{"ً":{"ٌ":36110,"ٍ":"الكنز الأكبر من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - ابن داود الحنبلي","َ":1,"ُ":1,"ّ":"الكتاب: الكنز الأكبر من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر\nالمؤلف: عبد الرحمن بن أبي بكر بن داود الحنبلي الدمشقي الصالحي (ت ٨٥٦ هـ)\nالمحقق: د. مصطفى عثمان صميدة، أستاذ الدعوة والثقافة الإسلامية بكلية أصول الدين بالقاهرة\nالناشر: دار الكتب العلمية - بيروت\nالطبعة: الأولى، ١٤١٧ هـ - ١٩٩٦ م.\nعدد الصفحات: ٥١٦\nأعده للشاملة: مركز المحتسب http://almohtasb.com\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":2894,"ٕ":20,"ٖ":1770156168,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة","level":1,"page":1},{"title":"الباب الأول: في فضل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبيان فرضيتهما","level":1,"page":15},{"title":"فصل- ١ -: حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض عين أم فرض كفاية","level":2,"page":18},{"title":"فصل- ٢ -: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض عين أم فرض كفاية","level":2,"page":20},{"title":"فصل- ٣ -: دليل كون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أفعال الصالحين وخلال المتقين","level":2,"page":23},{"title":"فصل- ٤ -: دليل كون الأمر بالمعروف من أخص الأعمال الصالحة المتقبلة عند الله تعالى","level":2,"page":25},{"title":"فصل- ٥ -: تحذير المحتسب (الآمر الناهي) والحاكم من التأثر ببغضه للبعض عند الحكم تفاديا للظلم","level":2,"page":26},{"title":"فصل- ٦ -: التحذير من الارتداد عن الدين","level":2,"page":28},{"title":"فصل- ٧ -: التحذير من التفريط في الإنكار على فاعل المنكر","level":2,"page":30},{"title":"فصل- ٨ -: من صور جزاء التقصير في واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر اللعن وهو الطرد من رحمة الله","level":2,"page":31},{"title":"فصل- ٩ -: دليل كون الامر بالمعروف والنهي عن المنكر من شرائع الإيمان أي من شروط تمامه","level":2,"page":34},{"title":"فصل- ١١ -: وجوب اجتهاد الآمرين الناهين في الأمر والنهي وإن لم يستجب الجمهور إقامة للحجة الإلهية لله على خلقه","level":2,"page":35},{"title":"فصل- ١٢ -: الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف من أخص أوصاف المنافقين","level":2,"page":36},{"title":"فصل- ١٣ -: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أخص أوصاف المؤمنين","level":2,"page":38},{"title":"فصل- ١٤ -: مراتب الجهاد في سبيل الله ثلاثة: جهاد الكفار وجهاد النفس والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر","level":2,"page":39},{"title":"فصل- ١٥ -: من صور جزاء التقصير في واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الهلاك في الدنيا فضلا عن العذاب بالآخرة","level":2,"page":41},{"title":"فصل- ١٦ -: جمع آية في القرآن هي التي تأمر بالعدل والإحسان وتنهي عن الفحشاء والمنكر والبغي","level":2,"page":42},{"title":"فصل -١٧ -: دليل وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأنه فرض عين في حدود القدر المستطاع","level":2,"page":46},{"title":"فصل -١٨ -: دليل كون المراد بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الأمر بطاعة الله والنهي عن معصيته","level":2,"page":49},{"title":"فصل -١٩ -: دليل كون أعلى مراتب الجهاد امتثال أمر الله واجتناب نهيه","level":2,"page":50},{"title":"فصل -٢٠ -: دليل كون المقصرين في واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في خسر","level":2,"page":51},{"title":"فصل -٢١ -: دليل كون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أفضل ما يعين المؤمن على تزكية نفسه ومعالجة ترقيها في الطاعات وتطهرها من الدنس","level":2,"page":52},{"title":"فصل -٢٢ -: الأحاديث الواردة في فضل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر","level":2,"page":52},{"title":"فصل -٢٣ -: ما ورد في فضل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر","level":2,"page":78},{"title":"فصل -٢٤ -: وجوب تبليغ الشرع وأن ذلك يثمر نضارة الوجه","level":2,"page":88},{"title":"فصل -٢٥ -: من ذب عن عرض مسلم وهو غائب وقاه الله النار يوم القيامة","level":2,"page":91},{"title":"فصل - ٢٦ -: صلاح العباد في طاعة الله وطاعة الله لا تتم إلا بالاجتهاد في القيام بهذا الواجب","level":2,"page":94},{"title":"فصل - ٢٧ -: أجمع العلماء على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لتوافر خصوص الأمر به ولتوعد الشارع تاركه بأشد العقوبة","level":2,"page":96},{"title":"فصل - ٢٨ -: تأكد وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الحكام","level":2,"page":99},{"title":"فصل - ٢٩ -: وجوب الإمعان في إنكار البدع المضلة حتى تخمد ثم يجب إنكار البدع المضلة، وإقامة الحجة على بطلانها","level":2,"page":102},{"title":"فصل - ٣٠ -: قول العز بن عبد السلام: الواجبات والمندوبات ضربان","level":2,"page":104},{"title":"فصل - ٣١ -: قول العز: من فعل واجبا متعديا أو مندوبا متعديا أو اجتنب محرما أو مكروها متعديان فقد قام بحق نفسه وحق ربه","level":2,"page":107},{"title":"فصل - ٣٢ -: بيان آراء العلماء في: هل من شروط وجوب إنكار المنكر غلبية الظن في إزالته","level":2,"page":109},{"title":"فصل - ٣٣ -: عدم سقوط وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالعزلة مادام قادرا على الأمر والنهي","level":2,"page":114},{"title":"فصل - ٣٤ -: من تيقن من وجود منكر بالسوق وكان قادرا على تغييره لزمه الخروج لتغييره","level":2,"page":120},{"title":"فصل - ٣٥ -: في إنكار المنكر أجر عظيم وفي عدم إنكاره الإثم الكبير","level":2,"page":121},{"title":"فصل -٣٦ -: إذا تظاهر الناس بالمنكر وجب على كل من يراه أن يغيره في حدود القدر المستطاع","level":2,"page":141},{"title":"فصل -٣٧ -: ثبوت عذاب القبر لمن ترك واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعدم قبول شفاعته","level":2,"page":142},{"title":"فصل -٣٨ -: الأحاديث والآثار الواردة في ذم تارك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر","level":2,"page":145},{"title":"فصل -٣٩ -: تارك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عاص لوجوه أربعة","level":2,"page":151},{"title":"فصل- (٤٠): إبطال زعم البعض أن السكوت عن المنكر مقام من مقامات الرضا بالقضاء","level":2,"page":154},{"title":"فصل- (٤١): من صور جزاء التقصير في واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نزع هيبة الطاعة","level":2,"page":155},{"title":"فصل- (٤٢): توعد الله المذلين للآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر بإحباط عملهم في الدنيا والآخرة","level":2,"page":157},{"title":"فصل- (٤٣): من أخص أوصاف المنافقين الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف وأن من أمارات الساعة فساد المسلمين بإمرتهم بالمنكر ونهيهم عن المعروف","level":2,"page":160},{"title":"الباب الثاني: أركان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر","level":1,"page":162},{"title":"فصل- (١): شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (خمسة)","level":2,"page":162},{"title":"فصل - (٢): أخص أوصاف المؤمنين الدالة على صحة عقيدتهم","level":2,"page":170},{"title":"فصل - (٣): الركن الثاني للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر [المأمور بالمعروف والمنهي عن المنكر]","level":2,"page":171},{"title":"فصل - (٤): الإنكار على السلطان إذا عطل الحدود في حدود القدر المستطاع","level":2,"page":175},{"title":"فصل - (٥): دفع التعارض بين أمر خواض الأمة السلطان الجائر بالمعروف ونهيه عن المنكر وبين تحريم تعريض النفس للتهلكة","level":2,"page":181},{"title":"فصل - (٦): سقوط وجوب أمر خواص العلماء الحكام ونهيهم عند توقع ضر لا يطاق","level":2,"page":182},{"title":"فصل - (٧): تحريم فرار المسلمين من عدوهم إذا كانوا ضعفهم","level":2,"page":185},{"title":"فصل - (٨): جواز أمر خواص الأمة بالمعروف ونهيهم عن المنكر ولو تيقنوا القتل إذا تيقنوا رفع المنكر","level":2,"page":185},{"title":"فصل - (٩): إباحة أمر السلطان ونهيه خواص الأمة عندما لا يخافون إيذاءا لغيرهم نتيجة لنهيهم","level":2,"page":187},{"title":"فصل - (١٠): كيفية الإنكار على السلطان تكون بالتعريف والوعظ بالكلام اللين اللطيف وذكر العاقبة في الدنيا والآخرة","level":2,"page":188},{"title":"فصل - (١١): وجوب وعظ خواص الأمة السلطان سرا أفضل منه جهرا","level":2,"page":191},{"title":"فصل - (١٢): وجوب نصح الولد للوالد بالتعريف والوعظ بالكلام اللين اللطيف","level":2,"page":195},{"title":"فصل - (١٣): وجوب نهي أهل الذمة من المنكر كزواج كتابي مسلمة أو عرضهم الخمر ولحم الخنزير للبيع بين المسلمين","level":2,"page":198},{"title":"فصل - (١٤): الشروط الواجب توفرها في المنكر حتى يجب النهي عنه","level":2,"page":203},{"title":"فصل - (١٥): الشرط الثالث من شروط المنكر","level":2,"page":206},{"title":"فصل - (١٦): أصل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مبني على الظنون","level":2,"page":209},{"title":"فصل - (١٧): الشرط الرابع من شروط المنكر أن يكون معلوما بغير اجتهاد","level":2,"page":211},{"title":"فصل - (١٨): وجوب التزام كل مقلد لمذهب بأحكام مذهبه وكراهة تقليده غيره إلا لضرورة","level":2,"page":214},{"title":"فصل - (١٩): ضروب الموجب للإنكار","level":2,"page":216},{"title":"فصل - (٢٠): الركن الرابع من أركان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر","level":2,"page":217},{"title":"فصل - (٢١): درجات النهي عن المنكر الدرجة الأولى: التعرف","level":2,"page":220},{"title":"فصل - (٢٢): الدرجة الثانية: في الأمر النهي عن المنكر التعريف","level":2,"page":222},{"title":"فصل - (٢٣): الدرجة الثالثة للنهي عن المنكر النهي بالوعظ","level":2,"page":224},{"title":"فصل- (٢٤): ما ينبغي على الآمر الناهي استخدامه في الوعظ من ذكر آيات وأحاديث وقصص","level":2,"page":226},{"title":"فصل - (٢٥): الدرجة الرابعة من درجات النهي عن المنكر","level":2,"page":229},{"title":"فصل - (٢٦): الدرجة الخامسة من درجات النهي عن المنكر التغيير باليد","level":2,"page":231},{"title":"فصل - (٢٧): وللمنكر كسر آلة اللهو وكسر وعاء الخمر","level":2,"page":232},{"title":"فصل - (٢٨): وجوب إنكار المنكر المستتر","level":2,"page":240},{"title":"فصل- (٢٩): إختلاف الرواية عن أحمد في وجوب تحريق بيوت تجار الخمر","level":2,"page":243},{"title":"فصل - (٣٠): كراهة النظر إلى التصاوير وإباحة حكها من على الجدران","level":2,"page":244},{"title":"فصل (٣١): لا ضمان في تحريق الكتب كالتي فيها الأحاديث المفتراة على رسول الله","level":2,"page":245},{"title":"فصل - (٣٢): في الدرجة الخامسة أدبان","level":2,"page":246},{"title":"فصل- (٣٣): الدرجة السادسة من درجات النهي عن المنكر التهديد والتخويف","level":2,"page":247},{"title":"فصل (٣٤): الدرجة السابعة مباشرة الضرب باليد والرجل بلا شهر سلاح","level":2,"page":248},{"title":"فصل - (٣٥): الدرجة الثامنة للنهي عن المنكر الاستعانة بأعوان من أهل الخير لإزالة المنكر","level":2,"page":249},{"title":"فصل- (٣٦): وترتيب درجات النهي عن المنكر مقتبسة من إشارات بعض آيات التنزيل","level":2,"page":251},{"title":"الباب الثالث: طبقات الناس من الآمرين والمأمورين والمتخلفين","level":1,"page":253},{"title":"فصل- (١) طبقات المنهيين","level":2,"page":257},{"title":"فصل (٢): أقسام التائبين الذين تأثروا بالموعظة","level":2,"page":267},{"title":"فصل (٣): المتقاعسون عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر","level":2,"page":267},{"title":"فصل (٤): غربة الآمرين الناهين ين أهل الفساد","level":2,"page":269},{"title":"فصل (٥): ابتلاء الله الفقهاء ببعض العصاة لهم","level":2,"page":274},{"title":"فصل (٦): ذل المؤمن لغربته بين الفساق","level":2,"page":280},{"title":"فصل (٧): معاداة العصاة للآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر","level":2,"page":282},{"title":"فصل (٨): حسد الفساق للعلماء وتمنيهم إضلالهم","level":2,"page":286},{"title":"(فصل): وجوب إيثار الآمر الناهي رضي رب العباد على رضى العباد","level":2,"page":293},{"title":"الباب الرابع: بيان ما يستحب من الأفعال والأقوال والأحوال في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر","level":1,"page":296},{"title":"فصل (١): الآمر بالمعروف والنهين عن المنكر القائم في حدوده بمنزلة الطبيب الذي يسقى الدواء الكريه الذي يرجو به الشفاء للمريض من دائه","level":2,"page":299},{"title":"فصل (٢): يستجيب للآمر الناهي العلم والورع وحسن الخلق","level":2,"page":301},{"title":"فصل (٣): تأكد ورع الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر بالإغراض عما في أيدي الناس","level":2,"page":306},{"title":"فصل (٤): وجوب اتصاف الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر بحسن الخلق","level":2,"page":311},{"title":"فصل (٤) [مكرر]: في ذم الغضب","level":2,"page":320},{"title":"فصل (٥): فضيلة كظم الغيظ","level":2,"page":322},{"title":"فصل (٦): أساليب إذهاب الغضب","level":2,"page":325},{"title":"فصل (٧): استحباب الغضب عند انتهاك حرمات الله","level":2,"page":327},{"title":"فصل (٨): وجوب حذر الغاضب عند انتهاك حرمات الله من الشوائب الدنيوية","level":2,"page":332},{"title":"فصل (٩): استحباب الحلم والعفو للآمر بالمعروف الناهي عن المنكر","level":2,"page":333},{"title":"فصل (١٠): أحاديث من مدح الرفق وذم تاركه","level":2,"page":341},{"title":"فصل (١١): تأكد استحباب الرفق للآمر بالمعروف الناهي عن المنكر","level":2,"page":348},{"title":"فصل (١٢): وجوب حذر الآمر الناهي من رفق المداهنة لبلوغ غرض دنيوي","level":2,"page":354},{"title":"فصل (١٣): وجوب اتصاف الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر بالحلم والعفو","level":2,"page":355},{"title":"فصل (١٤): على الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر أن يقابل إساءة المأمورين بالإحسان","level":2,"page":363},{"title":"فصل (١٥): عفو الناهي عن المسيء يورثه عزا","level":2,"page":370},{"title":"فصل (١٦)","level":2,"page":372},{"title":"فصل (١٧): استحباب الأناة والتثبت للآمر الناهي","level":2,"page":375},{"title":"فصل (١٨): ويستحب للآمر بالمعروف الناهي عن المنكر قصد نصح جميع الأمة","level":2,"page":379},{"title":"فصل (١٩): ومما يستحب للآمر بالمعروف أن يكون قصده رحمة الخلق والنفقة عليهم","level":2,"page":391},{"title":"فصل (٢٠): ومما يستحب للآمر بالمعروف الناهي عن المنكر ستر العورات والعيوب","level":2,"page":397},{"title":"فصل (٢١): ومما يستحب للآمر بالمعروف الناهي عن المنكر أن يكون مغتما مما ظهر من معصية أخيه المسلم","level":2,"page":405},{"title":"فصل (٢٢): ومما يستحب للآمر بالمعروف الناهي عن المنكر أن يكون غيورا على إخوانه المسلمين أي غيورا على دمائهم وأموالهم وأعراضهم","level":2,"page":407},{"title":"فصل (٢٣): ومما يستحب (أو يجب) على كل مسلم أن يهجر المجاهرين بالمعاصي الفعلية والقولية والاعتقادية للإجتماع على وجوب ترك الأرض التي يجاهر فيها بالمعاصي","level":2,"page":409},{"title":"فصل (٢٤): استحباب هجر المجاهر بالمعصية على جهة التأديب","level":2,"page":412},{"title":"فصل (٢٥): استحباب هجر من ترك الفرائض من باب التغرير بترك السلام على تارك الصلاة وشارب الخمر","level":2,"page":415},{"title":"فصل (٢٦): هجران أهل البدع والمتظاهرين بالمعاصي فرض كفاية","level":2,"page":417},{"title":"فصل (٢٧): على الآمر الناهي أن يسلك مع العصاة والفساق مسالك بحسب مراتبهم في مخالفة أوامر الله","level":2,"page":423},{"title":"فصل (٢٨): تباين درجات الهجر بحسب أحوال المهجورين فإن كان الهجر يضعف شرهم وجب الهجر كأسلوب للزجر وإن كان يزيد من شرهم وجبت مخالطتهم وتغريرهم","level":2,"page":425},{"title":"فصل (٢٩): تباين درجات الهجر بحسب درجات اعتقاد وسلوك الجماهير","level":2,"page":427},{"title":"فصل (٣٠): الهجر أسلوب شرعي للزجر لتكون كلمة الله هي العليا","level":2,"page":430},{"title":"فصل (٣١): لا فرق بين وجوب هجر ذي الرحم والأجنبي إذا كان الهجر لتعدي حق الله","level":2,"page":431},{"title":"فصل (٣٢): عدم جواز الهجر المسلم للتهمة مداومة للصفاء والمحبة","level":2,"page":432},{"title":"فصل","level":2,"page":433},{"title":"فصل (٣٣): هجر المسلم العدل في اعتقاده وأفعاله كبيرة","level":2,"page":438},{"title":"فصل (٣٤): قال ابن مفلح -﵀- ولا هجرة مع السلام","level":2,"page":440},{"title":"فصل (٣٥): استحباب التقرب إلى الله بحب أهل الطاعة وبغض أهل المعصية","level":2,"page":441},{"title":"فصل (٣٦): استحبالب تواضع الآمر الناهي في أمره ونهييه بلا افتخار أو تعاظم","level":2,"page":446},{"title":"فصل (٣٧): استحباب استعانة الآمر الناهي بالله والاعتصام به وخاصة عند عجزه عن مجاهدة نفسه وعن القيام بحقوق الله","level":2,"page":455},{"title":"فصل (٣٨): استحباب طلب الآمر الناهي إعانة الله","level":2,"page":460},{"title":"فصل (٣٩): استحباب تحلي الآمر الناهي بالصبر والاحتمال","level":2,"page":462},{"title":"فصل (٤٠): صبر النبي على أذى قريش عشرين عاما وعفوه عنهم بعد أن أظفره الله بهم","level":2,"page":470},{"title":"فصل (٤١): يبتلي المرء على قدر دينه والمرء يبتلي على قدر دينه وقوة يقينه","level":2,"page":474},{"title":"فصل (٤٢): إذا تحقق المصاب من أن المصيبة بتقدير الله وإرادته هانت عليه والمصاب إذا علم وتحقق أن المصيبة بتقدير الله وإرادته هانت عليه","level":2,"page":479},{"title":"فصل (٤٣): وعد الله المؤمنين الذين يعملون الصالحات باستخلافهم في الأرض وتمكين دينهم لهم","level":2,"page":482},{"title":"فصل (٤٤): من أخص آداب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر","level":2,"page":490},{"title":"فصل (٤٥): وجوب تحمل الآمر الناهي الصبر المترتب على أمره ونهيه","level":2,"page":491},{"title":"فصل (٤٦): قال العلامة ابن القيم: وللعبد فيما يصيبه من أذى الخلق وجنايتهم عليه احد عشر مشهدا","level":2,"page":495},{"title":"فصل (٤٧): وقوع المحن على قدر قوى الآمرين الناهين ومراتبهم","level":2,"page":500}],"ٛ":{"1,15":1,"1,16":2,"1,17":3,"1,18":4,"1,19":5,"1,20":6,"1,21":7,"1,22":8,"1,23":9,"1,24":10,"1,25":11,"1,26":12,"1,27":13,"1,28":14,"1,29":15,"1,30":16,"1,31":17,"1,32":18,"1,33":19,"1,34":20,"1,35":21,"1,36":22,"1,37":23,"1,38":24,"1,39":25,"1,40":26,"1,41":27,"1,42":28,"1,43":29,"1,44":30,"1,45":31,"1,46":32,"1,47":33,"1,48":34,"1,49":35,"1,50":36,"1,51":37,"1,52":38,"1,53":39,"1,54":40,"1,55":41,"1,56":42,"1,57":43,"1,58":44,"1,59":45,"1,60":46,"1,61":47,"1,62":48,"1,63":49,"1,64":50,"1,65":51,"1,66":52,"1,67":53,"1,68":54,"1,69":55,"1,70":56,"1,71":57,"1,72":58,"1,73":59,"1,74":60,"1,75":61,"1,76":62,"1,77":63,"1,78":64,"1,79":65,"1,80":66,"1,81":67,"1,82":68,"1,83":69,"1,84":70,"1,85":71,"1,86":72,"1,87":73,"1,88":74,"1,89":75,"1,90":76,"1,91":77,"1,92":78,"1,93":79,"1,94":80,"1,95":81,"1,96":82,"1,97":83,"1,98":84,"1,99":85,"1,100":86,"1,101":87,"1,102":88,"1,103":89,"1,104":90,"1,105":91,"1,106":92,"1,107":93,"1,108":94,"1,109":95,"1,110":96,"1,111":97,"1,112":98,"1,113":99,"1,114":100,"1,115":101,"1,116":102,"1,117":103,"1,118":104,"1,119":105,"1,120":106,"1,121":107,"1,122":108,"1,123":109,"1,124":110,"1,125":111,"1,126":112,"1,127":113,"1,128":114,"1,129":115,"1,130":116,"1,131":117,"1,132":118,"1,133":119,"1,134":120,"1,135":121,"1,136":122,"1,137":123,"1,138":124,"1,139":125,"1,140":126,"1,141":127,"1,142":128,"1,143":129,"1,144":130,"1,145":131,"1,146":132,"1,147":133,"1,148":134,"1,149":135,"1,150":136,"1,151":137,"1,152":138,"1,153":139,"1,154":140,"1,155":141,"1,156":142,"1,157":143,"1,158":144,"1,159":145,"1,160":146,"1,161":147,"1,162":148,"1,163":149,"1,164":150,"1,165":151,"1,166":152,"1,167":153,"1,168":154,"1,169":155,"1,170":156,"1,171":157,"1,172":158,"1,173":159,"1,174":160,"1,175":161,"1,176":162,"1,177":163,"1,178":164,"1,179":165,"1,180":166,"1,181":167,"1,182":168,"1,183":169,"1,184":170,"1,185":171,"1,186":172,"1,187":173,"1,188":174,"1,189":175,"1,190":176,"1,191":177,"1,192":178,"1,193":179,"1,194":180,"1,195":181,"1,196":182,"1,197":183,"1,198":184,"1,199":185,"1,200":186,"1,201":187,"1,202":188,"1,203":189,"1,204":190,"1,205":191,"1,206":192,"1,207":193,"1,208":194,"1,209":195,"1,210":196,"1,211":197,"1,212":198,"1,213":199,"1,214":200,"1,215":201,"1,216":202,"1,217":203,"1,218":204,"1,219":205,"1,220":206,"1,221":207,"1,222":208,"1,223":209,"1,224":210,"1,225":211,"1,226":212,"1,227":213,"1,228":214,"1,229":215,"1,230":216,"1,231":217,"1,232":218,"1,233":219,"1,234":220,"1,235":221,"1,236":222,"1,237":223,"1,238":224,"1,239":225,"1,240":226,"1,241":227,"1,242":228,"1,243":229,"1,244":230,"1,245":231,"1,246":232,"1,247":233,"1,248":234,"1,249":235,"1,250":236,"1,251":237,"1,252":238,"1,253":239,"1,254":240,"1,255":241,"1,256":242,"1,257":243,"1,258":244,"1,259":245,"1,260":246,"1,261":247,"1,262":248,"1,263":249,"1,264":250,"1,265":251,"1,266":252,"1,267":253,"1,268":254,"1,269":255,"1,270":256,"1,271":257,"1,272":258,"1,273":259,"1,274":260,"1,275":261,"1,276":262,"1,277":263,"1,278":264,"1,279":265,"1,280":266,"1,281":267,"1,282":268,"1,283":269,"1,284":270,"1,285":271,"1,286":272,"1,287":273,"1,288":274,"1,289":275,"1,290":276,"1,291":277,"1,292":278,"1,293":279,"1,294":280,"1,295":281,"1,296":282,"1,297":283,"1,298":284,"1,299":285,"1,300":286,"1,301":287,"1,302":288,"1,303":289,"1,304":290,"1,305":291,"1,306":292,"1,307":293,"1,308":294,"1,309":295,"1,310":296,"1,311":297,"1,312":298,"1,313":299,"1,314":300,"1,315":301,"1,316":302,"1,317":303,"1,318":304,"1,319":305,"1,320":306,"1,321":307,"1,322":308,"1,323":309,"1,324":310,"1,325":311,"1,326":312,"1,327":313,"1,328":314,"1,329":315,"1,330":316,"1,331":317,"1,332":318,"1,333":319,"1,334":320,"1,335":321,"1,336":322,"1,337":323,"1,338":324,"1,339":325,"1,340":326,"1,341":327,"1,342":328,"1,343":329,"1,344":330,"1,345":331,"1,346":332,"1,347":333,"1,348":334,"1,349":335,"1,350":336,"1,351":337,"1,352":338,"1,353":339,"1,354":340,"1,355":341,"1,356":342,"1,357":343,"1,358":344,"1,359":345,"1,360":346,"1,361":347,"1,362":348,"1,363":349,"1,364":350,"1,365":351,"1,366":352,"1,367":353,"1,368":354,"1,369":355,"1,370":356,"1,371":357,"1,372":358,"1,373":359,"1,374":360,"1,375":361,"1,376":362,"1,377":363,"1,378":364,"1,379":365,"1,380":366,"1,381":367,"1,382":368,"1,383":369,"1,384":370,"1,385":371,"1,386":372,"1,387":373,"1,388":374,"1,389":375,"1,390":376,"1,391":377,"1,392":378,"1,393":379,"1,394":380,"1,395":381,"1,396":382,"1,397":383,"1,398":384,"1,399":385,"1,400":386,"1,401":387,"1,402":388,"1,403":389,"1,404":390,"1,405":391,"1,406":392,"1,407":393,"1,408":394,"1,409":395,"1,410":396,"1,411":397,"1,412":398,"1,413":399,"1,414":400,"1,415":401,"1,416":402,"1,417":403,"1,418":404,"1,419":405,"1,420":406,"1,421":407,"1,422":408,"1,423":409,"1,424":410,"1,425":411,"1,426":412,"1,427":413,"1,428":414,"1,429":415,"1,430":416,"1,431":417,"1,432":418,"1,433":419,"1,434":420,"1,435":421,"1,436":422,"1,437":423,"1,438":424,"1,439":425,"1,440":426,"1,441":427,"1,442":428,"1,443":429,"1,444":430,"1,445":431,"1,446":432,"1,447":433,"1,448":434,"1,449":435,"1,450":436,"1,451":437,"1,452":438,"1,453":439,"1,454":440,"1,455":441,"1,456":442,"1,457":443,"1,458":444,"1,459":445,"1,460":446,"1,461":447,"1,462":448,"1,463":449,"1,464":450,"1,465":451,"1,466":452,"1,467":453,"1,468":454,"1,469":455,"1,470":456,"1,471":457,"1,472":458,"1,473":459,"1,474":460,"1,475":461,"1,476":462,"1,477":463,"1,478":464,"1,479":465,"1,480":466,"1,481":467,"1,482":468,"1,483":469,"1,484":470,"1,485":471,"1,486":472,"1,487":473,"1,488":474,"1,489":475,"1,490":476,"1,491":477,"1,492":478,"1,493":479,"1,494":480,"1,495":481,"1,496":482,"1,497":483,"1,498":484,"1,499":485,"1,500":486,"1,501":487,"1,502":488,"1,503":489,"1,504":490,"1,505":491,"1,506":492,"1,507":493,"1,508":494,"1,509":495,"1,510":496,"1,511":497,"1,512":498,"1,513":499,"1,514":500,"1,515":501,"1,516":502},"ٜ":{"1":[15,516]},"ٝ":["1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,500","1,501","1,502","1,503","1,504","1,505","1,506","1,507","1,508","1,509","1,510","1,511","1,512","1,513","1,514","1,515","1,516"],"ٞ":{"1":[1],"15":[2],"18":[3],"20":[4],"23":[5],"25":[6],"26":[7],"28":[8],"30":[9],"31":[10],"34":[11],"35":[12],"36":[13],"38":[14],"39":[15],"41":[16],"42":[17],"46":[18],"49":[19],"50":[20],"51":[21],"52":[22,23],"78":[24],"88":[25],"91":[26],"94":[27],"96":[28],"99":[29],"102":[30],"104":[31],"107":[32],"109":[33],"114":[34],"120":[35],"121":[36],"141":[37],"142":[38],"145":[39],"151":[40],"154":[41],"155":[42],"157":[43],"160":[44],"162":[45,46],"170":[47],"171":[48],"175":[49],"181":[50],"182":[51],"185":[52,53],"187":[54],"188":[55],"191":[56],"195":[57],"198":[58],"203":[59],"206":[60],"209":[61],"211":[62],"214":[63],"216":[64],"217":[65],"220":[66],"222":[67],"224":[68],"226":[69],"229":[70],"231":[71],"232":[72],"240":[73],"243":[74],"244":[75],"245":[76],"246":[77],"247":[78],"248":[79],"249":[80],"251":[81],"253":[82],"257":[83],"267":[84,85],"269":[86],"274":[87],"280":[88],"282":[89],"286":[90],"293":[91],"296":[92],"299":[93],"301":[94],"306":[95],"311":[96],"320":[97],"322":[98],"325":[99],"327":[100],"332":[101],"333":[102],"341":[103],"348":[104],"354":[105],"355":[106],"363":[107],"370":[108],"372":[109],"375":[110],"379":[111],"391":[112],"397":[113],"405":[114],"407":[115],"409":[116],"412":[117],"415":[118],"417":[119],"423":[120],"425":[121],"427":[122],"430":[123],"431":[124],"432":[125],"433":[126],"438":[127],"440":[128],"441":[129],"446":[130],"455":[131],"460":[132],"462":[133],"470":[134],"474":[135],"479":[136],"482":[137],"490":[138],"491":[139],"495":[140],"500":[141]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n﴿وما توفيقي إلا بالله عليك توكلت وإليك أنيب﴾ الحمد لله الذي أمر بالعدل والإحسان، ونهى عن الفحشاء والمنكر والعصيان، قضى بنفع العبد وضره، وأمضى القدر بشره وخيره. كما حرك أهل عبادته إلى نصرة دينه وأزعج. وأوقد نيران غيرته في أفئدة أحبته وأجج. وهدى للقيام بأوامره ونواهيه أولي الألباب، وأوجب عليهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بنص الكتاب. فقال سبحانه خطابًا خاصًا لقوم يعقلون، وأمرًا عامًا لمن بعدهم يخلفون ﴿ولتكن منكم أمةٌ يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون﴾ أحمده تعالى على التوفيق للإسلام، وأشكره على إنعامه الخاص والعام، وأستعينه وأستمده، وأتوكل عليه وأسأله عملًا يقرب إليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلهًا واحدًا صمدًا لم يتخذ صاحبة ولا ولدًا، ولا يشرك في حكمه أحدًا. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الذي بيَّن الدين ونوَّر، وأعلن التوحيد وأظهر، وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، فظهر دينه على سائر الأديان، وعظم قدره بنزول القرآن، وأحلت له الغنائم ودفعت (بعلو) همته العظائم. صلى الله عليه وعلى آله المطهرين من الأدناس وأصحابه المعظمين الأكياس. صلاة توجب لنا ولهم جزيل الإنعام، بدار الجود والفضل والإكرام، أما بعد فقد قال الله تعالى في وصف عباده القائمين بنصرة دينه إلى يوم النشور: ﴿ولينصرنَّ الله من ينصره إن الله لقويٌ عزيزٌ الَّذين إن مَّكَّنَّهم في الأرض أقاموا الصَّلاة وآتوا الزَّكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور﴾. وروى الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري﵀- في صحيحه من حديث أبي عتبة، عبد الرحمن بن يزيد بن جابر الأزدي أحد ثقات الشاميين وأعيانهم، عن أبي الوليد عمير بن هانئ العنسي","vol":"1","page":15},{"text":"الدمشقي الداراني، أنه سمع معاوية بن أبي سفيان﵁- وهم بالشام يقول سمعت النبيﷺ- يقول: \"لا تزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتيهم أمر الله وهم على ذلك\". قال عمير: فقال مالك بن يخامر: قال: معاذ بن جبل﵁- وهم بالشام فقال معاوية: هذا مالك يزعم أنه سمع معاذًا يقول وهم بالشام). ورواه مسلم في صحيحه دون قول مالك وكذلك ابن ماجه.\nوفي رواية الصحيحين قال: قال رسول اللهﷺ- \"من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين ولا تزال عصابة من المسلمين يقاتلون على الحق ظاهرين علة ما ناوأهم إلى يوم القيامة\". ورواها الإمام أحمد في مسنده وفي الصحيحين- من حديث المغيرة بن شعبة﵁- قال: رسول اللهﷺ- \"لا يزال ناس من أمتي ظاهرين\" وفي رواية: \"لا تزال طائفة من أمتي\" وذكره. وفي رواية لهما لن يزال من أمتي ظاهرين على الناس. وذكره وفي مسند الإمام أحمد وجامع أبي عيسى الترمذي من حديث معاوية بن قرة المزني عن أبيه﵁- قال: قال رسول اللهﷺ-: (إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم ولا تزال طائفة من أمتي منصورين لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة). قال الترمذي حديث حسن صحيح. ورواه ابن ماجة وليس عنده ذكر الشام وأورده أبو محمد البغوي عند تفسير قوله تعالى: ﴿وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون﴾ وفي صحيح مسلم، وسنن ابن ماجه من حديث ثوبان مولى النبيﷺ- و﵁- قال: قال رسول اللهﷺ-: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك) وقد رواه الإمام أحمد، وأبو داود- في جملة حديث طويل- والله أعلم. وفي المعجم الأوسط لأبي القاسم الطبراني من حديث الوليد بن عبادة عن عامر بن عبد الواحد الأحول، عن أبي صالح الخولاني عن أبي هريرة﵁- عن رسول اللهﷺ-: \"لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على أبواب دمشق وما حوله، وعلى أبواب بيت المقدس وما حوله، لا يضرهم خذلان من خذلهم ظاهرين على الحق إلى أن تقوم الساعة\" وهذا من أفراد الوليد. وروى ابن ماجه نحوه من حديث أبي هريرة- أيضًا- ولفظه: \"لا تزال طائفة من أمتي قوامة على أمر الله﷿- لا يضرها من خالفها\".","vol":"1","page":16},{"text":"وفي مسند الإمام أحمد من حديث أبي هريرة- أيضًا﵁- عن النبيﷺ- أنه قال: (لا يزال هذا الأمر أو قال: على هذا الأمر عصابة على الحق لا يضرهم خلاف من خالفهم حتى يأتيهم أمر الله).\nوفي المسند- أيضًا- من حديث أبي عبد الله الشامي قال: سمعت معاوية يقول: (يا أهل الشام حدثني الأنصاري قال شعبة يعني زيد بن أرقم﵁- أن رسول اللهﷺ- قال: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين. وإني لأرجو أن تكونوا (منهم) يا أهل الشام).\nروى يوسف بن سعيد بن مسلم. قال: حدثنا ابن كثير هو محمد، عن الأوزاعي عن قتادة عن أنس- رضي الله (عنه) - قال: قال رسول اللهﷺ-: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة).\nوأومأ بيده إلى الشام.\nأنكره البخاري، أن يكون من حديث قتادة عن أنس وقال: إنما هو عن مطرف عن ابن عمر.\nوفي مسند الإمام أحمد، وسنن أبي داود، من حديث عمران بن حصين﵁- أن النبيﷺ- قال: (إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناوأهم حتى يقاتل آخرهم المسيح الدَّجال).\nقوله: (لا تزال) لا تبرح. أخبرﷺ- أن خلاصة هذه الأمة لا تزال أبدًا على هذا الحال الذي أخبر.\nو(الطائفة) الجماعة. وهم العصابة في الحديث الآخر.\nوفي رواية (أمة) وهم الذين قال الله فيهم: ﴿وممن خلقنا أمةً يهدون بالحق وبه يعدلون﴾.\nففي هذه الأحاديث: دليل على ظهور الباطل وكثرته لأنه إذا لم يكن على الحق إلا","vol":"1","page":17},{"text":"طائفة واحدة فالباقون على الضلالة. لقوله: (فماذا بعد الحق إلا الضلال) كما قال- تعالى- فيهم: ﴿وقليل ما هم﴾ وسيأتي- في الباب الثالث- قولهﷺ-: (بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ).\nقوله: (قائمة) قيل: يحتمل وجهين:\nالأوَّل: أن يكون معناه موفيه، لأن العرب تقول: فلان قام بالأمر أي وفاة حقه.\nالثاني: أن يكون معنى قائمة ثابتة. كما قال تعالى-: ﴿قائمة على أصولها﴾.\nوقوله: (بأمر الله) الأمر- هنا- هو إتباع ما أمر. واجتناب ما نهى على واجبه ومندوبه.\nوقوله: (منصورين) وفي رواية (ظاهرين) وهما بمعنى واحد.\nوقوله: (ناوأهم) - هو بهمزة بعد الواو- أي عاداهم.\nوقوله: (لا يضرهم من خذلهم) وفي رواية: (من خالفهم) قيل ثلاثة أوجه ذكرها الإمام عبد الله بن أبي جمرة وغيره:\nالأول: أن يكون المراد به الأشخاص القائمون بالأمر لا يقدر أحد على ضرهم.\nالثاني: الضرر لا يلحق فعلهم، ويقبل منهم، ولا ينقص لهم من أجورهم شيء وإن كانوا مجاورين للمخالفين لهم.\nالثالث: أن يكون المراد لا يضرهم ولا يضر عملهم. ثن قال: وهذا أظهر الأوجه، بدليل قوله- تعالى-: ﴿وكان حقًّا علينا نصر المؤمنين﴾.\nفللَّه سبحانه- وله الحمد- عناية بهذا الدين، لاسيما الأرض التي بارك فيها للعالمين وأظهر على الحق العصابة المنصورة الظاهرة، وأيقنت على النصر متمًا لنصر القلوب الزاكية الطاهرة وأرغم- بذلك- معاطس أهل الزيغ والنفاق، وجعله أميرًا للمؤمنين إلى يوم الحشر والتلاق ونسأله- تعالى- دوام هذه النعمة الجمة، وأن يجعلها متصلة.\nوفي الحديث بشارة عظيمة لمن اتصف بالصفة المذكورة، أنه لا يخاف الضرر، وإن كثر أهل الفساد، فيكون أبدًا مطمئن النفس، منشرح الصدر، لأن المؤمنين الذين أوجب لهم النصر بمجرد الفضل هم الموصوفون في الحديث.","vol":"1","page":18},{"text":"وقد قال بعض السلف، إذا وافقت الشريعة، ولاحظت الحقيقة فلا تبال وإن خالف رأيك جميع الخليقة.\nقوله: (حتى يأتي أمر الله) المراد به قيام الساعة كما في بقية الروايات.\nوقيل: الآيات الكبار كما في الرواية الأخرى: (حتى تقاتل آخرهم المسيح الدجال) وقال بعض علماء أهل التصوف: إن أمر الله عام، والمراد به الخصوص أي يختص كل أحد (بجدثه) وهو الموت. فيكون المراد بسياق الحديث: بأن يموتوا على الخبر فتنشرح صدورهم للموعد الجميل، لأن خيرهم متعد ولو لم يكن متعديًا انقطعت آثارهم ولكنهم يخلفون جيلًا جيلًا. والله أعلم.\n(وقد نص الإمام أحمد على أن أصحاب الحديث هم الطائفة المذكورون في هذه الأحاديث المذكورة.\nونص- أيضًا- على أنهم الفرقة الناجية. في الحديث الآخر الذي رواه. وكذا قال يزيد بن هارون، وغيره).\nقال أبو زكريا يحيى النووي: (يحتمل أن هذه الطائفة مفرقة بين أنواع المؤمنين فمنهم شجعان مقاتلون، ومنهم فقهاء، ومنهم محدثون، ومنهم زهاد، وآمرون بالمعروف وناهون عن المنكر، ومنهم أهل أنواع أخر من الخير. انتهى).\nقال بعض العارفين: (جعل الله المسلمين على أنواع، فعوامهم كالرعية للملك، وكتبة الحديث كخزان الملك، وأهل القرآن كحفاظ الذخائر ونفائس الأموال، والفقهاء بمنزلة الوكلاء للملك، إذ الفقيه (يوقِّع) عن الله، وعلماء الأصول كالقواد وأمراء الجيوش، والأولياء كأركان الباب، وأرباب القلوب وأصحاب الصفاء كخواص الملك وجلسائه.\nفشغل قومًا بحفظ أركان الشرع، وآخرين بإمضاء الأحكام، وآخرين بإمضاء الأحكام، وآخرين بالرد على المخالفين، وآخرين بالأمر المعروف والنهي عن المنكر).\nوروى أبو بكر البزار من حديث أبي سعيد الخدري﵁- أن","vol":"1","page":19},{"text":"النبيﷺ- قال: (إني لأعرف ناسًا ما هم أنبياء ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشهداء بمنزلتهم يوم القيامة، الذين يحبون الله تعالى، ويحببونه إلى خلقه، يأمرونهم بطاعة الله، فإذا أطاعوا الله أحبهم الله).\nوروى الشيخ أبو الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي﵀- في كتابه- الحجة على تارك المحجة نحوه من حديث يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك مرفوعًا: \"ألا أخبركم بأقوام ليسوا بأنبياء ولا شهداء؟ يغبطهم يوم القيامة النبيون والشهداء بمنازلهم من الله﷿- على منابر من نور، يعرفون عليها قالوا: من هم يا رسول الله؟ قال: قومٌ يحببون عباد الله إلى الله- تعالى- ويحببون الله إلى عباده، يمشون (على) الأرض نصحًا فقال: هذا يحبب الله إلى عباده، فكيف يحببون عباد الله إلى الله- تعالى-؟ قال: يأمرونهم بما يحب الله﷿- وينهونهم عما يكره الله، فإذا أطاعوا أحببهم الله﷿- ومن هذه الطائفة التي بهذا الوصف تذكر، الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر فلا يزال في كل عصر طائفة قائمين لله بالحق داعين بهممهم الخلق، منحوا بحسن المتابعة رتبة الدعوة، وجعلوا للمتقين قدوة قد ظهرت في الخلق آثارهم، وأشرقت في الآفاق أنوارهم، من اقتدى بهم اهتدى، ومن خالفهم عن طريق الحق واعتدى، تالله ما اهتم بالخلاص، إلا أهل التقى والإخلاص. أيامهم بالأمر بالمعروف زاهرة، ودولتهم بالنهي عن المنكر قاهرة، قد باعوا عرض الدنيا بجوهر الآخرة، فأسبغ عليهم مولاهم نعمة باطنة وظاهرة\".\nقال الحافظ أبو العباس أحمد بن محمد البرتي: حدثنا أبو حذيفة هو موسى بن مسعود النهدي قال: حدثنا سفيان، عن عطاء بن السائب، عن عبد الرحمن (بن) الحضرمي قال: أخبرني من سمع النبيﷺ- يقول: (إن في آخر أمتي قومًا يعطون من الأجر مثل ما لأولهم ينكرون المنكر) ورواه حجاج بن منهال عن حماد بن سلمة، عن عطاء بنحوه.\nورواه الشيخ أبو الفتح نصر- في كتاب الحجة- من حديث طاهر بن الفضل قال: حدثنا سفيان، عن عطاء بن السائب فذكره.\nفمن أنكر منكرًا، وبذل فيه جهدًا، وأخلص لله- تعالى- قصده، كان من آخر الصدر الأول عارفًا- كما تقدم في الحديث- آنفًا.","vol":"1","page":20},{"text":"وفي جامع الترمذي بعبارة مستعذبة المعاني وإشارة مستغربة المباني من حديث أنس﵁- قال: قال رسول اللهﷺ-: (مثل أمتي مثل المطر لا يدري آخره خير أم أوله).\nورواه أبو عبد الله محمد بن سلامة القضاعي- في مسند الشهاب- من حديث ابن عمر.\nورواه الإمام أحمد من حديث عمار بن ياسر مرفوعًا بتقديم (أوله) على (آخره) قال ذلكﷺ- مبهمًا بقوله: (لا يدري). ثم صرح بذكر الأول والآخر، ولم يذكر الوسط.\nقال بعض العلماء: فإن قيل: فما وجه كون الحديث مشعرًا بمشابهة آخر الأمة أولها في الخير، مع ما ثبت في الأحاديث المشهورة في تفضيل صدر هذه الأمة على من بعدهم كقوله: (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم) وقوله: (فلو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصفيه).\nثم ما صرح به القرآن من تفضيلهم في غير ما آية كقوله تعالى: ﴿والسابقون الأولون .....﴾ الآية. وقوله: ﴿لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل ......﴾ الآية. إلى غير ذلك فالجواب أن الأحاديث كلها صحيحة مقبولة لا تناقض فيها، إذ كل منها ورد على حال خاصة ووصف خاص، وجملتها تدل على فضيلة هذه الأمة، وشرفها عند الله﷾-.\nأما قوله: (لا يدري آخره خير أم أوله) أبهم القول فيه، لعلمه بما يكون من الأخيار والسادات من الأبرار، في آخر الزمان من أمته، وأنه يكون فيهم من يلحق بأولها في فضله وفضيلته، من جهة من جهات أعماله ومجاهداته، وثوابه و(إن) لم يدرك ما فاته من فضيلة تقدمهم إياه، وسبقهم بصحبة المصطفىﷺ- فقال: (لا يدري) أي بالرأي والاستنباط بل بما أخبر به من الغيب، ليشمر المشمرون في كل زمن إلى الجد، وطلب سنن من تقدم. والمعنى الآخر وهو أن لا ييأس أحد من توفيق الله وفضله، الذي لا يقف على زمن بعينه أن يوصل من شاء من متأخري هذه الأمة في آخر أمرها فضل من تقدمها.\nوفي حديث عبد الرحمن بن سمرة، لما بعثه خالد بن الوليد بشيرًا إلى رسول اللهﷺ- يوم مؤتة في آخره (فبكى) أصحاب رسول اللهﷺ- وهم حوله. فقال","vol":"1","page":21},{"text":"وما يبكيكم؟ قالوا: قتل خيارنا وأشرافنا فقال: (لا تبكوا فإنما مثل أمتي مثل حديقةٍ قام عليها صاحبها، فحلق سعفها، وهيأ مساكبها، فأطعمت عامًا فوجًا، وعامًا فوجًا، فلعل آخرها طعمًا يكون أجودها قنوانًا، وأطولها شمراخًا، والذي بعثني بالحق نبيًا ليجدن ابن مريم في أمتي خلفًا من حواريه).\nوفي حديث جبير بن نفير الحضرمي﵁- أن رسول اللهﷺ- قال: (ليدركن المسيح من هذه الأمة أقوامًا إنهم لمثلكم أو خير منكم- ثلاث مرات- ولن يجزيّ الله أمةً أنا أولها والمسيح آخرها).\nفظهر بما تقدم، أن الأخير قد يساوي الأول مع تجويز أن يفضل قوم من المتأخرين بقوله: (أو خير منكم).\nوفي حديث أبي ثعلبة الخشني الآتي في الباب العاشر قولهﷺ-: (إن من ورائكم أيامًا، الصبر فيهن مثل القبض على الجمر، للعامل أجر خمسين رجلًا يعلمون مثل عملكم) قال ابن المبارك: وزادني غير عتبة قيل: يا رسول الله أجر خمسين رجلًا منا أو منهم؟ قال: لا، بل أجر خمسين رجلًا منكم. رواه أصحاب السنن وغيرهم. فانظر وجه الجمع بين هذه المماثلة والتفضيل للمتأخرين في هذين الحديثين. وهي فضيلة القرن الأول، وأنه لا يدرك أحد مُدَّ أحدهم، وذلك أنَّ أصحابه﵃- سبقوا الخلق، وفضلوا من بعدهم، بسبقهم في الوجود في زمنه، وبصحبتهم إيَّاه، ورؤيته لا يلحقهم في هذا أحد بنفقةٍ ولا عمل، لقوله: ﴿والسابقون الأولون﴾.\nكما روى مسلم، وغيره من حديث أبي هريرة مرفوعًا: (أنتم أصحابي وإخواننا الذين لم يأتوا بعد) يعني أن هذا أمر فرحتم بسبقه، فلم يعنه بقوله مما ذكر في الأحاديث الأخر من مساواة الآخرين لهم، أو فضلهم، بل أراد أن الآخرين يساوون الأولين في الأعمال وثواب الطاعات والمجاهدات (والأفعال) ألا تسمعه كيف قال: (ثواب العامل","vol":"1","page":22},{"text":"منكم)؟ فبان أن الأولين فضلوا بالصحبة والسبق لكن يساويهم الآخرون، أو يفضلونهم في ثواب المعاملة الأجر.\nأما وجه المساواة ففيما يأتي في الباب الثالث.\nمن قولهﷺ-: (بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ). فكما أن الدين كان محتاجًا إلى أول الأمة في إبلاغه إلى من بعدهم، كذلك هو محتاج إلى القائمين به في أواخرها، وتثبيت الناس على السنة وإظهارها. لكن الفضل للمتقدم كالزرع الذي يحتاج إلى المطر الأول والمطر الثاني لكن العمدة الكبرى على الأوَّل.\nقال بعض العلماء: فعمل المتأخرين في غربة الإسلام عملًا أخرًا يوازي عمل الأولين في غربة الإسلام أولًا لاستواء مجاهدتهم، وقلة عددهم ومساعديهم.\nووجه فضل المتأخرين في غربة الإسلام أخرًا على الأولين، في المجاهدة وأجر العمل والمكان، أن الأولين جاهدوا مع المصطفىﷺ- (بالإضافة إلى) رؤيته ودعائه، (ومعونته) وتحريضه وشفقته- فكان لهم- بذلك- أقوى عدد ومدد لم يكن للمتأخرين وكانت مجاهدتهم أعظم، ومعاناتهم أتم وأبلغ فكان أجرهم أزيد وأكثر.\nوقد روى الطبراني من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنهﷺ- قال لأصحابه: (أيُّ الخلق أعجب إيمانًا! قالوا: الملائكة قال: وما لهم لا يؤمنون وهم عند ربهم، قالوا: فالأنبياء. قال: وما لهم لا يؤمنون والوحي ينزل عليهم قالوا: فنحن قال: وما لكم لا تؤمنون وأنا بين أظهركم؟ ! قالوا: فمن يا رسول الله؟ قال: قوم يأتون من بعدي يؤمنون بي ولم يروني).\nوروى الإمام أحمد، وغيره من حديث أبي أمامة مرفوعًا. (طوبى لمن رآني وآمن بي وطوبى لمن آمن بي ولم يرني. ثلاث مرات).\nوبسنده، عن أبي محيريز قال: قلت لأبي جمعة رجل من الصحابة: حدثنا حديثًا","vol":"1","page":23},{"text":"سمعته من رسول اللهﷺ- قال نعم أحدثكم حديثًا جيدًا: تغذينا مع رسول اللهﷺ- ومعنا أبو عبيدة بن الجراح فقال يا رسول الله: هل أحد خير منا؟ أسلمنا معك، وجاهدنا معك قال: (نعم قوم من بعدكم يؤمنون بي ولم يروني).\nيشير- في هذه الأحاديث- إلى فضل أيام المتأخرين مع قلة مددهم، فالآمر بالمعروف الناهي عن المنكر في زماننا، قائم بالركن الأعظم في الدين، والمهم الذي ابتعث الله به جميع المرسلين، لأن عليه مدار أمر الدين، وبأسبابه أنيطت منازل الكونين.\nوقد روى الترمذي وغيره من حديث عمرو بن ميمون الأودي أنَّ رسول اللهﷺ- قال لبلال بن الحارث يومًا: (اعلم يا بلال، قال: ما أعلم؟ قال: اعلم أنَّ من (أحيا) سنةً من سنتي لأميتت بعدي كان له من الأجر مثل أجر من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا).\nوروى- أيضًا- بسنده عن أنس بن مالك﵁- أن رسول اللهﷺ- قال له: (يا بني إن قدرت أن تصبح وتمسي وليس في قلبك غش لأحد فافعل، ثم قال: يا بين وذلك من سنتي، ومن أحيا سنتي فقد أحياني ومن أحياني كان معي في الجنة).\nوقال: حديث حسن غريب. فهذا أتم شرف وأكمل فضل أخبر بهﷺ- في حق من أحيا سنته.\nوروى البيهقي في كتاب المدخل من حديث حمزة بن الحسن عن محمد بن عجلان القرشي عن أبيه عن أبي هريرة - ﵁- قال: قال رسول اللهﷺ-: (القائم بسنتي عند فساد أمتي له أجر مائة شهيد).\nوروى الشيخ أبو الفتح نصر المقدسي، من حديث عبد الحميد بن عبد العزيز بن أبي داود عن أبي جعفر رفعه قال: قال رسول اللهﷺ-: (من تمسك بسنتي عند فساد أمتي فله أجر مائة شهيد).","vol":"1","page":24},{"text":"ورواه البيهقي من حديث ابن عباس، من رواية الحسن بن قتيبة.\nورواه الطبراني من حديث أبي هريرة- بإسناد لا بأس به- إلا أنه قال: (فله أجر شهيد) وسيأتي- في الباب الثالث- من رواية الترمذي، عن كثير بن عبد الله لن عمرة عوف، عن أبيه، عن جده مرفوعًا: \"إن الدين بدأ غريبًا، ويرجع غريبًا، فطوبى للغرباء\".\nوهم الذين يصلحون ما أفسد الناس من سنتي إلى غير ذلك من الألفاظ. فلما ذكر ﷺ عود غربة الإسلام فضل أهلها بقوله: فسيعود غريبًا كما بدأ فطوبى للغرباء، فخص الآخرين من غرباء الإسلام بطوبى لصعوبة الأمر عليهم وشدة المعاناة في حفظ الدين لهم. كما قال: في آخر زمنهم: (.... المتمسك فيه بدينه كالقابض على الجمر ....).\nوالمقصود أنَّ الفساد في زماننا قد اتسع خرقه، وأظلم فقه بإفشائه وإشهاره، ومداهنة بعض الناس في إنكاره. وأطم المصائب، وأعظم المعائب، وأرذل الخصال، وأوضع المراتب أخذ المال السحت على الإقرار عليه، وحماية فاعله من أن يتوصل بالإنكار إليه، فلا حول ولا قوة إلا بالله ولا نعتمد في كراهة ذلك على سواه.\nأي ركن وقد وهى؟ وأي نور للأمة قد ذهب واختفى، مذ رفع بساط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المألوف.\nوقد قال أبو حامد الغزالي﵀-: \"ولو طوى بساط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأهمل عمله تعطلت النبوة، واضمحلت الديانة، وعمت الفتن، وفشت الضلالة وشاعت الجهالة، وانتشر الفساد، واتسع الخرق وخربت البلاد. وهلك الصالح بطالح العباد، وإن لم يشعروا به إلى يوم التناد. وقد كان الذي خفنا أن يكون. فإنا لله وإنا إليه راجعون، إذ (اندرس) من هذا القطب عمله وعلمه، وانمحقت- بالكلية- حقيقته ورسمه. واستولت على القلوب- مداهنة الخلق، وانمحقت عنها مراقبة الخالق. واسترسل الناس في إتباع الهوى والشهوات استرسال البهائم، وعز- على بساط الأرض- مؤمن صادق. لا تأخذه في الله لومة لائم\".\nفهذا قول- أبي حامد- في زمانه، وفيه؟؟؟؟؟ الغفير من أقرانه. فما الظن بهذا الزمان وقد تمكن من غالب أهله الشيطان، وفشت فيهم المنكرات الجليلات، وظهرت عليهم ملازمة الحفيرات، وصار تعاطي ذلك بينهم مألوفًا، وعدم الإنكار عليهم معروفًا، وعاد الإسلام غريبًا كما بدأ غريبًا. والمنكر للمنكر الآمر بالمعروف طريدًا، والساكت المتخلي","vol":"1","page":25},{"text":"حبيبًا. وعظمت الخطوب والعظائم، ولم يبق إلا القليل ممن لا تأخذه في الله لومة لائم فظل- بذلك- علم الدِّين مندرسًا، ومنار الهدى- في أقطار الأرض- منطمسًا، وأصبح بين الخلق مطويًا، وبات نسيًا منسيًا. فما أقرب الساكتين عن المنكر من فاعليه وما أبعدهم من ذوق حلاوة الإيمان وما فيه، وما أحقهم بلزوم هذه الآية الشريفة الشريفة التي تظهر للناس سريرتهم قوله- تعالى-: ﴿لا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر يوأدُّون من حادَّ الله ورسوله ول كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم﴾ فمن سعى في تلافي هذه الفتن المستمرة، وسد تلك الثلمة المستقرة، فقد جدد السنة الفاخرة، ناهضًا بإحياء معالمها الداثرة، (لأن معظم مصالح الدنيا ومفاسدها معروف بالعقل والتجارب ومعظم الشرائع، إذا لا يخفى على عاقل قبل ورود الشرع أن تحصيل المصالح المحضة ودرء المفاسد المحضة عن نفس الإنسان، وعن غيره محمود حسن، وأن تقديم أرجح المصالح فأرجحها محمود حسن، وأن (درء) أفسد المفاسد فأفسدها مقصود حسن. وأن تقديم المصالح الراجحة على المفاسد المرجوحة محمود حسن. وأن درء المفاسد الراجحة عن المصالح المرجوحة محمود حسن.\nواتفق العلماء على ذلك. كما قال الإمام الحبر عز الدين بن عبد السلام. ثم قال: واعلم أن أكساب العباد ضربان.\nأحدهما: ما هو سبب المصالح وهو أنواع: أحدها ما هو سبب لمصالح دنيوية والثاني ما هو سبب لمصالح أخروية والثالث ما هو سبب لمصالح دنيوية وأخروية. وكل هذه الأكساب مأمور بها، ويتأكد الأمر بها على قدر مراتبها في الحسن والرشاد.\nالضرب الثاني: من الإكساب: ما هو سبب المفاسد وهو أنواع أحدها: ما هو سبب لمفاسد دنيوية، الثاني: ما هو سبب لمفاسد أخروية. الثالث: ما هو سبب لمفاسد دنيوية وأخروية وكل هذه الأكساب منهي عنها، ويتأكد النهي عنها على قدر مراتبها في القبح والفساد) انتهى. والله أعلم.\nفلما شاهدت نقص الدين بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ملمًا، قصدت جمع كتاب- يفصل ذلك والتحريض عليه- مهمًا. وذلك بعد استخارة الله وسؤاله أن يصحبني توفيقًا، ويفتح- لي إلى ذلك المنهج- طريقًا، لأن أولى ما انصرفت إليه عناية ذوي الهمم، وأحق ما اهتدى بأنواره في غياهب الظُّلم، وأنفع ما استدرت به صنوف النعم. وأمتع ما","vol":"1","page":26},{"text":"استدرئت به صروف النقم ما أمر الله- تعالى- به في كتابه العظيم، وفيه رغب رسوله الكريم، وجنح إليه المرسلون والأنبياء، وعول عليه الصالحون والأولياء، فهممت بتلخيصه للنفع العاجل، والأجر المدخل الآجل.\nوحركت الإدارة الرحمانية العزمة الصارمة المحمدية، لأن من علم شرف المطلوب جد وعزم، وإنما يكون الاجتهاد على قدر الهمم، فشرعت في ذلك طلبًا لما هناك، معرضًا على الإطالة، خوف السآمة والملالة.\nوسميته \"بالكنز الأكبر في الأمر المعروف والنهي عن المنكر\". وجعلته عشرة أبواب معتمدًا في إنجازه على الكريم الوهاب.\nالباب الأول: في فضل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبيان فرضيتهما، وبيان ذم تارك ذلك، وتأكيد الإثم على من صد عنه.\nالباب الثاني: في بيان أركان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وشروطه، ودرجاته، ومراتبه.\nالباب الثالث: في بيان طبقات الناس من الآمرين والمأمورين والمتخلفين، وأن القائمين- بذلك- بين أهل الفساد- من الغرباء المكروهين.\nالباب الرابع: في بيان ما يستحب من الأفعال والأقوال والأحوال في (الأمر) بالمعروف والنهي عن المنكر.\nالباب الخامس: في بيان ما يكره من الأقوال والأفعال والأحوال في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.\nالباب السادس: في بيان ما يسقط به وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وما يندب من التخلي عن ذلك في غالب الأحيان وأكثر الأزمان.\nالباب السابع: في عد الاشتراط للآمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يكون سليمًا من المعصية، وأن ذلك غير مختص بولاة الأمور. وفيه فصل ذكر شيء من المنكرات المألوفة من الناس.\nالباب الثامن: في الحث على إقامة الحدود، وبيان تحريم تعطيلها بشفاعة وغيرها إذا اتصلت بولي الأمر.\nالباب التاسع: في فضل الإصلاح بين الناس، واستجاب معونتهم على البر والتقوى.","vol":"1","page":27},{"text":"الباب العاشر: في خاتمة الكتاب، ويشتمل على أربعة فصول معرفات تزيل الاكتئاب وبها يتم قصدته من جمعه، وأردته من تهذيبه ووضعه- والله الموفق لإتمامه وإكمال أمره وإبرامه.\nوسيأتي فصول منكرات في بعض الأبواب، تمكن من نيل المقصود من فحوى الخطاب. على سبيل الاختصار، وسلوك طريق الإنجاز والاقتصاد، لأن الإطناب يوجب الضجر، والاختصار يبعث القرائح والفكر، فليس للناظر فيه أن يفهمه بما عداه، أو يعارضه بشيء المراد منه سواه، بل يمعن النظر في ذلك بعقل مجرد عن الأهواء، وقلب مشحون بالبر، فرب كنز ناله فقير، وكم من فضل فاز به صغير. والعبد معترف بالتقصير عن هذه المنزلة الشريفة، والعجز التام عن إدراك تلك المرتبة المنفية خائف أن لا يقوم بالقصد المطلوب، ولا يأتي بالمطلب المرغوب، لكن المرجو من فضل الرحمن تيسير ذلك بإخلاص، وجزيل النفع للعام والخاص، جبرًا منه لعبده، وإحسانًا بكرمه ورفده، إنه سميع الدعاء، واسع العطاء، قد عمر بره وعمر خيره- تبارك اسمه، وتعالى جده، ولا إله غيره.","vol":"1","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>الباب الأول: في فضل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبيان فرضيتهما</span>. وذم تارك ذلك وتأكيد الإثم على من صد عنه. قال الله تعالى وجل ذكره وتقدست أسماؤه التي عجز عن حصرها العالمون ﴿ولتكن منكم أمَّةٌ يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون﴾. وقال تعالى إخبارًا عن هذه الأمة المحمدية بأنهم خير الأمم ﴿كنتم خير أمَّةٍ أخرجت للنَّاس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله﴾. وقال عز من قائل: ﴿ليسوا سواء من أهل الكتاب أمَّةٌ قائمةٌ يتلون آيات الله أنآء الَّليل وهم يسجدون يؤمنون بالله واليوم الأخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسرعون في الخيرات وأولئك من الصَّالحين﴾. وقال تعالى: ﴿لا خير في كثير من نَّجواهم إلَّا من أمر بصدقةٍ أو معروفٍ أو إصلاح بين النَّاس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرًا عظيمًا﴾. وقال ﷾: ﴿يا أيُّها الَّذين آمنوا كونوا قوَّامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين﴾. وقال جلت عظمته: ﴿يا أيُّها الَّذين آمنوا كونوا قوَّامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنَّكم شنئان قومٍ على ألاَّ تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتَّقوا الله إنَّ الله خبير بما تعملون﴾.\nوقال أصدق قائل: ﴿لولا ينهاهم الربَّانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون﴾.\nوقال سبحانه- واصفًا لعباده القائمين لنصرة دينه، ومثنيًا عليهم بكل خير جسيم: ﴿يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم﴾.","vol":"1","page":29},{"text":"وقال تعالى- توبيخًا لقوم يجهلون، وتقريعًا لمن بعدهم يخلفون: ﴿لعن الَّذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون﴾.\nوقال- عز من قائل- مخاطبًا كليمه موسى بن عمران، واصفًا لحبيبه المبعوث من عدنان حيث نوه بذكر صفاته الظاهرات: ﴿الَّذين يتَّبعون الرَّسول النَّبي الأمّيَّ الَّذي يجدونه مكتوبًا عندهم في التَّوّراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحلُّ لهم الطيِّبات﴾. وقال تعالى: ﴿ومن قوم موسى أمَّةٌ يهدون بالحق﴾.\nوقال- سبحانه- منوهًا بنجاة الناهين عن المنكر من العذاب لعلهم يستبقون ﴿وإذ قالت أمَّةٌ منهم لم تعظون قومًا الله مهلكهم أو معذبهم عذابًا شديدًا قالوا معذرةً إلى ربِّكم ولعلَّهم يتَّقون فلمَّا نسوا ما ذكروا به أنجينا الَّذين ينهون عن السُّوء وأخذنا الَّذين ظلموا بعذاب بئس بما كانوا يفسقون﴾.\nوقال- تعالى- مبينًا صفات المنافقين، ومعرفًا أخلاق الفاسقين، أنهم ينهون عن المعروف ويأمرون بالمنكر المألوف، فأراد- سبحانه- بذلك أن يخزيهم بقوله: ﴿المنافقون والمنافقات بعضهم مِّن بعضٍ يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم﴾.\nثم (جلَّى) - تعالى- أوصاف عباده المؤمنين والمؤمنات، وأوردها بأكمل المعاني، وأحسن العبارات، حيث افتتحها بالأمر بالمعروف، إذ كان المؤمن بها أجمل منعوت وموصوف. فقال من لا إله سواه: ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعضٍ يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله﴾.\nوقال﵎- في السورة التي ذكرنا فيها فضله ومنَّه: ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأنَّ لهم الجنَّة﴾.\nثم ذكر- سبحانه- أوصاف هؤلاء السادة، ليبادر الفائزون إلى التحلي بها فينالوا مراده. فقال- وهو خير المحسنين-: ﴿التَّائبون العابدون الحامدون السَّائحون","vol":"1","page":30},{"text":"الرَّاكعون السَّاجدون الآمرون بالمعروف والنَّاهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين﴾.\nوقال﷿-: ﴿فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقيَّة ينهون عن الفساد في الأرض إلَّا قليلًا ممَّن أنجينا منهم واتَّبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين﴾.\nثم تولى الله- سبحانه- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بنفسه الشريفة، ونظم ذلك منبهًا عليه فذ هذه الآية اللطيفة فقال- مفهِّمًا ومعلِّمًا لقوم يعقلون-: ﴿- إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهي عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلَّكم تذكَّرون﴾.\nووعد- تعالى- عباده القائمين بوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بتأييدهم ونصرتهم على أهل الفساد بعد تعظيم الأجور فقال: ﴿ولولا دفع النَّاس بعضهم ببعض لهَّدِّمت صوامع وبيعٌ وصلواتٌ ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرًا ولينصرنَّ الله من ينصره إنَّ الله لقويٌ عزيزٌ الذَّين إن مَّكَّنَّهم في الأرض أقاموا الصَّلاة وآتوا الزَّكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور﴾.\nوقال- تعالى-: ﴿وجاهدوا في الله حقَّ جهاده هو اجتباكم﴾.\nثم أمر- سبحانه- بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ثم بالصبر عليه على لسان عبده لقمان الحكيم حين وصى لابنه دلالة على استباق الخيرات والأجر الموفور.\nحيث قال: ﴿يا بني أقم الصلاة أمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إنَّ ذلك من عزم الأمور﴾.\nوقال- تعالى-: ﴿والعصر إنَّ الإنسان لفي خسرٍ إلَّا الذَّين آمنوا وعملوا الصَّالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصَّبر﴾.","vol":"1","page":31},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>فصل- ١ -: حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض عين أم فرض كفاية</span>\nأما قوله﷾-: ﴿ولتكن منكم أمَّةٌ يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون﴾.\nفقال جماعةٌ من أهل التفسير: الأمر متوجه إلى من توجه الخطاب عليهم وهم الأوس والخزرج وأمره- سبحانه- لهم بذلك أمر لجميع الأمة ومن تابعهم إلى يوم القيامة، فهو من الخطاب الخاص الذي يراد به العام.\nواللام في قوله (ولتكن) لام الأمر. و(من) - هنا- صلةٌ ليست للتبعيض.\nكقوله- تعالى-: ﴿فاجتنبوا الرجس من الأوثان﴾.\nوقال أبو إسحاق الزجاج: (من) هنا- لبيان الجنس فيكون متعلق الأمر- أيضًا- جميع الأمة، يدعون جميع العالم إلى الخير- الكفار إلى الإسلام، والعصاة إلى الطاعة- فظاهر هذا يشعر بأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض عين فيكون معنى الآية: كونوا كلكم أمةً يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.\nوقال جماعةٌ: معنى قوله: (أمة) أي أئمة فتكون (من) هنا للتبعيض أي أئمة منتصبة للقيام بأمر الله في الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأن الدعاء إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يصلح إلا لمن (علم) المعروف والمنكر وكيف يرتب الأمر في إقامته. وكيف يباشر ذلك الأمر.\n(لأن) الجاهل ربما أمر بمنكر ونهي عن المعروف. وقد يغلظ في موضع اللين، أو يلين في موضع التغليظ، فعلى هذا يكون متعلق الأمر ببعض الأئمة وهم الذين يصلحون لذلك وهذا يدل على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية. وهو قول الجمهور كما سيأتي:\nقوله: ﴿يدعون إلى الخير﴾ هو عام في جميع التكاليف، فدخل فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغيره من الطاعات. ثم جيء بالخاص، إعلامًا بفضله وشرفه. فقال: ﴿ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر﴾ كقول الله- تعالى-: ﴿وجبريل وميكال﴾ وقوله:","vol":"1","page":32},{"text":"﴿والصَّلاة الوسطى﴾ وقوله: ﴿فيهما فاكهةٌ ونخلٌ ورمانٌ﴾ وقوله في الحديث: (كانﷺ- يحب الحلوى والعسل وما يشابه ذلك).\nوقوله: ﴿ويأمرون بالمعروف﴾ فالأمر ضد النهي. المره منه (أمره) بالفتح، والجمع (أوامر) يقال: (أمور) بكذا على فعول. والنهي خلافه.\nيقال: (نهاه) (ينهاه) (نهيًا) (فانتهى) و(تناهى) أي كف. وهو (نهوٌّ) و(النُّهية) الاسم منه. و(تناهوا) أي نهي بعضهم بعضًا.\nو(المعروف) طاعة الله قاله أبو سليمان الداراني.\nوقال الراغب: المعروف كل ما يستحسنه العقل. وأما المنكر فهو: معصية الله. وقيل: كل ما يستقبحه العقل وينكره. وقبل: المعروف خدمة الحق، والمنكر صحبة النفس. وقيل: المعروف إيثار حق الحق، والمنكر اختيار حظ النفس. وقيل: المعروف ما يزلفك إليه، والمنكر ما حجبك عنه.\nوقوله: ﴿وأولئك هم المفلحون﴾ جعل سبحانه- الفلاح منوطًا بذلك يعني المتصفين بما تقدَّم هم الناجون الفائزون فازوا بالجنة ونجوا من النار.\nوقيل: الذين أدركوا ما طلبوا ونجوا من شر ما منه هربوا. قاله ابن عباس. وقيل: الفلاح بمعنى البقاء أي الباقون في النعيم المقيم المقطوع لهم بالخير في الدنيا والآخرة.\nفمن اتصف من الأمة بهذه الصفات دخل معهم في الثناء والمدح لهم.\nكما قال قتادة: بلغنا أن عمر بن الخطاب في حجة حجها رأى من الناس نزغة فقرأ هذه الآية: ﴿كنتم خير أمَّةٍ أخرجت للنَّاس﴾ قال: من سره أن يكون من تلك الأمة فليؤد شرط الله فيها. رواه محمد بن جرير.\nومن لم يتصف بذلك أشبه أهل الكتاب الذين ذمهم الله بقوله: ﴿كانوا لا يتناهون عن مُّنكرٍ فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون﴾.","vol":"1","page":33},{"text":"في الآية إشارة إلى (أقوام) قاموا بالله لله، لا تأخذهم لومة لائم، وقفوا على دلالات أمره، واستغرقوا أعمارهم في تحصيا رضاه، عملوا لله، ونصحوا لدين الله، ودعوا خلق الله إلى الله. فربحت تجارتهم، وما خسرت صفقتهم.\nثم قال- تعالى- بعد ذلك: ﴿ولا تكونوا كالَّذين تفرَّقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيمٌ﴾ نهى سبحانه هذه الأمة أن تكون كالأمم الماضين في تفرقهم واختلافهم، وتركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فهؤلاء أقوام أظهر- سبحانه- عليهم في الابتداء رقوم الطلب ثم وسمهم في الانتهاء بكيِّ الفرقة، فباتوا في سلك الأحباب، وأصبحوا في زمرة الأجانب. والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>فصل- ٢ -: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض عين أم فرض كفاية</span>\nوأما قوله- تعالى-: ﴿كنتم خير أمَّةٍ أخرجت للنَّاس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله﴾.\n(فقال عكرمة، ومقاتل: نزلت في ابن مسعود، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل وسالم مولى أبي حذيفة.\nوذلك أن مالك بن الصيف، ووهب بن يهوذا اليهوديين.\nقالا: نحن أفضل منكم، وديننا خير مما تدعونا إليه فأنزل الله هذه الآية).\n[وقال ابن عباس: هم الذين هاجروا مع النبيﷺ- إلى المدينة وقال الضحاك: هم أصحاب محمدﷺ- خاصة الرواة الدعاة، الذين أمر الله المسلمين بطاعتهم.\nوقال الحسن البصري، ومجاهد، وجماعةٌ: الخطاب لجميع الأمة بأنهم خير الأمم- ويؤيد ذلك كونهم شهداء على الناس. وقولهﷺ-: (نحن الآخرون السابقون .....) الحديث].","vol":"1","page":34},{"text":"وقال قتادة: أمة محمدﷺ- لم يؤمر نبي قبلهم بالقتال. فهم يقاتلون الكفار، ويدخلونهم في دينهم وهم خير أمة أخرجت للناس.\nوفي جامع الترمذي وغيره من حديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده (معاوية بن حيدة) - ﵁- أنه سمع النبيﷺ- يقول في قوله- تعالى-: ﴿كنتم خير أمَّةٍ أخرجت للنَّاس﴾ قال: (أنتم تتمون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله- تعالى-)\nقال الترمذي: حديث حسن.\nورواه الإمام أحمد، وابن ماجه، والحاكم بغير ذكر الآية. وقال: (موفون فهم خير الأمم) والله أعلم.\nقوله- تعالى-: ﴿كنتم خير أمَّةٍ﴾ هو الخير، ولا يراد بها هنا الدالة على مضي الزمان.\nوقال مجاهد: كنتم خير أمة أخرجت للناس على الشرائط المذكورة.\nفعلى هذا يكون المعنى: كنتم خير أمة إذ كنتم تأمرون بالمعروف، وتنهون عن المنكر، وتؤمنون بالله. فبدأ سبحانه- بذكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قبل ذكر الإيمان تأكيدًا على المؤمنين فلا يتم المؤمنين إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في وقته معاينته لا يسعهم التخلف عنه.\nوقال قوم: قوله (للناس) من صلة قوله: خير أمة، أي أنتم خير الناس للناس.\nوفي صحيح أبي عبد الله البخاري من حديث أبي هريرة﵁- موقوفًا في قوله- تعالى-: ﴿كنتم خير أمةٍ أخرجت للناس﴾ قال: \"خير الناس للناس يأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام\". وهكذا.\nقال ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وعطاء، والربيع بن أنس، وعطية العوفي: ﴿كنتم خير أمةٍ أخرجت للناس﴾ يعني: خير الناس للناس والمعنى. أنهم خير الأمم وأنفع الناس للناس.","vol":"1","page":35},{"text":"وروى البخاري من حديث أبي هريرة﵁- أيضًا- قال: سمعت رسول اللهﷺ- يقول: (عجب الله﷿- من قوم يدخلون الجنة في السلاسل) ورواه أحمد، وأبو داود ولفظهما: \"عجب ربنا من قومٍ يقادون إلى الجنة في السلاسل\".\n\"رواه البخاري- أيضًا ..... \".\nوروى الإمام أحمد نحوه من حديث أبي أمامة﵁- قال: استضحك رسول اللهﷺ- فقيل: ما يضحك؟ قال: \"قوم يساقون إلى الجنة مقرنين في السلاسل\".\nوفي مسند الإمام أحمد وغيره من حديث سهل بن سعد الساعدي﵁- قال: كنت مع النبيﷺ- بالخندق فأخذ الكرز مني فحفر به فصادف حجرًا فضحك قيل: ما يضحك يا رسول الله؟ قال: (ضحكت من ناس يؤتي بهم من قبل المشرق في الكبول يساقون إلى الجنة).\n(الكرز) بفتح الكاف وهو الفأس و(الكبول) بالضم القيود. واحدها كبل بفتح أوله وإسكان الموحدة. قاله أهل اللغة.\nقال جماعة من المفسرين: كان- في الآية- هي التامة فيكون المعنى: خلقتم ووجدتم خير أمة وقيل كان هنا زائدة فيكون المعنى: أنتم خير أمة وقيل المعنى كنتم في علم الله- تعالى- وقيل: في اللوح المحفوظ. وقيل: فيما أخبرت به الأمم قديمًا عنكم فالأمم إذا فضلوا أمة أية أمة كانت هذه الأمة خيرها وأخرجت أبرزت. والله أعلم.\nقوله: ﴿تأمرون بالمعروف﴾ وهو كل ما يؤمر به شرعًا ﴿وتنهون عن المنكر﴾ وهو كل ما ينهى عنه شرعًا.\nقال المفسرون: هذا كلام أخرج مخرج الثناء من الله- تعالى-.\nوالمدح لهذه الأمة ما أقاموا ذلك، واتصفوا به، فإذا تركوا الأمر بالمعروف وتواطئوا على المنكر، زال عنهم اسم المدح، ولحقهم اسم الذم وكان سببًا لهلاكهم.\nقال المفسرون: فهذا يدل على أن فضيلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذ بين","vol":"1","page":36},{"text":"أنهم كانوا خير أمة فكذلك إن لم يأمروا بالمعروف ولم ينهوا عن المنكر كانوا شر أمة وقيل إنما صارت أمة محمد ﷺ خير أمة لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيهم أفشى.\nوقال بعض العلماء: قدم سبحانه في هذه الآية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الإيمان، لأن الإيمان مشترك بين جميع الأمم، فليس هذا هو المؤثر لحصول هذه الزيادة، بل المؤثر كونهم أقوى حالًا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإنما الإيمان شرط. والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>فصل- ٣ -: دليل كون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أفعال الصالحين وخلال المتقين</span>\nوأما قوله- تعالى-: ﴿- ليسوا سواء مِّن أهل الكتاب أمَّةٌ قائمةٌ يتلون آيات الله أناء الَّليل وهم يسجدون يؤمنون بالله واليوم الأخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسرعون في الخيرات وأولئك من الصَّالحين﴾.\nقال المفسرون: (الواو في (ليسوا) هي لأهل الكتاب السابق ذكرهم في قوله: ﴿..... ولو آمن الكتاب لكان خيرًا لهم منهم المؤمنون أكثرهم الفاسقون .....﴾ الآيات.\nو(سواء) خبر ليس فالمعنى: ليس أهل الكتاب مستويين، بل منهم من آمن بكتابه وبالقرآن ممن أدرك شريعة الإسلام، أو كان على استقامة فمات قبل أن يدركها.\n(فغاير سبحانه بين أهل الكتاب كما غاير بين النور والظلام مغايرة تضاد).\nوقوله: ﴿مِّن أهل الكتاب أمُّةٌ قائمةٌ﴾ مبتدأ وخبر وهم أهل القرآن ومعنى (قائمة) مستقيمة.\nوقال: مجاهد، والحسن، وابن جريج: عادلة.\nوقال ابن عباس: مهتدية قائمة بأمر الله لم يضيعوه ولم يتركوه.\nوقال قتادة والربيع بن أنس قائمة على كتاب الله وحدوده مهتدية.","vol":"1","page":37},{"text":"وقال السدي قانتة مطيعة.\nفأثبت منافاة بين أحوال الأولياء أحوال الأعداء، فكيف يستوي الضياء والظلمة، واليقين والتهمة، والوصلة والفرقة، والبعاد والألفة، والمعتكف على البساط والمنصرف عن الباب. هيهات لا يلتقيان ومتى يتفقان أو يستويان).\nثم وصف- سبحانه- الأمة القائمة بأنها تالية آناء الليل ممدود الأول والآخر أي ساعاته وعبر بالتلاوة في ساعات الليل عن التهجد بالقرآن ﴿وهم يسجدون﴾ لأن أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فالمعنى أن تلك التلاوة كانت في صلاة وقيل: أريد بالسجود الخشوع والخضوع وظاهر قوله: ﴿آناء الليل﴾ جميع ساعاته فيبعد صدور ذلك أعني التلاوة والسجود من كل شخص، وإنما يكون ذلك من جماعة، لأن بعض الناس يقوم أول الليل، وبعضهم يقوم آخره وبعضهم بعد هجعه ثم يعود إلى نومه فيأتي من مجموع الليل وجماعات الناس استيعاب ساعات الليل بالقيام.\nقوله: ﴿يؤمنون بالله واليوم الآخر﴾ أي بكل ما يجب الإيمان به (ويأمرون بالمعروف) قال ابن عباس: بتوحيد الله ﴿وينهون عن المنكر﴾ أي الشرك.\nوقال الزجاج: بإتباع النبيﷺ- وينهون عن نقض ميثاقه فلم يشهد لهم- سبحانه- بالصلاح بمجرد الإيمان بالله واليوم الآخر حتى أضاف إليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.\nقوله: ﴿ويسارعون في الخيرات﴾ أي ﴿يبادرون فيها﴾ خوف الفوت بالموت.\nوقيل: يعملونها غير متثاقلين فيها. ﴿وأولئك من الصالحين﴾ يعني أولئك الموصوفون بتلك الأوصاف الستة في الآية من الذين صلحت أعمالهم عن الله تعالى- وهذه أعلى المنازل.\nقال الله تعالى حكاية عن نبيه، وابن نبيه سليمان بن داود ﵉: \"وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين\".\nفقد ثبت بذلك أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أفعال الصالحين وخلال عباد الله المتقين. والذي هجر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خارج عن هؤلاء المؤمنين المنعوتين في هذه الآية كما ذكر غير واحد من العلماء والله أعلم.","vol":"1","page":38},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>فصل- ٤ -: دليل كون الأمر بالمعروف من أخص الأعمال الصالحة المتقبلة عند الله تعالى</span>\nوأما قوله: ﴿لا خير في كثير من نَّجواهم إلَّا من أمر بصدقةٍ أو معروفٍ أو إصلاح بين النَّاس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرًا عظيمًا﴾.\nفقال مجاهد: هذه الآية عامة في حق جميع الناس.\n(فالنجوى) السر بين اثنين تقول: (ناجيت) فلانًا (مناجاة) وهي المسارة مصدر. وقيل: النجوى- (هاهنا) الرجال المتناجون وقد تسمى به الجماعة كما يقال قوم (عدل) ورضى و(من) في موضع رفع أي: لكن من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ففي نجواه خير.\nوقيل: النجوى ما ينفرد بتدبير قوم سرًا أو جهرًا فيكون المعنى: لا خير في كثير مما يدبرونه بينهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس.\nوقال أبو إسحاق الزجاج وجماعة: النجوى كلام الجماعة المنفردة أو الاثنان كان ذلك سرًا أو جهرًا. وقوله (أمر) أي دعا إلى ذلك وحث عليه.\nوالصدقة على قسمين: صدقة على النفس وصدقة على الغير، فالصدقة على النفس حملها على أداء حقوق الله- تعالى-، ومنعها عن مخالفة أمره وتقصير يدها عن أذية الخلق، وصون (خواطرها) وعقائدها عن السوء للناس.\nوأما الصدقة على الغير فصدقة بالمال وصدقة بالقلب، وصدقة بالبدن، فالصدقة بالمال بإنفاق النعمة، والصدقة بالبدن بالقيام لهم بالخدمة، والصدقة بالقلب: بحسن النية وتوكيد الهمة.\n(والمعروف كل حسن في الشرع قالﷺ-: (كل معروفٍ صدقة) ومن ذلك إنجاد المسلمين وإسعادهم فيها لهم فيه قربة إلى الله- تعالى- وزلفى لديه).\nوقال مقاتل: المعروف عن الفرض. فمن تصدق وأمر بمعروف وأصلح بين الناس فإن لسان فعله أبلغ في الوعظ من لسان نطقه. والفتوة أن يسعى الإنسان لغيره- وقد نفى سبحانه الخير عن تارك ذلك.","vol":"1","page":39},{"text":"ثم قال: ﴿ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله﴾ أي طلبًا لرضاه ﴿فسوف نؤتيه أجرًا عظيمًا﴾ وسيأتي الكلام في الإصلاح بين الناس- في الباب التاسع- إن شاء الله- إن شاء الله- تعالى-.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>فصل- ٥ -: تحذير المحتسب (الآمر الناهي) والحاكم من التأثر ببغضه للبعض عند الحكم تفاديًا للظلم</span>\nوأما قوله- تعالى: ﴿يا أيُّها الَّذين آمنوا كونوا قوَّامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين﴾.\nقال المفسرون: (قوامين) مبالغة ليتكرر منكم القيام (بالقسط) وهو العدل فلا تعدلوا عنه يمينًا ولا شمالًا، وألا تأخذكم في الحق لومة لائم ولا يصرفكم عنه صارف. وأن تكونوا متعاونين متساعدين متعاضدين متناصرين فيه.\n﴿شهداء لله﴾ أي: في شهادتكم لله يعني لذاته ولوجهه ولمرضاته وثوابه- فحينئذٍ- تكون صحيحة عادلة حقًا خالية عن التحريف والتبديل والكتمان. ولهذا قال: ﴿ولو على أنفسكم﴾ أي: إقراره بالحقوق عليها.\nوقيل: اشهد بالحق ولو عاد ضر الشهادة عليك.\nثم ذكر الوالدين لوجوب برهما وعظم قدرهما، ثم ثنى بالأقربين، إذ هم مظنة المودة والتعصب. أي وإن كانت الشهادة على والديك وأقربائك فلا تراعهم فيها بل اشهد بالحق وإن عاد ضررها عليهم، فإن الحق حاكمًا على كل أحد.\nوهذه الآية صريحة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دالة على وجوبه حتى على الوالدين والأقربين، وأن يقول الحق على نفسه وعلى الناس أجمعين.\nقال أهل التحقيق: نهى الله- تعالى- عن الجور والميل والظلم وأمر العدل وأن المرء لا يقول الحق ولو كان ذلك يعود عليه أو على أعز أهله (بضر)، فإن كلمة الحق مطلوبة، واجبة يقول الحق، ويعمل بالحق وهذا كله مفهوم من هذه الآية.\n(شهداء بالقسط) أي بالعدل. (شهداء لله) فالمؤمن أمره حق، وقوله حق، وفعله حق،","vol":"1","page":40},{"text":"ودينه حق، فإن تكلم تكلم بحق وإن أمر أمر بحق، وإن أعطى أعطى حقًا، وإن منع منع بالحق، وإن حكم حكم بعدل وحق.\nولما كان الحق مطلوبًا للمرء وهو من أعظم الأشياء وأفضلها- سأله النبيﷺ- ربه. فقال: وأسألك كلمة الحق في الغضب (والرضا) فهذه صفة المؤمن.\nثم إن الله- تعالى- حذر من اللي في قول الحق والقيام به وهو التحريف بألفاظ يوري بها عن قوله الحق.\nوقال بعض العرفين: القيام لله بالعدل هو بإيفاء حقوقه من نفسك، واستيفاء حقوقه من غيرك، إما بأمر بمعروف أو زجر عن مكروه، أو وعظ بنصح أو إرشاد إلى شرع، أو هداية إلى حق، ومن بقى لله عليه حق لم يباشر خلاصه التحقيق سره. وأصل الدين إيثار حق الحق على حق الخلق، فمن آثر على الله- سبحانه- أحدًا من والد أو ولد أو قريب أو نسيب فهو بمعزل عن القيام بالقسط.\nوأما قوله- تعالى- في سورة المائدة: ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط .....﴾ فمعناه، كونوا قائمين بالعدل، قوالين بالصدق لله لا لأجل الناس. والقيام لله، هو القيام بجميع وظائف الطاعة من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقو الحق في الغضب (والرضا) - كما تقدم ... وكل ما لله فيه طاعة يلزم المؤمن القيام فيه ولو على نفسه.\nوقال بعض العارفين: معنى الآية، لا يعوقنكم حصول نصيب لكم في شيء (عن) الوفاء لنا، والقيام بما يجب عليكم من قنا. كما قيل: من لم يسقط عنه صواعد رغائبه، ولم يمنع منه تراكم شهواته ومطالبه لم يقم لله بحق، ولم يف لواجباته بشرط.\nقوله تعالى: ﴿ولا يجرمنَّكم شنئان قومٍ على ألَّا تعدلوا اعدلوا﴾ أي لا يحملنكم بغض قوم على ترك العدل فيهم بل استعملوا العدل في كل أحد صديقًا كان أو 'دوًا).\nوقال بعض العارفين: معنى الآية لا يحملنكم ضغائن صدوركم على الحلول بجنبات الحيف، فإن مرتع الظلم وبييء، ومواضغ الزيغ مهلكة. ثم قال: (اعدلوا) ولا تكون حقيقة العدل إلا بالعدول عن كل نصيب وحظ والعدل أقرب للتقوى، والجور سبب الردى.","vol":"1","page":41},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>فصل- ٦ -: التحذير من الارتداد عن الدين</span>\nوأما قوله﷾-: ﴿يا أيُّها الَّذين آمنوا من يرتدَّ منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبُّهم ويحبُّونه أذلَّةٍ على المؤمنين أعزَّةٍ على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لوّمة لائمٍ ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم﴾. الارتداد عن الدين هو: الرجوع عن الحق. فأخبر سبحانه عن قدرته العظيمة- أنه من تولى عن نصرة دينه، وإقامة شريعته (فإنه) يستبدل به من هو خير لها منهم وأشد منعةً وأقوم سبيلًا كما قال تعالى: ﴿فإن تتولوا يستبدل قومًا غيركم﴾.\nوقال بعض العارفين: (جعل سبحانه صفة من لا يرتد عن الدين أن يحب الله ويحبه الله وفي ذلك بشارة عظيمة للمؤمنين، لأنه يجب أن يعلم أن من كان غير مرتد فإن الله يحبه، وفيه إشارة دقيقة، فإن من كان مؤمنًا يجب أن يكون لله محبًا، فإذا لم يكن له محبًا فالخطر بصحة إيمانه).\nفمحبة الله للعبد إما أن تكون بنحو الرحمة عليه، أو بمعنى (اللطف والإحسان إليه) أو المدح له والثناء عليه. وقيل: تقريبه وتخصيص محله، وقيل غير ذلك.\nوأما محبة العبد لله- سبحانه- فهي حالة لطيفة يجدها في قلبه تحمله على إيثار موافقة أمره، وترك حظوظه فيه وإيثار حقوقه- تعالى- بكل وجه.\nقال بعضهم: المحبة ارتياح القلب بوجود المحبوب. وقيل ذهاب المحب بالكلية في ذكر المحبوب. وقيل: خلوص المحب لمحبوبه بكل وجه.\nويقال: (المحبة قضية توجب المحبة) (فمحبة) الحق أوجبت محبة العبد قال الله- تعالى-: ﴿يحبهم ويحبونه﴾.\nثم بين سبحانه صفة المحبين فقال: ﴿أذلة على المؤمنين أعزةٍ على الكافرين﴾ لأن ذلك من صفات المؤمنين الكمل يكون أحدهم متواضعًا لأخيه ووليه متعززًا على خصمه وعدوه.\nكما قال- تعالى-: ﴿محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم﴾ وفي صفتهﷺ-: \"الضحوك القتال\" فهو ضحوك لأوليائه، قتال لأعدائه، ثم قال- في","vol":"1","page":42},{"text":"وصفهم بالجهاد في سبيله-: (يجاهدون في سبيل الله في نصرة دينه من قتال الكفار والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر).\nوقيل: يجاهدون بنفوسهم من حيث استدامة الطاعات وبقلوبهم بقطع المنى والطلبات وبأرواحهم بحذف العلاقات (وبأسرارهم) بالاستقامة على الشهود في دوام الأوقات.\nثم قال: ﴿ولا يخافون لومة لائم﴾ أي لا يردهم عما هم فيه من قتال أعداء الله وإقامة الحدود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر راد، ولا يصدنهم عنه صاد، ولا لومة لائم، ولا عذل عاذل فلا يخافون في الله لومة لائم.\nأي هم صلاب في دينه لا يبالون من لام فيه. فمتى شرعوا في أمر بمعروف أو نهي عن منكر أمضوه، لا يمنعهم اعتراض معترض ولا قول قائل وهذان الوصفان أعني الجهاد والصلابة في الدين نتيجة الأوصاف السابقة من قوله: ﴿يحبهم ويحبونه﴾، لأن من أحب الله لا يخشى سواه. فلا يلاحظون فيه صحبة حميم. ولا يركنون إلى ثناء حكيم وقوله: ﴿ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء﴾. إشارة إلى أن ما تقدم من الأوصاف التي تحلى بها المؤمن. فذكر سبحانه أن فضل الله يؤتيه من يشاء. أراد: ليس بسابقة بل على سبيل الإحسان منه تعالى لمن أراد الإحسان إليه. ﴿والله واسع﴾ الإحسان والأفضال ﴿عليم﴾ بمن يضع ذلك فيه من عباده ممن يحرمه إياه.\nثم قال سبحانه: ﴿إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا﴾.\n(أي ليس اليهود بأوليائكم، بل ولايتكم راجعة إلى الله ورسوله والمؤمنين ﴿الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون﴾ أي المؤمنون المتصفون بهذه الصفات من إقام الصلاة التي هي من أكبر أركان الإسلام وهي لله وحده لا شريك له، وإيتاء الزكاة التي هي حق المخلوقين ومساعدة المحتاجين من الضعفاء والمساكين.\nثم قال- تعالى-: ﴿ومن يتولى الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون﴾ فكل من رضي بولاية الله ورسوله والمؤمنين فهو مفلح ومنصور في الدنيا والآخرة).\nوقال بعض العارفين: (حزب الله هم الفانون عن حظوظهم، القائمون بالحق لسيدهم ومعبودهم، فمن قام لله بصدق انخنس دونه كل مبطل، وإذا أشرقت شموس أهل الحق أدبرت ظلم المبطلين).","vol":"1","page":43},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>فصل- ٧ -: التحذير من التفريط في الإنكار على فاعل المنكر</span>\nوأما قوله- تعالى-: ﴿لولا ينهاهم الرَّبَّانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون﴾.\nفقال بعض المفسرين﵏-: (لولا تخضيض يتضمن توبيخ العلماء والعباد على سكوتهم عن النهب عن معاصي الله- تعالى- والأمر بالمعروف، وبين سبحانه أنهم أثموا بترك النهي).\nوقيل: معنى قوله (لولا ينهاهم) أي هلا كان ينهاهم عن تعاطي ذلك (الربانيون) منهم وهم العلماء أرباب الولايات عليهم، (والأحبار) وهم العلماء فقط.\nوقيل: الرباني من كان لله وبالله، لم تبق منه بقية لغير الله.\n(والإثم) - هنا- سائر الأقوال التي يترتب عليها الإثم.\nقال الإمام أثير الدين أبو حيان: (والظاهر أن الضمير في (كانوا) عائد على الربانيين والأحبار، إذ هم المتحدث عنهم والموبخون بعدم النهي عن المنكر).\nقال ابن عباس: يعني الربانيين أنهم ﴿بئس ما كانوا يصنعون﴾ يعني في تركهم ذلك وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: (قال) لهؤلاء حين لم ينهوا ولهؤلاء حين علموا وروى محمد بن جرير الطبري بسنده عن ابن عباس﵄- قال: ما في القرآن أشد توبيخًا من هذه الآية.\nوبسنده عن الضحاك (بن مزاحم) أنه قال: (ما في القرآن أخوف عندي منها وروى عن ابن عباس نحوه).\nقال بعض العلماء: وكأن المعنى في ذلك أن مواقع المعصية فعلها مع الشهوة التي تدعوه إليها وتحمله على ارتكابها، أما الذي ينهاه فلا شهوة معه إلى فعل غيره فإذا فرَّط في الإنكار كان أشد حالًا من المواقع فظهر بذلك الفرق بين متعاطي الذنب وبين تارك النهي.","vol":"1","page":44},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>فصل- ٨ -: من صور جزاء التقصير في واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر اللعن وهو الطرد من رحمة الله</span>\nوأما قوله- تعالى-: ﴿لعن الَّذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون﴾.\nأخبر بأنه- سبحانه- لعن الكافرين من بني إسرائيل من دهر طويل.\nقال ابن عباس: لعنوا على عهد موسى في التوراة، وعلى عهد داود في الزبور، وعلى عهد عيسى في الإنجيل، وعلة عهد محمد في القرآن.- صلوات الله عليهم أجمعين. لأن التوراة لسان موسى والزبور لسان داود، والإنجيل لسان عيسى، والقرآن لسان محمد.\nقال أثير الدين أبو حيان في تفسيره: والظاهر من الآية الإخبار عن أسلاف اليهود والنصارى أنهم ملعونون. وبناء الفعل للمفعول به يحتمل أن يكون الله هو اللاعن لهم على لسان داود وعيسى، ويحتمل أن يكونا هما اللاعنين لهم ولما كانوا يتبجحون بإسلامهم، وأنهم أولاد الأنبياء أخبروا أن الكفار- منهم- ملعونون على لسان أنبيائهم.\nواللعن: الطرد من رحمة الله- تعالى-:\nوقوله- تعالى-: ﴿ذلك بما عصوا﴾ أي ذلك اللعن كان بسبب عصيانهم وذكر هذا على سبيل التوكيد. ﴿وكانوا يعتدون﴾ يحتمل أن يكون معطوفًا على عصوا أي بكونهم يتجاوزون الحد في العصيان وينتهون إلى أقصى غاياته.\nوقوله- تعالى-: ﴿كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه﴾ ظاهره التفاعل بمعنى الاشتراك أي لا ينهي بعضهم بعضًا عن المنكر، وذلك أنهم جمعوا بين فعل المنكر والتجاهل به وعدم النهي عنه، فإذا فعلت المعاصي جهارًا، وتواطأ الناس على عد الإنكار كان ذلك تحريضًا على فعلها (وسببًا) مثيرًا لإفشائها وكثرتها.\nوهذا غاية التشديد، إذ علل استحقاقهم اللعنة بتركهم النهي عن المنكر فمن فعل منكرًا ولم ينه غيره عن فعل منكر (فقد جمع بين معصيتين: معصية فعل المنكر، ومعصية عدم النهي عنه).","vol":"1","page":45},{"text":"وسيأتي في أوائل الباب السابق قول بعض الأصوليين: فرض على الذين يتعاطون الكؤوس أن ينهى بعضهم بعضًا، واستدل بهذه الآية.\nقال بعض العلماء﵏-: فلو لم يكن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرضًا لما لعنوا أثموا بتركه، لأن تارك النوافل لا يستحق ذلك فمن أمكنه أن يأمر وينهي ولم يفعل- مع قدرته- استحق التعذيب واللعن والمقت بدليل هذه الآية الكريمة.\nقال ابن عباس﵄-: كان (بنو) إسرائيل ثلاث فرق فرقة اعتدوا في السبت، وفرقة نهوهم لكن لم يدعوا مجالستهم ولا مؤاكلتهم، وفرقة لما رأوهم يعتدون ارتحلوا عنهم وبقيت الفرقتان المعتدية والناهية المخالطة فلعنوا جميعًا.\nوفي مسند الإمام أحمد﵁-، وسنن أبي داود الترمذي، وابن ماجه﵃- من حديث عبد الله بن مسهود﵁- قال: قال رسول اللهﷺ-: (لم وقعت (بنو) إسرائيل في المعاصي نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا فجالسوهم في مجالسهم زاد أحمد: قال يزيد: أحسبه قال: وأسواقهم وواكلوهم وشاربوهم فضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ولعنهم على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون. وكان رسول الله - ﷺ- متكئًا فجلس فقال: لا، والذي نفسي بيده حتى تأطروهم على الحق أطرًا).\nهذا لفظ أحمد، والترمذي. وقال فيه: حديث حسن.\nولأبي داود. قال: قال رسول اللهﷺ-: (إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل أنه كان الرجل يلقي الرجل فيقول: يا هذا اتق الله، ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك ثم يلقاه في الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه، وقعيده فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم على بعض. ثم قال: ﴿لعن الَّذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وَّكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن مُّنكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون ترى كثيرًا منهم يتولون الَّذين كفروا لبئس ما قدَّمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليِّهم﴾ إلى قوله: ﴿فاسقون﴾ ثم قال: كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد السفيه ولتأطرنه على الحق أطرًا، ولتقصرنه على الحق قصرًا).","vol":"1","page":46},{"text":"زاد أبو داود- وفي رواية: \"أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض، ثم ليلعنكم كما لعنهم\".\nوللترمذي وابن ماجه عن أبي عبيدة أن رسول اللهﷺ- قال: لما وقع النقص في بني إسرائيل كان الرجل منهم يرى أخاه يقع على الذنب، فينهاه عنه فإذا كان الغد لم يمنعه ما رأى منه أن يأكله وشريبه وخليطه، فضرب الله قلوب بعضهم ببعض ونزل فيهم فقال: ﴿لعن الَّذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وَّكانوا يعتدون﴾ وقرأ حتى بلغ ﴿ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكن كثيرًا منهم فاسقون﴾ قال: وكان (نبيُّﷺ-) متكئًا (فجلس) فقال: لا حتى تأخذوا على يد الظالم، فتأطروه على الحق أطرًا هذا مرسل.\nقال الترمذي: حديث حسن.\nورواه أبو بكر بن أبي الدنيا ورواه- أيضًا- عن أبي عبيدة مرسلًا. ورواه عنه ابن مسعود مرفوعًا.\nورواه البيهقي- في شعب الإيمان بسنده، عن ابن مسعود- أيضًا- مرفوعًا. ولفظه: \"هل تدرون فيما سخط الله على بني إسرائيل قالوا: الله ورسوله أعلم قال: إن الرجل كان يرى الرجل منهم على معصية فينهاه بعض النهي ثم يلقاه بعد فيصافحه ويؤاكله ويشاربه كأنه لم يره على معصية حتى كثر ذلك فيهم فلما رأى الله ﷿ ذلك منهم ضرب بقلوب بعضهم على بعض ثم لعنهم وذكر الحديث.\nقوله: ﴿أكيله وشريبه﴾ يعني: مؤاكله ومشاربه. (والقعيد) المجالس ففعيل بمعنى مفاعل (ولتقصرنه) أي لتحبسنه.\n(ولتأطروهم) أي تعطفوهم على الحق الذي خالفوه وتردونهم إليه. واللع أعلم.\nوقوله- تعالى-: ﴿لبئس ما كانوا يفعلون﴾ ذم لما صدر منهم من فعل المنكر، وعدم تناهيهم عنه.\nوقال محمود الزمخشري: (تعجيب من سوء فعلهم مؤكدًا لذلك بالقسم، فيا حسرة على المسلمين في إعراضهم عن باب التناهي عن المنكر، وقلة رغبتهم فيه. كأنه ليس من ملة الإسلام في شيء مع ما يتلون من كتاب الله وما فيه من المبالغات في هذا الباب) انتهى.","vol":"1","page":47},{"text":"وروي من حديث أبي عمرو بن حماس بن عمرو الليثي قال: خرج عبد الله بن الزبير من عند عائشة على كعب﵃- وهو جالس في المسجد في حلقةٍ يحدث. فقال: يا أبا إسحاق هل يعلم الله من علامة في خلقه إذا سخط عليهم يعرف بها؟ قال: نعم يذلهم فلا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر ثم قرأ: ﴿لعن الَّذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>فصل- ٩ -: دليل كون الامر بالمعروف والنهي عن المنكر من شرائع الإيمان أي من شروط تمامه</span>\nوأما قوله- تعالى-: ﴿الَّذين يتَّبعون الرَّسول النَّبي الأمّيَّ الَّذي يجدونه مكتوبًا عندهم في التَّوّراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحلُّ لهم الطيِّبات﴾.\nقال المفسرون: هذا بقية خطابه- تعالى- لموسى وفيه تبشير له ببعثه نبيناﷺ- وذكر لصفاته فعد منها: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فقال: ﴿يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر﴾.\nقال ابن عباس، وعطاء: يأمرهم بخلع الأنداد وبمكارم الأخلاق، وصلة الأرحام. وقيل: المعروف الإيمان وقيل: الحق وقيل: كل ما عرف بالشرع من المعروف والمنكر- كما تقدم-.\nوقال بعضا العارفين: (المعروف هو القيام بحق الله، والمنكر هو البقاء بوصف الحظوظ وأحكام الهوى، والتعريج في (أوطان) المنى، وما يصوره تزويرات الدعوى والفاصل بين الجنسين، والمميز بين القسمين- الشريعة. فالحسن- من أفعال العباد: ما كان بنعت الإذن من مالك الأعيان- سبحانه- والقبيح: ما كان موافقًا للنهي والزجر. والله أعلم.\nفصل- ١٠ -\nثناء الله على طائفة من قوم موسى\nلاجتهادها في هداية الخلق إلى الحق\nوأما وقوله-تعالى-: ﴿ومن قوم موسى أمَّةٌ يهدون بالحق وبه يعدلون﴾ أي يدعون","vol":"1","page":48},{"text":"الناس إلى الهداية ﴿وبه يعدلون﴾ يعني في الحكم ذكر جماعة من المفسرين: أن هؤلاء قوم من وراء الصين يعبدون الله بالحق والعدل آمنوا بمحمدﷺ-. يستقبلون قبلتنا. لا يصل إلينا منهم أحد ولا يصل منا إليهم أحد. وأن جبريل ﵇ ذهب بالنبي ﷺ ليلة المعراج [إليهم] فآمنوا به وعلمهم شيئًا من القرآن. ثم لما رجع النبي ﷺ من ليلته أنزل عليه قوله تعالى: ﴿وممَّن خلقّنا أمَّةٌ يهدون بالحقّ وبه يعدلون﴾ يعني أمة محمدﷺ-.\nيعلمه سبحانه (أن) الذي أعطيت موسى في قومه أعطيتك في أمتك وقيل هم الذين آمنوا بنبيناﷺ- من أهل الكتاب.\nوقيل: قوم من بني إسرائيل تمسكوا بشرع موسى قبل نسخه ولم يبدلوا ولم يقتلوا الأنبياء سبقت لهم العناية وصدقت فيهم الولاية فبقوا على الحق من غير تحريف ولا تحويل، وأدركتهم (الرحمة) السابقة فلم تتطرق إليهم مفاجأة تغيير ولا خفي تبديل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>فصل- ١١ -: وجوب اجتهاد الآمرين الناهين في الأمر والنهي وإن لم يستجب الجمهور إقامة للحجة الإلهية لله على خلقه </span>ولاحتمال ازدجارهم وانتهائهم\nوأما قوله- تعالى-: ﴿وإذ قالت أمَّةٌ منهم لم تعظون قومًا الله مهلكهم أو معذبهم عذابًا شديدًا قالوا معذرةً إلى ربِّكم ولعلَّهم يتَّقون فلمَّا نسوا ما ذكروا به أنجينا الَّذين ينهون عن السُّوء وأخذنا الَّذين ظلموا بعذاب بئس بما كانوا يفسقون﴾ ﴿فلمَّا نسوا ما ذكروا به﴾ أي تركوا ما يوعظون به ﴿أنجينا الَّذين ينهون عن السُّوء وأخذنا الَّذين ظلموا بعذاب بئس بما كانوا يفسقون﴾.\n(لما أعلن الفسقة من بني إسرائيل بفعل ما نهوا عنه من صيد الحيتان يوم السبت قامت فرقة أخرى منهم فنهت وجاهرت بالنهي واعتزلت. ويقال: أن الناهين قالوا: لا نساكنكم فقسموا القرية بينهم وأصبح الناهون ذات يوم في مجالسهم ولم يخرج من المعتدين المتكبين للنهي أحد فقالوا: إن للناس لشأنًا فعلوا على الجداد فنظروا فإذا هم قردة ففتحوا الباب، ودخلوا عليهم فعرفت القردة أنسابهم من الإنس ولا يعرف الإنس أنسابهم من","vol":"1","page":49},{"text":"القردة فجعلت القردة تأتي نسيبها من الإنس فتشم ثيابه وتبكي فيقول: ألم ننهكم! ! فتقول برأسها: نعم).\nقال قتادة: صار الشباب قردة، والشيوخ خنازير، فما نجا إلا الذين نهوا وهلك سائرهم.\nوقال جمهور أهل التفسير: إن بني إسرائيل افترقت ثلاث فرق وهو الظاهر من الضمائر في الآية فرقة عصت وصادت وكانوا نحو السبعين ألفًا، وفرقة نهت واعتزلت، وكانوا اثنى عشر ألفًا. وفرقة اعتزلت ولم تنه ولم تعص، وأن هذه الفرقة قالت للناهية: (لم تعظون قومًا) - تريد العاصية- (الله مهلكهم أو معذبهم) على غلبة الظن وما عهد من فعل الله- تعالى- حينئذ بالأمم العاصية فقالت الناهية: (معذرة) موعظتنا معذرة إلى الله ولعلهم يتقون.\nواختلف المفسرون فيما فعل بالطائفة التي لم تنه ولم تعص.\nفقال ابن عباس: هلكت مع الذين ظلموا وهم العاصون، عقوبةً على ترك النهي. (قال أبو عبد الله القرطبي: وهو الظاهر من الآية). (وقال- أيضًا-: ما أدري ما فعل بهم): ألا ترى أنهم كرهوا ما هم عليه وخالفوهم. فقال: ﴿لم تعظون قومًا الله مهلكهم﴾.\nفدل قول ابن عباس﵄على أن الله -تعالى-أهلك الطائفة التي لم تعص ولم تنه العاصين لظاهر الآية وأنه- سبحانه- لم ينج سوى الناهين عن السوء الواعظين، فبين سبحانه- في هذه الآية الكريمة: أن الناجين استفادوا النجاة بالنهي عن السوء.\nقال الغزالي: ويدل ذلك على الوجوب- أيضًا انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>فصل- ١٢ -: الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف من أخص أوصاف المنافقين</span>\nوأما قوله- تعالى-: ﴿المنافقون والمنافقات بعضهم مِّن بعضٍ يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم﴾.","vol":"1","page":50},{"text":"بين سبحانه أن ذكور المنافقين وإناثهم ليسوا من المؤمنين. كما قال تعالى: ﴿ويحلفون بالله إنَّهم لمنكم وما هم منكم﴾ بل بعضهم من بعض في الحكم والمنزلة والنفاق وقيل: أمرهم واحد بالاجتماع على النفاق. فهم على دين واحد متشابهون في الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف.\nوليس المعنى على التبعيض حقيقة، لأن ذلك معلوم (فالمؤمن بالمؤمن يتقوى، والمنافق بالمنافق يتعاضد. والمنافق (لصاحبه) أس به قوامه وأصل به قيامه، يعينه على فساده، ويغمي عليه طريق رشاده) وصفهم- سبحانه- بخلاف أوصاف المؤمنين، وأنهم يأمرون بالمنكر وهو الكفر والمعاصي، وينهون عن المعروف وهو الإيمان والطاعات- كما سبق بيانه- والله أعلم).\nقوله: ﴿ويقبضون أيديهم﴾ عبارة عن عدم الإنفاق في سبيل الله- تعالى- قاله الحسن.\nوقيل: تركوه أمره حتى صار كالمنسي فصيرهم بمنزلة المنسي من ثوابه.\nوقيل: عن الجهاد. وقال سفيان: عن رفع الأيدي في الدعاء، و(النسيان) - هنا- الترك قال قتادة تركوا طاعة الله ورسوله. ونسيهم أي تركهم من الخير. وأما من الشر فلم ينسهم.\nوقوله: ﴿إن المنافقين هم الفاسقون﴾ أي هم الكاملون في الفسق الذي هز: التمرد في الكفر والانسلاخ من كل خير.\nوللمنافق خمس خصال بنص القرآن: يأمر بالمنكر، وينهي عن المعروف، ولا يقوم إلى الصلاة إلا وهو كسلان، ويبخل بالزكاة، ويتخلف عن الجهاد إذا أمره الله، ويثبط غيره والله أعلم.","vol":"1","page":51},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>فصل- ١٣ -: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أخص أوصاف المؤمنين</span>\nوأما قوله- تعالى-: ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعضٍ يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله﴾.\nلما ذكر الله- تعالى- المنافقين والمنافقات وما هم عليه من الأوصاف القبيحة والأعمال الفاسدة ذكر المؤمنين والمؤمنات فقال في أولئك: ﴿بعضهم من بعض﴾ وفي هؤلاء: ﴿بعضهم أولياء بعض﴾ في الدين، واتفاق الكلمة، والعون، والنصرة إذ لا ولاية بين المنافقين ولا شفاعة لهم (ول يدعون) بعضهم لبعض (فكان المراد- هنا-) أن الولاية في الله خاصة وسيأتي ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري﵁- أن النبيﷺ- قال: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا).\nأي يعين بعضهم بعضًا على الطاعات، ويتواصون بترك المحظورات فتحابهم (في الله) وقيامهم بحق الله، وصحبتهم لله، وعداوتهم لأجل الله، تركوا حظوظهم لحق الله، وآثروا- على هواهم- (رضا) الله.\nأولئك (الذين) عصمهم في الحال، ويرحمهم في المآل.