير في جامع البيان (٢٩//٥٩) عن أبي موسى - ﵁ - موقوفًا، قال الشيخ شعيب الأرنؤوط: \"إسناده ضعيف لانقطاعه\" [مسند أحمد (٤/ ٤١٤) بتعليق الشيخ شعيب]، وضعفه الألباني في ضعيف سنن ابن ماجة (/ ...)].\n(١٩) انظر: الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢٥٦).\n(٢٠) لم أقف عليه.\n(٢١) في (ب) \" أسررتم\".\"\n(٢٢) في (ب) \" ﴿فَيَقُولُ﴾: المؤمنون ﴿فَيَقُولُ هَاؤُمُ﴾ \".\n(٢٣) \" المفعول \" ساقط من (أ).\n(٢٤) في (أ) \" إحداها \".\n(٢٥) في (ب) \" هاؤما \".\n(٢٦) في (ب) \" معنى \".\n(٢٧) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ١٦٩)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢٥٨).\n(٢٨) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ١٦٩)، البحر المحيط (١٠/ ٢٦٠).\n(٢٩) في (أ) \" تقول \".\n(٣٠) في (ب) \" أي \".\n(٣١) \" قال \" ساقطة من (أ).\n(٣٢) في (ب) \" في الأسد بن عبد الأسد \".\n(٣٣) انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ١٨٢)، النُّكت والعيون (٦/ ٨٣).\n(٣٤) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٦١)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢٥٩).\n(٣٥) انظر: معاني القرآن (٣/ ١٨٢).","vol":"1","page":3354},{"text":"و﴿فِي﴾ متعلقة بالعيشة. وقيل: خبرٌ بعدَ خبر. والأوَّل ضعيف (١).\n﴿قُطُوفُهَا﴾: ثمارُها، جمع قِطف بالكسر. والقَطف بالفتح: المصدر، وهو: أخذُ الثمرة بسرعة.\n﴿دَانِيَةٌ (٢٣)﴾: قريبة تنال (٢) بالأفواه والأيدي قيامًا وقعودًا.\nوقيل: دنت فلا يردُّ أيديهم عنها بعدٌ ولا شوك (٣).\n﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾: من نعيمِ الجنَّةِ.\n﴿هَنِيئًا﴾: سليمًا من الآفات والمكاره لا تنغيص فيها ولا تكدير لها (٤).\n﴿بِمَا أَسْلَفْتُمْ﴾: بسبب (٥) ما قدمتم من الخيرات والطاعات.\n﴿فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (٢٤)﴾: الماضيةِ في الدنيا. وقيل: بدل ما أسلفتم.\nوعن ابن عباس - ﵄ -: أنَّها نزلت في الصائمين خاصة في الأيام ... الخالية (٦)، أي: الجائعة، كما تقول: نهارهُ صائم.\n﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (٢٥)﴾: يقول ذلك لما يرى فيه من الفضائح.\nوقيل: لم أوت كتابي بشمالي.\nوقيل: يا ليتني لم أبعثْ ولم أحاسبْ.\n﴿وَلَمْ  أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (٢٦)﴾: ولم أدري ما جزاء عملي.\nوقيل: هو كتاب البراءة من الله تعالى.\nوقيل: نزلت في أبي جهل. وقيل: الأسد بن عبد الأسد (٧)، فيكون هو سبب النزول، والمعنى يعمُّ جميع الكفار (٨)، كما سبق.\n﴿يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (٢٧)﴾: الفارغة القاطعة عن الحياة ولم أحي بعدها.\nقيل: (٩): الهاء (١٠) تعودُ (١١) إلى الشدائد التي دفع إليها.\nوقيل: يعودُ إلى الصيحة التي بعث عندها.\nوقيل: كنايةً عن السَّاعة التي هو فيها، أي: ليتني متُ الآن.\nوقيل: يعودُ إلى ﴿الْقَاضِيَةَ﴾، أي: يا ليت ﴿الْقَاضِيَةَ﴾ وقعت يعني الموت.\nوقيل: كناية عن الحياة الدنيا، أي يا ليتها كانت موتًا ولم أكن قط حتى لا أرى ما أراهُ اليوم (١٢).\n﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (٢٨)﴾ أي: ما نفعني مالي ولا دفعَ عني.\nيجوز أن يكون ﴿مَا﴾ (١٣) للاستفهام ومحله نصب، ويجوز أن يكونَ خفيًا والمفعول محذوف، أي: شيئًا، والمعنى لم ينفعني ما جمعتُهُ في الدنيا.\n﴿هَلَكَ عَنِّي﴾: ذهبَ عني.\n﴿سُلْطَانِيَهْ (٢٩)﴾: كثرةُ مالي وأسبابُ ملكي.\n_________\n(١) في (ب) \" والأول أولى \"، قال الكرماني في غرائب التفسير (٢/ ١٢٤٦): \" العجيب: ﴿فِي﴾ متعلقة بعيشة، وهذا بعيد؛ لأنه قد حيل بينهما بالوصف \".\n(٢) في (أ) \" ينال \".\n(٣) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٦١)، النُّكت والعيون (٦/ ٨٤)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢٥٩)\n(٤) \" لها \" ساقطة من (أ).\n(٥) \"بسبب \" ساقطة من (أ).\n(٦) لم أقف عليه من قول ابن عباس - ﵄ -، وهو مروي عن مجاهد وابن جبير ووكيع ... وعبد العزيز بن رفيع. [انظر: البحر المحيط (١٠/ ٢٦١)].\n(٧) وهو أخو الصحابي أبو سلمة بن عبد الأسد المتقدم ذكره، وقد مات على الشرك.\n(٨) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٤٦٧)، النُّكت والعيون (٦/ ٨٥)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢٥٩).\n(٩) في (أ) \" وقيل\".\n(١٠) \" الهاء \" ساقطة من (ب).\n(١١) في (أ) \" يعود \".\n(١٢) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٦٢)، تفسير الثعلبي (١٠/ ٣١)، البحر المحيط (١٠/ ٢٦١).\n(١٣) \" ما \" ساقطة من (أ).","vol":"1","page":3355},{"text":"وقيل: سلطاني: حجَّتي وبرهاني.\nواختار لفظُ الهلاك وإن كان يستعملُ (١) مع الأعيان؛ لأنَّ مع الذهاب يبقى رجاءَ العود ولا يبقى مع الهلاك.\nوقيل: شبابي وعمري في الدنيا.\nوقيل: زالَ عزي وصرتُ ذليلًا (٢).\n﴿خُذُوهُ﴾: يقول الله لخزنةِ النَّار.\n﴿فَغُلُّوهُ (٣٠)﴾: أجْمِعُوا يدَهُ (٣) إلى عنقِهِ.\n﴿ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١)﴾: أي: أدخلوهُ فيها. وقيل: أوقدوا النَّار واشووهُ بها. وقيل: اجعلوهُ يصلى.\n﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا﴾: طولُها.\n﴿سَبْعُونَ ذِرَاعًا﴾: \" ابن جريج: بذراعِ الملك \" (٤).\nالحسن: \" الله أعلم بأي ذراعٍ هو \" (٥).\nنوف (٦): الذراع: سبعونَ باعًا، كلُّ باعٍ ما بيَن الكوفةِ إلى مكة أو أبعد \" (٧).\nوجاء لو أنَّ حلقةً منها وضعت على ذروةِ جبلٍ لذابَ كما يذوبُ الرصاص (٨).\n_________\n(١) في (أ) \" مستعملًا للأعيان \".\n(٢) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٦٢)، النُّكت والعيون (٦/ ٨٥)، البحر المحيط (١٠/ ٢٦١).\n(٣) في (أ): \" يمينه يده \".\n(٤) انظر: تفسير القرآن العظيم (٤/ ٤٤٤)، وقد أخرجه ابن جرير في جامع البيان (٢٩/ ٦٣) عن ابن عبَّاس - ﵄ -.\n(٥) انظر: تفسير البغوي (٨/ ٢١٣)، البحر المحيط (١٠/ ٢٦٢).\n(٦) نوف بن فضالة البكالي الحميري، كنيته أبو عمرو، أمُّه كانت امرأة كعب الأحبار من صالحي أهل مصر، وكان إمام أهل دمشق في عصره. وكان راويًا للقصص ذكره البخاري في فصل من مات ما بين التسعين إلى المائة.\n[انظر ترجمته: مشاهير علماء الأمصار (ص ١٤٩) الأعلام (٨/ ٥٤)].\n(٧) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٦٣)، تفسير الثعلبي (١٠/ ٣١).\n(٨) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٣٩٤)، تفسير الثعلبي (١٠/ ٣١).","vol":"1","page":3356},{"text":"الذَّرع: طولُ يدِ الإنسان وانبساطها. والذرع: المصدر أيضًا (١).\n﴿فَاسْلُكُوهُ (٣٢)﴾: له وجهان:\nأحدهما: إذا شدَّ بها فقد اشتملت عليه؛ لأنَّه يدخلُ عنقه فيها ويجرُّ بها.\nوالثاني: أنَّه من باب القلب، أي: فاسلكوها فيه، كما تقول: جعلت الخاتم في الإصبع، والخفّ في الرِّجل (٢).\nقال الضحاك: \" يدخلُ في فيه ويخرجُ من دبره \" (٣).\nابن بحر: \" اجعلوا هذه السلسلةُ له بمنزلة الخيط يسلكُ فيه الخرز \" (٤).\nوسلكته وأسلكته لغتان، ولغة القرآن سلكَ.\n﴿إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣)﴾: جزاء (٥) على كفرهِ وبخلهِ، وهو قوله:\n﴿وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣٤)﴾: أي: لا يطعمُ ولا يأمرُ به.\n﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ (٣٥)﴾: أي: قريبٌ يغتمُ لمكروه قريبه أو يهتم، وهما بمعنى، والمعنى: لا ينتفع بحميمه كما كان ينتفع في (٦) الدنيا.\n﴿وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦)﴾: الغسلين: غسالةُ ما يغسلُ، والمراد به (٧) ها هنا: مايسيلُ من أجسامِ المعذبين من القيح والصديد (٨).\nالأصمّ (٩): \" الغسلين الطحلب \" (١٠).\n_________\n(١) انظر: المفردات (ص: ٣٢٦)، مادة \" ذَرَعَ \"، لسان العرب (٨/ ٩٣)، مادة \" ذَرَعَ \".\n(٢) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ١٨٢)، زاد المسير (٨/ ١١٢)، غرائب التفسير (٢/ ١٢٤٧).\n(٣) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٦٤).\n(٤) لم أقف عليه.\n(٥) في (أ) \" أي: جزاء \".\n(٦) في (ب) \" في طعام \".\n(٧) \" به \" ساقطة من (ب).\n(٨) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٦٥)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ١٦٩)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢٦٢).\n(٩) الأصم، هو عبد الرحمن بن كيسان، أبو بكر الأصم، فقيه معتزلي مفسر، قال ابن المرتضى: كان من أفصح الناس وأفقههم وأورعهم، خلا أنه كان يخطئ عليًا - ﵁ - في كثير من أفعاله ويصوب معاوية في بعض أفعاله.\nوله تفسير، وكتاب \" خلق القرآن \"، وكتاب الحجة والرسل، وكتاب الحركات، والرد على الملحدة، والرد على المجوس، والأسماء الحسنى، وافتراق الأمة، وأشياء عدة، وكان يكون بالعراق.\nقال الذهبي: مات سنة إحدى ومائتين للهجرة. [انْظُرْ تَرْجَمتَهُ: سير أعلام النبلاء (٩/ ٤٠٢)، الأعلام (٣/ ٣٢٣)].\n(١٠) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢٤٧).","vol":"1","page":3357},{"text":"وقيل: هو شر طعام وأبشعه (١).\nوالنار دركات ولكلِّ دركة نوع طعام وشراب.\n﴿لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ (٣٧)﴾: الكافرون الجائرون عن طريق الحقِّ عمدًا.\n﴿فَلَا أُقْسِمُ﴾: قيل: ﴿لَا﴾ صلة. وقيل: ردٌّ لإنكارهم القرآن.\nوقيل: نفي للقسم. وهو يجري مجرى القسم في التأكيد.\n﴿بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨)﴾: في (٢) الدنيا وَمَا ﴿لَا تُبْصِرُونَ (٣٩)﴾: الآخرة.\nوقيل: ﴿مَا تُبْصِرُونَ﴾: السَّماء والأرض وما فيها، ﴿وَمَا لَا تُبْصِرُونَ﴾: ما وراءهما (٣).\nوقيل: ﴿مَا تُبْصِرُونَ﴾: البرَّ وَمَا ﴿لَا تُبْصِرُونَ﴾ البحر.\nوقيل: ﴿مَا تُبْصِرُونَ﴾: ما على (٤) وجه الأرض، [﴿وَمَا لَا تُبْصِرُونَ﴾ ما في بطنها.\nابن عباس - ﵄ -: \" ﴿مَا تُبْصِرُونَ﴾: الكعبة ﴿وَمَا لَا تُبْصِرُونَ﴾ البيت المعمور] (٥) (٦).\nوقيل (٧) ﴿مَا تُبْصِرُونَ﴾ (٨) تبليغ محمد - ﷺ - ﴿وَمَا لَا تُبْصِرُونَ﴾ تبليغ (٩) جبريل - ﵇ - (١٠).\n_________\n(١) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢٤٧)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢٦٢).\n(٢) \" في \" ساقطة من (ب).\n(٣) في (ب) \" ما ورائهما \".\n(٤) \" ما على \" ساقطة من (ب).\n(٥) لم أقف على قول ابن عباسٍ - ﵄ -.\n(٦) ما بين المعقوفتين ساقط من (ب).\n(٧) \" وقيل \" ساقطة من (ب).\n(٨) في (ب): \" ﴿وَمَا لَا تُبْصِرُونَ﴾ \".\n(٩) في (أ) \" بتبليغ محمد ... بتبليغ \".\n(١٠) والصحيح أنه عام في جميع مخلوقاته وآياته التي ترونها والتي لا ترونها. [انظر: البحر المحيط (١٠/ ٢٦٤)].","vol":"1","page":3358},{"text":"﴿إِنَّهُ﴾: إن القرآن ﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ﴾: بلاغُ رسولٍ، يعني محمد - ﷺ -.\nوقيل: وحي جبريل - ﵇ - (١).\n﴿كَرِيمٍ (٤٠)﴾: على الله تعالى.\nوفي لفظ الرسول: دليل، على (٢) أنَّه يبلغ عن الله ويحكيه. والقول يقع على الحكاية.\n﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ﴾: أي: ليسَ بشعرٍ ولا كهانةٍ كما زعموا.\n﴿قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢)﴾:\n﴿مَا﴾ صلة، ﴿قَلِيلًا﴾ صفة مصدر محذوف، أي: يؤمنون (٣) إيمانًا قليلًا من قوله (٤): ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦].\nوقيل: القلة: عبارة عن النفي. وقد سبق.\nوقيل: يجوزُ أن يكونَ هذا نعتًا للمؤمنين، وأرادَ أنَّ المؤمنينَ به قليلٌ.\n﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٣)﴾: نزلَ به جبريل على محمد - ﵉ -.\n﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤)﴾: أي: كذبَ الرسول (٥) - ﷺ - علينا، وتكلَّفَ القول وأخترعَهُ ثمَّ أضافَهُ إلينا (٦).\n﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥)﴾: لانتقمنا منهُ بالقوة والقدرة (٧).\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٦٦)، البحر المحيط (١٠/ ٢٦٤).\n(٢) في (ب) \" وعلى \" بالواو.\n(٣) في (أ) \" تؤمنون \".\n(٤) \" من قوله \" ساقطة من (أ).\n(٥) \" الرسول \" ساقطة من (أ).\n(٦) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٦٦)، النُّكت والعيون (٦/ ٨٦).\n(٧) \" القدرة \" ساقطة من (ب).","vol":"1","page":3359},{"text":"وقيل: لسلبنا منهُ (١) قوته. قال الشاعر (٢):\nإذا ما رايةٌ رفعتْ لمجدٍ ... تلقَّاها عرابَةُ باليمينِ (٣)\nوقيل: لقطعنا يدَهُ اليمنى، عن الحسن (٤).\nوقيل: لأذللناهُ واستخففنا به، كما تقول: خذ بيده وأخرجهُ من مجلسه.\nوقيل: ﴿بِالْيَمِينِ﴾ بالحقّ. وقيل: سلبنا منهُ يمينَه (٥).\n﴿ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦)﴾: أمتناهُ وأهلكناهُ.\nو﴿الْوَتِينَ﴾: نياطَ القلب.\nوقيل: عرق بالقلب متصل بالظهر إذا قطعَ ماتَ صاحبه (٦).\n﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (٤٧)﴾ أي: لو تقوَّل لأهلكناهُ ولم يكن ﴿مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ (٧) يحجزه عن القطعِ وعن عذاب الله، وجمع ﴿حَاجِزِينَ﴾ لأنَّ ﴿أَحَدٍ﴾ للعموم ومحله جر بالصفة.\nوقيل: نصبَ على أنَّه خبر: ﴿مَا﴾ و﴿أَحَدٍ﴾ اسم ﴿مَا﴾، ﴿مِنْ﴾ صلة،\nو﴿مِنْكُمْ﴾ حال يقدم عليه. والوجه الأول.\n﴿وَإِنَّهُ﴾: إنَّ القرآن.\n﴿لَتَذْكِرَةٌ﴾: تذكيرٌ (٨) ﴿لِلْمُتَّقِينَ (٤٨)﴾: خصَّهم (٩) بالذكر لانتفاعِهم به.\n_________\n(١) \" منه \" ساقطة من (أ).\n(٢) \" الشاعر \" ساقطة من (أ).\n(٣) تقدم ذكره (ص: ١٧٩).\n(٤) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٨٦)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢٦٤).\n(٥) انظر: انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٨٦)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢٦٤)، البحر المحيط (١٠/ ٢٦٦).\n(٦) انظر: انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٨٧)، تفسير البغوي (٨/ ٢١٥).\n(٧) \" من ساقطة من (أ).\n(٨) في (ب) \" تذكيرًا \".\n(٩) في (أ) \" وخصم \".","vol":"1","page":3360},{"text":"﴿وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (٤٩)﴾: يعني الكافرين، والتقدير: لنعلم (١) أنَّ منكم مُكَذِّبين ومنكم مؤمنين صادقين، فاكتفى بذكر أحدهما.\nوقيل: ﴿مِنْكُمْ﴾ من المؤمنين، وهم قومٌ كفروا بعد إيمانهم.\n﴿وَإِنَّهُ﴾: إنَّ (٢) التكذيب.\nوقيل: إنَّ (٣) القرآن لحسرة عليهم حيث ضيعوا العملَ به.\nوقيل: وإنَّ يومَ القيامة.\n﴿لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ (٥٠)﴾: فإنَّه يومُ الحسرةِ والندامة.\n﴿وَإِنَّهُ﴾: إنَّ (٤) القرآن.\n﴿لَحَقُّ الْيَقِينِ (٥١)﴾: أي (٥): اليقين حقُّ القين، كما تقول: هو الجوادُ عينُ الجواد. وقيل: أرادَ لحقٌّ يقين، فأضافه إلى وصفه، وهو قول الفَرّاء (٦).\nوقيل: هو كقولك: هو حقُّ الشيء.\nوقيل: ﴿إِنَّهُ﴾: إنَّ (٧) التحسر يوم القيامة لكائن لا محالة.\n﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٥٢)﴾: صلِّ له، ونَزِّهْهُ عما لا يليقُ بهِ سبحانَ الله دائمًا.\n_________\n(١) في (أ) \" ليعلم \".\n(٢) في (أ) \" أي: التكذيب \".\n(٣) \"إن \" ساقطة من (أ).\n(٤) في (أ) \" وإنه \" بالواو.\n(٥) \" أي \" ساقطة من (أ).\n(٦) انظر: معاني القرآن (٣/ ٧٦).\n(٧) \" إن \" ساقطة من (أ).","vol":"1","page":3361},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-176>سورة المَعَارج </span>(١)\nأربع وأربعون آية (٢) (٣) مكية بالإجماع (٤)\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحِيمِ الرَّحْمَنِ\n﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ﴾: نزلتْ في النضر بن الحارث حين قال: إن كان هذا هو الحقِّ من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء (٥) (٦).\nوقيل: نزلتْ في أبي جهل حين قال: فأسقط علينا كسفًا من السماء (٧) (٨).\nوقيل: نزلت في جماعة من الكفار قالوا: \" ربنا عجِّل لنا قطنا \"، استهزاءً (٩) (١٠).\n_________\n(١) وهو اسمها في أكثر المصاحف وكتب السنة والتفسير لقوله تعالى: ﴿مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ (٣)﴾ كما تسمى سورة \" سأل سائل \" لقوله تعالى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ﴾، وبه سميت في صحيح البخاري والترمذي وبعض كتب التفسير والمصاحف، وقيل: تُسمَّى سورة \" الواقع، لقوله: ﴿بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١)﴾ [انظر: البيان؛ للداني (ص: ٣٥٤)، بصائر ذوي التمييز (١/ ٤٨٠)، الإتقان (١/ ٥٦)، التحرير والتنوير (٢٩/ ١٥٣)].\n(٢) \" أربع وأربعون آية \" ساقطة من (ب).\n(٣) في جميع أهل العدِّ إلا الشامي فقد عدَّها ثلاث وأربعون آية. [انظر: البيان؛ للداني (ص ٣٥٤)، جمال القراء (٢/ ٥٥١)، بصائر ذوي التمييز (١/ ٤٨٠)].\n(٤) كما حكاه ابن عطية: \" وهي مكية، لا خلاف بين الرواة في ذلك\"، وحكى الإجماع كذلك ابن الجوزي في زاد المسير (٨/ ١١٥).\n(٥) كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٢)﴾ [الأنفال: (٣٢)].\n(٦) وهو مذهب الجمهور، ولا يمنع أن أكثر من مشرك سأل ذلك استهزاءً [انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٣٩٧)، النُّكت والعيون (٦/ ٨٩)، أسباب النزول؛ للواحدي (٣٦٢)، زاد المسير (٨/ ١١٥)].\n(٧) كما في قوله تعالى: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الشعراء: (١٨٧)].\n(٨) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٩٠)، زاد المسير (٨/ ١١٥).\n(٩) كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ (١٦)﴾ [ص: (١٦)].\n(١٠) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٩٠)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢٦٨).","vol":"1","page":3362},{"text":"وقيل: نزلت في النبيّ - ﷺ - حين سألَ نزولَ العذاب عليهم، والسائل: محمد - ﷺ - (١).\nوقيل: المراد به نوح - ﵇ - حين سأل العذابَ على الكفار (٢).\nوقيل: نزلت حين قالوا: متى الساعة؟\nوقيل: نزلت حين سألوا عن وقتِ العذاب.\nوفيه قراءتان: ﴿سَأَلَ﴾ بالهمز (٣)، و﴿سَالَ﴾ بغيرِ همز (٤) (٥)، فمن همز جعله من سأل سؤالًا لا غير، ومن ترك الهمز فله وجهان: أحدهما: بمعنى الهمز. قال الشاعر:\nسألتْ هذيلٌ رسولَ الله فاحشةً ... ضلتْ هذيلٌ بما قالتْ ولم تُصبِ (٦)\nوالثاني: من سال يسيل سيلًا. والسائل منهما بالهمز بعذاب (٧).\nقيل: عن عذاب لقوله (٨): ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾، [الفرقان: ٥٩]، أي: عنه. قال الشاعر:\nفإن تسألوني بالنساءِ فإنَّني ... بصيرٌ بأدواءِ النساءِ طبيبُ (٩)\nوقيل: الباء صلة، تقديره: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ﴾ عذابًا.\n_________\n(١) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢٤٩)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢٦٨)، البحر المحيط (١٠/ ٢٧٠).\n(٢) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢٤٩)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢٦٨).\n(٣) في (ب) \" الهمزة \".\n(٤) في (أ) \" بغير همزة \".\n(٥) قرأ نافع وابن عامر ﴿سَالَ﴾ غير مهموز، وقرأ الباقون ﴿سَأَلَ﴾ مهموزًا، وكلهم قرأ ﴿سَائِلٌ﴾ ... بالهمز بلا اختلاف. [انظر: جامع البيان (٢٩/ ٦٩) السَّبعة (ص: ٦٥٠)، الحُجَّة (٦/ ٣١٨)].\n(٦) البيت لحسان بن ثابت قاله تعييرا لهذيل حين طلبت من النبي - ﷺ - أن يبيح لها الزنى [انظر: المحرر الوجيز (٥/ ٣٩٠)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢٦٩)، - وهو فيهما بلفظ: بما سألت ولم تصب ـ، روح المعاني (٢٩/ ٥٦)].\n(٧) انظر: السَّبعة (ص: ٦٥٠)، الحُجَّة (٦/ ٣١٨) المحرر الوجيز (٥/ ٣٩٠)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢٦٩).\n(٨) في (أ) \" من عذاب، كقوله \".\n(٩) البيت لعلقمة بن عبدة [انظر: تفسير الثعلبي (١٠/ ٣٤)، المحرر الوجيز (٥/ ٣٦٤)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢٦٨)، لسان العرب (١/ ٥٥٣)، مادة \" طَبَبَ \"].","vol":"1","page":3363},{"text":"وقيل: ﴿سَأَلَ﴾ بمعنى: دعا، أي: دعا الله بهذا.\nوقيل: ﴿سَأَلَ﴾ بمعنى: طلب.\nوقيل: بمعنى: نادى.\nوقيل: ومن جعله من السيل فالباء متصل به، والسائل هو السيل (١).\nوقيل: السائل وادٍ في جهنم، أي: سال الوادي بالعذاب (٢).\n﴿وَاقِعٍ (١)﴾: نازل.\n﴿لِلْكَافِرِينَ﴾: قيل: اللام لام الاستحقاق، متصل بالعذاب، أي: عذاب يستحقه الكفار. وقيل: متصل بـ ﴿وَاقِعٍ﴾، أي: يقعُ لهم وينزلُ بهم.\nوقيل: بمعنى على، أي: يقعُ عليهم ويحلُ بهم.\nوقيل: ﴿سَائِلٌ﴾ للكفار.\nوقيل: بمعنى من، أي: سائل من الكفار.\n﴿لَيْسَ لَهُ﴾: لذلكَ العقاب (٣).\n﴿دَافِعٌ (٢)﴾: مانع ورادٌ.\n﴿مِنَ اللَّهِ﴾: قيل (٤): ﴿مِنَ﴾ متعلق بـ ﴿وَاقِعٍ﴾، أي: يقعُ من أمرِ الله. وقيل: متعلق (٥) ﴿دَافِعٌ﴾، أي: يدفعُهُ من الله.\n﴿ذِي الْمَعَارِجِ﴾: صفة لله (٦).\nوالمعارج: جمع مَعْرِج، وهو يصلحُ للمصدر. وجُمعَ لاختلاف ذلك (٧)، فإن الملائكة تعرج، والكلام الطيب يعرج (٨)، ورسل الله تعرج، وتصلح (٩) لموضع العروج، وإليه ذهب الحسن ومجاهد (١٠).\nوعلى هذا يجوزُ أن يكونَ الواحد مِعرج (١١) بكسر الميم، أي: معارج الملائكة، ويصلح لموضع العروج إليه.\nفقيل: السماوات. وقيل: الدرجات درجات أهل الجنة ومنازلهم.\nابن عباس: \"هي الفواضلُ والنعمُ يؤتيها الله المؤمنين \" (١٢).\n﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ﴾: تصعدُ ﴿الْمَلَائِكَةُ﴾.\n﴿وَالرُّوحُ﴾: قيل: هو جبريل، خُصَّ بالذكر بعدَ العموم تشريفًا له (١٣).\nوقيل: هو (١٤) أرواحُ المؤمنين عندَ الموت.\nوقيل: هم قومٌ موكلون على الملائكة.\nوقيل: هم قومٌ يشبهونَ الإنس وليسوا بهم (١٥) (١٦).\n﴿إِلَيْهِ﴾: إلى محل الكرامة والزُّلفى.\nوقيل: إلى حيث لا يكونُ لغير الله فيه حلٌّ ولا عقدٌ ولا أمرٌ ولا نهي.\n﴿فِي يَوْمٍ﴾: من صلة ﴿وَاقِعٍ﴾، أي: يقع في يوم. وقيل: من صلة ﴿تَعْرُجُ﴾. وهذا أظهر (١٧).\n﴿كَانَ مِقْدَارُهُ﴾: مقدارُ اليوم.\n﴿خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤)﴾: أي: من سني الدنيا، يعني: يومَ القيامة (١٨).\nوجاء مرفوعًا: أنَّه قيل لرسول الله - ﷺ -: ﴿يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾، ما أطول هذا؟! فقال (١٩) النبي - ﷺ -: «والذي نفسي بيده إنَّه ليخفف على المؤمن حتى يكونَ أخفَّ عليه من صلاةٍ مكتوبةٍ يصليها في الدنيا» (٢٠).\nوسئل ابن عباس - ﵄ - عن هذه الآية، وعن قوله: ﴿وَإِن يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ﴾، [الحج: ٤٧]، فقال: هما يومانِ ذكرهما الله تعالى في كتابه، وأكرهُ أن أقولَ في كتاب الله ما لا أعلمُ (٢١).\nوذهبَ جماعةٌ من المفسرين إلى: أنَّ المعنى أنَّ الله يفصلُ (٢٢) فيه من محاسبة العباد، والحكم بينهم، ويصيير أهل النَّار إلى النَّار وعقابها، ويصيير (٢٣) أهل الجنَّة إلى الجنَّة ومنازلها مالا يكون في الدنيا إلَاّ في ﴿خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ (٢٤).\n_________\n(١) انظر: تفسير الثعلبي (١٠/ ٣٤)، المحرر الوجيز (٥/ ٣٦٤)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢٦٨)، البحر المحيط (١٠/ ٢٧١).\n(٢) وهو قول ابن زيد. [انظر: تفسير الثعلبي (١٠/ ٣٤)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢٦٨)]، قال ابن كثير: \" وهذا القول ضعيفٌ بعيد عن المراد \" [تفسير القرآن العظيم (٤/ ٤٤٦)].\n(٣) في (أ) \" العذاب \".\n(٤) \" قيل \" ساقطة من (أ).\n(٥) في (أ) \" يتعلق \".\n(٦) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ١٨٤)، جامع البيان (٢٩/ ٧٠).\n(٧) يعني وهو خلاف القاعدة اللغوية والأصل النحوي: أن المصدر لا يُجمع، إلا إذا اختلفت أنواعه وتعددت، كما في جمع البيع على بيوع، والنكاح على أنكحة، ونحو ذلك.\n(٨) في (أ) \" تعرج \".\n(٩) في (أ) \" يعرج ويصلح \".\n(١٠) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٧٠)، النُّكت والعيون (٦/ ٩٠)، البحر المحيط (١٠/ ٢٧٢).\n(١١) في (أ) \" معرجًا \".\n(١٢) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٧٠)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢٦٩).\n(١٣) وهو قول الجمهور. [انظر: جامع البيان (٢٩/ ٧٠)، البحر المحيط (١٠/ ٢٧٢)].\n(١٤) في (أ) \" هي \".\n(١٥) \" وليسوا بهم \" ساقطة من (ب).\n(١٦) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٩٠)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢٦٩).\n(١٧) في (أ) \" وهو أظهر\".\n(١٨) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٧٠)، البحر المحيط (١٠/ ٢٧٢).\n(١٩) في (أ) \" فقال: ﵇ \".\n(٢٠) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٣/ ٧٥)، وأخرجه ابن جرير في جامع البيان (٢٩/ ٧٢) عن أبي الهيثم عن سعيد، وقد أورده ابن كثير في تفسيره وتعقبه بقوله: \" رواه ابن جرير عن يونس عن ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن دراج به إلا أن دراجًا وشيخه أبا الهيثم ضعيفان والله أعلم \" [تفسير القرآن العظيم (٤/ ٤٤٧].\n(٢١) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٧٢)، غرائب التفسير (٢/ ١٢٥٠).\n(٢٢) في (ب) \" يفعل \".\n(٢٣) في (ب) \" يصير أهل النار يصير \".\n(٢٤) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢٥٠)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢٧٠).","vol":"1","page":3364},{"text":"وذهب جماعة إلى: أنَّ الملك يصعدُ في يومٍ من أيام الدنيا ما لوصعدَ فيه آدمي لصعد (١) في خمسين ألف سنة، وذلك أنَّه يصعدُ من منتهى أسفل الأرض السابعة إلى ما فوقَ السماء السابعة إلى العرش وهو (٢) قوله: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ (٤)﴾ إنَّما هو قدرُ مسيرِهم من السماء الدنيا إلى وجهِ الأرض مسيرة خمسمائة عامٍ هبوطًا ومثله صعودًا (٣).\nوقيل: لو تولَّى حسابَ العباد غيرُ الله لفرغَ منها في ﴿خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ (٤).\nوعن عكرمة وغيره: أنَّ اليوم في الآيةِ عبارة عن أول أيام الدنيا إلى انقضائها (٥)، وأنَّها خمسون ألف سنة، لا يدري أحدٌ كم مضى وكم بقيَ إلاّ الله (٦).\nوقال: بعضهم لا يمتنعُ أن يختلفَ تقديرُ السنةِ في الإضافة إلى أصناف خلق الله، فقد نجدُ المنَّ يختلف حكمه (٧) في تقدير: قومٍ وقوم، فإنَّه مائتان وستون درهمًا في تقدير قوم، [وأربعمائة في تقدير قوم، وستمائة في تقدير قوم] (٨).\nوذكر عن أهل الصين: أنَّهم يعدونَ كلَّ فصلٍ من الفصول الأربعة سنةً بانفرادها (٩).\nوذهب بعضهم إلى: أنَّه خمسون موطنًا، يبقى الخلق في كلِّ موطنٍ ألفَ سنة (١٠).\n_________\n(١) في (ب) \" يصعد \".\n(٢) \" وهو \" ساقطة من (ب) \".\n(٣) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٧٠)، النُّكت والعيون (٦/ ٩٠)، غرائب التفسير (٢/ ١٢٥٠)، زاد المسير (٨/ ١١٧).\n(٤) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٩٠)، غرائب التفسير (٢/ ١٢٥٠).\n(٥) في (أ) \" إلى انقضاء الدنيا \".\n(٦) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٧١)، النُّكت والعيون (٦/ ٩٠)، غرائب التفسير (٢/ ١٢٥١).\n(٧) \" حكمه \" ساقط من (ب).\n(٨) ما بين المعقوفتين ساقط من (ب).\n(٩) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢٥١).\n(١٠) انظر: تفسير البغوي (٨/ ٢٢١)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢٧٠).","vol":"1","page":3365},{"text":"وذهب بعضهم إلى: أنَّ أسماءه في القرآن: خمسون، كالحاقَّة والقارعة ويوم التغابن ويوم التناد ويوم الخروج ويوم الوعيد إلى تمام خمسين اسم، وأنَّ كل اسم ينبئ عن معنى يقعُ في ألف سنة (١).\nوذهب بعضهم إلى: أنَّ المراد: شدةُ القيامة واستطالةُ أهله إيّاه كالعادةِ في استطالةِ أيام الشدةِ واستقصار زمان (٢) الرخاء والنعمة، وهو في أشعار العرب والعجم أكثر من أن يذكرَ (٣). وهذا أظهر ما قيل في الآية؛ للخبر الذي تقدمَ ذكرهُ. والله أعلم.\n﴿فَاصْبِرْ﴾: على تكذيبهم إيّاك.\n﴿صَبْرًا جَمِيلًا (٥)﴾: لا جزعَ فيه، وهذا قبل أن أُمرَ (٤) بالقتال فنسخ.\nوقيل: غير منسوخ، فإنَّ الصبرَ الجميل: الانتظار من غير استعجال.\nوقيل: الصبرُ حبسُ النفسِ على ما يكرهه.\n﴿إِنَّهُمْ﴾: إنَّ الكفارَ. ﴿يَرَوْنَهُ﴾: أي: العذاب. وقيل: اليوم (٥) المذكور.\n﴿بَعِيدًا (٦)﴾: مستحيلًا لا يكون.\n﴿وَنَرَاهُ قَرِيبًا (٧)﴾: كائنًا لا محالة؛ لأنَّ ما هو آتٍ قريب.\nوالرؤية بمعنى: العلم.\nوقيل: يظنونَهُ (٦) بعيدًا ونعلمهُ قريبًا.\n﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ (٨)﴾: من صلة ﴿وَاقِعٍ﴾.\nوالمهل: هو المذابُ في مهلٍ كالذهب والفضة والصُّفْر والنحاس (٧) وسائر الفِلِزَّات.\n_________\n(١) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢٥١).\n(٢) في (ب) \" واستقصاء أيام \".\n(٣) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢٥١)، البحر المحيط (١٠/ ٢٧٢).\n(٤) كذا في النسختين، ولو قيل \" قبل أن يؤمر \" لكان أولى.\n(٥) \" اليوم \" ساقط من (أ).\n(٦) في (ب) \" تظنونه \".\n(٧) \" النحاس \" ساقطة من (أ).","vol":"1","page":3366},{"text":"وقيل: هو دُرّديّ الزيت وعكره، ويقويه قوله: ﴿كَالدِّهَانِ﴾، [الرحمن: ٣٧] فيمن حملَهُ على الدهن (١).\nابن بحر: وقعَ التشبيه (٢) على الذَّوب، كقوله تعالى: ﴿تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا﴾، [الطور: ٩]. والمور: والسيلان (٣) والذوب واحد \" (٤).\n[مجاهد] (٥): \" كقيح من دم \" (٦).\n﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ (٩)﴾: كالصوف المندوف لخفةِ سيرها، وأنَّها تلينُ بعدَ الشدةِ وتتفرقُ بعدَ الاجتماعِ (٧).\n﴿وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (١٠)﴾: لا يسألُ قريبٌ عن حالِ قريبهِ لاشتغالهِ بنفسهِ.\nوقيل: لا يسألَهُ لبذلِ طاعتهِ ولا لتحمُّلِ معصيته.\nوقرئ: ﴿ولا يُسئَلُ﴾ بضم الياء، أي لا يُسأل أي قرابة عن قرابته، والمعنى: لا يؤخذُ أحدٌ بذنب غيره (٨).\n﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾: أي: يعرف بعضهم بعضًا. قيل: ببياضِ الوجوه وسوادها.\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٧٣)، النُّكت والعيون (٦/ ٩٢).\n(٢) في (أ) \" الشبه \".\n(٣) في (ب) \" السيلان \" بدون واو.\n(٤) لم أقف عليه.\n(٥) في النسختين \" ابن مجاهد، والصحيح مجاهد \".\n(٦) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٩٢)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢٧٢).\n(٧) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٩٢)، تفسير البغوي (٨/ ٢٢١).\n(٨) قرأ الجمهور ﴿وَلَا يَسْأَلُ﴾. بفتح الياء والهمزة، وقرأ ابن كثير في رواية البزي ﴿ولا يُسئَلُ﴾ برفع الياء وفتح الهمزة. [انظر: السَّبعة (ص: ٦٥٠)، معاني القراءات (ص: ٥٠٤)، الحُجَّة (٦/ ٣٢٠)].","vol":"1","page":3367},{"text":"والواو ضمير الحميم الأول. و﴿هُم﴾ ضمير الحميم الثاني، وجمعَ؛ لأنَّ فعيلًا يقعُ موقعَ الجمعِ. وأصلُهُ: يبصرون بهم، فحذف الجار.\nوقيل: لا تعلقَ له بالأول، والمعنى: يبصرُ الكافرون من أضلوهم، ويبصرُ المقتولُ قاتلَه، والمظلومُ من ظلمَهُ.\nوقيل: يبصرُ الإنسانُ الملائكةَ (١).\n﴿يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (١١)﴾: بولدهِ وهم أعزُ الخلقِ إليه.\n﴿وَصَاحِبَتِهِ﴾: زوجته وسكنه.\n﴿وَأَخِيهِ (١٢)﴾: الذي كانَ له ناصرًا ومعينًا.\nويحتمل أن قوله: ﴿أَخِيهِ﴾: جمع أخ، فقد جُمعَ أخ وأب جمعُ السلامة.\nوقيل: أخيه لأمه (٢) وأبيه.\n﴿وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (١٣)﴾: وقبيلتِه التي تضمُهُ لقرابته.\nوقيل: يأوي إليها عند الخوف.\nالفراء: \" الفصيلة: أقربُ آبائه الذي ينتهي إليهم \" (٣).\nوقيل: أمُّه التي (٤) تربيه، رواه الماوردي لمالك (٥) (٦).\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٧٣)، البحر المحيط (١٠/ ٢٧٤).\n(٢) في (أ) \" بأمَّه \".\n(٣) \" التي \" ساقطة من (ب).\n(٤) انظر: معاني القرآن (٣/ ١٨٤).\n(٥) مالك بن أنس بن مالك بن أبى عامر بن عمرو بن الحارث الأصبحي الحِميري، أبو عبد الله المدني، إمام دار الهجرة، وأحد الأئمة الأربعة، وإليه يُنسب المذهب المالكي، وهو شيخ الإمام الشافعي، وكان من سادات أتباع التابعين وجلة الفقهاء والصالحين، وقد طلب مالك العلم، وهو ابن بضع عشرة سنة، وتأهل للفتيا، وجلس للإفادة، وله إحدى وعشرون سنة، وحدَّث عنه جماعة وهو حي شاب طري، وقصده طلبة العلم من الآفاق في آخر دولة أبي جعفر المنصور وما بعد ذلك، وازدحموا عليه في خلافة الرشيد، وإلى أن مات.\nقال عنه ابن عيينة: \" مالك عالم أهل الحجاز، وهو حجة زمانه \"، وقال يحيى القطان: \" ما في القوم أصح حديثا من مالك، كان إمامًا في الحديث \"، وقال ابن مهدي: \" أئمة الناس في زمانهم أربعة: الثوري، ومالك، والأوزاعي، وحماد بن زيد، وقال: \" ما رأيت أحدًا أعقل من مالك \".\nوسأله المنصور أن يضع كتابا للناس يحملهم على العمل به، فصنف \" الموطأ \"، وكانت وفاته بالمدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، ودفن بالبقيع جوار إبراهيم ولد النبي - ﷺ - سنة تسع وسبعين ومائة للهجرة [انْظُرْ تَرْجَمتَهُ: مشاهير علماء الأمصار (ص: ١٦٩)، سير أعلام النبلاء (٨/ ٤٨) وفيات الأعيان (٤/ ١٣٥)].\n(٦) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٩٢).","vol":"1","page":3368},{"text":"﴿وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾: من الإنس.\n﴿ثُمَّ يُنْجِيهِ (١٤)﴾: ذلك الافتداء، والمعنى: يودُ لو يفتدي بجميع الخلائق فيدخلونَ النَّارَ مكانَهُ.\n﴿كَلَّا﴾: أي لا ينجيهِ.\nإِنَّهَا ﴿لَظَى (١٥)﴾: الهاء: كناية عن القصة والشأن.\nوقيل: كناية عن النَّار.\n[وقيل: كناية عن ﴿لَظَى﴾] (١)، و﴿لَظَى﴾: بدل منه.\nو﴿لَظَى﴾: اسم لجهنم. ولهذا (٢) لا ينصرف.\nوقيل: اسم الدركة الثانية.\nالخليل: اللظى: اللهبُ الخالص (٣).\nوقيل: مشتقٌ من اللزوم.\nوأصلُهُ: لظظ من الإلظاظ قلبَ ياءً (٤).\n﴿نَزَّاعَةً﴾: تنزعُ وتقلعُ وتكشطُ (٥).\n﴿لِلشَّوَى (١٦)﴾ قيل: لأطراف الإنسان، كاليدين والرجلين.\nوقيل: ما لم يكن مقتلًا، من قولهم: رماهُ فأشواهُ.\nوقيل: جلدُ الرأس. وقيل: أمُ الدماغ.\nالحسن: \" مكارمُ الوجه \" (٦).\nوقيل: العصبُ والعقبُ.\nوقيل: الجلدُ واللحمُ، أي: يفصّلُ الأعضاءَ بعضها من بعضٍ، ثم يعودُ إلى ما كان. ويحتمل: تنزع الكفارَ لتشويهم (٧) (٨).\nواللام للعلة. و﴿نَزَّاعَةٌ﴾ رفع بالخبر، أو بالخبر بعد الخبر، أو بخبر المبتدأ، أوبخبر (٩) مبتدأ محذوف.\nومن نصبَ فعلى الحال كقوله: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ﴾ [البقرة: ٩١] ... أو كقوله: ﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ﴾ [المدثر: ٣٥] (١٠).\n﴿تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (١٧)﴾: أي: تدعو النَّارُ الكافرَ والمنافقَ فتقولُ: إليَّ إليَّ (١١) أيها الكافر، أيها المنافق.\nابن عباس - ﵄ -: \" تدعوهم بأسمائهم بلسانٍ فصيحٍ، ثمَّ تلتقطُهم كما يلتقطُ (١٢) الطيرُ الحبَ \" (١٣).\n_________\n(١) ما بين المعقوفتين ساقط من (أ).\n(٢) في (ب) \" وهذا \".\n(٣) انظر: كتاب العين (٨/ ١٦٩)، \" مادة \" لَظِيَ \".\n(٤) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٧٥)، الجامع الأحكام القرآن (١٨/ ٢٨٤).\n(٥) في (أ) \" ننزع ونقطع ونكشط \".\n(٦) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٧٧)، النُّكت والعيون (٦/ ٩٣).\n(٧) في (أ) \" ننزع الكفار لنشويهم \".\n(٨) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٧٦)، النُّكت والعيون (٦/ ٩٣)، زاد المسير (٨/ ١١٨)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢٧٥).\n(٩) في (ب) \" المبتدأ، بخبر \".\n(١٠) قرأ حفص عن عاصم ﴿نَزَّاعَةً﴾ بالنَّصب، وقرأ الباقون ﴿نَزَّاعَةٌ﴾ بالرفع. [انظر القراءات وتوجيها: السَّبعة (ص: ٦٥٠)، معاني القراءات (ص: ٥٠٤)، الحُجَّة (٦/ ٣١٩)].\n(١١) في (ب) \" إليَّ أيها \".\n(١٢) في (أ) \" تلتقط \".\n(١٣) انظر: تفسير الثعلبي (١٠/ ٣٨)، تفسير البغوي (٨/ ٢٢٣).","vol":"1","page":3369},{"text":"وقيل: الدعاء: عبارةٌ عن مصيرهم إليها.\nوقيل: يدعوا الخزنةَ، فجعل ذلك كأنهُ منها (١).\n﴿مَنْ أَدْبَرَ﴾ أي: عن الإيمان والطاعة، ﴿وَتَوَكَّلْ﴾ عن الحق.\nوقيل: أعرضَ عن الإيمان والطاعة ﴿وَتَوَكَّلْ﴾ إلى الكفر.\nالمبرد: \" ﴿تَدْعُوا﴾ أي: تعذبُ يقال دعاه (٢) أي: عذَّبَه \" (٣).\n﴿وَجَمَعَ﴾: المالَ عن غيرِ حلِه.\n﴿فَأَوْعَى (١٨)﴾: جعله في الوعاء والكنوز ولم يؤدِ حقَّ الله تعالى منه.\n﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ﴾: اسم الجنس.\nخُلِقَ ﴿هَلُوعًا (١٩)﴾: ضجورًا بخيلًا منوعًا فزعًا جزعًا.\nمجاهد في جماعة: معنى الهلوع: ما فسره الله به، وهو قوله:\n﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ﴾: الضرُ والفقرُ.\n﴿جَزُوعًا (٢٠)﴾: جَزِعَ ولم يصبر.\n﴿وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ﴾: السعةُ والغنى.\n﴿مَنُوعًا (٢١)﴾: منعَ حقَّ الفقراء (٤).\n_________\n(١) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٩٣).\n(٢) في (ب) \" دعاه الله أي: عذبه \".\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) وهو قول ابن عباس - ﵄ -. [انظر: جامع البيان (٢٩/ ٧٨)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ١٧٣)، النُّكت والعيون (٦/ ٩٤)، تفسير البغوي (٨/ ٢٢٣)].","vol":"1","page":3370},{"text":"وأصل الكلمة: السرعة، تقول (١): نعامةٌ هالعةٌ، أي: مسرعةٌ، وناقةٌ هلواعٌ، أي: مسرعةٌ أيضا. وهذه الأوصافُ طبائعٌ لها كالشهوة.\nوقيل: حالاتٌ يصيرُ إليها، كقولهم: معه صقرٌ صائدًا به غدًا (٢).\n﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢)﴾: في الاستثناء ثلاثةُ أقوال:\nأحدهما: من قوله: ﴿تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى﴾ ﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾.\nوالثاني: أنَّه منقطع، أي: لكن ﴿الْمُصَلِّينَ﴾.\nوالثالث: من قوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾.\nمقاتل: \" الهلوع: دابةٌ من وراءِ جبلٍ قافٍ، تأكلُ كلَّ يومِ سبعَ صحاري من الحشيش، وتشربُ سبعَ بحار من ماء، لا تصبرُ مع الحرِ ولا مع البرد، تتفكرُ كلَّ ليلةٍ ماذا تأكل ... غدًا؟ فشبَّهَ الله الإنسانَ بها \" (٣).\nوقوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ﴾: أي: الصلوات الخمس.\n﴿دَائِمُونَ (٢٣)﴾: مداومونَ لا يشغلهم عنها شاغلٌ.\nوقيل: دائمونَ خاشعونَ.\nوقيل: لا يزيلونَ وجوههم عن سمتِ القبلة. وأصلُهُ السكون، ومنه: \"نهي عن البول في الماء الدائم \" (٤)، أي: الساكن.\n﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤)﴾: معينٌ، يعني الزكاة.\n_________\n(١) في (أ): يقول.\n(٢) انظر: تفسير الثعلبي (١٠/ ٣٩)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢٧٧)، لسان العرب (٨/ ٣٧٤)، مادة ... \" هَلَعَ \".\n(٣) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢٥٢)، قلت: وهو قول غريب بعيد \".\n(٤) وهذا النَّهي ثابت عن النبي - ﷺ -، فقد أخرج البخاري في صحيحه في كتاب الوضوء، باب الماء الذي يجري، ثم يغتسل منه \"، برقم (٢٣٩) عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «لا يبولنَّ أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري، ثم يغتسل فيه»، وأخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الطهارة، باب: النهي عن البول في الماء الراكد، برقم (٦٥٤)، ولفظه عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، ثم يغتسل منه».","vol":"1","page":3371},{"text":"وقيل: الصدقة وسائر أبواب البر سوى الزكاة.\n﴿لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (٢٥)﴾: قد سبق في الذاريات.\n﴿وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (٢٦)﴾: أي: يصدقونَ الأنبياءِ بسببِ إيمانِهم.\n﴿بِيَوْمِ الدِّينِ﴾: الجزاء والحساب، وهو: يوم القيامة.\nوقيل: التصديقُ به: العملُ بالطاعات.\n﴿وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٢٧)﴾: خائفونَ وجلونَ.\nالحسن: \" يشفقُ المؤمن أي: لا يقبلُ حسناته \" (١).\n﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ (٢٨)﴾: أن ينالَ من عصاه.\n﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٢٩)﴾: أي: يعفونَ عمَّا حُرِّمَ عليهم.\nالحسن ﴿لِفُرُوجِهِمْ﴾ لثيابهم حافظون فلا يكشفونها على مُحرَّم \" (٢).\n﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾: يعني الجواري.\nو﴿مَا﴾ بمعنى: مَن.\nوقيل: ﴿مَا﴾ المصدر أي: أو ملك يمينهم.\n﴿وعَلَى﴾ بمعنى: عن. كقول الشاعر (٣):\nإذا رضيتْ عليَّ بنو قشيرٍ. . . ... لعمرُ الله أعجبَني رضاها (٤)\nوقيل: محمولٌ على المعنى، أي: يلامونَ على ذلك إلَاّ على أزواجِهم وإيمائِهم (٥).\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (١٨/ ٣٢)، تفسير السمعاني (٣/ ٤٨٠).\n(٢) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢٥٣)، المحرر الوجيز (٥/ ٣٦٩).\n(٣) في (ب) \" قول الشاعر \".\n(٤) البيت نسبه في لسان العرب للقحيف العقيلي. [انظر: لسان العرب (١٤/ ٣٢٣)، مادة \" رَضِيَ \"، وانظر: جامع البيان (١/ ١٣١)].\n(٥) انظر: جامع البيان (١/ ١٣١)، تفسير الثعلبي (٧/ ٣٩) إملاء ما منَّ به الرحمن؛ للعكبري (٢/ ٩٥٠).","vol":"1","page":3372},{"text":"والفرج: عند العرب جميعُ ما بينَ الفخذين (١).\n﴿فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٣٠)﴾: على تركِ الحفظ.\n﴿فَمَنِ ابْتَغَى﴾: طلب منكحًا وَرَاءَ ﴿ذَلِكَ﴾: سوى الزوجة والجارية (٢).\nومعنى ﴿وَرَاءَ ذَلِكَ﴾: أي: الخارج عن الحد المذكور.\n﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٣١)﴾: المجاوزونَ (٣) من الحلال إلى الحرام.\n﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ﴾: أي: ما ائتمنهم الله تعالى عليه، وعاهدهم به من أحكام الشرع ظاهرًا وباطنًا، ولأماناتهم وعهودهم في ما بينهم.\n﴿رَاعُونَ (٣٢)﴾: حافظونَ غيرُ خائنينَ ولا ناقضين.\nقيل (٤): الأمانة: ما يدلُّ عليه العقول، والعهدُ: ما أتى به الرسول.\n﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ (٣٣)﴾: أي: يقول: لا إلهَ إلَاّ الله (٥).\nوالجمهور: على أنَّ المعنى: يقيمونَ على ما استشهدوا عليه عندَ الحكام من غير ميلٍ إلى قريبٍ وبعيدٍ ووضيعٍ وشريفٍ (٦) (٧).\n﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٣٤)﴾: كررَ ذكر (٨) الصلاةَ تأكيدًا لها.\nوقيل: أحدها (٩) للفرض، الثانية للنفل (١٠).\n_________\n(١) انظر: لسان العرب (٢/ ٣٤١)، \" مادة فَرَجَ \".\n(٢) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٨٤)، تفسير الثعلبي (٧/ ٣٩).\n(٣) في (ب) \" المجازون \".\n(٤) في (أ) \" وقيل \".\n(٥) انظر: المحرر الوجيز (٥/ ٣٦٩)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢٧٩).\n(٦) في (ب) \" شريف ووضيع \".\n(٧) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٨٤)، تفسير البغوي (٨/ ٢٢٤)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢٧٩)، تفسير النسفي (٤/ ١٢٦٢)، تفسير القرآن العظيم (٤/ ٤٥٠).\n(٨) \" ذِكر \" ساقطة من (ب) \".\n(٩) في (أ) \" أحدهما \".\n(١٠) انظر: تفسير النسفي (٤/ ١٢٦٢)، البحر المحيط (١٠/ ٢٧٦).","vol":"1","page":3373},{"text":"﴿أُولَئِكَ﴾: أي: أهلُ هذهِ الصفات.\n﴿فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ (٣٥)﴾: بثواب الله فيها.\n﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ﴾: نحوكَ ﴿مُهْطِعِينَ (٣٦)﴾: مسرعين.\nوالإهطاع: الإسراع\nالحسن: إنَّما أنكرَ عليهم الإسراع قبله؛ لأنهم أسرعوا ليأخذوا الحديثَ (١) منه، ثمَّ يتفرقوا عزين بالتكذيب عليه يأخذونَ يمينًا وشمالًا (٢).\nوقيل: ﴿مُهْطِعِينَ﴾: ناظرينَ إليكَ عن اليمين وعن الشمال غير مطرقين.\nوقيل: ﴿مُهْطِعِينَ﴾ مشرئبين إليك (٣).\nوقيل: مقبليَن بأبصارهم إليكَ لا يزيلونها، ينظرون إليك نظرَ عداوةٍ؛ لأنهم كانوا كفارًا.\nوالآية نزلت في المستهزئين منهم (٤).\nوقيل: في المنافقين، كانوا يجتمعونَ إليه ويسارعونَ في الكفر (٥).\nوقالَ بعضُ المتأخرين: الظاهر أنَّها نزلت في نفرٍ من الكفار قبلت قلوبُهم صدقَ النبي - ﷺ - وكانوا يسرعونَ نحوهُ ويقصدونَ مجلسَهُ ويتحلَّقونَ حواليه ولا يؤمنونَ به، إما حياءً عن الرجوع عن دينِ آبائهم، وإما مساعدةً لعشائرهم، وكانوا يطمعونَ في دخول الجنَّة بالعذر الذي كانَ منهم (٦).\nقوله: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ﴾: أي: عن يمين النبيِّ - ﷺ - وشمالِه.\n﴿عِزِينَ (٣٧)﴾: جماعات حلقًا حلقًا، وأصلُه: من عزاه يعزو، أي: إضافة إلى غيره، وأصلُه عزوة، جُمع جَمع السلامة للخبر (٧) (٨).\nو﴿مُهْطِعِينَ﴾: حالٌ، والعاملُ فيه اللام، ﴿وعِزِينَ﴾: حالٌ، والعامل فيه الإهطاع. وقيل: بدل من الأوَّل. وقيل: صفةٌ للأوَّل. وفيه ضعف. وقيل: ﴿قِبَلَكَ﴾ حال.\n﴿أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (٣٨)﴾: مَن حملَهُ على الكفار قال: كانوا يقولون: لئن كانَ ما يقولُ محمد وأصحابه حقًا لنحنُ أفضلُ فيها حظًا منهم، كما لنا الفضلُ عليهم في الدنيا.\nومن حمله على المنافقين: فلأنَّهم زعموا أنَّهم مؤمنونَ يرجونَ ما يرجو المؤمنون.\nومن حمله على القول الأخير: فقد سبق (٩).\n﴿كَلَّا﴾: ردع وزجر. وقيل: تأكيد.\n﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ (٣٩)﴾: أي: من تراب. وقيل: من مَنِي قذر.\nقتادة: \" خُلقتَ يا ابن آدم من قذر، فاتَّقِ الله \" (١٠).\nوقيل: تقديرُهُ: من أَجْلِ ما يعلمونَ، وهو المجازاة على الأعمال إساءةً وإحسانًا فحذف أَجْلُ.\nوقيل: ﴿مَا﴾ بمعنى من، أي: مِن مَن يعلمون، أي: من العقلاء لا من البهائم والجماد. وقيل: خلقناهم من نطفة فهل يستوجبون على الله شيئًا من غير طاعة؟\nوقيل: ﴿خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ﴾ فلمْ (١١) يتجبرون ويتكبرون (١٢).\n_________\n(١) في (أ) \" ليأخذوا الحديث عنه \".\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٨٤)، النُّكت والعيون (٦/ ٩٦)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢٨٠).\n(٤) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٣٣٩)، أسباب النزول؛ للواحدي (ص: ٣٦٢).\n(٥) انظر: الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢٨٠).\n(٦) لم أقف على من ذهب إلى هذا القول.\n(٧) في (ب) \" للجبر \".\n(٨) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٨٥)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ١٧٤)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢٨٠).\n(٩) أي توجيه القول.\n(١٠) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٨٧)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٥/ ٢٤).\n(١١) في (أ) \" فلا \".\n(١٢) في (أ) \" ولا يتكبرون \".","vol":"1","page":3374},{"text":"وقيل: تم الكلام على قوله: ﴿كَلَّا﴾ ثمَّ ذكر إنكارَهم البعث وقدرته على الإعادة، فقال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ﴾.\nويحتملُ - والله أعلم - أنَّ ﴿مَا﴾ بمعنى \" مَن \"، كما قد قيلَ في الآية وفي غيرها، ويكون المراد به آدم - ﵇ -.\nوالمعنى: أيطمعُ هؤلاءِ مع كفرهم ومعاصيهم أن يدخلوا الجنَّةَ وقد أخرجنا آبائهم منها بمعصيةٍ ﴿كَلَّا﴾ لا تطمعوا فيها (١). والعلم عند الله.\n﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾: سبق.\n﴿إِنَّا لَقَادِرُونَ (٤٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ﴾: على أن نهلكَهم حيَن عصوكم ونأتي بخلقٍ أمثلَ منهم وأطوعَ لله تعالى وأرضى منهم.\n﴿وَمَانَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٤١)﴾: بمغلوبين إن أردنا ذلكَ.\nوقيل: ﴿لَقَادِرُونَ (٤٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ﴾ (٢) محمدًا خيرًا منهم، وهم (٣) أهلُ المدينة، وقد فعل.\n﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾. عاجزين؛ لأن من سبقَ إلى شيءٍ فقد عجز. وحقيقةُ السبق: التقدم إلى الشيء.\n﴿فَذَرْهُمْ﴾: دعوهم (٤)، أمرُ تهديدٍ لهم.\nقيل: منسوخٌ بالقتال.\n﴿يَخُوضُوا﴾: في الباطل.\n﴿وَيَلْعَبُوا﴾: يلهو (٥) في دنياهم.\n﴿حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٤٢)﴾: فيه العذاب.\nقيل: يومَ بدر.\nوقيل: يومَ البعث (٦).\n﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا﴾: إلى الداعي، جمعُ سريع، والفعلُ منه أسرع.\n﴿كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ﴾: قرئ ﴿نَصْبٍ﴾ بفتح النون وسكون الصاد.\nوفي تفسيره ثلاثة أقوال: أحدها: صنمٌ وكانوا يسارعون إلى عبادته.\nوقيل: حجارةٌ طوال كانوا يعبدونها.\nالحسن: \" كانوا يبتدرونَ إلى الصنم أيهم يستلمُهُ أولًا \" (٧).\nوالثاني: إلى علم.\nوالثالث: إلى غاية.\nوقرئ ﴿نُصُبٍ﴾ بضمتين (٨).\nوالظاهر إنه الصنم، كقوله (٩): ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣].\nوقيل: جمع نصب كَرَهن ورُهن (١٠).\n_________\n(١) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢٥٤).\n(٢) في (ب) \" وقيل: القادرون \".\n(٣) في (أ) \" وهو أهل \".\n(٤) في (أ) \" دعهم \".\n(٥) في (أ) \" ويلهو \".\n(٦) في (ب) \" يوم بعث \".\n(٧) انظر: تفسير البغوي (٨/ ٢٢٦)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢٨٥).\n(٨) في (ب) \" وقرئ بضمتين \".\n(٩) في (أ) \" لقوله \".\n(١٠) قرأ ابن عامر وحفص عن عاصم ﴿إِلَى نُصُبٍ﴾: بضم النون والصاد، وقرأ الباقون ﴿إِلَى نَصْبٍ﴾ بفتح النون وسكون الصاد. [انظر: القراءة وتوجيهها: السَّبعة (ص: ٦٥١)، معاني القراءات (ص: ٥٠٥)، الحُجَّة (٦/ ٣٢٢)، تفسير الثعلبي (١٠/ ٤٢) النكت والعيون (٦/ ٩٧)].","vol":"1","page":3375},{"text":"﴿يُوفِضُونَ (٤٣)﴾: يسرعونَ. والإفاضةُ: الإسراع (١).\n﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ﴾: محزونيَن مفكرينَ فيما دهاهم.\n﴿تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾: تغشاهم وتعلوهم هوانٌ. وقيل: ذلٌّ.\n﴿ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (٤٤)﴾: أي: في الدنيا وهم يكذبون. والله أعلم.\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٩٠)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ١٧٤).","vol":"1","page":3376},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-177>سورة نوح </span>(١) (٢)\nثماني وعشرون آية (٣) (٤) مكية (٥)\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾: قتادة: \" أرسلَ من جزيرة\" (٦).\nأنس - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنَّه قال: \" هو أولُ نبيٍّ بعثَ \" (٧).\nابن عباس - ﵄ -: \" بعثَ وهو ابن أربعينَ سنة \" (٨).\nوقيل: ابن ثلاثمائة وخمسينَ سنة. وقيل: ابن أربعمائة وثمانين سنة (٩)، ولبثَ فيهم ألفَ سنةٍ إلا خمسين عامًا، وعاشَ بعد الطوفان تسعينَ سنةٍ. وقد سبق.\nونوح: اسمٌ أعجمي صرفَ لخفتهِ (١٠).\nومعناهُ في السُّريانية: \" السَّاكن \" (١١).\nومعنى الآية: أرسلنا نوحًا إلى قومهِ كما أرسلناكَ إلى قومكَ.\n_________\n(١) في (أ) \" سورة النوح \".\n(٢) وبه سُمِّيت في المصاحف وكتب التفسير لذكر نوح - ﵇ - في أول وآخر السورة، وترجمها البخاري في كتب التفسير من صحيحه بترجمة \" سورة إنَّا أرسلنا نوحًا \". [انظر بصائر ذوي التمييز (١/ ٤٨٢)، التحرير والتنوير (٢٩/ ١٨٥)].\n(٣) \" ثماني وعشرون آية \" ساقطة من (ب).\n(٤) وهذا على عدِّ أهل الكوفة، وتسع وعشرون على عدِّ البصري والشامي، وثلاثون آية في المدنيين والمكي ... [انظر: البيان؛ للداني (ص: ٢٥٥)، جمال القراء (٢/ ٢٥٥)، بصائر ذوي التمييز (١/ ٤٨٢)].\n(٥) بإجماع من المفسرين كما حكاه ابن عطية في المحرر الوجيز (٥/ ٣٧٢)، وابن الجوزي في زاد المسير (٨/ ١٢٣).\n(٦) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٩٨).\n(٧) انظر: تفسير السمعاني (٤/ ١٧١).\n(٨) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٩٨)، تفسير السمعاني (٦/ ٥٣).\n(٩) \" سنة \" ساقطة في (ب).\n(١٠) انظر: إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٥/ ٢٦)، المحرر الوجيز (٥/ ٣٧٢).\n(١١) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٤٠١)، تفسير الثعلبي (١٠/ ٤٧).","vol":"1","page":3377},{"text":"﴿أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ﴾: خوّفهم عقابَ الله.\nوالتقدير: أن أنذرهم، فحذفَ الجارُ، ومحله عند الخليل خَفْضُ، وعند غيره نصب.\nوقيل: ﴿أَنْ﴾ هي المفسرة بمعنى: أي (١).\nوذكر المبرد: \" أنَّها المخفّفة من المثقلة (٢) \" (٣). وكذلك القول في الثانية (٤).\n﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١)﴾: قيل: عذاب الآخرة (٥).\nوقيل: الطوفانُ والغرقُ (٦).\n﴿قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ﴾: مخوّفٌ.\n﴿مُبِينٌ (٢)﴾: ظاهر. وقيل: أبينُ لكم رسالةَ الله تعرفونها.\n﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾: وحدوهُ.\n﴿وَاتَّقُوهُ﴾: واحذروا عصيانَهُ وعقابَهُ.\n﴿وَأَطِيعُونِ (٣)﴾: فيما آمركم به وأنهاكم عنه.\nوأسندَ الإطاعة إلى نفسه؛ لأنَّ الإجابة كانت تقعُ له في الظاهر، ولأنَّ طاعةَ الرسول ... طاعةً الله.\n_________\n(١) انظر: الكتاب، لسيبويه (١/ ٤٦٤)، جامع البيان (٢٩/ ٩٠)، مشكل إعراب القرآن؛ لمكي (٢/ ٧٦٠)، غرائب التفسير (٢/ ١٢٥٥).\n(٢) في (ب) \" المُحَقَّقَة \".\n(٣) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢٥٥).\n(٤) أي: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾.\n(٥) في (ب) \" عذاب في الآخرة \".\n(٦) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٩٨)، تفسير السَّمعاني (٦/ ٥٣)، قال ابن عطية: \" والعذاب الذي توعدوا به يحتمل أن يكون عذاب الدنيا، وهو الأظهر والأليق بما يأتي بعد، ويحتمل أن يكون عذاب الآخرة \" [المحرر الوجيز (٥/ ٣٧٢)].","vol":"1","page":3378},{"text":"﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾: في ﴿مِنْ﴾ أربعةَ أقوال:\nأحدها: أنَّه للتبيين، كقوله: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠].\nوالثاني: صلة، أي: ذنوبكم (١).\nوالثالث: للتبعيض، أي: ما سبقَ من ذنوبكم.\nوقيل: بحسب ما يقعُ من الإقلاع عنها.\nالرابع: أنَّ التقدير: يخرجكم من ذنوبكم (٢).\n﴿وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾:\nالزجاج: \" ﴿وَيُؤَخِّرْكُمْ﴾ عن العذاب فتموتوا غير ميتة المستأصلين بالعذاب \" (٣).\nالفَرَّاء: \" ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾، أي: إلى أجل تعرفونه كذلك (٤) \" (٥).\nوقيل: يؤخر (٦) آجالكم فلا يغرقكم إلى الأجل الذي كتبَ (٧) \" (٨).\nوقيل: وعدهم أجلًا يعطيهم إن آمنوا، وعلمَ أنهم لا يؤمنون (٩).\nالحسن: \" أي: إن (١٠) آمنتم بي أُخِّرتُم بعدَ ذلك إلى يوم القيامة لا يؤاخذكم بذنب في الدنيا \" (١١).\n_________\n(١) في (أ) \" أي: بعض ذنوبكم \".\n(٢) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ١٧٧)، النُّكت والعيون (٦/ ٩٩)، المحرر الوجيز (٥/ ٣٧٢) الجنى الداني في حروف المعاني؛ للمرادي (ص: ٣٠٨).\n(٣) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ١٧٧).\n(٤) كلمة \" كذلك لم يوردها الفرَّاء، واتصالها بما بعدها غير ظاهرٍ.\n(٥) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ١٨٧).\n(٦) في (أ) \"ويؤخر آجالكم \" بالواو.\n(٧) في (أ) \" كتب لكم \".\n(٨) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ١٨٧)، جامع البيان (٢٨/ ٩١).\n(٩) انظر: تفسير البغوي (٨/ ٢٧٧).\n(١٠) في (أ) \" أي: آمنتم \" بدون إن.\n(١١) لم أقف عليه.","vol":"1","page":3379},{"text":"ابن عيسى: \" في الآية دليلٌ على إثبات أجلين؛ لأن الوعدَ بالأجل المسمى مشروطٌ في بالعبادة (١) والتقوى فلما لم يقع اقتلعوا بعذاب الاستئصال قبلَ الأجل الأقصى \" (٢). والله أعلم.\n﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ﴾: بحلول العذاب، وبالموت.\n﴿لَا يُؤَخَّرُ﴾: وقيل: أجل الله القيامة (٣).\n﴿لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤)﴾: جوابُهُ، أي: لآمنتم.\nوقيلَ: \"لو كنتم تعلمونَ لعلمتم (٤) ذلك \" (٥).\n﴿قَالَ﴾: يعني نوحًا - ﵇ - يشكوا إلى الله ما قاساهُ من قومه ﴿رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (٥)﴾: أي: واصلتُ الدعوةَ.\nوقيل: دعوتُهم أحيانًا بالليل وأحيانًا بالنهار.\nوقيل: معناه سرًَّا وعلانيةً (٦).\nوجاء في التفسير: \" إنَّه كانَ يأتي بابَ أحدهم ليلًا فيقرعُ البابَ فيقول صاحبُ الدار: مَن على الباب؟ فيقول: أنا نوح، قل لا إله إلا الله \" (٧).\nوقيل: المرادُ بالليل والنهار فُرادى وجماعات.\n﴿فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (٦)﴾: أي: لم يزدادوا إلَاّ تماديًا في الغي وأعراضًا، ونسبَ ذلك إلى دعائه، لمَّا ازدادوا عنده (٨).\n_________\n(١) في (ب) \" في العبادة \".\n(٢) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢٥٦).\n(٣) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٩٩)، زاد المسير (٨/ ١٢٤).\n(٤) في (ب) \" لعلمهم \".\n(٥) وهو قول الحسن. [انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٩٩)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢٨٧)].\n(٦) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ١٨٧)، النُّكت والعيون (٦/ ١٠٠).\n(٧) لم أقف عليه.\n(٨) انظر: تفسير البيضاوي (٢/ ٥٢٩)، البحر المحيط (١٠/ ٢٨١).","vol":"1","page":3380},{"text":"﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ﴾ أي: دعوتُهم إلى الإيمان ليؤمنوا فتغفرَ لهم (١).\n﴿جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ﴾: أي: سدُّوا آذانهم كراهةَ استماعِ محاورتي ودعائي إيّاهم إلى الله.\n﴿وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ﴾: غَطّوا (٢) رؤوسهم بثيابهم كَيْلا يروني فضلًا عن سماع كلامي وقبولِ وعظي.\nوقيل: ﴿وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ﴾: تنكروا عني حتى لا أعرفَهم (٣).\nالحسن: \" نفضوا ثيابَهم وقاموا عني \" (٤).\n﴿وَأَصَرُّوا﴾: أقاموا (٥) على كفرهم (٦).\nالحسن: \" أصرَّ على الذنب: إذا أذنبَ عمدًا \" (٧).\n﴿وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (٧)﴾: تعظَّموا، وأخذتهم العزةُ عن قبول كلامي، وترفعوا عن الإذعان للحق، فقالوا: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١١].\n﴿ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (٨)﴾: ظاهرًا يرى بعضهم بعضًا.\n_________\n(١) في (أ) \" فيغفر لهم \".\n(٢) في (ب) \" وغطوا \".\n(٣) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ١٧٨)، النُّكت والعيون (٦/ ١٠٠). قال أبو حيَّان: \" الظاهر أنه حقيقة سَدُّوا مسامعهم حتى لا يسمعوا ما دعاهم إليه، وتغطّوا بثيابهم حتى لا ينظروا إليه كراهةً وبغضًا من سماع النصح ورؤية الناصح، ويجوز أن يكون كناية عن المبالغة في إعراضهم عن ما دعاهم إليه، فهم بمنزلة من سدَّ سمعه ومنع بصره \". [البحر المحيط (١٠/ ٢٨١)].\n(٤) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢٥٦).\n(٥) في (ب) \" قاموا \".\n(٦) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ١٧٨)، النُّكت والعيون (٦/ ١٠٠).\n(٧) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ١٠٠).","vol":"1","page":3381},{"text":"﴿ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ﴾: أي: أعلنتُ الدعاءَ لبعضٍ.\n﴿وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (٩)﴾: أي: لبعضٍ.\nوقيل: أعلنتُ (١) أحيانًا وأسررتُ أحيانًا.\nوقيل: أعلنتُ لمن أسررتُ وأسررتُ لمن أعلنتُ (٢).\nوفي بعضِ التفاسير: أنَّ نوحًا - ﵇ - لمَّا بلغَ قومه رسالة الله وآذوه (٣) إيذاءً شديدًا حتى كانوا يضربونه في اليوم مرات عيلَ صبره وسألَ الله (٤) أن يواريهِ عن أبصارهم ويسترهُ عن أعينهم بحيث يسمعونَ كلامه ولا يرونهُ فينالوهُ بمكروه، ففعل الله ذلك به فدعاهم كذلك زمانًا، فلم يؤمنوا فسألَ الله تعالى أن يعيدهُ إلى ما كان، وهو قوله ﴿ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا﴾ (٥) وهذا غريب. والله أعلم.\nوالمعنى: بالغتُ في طلبِ نجاحهم وتعجيلِ فلاحهم، وذهبت فيه كل مذهب، فلم ينتفعوا به بل أصروا على الكفر والعصيان واستكبروا عن قبول الإيمان.\n﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠)﴾: لمَّا دعاهم نوح - ﵇ - إلى الإيمان زمانًا طويلًا فلم يؤمنوا وكذبوه، حبس الله عنهم القطر أربعين سنة، وأعقم أرحام نسائهم فيها، فقال لهم نوح - ﵇ - لحرصهم على الدنيا وركونهم إليها: استغفروا ربَكم عن ذنوبكم بإيمانكم (٦).\n﴿إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠)﴾ دائم الغفران.\n﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ﴾: أي: المطر.\n﴿عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾: دريرًا كثيرًا دائمًا (٧).\n﴿وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ﴾: يزدكم أموالًا وأولادًا ذكورًا.\n﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ﴾: بساتينَ وأشجارًا.\n﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (١٢)﴾: مياهًا جاريةً في اتساع.\n﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣)﴾: ابن عباس - ﵄ -: \"لا ترون لله عظمةً \" (٨).\nالأخفش: \" لا تخافونَ لله عظمةً \" قال: \" والرجاءُ ها هنا: خوفٌ، والوقار: عظمةٌ \" (٩).\nقتادة: \"لا ترجونَ لله عاقبةً \" (١٠).\nالزجاج: \" ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ﴾: \" عاقبةَ الإيمانِ ولا توحدونَ الله وقد جعلَ لكم من أنفسكم آيةً تدلُ على التوحيد من خلقهَ إياكم أطوارًا \" (١١).\nالحسن: \"ما لكم لا تشكرونَ لله نِعَمَهُ، ولا تعرفونَ له حَقًا \" (١٢).\nابن بحر: معناه (١٣): مالكم لا تعتقدونَ تثبيت الله وتوحيدهُ وقد نصبَ الأدلة \". قال: والوقارُ: الثبات \" (١٤).\nابن زيد: \" لا تلزمونَ لله طاعةً \" (١٥).\n_________\n(١) في (أ) \" أعلنت الدعاء أحيانًا \".\n(٢) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ١٠١)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢٨٨).\n(٣) في (أ) \" فآذوه \".\n(٤) في (أ): فسأل الله.\n(٥) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢٥٦).\n(٦) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٤٠٢)، النُّكت والعيون (٦/ ١٠١)، تفسير البغوي (٨/ ٢٣٠).\n(٧) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ١٧٨)، البحر المحيط (١٠/ ٢٨٢).\n(٨) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٩٤)، تفسير البغوي (٨/ ٢٣١).\n(٩) انظر: معاني القرآن؛ للأخفش (ص: ٢٩٧).\n(١٠) انظر: تفسير الصنعاني (٣/ ٣١٣)، جامع البيان (٢٩/ ٩٥).\n(١١) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ١٧٩).\n(١٢) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ١٠١).\n(١٣) \" معناه \" ساقطة من (ب).\n(١٤) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ١٠١)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢٩١).\n(١٥) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٩٥)، النُّكت والعيون (٦/ ١٠١).","vol":"1","page":3382},{"text":"وقد ذهبَ بعضهم إلى: أنَّ الوقارَ صفةٌ لله. قال: ومعنى: وقار الله: سعةُ علمه وعظمةُ عفوه وجوده (١).\nابن عيسى: \" الوقار ها هنا: العظمة وسعة المقدور \" (٢). وأنكره بعضهم، وقال: الوقارُ من صفة الهيئة والله سبحانه منزه عنهما (٣).\nويحتملُ بأن (٤) لله صفة لقوله (٥) ﴿وَقَارًا﴾ على ما فسِّر، ثم تقدمَ عليه وانتصبَ على الحال، ويحتملُ أن اللام زيادة، ﴿وَقَارًا﴾ مفعول له، أي: لا تخافونَ الله توقيرًا. والله أعلم.\n﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (١٤)﴾: نطفةً ثم علقةً إلى تمامِ الخلق.\nوقيل: أرادَ بالأطوار اختلاف الأحوال حالًا بعد حال.\nوالطَّور: الحال. والطَّور: المرة.\nوقيل: ﴿أَطْوَارًا﴾ أنواعًا مختلفي الأخلاق والمناظر (٦).\n﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا (١٥)﴾: بعضها على بعض. الحسن: \" كلُّ سماءٍ طبقٌ لأرضها، الأولى للأولى (٧) والثانية للثانية، ثم على الوِلاء (٨) \" (٩).\nوطباقًا: جمع طَبق (١٠): وهي صفةٌ لسبع (١١).\n_________\n(١) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢٥٧).\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) الأصل في صفات الله تعالى أنَّها توقيفية، فلا نصف الله تعالى إلا بما وصف به نفسه، أو وصفه به ... رسوله - ﷺ -.\n(٤) في (أ) \" ويحتمل أن \".\n(٥) في (أ) \" كقوله \".\n(٦) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ١٠٢)، زاد المسير (٨/ ١٢٥)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢٩١).\n(٧) \" للأولى \" ساقطة في (أ).\n(٨) وِلاءً: تباعًا [انظر: لسان العرب (١٥/ ٤٠٥) مادة \" وَلِيَ \"].\n(٩) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ١٠٢)\n(١٠) \" طبق \" ساقطة في (أ).\n(١١) في (أ) \" صفة السبع \".","vol":"1","page":3383},{"text":"وقيل: نصب على المصدر، أي: طابقها طباقًا، وقيل: حال (١).\n﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾: أي: في أحديهن، وهي السَّماء الدنيا، كما قال الله - تعالى -: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ﴾ [النحل: ١٥]، أي: في بعضها (٢).\nوقيل: ﴿فِيهِمْ﴾ ظرف لنورِ القمرِ، لا لجرم القمر.\nوقيل: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ﴾ أي: بيَن السَّماء والأرض؛ [لأن القمر ضوؤه بين السَّماء والأرض] (٣)، وليس له ضوءٌ في سائر السماوات (٤).\nوقال بعضهم: لا نورَ لجرم (٥) القمر. والقَمرَآء شعاعُ الشمس انعكسَ عن القمر (٦).\nوقيل: وجعلَ القمرَ معهن نورًا (٧).\n﴿وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (١٦)﴾: مصباحًا، والتقدير: وجعلَ الشمسَ (٨) سراجًا فيهن، فحذفَ لأنَّ الأوَّل يدلُّ عليه (٩).\nوفي التفسير: أنَّ وجهَ الشمس يضيءُ لأهلِ الأرض وقفاها لأهل السموات، وكذلك القمر (١٠).\nوعن ابن عمر - ﵄ -: على الضدِّ (١١).\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ١٧٩)، مشكل إعراب القرآن؛ لمكي (٢/ ٧٦١)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢٩١).\n(٢) وهو رأي بعض نحاة البصرة. [انظر: معاني القرآن؛ للأخفش (ص: ٢٩٨)، جامع البيان (٢٩/ ٩٧)].\n(٣) ما بين المعقوفتين ساقط من (ب).\n(٤) وهو بمعنى قول عطاء. [انظر: النُّكت والعيون (٦/ ١٠٢)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢٩٢)].\n(٥) في (أ) \" في جرم القمر \".\n(٦) انظر: لسان العرب (٥/ ١١٣)، مادة \" قَمَرَ \".\n(٧) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٤٠٢)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢٩٢).\n(٨) في (ب) \" جعل الشمس \".\n(٩) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢٥٧)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢٩٢).\n(١٠) وهو مروي عن عبد الله بن عمرو وابن عبَّاس - ﵄ -. [انظر: جامع البيان (٢٩/ ٩٦)، معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ١٨٨)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ١٧٩)].\n(١١) انظر: تفسير الثعلبي (١٠/ ٤٥)، الجامع لأحكام القرآن (٢٩٢).","vol":"1","page":3384},{"text":"وأجمعوا على أنَّ الشمسَ في السَّماء الرابعة (١). والله أعلم.\n﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧)﴾: أي: خلقَ آدم من ترابٍ وأنتم أولاده. وقيل: جعلَ نشأكم ونمَّاكم بالغذاءِ الذي من الأرض (٢).\nو﴿نَبَاتًا﴾: مصدر أنبتَ بحذف الزوائد.\nوقيل: تقديره: تنبتون (٣) نباتًا (٤).\n﴿ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا﴾: بعد الموتِ والبلى.\n﴿وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا (١٨)﴾: أي: من الأرض للبعث والجزاء، وأكدَ بالمصدر، أي: أيَّ إخراجٍ.\n﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (١٩)﴾: مبسوطةً.\n﴿لِتَسْلُكُوا مِنْهَا﴾: لتنصرفوا عليها مجيئًا وذهابًا.\n﴿سُبُلًا فِجَاجًا (٢٠)﴾ ﴿سُبُلًا﴾: أي (٥) طرقًا بينه.\nوقيل: طرقًا مختلفة.\nوقيل: واسعةً. وقيل: بعيدةً.\n_________\n(١) لم أقف على من ذكر هذا الإجماع، وقد أورد هذا القول الكرماني في غرائب التفسير (٢/ ١٢٥٧)، قال أبو حيَّان: \" ولم تقيد الشَّمس بظرفٍ، فقيل: هي في الرابعة، وقيل: في الخامسة، وقيل: في الشتاء في الرابعة، وفي الصيف في السابعة، وهذا شيء لا يوقف على معرفته إلا من علم الهيئة، ويذكر أصحاب هذا العلم أنه يقوم عندهم البراهين القاطعة على صحة ما يدعونه، وأن في معرفة ذلك دلالة واضحة على عظمة الله وقدرته وباهر مصنوعاته \" [البحر المحيط (١٠/ ٢٨٤)].\n(٢) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ١٠٢)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢٩٢).\n(٣) في (أ) \" وتنبتون \".\n(٤) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ١٧٩)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢٩٢).\n(٥) \" ﴿سُبُلًا﴾ أي \" ساقطة في (ب).","vol":"1","page":3385},{"text":"وقيل: السُّبل: الطرق، والفجِاج: ما يتشعبُ منها (١).\n﴿قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي﴾: فيما أمرتَهم به من التوبة والإيمان.\n﴿وَاتَّبَعُوا﴾: أي: تبعت السفلة.\n﴿مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا (٢١)﴾: خسرانًا وهلاكًا لأنَّه لم يقم بشكر ما أنعمتَ عليه.\nقُرِئ (٢): ﴿وَلَدُهُ﴾ بفتحتين، و﴿وُلْدُه﴾ بالضم والسكون (٣).\nوقيل: هما لغتان كالحَزنِ والحُزْنِ.\nوقيل: الوَلَد بالفتح: واحد، وبالضم: جمع، كالأسد والأُسدَ.\nوقيل: الوَلدُ بالفتح: للصلب، وبالضم: العشيرة والقوم.\nفمن جعله جمعًا قال: الهاء يعود إلى ﴿مَنْ﴾ وهو جمع المعنى.\nومن وحّدَ وأضافَ إلى الجمع جعله كقوله: في بطنكم وخلقكم \" (٤).\n﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (٢٢)﴾: جعلوا لله شريكًا وصاحبة وولدًا.\nو﴿كُبَّارًا﴾ أبلغ من كبارٍ بالتخفيف، ﴿كُبَّارًا﴾ أبلغُ من كبير (٥).\n﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾: أي: عبادتِها.\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٩٧)، النُّكت والعيون (٦/ ١٠٣).\n(٢) في (أ) \" وقرئ \".\n(٣) قرأ نافع وعاصم وابن عامر ﴿وَلَدُهُ﴾ بفتح الواو واللام، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي: ﴿وُلْدُه﴾ بضم الواو وسكون اللام. [انظر: جامع البيان (٢٩/ ٩٨)، السَّبعة (ص: ٦٥٢)، معاني القراءات (ص: ٥٠٧)].\n(٤) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ١٧٩)، معاني القراءات (ص: ٥٠٧)، الحُجَّة (٦/ ٣٢٥)].\n(٥) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٩٨)، النُّكت والعيون (٦/ ١٠٣).","vol":"1","page":3386},{"text":"﴿وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣)﴾ هذه أسماءٌ لقومٍ صالحين كانَ الناسُ يقتدونَ بهم بين آدم ونوح [- ﵉ -، فلما ماتوا صورهم ليكون ذلك أدعى لهم إلى العبادة وأبعد من النسيان، فيتمثلوا بما كانوا يدعونهم إليه، فلما طالَ الزمان عُبدوا من دون الله إلى زمان نوح - ﵇ -] (١)، ثم بعد الطوفان وهلاك ... قوم نوح (٢) صارت إلى العرب، فعبدوها كما كان يعبد قوم نوح ومن كان قبلهم (٣).\nوكان ودّ لِكَلْب (٤) (٥)، والفتح والضم فيه لغتان (٦).\nمجاهد: \"ودّ: صورة شيت (٧)، وسواع: لهمدان (٨)، ويغوث: لِمَذْحِج (٩)، ويعوق: لكِنانة (١٠)، - وهما لا يصرفان لوزن الفعل والتعريف (١١) -، ونَسر: لِحِمْيَر (١٢) \" (١٣).\n_________\n(١) ما بين المعقوفتين ساقط من (ب).\n(٢) \" نوح \" ساقطة من (ب).\n(٣) انظر: تفسير الصنعاني (٣/ ٣٢٠)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ١٨٠)، النُّكت والعيون (٦/ ١٠٤)، تفسير القرآن العظيم (٤/ ٤٥٤).\n(٤) كَلْبْ: تنسب إليه عدَّة قبائل، أشهرهم كلب بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن الحاف بن قضاعة: جد جاهلي، حيثما أطلق لفظ \" الكلبي \" فالنسبة إليه، من نسله بنو كلدة وبنو أوس وبنو ثور وبنو رفيدة.\nمن منازلهم القديمة \" صوأر \" فوق الكوفة مما يلي الشام، وكانوا ينزلون دومة الجندل وتبوكًا وأطراف الشام وصنمهم في الجاهلية \" ود \" نصبوه بدومة الجندل، وكانت لهم في أوائل القرن الثالث للهجرة خفارة الطريق على البر بالسماوة، فيما بين الكوفة ودمشق، على طريق تدمر وغيرها. [انظر: الأنساب؛ للسمعاني (٥/ ٨٥)، الأعلام؛ للزركلي (٥/ ٢٣٠)].\n(٥) انظر: تفسير الصنعاني (٣/ ٣٢٠)، النُّكت والعيون (٦/ ١٠٤).\n(٦) وهما قراءتان صحيحتان، فقد قرأ نافع وحده قرأ نافع وحده ﴿وُدًَّا﴾ بضم الواو، وقرأ الباقون ﴿وَدًّا﴾ بفتح الواو. [انظر: جامع البيان (٢٩/ ٩٩)، السَّبعة (ص: ٦٥٣)، الحُجَّة (٦/ ٣٢٧)].\n(٧) أي شيت بن آدم - ﵇ - كما زعموا.\n(٨) هَمدان: قبيلة عربية تنسب لهمدان بن مالك بن زيد بن أوسلة بن ربيعة بن الخيار بن مالك بن زيد ... ابن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، وهم بطون كثيرة منها سبيع ويام ومرهبة وأرحب، وفي كل بطن جماعة، وكانت منازل بنيه في شرقي اليمن، ونزل كثير منهم، بعد الإسلام، في بلاد الحجاز وغيرها. [انظر: الأنساب؛ للسمعاني (٥/ ٦٤٧) الأعلام؛ للزركلي (٨/ ٩٤)].\n(٩) مَذْحِج: قبيلة من اليمن تنسب لِمَذْحَج، واسمه مالك بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان ابن سبأ، من القحطانية، من نسله قبائل (سعد العشيرة) و(عنس) و(مراد) و(نخع) وبنو (عبد المدان) و(زبيد) والحارثيون (ملوك نجران، بنو الحارث ابن كعب) وآخرون، وكانت تلبية مذحج في الجاهلية إذا حجوا: \" لبيك رب الشعرى، ورب اللات والعزى \"، وكان صنمهم (يغوث) قاتلهم عليه بنو غطيف، فهربوا به إلى نجران [انظر: الأنساب؛ للسمعاني (٥/ ٢٤٠)، الأعلام (٧/ ١٩٨)].\n(١٠) كِنانة: انتسبت إليه عِدَّة قبائل عربية، أشهرها المنسوبة إلى كِنانة بن خزيمة بن مدركة، من مضر، من عدنان، جدٌّ جاهلي، من سلسلة النسب النبوي، وكان من أصنامهم في الجاهلية \" سواع \" في وادي نعمان، قرب مكة، و\" هبل \" في جوف الكعبة، وكان تلبيتهم إذا أتوا للحج: \" لبيك اللهم لبيك، اليوم يوم التعريف يوم الدعاء والوقوف \". [انظر: الأنساب؛ للسمعاني (٥/ ٩٨)، الأعلام (٥/ ٢٣٤)].\n(١١) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ١٨٠)، إعراب القرآن؛ للنَّحاس (٥/ ٢٩).\n(١٢) حِمْيَر: قبيلة عربية تنتسب لحمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان: جد جاهلي قديم، كان ملك اليمن، وإليه نسبة الحميريين (ملوك اليمن وأقياله) وكان شجاعًا مظفرًا، ومن ملوك الحميريين: التبابعة والأذواء والأقيال، ويرى بعضهم أن اسمه (العرنجج) وأنه لقب بحمير لكثرة لبسه الثياب الحُمْر، وكان لبني حمير في الجاهلية صنم اسمه (نسر) منصوب بنجران، وآخر اسمه (رئام) بصنعاء. [انظر: الأنساب؛ للسمعاني (٢/ ٢٧٠)، الأعلام (٢/ ٢٨٤)].\n(١٣) لم أقف عليه من قول مجاهد، وانظر الأقوال بنحوه: تفسير الصنعاني (٣/ ٣٢٠)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ١٨٠)، النُّكت والعيون (٦/ ١٠٤)، تفسير القرآن العظيم (٤/ ٤٥٤).","vol":"1","page":3387},{"text":"وقد أطنب الكَلْبِي (١) في ذكرَ هذه الأصنام ولا فائدة في ذكرها فأضربت عنه.\n﴿وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا﴾: أي: أضلت الأصنام، والمعنى: ضلَّ بسببها (٢).\nابن بحر: الضميُر يعودُ إلى أكابر قومه الذي لم يزدهم مالهم وولدهم إلا خسارًا\" (٣).\n﴿وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا (٢٤)﴾: هلاكًا. وقيل: عذابًا.\nوقيل: عدولًا عن وجه (٤) الصواب، دعا عليهم حين قال الله له: ﴿لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آَمَنَ﴾ [هود: ٣٦] \" (٥).\n_________\n(١) هشام بن محمد بن السائب، أبو المنذر الكلبي مؤرخ، عالم بالأنساب وأخبار العرب وأيامها، كأبيه كثير التصانيف، من أهل الكوفة، يروى عن أبيه ومعروف مولى سليمان والعراقيين العجائب والأخبار التي لا أصول لها، وكان غاليًا في التشيع، أخباره في الأغلوطات أشهر من أن يحتاج إلى الإغراق في وصفها.\nقال عنه الإمام أحمد: \" من يحدِّث عنه إنما هو صاحب سمر ونسب ما ظننت أن أحدًا يحدث عنه \".\nله نيف ومائة وخمسون كتابًا، منها \" جمهرة الأنساب \"، و\" الأصنام \" و\" نسب الخيل - ط \" و\" بيوتات قريش \" و\" الكنى \" و\" ما كانت الجاهلية تفعله ويوافق حكم الإسلام \"، وقد توفِّي سنة أربع ومائتين للهجرة. [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: الضعفاء؛ للعُقيلي (٤/ ٣٣٩)، المجروحين (٣/ ٩١)، الأعلام (٨/ ٨٧)].\n(٢) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ١٠٥)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢٩٧).\n(٣) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢٥٧)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢٩٧).\n(٤) \" وجه \" ساقطة من (ب).\n(٥) انظر: الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢٩٧)، البحر المحيط (١٠/ ٢٨٧).","vol":"1","page":3388},{"text":"وجاء في التفسير: \" أنَّ الرجلَ من قوم نوح ينطلق بولده إلى نوح، فيقول له: احذر من هذا (١) فإنه كذَّابٌ وإنَّ والدي قد حذَّرنيه، فيموتُ الكبيرُ على كفره وينشأُ الصغيرُ ... عليه \" (٢).\n﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا﴾: أي: من خطاياهم، ﴿ومَا﴾: صلة أفاد التفخيم، أي من خطاياهم العظيمة.\nوسمَّاها (٣) خطايا، وإن كانوا عامدين فيها؛ لأنَّها خلاف الحقِّ، وخلافُ الحقِّ خطأٌ، والمعنى: بسببِ خطاياهم.\nوقيل: للتبعيض، أي: من (٤) بعض خطاياهم ﴿أُغْرِقُوا﴾ (٥).\n﴿فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾: دخولُ الفاء دليلٌ على إثباتِ عذابِ القبر؛ لأنَّها للتعقيب (٦).\n﴿فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا (٢٥)﴾: أي: لم تنفعهم (٧) أصنامهم الخمسة ولا غيرها من عذاب الله.\n﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦)﴾: أحدًا. وهذه الكلمة يستعمل في النفي، وأصلُه (٨) دَيْوار، فيْعال (٩) من دار يدور، أي: ساكنَ دارٍ.\n_________\n(١) في (أ) \" إحذر هذا \".\n(٢) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٤٠٣)، النُّكت والعيون (٦/ ١٠٥).\n(٣) في (أ): \" وسماهم \".\n(٤) في (أ): (من) ساقطة.\n(٥) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ١٨٩)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢٩٧).\n(٦) انظر: تفسير السمعاني (٦/ ٦٠)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢٩٨)، تفسير البيضاوي (٢/ ٥٣١).\n(٧) في (ب) \" ينفعهم \".\n(٨) في (أ) \" وأصلها \".\n(٩) في (أ) \" فيقال \".","vol":"1","page":3389},{"text":"وقيل: من لفظ دَيَرَ.\nوقيل: من الدوران، أي: أحدًا يدور في الأرض.\nوأنكر هذا بعضهم، وقال: لو كانَ من الدوران لما بقي في الأرض جنٌّ ولا شيطانٌ (١).\nوعن عمر بن عبد العزيز - ﵀ - أنه قال: \" من كانَ بالغًا منهم فالغرقُ كان عقوبةً له، ومن لم يدرك كانَ ذلك لهم شهادةً وموتًا بآجالهم \" (٢).\nعن ابن عباس - ﵄ -: \" أنَّ قبلَ الغرق لم تلد لهم امرأةٌ أربعينَ سنة \" (٣).\n﴿إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ﴾: ولا تهلكهم يُضِلُّوا ﴿عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (٢٧)﴾: قالَ بعضهم: في الآيةِ دليلٌ على أنَّ أطفالَ الكفار كفرةٌ مثلهم. وليس كذلك، فإنَّ هذا كما تقولُ لأبي المولود: ليهنك الفارس، أي: يصيرُ فارسًا، كذلكَ الآية سمّاهم باسم ما يؤولُ إليه أمرهم، ولأنَّهم بالإجماع ليسوا كافرينَ ولا فاجرينَ، ولم يوجدُ منهم كفرٌ ولا فجورٌ.\nوقيل: ﴿فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ (٤): حالٌ للآباء. ووحّد كقوله: ﴿أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ ... [البقرة: ٤١].\n﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾: وكانا (٥) مسلمين (٦).\nواسم أبيه: لَمَكَ، واسم أمه: هيجل (٧) (٨).\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ١٩٠)، جامع البيان (٢٩/ ١٠٠)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ١٨٠).\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) \" ﴿كَفَّارًا﴾ \" ساقطة في (أ).\n(٥) في (ب) \" كانوا مسلمين \".\n(٦) وقد روي عن الحسن وغيره. [انظر: النُّكت والعيون (٦/ ١٠٦)، زاد المسير (٨/ ١٢٨)].\n(٧) في (أ) \" هبجل \".\n(٨) قال البغوي: \" اسم أبيه: لَمَكُ بن متوشلخ، واسم أمه: سمحاء بنت أنوش، وكانا مؤمنين، وقيل اسمها: هيجل بنت لاموش بن متوشلخ، فكانت بنت عمه\" [تفسير البغوي (٨/ ٢٣٤)، وانظر: النُّكت والعيون (٦/ ١٠٦)، البحر المحيط (١٠/ ٢٨٨)].","vol":"1","page":3390},{"text":"وقيل: آباءهُ وأجدادهُ إلى آدم (١) كلهم مؤمنين (٢).\n﴿وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا﴾: \" دخلَ داري \" (٣).\nابن عباس - ﵄ -: \" يعني صديقي \" (٤).\nوقيل: معنى: \" ﴿بَيْتِيَ﴾ مسجدي \" (٥).\nوقيل: سفينتي (٦).\nوقيل: مؤمني أهل بيتي (٧).\nثمَّ عمَّم فقال: ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾: إلى يوم القيامة (٨).\nقال (٩) ابن عبّاس - ﵄ -: \" كما استجابَ الله دعاءهُ في الكافرين ولم يذر منهم أحدًا،كذلك يستجيبُ في المؤمنين والمؤمنات إلى يوم القيامة \" (١٠).\n﴿وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ﴾: أي الكافرين.\n﴿إِلَّا تَبَارًا (٢٨)﴾: هلاكًا وكسرًا (١١).\nوالتبر: دقائق الذَّهب (١٢).\n_________\n(١) في (أ) \" لآدم \".\n(٢) وهو قول سعيد بن جبير [انظر: النُّكت والعيون (٦/ ١٠٦)، البحر المحيط (١٠/ ٢٨٩)].\n(٣) وهو قول ابن عباس - ﵄ -. [انظر: النُّكت والعيون (٦/ ١٠٦)، زاد المسير (٨/ ١٢٨)].\n(٤) وهو قول ابن عباس - ﵄ -. [انظر: النُّكت والعيون (٦/ ١٠٦)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٣٠١)].\n(٥) وهو قول الضَّحاك. [انظر: جامع البيان (٢٨/ ١٠١)، النُّكت والعيون (٦/ ١٠٦)].\n(٦) حكاه السمرقندي والثعلبي. [انظر: تفسير السمرقندي (٣/ ٤٧٩)، تفسير الثعلبي (١٠/ ٤٨)].\n(٧) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢٥٨).\n(٨) انظر: تفسير البغوي (٨/ ٢٣٤)، الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٣٠١).\n(٩) \" قال \" ساقطة من (أ).\n(١٠) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢٥٨).\n(١١) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ١٨٠)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٥/ ٣٠).\n(١٢) انظر: كتاب العين (٨/ ١١٧)، مادة \" تَبَرَ \"، لسان العرب (٤/ ٨٨).","vol":"1","page":3391},{"text":"وقال في الأولى:﴿بَلَغَ﴾،وفي الثانية: ﴿تَبَارًا﴾؛ لأنَّ في الآية الأولى: ﴿أَضَلُّوا كَثِيرًا﴾، أي: جازهم بالإضلالِ ضلالًا، ثم دمرهم تدميرًا (١).\n_________\n(١) انظر: البرهان؛ للكرماني (ص: ٣١٦).","vol":"1","page":3392},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-178>سورة الجنِّ </span>(١)\nثمان وعشرون آية (٢) (٣) مكية (٤)\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n﴿قُلْ﴾: يا محمد أي: أخبر قومَك ما ليس لهم به علمٌ، ثم بيّن.\nفقال: ﴿أُوحِيَ إِلَيَّ﴾: أُخبرت بالوحي من الله.\n﴿أَنَّهُ﴾: أن الأمرَ والشأنَ.\n﴿اسْتَمَعَ﴾: أي: استمع القرآن، فحُذف؛ لأن ما بعده يدلُّ عليه.\nوالاستماع: طلب السماع بالإصغاء إليه.\n﴿نَفَرٌ﴾: جماعة. والنفر: من الثلاثة إلى العشرة (٥).\nابن عباس - ﵄ -: كانوا سبعة (٦).\nغيره: كانوا تسعة (٧).\n﴿مِنَ الْجِنِّ﴾: الجنّ: جيل رِقاق الأجسام خفيّة، خُلق من النار، على صورة تخالف صورة الملَك والإنسان، موصوف بالعقل كالإنس والملك، ولا يظهرون للإنس ولا يكلِّمون إلَاّ صاحبَ (٨) معجزة، بل يوسوسون سائرَ الناس.\nوهم أولاد إبليس، منهم مؤمن ومنهم كافر، والكافر منهم يسمى شيطانًا (٩).\nابن عباس﵄ -: \" الجنّ ولد الجانّ وليسوا شياطين، والشياطين أولاد إبليس \" (١٠).\nوقد سبق في ذكر ليلة الجنّ في سورة الأحقاف (١١).\nونذكر ها هنا خبرًا رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس - ﵄ -: قال: ما قرأ رسولُ الله - ﷺ - على الجنّ وما رآهم، انطلق رسولُ الله - ﷺ - في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حِيل بين الشياطين وبين خبر السَّماء، فرجعت الشياطين إلى قومهم، قالوا: مالكم؟ قالوا: حِيل بيننا وبين خبر السَّماء، وأُرسلت علينا الشهبُ، قالوا: ما ذاك (١٢) إلا من شيءٍ حدث في ... الأرض، فاضربوا مشارقَ الأرض ومغاربَها، فمرَّ النفرُ الذين أخذوا نحوَ تهامة بالنبي - ﷺ - وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا بالقرآن (١٣) استمعوا له، وقالوا: هذا الذي حال بيننا وبين خبر السَّماء، فرجعوا إلى قومهم، فقالوا: إنَّا سمعنا قرآنًا عجبًا يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدًا \"، فأوحى الله إلى نبيه - ﷺ -: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ (١٤). مباينًا لكلام الخلق في النظم والمعنى،لا يقدر أحد على الإتيان بمثله (١٥).\nوالعجب: ما يكون خارجًا من العادة المعروفة (١٦).\n﴿يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾: يدعو إليه ويدل عليه.\nو﴿الرُّومُ﴾: صلاح الأمر من جميع جهاته (١٧).\nوقيل: إلى الإيمان والتوحيد (١٨) (١٩).\n﴿فَآَمَنَّا بِهِ﴾ ﴿وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (٢)﴾: أي إبليس (٢٠).\nوقيل: الصنم، كما كنا نشرك قبله.\nاستدل بعضهم بالآية على أنهم كانوا كافرين.\nوقال بعضهم: تقديره: كما أشركت العرب.\nوقال بعضهم: كانوا هودًا؛ لقولهم: ﴿أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾، [الأحقاف: ٣٠].\n﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾: عظمة ربنا، جلال ربنا، غناء ربنا عن الصاحبة والولد، أمر ربنا، مُلك ربنا وسلطانه، وقدرة ربنا (٢١)، هذا كله أقوال (٢٢).\n_________\n(١) وهو اسمها، وبه سُمِّيت في المصاحف وكتب السُّنة والتفسير لقوله تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآَنًا عَجَبًا (١)﴾ وقوله: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (٦)﴾، وتسمَّى أيضًا سورة \" قل أوحي \" وبها ترجم البخاري في كتاب التفسير \" سورة قل أوحي \". [انظر: بصائر ذوي التمييز (١/ ٤٨٤)، التحرير والتنوير (٢٩/ ٢١٧)].\n(٢) \" ثمان وعشرون آية \" ساقطة من (ب)، وفي (أ) \" اثنا وعشرون \"، وهو خطأ.\n(٣) في عدِّ الجميع، بلا خلافٍ. [انظر: البيان؛ للداني (ص: ٢٥٦)، بصائر ذوي التمييز (١/ ٤٨٤)، غيث النفع (ص: ٢٩٣)].\n(٤) وقد حكى الإجماع ابن عطية في المحرر الوجيز (٥/ ٣٧٨)، وابن الجوزي في زاد المسير (٨/ ١٢٩).\n(٥) انظر: تفسير السَّمرقندي (٣/ ٤٨٠)، تفسير السَّمعاني (٦/ ٦٣).\n(٦) انظر: جامع البيان (٢٦/ ٣٠)، تفسير البغوي (٧/ ٢٦٩).\n(٧) وهو مروي عن زرِّ بن حبيشٍ وغيره. [انظر: جامع البيان (٢٦/ ٣١)، تفسير السَّمرقندي (٣/ ٢٧٨)].\n(٨) في (أ) \" ولا يكلمون هم إلا صاحب \".\n(٩) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢٥٩)، المفردات (ص: ٢٠٣)، مادة \" جَنَّ \".\n(١٠) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ١٠٩).\n(١١) انظر: (ص: ٤٦٠).\n(١٢) في (ب) \" ذلك \".\n(١٣) في (ب) \" سمعوا بالقرآن \".\n(١٤) أخرجه البخاري في كتاب الأذان، باب: الجهر بقراءة صلاة الفجر، برقم (٧٧٣)، وأخرجه في كتاب التفسير، باب: سورة، برقم (٤٩٢١)، وأخرجه مسلم في كتاب الصلاة، باب: الجهر بالقراءة في الصبح والقراءة على الجنِّ، برقم (١٠٠٥).\n(١٥) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ١٠٩)، البحر المحيط (١٠/ ٢٩٣).\n(١٦) انظر: المفردات (ص: ٥٤٧)، مادة \" عَجِبَ \"، التعريفات (ص: ١٠٥).\n(١٧) انظر: لسان العرب (٣/ ١٧٥)، مادة \" رَشَدَ \".\n(١٨) في (ب) \" التوحيد والإيمان \".\n(١٩) انظر: تفسير السَّمرقندي (٣/ ٤٨٠)، تفسير البغوي (٨/ ٢٣٥).\n(٢٠) انظر: تفسير السَّمرقندي (٣/ ٤٨٠)، زاد المسير (٨/ ١٣٠).\n(٢١) في (ب) \"قدرة ربنا \".\n(٢٢) انظر: جامع البيان (٢٩/ ١٠٣)، النُّكت والعيون (٦/ ١١٠). قال ابن جرير - ﵀ -: \" وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب قول من قال عني بذلك: تعالت عظمة ربنا وقدرته وسلطانه، وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب؛ لأنَّ للجدِّ في كلام العرب معنيين:\nأحدهما: الجد الذي هو أبو الأب، أو أبو الأم، وذلك غير جائز أن يوصف به هؤلاء النفر الذين وصفهم الله بهذه الصفة، وذلك أنهم قد قالوا: ﴿فَآَمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾، ومن وصف الله بأن له ولدًا أو جدًا أو هو أبو أب، أو أبو أم، فلا شك أنه من المشركين.\nوالمعنى الآخر: الجدُّ الذي بمعنى الحظُّ، يقال: فلان ذو جَدِّ في هذا الأمر إذا كان له حظ فيه، وهو الذي يقال له بالفارسية: البخت، وهذا المعنى الذي قصده هؤلاء النفر من الجن بقيلهم: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾ إن شاء الله، وإنما عنوا أن حظوته من الملك والسلطان والقدرة والعظمة عالية فلا يكون له صاحبة ولا ولد لأن الصاحبة إنما تكون للضعيف العاجز الذي تضطره الشهوة الباعثة إلى اتخاذها وأن الولد إنما يكون عن شهوة أزعجته إلى الوقاع الذي يحدث منه الولد فقال النفر من الجن علا ملك ربنا وسلطانه وقدرته وعظمته أن يكون ضعيفًا ضعف خلقه الذين تضطرهم الشهوة إلى اتخاذ صاحبة، أو وقاع شيء يكون منه ولد \" [جامع البيان (٢٩/ ١٠٥)].","vol":"1","page":3393},{"text":"والجَدُّ: العَظمة.\nومنه قول أنس - ﵁ -: \" كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمرآن جدَّ فينا \" (١)، أي عظُم، ورجُل مجدود، من هذا.\nقال ابن عباس - ﵄ -: \" لو علمتِ الجنُّ أنَّ في الإنسان جَدًَّا ما قالت: ﴿تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾ \" (٢).\nالربيع بن أنس (٣): \" ليس لله جد وإنما قالته (٤) الجنّ بالجهالة، فلم يؤخذوا به \" (٥). وهذان القولان فيهما تَعَسُّفٌ.\n_________\n(١) أخرجه أحمد في مسنده (٣/ ١٢٠)، وأورده الثعلبي في تفسيره (١٠/ ٥٠).\n(٢) انظر: تفسير الثعلبي (١٠/ ٥٠)، غرائب التفسير (٢/ ١٢٦٠).\n(٣) الربيع بن أنس بن زياد البكري، ويقال: الحنفي البصري ثم الخراساني، سمع من أنس بن مالك وكان راوية لأبي العالية وكل ما في أخباره من المناكير إنما هي من جهة أبى جعفر الرازي، قال عنه العجلى: \" بصري صدوق \"، وقال النسائي: \" ليس به بأس \"، وقد توفِّي سنة تسع وثلاثين ومائة، وقيل: سنة أربعين ومائة للهجرة. [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: مشاهير علماء الأمصار (ص: ١٥٤)، سير أعلام النبلاء (٦/ ١٦٩)، تهذيب التهذيب ... (٣/ ٢٠٧)].\n(٤) في (ب) \" قالت \".\n(٥) انظر: تفسير الثعلبي (١٠/ ٥٠)، غرائب التفسير (٢/ ١٢٦٠).","vol":"1","page":3394},{"text":"والجدُّ: القطع (١).\n﴿مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا (٣)﴾: كما يقول كفار الجنّ والإنس.\nقُرئ: ﴿وَأَنَّهُ﴾ إلى قَوله: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ﴾ عطفًا على قوله: ﴿أَنَّهُ اسْتَمَعَ﴾ (٢).\nالفَرَّاء: \" عطفًا على: ﴿فَآَمَنَّا بِهِ﴾ \" (٣)، وهو ضعيف؛ لأن العطف على ضمير المجرور من غير إعادة الجارّ ممتنع.\nوالزَّجَّاج (٤): \"حمله على معنى: ﴿فَآَمَنَّا بِهِ﴾، لأن معناه (٥): صدقناه \" (٦).\nوقُرئ بالكسر عطفًا على قوله: ﴿فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا﴾.\n_________\n(١) انظر: لسان العرب (٣/ ١٠٧)، مادة \" جَدَد \".\n(٢) اختلف القراء في اثنتي عشرة همزة في هذه السورة، وهي: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى﴾، ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا﴾، ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا﴾، ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ﴾، ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا﴾، ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ﴾، ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ﴾، ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي﴾، ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ﴾، ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعجِزَ اللَّهَ﴾، ... ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا﴾، ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ﴾ ففتح الهمزة في هذه المواضع ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ﴾، ﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾، ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾، ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ الأربعة الأحرف بفتح الألف، وقرأ عاصم في رواية أبى بكر ونافع كما قرأ أبو عمرو إلا قوله: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾ فإنهما كسرا الألف.\n[انظر: القراءات وتوجيهها: السَّبعة (ص: ٦٥٦)، معاني القراءات (ص: ٥٠٨)، الحُجَّة (٦/ ٣٣٠)، زاد المسير (٨/ ١٣٠)].\n(٣) انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ١٩١).\n(٤) في (ب) \" الزجاج \".\n(٥) في (أ) \" لأن المعنى \".\n(٦) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٣/ ١٨٢).","vol":"1","page":3395},{"text":"وأبو جعفر يزيد (١): فتح ﴿أَنَّهُ﴾ أنه عطفًا على ﴿أَنَّهُ﴾ وكسر ﴿إِنَّا﴾ عطفًا ... على ﴿إِنَّا﴾ (٢) (٣).\n﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ﴾: أي: الجهال منَّا.\nوقيل: ﴿سَفِيهُنَا﴾: هو إبليس، أي السفيه الذي ليس فوقه سفيه (٤).\n﴿شَطَطًا (٤)﴾: كذبًا وجورًا وزورًا وعُدوانًا وقولًا عظيمًا.\nوالشطط: البعيد، أي: ما هو بعيد من وصف الله.\nتقول: أشطّ الرَّجُلُ (٥) أتى بما هو بعيد (٦).\n﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (٥)﴾: هذا اعتذارٌ منهم، أي: اتبعناهم فيما قالوا على ظن أن أحدًا لا يكذب على الله، تَمَّ كلام الجنّ ها هنا.\nثم أستأنف فقال الله:\n﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾: وذلك أن الرَّجل منهم كان (٧) إذا أمسى بأرض قَفْرٍ (٨)، وبات في مفازة يقول: أعوذ بسيد هذا الوادي من شر سفهاء قومه، فيكون في أمانهم تلك الليلة.\n_________\n(١) أبو جعفر: يزيد بن القعقاع المدني، أحد الأئمة العشرة في حروف القراءات، قرأ القرآن على مولاه ... عبد الله بن عيَّاش بن أبي ربيعة المخزومي، ممن كان قد عنى بعلم القرآن مع النسك والورع ووثَّقه ابن معين والنسائي، قال عنه يحيى بن معين: \" كان إمام أهل المدينة في القراءة فسمِّي القارئ بذلك، وكان ثقة قليل الحديث\"، تُوفِّي بالمدينة سنة ثلاثين ومائة، وقيل: سنة اثنتين وثلاثين ومائة للهجرة، وقيل: غير ذلك. [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: مشاهير علماء الأمصار (ص: ١٠٠)، سير أعلام النبلاء (٥/ ٢٨٧)، غاية النهاية (٢/ ٣٨٢)].\n(٢) في (ب) \" فتح على أنه عطفًا على أنه، وكسر إنا عطفًا على إنا \".\n(٣) انظر: النَّشر (٢/ ٢٩٣)، إتحاف فضلاء البشر (ص: ٥٥٩).\n(٤) انظر: تفسير السَّمرقندي (٣/ ٤٨١)، النُّكت والعيون (٦/ ١١٠).\n(٥) \" الرجل \" ساقط من (ب).\n(٦) انظر: جامع البيان (١٥/ ٢٠٧)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ١٢).\n(٧) \" منهم كان \" ساقطة من (ب)\n(٨) في (ب) \" فقرا \" والصواب أثبت.","vol":"1","page":3396},{"text":"والجمهور: على أنَّ في الجنّ رجالًا ونساءً كما في الإنس رجال ونساء (١).\nوقيل: رجال من الإنس يعوذون برجال آدميين أيضًا (٢).\nوقوله: ﴿مِنَ الْجِنِّ﴾ متعلق بـ ﴿يَعُوذُونَ﴾، كما تقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وكان أهل مكة يقول: أعوذ بحذيفة بن بدر من جن هذا الوادي (٣).\nابن بحر: \"هو انقطاعهم إلى الشيطان وحزبه بالطاعة لهم والقَبول منهم \" (٤).\n﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (٦)﴾: أي زاد الإنسُ الجنَّ عظمةً بذلك القول، فإنهم قالوا: قد سُدنا الإنسَ والجنَّ.\nوقيل: فزاد الجنُّ الإنسَ خوفًا وفَرَقًا (٥).\nالفرَّاء: \" زادَ الجنّ فيهم ظلمًا \" (٦).\nوقيل: فزاد الإنسُ أنفسَهم ظلمًا بتلك الاستعاذة، وترك الاستعاذة بالله، وفيه ضعف. وقيل: هذا من كلام الجنّ أيضًا (٧). والقول هو الأوّل.\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٩/ ١٠٨)، تفسير السَّمعاني (٦/ ٦٥)، غرائب التفسير (٢/ ١٢٦٠)، البحر المحيط (١٠/ ٢٩٦).\n(٢) وهذا على القول بأن لفظ رجال لا يطلق على الجن. قال الشَّوكاني: \" وقيل: كان الرجل من الإنس يقول: أعوذ بفلان من سادات العرب من جنِّ هذا الوادي، ويؤيد هذا، ما قيل: من أنَّ لفظ رجال لا يطلق على الجن، فيكون قوله: ﴿بِرِجَالٍ﴾ وصفًا لمن يستعيذون به من رجال الإنس، أي: يعوذون بهم من شر الجنِّ، وهذا فيه بعدٌ، وإطلاق لفظ \" رجال \" على الجن على تسليم عدم صحته لغة، لا مانع من إطلاقه عليهم هنا من باب المشاكلة \". ... [انظر: فتح القدير (٥/ ٤٢٧)، وانظر: تفسير السَّمعاني (٦/ ٦٥)، غرائب التفسير (٢/ ١٢٦٠)، البحر المحيط (١٠/ ٢٩٦)].\n(٣) انظر: تفسير الصنعاني (٣/ ٣٢١)، جامع البيان (٢٩/ ١٠٨)، غرائب التفسير (٢/ ١٢٦٠)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ١٣).\n(٤) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢٦٠).\n(٥) انظر: جامع البيان (٢٩/ ١٠٩)، زاد المسير (٨/ ١٣١)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ١٨٢).\n(٦) لم أقف عليه.\n(٧) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢٦٠)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ١٢).","vol":"1","page":3397},{"text":"وفسر ﴿رَهَقًا﴾: جُرأةً وإثمًا وخوفًا وذلةً وهوانًا وطغيانًا وكفرًا وجهلًا وقلةَ معرفةٍ وهلاكًا وبعدًا عن الحقِّ.\nوأصل الرهق: اللحُوق. وقيل: الخوف (١).\n﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا (٧)﴾: هذا أيضًا من كلام الله تعالى، أي: إنّ الجنَّ حسبوا كما حسبتم أيها الإنس ﴿أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا﴾ بعد الموت. وقيل: لن يبعث الله أحدًا بالرسالة.\nوقيل: لن يبعث الله نبيًا بالرسالة (٢) بعد موسى؛ لأنهم كانوا هودًا (٣).\nوقيل: هذا من كلام مؤمني الجنّ للكافرين منهم، أي إنّ بعض الإنس وهم الذين يعوذون بكم ظنّوا كما ظننتم ﴿أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا﴾ (٤) والأوّل أظهر.\n﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ﴾: أي طلبنا خَبر السَّماء والمصير إليها، فحذف المضاف. واللمس: طلب إدراك الملموس بحاسة اللمس، وهو (٥) اليد في الغالب والرجل وظاهر الجسد.\nوقيل: جعل مصيرهم إليها لمسًا، وهو من الأوّل أيضًا.\nوقيل: معنى: ﴿لَمَسْنَا السَّمَاءَ﴾: قاربنا السَّماء، وهذا كلام الجنِّ بعضهم ... بعضًا (٦)، أي أتينا السَّماء لنستمعَ إلى ما يكونُ فيها (٧).\n﴿فَوَجَدْنَاهَا﴾: أي السَّماء. وقيل: أبوابَها. وقيل: طرقَها.\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٩/ ١٠٩)، تفسير الثعلبي (١٠/ ٥١)، النُّكت والعيون (٦/ ١١١).\n(٢) \" بالرسالة \" ساقط من (أ).\n(٣) انظر: جامع البيان (٢٩/ ١١٠)، تفسير مقاتل (٣/ ٤٠٦)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ١٤).\n(٤) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢٦٠).\n(٥) في (ب) \" وهي \".\n(٦) في (أ) \" بعضهم لبعضٍ \".\n(٧) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ١١١)، البحر المحيط (١٠/ ٢٩٦).","vol":"1","page":3398},{"text":"﴿مُلِئَتْ حَرَسًا﴾: حَفظة، جمع حارس.\nوقيل: مصدر، أي: يحرسُهَا الملائكةُ حرسًا (١).\n﴿شَدِيدًا﴾: قوِيًَّا.\n﴿وَشُهُبًا (٨)﴾: جمع شهاب، وهو المضيء المتوقد من النار.\n﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا﴾: أي من السَّماء.\n﴿مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾: أي الاستماع من الملائكة (٢) ما يقولون فيما بينهم من الكوائن قبل اليوم.\n﴿فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآَنَ﴾: طلبَ السمع من جهة السَّماء.\n﴿يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (٩)﴾ رصدًا (٣): جمع راصد، أي: حفَظَةٌ تمنع من الاستماع، وهو بدل مِن قولهِ: ﴿شِهَابًا﴾.\nوقيل: ﴿رَصَدًا﴾ يرصدونه ليرجموه به.\nوقيل: نجمًا رُصِدَ له أي (٤) يمنعُه ويزجُره عن الاستماع (٥).\nوالجمهور: على أن ذلك لم يكن قبل مبعث محمد - ﷺ -.\nوقيل: كان الانقضاض. ولم يكن يرجم بها (٦) الشياطين حتى بعث محمد - ﷺ -.\nالزُّهري: \"كان يُرمى بالنجوم ويرجم بها (٧) الشياطين في الجاهلية لكن غُلِّظ وشُدّد أمرها حين بُعث الرسولُ - ﷺ - \" (٨).\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٩/ ١١٠)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ١٤).\n(٢) في (ب) \" عن الملائكة \".\n(٣) \" رصدًا \" ساقط من (ب).\n(٤) \" أي \" ساقطة من (ب).\n(٥) انظر: تفسير السَّمرقندي (٣/ ٤٨١)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ١٥)، البحر المحيط (١٠/ ٢٩٧).\n(٦) في (ب) \" به \".\n(٧) في (ب) \" به \".\n(٨) انظر: تفسير الصَّنعاني (٣/ ٣٢٢)، تفسير السَّمرقندي (٣/ ٤٨١)، تفسير السَّمعاني (٦/ ٦٧).","vol":"1","page":3399},{"text":"﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾: أي عَذابٌ وهَلاكٌ حين اشتدتْ حراسةُ السَّماء.\n﴿أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (١٠)﴾: خَيرًا.\nوقيل: ﴿رَشَدًا﴾: إرسال رسول يرشدهم.\nوقيل: لا ندري أراد الله رشدًا ببعث هذا الرسول فيرشدهم، أم أرادَ أن يكفروا به فيهلكَهُم؟.\n﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ﴾: أَي: المؤمنون.\n﴿وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾: أي الكافرون.\nوقيل: ﴿الصَّالِحُونَ﴾ أصحاب الخير، ﴿دُونِي ذَلِكَ﴾ أصحاب الشر.\n﴿كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا (١١)﴾: كنا ذوي مَذاهبَ متفرّقة وأديان مختلفة.\nوقيل: فرقًا شتىَّ ... (١).\nويقال لشريف القوم: الطريقة (٢).\nوالقدد: جمع قِدّة، وهي الطريقة، مشتقة من القَدِّ، وهو القطع (٣).\n﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا﴾: علمنا وأيقنَّا.\n﴿أَنْ لَنْ نُعجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ﴾: إنْ أرادَ بنا أمرًا.\n﴿وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا (١٢)﴾: لن نفوته (٤)، ويحتمل ﴿وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا﴾ إن صعدنا إلى السَّماء.\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ١٩٣)، جامع البيان (٢٩/ ١١٢).\n(٢) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢٦١).\n(٣) انظر: المفردات (ص: ٦٥٧)، مادة \" قَدَدَ \"، لسان العرب (٣/ ٣٤٤)، مادة \" قَدَدَ \".\n(٤) في (ب) \" يفوته \".","vol":"1","page":3400},{"text":"﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آَمَنَّا بِهِ﴾: أي لما سمعنا القرآن آمنا به، أي: ... [بالقرآن. وقيل: بمحمد - ﵇ -، ولن يبعث الله نبيًا إلى الجن إلاّ محمدًا - ﷺ -.\nوقيل: ﴿آَمَنَّا بِهِ﴾ أي (١):] بالله.\n﴿فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا﴾: نقصًا في الحسنات ﴿وَلَا رَهَقًا (١٣)﴾ زيادة في السيئات. ولا زيادة في السيئات (٢).\nويقال: الرهق العذاب ها هنا.\n﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ﴾: أي (٣) المؤمنون.\n﴿وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ﴾: أي: الكافرون (٤) الجائرون.\nوالقَسَط، بالفتح: الجور.\n﴿فَمَنْ أَسْلَمَ﴾: أخلصَ إيمانه.\n﴿فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا (١٤)﴾: قصدوا وتوجَّهوا صَوَابًا من القول والفعل.\n﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ﴾: الجائرون.\n﴿فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (١٥)﴾: أي: كانوا في علم الله، فيكون كذلك وقود النار.\n﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾: فيه أقوال:\nأحدها: لو استقامَ الإنسُ والجنُّ (٥) على طريقة الإسلام.\n﴿لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (١٦)﴾: أي لجعلنا لهم (٦) سقيًا وهو: الماء العتيد (٧) لوقت الحاجة.\nوالمعنى: لو وسّعنا عليهم الرزق وكثرنا مواشيهم وأموالهم (٨).\nوقيل: أراد به نعيم الجنّة.\nالثاني: قال ابن عباس - ﵄ -: لو استقام أهل مكة على طريقة الإسلام وآمنوا ﴿لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ أي (٩) لهديناهم إلى الصراط المستقيم، فهو مثل (١٠). والثالث: لو استقام أهل الكفر على كفرهم ﴿لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾: وسّعنا عليهم الدنيا (١١).\nوالرابع: لو كفروا ﴿لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾: كناية عن الإهلاك بالماء، كما كان لقوم نوح - ﵇ - (١٢).\n﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾: لنعذبَهم به ولنختبرهم بذلك.\n﴿وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ﴾: أي عن (١٣) القرآن (١٤).\nوقيل: عن التوحيد (١٥).\n_________\n(١) ما بين المعقوفتين ساقط من (ب).\n(٢) في (ب): \" ﴿فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا (١٣)﴾: نقصا في الحسنات ولا زيادة في السيئات \".\n(٣) \" أي \" ساقطة من (ب).\n(٤) \" الكافرون \" ساقطة من (أ).\n(٥) في (أ) \" الجن والإنس \".\n(٦) في (أ) \" لجعلنا هم \".\n(٧) في (ب) \" وهو اما العتيد \". والصواب ما أثبت.\n(٨) وهو قول أكثر المفسرين. [انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٤٠٧)، جامع البيان (٢٩/ ١١٤)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ١٨٣)، زاد المسير (٨/ ١٣٢)].\n(٩) \" أي \" ساقطة من (ب).\n(١٠) انظر: جامع البيان \" بمعناه \" (٢٩/ ١١٤)، غرائب التفسير (٢/ ١٢٦٢).\n(١١) وهو اختيار الفراء وجماعة. [انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ١٩٣)، النُّكت والعيون (٦/ ١١٦)، غرائب التفسير (٢/ ١٢٦٢)].\n(١٢) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢٦٢)، زاد المسير (٨/ ١٣٢).\n(١٣) \" عن \" ساقطة من (ب).\n(١٤) في قول الجمهور. [انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٤٠٧)، جامع البيان (٢٩/ ١١٥)، النُّكت والعيون (٦/ ١١٨)، زاد المسير (٨/ ١٣٢)].\n(١٥) تفسير السَّمرقندي (٣/ ٤٨٣)، تفسير السَّمعاني (٦/ ٧٠).","vol":"1","page":3401},{"text":"﴿يَسْلُكْهُ﴾: يدخله (١).\nعَذَابًا ﴿صَعَدًا (١٧)﴾: شاقًا. كقوله: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ [المدثر: ١٧].\nوهو: كناية عن غاية الشدة (٢).\nابن عيسى: \" متصعدًا في العِظَم \" (٣) (٤).\nابن عباس: \" الصَّعَد (٥): جبل في جهنم \" (٦).\n﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾: تقديره: ولأنّ المساجدَ لله (٧) فَلَا ﴿تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨)﴾. وقيل: ﴿أَنَّ﴾ عطف على ما تقدم.\nوقيل: محله رفع بالابتداء. وهذا بعيد؛ لأن ﴿أَنَّ﴾ مع ما بعده إذا وقع مبتدأ تقدم الخبر عليه البتة (٨).\nو﴿الْمَسَاجِدَ﴾: جمع مسجِد بالكسر، وأراد به: بيوتَ العبادة (٩).\nقتادة: \"كانت اليهود والنصارى إذا دخلوا كنائسهم وبَيَعهم أشركوا بالله، فأمر الله تعالى المؤمنين بتوحيده \" (١٠).\n_________\n(١) في (ب) \" ندخله \" وهذا على قراءة ﴿نَسْلُكْه﴾، وقد قرأ بها ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر\nوقرأ عاصم وحمزة والكسائي ﴿يَسْلُكْهُ﴾ بالياء \". [انظر: السَّبعة (ص: ٦٥٦)].\n(٢) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٤٠٧)، جامع البيان (٢٩/ ١١٦)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ١٨٣).\n(٣) في (ب) \" في الشِّدة \".\n(٤) لم أقف عليه.\n(٥) \" الصَّعد \" ساقط من (ب).\n(٦) انظر: جامع البيان (٢٩/ ١١٦)، تفسير السَّمعاني (٦/ ٧٠).\n(٧) انظر: جامع البيان (٢٩/ ١١٦)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٥/ ٣٥)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ٢٢).\n(٨) انظر: إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٥/ ٣٥)، غرائب التفسير (٢/ ١٢٦٢).\n(٩) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ١١٨)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ٢٢)، البحر المحيط (١٠/ ٣٠٠).\n(١٠) انظر: جامع البيان (٢٩/ ١١٧)، تفسير السَّمرقندي (٣/ ٤٨٣).","vol":"1","page":3402},{"text":"وقيل: ﴿الْمَسَاجِدَ﴾: المواضع التي يسجد عليها العبد.\nوقيل: هو (١): جمع مسجَد بالفتح، أي: الأعضاء السبعة التي يسجد عليها الإنسان، اليدان، والرجلان، والركبتان، والجبهة.\nوقيل: جمع مسجِد الذي هو المصدر، والمعنى: السجدات لله.\nوقيل: أراد بالمساجد وُجُوهَ العبَادَة والخُضُوع.\nويحتمل أنّ المرادَ بالمساجد الأرض، لقوله - ﷺ -: «جُعِلتْ لي الأرضُ (٢) مسجدًا وطهورًا» (٣)، والمعنى: لا تعبدوا غيرَ الله في أرض الله.\n﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ أي: لا تُراؤوا فيها.\nومَن حَملهُ على الأعضاء أي: لا تضعوا جباهَكم ولا أيديَكم على الأرض خدمةً إلاّ لله (٤). سعيد بن جبير وسُفيان قالا: قالت الجنُّ: كيف لنا بمسجدك ونحن بالبعد منك؟! فأنزل الله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ (٥).\n﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾: محمد - ﷺ - ببطن نخلة ليلة الجنّ (٦).\n﴿يَدْعُوهُ﴾: يقول لا إله إلاّ الله. وقيل: يقرأ القرآن. وقيل: يصلي (٧).\n_________\n(١) \" هو \" ساقط من (أ).\n(٢) في (ب) \" الأرض لي \".\n(٣) جزء من حديث أخرجه البخاري في كتاب الصلاة، باب: قول النبي - ﷺ - \" جعلت لي الأرض مسجدًا وطَهورًا، برقم (٤٣٨)، وأخرجه مسلم بنحوه في كتاب المساجد، باب جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا \"، برقم (١١٦٣) كلاهما عن جابر بن عبد الله - ﵄ -.\n(٤) والرَّاجح - والله أعلم - هو القول الأول، وهو رأي ابن عبَّاس - ﵄ -، قال أبو حيَّان: \" والظاهر أنَّ المساجد هي البيوت المُعدة للصلاة والعبادة في كلِّ مِلَّة \" [البحر المحيط (١٠/ ٣٠٠)، وانظر: النُّكت والعيون (٦/ ١١٨)، زاد المسير (٨/ ١٣٣)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ٢٢)].\n(٥) انظر: جامع البيان (٢٩/ ١١٧)، تفسير الثعلبي (١٠/ ٥٤) ولم يذكرا سفيان.\n(٦) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ١٩٤)، جامع البيان (٢٩/ ١١٧).