\nولما وصف المؤمنين يكون بعضهم أولياء بعض ذكر بعده ما جرى كالتفسير والشرح له وهي الخمسة التي يتميز بها المؤمن على المنافق في الآية: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والجهاد وهو المراد في هذه الآية بقوله: ﴿ويطيعون الله ورسوله﴾، فإن هذه الكلمة جامعة للمندوبات (وأقواها دلالة على صحة عقيدتهم وسلامة سريرتهم).\nوأخص أوصاف المؤمنين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لتقدمه على بقية الأوصاف فالذي هجر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خارج عن هؤلاء المؤمنين المنعوتين في الآية فيثبت بذلك أن أخص أوصاف المؤمنين وأقواها دلالة على صحة","vol":"1","page":52},{"text":"عقيدتهم وسلامة سريرتهم هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.\nقوله: ﴿أولئك سيرحمهم الله﴾ يعني الموصوفين بهذه الأوصاف الجميلة.\nقال الإمام محمود الزمخشري: السين مفيدة وجوب الرحمة لا محالة، فهي تؤكد الوعد والوعيد.\nولما كانت الرحمة- هنا- عبارة- عما يترتب على تلك الأعمال الصالحة من الثواب في الآخرة أتى بالسين التي تدل على استقبال الفصل.\n﴿إن الله عزيز﴾ أي غالب على كل شيء قادر عليه.\n﴿حكيم﴾ واضع كلا موضعه. والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>فصل- ١٤ -: مراتب الجهاد في سبيل الله ثلاثة: جهاد الكفار وجهاد النفس والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر</span>\nوأما قوله- تعالى-: ﴿- إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأنَّ لهم الجنَّة﴾.\nاشترى- سبحانه- منهم أنفسهم فوهبوا قلوبهم شكرًا له فقال: اشترى نفوسهم. وأما القلوب فاستأسرها قهرًا. والقهر في سنة الأحباب أعز من الفضل.\nوقال أبو علي الدقاق: لم يقل- سبحانه-: اشترى قلوبهم، لأن القلب وقف على محبته والوقف لا يشتري.\nفجعل- سبحانه- العوض عن بذل النفس أعلى الأشياء وأغلاها وهو الجنة ومن بذل نفسه لله- تعالى- وقام في رضاه وطاعته أربح الله تجارته، وجبر فاقته، وأسكنه جنته وهذا من أنواع الجهاد وأن الجهاد أنواع. وهو من أفضل ما يعده المرء ليوم الفاقة.\nوهو على أقسام: فتارةً يكون الجهاد في الأعداء من الكفار، وتارة يكون في النفوس، وهي أعدى الأعداء، وتارةً يكون في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.\nقال بعض العلماء: وهو مطلوب في هذا الزَّمان، لأن الكفار قد انكسرت شوكتهم","vol":"1","page":53},{"text":"وقال مددهم وعلت كلمت الإسلام، وظهرت. وبقى اليوم جهاد النفوس، والتكلم بالحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.\nقوله: ﴿التَّائبون العابدون الحامدون السَّائحون الرَّاكعون السَّاجدون الآمرون بالمعروف والنَّاهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين﴾.\nقال ابن عباس﵄-: \"لما نزلت ﴿إن الله اشترى من المؤمنين ....﴾ الآية قال رجل: يا رسول الله وإن زنى وإن سرق، وإن شرب الخمر، فنزلت ﴿التائبون العابدون﴾ الآية قوله ﴿التائبون﴾ أي الراجعون عن الحالة المذمومة في معصية الله إلى الحالة المحمودة في طاعة الله).\n(العابدون) أي المطيعون (بالعبادة).\n(الحامدون) الراضون بقضائه، المصرفون نعمته في طاعته، الذين يحمدونه على كل حال.\n(السائحون) الصائمون. روى عن ابن مسعود، وابن عباس، وعائشة﵃-.\nوقيل: \"السياحة الجهاد\"- كما روى مرفوعًا.\nوقيل: الذين حبسوا أنفسهم في أوامره طلبًا لمرضاته.\nوقيل: السائحون- بأفكارهم- في توحيده.\n(الراكعون) يعني في الصلاة المكتوبة وغيرها.\nوقيل: الخاضعون لله في جميع الأحوال.\n(الآمرون بالمعروف) أي بالسنة.\nوقيل: بالإيمان والعمل الصالح.\nوقيل: الذين يدعون الخلق إلى الله، ويحذرونهم عن غير الله، يتواصون بالإقبال على الله، وترك الاشتغال بغير الله.\n﴿والناهون عن المنكر﴾ قيل: عن البدعة.\nوقيل: عن الكفر.","vol":"1","page":54},{"text":"وقيل: هو عموم في كل معروف ومنكر وينهون أنفسهم عن إتباع المنهي (عنه) والشهوات.\n﴿والحافظون لحدود الله﴾ أي القائمون بما أمروا به والمنتهون عما نهوا عنه الواقفون حيث وقفهم، الذين يحفظون مع الله أنفاسهم.\nقال الإمام أبو حيان- في تفسيره-: فترتيب هذه الصفات في غاية الحسن، إذ بدأ- أولًا- بما يخص الإنسان لغيره، وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم بما شمل ما يخصه في نفسه وما يتعدى إلى غيره وهو الحفظ لحدود (الله) انتهى.\nولما ذكر سبحانه مجموع هذه الأوصاف أمر رسول اللهﷺ- بأن يبشر المؤمنين. وفي الآية التي قبلها قال: (فاستبشروا) أمرهم بالاستبشار فحصلت لهم المزية التامة بأن الله أمرهم به، ثم أمر رسولهﷺ- أن يبشرهم. والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-16>فصل- ١٥ -: من صور جزاء التقصير في واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الهلاك في الدنيا فضلًا عن العذاب بالآخرة</span>\nوأما قوله- تعالى-: ﴿وإن تطع أكثر من في الأرض يضلُّوك عن سبيل الله إن يتَّبعون إلَّا الظَّنَّ وإن هم إلَّا يخرصون﴾.\nقال المفسرون﵏-: لولا- هنا للتخصيص. كقوله- تعالى- في سورة المائدة: ﴿لولا ينهاهم الربانيون .....﴾ صحبها معنى التوبيخ والتأسي الذي ينبغي أن يقع من البشر على هذه الأمم التي لم تهتد. وهذا نحو قوله: \"يا حسرة على العباد ..... \".\nوالقرون قوم نوح، وعاد، وثمود.\nوالبقية- هنا- يراد بها الخير والنظر والحزم في الدين وسمى الفضل والجود بقية، لأن الرجل يستبقي مما يخرجه أجوده وأفضله.\nويقال فلان من بقية القوم أي خيارهم.\nومنه قولهم: في الزوايا خبايا، وفي الرجال بقايا.","vol":"1","page":55},{"text":"وإنما قيل: بقية، لن الشرائع والدول ونحوها قوتها في أولها ثم لا تزال تضعف فمن ثبت في وقت الضعف فهو بقية الصدر الأول. والمعنى: فلولا كان منهم أولو مراقبة (وخشية) من انتقام الله- تعالى-.\nوقيل: أولو طاعة، ودين، وعقل، وبصر، ينهون قومهم عن الفساد والفساد- هنا- الكفر وما اقترن به من المعاصي، فبين- سبحانه- أنه أهلك جميعهم إلا قليلًا منهم كانوا ينهون عن الفساد.\nوقال بعض العارفين: معنى الآية لم يكن منكم مثل هؤلاء الذين كانوا ينهون عن القبائح إلا قليل.\nوقيل: لم يكن فيمن قبلكم من الأمم ممن ينهي عن الفساد إلا ذو بقية من الدين وهم الذين أطاعوا أنبياءهم.\nويحتمل فهلَّا كان من القرون من قبلكم أولو بقية ينهون عن الفساد.\nقال الإمام أثير الدين أبو حيان﵀-: وفي ذلك تنبيه لهذه الأمة وحض لها على تغيير المنكر.\nوالظاهر أن الذين ظلموا هم (تاركوا) النهي عن الفساد.\nو(ما أترفوا فيه) أي نعموا فيه من حب الرئاسة، والثروة وطلب أسباب العيش الهنيء ورفضوا ما فيه صلاح دينهم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>فصل- ١٦ -: جمع آية في القرآن هي التي تأمر بالعدل والإحسان وتنهي عن الفحشاء والمنكر والبغي</span>\nوأما قوله- تعالى-: ﴿وأولئك الَّذين هدى الله فبهداهم أقتدة قل لَّا أسئلكم عليه أجرًا إن هو إلَّا ذكرى للعالمين﴾.\nسبب نزولها: ما روى أحمد في المسند من حديث ابن عباس﵄-","vol":"1","page":56},{"text":"قال بينما رسول الله -ﷺ- بفناء بيته بمكة جالسًا، إذ مر به عثمان بن مظعون فكشر إلى رسول الله -ﷺ- فقال له رسول الله -ﷺ- ألا تجلس؟ قال: بلى. قال: فجلس رسول الله -ﷺ- مستقبله فبينما هو يحدثه إذ شخص رسول الله -ﷺ- ببصره إلى السماء فنظر ساعة إلى السماء وأخذ يضع بصره حتى وضعه على يمينه في الأرض، فتحرف رسول الله -ﷺ- عن جليسه عثمان إلى حيث وضع بصره وأخذ ينفض رأسه كأنه يستفقه ما يقال له وابن مظعون ينظر فلما قضى حاجته واستفقه ما يقال له شخص بصر رسول الله -ﷺ- إلى السماء- كما شخص أول مرة فأتبعه بصره حتى توارى في السماء فأقبل إلى عثمان\". بجلسته الأولى قال: يا محمد فيم كنت أجالسك وآتيك ما رأيتك تفعل كفعلك الغداة قال: وما رأيتني فعلت؟ قال: رأيتك تشخص ببصرك إلى السماء ثم وضعته حيث وضعته على يمينك فتحرفت إليه وتركتني وأخذت تنفض رأسك كأنك تستفقه شيئًا يقال لك. قال: وفطنت لذلك؟ قال: \"عثمان\": نعم قال رسول الله -ﷺ-: \"أتأتي رسول الله آنفًا وأنت جالس. قال رسول الله. قال نعم. قال فما قال لك؟ قال: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون﴾ قال: عثمان فذلك حين استقر الإيمان في قلبي وأحببت محمدًا -ﷺ-\".\nورواه أحمد -أيضًا- بسنده عن عثمان بن أبي العاص -﵁- قال: كنت عند رسول الله -ﷺ- جالسًا إذ شخص ببصره. فذكر نحوه مختصرًا.\nقال عبد الله بن مسعود -﵁-: إن أجمع آية في القرآن ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان ...﴾.\nوقال جماعة من العلماء: هذه الآية أجمع آية في القرآن للحث على المصالح كلها وللزجر عن المفاسد بأسرها، فإن الألف واللام في العدل والإحسان للعموم والاستغراق فلا يبق من دق العدل وجله شيء إلا اندرج في قوله: ﴿إن الله يأمر بالعدل﴾. ولا يبق من دق الإحسان وجله شيء إلا اندرج في أمره بالإحسان والعدل.\nوكذلك الألف واللام -في الفحشاء، والمنكر، والبغي- عامة مستغرقة لأنواع الفواحش ولما ينكر من الأقوال والأعمال وإفراد البغي وهو: ظلم الناس بالنهي عنه مع اندراجه (في الفحشاء والمنكر للاهتمام به كما أفرد إيتاء ذي القربى بالذكر مع اندراجه) في العدل والإحسان اهتمامًا بصلة الأرحام.","vol":"1","page":57},{"text":"أمر -﷾- في هذه الآية بثلاث، ونهى عن ثلاث، أمر بالعدل وهو: كل فعل مفروض من عقائد وشرائع وسير مع الناس في (أداء) الأمانات وترك الظلم وإعطاء الحق.\nوالإحسان وهو: كل فعل مندوب إليه، قاله ابن عطية.\nوقال محمود الزمخشري: العدل هو: الواجب، لأن الله -تعالى- عدل فيه على عباده.\nوالإحسان: الندب.\nوإنما علق أمره بهما، لأن الفرض لابد أن يقع فيه تفريط فيجبره الندب، وعن ابن عباس -﵄-: العدل لا إله إلا الله، والإحسان أداء الفرائض.\nوعنه: العدل الحق.\nوعن سفيان بن عيينة: أنه استواء السريرة والعلانية في العمل وقيل، العدل في الأفعال، والإحسان في الأقوال، فالإحسان لا يخلو من جلب نفع أو دفع ضر أو عنهما وتارة يكون في الدنيا وتارة يكون في العقبى.\nأما في العقبى: فتعليم العلم، والفتيا والإعانة على جميع الطاعات وعلى دفع المعاصي والمخالفات، فيدخل فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باليد واللسان. كما قال ابن عبد السلام وغيره: \"والله أعلم\".\nقال بعض العارفين: (أمر العبد بالعدل فيما بينه وبين ربه)، وفيما بينه وبين نفسه، وفيما بينه وبين الخلق.\nفالعدل الذي بينه وبين الله إيثار حقه على خطه، وتقديم رضاه -سبحانه- على ما سواه [هواه]، والتجرد عن جميع المزاجر، وملازمة جميع الأوامر.\nوالعدل الذي بينه وبين نفسه منعها عما فيه هلاكها كما قال الله: ﴿ونهى النفس عن الهوى﴾.\nوكمال عدله مع نفسه كي عروق طمعه.","vol":"1","page":58},{"text":"والعدل الذي بينه وبين الخلق بذل النصيحة، وترك الخيانة فيما قل أو كثر، والإنصاف لهم بكل وجه، وترك الإساءة إلى كل أحد بقول أو فعل أو هم أو عزم.\nوأما الإحسان، فهو أن تقوم بكل حق وجب عليك حتى لو كان لطير في ملكك، فلا تقصر في تعهده.\nويقال: الإحسان أن تقضي ما عليك من الحقوق، وأن لا تقتضي لك حقًا من أحد.\nقوله: ﴿وإيتاء ذي القربى﴾ وهو صلة الأرحام. وقد اندرج تحت الإحسان ولكنه نبه عليه اهتمامًا به كما تقدم.\nوقيل: إعطاؤهم على ما منعهم من الجود والجفاء والحسد.\nو(الفحشاء) الزنا.\nوقيل: ما شنعته ظاهرة من المعاصي.\nوقيل: ما يوجب الحد في الدنيا والعذاب في الآخرة.\nوقيل: المجاوز لحدود الله -﷿-.\n(والمنكر) الشرك. قاله مقاتل.\nوقيل: ما توعد عليه بالنار- قاله عبد الله بن السائب.\nوقيل: ما أنكره الشرع بالنهي عنه. وهو يعمر جميع المعاصي والرذائل والدناءات على اختلاف أنواعها.\nوقيل: ما لا يوجب الحد في الدنيا لكن يوجب العذاب في الآخرة.\n(والبغي) التطاول بالظلم والسعاية فيه.\nوحقيقته تجاوز الحد وهو داخل في المنكر نبه عليه اهتمامًا باجتنابه- كما تقدم.\nوجمع سبحانه في المأمور به والمنهي عنه بين ما يجب ويندب وما يحرم ويكره لاشتراك ذلك في قدر مشترك وهو الطلب في الأمر والترك في النهي ولما أمر تعالى بتلك الثلاث ونهى عن تلك الثلاث.\nقال: ﴿يعظكم﴾ أي بما ذكر من أمر ونهي.\nوالمعنى ينبهكم أحسن تنبيه.\n﴿لعلكم تذكرون﴾ أي تنتبهون لما أمرتم به ونهيتم عنه.","vol":"1","page":59},{"text":"قال المفسرون: فقد تضمنت هذه الآية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وكما أن الله -تعالى- وحزبه يأمرون بالعدل والإحسان فالشيطان وحزبه يأمرون (بالفحشاء والمنكر) كما قال -تعالى-: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر ...﴾ والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>فصل -١٧ -: دليل وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأنه فرض عين في حدود القدر المستطاع</span>\nوأما قوله -سبحانه-: ﴿ولولا دفع الله النَّاس بعضهم ببعضٍ لهدَّمت صوامع وبيعٌ وصلواتٌ ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرًا ولينصرنَّ الله من ينصره إنَّ الله لقويٌ عزيزٌ الَّذين إن مكَّنَّاهم في الأرض أقاموا الصَّلاة وآتوا الزَّكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور﴾.\nقال المفسرون: في الآية الكريمة تحريض على القتال المأذون فيه وأجرى الله العادة في الأمم الماضية بذلك، بأن ينتظم به الأمر وتقوم به الشرائع وتصان المتعبدات من الهدم وأهلها من القتل، فلولا القتال لتغلب على الحق في كل أمة. كما قال في الآية الأخرى: ﴿ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ...﴾.\nقال مجاهد: ولولا دفع الله ظلم قوم بشهادات العدول ونحو هذا.\nوقال قوم: دفع الظلمة بعدل الولاة.\nوقال قوم: دفع العذاب بدعاء الأخيار.\nوقيل: بالقصاص عن النفوس.\nوقيل: بالنبيين عن المؤمنين.\nوقال بعض العارفين: يتجاوز -سبحانه- عن الأصاغر لقدر الأكابر ويعفو عن العوام الاحترام للكرام، وتلك سنة أجراها الله -سبحانه- لاستيفاء منازل العبادة، واستصفاء مناهل العرفان، ولا تحويل لسنته، ولا تبديل لكريم عادته.","vol":"1","page":60},{"text":"وأما الصوامع وما بعدها. فقيل: الصوامع للرهبان، والبيع للنصارى، والصلوات لليهود والمساجد للمسلمين.\nوقيل: الصلوات المعهودة في الأمم.\nومعنى: (هدمت) عطلت.\nوتأخير المساجد، لقدم تلك عليها، أو للانتقال من الشريف إلى ما هو أشرف.\nولم يذكر في هذه الآية المجوس ولا أهل الشرك، لأن هؤلاء ليس لهم ما يوجب حمايته ولا يوجد ذكر الله إلا عند أهل الشرائع.\nثم أقسم -سبحانه- على أنه لينصرن من ينصره. أي ينصر دينه ونبيه وأولياءه فنصر العبد لربه هو اتباع أمره واجتناب نهيه.\nوقال الزجاج: من أقام شريعة من شرائعه نصر على إقامة ذلك. ونصره -تعالى- هو أن يظفرهم بأعدائهم، وهذا وعد من الله ينصر من ينصر دينه وشريعته.\nونظير هذه الآية قوله -تعالى-: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم﴾ أي إن تنصروا دين الله ينصركم على أعدائكم.\nثم قال: ﴿ويثبت أقدامكم﴾.\nقيل: عند القتال.\nوقيل: على الإسلام.\nوقيل: على الصراط.\nوقيل: يثبت القلوب بالأمن.\nقال القرطبي: فيكون تثبيت الأقدام عبارة عن النصر والمعونة. وقد قال: في الآية الأخرى: ﴿كتب الله لأغلبن أنا ورسلي ...﴾ (أي حكم وكتب في كتابه الأول وقدره الذي لا يمانع ولا يبدل، بأن النصرة له ولكتابه ولرسوله وعباده المؤمنين في الدنيا والآخرة وأن العاقبة لهم ﴿إن الله لقوي عزيز﴾.\nأي كتب القوي العزيز أنه الغالب لأعدائه.\nكما قال -تعالى-: ﴿إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد","vol":"1","page":61},{"text":"يوم لا ينفع الظالمون معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار﴾.\nوقال -تعالى-: ﴿وكان حقًا علينا نصر المؤمنين﴾.\nأي واجبًا أوجبه -سبحانه- على نفسه.\nوقال -تعالى-: ﴿ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين. إنهم لهم المنصورون. وإن جندنا لهم الغالبون﴾.\nوقال -تعالى-: ﴿فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفًا﴾.\nوقال -تعالى-: ﴿أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون﴾.\nوهذا قدر محكم وأمر مبرم أن العاقبة والنصرة للمؤمنين- القائمين بنصرة دين الله -تعالى-.\nقال المفسرون: وفي ذلك كله حض على القتال في الله.\nوالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واستيفاء الحدود وغير ذلك.\nثم أخبر -تعالى- في هذه الآية أنه قوي على نصرهم عزيز لا يغلب. [يغالب] قال عثمان بن عفان -﵁-: هذا والله ثناء قبل بلاء. يعني أن الله -تعالى- قد أثنى عليهم قبل أن يحدثوا من الخير ما أحدثوا.\nقوله -تعالى-: ﴿الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ...﴾.\n(مكناهم) أي نصرناهم على عدوهم حتى يتمكنوا من البلاد غير مقهورين.\nقال المفسرون: في الآية أخذ العهد على من مكنه الله أن يفعل ما رتب على التمكين في الآية.\nقال ابن أبي نجيح: المشار إليهم هم الولاة.\nوقال الضحاك: هو شرط شرطه الله على من آتاه الملك.\nوهذان القولان ضعيفان.\nوقيل: إذا طالت بهم المدة وساعدهم العمر لم يستفرغوا أعمارهم في استجلاب","vol":"1","page":62},{"text":"حظوظهم ولا في انفناء محبوبهم من الدنيا ولكن قاموا بأداء حقوقنا وقال الحسن البصري: هم أمة محمد -ﷺ- فبين -سبحانه- أن صفة المؤمنين والصالحين من عباده- أنهم يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأن من ضيع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كمن ضيع الصلاة والزكاة.\nوهذه الآية تدل على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذ قرنا الصلاة والزكاة، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>فصل -١٨ -: دليل كون المراد بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الأمر بطاعة الله والنهي عن معصيته</span>\nوأما قوله -تعالى- حكاية عن عبده لقمان الحكيم حين وصى لابنه: ﴿يا بنيَّ أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إنَّ ذلك من عزم الأمور﴾.\nقال المفسرون: لما نهى لقمان -﵇- ابنه عن الشرك وأخبره -ثانيًا- بعلمه تعالى وباهر قدرته، أمره بما يتوسل به إلى الله -تعالى- من الطاعات، فبدأ بأشرفها وهو الصلاة، حيث يتوجه إليه بها، ثم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ثم بالصبر على ما يصيبه من المحن بسبب الأمر والنهي.\nو(ما) بمعنى مهما، وأضاف الصبر- بالعطف على الأمر بالمعروف إعلامًا بأذى الناس لمن يأمرهم وينهاهم.\nقال بعض المفسرين: أي أمر بطاعة الله واتباع أمره.\nوقال الكلبي في قوله: وانه عن المنكر أي أنكر الظلم وأظهر العدل. وقال غيره: المنكر معاصي الله ومخالفة أمره.\nوقال بعض العارفين: المعروف الذي يجب الأمر به وهو ما يوصل العبد إلى الله. والمنكر الذي يجب النهي عنه وهو ما يشغل العبد عن الله.\n﴿واصبر على ما أصابك﴾ يعني اصبر على ما أصابك من الأذى في طاعة الله من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.","vol":"1","page":63},{"text":"وهذا قول ابن عباس ومقاتل.\nففي قوله: ﴿واصبر على ما أصابك﴾ تنبيه على (أن) من قام لله بحق امتحن في الله فسبيله أن يصبر لله فإن من صبر لله لم يحسَّر على الله.\nوسيأتي الكلام على الصبر في آخر الباب الرابع -إن شاء الله -تعالى-.\n﴿إن ذلك من عزم الأمور﴾.\nقال ابن عباس: يريد من حقيقة الإيمان.\nوقال مقاتل: إن ذلك الصبر على الأذى فيهما من حق الأمور التي أمر الله بها.\nوقال الكلبي: إن ذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من عزم الأمور.\nقال الواحدي: وهذه الآية دليل على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر على المكروه، إن أصابه فيهما. وفي هذا دليل على أن خوف المكروه لا ينبغي أن يمنع من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا أن يخاف مكروهًا لا يطيقه- والله أعلم.\nيا أخي من ذكر الله -تعالى- حظي بالخيرات لديه ومن أمر بالمعروف قربه زلفى إليه، ومن نهى عن المنكر أقبل بالمعونة عليه، ومن صبر على ابتلائه ورضي فله البشارة، ومن سخط وجزع فيا لها من خسارة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>فصل -١٩ -: دليل كون أعلى مراتب الجهاد امتثال أمر الله واجتناب نهيه</span>\nوأما قوله -﷿-: ﴿ومنهم أميُّون لا يعلمون الكتاب إلَّا أمانيَّ﴾ قيل هو إشارة إلى امتثال ما أمر الله به، واجتناب ما نهى عنه، أي جاهدوا أنفسكم في طاعة الله وردوها عن الهوى، وجاهدوا الشيطان في وسوسته، والكافرين في كفرهم، والظلمة في رد ظلمهم، وأهل المعاصي والمنكرات في ترك ما هم عليه.\nوقوله: ﴿هو اجتباكم﴾ أي اختاركم للذب عن دينه والتزام أمره، واجتناب نهيه لأن العبد كلما كان إلى الله أقرب كان جهاده فيه أعظم وهذا تأكيد لأمر المجاهدة أي وجب عليكم أن تجاهدوا، لأنه -سبحانه- اختاركم لذلك بفضله وحسن توفيقه. والله أعلم.","vol":"1","page":64},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-21>فصل -٢٠ -: دليل كون المقصرين في واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في خسر</span>\nوأما قوله -﷿-: ﴿والعصر إن الإنسان لفي خسر. إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر﴾.\nفهو قسم منه -سبحانه- بالعصر.\nقيل: هو الدهر. وقيل صلاة العصر. وقيل آخر النهار. وقيل غير ذلك.\n﴿إن الإنسان لفي خسر﴾ أي في خسارة وهلاك.\n﴿إلا الذين آمنوا﴾ بقلوبهم وعملوا الصالحات بجوارحهم.\n﴿وتواصوا﴾ أي أوصى بعضكم لبعض بالحق أي بأداء الطاعات وترك المحرمات.\n﴿وتواصوا بالصبر﴾ أي على المصائب وأذى من يؤذي ممن يأمرونه بالمعروف وينهونه عن المنكر.\nويحتمل أن يراد به الصبر على الطاعات فيدخل فيه الصبر عن المعصية وعلى الطاعة قاله ابن عباس -﵄-: (فأقسم الله -تعالى- أن كل إنسان في خسر إلا من جمع هذه الأربعة أوصاف).\nوروى أبو بكر بن مردويه -في مسنده- عن يزيد بن خنيس (قال): دخلنا على سفيان الثوري نعوده وأومأ إلى دار العطارين فدخل عليه- سعيد بن حسان المخزومي فقال له سفيان الثوري: الحديث الذي كنت حدثتني، عن أم صالح، أردده عليّ فقال: حدثتني أم صالح عن صفية بنت شيبة عن أم حبيبة رملة قالت: قال رسول الله -ﷺ-: (كلام ابن آدم عليه لا له ما خلا أمرًا بمعروف أو نهيًا عن منكر أو ذكر الله -تعالى-).\nقال سفيان: وناشدته أو ما سمعت الله يقول في كتابه: ﴿والعصر إن الإنسان لفي خسر. إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر﴾ فهو هذا بعينه.\nوروى الحديث الترمذي، وابن ماجه ولم يذكروا قول سفيان الثوري إلى آخره والله أعلم.","vol":"1","page":65},{"text":"فلا تخف في الله لومة لائم، لعلك أن تظفر بالغنائم استعمل الشجاعة في النهي عن المنكر، تنل المطلب الأعلى من الكنز الأكبر، فللَّه در أقوام فهموا معنى الوجود، وتأملوا عين المقصود، واشتغلوا بطاعة الملك المعبود، فقاموا بالأمر بالمعروف من غير قيود.\nمتنبهين للنهي عن المنكر والخلق رقود، متيقنين للصبر على ما ينالون من الأقوال والأفعال، ملازمين الرضا عن الله في كل الأحوال، قد شمروا لذلك عن سوق العزائم، فسبقوك وأنت في الغفلة نائم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-22>فصل -٢١ -: دليل كون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أفضل ما يعين المؤمن على تزكية نفسه ومعالجة ترقيها في الطاعات وتطهرها من الدنس</span>\nقال سفيان الثوري وغيره في قوله -تعالى-: ﴿وقولوا للنَّاس حسنًا﴾ أي مروهم بالمعروف، وانهوهم عن المنكر.\nوقال ابن عباس في قوله -تعالى-: ﴿أليس منكم رجلٌ رشيدٌ﴾ أي يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر.\nوقال بعض المفسرين في قوله -تعالى-: ﴿لقد منَّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولًا من أنفسهم يتلوا عليهم آياته﴾ يعني القرآن ﴿ويزكيهم﴾ أي يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، لتزكوا أنفسهم وتطهر من الدنس والخبث الذي كانوا متلبسين به في حال شركهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>فصل -٢٢ -: الأحاديث الواردة في فضل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر</span>\nوأما الأحاديث الواردة في فضل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأدلة وجوبه وتأكيد استحبابه فكثيرة نورد منها طرفًا يسيرًا سوى ما تقدم وما يأتي من ذلك في أبواب الكتاب والله الموفق للصواب.","vol":"1","page":66},{"text":"فمن أمثلتها: ما ثبت في صحيح مسلم، ومسند أحمد، والسنن الأربعة وغيرها من حديث طارق بن شهاب -﵁- قال: أول من بدأ بالخطبة يوم العيد قبل الصلاة مروان بن الحكم، فقام إليه رجل. فقال: الصلاة قبل الخطبة. فقال: قد ترك ما هنالك.\nفقال أبو سعيد: أما هذا فقد قضى ما عليه، سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: (من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) هذه رواية مسلم.\nورواية الترمذي مثلها إلا أنه قال فقام رجل فقال: يا مروان خالفت السنة فقال: يا فلان ترك ما هنالك فقال: هذا حديث حسن.\nوفي رواية أبي داود قال: يا مروان خالفت السنة أخرجت المنبر يوم عيد ولم يكن يخرج فيه وبدأت بالخطبة قبل الصلاة.\nفقال أبو سعيد: من هذا؟ فقال: فلان ابن فلان.\nفقال: أما هذا فقد قضى ما عليه.\nوفي رواية النسائي لم يذكر العيد والخطبة ولكن لفظه: أن رسول الله -ﷺ- قال: من رأى منكم منكرًا فغيره بيده فقد برئ، ومن لم يستطع أن يغيره بيده فغيره بلسانه فقد برئ ومن لم يستطع منكم أن يغيره بلسانه فغيره بقلبه فقد برئ وذلك أضعف الإيمان.\nقول (أبي سعيد) -﵁-: (أما هذا فقد قضى ما عليه) فيه تصريح بالإنكار.\nوقد يقال: كيف تأخر أبو سعيد -﵁- عن إنكار هذا المنكر حتى سبقه إليه هذا الرجل؟\nقال بعضهم: يحتمل أنَّ أبا سعيد -﵁- لم يكن حاضرًا أول ما شرع مروان في أسباب تقديم الخطبة فأنكر عليه الرجل ثم دخل أبو سعيد وهما في الكلام.\nويحتمل أن أبا سعيد كان حاضرًا من الأول ولكنه خاف على نفسه أو غيره من حصول فتنة بسبب إنكاره فسقط عنه الإنكار، ولم يخف ذلك الرجل شيئًا، لاعتقاده بظهور عشيرته أو غير ذلك، أو أنه خاف وخاطر بنفسه وذلك جائز في مثل هذا بل مستحب- كما سيأتي بيانه في أثناء الكتاب، أو أن أبا سعيد هم بالإنكار فبدره الرجل فعضده أبو سعيد ثم جاء في","vol":"1","page":67},{"text":"الحديث الآخر الذي في الصحيحين في باب صلاة العيدين أن أبا سعيد هو الذي جبذ بيد مروان حين رآه يصعد المنبر. وكانا جاءا معًا فرد عليه مروان مثل ما رد هنا.\nقال النواوي: فيحتمل أنهما قضيتان إحداهما لأبي سعيد والأخرى للرجل بحضرة أبي سعيد.\nقوله -ﷺ-: (فليغيره).\nقال النواوي -﵀-: هذا أمر إيجاب بإجماع الأمة. فقد تطابق على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الكتاب والسنة وإجماع الأمة، وهو من النصيحة التي هي الدين، ومن أجله بعث الله رسله، وأنزل كتبه، ووصف هذه الأمة وفضلها -لأجله- على سائر الأمم التي أخرجت للناس.\nوقوله: (فإن لم يستطع فبلسانه) يعني إن غلب على ظنه أنه إن غير بيده يسبّب منكرًا أشد منه كف يده، واقتصر على القول باللسان، والوعظ والتخويف، فإن خاف أن يسبب قوله مثل ذلك غير بقلبه وكان في سعة، وهذا هو المراد بهذا الحديث.\nوقوله: (فبقلبه) معناه فليكرهه بقلبه وذلك هو الذي في وسعه وطاقته.\nقال الإمام أبو عبد الله محمد بن عبد القوي -في نظمه-:\nوأضعفه بالقلب ثم لسانه ... وأقواه إنكار الفتى الجلد باليد\nفتضمن هذا الحديث: أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر له ثلاث مراتب ليس إلا:\nالأولى: إزالة المنكر باليد وذلك يكون لمن كان له سلطان يخاف، وإلا قد يأمر وينهي باليد من كان حقيرًا بين الناس ويأمر كثيرًا فيفضي إلى شر وقد يفضي إلى تقاتل- كما سيأتي الكلام عليه في الباب الثاني.\nالمرتبة الثانية: إزالته باللسان، وهذه دون الأولى، فهذه يتصف بها العلماء، لأنهم أهل اللسان فيدعون من يتعاطى المنكر ويأمرونه وينهونه باللسان، ويستدلون على ذلك.\nالمرتبة الثالثة: من لم يكن له سلطان، ولا هو من أهل العلم بل هو ضعيف الإيمان","vol":"1","page":68},{"text":"ويرى منكرًا لا يقدر على إزالته لا بيد ولا بلسان فينكر بقلبه فذو السلطان له يد يمكن أن يقيم دين الله -تعالى- بيده (فله) الجهاد بالسيف واللسان والطعن بالخطى والسنان.\nوقد يمكن ذلك لمن له جاه أو هو رئيس قومه أو قريته ومن يكون مطاعًا ومن لم يمكنه ذلك انتقل إلى المرتبة الثانية -وهي أدنى من الأولى- الأمر باللسان، وهذه المرتبة يمكن للعلماء أن يقوموا بها، لأن لهم من السلطان على الكلام وتبيين دين الله ما لم يكن لغيرهم فيمكنهم أن يقيموا الأدلة والبراهين عليه، وهم الحكام بالعلم على سائر الخلق، وهم ورثة الأنبياء، ومن كان منهم قاضيًا عالمًا في حقه اليد واللسان، وليس ذلك مخصوصًا بأحد دون أحد، بل من أمكنه أن ينكر باليد ولم ينكر فقد عصى، ومن أمكنه أن يمكر باللسان ولم ينكر فقد عصى، ومن لم ينكر بقلبه فقد عصى.\nوصفة الإنكار بالقلب أن يعبس عند رؤية المنكر ويكره ذلك بقلبه كراهية شديدة.\nقال القاضي أبو يعلى: ويجب فعل الكراهة للمنكر كما يجب إنكاره، لأن الشارع أوجب فعل الكراهة بالقلب بقوله: (فإن لم يستطع فبقلبه) انتهى.\nفقوله -ﷺ-: (وذلك أضعف الإيمان).\nقال النواوي: معناه -والله أعلم- أقله ثمرة- انتهى.\nفأخبر النبي -ﷺ- أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم أبواب الإيمان فلا يجوز لأحد السكوت عنه أصلًا، لأنه واجب بأمر الله ورسوله- والله أعلم.\nقال القاضي أبو الفضل عياض -﵀-: هذا الحديث أصل في صفة التغيير فحق المغير أن يغيره بكل وجه أمكنه زواله به قولًا كان أو فعلًا، فيكسر آلات الباطل، ويريق المسكر أو يأمر من يفعله، وينزع الغصوب ويردها إلى أهلها بنفسه، (أو بأمره إذا أمكنه).\nوسيأتي - في الباب الرابع- من حديث عمر بن الخطاب مرفوعًا-: (أنه يصيب أمتي في آخر الزمان من سلطانهم شدائد لا ينجو منها إلا رجل عرف دين الله فجاهد عليه بلسانه ويده وقلبه فذلك الذي سبقت له السوابق) الحديث.\nفإن تعاطى (ذلك الأمر بنفسه) فهو أولى من أن يأمر غيره بفعله.\nوقد كان النبي -ﷺ- يغير المناكر بنفسه أحيانًا-.","vol":"1","page":69},{"text":"ففي صحيح مسلم، وغيره من حديث ابن عباس -﵄- أنَّ النبي -ﷺ- رأى خاتمًا من ذهب في يد رجل فنزعه وطرحه وقال: (يعمد أحدكم إلى جمرةٍ من نار فيطرحها في يده) فقيل للرجل بعدما ذهب رسول الله -ﷺ-: خذ خاتمك انتفع به. قال: لا، والله لا آخذه أبدًا وقد طرحه رسول الله -ﷺ-.\nوفي المعنى أحاديث كثيرة.\nوفي الصحيحين، ومسند أحمد، وجامع الترمذي، من حديث ابن مسعود -﵁- قال: (دخل النبي -ﷺ- يوم الفتح وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنمًا فجعل يطعنها بعود كان في يده).\nوسيأتي الحديث بأتم من هذا في الباب الرابع -إن شاء الله -تعالى-.\nقال أبو بكر أحمد بن محمد المروزي: قلت لأبي عبد الله يعني الإمام أحمد -﵀-: كيف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ قال: باليد واللسان وبالقلب وهو أضعف.\nوقال -أيضًا- في رواية أبي صالح: التغيير باليد ليس بالسلاح ولا بالسيف.\nقال القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين الفراء: فظاهر هذا يقتضي جواز الإنكار باليد إذا لم يفض للقتل والقتال. والله -﷾- أعلم.\nوفي الصحيحين، ومسند أحمد وسنن أبي داود من حديث أبي سعيد الخدري -﵁- عن النبي -ﷺ- أنه قال: (إياكم والجلوس في الطرقات. فقالوا: يا رسول الله ما لنا من مجالسنا بد نتحدث فيها. فقال رسول الله -ﷺ-: فإذا أبيتم إلا الجلوس فإذًا أعطوا الطريق حقه. قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله. قال: غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر).","vol":"1","page":70},{"text":"قوله: (إياكم والجلوس) بالنصب على التحذير.\nو(أبيتم) بالباء الموحدة. والله أعلم.\nوفي مسند أحمد، وغيره من حديث أبي شريح خويلد، وقيل: عبد الرحمن، وقيل: هاني بن عمرو الخزاعي -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-:\n(إياكم والجلوس على الصعدات، فمن جلس منكم على الصعيد فليعطه حقه. قلنا: يا رسول الله، وما حقه؟ قال: غض البصر، ورد التحية، وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر).\nوفي مسند الإمام أحمد -أيضًا- عن جابر -﵁- حديث بيعة العقبة بطوله وفيه (فواعدناه يعني رسول الله -ﷺ- شعب العقبة.\nفاجتمعنا عنده من رجل ورجلين حتى توافينا. فقلنا: يا رسول الله (علام) نبايعك؟ فقال: (تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل، والنفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن تقولوا في الله لا تخافون في الله لومة لائم ... الحديث وفي آخره: فقمنا إليه فبايعناه فأخذ علينا وشرط على ذلك الجنة).\nوفي المسند -أيضًا- من حديث أبي ذر -﵁- قال: (بايعني رسول الله -ﷺ- خمسًا، وواثقني سبعًا، وأشهد الله على تسعًا، لا أخاف في الله لومة لائم).\nورواه أحمد -أيضًا- من طريق آخر بلفظ: (أمرني رسول الله -ﷺ- بسبع: أمرني أن أنظر إلى من هو دوني ولا أنظر لمن هو فوقي، وأمرني أن أصل الرحم وإن أدبرت، وأمرني أن لا أسأل أحدًا شيئًا، وأمرني أن أقول الحق وإن كان مرًا، وأمرني أن لا أخاف في الله لومة لائم ...) مختصر.\nوفي رواية له: أوصاني خليلي -ﷺ- بسبع بحب المساكين وأن أدنو منهم، وأن أنظر","vol":"1","page":71},{"text":"إلى من هو أسفل مني ولا أنظر إلى من هو فوقي، وأن أصل رحمي وإن جفاني، وأن أكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله، وأن أتكلم بالحق ولا تأخذني في الله لومة لائم، وأن لا أسأل الناس شيئًا.\nوكذلك رواه البيهقي.\nوفي الصحيحين، ومسند الإمام أحمد، والموطأ، وسنن النسائي من حديث أبي الوليد عبادة بن الصامت -﵁- قال: (بايعنا رسول الله -ﷺ- على السمع والطاعة في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وعلى أثرة علينا، وعلى أن لا ننازع الأمر أهله، وعلى أن نقول الحق أينما كنا ولا نخاف في الله لومة لائم).\nوفي رواية قال: (إلا أن تروا كفرًا بواحًا ليس عندكم فيه من الله برهان).\nرواه ابن ماجه بغير الزيادة.\nولفظ الإمام أحمد، عن عبادة أنه قال لأبي هريرة: يا أبا هريرة إنك لم تكن معنا إذ بايعنا رسول الله -ﷺ- بايعناه على السمع والطاعة، في النشاط والكسل وعلى النفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى أن نقول في الله، ولا نخاف لومة لائم، وعلى أن ننصر رسول الله -ﷺ- إذا قدم علينا يثرب فنمنعه مما نمنع منه أنفسنا وأزواجنا وأبناءنا ولنا الجنة فهذه بيعة رسول الله -ﷺ-.\nقوله: (والمنشط والمكره) بفتح الميم فيهما- أي في السهل والصعب.\nقال العلماء: معنى ذلك أنه تجب طاعة ولاة الأمور فيما يشق وتكرهه النفوس مما ليس بمعصية.\nو(الأثرة) بفتح الهمزة والمثلثة، وقيل: بضم الهمزة وإسكان المثلثة، وبكسر الهمزة وإسكان المثلثة -وهي الاستتار والاختصاص بأمور الدنيا- كما سيأتي- في الباب السادس.\nوقوله: (وعلى أن نقول الحق أينما كنا (لا نخاف في الله لومة لائم) أي نأمر بالمعروف وننهي عن المنكر في كل زمان ومكان لا نداهن فيه أحدًا ولا نخاف ولا نلتفت إلى لومة لائم.","vol":"1","page":72},{"text":"قوله في الرواية الأخرى: (كفرًا بواحًا) بفتح الموحدة بعدها واو ثم ألف مفتوحتين ثم حاء مهملة أي ظاهرًا جهارًا لا يحتمل تأويلًا.\nيقال: باح الشيء يبوح بواحًا جهر به، ويروى بالراء. وقيل: صراحًا.\nوالمراد بالكفر -هنا- المعاصي فإذا كانت كذلك حل قتالهم ومعنى قوله (ليس عندكم فيه لله برهان) أي تعلمونه من دين الله.\nفمعناه: لا تنازعوا ولاة الأمور في ولايتهم (ولا تعترضوا) عليهم إلا أن تروا منكرًا محققًا تعلمونه من قواعد الإسلام، فإذا رأيتم ذلك فأنكروه عليهم، وقولوا بالحق حيث ما كنتم). والله أعلم.\nوروى أبو منصور الديلمي -في مسنده الفردوس- من حديث أبي هريرة مرفوعًا \"ثلاث من كن فيه استكمل إيمانه لا يخاف في الله لومة لائم، ولا يرائي بشيء من عمله، وإذا عرض عليه أمران أحدهما للدنيا والآخر للآخرة آثر أمر الآخرة على أمر الدنيا\".\nوفي مسند الإمام أحمد من حديث المقدام بن معديكرب الكندي أنه جلس مع عبادة ابن الصامت، وأبي الدرداء، والحارث بن معاوية الكندي فتذكروا حديث رسول الله -ﷺ- فقال أبو الدرداء لعبادة: يا عبادة كلمات رسول الله -ﷺ- في غزاة كذا وكذا في شأن الأخماس. فقال عبادة:\nإنَّ رسول الله -ﷺ- صلى بهم في غزوة إلى جنب بعير من المغنم فلما سلم قام رسول الله -ﷺ- فتناول وبرة بين أنملتيه. فقال: (إن هذه من غنائمكم وإنه ليس لي فيها إلا نصيبي معكم إلا الخمس والخمس مردود عليكم فأدوا الخيط والمخيط وأكبر من ذلك وأصغر، ولا تغلوا فإن الغلول نار وعار على أصحابه في الدنيا والآخرة، وجاهدوا الناس في الله القريب والبعيد، ولا تبالوا في الله لومة لائم، وأقيموا حدود الله في الحضر والسفر، وجاهدوا في الله تعالى، فإن الجهاد باب من أبواب الجنة عظيم، إنه لينجي صاحبه من الهم والغم).\nورواه النسائي- بلفظ آخر.\nورواه صاحب الفردوس ولفظه: \"جاهدوا في الله القريب والبعيد في الحضر والسفر،","vol":"1","page":73},{"text":"فإن الجهاد باب من أبواب الجنة، إنه لينجي صاحبه من الغم والهم، فأقيموا حدود الله على القريب والبعيد، ولا تأخذكم في الله لومة لائم\".\nوروى الطبراني، وغيره من حديث العباس بن سالم أن عمر قال لكعب الأحبار: كيف تجد نعتي؟ قال: أجد نعتك قرنًا من حديد. قال: وما قرن من حديد؟ قال: أمير سديد لا تأخذه في الله لومة لائم\".\nوقال لقمان لابنه: يا بني قل الحق ولو كان مرًا [وعلى نفسك] ولا تبال بمن غضب. وفي صحيح مسلم، ومسند أحمد من حديث عبد الله بن مسعود -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: (ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من (أمته) حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويهتدون بهديه، ثم إنها تخلف من بعده خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون).\nزاد مسلم: \"فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن. ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن. ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل\".\nقال أبو رافع: فحدثت به عبد الله بن عمر فأنكره علي.\nفقدم ابن مسعود فنزل بقناة فاستتبعني إليه عبد الله بن عمر يعوده فانطلقت معه. فلما جلسنا سألت ابن مسعود عن هذا الحديث فحدثنيه كما حدثته ابن عمر.\nقوله: (حواريون) يعني أصحابًا أخصاء.\nوقيل الحواري: الناصر المختص بالرجل المصافي له.\nوقوله: (تخلف) بضم اللام- أي تحدث.\nوقوله: (ليس وراء ذلك حبة خردل).\nقال أبو العباس تقي الدين أحمد بن تيمية -﵀-: (مراده لم يبق بعد هذا الإنكار ما يدخل في الإيمان حتى يفعله المؤمن، بل الإنكار بالقلب آخر حدود الإيمان، ليس مراده","vol":"1","page":74},{"text":"أن من لم ينكر لم يكن معه من الإيمان حبة خردل.\nقال أبو عبد الله القرطبي: وهذا الحديث لا يخالف ما رويناه في حديث: الإيمان بضع وسبعون شعبة أفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق\".\nلأن الأدنى غير الأضعف، فإن الأدنى اسم لما يتباعد عن معاني القرب وإن كان مرجعه في العقبى البقاء. والأضعف اسم لما يظهر لوجه القربة فيه ويخلص له ولكن يكون من نوعه ما هو أقوى وأبلغ عنه.\nوبسط الكلام في شرحه. انتهى.\nوقوله: (فنزل بقناة).\nوقال النواوي: هو بالقاف المفتوحة وآخره تاء التأنيث وهو غير منصرف- واد من أودية المدينة.\nوقيل: (بفنائه) بالفاء المكسورة وبالمد، وآخره هاء الضمير قبلها همزة- وهو ما بين أيدي المنازل والدور.\nو(هديه) طريقته وسنته.\nوأبو رافع هو مولى رسول الله -ﷺ- واسمه \"أسلم\" على الصحيح. والله أعلم.\nوروى الإمام أحمد، وابن ماجه، وابن حبان -في صحيحه- من حديث عائشة -﵂- قالت: دخل عليَّ النبي -ﷺ- فعرفت في وجهه أن قد حقره شيء فتوضأ وما كلم أحدًا. قالت: ثم خرج فلصقت بالحجرات، أسمع ما يقول فقعد على المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: (يا أيها الناس إن الله -﷿- يقول لكم: مروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر قبل أن تدعوني فلا أستجيب لكم، وتسألوني فلا أعطيكم، وتستنصروني فلا أنصركم) فما زاد عليهم حتى نزل.\nورواه أبو القاسم إسماعيل -في الترغيب والترهيب- وغيره.\nقوله: (حفزه) أي يدفعه من خلفه، والليل يحفز النهار أي يسوقه قاله الجوهري.","vol":"1","page":75},{"text":"فلولا أن الأمر بالمعروف فرض لما منع الله -تعالى- إجابة الدعاء، والعطية، والنصر بتضييعه. والله أعلم.\nوفي سنن أبي داود من حديث عبد الله بن مسعود -﵁- قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: (إنكم منصورون ومصيبون ومفتوح عليكم، فمن أدرك ذلك منكم فليتق الله، وليأمر بالمعروف، ولينه عن المنكر، ومن كذب عليّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار).\nورواه أحمد، وعنده ابن مسعود قال: جمعنا رسول الله -ﷺ- ونحن أربعون قال عبد الله: فكنت آخر من أتاه. فقال: (إنكم مصيبون ومنصورون ومفتوح عليكم ...) فذكره وزاد قال مؤمل: \"ومثل الذي يعين قومه على غير الحق كمثل بعير ردى في بئر فهو ينزع منها بذنبه\".\nورواه أبو نعيم -في الحلية- بلفظ. قال انتهيت إلى النبي -ﷺ- وهو في قبة من أدم معه أربعون رجلًا، فقال: (إنه مفتوح لكم ومنصورون ومصيبون فمن أدرك ذلك منكم فليتق الله، وليأمر بالمعروف ولينه عن المنكر، ومن كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار) قال: وقال رسول الله -ﷺ-: (مثل الذي يعين قومه على غير الحق كمثل بعير تردى في بئر فهو ينزع بذنبه).\nورواه الترمذي من حديث عائشة. وقال: حديث صحيح.\nوروى أبو بكر البيهقي -في شعب الإيمان من حديث أبي ذر -﵁-: \"أمرنا رسول الله -ﷺ- أن لا نغلب عن ثلاثة، أن نأمر بالمعروف، وننهى عن المنكر، ونعلم الناس السنن\".\nوروى الإمام أحمد وابن حبان -في صحيحه- واللفظ له، والدارقطني، والبيهقي، وابن أبي الدنيا، وأبو القاسم الأصبهاني من حديث البراء بن عازب. قال: جاء","vol":"1","page":76},{"text":"أعرابي إلى النبي -ﷺ- فقال: يا رسول الله، علمني عملًا يدخلني الجنة. فقال: (إن كنت أقصرت الخطبة لقد أعرضت المسألة: اعتق النسمة، وفك الرقبة، قال: يا رسول الله أو ليستا واحدة فقال: لا عتق النسمة أن تنفرد بعتقها، وفك الرقبة أن تعين في ثمنها).\nوالمنحة الوكوف والفيء على ذي الرحم القاطع، فإن لم تطق ذلك (فأطعم الجائع، واسق الظمآن، وأمر بالمعروف، وانه عن المنكر) فإن لم تطق ذلك (فكف لسانك إلا عن خير) (المنحة) -بكسر الميم- العطية والمراد بها- (ههنا) منحة الشاة. وله معنيان: أحدهما أن يهب له أصلها فيملكه إياها. والثاني أن يهب له لبنها.\nو(الوكوف) الغزيرة اللبن، التي لا ينقطع لبنها من وكف البيت والدمع إذا تقاطر والله أعلم.\nوروى الأصفهاني عن القاسم بن مخول النهدي عن أبيه -﵁- في حديث طويل قال: قلت يا رسول الله أوصني. قال: (أقم الصلاة، وآت الزكاة، وصم شهر رمضان وحج البيت واعتمر، وبر والديك، وصل رحمك، وأقر الضيف، ومر بالمعروف وانه عن المنكر، وزل مع الحق حيث زال).\nوفي الصحيحن، ومسند أحمد، وجامع الترمذي، وسنن النسائي، وابن ماجه من حديث معاوية بن سويد بن مقرن. قال: دخلت على البراء بن عازب فسمعته يقول: (أمرنا رسول الله بسبع ونهانا عن سبع. أمرنا بعيادة المريض، واتباع الجنائز، وتشميت العاطس، وإبرار القسم، ونصر المظلوم ...) الحديث.\n(وله روايات أخر).","vol":"1","page":77},{"text":"قال الشيخ الإمام عز الدين بن عبد السلام: لحقوق بعض المكلفين على بعض أمثلة كثيرة: منها التسليم عند القدوم والانصراف وتشميت العاطس، وعيادة المريض، ومنها الإعانة على البر والتقوى وعلى كل مباح، ومنها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأن الأمر بالمعروف سعي في جلب مصالح المأمور، والنهي عن المنكر سعي في درء مفاسد المنهي وهذا هو النصح لكل مسلم، وقد بايع رسول الله -ﷺ- جريرًا على النصح لكل مسلم.\nقلت وسيأتي الحديث في الباب الرابع والله أعلم. ومناه تحمل الشهادة وأداؤها عند الحكام. ومنها حكم الحكام والأئمة والولاة بإنصاف المظلومين من الظالمين.\nوذكر بعد ذلك أشياء كثيرة من الحقوق يضيق هذا (المقام) بذكرها. والله أعلم.\nوفي مسند أحمد، وجامع الترمذي من حديث البراء بن عازب -﵁- قال: مر رسول الله -ﷺ- على مجلس من الأنصار فقال: (إن أبيتم إلا أن تجلسوا فاهدوا السبيل، وردوا السلام، وأعينوا المظلوم) هذا لفظ أحمد.\nولفظ الترمذي: أن رسول الله -ﷺ- مر بناس من الأنصار وهم جلوس في الطريق فقال: (إن كنتم لابد فاعلين فردوا السلام، وأعينوا المظلوم، واهدوا السبيل) وقال: حديث حسن.\nوروى الإمام أحمد من حديث عبد الرحمن بن عوف -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: (شهدت مع عمومتي حلف المطيبين وأنا غلام فما أحب أن لي حمر النعم وأني أنكثه).\nورواه ابن حبان في صحيحه -وأبو زرعة عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي- في تاريخه -والحرث بن أبي أسامة في مسنده- وغيرهم. ويروى في بعض طرقه. قال: أي ابن عوف، قال رسول الله -ﷺ-: (شهدت حلفًا في دار ابن جدعان بين هاشم وزهرة ولو","vol":"1","page":78},{"text":"دعيت له اليوم لأجبت ما أحب أن نقضته ولي حمر النعم على أن نأمر بالمعروف، وننهى عن المنكر وأن نأخذ للمظلوم من الظالم).\nقوله: (حلفًا) جمع حليف. وأصل الحلف المعاقدة والمعاهدة على التعاضد والتساعد والإنفاق. فما كان منه في الجاهلية على الفتن والقتال بين القبائل والغارات، فذلك الذي ورد النهي عنه في الإسلام بقوله -ﷺ-: (لا حلف في الإسلام) وما كان منه في الجاهلية على نصر المظلوم، وصلة الأرحام فذلك الذي قال فيه -ﷺ-: (وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة).\nوهذا التحالف كان قبل أن يبعث النبي -ﷺ- فرآه واجبًا عليه إذ كان من الفرائض (التي) بعث بها. والله أعلم.\nأخبرنا شيخنا الحافظ شمس الدين شيخ القراء المجودين أبو عبد الله محمد بن محمد بن محمد بن الجزري بقراءتي عليه قال: أخبرنا القاضي الرئيس عماد الدين محمد بن موسى بن سليمان الأنصاري. قال أخبرنا الإمام أبو الحسن علي بن أحمد السعدي. قال: أخبرنا أبو حفص عمر بن محمد بن معمر البغدادي، والعلامة أبو اليمن زيد بن الحسن بن زيد بن الحسن الكندي قال: أخبرنا القاضي أبو بكر محمد بن عبد الباقي الأنصاري. قال أخبرنا أبو إسحق إبراهيم بن أحمد البرمكي الفقيه. قال: أبرنا أبو محمد عبد الله بن إبراهيم بن ماسي قال: حدثنا أبو سليمان إبراهيم بن عبد الله بن مسلم الكجي قال: حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري قال: حدثنا حميد، عن أنس -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: (انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا. قال: قلت: يا رسول الله أنصره مظلومًا فكيف أنصره ظالمًا؟ قال: تمنعه عن الظلم فذلك نصره إياه).\nورواه البخاري، وأحمد، والترمذي، وغيرهم من حديث أنس -أيضًا- بلفظ: \"انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا. فقال رجل: يا رسول الله أنصره إذا كان مظلومًا أفرأيت إن كان ظالمًا كيف أنصره؟ قال: تحجزه أو قال: تمنعه من الظلم فإن ذلك نصره\".","vol":"1","page":79},{"text":"وفي رواية نحوه. قالوا: كيف ينصره ظالمًا؟ قال: يأخذ فوق يده\".\nورواه مسلم في جملة حديث.\nقال الترمذي: حديث حسن صحيح.\nقال الإمام أبو بكر البيهقي: ومعنى هذا أن الظالم مظلوم من جهته كما قال تعالى: ﴿ومن يعمل سوءًا أو يظلم نفسه﴾ فكما ينبغي أن ينصر المظلوم إذا كان غير نفس الظالم ويدفع الظلم عنه، كذلك ينبغي أن ينصر إذا كان نفس الظالم ليدفع ظلمه عن نفسه وإنما أمر كلَّ واحد بنصرة أخيه المسلم إذا رآه يظلم وقدر على نصره، وكذلك إذا كان ظالمًا يرده بأي وجه قدر عليه.\nوفي مسند أحمد، وغيره من حديث جابر -﵁- قال: اقتتل غلامان غلام من المهاجرين وغلام من الأنصار. فنادى المهاجر أو المهاجرون: يا آل المهاجرين، ونادى الأنصار يا آل الأنصار فخرج النبي -ﷺ- فقال: \"ما هذا) دعوى الجاهلية؟ قالوا: لا يا رسول الله إلا أن غلامين اقتتلا فكسع أحدهما الآخر فقال: لا بأس ولينصر الرجل أخاه ظالمًا كان أو مظلومًا، إن ظالمًا فلينهه، فإنه له نصر، وإن كان مظلومًا فإنه له نصر).\nأما تسميته -ﷺ- لذلك دعوى الجاهلية فهو كراهة (منه لذلك) لأنه مما كان عليه الجاهلية من التعاضد بالقبائل في أمور الدنيا وكانت تأخذ حقوقها بالعصبات والقبائل فجاء الإسلام بإبطاله وفصل القضايا بالأحكام الشرعية- والله أعلم.\nوروى الإمام أحمد -بسنده- عن المقدام أبي كريمة، عن النبي -ﷺ- أنه قال: (أيما مسلم أضاف قومًا فأصبح الضيف محرومًا فإن حقًا على كل مسلم نصره حتى يأخذ بقرى ليلته من زرعه وماله).\nوروى أبو بكر البيهقي -بسنده- عن النعمان بن بشير -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: (خذوا على أيدي سفهاءكم).","vol":"1","page":80},{"text":"وبسنده عن ابن عباس -﵄- أن رسول الله -ﷺ- قال: (إن داود -﵇- قال فيا يخاطب ربه -﷿- يا رب أي عبادك أحب إليك أحبه بحبك قال: يا داود أحب عبادي إليّ تقي القلب تقي الكفين لا يأتي إلى أحد سوءًا ولا يمشي بالنميمة تزول الجبال ولا يزول أحبني وأحب من يحبني ويحببني إلى عبادي. قال: يا رب إنك تعلم أني أحبك وأحب من يحبك فكيف أحببك إلى عبادك؟ قال: تذكرهم بآلائي وبلائي ونعمائي. يا داود إنه ليس من عبد يعين مظلومًا أو يمشي معه في مظلمته إلا أثبت قدميه يوم تزول الأقدام).