\n(٧) انظر: جامع البيان (٢٩/ ١١٧)، تفسير الثعلبي (١٠/ ٥٥)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ٢٤).","vol":"1","page":3403},{"text":"﴿كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (١٩)﴾: أي يسقطون عليه جماعَات حرصًا على ما (١) سمعوا من القرآن، ورغبة في الإسلام (٢).\nمكحول: \"إنّ الجنّ بايعوا رسول الله - ﷺ - في هذه اللّيلة وكانوا سبعين ألفًا، وفرغَ من البيعة عند انشقاق القمر \" (٣).\nسعيد بن جبير: \" هذا أيضًا من كلام الجنّ، أي: قالت الجنّ لإخوانهم: رأينا أصحابَ محمد - ﷺ - يركعون بركوعه ويسجدون بسجوده وكانوا ينثالون (٤) عليه مجتمعين \" (٥).\nقتادة: \" أراد: كاد الإنس والجنّ يجتمعون على إبطال الحق ويأبى الله إلا أن يُتمَ نورَه\" (٦).\nو﴿لِبَدًا﴾: جمع لبدة، وهي: الرِجل من الجراد، وأصله من الجمع (٧).\n﴿قَالَ﴾: يعني: محمدًا - ﷺ - (٨).\n﴿إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي﴾: في صلواتي.\n﴿وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا (٢٠)﴾: من الأوثان، فكونوا أنتم كذلك.\nوقرئ: ﴿قُلْ﴾ على الأمر موافقة لما بعده.\n﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا﴾: في دينكم ودنياكم.\n﴿وَلَاتَ رَشَدًا (٢١)﴾: أرشدكم. وقيل: عذابًا ولا نعيمًا.\nوقيل: لا موتًا ولا حياةً.\nوقيل: لا ضلالًا ولا هدايةً؛ لأني عبد مثلكم، بل ذلك إلى الله تعالى القادر على كل شيء.\n﴿قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ﴾: لن يمنعني من عذابه مانع إنْ عصيته.\nوقيل: لن يمنعني مما قَدّر عليَّ.\nوجاء في التفسير: إن جنِّيًا (٩) من أشراف الجنّ ذا تبع (١٠) قال: إن محمد - ﷺ - يريد أن يجيره أحدٌ فأنا أجيره، فأنزل الله تعالى هذه الآية (١١).\nوروى الماوردي: \" أنَّ ابن مسعود - ﵁ -: لما تقدّم النبيُّ - ﷺ - إلى الجنّ ازدحموا عليه، فقال سيّدٌ لهم يقال له: وردان (١٢): أنا أزجلهم (١٣) (١٤) عنك، فقال له (١٥): ﴿إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ﴾ \" (١٦).\nوقوله: وَلَنْ ﴿أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٢)﴾: مذهبًا ومدخلًا في الأرض.\nوقيل: وليًا ومَوئِلًا.\nالحسن: \" مستندًا يوم القيامة \" (١٧).\nوالملتحد: الموضع أو الشيء يميل إليه الإنسان، من اللحد والإلحاد، وهو: الميل.\n_________\n(١) \" ما \" ساقطة من (ب).\n(٢) انظر: جامع البيان (٢٩/ ١١٧)، النُّكت والعيون (٦/ ١٢٠)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ٢٤).\n(٣) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ١٢١)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ٢٤).\n(٤) في (أ) \" كادوا ينثاولون \".\n(٥) انظر: جامع البيان (٢٩/ ١١٨)، تفسير الثعلبي (١٠/ ٥٥).\n(٦) انظر: جامع البيان (٢٩/ ١١٨)، تفسير الثعلبي (١٠/ ٥٥).\n(٧) انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ١٩٤)، جامع البيان (٢٩/ ١١٧).\n(٨) هذا المعنى على قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر والكسائي، وقرأ قرأ عاصم وحمزة ﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي﴾ بغير ألف على الأمر. [انظر: جامع البيان (٢٩/ ١١٩)، السَّبعة (ص: ٦٥٧)، معاني القراءات ... (ص: ٥٠٩)].\n(٩) في (ب) \" حِنْسًَا \".\n(١٠) ذي قوم وخدم يتبعونه، ويبتدرون أمره [انظر: لسان العرب (٨/ ٢٧)، مادة \" تَبِعَ \"].\n(١١) انظر: جامع البيان (٢٩/ ١٢٠)، تفسير السَّمعاني (٦/ ٧٢).\n(١٢) في (أ) \" وردان فقال \".\n(١٣) في (أ) \" أرجئهم \".\n(١٤) الزَّجْل: الرَّمْي بالشيء تأْخذه بيدك فتَرْمِي به، يقال: زَجَلَ الشَّيءَ يَزْجُله، وزَجَلَ به زَجْلًا: رماه ودَفَعه، وزَجَلْت به رَمَيت. [انظر: كتاب العين (٦/ ٦٧)، مادة \" زَجَلَ \"، لسان العرب (١١/ ٣٠١)، مادة \" زَجَلَ \"].\n(١٥) \" له \" ساقطة من (ب).\n(١٦) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ١٢١).\n(١٧) لم أقف عليه.","vol":"1","page":3404},{"text":"والمُلتجأ: مثله (١).\n﴿إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ﴾: ﴿بَلَاغًا﴾ نصب على البدل من قوله: ﴿مُلْتَحَدًا﴾، والمعنى: لا ينجيني إلاّ أن أُبلِّغَ عن الله ما أرسلتُ به.\nوقيل: المعنى (٢): لا أملك لكم ضرًا ولا رشدًا إلاّ أن أُبلغكم ما أُرسلت به.\nالفرّاء: \" هذا شرط وجزاء وليس باستثناء، وأن منفصلة من لا وتقديره: أن لا بلاغًا، والمعنى: إن لم أبلّغ فلا مجيرَ لي، كما تقول العرب: إنْ لا أعطاء فردًَّا جميلًا، والمعنى: إنْ لم تعطِ فردَّ \" (٣).\nوقيل: تقديره: لا أملك لكم ضرًَّا ولا رشدًا إلا بلاغًا من الله ورسالاته (٤).\nوالبلاغ في هذه الوجوه واقع موقع التبليغ.\nابن بحر: \" لن يجيرني إلا العمل بما يبلغني من الله \" (٥).\n﴿وَرِسَالَاتِهِ﴾: أوامره ونواهيه.\n﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾: فيما يدعوه إليه من التوحيد.\n﴿فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا (٢٣) حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ﴾: في الآخرة وقيل: يوم بدر (٦).\n﴿فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا (٢٤)﴾ (٧): هذا جواب لمشركي مكة حين استعجلوا العذاب (٨)، وقالوا: هم بالإضافة إلينا كالحصاة من جبل (٩) (١٠).\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (١٥/ ٢٣٣)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ١٨٤).\n(٢) في (ب): \" والمعنى \".\n(٣) انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ١٩٥).\n(٤) انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ١٩٥)، جامع البيان (٢٩/ ١٢٠)، النُّكت والعيون (٦/ ١٢١).\n(٥) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢٦٣).\n(٦) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٤٠٨)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ٢٨)، البحر المحيط (١٠/ ٣٠٣).\n(٧) في (أ) \" ﴿فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾: في الآخرة وقيل: يوم بدر ﴿حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ﴾ \".\n(٨) في (أ) \" بالعذاب \".\n(٩) في (ب) \" من جبال \".\n(١٠) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٤٠٨).","vol":"1","page":3405},{"text":"﴿قُلْ إِنْ أَدْرِي﴾ ما أدري ﴿أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ﴾: من العذاب في الدنيا.\nوقيل: هو يوم القيامة.\n﴿أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا (٢٥)﴾: غايةً يَطُول مُدّتها.\n﴿عَالِمُ الْغَيْبِ﴾: صفة لربي، وقيل: بدلٌ (١).\nوقيل: هو عالم السر.\nوقيل: الغيب ما هو كائن لم يكن.\nوقيل: الغيب أمر القيامة.\nابن زيد: \"الغيب القرآن \" (٢).\n﴿فَلَا يُظْهِرُ﴾: لا يُطلع.\n﴿عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦)﴾: من خلقه فيعلمه.\n﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾: أي: إلا رسولًا قد ارتضَاهُ ليعلم بعض الغيب، ليكون إخباره عن الغيب مُعجزةً له.\nوقيل: هو جبريل - ﵇ - \" (٣).\n﴿فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧)﴾: حرسًا من الملائكة\n_________\n(١) \" وقيل: بدلٌ \". ساقطة من (ب).\n(٢) انظر: جامع البيان (٢٨/ ١٢٢)، النُّكت والعيون (٦/ ١٢٢).\n(٣) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٤٠٨)، النُّكت والعيون (٦/ ١٢٢).","vol":"1","page":3406},{"text":"يحفظون الوحي.\nوقيل: يحفظون الرسُولَ ويزجرون الشياطينَ (١) عنه فلا يقربُوه (٢).\nوقيل: يحفظون جبريل؛ لأن جبريل - ﵇ - إذا بُعث إلى نبي من الأنبياء انحدر معه عدّة من كلِّ سماء إلى التي تليها (٣)، وينحدر من السَّماء الدنيا عدّة، فيحيطون به وبالوحي حتى يفرُغَ مِن وحيه؛ كي لا يقربه شيطانٌ ولا جانٌّ فيذهب به إلى الكاهن حتى يكون الرسولُ هو أوّلُ مَن يتكلمُ به (٤).\nالزَّجَّاج في جماعة: يُنْزِلُ اللهُ مع جبريلَ - ﵇ - أربعةً من الملائكة يحفظونه من الجنّ \" (٥).\nابن بحر: ﴿رَصَدًا﴾: طريقًا، يعني: فإنه يجعل للرسول (٦) إلى علم بعض ما كان قبله وما يكون بعده طريقًا؛ فيكون له عونًا ومعجزةً على صدق ما أتى به \" (٧).\n﴿لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ﴾: قيل: ليعلم الرسولُ أنّهُ أتاه (٨) ولم يأت غيره.\nوقيل: ليعلم الرّسُول أن الرُسلَ قد أبلغوا رسالات ربهم.\nوقيل: (٩) ليعلم محمدٌ - ﷺ -.\nوقيل: ليعلم الجنّ.\nوقيل: ليعلم من كذب الرُسُل أنّ الرسلَ قد بلّغت عن الله ما أمرهم به (١٠).\n_________\n(١) في (أ) \" ويدحرون الشياطين \".\n(٢) انظر: جامع البيان (٢٨/ ١٢٢)، النُّكت والعيون (٦/ ١٢٢)، تفسير البغوي (٨/ ٢٤٤).\n(٣) في (ب) \" يليها \".\n(٤) انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ١٩٦)، تفسير مقاتل (٣/ ٤٠٨).\n(٥) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ١٨٥)، تفسير الثعلبي (١٠/ ٥٦)، النُّكت والعيون (٦/ ١٢٢).\n(٦) في (ب) \" الرسول \".\n(٧) انظر: زاد المسير (٨/ ١٢٢).\n(٨) في (ب) \" أتاهم \".\n(٩) في (ب) \" قيل \".\n(١٠) انظر: جامع البيان (٢٨/ ١٢٢)، النُّكت والعيون (٦/ ١٢٣)، تفسير البغوي (٨/ ٢٤٤)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ٣١).","vol":"1","page":3407},{"text":"الزَّجَّاج: \" ليعلم الله، أن قد أبلغوا، أي: الرسلُ رسالات ربهم \" (١).\nوَأَحَاطَ ﴿بِمَا لَدَيْهِمْ﴾: الفعلُ لله تعالى بالإجماع (٢).\nوهو: عطف على قوله: ﴿فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾.\n﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا (٢٨)﴾: علم عدد الأشياء كُلّها.\nوأجاز الزجاج أن ينتصب قوله (٣): ﴿عَدَدًا﴾ على الحال، وعلى المصدر\" (٤). والله أعلم (٥).\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ١٨٥).\n(٢) انظر: جامع البيان (٢٨/ ١٢٣)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ١٨٥)، تفسير البغوي (٨/ ٢٤٥)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ٣١).\n(٣) \" قوله \" ساقطة من (أ).\n(٤) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ١٨٥).\n(٥) في (أ) \" والله أعلم \".","vol":"1","page":3408},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-179>سورة المُزَّمِّل </span>(١)\nعشرون آية (٢) (٣) مكية (٤)\nابن عباس - ﵄ -: إلاّ آيتين (٥) منهما، وهما: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ﴾ إلى آخرها \" (٦).\nوقيل: \"مكية إلا قوله: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ والتي بعدها \" (٧).\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١)﴾: أي المتَزَمّل بثيابِه.\nوالتَّزمُّل: التلفّف، فأدغم التّاء في الزَّاي (٨).\n_________\n(١) وهو اسمها لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١)﴾، وليس لها اسم غيرها. [انظر: بصائر ذوي التمييز (١/ ٤٨٦)، التحرير والتنوير (٢٩/ ٢٥٢)].\n(٢) \" عشرون آية \" ساقطة من (ب).\n(٣) قال الداني: \" وهي ثماني عشرة آية في المدني الأخير، وتسع عشرة في المكي بخلاف عنه، وفي البصري وعشرون في عدد الباقين وفي المكي من روايتنا \". [البيان؛ للداني (ص: ٢٥٧)].\n(٤) قال ابن عطية: \" وهي مكية كلُّها في قول المهدوي وجماعة، وقال الجمهور هي مكية إلا قوله تعالى: ... ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ﴾ إلى آخر السورة؛ فإنَّ ذلك نزل بالمدينة \" [المحرر الوجيز (٥/ ٣٨٦)]، وقال ابن الجوزي: \"وهي مكية كلها بإجماعهم\" [زاد المسير (٨/ ١٣٧)]، قال ابن كثير - عن الآية الأخيرة منها -\" وهذه الآية بل السورة كلها مكية، ولم يكن القتال شرع بعد، فهي من أكبر دلائل النبوة؛ لأنَّه من باب الإخبار بالمغيبات المستقبلية \" ... [تفسير القرآن العظيم (٤/ ٤٦٨)].\n(٥) كذا في النسختين، والصحيح: \" إلا آية منها \".\n(٦) انظر: البيان؛ للداني (ص: ٢٥٧)، تفسير الثعلبي (١٠/ ٦٨)، المحرر الوجيز (٥/ ٣٨٦)، ولم ينسب الثعلبي وابن عطية لابن عباس - ﵄ -.\n(٧) وهو قول ابن عباس وقتادة. انظر: النُّكت والعيون (٦/ ١٢٤)، زاد المسير (٨/ ١٣٧).\n(٨) انظر: مجاز القرآن (٢/ ٢٧٣)، معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ١٩٦)، جامع البيان (٢٩/ ١٢٤).","vol":"1","page":3409},{"text":"ابن عباس - ﵄ -: يريد النبيَّ - ﷺ -، وكان يَفرَقُ مِن جبريل - ﵇ -، ويَتزمّل في الثياب أوّل ما جاءه - ويأتي بيانه في المدثر- فأتاه وهو متلفّف في قطيفَة \" (١) هذا فيمن لم يجعله من أوائل القرآن.\nعائشة - ﵂ -: \"كان ملفّفًا (٢) في مِرْطٍ (٣) له طولُه أربعةَ عشرَ ذراعًا، نصفه عليَّ وأنا نائمة، ونصفه على رسول الله - ﷺ - وهو قائم يصلي \" (٤).\nالسُّدي: \" يا أيها النائم، قال: وكان متلففًا بثيابه للصلاة \" (٥).\nوعن ابن عبّاس أيضا: \"المتزمّل (٦) بالقرآن \" (٧).\nعكرمة: \"المتزمّل بالنبوّة \" (٨).\nوقيل: هو من الزُّمَل بمعنى الحمل (٩)، ومنه الزَّاملة، أي: المتحمل (١٠) بأعباء النبوة، وإلى هذا المعنى ذهب عكرمة (١١).\nوقيل: ناداه بالمزمل والمدثر في أوّل أمره؛ لأنه لم يكن قد شرع بعدُ في الأمر، فلما شرع خاطبه بالنبوة والرسالة (١٢).\n_________\n(١) انظر: تفسير السَّمعاني (٦/ ٧٦).\n(٢) في (أ) \" متلففًا \".\n(٣) المِرْطُ: نوع من أنواع الأكْسِية، ويكون من صوف ورُبما كان من خَزٍّ أو غَيْرِه [انظر: النهاية (٤/ ٣١٩)، مادة \" مَرَطَ \"، لسان العرب (٧/ ٣٩٩)، مادة \" مَرَطَ \"].\n(٤) أخرجه الثعلبي في تفسيره (١٠/ ٥٨)، قال أبو حيان معقبًا على هذه الرواية: \" وما رووا أن عائشة ... - ﵂ - سئلت ما كان تزميله؟ قالت: كان مرطًا طوله أربع عشرة ذراعًا نصفه عليّ وأنا نائمة ونصفه عليه .. \" إلى آخر الرواية كذب صراح؛ لأنَّ نزول ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١)﴾ بمكة في أوائل مبعثه، وتزويجه عائشة كان بالمدينة \" [البحر المحيط (١٠/ ٣١١)].\n(٥) انظر: زاد المسير (٨/ ١٣٨).\n(٦) في (ب) \" المتزمل أيضًا \" والسياق لا يحتمل زيادة \" أيضًا \".\n(٧) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ١٢٥)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ٣٣).\n(٨) انظر: جامع البيان (٢٩/ ١٢٤)، إعراب القرآن (٥/ ٣٨).\n(٩) في (ب) \" الجمل \".\n(١٠) في (ب) \" المتجمل \"، والصواب ما أثبت.\n(١١) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ١٢٥)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ٣٣).\n(١٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ٣٣)","vol":"1","page":3410},{"text":"وقيل: بدء (١) إيناس وإزالة وحشة، كما قال لموسى - ﵇ - (٢): ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾، [طه: ١٧].\nوقيل: معناه يا خاملَ الذكر (٣) سنرفع لك ذكرك (٤).\n﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾: أي للصلاة (٥) عند الجمهور.\nوقيام الليل: عبارة عن الصلاة فيه (٦).\nوقيل: قم الليل لقراءة القرآن، لقوله: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا﴾.\n﴿إِلَّا قَلِيلًا (٢)﴾: أي من الليل تنامُ فيه، وكان قيامُ الليلِ فرضًا عليه وحده لقوله: ... ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (٧).\nوقيل: عليه وعلى أصحابه، لقوله: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾، حتى نسخ بالصلوات الخمس بعد سنة.\nوقيل: بعد ثمانية أشهر.\nوقيل: بعد ستة عشر شهرًا.\nوقيل: نسخ بآخر السورة لقوله (٨): ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾.\nابن عباس - ﵄ -: \" بين أوّل سورة المزمّل وآخرها سنة \" (٩).\n_________\n(١) في (أ) \" إبدء \".\n(٢) \" قال لموسى - ﵇ - \" ساقطة من (ب).\n(٣) في (أ) \" يا حامل الذكر \".\n(٤) انظر القولين: في غرائب التفسير (٢/ ١٢٦٥).\n(٥) في (ب) \" أي: الصلاة \".\n(٦) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٤٠٩)، جامع البيان (٢٩/ ١٢٤)، النُّكت والعيون (٦/ ١٢٥)، زاد المسير (٨/ ١٣٨).\n(٧) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ١٢٥)، زاد المسير (٨/ ١٣٨).\n(٨) في (أ) \" وهو قوله \".\n(٩) انظر: جامع البيان (٢٩/ ١٢٤)، النُّكت والعيون (٦/ ١٢٥).","vol":"1","page":3411},{"text":"وقيل: بقي في حقّ النبي - ﷺ - فرضًا إلى عشرِ سنيَن ثم خَفّف عنه.\nوقيل: كان فرضًا عليه إلى أن قُبض - ﷺ - (١).\nوقيل: لم يكن قيام الليل فرضًا عليه بل كان تطوعًا؛ لأنه جعل الاختيار إليه في المقدار.\nفي (٢) قوله: ﴿نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾: الجمهور: على أن الله تعالى خيّره بين أن يقوم (٣) ثلثي الليل أو نصفه أو ثلثه (٤).\nواختلفوا، فذهب بعضهم: إلى أن نصفه بدل من القليل. وفيه ضعف؛ لأنَّ أحد النصفين مساوٍ للنصف الآخر، فلا يكون أحدهما قليلًا والآخر كثيرًا.\nوقيل: بدل من الليل بعد الاستثناء. وهذا أيضًا ضعيف لتلك العلة.\nوقيل: بدل من الليل قبل الاستثناء، وتقديره: قم الليل نصفه إلا قليلًا.\nوقال بعضهم: تقديره: قم الليل نصفه إلا قليلا من النصف، فقدّم المستثنى على المستثنى منه. كقوله:\nومالي إلا آل أحمدَ شيعة ... ومالي إلا مذهبَ الحقِّ مذهبُ (٥)\nوعلى هذين القولين لا يكون في الآية نصٌّ على النصف.\nوقال بعضهم: إلا قليلًا هو الثلث، ثم قال: قم نصفه.\nوقال بعضهم: لما قال: ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ كان مبهمًا ففسره بما بعده، فقال: ﴿نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ﴾ من النصف إلى الثلث ﴿أَوْ زِدْ﴾ على النصف إلى الثلثين.\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٩/ ١٢٤)، النُّكت والعيون (٦/ ١٢٥)، زاد المسير (٨/ ١٣٨)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ٣٢).\n(٢) \" في \" ساقطة من (أ).\n(٣) في (ب) \" من أن يقوم \".\n(٤) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٤٠٩)، جامع البيان (٢٩/ ١٢٤)، النُّكت والعيون (٦/ ١٢٦)، تفسير البغوي (٨/ ٢٤٦)، زاد المسير (٨/ ١٣٨).\n(٥) البيت للكميت بن زيد الاسدي، من قصيدة هاشمية، يمدح فيها آل النبي - ﷺ -، وقد ذكره الخليل في كتاب العين (١/ ٢٦٣)، مادة \" شَعَبَ \"، وابن منظور في لسان العرب (١/ ٤٩٧)، مادة \" شَعَبَ \"، وقد جاء فيهما بلفظ:\nومالي إلا آل أحمد شيعة ... ومالي ألا مشعب الحق مشعب","vol":"1","page":3412},{"text":"وقال بعضهم: أَوِ ﴿انْقُصْ﴾ من النص قليلا إلى الربع، قاس القليل الثاني على القليل الأول، فجعله نصف النصف، ﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ على الربع إلى الثلث، فيكون الختم ثلث الليل.\nوقال بعضهم: ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ يعود إلى أعداد الليل،وجاز لأن الليل للجنس، وتقديره: قم الليالي جميعًا إلا قليلًا من الأعداد يقع لك فيها أعذار.\nثم بين مقدار ما يقوم من الليل، فقال: ﴿نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾\nوقال الأخفش (١): \" تقديره: ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ أو ﴿نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾، فحذف أو؛ لأن ما بعده يدل عليه، كما تقول: له عليَّ درهم درهمان أو ثلاثة \" (٢).\nوقال بعضهم: هذا على حسب طول الليل وقصرها (٣)، فالنصف: إذا استوى الليل والنهار، أَوْ ﴿انْقُصْ﴾: إذا قصر الليل، ﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾: إذا طال الليل (٤). والله أعلم.\n﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا (٤)﴾: ابن عباس - ﵄ -: \" بينه تبيينًا \" (٥).\nأي: بَيِّنِ الحروفَ ووَفِّ حَقَّها، كأنك تفصل بين الحرف والحرف، مشتق من قولهم: ثغر رتل ورتِل (٦)، إذا كان مفلَّجًا (٧).\nوالترتيل: أداء (٨) الحروف وحفظ الوقوف (٩).\n_________\n(١) في (ب) \" الأخفس \".\n(٢) انظر: معاني القرآن (ص: ٢٩٨).\n(٣) في (ب) \" حسب الطول وقصرها \".\n(٤) انظر: معاني القرآن، للزَّجَّاج (٥/ ١٨٦)، غرائب التفسير (٢/ ١٢٦٥)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ٣٥)، البحر المحيط (١٠/ ٣١٢).\n(٥) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ١٢٦)، تفسير البغوي (٨/ ٢٥٠).\n(٦) (\" ... (ورتِلٌ \" ساقطة من (ب).\n(٧) انظر: إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٥/ ٣٨)، تفسير الثعلبي (١٠/ ٦٠)، لسان العرب (١١/ ٢٦٥)، مادة \" رَتَلَ \".\n(٨) في (ب) \" وأداء \".\n(٩) انظر: تفسير السَّمعاني (٦/ ٧٧)، لسان العرب (١١/ ٢٦٥)، مادة \" رَتَلَ \".","vol":"1","page":3413},{"text":"وقيل: معناه: اقرأ ثلاث آيات وأربع آيات (١)؛ لأنَّ ذلك أبلغ في التدبّر والتفكّر.\nسعيد بن جبير: \"معناه: فسِّره تفسيرًا \" (٢).\nوقيل: اقرأ على ترتيبه لا تقدّم مؤخرًا ولا تؤخّر مقدمًا.\nوقيل: تُفهّمه تاليًا له.\nوقيل: فصله تفصيلًا ولا تعجل في قراءته.\nقُطرب: \" ﴿رَبُّكَ﴾: أي ضَعِّفْ صوتَك واقرأْه (٣) بصوت حزين \" (٤).\nأمُّ سَلَمَة - ﵂ -: كان رسول الله - ﷺ - يقطع قراءته آية آية \" (٥).\nأنس - ﵁ -: \"كان النبي - ﷺ - يمدُّ (٦) صوته مَدًَّا \" (٧).\n﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ﴾: سننزلُ عليك.\n﴿قَوْلًا ثَقِيلًا (٥)﴾: يريد القرآن، أي: رَصِينًا رَزِينًا ليس بسفسافٍ خفيفٍ.\nوقيل: في الميزان يوم الحساب.\nوقيل: ﴿ثَقِيلًا﴾ حقًا، لأنَّ الحق ثقيل.\nوقيل: ﴿ثَقِيلًا﴾ (٨) على الكفار والمنافقين.\n_________\n(١) انظر: تفسير الثعلبي (١٠/ ٥٩) تفسير البغوي (٨/ ٢٥٠)\n(٢) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ١٢٦)، غرائب التفسير (٢/ ١٢٦٦).\n(٣) في (ب) \" واقرأه \".\n(٤) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢٦٦).\n(٥) أخرجه أبو داود في كتاب أول الحروف والقراءات، برقم (٤٠٠١).\n(٦) في (أ) \" كان يمدُّ النبي - ﷺ - صوته \".\n(٧) أخرجه البخاري (بنحوه) في كتاب فضائل القرآن، باب مدِّ القراءة، برقم (٥٠٤٥).\n(٨) في (ب) \" ثقيل \".","vol":"1","page":3414},{"text":"وقيل: ﴿ثَقِيلًا﴾ على النبي - ﷺ - لما يلحقه من المشاق في إبلاغه والمجاهدة به مع الكفار. وقيل: ﴿ثَقِيلًا﴾ بالأمر والنهي والحدود والحكام (١).\nويحتمل أن ﴿ثَقِيلًا﴾ صفة للمصدر أي: إلقاءً ثقيلًا. لما روي عن عائشة - ﵂ - قالت: لقد رأيته - تعني (٢) النبي - ﷺ - ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فينفصمُ عنه وإنّ جبينه ليتفصَّدُ (٣) عَرَقًا \" (٤).\nوعنها: أيضًا أنها (٥) قالت: «إن كان ليوحى إلى رسول الله - ﷺ - وهو على راحلته فيضرب بجرانها (٦») (٧).\nوعن عائشة - ﵂ -: أنَّ الحارث بن هشام (٨) سأل رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله كيف يأتيك الوحي؟ فقال: أحيانًا يأتيني مثل صلصلةِ الجرس، وهو أشدُّ عليّ، فينفصم عني وقد وعيت ما قال، وأحيانًا يتمثل الملك رجلًا فأعي ما يقول \" (٩).\n_________\n(١) وكل هذه الأوصاف تصدق على القرآن، والأولى الحمل على العموم كما قال ابن جرير - ﵀ -: \"\nوأولى الأقوال بالصواب في ذلك أن يقال: إن الله وصفه بأنَّه قول ثقيل، فهو كما وصفه به ثقيلٌ محمله، ثقيل العمل بحدوده وفرائضه \" [جامع البيان (٢٩/ ١٢٧)، وانظر: النُّكت والعيون (٦/ ١٢٦)، تفسير البغوي (٨/ ٢٥٢)، زاد المسير (٨/ ١٣٨)].\n(٢) في (ب) \" يعني \".\n(٣) في النسختين \" ليرفض \"، والصحيح ما أثبت.\n(٤) هذا الحديث تكملة لحديث الحارث بن هشام القادم.\n(٥) \" أنها \" ساقطة من (أ).\n(٦) الجِران: باطن العنق. [النِّهاية (١/ ٢٦٣)، مادة \" جَرَنَ \"].\n(٧) أخرجه الحاكم في مستدركه في كتاب التفسير، تفسير سورة المزمل، وقال الحاكم: \" هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. [المستدرك مع التلخيص (٢/ ٥٠٥)].\n(٨) الحارث بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو القرشي المخزومي، يكنى أبا عبد الرحمن، شهد بدرًا كافرًا مع أخيه أبي جهل وفرَّ حينئذ، وقتل أخوه وعُيِّرَ الحارث بن هشام لفراره ذلك، ثم غزا أحدًا مع المشركين أيضًا، ثم أسلم يوم الفتح وحسن إسلامه وكان من فضلاء الصحابة وخيارهم وكان من المؤلفة قلوبهم وممن حسن إسلامه منهم، سكن الشام. وقيل: إنه مات فيها بطاعون عمواس، وقيل: إنه استشهد يوم اليرموك. [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: الاستيعاب (١/ ٣٠٧)، الإصابة (١/ ٢٩٣) سير أعلام النبلاء (٤/ ٤١٩)].\n(٩) أخرجه البخاري في كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله - ﷺ -، برقم (٢)، ... وأخرجه مسلم في كتاب الفضائل، باب: عرق النبي - ﷺ - في البرد، وحين يأتيه الوحي، برقم (٦٠٠٩).","vol":"1","page":3415},{"text":"﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ﴾ ابن عباس وعكرمة: \" الليل كُلُّه ناشئةً؛ لأنها تنشأ بعد النهار \" (١).\nأنس - ﵁ -: \"مابين المغرب والعشاء \" (٢).\nوقيل: أوّل الليل. وقيل: بعد العشاء الآخرة إلى الصبح ﴿نَاشِئَةَ﴾.\nوقيل: الصلاة بعد النوم ﴿نَاشِئَةَ﴾.\nوقيل: ما أحياه المصلي من الليل فهو ﴿نَاشِئَةَ﴾.\nابن مسعود - ﵁ -: ﴿نَاشِئَةَ اللَّيْلِ﴾: \" قيام الليل بلغة الحبشة \" (٣).\nيقولون: نشأ إذا قام، والوجه: الساعات. تقول العرب: نشأت إذا ابتدأت وأقبلت شيئًا فشيئًا.\nوقيل: ﴿نَاشِئَةَ اللَّيْلِ﴾ مصدر، أي: ما ينشئه الرجل بالليل من القراءة والصلاة (٤).\nابن بحر: \" المعاني المستنبطة من القرآن \" (٥).\nقوله (٦): ﴿هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا﴾: أثقل على البدن. من قوله: - ﷺ - «أشدد وطأتك على مُضر» (٧)؛ لأنَّ الليل للنوم والدَّعَة فإذا صُرِفَ (٨) إلى الصلاة ثَقُلُ على المصلي.\nوقيل: ﴿أَشَدُّ وَطْئًا﴾: أبلغ في الثواب.\nوقيل: أشد ثباتًا من النّهار وأثبت في القلب.\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٩/ ١٢٨)، النُّكت والعيون (٦/ ١٢٧).\n(٢) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ١٢٧)، زاد المسير (٨/ ١٣٩).\n(٣) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ١٢٧)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ٤٠)، قال القرطبي - بعد ذكره لقول ابن مسعود - ﵁ -: \" فلعله أراد أنَّ الكلمة عربية، ولكنها شائعة في كلام الحبشة، غالبة عليهم، وإلا فليس في القرآن ما ليس في لغة العرب \".\n(٤) انظر: جامع البيان (٢٩/ ١٢٨)، النُّكت والعيون (٦/ ١٢٧)، زاد المسير (٨/ ١٣٩).\n(٥) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢٦٧).\n(٦) \" قوله \" ساقطة من (أ).\n(٧) سبق تخريجه (ص: ٣٨٢).\n(٨) في (أ) \" ضرف \".","vol":"1","page":3416},{"text":"وقيل: أبلغ (١).\nابن عيسى: ﴿أَشَدُّ وَطْئًا﴾ أي: قوة الفكر فيه أمكن وقعًا (٢) (٣).\n﴿وَأَقْوَمُ قِيلًا (٦)﴾: أصحُّ قولًا.\n﴿قُرِئَ أَشَدُّ وِطَاءً﴾ بالمدِّ (٤)، أي: موافقة.\nوالمعنى: يواطئ السَّمع والبصر القلبُ (٥) فيها أكثر مما يواطئ في ساعات النهار (٦).\n﴿وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ أشدّ استقامةً وصوابًا لفراغ البال.\nوقيل: أكثر نشاطًا.\nابن بحر: \" ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ﴾ المعاني المستنبطة من القرآن بترتيله ليلًا ﴿أَشَدُّ وَطْئًا﴾: أثبت وأبين أثرًا، وَأَقْوَمُ ﴿قِيلًا﴾ أصح مما يخرجه الأفكار نهارًا لخلوة السمع والبصر عن الاشتغال بالمدركات لأجل الظلمة \" (٧).\nوقيل: ﴿وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾: أعجل إجابة للدعاء (٨).\n﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا (٧)﴾: تصرفًا في حوائجك وإقبالًا وإدبارًا.\nوقيل: فراغًا طويلًا لنومك وراحتك.\nابن عيسى: \" السبح المرُّ السهل في الشيء كالمرور في الماء، ومنه السبح في الماء \" (٩).\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٩/ ١٢٩)، النُّكت والعيون (٦/ ١٢٧).\n(٢) في (أ) \" وقفًا \".\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) قرأ أبو عمرو وابن عامر ﴿أَشَدُّ وِطَاءً﴾ بكسر الواو ممدودة، وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم وحمزة والكسائي ﴿أَشَدُّ وَطْئًا﴾ [انظر: جامع البيان (٢٩/ ١٢٩)، السَّبعة (ص ٦٥٨)، الحُجَّة (٦/ ٣٣٥)].\n(٥) في (ب) \" والقلب \".\n(٦) انظر: جامع البيان (٢٩/ ١٣٠)، الحُجَّة (٦/ ٣٣٥).\n(٧) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢٦٧).\n(٨) انظر: جامع البيان (٢٩/ ١٣٠)، النُّكت والعيون (٦/ ١٢٧).\n(٩) لم أقف عليه.","vol":"1","page":3417},{"text":"وقيل: السبح العمل والتقلب (١).\nوقرئ بالخاء (٢)، أي: تخفيفًا من قوله - ﷺ - \" لا تُسَبِّخي عنه دعائك عليه \" (٣)، أي: لا تخفّفي عنه بدعائك عليه (٤).\n﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾: اُدْعُهُ بأسمائه الحسنى.\nوقيل: اُذْكُره (٥) في صلاتك التي أمرت بها (٦).\nوذهب جماعة إلى أن المعنى: أذكر ﴿الرَّحِيمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ بِسْمِ﴾ إذا أردت قراءة القرآن أو الصلاة (٧).\n﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (٨)﴾: انقطع إليه بعبادتك وأخلص إليه إخلاصًا (٨).\nوالقياس تبتُّلًا، ولكن لما كان التبتل من حروفه عدل إليه لموافقة رؤوس الآي؛ لأنَّ ... خَطَّ (٩) القرآن من أحسن النظم (١٠)، والوصف فوق كل خط.\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٩/ ١٣١)، النُّكت والعيون (٦/ ١٢٧)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ٤٢).\n(٢) أي: ﴿سَبْخًَا﴾، وهي قراءة شاذة قرأ بها يحي بن يعمر وعكرمة وابن أبي عبلة. [انظر: جامع البيان (٢٩/ ١٣٢)، شواذ القراءات (ص: ٤٩٠)، البحر المحيط (١٠/ ٣١٥)].\n(٣) حديث عائشة - ﵂ - أخرجه أبو داود في سُننه في كتاب الوتر، باب الدعاء، برقم (١٤٩٧)، وأخرجه في كتاب الأدب، باب: فيمن دعا على من ظلمه، برقم (٤٩٠٩)، وتمام الحديث: \" عن عطاء عن عائشة قالت: سُرِقت مِلْحفة لها فجعلت تدعو على من سرقها فجعلَ النبي - ﷺ - يقول: «لا تُسَبِّخي عنه»، قال أبو داود: \" لا تُسَبِّخِي، أَيْ: لا تُخَفِّفِي عَنْهُ \".\n(٤) قال ابن جرير - ﵀ -: \" والتسبيخ: توسيع القطن والصوف وتنفيشه، يقال للمرأة: سبِّخِي قطنك أي: نَفِّشِيه ووسِّعِيه ... وإنما عني بقوله: ﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا (٧)﴾: إنَّ لك في النهار سعة لقضاء حوائجك وقومك \" [جامع البيان (٢٩/ ١٣٢)].\n(٥) في (ب) \" أذكر \".\n(٦) انظر: جامع البيان (٢٩/ ١٣٢)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ٤٣).\n(٧) وهو مروي عن سهل وابن بحر. [النُّكت والعيون (٦/ ١٢٨)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ٤٤)].\n(٨) انظر: جامع البيان (٢٩/ ١٣٢)، النُّكت والعيون (٦/ ١٢٨).\n(٩) في (ب) \" حظ \".\n(١٠) في (أ) \" من جنس النظم \".","vol":"1","page":3418},{"text":"ويحتمل أن المعنى ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ﴾ تُبتلك تبتيلا، كما قال: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ [نوح: ١٧] أي: وتنبتون نباتًا.\nوالتبتل: الانقطاع إلى الله بتأميل الخير منه دون غيره (١).\n﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾: أي: هو رب المشرق ورب المغرب.\nوقيل: رفع بالابتداء.\n﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ خبره، وقرئ بالجر بدل من قوله: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ [الأعلى: ١].\nوقيل: بدل من الهاء في قوله: ﴿إِلَيْهِ﴾ (٢).\nوالمعنى: رب العالم بما فيه (٣).\nوقيل: رب الليل والنهار. وقد سبق.\n﴿فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (٩)﴾: حفيظًا يحفظك ويتولاك.\nوقيل: كفيلًا بما وعدك. وقيل: قيمًا بأمورك.\n﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾: أي لله من الولد والصاحبة والشريك.\nوقيل: على ما يقولون لك: من الساحر والكاهن والمجنون (٤).\n﴿وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا (١٠)﴾: قيل: هو كقوله: ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ [الحجر: ٨٥]، وكقوله: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ﴾ [الزخرف: ٨٩].\nوقيل: هو إظهار الجفوة من غير ترك الدعوة.\n_________\n(١) انظر: تفسير الثعلبي (١٠/ ٦٣)، المفردات (ص: ١٠٧)، مادة \" بَتَلَ \".\n(٢) قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحفص عن عاصم ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ﴾ رفعًا للباء، وقرأ عاصم في رواية أبى بكر وابن عامر وحمزة والكسائي ﴿رَبِّ المَشْرِقِ﴾ كسرًا للباء. [انظر: جامع البيان (٢٩/ ١٣٣)، السَّبعة (ص: ٦٥٨)، الحُجَّة (٦/ ٣٣٦)].\n(٣) انظر: جامع البيان (٢٩/ ١٣٣).\n(٤) انظر: جامع البيان (٢٩/ ١٣٣)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ٤٥).","vol":"1","page":3419},{"text":"وقيل: هو لقوله: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ﴾ [النساء: ٦٣].\nالكلبي وقتادة: \"منسوخة بآية السيف \" (١).\n﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ﴾: أي: دعني وإياهم، ولا تهتم بشأنهم (٢)، فأني أكفيكهُ.\n﴿أُولِي النَّعْمَةِ﴾: التنعّم بالنِّعمة، والنِّعمة بالكسر الثروة، والنُّعمة بالضم: السرور (٣).\nوهذا وعيد للمطعمين يوم بدر. وقد سبق.\nوقيل (٤): في صناديد قريش.\nوقيل: في بني المغيرة، ووصفهم بالنعمة توبيخًا لهم على ترك الشكر، وتبيينا إنه أطغاهم استغناؤهم (٥).\n﴿وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا (١١)﴾: إلى يوم بدر، وكان بين نزول الآية، وبين يوم بدر زمان يسير. وقيل: إلى يوم القيامة (٦).\n﴿إِنَّ لَدَيْنَا﴾: أي للكافرين.\n﴿أَنْكَالًا﴾: قيودًا (٧)، وأغلالًا إهانةً لهم لا خوفًا من فرارهم (٨).\nمقاتل: \" أنواعًا من العذاب يوجب النُّكول عن ما يوجب ذلك \" (٩).\n﴿وَجَحِيمًا (١٢)﴾: نارًا عظيمًا (١٠).\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٩/ ١٣٤)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ٤٥)، ولم يذكرا الكلبي.\n(٢) في (أ) \" لشأنهم \".\n(٣) وهذا لغة. [انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ١٨٩)، البحر المحيط (١٠/ ٣١٦)].\n(٤) \" وقيل \" ساقطة من (أ).\n(٥) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ١٢٩)، زاد المسير (٨/ ١٤١)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ٤٥).\n(٦) انظر: جامع البيان (٢٩/ ١٣٤)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ٤٦)، البحر المحيط (١٠/ ٣١٦).\n(٧) في (أ): ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا﴾: أي للكافرين قيودًا \".\n(٨) انظر: جامع البيان (٢٩/ ١٣٤)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ١٨٨).\n(٩) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٤١٠).\n(١٠) كذا في النُّسختين، والأولى \" نارًا عظيمة \".","vol":"1","page":3420},{"text":"﴿وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ﴾: الضَّريع والزقوم يغص في الحلق ولا يسوغ.\n﴿وَعَذَابًا أَلِيمًا (١٣)﴾: يخلص وجعه إلى القلب (١).\nوجاء في التفسير، أنه لما نزلت هذه الآية خرَّ النبي - ﷺ - مغشيًا عليه (٢).\n﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ﴾: تتحرّك أغلظ حركة بمن عليها، ... وهي: الزلزلة (٣).\n﴿وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا (١٤)﴾: وتصير الجبال رملًا مصبوبًا.\nوقيل: سائلًا (٤).\nالفَرَّاء: \" هو الذي إذا حركت أسفله ينهال عليك \" (٥).\n﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ﴾: يا أهل مكة ﴿رَسُولًا﴾: يعني محمد - ﷺ -.\n﴿شَاهِدًا عَلَيْكُمْ﴾: يوم القيامة بالإجابة والامتناع.\n﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥)﴾: يعني موسى ابن عمران (٦) - ﵇ -.\n﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا (١٦)﴾: ثقيلًا شديدًا (٧).\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٩/ ١٣٤)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ١٨٨)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ٤٦).\n(٢) أخرج ابن جرير في جامع البيان (٢٩/ ١٣٥)، عن حمران بن أعين: «أن النبي - ﷺ - قرأ ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا (١٢) وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا (١٣)﴾ فصعق - ﷺ -».\n(٣) انظر: جامع البيان (٢٩/ ١٣٥)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ١٨٨).\n(٤) انظر: جامع البيان (٢٩/ ١٣٦)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ٤٧).\n(٥) معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ١٩٨).\n(٦) \"ابن عمران \" ساقط من (أ).\n(٧) \" شديدًا \" ساقطة من (أ).","vol":"1","page":3421},{"text":"وقيل: متتابعًا وقيل: مهلكًا.\nوقيل: من قوله: استوبلت: استثقلتُ (١).\nوالوابل: الشديد من المطر (٢) (٣).\n﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا﴾: أي كيف تتقون عذاب يوم، فحذف المضاف، ويوم مفعول به.\nوقيل: معناه: كيف لكم التقوى في يوم القيامة وقد كفرتم في الدنيا، أي: لا ينفع التقوى إذا وافيتم القيامة كفارًا، فيكون اليوم ظرفًا.\nوقوله: ﴿يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا (١٧)﴾: صفة لليوم، والفاعلُ مضمرٌ يعودُ إليه (٤).\nوقيل: تقديره يجعل الله فيه الولدان شيبا من هَوله وشدّته، وذلك حين يقال لآدم - ﵇ -: قم\nفابعث بعث النار من ذريتك (٥).\nقيل: هم أولاد الزنا.\nوقيل: أولاد الكفار (٦).\nوقيل: يجعل الولدان شبابًا. وهذا خطأ حكاهُ النقاش (٧).\nوهذا مَثل ضربه الله للشدة (٨) (٩).\n﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ﴾: أي منشقةٌ واهية.\n﴿بِهِ﴾: قيل: الباء بمعنى: في، أي في ذلك اليوم. وقيل: بسبب ذلك اليوم (١٠).\nالزَّجَّاج: \" متعلقة بالله \" (١١).\nالحسن: \" متعلقة بيوم القيامة \" (١٢).\n﴿كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا (١٨)﴾: كائِنًا.\n﴿إِنَّ هَذِهِ﴾: أي السورة والموعظة (١٣).\n﴿تَذْكِرَةٌ﴾: تذكير للخلق (١٤).\n﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (١٩)﴾: أي بالإيمان (١٥).\nوقيل: من شاءَ أن يرغب فليرغب.\nوقيل: فليعمل عملًا صالحًا.\n﴿* إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ﴾: معنى (١٦) ﴿أَدْنَى﴾: أقرب. وقيل: أسفل، من قوله: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٩]. وقيل: معناه (١٧) أقل قُربى (١٨) (١٩).\n﴿وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ﴾: بالنصب والجر (٢٠). فمن جرَّه: جعل المعنى ﴿تَقُمْ﴾ (٢١) قريبًا من هذه المقادير.\nومن نصبه: عطفه على ﴿أَدْنَى﴾، فيكون المعنى: ﴿تَقُمْ﴾ أقل من الثلثين، و﴿تَقُمْ﴾ (٢٢) نصفه وثلثه (٢٣).\nوقال بعضهم: لم يعرفوا (٢٤) المقادير فقاموا الليل كله، فيكون المعنى: إن ربك يعلم أنك أمرت أن تقوم أدنى من هذه المقادير وتقوم أنت الليل كله (٢٥).\nوقيل: ﴿أَدْنَى﴾ من ثلثيه مرة ووقتًا، ومن نصفه وقتًا، ومن ثلثه وقتًا (٢٦) (٢٧).\nابن بحر: \" معناه أنه أدّاه كما أمر أوّل السورة \" (٢٨).\n﴿وَطَائِفَةٌ﴾ أي: ويقوم طائفة.\n﴿مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾: أي آمنوا معك، يعني الصحابة.\n﴿وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾: أي هو سبحانه يعلم مقاديرها ومواقيتها، وليس تحقيق ذلك في طوق البشر.\n﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾: لن تطيقوا (٢٩) على هذه المقادير.\n_________\n(١) \" استوبلت \" ساقطة من (ب).\n(٢) في (ب) \" مهلكًا، والوابل الشديد من المطر، وقيل: هو من قولهم: استوبلت \".\n(٣) انظر: جامع البيان (٢٩/ ١٣٦)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ١٨٨)، النُّكت والعيون (٦/ ١٣٠).\n(٤) انظر: البيان؛ لابن الأنباري (٢/ ٤٧١)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ٤٩).\n(٥) انظر: جامع البيان (٢٩/ ١٣٩)، تفسير مقاتل (٣/ ٤١١).\n(٦) والأولى الحمل العموم، وهو اختيار القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ٤٩)، وأبي حيان في البحر المحيط (١٠/ ٣١٨).\n(٧) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢٦٨).\n(٨) في (أ): وقيل هذا مثل ضرب للشدة. وقيل: يجعل الولدان شبابًا وهذا خطأ حكاه النقاش.\n(٩) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢٦٨).\n(١٠) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ١٨٩)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ٥٠)، البحر المحيط (١٠/ ٣١٩).\n(١١) انظر: معاني القرآن (٥/ ١٨٩).\n(١٢) انظر: جامع البيان (٢٩/ ١٣٨)، تفسير القرآن العظيم (٤/ ٤٦٧).\n(١٣) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ١٨٩)، البحر المحيط (١٠/ ٣١٩).\n(١٤) في (ب) \" تذكير الخلق \".\n(١٥) في (ب) \" بان \".\n(١٦) في (أ) \" ونصفه وثلثه \".\n(١٧) \" معناه ساقط من (ب) \".\n(١٨) انظر: جامع البيان (٢٩/ ١٣٩)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ٥٢).\n(١٩) قال أبو حيَّان - في تفسير قوله تعالى ﴿أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ﴾: \" أي زمانًا هو أقلُّ من ثلثي الليل، واستعير الأدنى، وهو الأقرب للأول؛ لأنَّ المسافة بين الشيئين إذا دنت قلَّ ما بينهما من الأَحْيَاز، وإذا بعدت كثر ذلك \". [البحر المحيط (١٠/ ٣١٩)].\n(٢٠) قرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر ﴿ونصفِه وثلثِه﴾ كسرًا للفاء، ثم للثاء الثانية، وقرأ الباقون ﴿وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ﴾ نصبًا فيهما. [انظر: جامع البيان (٢٩/ ١٣٩)، السبعة (ص: ٦٥٨ (، معاني القراءات (ص: ٥١٢)].\n(٢١) في (أ) \" يقوم \".\n(٢٢) في (أ) \" ويقوم \".\n(٢٣) انظر: معاني القراءات (ص: ٥١٢)، الحُجَّة (٦/ ٣٣٧).\n(٢٤) في (أ) \" لم تُعرف \".\n(٢٥) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢٦٩)\n(٢٦) \"وقتًا \" ساقطة من (أ).\n(٢٧) انظر: إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٥/ ٤٢).\n(٢٨) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢٦٩).\n(٢٩) في (ب) \" تطيقوه \".","vol":"1","page":3422},{"text":"وقيل: لن تقدروا على إحصاء أجزاء الليل ودقائقه (١).\nويحتمل لن تعلموا مواقيته من الحصَاة، وهي: العقل (٢).\n﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾: فخفف عليكم ووضع عنكم.\nوقيل: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ إن لزمكم ذنب بتركه.\nوقيل: رَخَّصَ لكم في ترك ذلك (٣).\n﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ﴾: ما أحببتم وأردتم.\n﴿مِنَ الْقُرْآَنِ﴾: أي من السور القصار، يريد في الصلاة النافلة.\nوقيل: في الفرض. وقيل: خارج الصلاة. وهذا حُجّة من قال: قم الليل لقراءة ... القرآن (٤).\nالسُّديّ: \" ما تيسّر: مائتا آية \" (٥).\nابن عباس - ﵄ - مائة آية \" (٦).\nالحسن: \" من قرأ مائة آية في ليلة (٧) لم يحاجّه القرآن \" (٨).\nوقيل: ثلاث آيات كأقصر سورة (٩). ثم ذكر سبب التَّخفيف فقال:\n﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ﴾ أي: أنه سيكون مخفّف، ﴿مِنْكُمْ مَرْضَى﴾ فيشق عليهم قيام الليل.\n﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ﴾: يريد يسافرون ... للتجارة (١٠).\nوجاء مرفوعًا \" من فضل الله لطلب العلم \" (١١).\n﴿وَآَخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: هم المجاهدون.\n﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾: في صلاة المغرب والعشاء (١٢).\n﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾: أي: (١٣) المفروضة.\n﴿وَآَتُوا الزَّكَاةَ﴾: الواجبة.\nوقيل: صدقة الفطر.\nابن عباس - ﵄ -: \"الطاعة والإخلاص له \" (١٤).\n﴿وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾: النوافل من الصدقة، أي وسماه (١٥) قرضًا تأكيدًا للجزاء.\nوقيل: القرضُ الحسن يقع على جميع الطاعات.\nوقوله: ﴿حَسَنًا﴾ أي (١٦): خالصًا.\nوَمَا ﴿تُقَدِّمُوا﴾: تسلفوا ﴿لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ﴾: حسنة.\n﴿تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾: لأنَّ الله يعطي المؤمنين (١٧) أجرهم بغير حساب.\nوقيل: خيرًا من الشح والمنع.\n﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ﴾: من تقصير وذنب وقع منكم.\n﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾: لمن تاب.\n﴿رَحِيمٌ (٢٠)﴾: لمن استغفر.\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٩/ ١٤٠)، النُّكت والعيون (٦/ ١٣٢).\n(٢) انظر: لسان العرب (١٤/ ١٨٣) مادة \" حَصَيَ \".\n(٣) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ١٣٣)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ٥٣).\n(٤) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ١٣٣)، المحرر الوجيز (٥/ ٣٩٠)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ٥٣).\n(٥) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ١٣٣)، وقد روى عنه ابن جرير في جامع البيان (٢٩/ ١٤١) \" مائة آية \".\n(٦) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ١٣٣).\n(٧) في (ب) \" في الليل \".\n(٨) جامع البيان (٢٩/ ١٤١)، تفسير الثعلبي (١٠/ ٦٥).\n(٩) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ١٣٣).\n(١٠) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٤١١)، جامع البيان (٢٩/ ١٤١)، المحرر الوجيز (٥/ ٣٩١).\n(١١) لم أقف عليه.\n(١٢) الآية شاملة للفرض والنفل، وهي في النفل لظاهر الآية، فلا وجه لتخصيصه بالمغرب والعشاء، بل لقيام الليل، والله أعلم.، وانظر: جامع البيان (٢٩/ ١٤١)، المحرر الوجيز (٥/ ٣٩١)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ٥٣).\n(١٣) \" أي \" ساقطة من (أ).\n(١٤) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ١٣٤)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ٥٨).\n(١٥) في (أ) \" من الصدقة سمّاه \".\n(١٦) \" أي \" ساقطة من (ب).\n(١٧) في (ب) \" المؤمن \".","vol":"1","page":3423},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-180>سورة المُدَّثِّر </span>(١)\nخمسون آية (٢) (٣) مكية (٤)\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾: في سبب النزول: قال جابر - ﵁ -: أحدثكم ما حدثنا رسول الله - ﷺ - قال رسول الله - ﷺ -: «إنّي جاورتُ بحراء شهرًا، فلمَّا قضيتُ جواري نزلتُ فاستبطنت بطن الوادي (٥)، فنوديتُ فنظرتُ أمامي وخلفي وعن يميني وعن شمالي، ثم نظرتُ إلى السماء فإذا هو على العرش في الهواء - يعني جبريل - ﵇ - فأخذتني رجفةٌ فأتيتُ خديجة، فأمرتهم فدثروني، ثم صبوا عليَّ الماءَ فأنزلَ الله - تعالى - عليَّ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾» (٦).\n﴿قُمْ فَأَنْذِرْ (٢)﴾: فهو خطاب للنبي - ﷺ - وأصله [المتدثر فأدغم، والمعنى] (٧): المتدثر للنوم، واشتقاقه: من الدثار وهو ما يعلوا الشِّعار (٨).\n_________\n(١) وهو اسمها لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾، وبه سُمِّيت في المصاحف وكتب السنة والتفسير. [انظر: بصائر ذوي التمييز (١/ ٤٨٨)، التحرير والتنوير (٢٩/ ٢٩١)].\n(٢) \"خمسون آية \" ساقطة من (ب).\n(٣) قال الدَّاني: \" وهي خمسون وخمس آيات في المدني الأخير والمكي والشامي وست في عدد الباقين \" [البيان؛ للداني (ص: ٢٥٨)].\n(٤) وقد حكى الإجماع على ذلك غير واحدٍ من المفسرين، منهم ابن عطية في المحرر الوجيز (٥/ ٣٩٢)، وابن الجوزي في زاد المسير (٨/ ١٤٤).\n(٥) في (ب) \" فاستبطنت الوادي \".\n(٦) أخرجه البخاري في كتاب التفسير، تفسير سورة المدثر، برقم (٤٩٢٢)، ومسلم في كتاب الإيمان، باب: بدء الوحي إلى رسول الله - ﷺ -، برقم (٤٠٧).\n(٧) ما بين المعقوفتين ساقط من (ب).\n(٨) قال السَّمعاني: \" والفرق بين الشِّعار والدِّثار أنَّ الشِّعار هو الثوب الذي يلي جلد الإنسان، والدثار هو الثوب الذي فوق ذلك \". [تفسير السمعاني (٦/ ٨٨)].","vol":"1","page":3424},{"text":"عكرمة: \" يا أيها المدَّثِّر بالنبوة وأثقالها قد تدثّرتَ هذا الأمرَ فقم به \" (١).\nالمبرد: \" المُدَّثِّر: (٢) هو الملقى عليه الدثار \" (٣).\nابن عيسى: \" هو من: دثر الرسم: إذا انمحى أثرُهُ، كأنه قيل: يا أيها الطالب صرفَ الأذى بالدِّثار أطلبه بالإنذار \" (٤).\nوقيل: معناه لا تنم عما أمرتك به، ولا تستعمل الهوينا فيه، بل قم، وارفض (٥) الراحةَ، وبلَّغ الرسالةَ، وأنذر الكفرةَ موضع المخافة مما هم (٦) عليه ليتّقوه بطاعتي.\nوقيل: أنذرهم عذاب الله ووقائعه في الأمم الخالية.\nوهو أول ما نزل (٧).\nوقيل: أول ما نزل بعد \"سورة اقرأ \" (٨).\nوقيل: لمّا قال الوليد بن المغيرة في دار الندوة: ليس كلامه شعرًا ولا هو كاهنٌ،إن هذا إلا سحرٌ يؤثر، إن هذا إلا قول البشر، عاد إلى منزله، وقال: «دثروني، فألقيت عليه قطيفة حمراء استراحة إلى النوم من الغم»، فنزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ \"﴾ (٩).\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٩/ ١٤٤)، النُّكت والعيون (٦/ ١٣٥).\n(٢) \" المدَّثِّر \" ساقطة من (أ).\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) لم أقف عليه.\n(٥) في (ب) \" وارض \"، والصواب ما أثبت.\n(٦) في (ب) \" فما هم \".\n(٧) وهو خلاف رأي الجمهور، وقد ذكر هذا القول ابن جرير من رواية جابر بن عبد الله الأنصاري قال: قال رسول الله - ﷺ - وهو يحدث عن فترة الوحي -: بينا أنا أمشي سمعت صوتًا من السماء فرفعت رأسي فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض، قال رسول الله: فجثثت منه فرقًا، وجئت أهلي فقلت: زملوني زملوني فدثروني، فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣)﴾ \" [جامع البيان (٢٩/ ١٤٣)].\n(٨) أي بعد فتور الوحي وانقطاعه فترة من الزمن، وهو رأي الزُّهري كما في تفسير عبد الرزاق (٣/ ٣٢٧)، قال السَّمعاني: \" ويمكن الجمع بين الروايتين فيقال: إنَّ \" سورة اقرأ \" أول ما نزل من القرآن حين بدئ بالوحي، و\"سورة المدثر \" أول ما نزل بعد فتور الوحي، والله أعلم \". [تفسير السمعاني (٦/ ٨٧)].\n(٩) انظر: الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ٦٠)، تفسير البيضاوي (٢/ ٥٤١).","vol":"1","page":3425},{"text":"﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣)﴾: صِفْهُ بِكِبَرِ الشَّأن، وجلالة السُّلطان (١).\n﴿وَثِيَابَكَ﴾: أي: الثياب الملبوسة.\n﴿فَطَهِّرْ (٤)﴾: نقّها مما يفسدُ الصلاة.\nوقيل: طَهِّرها من الذنوب فيها، من قولهم: فلان نقى الثياب، وضده خبيث الثياب. وقيل: لا تكن غادرًا، فإنَّ الغادر (٢) يسمى: دَنِس الثياب.\nقيل: لا تلبس من مكتسبٍ غير طيّب. وقيل: قصّرها.\nوقيل: ﴿وَثِيَابَكَ﴾: قلبك، أي: فرّغ قلبك من قول الوليد بن المغيرة.\nوقيل: عملك.\nقال النبي - ﷺ -: «يحشر المرءُ في ثوبيه اللذين مات فيهما» (٣)، يعني عمله (٤) الصالح أو الطالح.\nوقيل: كناية عن النساء، أي: اختر أزواجًا مؤمنات، من قوله: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ﴾، [البقرة: ١٨٧].\nوقيل: من الحيض.\nوقيل: نفسك، أي: أصلح نفسك من قولهم: فداك ثوبي أي نفسي.\n﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥)﴾: أي: فاهجر ما يؤدي إلى العذاب.\nوقيل: ﴿الرُّشْدُ﴾ الصَّنم.\nوالكسر والضم لغتان (٥).\n_________\n(١) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٤١٣)، جامع البيان (٢٩/ ١٤٤).\n(٢) في (ب) \" للغادر \".\n(٣) أورده الماوردي في النكت والعيون (٦/ ١٣٦)، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ٦٢).\n(٤) في (ب): \" عمل \".\n(٥) وهما قراءتان صحيحتان، فقد قرأ حفص عن عاصم ﴿وَالرُّجْزَ﴾ بضم الرَّاء، وقرأ الباقون وأبو بكر عن عاصم ﴿وَالرُّجْزَ﴾ بكسر الرَّاء. [انظر القراءة وتوجيهها: السَّبعة (ص: ٦٥٩)، معاني القراءات (ص: ٥١٣)، الحُجَّة (٦/ ٣٣٨)].","vol":"1","page":3426},{"text":"وقيل: الكسر العذاب، من قوله: لَئِنْ ﴿كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ﴾، [الأعراف: ١٣٤].\n﴿الرُّشْدُ﴾ الصَّنم، وسمي الصَّنم رجزًا؛ لأنه [يؤدي إلى العذاب.\nوقيل: لأنه] (١) يُعَذَّبُ الكافرُ به، من قوله: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [البقرة: ٢٤].\nوقيل: الرجز الشرك.\nوقيل: الذنب والإثم.\nوقيل: الظلم.\nومعنى: ﴿فَاهْجُرْ﴾ أي: أترك.\nوالهجران: يأتي بمعنى الدوام على الترك. وهذا منه.\n﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦)﴾: أي: لا تعطِ أحدًا عطيةً تلتمسُ بها أفضلَ منها، فإنَّك مأمورٌ بأجلِّ (٢) الأخلاق.\nوقيل: لا تمنن على الله بحسناتك.\nوقيل: لا تمنن على الناس بأداء الرسالة مستكثرًا بها الأجر منهم.\nوقيل: معنى: لا تمنن: لا تضعف أن تستكثر من الخير.\nو﴿تَسْتَكْثِرُ﴾: حكاية حال، أو تقدير حال.\n﴿وَلِرَبِّكَ﴾: أي لأمره.\nوقيل: لوعده.\nوقيل: لوجهه.\n﴿فَاصْبِرْ (٧)﴾: على أداء الرسالة وتعظيم الحق.\n_________\n(١) ما بين المعقوفتين ساقط من (ب).\n(٢) في (ب) \" أجل \".","vol":"1","page":3427},{"text":"وقيل: على (١) انتظار ثواب عملك من الله.\n﴿فَإِذَا نُقِرَ﴾: نفخَ.\n﴿فِي النَّاقُورِ (٨)﴾: في الصور، فاعول من النقر، أي: من شأنه أن ينقر (٢).\nوأصله التصويت كنقر الطائر الشيء بمنقاره.\nقيل (٣): هي النفخة الأولى.\nوقيل: الثانية يجيء الناس عندها.\nوهذا حجة لمن جعل الصُّور ما يُنْفَخُ فيه لا جمع صورة، كما ذهب إليه بعضهم (٤).\nوقيل: فِي ﴿النَّاقُورِ﴾ القلب، فهو كقوله: ﴿فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النمل: ٨٧] (٥).\n﴿فَذَلِكَ﴾: إشارة إلى وقت النقر، وهو مبتدأ و﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ خبره (٦).\nوقيل: إشارة إلى النقر ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ من صلته و﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ خبره على تقدير نقره يوم عسير تشتد فيه الكلفة (٧).\n﴿عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (١٠)﴾: توكيد وهو القليل الكلفة.\n﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١)﴾: نزلت في الوليد بن المغيرة، أي: لا تهتم بأمره فإني أكفيكه (٨) (٩).\n_________\n(١) \" على \" ساقطة من (أ).\n(٢) في (ب) \" تنقر \".\n(٣) في (أ) \" وقيل \".\n(٤) انظر: جامع البيان (٢٩/ ١٥٠)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٣/ ١٩٢)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ٦٩).\n(٥) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ١٣٨)، غرائب التفسير (٢/ ١٢٧٢).\n(٦) في (ب) \" ﴿فَذَلِكَ﴾: إشارة إلى وقت النقر، وهو مبتدأ ﴿يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩)﴾.\n(٧) في (ب) \" وقيل: إشارة إلى النقر و﴿يَوْمَئِذٍ﴾ من صلته و﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ خبره على تقدير نقرَ يوم عسير يشتد فيه الكلفة \".\n(٨) في (أ) \" لأمره فإني أكفيه \".\n(٩) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٤١٣)، جامع البيان (٢٩/ ١٥٢)، أسباب النزول؛ للواحدي (ص: ٣٦٣).","vol":"1","page":3428},{"text":"وقوله: ﴿وَحِيدًا﴾ يجوز أن يكون من صفة الله - تعالى -، أي خلقته بلا معين.\nويجوز أن يكون من صفة الوليد، أي خلقته وحيدًا صغيرًا ضعيفًا لا مال له ولا ولد (١).\nوقيل: ﴿وَحِيدًا﴾ لغير رشدة، كما نزل فيه ﴿زَنِيمٍ﴾ [القلم: ١٣]، أي: ملحق بالقوم ليس منهم (٢).\nقال الحسن: \" كان يُدعى الوليد الوحيد \" (٣).\nوأنكر صاحب النظم أن يكون ﴿وَحِيدًا﴾ صفةً لله - تعالى -؛ لأنه على تفرّد بعد ... تجمع (٤)، والله - تعالى - لا يوصف بذلك (٥). والجمهور على الأول.\n﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (١٢)﴾ ابن عباس - ﵄ -: \"ألف ... دينار \" (٦).\nوقيل: أربعة آلاف دينار.\nوقيل: مائة ألف.\nوقيل: الأنعام تنمى بالنتاج وتمتدّ في الأرض بالرعي.\nوقيل: أرض مُغلّة لا تنقضي لها غلّة حتى تأتي (٧) لها أخرى.\nوقيل: نخيلًا وأشجارًا (٨).\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٩/ ١٥٢)، النُّكت والعيون (٦/ ١٣٩)، تفسير السَّمعاني (٦/ ٩١)، زاد المسير (٨/ ١٤٧).\n(٢) انظر: تفسير السَّمرقندي (٣/ ٤٩٢)، غرائب التفسير (٢/ ١٢٧٢).\n(٣) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢٧٣)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ٧٠).\n(٤) في (أ) \" بعد جمع \".\n(٥) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢٧٣).\n(٦) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ١٣٩)، زاد المسير (٨/ ١٤٨).\n(٧) في (ب) \" يأتي \".\n(٨) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ١٣٩)، تفسير الثعلبي (١٠/ ٧١).","vol":"1","page":3429},{"text":"﴿وَبَنِينَ شُهُودًا (١٣)﴾: حضورا معه يستمتع برؤيتهم ويستمتعون لا يغيبون (١) في\nطلب المعاش لغناه.\nوكانوا عشرة.\nوقيل: اثني عشر.\nوقيل: شهودًا نجباء أخيارًا يشهدون مواضع (٢) الفِخَار وبقاع النِّزال.\nوقيل: إذا ذُكر ذُكروا معه.\n﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (١٤)﴾: بسطت له في الأرض ورئاسة القوم ومكنته، من التمتع في صحة البدن.\n﴿ثُمَّ يَطْمَعُ﴾: تقديره: فعاند، وكفر، ثم يطمع.\n﴿أَنْ أَزِيدَ (١٥)﴾: فحذف لأن أوّل الكلام يدلّ عليه.\nوقيل: ﴿يَطْمَعُ﴾ أن أدخله الجنة.\nوقيل: ﴿يَطْمَعُ﴾ أن أنصره.\n﴿كَلَّا﴾: ردع وزجر، أي: لا يجمع له بعد اليوم بين الكفرِ والمزيد من النعم، فلم يزل بعد نزولِ الآية في نقصانٍ من المال والجاه وماتَ فقيرًا (٣).\nوقيل: زجرَ عن الطمع في الجنة.\n﴿إِنَّهُ كَانَ لِآَيَاتِنَا عَنِيدًا (١٦)﴾: للقرآن.\nوقيل: لمحمد - ﷺ -.\nوقيل: للحق.\nوالعنيد: الذاهب عن الشيء على طريق الغباوة (٤).\n_________\n(١) في (أ) \" لا يعيبون \".\n(٢) في (ب) \" لمواضع \".\n(٣) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٤١٦)، النُّكت والعيون (٦/ ١٤٠)، غرائب التفسير (٢/ ١٢٧٣)،.\n(٤) انظر: المفردات (ص: ٥٩٠).","vol":"1","page":3430},{"text":"وقيل: معاندًا. وقيل: جاحدًا.\nوقيل: معرضًا، من قولهم: ناقة عنود: إذا نفرت (١)، وعَنَدَ العِرْق: إذا نفر (٢).\n﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (١٧)﴾: سأحمله على شاقّ من العذاب (٣).\nوالإرهاق: إعجال بعنف.\nوقيل: هو عقبة في النار يكلّف ارتقاؤها بضرب المقامع كلَّما وضع رجله ليرتقي ذابت ثم تعود.\nوقيل: المراد به الحملُ على الأمر الشديد.\n﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨)﴾: أجمع المفسرون على أن الآية نزلت في الوليد بن المغيرة، وذلك إنَّه جمع رؤساء مكة، فقال لهم: إن الموسم قد دنا، وقد فشا (٤) أمرُ هذا الرجل في الناس وهم سائلوكم (٥) عنه، فماذا تردون عليهم، قالوا: نقول إنَّه مجنون يخنقُ، فقال: يأتونه ويكلمونه فيجدونه صحيحًا عاقلًا فيكذبونكم.\nقالوا: نقول شاعرٌ، قال: وهم العرب وقد رأوْا الشعر وفيهمُ الشعراء، وقولُه لا يشبه الشعرَ فيكذبونكم.\nقالوا: نقول كاهن، قال: الكهنة لا يذكرون الله تعالى، ولا يقولون: إن شاءَ الله، وهو يقوله، وأنا والله سمعتُ منه كلامًا آنفًا ما هو من كلامِ الإنسِ، ولا هو (٦) من كلام الجن، وإن أسفلَه لمغدق وإن أعلاه لمثمر، وإن له الحلاوة وإن له لطلاوة، وإنه يعلو ولا يُعلى، ثم انصرفَ إلى منزله. فقالت قريش: صبأ الوليد، وكان يقال للوليد: ريحانة قريش.\n_________\n(١) في (ب) \" إذا نقرت \".\n(٢) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ١٤١)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ٧٢)، لسان العرب (٣/ ٣٠٧)، مادة ... \" عَنِدَ \".\n(٣) انظر: جامع البيان (٢٩/ ١٥٥)، النُّكت والعيون (٦/ ١٤١).\n(٤) في (ب) \" نشأ \".\n(٥) في (ب) \" سائلوك\".\n(٦) \" هو \" ساقط من (أ).","vol":"1","page":3431},{"text":"فقال ابن أخيه أبو جهل: أنا أكفيكمُوه (١)، فجاء حزينًا، فقال له (٢) الوليد: مالك يا ابن أخي؟ فقال: إنَّ قريشًا تزعمُ أنك قد صبأت لتصيب من فضول أصحاب محمد، وهم يجمعون لك مالًا تستعين به على حاجتك، قال: ويحك ما يشبع أصحاب محمد من الطعام، وإني لأكثر قريشٍ مالًا، ولكنّي فكّرت في أمر هذا الرجل فوجدته ساحرًا، أمَا تعلمون أنه فرَّق بين فلان وفلانة زوجته، وبين فلان وأبيه، وبين فلان وأخيه، وفلان وابنه، وفلان ومواليه (٣)، فلا ينفعهم ولا يلتفت إليهم، قالوا: بلى، فأجمع رأيهم على أن يقولوا: هو (٤) ساحرٌ يفرّق بين الناس، وما يقوله سحر، فأنزل الله هذه الآيات: ... ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَجَدْتُ﴾ أي (٥) في شأن محمد - ﷺ - وما أتى به، وقدَّر ماذا يمكنه أن يقول فيهما (٦).\n﴿فَقُتِلَ﴾: لُعنَ وعُذبَ وعُوقبَ (٧).\n﴿كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠)﴾: استفهام على وجه التعجيب (٨).\nوقيل: على وجه (٩) الإنكار.\nوقوله: ﴿قُتِلَ﴾: هو أشد دعاء (١٠) لا يدعى به (١١) إلاّ على من لا بقيّة في أمره (١٢).\nوالتكرار للتأكيد.\n_________\n(١) في (ب) \" كفيكمُوه \".\n(٢) \" له \" ساقطة من (ب).\n(٣) في (ب) \" وبين فلان وابنه وفلان وأخيه، وفلان وأبيه، وفلان ومواليه \".\n(٤) \" هو \" ساقط من (ب).\n(٥) \" أي \" ساقطة من (ب).\n(٦) انظر: جامع البيان (٢٩/ ١٥٦)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ١٩٢)، تفسير الثعلبي (١٠/ ٧٢)، زاد المسير (٨/ ١٤٨).\n(٧) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٤١٧)، جامع البيان (٢٩/ ١٥٦)، زاد المسير (٨/ ١٤٩).\n(٨) في (أ) \" التعجب \".\n(٩) \" وجه \" ساقط من (أ).\n(١٠) في (ب) \" هو أشد وعاء \".\n(١١) \" به \" ساقطة من (ب).\n(١٢) انظر: المحرر الوجيز (٥/ ٣٩٥).","vol":"1","page":3432},{"text":"[وقيل: أحدهما: لتقديره القول في محمد - ﷺ -.\nوالثاني: لتقديره القول في القرآن] (١).\nوقيل: أحدهما: لنفيه عنه الجنون والكهانة والشعر لا على وجه قُصِدَ به الإيمان.\nوالثاني: لإثباتِ صفةِ السِّحْرِ لَهُ (٢).\n﴿ثُمَّ نَظَرَ (٢١)﴾: فيما قدّر معجبًا بذلك نَظرةَ تفكّر.\n﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾: قبضَ ما بين عينَيه تكرُّهًا في وجوه المؤمنين (٣).\nوقيل: عبسَ حيث عجزَ عن القول فيهما.\n﴿وَبَسَرَ (٢٢)﴾: إتباع ومبالغة.\nوقيل: تضاحكَ متعجّبًا.\nوقيل: نفرَ.\nوقيل: تكرَّه.\n﴿ثُمَّ أَدْبَرَ﴾: تولَّى إلى قومه.\n﴿وَاسْتَكْبَرَ (٢٣)﴾: تكبَّر عن الإيمان.\n﴿فَقَالَ إِنْ هَذَا﴾: ما هذا.\n﴿إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤)﴾: يُروى (٤).\nأي: يرويه محمد عن جَبْرٍ (٥) ويَسارٍ (٦).\n_________\n(١) ما بين المعقوفتين ساقط من (ب).\n(٢) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ١٤١)، البرهان؛ للكرماني (ص: ٣١٧)، زاد المسير (٨/ ١٥٠).\n(٣) انظر: جامع البيان (٢٩/ ١٥٦)، النُّكت والعيون (٦/ ١٤٢).\n(٤) انظر: جامع البيان (٢٩/ ١٥٧)، تفسير السَّمرقندي (٣/ ٤٩٣).\n(٥) جَبْر مولى بني عبد الدار، وقيل: عامر بن الحضرمي، وكان بمكة، وكان يهوديًا فسمع النبي - ﷺ - يقرأ سورة يوسف فأسلم وكتم إسلامه ثم أطلع مواليه على ذلك فعذبوه فلما فتح رسول الله - ﷺ - مكة شكا إليه ما لقي فأعطاه ثمنه فاشترى نفسه وعتق واستغنى وتزوج امرأة ذات شرف في بني عامر. [انظر: الإصابة (١/ ٥٦٢)، السيرة النبوية؛ لابن هشام (١/ ٣٩٣)].\n(٦) يَسَار مولى عامر بن الحضرمي، وقيل: غيره، وكان مع جبر يصقلان السيوف، وكانا يقرآن كتابهما ويعملان عملهما، وكان رسول الله - ﷺ - يمر بهما فيسمع قراءتهما فقالوا: إنما يتعلم منهما. [انظر: الإصابة ... (١/ ٥٦٢)].","vol":"1","page":3433},{"text":"وقيل: عن مُسَيلمة.\nوقيل: عن أهل بابِل (١) (٢).\nصاحب النظم: ﴿يُؤْثَرُ﴾ يُتعلم،من قوله: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الأحقاف: (٤)] (٣).\n﴿إِنْ هَذَا﴾: ما هذا.\n﴿إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥)﴾: كما قالوا: إنما يعلّمُه بشرٌ.\n﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦)﴾: سأدخله.\nوالإصلاء: إلزام موضع النار.\nابن بحر: \"أجعله صلاء لسقر \" (٤). أي: وقودًا.\nو﴿سَقَرَ﴾: اسم علم لجهنم.\nوقيل: الدركُ الرابعُ منها. واشتقاقه من سقرته الشمسُ، أي أذابته.\n﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (٢٧)﴾: تفخيم لشأنها.\n﴿لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (٢٨)﴾: لا تبقي لحمًا ولا تذرُ عظمًا.\nوقيل: لا تبقي لحمًا ولا عظمًا إلا أكلتهما (٥)، ولا تذرهم كذلك، بل يعادون خلقًا جديدًا.\n_________\n(١) بابِل: مدينة بالعراق معروفة بالسِّحر والخمر، وهي الآن اسم لإحدى المحافظات في العراق ومركزها مدينة الحِلة. [انظر: معجم ما استعجم (ص: ٢١٨)، معجم البلدان (١/ ٣٠٩)، معجم الأمكنة (ص: ٦١)].\n(٢) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٤١٥)، تفسير السَّمرقندي (٣/ ٤٩٣)، تفسير الثعلبي (١٠/ ٧٣).\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) لم أقف عليه.\n(٥) في (ب) \" إلا أكلته\".","vol":"1","page":3434},{"text":"وقيل: لا تبقي حيًّا ولا تذر ميّتًا. كقوله: ﴿لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ [طه: ٧٤]. وقيل: لا تبقي من يدخلها ولا تذر أحدًا خُلقَ لها حتى تأخذَه (١) (٢).\nوقيل: هذا مثل يضربُ لمن يأتي على كلّ شيء.\n﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (٢٩)﴾: مسوِّدةً لها.\nوقيل: مُحرقة لها ثُمَّ تعُود (٣).\nوقيل: يأتي على كلَّ شيء إلا الفؤاد.\nوالبشر: جمع بشَرَة: وهي ظاهر الجلد.\nالأخفش: \" معطِشة للخلق (٤) من اللَّوح وهو: العطش \" (٥).\nوقيل: لوحة تلوح للخلق إذا رأوها وهي بعيدة.\nوالبشر على هذين القولين: الناس.\n﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠)﴾: الجمهور: تسعة عشر ملكًا (٦).\nوقيل: تسعة عشر صنفًا من الملائكة.\nوقيل: تسعة عشر صنفًا منهم.\nالهاء تعود (٧) إلى ﴿سَقَرَ﴾.\nفلما نزلت هذه الآية، قال أبو جهل: زعم ابن أبي كبشة: أن خزنة النار تسعةَ عشر، وأنتم الدهماء أفيعجزُ (٨) كل عشرة منكم أن يأخذوا واحدًا ثم يخرجون (٩) من النار؟! وقال: أبو\n_________\n(١) في (أ) \" يأخذه \".\n(٢) انظر: جامع البيان (٢٩/ ١٥٨)، تفسير السَّمرقندي (٣/ ٤٩٤)، النُّكت والعيون (٦/ ١٤٣).\n(٣) انظر: جامع البيان (٢٩/ ١٥٨)، تفسير البغوي (٨/ ٢٧٠).\n(٤) في (ب) \" الخلق \".\n(٥) لم أقف عليه في كتابه معاني القرآن، وانظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢٧٤)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ٧٦).\n(٦) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٤١٧)، جامع البيان (٢٩/ ١٥٨)، تفسير السَّمرقندي (٣/ ٤٩٤)، النُّكت والعيون (٦/ ١٤٣)، تفسير البغوي (٨/ ٢٧٠).\n(٧) في (ب) \" يعود \".\n(٨) في (أ) \" أفتعجز \".\n(٩) في (أ) \" تخرجون \".","vol":"1","page":3435},{"text":"الأشدين كلدة بن الأسيد (١) - وكان يوصف بالقوة -: أنا أكفيكم سبعةَ عشر منهم فاكفوني اثنين، فأنزل الله - تعالى -:\n﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً﴾ ... (٢).\n﴿أَصْحَابَ النَّارِ﴾ ها هنا: الخزنة لا أهلها.\nوقيل: تقديره وما جعلنا خزنة أصحاب النار، فحذف المضاف، وهذا في المعنى كقوله: ﴿عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ﴾ [التحريم: ٦] فمن ذا الذي يغلب الملائكة، والواحد منهم يأخذ أرواح جميع الخلق، وللواحد منهم قوة الثقلين.\n﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ﴾: عددهم (٣) في القلة.\n﴿إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾: بليَّة عليهم وضلالًا حتى قالوا فيهم ما قالوا. وقيل: محنةً ليظهر ما يقول كل واحدٍ (٤) منهم ويعتقدُه.\n﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾: ليوقنوا أنَّ عددُهم تسعة عشر إذا وافق ما في كتبهم.\nوقيل: ليتيقَّنوا أن محمدًا - ﷺ - نبي صادق حين أخبرهم بما يوافقُ كتبهم، وهو أُمِّيٌّ لا يكتب ولا يقرأ من الكتاب.\n﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: بإيمانهم بهذا ﴿إِيمَانًا﴾ أي (٥): يقينًا.\n﴿وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾: هذا توكيد الاستيقان (٦) والزيادة في الإيمان.\n﴿وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾: شَكٌّ.\nوقيل: نفاق (٧). والأوّل أظهر في هذه الآية (٨).\n﴿وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾: ليس في الآية مثل، ولكنهم استغربوا هذا العدد، فقالوا: العلة مثل مضروب، واللام لام كي.\nوقيل: لام العاقبة.\nوفي تخصيص (٩) خزنة النار بهذا العدد أقول: كلها ضعاف، لكني حكيت لك لأنها لا تخلو من فائدة:\nأحدها (١٠): أن جهنم أطباق سبعة، مالك خازن (١١) النار في الطبقة الأولى، وفيها المذنبون من المؤمنين فيرفق بهم إلى أن يخلصهم الله منها، ثم في كل طبقة منها ثلاثة منهم يعذبون أهلها بأنواع العذاب، ومجموعهم تسعة عشر.\nالثاني: ... ﴿الرَّحِيمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ بِسْمِ﴾ سبعة عشر حرفًا، عدد الزبانية تسعة عشر ملكًا، فيدفع المؤمن بكل حرفٍ منها واحدًا منهم وقد سبقت رحمته غضبه.\n_________\n(١) أبو الأشدين، ويقال: أبو الأشد، واسمه: كَلَدَة بن أُسَيد بن خَلَفٍ الْجُمَحِيّ، وكان قويًا شديدًا، وكان قد بلغ من القوة فيما يزعمون أنه كان يقف على جلد البقرة ويجاذبه عشرة لينتزعوه من تحت قدميه، فيتمزق الجلد ولا يتزحزح عنه، وقد ذكر السهيلي أنه قد دعا النبيَّ - ﷺ - إلى المصارعة، وقال: إن صرعتني آمنت بكَ؛ فصرعه رسول الله - ﷺ - مِرارًا ولم يؤمن \"، وقد مات كافرًا. [انْظُر: الروض الأنف؛ للسهيلي (٢/ ٧٩)، تفسير القرآن العظيم (٤/ ٤٧٤)].\n(٢) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٤١٧)، جامع البيان (٢٩/ ١٥٩)، النُّكت والعيون (٦/ ١٤٥)، تفسير البغوي (٨/ ٢٧٠).\n(٣) في (ب) \" عدتهم \".\n(٤) \" كلُّ واحدٍ \" ساقطة من (ب).\n(٥) \" أي \" ساقطة من (ب).\n(٦) في (أ) \" توكيد للاستيقان \".\n(٧) انظر: تفسير الثعلبي (١٠/ ٧٤)، تفسير البغوي (٨/ ٢٧١)، زاد المسير (٨/ ١٥١).\n(٨) قال الحسين بن الفضل: \" السُّورة مكيّة، ولم يكن بمكة البتة نفاق؛ فالمرض في هذه الخلاف لا النفاق \" ... [انظر: تفسير الثعلبي (١٠/ ٧٤)].\n(٩) في (أ) \" في تخصيص \" بدون واو.\n(١٠) في (ب) \" أحديهما \".\n(١١) في (ب) \" خزنة النار \".","vol":"1","page":3436},{"text":"والثالث: حفظ الله - تعالى- نظام الملك (١) باثني عشر برجًا وسبع سيَّارات ومجموعها تسعة عشر، كذلك حفظ نظام جهنم بمثل هذا العدد ملائكة.\nوالرابع: أن ساعات الليل والنهار أربع وعشرون ساعة خمس منها جعلت للصلوات الخمس وبقيت تسعة عشر ساعة، فمن ضيعها عذب بتسعة عشر ملكًا في النار ومن حفظها ... بذكر الله - تعالى - ذَبَّتْ كُلُّ ساعةٍ منه (٢) مَلَكًَا منهم (٣).\nالخامس: جعل الله - تعالى - أوتاد الأرض - وهي الجبال - تسعة عشر جبلًا،كذلك جعل أوتاد النار تسعة عشر ملكًا، وزعم هذا القائل: أن جبال الأرض تسعة عشر والباقي يتشعب عنها، وقد عدت جبال الأرض المتشعّبة عنها فبلغت مائة وتسعين جبلًا.\nالسادس (٤): الأعداد على وجهين قليل وكثير، وحَدُّ القليل من الواحد إلى التسعة وهي آخر الآحاد، وحَدُّ الكثير من العشرة إلى مالا نهاية له، فجمع بين نهاية القليل وبداية ... الكثير، فصار (٥) تسعة عشر.\nالسابع (٦): أنَّ هذا السؤال ساقط؛ لأنه لا عدد إلاّ ويتجه عليه هذا السؤال، فصار دورًا وسؤال الدور ساقط (٧). والله أعلم.\n﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ أي: كافتراقهم عند هذا الامتحان يفرّق بينهم بالإضلال والعذاب، والهداية والثواب.\nوقيل: كافتتان أقوالهم في الخزنة، وإصابة البعض وإخطاء البعض يضل الله من يشاء، عن الصواب ويهدي من يشاء إليه.\nوقيل: يعود إلى تعذيب العنيد (٨) في سقر، أي: كذلك يعذب من يشاء من الضالين، ويهدي من يشاء من المؤمنين.\n_________\n(١) في (أ) \" نظام العالم \".\n(٢) في (ب) \" عنه ملكا \".\n(٣) \" منهم \" ساقطة من (ب).\n(٤) في (أ) \" والسادس \".\n(٥) في (ب) \" وصار \".\n(٦) في (أ) \" والسابع \".\n(٧) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ١٤٤)، غرائب التفسير (٢/ ١٢٧٤).\n(٨) في (أ) \" العبيد \".","vol":"1","page":3437},{"text":"﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾: أي: جموع ملائكة ربك.\nوقيل: لا يعلم جميع الخلائق كَنههم وكيفيتهم وكميتهم إلا الله.\n﴿وَمَا هِيَ﴾: أي: ﴿سَقَرَ﴾.\nوقيل: نار الدنيا.\nوقيل: عدّة الخزنة.\nوقيل: السورة.\nوقيل: الجنود أي: الجنود.\n﴿إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ (٣١)﴾: ليس إن الله - تعالى - محتاج إلى ناصر ومعين - تعالى - عن ذلك.\n﴿كَلَّا﴾: رَدْعٌ لمن زعم أن جنوده لحاجته إليهم.\nوقيل: ردع لمن زعم أنه يكفي أمر الخزنة، فيخرج منها، وهو أبو جهل، وأبو الأشدّ بن كلدة (١).\nوقيل: ردع للوليد عائد إلى أوّل الكلام.\nوقيل: معناه حَقًَّا.\nوقيل: ﴿إِلَّا﴾ للتنبيه.\n﴿وَالْقَمَرِ (٣٢)﴾ ﴿وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (٣٣)﴾: جاء بعد النهار.\nو﴿أَدْبَرَ﴾: ذهب، وقيل: جاء.\nوقيل: هما لغتان.\nوقيل: دَبَر: انقضى، وأدبرَ: ولى (٢).\n_________\n(١) أبو الأشد هو أبو الأشدين المتقدِّم ذكره آنفًا في (ص: ١١٧٣).\n(٢) انظر: مجاز القرآن (٢/ ٢٧٥)، جامع البيان (٢٩/ ١٦٢)، النُّكت والعيون (٦/ ١٤٦).","vol":"1","page":3438},{"text":"﴿وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ (٣٤)﴾: أضاءَ.\n﴿إِنَّهَا﴾: إنّ ﴿سَقَرَ﴾.\n﴿لَإِحْدَى الْكُبَرِ (٣٥)﴾: والكُبر العظائم، واحدتها الكبرى، وهي جماعة أطباق نار جهنم، ثم لظى، ثم الحُطمة، ثم السَّعير، ثم سقر، ثم الجحيم، ثم هاوية (١).\nوقيل (٢): كناية عن جهنم.\nوقيل: عن النار (٣).\nوقيل: عن آيات القرآن.\nوقيل: كناية عن الذكرى (٤).\nالحسن: \" إن تكذيبهم محمدًا - ﷺ - من الكبائر \" (٥) (٦).\n﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ (٣٦)﴾: منذرًا.\nوقيل: مصدرًا كنكير وعذير، وهو حال عن \" إحدى الكبر \"، أو عن \"الكبرى \" (٧)، والعامل (٨) فيه معنى التفرد أو الكبر.\nوقيل: حال عن النبي - ﷺ - أي: قم منذرًا.\nوقيل: عن القرآن.\nوقيل: عن الله سبحانه.\n﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ﴾: بالطاعة ﴿أَوْ يَتَأَخَّرَ (٣٧)﴾: بالمعصية (٩).\n_________\n(١) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٤١٩)، جامع البيان (٢٩/ ١٦٣)،\n(٢) أي في عود الضمير في قوله تعالى: ﴿إِنَّهَا﴾.\n(٣) في (ب) \" وقيل: كناية عن النار، وقيل: عن جهنم \".\n(٤) في (ب) \" الزكوى \".\n(٥) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢٧٥)، النُّكت والعيون (٦/ ١٤٦)، وقد عزاه الماوردي؛ لابن عبَّاس.\n(٦) انظر: جامع البيان (٢٩/ ١٦٣)، النُّكت والعيون (٦/ ١٤٦)، تفسير البغوي (٨/ ٢٧١).\n(٧) \" أو عن الكبرى \" ساقطة من (ب).\n(٨) في (ب) \" العامل \".\n(٩) انظر: جامع البيان (٢٩/ ١٦٤)، النُّكت والعيون (٦/ ١٤٧).","vol":"1","page":3439},{"text":"﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨)﴾: أي: عند الحساب، مرهونة بعملها إمّا يخلصها، وإما يُوبقُها (١) (٢).\n﴿إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩)﴾: قيل: هم الأطفال (٣).\nوقيل: هم (٤) الملائكة.\nوقيل: أصحاب الجنة.\nوقيل: الميامين على أنفسهم (٥).\n﴿فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١)﴾: عن الكفّار.\nوقيل: عن كلِّ من في النار.\n﴿مَا سَلَكَكُمْ﴾: أدخلكم ﴿فِي سَقَرَ (٤٢)﴾\n﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣)﴾: قيل: لم نعتقد وجوبها وفرضها.\n﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤)﴾: لم نأته، ولم نأمره (٦).\n﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥)﴾: نكذب مع المكذبين.\nوقيل: ما غوى غاوٍ إلاّ وغوينا (٧) معه.\nوقيل: هو قولهم: محمد ساحر، أو شاعر، أو مجنون (٨) (٩).\n_________\n(١) في (ب) \" أو يوبقها \".\n(٢) انظر: جامع البيان (٢٩/ ١٦٤)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ١٩٥).\n(٣) وهو قول علي﵁ -، واختاره الفراء، لأنَّه لا حساب على الأطفال؛ لأنَّه لا ذنوب لهم. ... [انظر: معاني القرآن (٣/ ٢٠٥)، جامع البيان (٢٩/ ١٦٥)، النُّكت والعيون (٦/ ١٤٨)].\n(٤) \" هم \" ساقطة من (أ).\n(٥) انظر: جامع البيان (٢٩/ ١٦٥)، تفسير الثعلبي (١٠/ ٧٧)، النُّكت والعيون (٦/ ١٤٨).\n(٦) في (ب) \" ولم نأمر به \".\n(٧) في (ب) \" إلا غوينا \".\n(٨) في (أ) \" شاعر مجنون \" (بدون أو).\n(٩) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ١٤٨)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ٨٥).","vol":"1","page":3440},{"text":"﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦)﴾: القيامة.\n﴿حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (٤٧)﴾: الموت. وقيل: البعث.\nوقيل: أصحاب النار يومئذ أربعة أصناف، وكل واحد من هذه الأربعة كلام صنف منهم.\n﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨)﴾: أي ليس لهم من الملائكة والناس شفيع.\n﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ﴾: عن القرآن (١).\n﴿مُعْرِضِينَ (٤٩)﴾: مولِّين.\n﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ﴾: جمع حمار (٢).\n﴿مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠)﴾: بالكسر نافِرة، يقوّيه قوله: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (٥١)﴾:\nو﴿مُسْتَنْفَرَةٌ﴾ بالفتح محمولة على النَّفار، أو موجودة (٣) نافرة (٤).\n﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾: الأسد مشتق من قسره: أي قهره.\nوقيل: الرِّجال القنَّاصون الرُّماة (٥).\nابن عباس: \"- ﵄ -: رَكزُ النّاس، أي: صوتهم وحسَّهم \" (٦).\nوقيل: سواد الليل (٧).\n_________\n(١) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٤٢٠)، جامع البيان (٢٩/ ١٦٧).\n(٢) من الحُمر الوحشية. [انظر: تفسير الثعلبي (١٠/ ٧٨)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ٦٨)].\n(٣) في (ب) \" موجورة \".\n(٤) قرأ نافع وابن عامر ﴿مُسْتَنْفَرَةٌ﴾ بفتح الفاء، وقرأ الباقون ﴿مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ بكسر الفاء. [انظر القراءة وتوجيهها: السَّبعة (ص: ٦٦٠)، معاني القراءات (ص: ٥١٤)، الحُجَّة (٦/ ٣٤١)].\n(٥) انظر: جامع البيان (٢٩/ ١٦٨)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ١٩٥)، النُّكت والعيون (٦/ ١٤٨).\n(٦) انظر: جامع البيان (٢٩/ ١٧٠)، النُّكت والعيون (٦/ ١٤٩).\n(٧) انظر: جامع البيان (٢٩/ ١٦٨)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ١٩٥)، النُّكت والعيون (٦/ ١٤٨).","vol":"1","page":3441},{"text":"﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً (٥٢)﴾: وهو قولهم (١): إن أحببت يا محمد أن نَتَّبَعَكَ فأتنا بكتب من الله فيها من الله إلى فلان بن فلان أن اتبع ... محمدًا (٢).\nوقيل: كان من أذنب من بني إسرائيل ذنبًا (٣) وجد ذنبه مكتوبًا على بابه في غدٍ، فسألوا مثله لهم (٤).\nوقيل: سألوا براءة من النار.\n﴿كَلَّا﴾: ردع وزجر (٥) عن اقتراح الكتب.\nوقيل: إعلام إنّهم لا يؤمنون وإن جاءهم الكتاب، كقوله: ﴿* وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى﴾ [الأنعام: ١١١].\nوقيل: قَسَمٌ.\n﴿بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآَخِرَةَ (٥٣)﴾: لا يَقدرُون وقوعها وكونها.\n﴿كَلَّا﴾: ردع وقسمٌ.\n﴿إِنَّهُ﴾: إنَّ القرآن ﴿تَذْكِرَةٌ (٥٤)﴾: تذكير للخلق.\n﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (٥٥)﴾: إذ يسره للخلق.\n﴿وَمَا يَذْكُرُونَ﴾: أي: لا يؤمنون.\n_________\n(١) في (أ) \" هو قولهم \" (بدون واو).\n(٢) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٤٢٠)، جامع البيان (٢٩/ ١٧١).\n(٣) \" ذنبًا \" ساقطة من (ب).\n(٤) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٤٢٠)، معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ٢٠٦)، تفسير الثعلبي (١٠/ ٧٩).\n(٥) \" وزجر \" ساقطة من (أ).","vol":"1","page":3442},{"text":"﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾: إلا بمشيئة الله وإرادته.\n﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى﴾: أهل أن يُتقَى معصيته.\n﴿وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (٥٦)﴾: أهل أن يغفر للمتقي.\nوقيل: هو أهل الانتقام وأهل الإنعام.","vol":"1","page":3443},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-181>سورة القيامة </span>(١)\nتسع وثلاثون آية (٢) (٣) مكية (٤)\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١)﴾: فيه، وفي أمثاله خمسة أقوال:\nأحدهما: وهو قول الجمهور: أن لا صلة، كقوله: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ﴾ [الحديد: ٢٩] (٥). الثاني: المبرد: لا تأكيد للقسم، وأنشد:\nفلا وأبيك ابنةَ (٦) العامري ... لا يدَّعي القومُ أنّي أَفِرّ (٧) (٨)\nالثالث: الفرَّاء: \" لا ردّ لإنكارِ المشركين البعث \" (٩).\nالرابع: أصله: (لأ قسم) اعتبارًا بقراءة ابن كثير (١٠) (١١)، ثم أُشبعَ فظهرَ من الإشباع ... ألفٌ، وهذا اللام يصحبُه (١٢) نون التأكيد في الأغلب، وقد يفارقه (١٣).\n_________\n(١) سميت بذلك في المصاحف وكتب التفسير وكتب السنة لوقوع القسم بيوم القيامة في أولها ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١)﴾، ولم يقسم به قبلها فيما نزل من السور، وقال الألوسي: يقال لها \" سورة لا أقسم \" [روح المعاني (٢٩/ ١٣٥)، وانظر: بصائر ذوي التمييز (١/ ٤٩٠)، التحرير والتنوير (٢٩/ ٣٣٦)].\n(٢) \" تسعة وثلاثون آية \" ساقطة من (ب).\n(٣) عند جميع أهل العدِّ عد أهل الكوفة فعندهم أربعون آية. [انظر: البيان؛ للداني (ص: ٢٥٩)، بصائر ذوي التمييز (١/ ٤٩٠)، التحرير والتنوير (٢٩/ ٣٣٦)].\n(٤) بإجماع كما حكاه ابن عطية في المحرر الوجيز (٥/ ٤٠١)، وابن الجوزي في زاد المسير (٨/ ١٥٧)، والفيروز أبادي في بصائر ذوي التمييز (١/ ٤٩٠).\n(٥) انظر: جامع البيان (٢٩/ ١٧٢)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ١٩٦)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٥/ ٥١)، البحر المحيط (١٠/ ٩٠).\n(٦) في (ب) \" ابعة\".\n(٧) لم أقف على قول المبرد.\n(٨) البيت لامرئ القيس، ولم أقف عليه في ديوانه، وانظر: النُّكت والعيون (٦/ ١٥٠)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ٩٠).\n(٩) انظر: معاني القرآن (٣/ ٢٠٧).\n(١٠) ابن كثير، هو: عبد الله بن كثير بن عمرو بن عبد الله بن زاذان بن فيروزان، وقيل: عبد الله بن كثير ... ابن المطلب القرشي من بني عبد الدار، الإمام العلم مُقرئ مكة، وأحد القراء السبعة، أبو معبد الكناني الداري المكي مولى عمرو بن علقمة الكناني، وكان فصيحًا بليغًا مفوهًا، وثَّقَه علي بن المديني وغيره.\nقال ابن مجاهد: \" ولم يزل عبد الله هو الإمام المجتمع عليه في القراءة بمكة حتى مات عشرين ومائة \" [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: مشاهير علماء الأمصار (ص: ١٧٦)، سير أعلام النبلاء (٥/ ٣١٨)، غاية النهاية (١/ ٤٤٣)].\n(١١) قرأ قنبل عن ابن كثير ﴿لأُقْسم بيوم القيامة﴾ بغير ألف بين اللام والقاف ﴿وَلَا أُقْسِمُ﴾ الثانية بلام وألف، وقرأ الجميع كلهم ﴿لَا أُقْسِمُ﴾ ﴿وَلَا أُقْسِمُ﴾ جميعًا بألف. [انظر: جامع البيان (٢٩/ ١٧٢)، السبعة (ص ٦٦١)، الحُجَّة (٦/ ٣٤٣)].\n(١٢) كذا في النسختين، ولو قيل: \" وهذه اللام تصحبها \" لكان أولى.\n(١٣) انظر: جامع البيان (٢٩/ ١٧٢)، الحُجَّة (٦/ ٣٤٣).","vol":"1","page":3444},{"text":"الخامس: لا نفي للإقسام؛ لأنَّ الناسَ يؤكدون (١) بنفي القسم كما يؤكدونها بالقسم، فإن ذكر ترك القسم يقومُ مقامَ القسم (٢).\n﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (٢)﴾: الجمهور: على أنّه سبحانهُ أقسمَ بها (٣).\nوالحسن: \" ذهب إلى أنه أقسمَ بيوم القيامة (٤)، ولم يقسم بالنفس اللوامة \" (٥).\nوذهب بعضهم: إلى أن التقدير في هذا وأخواتُه (لا أقسم بيوم القيامة بل أقسم برب القيامة). وهذا بعيدٌ ضعيفُ غير مطرد، لقوله (٦): ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ [المعارج: ٤٠] وأمثاله (٧).\nومعنى: ﴿اللَّوَّامَةِ﴾ ما روي عن النبي - ﷺ - وهو أنه قال: «ليس من نفسٍ بَرّةٍ ولا فاجرة إلاّ وتلومُ نفسها يومَ القيامة، إن عملتْ خيرًا، قالت: كيف لم أزدد. وإنّ عملتْ شرًا قالت: ليتني كنتُ قصّرت» (٨).\n_________\n(١) في (أ) \" يؤكدون أخبارهم بنفي \".\n(٢) انظر: جامع البيان (٢٩/ ١٧٢)، البحر المحيط (١٠/ ٩٠)\n(٣) انظر: جامع البيان (٢٩/ ١٧٣)، النُّكت والعيون (٦/ ١٥١)، المحرر الوجيز (٥/ ٤٠٢).\n(٤) في (أ) \" برب القيامة \".\n(٥) انظر: جامع البيان (٢٩/ ١٧٣)، غرائب التفسير (٢/ ١٢٧٩).\n(٦) في (أ) \" كقوله \"\n(٧) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢٧٩).\n(٨) ذكر هذا المعنى الفراء في معاني القرآن، ولم يعزه للنبي - ﷺ - [انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ٢٠٨)]، وقد أورده البيضاوي في تفسيره (٢/ ٥٤٧) ونسبه للنبي - ﷺ -، ولم يعلق عليه المناوي بشيء في تخريجه لأحاديث البيضاوي، وقال محقق الفتح السماوي (٣/ ١٠٦٨): \" قال ابن همات: \"لم أقف عليه في المرفوع \".","vol":"1","page":3445},{"text":"ابن عباس - ﵄ -: اللوامة: المذمومة \" (١).\nقتادة: \"الفاجرة \" (٢).\nوقيل: يريد: تلومُ نفسها (٣) في أمور الدنيا وغيرها. والزمان فهو: صفةُ ذمٍ، ومن جعل تقديرُه: تلومُ على اكتساب السيئات والتقصير في الخيرات، فهو: صفةُ مدحٍ (٤).\n﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ﴾: يعني الكافر (٥).\n﴿أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (٣)﴾: خصَّ العظامَ بالذكر، كقوله: ﴿مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨].\nوالآيةُ نزلت في عدي بن ربيعة (٦) خَتَنُ (٧) الأخنس بن شريق حين أتى النبي - ﷺ - فقال: حدثني عن يومِ القيامة متى تكونُ؟ وكيفَ أمرها وحالها؟ فأخبره بذلك. فقال: (٨) لو عاينتُ ذلكَ اليوم لم أصدقكَ ولم أؤمن به أويجمعُ الله هذه العظام»، فأنزل الله هذه ... الآية (٩).\nثم قال: ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ (٤)﴾: معناه عند أكثرهم: نجعلها كَخُفِّ البعير أو حافر الفرس (١٠).\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٩/ ١٧٥)، النُّكت والعيون (٦/ ١٥١).\n(٢) انظر: جامع البيان (٢٩/ ١٧٥)، تفسير البغوي (٨/ ٢٧٦).\n(٣) في (أ) \" يلوم نفسها \".\n(٤) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ١٥١).\n(٥) حملًا على العموم.\n(٦) عدي بن ربيعة [ويقال: بن أبي ربيعة] بن أبي سلمة ختن الأخنس بن شريق، وكان حليفًا لبنى زهرة فكفر بالبعث، وكان النبي - ﷺ - يقول: «اللهم اكفني جارَي السوء»، يعني: عديًا والأخنس. [انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٤٢١)، تفسير البغوي (٨/ ٢٨٠)].\n(٧) خَتَنُ الرَّجلُ: أي زوج ابنته. [انظر: النهاية (٢/ ١٠)، مادة \" خَتَنَ \"].\n(٨) في (ب) \" وقال \".\n(٩) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٤٢١)، تفسير الثعلبي (١٠/ ٨٢)، تفسير البغوي (٨/ ٢٨٠).\n(١٠) انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ٢٠٨)، جامع البيان (٢٩/ ١٧٥)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ١٩٦).","vol":"1","page":3446},{"text":"الفَرَّاء: \" نعيد أصغر العظام إلى ما كان \" (١).\nالزَّجَّاج: \" نسوي بنانه الخمس فنجعلها كلها كالوسطى والخنصر والإبهام فلا ينتفع ... بها \" (٢).\nو﴿قَادِرِينَ﴾: حال والعامل فيه نجمع أو نقدر.\nوما ذكرَهُ الفرّاء القائل (٣) من قوله: \" فليحسبنا قادرين \" ضعيف؛ لأن المأمورَ في حقِّ الله - تعالى - العلمُ دون الحسبان، أو يحملُ (٤) على ازدواج اللفظ، وهذا (٥) أبعد لأنه ليس بملفوظ (٦).\n﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ (٥)﴾: ابن عباس - ﵄ -: الكافرُ (٧) يكذَّب بالقيامة \" (٨).\nالمبرد: \" يسوِّفُ التوبة ويركبُ المعاصي \" (٩).\nأبو علي: \" يعزمُ على المعصية في أوقاتٍ لعله لا يبلغُها \" (١٠).\nوقيل: يقدِّم ذنبه ويؤخِّر توبته (١١).\nالحسن: \" يمضي في معاصي الله قُدمًا قُدمًا لا ينزعُ عنها \" (١٢).\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ٢٠٨)، ولفظ الفرَّاء: \" نعيد أصغر العظام كما كانت \".\n(٢) لم أقف على قول الزَّجَّاج هذا في كتابه. [انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ١٩٦)].\n(٣) في (أ) \" القائل من قوله \".\n(٤) في (ب) \" أو نحمل \".\n(٥) في (أ) \" وهو أبعد \".\n(٦) انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ٢٠٨)، غرائب التفسير (٢/ ١٢٨٠)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ٩٣).\n(٧) في (أ) \" هو الكافر \".\n(٨) انظر: جامع البيان (٢٩/ ١٧٨)، زاد المسير (٨/ ١٥٧).\n(٩) لم أقف عليه.\n(١٠) لم أقف عليه.\n(١١) وهو قول القاسم بن الوليد. انظر: النُّكت والعيون (٦/ ١٥٢).\n(١٢) انظر: جامع البيان (٢٩/ ١٧٧)، النُّكت والعيون (٦/ ١٥٢).","vol":"1","page":3447},{"text":"﴿يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ (٦)﴾: متى يكونُ (١)، استبعادًا واستهزاءً.\n﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧)﴾: ﴿بَرِقَ﴾ بالكسر: فرغَ (٢)، وبالفتح: شخصَ.\nوقيل: هما بمعنى حارَ، أي: تحيَّر (٣).\n﴿وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨)﴾: ذهب ضوؤهُ (٤).\nابن كيسان: \" غابَ، من قوله: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ﴾ [القصص: ٨١] \" (٥).\n﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩)﴾: أي: جُمعا في ذهاب ضوئِهما (٦) (٧).\nوقيل: يجمعان كالثورين العقيرين فيلقيان في النَّار (٨).\nوقيل: يدركُ أحدهما الآخرَ بخلاف الدنيا، لقوله: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾، [يس: ٤٠] (٩).\nمجاهد: \"معناه: يكوران \" (١٠)، من قوله: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾، [التكوير: ١] \".\nوذَّكر الشمس حملًا على النور.\nوقيل: لعطفِ (١١) القمر عليه، ويحتملُ إنَّه عطفَ فحملَ على المعنى، أي: فجمع القمران، وكرر ذكر القمر؛ لأن الخبر عنه مختلف (١٢) (١٣).\n_________\n(١) في (أ) \" متى تكون \".\n(٢) في (ب) \" فرع \"، ولعلها \" فزع.\n(٣) قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي ﴿بَرِقَ﴾ بكسر الراء، وقرأ نافع ﴿بَرَقَ﴾ بفتح الراء. [انظر: جامع البيان (٢٩/ ١٧٨)، معاني القراءات (ص: ٥١٥)، الحجَّة (٦/ ٣٤٥)].\n(٤) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٤٢٢)، معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ٢٠٩).\n(٥) لم أقف عليه.\n(٦) في (ب): ضوئها.\n(٧) انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ٢٠٩)، جامع البيان (٢٩/ ١٨٠).\n(٨) انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ٢٠٩)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ٩٤).\n(٩) انظر: البحر المحيط (١٠/ ٣٤٦).\n(١٠) انظر: جامع البيان (٢٩/ ١٨٠)، تفسير السَّمعاني (٦/ ١٠٤).\n(١١) في (ب) \"العطف \".\n(١٢) في (ب) \" ذكر لأن القمر عنه مختلف \".\n(١٣) انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ٢٠٩)، جامع البيان (٢٩/ ١٨٠)، البرهان؛ للكرماني (ص: ٣١٨)، مشكل إعراب القرآن؛ لمكي (٢/ ٧٧٧).","vol":"1","page":3448},{"text":"وقيل: القمرُ الأوّل بياضُ العين (١). وفيه بعد.\n﴿يَقُولُ الْإِنْسَانُ﴾ اسم الجنس يَوْمَئِذٍ ﴿أَيْنَ الْمَفَرُّ (١٠)﴾ قيل: عن الله استحياءً منه.\nوقيل: عن جهنَّم (٢).\nو﴿الْمَفَرُّ﴾ المصدر.\nو\" المَفِر \" بالكسر: المكان، و\" المِفَر \": الجادّ (٣). وهما في القراءةِ من الشَّواذ (٤).\n﴿كَلَّا﴾: ردعٌ عن تمنِّي الفرار (٥).\n﴿لَا وَزَرَ (١١)﴾: لا حرزَ لهم.\nوالوزر: ما لجأ إليه الإنسان من ملجأ أو منجى أو جبل (٦) (٧) قال الشاعرُ (٨):\nلعمرُكَ ما للفتى من وَزَرْ ... من الموتِ يلجئُهُ والكبَرْ (٩)\n_________\n(١) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢٨٠).\n(٢) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ١٥٣)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ٩٥).\n(٣) أي الجاد أو الجيد الهرب.\n(٤) \" المَفِر \" بالكسر: هي قراءة ابن عباس وعكرمة وأيوب السختياني و\" المِفَر \" قراءة الحسن والزهري. [انظر: المحتَسَب (٢/ ٤٠٣)، شواذ القراءات (ص: ٤٩٤)، البحر المحيط (١٠/ ٣٤٩)].\n(٥) انظر: الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ٩٦)، البحر المحيط (١٠/ ٣٤٦).\n(٦) في (أ) \" أو حبلٍ \".\n(٧) انظر: مجاز القرآن (٢/ ٢٧٧)، جامع البيان (٢٩/ ١٨١)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ١٩٧).\n(٨) \" الشاعر \" ساقطة في (أ).\n(٩) البيت أورده أبو عبيدة في مجاز القرآن (٢/ ٢٧٧)، ونسبه لابن الذئبة، ولفظه:\nلعمرُكَ ما للفتى من وَزَرْ ... من الموتِ يينجيه والكبَرْ\nوأورده القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ٩٦) من غير نسبةٍ، ولفظه:\nلعمريَ ما للفتى من وَزَرْ ... من الموتِ يُدركه والكبَرْ","vol":"1","page":3449},{"text":"﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (١٢)﴾: المنتهى، إذا جعلتَهُ مصدرًا، وإن جعلتَهُ مكانًا: فالجنَّة أو النار، أي: لا ينزل أحدٌ منزله إلَاّ الله (١).\n﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣)﴾: ابن عباس - ﵄ -:\n\" ﴿بِمَا قَدَّمَ﴾ من خيرٍ وشرٍ. ﴿وَأَمَّا﴾ سنَّ سنَّةً فيعُملَ بها بعده \" (٢).\nعكرمة (٣): \" ما قدَّم فعمل، وما أخر فلم يعمل به \" (٤).\nمجاهد: \" بأوَّل عمله آخره \" (٥).\nوقيل: ما قدم لدنياه وأخر لآخرته (٦). وهو مسؤول عن الجميع؛ لأنَّ اللفظ عام (٧).\n﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤)﴾: عالمٌ بعمله شاهدٌ عليه.\nفالهاءُ دخلت للمبالغة كالعلامة (٨).\nوقيل: عينٌ بصيرةٌ، فحذف الموصوف. وقيل: ذو بصيرةٍ، فحذف المضاف.\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٩/ ١٨٣)، النُّكت والعيون (٦/ ١٥٤).\n(٢) انظر: جامع البيان (٢٩/ ١٨٣)، النُّكت والعيون (٦/ ١٥٤)، زاد المسير (٨/ ١٥٩).\n(٣) في (ب) \" عكرمة \".\n(٤) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ١٥٤).\n(٥) انظر: جامع البيان (٢٩/ ١٨٤)، النُّكت والعيون (٦/ ١٥٤).\n(٦) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ١٥٤).\n(٧) وما اختاره المؤلف - ﵀ - في القول بعموم الآية هو اختيار غير واحدٍ من المُحقِّقين. [انظر: جامع البيان (٢٩/ ١٨٤)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ٩٦)، البحر المحيط (١٠/ ٣٤٧)].\n(٨) انظر: جامع البيان (٢٩/ ١٨٤)، النُّكت والعيون (٦/ ١٥٤).","vol":"1","page":3450},{"text":"وقيل: البصيرة: رفعَ بالابتداء، وخبُرهُ عَلَى ﴿نَفْسِهِ﴾ تقدم عليه، والجملة خبر المبتدأ الأوَّل كما تقول: زيد على رأسه عمامة، والبصيرة على هذا الوجه: الملكُ الموكلُ عليه أو جوارحُهُ (١).\nوقيل: ﴿عَلَى نَفْسِهِ﴾ علامة ودلالة، من قول الشاعر:\nراحوا بصائرُهم على أكتافِهم ... وبصيرتي يعدو بها عتد وأي (٢) (٣) (٤)\n﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (١٥)﴾: المعاذير: جمعُ معذار، وهو: العذر، أي: لو تكلمَ بعذره وجادلَ وأعتذرَ، وعذرَه قوله: ﴿إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا﴾، [الأحزاب: ٦٧] الآية (٥).\nابن عيسى: \" المعاذير: (٦) ذكرُ موانع تقطعُ عن الفعل المطلوب \" (٧).\nالضحاك: \" ﴿أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾: أرخى ستورَه \" (٨).\nوالمعذار: السِّتر (٩).\nقال الشاعر:\nولكنَّها ضنَّتْ بمنزلِ ساعةٍ ... علينا وأطَّت فوقها بالمعاذرِ (١٠)\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن؛ للأخفش (ص: ٣٠١)، معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ٢١١)، البحر المحيط (١٠/ ٣٤٧).\n(٢) الوأي: الوعد الذي يوثقه الرجل على نفسه ويعزم على الوفاء به. [انظر: لسان العرب (١٥/ ٣٧٦)، مادة \" وأَيَ \"].\n(٣) في (أ) \" عد وأي\".\n(٤) البيت للأشعر الجعفي [انظر: المحرر الوجيز (٥/ ٨٤)، لسان العرب (٤/ ٦٤) مادة \" بصر \"، (١٥/ ٣٧٦) مادة \" وَأَيَ \"] قال ابن عطية: \" وفسَّرَ الناس هذا البيت بطريقة الدم إذ كانت عادة طالب الدم عندهم أن يجعل طريقة من دم خلف ظهره ليعلم بذلك أنه لم يدرك ثأره وأنه يطلبه، ويظهر فيه أنه يريد بصيرة القلب، أي: قد اطرح هؤلاء بصائرهم وراء ظهورهم \" [المحرر الوجيز (٥/ ٨٤)].\n(٥) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ١٩٧)، زاد المسير (٨/ ١٥٩)، البحر المحيط (١٠/ ٣٤٧).\n(٦) \" المعاذير \" ساقطة من (ب).\n(٧) لم أقف عليه.\n(٨) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ١٥٥)، تفسير البغوي (٨/ ٢٨٣).\n(٩) وهو بلغة أهل اليمن. [انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ١٩٧)، تفسير الثعلبي (١٠/ ٨٧)، تفسير البغوي (٨/ ٢٣٨)].\n(١٠) البيت لم أقف على قائله، وانظر: النُّكت والعيون (٦/ ١٥٥)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ٩٩)، البحر المحيط (١٠/ ٣٤٧)، ولفظه عندهم:\nولكنَّها ضنَّتْ بمنزلِ ساعةٍ ... فغابتْ وألقتْ دونها بالمعاذرِ.","vol":"1","page":3451},{"text":"ابن عباس - ﵄ -: ﴿أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾: \" تجردَ عن ثيابه\" (١).\nوقيل: ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ سكتَ عنها لم تنفعه \" (٢).\n﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦)﴾: هذا اعتراضٌ بينَ قوله: ﴿أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ وبينَ قوله (٣): ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ﴾، وذلكَ أنَّ النبيّ - ﷺ - كانَ إذا أتاهُ الوحي تلاهُ قبل فراغِ جبريل - ﵇ - مخافةَ أن ينفلتَ منه شيءٌ، فأنزل ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ﴾، أي: بالقرآن ﴿لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ لتحفظَهُ مستعجلًا (٤).\nوقيل: كانَ النبي - ﷺ - يكثرُ قراءةَ القرآن مخافةَ النسيان فأنزلَ الله هذه الآية (٥). والأوَّل أظهر. وقال بعضهم: هذا يقوي قوله: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمّل: ٤] ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾.\n﴿إِنَّ عَلَيْنَا﴾ جَمْعَهُ: أي: أن نجمعَهُ في صدركَ.\n﴿وَقُرْآَنَهُ (١٧)﴾: وأن نقرأَهُ عليكَ حتى يمكنكَ تلاوتَهُ (٦).\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٩/ ١٨٦)، النُّكت والعيون (٦/ ١٥٥).\n(٢) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢٨١).\n(٣) في (أ) \"بينَ قوله: ﴿أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ وقوله \".\n(٤) سبب النزول أصله في الصحيحين، فقد أخرجه البخاري في كتاب: بدء الوحي، باب: كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله، برقم (٥)، وأخرجه في كتاب التفسير - تفسير سورة القيامة، باب: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾، برقم (٤٩٢٧)، وأخرجه مسلم في كتاب الصلاة، باب: الاستماع للقراءة، برقم (١٠٠٣) عن ابن عباس - ﵄ -، وانظر: جامع البيان (٢٩/ ١٨٧)، زاد المسير (٨/ ١٦٠).\n(٥) وهو قريب من معنى سابقه. [انظر: جامع البيان (٢٩/ ١٨٧)، النُّكت والعيون (٦/ ١٥٥)].\n(٦) انظر: جامع البيان (٢٩/ ١٨٨)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ١٩٨).","vol":"1","page":3452},{"text":"قتادة: \" علينا تأليفُه على ما نزلَ عليك \" (١).\n﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ (١٨)﴾: ابن عباس - ﵄ -: إذا أنزلنَاه ... ﴿فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ \"﴾ (٢) (٣).\nقتادة: \" إذا تليَ عليكَ فاتَّبع أحكامَهُ \" (٤).\nالحسن: \" إن علينا أن نجزيَ به يومَ القيامة على ما قلنا في الدنيا من الوعدِ والوعيد \" (٥). يريد (٦) بيان ما يتضمنه من الأخبار عما كانَ وسيكونُ، كقوله: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾، [ص: ٨٨].\nوقيل: هذا خطابٌ للعبدِ يومَ القيامة، والهاء يعودُ إلى كتاب العبد، أي: لا تعجل فإنَّ علينا أن نجمعَ أفعالكَ في صحيفتكَ، وقد فُعل، وعلينا أن نقرأَ كتابكَ (٧) عليك، ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ﴾ هل غادر شيئًا، أو أحتوى على زيادة.\n﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾: إظهارُ الجزاء عليه.\n﴿كَلَّا﴾: أي: لا تنسى القرآن. وقيل: يعودُ إلى إنكاره للبعث.\nوقيل: افتتاحُ كلامٍ (٨).\n﴿بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (٢٠)﴾: الدنيا وشهواتَها ﴿وَتَذَرُونَ الْآَخِرَةَ (٢١)﴾: الدارَ الآخرة ونعيمَها.\n﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢)﴾: حسنةٌ متهللةٌ فيها أثرُ النعمةِ والحبورِ (٩).\n﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾: الجمهور: على أنَّ المرادَ به: رؤيةُ الله تعالى (١٠).\nوقيل: هو بمعنى الانتظار (١١).\nوهو بعيد من وجهين:\nأحدهما: إنَّ ﴿إِلَى﴾ لا يستعمل مع النظر إذا كان معناه الانتظار، كقوله: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾، [الحديد: ١٣].\nوالثاني: أنَّ الانتظار لا يضاف إلى الوجه.\nوقول: من جعل ﴿إِلَى﴾ واحدُ الآلاء: إلغاز. وكلام الله (١٢) منَزّه عن ذلك (١٣) (١٤).\n_________\n(١) انظر: تفسير الصنعاني (٣/ ٣٣٤)، جامع البيان (٢٩/ ١٨٩).\n(٢) في (ب) \" فاتبع قراءته \".\n(٣) انظر: جامع البيان (٢٩/ ١٨٩)، النُّكت والعيون (٦/ ١٥٦).\n(٤) انظر: تفسير الصنعاني (٣/ ٣٣٤)، جامع البيان (٢٩/ ١٩٠).\n(٥) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ١٥٦)، زاد المسير (٨/ ١٦٠).\n(٦) في (أ) \" وقيل: يريد \".\n(٧) في (أ) \" عليك كتابك \".\n(٨) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢٨٢)، البحر المحيط (١٠/ ٣٤٨)، وقد حكاه أبو حيان عن القفال، مع اختياره لقول الجمهور في كون هذه الآيات خطاب للنبي - ﷺ -.\n(٩) انظر: جامع البيان (٢٩/ ١٩١)، النُّكت والعيون (٦/ ١٥٦).\n(١٠) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٤٢٣)، جامع البيان (٢٩/ ١٩٢)، النُّكت والعيون (٦/ ١٥٦)، تفسير البغوي (٨/ ٢٨٤)، تفسير القرآن العظيم (٤/ ٤٧٩).\n(١١) أي تنتظر ثواب ربها، وهو مروي عن مجاهد، وهو قول مردود باطل - كما تعقَّبه المؤلف - [انظر: جامع البيان (٢٩/ ١٩١)، النُّكت والعيون (٦/ ١٥٦)].\n(١٢) في (أ) \" وقول الله \".\n(١٣) انظر: إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٤/ ٥٥)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ١٠٥)، البحر المحيط (١٠/ ٣٥٠).\n(١٤) وقد تعلَّق بهذا القول المعتزلة، والردُّ عليهم مستفيض في كتب العقائد، قال ابن كثير - ﵀ -: ... \" وهذا بحمد الله مُجمع عليه بين الصحابة والتابعين وسلف هذه الأمة، كما هو متفق عليه بين أئمة الإسلام وهداة الأنام، ومن تأوَّل ذلك بأن المراد بإلى مفرد الآلاء، وهي النِّعم، كما قال الثوري عن منصور عن مجاهد: \" ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ قال: \"تنتظر الثواب من ربها \"، رواه ابن جرير من غير وجه عن مجاهد، وكذا قال أبو صالح أيضا، فقد أبعد هذا الناظر النجعة وأبطل فيما ذهب إليه، وأين هو من قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: (١٥)]، قال الشافعي - رحمه الله تعالى - ما حجب الفجار إلا وقد علم أن الأبرار يرونه ﷿، ثم قد تواترت الأخبار عن رسول الله - ﷺ - بما دلَّ عليه سياق الآية الكريمة وهي قوله تعالى: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ \". [تفسير القرآن العظيم (٤/ ٤٨٠)].","vol":"1","page":3453},{"text":"﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (٢٤)﴾: مقطبةٌ كريهةٌ (١).\n﴿تَظُنُّ﴾: توقنُ (٢)، أي: أصحابَ الوجوه.\n﴿أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ (٢٥)﴾: نازلٌ بها أشدُ العذاب، والفاقرة: الداهية الكاسرة لفقار الظهر (٣).\nالأخفش: \" الفاقرة: من السَّمة التي تفقرُ الأنفَ، أي: تجزُّ فِيه \" (٤).\nيقال: فقر يفقِر ويفقُر\" (٥) (٦).\n﴿كَلَّا﴾: افتتاح.\n﴿إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (٢٦)﴾: أي: بلغت الروحُ، كنَّى عنها ولم يتقدم ذكرُها؛ لأن الآية تدلُ عليها.\nو﴿التَّرَاقِيَ﴾: جمع ترقوة وهي: العظمُ المشرف على الصدر وهما تَرْقُوتان (٧).\n﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ (٢٧)﴾: هذا قولُ من يحضرهُ، أي: هل طبيبٌ يداويه، أو هل راقٍ يرقى فيشفى برؤيته (٨).\nوقيل: هذا من كلام المحتضر (٩).\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٩/ ١٩٢)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ١٩٨).\n(٢) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ١٩٨)، البحر المحيط (١٠/ ٣٥١).\n(٣) انظر: جامع البيان (٢٩/ ١٩٤)، تفسير الثعلبي (١٠/ ٨٨).\n(٤) في (ب) \" يجز فيه \".\n(٥) \" ويفقُر \" ساقط من (ب).\n(٦) لم أقف عليه.\n(٧) انظر: زاد المسير (٨/ ١٦١)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ١٠٨).\n(٨) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ٢١٢)، جامع البيان (٢٩/ ١٩٤)، النُّكت والعيون (٦/ ١٥٧).\n(٩) انظر: لم أقف على من قاله، وهو بعيد في المعنى.","vol":"1","page":3454},{"text":"وقيل: إنه من كلام الملائكة، أي: (١) ملائكة الرحمة يؤمرون برقي روحه، أم ملائكة العذاب. وهذا قول ابن عباس - ﵄ - (٢).\nوقيل: هذا على الإياس، أي: من هذه الحالة حالهُ (٣).\n﴿وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ (٢٨)﴾: أيقنَ أنَّ الذي نزلَ به الفراقُ من الدنيا والأهلِ والمالِ (٤).\n﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (٢٩)﴾: ﴿الْتَقَى﴾: التصقت (٥).\nوأكثر المفسرين على أن المراد بـ ﴿السَّاقُ﴾: الشدَّة. والتفاف ﴿السَّاقُ﴾ نهاية الدنيا ﴿بِالسَّاقِ﴾ ببداية الآخرة (٦).\nالحسن: \" أي ماتت ساقاه فلم تحملاه (٧) إلى شيء، وكان عليهما جَوَّالًا (٨) \" (٩).\nوقيل: كثرتْ عليه الشدائد (١٠).\nوقيل: لُفَّت ساقاه في الكفن (١١).\nالسُّدي: \" أراد يبسها (١٢) عند الموت \" (١٣).\n_________\n(١) في (أ) \" أي ملائكة \". تنظر (ب).\n(٢) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ٢١٢)، جامع البيان (٢٩/ ١٩٥).\n(٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ١٠٩)، البحر المحيط (١٠/ ٣٥١).\n(٤) وقيل: الظن هنا على بابه بمعنى توهم الشيء؛ لأنه لا يدري أيموت في هذا المرض أم لا، مع استيقانه بحقيقة الموت. [انظر: جامع البيان (٢٩/ ١٩٥)، النُّكت والعيون (٦/ ١٥٨)، البحر المحيط (١٠/ ٣٥٣)].\n(٥) انظر: جامع البيان (٢٩/ ١٩٩).\n(٦) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ٢١٢)، جامع البيان (٢٩/ ١٩٥)، تفسير السمعاني (٦/ ١٠٩)، تفسير البغوي (٨/ ٢٨٦)، المحرر الوجيز (٥/ ٤٠٦).\n(٧) في (ب) \" يحملاه \".\n(٨) أي كثير التجوال والمشي، يقال: جَوَّلتُ البلاد تجويلًا، أي جُلْتُ فيها كثيرًا، وجوَّل في البلاد، أي طَوَّفَ. [انظر: لسان العرب (١١/ ١٣٠)، مادة \" جَوَلَ \"].\n(٩) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ١٥٨)، تفسير القرآن العظيم (٤/ ٤٨١).\n(١٠) وهو معنى قول ابن عباس وقتادة وعكرمة ومجاهد. [انظر: جامع البيان (٢٩/ ١٩٦)، النُّكت والعيون (٦/ ١٥٨)].\n(١١) وهو قول الحسن وسعيد بن المسيب [انظر: جامع البيان (٢٩/ ١٩٧)، زاد المسير (٨/ ١٦٢)].\n(١٢) في (ب) \" ببسها \".\n(١٣) انظر: جامع البيان (٢٩/ ١٩٨).","vol":"1","page":3455},{"text":"﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ (٣٠)﴾: هو مصدر ساقه، والمعنى: يسوقُ كاتبُ السيئات صاحبه إلى حكمِ الله في القيامة، ويشهدُ عليه كاتبُ الحسنات.\nوقيل: مساقُ العباد إلى حيثُ أمر الله، إما إلى جنَّةٍ وإما إلى نار، وإما إلى عليين وإما إلى سجين (١).\n﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١)﴾: الجمهور على أنَّها نزلت في أبي جهل (٢).\nوقيل: راجع إلى السائل ﴿أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ﴾ (٣).\n﴿لَا﴾ بمعنى لم، أي لم يصدق بكتاب الله ولا بنبيه - ﷺ - ﴿وَلَا صَلَّى﴾ لله عبادة (٤). وحسَّنَ دخول ﴿لَا﴾ على الماضي تكراره، كما تقول: لا قام ولا قعد (٥).\nعن الحسن (٦): \"لم يتصدق ولم يصلِّ \" (٧).\nوقيل: صلَّى، من قول الشاعر:\n_________\n(١) انظر: تفسير الثعلبي (١٠/ ٩٠)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ١١٠)، البحر المحيط (١٠/ ٣٥٢).\n(٢) قال ابن عطية: \"قال جمهور المتأولين: هذه الآية كلها إنما نزلت في أبي جهل بن هشام.\nقال القاضي أبو محمد: ثم كادت هذه الآية أن تصرح به في قوله تعالى: ﴿يَتَمَطَّى﴾ فإنها كانت مشية بني مخزوم، وكان أبو جهل يكثر منها \". [المحرر الوجيز (٥/ ٤٠٦)، تفسير مقاتل (٣/ ٤٢٣)، جامع البيان (٢٩/ ١٩٩)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ١٩٩)، النُّكت والعيون (٦/ ١٥٨)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ١١٠)، البحر المحيط (١٠/ ٣٥٢)].\n(٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ١١٠)، البحر المحيط (١٠/ ٣٥٢)، وهو اختيار ابن كثير [تفسير القرآن العظيم (٤/ ٤٨١)]، والشوكاني [فتح القدير (٥/ ٤٨٠)].\n(٤) انظر: مجاز القرآن (٢/ ٢٧٨)، جامع البيان (٢٩/ ١٩٩)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٥/ ٦٠).\n(٥) انظر: البحر المحيط (١٠/ ٣٥٣).\n(٦) في (أ) \" وعن الحسن \".\n(٧) لم أقف عليه.","vol":"1","page":3456},{"text":". . . . . . . . . . . . . ... تلقَ السوابقُ منَّا والمصلِّينا (١)\nوالمعنى: لم يتبع الرسول (٢).\n﴿وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٣٢)﴾: نبيَ الله وكتابَه (٣).\n﴿ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى (٣٣)﴾: يتبختر، وأصلُه: يتمطط، قلبَ الأخير لاجتماع ثلاثة أحرف متماثلة ياءً، وهذا بابٌ واسع. وقيل: هو من المطا وهو الظهر (٤) أي: حرَّكَ مطاهُ في مشيته (٥).\n﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٥)﴾: العربُ تستعملُ هذه اللفظة للتهديد والوعيد، كما في الآية. وقد يستعملُ للتعجب (٦).\nواختلفَ في وزنه: فذهبَ بعضهم إلى أنَّه فَعَلَ، أي: أولاك عملك أو الزبانية المكروه، واللام زيادة، كقوله: ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾، [النمل: ٧٢]، وكذلك الثاني، لكنه حذف ﴿لَكَ﴾؛ لأنَّ الأوَّل يدلُ عليه. وقال بعضهم: هو اسم، ووزنه أفعل، وهو معرفة، والمعنى: الذمُّ أولى لك من تركه، فهو خبر المبتدأ.\nوقيل: هو الذمُّ، أي: الذمُّ لكَ، فيكونُ مبتدأً و﴿لَكَ﴾ خبره، وحذف من الثاني. وقال بعضهم: هو أفعل من الويل بعد القلب، كما قيل في أدنى أنَّه أفعل من لفظ دون. وقيل: هو فعلى من آلَ يؤل، أي: عقباكَ النَّار.\nوقول الزَّجَّاج: \"معناهُ وليكَ المكروه \" (٧). وهو القول الأوّل، والتكرار للتأكيد.\n_________\n(١) البيت ذكره ابن قتيبة في الشِّعر والشعراء، وقد نسبه لنَهشَل بن حَرِّيٍّ النهشلي (ص: ٣٨٩)، وتمامه:\nإِن تُبْتَدَرْ غايةٌ يَوْمًا لمَكْرُمَةٍ ... تَلْقَ السَّوابِقَ مِنَّا والمُصَلِّينا\n(٢) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢٨٢).\n(٣) انظر: جامع البيان (٢٩/ ١٩٩)، النُّكت والعيون (٦/ ١٥٨).\n(٤) في (ب): الطهر.\n(٥) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ٢١٢)، تفسير الثعلبي (١٠/ ٩٠).\n(٦) انظر: مجاز القرآن (٢/ ٢٧٨)، جامع البيان (٢٩/ ٢٠٠)، البحر المحيط (١٠/ ٣٥٣).\n(٧) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ١٩٩).","vol":"1","page":3457},{"text":"وقيل: ﴿أَوْلَى لَكَ﴾ الموت ﴿فَأَوْلَى﴾ لك العذاب في القبر، ﴿ثُمَّ أَوْلَى لَكَ﴾ هول القيامة ﴿فَأَوْلَى﴾ لك عذابُ النار على الدوام (١).\n﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦)﴾: ﴿أَيَحْسَبُ﴾ الكافرُ أن يتركَ مهملًا لا يؤمرُ ولا ينهى ولا يجازى بعمله (٢).\nوقيل: أن لا يبعث (٣).\nالحسن: \" ﴿أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ سرمدًا في الدنيا دائمًا لا يموت \" (٤).\n﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (٣٧)﴾ (٥): النطفة.\nوالمني: ماءُ الرجل، ﴿يُمْنَى﴾: يصبُ في الرحم.\nوالمنيّ: مشتقٌ من المنى، وهو القدر (٦) (٧).\n﴿ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً﴾: أي: صارَ المني قطعة دم جامدٍ بعد أربعين يومًا.\n﴿فَخَلَقَ﴾: أي فقدَّرَه الله - تعالى -.\n﴿فَسَوَّى (٣٨)﴾: فسوَّاه إنسانًا.\n﴿فَجَعَلَ مِنْهُ﴾: أي: من هذا الإنسان.\nوقيل: منه يعود إلى المني (٨).\n﴿الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣٩)﴾: أي: خلقَ منه أولادًا ذكورًا وإناثًا.\n﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (٤٠)﴾: أي: من قدرَ على إيجادِه بهذه الصفة ابتداءً، يقدرُ على إعادتِه، إذ ليس إعادتَه بأصعب من ابتدائه.\nوروي مرفوعًا أن النبي - ﷺ - كان إذا قرأَ هذه الآية قال: «سبحانكَ اللهم بلى» (٩).\n_________\n(١) انظر: إملاء ما منَّ به الرحمن (٢/ ١٢٥٥)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ١١٢)، البحر المحيط (٩/ ٤٥٦).\n(٢) وهو قول مجاهد. [انظر: جامع البيان (٢٩/ ٢٠٠)، النُّكت والعيون (٦/ ١٥٩)].\n(٣) وهو قول السُّدي. [انظر: تفسير السمعاني (٦/ ١١٩)، تفسير القرآن العظيم (٤/ ٤٨٢)].\n(٤) لم أقف عليه.\n(٥) في النُّسختين: بلفظ ﴿يُمْنَى﴾ بالياء، والمعنى بعدها على القراءتين، فقد قرأ حفص عن عاصم ﴿يُمْنَى﴾ بالياء، وقرأ الباقون من السَّبعة ﴿تُمْنَى﴾ بالتاء، فمن قرأ بالياء ﴿يُمْنَى﴾ ذهب به إلى المني، وهو مذكَّر، ومن قرأ ﴿تُمْنَى﴾ بالتاء ردَّه إلى النُّطفة حملًا على المعنى. [انظر: جامع البيان (٢٩/ ٢٠١)، معاني القراءات (ص: ٥١٧)، الحُجَّة (٦/ ٣٤٧)].\n(٦) في (أ) \"القذر \" بالذال المعجمة وكأنه يعود على المني لأنه مستقذر. وهو تصحيف [انظر: جامع البيان (٢٩/ ٢٠١)، الحُجَّة (٦/ ٣٤٧)].\n(٧) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ١٦٠)، تفسير القرآن العظيم (٢٩/ ٤٨٢).\n(٨) انظر: تفسير السمعاني (٦/ ١١١)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ١١٣).\n(٩) أخرجه أبو داود في كتاب الصلاة، باب الدعاء في الصلاة، برقم (٧٥٠)، عن موسى بن أبي عائشة قال: \" كان رجل يصلي فوق بيته، وكان إذا قرأ: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (٤٠)﴾ قال: (سبحانك فبلى)، فسألوه عن ذلك فقال: سمعته من رسول الله - ﷺ - \".\nقال ابن كثير - ﵀ - بعد إيراده للحديث: \" تفرد به أبو داود، ولم يسم هذا الصحابي، ولا يضر ذلك \" [تفسير القرآن العظيم (٤/ ٤٨٢)]، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (٨٨٤).","vol":"1","page":3458},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-182>سورة الإنسان </span>(١)\nإحدى وثلاثون آية (٢) (٣) مدنية (٤).\nوقيل: مكية (٥). وقيل: مكية إلى قوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ﴾، والباقي مدني (٦) (٧).\nويقال لها: سورة الدَّهر أيضًا (٨).\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (١)﴾: هذا استفهام تقرير، والمعنى: ألم يأتي (٩).\n_________\n(١) كذا جاء تسميتها في أكثر المصاحف وكتب التفسير، وسُمِّيت في زمن أصحاب رسول الله - ﷺ - \" سورة هل أتى على الإنسان \" [انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٤٢٥)، جامع البيان (٢٩/ ٢٠٢)، تفسير السَّمرقندي (٣/ ٥٠٣)، التحرير والتنوير (٢٩/ ٣٦٩)].\n(٢) \" إحدى وثلاثون آية \" ساقطة من (ب).\n(٣) بلا خلاف عند أهل العدِّ [انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٤٢٥)، جامع البيان (٢٩/ ٢٠٢)، تفسير السَّمرقندي (٣/ ٥٠٣)، البيان في عدِّ آي القرآن (ص: ٢٦٠)، التحرير والتنوير (٢٩/ ٣٧٠)].\n(٤) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٢٠٢). تفسير السَّمرقندي (٣/ ٥٠٣)، زاد المسير (٨/ ١٦٤).\n(٥) وقد ذكر ابن الجوزي وأبو حيان أن هذا قول الجمهور. [انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٤٢٥)، تفسير الثعلبي (١٠/ ٩٣)، النُّكت والعيون (٦/ ١٦١)، زاد المسير (٨/ ١٦٤)، البحر المحيط (١٠/ ٣٥٨)، التحرير والتنوير (٢٩/ ٣٧٠)].\n(٦) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ١٦١)، زاد المسير (٨/ ١٦٤).\n(٧) قال ابن عاشور: \" والأصَحُّ أنَّها مكية؛ فإن أسلوبها ومعانيها جارية على سنن السور المكية، ولا أحسب الباعث على عدِّها في المدني إلا ما روي من آية ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى شُبِّهَ﴾ نزلت في إطعام علي بن أبي طالب بالمدينة مسكينًا ليلة، ويتيمًا أخرى، وأسيرًا أخرى، ولم يكن للمسلمين أسرى بمكة حملًا للفظ أسير على معنى أسير الحرب، أو ما روي أنه نزل في أبي الدَّحداح وهو أنصاري، وكثيرًا ما حملوا نزول الآية على مُثْلٍ تنطبق عليها معانيها فعبَّروا عنها بأسباب نزول كما بيَّنَّاه في المقدمة الخامسة \" [التحرير والتنوير (٢٩/ ٣٧٠)].\n(٨) انظر: زاد المسير (٨/ ١٦٤)، روح المعاني (٢٩/ ١٥٠)، التحرير والتنوير (٢٩/ ٣٧٠).\n(٩) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ١٦١)، المحرر الوجيز (٥/ ٤٠٨)، تفسير البيضاوي (٢/ ٥٥١).","vol":"1","page":3459},{"text":"وقيل: ﴿هَلْ﴾ هاهنا بمعنى: قد (١).\nو﴿الْإِنْسَانِ﴾: آدم - ﵇ - (٢).\nوالحين في الآية: زمان محدود وهو أربعون سنة.\nقال ابن مسعود - ﵁ -: \" خلق الله آدم - ﵇ - من تراب فقام أربعين سنة، ثم من طين (٣) أربعين سنة، ثم من (٤) صلصال، ثم من حمأ مسنون أربعين سنة، ثم خلقه بعد ستين ومائة سنة \" (٥).\nولو لم يكن محدودًا لما قال: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾.\nوقيل: هو غير محدود.\nوقوله: ﴿عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ أتى عليه في علم الله ﴿لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (١)﴾. [وقيل: لم يكن شيئًا أصلًا. وقيل: كان ولم يكن مذكورًا] (٦).\nوقيل: الإنسان بنو آدم.\nوالحين: مدة لبثه في بطن أمه تسعة أشهر، إلى أن صار شيئًا مذكورًا (٧).\nأو يحتمل ﴿أنَّ الْإِنْسَانِ﴾ عام (٨).\n_________\n(١) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٤٢٥)، معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ٢١٣)، جامع البيان (٢٩/ ٢٠٢).\n(٢) وهو في هذا الموضع قول أكثر المفسرين، واختيار ابن جرير. [انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٤٢٥)، جامع البيان (٢٩/ ٢٠٢)، تفسير السَّمعاني (٦/ ١١٢)، تفسير البغوي (٨/ ٢٨٩)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ١١٦)].\n(٣) في (أ) \" ثم خلقه بعد طين أربعين سنة \".\n(٤) \" من \" ساقطة من (أ).\n(٥) انظر: الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ١١٦)، وبنحوه عن ابن عباس.\n(٦) ما بين المعقوفتين ساقط من (أ).\n(٧) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ١٦٢)، تفسير السَّمعاني (٦/ ١١٢).\n(٨) وهو اختيار ابن عطية وابن جزي، قال ابن عطية: \" [المحرر الوجيز (٥/ ٤٠٨): \"والقوي في هذا أنَّ الإنسان اسم جنس، وأنَّ الآية جعلت عبرة لكل أحدٍ من الناس، ليعلم أنَّ الصانع له قادر على إعادته \"، وقال ابن جزي: [التسهيل (٤/ ١٦٦)] \" وقيل الإنسان هنا آدم، والحين الذي أتى عليه حين كان طينًا قبل أن ينفخ فيه الروح، وهذا ضعيف لوجهين:\nأحدهما قوله: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ وهو هنا جنس باتفاق؛ إذ لا يصح هنا في آدم.\nوالآخر أنَّ مقصد الآية تحقير الإنسان \".","vol":"1","page":3460},{"text":"﴿حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾: زمان فترة الرسل بعد عيسى - ﵇ -\n﴿لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ أي: لم يذكروا بوحي، ولم يُبعث (١) إليهم رسول في تلك المدة (٢) والله أعلم.\nو﴿الدَّهْرِ﴾: أعمُّ من الحين، فإنَّ الحين (٣) جزءًا منه (٤) (٥).\nالحسن: \" خَلَق أصول الأشياء في الأيام الستة، ثم خَلَق آدم - ﵇ - فكان غير مذكور في جملة المخلوقات (٦) \" (٧).\nوقيل: آخر شيء خلقه الله آدم - ﵇ - (٨).\n﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ﴾: بني آدم (٩).\n﴿مِنْ نُطْفَةٍ﴾: من (١٠) مَنيّ.\n﴿أَمْشَاجٍ﴾: أخلاط، واحدها مشج.\nوقيل: مشيج (١١).\nوقيل: مَشَجَ بفتحتين مشتق من مشجت الشيء (١٢) أي: خلطته، والمراد بها ماء الرجل وماء المرأة.\n_________\n(١) في (ب) \" ولا بعث \".\n(٢) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢٨٥).\n(٣) في (ب) \" فكان الحين \".\n(٤) انظر: المفردات (ص: ٢٦٧)، مادة (حَيَنَ)، لسان العرب (١٣/ ١٣٣)، مادة (حَيَنَ).\n(٥) قال ابن جرير: \" وأمَّا الدَّهر في هذا الموضع، فلا حدَّ له يوقف عليه \" [جامع البيان (٢٩/ ٢٠٢)].\n(٦) في (ب) \" جملة المخلوق \".\n(٧) لم أقف عليه.\n(٨) انظر: تفسير عبد الرزاق (٣/ ٣٣٦)، تفسير السَّمرقندي (٣/ ٥٠٣)، وهو مروي عن قتادة.\n(٩) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٢٠٣)، النُّكت والعيون (٦/ ١٦٢).\n(١٠) \" من \" ساقطة من (ب).\n(١١) \" وقيل: مشيج \" ساقطة من (أ).\n(١٢) في (ب) \" الشرَّ \".","vol":"1","page":3461},{"text":"وقيل: لأنها تنتقل (١) أحوالًا: نطفةً، ثم علقةً، إلى آخر تمام الخلق.\nوقيل: لاختلاف ألوانها؛ لأن ماء الرجل أبيض، وماء المرأة أخضر، ثم يخضرَّان (٢).\nوقيل: ماء المرأة أصفر.\nوقيل: الأمشاج العروق التي ترى في النطفة (٣).\nابن عيسى: \" الأمشاج: الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة ولهذا جُمِع \" (٤).\nوقيل: إنما جُمِعَ كقولهم: بُرْمَةُ أَعشارٍ (٥) وثَوْبُ أَسْمال (٦) (٧).\n﴿نَبْتَلِيهِ﴾: نختبره بالتكليف، وهو حال، أي: خلقناه مبتلين، ويحتمل أن يكون حالًا من ﴿الْإِنْسَانِ﴾، أي: خلقناه مبتلىً.\nوقيل: لنبتليه، فحذف اللام وسكن الياء، والمعنى: عليه.\nويحتمل أن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي: نحن نبتليه.\n﴿فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢)﴾: هو السمع والبصر الظاهران.\nوقيل: العقل (٨).\n_________\n(١) في (أ) \" ينتقل \".\n(٢) في (ب) \" يخصران \".\n(٣) والقول الأول أي المراد بها ماء الرجل وماء المرأة هو اختيار الفراء وابن جرير. انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ٢١٤)، جامع البيان (٢٩/ ٢٠٣)، وانظر: تفسير مقاتل (٣/ ٤٢٦)، النُّكت والعيون (٦/ ١٦٢).\n(٤) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢٨٦).\n(٥) قال الأزهري: \" والعرب تقول: برمةٌ أعشار، أي متكسرة\". [تهذيب اللغة (١/ ٤١١)].\nوقال الجوهري: (وبرمةٌ أعشارٌ، إذا انكسرت قطعًا قطعًا). [الصحاح (٢/ ٧٤٨)].\nوالبرمة: قِدْر من حجارة. [انظر: تهذيب اللغة (١٥/ ٢٢٠)].\n(٦) السَّمل: الخَلَق والمقطع من الثياب [انظر: لسان العرب (١١/ ٣٤٥)، مادة \" سَمَلَ \"].\n(٧) قال الزمخشري: \" ﴿نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ﴾: كبرمة أعشار وبرد أكباش، وهي ألفاظ مفردة غير جموع، ولذلك وقعت صفات للأفراد\". الكشَّاف (٤/ ٦٦٦ (\". وانظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢٨٦)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ١١٨).\n(٨) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٢٠٥)، النُّكت والعيون (٦/ ١٦٣).","vol":"1","page":3462},{"text":"قال الفَرَّاء (١) \" فيه تقديم وتأخير، أي جعلناه سميعًا بصيرًا [لنيتليه \" (٢).\nوزيَّفه بعضهم فقال: أرادة التكليف أوجبت كونه سميعًا بصيرًا] (٣) (٤).\n﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾: سبيل الخير والشر.\nوقيل: نصبنا الأدلة.\nوقيل: سبيل المعاش.\nوقيل: سبيل (٥) خروجه من الرَّحم (٦).\n﴿إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾: أي هديناه شاكرًا أوكفورًا، فهما حالان من الهاء.\n﴿وإِمَّا﴾ يأتي للجزاء، أي: شكرًا أو كفرًا (٧) فقد هديناه، ويأتي للتخيير، أي: فليختر إمَّا هذا وإما ذاك، فقد هُديَ للسبيل (٨) (٩).\n﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ﴾: الإعتاد والإعداد في اللغة: تحصيل الشيء لوقت الحاجة\nإليه (١٠).\n﴿سَلَاسِلَ﴾: جمع سلسلة، الواحد منها سبعون ذراعًا.\n﴿وَأَغْلَالًا﴾: جمع غُل، وهو: القيد الذي يجمع اليمين والعنق (١١).\n﴿وَسَعِيرًا (٤)﴾: نارًا موقدة (١٢).\n﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ﴾: جمع بار (١٣).\n﴿يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ﴾: خمر.\nوقيل: هي إناء فيه خمر يأخذونها كأسًا (١٤) ويردونها إناء (١٥). (١٦)\n﴿كَانَ مِزَاجُهَا﴾: ما يمزج بها.\n﴿كَافُورًا (٥)﴾: قيل: هو اسم ماء.\nوقيل: يمزج بالكافور (١٧)؛ لبرده وعذوبته وطيب عرفه.\nوقيل: يخلط برائحة الكافور (١٨).\n﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾: أي: يروى، والعين: ينبوع الماء، ويستعمل للماء. ونصبه يجوز أن يكون بدلًا من الكافور، إذا جعلته اسم ماء أو صفة للكأس على المحل، ويجوز أن ينتصب بيشربون.\nويجوز أن يكون حالا من ضمير الكأس، ويجوز أن ينتصب على المدح (١٩).\nوقوله: ﴿بِهَا﴾ الباء زيادة، أي يشربها (٢٠).\n_________\n(١) \" قال الفراء \" ساقطة من (أ).\n(٢) معاني القرآن (٣/ ٢١٤).\n(٣) مابين المعقوفتين ساقط من (ب).\n(٤) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٢٠٥)، غرائب التفسير (٢/ ١٢٨٦).\n(٥) \" سبيل \" ساقطة من (أ).\n(٦) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٢٠٦)، النُّكت والعيون (٦/ ١٦٤).\n(٧) في (أ) \" وكفرًا \".\n(٨) في (أ) \" السبيل \".\n(٩) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ٢١٤)، جامع البيان (٢٩/ ٢٠٦).\n(١٠) انظر: المفردات (ص: ٥٤٥)، مادة \" عَتَدَ \".\n(١١) في (ب) \" اليمين والشمال \".\n(١٢) \" موقدة \" ساقطة من (ب).\n(١٣) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٢٠٦)، تفسير الثعلبي (١٠/ ٩٥).\n(١٤) \" كأسًا \" ساقطة من (ب).\n(١٥) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٤٢٧)، تفسير السَّمرقندي (٣/ ٥٠٤).\n(١٦) قال الضَّحاك بن مزاحم: \" كُلُّ كأس في القرآن فهو خمر \" [انظر: جامع البيان (٢٣/ ٥٣)، النُّكت والعيون (٦/ ١٦٥)].\n(١٧) الكافورُ: أَخْلاطٌ تجمع من الطيب تُرَكَّبُ من كافور الطَّلْع. [لسان العرب (٥/ ١٤٤)، مادة (كَفَرَ)].\n(١٨) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٢٠٦)، النُّكت والعيون (٦/ ١٦٥).\n(١٩) انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ٢١٥)، جامع البيان (٢٩/ ٢٠٧)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٥/ ٦٤).\n(٢٠) ومذهب شيخ الإسلام ابن تيمية أنَّ الفعل ﴿يَشْرَبُ﴾ ضمِّن معنى يروى فعدى تعديته، فليست الباء زائدة. [انظر: مجموع الفتاوى (١٣/ ٣٤٢)، (٢١/ ١٢٣)، شرح مقدمة التفسير؛ لابن عثيمين (ص: ٥٩)].","vol":"1","page":3463},{"text":"وقيل: بمعنى من، أي: يشرب منها.\nوقيل: بمعنى في، أي: يشرب في ذلك الموضع، كما تقول: شربتُ ببغداد، قال:\nشربت بماء الدحرضين (١) فأصبحت (٢). . . . . . . . . . . . . . . . . .\n﴿يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (٦)﴾: يفتحونها إليهم ويجرونها حيث يريدون.\nوقيل: يفجرونها في الكأس (٣).\n﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾: أي: يوفون بنذورهم التي نذروها في طاعة الله.\nوالنَّذر: وعد بطاعة مؤكد بعقد.\nوقيل: النَّذر: هو الوفاء بما ألزم الله تعالى من العبادات (٤).\n﴿وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ﴾: شدائده.\n﴿مُسْتَطِيرًا (٧)﴾: فاشيًا ممتدًا بالغًا أقصى المبالغ، من قولهم: استطار الفجر، واستطار النار (٥) (٦).\nقوله: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾: أي: على حب الطعام وعزته.\nوقيل: هو على حب الإطعام.\n_________\n(١) أي شربت ماء الدُّحرضين، والدُّحْرُض: بضم أوله، وسكون ثانيه، وراء مضمومة وآخره ضاد معجمة، ماء بالقرب منه ماء يقال له وسيع فيجمع بينهما فيقال: الدُّحْرُضَان كما يقال القمران للشمس والقمر، وهذان الماءان بين سعد وقُشير. [انظر: معجم ما استعجم (٢/ ٥٤٤)، معجم البلدان (٢/ ٤٤٤)].\n(٢) البيت لعنترة العبسي، وعجزه:\n. . . . . . . . . . . . ... زوراء تنفر عن حياض الديلم\n[انظر: لسان العرب (٧/ ١٤٩)، مادة (دحرض)].\n(٣) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٢٠٧)، النُّكت والعيون (٦/ ١٦٥).\n(٤) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٢٠٨)، المفردات (ص: ٧٩٦)، مادة \" نَذَر \"، التعريفات (ص: ١٦٦).\n(٥) في (ب) \" واستطار الحريق \".\n(٦) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٤٢٧)، جامع البيان (٢٩/ ٢٠٩).","vol":"1","page":3464},{"text":"وقيل: على حب الله، فيكون المصدر مضافًا إلى المفعول (١).\nويحتمل: على حب الله الإطعام؛ فيكون المصدر مضافًا إلى الفاعل (٢) (٣).\n﴿مِسْكِينًا﴾: هو: الذي ضم إلى فقره الذلة، وانقطاع المعونة (٤).\n﴿وَيَتِيمًا﴾: هو الذي فقد أباه قبل الحلم إلى الحلم (٥).\n﴿وَأَسِيرًا (٨)﴾: يريد: أسرى (٦) الكفار والمؤمنين.\nوقيل: العبيد والإماء (٧).\n﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾: أي: يضمرون هذه الآيات في أنفسهم، وليس المعنى أنهم تكلموا بها.\nقوله: ﴿لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ أي: لطلب ثوابه (٨).\nالمفضل: \" الوجه: القصد إلى الشيء والعمل فيه \" (٩).\n﴿لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً﴾: مكافأة.\n﴿وَلَا شُكُورًا (٩)﴾: ولا أن (١٠) يثنى به علينا.\nوهو مصدر شكر، وقيل: جمع شكر، أي: شكرًا بعد شكر (١١).\n_________\n(١) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢٨٧).\n(٢) في (ب): \"على حب الله مصدر مضاف ... \".\n(٣) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٢٠٩)، النُّكت والعيون (٦/ ١٦٦).\n(٤) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٢٠٩)، تفسير البغوي (٣/ ٣٥٩)، البحر المحيط (١٠/ ٣٦١).\n(٥) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٤٢٧)، تفسير البغوي (٣/ ٣٥٩)، البحر المحيط (١٠/ ٣٦١).\n(٦) في (ب): \" يريد وأسرى \".\n(٧) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٢٠٩)، النُّكت والعيون (٦/ ١٦٦)، البحر المحيط (١٠/ ٣٦١).\n(٨) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٤٢٧)، جامع البيان (٢٩/ ٢١٠).\n(٩) انظر: لم أقف عليه.\n(١٠) \" أن \" ساقطة من (ب).\n(١١) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٢١٠)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٥/ ٦٤).","vol":"1","page":3465},{"text":"﴿إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا﴾: عذاب يوم.\n﴿عَبُوسًا﴾: تعبس (١) فيه الوجوه. وقيل: ضيقا كريهًا (٢).\n﴿قَمْطَرِيرًا (١٠)﴾: أشد ما يكون من الأيام وأطولها، وكذلك قماطر، أي: شرُّه ملتف.\nوأصله من قول العرب: أقمطرت الناقة: إذا رفعت ذنبها، وجمعت بين طرفي ذنبها. وقيل: كلاهما من صفة وجه الإنسان في ذلك اليوم (٣).\nوالعبوس: بالشفتين، والقمطرير: بالجبهة والحاجبين. حكاه الماوردي (٤).\nوسئل الحسن عن القمطرير، فقال: \"سبحان الله! ما أشد اسمه؟! وهو أشد من اسمه\" (٥).\n﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ﴾: أي صانهم من شدائده.\n﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً﴾: أي: في الوجوه، وهي: أثر النعمة وحسن اللون والبهاء.\n﴿وَسُرُورًا (١١)﴾: وفرحًا في القلوب (٦).\n﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا﴾: أي بصبرهم.\n﴿جَنَّةً وَحَرِيرًا (١٢)﴾: أدخلهم الجنة وألبسهم الحرير.\nوقيل: الحرير كناية عن لين العيش (٧).\n_________\n(١) في (ب) \" يعبس \".\n(٢) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٢١١)، تفسير السَّمرقندي (٣/ ٥٠٤).\n(٣) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ٢١٦)، جامع البيان (٢٩/ ٢١١)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٢٠٢)، البحر المحيط (١٠/ ٣٥٧).\n(٤) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ١٦٧).\n(٥) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢٨٧).\n(٦) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٤٢٨)، جامع البيان (٢٩/ ٢١٢)، النُّكت والعيون (٦/ ١٦٧).\n(٧) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ١٦٧)، غرائب التفسير (٢/ ١٢٨٨).","vol":"1","page":3466},{"text":"﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ﴾: على السُّرر في الحِجال (١)، واحدها أريكة، وهي: السرير عليه قبة من حرير (٢).\nوقيل: الأريكة: مايتكأ عليه (٣).\nو﴿مُتَّكِئِينَ﴾ نصب على الحال من ﴿وَجَزَاهُمْ﴾.\nوقيل: حال عن الجنة، وفيه ضعف؛ لأنه يستدعى إبراز الضمير.\nوقيل: نصب على المدح (٤).\n﴿لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا (١٣)﴾: أي لا ينالون فيها (٥) حرًا ولا بردًا. وقيل: لا يرون فيها شمسًا؛ لأنهم في ضياء مستديم، لا شمس فيها ولا زمهرير، عطف على المعنى؛ لأنَّ الزَّمهرير لا يرى.\nوالتقدير: لا ينالون زمهريرًا، وهو: البرد الذي يأتي على الأطراف من شدته (٦).\nوقيل: الزَّمهرير: القمر، فيكون عطفا على الرؤية.\nوأنشد ثَعْلب:\nوليلة ظلامها فيها (٧) اعتكر ... قَطعتَها والزمهرير ما زَهَرْ (٨) (٩)\n_________\n(١) الحِجَال: جمع حجلة، وهي البيت الذي يزين للعروس بالثياب والأسرة والستور. [انظر: لسان العرب (١١/ ١٤٣) مادة (حَجَلَ)، أضواء البيان (٦/ ٦٨٧)].\n(٢) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٤٢٩)، جامع البيان (٢٩/ ٢١٣).\n(٣) قال ابن منظور: \" وقيل: الأريكة، سريرٌ مُنَجَّدٌ مُزَيَّنٌ في قُبَّة أو بيتٍ، فإذا لم يكن فيه سريرٌ فهو حَجَلة \" [لسان العرب (١٠/ ٣٩٧)].\n(٤) انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ٢١٦)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٥/ ٦٥)، غرائب التفسير (٢/ ١٢٨٨).\n(٥) في (أ) \" لا ينالون في الجنة \".\n(٦) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٢١٣)، النُّكت والعيون (٦/ ١٦٩).\n(٧) كذا في النسخ، وفي التفاسير بلفظ: قد اعتكر.\n(٨) أي لم يطلع فيها القمر [انظر: لسان العرب (٤/ ٣٣٠)، مادة \" زَمْهَرَ\"].\n(٩) انظر: تفسير الثعلبي (١٠/ ٩٨)، النُّكت والعيون (٦/ ١٦٩)، الكشاف (٤/ ٦٧١).","vol":"1","page":3467},{"text":"﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا﴾: أي: قربت أشجار الجنة منهم حتى صارت كالمظلة عليهم وإن لم يكن هناك شمس.\n﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا (١٤)﴾: سهلت لهم فينالونها كيف شاءوا من الذَّلِّ ضدّ الصُّعُوبة.\nو﴿قُطُوفُهَا﴾: ثمارها.\n﴿وَدَانِيَةً﴾: نصب على الحال عطف على ﴿مُتَّكِئِينَ﴾.\nوقيل: صفة للجنة فيكون الواو زيادة.\nأبو علي: \"وجنة دانية (١) \" (٢)، فحذف الموصوف، ومثله في المعنى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾، [الرحمن: ٤٦].\nفي نزول هذه الآيات قولان:\nأحدهما: نزلت في على بن أبي طالب وفاطمة - ﵄ - (٣).\n_________\n(١) في (أ) \" وجنة ودانية \".\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٤٢٨)، تفسير السَّمرقندي (٣/ ٥٠٤)، تفسير الثعلبي (١٠/ ٩٨)، وقد تعقب هذا القول القرطبي [الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ١٢٦)]: \" وقد ذكر النَّقاش والثعلبي والقشيري وغير واحد من المفسرين في قصة علي وفاطمة وجاريتهما حديثًا لا يصح ولا يثبت، رواه ليث عن مجاهد عن بن عباس في قوله ﷿ ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧) وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (٩) إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (١٠)﴾ ... .الآية .. قال الترمذي الحكيم أبو عبد الله في \"نوادر الأصول\": \" فهذا حديث مزوَّق مزيفٌ، قد تطرف فيه صاحبه حتى تشبه على المستمعين، فالجاهل بهذا الحديث يعض شفتيه تلهفا ألا يكون بهذه الصفة، ولا يعلم أن صاحب هذا الفعل مذموم ... فهذا وأشباهه من أحاديث أهل السجون فيما أرى.\nبلغني أن قوما يخلدون في السجون فيبقون بلا حيلة، فيكتبون أحاديث في السمر وأشباهه، ومثل هذه الأحاديث مفتعلة فإذا صارت إلى الجهابذة رموا بها وزيفوها، وما من شيء إلا له آفة ومكيدة وآفة الدين وكيده أكثر \"، وقال أبو حيان: [البحر المحيط (١٠/ ٣٦٢)]: \" وذكر النقاش في ذلك حكاية طويلة جدًا ظاهرة الاختلاف وفيها إشعار للمسكين واليتيم والأسير يخاطبون بها ببيت النبوة وإشعار لفاطمة - ﵂ - تخاطب كل واحد منهم ظاهرها الاختلاف لسفساف ألفاظها وكسر أبياتها وسفاطة معانيها \"، وانظر: الإسرائيليات والموضوعات (ص: ٣٢٨).","vol":"1","page":3468},{"text":"والثاني: نزلت في مطعم بن ورقاء الأنصاري (١).\n﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآَنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ﴾: الطوّف الدور بالتنقل من واحد إلى آخر، أي: يدير عليهم خدمهم كؤوس الشراب وهي من فضة.\nوقيل: أواني بيوتهم من فضة.\n﴿وَأَكْوَابٍ﴾: جمع كوب، وهو: الإبريق لا عروة له.\nمجاهد: الأقداح (٢).\n﴿كَانَتْ قَوَارِيرَ (١٥)﴾: القوارير: الزُّجاج.\n﴿قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾: أي: من صفاء فضة (٣)، فحذف المضاف.\nوقيل: لها صفاء الزَّجاج ورقته وبياض الفضة فناهيك حسنًا ولطافة.\nوقيل: كانت قوارير فحولها الله فضة (٤).\nوقيل: إذا شابه الشَّيءُ الشَّيءَ قيل: هُوَ هُوَ. قال:\n. . . . . . . . . . . . . . ... فهن إضاء (٥) صافيات الغلائل (٦) (٧).\n_________\n(١) مطعم بن ورقاء، لم أقف له على ترجمة، وقد ذكره بعض المفسرين. [انظر: النُّكت والعيون (٦/ ١٦٨) تفسير البغوي (٨/ ٢٩٤)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ١٢٦)]، والصحيح أنَّ الآية عامة.\n(٢) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٢١٥).\n(٣) في (ب) \" من منا فضة \".\n(٤) انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ٢١٧)، جامع البيان (٢٩/ ٢١٦)، النُّكت والعيون (٦/ ١٧٠).\n(٥) أراد مثل إضاء كما قال تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: (٦)] أراد مثل أمهاتهم، وقد يجوز أن يريد فهن وضاء: أي حسان نقاء، ثم أبدل الهمزة من الواو [انظر: لسان العرب (١٤/ ٣٨) مادة \" أضا \"].\n(٦) الغلائل: الدروع، وقيل: بطائن تلبس تحت الدروع، وقيل: هي مسامير الدروع التي تجمع بين رؤوس الحِلَق؛ لأنها تُغَلُّ فيها، أي: تدخل، واحدتها غليلة \". [لسان العرب (١١/ ٤٩٩) مادة \"غلل\"].\n(٧) البيت للنابغة، وصدره:\nعلين بكديون وأبطن كرة ... . . . . . . . . . . . . . . .\n[انظر: لسان العرب (١/ ١٩٤)، مادة \" وَضَأ \"].","vol":"1","page":3469},{"text":"الزجّاج: \" قوارير الدنيا من الرَّمل،وقوارير الجنة من الفضة ومن صفائها ونقائها\" (١) (٢).\nوقيل: القوارير جمع قارورة، وهي: ما استدار من الأواني،وليست هاهنا اسمًا للزُّجاج (٣).\nمَن نوّن (٤) فلموافقة الآيات التي تقدمت والتي تأخرت.\nوقيل: جاء بها على الأصل المرفوض، كاستحوذ وأخواته.\nومن قال: تشبيها كإنشاد بني تميم فسهو؛ لأنَّ ذلك يكون في الوقف، وهذا يكون في الوصل؛ لأن من نونها وقف بالألف عليها (٥).\n﴿قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا (١٦)﴾: الجمهور: جعلت على قدر رِيِّهم (٦).\nابن عباس - ﵄ -: جعلت على قدر كفِّ الشارِب \" (٧).\nوالواو ضمير الملائكة.\nالمبرد: \" قدروا في أنفسهم شيئًا وتمنوه، فكان كما تمنوه \" (٨).\n_________\n(١) في (ب) \" بقائها \".\n(٢) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٢٠٢).\n(٣) في (ب) \" اسما الزجاج \".\n(٤) قرأ عاصم في رواية أبى بكر ونافع والكسائي ﴿كانت قواريرًا (١٥) قواريرًا من فضة﴾ منونةً، وقرأ حفص مثل ﴿سَلَاسِلَ﴾ لا ينون في الوصل، ويقف بالألف على الأولى ﴿كَانَتْ قَوَارِيرَ﴾ وعلى الثانية بغير ألف ﴿قَوَارِيرَ﴾.\nوقرأ حمزة وابن عامر ﴿كَانَتْ قَوَارِيرَ﴾ ﴿قَوَارِيرَ﴾ بغير تنوين ووقف حمزة بغير ألف فيهما ﴿قَوَارِيرَ﴾\nوقرأ ابن كثير ﴿كانت قواريرًا (١٥)﴾ منونة ﴿قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ غير منونة.\nوقرأ أبو عمرو ﴿كَانَتْ قَوَارِيرَ﴾ غير منونة ووقف بألف ﴿قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ غير منونة أيضًا ووقف بغير ألف. [انظر: جامع البيان (٢٩/ ٢١٦)، السبعة (ص: ٦٦٣)، معاني القراءات (ص: ٥١٨)، الحُجَّة (٦/ ٣٤٨)].\n(٥) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ٢١٧)، جامع البيان (٢٩/ ٢١٦)، معاني القراءات (ص: ٥١٨)، الحُجَّة (٦/ ٣٤٨).\n(٦) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٤٢٩)، جامع البيان (٢٩/ ٢١٧)، النُّكت والعيون (٦/ ١٧٠)، تفسير الوجيز (٢/ ١١٥٩).\n(٧) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٢١٧)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ١٣٦).\n(٨) لم أقف عليه.","vol":"1","page":3470},{"text":"وقيل: قُدرت هذه الآنية من فضة على تقدير ما عهد من مثلها من القوارير.\n﴿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا (١٧)﴾:\nالفرَّاء: الزنجبيل: اسم للعين يشرب بها المقربون صرفًا، ويُمزج لسائر أهل الجنة (١).\nوقيل: دلَّ بذلك على لذاذة المقطع.\nابن عيسى: \" إذا مزج الشراب بالزنجبيل فاق في الإلذاذ \" (٢).\nوقيل: إنما قال ذلك لشدة ميل العرب إلى الزنجبيل، وكثرة ولوعها به (٣).\n﴿عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا (١٨)﴾: ﴿عَيْنًا﴾ بدل من الزنجبيل عند الفرَّاء (٤).\nالزَّجاج: \" يسقون عينًا \" (٥).\nوسلسبيل: اسم العين لقوله تعالى: ﴿تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا﴾، وحقه أن لا ينصرف؛ لاجتماع التعريف والتأنيث، لكنه صرف كما صرف ﴿قَوَارِيرَ﴾ (٦).\nوقيل: معناه سلس عذب ماؤها.\nوقيل: السلسبيل الحديد الجري (٧).\nوقيل: السَّهل الصافي، وإذا جعل صفة كان صفة للعين.\nومعنى: ﴿تُسَمَّى﴾: تذكر، فيتعدى إلى مفعول واحد كما تقول لم يسم فاعله أي: لم يذكر (٨).\nوفي تفسير ابن المبارك [عن علي - ﵁ - هذه الرواية] (٩): معناه: سل من الله إليها سبيلا (١٠).\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ٢١٧).\n(٢) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢٨٩).\n(٣) انظر: إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٥/ ٦٦)، غرائب التفسير (٢/ ١٢٨٩)، تفسير البغوي (٨/ ٢٩٦).\n(٤) انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ٢١٧).\n(٥) معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٦٣).\n(٦) انظر: إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٥/ ٦٦).\n(٧) في (ب) \" الجديد الجري \" وما أثبت في النكت والعيون للماوردي (٦/ ١٧١).\n(٨) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ٢١٧)، جامع البيان (٢٩/ ٢١٨)، النكت والعيون (٦/ ١٧١).\n(٩) ما بين المعقوفتين ساقط من (ب).\n(١٠) انظر: النكت والعيون (٦/ ١٧٠)، البرهان في متشابه القرآن (ص: ٣٢٠)، قال ابن عطية [المحرر الوجيز (٥/ ٤١٣) \" وهذا قول ضعيفٌ لأنَّ براعة القرآن وفصاحته لا تجيء هكذا، واللفظة معروفة في اللسان، وأن السلسل والسلسبيل بمعنى واحد ومتقارب \" وقال الألوسي: \" وهو غير مستقيم بظاهره إلا أن يراد أن جملة قول القائل: سلسبيلا جعلت اسما للعين، كما قيل: تأبط شرا وذوي حبًا وسميت بذلك؛ لأنه لا يشرب منها إلا من سأل إليها سبيلا بالعمل الصالح، وهو مع استقامته في العربية تكلف وابتداع، وعزوه إلى الأمير - كرَّم الله تعالى وجهه - أبدع، ونص بعضهم على أنه افتراء عليه - كرم الله تعالى وجهه - \" [روح المعاني (٢٩/ ١٦١)].","vol":"1","page":3471},{"text":"ويحتمل: أن يكون العين مسمَّاه بهذه الجملة، كتأبط شرًا وبرق نحره (١).\nويحتمل: أنَّ يكون الكلام قد تمَّ على قوله: ﴿تُسَمَّى﴾ أي: تذكر، ثم أستأنف فقال: سل سبيلا، واتصاله (٢) في المصحف لا يمنع صحة هذا التأويل لكثرة أمثاله (٣).\n﴿* وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ﴾: الجمهور: على أنهم غلمان ينشؤهم الله لخدمة المؤمنين. فقيل: هم الأطفال لتسميتهم ولدانًا، وهي من الولادة.\n﴿مُخَلَّدُونَ﴾: دائمون لا يشيبون.\nوقيل: مقرَّطون، وقيل: من السّوار والخلدة يجمعها (٤).\n﴿إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ﴾: لبياضهم وحسنهم وصفائهم.\n﴿لُؤْلُؤًامَنْثُورًا (١٩)﴾: وجعلهم منثورًا، والمنظوم أحسن؛ لكثرتهم وترددهم في مجيئهم وذهابهم (٥).\n﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (٢٠)﴾: الفراء: \" رأيت ما ثمَّ \" (٦).\n_________\n(١) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢٨٩).\n(٢) في (أ) \" وإيضاله \" وهو تصحيف.\n(٣) انظر: البرهان في متشابه القرآن (ص: ٣٢٠)، غرائب التفسير (٢/ ١٢٨٩).\n(٤) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢٨٩).\n(٥) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٤٢٩)، جامع البيان (٢٩/ ٢٢٠)، النُّكت والعيون (٦/ ١٧١).\n(٦) معاني القرآن (٣/ ٢١٨).","vol":"1","page":3472},{"text":"وأنكره الزجاج، وقال: لا يجوز حذف الموصول وإقامة الصلة مقامه، وجعل ﴿ثَمَّ﴾ مفعولا به، ورأيت هو المتعدي إلى المفعول واحد (١).\nويقويه قول المبَّرد: وإذا رأيت الجنة (٢).\nابن عيسى: رأيت الأشياء ثَمَّ، فالأشياء مفعول بها، و﴿ثَمَّ﴾ ظرف (٣).\nقوله: ﴿نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ جزاء الشرط.\nقيل: وكبر ملكهم أنه يدوم ولا ينقطع، ويسلّم عليهم الملائكة، ويستأذنون في الدخول عليهم، وأن أدناهم منزلة من ينظر في ملكه (٤) في مسيرة ألفي عام، يرى أقصاه كما يرى (٥) أدناه (٦).\n﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ﴾: أي: يعلوهم ثياب الحرير.\nوالسندس: ما رق منها، والإستبرق: ما غلظ (٧).\nونصب ﴿عَالِيَهُمْ﴾ من وجهين: أحدهما: الظرف أي: فوقهم، كقوله ﴿وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٢].\nوالثاني: الحال، والعامل فيها ﴿وَلَقَّاهُمْ﴾ أو ﴿جَزَاهُمْ﴾ هذا إذا جعلت الضمير ... للأبرار، فإن جعلت الضمير للولدان فالعامل في الحال رأيتهم.\nو﴿ثِيَابُ﴾ يرتفع بما في ﴿عَالِيَهُمْ﴾ من معنى الفعل؛ لأن إضافته في نية الانفصال، ومَن سكّن الياء جعله مبتدأ، و﴿ثِيَابُ سُنْدُسٍ﴾ خبره (٨).\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٢٠٣).\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) في (ب) \" من ملكه \".\n(٥) في (أ) \" نرى \".\n(٦) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٢٢١)، النُّكت والعيون (٦/ ١٧٢).\n(٧) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٢٢٢).\n(٨) قرأ نافع وحمزة ﴿عَالِيَهُمْ﴾ ساكنة الياء، وقرأ الباقون ﴿عَالِيَهُمْ﴾ بفتح الياء [انظر: جامع البيان (٢٩/ ٢٢٢)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٢٠٣)، السبعة في القراءات (ص: ٦٦٤)، معاني القراءات (ص: ٥١٨)، الحُجَّة (٦/ ٣٥٤)].","vol":"1","page":3473},{"text":"﴿وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾: قيل الفضة للخدم والذهب للمخدوم.\nوقيل: الفضة للرجال والذهب للنساء. وقيل: يجمع بينهما.\nوَسَقَاهُمْ ﴿رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا (٢١)﴾: لا يبولون عنه ولا يتغوطون.\nوقيل: شراب الدنيا نجس، يعني الخمر، وشراب الآخرة طاهر (١).\n﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا (٢٢)﴾: أي: كان عملكم محمودًا يُثنى به (٢) عليكم.\nوقيل: سمَّى المكافأة شكرًا (٣) على التوسع.\nقال الكلبي: \" مقبولًا جُزيتُم به الجنة \" (٤).\n﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ تَنْزِيلًا (٢٣)﴾: نزهه عن الافتراء والسحر والكهانة. ابن جرير: \" نزلنا عليك القرآن اختبارًا \" (٥).\n﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آَثِمًا أَوْ كَفُورًا (٢٤)﴾: الآثم دون الكافر.\nوقيل: هو المنافق (٦).\nو﴿أَوْ﴾ بمعنى الواو، وأفاد أن كل واحد منهم أهل أن يُعصى (٧) (٨).\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٢٢٢)، النُّكت والعيون (٦/ ١٧٢).\n(٢) في (ب) \" أثني به \".\n(٣) في (ب) \" مشكورًا \".\n(٤) لم أقف عليه.\n(٥) جامع البيان (٢٩/ ٢٢٤).\n(٦) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٢٢٤)، النُّكت والعيون (٦/ ١٧٢).\n(٧) في (ب): أن يعصى.\n(٨) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ٢١٩)، جامع البيان (٢٩/ ٢٢٤).","vol":"1","page":3474},{"text":"والآثم: الوليد بن المغيرة، والكفور: عتبة بن ربيعة. وقيل: نزلت في أبي جهل (١).\n﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً﴾: صلاة الفجر.\n﴿وَأَصِيلًا (٢٥)﴾: صلاة الظهر والعصر.\n﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ﴾: صلاة العشاءين.\n﴿وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا (٢٦)﴾: أي: التطوع بصلاة الليل.\nوقيل: المراد الإدامة على ذكر الله في الأوقات كلّها (٢).\n﴿إِن هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا (٢٧)﴾: أي: يحبِّون الدنيا ويؤثرونها على الآخرة (٣)، والاستعداد ليوم ثقيل على الكفار؛ لشدة عذابه عليهم، ولإنكارهم إيَّاه.\n﴿نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾: وأحكمنا خلقهم ومفاصلهم وقواهم وربطنا بعضَها ببعض (٤).\nوقيل: قوينا أقوياءهم (٥).\nوقيل: شددنا مصرتيه يمسكهما متى شاء، ويرسلهما متى شاء (٦).\n﴿وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا (٢٨)﴾: إذا شئنا أهلكناهم، وجئنا بآخرين بدلًا منهم.\n﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ﴾: أي هذه السورة تذكير للخلق وتبيين ما هو خير لكم (٧).\n_________\n(١) انظر: تفسير السَّمعاني (٦/ ١٢٢)، التسهيل (٤/ ١٦٩).\n(٢) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٢٢٥)، تفسير السَّمرقندي (٣/ ٥٠٧)، النُّكت والعيون (٦/ ١٧٢).\n(٣) في (أ) \" الأخرى \".\n(٤) وهو اختيار ابن جرير. [انظر: جامع البيان (٢٩/ ٢٢٦)].\n(٥) في (أ) \" قوينا أقوياء \".\n(٦) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٢٢٦)، تفسير السَّمرقندي (٣/ ٥٠٧).\n(٧) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٢٢٧)، النُّكت والعيون (٦/ ١٧٤).","vol":"1","page":3475},{"text":"﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٢٩)﴾: بأن يسلك طريق طاعته باتِّباع أنبيائه ورسله.\n﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾: أي: لا تقدرون (١) على المشيئة إلا بعد أن يشاء الله ذلك.\nوقيل: ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ بالتكليف والأمر والنهي.\n﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠) يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾: يعني المطيعين في الجنة (٢).\nوقيل: من يشاء في رحمته (٣) في الدنيا، ومغفرته في الآخرة.\nوقيل: في رحمته، أي: في دينه (٤).\n﴿وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٣١)﴾: نصب الظالمين بفعل مضمر دل عليه (٥) ﴿أَعَدَّ﴾ (٦) وقرئ في الشواذ بالرفع على الابتداء، ولا يؤخذ به (٧) لمخالفته الإمام (٨).\n_________\n(١) في (ب) \"لا يقدرون \".\n(٢) وهو اختيار أبي المظفر السّمعاني، حيث قال: \" أي في جنته، وقيل: في الإسلام، والأول أفضل في هذا الموضع؛ لأن الله - تعالى - قال عُقَيْبَهُ: ﴿وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٣١)﴾ أي النار \". [تفسير السَّمعاني (٦/ ١٢٤)].\n(٣) في (ب) \" في نعمته \".\n(٤) انظر: إعراب القرآن؛ للنَّحاس (٥/ ٧٠)، تفسير السَّمعاني (٦/ ١٢٤).\n(٥) في (ب) \" عليها \".\n(٦) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ٢٢٠)، جامع البيان (٢٩/ ٢٢٧)، إعراب القرآن؛ للنَّحاس (٥/ ٧٠).\n(٧) في (ب) \" نؤخذ به \".\n(٨) أي: ﴿وَالظَّالِمُونَ﴾،وبها قرأ أبان بن عثمان وعبد الله بن الزبير وابن أبي عبلة [انظر: المُحتسَب (٢/ ٤٠٦)، تفسير الثعلبي (١٠/ ١٠٧)، شواذ القراءات (ص: ٤٩٧)، الكشاف (٤/ ٦٧٦)، البحر المحيط (١٠/ ٣٧٠)].","vol":"1","page":3476},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-183>سورة المُرْسَلات </span>(١)\nخمسون آية (٢) (٣) مكِّية (٤).\nابن عباس - ﵄ -: مكِّية، إلَاّ قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا﴾، فإنها مدنية \" (٥).\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (١)﴾: ابن عباس - ﵄ -: \" الرِّياحُ أرسلت عرفًا متتابعةً كعرفِ الفرس يتلوا بعضها بعضًا \" (٦).\nوقيل: العُرف: جريها على التعارف وهو توسطها في الهبوب.\nابن مسعود - ﵁ - والفرَّاء: \" هم الملائكةُ، جبريل ومكائيل وإسرافيل \" (٧).\nوالعُرف: أمره ونهيه (٨).\nوقيل: هم الملائكة يتتابعون بوحي الله (٩).\n_________\n(١) هذا هو الاسم الأشهر في تسميتها، وكذلك في المصاحف وكتب التفسير، والسنن، وتسمى \" المرسلات \" بدون إضافة لفظ سورة، وسميت لقوله تعالى: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (١)﴾. [انظر: المحرر الوجيز (٥/ ٤١٦)، بصائر ذوي التمييز (١/ ٤٩٥)، التحرير والتنوير (٢٩/ ٤١٧)].\n(٢) \" خمسون آية \" ساقطة من (ب).\n(٣) بالإجماع عند علماء العدد، وليس فيها اختلاف. [انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٤٣٥)، جامع البيان (٢٩/ ٢٢٨)، البيان في عدِّ آي القرآن (ص: ٢٦١)، تفسير السَّمرقندي (٣/ ٥٠٩)].\n(٤) في قول الجمهور. [انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٤٣٥)، جامع البيان (٢٩/ ٢٢٨)، تفسير السَّمرقندي (٣/ ٥٠٩)، زاد المسير (٨/ ١٧٥)، التحرير والتنوير (٢٩/ ٤١٨)].\n(٥) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ١٧٥)، تفسير السَّمعاني (٦/ ١٢٥)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ١٤٨).\n(٦) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٢٢٩)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٥/ ٧١)، تفسير السَّمعاني (٦/ ١٢٥)، زاد المسير (٨/ ١٧٦). وهو قول أكثر المفسِّرين.\n(٧) وروي عن ابن مسعودٍ - ﵁ - أنَّها الرِّياح. [انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ٢٢١)، جامع البيان (٢٩/ ٢٢٩)، النُّكَت والعيون (٦/ ١٧٥)، زاد المسير (٨/ ١٧٦)].\n(٨) أي أمر الله للملائكة. [انظر: جامع البيان (٢٩/ ٢٢٩)، زاد المسير (٨/ ١٧٦)].\n(٩) وقد جمع ابن جرير - ﵀ - بين القولين - فقال: [جامع البيان (٢٩/ ٢٢٩)] \" والصَّواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إنَّ الله - تعالى ذكره - أقسم بالمرسلات عرفًا، وقد ترسل عرفًا الملائكة، وترسل كذلك الرِّياح، ولا دلالة تدلُّ على أنَّ المعني بذلك أحد الحزبين دون الآخر، وقد عمَّ جلَّ ثناؤه بإقسامه بكل ما كانت صفته ما وصف، فكل من كان صفته كذلك فداخل في قسمه ذلك مَلَكًَا أو ريحًا أو رسولًا من بني آدم مرسلًا \".","vol":"1","page":3477},{"text":"الزَّجَّاج: \" ﴿الْمُرْسَلَاتِ﴾: الرُّسل\" (١).\n﴿فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا (٢)﴾: هي الرَّياح (٢).\nالزَّجَّاج: \"هي الملائكةُ تعصفُ (٣) بروح الكافر \" (٤).\n﴿وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا (٣)﴾: الجمهور: هي (٥) الرِّياح (٦).\nوقيل: الأمطارُ تنشرُ النَّبات (٧).\nالرَّبيع (٨): \" البعثُ للقيامة تنشرُ فيه الأرواح \" (٩).\nالضحاك: \"كتبُ الأعمال \" (١٠).\n﴿فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا (٤)﴾: ابن عباس﵄ -: \"الملائكة تفرق (١١) بين ... الأمور \" (١٢).\nالحسن: \" آيَّات القرآن \" (١٣).\n_________\n(١) معاني القرآن (٥/ ٢٠٧)، وقد ذكره كوجه ثالث في الآية.\n(٢) انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ٢٢١)، جامع البيان (٢٩/ ٢٢٩)، النُّكَت والعيون (٦/ ١٧٦)، زاد المسير (٨/ ١٧٧).\n(٣) في (أ) \" يعصف \".\n(٤) معاني القرآن (٥/ ٢٠٧)، وقد ذكره كوجه ثانٍ في الآية.\n(٥) \" هي \" ساقطة من (ب).\n(٦) انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ٢٢٢)، النُّكَت والعيون (٦/ ١٧٦) زاد المسير (٨/ ١٧٧).\n(٧) انظر: النُّكَت والعيون (٦/ ١٧٦) زاد المسير (٨/ ١٧٧).\n(٨) الرَّبيع بن أنس، وقد تقدمت ترجمته في سورة الجن (ص: ١١٢٥).\n(٩) انظر: زاد المسير (٨/ ١٧٧)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ١٤٩).\n(١٠) انظر: زاد المسير (٨/ ١٧٧)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ١٤٩)، البحر المحيط (١٠/ ٣٧٣).\n(١١) في (ب) \" يفرق \".\n(١٢) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٢٣٢)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ١٥٠).\n(١٣) انظر: المحرر الوجيز (٥/ ٤١٧)، البحر المحيط (١٠/ ٣٧٣).","vol":"1","page":3478},{"text":"الزَّجَّاج: \" الرُّسُل \" (١).\nمجاهد: \"الرِّياح \" (٢).\nوقيل: الرِّياح الحوامل من قولهم: ناقة فارق: إذا ضربها المخاضُ وذهبَتْ في الأرض (٣).\n﴿فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا (٥)﴾: الملائكةُ (٤).\nالزَّجَّاج: \" الرُّسُل \" (٥).\nالحسن: \" ﴿الْمُرْسَلَاتِ﴾ السَّحاب \" (٦).\n﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا (٦)﴾: هما مصدران كالنُكر ويكونان جمعين (٧) لعذير ونذير (٨).\nوالحركة والسكون بمعنى (٩).\n_________\n(١) معاني القرآن (٥/ ٢٠٧)، وقد ذكره كوجه ثالث في الآية.\n(٢) انظر: تفسير مجاهد (٢/ ٧١٥)، النُّكَت والعيون (٦/ ١٧٦)، زاد المسير (٨/ ١٧٧).\n(٣) انظر: البحر المحيط (١٠/ ٣٧٣).\n(٤) انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ٢٢٢)، جامع البيان (٢٩/ ٢٣٢)، النُّكَت والعيون (٦/ ١٧٧)، زاد المسير (٨/ ١٧٧).\n(٥) معاني القرآن (٥/ ٢٠٧)، وقد ذكره كوجه ثالث في الآية.\n(٦) هذا القول حقُّه التقديم، ولكن هكذا جاء في النُّسخ، ولم أقف على عزوه من أقوال الحسن.\n(٧) في (ب) \" جميعًا \".\n(٨) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٢٣٣)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٥/ ٧٢)، مشكل إعراب القرآن (٢/ ٧٩١).\n(٩) يشير إلى القراءتين في الآية في تحريك الذالين بالضَّم، أو إسكانهما، فقد قرأ قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وأبو بكر عن عاصم ﴿عُذْرًا﴾ بإسكان الذَّال وضم الذَّال في ﴿أَوْ نُذْرًا﴾، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم ﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾ بإسكان الذال فيهما. [انظر: جامع البيان (٢٩/ ٢٣٣)، السبعة (ص: ٦٦٦)، معاني القراءات (ص: ٥٢١)، الحُجَّة؛ لابن خالويه (ص: ٣٦٠)، الحُجَّة؛ لأبي علي الفارسي (٦/ ٣٦٢)].","vol":"1","page":3479},{"text":"ونصبهما يجوزُ أن يكونَ على المفعول له، أي: للإعذار والإنذار، ويحتمل المفعول به من المصدر وهو: الذكر، ويحتمل البدل من الذكر والصفة أي: ذا عذر أو ذا نذر (١)، ويحتمل الحال من ﴿فَالْمُلْقِيَاتِ﴾ (٢).\nوعطفَ بـ ﴿أَوْ﴾ لأن المعنى: جالبة للنعم وآتية بالنعم (٣).\nوالأحسن أن يجعل الكلام متصلًا ومنظمًا لمعنى واحد، فيكون الكل للملائكة، ويحتمل (٤) ﴿فَالْعَاصِفَاتِ﴾ على ما قاله الزَّجَّاج: يعصف بروح الكافر (٥).\nويحتمل أنَّ يكونَ الكلّ للرِّياح، فتكون (٦) ﴿فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا﴾ معناها: يتعظُ بها ... ذو الإبصار، ويحتمل أن يكونَ الكلّ للرُّسل (٧).\nوعطفَ ﴿وَالنَّاشِرَاتِ﴾ بالواو؛ لأنه قسمها قسمين: عاصفًا للعذاب، وناشرًا للرحمة.\n﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ (٧)﴾: جوابٌ القسم، أي: ما وعدتم من البعث والحساب لكائن عن قريب (٨).\n﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (٨)﴾: ذهبَ ضوؤها ومحيتْ آثارها كما يمحى الكتاب (٩).\n﴿وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ (٩)﴾: صُدعتْ، وشُقّت، ووقعت فيها الفروج التي نفاها بقوله: ﴿وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾، [ق: ٦]. وقيل: فتحت (١٠).\n_________\n(١) في (ب) \" ذا عذر ونذر \".\n(٢) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٢٠٧)، الحُجَّة (٦/ ٣٦٢)، التَّسهيل (٤/ ١٧٠).\n(٣) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢٩١).\n(٤) في (أ) \" ويحمل \".\n(٥) معاني القرآن (٥/ ٢٠٧).\n(٦) في (ب) \" فيكون \".\n(٧) معاني القرآن، للزَّجَّاج (٥/ ٢٠٧).\n(٨) انظر: تفسير السَّمرقندي (٣/ ٥٠٩)، النُّكت والعيون (٦/ ١٧٧).\n(٩) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٤٣٥)، معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ٢٢٢)، جامع البيان (٢٩/ ٢٣٣).\n(١٠) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٢٣٣)، معاني القرآن؛ للزَّجاج (٥/ ٢٠٨)، النُّكت والعيون (٦/ ١٧٧).","vol":"1","page":3480},{"text":"﴿وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ (١٠)﴾: حُركتْ وقُلعت (١) من أماكنها، وأُذهبتْ بسرعة، فنسفتْ نسفًا (٢).\n﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ (١١)﴾: جعلَ يوم الفصلِ لهم وقتًا، كما قال: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الدخان: ٤٠].\nوقيل: أجلت لاجتماع (٣) لوقتٍ هو يوم القيامة.\nابن عباس - ﵄ -: \" جمعت \" (٤).\nوأصله: وقتت من الوقت، قلبت همزه (٥) لضمتها.\nوقيل: عرّفتْ وقتَ ثوابها وإنمّا نعرَّف (٦) ذلك يوم القيامة.\nوقيل: بُيّن لها مواقيتها ومواقيت أمتّهَا (٧) (٨).\n﴿لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (١٢)﴾: تعجبتُ من ذلكَ اليوم، أي: ما أعظمه (٩).\nوقيل: ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ﴾ أعلمت (١٠) ﴿لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾، فيكون ﴿لِأَيِّ يَوْمٍ﴾ في تقدير: مفعول ثانٍ لأعلمت (١١).\n﴿لِيَوْمِ الْفَصْلِ (١٣)﴾: يفصلُ بين المحسن والمسيء، وبين الرُّسل ومكذِّبيها.\n﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ (١٤)﴾: من أين تعلمُ كنهه، ولم تعهدْ مثله.\n_________\n(١) في (ب) \" وقطعت \".\n(٢) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٢٣٣)، النُّكت والعيون (٦/ ١٧٧)، تفسير السَّمرقندي (٣/ ٥١٠).\n(٣) في (أ) \" للاجتماع \".\n(٤) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (٢٩/ ٢٣٣)، وأورده الماوردي في النُّكت والعيون (٦/ ١٧٧).\n(٥) في (أ) \" همزة \".\n(٦) في (ب) \" نعرف \".\n(٧) في (ب) \" أمِّها \".\n(٨) معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ٢٢٢)، جامع البيان (٢٩/ ٢٣٣)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٢٠٨).\n(٩) انظر: تفسير السَّمرقندي (٣/ ٥١٠)، تفسير البغوي (٨/ ٣٠٥).\n(١٠) في (ب) \" أعملت \".\n(١١) في (ب) \" لأعملت \".","vol":"1","page":3481},{"text":"﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٥)﴾: في التفاسير: وادٍ في جهنَّم.\nوقيل: عبارة عن أعظم البلايا والمكاره (١).\nوهذه الآية تتكرر في هذه السورة عشر مرات وفي ذلك أقوال:\nأحدهما: أن القرآن عربي، ومن عادتهم التكرار والإطناب، كما في عادتهم الاقتصار والإيجاز.\nوالثاني: أن كل واحدة منها ذكرتْ عقيب آية غير الأولى، فلا يكون تكرارًا مستهجنًا، ولو لم يكرر كان متوعدًا على بعض دون بعض.\nوالثالث: إن بسط الكلامِ في الترغيب والترهيب أدعى إلى إدراكِ البُغيةِ من الإيجاز، وقد يجدُ كلّ واحد في نفسه من تأثير التكرار مالا خفاءَ به (٢).\n﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (١٦)﴾: يعني: قومَ نوح وعادًا وثمودًا (٣).\n﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآَخِرِينَ (١٧)﴾: أي: من سلكوا سبيلَهم.\nذهبَ كثيرٌ من المفسرين إلى أنَّهم الذين أهلكوا في العصر الأقرب إلى أمة محمد - ﷺ -، وذلك يستدعي جزم ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾. وهو شاذ (٤).\nو﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ في الآية: رفع بالاستئناف، أو خبر مبتدأ محذوف.\nوفي حرف ابن مسعود - ﵁ -: ﴿وَسنُتْبِعُهُمُ الْآَخِرِينَ﴾ (٥).\nوالوجه: ما ذكر أنهم الذين قُتلوا ببدر بعد نزول الآية. ثم قال:\n﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (١٨)﴾: من كفَّار العرب، وسائر أمَّتك أجمعين (٦).\n_________\n(١) انظر: تفسير السَّمعاني (٦/ ١٢٧)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ١٥٢).\n(٢) انظر: البرهان (ص: ٣٢٠)، زاد المسير (٨/ ١٧٨)، نظم الدُّرر (٨/ ٢٨٤).\n(٣) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٢٣٥)، النُّكَت والعيون (٦/ ١٧٨).\n(٤) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٤٣٦)، جامع البيان (٢٩/ ٢٣٥)، غرائب التفسير (٢/ ١٢٩٢).\n(٥) وروي كذلك بلفظ ﴿ثُمَّ سنُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ﴾ [انظر: تفسير الثعلبي (١٠/ ١٠٩)، تفسير السَّمعاني (٦/ ١٢٨)، شواذ القراءات (ص: ٤٩٨)، الكشَّاف (٤/ ٦٧٩)، المحرر الوجيز (٥/ ٤١٨)].\n(٦) (\" ... (أجمعين \" ساقطة من (ب).","vol":"1","page":3482},{"text":"﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٩)﴾\n﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٢٠)﴾: نطفة ضعيفة، والمهين: الحقير الذليل.\n﴿فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (٢١)﴾: يعني الرَّحم يستقرُ فيه الماء ويتمكن.\nوقيل: يتمكن فيه الولد (١).\nوقيل: من المكانة والمنزلة؛ لكونها مكان خلقِ الولد وتصويرِ الحيوان (٢).\n﴿إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢٢)﴾: إلى وقت الولادة (٣).\nابن عيسى: \" القدر: المقدار، وهو: خاصة التسوية من غير زيادة ولا نقصان \" (٤).\n﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ (٢٣)﴾: قُرِئَ: (قدرنا) (٥) بالتخفيف والتشديد، وهما بمعنى واحد، والتخفيف أكثر مشاكلة بقوله: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾، [المرسلات: ٢٣]، والتشديد على الجمع بين اللفظين، كقوله: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾، ... [الطارق: ١٧] (٦).\n﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٤)﴾\n﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (٢٦)﴾: ﴿كِفَاتًا﴾: مصدر كفت، أي: جمع، والمعنى: تكفت (٧) الأحياء على ظهرها والأموات في بطنها، وهما منصوبان بالمصدر.\nوقيل: ﴿كِفَاتًا﴾ جمع كافتة (٨).\n_________\n(١) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٤٣٦)، جامع البيان (٢٩/ ٢٣٥)، النُّكَت والعيون (٦/ ١٧٨).\n(٢) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢٩٣).\n(٣) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٤٣٦)، جامع البيان (٢٩/ ٢٣٦)، النُّكَت والعيون (٦/ ١٧٨).\n(٤) لم أقف عليه.\n(٥) (قدرنا) ساقطة من (أ).\n(٦) قرأ نافع والكسائي ﴿فَقَدَرْ نَا﴾ مشَّدَّدة، وقرأ الباقون ﴿فَقَدَرْنَا﴾ خفيفة. [انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ٢٢٣)، جامع البيان (٢٩/ ٢٣٦)، السَّبعة في القراءات (ص: ٦٦٦)، الحُجَّة (٦/ ٣٦٥)].\n(٧) في (أ) \"يكفت \".\n(٨) انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ٢٢٤)، جامع البيان (٢٩/ ٢٣٦)، النُّكت والعيون (٦/ ١٧٩).","vol":"1","page":3483},{"text":"ابن عيسى: الكفات: كلُّ ما ضمَّ شيئًا واحتوى عليه \" (١).\nفيكون التقدير على هذين القولين. ﴿كِفَاتًا﴾ للخلق ﴿أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾، فيكون (٢) الأحياء والأموات حالين من الخلق.\nأبو عبيدة: \" ﴿كِفَاتًا﴾: أوعية، جمع كفت وكفيت فيكون ﴿أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ حالين من الأرض، وهو ما ينبت وما لا ينبت\" (٣) (٤).\nوقيل: الكِفات: اسم لما يُكفتُ به كالصِّمام (٥) والعقال (٦).\n﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ﴾: أي: جبالًا ثوابتَ طوالًا (٧).\n﴿وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا (٢٧)﴾: مكنَّاكم من شربه وسقيه دوابكم ومزارعكم.\nابن عباس - ﵄ -: \" أصول أنهار الأرض أربعة: سيحان، والفرات، والنيل، وجيحان، فسيحان: دجلة، وجيحان: نهر بلخ، وهي من الجنة وتنبع (٨) في الأرض من تحت صخرةٍ عند بيت المقدس \" (٩).\nومعنى الفرات: العذوبة ضدّ الأُجاج (١٠).\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) في (أ) \" فيكون فيكون \" مكررة.\n(٣) في (أ) \" ما ننبت وما لا ننبت \".\n(٤) مجاز القرآن (٢/ ٢٨١).\n(٥) الصِّمام أو الصَّمام: يقال لصمام القارورة صمة وصم رأس القارورة يصمه صما وأصمه سَدَّه وشدَّه وصمامها سدادها وشدادها والصمام ما أدخل في فم القارورة \" \" انظر: لسان العرب (١٢/ ٣٤٢) مادة \" صَمَمَ \".\n(٦) العِقال: الحَبْلُ يقال: عَقَلَ البعيرَ يَعْقِلُه عَقْلًا وعَقَّلَه واعْتَقَله ثَنى وَظِيفَه مع ذراعه وشَدَّهما جميعًا في وسط الذِّراع وكذلك الناقة وذلك الحَبْلُ هو العِقالُ والجمع عُقُلٌ وعَقَّلْتُ الإِبلَ من العَقْل \" [انظر: لسان العرب (١١/ ٤٥٨) مادة \" عَقَلَ \"].\n(٧) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٢٣٨)، تفسير السَّمرقندي (٣/ ٥١١).\n(٨) في (ب) \" وينبع \".\n(٩) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (٢٩/ ٢٣٨). وأصله عند مسلم.\n(١٠) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٢٣٨)، المفردات (ص: ٦٢٨)، مادة \" فَرَتَ \".","vol":"1","page":3484},{"text":"﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٨)﴾\n﴿انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٩)﴾: تقول الخزنة (١): لهم أمضوا إلى النَّار التي كنتمْ بها تكذبون مَن أخبركم بها.\nقيل: (٢) انطلق مطاوع أطلق. وهذا شاذ.\nوقيل: مطاوع طلقَه قال: أطلق يديك تنفعاك يا رجل.\nوذهب بعضهم إلى: أنَّ هذا إياس من المأمول وليس بأمر بالانطلاق (٣).\n﴿انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ (٣٠)﴾: يعني: دخان جهنم، وسمي ظلًا لكثافته ومنعه رؤية ما وراءَه.\nوقيل: الظل: النَّار نفسها؛ لأنَّهم يصيرون إليها لا إلى ظلها، ولقوله: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾، [المرسلات: ٣٢] وأنثَ الضمير حملًا على المعنى.\nو﴿ثَلَاثِ شُعَبٍ﴾: شعبة عن اليمين، وشعبة عن اليسار، وشعبة من فوق فيحيط بهم، كقوله: ﴿أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩].\nوقيل: ﴿ثَلَاثِ شُعَبٍ﴾: ثلاث صفات: ﴿لَا ظَلِيلٍ﴾ ﴿وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ (٣١)﴾ ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ﴾.\nوقيل: ﴿ثَلَاثِ شُعَبٍ﴾: شعبة من النار، وشعبة من الدخان، وشعبة من الزمهرير (٤). واللهب: ما يعلو النَّار إذا اضطرمتْ من أحمر وأصفر وأخضر.\nوالشَّرر: ما تطاير من النَّار إذا حركتْ (٥).\n_________\n(١) في (ب) \" تقول الخزانة \".\n(٢) في (ب) \" فقيل \".\n(٣) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢٩٣).\n(٤) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٢٣٨)، النُّكت والعيون (٦/ ١٧٩)، غرائب التفسير (٢/ ١٢٩٤).\n(٥) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ١٧٩).","vol":"1","page":3485},{"text":"﴿كَالْقَصْرِ (٣٢)﴾: الحسن: \" الحَطَبُ الجَزْلُ (١) \" (٢)، جمع قصْرة، كتَمْر وتَمْرة (٣).\nوقيل: الغليظ من الشجر.\nالفرَّاء: \" القَصْرُ: من قصور مياه العرب \" (٤).\nوقيل: هو القصر المعروف (٥).\n﴿كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ﴾: جمع جمالة (٦)، والجِمالة: جمع جَمَلٌ، كحجر وحجارة.\nالحُجَّة: \" ﴿جِمَالاتٌ﴾ (٧) جَمْع جِمال \" (٨).\nوقُرِئَ: ﴿جُمَالاتٌ﴾ بالضَّم (٩).\nالزَّجَّاج: \" قَلَسُ (١٠) سُفُنُ البحر\" (١١).\nابن عباس: \" قطع النُّحاس \" (١٢).\n_________\n(١) الجَزْلُ: الحطب اليابس، وقيل الغليظ. [انظر: العين (٦/ ٧٦)، مادة \" جزَّل \"، لسان العرب (١١/ ١٠٩)، مادة \" جَزَلَ \"].\n(٢) انظر: إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٥/ ٧٦)، لسان العرب (٥/ ١١١).\n(٣) في (ب) \"كتمرة وتمر \".\n(٤) معاني القرآن (٣/ ٢٢٤).\n(٥) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٢٣٩)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٥/ ٧٦)، النُّكت والعيون (٦/ ١٨٠).\n(٦) هذا المعنى على القراءة بالجمع، وما أثبت هو قراءة حفص عن عاصم بناء على رسم المصحف.\n(٧) قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وأبو بكر عن عاصم ﴿جِمَالاتٌ﴾ بالجمع، وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم ﴿جِمَالَةٌ﴾ بغير ألف بعد اللام، أي بالإفراد \" [انظر: جامع البيان (٢٩/ ٢٤٢)، السَّبعة ... (ص: ٦٦٦)، معاني القراءات (ص: ٥٢٢) الحُجَّة (٦/ ٣٦٥)].\n(٨) الحُجَّة؛ لأبي علي الفارسي (٦/ ٣٦٥).\n(٩) وهي قراءة شاذة مروية عن ابن عباس وسعيد بن جبير، كأنها جمع جُمَالَة، وهي الشيء المجمّل. [انظر:\nمعاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ٢٢٥)، جامع البيان (٢٩/ ٢٤٢)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٥/ ٧٧)، المُحْتَسَب (٢/ ٤٠٩)، شواذ القراءات (ص: ٤٤٩)].\n(١٠) القَلَسُ: حَبْلٌ ضخم من لِيْفٍ أو خُوصٍ، وقيل: هو حَبْلٌ غليظٌ مِنْ حِبال السُّفن [انظر: لسان العرب (٦/ ١٧٩)].\n(١١) معاني القرآن (٥/ ٢٠٩).\n(١٢) أخرجه بن جرير في جامع البيان (٢٩/ ٢٤٢)، وأورده الماوردي في النُّكت والعيون (٦/ ١٨٠).","vol":"1","page":3486},{"text":"والشَّرر الواحدة (١) شبه القصر، فإذا تواتر صارت كالجمالات.\nوقيل: تفرقت فصارت كالجمالات.\n﴿صُفْرٌ (٣٣)﴾: قيل: سُودٌ، وقيل: هو اللون المعروف (٢).\n﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٤)﴾\n﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥)﴾: يوم القيامة، يوم ممتدٌّ فيه حالاتٌ ومواقف، فيمكَّنون من الكلام في بعضها ويمنعونه في بعضها.\nوإضافته إلى الفعل يدل على أنَّ المراد منه: زمان أو ساعة، كقولك: آتيك يوم يقدم زيد وإنما يقدُم في ساعة (٣).\nوقيل: ﴿لَا يَنْطِقُونَ﴾ بحجَّة.\n﴿وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٧)﴾: أي: ليس لهم عذرٌ فيؤذن لهم في الاعتذار، ولو كان لهم عذر لم يمنعوا (٤).\nوقيل: معنى (٥) ﴿لَا يُؤْذَنُ﴾: لا يسمع منهم (٦) عذر، من أذن له إذا أستمع.\nقوله: ﴿فَيَعْتَذِرُونَ﴾ عطفَ على ﴿لَا يَنْطِقُونَ﴾ وليس بجواب.\n﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ﴾: للقضاء.\n﴿جَمَعْنَاكُمْ﴾: يا مكذبي أمَّة محمد - ﷺ - ﴿وَالْأَوَّلِينَ (٣٨)﴾: من بني آدم (٧).\n﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ﴾: أي (٨): حيلة في التخلص من العذاب (٩).\n﴿فَكِيدُونِ (٣٩)﴾ فاحتالوا عليَّ.\nوالكيد: متعدٍّ، تقول: كدتُ فلانًا إذا احتلت عليه. وهذا تقدير بالعجز والتوبيخ.\n﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٠)﴾\n﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ﴾: أي: ظليل يصونُ من الحَرِّ، ولا يؤذي بالبرد (١٠).\n﴿وَعُيُونٍ (٤١)﴾: عُيونُ ماءٍ.\n﴿وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٤٢)﴾: لذيذة مشتهاة.\n﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣)﴾: لا يشوبُه مكروه ولا ينقطع.\n﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٤٤)﴾: أي: المؤمنين.\n_________\n(١) في (أ) \"الواحد \".\n(٢) والقول الأول: قول الحسن ومجاهد ومقاتل، وهو اختيار الفرَّاء وابن جرير، قال الفرَّاء: \" والصُّفر: سُود الإبل، لا ترى أسودَ من الإبل إلا وهو مُشْرب بصُفْرة، فلذلك سمَّتِ العرب سود الإبل: صُفْرًا، كما سمّو الظِّباء: أُدْمًا لما يعلوها من الظلمة في بياضها \" [معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ٢٢٥)، وانظر: جامع البيان (٢٩/ ٢٤١)، النُّكت والعيون (٦/ ١٨٠)].\n(٣) قال ابن جرير - ﵀ -: \" فإن قال قائل وكيف قيل: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥)﴾ وقد علمت بخبر الله عنهم أنهم يقولون: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا﴾ [المؤمنون: ١٠٧]، وأنهم يقولون ﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر: ١١] في نظائر ذلك مما أخبر الله ورسوله عنهم أنهم يقولونه؟\nقيل: إنَّ ذلك في بعض الأحوال دون بعض وقوله ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ﴾ يخبر عنهم أنهم لا ينطقون في بعض أحوال ذلك اليوم، لا أنهم لا ينطقون ذلك اليوم كله.\nفإن قال: فهل من برهان يُعلم به حقيقة ذلك؟ قيل: نعم، وذلك إضافة ﴿يَوْمُ﴾ إلى قوله: ﴿لَا يَنْطِقُونَ﴾ والعرب لا تضيف اليوم إلى فعل يفعل إلا إذا أرادت الساعة من اليوم والوقت منه، وذلك كقولهم: آتيك يوم يقدم فلان، وأتيتك يوم زارك أخوك، فمعلوم أنَّ معنى ذلك أتيتك ساعة زارك، أو آتيك ساعة يقدم، وأنه لم يكن إتيانه إيَّاه اليوم كلّه، لأنَّ ذلك لو كان أخذ اليوم كلّه لم يضف اليوم إلى فعل ويفعل ولكن فعل ذلك إذ كان اليوم بمعنى إذ وإذا اللتين يطلبان الأفعال دون الأسماء \" [جامع البيان (٢٩/ ٢٤٣)، وانظر: معاني القرآن؛ للنَّحَّاس (٣/ ٣٨٠)، تفسير السَّمرقندي (٣/ ٥١٢) تفسير البغوي (٨/ ٣٠٧)، دفع أيهام الاضراب عن آيات الكتاب (ص: ٢٥٢)].\n(٤) في (أ) \" لم يمنعون \".\n(٥) \" معنى \" ساقطة من (ب).\n(٦) في (ب) \" لهم \".\n(٧) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٤٣٧)، جامع البيان (٢٩/ ٢٤٤)، تفسير السَّمرقندي (٣/ ٥١٢).\n(٨) \" أي \" ساقطة من (ب).\n(٩) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٢٤٤)، تفسير السَّمعاني (٦/ ١٣٢).\n(١٠) في (أ) \" ظلال، أي: جنة ظليلة، تصون من الحر\".","vol":"1","page":3487},{"text":"﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٥)﴾\n﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ (٤٦) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٧)﴾: رجعَ عجز الكلام إلى صدره، فخاطب الكفار.\nأي: أنكم تتمتعوا بالأكل والشرب تمتعًا قليلًا.\n[وقيل: زمانًا قليلًا] (١) وبعده عذابٌ لا انقطاعَ له.\n﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا﴾ أي (٢): أطيعوا واخضعوا.\n﴿لَا يَرْكَعُونَ (٤٨)﴾: لا يعبدونَ الله ولا يخضعونَ له.\nوقيل: هو في القيامة من قوله: ﴿وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾، [القلم: ٤٢] ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٩)﴾. (٣)\n﴿... فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (٥٠)﴾: أي: ما على هذه البراهين من مزيدٍ، فإذا لم يؤمنوا عند سماعهم لها فبأي كلام يخاطبون به بعد القرآن يؤمنون.\n_________\n(١) ما بين المعقوفتين ساقط من (أ).\n(٢) \" أي \" ساقطة من (ب).\n(٣) انظر: جامع البيان (٢٩/ ٢٤٥)، تفسير السَّمرقندي (٣/ ٥١٣)، المُحرَّر الوجيز (٥/ ٤٢١).","vol":"1","page":3488},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-184>سورة عم يتساءلون </span>(١)\n[أربعون آية (٢) مكية.\nويقال: سورة التساؤل، ويقال: سورة النبأ] (٣) مكية (٤)\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحِيمِ الرَّحْمَنِ\n﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١)﴾ أصله (عن ما) فحذف الألف لما سبق اللفظ استفهام (٥) (٦) والمعنى تفخيمٌ للشأن (٧) (٨).\nومعنى: ﴿يَتَسَاءَلُونَ﴾: يسأل بعضهم بعضًا.\n﴿عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (٢)﴾: الفرّاء ومجاهد (٩): \" في القرآن \" (١٠).\n﴿الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (٣)﴾: اختلفوا فقالوا هو من الله، أم كلام البشر، أم سحر وكهانة، فآمن به بعضٌ وكفر بعض.\n_________\n(١) سُمِّيت بهذه التسمية في بعض المصاحف وفي صحيح البخاري وتفسير ابن عطية، وتُسمَّى في أكثر المصاحف وكتب التفسير والسُّنة بسورة \" النبأ \" لوقوع كلمة \" النبأ \" في أولها،، وتُسمَّى أيضًا بسورة \" التساؤل \" وسورة ... \" المعصرات \" وسورة \" عَمَّ \". [انظر: المحرر الوجيز (٥/ ٤٣٢)، الإتقان (١/ ٥٦)، التحرير والتنوير (٣٠/ ٥)].\n(٢) قال الداني: \" وهي إحدى وأربعون آية في البصري وأربعون في عدد الباقين \" [البيان (ص: ٢٦٢)].\n(٣) ما بين المعقوفتين ساقط من (ب).\n(٤) وقد حكى الإجماع على مكِّيتها ابن عطية في المحرر الوجيز (٥/ ٤٢٣)، وابن الجوزي في زاد المسير (٨/ ١٨٣).\n(٥) في (أ) \" استفهامًا \".\n(٦) انظر: إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٥/ ٧١)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٢١١).\n(٧) في (أ) \" نفخيم الشأن \".\n(٨) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٢١١).\n(٩) في (أ) \" مجاهدًا القرآن.\n(١٠) انظر: تفسير مجاهد (٢/ ٧١٩)، معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ٢٢٧).","vol":"1","page":3489},{"text":"قتادة والزجاج: \"هو القيامة والبعث، بدليل قوله عقيبه: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا (١٧)﴾ (١).\nوقيل: ﴿النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾: أمر محمد - ﷺ - ونبوته (٢).\nوالضمير في ﴿يَتَسَاءَلُونَ﴾: قيل: للكفار وحدهم.\nوقيل: للكفار والمؤمنين جميعًا.\nو﴿عَنِ﴾ الأولى: متصل بالاستخبار. والثاني: بالخبر.\nوتقديره: عمَّ يتساءلون؟ يتساءلون عن النبأ العظيم، فحذف.\nالفرّاء الأولى بمعنى: لِمَ، أي لم يتساءلون عن النبأ (٣).\n﴿كَلَّا﴾: ردع عن الاختلاف.\nوقيل: معناه حقًَّا.\n﴿سَيَعْلَمُونَ (٤) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٥)﴾: سيعرفون مشاهدةً وعيانًا.\nوالتكرار للتأكيد.\nوقيل: الأول للكفار، والثاني: للمؤمنين.\nوقيل: الأول في الدنيا عند النزع، والثاني في القيامة (٤).\nثم عدد أفعالًا تدل (٥) على قدرته - ﷾ - على البعث فقال:\n﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ﴾: استفهام تقريري.\n﴿مِهَادًا﴾ (٦): فراشًا يمكن الاستقرار عليها.\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٢١١)، جامع البيان (٣/ ٢).\n(٢) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٢١١)، جامع البيان (٣/ ١)، النُّكت والعيون (٦/ ١٨٢).\n(٣) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ٢١١).\n(٤) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ١٨٣)، البرهان؛ للكرماني (ص: ٣٢٠)، تفسير البيضاوي (٢/ ٥٦٠).\n(٥) في (ب) \" يدل \".","vol":"1","page":3490},{"text":"﴿مِهَادًا﴾ يجوز أن يكون واحدًا، ويجوز أن يكون جمعَ مهدٍ، وجاز جمعه؛ لاختلاف أماكنها من القرى والبلاد (١).\nوقيل: لاختلاف التصرف فيها حفرًا وزرعًا، وبناءً وسيرًا.\n﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (٧)﴾: لولاها لارتجت بالزلازل والرياح.\nوقيل: هيئتها على الأرض كهيئة الأوتاد مرتفعة.\n﴿وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا (٨)﴾: ذكرًا أو أنثى.\nوقيل: ضربًا وأصنافًا.\n﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (٩)﴾: قطعًا عن العمل، راحةً لأبدانكم، وأصله المدّ عند النوم.\nوقيل: أصله القطع، ومنه سبت رأسه، أي: حلقه (٢).\nالمفضل: \" ﴿نَوْمَكُمْ سُبَاتًا﴾ جعلنا له ابتدءًا لتأخذوا أهبته، ولم يصرعكم في مواضع تهلككم \" (٣).\n﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠)﴾: الزجاج: \" سكنًا \" (٤).\nوقيل: غطاءً ساترًا، مماسًّا لما ستر (٥).\n﴿وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (١١)﴾: النهار وقت اتساع الضياء المنبثّ في الآفاق، ... جعله الله سببًا للمعاش، وهو (٦): مصدر عاش عيشًا ومعاشًا.\nوقيل: زمانًا للعيش واللذة (٧).\n_________\n(١) انظر: إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٥/ ٧٩).\n(٢) انظر: تفسير السَّمرقندي (٣/ ٥١٥)، النُّكت والعيون (٦/ ١٨٣)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ١٦٦).\n(٣) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢٩٦).\n(٤) انظر: معاني القرآن (٥/ ٢١١).\n(٥) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٣)، النُّكت والعيون (٦/ ١٨٣).\n(٦) في (ب) \" وهي \".\n(٧) في (ب) \" العيش والبده \".","vol":"1","page":3491},{"text":"﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (١٢)﴾: سبع سماوات وثاقًا، لا تبليهن الأيام والليالي.\n﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا (١٣)﴾: أي وخلقنا سراجًا يعني: الشمس.\n﴿وَهَّاجًا﴾: نيِّرًا متلألأً (١) وقّادًا، من الوَهَج.\n﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً﴾:\nقيل: ﴿الْمُعْصِرَاتِ﴾: الرِّياح ذات الأعاصير، من قوله: ﴿إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ﴾، ... [البقرة: ٢٦٦].\nوقيل: ﴿الْمُعْصِرَاتِ﴾: السَّحاب، أي حان أن يعصر (٢)، كأحصد، وأجز، والعصير: السحاب.\nالحسن وقتادة: \" ﴿الْمُعْصِرَاتِ﴾ السماوات \" (٣) (٤).\nومن على القول الأول بمعنى الباء.\n﴿ثَجَّاجًا (١٤)﴾: دفاقًا دفّاعًا في انصبابه (٥).\n﴿لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (١٥)﴾: الحَبُّ: ما تضمنه كِمام الزرع (٦)، والنَّبات: ما يُرعى من الحشيش والزروع (٧).\nوقيل: الحب: اللؤلؤ، وأصله من المطر على ما ذكر، والنبات: ما ينبت على الأرض. وقيل: الحبُّ ما يُحرث ويُزرع، والنبات: ما يَنبتُ من الأرض بنفسه (٨).\n_________\n(١) في (أ) \" يتلألأ \".\n(٢) في (ب) \" أي جاز أن تعصر \".\n(٣) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٥)، تفسير الثعلبي (١٠/ ١١٤).\n(٤) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٤)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٥/ ٨٠)، وكلاهما رجَّح أن المراد به السَّحَاب.\n(٥) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٦)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٨٠).\n(٦) في (ب) \" كماح الزرع \".\n(٧) في (ب) \" والزرع \".\n(٨) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٦)، النُّكت والعيون (٦/ ١٨٤).","vol":"1","page":3492},{"text":"﴿وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا (١٦)﴾: أي: وأشجار جنات، فحذف المضاف.\nوالألفاف: التي التف (١) بعضها ببعض لتكاثفها، واحدها لَفٌّ، والجمع لِفٌّ، وجمع الجمع ﴿أَلْفَافًا﴾ (٢).\n﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ﴾: يوم القيامة.\n﴿كَانَ مِيقَاتًا (١٧)﴾: وقتًا محددًا، ومنتهىً معلومًا لوقوع الجزاء.\n﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾: في القرن.\nوقيل: في الخلق.\n﴿فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا (١٨)﴾: زمرًا وجماعات.\n﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا (١٩)﴾: أي: شقت فكانت ذات أبواب وطرق وخلل وفروج، وما لها اليوم (٣) من فروج.\n﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا (٢٠)﴾: أي: قلعت ونسفت فصارت بعد الشدة والثبات هباءً منبثًا (٤).\nقوله: ﴿فَكَانَتْ سَرَابًا﴾ أي: هباءً تُخيِّلُ الشمسُ أنه ماءٌ.\n﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (٢١)﴾: هو مِفعال من رصد، كالمِطْعان من طعن، أي: ترصد أهل الكفر.\nومعنى رصده: أي (٥) حفظ عليه طريقه كي لا يجوز من غير إذنه.\n_________\n(١) في (أ) \" التفت \".\n(٢) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٧)، إعراب القرآن (٥/ ٨١).\n(٣) في (ب) \" لليوم \".\n(٤) في (أ) \"هباءً منثورًا \".\n(٥) \" أي \" ساقطة من (ب).","vol":"1","page":3493},{"text":"الحسن: \" لا يتجاوزونها إلاّ بجواز \" (١).\nوقيل: هو من أرصد كالمطعام من الطعم، وأرصد فلان فلانًا إذا كان له عنده يد فهو يترقب مكافأته عليها.\nوقيل: محبسًا (٢) وموضع رصد كالمضمار كحلبة الخيل.\nوقيل: هو لفظ وضع للتهديد والوعيد (٣).\n﴿لِلطَّاغِينَ مَآَبًا (٢٢)﴾: للكافرين مرجعًا ومأوى.\n﴿لَابِثِينَ فِيهَا﴾: ماكثين من اللبث، و﴿لَبِثِينَ﴾ بمعناه (٤).\nوقيل: ﴿لَبِثِينَ﴾ أبلغ؛ لأنه البطيء فيها في جهنم.\n﴿أَحْقَابًا (٢٣)﴾: جمع حُقُب، من قوله: ﴿أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾، [الكهف: ٦٠]. وقيل: حِقبة وحِقَب كقِربة وقِرب (٥).\nأبو هريرة - ﵁ -: \" ثلاثون سنة \" (٦).\nابن عمر - ﵄ -: \" أربعون سنة \" (٧).\nالسُّدي: \"سبعون سنة، كل يوم كألف سنة مما تعدون \" (٨).\nوقيل: ﴿أَحْقَابًا﴾ في نوع من العذاب.\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٩)، النُّكت والعيون (٦/ ١٨٥).\n(٢) في (أ) \" مجلسًا \".\n(٣) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ١٨٥)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ١٧٠).\n(٤) قرأ السبعة عدا حمزة ﴿لَابِثِينَ﴾ بألف بعد اللام، وقرأ حمزة وحده ﴿لَبِثِينَ﴾ من غير ألف. [انظر: السَّبعة (ص: ٦٨٨)، معاني القراءات (ص: ٥٢٤)، الحُجَّة (٦/ ٣٦٩)].\n(٥) انظر: جامع البيان (٣٠/ ١٠)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٥/ ٨٢).\n(٦) لم أقف على من أورد قول أبي هريرة - ﵁ -، ولعله تصحيف في العدد، والمشهور من قوله في كتب التفسير \" ثمانون سنة\". [انظر: جامع البيان (٣٠/ ١١)، النُّكت والعيون (٦/ ١٨٦)].\n(٧) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ١٨٦)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ١٧٢).\n(٨) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ١٨٦).","vol":"1","page":3494},{"text":"وعن خالد بن معدان (١) قال: \" هذه الآية في أهل القبلة؛ لأنهم لا يُخَلَّدون فيها \" (٢). وقيل: إن ذلك حدٌّ لجميع أهل النار (٣). والله أعلم.\nوفي تفسير مقاتل: \" إن هذه الآية منسوخة \" (٤).\nوقيل: تم الكلام على قوله ﴿فِيهَا﴾، ثم قال: ﴿أَحْقَابًا لَا يَذُوقُونَ فِيهَا﴾: في جهنم، ويحتمل (٥) في الأحقاب (٦).\n﴿بَرْدًا﴾: برد الماء وبرد الهواء (٧).\nوقيل: راحة.\nوقيل: نومًا، ومنه: منع البرْد البَردَ (٨) (٩).\nويحتمل الموت، من قولهم: ضربه بالسيف فبَرَدَ (١٠).\n﴿وَلَا شَرَابًا (٢٤)﴾: يُبرِد غلَّتهم، ويسكن ظمأهم.\n_________\n(١) خالد بن معدان بن أبى كرب، أبو عبد الله الكلاعي الحمصي، شيخ أهل الشام، أدرك سبعين من أصحاب رسول الله - ﷺ -، من متقشفى العباد والمتجردين من الزهاد، وهو معدود في أئمة الفقه، وثَّقه ابن سعد والعجلي، ويعقوب بن شيبة، وابن خراش، والنسائي، قال بحير بن سعد: \"ما رأيت أحدًا ألزم للعلم من خالد بن معدان \"، وقال يزيد بن هارون: \"مات خالد بن معدان وهو صائم \"، وذلك سنة ثلاث ومائة، وقيل: سنة أربع ومائة للهجرة. [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: مشاهير علماء الأمصار (ص: ١٤٠)، سير أعلام النبلاء (٤/ ٥٣٦)].\n(٢) انظر: جامع البيان (٣٠/ ١٠)، غرائب التفسير (٢/ ١٢٩٦).\n(٣) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢٩٦)، وفيه يقول الكرماني: \" وهذا قول بعض المتكلمين، وفيه بعدٌ \".\n(٤) وهو قول مقاتل بن حيان. [انظر: جامع البيان (٣٠/ ١٢)، تفسير الثعلبي (١٠/ ١١٦)].\nوقد تعقَّب هذا القول ابن جرير بقوله: \" ولا معنى لهذا القول؛ لأن قوله: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا﴾ أَحْقَابًا خبرٌ، والأخبار لا يكون فيها نسخ، وإنما النسخ يكون في الأمر والنهي \" [جامع البيان (٣٠/ ١٢)].\n(٥) في (أ) \" ويحتمل \".\n(٦) انظر: إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٥/ ٨٣)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ١٧٣).\n(٧) في (أ) \" برد الهواء وبرد الماء \".\n(٨) في (ب) \" منع البَرْد والبردُ \".\n(٩) وأكثر المفسرين على القول الأول. [انظر: جامع البيان (٣٠/ ١٢)، إعراب القرآن؛ للنَّحاس (٥/ ٨٣)، النُّكت والعيون (٦/ ١٨٦)].\n(١٠) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢٩٧).","vol":"1","page":3495},{"text":"﴿إِلَّا حَمِيمًا﴾: ماءً حارًَّا يحرق ما يأتي عليه.\nوقيل: هو دموع عيون أهل النار.\n﴿وَغَسَّاقًا (٢٥)﴾: ابن عباس - ﵄ -: الزمهرير (١).\nغيره: غُسالةِ أهل النار.\nوقيل: هو المنتن.\nوقيل: هو الأسود (٢).\n﴿جَزَاءً وِفَاقًا (٢٦)﴾: أي جوزوا جزاءً فوافق الأعمال وفاقًا.\nوقيل: جمع وفِق (٣).\nثم وصف أعمالهم فقال:\n﴿إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا (٢٧)﴾: لا يخافون محاسبة الله إياهم.\nالزجاج: \"لا يؤمنون بالبعث فيرجون (٤) ثواب حساب \" (٥).\n﴿وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا كِذَّابًا (٢٨)﴾: أي كذَّبوا رسلنا بردهم آياتنا، وتركهم تدبرها، والاعتبار بها.\n﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا (٢٩)﴾: كتبنا عدده وقدره لا يعزب عنه شيء. أي: في صحف الأعمال.\nوقيل: في اللوح المحفوظ.\n﴿كِتَابًا﴾: مصدر فعل مضمر، أي: كتبنا كتابا.\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٣٠/ ١٤)، إعراب القرآن؛ للنَّحاس (٥/ ٨٤).\n(٢) انظر: جامع البيان (٣٠/ ١٣)، إعراب القرآن؛ للنَّحاس (٥/ ٨٣)، النُّكت والعيون (٦/ ١٨٧).\n(٣) انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ٢٢٩)، جامع البيان (٣٠/ ١٥)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٢١٣).\n(٤) في (ب) \" فيرجوا \".\n(٥) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٢١٣).","vol":"1","page":3496},{"text":"ويجوز أن ينتصب بقوله: ﴿أَحْصَيْنَاهُ﴾؛ لأن الإحصاء أكثر ما يكون بالكتابة.\nويحتمل أن يكون حالًا، أي: مكتوبًا.\n﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا (٣٠)﴾: أي عذابًا على عذاب.\nابن عمر - ﵄ -: \"لم ينزل على أهل النار آية أشد من هذه \" (١).\nالذوق استعارة وقد سبق.\n﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (٣١)﴾: مِفعل من الفوز. يصلح للمصدر، أي: نجاة من كل مكروه، وظفر بكل محبوب، ويصلح للمكان: وهو الجنة (٢).\nثم أبدل منه بدلَ الكل من البعض، فقال:\n﴿حَدَائِقَ﴾: جمع حديقة، وهي: البستان المحيط به.\n﴿وَأَعْنَابًا (٣٢)﴾: وأشجار العنب.\n﴿وَكَوَاعِبَ﴾: جمع كاعبة، وهي: التي نهد ثدياها فتكعّبا (٣).\n﴿أَتْرَابًا (٣٣)﴾: على سن واحد. وقد سبق.\n﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا (٣٤)﴾: مترعة.\nوقيل: متتابعة.\nوقيل: صافية (٤).\n﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا﴾ قيل: في الجنة. وقيل: في الكأس، والمراد حالة شرب الكأس.\n_________\n(١) انظر: إعراب القرآن؛ للنَّحاس (٥/ ٨٥)، البحر المحيط (١٠/ ٨٩)، وقد أورده ابن جرير في جامع البيان (٣٠/ ١٧) عن عبد الله بن عمرو - ﵁ -.\n(٢) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ١٨٨)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ١٧٦).\n(٣) انظر: جامع البيان (٣٠/ ١٨)، النُّكت والعيون (٦/ ١٨٨)، زاد المسير (٨/ ١٨٨).\n(٤) انظر: جامع البيان (٣٠/ ١٨)، النُّكت والعيون (٦/ ١٨٨).","vol":"1","page":3497},{"text":"﴿لَغْوًا﴾: باطلًا ومأثمًا، وهو: ما يلغى من هُجر الكلام.\n﴿وَلَا كِذَّابًا (٣٥)﴾: أي لا يتكاذبون.\n﴿جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا (٣٦)﴾: أي: جازاهم جزاء وأعطاهم عطاء.\nفهما ينصبان بالمصدر.\nوقوله: ﴿حِسَابًا﴾ أي: كافيًا، من قولك: حسبي وكفاني.\nوقيل: على حساب العمل، وعند الله المزيد.\n﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا (٣٧)﴾ ...: أي: لا يملكون خطابًا إلاّ بإذنه (١).\nنُصير (٢) صاحب الكسائي: هو كقولك: \" لا أستطيع منه انتصارًا \" (٣).\n﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا﴾: الروح: جبريل (٤).\nمجاهد: \" خلقٌ في صورة بني آدم، لهم أيد وأرجل ورؤوس (٥)، يأكلون ويشربون وليسوا بني آدم \" (٦).\nالحسن: \" أرواح بني آدم قبل وصولها إلى الأجساد \" (٧).\nقتادة: \" بنو آدم \" (٨).\n_________\n(١) في (ب) \" خطابه إلاّ بإذنه \".\n(٢) نُصير بن يوسف بن أبي نصر، أبو المنذر الرازي، ثم البغدادي، المقرئ، النحوي، أستاذ كامل ثقة، أخذ القراءة عرضًا عن الكسائي، وهو من جلّة أصحابه وعلمائهم، وله عنه نسخة وأبي محمد اليزيدي، قال أبو عبد الله الحافظ: \" كان من الأئمة الحذّاق لا سيما في رسم المصحف وله فيه تصانيف \"، وقال الأستاذ أبو محمد سبط الخياط: \" وكان ضابطًا عالمًا بمعنى القراءات ونحوها ولغتها \"، مات في حدود الأربعين ومائتين. [انظر ترجمته: معرفة القُرَّاء الكبار (ص: ١٢٥)، غاية النهاية (٢/ ٣٤٠)].\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٢٢)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٥/ ٨٦).\n(٥) في (أ) \"رأس \".\n(٦) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٢٣)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٥/ ٨٦).\n(٧) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٢٣)، تفسير الثعلبي (١٠/ ١٢٠).\n(٨) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٢٣)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٥/ ٨٦).","vol":"1","page":3498},{"text":"ابن مسعود - ﵁ -: \" ملَك موصوف بالعظمة \" (١) (٢).\nومعنى ﴿صَفًّا﴾ صفوفًا.\nوقيل: قيل مصطفّين.\n﴿لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾: أي أذن له بالتكلم.\n﴿وَقَالَ صَوَابًا (٣٨)﴾: حقًَّا.\nوقيل: قال: لا إله إلا الله (٣).\nالحسن: \" معناه: لا يشفعون لأحد إلاّ لمن أذن له الله أن يشفع له، وقال المشفوع له في الدنيا صوابا وصدقًا ولا إله إلا الله \" (٤).\n﴿ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ﴾: لا باطل فيه ولا ظلم، وذلك اليوم حقٌّ كائنٌ لا محالة.\n﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآَبًا (٣٩)﴾: بطاعته في الدنيا ليكون المرجع إلى الثواب.\n﴿إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا﴾: قيل: في الدنيا.\nوقيل: هو يوم بدر.\nوقيل: عذاب الآخرة؛ لأنَّ ما هو آتٍ قريب (٥).\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٢٢)، زاد المسير (٨/ ١٩٠)\n(٢) وكلُّ هذه الأقوال محتملة، قال ابن جرير - ﵀ - \" والصواب من القول أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر أن خلقه لا يملكون منه خطابًا يوم يقوم الروح، والروح خلق من خلقه.\nوجائز أن يكون بعض هذه الأشياء التي ذكرت، والله أعلم، أي ذلك هو، ولا خبر بشيء من ذلك أنه المعني به دون غيره يجب التسليم له، ولا حجة تدل عليه، وغير ضائر الجهل به\" [جامع البيان (٣٠/ ٢٣)].\n(٣) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٢٤)، النُّكت والعيون (٦/ ١٩٠)، زاد المسير (٨/ ١٩٠).\n(٤) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ١٩٠).\n(٥) والأخير هو الأظهر؛ لسياق الآيات [انظر: جامع البيان (٣٠/ ٢٥)، النُّكت والعيون (٦/ ١٩١)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ١٨١)].","vol":"1","page":3499},{"text":"﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾: أي: يرى الذي قدمه من خير وشر، أي: جزاء ذلك.\nالحسن (١): \" قَدَّمَ فَقَدِمَ على ما قدَّم \" (٢).\nوقيل: ﴿مَا﴾ للاستفهام (٣)، ومحله النصب بـ ﴿قَدَّمَتْ﴾ (٤) أي: أي شيء قدم أخيرًا أم شرًا (٥).\n﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا (٤٠)﴾: أي: لم أنشر بعد الموت فبقيت ترابًا.\nوقيل: يا ليتني (٦) لم أخلق وكنت ترابًا.\nوقيل: لمّا رأى الكافر البهائم والوحوش والطيور صارت ترابًا بعدما انتُصف للجَمَّاء (٧) (٨) من القرناء تمنى تلك المثابة (٩).\nومن المفسرين من زعم أنَّ ما أحياه الله من البهائم لا يُميته ثانيًا.\nومنهم من زعم أن الأطفال يموتون مع البهائم؛ إذ ليس لهم ثواب ولا عليهم عقاب (١٠).\nوقيل: ﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ﴾ يعني: إبليس ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾، أي: خلقت من التراب ندمًا على ما قال: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢)﴾، [الأعراف: ١٢] (١١).\n_________\n(١) في (ب) \" الحسنى \".\n(٢) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ١٩١)، غرائب التفسير (٢/ ١٢٩٨).\n(٣) في (ب) \" الاستفهام \".\n(٤) في (أ) \" تقدمت \".\n(٥) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢٩٨)، تفسير البيضاوي (٢/ ٥٦٣).\n(٦) في (ب) \" يا لتني \".\n(٧) في (أ) \" الجماء \".\n(٨) الجمَّاء: الشاة التي لا قرن لها. [انظر: كتاب العين (٦/ ٢٧) مادة \" جَمَمَ \"، النِّهاية (١/ ٢٩٩)، مادة \" جَمَمَ \"].\n(٩) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٢٥)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٢١٤)، النُّكت والعيون (٦/ ١٩١).\n(١٠) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٢٩٩).\n(١١) انظر: تفسير الثعلبي (١٠/ ١٢١)، تفسير البغوي (٨/ ٣١٩).","vol":"1","page":3500},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-185>سورة النازعات </span>(١)\nسِتٌّ وأربعون آية (٢) مكية\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحِيمِ الرَّحْمَنِ\n﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا (١) وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا (٢) وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا (٣) فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا (٤) فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (٥)﴾: المفسرون (٣) فسروا هذه الآيات على أربعة: الملائكة، والأرواح، والنجوم، والغزاة.\nفمن حمل على الملائكة قال: إنهم ينزعون نفوس بني آدم بإغراق كما يغرق النازع في القوس (٤).\nالفَرَّاء: \" الغرق اسم أُقيم مقام المصدر، من أغرق، أي: والنازعات إغراقًا \" (٥).\nالمفضّل: \" الغرق من صفة النفس وصفها بالمصدر \"، أي: والنازعات نفسًا (٦) غَرِقَت غرقًا \" (٧).\n_________\n(١) سُمِّيت في المصاحف وأكثر التفاسير \" سورة النازعات \" بإضافة سورة إلى \" النازعات\" بدون واو، وجُعل لفظ \" النازعات \" علمًا عليها لأنه لم يذكر في غيرها. وعنونت في كتاب التفسير في (صحيح البخاري) وفي كثير من كتب المفسرين بسورة \" والنازعات \" بإثبات الواو على حكاية أول ألفاظها.\nوقيل: إنها تسمّى \" سورة الساهرة \" لوقوع لفظ \" الساهرة \" في أثنائها ولم يقع في غيرها من السور. وقيل:\n: تسمى سورة الطامة، أي لوقوع لفظ \" الطامّة \" فيها ولم يقع في غيرها.\n[انظر: بصائر ذوي التمييز (١/ ٥٠١)، التحرير والتنوير (٣٠/ ٥٩)].\n(٢) \" ست وأربعون آية \" ساقطة من (ب).\n(٣) \" المفسرون \" ساقطة من (ب).\n(٤) سيذكر المؤلف في لحاق الكلام من قال بهذا القول.\n(٥) انظر: معاني القرآن (٣/ ٢٣٠).\n(٦) في (أ) \" نفسها \".\n(٧) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٣٠١).","vol":"1","page":3501},{"text":"﴿وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا﴾: ينشطون نفوس المؤمنين بسهولة، من قول العرب: نشطت الدلو إذا أخرجتها من البئر (١).\nوحملها بعض المفسرين على الأنشوطة: وهي العقد يمد أحد (٢) طرفيها فينحلّ خلاف المبرم، وهذا يقتضي المُنَشِّطَات (٣).\nوحملها بعضهم على نشط، أي: بادر إلى الشيء فرحًا به، وهذا يقتضي: والنَّاشطات نشاطًا (٤).\n﴿وَالسَّابِحَاتِ﴾ أي: تسبح (٥) بوحي الله.\nوقيل: تسبح بروح المؤمنين (٦)، ﴿فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا﴾ إلى (٧) ما أمره الله تعالى.\n﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ يعني: جبريل،وميكائيل،وعزرائيل،وإسرافيل﵈ -، وحملها على الملائكة قول علي، وابن عباس، وابن مسعود - ﵃ - (٨).\nوللتأنيث (٩) بعد نفيه سبحانه منهم وإنكاره على قائليه وجهان:\nأحدهما: أنه محمول على الملائكة النازعة والتأنيث للجمع، ثم جمع النازعة فقال:\n﴿وَالنَّازِعَاتِ﴾.\nوالثاني: محمول على أيدي الملائكة (١٠).\nوعطف ﴿فَالسَّابِقَاتِ﴾ ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ﴾ بالفاء لما فيها من معنى التعقيب، أي: يسبح فيسبق (١١) فيدبّر (١٢).\nومن حملها على الأرواح قال: ﴿وَالنَّازِعَاتِ﴾ من قولهم: نزع الخيل إذا جرت (١٣).\nقال:\nوالخيل تنزع (١٤) قُبًَّا في أعنتها ... كالطير تنجو (١٥) من الشُّؤْبوب (١٦) ذي البَرَدِ (١٧)\nوالمعنى: أنها تخرج من الصدور على كراهة.\n﴿وَالنَّاشِطَاتِ﴾: من نشط ينشُط بالضم والكسر إذا مضى من بلد إلى بلد، ومن قولهم: الهموم تَنْشُطُ بصاحبها (١٨)، قال:\nأمست همومي تنشط المناشطا ... الشام بي طورًا وطورًا واسطا (١٩)\nوالمعنى: يخرج بسهولة\n﴿وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا (٥)﴾ تسبح في الهواء، فتسبق إلى الحاجة فتدبر أمرها (٢٠) بعد البعث \"، وهذا قول السُّدي (٢١).\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ٢٣٠)، جامع البيان (٣٠/ ٢٨)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٥/ ٨٨).\n(٢) \" أحد \" ساقطة من (أ).\n(٣) انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ٢٣٠)، غرائب التفسير (٢/ ١٣٠٢)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ١٨٤).\n(٤) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٣٠٢).\n(٥) في (ب) \" يسبح \".\n(٦) في (ب) \" وقيل: يسبح بروح المؤمن \".\n(٧) \" إلى \" ساقطة من (أ).\n(٨) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٢٧)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٥/ ٨٨)، تفسير ابن أبي حاتم (١٠/ ٣٣٩٧)، النُّكت والعيون (٦/ ١٩٣).\n(٩) في (ب) \" والتأنيث \".\n(١٠) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٣٠١).\n(١١) في (أ) \" ويسبق \".\n(١٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ١٨٦)، البحر المحيط (١٠/ ٣٩٦).\n(١٣) انظر: ...: لسان العرب (٨/ ٣٤٩)، مادة \" نَزَعَ \".\n(١٤) في (أ) \" ينزع \".\n(١٥) في (ب) \" ينجو \".\n(١٦) الشؤبوب: الدفعة من المطر وغيره. [انظر: لسان العرب (١/ ٤٩٧)، مادة \" شَأبَ \"].\n(١٧) البيت للنَّابغة الذِّبياني. [انظر: كتاب العين (١/ ٣٥٧)، لسان العرب (١/ ٦٣٧)، مادة \" غرب \"].\n(١٨) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٢٩)، تفسير الثعلبي (١٠/ ١٢٣)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ١٨٥).\n(١٩) البيت لهِميان بن قحافة. [انظر: جامع البيان (٣٠/ ٢٩)، تفسير الثعلبي (١٠/ ١٢٣)، لسان العرب (٧/ ٤١٣)، مادة \" نَشِطَ \"].\n(٢٠) في (ب) \" فيسبق إلى الجنة فيدبر أمرها \".\n(٢١) انظر: لم أقف عليه.","vol":"1","page":3502},{"text":"ومن حمَلهَا على النجوم قال: أنها تنزع من أماكنها طالعة غاربة، وخانسة وكانسة، ينشط من مكان إلى مكان ويسبح في فلك يسبحون فيسبق إلى الطلوع والغروب (١).\nوأمَّا ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ فقيل: هي النجوم والقائمات بإصلاح ما في العالم الأسفل وإفساده، وهذا لا يكاد يوافقه الشرع إلا أن يراد بالمُدَبِّرات المؤثِّرات، فإن تأثير النيّرين ظاهر (٢).\nكذلك الخمسة الباقية وسائرها، وهذا قول الحسن وقتادة، إلاّ المُدبِّرات، (٣) فإنهما حملا الآيات على النجوم، والمُدبِّرات على الملائكة (٤).\nومعاذ بن جبل ذهب في\" المُدبِّرات أمرًا \" إلى النجوم أيضًا \" (٥).\nومن يحملها على الغزاة قال: هم ينزعون القوس إغراقًا وينشطون بالسهم للرمي (٦) أو الأوهاق (٧)، فيسبحون (٨): أي يسعون في البر والبحر فتسبق خيلهم ويدبر أمراؤهم وقادتُهم أمور الحرب، وهذا قول عطاء (٩).\nفهذه الوجوه حسنة، فإنها (١٠) جمعت بين أولها وآخرها.\nوبعد فقد قيل في ﴿وَالنَّازِعَاتِ﴾ و﴿وَالنَّاشِطَاتِ﴾ أنها الوحش.\nوقيل: ﴿وَالنَّازِعَاتِ﴾ النفخة الأولى ﴿وَالنَّاشِطَاتِ﴾ النفخة الثانية.\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٢٧)، النُّكت والعيون (٦/ ١٩٢).\n(٢) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٣٠١)، قال النَّحَّاس: \" \" ولا اختلاف بين أهل العلم في هذا أنه يراد به [أي: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ﴾] الملائكة، وهو مجاز؛ لأنَّ الله جلَّ وعزَّ هو المدبِّر الأشياءَ \". [إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٥/ ٨٩)].\n(٣) في (أ) \" إلا أنَّ المدبِّرات \".\n(٤) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٢٨)، النُّكت والعيون (٦/ ١٩٢).\n(٥) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ١٩٤)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ١٨٦).\n(٦) في (ب) \" للرمي \".\n(٧) الأوهاق: جمع وهَقَ، الحبل المغار يرمى فيه أنشوطة فتؤخذ فيه الدابة والإنسان. [انظر: كتاب العين (٤/ ٦٤)، مادة \" وَهَقَ \"، لسان العرب (١٠/ ٣٨٥)، مادة \" وَهَقَ \"].\n(٨) في (أ) \" ويسيحون \".\n(٩) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٢٨)، النُّكت والعيون (٦/ ١٩٢).\n(١٠) في (ب) \" بأنَّها \".","vol":"1","page":3503},{"text":"وقيل: ﴿السَّابِحَاتِ﴾ السُّفن.\nوقيل: هن جميعًا الموت (١).\nوقيل: تقديرها وربّ النازعات، وقد سبق.\nوجواب القسم عند الزَّجَّاج: \"مضمر تقديره (لَتُبْعَثُنَّ) ودلَّ عليه ما بعده \" (٢).\nالمبرد: \"جوابه ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً﴾، وما حيل بينهما اعتراض مؤكد غير فاصل \" (٣).\nالحسن: \" جوابه ﴿يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ﴾ \" (٤).\nوأجاز الأخفش: أن يكون جوابه ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ﴾ على تقدير: ليوم (٥) \" (٦).\nقال صاحب النظم: \" جوابه ﴿هَلْ أَتَاكَ﴾؛ لأن معنى (٧) ﴿هَلْ﴾ بمعنى قد \" (٨).\nوالأحسن قول المبرد لأنه لا يحتاج إلى إضمار يوم (٩).\n﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦)﴾: الرجف: شدة الحركة.\n﴿الرَّاجِفَةُ﴾ الصيحة الأولى.\n﴿تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧)﴾: أي: التابعة من الردف والرديف وهي الصيحة الثانية (١٠).\nوجاء في الخبر: \" بين أربعون\" (١١) غير مفَسّرٍ، والأكثرون على أنه السُّنون (١٢).\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٢٧)، النُّكت والعيون (٦/ ١٩٢)، زاد المسير (٨/ ١٩٢)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ١٨٣).\n(٢) انظر: معاني القرآن (٥/ ٨٩).\n(٣) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٣٠٢).\n(٤) لم أقف عليه.\n(٥) في (أ) \" تقدير: وليوم \".\n(٦) انظر: معاني القرآن (ص: ٣٠٤).\n(٧) \" معنى \" ساقطة من (ب).\n(٨) ذكر هذا القول أبو حيَّان، من غير نسبته، وقال: \" ليس بشيء \" [البحر المحيط (١٠/ ٣٩٦)].\n(٩) \" يوم \" ساقط من (ب).\n(١٠) انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ٢٣١)، جامع البيان (٣٠/ ٣١)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٢١٥).\n(١١) أخرج ابن جرير في جامع البيان (٣/ ٣١) عن قتادة: \" ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧)﴾ قال: هما الصيحتان أمَّا الأولى فتميت كل شيء بإذن الله، وأما الأخرى فتحيي كل شيء بإذن الله، إن ... نبي الله كان يقول: «بينهما أربعون» قال أصحابه والله ما زادنا على ذلك \".\n(١٢) انظر: تفسير الثعلبي (١٠/ ١٢٤)، النُّكت والعيون (٦/ ١٩٥).","vol":"1","page":3504},{"text":"وقيل: ﴿الرَّاجِفَةُ﴾ الأرض، من قوله ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (١٤)﴾ [الحاقة: ١٤] (١).\nأبو هريرة - ﵁ -: \" النفخات ثلاث \" (٢)، وقد سبق.\n﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (٨)﴾: نُكّر القلوب.\nوالمراد بها: قلوب الكافرين والمنافقين. ﴿وَاجِفَةٌ﴾ قلقة، والوجف والوجيف: الحركة، ومنه الوجوف في السِّير والإيجاف، أي: السرعة والإسراع في السير (٣).\n﴿أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ (٩)﴾: خاضعة بِذُلِّ أصحابها وخوفهم، وأضاف الأبصار إلى القلوب، والمراد أصحابها؛ لأنها محل الخوف.\n﴿يَقُولُونَ﴾: أي: منكرو البعث في الدنيا.\n﴿أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ (١٠)﴾: أي: نعاد كما كنّا أحياء.\n﴿الْحَافِرَةِ﴾: أول الأمر، من قول العرب: النقد عند الحافرة، وأصله في الفرس: يباع، أي ينقد الثمن قبل أن يزول حافره عن مكان العرض.\nوقيل: ﴿الْحَافِرَةِ﴾: الأرض التي فيها تحفر قبورهم، فيكون بمعنى المحفورة كـ ﴿مَاءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق: ٦] (٤).\n_________\n(١) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ١٩٥)، غرائب التفسير (٢/ ١٣٠٢).\n(٢) انظر: جامع البيان (٣/ ٣١).\n(٣) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٣٣)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٥/ ٨٩)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ١٨٨).\n(٤) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٣٣)، تفسير الثعلبي (١٠/ ١٢٥)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ١٨٨).","vol":"1","page":3505},{"text":"ابن عباس - ﵄ -: \" ﴿الْحَافِرَةِ﴾: الحياة \" (١)، أي: نبعث ونعاد إلى حال حياتنا الأولى.\nابن زيد: ﴿الْحَافِرَةِ﴾: \" من أسماء جهنم \" (٢).\nابن جرير: \" هو مثل لمن يرجع لما كان عليه، قال:\nأحافرة على صلعٍ وشيبٍ ... معاذ الله من سفهٍ وطَيشِ \" (٣) (٤)\nوقيل: أصله من الفرس يرجع فيضع حافره على مواضعه الأولى ويدور عليها.\nالمبرد: \"يقال: رجع عودُه على يديه ورجع على حافرته إذا رجع في الطريق (٥) الذي جاء منه \" (٦).\nوقيل: أصله الموضع الذي يضرب فيه خيمتك.\nوقيل: هذا من كلام الكفار يوم القيامة، يتمنون أن يردوا إلى الدنيا وإلى الحياة الأولى بعد أن يصيروا عظامًا بالية. والجمهور على القول الأول.\n﴿أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً (١١)﴾: و\" ناخرة \" هما لغتان (٧).\nوالمعنى: بالية عَفِنَة.\nوقيل: ناخرة متجوِّفة بنخر إذا مَرَّتْ عليها الريح.\nونَخِرَةٌ: عَفِنَةٌ (٨).\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٣٤)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٥/ ٨٩).\n(٢) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٣٤)، النُّكت والعيون (٦/ ١٩٥).\n(٣) البيت لم أقف على قائله. [انظر: جامع البيان (٣٠/ ٣٣)، المحرر الوجيز (٥/ ٤٣٢)، لسان العرب (٤/ ٢٠٤)، مادة \" حَفَر \"].\n(٤) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٣٣).\n(٥) في (ب) \" في طريق \".\n(٦) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٣٠٢).\n(٧) قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وحفص عن عاصم ﴿نَخِرَة﴾ بغير ألف، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبى بكر ﴿نَاخِرَة﴾ بألف. [انظر: السَّبعة (ص: ٦٧٠)، معاني القراءات (ص: ٥٢٦)، الحُجَّة (٦/ ٣٧١)].\n(٨) انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ٢٣١)، جامع البيان (٣٠/ ٣٤).","vol":"1","page":3506},{"text":"أبو عمرو: \" الناخرة التي لم تُنْخَرْ بعد، والنَّخِرة التي قد بليت \" (١).\n﴿قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ (١٢)﴾: ذات خسران، أي: أهلها خاسرون.\nوقيل: ﴿خَاسِرَةٌ﴾ باطلة لا تكون. ثم أخبر عن سهولة البعث فقال:\n﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣)﴾: يعني النفخة الآخرة (٢).\nالحسن: \" غضب واحد \" (٣).\n﴿فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤)﴾: قيل: بظاهر الأرض (٤).\nأبو عبيدة: \" السَّاهرة: الفلاة ووجه الأرض \" (٥).\nالحسن: \" المكان المستوي \" (٦).\nوهب بن المنبه: \"هي أرض بعينها في الشام إلى جنب (٧) بيت المقدس \" (٨).\nوعنه أيضًا: \"جبل ببيت المقدس \" (٩).\nوعن ابن عباس - ﵄ - \" السَّاهرة \": أرض مكة \" (١٠).\nقتادة: \" هي اسم من أسماء جهنم \" (١١).\nالفرَّاء: \" سميت الأرض ساهرة؛ لأنه (١٢) يسهر فيها ولا ينام \" (١٣) (١٤).\n_________\n(١) انظر: تفسير السَّمعاني (٦/ ١٤٨)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ١٩٠).\n(٢) في (أ) \" الأخرى \".\n(٣) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ١٩٦)، تفسير القرآن العظيم (٤/ ٤٩٨).\n(٤) انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ٢٣٢)، جامع البيان (٣٠/ ٣٥).\n(٥) انظر: مجاز القرآن (٢/ ٢٨٥).\n(٦) لم أقف عليه من قول الحسن، وقد جاء عن مجاهد أيضًا [انظر: جامع البيان (٣٠/ ٣٧)، تفسير القرآن العظيم (٤/ ٤٩٨)].\n(٧) في (ب) \" إلى حيث \".\n(٨) لم أقف عليه من قول وهب، وقد جاء بمعناه عن عثمان بن أبي عاتكة [انظر: جامع البيان (٣٠/ ٣٧)، النُّكت والعيون (٦/ ١٩٧)].\n(٩) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٣٨)، النُّكت والعيون (٦/ ١٩٧).\n(١٠) انظر: المحرر الوجيز (٥/ ٤٣٣).\n(١١) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٣٨)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٥/ ٩٠).\n(١٢) في (أ) \"لأنها \".\n(١٣) في (ب) \" وينام \".\n(١٤) انظر: معاني القرآن (٣/ ٢٣٢).","vol":"1","page":3507},{"text":"ابن عيسى: \" أرض القيامة، وسميت ساهرة كالفلاة، سميت ساهرة: لأنه يُسهر فيها خوفًا منها \" (١).\nوقيل: \"سميت أرض القيامة \" السَّاهرة \": لكثرة ما توطؤ (٢) باجتماع الخلائق. كما قال:\nإذا نحن سرنا بين شرقٍ ومغرب ... تحرك يقظانُ التراب ونائمه (٣) (٤)\nوقيل: سميت الأرض ساهرة؛ لأن عملها في النبات (٥) ليلًا كعملها نهارًا (٦).\n﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (١٥) إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ﴾: هذا استفهام يتضمن التنبيه على أنَّ هذا مما يجب أن يعلم، ويتضمن التشريف للمخاطب به والحث على استماعه.\nوقيل: بمعنى قد أتاك. وقد سبق.\nوقيل: هذا أول قصة موسى - ﵇ -.\n﴿حَدِيثُ مُوسَى﴾ ما حُدِّث وعُومل به حين ناداه.\n﴿بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ﴾: من ناحية الشام.\n﴿طُوًى (١٦)﴾: هو اسمه (٧).\nمَنْ صَرفَه جعله اسمًا لموضع أو صفة،كقوله: ﴿مَالًا لُبَدًا﴾ [البلد: ٦].\n_________\n(١) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٣٠٣)، ولم ينسبه لابن عيسى.\n(٢) في نسخة (ب) \" يوطء \".\n(٣) انظر البيت: غرائب التفسير (٢/ ١٣٠٣)، المفردات (ص: ٤٣٠)، مادة \" سَهِرَ \"، روح المعاني (٣٠/ ٢٨).\n(٤) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٣٠٣)، المفردات (ص: ٤٣٠)، مادة \" سَهِرَ \".\n(٥) في (ب) \" في البيات \".\n(٦) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٣٠٣). قال ابن كثير: \" وهذه الأقوال كلها غريبة، والصحيح أنها الأرض وجهها الأعلى \" [تفسير القرآن العظيم (٤/ ٤٩٨)].\n(٧) على الصحيح من الأقوال. [انظر: جامع البيان (٣٠/ ٣٨)، تفسير القرآن العظيم (٤/ ٤٩٩)].","vol":"1","page":3508},{"text":"ومن لم يصرفه جعله اسم بقعة، أو معدولًا كعمر وزفر (١).\nوقيل: معنى طوى مرتين، أي: قدّس مرتين.\nوقيل: نودي مرتين (٢).\nوقُرِئَ بالكسر في الشاذ (٣)، وهو بمعنى: مرتين لا غير.\nوقيل: طُوىً: ليلًا، كما تقول: جئتك بعد طوى من الليل (٤).\nابن عباس - ﵄ -: \" طوى: بالعبرية يا رجل \" (٥).\nالسُّدي: \" طوى\": جوعًا، أي: ذا جوع \" (٦).\n﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ﴾: متعلق (٧) بالنداء، محمول على معنى القول؛ لأن النداء قول. وقيل: تقديره: بأن اذهب إلى فرعون (٨).\n﴿إِنَّهُ طَغَى (١٧)﴾: تجاوز (٩) الحد في الكفر والفساد.\n﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨)﴾: أي: هل لك ميل وحاجة إلى أن تصير زاكيًا طاهرًا عن العيب والدنس بترك العصيان والرجوع إلى الله (١٠).\n_________\n(١) قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ﴿طُوَىْ اذْهب﴾ غير منونة، وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي ... ﴿طُوًى (١٦) اذْهَبْ﴾ منونة. [انظر القراءة وتوجيهها: جامع البيان (٣٠/ ٣٩)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٢١٦)، السَّبعة ... (ص: ٦٧١)، الحُجَّة (٦/ ٣٧٢)].\n(٢) انظر: جامع البيان (١٦/ ١٤٥)، النُّكت والعيون (٦/ ١٩٧)، المحرر الوجيز (٤/ ٣٩).\n(٣) أي: ﴿طِوَى﴾، وهي قراءة الحسن. [انظر: جامع البيان (٣٠/ ٣٩)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٥/ ٩٠)].\n(٤) انظر: جامع البيان (١٦/ ١٤٥).\n(٥) انظر: غرائب التفسير (١/ ٧١٢).\n(٦) لم أقف عليه.\n(٧) في (ب) \" يتعلق \".\n(٨) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٣٩)، البحر المحيط (١٠/ ٣٩٨).\n(٩) في (ب) \" يجاوز \".\n(١٠) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٣٩)، تفسير السَّمرقندي (٣/ ٥٢١).","vol":"1","page":3509},{"text":"ابن عيسى: \" التزكي طلب الزَّكاء، وهو النمو في الخير (١) \" (٢).\n﴿وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (١٩)﴾: أدلك على ما إذا فعلته كنت من الذين يخشونه، أي: يعظمونه باجتناب المعصية ولزوم الطاعة.\nوقيل: أعرفك صفات ربك فأدلك على معرفته فتخشى من عذابه إذا عرفته.\n﴿فَأَرَاهُ الْآَيَةَ الْكُبْرَى (٢٠)﴾: تقديره فذهب فأراه.\nو﴿الْآَيَةَ الْكُبْرَى﴾ قيل: هي العصا.\nوقيل: هي اليد البيضاء. وقيل: جميع الآيات التي بعث بها (٣).