\nوفي الصحيحين، ومسند أحمد، وسنن النسائي من حديث أبي موسى الأشعري -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: (على كل مسلم صدقة- قال: أرأيت إن لم يجد؟ قال: يعمل بيديه فينفع نفسه ويتصدق قال أرأيت إن لم يستطع قال: يعين ذا الحاجة الملهوف قال: أرأيت إن لم يستطع؟ قال: يأمر بالمعروف أو الخير قال: أرأيت إن لم يفعل؟ قال: يمسك عن الشر فإنها صدقة).\nقوله: (يعمل بيديه فينفع نفسه ويتصدق) مرفوع في المواضع الثلاثة وقوله: (يعين ذا الحاجة الملهوف) فالملهوف يطلق على المتحير، وعلى المضطر وعلى المظلوم المستغيث.\nوقوله: (يمسك عن الشر فإنها صدقة) أي صدقة على نفسه، والمراد أنه إذا أمسك عن الشر لله -تعالى- كان له أجر على ذلك، كما أن للمتصدق بالمال أجرًا.\nوفي صحيح مسلم، ومسند أحمد، وسنن ابن ماجه من حديث أبي ذر جندب بن جنادة الغفاري -﵁- أن ناسًا من أصحاب النبي -ﷺ- قالوا للنبي -ﷺ-: (يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور، يصلون كما نصلي ونصوم ويصومون كما نصوم ويتصدقون بفضول أموالهم قال: أو ليس قد جعل الله لكم ما تصدقون؟ إن بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، وفي بضع أحدكم صدقة) الحديث هذا لفظ مسلم وأحمد، وفي رواية لأحمد عن أبي سلام، قال: قال لي أبو ذر قلت: يا رسول الله من أين أتصدق وليس لي","vol":"1","page":81},{"text":"مال؟ قال: (إن من أبواب الصدقة التكبير وسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله وأستغفر الله. وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتعزل الشوكة عن طريق الناس والعظم والحجر وتهدي الأعمى، وتسمع الأصم والأبكم حتى يفقه، وتدل المستدل على حاجة له قد علمت مكانها وتسعى بشدة ساقيك إلى اللهفان المستغيث وترفع بشدة ذراعيك مع الضعيف كل ذلك من أبواب الصدقة منك على نفسك، ولك من جماعك زوجتك أجر ..) الحديث.\nقال أهل اللغة: (الدثور) -بضم الدال وبفتحها- (جمع) دثر، وهو المال الكثير. و(البضع) -بضم الباء الموحدة- هو الفرج. والبضع والمباعضة اسم (الجماع) وقوله: (تصدقون) بتشديد الصاد والدال.\nوقوله: (وأمر بالمعروف صدقة ونهي عن المنكر صدقة) فيه إشارة إلى ثبوت حكم الصدقة في كل فرد من أفراد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.\nوالثواب في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أكثر منه في التسبيح والتحميد والتهليل، لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية وقد يتعين، ولا يتصور وقوعه نفلًا، والتسبيح والتحميد والتهليل نوافل.\nومعلوم أن أجر الفرض أكثر من أجر النفل، لما ثبت في صحي البخاري وغيره من حديث أبي هريرة -﵁- عن النبي -ﷺ- عن الله -﷿-: (وما تقرب إلى عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضت عليه ..) الحديث.\nوقد قال إمام الحرمين أبو المعالي عن بعض العلماء: إن ثواب الفرض يزيد على ثواب النافلة بسبعين درجة. ذكره النواوي. والله أعلم.\nوفي الصحيحين، ومسند أحمد، وسنن ابن ماجه من حديث حذيفة بن اليمان. قال: كنا عند عمر بن الخطاب -﵁- فقال: (أيكم يحفظ حديث رسول الله -ﷺ- في الفتنة؟ فقلت أنا أحفظه كما هو. قال: هات، إنك لجريء. وكيف؟ قلت سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: (فتنة الرجل في أهله وماله ونفسه وولده وجاره يكفرها الصلاة والصيام والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) فقال عمر: ليس هذا [ولكن] أريد التي تموج كموج البحر. قال: قلت: ما لك ولها يا أمير المؤمنين؟ إنَّ بينك وبينها بابًا مغلقًا.\nقال: فيكسر الباب أم يفتح؟ قلت: بل يكسر، قال: ذلك أحرى أن لا يغلق أبدًا.","vol":"1","page":82},{"text":"(قال: فقلنا لحذيفة: هل كان عمر يعلم من الباب؟ قال: نعم كما يعلم أنَّ دون غد الليلة إني حدثته حديثًا ليس بالأغاليط).\nقال: فهبنا أن نسأل حذيفة من الباب؟ فقلنا لمسروق: سله. فقال: عمر، وفي رواية لمسلم وأحمد، قال حذيفة: كنا عند عمر فقال: أيكم سمع رسول الله -ﷺ- يذكر الفتن؟ فقال: فقال قوم: نحن سمعناه. فقال: لعلكم تعنون فتنة الرجل في أهله وجاره. قالوا: أجل. قال: تلك تكفرها الصلاة والصيام والصدقة ولكن أيكم سمع النبي -ﷺ- يذكر الفتن تموج كموج البحر؟ قال حذيفة: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: (تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودًا، فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء. وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء حتى تصير على قلبين أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مربادًا كالكوز مجخيًا لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا إلا ما أشرب من هواه).\nقال حذيفة وحدثته أن بينك وبينه بابًا مغلقًا يوشك أن يكسر. قال أكسرًا لا أبا لك. فلو أنه فتح لعله كان يعاد. قال لا بل يكسر. وحدثته أن ذلك الباب رجل يقتل أو يموت. حديثًا ليس بالأغاليظ.\nقال أبو خالد: فقلت لسعد بن طارق: يا أبا مالك: ما أسود مربادًا إذا؟ قال: قال سده البياض في سواد. قال قلت فما الكوز مجخيًا؟ قوله: (إنك لجريء) بجيم مفتوحة وهمزة في آخره اسم فاعل من الجرأة وهي الإقدام على الصعب. وقيل: جريء غير مستحي.\n(وفتنة الرجل في أهله) هو ما يعرض له معهم من سوء محبته لهم وشحه عليهم وشغله بهم أو لتفريطه (بما يلزم من القيام بحقوقهم).\nوقوله (تكفرها الصلاة والصيام والصدقة).\nونقل ابن مفلح عن ابن هبيرة أنها المفروضات ثم أضيف إليها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وجعل بمنزلتها.\nوقوله في الرواية الأخرى: تعرض الفتن على القلب كالحصير. قال الحميدي في","vol":"1","page":83},{"text":"بعض الروايات: والمعنى فيها أن الفتن تحيط بالقلوب كالمحصور المحبوس. يقال (حصره القوم) إذا أحاطوا به وضيقوا عليه.\nوقال الليث حصير الجنب عرق يمتد معترضًا على الجنب إلى ناحية البطن، شبه إحاطتها بالقلوب بإحاطة هذا العرق بالبطن.\nوقوله: (عودًا عودًا) هو بضم العين وفتحها، أي مرة بعد مرة.\nوقوله: (فأي قلب أشربها) يقال: أشرب القلب هذا الأمر إذا دخل فيه وقبله وسكن فيه.\nوقوله: (نكتة سوداء) أي نكت فيه أثر أسود. وهو دليل السخط وكذلك قال حالة الرضا نكتت فيه نكتة بيضاء. قوله: (مربادًا) بميم مضمومة، وراء ساكنة، وموحدة مفتوحة، وهمزة مكسورة، ودال مهملة مشددة منصوبة منونة وهو الذي في لونه إلى ربده.\nوهو بين السواد والغبرة وقوله [كالكوز مجخيًا] بميم مضمومة، ثم جيم مفتوحة، ثم خاء معجمة مكسورة- يعني مائلًا. وفسره بعض الرواة بأنه المنكوس -كما تقدم-.\nومعنى الحديث: أن القلب إذا افتتن خرجت منه حرمة المعاصي والمنكرات وخرج منه نور الإيمان كما يخرج الماء من الكوز إذا مال، والله أعلم.\nوروى الحكيم الترمذي، وأبو موسى محمد بن أبي بكر المديني في الترغيب والترهيب -بسنديهما عن سعيد بن المسيب عن عبد الرحمن بن سمرة -﵁- قال: (خرج علينا رسول الله -ﷺ- ونحن في صفة بالمدينة فقام علينا. فقال: (إني رأيت البارحة عجبًا رأيت رجلًا من أمتي أتاه ملك الموت يقبض روحه فجاءه بره بوالديه فرد ملك الموت عنه ورأيت رجلًا من أمتي قد بسط عليه عذاب القبر فجاءه وضوؤه فاستنقذه من ذلك حتى قال لي في العاشرة: ورأيت رجلًا من أمتي قد احتوشته الزبانية فجاءه أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر فاستنقذه من أيديهم وأدخله في ملائكة الرحمة حتى قال: ورأيت رجلًا من أمتي ثمان عشرة مرة) والحديث مطول).\nورواه أبو القاسم إسماعيل الأصبهاني في الترغيب والترهيب -أيضًا- وفيه تقديم وتأخير.","vol":"1","page":84},{"text":"وكان أبو العباس ابن تيمية يعظم شأن هذا الحديث، وكذلك غيره من العلماء -﵃-.\nوفي الترغيب والترهيب للأصبهاني بسنده، عن معاذ بن جبل -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: (إنكم على بينة من ربكم ما لم تظهر فيكم سكرتان سكرة الجهل وسكرة حب العيش وأنتم تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتجاهدون في سبيل الله وستحولون عن ذلك إذا ظهر فيكم حب الدنيا فلا تأمرون بالمعروف ولا تنهون عن المنكر ولا تجاهدون في سبيل الله فالقائمون يومئذ بالكتاب والسنة كالسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار).\nورواه أبو كبر ابن أبي الدنيا من طريق آخر ولفظه: \"أنتم اليوم على بينة من ربكم تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتجاهدون في سبيل الله، وستحولون عن ذلك إذا ظهر فيكم حب الدنيا فلا تأمرون بالمعروف ولا تنهون عن المنكر ولا تجاهدون في سبيل أنتم اليوم على بينة من ربكم ثم تظهر فيكم السكرتان سكرة الجهل، وسكرة حب العيش وستحولون عن ذلك، القائمون يومئذ بالإيمان سرًا وعلانية كالسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ولهم أجر خمسين. قالوا: يا رسول الله منا أو منهم؟ قال: لا، بل منكم\".\nورواه الحافظ أبو نعيم -في الحلية- وأبو الشيخ ابن حيان -في كتاب الأمثال- من حديث أنس مرفوعًا بلفظ: \"أنتم اليوم على بينة من ربكم، تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر، وتجاهدون في الله، ثم تظهر فيكم السكرتان: سكرة الجهل وسكرة حب العيش وستحولون عن ذلك فلا تأمرون بمعروف ولا تنهون عن منكر ولا تجاهدون في الله القائمون يومئذ بالكتاب والسنة لهم أجر خمسين صديقًا قالوا: يا رسول الله منا أو منهم؟ قال: لا بل منكم\".\nورواه أبو نعيم -أيضًا- من حديث عائشة مرفوعًا: \"غشيتكم السكرتان سكرة حب العيش وحبُّ الجهل فعند ذلك لا تأمرون بالمعروف ولا تنهون عن المنكر والقائمون بالكتاب وبالسنة كالسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار\".\nورواه -أيضًا- من حديث عروة عن أبيه مرفوعًا: \"غشيتكم السكرتان، سكرة الجهل","vol":"1","page":85},{"text":"وسكرة حب العيش، فعند ذلك لا تأمرون بمعروف ولا تنهون عن منكر\".\nوروى الإمام أحمد -في المسند- من حديث بنت أبي لهب -﵂- قالت: قام رجل إلى النبي -ﷺ- وهو على المنبر. فقال: يا رسول الله أي الناس خير؟ فقال: -ﷺ-: (خير الناس أقرؤهم وأتقاهم، وآمرهم بالمعروف، وأنهاهم عن المنكر، وأوصلهم للرحم).\nرواه الحافظ أبو نعيم -في كتابه معرفة الصحابة- من حديث شريك، عن سماك، عن زوج درة، عن درة -﵂- قالت: دخل علي النبي -ﷺ- فقلت: من خير الناس يا رسول الله؟ قال: (أتقاهم وآمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر، وأوصلهم لرحمه).\nهكذا رواه عثمان بن أبي شيبة عن شريك خالفه الهيثم بن جميل وأحمد بن عبد الملك الحراني. فروياه عن شريك عن عبد الله بن عميرة عن زوج درة عن درة وهي بنت أبي لهب بن عبد المطلب.\nورواه الإمام ابن أبي الدنيا- في كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والبيهقي في الزهد، وأبو الشيخ ابن حيان -في كتاب الثواب- والله أعلم.\nوروى ابن خزيمة- في صحيحه، وأبو القاسم الأصبهاني بسنديهما عن عكرمة، عن ابن عباس -﵄- قال: قال رسول الله -ﷺ-: (على كل ميسم من الإنسان صلاة كل يوم. فقال رجل من القوم: يا رسول الله هذا من أشد ما أتيتنا به، قال رسول الله -ﷺ-: إن أمرًا بالمعروف ونهيًا عن المنكر صلاة، وحملك عن الضعيف صلاة، وإحالة القذر عن الطريق صلاة، وكل خطوة تخطوها إلى الصلاة صلاة).\nقوله: (الميسم) بالمثناة التحتية- هي العلامة أي على كل عضو موسوم بالصنع صنع الله.\nوقيل: منسم بالنون بالمراد به العظم والله أعلم.\nوفي الصحيحين، ومسند أحمد، وسنن النسائي، والبيهقي، وصحيحي","vol":"1","page":86},{"text":"الحاكم، وابن حبان، والمعجم الكبير للطبراني بألفاظ مختلفة، عن أبي ذر -﵁- قال: سألت رسول الله -ﷺ-: (أي العمل أفضل؟ قال: الإيمان بالله والجهاد في سبيله. قلت: أي الرقاب أفضل؟ قال: أغلاها ثمنًا وأنفسها عند أهلها. قلت: فإن لم أفعل؟ قال: تعين صانعًا أو تصنع لأخرق. قلت: يا رسول الله أرأيت إن ضعفت عن بعض العمل؟ قال: تكف شرك عن الناس، فإنها صدقة تصدق بها على نفسك).\nهذا لفظ الصحيحين، وأحمد.\nورواه الأصبهاني من حديث أبي الدرداء عويمر. قال: (قلت: يا نبي الله إن مع الإيمان عملًا؟ قال: يرضخ مما رزقه الله. قال: يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. قال: قلت: يا رسول الله أرأيت إن كان فقيرًا لا يجد ما يرضخ به؟ قال: يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر قال: قلت: يا رسول الله إن كان عيبًا لا يستطيع أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؟ قال: يعين صانعًا أو يصنع لأخرق. قال: قلت: يا نبي الله إن كان أخرق ولا يستطيع أن يعين مغلوبًا؟ قال: ما تريد أن تترك في صاحبك من خير؟ قال: ليمسكن أذاه عن الناس. قلت: يا نبي الله إذا فعل ذلك يدخل الجنة؟ قال: ما من مسلم أو مؤمن يفعل خصلة من هؤلاء إلا أخذت بيده حتى يدخل الجنة).\n(الرضخ) الصدقة اليسيرة.\nو(الأخرق) الذي لا يحسن كسبًا ولا يستطيع. وقيل الأخرق الذي لا رزق له ولا سياسة عنه والخرقان للنساء كذلك.\nوقيل الأخرق الجاهل بما يجب أن يعمله.\nوقيل الجاهل هو الأحمق والله أعلم.\nوفي صحيح مسلم، وسنن أبي داود، والنسائي من حديث أبي ذر -﵁- عن النبي -ﷺ- أنه قال: (يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة، فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، ويجزي من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى) هذا لفظ مسلم ولفظ أبي داود: قال يصبح على كل سلامى من بني آدم صدقة. وتسليمه على من لقي صدقة وأمره بالمعروف","vol":"1","page":87},{"text":"صدقة ونهيه عن المنكر صدقة. وإماطة الأذى عن الطريق صدقة. وبصعد أهله صدقة ويجزي من ذلك كله ركعتان من الضحى.\nزاد في رواية: قالوا: يا رسول الله أحدنا يقضي شهوته فيكون له صدقة؟ قال: أرأيت إن وضعها في غير حلها ألم يكن يأثم؟ .\nوحكى صاحب الأطراف رواية أبي داود للنسائي، وروى الحديث بلفظ آخر. وقال أهل اللغة: السلامى- بضم السين المهملة، وتخفيف اللام، وفتح الميم- المفصل.\nوفي صحيح مسلم، وسنن النسائي -أيضًا- من حديث عبد الله بن فروخ، أنه سمع (عائشة) -﵂- تقول: قال رسول الله -ﷺ-: (إنه خلق كل إنسان من بني آدم على ستين وثلاثمائة مفصل فمن كبر الله، وحمد الله، وهلل الله، وسبح الله، واستغفر الله، وعزل حجرًا عن طريق الناس أو شوكة أو عظمًا عن طريق الناس، وأمر بمعروف أو نهى عن منكر، عدد تلك الستين وثلاثمائة مفصل، فإنه يمشي -يومئذ- وقد زحزح نفسه عن النار).\nقال أبو توبة الربيع بن نافع، وربما قال: (يمسى) يعني بالمهملة. وفي رواية- بعد قوله: (عن منكر) - أو علم خيرًا أو تعلمه.\nقوله: (مفصل) بفتح الميم وكسر الصاد.\nو(فروخ) - بفتح الفاء، وتشديد الراء، آخره خاء معجمة -أعجمي لا ينصرف- والله أعلم.\nوروى الترمذي، وابن حبان -في صحيحه- من حديث أبي ذر -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: (تبسمك في وجه أخيك لك صدقة وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر صدقة، وإرشادك الرجل في أرض الضلال لك صدقة، وإماطتك الحجر والشوك والعظم عن الطريق لك صدقة، وإفراغك م دلوك في دلو أخيك لك صدقة).\nقال الترمذي: حديث حسن.\nورواه ابن حبان بلفظ: (ليس من نفس ابن آدم إلا عليها صدقة في كل يوم طلعت فيه الشمس. قيل: يا رسول الله ومن أين لنا صدقة نتصدق بها؟ فقال: إن أبواب الخير لكثيرة: التسبيح والتحميد، والتكبير، والتهليل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتميط الأذى","vol":"1","page":88},{"text":"عن الطريق وتسمع الأصم، وتهدي الأعمى، وتدل المستدل على حاجته، وتسعى بشدة ساقيك مع اللهفان المستغيث، وتحمل بشدة ذراعيك مع الضعيف فهذا كله صدقة منك على نفسك).\nوقد تقدم بعض روايات هذا الحديث.\nورواه البزار، والطبراني من حديث ابن عمر. ولفظه: (إن تبسمك في وجه أخيك يكتب لك به صدقة، وإماطتك الأذى عن الطريق يكتب لك به صدقة. وإن أمرك بالمعروف صدقة وإرشادك الضال يكتب لك به صدقة).\n(أرض الضلال) يعني المضلة.\n(والإماطة) الإزالة.\n(والأذى) كل ما يتأذى منه في الطريق دق أو جل. قاله أهل اللغة وروى الحافظ أحمد البيهقي، عن ليلى امرأة بشير بن معبد المعروف بابن الخصاصية عن زوجها بشير -﵁- أنه سأل النبي -ﷺ- أصوم يوم الجمعة ولا أكلم ذلك اليوم أحدًا؟ فقال النبي -ﷺ-: (لا تصم يوم الجمعة إلا في أيام هو أحدها في شهر وأن لا تكلم أحدًا فلعمري لأن تكلم فتأمر بمعروف أو تنهى عن منكر خير من أن تسكت).\nوروى أبو حفص عمر بن شاهين، م طريق عبد الرحمن بن عمر بن جبلة. قال: حدثتنا حبة بنت شماح قالت: حدثتني بهية، عن أبيها. قال: سألت رسول الله -ﷺ- أي الأعمال أفضل؟ قال: (إسباغ الوضوء، والصلاة لوقتها، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فأمر بالمعروف ما استطعت وأن تلقى الله -﷿- ولسانك (رطب) من ذكره).\nوروى الحافظ ابن أبي الدنيا بإسناده عن أبي ذر -﵁- قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: (من كان عليه سلطان فأراد أن يذله نزع الله ربقة الإسلام من عنقه حتى يعود فيكون فيمن يعزه).","vol":"1","page":89},{"text":"أمرنا رسول الله ألا يغلبونا على ثلاث: أن نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر ونعلم الناس السنن ورواه الإمام أحمد -في المسند- بأتم من هذا. فقال: إن رسول الله -ﷺ- خطبنا. فقال: (إنه كائن بعدي سلطان فلا تذلوه فمن أراد أن يذله فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه، وليس بمقبول منه (توبة) حتى يسد ثلمته التي ثلم وليس بفاعل، ثم يعود فيكون فيمن يعزه، ثم أمرنا رسول الله -ﷺ- أن لا يغلبونا على أن نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر، ونعلم الناس السنن).\n(الربقة) بكسر الراء وفتحها- واحدة الربق وهي عرى في حبل الشد إليهم والله أعلم.\nوروى الإمام أحمد -في المسند- من حديث أبي موسى الأشعري -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: (والذي نفس محمد بيده إن المعروف والمنكر خليقتان ينصبان للناس يوم القيامة فأما المعروف فيبشر أصحابه ويوعدهم الخير وأما المنكر فيقول: إليكم وما يستطيعون له إلا لزامًا).\nوروى الطبراني -في المعجم الأوسط- من حديث أم سلمة -﵂- قالت قال رسول الله -ﷺ-: (صنائع المعروف تقي مصارع السوء، والصدقة خفيًا تطفئ غضب الرب، وصلة الرحم تزيد في العمر، وكل معروف صدقة، وأهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة، وأهل المنكر في الدنيا هم أهل المنكر في الآخرة وأول من يدخل الجنة أهل المعروف).\nوروى علي بن معبد -في كتاب الطاعة والمعصية- بسنده، عن يحيى بن عطاء، عن النبي -ﷺ- قال: (ما جميع أعمال البر والجهاد في سبيل الله عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا كنفثه في بحر لجي). قال الحافظ زين الدين أبو الفضل عبد الرحيم بن العراقي: ولا أدري من يحيى بن عطاء فهو مرسل أو معضل انتهى.","vol":"1","page":90},{"text":"وروى أبو منصور شهردار الديلمي في كتاب الفردوس من حديث جابر مرفوعًا بنحوه. وروى أبو بكر بن أبي الدنيا بسنده عن وهيب بن الورد مولى بني مخزوم ﵀ قال: لقي عالم عالمًا هو فوقه في العلم فقال: يرحمك الله ما الذي أخفي من عملي؟ قال ما يظن بك أنك لم تعمل حسنة قط إلا أداء الفرائض. قال يرحمك الله فما الذي أعلن من عملي؟ قال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإنه دين الله الذي بعث به أنبياءه إلى عباده وقد اجتمع الفقهاء على قول نبي الله ﷺ: ﴿واجعلني مباركًا أين ما كنت﴾ وما بركته تلك؟ قال: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أين ما كان.\nوروى ابن أبي الدنيا أيضًا بسنده عن العلاء بن عبد الرحمن الجهني رحمة الله عليه. قال: حدثني الذي سمع عليًا. قال: الجهاد على أربع شعب على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصدق في المواطن وشنآن الفاسقين. فمن أمر بالمعروف شد ظهر المؤمن ومن نهى عن المنكر أرغم أنف المنافق ومن صدق في المواطن قضى ما عليه. ومن شنى الفاسقين وغضب لله غضب الله له، قال: فقام الرجل إلى علي ﵁ فقبل رأسه.\nوبسنده عن الحسن بن علي بن حسن عن أبيه عن جده قال كان يقال: لا يحل لعين مؤمنة ترى الله يعصى فتطرف حتى تغيره.\nوفي مسند الإمام أحمد من حديث أنس بن مالك -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: (من أنعش حقًا بلسانه جرى (الله) له أجره حتى يأتي يوم القيامة فيوفيه الله ثوابه ...). ورواه الطبراني في مكارم الأخلاق.\nوفي رواية لأحمد: (ما من رجل ينعش بلسانه حقًا فعمل به بعده إلا جرى عليه أجره إلى يوم القيامة ثم وفاه الله -تعالى- ثوابه يوم القيامة).\nورواه البيهقي -في شعب الإيمان-.\nقوله (ينعش) أي يقول ويذكر.\nوروى أبو الفتح نصر بن إبراهيم -في كتاب الحجة- بسنده- عن عبد الله بن موهب عن عصمة بن مالك الخطمي -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: (لمقام أحدكم","vol":"1","page":91},{"text":"في الدنيا يتكلم بكلمة يحق بها حقًا، أو يبطل بها باطلًا خير له من هجرة معي).\nوروى الإمام أحمد، وابن حبان -في صحيحه- من حديث أبي ذر -﵁- قال: (أوصاني خليلي -ﷺ- بصلة الرحم وإن أدبرت، وأمرني أن أقول الحق وإن كان مرًا).\nورواه ابن أبي الدنيا- ولفظه: (أوصاني رسول الله -ﷺ- بقول الحق وإن كان مرًا، وأوصاني أن لا تأخذني في الله لومة لائم).\nوروى البيهقي من حديث أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: (ما من صدقة أحب إلى الله -﷿- من قول الحق).\nوقاله ابن مسعود -﵁-: من كان على الحق فهو جماعة وإن كان وحده.\nوقال -أيضًا-: تكلموا بالحق تعرفوا واعملوا به تكونوا من أهله.\nوروى محمد بن سعد -بسنده- عن محمد بن مسلم الزهري أن رجلًا قال لعمر بن الخطاب: ألا أكون بمنزلة من لا يخاف في الله لومة لائم. فقال: أما أن تلي من أمر الناس شيئًا فلا تخف في الله لومة لائم، وأما وأنت خلو من أمرهم فآليت على نفسك أمر بالمعروف وانه عن المنكر.\nوقال -أيضًا-: لا يقيم أمر الناس إلا رجل يتكلم بلسانه، يخاف الله في الناس، ولا يخاف الناس في الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>فصل -٢٣ -: ما ورد في فضل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر</span>\nالحث على تعلم وتطبيق أحكام الشرع لأنها تحيي القلوب\nومما ورد في فضل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الدلالة على الخير وتعليمه","vol":"1","page":92},{"text":"ما روي عن سعيد بن جبير. أنه قال- عند قوله -تعالى-: ﴿إنَّ إبراهيم لأوَّاهٌ حليمٌ﴾. الأواه المعلم للخير.\nوقال -تعالى-: ﴿فلولا نفر من كلِّ فرقةٍ منهم طائفةٌ ليتفقَّهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلَّهم يحذرون﴾. فالإنذار: إحياء المنذر بماء العلم.\nوثبت في الصحيحين، وسنن أبي داود من حديث سهل بن سعد الساعدي -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: (لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم).\nقوله: (حمر النعم) -بضم الحاء المهملة وإسكان الميم، والنعم بفتح النون- لون محمود من الإبل.\nأي تكون لك، تتصدق بها. وقيل: تملكها. والله أعلم.\nوفي صحيح مسلم ومسند أحمد، وسنن ابن حبان من حديث ابن مسعود -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: (لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالًا فسلط على هلكته في الحق ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها).\nوالحسد -هنا- يراد به الغبطة، وتمني مثل ما لأخيه مسلم من غير زوال النعمة عنه، والله أعلم.\nوفي صحيح مسلم، ومسند احمد، وسنن أبي داود والترمذي من حديث أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: (من دعى إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا).","vol":"1","page":93},{"text":"ورواه مالك في الموطأ مرسلًا. وقال فيه: \"ما من داع يدعو إلى هدى .. وما من داع يدعو إلى ضلالة .. \" وذكر الحديث.\nولأحمد -أيضًا- وابن ماجه. قال: جاء رجل إلى النبي -ﷺ- فحث على الصدقة. فقال رجل: عندي كذا وكذا. قال: فما بقي من المجلس رجل إلا قد تصدق بما قل أو كثر.\nفقال رسول الله -ﷺ-: (من سن خيرًا فاستن به، كان له أجره كاملًا ومن أجور من استن به لا ينقص من أجورهم شيئًا ومن استن شرًا فاستن به فعليه وزره كاملًا ومن أوزار الذين استنوا به لا ينقص من أوزارهم شيئًا).\nوروى أحمد -أيضًا- والحاكم نحوهن من حديث حذيفة بن اليمان -﵁- قال الحاكم فيه: صحيح الإسناد.\nوفي المسند -أيضًا- وجامع الترمذي من حديث جرير بن عبد الله -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: (من سن سنة خير فاتبع عليها فله أجره، ومثل أجور من تبعه غير منقوص من أجورهم شيئًا، ومن سن سنة شر فاتبع عليها، كان عليه وزره ومثل أوزار من تبعه غير منقوص من أوزارهم شيئًا).\nوقال الترمذي حسن صحيح.\nوروى مسلم، وأحمد -أيضًا- بزيادة وفيها: (من سن في الإسلام سنة حسنة، فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيء. ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء).\nورواه ابن ماجه من حديث أبي جحيفة وهب بن عبد الله بنحوه وقال فيه: فعمل بها بعده.\nوفي سنن ابن ماجه -أيضًا- من حديث أنس بن مالك -﵁- عن رسول الله -ﷺ- أنه قال: (أيما داع دعا إلى ضلالة فاتبع، فإن له مثل أوزار من تبعه لا","vol":"1","page":94},{"text":"ينقص من أوزارهم شيء، وأيما داع دعا إلى هدى فاتبع فإن له مثل أجور من تبعه لا ينقص من أجورهم شيء).\nوروى الطبراني -في الكبير- بإسناد لا بأس به، عن واثلة بن الأسقع مرفوعًا: (من سن سنة حسنة فله أجرها ما عمل بها في حياته وبعد مماته حتى تترك، ومن سن سنة سيئة فعليه إثمها حتى تترك، ومن مات مرابطًا جرى عليه عمل المرابط حتى يبعث يوم القيامة).\nوفي جامع الترمذي، وغيره من حديث عمرو بن عوف -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال لبلال بن الحارث يومًا: (اعلم- يا بلال. قال: ما أعلم يا رسول الله؟ قال: اعلم أنه من أحيا سنة من سنتي أميتت بعدي كان له من الأجر مثل من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا، ومن ابتدع ضلالة لا يرضاها الله ورسوله كان عليه مثل آثام من عمل بها لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئًا).\nقال الترمذي: حسن صحيح.\nورواه ابن ماجه في سننه، ولم يذكر بلال بن الحارث.\nوفي صحيح مسلم، ومسند أحمد، وسنن أبي داود، والترمذي من حديث أبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري البدري -﵁- قال: كنت جالسًا عند رسول الله -ﷺ- فجاء رجل فقال: (إني أبدع بي يا رسول الله فاحملني. فقال: ما عندي ما أحملك عليه فقال رجل: أنا أدله على من يحمله فقال رسول الله -ﷺ- من دل على خير فله مثل أجر فاعله). هذه رواية مسلم، وأحمد.\n(ورواية أبي داود، والترمذي، فقال له رسول الله -ﷺ-: ائت فلانًا .. فأتاه فحمله).\nوذلك الحديث رواه الترمذي -أيضًا- من حديث أنس بن مالك -﵁- قال:","vol":"1","page":95},{"text":"أتى النبي -ﷺ- رجل يستحمله، فلم يجد ما يحمله، فدله على آخر فحمله فأتى لنبي -ﷺ- فأخبره فقال: (الدال على الخير كفاعله).\nورواه البزار وزاد \"والله يحب إغاثة اللهفان\".\n(وروى نحوه ابن حبان -في صحيحه- من حديث ابن مسعود. ورواه البزار مختصرًا. \"الدال على الخير كفاعله\").\nورواه الطبراني في الأوسط، والكبير من حديث سهل بن سعد).\nقوله: أبدع بي -بضن الهمزة وكسر الدال يعني عبطت ركابي. يقال: أبدع به إذا كلَّت ركابه وعطبت، وبقي منقطعًا به).\nقال العلماء: المراد بمثل أجر فاعله- أن له ثوابًا بذلك الفعل كما أن لفاعله ثوابًا ولا يلزم أن يكون قدر ثوابهما سواء. والله أعلم.\nوروى \"الحاكم\" من حديث علي موقوفًا. في قوله -تعالى-: ﴿قو أنفسكم وأهليكم نارًا﴾.\nقال: علموا أهليكم الخير.\nوقال: صحيح على شرطهما.\nوروى البيهقي، وأبو يعلى الموصلي من حديث أنس مرفوعًا: (ألا أخبركم عن الأجود الأجود؟ الله الأجود الأجود، وأنا أجود ولد آدم، وأجودكم من بعدي رجل علم علمًا فنشر علمه، يبعث يوم القيامة أمة وحده، ورجل جاد بنفسه لله -﷿- حتى يقتل).\nوسيأتي -في الباب العاشر- إن شاء الله تعالى- بمنه وكرمه.\nوروى الطبراني -في الأوسط- من حديث أبي هريرة -﵁- مرفوعًا: (مثل","vol":"1","page":96},{"text":"الذي يتعلم العلم ثم لا يحدث به كمثل الذي يكثر الكنوز ولا ينفق منه).\nوروى -أيضًا- في الكبير- من حديث ابن عباس مرفوعًا: ناصحوا في العلم، فإن خيانة أحدكم في علمه أشد من خيانته في ماله والله مسائلكم يوم القيامة.\nوروى ابن ماجه من حديث أنس مرفوعًا: (من علم علمًا فله أجر من عمل به لا ينقص من أجر العامل شيء).\nوروى أيضًا أبو الشيخ ابن حيان من حديث أبي هريرة -﵁- مرفوعًا: (أفضل الصدقة أن يتعلم المرء المسلم علمًا، ثم يعلمه أخاه المسلم).\nوروى البيهقي، وغيره من حديث جابر مرفوعًا: (يبعث العالم والعابد فيقال للعابد ادخل الجنة، ويقال للعالم: اثبت حتى تشفع للناس بما أحسنت أدبهم).\nوفي سنن ابن ماجه من حديث أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: (ما من داع يدعو إلى شيء إلا وقف يوم القيامة لازمًا لدعوته ما دعا إليه، وإن دعا رجل رجلًا).\nوفي جامع الترمذي من حديث أبي أمامة مرفوعًا: (إن الله وملائكته وأهل السماوات وأهل الأرض حتى النملة في جحرها، وحتى الحوت في البحر ليصلون على معلم الناس الخير).\nوقال غريب: وفي بعض النسخ: حسن صحيح.\nورواه البزار من حديث عائشة مختصرًا. قال: (معلم الناس الخير يستغفر له كل شيء حتى الحيتان في البحر).","vol":"1","page":97},{"text":"وروى ابن ماجه بإسناد حسن، عن أبي ذر -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: (يا أبا ذر لأن تغدو فتعلم آية من كتاب الله، خير لك من أن تصلي مائة ركعة. ولأن تغدو فتعلم بابًا من العلم عمل به أو لم يعمل، خير لك من أن تصلي ألف ركعة).\nوروى أيضًا- من حديث أبي هريرة مرفوعًا: (من دخل مسجدي هذا لم يأته إلا لخير يتعلمه أو يعلمه، فهو كالمجاهد في سبيل الله. ومن جاء لغير ذلك فهو كالذي ينظر إلى متاع غيره).\nوروى الطبراني -في المعجم الكبير- نحوه من حديث أبي هريرة.\nوروى في الكبير -أيضًا- من حديث أبي أمامة مرفوعًا: (من غدا إلى المسجد لا يريد إلا أن يتعلم خيرًا أو يعلمه كان له كأجر حاج تامًا حجته) ورجاله كلهم موثقون.\nوفي جامع الترمذي من حديث أبي هريرة -﵁- مرفوعًا: (تعلموا الفرائض والقرآن وعلموا الناس).\n(وقد روى عن ابن مسعود نحوه بمعناه).\nوروى الطبراني في الكبير من حديث أبي أمامة مرفوعًا: (من علم عبدًا آية من كتاب الله فهو مولاه، لا ينبغي أن يخذله ولا يستأثر عليه).\nوفي كتاب الحلية -لأبي نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني- بسنده، عن عبد الله بن عمر -﵄- مرفوعًا: (ما أهدى مسلم إلى أخيه هدية أفضل من كلمة تزيده هدى أو ترده عن ردى).","vol":"1","page":98},{"text":"ورواه البيهقي -في الشعب- ولفظه من كلمة حكمة يزيده الله بها هدى ويرده بها عن ردى).\nوروى أبو القاسم الطبراني -في الكبير- من حديث ابن عباس مرفوعًا: (نعم العطية كلمة حق تسمعها، ثم تحملها إلى أخ لك مسلم فتعلمها إياه).\nوقال الحافظ عبد العظيم المنذري: ويشبه أن يكون موقوفًا. انتهى.\nوروى أبو موسى المديني نحوه، من حديث زيد بن أسلم، عن أبيه مرفوعًا بلفظ \"نعمت الهدية، ونعمت العطية الكلمة من كلام الحكمة يسمعها الرجل فينطوي عليها حتى يؤديها إلى أخيه\".\nوروى الطبراني -في الأوسط- من حديث ابن عباس -﵄- قال: قال رسول الله -ﷺ-: (اللهم أرحم خلفائي. قلنا يا رسول الله ومن خلفاؤك؟ قال: الذين يأتون من بعدي يروون أحاديثي ويعلمونها الناس).\nوروى أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس بسنده، عن ابن مسعود مرفوعًا: (من تعلم بابًا من العلم ليعلم الناس العلم أعطي ثواب سبعين صديقًا).\nوروى الحافظ أبو نعيم بإسناد حسن عن أبي هريرة مرفوعًا: (ما من رجل تعلم كلمة أو كلمتين أو ثلاثًا أو أربعًا أو خمسًا مما فرض الله -﷿- فيتعلمهن ويعلمهن إلا دخل الجنة).\nقال أبو هريرة: فما نسيت حديثًا بعد إذ سمعتهن من رسول الله -ﷺ-.\nوفي صحيح مسلم، وغيره من حديث أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له).","vol":"1","page":99},{"text":"وروى ابن ماجه بإسناد صحيح، عن قتادة مرفوعًا: (خير ما يخلف الرجل من بعده ثلاثًا: ولدًا صالحًا يدعو له، وصدقة تجري يبلغه أجرها وعلمًا يعمل به من بعده).\nوروى -أيضًا- بإسناد حسن، وروى البيهقي، وابن خزيمة- في صحيحه من حديث أبي هريرة -أيضًا- مرفوعًا: (إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته علمًا علمه ونشره ..) الحديث.\nوروى الطبراني -أيضًا- في المعجم الأوسط- من حديث ابن عباس.\nوروى الطبراني في الكبير حديث سمرة بن جندب مرفوعًا: (ما تصدق الناس بصدقة مثل علم ينشر).\nمرفوعًا: (علماء هذه الأمة رجلان: رجل آتاه الله علمًا فبذله للناس ولم يأخذ عليه طمعًا ولم يشتر به ثمنًا فذلك تستغفر له حيتان البحر ودواب البر والطير في جو السماء، ويقدم على الله سيدًا شريفًا حتى يرافق المرسلين ورجل آتاه الله علمًا فبخل به على عباد الله وأخذ عليه طمعًا واشترى به ثمنًا فذلك يلجم بلجام من نار يوم القيامة وينادي مناد: هذا الذي آتاه الله علمًا فبخل به عن عباد الله وأخذ عليه طمعًا واشترى به ثمنًا وكذلك حتى يفرغ من الحساب).\nوفي كتاب الزهد والرقائق -لابن المبارك- بمسنده، عن الحسن البصري -رحمة الله عليه- قال: (من استطاع منكم أن يكون إمامًا لأهله إمامًا لحيه إمامًا لمن وراء ذلك، فإنه ليس شيء يؤخذ عنك إلا كان لك منه نصيب).\nوبسنده، عن حماد بن أبي سليمان -رحمة الله عليه- قال: (يجيء رجل يوم القيامة فيرى عمله محتقرًا، فبينما هو كذلك إذ جاء مثل السحاب حتى يقع في ميزانه فيقال: هذا ما كنت تعلم الناس الخير فورث بعدك فأجرت فيه).","vol":"1","page":100},{"text":"وقال عيسى -﵇-: (من علم وعمل وعلم فذلك يدعى عظيمًا في ملكوت السماوات).\nورواه الترمذي -في جامعه- بسنده، عن الفضيل بن عياض وقال يحيى بن معاذ: مثل الواعظ الحكيم، مثل الصياد يصيد العباد من أفواه الشياطين. فالدنيا بحره، والحكمة شبكته، وقلوب الناس صيده فلو لم يصد في عمره إلا واحدًا لكان قد حصل له خير كثير.\nوسأل سليمان بن عبد الملك، أبا حازم. فقال: من أكيس الناس؟ قال رجل ظفر بطاعة الله فعمل بها، ثم دل الناس عليها.\nوالقوي الكامل من أوصل النفع للسالكين والهداية للحائرين وكمل به الناقص، ورجع به الناكص. وقوى به المضعوف، واستعان به الملهوف. فهذا من خلفاء الرسل حقًا والداعي إلى الله صدقًا.\nوقد رجح كثير من العلماء -﵃- حق المعلم على حق الوالد. وقالوا في الوالد: إنه إنما أوجد نطفة يأكلها الدود غدًا، والمعلم سبب بقاء الروح في النعيم المقيم بالعلم الذي ألقي إليها.\nوقد جاء في قراءة \"عائشة الشاذة\": النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أب لهم وأزواجه أمهاتهم وأنشد:\nمن علم الناس فهو خير أب ... ذاك أبو الروح لا أبو النطف\nومن حقوق الإخوة في الدين: التعليم والنصيحة، فليس حاجة أخيك إلى العلم بأقل من حاجته إلى المال فإن كنت غنيًا بالعلم فعليك مواساته من فضلك، وإرشاده إلى كل ما ينفعه في الدين والدنيا وذلك من مراتب الجود، بل الود بالعلم أفضل من الجود بالمال، لأن العلم أشرف من المال. فمن الجود أن تبذله لمن يسألك عنه بل تطرحه عليه طرحًا. فإن علمته وأرشدته فلك يعمل بمقتضى العلم فعليك نصحه.\nوأما الأولاد والأهلون فحقوقهم أعظم وتعليمهم آكد، قال قتادة في قوله -تعالى-: ﴿يا أيها الذين آمنوا قو أنفسكم وأهليكم نارًا﴾. (تأمرهم بطاعة الله، وتنهاهم عن معصية الله، وأن تقوم عليهم بأمر الله تأمرهم به وتساعدهم عليه).","vol":"1","page":101},{"text":"وقال الضحاك، ومقاتل: حق على المسلم أن يعلم أهله وإماءه، وعبيده ما فرض الله عليهم وما نهاهم عنه.\nوفي معنى هذه الآية الحديث الذي رواه الإمام أحمد، وأبو داود والترمذي من حديث سبرة، عن أبيه، عن جده. قال: قال رسول الله -ﷺ-: (مروا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبع سنين، وإذا بلغ عشر سنين فاضربوه عليها).\nهذا لفظ أبي داود.\nوقال الترمذي: حديث حسن.\nوروى أبو داود نحوه من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده.\nقال الفقهاء: (وهكذا في الصوم، ليكون ذلك تمرينًا له على العبادة لكي يبلغ وهو مستمر على العبادة والطاعة ومجانبة المعصية وترك المنكر). والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>فصل -٢٤ -: وجوب تبليغ الشرع وأن ذلك يثمر نضارة الوجه</span>\nوروى الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي من حديث أبان بن عثمان. قال: خرج زيد بن ثابت -﵃- من عند مروان نصف النهار، قلنا: ما بعث إليه في هذه الساعة إلا لشيء سأله عنه، فقمنا فسألناه، فقال: نعم، سألني عن أشياء سمعتها من رسول الله -ﷺ- فقد سمعته يقول: (نضر الله امرءًا سمع منا حديثًا فحفظه حتى يبلغه غيره، فرب حامل فقه ليس بفقيه ورب حامل فقه إلى آخر هو أفقه منه).\nقال الترمذي: حديث حسن.\nوروى النسائي، وابن ماجه المسند منه.","vol":"1","page":102},{"text":"وزاد فيه أحمد:\nثلاث خصال لا يغل عليهن قلب مسلم أبدًا: إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمر، ولزوم الجماعة، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم).\nورواه ابن حبان -في صحيحه- والبيهقي بتقديم وتأخير وزيادة.\n(وروى نحوه -الطبراني- من حديث أنس). \"إخلاص نيته ولا يهابن من ينكر عليه لارتفاع مرتبته فإن الله تعالى قال: ﴿ولينصرن الله من ينصره﴾ وقال: ﴿ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم﴾ وقال: ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا﴾.\nوروى أبو نعيم أحمد بن عبد الله في كتابه المستخرج على صحيح مسلم نحوه من حديث \"الشعبي\" قال: قدم علينا النعمان بن بشير فخطبنا. قال: قال رسول الله -ﷺ- (نضر الله امرءًا سمع منا حديثًا فحفظه حتى يلغه إلى من هو أفقه منه، فرب حامل فقه ليس بفقيه).\nوروى الإمام أحمد، وابن ماجه، والطبراني نحوه من حديث جبير بن مطعم، عن أبيه قال: \"قام فينا رسول الله -ﷺ- بالخيف من منى. فقال: (نضر الله امرءًا سمع مقالتي فوعاها، ثم بلغها من لم يسمعها فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه غير فقيه).\nوروى أحمد، وابن ماجه -أيضًا- والترمذي نحوه من حديث ابن مسعود مرفوعًا بلفظ: (نضر الله امرءًا سمع منا شيئًا فبلغه كما سمعه فرب مبلغ أوعى من سامع).\nهذا لفظ الترمذي. وقال: حديث حسن صحيح.\nوعند أحمد، وابن ماجه (أحفظ عوض أوعى).\nقوله: (نضر الله) روي بالتشديد والتخفيف من النضارة.","vol":"1","page":103},{"text":"ومعناه: الدعاء له وهي البهجة وحسن الخلق.\nوقوله: (لا يغل) يروى بفتح الياء من الغل الذي هو الحقد. يعني لا يدخله حقد يزيله عن الحق.\nويروى بضم الياء (من الإغلال) وهو الخيانة.\nوفي صحيح البخاري، ومسند أحمد، وجامع الترمذي من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص -﵄- أن رسول الله -ﷺ- قال: (بلغوا عني ولو آية وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج .. الحديث مختصر).\nوروى مسلم، وابن ماجه من حديث ابن أبي بكرة، عن أبيه، -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: (ليبلغ الشاهد الغائب فلعل بعض من يبلغه يكون أوعى له من بعض من سمعه).\nوروى ابن ماجه -أيضًا- نحوه من حديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده مرفوعًا \"ليبلغ الشاهد الغائب\".\nوروى -أيضًا- نحوه من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا بلفظ: \"ليبلغ شاهدكم غائبكم\".\nوروى الإمام أحمد من حديث ابن عباس مرفوعًا: (تسمعون ويسمع منكم ويسمع ممن يسمع منكم).\nورواه أبو داود مرفوعًا.\nوروى الطبراني في الأوسط من حديث ابن عباس -﵄- قال: قال النبي -ﷺ-: (اللهم ارحم خلفائي. قلنا: يا رسول الله، ومن خلفاؤك؟ قال: الذين يأتون يروون أحاديثي ويعلمونها الناس).","vol":"1","page":104},{"text":"وروى الطبراني، وابن عبد البر، وغيرهما من حديث معاذ بن جبل مرفوعًا وموقوفًا، والموقوف أصح: (تعلموا العلم، فإن تعلمه لله خشية، وطلبه عبادة، ومذاكرته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعلميه لمن لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة ...). الحديث.\nففي ما تقدم في هذين الفصلين من الأحاديث والآثار دليل وتنبيه على فضيلة الأمر بالمعروف من الدلالة على الخير، ومساعدة لفاعله وتعليمه العلم، ووظائف العبادات لا سيما لمن يعمل بها من المتعبدين والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>فصل -٢٥ -: من ذب عن عرض مسلم وهو غائب وقاه الله النار يوم القيامة</span>\nروى الإمام أحمد، والترمذي، والطبراني، وابن أبي الدنيا- في كتاب الصمت، والبيهقي- في الشعب، والخرائطي- في مكارم الأخلاق من حديث أبي الدرداء عويمر -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: (من رد عن عرض أخيه رد الله النار عن وجهه يوم القيامة).\nقال الترمذي: حديث حسن.\nوفي رواية أخرى: (كان له حجابًا من النار).\nورواه أبو نعيم -في الحلية- ولفظه: \"من رد عن عرض أخيه المسلم ... \".\nوعند الترمذي: (من ذب عن عرض أخيه المسلم وقى الله وجهه لفح نار جهنم يوم القيامة).","vol":"1","page":105},{"text":"ورواه أبو الشيخ ابن حيان- في كتاب التوبيخ. ولفظه: (من ذب عن عرض أخيه بالمغيبة رد الله عنه عذاب النار يوم القيامة) وتلا رسول الله -ﷺ-: ﴿وكان حقًا علينا نصر المؤمنين﴾.\nوفي مسند الإمام أحمد، ومعجم الطبراني من حديث أسماء بنت يزيد مرفوعًا: (من ذب عن عرض أخيه بالمغيبة كان حقًا على الله أن يعتقه من النار).\nورواه ابن أبي الدنيا، والبيهقي ولفظه: (من ذب عن لحم أخيه بالمغيبة كان حقًا على الله أن يعتقه أو ينجيه من النار).\nورواه أحمد -أيضًا- بهذا اللفظ.\nوفي رواية: (يقيه من النار).\nورواه الطبراني، والخرائطي -في مكارم الأخلاق- بهذا اللفظ من حديث أبي الدرداء.\nوفي الشعب للبيهقي -أيضًا- من حديث أنس بن مالك -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: (من نصر أخاه بالمغيبة نصره الله في الدنيا والآخرة).\nوروى -أيضًا- نحوه عن عمران بن حصين موقوفًا: (من نصر أخاه المسلم بظهر الغيب وهو يستطيع نصره، نصره الله في الدنيا والآخرة).\nورواه -أيضًا- من طريقين آخرين، عن عمران مرفوعًا.\nورواه ابن أبي الدنيا، وغيره من حديث ابن عبد الله موقوفًا بلفظ: من نصر أخاه المسلم بالغيب نصره الله في الدنيا والآخرة.","vol":"1","page":106},{"text":"وروى الإمام أحمد، وأبو داود، وابن أبي الدنيا من حديث جاب بن عبد الله وأبي طلحة الأنصاري - ﵃ - أن رسول الله - ﷺ - قال: (ما من مسلم يخذل امرءًا مسلمًا في موضع تنتهك فيه حرمته، وينتقص فيه من عرضه، إلا أخذله الله في موضع يحب فيه نصرته، وما من امرئ ينصر مسلمًا في موضع ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته إلا نصرة الله - تعالى - في موضع يحب فيه نصرته).\nوفي مسند أحمد، وسنن أبي داود من حديث معاذ بن أنس الجهني - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: (من حمى مؤمنًا من منافق بعث الله ملكًا يحمي لحمه يوم القيامة من نار جهنم، ومن رمى مؤمنًا بشيء يريد شينه حبسه الله على جسر جهنم حتى يخرج مما قال).\nورواه ابن أبي الدنيا، وغيره - أيضًا - بسنده، عن أنس مرفوعًا: (من حمى عرض أخيه في الدنيا بعث الله ملكًا يوم القيامة يحميه عن النار).\nوينبغي لمن ثلم عرض أخيه المسلم بحضوره أن يقدر أن أخاه حاضر من وراء جدار يتسمع عليه، ويظن أنه لا يعرف حضوره، فما كان يتحرك قلبه من النصرة له بمسمع منه ومرأى فيجب أن يكون في غيبته كذلك.\nكما قال بعضهم:\nما ذكر أخ لي بغيب إلا تصورته جالسًا فقلت فيه ما يحب أن يسمعه.\nوقال بعضهم:\nما ذكر أخٍ لي بغيب إلا تصورت نفسي في صورته فقلت فيه مثل ما أحب أن يقال في.\nوهذا من أصدق الإسلام وهو أن لا يرى لأخيه إلا ما يراه لنفسه، ومن لم يكن مخلصًا في إخائه فهو منافق، لأن الإخلاص استواء الغيب والشهادة، واللسان والقلب، والسر والعلانية.","vol":"1","page":107},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-27>فصل - ٢٦ -: صلاح العباد في طاعة الله وطاعة الله لا تتم إلا بالاجتهاد في القيام بهذا الواجب</span>\nروى الإمام أبو عبد الله البخاري من حديث أبي هريرة، وأبي سعيد الخدري - ﵄ - أن رسول الله - ﷺ - قال: (ما بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان: بطانة تأمره بالمعروف، وتحضه عليه، وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه، والمعصوم من عصم الله).\nورواه الإمام أحمد، والنسائي من حديث أبي سعيد وحده.\nورواه النسائي من حديث أبي هريرة وحده. قال: قال رسول الله - ﷺ -: (ما من والٍ إلا وله بطانتان: بطانة تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر وبطانة لا تألوه خبالًا فمن وقي شرها فقد وقي، وهو من التي تغلب عليه).\nوروى أحمد هذه الرواية - أيضًا - وعنده: \"ما من نبي ... \".\nوفي صحيح البخاري - عن أبي أيوب الأنصاري - ﵁ - قال سمعت النبي - ﷺ - يقول: (ما بعث الله من نبي، ولا كان من بعده من خليفة إلا له بطانتان: بطانة تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر، وبطانة لا تألوه خبالًا فمن وقي بطانة السوء فقد وقي).\n(بطانة الرجل) أي صاحب سره (المتبطن) بداخلة أمره الذي يشاوره في أحواله كلها.\nوقوله: (لا يألوه خبالًا) أي لا يقصر في إفساد أمره والخبال والخبل: الفساد يكون ذلك في الأقوال والأفعال مشتركًا، والأجسام.\nوفي سنن أبي داود، وصحيح ابن حبان من حديث عائشة - ﵂ - قالت:","vol":"1","page":108},{"text":"قال رسول الله - ﷺ -: (إذا أراد الله بالأمير خيرًا جعل له وزير صدقٍ إن نسي ذكره، وإن ذكر أعانه، وإذا أراد به غير ذلك جعل له وزير سوءٍ، إن نسي لم يذكره وإن ذكر لم يعنه).\nورواه النسائي ولفظه: من ولي منكم (عملًا) (فأراد الله به خيرًا جعل له وزيرًا صالحًا إن نسي ذكره وإن ذكر أعانه).\nقال الإمام أحمد: لا نزال بخير ما كان في الناس من ينكر علينا، وما ذاك إلا لأن صلاح العباد والبلاد في طاعة الله ورسوله ولا يتم ذلك إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبه صارت هذه الأمة خير أمة.\nوكان شغل الصحابة والتابعين في خمسة: قراءة القرآن، وعمارة المساجد، وذكر الله - تعالى - والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.\nوذلك لما سمعوه من قوله - ﷺ -: (كل كلام ابن آدم عليه لا له إلا أمرًا بمعروفٍ، أو نهيًا عن منكرٍ، أو ذكر الله - تعالى -).\nقال أبو زكريا النواوي - ﵀ - تعالى -: ينبغي لطالب الآخرة، الساعي في تحصيل رضى الله - تعالى - عنه، أن يعتني بهذا الباب، فإن نفعه عظيم لا سيما وقد ذهب معظمه وأن يخلص نيته، ولا يهابن من بنكر عليه، لارتفاع مرتبته، فإن الله - تعالى - قال ﴿ولينصرن الله من ينصره﴾. وقال: ﴿ومن يعتصم بالله فقد هدى إلى صراط مستقيم﴾. وقال: ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا﴾. انتهى.\nوقال حذيفة بن اليمان - ﵁ -: أعجب من هذا أن معروفكم منكر زمان مضى، وأن منكركم معروف زمان أتى، وإنكم لن تزالوا بخير ما عرفتم الحق.","vol":"1","page":109},{"text":"وذكر أبو محمد عبد الحق الإشبيلي - في كتابه العاقبة عن أبي الحجاج اليماني قال:\nقال رسول الله - ﷺ -: يقول القبر للميت إذا وضع فيه: ويحك يا ابن آدم ما غرك بي؟ ألم تعلم أني بيت الفتنة، وبيت الظلمة وبيت الدود؟ ما غرك بي إذ كنت تمر بي فدادًا - فإن كان مصلحًا أجاب عنه مجيب القبر. فيقول: أرأيت إنه كان ممن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؟ قال: يقول القبر: أعود عليه خضرًا، ويعود جسده نورًا وتصعد روحه إلى رب العالمين.\nوذكر قاسم بن أصبع. قال: قيل لأبي الحجاج: ما الفداد؟ قال الذي يقدم رجلًا ويؤخر أخرى يعني الذي يمشي متبخترًا.\nوذكر أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي - في تذكرته - عن ابن وهب أنه ذكر عن أبي هريرة أنه قال: إن في الجنة حوراء يقال لها: العيناء إذا مشت مشى حولها سبعون ألف وصيف عن يمينها وعن شمالها وهي تقول: أين الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر.\nوروى الخلال - بسنده عن عطاء قال: كانوا يكرهون فضول الكلام، وكانوا يعدون فضول الكلام ما عدا كتاب الله (...) أو (أمرًا) بمعروف، أو (نهيًا) عن منكر أو () في معيشتك مما لا بد لك منه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>فصل - ٢٧ -: أجمع العلماء على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لتوافر خصوص الأمر به ولتوعد الشارع تاركه بأشد العقوبة</span>\nأجمع العلماء على فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر محتجين على ذلك، بما سبق من الأمر به، وبما سيأتي من ذم تاركه في الآيات الكريمات والأحاديث الصحاح المرويات. فيجب على الفور لأن الغرض بالنهي زوال المفسدة، فلو أخر النهي عنهما لتحققت المفسدة والمعصية وكذلك كل ما وجب على الفور وجب الأمر به على الفور. لئلا تتأخر مصلحته عن الوقت الذي وجبت فيه فيمن يجب عليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.","vol":"1","page":110},{"text":"فقالت طائفة: فرض على الأئمة وأمرائهم أن يقوموا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والأخذ على أيدي الظالمين، ونصر الحق، وقتال الباغين، وإنصاف المظلومين، ومنع الدعاة من الفساق والمفسدين.