\nويحتمل أن فاعل فأراه هو الله؛ لانقطاع الكلام الأول (٤).\n﴿فَكَذَّبَ﴾: فرعون موسى ﴿وَعَصَى (٢١)﴾ فعصى (٥) الله ولم يطعه.\nوقيل: ازداد بتكذيبه على معاصيه معصيةً.\n﴿ثُمَّ أَدْبَرَ﴾: عن طاعة الله وإتباع موسى - ﵇ -.\n﴿يَسْعَى (٢٢)﴾: في إبطال الدين والنبوة.\nوقيل: لما رأى الحية بعظمها (٦) خاف، فأدبر بسعي يشتد في الإدبار.\n﴿فَحَشَرَ﴾: جنوده، أي: جمعهم.\n﴿فَنَادَى (٢٣)﴾: بصوت رفيع.\n﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤)﴾: أي: أعلى كلَّ علاء (٧) قدرة وسلطانًا.\n_________\n(١) في (أ) \" طلب الزكاء، والزكاء النمو في الخير \".\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٣٩)، تفسير السَّمرقندي (٣/ ٥٢١)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ١٩٣).\n(٤) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٣٠٤).\n(٥) \" فعصى \" ساقطة من (ب).\n(٦) في (أ) \" في عظمها \".\n(٧) في (ب) \" كل عليٍّ \".","vol":"1","page":3510},{"text":"وقيل: تقديره: فنادى فحشر السحرة ليغلب بهم موسى (١).\n﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآَخِرَةِ وَالْأُولَى (٢٥)﴾: عذبه وعاقبه.\nوالنكال: عذاب ينكل لكل (٢) من رآه عن الإقدام علي المعصية خوفًا من مثله (٣).\nونصب (٤) على المصدر؛ لأن في الأخذ معنى النكال (٥).\nابن عباس ومجاهد: \" الأولى، قوله: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ القصص: ٣٨]. والآخرة قوله: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤)﴾ [النازعات: ٢٤].\nوبينهما أربعون سنة \" (٦).\nالحسن وقتادة: \"نكل به (٧) في الدنيا بالغرق، وفي الآخرة بالنار \" (٨).\nوقيل: هما قوله: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر: ٤٦]، أي: في الدنيا، ويوم تقوم الساعة.\nوقيل: أول أعماله (٩) وآخرها (١٠).\n﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾: أي: فيما فعل بموسى.\n﴿لَعِبْرَةً﴾: عظة ﴿لِمَنْ يَخْشَى (٢٦)﴾: يخاف أن يعاقب.\nوقيل: أن فيما قصصناه عبرة لمن يخشى الله.\n_________\n(١) فيكون في الكلام تقديمًا وتأخيرًا. [انظر: المحرر الوجيز (٥/ ٤٣٣)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ١٩٤)].\n(٢) \" لكل \" ساقطة من (ب).\n(٣) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٣٠٤)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ١٩٤).\n(٤) في (أ) \" ونصبه \".\n(٥) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٢١٧)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ١٩٤).\n(٦) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٤١)، النُّكت والعيون (٦/ ١٩٨)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ١٩٤).\n(٧) في (ب) \" تلك به \".\n(٨) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٤٢)، النُّكت والعيون (٦/ ١٩٨)، تفسير البغوي (٨/ ٣٢٩).\n(٩) في (ب) \" أعمالها \".\n(١٠) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٤٢)، المحرر الوجيز (٥/ ٤٣٤)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ١٩٤).","vol":"1","page":3511},{"text":"وقيل: يخشى الله، بمعنى يعلم الله.\n﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ﴾: رجع في الكلام إلى مُنْكِري (١) البعث، فقال: أأنتم أصعب أن تخلقوا في تقديركم، أم السماء بعظمها وكثرة أجزائها فمن قدر على خلقها، قدر على إعادتكم وإنشائكم.\n﴿بَنَاهَا (٢٧)﴾: أي: بنى الله السماء ورصفها بالبناء.\nوقوله: ﴿بَنَاهَا﴾ عند الزجاج صلة، وتقديره: التي بناها \" (٢)، وهذا بعيد لا يجوز حذف الموصول وإقامة الصلة مقامه.\nوقيل: حال من السماء، وفيه أيضًا بعد.\nوقيل: استئناف. وهو الصواب.\nوتقدير الآية: أم السماء أشدُّ خلقًا.\n﴿رَفَعَ سَمْكَهَا﴾: بعَّدَ ما بينها وبين الأرض ﴿فَسَوَّاهَا (٢٨)﴾: جعل أجزاءها متلائمة، لا سقوف فيها ولا فطور (٣) (٤).\n﴿وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا﴾: أظلمها، والغطش: الظلمة، والأغطش: الذي لا يبصر (٥).\n﴿وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩)﴾: أظهر النهار بإخراج الشمس عند مغيبها، وأصل الضحى من البروز، تقول: ضحى الشمس إذا برز لها (٦).\nوأضاف الليل والضحى إلى السماء؛ لأن منها ضياء النهار، ومنها ظلمة الليل بزوال الضياء (٧).\n_________\n(١) في (ب) \" على منكري \"\n(٢) انظر: معاني القرآن (٥/ ٢١٧).\n(٣) في (ب) \" ولا قطوف \".\n(٤) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٤٣)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ١٩٥).\n(٥) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٤٣)، تفسير الثعلبي (١٠/ ١٢٧)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ١٩٥).\n(٦) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٤٤)، البحر المحيط (١٠/ ٤٠٠).\n(٧) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٤٣)، النُّكت والعيون (٦/ ١٩٩).","vol":"1","page":3512},{"text":"﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠)﴾: أبو عبيدة: \" بسطها، يقال: دحوت ودحيت بالكرة، أي: قذفها \" (١).\nوقيل: ﴿دَحَاهَا﴾ خرَّبها (٢) وشقها، وكانت الأرض مثل الكرة فلما خلق السماء دحا الأرض (٣).\nوقيل: ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾، أي: مع ذلك كقوله: ﴿بَعْدِكَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (١٣)﴾ [القلم: ١٣]. أي: مع ذلك.\nوقيل: قبل ذلك (٤)، وقد سبق.\nوقيل: تقديره: أأنتم أشدُّ خلقًا أم السَّماء، أأنتم أشد خلقًا أم الأرض بعد ذلك، وانتصاب ﴿الْأَرْضَ﴾ يدفع ذلك التأويل (٥).\n﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا﴾: بتفجير العيون\n﴿وَمَرْعَاهَا (٣١)﴾ قيل: هو الكلأ الذي يرعى.\nوقيل: موضع الرعي.\nوقيل: مصدر، وفيه بعدٌ.\nوقيل: المرعى يعمُّ الأشجار والثمار والزروع (٦).\n﴿وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (٣٢)﴾: أثبتها.\n﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٣)﴾: منفعة لكم ولدوابكم (٧).\n_________\n(١) انظر: مجاز القرآن (٢/ ٢٨٥).\n(٢) انظر: كذا في النُّسختين، وفي التفاسير، \" حرثها وشقَّها \".\n(٣) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٤٧)، النُّكت والعيون (٦/ ١٩٩)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ١٩٧).\n(٤) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٤٥)، النُّكت والعيون (٦/ ١٩٩).\n(٥) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٣٠٤).\n(٦) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٤٧)، غرائب التفسير (٢/ ١٣٠٤)، زاد المسير (٨/ ١٩٧)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ١٩٧).\n(٧) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ٢٣٣)، جامع البيان (٣٠/ ٤٧).","vol":"1","page":3513},{"text":"﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (٣٤)﴾: ﴿الطَّامَّةُ﴾ في اللغة: الداهية الشديدة التي توفي على كل شيء شديد (١)، مشتق من طممت البئر إذا كبستها.\nوالطم: البحر؛ لأنه يعم كل شيء (٢) (٣).\nابن عباس - ﵄ -: \" هي القيامة \" (٤).\nالحسن والزَّجَّاج: \" هي النفخة الثانية (٥) \"؛ لأنها تنسي بشدتها ما تقدم من شدائد ... الدنيا، ولهذا قال: ﴿الْكُبْرَى﴾.\n﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى (٣٥)﴾: أي يذكره الله جميع ما عمله في الدنيا فيتذكر. وقيل: يذكره كتاب الحفظة.\nو\" ما \" مع الفعل في تأويل المصدر، أي سعيه وهو كسبه.\n﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى (٣٦)﴾: أي أظهرت للناظرين فرأوها بعد أن كانوا يسمعون بها.\nوقيل: معنى ﴿لِمَنْ يَرَى﴾: لكل راءٍ ولكل من له عين. والمراد للكل لا للبعض.\n﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى (٣٧)﴾: جاوز الحد في الكفر.\n﴿وَآَثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٣٨)﴾: فلم يسع إلاّ لها.\n﴿فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (٣٩)﴾: أي له، وهذا مذهب سيبويه والبصريين.\nوتقديره عند الكوفيين: هي مأواه فَسَدَّ الألفُ واللامُ مَسَدَّ الإضافة (٦).\n_________\n(١) \" شديد \" ساقطة من (ب).\n(٢) في (أ) \" يضمر كل شيء \".\n(٣) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٤٧)، غريب القرآن؛ للسِّجِّستاني (ص: ٣٢٠)، لسان العرب (١٢/ ٣٧٠)، مادة \" طَمَمَ \".\n(٤) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٤٧)، النُّكت والعيون (٦/ ٢٠٠).\n(٥) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٣/ ٢٠٠)، النُّكت والعيون (٦/ ٢٠٠).\n(٦) انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ٢٣٤)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٢١٨)، معاني القرآن؛ للنَّحَّاس (٥/ ٩٣).","vol":"1","page":3514},{"text":"﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾: أي: مقامه بين يدي ربه، فحذف تخفيفًا للعلم به فإن باب الإضافة باب واسع.\nوقيل: ﴿مَقَامَ رَبِّهِ﴾ مسألة ربه إياه عن عمله.\nوقيل: المقام الذي أعلمه ربه أنه يقوم للحساب (١).\n﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١)﴾: أي المرجع والتقدير هواه ومأواه، كما سبق.\n﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (٤٢)﴾: أي متى زمان كونها وثباتها، استفهام إنكار واستبعاد.\n﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (٤٣)﴾: متصل بالسؤال وتقديره: يسألونك عن الساعة أيَّان مرساها، ويقولون: أين أنت من ذكراها.\nثم استأنف فقال:\n﴿إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا (٤٤)﴾: ويروى عن يعقوب الوقف على ﴿فِيمَ﴾ كأنه جعلها متصلة بالسؤال.\nويجوز أن يكون من كلام الله: أي: فيم تُسأل، أو فيم تَسأل، ثم ابتدأ فقال: ﴿أَمَرَ مِنْ ذِكْرَاهَا﴾ يا محمد أي من أشراطها، كقوله - ﷺ -: «بعثت (٢) أنا والساعة ... كهاتين» (٣).\nوقُرِئَ في الشَّواذِّ ﴿وإنه لَعَلَمٌ للساعة﴾ (٤) على هذا المعنى (٥).\n_________\n(١) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٢٠٠)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ١١٩).\n(٢) \" بعثت \" ساقطة من (ب).\n(٣) أخرجه البخاري في كتاب: الرقاق، بابٌ: قول النبي - ﷺ -: «بعثت أنا والساعة كهاتين»، برقم (٦٥٠٤)، ومسلم في كتاب الفتن، باب: قُرب الساعة، برقم (٧٣٣٠)، كلاهما عن أنس بن مالك - ﵁ -.\n(٤) تقدَّم الحديث عنه (ص: ٣٦٠).\n(٥) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٣٠٥)، البحر المحيط (١٠/ ٤٠٢).","vol":"1","page":3515},{"text":"﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا (٤٥)﴾: المعنى إنما ينفع إنذارك من يخشاها ... بعلمها (١) فيخاف شدائدها (٢).\n﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا (٤٦)﴾: أي: إذا صاروا إلى الساعة التي طلبوا معرفة وقتها استقصروا مدّة لبثهم في قبورهم لمّا دفعوا إليه.\nوأضاف الضحى إلى العشية، كما تقول العرب: آتيك صباحًا ومساءً (٣).\nالزَّجَّاج: \" أي: مساء يلي ذلك الصباح \" (٤)، والله أعلم (٥).\n_________\n(١) في (أ) \" يعلمها \".\n(٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ٢٠١).\n(٣) انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ٢٣٤)، جامع البيان (٣٠/ ٤٩).\n(٤) انظر: معاني القرآن (٥/ ٢١٩).\n(٥) \" والله أعلم \" ساقطة من (ب).","vol":"1","page":3516},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-186>سورة عَبَسَ </span>(١)\nاثنتان وأربعون آية (٢) (٣) مكية (٤)\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n﴿عَبَسَ﴾: قطب وجهه تكرُّهًا، يعني النبي - ﷺ -.\n﴿وَتَوَلَّى (١)﴾: أعرض.\n﴿أَنْ جَاءَهُ﴾: لأن جاءه ﴿الْأَعْمَى (٢)﴾: هو عبد الله بن أم مكتوم، وأم مكتوم اسم: أم أبيه، واسم أبيه: زائدة. وقيل: شريح (٥)، وذاك أن النبي - ﷺ - كان يدعو أشراف قريش، فأتاه عبد الله يكلمه ويسأله عن أمر يتعلق بالدِّين، وكان قد أسلم، فَكَرِه النبي - ﷺ - قطعَ كلامه مَنْ كان يدعوه وظهرت كراهةُ ذلك في وجهه، وأعرض عنه، فرجع عبد الله محزونًا\n_________\n(١) وهو اسمها المشهور لقوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١)﴾، وبه سُمِّيت في المصاحف والتفاسير وكتب السُّنن، وتسمى سورة الصاخة، وسورة السفرة، وسميت في غير كتاب سورة الأعمى. [انظر: بصائر ذوي التمييز (١/ ٥٠١)، روح المعاني (١٥/ ٢٤١)، التَّحرير والتنوير (٣٠/ ١٠١)].\n(٢) (\" ... (اثنان وأربعون آية \" ساقط من (ب).\n(٣) في عدِّ الجميع عدا البصري والشامي، فهي عندهم أربعون آية، [انظر: التبيان (ص: ٢٦٤)، جمال القُرَّاء (٢/ ٥٥٤)].\n(٤) وهو بإجماع من المفسرين. [انظر: النكت والعيون (٦/ ٢٠٢)، المحرر الوجيز (٥/ ٤٣٦)].\n(٥) ابن أم مكتوم: اختلف في اسمه، فقيل: عمرو بن قيس بن زائدة بن الأصم القرشي، وقيل: عبد الله ... ابن قيس، وقيل: عبد الله بن عمرو. والأول أشهر، وأمُّه أمُّ مكتوم: عاتكة بنت عبد الله بن عنْكَثَةَ بن عامر ابن مخزوم، وكان - ﵁ - من السابقين المهاجرين، قدم المدينة مع مصعب بن عمير - وقيل بعده - قبل هجرة رسول - ﷺ -، وقيل: بعد بدر بيسير، وكان النبي - ﷺ - يحترمه ويستخلفه على المدينة في عدد من غزواته وكان - ﵁ - ضريرًا، ومؤذنًا لرسول الله - ﷺ - مع بلال - ﵁ -، شهد القادسية معه الراية واستشهد فيها، وقيل: رجع إلى المدينة فمات بها، وقيل: لم يسمع له بذكر بعد عمر بن الخطاب - ﵁ -. [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: الاستيعاب (٣/ ٢٧٦)، أسد الغابة (٣/ ٢٥١)، سير أعلام النبلاء (١/ ٣٦٠)].","vol":"1","page":3517},{"text":"خائفًا أن يكون عبوسه وإعراضه عنه إنما هو (١) لشيء أنكره الله منه، فعاتب اللهُ نَبِيَّهُ وأنكر عليه فعله بهذه الآيات (٢).\nقال الأصم: \" بقي النبي - ﷺ - وجهه كالرماد حزنًا ينتظر ماذا يحكم الله عليه فيما عاتبه، فلما نزل ﴿كَلَّا﴾ سُرِّي عنه؛ لأن معناه لا تفعل ذلك بعد هذا \" (٣).\nوذكر المبرد: \"بلغنا أن رسول الله - ﷺ - لما قام أُخِذَ ببصره حتى كان يُصادم جُدُر مكة \" (٤).\nوقيل: كان ذلك ساعة.\nوقيل: بقي سبع ساعات (٥).\nوكان رسول الله - ﷺ - بعد ذلك يبالغ في إكرامه ويبسط له رداءه ويقول له: «مرحبًا بمن عاتبني الله فيه» (٦).\nواستخلفه على المدينة عند غزوه مرتين يخلفه في الإمامة ويؤذن له (٧).\n﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣)﴾: أخبر عن نيته في العبوس ولم يخاطبه معاتبةً له (٨).\nوقيل: تعظيمًا لحرمته.\nثم عاد إلى خطابه فقال: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾ أي: أنك لا تدري لعل هذا (٩) الذي أعرضت عنه أكرم عند الله (١٠)؛ لأنه ﴿يَزَّكَّى﴾ أي: يطلب أن يكون زكيًِّا بالعمل الصالح.\n_________\n(١) في (ب) \" أنا هو \".\n(٢) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٥٠)، تفسير ابن أبي حاتم (١٠/ ٣٣٩٩)، تفسير السَّمرقندي (٣/ ٥٢٤)، أسباب النزول؛ للواحدي (ص: ٣٦٥).\n(٣) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٣٠٧).\n(٤) انظر: المرجع السابق.\n(٥) انظر: المرجع السابق.\n(٦) لم أقف على تخريجه، وقد جاء من طريق الثوري، وقد أورده بعض المفسرين. [انظر: تفسير الثعلبي (١٠/ ١٣١)، أسباب النزول (ص: ٣٦٥)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ٢٠٣)].\n(٧) انظر: أسد الغابة (٣/ ٢٧٦)، سير أعلام النبلاء (١/ ٣٦١).\n(٨) في (أ) \" معاينة له \".\n(٩) في (أ) \" لعل الله هذا \".\n(١٠) في (ب) \" إكرام عند الله \".","vol":"1","page":3518},{"text":"والزاكي: النامي في الخير.\n﴿أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (٤)﴾: يتعظ بما يتعلمه منك فينفعه ذلك.\nالرفع على العطف والنصب على جواب التَّرَجِّي (١) (٢).\nوعطف بـ ﴿أَوْ﴾ لأن التَّزكي أعلى درجةً من التذكر، والتذكر دونه فكأنه أراد مرتبةً دون مرتبة.\nوقيل: ﴿أَوْ﴾ هاهنا بمعنى الواو (٣).\nثم فصّل (٤): ذكر ما عاتبه عليه من توفّره (٥) على الكافر الغني حرصًا على استمالته وغُفوله عن المؤمن الفقير استهانةً به فقال:\n﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦)﴾: تتعرض له بالتوقير والإكرام.\nوالتصدي: التعرض للشيء على حرص كتعرض الصديان للماء (٦).\n﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (٧)﴾ أي: لا حرج عليك ولا يضرك أن لا يؤمن هذا ... الكافر، وإنما عليك البلاغ.\n﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨)﴾: للإيمان.\n﴿وَهُوَ يَخْشَى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (١٠)﴾: تغفل.\n﴿كَلَّا﴾: ارتدع عن هذا ولا تفعله؛ فإنه غير مرضي عند الله.\n_________\n(١) في (ب): \" الترخي \".\n(٢) يشير المؤلِّف - ﵀ - إلى توجيه القراءتين في الآية، فقد قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي وابن عامر ﴿فَتَنْفَعُه﴾ برفع العين، وقرأ عاصم وحده ﴿فَتَنْفَعَهُ﴾ بنصب العين. [انظر: جامع البيان (٣٠/ ٥٢)، السَّبعة (ص: ٦٧٢)، معاني القراءات (ص: ٥٢٨)].\n(٣) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٣٠٨).\n(٤) في (أ) \" ثم فضل \".\n(٥) في (أ) \" توقره \".\n(٦) في (أ) \" حرص ليعرض الصديان على الماء \".","vol":"1","page":3519},{"text":"وقيل: هو بمعنى حقّا. وقيل: بمعنى ألا.\n﴿إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢)﴾\nالزَّجَّاج: \" هذه المواعظ التي وعظ بها النبي - ﷺ - \" (١).\nوذُكِّر حملًا على الوعظ.\nالفرّاء: \" إنَّ هذه السورةَ تذكرةٌ \" (٢)، أي: تذكير، فمن شاءَ ذكره.\nوقيل: إن آياتِ القرآن تذكرةٌ، فمن شاء ذكره: أي: القرآن.\n﴿فِي صُحُفٍ﴾: أي، في (٣) اللوح المحفوظ، وهي صحيفة، وكلُّ مكتوبٍ عند العرب صحيفةٌ.\n﴿مُكَرَّمَةٍ (١٣)﴾: أي: عند الله.\nوقيل: مكرَّمةٌ بما جَعل فيها من العلم والحكمة.\n﴿مَرْفُوعَةٍ﴾: رفيعة القدر.\n﴿مُطَهَّرَةٍ (١٤)﴾: لا يمسُّها إلا طاهر.\nوقيل: مطهرةٌ عن تنالها (٤) أيدي الكفار.\nوقيل: مطهرةٌ لا يكونُ فيها ما ليس من كلام الله، فهو الوحي الخالص والحقُّ المحض.\n﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥)﴾: ملائكة لأنهم يسفرون بين الله ورسله بالوحي.\nابن عباس: \" كتَبَة \"؛ لأنهم موكلون بحفظ كتب الله وهي الأسفار \" (٥).\nوقيل: السَّفرة الأنبياء.\nوقيل: هم الصحابة.\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن (٥/ ٢٢١).\n(٢) انظر: معاني القرآن (٣/ ٢٣٦).\n(٣) \" في \" ساقطة من (ب).\n(٤) في (ب) \" عن أن ينالها \". وهي الصواب.\n(٥) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٥٣)، النُّكت والعيون (٦/ ٢٠٤).","vol":"1","page":3520},{"text":"وقيل: المؤمنون (١).\n﴿كِرَامٍ﴾: أي على الله.\nوقيل: ﴿كِرَامٍ﴾ عن المعاصي، من قوله: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (٧٢)﴾ [الفرقان: ٧٢].\n﴿بَرَرَةٍ (١٦)﴾: صادقين.\nجمع بار قياسًا، والمستعمل بَرّ وبَرّة (٢).\nوقيل: السفرة من الملائكة: هم الذين يكتبون، والبررة: الذين لا يكتبون.\n﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ﴾: لعن وعذب، وقيل: هذا تعليم، أي: قولوا: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ﴾ وهو: عتبة بن أبي لهب بعينه، وذلك أنه قال: كفرتُ برب النجم إذا هوى، فقال النبي - ﷺ - (٣): «اللهم سلط عليه كلبًا من كلابك، فأخذه الأسد في طريق الشام» [كما سبق في سورة النَّجم (٤)] (٥).\n﴿مَا أَكْفَرَهُ (١٧)﴾: قيل: استفهامٌ (٦) أي: أي شيء حمله على الكفر.\nوقيل: معناه التعجب، والله ﷾ لا يتعجب؟ (٧) (٨).\n_________\n(١) والصحيح أنهم الملائكة. [انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ٢٣٦)، جامع البيان (٣٠/ ٥٤)].\n(٢) انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ٢٣٧)، جامع البيان (٣٠/ ٥٤).\n(٣) في (أ) \" فقال - ﷺ - \".\n(٤) انظر: (ص: ٦٧٢).\n(٥) ما بين المعقوفتين ساقط من (ب).\n(٦) في (ب) \" قيل: الاستفهامُ \".\n(٧) في هامش (ب) \" أي أعجبوا من كفره مع أنه يعلم من أي شيء خلقه \".\n(٨) ما أورده المؤلف من القول: \" معناه التعجب، والله ﷾ لا يتعجب \" والصحيح أن صفة العجب صفة ثابتة لله تعالى بالكتاب والسُّنة على ما يليق بجلاله ﵎. قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: \" وأمَّا قوله: \" التعجب استعظام للمتعجب منه \"، فيقال: نعم. وقد يكون مقرونًا بجهلٍ بسبب التعجب، وقد يكون لما خرج عن نظائره، والله تعالى بكل شيء عليم، فلا يجوز عليه أن لا يعلم سبب ما تعجَّب به؛ بل يتعجب لخروجه عن نظائره تعظيمًا له، والله تعالى يعظم ما هو عظيم؛ إمَّا لعظمة سببه، أو لعظمته ...، ولهذا قال تعالى: ﴿بل عجبتُ ويسخرون﴾ على قراءة الضمِّ، فهنا هو عجب من كفرهم مع وضوح الأدلة \". [انظر: مجموع الفتاوى (٦/ ١٢٣)، شرح العقيدة الواسطية؛ للهرَّاس (ص: ١٦٨)، صفات الله تعالى (ص: ١٧٥)].","vol":"1","page":3521},{"text":"ولكن المعنى هذا موضع التعجب لمن يتعجب (١)، وكقوله: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (١٧٥)﴾ [البقرة: ١٧٥] (٢).\n﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨)﴾: هذا تقرير وتنبيه على القدرة.\n﴿مِنْ نُطْفَةٍ﴾: كلام كافٍ.\n﴿خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩)﴾: أي: أحوالًا، نطفة، ثم علقة، إلى آخر تمام الخلقة.\nالزَّجَّاج: \"خلقه (٣) على استواء،من قوله ﴿ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (٣٧)﴾ [الكهف: ٣٧] \" (٤).\nوقيل: قدّره على هذه الصورة التي عليها.\nوقيل: ﴿فَقَدَّرَهُ﴾ أي: جعله قادرًا.\n﴿ثُمَّ السَّبِيلَ﴾: طريق الدين.\nوقيل: طريق خروجه من بطن أمِّه (٥).\n﴿يَسَّرَهُ (٢٠)﴾: يَسَّرَ له، فحذف الجار.\n﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١)﴾: جعل له قبرًا يوارى فيه، ولم يجعله مما يُطرح للسباع أو يُلقى في النواويس (٦).\n_________\n(١) في (ب) \" لمن يعجب \".\n(٢) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٢٢١).\n(٣) \" خلقه \" ساقطة في (ب).\n(٤) انظر: معاني القرآن (٥/ ٢٢٢).\n(٥) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٥٥)، النُّكت والعيون (٦/ ٢٠٦).\n(٦) النَّاوُوسُ: مقابر النصارى [لسان العرب (٦/ ٢٤٥)، مادة \" نَوَسَ \"]، وقال ابن عاشور: \" جمع ناووس صندوقٌ من حجر أو خشبٌ يوضع فيه الميت \" [التحرير والتنوير (٣٠/ ١٢٤)].","vol":"1","page":3522},{"text":"وقيل: أقبره، أمرَ بأن يقبر كما تقول: أبعت (١) الفرس (٢).\n﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢)﴾: أحياه، تقول: أنشر الله الميت، فنشر.\nوقيل: أحياه في قَبره.\n﴿كَلَّا﴾: ردع عن الكفر.\n﴿لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ (٢٣)﴾: مجاهد: \" لا يقضي أحدٌ أبدًا ما افترض عليه \" (٣).\nالفرَّاء: \"لم يقضي بعض ما أمر الله تعالى \" (٤)، وتقديره: أمره به، فحذف الجار، ثم حذف أحد الهائين، والأولى بالحذف ضمير الموصول.\n﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ﴾: أي: هذا الذي يستبعد الإعادة.\n﴿إِلَى طَعَامِهِ (٢٤)﴾: وليأمل قدرتنا في ابتدائه وإتمامه.\nوقيل: فلينظر الإنسان إلى طعامه عند خروجه من بطنه كيف كان ثم كيف صار؛ ليعلم أنه محل الأقذار، فلا يطغى.\nوقيل: ليستدل على استحالة الأجسام فلا ينسى (٥).\nوعن الحسن: \"وُكِلَ بابن آدم ملك يثني رقبته في الخلاء؛ لينظر ماذا يخرج منه \" (٦).\n﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥)﴾: الكسر: على الاستئناف، والفتح: على العلة (٧).\n_________\n(١) في (ب) \" أتعب \".\n(٢) انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ٢٣٧)، تفسير الثعلبي (١٠/ ١٣٢)، النُّكت والعيون (٦/ ٢٠٦).\n(٣) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٥٦)، النُّكت والعيون (٦/ ٢٠٦).\n(٤) انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ٢٣٨).\n(٥) انظر: تفسير الثعلبي (١٠/ ١٣٢)، النُّكت والعيون (٦/ ٢٠٦)، غرائب التفسير (٢/ ١٣٠٩).\n(٦) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٢٠٧)، تفسير السَّمعاني (٦/ ١٦٠).\n(٧) يشير إلى كسر الهمزة وفتحها، فقد قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر ﴿إنَّا صَبَبنا﴾ بكسر الألف، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي ﴿أَنَّا صَبَبْنَا﴾، بفتح الألف. [انظر: جامع البيان (٣٠/ ٥٧)، السَّبعة (ص: ٦٧٢)، معاني القراءات (ص: ٥٢٨)].","vol":"1","page":3523},{"text":"الحُجَّة: \" الفتح: بدل اشتمال من الطعام \" (١).\nويحتمل أنه بمعنى كيف، فيجوز فيه الإمالة (٢).\nوالمعنى: صببنا من السماء الماء على السحاب، ثم أنزلناه من السحاب قطرة قطرة.\nوقيل: الصَّب يستعمل في القليل والكثير.\n﴿ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦)﴾: بالنبات.\n﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧)﴾: هو ما يقتات به.\n﴿وَعِنَبًا﴾: ثمرة الكرم.\n﴿وَقَضْبًا (٢٨)﴾: هو الرَّطْبة (٣).\nالحسن: \" المراد بالقضب العلف \" (٤).\n﴿وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠)﴾: غلاظ الأشجار (٥).\nقتادة: \" الغُلْب: الكَرْم من الشجر \" (٦).\nالزَّجَّاج: \" متكاثفة عظامًا \" (٧).\n﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١)﴾: الأبُّ: كل ما رعاه الأنعام.\nوقيل: الأبُّ: المرعى ما كان رطبًا.\nوقيل: الفاكهة: الرطب من الثمار، والأبّ: اليابس منها.\n_________\n(١) انظر: الحُجَّة؛ لأبي علي الفارسي (٦/ ٣٧٨).\n(٢) وهذا على معنى من قرأ في الشواذ كالحسين بن علي ﴿أنى﴾. [انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٣٠٩)، المحرر الوجيز (٥/ ٤٣٩)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ٢١٠)].\n(٣) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٤٥٣)، جامع البيان (٣٠/ ٥٧).\n(٤) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٥٧)، تفسير الثعلبي (١٠/ ١٣٣).\n(٥) انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ٢٣٨)، جامع البيان (٣٠/ ٥٧).\n(٦) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٥٨)، تفسير الثعلبي (١٠/ ١٣٣).\n(٧) انظر: معاني القرآن (٥/ ٢٣٢).","vol":"1","page":3524},{"text":"وقيل: الأبّ: ما لان من الثمار (١).\nوعن ابن عباس - ﵄ - أنه قال: بين يدي عمر - ﵁ -: \" نبات الأرض سبعة فقال عمر: ما أفهم ما تقول، فقال: ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١)﴾ مرعى الأنعام. فقال: هكذا فتكلموا كما تكلم هذا الفتى. حكاه النحاس (٢).\n﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٢)﴾\n﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ (٣٣)﴾: ابن عباس - ﵄ -: \" اسم من أسماء القيامة \" (٣).\nعكرمة: \" النفخة الأولى \" (٤).\nالزَّجَّاج: \"الصيحة التي يحي (٥) الناس عندها \" (٦).\nالحسن: \" يصخّ لها كل شيء، أي يصمت \" (٧).\nوقيل: سميت صاخّة؛ لأنها تصخُّ الآذان فلا يسمع إلاّ ما دعي إليه لإحيائها (٨)، والأصخّ: الأصمُّ (٩).\nالمبرد: يقال: صخّ رأسه بصخرة، أي: شدخه، ويقال: صخّت عليهم صاخّة، أي: أتت عليهم داهية أفنتهم \" (١٠).\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٥٩)، تفسير الثعلبي (١٠/ ١٣٣)، النُّكت والعيون (٦/ ٢٠٨).\n(٢) انظر: إعراب القرآن (٥/ ٩٦).\n(٣) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٦١)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٥/ ٩٦).\n(٤) انظر: إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٥/ ٩٦).\n(٥) في (ب) \" تحيي الناس \".\n(٦) انظر: معاني القرآن (٥/ ٢٢٣).\n(٧) انظر: إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٥/ ٩٦)، النُّكت والعيون (٦/ ٢٠٩)، وفيهما بلفظ \" يصيخ \".\n(٨) في (ب) \" ما دعي إليه به لإحيائها \".\n(٩) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٢٣٢)، تفسير السَّمعاني (٦/ ١٦١)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ٢١٣).\n(١٠) لم أقف عليه.","vol":"1","page":3525},{"text":"﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦)﴾: لإتيان ما يشغله عنهم.\nوقيل: يهرب منهم مخافة أن يتوجه عليه لأحدهم حقٌّ عليه فيطالبه ولا يحابيه.\nوقيل: يهرب منهم كي لا يرى ما ينزل بهم.\nوقيل: ليس ثمَّ فرار، وإنما المعنى لا يهمه أمر أقربائه لشدة ما ينوبه (١).\nويحتمل أن في هذا الترتيب فائدة وهي: أن هذا مثل ضُرب في حق الأقرب فالأقرب رؤية واتصالًا ومعرفة، والمراد بالأخ: التوأم فإنه يري الجنين في بطن أمه قبل كل أحد، ثم يرى أمه بعد الولادة، ثم أباه، ثم صاحبته، ثم بنيه (٢). والله أعلم.\n﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧)﴾: يكفيه عن زيادة عليه (٣).\nوقرئ ﴿يَعْنَيْه﴾ (٤) أي: لا يعنى معه بغيره.\n﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨)﴾: وجوه المؤمنين مضيئة حسنة بما لها (٥) من الفوز.\n﴿ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩)﴾: لما يرى من النعيم.\nوقيل: ضاحكة من الكفار شماتة وغيظًا (٦).\n﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (٤٠)﴾: ذُكِرَ أنَّ التراب الذي يصير (٧) إليه البهائم يحول غبرة في وجوه الكفرة (٨).\n_________\n(١) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٢٠٩)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ٢١٤).\n(٢) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٣١٠).\n(٣) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٦١).\n(٤) وهي قراءة ابن مُحَيْصِن. [انظر معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ٢٣٨)، المُحتَسب (٢/ ٤١٧) - وفيه يقول ابن جنِّي: \" وهذه قراءة حسنة أيضًا، إلا أنَّ التي عليها الجماعة أقوى معنى، وذلك أنَّ الإنسان قد يَعنيه الشيء ولا يُغْنيه عن غيره \"].\n(٥) في (ب) \" مما لها \".\n(٦) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٢٠٩).\n(٧) \" يصير \" ساقطة من (ب).\n(٨) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٦٣)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٥/ ٩٧).","vol":"1","page":3526},{"text":"﴿تَرْهَقُهَا﴾: تعلو (١) الغبرة ﴿قَتَرَةٌ (٤١)﴾: سواد.\nوالقترة: ظلمة الدخان.\nوالقتار: ريح المرق؛ لارتفاعها مع الدخان (٢).\nابن جرير: \"ما يعلو من الغبار فيلحق بالهواء قترة، وما يعود إلى الأرض فهو غَبَرة \" (٣).\n﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (٤٢)﴾: أي أصحاب الغبرة والقترة، هم الكفار.\nوترك ذكر أصحاب الوجوه الأخرى علمًا بهم. والله أعلم بالصواب (٤).\n_________\n(١) في (ب) \" يعلو \".\n(٢) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٦٣)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٢٢٣)، المفردات (ص: ٦٥٥)، مادة \" قَتَرَ \"، لسان العرب (٥/ ٧٣) مادة \" قَتَرَ \".\n(٣) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٦٣).\n(٤) (\" ... (بالصواب \" ساقطة من (ب).","vol":"1","page":3527},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-187>سورة التَّكوير </span>(١)\nتسع وعشرون آية (٢) (٣) مكية (٤)\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١)﴾: ابن عباسٍ - ﵄ -: \"ذهب ضوؤها \" (٥).\nمجاهد: \" اضمحلت وبطلت \" (٦).\nقتادة: \"غُوِّرت (٧)، وقال: إنه فارسيّ (كوركرد). حكاه سعيد عنه \" (٨).\nالضحاك: \" تكويرها: ذهابها \" (٩).\nالزجاج: \"جُمع ضوؤها، ولُفّت كما تُلف العمامةُ \" (١٠).\nابن عيسى: \" تكويرها تلفيفها على جهة (١١) الاستدارة، تقول: كورت العمامة (١٢)، ومنه كارة القصّار \" (١٣).\n_________\n(١) كذا في أكثر المصاحف والتفاسير، وتُسَمَّى (سورة كُورت) [انظر: بصائر ذوي التميز (١/ ٥٠٣)، التحرير والتنوير (٣٠/ ١٣٩)].\n(٢) \" تسع وعشرون آية \" ساقطة من (ب).\n(٣) وهي تسع وعشرون آية في جميع العدد إلا في عدِّ أبي جعفر فإنها ثمان وعشرون آية، فلم يعد قوله: ... ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (٢٦)﴾ آية. [انظر: البيان؛ للدَّاني (ص: ٢٦٥)].\n(٤) بالإجماع كما حكاه غير واحدٍ من المفسرين. [المحرر الوجيز (٥/ ٤٤١)، زاد المسير (٨/ ٢٠٧)].\n(٥) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٦٤)، تفسير السَّمرقندي (٣/ ٥٢٨).\n(٦) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٦٤)، تفسير الثعلبي (١٠/ ١٣٦).\n(٧) في (ب) \" عُوِّرت \".\n(٨) أي سعيد ابن جبير، [انظر: جامع البيان (٣٠/ ٦٤)، النُّكت والعيون (٦/ ٢١١)، - وفيه بلفظ ... \" كوبكرد \" -، غرائب التفسير (٢/ ١٣١١)].\n(٩) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٦٤)، تفسير السَّمرقندي (٣/ ٥٢٨).\n(١٠) انظر: معاني القرآن (٥/ ٢٢٤).\n(١١) في (أ) \" على وجه \".\n(١٢) في (ب) \" العمارة \" وهو تصحيف.\n(١٣) لم أقف عليه.","vol":"1","page":3528},{"text":"وقيل: التكوير واللف والطيُّ واحدٌ، وقد قال ﷾: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ﴾ الآية [الأنبياء: ١٠٤].\nوفي طيِّها تكوير للشمس (١).\nوقيل: كأنَّها لذهاب ضوئها جُعلت في كارة.\nوقيل: ينزع ضوؤها فيُكَوَّرُ ليلها على نهارها.\nويحتمل أن تكويرها جمعها ولفها مع القمر من قوله: ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ [القيامة: (٩)]، ولهذا لم يذكر القمر في هذه الآيات (٢).\n﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢)﴾: تناثرت وانصبت وتهافتت (٣)، من قول الشاعر:\nآنس خِربان (٤) فضاءٍ فانكدر (٥). . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n[ومثله: ﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ [الانفطار: ٢].\nوقيل: ذهب ضوؤها من كدرت الماء فانكدر] (٦).\n﴿وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (٣)﴾: أي من وجه الأرض، فصارت الأرض كما كانت قبل خلق الجبال.\n_________\n(١) في (أ) \" تكوير الشمس \".\n(٢) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٣١١).\n(٣) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٦٥)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٢٢٤)، النُّكت والعيون (٦/ ٢١١).\n(٤) الخربان: وهو طائرٌ، واحده خرب، وهو ذكر الحبارى. [انظر: غريب القرآن (ص: ١١٣)، لسان العرب (١/ ٣٤٧)، مادة \" خَرِبَ \".\n(٥) البيت للعجاج يصف صقرًا، وقد ورد بروايات مختلفة صدرًا وعجزًا، وتتمته:\nآنس خربان فضاء فانكدر ... داني جناحيه من الطور فمر\n[انظر: جامع البيان (٢٠/ ٦٩) \" وهو لفظ ابن جرير، مجاز القرآن (٢/ ٢٨٧)، لسان العرب (٤/ ٥١٧)، مادة \" ظَفَرَ \"].\n(٦) ما بين المعقوفتين ساقط من (ب).","vol":"1","page":3529},{"text":"﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (٤)﴾: جمع عشراء كالنفاس جمع نفساء، وهي التي أتى على حملها تسعة أشهر، وذلك أحب الأموال إليهم. عَطَّلَها أربابُها، وأهملها أصحابُها لفظاعة ما يحل بهم، وهذا مَثل (١).\nوقيل: العِشار السَّحاب عطلت من المطر (٢).\nوقيل: العِشار الأرض عطلت عن الحرث والزرع (٣).\n﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥)﴾ \" ابن عباس: حشر الوحوش موتها \" (٤).\nوقيل: يحشر في الدنيا فيجمع الوحوش المتعادية فلا يضر بعضها بعضًا من هول ذلك اليوم.\nوقيل: يحشر لتصديق الوعد بالإحياء؛ لأن الله حكم بإحياء كل ميت.\nوجاء في الحديث أنها تحشر للقصاص في الموقف فَيُقْتَصُّ للجمَّاء من القرناء، ثم يصرن ترابًا (٥).\nومنهم من قال: إنَّ القصاص ساقط عنها فلا يؤلم بعضها بعضًا.\nوأمّا ما ينالها من الآلام والشدائد فإنها لا محالة تعوض عنها، ثم إن منهم من يقول: إنها تعوض في الدنيا ومنهم من يقول في الآخرة، ومنهم من يقول في الجنة.\nوقال بعضهم: يخلق الله لها رياضًا فترعى فيها (٦).\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ٢٣٩)، جامع البيان (٣٠/ ٦٦)، النُّكت والعيون (٦/ ٢١٢).\n(٢) انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ٢٣٩)، جامع البيان (٣٠/ ٦٦).\n(٣) في (أ) \" عن المطر \".\n(٤) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٦٧)، النُّكت والعيون (٦/ ٢١٣).\n(٥) أخرج مسلم في صحيحه في كتاب البر والصلة، باب تحريم الظلم، برقم (٦٥٢٣) عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «لَتُؤَدُّنَّ الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء»، وأخرج الحاكم في مستدركه في كتاب التفسير - تفسير سورة الأنعام - (٢/ ٣١٦)، عن أبي هريرة، في قوله: ﷿: ... ﴿أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ قال: «يحشر الخلق كلهم يوم القيامة البهائم، والدواب، والطير، وكل شيء فيبلغ من عدل الله أن يأخذ للجمَّاء من القرناء، ثم يقول: كوني ترابا فذلك «يقول الكافر يا ليتني كنت ترابا» وذكر الحاكم أنه صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.\n(٦) في (ب) \" فيرعى فيها \".","vol":"1","page":3530},{"text":"وقال بعضهم: يُعنى (١) ما ليس لأهل الجنة في لقائها أنسٌ وما كان لهم في لقائها أو صوتها أنس يدخلها الله الجنة (٢) (٣).\n﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (٦)﴾: أُحميت وأُوقدت نارًا، من شدَّدَ أراد مرة بعد أخرى وكذلك ما بعدها إذا قرئ بالتشديد (٤).\nوقيل: معنى ﴿سُجِّرَتْ﴾ مُلئت ففاضت، والسجر: الماء.\nوقيل: يبست وغاضت ولم يبق فيها قطرة.\nوقيل: ﴿سُجِّرَتْ﴾ خلطت، أي: العذب بالمالح وأحميت وجعلت شرابًا لأهل النار. والسَّجير الخليط (٥).\n﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧)﴾: الجمهور: أعيدت الأرواح إلى الأبدان (٦).\n_________\n(١) في (أ) \" يغني \".\n(٢) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٣١٢).\n(٣) قال ابن جرير: \" وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: معنى ﴿حُشِرَتْ﴾ جمعت فأميتت؛ لأنَّ المعروف في كلام العرب من معنى الحشر الجمع \". [جامع البيان (٣٠/ ٦٧)].\n(٤) قرأ ابن كثير وأبو عمرو ﴿سُجِرَتْ﴾ خفيفة، و﴿نُشِّرَتْ﴾ مشدَّدة، و﴿سُعِرَتْ﴾ خفيفة، وقرأ نافع وابن عامر وحفص عن عاصم ﴿سُجِّرَتْ﴾ مُشَدَّدَة، و﴿نُشِرَتْ﴾ خفيفة، و﴿سُعِّرَتْ﴾ مشددة.\nوقرأ حمزة والكسائي ﴿سُجِّرَتْ﴾ و﴿نُشِّرَتْ﴾ مُشَدَّدتين، و﴿سُعِرَتْ﴾ خفيفة، وقرأ أبو بكر عن عاصم ﴿سُجِّرَتْ﴾ مُشَدَّدَة، و﴿نُشِرَتْ﴾ و﴿سُعِرَتْ﴾ خفيفتين. قال الأزهري: \" من شدَّد فللتكثير والتكرير، ومن خَفَّفَ فعلى الفعل الذي لا يتكثر \". [معاني القراءات (ص: ٥٣٠)، وانظر: السَّبعة (ص: ٦٧٣)، الحُجَّة (٦/ ٣٧٩)].\n(٥) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٤٥٥)، جامع البيان (٣٠/ ٦٧)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٥/ ٩٩)، النُّكت والعيون (٦/ ٢١٣).\n(٦) قول المؤلف أنَّ هذا قول الجمهور غير مُسلَّمٍ له إنما هو قول عكرمة والضحاك والشعبي. [انظر: جامع البيان (٣٠/ ٧٠)، تفسير الثعلبي (١٠/ ١٣٩)، النُّكت والعيون (٦/ ٢١٤)].","vol":"1","page":3531},{"text":"وقيل: ألحق كل أحد بجنسه وشكله من قوله: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ ... [الصافات: ٢٢].\nوقيل: يجمع بين المرء وزوجته التي يهويها (١) من قوله ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ (٧٠)﴾ [الزخرف: ٧٠].\nوقيل: هو من قوله: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً﴾ [الواقعة: ٧] ... (٢).\n﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩)﴾: كانت العرب تَئِدُ البنات خشية الإملاق وخوف الاسترقاق (٣).\nو﴿الْمَوْءُودَةُ﴾ هي المدفونة حيةً وسؤالها تهديد لوائدها كما قلنا في قصة عيسى - ﵇ -\n﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ﴾ [المائدة: ١١٦]، أي ينتصف لها ويطلب دمها (٤).\nقتادة: \" الضمير يعود إلى القَتَلَة، أي يسأل القَتَلَةُ لِمَ قتلوها؟ \" (٥).\nوقيل: أراد بـ ﴿الْمَوْءُودَةُ﴾ الوائد (٦).\nوقيل: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ﴾ طلبت حتى تدعي (٧) على الوائد، من قولهم: سألت حقي أي طلبته منه (٨).\n_________\n(١) في (ب) \" يهربها \".\n(٢) انظر: والقول الثاني والرابع بمعنى واحدٍ أي ألحق كل إنسان بمثيله الصالح مع الصالح في الجنة، والعامل بالشِّر مع العامل بالشَّر في النار، وهما قول الفاروق عمر والحسن وقتادة وعكرمة، واختاره الفرَّاء وابن جرير والنحاس، وجمع من المفسرين. [انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ٢٣٩)، جامع البيان (٣٠/ ٦٩)، تفسير الثعلبي (١٠/ ١٣٨)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٥/ ٩٩)، النُّكت والعيون (٦/ ٢١٣)].\n(٣) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٧٢)، النُّكت والعيون (٦/ ٢١٤).\n(٤) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٧٢)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٥/ ٩٩)، النُّكت والعيون (٦/ ٢١٤).\n(٥) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٣١٢).\n(٦) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ٢٤١)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٥/ ٩٩)، غرائب التفسير (٢/ ١٣١٢).\n(٧) في (أ) \" يدعي \".\n(٨) انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ٢٤١)، جامع البيان (٣٠/ ٧١)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٥/ ٩٩)، غرائب التفسير (٢/ ١٣١٢).","vol":"1","page":3532},{"text":"وقرئ في الشواذ على وجوه لا نأخذ بها (١).\n﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (١٠)﴾ كتب الأعمال تنشر (٢) ليقف كل على ما عمله بقراءة كتابه.\nوقيل: ﴿نُشِرَتْ﴾ فرّقت بكثرة فأعطيت أصحابها.\nوقيل: فيكون الكتاب كالذرّة أو الخردلة.\n﴿وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ (١١)﴾: نزعت وطويت.\nوقيل: قلعت كما يقتلع السقف (٣).\nابن عيسى: \" الكشط: القلع عن شدة التزاق (٤) \" (٥).\nوقيل: ينزع ما فيها من الشمس والقمر والنجوم.\n﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (١٢)﴾: أوقدت وألهبت.\nوقيل: سعَّرها غضب الله من خطايا بني آدم (٦).\n﴿وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (١٣)﴾: قُرّبت من مستحقيها.\nوالازدلاف: الإدناء إلى المحبوب.\n﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ (١٤)﴾: هذا جواب ﴿وَإِذَا﴾.\nقال ابن عباس - ﵄ -: إنها اثنتا عشرة (٧)، ست منها في الدنيا، وست منها في الآخرة (٨) \" (٩).\n_________\n(١) انظر: إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٥/ ٩٩) شواذ القراءات (ص: ٥٠٤)، البحر المحيط (١٠/ ٤١٦).\n(٢) في (أ) \" ينشر \".\n(٣) انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ٢٤١)، جامع البيان (٣٠/ ٧٣)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٢٥٥).\n(٤) في (ب) \" الزاق \".\n(٥) لم أقف عليه، وقد أورده بلفظه القرطبي من غير عزوه. [انظر: الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ٢٢٤)].\n(٦) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٢١٥)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ٢٢٤).\n(٧) في (ب) \" عشر \".\n(٨) في (ب) \" الأخرى \".\n(٩) يعني الأوصاف من قوله تعالى: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١)﴾ إلى قوله: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ (١٤)﴾. [انظر: تفسير الثعلبي (١٠/ ١٤١)، زاد المسير (٨/ ٢١٠)].","vol":"1","page":3533},{"text":"والمعنى: أنها يجازى على عملها فتعلمه حاصلًا موجودًا.\nقوله: ﴿مَا أَحْضَرَتْ﴾ جاءت به وفعلته، ويحتمل: حجة (١) وعذر فيما يسأل عنه.\n﴿فَلَا أُقْسِمُ﴾: ﴿لَا﴾ صلة وتأكيد ورد ونفي للأقسام كما سبق.\n﴿بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (١٦)﴾:\nالخُنَّس: جمع خانس، والكُنَّس جمع كانس.\nوالخُنَّس: التأخر، والأخنس: المتأخر الأنف.\nوالكَنَس: الدخول في الكنَّاس، وهو بيت يتخذه الوحوش من أغصان الشجر (٢).\nوالمراد بها النجوم عند أكثرهم، أي: تجري دائمًا، وخنوسها غيبوبتها (٣) نهارًا، وكنسها دخولها مغاربها (٤).\nوقيل: هم الملائكة؛ لأنها تخنس فلا يرى (٥) (٦).\nالفرّاء: \" هي النجوم الخمسة: بهرام، وزحل، وعطارد، والزهرة، وبرجيس أي: المشتري \" (٧).\nابن مسعود - ﵁ -: \" هي بقر الوحش \" (٨).\n_________\n(١) في (ب) \" جيّ \".\n(٢) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٢٢٦)، تفسير الثعلبي (١٠/ ١٤١)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ٢٢٦).\n(٣) في (ب) \" غيبوبها \".\n(٤) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٤٥٦)، معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ٢٤٢)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٢٢٦)، تفسير السَّمعاني (٦/ ١٦٨).\n(٥) كذا في النُّسختين، والأنسب للسِّياق \" فلا تُرى \".\n(٦) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٢١٧)، زاد المسير (٨/ ٢١١).\n(٧) انظر: معاني القرآن (٣/ ٢٤٢).\n(٨) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٧٥)، النُّكت والعيون (٦/ ٢١٧).","vol":"1","page":3534},{"text":"وقيل: الخُنَّس: البقر، والكنَّس: الظباء (١).\n﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧)﴾: أقبل بظلامه.\nوقيل: أدبر (٢) (٣).\nوحقيقته أظلم، والظلام (٤) بعد العتمة (٥).\nوقيل: الفجر أشد منه في بُهرة الليل (٦).\n﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨)﴾: أضاء (٧).\nالزجاج: \" هو امتداده حتى يصير نهارًا \" (٨).\nالمبرد: \" تقول العرب: تنفس الصبح عن ريحانه، أي: عن نسيمه \" (٩).\n﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩)﴾: جواب القسم، وهو ممتد إلى آخر السورة، فالسورة مشتملة على فعل، وفاعل، وقسم، وجواب (١٠). والله أعلم (١١).\nوالرسول الكريم: جبريل - ﵇ -.\nوقيل: محمد - ﷺ - (١٢).\n_________\n(١) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٣١٣)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ٢٢٦).\n(٢) انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ٢٤٢)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٢٢٦)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٥/ ١٠٠).\n(٣) قال الزَّجَّاج: \" والمعنيان يرجعان لشيء واحدٍ، وهو ابتداء الظلام في أوله، وإدباره في آخره \" [معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٢٢٦)].\n(٤) في (ب) \" أظلم الظلام \".\n(٥) انظر: المفردات (ص: ٥٦٦)، مادة \" عَسْعَسَ \"، لسان العرب (٦/ ١٣٩)، مادة \" عَسَسَ \".\n(٦) بُهرة الليل: أي وسطه [انظر: لسان العرب (٤/ ٨١)، مادة \" بَهَرَ \"].\n(٧) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٤٥٦)، جامع البيان (٣٠/ ٧٩).\n(٨) انظر: معاني القرآن (٥/ ٢٢٦).\n(٩) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٣١٣)، البحر المحيط (١٠/ ٤١٨).\n(١٠) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٢٢٦)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٥/ ١٠١).\n(١١) \" والله أعلم \" ساقطة من (أ).\n(١٢) والأول أشهر. [انظر: جامع البيان (٣٠/ ٧٩)، النُّكت والعيون (٦/ ٢١٨)، تفسير السَّمعاني (٦/ ١٦٩)].","vol":"1","page":3535},{"text":"ومعنى قول ﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ﴾ وحيهُ وتنزيلهُ، والقرآن قول الله وحيًا، وقول جبريل تنزيلًا، وقول محمد - ﷺ - إنذارًا وإبلاغًا (١).\n﴿ذِي قُوَّةٍ﴾: من صفة الرسول، أي قوي في نفسه، ومن قوة جبريل قلع المؤتفكات بقوادم جناحه.\nوقيل: قوي على طاعة الله تعالى.\nوقيل: القوة المنزلة، تقول: قوي أمر فلان عند السلطان أي: صارت له منزلة.\nوعلى هذين القولين يجوز أن يكون صفة للنبي (٢) - ﷺ -.\n﴿عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ﴾: هو الله - تعالى -.\n﴿مَكِينٍ (٢٠)﴾: ذي مكانة ومنزلة وقدر (٣).\n﴿مُطَاعٍ﴾: يُطيعه الملائكة فيما يأمرهم به، ينهاهم عنه، وطاعته واجبة على أهل السماوات، كطاعة النبي على أهل الأرض.\nوقيل: إذا دعا استجيبت دعوته (٤).\nوالطاعة ها هنا الإسعاف من قوله: ﴿وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: ١٨]، فإن الطاعة جواب الأمر، والإسعاف جواب المسألة.\n﴿ثَمَّ أَمِينٍ (٢١)﴾: على الوحي لا يخون.\nوقوله: ﴿ثَمَّ﴾ إشارة إلى مسكن الملائكة، وهو السَّماء.\n﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ﴾ محمد - ﷺ - ﴿بِمَجْنُونٍ (٢٢)﴾: كما زعم السُّفهاء (٥).\n_________\n(١) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٢١٨)، غرائب التفسير (٢/ ١٣١٣).\n(٢) في (ب) \" صفة النبي \".\n(٣) في (أ) \" وقدرة \".\n(٤) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٨٠)، النُّكت والعيون (٦/ ٢١٨)، تفسير السمرقندي (٣/ ٥٣٠).\n(٥) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٨٠)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٢٢٧).","vol":"1","page":3536},{"text":"وهو عطف على جواب القسم، وكذلك: ﴿وَلَقَدْ رَآَهُ﴾ (١): رأى محمد جبريل - ﵇ - على صورته ﴿بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣)﴾ (٢).\nالأفق: أحد أرجاء السماء، وجمعه آفاق.\nوالمراد به ها هنا: مطلع الشمس، عن مجاهد وقتادة (٣).\nالحسن \" رآه في الهواء إذا كانت الأرض لا تَسَعُهُ (٤) \" (٥).\nوقيل: رآه بأجياد، وهو مشرق مكة (٦).\nو﴿الْمُبِينِ﴾ صفة الأفق (٧).\nوقيل: صفة لمن رآه ﴿رَأَى﴾ (٨)، وفيه بعدٌ.\nأبو الدَّرداء ﴿رَأَى﴾: بقلبه (٩)، وهذا أبعد.\n﴿وَمَا هُوَ﴾: وما محمد - ﵇ -.\n﴿عَلَى الْغَيْبِ﴾: على الوحي.\n﴿بِظَنِيْنٍ (٢٤)﴾: بمتهم (١٠)، أي: يجب أن لا يتهم بزيادة ونقصان فيما أتى به.\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٢٢٧)، تفسير السَّمرقندي (٣/ ٥٣٠).\n(٢) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٨٠)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٥/ ١٠٢)، وقد تقدَّم تحرير ذلك في سورة النجم.\n(٣) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٨١)، تفسير الثعلبي (١٠/ ١٤٢).\n(٤) في (أ) \" لا يسعه \".\n(٥) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٣١٣).\n(٦) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٨٠)، النُّكت والعيون (٦/ ٢١٩).\n(٧) في (أ) \" للأفق \".\n(٨) انظر: الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ٢٣٠).\n(٩) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٢١٨)، غرائب التفسير (٢/ ١٣١٣).\n(١٠) هذا المعنى على قراءة من قرأ ﴿بِظَنِيْنٍ (٢٤)﴾ بالظاء، وهم ابن كثير وأبو عمرو والكسائي، وقرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة ﴿بِضَنِينٍ﴾ بالضاد. [انظر القراءة وتوجيهها: جامع البيان (٣٠/ ٨١)، السَّبعة (ص: ٦٧٣)، معاني القراءات (ص: ٥٣٠)، الحُجَّة (٦/ ٣٨٠)].","vol":"1","page":3537},{"text":"وحكى الفرّاء: \" أن بعضهم جعله بمعنى الضعف من قولهم رأي ظنين. وظُنون ضعيف، وبئر ظنون: قليل ماؤها \" (١).\nوقيل: هو من صفة جبريل.\nومن قرأ بالضاد، فهو النبي - ﷺ - أي: ليس ببخيل يطلب حُلوانًا على ما يُعْلِمُ فِعْلَ الكاهن في إعلامه.\n﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (٢٥)﴾: طريد من قوله: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ﴾ [الشعراء: ٢١٠] (٢).\n﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (٢٦)﴾: أي: عن الحق حين تصفون (٣) محمدًا - ﷺ - بالجنون، والقرآن بأنه قول شيطان رجيم (٤).\nالمبرد: \" يقال لمن عدل عن الحق وتتبع بنيات الطرق (٥): أين تذهب؟ وأين يذهب ... بك؟ \" (٦).\nابن عيسى: \" أي طريق يسلكون أهدى لكم وأرشد \" (٧).\nوقيل: أين تذهبون عن عذاب الله أو عن ثواب الله.\n﴿إِنْ هُوَ﴾: ما القرآن.\n﴿إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٢٧)﴾: تذكير للخلق كلهم. ثم أبدل فقال:\n﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨)﴾: أي: القرآن يُدبّر (٨) لمن أحبَّ الاستقامة.\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن (٣/ ٢٤٣).\n(٢) وفي معناه يقول ابن جرير - ﵀ -: \" يقول تعالى ذكره: وما هذا القرآن بقولِ شيطانٍ ملعونٍ مطرودٍ، ولكنَّه كلام الله وَوَحْيُه \" [جامع البيان (٣٠/ ٨٣)].\n(٣) في (ب) \" يطيفون \".\n(٤) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٨٣)، البحر المحيط (١٠/ ٤١٩).\n(٥) في (أ) \" ويتبع بنيات الطريق \".\n(٦) لم أقف عليه.\n(٧) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٢١٩).\n(٨) في (أ) \" القرآن نذير \".","vol":"1","page":3538},{"text":"﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾: أي من استقام فلله المنّة عليه؛ لأنه شاء استقامته. الزجاج: \" لا يقدرون على مشيئة الاستقامة إلاّ بتوفيق الله \" (١).\nقال ابن جرير: \" لمّا نزلت ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ قال أبو جهل: ذلك إلينا، إن شئنا استقمنا وإن لم نشأ لم نستقم،فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ \" (٢). أي: لا تقدرون (٣) على الاستقامة إلاّ بمشيئة الله ذلك وبتوفيقه.\n﴿رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾: مالك الخلق أجمعين.\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن (٥/ ٢٢٧).\n(٢) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٨٤).\n(٣) في (ب) \" لا يقدرون \".","vol":"1","page":3539},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-188>سورة الانفطار </span>(١)\nتسعة عشر آية (٢) (٣)، مكية (٤)\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١)﴾: تقطعت في بدء ما يريد الله إفناءها.\nالزَّجاج: \" تشقّقت بالغمام \" (٥).\nوقيل: سقطت.\n﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (٢)﴾: تساقطت متفرقةً في الجهات لا ضوءَ لها (٦).\n﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (٣)﴾: زال الحاجزُ بينهما، وهي سبعةٌ فصارت بحرًا واحدًا (٧). وقتادة: \" امتزج العذب بالملح \" (٨).\nالحسن: \"يبست \" (٩).\nوقيل: جمعت مياهها في بطن البَقَر الذي عليه الأرض (١٠).\n_________\n(١) سميت هذه السورة (سورة الانفطار) في المصاحف ومعظم التفاسير،\nوسميت في بعض التفاسير: (سورة إذا السماءُ انفطرت) وبهذا الاسم عنونها البخاري في كتاب التفسير من ... (صحيحه)، ووجه التسمية وقوع جملة: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١)﴾ في أولها فعرفت بها.\nوسميت في قليل من التفاسير (سورة انفطرت)، وقيل: تسمى (سورة المنفطرة) أي السماء المنفطرة.\n[انظر بصائر ذوي التمييز (١/ ٥٠٥)، التحرير والتنوير (٣٠/ ١٦٩)].\n(٢) \" تسعة عشر آية \" ساقطة من (ب).\n(٣) وهي تسع عشرة آية في جميع العدد ليس فيها اختلاف. [البيان؛ للداني (ص: ٢٦٦)].\n(٤) بالإجماع. [انظر: النكت والعيون (٦/ ٢٢٠)، المحرر الوجيز (٥/ ٤٢٣)].\n(٥) انظر: معاني القرآن (٥/ ٢٢٨).\n(٦) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٨٥)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٢٢٨).\n(٧) انظر: تفسير الثعلبي (١٠/ ١٤٥)، النُّكت والعيون (٦/ ٢٢٠).\n(٨) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٨٥)، النُّكت والعيون (٦/ ٢٢١).\n(٩) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٢٢٠)، تفسير السَّمعاني (٦/ ١٧٢).\n(١٠) بقر الأرض: الشقُّ في الأرض ومجتمع الماء [انظر: لسان العرب (٤/ ٧٣)، مادة \" بَقَرَ \"].","vol":"1","page":3540},{"text":"﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤)﴾: جعل أسفلها أعلاها، وقلب ترابها بإخراج موتاها (١). وقيل: يخرج ذهبها وفضتها - وهي من أشراط الساعة - ثم موتاها (٢).\n﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (٥)﴾: هذا جواب ﴿إِذَا﴾ أي: علم كل نفس مَا ﴿قَدَّمَتْ﴾ من خير وشر. ﴿وَأَنَّهُمْ﴾ من سُنَّة عُمِل بها.\nوقيل: ﴿مَا قَدَّمَتْ﴾ فعملت به، ﴿وَأَخَّرَتْ﴾ فلم تعمل به.\nوقيل: ذلك عبارة عن جميع أحواله وأعماله أعماله وأحواله (٣) (٤). وقد سبق.\n﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦)﴾ أي: خدعك وسوّل لك حتى أضعت ما يجب عليك، والمعنى: ما الذي حملك على هذا مع ربٍّ كريمٍ قد أنعم عليك بالخلْق والتسوية والتعديل؟! (٥)\nوقيل: ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ﴾ أي: أغفلك عنه، تقول العرب: ما غَرَّكَ مني، أي: لم وثقت بي؟ وما غرَّك بي (٦): أي ما أجرأك عليّ، وما أغرك عني: أي أغفلك.\nوالغِرَّة: الغفلة، والمعنى: ما حملك على الغفول عن طاعة ربٍّ خيره (٧) عندك كثير (٨).\nعن ابن عباس - ﵄ -: \" نزلت في أُبيّ بن خلف (٩) \" (١٠).\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٨٥)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٢٢٨).\n(٢) وهو قول الفرَّاء في معاني القرآن (٣/ ٢٤٣)، وتعقَّبه النَّحَّاس وغلَّطه في ذلك. [انظر: إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٥/ ١٠٤)].\n(٣) في (أ) \" أعماله وأحواله \".\n(٤) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٨٥)، تفسير الثَّعلبي (١٠/ ١٤٥)، النُّكت والعيون (٦/ ٢٢١).\n(٥) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٢٢٨)، تفسير السَّمعاني (٦/ ١٧٣).\n(٦) في (ب) \" غرك بربي \".\n(٧) في (ب) \" خبره \".\n(٨) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٣١٥)، زاد المسير (٨/ ٢١٥)، لسان العرب (٥/ ١١)، مادة \" غَرَرَ \".\n(٩) أُبي بن خَلَف الجُمَحي، من سادات قريش، وأعداء الدين، وقد هلك عدو الله يوم أحد، كما جاء خبر هلاكه في السِّير، وذلك حينما أُسْنِدَ رسول الله - ﷺ - في الشِّعب يوم أحد أدركه أُبَيّ بْنُ خَلَفٍ، وهو يقول: أَيْ محمد لا نجوتُ إن نجوتَ، فقال القوم: يا رسول الله: أيعطف عليه رجل منَّا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ دَعُوهُ فَلَمّا دَنَا، تَنَاوَلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - الْحَرْبَةَ مِنْ الْحَارِثِ بْنِ الصّمّةِ، فَلَمّا أَخَذَهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِنْهُ انْتَفَضَ بِهَا انْتِفَاضَةً، ثُمّ اسْتَقْبَلَهُ فَطَعَنَهُ فِي عُنُقِهِ طَعْنَةً تَقَلّبَ بها عَنْ فَرَسِهِ فَجَعَلَ يَتَدَحْرَجُ، وَكَانَ أُبَيّ بْنُ خَلَفٍ، يَلْقَى رَسُولَ اللهِ - ﷺ - بِمَكّةَ فَيَقُولُ: يَا مُحَمّدُ إنّ عِنْدِي الْعَوْذَ فَرَسًا أَعْلِفُهُ كُلّ يَوْمٍ فَرَقًا مِنْ ذُرَةٍ أَقْتُلُك عَلَيْهِ، فَيَقُولُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: بَلْ أَنَا أَقْتُلُك إنْ شَاءَ اللهُ. فَلَمّا رَجَعَ إلَى قُرَيْشٍ وَقَدْ خَدَشَهُ فِي عُنُقِهِ خَدْشًا غَيْرَ كَبِيرٍ فَاحْتَقَنَ الدّمُ، قَالَ: قَتَلَنِي وَاللهِ مُحَمّدٌ، قَالُوا لَهُ: ذَهَبَ وَاللهِ فُؤَادُك، وَاللهِ إنْ بِك مِنْ بَأْسٍ، قَال: إنّهُ قَدْ كَانَ قَالَ لِي بِمَكّةَ أَنَا أَقْتُلُك، فَوَ اللهِ لَوْ بَصَقَ عَلَيّ لَقَتَلَنِي، فَمَاتَ عَدُوّ اللهِ بسَرِفٍ وَهُمْ قَافِلُونَ بِهِ إلَى مَكّةَ. [انظر: السيرة النبوية؛ لابن هشام (٢/ ٨٣)، الروض الأنف (٣/ ٢٦٨)].\n(١٠) لم أقف من قول ابن عباس - ﵄ -، وهو مروي عن عكرمة، ولعله رواه عن ابن عباس. [انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٠/ ٣٤٠٨)، النُّكت والعيون (٦/ ٢٢١)].","vol":"1","page":3541},{"text":"وقيل: في أبي الأشدين بن كلدة (١) (٢).\nوقيل: في الأعور بن أسيد بن خلف (٣).\nوقيل: عامٌّ في جميع الكفار (٤).\nوعن النبي - ﷺ - أنه قرأ هذه الآية ثم قال: «جهله»، رواه الثعلبي (٥).\nمقاتل: \" غَرَّه عفوُ الله حين لم يعجل عليه بالعقوبة \" (٦).\nوقال آخَر: \" غرّه كرم الكريم \" (٧).\n_________\n(١) في (أ) \" في أبي الأشدّ \" وهو مروي أيضًا في اسمه.\n(٢) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٤٥٨)، النُّكت والعيون (٦/ ٢٢١).\n(٣) لم أقف على ترجمته، ولعله أبو الأشدين، فقد كان أعورًا، وروي في بعض تراجمه أن اسم أبيه أسيدًا، والله أعلم.\n(٤) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٨٧).\n(٥) أخرجه الثعلبي في تفسيره (١٠/ ١٤٦) عن صالح بن مسمار قال: بلغني أن النبي - ﷺ - تلا هذه الآية\n﴿... يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦)﴾ قال: جهله».\n(٦) انظر: تفسير الثَّعلبي (١٠/ ١٤٦)، غرائب التفسير (٢/ ١٣١٥).\n(٧) انظر: تفسير الثَّعلبي (١٠/ ١٤٦)، غرائب التفسير (٢/ ١٣١٥)، زاد المسير (٨/ ٢١٥).\nقال الرازي: بعض الناس إنما قال: ﴿بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾، ليكون ذلك جوابًا عن ذلك السؤال حتى يقول غرني كرمك ولولا كرمك لما فعلت؛ لأنك رأيت فسترت وقدرت فأمهلت، وهذا الجواب إنما يصح إذا كان المراد ... ليس الكافر \" [التفسير الكبير (٣١/ ٧٣)]، وقال ابن كثير: \" وقال بعض أهل الإشارة إنما قال: ... ﴿بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ دون سائر أسمائه وصفاته، كأنَّه لقنه الإجابة، وهذا الذي تخيله هذا القائل ليس بطائل؛ لأنه إنما أتى باسمه الكريم لينبه على أنه لا ينبغي أن يقابل الكريم بالأفعال القبيحة وأعمال الفجور \". [تفسير القرآن العظيم (٤/ ٥١٣)].","vol":"1","page":3542},{"text":"﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ﴾: جمع فيك كلَّ فضيلةٍ، كقوله: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: (٤)].\n﴿فَعَدَّلَك (٧)﴾: بالتَّشديد: قوَّم خلقك و\"عَدَلَكَ \": بالتخفيف: أي عدل بعضك ببعض فكنت معتدلَ الخِلْقة متناسبًا (١) (٢).\n﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ﴾: من دميم وجميل، وقصير وطويل.\n﴿رَكَّبَكَ (٨)﴾: وقيل: إلى صورة خالك، أو عمك، أو قريب منك، أو غريب. وفي ﴿مَا﴾ وجهان: أحدهما: أن يكون صلة، أي: في أي صورة شاءها.\nالثاني: ﴿مَا﴾ شرط، و﴿شَاءَ﴾ في محل الجزم ﴿رَكَّبَكَ﴾ جزاء الشرط، فلا يكون ﴿فِي﴾ صلة ﴿رَكَّبَكَ﴾؛ لأن ما بعد الشرط لا يتقدم عليه، ولا يجوز أن يكون صلةً ﴿عَدَلَكَ﴾ لأن أيًَّا للاستفهام، ولا يعمل في الاستفهام ما قبله، فهو إذًا متصل بمضمرٍ (٣).\n﴿كَلَّا﴾: ردع عن الغفلة عن الله والاغترار.\n﴿بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩)﴾: أي بَلْ ستغفلون عن الحق والإسلام، وتغترون بالأباطيل وتكذّبون بالبعث (٤) والجزاء والعدل والقضاء.\n_________\n(١) في (ب) \" مناسبًا \".\n(٢) قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر ﴿فَعَدَّلَكَ﴾ بالتشديد، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي ﴿فَعَدَلَكَ﴾ خفيفة. [انظر: جامع البيان (٣٠/ ٨٧)، السَّبعة (ص: ٦٧٤)، الحُجَّة (٦/ ٣٨٢)].\n(٣) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٢٢٨)، معاني القراءات (ص: ٥٣٢)، غرائب التفسير (٢/ ١٣١٧).\n(٤) في (ب) \" سيغفلون عن الحق والإسلام، ويغترون بالأباطيل ويكذّبون بالبعث \".","vol":"1","page":3543},{"text":"﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢)﴾: أي ملائكة حفَظَة كرام على الله كَتَبَة (١) لا يخفى عليهم شيء من أفعال بني آدم، ولولا أنه يُبعث ويُجازى على أعماله لما كان يكتب له وعليه أفعاله.\nوقيل: ﴿كِرَامًا﴾ يسارعون إلى كتْب الحسنات، ويتوقفون في كتب السيئات؛ رجاءَ أن يستغفرَ ويتوبَ فيكتبون الذنبَ والتوبةَ منه (٢) معًا.\n﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ﴾: أي المؤمنين لَفِي ﴿نَعِيمٍ (١٣)﴾: في الجنة ولذّاتها.\n﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ﴾ الكفار لَفِي ﴿جَحِيمٍ (١٤)﴾: في النّار وألمها.\nوإنَّ واللام يأتيان للحال (٣)، لكن المعنى على الحُكم والاستحقاق (٤).\n﴿يَصْلَوْنَهَا﴾: يقاسون حرّها.\nوقيل: يصيرون صلاها، أي حطبَها.\n﴿يَوْمَ الدِّينِ (١٥)﴾: يوم الحساب والجزاء (٥).\n﴿وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ (١٦)﴾: لا يخرجون منها ولا يغيبون عنها.\n﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٨)﴾: استفهام على وجه التعجيب (٦)، والتكرار للتأكيد.\nوقيل: أحدهما في حقّ الكفار، والآخَر في حقّ المؤمنين (٧).\n_________\n(١) في (أ) \" بكتبه \".\n(٢) \" منه \" ساقطة في (أ).\n(٣) في (ب) \" ثابتان للحال \".\n(٤) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٣١٦).\n(٥) في (أ) \" يوم الجزاء والحساب \".\n(٦) في (أ) \" التعجب \".\n(٧) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٢٢٤)، البرهان؛ للكرماني (ص: ٣٢٢).","vol":"1","page":3544},{"text":"﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾: جذب (١) منفعة أو دفع أذية.\n﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (١٩)﴾: أي: لا يخلي الله في القيامة بين أحدٍ وبين الملك والتغلب كما خلّى في الدنيا، ولا يَجعل الملكَ لأحدٍ كما جعله لغير واحدٍ في الدنيا (٢).\n_________\n(١) كذا في النسختين، والمراد \" جلب \"، ومعنى الجلب والجذب واحد.\n(٢) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٨٩)، زاد المسير (٨/ ٢١٧).","vol":"1","page":3545},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-189>سورة المطَفِّفِين </span>(١)\nسِتٌّ وثلاثون آية (٢) مكية (٣).\nالحسن: مدنية (٤).\nمقاتل: هي أول سورة نزلت بالمدينة (٥).\nوقيل: نزلت بين مكة والمدينة (٦).\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١)﴾: عن ابن عباس - ﵄ - قال: كان أهل المدينة من أخبث الناس كَيْلًا إلى أن أنزل الله (٧): ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ فأحسنوا الكيل، فهم أوفى الناس كيلًا إلى يومهم \" (٨).\nقال السُّدِّيُّ: قَدِمَ رسول الله - ﷺ - المدينة وبها رجل يقال له: أبو جُهينة (٩)،ومعه صاعان (١٠)، يكيل بأحدهما، ويكتال بالآخر، فنزلت فيه: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ \" (١١).\n_________\n(١) سُمِّيت هذه السورة في كتب السنة وفي بعض التفاسير (سورة ويل للمطففين)، وكذلك ترجمها البخاري في كتاب التفسير من (صحيحه)، والترمذي في (جامعه)، وسميت في كثير من كتب التفسير والمصاحف (سورة المطففين) \" [انظر: التحرير والتنوير (٣٠/ ١٨٧)].\n(٢) وهي ستٌّ وثلاثون آية عند جميع أهل العدد ليس فيها اختلاف. [البيان؛ للدَّاني (ص: ٢٦٧)].\n(٣) \" ست وثلاثون آية، مكية \". ساقط من (ب).\n(٤) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٢٢٥)، زاد المسير (٨/ ٢١٨).\n(٥) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٢٢٥)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ٢٣٩).\n(٦) اختلف العلماء في مكية السورة ومدنيتها، وانتصافها في النزول بينهما كما ذكره المؤلِّف.\nقال ابن عاشور: \"ومن اللطائف أن تكون نزلت بين مكة والمدينة لأن التطفيف كان فاشيًا في البلدين. وقد حصل من اختلافهم أنها: إما آخر ما أنزل بمكة، وإما أول ما أنزل بالمدينة، والقول بأنها نزلت بين مكة والمدينة قول حَسَنٌ \" [التحرير والتنوير (٣٠/ ١٨٧)، وانظر: تفسير السَّمرقندي (٣/ ٥٣٤)، النُّكت والعيون (٦/ ٢٢٥)، المحرر الوجيز (٥/ ٤٤٩)، زاد المسير (٨/ ٢٢٦)].\n(٧) في (أ) \" إلى أن الله - تعالى - أنزل \".\n(٨) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٩١)، النُّكت والعيون (٦/ ٢٢٥)، أسباب النزول؛ للواحدي (ص: ٣٦٦).\n(٩) أبو جُهَينة: لم أقف له على ترجمة سوى ما ذكره الحافظ في الإصابة: \" أبو جهينة: -بالنون بدل الميم -الأنصاري، ذكره الثعلبي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١)﴾ فأخرج من طريق السُّدي أنه كان له مكيالان يكيل بأحدهما ويكتال بالآخر فنزلت: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١)﴾ \" [الإصابة (٧/ ٦٣)].\n(١٠) في (ب) \" وله صاعان \".\n(١١) انظر: أسباب النزول؛ للواحدي (ص: ٣٦٦)، تفسير البغوي (٨/ ٣٥٨).","vol":"1","page":3546},{"text":"﴿وَيْلٌ﴾: اسم وادٍ في جهنم عن ابن عباس - ﵄ - (١).\nأبو عبيدة: \" هي كلمة تستعمل (٢) لمن لا يرجى فلاحه \" (٣).\nويدخله الألف واللام، نحو قوله: ﴿وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ ... [الأنبياء: ١٨]\nخلافًا للمبرد، فإنه زعم أن الألف واللام لا يدخلانه (٤).\nوالمطَفِّفُ: المقلل حق صاحب الحق عمّا له من التمام، مفعل من الطفيف (٥)، كالمُحَقِّر من الحقير (٦).\nابن عيسى: \" طفّ الشيء يطِفّ ويطُفّ إذا نقص فهو طفيف، وطفَّفه غيره إذا جعله ناقصًا \" (٧).\nقال الزَّجَّاج: إنما قيل له مطفف لأنه لا يكاد يسرق (٨) في الميزان والكيل إلا الشيء الطفيف، وإنما أخذ من طَفِّ الشيء، وهو جانبه \" (٩).\nوطفّ الصاع قُربُ مَلْئِه (١٠)، وإناء طفّان إذا لم يكن مملوءً (١١).\n_________\n(١) انظر: تفسير السمرقندي (١/ ٩٤)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ٢٣٩).\n(٢) في (ب) \" يستعمل \".\n(٣) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٣١٧).\n(٤) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٣١٧).\n(٥) في (ب) \" من التطفيف \".\n(٦) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٢٢٦)، البحر المحيط (١٠/ ٤٢٥).\n(٧) لم أقف عليه.\n(٨) في (ب) \" يسرف \".\n(٩) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٢٣٠).\n(١٠) في (ب) \" ظرف ملئه \".\n(١١) انظر: مجمل اللغة (ص: ٤٤٦)، مادة \" طَفَّ \"، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ٢٤٠).","vol":"1","page":3547},{"text":"﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢)﴾: أي إذا كالوا لأنفسهم يأخذون من الناس حقوقهم وافية تامة.\nو\" مَنْ و\" على \" يصحبان هاهنا لأنه حق عليه (١).\n﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ﴾: أي كالوا لهم أو وزنوا لهم الطعام، فحذف الجار، وحذف الجار من المفعول الثاني أكثر، وقد جاء من الأول أيضًا شعر (٢):\nولقد جنيتك أكمؤًا وعساقلًا ... ولقد نهيتك عن بنات (٣) الأوبر (٤) (٥)\nوقيل: \" هم \" رفع بالبدل، وهو يستدعي إثبات الألف وهذا القول مروي عن بعض القرّاء، والمعنى: إذا أعطى غيره نقصه، والوعيد الثاني دون الأول (٦).\nوقيل: عليهما جميعًا.\nوقيل: الوعيد لاحق بمن طفف مقدار خمسة دراهم، أو عزم على تطفيف ذلك القدر، وكل من نقص حق الله من زكاة أو صلاة أو صوم فهو داخل تحت الوعيد، ولم يذكر في الأول الوزن اكتفاءً بالثاني.\nقوله: ﴿يُخْسِرُونَ (٣)﴾: أي ينقصون. وخسر وأخسر لغتان (٧).\n_________\n(١) يقول الفرَّاء في تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾: \" يريد: اكتالوا من الناس، وهما تعتقبان \" على \" و\" مِن \"، في هذا الموضع؛ لأنَّه حقٌّ عليه، فإذا قال: اكتلت عليك، فكأنَّه قال: أخذت ما عليك، وإذا قال: اكتلت منك، فهو كقولك: استوفيت منك \" [معاني القرآن (٣/ ٢٤٦)].\n(٢) في (أ) \" أيضًا قال \" بدون \" شِعْر \".\n(٣) في (أ): عن بناء.، والصحيح الأول: وبنات الأوبر: كمأة صغار مزغبة رديئة الطعم على لون التراب. [انظر: لسان العرب (٥/ ٢٧١)، مادة \" وبَرَ \"].\n(٤) أراد جنيت لك، والبيت لم أقف على قائله، وانظره في: إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٥/ ١٠٩)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ٢٤٢)، لسان العرب (٥/ ٢٧١)، مادة \" وَبَرَ \".\n(٥) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٢٣٠)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٥/ ١٠٨).\n(٦) كان عيسى بن عمر فيما ذكر عنه يجعلهما حرفين ويقف على ﴿كالوا﴾ وعلى ﴿وزنوا﴾ ثم يبتدئ ... ﴿هم يُخْسِرون﴾، ومن يرى استلزام ذكر الألف خلافًا للجمهور يقرأ ﴿كالواهم﴾. [انظر: جامع البيان (٣٠/ ٩١)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٢٣٠)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٥/ ١٠٨)، تفسير السَّمرقندي (٣/ ٥٣٤)].\n(٧) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٢٣٠)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ٢٤١).","vol":"1","page":3548},{"text":"﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥)﴾: لمجيء يوم عظيم. أي: ليس هذا فعل من يعلم أنه يبعث ويجازى.\nذهب بعضهم إلى أنه في الكفار، فالظنُّ (١) في موضعه.\nوذهب الحسن إلى أنه في المؤمنين، فيكون المعنى: أليس يعلمون أنهم يبعثون فما عُذرهم في التطفيف (٢).\n﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾: أي: يقومون من قبورهم لحكم رب العالمين فيهم (٣)، فيقفون في العرصات على أرجلهم ينتظرون (٤) حكم الله فيهم قدر ثلاثمائة عام لا يكلمهم أحد حتى إن أقلَّهم رشحًا يغيب فيه إلى أنصاف أذنيه.\nوقيل: أربعين سنة (٥).\n﴿يَوْمَ﴾: نصب بدل من الأول محمول على المحل (٦).\nوقيل: مبني لإضافته إلى الجملة، وهذا قول الكوفيين (٧).\n﴿كَلَّا﴾: ردعٌ عن (٨) التطفيف. وقيل: تأكيد.\n﴿إِنَّكَ كِتَابَ الْفُجَّارِ﴾: صحائف أعمالهم.\nابن عباس - ﵄ -: \" أرواح الكفار \" (٩).\nوقيل: أعمال الفجّار.\n﴿لَفِي سِجِّينٍ (٧)﴾: أبو عمرو: ﴿سِجِّينٍ﴾ فِعِّيل من السِّجن \" (١٠).\nغيره: من الشدَّة (١١).\nكعب: \" تحت خدِّ (١٢) إبليس؛ لأنه أضلهم \" (١٣).\nابن عباس: \"الأرض السابعة \" (١٤).\nوعنه أيضًا: \" صخرة تحت الأرض السابعة \" (١٥).\nابن زيد: السماء الثانية (١٦)، وفي هذا القول بعد.\nوقيل: «جُبٌّ (١٧) في جهنم مفتوح، والفلق جُبٌّ مغطى» (١٨).\nالأزهري: \" معناه في خسار، والمعنى: أن مصير أصحابه إلى ضيق وشدّة وسفال \" (١٩).\nوقيل: معناه: ما كُتب عليهم لا يتبدل ولا يمحى كالنقش في الحجر (٢٠).\n_________\n(١) في (ب) \" في الظن \".\n(٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ٢٤٢)، ولم ينسبه للحسن.\n(٣) في (أ) \" العالمين بينهم \".\n(٤) في (ب) \" ينظرون \".\n(٥) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٩٢)، غرائب التفسير (٢/ ١٣١٨)، وأصل هذا الأثر في الصحيحين فقد روى البخاري في كتاب الرقاق، باب: قول الله تعالى: ﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ برقم (٦٥٣١)، عن ابن عمر - ﵄ - عن النبي - ﷺ -: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قال: «يقوم أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه»، وأخرجه مسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: في أهوال يوم القيامة، برقم (٧١٣٢)، (٧١٣٣).\n(٦) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٢٣١)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٥/ ١٠٩).\n(٧) انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ٢٤٦)، جامع البيان (٣٠/ ٩١).\n(٨) في (ب) \" ردعن \".\n(٩) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٩٤)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ٢٤٦).\n(١٠) لم أقف عليه، وقد أورد معناه غير واحدٍ من المفسرين. [انظر: مجاز القرآن (٢/ ٢٨٩)، جامع البيان (٣٠/ ٩٤)].\n(١١) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٢٢٨)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ٢٤٦).\n(١٢) وفي بعض الكتب \" حدِّ إبليس \".\n(١٣) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٩٥)، النُّكت والعيون (٦/ ٢٢٨).\n(١٤) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٩٥)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ٢٤٦).\n(١٥) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٣١٨)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ٢٤٦).\n(١٦) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٣١٨)، وعند ابن جرير قوله: \" السِّماء الدُّنيا \" [انظر: جامع البيان (٣٠/ ٩٥)].\n(١٧) (\" ... (جُبٌّ \" ساقطة من (ب).\n(١٨) وقد روى ابن جرير هذا القول بسنده في تفسيره \" جامع البيان (٣٠/ ٩٦) عن محمد بن كعب القرظي عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: «\" الفلق \": جُبٌّ في جهنم مغطى، وأما \" سِجِّين فمفتوحٌ»، قال عن ابن كثير: منكرٌ لا يصحُّ. [انظر: تفسير القرآن العظيم (٤/ ٥١٧)].\n(١٩) لم أقف عليه في تهذيب اللغة (٣/ ٤٦٣)، مادة \" سَجَنَ \" انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٣١٨).\n(٢٠) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٣١٨).","vol":"1","page":3549},{"text":"﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (٨)﴾: تعظيم لشأنه.\n﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٩)﴾ [أي السِّجين: كتاب مرقوم] (١).\nقيل: مكتوب، وقيل: مختوم، وهذا قول أكثر المفسرين (٢).\nويحتمل (٣) أن يكون التقدير: وما أدراك ما كتاب سجين، فحذف المضاف، ... ثم فَسَّره (٤) فقال: ﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾ أي: كتاب سجين كتابٌ مرقوم، هذا وجه.\nوقيل: تقديره: محل ﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾ أي السجين محل كتاب، هذا وجه الآية.\nأو ما قيل (٥): من التقديم والتأخير أي: إنَّ كتاب الفجَّار لكتاب مرقوم في سجين، فلما تقدم الصلة وتأخر الخبر دخل اللام الصلة، كما تقول: إن زيدًا لطعامك آكل (٦).\n﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٠)﴾: أي: يوم يخرج المكتوب ويبعث المدفون.\n﴿الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (١١)﴾: الجزاء والحساب.\n﴿وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ﴾: بذلك اليوم.\n﴿إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ﴾: متجاوز الحق إلى الباطل.\n﴿أَثِيمٍ (١٢)﴾: آثم، ثم بين كيف تكذيبه بيوم القيامة فقال:\n﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا﴾: يعني القرآن.\n﴿قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣)﴾: أحاديثهم وأباطيلهم.\n﴿كَلَّا﴾: ردع عن هذا القول.\n﴿بَلْ﴾: نفي لما قالوه.\n﴿رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾: أي غطَّاها كسبهم.\nوالرَّين: التغطية.\nوقيل: ﴿رَانَ﴾ طبع (٧).\nأبو هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه (٨) قال: «إن العبد إذا أخطأ خطيئة نُكِتَ في قلبه نُكْتَةٌ سوداء، فإن هو نزع واستغفر وتاب صقلت. وإن عاد (٩) عادت، حتى يُغطَّى، وهو ما ذكر الله تعالى: ﴿بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (١٠).\nالحسن: \" الذنب ثم الذنب حتى يموت القلب \" (١١).\nالمبرد: \" أي غلب على قلوبهم وغطاها ذنب على ذنب حتى اسودَّ القلبُ بأعمال السوء (١٢). الضحاك: الرين: \" موت القلب \" (١٣). وهو قول الحسن (١٤).\n﴿كَلَّا﴾: تكرار للردع. وقيل: حقًّا.\n﴿إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ﴾: أي عن رُؤية ربهم.\n_________\n(١) ما بين المعقوفتين ساقط من (ب).\n(٢) لعله يقصد اللفظين، والأشهر مكتوبٌ. [انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٤٦١)، جامع البيان (٣٠/ ٩٦)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٢٣١).\n(٣) في (ب) \" ويحتمل \".\n(٤) في (ب) \" فسرَ \".\n(٥) في (أ) \" وأ مَّا ما قيل \".\n(٦) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٣١٨)، تفسير البيضاوي (٢/ ٥٧٨)، البحر المحيط (١٠/ ٤٢٧).\n(٧) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٩٧)، النُّكت والعيون (٦/ ٢٢٨)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ٢٤٨).\n(٨) في (أ): (أنه) ساقطة.\n(٩) في (أ) \" فإن عاد \".\n(١٠) أخرجه الترمذي (بنحوه) في كتاب التفسير، باب: ومن سورة \" ويل للمطففين \"، برقم (٣٣٣٤) وقال: \" هذا حديث حسن صحيح \".\n(١١) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٩٨)، النُّكت والعيون (٦/ ٢٢٩).\n(١٢) لم أقف عليه.\n(١٣) لم أقف عليه.\n(١٤) أي المتقدم.","vol":"1","page":3550},{"text":"وقيل: عن كرامة ربهم.\n﴿يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾: ممنوعون. والحجب المنع.\nوقيل: مردودون غير مقبولين ولا مرضييّن.\nالزَّجَّاج: \" في الآية دليل على أن الله سبحانه يُرى في القيامة ولولا ذلك لم يكن في هذه الآية فائدة \" (١).\n﴿ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (١٦)﴾: لازموا النار.\nوقيل: يصيرون صلاها وهو الوقود.\n﴿ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (١٧)﴾: أي: ﴿هَذَا﴾ جزاء ما كنتم به تكذبون.\nوقيل: ﴿هَذَا﴾ العذاب وهو الذي كنتم تُنكرون وقوعه.\n﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ﴾: الحسن: \" هم الذين لا يؤذون الذَّرَّ \" (٢).\nوقيل: هم الذين صدّقوا فيما وعدوا، والبرّ الصِّدق (٣).\n﴿لَفِي عِلِّيِّينَ (١٨)﴾: في (٤) مكانٌ عليٌّ.\nوقيل: معناه في عُلو مضاعف، ورفعة مكرّرة، فجمع جمع السلامة. تقول العرب إذا أصابها الوابل بعد الوابل: أصابنا الوابلون، وتقول: للمرّقة يطبخ فيها اللحم مرة بعد مرة أخرى: أصابنا مرقة مرقين.\nوقيل: هو اسمٌ مفرد لا واحد له من لفظه، كقولهم: قِنسرون ويَبرون، وقنسرين ويبرين، وكذلك عشرون وثلاثون.\nوقيل: صفة للملائكة جمع عليّ (٥) (٦).\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٢٣٢).\n(٢) انظر: جامع البيان (٣٠/ ١٠١)، تفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٨٤٦).\n(٣) في (ب) \" وعدوا لبر: الصدق \".\n(٤) \" في \" ساقطة من (ب).\n(٥) \" جمع علي \" ساقطة من (أ).\n(٦) انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ٢٤٧)، ٢٤٧)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٢٣٢)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٥/ ١١٢)، غرائب التفسير (٢/ ١٣١٩).","vol":"1","page":3551},{"text":"والجمهور على أنه السَّماء السابعة (١).\nقتادة: \" قائمة العرش اليمنى \" (٢).\nابن عباس - ﵄ -: \" الجنة \" (٣).\nالضَّحاك: \" سدرة المنتهى \" (٤).\n﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ (١٩)﴾: تعظيم لشأنه.\nوقيل معناه: ليس هذا من علمكم ولا من علم قومكم.\n﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٢٠)﴾: تقديره: وما أدراك ما كتاب علييّن، ثم فسر فقال: ﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾ أي: كتاب عليين كتاب مرقوم.\nوقيل: تقديره: عليون محلُّ كتاب مرقوم.\nوقيل تقديره: إن كتاب الأبرار لكتاب مرقوم في علييّن، وفيه ضعف؛ لأن ما يتعلق بالصفة لا يتقدم على الموصوف، ويجوز أن يكون خبر بعد خبر لـ ﴿إِنَّ﴾.\nويجوز أن يكون تقديره: هو كتاب مرقوم، على أن يكون الكناية تعود (٥) إلى ﴿كِتَابَ الْأَبْرَارِ﴾، ولم يكن تفسيرًا لِعِلِّيِين، وكذلك الكلام في ﴿كِتَابَ الْفُجَّارِ﴾. والله أعلم.\n﴿يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (٢١)﴾: يحضره الملائكة.\nوذكر في التفاسير: \" أنه يشهد عمل الأبرار مقربو كلّ سماء \" (٦).\n_________\n(١) والصحيح أنَّه ليس بقول الجمهور، فالفراء وابن جرير والزَّجاج وجماعة يرون أنَّه مطلق العلو. [انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ٢٤٧)، جامع البيان (٣٠/ ١٠٢)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٢٣٢)].\n(٢) انظر: جامع البيان (٣٠/ ١٠٢)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٥/ ١١٢).\n(٣) انظر: جامع البيان (٣٠/ ١٠٢)، تفسير ابن أبي حاتم (١٠/ ٣٤٠٩).\n(٤) انظر: جامع البيان (٣٠/ ١٠٢)، النُّكت والعيون (٦/ ٢٢٩).\n(٥) في (أ) \" يعود \".\n(٦) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٤٦٢)، جامع البيان (٣٠/ ١٠٤).","vol":"1","page":3552},{"text":"﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (٢٢)﴾: تنعم (١) في الجنان.\n﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٢٣)﴾: إلى ما يسرهم مما أنعم (٢) الله عليهم من النعيم والحور العين.\nوقيل: ينظرون إلى النار وما أعد الله للكفار من العذاب.\n﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤)﴾: برِيقه ونداه (٣).\nو﴿النَّعَمِ﴾: لين العيش واتساع الملاذ.\n﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ﴾: الخمر الصافية (٤).\nالزَّجَّاج: \" الشراب الذي لا غش فيه \" (٥).\nالخليل: \" أفضل الخمر وأجودها \" (٦).\n﴿مَخْتُومٍ (٢٥)﴾: أمر الله بالختم عليه إكرامًا لأصحابه.\n﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾: أي: ما ختم به مسك رطب يتطبع فيه الخاتم.\nابن مسعود - ﵁ -: \"مزاجه مسك \" (٧).\nوقيل: عاقبته (٨) مِسك (٩).\n_________\n(١) في (ب) \" ينعم \".\n(٢) في (ب) \" فما أنعم \".\n(٣) انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ٢٤٨)، جامع البيان (٣٠/ ١٠٥).\n(٤) انظر: جامع البيان (٣٠/ ١٠٥)، النُّكت والعيون (٦/ ٢٣٠).\n(٥) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٢٣٣).\n(٦) انظر: كتاب العين (٣/ ٤٥)، مادة \" رَحِقَ \"، وهو بنصه في النُّكت والعيون (٦/ ٢٣٠).\n(٧) انظر: جامع البيان (٣٠/ ١٠٦)، النُّكت والعيون (٦/ ٢٣٠).\n(٨) في (ب) \" عاقبه \".\n(٩) والمعنى: أنَّ أحدهم إذا شرب وجد آخر كأسه ريح المِسك، وهو قول ابن عباس وقتادة والحسن ... والضَّحاك، وهو اختيار الفراء وابن جرير والزَّجَّاج وغيرهم [انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ٢٤٨)، جامع البيان (٣٠/ ١٠٧)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٢٣٣)].","vol":"1","page":3553},{"text":"وقُرِئَ ﴿خَاتَمُهُ مِسْكٌ﴾ (١).\nالفَرَّاء: \" الخاتم الاسم، والختام المصدر \" (٢).\nالخليل: \" الختام: الطين الذي يختم عليه، والخاتم: ما يختم به \" (٣).\nويحتمل أن المعنى: يفوح من شاربه ريح المسك من غير خمار وتغيير نكهة وصداع.\n﴿وَفِي ذَلِكَ﴾: قيل إشارة إلى الرحيق، وقيل: إلى نعيم الجنة.\n﴿فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (٢٦)﴾: التنافس في الشيء: أن يضنّ به على الغير لنفاسته.\nوقيل: يطلبه كل أحد لنفسه.\nوقيل: فليرغب الراغبون (٤).\n﴿وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (٢٧) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (٢٨)﴾: ابن عباس وابن مسعود - ﵄ -: اسم لماء ينحدر من تحت العرش، وهو أشرف شراب في الجنة يمزج به شراب أصحاب اليمين والمقربون [يسقون صرفًا غير ممزوج، وهو قوله: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ \" (٥).\n_________\n(١) وهي قراءة صحيحة قرأ بها الكسائى، وقرأ الباقون من السَّبعة ﴿خِتَامُهُ﴾ بالألف بعد التاء. [انظر: جامع البيان (٣٠/ ١٠٧)، السَّبعة (ص: ٦٧٦)، معاني القراءات (ص: ٥٣٥)].\n(٢) انظر: معاني القرآن (٣/ ٢٨٤).\n(٣) انظر: كتاب العين (٤/ ٢٤١)، مادة \" خَتَمَ \".\n(٤) انظر: جامع البيان (٣٠/ ١٠٨)، النُّكت والعيون (٦/ ٢٣١)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ٢٥٤).\n(٥) انظر: جامع البيان (٣٠/ ١٠٨)، تفسير ابن أبي حاتم (١٠/ ٣٤١٠).","vol":"1","page":3554},{"text":"يجوز أن تكون الباء زيادة] \" (١)، ويجوز أن يكون بمعنى \" مِن \"، ويجوز أن يكون للظرف (٢).\nوالـ ﴿تَسْنِيمٍ﴾ في اللغة: تفعيل من تسنّمه، أي: عَلاه (٣).\nو﴿عَيْنًا﴾: \" منصوب عند الأخفش بـ ﴿يُسْقَوْنَ﴾ \" (٤).\nالفرَّاء \" ﴿تَسْنِيمٍ﴾ مصدر عمل في العين بعدَ ما نُوِّنَ، كقوله: ﴿إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ..﴾ [البلد: ١٥،١٤] \" (٥). فعين مفعول به عنده.\nالمبرد: \" منصوب بإضمار أعني \" (٦).\nوقيل: نصب على الحال، أي جاريًا والحال ﴿تَسْنِيمٍ﴾ (٧)، وهو اسم علم للماء عند هذا القائل.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾: كفروا.\nنزلت في أبي جهل وأصحابه (٨).\n﴿كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩)﴾: في الدنيا.\n﴿وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ﴾: وإذا اجتاز بهم مؤمن،ويجوز وإذا اجتازوا بمؤمن.\n﴿يَتَغَامَزُونَ (٣٠)﴾: غمز بعضهم إلى بعض إشارة إليه، أي تأمل هذا الرفيع (٩) اتبع محمدًا وترك ملاذه لجنة لا تكون أبدًا (١٠).\n_________\n(١) ما بين المعقوفتين ساقط من (ب).\n(٢) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٣٢٠).\n(٣) انظر: جامع البيان (٣٠/ ١٠٨)، المحرر الوجيز (٥/ ٤٥٣).\n(٤) انظر: معاني القرآن (ص: ٣٠٧).\n(٥) انظر: معاني القرآن (٣/ ٢٤٩).\n(٦) انظر: إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٥/ ١١٣).\n(٧) انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ٢٤٩)، جامع البيان (٣٠/ ١٠٩).\n(٨) انظر: تفسير السَّمرقندي (٣/ ٥٣٧)، تفسير الثعلبي (١٠/ ١٥٧)، تفسير السَّمعاني (٦/ ١٨٤).\n(٩) في (أ) \" الرقيق \".\n(١٠) انظر: جامع البيان (٣٠/ ١١٠)، تفسير الثعلبي (١٠/ ١٥٧).","vol":"1","page":3555},{"text":"﴿وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ﴾: رجعوا إلى منازلهم.\n﴿انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١)﴾: يتفكهون بعيب المؤمن (١).\nوقيل: معجبين، وقيل: لاهين.\nوقيل: الفَكِه: المَرحُ، والفاكه الطالب (٢) المعجب بما فبه.\nوقيل: هما بمعنى كطمع وطامع.\nابن عيسى: \" الفاكه (٣): الطالب ما يتفكه به من نوادر الأمور، والفكه: المتمتع بالمأكول من غير أخذه للقوت\" (٤).\n﴿وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ (٣٢)﴾: أي: إذا رأوا المؤمنين قالوا: خدع محمد هؤلاء فضلوا.\n﴿وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ (٣٣)﴾: أي: لم يجعلِ اللهُ هؤلاء الكفار رسلًا يحفظون أعمال الناس وذمهم باشتغالهم بما لم يُكلفوا وتركهم ما يعنيهم من الإيمان.\n﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤)﴾ ابن عباس - ﵄-: \" إذا رأوا أعداءهم وقد حل بهم العذاب سرّوا بذلك وكان أحد لذاتهم \" (٥).\nوقيل: يُقَرِّرون الكفّار أنهم كانوا بالضحك منهم في دار الدنيا أولى.\n_________\n(١) قرأ عاصم في رواية حفص ﴿فَكِهِينَ﴾ هذا الحرف وحده بغير ألف وقرأ سائر القرآن ﴿فاكهين﴾ بألف، وقرأ الباقون ﴿فاكهين﴾ بألف حيث وردت. [انظر القراءة وتوجيهها: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ٢٤٩)، السَّبعة (ص: ٦٧٦)، الحُجَّة (٦/ ٣٨٨)].\n(٢) \" الطالب \" ساقطة من (ب).\n(٣) في (أ) \" الفاكهة \".\n(٤) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٢٣٢).\n(٥) انظر: جامع البيان (٣٠/ ١١١)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٥/ ١١٤).","vol":"1","page":3556},{"text":"وقيل: هو قوله: ﴿ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾ [الحديد: ١٣].\n﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٣٥) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦)﴾\nالتثويب: الدعاء بعد الدعاء، ثم جعل كل مكافأة ثوابًا (١).\nويجوز (٢) أن يكون ﴿هَلْ ثُوِّبَ﴾ في موضع مفعول.\n﴿يَنْظُرُونَ﴾ أي: يَنْظُرُون هل عذبوا تشفيًا منهم بذلك، ويجوز أن يكون استئنافًا، والمعنى: إذا فعل بالكفار ما ذكر فهل جوزوا على سوء صنيعهم (٣). والله أعلم.\n_________\n(١) انظر: المفردات (ص: ١٧٩)، مادة \" ثَوَبَ \" لسان العرب (١/ ٢٤٣)، مادة \" ثَوَبَ \".\n(٢) في (ب) \" يجوز \".\n(٣) انظر: إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٥/ ١١٤)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ٢٥٦).","vol":"1","page":3557},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-190>سورة الانشقاق </span>(١)\nخمس وعشرون آية (٢) (٣) ويقال: سورة الكدح مَكِّية (٤) (٥).\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾: تشققت وتقطعت ذاتها.\nوقيل: تشققت بالغمام من قوله: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ﴾ [الفرقان: ٢٥].\nوعن علي - ﵁ -: \"يتشقق من المجرة \" (٦).\n﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا﴾: سمعت وأطاعت.\nوحقيقته من إذن للشيء إذا أصغى إليه أذنه للاستماع، والسماع يستعمل للإسعاف والإجابة،كذلك الإذن، أي: أجابت ربها إلى الانشقاق وما أراده منها.\nوقال: هي (٧) مجاز وكناية (٨) عن حصولها على مراد الله - تعالى-.\n﴿وَحُقَّتْ (٢)﴾: صيّرت محقوقة بالسمع والطاعة، أي ذلك منه حقٌّ غير باطل.\n﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣)﴾:\nالفَرَّاء: \" بسطت ومدت كما يمد الأديم \" (٩).\nالزَّجَّاج: \"أزيلت عن هيئتها فبُدّلت \" (١٠).\nابن عيسى: \"بسطت باندكاك (١١) جبالها وأكمامها حتى يصير كالصحيفة الملساء \" (١٢).\nابن بحر: \"مدُّها تفريجها (١٣) عمَّا يتضمن حتى يخرج ما في بطنها \"، قال: ومعنى ذلك معنى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (٢)﴾ [الزلزلة: ١ - ٢] \" (١٤).\nوعن النبي - ﷺ -: «إذا كان يوم القيامة مدّ الله الأرض مدّ الأديم، فأكون أول من يدعي، فأرى جبريل - ﵇ - فأقول: يا رب هذا جبريل أرسلته إليّ، فيقول الله: صدق، ثم أشفع فأقول: عبادك عبدوك في أطراف الأرض وهو المقام المحمود» (١٥).\n﴿وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا﴾: أخرجت الأموات والكنوز.\nمجاهد وقتادة: \" أخرجت الأموات \" (١٦).\nوقيل: أخرجت المعادن والكنوز المدفونة فيها قبيل القيامة، وذلك أحد أشراط الساعة.\n﴿وَتَخَلَّتْ (٤)﴾: خلّت منها ومنهم.\n_________\n(١) سميت في زمن الصحابة: \" سورة إذا السماء انشقت \". ففي \" الموطأ \" عن أبي سلمة: \" أن أبا هريرة قرأ بهم ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ فسجد فيها فلما انصرف أخبرهم أن رسول الله - ﷺ - سجد فيها \" فضمير \" فيها \" عائد إلى \" ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ بتأويل السورة، وبذلك عنونها البخاري والترمذي وكذلك سماها في ... (الإتقان) وسماها المفسرون وكتَّاب المصاحف (سورة الانشقاق) باعتبار المعنى كما سميت السورة السابقة (سورة التطفيف) و(سورة انشقت) اختصارًا. [التحرير والتنوير (٣٠/ ٢١٧].\n(٢) \" خمس وعشرون آية \" ساقطة من (ب).\n(٣) وهي خمس وعشرون آية في عدِّ الجميع خلافًا للبصري والشامي فهي فيها ثلاث وعشرون آية [انظر: البيان؛ للداني (ص: ٢٦٨)، جمال القُرَّاء (٢/ ٥٥٥)].\n(٤) في (أ) \" خمس وعشرون آية، مكية، ويقال: سورة الكدح \".\n(٥) بإجماع من المفسِّرين. [انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٢٣٣)، المحرر الوجيز (٥/ ٤٥٦)].\n(٦) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٠/ ٣٤١١)، تفسير السمعاني (٦/ ١٨٦).\n(٧) في (أ) \" وقيل: هي \".\n(٨) في (أ) \" مجاز كناية \".\n(٩) معاني القرآن (٣/ ٢٥٠).\n(١٠) انظر: معاني القرآن (٥/ ٢٣٤).\n(١١) في (ب) \" لبسطت بأنه كان \".\n(١٢) لم أقف عليه.\n(١٣) في (أ) \" تقريحها \".\n(١٤) لم أقف عليه.\n(١٥) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (٣٠/ ١١٣) من طريق معمر عن الزهري عن علي بن الحسين - ﵁ - وأخرجه الحاكم (بنحوه) في مستدركه (٤/ ٥٧٠) في كتاب الأهوال عن علي بن الحسين عن جابر بن عبد الله، وقال الحاكم: \" هذا حديث صحيح الإسناد على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، وقد أرسله يونس بن يزيد ومعمر ابن راشد عن الزهري.\n(١٦) انظر: جامع البيان (٣٠/ ١١٤).","vol":"1","page":3558},{"text":"﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا﴾: أي الأرض ﴿وَحُقَّتْ (٥)﴾: وليس هذا بتكرار.\nواختلف المفسرون والنحاة في جواب ﴿إِذَا﴾ فقيل: تقديره: اذكر إذا السَّماء.\nالفَرَّاء: \" جوابه ﴿وَأَذِنَتْ﴾ والواو زيادة (١) \".\nوقيل: قاس هذا على ﴿حَتَّى إِذَا﴾ [آل عمران: ١٥٢] وفيه ضعف.\nالزَّجَّاج: \" جوابه ما يدل عليه ﴿فَمُلَاقِيهِ﴾ \" (٢).\nوقيل: فيه تقدير وتأخير، تقديره ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾، ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ أي: جزاءه.\nوقيل: جوابه ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ﴾ على إضمار الفاء ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ﴾ تجد ما تعمل به.\nوقيل: العامل فيه ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ﴾ و﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ﴾: اعتراض.\n﴿إِنَّكَ كَادِحٌ﴾: عامل ناصب، ﴿إِلَى رَبِّكَ﴾: أن تصير إلى ربك.\n﴿كَدْحًا﴾: عملًا، والكدح: السعي المتعب.\nوقيل: الكدح سعي يبقى له أثر.\n﴿فَمُلَاقِيهِ (٦)﴾: فملاق: كدخل، أي: جزاه خيرًا كان أو شرًا.\nوقيل: فملاق ربك.\n﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨)﴾: عن النبي - ﷺ - أنه قال: «الحساب اليسير التجاوز عن السيئات والاحتساب بالحسنات» (٣).\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن (٣/ ٢٥٠).\n(٢) انظر: معاني القرآن (٥/ ٢٣٤).\n(٣) لم أقف عليه بهذا اللفظ.","vol":"1","page":3559},{"text":"وقيل: هو العرض.\n﴿وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (٩)﴾: (١) بهم أتم السرور.\nوقيل: هم إخوانه من المؤمنين يُدعى من بينهم للمحاسبة فيرجع إليهم مسرورًا، ولفظ ... ﴿وَيَنْقَلِبُ﴾ يدل على المعنى الثاني من أن (٢) يكون بعد المفارقة.\n﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (١٠)﴾: قيل: لأن يديه غلتا إلى عنقه فيؤتى كتابه وراء ظَهْرِه.\nالكلبي: \" يغل يمين الكافر إلى عنقه ويلوي شماله وراء ظهره \" (٣).\nوقيل: يصير وجهه قفاه فيقرؤه كذلك.\nوقيل: المراد بقوله ﴿وَرَاءَ ظَهْرِهِ﴾ ما سَنَّ من سُنَّةٍ سيئة فُعُمِلَ بها بعده، تقول العرب: أظهرت بفلان أي: فعلت بعده ما يفعل هو، وهذا تعسّف.\n﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (١١)﴾: هلاكًا، وهو قوله: واهلاكاه.\nوقيل: هو لفظه (٤) يستعمل لمن أيقن بالهلاك.\n﴿وَيَصْلَى سَعِيرًا (١٢)﴾: يدخلهم (٥) جهنم.\n﴿إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ﴾ في الدنيا ﴿مَسْرُورًا (١٣)﴾ أي: بالكفر والباطل اللذين كان فيهما.\nوقيل: ﴿مَسْرُورًا﴾ بمعاصي الله لا يندم عليها (٦).\n_________\n(١) في (أ): \" ﴿وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ قيل: هم الذين أعلاهم الله للمؤمنين في الجنة مسرورًا ... بهم \".\n(٢) في (أ) \" لأن الانقلاب \".\n(٣) انظر: تفسير السمعاني (٦/ ١٨٩).\n(٤) في (أ) \" لفظ \".\n(٥) في (أ) \" يدخل \".\n(٦) في (ب) \" لا ندم عليها \".","vol":"1","page":3560},{"text":"وقيل: ﴿مَسْرُورًا﴾: نافعًا (١) لهواه.\n﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (١٤)﴾: لن يرجع ولن يبعث.\n﴿بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا (١٥)﴾: أي: عالمًا بعمله، وبما يصير إليه.\nابن عيسى: \" ﴿ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ﴾ والله يخبر أنه يحور، والله عالم بذلك وبجميع ... أموره\" (٢).\n﴿فَلَا أُقْسِمُ﴾: سبق.\n﴿بِالشَّفَقِ (١٦)﴾: هو الحمرة.\nوقيل: البياض.\nوقيل: النهار كله؛ ولهذا قرنه بالليل.\nوقيل: الشفق الشمس (٣).\n﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (١٧)﴾: جمع، من وسق الناقة.\n﴿وَسَقَ﴾ طرد من الواسقة (٤) أي: رجع كلّ شيء إلى مستقره ومأواه.\nوقيل: طرد بإظهار ما خفاه ضوء الشمس بالنهار والنجوم مطرودة بالنهار.\n﴿وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (١٨)﴾: تمَّ بدرًا. افتعل من الوسق (٥).\n﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (١٩)﴾: جواب القسم.\n_________\n(١) في (أ) \" تابعًا \".\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) انظر: جامع البيان (٣٠/ ١١٩)، زاد المسير (٨/ ٢٢٩).\n(٤) في (أ) \" الوسيقة \".\n(٥) انظر: مجاز القرآن (٢/ ٢٩١)، جامع البيان (٣٠/ ١١٩)، زاد المسير (٨/ ٢٢٩).","vol":"1","page":3561},{"text":"الجمهور (١): حالًا بعد حال، وأمرًا بعد أمر،ومنزلةً بعد منزله، من عز وذل، وفقر وسعة، وإحياء وإماتة، وبعث ومحاسبة، والدخول في الجنة أو نار (٢).\nأبو عبيدة: \" سنة الأوّلين وسنة من كان قبلهم\" (٣).\nوقيل: شدّة بعد شدّةٍ من الموت والحشر والحساب، من قولهم للدواهي: بنات طبق وأم طبق.\nوقيل: ﴿طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ طفولة، وشباب، وشيخوخة، وهرم، وموت، وإحياء، وثواب، وعقاب (٤).\nوقُرِئ ﴿لتَرْكَبَنَّ﴾ (٥) أي: لتَركَبَنَّ يا محمد طبقًا بعد (٦) طبقٍ من أطباق السماء، يعني ليلة المعراج، عن ابن مسعود - ﵁ - (٧).\nوقيل: الآخرة بعد الأولى، وقيل: ﴿عَنْ﴾ ها هنا للمجاورة.\nوقيل: ﴿عَنْ﴾ بمعنى بعد، قال:\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... وكابرًا سادوك عن كابر (٨)\nأي بعد كابر (٩).\n_________\n(١) في (أ) \" والجمهور \".\n(٢) انظر: مجاز القرآن (٢/ ٢٩٢)، معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ٢٥١)، جامع البيان (٣٠/\n(٣) انظر: مجاز القرآن (٢/ ٢٩٢).\n(٤) انظر: مجاز القرآن (٢/ ٢٩١)، جامع البيان (٣٠/ ١٢٢)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٢٣٦)، زاد المسير (٨/ ٢٣٠).\n(٥) وهي قراءة صحيحة سبعية كسابقتها، فقد قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي ﴿لتَرْكَبَنَّ﴾ بفتح الباء،\nوقرأ نافع وابن عامر وأبو عمرو وعاصم ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾ بضم الباء. [انظر القراءتين وتوجيههما: جامع البيان (٣٠/ ١٢٢)، السبعة في القراءات (ص: ٦٧٧)، معاني القراءات (ص: ٥٣٧)].\n(٦) في (أ) \" ﴿طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ \".\n(٧) انظر: جامع البيان (٣٠/ ١٢٢)، زاد المسير (٨/ ٢٣٠).\n(٨) البيت للأعشى ميمون من قصيدةٍ للأعشى ميمون، فضل فيها عامر بن الطفيل عدو الله على علقمة بن علاثة الصحابي قبل إسلامه، وتمامه:\nساد وألفى قومه سادةً ... وكابرًا سادوك عن كابر\n[انظر: خزانة الأدب (٣/ ١٨٤)].\n(٩) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٢٣٨)، جامع البيان (٣٠/ ١٢٢)، زاد المسير (٨/ ٢٣٠).","vol":"1","page":3562},{"text":"﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠)﴾: الفَرَّاء: \" ما يمنعهم من ذلك \" (١).\nالكسائي: \" ما لهم في أن لا يؤمنوا \" (٢).\n﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآَنُ لَا يَسْجُدُونَ (٢١)﴾: قيل: سجدة التلاوة.\nوقيل: لا يخضعون ولا يطيعون. والمراد به (٣) الكفار.\n﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (٢٢) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ (٢٣)﴾: يخفون في صدورهم ويجمعون من التكذيب بالنبيّ - ﷺ -\nوقيل: المراد: بما يفعلون؛ لأن أعمال الإنسان خيرها وشرها كالذخيرة في الوعاء.\nتقول: أوعيت المتاع في الوعاء إذا جعلته فيه، وأوعيت في أذنه فوعت، والأذن واعية.\n﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٤)﴾: استهزاء.\nوقيل: أخبرهم خبرًا يظهر أثره على بشرتهم.\n﴿إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: قيل استثناء منقطع أي: لكن المؤمنين لهم أجر.\nوقيل: متصل وهو من الضمير في ﴿فَبَشِّرْهُمْ﴾.\n﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٢٥)﴾: غير منقطع.\nوقيل: غير منقوص.\nوقيل: ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ به عليهم فإن المنّة تكدّر النعمة (٤).\n_________\n(١) لم أقف عليه في معاني القرآن.\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) في (أ) \" والخطاب للكفار \".\n(٤) في (أ) \" يتكدر عليهم النعمة. والله أعلم \".","vol":"1","page":3563},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-191>سورة البروج </span>(١)\nاثنتان وعشرون آية (٢) (٣) مكية (٤)\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (١)﴾: قيل المراد بها جميع السماوات.\nوقيل: السماء الدنيا؛ فإنها ذات البروج.\nابن عباس - ﵄ -: \" ﴿الْبُرُوجِ﴾ قصور في السماء \" (٥).\nالزَّجَّاج: \" ﴿الْبُرُوجِ﴾ النجوم والكواكب \" (٦).\nابن جُرير وابن عيسى (٧): \" منازل الشمس والقمر \" (٨).\nوقسمت العرب مجاري الكواكب اثني (٩) عشر قسمًا، وهي جملة عرض الفلك: الجمل، والثور والجوزاء، والسرطان، والأسد، والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجدي والدلو والحوت (١٠).\nوقيل: ﴿ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ الظهور.\n_________\n(١) وهو اسمها لقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (١)﴾، وسميت بذلك لذكر البروج في أولها، وبه سمِّيت في المصاحف وكتب السنة والتفاسير. [انظر: بصائر ذوي التمييز (١/ ٥١٠)، التحرير والتنوير (٣٠/ ٢٣٦)].\n(٢) \" اثنتان وعشرون آية \" ساقطة من (ب).\n(٣) وهي اثنتان وعشرون آية في جميع العدد ليس فيها اختلاف. [البيان؛ للداني (ص: ٢٦٩)].\n(٤) بإجماع المفسرين. [انظر: المحرر الوجيز (٥/ ٤٦٠)، زاد المسير (٨/ ٢٣٢)].\n(٥) انظر: جامع البيان (٣٠/ ١٢٧)، النُّكت والعيون (٦/ ٢٤٠).\n(٦) انظر: معاني القرآن (٥/ ٢٣٧).\n(٧) في (أ) \" ابن عيسى وابن جرير \".\n(٨) انظر: جامع البيان (٣٠/ ١٢٧)، ولم أقف على قول ابن عيسى.\n(٩) في (أ) \" اثنا عسر \".\n(١٠) انظر: الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ٢٧٢)، سرور النفس بمدارك الحواس الخمس؛ لأبي العباس التيفاشي (ص: ١٩٨).","vol":"1","page":3564},{"text":"وقيل: ﴿ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ الخَلْق الحسن.\nوقيل: ﴿ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ (١) الرمل والماء، حكاه أبو مسلم ولا أعرف لذلك وجهًا (٢).\n﴿وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (٢)﴾: هو يوم القيامة، وعد الأولين والآخرين به القضاء (٣) والجزاء والثواب والعقاب.\n﴿وَشَاهِدٍ﴾: يوم الجمعة ﴿وَمَشْهُودٍ (٣)﴾: يوم عَرَفة.\nوقيل: الشاهد يوم النحر، والمشهود يوم عَرفة.\nوقيل: الشاهد النبي، والمشهود أُمَّته، من قوله: ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ ... [النساء: ٤١].\nوقيل: الشاهد: هو (٤) الله من قوله: ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٨]، والمشهود: أنه لا إله إلاّ هو، يعني التوحيد.\nوقيل: الشاهد: الملائكة، والمشهود: الناس.\nوقيل: الشاهد: الناس، والمشهود: عَمَلُه.\nابن بحر: الشاهد: \"من يشهد القيامة ويحضره، والمشهود: ما يحضره \" (٥).\nوقيل: المشهود القيامة، والشاهد النبي - ﷺ -.\nوقيل: الشاهد عيسى، وقيل: آدم - ﵉ -، وقيل: ابن آدم.\nوقيل: الشاهد المُدركات، والمشهود المدرَكات.\nوقيل: الشاهد جوارح الإنسان، والمشهود الإنسان (٦). والله أعلم.\n_________\n(١) في (أ) \" ذات الرمل والماء \".\n(٢) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٣٢٣).\n(٣) في (أ) \" للقضاء \".\n(٤) \" هو \" ساقط من (ب).\n(٥) لم أقف عليه.\n(٦) والمعنى - والله أعلم - يحتمل ذلك كلَّه. [انظر: جامع البيان (٣٠/ ١٢٨)، تفسير السَّمرقندي (٣/ ٥٤١)، النُّكت والعيون (٦/ ٢٤١)، زاد المسير (٨/ ٢٣٣)].","vol":"1","page":3565},{"text":"﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (٤)﴾: جواب القسم، والتقدير: لقد قُتل، ومثله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس: ٩].\nالزَّجَّاج: \" جوابه: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ \" (١).\nصاحب النظم: جوابه: ﴿إِن الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢).\nوقيل: تقديره: قُتِلَ أصحاب الأخدود والسماء ذات البروج.\nومعنى قُتل: لُعن وعُذّب.\nوقيل: أراد به حقيقة القتل والإهلاك.\nوقيل: ﴿أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾: هم المؤمنون، فيكون القتل حقيقة أيضًا (٣).\nواختلفوا في ﴿أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾، فروي عن ابن عباس - ﵄ -: إنهم ناس من بني إسرائيل آمنوا بدانيال النبي - ﵇ - فأخذهم ملك من بني إسرائيل وأحرقهم بالنار في الأخدود (٤).\nوذكر الكلبي: أن ملكًا بنجران أحرق قومًا من المؤمنين فخدَّ لهم سبعة أخاديد فجمع (٥) فيها نفطًا وحطبًا ثم ألقاهم فيها فارتفعت النار حتى أحرقت أصحاب الأخدود (٦).\nوذكر الفرّاء: أحرقت أصحاب الأخدود ونجَّى المؤمنين (٧).\nوروي عن علي بن أبي طالب - ﵁ - (٨): أنهم قوم من بقاياهم المجوس كانوا يستحلون نكاح البنات والأخوات (٩).\n_________\n(١) معاني القرآن (٥/ ٢٣٧).\n(٢) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٣٢٣).\n(٣) انظر: جامع البيان (٣٠/ ١٣١).\n(٤) انظر: جامع البيان (٣٠/ ١٣٢)، تفسير القرآن العظيم (٤/ ٥٢٦).\n(٥) في (أ) \" وجمع \".\n(٦) انظر: تفسير الثعلبي (١٠/ ١٦٩)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ٢٧٧).\n(٧) انظر: معاني القرآن (٣/ ٢٥٣).\n(٨) في (ب) \" وروي عن علي - ﵁ - \".\n(٩) انظر: جامع البيان (٣٠/ ١٣١)، زاد المسير (٨/ ٢٣٥).","vol":"1","page":3566},{"text":"قتادة: \" كانوا من الحبش \" (١).\nالحسن والربيع: ﴿أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾ قوم آمنوا في الفترة واعتزلوا عبدة الأصنام وكانوا بضعة وثمانون رجلًا وامرأة، فعلم قومهم بهم وخدّوا الأخدود، فتوعدوهم (٢) بالإلقاء فيها إن لم يرجعوا، وبقيت عجوز معها ابن لها طفل (٣) فنكصت فصاح بها الابن: يا أمُّاه قفي ولا تنافقي، واسم الطفل قيل: الناقوس (٤).\nالسُّدي: \" ﴿الْأُخْدُودِ﴾ ثلاثة، خدٌّ بالشام، وخدٌّ بالعراق، وخدٌّ باليمن، وجمعه أخاديد \" (٥).\nالمبرد: \" ﴿الْأُخْدُودِ﴾ كانت في مشهدين: أحدهما: لبخت نصَّر على نصف فرسخ من الكوفة نصب عليها تمثالًا ودعا إلى السجود لها، فمن أبى قذف في النار، والأخرى: في ديار نجران خدّها يوسف ذو نواس الحِمْيَرِي \" (٦). والله أعلم.\n﴿النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (٥)﴾: بدل من ﴿الْأُخْدُودِ﴾ بدل اشتمال.\nوقيل: بالنار فحذف الباء، وهذا القول لا وجه له.\nو﴿الْوَقُودِ﴾ ما يوقد به النار من الحطب وغيره، وكل نار ذات وقود، وإنما ذكر ها هنا ليدل على عِظَمِ النار بكثرة وقودها.\nوقيل: احتراز عن نار الحجر وغيره.\n﴿إِذْ هُمْ﴾: يعني الكفار ﴿عَلَيْهَا﴾: على حافة النار.\n﴿قُعُودٌ (٦)﴾: جُلُوس على الكرسي.\n_________\n(١) لم أقف عليه من قول قتادة، وهو مروي من قول علي - ﵁ -. [انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٢٤١)، زاد المسير (٨/ ٢٣٦)].\n(٢) في (أ): فتوعدهم.\n(٣) في (أ) \" عجوز معها طفل ابن لها \".\n(٤) انظر: جامع البيان (٣٠/ ١٣٤)، غرائب التفسير (٢/ ١٣٢٤).\n(٥) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٢٤٢).\n(٦) لم أقف عليه.","vol":"1","page":3567},{"text":"﴿وَهُمْ﴾: أي الكفار ﴿عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (٧)﴾: حضور يرون ذلك.\nمقاتل: \" ﴿وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ يشهدون عليهم بالضلال حين تركوا عبادة الأصنام \" (١).\nابن بحر: \"ظاهر الآية تقضي أن هناك جماعة كانوا يصطلون على حفيرة فيها نار، وبين أيديهم قوم آخرون كانوا يعيبون (٢) نفرًا من المؤمنين يفزع (٣) من العذاب فلم ينكروا عليهم ولم ينصرهم (٤) فمقتهم الله مع الكفار وجعل لجميعهم عذاب جهنم وعذاب ... الحريق \" (٥).\n﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ﴾: أي: رأوا منهم مذمومًا وجبت نصرتهم (٦) له، أي: لم يكرهوا منهم دينا.\n﴿إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا﴾: أي: إيمانهم. وذكر بلفظ المستقبل إلاّ أن يديموا (٧) على الإيمان.\n﴿بِاللَّهِ الْعَزِيزِ﴾: الذي لا يرام ﴿الْحَمِيدِ (٨)﴾: المستحق للحمد.\n﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٩)﴾: عالم بكل ما يجري فيهن.\n﴿إِن الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾: أي أحرقوهم بالنار في الأخدود. وقيل: امتحنوهم ليرجعوا إلى الكفر.\n﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾: من الكفر والقتل ﴿فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ﴾: بكفرهم.\n﴿وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ (١٠)﴾: في الدنيا، وهو ما سبق أن النار ارتفعت من الأخدود فأهلكتهم.\nوقيل: في الآخرة.\nومعنى ﴿عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ أي: بإحراقهم المؤمنين.\nوقيل: إنما قال: ﴿عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ بعد قوله عَذَابٌ ﴿جَهَنَّمَ﴾ لأن في جهنم سوى ﴿عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ أنواعًا من العذاب.\nوقوله: ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ دليل على أن التوبة تزيل عقاب القتل وعقاب كل ذنب.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ (١١)﴾: أي النجاة العظيم.\nقيل: هذا وصف للمؤمنين الذين صبروا على تعذيب أصحاب الأخدود. وقيل: عام. وهذا أظهر ... .\n﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢)﴾: أي أخذه بالانتقام والعنف متضاعف مكرُوهُه وإيلامُه.\n﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (١٣)﴾: ابن عباس - ﵄ -: \" ﴿يُبْدِئُ﴾ العذاب ويعيده \" (٨).\nغيره: \" يُبدئ الخلق من العدم فيوجده ابتداءً ثم يعيده بعد أن صيّره ترابًا \" (٩).\nوقيل: يوجده من العدم ثانيًا.\n﴿وَهُوَ الْغَفُورُ﴾: لمن تاب من ذنبه.\n_________\n(١) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٢٤٢).\n(٢) في (أ) \" كانو يفتنون \".\n(٣) في (أ) \" بنوع \".\n(٤) في (أ) \" ينصروهم \".\n(٥) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٣٢٤).\n(٦) في (أ) \" مضرتهم \".\n(٧) في (ب) \" إلا أن يذموا \".\n(٨) انظر: جامع البيان (٣٠/ ١٣٨)، النُّكت والعيون (٦/ ٢٤٣).\n(٩) وهو مروي عن الضحاك وابن زيد. [انظر: جامع البيان (٣٠/ ١٣٨)].","vol":"1","page":3568},{"text":"﴿الْوَدُودُ (١٤)﴾: المحب لأوليائه.\n﴿ذُو الْعَرْشِ﴾: خالقُهُ وموجده.\nوقيل: ﴿الْعَرْشِ﴾ الملك.\n﴿الْمَجِيدُ (١٥)﴾: الجامع لخلال (١) الشرف والكرم، والعظم والرفعُ صفة الله، والجر أيضًا صفة الله (٢) في قوله: ﴿إِنَّ بَطْنِي رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ ذكره أبو علي في الحُجَّة (٣).\nوقيل: صفة العرش (٤).\nوقيل: معنى ﴿الْوَدُودُ﴾ المحبوب المودود، كالركوب والحلوب.\nوقيل: المحبّ نفسه إلى أوليائه بالإنعام.\n﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٦)﴾: من أفعال نفسه ولما يريد من أفعال عباده.\n﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (١٧) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (١٨)﴾: أي: تذكر ما كان من حديثهما وتجندهما وحذر قومك مثل ما أصابهم واصبر فالعاقبة لك (٥).\n﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (١٩)﴾: أي لا يتذكرون.\n﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ (٢٠)﴾: لا يفوتونه ولا يعجزونه.\nالزَّجَّاج: \" قدرته مشتمله عليهم \" (٦).\n_________\n(١) في (أ) \" لمحاسن الترف \".\n(٢) قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم ﴿الْمَجِيدُ﴾ بضم الدال، وقرأ حمزة والكسائي ... ﴿المجيدِ﴾ بكسر الدال [انظر القراءتين وتوجيههما: السبعة (ص: ٦٧٨)، معاني القراءات (ص: ٥٣٨)، الحُجَّة (٦/ ٣٩٣)].\n(٣) انظر: الحُجَّة (٦/ ٣٩٣).\n(٤) \" وقيل: صفة العرش \" ساقطة من (أ).\n(٥) في (أ) \" فإن العافبة لك \".\n(٦) انظر: معاني القرآن (٥/ ٢٣٨).","vol":"1","page":3569},{"text":"وقيل: الإحاطة بالشيء: ملكه والقدرة عليه.\n﴿بَلْ هُوَ قُرْآَنٌ مَجِيدٌ (٢١)﴾: ذو خير كثير، لا يناسب السحر والكهانة.\n﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (٢٢)﴾: أي (١): محفوظ من أن يُغيّره أو يُبدّل فيه.\nوقيل: ما يحفظه (٢) الملائكة.\nوقُرِئ بالرفع (٣) صفة للقرآن كقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ... [الحجر: ٩].\n_________\n(١) \" أي \" ساقطة من (أ).\n(٢) في (أ): \" وقيل: يحفظه (بدون ما) \".\n(٣) أي ﴿محفوظٌ﴾ وهي قراءة نافع وحده، وقرأ الباقون ﴿محفوظٍ﴾ [انظر القراءتين وتوجيههما: السبعة ... (ص: ٦٧٨)، معاني القراءات (ص: ٥٣٨)، الحُجَّة (٦/ ٣٩٦)].","vol":"1","page":3570},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-192>سورة الطَّارق </span>(١)\nسبعة عشر آية (٢) (٣) مكية (٤)\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (٢)﴾: في سبب النزول إنها نزلت في أبي طالب وذلك أنه أتى النبي - ﷺ - فأتحفه بخبز ولبن، وبينما هو جالس يأكل إذ انحطّ نجم، وامتلأ (٥) ماءً ثمّ نارًا ففزع أبو طالب وقال: أي شيء هذا؟ فقال: نجم رُمي به وهو آية من آيات الله. فتعجب أبو طالب، وأنزل الله هذه الآيات (٦).\nقوله: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾: هو ما طرق ليلًا، وأصله الطرق وهو الدَقّ من (٧) أتى ليلًا احتاج إلى الدَقّ للتنبيه، ومنه المِطْرَقة والطريق يدُقّهُ (٨) المارة، وأطرق أمسك، والألف للسلب (٩).\nوقيل: ﴿الطَّارِقُ﴾ الساكن.\n_________\n(١) كذا سميت في المصاحف كتب التفسير وكتب السنة، لوقوع هذا اللفظ في أولها في قوله تعالى: ... ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (١)﴾ [انظر: بصائر ذوي التمييز (١/ ٥١٢)، التحرير والتنوير (٣٠/ ٢٥٧)].\n(٢) \" سبعة عشر \" ساقطة من (ب).\n(٣) سبعة عشر آية عند الجميع غير المدني الأول فهي عنده ست عشرة آية. [انظر: البيان؛ للداني ... (ص: ٢٧٠)، جمال القراء (٥/ ٥٥٥)].\n(٤) بإجماع المُفسِّرين. [انظر: المحرر الوجيز (٥/ ٤٦٤)، زاد المسير (٨/ ٢٣٩)].\n(٥) في (أ) \" فامتلأ \".\n(٦) انظر: تفسير الثعلبي (١٠/ ١٧٧)، أسباب النزول للواحدي (ص: ٣٦٧).\n(٧) في (أ) \" لأن من أتى \".\n(٨) في (أ) \" والطريق هو الذي تدقه \".\n(٩) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٢٤٥)، زاد المسير (٨/ ٢٣٩)، الجامع لأحكام القرآن (٢٠/ ٥).","vol":"1","page":3571},{"text":"والمراد بالآية فيما ذهب إليه الجمهور: ﴿النَّجْمُ﴾: وهو اسم للجنس (١)، وطرُوقها: ظهورها بالليل (٢).\nوذهب بعضهم إلى أنه الثُّريّا، كما سبق في ﴿وَالنَّجْمِ﴾ [النجم: ١].\nوقال بعضهم: هو زحل.\nوعن ابن عباس - ﵄ -: \" أن زُحَلْ إذا أخذت النجوم أمكنتها من السماء هبط فكان معها ثم يرجع إلى مكانه من السماء السابعة \" (٣).\nوجاء عن علي - ﵁ - أيضًا: ولعلّهما أرادا هبط من حيث مرأى العين فإنها كلها في العين تُضِيء (٤) من السماء الدنيا فإن لا تفارق أفلاكها (٥) \" (٦). والله أعلم.\n﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (٢) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (٣)﴾: المضيء من الثقوب، وهو الإضاءة.\nوقيل: المرتفِع من قولهم: ثَقُبَ الطائرُ إذا لَحِقَ ببطن السماء ارتفاعًا.\nوقيل: ﴿الثَّاقِبُ﴾: من الثقب وهو النفوذ ونفوذه قيل: إضاءته من السماء السابعة إلى الأرض.\nوقيل: نفوذه طلوعه.\nوقيل: ﴿الثَّاقِبُ﴾: الشيطان حين يرمى به، فلا يكون وصفًا لزحل بل يكون وصفًا لنجوم القذف.\nوقيل: ﴿الثَّاقِبُ﴾: المتضح.\nوقيل: المبيض.\n_________\n(١) في (أ) \" وهو اسم الجنس \".\n(٢) انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ٢٥٤)، جامع البيان (٣٠/ ١٤١)، زاد المسير (٨/ ٢٣٩).\n(٣) انظر: تفسير الثعلبي (١٠/ ١٧٨)، غرائب التفسير (٢/ ١٣٢٧).\n(٤) في (أ): \" يضيء \".\n(٥) في (ب) \" فإن النجوم لا يفارق أفلاكها \".\n(٦) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٣٢٧)، زاد المسير (٨/ ٢٣٩).","vol":"1","page":3572},{"text":"وكلٌّ قريب (١).\n﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ﴾: جواب للقسم.\n﴿لَمَّا عَلَيْهَا﴾ \" ما \" زيادة، أي لعليها، والمعنى: أن على كل نفس حافظًا يحفظ عمله ورزقه وأجله ونفسه (٢).\nوقيل: بمعنى إلاّ.\n[قال سيبويه: \" يأتي ﴿لَمَّا﴾ بمعنى إلا] (٣): تقول نشدتُك اللهَ لما فعلتَ كذا ... وإلاّ فعلتَ \" (٤).\nوالمعنى: ما نفسٌ إلاّ عليها (٥).\n﴿حَافِظٌ (٤)﴾: من ربها.\n﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ﴾: يعني الكافر المنكر قدرة الله على البعث.\n﴿مِمَّ خُلِقَ (٥)﴾، ثم بين فقال:\n﴿خُ ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦)﴾ [الطارق: ٦] قٍ (٦)﴾: أي مابين ماء الرجل وماء المرأة فوحد لامتزاجهما. ومعنى  ﴿دَافِقٍ﴾: منصب باعتماد شديد، تقول: دفقت الماء فاندفق وتدفق.\n ﴿دَافِقٍ﴾  بمعنى مدفوق عند الكوفيين، وكذلك ليل نائم وسر كاتم.\n_________\n(١) وهو كما قال. [انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ٢٥٤)، جامع البيان (٣٠/ ١٤١)، النُّكت والعيون (٦/ ٢٤٦)، زاد المسير (٨/ ٢٣٩)].\n(٢) وهذا المعنى على وجه من قرأ بتخفيف ﴿لمَا﴾ وهم ابن كثير ونافع وأبو عمرو والكسائي. [انظر: جامع البيان (٣٠/ ١٤٢)، السبعة (ص: ٦٧٨)، معاني القراءات (ص: ٥٣٩)].\n(٣) ما بين المعقوفتين ساقط من (ب).\n(٤) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٣٢٧).\n(٥) وهذا المعنى على وجه من قرأ بتشديد ﴿لَمَّا﴾ وهم عاصم وابن عامر وحمزة. [انظر: جامع البيان (٣٠/ ١٤٢)، السبعة (ص: ٦٧٨)، معاني القراءات (ص: ٥٣٩)].","vol":"1","page":3573},{"text":"وعند البصريين: تقديره ذو دفق كتامر ولابن (١).\n﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧)﴾: ﴿الصُّورِ﴾ الظهر.\nو﴿التَّرَائِبِ﴾ عظام الصدر. قال:\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... ترائبها مصقولةٌ كالسَّجَنْجَلِ (٢) (٣).\nفماء الرجل من الصلب، وماء المرأة من الترائب.\nوقيل: من بين صلب الرجل وترائبه (٤).\nوعن الضحاك: \" ﴿التَّرَائِبِ﴾ العينان واليدان والرجلان \" (٥).\nوعن سعيد: \" ﴿التَّرَائِبِ﴾: \" الأضلاع إلى (٦) أسفل الصلب، أربع من هذا الجنب وأربع من هذا الجنب \" (٧).\nمجاهد: \" من بين المنكبين والصدر \" (٨).\nوقيل: هي عصارة الولد (٩) ومنه يكون الولد.\n﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (٨)﴾: عكرمة ومجاهد: \" على ردِّ الماء في الإحليل بعد دفوقه \" (١٠).\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ٢٥٥)، جامع البيان (٣٠/ ١٤٣)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٢٣٩).\n(٢) السَّجَنْجَلُ: المرآة، والسَّجَنْجَلُ أَيضًا قِطَع الفِضَّة وسَبائِكُها، ويقال: هو الذَّهبُ. [انظر: لسان العرب (١١/ ٣٢٥)، مادة \" سَجَلَ \"].\n(٣) البيت لامرئ القيس من معلقته، وتمامه:\nمهفهفةٌ بيضاءُ غير مُفاضَة ... ترائبها مصقولةُ كالسَّجَنْجَلِ\nانظر: ديوان امرئ القيس (ص: ٤٢).\n(٤) انظر: جامع البيان (٣٠/ ١٤٣)، تفسير الثعلبي (١٠/ ١٧٩)، النُّكت والعيون (٦/ ٢٤٦)، زاد المسير (٨/ ٢٤٠).\n(٥) انظر: جامع البيان (٣٠/ ١٤٤)، النُّكت والعيون (٦/ ٢٤٦).\n(٦) في (أ) \" التي \".\n(٧) انظر قول سعيد بن جبير: جامع البيان (٣٠/ ١٤٤)، النُّكت والعيون (٦/ ٢٤٧).\n(٨) انظر: جامع البيان (٣٠/ ١٤٤)، تفسير الثعلبي (١٠/ ١٧٩).\n(٩) في (أ) \" الصلب \".\n(١٠) انظر: جامع البيان (٣٠/ ١٤٥)، النُّكت والعيون (٦/ ٢٤٧).","vol":"1","page":3574},{"text":"الضحاك: \" أي (١) هو قادر على أن يرده ماء كما كان، فيرد من الشيخوخة إلى الشباب، ومن الشباب إلى الطفولة والصغر حتى يصير كما كان \" (٢).\nقتادة: \" على بعثه وإعادته بعد موته لقادر (٣) \" (٤).\n﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (٩)﴾: يمتحن ويستخرج المكتوم.\nقيل: فرائض (٥) الله من الأعمال التي لو شاء العبد أن يقول فعلتها ولم يكن فعلها أمكنه كالصوم والوضوء (٦) وغسل الجنابة (٧).\n﴿فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ﴾: في نفسه ﴿وَلَا نَاصِرٍ (١٠)﴾: عشيرة ومنعة.\n﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (١١)﴾: يرجع بالغيث وأرزاق العباد كل عام.\nوقيل: ﴿الرَّجْعِ﴾ المطر والماء. قال:\nأبيض كالرجع رَسُوب إذا ... ما ثَاخَ في محتفلٍ يختلي (٨).\nعن ابن عباس﵄ -: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ﴾ السَّحاب فيه المطر \" (٩).\nوقيل: رجعها طلوع شمسها كل نهار ونجومها كل ليل (١٠).\n_________\n(١) \" أي \" ساقطة من (ب).\n(٢) انظر: جامع البيان (٣٠/ ١٤٦)، تفسير الثعلبي (١٠/ ١٨٠).\n(٣) \" لقادر \" ساقط من (ب).\n(٤) انظر: جامع البيان (٣٠/ ١٤٦)، تفسير الثعلبي (١٠/ ١٨٠).\n(٥) في (أ) \" هي فرائض \".\n(٦) \"والوضوء \" ساقطة من (أ).\n(٧) انظر: جامع البيان (٣٠/ ١٤٦) النُّكت والعيون (٦/ ٢٤٧).\n(٨) البيت للمُتنخِّل الهُذلي يصف السيف. [انظر: جامع البيان (٣٠/ ١٤٧)، لسان العرب (٣/ ١١)، مادة \" ثَوَخَ \"، ومعنى البيت كما قال ابن منظور: \" أَراد بالأَبيض السيف والرَّجْع الغَدير شبه السيف به في بياضه، والرَّسُوبُ: الذي يَرْسُب في اللحم، والمُحْتَفَل أَعظم موضع في الجسد، ويختلي: يَقْطَعُ، وثاخَ وساخَ: ذهب في الأَرض سُفْلًا، وثاختِ الإِصْبَعُ في الشيء الوارم ساخت\"].\n(٩) انظر: جامع البيان (٣٠/ ١٤٧).\n(١٠) انظر: جامع البيان (٣٠/ ١٤٧)، النُّكت والعيون (٦/ ٢٤٧).","vol":"1","page":3575},{"text":"﴿وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ (١٢)﴾: الشق بالنبات، ومثله: ﴿شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا﴾ [عبس: ٢٦].\nمجاهد: \" هما السدّان بينهما طريق نافد، مثل مأزمي (١) عرفة \" (٢).\nوقيل: ذات الأودية (٣).\n﴿إِنَّهُ﴾: أي القرآن.\n﴿لَقَوْلٌ فَصْلٌ (١٣)﴾: حقٌّ وجدٌّ وجزل يفصل بين الحق والباطل.\nويحتمل أن ذكر القيامة: قولٌ فصلٌ: قاطع لا مَثْنَويَّة فيه ﴿وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ (١٤)﴾: بالكذب واللعب والباطل.\n﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥)﴾: يعني أهل مكة، من قوله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية [الأنفال (٣٠)].\n﴿وَأَكِيدُ كَيْدًا (١٦)﴾ قيل: هو استدراج الله أتاهم (٤) من حيث لا يعلمون.\nوقيل: انتقم منهم في الآخرة بالنار، وبالسيف في الدنيا.\nوقيل: نقض الله كيدهم وإبطاله عليهم كيد (٥).\n﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ﴾: اجعل لهم مهلة وأجلًا لا تستعجل هلاكهم.\nوالتمهيل والإمهال لغتان (٦).\n﴿رُوَيْدًا (١٧)﴾: صفة مصدر محذوف. أي: إمهالًا قليلًا.\nقال ابن جنّي: \" هذه ألفاظ مختلفة والمعنى واحد إنمّا اختلفت (٧) اجتنابًا للتكرار\" (٨)، وتقديرها: مهّل ثم أمهل ثم رويدًا، أي أرودهم رويدًا، وأروَد وأمهل بمعنى.\nورويد تصغير أرواد (٩) بالترخيم.\nقيل: هو ما وقع بهم يوم بدر.\nوقيل: هو يقع في القيامة.\nوقيل: هذا منسوخ.\nوقيل: محكمٌ (١٠). والله أعلم.\n_________\n(١) المَأْزِم: كلُّ طريق ضيِّق بين جبلين، وموضع الحَرْبِ أَيضًا مَأْزِمٌ، ومنه سمي الموضع الذي بين المَشْعَر وعَرَفة مَأْزِمَيْن. [انظر: لسان العرب (ج ١٢ / ص ١٦)، مادة \" أَزَم \"].\n(٢) انظر: جامع البيان (٣٠/ ١٤٩) وفيه مثل: مأزم منى، تفسير الثعلبي (١٠/ ١٨١).\n(٣) انظر: جامع البيان (٣٠/ ١٤٨)، النُّكت والعيون (٦/ ٢٤٩).\n(٤) في (أ) \" إياهم \".\n(٥) وكلُّ ذلك يحتمله المعنى، والله أعلم. [انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٢٤٩)، الجامع لأحكام القرآن (٢٠/ ١٥)].\n(٦) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٢٤٩)، زاد المسير (٨/ ٢٤٢).\n(٧) في (ب) \" اختلف \".\n(٨) انظر: المُحْتَسَب (٢/ ٤١٩).\n(٩) في (ب) \" إرواد \".\n(١٠) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٢٥٠)، الجامع لأحكام القرآن (٢٠/ ١٥).","vol":"1","page":3576},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-193>سورة الأعلى </span>(١)\nسبع عشرة آية (٢) (٣) مكية (٤)\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾: أصل التسبيح التنزيه، وقد تقدم، والاسم زيادة، والتقدير: سبّح ربك.\nوقيل: اسمه صفته وقيل: ومعناه نزّه وصفه عمّا لا يليق به.\nوقيل: نزه اسمه عن أن يسمى به غيره.\nوقيل: صَلِّ.\nوجاء مرفوعًا أن النبي - ﷺ - لمّا نزلت هذه الآية قال: \"اجعلوها في سجودكم \" (٥).\nوعن أُبيّ - ﵁ -: \" إنه كان يفتتح هذه السورة بسبحان ربي الأعلى، ويقول: معناه: قل سبحان ربي الأعلى \" (٦).\nوقيل: ارفع صوتك بقراءته. قال الشاعر:\nقبَّحَ (٧) الإله وجوه تغلب كلما ... سَبحَ الحجيج وكبروا إهلالا (٨) (٩)\n_________\n(١) هذه السورة وردت تسميتها في السُّنة سورة: (سبح اسم ربك الأعلى)،\nوسماها أكثر المفسرين وكتَّاب المصاحف (سورة الأعلى) لوقوع صفة الأعلى فيها دون غيرها، وذلك\nوهو اسمها لقوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾، وتسمَّى سورة \" سبح \"، [انظر: بصائر ذوي التمييز (١/ ٥١٤)، التحرير والتنوير (٣٠/ ٢٧١)].\n(٢) \" سبع عشرة آية \" ساقطة من (ب).\n(٣) وهي تسع عشرة آية في جميع العدد ليس فيها اختلاف. [انظر: البيان؛ للداني (ص: ٢٧١)].\n(٤) وهي مكية في قول الجمهور. [انظر: المحرر الوجيز (٥/ ٤٦٨)، زاد المسير (٨/ ٢٤٤)].\n(٥) سبق تخريجه (ص: ٨٠٢).\n(٦) انظر: جامع البيان (٣٠/ ١٥١)، غرائب التفسير (٢/ ١٣٢٩).\n(٧) في (أ) \" فتح \".\n(٨) البيت لجرير بن عطية يردُّ فيها على الأخطل النصراني، وفيه بلفظ:\nقبَّحَ الإلهُ وجوه تغلب كلما ... شَبَحَ الحجيج وكبروا إهلالا\nعبدوا الصليب وكذَّبوا بمحمدٍ ... وبجبرئيل وكذَّبوا مِيكالا\nانظر: ديوان جرير (ص: ٣٦٠).\n(٩) انظر: جامع البيان (٣٠/ ١٥١)، النُّكت والعيون (٦/ ٢٥١).","vol":"1","page":3577},{"text":"﴿الْأَعْلَى﴾: علا كل شيء قُدْرَهً وسلطانًا، والألف للمبالغة لا للمقابلة.\n﴿الَّذِي خَلَقَ﴾: أي الخلائق.\n﴿فَسَوَّى (٢)﴾: مستويًا أشهدَه على نفسه أنه (١) خلقه على الفطرة.\nوقيل ﴿فَسَوَّى﴾: أحسن.\nابن جرير: \" عدّل، والتسوية التعديل \" (٢).\n﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣)﴾ أي ﴿قَدَّرَ﴾ الأشياء، والتخفيف والتشديد بمعنى.\nوقيل: ﴿قَدَّرَ﴾ بالتَّخفيف: ملك.\nو﴿قَدَّرَ﴾ بالتشديد جعله قادرًا ﴿فَهَدَى﴾ (٣).\nالفَّراء: \" فهدى وأضل فاقتصر على أحد الضدين \" (٤).\nالزَّجَّاج: \" فهداه السبيل إما شاكرًا وإما كفورًا \" (٥).\nوقيل: هدى الإنسان لمصالحه والبهائم لمراتعه.\nوقيل: هدي الذكر لمأتى الإناث.\nوقيل: هداه لمعاشه (٦).\n﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤)﴾: أنبت ما ترعاه الدواب.\n_________\n(١) في (أ) \" بأنه \".\n(٢) انظر: جامع البيان (٣٠/ ١٥٢).\n(٣) قرأ الكسائي وحده ﴿قَدرَ﴾ بتخفيف الدال، وقرأ الباقون ﴿قَدَّرَ﴾ بتشديد الدال. [انظر: السبعة ... (ص: ٦٨٠)، الحجة (٦/ ٣٩٨)].\n(٤) انظر: معاني القرآن (٣/ ٢٥٦).\n(٥) انظر: معاني القرآن (٥/ ٢٤١).\n(٦) انظر: جامع البيان (٣٠/ ١٥٢)، النُّكت والعيون (٦/ ٢٥٢).","vol":"1","page":3578},{"text":"﴿فَجَعَلَهُ غُثَاءً﴾: هو ما جفَّ من النبت وهشم فحمله السيل.\nوقيل: الغثاء: الأخلاط من أصناف شتى.\n﴿أَحْوَى (٥)﴾: أسود محترقًا (١).\nالفَرَّاء والزَّجَّاج: فيه تقديم وتأخير، تقديره: أخرج المرعى أحوى أسود من شدة خضرته وكثرة رِيِّه (٢).\nوقيل: من كل لون.\nو﴿أَحْوَى﴾ على هذا الوجه: حال لـ ﴿الْمَرْعَى﴾ ﴿فَجَعَلَهُ غُثَاءً﴾.\n﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦)﴾: عن ابن عباس - ﵄ -: أن النبي - ﷺ - كان إذا نزل عليه جبريل بالوحي يقرؤه مخافة أن ينساه، فأنزل الله - تعالى -: ﴿سَنُقْرِئُكَ﴾ (٣) أي: نُعلّمك ونَحفظُ عليك ما تقرؤه ولا تنساه، أي: وأنت لا تنساه أخبار.\nوقيل: نهي، وألفه ألف الفواصل، كقوله: ﴿الظُّنُونَا﴾ [الأحزاب: ١٠] و﴿السَّبِيلَا﴾ [الأحزاب: ٦٧]، وهذا تعسفٌ (٤).\n﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾: الفَرَّاء: \" وهو لا يشاء وما نسي - ﷺ - شيئًا من القرآن \" (٥).\nالحسن وقتادة: \" إلا ما شاء الله أن ينسخه فتنساه (٦) إذا تركت قراءته \" (٧).\nابن جرير: لا تنساه (٨) إذا درسته ولم تترك قراءته حتى نسخ (٩) \" (١٠).\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ٢٥٦)، جامع البيان (٣٠/ ١٥٢)، النُّكت والعيون (٦/ ٢٥٢).\n(٢) انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ٢٥٦)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٢٤١).\n(٣) تقدم تخريجه (ص: ١١٩٠).\n(٤) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٣٣٠).\n(٥) انظر: معاني القرآن (٣/ ٢٥٦).\n(٦) في (ب) \" فينساه \".\n(٧) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٢٥٣).\n(٨) في (ب) \" لا ينساه \".\n(٩) في (أ) \" حين نسخ \".\n(١٠) انظر: جامع البيان (٣٠/ ١٥٤).","vol":"1","page":3579},{"text":"وقيل: معنى لا ينسى: لا يترك (١) العمل بما أمرت به إلا ما شاء الله أن لا تعمل به بالنسخ (٢).\nالزَّجَّاج: \" ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ ثم تذكره (٣) \" (٤) من قوله: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤].\nابن عيسى: \" ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ أن يؤخر إنزاله \" (٥).\n﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى (٧)﴾:\nابن جرير: \" ﴿الْجَهْرَ﴾: ما ظهر، ﴿وَمَا يَخْفَى﴾: الوسوسة \" (٦).\nوقيل: ﴿الْجَهْرَ﴾: ما تحفظه (٧)، ﴿وَمَا يَخْفَى﴾: ما تنساه بعد النسخ.\nوقيل: ﴿الْجَهْرَ﴾: قراءته، ﴿وَمَا يَخْفَى﴾ مخافة نسيانه (٨).\n﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى (٨)﴾: للخلّة اليسرى، وهو سهولة عمل الخير.\nوقيل: اليسرى الجنة، أي ييسر لك (٩) أسباب دخولها (١٠).\n﴿فَذَكِّرْ﴾: أي بالقرآن. وقيل: بالله رغبة ورهبة.\n﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (٩)﴾: أي الذكرى نافعة. ﴿وإِنْ﴾ مخففة من المثقلة.\nوقيل: تقديره ﴿إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ وإن لم تنفع (١١) فيكون الشرط غير معتد به، وقد سبق أمثاله.\nوقيل: ذكرهم إن طمعتَ في قبولهم.\nوقيل: ﴿إِنْ﴾ بمعنى النفي.\n﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى (١٠)﴾: سيتعظ من يخشى الله.\n﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (١١)﴾: ويتجنب الذكرى الأشقى الكافر.\n﴿الَّذِي يَصْلَى﴾: (١٢) يدخل.\n﴿النَّارَ الْكُبْرَى (١٢)﴾: نار جهنم. والصغرى: نار الدنيا.\nوروى أبو هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «إن ناركم هذه جزء من سبعين جزءًا من نار جهنم، غسلت بماء البحر مرتين ولولا ذلك لما خُلقت فيها منفعة» (١٣).\nوقيل: الطبقة السفلى منها.\n﴿ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (١٣)﴾: نفي موتًا بصفة، وحياةً بصفة.\nوقيل: أي لا يموت موتًا مريحًا ولا يحيا حياة مَلَذَّة.\nوقيل: هي عبارة عن شِدَّةٍ بلغت النهاية.\n﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ صادق البقاء (١٤) ونال الفوز.\n_________\n(١) في (أ) \" لا تنسى لا تترك \".\n(٢) انظر: جامع البيان (٣٠/ ١٥٤).\n(٣) في (أ) \" يذكره \".\n(٤) انظر: معاني القرآن (٥/ ٢٤١).\n(٥) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٢٣٥).\n(٦) انظر: جامع البيان (٣٠/ ١٥٤).\n(٧) في (أ) \" ما يحفظه، ﴿وَمَا يَخْفَى﴾: ما ينساه \".\n(٨) في (أ) \" مخافته نسيانه \".\n(٩) في (أ) \" تيسر لك \".\n(١٠) انظر: جامع البيان (٣٠/ ١٥٤)، النُّكت والعيون (٦/ ٢٥٤).\n(١١) في (أ) \" تنفع \".\n(١٢) في (أ) \" ﴿الَّذِي يَصْلَى النَّارَ﴾: يدخل النار. ﴿الْكُبْرَى (١٢)﴾: نار جهنم .. \".\n(١٣) سبق تخريجه (ص: ٨٠١).\n(١٤) في (ب) \" ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾: بمن صادق البقاء \".","vol":"1","page":3580},{"text":"﴿مَنْ تَزَكَّى (١٤)﴾: عكرمة: \" قال لا إله إلا الله \" (١).\nالزَّجَّاج: \" تَكَثَّر بالتقوى \" (٢).\nوقيل: يتطهر من المعاصي.\nقتادة: \"أخرج الزكاة المفروضة \" (٣).\nوقيل: صدقة الفطر.\n﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾: أي التكبير يوم العيد.\n﴿فَصَلَّى (١٥)﴾: صلاة العيد.\nوقيل: الصلوات الخمس.\nوقيل: صلاة الليل (٤).\n﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦)﴾: على الآخرة، والضمير للأشقين (٥).\nوقرئ بالتاء (٦) على تقدير: قل لهم، فالخطاب لهم أيضًا.\nوقيل: الخطاب للمؤمنين.\nوقيل: أي: بل تؤثرون الاستكثار من الدنيا على الاستكثار من الآخرة (٧).\n﴿وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧)﴾: أي ﴿خَيْرًا﴾ للمؤمنين.\nو﴿وَأَبْقَى﴾ للجزاء والثواب.\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٣٠/ ١٥٦)، تفسير الثعلبي (١٠/ ١٨٥).\n(٢) انظر: معاني القرآن (٥/ ٢٤٢).\n(٣) انظر: جامع البيان (٣٠/ ١٥٦).\n(٤) انظر: جامع البيان (٣٠/ ١٥٥)، النُّكت والعيون (٦/ ٢٥٥)، زاد المسير (٨/ ٢٤٧).\n(٥) وهذا على قراءة من قرأ بالياء ﴿يؤْثِرُونَ﴾، وهي قراءة أبي عمروٍ وحده من السَّبعة. [انظر: السبعة ... (ص: ٦٨٠)، الحجة (٦/ ٣٩٨)]\n(٦) أي ﴿تُؤْثِرُونَ﴾ [انظر: السبعة (ص: ٦٨٠)، الحجة (٦/ ٣٩٨)].\n(٧) انظر: جامع البيان (٣٠/ ١٥٧)، النُّكت والعيون (٦/ ٢٥٥).","vol":"1","page":3581},{"text":"قتادة: \" ﴿خَيْرًا﴾ في الخير، و﴿وَأَبْقَى﴾ في البقاء \" (١) وهذا تفسير لا يخفى على أحد.\n﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨)﴾: هذا إشارة إلى فلاح المتزكي وكون الآخرة خيرٌ وأبقى.\nوقيل: إشارة إلى ما في السورة أجمع.\nوقيل: إشارة إلى جميع القرآن (٢).\nوالصُّحُف: جمع صَحِيفة.\nثم أبدل فقال:\n﴿صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (١٩)﴾ أي ما أنزل عليهما.- صلوات الله عليهم أجمعين -.\n_________\n(١) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٣٣١)، وعند ابن جرير عن قتادة قال: \" تتابعت كتب الله كما تسمعون أن الآخرة خير وأبقى \" [انظر: جامع البيان (٣٠/ ١٥٨)].\n(٢) انظر: جامع البيان (٣٠/ ١٥٨)، النُّكت والعيون (٦/ ٢٥٦).","vol":"1","page":3582},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-194>سورة الغَاشِيَة </span>(١)\nسِتٌّ وعشرون آية (٢) (٣) مكية (٤)\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١)﴾: ﴿هَلْ﴾ استفهام، ومعناه ها هنا: تعظيم المستفهم عنه، أي: ينبه (٥) الغاشية.\nالزَّجَّاج: أي: لم يكن هذا من علمك ولا من علم قومك حتى أعلمتكم \" (٦).\n﴿الْغَاشِيَةِ﴾ القيامة؛ لأنها تغشى القلوب بشدائدها (٧).\nسعيد: \" ﴿الْغَاشِيَةِ﴾ النار \" (٨)، من قوله: ﴿وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ (٥٠)﴾ [إبراهيم: ٥٠] \".\n﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾: أي وجوه الكفار، وعَبَّرَ بها عن أصحابها؛ لأنها تشمل (٩) على الحواس الخمس.\n_________\n(١) سميت هذه السورة في المصاحف والتفاسير (سورة الغاشية) وكذلك عنونها الترمذي في كتاب التفسير من (جامعه) لوقوع لفظ (الغاشية) في أولها في قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١)﴾، وثبتت في السنة تسميتها سورة ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾، وربما سميت (سورة هل أتاك) بدون كلمة (حديث الغاشية). [انظر: بصائر ذوي التمييز (١/ ٥١٦)، التحرير والتنوير (٣٠/ ٢٩٣)].\n(٢) \" سِتٌّ وعشرون آية \" ساقط من (ب).\n(٣) وهي ست وعشرون آية في جميع العدد ليس فيها اختلاف. [انظر: البيان؛ للداني (ص: ٢٧٢)].\n(٤) بلا خلاف عند المفسرين. [انظر: المحرر الوجيز (٥/ ٤٧٢)، زاد المسير (٨/ ٢٤٩)].\n(٥) في (أ) \" عنه ينبه \".\n(٦) انظر: معاني القرآن (٥/ ٢٤٣).\n(٧) انظر: جامع البيان (٣٠/ ١٥٩).\n(٨) انظر قول سعيد بن جبير: جامع البيان (٣٠/ ١٥٩)، النُّكت والعيون (٦/ ٢٥٧).\n(٩) في (ب) \" لأنها تشتمل \".","vol":"1","page":3583},{"text":"﴿خَاشِعَةٌ (٢)﴾: ذليلة.\n﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣)﴾: تعالج السلاسل والأغلال.\nوقيل: تقاسي (١) الشدائد وتكابد المكاره.\nالسُّدي: \" ﴿عَامِلَةٌ﴾ في الدنيا ﴿نَاصِبَةٌ﴾ في الآخرة \" (٢).\nوقيل: ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾ في الدنيا، أي في غير ما أمره الله.\nوقيل: هم نُسَّاك (٣) اليهود والنصارى من الرهبانيّة وغيرهم (٤).\n﴿تَصْلَى نَارًا﴾: تدخل، من صَلِيَ يَصْلَى، و﴿تَصْلَى﴾، من أصلاه الله (٥).\n﴿حَامِيَةً (٤)﴾: أي متناهية في الحرارة.\n﴿تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آَنِيَةٍ (٥)﴾: بلغت إنائها في نضجها (٦) وإدراكها.\nوقيل: بلغت وقتها وحان شرابها من آناء الليل.\n﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (٦)﴾:\nسعيد: \" الضريع: الحجارة \" (٧).\nالحسن: \" الضريع: هو الذي يضرعون عنده ويذلّون لما في أكله من الشدة \" (٨).\n_________\n(١) في (أ) \" يقاسي \".\n(٢) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٣٣٣).\n(٣) (\" ... (نسَّاك \" ساقطة من (أ).\n(٤) انظر: جامع البيان (٣٠/ ١٦٠)، النُّكت والعيون (٦/ ٢٥٨).\n(٥) قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم، ﴿تَصْلَى﴾ بفتح التاء، وقرأ أبو عمرو وعاصم في رواية أبى بكر ﴿تَصْلَى﴾ مضمومة التاء خفيفة. [انظر: السبعة (ص: ٦٨١)، الحُجَّة (٦/ ٣٩٩)].\n(٦) في (ب) \" نصحها \".\n(٧) انظر: جامع البيان (٣٠/ ١٦٢)، النُّكت والعيون (٦/ ٢٥٩).\n(٨) انظر: تفسير الثعلبي (١٠/ ١٨٨)، غرائب التفسير (٢/ ١٣٣٤).","vol":"1","page":3584},{"text":"الضحاك: \"شجرة في النار من جنس النار يشبه الضريع، أو من جنس لا تفنيه النار \" (١). وقيل: هذا مثلٌ.\nوالضريع عند العرب: نبت لاطئ بالأرض له شوك يقال لرطبه: الشبرق، فإذا يبس سمي ضريعًا، ويقال: إنه يسمن الإبل رطبًا (٢).\nوذكر أنّ أبا جهل قال لما نزلت هذه الآية: استهزأ وقال: وما بال الضريع سيسمننا في الدنيا كما يسمن إبلنا؟!، فأنزل الله: ﴿لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (٧)﴾: فضلًا عن السِّمن (٣).\nالمبرد: هو أبشمُ مطعم وأخبثه (٤).\nوقيل: الضريع: سُمٌّ.\n﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ (٨)﴾: أي وجوه المؤمنين.\nقيل: أراد و﴿وُجُوهٌ﴾ بواو العطف، فحذف الواو.\n﴿نَاعِمَةٌ﴾ متنعمة في لين العيش.\n﴿لِسَعْيِهَا﴾: طاعتها وعملها في الدنيا. والمعنى: لأجل سعيها.\n﴿رَاضِيَةٌ (٩)﴾: (٥) رضيت عملها إذ أرادت حميد عاقبتها.\nوقيل: فيه تقديم، والتقدير: راضية لسعيها، واللام زيادة، كما تقول: ضارب لزيد، وأنت تريد: ضارب زيد.\n﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (١٠)﴾: غرف فوق غرف.\n_________\n(١) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٣٣٤)، وفي جامع البيان (٣٠/ ١٦٢) عن ابن عباس وابن زيد.\n(٢) انظر: جامع البيان (٣٠/ ١٦١)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٢٤٣).\n(٣) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٣٣٤).\n(٤) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٣٣٤)، وفيه \" أشأم طعام وأخسه \".\n(٥) في (أ): ﴿رَاضِيَةٌ﴾ ساقطة.","vol":"1","page":3585},{"text":"وقيل: عالية الشأن.\n﴿لَا تَسْمَعُ﴾: أي الوجوه.\n﴿فِيهَا لَاغِيَةً (١١)﴾: كلمة ذات لغو، وهو الكلام الساقط غير المرضي.\nالفَرَّاء: \" نفس لاغية تحلف كاذبة \" (١).\nقتادة والزجاج: \" مأثما \" (٢).\n﴿فِيهَا﴾: في الجنة.\n﴿عَيْنٌ جَارِيَةٌ (١٢)﴾: عين ماءٍ جارية على وجه أرضها من غير أخدود لا ينقطعُ أبدًا.\n﴿فِيهَا سُرُرٌ﴾: جمع سرير.\n﴿مَرْفُوعَةٌ (١٣)﴾: أي: طوال قوائمها منصوبة (٣) على أنشازٍ يطّلعُ القاعدُ عليه على ما خوّله الله - تعالى - من النعيم، طوله مائة فرسخ.\n﴿وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ (١٤)﴾: جمع كوب، وهو الآنية لا عروة لها ولا خرطوم.\nوقيل: الكوب القدح.\n﴿مَوْضُوعَةٌ﴾: وضعت على حافات الأنهار.\nوقيل: وضعت تزيينًا للمجالس.\n﴿وَنَمَارِقُ﴾: جمع نمرقَة بالفتح والضم، وهي الوسادة. وقيل: أنصافها.\n﴿مَصْفُوفَةٌ (١٥)﴾: موضوعة بعضها إلى جنب بعض على الطول.\n﴿وَزَرَابِيُّ﴾: جمع زربيّ، وهو البساط (٤).\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن (٣/ ٢٥٧).\n(٢) انظر: معاني القرآن (٣/ ٢٥٧)، جامع البيان (٣٠/ ١٦٣).\n(٣) في (أ): منصوبة.\n(٤) انظر: جامع البيان (٣٠/ ١٦٤)، النُّكت والعيون (٦/ ٢٦١).","vol":"1","page":3586},{"text":"﴿مَبْثُوثَةٌ (١٦)﴾: متفرقة في المجالس مختلفة الألوان.\nوقيل: مفروشة.\n﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧)﴾: خَصَّ الإبل بالذِّكر؛ لِحُبُّ العرب إيَّاها، وممارستهم أحوالها، وأنها تنقاد (١) مع عِظم جسمها (٢)، وكثرة أجزائها للصبي الطفل.\nوقيل: تلفيقها بالأول من وجه وهو: إنهم قالوا: كيف يصعد المؤمن السرير الموصوف بالطول المذكور، فذكر الله الإبل؛ أي أن السرير تطأطئ للمؤمن كما تطأطئ الإبل رأسها لراكبها (٣).\nابن عيسى: \" الإبل: السَّحاب، ذكره في كتاب الاشتقاق \" (٤).\n﴿وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨)﴾: أي رفعت عن الأرض غير منفصلة.\n﴿وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩)﴾: على الأرض غير منفصلة.\nالمبرد: الفائدة في ذكر الجبل: أنهم يصعدون إلى الجبل الصيخود (٥) عامّة يوم (٦)، فإذا أفضوا إلى أعلاه أفضوا إلى عيون منفجرة وثمار مُتَهَدِّلة لم تحرثها (٧) الأيدي نعمة من الله وبُلْغَةً إلى أجل، أليس الذي خلق هذا بقادر على أن يخلق ما أراد في الجنة \" (٨).\n﴿وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (٢٠)﴾: بسطت.\n_________\n(١) في (ب) \" وأنها ينقاد \".\n(٢) في (أ) \" مع عظم جثتها وجسمها \".\n(٣) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٣٣٥)، زاد المسير (٨/ ٢٥٢).\n(٤) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٣٣٥).\n(٥) الصَّيخود: الصخرة الملساء الصلبة، لا تحرك من مكانها، ولا يعمل فيها الحديد. [كتاب العين (٤/ ١٨١)، مادة \" صَخَدَ \"].\n(٦) في جامع البيان (٣٠/ ١٦٥): \" تصاعد إلى الجبل الصيخود عامة يومك \".\n(٧) في (ب) \" لم يحرثها \".\n(٨) لم أقف عليه.","vol":"1","page":3587},{"text":"استدل بعضهم بهذا على أن الأرض مبسوطة وليست على شكل الكرة، [ومن قال: إنها على شكل الكرة] (١)، أجاب فقال: بسطت في مرأى العين (٢).\n﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١)﴾: أي: ذكرهم الأدلة، وحثهم على التفكير فيها، ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ ليس عليك إلاّ الدعاء والتذكير.\n ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢)﴾: مُسَلَّط (٣) جَبَّار (٤).\nوقيل: حفيظ يكتب (٥) عليهم ما يفعلون.\nالحسن: \" برب يخبرهم ما يريد \" (٦).\n﴿إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣)﴾: أي: ﴿تَوَلَّى﴾ عنك ﴿وَكِيلًا﴾ بالله.\nوالاستثناء عند الجمهور منقطع، تقديره: لكن من تولى وكفر فيعذبه الله.\nوقيل: متصل، تقديره: لَسْتَ عليهم بمُسلّط إلاّ الكافر فإنك مُسَلَّط عليه بالجهاد (٧).\nالفَرَّاء: \" يجوز أن يكون استثناءً متصلًا من ﴿مُذَكِّرٌ﴾ أي: إلاّ من لا يقبل فلست بمذكر له إذا لم ينفعه ذلك \" (٨).\nالزَّجَّاج: \" الآية منسوخة بآية السيف \" (٩).\n_________\n(١) \" ما بين المعقوفتين \" ساقط من (ب).\n(٢) في (أ) \" بمسلط \".\n(٣) قال في تتمة أضواء البيان (٩/ ٢٠٢): \" وقوله: ﴿كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ آية ثابتة؛ لأن جرمها مع إجماع المفسرين على تكويرها فإنها ترى مسطحة، أي من النقطة التي هي في امتداد البصر وذلك يدل على سعتها وكبر حجمها؛ لأن الجرم المتكور إذا بلغ من الكبر والضخامة حدًا بعيدًا يكاد سطحه يرى مسطحًا من نقطة النظر إليه وفي كل ذلك آيات متعددات للدلالة على قدرته تعالى على بعث الخلائق\".\n(٤) انظر: جامع البيان (٣٠/ ١٦٦).\n(٥) في (أ) \" تكتب \".\n(٦) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٢٦٣)، وفيه يقول الماوردي: \" ومعنى الكلام لست عليهم بمسيطر أن تكرههم على الإيمان \".\n(٧) انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ٢٥٨)، جامع البيان (٣٠/ ١٦٧).\n(٨) انظر: معاني القرآن (٣/ ٢٥٨).\n(٩) انظر: معاني القرآن (٥/ ٢٤٤).","vol":"1","page":3588},{"text":"﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ (٢٤)﴾: أي في النار.\n﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥)﴾: رجوعهم لا يفوتوننا (١) وإن طال المدى.\n﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (٢٦)﴾: في القيامة، فنجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته.\n_________\n(١) في (أ) \" لا يفوتونها \" ولعل الصَّواب: \" رجوعهم لا يفوتنا \".","vol":"1","page":3589},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-195>سورة الفَجْر </span>(١)\nثلاثون آية (٢) (٣) مكية (٤)\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n﴿وَالْفَجْرِ (١)﴾: هو شق عمود الصبح، والمراد به: فجر كل يوم.\nوقيل: فجر يوم النحر.\nوقيل: فجر يوم عرفة.\nابن عباس - ﵄ -: \" صلاة الفجر \" (٥).\nعلي - ﵁ -: \" فجر أول يوم من المحرم \" (٦).\nوقيل: فجر أول يوم من ذي الحجة.\n﴿وَالْفَجْرِ﴾ فجران: مستطيل وهو من الليل.\nوقيل: ومعترض وهو من النهار، والقسم واقع عليه (٧).\nوقيل: انفجار الماء من العيون، والنبات من الأرض (٨).\nقتادة: \" انفجار الماء من بين (٩) أصابع رسول الله - ﷺ - يوم الطائف \" (١٠).\n_________\n(١) لم يختلف في تسمية هذه السورة (سورةَ الفجر) بدون الواو في المصاحف والتفاسير وكتب السنة، وسميت السورة بذلك لمفتتحها بقوله: ﴿وَالْفَجْرِ (١)﴾. [انظر: بصائر ذوي التمييز (١/ ٥١٨)، التحرير والتنوير (٣٠/ ٥١٨)].\n(٢) \" ثلاثون آية \" ساقطة من (ب).\n(٣) في عدِّ البصري، وثلاثون في الكوفي والشامي، وثلاثون وآيتان في المدني والمكي. [انظر: البيان (ص: ٢٧٣)، جمال القُرَّاء (٢/ ٥٥٦)].\n(٤) عند جمهور المفسرين. [انظر: المحرر الوجيز (٥/ ٤٧٦)، زاد المسير (٨/ ٢٥٤)].\n(٥) انظر: جامع البيان (٣٠/ ١٦٨)، زاد المسير (٨/ ٢٥٤).\n(٦) لم أقف على نسبته لعلي، وانظر: تفسير الثعلبي (١٠/ ١٩١)، زاد المسير (٨/ ٢٥٥).\n(٧) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٣٣٧).\n(٨) انظر: جامع البيان (٣٠/ ١٦٨)، النُّكت والعيون (٦/ ٢٦٤)، زاد المسير (٨/ ٢٥٤).\n(٩) \" بين \" ساقطة من (ب).\n(١٠) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٣٣٧).","vol":"1","page":3590},{"text":"الحسن: \" انفجار الناقة من الصخرة لصالح - ﵇ - \" (١).\n﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢)﴾: الجمهور على أنها: (٢) عشر ذي الحجة.\nوقيل: العشر الأولى من محرم.\nوقيل: العشر الآخِر من شهر رمضان (٣).\n﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣)﴾: ابن عباس - ﵄ -: ﴿وَالشَّفْعِ﴾ الخلق، ﴿وَالْوَتْرِ﴾ الخالق - ﷾ - \" (٤).\nوعنه أيضًا: \" ﴿وَالشَّفْعِ﴾ يوم النحر، ﴿وَالْوَتْرِ﴾ يوم عرفة \" (٥).\nوقيل: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ الصلوات، فإن فيها شفعًا ووترًا.\n[وقيل: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ الخلق، فإن فيهم شفعًا ووترًا] (٦).\nوقيل: ﴿الشَّفْعِ﴾ أيام الدنيا، ﴿وَالْوَتْرِ﴾ يوم القيامة.\nوقيل: ﴿الشَّفْعِ﴾ أبواب الجنة، ﴿وَالْوَتْرِ﴾ أبواب النار.\nالحسن: \" ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ العدد كله \" (٧).\nوقيل: ﴿الشَّفْعِ﴾ يوما منى، ﴿وَالْوَتْرِ﴾ اليوم الثالث (٨).\n_________\n(١) انظر: المرجع السابق.\n(٢) \" على أنها \" ساقطة من (أ).\n(٣) انظر: جامع البيان (٣٠/ ١٦٨)، النُّكت والعيون (٦/ ٢٦٥)، المحرر الوجيز (٥/ ٤٧٦)، زاد المسير (٨/ ٢٥٥).\n(٤) انظر: جامع البيان (٣٠/ ١٧١)، زاد المسير (٨/ ٢٥٥).\n(٥) انظر: جامع البيان (٣٠/ ١٧٠).\n(٦) ما بين المعقوفتين ساقط من (ب).\n(٧) انظر: جامع البيان (٣٠/ ١٧٢)، زاد المسير (٨/ ٢٥٦).\n(٨) في (أ): \" ﴿وَالْوَتْرِ﴾ يوم الثالث \".","vol":"1","page":3591},{"text":"وقيل: ﴿الشَّفْعِ﴾ العشر، ﴿وَالْوَتْرِ﴾ أيام مِنى الثلاثة.\nوقيل: هو آدم، وكان فردًا فشفع بحواء (١). والله أعلم.\n﴿وَالْوَتْرِ﴾ و﴿الوِتْر﴾: لغتان (٢)، وهو الفرد.\n﴿الشَّفْعِ﴾ ما معه مثله، ومنه الشفيع والشفاعة.\n﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (٤)﴾: أقبل.\nوقيل: أدبر.\nوقيل: يسري من أوله إلى آخره.\nوقيل: يسري فيه الساري.\nوقيل: ليلة القدر.\nوقيل: ليلة براة (٣).\nوقيل: ليلة المزدلفة. أقسم الله بهذه كلها.\nوقيل: برب هذه الأشياء، وهو ضعيف، وقد سبق.\nوجواب القسم: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾.\n﴿هَلْ فِي ذَلِكَ﴾: أي في القسم بهذه الأشياء.\n﴿قَسَمٌ﴾: مكتفي ومقنع في القسم.\n﴿لِذِي حِجْرٍ (٥)﴾: عقلٍ ولبٍّ وحِلْمٍ (٤).\n_________\n(١) وكُلُّ هذا اختلاف تنوعٍ، قال ابن جرير - ﵀ -: \" والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله - تعالى - ذكره أقسم بالشفع والوتر، ولم يُخَصِّص نوعًا من الشفع ولا من الوتر دون نوع بخبر ولا عقل، وكلُّ شفعٍ ووتْرٍ فهو مما أقسم به مما قال أهل التأويل إنه داخل في قسمه هذا لعموم قَسَمِهِ بذلك \" [جامع البيان (٣٠/ ١٦٩)، وانظر: تفسير السَّمرقندي (٣/ ٥٥٤)، النُّكت والعيون (٦/ ٢٦٥)، زاد المسير (٨/ ٢٥٥)].\n(٢) وبهما قرئ، فقد قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر ﴿وَالْوَتْرِ﴾ بفتح الواو، وقرأ حمزة والكسائي ﴿والوِتر﴾ بكسر الواو. [انظر: السَّبعة (ص: ٦٨٣)، معاني القراءات (ص: ٥٤٣)].\n(٣) كذا في النُّسختين!.\n(٤) انظر: جامع البيان (٣٠/ ١٧٣)، النُّكت والعيون (٦/ ٢٦٧).","vol":"1","page":3592},{"text":"﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦)﴾: هو اسم قبيلة هي قوم هود.\n﴿إِرَمَ﴾: قيل: هو اسم الإسكندرية.\nوقيل: دمشق.\nوقيل: اسم بلد وبساتين (١).\nمجاهد: \" اسم أم عاد \" (٢).\nوقيل: أبو عاد، والتقدير: صاحب ﴿إِرَمَ﴾ وابن ﴿إِرَمَ﴾.\nوقيل: سبط ﴿إِرَمَ﴾ وهو عاد بن عُوص بن إرم، فحذف المضاف أوله اسمان،كما قال الزَّجَّاج: \" هما عادان أولهما إرم ذات العماد \" (٣).\nقتادة: \" ﴿إِرَمَ﴾ قبيلة من عاد \" (٤).\nوقيل: معنى ﴿إِرَمَ﴾ القديمة.\nوقيل: ﴿إِرَمَ﴾ (٥) هي الحجارة المجموعة على الطرق كهيئة الأعلام، وجمعها الآرام، وكانوا ينتجعون للغيث (٦)، ويجعل كل واحد في منزله إرمًا يعرف به.\nوقيل: ﴿إِرَمَ﴾ من قولهم: هذا ما روم على هذا، أي: مبنيٌّ عليه، فيكون من صفة البلد أو البستان (٧).\n_________\n(١) وهذه الأقوال لمن قال إنها اسم بلد. [انظر: جامع البيان (٣٠/ ١٧٥)، النُّكت والعيون (٦/ ٢٦٧)، زاد المسير (٨/ ٢٥٨)].\n(٢) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٣٣٧).\n(٣) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٢٤٥).\n(٤) انظر: جامع البيان (٣٠/ ١٧٥)، النُّكت والعيون (٦/ ٢٦٧).\n(٥) في (أ): \" ﴿إِرَمَ﴾ ساقطة\".\n(٦) في (ب) \" ينتجعون الغيث \".\n(٧) قال ابن جرير - ﵀ -: \" والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن إرم إما بلدة كانت عاد تسكنها فلذلك ردت على عاد للإتباع لها ولم يجر من أجل ذلك، وإما اسم قبيلة فلم يجر أيضًا كما لا يجرى أسماء القبائل كتميم وبكر وما أشبه ذلك إذا أرادوا به القبيلة، وأما اسم عاد فلم يجر إذ كان اسما أعجميًا، فأما ما ذكر عن مجاهد أنه قال عني بذلك القديمة فقول لا معنى له لأن ذلك لو كان معناه لكان مخفوضًا بالتنوين، وفي ترك الإجراء الدليل على أنه ليس بنعت ولا صفة، وأشبه الأقوال فيه بالصواب عندي أنها اسم قبيلة من عاد ولذلك جاءت القراءة بترك إضافة عاد إليها وترك إجرائها \" [انظر: جامع البيان (٣٠/ ١٧٦)].","vol":"1","page":3593},{"text":"﴿ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ ذات البناء (١) الرفيع.\nوقيل: ﴿ذَاتِ﴾ الأجسام الطويلة (٢)، وكان طول الواحد منهم اثني عشر ذراعًا.\nوقيل: كان أطولهم مائة ذراع وأقصرهم سبعين ذراع.\nوقيل: ﴿ذَاتِ﴾ الرفعة والقوة والثبات.\nوقيل: ﴿ذَاتِ﴾ عمد سيّارة ينتجعون الغيث والكلأ.\n﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (٨)﴾ قيل: الضمير يعود إليهم.\nوقيل: يعود إلى الأبنية والعمد.\n﴿وَثَمُودَ﴾: هم بنو عم عاد.\nالَّذِينَ ﴿جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (٩)﴾: قطعوه واتخذوه منازل.\nوقيل: اتخذوا منها منازل.\n﴿بِالْوَادِ﴾: وادي القُرى (٣).\n﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (١٠)﴾: ﴿ذِي﴾ الجنود الكثيرة.\nوقيل: ﴿ذِي﴾ الأبنية.\nوقيل: أوتاد يعذب الناس بها (٤).\n_________\n(١) في (ب) \" وذات البناء \".\n(٢) في (ب) \" الأصنام الطويلة \".\n(٣) وادي القرى: وهو واد بين المدينة والشام من أعمال المدينة، وهو وادي ثمود. [انظر: معجم البلدان (٥/ ٣٤٥)، معجم الأمكنة (ص: ٤٣٨)].\n(٤) في (أ) \" فيها \".","vol":"1","page":3594},{"text":"وقيل: أوتاد يلعب عليها عنده.\nوقيل: أراد أوتاد الخيام (١).\n﴿الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (١١)﴾: تجاوزوا الحد في الكفر والتكبر (٢).\n﴿فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (١٢)﴾: بالكفر، والقتل، والسبي، والنهب، وبمنع الناس عن عبادة الله وطاعته.\n﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (١٣)﴾: المبرد: \" كل شيء عذب الله به فهو سوط عذاب \" (٣).\nابن عيسى: \" ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾: هو ما يخالط اللحم والدم: يقال: ساطه يسوطه \" (٤).\nالزَّجَّاج: \" جعل سوطه الذي ضربهم به العذاب \" (٥).\nالفَرَّاء: \" يقال لكل نوع من العذاب سوط، وإن كان يغيره أنه أشده عندهم \" (٦).\n﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (١٤)﴾: بحيث يرى ويسمع.\nالزَّجَّاج: \" يرصد من كفر به \" (٧).\nالفَرَّاء: \" إليه المصير \" (٨).\nوقيل: عذابه بالمرصاد بحيث لا يفوتونه.\nوقيل: برصدهم في الآخرة على قناطر جهنم.\n﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ﴾ \" الزَّجَّاج: يعني به الكافر الذي لا يؤمن بالبعث \" (٩).\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٣٠/ ١٧٩)، تفسير السَّمرقندي (٣٠/ ٥٥٥)، المحرر الوجيز (٥/ ٤٧٨).\n(٢) في (أ) \" والتكبر \".\n(٣) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٣٣٨).\n(٤) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٣٣٨).\n(٥) انظر: معاني القرآن (٥/ ٢٤٦).\n(٦) انظر: معاني القرآن (٣/ ٢٦١).\n(٧) انظر: معاني القرآن (٥/ ٢٤٦).\n(٨) معاني القرآن (٣/ ٢٦١).\n(٩) انظر: معاني القرآن (٥/ ٢٤٦).","vol":"1","page":3595},{"text":"ابن عباس: \" عتبة بن ربيعة \" (١).\nالكلبي: \" أبي بن خلف \" (٢).\nمقاتل: \" أمية بن خلف \" (٣).\n﴿إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ﴾ اختبره بالغنى واليسر (٤).\n﴿فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ﴾ رزقه وأنعم عليه.\n﴿فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥)﴾: فضلني بما أعطاني، يرى الإكرام في كثرة الحظ من الدنيا.\n﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ﴾: بالفقر.\n﴿فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾: ضيَّق عليه.\nوقيل: جعله بمقدار بلغته (٥).\n﴿فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (١٦)﴾: يرى الهوان في قلة الحظ منها.\n﴿كَلَّا﴾: ليس الإكرام والإهانة في كثرة المال وقلته، وإنما الإكرام والإهانة في الطاعة والمعصية.\nوقيل: معنى ﴿كَلَّا﴾ ها هنا أي: لم يكن ينبغي أن يكون حمده على نعمة دون فقره بل ينبغي أن يكون حمده على الحالين جميعًا (٦).\n﴿بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧)﴾: أي إهانتي إياهم لتركهم إكرام اليتيم.\nمقاتل: \"نزلت في قُدَامة بن مَظْعُون (٧) وكان يتيمًا في حِجْر أمية بن خلف يدفعه عن حقه، أي لا يكرمونه بإيصال حقّه إليه \" (٨).\nوقيل: لا يحسنون إليه ولا يرونه (٩).\n﴿وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (١٨)﴾: أي: لا يأتونه ولا يأمرون به، والتقدير: على إطعام طعام اليتيم.\nوقيل: وقع الطعام موقع الإطعام، كالنبات موقع الإنبات.\nوقُرئ: ﴿ولا يحضُّون﴾ (١٠) أي لا يأمر بعضهم بعضًا.\n﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ﴾: الميراث، وقيل: وأصله الوُرَاث قلبت الواو تاء.\n﴿أَكْلًا لَمًّا (١٩)﴾: يأتي على جميعه.\nالزَّجَّاج: \" يلمون بجميعه وذلك إنهم كانوا لا يورثون صغار الأولاد ولا النساء \" (١١).\nالفَرَّاء: \" ﴿لَمًّا﴾ شديدًا \" (١٢).\n_________\n(١) انظر: زاد المسير (٨/ ٢٦١).\n(٢) انظر: تفسير الثعلبي (٣/ ٥٥٦)، زاد المسير (٨/ ٢٦١).\n(٣) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٤٨٣).\n(٤) في (أ) \" اليسرى \".\n(٥) وهذا المعنى يصلح على قراءة من قرأ بالتشديد ﴿فَقَدَّر﴾، وهي قراءة أبي جعفر القارئ [انظر: جامع البيان (٣٠/ ١٨٢)].\n(٦) انظر: جامع البيان (٣٠/ ١٨٢)، زاد المسير (٨/ ٢٦٢).\n(٧) قدامة بن مظعون بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح القرشي الجُمَحِي يكنى أبا عمرو، وقيل: أبا عمر. والأول أشهر وأكثر، وهو خال عبد الله وحفصة ابني عمر بن الخطاب. وكانت تحته صفية بنت الخطاب أخت عمر ابن الخطاب. وهو من السابقين إلى الإسلام هاجر إلى الحبشة مع أخويه عثمان وعبد الله ابني مظعون، وشهد بدرًا، وأحدًا، وسائر المشاهد مع رسول الله - ﷺ -، واستعمله عمر بن الخطاب ﵁ على البحرين ثم عزله وولى عثمان بن أبي العاص، وقد توفي قدامة - ﵁ - سنة ست وثلاثين [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: الاستيعاب (٣/ ٣٤٠)، أسد الغابة (٤/ ٣٧٥)].\n(٨) انظر: الجامع لأحكام القرآن (٢٠/ ٥٤).\n(٩) في (أ) \" يبرونه \".\n(١٠) وهي قراءة أبي عمرو، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي ﴿تَحَاضُّونَ﴾ بالتاء والألف، وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر ﴿تَحَضُّونَ﴾ بالتاء بغير ألف، والتاء فى كل ذلك مفتوحة. [انظر: السبعة (ص: ٦٨٥)، معاني القراءات (ص: ٥٤٤)].\n(١١) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٢٤٦).\n(١٢) انظر: معاني القرآن (٣/ ٢٦٢).","vol":"1","page":3596},{"text":"وقيل: لا يميزون الحلال من الحرام، والمطلق من المحظور.\n﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (٢٠)﴾: كثيرًا يمنعه عن إخراج حق الله - تعالى -.\nوقوله: ﴿جَمًّا﴾ يجوز أن يكون صفةً للمصدر، ويجوز أن يكون حالًا للمال (١).\n﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١)﴾: أي: ينبغي أن يكون الأمر هكذا. وقيل: معناه: حقًا ﴿إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ﴾.\nابن عباس: \" مُدّت كما يمد الأديم [فتصير] (٢) ملساء بذهاب الأبنية والجبال \" (٣).\nالزَّجَّاج: \" ﴿دُكَّتِ﴾ زلزلت \" (٤).\nابن عيسى: \" الدَّكُّ: حطّ المرتفع بالبسط، من قولهم: ناقة دَكَّاء لا سَنَام لها \" (٥).\n﴿دَكًّا دَكًّا﴾ أي: يدك مرارًا.\n﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾: ابن عباس: \" أمرُ ربك وقضاء ربك \" (٦).\nوقيل: جاء بلا كيف.\nوقيل: ظهر بضرورة المعرفة (٧) (٨).\n﴿وَالْمَلَكُ﴾: اسم جنس.\n﴿صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾: صفوفًا، أهل كلِّ سماء صفٌّ.\n﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾: عن النبي - ﷺ - أنه قال: «يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام ومع (٩) كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها» (١٠).\n﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ﴾: أي يتذكر ما أخبر به في الدنيا فيتعظ ويتوب.\n﴿وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (٢٣)﴾: ومن أين له التوبة وليس بدار تكليف؟.\n﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (٢٤)﴾: تمنى أن يكون قد قدَّم في الحياة الدنيا أعمالًا صالحة لأجل الحياة التي لا فناء لها.\n﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥)﴾: أي لا يَكلْ الله التعذيب إلى أحد من الملائكة وغيرهم، بل يتولى بنفسه سبحانه.\nوقيل: لا يبلغ أحد يومئذٍ من الملائكة (١١) بلاغ الله في العذاب.\nوقيل: يومئذٍ لا يعذب أحد في الدنيا كعذاب الله في الآخرة (١٢). أورده أبو علي في الحجة (١٣) ووجه هذا أن يجعل \"يومئذٍ \" مبتدأ وهو مبني على الفتح، و﴿لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ﴾ خبره، والتقدير: فيه، والهاء يعود على هذه الوجوه إلى الله، و\" عَذاب \" واقع موقع تعذيب، والمراد بأحد الملائكة.\nوقرأه الكسائي بالفتح على وجهين: أحدهما: أنه بمعنى لا يبلغ بلاغ الله واحد، الملفوظ رفع وهو المقدّر في الوجه الأول؛ لأن تقدير الأول (١٤): لا يعذب أحد أحدًا.\n_________\n(١) في (أ) \" من المال \".\n(٢) في النُّسختين \" فيصير \"، والصواب ما أثبت \".\n(٣) انظر: جامع البيان (٣٠/ ١٨٥)، الجامع لأحكام القرآن (٢٠/ ٥٤).\n(٤) انظر: معاني القرآن (٥/ ٢٤٧).\n(٥) لم أقف عليه.\n(٦) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٣٣٨).\n(٧) انظر: الجامع لأحكام القرآن (٢٠/ ٥٦).\n(٨) والصحيح أن المجيء لله - تعالى - حقيقي، وهو من صفات الله - تعالى الفعلية - لفصل القضاء بين الخلاء لا أمره ولا قضاؤه، على ما قُرِّر في كتب العقائد عند أهل السنة والجماعة. [انظر: شرح العقيدة الواسطية؛ للهرَّاس (ص: ١١١)، صفات الله - ﷿ - ص: ٣٨)].\n(٩) في (أ) \" مع كل \" بدون واو.\n(١٠) أخرجه مسلم في كتاب الجنة ونعيمها، باب: في شدة حرِّ نار جهنم، وبعد قعرها، وما تأخذ من ... المعذبين، برقم (٧٠٩٣) عن عبد الله بن مسعود - ﵁ -.\n(١١) في (أ) \" الملائكة وغيرهم \".\n(١٢) في (أ) \" في الأخرى \".\n(١٣) انظر: الحُجَّة (٦/ ٤١١).\n(١٤) في (أ) \" الأولى \".","vol":"1","page":3597},{"text":"والثاني: أن الهاء يعود إلى الكافر المتقدم ذكره،والمعنى: لا يُعَذَّبُ بعذاب هذا الكافر أحد، كقوله: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ... [الأنعام: ١٦٤].\nوكذالك الكلام في قوله: ﴿وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ (٢٦)﴾ (١): الوثاق: الشُّدُّ في الأغلال والسلاسل.\n﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧)﴾: أي: المطمئنة بالله وبالإيمان، من قوله: ... ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ ...﴾ [الرعد: ٢٨].\nوقيل: اطمأنت بالبشرى من الملائكة من قوله: ﴿وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠].\nوقيل: اطمأنت إذا أوتيت كتابها بيمينها.\nابن عباس - ﵄ -: \"الخطاب لروح المؤمن يأمرها الله بالرجوع إلى ... الجسد \" (٢).\nفيكون قوله: ﴿إِلَى رَبِّكِ﴾ أمر ربك.\nوقيل: ﴿رَبِّكِ﴾ بَدَن صاحبك.\nوقيل: هذا خطاب لها يوم النزع، أي: ﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً﴾: عن الله ... - تعالى - بما تصيرين إليه من الثواب العظيم والعيش النعيم (٣).\n﴿مَرْضِيَّةً (٢٨)﴾: رضيها الله - تعالى -.\n_________\n(١) انظر: قرأ الكسائي وحده ﴿لا يُعَذَّبُ﴾ و﴿ولا يوثَق﴾ بفتح الذال والثاء، وقرأ الباقون ﴿لَا يُعَذِّبُ﴾ و﴿وَلَا يُوثِقُ﴾ بكسر الذال والثاء. [انظر: جامع البيان (٣٠/ ١٨٩)، السبعة (ص: ٦٨٥)، الحجَّة (٦/ ٤١١)، غرائب التفسير (٢/ ١٣٣٩)].\n(٢) انظر: جامع البيان (٣٠/ ١٩١)، النُّكت والعيون (٦/ ٢٧٢).\n(٣) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٢٧٢).","vol":"1","page":3598},{"text":"ثم يقال لها يوم القيامة: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩)﴾: أي (١) في كل منهم.\nوقيل: في جملة عبادي.\nوقيل: مع عبادي.\nوقيل: ﴿فِي عِبَادِي﴾ عبادتي وطاعتي، فحذف التاء كإقام الصلاة.\nوقُرِئ في الشواذ: ﴿في عبدي﴾ (٢).\n﴿وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠)﴾: التي أعددت لعبادي الصالحين.\nوفي بعض التفاسير: هذه الآية نزلت في عثمان بن عفان (٣) - ﵁ -، بَيَّنَ اللهُ - تعالى - أنَّ عثمان سيقتل شهيدًا مظلومًا (٤). والله أعلم.\n_________\n(١) \" أي \" ساقطة من (أ).\n(٢) وهي مروية عن ابن عباس وعكرمة والضحاك. [انظر: جامع البيان (٣٠/ ١٩٢)، المحتسب (٢/ ٤٢٥)].\n(٣) \" بن عفان \" ساقطة من (أ).\n(٤) انظر: غرائب التفاسير (٢/ ١٣٤٠).","vol":"1","page":3599},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-196>سورة البلد </span>(١)\nعشرون آية (٢) (٣) مكية (٤)\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n﴿لَا أُقْسِمُ﴾: سبق نظائره.\nوقيل: تقديره (٥) ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (١)﴾: يعني مكة.\nوقيل: الحرم كله، وأنت حاضر، أي القسم بعمرك أولى منه به (٦).\nوقيل: أقسم به (٧).\n﴿وَأَنْتَ حِلٌّ﴾: حالٌّ: نازلٌ فيه.\nوقيل: أي لنزولك فيه أقسم به.\nوقيل: أقسم به.\n﴿بِهَذَا الْبَلَدِ (١)﴾: أي: حلال تصنع فيه ما تريد، وذلك أن الله - تعالى - أحلَّ مكة ساعة من النهار حتى قتل من شاء وأسر من شاء، وقُتل ابن خَطَل (٨) يومئذ وهو متعلق بأستار الكعبة.\nوقيل: معناه: وأنت حِلٌّ مما صنعت في هذا البلد.\nوقيل: تقديره: لا أقسم بهذا البلد وأنت فيه مستحَلُّ الحرمة مضاعُ الحق فيه (٩).\n﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ (٣)﴾: قيل آدم وأولاده، ﴿مَا﴾ بمعنى مَنْ.\nوقيل: هو للمصدر، أي: وولادته.\nوقيل: هو إبراهيم - ﵇ - وأولاده (١٠).\nوقيل ﴿مَا﴾ بمعنى الذي، والمراد به المتناسل من جميع الخلق، قاله أبو علي (١١).\nوعن ابن عباس وعكرمة: \"ووالد الذي ولد للعاقر \" (١٢).\nفجعلا (١٣) ﴿مَا﴾ نفيًا، أوله وجه آخر. والله أعلم (١٤) (١٥).\n﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ﴾: جواب للقسم (١٦)، يعني بني آدم كلهم.\nفِي ﴿كَبَدٍ (٤)﴾: في شدة ومقاساة يكابد (١٧) أمر الدنيا شدائدها (١٨).\n_________\n(١) سميت في المصاحف وكتب التفسير (سورة البلد)، وهو إما على حكاية اللفظ الواقع في أولها: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (١)﴾، وإما لإِرادة البلد المعروف وهو مكة، سميت هذه السورة في ترجمتها عن ... (صحيح البخاري): (سُورَةَ لا أقسم) كما تسمَّى سورة العقبة. [انظر: بصائر ذوي التمييز (١/ ٥٢٠) التَّحرير والتنوير (٣٠/ ٣٤٥)].\n(٢) \" عشرون آية \" ساقطة من (ب).\n(٣) وهي عشرون آية في جميع العدد ليس فيها اختلاف. [انظر: البيان (ص ٢٧٤)، جمال القُرَّاء (٢/ ٥٥٦)].\n(٤) في قول الجمهور. [انظر المحرر الوجيز (٥/ ٤٨٣)، زاد المسير (٨/ ٤٦٥)].\n(٥) \" تقديره \" ساقطة من (ب).\n(٦) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٢٧٤).\n(٧) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٣٤١).\n(٨) ابن خطَل: اسمه عبد الله بن خطل من بني تميم بن غالب، وقيل: إن اسمه عبد العزى بن خطل، ويحتمل أنه كان كذلك ثم لما أسلم سمى عبد الله، ثمَّ ارتدَّ، وكان له قينتان تغنيان بهجاء رسول الله - ﷺ -، وقد أمر - ﷺ - يوم فتح مكة بقتله، ولو كان متعلقًا بأستار الكعبة، فقتله سعيد بن حريث المخزومي وأبو برزة الأسلمي. [انظر: السِّيرة النبوية؛ لابن هشام (٢/ ٤٠٩)، تاريخ الطبري (٢/ ١٦١)، السيرة النبوية؛ لابن كثير (٣/ ٥٦٤)].\n(٩) انظر: جامع البيان (٣٠/ ١٩٤)، النُّكت والعيون (٦/ ٢٧٤).\n(١٠) انظر: جامع البيان (٣٠/ ١٩٥) النُّكت والعيون (٦/ ٢٧٥)، زاد المسير (٨/ ٢٦٦).\n(١١) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٣٤٠).\n(١٢) في (أ) \" العاقر \".\n(١٣) في (أ) \" فجعل \".\n(١٤) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٢٧٥)، غرائب التفسير (٢/ ١٣٤٠).\n(١٥) والآية عامة، وهو اختيار الطبري. [انظر: جامع البيان (٣٠/ ١٩٥)].\n(١٦) في (أ) \" جواب القسم \".\n(١٧) في (أ) \" وتكابد \".\n(١٨) انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ٢٦٤)، جامع البيان (٣٠/ ١٩٦).","vol":"1","page":3600},{"text":"وقيل: من نطفة ثم من علقة تتلبّد (١) في الخلق من تَلبّد (٢) الدم وغلظه (٣).\nوقيل: المراد به آدم - ﵇ - خلق في كبد السماء، قاله ابن زيد (٤).\nوقيل: منتصبًا معتدلًا.\nوقيل: حربًا (٥) غليظ الكبد، تقول: كبد الرجل يكبد كبدًا إذا صار غليظ الكبد (٦).\nوقيل: ووالد محمد، وما ولد أمته لأنه لهم بمنزلة الأب لقوله: «إنما أنا لكم مثل ... الوالد» (٧).\nوفي مصحف أُبيّ ﴿وأزواجه أمهاتهم وهو لهم أب﴾ (٨).\nويحتمل والله أعلم إن قوله: ﴿وَمَا وَلَدَ﴾ بمعنى الوالدة، والتقدير ووالد ووالدة، ولم يؤنث حملًا على ﴿مَا﴾، ﴿مَا﴾ بمعنى التي، كما في قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣].\n﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (٥)﴾: نزلت في أبي الأشد بن كلدة بن أسيد، وكان رجلًا قويًا يجعل تحت أديم عُكاظي ويجذبه (٩) العشرة وزيادة، وقيل: فينقطع الأديم ولا يزول (١٠) قدماه، والمعنى: أيحسب لقوته وبطشه أن لن يقدر عليه أحد من الخلق (١١).\n_________\n(١) في (أ) \" يتكبد \".\n(٢) في (أ) \" من تكبد \".\n(٣) في (أ) \" غلظته \".\n(٤) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٢٧٦).\n(٥) في (أ) \" جريًا \".\n(٦) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٣٤٢).\n(٧) الحديث: أخرجه النَّسائي في كتاب الطهارة، باب النَّهي عن الاستطابة بالروث، عن أبي هريرة - ﵁ -، برقم (٤٠)، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ولفظه: «إنما أنا لكم مثل الوالد أعلمكم، إذا ذهب أحدكم إل الخلاء، فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها، ولا يستنج بيمينه، وكان يأمر بثلاثة أحجار، ونهى عن الرَّوثِ والرِّمَّة»، وأخرجه ابن ماجة كذلك في سُنَنِه في كتاب الطهارة وسُننها، باب: الاستنجاء بالحجارة، والنهي عن الروث والرِّمة، برقم (٣١٣)، وأخرجه الإمام أحمد في مُسنده (٢/ ٢٥٠)، وقال الشيخ شعيب الأرنؤوط في تعليقه على أحاديث المسند: \" إسناده قوي \".\n(٨) انظر: تفسير الصنعاني (٣/ ١١٢)، تفسير البغوي (٤/ ١٩٢).\n(٩) في (أ) \" وتجذبه \".\n(١٠) في (أ) \" تزول \".\n(١١) انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ٢٦٤)، جامع البيان (٣٠/ ١٩٨)، النُّكت والعيون (٦/ ٢٧٧).","vol":"1","page":3601},{"text":"وقيل: ﴿أَحَدٌ﴾: هو الله سبحانه.\n﴿يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا (٦)﴾: كثيرًا. وهو صيغة الواحد مشتق من تلبد الشيء إذا كثر واجتمع، أي أنفقت مالًا كثيرًا في عداوة محمد - ﷺ - (١) (٢).\n﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ (٧)﴾: الأحد هو الله - تعالى - أي يظن (٣) أنَّ الله لا يطالبه من أين اكتسب؟ وأين أنفق؟.\nوقيل: هو كاذب فيما يقول يحسب أن لم يره أحد من الناس فيكذبه.\nثم عدَّد نعمه عليه وعلى غيره من خلقه فقال: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (٨)﴾: يبصر بهما.\n﴿وَلِسَانًا﴾: يعبِّر به عمّا في ضميره.\n﴿وَشَفَتَيْنِ (٩)﴾: يستر بهما ثغوره.\n﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (١٠)﴾: طريق الخير وطريق الشر المفضيان إلى الجنة والنار (٤).\nقتادة: \" النجدان الثديان \" (٥).\nوالنجد: المرتفع (٦).\n﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١)﴾: أي هذا الكافر لم يقتحم العقبة.\n_________\n(١) في (أ) \" عداوة رسول الله - ﷺ - \".\n(٢) انظر: جامع البيان (٣٠/ ١٩٩).\n(٣) في (أ) \" أي ك أتظن \".\n(٤) انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ٢٦٤)، جامع البيان (٣٠/ ١٩٩).\n(٥) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٢٧٧)، زاد المسير (٨/ ٢٦٨).\n(٦) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٢٥٠).","vol":"1","page":3602},{"text":"والاقتحام: الدخول في الشيء والمجاوزة له بصعوبة (١).\n﴿لَا﴾ بمعنى لم (٢).\nوقيل: وهي مكررة معنى.\nالفَرَّاء: \" لما فسر اقتحام العقبة بثلاثة أشياء صار كأنّه أعاد ﴿لَا﴾ ثلاث مرات \" (٣).\nقال أبو على: \" لا يلزم تكرار ﴿لَا﴾ إذا كان بمعنى لم \" (٤).\nو﴿الْعَقَبَةَ﴾ هي عقبة في جهنم يكلّف الكفار صعودها عن جماعة.\nوقيل: ﴿الْعَقَبَةَ﴾ طاعة الله، سميت عقبة لكثرة دواعي ضدّها.\nوقيل: ﴿الْعَقَبَةَ﴾ حمل النفس على المشقة (٥).\n﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢)﴾: تعظيمًا لشأنها.\n﴿فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣)﴾: تخليصها من الرق بالعتق، أو الإعانة في مال الكتابة.\nوقيل: فك رقبته وخلاص نفسه.\n﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤)﴾: زمان قحط وجوع.\n﴿يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥)﴾: قرابة النسب.\n﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦)﴾: لاصق بالتراب من الفقر لا يصونه عنه شيء (٦).\nسعيد: \" ذا عيال لا مال له \" (٧).\n_________\n(١) انظر: غريب القرآن؛ للسِّجِّستاني (ص: ١١٥).\n(٢) انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ٢٦٤)، جامع البيان (٣٠/ ٢٠١)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٢٥٠).\n(٣) انظر: معاني القرآن (٣/ ٢٦٤).\n(٤) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٣٤٣).\n(٥) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٢٠١)، النُّكت والعيون (٦/ ٢٧٨).\n(٦) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٢٠٤)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٢٥١).\n(٧) أي سعيد بن جبير. [انظر: جامع البيان (٣٠/ ٢٠٦)، غرائب التفسير (٢/ ١٣٤٣)].","vol":"1","page":3603},{"text":"عكرمة: \" هو المديون \" (١).\nوأراد بقوله: ﴿مَا الْعَقَبَةُ﴾ ما اقتحامها، ثم فسر فقال: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ﴾ ومن قرأ بلفظ الفعل جعله بدلًا من قوله: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ﴾ أي فلا فَكَّ رقبة ولا أطعمَ مسكينًا (٢).\n﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا﴾: أي: أقام على إيمانه.\nوقيل: ﴿ثُمَّ﴾ مع الجملة لا يدل على التراخي، وتقديره: وقبل ذلك كان من الذين آمنوا لأنه إذا لم يكن مؤمنًا لا ينفعه قربه.\nوقيل: ﴿ثُمَّ﴾ على أصله، والتراخي ها هنا في إخبار الله لا في الإيمان.\nوَتَوَاصَوْا ﴿بِالصَّبْرِ﴾: وصى بعضهم بعضًا بالصبر على أداء الطاعات وعن ارتكاب المحرمات.\n﴿وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (١٧)﴾: بأن يرق للفقير والمسكين بالأنعام عليهم.\nوقيل: تواصوا بالآخرة لأنها دار الرحمة.\n﴿أُولَئِكَ﴾: أي الموصوفون بالصفات المتقدمة.\n﴿أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (١٨)﴾: أي يأخذون نحو (٣) اليمين إلى الجنة.\nوقيل: يؤتون كتبهم بأيمانهم (٤).\n_________\n(١) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٢٧٩)، غرائب التفسير (٢/ ١٣٤٣).\n(٢) قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي ﴿فَكَّ رقبةٍ أو أطعمَ﴾ بفتح الكاف في ﴿فَكَّ﴾ وفتح الميم في ... ﴿أطعمَ﴾ بغير ألفٍ، وقرأ ابن عامر ونافع وعاصم وحمزة ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ برفع الكاف مع الإضافة ... ﴿أَوْ إِطْعَامٌ﴾ برفع الميم. [انظر: السَّبعة (ص: ٦٨٦)، الحُجَّة (٦/ ٤١٣)].\n(٣) في (ب) \" بحق اليمين \".\n(٤) في (أ) \" في أيمانهم \".","vol":"1","page":3604},{"text":"وقيل: هم الميامين على أنفسهم.\n﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِنَا﴾: بمحمد - ﷺ - والقرآن.\nهُمْ ﴿أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (١٩)﴾: أي يأخذون نحو (١) الشمال إلى النار.\nوقيل: يؤتون كتبهم بشمالهم.\nوقيل: هم المشائيم على أنفسهم.\n﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ (٢٠)﴾: مطبقة من أصدت البابَ (٢) أطبقته (٣).\nوقُرِئَ ﴿مُوْصَدَةٌ﴾ بغير همز أصلًا من الوصيد وهو الباب، أي: مقفلة (٤). والله أعلم.\n_________\n(١) في (ب) \" بحق الشمال \".\n(٢) في (أ) \" أصدت النار \".\n(٣) في (ب) \" أطبقه \".\n(٤) قرأ ابن كثير وابن عامر ونافع وعاصم في رواية أبى بكر والكسائي ﴿مُوْصَدَةٌ﴾ بغير همز، وفي سورة الهمزة مثله، وقرأ أبو عمرو وحمزة وحفص عن عاصم ﴿مُؤْصَدَة﴾ ها هنا وفي سورة الهُمَزَة بالهمز فيهما جميعًا. [انظر: السَّبعة (ص: ٦٨٦) الحُجَّة (٦/ ٤١٦)].","vol":"1","page":3605},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-197>سورة الشَّمْس </span>(١)\nخمس عشرة آية (٢) (٣) مكية (٤)\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n﴿وَالشَّمْسِ﴾: سراج النهار.\n﴿وَضُحَاهَا (١)﴾: مجاهد \" ضوؤها \" (٥).\nقتادة والفراء: \" النهار كلّه \" (٦).\nوقيل: ﴿ضُحَاهَا﴾ ارتفاعها وبلوغها ضحى النهار.\nوقيل: إشراقها وحرّها.\n﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (٢)﴾: مجاهد: \" ساواها \" (٧).\nغيره: \" تبعها \" (٨).\n_________\n(١) سميت هذه السورة في المصاحف وفي معظم كتب التفسير (سورة الشمس) بدون واو وكذلك، وكذلك في السُّنَن، وقد عنونها البخاري سورة (والشمس وضحاها) بحكاية لفظ الآية، وكذلك سميت في بعض التفاسير، وتُسَمَّى سورة (والشمس) للقسم بها في أولها: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١)﴾ [انظر: بصائر ذوي التمييز (١/ ٥٢٢)، التحرير والتنوير (٣٠/ ٣٦٥)].\n(٢) \" خمس عشرة آية \" ساقطة من (ب).\n(٣) في جميع المصاحف إلا المدني الأول فقد عدَّ وحده قوله: ﴿فَعَقَرُوهَا﴾ آية مستقلة، فهي بذلك عنده ست عشرة آية. [انظر: البيان (ص: ٢٧٥)، جمال القراء (٢/ ٥٥٦)].\n(٤) وهي مكية بلا خلاف. [انظر: المحرر الوجيز (٥/ ٤٨٧) زاد المسير (٨/ ٢٧٠)، روح المعاني (٣٠/ ١٤٠)].\n(٥) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٢٠٨)، النُّكت والعيون (٦/ ٢٨١).\n(٦) انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ٢٦٦)، وقول قتادة في جامع البيان (٣٠/ ٢٠٧).\n(٧) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٢٨١)، زاد المسير (٨/ ٢٧٠).\n(٨) وهو مروي عن ابن عباس - ﵄ -. [انظر: جامع البيان (٣٠/ ٢٠٨)، النُّكت والعيون (٦/ ٢٨١)].","vol":"1","page":3606},{"text":"وإتباعها: قيل: ليلة الهلال.\nوقيل: في النصف الأول من الشهر.\nوقيل: ليلة البدر يتلوها في الإضاءة والنور الكامل (١).\nالفَرَّاء: \" يتلوها فيأخذ من نورها، كما يقال: يتلوها فلانًا، أي: يأخذ من علمه. والإتباع والتلوُّ واحد \" (٢).\n﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (٣)﴾: جلَّى الظُّلمة وكشفها، كنى عنها ولم يتقدم ذكرها، كقولهم: والذي شقهن خمسًا من واحدة، أي الأصابع، وهبت شمالًا: أي الريح (٣).\nوقيل: جلّى الشمس وأظهرها للرَّائين (٤).\n﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (٤)﴾: ستر الشمس وأظلمها.\nوقيل: يغشى الأفق بظلامه.\nوقيل: يغشى الأرض (٥).\n﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (٥)﴾: مجاهد والحسن: \"ومن بناها، وهو الله - تعالى -\" (٦).\nو﴿مَا﴾ بمعنى \" مَنْ \".\nقتادة وغيره: \" وبنائها \" (٧). هكذا في أكثر التفاسير، والصواب وبناء الله إيَّاها؛ لأن فيما تقدم ذكر الفاعل.\n﴿وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا (٦)﴾: أي مدّها وبسطها.\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٢٠٨)، زاد المسير (٨/ ٢٧٠).\n(٢) انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ٢٦٦).\n(٣) انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ٢٦٦)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٢٥٣)، غرائب التفسير (٢/ ١٣٤٥).\n(٤) في (ب) \" وأظهرها للنَّاس \".\n(٥) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٢٠٩)، النُّكت والعيون (٦/ ٢٨٢).\n(٦) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٢٨٢)، زاد المسير (٨/ ٢٧١).\n(٧) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٢٠٩)، النُّكت والعيون (٦/ ٢٨٢)، زاد المسير (٨/ ٢٧١).","vol":"1","page":3607},{"text":"﴿مَا﴾ بمعنى مَنْ. وقيل: وطحو الله إيَّاها.\n﴿وَنَفْسٍ﴾: قيل: آدم - ﵇ -.\nوقيل: عام (١).\n﴿وَمَا سَوَّاهَا (٧)﴾: ومن سواها.\nوقيل: وتسوية الله إيَّاها أي: خلقها في أحسن صورة، وجعل فيها العقل والتمييز. وقيل: عدل فيهم.\n﴿فَأَلْهَمَهَا﴾: أعلمها وأودعها وهو من الإلهام الذي بمعنى الالتفاف (٢).\n﴿فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨)﴾: الزَّجَّاج: \" وفَّقَهَا وخذلها \" (٣).\nابن عباس: \" الطاعة والمعصية \" (٤).\nوقيل: الشقاوة والسعادة.\nوقيل: ألزمها الخير والشر (٥).\n﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾: جواب القسم، والتقدير: لقد أفلح.\n﴿مَنْ زَكَّاهَا (٩)﴾: ابن عباس: \" زَكَّى الله نفسه \" (٦).\nغيره: زكى الإنسان نفسه بطاعة الله، أي طهرها وأصلحها وجعلها زاكية (٧).\n﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ فات الظفر ﴿مَنْ دَسَّاهَا﴾ وضع قدرها وأخملها، من التدسية وهو الغمس والإخفاء، وأصله من دسَّ الشيء، وفاعل دسَّا كفاعل زكى.\n_________\n(١) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٢٨٣)، زاد المسير (٨/ ٢٧١).\n(٢) في (ب) \" الالتقام \".\n(٣) انظر: معاني القرآن (٥/ ٢٥٤).\n(٤) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٢١١).\n(٥) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٢١٠)، النُّكت والعيون (٦/ ٢٨٣)، زاد المسير (٨/ ٢٧١).\n(٦) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٢١١)، زاد المسير (٨/ ٢٧١).\n(٧) وهو مروي عن قتادة. [انظر: جامع البيان (٣٠/ ٢١١)].","vol":"1","page":3608},{"text":"وقيل: زكى نفسه بالصدقة.\nوقيل: ودسَّى نفسه في أهل الخير وليس منهم (١).\n﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا (١١)﴾: بمجاوزتها الحال المحمودة إلى الحال المذمومة.\nوقيل: ﴿إِذِ انْبَعَثَ﴾: حين (٢) قام.\n﴿أَشْقَاهَا (١٢)﴾: أشقى ثمود وهو قداد بن سالف الأحمير (٣) (٤).\nقال الفراء: إنهما كانا رجلين [: فلان بن دهر، والآخر قدار بن سالف. قال: ولم يقل (أشقياها) للآية (٥).\nقال الكلبي: هما رجلان] (٦): قدار بن سالف، ومصدع بن دهر \" (٧).\nوقيل: مصدع بن بهرج ... .\n﴿فَقَالَ لَهُمْ﴾: للقوم كلهم.\n﴿رَسُولُ اللَّهِ﴾: صالح - ﵇ -.\n﴿نَاقَةَ اللَّهِ﴾: أي احفظوها واحذروها أن تنالوها بسوء.\n﴿وَسُقْيَاهَا (١٣)﴾: شربها في يوم نصيبها.\nوقيل: دورها وشربها.\n﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا﴾: أي كذَّبوه فيما أخبرهم بحلول العذاب.\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٢١٢)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٢٥٤)، النُّكت والعيون (٦/ ٢٨٤).\n(٢) \" حين \" ساقطة من (ب).\n(٣) في (أ): الأحمر.\n(٤) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٢١٤)، تفسير السَّمرقندي (٣/ ٥٦٣).\n(٥) انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ٢٦٦).\n(٦) ما بين المعقوفتين ساقط من (ب).\n(٧) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٣٤٦).","vol":"1","page":3609},{"text":"﴿فَعَقَرُوهَا﴾ أي: الناقة، أسند الفعل إليهم جميعًا لما رضوا به.\nالفَرَّاء: \" فعقروها فكذَّبوه فيكون العقر تكذيبًا، أي: كفى بعقرهم إياها تكذيبًا \" (١).\n﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ﴾: أهلكهم وأطبق عليهم العذاب (٢).\nالمفضّل \" غضب عليهم \" (٣).\nوالدَّمْدمة: الكلام بغضب (٤).\n﴿فَسَوَّاهَا (١٤)﴾: أي الدمدمة.\nوقيل: فسوّى ثمود بالهلاك.\nوقيل: فسوّى أشجارها وأبنيتها (٥).\n﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا (١٥)﴾: عاقبة تلك الفعلة.\nوالفعل لله سبحانه، أي: لم يبال.\nوقيل: الفعل للأشقى.\nوقيل: لرسول الله صالح - ﵇ - (٦).\nوقُرئ بالفاء، وهو للتعقيب (٧).\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ٢٦٩).\n(٢) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٢٥٥).\n(٣) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٣٤٧).\n(٤) وهو أحد معانيها. [انظر: تفسير السمعاني (٦/ ٢٣٥) لسان العرب (١٢/ ٢٠٨)، مادة \" دَمَدَمَ \"].\n(٥) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٢٨٥)، زاد المسير (٨/ ٢٧٣).\n(٦) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٢١٥)، النُكت والعيون (٦/ ٢٨٥)، الجامع لأحكام القرآن (٢٠/ ٨١).\n(٧) أي ﴿فلا يخاف﴾ وهي قراءة نافع وابن عامر وقرأ ابن كثير وعاصم وأبو عمرو وحمزة والكسائي ... ﴿وَلَا يَخَافُ﴾ [انظر: جامع البيان (٣٠/ ٢١٦)، السَّبعة (ص ٦٨٩)، الحُجَّة (٦/ ٤٢٠)].","vol":"1","page":3610},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-198>سورة والليل </span>(١)\nإحدى وعشرون آية (٢) (٣) مكية (٤)\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١)﴾: أي: يغشي النّهار فيذهب به، ويُذْهِب ضَوْءَه. عن الحسن (٥).\nوقيل: (٦) يغشى الأفق بظلامه.\n﴿وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢)﴾: ظهر وبان.\nوقيل: تجلى الليل فيزل ظلامه.\nوقيل: أنار وأضاء.\n﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣)﴾: أي: ومن خلق، وهو الله تعالى، ويريد بهما آدم وحواء - ﵉ -.\nوقيل: عامٌّ في بني آدم.\nوقيل: عام في كل ذي زوج (٧).\nوقيل: ﴿مَا﴾ للمصدر، أي: وخلق الله الذكر والأنثى.\n_________\n(١) سُمِّيت هذه السورة في معظم المصاحف وبعض كتب التفسير \" سورة الليل \" بدون واو، وسميت في معظم كتب التفسير (سورة والليل) بإثبات الواو، وعنونها البخاري والترمذي \" سورة ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ \" ... [التحرير والتنوير (٣٠/ ٣٧٧)].\n(٢) \" إحدى وعشرون آية \" ساقطة من (ب).\n(٣) قال الداني: \" وهي إحدى وعشرون آية في جميع العدد ليس فيها اختلاف \". [البيان (ص: ٢٧٦)].\n(٤) في قول الجمهور. [المحرر الوجيز (٥/ ٤٩٠) زاد المسير (٨/ ٢٧٤)، وقد حكى فيها ابن الجوزي الإجماع].\n(٥) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٣٤٩).\n(٦) \" وقيل \" ساقطة من (ب).\n(٧) في (ب) \" روح \".","vol":"1","page":3611},{"text":"وقيل: تقديره: وما خلقه. ﴿الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ بدلان من إلهاء (١).\nوقُرِئ في الشواذ: بالخفض على البدل من ﴿مَا﴾ (٢).\nوفي مصحف ابن مسعود: ﴿والذكرِ والأنثى﴾ (٣) بغير \" ما \" (٤) وجاء مرفوعًا أيضًا (٥).\n﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (٤)﴾: إن عملكم وكسبكم لمختلف ومتباعد جدًا، فساع للدنيا الفانية والمعصية والعقاب، وساع للدار الباقية والطاعة والثواب.\nوفي (٦) سبب النزول: عن ابن عباس - ﵄ -: نزلت في رجل كانت له نخلة فرعها في دار رجل فقير ذي عيال، وكان الرجل إذا جاء فدخل الدار وصعد النخلة ليأخذ منها التمر فربما سقطت تمرة، فيأخذها صبيان الفقير، فينزل الرجل من نخلته حتى يأخذ التمرة من بين أيديهم، فإن وجد تمرة في فيّ أحدهم أدخل إصبعه حتى يخرج التمرة من فيّه، فشكا الرجل إلى النبي - ﷺ - وأخبره بما يلقى من صاحب النخلة، فقال له - ﷺ -: اذهب، فلقي صاحب النخلة، فقال له: تعطيني نخلتك المائلة التي فرعها في دار فلان، ولك به نخلة في الجنة، فقال له الرجل: إن لي نخلًا كثيرة وما فيها نخلة أعجب إلي تمرة منها، ثم ذهب الرجل، وفي المجلس رجل كان سمع الكلام من رسول الله - ﷺ -، فقال: يا رسول الله أتعطيني ما أعطيت الرجل نخلة في الجنة إن أنا أخذتها، قال: نعم، فذهب الرجل فابتاعها (٧) منه بأربعين نخلة، فجاء إلى رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله إن النخلة قد صارت في ملكي وهي لك، فذهب رسول الله - ﷺ - إلى الرجل الفقير فقال له: النخلة لك ولعيالك فأنزل الله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١)﴾ (٨).\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٢١٧)، النُّكت والعيون (٦/ ٢٨٦).\n(٢) انظر: المُحتَسَب (٢/ ٤٣١).\n(٣) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ٢٧٠)، المحتَسَب (٢/ ٤٣١).\n(٤) \" بغير \" ما \" ساقطة من (ب).\n(٥) انظر الروايات: جامع البيان (٣٠/ ٢١٧)، وما بعدها.\n(٦) في (أ): (في سبب) بدون واو.\n(٧) في (ب) \" فاتباعها \".\n(٨) انظر: أسباب النزول؛ للواحدي (ص: ٣٦٨)، زاد المسير (٨/ ٢٧٥).","vol":"1","page":3612},{"text":"وعن ابن مسعود - ﵁ -: \" أنها نزلت في أبي بكر الصديق (١) - ﵁ -، وفي أمية وأُبيّ ابنّي خلف حين عذَّبا (٢) بلالًا على إسلامه، فاشتراه أبو بكر منهما ببُرد من ذهبوعشر أواقٍ، وأعتقه \" (٣).\n﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى﴾: أي: ما أمر به وندب (٤) إليه.\n﴿وَاتَّقَى (٥)﴾: ربّه واجتنب محارمه.\n﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦)﴾: ابن عباس - ﵄ -: \" لا إله إلا الله \" (٥).\nمجاهد: \" الجنَّة والثواب \" (٦).\nابن جرير: \" بالخُلْفِ (٧) من الله على نفقته \" (٨).\n﴿فَسَنُيَسِّرُهُ﴾: نهيّئه، ﴿لِلْيُسْرَى (٧)﴾: للخُلّة اليسرى، وهو: الأمر السهل الذي لا يقدر عليه إلا المؤمنون.\nقال الفرّاء: \" العود إلى العمل الصالح \" (٩).\nوقيل: الجنة.\n﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ﴾: بما أُمِرَ بإعطائه أو نُدِبَ إليه.\n﴿وَاسْتَغْنَى (٨)﴾: عن ربه بزعمه.\nوقيل: واستغنى بماله.\n_________\n(١) \" الصديق \" ساقطة من (ب).\n(٢) في (أ) \" حتى عذبا \".\n(٣) انظر: أسباب النزول؛ للواحدي (ص: ٣٦٩)، النُكت والعيون (٦/ ٢٨٧).\n(٤) في (أ) \" أو ندب \".\n(٥) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٢٢٠).\n(٦) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٢٨٨)\n(٧) في (ب) \" بالخلق \".\n(٨) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٢١٩).\n(٩) معاني القرآن (٣/ ٢٧٠).","vol":"1","page":3613},{"text":"وقيل: طلب الغنى بِنَخْلَةٍ.\n﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩)﴾: بلا إله إلا الله، وبالجنّة، وبالخلف.\n﴿فَسَنُيَسِّرُهُ﴾: نهيئه ﴿لِلْعُسْرَى (١٠)﴾: للخُلَّة المؤدّية إلى النار.\nوقيل: للنار (١)، ولفظ التيسير للازدواج.\n﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى (١١)﴾: مات، تفعل (٢) من الرّدي، وهو الهلاك.\nوقيل: سقط في النار.\nالفرّاء: \"نزلت في أبي سفيان \" (٣).\nالزَّجَّاج: \" نزلت في رجل أكرَهُ ذكره، وإيَّاه عني أيضًا \" (٤).\nوإنما كره ذكره لأنه نزل فيه قبل الإسلام.\n﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (١٢)﴾: دلالة الرشد.\nالزَّجَّاج: \" أنّ نُبين طريق الهدى من طريق الضلال\" (٥).\nوقيل: من اهتدى فطريقه على الله، كقوله: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ [النحل: ٩].\n﴿وَإِنَّ لَنَا لَلْآَخِرَةَ وَالْأُولَى (١٣)﴾: فنعطي (٦) منهما من نشأ ونحرم من نشأ.\nوقيل: معناه: فمن طلبهما من غير مالكها فقد أخطأ الطريق.\n﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ﴾: أعلمتكم مُخَوِّفًَا ﴿نَارًا تَلَظَّى (١٤)﴾: تتوهّج وتتغيّظ.\n﴿لَا يَصْلَاهَا﴾: لا يدخلها ﴿إِلَّا الْأَشْقَى (١٥)﴾: الكافر.\n_________\n(١) في (أ) \" إلى النار \".\n(٢) في (أ) \" بفعل \".\n(٣) انظر: معاني القرآن (٣/ ٢٧٠).\n(٤) انظر: معاني القرآن (٥/ ٢٥٦).\n(٥) انظر: المصدر السابق.\n(٦) في (ب) \" فتعطي \".","vol":"1","page":3614},{"text":"أبو عبيدة: \" الأشقى بمعنى: الشقي \" (١). وقد سبق نظائره.\n﴿الَّذِي كَذَّبَ﴾: أي: كذب رسل الله (٢).\n﴿وَتَوَلَّى (١٦)﴾: أعرض عن الإيمان.\nالفرّاء: \" ﴿كَذَّبَ﴾: قصر فيما أمر به \" (٣).\nواستدل المُرْجئة (٤) بالآية على ما يزعمون: أنه لا يدخل النار إلا كافرٍ مكذبٍ متولٍ.\nوليس فيه دليل؛ لأن هذه نار خُصَّ الكافرون بها.\nوالنار دركات. هذا معنى كلام الزجاج (٥).\nوتنكير النار في الآية يدل على صحة هذا التأويل.\n﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧)﴾: المؤمن ﴿الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ﴾: الفقراء (٦)، ومن أمر بصرفه إليه.\n﴿يَتَزَكَّى (١٨)﴾: يخرج زكاة ماله، ويطلب أن يكون زاكيًا عند الله.\n﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩)﴾:\nقتادة: \"ما لأحد عند الله نعمة تجازيه بها إلاّ أن تفعل (٧) فعلًا يبتغي وجه ربه، فيستحق الجزاء والثواب \" (٨).\n_________\n(١) انظر: مجاز القرآن (٢/ ٣٠١).\n(٢) في (أ) \" كذب الرسل \"\n(٣) انظر: معاني القرآن (٣/ ٢٧٠).\n(٤) المُرْجِئةُ: هم القائلون: أن الإيمان تصديق بالقلب، ونُطقٌ باللسان، والأعمال ليست من الإيمان، والكرامية منهم يقولون: إن الإيمان هو مجرد النُّطق باللسان، وغلاتهم يقولون: هو تصديق بالقلب فقط، وإن لم ينطق بالشهادتين، وقالوا: لا يضر مع الإيمان ذنب، كما لا ينفع مع الكفر طاعة [انظر: شرح العقيدة الواسطية؛ للهراس (ص: ١٨٨)].\n(٥) انظر: معاني القرآن (٥/ ٢٥٧).\n(٦) في (أ) \" للفقراء \".\n(٧) في (أ) \" يفعل \".\n(٨) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٢٢٨)، النُّكت والعيون (٦/ ٢٩٠).","vol":"1","page":3615},{"text":"غيره: نزلت في أبي بكر - ﵁ - وذلك أنه لما اشترى بلالًا في جماعة فأعتقهم، قال المشركون: ما فعل ذلك إلا ليدٍ كانت عنده لبلال، فنفى الله - تعالى - ذلك عنه، فقال: وما لأحد أي (١) لبلال وغيره عنده من نعمة جازاه بها (٢) (٣).\n﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠)﴾: لكن فعل ما فعل ابتغاء الله.\nقيل: الاستثناء محمول على المعنى، أي: لم يعط لشيء إلا لطلب وجه الله.\n﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَى (٢١)﴾: ينال ما يتمناه.\nقال الفرَّاء: هذا اللام متصلة في المعنى بالهاء، وتقديره: ماله عند أحد من نعمة تجزى، أي: ما لأبي بكر عند أحد نعمة يتوقع عليه المكافأة في المستأنف (٤).\nوالمعنى: أنفق ما أنفق لوجه الله، لا يريد (٥) جزاء ولا شكورًا، واستدل على هذا المعنى، بقول الشاعر:\nلقد خفت حتى ما تزيد (٦) مخافتي ... على وعلٍ في ذي المطارة عاقل (٧) (٨)\nأي: ما يزيد (٩) مخافة وعل. وهذا المعنى حسن، ولكن اللفظ متعسف. والله أعلم.\n_________\n(١) \" أي \" ساقطة من (أ).\n(٢) في (أ) \" جازاه لها \".\n(٣) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٢٩٠)، زاد المسير (٨/ ٢٧٧).\n(٤) انظر: معاني القرآن (٣/ ٢٧٢).\n(٥) في (أ) \" لا نريد \".\n(٦) في (ب) \" ما تريد \".\n(٧) البيت للنابغة. [انظر: جامع البيان (٣٠/ ٢٢٧)، تفسير الثعلبي (٢/ ٤٢)].\n(٨) انظر: معاني القرآن (٣/ ٢٧٠)، وفيه:. . . . . . . . . . . . . ... على وعلٍ في ذي المكاره عاقل.\n(٩) في (ب) \" ما يريد \".","vol":"1","page":3616},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-199>سورة والضُّحى </span>(١)\nإحدى عشرة آية (٢) (٣) مكية (٤)\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n﴿وَالضُّحَى (١)﴾: يعني النهارَ كله.\nابن عباس - ﵂ -: \" الضوء \".\nقتادة: \" ساعةً من ساعات النهار \" (٥).\nقُطْرب: \" طلوعُ الشمس \" (٦).\nوقيل: أوّل ساعةٍ منه.\nوقيل: صدرُ النّهار.\n﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢)﴾: ابن عباس - ﵄ -: \" أقبل \".\nوعنهُ \" وأدبر \" (٧).\nالحسن: \" غشى بظلامه وستر \" (٨)، من قولهم: رأيت فلانًا متسجّيًا بثوبه.\nالفَرَّاء: \" أظلم \" (٩).\n_________\n(١) قال ابن عاشور: \" سُمِّيت هذه السورة في أكثر المصاحف وفي كثير من كتب التفسير وفي (جامع الترمذي) (سورة الضحى) بدون واو، وسميت في كثير من التفاسير وفي (صحيح البخاري) (سورة والضحى) بإثبات الواو ولما يبلغنا عن الصحابة خبر صحيح في تسميتها \". [التحرير والتنوير (٣٠/ ٣٩٣)].\n(٢) \" إحدى عشرة آية \" ساقطة من (ب).\n(٣) وهي إحدى عشرة آية باتفاق أهل العدِّ من غير خلاف. [انظر: البيان (ص: ٢٧٧)، جمال القراء (٢/ ٥٥٧)].\n(٤) قال ابن عطية: \" وهي مكية؛ لا خلاف في ذلك بين الرواة \" [انظر: المحرر الوجيز (٥/ ٤٩٣)].\n(٥) انظر: تفسير الصنعاني (٣/ ٣٧٩)، النُّكت والعيون (٦/ ٢٩١).\n(٦) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٢٩١).\n(٧) انظر القولين: جامع البيان (٣٠/ ٢٢٩)، النُّكت والعيون (٦/ ٢٩١).\n(٨) انظر: تفسير الصنعاني (٣/ ٣٧٩)، جامع البيان (٣٠/ ٢٢٩).\n(٩) انظر: معاني القرآن (٣/ ٢٧٣).","vol":"1","page":3617},{"text":"غيرهم: \" سكن، من قولهم: طرف ساجٍ \" (١)، ويحتمل سجي في الخلق، أي: سكن.\n﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾: جواب القسم، ومعناه: ما تركك من إنعامه وإكرامه ووحيه وإلهامه (٢).\nواشتقاقه من توديع المسافر.\nوقيل: من توديع الثوب، وهو صونه عن الابتذال.\n﴿وَمَا قَلَى (٣)﴾: ولا أبغضكَ مُذْ أحبك (٣).\nوحذف المفعول لفواصل الآي.\nوسبب نزوله أنه تأخَّر الوحي أيامًا.\nقيل: خمسةَ عشر.\nوقيل: أربعين يومًا.\nوقيل: ثلاثة أيام، فقالت قريش: إن محمدًا قد ودعه ربه وقلاه (٤).\nوذكر البخاري ومسلم - رحمهما الله -: أنَّ امرأة من قريش قالت للنبي - ﷺ -: «ما أرى شيطانك إلاّ قد ودّعك، فنزلت ﴿وَالضُّحَى﴾ (٥).\nوذكر أنها كانت أمُّ جميل أخت أبي سفيان (٦) (٧)، وذكر أيضًا: أن رسول الله - ﷺ - قال ذلك في شكواه إلى (٨) خديجة - ﵂ - حين انقطع الوحي، ... فأنزل الله: ﴿وَالضُّحَى﴾ (٩).\n_________\n(١) وهو قول الضحاك وعطاء وعكرمة وابن زيد، واختاره ابن جرير. [انظر: جامع البيان (٣٠/ ٢٣٠)، النُّكت والعيون (٦/ ٢٩٢)، زاد المسير (٨/ ٢٩٢)].\n(٢) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٢٣٠)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٢٥٨).\n(٣) في (أ) \" منذ أحبك \".\n(٤) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٢٣١)، النُّكت والعيون (٦/ ٢٩٢).\n(٥) أخرجه البخاري في صحيحه (بنحوه) في كتاب التفسير، تفسير سورة الضحى، باب: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾، برقم (٤٩٥٠)، و(٤٩٥١)، وأخرجه مسلم كذلك في صحيحه في كتاب الجهاد والسير، باب: ما لقي النبي - ﷺ - من أذى المشركين والمنافقين، برقم (٤٦٣٣)، كلاهما عن جُندب بن سفيان - ﵁ -.\n(٦) أمُّ جميل: زوجة أبي لهب وهي من سادات نساء قريش، واسمها أروى بنت حرب بن أمية، وهي أخت أبي سفيان، وكانت عونا لزوجها على كفره وجحوده وعناده، فلهذا تكون يوم القيامة عونا عليه في عذابه في نار جهنم [انظر: السِّيرة النبوية؛ لابن هشام (١/ ٣٥٤)، تفسير القرآن العظيم (٤/ ٦٠٣)].\n(٧) انظر: تفسير الثعلبي (١٠/ ٢٢٣)، زاد المسير (٨/ ٢٧٩).\n(٨) في (أ) \" عند \".\n(٩) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٢٣٢).","vol":"1","page":3618},{"text":"وروى الأسود بن قيس (١) عن جُنْدب (٢) أنَّ رسول الله - ﷺ - رُمي بالحجر في إصبعه فَدَمِيت،\nفقال:\nهل أنت إلاّ إصبعٌ دُمِيْتِ ... وفي سبيل الله ما لقيتِ\nفمكث ليلتين أو ثلاثًا لا تقوم، فقالت له امرأة: يا محمد ما أرى شيطانك إلا تركك، فأنزل الله - تعالى - (٣): ﴿وَالضُّحَى﴾ (٤).\nوقالت جماعة من المفسرين: سببُ انقطاعِ الوحي تركه الاستثناء (٥). كما سبق في الكهف، وقال بعضهم جاءه سائل، فأعطاه مرة بعد أخرى فزجره - ﷺ - وانقطع (٦) الوحي (٧). والله أعلم.\n﴿وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (٤)﴾: أي: وللدار الآخرة وما أعدَ الله لك فيها خيرٌ لك من الدار الدنيا وما فيها؛ لأنها تدومُ وتبقى، وهذه تبيد (٨) وتفنى.\n_________\n(١) الأسود بن قيس العبدي، وقيل: البُجلي، أبو قيس الكوفي، روى عن أبيه وثعلبة بن عبَّاد، وجندب بن عبد الله البجلي، وعنه شعبة والثوري وشريك وجماعة.\nقال ابن معين والنسائي: \" ثقة \"، وقال العجلي: \" ثقة حسن \"، ولم أقف على تاريخ وفاته. [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: الثقات؛ لابن حبَّان (٤/ ٣٢)، تهذيب التهذيب (١/ ٢٩٨)].\n(٢) جُنْدُب: هو أبو ذرٍّ الغفاري، وقد تقدَّمت ترجمته (ص: ١٣٦).\n(٣) \" الله تعالى \" ساقطة من (ب).\n(٤) أخرجه الترمذي في جامعة وحسَّنه، في كتاب التفسير، باب: ومن سورة الضحى، برقم (٣٣٤٥)، وأخرجه الثعلبي في تفسيره (١٠/ ٢٢٣)، وله شواهد فيما مضى من الصحيحين.\n(٥) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٣٥٣)، الجامع لأحكام القرآن (٢٠/ ٩٤).\n(٦) في (أ) \" فانقطع الوحي \".\n(٧) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٣٥٣).\n(٨) في (أ) \" وهذه تنفذ \".","vol":"1","page":3619},{"text":"وقيل: ولآخر عمرك، خير لك من أوّله لما تنال فيه من النصر والفتح والظفر (١).\n﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥)﴾: ابن عباس - ﵄ -: «ألفُ قصرٍ من لؤلؤ ترابُهن المسكُ، وفيها ما يليق بها من الأزواج وغيرها» (٢).\nوقيل: الشفاعةُ في أمتك، وروي أن النبي - ﷺ - قال: لما نزلت هذه الآية «إذًا لا أرضى، وواحد من أمتي في النار» (٣).\nوقيل: هي في الدنيا بالنصر والفتح (٤).\n﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآَوَى (٦)﴾: أي: لا أبا لك ولا كافلَ لك، فآواكَ إلى من كفلَكَ ورباك (٥) وهو عمك أبو طالب.\nوقيل: هذا متصل بأوّل السورة، أي: لم يودعك كما لم يودعك حين كنت يتيمًا.\nوقيل: يجدك يتيمًا فريدًا عديَم النظير من الدرة اليتيمة فآواك (٦) إلى كرامته واصطفاك لرسالته (٧).\n﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا﴾: الزَّجَّاج: ضالًا عما أنتَ عليه اليوم من الإيمان والقرآن، من قوله: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ [النساء: ١١٣]، ومِن قوله: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ [الشورى: ٥٢] (٨).\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٢٣٢)، النُّكت والعيون (٦/ ٢٩٣)، غرائب التفسير (٢/ ١٣٥٤).\n(٢) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (٣٠/ ٢٣٢)، وابن أبي حاتم في تفسيره (١٠/ ٣٤٤٣)، وأخرجه الحاكم في مستدركه (٢/ ٥٢٦)، في كتاب التفسير، تفسير سورة الضحى، وقال: \" هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه \"، وخالفه الذهبي وقال: \" تفرَّد به عصام بن رواد عن أبيه، وقد ضُعِّفَ \".\n(٣) أورده الثعلبي في تفسيره (١٠/ ٢٢٥)، وابن عطية في المحرر الوجيز (٥/ ٤٩٤).\n(٤) قال ابن جزي: \" والصحيح أنه وعدٌ يَعُمُّ كل ما أعطاه الله في الآخرة، وكل ما أعطاه في الدنيا من النصر والفتوح وكثرة المسلمين وغير ذلك \" [التسهيل (٤/ ٢٠٤)].\n(٥) في (ب) \" ورابّك \".\n(٦) في (ب) \" فأويك \".\n(٧) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٢٣٢)، النُّكت والعيون (٦/ ٢٩٣)، غرائب التفسير (٢/ ١٣٥٤).\n(٨) انظر: معاني القرآن (٥/ ٢٥٩). وهذا هو المعنى الأقرب، والأليق.","vol":"1","page":3620},{"text":"وقيل: وجدَ (١) أمتَكَ ضالًا (٢) فهداهم بك.\nوقيل: ووجدَكَ ضالًا في طريق الشام.\nوقيل: في شعاب مكةَ هداك إلى الطريق (٣).\nوقيل: ﴿وَجَدَكَ ضَالًّا﴾ (٤)، أي: ضالة لا تعرف منزلتك عند الله (٥).\n﴿فَهَدَى (٧)﴾: قومك إليك.\nوقيل: وجدك محبًا، فهداك إلى المحبوب من قوله: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾ [يوسف: ٩٥]، أي: حبك (٦).\n﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (٨)﴾: فقيرًا لا مالَ لك.\nوقيل: \" ذا عيال فأغناك (٧) بالقناعة \"، عن الفَرَّاء (٨).\nغيره: \" بمال خديجةَ - ﵂ - تبذلُهُ لك، ثم بمال الغنائم، حيث أحلَّها لك\" (٩).\n﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩)﴾: أي: لا تظلمه، واذكر يُتْمَكَ.\n﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾: سائل البِر (١٠).\n﴿فَلَا تَنْهَرْ (١٠)﴾: لا تزجرهُ ولا تردهُ خائبًا بل بَذلُ قليلٍ أو ردُّ جميلٍ.\n_________\n(١) في (أ) \" وقيل: ووجد \".\n(٢) كذا في النسختين، والأنسب \" ضُلَّالًا \".\n(٣) في (ب) \" طريق \".\n(٤) في (أ) \" وجد \".\n(٥) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٢٩٤)، زاد المسير (٨/ ٢٨١).\n(٦) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٣٥٤).\n(٧) في (أ) \" ﴿فَأَغْنَى﴾ أي: بالقناعة \".\n(٨) انظر: معاني القرآن (٣/ ٢٧٤).\n(٩) انظر: تفسير السَّمرقندي (٣/ ٥٦٨)، تفسير الثعلبي (١٠/ ٢٢٩)، زاد المسير (٨/ ٢٨١).\n(١٠) وهو قول الجمهور. [انظر: جامع البيان (٣٠/ ٢٣٣)، زاد المسير (٨/ ٢٨٢)، التسهيل (٤/ ٢٠٥)].","vol":"1","page":3621},{"text":"السُّدي: \" سائلُ العلم فلا تنهره وأجبه برفق ولين \" (١).\n﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾: النبوة والقرآن وكلمة الإخلاص.\n﴿فَحَدِّثْ (١١)﴾: بلّغ أمتَكَ.\nوقيل: حدِّث كلَ يومٍ شُكرًا جديدًا.\nوعن ابن عباس - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «سألتُ ربي مسألةً وددت أني لم أكن سألته، قلت: أي ربِّ إنه قد كان أنبياءٌ قبلي منهم من سخّرتَ له الريح، وذكر سليمان، ومنهم من كان يحيي الموتى، وذكر عيسى ابن مريم ... - ﵉ -، ومنهم ومنهم (٢)، فقال الله - سبحانه -: ألم أجدك (٣) عائلًا فأغنيتك، قال: قلت: بلى أي ربي، قال: ألم نشرح لكَ صدركَ ووضعتُ (٤) وزرَكَ، قال: قلتُ: بلى أي ربِّي» (٥) (٦).\n_________\n(١) لم أقف عليه من قول السُّدي، وهو مشهور من قول سفيان والحسن. [انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٢٩٥)، تفسير البغوي (٨/ ٤٥٨)، زاد المسير (٨/ ٢٨٢)].\n(٢) \" ومنهم ومنهم \" ساقط من (ب).\n(٣) في (ب) \" يجدك \".\n(٤) في (أ) \" ووضعت عنك\".\n(٥) في (أ) \" يا رب \".\n(٦) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١٠/ ١٤٦)، برقم (١٢١٢٢)، وأخرجه الحاكم في مستدركه (٢/ ٥٢٦)، في كتاب التفسير، تفسير سورة الضحى، وقال: \" هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه \"، ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٦/ ٨٦)، برقم (٢٥٣٨)، وانظر: أسباب النزول؛ للواحدي ... (ص: ٣٧٢).","vol":"1","page":3622},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-200>سورة الشَّرح </span>(١) (٢)\nثمان آيات (٣) (٤) مكية (٥)\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١)﴾: استفهام تقرير، أي: أزلنا الهمَّ ونفينا الحزنَ عن قلبك ووسعناه ولم نجعله (٦) ضيقًا حرجًا (٧).\nابن كيسان: \" كان النبي - ﷺ - في بدء الأمرِ إذا أتاه جبريل - ﵇ - بالوحي شقَّ عليه استماعه والنظر إلى جبريل - ﵇ -، فوسَّعَ الله قلبَه لذلك \" (٨).\nوعن عمر - ﵁ -: \" أن جبريل - ﵇ - أتى رسول الله - ﷺ - فاستخرج قلبَه فغسله، ثم ملأَهُ إيمانًا وحكمةً \" (٩).\nقيل: كان هذا حين ثَمَّ لرسول الله - ﷺ - حولان من رضاعه.\nوقيل: كان هذا يوم الميثاق.\n_________\n(١) في (ب) \" سورة الانشراح \".\n(٢) سميت في معظم التفاسير، وفي \" صحيح البخاري \" و\" جامع الترمذي \" \" سورة ألَمْ نشرح \"، وسميت في بعض التفاسير \" سورة الشرح \"، ومثله في بعض المصاحف المشرقية تسمية بمصدر الفعل الواقع فيها من قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١)﴾، وفي بعض التفاسير تسميتها \"سورة الانشراح \" [التحرير والتنوير (٣٠/ ٤٠٧)].\n(٣) \" ثمان آيات \" ساقطة من (ب).\n(٤) وهي ثماني آيات في جميع العدد ليس فيها اختلاف. [انظر: البيان (ص: ٢٧٨)، جمال القُرَّاء (٢/ ٥٥٧)].\n(٥) وهي مكية بالإجماع. [انظر: المحرر الوجيز (٥/ ٤٩٦)، زاد المسير (٨/ ٢٨٤)].\n(٦) في (ب) \" ولم نجعل \".\n(٧) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٤٩٦)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٥/ ١٥٦).\n(٨) لم أقف عليه.\n(٩) لم أقف على هذه الرواية، وقد أوردها الكرماني في غرائب التفسير (٢/ ١٣٥٧)، وأصل الحديث في الصحيحين، فقد أخرجه البخاري في كتاب الصلاة، باب: كيف فرضت الصلوات في الإسراء، برقم (٤١٣) ومسلم في كتاب الإيمان، باب: الإسراء برسول الله - ﷺ - إلى السماوات وفرض الصلوات، برقم (٤١٣)، كلاهما عن أنس بن مالك عن أبي ذرٍّ - ﵄ -.","vol":"1","page":3623},{"text":"الزَّجَّاج: \" شرح الله (١) صدره للإسلام ووسَّعَهُ للإيمان \" (٢).\nوقيل: شرحَ بالحكمة والإيمان (٣) والقرآن.\nوقيل: بما نصب من الأدلة (٤).\nالفَرَّاء: \" تلين قلبك \" (٥).\n﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢)﴾ غفرنا لك ما تقدَّمَ من ذنبِك وما تأخَّر.\nوقيل: وزرَ أمتك، فأضاف إليه لاهتمامه به.\nوقيل: خفَّفْنا عنك (٦) أعباء النبوة.\nوقيل: لم نكلفك فوق طاقتك (٧).\nقال الضحاك: \" ﴿وِزْر﴾ اسم صنم وضع على ظهره، فجاء جبريل فحطه، ولو لم يحطه لأثقل ظهره \" (٨).\nوهذا تفسير يستحيى من ذكره، ولفظٌ وضع لا يقتضي وجوبًا، كما تقول: رفع القلم عن الصبي ولم يكن القلم موضوعًا عليه.\n﴿الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣)﴾: أي: أثقلَه حتى سمعَ له نقيض، وهو: صوت\nالرَّحل (٩) والنعامة وغيرهما.\n_________\n(١) لفظ الجلالة \" الله \" ساقطة من (أ).\n(٢) انظر: معاني القرآن (٥/ ٢٦٥).\n(٣) \" والإيمان \" ساقطة من (ب).\n(٤) قال أبو حيَّان: \" وشرح الصدر تنويره بالحكمة وتوسيعه لتلقي ما يوحى إليه قاله الجمهور، والأولى العموم لهذا ولغيره من مقاساة الدعاء إلى الله - تعالى - وحده واحتمال المكاره من إذايَة الكفار \" [البحر المحيط (١٠/ ٤٩٩)، وانظر: جامع البيان (٣٠/ ٢٣٤) تفسير السَّمرقندي (٣/ ٥٦٩)، النُّكت والعيون (٦/ ٢٩٦)].\n(٥) انظر: معاني القرآن (٣/ ٢٧٥).\n(٦) في (أ) \" عليك \".\n(٧) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٢٣٥)، النُّكت والعيون (٦/ ٢٩٦).\n(٨) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٣٥٧).\n(٩) في (ب) \" الرجل \".","vol":"1","page":3624},{"text":"وقيل: هو مِن النقض، وهو: البعير المهزول، أي: خففنا عنك ما كانَ أثقله حتى صار كالنقض. وكلاهما مثلان (١).\n﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٤)﴾: قيل: بالنبوة.\nوقيل: رفعنا لك ذكرك في الآخرة كما رُفعَ في الدنيا.\nوالجمهور على أن المعنى ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾: فلم أُذكر إلاّ ذُكرتَ معي، (٢) فجاء هذا مرفوعًا (٣) (٤).\nوجاء مرفوعًا (٥) أيضًا: «أن جبريل - ﵇ - جاءه، فقال: بأن الله يقول ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ فلم أُذكر إلا ذُكرتَ معي» (٦).\n﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥)﴾: أي: مع الشدَّةِ والاجتهادِ في الدين ومقاساةِ الكفار يسرًا رخاءً وجزاءً، والتكرار للتأكيد.\nوقيل (٧): إنَّ مع العسر الذي أنت فيه من مقاساة الكفار، يسرًا في الدنيا بالظفر والغنيمة (٨).\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٢٣٥)، النُّكت والعيون (٦/ ٢٩٧).\n(٢) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٢٣٥)، النُّكت والعيون (٦/ ٢٩٧)، زاد المسير (٨/ ٢٨٤).\n(٣) \" فجاء هذا مرفوعًا \" ساقط من (ب).\n(٤) أخرج عبد الرَّزاق في تفسيره (٣/ ٣٨٠)، عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ قال: \"لا أذكر إلا ذكرت معي، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله \"، وأخرجه ابن جرير كذلك في جامع البيان (٣٠/ ٢٣٥).\n(٥) \" مرفوعًا \" ساقطة من (ب) \".\n(٦) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (٣٠/ ٢٣٥) عن أبي سعيدٍ الخدري - ﵁ -، وأخرجه ابن أبي حاتم (١٠/ ٣٤٤٥).\n(٧) \" وقيل \" ساقطة من (ب).\n(٨) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٢٣٥)، النُّكت والعيون (٦/ ٢٩٧).","vol":"1","page":3625},{"text":"﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ﴾: الذي أنتَ فيه ﴿يُسْرًا (٦)﴾: في الآخرة بالجنة والثواب فالعسرُ واحد لكونه معرفة، واليسرُ اثنان لكونه نكرة (١)، وكما جاء في الحديث: «لا يغلب عُسْرٌ يُسْرِيْن» (٢).\nوقال بعضهم: لا يحتمل اللفظ هذا المعنى، كما لا يحتمله قول القائل: بأن مع الفارس رمحًا إن مع الفارس رمحًا أن يكون معه رمحان.\nقلت: وليس هذا وزان الآية؛ لأن الرمح جثة، واليسر حدث، ووزان هذا أن يقول: إن للصائم (٣) فرحة، إن للصائم فرحة، أي: فرحة عند الإفطار، وفرحة عند ... لقاء (٤) - الله - تعالى (٥).\n_________\n(١) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٢٩٨)، زاد المسير (٨/ ٢٨٥).\n(٢) أخرجه ابن جرير (بنحوه) في جامع البيان (٣٠/ ٢٣٥) بروايات منها عن الحسن: \" لما نزلت هذه الآية ... ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ قال رسول الله - ﷺ -: «أبشروا أتاكم اليسر، لن يغلب عسر يسرين»، وعن الحسن - أيضًا - قال: «خرج النبي - ﷺ - يومًا مسرورًا فرحًا، وهو يضحك وهو يقول: «لن يغلب عسر يسرين، لن يغلب عسر يسرين ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦)﴾».\nوعن قتادة قوله: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ ذكر لنا أن رسول الله - ﷺ - بشرَّ أصحابه بهذه الآية فقال: «لن يغلب عسر يسرين». وعن معاوية بن قرة أبي إياس عن رجل عن عبد الله بن مسعود قال: «لو دخل العسر في جحر لجاء اليسر حتى يدخل عليه؛ لأن الله يقول: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦)﴾».\nوأخرجه الحاكم في مستدركه (٢/ ٥٢٨) في كتاب التفسير - تفسير سورة ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾ \"، وقال الذهبي معقبًا عليه: \" مرسل \".\nوقال ابن حجر: \" وقوله: «ولن يغلب عسر يسرين» روي هذا مرفوعًا موصولًا ومرسلًا، وروي أيضًا موقوفًا، أما المرفوع فأخرجه ابن مردويه من حديث جابر بإسناد ضعيف ولفظه: «أوحي إلي أن مع العسر يسرًا أن مع العسر يسرًا ولن يغلب عسر يسرين»، وأخرج سعيد بن منصور وعبد الرزاق من حديث ابن مسعود قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لو كان العسر في جحر لدخل عليه اليسر حتى يخرجه، ولن يغلب عسر يسرين»، ثم قال: «إن مع العسر يسرًا إن مع العسر يسرًا». وإسناده ضعيف، وأخرجه عبد الرزاق والطبري من طريق الحسن عن النبي - ﷺ -، وأخرجه عبد بن حميد من طريق قتادة قال: «ذكر لنا أن رسول الله - ﷺ - بشر أصحابه بهذه الآية فقال: «لن يغلب عسر يسرين - إن شاء الله -» \" [فتح الباري (٩/ ٧٣٠)].\n(٣) في (ب) \" أن تقول: إن الصائم \".\n(٤) \" لقاء \" ساقطة من (ب).\n(٥) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٣٥٨).","vol":"1","page":3626},{"text":"﴿فَإِذَا فَرَغْتَ﴾: أي: من التبليغ.\n﴿فَانْصَبْ (٧)﴾: اتعب بالعبادة.\nوقيل: فإذا فرغت من الصلاة، فانصب في الدعاء.\nقيل: قبل التسليم، وهذا قول ابن مسعود - ﵁ - (١).\nوقيل: بعد التسليم، وهو قول الأكثرين.\nوقيل: فإذا فرغت من الفرائض، فاتعب بالنوافل (٢).\n﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (٨)﴾: ابن مسعود - ﵁ -: \" فارغب إليه بدعائك \" (٣).\nوقيل: ارغب (٤) إليه دون غيره.\nالمبرد: \" ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ أي: دم على الطاعات من غير فتور، واطلب إليه من غير قصور \" (٥).\n_________\n(١) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٣٥٨).\n(٢) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٢٣٦)، النُّكت والعيون (٦/ ٢٩٨)، زاد المسير (٨/ ٢٨٦).\n(٣) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٢٩٩)، زاد المسير (٨/ ٢٨٦).\n(٤) \" ارغب \" ساقطة من (أ).\n(٥) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٣٥٨).","vol":"1","page":3627},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-201>سورة والتِّين </span>(١)\nثمان آيات (٢) (٣) مكية (٤)\n[ابن عباس - ﵄ -: مدنية] (٥) (٦)\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١)﴾: ابن عباس والحسن في جماعة: \" تينكُم الذي تأكلون وزيتونَكم الذي تعصرون \" (٧).\nوخَصَّ ﴿التِّينِ﴾ بالقسم؛ لأنه يشبُهُ ثمارَ الجنةِ ليس فيه ما يُنفى ويُطرح، وخص ﴿الزَّيْتُونِ﴾ لكثرة منافعه، ولأنه لا دخانَ لِدُهْنه ولا لحطب شجره عند الإيقاد (٨).\nابن عيسى: \" التين ثمرة شجرة كالخبيص (٩) مهيأة على التدوير، مخلَّصة (١٠) من شائب التنغيص، وأما ﴿الزَّيْتُونِ﴾ فيُعتصر منه الزيتُ الذي للاصطباغ والدهان (١١) واتخاذ الصابون \" (١٢).\n_________\n(١) سميت في معظم كتب التفسير ومعظم المصاحف (سورة والتين) بإثبات الواو تسمية بأول كلمة فيها، وسماها بعض المفسرين (سورة التين) بدون واو؛ لأن فيها لفظ (التين) كما قالوا: (سورة البقرة) وبذلك عنونها الترمذي وبعض المصاحف [انظر: بصائر ذوي التمييز (١/ ٥٢٧)، التحرير والتنوير (٣٠/ ٤١٩)].\n(٢) \" ثمان آيات \" ساقط من (ب).\n(٣) وهي ثماني آيات في جميع العدد من غير اختلاف. [انظر: البيان (ص: ٢٧٩)، جمال القُرَّاء (٢/ ٥٥٧)].\n(٤) مكية في قول الجمهور منهم: الحسن وعطاء عن ابن عباس وعكرمة. وعن قتادة وابن عباس: أنها مدينة، والصحيح عن ابن عباس أنه قال: هي مكية. [انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٣٠٠)، التحرير والتنوير (٣٠/ ٤١٩)].\n(٥) ما بين المعقوفتين ساقط من (ب).\n(٦) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٣٠٠)، زاد المسير (٨/ ٢٨٧).\n(٧) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٢٣٨)، زاد المسير (٨/ ٢٨٧)، وهو الأظهر، والله أعلم.\n(٨) انظر: زاد المسير (٨/ ٢٨٧)، الجامع لأحكام القرآن (٢٠/ ١١٢).\n(٩) الخَبِيصُ: نوع معروف من الحَلْواء. [انظر: لسان العرب (٧/ ٢٠)، مادة \" خَبَصَ \"].\n(١٠) في (ب) \" ملخصة \".\n(١١) في (ب) \" للاصطباع والادهان \".\n(١٢) لم أقف عليه.","vol":"1","page":3628},{"text":"وقيل: هما جبلان يُنبِتان التين والزيتون بالشام، سميا باسمهما.\nوروي عن كعب: \" ﴿التِّينِ﴾ دمشق ﴿الزَّيْتُونِ﴾ بيت المقدس \" (١).\nوقيل: جبلاها، وقيل: مسجداها.\nوعن ابن عباس أيضًا: \" ﴿التِّينِ﴾ مسجد نوح - ﵇ - على الجودي، ﴿الزَّيْتُونِ﴾ مسجد بيت المقدس \" (٢).