\nوقالت طائفة: ذلك على فرض على جماعة المسلمين لا يسعهم التخلُّف عنه بمنزلة الجهاد.\nوهذا القول عليه عامَّة أهل العلم من الصَّحابة والتَّابعين وغيرهم لقوله تعالى: ﴿فقاتلوا الَّتي تبغي حتَّى تفيئ إلى أمر الله﴾.\nقال أبو حفص عمر بن الملقن: وهذا هو الصَّحيح.\nوروى أبو بكر بن أبي الدنيا، وأبو عبيد من حديث (جرير) عن الضَّحَّاك: قال الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر فريضتان من فرائض الله - ﷿ -.\nقال أبو عبيد: أرى الضَّحَّاك: إنَّما تأول بالفرائض (قوله تعالى): ﴿ولتكن منكم﴾ الآية.\nوقد سبق الكلام عليها - فيما تقدَّم - والله أعلم.\nثمَّ اختلفوا هل هو فرض عين أو على الكفاية؟ فالجمهور على أنه فرض كفاية إذا قام به البعض سقط الحرج عن الباقين، وإذا تركه الجميع أثم كل من علم وتمكن منه بلا عذر؛ لما سبق من قوله - تعالى -: ﴿ولتكن مِّنكم أمَّةٌ يدعون إلى لخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر﴾.\nولم يقل: كونوا كلكم آمرين بالمعروف.\nوقد قال إمام الحرمين أبو المعالي (فرض الكفاية - عندي - أفضل من فرض العين من (حيث) إن فعله البعض يسقط الحرج عن جميع الأمَّة بأسرها وبتركه يأثم المتمكنون منه كلهم).\nقال أبو عبد الله بن مفلح: وهو فرض كفاية على من لم يتعين عليه وسواء في ذلك الإمام والحاكم، والعالم، والجاهل، والعدل والفاسق.","vol":"1","page":111},{"text":"وقال قوم: لا يجوز لفاسق الإنكار. لكنَّ الصَّحيح خلافه.\nوقال آخرون: لا يجوز الإنكار إلاَّ ممَّن أذن له ولي الأمر انتهى.\nوسيأتي الكلام على ذلك مفصلًا في أماكنه.\nقال ابو زكريَّا النواوي: (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية إذا قام به بعض الناس سقط الحرج عن الباقين، وإذا تركه الجميع أثم كل من تمكن منه بلا عذر ولا خوف، ثم إنه قد يتعين كما إذا كان في موضع لا يعلم به إلا هو، أو لا يتمكن من إزالته إلا هو. وكمن يرى زوجته أو ولده أو غلامه على منكر أو تقصير في المعروف. والله أعلم).\nوقيل: هو فرض عين على كل مسلم فيتعين على من علمه جزمًا أو شاهده يقينًا وقدر على إزالته وتمكن منه، وعرف ما ينكر، ولم يخف سوطًا ولا عصى ولا أذى.\nوقيل أذى يزيد على المنكر أو يساويه ولا يهينه في نفسه أو ماله أو أهله أو حرمته، ورجا حصول المقصود.\nقال أبو الفرج ابن الجوزي - ﵀ -: واعلم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على الخلق.\nوقال شيخ مشايخنا عبد القادر الكيلاني - قدَّس الله روحه -: الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر واجبان على كل مكلف عالم بذلك بشرط القدرة على وجه لا يؤدي إلى فسادٍ عظيمٍ وضررٍ في نفسه وأهله وماله، ولا فرق أن يكون إمامًا أو عالمًا أو قاضيًا أو واحدًا من الرعية. انتهى.\nويجعله أبو عبد الله محمد بن عبد القوي - في منظومه فرض عين بشروط قال:\nوأمر بالمعروف والنهي يا فتى ... عن المنكر اجعل فرض عين تسدد\nعلى عالم بالحظر والفعل لم يقم ... سواه به مع أمن عدوان معتد\nولو كان ذا فسقٍ وجهلٍ وفي سوى الـ ... ـذي قيل بالكفاية فاحذر\nفشرط أن لا يكون الآمر عالمًا بمحظورية الفعل، وأن غيره لا يقوم بذلك، وأن يأمن في الإنكار عدوان معتدي فإن فقد شرط من ذلك صار فرض كفاية عند صاحب النظم.","vol":"1","page":112},{"text":"قال بعضهم. فمن رأى منكرًا محرمًا وجب عليه إنكاره فرضًا لازمًا لا يسعه التخلف عنه إلى وقت، لخوف فوته، وسقط عن غيره الإثم إذا كان فيه كفاية. إلا أن يشاء أن يعاونه ويشد عضده فليفعل، فإن ذلك نافلة.\nوإن كان الذي رآه أولًا ليس له طاقة على إنكاره فإن أول من يطلع عليه يجب عليه معاونته فرضًا لازمًا. حتى يكون فيمن رآه كفاية فيسقط فرض ذلك (عمن) سواهم - كما سيأتي بيانه - في فضل الإعانة على إزالة المنكرات. والله أعلم.\nوروي بسنده، عن عطاء بن أبي رباح: أن رجلًا سأل ابن عمر - ﵄ - فقال: يا أبا عبد الرحمن، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة؟ قال: نعم. قال: إن لم يفعل كفر؟ قال: لا ولكن من لم يفعل أذنب. قال: فقمت إليه فقلبت رأسه.\nقال الإمام أبو عمر بن عبد البر - ﵀ -: وأجمع المسلمون على أن تغيير المنكر واجب على من قدر عليه، وإنه إذا لم يلحقه بتغييره إلا اللوم الذي لا يتعدى إلى الأذى فإن ذلك لا يجب أن يمنعه فإن لم يقدر فبلسانه، فإن لم يقدر فبقلبه ليس عليه أكثر من ذلك، وإذا أنكر بقلبه فقد أدى ما عليه إذا لم يستطع سوى ذلك.\nقال: (والأحاديث عن النبي - ﷺ - في تأكيد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كثيرة جدًا، ولكنها مقيدة - عنه بالاستطاعة - ذكره عن القرطبي -في تفسيره).\nوقد بوب أبو زكريا النواوي - ﵀ - في كتاب الأذكار - على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وقال: (هذا الباب أهم الأبواب أو من أهمها، لكثرة النصوص الواردة فيه، ولعظم موقعه، وشدة الاهتمام به، وكثرة تساهل أكثر الناس فيه) انتهى.\nقال ابن مفلح: ومن ترك ما يلزمه فعله بلا عذر ظاهر وجب الإنكار عليه، وينكر على من ترك الإنكار المطلوب مع قدرته عليه).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>فصل - ٢٨ -: تأكد وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الحكام</span>\nويتأكد وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على أعيان المسلمين وهم ذوو","vol":"1","page":113},{"text":"الولاية والسلطان. فعليهم من الوجوب ما ليس على غيرهم، فإن مناط الوجوب هو القدرة فيجب على القادر ما لا يجب على العاجز، قال الله - تعالى-: ﴿فاتَّقوا الله ما استطعتم ..﴾.\nوروى مسلم، وأحمد والنسائي من حديث أبي هريرة مرفوعًا: (... إذا أمرتكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتم ...).\nثم العلماء الذين قد رفع الله - ﷿ - لهم علمًا في الدين، وأقامهم أئمَّة للمؤمنين وجعلهم حجَّةً على العالمين.\nثم العباد الذين قد نشر الله لهم علمًا في العبادة، وأجاش عليهم القلوب بالمحبَّة والإرادة.\nثمَّ غيرهم من أهل النفاسة من الأمراء والتجار وغيرهم ممن قد نشر الله لهم علمًا بقبول القول فهؤلاء الحجَّة عليهم آكد، والمساءلة من الله لهم أشد، لما منَّ الله به عليهم، وبسط لهم في الجاه، وقبول القول فمتى تكلم هؤلاء في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر أعز الله بهم الدين وقمع الظالمين والمفسدين، ومتى تخلفوا عن الأمر والنهي وطووا ألسنتهم كانوا أعوانًا للظالمين وعضدًا للمفسدين.\nوإنما كثر الفساد والمنكر وظهر في الناس حتى عم الشرق والغرب، وضيعت الفرائض واستحلت المحارم، بسكوت أهل العلم والعباد، وأهل الفضل، لما تركوا من واجب النصيحة بالأمر والنهي والإنكار على من أظهر المنكر، وجاهز به، والتعليم لأهل الجهل.\nفلمَّا لم يروا آمرًا ولا ناهيًا، ولا ناصحًا، ولا مؤدبًا، ولا معلمًا، ولا منكرًا ولا مغيرًا أظهروا المنكر واستخفوا بالفرائض واستحلوا المحارم.\nفصار أهل العلم والفقه في ذلك آثمين عصاةً خائنين، لمخالفتهم أمر الله وعهده، وحيث قال: ﴿وإذا أخذ الله ميثاق الَّذين أوتوا الكتاب لتبيِّننَّه للنَّاس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنًا قليلًا فبئس ما يشترون﴾.","vol":"1","page":114},{"text":"وحديث النبيِّ - ﷺ -: (ويلٌ للعالم من الجاهل) فلولا أن تعليمه وأمره ونهيه واجب عليه لازم لما جاء ذمُّهم في الآية الكريمة ولما توعده - ﷺ - بالويل في السكوت عنه، لأنَّ الويل لا يكون من ترك تطوع وإنما الذَّم والوعيد لا يكون إلا على ترك واجبٍ وفريضة.\nفالحق الواجب على العلماء والفقهاء، والفرض اللازم لهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتعليم لأهل الجهل، والأخذ على أيديهم، ومنعهم من إظهار المنكرات، لعلهم ينجون من الويل والوعيد الذي جاء على لسان رسول الله - ﷺ - في الكتاب والسنة، وإلا كانوا آثمين لتركهم ما وجب عليهم من الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر والنصيحة اللازمة لهم.\nوإنَّما حل بهم الضعف عن القيام بما أوجب الله - ﷿ - عليهم من ذلك لأنهم جروا معهم في بعض أحوال أهل الجهل حتى إنك لترى من بعض أهل العلم والفقه النقص في فرائضهم: من مسابقة الإمام في الركوع والسجود الخفض والرفع وكثرة الالتفات وقلة العناية بفرائض الله - تعالى - ثم في الغيبة والوقيعة حتى صارت أكثر مجالسهم على ذلك (لا يتفقدون ذلك) من أنفسهم ولا يقومون عليها بواجب العلم.\nهذا كلام أبي طالب عمر بن الربيع.\nثم قال: ولم أقصد الكلام للاستنقاص بهم وإنما أردت تأكيد الحجة عليهم، وأداء واجب النصيحة لهم، لقوله - ﷿ -: ﴿وذكِّر فإنَّ الذِّكرى تنفع المؤمنين﴾.\nولقوله - ﷺ -: (الدِّين النَّصيحة).\nفوجبت هذه النصيحة من الصَّغير للكبير ومن الكبير للصَّغير، ولا ينبغي لأحد أن يتكبر عند قبول الحق من الصغير والكبير والجاهل والعالم. انتهى.\nوالمقصود أن الأدلة قد تطابقت على وجوب الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر من الكتاب والسنَّة وإجماع الأمَّة، إذ هو من النَّصيحة التي هي الدِّين - كما سيأتي بيانه - ولم","vol":"1","page":115},{"text":"يخالف في وجوبه من علماء الأمة - سلفًا وخلفًا - سوى طائفة من الحشوية وهم فرقة من الرَّافضة - قبَّحهم الله - تعالى - فلا يعتدُّ بخلافهم كما قال إمام الحرمين أبو المعالي لا يكترث بخلافهم في هذا، فقد أجمع المسلمون عليه، ووجوبه بالشرع لا بالعقل خلافًا للمعتزلة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-30>فصل - ٢٩ -: وجوب الإمعان في إنكار البدع المضلَّة حتى تخمد ثم يجب إنكار البدع المضلة، وإقامة الحجة على بطلانها</span>.\nوقد قال بعض السلف: البدعة أحب إلى إبليس من المعصية، وذلك في البدع المحرمة، لأن البدع مقسمة إلى: واجبة، ومحرمة ومندوبة، ومكروهة، ومباحة.\nقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: والطريق في ذلك أن تعرض البدعة على قواعد الشريعة،، فإن دخلت في قواعد الإيجاب فهي واجبة، أو في قواعد التحريم فمحرمة، أو الندب فمندوبة، أو الكراهة فمكروهة، أو المباح فمباحة.\nفالبدع الواجبة مثل الاشتغال بعلم النحو الذي يفهم به كلام الله - تعالى - وكلام رسوله - ﷺ - وذلك واجب لأن حفظ الشريعة واجب، ولا يمكن حفظها إلا بذلك، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب مثل حفظ غريب الكتاب والسنة من اللغة.\nومثل: تدوين أصول الفقه.\nومثل: الجرح والتعديل، وتمييز الصحيح من السقيم.\nوالبدع المحرمة مثل: مذاهب القدرية، والجبرية، والجهمية والمرجئة، والمجسمة، ونحوهم.\n(والرد على هؤلاء من البدع الواجبة).\nوروى أبو نعيم - في الحلية، والهروي - في ذم الكلام من حديث عمر مرفوعًا: (نهى صاحب بدعة ملأ الله قلبه أمنًا وإيمانًا ومن أهان صاحب بدعة أمنه الله يوم الفزع الأكبر).","vol":"1","page":116},{"text":"قال أبو بكر المروزي: قلت لأبي عبد الله يعني الإمام أحمد: (يرى الرجل أن يشتغل بالصلاة، والصوم، ويسكت عن الكلام في أهل البدعة، فكلح في وجهي. وقال: إذا هو صام وصلَّى واعتزل الناس أليس إنما هو لنفسه؟ قلت: بلى. قال: فإذا تكلَّم كان له ولغيره؟ ويتكلم أفضل).\nوقال أبو حامد الغزالي: الإنكار والنهي في البدع أهم منه في المنكرات، فينظر إلى البلدة التي فيها ظهرت تلك البدعة، فإن كانت البدعة غريبة والناس كلهم على السنة فلهم الإنكار على المبتدع بغير إذن السلطان وإن انقسم أهل البلد إلى أهل البدعة وأهل السنة وكان في الاعتراض تحريك فتنة بالمقابلة فليس للآحاد الإنكار في المذاهب إلا بنصب السلطان، فإذا رأى السلطان الرأي الحق ونصره وأذن لواحد بأن يزجر المبتدعة عن إظهار البدعة كان له ذلك وليس لغيره فإن الذي يكون بإذن السلطان لا يتقابل وما يكون من جهة الآحاد فيتقابل الأمر فيه، فينبغي أن يراعي فيها هذا التفصيل، لئلا يتقابل الأمر فيها ولئلا ينجر المنكرون إلى تحريك فتنة. انتهى.\nوالبدع المندوبة مثل: إحداث الربط، والمدارس، وكل إحسان لم يعهد في العصر الأول، ومثل التراويح والقصص، ومثل الكلام في دقائق التصوف، والجدل وغير ذلك إذا قصد بذلك وجه الله.\nوالبدع المكروهة مثل: زخرفة المساجد، وتذويق المصاحف، والبدع المباحة مثل: المصافحة عقيب الصلاة، ومثل التوسع في اللذيذ من المأكل والمشارب والملابس والمساكن ولبس الطيالسة وتوسيع الأكمام.\nوقد يختلف في بعض ذلك فيجعله بعض العلماء من البدع المكروهة ويجعله آخرون من السنن المفعولة في عهد رسول الله - ﷺ - فما بعده وذلك كالاستعاذة في الصلاة والبسملة وغير ذلك.\nكما قال ابن عبد السلام، وغيره: (فالأمر بالبدع الواجبة واجب وبالمندوبة مستحب، والنهي عن البدع المحرمة واجب، وعن المكروهة مستحب. والله أعلم).","vol":"1","page":117},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-31>فصل - ٣٠ -: قول العز بن عبد السلام: الواجبات والمندوبات ضربان:</span>\nوسائل/ مقاصد وشرف الوسيلة تابع لشرف مقصدها\nقال الشيخ الإمام عز الدين بن عبد السلام: (الواجبات والمندوبات ضربان: أحدهما وسائل، والثاني مقاصد. وللوسائل أحكام المقاصد فالوسيلة إلى أفضل المقاصد هي أفضل الوسائل، والوسيلة إلى أدنى المقاصد هي أدنى الوسائل، ثم تترتب الوسائل بترتيب المصالح والمفاسد وكذلك يختلف أجر وسائل الطاعات باختلاف فضائل المقاصد ومصالحها، فالتوسل إلى معرفة الله ومعرفة ذاته وصفاته أفضل من التوسل إلى معرفة أحكامه، والتوسل إلى معرفة أحكامه أفضل من التوسل إلى معرفة آياته، والتوسل بالسعي في الجهاد.\nأفضل من التوسل بالسعي إلى الجماعات في الصلوات المكتوبات، والتوسل إلى الصلوات المكتوبات أفضل من التوسل بالسعي إلى المندوبات التي شرعت فيها الجماعات كالعيدين والكسوفين.\nوكلما قويت الوسائل في الأداء إلى المصلحة كان أجرها أعظم من أجر ما نقص عنها، وكذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وسيلة إلى تحصيل ذلك المعروف المأمور به. رتبته - في الفضل والثواب - مبنية على رتبة الفعل المأمور به، فالأمر بالإيمان أفضل أنواع الأمر بالمعروف، وكذلك الأمر بالفرائض أفضل من الأمر بالنوافل، والأمر بإماطة الأذى عن الطريق في أدنى مراتب الأمر بالمعروف).\nلقوله - ﷺ -: (الإيمان بضعٌ وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق).\n(وكذلك النهي عن المنكر وسيلة إلى دفع مفسدة ذلك المنكر المنهي عنه. ورتبته في الفضل والثواب مبنية على رتبة مفسدة الفعل المنهي عنه، ثم تترتب رتبة على رتب المفاسد إلى أن تنتهيا إلى أصغر الصغائر. فالنهي عن الكفر بالله أفضل من كل نهي في باب النهي عن المنكر.","vol":"1","page":118},{"text":"ولا يخفى أن وسائل المكروه مكروهة، والمندوب مندوبة، والمباح مباحة).\nفما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وما لا يتم المحرم إلا به فهو محرم، وكذلك المندوب والمكروه.\nقال العلماء - ﵃ -: كل ما وجب على المرء العمل به او تركه فإن الأمر واجب.\nفمن ترك ما يلزمه فعله أو تعليمه شرعًا بلا عذرٍ ظاهرٍ وجب الإنكار عليه مثل: المحافظة على الوضوء وعلى حدوده، ومثل الصلاة في تمام ركوعها وسجودها والمحافظة على أوقاتها، ومثل: إخراج الزَّكاة في وقت وجوبها وكذلك صوم شهر رمضان، وكذلك الحج ونحو ذلك من الفرائض على نحو ما أوجب الله ورسوله فواجب عليك أن تأخذ نفسك بالعمل بذلك، ثم عليك أن تأمر جميع أهلك وولدك، ثم جميع من علمت منه تضييع ذلك أو شيئًا منه.\nوأما ما كان فعله نافلة فإن أمرك به نافلة ترجو من الله - تعالى - الثواب على ذلك وأنت غير حرج في ترك الأمر به إلا إذا سألت سائل عن شيء من الخلال التي هي نافلة وأنت عالمٌ بها فحينئذٍ عليك نصيحته فتنكر على من ترك الإنكار المطلوب مع قدرته عليه.\nوقال أبو عبد الله بن مفلح - في كتابه الآداب -: (والإنكار في ترك الواجب وفعل الحرام واجب وفي ترك المندوب وفعل المكروه مندوب، وعزاه إلى أصحاب أحمد وغيرهم).\nوينبغي الاحتياط في جلب المصالح ودفع المضار؛ لأنَّ المصالح التي أمر الشرع بتحصيلها ضربان: أحدهما: مصالح الإيجاب، والثاني مصالح الندب، والمفاسد التي أمر الشرع بدرئها ضربان: أحدهما مفاسد الكراهة، والثاني: مفاسد التحريم، والشرع يحتاط لدرء مفاسد الكراهة والتحريم كما يحتاط لجلب مصالح الندب والإيجاب، فإذا كانت المصلحة بين الإيجاب والندب فالاحتياط حملها على الإيجاب لما في ذلك من تحقق براءة الذمة، فإن كانت - عند الله - واجبة فقط [حصل على ثواب نيَّة الواجب] وإن كانت مندوبة فقد حصل على مصلحة الندب وعلى ثواب نية الواجب فإن أمرهم بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة.","vol":"1","page":119},{"text":"وإذا دارت المفسدة بين الكراهة والتحريم فللاحتياط تحمل على التحريم فإن كانت مفسدة التحريم محققة فقد؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ باجتنابها.\nوإن كانت منفية فقد اندفعت مفسدة المكروه، وأثيب على قصد اجتناب المحرم، فإنَّ اجتناب المحرم أفضل من اجتناب المكروه كما أن فعل الواجب أفضل من فعل المندوب.\nقال ابن عبد السلام وغيره والله أعلم.\nقال أبو حامد الغزالي: (واعلم أنَّ المنكر ينقسم إلى محظور، ومكروه فإذا قلنا: منكر مكروه، فاعلم أن المنع منه مستحب والسكوت عليه مكروه، وليس بحرام، إلا إذا لم يعلم الفاعل على أنه مكروه، فيجب ذكره له فإنَّ الكراهة حكم في الشرع يجب تبليغه إلى من لا يعرفه. وإذا قلنا منكر محظور، أو قلنا: منكر مطلقًا فيزيد به المحظور، ويكون السكوت عليه مع القدرة محظورًا. فمن ذلك إسارة الصلاة بترك الطمأنينة في أركانها فهو منكر مبطل للصلاة عند جمهور العلماء بنص حديث - المسيء في صلاته - فيجب النهي عن ذلك، إلا الحنفي الذي يعتقد أنه لا يمنع صحة الصلاة، إذ لا ينفع النهي معه، ومن رأى ذلك شيئًا فسكت على فهو وشريكه، هكذا ورد به الحديث وقد ورد في الغيبة ما يدل عليه وهو أن المستمع شريك للقائل، وكذلك كل ما يقدح في صحة الصلاة من نجاسة لا يراها، أو انحراف عن القبلة، إلا لمن يعلم أنَّ الواجب إصابة الجهة، فكل ذلك يجب إنكاره.\nفإن كان المعكتف في المسجد يضيع أكثر أوقاته في أمثال ذلك، ويشتغل عن التطوع من الصلاة وذكر وغيره، فإن هذا أفضل منه، لأنه فرض وهي قربة تتعدى فائدتها فهي أفضل من نافلة تقتصر عليه فائدتها).\n(وكذلك ينبغي أن توضع الأعمال في مواضعها وأوقاتها على حسب مراد الله - تعالى - منه، فيضع كل عمل موضعه فلا يقدم ما لا يفوت على ما يفوت، ولا يقدم العمل المفضول على الفاضل ولا يراعي الجمعية مطلقًا بل يراعي مراد الرب - تعالى - في العمل ورضاه به","vol":"1","page":120},{"text":"وإن تفرقت جمعيته إذا كان العبد مطالبًا بذلك العمل، أما إذا لم يطالب فرعاية الجمعية أفضل وأولى من رعايته غيرها.\nومثاله إذا رأى مظلومًا وأمكنه نصرته باليد واللسان بلا فتنة وشر يترتب على نصرته وله جمعية وحال يعلم أنها تتفرق بنصرته، فليقدم النصرة على الجمعية، لأنها مراد الرب سبحانه - منه في ذلك الوقت وذلك الموطن. فكذا اذا راي منكرًا وقد انتهكت المحارم وله جمعية يعلم تفرقتها في إقامة دين الله فليقم بدين الله، ولا يلتفت إلى الجمعية، فإن إقامة الدين هي مراد الرب في هذا الموطن وفي هذا الوقت وأمثال ذلك، فكما أنه يتلذذ بالجمعية مع الله فنبغي أن بتلذذ بالتفرقة إذا جاء أمر الله، فإن الجمعية لله، والتفرقة لله، فيكون الفرح (برضى) الله لا بغير ذلك. كما قال الإمام العارف عماد الدين أحمد الواسطي وغيره).\nقال أبو حامد - ﵀ -: (وإن كان الاشتغال بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يمنعه عن الكسب الذي هو قوته، فإن كان معه مقدار كفايته لزمه الاشتغال بذلك، ولم يجز له ترك الإنكار لطلب زيادة الدنيا، فإن كان محتاجًا إلى الكسب لقوت يومه فهو عذر له فيسقط الوجوب عنه، لعجزه عنه انتهي).\nوسيأتي الكلام على ما يسقط به وجوب الأمر بالمعروف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-32>فصل - ٣١ -: قول العز: من فعل واجبًا متعديًا أو مندوبًا متعديًا أو اجتنب محرمًا أو مكروهًا متعديان فقد قام بحق نفسه وحق ربه</span>\nقال الشيخ الإمام عز الدين بن عبد السلام: (من فعل واجبًا متعديًا أو مندوبًا متعديًا، أو اجتنب محرمًا أو مكروهًا متعديين فقال قام بحق نفسه، وحق ربه، وحق من تعدي إليه ذلك. والقرآن مشحون بالترغيب في هذا النوع.\nثم قال - في مكان آخر - كل مطيع لله محسن إلى نفسه فإن كان إحسانه متعديًا إلى غيره تعدد أجره بتعدد من تعلق به إحسانه وكان أجره على ذلك مختلفًا باختلاف ما تسبب إليه من جلب المصالح ودرء المفاسد، فإن كان إمامًا فهو محسن إلى نفسه، وإلى كل من تعلق به إحسانه من رعيته وأعوانه وأنصاره وولاته وقضاته، وإن كان حاكمًا فهو محسن إلى نفسه بطاعة ربه، وإلى المدعو إن كانت له حجة فقد نصره بإيصال حقه إليه، وإلى المدعى","vol":"1","page":121},{"text":"عليه طالما يتخلص خصمه من ظلمه، والمدعي مظلومًا. وإن كان الأمر بالعكس فقد نصر المدعي عليه مظلومًا، والمدعي ظالمًا.\nوإن كان شاهدًا فهو محسن إلى نفسه، وإلى الخصمين بالتحمل والأداء، لأنه متسبب إلى نصر الظالم والمظلوم.\nوإن كان مفتيًا فهو محسن إلى نفسه وإلى المستفتي وإلى المستفتى عليه، وإلى غير ذلك من جميع أنواع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.\nثم قال رحمه الله تعالى في مكان آخر: (وإن قدر على الجمع بين الأمر بمعروفين في وقت واحد لزمه ذلك، لوجوب الجمع بين المصلحتين. وإن تعذر الجمع بينهما لزمه الأمر بأفضلهما - لما ذكرناه من تقديم أفضل المصلحتين على أدناهما.\nمثال: الجمع بين الأمر بمعروفين فما زاد مثل أن يرى جماعة قد تركوا الصلاة المفروضة حتى ضاق وقتها بغير عذر. فيقول لهم بكلمة واحدة: صلوا أو قوموا إلى الصلاة، فإن أمر كل واحد منهم واجب على الفور. وكذلك تعليم ما يجب تعليمه، وتفهيم ما يجب تفهيمه باختلاف رتبه وهذان قسمان:\nأحدهما: وسيلة إلى ما هو مقصود في نفسه كتعريف التوحيد، وصفات الإله، فإن معرفة ذلك من أفضل المقاصد والتوسل إليه من أفضل الوسائل.\nالقسم الثاني: ما هو وسيلة إلى وسيلة، كتعليم أحكام الشرع، فإنه وسيلة إلى العلم بالأحكام التي هي وسيلة إلى إقامة الطاعات، التي هي وسائل إلى المثوبات والرضوان، وكلاهما من أفضل المقاصد).\n(ومن قدر على الجمع بين درء أعظم الفعلين مفسدة ودرء أدناهما مفسدة جمع بينهما لما ذكرناه من وجوب الجمع بين درء المفاسد: مثل أن ينهى عن منكرين متفاوتين أو متساويين فما زاد بكلمة واحدة.\nمثال المنكرين المتفاوتين: أن يرى إنسانًا يقتل رجلًا، وآخر يسلب مال إنسان فيقول لهما كفَّا عمَّا تصنعان.\nومثال المتساويين: أن يرى اثنين قد اجتمعا على قتل إنسان أو سلب ماله فيقول لهما كفا عن قتله أو سلبه. وكذلك يقول للجماعة: كفوا عما تصنعون. وإن قدر على دفع","vol":"1","page":122},{"text":"المنكرين دفعة واحدة لزمه ذلك بكلمة واحدة.\nوإن قدر على دفع أحدهما دفع الأفسد فالأفسد والأرذل فالأرذل سواء قدر على دفع ذلك بيده أو بلسانه: مثل أن يتمكن الغازي من قتل واحد من المشركين بسهم ومن قتل عشرة برمية واحدة تنفذ في جميعهم فإنه يقدم رمي العشرة على رمي الواحد، إلا أن يكون الواحد بطلًا عظيم النكاية في الإسلام حسن التدبير في الحروب فيبدأ برميه؛ دفعًا لمفسدة بقائه، لأنها أعظم من مفسدة بقاء العشرة.\nوكذلك لو قدر على أن يفتح فوهة النار أولى من قتل المائة، لما فيه من عظم المصلحة، فإن كان فتح الفوهة أخف من قتل المائة بالسلاح.\nوكذلك تتفاوت كراهة المنكر بالقلوب - عند العجز - عن إنكاره باليد واللسان - بتفاوت رتبة فتكون كراهة الأقبح أعظم من كراهة ما دونه. والله أعلم).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-33>فصل - ٣٢ -: بيان آراء العلماء في: هل من شروط وجوب إنكار المنكر غلبية الظن في إزالته</span>\nولا يسقط عن المكلف وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكونه لا يفيد في ظنه، بل يجب عليه فعله؛ لقوله - تعالى -: ﴿وذكِّر فإنَّ الذِّكرى تنفع المؤمنين﴾. فإنَّما عليه الأمر والنهي لا القبول؛ لقوله - تعالى -: ﴿مَّا على الرسول إلاَّ البلاغ﴾.\nواختلف العلماء - ﵃ - هل من شروط وجوب إنكار المنكر غلبة الظَّنِّ في إزالته؟\nففيه روايتان عن الإمام أحمد: إحدى الروايتين ليس من شرطه لظاهر الأدلة وجه الأولى قوله - تعالى -: ﴿واصبر على ما أصابك﴾.\nقال القاضي أبو يعلى - في كتاب المعتمد -: ويجب إنكار المنكر وإن لم يغلب في ظنه زواله في إحدى الروايتين نقلها أبو الحارث.","vol":"1","page":123},{"text":"وقد سئل أحمد - ﵁ - عن الرجل يرى منكرًا ويعلم أن لا تقبل منه - يسكت؟ فقال: إذا رأى المنكر فليغيره ما أمكنه.\nقال ابن حمدان في (الرعاية الكبرى): وقيل ينكره وإن أيس من زواله أو خاف أذًى أو فتنة، والعالم والجاهل، والعدل والفاسق، والمسيب والغريب في ذلك سواء. انتهي. والله، أعلم.\nوروى ابن أبى الدنيا - بإسناده - عن سفيان بن عيينة. قال: قالوا لعبد الله بن عبد العزيز في الأمر بالمعروف تأمر من لا يقبل منك؟ قال: يكون (معذورًا) قلت: عبد الله، هو عبد العزيز عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطَّاب - ﵃ -.\nقال الذَّهبي: كان يلقب بالعمري، وكان آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر قوالًا بالحق.\nوقال أبو الوفاء ابن عقيل: (إذا غلب على ظنه أنه لا يزول، فروايتان عن الإمام أحمد: إحداهما يجب).\nقال شيخ مشايخنا عبد القادر الكيلاني - قدَّس الله روحه - (ويجوز أن يرتدع، وينزجر، ويرق قلبه، ويلحقه التوفيق والهداية، ببركة صدقة فيرجع عما هو عليه، والظن لا يمنعه من جواز إنكاره).\nوقال أبو حامد الغزالي: (فإن كان غالب ظنه أنه يفيد وهو مع ذلك لا يتوقع مكروهًا فقد اختلفوا في وجوبه، إذ لا ضرر فيه وحذره متوقع، وعمومات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تقتضي الوجوب بكل حال).\nوقال الإمام أحمد - في روايةٍ أخرى - في الرجل يرى منكرًا، ويعلم أنه لا يقبل منه هل يسكت؟ فقال: يغير ما أمكنه، فظاهره أنه لا يسقط.\nوعنه رواية آخري: يلزمه إذا رجا حصوله - ذكره أبو الفرج بن الجوزي وقال الأرجي في نهاية المبتدئين:","vol":"1","page":124},{"text":"يجوز الإنكار فيما لا يرجى زواله وإن خاف أذى.\nوقيل: لا يجوز. وقيل: يجب.\nوذكر القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين الفراء - في المعتمد - أنه لا يجب. وإذا لم يجب الإنكار ففعله أفضل من تركه، قاله ابن عقيل. وقال القاضي - خلافًا لأكثرهم في قولهم - ذلك قبيح ومكروه إلا في موضعين: أحدهما، كلمة حق عند سلطان جائر، والثاني: إظهار الإيمان عند ظهور كلمة الكفر. انتهى.\n(ولا يسقط فرضه - أيضًا - بالتوهم؛ لأنه لو قيل له: لا تأمر فلانًا بالمعروف فإنه يقتلك. لم يسقط عنه لذلك، وحكى القاضي عياض عن بعضهم وجوب الإنكار مطلقًا في هذه الحال وفي غيرها).\nوحكي عن ابن العربي المالكي - ﵀ - أنه قال: إن رجا زوال المنكر وخاف على نفسه من تغييره الضرب أو القتل جاز له الاقتحام عند أكثر العلماء.\nوسيأتي في الإنكار على السلطان - في الباب الثاني - من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا: (لا يحقرن أحدكم نفسه أن يرى أمرًا لله - ﷿ - فيه مقال أن يقوله، فيقول الله - ﷿ -: ما منعك أن تقول فيه. فيقول: يا رب خشيت الناس فيقول: أنا أحق أن تخشى).\nوله طرق هنالك عديدة.\nقال الشيخ عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام: ومن قدر على إنكار المعاصي مع الخوف على نفسه كان إنكارها مندوبًا إليه ومحثوثًا عليه، لأن المخاطرة بالنفوس في إعزاز الدين مأمور بها كما يتعزز بها في قتال المشركين، وقتال البغاة المتأولين، وقتال ما نهى الحقوق بحيث لا يمكن تحصيلها منهم إلا بالقتال.\nوسيأتي في الباب الثاني - من حديث طارق بن شهاب أن رجلًا سأل النبي - ﷺ -: (أيُّ الجهاد أفضل؟ قال: كلمة حقٍ عند سلطانٍ جائر). فجعلها - ﷺ - أفضل الجهاد؛","vol":"1","page":125},{"text":"لأن قائلها قد جاد بنفسه كل الجود بخلاف من يلاقي قريبه في القتال؛ فإنه يجوز أن يقهره ويقتله فلا يكون بذله نفسه - مع تجويز سلامتها - كبذل المنكر نفسه مع يأسه من السلامة.\nقال شيخ مشايخنا عبد القادر الكيلاني - قدَّس الله روحه -: (فهل يجوز الإنكار إذا غلب على ظنه الخوف على نفسه؟ فعندنا يجوز ذلك وهو الأفضل إذا كان من أهل العزيمة والصبر فهو كالجهاد في سبيل الله مع الكفار.\nقال أبو الفرج بن الجوزي: (فأما السبُّ والشتم فليس بعذرٍ في السكوت، لأن الآمر بالمعروف يلقى ذلك في الغالب).\nوسيأتي - في فضل الصبر - من الباب الرابع - قول أبي داود لأحمد - ﵀ -: (يشتم الآمر بالمعروف؟ قال: يحتمل. من يريد أن يأمر وينهى، لا يريد أن ينتصر بعد ذلك).\nوقد جاء عن ابن مسعود - ﵁ - أنه قال: كان أهل قريةٍ يعملون بالمعاصي وكان فيهم أربعة نفر ينكرون ما يعملون. فقال أحدهم: إنكم تعملون كذا وكذا! !\nفجعل ينهاهم ويزجرهم بقبيح ما يصنعون فجعلوا يردون عليه ولا يرجعون عن أعمالهم فسبهم فسبوه وقاتلهم فغلبوه فاعتزل. وقال: اللهم إني نهيتهم فلم يطيعوني وسببتهم فسبوني وقاتلتهم فغلبوني ثم ذهب وقام الآخر فنهاهم فلم يطيعوه فسبهم فسبوه فاعتزل. ثم قال: اللهم إني نهيتهم فلم يطيعوني، وسببتهم فسبوني ولو قاتلتهم غلبوني ثم قام الثالث فنهاهم فلم يطيعوه فاعتزل. ثم قال اللهم إني نهيتهم فلم يطيعوني ولو سبيتهم لسبوني ولو قاتلتهم غلبوني ثم ذهب. وقام الرابع وقال: اللهم إني لو نهيتهم لم يطيعوني ولو سببتهم لسبوني ولو قاتلتهم غلبوني ثم ذهب فاعتزلهم.\nقال ابن مسعود - ﵁ -: كان الرابع أدناهم منزلة وقليل فيكم مثله.\nولا يسقط وجوبه - أيضًا - بتأويل ولا مداهنة.\nقال أبو داود سليمان بن الأشعث: (سئل أبو عبدالله يعني الإمام أحمد - ﵀ -","vol":"1","page":126},{"text":"عن رجلٍ له جار يعمل بالمنكر ينكر عليه؟ قال: نعم ينكر عليه ...).\nقال أبو طالب عمر بن الربيع: واعلم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حالان مخالفان للطبع والهوى، فلا ينبغي لأحد أن يدع ما يلزمه من القيام بهما بتأويل، والمؤمن لا يدع نفسه تميل إلى التأويل، لما أكَّد الله - سبحانه - بقوله: ﴿لاَّ تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر يؤادُّون من حادَّ الله ورسوله ولو كانوا ءاباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم﴾.\nفلا يسع أحدًا بعد هذا أن يدفع عن نفسه شيئًا مما وجب عليه القيام لله به بتأويل يريد أن يسقط عن نفسه شيئًا مما وجب عليه وجوب فرض لله - تعالى -.\nوكذلك لا يسقط وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، زعمًا أن ذلك رضا بقضاء الله - تعالى - كما غلط فيه بعض المنحرفين والبطالين وقالوا: إن المعاصي والفجور وغير ذلك - من القبائح الظاهرة والباطنة - من قضاء الله وقدره، فيجب الرضا به وعدم التعرض إلى فاعله بقول أو فعل ولو بالكراهة فقد تلبس عليهم حتى رأوا السكوت على المنكرات مقامًا من مقامات الرضا، وسموه حسن الخلق، وحتى ذهبوا إلى ترك الدعاء زاعمين أن ذلك رضاء بوجود القضاء. فهذا كله جهل بالتأويل وغفلة عن فهم معنى التنزيل، فقد ذم - سبحانه - من رضي بالمعاصي، وما يتعلق بها من أمور الدنيا المذمومة حيث قال: ﴿ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها﴾.\nوقال - تعالى -: ﴿رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع الله على قلوبهم﴾.\nوفي الأحاديث المشهورة ما يدل على أن من رضي بمنكر كان شريكًا لفاعله - كما سيأتي في هذا الباب وغيره.\nبل من أسباب رضا الله - تعالى - على العبد كراهة معاصيه، والمبادرة بالإنكار على أهلها والقيام بما أوجبه - سبحانه - عليه من ذلك.\nوأنشدوا:\nيا طالب الأمر لا تركن إلى الكسل ... واعجل فقد خلق الإنسان من عجل\nواستشعر الصبر وانه من لمحة وقل ... أعوذ بالله من علم بلا عمل","vol":"1","page":127},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-34>فصل - ٣٣ -: عدم سقوط وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالعزلة مادام قادرًا على الأمر والنهي</span>\nولا يسقط وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالعزلة وعدم الاختلاط بالناس إذا كان قادرًا على الأمر والنهي، ولم يكن في غيره كفاية، بل الحضور مع المسلمين وتكثير سوادهم في جمعهم وجماعاتهم ومشاهد الخير، ومجالس الذكر، وعيادة مريضهم وتشييع جنائزهم وإرشاد جاهلهم وغير ذلك من مصالحهم لمن قدر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واكتساب الفوائد، وتكثير الشعائر، والتعاون على البر والتقوى، وإعانة المحتاج، ونصر المظلوم.\nوقمع نفسه عن الإيذاء، وصبره على الأذى من أفضل القربات وأجلُّ العبادات - كما ذكر غير واحد من العلماء.\nقال النواوي - ﵀ -: اعلم أن الاختلاط بالناس - على هذا الوجه - هو المختار الذي كان عليه رسول الله - ﷺ - وسائر الأنبياء - صلوات الله عليهم وسلامه - وكذلك الخلفاء الراشدون ومن بعدهم من الصحابة والتابعين، ومن خلفهم من علماء المسلمين وخيارهم، وهو مذهب أكثر التابعين كسعيد بن المسيب، وعامر بن شرحبيل الشعبي، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعبد الله بن شبرمة، وشريح بن الحارث القاضي، وشريك بن عبد الله، ومن بعدهم كهشام بن عروة، وعبد الله بن المبارك، ومحمد بن إدريس الشافعي وأحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه، وتبعهم - في ذلك - جمهور العلماء - ﵃ - أجمعين.\nقال الغزالي: (وقال أكثر التابعين: باستحباب المخالطة واستكثار المعارف والإخوان للتآلف والتحبب إلى المؤمنين - والاستعانة بهم في الدين، تعاونًا على البر والتقوى).\nقال النواوي: فمذهب الشافعي، وأكثر العلماء على أن الاختلاط أفضل بشرط رجاء السلامة من الفتن.\nوقطع به في موضع - عن الإمام أحمد -.\nلقوله - تعالى -: ﴿على البرِّ والتَّقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتَّقوا﴾ انتهى.\nفإن قيل: فلم لا يجب الخروج من بين الفساق؟ قيل: لأن الله - تعالى - لم يوجب","vol":"1","page":128},{"text":"ذلك، وإنما أمر بإنكار المنكر، لكن إن عجز أحد، وشاء أن يخرج تنزهًا؛ مخافة أن يسمع ما لا يحل فذلك أفضل - قاله جماعة من العلماء - وأيضًا فإن الأنبياء لم يزالوا مقيمين بين الكفار الذين يعملون بالمعاصي، وكانوا ينهونهم، ويخبرونهم بما عليهم من عقاب الله وهم مقيمون بينهم.\nفإن قيل: فإن لم يقدروا على إزالة المنكر فهل يحل لهم أن يقعدوا في الأسواق وغيرها مع ما يسمعون من المنكر؟ قيل: نعم، إذا أنكروا عليهم، ووعظوهم فانتهوا لم يكن في قعودهم ضرر، إذا كانوا منكرين بألسنتهم وقلوبهم.\nوروى البيهقي من حديث (أبي صغير) عسعس بن سلامة التيمي (بفتح العينين وإسكان السينين التيمي - ﵁ - أن رجلًا أتى الجبل يتعبد ففقد وطلب فوجد فجيء به إلى رسول الله - ﷺ - فقال: (لا تفعل أنت ولا أحد منكم، لصبر أحدكم ساعة من نهار في بعض مواطن الإسلام خير من عبادته خاليًا أربعين عامًا).\nورواه شعبة عن الأزرق بن قيس. قال: سمعت عسعس بن سلامة يقول بذلك فذكره.\nوفي جامع الترمذي وغيره من حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: غزونا على الناس في هذا الشعب ولن أفعل ذلك حتى أذكر لرسول الله - ﷺ - فقال - ﵊ -: (لا تفعل فإن مقام أحدكم في سبيل الله خير من صلاته بسبعين عامًا ألا تحبون أن يغفر الله لكم وتدخلوا الجنة؟ اغزوا في سبيل الله فإنه من قاتل في سبيل الله فواق ناقة أدخله الله الجنة).\nقال الترمذي: حديث حسن صحيح.\nرواه الحاكم في المستدرك وفي لفظه: ستين عامًا.\nوقال: صحيح على شرط مسلم.\nوفي رواية الترمذي: قال: مر رجل من أصحاب رسول الله - ﷺ - بشعب فيه عوينة من ماء عذب فأعجبته لطيبها. فقال: لو أقمت في هذا المكان أعبد الله وأعزل شرِّي عن","vol":"1","page":129},{"text":"الناس سأستأذن في ذلك رسول الله - ﷺ - فذكر ذلك له. فقال رسول الله - ﷺ -: (لا تفعل فإن مقام أحدكم في سبيل الله ساعة أفضل من صلاته في بيته سبعين عامًا. ألا تحبون أن يغفر الله لكم ويدخلكم الجنة؟ قالوا: نعم. فقال: فاغزوا في سبيل الله فإنه من قاتل في سبيل الله فواق ناقة؛ لتكون كلمة الله هي العليا، وجبت له الجنة).\nورواه الإمام أحمد - في المسند - ولفظه: أن رجلًا من أصحاب رسول الله - ﷺ - مر بشعب فيه عين ماء عذبة فأعجبه طيبه. فقال: لو أقمت هاهنا وخلوت. ثم قال: لا، حتى أسأل النبي - ﷺ - فسأله فقال: (مقام أحدكم في سبيل الله أفضل من مقامه في أهله سبعين سنة. أما تحبون أن يغفر الله لكم فيدخلكم الجنة؟ جاهدوا في سبيل الله، من قاتل في سبيل الله فواق ناقة وجبت له الجنة).\n(فواق ناقة) هو ما بين رفع يد الحالب عن الضرع وقت الحلب ووضعها. قيل هو ما بين الحلبتين. والله أعلم.\nوفي الترمذي، وسنن ابن ماجه من حديث يحيي بن وثاب، عن عبدالله بن عمر - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (إن المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم).\nولم يسم الترمذي ابن عمر بل أبهم. قال: عن شيخ من أصحاب النبي - ﷺ - والطريق واحد.\nورواه ابن أبي الدنيا - بسنده - عن يحيى بن زياد - أيضًا- عن شيخ من أصحاب النبي - ﷺ - حسبته قال: قلت: من هو؟ قال: ابن عمر، عن النبي - ﷺ - أنه قال: (المسلم الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أفضل من الذي لم يخالطهم ولا يصبر على أذاهم) ورواه أبو نعيم في الحلية.\nوفي سنن أبي داود وغيرها من حديث أبي أمامة الباهلي - ﵁ - أن رجلًا قال يا رسول الله ائذن لي في السياحة فقال رسول الله - ﷺ -: (سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله).","vol":"1","page":130},{"text":"وفي الصحيحين من حديث عطاء بن أبي رباح قال: (زرت عائشة مع عبيد بن عمير الليثي وهي مجاورة بثبير فسألتها عن الهجرة. فقالت: لا هجرة اليوم كان المؤمنون يفر أحدهم بدينه إلى الله - ﷿ - وإلى رسوله - ﷺ - مخافة أن يفتن عنه فأما اليوم فقد أظهر الله الإسلام فالمؤمن يعبد ربه حيث شاء ولكن جهاد ونية).\nوروي - أبو نعيم - في الحلية - بسنده عن الأوزاعي أنه قال: (وقد سئل أيهما أحب إليك إبراهيم بن أدهم أو سليمان الخواص؟ قال: إبراهيم أحب إليّ، لأن إبراهيم كان يخالط الناس وينبسط إليهم).\nوروى عن وهب بن منبه - رحمة الله عليه - أن رجلًا قال له: هممت بالعزلة فما ترى؟ قال: (لا تفعل: بل إلى الناس حاجة وبالناس إليك حاجة ولكن كن صموتًا نطوقًا أصم سميعًا أعمي بصيرًا، فإنه لا بد لك من الناس ولا بد للناس منك).\nفوائد خلطة الناس سبعة:\n(قال المحققون من العلماء: وفي خلطة الناس فوائد سبعة:\nالأولى: التعليم والتعلم، وهما أعظم العبادات، كما قال بعض السلف: هداية الخلق أفضل من كل عبادة، كما جاء في غير حديث.\nولا يتصور ذلك إلا بالمخالطة فالمحتاج إلى التعلم لما هو فرض عليه، عاص بالعزلة إذ لا تليق العزلة إلا بالعالم.\nالفائدة الثانية: النفع والانتفاع، أما النفع فإنه ينفع الناس إما بماله أو ببدنه فيقوم بحاجاتهم على سبيل الحسبة.\nففي النهوض بقضاء حوائج المسلمين ثواب عظيم، كما دلت عليه الأحاديث الصحيحة الآتي جملة منها - في الباب التاسع -.\nوذلك لا ينال إلا بالمخالطة فمن قدر عليها مع القيام بحدود الشرع فهي أفضل له من","vol":"1","page":131},{"text":"العزلة؛ لأن الأدب في القيام بحقوق الخلق هو عدم الإفراط بحيث يشتغل بها عن حقوق الله أو عن تكميلها أو عن مصلحة دينه وقلبه وأن لا يقصر في شيء منها فيعطلها بالكلية، فإن الطرفين من العدوان الضار والله لا يحب المعتدين. ومتى اعتزل الناس ضاعت الحقوق وانقطعت الأرحام فلا يترك حق الباطل.\nوأما الانتفاع بالناس فبالكسب والمعاملة وذلك لا يتأتى إلا بالمخالطة - أيضًا - والمحتاج إليه مضطر إلى ترك العزلة وكذلك إذا اكتسب من وجهة وتصدق وأنفق على عياله فهو أفضل من العزلة.\nالفائدة الثالثة: التأديب والتأدب، أما التأدب فهو الارتياض بمقاساة الناس والمجاهدة في تحمل أذاهم؛ كسرًا للنفس وقهرًا للشهوات وهي من الفوائد التي تستفاد بالمخاطبة وذلك أفضل من العزلة. وأما التأديب فهو أن يروض غيره وذلك حال شيخ المتصوفة معهم، فإنه لا يقدر على تهذيبهم إلا بمخالطتهم، وحاله حال المعلم وحكمه حكمه.\nالفائدة الرابعة: الاستئناس والإيناس وهو غرض من يحضر الولائم والدعوات ومواضع المعاشرة والأنس فقد يستحب ذلك لأمر الدين وذلك فيمن يستأنس بمشاهدة أقواله وأحواله في الدين كالأنس بالمشايخ الملازمين لسمت التقوى. ويستحب إذا كان الغرض منه ترويح القلب بتهييج دواعي النشاط في العبادة، فإن القلوب إذا أكرهت عميت ومتى كان في الوحدة وحشة وفي المجالس أنس يروح القلب فهو أولى، إذ الرفق في العبادة من حزم العبادة فهو أمر لا يستغنى عنه، فإن النفس لا تألف الحق على الدوام ما لم تروح وفي تكليفها الملازمة تفتير. قال - ﷺ -: (ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه).\nقال ابن عباس - ﵄ -: لولا مخافة الوسواس لم أجالس الناس فلا يستغني الناس إذا عن رفيق يستأنس بمشاهدته ومحادثته فهذا النوع من الاستئناس في بعض أوقات النهار ربما يكون أفضل من العزلة في حق بعض الأشخاص. والله أعلم.\nالفائدة الخامسة: نيل الثواب وإنالته، أما نيله فمثل حضور الجنائز، وعيادة المرضى والإعانة على البر والتقوي وحضور مجلس علم وقضاء حاجة وحضور العيدين، وأما الجمع والجماعات في سائر الصلوات فلا بد منها إلا لخوف ضرر ظاهر يقاوم ما يفوت من فضيلة الجماعة ويزيد عليه كما ذكر العلماء في مواطنه، وكذلك في الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وكذلك في حضور الولائم والدعوات ثواب من حيث إدخال السرور على قلب المسلم.","vol":"1","page":132},{"text":"وأما إنالته الثواب، فهو أن يفتح الباب ليعوده الناس أو يعزوه في المصائب أو يهنئوه على النعم، فإنهم ينالون بذلك ثوابًا وكذلك إذا امتنعوا عن المعاصي بأمره ونهيه. وأما إذا كان سببًا لاجتماع الناس على طاعة الله من صلاة وذكر وغيره أو هداية ضال ونحوه فذلك الغاية القصوى.\nالفائدة السادسة: من فوائد المخالطة: التواضع؛ لأنه من أفضل المقامات ولا يقدر عليه في الوحدة وقد يكون الكبر سببًا في اختيار العزلة. كما روي في الإسرائيليات: أن حكيمًا من الحكماء صنف ثلاثمائة وستين كتابًا في الحكمة حتى ظن أنه قد نال عند الله منزلةً فأوحى الله - تعالى - إلى نبي زمانه أن قل لفلان: قد ملأت الأرض نفاقًا وإني لا أقبل من نفاقك شيئًا. قال: فتخلى وانفرد في سرب تحت الأرض وقال: الآن قد بلغت محبة ربي فأوحى الله إلى نبيه. أن قل له: بإنك لن تبلغ رضاي حتى تخالط الناس وتصبر على أذاهم فخرج فدخل الأسواق وخالط العامة وجالسهم وواكلهم فأوحى الله تعالى - إلى نبيه. أن قل له: الآن قد بلغت رضاي.\nقال الغزالي: فكم من معتزل في بيته وباعثه التكبر ومانعه من المحافل أن لا يوقر ولا يقتدي به، ويري الترفع عن مخالطتهم أرفع لمحله.\nالفائدة السابعة: التجارب، فإنها تستفاد من المخالطة للخلق ومجاري أحوالهم والعقل الغريزي ليس كافيًا في تفهم مصالح الدين والدنيا وإنما تفيدها التجربة والممارسة ولا خير في عزلة من لم تحنكه التجارب. ومن أهم التجارب أن يجرب الإنسان نفسه وأخلاقه وصفات باطنه وذلك لا يقدر عليه في الخلوة؛ فإن كل غضوب أو حقود أو حسود أو بخيل أو متكبر إذا لم يخالط الناس لم تتحقق هذه الصفات من نفسه ولا يدركها وهذه الصفات مهلكات في أنفسها يجب إماطتها وقهرها ولا يكفي تسكينها بالتباعد عما يحركها فمثال القلب المشحون بهذه الخبائث مثال دمل ممتلئ بالقيح والمدة وقد لا يحس صاحبه بألم ما لم يتحرك أو يمسه غيره فإن لم يكن له يد تمسه أو عين تبصر صورته ولم يكن معه من يحركه أو يمسه ربما يظن بنفسه السلامة ولم يشعر بالدمل في نفسه واعتقد فقده ولكن لو حركه محرك أو أصابه مشرط حجام لانفجر منه القيح وفار فوران الشيء المحتقن إذا حبس عن الاسترسال فكذلك القلب المشحون بهذه الأخلاق الذميمة إنما تنفجر خبائثه إذا حرك، فالمخالطة لها فائدة ظاهرة عظيمة في استخراج الخبائث وإطهارها ولذلك قيل: (السفر يسفر عن الأخلاق) فإنه نوع من المخالطة الدائمة ثم قال الغزالي: وستأتي فوائد هذه المعاني ودقائقها في ربع المهلكات فإنه بالجهل بها يحبط العمل الكثير وبالعلم بها يزكو العمل القليل.","vol":"1","page":133},{"text":"وهذه الفوائد مرجعها إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكن ينبغي أن يزن الإنسان ثواب هذه الفوائد بإقامتها فعند ذلك قد تترجح العزلة وقد تترجح المخالطة كما ذكر الغزالي وغيره. والله أعلم.\nولو لم يكن من فوائد المخالطة سوى التماس بركة المسلمين لكان ذلك كافيًا).\nوقد روي الطبراني، وغيره من حديث ابن عمر أنه قيل لرسول الله - ﷺ - الوضوء من - جر - جديد مخمر أحب إليك أو من هذه المطاهر التي يتطهر منها الناس؟ فقال: (بل من هذه المطاهر التماسًا لبركة أيدي المسلمين).\nقال أبو الفرج بن الجوزي - ﵀ -: (من قدر على نفع المسلمين بماله أو بدنه لقضاء حوائجهم مع القيام بحدود الشرع - فإنه أفضل من العزلة إن كان لا يشتغل في عزلته إلا بالنوافل والأعمال البدنية، وإن كان ممن انفتح له طريق عبادة القلب بدوام ذكر أو فكر فذلك الذي لا يعدل به البتة). انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-35>فصل - ٣٤ -: من تيقن من وجود منكر بالسوق وكان قادرًا على تغييره لزمه الخروج لتغييره</span>\nومن تيقن أن في السوق منكرًا يجري على الدوام أو في وقت بعينه وهو قادر على إزالته وتغييره، فلا يجوز له أن يسقط ذلك عن نفسه، بالقعود في البيت، بل يلزمه الخروج فإن كان لا يقدر على تغيير البعض. وهو محترز عن مشاهدته، ويقدر على البعض لزمه الخروج لأن خروجه إذا كان لأجل تغيير ما يقدر عليه فلا يضره مشاهدة ما لا يقدر على تغييره وإنما يمنع الحضور لمشاهدة المنكر من غير غرض صحيح فحق على كل مسلم أن يبدأ بنفسه ليصلحها بالمواظبة على الفرائض وترك المحرمات، ثم يعلم ذلك أهله وأقاربه ثم يتعدى - بعد الفراغ منهم - إلى جيرانه، ثم أهله وأقاربه، ثم إلى السواد ثم إلى البوادي فإن قام به الأدنى سقط عن الأبعد.","vol":"1","page":134},{"text":"وإلا خرج للأمر والنهي به كل قادر عليه قريبًا كان أو بعيدًا، ولا يسقط الخروج للأمر والنهي ما دام يبقى على وجه الأرض جاهل بفروض دينه، وهو قادر على أن يسعى إليه بنفسه أو بغيره فيعلمه فرضه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-36>فصل - ٣٥ -: في إنكار المنكر أجر عظيم وفي عدم إنكاره الإثم الكبير</span>\nوكما أن في إنكار المنكر (أجر عظيم وثواب جسيم)، فكذلك الإثم الكبير على من تركه عند وجوبه.\nوقد سبق في أوائل الكتاب من الآيات الكريمات ما يدل على فضل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذم تاركه.\nثم يذكرها هنا ما لم يذكر هناك في ذمه وتوعده.\nقال الله - تعالى -: ﴿إنَّ الَّذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيَّنَّاه للنَّاس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللَّاعنون﴾.\n(هذا وعيدٌ شديدٌ لمن يكتم ما جاءت به الرسل من الدلالات البينة على المقاصد الصحيحة والهدى النافع للقلوب من بعد ما بينه الله - تعالى - في كتبه التي أنزلها على رسله).\nأخبر - سبحانه - (في هذه الآية أن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى ملعونون بلعنة الله أي يتبرأ منه ويبعده من ثوابه).\n(واللاعنون الملائكة والمؤمنون، قاله قتادة والربيع).\nوقال مجاهد وعكرمة: هم الحشرات والبهائم يصيبهم الجدب بذنوب علماء السوء الكاتمين فقيل: المراد بالذم كل من كتم علمًا من دين الله يحتاج إلى نشره كما هو مفسر في الأحاديث الآتية قريبًا.","vol":"1","page":135},{"text":"وفيه دليل على أن ما كان من غير ذلك جاز كتمه.\nوقال بعض العارفين: الإشارة في هذه الآية لمن كان الحق - ﷾ - كاشفه بعلم من آداب السلوك ثم ظن بإظهاره للمريدين على وجه النصيحة والإرشاد استوجب المقت في الوقت، ويخشى عليه نزع البركة من علمه حتى يقصر فيه كما أخر تعليم المستحق. والله أعلم.\nوفي الصحيح وغيره من حديث أبي هريرة موقوفًا: لولا آية في كتاب الله ما حدثت أحدًا شينًا: ﴿إنَّ الُّذين يكتمون ما أنزلنا من البيِّنات والهدى﴾ الآية.\nوسيأتي الحديث قريبًا. من رواية ابن ماجه بلفظ آخر.\nثم قال - تعالى -: ﴿وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنًا قليلًا. فبئس ما يشترون﴾.\nقال أهل التفسير: هذه الآية توبيخ لعلماء اليهود وهو خبر عام لهم ولغيرهم. قال الحسن وقتادة: (في كل من أوتي علم شيء من الكتاب، فمن علم شيئًا من الكتاب فليعلمه وإياكم والكتمان).\nوقال تعالى: ﴿وإنَّ من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمنًا قليلًا﴾.\nأي لا يكتمون ما بأيديهم من العلم، بل يبذلون ذلك مجانًا، ولهذا قال: ﴿أولئك لهم أجرهم عند ربهم﴾.\nوروى ابن ماجه عن النبي: (إذا لعن آخر هذه الأمة أولها ... فمن كتم حديثًا فقد كتم ما أنزل الله).\nثم قال - تعالى -: ﴿إنَّ الَّذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنًا قليلًا أولئك ما يأكلون في بطونهم إلاَّ النَّار ولا يكلِّمهم الله يوم القيامة ولا يزكِّيهم ولهم عذاب أليم﴾.","vol":"1","page":136},{"text":"يعني علماء اليهود كتموا ما أنزل الله في التوراة من صفة- محمد -ﷺ- وصحة رسالته.\n﴿ويشترون به﴾ يعني بالمكتوم ثمنًا قليلًا أي أخذ الرشا وسماه قليلًا، لانقطاع مدته وسوء عاقبته.\nقال المفسرون: وهذه الآية وإن كانت نزلت في الأخبار فإنها تتناول من المسلمين من كتم الحق مختارًا لذلك، بسبب دينًا يصيبها.\nوذكر البطون دلالة وتأكيدًا على حقيقة الأكل، إذ قد يستعمل مجازًا فيعاقبهم على كتمانهم بأكل النار في جهنم حقيقة فأخبر عن المآل بالحال.\nوقيل: يعذبهم على الكتم بالنار وعليه أكثر المفسرين.\nقوله: ﴿ولا يكلمهم الله﴾ عبارة عن الغضب عليهم، وإزالة الرضا عنهم.\nيقال: فلان لا يكلم فلانًا إذا غضب عليه. وقيل لا يكلمهم بما يحبون.\nوقيل: لا يرسل إليهم الملائكة بالتحية.\n﴿ولا يزكيهم﴾ أي لا يصلح أعمالهم الخبيثة فيطرهم.\nوقيل: لا يثني عليهم خبرًا.\n﴿ولهم عذاب أليم﴾: أي موجع والله أعلم.\nوفي سنن ابن ماجة من حديث أبي هريرة موقوفًا: والله لولا آيتان في كتاب الله ما حدثت عنه يعني النبي -ﷺ- شيئًا أبدًا لولا قول الله -تعالى-: ﴿إن الذين يكتمون مآ أنزل الله من الكتاب﴾ إلى آخر الآيتين. ﴿الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل﴾. قال بعض المفسرين هو البخل بالعلم لأن اليهود بخلوا بإظهار العلم الذي عندهم من صفة النبي -ﷺ- وكتموا ذلك، ولهذا قال: ﴿واعتدنا للكافرين عذابًا مهينًا﴾.\nقال ابن كثير: (ولا شك أن الآية محتملة لذلك).","vol":"1","page":137},{"text":"وروى الإمام أحمد، والترمذي، وابن ماجه من حديث أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: (من سئل علمًا يعلمه فكتمه ألجم بلجام من نار).\nقال الترمذي: (حديث حسن).\nورواه أبو داود ولفظه: (من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة).\nولفظ ابن ماجه: (ما من رجل يحفظ علمًا فكتمه) وذكر الحديث.\nوروى ابن ماجه -أيضًا- وأبو نعيم أحمد بن عبد الله- في كتابه المستخرج على صحيح مسلم- نحوه من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا: (من كتم علمًا مما ينتفع به في أمر الدين ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار).\nوروى أبو يعلى، والطبراني -في الكبير- من حديث ابن عباس مرفوعًا: (من سئل عن علم فكتمه جاء يوم القيامة ملجمًا بلجام من نار) الحديث.\nوروى الطبراني -أيضًا- في الكبير نحوه من حديث عبد الله بن عمرو.\nوروى في الأوسط من حديث ابن مسعود مرفوعًا: (أيما عبد آتاه الله علمًا فكتمه لقي الله يوم القيامة ملجمًا بلجام من نار).\nوروى ابن أبي الدنيا -بسنده- عن عبد الله بن عمر في قوله -تعالى-: ﴿وإذا وقع القول عليهم﴾.\nقال: (إذا لم يأمروا بالمعروف ولم ينهوا عن المنكر).","vol":"1","page":138},{"text":"قال ابن عباس -﵄- في قوله -تعالى-: ﴿واتقوا فتنًة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصًة﴾ (أمر الله) المؤمنين أن لا يقروا منكرًا بين أظهرهم فيعمهم العذاب. وكذلك تأول فيها الزبير بن العوام، وغيره. والله أعلم.\nوفي الصحيحين، ومسند احمد، وجامع الترمذي، وسنن ابن ماجه من حديث أم المؤمنين زينب بنت جحش -﵂- عن النبي -ﷺ- دخل عليها يومًا فزعًا يقول: لا إله إلا الله ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه، وحلق بإصبعيه الإبهام والتي تليها، فقالت زينب: قلت يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث، هذه رواية الصحيحين.\nوفيهما -أيضًا- أنه -ﷺ- أشرف على أطم من آطام المدينة فقال: (أترون ما أرى؟ قالوا: لا. قال: فإني أرى الفتن تقع خلال بيوتكم كمواقع القطر).\nوفي رواية أحمد، والترمذي، وابن ماجه قالت: استيقظ رسول الله -ﷺ- من نوم محمرًا وجهه. وهو يقول: لا إله إلا الله. وذكر نحوه.\nوفي جامع الترمذي بعد قوله: لا إله إلا الله يرددها ثلاث مرات، وعنده- عوض قوله•وحلق) - وعقد عشرًا.\nوقال الترمذي: وهذا حديث حسن صحيح.\nورواه مالك -في الموطأ- من حديث أم المؤمنين أم سلمة -﵂- قالت:","vol":"1","page":139},{"text":"(يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ فقال رسول الله -ﷺ- نعم، إذا كثر الخبث).\nورواه أحمد من حديثها -أيضًا- ولفظه. قالت: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: (إذا أظهرت المعاصي في أمتي عمهم الله بعذاب من عنده فقلت: يا رسول الله أما فيهم أناس صالحون؟ قال: بلى. قلت: فكيف يصنع أولئك؟ قال: يصيبهم ما أصاب الناس ثم يصيرون إلى مغفرة من الله ورضوان).\nقوله- في الرواية- الأولى- (ويل) هي كلمة تقال لمن وقع في هلكة ولا يترحم عليه بخلاف- ويح.\nوقوله: (للعرب) يعني المسلمين من أهل البادية.\nو(الردم) السد، لأنه ردم يأجوج ومأجوج (وهو سد ذي القرنين).\nو(يأجوج ومأجوج) بالهمز فيها وتركه- طائفتان من لود يافث بن نوح وهما صنفان من الترك أمتان أكثر الأمم.\nوقوله: (أنهلك) بكسر اللام، وحكي فتحتها.\n(وفينا الصالحون) أي يقع الهلاك بقوم فيهم من لا يستحق ذلك.\nوقوله: (إذا كثر الخبث).\nقال أبو عمر بن عبد البر: أولاد الزنا، وقال غير: الزنا.\nوإسناد هذا الحديث من سباعيات البخاري. والله أعلم.\nوقوله\" (إني لأرى الفتن تقع خلال بيوتكم) فيه إشارة إلى الحروب التي وقعت بينهم كمقتل عثمان ويوم الحرة وغيرها.\nوروى أبو القاسم الطبراني، وأبو بكر البزار وغيرهما من حديث ابن عباس -﵄- قال: قيل: يا رسول الله أتهلك القرية وفيها الصالحون؟ قال: نعم. قيل: بم يا","vol":"1","page":140},{"text":"رسول؟ قال: بتهاونهم وسكوتهم عن المعاصي.\nقال أبو عبد الله محمد بن عبد القوي- في نظمه:\nتعم بما نجني العقوبة غيرنا ... هنا وغدا يشقى بها كل معتد\nوقد ضرب رسول الله -ﷺ- مثلًا للمنكر والساكت عن الإنكار بما ثبت عنه في صحيح البخاري، ومسند أحمد، وجامع الترمذي من حديث النعمان بن بشير -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: (مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها، وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم. فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذ من فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا جميعًا) هذه رواية البخاري.\nورواية أحمد والترمذي نحوها وقال: حديث حسن صحيح.\nورواه ابن أبي الدنيا -بسنده- عن عامر الشعبي قال: سمعت النعمان بن بشير -﵁- يقول على المنبر: يا أيها الناس خذوا على أيدي سفهائكم، فإني سمعت رسول الله -ﷺ- (يقول): (إن قومًا ركبوا البحر في سفينة فاقتسموا فأصاب كلُّ رجل مكانًا فأخذ رجل منهم الفأس فنقر مكانه فقالوا: ما تصنع؟ قال: مكاني أصنع به ما شئت. فإن أخذوا على يديه نجوا ونجا، وإن تركوه غرقوا وغرق. خذوا على أيدي سفهائكم قبل أن تهلكوا).\nورواه أبو الفرج بن الجوزي -بسنده- عن النعمان بن بشير مرفوعًا -أيضًا-:\n\"إن مثل القائم على حدود الله والواقع فيها والمداهن فيها كمثل قوم ركبوا سفينة فأصاب بعضهم أسفلها وأوعرها وشرها، وأصاب بعضهم أعلاها. فكان الذين في أسفلها إذا استقوا الماء مروا على من فوقهم فآذوهم فقالوا: لو خرقنا في نصيبنا خرقًا فاستقينا منه ولم (نؤذ) من فوقنا، فإن تركوهم وأمرهم هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا جميعًا\".\nهذا لفظ روايته، وعزاه إلى الصحيحين.","vol":"1","page":141},{"text":"قوله: (القائم في حدود الله) أي المنكر لها، القائم في دفعها وإزالتها، والمراد بالحدود: ما نهى الله عنه ورسوله.\nو(استهموا) أي: اقترعوا. والاستهام طلب السهم والنصيب.\nقال العلماء: والهلاك المذكور في الحديث يحتمل (أن) يكون حسيًا ويحتمل أن يكون معنويًا، فأم المعنوي، فإن الواقع في الذنب قد أهلك نفسه، لما يؤول إليه من العذاب بسبب ما فعل والذي لم يغير عليه مثله، لأنه أمر بالتغيير فلما لم يغير وقع في ذنب آخر وهو تركه تغيير المأمور به فأهلك نفسه بما يؤول إليه من العذاب -أيضًا- فإن أخذ على يديه، وأقام عليه حد الله فقد نجا الفاعل للذنب بالحد الذي أقيم عليه.\nلحديث عبادة بن الصامت الآتي في آخر الباب الثامن قوله -ﷺ-: (.. ومن أصاب شيئًا من ذلك فعوقب به فهو كفارةٌ له).\nونجا -أيضًا- الذي غير عليه، بإنكاره عليه، وإقامة حكم الله -﷿- كما أمر وثبت له على ذلك الثواب الجزيل، بدليل (ما تقدم من الكتاب والسنة) وما سيأتي من كلام الله -تعالى-، وحديث رسول الله -ﷺ-.\nوأما الهلاك الحسي، فإن صاحب المعصية يخاف عليه الهلاك في هذه الدار، وكذلك الذي لم يغير عليه، بدليل من الكتاب والسنة. أما الكتاب فقصة أهل السبت. وقد سبق الكلام عليها عند تفسير قوله تعالى: ﴿وإذ قالت أمةٌ منهم لم تعظون قومًا الله مهلكهم﴾.\nوأما السنة:\nفلما تقدم، ويأتي من الأحاديث المرفوعة والموقوفة.\nقال بعض العلماء: وقد يراد المجموع وهو الظاهر من الحديث، لأنهم إذا تركوهم يفتحون فيدخل الماء في نصيبهم فسيهلكون فهم تسببوا في هلاك أنفسهم ومن تسبب في قتل نفسه فهو هالك في الدنيا والآخرة. وهلاكه في الدنيا بذهاب نفسه، وفي الآخرة بدخول النار والله أعلم.","vol":"1","page":142},{"text":"وفي الصحيحين، ومسند أحمد من حديث عبد الله بن عمر -﵄- قال: قال رسول الله -ﷺ-: (إذا أنزل الله بقوم عذابًا، وأصاب العذاب من كان فيهم ثم يبعثون على نياتهم، وعند أحمد على أعمالهم وهي رواية البخاري).\nهذا يبين حديث زينب السالف قبله.\nقال العلماء: فيكون إهلاك جميع الناس عند ظهور المنكر والإعلان، لأن محاربة ذلك وتغييره واجب عليهم فمن رأى ولم ينكر كمن فعل.\n(ودل قوله: ثم \"يبعثون\" وفي رواية (بعثوا على أعمالهم) أن ذلك الهلاك العام يكون طهرة للمؤمنين الطائعين ونقمة على الفاسفين).\nوفي صحيح ابن حبان وغيره من حديث عائشة -﵄- قالت: (قلت يا رسول الله إن الله أنزل سطوته بأهل الأرض وفيهم الصالحون فيهلكون بهلاكهم؟ فقال: يا عائشة إن الله إذا أنزل سطوته بأهل نقمة فيهم الصالحون فيصابون معهم ثم يبعثون على نياتهم).\nوفي جامع الترمذي من حديث عائشة قالت: قال رسول الله -ﷺ-: (يكون في آخر هذه الأمة خسف ومسخ وقذف قالت: قلت: أنهلك وفينا الصالحون قال: نعم إذا أظهر الخبث).\nوروى مسلم، وأحمد، والترمذي، وابن ماجه من حديث أم سلمة -رضي الله","vol":"1","page":143},{"text":"عنها- قالت: قال رسول الله -ﷺ-: (يعوذ عائذ بالبيت فيبعث إليه بعث فإذا كانوا ببيداء من الأرض خسف بهم فقلت: يا رسول الله! فكيف بمن كان كارهًا؟ قال: يخسف به معهم ولكنه يبعث يوم القيامة على نيته- ورواه الإمام أحمد -أيضًا- من حديث حفصة بنت عمر مرفوعًا بلفظ: يأتي جيش من قبل المشرق يريدون رجلًا من أهل مكة حتى إذا كانوا بالبيداء خسف بهم فرجع من كان أمامهم لينظر ما فعل القوم فيصيبهم (مثل) ما أصابهم. فقلت: يا رسول الله فكيف بمن كان مستكرهًا؟ قال: يصيبهم كلهم ذلك، ثم يبعث الله -﷿- كل امرئ على نيته).\nوفي مسند أحمد -أيضًا- من حديث عدي بن عدي بن عميرة الكندي، عن أبيه عن جده، عن النبي -ﷺ- قال: (إن الله -﷿- لا يعذب العامة بذنوب الخاصة حتى يروا المنكر بين أظهرهم وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكرونه فإذا فعلوا ذلك عذب الله الخاصة والعامة).\nورواه أحمد -أيضًا- من حديث عدي بن عدي قال: (حدثني مولى لنا أنه سمع جدي يقول: قال: رسول الله -ﷺ- فذكره).\nورواه ابن أبي الدنيا بسنده- عن سيف بن أبي سليمان قال: سمعت عدي بن عدي يقول: حدثني مولى لنا أنه سمع جدي يقول: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول فذكره.\nورواه الطبراني، من حديث العرس بن عميرة أخي عدي والله أعلم.\nوفي سنن أبي داود، وابن ماجه، من حديث جرير بن عبد الله -﵁- قال سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: (ما من رجل يكون في قوم يعمل فيهم بالمعاصي يقدرون على أن يغيروا عليه ولا يغيرون إلا أصابهم الله بعقاب قبل أن يموتوا).\nورواه الإمام أحمد -في المسند-.","vol":"1","page":144},{"text":"ولفظه: \"ما من قوم يكون بين أظهرهم من يعمل بالمعاصي، هم أعز منه وأمنع لم يغيروا عليه إلا أصابهم الله بعذاب\".\nورواه ابن حبان- في صحيحه وأبو القاسم الأصبهاني.\nورواه ابن أبي الدنيا بهذا اللفظ، ورواه من طريق آخر.\nبلفظ: \"أيما قوم عمل فيهم بالمعاصي، هم أعز وأكثر لم يغيروا إلا عمهم الله بعقابه\".\nورواه -أيضًا- بسنده- عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس مرفوعًا: \"ما ترك قوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا لم ترفع أعمالهم ولم يسمع دعاؤهم\".\nورواه البيهقي- في شعب الإيمان- بسنده، عن جرير بن عبد الله، عن أبي بكر -﵄- موقوفًا.\nقال: «إذا عمل قوم بالمعاصي، بين ظهرانيهم قوم هم أعز منهم فلم يغيروا عليهم أنزل الله عليهم بلاء، ثم لم ينزعه منهم».\nوفي المعجم الأوسط للطبراني، وشعب البيهقي من حديث جابر بن عبد الله -﵄- قال: قال رسول الله -ﷺ-: (أوحى الله -﵎- إلى ملك من الملائكة أن اقلب مدينة كذا وكذا على أهلها. فقال: يا رب إن فيهم عبدك فلانًا لم يعصك طرفة عين. فقال: اقلبها عليه وعليهم، فإن وجهه لم يتمعر في ساعة قط).\nقوله: يتمعر أي يتغير [يحمَّر] فالمعنى: إن هذا كان رجلًا متعبدًا وعمل على نفسه ولم يلتفت إلى غيره، بل اشتغل فيما هو فيه، ولم يأمر بمعروف ولم ينه عن منكر، فخسف به أولًا، فمن لم يغضب لله، ولم يتمعر وجهه إذا انتهكت حرمات الله لحقه الإثم وحق عليه العذاب.\nفعلى كل واحد من الناس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على حسب حاله لا ينبغي أن يسعه السكوت عن ذلك البتة- كما سبق ويأتي ... والله أعلم.\nوروى الحافظ أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم -بسنده- عن يحيى بن يعمر.","vol":"1","page":145},{"text":"قال: خطب علي بن أبي طالب -﵁- فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: (أيها الناس إنما هلك من هلك قلبكم بركوبهم المعاصي، ولم ينههم الربانيون والأحبار فلما تمادوا في المعاصي ولم ينههم الربانيون والأحبار أخذتهم العقوبات فمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن ينزل بكم مثل الذي نزل بهم، واعلموا أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يقطع رزقًا، ولا يقرب أجلًا انتهى).\nوتأمل يا أخي عاقر الناقة فإنه ما كان إلا واحدًا كما أخبر -سبحانه- في قوله: ﴿إذ انبعث أشقاها﴾. وقوله: ﴿فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر﴾ وتبعه ثمانية فصاروا تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون فأنزل الله العذاب على قوم صالح بأجمعهم (سواء من آمن منهم به) فأهلك من تحت أديم السماء من مشارق ومغاربها.\nقال الله -تعالى-: ﴿إنا أرسلنا عليهم﴾ ولم يقل: عليه. فهلكت الأمة كلها معه وشمل الأصاغر والبهائم من العقوبة ما شمل الأكابر حين لم ينهوا عن عقر الناقة منهم ورضوا بفعله، وكذلك سائر الأمم السالفة الهلكى، يشمل صغارهم ونساءهم وحيوانهم العذاب فعياذًا بك اللهم من سخطك وغضبك وأليم عقابك.\nوذكر الحافظ أبو بكر بن أبي الدنيا، عن وهب بن منبه قال: لما أصاب داود الخطيئة. قال: يا رب اغفر لي. قال قد غفرتها لك، وألزمت عارها بني إسرائيل. قال: يا رب كيف وأنت الحكم العدل لا تظلم أحدًا؟ أعمل أن الخطيئة، وتلزم عارها غيري؟ فأوحى الله إليه: لما عملت الخطيئة لم يعجلوا عليك بالإنكار.\nوفي مسند الإمام أحمد -﵀-، وجامع الترمذي، وشعب البيهقي، وغيرهم من حديث حذيفة بن اليمان -﵁- عن النبي -ﷺ- أنه قال: (والذي","vol":"1","page":146},{"text":"نفسي بيده لتأمرن بالمعروف وتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابًا منه ثم لتدعنه فلا يستجيب لكم).\nقال الترمذي حديث حسن.\nقوله: (ليوشكن) بكسر الشين المعجمعة أي ليسرعن فلولا أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض لما وجب العقاب على تركه، ولأن العقوبات إنما تجب بترك الواجبات. والله أعلم.\nوفي سنن ابن ماجه وغيرها من حديث عائشة -﵂- قالت: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: (مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن تدعوا فلا يستجب الله لكم).\nورواه أحمد والبيهقي بلفظ: (يا أيها الناس، إن الله يقول مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن تدعوا فلا يستجيب لكم).\nوروى ابن أبي الدنيا، والطبراني، وأبو القاسم الأصبهاني في حديث سالم بن عبد الله بن عمر -﵃- عن أبيه قال: قال رسول الله -ﷺ-: (يا أيها الناس مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن تدعوا فلا يستجاب لكم وقبل أن تستغفروا فلا يغفر لكم. إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يدفع رزقًا ولا يقرب أجلًا. وإن الأحبار من اليهود والرهبان من النصارى لما تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لعنهم الله على لسان أنبيائهم ثم عموا بالبلاء).\nأشار بقوله -ﷺ- في الحديث إلى قوله -تعالى-: ﴿لعن الذين كفروا من بنى إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون﴾.\nوفي الترغيب والترهيب لأبي القاسم الأصبهاني -بسنده- عن أنس بن مالك -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: (لا تزال لا إله إلا الله تنفع من قالها وترد عنهم العذاب والنقمة ما لم يستخفوا بحقها. قالوا: يا رسول الله ما الاستخفاف بحقها؟ قال: يظهر العمل بمعاصي الله -تعالى- فلا ينكر ولا يغير).","vol":"1","page":147},{"text":"وفي مسند أبي بكر البزار -بسنده- عن عمر بن الخطاب، -﵁- عن النبي -ﷺ- أنه قال: (لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليسلطن الله عليكم شراركم، ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لهم).\nورواه ابن أبي الدنيا من حديث عبد الله بن عمر، وزاد- بعد قوله: (فلا يستجاب لهم): (لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليبعثن عليكم من لا يرحم صغيركم ولا يوقر كبيركم).\nومعنى الحديث: أن الله سبحانه: لا يجعل في قلوب الأشرار الرهبة منكم إذا تركتم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويجعل في قلوبكم رهبتهم وإذا ارتفعت من قلوب الأشرار الهيبة من المؤمنين، استجرؤا عليهم وتسلطوا عليهم فإذا دعى خيارهم لم يستجب لهم لأنهم ضيعوا أمر الله ومن ضيع أمر الله لم يستجب له.\nوروى الإمام أحمد، وابن أبي الدنيا من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص -﵄- قال: قال رسول الله -ﷺ-: (لا تقوم الساعة حتى يأخذ الله شريطته من أهل الأرض فيبقى عجاج لا يعرفون معروفًا ولا ينكرون منكرًا).\nقال العلماء: الشريطة من الناس: الأشراف.\nويعني يقبض من يختاره من أهل الخير.\nوالعجاج: الرعاع من الناس وهم الأخلاط.\nوروى أبو الشيخ بن حيان من حديث جابر بن عبد الله -﵄- عن النبي -ﷺ- قال: (بئس القوم قوم لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر).","vol":"1","page":148},{"text":"ورواه علي بن معبد- في كتاب الطاعة والمعصية- من حديث الحسن البصري مرسلًا بزيادة تأتي في هذا الباب.\nوروى من حديث عمر بن الخطاب مرفوعًا.\nوبئس -في كلام العرب- مستوفية للذم، كما أن نعم مستوفية للمدح.\nوفي مسند أحمد، وجامع الترمذي، وصحيح ابن حبان، من حديث ابن عباس -﵄- قال: قال رسول الله -ﷺ-: (ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا، ويأمر بالمعروف وبينه عن المنكر) وقال: حديث غريب.\nوفي لفظ: (ليس منا من لم يوقر الكبير ويرحم الصغير) فذكره.\nقوله: (ليس منا) أي ليس من نصحائنا والمخلصين منا من لم يأمر بالمعروف وينه عن المنكر بحسب وسعة وطاقته بشرائطه.\nوروى الترمذي، وابن ماجه من حديث أم حبيبة بنت أبي سفيان، واسمها رملة -﵂- قالت: قال رسول الله -ﷺ-: (كل كلام ابن آدم عليه لا له إلا أمر بالمعروف أو نهيًا عن منكر، أو ذكر الله -﷿-).\nوروى أبو القاسم الطبراني- في الأوسط، والكبير من حديث ابن عباس. قال: قال رسول الله -ﷺ-: الإسلام عشرة أسهم، وقد خاب من لا سهم له، شهادة أن لا إله إلا الله وهي الملة، والثانية الصلاة وهي الفطرة، والثالثة الزكاة وهي الطهرة والرابعة الصوم وهو الجنة، والخامسة الحج وهي الشريعة، والسادسة الجهاد وهي العروة، والسابعة الأمر بالمعروف وهي الوفاء والثامنة النهي عن المنكر وهي الحجة، والتاسعة الجماعة وهي الألفة، والعاشرة الطاعة وهي العصمة).","vol":"1","page":149},{"text":"وروى أبو يعلى الموصلي، وأبو القاسم الأصبهاني -بسنديهما- عن علي بن أبي طالب -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: (الإسلام ثمانية أسهم، الإسلام سهم، والصلاة سهم، والزكاة سهم، والحج سهم، والجهاد سهم، وصوم رمضان سهم، والأمر بالمعروف سهم، والنهي عن المنكر سهم، وقد خاب من لا سهم له).\nورواه أبو بكر البزار من حديث حذيفة بن اليمان مرفوعًا.\nولفظه: الإسلام ثمانية أسهم الإسلام سهم، والزكاة سهم، وحج البيت سهم، والصيام سهم، والصلاة سهم، والأمر بالمعروف سهم، والنهي عن المنكر سهم، والجهاد في سبيل الله سهم، وقد خاب من لا سهم له).\nورواه البيهقي مرفوعًا وموقوفًا.\nقال الدارقطني: وهو الأصح.\nفدل هذا الحديث: على أن من لم يأمر بالمعروف ولم ينه عن المنكر خارج من صفة المؤمنين، كما أن من لم يقم الصلاة ويؤت الزكاة خارج عن صفة المؤمنين، فوجب على المؤمنين -حينئذٍ- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما وجب عليهم إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة. والله أعلم.\nوفي صحيح أبي عبد الله الحاكم، وغيره من حديث أبي هريرة -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: (الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم، وتحج، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتسليمك على أهلك، فمن انتقص شيئًا منهم فهو سهم من الإسلام يدعه، ومن تركهن فقد ولى الإسلام ظهره).\nوروى الطبراني -في الكبير بسنده- عن علقمة بن سعد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن جده قال: خطب رسول الله -ﷺ- ذات يوم، فأثنى على طوائف من المسلمين خيرًا، ثم قال: (ما بال أقوام لا يفقهون جيرانهم ولا يعلمونهم ولا يعطونهم ولا يأمرونهم ولا ينهونهم؟ وما بال أقوام لا يتعلمون من جيرانهم ولا يتفقهون ولا يتعظون والله ليعلمن قوم جيرانهم ويفقهونهم ويعظونهم ويأمرونهم وينهونهم، وليتعلمن قوم من جيرانهم ويتفقهون","vol":"1","page":150},{"text":"ويتفطنون) أو لأعاجلنهم العقوبة ثم نزل، فقال قوم: من ترونه عنى بهؤلاء؟ قال: الأشعريين هم قوم فقهاء ولهم جيران جفاة من أهل المياه والأعراب فبلغ ذلك الأشعريين، فأتوا رسول الله -ﷺ- فقال: يا رسول الله ذكرت قومًا بخير، وذكرتنا بشر، فما بالنا؟ فقال: ليعلمن قوم جيرانهم وليفطننهم وليأمرنهم ولينهونهم وليتعلمن قوم من جيرانهم ويتعظون ويتفقهون، أو لأعاجلنهم بالعقوبة في الدنيا (فقالوا: يا رسول الله أنفطن غيرنا؟ فأعاد قوله عليهم وأعادوا قولهم: أنفطن غيرنا؟ فقال ذلك -أيضًا- فقالوا أمهلنا سنة فأمهلهم سنة، (ليفقهونهم ويعلمونهم ويعظونهم) ثم قرأ رسول الله -ﷺ- هذه الآية: ﴿لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود ...﴾ الآية).\nوروى أبو بكر بن أبي الدنيا في كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- بسنده، عن أبي أمامة الباهلي -﵁- عن النبي -ﷺ- أنه قال: (كيف أنتم إذا طغى نساؤكم، وفسق شبابكم، وتركتم جهادكم؟ قالوا: وإن ذلك كائن يا رسول الله؟ قال: نعم والذي نفسي بيده، وأشد منه سيكون، قالوا: وما أشد منه يا رسول الله؟ قال: كيف إذا لم تأمروا بمعروف وتنهوا عن منكر؟ قالوا: أكائن ذلك يا رسول الله؟ قال: نعم والذي نفسي بيده، وأشد منه سيكون، قالوا: وما أشد منه يا رسول الله؟ قال: كيف أنتم إذا أمرتم بالمنكر ونهيتم عن المعروف؟ قالوا: أو كائن ذلك يا رسول الله؟ قال: نعم، والذي نفسي بيده وأشد منه سيكون، يقول الله -تعالى-: ﴿ربي حلفت لأتيحن لهم فتنة يصير الحليم فيها حيرانًا﴾.\nورواه ابن أبي الدنيا -أيضًا- من حديث ابن مسعود بلفظ آخر: (رواه أبو يعلى الموصلي من حديث أبي هريرة مقتصرًا على الأسئلة الثلاثة وأجوبتها دون الآخرين).\nقوله: (لأتيحن) بمثناة من فوق، ثم بمثناة من تحت، ثم حاء مهملة ونون مشددة أي لأقيضن- قاله العلماء.","vol":"1","page":151},{"text":"وذكر رزين نحو هذا الحديث عن علي مرفوعًا -أيضًا- بلفظ: (كيف بكم إذا فسق فتيانكم، وطغى نساؤكم؟ قالوا: يا رسول الله وإن ذلك لكائن؟ قال: نعم وأشد، كيف بكم إذا لم تأمروا بالمعروف ولم تنهوا عن المنكر؟ قالوا: يا رسول الله وإن ذلك لكائن؟ قال: نعم وأشد. كيف بكم إذا أمرتم بالمنكر ونهيتم عن المعروف؟ قالوا: يا رسول الله وإن ذلك لكائن؟ قال: نعم وأشد. كيف بكم إذا رأيتم المعروف منكرًا والمنكر معروفًا).\nوروى ابن أبي الدنيا -بسنده- عن ابي ميسرة عمرو بن شبرحبيل- رحمة الله عليه- قال: «يكون في آخر الزمان رجاجة من الناس لا يعرفون حقًا، ولا ينكرون منكرًا يتراكبون كما يتراكب الدواب والأنعام».\nوروى -ايضًا- بسنده عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس -﵄- قال: قال رسول اله -ﷺ-: (ما طفف قوم كيلًا ولا بخسوا ميزانًا إلا منعهم الله ﷿ القطر، ولا ظهر في قوم الزنا إلا ظهر فيهم الموت، ولا ظهر في قوم عمل قوم لوط إلا أظهر الله فيهم الخسف، وما ترك قوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا لم ترفع أعمالهم ولم يسمع دعاؤهم).\nوفي سنن ابن ماجه من حديث جابر -رضي الله (عنهما) -، قال: لما رجعت إلى رسول الله -ﷺ- مهاجرة البحر، قال: (ألا تحدثوني بأعاجيب ما رأيتم بأرض الحبشة؟) قال فتية منهم: بلى يا رسول الله بينما نحن جلوس مرت بنا عجوز من عجائز رهبانيهم تحمل على رأسهم قلة فيها ماء فمرت بفتى منهم. فجعل إحدى يديه بين كتفيها، ثم دفعها: فخرت على ركبتيها فانكسرت قلتها. فلما ارتفعت التفتت إليه. فقالت: سوف تعلم، يا غدر إذا وضع الله الكرسي، وجمع الأولين والآخرين وتكلمت الأيدي والأرجل بما كانوا يكسبون، فسوف تعلم كيف أمري وأمرك عنده غدًا.\nقال: يقول رسول الله -ﷺ-: (صدقت صدقت، كيف يقدس الله أمة لا يؤخذ لضعيفهم من شديدهم؟).\nوروى البيهقي في الشعب من حديث ابن بريدة عن أبيه قال: لما قدم جعفر بن أبي طالب من أرضه الحبشة لقيه رسول اللهﷺ- فقال: أخبرني بأعجب شيء رأيته بأرض","vol":"1","page":152},{"text":"الحبشة فقال: مرت امرأة على رأسها مكتل فيه طعام، فمر بها رجل على فرس فأصابها فرمى بها، فجعلت أنظر إليها وهي تعيده في مكتلها وهي تقول: ويل لك يوم يضع الملك كرسيه فيأخذ للمظلومين من الظالم، فضحك النبي -ﷺ- حتى بدت نواجذه فقال: (كيف تقدس أمة لا يؤخذ لضعيفها من شريفها حقه وهو غير متعتع).\nورواه البيهقي -أيضًا- من حديث جابر مختصرًا بلفظ: (لا قدست أمة لا يأخذ لضعيفها حقه من قويها غير متعتع).\nوروى نحوه الطبراني- في المعجم الكبير- من حديث خولة بنت قيس امرأة حمزة بن عبد المطلب مرفوعًا: (ما قدس الله أمة لا يأخذ ضعيفها الحق من قويها غير متعتع مختصرًا).\nورواه الطبراني -أيضًا- في الكبير، والأوسط من طريق أخرى بلفظ: (قالت: كان على رأس رسول الله -ﷺ- وسق من تمر لرجل من بني ساعدة فأتاه يقتضيه فقضاه تمرًا دون تتمره فأبى أن يقبله فقيل: أترد على رسول الله -ﷺ- قال: نعم ومن أحق بالعدل من رسول الله فاكتحلت عينا رسول الله -ﷺ- بدموعه. ثم قال: صدق من أحق بالعدل مني لا قدس الله أمة لا يأخذ ضعيفها حقه من شديدها ولا يتعتعه مختصرًا).\nورواه أحمد عن عائشة، وكذلك البزار.\nورواه أبو يعلى الموصلي من حديث أبي سعيد أيضًا ورواته رواة الصحيح.\nولفظه: «لا قدست أمة لا يعطى الضعيف فيها حقه غير متعتع».\nورواه ابن ماجه من حديث أبي سعيد -أيضًا- وذكر فيها قصة التمر المتقدمة آنفًا من حديث خولة غير الأولى وفيها أن النبي -ﷺ- قال: (لا قدست أمة لا يأخذ الضعيف فيها حقه غير متعتع).","vol":"1","page":153},{"text":"ورواه الطبراني من حديث أبي مسعود الأنصاري بإسناد جيد.\nورواه -أيضًا- من حديث معاوية ولفظه: «لا تقدس أمة لا يقضى فيها بالحق ويأخذ الضعيف فيها حقه من القوي غير متعتع».\nالمكتل شبه الزنبيل يسع خمسة عشر صاعًا تعتعه بتاءين مثناتين من فوق، وعينين مهملتين- أي أقلقه وأتعبه بكثرة ترداده إليه ومطله إياه .. والله أعلم.\nوروى الإمام أحمد، والبيهقي، وابن أبي الدنيا، وغيرهم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص -﵄- قال: قال رسول الله -ﷺ-: (إذا رأيتم أمتي لا تقول للظالم أنت ظالم فقد تودع منهم).\nورواه الحاكم من حديث ابن عمر. وقال: صحيح الإسناد.\nقال البيهقي -﵀- والمعنى في هذا، أنهم إذا خافوا على أنفسهم من هذا القول فتركوه كانوا- مما هو أشد منه وأعظم من القول والعمل- أخوف، وكانوا إلى أن يدعو جهاد المسلمين (بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)، خوفًا على أنفسهم، وإذا صاروا كذلك فقد تودع منهم، واستوى وجودهم وعدمهم، وتودع الخير منهم.\nوقال غيره: معنى (تودع منهم) أي استريح منهم، وخذلوا فخلى بينهم وبين المعاصي أو تحفظ منهم، وتوقوا كما يتوقى من شرار الناس. والله أعلم.\nوروى ابن أبي الدنيا -بسنده- عن الفضيل بن عياض -قدس الله روحه- قال: ذكر عن نبي الله -ﷺ- أنه قال: (إذا عظمت أمتي الدنيا نزعت منها هيبة الإسلام، وإذا تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حرمت بركة الوحي).\nقال: وذكر سفيان نحوه. وقال: ذلك في كتابه -﷿-: ﴿سأصرف عن ءاياتى الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق﴾.\nقال: (سأنزع عن قلوبهم فهم القرآن).","vol":"1","page":154},{"text":"وفي سنن أبي داود من حديث العرس بن عميرة الكندي -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: (إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها وكرهها وفي رواية (فأنكرها) كان كمن غاب عنها. ومن غاب عنها فرضيها كمن شهدها).\nورواه المغيرة بن زياد الموصلي، عن عدي بن عميرة، عن العرس به.\nورواه أبو عبد الله محمد بن منده- في كتابه معرفة الصحابة- من حديث يحيى بن عبد الحميد (الحماني) قال: حدثنا أبو بكر ابن عياش، عن مغيرة بن زياد، عن عدي بن عدي، عن العرس. قال: قال رسول الله -ﷺ-: (سيليكم ولاة يعملون أعمالًا تنكرونها فمن أنكر سلم، ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها).\nوروى ابن عدي -بسنده- عن أبي هريرة -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: (من حضر معصية فكرهها فكأنه غاب عنها ومن غاب عنها فأحبها فكأنه حضرها).\nورواه أبو بكر ابن أبي الدنيا- في كتاب الأمر بالمعروف- بإسناده. وقال عبد الله بن مسعود: (إن العبد ليغيب عن المنكر ويكون عليه مثل وزر صاحبه. قيل: وكيف ذلك؟ قال: يبلغه فيرضى به).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-37>فصل -٣٦ -: إذا تظاهر الناس بالمنكر وجب على كل من يراه أن يغيره في حدود القدر المستطاع</span>\nقال أبو بكر عبد الله القرطبي- عند تفسير قوله -تعالى-: ﴿واتقوا فتنًة لا تصيبنَّ الذين ظلموا منكم خآصًة﴾. فإن قيل: فقد قال الله -تعالى-: ﴿ولا تزر وازرةٌ وزر أخرى﴾.\nوقال: ﴿كل نفس بما كسبت رهينه﴾.\nوقال: ﴿لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ...﴾.","vol":"1","page":155},{"text":"وهذا يوجب أن لا يؤاخذ أحد بذنب أحد، وإنما تتعلق بصاحب الذنب؟ .\nفالجواب أن الناس إذا تظاهروا بالمنكر فيجب على كل من يراه أن يغيره، فإذا سكت عليه فكلهم عاص، هذا بفعله، وهذا برضاه. وقد جعل الله -تعالى- بحكمه وحكمته الراضي بمنزلة العامل، فانتظم في العقوبة. قاله ابن العربي).\nوهو مضمون الأحاديث، ومقصود قوله: (واتقوا فتنة تتعدى الظالم، فتصيب الصالح والطالح).\nوذكر أبو القاسم عبد الكريم بن محمد الرافعي من الشافعية- في كتاب الشهادات- من الشرح الكبير- خلافًا بين العلماء في تعيين الكبائر وذكر أقوالًا لأصحاب الشافعي وغيرهم ثم قال: وفصل القاضي الروياني. فقال: الكبائر سبع. قتل النفس بغير حق، والزنا واللواط، وشرب الخمر، والسرقة، وأخذ المال غصبًا، والقذف. وزاد- في الشامل- على السبع المذكورة: شهادة الزور وأضاف إليها صاحب العدة: أكل الربا، والإفطار في رمضان بلا عذر، واليمين الفاجرة، وقطع الرحم وعقوق الوالدين، والفرار من الزحف، وأكل مال اليتيم، والخيانة في الكيل والوزن، وتقديم الصلاة على وقتها وتأخيرها عن وقتها بلا عذر، وضرب المسلم بلا حق، والكذب على رسول الله -ﷺ- عمدًا، وسب أصحابه، وكتمان الشهادة بلا عذر، وأخذ الرشوة، والقيادة بين الرجال والنساء، ومنع الزكاة، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع القدرة، ونسيان القرآن بعد تعلمه، وإحراق الحيوان بالنار، وامتناع المرأة من زوجها بلا سبب، واليأس من رحمته، والأمن من مكر الله ﷾.\nفترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الكبائر، لما تقدم في ذلك من الآيات الكريمات والأحاديث الصحاح المرفوعات، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-38>فصل -٣٧ -: ثبوت عذاب القبر لمن ترك واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعدم قبول شفاعته</span>\nروى الشيخ أبو حيان- في كتاب التوبيخ -بسنده- عن ابن مسعود -﵁-","vol":"1","page":156},{"text":"عن النبي - ﷺ- قال: (أمر بعبد من عباد الله أن يضرب في قبره مائة جلدة فلم يزل يسأل ويدعو حتى صارت جلدة واحدة فامتلأ قبره عليه نارًا. فلما ارتفع عنه وأفاق قال: على ما جلدتموني؟ قال: لأنك صليت صلاة بغير طهور، ومررت على مظلوم فلم تنصره).\nوروى -أيضًا- بسنده، عن محمد بن محمد بن يحيى بن حمزة. قال: كتب إلى المهدي أمير المؤمنين وأمرني أن أصلب في الحكم وقال في كتابة: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس -﵄- قال: قال رسول الله -ﷺ- قال الله -﷾- (وعزتي وجلالي لأنتقمن من الظالم في عاجله وآجله، ولأنتقمن ممن رأي مظلومًا فقدر أن ينصره فلم يفعل).\nوفي مسند الإمام أحمد وغيره من حديث خرشة بن الحر الفزاري -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: (لا يشهد أحدكم قتيلًا لعله أن يكون مظلومًا فيصيبه السخط).\nورواه -أيضًا- الطبراني -في المعجم- إلا أنه قال: (فعسى أن يقتل مظلومًا فتنزل السخطة فتصيبه معهم).\nوروى ابن أبي الدنيا -في كتاب الصمت- بسنده، عن أنس بن مالك -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: (من ذكر عند أخوه المسلم وهو يستطيع نصره فلم ينصره ولو بكلمة أذلة الله في الدنيا والآخرة).\nورواه أبو بكر الخرائطي -في مكارم الأخلاق- وزاد: (من ذكر عنده أخوه المسلم فنصره نصره الله -﵎- بها في الدنيا والآخرة).\nورواه الإمام أحمد، والطبراني، والبيهقي، وأبو بكر بن السني من حديث أبي أمامة أسعد بن سهل بن حنيف الأنصاري، عن أبيه -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: (من أذل عنده مؤمن وهو يقدر على أن ينصره فلم ينصره أذله الله على رؤوس الخلائق يوم القيامة).","vol":"1","page":157},{"text":"قال أبو عبد الله محمد بن مفلح -رحمه الله تعالى-: (فظاهر كلام أصحابنا أن نصر المظلوم واجب، وإن كان ظالمًا في شيء آخر. وإن ظلمه في ذلك الشيء لا يمنع نصره على ظالمه في شيء آخر وهو ظاهر الأدلة. انتهى). والله أعلم.\nروى البيهقي -في شعب الإيمان- بإسناد حسن، عن عكرمة عن ابن عباس -﵄- قال: قال رسول الله -ﷺ-: (لا تقفن عند رجل يقتل مظلومًا، فإن اللعنة تنزل على من حضره متى لم يدفعوا عنه، ولا تقفن عند رجل يضرب مظلومًا، فإن اللعنة تنزل على من حضره).\nورواه أبو القاسم الطبراني في معجمه ولفظه: (لا يقفن أحدكم موقفًا يقتل فيه رجل ظلمًا فإن اللعنة تنزل على من يحضر متى لم يدفعوا عنه ولا يقفن أحدكم موقفًا يضرب فيه رجل ظلمًا فإن اللعنة تنزل على من حضره حين لم يدفعوا عنه).\nورواه الحافظ أبو نعيم: في الحلية ولفظه: (لا يقفن أحدكم على رجل يضرب ظلمًا فإن اللعنة تنزل من السماء على من حضره إذ لم يدفعوا عنه).\nقال أبو حامد الغزالي: (وهذا الحديث يدل على أنه لا يجوز دخول دور الظلم والفسق ولا حضور المواضع التي يشاهد المنكر فيها من غير حاجة اعتذارًا بأنه عاجز ولا. يجوز له حضور منكر لا يقدر على تغييره لأن اللعنة تنزل على من حضر ولهذا اختار جماعة من السلف العزلة لتفادي مشاهدتهم للمنكرات) انتهى.\nوذكر أبو سمرة النخعي -قيل: اسمه عبد الله بن عابس-: إن منكرًا ونكيرًا أتيا رجلًا إلى قبره وقالا: إنا ضاربوك مائة ضربة فقال الميت: إني كنت كذا وكذا، وتشفع ببعض أعماله الصالحة حتى حطا عنه عشرًا ثم لم يزل يتشفع حتى حطا الجميع إلا ضربة فضرباه ضربة فالتهب القبر عليه نارًا فقال: لم ضربتماني؟ فقالا: مررت بمظلوم فاستغاث بك فلم تغثه.","vol":"1","page":158},{"text":"وروى أبو الشيخ بن حيان في كتاب التوبيخ. ومن حديث أنس -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: (من اغتيب عنده أخوه المسلم فلم ينصره وهو يستطيع نصره أدركه إثمه في الدنيا والآخرة).\nورواه الأصبهاني في الترغيب والترهيب: ولفظه: (من اغتيب عنده أخوه واستطاع نصرته فنصره، نصره الله في الدنيا والآخرة).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-39>فصل -٣٨ -: الأحاديث والآثار الواردة في ذم تارك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر</span>\nوأما الأحاديث الموقوفة، والآثار الواردة المعروفة بذم تارك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فمنها:\nما روى أبو القاسم الأصبهاني -في الترغيب والترهيب- بسنده، عن أبي الدرداء -﵁- أنه قال: (لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليسلطن الله عليكم سلطانًا ظالمًا لا يجل كبيركم ولا يرحم صغيركم ويدعو عليه خياركم فلا يستجيب لكم وتستنصرون فلا تنصرون وتستغفرون فلا يغفر لكم).\nوروى أبو بكر ابن أبي الدنيا -في كتابه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- بسنده، عن حذيفة بن اليمان موقوفًا: (إن كان الرجل ليتكلم بالكلمة على عهد رسول الله -ﷺ- فيصير بها منافقًا، وإني لأسمعها من أحدكم اليوم في المقعد الواحد أربع مرات، لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتحاضُّن على الخير أو ليسحتنكم الله جميعًا بعذاب أو لتأمرن عليكم شراركم، ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لهم).\nورواه ابن أبي الدنيا -أيضًا- من طريق أخرى: ولفظه: \"ليس منا أحد أعظم من أحد لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو لتقاتلن فليظهرن شراركم على خياركم فليقتلنكم حتى لا يبقى أحد يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر ثم تدعو الله فلا يستجيبكم لمقتكم\".","vol":"1","page":159},{"text":"قوله: (لتحاضن) أي ليحضن بعضكم بعضًا على الخير.\nوفي كتاب الزهد والرقائق لابن المبارك بسنده عن عبد الله بن مسعود -﵁- أنه قال: يذهب الصالحون ويبقى أهل الريب. قالوا: يا عبد الله ومن أهل الريب؟ قال: قوم لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر.\nوفيه بسنده عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي. قال حدثنا أسيد بن عبد الرحمن عن العلاء بن زياد -رحمة الله عليه- قال: إنكم في زمان أقلكم من ذهب عشر دينه، وإن بعدكم زمانًا أقلكم من يبقى عشر دينه.\nوفي شعب الإيمان للبيهقي من حديث أبي جحيفة عن علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه- أنه قال: الجهاد ثلاثة: جهاد بيد وجهاد بلسان وجهاد بقلب، فأول ما يغلب عليه من الجهاد جهاد اليد ثم جهاد اللسان فإذا كان القلب لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا نكس فجعل أعلاه أسفله.\nوروى ابن أبي الدنيا بسنده عن أبي شريح الخزاعي، قال: خرج علينا حذيفة بن اليمان. وقال أتاكم الخير. قلنا وما ذاك؟ قال هلك عثمان -قلنا- هلكنا والله إذا. قال إنكم لن تهلكوا إنما تهلكون إذا لم يعرف لذي شيبة شيبته. ولا لذي سنن سنه. وصرتم تمشون على الركبات كأنكم يعاقيب حجل لا تأمرون بالمعروف ولا تنهون عن المنكر.\nوفي الترغيب والترهيب -لأبي القاسم الأصبهاني- بسنده -عن عمر بن الخطاب -﵁- أن رجلًا قال له إني لأعمل بأعمال البر كلها إلا في خصلتين: قال: وما هما؟ قال: لا آمر بالمعروف ولا أنهى عن المنكر. فقال له (عمر): لقد طمست سمهمين من سهام الإسلام إن شاء عذبك وإن شاء غفر لك.\nوفي كتاب الزهد للإمام أحمد -رحمة الله عليه- بسنده، عن بلال بن سعد بن تميم الأشعري -رحمة الله عليه- قال: (إن الخطيئة إذا أخفيت لم تضر إلا عاملها، وإذا ظهرت ولم تغير ضرت العامة).\nورواه ابن المبارك -في الزهد والرقائق- ولفظة: (إن المعصية إذا أخفيت لم تضر إلا","vol":"1","page":160},{"text":"صاحبها، وإذا أعلنت فلم تغير ضرت العامة).\nوروى البيهقي اللفظين في شعب الإيمان.\nوروى ابن أبي الدنيا -في كتاب الأمر بالمعروف- وأبو الشيخ الأصبهاني بسنديهما عن إبراهيم بن عمرو الصنعاني -﵀- قال: أوحى الله -تعالى- إلى يوشع بن نون -﵇- إني مهلك من قومك أربعين ألفًا من خياركم، وستين ألفًا من شرارهم قال: يارب هؤلاء الأشرار فما بال الأخيار؟ قال: لأنهم لم يغضبوا لغضبي، وكانو يؤاكلونهم ويشاربونهم.\nوروى ابن أبي الدنيا -أيضًا- بسنده، عن وهب بن منبه -﵀- قال: لما أصاب داود الخطيئة: قال: يارب اغفر لي: قال: قد غفرتها لك وألزمت عراها بني اسرائيل.\nقال: كيف يارب وأنت الحكم العدل لا نظلم أحدًا. أعمل أنا الخطيئة وتلزم عارها غيري؟\nفأوحى الله إليه: يا داود إنك لما اجترأت علي بالمعصية لم يعجلوا غليك بالنكرة.\nوبسنده، عن إبراهيم بن الأشعث قال: سمعت الفضيل بن عياض قال: بلغني أن الله -﷿- قال: إني أنا الله أقسمت بشديد الغضب، لآخذن مطيعكم بعاصيكم حتى لا أعصى علانية بين ظهرانيكم. وفي الزهد للإمام أحمد، وشعب الإيمان للبيهقي، عن مالك بن دينار -﵀ عليه- قال: أن الله -تعالى- أمر بقرية أن تعذب فضجت الملائكة. وقالت: إن فيهم عبدك فلانًا العابد فقال: أسمعوني (منه) صيحة، فإن وجهه لم يتمعّر، غضبًا لمحارمي.\nقال البيهقي: هذا هو المحفوظ من قول مالك بن دينار.\nوقد روي من وجه آخر مرفوعًا.\nوروى الطبراني -في الكبير- من حديث نعيم بن نمحة وذكر خطبة أبي بكر الصديق -﵁- وفي آخرها: لا خير في قول لا يراد به وجه الله -تعالى- ولا خير في مال","vol":"1","page":161},{"text":"لا ينفق في سبيل الله، ولا خير فيمن يغلب -حلمه جهله- ولا خير فيمن لا يخاف في الله لومة لائم.\nوقال سفيان الثوري: (إذا أثنى على الرجل جيرانه أجمعون فذاك رجل سوء لا خير له، كان يراهم يعملون المعاصي ولا ينهاهم (ويلقاهم) بوجه طلق).\nوروى ابن أبي الدنيا بسنده، عن حذيفة بن أسباط قال: سمعت سفيان قال: قال حذيفة -﵁-: إن الرجل ليدخل المدخل الذي يجب عليه أن يتكلم فيه لله فلا يتكلم، فلا يعود قلبه إلى ما كان أبدًا. قال يوسف: فحدثت به أبا إسحق الفزاري حين قدم من عند هارون فبكى ثم قال: أنت سمعت هذا من سفيان.\nوفي الزهد والرقائق لابن المبارك، وشعب الإيمان للبيهقي، عن عمر بن عبد العزيز -رحمة الله عليه- قال: كان يقال: إن الله -تعالى- لا يعذب العامة بذنب الخاصة، ولكن إذا عمل المنكر جهارًا فقد استحقوا كلهم العقوبة).\nورواه أبو بكر ابن أبي الدنيا -في كتاب الأمر بالمعروف.\nوفي كتاب الزهد للإمام أحمد بسنده عن مالك بن دينار. أنه قال: (قرأت في التواراة: من كان له جار يعمل بالمعاصي فهو شريكه).\nورواه أبو القاسم في الترغيب والترهيب.\nوفي الزهد -أيضًا- عن مالك بن دينار قال: كان حبر من أحبار بني إسرائيل يغشى منزله الرجال والنساء؛ يعظهم ويذكرهم بأيام الله -﷿- فرأى بعض بنيه يومًا وقد غمز بعض النساء. فقال له: مهلًا. قال: فسقط من سريره فانقطع نخاعه وأسقطت امرأته وقتل بنوه في الجيش فأوحى الله إلى نبي ذلك الزمان، أن أخبر فلانًا الحبر: أني لا أخرج من صلبك صديقًا أبدًا. ما كان من غضبك إلا أن قلت: مهلًا يا بني! !).\nورواه ابن أبي الدنيا بلفظ آخر.\nقوله: (مهلًا) أي أمهل والمهل -بفتح الميم والهاء-: التؤدة والله أعلم.","vol":"1","page":162},{"text":"وروى أبو بكر بن أبي الدنيا -بسنده- عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الشعباني -﵀- تعالى- قال: أوحى الله -﷿- إلى نبي من أنبياء يني إسرائيل يقال له أرميا: أن قم بين ظهراني قومك؛ فإن لهم قلوبًا لا يفقهون بها وأعينًا لا يبصرون بها وآذانًا لا يسمعون بها، فسلهم كيف وجدوا غب طاعتي، وسلهم كيف وجدوا غب معصيتي؟ وسلهم هل شقى أحد بطاعتي؟ أم هل سعد أحد بمعصيتي؟ إن البهائم تذكر أوطانها فتفزع إليها، وإن هؤلاء القوم تركوا الأمر الذي أكرمت به آبائهم، والتمسوا الكرامة من غير وجهها. أما ملوكهم فكفروا نعمتي، وأما خيارهم فلم ينتفعوا بما عرفوا من حكمتي خرنوا المنكر في صدورهم، وعوذوا الكذب ألسنتهم فبعزني وجلالي (لأهيجن) عليهم جنودًا لا يعرفون وجوههم ولا يفقهون ألسنتهم، ولا يرحمون بكاءهم ولأسلطن عليهم ملكًا جبارًا قاسيًا له جنود كقطع السحاب كأن حمل فرسانه كسرا العقبان وكأن حقق راياته أجنحة النسور فيدعون العمران خرابًا، والقرى وحشًا، فويل لأهل \"إيليا\" وسكانها كيف أسلط عليهم السبابة وأذلهم بالقتل. ولأنهم من بعد تحف الأعراس صراخ السهام وأذلهم بالقتل؟ ولأبدلن نساءهم بعد العز الذل وبعد الشبع الجوع، ولأجعلن لحومهم زبل الأرض وعظامهم ضاحية الشمس.\nفقال النبي أرميا: أي رب إنك مهلك هذه الأمة ومخرب هذه المدينة وهم ولد خليلك إبراهيم وأمة صفيك موسى، وقوم نبيك داود فلأي أمة تأمن مكرك بعد هذه الأمة؟ وأي مدينة تحتوي عليك بعد هذه المدينة؟ فأوحى الله -تعالى- إليه: إنما أكرمت إبراهيم وموسى وداود بطاعتي، ولو عصوني لأنزلتهم منزلة العاصين، إن القرون قبلك كانوا يستخفون بمعصيتي، حتى كان القرن الذي أنت فيه، فأظهروا معصيتي فوق رؤوس الجبال، وتحت ظلال الشجر، وفي بطون الأودية، فلما رأيت ذلك أمرت السماء فكانت طبقًا من حديد وأمرت الأرض فكانت صفيحةً من نحاس فلا سماء تمطر ولا أرض تنبت فإن أمطرت السماء شيئًا فبرحمتي وعطفي على البهائم، وإن أنبتت الأرض شيئًا سلطت عليه الجراد والجنادب والصراصر، فإن حصدوا منه شيئًا في خلال ذلك، وأودعوه بيوتهم نزعت بركته ثم يدعوني فلا أستجيب لهم.\nوعن عبد الله بن عمر ﵄ قال يؤمر بالرجل إلى النار ويؤمر بجلساته فيقولون: يا ربنا ما لنا فيقول: أما كنتم تأمرون أما كنت تنهون؟ فيقولون: لا. فيقول: اذهبوا بهم إلى النار.\nوعن أبي هريرة -﵁- قال: (كنا نسمع أن الرجل يتعلق بالرجل يوم القيامة وهو لا يعرفه فيقول له: ما لك متعلق بي وما بيني وبينك معرفة؟ فيقول: كنت تراني على","vol":"1","page":163},{"text":"الخطأ وعلى المنكر ولا تنهاني. ذكره رزين. وقال عبد الله بن مسعود -﵁- لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس، على من لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا، يتهارجون كما تتهارج البهائم).\nوروى البيهقي -في شعب الإيمان- بسنده، عن أبي الطفيل عامر بن واثلة. قال: سئل حذيفة بن اليمان -﵁- عن ميت الأحياء فقال: الذي لا ينكر المنكر بيده ولا بلسانه ولا بقلبه.\nفجعل علامة موت القلب عدم الإنكار. وموت القلب أعظم من موت البدن.\nكما قيل:\nليس من مات فاستراح بميت ... إنما الميت ميت الأحياء\nفالرجل هو الذي يخاف موت قلبه إذا كان الناس يخافون موته أبدانهم، ولا يبالون بموت قلوبهم ولا يعرفون سوى الحياة الطبيعية والله أعلم.\nروي من حديث ابن عباس: يأتي على الناس زمان وجوههم وجوه الآدميين، وقلوبهم فلوب الشياطين سفاكين للدماء لا يرعون من قبيح، صبيهم عارم، وشابههم شاطر، وشيخهم لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر، السنة فيهم بدعة، والبدعة فيهم سنة وذو الأمر عار فعند ذلك يسلط الله عليهم شرارهم، فيدعو خيارهم فلا يستجاب لهم.\n(وقال علي بن الحسين زين العابدين: التارك للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كالنابذ كتاب الله وراء ظهره، إلا أن يتقي منهم تقاة. قيل وما تقاته؟ قال: يخاف جبارًا عنيدًا أن يسطو عليه أو أن يطغى).\nوروى البيهقي في شعب الإيمان بسنده، عن جعفر بن سليمان قال: قال مالك بن دينار: اصطلحنا على حب الدنيا فلا يأمر بعضنا بعضًا ولا ينهى بعضنا بعضًا، ولا يذرنا الله على هذا فليت شعري. (أي عذاب الله ينزل).\nوبسنده، عن أبي الجوزاء أوس بن عبد الله، عن ابن عباس -﵄- في قول","vol":"1","page":164},{"text":"الله -تعالى-: ﴿ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض﴾ قال (يدفع الله من يصلي عمن لا يصلي، وبمن يحج عمن لا يحج، ومن يزكي عمن لا يزكي) ثم قال البيهقي -﵀-: وهذا يكون إلى ما يشاء الله وقد يدعهم فيهلكوا جميعًا إذا كثر الفساد، ثم يبعثهم على نياتهم.\nقلت: كما سلف في معنى ذلك من الأحاديث المرفوعة والموقوفة. والله أعلم.\nويسند البيهقي -أيضًا- عن مالك بن دينار -رحمة الله عليه- أنه قرأ هذه الآية:\n﴿وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون﴾ (قال فيكم اليوم في كل قبيلة وحي من الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون).\nوقال محمد بن الحسين الجوهري: سمعت ذا النون المصري -قدس الله روحه- يقول: يا أيها الناس هذا أوان ينصح فيه الأحياء، إذ الأموات في غمرتهم يعمهون حين غدا الدين غريبًا منبوذًا وغدا أهله غرباء مهينين قد أقبلوا على أكل الحرام وتركوا طلب الحلال ورفضوا المعروف وأقبلول على المنكر، وتركوا الجهاد، فأظلمت الأرض بعد نورها ورضيت العلماء من العلم بعلمهم فانتبهوا أيها الأموات وإخوان الأموات وجيران الأموات، وعن قليل أنتم أموات قد كثرت الذواهي وقلت النواهي. انتهى.\nوأنشدوا:\nلو أنكر المنكر لم يشنهر ... بين الورى فسق وعصيان\nولو دفع الباطل بالحق لم ... يطل لدى الباطل بنيان\nتيقظ للأمر بالمعروف إلى كم نوم، ألحق الناهين عن المنكر فقد سبق القوم.\nفسبحانه له الحكم والتدبير وله الأمر والنهي وإليه المصر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-40>فصل -٣٩ -: تارك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عاص لوجوه أربعة</span>\nقال جماعة من العلماء -رحمهم الله تعالى-: ويحكم على تارك الأمر بالمعروف","vol":"1","page":165},{"text":"والنهي عن المنكر بأنه عاص لوجوه أربعة:\nأحدها: أن يكون زاهدًا في ثواب ذلك إما لجهله أو لعدم إيمانه.