\nوقيل: ﴿التِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ مسجد أصحاب الكهف ومسجد إيليا.\nوقيل: قسم بجميع نعم الله التي منها ﴿التِّينِ﴾ وهو طعام، ﴿الزَّيْتُونِ﴾ وهو إدام.\nوالله أعلم.\n﴿وَطُورِ سِينِينَ (٢)﴾: هو جبل موسى - ﵇ - بمدين، واسمه زبير.\nومعنى: ﴿سِينِينَ﴾: المبارك، وقيل: الحَسن.\nوقيل: المشجر (٣).\n﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣)﴾: يعني مكةَ بالإجماع، من قوله: ﴿حَرَمًا آَمِنًا﴾ ... [القصص: ٥٧]، ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧].\nو﴿الْأَمِينِ﴾ بمعنى: الآمن أيضًا، وقيل: أمين: آمن (٤) فيه الخلق.\nوقيل: مأمون على ما أودعه الله من معالم دينه (٥).\nالمبرد: هي أربعة: \" جبل طور تيناء، وهو (٦) دمشق، وطور زينا وهو بيت المقدس، وطور سيناء وهو جبل موسى - ﵇ - ...، وطور تيمنايا وهو (٧) مكة \" (٨).\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٢٣٩)، زاد المسير (٨/ ٢٨٨).\n(٢) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٢٣٩)، النُّكت والعيون (٦/ ٣٠١).\n(٣) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٢٤٠)، النُّكت والعيون (٦/ ٣٠١)، زاد المسير (٨/ ٢٨٨).\n(٤) في (أ) \" آمن، يأمن فيه \".\n(٥) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٢٤١)، النُّكت والعيون (٦/ ٣٠١)، البحر المحيط (١٠/ ٥٠٣).\n(٦) في (أ) \" وهي \".\n(٧) في (أ) \" وهو جبل مكة \".\n(٨) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٣٥٩).","vol":"1","page":3629},{"text":"﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ﴾: جواب القسم. و﴿الْإِنْسَانَ﴾ عام (١).\nابن عباس - ﵄ -: أبو الأشدين بن (٢) كلدة (٣).\nمقاتل: \" أبو جهل \" (٤).\nعطاء: الوليد بن المغيرة (٥).\nقتادة: (٦) \" عتبة وشيبة \" (٧).\n﴿فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤)﴾: منتصبُ القامةِ معتدلها، يتناول مأكوله بيده وسائر الحيوان منكب (٨).\nمجاهد: \" في أحسن صورة \" (٩).\nعَطِية (١٠): \"أراد في شبابه أوّل ما نشأ \" (١١)، والتقدير: في تقويم أحسن تقويم.\n_________\n(١) وهو مذهب أكثر المفسرين. [انظر: جامع البيان (٣٠/ ٢٤٢)، زاد المسير (٨/ ٢٩٨)، البحر المحيط (١٠/ ٥٠٣)].\n(٢) في (ب) \" أبو الأشد \".\n(٣) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٣٠٢)، زاد المسير (٨/ ٢٨٩).\n(٤) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٣٠٢).\n(٥) انظر: زاد المسير (٨/ ٢٨٩).\n(٦) في (ب) \" مقاتل \".\n(٧) انظر: زاد المسير (٨/ ٢٨٩).\n(٨) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٢٤٤).\n(٩) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٢٤٣)، زاد المسير (٨/ ٢٨٩).\n(١٠) عَطية بن سعد بن جُنادة العوفي أبو الحسن الجَدْلي أخذ القرآن ومعانيه وروى عن ابن عباس وأبي هريرة ... صدوق يخطئ كثيرًا وكان شيعيًا مُدَلِّسًَا، مات سنة إحدى عشرة ومائة للهجرة. [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: تقريب التهذيب (١/ ٦٧٨)، طبقات المفسرين؛ للأدنه وي (ص: ١٣)].\n(١١) لم أقف عليه من قول عطية العوفي، وقد أورده ابن جرير في جامع البيان (٣٠/ ٢٤٣)، عن ابن عباس ... - ﵄ -.","vol":"1","page":3630},{"text":"﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ﴾: أي: الإنسان ﴿أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥)﴾: أي: إلى الهرم أو الخرف ... ﴿لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ [الحج: ٥]. والسافلون: هم الزمنى ... والضعفى (١) ومن لا يجد حيلة، ولا يهتدي سبيلًا (٢).\n﴿إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦)﴾:\nابن عباس - ﵄ - جعل الاستثناء منقطعًا، أي: لكن الذين آمنوا وإن ردوا إلى أرذل العمر فإن أجرهم يكتب لهم كما كانوا يعملونه في صحتهم (٣).\nوجاء في الآثار: \"من قرأ القرآن واتبع ما فيه لم يرد إلى أرذل العمر \" (٤).\nوقيل: الاستثناء صحيح على تقدير: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ فانقطعت أعمالهم فلا يكتب (٥) لهم حسنة إلا الذين آمنوا فإن أجرهم لا ينقطع (٦).\nوالأكثر على أن ﴿أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ النار، والتقدير: أسفل قوم سافلين.\nوالاستثناء صحيح. و﴿أَسْفَلَ﴾ نصب على الحال.\nوقيل: على الظرف، أي: مكانًا ﴿أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾.\nوقوله: ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾، أي (٧): غير مقطوع، وقيل: غير منقوص.\nوقيل: غير ممنونٌ به عليهم.\n_________\n(١) في (ب) \"والصعفى \".\n(٢) انظر: تفسير السمعاني (٦/ ٢٥٤)، زاد المسير (٨/ ٢٨٩).\n(٣) انظر: زاد المسير (٨/ ٢٩٠)، الجامع لأحكام القرآن (٢٠/ ١١٦).\n(٤) أورد ابن جرير عن عكرمة قال: كان يقال من قرأ القرآن لم يرد إلى أرذل العمر ثم قرأ ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ قال لا يكون حتى لا يعلم من بعد علم شيئًا \" [جامع البيان (٣٠/ ٢٤٦)].\n(٥) في (ب) \" فلا يتبت \".\n(٦) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٢٤٥)، زاد المسير (٨/ ٢٩٠).\n(٧) \" أي \" ساقطة من (أ).","vol":"1","page":3631},{"text":"﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (٧)﴾: الأخفش والمبرد: \" ﴿مَا﴾ (١) بمعنى: مَن \" (٢).\nوقيل: أي شيء يكذبك؟.\nوفي المخاطب به قولان: أحدهما: إنه الإنسان، والمعنى: فمن يحملك على الكذب.\nوقيل: ومن يجدك كاذبًا ﴿بَعْدُ﴾، أي: بعدَ هذا القسم.\nوقيل: بعدها البيان بالدين والجزاء (٣) والبعث.\nوالثاني: إنه النبي - ﷺ -، والمعنى من ينسبك إلى الكذب.\nوقيل: من يبين إنك كاذب بعد هذا البيان وبعد قدرتنا على خلق الإنسان وتقويمه، أي: كل شيء يصدقك ويشهد لما جئت به (٤).\n﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (٨)﴾: قيل: هو من الحكم والقضاء.\nوقيل: من الحكمة والحاكمين هم (٥) الحكماء، ويجوز أن يكون أحكم من الحكمة، والحاكمين من الحُكم (٦).\nوعن قتادة في جماعة: أن رسول الله - ﷺ - إذا قرأ هذه السورة قال: «بلى وإنَّا على ذلك من الشاهدين» (٧).\n_________\n(١) \" ﴿مَا﴾ ساقطة من (أ).\n(٢) انظر قول الأخفش: معاني القرآن؛ للأخفش (ص: ٣٠٤)، ولم أقف على قول المبرد.\n(٣) في (أ) \" بالجزاء والبعث \".\n(٤) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٢٤٩)، زاد المسير (٨/ ٢٩٠)، الجامع لأحكام القرآن (٢٠/ ١١٧).\n(٥) في (أ) \" هو: الحكماء \".\n(٦) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٣٠٣)، الجامع لأحكام القرآن (٢٠/ ١١٧).\n(٧) أخرجه الترمذي (بنحوه) في كتاب التفسير، باب: ومن سورة التين، برقم (٣٣٤٧) عن إسماعيل ... ابن أمية قال: سمعت رجلًا بدويًا أعرابيًا يقول: سمعت أبا هريرة يرويه يقول من قرأ ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ فقرأ ... ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (٨)﴾ فليقل بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين»، قال أبو عيسى: \" هذا حديث إنما يروى بهذا الإسناد عن هذا الأعرابي عن هريرة ولا يسمى \" وانظر: جامع البيان (٣٠/ ٢٥٠)، النُّكت والعيون (٦/ ٣٠٣)، الجامع لأحكام القرآن (٢٠/ ١١٨).","vol":"1","page":3632},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-202>سورة العَلَق </span>(١)\nتسع عشرة آية (٢) (٣) مكية (٤)\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nذكر البخاري ومسلم - رحمهما الله - في صحيحيهما: أنّ أوّل ما بدئ به رسول الله - ﷺ - من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، وكان (٥) لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ثم حُبب إليه الخلاء وكان يأتي حراء فيتحنَّث فيه (٦)، - والتَّحَنُّثُ: التعبد [الليالي] (٧) ذوات العدد - ويتزود لذلك ثم يرجع إلى خديجة - ﵂ - ...، فيتزود بمثلها حتى فجئه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ، قال رسول الله - ﷺ -: فقلت له ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: ... ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ\n_________\n(١) اشتهرت تسمية هذه السورة في عهد الصحابة والتابعين باسم (سورة اقرأ باسم ربك)، وبذلك عنونها الترمذي. وعنونها البخاري: (سورة اقرأ باسم ربك الذي خلق)، وسميت في المصاحف ومعظم التفاسير (سورة العلق) لوقوع لفظ (العلق) في أوائلها، وكذلك سميت في بعض كتب التفسير، وتسمى: (سورة اقرأ)، وعنونها ابن عطية وأبو بكر بن العربي: (سورة القَلم) وهذا اسم سميت به: (سورة ن والقَلم) ولكن الذين جعلوا اسم هذه السورة (سورة القلم) يسمون الأخرى (سورة ن). [انظر: زاد المسير (٨/ ٢٩١)، التحرير والتنوير (٣٠/ ٤٣٣)].\n(٢) \" تَسع عشرة آية \" ساقطة من (ب).\n(٣) في عدِّ الكوفي والبصري، وثمان عشرة في الشامي، وعشرون في المدنيين والمكي. [انظر: البيان (ص ٢٨٠)، جمال القُرَّاء (٢/ ٥٥٧)].\n(٤) وهي مكية بإجماع المفسرين، وأكثر أهل العلم على أن هذه السورة أول ما نزل من القرآن. [انظر: المحرر الوجيز (٥/ ٥٠١)، زاد الميسر (٨/ ٢٩١)].\n(٥) في (أ) \" فكان \".\n(٦) \" فيه \" ساقطة من (أ).\n(٧) في النُّسختين \" التعبد ليالي \".","vol":"1","page":3633},{"text":"﴾، حتى بلغ ﴿مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ فرجع بها ترجف بوادره حتى دخل على خديجة، فقال: زملوني، فزملوه، حتى ذهب عنه الرَّوع ... \" (١).\nوعن عائشة - ﵂ -: \" إن أول ما نزل من القرآن، ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ \" (٢).\nقوله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾: أبو عبيدة: \" الباء زيادة، وتقديره: اقرأ اسم ربك \" (٣).\nوقيل: اقرأ القرآن باسم ربك تيمنًا وتبركًا، وهو أن يفتتح بذكره، كقوله: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ [هود: ٤١].\n﴿الَّذِي خَلَقَ (١)﴾: أي: خلق المكونات كلها، فحذف المفعول؛ لأن حذف المفعول في مواضع، أبلغ من ذكره، كما تقول: فلان يعطي ويهب.\nالمبرد: \" المراد به ذكر الفاعل فحسب \" (٤).\nثم خَصَّ منها ما هو أعلى مرتبة، فقال: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾: يعني بني آدم.\nواللام للجنس.\n﴿مِنْ عَلَقٍ (٢)﴾: جمع علقة، والمراد بها: ابتداءَ الخلقةِ إلى تمامها.\nوقيل: آدم - ﵇ -.\nوقيل: ﴿مِنْ عَلَقٍ﴾ من طين، يعلق بالكَفِّ، ثم كرَّر للتأكيد، فقال:\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب بدء الوحي، باب: كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله، برقم (٣)، وأخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب: بدء الوحي إلى رسول الله - ﷺ -، برقم (٤٠١)، وانظر: أسباب النزول؛ للواحدي (ص: ٩).\n(٢) أخرجه الحاكم في مستدركه (٢/ ٥٢٩) في كتاب التفسير، تفسير سورة ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ وقال: \"هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه \"، وأورده الواحدي في أسباب النزول (ص: ١٠).\n(٣) انظر: مجاز القرآن (٢/ ٣٠٤).\n(٤) لم أقف عليه.","vol":"1","page":3634},{"text":"﴿اقْرَأْ﴾: ويحتمل أن الأول للعموم، والثاني للخصوص كما قلنا: (خلق خلق).\nوَرَبُّكَ ﴿الْأَكْرَمُ (٣)﴾: الأعظم كرمًا.\nوقيل: الحليم عن جهل العباد (١).\n﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤)﴾: الحسن: \" علم الإنسان الكتابة بالقلم\" (٢) أي: بخلق قلم.\nوقيل: علَّم القرآن بأن كتبة الله بالقلم باللوح المحفوظ، فقرأ ونقل.\n﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾: يعني الكتابة والحرف وغيره مما فيه صلاح دنياه ودينه (٣).\nويحتمل أن الأوّل (٤) عام، ثم خَصَّ كما سبق.\n﴿كَلَّا﴾: تأكيد بمعنى حقًا.\nوقيل: زجر عما يأتي ذكره في الآية من الطغيان.\n﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦)﴾: نزلت في أبي جهل إلى آخر السورة.\nومعنى ﴿لَيَطْغَى﴾: ليبطر في غناه ويتجاوزُ حده ويستكبر على ربه.\n﴿أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى (٧)﴾: رأى نفسه غنيًا.\n﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (٨)﴾: المرجع في الآخرة، فيجازي على طغيانه ومجاوزته حده في كفره.\n_________\n(١) والأول أشمل. [انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٣٠٥)، الجامع لأحكام القرآن (٢٠/ ١٢١)].\n(٢) لم أقف عليه من قول الحسن، وقد ورد عن غير واحدٍ من السلف. [انظر: جامع البيان (٣٠/ ٢٥٣)، النُّكت والعيون (٦/ ٣٠٥)].\n(٣) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٢٥٣)، النُّكت والعيون (٦/ ٣٠٥)، زاد المسير (٨/ ٢٩٢).\n(٤) أي الإنسان.","vol":"1","page":3635},{"text":"﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (١٠)﴾: عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال أبو جهل: هل (١) يعفّر محمد - ﷺ - وجهَه بين أظهركم؟ قالوا: نعم. قال: واللات والعُزى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأنَّ رقبتَه. قال: فقيل له: ها هو ذا يصلي، فانطلق ليطأ رقبته.\nقال: فما فَجِئَهُمْ إلاّ وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه، فقيل له: ما لك يا أبا الحكم؟ قال: إن بيني وبينه خندقًا من النار وهولًا وأجنحةً. قال النبي - ﷺ -: لو دنا مني لاختطفته الملائكة فجعلته عضوًا عضوًا، فأنزل الله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾ (٢).\nالحسن: \" كان أُمَيَّة بن أَبي (٣) الصَّلت (٤) ينهى عن الصلاة \" (٥).\nوقيل: عامٌّ في الناس جميعًا.\nوالظاهر: أرأيت أبا جهل ينهى محمدًا - ﷺ - عن الصلاة.\n﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (١١)﴾: يعني المصلي.\n﴿أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (١٢)﴾: يأمر بتقوى الله، واجتناب معاصيه.\n_________\n(١) (\" ... (هل \" ساقطة من (ب).\n(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، باب: قوله تعالى ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى (٧)﴾، برقم (٦٩٩٦).\n(٣) \" أبي \" ساقطة من (ب).\n(٤) أُمَيَّة بن عبد الله أبي الصَّلت بن أبي ربيعة بن عوف الثقفي، وأُمُّه رُقَيَّة بنت عبد شمس بن عبد مناف، شاعر جاهلي حكيم، من أهل الطائف، قدم دمشق قبل الإسلام، وقد كان قرأ الكتب المتقدمة من كتب الله ... - جَلَّ وعزَّ -، وهو ممن حرموا على أنفسهم الخمر ونبذوا عبادة الأوثان في الجاهلية، وكان يخبر بأن نبيًا يبعث قد أظل زمانه، ويؤمل أن يكون ذلك النبي، فلما بلغه خروج رسول الله - ﷺ - وقصته كفر حسدًا له، وهاجر رسول الله - ﷺ - إلى المدينة، وحدثت وقعة بدر، وعاد أمية من الشام، يريد الإسلام، فعلم بمقتل أهل بدر وفيهم ابنا خال له، فامتنع، وأقام في الطائف إلى أن مات في حدود السنة الخامسة للهجرة، ولما أُنشد رسول الله - ﷺ - شعره قال: «آمن لسانه وكفر قلبه» [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: الشِّعر والشُّعراء: (ص: ٢٨٠)، الأعلام؛ للزركلي (٢/ ٢٣)].\n(٥) لم أقف عليه.","vol":"1","page":3636},{"text":"﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٣)﴾: يعني: الناهي، والمعنى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾ والمنهي على الهدى آمر بالتقوى، والناهي كاذب ومتولٍ، فما أعجب من ذا (١).\nو﴿أَرَأَيْتَ﴾ من باب ظننت، والمفعول الثاني (٢) محذوف، كما يحذف خبر المبتدأ لدلالة الحال عليه، والتقدير: أرأيت الذي ينهى مُبطلًا.\nوقوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (١٤)﴾: خبره \" (٣).\nوقيل: المعنى أرأيت الذي فعل هذا الفعل ما الذي يستحق بذلك من العقاب.\n﴿كَلَّا﴾: ردع وزجر.\n﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ﴾: عن إيذاء رسول الله - ﷺ - ومنعه عن الصلاة.\n﴿لَنَسْفَعَنْ بِالنَّاصِيَةِ (١٥)﴾: نأخذُ بها.\nوالسَّفع: الأخذ.\nوقيل: لَنَجُرَنَّ بناصيته إلى النار. والسفع: الجر.\nوقيل: لنسودنَّ وجهه. وكنَّى عن الوجه بالناصية.\nوالسَّفع: تأثير النار والشمس (٤)، ثم أبدل فقال:\n﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (١٦)﴾: أي: صاحبها كاذبٌ خاطئ.\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (ص: ٣/ ٢٧٨).\n(٢) \" الثاني \" ساقطة من (أ).\n(٣) انظر: معاني القرآن؛ للأخفش (ص: ٣١١).\n(٤) انظر: مجاز القرآن (٢/ ٣٠٤)، جامع البيان (٣٠/ ٢٥٥)، النُّكت والعيون (٦/ ٣٠٨).","vol":"1","page":3637},{"text":"﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧)﴾ وذلك أن النبي - ﷺ - زجره حين نهاه عن الصلاة، فقال أبو جهل: يا محمد لقد علمت ما بها أكثر ناديًا مني؟ فأنزل الله تعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾ (١): أي: قوم ناديه.\nوالنادي: المجلس، والمعنى: عشيرته وقومه.\n﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (١٨)﴾: وهم خزنة النار، واشتقاقه من الزبن، وهو: الدفع.\nواختلفوا في واحدها، فقيل: زباني.\nوقيل: زبني. وقيل: زابن.\nوقيل: لا واحد له من لفظه (٢).\nوجاء في التفسير \" لو دعاهم لأخذتهم الملائكة عيانًا \" (٣).\nوقيل: هذا في القيامة.\n﴿كَلَّا﴾: ليس الأمر على ما يظنه (٤) أبو جهل.\n﴿لَا تُطِعْهُ﴾: فيما يريد من ترك الصلاة ﴿وَاسْجُدْ﴾: على رغمه.\n﴿وَاقْتَرِبْ (١٩)﴾: تقرَّب إلى الله بطاعتك.\nوقيل: واقترب بالسجدة فإن أقرب ما يكون العبد إلى الله - ﷿ - إذا كان ساجدًا.\nوقيل: تقديره: واسجد وقل لأبي جهل اقترب على وجه الوعيد، كما قال النبي - ﷺ -: «لو دنا مني لاختطفته الملائكة عيانًا» (٥) (٦).\n_________\n(١) انظر: أسباب النزول؛ للواحدي (ص: ٣٧٣).\n(٢) انظر: مجاز القرآن (٢/ ٣٠٤)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٢٦٣)، زاد المسير (٨/ ٢٩٣)، الجامع لأحكام القرآن (٢٠/ ١٢٦).\n(٣) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٢٥٧).\n(٤) في (ب) \" ما يطنه \".\n(٥) تقدم تخريجه بمعناه آنفًا.\n(٦) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٢٥٧)، النُّكت والعيون (٦/ ٣٠٩).","vol":"1","page":3638},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-203>سورة القَدْر </span>(١)\nخمس آيات (٢) (٣) مكية (٤). الضحاك: مدنية (٥).\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾: أي: القرآن.\nوإن لم يتقدم ذكره في السورة (٦).\nوقيل: أنزلنا جبريل (٧).\nوقيل: أنزلنا أوّل القرآن (٨).\n﴿فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١)﴾: وقيل: أنزلنا بعضَ القرآن، لِمَا قال مقاتل: \" كان ينزل كل ليلة قدر ما يحتاج إليه (٩) إلى مثلها من قابل \" (١٠).\n_________\n(١) كذا سُمِّيت هذه السورة في المصاحف وكتب التفسير وكتب السنة (سورة القَدْر)، وقد سُمِّيت في بعض التفاسير (سورة ليلة القدر). [انظر: بصائر ذوي التمييز (١/ ٥٣١)، التحرير والتنوير (٣٠/ ٤٥٥)].\n(٢) \" خمس آيات \" ساقطة من (ب).\n(٣) خمس آيات عند أهل العدد سوى المكي والشامي، فهي عندهم سِتُّ آيات. [انظر: البيان (ص: ٢٨١)].\n(٤) قال ابن عاشور: \" وهي مكية في قول الجمهور، وهو قول جابر بن زيد ويُروى عن ابن عباس، وعن ابن عباس أيضًا والضحاك أنها مدنية، ونسبه القرطبي إلى الأكثر، وقال الواقدي: هي أول سورة نزلت بالمدينة ويرجِّحُه أن المتبادر أنها تتضمن الترغيب في إحياء ليلة القدر وإنما كان ذلك بعد فرض رمضان بعدَ الهجرة.\" [التحرير والتنوير (٣٠/ ٤٥٥)].\n(٥) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٣١١)، زاد المسير (٨/ ٢٩٥).\n(٦) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٢٥٨)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٥/ ١٦٥).\n(٧) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٣١١)، وتمام القول عند الماوردي: \" يعني جبريل، أنزله الله في ليلة القدر بما نزل به من الوحي \".\n(٨) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٢٥٨)، النُّكت والعيون (٦/ ٣١١).\n(٩) \" إليه \" ساقطة من (أ).\n(١٠) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٥٠٣).","vol":"1","page":3639},{"text":"والأول أصح. لما روي عن ابن عباس - ﵄ -: أنه قال: \" أنزلَ القرآن جملةً واحدة من اللوح المحفوظ ليلة القدر إلى السماء الدنيا، ثم أنزل على النبي - ﷺ - نجمًا نجمًا في عشرين سنة \" (١).\nويحتمل إنَّا أنزلنا القرآن في ﴿لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾، أي: في شأن ﴿لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ ومنزلتها، كما تقول: نزلت سورة والليل في أبي بكر، أي: في شأنه (٢).\nويحتمل أنَّ الهاء يعود إلى القضاء والقدر النازل في ليلة القدر (٣).\nوسمي ﴿لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ لمكان القضاء والقدر الجاري فيها.\nوقيل: ﴿لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ من القدر والمنزلة (٤).\n﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢)﴾: على التعظيم والتفخيم.\n﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣)﴾: أي: الطاعة والعبادة فيها تقوم (٥) مقام الطاعة والعبادة في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر (٦).\nوفي سبب النزول: أن رسول الله - ﷺ - ذكر رجلًا من بني إسرائيل حمل السلاح على عاتقه ألف شهر فعجب لذلك عجبًا شديدًا وتمنى أن يكون ذلك في أمته، فقال: يا رب (٧) جعلت\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (٣٠/ ٢٥٨) عن ابن عباس - ﵄ - ولفظه: قال: \" نزل القرآن كله جملة واحدة في ليلة القدر في رمضان إلى السماء الدنيا، فكان الله إذا أراد أن يُحدث في الأرض شيئًا أنزله منه حتى جمعه\". وزاد في رواية أخرى: \" وكان بين أوله وآخره عشرون سنة\". والمشهور في ثلاثٍ وعشرين سنة، كما أورد ابن كثير في تفسير القرآن العظيم (٤/ ٥٦٦) عن ابن عباس وغيره: \" أنزل الله القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة من السماء الدنيا، ثم نزل مفصلًا بحسب الوقائع في ثلاث وعشرين سنة على رسول الله - ﷺ - \"، وقال الألوسي: \" وقال بعضهم، وهو الأشهر في ثلاث وعشرين \" [روح المعاني (٣٠/ ١٨٩)].\n(٢) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٣٦٥)، قال ابن جزي: \" وقيل المعنى: أنزلناه في شأن ليلة القدر وذكرها، وهذا ضعيفٌ \". [التسهيل (٤/ ٢١٠)].\n(٣) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٣٦٥).\n(٤) انظر: إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٥/ ١٦٦)، النُّكت والعيون (٦/ ٣١٢).\n(٥) في (ب) \" يقوم \".\n(٦) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٢٥٩)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٥/ ١٦٦).\n(٧) في (أ) \" فقال رب \".","vol":"1","page":3640},{"text":"أمتي أقصر الأمم أعمارًا وأقلها أعمالًا، فأعطاه الله تعالى ليلة القدر، فقال: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾، الذي حمل فيه الإسرائيليُّ السلاحَ في سبيل الله (١).\n﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ﴾: جبريل.\n﴿فِيهَا﴾: في ليلة القدر (٢).\nوأفرد جبريل بالذكر تخصيصًا، كقوله: ﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ﴾ [البقرة: ٩٨]. وقيل: ﴿الرُّوحُ﴾ القرآن، من قوله: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِي﴾ ... [النحل: ٢].\nوقيل: هم جيل غير الملائكة.\nوقيل: هم حفظة الملائكة.\n﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾: أي: بإذن الله ﴿مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤)﴾: أي: من جهة كل أمر يُقْضَى في تلك الليلة.\nوقيل: بكل أمر، فـ ﴿مِنْ﴾ بمعنى: الباء، أي: بكل أمر مقدور.\n﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٥)﴾: ﴿سَلَامٌ﴾ خبر، والمبتدأ ﴿هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾، والمعنى: تلك الليلة سالمة من أن يحدث فيها داء، أو يستطيع أن يعمل فيها شيطان.\nوقيل: هو تسليم الملائكة على أولياء الله وأهل طاعته، كما جاء في الأخبار (٣).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره، (١٠/ ٣٤٥٢)، والواحدي في أسباب النزول (ص: ٣٧٣) عن مجاهد.\n(٢) في (ب) \" في الليلة \".\n(٣) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٢٦٠)، النُّكت والعيون (٦/ ٣١٤)، زاد المسير (٨/ ٢٩٩).","vol":"1","page":3641},{"text":"وقوله: ﴿حَتَّى﴾ متصل بقوله: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ﴾. وقيل: متصل بـ ﴿سَلَامٌ﴾ على أنه بمعنى مسلمة. وقيل: خبر المبتدأ. و﴿هِيَ﴾ المبتدأ. وفيه ضعف؛ لأن جميع الليالي بهذه الصفة، فإن قلت: تقديره: هي منعوت بما سبق ذكره، ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ خبر المبتدأ (١).\nواختلفوا في وقتها. فقال بعضهم: إنها مستترة في السنة.\nوقال بعضهم: مستترة في شهر رمضان.\nوقيل: في العشر الأخير (٢).\nوقيل: ليلة الحادي والعشرين (٣).\nوقال بعضهم: أنها كانت خاصة لرسول الله - ﷺ - فرفعت بموته (٤). والله أعلم.\n_________\n(١) انظر: غرائب التفسر (٢/ ٢٣٦٦).\n(٢) في (ب) \" الآخر \".\n(٣) والذي عليه المُحقِّقُون: أنَّها في أوتار العشر الآواخر من رمضان، وأنَّها تنتقل من عامٍ إلى عام. ... [انظر: ... النُّكت والعيون (٦/ ٣١٢)، أحكام القرآن؛ لابن العربي (٤/ ٤٣٠)، زاد المسير (٨/ ٢٩٦)، الجامع لأحكام القرآن؛ للقرطبي (٢٠/ ١٣٤)، تفسير القرآن العظيم (٤/ ٥٦٩)، لطائف المعارف؛ لابن رجب (ص: ٣٥٠)].\n(٤) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٣٦٦).","vol":"1","page":3642},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-204>سورة لَمْ يَكُنِ </span>(١)\nثمان آيات (٢) (٣) مدنية. وقيل: مكية (٤).\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾: ﴿مِنْ﴾ للتبيين.\nوقيل: للتبغيض.\n﴿أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ اليهود والنصارى.\n﴿وَالْمُشْرِكِينَ﴾: أي: ومن العرب وغيرهم من عبدة الأوثان.\n﴿مُنْفَكِّينَ﴾: منفصلين ومنتهين، والتقدير: ﴿مُنْفَكِّينَ﴾ عن الكفر، وحذف لأن صلة ﴿الَّذِي﴾ تدل (٥) عليه.\n_________\n(١) سميت هذه السورة في معظم كتب التفسير وكتب السنة سورة \" لم يكن \" بالاقتصار على أول كلمة منها، ولعل ذلك أخذ من طلب النبي - ﷺ - من أُبَيّ أن يقرأ عليه سورة \" لم يكن \"، وتسمَّى سورة \"البينة \" وهو من أشهر أسمائها، وتسمَّى سورة \" القَيِّمة \"، وسورة \"المنفكين \"، و\"الانفكاك \"، وسورة \" أهل الكتاب \"، وسورة \" البرية \" ... [انظر: بصائر ذوي التمييز (١/ ٥٣٣)، جمال القُرَّاء (١/ ٢٠١)، التحرير والتنوير (٣٠/ ٤٦٧)].\n(٢) \" ثمان آيات \" ساقطة من (ب).\n(٣) \"قال الداني: \"وهي تسع آيات في البصري والشامي بخلاف عنه وثمان في عدد الباقين. [البيان: (٢٨٢)].\n(٤) واختلف في أنها مكية أو مدنية، فقيل: إنَّها مكية في قول ابن عباس ويحيى بن سلام، وذكر ابن عطية أنه قول جمهور المفسرين، وهو الأشهر.\nوقال ابن الزبير وعطاء بن يسار أنها مدنية، وقال الماوردي: \" وعند الجمهور مدنية وهو الصواب \"، وقال ابن عاشور: \" وهو الأظهر لكثرة ما فيها من تخطئة أهل الكتاب .. \"، وهذا هو الظاهر من القولين، والله أعلم.\n[انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٣١٥)، المحرر الوجيز (٥/ ٥٠٧)، زاد المسير (٦/ ٣٠١)، التحرير والتنوير (٣٠/ ٤٦٧)].\n(٥) في (أ) \" يدل عليه \".","vol":"1","page":3643},{"text":"وانفكّ لازم فكَّ الشيء، أي: فصله عن غيره بشدة، وهو يأتي على وجهين بمعنى انفصل فيحتاج إلى فاعل فحسب، فيأتي [مفتقرًا] (١) إلى اسم وخبر ككان، ويلزمه حرف ... النهي، ومعناه: لا يزال (٢).\n﴿حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١)﴾: القرآن، هذا قول قتادة (٣).\nوقيل: ﴿مُنْفَكِّينَ﴾ مفارقين بعضهم بعضًا، أي: متفرقين، ودل على ذلك قوله: ... ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ﴾.\nوقيل: معنى الآية: لا يؤمنون حتى يتبين لهم الحق.\nالفَرَّاء: \" لم يكونوا تاركين لصفة محمد - ﷺ -، وفي كتابهم أنه نبي حتى ظهر، فلما ظهر تفرقوا واختلفوا \" (٤)، كقوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩].\nابن جرير: \" لم يكونوا متفرقين في أمر محمد - ﷺ - حتى تأتيهم البينة، أي: إرسال الله إياه إلى خلقه \" (٥).\nوعلى هذين القولين لا يحسن عطف ﴿الْمُشْرِكِينَ﴾ على ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾؛ لأن المشركين لم يكونوا مؤمنين به.\nوقيل: لم يكونوا ليتركوا منفكين عن حجج الله وتبيانه (٦) حتى تأتيهم الحجج ودلالاته فتقوم الحجة عليهم.\nوقيل: لا ينفكون عن كفرهم حتى يأتيهم (٧) كتاب من السماء كقوله: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [النساء: ١٥٣].\n_________\n(١) في النُّسختين \" مُفْتَقِرَة \".\n(٢) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٢٦٢)، غرائب التفسير (٢/ ١٣٦٩).\n(٣) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٢٦٣).\n(٤) انظر: معاني القرآن (٣/ ٢٨١).\n(٥) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٢٦٢).\n(٦) في (ب) \" وبيانه \".\n(٧) في (أ) \" تأتيهم \".","vol":"1","page":3644},{"text":"وقيل: لا ينتهون عند كفرهم حتى يأتيهم الموت (١).\n﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ﴾: يعني: محمدًا - ﷺ -، وهو بدل من ﴿الْبَيِّنَةُ﴾ فيمن فسَّرَها به.\nوقيل: رفع بالابتداء (٢) على الاستئناف، أي: الذين كفروا به رسول من الله، أي: جاء من عند الله (٣).\n﴿يَتْلُو﴾: يقرأ عليهم ﴿صُحُفًا﴾: أي: القرآن.\n﴿مُطَهَّرَةً (٢)﴾: من الباطل.\nوقيل: لا يمسه إلا المطهرون.\nقتادة: \" يَتْلُو ﴿صُحُفًا﴾ يذكر القرآن بأحسن الذكر، ويثني عليهم أحسن الثناء \" (٤).\nوقيل: يتلوا بتلاوته القرآن صُحُفًَا مطهرة، يعني: اللوح المحفوظ.\nوقيل: صحف إبراهيم وموسى - ﵉ -.\nوقيل: ذكر القرآن بلفظ جمع تعظيمًا له، ولأنه يجمع (٥) ما في كتب الله.\n﴿فِيهَا﴾: في الصحف ﴿كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (٣)﴾: مستقيمة غير ذات عوج.\nابن عيسى: \" القيّمة المستمرة في جهة الصواب \" (٦).\nوقيل: ﴿قَيِّمَةٌ﴾ داعية إلى الحق، وقيل: عادلة (٧).\nقيل: المراد بالكتب السور، وقيل: الأحكام.\nوقيل: الصحيفة اسم المكتوب فيه، والكتاب اسم المكتوب.\nوقيل: الصحف الأوراق والكتب السطور (٨) (٩).\n_________\n(١) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٣١٥)، الجامع لأحكام القرآن (٢٠/ ١٣٩).\n(٢) \"بالابتداء \" ساقطة من (ب).\n(٣) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٢٦٦).\n(٤) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٢٦٣)، النُّكت والعيون (٦/ ٣١٦).\n(٥) في (ب) \" ولا يجمع \".\n(٦) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٣١٦).\n(٧) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٢٦٣)، النُّكت والعيون (٦/ ٣١٦).\n(٨) في (ب) \" المسطورة \".\n(٩) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٣٧٠).","vol":"1","page":3645},{"text":"﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤)﴾: محمد والقرآن، أي: لم يختلفوا في مبعثه وكونه نبيًّا إلاّ بعد ظهوره بغيًا وحسدًا.\n﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ﴾: ليوحدوه.\n﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾: من غير شركٍ وشكٍ ونفاقٍ.\n﴿حُنَفَاءَ﴾: على دين إبراهيم مائلًا عن الأديان كلها حاجّين مُخْتَتِنِين. وقد سبق.\n﴿وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾: أي: الملّة القيّمة والشريعة القيّمة.\nومن جعله وصفًا للدين، ثم أضاف إلى الوصف واعتذر بأن التاء للمبالغة كالعلَّامة.\nفقوله بعيد وعذره أبعد.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: في يوم القيامة، وقيل: في حكم الله.\nوقيل: أكثر ألفاظ القيامة جاءت بلفظ الماضي؛ لأن قولك: إن زيدًا في الدار يوجب أن يكون فيها حالة للإخبار (١).\n﴿أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٦)﴾ أي: شرارهم.\nو﴿الْبَرِيَّةِ﴾: الخلق، مشتقة من برأَ الله الخلق (٢).\nالفَرَّاء: \" هو من البري، وهو من التراب. وقال: العرب تقول (٣): بفيه البرى وحمى الخيبري وشرُّ ما يُرى \" (٤) (٥).\n_________\n(١) في (أ) \" الإخبار \".\n(٢) \" الخلق \" ساقطة من (ب).\n(٣) في (أ) \" يقول \".\n(٤) قال الميداني: \" البرى، التُّراب، ومنه المثل ...: بفيه البري، وعليه الدَّبَرى، وحمى خيبري، وشر ما يُرى فإنه خيسري، الدبرى: الهزيمة، والخيسري الخسار، وأراد أنه ذو خيسرى، أي: ذو خسار وهلاك، والغرض من قولهم: بفيه البرى، الخيبة .. \" [مجمع الأمثال (١/ ١٢٤)].\n(٥) انظر: معاني القرآن (٣/ ٢٨٢).","vol":"1","page":3646},{"text":"وقال الكسائي: \" هي من بريتُ العودَ \" (١)، قراءة من همز (٢) يدفع قول الشيخين (٣).\n﴿إِن الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧)﴾: خيارهم.\n﴿جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ﴾: أي: دخولُ جنات ﴿عَدْنٍ﴾: إقامة.\n﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾: لا يموتون ولا يخرجون.\n﴿﵃﴾: بإيمانهم وَرَضُوا ﴿عَنْهُ﴾: إذ نالوا ما أرادوا.\n﴿ذَلِكَ﴾: أي: الخلود في جناتِ عدنٍ، وقيل: رضيَ الله.\n﴿لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨)﴾: أطاعَهُ واجتنَبَ معاصيه (٤).\nوقيل: خشي ربه علمه، من قوله: ﴿فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا﴾ [الكهف: ٨٠].\nقال بعض المفسرين: فالعلماء خيار الأمة بالنص إذًا (٥).\n_________\n(١) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٣٧١).\n(٢) أي قرأ بالهمز في قوله: ﴿الْبَرِيَّةِ﴾، فقد قرأ نافع وابن عامر ﴿شَرُّ البريئة﴾ و﴿خير البريئة﴾ مهموزتين، وقرأ الباقون ﴿شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ و﴿خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ بلا همز مع تشديد الياءين [انظر: السَّبعة (ص: ٦٩٣)، معاني القراءات (ص: ٥٥٥)].\n(٣) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٣٧١).\n(٤) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٢٦٥)، تفسير السمرقندي (٣/ ٥٨٠).\n(٥) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٣٧١).","vol":"1","page":3647},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-205>سورة الزِّلزال </span>(١)\nثمان آيات (٢) (٣) مكية، وقيل: مدنية (٤).\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١)﴾: أي: حُرّكت حركة شديدة لقيام السّاعة وفناء الأرض.\nوقيل: قبل الساعة، وهي من أشراط السّاعة.\nوأصله عند الكوفيين: من زل فعُديَّ بتكرار العين، ثم قلب الوسطى إلى جنس الفاء (٥).\nوعند البصريين: من مضاعف الرُّباعي (٦).\nوأضاف ﴿زِلْزَالَهَا﴾ إليها؛ لأن المعنى: زلزالها الذي يليق بها.\nوقيل: زلزالها الموعود.\nوقيل: لروي الآية.\nوالزِّلزال بالكسر: المصدر، وبالفتح: الاسم (٧) (٨).\n﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (٢)﴾: كنوزها وموتاها.\n_________\n(١) قال ابن عاشور: \" سُمِّيت في كثير من المصاحف ومن كتب التفسير \" سورة الزلزال \"، وذكر أنَّ تسميتها بـ\"سورة الزلزلة \" تسمية بالمعنى، وسُميت في كلام الصحابة والسنن بسورة \" إذا زلزلت \" [انظر: التحرير والتنوير (٣٠/ ٤٨٩)].\n(٢) \" ثمان آيات\" ساقطة من (ب).\n(٣) وهي ثماني آيات في المدني الأول والكوفي وتسع في عدد الباقين. [انظر: البيان (ص: ٢٨٣)].\n(٤) اختلف في هذه السورة على قولين: أحدهما: أنها مدنية قاله ابن عباس وقتادة ومقاتل والجمهور.\nوالثاني: مكية قاله ابن مسعود وجابر وعطاء. [انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٣١٨)، زاد المسير (٨/ ٣٠٤)].\n(٥) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ٢٨٣)، جامع البيان (٣٠/ ٢٦٥).\n(٦) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٢٦٨).\n(٧) في (ب) \" وبالفتح المصدر \".\n(٨) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ٢٨٣)، جامع البيان (٣٠/ ٢٦٥)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٥/ ١٧١).","vol":"1","page":3648},{"text":"ومن جعله في الدنيا قال: تخرج كنوزها (١)، وأثقال عنده: جمع ثَقَل بفتحتين وهو: الشيء المصون الكريم على صاحبه (٢).\nوعند غيره جمع ثقل، والإنسان حيًا ثقلًا عليها، وميتًا ثقلًا (٣) لها (٤).\nويحتمل أن الأثقال جمع، لقوله - ﷿ -: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ﴾ [الرحمن: ٣١]، فيكون المعنى: أخرجتِ الأرضُ الجنَّ والإنسَ من باطنها إلى ظاهرها (٥). والله أعلم.\n﴿وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا (٣)﴾: قيل: هو عامٌّ.\nوقيل: الإنسان الكافر؛ لأن المؤمن يعلم ذلك فلا ينكر وقوعه (٦).\n﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ﴾: بدل من ﴿إِذَا﴾ العامل فيه ﴿تُحَدِّثُ﴾، والمعنى: تخبر.\n﴿أَخْبَارَهَا (٤)﴾ أبو عبيدة: \" ما عمل عليها من خير وشر\" (٧).\nوقيل: شهدت بما شاهدت بأن يجعلها الله حيوانًا ناطقًا قادرًا على الكلام.\nوقيل: ينطقها بقدرَته سبحانَه.\nوقيل: يخلق لها كلامًا.\nوقيل: تحديثها: إخراجها الأثقال، وخبرها: بيانٌ يقوم مقام الكلام: بأن أمر الدنيا قد انقضى، وأمر الآخرة قد أتى، وأنه لا بد من الجزاء والفوز لمن اتقى، والنار لمن عصى.\nوقيل: تُحَدِّث أنت أيها الإنسان بما عملت عليها (٨).\nوقال صاحب النظم \" تقديره: وقال الإنسان يومئذٍ ما لها تحدِّث أخبارها \" (٩).\n_________\n(١) في (ب) \" يخرج كنوزها \".\n(٢) انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ٢٨٣)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٢٦٨).\n(٣) في (ب) \" ثقلٌ عليها، وميتًا ثقلٌ \".\n(٤) انظر: مجاز القرآن (٢/ ٣٠٦)، جامع البيان (٣٠/ ٢٦٦).\n(٥) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٣٧٣).\n(٦) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٢٦٦)، النُّكت والعيون (٦/ ٣١٩).\n(٧) لم أقف عليه في مجاز القرآن، ولا غيره.\n(٨) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٢٦٦)، النُّكت والعيون (٦/ ٣١٩)، الجامع لأحكام القرآن (٢٠/ ١٤٨).\n(٩) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٣٧٤)، ولم ينسبه لصاحب النظم.","vol":"1","page":3649},{"text":"﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (٥)﴾: أَمرَها.\nوقيل: قال لها.\nوقيل: ألهمَها.\nوقيل: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ جواب ﴿مَا لَهَا﴾ (١).\n﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا﴾: قيل: يصدرون عن قبورهم إلى موضع المحاسبة، متفرقين متبددين (٢) لا يلوي أحد على أحد للهول الواقع.\nوقيل: متفرقين بالأديان والنحل.\nوقيل: يصدر الناس عن موقف الحساب إلى مثواهم، فآخذ ذات اليمين إلى الجنة، وآخذ ذات الشمال إلى النار (٣).\nو﴿أَشْتَاتًا﴾: جمع شَتٍّ، وشِتٍّ بالكسر والفتح، وشتيت.\n﴿لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (٦)﴾: أي: صحائف أعمالهم، فحذف المضاف.\nوقيل: جزاء أعمالهم، فحذف.\nوقيل: ليعرفوا ما عملوا من رؤية القلب.\n﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾: قيل: نملة صغيرة.\nوقيل: مثقال ذرة رأس نملة.\nوقيل: هي الذرة تقع (٤) في الكُوة.\n﴿خَيْرًا يَرَهُ (٧)﴾: يراه مكتوبًا في الصحيفة.\nوقيل: جزاءه. وقيل: يعرفُ.\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ٢٨٣)، جامع البيان (٣٠/ ٢٦٦)، النُّكت والعيون (٦/ ٣٢٠).\n(٢) في (ب) \" متددين \".\n(٣) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٢٦٦)، النُّكت والعيون (٦/ ٣١٩)، الجامع لأحكام القرآن (٢٠/ ١٤٨).\n(٤) في (ب) \" يقع \".","vol":"1","page":3650},{"text":"فمن قال: يرى جزاءه، قال: يراه (١) المؤمن في الدنيا والآخرة، والكافر يرى جزاءه في الدنيا بالصحة والأمن المال والولد.\n﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾: على الأوجه الثلاثة: فالمؤمن يراه في الدنيا بالأحزان والمصائب والأمراض، والكافر يراه في الدنيا والآخرة (٢).\nمقاتل: \" نزلت في رجلين، كان أحدهما يأتيه السائل فيستقل أن يعطيه التمرة (٣) واللقمة والكسرة، ويقول: إنما نوجد على ما نعطي ونحن نحبه، والآخر يتهاون بالذنب الصغير والكذبة (٤) والغيبة والنظرة، ويقول: ما من هذا عليّ شيء إنما أوعد الله بالنار على الكبائر (٥)، فأنزل الله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ﴾ إلى آخر السورة \" (٦).\n_________\n(١) في (أ) \" يرى \".\n(٢) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٢٦٧)، النُّكت والعيون (٦/ ٣٢١).\n(٣) في (ب) \" المرة \".\n(٤) في (أ) \"الكذبة \" بدون واو.\n(٥) في (أ) \" الكبيرة \".\n(٦) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٥٠٧)، أسباب النزول؛ للواحدي (ص: ٣٧٤)، النُّكت والعيون (٦/ ٣٢١).","vol":"1","page":3651},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-206>سورة العاديات </span>(١)\nإحدى عشرة آية (٢) (٣) مكية. وقيل: مدنية (٤).\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (١)﴾: وسبب نزولها (٥): ما روى سِمَاك (٦) عن عكرمة عن ابن عباس - ﵄ -: أنَّ رسول الله - ﷺ - بعث خيلًا، فأسهبت شهرًا لم يأته منها خبر، فأُرْجف بهم فنزلت ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾ (٧).\n_________\n(١) سُمِّيت في كثير من المصاحف وكتب السُّنن والتفاسير (سورة العاديات) بدون وَاو، فهي تسمية لما ذكر فيها دون حكاية لفظه، وسميت في بعض كتب التفسير (سورة والعاديات) بإثبات الواو لافتتاحها بقوله تعالى: ... ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (١)﴾ [انظر: بصائر ذوي التمييز (١/ ٥٣٧)، التحرير والتنوير (٣٠/ ٤٩٧)].\n(٢) \" إحدى عشرة آية \" ساقطة من (ب).\n(٣) وهي إحدى عشرة آية في جميع العدد بغير اختلاف. [انظر: البيان (ص: ٢٨٤)].\n(٤) وقد اختلف فيها على قولين:\nأحدهما أنها مكية قاله ابن مسعود وعطاء وعكرمة وجابر.\nوالثاني مدنية قاله ابن عباس وقتادة ومقاتل. [انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٣٢٣)، زاد المسير (٨/ ٣٠٧)].\n(٥) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٥١٠)، المحرر الوجيز (٥/ ٥١٣)، زاد المسير (٨/ ٣٠٨).\n(٦) سِماك بن حرب بن أوس بن خالد بن نزار بن معاوية بن حارثة، أبو المغيرة الذهلي البكري الكوفي، الحافظ الإمام الكبير، وكان فصيحًا مفوهًا، يزين الحديث منطقه وفصاحته.\nقال عن نفسه: \" أدركت ثمانين من أصحاب النبي - ﷺ -، وكان قد ذهب بصري، فدعوت الله تعالى، فردَّ عليَّ بصري \" وقد ضعَّفه بعض أهل العلم مع توثيق بعض الأئمة له، قال أبو بكر بن عياش: سمعت أبا إسحاق السبيعي يقول: \" عليكم بعبد الملك بن عمير، وسماك بن حرب \"، وقال أحمد بن زهير: سمعت يحيى بن معين سئل عن سماك: ما الذي عابه؟ قال: أسند أحاديث لم يسندها غيره، وهو ثقة \".\nوقد تُوفِّي سنة ثلاث وعشرين ومائة للهجرة. [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: مشاهير علماء الأمصار (ص: ١٣٧)، سير أعلام النبلاء (٥/ ٢٤٥)].\n(٧) في (ب) \" وسبب نزوله \".","vol":"1","page":3652},{"text":"مقاتل: بعث رسول الله - ﷺ - سريةً إلى حي من كنانة، واستعمل عليهم المنذر بن عمرو الأنصاري (١)، فتأخر خبرهم، فقال المنافقون: قتلوا جميعًا، فأخبر الله - تعالى - عنهم وأنزل ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾ (٢).\nجمع عادية، وهي التي تعدو، والعدو: السرعة في المشي، والتباعد في الخطى، وأصلة المجاوزة، ومنه العداوة والعدوان، والعدوة مصدر وقع موقع الحال، أي: يضبحن ضبحًا.\nوالمراد بها: خيول الغزاة.\nعن ابن عباس ومن تابعه: أقسم الله بها شرفًا للغزاة (٣).\nوروي عن علي وابن مسعود - ﵄ -: أنها إبل الحاج (٤).\nوروي أن عليًا أنكر على ابن عباس حمله العاديات على خيل، وقال: إنها نزلت في وقعة بدر، ولم يكن معنا حينئذٍ إلا فرسَان أحدهما للمِقْداد، والآخر للزُّبير (٥).\nواحتجَّ ابن عباسٍ بالضبح، وقال: إن الإبل لا يضبح، فإن الضبحَ أصواتُ أجوافِها إذا عدت ليس بالصهيل ولا الحمحمة.\nوقيل: الضبح: الخضيعة.\nقال الخليل: \" الضبح نوع من العَدْوِ\" (٦). وعلى هذا يصح القولان.\n﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا (٢)﴾: ابن عباس - ﵄ -: \" توري (٧) فرسانها النار ليظن فيهم الكثرة \" (٨).\n_________\n(١) المنذر بن عمرو بن خُنَيس بن حارثة بن لوذان بن عبد ود بن زيد بن ثعلبة بن الخزرج، الأنصاري، الساعدي، شهد العقبة وكان نقيب بني ساعدة هو وسعد بن عبادة، وشهد بدرًا وأحدًا وكان أحد السبعين الذين بايعوا رسول الله - ﷺ -، وأحد النقباء الاثني عشر، وكان يكتب في الجاهلية بالعربية، قال أبو عمر: وكان على الميسرة يوم أحد، وقتل بعد أحد بأربعة أشهر أو نحوها، وذلك سنة أربع في أولها - يوم بئر معونة شهيدًا، وكان هو أمير تلك السرية. ... [انظر: الاستيعاب (٤/ ٤٥٥)، أسد الغابة (٥/ ٢٥٨)].\n(٢) انظر: أسباب النزول؛ للواحدي (ص: ٣٧٥)، زاد المسير (٨/ ٣٠٧).\n(٣) وهو قول الجمهور. [انظر: جامع البيان (٣٠/ ٢٧١)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٢٦٩)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٥/ ١٧٣)، زاد المسير (٨/ ٣٠٧)، الجامع لأحكام القرآن (٢٠/ ١٥٤)].\n(٤) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٢٧٢)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٥/ ١٧٣)، النُّكت والعيون (٦/ ٣٢٣).\n(٥) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٢٧٣) إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٥/ ١٧٣).\n(٦) انظر: كتاب العين (٣/ ١٠٩)، مادة \" ضَبَحَا \"، قلت: وظاهر كلامه في الخيل.\n(٧) في (أ) \" يوري \".\n(٨) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٣٢٤)، زاد المسير (٨/ ٣٠٨).","vol":"1","page":3653},{"text":"عطاء: \" هي الخيل يستخرج النار بنعالها إذا عدت في الأرض ذات الحجارة \" (١).\nمجاهد: \" هي أفكار العلماء، يستنبط (٢) المعاني \" (٣).\nعكرمة: \" من الألسنة، تظهر الحقّ بالنطق \" (٤).\nوقيل: هي الحيل تهيج الحرب بين أصحابها.\nوقيل: هي مكر الرجال (٥).\nوقيل: هي الإبل تنسم بمناسمها الحصى فيصطك بعضها ببعض فتنقدح النار فيها، ويسمَّى تلك النار: نار أبي حُبَاحِب (٦).\nوقيل: شَّبهت بها، وكان أبو حُبَاحِب (٧) رجلًا بخيلًا.\n﴿فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا (٣)﴾: أي: يُغير أصحابُ الخيلِ وقتَ الصبح.\nوقيل: نهارًا جهارًا.\nوقيل: هي الإبل إذا فاضت من عرفات.\nومعنى أغار: أتى الغور.\nوقيل: إغارتهم اشتراؤهم الذبائح، وذبحهم إياها، لأنهم (٨) أغاروها، واستدل هذا القائل بقول العرب: أشرق ثَبِير كيما نُغير (٩).\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٢٧٣).\n(٢) في (أ) \" تستنبط المعاني \".\n(٣) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٣٧٨).\n(٤) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٣٢٤).\n(٥) في (أ) \" فكر الرجال \".\n(٦) أبو حُباحِب: يقال: إنَّه شيخٌ من مضر، من أهل الجاهلية، كان بخيلًا لا تُوقد له نار بليل، مخافة أن يُقتبس منها، فإن أوقدها ثم أبصرها مستضيء أطفأها، فضربت العرب بناره في الخُلف المثل. وضربوا به في البخل المثل. وقيل: الحباحب النار التي توريها الخيل بسنابكها من الحجارة، وقيل: الحباحب طائر يطير في الظلام كقدر الذباب له جناح يحمر إذا طار به، يتراءى من البعد كشعلة نار. [انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٥١٠)، مجمع الأمثال (١/ ٣١٢)].\n(٧) في (أ) \" وأبو حباحب كان \".\n(٨) في (أ) \" كأنهم \".\n(٩) أَشْرق ثبير كيما نُغير: أشرق، أي: ادخل يا ثبير في الشروق كي نسرع للنحر، قال عمر - ﵁ -: \"إن المشركين كانوا يقولون: أشرق ثبير [أي الجبل] كيما نغير \"، وكانوا لا يُفيضون حتى تطلع الشمس، يضرب في الإسراع والعجلة. [انظر: مجمع الأمثال (١/ ٤٤٦)].","vol":"1","page":3654},{"text":"﴿فَأَثَرْنَ بِهِ﴾: هيجن به.\nالفَرَّاء: \" بمكان الذي هنَّ فيه \" (١).\nوقيل: بالعدو، ودل عليه ﴿وَالْعَادِيَاتِ﴾.\nوقيل: بالصبح، أي: فيه.\n﴿نَقْعًا (٤)﴾: غبارًا.\nوقيل: ﴿نَقْعًا﴾: صوتًا.\nوقيل: ﴿نَقْعًا﴾: اسم لما بين عرفات إلى مزدلفة. وهذا بعيد.\n﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا (٥)﴾: أي: الخيل دخلت وسط جمع من العدو (٢) تغير عليهم. وقيل: الإبل توسطن المزدلفة، وهي جمع. تقول: وسَطَ يَسِطُ، وكذلك وسَّط بالتشديد وتوسَّط.\nوجاز عطف ﴿فَأَثَرْنَ﴾ و\" وسطن \"، وهو فعل على، و\"المغيرات \" وهي اسم لأنها في المعنى: والتي أغارت، وعطف بالفاء؛ لأن التقدير: عدت فأورت فأغارت.\n﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ﴾: جواب القسم، وهو عام.\n﴿لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦)﴾: ابن عباس - ﵄ -: \" لكفور \" (٣).\nوقيل: لبخيل يمنع حق الله.\nوقيل: \" لجاحد نعم الله، غير شاكر \" عن الحسن (٤).\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن (٣/ ٢٨٥).\n(٢) في (أ) \" ويغير عليهم \".\n(٣) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٢٧٧)، تفسير ابن أبي حاتم (١٠/ ٣٤٥٨).\n(٤) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٠/ ٣٤٥٨)، النُّكت والعيون (٦/ ٣٢٥).","vol":"1","page":3655},{"text":"وقيل: هو العاصي.\nوفسَّرَ النبي - ﷺ - فقال: «الكنود: الذي يأكل وحده ويمنع رفده ويضرب عبده» (١).\n﴿وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (٧)﴾: أي: وإن الله على كنوده شهيد.\nوقيل: و﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ﴾ من قوله: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ﴾ [النور: ٢٤].\n﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ﴾: أي: لأجل حبّ المال.\n﴿لَشَدِيدٌ (٨)﴾: بخيل.\nوقيل: وإنه لشديد الحبِّ للخير وهو المال.\nوقيل: معنى شديد: قوي.\n﴿أَفَلَا يَعْلَمُ﴾: أي: هذا الإنسان إِذَا ﴿بُعْثِرَ﴾: قلِّب وبحث وأثير (٢).\n﴿مَا فِي الْقُبُورِ (٩)﴾: من الموتى، ﴿مَا﴾ بمعنى: من.\n﴿وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ (١٠)﴾:\nالزَّجَّاج: \" بُيِّن ما فيها من الخير والشر \" (٣).\nويحتمل أنه من قوله: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ [الطارق: ٩] \".\n﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (١١)﴾: عالم فيجازيهم على جميع أعمالهم من الخير والشر.\n﴿وخُصَّ يَوْمَئِذٍ﴾ بالذكر، والله عالم بهم في جميع الأزمات؛ لأن الجزاء يقع يومئذ. وقيل: تقديره، وجعل ما في الصدور يومئذ (٤).\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (٣٠/ ٢٧٨) عن أبي أمامة - ﵁ -.\n(٢) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٢٨٠)، تفسير السَّمعاني (٦/ ٢٧٢).\n(٣) لم أقف عليه في تفسيره.\n(٤) انظر: زاد المسير (٨/ ٣١٠)، الجامع لأحكام القرآن (٢٠/ ١٦٣).","vol":"1","page":3656},{"text":"وقوله: (١): ﴿إِذَا بُعْثِرَ﴾ لا يجوز أن يكون ظرفًا ليعلم؛ لأن العلم الآن، ولا يجوز أن يكون ظرفًا لقوله: ﴿بُعْثِرَ﴾؛ لأنه مضاف إليه، ولا يعمل المضاف إليه في المضاف، ولا يجوز أن يكون ظرفًا ﴿لَخَبِيرٌ﴾؛ لأن ما بعد ﴿إِنَّ﴾ لا يعمل في ما قبله فهو منصوب بفعل دل عليه ﴿لَخَبِيرٌ﴾، أي: يعلم الله إذا بعثر، والمراد به الجزاء (٢). والله أعلم.\n_________\n(١) في (ب) \" وقيل \".\n(٢) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٣٧٩)، الجامع لأحكام القرآن (٢٠/ ١٦٣).","vol":"1","page":3657},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-207>سورة القارعة </span>(١)\nإحدى عشرة آية (٢) (٣) مكية (٤)\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n﴿الْقَارِعَةُ (١)﴾: أي: القيامة؛ لأنها تقرعُ القلوبَ.\nابن عيسى: \" البلية التي تقرع القلوب بشدة المخافة \" (٥).\nوقيل: هي الصيحة التي ذكرت في القرآن (٦).\nوقيل: هي النار (٧).\n﴿مَا الْقَارِعَةُ (٢)﴾: هي عظيمة الشأن، فظيعة الحال (٨).\n﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (٣)﴾: أي: لا تعرفها (٩)؛ لأنك لم تعهد مثلها.\n﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ﴾: أي: هي واقعة يوم يكون.\nالزَّجَّاج: \" إعراب ﴿الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ﴾ كـ ﴿الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ﴾ ... [الحاقة: ١ - ٢] \" (١٠).\n_________\n(١) اتفقت المصاحف وكتب التفسير وكتب السنة على تسمية هذه السورة (سورة القارعة) ولم يُروَ شيء في تسميتها من كلام الصحابة والتابعين. [انظر بصائر ذوي التمييز (١/ ٥٣٩)، التحرير والتنوير (٣٠/ ٥٠٩)].\n(٢) \" إحدى عشرة آية \" ساقطة من (ب).\n(٣) وهي إحدى عشرة آية في الكوفي وثماني آيات في البصري والشامي وعشر في المدنيين والمكي [انظر: البيان (ص: ٢٨٥)].\n(٤) وهي مكية في قول الجميع. [انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٣٢٧)، زاد المسير (٨/ ٣١٠)].\n(٥) لم أقف عليه.\n(٦) والجمهور على القول الأول. [انظر: جامع البيان (٣٠/ ٢٨١)، النُّكت والعيون (٦/ ٣٢٧)].\n(٧) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٣٨١).\n(٨) في (ب) \" قطيعة \".\n(٩) في (ب) \"لا نعرفها \".\n(١٠) انظر: معاني القرآن (٥/ ٢٧١)، وقد ذكر في إعراب سورة الحاقة (٥/ ١٦٦): \" قوله: ﴿الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ﴾ الأوَّلَة مرفوع بالابتداء، و﴿مَا﴾ رفع بالابتداء أيضًا، و﴿الْحَاقَّةُ﴾ الثانية خبر ﴿مَا﴾، والعائد على ﴿مَا﴾ ﴿الْحَاقَّةُ﴾ الثانية، على تقدير ما هي \".","vol":"1","page":3658},{"text":"وقيل: ﴿الْقَارِعَةُ﴾ مبتدأ، ﴿مَا الْقَارِعَةُ﴾ صفته، ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾ اعتراض، ﴿يَوْمَ يَكُونُ﴾ خبره، والتقدير: القارعة الهائلة واقعة يوم يكون. والأول أظهر.\nوالقرع: ضربٌ له صوت،كقرع الباب والناب، ومقرعة الدواب، والمقارعة في الحرب. ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ﴾ عام.\n﴿كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ (٤)﴾: قيل: كغوغاء الجراد (١). ومثله: ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ [القمر: ٧].\nالزَّجَّاج: \" ما تراه كصغار الْبَقِّ يتهافتُ في النار \" (٢).\nالمبرد: \" أشياءً بين الذبابِ والبعوض يضرب بها المثل في الجهل \" (٣).\nأبو عُبيدة: \" طائر يتساقط في النار والسراج ليس ببعوض ولا ذباب \" (٤).\nوقيل: النّاس خاصّ في الكفار وهم يتهافتون في النار يوم القيامة كتهافت الفراش.\nومعنى ﴿الْمَبْثُوثِ﴾: المتفرق لا يتجه لجهة واحدة بل يموج بعضهم في بعض (٥).\n﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ﴾: كالصوف.\nأبو عُبيدة: \" ذي الألوان \" (٦)، كقوله: ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ﴾ الآية ... [فاطر: ٢٧].\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ٢٨٦)، جامع البيان (٣٠/ ٢٨١).\n(٢) معاني القرآن (٥/ ٢٧١).\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) انظر: مجاز القرآن (٢/ ٣٠٩).\n(٥) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٥١٢)، تفسير السَّمرقندي (٣/ ٥٨٦).\n(٦) انظر: مجاز القرآن (٢/ ٣٠٩)","vol":"1","page":3659},{"text":"وقيل: المصبوغ.\n﴿الْمَنْفُوشِ (٥)﴾: المندوف لخفة سيرها (١).\n﴿فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦)﴾: جمع ميزان.\nالحسن: \" هو ميزان له كفتان جعل الله رجحان إحدى كفتيه علامة سعادة صاحبه \" (٢).\nوقيل: ﴿ثَقُلَتْ﴾ بالحسنات.\nوقيل: الموازين جمع موزون.\nوقيل: الميزان الوزن، والمعنى: من عِظَمِ قَدْرِه عند الله.\n﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧)﴾: ذات رضىً.\nوقيل: في معنى مفعول، أي: مرضية.\nوقيل: راضٍ صاحبُها كيوم صائم، وليل نائم.\nوقيل: كاملة، كأنها أعطيت ما تكمل به صفاتها حتى رضيت.\nوقيل: رضيتْ صاحبَها فقرّت.\nويحتمل ﴿فِي عِيشَةٍ﴾ راضٍ صاحِبُها، فلما حذف الصاحب أُنِّثَ حملا على اللفظ (٣).\n﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨)﴾: بِضِدِّ الوجوه (٤) المتقدمة.\n﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩)﴾: أي: مسكنه ومأواه (٥).\nو﴿هَاوِيَةٌ﴾ من أسماء جهنم.\nقتادة وعكرمة: \" فأم رأسه هاوية منحدرة إلى النار من أعلى إلى أسفل \" (٦).\n_________\n(١) في (أ) \" خفة سيرها \".\n(٢) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٣٢٨).\n(٣) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٢٧١)، غرائب التفسير (٢/ ١٣٨٢)، الجامع لأحكام القرآن (٢٠/ ١٦٦).\n(٤) في (أ) \" ضد الأمور \".\n(٥) انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ٢٨٧)، جامع البيان (٣٠/ ٢٨٢).\n(٦) انظر: قول قتادة في جامع البيان (٣٠/ ٢٨٣) وقول عكرمة في النُّكت والعيون (٦/ ٣٢٩).","vol":"1","page":3660},{"text":"وقيل: ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ مثل قول العرب: هوت أُمُّه، وهي كلمةٌ تستعملُ عند عِظَمِ المكروه وشدةِ المصيبة (١).\n﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠)﴾: الجمهور: على أن الضمير يعودُ إلى ﴿هَاوِيَةٌ﴾ (٢).\nوقيل: إلى ﴿الْقَارِعَةُ﴾.\nوقيل: إلى الفعلة المذكورة، والهاء للاستراحة.\nثم فسرَّ فقال: ﴿نَارٌ حَامِيَةٌ (١١)﴾: أي: بلغت النهاية في الحرارة، نعوذ بالله من النار ونكالها.\n_________\n(١) وهو مروي عن قتادة. [انظر: تفسير الصنعاني (٣/ ٣٩٢)، جامع البيان (٣٠/ ٢٨٢)، زاد المسير (٨/ ٣١٢)].\n(٢) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٢٨٣)، زاد المسير (٨/ ٣١٢)، التسهيل (٤/ ٢١٥).","vol":"1","page":3661},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-208>سورة التكاثر </span>(١)\nثمان آيات (٢) (٣) مكية. وقيل: مدنية (٤).\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n﴿أَلْهَاكُمُ﴾: شغلكم، تقول (٥): لها لَعِبَ، ولهى عن الشيء: غفل (٦).\n﴿التَّكَاثُرُ (١)﴾: هو تَكَلُّفُ الكثرة مالًا وعددًا.\nو﴿التَّكَاثُرُ﴾: أيضًا التفاخر بكثرة.\nو﴿التَّكَاثُرُ﴾: أيضًا الكثرة (٧).\n﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢)﴾: أي: حتى (٨) متم.\nوقيل: معنى ﴿زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾: ذكرتم موتاكم في مكاثرتكم، وذلك أنه تفاخر ... بنو عبد مناف (٩) وبنو سَهْم (١٠)، فكثرت بنو عبد مناف بني سهم، فقال بنو سهم: البغي\n_________\n(١) سميت في معظم المصاحف ومعظم التفاسير (سورة التكاثر) وكذلك عنونها الترمذي في (جامعه) وهي كذلك معنونة في بعض المصاحف العتيقة بالقيروان، وسميت في بعض المصاحف (سورة ألهاكم) وكذلك ترجمها البخاري في كتاب التفسير من (صحيحه). [انظر: بصائر ذوي التمييز (١/ ٥٤٠)، التحرير والتنوير (٣٠/ ٥١٧)].\n(٢) \" ثمان آيات \" ساقطة من (ب).\n(٣) وهي ثماني آيات في جميع العدد ليس فيها اختلاف. [انظر: البيان (١/ ٢٨٦)].\n(٤) قال ابن عطية: \" وهي مكية لا أعلم فيها خلافًا \". [المحرر الوجيز (٥/ ٥١٨)].\n(٥) في (أ) \" يقول \".\n(٦) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٢٧٣)، المفردات (ص: ٧٤٨)، مادة \" لَهَى \"، الجامع لأحكام القرآن (٢٠/ ١٦٨).\n(٧) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٣٣٠)، المفردات (ص: ٧٠٣)، مادة \" كَثُرَ \".\n(٨) \" حتَّى \" ساقطة من (ب).\n(٩) بنو عبد مناف، نسبة لعبد مناف الدار بن قصي، من بني كلاب بن مرة، من قريش: جد جاهلي. [انظر: الأعلام (٤/ ١٦٦)].\n(١٠) بنو سَهم: نسبة لسهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي: جد جاهلي، من قريش، بنوه عدة بطون من ذريته عمرو بن العاص. [انظر: الأنساب (٣/ ٣٤٣)، الأعلام (٣/ ١٤٤)].","vol":"1","page":3662},{"text":"أهلكنا في الجاهلية، ثم تكاثروا بالأموات فكثرت بنو سهم بني عبد مناف، فأنزل الله تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ (١) (٢).\nالزَّجَّاج وغيره: وهو عام فيمن يبلغ بهم حب الدنيا والحرص على الإكثار فيها، حتى يغفلوا عن طاعة الله، فيموتوا على ذلك، يقال لهم: هذا في الآخرة إذا خفّت موازينهم شُغلتُم بالإكثار من الدنيا عن طاعة الله حتى متم (٣).\nوروي عن النبي - ﷺ - أنه قرأ هذه السورة، فقال: «ابنُ آدم يقول: مالي مالي وإنما لك من مالك ما أكلتَ فأفنيتَ أو لبستَ فأبليت أو أعطيت فأمضيتَ، ولو أن لابن آدم واديين من مالٍ لا بتغى إليهما ثالثًا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوبُ الله على من ... تاب» (٤).\n﴿كَلَّا﴾: أي: ليس الأمر الذي ينبغي أن تكونوا عليه التكاثر.\nوقيل: توكيد ينوب عن اليمين.\nوقيل: ردع وزجر عن التكاثر افتخارًا.\n﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣)﴾: ستعلمون (٥) بعد هذا أن الاشتغال بطلب الإكثار خطأ ... عظيم.\n﴿ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤)﴾: التكرار تأكيد للوعيد، وتغليظ للمنهي عنه.\nوقيل: إنهما في وقتين، أحدهما في القبر، والآخر في القيامة.\nوروي عن علي بن أبي طالب - ﵁ - ... (٦) إنه قال: \" ما زلنا نشك في عذاب القبر حتى نزلت ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ إلى قوله: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ \" (٧)؛ لأنه وعيد بعذاب القبر.\nوقيل: الأول: للكفار، والثاني: للمؤمنين.\nثم قال: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ﴾: أيها الناس ما لكم وعليكم.\n﴿عِلْمَ الْيَقِينِ (٥)﴾: علمًا يقينًا، وهو ما يثلج به الصدر بعد اضطراب الشك.\nوجواب ﴿لَوْ﴾ محذوف، تقديره: لشغلكم ذلك عن غيره.\nقتادة: \" علم اليقين أن يعلم الإنسان أن الله باعثه بعد الموت \" (٨).\n﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦)﴾: اللام لام القسم. أقسم الله تعالى أنهم يرون الجحيم.\n﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (٧)﴾: عينًا لستم عنها بغائبين. والتكرار تأكيد.\nوقيل: الأول: قبل الدخول، والثاني: بعد الدخول.\nوقيل: الأول: من رؤية العين، والثاني: من رؤية القلب.\n﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾: ابن مسعود - ﵁ -: \" عن الصحة والأمن فيم أفنيتموهما؟ \" (٩).\n_________\n(١) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٥١٤)، معاني القرآن؛ للفراء (٣/ ٢٨٧)، أسباب النزول؛ للواحدي (ص: ٣٧٥).\n(٢) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٢٧٣)، النُّكت والعيون (٦/ ٣٣٠)، زاد المسير (٨/ ٣١٤).\n(٣) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٢٧٣)، الجامع لأحكام القرآن (٢٠/ ١٦٩)، تفسير القرآن العظيم (٤/ ٥٨٣).\n(٤) أخرجه الترمذي (بنحوه) في جامعه، كتاب التفسير، باب: ومن سورة ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾، برقم (٣٣٥٤) ولفظه عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ انْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - وَهُوَ يَقْرَأُ ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ قَالَ: «يَقُولُ ابْنُ آدَمَ مَالِي مَالِي وَهَلْ لَكَ مِنْ مَالِكَ إِلَّا مَا تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ أَوْ أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ»، قَالَ أَبُو عِيسَى: \" هَذَا حَدِيثٌ حَسَن صَحِيحٌ \"، وأخرجه ابن جرير في جامع البيان (٣٠/ ٢٨٤)، والحديث:\nأصله في الصحيحين، فقد أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الرقاق، باب: ما يتقى من فتنة المال، برقم (٦٤٣٦)، عن ابن عبَّاس - ﵄ - ومسلم في كتاب الزَّكاة، باب: لو أنَّ لابن آدم واديين لا بتغى ثالثًا، برقم (٤٢١٢) عن أنسٍ - ﵁ -، وليس فيهما أنَّه قرأ ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾.\n(٥) في (أ) \" سيعلمون \".\n(٦) في (أ) \" عن علي ﵁ \".\n(٧) أخرجه الترمذي في سننه في كتاب التفسير، باب: ومن سورة ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾، برقم (٣٣٥٥)، وابن جرير في جامع البيان (٣٠/ ٢٨٤)، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (١٠/ ٣٤٥٩).\n(٨) انظر: تفسير الصنعاني (٣/ ٣٩٣)، جامع البيان (٣٠/ ٢٨٥).\n(٩) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٢٨٥)، تفسير ابن أبي حاتم (١٠/ ٣٤٦٠)، النُّكت والعيون (٦/ ٣٣٢)،","vol":"1","page":3663},{"text":"ابن عباس﵄ -: \" كل ما أنعم الله به من الصحة والأمن والسمع والبصر، وقرأ ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦] (١).\nوعن علي - ﵁ -: \" خبز الشعير والماء البارد \" (٢).\nمجاهد وقتادة: \" كل ما التذَّه الإنسان فإنه نعيم \" (٣).\nو﴿ثُمَّ﴾ لترتيب الخبر.\nوقيل: يسألون (٤) في النار تبكيتًا لهم وتنديمًا، كقوله: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ [الأحقاف: ٢٠] الآية. والله أعلم.\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٢٨٦)، تفسير ابن أبي حاتم (١٠/ ٣٤٦٠).\n(٢) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٠/ ٣٤٦٠)، غرائب التفسير (٢/ ١٣٨٤).\n(٣) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٢٨٩)، تفسير الثعلبي (١٠/ ٢٨١).\n(٤) في (ب) \" تُسألون \".","vol":"1","page":3664},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-209>سورة العصر </span>(١)\nثلاث آيات (٢) (٣) مكية (٤).\nقتادة: \"مدنية \" (٥).\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n﴿وَالْعَصْرِ (١)﴾: الدهر (٦).\nالحسن: \" أحد طرفي النهار \" (٧).\nوالعرب تسمي الغداة والعشاء: العصرين، واليوم والليل: العصرين، والشتاء والصيف العصرين (٨).\nوعن علي - ﵁ -: \" ونوائب العصر \" (٩).\nوقيل: أرادوا أهل العصر.\n_________\n(١). كذا سُمِّيت في مصاحف كثيرة وفي معظم كتب التفسير والسُّنن، وسميت في بعض كتب التفسير وفي (صحيح البخاري) (سورة والعصر) بإثبات الواو على حكاية أول كلمة فيها، أي سورة هذه الكلمة. [انظر: بصائر ذوي التميز (١/ ٥٤٢)، التحرير والتنوير (٣٠/ ٥٢٧)].\n(٢) \" ثلاث آيات \" ساقطة من (ب).\n(٣) قال الداني: وهي ثلاث آيات في جميع العدد، اختلافها آيتان ﴿وَالْعَصْرِ (١)﴾ لم يعدها المدني الأخير وعدها الباقون وَتَوَاصَوْا ﴿بِالْحَقِّ﴾ عدها المدني الأخير ولم يعدها الباقون \". [البيان (ص: ٢٨٧)].\n(٤) وهو قول الجمهور. [انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٥١٦)، النُّكت والعيون (٦/ ٣٣٣)، المحرر الوجيز (٥/ ٥٢٠)، زاد المسير (٨/ ٣١٦)].\n(٥) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٣٣٣)، زاد المسير (٨/ ٣١٦).\n(٦) وهو قول ابن عباس وزيد بن أسلم، وغيرهما. [انظر: جامع البيان (٣٠/ ٢٨٩)، النُّكت والعيون (٦/ ٣٣٣)، زاد المسير (٨/ ٣١٦)].\n(٧) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٣٣٣)، غرائب التفسير (٢/ ١٣٨٥).\n(٨) انظر: تفسير الثعلبي (١٠/ ٢٨٣)، غرائب التفسير (٢/ ١٣٨٥).\n(٩) كذا في النسختين، وهي قراءة لعلي - ﵁ -، وقد أخرجها ابن جرير في جامع البيان (٣٠/ ٢٩٠)، بلفظ: ﴿والعصر * ونوائب الدهر * إن الإنسان لفي خسر * وإنه فيه إلى آخر الدهر﴾، وهي مخالفة لمصحف الإمام. ... [انظر: تفسير الثعلبي (١٠/ ٢٨٤)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ١٧٩)].","vol":"1","page":3665},{"text":"وقيل: وربِّ العصر (١).\n[وقيل: وصلاة العصر] (٢) (٣).\n﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢)﴾: هلاك (٤).\nوأصله ذهاب رأس المال (٥).\nقتادة: \" خسروا منازلهم وأهاليهم في الجنة \" (٦).\nالفَرَّاء: \" ﴿لَفِي خُسْرٍ﴾: عقوبة بذنوبه \" (٧).\nوقيل: في خسر من عمره. فقد قال بعض الصالحين: يا ابن آدم أنت في هدم عمرك منذ سقطت من بطن أمك (٨).\nوقيل: أيضًا الإنسان إذا تنفس تنقص (٩).\n﴿إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: بما دعا إليه الشرع.\n﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾: بالإقامة على الحق قولًا وفعلًا.\nالحسن: \" (بالحق): كتاب الله \" (١٠).\nوقيل: طاعة الله واجتناب معاصيه.\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ١٧٩).\n(٢) ما بين المعقوفتين ساقط من (ب).\n(٣) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٥١٦)، النُّكت والعيون (٦/ ٣٣٣)، والصحيح والله أعلم هو القول الأول؛ لأنه يعمُّ جميع هذه المعاني، ولم يرد تحديد معنى دون غيره، وقد اختاره غير واحدٍ من المُحَقِّقين [انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ٢٨٩)، جامع البيان (٣٠/ ٢٨٩)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٢٧٥)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٥/ ١٧٩)، تفسير القرآن العظيم (٤/ ٥٨٥)].\n(٤) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٢٩٠)، النُّكت والعيون (٦/ ٣٣٣).\n(٥) انظر: تفسير السَّمعاني (٦/ ٢٧٨)، زاد المسير (٨/ ٣١٦).\n(٦) لم أقف عليه من قول قتادة، وقد أورده الكرماني في غرائب التفسير (٢/ ١٣٨٥)، ولم يعزه.\n(٧) انظر: معاني القرآن (٣/ ٣٨٩).\n(٨) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٣٨٥).\n(٩) المرجع السابق.\n(١٠) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٢٩٠)، تفسير الثعلبي (١٠/ ٢٨٣).","vol":"1","page":3666},{"text":"﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾: على تحمل المشاق في الله.\nوأعاد لفظ ﴿تَوَاصَوْا﴾ تعظيمًا لشأن الصبر.\nوروى أبو أُمَامة عن أُبَيّ بن كعب - ﵃ - قال: «قرأت هذه السورة على رسول الله - ﷺ - فقال: أقسم ربكم بآخر النهار ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ أبو جهل، ... ﴿إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ أبو بكر، ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ عمر، ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾ عثمان، ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ علي - رضوان الله عليهم أجمعين -» (١) (٢).\n_________\n(١) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٣٨٥)\n(٢) هذه الرواية، أوردها السَّمرقندي في تفسيره (٣/ ٥٩٠)، وأخرجها الثعلبي في تفسيره (١٠/ ٢٨٤)، وأوردها السمعاني في تفسيره (٦/ ٢٧٩)، وقال: خبر غريب \". وهو كما قال، وخلاف لتفسير جمهور العلماء، كما تقدم.","vol":"1","page":3667},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-210>سورة الهُمَزَة </span>(١)\nتسع آيات (٢) (٣) مكية (٤)\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١)﴾: ابن عباس - ﵄ -: هو (٥) المشَّاء بالنميمة المفرق بين الأحبة الباغي للبريء العيب \" (٦).\nقال الخليل: الهمزة: الذي يعيب الناس من خلفهم، واللمزة: الذي يعيب مواجهة \" (٧).\nوقيل: الهمز باليد، واللمز باللسان (٨).\nالحسن: \" الهمزة الذي يهمز جليسه بعينه، أي: بكسرها ويومئ إليه، واللمزة الذي يستقبل أخاه بوجه ويغيب له بآخر \" (٩).\nنزلت في الوليد بن المغيرة.\nوقيل: في الأخنس بن شريق.\nوقيل: في جَمَيل بن عامِر الجُمَحِي (١٠).\n_________\n(١) سميت هذه السورة في المصاحف ومعظم التفاسير سورة الهمزة بلام التعريف، وعنونها في صحيح البخاري﴾ وبعض التفاسير: (سورة ويل لكل هُمزة). وذكر الفيروز آبادي في (بصائر ذوي التمييز) أنها تسمى (سورة الحطمة) لوقوع هذه الكلمة فيها. [انظر بصائر ذوي التميز (١/ ٥٤٣)، التحرير والتنوير (٣٠/ ٥٣٥)].\n(٢) تسع آيات \" ساقطة من (ب).\n(٣) وهي تسع آيات في جميع العدد ليس فيها اختلاف. [انظر: البيان (ص: ٢٨٨)، جمال القراء (٢/ ٥٥٩)].\n(٤) وهي مكية بإجماع المفسِّرين. [انظر: المحرر الوجيز (٥/ ٥٢١)، التحرير والتنوير (٨/ ٣١٨)].\n(٥) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٢٩٢)، تفسير الثعلبي (١٠/ ٢٨٥).\n(٦) \" هو \" ساقطة من (أ).\n(٧) انظر: كتاب العين (٧/ ٣٧٢) مادة \" لَمَزَ \".\n(٨) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٢٩٢)، النُّكت والعيون (٦/ ٣٣٦).\n(٩) انظر: تفسير الثعلبي (١٠/ ٢٨٥)، زاد المسير (٨/ ٣١٩).\n(١٠) جميل بن عامر بن حُذيم [ويقال: حِذيم] بن سلامان بن ربيعة بن سعد بن جمح، أخو سعيد بن عامر، وهو جدُّ نافع بن عمرو بن عبد الله بن جميل الجمحي المحدث المكي. [انظُر تَرْجَمَتَهُ: الاستيعاب (١/ ٣١٦)، أسد الغابة (١/ ٥٤٤)].\nوجاء في بعض التفاسير: أنَّه جَميل بن مَعْمَر بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جُمح الجُمحي، وكان لا يكتم ما استُودعه من سرٍّ؛ فقد روي عن نافع عن ابن عمر قال: لما أسلم أبي قال: أي قريش أنقل للحديث؟ فقيل: له جميل ابن معمر الجمحي فأخبره بإسلامه واستكتمه فنادى بأعلى صوته إن عمر صبأ .. القصة، وكان يسمى: ذا القلبين، وفيه نزلت: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب: ٤] في قَوْلٍ، ثم أسلم جميل عام الفتح، وكان مسنًا، وشهد مع رسول الله - ﷺ - حنينًا، وقيل: شهد جميل بن معمر فتح مصر ومات في أيام عمر وحزن عليه حزنًا شديدًا. [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: أسد الغابة (١/ ٥٤٤)، الإصابة في معرفة الصحابة (١/ ٦٠٥)].ولعلَّ الثاني هو الأقرب، والله أعلم.","vol":"1","page":3668},{"text":"وقيل: هو عامٌّ (١).\n﴿الَّذِي جَمَعَ﴾: قيل: محله رفع بالابتداء، أي: هو الذي جمع، وليس بوصف لما قبله؛ لاختلافهما في التعريف والتنكير.\nولا يجوز أن يكون بدلًا من ﴿هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾؛ لأنه يصير تقديره: ويل لكل الذي جمع مالًا، وهذا لا يصح.\nولا يمتنع (٢) [أن يكون بدلًا من كلّ، فيكون التقدير: ويل للذي جمع، فيكون محله ... جرًا، ويجوز أن يكون نصبًا بإضمار أعني (٣).\nومعنى: ﴿مَالًا جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ (٢)﴾: أحرزه واتخذه عدة.\nوالتشديد يقتضي الجمع شيئًا بعد شيء (٤).\nوقيل: أحصاه مرة بعد أخرى، وحفظ عدده.\nوالتعديد: الحفظ.\nوقيل: أَكْثَرَهُ؛ لأن في تكثير عينه تكثير عدده (٥).\n_________\n(١) وهو اختيار الأكثرين. [انظر: جامع البيان (٣٠/ ٢٩٣)، النُّكت والعيون (٦/ ٣٣٦)، زاد المسير (٨/ ٣١٨)].\n(٢) ساقط من (ب) من هنا حتى آخر السورة.\n(٣) انظر: إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٥/ ١٨٠)، غرائب التفسير (٢/ ١٣٨٧)، مشكل إعراب القرآن (٢/ ٨٤٢).\n(٤) يعني قراءة ﴿جَمَّعَ﴾ بالتَّشديد، وبها قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم ﴿جَمَعَ خفيفة. [انظر: جامع البيان (٣٠/ ٢٩٣)، السَّبعة (ص: ٦٩٧)، معاني القراءات (ص: ٥٦١)].\n(٥) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٢٩٣)، الحُجَّة (٦/ ٤٤١).","vol":"1","page":3669},{"text":"المبرد والحسن: \" صنّفه إبلًا وغنمًا وأرضًا وذهبًا وفضةً \" (١).\n﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (٣)﴾ الزَّجَّاج: \" أي يعمل عمل من لا يظن أن ... يموت \" (٢).\n﴿كَلَّا﴾: ردع عن هذا الحسبان.\nوقيل: معناه: لا يخلد أحد في الدنيا.\nوقيل: هو متصل بما بعده، بمعنى: حقًَّا.\n﴿لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (٤)﴾: ليطرحن في جهنم.\nوقيل: هي اسم من أسماء النار، أي تحطم كل شيء وتكسره (٣).\nوقيل: اسم الدرك الأسفل من النار.\nوقيل: الدرك الثاني.\n﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ (٥)﴾: تعجب وتعظيم.\n﴿نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (٦)﴾: تفسير لها.\n﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (٧)﴾: تصل إلى القلوب بإحراقها الأجساد المشتملة عليها والعظام والجلود.\nوقيل: يبلغ ألمها إلى القلب، والألم إذا وصل إلى القلب مات صاحبه، فهم في حال من يموت ولا يموت، كقوله: ﴿لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ [طه: ٧٤] (٤).\n﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ﴾: أي: النار أو الحطمة.\n﴿مُؤْصَدَةٌ (٨)﴾: مطبقة، لا يدخلها روح ولا فرج، من أصدت الباب: أطبقته.\n_________\n(١) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٣٨٧).\n(٢) انظر: معاني القرآن (٥/ ٢٧٦).\n(٣) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٢٩٤)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٢٧٦).\n(٤) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٢٩٤)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٢٧٦)، تفسير السَّمرقندي (٣/ ٥٩١).","vol":"1","page":3670},{"text":"وقيل: من الوصيد، وهو الباب فيمن لم يهمز أصلًا (١).\n﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (٩)﴾: قيل: في عُمد يعذبون بها في النار، جمع عمود.\nوقيل: الحطمة مطبقة عليهم بعَمَد بفتحتين كإهاب وأُهُب، وأديم وأُدُم (٢).\nوقيل: هي عمد تطرح على الأبواب إذا أغلقت فيمتد عليهم ليتأكد يأسهم في الخروج (٣).\nالحسن: \" تفسير ذلك في الكهف ﴿أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩]، فلجهنم سُرادق وللسُّرادق عُمُد \" (٤).\nوروي عن الحسن أيضًا: ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ في دهر طويل لا انقطاع له (٥).\nوقيل: العمد الممددة: قيود طوال] (٦).\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٢٩٤)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٢٧٧)، النُّكت والعيون (٦/ ٣٣٧).\n(٢) المعنى الأول على القراءة بالضم خلافًا للآيات المكتوبة في النص، وبقراءة الضم للعين والميم، أي ... ﴿في عُمُدٍ﴾ وبها قرأ عاصم في رواية أبى بكر وحمزة والكسائي، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وحفص عن عاصم ﴿فِي عَمَدٍ﴾ بفتح العين والميم. [انظر القراءة وتوجيهها: جامع البيان (٣٠/ ٢٩٤)، معاني القراءات (ص: ٥٦١)، الحُجَّة (٦/ ٤٤٢)].\n(٣) انظر: تفسير الثعلبي (١٠/ ٢٨٧)، غرائب التفسير (٢/ ١٣٨٨).\n(٤) انظر: لم أقف عليه.\n(٥) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٣٨٨).\n(٦) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٣٣٧)، زاد المسير (٨/ ٣٢٠).","vol":"1","page":3671},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-211>سورة الفِيْل </span>(١)\n[خمس آيات (٢)، مكية (٣).\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ﴾: الفَرَّاء: \" ألم تخبر \" (٤).\nوقيل: معناه: الأمر، أي: اعلم.\nالمبرد: \" ألم تعلم، ومفعولاه محذوفان \" (٥).\nو﴿كَيْفَ﴾ مفعول ﴿فَعَلَ رَبُّكَ﴾ (٦).\nوفي ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ تعجُّب. عجّب الله نبيَه من كفر العرب، وقد شاهدت هذه العظيمة من آيات الله (٧).\nوقيل: هذه معجزة لا يُظهرها الله إلَاّ لنبيّ.\nوقيل: كان في ذلك الوقت نبي يقال له: خالد بن سِنان العَبسي (٨).\n_________\n(١) سُمِّيت في جميع المصاحف وكتب التفسير: سورة الفيل، ووردت تسميتها في كلام بعض السلف سورة ... (ألم تر)، وكذلك عنونها البخاري. [انظر: بصائر ذوي التمييز (١/ ٥٤٤)، التحرير والتنوير (٣٠/ ٥٤٣)].\n(٢) وهي خمس آيات في جميع العدد ليس فيها اختلاف. [انظر: البيان (ص: ٢٨٩)، جمال القُرَّاء (٢/ ٥٥٩)].\n(٣) بإجماع المفسرين. [انظر: المحرر الوجيز (٥/ ٥٢٣)، زاد المسير (٨/ ٣٢١)].\n(٤) انظر: معاني القرآن (٣/ ٢٩١).\n(٥) لم أقف عليه.\n(٦) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٢٧٨).\n(٧) انظر: زاد المسير (٨/ ٣٢١).\n(٨) خالد بن سِنَان العَبْسِيُّ: قيل: إنه كان نبيًا لعَبْسٍ، وقد روي عن ابن عباس قال: ذكر خالد بن سنان عند النبي - ﷺ - فقال: «ذاكَ نَبِيٌّ ضَيَّعَه قومه»، رواه البزار والطبراني إلا أنه قال: جاءت بنت خالد بن سنان إلى النبي - ﷺ - فبسط لها ثوبه، وفيه قيس بن الربيع وقد وثَّقه شعبة والثوري ولكن ضعفه أحمد مع ورعه وابن معين، قال الهيثمي: \" وهذا الحديث معارض للحديث الصحيح قوله - ﷺ -: «أنا أولى الناس بعيسى بن مريم الانبياء إخوة لعلات وليس بيني وبينه نبي» \"، والخلاصة في خبره أنَّ ما ورد فيه من أحاديث ضعيفة، يضعف القول فيه بنبوته، والله أعلم. ... [انظر: مجمع الزوائد (٨/ ٢١٤)، الإصابة (٢/ ٣٠٩)، الأعلام؛ للزركلي (٢/ ٢٩٦)].","vol":"1","page":3672},{"text":"وقيل: ذلك معجزةُ لرسول الله - ﷺ - لأنه ولدَ تلك السنة. وقيل: ذلك اليوم.\nوقيل: بعد تلكَ الوقعة لخمسٍ وخمسين يومًا.\nوقيل: كان قبل مولده - ﷺ - بثلاثٍ وعشرين سنةً (١).\n﴿بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (١)﴾: هم قومٌ من الحبشة، ملكهم أبرهة بن الصَّبَّاح، الملقّب: بأشرم، كنيته: أبو يكسوم (٢).\nابن جرير: \" أبرهة دون الملك الأعظم بالحبشة] (٣)، وكان الملك النجاشيُّ واسمه: أصحمة (٤)، ومعناه العطية. فبنى بيتًا باليمن ودعا الناس إلى الحج بدل الكعبة، وهَمَّ بتخريب الكعبة، ليصرف الناس عن الكعبة إلى بنائه، وكان اسم بنائه: القُلِّيس \" (٥).\nوقيل: بنى بيعةً، فحضرها قوم من قريش وأوقدوا نارًا لحاجتهم، ثم رحلوا عنها فلم يطفئوها، فهبتْ ريحٌ وهيجتِ النار، وأحرقتْ البيت، فقيل له: إنما فعل ذلك أهلُ مكةَ مكايدةً، فهَمَّ بتخريبِ الكعبةِ، واستباحةِ أهلها، فلما وصل إلى ذي المجاز امتنعتِ الفيلةُ من التوجه نحو مكة، وإذا صُرِفَت عنها إلى غيرها أسرعت مشيًا وكان معه اثنا عشر فيلًا، وفيها واحد كبير لم يُرَ مثله، وكان اسمه: محمودًا، وكنيته: أبو العباس.\nوقيل: لم يكن معه إلا هذا الواحد، واسم بيعته بالعربية: الهيكل، وبالحبشية: ماسرجسان، فقدم بعض كبار عساكره فاستاقَ ما بها من المواشي والنَعم، وكان فيها مائتا بعيرٍ لعبد المطلب، وكان هو رئيسُ مكةَ، فأتى أبرهة وكلَّمه في إبله، فحقره حيثُ لم يتكلم في أمر الكعبةِ، فقيل لعبد المطلب: ذلك، فقال: أُرْدُد عليَّ إبلي ودونَكَ البيت، فإن له ربًا سيمنعه، فأمر بإبله، فردَّتْ عليه، وأتى عبد المطلب وأخذ (٦) حلقة باب الكعبة، وهو يقول:\n_________\n(١) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٣٣٨)، زاد المسير (٨/ ٣٢٣)، الجامع لأحكام القرآن (٢٠/ ١٩٣).\n(٢) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٥٢٠)، جامع البيان (٣٠/ ٢٩٦)، النُّكت والعيون (٦/ ٣٣٩)، تفسير القرآن العظيم (٤/ ٥٨٧).\n(٣) ما بين المعقوفتين من بداية السورة ساقط من (ب).\n(٤) في النسخة (أضخمة) بالضاد والخاء المعجمتين، والصواب ما أثبت.\n(٥) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٣٠٠).\n(٦) في (أ) \" فأخذ \".","vol":"1","page":3673},{"text":"يا رب لا أرجو لهم سواكا ... يا رب فامنع منهمُ حماكا\nإن عدوَّ البيت من عادكا ... امنعهُمُ أن يُخربوا قراكا\nثم أصبح عبد المطلب وارتفع على الجبل، وأقبل نحو الكعبة رافعًا يده يدعو، ويقول:\nلا هُمَّ إن المرء يَمْـ ... ـنَع رحله فامنع رحالكْ\nلا يغلبن صليبهم ... ومحالهم غَدْوًا مِحالكْ\nإن كنت تاركهم وقبـ ... لتنا فأمر ما بدا لكْ\nثم إن أبرهة تهيأ للدخول، وعبَّأَ الجيش وهيَّأَ الفيلة، فأنشأ الله - تعالى - من شاطئ البحر طيرًا سودًا صغار المناقير خضر الأعناق طوالها، قد أقبلت كالليل يكسع بعضها بعضًا، أمام كل فرقة طير يقودها أحمر المنقار، وكان في مناقيرها وأظافيرها ثلاثة أحجار، فجاءت حتى حاذت بعسكر القوم، ركدت فوق رؤوسهم، فلما توافت الرعال كلها أهالت ما في مناقيرها على من تحتها مكتوب على كل حجر اسم من يقتله به، فجعل الحجر يقع على رأس صاحبه فيصل إلى جوفه، وكانت الحجارة أكبر من العدسة، وأصغر من الحُمُّصَة لا يصيب منها أحدًا إلا هلك، وليس كلهم يصيب، فتولى أبرهة بمن بقي هاربين فجعل أبرهة يسقط عضوًا عضوًا.\nوقيل: لم يفلت منهم إلا أبو يكسوم فسار وطائر فوقه يطير ولا يشعر به، حتى دخل على النجاشي فأخبره بما أصابهم، فلمّا استتم كلامه أتاه الطائر فرماه به فسقط فمات فأرى الله النجاشي كيف كان هلاك أصحابه (١).\nقتادة: \" أبو يكسوم هو أبرهة، ونجى الفيل الملقب بمحمود لإحجامه عن الإقدام على الحرم \" (٢).\nثم إنَّ الطير انصاعت راجعة من حيث جاءت، فلمّا أبطأ على عبد المطلب مجيء القوم، ذهب ينظر ما خبرهم، فوجدهم قد بادوا، فحمل ما شاء من صفراء وبيضاء، وأذن [أهل] (٣) مكة، فصاروا إلى معسكرهم، فانتهبوا ما فيه (٤).\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) ذكره ابن جرير في جامع البيان (٣٠/ ٣٠٣) بمعناه عن قتادة.\n(٣) في النسختين \" أهل \"، والصواب ما أُثْبِتَ.\n(٤) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٥٢٠)، جامع البيان (٣٠/ ٢٩٦)، تفسير الثعلبي (١٠/ ٢٨٨)، النُّكت والعيون (٦/ ٣٣٩)، تفسير القرآن العظيم (٤/ ٥٨٧).","vol":"1","page":3674},{"text":"قوله: ﴿أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ﴾: عزمهم على هدم الكعبة، وإبطال دين الله.\n﴿فِي تَضْلِيلٍ (٢)﴾: إبطال وإذهاب (١).\nوقيل: ﴿كَيْدَهُمْ﴾ مرادهم، من قوله: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ [يوسف: (٧٦)].\n﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (٣)﴾\nالزَّجَّاج: \"جماعات من ها هنا وجماعات من ها هنا \" (٢).\nأبو عبيدة: \" جماعات في تفرقة \" (٣).\nقتادة: \" أبابيل كثيرة \" (٤).\nوقيل: هي العنقاء المُغَرِّب (٥) (٦).\nواحدها: إِبالة.\nوقيل: إيبالة، وقيل: إِبَّوْل، وقيل: إبِّيل (٧).\nوقيل: هي جمع لا واحد له من لفظه كعباديد (٨).\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٢٩٦)، النُّكت والعيون (٦/ ٣٤١).\n(٢) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٢٩٦)، النُّكت والعيون (٦/ ٣٤١).\n(٣) مجاز القرآن (٢/ ٣١٢).\n(٤) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٢٩٧).\n(٥) العنقاء المُغَرِّب: طائر لم يبق في أيدي الناس من صفتها غير اسمها، يبعد في طيرانه. [انظر: كتاب العين (١/ ١٦٨)، مادة \" عَنَقَ \"، لسان العرب (١/ ٦٣٧)، مادة \" غَرَبَ \"].\n(٦) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٣٩٠).\n(٧) في (أ) \" وقيل: أبيل، وقيل: أبول \".\n(٨) والخلاصة في اشتقاقه ما ذكره الماوردي في النُّكت والعيون (٦/ ٣٤٣): \" النكت والعيون \" بقوله: \" واختلف\nالنحويون هل للأبابيل واحد من جنسه؟\nفذهب أبو عبيدة والفراء وثعلب إلى أنه لا واحد له كالعباديد والسماطيط، وذهب آخرون إلى أن له واحد، واختلفوا في واحده، فذهب أبو جعفر الرؤاسي إلى أن واحده إبّالة مشددة، وقال الكسائي: واحدها إبول، وقال: ابن كيسان واحدة إبيّل \".","vol":"1","page":3675},{"text":"﴿تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤)﴾: أكثر المفسرين على أنه فارسي معرب، وهو الآجر، يقويه قوله: ﴿حِجَارَةً مِنْ طِينٍ﴾ [الذاريات: ٣٣] في غير هذه القصة؛ لأن الحجارة تكون (١) من الماء فيذوب كالبرد (٢) (٣).\nأبو عُبيدة والزَّجاج: \" إنه من السجل، وهو الكثير.\nوقيل: من السجل وهو الشديد \" (٤).\nوقيل: من السجل وهو ملء الدلو أي المكروه الذي يغمرهم.\nوقيل: السجيل: اسم السماء الدنيا (٥).\nوقيل: من سجين (٦)، فقلب النون لامًا. وقد سبق.\n﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥)﴾: العصف ورق الزرع.\nقتادة: \" هو التبن \" (٧).\nوقيل (٨): هو ما على حب الحنطة من القشور.\nومعنى ﴿مَأْكُولٍ﴾: أكلته الدواب فراثته من الروث، فصار درنًا (٩) (١٠).\n_________\n(١) في (ب) \" يكون \".\n(٢) في (ب) \" فيذوب وهو البرد \".\n(٣) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٢٩٨)، تفسير السَّمرقندي (٣/ ٥٩٧)، النُّكت والعيون (٦/ ٣٤٣).\n(٤) والصحيح أنَّهما لم يذكرا الكثرة، وإنما ذكرا الشِّدة. [انظر: مجاز القرآن (٢/ ٣١٢)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٢٧٩)].\n(٥) وهو مروي عن ابن زيدٍ، وقد تعقَّبه ابن جرير بقوله: \" وهذا القول الذي قاله ابن زيد لا نعرف لصحته وجهًا في خبرٍ ولا عقلٍ ولا لغةٍ، وأسماء الأشياء لا تدرك إلا من لغة سائرة أو خبر من الله تعالى ذكره \". [جامع البيان (٣٠/ ٢٩٩)].\n(٦) في (أ) \" ومن سجين \".\n(٧) انظر: تفسير الصنعاني (٣/ ٣٩٧)، جامع البيان (٣٠/ ٣٠٤).\n(٨) في (ب) \" وبه قيل \".\n(٩) في (أ) \" ذنينًا \".\n(١٠) الدَّرين والدُّرانة: يَبيسُ الحشِيش، وكلّ حُطام من حَمْض أَو شجر أَو أَحرار البقول وذكورها إذا قَدُمَ فهو دَرِين، والدَّرين: حُطام المَرْعى إذا قَدُم وهو ما بَلِيَ من الحشيش وقلَّما تنتفع به الإبلُ \" [انظر: لسان العرب (١٣/ ١٥٣)، مادة \" دَرَنَ \"].","vol":"1","page":3676},{"text":"الزَّجَّاج: \" ﴿مَأْكُولٍ﴾ وقع فيه الآكال من قدمه \" (١).\nابن عيسى: \" مأكول ثمره \" (٢) (٣).\nوقيل: عصف (٤) مأكول، كقولك: طعام مطعوم وشراب مشروب، أي: شأنه أن يطعم ويشرب، أي: تأكله (٥) الدواب (٦).\nورأيت في بعض التفاسير: إن العصف هو العفص والمأكول هو الذي فيه ثقب. وهذا غلط بعيد (٧). والله أعلم.\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن (٥/ ٢٧٩).\n(٢) في (ب) \" ثمرة \".\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) في (ب) \" وقيل: عطف \".\n(٥) في (أ) \" يأكله \".\n(٦) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٣٠٤)، النُّكت والعيون (٦/ ٣٤٤)، زاد المسير (٨/ ٣٢٤).\n(٧) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٣٩٠).","vol":"1","page":3677},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-212>سورة قُرِيش </span>(١)\n\" أربع آيات \" (٢) (٣) مكية. وقيل: مدنية (٤).\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١)﴾: قيل: هذه اللام متصلة بالسورة الأولى.\nوالمعنى: أهلكهم.\n﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ واللام لام الصيرورة والعاقبة، كقوله: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨].\nويروي عن الكسائيّ: ترك التسمية بينهما، وجاء ذلك عن غيره أيضًا لهذا (٥).\nوسماه بعضهم لام العلة. وفيه بعد؛ لأن الله أهلكهم لكفرهم.\nوقيل: اللام لام التعجيب، أي: أعجبوا من ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾.\nوقيل: فيه تقديم وتأخير، والمعنى: فليعبدوا ربَّ هذا البيت لإيلاف قريشٍ (٦)، أي: لما أنعم عليكم من إيلافكم، تقول: ألف يألف إلفًا، وإلافًا وآلف يؤلف إيلافًا، بمعنى: وهو نقيضُ الإيحاش ومثله الإيناس.\n_________\n(١) سُمِّيت في المصاحف وكتب التفسير (سورة قريش) لوقوع اسم قريش فيها ولم يقع في غيرها، وبذلك عنونها البخاري في (صحيحه)، وسميت هذه السورة في عهد السلف: سورة (لإِيلاف قريش)، وسُمِّيت اختصارًا (سورة لإيلاف) [انظر: بصائر ذوي التمييز (١/ ٥٤٥)، زاد المسير (٨/ ٣٢٥)، التحرير والتنوير (٣٠/ ٥٥٣)].\n(٢) \" أربع آيات \" ساقطة من (أ).\n(٣) وهي أربع آيات في الكوفي والبصري والشامي وخمس في المدَنِيَّيْن والمكي، اختلافها آية ﴿مِنْ جُوعٍ﴾ ... عدها المدنيان والمكي ولم يعدها الباقون [انظر: البيان (ص: ٢٩٠)، جمال القراء (٢/ ٥٥٩)].\n(٤) في قول الجمهور، ومدنية في قول الضحاك وابن السائب. [انظر: النكت والعيون (٦/ ٣٤٥)، المحرر الوجيز (٥/ ٥٢٥)، زاد المسير (٩/ ٢٣٨)].\n(٥) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٣٩١)، زاد المسير (٨/ ٣٤٥).\n(٦) انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ٢٩٣)، جامع البيان (٣٠/ ٣٠٥)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٢٨٠)، غرائب التفسير (٢/ ١٣٩١)، زاد المسير (٨/ ٣٤٥).","vol":"1","page":3678},{"text":"وقيل: آلف حمله على الأُلفة (١)، وكلٌّ قد قرئ به (٢) (٣).\nوقيل: الإيلاف هي العهود التي كانت يأخذها رجال قريش من ملوك العرب إذا خرجوا في أسفارهم يأمنون بها.\nوقريش هم: بنو النضر بن كنانة.\nوقيل: بنو فهر بن مالك بن النضر بن كنانة، وسموا قريشًا؛ لتجمعهم بعد التفرق، والقرش: الجمع (٤).\nوروي أن معاوية سأل ابن عباس - ﵄ - عن معنى قريش، فقال: «هي دابة تسكن البحر من أعظمها دابة (٥)، وأنشد:\nقريش هي التي تسكن البحـ ... ـر بها سميت قريش قريشا\nتأكل الغث والسمين ولا تتـ ... ـرك (٦) يومًا لذي جناحين ريشا» (٧) (٨).\nوقيل: القرش الكسب، وكانوا يأكلون من كسبهم، فسموا به (٩) (١٠).\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٣٠٥)، إعراب القرآن (٥/ ١٨٤)، الجامع لأحكام القرآن (٢٠/ ٢٠٢).\n(٢) \" به \" ساقطة من (أ).\n(٣) قرأ عاصم في رواية أبى بكر ﴿لإئلف قريش (١) إءلفهم﴾ بهمزتين الثانية ساكنة في وزن لإعلان إعلانهم ثم رجع عنه فقرأ مثل حمزة بهمزة واحدة، وقرأ ابن عامر ﴿لإلف﴾ بقصرها لا يجعل بعد الهمزة ياء ﴿إلفهم﴾ بعد الهمزة ياء خلاف لفظ الأولى، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم ﴿لِإِيلَافِ﴾ بياء قبلها همزة ﴿إِيلَافِهِمْ﴾ مثلها. [انظر القراءات وتوجيهها: جامع البيان (٣٠/ ٣٠٥)، السَّبعة (ص: ٦٩٨)، معاني القراءات (ص: ٥٦٣)، الحُجَّة (٦/ ٤٤٤)، وقد قرئ بغير هذه القراءات في الشواذ فانظرها: شواذ القراءات (ص: ٥٢٣)، الجامع لأحكام القرآن (٢٠/ ٢٠٢)، البحر المحيط (١٠/ ٥٤٨)].\n(٤) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٣٤٦)، غرائب التفسير (٢/ ١٣٩١)، زاد المسير (٨/ ٣٢٦)، لسان العرب (٦/ ٣٣٤)، مادة \" قَرشَ \".\n(٥) في (أ) \" من أعظم الدواب \".\n(٦) في (أ) \" ولا يترك \".\n(٧) البيت منسوب لِتُبَّع الحِمْيري كما نسبه القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (٢٠/ ٢٠٢)، وكذا أبو حيَّان في البحر المحيط (١٠/ ٥٤٦).\n(٨) انظر: تفسير الثعلبي (١٠/ ٣٠١)، النُّكت والعيون (٦/ ٣٤٦).\n(٩) قُرَيش: نسبة إلى النَّضر بن كِنانة بن خزيمة بن مُدركة بن إلياس بن مُضَر بن نزار بن معد بن عدنان. وقيل إنَّهم ينتسبون إلى قريش بن بدر بن يخلد بن النَّضر، كان دليل قومه في الجاهلية في متاجرهم، فكان يقال: \"قدمت عير قريش! \" فبه سُمُّوا قريشًا، وقيل: سميت بذلك لتَقَرُّشِهَا أي: تجمعها إلى مكة من حواليها بعد تفرقها في البلاد حين غلب عليها قصي بن كلاب، وقيل غير ذلك. [انْظُر: جمهرة أنساب العرب؛ لابن حزم (ص: ١١)، الكامل في التاريخ (٢/ ١٧)، لسان العرب (٦/ ٣٣٤)، مادَّة (قرش)، طرفة الأصحاب في معرفة الأنساب؛ لابن رسول (ص: ٥٨)].\n(١٠) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٣٤٦)، لسان العرب (٦/ ٣٣٤)، مادة \" قَرشَ \".","vol":"1","page":3679},{"text":"﴿إِيلَافِهِمْ﴾: بدل من الأوّل.\n﴿رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (٢)﴾ الرِّحلة هي: السيرُ على الراحلة، وهي الناقة القوية. والرحل والارتحال: احتمال الرحل للسير، والرَّحل: متاع المسافر.\nوقيل: الرحلة لا يكون إلا في طلب المعاش (١).\nوكانت لهم رحلتان، رحلةٌ في الشتاء إلى اليمن، ورحلةٌ في الصيف إلى الشام (٢).\nعكرمة: \" كلتا الرحلتين كانت إلى فلسطين \" (٣).\nوقيل: كانوا يشتون بمكةَ، ويصيفون بالطائف (٤).\nوبالرحلتين كانت تقوم معائشهم، فمنّ الله عليهم بذلك.\nوقيل: كان الناس يرتحلون، رحلة في الشتاء، ورحلة في الصيف يحملون إليهم المِيرة وغيرها، فمنَّ الله (٥) عليهم بأن كفاهم مؤنة الارتحال بأنفسهم.\nقتادة: \" ذكرهم الله نعمته عليهم إذا جعلهم آمنين بالحرم يسافرون ويُتَخَطَّفُ الناس من حولهم \" (٦).\nوعن ابن عباس - ﵄ -: أنه نهاهم عن الرحلتين، وأمرهم أن يعبدوا رب هذا البيت، ويقيموا بمكة كما ألِفوا الرحلتين \" (٧).\nفيكون اللام بمعنى: الكاف. وهذا معنى رابع للام: ﴿إِيلَافِ﴾ (٨).\n﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ﴾: أي: بعد الجوعِ الذي أصابهم في سني القحط، حتى أكلوا الجيف والعِلهزَ (٩).\nقال سيبويه: \" قام ﴿مِنْ﴾ مقام عن، والفرق بينهما: أنَّ عن يقتضي حصول جوع فزال بالإطعام، و﴿مِنْ﴾ يقتضي المنع من لحاق الجوع، فيكون المعنى: أطعمهم فلم يلحقهم جوع \" (١٠).\n﴿وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤)﴾: وكانوا لا يتعرض (١١) لهم أحد، ولا يُغارُ عليهم كما يغيرُ الناسُ بعضهم على بعضٍ.\nوقيل: ﴿مِنْ خَوْفٍ﴾ العدو.\nوقيل: ﴿مِنْ خَوْفٍ﴾ أبرهة.\nوقيل: ﴿مِنْ خَوْفٍ﴾ الجذام الذي وقعَ وراءَ مكةَ (١٢).\nوعن عليٍّ - ﵁ - ...: \" آمَنَ قريشًا أن لا تكون (١٣) الخلافة إلا فيهم \" (١٤).\nوروت أم هاني بنت أبي طالب عن النبي - ﷺ - أنه قال: «إن الله - تعالى - فضَّلَ قريشًا (١٥) بسبع خصال لم يعطها أحدًا قبلهم، ولا يعطها أحدًا بعدهم: إن الخلافةَ فيهم،\n_________\n(١) انظر: كتاب العين (٣/ ٢٠٧)، مادة \" رَحَلَ \"، المفردات (ص: ٣٤٧).\n(٢) وهذا قول الجمهور. [انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ٢٩٤)، جامع البيان (٣٠/ ٣٠٧)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٢٨٠)، زاد المسير (٨/ ٣٢٧)].\n(٣) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٣٤٧).\n(٤) وهو مروي عن ابن عباس - ﵄ -. [انظر: جامع البيان (٣٠/ ٣٠٨)، النُّكت والعيون (٦/ ٣٤٨)].\n(٥) لفظ الجلالة \" الله \" ساقط من (ب).\n(٦) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٣٠٨).\n(٧) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٣٠٨)، تفسير البغوي (٨/ ٥٤٧).\n(٨) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٣٩١).\n(٩) انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ٢٩٤)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٢٨١).\n(١٠) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٣٩٢).\n(١١) في (ب) \" لا يتعرضون \".\n(١٢) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٣٠٨)، النُّكت والعيون (٦/ ٣٤٩)، غرائب التفسير (٢/ ١٣٩٢).\n(١٣) في (ب) \" لا يكون \".\n(١٤) انظر: تفسير الثعلبي (١٠/ ٣٠٣)، النُّكت والعيون (٦/ ٣٤٩).\n(١٥) في (ب) \" قريش \".","vol":"1","page":3680},{"text":"والحجابةَ، والسقايةَ، والنبوةَ، ونصروا على الفيل، وعبدوا الله سبعَ سنين لم يعبده أحد غيرهم (١)، ونزلتْ فيهم سورة لم يذكر فيها أحد غيرهم: سورة: ﴿لِإِيلَافِ﴾ \" (٢).\n_________\n(١) في (ب) \" غير \".\n(٢) أخرجه الحاكم في مستدركه (بنحوه) في كتاب التفسير - تفسير سورة قريش (٢/ ٥٣٦)، وقال: ... \" صحيح الإسناد ولم يخرجاه \"، وأورده السُّيوطي في الدُّر المنثور (١٥/ ٦١٧)، وعزاه للبخاري في تاريخه والحاكم وصححه والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الخلافيات عن أم هانئ بنت أبي طالب.","vol":"1","page":3681},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-213>سورة الماعُون </span>(١)\n\" سبع آيات \" (٢) (٣) مكية. وقيل: مدنية (٤).\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١)﴾: في سبب النزول: قال مقاتل والكلبي: نزلت في العاص بن وائل السَّهمي (٥) (٦).\nقال ابن جريح: كان أبو سفيان بن حرب ينحر كل أسبوع جزورين، فأتاه يتيم يسأله شيئًا، فقرعه بعصاه (٧).\n_________\n(١) سميت هذه السورة في كثير من المصاحف وكتب التفسير (سورة الماعون) لورود لفظ الماعون فيها دون غيرها، وسميت في بعض التفاسير (سورة أرأيت) وكذلك في بعض المصاحف وبه عنونها البخاري في (صحيحه) وتسمى (سورة أرأيتَ الذي) و(سورة الدين) و(سورة التكذيب) و(سورة اليتيم). [انظر: بصائر ذوي التمييز (١/ ٥٤٦)، التحرير والتنوير (٣٠/ ٥٦٣)].\n(٢) \" سبع آيات \" ساقط من (ب).\n(٣) \" وهي سبع آيات في الكوفي والبصري وست في عدد الباقين. [انظر: البيان (ص: ٢٩١)، جمال القُرَّاء (٢/ ٥٥٩)].\n(٤) وقد اختلف فيها على ثلاثة أقوال: ...\nأحدهما: مكية، قاله الجمهور.\nوالثاني: مدنية روى عن ابن عباس وقتادة.\nوالثالث: قال هبة الله الضرير المفسِّر: \" نزل نصفها بمكة في العاص بن وائل، ونصفها بالمدينة في عبد الله بن أبي المنافق \" قال ابن عاشور: \" وهو الأظهر \". [انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٣٥٠)، زاد المسير (٨/ ٣٢٨)، التحرير والتنوير (٣٠/ ٥٦٣)].\n(٥) العاص (أو العاصي) بن وائل بن هاشم السهمي، من قريش: أحد الحكام في الجاهلية، وقد أدرك الإسلام وظلَّ على الشرك، ويعدُّ من «المستهزئين» ومن «الزَّنادقة» الذين ماتوا كفَّارًا وثنيين، وقد كفى الله رسوله شرّه، فأصابه صداع أخذه في رأسه فسال دماغه حتى كان يتكلم من أنفه، وروي أن جبريل - ﵇ - أتى رسول الله - ﷺ - وهم يطوفون بالبيت، فقام وقام رسول الله - ﷺ - إلى جنبه، ومرَّ به العاص بن وائل فأشار إلى أخمص رجله فخرج على حمار له يريد الطائف فربض به على شبرقة فدخلت في أخمص رجله شوكة فقتلته. [انْظُر تَرْجَمَتَهُ: جامع البيان (١٤/ ٧١)، الكامل في التاريخ (٢/ ٤٩)، السيرة النبوية؛ لابن كثير (٢/ ٨٧)، الأعلام (٣/ ٢٤٧)].\n(٦) انظر: تفسير الثعلبي (١٠/ ٣٠٤)، النُّكت والعيون (٦/ ٣٥٠)، أسباب النزول؛ للواحدي (ص: ٣٧٦).\n(٧) انظر: تفسير الثعلبي (١٠/ ٣٠٤)، أسباب النزول؛ للواحدي (ص: ٣٧٦).","vol":"1","page":3682},{"text":"وقيل: نزلت في أبي جهل (١).\nوقيل: عام.\nقوله: ﴿أَرَأَيْتَ﴾ استفهام تنبيه على المذكور، وتعجيب منه ﴿الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ أي: الدين الذي أتى به محمد - ﷺ -.\nوالتكذيب به: نسبة المخبر بصحته إلى الكذب فيما أخبر به (٢).\nوالجمهور: على أن الدِّين ها هنا الحساب والجزاء بعد الموت (٣).\nابن عيسى: \" التكذيب بالجزاء من أضر الأشياء؛ لأنه يعدم به الداعي إلى الخير ... والصارف (٤) عن الشر \" (٥).\n﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢)﴾: الفاء تُؤذِن (٦) أنَّ هذا سبب الدَّعِّ وترك ... الحض (٧).\nوالدُّع: الدفع بجفاء وعنف، أي: يدفعه عن حقه بظلمه لعدمه الوالد الذاب عنه (٨).\n﴿وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣)﴾: بخلًا بمال غيره، فكيف بماله (٩).\n﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤)﴾: دخول الفاء يدل على أنهم هم المذكورون قبل، وأقيم المظهر مكان المضمر (١٠).\n_________\n(١) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٣٥٠).\n(٢) في (أ) \" فيما أخبره به \".\n(٣) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٥٢٧)، جامع البيان (٣٠/ ٣١٠)، تفسير السَّمرقندي (٣/ ٦٠٠).\n(٤) في (ب) \" الصار \".\n(٥) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٣٩٥).\n(٦) في (ب) \" يؤذن \".\n(٧) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٣٩٥).\n(٨) انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ٢٩٤)، جامع البيان (٣٠/ ٣١٠).\n(٩) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٣١١).\n(١٠) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٣٩٥).","vol":"1","page":3683},{"text":"﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ﴾: المفروضة.\n﴿سَاهُونَ (٥)﴾: الفرَّاء والزَّجَّاج: \" لا يصلونها سِرًَّا؛ لأنهم لا يعتقدون وجوبها، ويصلونها علانية رِيَاءً \" (١).\nوعن الحسن أنه قال: الحمد لله الذي لم يجعلها في صلاتهم، وجعلها عن صلاتهم \" (٢).\nابن عباس - ﵄ -: أي: \" يؤخِّرونها عن وقتها \" (٣).\n﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦)﴾: لا يقصدون وجه الله، إنما يريدون أن يراهم المسلمون فيحمدونهم عليها.\n﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)﴾: أبو عبيدة: \" الماعون في الجاهلية كلّ منفعة وعطية، وفي الإسلام الطاعة والزكاة \" (٤).\nالزَّجَّاج: \" كلُّ ما فيه منفعة، كالكأس والقدر والدلو \" (٥).\nوقيل: هو الذي يبذله الجيران بعضُهم لبعض.\nالفراء: \" الماعون الماء، وأنشد:\n. . . . . . . . . . . . . . . . . ... يمج صبيرُهُ الماعون صبَّا (٦)\nوالصبير: السحاب \" (٧).\nابن عيسى: \" الماعون القليل القيمة، وأصل المعن القليل \" (٨).\nوأنشد:\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ٢٩٥)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٢٨٢).\n(٢) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٣٩٥)، وعند ابن جرير في جامع البيان (٣٠/ ٣١٣) عن عطاء بن دينار.\n(٣) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٣١١)، زاد المسير (٨/ ٣٢٩).\n(٤) انظر: مجاز القرآن (٢/ ٣١٣).\n(٥) انظر: معاني القرآن (٥/ ٢٨٣).\n(٦) البيت غير منسوب في معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ٢٩٥)، وقال الفراء: \" ولست أحفظ أوله \"، وأورده الطبري في جامع البيان (٣٠/ ٣١٤).\n(٧) انظر: معاني القرآن (٣/ ٢٩٥).\n(٨) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٣٥٣).","vol":"1","page":3684},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . ... . . . فإنَّ هلاك مالك غير معن (١)\nأي: غير القليل.\nأبو علي: \" مَعَن الشيء سهل، فهو معن \" (٢).\nوقيل: الماعون المال (٣).\n_________\n(١) البيت في منسوب في لسان العرب لنمر بن تولب، وتمامه:\nولا ضيعته فألام فيه ... فإن ضياع مالك غير معن\n[انظر: لسان العرب (١٣/ ٤٠٩)، مادة \" مَعَن \"].\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٣١٣)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٥/ ١٨٧)، النُّكت والعيون (٦/ ٣٥٢)، زاد المسير (٨/ ٣٢٩).","vol":"1","page":3685},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-214>سورة الكَوْثَر </span>(١)\nثلاث آيات (٢) (٣) مكية. وقيل: مدنية (٤).\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١)﴾: في سبب النزول: أن العاص بن وائل السهمي قال: \"إن محمدًا صنبور أبتر، فإذا ماتَ انقطعَ ذِكرُه \".\nوقيل: نزلتْ في عُقبة بن أبي مُعيط. والأوّل أكثر.\nسَمَّى النبيّ - ﷺ - عند موتِ ابنه عبد الله، وقيل: القاسم أبتر، فأنزل الله هذه السورة (٥).\nو﴿الْكَوْثَرَ﴾: الفوعل من الكثرة (٦).\n_________\n(١) سُمِّيت هذه السورة في جميع المصاحف التي رأيناها وفي جميع التفاسير أيضًا سورة الكوثر وكذلك عنونها الترمذي في كتاب التفسير من جامعه. وعنونها البخاري في (صحيحه) سورة: (إنا أعطيناك الكوثر)، وتسمى (سورة النحر). [انظر: بصائر ذوي التمييز (١/ ٥٤٧)، التحرير والتنوير (٣٠/ ٥٧١)].\n(٢) \" ثلاث آيات \" ساقط من (ب).\n(٣) وهي ثلاث آيات في جميع العدد ليس فيها اختلاف. [انظر: البيان (ص: ٢٩٢)].\n(٤) تعارضت الأقوال والآثار في أنها مكية أو مدنية تعارضًا شديدًا، فهي مكية عند الجمهور واقتصر عليه أكثر المفسرين.\nوعن الحسن وقتادة ومجاهد وعكرمة: هي مدنية، ويشهد لهم ما في (صحيح مسلم) عن أنس بن مالك: (بينا رسول الله ذات يوم بين أظهرنا إذْ أغفَى إغْفاءة ثم رفع رأسه وقال: أُنزلت عليَّ آنفًا سورةُ فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِن شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)﴾ ... [الكوثر: ١ - ٣] ثم قال: أتدرون ما الكوثر؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: فإنه نهر وعَدَنِيه رَبِّيَ ﷿، عليه خير كثير هو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة) الحديث. وأنسٌ أسْلم في صدر الهجرة فإذا كان لفظ (آنفًا) في كلام النبي - ﷺ - مستعملًا في ظاهر معناه وهو الزمن القريب، فالسورة نزلت منذ وقت قريب من حصول تلك الرؤيا، ومقتضى ما يروى في تفسير قوله تعالى: ﴿إِن شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ أن تكون السورة مكية، ومقتضى ظاهر تفسير قوله تعالى: ﴿وَانْحَرْ﴾ من أن النحر في الحج أو يومَ الأضحى تكون السورة مدنية. [انظر: المحرر الوجيز (٥/ ٥٢٩)، زاد المسير (٨/ ٣٣١)، التحرير والتنوير (٣٠/ ٥٧١)].\n(٥) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٣٢٨)، أسباب النزول؛ للواحدي (ص: ٣٧٧)، النُّكت والعيون (٦/ ٣٥٦)،\n(٦) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٢٨٤)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٥/ ١٨٨).","vol":"1","page":3686},{"text":"ابن عباس - ﵄ -: \" هو الخيرُ الكثير \" (١).\nوأنشد:\nوأنتَ كثيرٌ يا ابن مروان طيبٌ ... وكان أبوكَ ابن العقائلِ كوثرا (٢)\nالحسن: \" ﴿الْكَوْثَرَ﴾: القرآن \" (٣).\nعكرمة: \" النبوة \" (٤).\nوقيل: \" الإسلام \" (٥).\nابن عباس في جماعة: \" نهر في بُطنان (٦) الجنة، يجري على الياقوت حافتاه ذهب وفضة، ماؤه أشد بياضًا من اللبن وأحلى من العسل، تربته أطيب من المسك على حافتيه من الآنية، مثل عدد النجوم \" (٧).\nوعن عائشة - ﵂ -: \" من أحبَّ أن يسمع خريره، فليجعل إصبعه في أذنيه \" (٨).\nوعن مجاهد: \"ماؤه الخمر \" (٩).\nوقيل: \" ﴿الْكَوْثَرَ﴾ خير الدنيا وخير الآخرة \". وهو القول الأوّل.\nعطاء: \" حوض النبي - ﷺ - الذي يكثر الناس عليه يوم القيامة \" (١٠) (١١).\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ٣٩٥)، جامع البيان (٣٠/ ٣٢١).\n(٢) البيت للكُميت. [انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٣٩٧)، الجامع لأحكام القرآن (٢٠/ ٢١٤)، لسان العرب (٥/ ١٣١)، مادة \" كَثُرَ \"].\n(٣) انظر: إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٥/ ١٨٨)، النُّكت والعيون (٦/ ٣٥٤).\n(٤) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٣٢٣)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٥/ ١٨٨).\n(٥) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٣٢٣)، النُّكت والعيون (٦/ ٣٥٤).\n(٦) بطنان الجنة: وسطها وقيل: من أصلها. [انظر: النهاية (١/ ١٣٦)، مادة \" بَطَنَ \"].\n(٧) وهو مروي عن ابن عباس وعائشة وابن عمر وأنس - ﵃ أجمعين. [انظر المرويات: جامع البيان (٣٠/ ٣٢٠)].\n(٨) أخرجه الفراء في معاني القرآن (٣/ ٢٩٥)، وابن جرير في جامع البيان (٣٠/ ٣٢٠)، ولفظه عند ابن جرير: \" الكوثر: نهر في الجنة ليس أحد يدخل أصبعيه في أذنيه إلا سمع خرير ذلك النهر \".\n(٩) لم أقف عليه.\n(١٠) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٣٢٣)، تفسير الثعلبي (١٠/ ٣٠٩).\n(١١) قال ابن عطية: \" قال أنس وابن عمر وابن عباس وجماعة من الصحابة والتابعين: الكوثر نهر في الجنة، وقال ابن عباس أيضًا: الكوثر: الخير الكثير \".\nقال القاضي أبو محمد: \" ولا مجال أن الذي أعطى الله محمدًا - ﵇ - من النبوة والحكمة والعلم بربه والفوز برضوانه والشرف على عباده هو أكثر الأشياء وأعظمها كأنه يقول في هذه الآية: إنا أعطيناك الحظ الأعظم، قال سعيد بن جبير: \" النهر الذي في الجنة هو من الخير الذي أعطاه الله إيّاه \" فنعم ما ذهب إليه ابن عباس ونعم ما تمَّمَ ابن جبير -﵃ - \" [المحرر الوجيز (٥/ ٥٢٩)].","vol":"1","page":3687},{"text":"﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾: الصلوات الخمس.\nوقيل: صلاة العيد.\nوقيل: معناه: اشكر الله (١).\n﴿وَانْحَرْ (٢)﴾: أي: أضحيتَك يومَ النحر.\nعلي - ﵁ -: \" هو وضع اليمنى على اليسرى [في الصلاة تحت النحر] (٢) \" (٣).\nوقيل: ارفع يديكَ إلى نحرك في التكبير.\nوقيل: استقبل القبلة بنحرك في الصلاة.\nسعيد بن جبير: \" نزلت هذه الآية بالحديبية حين صد عن البيت، أمره الله تعالى أن يصلي وينحر وينصرف \" (٤).\nأنس - ﵁ -: \" كان النبي (٥) - ﷺ - ينحر ويصلي يوم العيد، فأنزل الله ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ \" (٦).\nوقيل: وانحر (٧) لله بخلاف عبدة الأوثان، فإنهم ينحرون لأوثانهم (٨).\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٣٢٥)، النُّكت والعيون (٦/ ٣٥٥).\n(٢) \" ما بين المعقوفتين ساقط من (ب).\n(٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٤٠١) (بنحوه) عن علي - ﵁ -، وأخرجه ابن جرير في جامع البيان (٣٠/ ٣٢٥)، قال ابن كثير: \" وقيل المراد بقوله: ﴿وَانْحَرْ﴾ وضع اليد اليمنى على اليد اليسرى تحت النحر، يروى هذا عن علي، ولا يصحُّ، وعن الشعبي مثله \" [تفسير القرآن العظيم (٤/ ٥٩٥)].\n(٤) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (٣٠/ ٣٢٦).\n(٥) في (أ): كان رسول الله صلى ....\n(٦) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٣٢٨)، تفسير الثعلبي (١٠/ ٣١٠).\n(٧) في (ب) \" انحر لله \".\n(٨) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٣٢٥)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٥/ ١٨٨)، النُّكت والعيون (٦/ ٣٥٥).","vol":"1","page":3688},{"text":"﴿إِن شَانِئَكَ﴾: مبغضكَ وعدوكَ (١).\n﴿هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)﴾:\nالزَّجاج: \" يحتمل أن يكون المراد هو المنقطع العقب، وجائز (٢) أن يكون هو المنقطع عنه كل خير \" (٣).\nابن جرير: \" ﴿الْأَبْتَرُ﴾: الأقل الأذل \" (٤).\nقتادة: \" من عادى محمدًا - ﷺ - صار ذليلًا قليلًا \" (٥) (٦).\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ٢٩٦)، جامع البيان (٣٠/ ٣٢٨).\n(٢) في (ب) \" وجاز \".\n(٣) معاني القرآن (٥/ ٢٨٥).\n(٤) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٣٢٨).\n(٥) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٣٢٩)، النُّكت والعيون (٦/ ٣٥٦).\n(٦) والظاهر - والله أعلم - \" أنَّ الآية عامة في كلِّ من أبغض النبي - ﷺ -، وهو ما اختاره المحقِّقون، قال ابن كثير: \" وقوله تعالى ﴿إِن شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ أي: إن مبغضك يا محمد ومبغض ما جئت به من الهدى والحق والبرهان الساطع والنور المبين هو الأبتر الأقل الأذل المنقطع ذكره ... وقال السدي: كانوا إذا مات ذكور الرجل قالوا: بتر، فلما مات أبناء رسول الله - ﷺ - قالوا: بتر. فأنزل الله: ﴿إِن شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾، وهذا يرجع إلى ما قلناه من أن الأبتر الذي إذا مات انقطع ذِكْره فتوهموا لجهلهم أنه إذا مات بنوه انقطع ذكره، وحاشا وكلا بل قد أبقى الله ذكره على رؤوس الأشهاد، وأوجب شرعه على رقاب العباد على دوام الآباد، إلى يوم المحشر والمعاد، صلوات الله وسلامه عليه دائمًا إلى يوم التناد \" [تفسير القرآن العظيم (٤/ ٥٩٨)].","vol":"1","page":3689},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-215>سورة الكافرون </span>(١) (٢)\nسِتُّ آيات (٣) (٤) مكية (٥)\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾: وسبب نزوله: أنَّ رهطًا من قريش قالوا: يا محمد هلم فاتبع ديننا ونتبع دينك، تعبد آلهتنا سنة، ونعبد إلهك سنة، فإن كان الذي جئت به خيرًا مما في أيدينا كنا قد شركناك فيه، وأخذنا بحظنا، وإن كان الذي في أيدينا خيرًا مما في يديك، كنت قد شركت في أمرنا وأخذت بحظك منه، فقال: معاذ الله أن أشرك به غيره، فأنزل الله تعالى ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ إلى آخر السورة، فغدا رسول الله - ﷺ - إلى المسجد الحرام، وفيه الملأ من قريش، فقرأ عليهم حتى فرغ من السورة، فيئسوا منه عند ذلك \" (٦).\n_________\n(١) في (ب) \" سورة الكافرين \".\n(٢) سورة الكافرون سُمِّيت هذه السورة في معظم التفاسير (سورة الكافرون) بإضافة (سورة) إلى) الكافرون (وبثبوت واو الرفع في) الكافرون (على حكاية لفظ القرآن الواقع في أولها) ووقع في بعض التفاسير تسميتها ... بـ (سورة الكافرين) بياء الخفض في لفظ (الكافرين) بإضافة (سورة) إليه أن المراد سورة ذكر الكافرين، أو نداء الكافرين. وعنونها البخاري في كتاب التفسير من (صحيحه) سورة: (قل يأيها الكافرون).\nومن أسمائها: سورة الدِّين، والمشقشقة - أي المبرئة من الشرك والنفاق -، وسورة العبادة. [انظر: بصائر ذوي التمييز (١/ ٥٤٨)، التحرير والتنوير (٣٠/ ٥٧٩)].\n(٣) \" سِتُّ آيات \" ساقطة من (ب).\n(٤) وهي ستُّ آيات في جميع العدد ليس فيها اختلاف. [البيان: (ص ٢٩٣)].\n(٥) مكية في قول الجمهور، ومنهم: ابن مسعود وابن عباس والحسن وعكرمة، وحكى ابن عطية الإجماع على هذا، وعن قتادة والضحاك وأحد قولي ابن عباس أنها: مدنية. [انظر النكت والعيون (٦/ ٣٥٧) المحرر الوجيز (٥/ ٥٣١)، زاد المسير (٨/ ٣٣٤)].\n(٦) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٣٣١)، أسباب النزول؛ للواحدي (ص: ٣٧٨)، تفسير الثعلبي (١٠/ ٣١٥).","vol":"1","page":3690},{"text":"وإنما صار ﴿قُلْ﴾ متلو في السُّور الخمس (١)؛ لأنها نزلت جوابًا.\n﴿يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ لجماعةٌ مخصوصين، أعلمهُ الله أنهم لا يؤمنون (٢).\nوقيل: هو عام، والمعنى معنى الشرط، أي: إن عبدتم الله بشرط أن أعبد إلهكم فلن تعبدوه لأني (٣) لا أعبدها أبدًا (٤).\n﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢)﴾: أي: الأصنام وغيرها مما يعبدهُ المشركون؛ لأن العبادة أعلى مراتب الشكر لا على مراتب النعم، والوثن لا يستحقها.\n﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣)﴾: يعني الله - ﷾ -؛ للجهل بوجوب العبادة.\nوذكر بلفظ ﴿مَا﴾، ليتقابل اللفظان ولا يتنافرا. ولم يصح في الأول \" من \"، وصح في الثاني \"ما \"، بمعنى: الذي (٥).\n﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥)﴾: قيل: الثاني: تكرار وتأكيد، لحسم أطماعهم من عبادته آلهتهم أبدًا. وقيل: الأول: للحال، والثاني: للماضي، وقيل: الأول: للحال، والثاني: للاستقبال، وقيل: الأول: في سنة، والثاني: في سنة أخرى، لقولهم: تعبد آلهتنا سنة، ونعبد إلهك سنة.\nوقيل: الأول: عبادة التوحيد، والثاني: عبادة الطاعة.\nوقيل: ﴿مَا﴾ في الأول بمعنى: الذي، و﴿مَا﴾ في الثاني بمعنى: المصدر، أي: ولا أنا عابد عبادتكم، ولا أنتم عابدون عبادتنا أي مثلها، والمعنى: لا معبود أنا واحد ولا عبادتنا واحدة.\n_________\n(١) في غرائب التفسير (٢/ ١٤٠٠) \" في السور الأربع \" ولم يذكر الماوردي خمسًا، وإنما أشار إلى هذه السورة وسورة الإخلاص والمعوذتين.\n(٢) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٣٥٧).\n(٣) في (ب) \" فإني \".\n(٤) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٣٩٩).\n(٥) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٣٥٨)، الجامع لأحكام القرآن (٢٠/ ٢٢٥).","vol":"1","page":3691},{"text":"وقيل: بين نزولهما زمان، فصار كتكرار القصص في سائر السور.\nوقيل: ذكر الأوّل بلفظ الفعل، ولفظ الفعل يدل على جزء من الزمان، فذكر الباقي (١) بلفظ الاسم، ليدلَ على الأزمنة كلها.\nوقيل: في هذا التكرار اختصار وإيجاز هو إعجاز؛ لأنه سبحانه نفى عن نبيِّه - ﷺ - عبادةَ الأصنام في الحال والماضي والاستقبال، ونفى عن الكفار المذكورين عبادة الله في الأزمنة الثلاثة أيضًا فكان القياسُ يقتضي تكرار هذه اللفظة ست مرات، فذكر لفظي الحال؛ لأن الحال هو الزمان الموجود، واقتصر من الماضي على المسند إليهم، فقال: ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ﴾ فكان اسم الفاعل بمعنى الماضي، واقتصر من المستقبل على المسند إليه، فقال: ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾، فكان اسم الفاعلين بمعنى المستقبل. ولهذا نظائر (٢).\n﴿لَكُمْ دِينُكُمْ﴾: الشرك ﴿وَلِيَ دِينِ (٦)﴾: الإسلام، وهذا قبل أن أمر بالقتال.\nوقيل: لكم جزاؤكم ولي جزائي (٣).\nوروي أن ابن مسعود - ﵁ -: «دخل المسجد والنبي - ﷺ - جالس، فقال له: نابذ يا ابن مسعود، فقرأ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، ثم قال له في الركعة الثانية: أخلص، فقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]، فلما سلَّمَ، قال: يا ابن مسعود سل تُجَب» (٤). وعنه - ﷺ - أيضًا (٥) أنه قال: «نابذوا عند الموت، قالوا: وكيف ننابذ، فقال اقرؤوا ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾» (٦).\n_________\n(١) في (أ) \" الثاني \".\n(٢) انظر: إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٥/ ١٩٠)، تفسير الثعلبي (١٠/ ٣١٥)، البرهان؛ للكرماني (ص: ٣٣٢)، غرائب التفسير (٢/ ١٣٩٩)، الجامع لأحكام القرآن (٢٠/ ٢٢٤).\n(٣) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٣٥٨)، الجامع لأحكام القرآن (٢٠/ ٢٢٦).\n(٤) لم أقف على تخريجه في كتب الحديث، وقد أورده النسفي في تفسيره (٤/ ١٣٤٩).\n(٥) (\" ... (أيضًا \" ساقطة من (أ).\n(٦) لم أقف على تخريجه.","vol":"1","page":3692},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-216>سورة النَّصر </span>(١)\nثلاث آيات (٢) (٣) مدنية (٤)\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾: عكرمة: عن ابن عباس - ﵄ - قال: \" لمَّا أقبل رسول الله - ﷺ - من غزوة حنين أُنزل عليه ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ \" (٥)، أي: معونته على قريش.\nوقيل: عام في جميع الكفار، والمفعول (٦) محذوف تقديره: نصر الله إياك (٧).\n﴿وَالْفَتْحُ (١)﴾: الاستيلاء على البلاد.\nالحسن: \"هو فتح مكة؛ لأنَّ العرب أسلمت بإسلام أهل مكة \" (٨).\nابن عباس - ﵄ -: \" فتح المدائن والقصور \" (٩).\n﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢)﴾:\n_________\n(١) وهو أشهر أسمائها في المصاحف وكتب التفسير، واشتهر تسميتها في السُنة بسورة \" إذا جاء نصر الله والفتح \" لقوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾، وسميت في سُنن الترمذي بسورة الفتح لوقوع اللفظ فيها، وتُسمى \" سورة التوديع \" لما فيه من الإشارة إلى وفاة الرسول - ﷺ -. [انظر: جمال القراء (١/ ٢٠٢)، بصائر ذوي التمييز (١/ ٥٥٠)، التحرير والتنوير (٣٠/ ٣٨٧)].\n(٢) \" ثلاث آيات \" ساقطة من (ب).\n(٣) وهي ثلاث آيات في جميع العدد من غير اختلاف. [انظر: البيان؛ للدَّاني (٢٩٤)].\n(٤) بإجماعٍ كما حكاه ابن عطية في المحرر الوجيز (٥/ ٥٣٢)، وابن الجوزي في زاد المسير (٨/ ٣٣٦).\n(٥) انظر: أسباب النزول؛ للواحدي (ص: ٣٧٨)،\n(٦) \" المفعول: ساقط من (ب).\n(٧) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٣٣٢)، النُّكت والعيون (٦/ ٣٥٩)، المحرر الوجيز (٥/ ٥٣٢)، زاد المسير (٨/ ٣٣٦) المحرر الوجيز (٥/ ٥٣٢).\n(٨) انظر: تفسير الثعلبي (١٠/ ٣٢٠)، النُّكت والعيون (٦/ ٣٦٠).\n(٩) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٣٣٣)، النُّكت والعيون (٦/ ٣٦٠).","vol":"1","page":3693},{"text":"أبو عبيدة: \" جماعات في تفرقة \" (١).\nالفَرَّاء: \" أسلم الحي بأسره \" (٢).\nالزَّجَّاج: \"جماعات كثيرة \" (٣).\nابن عيسى: \" جماعة من جماعة كزمرة من قبيلة \" (٤).\nوقيل: هم أهل اليمن (٥).\nوعن ابن عباس - ﵄ -: أن النبي - ﷺ - قال: «الإيمان يمان، والحكمة يمانية» (٦)؛ لأنَّ أهل اليمن أعانوه على أعدائه، ولهذا قال النبي - ﷺ -: «أجد نفس ربّكم من قِبَلِ ... اليمن» (٧)، والمعنى: يُنفّس الكرب عن نبيِّه (٨) بأهل اليمن (٩).\n﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾: نزِّهْهُ. والباء للسبب، أي: احِمَدْهُ لتكون (١٠) مُسَبِّحًَا.\nوقيل: فسبحه بالتحميد، ويجوز أن يكون الباء للحال، أي: فسبح حامدًا (١١).\n_________\n(١) مجاز القرآن (٢/ ٣١٥).\n(٢) انظر: معاني القرآن (٣/ ٢٩٧).\n(٣) معاني القرآن (٥/ ٢٨٧).\n(٤) لم أقف عليه.\n(٥) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٥٣٠)،\n(٦) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (٣٠/ ٣٣٢)، عن عبد الله بن عباس - ﵄ -، ولفظه:\n«بينا رسول الله - ﷺ - بالمدينة، إذ قال: \"اللهُ أكْبَرُ، اللهُ أكْبَرُ، جاءَ نَصْرُ الله والفَتْحُ، جاءَ أهْلُ اليَمَنِ\" قيل: يا رسول الله، وما أهل اليمن؟ قال: \" قَوْمٌ رَقِيقَةٌ قُلُوبُهُمْ، لَيِّنةٌ طِبَاعُهُمْ، الإيمَانُ يَمَانٍ، والفِقْهُ يَمَانٍ، والحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ»، وأصله في الصحيحين من حديث أبي هريرة - ﵁ -، فالبخاري أخرجه في كتاب المغازي، باب: قُدوم الأشعريين، وأهل اليمن، برقم (٤٣١)، وأخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب تفاضل أهل الإيمان فيه، ورجحان أهل اليمن فيه، برقم (١٨٠)، (١٨٧).\n(٧) أخرجه أحمد في المسند (٢/ ٥٤١)، عن أبي هريرة - ﵁ -، وأخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (١٠/ ٣٧٤) برقم (٤٨١٧)، قال الهيثمي: \" رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير شبيب وهو ثقة \". [مجمع الزوائد (١٠/ ٥٦)].\n(٨) في (ب) \" بيته \".\n(٩) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٣٦٠).\n(١٠) في (ب) \" لتكون \".\n(١١) انظر: إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٥/ ١٩١)، غرائب التفسير (٢/ ١٤٠١)، الجامع لأحكام القرآن (٢٠/ ٢٢٨).","vol":"1","page":3694},{"text":"﴿وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ عن ابن عباس - ﵄ -: \"أنَّ هذا تعريض بقرب أجله - ﷺ -، وأنه نعيت إليه نفسُه، وأُمرَ لقرب أجله أن يستغفرَ من ذنوبه ويزيدَ في التسبيح؛ ليكون في آخر عمره أحسنَ طاعة وأكثرَ عبادة \" (١).\nوكان يقول - ﷺ -: «نعى الله إليَّ نفسي» (٢).\n﴿إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾: يقبلُ توبةَ عبده إذا تاب.\nابن عيسى: \" يقبلُ توبةَ من بقي، كما يقبل توبة من مضى \" (٣).\nوعن علي - ﵁ - أنه (٤) قال: «لما نزلت هذه السورة، مرض النبي - ﷺ - فخرج إلى الناس، وخطبهم، وودعهم، ثم دخل المنزل فتوفي» (٥)، وروى أيضًا: «أنه عاش بعدها سنتين» (٦).\nوقيل: معنى ﴿وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ (٧): دم على الاستغفار لأمتك.\nوقيل: صغِّر نفسكَ ولا تستكثر.\nوقيل: استغفر لأمتك.\nوقيل: عاشَ بعدها سنة (٨).\nوتسمَّى (٩) هذه السورة: سورة التوديع (١٠).\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٣٣٣)، النُّكت والعيون (٣٠/ ٣٦١).\n(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (١/ ٢١٧) وقال الشيخ شعيب الأرنؤوط: إسناده ضعيف \"، وأخرجه ابن جرير في جامع البيان (٣٠/ ٣٣٤)، عن ابن عباس - ﵄ -، وقال الهيثمي: \" رواه أحمد وفيه عطاء بن السائب وقد اختلط \" [مجمع الزوائد (٩/ ٢٢)].\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) \" أنه \" ساقطة من (أ).\n(٥) لم أقف على تخريجه، وقد أورده السمرقندي في تفسيره (٣/ ٦٠٥)، والكرماني في غرائب التفسير (٢/ ١٤٠١).\n(٦) أورده الماوردي عن ابن عبَّاس - ﵄ -. [انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٣٦١)].\n(٧) في (ب) \" استغفر: دم \".\n(٨) انظر: النكت والعيون (٦/ ٣٦٢).\n(٩) في (أ) \" ويسمى \".\n(١٠) سبق الإشارة إليه في صدر السورة.","vol":"1","page":3695},{"text":"وجواب ﴿إِذَا﴾ مضمر تقديره: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ حضر أجلك.\nوقيل: جوابه ﴿فَسَبِّحْ﴾. وهو الأظهر (١)، والله أعلم (٢).\n_________\n(١) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٤٠١)، البحر المحيط (١٠/ ٥٦٢).\n(٢) \" والله أعلم \" ساقطة من (أ).","vol":"1","page":3696},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-217>سورة تَبَّت </span>(١)\nخمس آيات (٢) (٣) مكية (٤)\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾: عن ابن عباس - ﵄ -: «لمَّا نزل قوله: ... ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] صعد رسول الله - ﷺ - الصَّفَا، ونادى بأعلى صوته: يا صباحاه.\nوفي رواية قال: «يا لغالب يا للؤَيّ يالمِرة يا لكِلاب يا لقُصي يا لعبد مناف، فاجتمع إليه قريش» (٥).\nوفي رواية: «فاجتمع إليه الناس (٦)، بين رجل يجيء، وبين رجل يبعث إليه (٧) رسوله» (٨).\nوفي رواية: «دعا عمومته وصنع طعامًا وقدمه إليهم في صحفة، وكانوا أربعين نفرًا، فأكلوا وشبعوا ولم ينقص منه شيء، ثم قالوا له: مالك، قال: أرأيتم لو أخبرتكم أن العدو مصبحكم أو ممسيكم أفكنتم تصدقونني، قالوا: بلى» (٩).\n_________\n(١) هكذا سُمِّيت في أكثر المصاحف، وأكثر التفاسير، وكذا عنونها الترمذي في جامعه تسمية لها بأول كلمة فيها، كما تسمَّى سورة المسد، وهو من أسمائها المشهورة، وبه سميت في كثير من المصاحف أيضًا، وتُسمَّى سورة أبي لهب. [انظر: جمال القراء (١/ ٢٠٢)، بصائر ذوي التمييز (١/ ٥٥٢)، التحرير والتنوير (٣٠/ ٥٩٩)].\n(٢) \" خمس آيات \" ساقط من (ب).\n(٣) وهي خمس آيات في جميع العدد ليس فيها اختلاف. [انظر: البيان (ص: ٢٩٥)].\n(٤) بإجماع المفسرين. [انظر: المحرر الوجيز (٥/ ٥٣٤)، زاد المسير (٨/ ٣٣٧)].\n(٥) هذا من رواية الواحدي في أسباب النزول (ص: ٣٧٩)، وفيه بلفظ: \" يا آل غالب، يا آل لؤي .... \"، وبنحوها في الصحيحين.\n(٦) في (أ) \" فاجتمع الناس إليه \".\n(٧) \" إليه \" ساقطة من (ب).\n(٨) هذه الرواية أخرجها ابن جرير في جامع البيان (٣٠/ ٣٣٧) عن ابن عباس - ﵄ - وليست في الصحيحين.\n(٩) هذه رواية بنحوها عند مقاتل في تفسيره (٣/ ٥٣١)، وأخرجها ابن أبي حاتم في تفسيره (٩/ ٢٨٢٦)، وليست في الصحيحين.","vol":"1","page":3697},{"text":"وفي رواية: «لو أخبرتكم أنَّ خيلًا بسفح هذا الجبل يريد أن يغير عليكم (١) صدقتموني، قالوا: نعم، قال: فإنِّي نذير لكم بين يدي عذاب شديد، فقال أبو لَهَب (٢): تبًا لك ألهذا (٣) دعوتنا جميعًا، فأنزل الله: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ إلى آخر السورة» (٤).\nوروي أيضًا: «أنَّ أبا لهب أتى النبي - ﷺ - فقال: ماذا أُعْطَى إن آمنت بك يا محمد، قال: كما يعطى المسلمون، فقال: ما لي عليهم فضل، فقال (٥): وأي شيء تبتغي (٦)، قال: تبًا لهذا من دين، أن أكون أنا وهؤلاء سواء، فأنزل الله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾» (٧).\nأي: خسرت وخابت.\nوقيل: هلكت.\n_________\n(١) في (ب) \" يريد عليكم \".\n(٢) أبو لَهب: عبد العزى بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي، عمُّ رسول الله - ﷺ - وأحد الأشراف الشجعان في الجاهلية، ومن أشد الناس عداوة للنبي - ﷺ - والمسلمين، وكان يطرح القذر والنتن على باب ... رسول الله - ﷺ -، فرآه حمزة بن عبد المطلب وقد طرح من ذلك شيئا فأخذه وطرحه على رأسه، فجعل أبو لهب ينفض رأسه ويقول: صابئ أحمق، فأقصر عما كان يفعل، وكان غنيًا عتيًا، كبر عليه أن يتبع دينا جاء به ابن أخيه، فآذى أنصاره وحرض عليهم وقاتلهم، وكان أحمر الوجه، مشرقًا، فُلُقِّب في الجاهلية بأبي لهب، وقد هلك بعد وقعة بدر بأيام ولم يشهدها، وفي خبر موته: أنه أصيب بداء يعرف - بالعداسة -، كانت العرب تتشاءم به وتفر ممن ظهر به، فلما أصاب أبا لهب تركه أهله حتى مات ومكث مدة لا يدفن حتى خافوا العار فحفروا له حفرة فرموه فيها.\n[انظر: سبل الهدى والرشاد (٢/ ٤٦٣)، الأعلام (٤/ ١٢)].\n(٣) في (ب) \" لهذا \".\n(٤) أخرجه البخاري في صحيحه (بنحوه) في كتاب التفسير، باب: سورة ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ ... وأخرجه مسلم (بنحوه) في صحيحه في كتاب الإيمان، باب: في قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾، برقم (٥٠٧)، وأخرجه كذلك ابن جرير في جامع البيان (٣٠/ ٣٣٦)، والواحدي في أسباب النزول (ص: ٣٧٨).\n(٥) في (أ) \" قال \".\n(٦) في (ب) \" ينبغي \".\n(٧) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (٣٠/ ٣٣٦) عن ابن زيدٍ.","vol":"1","page":3698},{"text":"والتَّباب: الهلاك، من قوله: ﴿وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ﴾ [غافر: ٣٧]، أي: هلاك.\nوذكر اليد استعارة، والمعنى: تَبَّ هو.\nوقيل: تَبَّ عمله، وسمي العمل يَدًا لأنها (١) بها يكون.\nوقيل: يداه ماله وملكه.\nوقيل: معناه (٢) صفرت يده من كلِّ خير (٣).\nوأبو لهب: كنيته،كني به لتلهبِ وجنتيه.\nوليس في القرآن كنيةً غير هذه.\nوطعنَ بعضُ الملحدين، فقال: نسبة الرجل إلى من ليس له بابن لا يصح.\nوالجواب: أن الكنية تجري مجرى الأسماء في التعريف، وأسماء الأعلام لا يطلب لها تحقيقًا، إلا ترى أن الرجل يسمى: كافورًا وعنبرًا وأسدًا وكلبًا، ثم لا يراعى في المسمين بها تحقيق ذلك؛ لأنها منقولة من الجنس إلى العلم، وكذلك المنقول من الوصف، كرجل يسمى ضاربًا ومضروبًا، ولم يضرب قط ولا ضرب، وقد يأتي في الأعلام ما هو مرتجل لا معنى له أصلًا كغطفان اسم رجل كذلك (٤).\nهذا واعترض آخر، فقال: إنما يُذَكَر الكُنى تعظيمًا وهذا موضع تحقير، والجواب عن هذا من وجهين:\nأحدهما: أنَّ اسمه عبد العُزَّى ولم يُرِد سبحانه نسبته إليها.\nوالثاني: إن المراد باللهب النار، فكأنه قال: أبو النار فيكون النهاية في الذم سماه بما يؤول إليه.\nوقيل: إنَّ اسمه وكنيته واحد (٥). والله أعلم.\n﴿وَتَبَّ (١)﴾: توكيد يعود إليه، أي: تبَّت يدا أبي لهبٍ وتبَّ أبو لهب.\nوقيل: الأول: يجري مجرى الدعاء وتعليم الدعاء.\nوالثاني: إخبار، أي: وقد تب (٦).\nوقيل: إنه أراد أن يرمي رسول الله - ﷺ - بحجر، فمنع الله يديه عن ذلك، فأضافَ الخسران إليها، وأضافَ العقابَ إليه في الآخرة (٧).\nوعن مجاهد: \" وتب ابنه \" (٨).\n[يعني عتبة بن أبي لهبٍ بدعاء النبي - ﷺ - لما قال: «اللهم سلط عليه كلبًا من كلابك» (٩)] (١٠).\n﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (٢)﴾: وذلك أنه قال: إن كان ما يقوله ابن أخي حقًا، فإني أفتدي منه بمالي وولدي، فأنزل: ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ﴾ (١١)، أي: لا يدفع ولا يغني عنه ماله.\n﴿وَمَا كَسَبَ﴾ الجمهور: \" ولده \" (١٢).\nالزَّجَّاج: \" ﴿وَمَا كَسَبَ﴾: حيلة ومكايدة \" (١٣).\nوقيل: ﴿مَالُهُ﴾: ما ورث ﴿وَمَا كَسَبَ﴾ استفاد.\n_________\n(١) في (أ) \" لأن العمل بها يكون \".\n(٢) في (ب) \" معنى \".\n(٣) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٣٣٦)، النُّكت والعيون (٦/ ٣٦٤)، تفسير البغوي (٨/ ٥٧٨).\n(٤) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٤٠٣).\n(٥) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٣٦٤)، زاد المسير (٨/ ٣٣٨)، الجامع لأحكام القرآن (٢٠/ ٢٣٣).\n(٦) انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ٢٩٨)، جامع البيان (٣٠/ ٣٣٦)، النُّكت والعيون (٦/ ٣٦٥).\n(٧) انظر: إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٥/ ١٩٢)، فيكون التَّباب حقيقي كما ذكر النَّحَّاس.\n(٨) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٣٦٥).\n(٩) تقدم تخريجه (ص: ٦٧٢).\n(١٠) ما بين المعقوفتين ساقط من (ب).\n(١١) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (٣٠/ ٣٣٧).\n(١٢) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٣٣٧)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٢٨٩)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٥/ ١٩٢).\n(١٣) لم أقف على هذا اللفظ عند الزَّجاج، وفي معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٢٩٨) \" المفسِّرون قالوا: ما كسبَ هاهنا ولده \".","vol":"1","page":3699},{"text":"و﴿مَا أَغْنَى﴾: يجوز أن يكون للنفي، ويجوز أن يكون للاستفهام، ويجوز أن يكون الموصولة بمعنى: الذي، أي: والذي كسب، ويجوز أن يكون للمصدر، أي: وكسبه، ويجوز أن يكون نكرة، وقوله: ﴿كَسَبَ﴾ صفته، أي: وشيء كسبه (١).\n﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (٣)﴾: سيدخل نارًا ذات تلهّبٍ واشتعال.\n﴿وَامْرَأَتُهُ﴾: أمُّ جميل، أخت أبي سفيان، وكانت تُفْرِطُ في إيذاء رسول الله - ﷺ -، وتقول: مذمّمًا أبينا، ودينه قلينا، وأمره عصينا (٢).\n﴿حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٤)﴾ ابن عباس - ﵄ -: \" كانت تحتطبُ الشوك، وتلقيهِ في طريقِ رسول الله - ﷺ - ليتأذى به \" (٣).\nالحسن: \" الحمالة: النمامة \" (٤).\nو﴿الْحَقِّ﴾: النميمة، وحطب به، أي: سعى به.\nوقيل: كانت في الحقيقة تحمل الحطب على ظهرها بحبل في عنقها، فأخبر الله سبحانه، بتخسيس حالها.\nوقيل: يجوزُ أن يكونَ له امرأتان، فوصفتْ بهذه الصفة لتمتازَ من الأخرى (٥).\nوقيل: تحملُ الحطبَ في النار، ويحتمل أن يكونَ الحطبُ كناية عن الذنب، كما يسمى وزرًا (٦).\n﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ﴾: أي: في عنقها حبل ﴿مِنْ مَسَدٍ (٥)﴾ (٧).\n_________\n(١) انظر: إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٥/ ١٩٢)، غرائب التفسير (٢/ ١٤٠٤)، الجامع لأحكام القرآن (٢٠/ ٢٣٤).\n(٢) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٥٣٢)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٥/ ١٩٢)، غرائب التفسير (٢/ ١٤٠٤).\n(٣) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٣٣٨)، النُّكت والعيون (٦/ ٣٦٧).\n(٤) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٣٦٧)، تفسير القرآن العظيم (٤/ ٦٠٣).\n(٥) انظر القولين: إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٥/ ١٩٣).\n(٦) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٣٦٧)، غرائب التفسير (٢/ ١٤٠٤).\n(٧) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٥٣٢)، جامع البيان (٣٠/ ٣٤٠).","vol":"1","page":3700},{"text":"أبو عبيدة: المسد: الحبل المفتول من ضروب \" (١).\nوجاء في التفاسير (٢): \" أنه سلسلة من حديد يدخل في فيها، ويخرج من دبرها ويلوي سائرها في عنقها \" (٣).\nابن عباس - ﵄ -: \" المسد: حبال بمكة \" (٤).\nقتادة: \" المسد: قلادة من ودع \" (٥).\nوهو جمع ودعة، وهي هنات صغار تخرج من البحر (٦).\nابن جرير: \" حَبْلٌ جُمع من أنواع مختلفة، وأنشد:\nومسدٍ أُمِرَّ من أيانِقِ (٧). . . . . . . . . . . . . . . . . . . \" (٨) (٩)\nوقيل: المسد: شجر بمكة، كانت تحطب منه.\nوقيل: شجرة تنبت باليمن.\nوقيل: المسد الجريد.\nمجاهد: \" المسد: عود البكرة إذا كان من حديد \" (١٠).\nابن عيسى: \"كل ما أحكم فتله فهو مسد \" (١١).\nوفي بعض التفاسير: أنها كانت تحتطب بحبل من ليف فوضعته ليلة على دكان فخنقها جبريل - ﵇ - بحبلِ حزمتها، فقتلها به (١٢).\n_________\n(١) انظر: مجاز القرآن (٢/ ٣١٥).\n(٢) في (أ) \" في التفسير \".\n(٣) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٣٤٠)، النُّكت والعيون (٦/ ٣٦٧)، غرائب التفسير (٢/ ١٤٠٥).\n(٤) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٣٤٠)، زاد المسير (٨/ ٣٣٩).\n(٥) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٣٤١)، تفسير الثعلبي (١٠/ ٣٢٨).\n(٦) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٤٠٥).\n(٧) أيانق: جمع أينق وأينق جمع ناقة. [لسان العرب (١٠/ ٣٦٢)، مادة \" نَوَقَ \"].\n(٨) البيت من الرجز، وقد أورده ابن جرير في جامع البيان (٣٠/ ٣٤١) غير منسوب، وفي لسان العرب لسان العرب (٣/ ٤٠٢) مادة \" مَسَدَ \" منسوب لعمارة بن طارق، قال ابن منظور: \" وقال أبو عبيد: \" هو لعقبة الهجيمي\"، وتتمته:\nومَسَدٍ أُمِرَّ من أيانق ... صُهْبٍ عتاقٍ ذاتِ مخِّ زاهقِ\n(٩) وهذا اختيار من ابن جرير لكل ما ورد في معنى المسد. [جامع البيان (٣٠/ ٣٤١)].\n(١٠) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٣٤١)، تفسير القرآن العظيم (٤/ ٦٠٣).\n(١١) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٤٠٥)، ولم يعزه لأحد.\n(١٢) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٤٠٥)، تفسير الثعلبي (١٠/ ٣٢٨).","vol":"1","page":3701},{"text":"قوله: ﴿وَامْرَأَتُهُ﴾: مرفوع بالعطف على الضمير في ﴿سَيَصْلَى﴾: أي: سيصلى (١) هو وامرأته، و﴿حَمَّالَةَ﴾: نصب على الذَّم، ومن رفع جعل ﴿وَامْرَأَتُهُ﴾ رفع بالابتداء، ﴿حَمَّالةُ الحَطَبِ﴾ خبره.\n﴿فِي جِيدِهَا﴾ حال، و﴿حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ يرتفعُ (٢) بالظرف (٣).\n_________\n(١) \" أي: سيصلى \" ساقطة من (أ).\n(٢) في (أ) \" يرفع \".\n(٣) قرأ عاصم وحده ﴿حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ نصبًا، وقرأ الباقون ﴿حَمَّالةُ الحَطَبِ﴾ رفعًا. [انظر القراءة وتوجيهها: جامع البيان (٣٠/ ٣٣٨)، السَّبعة في القراءات (ص ٧٠٠)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٥/ ١٩٢)، الحُجَّة (٦/ ٤٥١)].","vol":"1","page":3702},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-218>سورة الإخلاص </span>(١)\nأربع آيات (٢) (٣) مكية. وقيل: مدنية (٤).\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾: جاءَ في الأخبار: «منْ قرأَ سورةَ الإخلاص فقد قرأَ ثُلُثَ القرآن» (٥)؛ لأن القرآن كله مشتمل على ثلاثة أشياء: توحيدُ الله وذكر صفاته.\n_________\n(١) هذه التسمية هي أشهر تسمياتها، وبها سُمِّيت في أكثر المصاحف، وأكثر التفاسير وجامع الترمذي، وقد اشتهر هذا الاسم لاختصاره وجمعه معاني هذه السُّورة؛ لأن فيها تعليم الناس إخلاص العبادة لله تعالى [التحرير والتنوير (٣٠/ ٦٠٩) - باختصار].\nوقال الفيروز أبادي: \" ولها عشرون اسمًا: سورة التوحيد، وسورة التفريد، وسورة التجريد، وسورة النجاة، وسورة الولاية، نسبة الرب، لقوله: (لكل شيء نسبة ونسبة الرب قل هو)، الثامن: سورة المعرفة. التاسع: سورة الجمال. العاشر: المشقشقة، ... الحادي عشر: المعوذة. الثاني عشر: الصمد. الثالث عشر: الأساس. الرابع عشر: المانعة. الخامس عشر: المُحْضِرة؛ لأنَّ الملائكة تحضر لاستماعها من القارئ. السادس عشر: المنَفِّرة، لأنها تنفرة الشيطان. السابع عشر: البراءة، أي من النفاق. الثامن عشر: المذكرة. التاسع عشر: الشافية. العشرون: سورة النور؛ لما في الخبر: «إن لكل شيء نورًا، ونور القرآن ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾» \" [بصائر ذوي التمييز (١/ ٥٥٣)].\n(٢) \" أربع آيات \" ساقطة من (ب).\n(٣) وهي خمس آيات في المكي والشامي وأربع في عدد الباقين. [البيان (ص: ٢٩٦)].\n(٤) وهي مكية في قول الجمهور، وقال قتادة والضحاك والسدي وأبو العالية والقرظي: هي مدنية ونسب كلا القولين إلى ابن عباس.\nومنشأ هذا الخلاف الاختلاف في سبب نزولها، والصحيح أنها مكية فإنها جمعت أصل التوحيد وهو الأكثر فيما نزل من القرآن بمكة، ولعل تأويل من قال: إنها نزلت حينما سأل عامر بن الطفيل وأربدُ، أو حينما سأل أحبارُ اليهود، أن النبي - ﷺ - قرأ عليهم هذه السورة، فظنها الراوي من الأنصار نزلت ساعتئذ أو لم يضبط الرواة عنهم عبارتهم تمام الضبط. [انظر: النكت والعيون (٦/ ٣٦٩)، المحرر الوجيز (٥/ ٥٣٦) التحرير والتنوير (٣٠/ ٦١١)].\n(٥) ورد هذا المعنى في روايات كثيرة ومن أصَّحِّها ما أخرجه البخاري في صحيحه كتاب فضائل القرآن، باب فضل ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ برقم (٥٠١٣) عن أبي سعيد الخدري: أن رجلًا سمع رجلًا يقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ يُردِّدها، فلما أصبح جاء رسول الله - ﷺ - فذكر ذلك له، وكأن الرجل يتقالُّها، فقال رسول الله - ﷺ -: «والذي نفسي بيده، إنها لتعدل ثلث القرآن»، وأخرج مسلم في كتاب صلاة المسافرين، باب: فضل قراءة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، برقم (١٨٨٣)، عن أبي الدرداء عن النبي - ﷺ - قال: «أيعجز أحدكم أن يقرأ في ليلة ثُلث القرآن؟». قالوا: وكيف يقرأ ثلث القرآن؟ قال: «قل هو الله أحد، تعدلُ ثُلثَ القرآن».","vol":"1","page":3703},{"text":"والثاني: الأوامر والنواهي التي هي مِن (١) تكاليف الشرع.\nوالثالث: قصص الأنبياء والمواعظ.\nوسورة الإخلاص متجردةً للتوحيد، فقد تضمنت ثلث القرآن على طريق الإجمال، فلذلك من قرأها أُعطيَ من الأجر مثل مَن قرأ ثلث القرآن (٢).\nوسبب نزوله في قول قتادة ومقاتل والضحاك: أنَّ نَاسًا من اليهود جاءوا إلى رسول الله - ﷺ -، فقالوا: صف لنا ربك، فإن الله أنزل نَعْتَهُ في التوراة، فأخبرنا من أي شيء هو؟ ومن أي جنس؟ أَمِنْ ذَهَبٍ هو أم مِن نُحَاسٍ أم فِضَّةٍ؟ وما يأكل وما يشرب؟ وممن ورث الدنيا ومن يورثها (٣)؟ فأنزل الله - تعالى - هذه السورة (٤).\nوقيل: سأله ابن سَلام امتحانًا، فلما أجابه بذلك عرف صدقه، وآمن به.\nوعن أبي كعب وجابر - ﵄ -: \" أنَّ المشركين قالوا: يا محمد: (٥) أنسب لنا ربك، فأنزل الله هذه السورة \" (٦).\nوقيل: نزلت في سؤال: عامر بن الطُّفيل (٧) وأَرْبَدُ بن قيس (٨) (٩)، وقد مضى القول فيه في سورة الرعد (١٠).\n_________\n(١) \" مِنْ \" ساقطة من (ب).\n(٢) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٤٠٧)، الجامع لأحكام القرآن (٢٠/ ٢٤٤).\n(٣) في (أ) \" ومن موروثها \".\n(٤) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٣٤٣)، أسباب النزول؛ للواحدي (٣٨٠) النُّكت والعيون (٦/ ٣٦٩)، زاد المسير (٨/ ٣٤١).\n(٥) في (ب) \" قالوا: يا رسول الله - ﷺ - \".\n(٦) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٣٤٢)، أسباب النزول؛ للواحدي (٣٨٠)، النُّكت والعيون (٦/ ٣٦٩).\n(٧) عامر بن الطفيل بن مالك بن جعفر العامري، من بني عامر بن صعصعة: وكان فارس قيسٍ، وأحد فُتَّاك العرب وشعرائهم وساداتهم في الجاهلية، وكان أعور عقيمًا لا يولد له، ولم يعقب، كنيته أبو علي، وهو ابن عم لبيد الشاعر، ولد ونشأ بنجد، وخاض المعارك الكثيرة، وأدرك الإسلام شيخًا، فوفد على رسول الله - ﷺ - وهو في المدينة، بعد فتح مكة، يريد الغدر به، فلم يجرؤ عليه فدعاه إلى الإسلام، فاشترط أن يجعل له نصف ثمار المدينة، وأن يجعله ولي الامر من بعده، فرده، فعاد حنقًا، وسمعه أحدهم يقول: لأملانها خيلًا جردًا ورجالًا مردًا ولأربطن بكل نخلة فرسًا!؟ فقال النبي - ﷺ -: \" اللهم اكفني عامرًا واهد بني عامر \"، فطعن في طريقه قبل أن يبلغ قومه فمات وهو يقول: غدةٌ كغدة البعير، وموتٌ في بيت سلوليةٍ!!. [انظُرْ تَرْجَمَتَهُ: الشِّعر والشُّعراء (ص: ١٩٤)، الأعلام (٣/ ٢٥٢)، معجم الشعراء الجاهليين والمخضرمين (ص: ١٨٨)].\n(٨) أَرْبَدُ بن قيس بن جُذيمة بن جزء بن خالد بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، أخو لبيد الشاعر؛ لأمِّه، وهو الذي أراد قتل رسول الله - ﷺ - مع عامر بن الطفيل، فلما هلك عامر بن الطفيل عند رجوعهم لديارهم وواروه، قدموا أرض بني عامر فلما قدموا أتاهم قومهم فقالوا: ما وراءك يا أربد؟ قال: لا شيء، والله لقد دعانا إلى عبادة شيء لوددت أنه عندي الآن فأرميه بنبلي هذه حتى أقتله، فخرج بعد مقالته هذه بيوم أو يومين معه جمل له يبيعه فأرسل الله عليه وعلى جمله صاعقة فأحرقتهما. [انظُرْ تَرْجَمَتَهُ: تاريخ الطبري (٢/ ٣٩٩)، الأعلام (٢/ ٢٩٥)، معجم الشعراء الجاهليين والمخضرمين (ص: ١٦)].\n(٩) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٣٦٩)، زاد المسير (٨/ ٣٤١).\n(١٠) عند قوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (١٠) لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ (١١)﴾ [الرعد: ١٠ - ١١].","vol":"1","page":3704},{"text":"وتسمَّى (١) هذه السورة نَسَبَ الرب سبحانه، وفي الحديث: «صحبه سبعون ألف ملك، كلَّما مروا بأهل سماء سألوهم عما معهم، فقالوا: نسبة الرَّب - ﷾ -» (٢).\nفي ﴿هُوَ﴾ قولان: أحدهما: أنه ضمير الأمر والشأن، فيكون ﴿اللَّهُ﴾: مبتدأ، و﴿أَحَدٌ﴾: خبره.\nوالثاني: أن يكون كناية عن ﴿اللَّهُ﴾، أي: الذي سألتموني نَسَبَهُ (٣) ﴿اللَّهُ﴾، فيكون ﴿أَحَدٌ﴾ خبرًا بعد خبر، أو خبر مبتدأ محذوف، أو بدلًا من الخبر، و﴿اللَّهُ﴾ بدل عن الضمير، و﴿أَحَدٌ﴾ خبر ﴿هُوَ﴾ (٤).\n_________\n(١) في (ب) \" ويسمى \".\n(٢) لم أقف على تخريجه، وانظر: غرائب التفسير (٢/ ١٤٠٧)،\n(٣) في (أ) \" نسبته \".\n(٤) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٣٤٣)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٢٩١)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٥/ ١٩٤)، غرائب التفسير (٢/ ١٤٠٧).","vol":"1","page":3705},{"text":"ويحتمل أنه يعود إلى اسم ﴿اللَّهُ﴾ في قوله: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، ويقويه قول ابن عباس وابن مسعود وابن عمر - ﵃ -: ما كان يعرف رسول الله - ﷺ - ختم السورة حتى ينزل عليه بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ \" (١).\nومعنى: ﴿أَحَدٌ﴾ المتفردُ بصفاته.\nوقيل: الأحد بمعنى: الأوّل؛ لأنه أول الأشياء وسابق الكل.\nو﴿أَحَدٌ﴾ يأتي على وجهين:\nأحدهما: بمعنى: واحد، وهو الذي لا ثاني له إما في الوجود، وإما في الصفة، والله واحد من حيث لا موجود يوصف بما يوصف به ولا شيء يسدُّ مسدَّه - تعالى -، وأصله وحد قلبت واوه همزة.\nوالثاني: أن يكون بمعنى: العموم والشِّياع، وذلك لا يستعملُ إلا في النفي كقوله: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة (٤٧)].\nوقيل: ليس أصلُ هذا من الواو كالأوّل (٢).\n﴿اللَّهُ الصَّمَدُ (٢)﴾: ابن عباس - ﵄ -: ﴿الصَّمَدُ﴾ (٣): السيد الذي تناهى سُؤْدَدُه ويصمد بالحوائج إليه، أي: يقصد (٤)، وهذا قول الجمهور (٥).\nمجاهد والضحاك: وجاء مرفوعًا أيضًا: ﴿الصَّمَدُ﴾ \" الذي ليس بأجوف \" (٦).\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (بنحوه) في سننه في كتاب الصلاة، باب من جهر بها [أي البسملة]، برقم (٧٨٨)، وأخرجه الحاكم في مستدركه (١/ ٢٣١) في كتاب الإمامة وصلاة الجماعة، باب التأمين، كلاهما عن ابن عباس ... - ﵄ - وقال الحاكم: \" هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه \"، ووافقه الذهبي، وصحَّحه الألباني في صحيح الجامع (٢/ ٨٧٨)، برقم (٤٨٦٤).\n(٢) إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٥/ ١٩٥)، مشكل إعراب القرآن (٢/ ٨٥٣).\n(٣) \" الصمد \" ساقط في (أ).\n(٤) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٣٤٦)، تفسير الثعلبي (١٠/ ٣٣٤).\n(٥) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٣٤٧)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٢٩١)، المحرر الوجيز (٥/ ٥٣٦)، تفسير القرآن العظيم (٤/ ٦٠٩).\n(٦) أخرجه ابن جرير عنهما بسندين في جامع البيان (٣٠/ ٣٤٤).","vol":"1","page":3706},{"text":"قتادة: \" ﴿الصَّمَدُ﴾: الباقي، الذي لا يفني \" (١).\nوقيل: ﴿الصَّمَدُ﴾: خالق الأشياء.\nوقيل: ﴿الصَّمَدُ﴾: الذي لا يستغني عنه شيء.\nوقيل: ﴿الصَّمَدُ﴾: الذي فسره الله تعالى بقوله: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَد﴾ (٢).\n﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣)﴾: ﴿لَمْ يَلِدْ﴾: نفي الأولاد والصاحبة، وَلَمْ ﴿يُولَدْ﴾: نفي الوالدين، وقدم ذكر ﴿لَمْ يَلِدْ﴾؛ لأن من الكفار من ادعى أنَّ له ولدًا، ولم يدعِّ أحدٌ أنه مولود.\nوقيل: ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ فيورث، وَلَمْ ﴿يُولَدْ﴾ فورث (٣).\n﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَد (٤)﴾: أي: لا يماثله ولا يساويه أحد، و﴿أَحَدٌ﴾ ها هنا للعموم. كما سبق.\nمجاهد: \"لا صاحبةَ له؛ لأن المرأةَ كُفؤ الرجل \" (٤).\nالزَّجَّاج: \" أي: شبيهًا ومثلًا، والتقدير: ولم يكن أحد كفوًا له \" (٥).\n﴿أَحَدٌ﴾ اسم كان، و﴿كُفُوًا﴾: خبره، و﴿لَهُ﴾ صلة عند سيبويه \".\nقال أبو علي: \"ويجوز أن يكون ﴿لَهُ﴾ صفة لـ ﴿كُفُوًا﴾ فلما تقدم، انتصب على الحال \" (٦).\n_________\n(١) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٣٤٧)، النُّكت والعيون (٦/ ٣٧١).\n(٢) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٣٧١)، زاد المسير (٨/ ٣٤١)، الجامع لأحكام (٢٠/ ٢٤١).\n(٣) انظر: تفسير السمرقندي (٣/ ٦٠٨)، النُّكت والعيون (٦/ ٣٧٢).\n(٤) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٤٠٨).\n(٥) انظر: معاني القرآن (٥/ ٢٩٢).\n(٦) انظر: الحُجَّة (٦/ ٤٦٢).","vol":"1","page":3707},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-219>سورة الفَلَق </span>(١)\nخمس آيات (٢) (٣) مكية. وقيل: مدنية (٤).\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾: وسبب نزول المعوذتين: ما رواه البخاري في صحيحه وذكره المفسرون وذلك: أن غلامًا من اليهود كان يخدمُ رسول الله - ﷺ - فدنت (٥) إليه اليهود ولم يزالوا به حتى أخذ مُشَاطة رأسه (٦) - ﷺ -، وعدة أسنانٍ من مشطه، فأعطاها (٧) اليهود، فسحروه فيها وكان الذي تولى ذلك: لبيد بن أعصم اليهودي (٨)، ثم دسها في بئر [لبني] (٩) زُريق يقال لها: ذِروان، فمرض النبي - ﷺ - وانتشر شعر رأسه، وكان يرى أنه يأتي النساء ولا\n_________\n(١) وهو اسمها لافتتاحها بذكر الفلق، وبها سُمِّيت في أكثر المصاحف ومعظم كتب التفسير، وتسمَّى في السُّنة بسورة ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، وتسمَّى مع سورة الناس \" المعوذتان \"، و\" المشقشقتان \". [انظر جمال القُرَّاء (١/ ٢٠٢)، بصائر ذوي التمييز (١/ ٥٥٦)، التحرير والتنوير (٣٠/ ٦٢٣)].\n(٢) \" خمس آيات \" ساقطة من (ب).\n(٣) قال الداني: \" وهي خمس آيات في جميع العدد ليس فيها اختلاف \" [البيان (ص: ٢٩٧)].\n(٤) مدنية في أحد قولي ابن عباس من رواية أبي صالح، وقال به قتادة، ومكية في رواية كريب عن ابن عباس، وبه قال الحسن وعكرمة وعطاء وجابر.\nقال ابن الجوزي: \" والأول أصح؛ ويدل عليه أن رسول الله - ﷺ - سحر وهو مع عائشة، فنزلت عليه المعوذتان \". [زاد المسير (٨/ ٣٤٣)، وانظر: النُّكت والعيون (٦/ ٣٧٣)، المحرر الوجيز (٥/ ٥٣٨)].\n(٥) في (ب) \" فدبت \"، ولعل الصحيح \" فأتت \".\n(٦) في (أ) \" مشاطة رأس رسول الله - ﷺ - \".\n(٧) في (ب) \" فأعطاه \".\n(٨) لبيد بن أعصم رجل من بني زريق حليف ليهود كان منافقًا، وقيل: يهوديًا. كذا في روايتي عائشة ... - ﵂ - عند البخاري برقم (٥٧٦٥) (٥٧٦٦) - المخرج لاحقًا -، قال في فتح الباري (١١/ ٤٠٢): \"وإنما لم يقتل النبي - ﷺ - لبيد بن الأعصم؛ لأنَّه كان لا ينتقم لنفسه؛ ولأنه خشي إذا قتله أن تثور بذلك فتنة بين المسلمين وبين حلفائه من الأنصار، وهو من نمط ما راعاه من ترك قتل المنافقين، سواء كان لبيد يهوديًا أو منافقًا \"، وانظر توجيه الخلاف في حقيقة إسلامه في فتح الباري (١١/ ٣٨٧).\n(٩) \" لبني \" ساقطة من النسختين، والسياق يحتملها وقد وردت في المروي.","vol":"1","page":3708},{"text":"يأتيهن وجعل يذوب ولا يدري ما عراه، فبينا هو نائم ذات يوم أتاه ملكان، فقعد أحدهما عند رأسه، والآخر عند رجله، فقال الذي عند رجله للذي عند رأسه: ما بال الرجل، قال: طُبَّ، قال: وما طُبَّ، قال: سُحِرَ، قال: ومن سحره، قال: لبيد بن أعصم اليهودي، قال فبم طَبَّهُ، قال: بمشط ومشاطة، قال: وأين هو (١)، قال: في جُفَّ طلعة، تحت راعوفة في بئر ذروان، فانتبه النبي - ﷺ -، وقال: يا عائشة أما علمت أن الله أخبرني بدائي، ثم بعث عليًا والزبير وعمار بن ياسر - ﵃ -، فنزحوا ماء البئر كأنه نقاعة الحناء، ثم رفعوا الصخرة وأخرجوا الجف، فإذا فيه مشاطة رأسه وأسنان مشطه، وإذا وتر معقدة فيه إحدى عشر عقدة مغروزة بالإبر، فأنزل الله سورتي المعوذتين (٢)، فجعل كلما قرأ آية انحلت عقدة، ووجد رسول الله - ﷺ - خفة حتى انحلت العقدة الأخيرة، قام النبي - ﷺ - كأنما نشط من عقال، وجعل جبريل - ﵇ - يقول: بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك، ومن حاسد وعين والله يشفيك، فقيل: يا رسول الله أفلا نأخذ الخبيث فنقتله، فقال: أما أنا فقد شفاني الله وأكره أن أثير على الناس ... شرًا» (٣). الجُفُّ: قشر الطلع (٤)، والراعوفة: حجر في أسفل البئر يقوم عيها المائح (٥).\nوالمشاطة: ما يسقط من الشعر مع المشط (٦).\nقوله: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾: أي: أحترز وأستجير، ومعاذ الله (٧) من كذا، أي: أحترز به منه (٨) (٩).\n_________\n(١) في (ب) \" أين هو \".\n(٢) في (ب) \" سورة المعوذتين \".\n(٣) أخرجه البخاري (بنحوه) في كتاب الطب، باب: هل يستخرج السحر، برقم (٥٧٦٥) و(٥٧٦٦)، وأخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الطب، باب: السحر، برقم (٥٦٦٧) كلاهما عن عائشة - ﵂ -، وانظر: أسباب النزول؛ للواحدي (ص: ٣٨١)، زاد المسير (٨/ ٣٤٣).\n(٤) انظر: أسباب النزول؛ للواحدي (ص: ٣٨١)، المنهاج شرح صحيح مسلم (١٤/ ٣٩٨).\n(٥) انظر: أسباب النزول؛ للواحدي (ص: ٣٨١)، فتح الباري (١١/ ٣٩٩).\n(٦) انظر: المنهاج شرح صحيح مسلم (١٤/ ٣٩٨).\n(٧) في (أ) \" معاذ الله \" بدون واو.\n(٨) \" منه \" ساقطة من (أ).\n(٩) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٣٤٩).","vol":"1","page":3709},{"text":"والعرب تقول: أطيب اللحم عوذة، أي: ما عاذ بالعظم، أي: لزق به (١).\n﴿بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ ابن عباس - ﵄ -: في جماعة: \" الصبح، لقوله: ... ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾ [الأنعام: ٩٦]، ولقولهم: أبين من فلق الصبح \" (٢).\nوقيل: هو بيتُ جهنم، إذا فتحَ بابه استغاث أهل النار من شدة حره.\nوعن ابن عباس أيضًا وأبي هريرة وكعب - ﵃ -: \" اسم بئر ذات أودية لها شعاب واسمها الهبهب \" (٣).\nوقيل: اسم لجهنم (٤).\nالزَّجَّاج: \" ﴿الْفَلَقِ﴾ الخلق \" (٥).\n﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢)﴾: هو كل شيء سوى الله وصفاته.\nوقيل: أي: النار، وقيل: الشيطان (٦).\n﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ﴾: ابن عباس والفراء والزَّجَّاج: \" هو الليل \" (٧).\nوالغسق الظلام.\nالزَّجَّاج: \" لأن الليل أبرد من النهار، والغاسق: البارد \" (٨).\nابن عيسى: \" الغاسق: الهاجم بضرر، من قولهم: غسقت عينه جرى دمعها، وغسقت القرحة: جرى صديدها \" (٩).\n_________\n(١) انظر: لسان العرب (٣/ ٤٩٨)، مادة \" عَوَذ \".\n(٢) انظر: تفسير الصنعاني (٣/ ٤٠٨)، جامع البيان (٣٠/ ٣٥٠)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٢٩٣)، النُّكت والعيون (٦/ ٣٧٤).\n(٣) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٣٤٩)، تفسير السَّمعاني (٦/ ٣٠٥).\n(٤) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٣٥٠)، النُّكت والعيون (٦/ ٣٧٤).\n(٥) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٢٩٣).\n(٦) والأول أولى. [انظر: جامع البيان (٣٠/ ٣٥١)، النُّكت والعيون (٦/ ٣٧٤)، زاد المسير (٨/ ٣٤٥)].\n(٧) انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ٣٠١)، جامع البيان (٣٠/ ٣٥١)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٢٩٣).\n(٨) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٢٩٣).\n(٩) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٤١٢).","vol":"1","page":3710},{"text":"أبو هريرة - ﵁ - مرفوعًا: \" الغاسق الثُّريا، فإن الأسقام تكثر عند وقوعها وترتفع عند طلوعها \" (١).\nوقيل: الغاسق: القمر.\nوروي عن عائشة ﵂ أنها قالت: \" أخذ النبي - ﷺ - بيدي، ونظر إلى القمر، فقال: «تعوذي بالله من هذا، فإنه الغاسق إذا وقب» (٢).\nوقيل: هو الشمس. والكلّ مراد فإن اللفظ يحتمله (٣).\n﴿إِذَا وَقَبَ (٣)﴾: دَخَل. وقيل: أدبر. واشتقاقه من الوقب، وهو كل ثقب أو حفرة يستنقع فيه الماء.\nو﴿وَقَبَ﴾: دخل الوقب. وأوقبه: أدخله (٤).\n﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤)﴾: النفث: نفخ من غير ريق بخلاف التفل، والمراد بهن: بنات لبيد السواحر وغيرهن (٥) و﴿الْعُقَدِ﴾: جمع عقدة، وفي كيفية ذلك أقوال:\n_________\n(١) كذا في غرائب التفسير (٢/ ١٤١٢)، ولعله وَهَمٌ في النقل، فعند ابن جرير في جامع البيان (٣٠/ ٣٥٢): \" ... ... عن أبي المهزم عن أبي هريرة في قوله: ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ قال: كوكب \".\nحدثني يونس قال: أخبرنا بن وهب قال قال بن زيد في قوله: ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ قال: \" كانت العرب تقول الغاسق سقوط الثريا، وكانت الأسقام والطواعين تكثر عند وقوعها وترتفع عند طلوعها \"\nولقائلي هذا القول علة من أثر عن النبي - ﷺ -، وهو ما حدثنا به نصر بن علي قال ثنا بكار بن عبد الله بن أخي همام قال ثنا محمد بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ -: ... «﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ قال: النجم الغاسق»].\n(٢) أخرجه الترمذي في كتاب التفسير، باب: ومن سورة المعوذتين، برقم (٣٣٦٦)، وقال الترمذي: \" هذا حديث حسن صحيح \".\n(٣) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٣٥١)، النُّكت والعيون (٦/ ٣٧٤).\n(٤) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٣٥١)، النُّكت والعيون (٦/ ٣٧٥)، الجامع لأحكام القرآن (٢٠/ ٢٥٢).\n(٥) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٣٥١)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٢٩٣)، النُّكت والعيون (٦/ ٣٧٥)، زاد المسير (٨/ ٣٤٦).","vol":"1","page":3711},{"text":"أحدها: أنه إيهام الأذى، وتخييل المرض.\nوالثاني: إنه يؤثر كتأثير العين في المعيون.\nوالثالث: أنه بمعونة الجن (١).\nوفيه سحر للنبي - ﷺ - قولان: قال بعضهم: سحرَهُ لبيد بما سحر، وقد سبق، وعليه الجمهور، وأنكر بعضهم وقالوا: إن الله تعالى أنكرَ على من قال هذا في صفةِ النبي - ﷺ -،حيث يقول: ﴿يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ [الإسراء: ٤٧] الآيات (٢).\nوقيل: أراد بـ ﴿النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ النساء اللواتي يسلبن قلوب الرجال بحبهن.\nقال أبو تمام:\nالسَّالبات الفتى عزيمته ... بالسحر والنافثات في عقد (٣) (٤)\nوقيل: هنَّ السواحر التي تنفث في العقد كأنها تنفخ فيها بشيء تقرأه (٥).\n﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (٥)﴾: يعني لبيدًا.\nوقيل: اليهود كُلّهم، وقيل: حَاسِدٍ ﴿إِذَا حَسَدَ﴾ المؤمنون (٦).\nالحسد: تمني زوالُ النعمةِ من صاحبها، وشرُّ الحاسد: عَينه، وقيل: شره إيقاعُ الشرَّ بالمحسودِ بتتبع عثراته وابتغاءِ مساوئه.\n_________\n(١) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٣٧٦).\n(٢) انظر: النُّكت والعيون (٦/ ٣٧٦)، غرائب التفسير (٢/ ١٤١٢).\n(٣) في (أ) \" في العقد \".، وانظر البيت: غرائب التفسير (٢/ ١٤١٢).\n(٤) وهو قول غريب بعيد: انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٤١٢)، البحر المحيط (١٠/ ٥٧٦).\n(٥) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٣٥١)، غرائب التفسير (٢/ ١٤١٢).\n(٦) والظاهر - والله أعلم - أنَّ الاستعاذة عامَّة في كلِّ ذي شرٍ، قال ابن جرير - ﵀ - بعد أن ذكر القولين الأوليين: \" وأولى القولين بالصواب في ذلك قول من قال: أمر النبي أن يستعيذ من شر كل حاسد إذا حسد فعابه أو سحره أو بغاه سوءًا، وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب؛ لأنَّ الله - ﷿ - لم يخصص من قوله: ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ حاسدًا دون حاسدٍ، بل عمَّ أمره إيَّاه بالاستعاذة من شرِّ كلِّ حاسدٍ، فذلك على عمومه \" [جامع البيان (٣٠/ ٣٥٤)].","vol":"1","page":3712},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-220>سورة النَّاس </span>(١)\nستُّ آيات (٢) (٣) مكية. وقيل: مدنية. (٤)\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾: أي: أحترز بالله رب الناس، فحذف الموصوف. ورب الشيء مُصْلِحُه ومُنَمِّيه.\n﴿مَلِكِ النَّاسِ (٢)﴾: هو الذي يسوسُهم ويدبِّر أمورَهم ﴿إِلَهِ النَّاسِ (٣)﴾: معبودهم ومقصودهم (٥).\n﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ﴾ أي: الموسوس، والتقدير: ذي الوسواس، وهو الشيطان (٦).\nو﴿الْوَسْوَاسِ﴾: مصدرٌ، كالزِّلزال والقلقال.\n_________\n(١) وهو اسمها لتكرر ورود الناس في السورة وبها سُمِّيت في أكثر المصاحف ومعظم كتب التفسير، وعنونها البخاري في صحيحه بسورة ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، وقد تقدم الحديث عن تسمياتها في السورة السابقة، وأنّها تُسمَّى مع سورة الفلق \" المعوذتان \"، و\" المشقشقتان \". [انظر: بصائر ذوي التمييز (١/ ٥٥٧)، التحرير والتنوير (٣٠/ ٦٣١)].\n(٢) \" ست آيات \" ساقطة من (ب).\n(٣) هي ست آيات في عدِّ الجميع عدا المكي والشامي، فإنهما عدَّا ﴿الْوَسْوَاسِ﴾ آية مستقلة، فهي فيهما سبع آيات. [انظر: البيان؛ للدَّاني (ص: ٢٩٨)، جمال القُرَّاء (٢/ ٥٦٠)].\n(٤) ورد عن ابن عباس من رواية أبي صالح أنها مدنية، ومن رواية أبي كريب: أنها مكية، وبه قال قتادة.\nوقال ابن كثير عن المعوذتين: \" هما مدنيتان\" [تفسير القرآن العظيم (٤/ ٦١٠)]، وقال السيوطي: \" المختار أنهما مدنيتان؛ لأنهما نزلتا في قصة سحر لبيد بن الأعصم \" [الإتقان (١/ ١٥)، وانظر: المحرر الوجيز (٥/ ٥٤٠)، زاد المسير (٨/ ٣٤٧)].\n(٥) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٣٥٤).\n(٦) انظر: معاني القرآن؛ للفرَّاء (٣/ ٣٠٢)، جامع البيان (٣٠/ ٣٥٤)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٢٩٤).","vol":"1","page":3713},{"text":"والوسوسةُ: الحديثُ الخفي، لقوله: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ﴾ [طه: ١٢٠]، وصوتُ الحلي يسمَّى وسواسًا.\nوالموسوسُ: الذي يكثرُ الحديثَ في نفسه، ووسوسة الشيطان تصل (١) إلى القلب في خفاء.\nوقيل: وسواس الناس في نفسه، وهي وسوسته التي يحدِّث فيها (٢) نفسه (٣).\n﴿الْخَنَّاسِ (٤)﴾: هو الذي يكثر الخُنُوْس، وهو التأخر (٤)، كما جاء (٥) في الحديث: ... «أنَّ الشيطان جاثمٌ على قلب ابن آدم، فإذا ذكرَ الله تنحى وخنس، وإذا غفلَ التقمَ قلبَه فحدثه ومنّاه» (٦).\n﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥)﴾: قال الفراء: \" يجوزُ أن يكونَ المرادُ بالنَّاس ها هنا الجنُّ، وكما جعل من الإنس شياطين كذلك ها هنا جعل من الجنِّ ناسًا، فيكون المعنى ﴿فِي صُدُورِ﴾ جمعٍ من الجنَّة، وجمعٍ من النَّاس \" (٧).\nقوله: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ﴾: جمع جانّ.\nوقال غيره: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ﴾ متصل بقوله: ﴿شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤) مِنَ الْجِنَّةِ﴾، فهو: بيان أن الموسوس (٨) منهم.\n_________\n(١) في (أ) \" يصل \".\n(٢) \" فيها \" ساقطة من (ب).\n(٣) انظر: كتاب العين (٧/ ٣٣٥)، المفردات (ص: ٨٦٩)، مادة \" وَسْوَسَ \".\n(٤) انظر: جامع البيان (٣٠/ ٣٥٥)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (٥/ ٢٩٤).\n(٥) \" جاء \" ساقطة من (ب).\n(٦) الحديث موقوف على ابن عباس - ﵄ -، كما أخرجه البخاري عنه في صحيحه، في كتاب التفسير، باب: تفسير سورة ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، قال البخاري: \" ويذكر عن ابن عباس: (الوسواس): «إذا وُلِدَ خَنَسَهُ الشَّيطان، فإذا ذكر الله﷿ ذهب، وإذا لم يذكر الله ثبت على قلبه».\nوأخرج ابن جرير في جامع البيان (٣٠/ ٣٥٥) عن ابن عباس قال: «الشيطان جاثم على قلب ابن آدم، فإذا سها وغفل وسوس، وإذا ذكر الله خنس».\n(٧) انظر: معاني القرآن (٣/ ٣٠٢).\n(٨) في (ب): \" فهذا بيان الموسوس \".","vol":"1","page":3714},{"text":"قوله: ﴿وَالنَّاسِ (٦)﴾: هو عطفٌ على ﴿الْوَسْوَاسِ﴾ أي: من شر الوسواس والناس (١). وعلى قول الفراء ومن تابعه: عطف على الناس من الجنة (٢)، كما سبق.\nابن عيسى: \" تقديره: من شر الوسواس الذي يقع من الجن والإنس \" (٣).\nوكرَّر لفظ ﴿النَّاسِ﴾ تبجيلًا لهم وتكرمةً (٤).\nوقيل: كرر لانفصال كل آية من الأخرى لعدم حرف العطف.\nوقيل: المراد بالأوّل الأطفال، ومعنى الربوبية يدل عليه.\nوبالثاني: الشُّبَّان، ولفظ الملك المنبئ عن السياسة يدل عليه.\nوبالثالث: الشُّيوخ، ولفظ إله المنبئ عن العبادة والطاعة يدل عليه.\nوبالرابع: الصَّالحون، والشيطان مولع بإغوائهم دون غيرهم.\nوبالخامس: المفسدون، وعطفهُ على المعوَّذِ منهم يدلُّ عليه (٥).\n[والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب] (٦).\n* * *\n_________\n(١) انظر: إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (٥/ ٢٠٠)، .\n(٢) انظر: معاني القرآن (٣/ ٣٠٢)، جامع البيان (٣٠/ ٣٥٦).\n(٣) انظر: لم أقف عليه.\n(٤) انظر: غرائب التفسير (٢/ ١٤١٥).\n(٥) انظر: البيان؛ للكرماني (ص: ٣٣٤)، غرائب التفسير (٢/ ١٤١٥).\n(٦) ما بين المعقوفتين ساقط من (ب).","vol":"1","page":3715},{"text":"كملَ - والحمدُ لِله - كتابُ «لباب التفاسير»\nأسألُ الله عزَّ اسمه أن يعمَّ نفعُ المسلمين به، فإنِّي جمعتُ ذلك خالصًا لوجه الله تعالى، فإنَّ العلمَ يأبى أن يكونَ إلَاّ لله، وما عسى أن يذكرني مَن يستفيدُ منه كلمةً أو مسألةً في صالح دعائه، فإن ذلك عند الله بمكان.\nوالصلاة على خير خلقه محمد وآله الطيبين الطاهرين.\nوكان بين الابتداء به، والشروع فيه، وبين البلوغ آخره سبعُ سنين.\nوحسبنا الله ونعم الوكيل نعم المولى، ونعم النصير","vol":"1","page":3716},{"text":"الخاتمة\nأحمد الله تعالى على تيسيره، وأسأله توفيقه وتسديده، وأختم هذا البحث ببعض النتائج والتوصيات:\n١ - يحتل تفسير الكرماني «لباب التفاسير» مكانة واضحة عند المفسرين الأوائل، وتعددت النقولات عن كتابه اللباب، وكان بعض المفسرين يناقشه في ترجيحاته.\n٢ - ظهر لي أن الكرماني توفي بعد سنة (٥٣١ هـ) بقليل.\n٣ - رجحت أن الكرماني متأثرٌ بمذهب الأشاعرة في الاعتقاد رغم كونه حنفيًا في الفروع الفقهية، ورغم ندرة هذا الأمر في تراجم العلماء، إلا أنه هو الذي ترجح لي من خلال الدراسة.\n٤ - لم يكن الكرماني متعصبًا في الفقه، فقد كان يحكي أقوال الفقهاء في تفسير الآيات، ويعرج على المذاهب الفقهية الأخرى، ونادرًا ما كان يرجح قولًا على آخر.\n٥ - حفظ لنا تفسير الكرماني «لباب التفاسير» بعض الأقوال المروية عن الصحابة والتابعين مما لم أعثر عليه عند غيره، كما نقل لنا عن بعض التفاسير والكتب التي تعتبر في عداد المفقود.\n٦ - احتوى «لباب التفاسير» ردودًا على المعتزلة والرافضة.\n٧ - بَرعَ الكرماني في توظيف الإعراب لخدمة المعنى، مما حدا بالمفسرين الذين أتوا بعده لمناقشته ودراسة أقواله، ويظهر هذا الأمر بجلاء عند أبي حيان والسمين الحلبي وغيرهم.\n٨ - تظهر شخصية الكرماني العلمية في تفسيره بوضوح، وينبغي أن لا نتأثر بما نقله السيوطي في «الإتقان» عن الكرماني، فإنه كان يصف كتابه «غرائب التفسير» ولا يصف الكرماني.\n٩ - حققت القول في تعداد مؤلفات الكرماني، ومَيّزت المطبوع منها عن المخطوط، وبقيت بعض كتبه المذكورة في ترجمته لم يُعثر عليها، كما بينت أنه ينسب إليه أربعة كتب أخرى والواقع أنها ليست له.\n١٠ - لم يكن الكرماني متعصبًا في اتجاهه النحوي، لدرجة أنك لا تستطيع التمييز: هل هو كوفي أم بصري.\n١١ - تتلمذ للكرماني عدد من الأعلام: كالزمخشري، والطبرسي، وابن أبي مريم الشيرازي، ورضي الدين الكرماني، وبديع الزمان الكرماني، وهؤلاء أعلام كبار، ولا شكّ أن تتلمذهم على الكرماني دليلٌ على مكانته العلمية في زمانه.\n١٢ - ظهر لي أن الاسم الصحيح لتفسير الكرماني هو «لباب التفاسير» وليس «لباب التفسير».\n١٣ - عبارة الكرماني في تفسيره مختصرة محررة تحتاج إلى تأمل، وقد تحتاج معها إلى مراجعة بعض التفاسير الأخرى لاستظهارها.\n١٤ - أوصي بطباعة تفسير الكرماني ليأخذ مكانته بين التفاسير، وسيصبح - والله أعلم - من المراجع المهمة للباحثين والدارسين في القرآن الكريم وعلومه.\nهذا ما ظهر لي من نتائج وتوصيات، أختم بها عملي في هذا التفسير، سائلًا الله تعالى أن يوفقنا جميعًا لما فيه الخير، وأن ينفعنا بالقرآن الكريم، وأن يجعله حجة لنا لا علينا، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.","vol":"1","page":3717},{"text":"الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على على المبعوث رحمة للعالمين نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين أما بعد\n\nفإني أحمد الله تعالى أن أعان ويَسَّرَ على إتمام هذا العمل، وأسأله سبحانه أن يجعله خالصًا له جلا وعلا.\n\nولباب التفاسير سِفْرٌ عظيم، حوى دررًا في علم التفسير، واللغة، وغيرها، وقد اجتهد مصنفه في جمع أقوال السلف من الصحابة والتابعين ومَن بعدهم في تفسير الآيات، من غير إطالة، لكن يلاحظ عليه:\n\n• أولًا: عدم نسبة أكثر الأقوال التي يوردها في تفسير الآية، فهو قد ينسب بعض الأقوال وأكثرها لاينسبه إلى قائله، وقد يكون كتابه مفقود، والقارئ لهذا التفسير يلحظ ذلك جليًا، وهذا مما يؤخذ على المصنف.\n• ثانيًا: عدم اهتمامه بالحديث والروايات، فهو يذكرها غالبًا بقول (وروي)، أو غيرها، ولايذكر الراوي لها، إضافة إلى ذكره للأحاديث الضعيفة دون بيان ما فيها من ضعف.\n• ثالثًا: عدم تعمقه في بحث المسائل الفقيه أو حتى الإشارة إليها في بعض المواطن.\nوغيرها من الملاحظات، ولعل من أكثر ما وجهت من صعوبات خلال عملي في البحث طول البحث فقد بلغ ٣٦٠ صفحة في ١٨٠ لوحة، وهو كم كبير لايتناسب مع حجم المدة المقررة لإنجاز البحث، وهو عبارة عن رسالتين للدكتوراه يضاف إلى ذلك كثرة الأقوال المنسوبة وغير المنسوبة والتي تحتاج إلى نسبة لقائليها، وحسبي أني بذلت وسعي وطاقتي في إخراج هذه الرسالة على هذا الوجه، وهو عمل بشر يعتريه النقص والخطأ، فما كان فيه من صواب فهو من الله وحد وما كان فيه من خطأ فمن نفسي والشيطان وأستفغر الله وأتوب إليه\n\nوختامًا فإني أشكر كل من أعان أو وجه أو أرشد، وأخص بالشكر بعد شكر الله تعالى فضيلة شيخي الأستاذ الدكتور/زاهر بن عواض الألمعي، عضو مجلس هيئة حقوق الإنسان، الذي أفدت منه الكثير، وفتح لي باب منزله، ومنحني من وقته الثمين، فله من الله الأجر والثواب ومني الشكر والعرفان.\nكما أشكر جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ممثلة في مديرها الأستاذ الدكتور/ سليمان أبا الخيل، ووكيل الجامعة الدكتور عبد الله بن عبد الرحمن الشري على ما قدم لي من توجيه وإرشاد استفدت منه خلال عملي في البحث فله الشكر والعرفان، كما أشكر عميد كلية اصول الدين الدكتور/ فهد بن سليمان الفهيد ورئيس قسم القرآن وعلومه.\nوصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.","vol":"1","page":null},{"text":"الخاتمة\nاللهم لك الحمد كُلُّه، أوله وآخره، سرُّه وعلانيته، وبعد:\nفلقد أكرمني الله تعالى بتحقيق قسم من تفسير \" لباب التفاسير \"، لمحمود بن حمزة الكرماني، والذى أورد فيه مؤلفه نوعًا من العناية بتفسير القرآن بالقرآن وأكثر من الاستشهاد به، وأودع هذا التفسير الكثير من الأحاديث النبوية والآثار عن السلف من الصحابة والتابعين، وانتفع بأقوال أئمة اللغة وشواهد الشعر وبثها في ثنايا تفسيره. فبذلت الجهد مع قلة البضاعة لإتمام ذلك وتوضيحه، وتوثيقه، وضبط نصه، كما أراده مؤلفه- حسب الاجتهاد - وقد أفدت من ذلك كثيرًا بحمد لله في فقه كثيرٍ من مسائل تفسير ربع كتاب الله تعالى، ولو لم أخرج إلا بهذه الفائدة لكفى بها نعمة وزادًا، والحمد لله الذي أعانني على إتمام هذا التحقيق، والذي خرجت منه بفوائد جمَّة منها:\n١ - أن يحرص طالب العلم على العلم المنهجي الذي يؤصِّل به علومه، فالناظر لتفسير الكرماني يجده عالمًا بالقراءات واللغة، والتفسير، وعلوم متنوعة حصَّلها بطلبه للعلم وبذله له فظهر أثرها على مؤلفاته.\n٢ - أنَّ كثيرًا من المفسرين قد حصَّلوا علوما كثيرة، إلا أن كثيرًا منهم قد تأثر ببيئته وأشياخه، ومنهم الكرماني الذي تأثر ببعض شيوخه أو كتبهم فظهر أثر مذهب الأشاعرة على تفسيره، وخصوصًا في آيات الصفات.\n٣ - أنَّ المكتبة الإسلامية بحاجة إلى مثل هذا التفسير، والذي سأحرص- بإذن الله تعالى - مع زملائي على إخراجه؛ ليكون مرجعًا للباحثين والدارسين.\n٤ - أقترح أن تعيد الجامعة النظر في وضع عدد ألواح تحقيق المخطوطات، حتى يحصل للطلاب الاستفادة وخدمة النص المُراد تحقيقه، لا أن يبقى كالمنبت لا نصًَّا حقَّقَ، ولا بحثًا أكمل.\n٥ - أقترح أن يتبنى قسم القرآن وعلومه فكرة مقر مخطوطات القرآن الكريم وعلومه في العالم الإسلامي وغيره، على أن تسمى (خزانة المخطوطات القرآنية).\nهذا والله العلي القدير أسأل أن يعلمنا ما ينفعنا وينفعنا بما علمنا، وأن يرزقنا علمًا نافعًا وعملًا متقبلًا، وأن يجعلنا من أهل القرآن الذين هم أهله وخاصته، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه....","vol":"1","page":null},{"text":"المصادر والمراجع\n<span data-type=\"title\" id=toc-227>الرسائل الجامعية:</span>\n١ - المسائل النحوية في كتاب غرائب التفسير: لتاج القراء محمود الكرماني، رسالة ماجستير، حسن قابور، جامعة أم القرى ١٤٢٥ هـ.\n٢ - تفسير البسيط: لأبي الحسن علي بن أحمد الواحدي، مجموعة رسائل دكتوراه في جامعة الإمام محمد بن سعود. (المائدة - محمد المحيميد) (الأنعام إلى الأعراف - محمد الفايز) (الأنفال إلى يونس - إبراهيم الحسن) (هود إلى الرعد - عبدالله الريس) (إبراهيم إلى الإسراء - عبدالرحمن هوساوي).\n٣ - الكشف والبيان تفسير الثعلبي: مجموعة رسائل دكتوراه في جامعة أم القرى، (التوبة ويونس - جمال الغامدي)، (هود ويوسف والرعد - عبدالله القبيسي) (إبراهيم إلى الإسراء - قاري أحمد).\n٤ - المشرق الإسلامي من عصر السلاطين السلاجقة الأوائل: رسالة دكتوراه، محمد المدخلي، جامعة أم القرى.\n٥ - ديوان أبي المرقال عطاء بن أسيد الزَّفيان: رسالة ماجستير من كلية اللغة العربية بجامعة الأزهر، قدمها عام ١٩٧٤ م الأستاذ محمد بن عبدالله الأطرم، ومنها نسخة محفوظة بجامعة أم القرى بمكة المكرمة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-228>المخطوطات:</span>\n٦ - تفسير المصابيح: للوزير المغربي، نسخة المكتبة الأزهرية.\n٧ - الجامع في علوم القرآن: لعلي بن عيسى الرماني، مخطوط مكتبة المسجد الأقصى، له صورة بمعهد المخطوطات فلم رقم (١٦).\n٨ - النهاية في شرح الغاية: لمحمود بن حمزة الكرماني، مخطوط صورته في مكتبة الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، برقم (٣٨٣٦).\n٩ - شواذ القراءات: لرضي الدين الكرماني، مخطوط في الأزهرية، برقم (٢٤٤) خصوصية و(٢٢٢٢٥١) عمومية قراءات.\n١٠ - شفاء الصدور: تفسير أبي بكر النقاش، مخطوط في شستربيتي برقم (٣٣٨٩) في (٢٠٥) لوحة تمثل الجزء الأول، ومنه صورة في جامعة الإمام محمد بن سعود.\n١١ - تفسير أبي القاسم الحسن بن محمد بن حبيب النيسابوري: مخطوط في شستربيتي (٣٤٩٦)، وبنفس الرقم في جامعة الإمام محمد بن سعود، وقد كان منسوبًا لمجهول في الفهارس، وتبين بعد دراسته أنه تفسير ابن حبيب.\n<span data-type=\"title\" id=toc-229>الكتب:</span>\n١٢ - آداب الحسن البصري: لابن الجوزي، ط: دار الصديق، دمشق، ط ١، ١٤٢٦ هـ، تحقيق: سليمان الحرش.\n١٣ - إبراز المعاني من حرز الأماني - شرح الشاطبية: للإمام أبي شامة عبدالرحمن بن إسماعيل الشافعي، تحقيق: إبراهيم عطوة، ط: مطبعة الحلبي بمصر.\n١٤ - إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين: لمرتضى الزبيدي، ط: دار الفكر، بيروت.\n١٥ - الأجوبة المرضية فيما سئل السخاوي عنه من الأحاديث النبوية: لشمس الدين السخاوي، ط: دار الراية، الرياض، ط ١، ١٤١٨ هـ، تحقيق: محمد إسحاق.\n١٦ - الإتقان في علوم القرآن: للسيوطي، تحقيق: فواز زمرلي، ط: دار الكتاب العربي، ط ١، ١٤٢٤ هـ.\n١٧ - إثبات صفة العلو: لموفق الدين ابن قدامة، ط: مؤسسة علوم القرآن ومكتبة العلوم والحكم، ط ١، ١٤٠٩ هـ، تحقيق: أحمد الغامدي.","vol":"1","page":1128},{"text":"١٨ - أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم: لشمس الدين المقدسي، ط: دار صادر، بيروت.\n١٩ - أحكام القرآن: لأبي بكر بن العربي محمد بن عبدالله بن محمد، تحقيق: علي محمد البجاوي، ط: دار الفكر، بيروت.\n٢٠ - أحكام القرآن: لأحمد بن علي الجصاص، دار الفكر، بيروت.\n٢١ - أحكام أهل الذمة: لابن قيم الجوزية، تحقيق: يوسف البكري وشاكر العاروي، رمادي للنشر، ط ١، ١٤١٨ هـ.\n٢٢ - إحياء علوم الدين: لأبي حامد الغزالي، طبع ونشر: دائرة الأوقاف بدبي عن الطبعة القديمة في (١٦) جزء.\n٢٣ - الاختيار لتعليل المختار: عبدالله الموصلي الحنفي، ط: دار المعرفة، بيروت، ط ١، ١٤٢٣ هـ.\n٢٤ - أخلاق النبي -ﷺ- وآدابه: لأبي الشيخ الأصبهاني، ط: دار المسلم، ط ١، ١٤١٨ هـ، تحقيق: صالح الونيان.\n٢٥ - الأدب المفرد: للبخاري، ط مكتبة المعارف، الرياض، تحقيق: سمير الزهيري، ط ١، ١٤١٩ هـ.\n٢٦ - إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب: لياقوت الحموي، تحقيق: إحسان عباس، ط: دار الغرب، الطبعة الأولى، ١٩٩٣ م.\n٢٧ - إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل: ناصر الدين الألباني، بيروت، المكتب الإسلامي، ط ٢، ١٤٠٥ هـ.\n٢٨ - أساس البلاغة: للزمخشري، ط: دار المعرفة، تحقيق: عبدالرحيم محمود.\n٢٩ - أسباب نزول القرآن: لأبي الحسن علي بن أحمد الواحدي، ط: دار الميمان للنشر والتوزيع، الرياض، ط ١، ١٤٢٦ هـ، تحقيق: د. ماهر ياسين الفحل.\n٣٠ - الاستيعاب في بيان الأسباب: لسليم الهلالي ومحمد آل نصر، ط: دار ابن الجوزي، ط ١، ١٤٢٥ هـ.\n٣١ - الاستيعاب في معرفة الأصحاب: لابن عبدالبر، تحقيق: علي البجاوي، ط: دار الجيل، بيروت، ط ١، ١٤١٢ هت.\n٣٢ - الأسماء والصفات: أحمد بن الحسين البيهقي، ط: مكتبة السوادي بجدة، تحقيق: عبدالله الحاشدي.\n٣٣ - الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى: لأبي عبدالله القرطبي، ط: جمعية الدعوة الإسلامية العالمية بليبيا، ط ١، ٢٠٠١ م، تحقيق: صالح الحطماني.\n٣٤ - الإصابة في تمييز الصحابة: لابن حجر العسقلاني، ط: دار الجيل، بيروت، ١٤١٢ هـ، ط ١ تحقيق: علي محمد البجاوي.\n٣٥ - أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة: شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة.\n٣٦ - الأصول التي بنى عليها المبتدعة مذهبهم في الصفات: عبدالقادر صوفي، ط: مكتبة الغرباء، السعودية، ط ١، ١٤١٨ هـ.\n٣٧ - الأضداد: لمحمد بن القاسم الأنباري، ط: المكتبة العصرية، صيدا ١٤٠٧ هـ، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم.\n٣٨ - أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن: للشيخ محمد الأمين الشنقيطي، ط: عالم الكتب، بيروت.\n٣٩ - إعراب القراءات الشواذ: لأبي البقاء العكبري، ط: عالم الكتب، بيروت، ط ١، ١٤١٧ هـ، تحقيق: محمد السيد عزوز.\n٤٠ - إعراب القرآن: لأبي جعفر أحمد بن محمد النحاس، ط: عالم الكتب، بيروت، الطبعة الثالثة ١٤٠٩ هـ، تحقيق: د. زهير غازي زاهد.\n٤١ - الإعراب المفصل لكتاب الله المرتل: لبهجة صالح، ط: دار الكتب العلمية، بيروت، ط ٢، ١٤١٨ هـ.\n٤٢ - الأعلام: لخير الدين الزركلي، ط: دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة التاسعة، ١٩٩٠.\n٤٣ - الإغفال: لأبي علي الفارسي، ط: المجمع الثقافي بالإمارات ومركز جمعة الماجد، ط ١، ١٤٢٤ هـ، تحقيق: عبدالله بن عمر الحاج.","vol":"1","page":1129},{"text":"٤٤ - إنباه الرواة على أنباه النحاة: للوزير أبي الحسن علي القفطي، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، ط: دار الكتب المصرية ١٣٨٧ هـ، وعنها طبعة دار الفكر العربي، القاهرة، سنة ١٤٠٦ هـ.\n٤٥ - الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين البصريين والكوفيين: لابن الأنباري أبو البركات كمال الدين، تحقيق: جوده مبروك محمد، القاهرة، ط: مكتبة الخانجي، ط ١، ٢٠٠٢ م.\n٤٦ - الأهوال: لابن أبي الدنيا، ط: مكتبة آل ياسر، مصر، ط ١، ١٤١٣ هـ، تحقيق: مجدي السيد.\n٤٧ - الأوسط: لابن المنذر، تحقيق: د. صغير أحمد حنيف، ط: دار طيبة، ط ٢، ١٤٢٤ هـ.\n٤٨ - الإيثار بمعرفة رواة الآثار: لابن حجر العسقلاني، تحقيق: أبي مصعب محمد البدري، ط مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت، ط ١، ١٤١١ هـ.\n٤٩ - الإيضاح في الوقف والابتداء: ابن الأنباري محمد بن القاسم، تحقيق: محدي الدين رمضان، مجمع اللغة العربية بدمشق.\n٥٠ - الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه: لمكي بن أبي طالب، نشر: كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود، ط ١، ١٣٩٦ هـ، تحقيق: أحمد فرحات.\n٥١ - بحر العلوم للسمرقندي وهو تفسير السمرقندي: أبو الليث نصر بن محمد. ط: دار الفكر، بيروت، تحقيق: د. محمود مطرجي.\n٥٢ - البحر المحيط: لمحمد بن يوسف الشهير بأبي حيان، تحقيق: عادل أحمد وعلي معوض، ط: دار الكتب العلمية، ط ١، ١٤١٣ هـ.\n٥٣ - بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع: للكاساني علاء الدين أبي بكر بن مسعود الحنفي، ط: دار الفكر، ط ٢، ١٤٠٢ هـ.\n٥٤ - بدائع الفوائد: لابن قيم الجوزية، ط: دار الكتاب العربي، بيروت.\n٥٥ - بدائع التفسير: ابن قيم الجوزية، ط: دار ابن الجوزي، ط ١، ١٤١٤ هـ، جمع: يسري السيد محمد.\n٥٦ - البداية والنهاية: لابن كثير عماد الدين إسماعيل بن كثير، ط: دار هجر، مصر، ط ١، ١٤١٩ هـ.\n٥٧ - بديعة البيان عن موت الأعيان: لابن ناصر الدين الدمشقي، تحقيق: أكرم البوشي، ط: دار ابن الأثير، الكويت، ط ١، ١٤١٨ هـ.\n٥٨ - البرهان في علوم القرآن: للزركشي، ط: دار المعرفة، بيروت، ١٤١٥ هـ، تحقيق: د. يوسف المرعشلي وجمال حمدي وإبراهيم الكردي.\n٥٩ - بصائر ذوي بصائر ذوي التمييز: للفيروزأبادي مجد الدين محمد بن يعقوب، تحقيق: محمد النجار، بيروت، المكتبة العلمية، بدون تاريخ.\n٦٠ - البعث والنشور: للبيهقي أحمد بن الحسين، تحقيق: عامر حيدر، بيروت، مركز الخدمات والأبحاث الثقافية، ط ١، ١٤٠٦ هـ.\n٦١ - بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة: للسيوطي جلال الدين عبدالرحمن بن أبي بكر، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، نشر المكتبة العصرية، بيروت.\n٦٢ - بلدان الخلافة الشرقية: لسترنج، ط: مؤسسة الرسالة، ط ٢، ١٤٠٥ هـ.\n٦٣ - بيان تلبيس الجهمية: لشيخ الإسلام ابن تيمية، تحقيق: محمد بن عبدالرحمن بن قاسم، ط ٢، ١٤٢١ هـ، ط: دار القاسم، الرياض.\n٦٤ - البيان في عد آي القرآن: للإمام الداني أبي عمرو عثمان بن سعيد، تحقيق: د. غانم قدوري الحمد، منشورات مركز المخطوطات والتراث، الكويت، ط ١، ١٤١٤ هـ.\n٦٥ - تاج العروس شرح القاموس: للزبيدي محمد بن محمد الملقب بالمرتضى أبو الفيض اللغوي المحدث، طبعة الكويت، بتحقيق جماعة من الباحثين.\n٦٦ - تاريخ إيران: فاروق عمر ومرتضى النقيب، منشورات بيت الحكمة، بغداد، ١٩٨٩ م.\n٦٧ - تاريخ الخلفاء: جلال الدين السيوطي، ط: مؤسسة الكتب الثقافية، ط ١، ١٤١٤ هـ، تحقيق: مصطفى عطا.\n٦٨ - تاريخ بغداد أو مدينة السلام: للخطيب البغدادي أبو بكر أحمد بن علي، ط: دار الكتب العلمية، بيروت.","vol":"1","page":1130},{"text":"٦٩ - تاريخ بيهق: لعلي البيهقي، ترجمة وتحقيق: يوسف الهادي، ط: دار اقرأ، دمشق، ط ١، ١٤٢٥ هـ.\n٧٠ - تاريخ جرجان: للسهمي، ط: دائرة المعارف العثمانية ونشر دار عالم الكتب، بيروت، ط ٤، ١٤٠٧ هـ.\n٧١ - تاريخ دولة آل سلجوق: للعماد الأصفهاني اختصار الفتح البنداري، ط: دار الآفاق، بيروت، ط ٣، ١٤٠٠ هـ.\n٧٢ - تاريخ مدينة دمشق: علي بن الحسن بن عساكر، ط، دار الفكر، بيروت، تحقيق: عمر بن غرامة العمروي، ١٤١٥ هـ.\n٧٣ - تأويل مشكل القرآن: أبو محمد عبدالله بن مسلم بن قتيبة، تحقيق: السيد أحمد صقر، القاهرة، دار التراث، ط ٢، ١٣٩٣ هـ.\n٧٤ - التبيان في إعراب القرآن: ويسمى أيضًا إملاء ما منّ به الرحمن، لأبي البقاء محب الدين عبدالله العكبري، دار الجيل، تحقيق: علي محمد البجاوي.\n٧٥ - تجريد أسماء الصحابة: لشمس الدين الذهبي، طبعة مصورة عن طبعة دائرة المعارف النظامية بالهند.\n٧٦ - التحرير والتنوير: محمد الطاهر بن عاشور، الناشر: مكتبة ابن تيمية، مصر.\n٧٧ - تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في تفسير الكشاف: للزمخشري للحافظ جمال الدين عبدالله بن يوسف الزيلعي، اعتنى به: سلطان الطبيشي، الرياض، دار ابن خزيمة، ط ١، ١٤١٤ هـ.\n٧٨ - التدمرية: لشيخ الإسلام ابن تيمية، ط ١، ١٤٠٥ هـ، تحقيق وطبع: محمد السعوي.\n٧٩ - ترتيب الأعلام على الأعوام: رتبه: زهير ظاظا، ط: دار الأرقم، بيروت، توزيع: دار القلم ببيروت، دون رقم طبعة ولا تاريخ.\n٨٠ - تعظيم قدر الصلاة: محمد بن نصر بن الحجاج المروزي أبو عبدالله، ط: مكتبة الدار، المدينة المنورة، ١٤٠٦ هـ، ط ١، تحقيق: عبدالرحمن الفريوائي.\n٨١ - تفسير آيات الأحكام في سورة المائدة: سليمان اللاحم، ط: دار العاصمة، ط ١، ١٤٢٤ هـ.\n٨٢ - تفسير ابن أبي حاتم: عبدالرحمن بن أبي حاتم محمد بن إدريس أبو محمد الرازي التميمي، تحقيق: أسعد محمد الطيب، نشر مكتبة نزار الباز، ط ١، ١٤١٧ هـ.\n٨٣ - تفسير ابن الجوزي = زاد المسير.\n٨٤ - تفسير ابن عطية = المحرر الوجيز.\n٨٥ - تفسير أبي السعود = إرشاد العقل السليم.\n٨٦ - تفسير الألوسي = روح المعاني.\n٨٧ - تفسير أبي حيان = البحر المحيط.\n٨٨ - تفسير البغوي = معالم التنزيل.\n٨٩ - تفسير الثعلبي = الكشف والبيان.\n٩٠ - تفسير الخازن = لباب التأويل.\n٩١ - تفسير الرازي = التفسير الكبير.\n٩٢ - تفسير السعدي = تيسير الكريم الرحمن.\n٩٣ - تفسير القرآن: لعبدالرزاق الصنعاني، ط: مكتبة الرشد، السعودية، ط ١، ١٤١٠ هـ، تحقيق: مصطفى مسلم.\n٩٤ - تفسير القرآن العظيم: لابن كثير، ط: مكتبة أولاد الشيخ، بتحقيق جماعة من الباحثين، ط ١، ١٤٢١ هـ.\n٩٥ - تفسير القرآن: لأبي المظفر السمعاني، ط: دار الوطن للنشر، الرياض، الطبعة الأولى ١٤١٨ هـ.\n٩٦ - تفسير القرطبي = الجامع لأحكام القرآن.\n٩٧ - التفسير الكبير أو مفاتيح الغيب: للرازي، ط: دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤٢١ هـ.","vol":"1","page":1131},{"text":"٩٨ - تفسير كتاب الله العزيز: هود بن محكم، ط: دار الغرب الإسلامي، ط ١، ١٩٩٠ م، تحقيق: بلحاج شريفي.\n٩٩ - تفسير الماوردي = النكت والعيون.\n١٠٠ - تفسير سورة آل عمران: محمد بن عثيمين، ط: دار ابن الجوزي، ط ١، ١٤٢٦ هـ.\n١٠١ - تفسير سورة الكهف: محمد بن عثيمين، ط: دار الثريا، ط ١، ١٤٢٣ هـ.\n١٠٢ - تفسير غريب القرآن: لابن قتيبة، ط: دار الكتب العلمية، بيروت، ١٣٩٨ هـ، تحقيق: السيد أحمد صقر.\n١٠٣ - تفسير مبهمات القرآن: لأبي عبدالله البلنسي، ط: دار الغرب، ط ١، ١٤١١ هـ، تحقيق: حنيف القاسمي وعبدالله عبدالكريم محمد.\n١٠٤ - تفسير مجاهد بن جبر: لآدم بن أبي إياس، تحقيق: د. محمد أبو النيل. مصر، دار الفكر الإسلامي الحديثة، ط ١، ١٤١٠ هـ.\n١٠٥ - تفسير مقاتل بن سليمان الأزدي البلخي: تحقيق: د. عبدالله شحاته، ط: دار إحياء التراث، بيروت، ط ١، ١٤٢٣ هـ.\n١٠٦ - تفسير المنار: لمحمد رشيد رضا، ط: دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤٢٠ هـ، تحقيق: إبراهيم شمس الدين.\n١٠٧ - تفسير هود = تفسير كتاب الله العزيز.\n١٠٨ - تفسير يحيى بن سلام البصري: ط: دار الكتب العلمية، ط ١، ١٤٢٥ هـ، تحقيق: هند شلبي.\n١٠٩ - تقريب التهذيب: للحافظ ابن حجر العسقلاني، تحقيق: محمد عوامة، ط: دار الرشيد ١٤٢٠ هـ.\n١١٠ - التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير: لابن حجرالعسقلاني، ط: مؤسسة قرطبة، ط ١، ١٤١٦ هـ، تحقيق: حسن قطب.\n١١١ - التمييز للفصل: إسماعيل بن باطيش، تحقيق: عبدالحفيظ منصور، ط الدار العربية للكتاب، ١٩٨٣ م.\n١١٢ - تهذيب اللغة: لأبي منصور الأزهري محمد بن أحمد، تحقيق: عبدالسلام هارون ومحمد النجار وغيرهما، ط: المؤسسة المصرية العامة للتأليف، ١٣٨٤ هـ.\n١١٣ - تهذيب التهذيب: للحافظ أحمد بن علي ابن حجر، باعتناء مكتب التحقيق في مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ١، ١٤١٦ هـ.\n١١٤ - تهذيب الكمال في أسماء الرجال: الحافظ أبو الحجاج يوسف المزي، ط مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٣ هـ.\n١١٥ - تيسير الكريم الرحمن: لعبدالرحمن السعدي، ط: دار السلام، الرياض، ط ٢، ١٤٢٢ هـ، تحقيق: عبدالرحمن اللويحق، وطبعة دار ابن الجوزي بتحقيق الصميل، ط ١، ١٤٢٢ هـ، في أربعة مجلدات.\n١١٦ - التيسير في القراءات السبع: للداني، عني بتصحيحه: أوتويرتزل، جمعية المستشرقين الألمانية، عني بنشره: مكتبة الجعفري، طهران.\n١١٧ - ثمار القلوب في المضاف والمنسوب: للثعالبي، أبي منصور عبدالملك بن محمد، تحقيق: إبراهيم صالح، ط: دار البشائر، دمشق، ط ١، ١٤١٤ هـ.\n١١٨ - جامع البيان عن تأويل آي القرآن: للإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري، ط دار هجر، الطبعة الأولى ١٤٢٢ هـ، تحقيق: د. عبدالله بن عبدالمحسن التركي، بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات بدار هجر.\n١١٩ - الجامع لأحكام القرآن: للقرطبي، ط مؤسسة الرسالة ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢٧ هـ. أشرف على تحقيقه جماعة من الباحثين، وكنت استخدمت طبعة دار إحياء التراث المصورة عن طبعة دار الكتب من أول التحقيق إلى نهاية سورة التوبة ما عدا الأعراف.\n١٢٠ - الجرح والتعديل: لعبدالرحمن بن أبي حاتم الرازي، ط: دائرة المعارف العثمانية، ١٣٧٢ هـ، الأولى، تصوير ونشر: دار الكتب العلمية.","vol":"1","page":1132},{"text":"١٢١ - جمهرة أشعار العرب: أبو زيد محمد بن أبي الخطاب القرشي، تحقيق: محمد علي الهاشمي، ط: جامعة الإمام محمد بن سعود، ط ١، ١٤٠١ هـ.\n١٢٢ - جمهرة النسب: للكلبي أبي المنذر هشام بن محمد بن السائب، تحقيق: د. ناجي حسن، ط: عالم الكتب، بيروت، ط ١، ١٤١٣ هـ.\n١٢٣ - حاشية الشهاب الخفاجي على البيضاوي: ط: مؤسسة التاريخ العربي، ودار إحياء التراث، بيروت.\n١٢٤ - الحاكم الجشمي ومنهجه في تفسير القرآن الكريم: للدكتور عدنان زرزور، مؤسسة الرسالة.\n١٢٥ - الحاوي للفتاوي: لجلال الدين السيوطي، ط: دار الفكر.\n١٢٦ - الحجة للقراء السبعة: لأبي علي الحسن بن أحمد الفارسي، ط: دار المأمون، بيروت، ط ١، ١٤١٣ هـ.\n١٢٧ - الحكم بغير ما أنزل الله: للدكتور عبدالرحمن المحمود، ط: دار طيبة، السعودية، ط ١، ١٤٢٠ هـ.\n١٢٨ - حلية الأولياء وطبقات الأصفياء: لأبي نعيم الأصبهاني، ط: دار الفكر، بيروت.\n١٢٩ - الحياة العلمية في عصر السلطان ألب أرسلان السلجوقي: للدكتور طلال الشعبان، ط: الجمعية التاريخية السعودية، الإصدار السادس، ١٤٢٠ هـ.\n١٣٠ - خريدة القصر: للعماد الأصفهاني، قسم فارس، تحقيق: عدنان الطعمة، ط: وزارة الثقافة، إيران، ط ١، ١٤١٩ هـ.\n١٣١ - خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب: لعبدالقادر البغدادي، ط: مكتبة الخانجي القاهرة، ط ٢، ١٤١٨ هـ، تحقيق: عبدالسلام هارون.\n١٣٢ - الخصائص: لابن جني أبي الفتح عثمان بن جني، تحقيق: علي النجار، نشر المكتبة العلمية عن طبعة دار الكتب المصرية.\n١٣٣ - الدر المصون في علوم الكتاب المكنون: السمين الحلبي شهاب الدين، تحقيق: أحمد الخراط، ط: دار القلم، ط ١، ١٤٠٦ هـ.\n١٣٤ - الدر المنثور في التفسير بالمأثور: جلال الدين السيوطي، تحقيق: الدكتورعبدالله التركي وآخرون، ط: دار هجر، مصر، ط ١، ١٤٢٤ هـ.\n١٣٥ - درء تعارض العقل والنقل: لشيخ الإسلام ابن تيمية، تحيق: د. محمد رشاد سالم، ط ١، ١٤١٠ هـ، نشر جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.\n١٣٦ - دروس في علم الصرف: إبراهيم الشمسان، ط: مكتبة الرشد، الرياض، ط ١، ١٤١٨ هـ.\n١٣٧ - دلائل الإعجاز: لعبدالقاهر الجرجاني، ط: مطبعة المدني، جدة، ط ٣، ١٤١٣ هـ، تحقيق: محمود محمد شاكر.\n١٣٨ - دلائل النبوة: للبيهقي أحمد بن الحسين، تحقيق: د. عبدالمعطي قلعجي، دار الريان للتراث مصر، ط ١، ١٤٠٨ هـ.\n١٣٩ - الدعاء: سليمان الطبراني، ط: دار البشائر، بيروت، ط ١، ١٤٠٧ هـ، تحقيق: محمد سعيد البخاري.\n١٤٠ - ديوان حاتم الطائي: ط: دار صادر، بيروت، ١٤٠١ هـ.\n١٤١ - ديوان الأعشى: ميمون بن قيس الأعشى الكبير، ط: دار الكتاب العربي، ط ١، ١٤١٢ هـ، وضع هوامشه: حنا نصر.\n١٤٢ - ديوان النابغة الذبياني: تحقيق: كرم البستاني، ط: دار صادر، بيروت.\n١٤٣ - ديوان امرئ القيس: ط: دار صادر، بيروت.\n١٤٤ - ديوان ذو الرمة: راجعه: زهير فتح الله، ط: دار صادر، بيروت، ط ١، ١٩٩٥ م.\n١٤٥ - ديوان عبيد بن الأبرص: ط: دار صادر، بيروت.\n١٤٦ - ديوان المتنبي: ط: دار صادر، طبعة جديدة، ٢٠٠٠ م.\n١٤٧ - ذم الملاهي: لابن أبي الدنيا، ط: مكتبة العلم بجدة ومكتبة ابن تيمية بالقاهرة، ط ١، ١٤١٦ هـ، تحقيق: عمرو سليم.","vol":"1","page":1133},{"text":"١٤٨ - روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني: ط: دار الفكر، بيروت، ١٤٠٨ هـ.\n١٤٩ - زاد المسير في علم التفسير: لأبي الفرج الجوزي القرشي البغدادي، ط: المكتب الإسلامي، بيروت، ط ٤.\n١٥٠ - زاد المعاد: لابن القيم، تحقيق: شعيب وعبدالقادر الأرناؤوط، ط: مؤسسة الرسالة ومكتبة المنار الإسلامية، ط ١٣، ١٤٠٦ هـ.\n١٥١ - الزهد: عبدالله بن المبارك، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، ط: دار الكتب العلمية، بيروت.\n١٥٢ - الزهد: لأحمد بن حنبل، ط: دار الكتاب العربي، بيروت، ط ١، ١٤٠٦ هـ، تحقيق: محمد زغلول.\n١٥٣ - سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد: لمحمد الصالحي، ط: دار الكتب العلمية، ط ١، ١٤١٤ هـ، تحقيق: عادل عبدالموجود وعلي معوض.\n١٥٤ - السلاجقة في التاريخ والحضارة: أحمد حلمي، ط: ذات السلاسل، الكويت، ط ١، ١٤٠٦ هـ.\n١٥٥ - السلسلة الصحيحة: للشيخ الألباني، ط: مكتبة المعارف، الرياض، ١٤١٢ هـ.\n١٥٦ - السلسلة الضعيفة: الألباني، ط: مكتبة المعارف، الرياض، ١٤١٢ هـ.\n١٥٧ - السنة: لأبي بكر لخلال أحمد بن محمد بن هارون بن يزيد، تحقيق: د. عطية الزهراني، ط: دار الراية الرياض، الطبعة الأولى ١٤١١ هـ.\n١٥٨ - السنة: لابن أبي عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني، ط: المكتب الإسلامي، ط ٢، ١٤٠٥ هـ، خرج أحاديثه: الشيخ الألباني.\n١٥٩ - سنن الترمذي (أو الجامع الصحيح): للإمام الترمذي محمد بن عيسى بن سورة، ط: مكتبة المعارف، الرياض، ط ١، عليها أحكام الشيخ الألباني.\n١٦٠ - سنن ابن ماجه: لأبي عبدالله محمد بن يزيد القزويني، ط: مكتبة المعارف، الرياض، ط ١، عليها أحكام الشيخ الألباني.\n١٦١ - سنن أبي داود: لأبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني ط: مكتبة المعارف، الرياض، ط ١، عليها أحكام الشيخ الألباني.\n١٦٢ - سنن الدارقطني: للدارقطني، أبي الحسن علي بن عمر، ط: فالكن، لاهور، ومعه التعليق المغني على سنن الدارقطني.\n١٦٣ - سنن الدارمي: وتسمى أيضًا بـ مسند الدارمي: عبدالله بن عبدالرحمن أبو محمد الدارمي، ط: دار المغني، ط ١، ١٤٢١ هـ، تحقيق: حسين سليم أسد.\n١٦٤ - السنن الكبرى للبيهقي: لأحمد بن الحسين، ط: حيدر آباد الهند، دائرة المعارف العثمانية، نشر: دار الكتب العلمية، بيروت.\n١٦٥ - السنن الكبرى للنسائي: أحمد بن شعيب أبو عبدالرحمن النسائي، تحقيق: حسن شلبي، ط: مؤسسة الرسالة، ط ١، ١٤٢١ هـ.\n١٦٦ - سنن النسائي (المجتبى): للنسائي أحمد بن علي بن شعيب، ط: مكتبة المعارف، الرياض، ط ١، عليها أحكام الشيخ الألباني.\n١٦٧ - سنن سعيد بن منصور: تحقيق: د. سعد بن عبدالله بن عبدالعزيز آل حميد، ط: دار العصيمي، الرياض، ط ١، ١٤١٤ هـ.\n١٦٨ - سير أعلام النبلاء: للذهبي أبي عبدالله محمد بن أحمد بن عثمان، ط: مؤسسة الرسالة، تحقيق: شعيب الأرنؤوط وآخرين، ط ٧، ١٤١٠ هـ.\n١٦٩ - السيرة النبوية: لابن هشام مع شرح الخشني، ط: مكتبة المنار، ط ١، ١٤٠٩ هـ، تحقيق: همام سعيد ومحمد أبو صعيليك.\n١٧٠ - شذرات الذهب في أخبار من ذهب: لابن العماد الحنبلي، ط: دار ابن كثير، بيروت، ط ١، تحقيق: محمود الأرناؤوط.\n١٧١ - شرح الاقتراح = فيض نشر الانشراح.\n١٧٢ - شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة: هبة الله بن الحسن بن منصور اللالكائي أبو القاسم، ط ٦، ط: دار طيبة، الرياض، ١٤٢٠ هـ، تحقيق: د. أحمد سعد حمدان.\n١٧٣ - شرح التسهيل: لابن مالك، تحقيق: عبدالرحمن السيدو ومحمد بدوي، ط: دار هجر، مصر، ط ١، ١٤١٠ هـ.\n١٧٤ - شرح السنة للبغوي: ط: المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الثانية ١٤٠٣ هـ، تحقيق: زهير الشاويش وشعيب الأرناؤوط.","vol":"1","page":1134},{"text":"١٧٥ - شرح العقيدة الطحاوية: ابن أبي العز الحنفي، ط: مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ١، ١٤٠٨ هـ، تحقيق: عبدالله التركي وشعيب الأرناؤوط.\n١٧٦ - شرح حماسة أبي تمام: للأعلم الشنتمري، ط: دار الفكر المعاصر، بيروت، ودار الفكر دمشق، ط ١، ١٤١٣ هـ، تحقيق: علي حمودان.\n١٧٧ - شرح القصيدة النونية: لابن القيم، محمد خليل هراس، ط: دار المنهاج، مصر، ط ١، ١٤٢٤ هـ.\n١٧٨ - شرح المفصل: لابن يعيش الموصلي، تحقيق: إميل يعقوب، ط: دار الكتب العلمية، ط ١، ١٤٢٢ هـ.\n١٧٩ - شعب الإيمان: للإمام البيهقي أحمد بن الحسين، تحقيق: عبدالعلي حامد، ط: الدار السلفية، ط ١، ١٤٠٨ هـ.\n١٨٠ - شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل: لابن قيم الجوزية، ط: مكتبة العبيكان، الرياض، ط ١، ١٤٢٠ هـ، تحقق: عمر الحفيان.\n١٨١ - شواذ القراءات: لرضي الدين الكرماني، ط: مؤسسة البلاغ، بيروت، ط ١، ١٤٢٢ هـ، تحقيق: شمران العجلي.\n١٨٢ - الشواهد الشعرية في تفسير القرطبي: عبدالعال مكرم، ط: عالم الكتب، ط ١، ١٤١٨ هـ.\n١٨٣ - شواهد القرآن: لأبي تراب الظاهري، ط: النادي الأدبي بجدة، ط ١، ١٤٠٤ هـ.\n١٨٤ - صبح الأعشى في صناعة الإنشاء: لأحمد بن علي القلقشندي، ط الهيئة المصرية العامة للكتاب، ١٤٠٥ هـ.\n١٨٥ - الصحاح: للجوهري، ط: دار العلم للملايين، بيروت، تحقيق: أحمد عبدالغفور، ط ٤، ١٩٩٠ م.\n١٨٦ - صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان: ط: مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ١، ١٤١٣ هـ، تحقيق: شعيب الأرناؤوط.\n١٨٧ - صحيح ابن خزيمة: لمحمد بن إسحاق بن خزيمة، تحقيق: د. مصطفى الأعظمي، ط: المكتب الإسلامي، ١٣٩٥ هـ.\n١٨٨ - صحيح البخاري: للإمام محمد بن إسماعيل البخاري = فتح الباري.\n١٨٩ - صحيح مسلم: للإمام أبي الحسن مسلم بن الحجاج القشيري، ط: دار الحديث بالقاهرة، الطبعة الولى، ١٤١٢ هـ، تحقيق: محمد فؤاد عبدالباقي.\n١٩٠ - صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة: لعلوي السقاف، ط: دار الهجرة، السعودية، ط ١، ١٤١٤ هـ.\n١٩١ - الضعفاء الكبير: لأبو جعفر محمد بن عمر بن موسى العقيلي، ط: دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤٠٤ هـ، تحقيق: عبدالمعطي أمين قلعجي.\n١٩٢ - الطبقات: خليفة بن خياط، ط: دار طيبة، الرياض، ط ٢، ١٤٠٢ هـ، تحقيق: أكرم العمري.\n١٩٣ - طبقات الشافعية الكبرى: لتاج الدين السبكي، تحقيق: عبدالفتاح محمد الحلو ومحمود محمد الطناحي، ط: دار هجر، مصر، ط ٢، ١٤١٢ هـ.\n١٩٤ - الطبقات الكبرى: لابن سعد، ط: دار صادر، بيروت، ١٤٠٥ هـ.\n١٩٥ - طبقات المفسرين: لشمس الدين محمد بن علي الداوودي، تحقيق: علي عمر، ط: مكتبة وهبة، مصر، ط ١، ١٣٩٢ هـ.\n١٩٦ - طبقات المفسرين: لأحمد بن محمد الأدنه وي، ط: مكتبة العلوم والحكم، السعودية، ط ١، ١٤١٧ هـ.\n١٩٧ - طريق الهجرتين: لابن قيم الجوزية، ط: دار ابن القيم، السعودية، ط ١، ١٤٠٩ هـ، تحقيق: عمر بن محمود.\n١٩٨ - الطهور: لأبي عبيد القاسم بن سلام، تحقيق: مشهور حسن سلمان، ط: مكتبة الصحابة، ط ١، مصر.\n١٩٩ - العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير: اعتنى به: خالد السبت، ط: دار ابن القيم في الدمام، ودار ابن عفان بالقاهرة، ط ١، ١٤٢٤ هـ.\n٢٠٠ - العرائس = قصص الأنبياء للثعلبي.\n٢٠١ - العظمة: لعبدالله بن محمد بن جعفر الأصبهاني المعروف بأبي الشيخ، ط: دار العاصمة، الرياض، ط ١٤٠٨ هـ، تحقيق: رضا الله بن محمد المباركفوري.\n٢٠٢ - العقد الفريد: لابن عبدربه الأندلسي، ط: دار صادر، بيروت، ط ١، تحقيق: محمد التونجي، ٢٠٠١ م.\n٢٠٣ - العلل: لعبدالرحمن بن محمد بن إدريس بن مهران الرازي، تحقيق: سعد الحميد وخالد الجريسي، ط ١، ١٤٢٧ هـ.","vol":"1","page":1135},{"text":"٢٠٤ - العلل المتناهية في الأحاديث الواهية: لعبدالرحمن بن علي بن الجوزي، ط: إدارة العلوم الأثرية، ط ١، ١٤٠١ هـ، تحقيق: إرشاد الحق الأثري.\n٢٠٥ - العلل الواردة في الأحاديث النبوية: للدارقطني، ط: دار طيبة، الرياض، ١٤٠٥ هـ، تحقيق: د. محفوظ الرحمن زين الله السلفي.\n٢٠٦ - العلو للعلي الغفار: أبو عبدالله محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز الذهبي، ط: مكتبة أضواء السلف، الرياض، الطبعة الأولى ١٩٩٥ م، تحقيق: أبو محمد أشرف بن عبدالمقصود، وطبعة أخرى: بتحقيق: عبدالرحمن عثمان، ط: دار الفكر.\n٢٠٧ - عمدة الحفاظ: للسمين الحلبي، تحقيق: محمد التونجي، ط: عالم الكتب، ط ١، ١٤١٤ هـ.\n٢٠٨ - العنوان في النحو: لتاج القراء محمود الكرماني، تحقيق: حازم البياتي، ومنال عزيز، ط: دار البحوث للدراسات الإسلامية، الإمارات، ط ١، ١٤٢٦ هـ.\n٢٠٩ - غاية النهاية في طبقات القراء: لابن الجزري محمد بن محمد أبي الخير، نشر: ج براجستر، ط ١، دار الكتب العلمية، بيروت.\n٢١٠ - غرائب التفسير وعجائب التأويل للكرماني: ط: دار القبلة، جدة ومؤسسة علوم القرآن، بيروت، ط ١، ١٤٠٨ هـ، تحقيق: د. شمران سركال العجلي.\n٢١١ - غريب الحديث: لأبي عبيدالقاسم ابن سلام الهروي، ط: مجمع اللغة بمصر، ط ١، ١٤٠٤ هـ، تحقيق: حسين شرف.\n٢١٢ - الغيلانيات، أو الفوائد: لأبي بكر الشافعي، ط: دار ابن الجوزي، ط ١، ١٤١٧ هـ، تحقيق: حلمي كامل.\n٢١٣ - الفتاوى الحديثية: لابن حجر الهيتمي، ط: دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط ١، ١٤١٩ هـ.\n٢١٤ - الفتاوى الكبرى الفقهية: لابن حجر الهيتمي، وبالهامش فتاوى شمس الدين الرملي، ط: دار الفكر، ١٤٠٣ هـ.\n٢١٥ - فتاوى ورسائل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم: جمع وترتيب: محمد بن قاسم، الطبعة الثانية.\n٢١٦ - فتح الباري شرح صحيح البخاري: للحافظ ابن حجر العسقلاني أحمد بن علي، الطبعة السلفية، تحقيق: محمد فؤاد عبدالباقي ومحب الدين الخطيب.\n٢١٧ - الفتح السماوي بتخريج أحاديث تفسير القاضي البيضاوي: لعبدالرؤوف المناوي، ط: دار العاصمة، ط ١، ١٤٠٩ هـ، تحقيق: أحمد مجتبى السلفي.\n٢١٨ - فتح البيان: صديق حسن خان، تحقيق: عبدالله الأنصاري، المكتبة العصرية، بيروت، ١٤١٢ هـ.\n٢١٩ - فتح القدير الجامع بين فني الراية الدراية من علم التفسير: للشوكاني، محمد بن علي، ط: دار الوفاء، ط ٢، ١٤١٨ هـ، تحقيق: عبدالرحمن عميرة.\n٢٢٠ - الفردوس بمأثور الخطاب: أبي شجاع شيرويه بن شهردار بن شيرويه الديلمي الهمذاني، ط: دار الكتب العلمية، تحقيق: السعيد بن بسيوني زغلول.\n٢٢١ - الفريد في إعراب القرآن المجيد: للمنتجب حسين بن أبي العز الهمذاني، تحقيق: فؤاد علي مخيمر، ط: دار الثقافة، الدوحة، قطر، ١٤١١ هـ، وطبعة أخرى بتحقيق محمد نظام الدين الفتيح، نشر: دار الزمان، ط ١، ١٤٢٧ هـ.\n٢٢٢ - فضائل الصحابة: لأحمد بن حنبل. تحقيق: د. وصي الله محمد عباس، ط ١، ١٤٠٣ هـ.\n٢٢٣ - فضائل القرآن: لابن الضُّريس محمد بن أيوب، تحقيق: غزوة بدير، ط: دار الفكر، دمشق، ط ١، ١٤٠٨ هـ.\n٢٢٤ - فضائل القرآن وتلاوته: لأبي الفضل الرازي، ط: دار البشائر الإسلامية، بيروت، ط ١، ١٤١٥ هـ، تحقيق: عامر صبري.\n٢٢٥ - فضائل القرآن: لأبي عبيد القاسم بن سلام. ط. دار ابن كثير، دمشق، ط الأولى ١٤١٥ هـ، تحقيق: مروان العطية وآخرين.\n٢٢٦ - الفقيه والمتفقه: للخطيب البغدادي، ط: دار ابن الجوزي، السعودية، ط ١، ١٤١٧ هـ، تحقيق: عادل العزازي.\n٢٢٧ - الفهرس الشامل للتراث العربي والإسلامي: إصدار المجمع الملكي الأردني لبحوث الحضارة الإسلامية.\n٢٢٨ - فهم القرآن ومعانيه: الحارث بن أسد بن عبدالله المحاسبي أبو عبدالله، ط: دار الكندي ودار الفكر، بيروت، ١٣٩٨ هـ، ط ٢، تحقيق: حسين القوتلي.\n٢٢٩ - فيض نشر الانشراح من روض طي الاقتراح: لأبي عبدالله الفاسي، ط: دار البحوث بالإمارات، ط ١، ١٤٢٣ هـ، تحقيق: محمد فجال.\n٢٣٠ - القاموس المحيط: للفيروزآبادي، ط: مؤسسة الرسالة، ط ٢، ١٤٠٧ هـ.\n٢٣١ - القراءات الشاذة: لابن خالويه، ط: دار الكندي، الأردن.","vol":"1","page":1136},{"text":"٢٣٢ - قراءة الكسائي: لرضي الدين محمد الكرماني، تحقيق: حاتم الضامن، ط: دار نينوى، سوريا، ط ١، ١٤٢٦ هـ.\n٢٣٣ - قصص الأنبياء: لأبي إسحاق الثعلبي، ط: المكتبة الثقافية، بيروت.\n٢٣٤ - القطع والائتناف: لابن النحاس، تحقيق: د. أحمد خطاب العمر، ط: مطبعة العاني، بغداد، ط ١، ١٣٩٨ هـ.\n٢٣٥ - الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة: شمس الدين محمد الذهبي، تحقيق: محمد عوامة وأحمد الخطيب، ط: دار القبلة ومؤسسة علوم القرآن، ط ١، ١٤١٣ هـ.\n٢٣٦ - الكاف الشاف: لابن حجر، مطبوع مع الكشاف للزمخشري = الكشاف.\n٢٣٧ - الكامل في التاريخ: لابن الأثير، ط: دار الفكر، بيروت، ١٣٩٨ هـ.\n٢٣٨ - الكامل في اللغة والأدب: للمبرد، ط: مؤسسة الرسالة، ط ١، ١٤٢٥ هـ، تحقيق: محمد الدالي.\n٢٣٩ - الكامل في ضعفاء الرجال: لابن عدي أبي أحمد عبدالله بن عدي الجرجاني، ط: دار الفكر، بيروت، ط ١، ١٤٠٤ هـ.\n٢٤٠ - الكتاب: لسيبويه، أبي بشر عمرو بن عثمان بن قنبر، تحقيق: عبدالسلام هارو، نشر مكتبة الخانجي، القاهرة.\n٢٤١ - كرمان في العهد البويهي: د. إبراهيم البلوشي، ط: المجمع الثقافي بدولة الإمارات، ١٤٢٥ هـ.\n٢٤٢ - الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل: للزمخشري، محمود بن عمر، ط: دار الكتاب العربي، ط ٣، ١٤٠٧ هـ، وبهامشه أربع حواش لابن المنير وابن حجر والمرزوقي.\n٢٤٣ - كشف الأستار عن زوائد البزار: للهيثمي، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، بيروت: مؤسسة الرسالة، ط ٢، ١٤٠٤ هـ.\n٢٤٤ - كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس: إسماعيل بن محمد الجلوني، ط: دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤٠٨ هـ.\n٢٤٥ - كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون: لحاجي خليفة، مصطفى بن عبدالله كاتب جلبي، تصوير: دار الفكر، بيروت ١٤١٠ هـ.\n٢٤٦ - الكشف عن وجوه القراءات السبع: لأبي محمد مكي بن أبي طالب القيسي، تحقيق: محيي الدين رمضان، ط مؤسسة الرسالة، ط ٥، ١٤١٨ هـ.\n٢٤٧ - الكشف والبيان: للثعلبي، ط: دار إحياء التراث العربي، بيروت ١٤٢٢ هـ، تحقيق: أبي محمد بن عاشور ومراجعة الأستاذ نظير الساعدي، بالإضافة لبعض الرسائل العلمية التي سبق ذكرها.\n٢٤٨ - اللآلي المصنوعة من الأحاديث الموضوعة: لجلال الدين السيوطي، ط: دار المعرفة، بيروت.\n٢٤٩ - لباب التأويل: علاء الدين علي الخازن، ط: دار الفكر، بهامشه تفسير النسفي.\n٢٥٠ - اللباب في علوم الكتاب: لابن عادل الدمشقي، ط: دار الكتب العلمية، ط ١، ١٤١٩ هـ، تحقيق: مجموعة من الباحثين.\n٢٥١ - لسان العرب: لابن منظور، تحقيق مجموعة من الباحثين، ط: دار المعارف، مصر.\n٢٥٢ - لسان الميزان: للحافظ ابن حجر أحمد بن علي العسقلاني، ط: دار إحياء التراث العربي، ط ١، ١٤١٦ هـ، حققه مكتب التحقيق لدى الناشر بإشراف محمد المرعشلي.\n٢٥٣ - لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية شرح الدرة المضية في عقيدة الفرق المرضية: للعلامة محمد السفاريني الحنبلي، ط: المكتب الإسلامي، بيروت، ط ٣، ١٤١١ هـ.","vol":"1","page":1137},{"text":"٢٥٤ - الماتريدية دراسة وتقويمًا: أحمد الحربي، ط: دار العاصمة، الرياض، ط ١، ١٤١٣ هـ.\n٢٥٥ - الماتريدية وموقفهم من توحيد الأسماء والصفات: للشمس السلفي الأفغاني، ط: مكتبة الصديق، الطائف، ط ١، ١٤١٣ هـ.\n٢٥٦ - المبسوط في القراءات العشر: لأبي بكر بن مهران، ط: دار القبلة ومؤسسة علوم القرآن، تحقيق: سبيع حمزة حاكمي، ط ٢، ١٤٠٨ هـ.\n٢٥٧ - المتفق والمفترق: للخطيب البغدادي، تحقيق: محمد صادق الحامدي، ط: دار القادري، ط ١، ١٤١٧ هـ.\n٢٥٨ - مجاز القرآن: لأبي عبيدة معمر بن المثنى، تحقيق: فؤاد سزكرين، ط: مؤسسة الرسالة، ١٤٠١ هـ.\n٢٥٩ - مجمع الأمثال: لأحمد بن محمد الميداني، ط: دار صادر، بيروت، ١٤٢٢ هـ، تحقيق: جان عبدالله توما.\n٢٦٠ - مجمع البحرين في زوائد المعجمين: للهيثمي، ط: مكتبة الرشد، ط ١، ١٤١٣ هـ، تحقيق: عبدالقدوس نذير.\n٢٦١ - مجمع البيان في تفسير القرآن: لأبي علي الطبرسي، ط: دار المعرفة، بيروت، ط ٦، ١٤٢١ هـ.\n٢٦٢ - مجمع الزوائد، ومنبع الفوائد: للحافظ نور الدين الهيثمي، دار الفكر، ١٤٠٨ هـ، بيروت.\n٢٦٣ - المجمع المؤسس للمعجم المفرس: لابن حجر العسقلاني، تحقيق: يوسف المرعشلي، ط: دار المعرفة، بيروت، ط ١، ١٤١٣ هـ.\n٢٦٤ - مجموع الفتاوى: لشيخ الإسلام ابن تيمية، ط: وزارة الشؤون الإسلامية في السعودية، ١٤١٦ هـ.\n٢٦٥ - المجموع شرح المهذب: للنووي، حققه وأكمله: محمد نجيب المطيعي، نشر: دار إحياء التراث العربي، ١٤١٥ هـ.\n٢٦٦ - المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات: لأبي الفتح عثمان ابن جني، ط: لجنة إحياء التراث بالمجلس الأعلى، مصر، ١٣٨٦ هـ، تحقيق: علي النجدي الناصف وآخرين.\n٢٦٧ - المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (تفسير ابن عطية): لابن عطية أبي محمد عبدالحق بن غالب بن عطية الأندلسي، تحقيق: عبدالله الأنصاري والسدي عبدالعال إبراهيم، ط: دار الكتاب الإسلامي، ط ٢.\n٢٦٨ - المحكم: لابن سيده، تحقيق: جماعة من الباحثين، نشر: معهد المخطوطات بجامعة الدول العربية، ط ١، ١٣٧٧ هـ.\n٢٦٩ - المحلى: لابن حزم الظاهري، أبي محمد علي بن أحمد، تحقيق: أحمد شاكر، نشر مكتبة دار التراث، القاهرة.\n٢٧٠ - المختارة: للضياء المقدسي، ط: مكتبة النهضة الحديثة، مكة المكرمة، ط ١، ١٤٠١ هـ، تحقيق: عبدالملك بن دهيش.\n٢٧١ - مختصر اختلاف العلماء: لأبي بكر الجصاص، تحقيق: عبدالله نذير، ط: دار البشائر، ط ١، ١٤١٦ هـ.\n٢٧٢ - المختصر في أسماء السور: د. إبراهيم بن سليمان الهويمل، بحث منشور في جامعة الإمام محمد بن سعود، العدد (٣٠)، من صفحة (١٣١) إلى صفحة (٢٢٣).\n٢٧٣ - مختصر الصواعق المرسلة: لابن قيم الجوزية، ط: أضواء السلف، ط ١، ١٤٢٥ هـ، تحقيق: الحسن العلوي.\n٢٧٤ - المراسيل: لأبي داود السجستاني، ط: دار الصميعي، الرياض، ط ١، ١٤٢٢ هـ، تحقيق: عبدالله الزهراني.\n٢٧٥ - مراصد المطالع في تناسب المقاطع والمطالع: لجلال الدين السيوطي، تحقيق: الدكتور عبدالمحسن العسكر، ط: مكتبة دار المنهاج، الرياض، ط ١، ١٤٢٦ هـ.\n٢٧٦ - المسائل الاعتزالية في تفسير الكشاف: للزمخشري في ضوء ما ورد في كتاب الإنصاف لابن المنير، إعداد: صالح الغامدي، ط: دار الأندلس، السعودية، ط ١، ١٤١٨ هـ.","vol":"1","page":1138},{"text":"٢٧٧ - المسائل الخلافية بين الأشاعرة والماتريدية: جمع فيه ثلاثة كتب، بعناية: بسام الجابي، ط: الجفان الحابي ودار ابن حزم، بيروت، ط ١، ١٤٢٤ هـ.\n٢٧٨ - المستدرك للحاكم النيسابوري: ط: دار المعرفة، بيروت.\n٢٧٩ - مسند أحمد بن محمد بن حنبل: تحقيق: جماعة من الباحثين، ط: مؤسسة الرسالة، ط ١.\n٢٨٠ - مسند أبي يعلى: أحمد بن علي بن المثنى أبو يعلى الموصلي التميمي، ط: دار المأمون للتراث، دمشق، ١٤٠٤ هـ، ط ١، تحقيق: حسين سليم أسد.\n٢٨١ - مسند إسحاق بن راهويه: مكتبة الإيمان، المدينة المنورة ١٩٩٥ م، ط ١، تحقيق: د. عبدالغفور عبدالحق حسين البلوشي.\n٢٨٢ - مسند الدارمي = سنن الدارمي.\n٢٨٣ - المشترك وضعًا والمفترق صقعًا: ياقوت الحموي، ط عالم الكتب، بيروت، ط ٢، ١٤٠٦ هـ.\n٢٨٤ - مشكل إعراب القرآن: مكي بن أبي طالب القيسي أبو محمد، ط: مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ٢.\n٢٨٥ - مصاعد النظر للإشراف على مقاصد السور: لإبراهيم بن عمر البقاعي، ط: مكتبة المعارف، الرياض، ط ١، ١٤٠٨ هـ، تحقيق: عبدالسميع حسنين.\n٢٨٦ - المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي: تأليف أحمد بن محمد بن علي المقري الفيومي، طبعة اعتنى بها: عادل مرشد.\n٢٨٧ - المصنف: لعبدالرزاق بن همام الصنعاني، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، ط ٢، ١٤٠٣ هـ.\n٢٨٨ - المصنف في الأحاديث والآثار: لابن أبي شيبة، ط: دار التاج ١٤٠٩ هـ، ط ١.\n٢٨٩ - المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية - النسخة المسندة -: للحافظ بن علي بن حجر، تحقيق جماعة من الباحثين، ط: دار العاصمة، الرياض، ط ١، ١٤١٩ هـ.\n٢٩٠ - معارج الصعود إلى تفسير سورة هود: لمحمد الأمين الشنقيطي، جمع تلميذه: عبدالله قادري، ط: دار المجتمع، السعودية، ط ١، ١٤٠٨ هـ.\n٢٩١ - معالم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة: لمحمد الجيزاني، دار ابن الجوزي، السعودية، ط ١، ١٤١٦ هـ.\n٢٩٢ - معالم التنزيل: للبغوي محيي السنة الحسين بن مسعود، ط: دار طيبة، ط ٢، ١٤١٤ هـ، تحقق: محمد النمر وعثمان جمعة وسليمان الحرش.\n٢٩٣ - معاني القرآن للزجاج: إبراهيم بن السري، تحقيق: عبدالجليل عبده شلبي، ط دارعالم الكتب، بيروت، ط ١، ١٤٠٨ هـ.\n٢٩٤ - معاني القرآن: لابن النحاس، ط: جامعة أم القرى، ط ١، ١٤٠٩ هـ، تحقيق: محمد علي الصابوني.\n٢٩٥ - معاني القرآن: للفراء يحيى بن زياد، ط: دار السرور، بيروت.\n٢٩٦ - معاني القرآن: للأخفش، ط: مكتبة الخانجي، مصر، ط ١، ١٤١١ هـ، تحقيق: هدى قراعة.\n٢٩٧ - المعتزلة وأصولهم الخمسة: عواد المعتق، ط: دار العاصمة، الرياض، ط ١، ١٤٠٩ هـ.\n٢٩٨ - معجم الأدباء = إرشاد الأريب.\n٢٩٩ - معجم أعلام متن الحديث: لمحمد التونجي، ط: دار المعرفة، بيروت، ط ١، ١٤٢٣ هـ.\n٣٠٠ - المعجم الأوسط: الطبراني، ط: دار الحرمين، القاهرة، ط ١، ١٤١٥ هـ، تحقيق: مجموعة من الباحثين.\n٣٠١ - معجم البلدان: لياقوت بن عبدالله الحموي، ط: دار بيروت، ١٤٠٨ هـ.\n٣٠٢ - المعجم الجامع لما صرح به وأبهم في القرآن الكريم من المواضع: ط: مركز زايد للتراث بالإمارات، ط ١، ١٤٢١ هـ، تأليف: حمد صراي ويوسف الشامسي.","vol":"1","page":1139},{"text":"٣٠٣ - معجم الشعراء: للإمام أبي عبيدالله محمد المرزباني، ط: دار صادر، ط ١، ١٤٢٥ هـ، تحقيق: فاروق اسليم.\n٣٠٤ - معجم الشعراء: كامل الجبوري، ط: دار الكتب العلمية، ط ١، ٢٠٠٣ م.\n٣٠٥ - معجم شواهد العربية: لعبدالسلام هارون، ط: مكتبة الخانجي، ط ٢، ١٤١٧ هـ.\n٣٠٦ - معجم القواعد العربية: لعبدالغني الدقر، ط: دار القلم، دمشق، ط ١، ١٤١٤ هـ.\n٣٠٧ - المعجم الصغير: للطبراني، ط: دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤٠٣ هـ.\n٣٠٨ - معجم علوم اللغة العربية: لمحمد الأشقر، ط: مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ١، ١٤١٥ هـ.\n٣٠٩ - المعجم الكبير: للطبراني، ط: وزارة الأوقاف بالجمهورية العراقية، ط ٢، تحقيق: حمدي السلفي.\n٣١٠ - معجم المؤلفين: لعمر رضا كحالة، ط: مؤسسة الرسالة، بيروت، ١٤١٤ هـ.\n٣١١ - المعجم المفصل في النحو العربي: عزيزة بابتي، ط: دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤١٣ هـ.\n٣١٢ - المعجم المفهرس: لابن حجر العسقلاني، تحقيق: محمد شكور المياديني، ط: مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ١، ١٤١٨ هـ.\n٣١٣ - المعجم الوسيط: ط: مجمع اللغة العربية بالقاهرة، ط ٢، تحقيق: إبراهيم مصطفى وآخرون.\n٣١٤ - المغازي: لمحمد بن عمر الواقدي، ط: عالم الكتب، ط ٣، ١٤٠٤ هـ، تحقيق: مارسدن جونس.\n٣١٥ - مغني اللبيب عن كتب الأعاريب: لابن هشام جمال الدين عبدالله بن يوسف الأنصاري، تحقيق وشرح: د. عبداللطيف الخطيب، ط: المجلس الوطني للثقافة بالكويت، ط ١، ١٤٢١ هـ.\n٣١٦ - المغني شرح مختصر الخرقي: لعبدالله بن أحمد بن قدامة المقدسي، تحقيق: عبدالله التركي وعبدالفتاح الحلو، ط: دار هجر، مصر، ط ٢، ١٤١٢ هـ.\n٣١٧ - المفردات في غريب القرآن: للراغب الأصفهاني الحسين بن محمد، ط: دار القلم، دمشق، ط ١، ١٤١٢ هـ، تحقيق: صفوان داوودي.\n٣١٨ - المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة: للسخاوي، ط: دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٣٩٩ هـ، تحقيق: عبدالله الصديق وعبدالوهاب عبداللطيف.\n٣١٩ - المقتضب لمحمد بن يزيد المبرد: ط: عالم الكتب، بيروت، بدون تاريخ، تحقيق: محمد عبدالخالق عضيمة.\n٣٢٠ - المكتفى في الوقف والابتداء: للداني أبي عمرو عثمان بن سعيد، تحقيق: د. يوسف المرعشلي، ط: دار المعرفة، بيروت، ط ١، ١٤١٥ هـ.\n٣٢١ - المكي والمدني في القرآن الكريم: لعبدالرزاق حسين، ط: دار ابن عفان، مصر، ط ١، ١٤٢٠ هـ.\n٣٢٢ - الملل والنحل للشهرستاني: ط: دار مكتبة المتنبي، بيروت، ط ٢، ١٩٩٢ م.\n٣٢٣ - منار الهدى في الوقف والابتداء: للأشموني أحمد بن محمد بن عبدالكريم الأشموني الشافعي، ط: دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤٢٢ هـ، تحقيق: شريف أبو العلاء.\n٣٢٤ - المنتخب من معجم شيوخ السمعاني: لأبي سعد السمعاني، تحقيق: موفق عبدالقادر، ط: جامعة الإمام محمد بن سعود، الرياض، ط ١، ١٤١٧ هـ.\n٣٢٥ - المنتظم في تاريخ الملوك والأمم: لعبدالرحمن بن علي بن محمد بن الجوزي أبو الفرج، تحقيق: محمد عطا، ومصطفى عطا، ط: دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤١٢ هـ.\n٣٢٦ - منهاج السنة: لشيخ الإسلام ابن تيمية، ط: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ط ١، ١٤٠٦ هـ، تحقيق: د. محمد رشاد سالم.","vol":"1","page":1140},{"text":"٣٢٧ - موجز التاريخ الإسلامي: أحمد العسيري، ط ٣، ١٤٢٠ هـ.\n٣٢٨ - الموسوعة الميسرة في تراجم أئمة التفسير: إعداد جماعة من الباحثين، من إصدارات مجلة الحكمة في بريطانيا، ط ١، ١٤٢٤ هـ.\n٣٢٩ - الموضح في وجوه القراءات وعللها، لنصر بن علي الشيرازي، تحقيق: عمر الكبيسي، ط: الجماعة الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم بجدة، ط ١، ١٤١٤ هـ.\n٣٣٠ - الموضوعات: لابن الجوزي، ط: أضواء السلف، ط ١، ١٤١٨ هـ، تحقيق: نور الدين بوياجيلار.\n٣٣١ - الموطأ: للإمام ملك، رواية يحيى، صححه ورقمه محمد فؤاد عبدالباقي، ط: دار إحياء الكتب العربية، مصر.\n٣٣٢ - موقف ابن تيمية من الأشاعرة: للدكتور: عبدالرحمن المحمود، ط: مكتبة الرشد، الرياض، ط ٢، ١٤١٦ هـ.\n٣٣٣ - ميزان الاعتدال في نقد الرجال: للذهبي شمس الدين محمد بن أحمد، تحقيق: علي محمد البجاوي، ط: دار المعرفة، بيروت.\n٣٣٤ - ناسخ القرآن ومنسوخه: لابن الجوزي، ط: دار الثقافة العربية، ط ١، ١٤١١ هـ، تحقيق: حسين سليم أسد.\n٣٣٥ - الناسخ والمنسوخ: لأبي جعفر النحاس، ط: مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ١، ١٤١٢ هـ، تحقيق سليمان اللاحم.\n٣٣٦ - الناسخ والمنسوخ: لأبي عبيد القاسم بن سلام، ط: مكتبة الرشد، الرياض، ط ٢، ١٤١٨ هـ، تحقيق: محمد صالح المديفر.\n٣٣٧ - النبوات: لشيخ الإسلام ابن تيمية، ط: أضواء السلف، الرياض، ط ١، ١٤٢٠ هـ، تحقيق: عبدالعزيز الطويان.\n٣٣٨ - النسخ في القرآن الكريم: مصطفى زيد، ط: دار الوفاء، مصر، ط ٣، ١٤٠٨ هـ.\n٣٣٩ - النشر في القراءات العشر: لمحمد بن محمد ابن الجزري، إشرف على مراجعته: علي بن محمد الضباع، مكتبة الرياض الحديثة.\n٣٤٠ - نقض الإمام الدرامي على المريسي: لأبي سعيد عثمان الدارمي، ط: مكتبة الرشد، ط ١، ١٤١٨ هـ، تحقيق: رشيد الألمعي.\n٣٤١ - نكت القرآن الدالة على البيان: للإمام الحافظ محمد بن علي الكرجي القصاب، ط: دار ابن القيم ودار ابن عفان، ط ١، ١٤٢٤ هـ، تحقيق مجموعة من الباحثين.\n٣٤٢ - النكت على مقدمة ابن الصلاح: لابن حجر العسقلاني، ط: دار الراية، الرياض، ط ٤، ١٤١٧ هـ، تحقيق: د. ربيع بن هادي عمير.\n٣٤٣ - النكت في القرآن: لأبي الحسن علي المجاشعي، ط: مكتبة الرشد، ط ١، ١٤٢٧ هـ، تحقيق: إبراهيم الحاج علي.\n٣٤٤ - النكت والعيون: للماوردي، ط: دار الكتب العملية ومؤسسة الكتب الثقافية، ط ١، ١٤١٢ هـ، تحقيق: السيد بن عبدالمقصود بن عبدالرحيم.\n٣٤٥ - النهاية في غريب الحديث: لابن الأثير أبي السعادات مجد الدين المبارك بن محمد، ط: بيت الأفكار الدولية، الأردن، اعتنى به: رائد بن صبري.