\nالوجه الثاني: أن يدعو إلى ترك الأمر بالمعروف والنهي.\nالوجه الثالث: أن يرى منكرًا وهو قادر على أن يغيره فلا يغيره.\nالوجه الرابع: أن يرى قومًا قد أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر وهم محتاجون إلى معونته وهو قادر فلا يعينهم كما سيأتي تفصيل ذلك في طبقات الآمرين والمأمورين والمتخلفين من الباب الثالث إن شاء الله تعالى.\nقال العلامة ابن القيم: وذهب أهل الإلحاد إلى عدم الإنكار على الخلق فيما يبدو منهم من أحكام البشرية، لأن المشاهد يعين الجميع يعلم أن مراد الله من الخلائق ما هم عليه وإذا علم ذلك بحقيقة الشهود كان الإنكار رعونة من رعونات الأنفس المحجوبة. وقال قدوتهم في ذلك: العارف لا ينكر منكرًا، لاستبصاره بسر الله في القدر.\nوهذا عين الإلحاد والانسلاخ من الدين بالكلية. فيقال: إنما بعث الله رسله وأنزل كتبه بالإنكار على الخلق ما هم عليه من أحكام البشرية وغيرها، فبهذا أرسلت الرسل وأنزلت الكتب وانقسمت الدار إلى دار سعادة للمنكرين، ودار شقوة للمنكر عليهم، فالطعن في ذلك طعن في الرسل والكتب. ومن تأمل أحوال الرسل مع أممهم وجد أنهم كانوا قائمين بالإنكار عليهم أشد القيام حتى لقوا الله وأوصوا من آمن بهم بالإنكار على من خالفهم.\nوأخبر النبي -ﷺ- أن المتخلص من مقامات الإنكار الثلاثة ليس معه من الإيمان حبة خردل.\nوبالغ في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أشد المبالغة حتى قال: (إن الناس إذا تركوه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده).\nوأخبر أن تركه يمنع إجابة دعاء الأخيار، ويوجب تسلط الأشرار وأخبر أن تركه يوقع المخالفة بين القلوب والوجوه، وتحل لعنة الله كما لعن بني إسرائيل على تركه انتهى.\nقلت: وقد سبق في تفسير الآيات الكريمات والأحاديث الصحاح المرويات توبيخ من لم يأمر بالمعروف وينه عن المنكر وتهديده وتواعده والله أعلم.\nثم قال ابن القيم: (فكيف يكون الإنكار من رعونات النفوس وهو مقصود الشريعة؟","vol":"1","page":166},{"text":"وقول القائل: إن المشاهد يعلم أن مراد الله من الخلائق ما هم عليه؟ فيقال له: الرب -تعالى- له مرادات: كوني وديني. فهب أن مراده الكوني منهم ما هم عليه، فمراده الديني الأمر الشرعي وهو الإنكار على أصحاب المراد الكوني، فإذا عطلت مراده الديني لم تكن واقفًا مع مراده الذي يحبه ويرضاه، ولا ينفعك وقوفك مع مراده الذي قدره وقضاه، إذ لو نفع ذلك لم يكن للشرائع معنى البتة، ولا للحدود والزواجر ولا للعقوبات الدينية ولا للأخذ على أيدي الظلمة والفجار، وكف عصيانهم وفجورهم وفي هذا إفساد الدنيا قبل الأديان.\nفهذا المذهب الخبيث لا يصلح عليه دنيا ولا دين ولكنه رعونة نفس قد أخلدت إلى الإلحاد وكفرت بدين رب الغباد، واتخذت تعطيل الشرائع مقامًا، ووساوس الشياطين مسامرة وإلهامًا، وجعلت أقدار الرب -تعالى- مبطلة لما بعث به رسله وأنزل كتبه، وجعلوا هذا الإلحاد غاية المعارف الإلهية، وأشرف المقامات العلية، ودعوا إلى ذلك النفوس المبطلة الجاهلة بالله وبدينه فلبوا دعوتهم مسرعين واستخف الداعي منهم قومه فأطاعوه، إنهم كانوا قومًا فاسقين.\nوقول القائل: إن الإنكار من رعونات الأنفس المحجوبة.\nفلعمري إنهم في حجاب منيع عن هذا الكفر والإلحاد ولكنهم يشرفون على أهله وهم في ضلالتهم يعمهون، وفي كفرهم يترددون ولأتباع الرسل محاربون وإلى خلاف طريقتهم يدعون وبغير هديهم يهتدون وعن صراطهم المستقيم ناكبون، ولما جاءوا به معارضون).\n﴿يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون. في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضًا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون﴾.","vol":"1","page":167},{"text":"الجزء الثاني:\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-41>فصل- (٤٠): إبطال زعم البعض أن السكوت عن المنكر مقام من مقامات الرضا بالقضاء:</span>\nومن هؤلاء من يقول: من نظر إلى الناس بعين العلم مقتهم ومن نظرهم بعين الحقيقة عذرهم كما قال بعضهم: العالم ينشقك الخل والخردل، والعارف ينشقك المسك والعنبر.\nقال العلامة شمس (الدين) محمد بن القيم -﵀-: ومعنى هذا أنك مع العالم في تعب، ومع العارف في راحة، لأن العارف يبسط عذر الخلائق، والعالم يلوم فانظر إلى ما تضمنه هذا الكلام الذي ملمسه ناعم وسمه قاتل من الإنحلال عن الدين والراحة من أحكام العبودية وعذر اليهود والنصارى وعباد الأوثان والظلمة والفجرة، وأن أحكام الأمر والنهي الواردين على ألسنة الرسل للقلوب بمنزلة من يعطي الخل والخردل، وأن شهود الحقيقة الكونية الشاملة للخلائق والوقوف معها والإنقياد لحكمها بمنزلة تنشيق المسك والعنبرة فليهن الكفار والفجار والفساق انتشاق هذا المسك والعنبر إذا شهدوا هذه الحقيقة وانقادوا لحكمها، ويا تعس الأبرار المحكومين لما جاء به الرسول من كثرة سعوطهم بالخل والخردل، فإن قول العالم هذا يجوز وذا لا يجوز وهذا حلال وهذا حرام وهذا يرضي الله وهذا يسخطه حل عند هؤلاء الملاحدة وإلاّ قالحقيقة تشهدك الأمر بخلاف ذلك، وكذلك إذا نظرت عندهم إلى العالم بعين الحقيقة عذرت الجميع فتعذر من لامه الله ورسوله أعظم العلامة. ويا لله العجب إذا كانوا معذورين في الحقيقة فكيف يعذب الله -سبحانه- المعذور ويذيقه أشد العذاب، وهلا كان الغني الرحيم أولى بعذره من هؤلاء؟ ! نعم العالم يلوم بأمر الله، والعارف يرحم بقدر الله ولا يتنافى عنده اللوم والرحمة. ومن رحمته عقوبة من أمر الله بعقوبته وذلك رحمة له وللأمة وترك عقوبته زيادة في أذاه وأذى غيره، وأنت مع العالم في تعب يعقبه كل راحة ومع عارف هؤلاء في راحة يعقبها كل تعب وألم.\nثم قال ﵀في مكان-: كلهم محجوبون وعن الظفر بالمطلب الأعلى","vol":"1","page":168},{"text":"مصدودون قد قيدتهم العوائد والرسوم والأوضاع والاصطلاحات عن تجريد المتابعة فأصبحوا عنها بمعزل ومنزلتهم منها أبعد منزل فترى أحدهم يتقيد بالرياضة والخلوة وتفريغ القلب ويعد العلم قاطعًا له عن الطريق فإذا ذكر له الجهاد كان أشد نفورًا عنه فإذا ذكرت له الموالاة في الله والمعاداة فيه والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عدَّ ذلك فضولًا وشرًا وإذا رأوا بينهم من يقوم بذلك أخرجوه من بينهم، وعدوه غبرًا عليهم فهؤلاء أبعد الناس عن الله وإن كانوا أكثرهم إشارة إليه. انتهى ما قاله القيم.\nوقد سبق قبل فصل (الاختلاط بالناس) تغليظ بعض المتحرفين البطالين القائلين: إنّ المعاصي والفجور وغير ذلك من القبائح الظاهرة والباطنة من قضاء الله وقدره وأنه يجب الرضا به، وعدم التعرض إلى فاعله بقول أو فعل ولو بالكراهة فتلبس عليهم ذلك حتى رأوا أن السكوت عن المنكر (مقام) من مقامات الرضا. وسموه حسن خلق وسيأتي في أول الباب الثاني قول الغزالي: العجب من قول الرافضة لا يجوز الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ما لم يخرج الإمام المعصوم وهو الإمام الحق عندهم. وهؤلاء أخس (رتبة من أن) يكلموا بل جوابهم أن يقال لهم إذا جاءوا إلى القضاة (طالبين) لحقوقهم في دمائهم وأموالهم: إن نصركم أمر بالمعروف واستخراج حقوقكم من يد من ظلمكم نهي عن المنكر وطلبكم بحقكم من جملة المعروف. وما هذا زمن النهي عن الظلم وطلب الحقوق، لأن الإمام الحق لم يخرج بعد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-42>فصل- (٤١): من صور جزاء التقصير في واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نزع هيبة الطاعة:</span>\nروى الإمام أبو بكر بن أبي الدنيا بسنده، عن أبي المنذر إسماعيل بن عمر قال: سمعت أبا عبد الرحمن العمري يقول: إن من غفلتك عن نفسك إعراضك عن الله -﷿- بأن ترى ما يسخطه فتجاوزه لا تأمر فيه ولا تنهى، خوف ممن لا يملك لك ضرًا ولا نفعًا.\nوسمعته يقول: من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من مخالفة المخلوقين، أو رغبة في نفعهم نزعت منه هيبة الطاعة، حتى لو أمر ولده وبعض أهله لاستخفوا به.","vol":"1","page":169},{"text":"قال أبو الحسن المارودي -في الأحكام السلطانية-: وأعلم أن هذا الباب- أعني الأمر بالمعرف والنهي عن المنكر، قد ضيع أكثره من أزمان متطاولة ولم يتبق منه في هذه الأزمان إلا رسوم قليلة جدًا، وهو باب عظيم به قوام الدين وملاكه، وإذا أكثر الخبث عمر البلاء والعقاب الصالح والطالح. ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾.\nوقال أبو زكريا النواوي -رحمه (الله) - ولا ينبغي أن تبارك أحدًا في حال معصيته لصداقته ومودته ومداهنته وطلب الوجاهة عنده ودوام المنزلة (لديه)، فإن صداقته ومودته توجب له حرمة وحقًا، ومن حقه أن ينصحه ويهديه إلى مصالح آخرته وينقذه من مضارها، فصديق الإنسان ومحبه هو الذي يسعى في عماره آخرته، وإن أدى ذلك إلى نقص في دنياه، وعدوه من يسعى في نقصان آخرته وإن حصل بذلك نفع في دنياه. وإنما كان \"إبليس\" عدو لهذا المعنى وكانت الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم- أولياء للمؤمنين لسعيهم في مصالح آخرتهم وهدايتهم إلى كل خير. انتهى.\nقد روى الترمذي: وأبو الشيخ بن حيان من حديث أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: (إن أحدكم مرآة أخيه فإن رأى منه أذى فليمطه عنه).\nورواه أبو داود بلفظ: (المؤمن مرآة المؤمن).\nقال العراقي: إسناده جيد.\nفالمعنى، أنه يرى منه ما لا يرى من نفسه فيستفيد المرء من أخيه معرفة عيوب نفسه، فلو انفرد لم ستفد كما يستفيد بالمرآة (في) الوقوف على عيوب صورته الظاهرة. والله أعلم.\nوروي البيهقي بسنده عن أبي البحتري سعيد بن فيروز قال: قال سلمان -رضي الله","vol":"1","page":170},{"text":"عنه-: (المؤمن للمؤمن كاليدين تنقي إحداهما الأخرى) وروى أبو منصور الديلمي -في مسند الفردوس من حديث أنس مرفوعًا: (مثل الأخوين إذا التقيا مثل اليدين تغسل إحداهما الأخرى).\nورواه -الحافظ ابن مردويه- في الأمثال- من حديث علي -﵁- قال المحققون: إنما شيههما باليدين لا باليد والرجل، لأنهما يتعاونان على غرض واحد، فكذا الإخوان إنما ثمر أخوتهما إذا توافقا في مقصد واحد، فهما من وجه كالشخص الواحد. والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-43>فصل- (٤٢): توعد الله المذلين للآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر بإحباط عملهم في الدنيا والآخرة:</span>\nثم يتأكد الذم والوعيد لمن أهان الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر وصدهم عن ذلك.\nلقوله -تعالى- ﴿إن الذين يكفرون بئايت الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس قبشرهم بعذاب أليم أولئك الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين﴾ فذكر -سبحانه- الذين يأمرون بالقسط من الناس بعد الأنبياء في الترتيب لأنهم أتباع الرسل وخلفاؤهم فإن الله -تعالى- ما بعث نبيًا إلا ليأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وما ينزل عيسى من السماء إلا ليأمر بالمعروف وينهى عن المنكر وذلك وظيفة الأنبياء وشعار الأتقياء.\nوقد روى الشيخ أبو الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي -في كتاب الحجة- من طريق بقية بن الوليد، عن عبد الله بن نعيم، عن سالم بن أبي الجعد، عن ثوبان مولى النبي -ﷺ-\nقال: قال رسول الله -ﷺ-: (من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر فهو خليفة الله في أرضه وخليفة كتابه ورسوله قال العلماء وإنما كان ذلك لأن الأنبياء -صلوات الله عليهم- بعثوا بإنكار المنكرات وتغييرها، وتلك وظيفتهم التي جاءوا بها فمن تبعهم وأنكر كان نائبًا عنهم في هذا الأمر العظيم، ومنزلته على منزلتهم من أجل ذلك هذا الخطب الجسيم).\nكما قال الحسن -رحمة الله عليه- تدل هذه الآية على أن القائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تلي منزلته منزلة الأنبياء في العظم فلذا جاء توبيخ من عاندهم في هذه","vol":"1","page":171},{"text":"الآية الكريمة. فلما تكبروا عن الحق واستكبروا على الخلق قابلهم الله على ذلك بالذلة والصغار في الدنيا والعذاب المهين في الآخرة فقال: ﴿فبشرهم بعذاب أليم﴾ أي موجع مهين.\nوقال بعض العارفين: معنى الآية: أن الذين ربطناهم بالخذلان ووسعناهم بوصف الحرمان -أخبرهم بأن إعراضنا عنهم ﴿مؤبد﴾، وأن حكمنا سبق بنقلهم من دار الجنان إلى دار الهوان، من الخذلان والحرمان، إلى دار العقوبة والنيران.\nثم قال: ﴿أولئك الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة ومالهم من ناصرين﴾ يعني ليس (لهم) -اليوم- توفيق بأعمالهم، ولا غدا تحقيق لآمالهم، وإنما ذلك لأنهم فقدوا في الدارين نصرتنا، ولم يشهدوا عزتنا وقدرتنا.\nوقال في آخر هذه الآيات: ﴿فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه﴾ أي كيف يكون حالهم وقد افتروا على الله، وكذبوا رسله، وقتلوا أنبياءه والعلماء من قومهم الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر والله مقابلهم على ذلك كله، ومحاسبهم عليه ومجازيهم به -سبحانه- وروى علي بن سعد في -كتاب الطاعة والمعصية- من حديث الحسن البصري مرسلًا: (بئس القوم قوم يقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس، وبئس القوم لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر، وبئس القوم قوم يمشي المؤمن بينهم بالنميمة).\nوقد سبق طرف منه من رواية جابر مرفوعًا.\nوروى الحافظ أبو يوسف يعقوب بن أبي شيبة -في مسنده- من حديث أبي عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح -﵁- قال: قلت: يا رسول الله أي الشهداء أكرم على الله -﷿-؟ قال: رجل قام إلى وال جائر فأمره بالمعروف ونهاه عن المنكر فقتله فإن لم يقتله فإن القلم لا يجري عليه بعد ذلك وإن عاش ما عاش قال: قلت: يا رسول الله فأي الناس أشد عذابًا يوم القيامة؟ قال: (رجل قتل نبيًا أو رجلًا أمر بالمعروف ونهى عن المنكر) ثم قرأ رسول -الله-: ﴿ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم﴾ ثم قال: (يا أبا عبيدة قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيًا من أول","vol":"1","page":172},{"text":"النهار في ساعة واحدة فقام مائة واثنا عشر رجلًا من عباد بني إسرائيل فأمروا من قتلهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر فقتلوهم جميعًا من آخر النهار في ذلك اليوم وهم الذين ذكر الله -﷿- قصتهم-) ورواه الحافظ أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم بسنده، عن أبي عبيدة -أيضًا- قال: قلت: يا رسول الله- أي الناس (أِد) عذابًا يوم القيامة؟ قال: (رجل قتل نبيًا أو أمر بالمنكر ونهى عن المعروف) فذكر نحوه. وكذلك رواه محمد بن جرير الطبري، وغيره.\nوفي الآية الكريمة: دليل صريح على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كان واجبًا في الأمم المتقدمة، إذ هو فائدة الرسالة. والله أعلم.\nوروى الشيخ عبد الله بن محمد بن حيان من حديث جابر بن (عبد) الله -﵄- قال: خطبنا رسول الله -ﷺ- فقال في خطبته: (يا أيها الناس إنه لا ينبغي لأولياء الله من أهل دار الخلوة الذين لها سعيهم وفيها رغبتهم أن يكونوا أولياء الشيطان للذين من أهل دار الغرور الذين لها سعيهم وفيها رغبتهم).\nهم أشد لها اتباعًا وتعظيمًا لأمورهم أولياء الله في زيهم وفي دينهم فبئس القوم لا يدينون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبئس القوم لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر، وبئس القوم قوم يخيفون من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر. وبئس القوم قوم لا يقومون لله بالقسط وبئس القوم قوم يعمل فيهم المعاصي ثم لا يغيرون. فويل للذين يجاهرون بالمعاصي ويستحلون المحارم والشبهات والشهوات. فقيل: يا رسول الله- أي الناس أكبس؟ قال الذين سوء الحساب والمقايسة بالأعمال إذا بعث الناس يوم القيامة بعثوا في ظلمة إلا من جعل الله (له) نورًا فنوره يسعى بين يديه فيأخذ به. ﴿وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر ولو شاء لهداكم أجمعين﴾.\nوروى ابن أبي الدنيا -بسنده- عن أبي سعيد الخدري -﵁- قال: قال: -ﷺ-: أتدرون (ممن) الخوف على أمتي من بعدي رجل فاجر ولي أمرهم فعمل بغير ما أنزل الله وأعانه على ذلك أهل الجفاء والفجور (ففرق ملأهم) وأخافهم أن يقوموا بالحق.","vol":"1","page":173},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-44>فصل- (٤٣): من أخص أوصاف المنافقين الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف وأن من أمارات الساعة فساد المسلمين بإمرتهم بالمنكر ونهيهم عن المعروف:</span>\nقد سبق في أوائل هذا الباب -الكلام على قوله -تعال-: ﴿المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ...﴾ وأن الله -تعالى- وصفهم بضد أوصاف المؤمنين. فكما أن من صفات المؤمنين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فكذلك المنافقون يأمرون بالمنكر، وينهون عن المعروف.\nقال بعض المفسرين -عند قوله -تعالى- ﴿الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل﴾ يعني يقعلون المنكر ويأمرون به.\nوروى أبو يعلى الموصلي- بإسناد جيد عن رجل من خثعم (قال: أتيت رسول الله -ﷺ- وهو في نفر من أصحابه- فقلت: أنت الذي تزعم أنك رسول الله؟ قال: نعم. قلت يا رسول الله- أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال: الإيمان بالله. قلت: ثم مه؟ قال: صلة الرحم.\nقال، قلت: يا رسول الله- أي الأعمال أبغض إلى الله؟ قال: الإشراك بالله: قال: قلت: يا رسول الله- ثم مه؟ قال: ثم قطيعة الرحم. قال: قلت يا رسول الله ثم مه؟ قال: ثم الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف\".\nوقد تقدم حديث أبي أمامة -﵁- من رواية (ابن أبي الدنيا أن النبي -ﷺ- قال: (كيف أنتم إذا طغى نساؤكم، وفسق شبابكم، وتركتم جهادكم؟ قالوا: وإن ذلك كائن يا رسول الله؟ قال: نعم والذي نفسي بيده وأشد منه).\nقالوا: وما أشد منه يا رسول الله؟ قال: كيف أنتم إذا لم تأمروا بمعروف ولم تنهوا عن منكر؟ قالوا: أكائن ذلك يا رسول الله؟ قال: نعم والذي نفسي بيده وأشد منه- قالوا: وما أشد منه- يا رسول الله؟ قال: كيف أنتم إذا رأيتم المعروف منكرًا والمنكر معروفًا؟ قالوا. وكائن ذلك يا رسول الله؟ قال نعم، والذي نفسي بيده وأشد منه سيكون. قالوا: وما أشد منه يا رسول الله؟ قال كيف أنتم إذا أمرنم بالمنكر ونهيتم عن المعروف؟ قالوا وكائن ذلك يا","vol":"1","page":174},{"text":"رسول الله؟ قال: نعم والذي نفسي بيده وأشد منه سيكون يقول الله -تعالى: (بي حلفت لأتيحن لهم فتنة يصير الحليم فيها (حيران).\nقوله لأتيحن بحاء مهملة أي لأهيئن. تاح الشيء يتوح يتهيأ.\nوالحديث تقدم من طرق: والله أعلم.\nفسبحان من وفق. للأمر بالمعروف أقوامًا، وثبت على صراط النهي عن المنكر أقدامًا وأتعبوا في استدراك (الفارط). عظامًا، فكف عنهم ذنوبًا كانت حسامًا، ونشر لهم بالثناء عليهم أعلامًا، فهم على رياض المدائح بترك القبائح يتقلبون، وفي ميادين النهي عن المنكر بالإخلاص يسرحون. جاد سبحانه على القائمين في ذلك بإسعاده وسلك بهم على منهاج الهدى بفضله وإرشاده، ورمى المعارضين لهم بطرده وإبعاده، فهو الباطن والظاهر القاهر فوق عباده. وفيما ذكرته في هذا الباب كفاية، والله ولي التوفيق والهداية.","vol":"1","page":175},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-45>الباب الثاني: أركان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:</span>\n(في بيان أركان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وشروطه، ودرجاته ومراتبه).\nقال أبو حامد الغزالي -﵀- تعالى-: أعلم أن أركان الحسبة التي هي عبارة شاملة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أربعة: المحتسب، والمحتسب عليه، والمحتسب فيه، ونفس الاحتساب).\nقلت: يعني بهذه الأربعة: الآمر، والمأمور، المأمور به، ونفس الآمر. قال: فهذه أربعة أركان، ولكل ركن منها شروط.\nالركن الأول: هو الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-46>فصل- (١): شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (خمسة):</span>\nلوجوب الأمر بالمعروف والنهي غن المنكر شروط خمسة:\nالشرط الأول: أن يكون مكلفًا، لأن غير المكلف لا يلزمه وجوب أمر ولا نهي.\nقال أبو عبد الله بن مفلح -﵀- وللميز إنكار ويثاب عليه لكن لا يجب قال الغزالي: أما إمكانه من الفعل وجوازه فلا يستدعي إلا الفعل، حتى إن الصبي المراهق للبلوغ المميز وإن لم (يكن) مكلفًا فله إنكار المنكر، وله أن يهريق الخمر، ويكسر الملاهي وإذا فعل ذلك نال ثوابًا، ولم يكن لأحد منعه من حديث أنه ليس بمكلف، فإن (هذه) قربة إلى الله وهو من أهلها كالصلاة، والإمامة، وسائر القربات وليس حكمه حكم الولايات، حتى يشترط فيه التكليف، ولذلك أثبتناه للعبد وآحاد الرعية.","vol":"1","page":176},{"text":"نعم: في المنع بالفعل، وإبطال المنكر نوع ولاية وسلطنة، ولكنها تستفاد بمجرد الإيمان كقتل المشرك، وإبطال أسبابه، وسلب أسلحته، فإن للصبي أن يفعل ذلك حيث لا يستضربه، والمنع عن الفسق كالمنع عن الكفر. والله أعلم.\nالشرط الثاني: أن يكون مسلمًا، فلا يخفي وجه اشتراطه، لأن هذا نصرة الدين، فكيف يكون من أهلها من هو جاحد لأصل الدين؟ .\nقال أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي - ﵀-: (الكافر ممنوع من إنكار المنكر لما فيه من السلطنة والعز).\nالشرط الثالث: العدالة فقد اعتبرها قوم وقالوا: ليس على الفاسق) أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وربما استدلو على ذلك بما ورد في الكتاب والسنة. من الإنكار على من يأمر بما لا يفعل كما سيأتي في - الباب الخامس .. قال أبو حامد الغزالي: وكل ما ذكروه خيالات، وإنما الحق أن للفاسق وعليه أن يأمر وينهى.\nوسيأتي برهان ذلك وتحريره في الباب السابع - إن شاء الله - تعالى-.\nالشرط الرابع: أن يكون مأذونًا من جهة الإمام أو نوابه فقد (شرط) قوم هذا الشرط، ولم يثبتوا لآحاد الرعية الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. قال أبو حامد وغيره: هذا الاشتراط فاسد، فإن الآيات والأخبار التي وردت في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تدل على أن كل من رأى منكرًا فسكت عليه فقد عصى أينما رآه، وكيفما رآه على العموم.\nومن أمثلة ما ورد في ذلك ما سبق - في الباب الأول - من حديث طارق بن شهاب عن أبي سعيد الخدري - ﵄ - قال سمعت رسول الله - ﷺ- يقول: (من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان\".\nقال العلماء، (من رأى) هو على العموم، فالتخصيص بشرط التفويض من الإمام تحكم لا أصل له كما ذكره غير واحد. قال أبو حامد الغزالي: فإن قيل: في الأمر بالمعروف","vol":"1","page":177},{"text":"إثبات سلطنه وولاية واحتكام على المحكوم عليه، ولذلك لم يثبت للكافر على المسلم مع كونه حقًا، فينبغي أن لا يثبت لآحاد الرعية إلا بتفويض من الوالي وصاحب الأمر؟ فنقول: أما الكافر فممنوع لما فيه من السلطنة، وعز الأحكام، والكافر ذليل (فلا يستحق أن ينال عز الحكم والتحكم على المسلم. وأما آحاد المسلمين فيستحقون هذا العز بالدين والمعرفة. وما فيه من عز السلطنة والاحتكام لا يحوج إلى تفويض كعز التعليم والتعريف، إذ لا خلاف في أن تعريف التحريم والإيجاب لمن هو جاهل ومقدم على المنكر بجهله لا يحتاج إلى إذن إمام وفيه عز الإرشاد وعلى المعرف ذل التجهيل وذلك يكفي (فيه) مجرد الدين وكذلك النهي.\nوالعجيب أن الرافضة زادوا على هذا وقالوا: \"لا يجوز الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ما لم يخرج الإمام المعصوم وهو الإمام الحق عندهم وهؤلاء أحسن رتبة (من) أن يكلموا بل جوابهم أن يقال لهم إذا جاءوا إلى القضاء بحقوقهم في دمائهم وأموالهم: إن نصرتكم آمر بالمعروف وأستخرج حقوقكم من يد من ظلمكم نهي عن المنكر، وطلبكم لحقكم من جملة المعروف وما هذا زمان النهي عن الظلم، وطلب الحقوق، لأن الإمام الحق لم يخرج بعد.\nقال أبو حامد: وشرح القول في المسألة أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر له حمس مراتب:\nالمرتبة الأولى: التعريف والثانية: الوعظ بالكلام اللطيف، والثالثة: السبب العنيف ولست أعني به الفحش بل أن يقول: يا جاهل، يا أحمق ألا تخاف الله؟ ألا تستحي من الله؟ وما يجرى هذا المجرى. الرابعة: المنع بالقهر بطريق المباشرة ككسر الملاهي، وإراقة الخمور، واختطاف الثوب الحرير من لابسه، واستلاب الشيء المغصوب منه. ورده إلى صاحبه، المرتبة الخامسة: التخويف، والتهديد والضرب، أو مباشرة الضرب له حتى يمتنع عما هو عليه كالمواظبة على الغيبة، والقذف، فإن سلب لسانه غير ممكن، لكن يحمل على اختيار السكوت بالضرب. وهذا قد يحوج إلى استعانة، وجمع جنود، وأعوان من الجانبين ويجر ذلك إلى القتال. وسائر المراتب لا يخفى وجه استغنائها عن إذن الإمام إلاّ هذه المرتبة، قال فإن فيها نظرا انتهى.\nوروى أبو بكر البيهقي - في شعب الإيمان - بسنده عن محمد بن زياد الأعرابي قال:","vol":"1","page":178},{"text":"قال بعض السلف: خوفوا المؤمنين بالله وخوفوا المنافقين بالسلطان، وخوفوا المرائين بالناس.\nقال أبو عبد الله بن مفلح - في كتابه الآداب - \"ويجب أن يبدأ في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالأسهل، فإن لم يزل المنكر زاد بقدر الحاجة، فإن لم ينفع أغلظ فيه، فإن زال (و) إلاّ رفعه إلى ولي الأمر إن أمن الضرر فيه، وكان إنكاره واجبًا كما أشار إليه أبو عبد الله محمد بن عبد القوي - في منظومته - بقوله:\nوبالأسهل أبدأ ثم زد قدر حاجة ... فإن لم يزل بالناقد الأمر فاصدد\nإذا لم تخف في ذلك الفعل خيفة ... إذا كان ذا الإنكار حتم التأكد\nوذكر في - نهاية المبتدئين: أن من قدر - على - إنهاء المنكر إلى ولي الأمر أنهاه، وإن خاف فوته قبل إنهائه أنكره هو وقيل: لا يجوز رفعه إلى ولي الأمر لظنه أنه لا يقوم به، أو يقوم به على غير وجه المأمور به.\nونص أحمد في رواية الجماعة. على أنه لا يرفعه إلى السلطان إن تعدى فيه.\nذكره ابن عقيل، وغيره.\nوقال أحمد - أيضًا: إن علمت أنه يقيم الحد فارفعه، وذلك لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يتم إلاّ بالعقوبات الشرعية، فإن الله - تعالى - ينزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن.\nوقال أبو بكر الخلال: (أخبرني ابن أشرس. قال: مر بنا سكران فشتم ربه - فبعثنا إلى أبي عبد الله رسولًا وكان مختفيًا. فقلنا: (إيش) أي شيء السبيل في هذا؟ سمعناه يشتم ربه، أترى أن نرفعه إلى السلطان؟ فبعث إلينا إن أخذه السلطان أخاف أن لا يقيم عليه الذي ينبغي ولكن أخيفوه حتى يكون منكم شبيها بالهارب، فأخفناه فهرب).\nقوله: (أحقنوه) أي أحبوه.\nوقال الإمام أحمد - أيضًا - ليعقوب (بن بختان لما سأله عن القوم يؤذونه بالغناء) انههم واجمع عليهم.\nقلت: السلطان؟ قال: لا.","vol":"1","page":179},{"text":"ونقل عنه الحارث. قال: يعظهم (وينهاهم) قلت: قد فعل فلم ينتهوا. قال يستعين عليهم بالجيران، فأما السلطان فلا، إذا رفعهم إلى السلطان خرج الأمر من يده).\nقال في نهاية المبتدئين: ويخبر في رفع منكر غير متعين عليه. قال أبو طالب عمر ابن الربيع - في كتابه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: إنما يجب علينا أن يرفع أهل المنكرات إلى السلطان، إذا رجونا أن يغير ذلك من غير تعد. فأما إذا خفنا أن يأتي من الظالم - ما لا يستحقه - أهل المنكرات من الضرب بغير حق أو أخذ أموالهم بغير وجه فليس لنا أن نستعين به على تغيير ذلك، وعلينا أن نصبر ونقتصر على الإنكار بالوعظ إلى أن نجد سلطانًا يغير ذلك بغير تعد - انتهى.\nقال أبو عبد الله محمد بن مفلح: (والذي تحصل من كلام أحمد، أنه هل يجب رفعه إلى السلطان إذا علم أنه يقيمه على الوجه المأمور به أم لا؟ .\nفيه روايتان: (فإن) لم يجب فهل يلزمه أن يستعين في ذلك بالجمع عليه بالجيران أو غيرهم أم لا؟ فيه روايتان. ونقل أبو طالب أحمد بن حميد عنه الكراهة.\nقال المروذي لأبي عبد الله: ما تقول إذا ضرب رجل رجلًا بحضرتي، أو شتمه فأراد أن أشهد له عند السلطان؟\nقال: إن خاف أن يعتدي عليه لم يشهد، وإن لم يخف يشهد، ويسقط وجوب رفع المنكر إلى السلطان خوف أن لا يقيمه على الوجه المأمور كما تقدم وظاهر كلام جماعة جوازه.\nوأطلق بعضهم رفعه إلى ولي الأمر بلا تفصيل، لكن قد قال الأصحاب: من كان عنده شهادة بحد يستحب أن لا يقيمها. ولعل كلام أحمد في الأمر برفعه على الاستحباب. وعلى كل تقدير فهو مخالف لكلام الأصحاب إلاّ أن يتأول على جواز الرفع وهو تأويل بعيد من هذا الكلام، ولعله أمر بعد حظر فيكون للإباحة فيكون رفعه لأجل الحد مباحًا، ورفعه لأجل إنكار المنكر واجبًا أو مستحبًا.\nذكر ذلك \"ابن مفلح\" والله أعلم.\nقال أبو الفرج بن الجوزي: (الضرب باليد والرجل وغير ذلك مما ليس فيه إشهار","vol":"1","page":180},{"text":"سلاح أو سيف يجوز لآحاد الناس، بشرط الضرورة والاقتصار على قدر الحاجة، فإن احتاج إلى أعوان يشهرون السلاح، لكونه لا يقدر على التغير بنفسه ثم قال، فالصحيح أن ذلك يحتاج إلى إذن الإمام لأنه يؤدي إلى الفتن، وهيجان الفساد).\nوقيل: لا يشترط في ذلك إذن الإمام. وقد قال أبو طالب عمر بن الربيع: الحشاب - فيمن يشرب الخمر، ويجمع الجموع على ذلك - يجب إذا شاهدناهم أن ننهاهم، فإن أجابوا وإلاّ صرنا إلى السلطان، حتى يمنعهم ويعاقبهم بما يستوجبون، إذا أمنا تعديه عليهم، فإن لم يمكن الوصول إلى السلطان كان على المسلمين أن ينكروا على هؤلاء الذين يجمعون الجموع على المنكر، وأن يفرقوا جماعتهم، فإن كانوا في منازلهم لا يصل المسلمون إليهم، وجب على السلطان أن يبعث من يهجم عليهم في منازلهم، حتى يمنعهم ويعاقبهم بما يستوجبون من العقوبة، وليس للمسلمين أن يهجموا عليهم إلاّ بأن يأمرهم السلطان، وبأن أمرهم بذلك كان لهم أن يهجموا عليهم، ويفرقوا جماعتهم. وليس لهم أن يعاقبوهم. لأن العقوبة إنما حق للسلطان أو نوابه، وليس ذلك إلى الرعية، فإن كان هؤلاء المجتمعون على المنكر متعدين على المسلمين، مثل أن يكون معهم امرأة مكرهة أو رجل قد أضجعوه، ليقتلوه وجب على المسلمين الهجوم عليهم، أمرهم السلطان أو لم يأمرهم.\nوإذا لم يكن منهم أذى ولا ظلم ولا إظهار ذلك بالملاهي والجموع، وإنما معاصيهم بينهم وبين ربهم لم يكن للمسلمين أن يهجموا عليهم، ولا يصيروا إلى السلطان في أمرهم، ولكن يجب عليهم أن يعظوهم ويخوفوهم عقاب الله - ﷿ - ثم قال - في موضع آخر: فإن قال قائل: أفيجب الإنكار على من يظهر السفه والخنا في الطريق؟ نعم إن كان ممن إذا نهي انتهى وعظوه بتخويف عقاب الله - تعالى-. وإن كان ممن لا ينتهي بالموعظة، كان لهم أن يزجوا به إلى السلطان، حتى يعاقبه على ذلك بما يرى أنه مانع له. انتهى.\nقال أبو حامد الغزالي - ﵀-: أما التعريف والوعظ فكيف يحتاج إلى إذن الإمام؟ وأما التجهيل والتحميق والنسبة إلى الفسق وقلة الخوف من الله - تعالى-، وما يجري مجرى ذلك، فهو كلام صدق والصدق محقق (بل) من أفضل الدرجات كلمة حق عند سلطان جائر - كما سيأتي في الحديث.","vol":"1","page":181},{"text":"فإذا جاز الحكم على الإمام على مراغمته فكيف يحتاج إلى إذنه!؟ وذلك ككسر الملاهي، والمنع من شرب الخمر، فإنه تعاطى ما يعرف كونه حقًا من غير اجتهاد فلا يفتقر إلى الإمام.\nوأما جمع الأعوان، وشهر الأسلحة فذلك قد يجر إلى فتنة عامة، ففيه نظر، واستمرار عادات السلف الصالح على الإنكار على الولاة قاطع - بإجماعهم - على الاستغناء عن التفويض، بل كل أمر بمعروف أو نهي عن منكر إن كان الوالي راضيًا به (فذاك، وإن كان ساخطًا فسخطه له منكر، ويجب الإنكار (عليه) فكيف يحتاج إلى إذنه) في الإنكار عليه.\nويدل على ذلك عادة السلف في الإنكار على الأئمة. كما سبق - في الباب الأول من حديث طارق بن شهاب: أن مروان بن الحكم - ﵁- وكان أمير المدينة - خطب قبل الصلاة في العيد. فقال له رجل: إنما الخطبة بعد الصلاة. فقال مروان: قد ترك ذلك، فقال أبو سعيد الخدري أما هذا فقد قضى ما عليه. الحديث.\nقال العلماء: فقد كانوا فهموا من هذه العمومات دخول السلاطين تحتها فكيف يحتاج إلى إذنه - كما ذكر الغزالي وغيره.\nولكن من ولاه السلطان الحسبة تعين عليه فعل ذلك ما ليس لغيره كما ذكر ابن حمدان في الرعاية، وغيره.\nوسيأتي - فيما بعد - تمام الكلام على ذلك فيما يتعلق بالإنكار على السلطان والله المستعان، وعليه التكلان.\nالشرط الخامس: أن يكون (الآمر قادرًا، ولا يخفى أن العاجز ليس عليه الإنكار إلاّ بقلبه - كما سبق بيانه-.\nإذ كل من أحب الله يكره معاصيه، وينكرها. كما قال ابن مسعود: جاهدوا الكفار بأيديكم فإن لم تستطيعوا إلاّ أن تكفهروا في وجوههم فافعلوا.","vol":"1","page":182},{"text":"قال العلماء: (وإنما شرطنا القدرة على الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، لقوله ﷺ: (ما من رجل يكون في قوم يعمل فيهم بالمعاصي يقدرون على أن يغيروا عليه ولا يغيرون إلاّ أصابهم الله بعقاب).\nوقد تقدم هذا الحديث من رواية أبي داود، وابن ماجه في الباب الأول - فقد شرط - ﷺ- القدرة في ذلك.\nقال شيخ مشايخنا السيد، عبد القادر الكيلاني - قدس الله روحه: وهو إذا كانت الغلبة لأهل الصلاح، وعدل السلطان ومعاونته لأهل الخير، وأنا إذا كان الإنكار تغريرًا بالنفس (مع) لحوق ضرر به وبماله. فلا يجب عليه ذلك، لقوله تعالى:﴾ وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين ﴿وقوله:﴾ يا أيها الذين أمنوا لا تأكلوا أمولكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراضٍ منكم ولا تقتلوا أنفسكم إنَّ الله كان بكم رحيمًا ﴿.\nوقوله - ﷺ -: (لا ينبغي) للمسلم أن يذل نفسه ...) الحديث انتهى.\nقال بعض العلماء: (ولا يقف سقوط الوجوب على العجز الحسي، بل يلحق به ما يخاف (عليه) من مكروه يناله، وذلك في معنى العجز. كما سيأتي بيانه في الباب السادس.\nوكذلك إذا لم يخف مكروهًا ولكن علم أن إنكاره لا يفيد ولا ينفع على خلاف. تقدم ذكره في الباب الأول، وعلى عفو الله المعول.","vol":"1","page":183},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-47>فصل - (٢): أخص أوصاف المؤمنين الدالّة على صحة عقيدتهم:</span>\nقيامهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:\nقال الإمام أبو بكر البيهقي - في الشعب-: (أخص أوصاف المؤمنين وأقواها دلالة على صحة عقيدتهم، وسلامة سريرتهم هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم إن ذلك ليس يليق بكل أحد، ولا يجب على كل أحد. وإنما هو من الفروض التي ينبغي أن يقوم بها سلطان المسلمين إذا كانت إقامة الحدود والتعزيز موكولًا إلى رأيه، فينصب في كل بلد وفي كل قرية رجلًا صالحًا قويًا عالمًا أمينًا ويأمره بمراعاة الأحوال) التي ترى فلا يرى ولا يسمع منكرًا إلاّ غيره ولا يبقى معروفًا محتاجًا إلى الأمر به إلا أمر به. وكلما وجب على فاسق حد أقامه ولم يعطله، فإنه لا شيء أروع للمفسدين من إقامة حدود الله عليهم، ولا يتعدى المشرع، فالذي شرعه أعلم بطريق سياستهم.\nثم قال: كل من كان من علماء المسلمين الذين يجمعون بين فضل العلم، وصلاح العمل فعليه أن يدعو إلى المعروف، ويزجر عن المنكر، بمقدار طاقته، فإن كان يطيق إبطال المنكر ودفعه وردع المتعاطي له فعله، وإن كان لا يطيق بنفسه ويطيقه بمن يستعين، عليه فعله، إلاّ ما كان طريقه طريق الحد والعقوبة، فإن ذلك إلى ولاة الأمور دون غيرهم. وإن كان لا يطيق إلاّ القول قال: وإن لم يطق إلاّ الإنكار بالقلب أنكر. والأمر بالمعروف مثل النهي عن المنكر إن اتسع العالم المصلح أن يدعو إليه ويأمر به فعل، وإن لم يقدر إلاّ على القول قال. وإن لم يقدر إلاّ على الإرادة بقلبه أراده (وتمنى) على الله - تعالى - فعله فيسعفه انتهى.\nوقال بعض السلف: كل بلدة يكون فيها أربعة فأهلها معصومون من البلاء: إمام عادل لا يظلم، وعالم على سبيل الهدى، ومشايخ يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويحرصون على طلب القرآن، ونساء مستورات لا يتبرجن تبرج الجاهلية الأولى.\nوروي الإمام أحمد، والطبراني - في الكبير - بإسناد حسن، عن عبد الله بن بشر - ﵄ - قال: سمعت حديثًا منذ زمان: (إذا كنت في قوم (عشرين) رجلًا أو أقل أو أكثر فتصحفت وجوههم فلم تر فيهم (رجلًا) يهاب في الله - ﷿ - فاعلم أن الأمر قد رق).","vol":"1","page":184},{"text":"وقال أبو الفرج بن الجوزي - ﵀ - اعلم أن بالمعروف والنهي عن المنكر أصل الدين، لأنه شغل الأنبياء وقد خلفهم خلفاؤهم، ولولاه شاع الجهل، وبطل العلم، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-48>فصل - (٣): الركن الثاني للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر [المأمور بالمعروف والمنهي عن المنكر]</span>.\nوأما الركن الثاني من أركان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهو المأمور بالمعروف والمنهي عن المنكر.\nقال أبو حامد الغزالي - ﵀ -: (وشروطه أن يكون بصفة يصير الفعل الممنوع في حقه، منكرًا، ولعله يكفي في ذلك أن يكون إنسانًا، ولا يشترط كونه مكلفًا، إذ بينا أن الصبي لو شرب الخمر لمنع من ذلك وأنكر عليه، وإن كان قبل البلوغ. ولا يشترط كونه مميزًا، إذ المجنون لو كان يزني بمجنونة أو يأتي بهيمة وجب منعه منه.\nثم قال: نعم من الأفعال ما لا يكون منكرًا في حق المجنون، كترك الصلاة والصوم وغيره ولكنا لسنا نلتفت إلى اختلاف التفاصيل فإن ذلك مما يختلف فيه المسافر والمقيم والمريض والصحيح. وغرضنا الإشارة إلى الصفة التي يتهيأ له بها وجه الأصل الإنكار لا بما يتهيأ للتفاصيل) انتهى.\nقال أبو عبد الله محمد بن مفلح - ﵀ -: (وأما غير المكلف فلا ينكر عليه إلاّ تأديبًا وزجرًا. فمن رأى صبيًا أو مجنونًا يشرب الخمر فعليه أن يهريق خمره ويمنعه. وكذلك عليه أن يمنعه من الزنا وإتيان البهائم).\nقال أبو بكر المروذي: قلت لأحمد - ﵀ - (فالطنبور الصغير يكون للصبي؟ قال: يكره. إذا كان مكشوفًا فاكسره).\nوقال الشيخ أبو عبد الله محمد بن عبد القوي في منظومته:\nوأنكر على الصبيان كل محرم ... لتأديبهم والعلم في الشرع بالردى","vol":"1","page":185},{"text":"يعني ينكر على الصبيان ما هو محرم وكل محرم رديء في الشرع.\nقال أبو العباس بن تيمية - ﵀-: في الكلام على حديث ابن عمر الذي رواه: أنه كان مع رسول الله - ﷺ - وسمع زمارة راع فسد أذنيه (قال: لم يعلم أن الرقيق كان بالغًا فلعله كان صغيرًا دون البلوغ، والصبيان رخص لهم في الملعب ما لم يرخص فيه للبالغ). قال ابن مفلح: وذكر الأصحاب وغيرهم: أن سماع المحرم بدون استماعه وهو قصد السماع، لا يحرم، وذكره الشيخ تقي الدين - أيضًا - وزاد: باتفاق المسلمين.\nقال: وإنما سد النبي - ﷺ - أذنيه مبالغة في التحفظ فسن بذلك أن الامتناع من أن يسمع ذلك خير من السماع.\nوفي المغني جواب آخر: إنه أبيح للحاجة في معرفة انقطاع الصوت، فكذا قال في الفنون: أبيح لضرورة الاستعلام.\nكما لو أرسل الحاكم إلى أهل الزمر لا من يستمع له ويستعلم خبرهم أبيح له أن يستمع لضرورة الاستعلام.\nوكالنظر إلى الأجنبية للحاجة. انتهى.\nقال الغزالي: (فإن قلت: فكل من رأى بهائم قد استرسلت في زرع إنسان فهل يجب عليه إخراجها وكل من رأى مالًا لمسلم أشرف على الضياع، هل يجب عليه حفظه؟ فإن قلتم: إن ذلك واجب، فهذا تكليف شطط، يؤدي إلى أن يصير الإنسان مسخر طول عمره، وإن قلتم لا يجب فلم يجب الإنكار على من يغصب مال غيره وليس له سبب سوى مراعاة حق الغير. فتقول: هذا بحث دقيق غامض والقول الوجيز فيه أن نقول: مهما قدر على حفظه من الضياع، من غير أن يصيبه تعب في بدنه، أو خسران في ماله، أو نقصان في جاهه، وجب عليه ذلك، فذلك القدر واجب في حقوق المسلم، بل هو أول درجات الحقوق والأدلة الموجبة لحقوق المسلم كثيرة وهذا أقل درجاتها، وهو أولى بالإيجاب من رد السلام، فإن الأذى في هذا أكثر من الأذى في ترك رد السلام، بل لا خلاف في أن مال الإنسان إذا كان يضيع بظلم ظالم، وكان عنده شهادة لو تكلم بها لرجع الحق إليه، لوجب عليه ذلك وعصى بكتمان الشهادة، ففي معنى ترك الشهادة ترك كل دفع لا ضرر فيه على","vol":"1","page":186},{"text":"الدافع، فأما إن كان عليه تعب أو ضرر في مال أو جاه لم يلزمه ذلك، لأن حقه مرعى في منفعة بدنه، وماله وجاهه، كحق غيره، ولا يلزمه أن يفدي غيره بنفسه.\nنعم الإيثار مستحب وتجسم الصعاب لأجل المسلمين قربة فأما إيجاب ذلك فلا، وعلى هذا إن كان يتعب بإخراج البهائم عن الزرع لم يلزمه السعي في ذلك، ولكن إذا كان لا يتعب بتنبيه صاحب الزرع من نومه إذا استرسلت فيه البهائم أو بإعلامه فيلزمه ذلك، فإهمال تعريفه كإهمال تعريف القاضي بالشهادة، وذلك لا رخصة فيه، ولا يمكن أن يراعى فيه الأقل والأكثر، حتى يقال: إن كان لا يضيع من منفعته في مدة اشتغاله بإخراج البهائم حتى يقال: إلا قدر درهم مثلًا وصاحب الزرع يفوته مال كثير، فيترجح جانبه، لأن الدرهم الذي له هو يستحق حفظه، كما يستحق صاحب الألف فلا سبيل إلى المصير إلى ذلك، فأما إذا كان فوات المال بطريق هو معصية كالغضب، أو قتل عبد مملوك للغير، فهذا يجب المنع منه، وإن كان فيه تعب ما لأن المقصود حق الشرع، والغرض دفع المعصية وعلى الإنسان أن يتعب نفسه في دفع المعاصي كما عليه أن يتعب نفسه في ترك المعاصي، والمعاصي كلها في تركها تعب، وإنما الطاعة كلها في تركها تعب، وإنما الطاعة كلها ترجع إلى مخالفة النفس، وهي غاية التعب) ثم ذكر بعد ذلك كلامًا كثيرًا ليس هذا محل إيراده انتهى.\nقال أبو عبد الله ابن فلح - في الآداب -: (هل يسوغ الإنكار على النساء الأجانب إذا كشفن وجوههن في الطريق؟ .\nينبني على أن المرأة هل يجب عليها ستر وجهها، أو يجب غض البصر؟ في المسألة قولان:\nقال القاضي عياض - في حديث جرير - ﵁ - قال: سألت رسول الله - ﷺ - عن نظر الفجأة فأمرني أن أصرف بصري \"رواه مسلم\".\nقال العلماء - ﵏ -: وفي هذا حجة على أنه لا يجب على المرأة أن تستر وجهها في طريقها وإنما ذلك سنة مستحبة لها، ويجب على الرجال غض البصر عنها في جميع الأحوال إلاّ لغرض صحيح شرعي. ذكره الشيخ محي الدين النووي، ولم يزد عليه.","vol":"1","page":187},{"text":"وقال ابن قدامة - في المغني - عقب إنكار عمر - ﵁ - على الأمة التستر وقوله: \"إنما القناع للحرائر\".\nقالوا: ولو كان نظر ذلك محرمًا لم يمنع من تستره بل أمر به، وكذا احتج هو وغيره من الأصحاب بقول النبي - ﷺ -: (إذا كان لإحداكن مكاتب فملك ما يؤدي فلتحجب منه).\nوقال الشيخ تقي الدين (وكشف النساء وجوههن بحيث يراهن الأجانب غير جائز، ولمن اختار هذا أن يقول: حديث \"جرير\" لا حجة فيه، لأن فيه وقوعه. ولا يلزم منه جوازه).\nفعلى هذا. هل يسوغ الإنكار؟ ينبني على الإنكار في مسائل الخلاف؟ فأما على قوله، وقول جماعة من الشافعية وغيرهم: إن النظر إلى الأجنبية جائز من غير شهوة ولا خلوة. فينبغي أن يسوغ الإنكار. انتهى كلامه.\nقال - في مكان آخر - من الآداب: (فإن رؤي رجل مع امرأة فهل يسوغ الإنكار. ينظر فإن كان ثم قرينة تتعلق بالواقف أو قرينة زمان أو مكان أو غير ذلك ساغ الإنكار، وإلاّ فلا).\nوعلى هذا كلام أحمد - ﵀ - والقاضي أبي يعلى.\nقال محمد بن يحيي الكحال للإمام أحمد: الرجل السوء يرى مع المرأة؟ قال: صح به.\nوقال لأبي عبد الله - أيضًا -: الغلام يركب خلف المرأة؟ .\nقال: ينهى ويقال له، إلاّ أن يقال إنها له محرم - ترجم عليهما الخلال (باب الرجل يرى المرأة مع الرجل السوء أو يراها معه راكبة).\nوذكر - في هذا الباب - أن أباد داود قال: سمعت أبا عبد الله وقيل له: امرأة أرادت أن تسقط عن الدابة، يمسكها الرجل؟ قال: نعم).\nقال القاضي: (ومن يعرف بالفسق منع من الخلوة بامرأة أجنبية، لما يحصل فيه من","vol":"1","page":188},{"text":"الريبة وقد قال النبي - ﷺ -: (لا يخلون رجل بامرأة فإن الشيطان ثالثهما).\nثم ذكر رواية محمد بن يحيي الثانية. وانتهى كلامه).\nوقال القاضي - في الأحكام السلطانية - فيما يتعلق بالمحتسب: وإذا رأى وقوف رجل مع امرأة في طريق سالك ولم تظهر منهما أمارات الريب لم يعترض عليهما بزجر ولا إنكار.\nوإن كان الوقوف في طريق خال فخلو المكان ريبة فينكرها ولا يعجل في التأديب عليهما حذرًا من أن تكون ذات محرم.\nوليقل: إن كانت محرم فصنها عن مواقف الريب، وإن كانت أجنبية فاحذر من خلوة تؤديك إلى معصية الله - تعالى -، وليكن زجره بحسب الأمارات.\n(وإن كانت شواهد حاله وفحوى كلامه ينطقان بفجوره وريبته) وإذا رأى المحتسب من هذه الأمارات ما ينكرها تأني وتفحص وراعى شواهد الحال ولم يعجل بالإنكار قبل الاستخبار. انتهى والله - سبحانه - أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-49>فصل - (٤): الإنكار على السلطان إذا عطل الحدود في حدود القدر المستطاع:</span>\nومما يتعلق بهذا الركن الإنكار على السلطان ونحوه إذا غصب. أو عطل الحدود، أو استأثر بالفيء والأعشار وغير ذلك من حقوق المسلمين، أو فعل شيئًا لا تسوغه الشريعة المطهرة فهذه وظيفة الأقوياء الذين فقهوا عن ربهم - ﷾ - أنه لا مالك معه، ولا يحدث في ملكه ما لم يقدره.\nوالعلماء مجمعون على أمر السلطان بالمعروف ونهيه عن المنكر إذا كان عادلًا، ومختلفون فيه إذا كان جائرًا: فقالت فرقة: نأمره وإن كان جائرًا، فإنا نقول بالحق ونقوم بالأمر والنهي، وناصيته بيد الله - ﷿-.","vol":"1","page":189},{"text":"قال القاضي أبو الحسين بن أبي يعلى: واختلفت الرواية عن \"أحمد\" هل يحسن الإنكار ويكون أفضل من تركه؟ على روايتين.\nقال الله تعالى موبخًا بني إسرائيل لما تركوا أمر الملوك ونهيهم:﴾ أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم ﴿وقال تعالى:﴾ واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور ﴿.\nوفي الصحيحين، ومسند الإمام أحمد، والموطأ، وسنن النسائي، وابن ماجه من حديث عبادة بن الصامت - ﵁ - قال: بايعنا رسول الله - ﷺ - على السمع والطاعة في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وعلى أثره علينا، وعلى أن لا ننازع الأمر أهله، وعلى أن نقول الحق أينما كنا، ولا نخاف في الله لومة لائم؟؟ وقد سبق هذا الحديث بأطول منه، والكلام على بعض معناه في الباب الأول. والله أعلم.\nثم يستدل لذلك بما روى الإمام أحمد، والنسائي، والبيهقي - بإسناد صحيح - عن أبي عبد الله طارق بن شهاب - ﵁ - أن رجلًا سأل النبي - ﷺ - وقد وضع رجله في الغرز - أي الجهاد أفضل؟ قال: \"كلمة حق عند سلطان جائر\"]-[الغزز بفتح الغين وإسكان الراء ركاب كور الجمل إذا كان من جلد. فإن كان حديد أو خشب فهو ركاب]- وروى الحديث أبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا (أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر) وللترمذي - أيضًا - قال - أعظم الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر.\nوقال: حديث حسن غريب.","vol":"1","page":190},{"text":"وروى الإمام أحمد، والبيهقي نحوه من حديث أبي أمامه الباهلي: أن رجلًا سأل النبي - ﷺ - وهو يرمي جمرة العقبة فقال له: أي الجهاد أحب إلى الله - ﷿ -؟\nقال: فسكت عنه حتى رمى الجمرة. فقال: يا رسول الله، أي الجهاد أحب إلى الله - ﷿؟ فسكت عنه حتى إذا رمى الجمرة الثانية عرض له. فقال: يا رسول الله، أي الجهاد أحب إلى الله - ﷿ -؟ فسكت عنه ثم مضى رسول الله - ﷺ - حتى إذا اعترض في الجمرة الثالثة عرض له فقال: يا رسول الله، أي الجهاد أحب إلى الله - ﷿ -؟ قال: \"كلمة حق (تقال لإمام) جائر\".\nورواه ابن ماجه ولفظه قال: عرض لرسول الله - ﷺ - رجل عند الجمرة الأولى. فقال: يا رسول الله أي الجهاد أفضل؟ فسكت عنه. فلما رمى الثانية سأله. فسكت عنه. فلما رمى جمرة العقبة، وضع رجله في الغرز ليركب. قال: (أين السائل؟ قال: أنا يا رسول الله! قال: \"كلمة حق عند ذي سلطان جائر\").\nقال بعض العلماء: إنما صارت كلمة الحق عند الإمام الجائر من أمرك له بالمعروف، ونهيك عن المنكر أفضل من جهاد الكفار، لأن مجاهدة الكفار لإعلاء كلمة الحق، ونصرة دين الله فيقاومهم مع المماثلة في العدد والعدد، ومساعدة المجاهدين لك والمدد، وتأميل الغلبة عليهم ولم يتيقن تسلطهم عليهم وقهرهم، وهذا الجهاد أيسر وأهون من جهادك الأمير الجائر في أمرك بالمعروف، ونهيك عن المنكر. ورده عن جوره. مع وحدتك وقلة عددك وعدم مساعدتك ورؤيتك تسلطه عليك وغلبته واستشعارك فتكه بك وسطوته، فمحنتك أبلغ وأتم، وجهادك أصعب وأعظم، فكان أفضل من كل جهاد وأبلغ، لأن خوف سطوته ورجاء بره وصلته يمنعان النفس عن إظهار كلمة الحق له فيعظم جهادها. انتهى.\nوروى أبو بكر البزار بسنده - عن أبي عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح - ﵁ - قال: قلت: يا رسول الله أي الشهداء أكرم على الله؟ قال: رجل قام إلى - وال - جائر فأمره بالمعروف ونهاه عن المنكر فقتله.\nوروى الإمام أحمد - في الزهد - بسنده عن ميمون بن مهران - رحمة الله عليه - قال ما","vol":"1","page":191},{"text":"من صدقة أفضل من كلمة حق عند إمام جائز.\nثم استدل لذلك بما روى أبو عبد الله الحاكم وغيره من حديث جابر - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ - خير الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام فأمره ونهاه في ذات الله فقتله على ذلك قال الحاكم: صحيح الإسناد.\nوقد سند في الباب الأول من رواية الإمام أحمد، والبيهقي، وابن أبي الدنيا من حديث عبد الله بن عمر - ﵄ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"إذا رأيتم أمتي تهاب الظالم أن تقول له: إنك ظالم فقد تودع منهم\".\nقوله (تودع منهم) أي تودع الخير منهم.