\n٣٤٦ - هدية العارفين في أسماء المؤلفين وآثار المصنفين: لإسماعيل باشا بن محمد، مصورة دار الفكر، بيروت، مطبوع مع كشف الظنون.\n٣٤٧ - همع الهوامع شرح جمع الجوامع: للسيوطي جلال الدين عبدالرحمن بن أبي بكر، تحقيق: أحمد شمس الدين، ط: دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤١٨ هـ.\n٣٤٨ - الوافي بالوفيات: لصلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي، ط: فرانز شتاينر بفيسبادن، ألمانيا، ١٤٠٤ هـ.\n٣٤٩ - الوسيط في تفسير القرآن: للواحدي أبي الحسن علي بن أحمد، تحقيق: عادل أحمد عبدالموجود وعلي معوض وآخران، ط: دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤١٥ هـ.","vol":"1","page":1141},{"text":"فهرس المصادر والمراجع\n\n١ - إتحاف فضلاء البشر بالقراءات الأربعة عشر للشيخ أحمد بن محمد البنَّا حققه د. شعبان محمد إسماعيل، الطبعة الأولى ١٤٠٧ هـ، نشر: دار عالم الكتب - بيروت.\n٢ - اتفاق المباني وافتراق المعاني لأبي الربيع سليمان بن تقي الدين المصري، تحقيق عبد الرؤوف جبر، الطبعة الأولى ١٩٨٥ م، نشر: دار عمار - عَمان.\n٣ - الإتقان في علوم القرآن للحافظ جلال الدين عبد الرحمن السيوطي، نشر: دار التراث- القاهرة.\n٤ - إثبات صفة العلو لابن قدامة المقدسي، تحقيق: بدر بن عبد الله البدر، الطبعة الأولى ١٤٠٦ هـ، نشر: الدار السلفية- الكويت.\n٥ - إجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية لابن قيم الجوزية، تحقيق: بشير عون، الطبعة الأولى ١٤١٤ هـ، نشر: مكتبة المؤيد- الرياض.\n٦ - الآحاد والمثاني لأبي بكر أحمد بن عمرو الشيباني تحقيق د. باسم بن فيصل الجوابرة، الطبعة الأولى ١٤١١ هـ ١٩٩١ م، نشر: دار الراية- الرياض.\n٧ - أحكام القرآن لأبي بكر أحمد بن علي الرازي الجصاص، راجعه صدقي محمد جميل، نشر: المكتبة التجارية - مكة المكرمة.\n٨ - أحكام القرآن لأبي بكر محمد بن عبد الله ابن العربي، خرج أحاديثه وعلق عليه محمد عبد القادر عطا، نشر: دار الكتب العلمية- بيروت ١٤١٦ هـ.\n٩ - أحكام القرآن لمحمد بن إدريس الشافعي، تحقيق عبد الغني عبد الخالق، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت ١٤٠٠ هـ.\n١٠ - أدب الكاتب لأبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد، الطبعة الرابعة ١٩٦٣ م، نشر: المكتبة التجارية- مصر.\n١١ - إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل لمحمد بن ناصر الدين الألباني، نشر: المكتب الإسلامي- بيروت، الطبعة الثانية ١٤٠٥ هـ ١٩٨٥ م.","vol":"1","page":1},{"text":"١٢  - أسباب النزل لأبي الحسن علي بن أحمد الواحدي، تحقيق السيد أحمد صقر، الطبعة الثالثة ١٤٠٧ هـ، نشر: دار القبلة للثقافة الإسلامية - المملكة العربية السعودية.\n١٣  - الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثار وشرح ذلك كله بالإيجاز والاختصار لأبي عمر يوسف بن عبد البر القرطبي، تحقيق د. عبد المعطي أمين قلعجي، الطبعة الأولى ١٤١٤ هـ، نشر: دار قتيبة - دمشق، بيروت\n١٤  - الاستيعاب في معرفة الأصحاب لأبي عمر يوسف بن عبد البر القرطبي، تحقيق علي محمد معوض وآخر، الطبعة الأولى ١٤١٥ هـ، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت.\n١٥  - أسرار التكرار في القرآن الكريم لمحمود بن حمزة بن نصر الكرماني، تحقيق عبد القادر أحمد عطا، الطبعة الثانية ١٣٩٦ هـ، نشر: دار الاعتصام - القاهرة.\n١٦  - الإصابة في تمييز الصحابة للحافظ ابن حجر العسقلاني، تحقيق علي محمد البجاوي، الطبعة الأولى ١٤١٢ هـ، نشر دار الجيل- بيروت.\n١٧  - إصلاح المنطق لبن السِّكِّيت، تحقيق أحمد محمود شاكر وعبد السلام هارون، الطبعة الرابعة، نشر: دار المعارف - القاهرة.\n١٨  - أصول السنة للإمام أحمد بن حنبل الشيباني، نشر: دار المنار- المملكة العربية السعودية.\n١٩  - الأصول في النحو لأبي بكر محمد بن سهل بن السراج النحوي الغدادي، تحقيق عبد الحسين الفتلي، الطبعة الثالثة ١٩٨٨ م، نشر مؤسسة الرسالة- بيروت.\n٢٠  - أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن لمحمد بن الأمين المختار الشنقيطي، نشر: دار الفكر- بيروت ١٤٢٥ هـ.\n٢١  - الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد على مذهب السلف وأصحاب الحديث لأحمد بن الحسين البيهقي، تحقيق أحمد عصام الكاتب، الطبعة الأولى ١٤٠١ هـ، نشر دار الآفاق الجديدة- بيروت.","vol":"1","page":2},{"text":"٢٢  - الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد على مذهب السلف وأصحاب الحديث لأحمد بن الحسين البيهقي، تحقيق أحمد عصام الكاتب، الطبعة الأولى ١٤٠١ هـ، نشر دار الآفاق الجديدة- بيروت.\n٢٣  - إعتقادات فرق المسلمين والمشركين لمحمد بن عمر الحسين الرازي، تحقيق: علي سامي النشار، نشر: دار الكتب العلمية- بيروت ١٤٠٢ هـ.\n٢٤  - إعراب القرآن الكريم لأبي جعفر أحمد بن محمد بن إسماعيل النحاس، تحقيق د. زهير غازي زاهد، الطبعة الثالة ١٤٠٩ هـ، نشر: دار عالم الكتب - بيروت.\n٢٥  - الأعلام لخير الدين الزركلي، الطبعة الثانية عشرة ١٩٩٧ م، نشر: دار العلم للملايين - بيروت\n٢٦  - الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني، تحقيق سمير جابر، الطبعة الثانية، نشر: دار الفكر- بيروت\n٢٧  - الإغفال لأبي علي الحسن بن أحمد الفارسي، تحقيق وتعليق د. عبد الله بن عمر الحاج إبراهيم، نشر المجمع الثقافي - الإمارات العربية المتحدة.\n٢٨  - الإقناع في القراءات السبع لأبي جعفر أحمد بن إسماعيل بن خلف الأنصاري، تحقيق جمال الدين محمد شرف، نشر: دار الصحابة للتراث بطنطا.\n٢٩  - إملاء ما من به الرحمن من وجوه اإلعراب والقراءات في القرآن لأبي البقاء عبد الله بن الحسين العُكبري، تحقيق إبراهيم عطوه عوض، نشر: المكتبة العلمية - باكستان.\n٣٠  - الأنساب لأبي سعد عبد الكريم بن محمد بن منصور التميمي السمعاني، تقديم وتعليق عبد الله عمر البارودي، الطبعة الأولى ١٤٠٨ هـ، نشر: دار الجنان - بيروت.\n٣١  - الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين البصريين والكوفيين، لأبي البركات عبد الرحمن بن محمد ابن الأنباري، نشر: دار الفكر- دمشق.\n٣٢  - أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك، لبي محمد عبد الله بن هشام الأنصاري، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، الطبعة الخامسة ١٣٩٩ هـ، نشر: دار الجيل-بيروت.","vol":"1","page":3},{"text":"٣٣  - الإيضاح في علوم البلاغة لجلال الدين أبي عبد الله محمد بن سعد الدين القزويني، الطبعة الرابعة ١٩٩٨ م، نشر: دار إحياء العلوم - بيروت.\n٣٤  - الإيمان لمحمد بن إسحاق بن منده، تحقيق د. علي بن محمد بن ناصر الفقيهي، الطبعة الثانية ١٤٠٦ هـ، نشر: مؤسسة الرسالة - بيروت\n٣٥  - بحر العلوم لأبي الليث نصر بن محمد السمرقندي، تحقيق الشيخ علي محمد معوض وآخرون، الطبعة الأولى ١٤١٣ هـ، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت.\n٣٦  - البداية والنهاية للحافظ أبي الفداء إسماعيل بن كثير القرشي، تحقيق د. عبد اللعه بن عبد المحسن التركي، الطبعة الأولى ١٤١٨ هـ، نشر: دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع - مصر.\n٣٧  - البرهان في علوم القرآن لبدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، نشر: دار المعرفة - بيروت.\n٣٨  - بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة لجلال الدين السيوطي، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، نشر: المكتبة العصرية - بيروت.\n٣٩  - البيان في عد آي القرآن لأبي عمرو عثمان بن سعيد الداني، تحقيق غانم قدوري الحمد الطبعة الأولى ١٤١٤ هـ، نشر مركز المخطوطات - الكويت.\n٤٠  - البيان في غريب القرآن لأبي البركات بن الأنباري، تحقيق د. طه عبد الحميد طه، نشر: الهيئة المصرية العامة للكتاب ١٤٠٠ هـ.  - الكتاب\n٤١  - البيان والتبيين لأبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، تحقيق المحامي فوزي عطوي، الطبعة الأولى ١٩٦٨ م، نشر: دار صعب - بيروت.\n٤٢  - تاريخ الخلفاء لعبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد، الطبعة الأولى ١٣٧١ هـ ١٩٥٢ م، نشر: مطبعة السعادة - مصر.\n٤٣  - تاريخ الأمم والملوك لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري، الطبعة الأولى ١٤٠٧ هـ، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت.","vol":"1","page":4},{"text":"٤٤  - التاريخ الكبير لمحمد بن إسماعيل البخاري، تحقيق السيد هاشم الندوي، نشر: دار الفكر- بيروت.\n٤٥  - تاريخ بغداد للخطيب البغدادي، نشر: دار الكتب العلمية- بيروت.\n٤٦  - تاريخ جرجان لأبي القاسم الجرجاني، تحقيق محمد عبد المعيد خان، الطبعة الثالثة ١٤٠١ هـ ١٩٨١ م، نشر: دار عالم الكتب- بيروت.\n٤٧  - تأويل مختلف الحديث لعبد الله بن مسلم قتيبة الدينوري، تحقيق محمد زهري النجار، نشر: دار الجيل - بيروت، ١٩٧٢ م\n٤٨  - تأويل مشكل القرآن لأبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، شرحه ونشره السيد أحمد صقر، نشر المكتبة العلمية.\n٤٩  - التبرج وخطره لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، الطبعة الثالثة ١٤٢٢ هـ، نشر: رئاسة إدارة البحوث العلمية الإفتاء بالمملكة العربية السعودية.\n٥٠  - التبصرة في القراءات لأبي محمد مكي بن أبي طالب القيسي، تحقيق د. محي الدين رمضان، الطبعة الأولى ١٤٠٥ هـ، نشر: المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم - الكويت\n٥١  - التبيان في تفسير القرآن للطوسي، تحقيق أحمد حبيب قصير العاملي، نشر: مكتبة النجف.\n٥٢  - التبيان في تفسير غريب القرآن لشهاب الدين أحمد بن محمد بن الهائم المصري، تحقيق فتحي أنور الدابلوي، الطبعة الأولى ١٤١٢ هـ، نشر: دار الصحابة للتراث - مصر.\n٥٣  - تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في تفسير الكشاف للزمخشري لأبي محمد عبد الله بن يوسف الزيلعي، تقديم عبد الله السعد، الطبعة الأولى ١٤١٤ هـ، نشر: دار ابن خزيمة- الرياض\n٥٤  - تذكرة الحفاظ لأبي عبد الله محمد بن أحمد الذهبي، نشر: دار إحياء التراث العربي- بيروت.","vol":"1","page":5},{"text":"٥٥ - تعجيل المنفعة بزوائد رجال الأئمة الأربعة للحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، تحقيق د. أكرام الله إمداد الحق، الطبعة الأولى ١٤١٦ هـ، نشر: دار البشائر الإسلامية للطباعة والنشر - بيروت.\n٥٦ - التعريف في الأنساب والتنويه لذوي الأحساب، لأحمد بن محمد بن إبراهيم الأشعري القرطبي، تحقيق وتعليق د. سعد بن عبد المقصود ظلام، نشر: دار المنار.\n٥٧ - تفسير ابن أبي حاتم الرازي، تحقيق أسعد محمد الطيب، نشر المكتبة العصرية - بيروت.\n٥٨ - تفسير ابن زمينين، تحقيق أبي عبد الله حسين بن عكاشة ومحمد بن مصطفى الكنز، الطبعة الأولى ١٤٢٣ هـ، نشر: دار الفاروق الحديثة - القاهرة.\n٥٩ - تفسير أبي المظفر السمعاني، تحقيق ياسر بن إبراهيم، الطبعة الأولى ١٤١٨ هـ، نشر دار الوطن - الرياض.\n٦٠ - تفسير البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي، تحقيق عادل عبد الموجود وعلي محمد معوض، الطبعة الأولى ١٤١٣ هـ، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت.\n٦١ - تفسير العز بن عبد السلام، تحقيق عبد الله بن إبراهيم الوهبي، الطبعة الأولى ١٤١٦ هـ، نشر: دار ابن حزم - بيروت.\n٦٢ - تفسير القرآن العظيم للحافظ أبي الفداء إسماعيل بن كثير القرشي، قدم له يوسف المرعشلي، الطبعة الثانية ١٤٠٧ هـ، نشر: دار المعرفة - بيروت.\n٦٣ - تفسير القرآن للإمام عبد الرزاق بن همام الصنعاني، تحقيق د. مصطفى مسلم محمد، الطبعة الأولى ١٤١٠ هـ، نشر: مكتبة الرشد - الرياض.\n٦٤ - التفسير الكبير لفخر الدين محمد بن عمر الرازي، الطبعة الأولى ١٤٢١ هـ، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت.\n٦٥ - تفسير غريب القرآن لعبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، تحقيق السيد أحمد صقر، نشر: دار إحياء الكتب العربية - القاهرة ١٣٧٨ هـ.","vol":"1","page":6},{"text":"٦٦ - تفسير مجاهد بن جبر المكي تحقيق عبد الرحمن الطاهر محمد السورتي، نشر: دار المنشورات العلمية - بيروت.\n٦٧ - تفسير مقاتل بن سليمان بن بشر البلخي، تحقيق أحمد فريد، الطبعة الأولى ١٤٢٤ هـ، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت.\n٦٨ - تقريب التهذيب للحافظ ابن حجر العسقلاني، تحقيق محمد عوامة، الطبعة الأولى ١٤٠٦ هـ ١٩٨٦ م، نشر: دار الرشيد- سوريا.\n٦٩ - تلخيص الحبير في أحاديث الرافعي الكبير لأبي الفضل أحمد بن حجر العسقلاني، تحقيق السيد عبد الله هاشم اليماني المدني.\n٧٠ - التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد لأبي عمر يوسف بن عبد البر القرطبي، تحقيق سعيد أعراب، جمادى الثانية ١٤٠١ هـ.\n٧١ - تنزيل القرآن لمحمد بن شهاب الزهري، تحقيق صلاح الدين المنجد، الطبعة الثانية ١٩٨٠ م، نشر: دار الكتاب الجديد - بيروت.\n٧٢ - تهذيب التهذيب لأبي الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، تحقيق مصطفى عبد القادر عطا، الطبعة الأولى ١٤١٥ هـ، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت.\n٧٣ - تهذيب اللغة لأبي منصور محمد بن أحمد الأزهري، تحقيق د. عبد الحليم النجار وآخرون، نشر: الدار المصرية للتأليف والترجمة.\n٧٤ - تهذيب الكمال للحافظ المزي، تحقيق بشار عواد معروف، الطبعة الأولى ١٤٠٠ هـ ١٩٨٠ م، نشر: مؤسسة الرسالة- بيروت.\n٧٥ - التيسير في القراءات السبع لأب عمرو عثمان بن سعيد الداني، الطبعة الثالثة ١٤٠٦ هـ، نشر: دار الكتاب العربي - بيروت.\n٧٦ - الثقات لأبي حاتم التميمي البستي، تحقيق السيد شرف الدين أحمد، الطبعة الأولى ١٩٧٥ م، نشر: دار الفكر- بيروت.\n٧٧ - ثمار القلوب في المضاف والمنسوب لأبي منصور عبد الملك بن محمد الثعالبي، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، الطبعة الأولى ١٩٦٥ م، نشر: دار المعارف - القاهرة.","vol":"1","page":7},{"text":"٧٨ - جامع البيان عن تأويل آي القرآن لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري، تحقيق د. عبدالله بن عبد المحسن التركي، الطبعة الأولى ١٤٢٢ هـ، نشر: دار هجر للبحوث والدراسات العربية - القاهرة.\n٧٩ - جامع بيان العلم وفضله لأبي عمر يوسف بن عبد البرالقرطبي، تحقيق أبي الأشبال الزهيري، الطبعة الثانية ١٤١٤٦ هـ، نشر: دار ابن الجوزي- الدمام.\n٨٠ - الجامع لأحكام القرآن الكريم لأبي عبد الله محمد بن أحمد القرطبي، الطبع الثالثة، ١٩٨٧ م، نشر: الهيئة المصرية العامة للكتاب.\n٨١ - الجرح والتعديل لعبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي، الطبعة الأولى، نشر: دار إحياء التراث العربي- بيروت.\n٨٢ - جمال القراء وكمال الإقراء لأبي الحسن علي بن محمد بن عبد الصمد المعروف بعلم الدين السخاوي، تحقيق عبد الحق عبد الدايم سيف القاضي، الطبعة الأولى ١٤١٩ هـ ١٩٩٩ م، نشر: مؤسسة الكتب الثقافية - بيروت.\n٨٣ - جمهرة أنساب العرب لأبي محمد علي بن أحمد بن حوم الأندلسي، تحقيق عبد السلام هارون، الطبعة الرابعة، نشر: دار المعارف - مصر.\n٨٤ - الجنى الداني في حروف المعاني للحسين قاسم المرادي، تحقيق: فخر الدين قباوة، الطبعة الأولى ١٤١٣ هـ، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت.\n٨٥ - حاشية الروض المربع شرح زاد المستقنع لعبد الرحمن بن بمحمد بن قاسم النجدي، الطبع الرابعة ١٤١٠ هـ.\n٨٦ - حجة القراءات لعبد الرحمن بن بن محمد بن زنجلة أبو زرعة، تحقيق سعيد الأفغاني، الطبعة الثانية ١٤٠٢ هـ- ١٩٨٢ م، نشر مؤسسة الرسالة-ة بيروت.\n٨٧ - الحجة في القراءات السبع للإمام ابن خالويه، تحقيق د. عبد العال سالم مكرم، الطبعة السادسة ١٤١٧ هـ، نشر: مؤسسة الرسالة - بيروت.","vol":"1","page":8},{"text":"٨٨ - الحجة للقراء السبعة لأبي الحسن علي بن عبد الغفار الفارسي، حققه بدر الدين قهوجي وبشير حويجاتي، الطبعة الأولى ١٤١٣ هـ، نشر: دار المأمون للتراث - دمشق.\n٨٩ - حلية الأولياء وطبقات الأصفياء لأبي نعيم أحمد بن عبد الله الأصفهاني، الطبعة الرابة ١٤٠٥ هـ، نشر: دار الكتاب العربي - بيروت.\n٩٠ - خزانة الأدب وغاية الأرب لتقي الدين أبي بكر علي بن عبد الله الحموي، تحقيق عصام شعيتو، الطبعة الأولى ١٩٨٧ م، نشر: دار ومكتبة الهلال- بيروت\n٩١ - الخصائص لأبي الفتح عثمان بن جني، تحقيق محمد علي النجار، نشر: دار عالم الكتب- بيروت. - الكتاب\n٩٢ - الدر المصون في علوم الكتاب المكنون للسمين الحلبي، تحقيق علي محمد معوض، الطبعة الأولى ١٤١٤ هـ، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت.\n٩٣ - الدر المنثور في التفسير بالمأثور لجلال اليد السيوطي، تحقيق د. عبد الله بن عبد المحسن التركي، الطبعة الأولى ١٤٢٤ هـ، نشر: مركز هجر للبحوث والدراسات العربية والإسلامية - القاهرة\n٩٤ - الدراري المضية شرح الدرر البهية لمحمد بن علي الشوكاني، نشر: دار الجيل - بيروت ١٤٠٧ هـ\n٩٥ - دلائل الإعجاز لأبي بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجاني، تحقيق محمد التنجي، الطبعة الأولى ١٩٩٥ م، نشر: دار الكتاب العربي- بيروت.\n٩٦ - دلائل التحقيق لإبطال قصة الغرانيق رواية ودراية لعلي حسن عبد الحميد الحلبي الأثري، نشر: مكتبة الصحابة-جدة ١٤١٢ هـ.\n٩٧ - ديوان ابن مقبل، تحقيق د. عزة حسن، نشر: وزارة الثقافة والإرشاد القومي- دمشق ١٣٨١ هـ.\n٩٨ - ديوان أبي العتاهية، نشر: دار بيروت للطباعة والنشر ١٩٨٦ م.\n٩٩ - ديوان الأعشى ميمون بن قيس، شرح وتعليق د. م. محمد حسين، نشر: مكتبة الآداب بالجماميز.","vol":"1","page":9},{"text":"١٠٠ - ديوان التلمس الضبعي، رواية الثرم وأبي عبيدة عن الأصمعي، تحقيق وشرح حسن كامل الصيفي، نشر: معهد المخطوطات العربية بجامعة الدول العربية ١٣٩٠ هـ ١٩٧٠ م.\n١٠١ - ديوان الحماسة البصرية لصدر الدين علي بن أبي الفرج بن الحسن البصري، تحقيق مختار الدين أحمد، نشر: دار عالم الكتب - بيروت.\n١٠٢ - ديوان الشَّمَّاخ بن ضرار الذبياني، حققه صلاح الدين الهادي، نشر: دار المعارف - القاهرة. - الكتاب\n١٠٣ - ديوان العجاج رواية عبد الملك بن قريب الأصمعي، تحقيق د. عزة حسن، نشر: دار الشرق - بيروت.\n١٠٤ - ديوان العرجي رواية أبو الفتح بن جني، شرحه وحققه خضر الطائي ورشيد العبيدي، الطبعة الأولى ١٣٧٥ هـ ١٩٥٦ م، نشر: الشركة الإسلامية للطباعة والنشر المحدودة - بغداد.\n١٠٥ - ديوان امرئ القيس، جمع وشرح حسن السندوبي، الطبعة الأولى ١٤١٠ هـ، نشر: دار إحياء العلوم - بيروت.\n١٠٦ - ديوان أمية بن أبي الصلت، جمع وتحقيق ودراسة د. عبد الحفيظ السطلي، نشر: المطبعة التعاونية - دمشق ١٩٧٤ م.\n١٠٧ - ديوان بشار بن برد، جمع وتحقيق وشرح الشيخ محمد الطاهر بن عاشور، نشر: الشركة التونسية للتوزيع ١٩٧٦ م.\n١٠٨ - ديوان جرير، شرح تاج الدين شلق، الطبعة الثانية ١٤١٥ هـ، نشر: دار الكتاب العربي - بيروت.\n١٠٩ - ديوان حسان بن ثابت ﵁، حققه وعلق عليه د. وليد عرفات، نشر: دار صادر- بيروت ١٩٧٤ م.\n١١٠ - ديوان ذي الرمة، غيلان بن عقبة العدوي، رواية الإمام أبي العباس ثعلب، حققه وقدم له د. عبد القوس أبو صالح، الطبعة الثالثة، ١٤١٤ هـ، نشر: مؤسسة الرسالة - بيروت.\n١١١ - ديوان رؤبة بن العجاج ضمن مجموعة أشعار العرب، اعتنى بتصحيحه وليم بن الورد البروسي، الطبعة الأولى ١٩٧٩ م، نشر: دار الآفاق الجديدة - بيروت.","vol":"1","page":10},{"text":"١١٢ - ديوان زهير بن أبي سلمى، صنعه الأعلم الشنتمري، تحقيق فخر الدين قباوة، الطبعة الأولى ١٣٩٠ هـ، نشر: المطبعة العربية - حلب.\n١١٣ - ديوان طرفة بن العبد البكري مع شرح الأعلم الشنتمري، اعتنى بتصحيحه مكس سلغسون، طبع في مدينة شالون ١٩٠٠ م.\n١١٤ - ديوان عبد الصمد بن المعذل، حققه وقدم له زهير غازي زاهد، نشر: مطبعة النعمان - النجف الأشرف ١٣٩٠ هـ\n١١٥ - ديوان عبد الله بن قيس الرقيات، تحقيق وشرح د. يوسف نجم، نشر: دار صادر - بيروت ١٣٧٨ هـ.\n١١٦ - ديوان عبيد بن الأبرص، شرحه أشرف أحمد عَدَرَة، الطبعة الأولى ١٤١٤ هـ، نشر: دار الكتاب العري - بيروت.\n١١٧ - ديوان علقمة الفحل بشرح أبي الحجاج الأعلم الشنتمري، حققه لطفي الصقال ودريد الخطيب، الطبعة الأولى ١٣٨٩ هـ ١٩٦٩ م، نشر: دار الكتاب العرب - حلب.\n١١٨ - ديوان عمر بن أبي ربيعة، نشر: دار بيروت للطباعة والنشر ١٤٠٧ هـ ١٩٨٧ م.\n١١٩ - ديوان عنترة، تحقيق محمد سعيد مولوي، الطبعة الثانية ١٤٠٣ هـ، نشر: المكتب الإسلامي - بيروت.\n١٢٠ - روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني لمحمود الألوسي البغدادي، ضبطه وصححه علي عبد الباري عطية، الطبعة الأولى ١٤١٥ هـ، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت.\n١٢١ - الروح في الكلام على أرواح الأموات والأحياء بالدلائل من الكتاب والسنة، لابن قيم الجوزية، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت، ١٣٩٥ هـ ١٩٧٥ م.\n١٢٢ - الروض الأنف في شرح السيرة النبوية لابن هشام للإمام عبد الرحمن السُّهَيْلي، تحقيق وتعليق عبد الرحمن الوكيل،، نشر: دار الكتب الحديثة - القاهرة.\n١٢٣ - زاد المسير في علم التفسير لأبي الفَرَج عبد الرحمن بن الجوزي، الطبعة الرابعة ١٤٠٧ هـ، نشر: المكتب الإسلامي - بيروت.","vol":"1","page":11},{"text":"١٢٤ - زاد المعاد في هدي خير العباد لشمس الدين ابن قيم الجوزية، تحقيق شعيب الأرنؤوط وعبد القادر الأرنؤوط، الطبعة السادسة والعشرون ١٤١٢ هـ، نشر: مؤسسة الرسالة - بيروت.\n١٢٥ - الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي لمحمد بن أحمد أبو منصور الأزهري، تحقيق: د. محمد جبر الألفي، الطبعة: الأولى ١٣٩٩ هـ، نشر: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية- الكويت.\n١٢٦ - السبعة في القراءات لأبي بكر أحمد بن موسى بن مجاهد، تحقيق شوقي ضيف، الطبعة الثانية ١٤٠٠ هـ، نشر: دار المعارف - مصر.\n١٢٧ - سلسلة الأحاديث الصحيحة للشيخ محمد ناصر الدين الألباني، نشر: مكتية المعارف- الرياض.\n١٢٨ - السلسلة الضعيفة لمحمد بن ناصر الدين الألباني، نشر: مكتبة المعارف- الرياض.\n١٢٩ - سنن االترمذي، تحقيق أحمد محمد شاكر وآخرون، نشر دار إحياء التراث العربي - بيروت.\n١٣٠ - سنن ابن ماجة، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، نشر دار الفكر- بيروت.\n١٣١ - سنن أبي داود السجستاني، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد، نشر دار الفكر- بيروت.\n١٣٢ - سنن الإمام النسائي، تحقيق عبد الفتاح أبو غدة، الطبة الثانية ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م، نشر مكتبة المطبوعات الإسلامية- حلب.\n١٣٣ - سنن الدارقطني لأبي الحسن علي بن عمر الدارقطني البغدادي، تحقيق السيد عبد الله هاشم يماني المدني، نشر: دار المعرفة - بيروت ١٣٨٦ هـ ١٩٦٦ م.\n١٣٤ - السنن الكبرى لأبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي، تحقيق محمد عبد القادر عطا، نشر: مكتبة دار الباز - مكة المكرمة ١٤١٤ هـ ١٩٩٤ م.\n١٣٥ - السنن الواردة في الفتن وغوائلها والساعة وأشراطها لأبي عمرو عثمان بن سعيد الداني، تحقيق ضياء الله بن محمد إدريس المباركفوري، الطبعة الأولى ١٤١٦ هـ، نشر: دار العاصمة - الرياض.","vol":"1","page":12},{"text":"١٣٦  - سير أعلام النبلاء لشمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، تحقيق شعيب الأرنؤوط، الطبعة العاشرة ١٤١٤ هـ، نشر: مؤسسة الرسالة - بيروت.\n١٣٧  - السيرة النبوية لابن هشام الأنصاري، علق عليها عمر عبد السلام تدمري، الطبعة الرابعة ١٤١٣ هـ، نشر: دار الكتاب العربي - بيروت.\n١٣٨  - السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار لمحمد بن علي الشوكاني، تحقيق محمود إبراهيم زايد، الطبعة الأولى ١٤٠٥ هـ، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت.\n١٣٩  - شرح ديوان المتنبي لعبد الرحمن البرقوقي، نشر: دار الكتاب العربي - بيروت ١٤٠٧ هـ ١٩٨٦ م.\n١٤٠  - شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب لعبد الله بن يوسف بن هشام، تحقيق عبد الغني الدقر، الطبعة الأولى ١٩٨٤ م، نشر: الشركة المتحدة للتوزيع - دمشق.\n١٤١  - شواذ القراءات لأبي عبد الله محمد بن نصر الكرماني، تحقيق د. شمران العجلي، الطبعة الأولى ١٤٢٢ هـ، نشر: مؤسسة البلاغ - بيروت\n١٤٢  - الشواذ لابن خالويه، نشر: برجشتراسر - مصر ١٩٣٤ م.\n١٤٣  - صبح الأعشى في صناعة الإنشا، لأحمد بن علي القلقشندي، تحقيق يوسف علي طويل، الطبعة الأولى ١٩٨٧ م، نشر: دار الفكر- دمشق.\n١٤٤  - الصحاح لأبي نصر إسماعيل بن حماد الجوهري، وعليه حواشي عبد الله بن بري بن أبي الوحش، الطبعة الأولى ١٤١٩ هـ، نشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت.\n١٤٥  - صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان، تحقيق شعيب الأرنؤوط، الطبعة الثانية ١٤١٤ هـ - ١٩٩٣ م، نشر مؤسسة الرسالة - بيروت.\n١٤٦  - صحيح ابن خزيمة، تحقيق محمد مصطفى الأعظمي، نشر المكتب الإسلامي- بيروت ١٣٩٠ هـ- ١٩٧٠ م.\n١٤٧  - صحيح الإمام البخاري، الطبعة الأولى ١٤١٢ هـ، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت.\n١٤٨  - صحيح الإمام مسلم بن الحجاج، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، نشر دار إحياء التراث العربي- بيروت.","vol":"1","page":13},{"text":"١٤٩  - صحيح مسلم بشرح الإمام النووي حققه خليل مأمون شيحا، الطبعة الثالثة ١٤١٧ هـ، نشر: دار المعرفة - بيروت.\n١٥٠  - الضعفاء الكبير لأبي جعفر محمد بن عمر العقيلي، تحقيق: عبد المعطي أمين قلعجي، الطبعة الأولى ١٤٠٤ هـ، نشر: دار المكتبة العلمية- بيروت\n١٥١  - ضعيف الترغيب والترهيب لمحمد بن ناصر الدين الألباني، نشر: مكتبة المعارف- الرياض.\n١٥٢  - طبقات المحدثين بأصبهان والواردين عليها لابن حبان، تحقيق عبد الغفور عبد الحق حسين البلوشي، الطبعة الأولى ١٤١٢ هـ ١٩٩٢ م، نشر: مؤسسة الرسالة- بيروت.\n١٥٣  - طبقات المدلسين للحافظ ابن حجر العسقلاني، تحقيق د. عاصم ابن عبد الله القريوتي، الطبعة الأولى ١٤٠٣ هـ ١٩٨٣ م، نشر: مكتبة المنار- عَمَّان.\n١٥٤  - طبقات المفسرين لشمس الدين محمد بن علي الداوودي، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت.\n١٥٥  - طبقات المفسرين للحافظ جلال الدين السيوطي، تحقيق علي محمد عمر، الطبعة الأولى ١٣٩٦ هـ، نشر: مكتبة وهبة - القاهرة.\n١٥٦  - طبقات فحول الشعراء لابن سلام الجمحي، شرحه محمد أحمد شاكر، نشر: مطبعة المدني - مصر.\n١٥٧  - ظِلال الجنة في تخريج السنة لابن أبي عاصم، للشيخ محمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الثالثة ١٤١٣ هـ ١٩٩٣ م، نشر المكتب الإسلامي- بيروت.\n١٥٨  - العلل المتناهية في الأحاديث الواهية، لعبد الرحمن بن الجوزي، تحقيق خليل الميس، الطبعة الأولى ١٤٠٣ هـ، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت.\n١٥٩  - العمدة في غريب القرآن لأبي محمد مكي بن أبي طالب القيسي، شرح وتعليق يوسف أحمد المرعشلي، الطبعة الأولى ١٤٠١ هـ، نشر: مؤسسة الرسالة - بيروت.\n١٦٠  - العنوان في القراءات السبع لأبي طاهر إسماعيل بن خلف المقرئ الأنصاري، تحقيق د. زهير زاهر، ود. خليل العطية، الطبعة الأولى ١٤٠٥ هـ، نشر: دار عالم الكتب - بيروت.","vol":"1","page":14},{"text":"١٦١  - عون المعبود شرح سنن أبي داود لمحمد شمس الحق العظيم أبادي، الطبعة الثانية ١٤١٥ هـ، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت.\n١٦٢  - الغاية في القراءات العشر لأحمد بن الحسين بن مهران النيسابوري، تحقيق محمد غياث الجنباز، الطبعة الأولى ١٤٠٥ هـ، طبع: شركة العبيكان - الرياض.\n١٦٣  - غرائب التفسير وعجائب التأويل لتاج القراء محمود بن حمزة الكرماني، تحقيق د. شمران سركال العجلي، الطبعة الأولى ١٤٠٨ هـ، نشر: دار القبلة - جدة.\n١٦٤  - غريب الحديث لأبي الفرج عبد الرحمن بن الجوزي، تحقيق عبد المعطي أمين قلعجي، الطبعة الأولى ١٩٨٥ م، نشر: دار الكتب العلمية- بيروت.\n١٦٥  - غريب الحديث لأبي سليمان الخطابي، تحقيق عبد الكريم بن إبراهيم العزباوي، نشر: جامعة أم القرى- مكة المكرمة ١٤٠٢ هـ.\n١٦٦  - غريب الحديث لعبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، تحقيق: د. عبد الله الجبوري، الطبعة الأولى ١٣٩٧ هـ، نشر: مطبعة العاني- بغداد.\n١٦٧  - الفائق في غريب الحديث لمحمود بن عمر الزمخشري، تحقيق: على محمد البيجاوي، محمد أبو الفضل إبراهيم، الطبعة الثانية، نشر: دار المعرفة- لبنان.\n١٦٨  - فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، جمع وترتيب أحمد عبد الرزاق الدويش، الطبعة الأولى ١٤٢٢ هـ، طبع ونشر: رئاسة إدارة البحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية.\n١٦٩  - فتح الباري بشرح صحيح البخاري للحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، رقمه وصححه محمد فؤاد عبد الباقي ومحب الدين الخطيب، الطبعة الثالثة ١٤٠٩ هـ، نشر: دار الريان للتراث - القاهرة.\n١٧٠  - فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير لمحمد بن علي الشوكاني، نشر: دار الفكر - بيروت ١٤٠٩ هـ.","vol":"1","page":15},{"text":"١٧١  - الفرق بين الفرق وبيان الفرقة الناجية لعبد القاهر بن طاهر البغدادي، الطبعة الثانية ١٩٧٧ م، نشر دار الآفاق الجديدة- بيروت.\n١٧٢  - فصل المقال في شرح كتاب الأمثال لأبي عبيد البكري، تحقيق د. إحسان عباس ود. عبد المجيد عابدين، الطبعة الثالثة ١٩٨٣ م، نشر: مؤسسة الرسالة - بيروت.\n١٧٣  - الفصل في المل والأهواء والنحل لابن حزم الظاهري، نشر مكتبة الخانجي- القاهرة\n١٧٤  - فضائل القرآن وما أنزل من القرآن بمكة وما أنزل بالمدينة، لأبي عبد الله محمد بن أيوب بن الضِّرِّيس البجلي، تحقيق غزوة بدير، الطبعة الأولى ١٤٠٨ هـ، نشر: دار الفكر للطباعة والتوزيع والنشر - دمشق.\n١٧٥  - قرى الضيف لعبد الله بن محمد بن سفيان بن قيس، تحقيق عبد الله بن حمد المنصور، الطبعة الأولى ١٩٩٧ م، نشر: أضواء السلف - الرياض.\n١٧٦  - القطع والائتناف لأبي جعفر أحمد بن بن محمد النحاس، تحقيق أحمد فريد المزيدي، الطبعة الأولى ١٤٢٣ هـ، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت.\n١٧٧  - قلائد المرجان في معرفة الناسخ والمنسوخ من القرآن، لمرعي بن يوسف بن أبي بكر الكرمي، تحقيق سامي عطا حسن، نشر دار القرآن الكريم- الكويت ١٤٠٠ هـ.\n١٧٨  - الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة، للإمام أبي عبد الله الذهبي، تحقيق محمد عوامة، الطبعة الأولى ١٤١٣ هـ ١٩٩٢ م، نشر: دار القبلة للثقافة الإسلامية- جدة.\n١٧٩  - الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي، تحقيقك يحيى غزاوي، الطبعة الثالثة ١٤٠٩ هـ ١٩٨٨ م، نشر: دار الفكر- بيروت\n١٨٠  - كتاب الإيمان لشيخ الإسلام ابن تيمية، خرج أحاديثه الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الرابعة ١٤١٣ هـ ١٩٩٣ م، نشر: المكتب الإسلامي - بيروت.\n١٨١  - كتاب الجُمَل في النحو للخليل بن أحمد الفراهيدي، تحقيق د. فخر الدين قباوة، الطبة الخامسة ١٩٩٥ م.","vol":"1","page":16},{"text":"١٨٢  - كتاب السبعة لأبي بكر بن مجاهد، تحقيق د. شوقي ضيف، الطبعة الثانية ١٤٠٠ هـ، نشر دار المعارف- القاهرة.\n١٨٣  - كتاب العين للخليل بن أحمد الفراهيدي، تحقيق د. مهدي المخزومي، د. إبراهيم السامرائي، نشر: دار ومكتبة الهلال- بيروت.\n١٨٤  - كتاب اللامات لأبي القاسم عبد الرحمن بن إسحاق، تحقيق مازن المبارك، الطبعة الثانية ١٩٨٥ هـ، نشر: دار الفكر- بيروت.\n١٨٥  - كتاب النبوات لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني، نشر: المطبعة السلفية- القاهرة، ١٣٨٦ هـ.\n١٨٦  - الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل لأبي القاسم محمود بن عمر الزمخشري، تحقيق عادل أحمد عبد الموجود وعلي محمد معوض، الطبعة الأولى ١٤١٨ هـ، نشر: مكتبة العبيكان - الرياض.\n١٨٧  - الكشف عن وجوه القراءات السبع وعِلَلِهل وحججها لأبي محمد مكي بن أبي طالب القيسي، تحقيق د. محي الدين رمضان، الطبعة الخامسة ١٤١٨ هـ، نشر: نؤسسة الرسالة- بيروت.\n١٨٨  - الكشف والبيان لأبي إسحاق أحمد بن محمد الثعلبي، تحقيق محمد بن عاشور، الطبعة الأولى ١٤٢٢ هـ، نشر: دار إحياء التراث - بيروت.\n١٨٩  - الكلم الطيب لشيخ الإسلام ابن تيمية، تحقيق الشيخ محمد بن ناصر الدين الألباني، الطبعة الثالثة ١٩٧٧ م، نشر: المكتب الإسلامي - يبروت.\n١٩٠  - كنز العمال في سنن القوال والأفعال لعلي بن حسام الدين المتقي الهندي، نشر: مؤسسة الرسالة - بيروت\n١٩١  - لباب التأويل في معن التنزيل لعلاء الدين علي بن محمد البغدادي المعروف بالخازن، الطبعة الأولى ١٤١٥ هـ، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت.\n١٩٢  - لباب النقول في أسباب النزول لجلال الدين السيوطي، اعتنى به عبد المجيد طعمة حلبي، الطبعة الأولى ١٤١٨ هـ، نشر: دار المعرفة - بيروت.","vol":"1","page":17},{"text":"١٩٣  - لسان العرب لابن منظور، اعتنى به أمين محمد عبد الوهاب ومحمد الصادق العبيدي، الطبعة الأولى ١٤١٦ هـ، نشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت.\n١٩٤  - لسان الميزان للحافظ ابن حجر العسقلاني، الطبعة الثالثة ١٤٠٦ هـ ١٩٨٦ م، نشر: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات- بيروت.\n١٩٥  - لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية شرح الدرة المضية في عقيدة الفرقة المرضية للشيح محمد السفاريني الحنبلي، مع تنبيهات للشيخ عبد الرحمن أبابطين، والشيخ سليمان بن سحمان، الطبعة الثالث ١٤١١ هـ، نشر: المكتب الإسلامي - بيروت.\n١٩٦  - مجاز القرآن لأبي عبيد معمر بن المثنى، تحقيق د. فؤاد سزكين، نشر: مكتبة الخانجي - القاهرة.\n١٩٧  - المجروحين لأبي حاتم محمد بن حبان البستي، تحقيق محمود إبراهيم زايد، نشر: دار الوعي- حلب\n١٩٨  - مجمع الأمثال لأبي الفضل أحمد بن محمد الميداني النيسابوري، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد، نشر: دار المعرفة- بيروت.\n١٩٩  - مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية، جمع وترتيب عبد الرحمن بن محمد بن قاسم النجدي، طبع ١٤١٨ هـ.\n٢٠٠  - محاسن التأويل لمحمد جمال الدين القاسمي، الطبعة الثانية - ١٣٩٨ هـ، نشر: دار الفكر - بيروت.\n٢٠١  - المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها لأبي الفتح عثمان بن جني، دراسة وتحقق محمد عبد القادر عطا، الطبعة الأولى ١٤١٩ هـ، نشر دار الكتب العلمية - بيروت\n٢٠٢  - المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لأبي محمد عبد الحق بن غالب بن عطية، تحقيق عبد السلام عبد الشافي محمد، الطبعة الأولى ١٤١٣ هـ، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت\n٢٠٣  - مختصر طبقات الفقهاء لأبي زكريا يحيى بن شرف النووي، تحقيق عادل عبد الموجود وعلي معوض، الطبعة الأولى ١٤١٦ هـ، نشر: مؤسسة الكتب الثقافية - بيروت.","vol":"1","page":18},{"text":"٢٠٤  - المزهر في علوم اللغة وأنواعها، لجلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر عبد الرحمن السيوطي، تحقيق فؤاد على منصور، الطبعة الأولى ١٩٩٨ م، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت\n٢٠٥  - المستدرك على الصحيحين لأبي عبد الله الحاكم النيسابوري، تحقيق مصطفى عبدالقادر عطا، الطبعة الأولى ١٤١٢١ هـ- ١٩٩٠ م، نشر دار الكتب العلمية- بيروت.\n٢٠٦  - المستقصى في أمثال العرب، لأبي القاسم محمود بن عمر الزمخشري، الطبعة الثانية ١٩٨٧ م، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت.\n٢٠٧  - مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني، نشر مؤسسة قرطبة- القاهرة.\n٢٠٨  - مسند الإمام الشافعي، نشر دار الكتب العلمية- بيروت.\n٢٠٩  - مسند الشاميين لأبي القاسم الطبراني، تحقيق حمدي بن عبد المجيد السلفي، الطبعة الأولى ١٤٠٥ هـ ١٩٨٤ م، نشر: مؤسسة الرسالة- بيروت.\n٢١٠  - مسند الشهاب لمحمد بن سلامة أبو عبد الله القضاعي، تحقيق: حمدي بن عبد المجيد السلفي، الطبعة الثانية ١٤٠٧ هـ ١٩٨٦ م، نشر مؤسسة الرسالة- بيروت.\n٢١١  - مشاهير علماء الأمصار لأبي حاتم محمد بن حبان البستي، تحقيق م. فلايشمهر، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت، ١٩٥٩ م.\n٢١٢  - المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي، لأحمد بن محمد بن علي الفيومي، نشر: المكتبة العلمية- بيروت.\n٢١٣  - معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول للشيخ حافظ بن أحمد الحكمي، تحقيق عمر بن محمود أبو عمر، الطبعة الأولى ١٤١٠ هـ ١٩٩٠ م، نشر: دار ابن القيم-الدمام\n٢١٤  - معالم التنزيل لمحيي السنة أبي محمد الحسين بن مسعود البغوي، تحقيق محمد عبد الله النمر وآخرون، الطبعة الثالثة ١٤١٦ هـ، نشر: دار طيبة للنشر والتوزيع - الرياض.\n٢١٥  - معاني القرآن لأبي جعفر أحمد بن محمد النحاس، تحقيق محمد بن على الصابوني، الطبعة الأولى ١٤٠٩ هـ، نشر: جامعة أم القرى.","vol":"1","page":19},{"text":"٢١٦  - معاني القرآن لأبي زكريا يحيى بن زياد الفراء، تحقيق الأستاذ محمد علي النجار، نشر: دار السرور.\n٢١٧  - معاني القرآن لسعيد بن مسعدة البلخي المعروف بالأخفش، دراسة وتحقيق د. عبد الأمير محمد أمين الورد، الطبعة الأولى ١٤٠٥ هـ، نشر: دار عالم الكتب - بيروت.\n٢١٨  - معاني القرآن وإعرابه لأبي إسحاق إبراهيم بن السِّرِّي الزجاج، تحقيق د. عبد الجليل عبده شلبي، نشر: دار الحديث - القاهرة ١٤٢٤ هـ.\n٢١٩  - معجم الأدباء لياقوت الحموي، طبع القاهرة- ١٩٣٨ م.\n٢٢٠  - المعجم الأوسط لأبي القاسم الطبراني، تحقيق: طارق بن عوض الله بن محمد، عبد المحسن الحسيني، نشر: دار الحرمين- القاهرة، ١٤١٥ هـ.\n٢٢١  - معجم البلدان لياقوت بن عبد الله الحموي، نشر: دار الفكر- بيروت\n٢٢٢  - المعجم الصغير لأبي القاسم الطبراني، تحقيق: محمد شكور محمود الحاج أمير، الطبعة الأولى ١٤٠٥ هـ ١٩٨٥ م، نشر المكتب الإسلامي، دار عمار- بيروت، عمان.\n٢٢٣  - المعجم الكبير لأبي القاسم الطبراني، تحقيق حمدي بن عبد المجيد السلفي، الطبعة الثانية ١٤٠٤ هـ ١٩٨٣ م، نشر مكتبة العلوم والحكم- الموصل.\n٢٢٤  - معجم المؤلفين لعمر رضا كحالة، الطبعة الأولى ١٤١٤ هـ ١٩٩٣ م، نشر: مؤسسة الرسالة - بيروت.\n٢٢٥  - المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي، صنعه أي ونسك، نشر: مطبعة بريل في مدينة ليدن ١٩٦٧ م.\n٢٢٦  - المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم وضعه محمد فؤاد عبد الباقي، الطبعة الثانية ١٤٠٨ هـ، نشردار الحديث - القاهرة.\n٢٢٧  - معجم قبائل العرب القديمة والحديثة لعمر رضا كحالة، نشر: دار العلم للملايين - بيروت ١٣٨٨ هـ.\n٢٢٨  - معجم ما استعجم من أسماء البلاد والمواضع لعبد الله بن عبد العزيز البكري الأندلسي، تحقيق: مصطفى السقا، الطبعة: الثالثة ١٤٠٣ هـ نشر: عالم الكتب- بيروت.","vol":"1","page":20},{"text":"٢٢٩  - معرفة الثقات لأحمد بن عبد الله العجلي، تحقيق عبد العليم بن عبد العظيم البستوي، الطبعة الأولى ١٤٠٥ هـ ١٩٨٥ م، نشر: مكتبة الدار- المدينة المنورة.\n٢٣٠  - معرفة القراء الكبار على الطبقات والأعصار لأبي عبد الله محمد بن أحمد الذهبي، تحقيق بشار عواد معروف وشعيب الأرناؤوط وصالح مهدي عباس، الطبعة الأولى ١٤٠٤ هـ، نشر: مؤسسة الرسالة - بيروت\n٢٣١  - مغني اللبيب عن كتب الأعاريب لجمال الدين أبو محمد عبد الله بن يوسف بن هشام الأنصاري، تحقيق د. مازن المبارك ومحمد علي حمد الله، الطبعة السادسة ١٩٨٥ م، نشر: دار الفكر- بيروت\n٢٣٢  - مفردات ألفاظ القرآن الكريم للراغب الأصفهاني، تحقيق صفوان عدنان داوودي، الطبعة الأولى ١٤١٢ هـ ١٩٩٢ م، نشر: دار القلم - دمشق، الدار الشامية - بيروت.\n٢٣٣  - المفصل في صنعة الإعراب لأبي القاسم محمود بن عمر الزمخشري، تحقيق د. علي بو ملحم، الطبعة الأولى ١٩٩٣ م، نشر: دار ومكتبة الهلال - بيروت.\n٢٣٤  - المغني في فقه الإمام أحمد بن حنبل الشيباني لبعد الله بن قدامه المقدسي، الطبعة الأةلى، نشر: دار الفكر- بيروت.\n٢٣٥  - المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم لأبي العباس أحمد بن عمر القرطبي، تحقيق محيي الدين ديب ميسو، وآخرون، الطبعة الأولى ١٤١٧ هـ، نشر: دار ابن كثير - دمشق، بيروت\n٢٣٦  - مقدمتان في علوم القرآن نشرهما المستشرق آثر جفري، صححها عبد الله إسماعيل الصاوي، الطبعة الثانية، نشر: مكتبة الخانجي - القاهرة.\n٢٣٧  - المقنع لان قدامة المقدسي ومعه الشرح الكبير لأبي الفرج عبد الرحمن بن محمد بن قدامة المقدسي، ومعهما الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف لأبي الحسن علي بن سليمان المرداوي، تحقيق د. عبد الله بن عبد المحسن التركي، الطبع الأولى ١٤١٧ هـ، نشر: دار هجر - مصر.","vol":"1","page":21},{"text":"٢٣٨  - المكتفى في الوقف والابتدا لأبي عمرو عثمان بن سعيد الداني، تحقيق جمال الدين محمد شرف، نشر: دار الصحابة للتراث بطنطا ١٤٢٧ هـ.\n٢٣٩  - الملل والنِّحَل لمحمد بن عبد الكريم بن أبي بكر الشهرستاني، تحقيق محمد سيد كيلاني، نشر دار المعرفة- بيروت ١٤٠٤ هـ.\n٢٤٠  - الموطأ للإمام مالك بن أنس، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، نشر: دار إحياء التراث العربي- مصر.\n٢٤١  - ميزان الاعتدال في نقد الرجال لشمس الدين محمد بن أحمد الذهبي، تحقيق علي محمد معوض وآخرون، الطبعة الأولى ١٤١٦ هـ، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت.\n٢٤٢  - الناسخ والمنسوخ في كتاب الله ﷿ واختلاف الناس فيه لأبي جعفر أحمد بن محمد النحاس، دراسة وتحقيق د. سليمان بن إبراهيم اللاحم، الطبعة الأولى ١٤١٢ هـ ١٩٩١ م، نشر: مؤسسة الرسالة - بيروت.\n٢٤٣  - الناسخ والمنسوخ لعلي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي، تحقيق عبد الغفار بن سعيد البنداري، الطبعة الأولى ١٤٠٦ هـ نشر: دار الكتب العلمية - بيروت.\n٢٤٤  - الناسخ والمنسوخ لقتادة بن دعامة السدوسي.، تحقيق د حاتم بن صالح الضامن، الطبعة الأولى ١٤٠٤ هـ، نشر مؤسسة الرسالة - بيروت.\n٢٤٥  - الناسخ والمنسوخ لهبة بن سلامة بن نصر المقري، تحقيق زهير الشاويش ومحمد كنعان، الطبعة الثانية ١٤٠٦ هـ ١٩٨٦ م، نشر: المكتب الإسلامي - بيروت.\n٢٤٦  - نسب معد واليمن الكبير لأبي المنذر هشام بن محمد بن السائب الكلبي، تحقيق د. ناجي حسن، الطبعة الأولى ١٤٠٨ هـ، نشر: دار عالم الكتب - بيروت.\n٢٤٧  - النشر في القراءات العشر لأبي الخير محمد بن محمد ابن الجزري، أشرف على تصحيحه محمد علي الضباع، نشر: دار الكتاب العربي - بيروت.\n٢٤٨  - نصب الجانيق لنسف قصة الغرانيق لمحمد بن ناصر الدين الألباني، الطبعة الثالثة ١٤١٧ هـ، نشر: المكتب الإسلامي- بيروت.","vol":"1","page":22},{"text":"٢٤٩  - نفح الطيب في غصن الأندلس الرطيب لأحمد بن محمد المقري التلمساني، تحقيق د. إحسان عباس، نشر: دار صادر - بيروت ١٩٦٨ م.\n٢٤٩  - النكت والعيون لأبي الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي، علق عليه السيد أشرف عبد المقصود، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت.\n٢٥٠  - نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب لأبي العباس أحمد القلقشندي، تحقيق إبراهيم الإبياري، الطبعة الثالثة ١٤١١ هـ، نشر: دار العربي - القاهرة، دار الكتاب اللبناني- بيروت\n٢٥١  - النهاية في طبقات القراء لمحمد بن الجزري، نشر: مكتبة الخانجي- مصر ١٣٥١ هـ\n٢٥٢  - النهاية في غريب الحديث والأثر أبي السعادات المبارك بن محمد الجزري، تحقيق طاهر أحمد الزاوي، ومحمود بن محمد الطناحي، نشر: المكتبة العلمية- بيروت ١٣٩٩ هـ ١٩٧٩ م.\n٢٥٣  - نيل الأوطار من أحاديث سيد الأخيار شرح منتقى الأخبار لمحمد بن علي الشوكاني، نشر إدارة الطباعة المنبرية.\n٢٥٤  - الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لأبي الحسن علي بن أحمد الواحدي، تحقيق صفوان عدنان داوودي، الطبعة الأولى ١٤١٥ هـ، نشر دار القلم - دمشق.\n٢٥٥  - الوسيط في تفسير القرآن المجيد لأبي الحسن علي بن أحمد الواحدي النيسابوري، تحقيق عادل عبد الموجود، الطبعة الأولى ١٤١٥ هـ، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت.\nالمجلات\n٢٥٦  - مجلة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية - العدد الثلاثون ربيع الآخر ١٤٢١ هـ.","vol":"1","page":23},{"text":"ثبت المصادر والمراجع\n\n١. القرآن الكريم - برواية حفص عن عاصم -، من خلال برنامج المصحف للنشر المكتبي؛ لشركة حرف للبرمجيات، الإصدار الأول.\n٢. أبحاث هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية، نشر الرئاسة العامة لإدارة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، الرياض، الطبعة الأولى، ١٤٠٩ هـ = ١٩٨٨ م.\n٣. إتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربعة عشر؛ للشيخ شهاب الدِّين أحمد بن محمد بن عبد الغني الدِّمياطي الشَّهير بالبنَّاء، المُتوفَّى سنة ١١١٧ هـ، وضع حواشيه الشيخ أنس مهرة، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، الطبعة الأولى ١٤١٩ هـ = ١٩٩٨ م.\n٤. إثبات عذاب القبر وسؤال الملكين؛ لأبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي، المتوفى سنة ٤٥٨ هـ، مكتبة التراث الإسلامي، القاهرة، ١٤٠٦ هـ =١٩٨٦ م.\n٥. اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية؛ للإمام شمس الدِّين محمد بن أبي بكر بن قيِّم الجوزية، المُتوفَّى سنة ٧٥١ هـ، تحقيق: فواز أحمد زملي، دار الكتاب العربي، بيروت - لبنان، ١٤٠٨ هـ =١٩٨٨ م.\n٦. أحكام القرآن؛ لأبي بكر محمد بن عبد الله المعروف بابن العربي، المُتوفَّى سنة ٥٤٣ هـ، راجع أصوله وخرَّج أحاديثه وعلَّق عليه محمد عبد القادر عطا، دار الفكر، بيروت - لبنان.\n٧. أخبار مكة للفاكهي؛ لمحمد بن إسحاق بن العباس الفاكهي، المتوفى سنة ٢٧٥ هـ، تحقيق: د. عبد الملك عبد الله ابن دهيش- دار خضر- بيروت- الطبعة الثانية- ١٤١٤ هـ.\n٨. إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول لمحمد بن علي الشوكاني، تحقيق أحمد عزو، دار الكتاب العربي، بيروت، ١٤١٩ هـ.\n٩. أسباب النزول، للإمام أبي الحسن علي بن أحمد الواحدي النيسابوري، المُتوفَّى سنة ٤٦٨ هـ، تعليق وتخريج الدكتور مصطفى ديب البُغا، دار ابن كثير، دمشق، بيروت، الطبعة الثانية.\n١٠. أُسْد الغابة في معرفة الصحابة؛ لعز الدِّين ابن الأثير الجزري، المُتوفَّى سنة ٦٣٠ هـ، تحقيق وتعليق الشيخ علي محمد مَعوّض والشيخ عادل أحمد عبد الموجود، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان.\n١١. أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن؛ لمحمد الأمين الجكني الشنقيطي، نشر مكتبة ابن تيمية، القاهرة، الطبعة الأولى ١٤٠٨ هـ = ١٩٨٨ م.\n١٢. أطلس القرآن: أماكن، أقوام، أعلام؛ للدكتور شوقي أبو خليل، دار الفكر المعاصر، بيروت - لبنان، ودار الفكر، دمشق سورية، الطبعة السادسة: ١٤٢٦ هـ =٢٠٠٥ م.\n١٣. إعانة المستفيد، بشرح كتاب التوحيد؛ للدكتور صالح بن فوزان الفوزان، مؤسسة الرسالة، بيروت - لبنان، الطبعة الثانية، ١٤٢٢ هـ ٢٠٠١ م.\n١٤. اعتقاد أئمة أهل الحديث؛ لأبي بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي، تحقيق: محمد عبد الرحمن الخميس، دار","vol":"1","page":1551},{"text":"العاصمة، الرياض، ١٤١٢ هـ =١٩٩٢ م.\n١٥. اعتقادات فرق المسلمين والمشركين؛ لمحمد بن عمر الرَّازي، مراجعة علي سامي، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة.\n١٦. إعراب القرآن؛ لأبي جعفر أحمد بن محمد بن إسماعيل النَّحاس، المُتوفَّى سنة ٣٣٨ هـ، وضع حواشيه وعلَّق عليه عبد المنعم خليل إبراهيم، دار الكتب العلمية، بيروت- لبنان، الطبعة الثانية ١٤٢٥ هـ =٢٠٠٤ م\n١٧. إعلام الموقعين؛ للإمام شمس الدِّين محمد بن أبي بكر بن قيِّم الجوزية، المُتوفَّى سنة ٧٥١ هـ، تحقيق طه ... عبد الرؤوف سعد، دار الجيل، بيروت - لبنان، ١٩٧٣ م\n١٨. الإتقان في علوم القرآن. للحافظ جلال الدين السيوطي، طبعة دار الفكر للطباعة والنشر، بيروت - لبنان.\n١٩. الآثار في شمال الحجاز؛ لحمود بن ضاوي القثامي، مطابع الهيئة المصرية العامة للكتاب، ١٣٩٦ هـ.\n٢٠. الإجماع في التفسير؛ لمحمد بن عبد العزيز الخضيري، دار الوطن، الرياض، الطبعة الأولى = ١٤٢٠ هـ.\n٢١. الاستيعاب في معرفة الأصحاب، لأبي عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البرّ القرطبي، المُتوفَّى سنة ٤٦٣ هـ، تحقيق وتعليق الشيخ علي محمد مَعوّض والشيخ عادل أحمد عبد الموجود، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، الطبعة الأولى: ١٤١٥ هـ =١٩٩٥ م\n٢٢. الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير، محمد بن محمد أبو شهبة، مكتبة السنة – القاهرة، الطبعة الرابعة: ١٤٠٨ هـ.\n٢٣. الأسماء والصفات؛ لأحمد بن الحسين البيهقي، المتوفى سنة ٤٥٨ هـ، دار الكتب العلمية، بيروت.\n٢٤. الإصابة في تمييز الصحابة؛ للإمام الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، المُتوفَّى سنة ٨٥٢ هـ، تحقيق وتعليق الشيخ علي محمد مَعوّض والشيخ عادل أحمد عبد الموجود، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان الطبعة الأولى ١٤١٥ هـ =١٩٩٥ م\n٢٥. الأصنام؛ لأبي المنذر هشام بن محمد بن الكلبي، المتوفى سنة ٢٠٤ هـ، تحقيق أحمد زكي، القاهرة، المطبعة الأميرية.\n٢٦. الأصول في النحو، لأبي بكر محمد بن سهل بن السّراج النحوي البغدادي، تحقيق الدكتور ... عبد الحسين الفتلي، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى: ١٤٠٥ هـ\n٢٧. الأعلام - قاموس تراجم لأشهر الرجال والنساء من العرب والمستعربين والمستشرقين -؛ لخير الدين الزركلي، طبع دار العلم للملايين، بيروت – لبنان، الطبعة الثالثة عشرة: ١٩٩٨ م.\n٢٨. الإغفال؛ لأبي علي الحسن بن أحمد الفارسي، تحقيق وتعليق الدكتور عبد الله بن عمر الحاج إبراهيم، نشر المجمع الثقافي بالإمارات ومركز جمعة الماجد، الطبعة الأولى: ١٤٢٤ هـ.\n٢٩. الأمالي في لغة العرب، لأبي علي إسماعيل بن القاسم القالي، المتوفى سنة ٣٥١ هـ، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان: ١٣٩٨ هـ = ١٩٧٨ م.\n٣٠. الأمثال في القرآن الكريم، للإمام شمس الدين محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية، المُتوفَّى سنة (٧٥١ هـ) تحقيق:","vol":"1","page":1552},{"text":"سعيد محمد نمر الخطيب، دار المعرفة، بيروت – لبنان، الطبعة الثالثة، ١٤٠٩ هـ = ١٩٨٩ م.\n٣١. الانتصاف فيما تضمنه الكشاف من الاعتزال، لأحمد بن محمد بن المُنَيِّر الإسكندري المالكي، المُتوفَّى سنة ٦٨٣ هـ، طُبِع بحاشية الكشَّاف.\n٣٢. الأنساب؛ تأليف أبي سعد عبد الكريم بن محمد التميمي السمعاني، تصحيح وتعليق، عبد الرحمن بن يحي المعلمي اليماني، حيد أباد، الهند، مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية، ١٣٨٦ هـ، ١٩٦٦ م.\n٣٣. الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين البصريين والكوفيين؛ لكمال الدين أبي سعيد عبد الرحمن بن الأنباري، تحقيق جودة مبروك محمد، القاهرة، مكتبة الخانجي، الطبعة الأولى ٢٠٠٢ م.\n٣٤. الأوائل؛ لأبي القاسم سليمان بن أحمد الطبراني، المتوفى سنة ٣٦٠ هـ، تحقيق وتخريج محمد شكور، بيروت - لبنان، مؤسسة الرسالة ١٤٠٣ هـ، ١٩٨٣ م.\n٣٥. الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه ومعرفة أصوله واختلاف الناس فيه. لمكي بن أبي طالب، تحقيق أحمد حسن فرحات، من منشورات جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الطبعة الثانية، ١٤١١ هـ، ١٩٩٠\n٣٦. البحر المحيط في التفسير. لمحمد بن يوسف الشهير بأبي حيان الأندلسي الغرناطي، بعناية عرفات حسونه، المكتبة التجارية مصطفى أحمد الباز، مكة المكرمة.\n٣٧. البداية والنهاية لابن كثير، تحقيق الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث بدار هجر للطباعة والنشر، مصر، الطبعة الأولى ١٤١٩ هـ = ١٩٩٨ م.\n٣٨. البداية والنهاية لابن كثير، تحقيق الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث بدار هجر للطباعة والنشر، مصر، الطبعة الأولى ١٤١٩ هـ = ١٩٩٨ م.\n٣٩. البرهان في علوم القرآن؛ محمد بن عبد الله الزركشي، المتوفى سنة ٧٩٤ هـ، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، منشورات المكتبة العصرية – بيروت - لبنان ١٤١٩ هـ =١٩٩٨ م\n٤٠. البرهان في متشابه القرآن؛ لمحمود بن حمزة الكرماني، قدم له وراجعه على أصوله: أحمد عزَّ الدين عبد الله خلف الله، دار الوفاء للطباعة والنشر، المنصورة، الطبعة الثانية: ١٤١٨ هـ =١٩٩٨ م.\n٤١. البُلغة في تراجم أئمة النحو واللغة؛ لمحمد بن يعقوب الفيروز أبادي، تحقيق: محمد المصري، جمعية إحياء التراث الإسلامي، الكويت، الطبعة الأولى = ١٤٠٧ هـ.\n٤٢. البيان في عدِّ آي القرآن لأبي عمرو الداني. تحقيق غانم الحمد، مركز المخطوطات والتراث والوثائق، الكويت، ١٤١٤ هـ.\n٤٣. البيان في غريب إعراب القرآن؛ لأبي البركات كمال الدين عبد الرحمن بن محمد بن الأنباري، تحقيق الدكتور طه عبد الحميد طه، مراجعة: مصطفى السَّقا، الهيئة المصرية العامة للكتاب.\n٤٤. التاريخ الكبير؛ للإمام محمد بن إسماعيل البخاري، طبع دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان.","vol":"1","page":1553},{"text":"٤٥. التبيان في أقسام القرآن؛ للإمام محمد بن أبي بكر المعروف بابن قيم الجوزية، المُتوفَّى سنة ٧٥١ هـ، حقَّقَه وضبط نصَّه وفهرسه عصام فارس الحرستاني، وخرَّج أحاديثه، محمد إبراهيم الزغلي، طبع مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٤ هـ = ١٩٩٤ م.\n٤٦. الترغيب والترهيب؛ عبد العظيم بن عبد القوي المُنْذِرِي، المُتوفَّى سنة ٦٥٦ هـ، تحقيق إبراهيم شمس الدِّين، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، الطبعة الأولى ١٤١٧ هـ.\n٤٧. التسهيل لعلوم التنزيل؛ للإمام العلامة محمد بن جُزَي الكَلْبي، المُتوفَّى سنة ٧٤١ هـ، طبع دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت – لبنان.\n٤٨. التعريف والأعلام فيما أبهم من الأسماء والأعلام في القرآن الكريم؛ للإمام أبي القاسم عبد الرحمن بن ... عبد الله السُّهيلي، المُتوفَّى سنة ٥٨١ هـ. تحقيق الأستاذ عَبدأ مهنّا، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان، الطبعة الأولى ١٤٠٧ هـ – ١٩٨٧ م.\n٤٩. التعريفات؛ للشريف علي بن محمد الجرجاني، طبع دار الفكر، بيروت – لبنان، الطبعة الأولى ١٤١٨ هـ = ١٩٩٧ م.\n٥٠. التفسير القَيِّم؛ للإمام شمس الدين أبي عبدالله محمد بن أبي بكر الدمشقي، ابن قيِّم الجوزية، المُتوفَّى سنة ٧٥١ هـ، جَمَعَه محمد أويس الندوي، حقَّقَه محمد حامد الفقي، طبع دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان.\n٥١. التفسير الكبير أو مفاتيح الغيب، لفخر الدين الرازي، طبع دار الكتب العلمية - بيروت – لبنان، الطبعة الأولى ١٤١١ هـ = ١٩٩٠ م.\n٥٢. التلخيص على المستدرك؛ للحافظ محمد بن أحمد بن عثمان الذَّهبي، المُتوفَّى سنة ٧٤٨ هـ، بذيل المستدرك على الصحيحين؛ للإمام أبي عبد الله الحاكم، إشراف الدكتور: يوسف عبدالرحمن المرعشلي، دار ... المعرفة، بيروت.\n٥٣. التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد؛ للإمام الحافظ أبي عمر يوسف بن عبد البر النمري الأندلسي، تحقيق: مصطفى العلوي، ومحمد البكري، طبع سنة ١٣٨٧ هـ.\n٥٤. التيسير في القراءات السبع؛ لأبي عمرو عثمان بن سعيد الداني، المُتوفَّى سنة ٤٤٤ هـ، عني بتصحيحه ... أوتو يرتزل، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، الطبعة الأولى ١٤١٦ هـ =١٩٩٦ م.\n٥٥. الثقات؛ لمحمد بن حبان البستي؛ المتوفى سنة: ٣٥٤ هـ، تحقيق السيد شرف الدين أحمد، دار الفكر، ... الطبعة الأولى: ١٣٩٥ هـ = ١٩٧٥ م.\n٥٦. الجامع الصحيح «صحيح مُسْلِم»؛ للإمام أبي الحسين مُسْلِم بن الحَجَّاج بن مُسْلِم القُشَيْرِي النِّيسابوري،","vol":"1","page":1554},{"text":"المُتوفَّى سنة ٢٦١ هـ، حقَّق أصوله وخَرَّج أحاديثه على الكتب السِّتَّة ورقَّمه حسب المعجم المفهرس وتحفة الأشراف الشيخ خليل مأمون شيحا، دار المعرفة، بيروت - لبنان، الطبعة الأولى ١٤١٤ هـ =١٩٩٤ م.\n٥٧. الجامع الصحيح المسند من حديث رسول الله - ﷺ - وسننه وأيامه (صحيح البخاري)؛ للإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البُخَاري الجِعْفي، المُتوفَّى سنة ٢٥٦ هـ، دار الفكر بيروت - لبنان، ١٤١٤ هـ = ١٩٩٣ م\n٥٨. الجامع لأحكام القرآن؛ لأبي عبدالله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي، المُتوفَّى سنة ٦٧١ هـ، راجعه وضبطه وعلَّق عليه الدكتور محمد إبراهيم الحفناوي، وخرَّج أحاديثه الدكتور محمود حامد عثمان، دار الحديث، القاهرة، الطبعة الأولى ١٤١٤ هـ=١٩٩٤ م.\n٥٩. الجمل في النحو،؛ للخليل بن أحمد الفراهيدي، تحقيق: الدكتور فخر الدين قباوة، الطبعة الخامسة: ١٤١٦ هـ = ١٩٩٥ م.\n٦٠. الجنى الداني في حروف المعاني؛ للحسن بن قاسم المرادي، تحقيق: فخر الدين قباوه، محمد نديم فاضل، دار الكتب العلمية ببيروت، الطبعة الأولى = ١٤١٣ هـ = ١٩٩٢ م.\n٦١. الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح؛ لشيخ الإسلام أبي العباس تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحرَّاني، تحقيق: الدكتور علي بن ناصر، والدكتور عبد العزيز العسكر، والدكتور حمد الحمدان، دار العاصمة، الطبعة الأولى: ١٤١٤ هـ.\n٦٢. الحاوي للفتاوي، لجلال الدين السيوطي، المتوفى سنة ٩١١، هـ، دار الفكر، بيروت - لبنان.\n٦٣. الحُجَّة في القراءات السبع؛ للإمام ابن خالويه، تحقيق: عبد العال سالم مكرم، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ٦، ١٤١٧ هـ.\n٦٤. الحُجَّة للقراء السبعة أبو الحسن بن أحمد بن عبد الغفار الفارسي، حققه بدر الدين قهوجي، بشير جويجاتي، دار المأمون للتراث، دمشق، وبيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٣ هـ = ١٩٩٣ م.\n٦٥. الدُّرُّ المصون في علوم الكتاب المكنون؛ لأحمد بن يوسف المعروف بالسمين الحلبي، تحقيق: الدكتور: أحمد محمد الخراط، دار القلم، دمشق، الطبعة الأولى = ١٤١٤ هـ.\n٦٦. الدُّرُّ المَنْثُور في التفسير بالمأثور؛ لجلال الدين السيوطي، المتوفى سنة ٩١١ هـ، تحقيق الدكتور عبد الله التركي وآخرون، دار هجر، مصر، الطبعة الأولى = ١٤٢٤ هـ.\n٦٧. الزاهر في معاني كلمات الناس؛ لأبي بكر محمد بن القاسم الأنباري، تحقيق الدكتور: حاتم صالح الضامن، مؤسسة الرسالة - بيروت – لبنان، الطبعة الأولى: ١٤١٢ هـ =١٩٩٢ م.\n٦٨. الزهد للإمام أحمد بن حنبل، تحقيق: محمد زغلول، دار الكتاب العربي، بيروت - لبنان، الطبعة الأولى = ١٤٠٦ هـ\n٦٩. السبعة في القراءات؛ لابن مجاهد، تحقيق الدكتور: شوقي ضيف، الطبعة الثالثة، دار المعارف، القاهرة.","vol":"1","page":1555},{"text":"٧٠. السيرة النبوية لابن كثير. تحقيق: مصطفى عبدالواحد، مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه، القاهرة، ١٣٨٤ هـ.\n٧١. السيرة النبوية. لابن هشام، تحقيق مصطفى السقا، إبراهيم الأبياري، عبدالحفيظ شبلي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.\n٧٢. الشِّعْر والشُّعراء (أو طبقات الشُّعَراء)؛ لأبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدِّيْنُوري، المُتوفَّى سنة ٢٧٦ هـ، حقَّقه وضبط نصَّهُ ووضع حواشيه الدكتور مُفِيد قُمَيْحَة، والأستاذ محمد أمين الضنَّاوي، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، الطبعة الأولى ١٤٢١ هـ = ٢٠٠٠ م.\n٧٣. الشَّفا بتعريف حقوق المصطفى؛ للقاضي أبي الفضل عياض بن موسى بن عياض اليحصبي، تحقيق: علي محمد البجادي، دار الكتاب العربي، بيروت.\n٧٤. الشمائل المحمدية والخصائص المصطفوية؛ للإمام أبي عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي، المتوفى سنة (٢٧٩ هـ)، حقَّقه وعلَّق عليه سيِّد بن عبَّاس الجليمي، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت - لبنان، الطبعة الأولى ١٤١٢ هـ - ١٩٩٢ م\n٧٥. الشواهد الشعرية في تفسير القرطبي؛ لعبد العال مكرم، دار عالم الكتب، الرياض، الطبعة الأولى ١٤٠٤ هـ.\n٧٦. الصِّحاح – تاج اللغة وصحاح العربية-؛ لإسماعيل الجوهري، المُتوفَّى سنة ٣٩٣ هـ، تحقيق أحمد عبدالغفور عطار – طبع دار العلم للملايين – بيروت، الطبعة الثانية ١٣٩٩ هـ = ١٩٧٩ م.\n٧٧. الصحيح من أسباب النّزول؛ لعصام بن عبد المحسن الحميدان، دار الذخائر ومؤسسة الريان، الطبعة الثانية = ١٤٢٥ هـ.\n٧٨. الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة. لأبي عبدالله محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد الشهير بابن قيم الجوزية، تحقيق: علي الدخيل الله، دار العاصمة، الرياض، ط ٢، ١٤١٢ هـ.\n٧٩. الضُّعفاء الكبير؛ لأبي جعفر محمد بن عمر بن موسى العُقيلي، المُتوفَّى سنة ٣٢٢ هـ، تحقيق: عبد المُعطي أمين قَلْعجي، دار المكتبة العلمية، بيروت - لبنان، الطبعة الأولى ١٤٠٤ هـ = ١٩٨٤ م. ... .\n٨٠. الطَّبَقات الكُبرى؛ تأليف محمد بن سعد ابن منيع الزُّهري، المُتوفَّى سنة ٢٣٠ هـ، أعدَّ فهارس الكتاب رياض عبد الله عبد الهادي، دار إحياء التراث العربي، بيروت - لبنان، ١٤١٦ هـ = ١٩٩٥ م.\n٨١. العباب الزاخر واللباب الفاخر؛ للحسن بن محمد الصاغاني، تحقيق محمد حسن آل ياسين، دار الرشيد، بغداد.\n٨٢. العِبَرُ في خَبَرِ من غَبَرَ؛ للحافظ محمد بن أحمد بن عثمان الذَّهبي، المُتوفَّى سنة ٧٤٨ هـ، حقَّقَه وضَبَطَهُ أبو هاجر محمد السَّعيد بن بسيوني زغلول، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان.\n٨٣. العظمة؛ لعبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان الأصبهاني المتوفى سنة ٣٦٩ هـ، تحقيق: رضاء الله بن محمد إدريس المباركفوري- دار العاصمة- الرياض، الطبعة الأولى: ١٤٠٨ هـ.","vol":"1","page":1556},{"text":"٨٤. العين؛ للخليل بن أحمد الفراهيدي، تحقيق الدكتور: مهدي المخزومي، والدكتور: إبراهيم السامرائي، مؤسسة الأعلمي، بيروت، ١٤٠٨ هـ.\n٨٥. الفائق في غريب الحديث؛ لأبي القاسم محمود بن عمر الزَّمخشري الخوارزمي، المُتوفَّى سنة ٥٣٨ هـ تحقيق علي محمد البجاوي ومحمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعرفة، بيروت - لبنان.\n٨٦. الفتح السماوي بتخريج أحاديث تفسير القاضي البيضاوي، لزين الدين عبد الرؤوف المناوي، تحقيق: أحمد مجتبي بن نذير عالم السلفي، دار العاصمة، الرياض، ط ١، ١٤٠٩ هـ.\n٨٧. الفَرْق بين الفِرَق وبيان الفرقة الناجية؛ لعبد القاهر بن طاهر البغدادي، المتوفى سنة ٤٢٩ هـ، اعتنى بها وعلق عليها الشيخ إبراهيم رمضان، دار المعرفة، بيروت - لبنان، الطبعة الثالثة: ١٤٢١ هـ = ٢٠٠١ م.\n٨٨. الفصل في الملل والأهواء والنحل. لابن حزم الظاهري بتحقيق: محمد إبراهيم نصر وعبد الرحمن عميرة، دار الجيل، بيروت، ١٤٠٥ هـ.\n٨٩. الفصول في سيرة الرسول - ﷺ -، لأبي الفداء إسماعيل بن كثير القرشي، المتوفى سنة ٧٧٤ هـ، حقَّقه وخرَّج أحاديثه الدكتور باسم بن فيصل الجوابرة، والشيخ سمير بن أمين الزهيري، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، الرياض، الطبعة الأولى ١٤٢٠ هـ = ٢٠٠٠ م.\n٩٠. الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة؛ لمحمد بن علي الشوكاني، تحقيق: عبد الرحمن المعلمي، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان.\n٩١. القاموس المحيط لمجد الدين محمد بن يعقوب الفيروز آبادي، المُتوفَّى سنة ٨١٧ هـ، طبع دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان، الطبعة الأولى ١٤١٥ هـ = ١٩٩٥ م\n٩٢. القراءات القرآنية؛ لعبد الحليم بن محمد الهادي قابة، إشراف ومراجعة وتقديم الأستاذ الدكتور مصطفى سعيد الخن، دار الغرب الإسلامي، الطبعة الأولى ١٩٩٩ م.\n٩٣. القطع والائتناف (الوقف والابتداء)؛ لأبي جعفر أحمد بن محمد بن إسماعيل النَّحاس، المتوفى سنة ٣٣٨ هـ، تحقيق أحمد فريد المزيدي، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان، الطبعة الأولى: ١٤٢٣ هـ = ٢٠٠٢ م.\n٩٤. القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى؛ لمحمد الصالح العثيمين، خرَّج أحاديثه وعلَّق عليه، أبو محمد أشرف بن عبد المقصود، مكتبة أضواء السلف، الرياض، ١٤١٦ هـ = ١٩٩٦ م.\n٩٥. الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة؛ لشمس الدين محمد الذهبي، تحقيق: محمد عوامة وأحمد الخطيب، دار القبلة ومؤسسة علوم القرآن، الطبعة الأولى: ١٤١٣ هـ ... .\n٩٦. الكامل في التاريخ؛ لابن الأثير الجزري، تحقيق: أبي الفداء عبد الله القاضي، دار الكتب العلمية- بيروت - لبنان، الطبعة الثانية- ١٤١٥ هـ= ١٩٩٥ م.","vol":"1","page":1557},{"text":"٩٧. الكامل في التاريخ؛ لأبي الحسن علي بن أبي الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني المعروف بابن الأثير الجزري الملقب بعز الدِّين، المُتوفَّى سنة ٦٣٠ هـ، دار الكتاب العربي، بيروت – لبنان، الطبعة السادسة.\n٩٨. الكامل في اللغة والأدب؛ لأبي العباس محمد بن يزيد المُبَرِّد، المتوفَّى سنة ٢٨٥ هـ، عارضه وعلَّق عليه محمد أبو الفضل إبراهيم، المكتبة العصرية، صيدا - بيروت، ١٤٢٢ هـ = ٢٠٠٢ م.\n٩٩. الكامل في ضعفاء الرجال؛ لعبد الله بن عدي بن عبد الله الجرجاني المتوفى سنة ٣٦٥ هـ، تحقيق: يحيى مختار غزاوي- دار الفكر- بيروت، لبنان، الطبعة الثالثة: ١٤٠٩ هـ= ١٩٨٨ م.\n١٠٠. الكشَّاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل؛ لأبي القاسم محمود بن عمر الزمخشري الخوارزمي، المُتوفَّى سنة ٥٣٨ هـ،، طبعة جديدة حقَّقَها وخَرَّج أحاديثها وعلَّق عليها على نسخة خطَّية: ... عبد الرزَّاق المهدي، دار أحياء التراث العربي، بيروت - لبنان، الطبعة الأولى: ١٤١٧ هـ =١٩٩٧ م.\n١٠١. الكشف والبيان؛ لأبي إسحاق أحمد بن محمد الثعلبي، تحقيق: محمد بن عاشور، ومراجعة نظير الساعدي، دار أحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الأولى ١٤٢٢ هـ.\n١٠٢. الكُلِّيات - معجم في المصطلحات والفروق اللغوية-؛ لأبي البقاء الكفوي، المُتوفَّى سنة ١٠٩٤ هـ، اعتنى به الدكتور عدنان درويش، ومحمد المصري، طبع مؤسسة الرسالة، بيروت – لبنان، الطبعة الثانية ١٤١٩ هـ=١٩٩٨ م\n١٠٣. اللُباب في تهذيب الأنساب؛ لعز الدِّين ابن الأثير الجزري، المُتوفَّى سنة ٦٣٠ هـ، دار صادر- بيروت- ١٤٠٠ هـ.\n١٠٤. اللُباب في علل البناء والإعراب؛ لأبي البقاء محب الدين عبد الله بن الحسين العكبري، تحقيق: غازي مختار طليمات، الطبعة الأولى، دار الفكر، دمشق، ١٩٩٥ م.\n١٠٥. المجروحين، لأبي حاتم محمد بن حِبَّان البستي، المُتوفَّى سنة ٣٥٤ هـ، تحقيق: محمد إبراهيم زيد، دار الوعي، حلب.\n١٠٦. المحتَسب في تبيين وجوه القراءات والإيضاح عنها؛ لأبي الفتح عثمان بن جني، المتوفى سنة ٣٩٢ هـ، تحقيق محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، الطبعة الأولى: ١٤١٩ هـ=١٩٩٨ م.\n١٠٧. المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز؛ للقاضي أبي محمد عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي، المُتوفَّى سنة ٥٤٦ هـ، بتحقيق عبد السلام عبد الشافي محمد، طبع دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، الطبعة الأولى ١٤١٣ هـ = ١٩٩٣ م.\n١٠٨. المحرر الوجيز في عد آي الكتاب العزيز؛ لعبد الرزاق علي موسى، مكتبة المعارف، الرياض، الطبعة الأولى: ١٤٠٨ هـ.\n١٠٩. المستدرك على الصحيحين. للإمام أبي عبد الله الحاكم النيسابوري وبذيله التلخيص للحافظ الذهبي، إشراف الدكتور: يوسف عبد الرحمن المرعشلي، دار المعرفة، بيروت.\n١١٠. المستقصى في أمثال العرب؛ لأبي القاسم محمود بن عمر الزَّمخشري الخوارزمي، المُتوفَّى سنة ٥٣٨ هـ، نشر دار الكتب العلمية ببيروت، الطبعة الثانية: ١٩٨٧ م.","vol":"1","page":1558},{"text":"١١١. المسند؛ للإمام أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني [الموسوعة الحديثية] بتحقيق مجموعة تحت إشراف عبد الله التركي وشعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى = ١٤٢١ هـ.\n١١٢. المسَوَّدة في أصول الفقه، لمجد الدين أبي البركات عبد السلام بن الخضر، شهاب الدين عبد الحليم بن عبد السلام، شيخ الإسلام أبو العباس أحمد عبد الحليم، تحقيق: محمد محي الدين عبد الحميد، مطبعة المدني - القاهرة.\n١١٣. المصنف لابن أبي شيبة، تحقيق: محمد بسيوني زغلول، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤١٠ هـ.\n١١٤. المعجم الأوسط؛ لسليمان بن أحمد بن أيوب أبو القاسم الطبراني، المُتوفَّى سنة ٣٦٠ هـ، تحقيق طارق بن عوض الله ابن محمد عبد المحسن بن إبراهيم الحسين، دار الحرمين، القاهرة، الطبعة الأولى ١٤١٥ هـ.\n١١٥. المعجم الكبير؛ لسليمان بن أحمد بن أيوب أبو القاسم الطبراني، المُتوفَّى سنة ٣٦٠ هـ، تحقيق حمدي بن ... عبد المجيد السَّلفي، مكتبة العلوم والحكم، الموصل، الطبعة الثانية، ١٤٠٤ هـ = ١٩٨٣ م.\n١١٦. المغرب في ترتيب المعرب؛ لناصر بن عبد السيد أبو المكارم المطرِّزي، دار الكتاب العربي، بيروت.\n١١٧. المغني؛ لموفق الدين أبي محمد عبد الله بن محمد بن أحمد بن قدامة المقدسي الحنبلي، تحقيق الدكتور عبد الله ... ابن عبد المحسن التركي، والدكتور عبد الفتاح محمد الحلو، دار هجر، مصر، الطبعة الثالثة: ١٤١٧ هـ =١٩٩٧ م.\n١١٨. المفَصَّل في علم العربية؛ لأبي القاسم محمود بن عمر الزمخشري، دار الجيل، بيروت - لبنان.\n١١٩. المُفضَّليات؛ لأبي المفضل الضَّبِّي، تحقيق وشرح الدكتور عمر فاروق الطباع، دار الأرقم بن أبي الأرقم، بيروت - لبنان، الطبعة الأولى ١٤١٩ هـ، ١٩٩٨ م.\n١٢٠. المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة؛ لمحمد بن عبد الرحمن السخاوي، المتوفى سنة: ٩٠٢ هـ، تحقيق محمد عثمان الخشت، دار الكتاب العربي – بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٥ هـ-١٩٨٥ م.\n١٢١. المُقتَضَب؛ لأبي العباس محمد بن يزيد المُبَرِّد، المتوفَّى سنة ٢٨٥ هـ، تحقيق حسن حَمَد، مراجعة الدكتور إميل يعقوب، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، الطبعة الأولى: ١٤٢٠ هـ = ١٩٩٩ م.\n١٢٢. المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج؛ لِمُحْيِي الدِّين يحيى بن شرف النووي، دار المعرفة، بيروت ... - لبنان، الطبعة الأولى، ١٤١٤ هـ = ١٩٩٤ م.\n١٢٣. الموافقات في أصول الشريعة؛ لأبي إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي، المتوفى سنة ٧٩٠ هـ، تحقيق الدكتور محمد الإسكندراني، وعدنان درويش، دار الكتاب العربي، بيروت - لبنان، الطبعة الأولى ١٤٢٣ هـ = ٢٠٠٢ م.\n١٢٤. الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة، إشراف وتخطيط ومراجعة الدكتور مانع بن حمّاد الجهني، الناشر: دار الندوة العالمية للطباعة والنشر والتوزيع، الرياض – المملكة العربية السعودية-، الطبعة الرابعة","vol":"1","page":1559},{"text":"١٤٢٠ هـ.\n١٢٥. الموضوعات، لأبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي، تحقيق عبد الرحمن محمد عثمان، المكتبة السلفية، المدينة المنورة، الطبعة الأولى: ١٣٨٦ هـ.\n١٢٦. الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم؛ لمحمد بن عبد الله بن العربي الأندلسي، المتوفى سنة ٥٤٣ هـ، وضع حواشيه الشيخ زكريا عميرات، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان، الطبعة الأولى: ١٤١٨ هـ = ١٩٩٧ م.\n١٢٧. الناسخ والمنسوخ في كتاب الله تعالى، لقتادة بن دعامة السدوسي، مؤسسة الرسالة، بيروت - لبنان.\n١٢٨. الناسخ والمنسوخ في كتاب الله ﷿ واختلاف العلماء في ذلك، لأبي جعفر أحمد بن محمد بن إسماعيل النحاس، نشر مكتبة الفلاح.\n١٢٩. الناسخ والمنسوخ من كتاب الله تعالى، لهبة الله بن سلامة المقري، تحقيق: زهير الشاويش ومحمد كنعان، المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الأولى: ١٤٠٤ هـ.\n١٣٠. النشر في القراءات العشر؛ للإمام أبي الخير محمد بن محمد الدمشقي الشهير بابن الجزري، خرَّج آياته: زكريا عميرات، دار الكتب العلمية، بيروت لبنان، الطبعة الأولى الأولى، سنة ١٤١٨ هـ.\n١٣١. النُّكت والعيون (تفسير الماوردي)؛ لأبي الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي البصري، المُتوفَّى سنة ٤٥٠ هـ راجعه وعلَّق عليه السيِّد بن عبد المقصود بن عبد الرحيم، دار الكتب العلمية، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت - لبنان.\n١٣٢. النهاية في غريب الحديث والأثر؛ للإمام مجد الدين أبي السعادات المبارك بن محمد الجزري ابن الأثير، تحقيق: محمود محمد الطناحي وطاهر أحمد الزاوي، مؤسسة التاريخ العربي، بيروت - لبنان.\n١٣٣. الواضح في أصول الفقه؛ لأبي الوفاء علي بن عقيل البغدادي الحنبلي، المتوفى سنة ٥١٣ هـ، تحقيق الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي، مؤسسة الرسالة، بيروت - لبنان، الطبعة الأولى: ١٤٢٠ هـ =١٩٩٩ م.\n١٣٤. الوافي بالوفيات، لصلاح الدين بن أيبك الصفدي، تحقيق: أحمد الأرنؤوط، وتركي مصطفى، دار إحياء التراث العربي، الطبعة الأولى ١٤٢٠ هـ=٢٠٠٠ م.\n١٣٥. الوجوه والنظائر لألفاظ كتاب الله العزيز ومعانيها؛ لأبي عبد الله الحسين بن محمد الدَّامغاني، المُتوفَّى سنة ٤٧٨ هـ، دراسة وتحقيق فاطمة يوسف الخيمي، مكتبة الفارابي، دمشق، سوريا، الطبعة الأولى ١٤١٩ هـ = ١٩٩٨ م.\n١٣٦. الوجيز في تفسير الكتاب العزيز؛ لأبي الحسن علي بن أحمد الواحدي، تحقيق: صفوان داوودي، دار القلم والدار الشامية، الطبعة الأولى، سنة ١٤١٥ هـ.\n١٣٧. إملاء ما منَّ به الرحمن من وجوه الإعراب والقراءات في جميع القرآن (التبيان في إعراب القرآن)؛ لأبي البقاء عبد الله بن الحسين بن عبد الله العُكبري، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، الطبعة الأولى ١٣٩٩ هـ = ١٩٧٩ م","vol":"1","page":1560},{"text":"١٣٨. إنباء الغمر بأبناء العمر؛ لشهاب الدين أبي الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد، الطبعة الأولى = ١٣٩٥ هـ.\n١٣٩. إنْبَاه الرُّواة على أنباء النُّحاة؛ لأبي الحسن علي بن يوسف القِفْطِي، المُتوفَّى سنة ٦٢٤ هـ، تحقيق محمد ... أبو الفضل إبراهيم، دار الفكر العربي القاهرة / مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت - لبنان، الطبعة الأولى ١٤٠٦ هـ = ١٩٨٦ م.\n١٤٠. أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك لابن هشام ومعه عدة السالك إلى تحقيق أوضح المسالك، لمحمد ... محيي الدين عبد الحميد، دار الجيل، بيروت، الطبعة الخامسة = ١٣٩٩ هـ.\n١٤١. إيجاز البيان عن معاني القرآن، لمحمود بن أبي الحسن بن الحسين النيسابوري، تحقيق: الدكتور: علي بن سليمان العبيد، مكتبة التوبة - الرياض، الطبعة الأولى: ١٤١٨ هـ.\n١٤٢. إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل؛ لمحمد بن إبراهيم بن جماعة، المتوفى سنة ٧٣٣ هـ، حققه سليمان غارجي الألباني، دار سليمان غارجي، القاهرة.\n١٤٣. بداية المجتهد ونهاية المقتصد، للإمام القاضي أبي الوليد محمد بن أحمد بن أحمد بن رشد القرطبي الأندلسي الشهير بابن الحفيد، المتوفى سنة ٥٩٥ هـ، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان.\n١٤٤. بدائع الفوائد؛ للإمام أبي عبد الله محمد بن أبي بكر المعروف بابن قيِّم الجوزية، المُتوفَّى سنة ٧٥١ هـ، تحقيق: هشام عبد الحميد عطا - عادل عبد الحميد العطوي - أشرف أحمد الجمال، مكتبة نزار مصطفى الباز، مكة - المملكة العربية السعودية، الطبعة الأولى ١٤١٦ هـ =١٩٩٦ م.\n١٤٥. بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز؛ لمجد الدِّين محمد بن يعقوب الفيروز آبادي، المُتوفَّى ... سنة ٨١٧ هـ، تحقيق الأستاذ محمد علي النَّجار، طبع المكتبة العلمية، بيروت - لبنان\n١٤٦. بُغْيَة الوُعَاة في طبقات اللغويين والنُّحاة؛ لجلال الدِّين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، المُتوفَّى سنة ٩١١ هـ، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، طبع المكتبة العصرية، صيدا – بيروت.\n١٤٧. بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية؛ لشيخ الإسلام أحمد بن عبد السلام بن تيمية الحرَّاني، ... تحقيق: محمد بن عبد الرحمن بن قاسم، نشر: مطبعة الحكومة بمكة المكرمة، الطبعة الأولى: ١٣٩٢ هـ.\n١٤٨. تاج العروس من جواهر القاموس؛ للإمام اللغوي محبّ الدِّين أبي الفضل محمد مرتضى الحسيني الواسطي الزَبَيدي الحنفي، دار الفكر للطباعة والنشر، بيروت- لبنان.\n١٤٩. تاريخ أسماء الثقات؛ لأبي حفص عمر بن أحمد بن عثمان بن شاهين الواعظ، المتوفى سنة ٣٨٥ هـ، تحقيق، صبحي السامرائي، الدار السلفية، الكويت، الطبعة الأولى، ١٤٠٤ هـ = ١٩٨٤ م.","vol":"1","page":1561},{"text":"١٥٠. تاريخ الأمم والملوك، لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ٢، ١٤٠٨ هـ.\n١٥١. تاريخ بغداد، أو مدينة السلام؛ للخطيب البغدادي أحمد بن علي البغدادي، المكتبة السلفية، المدينة المنورة.\n١٥٢. تاريخ مدينة دمشق؛ للحافظ أبي القاسم علي بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله الشافعي المعروف بابن عساكر، تحقيق: محب الدين أبي سعيد عمر بن غرامة العمروي، دار الفكر، سنة ١٤١٥ هـ\n١٥٣. تأويل مختلف الحديث في الرد على أعداء أهل الحديث، والجمع بين الأخبار التي ادعوا عليها التناقض والاختلاف، والجواب عما أوردوه من الشبه على بعض الأخبار أو المشكلة بادي الرأي؛ للإمام أبي محمد عبد الله ابن مسلم بن قتيبة الدِّينوري، المُتوفَّى سنة ٢٧٦ هـ الناشر دار الكتاب العربي، بيروت – لبنان.\n١٥٤. تأويل مشكل القرآن، لعبد الله بن مسلم بن قتيبة، المتوفى سنة: ٢٧٦ هـ، شرحه السيد أحمد صقر، المكتبة العلمية، بيروت - لبنان.\n١٥٥. تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي؛ لجلال الدين السيوطي، المتوفى سنة ٩١١ هـ، حقَّقَه أبو قتيبة نظر محمد الفاريابي، مكتبة الكوثر، الطبعة الثالثة، ١٤١٧ هـ.\n١٥٦. ... تذكرة الحفاظ؛ لشمس الدِّين محمد الذهبي، المُتوفَّى سنة ٧٤٨ هـ، طبع دار الكتب العلمية – بيروت – لبنان، الطبعة الأولى ١٤١٩ هـ = ١٩٩٨\n١٥٧. تصحيفات المحدِّثين؛ لأبي هلال الحسن بن عبد الله العسكري المتوفى سنة ٣٩٥ هـ، ضبطه وصحَّحه أحمد عبد الشافي، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان ١٤٠٨ هـ = ١٩٨٨ م.\n١٥٨. ... تفسير أبي السعود [إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم] للقاضي أبي السعود، محمد بن محمد بن مصطفى العِمَادِي الحنفي، المُتوفَّى سنة ٩٨٢ هـ، وضع حواشيه عبد اللطيف عبد الرحمن، طبع دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان، الطبعة الأولى ١٤١٩ هـ = ١٩٩٩ م.\n١٥٩. تفسير أسماء الله الحسنى؛ لأبي إسحاق إبراهيم بن محمد الزجَّاج، المُتوفَّى سنة ٣١١ هـ تحقيق: أحمد يوسف الدقاق، دار الثقافة العربية، بيروت.\n١٦٠. تفسير البغوي (معالم التنزيل)؛ للإمام أبي محمد الحسين بن مسعود البغوي، حقَّقَه وخرَّج أحاديثه: محمد عبد الله النِّمْر، وعثمان جمعة ضميرية، وسليمان مسلم الحرش، دار طيبة للنَّشر والتوزيع، الرياض، الطبعة الثانية ١٤١٤ هـ = ١٩٩٣ م.\n١٦١. تفسير البيضاوي (المسمى أنوار التنزيل وأسرار التأويل)؛ لعبد الله بن عمر بن محمد بن علي أبو الخير، ناصر الدين البيضاوي، توفي سنة ٦٨٥ هـ، طبع دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان، الطبعة الأولى ١٤٠٨ هـ = ١٩٨٨ هـ.\n١٦٢. تفسير التحرير والتنوير؛ لسماحة الأستاذ الإمام محمد الطاهر بن عاشور، المُتوفَّى سنة ١٣٩٣ هـ، نشر دار سحنون للنشر والتوزيع، تونس – الجمهورية التونسية.\n١٦٣. تفسير السمرقندي المسمى بحر العلوم، لأبي الليث نصر بن محمد بن أحمد بن إبراهيم السمرقندي، تحقيق: الدكتور محمود مطرجي، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت - لبنان، الطبعة الأولى = ١٤١٨ هـ، ١٩٩٧ م.","vol":"1","page":1562},{"text":"١٦٤. تفسير الصنعاني؛ للإمام عبد الرزاق بن همَّام الصنعاني، تحقيق: الدكتور مصطفى مسلم محمد، مكتبة الرشد، الطبعة الأولى: ١٤١٠ هـ.\n١٦٥. تفسير القرآن؛ لمحمد بن عبد الجبار السمعاني؛ المتوفى سنة ٤٨٩ هـ، تحقيق: ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس ابن غنيم، دار الوطن، الرياض، الطبعة الأولى: ١٤١٨ هـ=١٩٩٧ م.\n١٦٦. تفسير القرآن العزيز؛ لأبي عبد الله محمد بن عبد الله بن أبي زَمَنين، تحقيق: أبي عبد الله حسين بن عكاشة، ومحمد ابن مصطفى الكنْز، نشر: الفاروق الحديثة، الطبعة الأولى: ١٤٢٣ هـ.\n١٦٧. تفسير القرآن العظيم؛ لعبد الرحمن بن أبي حاتم، المتوفى سنة ٣٢٧ هـ، طبع المكتبة العصرية، صيدا - بيروت.\n١٦٨. تفسير القرآن العظيم، للإمام الحافظ أبي الفداء إسماعيل بن كثير الدمشقي، المُتوفَّى سنة ٧٧٤ هـ، قدَّم له الدكتور: يوسف عبدالرحمن المرعشلي، طبع دار المعرفة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت – لبنان، الطبعة الخامسة ١٤١٢ هـ = ١٩٩٢ م.\n١٦٩. تفسير القرآن الكريم [سورة ص]؛ للعلامة محمد بن صالح العثيمين، دار الثريا للنشر والتوزيع، الرياض، الطبعة الأولى ١٤٢٤ هـ= ٢٠٠٤ م.\n١٧٠. تفسير مجاهد بن جبر المكي، تحقيق: عبد الرحمن الطاهر السورتي، نشر: دار المنشورات العلمية، بيروت.\n١٧١. تفسير مقاتل بن سليمان؛ لأبي الحسن مقاتل بن سليمان البلخي، المتوفى ١٥٠ هـ، تحقيق: أحمد فريد، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، الطبعة الأولى: ١٤٢٤ هـ = ٢٠٠٣ م.\n١٧٢. ... تقريب التهذيب؛ للإمام الحافظ شهاب الدِّين أحمد بن علي بن حجر العسقلاني الشافعي، المُتوفَّى سنة ٨٥٢ هـ، قدَّم له وقابله بأصل مؤلفه محمد عوَّامة، دار الرشيد، حلب - سوريا، الطبعة الرابعة ١٤١٢ هـ =١٩٩٢ م.\n١٧٣. تنوير الحوالك شرح موطأ الإمام مالك؛ لجلال الدين السيوطي، المكتبة التجارية، مصر، ١٣٨٩ هـ = ١٩٦٩ م.\n١٧٤. تهذيب الأسماء واللغات؛ لأبي زكريا محي الدين بن شرف النووي المتوفى سنة (٦٧٦ هـ) - دار الكتب العلمية- بيروت- لبنان.\n١٧٥. تهذيب التهذيب. لشهاب الدين أحمد بن حجر العسقلاني، دار الفكر، الطبعة الأولى: ١٤٠٤ هـ.\n١٧٦. تهذيب الكمال في أسماء الرجال؛ للحافظ جمال الدِّين أبي الحجَّاج يوسف المِزِّي، المُتوفَّى سنة ٧٤٢ هـ، حقَّقه وضبط نصَّه وعلَّق عليه الدكتور بشَّار عوَّاد معروف، مؤسسة الرِّسالة، بيروت - لبنان، الطَّبعة الرابعة، ١٤١٥ هـ = ١٩٩٤ م.\n١٧٧. تهذيب اللغة لأبي منصور محمد بن أحمد الأزهري، المُتوفَّى سنة ٣٧٠ هـ تحقيق الأستاذ/ عبد العظيم محمد ومراجعة الأستاذ محمد علي النَّجار، الدار المصرية للتأليف والترجمة؛، مطابع سجل العرب.","vol":"1","page":1563},{"text":"١٧٨. تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان؛ للعلامة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السَّعدي، المُتوفَّى سنة ١٣٧٦ هـ، تحقيق الدكتور عبد الرحمن بن معلا اللويحق، مؤسسة الرسالة، بيروت - لبنان.\n١٧٩. جامع الأصول في أحاديث الرسول، للإمام مجد الدِّين أبي السعادات المبارك بن محمد بن الأثير الجزري، المُتوفَّى سنة ٦٠٦ هـ حقَّق نصوصه، وخرَّج أحاديثه وعلق عليه عبد القادر الأرناؤوط، نشر وتوزيع دار الفكر، ... بيروت - لبنان، الطبعة الثانية: ١٤٠٣ هـ = ١٩٨٣ م.\n١٨٠. جامع البيان عن تأويل آي القرآن؛ لمحمد بن جرير الطبري، المُتوفَّى سنة ٣١٠ هـ، طبع دار الفكر، بيروت - لبنان، طبع سنة ١٤٠٨ هـ = ١٩٨٨ م.\n١٨١. جامع الترمذي (سنن الترمذي)، لأبي عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي، المتوفى سنة ٢٧٩ هـ، ... دار السلام للنَّشر والتوزيع، الرياض، الطبعة الأولى ١٤٢٠ هـ.\n١٨٢. جمال القُرَّاء وكمال الإقراء؛ لجمال الدين علي بن محمد السخاوي (ت ٦٤٣ هـ)، تحقيق عبد الحق عبد الدايم سيف القاضي، مؤسسة الكتب الثقافية، الطبعة الأولى، ١٤١٩ هـ=١٩٩٩ م.\n١٨٣. جمهرة أمثال العرب، لأبي هلال الحسن بن عبد الله بن سهل العسكري، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم وعبد المجيد قطايش، الطبعة الأولى، المكتبة العصرية، بيروت - لبنان ١٤٢٤ هـ = ٢٠٠٣ م.\n١٨٤. جمهرة أنساب العرب؛ لأبي محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي، المُتوفَّى سنة ٤٥٦ هـ دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان، الطبعة الأولى ١٤٠٣ هـ = ١٩٨٣ م\n١٨٥. حُجَّة القراءات؛ لأبي زرعة عبدالرحمن زنجلة، بتحقيق: سعيد الأفغاني، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الرابعة ١٤٠٤ هـ\n١٨٦. حلية الأولياء وطبقات الأصفياء؛ لأبي نعيم الأصبهاني، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الخامسة ١٤٠٧ هـ.\n١٨٧. خزانة الأدب ولبُّ لُباب لسان العرب، عبد القادر بن عمر البغدادي، تحقيق: عبد السلام هارون، مكتبة الخانجي - بالقاهرة.\n١٨٨. درء تعارض العقل والنقل؛ لأبي العباس تقي الدين أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية. تحقيق الدكتور: محمد رشاد سالم، إدارة الثقافة والنشر بجامعة الإمام، الطبعة الثانية = ١٤١١ هـ.\n١٨٩. دراسات في علوم القرآن الكريم؛ للدكتور زاهر بن عوَّاض الألمعي، الرياض، الطبعة الثالثة، ١٤٢٥ هـ =٢٠٠٤ م.\n١٩٠. دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب؛ لصاحب الفضيلة العلامة الجليل محمد الأمين الجكني الشنقيطي، المتوفى سنة ١٣٩٣ هـ، باعتناء الشيخ عمر عبد السلام السَّلامي، مؤسسة التاريخ العربي، بيروت - لبنان، الطبعة الأولى ١٤٢٠ هـ = ٢٠٠٠ م.\n١٩١. دقائق التفسير الجامع لتفسير ابن تيمية؛ لأحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني، أبو العباس، المُتوفَّى سنة","vol":"1","page":1564},{"text":"٧٢٨ هـ، تحقيق الدكتور محمد السيد الجليند، طبع مؤسسة علوم القرآن، دمشق، الطبعة الثانية ١٤٠٤ هـ.\n١٩٢. ديوان امرئ القيس، دار صادر، بيروت - لبنان، ١٤٢٥ هـ =٢٠٠٥ م.\n١٩٣. ديوان جرير، دار صادر، بيروت - لبنان، الطبعة الثانية: ١٤٢٥ هـ = ٢٠٠٥ م.\n١٩٤. ديوان زهير بن أبي سُلمى، دار صادر، بيروت - لبنان.\n١٩٥. رسالة أصول أهل السنة والجماعة، المسمَّاة رسالة إلى أهل الثغر، لعلي بن إسماعيل الأشعري، تحقيق: محمد الجليند، دار اللواء، الرياض، الطبعة الثانية: ١٤١٠ هـ.\n١٩٦. روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني؛ للعلامة محمود الآلوسي البغدادي، المُتوفَّى سنة ١٢٧٠ هـ دار إحياء التراث العربي، بيروت - لبنان.\n١٩٧. زاد المسير في علم التفسير، لأبي الفَرَج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي، المُتوفَّى سنة ٥٩٧ هـ، خرَّج آياته وأحاديثه ووضع حواشيه أحمد شمس الدِّين، طبع دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان، الطبعة الأولى ١٤١٤ هـ = ١٩٩٤ م.\n١٩٨. زاد المعاد في خير العباد، للإمام المحدث المفسر الفقيه شمس الدين أبي عبد الله محمد بن أبي بكر الزرعي الدمشقي (ابن قيم الجوزية)، المُتوفَّى سنة (٧٥١ هـ)، حقق نصوصه، وخرج أحاديثه، وعلق عليه: شعيب الأرنؤوط وعبد القادر الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت – لبنان، الطبعة الخامسة عشر، ١٤٠٧ هـ = ١٩٨٧ م.\n١٩٩. سبل الهُدى والرَّشاد في سيرة خير العباد؛ لمحمد الصالحي، تحقيق: عادل عبد الموجود وعلي معوض، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان.\n٢٠٠. سراج القارئ المبتدئ وتذكار المقرئ المنتهي، [شرح منظومة حرز الأماني ووجه التهاني] لأبي القاسم علي ابن عثمان بن محمد القاصح البغدادي، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت.\n٢٠١. سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها؛ للشيخ محمد ناصر الدِّين الألباني، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، الرياض - المملكة العربية السعودية، الطبعة الجديدة، ١٤١٥ هـ = ١٩٩٥ م.\n٢٠٢. سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيء في الأمة، لمحمد ناصر الدين الألباني، مكتبة المعارف للنشر – الرياض، الطبعة الثانية = ١٤٢٠ هـ.\n٢٠٣. سُنن ابن ماجة؛ للإمام الحافظ أبي عبد الله محمد بن يزيد الرَّبعي ابن ماجة القزويني، المُتوفَّى سنة ٢٧٣ هـ، دار السلام للنَّشر والتوزيع، الرياض، الطبعة الأولى ١٤٢٠ هـ.\n٢٠٤. سُنن أبي داوود؛ للإمام الحافظ سليمان بن الأشعث السجستاني، المُتوفَّى ٢٧٥ هـ، دار السلام للنَّشر والتوزيع، الرياض، الطبعة الأولى ١٤٢٠ هـ.\n٢٠٥. سنن البيهقي الكبرى، لأحمد بن الحسين البيهقي، المتوفَّى سنة: ٤٥٨ هـ، مكتبة دار الباز، مكة المكرمة، ١٤١٤ هـ - ١٩٩٤ م، تحقيق، محمد عبدالقادر عطا.\n٢٠٦. سنن الدارمي، لأبي محمد عبد الله الدارمي، المتوفى سنة ٢٥٥ هـ، تحقيق: فواز زمرلي وزميله، دار الكتاب","vol":"1","page":1565},{"text":"العربي، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٧ هـ.\n٢٠٧. سُنن النَّسائي الصغرى، للحافظ أبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي النَّسائي، المتوفَّى سنة ٣٠٣ هـ، ... دار السلام للنَّشر والتوزيع، الرياض، الطبعة الأولى ١٤٢٠ هـ\n٢٠٨. سِيَر أعلام النبلاء لشمس الدِّين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، المُتوفَّى سنة ٧٤٨ هـ طبع مؤسسة الرسالة، بيروت - لبنان، الطبعة العاشرة ١٤١٤ هـ = ١٩٩٤ م\n٢٠٩. شذرات الذَّهَب في أخبار من ذهب؛ للمؤرِّخ الفقية الأديب أبي الفلاح عبد الحيّ بن العماد الحنبلي، المُتوفَّى سنة ١٠٨٩ هـ، دار إحياء التراث العربي، بيروت - لبنان.\n٢١٠. شرح ابن عقيل؛ لعبد الله بن عقيل العقيل، المتوفى سنة: ٧٦٩ هـ، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، الطبعة الثانية.\n٢١١. ... شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة والتابعين من بعدهم. لأبي القاسم هبة الله اللالكائي، تحقيق: أحمد سعد حمدان، دار طيبة للنشر والتوزيع، الرياض، ط ٢، ١٤١١ هـ.\n٢١٢. شرح العقيدة الطحاوية؛ للإمام علي بن علي بن محمد بن أبي العز الدمشقي، تحقيق: الدكتور: عبد الله ابن عبد المحسن التركي، شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى: ١٤٠٨ هـ.\n٢١٣. شرح العقيدة الواسطية لابن تيمية؛ لمحمد خليل الهرّاس، دار الهجرة، الرياض، الطبعة الثالثة: ١٤١٥ هـ = ١٩٩٥ م.\n٢١٤. شرح العقيدة الواسطية، لشيخ الإسلام ابن تيمية، شرحه الشيخ محمد الصالح العثيمين، خرَّج أحاديثه واعتنى به سعد بن فواز الصميل، طبع دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع، السعودية – الدمام، الطبعة الرابعة ١٤١٧ هـ.\n٢١٥. شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري؛ للدكتور عبد الله الغنيمان، الطبعة الأولى، ١٤٠٩ هـ.\n٢١٦. شرح لمعة الاعتقاد؛ للشيخ محمد بن صالح العثيمين، حقَّقو وخرَّج أحاديثه أبو محمد أشرف بن عبد المقصود، مكتبة أضواء السلف، الرياض، الطبعة الثالثة: ١٤١٥ هـ =١٩٩٥ م.\n٢١٧. شرح مقدمة التفسير لشيخ الإسلام ابن تيمية؛ لفضيلة الشيخ: محمد بن صالح العثيمين، إعداد وتقديم: ... أ. د. عبد الله بن محمد بن أحمد الطيار، دار الوطن - الرياض، الطبعة الأولى ١٤١٥ هـ=١٩٩٥ م.\n٢١٨. شرح ملحة الإعراب؛ لأبي محمد القاسم بن علي الحريري، تحقيق أحمد محمد قاسم، دار التراث، الطبعة الثانية ١٤١٢ هـ.\n٢١٩. شعب الإيمان لأبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي، تحقيق محمد بسيوني زغلول، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٠ هـ.\n٢٢٠. شَواذ القراءات؛ لأبي عبد الله محمد بن أبي نصر الكرماني، من علماء القرن السادس الهجري، تحقيق الدكتور شمران العجلى، مؤسسة البلاغ، بيروت - لبنان، الطبعة الأولى: ١٤٢٢ هـ = ٢٠٠١ م.\n٢٢١. صبح الأعشى في صناعة الإنشاء؛ لأحمد بن علي القلقشندي، المتوفى سنة ٨٢١ هـ، تحقيق الدكتور: يوسف","vol":"1","page":1566},{"text":"علي طويل، دار الفكر، دمشق الطبعة الأولى: ١٩٨٧ م.\n٢٢٢. صحيح ابن حبان، ترتيب علاء الدين علي بن بلبان، المتوفى سنة: ٧٣٩ هـ، تحقيق شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة الثالثة سنة ١٤١٨ هـ =١٩٩٧ م.\n٢٢٣. صحيح ابن ماجة، لمحمد بن ناصر الدين الألباني، مكتب التربية العربي، الرياض، الطبعة الثالثة: ١٩٨٨ م.\n٢٢٤. صحيح الترغيب والترهيب؛ لمحمد بن ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الثانية: ١٩٨٢ م.\n٢٢٥. صحيح الجامع الصغير وزياداته؛ للشيخ محمد ناصر الدِّين الألباني، أشرف على طبعه زهير الشاويش، المكتب الإسلامي، الطبعة الثالثة ١٤٠٨ هـ = ١٩٨٨ م\n٢٢٦. صحيح سُنن ابن ماجة؛ للشيخ محمد ناصر الدِّين الألباني، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، الرياض - المملكة العربية السُّعودية، الطبعة الأولى الجديدة ١٤١٧ هـ = ١٩٩٧ م.\n٢٢٧. صحيح سنن أبي داود؛ لمحمد ناصر الدين الألباني، مؤسسة غراس للنشر والتوزيع، الكويت، الطبعة الأولى ٢٠٠٢ م.\n٢٢٨. صحيح سنن الترمذي؛ لمحمد بن ناصر الدين الألباني، مكتبة المعارف، الرياض، الطبعة الثانية: ١٤٢٢ هـ.\n٢٢٩. صحيفة علي بن أبي طلحة في تفسير القرآن الكريم عن ابن عباس اعتنى بها وحقَّقَها وخرَّجها راشد بن عبد المنعم الرَّجال، نشر مكتبة السنة، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى، ١٤١١ هـ- ١٩٩١ م\n٢٣٠. صفات الله - ﷿ - الواردة في الكتاب والسُّنة، لعلوي عبد القادر السَّقاف، دار الهجرة للنشر والتوزيع، الرياض، الطبعة الأولى ١٤١٤ هـ = ١٩٩٤ م.\n٢٣١. صفة الصفوة؛ لأبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي المُتوفَّى سنة ٥٩٧ هـ، ضبط الكتاب وكتب هوامشه إبراهيم رمضان وسعيد اللحام، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان، ١٤١٩ هـ =١٩٩٩ م.\n٢٣٢. ضعيف الترغيب والترهيب؛ لمحمد بن ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت.\n٢٣٣. ضعيف الجامع الصغير وزيادته للشيخ الألباني، نشر المكتب الإسلامي ببيروت، الطبعة الثالثة، ١٤١٠ هـ.\n٢٣٤. ضعيف سنن ابن ماجة؛ لمحمد بن ناصر الدين الألباني، مكتب التربية العربي، الرياض.\n٢٣٥. ضعيف سنن أبي داود، لمحمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الأولى: ١٤١٢ هـ.\n٢٣٦. ضعيف سنن الترمذي؛ لمحمد ناصر الدين الألباني، مكتبة المعارف، الطبعة الثانية: ١٤٢٢ هـ.\n٢٣٧. ضعيف سنن النسائي، ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الأولى: ١٤١١ هـ.\n٢٣٨. طبقات المفسرين؛ للإمام جلال الدين السيوطي، المُتوفَّى سنة ٩١١ هـ، راجع النُّسخة وضبط أعلامها لجنة من العلماء بإشراف الناشر، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، الطبعة الأولى ١٤٠٣ هـ = ١٩٨٣ م.\n٢٣٩. طبقات المفسرين للأدنه وي؛ لأحمد بن محمد الأدنة وي، تحقيق: سليمان صالح الخزي، مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، الطبعة الأولى: ١٤١٧ هـ.\n٢٤٠. طبقات المفسرين؛ لمحمد بن علي بن أحمد الداوودي، المُتوفَّى سنة ٩٤٥ هـ، طبع دار الكتب العلمية – بيروت – لبنان.","vol":"1","page":1567},{"text":"٢٤١. طبقات فحول الشعراء؛ لمحمد بن سلاّم الجُمَحي، المُتوفَّى سنة ٢٣١ هـ، قَرَأَهُ وَشَرَحَهُ: محمود محمد شاكر، مطبعة المدني القاهرة.\n٢٤٢. طُرفة الأصحاب في معرفة الأنساب، تصنيف السلطان الملك الأشرف عمر بن يوسف بن رسول، حققه ك. و. سترستين – عضو المجمع العلمي العربي، دار صادر – بيروت - لبنان، ١٤١٢ هـ – ١٩٩٢ م.\nطريق الهجرتين وباب السعادتين؛ لمحمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية، المتوفَّى سنة ٧٥١ هـ، حقَّقه وخرَّج أحاديثه وعلَّق عليه بشير محمد عيون، مكتبة دار البيان/ مكتبة المؤيد، الرياض - المملكة العربية السعودية، الطبعة الأولى ١٤١٤ هـ=١٩٩٣ م.\n٢٤٣. عون المعبود شرح سنن أبي داود؛ لأبي الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان، الطبعة الأولى: ١٤١٠ هـ =١٩٩٠ م.\n٢٤٤. غاية النهاية في طبقات القراء؛ لشمس الدِّين أبي الخير محمد بن محمد بن الجزري، المُتوفَّى سنة ٨٣٣ هـ، عني بنشره ج. برجستراسر، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، الطبعة الثالثة ١٤٠٢ هـ = ١٩٨٢ م\n٢٤٥. غرائب التفسير وعجاب التأويل؛ لمحمود بن حمزة الكرماني، تحقيق الدكتور شمران سركال العجلي، دار القبلة، جدة، ومؤسسة علوم القرآن، بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٨ هـ.\n٢٤٦. غريب الحديث؛ لابن الجوزي، تحقيق الدكتور: عبد المعطي القلعجي، دار الكتب العلمية ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٥ هـ.\n٢٤٧. غريب الحديث؛ لابن قتيبة، تحقيق الدكتور: عبد الله الجبوري، مطبعة العاني، بغداد، الطبعة الأولى: ١٣٩٧ هـ.\n٢٤٨. غريب القرآن؛ لأبي بكر محمد بن عزيز السجستاني المتوفى سنة ٣٣٠ هـ، تحقيق: محمد أديب عبد الواحد جمران، دار قتيبة، ١٤١٦ هـ= ١٩٩٥ م.\n٢٤٩. غيث النفع في القراءات السبع؛ لعلي النوري الصفاقسي، المتوفى سنة ١١١٧ هـ، طبع بحاشية سراج القارئ لابن القاصح، طبع المكتبة الثقافية ببيروت.\n٢٥٠. فتح الباري بشرح صحيح البخاري؛ للحافظ أحمد بن علي بن حَجَر العسقلاني، المُتوفَّى ٨٥٢ هـ، حقَّق أصولها وأجازها الشيخ عبد العزيز بن باز، دار الفكر بيروت - لبنان، ١٤١٤ هـ = ١٩٩٣ م.\n٢٥١. فتح القدير الجامع بين فنَّيّ الرواية والدراية من علم التفسير، وثَّق أصوله وعلَّق عليه سعيد محمد اللحَّام، طبع دار الفكر، بيروت – لبنان، الطبعة الأولى: ١٤١٢ هـ = ١٩٩٢ م.\n٢٥٢. فصل المقال في شرح كتاب الأمثال؛ لأبي عبيد البكري، تحقيق الدكتور إحسان عباس، والدكتور عبد المجيد عابدين، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الثالثة: ١٩٨٣ م.\n٢٥٣. فضائل القرآن؛ لأبي عبيد القاسم بن سلام، المتوفى سنة ٢٢٤ هـ، اعتنى به وراجعه عدنان العلى، المكتبة العصرية، صيدا، بيروت، الطبعة الأولى ١٤٢٦ هـ = ٢٠٠٥ م.\n٢٥٤. فهم القرآن ومعانية؛ لأبي عبد الله الحارث بن أسد بن عبد الله المحاسبي، تحقيق: حسين القوتلي، دار الكندي ودار الفكر، بيروت – لبنان، الطبعة الثانية: ١٣٩٨ هـ.","vol":"1","page":1568},{"text":"٢٥٥. فيض القدير شرح الجامع الصغير فيض القدير شرح الجامع الصغير من أحاديث البشير النَّذير؛ لمحمد ... عبد الرؤوف المناوي، ضبطه وصححه: أحمد عبد السلام، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، سنة ١٤١٥ هـ.\n٢٥٦. قرة العيون النواظر في الوجوه والنظائر؛ لأبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي، تحقيق ودراسة محمد السيد الصفطاوي، والدكتور فؤاد عبد المنعم أحمد. نشر: منشأة المعارف بالإسكندرية.\n٢٥٧. قصص الأنبياء؛ لأبي الفداء إسماعيل بن كثير الدمشقي، حقَّقه وخرَّج أحاديثه لجنة التحقيق والنشر ف دار الفيحاء، قدَّم له ونظر في أحاديثه عبد القادر الأرناؤوط، دار الفيحاء للطباعة والنشر، دمشق، الطبعة الأولى: ١٤٢١ هـ = ٢٠٠١ م.\n٢٥٨. كتاب التوحيد، وإثبات صفات الرب - ﷿ -؛ للحافظ محمد بن إسحاق بن خزيمة، راجعه وعلَّق عليه: محمد خليل هرَّاس، دار الجيل بيروت - لبنان، ١٤٠٨ هـ = ١٩٩٨ م.\n٢٥٩. كتاب التوحيد؛ للإمام محمد بن عبد الوهاب، مع شرحه إغاثة المستفيد؛ للفوزان، مؤسسة الرسالة، بيروت - لبنان، الطبعة الثانية: ١٤٢٢ هـ ٢٠٠١ م.\n٢٦٠. كتاب الصناعتين؛ لأبي هلال الحسن بن عبد الله العسكري المتوفى سنة ٣٩٥ هـ، تحقيق علي بن محمد البجاوي ومحمد أبو الفضل إبراهيم، نشر مكتبة عيسى البابي الحلبي، القاهرة ١٣٩١ هـ = ١٩٧١ م.\n٢٦١. كتاب سيبويه. لأبي بشر عمرو بن عثمان بن قنبر، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، دار الجيل، بيروت، الطبعة الأولى: ١٤١١ هـ.\n٢٦٢. كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس، لإسماعيل بن محمد العجلوني، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤٠٨ هـ.\n٢٦٣. كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون. للعلامة المولى مصطفى بن عبد الله القسطنطيني الرومي الحنفي المعروف بحاجي خليفة، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤١٣ هـ.\n٢٦٤. كشف المشكل من حديث الصحيحين؛ لأبي الفَرَج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي، المُتوفَّى سنة ٥٩٧ هـ، تحقيق مصطفى السبكي، دار الوطن، الرياض: ١٤١٨ هـ = ١٩٩٧ م.\n٢٦٥. كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال؛ لعلاء الدين المتقي البرهان فوري، المتوفى سنة ٩٧٥ هـ، ضبطه وفسَّر غريبه الشيخ بكري حياني، تصحيح صفوة السقا، مؤسسة الرسالة – بيروت: ١٤١٣ هـ-١٩٩٣ م.\n٢٦٦. لباب النقول في أسباب النزول، للإمام جلال الدين السيوطي، المُتوفَّى سنة ٩١١ هـ، اعتنى به عبد المجيد طعمة حلبي، دار المعرفة بيروت - لبنان، الطبعة الثانية ١٤١٩ هـ = ١٩٩٨ م.\n٢٦٧. لسان العرب؛ للعلامة أبي الفضل جمال الدين محمد بن مكرم بن منظور الأفريقي المصري، المُتوفَّى سنة ٧١١ هـ، طبع دار صادر – بيروت.","vol":"1","page":1569},{"text":"٢٦٨. لطائف المعارف فيما لمواسم العام من وظائف؛ لأبي الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي، المتوفى سنة ٧٩٥ هـ، حقَّقه ياسين محمد السَّواس، دار ابن كثير، دمشق، بيروت، الطبعة الأولى: ١٤١٣ هـ ١٩٩٢ م.\nللحافظ أبي سعيد عثمان بن سعيد بن خالد التميمي الدارمي السجستاني، تحقيق: الدكتور رشيد الألمعي، مكتبة الرشد وشركة الرياض، الطبعة الأولى، سنة ١٤١٨ هـ.\nللحافظ أبي سعيد عثمان بن سعيد بن خالد التميمي الدارمي السجستاني، تحقيق: الدكتور رشيد الألمعي، مكتبة الرشد وشركة الرياض، الطبعة الأولى: ١٤١٨ هـ.\n٢٦٩. مجاز القرآن لأبي عبيدة معمر بن المثنى التيمي، المتوفى سنة ٢١٠ هـ، نشر مكتبة الخانجي بالقاهرة.\n٢٧٠. مجمع الأمثال، لأبي الفضل أحمد بن إبراهيم النيسابوري الميداني، تحقيق وتعليق سعيد بن محمد اللحَّام، دار الفكر للطباعة والنشر، بيروت - لبنان، ١٤٢٢ هـ = ٢٠٠٢ م.\n٢٧١. مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، للحافظ نور الدِّين علي بن أبي بكر الهيثمي، المُتوفَّى سنة ٨٠٧ هـ، طبع دار الكتاب العربي، بيروت – لبنان، دار الريان للتراث – القاهرة، ١٤٠٧ هـ = ١٩٨٧ م.\n٢٧٢. مجمل اللغة؛ لأبي الحسين أحمد بن فارس، المُتوفَّى سنة ٣٩٥ هـ، هـ، حقَّقَه شهاب الدين أبو عمر، دار الفكر، بيروت - لبنان، ١٤١٤ هـ =١٩٩٤.\n٢٧٣. مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية، جمع وترتيب الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، وساعده ابنه محمد، طبع مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف في المدينة المنورة، الطبعة الأولى ١٤١٦ هـ =١٩٩٥ م.\n٢٧٤. محاسن التأويل؛ لمحمد جمال الدين القاسمي، المتوفى سنة ١٣٣٢ هـ، ضبطه وصححه وخرج أحاديثه محمد باسل عيون السّود، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان الطبعة الأولى: ١٤١٨ هـ=١٩٩٧ م.\n٢٧٥. مختار الصحاح؛ لمحمد بن أبي بكر الرازي، اعتنى بها الأستاذ يوسف الشيخ محمد، المكتبة العصرية، صيدا، بيروت، الطبعة الرابعة ١٤١٨ هـ =١٩٩٨ م.\n٢٧٦. مختصر الشمائل المحمدية لأبي عيسى محمد بن سورة الترمذي، اختصره وحققه: ناصر الدين الألباني، المكتبة الإسلامية، عمان، الطبعة الأولى: ١٤٠٥ هـ.\n٢٧٧. مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين؛ للإمام شمس الدِّين أبي عبد الله محمد بن أبي بكر المعروف بابن قيم الجوزية، المُتوفَّى سنة ٧٥١ هـ اعتنى بها مكتب التحقيق بدار إحياء التراث العربي، دار إحياء التراث العربي، بيروت - لبنان، الطبعة الأولى ١٤١٩ هـ =١٩٩٩ م.\n٢٧٨. مدارك التنْزيل وحقائق الأقاويل؛ لعبد الله بن أحمد بن محمود النسفي، المتوفى سنة ٧٠١ هـ، تحقيق: سيد زكريا، نشر مكتبة نزار الباز، مكة المكرمة، الطبعة الأولى ١٤٢١ هـ= ٢٠٠٠ م.","vol":"1","page":1570},{"text":"٢٧٩. مراصد المطالع في تناسب المقاطع والمطالع، لجلال الدين السيوطي، قرأه وتمَّمه الدكتور عبد المحسن بن عبد العزيز العسكر، مكتبة دار المنهاج للنَّشر والتوزيع، الرياض، الطبعة الأولى: ١٤٢٦ هـ.\n٢٨٠. مسألة التقريب بين أهل السنة والشيعة، للدكتور ناصر بن عبد الله القفاري، دار طيبة للنشر والتوزيع، الرياض، الطبعة الثالثة: ١٤١٤ هـ.\n٢٨١. مسند أبي يعلى؛ أحمد بن علي بن المثنى، أبو يعلى الموصلي، المُتوفَّى، سنة ٣٠٧ هـ تحقيق حسين سليم أسد، دار المأمون للتراث، دمشق، الطبعة الأولى ١٤٠٤ هـ =١٩٨٤ م.\n٢٨٢. مسند الإمام أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني المُتوفَّى سنة ٢٤١ هـ مؤسسة قرطبة، مصر.\n٢٨٣. مشاهير علماء الأمصار؛ للإمام أبي حاتم محمد بن أحمد بن حبَّان البُسْتي، المُتوفَّى سنة ٣٥٤ هـ، وضع حواشيه وعلَّق عليه مجدي بن منصور بن سيِّد الشورى، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، الطبعة الأولى ١٤١٦ هـ =١٩٩٥ م.\n٢٨٤. مشكاة المصابيح؛ لمحمد بن عبد الله الخطيب التبريزي، تحقيق محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، الطبعة الثالثة: ١٤٠٥ هـ=١٩٨٥ م.\n٢٨٥. مشكل إعراب القرآن، لأبي محمد مكي بن أبي طالب القيسي، تحقيق د. حاتم صالح الضامن، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الثانية: ١٤٠٥ هـ.\n٢٨٦. معاني القراءات، لأبي منصور محمد بن أحمد الأزهري، المتوفى سنة، ٣٧٠ هـ، تحقيق أحمد فريد المزيدي، دار الكتب العلمية – بيروت، لبنان، الطبعة الأولى/ ١٤٢٠ هـ=١٩٩٩ م.\n٢٨٧. معاني القرآن؛ لأبي زكريا يحيى بن زياد الفراء، المتوفى سنة ٢٠٧ هـ، بتحقيق أحمد يوسف نجاتي، ومحمد علي النجار وآخرون، طبع دار السرور.\n٢٨٨. معاني القرآن الكريم؛ للإمام أبي جعفر محمد بن أحمد النحاس، تحقيق: محمد علي الصابوني، مركز إحياء التراث الإسلامي في جامعة أم القرى، الطبعة الأولى: ١٤٠٩ هـ.\n٢٨٩. معاني القرآن وإعرابه للزجاج، أبي إسحاق إبراهيم السري، المُتوفَّى سنة ٣١١ هـ، شرح وتحقيق الدكتور عبد الجليل عبده شلبي، طبع دار عالم الكتب، بيروت – لبنان، الطبعة الأولى ١٤٠٨ هـ = ١٩٩٨ م.\n٢٩٠. معاني القرآن؛ لسعيد بن مسعدة البلخي المجاشعي الأخفش، المعروف بالأخفش الأوسط، قدم له وعلق عليه، إبراهيم شمس الدين، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، الطبعة الأولى ١٤٢٣ هـ = ٢٠٠٢ م.\n٢٩١. معجم الأدباء أو إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب لأبي عبد الله ياقوت بن عبد الله الحموي، المتوفَّى سنة ٦٢٦ هـ","vol":"1","page":1571},{"text":"طبع دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان، الطبعة الأولى ١٤١١ هـ =١٩٩١ م\n٢٩٢. معجم الأمكنة الوارد ذكرها في صحيح البخاري؛ لسعد بن عبد الله بن جنيدل، نشر دارة الملك عبد العزيز بالرياض، ١٤١٩ هـ.\n٢٩٣. معجم البلدان؛ للشيخ الإمام شهاب الدين أبي عبد الله ياقوت بن عبد الله الحموي البغدادي، المُتوفَّى ٦٢٦ هـ قدم لها محمد عبد الرحمن المرعشلي، دار إحياء التراث العربي، بيروت – لبنان، الطبعة الأولى ١٤١٧ هـ = ١٩٩٧ م.\n٢٩٤. ... معجم الشعراء الجاهليين والمخضرمين، د. عفيف عبد الرحمن، دار العلوم للطباعة والنشر، الطبعة الأولى ١٤٠٣ هـ = ١٩٨٣ م.\n٢٩٥. معجم الشواهد العربية، لعبد السلام هارون، طبع مكتبة الخانجي، الطبعة الثانية = ١٤١٧ هـ.\n٢٩٦. معجم القبائل العربية؛ لعاتق بن غيث البلادي، دار النفائس للنشر والتوزيع، ١٤٢٣ هـ = ٢٠٠٢ م.\n٢٩٧. معجم المعالم الجغرافية في السيرة النبوية عاتق بن غيث البلادي، دار مكة، الطبعة الأولى، ١٤٠٢ هـ.\n٢٩٨. معجم المناهي اللفظية، ويليه فوائد في الألفاظ، للشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد، دار العاصمة للنشر والتوزيع، الطبعة الثالثة ١٤١٧ هـ، ١٩٩٦ م.\n٢٩٩. معجم علوم القرآن: علوم القرآن، التفسير، التجويد، القراءات؛ لإبراهيم محمد الجرمي، دار القلم، دمشق، الطبعة الأولى: ١٤٢٢ هـ = ٢٠٠١ م.\n٣٠٠. معجم ما استعجم من أسماء البلاد والمواضع؛ لأبي عُبيد عبد الله بن عبد العزيز البكري الأندلسي، المُتوفَّى سنة، ٤٨٧ هـ، تحقيق: مصطفى السَّقا، دار عالم الكتب، بيروت - لبنان، الطبعة الثالثة ١٤٠٣ هـ\n٣٠١. معجم معالم الحجاز؛ لعاتق بن غيث البلادي، دار مكة، مكة المكرمة، الطبعة الأولى ١٤٠٤ هـ =١٩٨٤ م.\n٣٠٢. معجم مقاييس اللغة، لأحمد بن فارس بن زكريا، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، دار الجيل، بيروت، ١٤١١ هـ.\n٣٠٣. ... معرفة القُرَّاء الكبار على الطبقات والأعصار؛ تأليف الإمام الحافظ أبي عبد الله محمد بن أحمد الذَّهبي، المُتوفَّى سنة ٧٤٨ هـ، تحقيق طالب العالم أبي عبد الله محمد حسن محمد حسن إسماعيل الشافعي، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، ١٤١٧ هـ = ١٩٩٧ م.\n٣٠٤. مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، لجمال الدين ابن هشام، المتوفى سنة: ٧٦١ هـ، تحقيق مازن المبارك ومحمد علي حمد الله، راجعه سعيد الأفغاني، دار الفكر- بيروت - لبنان، الطبعة الأولى: ١٤١٢ هـ =١٩٩٢ م.\n٣٠٥. مفردات ألفاظ القرآن؛ للراغب الأصفهاني، تحقيق: صفوان عدنان داوودي – طبع دار القلم – دمشق، الدار الشامية – بيروت – الطبعة الثانية ١٤١٨ هـ = ١٩٩٧ م.\n٣٠٦. مقدمة ابن الصلاح، لأبي عمرو عثمان بن عبد الرحمن ابن الصلاح، تحقيق: نور الدين عتر، الطبعة الثالثة،","vol":"1","page":1572},{"text":"دار الفكر، دمشق، سوريا، سنة ١٤٠٤ هـ = ١٩٨٤ م.\n٣٠٧. مناهج الجدل في القرآن الكريم؛ للدكتور زاهر الألمعي، الرياض، الطبعة الثالثة ١٤٠٤ هـ = ١٩٨٤ م.\n٣٠٨. مناهل العرفان في علوم القرآن؛ للشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني، خرَّج أحاديثه ووضع حواشيه أحمد ... شمس الدين، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، الطبعة الأولى: ١٤٠٩ هـ =١٩٨٨ م.\n٣٠٩. منجد المقرئين، ومرشد الطالبين، لمحمد بن محمد بن الجزري، اعتنى به: علي ابن محمد العمران، دار عالم الفوائد، مكة المكرمة، الطبعة الأولى= ١٤١٩ هـ\n٣١٠. موقف ابن تيمية من الأشاعرة؛ للدكتور عبد الرحمن بن صالح بن صالح المحمود، نشر مكتبة الرشد للنشر والتوزيع، الرياض، الطبعة الأولى ١٤١٥ هـ= ١٩٩٥ م.\n٣١١. ميزان الاعتدال في نقد الرجال؛ لأبي عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، تحقيق: علي محمد البجاوي، دار الفكر.\n٣١٢. نزهة الألباء في طبقات الأدباء، لعبد الرحمن به محمد الأنباري، المتوفى سنة ٥٧٧ هـ، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، دار النهضة، القاهرة - مصر.\n٣١٣. نسب قريش. لأبي عبد الله المصعب بن عبد الله بن المصعب الزبيري. عني بنشره وتصحيحه: ليفي برفنسال، دار المعارف، القاهرة، الطبعة الثالثة.\n٣١٤. نصب المجانيق لنسف قصة الغرانيق، لمحمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، دمشق: ١٣٧٢ هـ =١٩٥٢ م.\n٣١٥. نَظْمُ الدُّرَر في تَنَاسُب الآيات والسُّور، لبرهان الدين أبي الحسن إبراهيم بن عمر البقاعي، المُتوفَّى سنة ٨٨٥ هـ، خرَّج أحاديثه عبد الرزاق غالب المهدي، طبع دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، الطبعة الأولى ١٤١٥ هـ = ١٩٩٥ م ..\n٣١٦. نقض الإمام أبي سعيد عثمان بن سعيد على المريسي الجهمي العنيد فيما افترى على الله ﷿ من التوحيد؛\n٣١٧. نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب، لأبي العباس أحمد بن علي بن أحمد القلقشندي، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى = ١٤٠٥ هـ.\n٣١٨. نواسخ القرآن؛ لأبي الفَرَج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي، المُتوفَّى سنة ٥٩٧ هـ، تحقيق خليل إبراهيم، شرح ومراجعة إبراهيم رمضان وعبد الله الشعار، دار الفكر اللبناني، الطبعة الأولى: ١٩٩٢ م.\n٣١٩. وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان؛ لأبي العباس أحمد بن محمد بن أبي بكر بن خلكان المُتوفَّى سنة ٦٨١ هـ، تحقيق الدكتور: إحسان عبّاس، دار صادر، بيروت - لبنان.","vol":"1","page":1573}]}