\nثم يستدل لذلك بما روى أحمد، والترمذي، من حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا يمنعن أحدكم هيبة أن يقول في حق إذا رآه أو شهده أو سمعه قال: وقال أبو سعيد: وددت أني لم أسمعه هذا لفظ أحمد.\nوللترمذي قال -: إن رسول الله - ﷺ - قام خطيبًا فكان فيما قال: \"ألا لا يمنعن أحدكم هيبة أن يقول (الحق) إذا علمه\". قال: فبكى أبو سعيد، وقال: \"والله قد رأينا شيئًا فهبنا\".\nورواه ابن أبي الدنيا ولفظه: \"لا يمنعن أحدكم مخافة الناس أن يتكلم بحق إذا علمه\".\nوفي رواية: إذا علمه أو رآه أو سمعه.\nقال أبو سعيد: \"فما زال البلاء بنا حتى قصرنا\".\nورواه - أيضًا - من طريق ابن ماجه وزاد (إنا لنبلغ في السر) ولفظه: \"لا يمنعن أحدكم أن يقول في الحق إذا رآه أو علمه\".","vol":"1","page":192},{"text":"قال: وقال أبو سعيد: (حملني هذا الحديث أني ركبت إلى معاوية فوعظته ثم أقبلت).\nوروى البيهقي في الشعب - أيضًا - وأبو القاسم الأصبهاني في الترغيب والترهيب بسنديهما، عن عكرمة، عن ابن عباس - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ - \"لا ينبغي لامرئ أن يقوم مقامًا في مقال حق إلاّ تكلم به فإنه لن يقدم (أجله) ولن يحرمه رزقًا هوله\"\nثم يستدل بما روى الإمام أحمد وابن ماجه من حديث أبي سعيد - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (لا يحقرن أحدكم نفسه) أن يرى أمرًا لله - ﷿ - فيه مقال أن يقوله فيقول الله - ﷿ - ما منعك أن تقول فيه؟ فيقول: يا رب خشيت الناس. فيقول: أنا أحق أن تخشى\" هذا لفظ أحمد ولابن ماجه قال: قال رسول الله - ﷺ -: (لا يحقرن أحدكم نفسه) قالوا: يا رسول الله كيف يحقر أحدنا نفسه؟ قال: \"يرى أمرًا لله عليه فيه مقال ثم لا يقول. فيقول الله له يوم القيامة: ما منعك أن تقول في كذا وكذا؟ فيقول: خشيت الناس. فيقول: فإياي كنت أحق أن تخشى\" ورواه أبو بكر البيهقي ولفظه: \"لا يحقرن أحدكم نفسه أن يرى أمرًا لله عليه فيه مقال فلا يقول به فيلقى الله - ﷿ - وقد أضاع ذلك فيقول: ما منعك؟ فيقول: خشية (الناس) فيقول: فإني كنت أحق أن تخشى\". ورواه أبو القاسم الأصبهاني - في الترغيب والترهيب.\nولفظه: \"لا يحقرن أحدكم يعني نفسه، يرى أمرًا لله فيه مقال أن يقول فيه فيبعثه الله - ﷿ - يوم القيامة فيقول: ما منعك إذ رأيت كذا وكذا ألا تقول؟ فيقول: أي رب خفت. فيقول سبحانه - إياي كنت أحق أن تخاف\".\nورواه ابن أبي الدنيا من حديث أبي سعيد الأنصاري وزاد - بعد قوله - \"إن الله ليسأل العبد يوم القيامة\".","vol":"1","page":193},{"text":"قال البيهقي: هذا فيمن يتركه خشية ملامة الناس وهو قادر على القيام به.\nففي هذه الأحاديث الحض على الشجاعة والإقدام على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأن يعلم الإنسان يقينًا أن الأمر والنهي لن يقدما أجلًا أخره الله ولن يمنعا رزقًا قدره الله، فلا يلتفت لما يلقيه الشيطان من تخذيله وقوله: لا تتعرض لفلان يضرك أو يقتلك أو يحرمك رزقك، فإن الضر وإن قل والنفع وإن جل مقدران لا يؤيدان (فتيلًا) ولا ينقصان نقيرًا.\nوفي صحيح مسلم وغيره من حديث أبي هريرة مرفوعًا: إن الله يرضى لكم ثلاثًا (ويسخط لكم ثلاثًا) يرضى لكن أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا. وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم .... \" الحديث.\nوقد روي من حديث عمر بن الخطاب - ﵁ - أنه قال: لا يقيم أمر الله في الناس إلاّ رجل يتكلم بلسانه كلمة يخاف الله في الناس ولا يخاف الناس في الله.\nثم يستدل بما روي من حديث عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: سيجيء أمراء يدعون من السنة مثل هذه، وأومأ بيده إلى مفصل إصبعه، فإن تركتموهم جاؤوا مثل هذه، مثل هذه، وأومأ بيده إلى مفصلين، فإن تركتموهم جاؤوا بالطامة الكبرى.\nقال الإمام أحمد - في كتاب المحنة - في رواية حنبل إن عرضت علي لا أجيب وقال فيها - أيضًا -: إذا أجاب العالم تقية، والجاهل بجهل فمتى يتبين الحق.\nقال إبراهيم بن أدهم - قدس الله روحه -: أعز حتى في آخر الزمان ثلاثة: أخ يؤنس به، وكسب درهم حلال، وكلمة حق عند ذي سلطان.\nوقال الربيع بن سليمان: سمعت الشافعي - ﵀ - يقول: أشد الأعمال ثلاثة: الجود من قلة، والورع في خلوة، وكلمة الحق عند من يرجى ويخاف.","vol":"1","page":194},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-50>فصل - (٥): دفع التعارض بين أمر خواض الأمة السلطان الجائر بالمعروف ونهيه عن المنكر وبين تحريم تعريض النفس للتهلكة:</span>\nفإن قيل: من أمر السلطان الجائر بالمعروف، ونهاه عن المنكر. أو قال عنده كلمة حق لاسيما في زماننا هذا - فقد عرض نفسه للتهلكة؟ قيل: (لا خلاف أن المسلم يجوز له أن يهجم على صف الكفار ويقاتل إذا كان فيه قوة وإن علم أنه يقتل).\nقال أبو العباس ابن تيمية: نص الأئمة الأربعة على ذلك ودليلهم من الكتاب والسنة.\nأما الكتاب: فقوله - تعالى -﴾ ومن الناس من يشرى نفسه ابتغاء مرضات الله والله رءوف بالعباد ﴿.\nوقد ذكر أن سبب نزول هذه الآية: أن \"صهيبا خرج مهاجرًا من مكة إلى المدينة، إلى النبي - ﷺ - فلحقه المشركون وهو وحده فنشل كنانته وقال: والله لا يأتي منكم أحد إلاّ رميته، فأراد قتالهم وحده وقال: إن أحببتم أن تأخذوا (مالي) فخذوه وأنا أدلكم عليه. ثم قدم على النبي - ﷺ -: (ربح البيع أبا يحيي).\nقوله: (فنشل كنانته) - بنون ومثلثة - أب استخراج ما فيها من النبل. وروى الإمام أحمد - بإسناده - أن رجلًا حمل وحده على العدو فقال الناس: ألقى بنفسه إلى التهلكة. فقال عمر - ﵁ -: كلا بل هذا ممن قال الله (فيهم):﴾ ومن الناس من يشرى نفسه ابتغاء مرضاة الله والله رؤوف بالعباد ﴿وقد بين سبحانه - في كتابه العزيز - أن ما يوجبه الجبن من الفرار هو من الكبائر الموجبة النار. فقال - تعالى -﴾ يا أيها الذين أمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفًا فلا تولوهم الأدبار ومن يولهم يومئذٍ دبره إلا متحرفًا لقتالٍ أو متحيزًا إلى فئةٍ فقد باء بغضبٍ من الله ومأواه جهنم وبئس المصير ﴿.\nوأخبر أن الذين يخافون العدو خوفًا يمنعهم من الجهاد منافقون.","vol":"1","page":195},{"text":"فقال:﴾ ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قومٌ يفرقون ﴿وعدَّ النبي - ﷺ - الفرار من الزحف من الكبائر.\nوأما دلائل السنة فمن وجوه كثيرة:\nمنها: أن المسلمين كانوا يوم بدر ثلاثمائة وبضعة عشر وكان عدوهم بقدرهم ثلاث مرات وأكثر. وبدر أعظم الغزوات.\nفعلم أن القوم يشرع لهم أن يقاتلوا من يزيدون على ضعفهم ولا فرق بين الواحد والعدد (ومنها: أن المسلمين يوم أحد كانوا نحوًا من ربع العدو، فإن العدو كانوا ثلاثة آلاف أو نحوها وكان المسلمون سبعمائة أو قريبًا منها).\nومنها: أن المسلمين يوم الخندق كان العدو بقدرهم مرات، فإن العدو كانوا أكثر من عشرة آلاف وهم الأحزاب الذين تحزبوا عليهم من قريش وحلفائها، وبني قريظة وغيرهم وكان المسلمون - بالمدينة - دون الألفين. و- أيضًا - فقد كان الرجل وحده على عهد النبي - ﷺ -: يحمل على العدو بمرأى من النبي - ﷺ - وينغمس فيهم ويقاتل حتى يقتل. وهذا كان مشهورًا بين المسلمين على عهد النبي - ﷺ - وخلفائه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-51>فصل - (٦): سقوط وجوب أمر خواص العلماء الحكام ونهيهم عند توقع ضر لا يطاق:</span>\nفربما يظن بعض من لا يعلم أن ما تقدم - في هذا الفصل - مخالف لموجب الآية الشريفة أعني قوله - تعالى -﴾ وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين ﴿وليس كذلك. فقد روى البخاري عن حذيفة بن اليمان أنه تلى﴾ وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ﴿ثم قال: نزلت في وجوب النفقة.\nقال أبو عبد الله الزجاج: التهلكة الهلاك. ويقال: هلك يهلك هلاكًا وتهلكة وقال الليث بن سعد: الهلكة كل شيء تصير غايته إلى الهلاك.\nومعنى الهلاك الضياع وهو مصير لا يدري أين هو.\nوروى الحافظ أبو بكر بن مردويه، وابن أبي حاتم - بسنديهما - عن أبي إسحاق","vol":"1","page":196},{"text":"السبيعي قال: قال رجل للبراء بن عازب - ﵄ - إن حملت على العدو وحدي فقتلوني أكنت ألقيت بيدي إلى التهلكة؟ قال: لا، قال الله لرسوله - ﷺ -: ﴿فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلاّ نفسك ..﴾ فإنما هذا في النفقة\"\nوكذلك رواه الإمام أحمد.\nوروى أبو داود من حديث (يزيد بن أبي حبيب، عن أسلم أبي عمران) قال: غزونا من المدينة نريد القسطنطينية، وعلى الجماعة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد - ﵁ - والروم ملصقوا ظهورهم بحائط المدينة، فدخل رجل على العدو فقال الناس: مه، مه، لا إله إلا الله، يلقي بيده إلى التهلكة، فقال أبو أيوب الأنصاري: إنما نزلت هذه الآية ﴿وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾.\n(فينا معشر الأنصار. لما نصر الله نبيه. - ﷺ- وأظهر الإسلام، قلنا: هلم نقيم في أموالنا ونصلحها) فأنزل الله - ﷿ -: ﴿وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾.\nفالإلقاء بالأيدي إلى التهلكة: أن نقيم في أموالنا ونصلحها وندع الجهاد، قال أبو عمران: فلم يزل أيوب الأنصاري يجاهد في سبيل الله حتى دفن بالقسطنطينية.\nورواه الترمذي: ولفظه قال: \"كنا بمدينة الروم فأخرجوا إلينا صفًا عظيمًا من الروم فخرج إليهم من المسلمين مثلهم أو أكثر، وعلى أهل مصر عقبة بن عامر، وعلى الجماعة فضالة بن عبيد فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل عليهم فصاح الناس وقالوا: سبحان الله يلقى بيديه إلى التهكة، فقام أبو أيوب الأنصاري فقال: يأيها الناس إنكم لتأولون هذه الآية هذا التأويل، وإنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار لما أعز الله الإسلام، وكثر ناصروه. فقال بعضنا لبعض سرًا دون رسول الله - ﷺ-: إن أموالنا قد ضاعت وإن الله - تعالى - قد أعز الإسلام وكثر ناصروه (فلو أقمنا في أموالنا) فأصبحنا ما ضاع منها، فأنزل الله - تعالى -على نبيه - ﷺ- يرد علينا: ﴿وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾","vol":"1","page":197},{"text":"فكانت التهلكة الإقامة على الأموال، وإصلاحها، وتركنا الغزو. فما زال أبو أيوب شاخصًا في سبيل الله حتى دفن بأرض الروم\".\nقال الترمذي: حديث حسن صحيح.\nوحكاه صاحب الأطراف للنسائي.\nورواه الحكام في المستدرك، وابن حبان في صحيحه، وأبو يعلى الموصلي - في مسنده-، وعند ابن حميد - في تفسيره، وابن أبي حاتم، ومحمد بن جرير الطبري، وابن مردويه وغيرهم.\nقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين.\nفقد أنكر أبو أيوب على من جعل المنغمس في العدو ملقيًا بيده إلى التهلكة. وبين أن تفسير الآية إنما هو الاشتغال في تثمير الأموال - عن الجهاد في سبيل الله. فترك الجهاد هو إلقاء باليد إلى التهلكة، دون المجاهدين في سبيل الله. ضد ما يتوهم هؤلاء الذين يحرفون كلام الله عن مواضعه، فإنهم يتأولون الآية على ما فيه ترك الجهاد، والآية آمرة بالجهاد، وناهية عما يصد عنه، فسمى ترك الجهاد هلاكًا، لأنه يؤدي إلى الهلاك في الدنيا بقوة العدو\nوفي الآخرة بالعصيان.\nوروى (أبو الجوزاء) عن ابن عباس. أن التهلكة عذاب الله - ﷿ - ولا تتركوا الجهاد فتعذبوا.\nدليله قوله - تعالى - ﴿إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا والله على كل شيء قدير﴾\nوروى أبو عبد الله الحاكم بسنده - عن البراء بن عازب - ﵁ - أن رجلًا قال له يا أبا عمارة ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ ولكن هو الرجل يلقى العدو فيقاتل حتى يقتل قال: لا يذنب الذنب فيقول: (لا يفغره الله لي) وقال: صحيح على شرطيهما.\nوذهب إلى قول البراء جماعة. وقيل. هو أن يذنب الذنب ثم لا يعمل بعده خيرًا فيهلكه الله. والله أعلم.","vol":"1","page":198},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-52>فصل - (٧): تحريم فرار المسلمين من عدوهم إذا كانوا ضعفهم:</span>\nروى أبو عبد الله البخاري من حديث ابن عباس - ﵄ - قال: (لما نزلت: ﴿إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين﴾ فكتب عليهم أن لا يفّر واحد من عشرة). فقال سفيان غير مرة أن لا يفر عشرون من مائتين. ثم نزلت: ﴿الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا﴾ الآية (فكتب أن لا يفر مائة ما مائتين) (زاد سفيان مرة نزلت ﴿حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون﴾\nقال سفيان، قال ابن شبرمة: وأرى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مثل هذا. انتهى تعليق البخاري. والله أعلم.\nورواه البخاري - أيضًا - وأبو داود بلفظ: لما نزلت ﴿إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين﴾ شق ذلك على المسلمين حين فرض عليهم أن لا يفر واحد من عشرة، فجاء التخفيف فقال: ﴿الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين﴾ قال: فلما خفف عنهم من العدة نقص من الصبر بقدر ما خفف عنهم).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-53>فصل - (٨): جواز أمر خواص الأمة بالمعروف ونهيهم عن المنكر ولو تيقنوا القتل إذا تيقنوا رفع المنكر:</span>\nفإذا جاز أن يقاتل المجاهد المسلم الكفار حتى يقتل ما جاز ذلك - أيضًا - في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولكن لو علم أنه لا نكاية لهجومه على الكفار كالأعمى يطرح نفسه على الصف، والعاجز فذلك حرام، وداخل تحت عموم آية التهلكة.\nقال شيخ مشايخنا عبد القادر الكيلاني - قدس الله روحه - وقد حمل بعض السلف قوله - ﷿-: ﴿ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رءوف بالعباد﴾ على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.","vol":"1","page":199},{"text":"قال بعض العارفين: لا يزداد المؤمن بنفسه ضعفًا إلاّ ازداد بقلبه قوة، لأن الاستقلال بقوة النفس نتيجة الغفلة، وقوة القلب بالله -سبحانه- على الحقيقة انتهى.\nوإنما جاز له الإقدام على القتال مع علمه انه يقاتل حتى يقتل، أو علم أنه يكسر قلوب الكفار بمشاهدتهم جراته، واعتقادهم في سائر المسلمين قلة المبالاة بالحياة، وحبهم للشهادة في سبيل الله، فتنكسر- بدلك - شوكتهم، فكذلك مجوز للأمر بالمعروف والناهي عن المنكر بل يستحب أن يعرض نفسه للضرب والقتل، إذا كان لأمره ونهيه تأثير في رفع المنكر، أو في كسر جاه الفاسق، أو في تقوية قلوب أهل الدين.\nقال أبو طالب عمر من الربيع - في كتابه -: واعلم أن أهل العلم قد أقاموا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مقام الجهاد، لان مع المسلمين من المعاصي وما يخاف عليهم من النار أفضل من قتال الكفار على كفرهم فأخذ أهل العلم بالآية التي أنزلها الله في الجهاد فجعلوها دليلًا لهم على الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، إذا كان عندهم أفضل الجهاد ﴿يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون﴾ كان ذلك في أول الإسلام، إذ جعل الله في المؤمنين من القوة ما تقوم العشرة منهم بالمائة من الكفار فلما دخل في الإسلام من لم يكن شدتهم - في الدين- مثل أولئك، وهم السابقون الأولون خفف الله عنهم ذلك فقال: ﴿الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم﴾ والضعف الذي علمه فيهم إنما هو في الذين آمنوا بعد. فعلى هذا يجري الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أي يقوم الواحد بالاثنين. انتهى.\nقول أبي طالب: أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أعظم أجرًا من الجهاد، دليله ما سبق من حديث طارق بن شهاب - ﵁- (أنَّ رجلًا سأل النبي - ﷺ- وقد وضع رجله بالغرز: أي الجهاد أفضل؟ قال: كلمة حق عند سلطان جائر).\nقال أبو طالب - واعلم أن الضعف ليس بحجة لأهله في ترك ما لزمهم من القيام بالأمر والنهي، وإنما دخل عليهم الضعف من كثرة الذنوب، وقد ثبتت عليهم الحجة بما وعدهم الله من النصرة. بقوله: ﴿يا أيها الذين أمنوا عن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم﴾.","vol":"1","page":200},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-54>فصل - (٩): إباحة أمر السلطان ونهيه خواص الأمة عندما لا يخافون إيذاءًا لغيرهم نتيجة لنهيهم:</span>\nوإن لم تخف أمر السلطان والأمراء بالمعروف أو نهيهم عن المنكر إلاّ على نفسه، فأمرنا لهم جائز - عند جمهور العلماء-.\nقال أبو حامد: بل مندوب إليه، فلقد كان من عادة السلف - رضي الله (عنهم) - التعرض للأخطار والتصريح بالإنكار من غير مبالاة بهلاك المهجة، والتعرض لأنوع العذاب الأليم لعلمهم بأن ذلك شهادة لما سبق من حديث عبادة بن الصامت - ﵁ - ... وعلى أن نقول الحق أينما كنا، ولا نخاف في الله لومة لائم.\nومن حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا: (أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر). ومن حديث جابر ﵁ -: (خير الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام فأمره ونهاه فقتله) إلى غير ذلك من الأحاديث السالفة.\nوفي شعب الإيمان - للبيهقي - من حديث مغيرة بن مقسم، عن عبد الرحمن بن أبي نعيم أنه قام إلى الحجاج. فقال: ﴿... ومن قتل مظلومًا فقد جعلنا لوليه سلطانًا ....﴾\n﴿فلا يسرف في القتل إنه كان منصور﴾ فقال الحجاج. أمكن الله من دمك. فقال: \"إن من في بطنها أكثر ممن على ظهرها\" وقد قال إبراهيم بن عبد الله: سمعت أحمد بن حنبل يقول ما سمعت كلمة كانت أقوى لقلبي وأقر لعيني - في المحنة - من كلمة سعتيا من فقير أعمى.\nقال - لي-: يا أحمد إن تهلك في الحق مت شهيدًا، وإن عشت عشت حميدًا.\nوقال إسحاق بن حنبل عم الإمام أحمد: (يا أبا عبد الله قد أعذرت فيما بينك وبين الله - تعالى - وقد أجاب أصحابك واليوم بقيت في الحبس والشر وحدك .. فقال: يا عم إذا أجاب العالم تقية والجاهل بجهل فمتى يتبين الحق؟ فأمسكت عنه).\nوالمقصود أنه كان من عادة السلف الإنكار على الأمراء والسلاطين، والصدع بالحق","vol":"1","page":201},{"text":"وقلة مبالاتهم بسطواتهم، إيثارًا لإقامة حق الله - سبحانه - على بقائهم، واختيارهم لإعزاز الشرع على حفظ مهجهم، واستسلامًا للشهادة إن حصلت لهم، واتكالًا على فضل الله - تعالى - أن يحميهم، لأنه - تعالى -: يحفظ أولياءه، ولا يسلمهم إلى أعدائهم، بل يؤيدهم وينصرهم بنصرهم له ويأخذ بثأرهم وبأيدهم فما لعدوهم من قوة ولا ناصر.\nوقد روى أبو عبدالله البخاري، وغيره من حديث أبي هريرة مرفوعًا: \"من (عادى) لي وليًّا فقد آذنته بالحرب .. الحديث.\nيعني أن الله يأخذ بثأر أوليائه، ويغضب لهم، وينصرهم، ويجعل الغلبة لهم.\n﴿الذين خرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها أسم الله كثيرا وبينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز﴾.\nوسيأتي (فصل) في ذكر بعض من بذل نفسه، وأمر الخلفاء والملوك بالمعروف ونهاهم عن المنكر، وذكر بعض من نيل بضرب في ذلك، ومن قتل فيه أو بسببه - في الباب العاشر - والله هو الكريم الغافر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-55>فصل - (١٠): كيفية الإنكار على السلطان تكون بالتعريف والوعظ بالكلام اللين اللطيف وذكر العاقبة في الدنيا والآخرة:</span>\nوإذا قلنا بالإنكار على السلطان ونحوه من الأثمة، وولاة الأمور فيكون - حينئذٍ - بالمرتبتين الأولين السابق ذكرهما - في أوائل هذا الباب وهما التعريف، والوعظ بالكلام اللطيف ويذكر له العاقبة في الدنيا والآخرة فيجب ذلك، لقوله - تعالى - خطابًا لنبيه موسى، وهارون - حين أرسلهما إلى عدوه فرعون -: ﴿فقولا له قولا لينا﴾\nأي كنياه. وقيل: القول اللين هو الذي لا خشونة فيه.\nفإذا كان موسى أمر أن يقول لفرعون قولًا لينًا فمن دونه أحرى بأن يقتدي بذلك في خطابه وأمره بالمعروف في كلامه.","vol":"1","page":202},{"text":"كما قال الله: ﴿وأخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا وذي القربى واليتامى والمساكين وقولوا للناس حسنا وأقيموا الصلاة وءاتوا الزكاة ثم توليتم إلا قيلا منكم وأنتم معرضون﴾.\nقال يحيى بن معاذ -في هذه الآية-: إذا كان هذا رفقك بمن يقول: أنا الإله فكيف رفقك بمن يقول: أنت الإله؟\nوكأن ذلك تسلية لمن جاء بعده من المؤمنين في سيرتهم مع الظالمين. وسيأتي الكلام على ذلك في فصل الرفق من الباب الرابع - إن شاء الله تعالى.\nوروى أبو نعيم - بسنده - عن الوليد بن مسلم، عن سفيان الثوري قال: لا يأمر السلطان بالمعروف إلاّ رجل عالم بما يأمر، عالم بما ينهى، رفيق فيما يأمر. رفيق فيما ينهى، عدل فيما يأمر، عدل فيما ينهى.\nقال جماعة من العلماء: (ويحرم الإنكار على السلطان بغير ذلك من تخشين القول كيا ظالم أو يا من لا يخاف الله، وما يجري مجراه إن كان يحرك فتنة يتعدى شرها إلى غيره ذكره القاضي أبو يعلى، وأبو الفرج ابن الجوزي، فإنه قال: الجائز من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- مع السلطان - التعريف والوعظ، فأما تخشين القول نحو: يا ظالم، يا من لا يخاف الله فإن كان ذلك يحرك فتنًة يتعدى شرها إلى الغير لم يجز، وإن لم يخف إلاّ على نفسه فهو جائز عند جمهور العلماء.\nقال: والذي أراه، المنع من ذلك، لأن المقصود إزالة المنكر، وحمل السلطان بالانبساط عليه على فعل المنكر، أكثر من المنكر الذي قصد إزالته انتهى.\nوفي مسند الإمام أحمد - ﵀ - وغيره من حديث عطية السعدي - ﵁ - قال: قال رسول الله -ﷺ-: (إذا استشاط (السلطان) تسلط الشيطان).\nوروى البيهقي - في شعب الإيمان عن أبي البحتري قال: قيل لحذيفة بن اليمان -","vol":"1","page":203},{"text":"﵁ - ألا تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ قال: إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لحسن ولكن ليس من السنة أن ترفع السلاح على إمامك.\nوبسنده، عن أنسر بن مالك أنه قال: أمرنا أكابرنا من أصحاب رسول الله -ﷺ- لا نسب أمراءنا ولا نغشهم ولا نعصيهم وأن نتقي الله ونصبر، فإن الأمر إلى قريب.\nونص على ذلك الإمام أحمد - ﵀ - قال حنبل: اجتمع فقهاء بغداد في ولاية الواثق بالله أبو حفص عمر إلى أبي عبد الله يعني أحمد. وقالوا له: إن الأمر قد فشا يعنون (إظهار) القول بخلق القرآن، وغير ذلك ولا نرضى بإمرته ولا سلطانه، فناظرهم في ذلك.\nوقال: عليكم بالإنكار بقلوبكم ولا تخلعوا يدا من طاعته، ولا تشقوا (عصا) للمسلمين ولا تسفكوا دماءكم ودماء المسلمين معكم وانظروا في عاقبة أمركم، واصبروا حتى يستريح بر أو يستراح من فاجر.\nوقال -أيضًا -: ليس هذا (صوابًا) هذا خلاف الآثار.\nوقال أبو بكر احمد المروزي: كان أبو عبد الله أحمد- رحمه (الله يأمر بكف الدماء وينكر الخروج على الأئمة إنكارًا عظيمًا.\nوقال عمرو بن العاص - ﵁ - لابنه: يا بني أحفظ عني ما أوصيك به: إمام عدل خير من مطر وبل، وأسد حطوم خير من إمام ظلوم، وإمام ظلوم غشوم خير من فتنة تدوم).\nقال أبو حامل الغزالي - في الكلام على المرتبة الخامسة من مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر -: (أما الرعية مع السلطان فالأمر فيه أشد من الأب، فليس لهم معه إلاّ التعريف والنصح، فأما المرتبة الرابعة: وهي المنع بالقهر بطريق المباشرة ففيها نظر من حيث أن الهجوم على أخذ الأموال من خزانته وردها إلى الملاك، وعلى تحليل الخيوط من ثيابه الحرير وإراقه الخمر من بيته يفضي إلى خرق حرمته وهيبته وإسقاط حشمته، وذلك محظور ورد النهي عنه كما ورد النهي عن السكوت على المنكر فقد تعارض فيه - أيضًا - محذوران والأمر فيع موكول إلى اجتهاده منشؤه النظر في تفاحش المنكر ومقدار ما يسقط من حشمته، بسبب الهجوم عليه وذلك مما لا يكن ضبطه. انتهى.","vol":"1","page":204},{"text":"والمقصود أنه لا، يجوز أن يوعظ السلطان إلاّ بالمرتبتين وهما: التعريف والوعظ بالكلام اللطيف - كما تقدم-.\nقال أبو حامد:\nوأما أمره بالمرتبة الثالثة ففيها نظر، لأن الأمر معه أشد من الوالد، لما يتوقع في ذلك من الفتن والشرور والحروب لاسيما في زماننا هذا. انتهى.\nوسيأتي - في الباب السادس - فصل في سقوط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند الخوف من أهل التجبر من الملوك وغيرهم - والله سبحانه - أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-56>فصل - (١١): وجوب وعظ خواص الأمة السلطان سرًا أفضل منه جهرًا:</span>\nوإن وعظ السلطان سرًا فيما بينه وبينه فهو الأحسن. وقد نقل من عجائب الوقائع وغرائب البدائع. فيما روى ابن أبي الدنيا - بسنده. عن سعيد بن جبير. قال: قال رجل لابن عباس﵄ - أمر أميري بالمعروف؟ قال: فإن خفت أن يقتلك فلا تعتب الإمام إلاّ فيما بينك وبينه معاينة.\nوروى محمد بن إسماعيل بن عياش. قال: حدثني أبي. قال: حدثنا ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد. قال: قال جبير بن نفير: جلد عياض بن غيم صاحب دارا (حين) فتحت، فوقف هشام بن حكيم بن حزام﵄ - وكان آمرًا بالمعروف فأغلظ له القول حتى غضب، ثم مكث ليالي فأتاه هشام فاعتذر إليه فقال هشام لعياض بن غيم: ألم تسمع رسول الله يقول: (إن أشد الناس عذابًا أشدهم للناس عذابًا في الدنيا ...؟) فقال عياض قد سمعنا ما سمعت ورأينا ما رأيت. ألم تسمع رسول اللهﷺ- يقول: \"من أراد أن ينصح لذي سلطان فلا يقل له علانية ولكن يأخذ بيده وليخل به، فإن قبل فذاك وإلاّ كان قد أدى (ما عليه) وانك يا هشام لأنت الجريء إذ تجترئ على سلطان الله - فما خشيت أن يقتلك السلطان فتكون قتيل سلطان الله؟ قال أبو بكر بن مندة الحافظ: غريب تفرد به إسماعيل عن ضمضم. وله طريقان آخران.","vol":"1","page":205},{"text":"ورواه الحاكم - في المستدرك (وقال): صحيح الإسناد.\nوعياض، فهري. وقيل: أشعري له صحبة.\nقال الزهري: توفي أبو عبيدة بن الجراح، واستعمل خاله، وابن عمه عياض بن غنم فأمره عمرو بن العاص. وقال: لا أغير أمرًا فعله أبو عبيدة.\nوحكى ابن منده: أنه ابن امرأة أبي عبيدة.\nقوله: (لأنت الجريء) صيغة مبالغة من الجريء وهي الإقدام على الصعب - كما سبق بيانه - في الباب الأول - والله اعلم.\nقال أبو الفرج بن الجوزي - ﵀-: الذي أراه في هذا الزمان الإنكار على الملوك سرًا بالكلام اللطيف لا بالقهر والتعنيف، لأن المقصود إزالة المنكر الذي قصد إزالته.\nوقال بعض العلماء: فينبغي أن يكون وعظهم بألطف ما يكون من الكلام.\nوروي أن واعظًا وعظ عبد الله المأمون بن هارون الرشيد فأغلظ له وعنفه في القول - فقال: يا رجل أرفق، فقد بعث الله - تعالى - من هو خير منك إلى من هو شر مني، وأمره بالرفق. فقال -تعالى-: ﴿فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى﴾.\n(فإذا، ينبغي على من أنكر على الأمراء أن يعظهم بكلام لطيف، ويخوفهم ويرجيهم بما يناسب الحال، وما يحصل به المقصود، ولا يطيل، ولكل مقام مقال، ولكل فن رجال).\nوقد كان السلف الصالح من الأخيار والعلماء وغيرهم يعبرون لأمراءهم بأحسن العبارات في الوعظ مع أنهم كانوا يقبلون كلامهم ونصحهم.\nقال سفيان الثوري - قدس الله روحه -: (وينبغي لمن وّعّظّ أن لا يعنف، ولمن وعظ ألا يأنف).\nوكانوا يقرؤن، عليهم الآيات والأخبار الواردة في الترغيب والترهيب، في العدل والإحسان والرفق وغيره من الأخلاق الجميلة، والترهيب من الظلم والجور وغيره من الأخلاق السيئة) مما يضيق هذا المحل من إيراده. وهي معروفة مشهورة.","vol":"1","page":206},{"text":"كما روي عن أبي الفرج بن الجوزي - ﵀ - (أنه وعظ مرة. بحضرة الخليفة أبي جعفر المستنصر بالله. فمما قال في مجلسه: إن هارون الرشيد (قال) لشيبان: عظني فقال: يا أمير المؤمنين، لأن تصحب من يخوفك حتى تدرك الأمن خير لك من أن تصحب من يؤمنك حتى تدرك الخوف.\nثم قال: يا أمير المؤمنين من يقول لك، أنت مسئول عن الرعية فاتق الله، أنصح لك ممن يقول لك: أنتم أهل بيت مغفور لكم وأنتم قرابة نبيكم. فبكى الرشيد حتى رحمه من حوله).\nثم قال ابن الجوزي: يا أمير المؤمنين، إن تكلمت خفت منك، وإن سكت خفت عليك، وأنا أقدم خوفي عليك على خوفي منك.\nوروى أبو بكر البيهقي - في شعب الإيمان بسنده، عن عبد الله بن الضرير. قال: دخل ابن السماك على هارون يعني الرشيد فقال: يا أمير المؤمنين، إن الله﷿ - لم يجعل أحدًا فوقك فلا ينبغي أن يكون أحدًا أطوع لله منك.\nوبسنده، عن عبد الله بن صالح. قال: سمعت شبيب بن سعيد. يقول: دخلت على هارون الرشيد. فقال: عظني: فقلت: يا أمير المؤمنين إن الله - ﷿ - لم يرضى أن يجعل أحدًا فوقك فلا ينبغي لأحد أن يكون أطوع لله منك - فقال: لقد بالغت في المواعظ وإن قصرت في الكلام.\nوذكر أبو الغرج بن الجوزي: أن عمر بن عبد العزيز لما استخلف دخل عليه سالم بن عبد الله بن كعب القرظي. رحمة الله عليهم - وهو مكتئب حزين فأقبل على أحدهما فقال: عظني فقال: يا أمير المؤمنين، إنّ الله لم يجعل (أحدًا) من خلقه فوقك فلا ترضى لنفسك أن يكون أحد من خلقه أطوع له منك. اجعل الناس اصنافًا ثلاثة: الكبير بمنزلة الأب والوسط بمنزلة الأ خ والصغير بمنزلة الولد فبر والدك، ومل أخاك، واعطف على ولدك. واعلم أنك أول خليفة يموت.\nثم أقبل على الآخر، فقال: عظني فقال: يا أمير المؤمنين، الدنيا عطن مهجور، وأكل","vol":"1","page":207},{"text":"منزوع وغرض بلاء ومستقر آفات، محيط بها الذل، لكل فرحة منها ترحة، ولكل سرور منها غرور وقد رغب عنها السعداء، وانتزعت من أيدي الأشقياء، فكن يا أمير المؤمنين كالمداوي لجرحه، بصبره على شدة الدواء، لما يرجو من الشقاء فبكى عمر وقال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.\nومن وعظ بعضهم: رب هالك بالثناء لديه، ومغرور بالتستر عليه، ومسترجع بالإحسان إليه.\nوذكر الحافظ عبد الغني بن عبد الواحد، عن شبيب التميمي. قال: قال أبو جعفر عبد الله المنصور الخليفة وكنت في سمارة: يا شبيب عظني وأوجز قلت: يا أمير المؤمنين إنّ الله لم يرضى من نفسه أن يجعل فوقك أحدًا من خلقه، فلا ترضى له من نفسك أن يكون له عبد أشكر منك له. فتصدق أمير المؤمنين صدقات، وأطلق محبوسين، وفعل أشياء حسنة بعد ذلك. ورواه البيهقي-في شعب الإيمان- وغيره.\nووعظ أبو حاتم بعض الأمراء - فقال: كل ما تكره الموت من أجله فاتركه، لا يضرك متى مت.\nولما أراد أبو جعفر المنصور خراب المدينة، لإطباق أهلها على حربه مع محمد بن عبد الله بن حسن وعظه جعفر بن محمد فقال: يا أمير المؤمنين، إنه قد مضى ثلاثة أسلاف: سليمان أعطي فشكر، وأيوب ابتلي فصبر، ويوسف قدر فغفر فاقتد بأيهم شئت، وأنت من الذين يعفون ويصفحون، فطفئ غيظه وسكت).\nودخل رجل على معاوية وعنده أرباب الفضل والعلم. فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين أتيناك لا رغبة ولا رهبة، فاستهجن الحاضرون كلامه. فلم يلبث أن قال: أما الرغبة فتأتينا إلى بيوتنا، وأما الرهبة فأمناها بعد ذلك، ثم خرج فلم يبق أحد من الحاضرين إلاّ استحسن كلامه.\nوفي- الباب السابع والأربعين- من كتاب سراج الملوك: أن عبد الملك بن مروان أرق ليلة فاستدعى سميرًا يحدثه فكان مما حدثه أن قال: يا أمير المؤمنين كان بالموصل بومة وبالبصرة بومة فخطبت بومة الموصل إلى بومة البصرة ابنتها لابنها، فقالت بومة","vol":"1","page":208},{"text":"البصرة: لا أفعل إلا أن تجعلي لي صداقها مائة ضيعة خراب. فقالت بومة الموصل. لا اقدر على ذلك الآن ولكن إن دام والينا- سلمه الله - تعالى- علينا سنة واحدة فعلت ذلك. فاستيقظ لها عبد الملك وجلس للمظالم وأنصف الناس بعضهم من بعض.\nوذكر الإمام أبو عمرو بن عبد البر- في بهجة المجالس عن أبي بكر الصديق﵁ - قال: (لا يصلح هذا الأمر إلاّ بشدة في غير عنف، ولين في غير ضعف). والسلطان إذا دخل على العبد زائرًا فجوابه السلام لا بد منه والقيام والاحترام، مقابلة له على مجيئه إليه وإكرامه، فإنه بإكرام العلم والدين مستحق للحمد كما أنه بالظلم مستحق للذم. فإنّ قدر أن لا يقوم له، إعزازًا للدين واحتقارًا للظلم، وغضبًا لله من سوء فعله فهو أولى. ولا ينظر إلى وجهه إلا بنية الإنكار. كما قال سفيان الثوري: (النظر إلى وجه الظالم خطيئة).\nفلا تنظروا إلى الأئمة المضلين إلاّ بالإنكار عليهم، لئلا يحبط أعمالكم. هذا إذا دخل عليه وحده، فأما إن دخل مع حشمه وأرباب دولته فلا بأس بالقيام، ولا يعلمه بالظلم إذا خلا به ولا الخمر ولا يغير ذلك إلاّ إذا خلا به، وعرف أنه ينتفع بأمره فيخوفه من ركوب المعاصي مطلقًا ويرشده إلى العدل في الرعية والإحسان إليهم. كل ذلك بلطف فيما بينه وبينه-كما تقدم- والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-57>فصل - (١٢): وجوب نصح الولد للوالد بالتعريف والوعظ بالكلام اللين اللطيف:</span>\nإنكار الولد على الوالد بالمرتبة الأولى وهر التعريف ثم بالثانية وهي الوعظ والنصح بالكلام اللطيف كالإنكار على السلطان ونحوه.\nوقد روى ابن أبي الدنيا - بسنده - عن أبي روح سلام بن سكين الأزدي قال: سألت الحسن البصري - رحمة الله عليه - فقلت يا أبا سعيد، الرجل يأمر والديه بالمعروف وينهاهما عن المنكر؟ قال: يأمرهما إن قبلا فإن كرها سكت عنهما.\nوهل له الإنكار عليه بالمرتبة الثالثة وهي السب العنيف كقوله؟ ألا تخاف الله ألا تستحي من الله؟ أو بالمرتبة الرابعة وهي المنع بالقهر بطريق المباشرة ..؟ بحيث يؤدي إلى","vol":"1","page":209},{"text":"أذاه وسخطه، وهو بأن يكسر مثلًا (عوده) ويريق خمره، ويحل الخيوط من ثيابه المنسوجة بالحرير، ويرد إلى الملاك ما يجده في بيته من المال الحرام، الذي غصبه أو سرقه أو أخذه عن إدرار رزق من ضريبة المسلمين، إذا كان صاحبه متعينًا، ويحك الصور المنقوشة على حيطانه والمنقورة، في خشب بيته، ويكسر أواني الذهب والفضة، فإن فعله في هذه الأمور ليس يتعلق بذات الأب بخلاف الضرب والسب، ولكن الوالد يتأذى به ويسخط بسببه إلاّ إن فعل الولد حق، وسخط الأب منشؤه حبه للباطل وللحرام.\nقال أبو حامد﵀ -: والأظهر في القياس أنه يثبت للولد ذلك بل يلزمه أن يفعل ذلك، ولا يبعد أن ينظر فيه إلى قبح المنكر، ولى مقدار الأذى والسخط فإن كان المنكر فاحشًا وسخطه عليه قريبًا كإراقة الخمر ونحوه، ولا يشتد غضبه فذلك ظاهر، ون كان المنكر قريبًا، والسخط شديدًا كما لو كانت له آنية من بلور أو زجاج على صورة حيوان، وفي كسرها خسران مال كثير فهذا مما يشتد فيه الغضب، وليس تجري هذه المعصية مجرى الخمر وغيره، فهذا كله مجال النظر.\nثم قال: فإن قيل: من أين قلتم ليس له الحسبة - يعني الإنكار على أبيه - بالتعنيف والضرب والإرهاق إلى ترك الباطل، والأمر بالمعروف في الكتاب والسنة ورد عامًا من غير تخصيص، وأما النهي عن التأفيف والأذى فقد ورد وهو خاص فيما لا يتعلق بارتكاب المنكرات؟\nفنقول: قد ورد في حق الأب على الخصوص ما يوجب الإستثناء من العموم، إذ لا خلاف أن الجلاد ليس له أن يقتل أباه (في الزنا)، ولا أن يباشر إقامة الحد عليه بل لا يباشر قتل أبيه الكافر، بل لو قطع يده لم يلزمه قصاص، ولم يكن له أن يؤذيه في مقابلته وقد ورد في ذلك أخبار. ومن أمثلتها ما روى الترمذي، وابن ماجه وغيرهما من حديث عمر موقوفًا: \"لا يقاد الوالد بالولد\" فإذا لم يجز له إيذاؤه بعقوبة هي حق على جناية سابقة، فلا يجوز له إيذاؤه بعقوبة هي منع عن جناية مستقبله متوقعة، بالأولى. انتهى.\nوأما الإنكار على الزوج والسيد؟ فقال أبو حامد: ينبغي أن يجري (أي هذا الترتيب) في العبد والزوجة مع السيد والزوج، فهما قريبان من الوالد في لزوم الحق ون كان ملك اليمين آكد من ملك النكاح. ولكن روى الترمذي - في جامعه - من حديث أبي هريرة -","vol":"1","page":210},{"text":"مرفوعًا - \"لو كنت آمرًا أحدًا يسجد لأحد، لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها\".\nوروى نحوه الإمام أحمد من حديث معاذ بن جبل مرفوعًا.\nوروى نحوه أبو داود من حديث قيس بن سعد بن عبادة مرفوعًا.\nوروى أحمد - أيضًا- وابن ماجه بنحوه من حديث عبد الله بن أبي أوفى مرفوعًا.\nوهذا يدل على تأكيد الحق - أيضًا-\nوأما إنكار التلميذ على الأستاذ فالأمر فيما بينهما أخف من الزوج والسيد، لأن المحترم هو الأستاذ المفيد للعلم من حيث الدين، ولا حرمة لعالم لا يعمل بعلمه، فله أن يعامله بموجب علمه الذي تعلمه منه، قاله الغوالي. وقال أبو زكريا النواوي - في أذكاره باب ما يقوله التابع للمتبوع إذا فعل شيئًا مخالفًا للصواب أو نحوه -: اعلم أنه يستحب للتابع إذا رأى من شيخه وغيره ممن يقتدي به شيئًا في ظاهره مخالفًا للمعروف أن يسأله عنه بنية الإسترشاد، فإن كان قد فعله ناسيًا تداركه، وإن كان فعله عامدًا وهو صحيح في نفس الأمر، بينه له.\nففي الصحيحين من حديث أسامة بن زيد - ﵁ - قال: (دفع رسول الله ﷺ- من عرفة حتى إذا كان (بالشعب) نزل فبال. ثم توضأ (ولم يسبغ الوضوء) فقلت: الصلاة يا رسول الله. فقال (الصلاة أمامك).\nقال النووي: إنما قال ذلك لأسامة، لأنه ظن أن النبي - ﷺ- نسى صلاة المغرب وكان قد دخل وقتها وقرب خروجه.\nوفي صحيح مسلم، عن (سليمان بن) بريدة، أن النبي - ﷺ- صلى الصلوات الخمس","vol":"1","page":211},{"text":"يوم الفتح بوضوء واحد (ومسح على خفيه) فقال له عمر: صنعت اليوم شيئًا لم تكن تصنعه.\nقال: (عمدًا صنعته يا عمرا)\nونظائر هذا كثير في السنة. وقد بوب النواوي - أيضًا - على مثل ذلك فقال: باب وعظ الإنسان من هو أجل منه.\nوأورد حديث ابن عباس الآتي في فضل الرفق من رواية البخاري عند قوله تعالى: ﴿خذ العفو وأمر بالمعروف﴾\nثم قال: (وأما الأحاديث بنحو ما ذكرنا فأكثر من أن تحصر، وأما ما يفعله كثير من الناس من إهمال ذلك في حق كبار المراتب، وتوهمهم أن ذلك حياء فخطأ صريح وجهل قبيح، فإن ذلك لير بحياء، وإنما هو خور ومهانة وضعف وعجز، فإن الحياء خير كله، والحياء لا يأتي إلاّ بخير، وهذا يأتي بشر، فليس بحياء، وإنما الحياء عند العلماء الربانيين والأئمة المحققين خلق يبعث على ترك القبيح، ويمنع من التقصير في حق ذي الحق).\nانتهى والله أعلم.\nوأما ترك الإنكار على ذي الشيبة إكرامًا له وتوقيرًا (فلا) شاهد معصية من شيخ فيستحي منه لشيبته أن ينكر عليه، لقوله.-ﷺ-: (إن من إجلال (الله) إكرام ذي الشيبة المسليم ...). فهذا الحياء حسن. وأحسن منه أن يستحي من الله فلا يضيع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فالقوي يؤثر الحياء من الله على الحياء من الناس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-58>فصل - (١٣): وجوب نهي أهل الذمة من المنكر كزواج كتابي مسلمة أو عرضهم الخمر ولحم الخنزير للبيع بين المسلمين:</span>\nويتعلق بهذا من المأمورين بالمعروف والمنهيين عن المنكر أهل الذمة، قال ابن مفلح: (وإن فعلوا أمرًا محرمًا عندنا مما فيه ضرر وغضاضة على المسلمين، يمنعون منه","vol":"1","page":212},{"text":"ويدخل فيه نكاح كتابي مسلمة، ويدخل فيه ما ذكره القاضي أبو يعلى - في جزء له: أنهم إن تبايعوا بالربا في سوقنا منعوا، لأنه عائد بفساد نقدنا. وظاهر هذا أنا لا نمنعهم في غير سوقنا والمراد إن اعتقدوا حله وظاهر هذا بل صريحه أن الأشهر منعهم مطلقًا، لأنهم كالمسلمين، في تحريم الربا عليهم كما ذكروه في باب الربا. ويدخل فيه ما ذكره القاضي في هذا الجزء أنه لا يجوز أن يتعلموا الرمي وكذا يمنعون مما يتأذى المسلمون به كإظهار الخمر والخنزير وأعيادهم وصليبهم وضرب الناقوس وغير ذلك إن أظهروا بيع مأكول في نهار رمضان، كالشواء ونحوه يمنعون منه).\nقال أبو القاسم الخرقي- في كتاب الغصب-: (ومن أتلف لذمي خمرًا أو خنزيرًا فلا غرم عليه وينهى عن التعرض لهم فيما لا يظهرونه).\nوقال صاحب الرعاية الكبرى: ولا يعرض أحد لخمر ذمي سترها وأخفاها في بيعها وشرائها وشربها.\nقال الشيخ موفق الدين بن قدامة: وجملة ذلك أنه لا يجب ضمان الخمر والخنزير سواء كان متلفه مسلمًا أو ذميًا لمسلم أو ذمي (نص عليه أحمد في رواية أبي الحارث في الرجل يهريق مسكرًا لمسلم أو لذمي خمرًا أو خنزيرًا فلا ضمان عليه وكذلك الخنزير) وبهذا قال الشافعي.\nوقال أبو حنيفة ومالك: يجب ضمانها إذا أتلفهما على ذمي.\nقال أبو حنيفة: إن كان مسلمًا بالقيمة، وان كان ذميًا بالمثل، لأن عقد الذمة إذا عصم عينًا قومها كنفس الآدمي وقد عصم خمر الذمي، بدليل أن المسلم يمنع من إتلافها فيجب أن يقومها، ولأنها مال لهم يتمولونها، بدليل ما روي عن عمر أن عامله كتب إليه، أن أهل الذمة يمرون بالعاشر ومعهم الخمور فكتب إليه عمر، ولوهم بيعها وخذوا منها عشر ثمنها، وإذا كانت مالًا لهم وجب ضمانها كسائر أموالهم.\nولنا أن جابرًا روى أن النبي - ﷺ- قال: \"ألا إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام) متفق على صحته وما حرم بيعه لا لحرمته لم تجب قيمته كالميتة، ولأن ما لم يكن مضمونًا في حق المسلم لم يكن مضمونًا في حق الذمي كالمرتد، ولأنها غير متقومة فلا تضمن كالميتة. ودليل أنها غير متقومة في حق المسلم فكذلك في حق الذمي","vol":"1","page":213},{"text":"فإن تحريمها ثبت في حقهما وخطاب النواهي يتوجه إليها، فما ثبت في حق أحدهما ثبت في حق الآخر ولا نسلم أنها معصومة بل متى ظهرت حلت إراقتها ثم لو عصمها ما لزم تقويمها فإن نساء أهل الحرب وصبيانهم معصومون (من) غير متقومين.\nوقولهم: (إنها مال عندهم ينتقض بالعبد المرتد فإنه مال عندهم. وأما حديث \"عمر\" فمحمول على أنه أراد ترك التعرض لهم وإنما أمر بأخذ عشر أثمانها، لأنهم لم ذا تبايعوا وتقابضوا حكمنا لهم بالملك ولم ننقضه. وتسميته أثمانًا مجاز كما سمى الله - تعالى - ثمن \"يوسف\" ثمنًا. فقال: ﴿وشروه بثمن بخس ....﴾ انتهى.\nقال أبو العباس بن تيمية: وأهل الذمة إذا أظهروا الخمر فإنهم يعاقبون بإراقتها وشق ظروفها وكسر دنانها، وإن كنا لا نتعرض لهم إذا أسروا ذلك بينهم.\nقال ابن مفلح: (وهذا ظاهر في إنكار المنكر المستور ولم نجد فيه خلافًا) انتهى.\nوسيأتي الكلام على ذلك مكانه - في الباب الخامس - والله أعلم.\nثم قال ابن قدامة: (وأما قول الخرقي: وينهى عن التعرض لهم فيما لا يظهرونه فلأن كل ما اعتقدوا حله في دينهم مما لا أذى للمسلمين فيه من الكفر وشرب الخمر واتخاذه ونكاح ذوات المحارم لا يجوز لنا التعرض لهم فيه إذا لم يظهروه، لأننا التزمنا لم قرارهم عليه في دارنا فلا نعرض لهم فيما التزمنا تركه، وما أظهروه من ذلك تعين إنكاره عليهم فإن كان خمرًا جاز إراقته، وإن أظهروا صليبًا أو طنبورًا جاز كسره. وإن أظهروا كفرهم أدبوا على ذلك ويمنعون من إظهار ما يحرم على المسلمين).\nقال ابن عبد القوي - في نظمه:\nوإن جهر الذمي بالمنكرات في الشريعة يزجر دون محق ثم قال ابن قدامة - ﵀ -: (فصل وإن غصب من ذمي خمرًا لزمه ردها، لأنه لا يقر على شربها وإن غصبها من مسلم لم يلزمه ردها ووجب إراقتها، لأن أبا طلحة سأل رسول الله - ﷺ- عن أيتام ورثوا خمرًا فأمره بإراقتها).\nوإن أتلفها أو تلفت عنده لم يلزمه ضمانها لأن ابن عباس روى عن النبي - ﷺ- قال","vol":"1","page":214},{"text":"(إن الله إذا حرم شيئًا حرم ثمنه).\nولأن ما حرم الانتفاع به لم يجب ضمانه كالميتة والدم. فإن أمسكها في يده حتى صارت خلا (لزم ردها على صاحبها لأنها صارت خلا على حكم ملكه فلزم ردها إليه فإن تلفت ضمنها له، لأنها مال للمغصوب منه تلف في يد الغاصب. وإن أراقها فجمعها إنسان فتخللت عنده لم يلزمه رد الخل، لأنه أخذها بعد إتلافها وزوال اليد عنها) انتهى.\nوفي كتاب الغصب من شرح الخرقي لعلي بن محمد بن أبي بكر الأصبهاني مسائل: منها إذا أتلف المسلم لذمي ما لا حرمة له كالخمر والخنزير ونحوهما لا يضمنه، لقوله - ﷺ-: (إنّ الله إذا حرم شيئًا حرم ثمنه) وأنه يحرم الانتفاع بها فهي كالميتة.\nومنها: أنه يمنع المسلم من الإنكار على الذمي فيما أخفوه من دينهم، لأن عقد الأمان وأخذ الجزية إنما كان لإقرارهم على ما يعتقدونه بخلاف ما إذا أظهروه لأنهم التزموا إخفاءه ومقصود \"الخرقي\" ما لم يكن فيه أذى للمسلمين كشرب الخمر ونكاح ذوات المحارم لأننا التزمنا إقرارهم عليه إلاّ إذا كان فيه أذى للمسلمين فإنه لا يمنع المسلم من الإنكار عليهم كما تقدم.\nقال أبو العباس أحمد بن تيمية - ﵀ - فيما إذا أظهر واحد منهم الأكل في شهر رمضان بين المسلمين ينهون عنه، فإن هذا من المنكرات في دين الإسلام كما ينهون عن إظهار شرب الخمر ولحل لحم الخنزير. انتهى.\nوقد روي أن عمر بن عبد العزيز - ﵀ - كان ينهى النصارى أن يدخلوا الخمر فسطاط المسلمين وجماعتهم وأمرهم أن يجعلوا خمرهم خارجًا من الفسطاط ونهاهم أن ينقلوها من قرية إلى قرية.\nقال العلما،: (وإن ترك أهل الذمة التمييز على المسلمين في أحد أربعة أشياء، لباسهم وشعورهم وركوبهم وغير ذلك ألزموا به وإذا تبايعوا الربا في أسواقنا. فالأشهر من مذهب الإمام أحمد منعهم مطلقًا، لأنهم كالمسلمين في تحريم الربا عليهم.","vol":"1","page":215},{"text":"وإذا فعلوا محرمًا عندهم غير محرم عندنا لم نتعرض لهم ولم نعتزلهم وندعهم على فعلهم، سواء أسروه أو أظهروه وهذا ظاهر قول أصحاب أحمد وغيرهم، لأن الله - تعالى - منعنا من قتالهم والتعرض لهم بما التزموا به من الجزية. والصغار هو جريان أحكام المسلمين ومن المقصود إقامة أمر الإسلام وهو حاصل لا بأمر دينهم المبدل المغير ولأن الإنكار عليهم والتعرض لهم فيه يفتقر إلى دليل.\nوالأصل عدمه، لأن من كان منهم فاسقًا في دينه قد يترتب عليه شيء من أحكام الدنيا فلا تصح شهادته مطلقًا ولا وصيته إلى غيره ولا وصية غيره إليه - ذكره ابن مفلح في الآداب الشرعية.\nقال أصحاب أحمد - رحممم الله -: ولا يمنعون أهل الذمة من نكاح محرم بشرطين:\nأحدهما: أن يرتفعوا إلينا.\nوالثاني: أن يعتقدوا حله في دينهم، لأن ما لا يعتقدون حله ليس من دينهم فلا يقرون عليه كالزنا والسرقة وغير ذلك.\nقال أبو عبد الله بن مفلح: وهذا الحكم من أصحابنا في هذه المسألة بهذا التعليل دليل على أن كل أمر محرم عندنا إذا فعلوه غير معتقدين حله يمنعون منه. ويوافق هذا المعنى قولهم: لا يلزم الإمام إقامة الحدود عليهم فيما يعتقدون تحريمه خاصة سواء كان الحد واجبًا عليهم في دينهم (أم لا استدلالًا بفعله - ﵊ - في رجمه اليهوديين الزانيين ولأنه محرم في دينهم) وقد التزموا حكم الإسلام، وذلك أن تحريمه عندنا مع اعتقادهم تحريمه يصير منكرًا فتتناوله أدلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولأنهم التزموا الصغار وهو جريان أحكام الإسلام عليهم إلاّ فيما اعتقدوا إباحته، وما ذكر من إنكار ما هو محرم عليهم عندنا مع اعتقادهم تحريمه أعم من أن يكون التحريم عامًا لنا ولهم أو عليهم خاصة في ملتهم وقررت شريعتنا تحريمه عليهم، وذلك لاتفاق الملتين على تحريمه كما لو كان التحريم عامًا (لنا ولهم لعدم أثر اختصاصهم بالتحريم، إذ لا يشترط في إنكار المحرم أن يكون التحريم عامًا) للفاعل ولغيره، وعلى هذا نمنعهم من تبايعهم الشحوم المحرمة عليهم في دينهم لأكلها أو لغيره، لأن تحريمها باق عليهم عند الإمام أحمد ﵀ - قال ابن مفلح: جزم به في كتاب الروايتين - وفيه نظر وهذا نص على أنه لا يجوز لنا أن نطعمهم شيئًا من هذه الشحوم وعلى هذا تحرم إعانتهم على ذلك والشهادة فيه. واختار أبو الوفا ابن عقيل: نسخ تحريم هذه الشحوم - قال ابن مفلح: جزم به في كتاب","vol":"1","page":216},{"text":"الروايتين له، وفيه نظر وفي المفيد - من كتب الحنفية - في باب الغصب: (ويمنع الذمي من كل ما يمنع المسلم منه إلاّ شرب الخمر وأكل الخنزيرء (لأن) ذلك مستثنى في عقودهم) ولو غنوا وضربوا بالعيد إن منعوا كما يمنع المسلمون لكن ذلك لم يستثنى في عقودهم.\nقال أبو طالب عمر بن الربيع - في كتابه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر -: فإن قيل أرأيتم إن وجدتم الملاهي عند أهل الذمة؟ قيل: إن أظهروها كان لنا كسرها، وكما لنا إذا أظهروا خمرًا أن نهرقها، وإن كانوا مسرين بحيث لا يلحق المسلمين منه (أذى) لم يكن لنا كسره كما ليس لنا أن نمنعهم من شرب الخمر في منازلهم، إذا لم يكن على المسلمين من ذلك أذى.\nفإن قيل: أفيجوز للمسلمين أن يبتاعوا الملاهي من أهل الذمة؟ قيل ليس لهم أن يبتاعوا الملاهي من المسلمين ولا من أهل الذمة، لأن ذلك يحرم على هؤلاء وعلى هؤلاء، ولكن وقعت المعاهدة بيننا بينهم على أن لا نمنعهم من شيء يستحلونه في دينهم ما لم يكن منهم في ذلك على المسلمين أذى. انتهى.\nوسيأتي في - الباب الثامن- إن شاء الله - خلاف الأئمة - ﵃. في إقامة حد الزنا على الذمي. والله أعلم.\nوأما الركن الثالث: من أركان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهو المنكر المأمور بإزالته الموجب للإنكار.\nقال أبو حامد الغزالي - ﵀ -: (وهو كل منكر، موجود في الحال ظاهر للمنكر من غير تجسس معلوم كونه منكرًا بغير اجتهاد. فهذه أربعة شروط:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-59>فصل - (١٤): الشروط الواجب توفرها في المنكّر حتى يجب النهي عنه:</span>\nالشرط الأول: أن يكون منكرًا يعني محذورًا في الشرع. وعدل هنا من لفظة المعصية (إلى لفظ المنكر)، لأن المنكر أعم من المعصية، (وكذلك قال أبو الفرج بن الجوزي): (إن من رأى صبيًا أو مجنونًا يشرب الخمر فعليه أن يهريق خمره ويمنعه. وكذلك إن رأى مجنونًا يزني بمجنونة أو بهيمة فعليه أن يمنعه منه) وليس ذلك لتفاحش صورة الفعل وظهوره بين","vol":"1","page":217},{"text":"الناس بل لو صادف هذا المنكر في خلوة لوجب المنع منه وهذا لا يسمى معصية في حق المجنون. فلفظ المنكر أدل عليه وأعم من لفظ المعصية، وقد اندرج في عموم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الصغائر والكبائر فلا يختص الإنكار بالكبائر بل كشف العورة في الحمام والخلوة بالأجنبية وإتباع النظر إلى النسوة الأجنبيات، كل ذلك من الصغائر ويجب النهي عنها. ذكره الغزالي. والله أعلم.\nالشرط الثاني: أن يكون المنكر موجودًا في الحال. وهذا احتراز من الإنكار على من فرغ من شرب الخمر فإنّ ذلك ليس إلى الآحاد بعد انقراض المنكر، واحتراز عما سيوجد في ثاني الحال كمن يعلم بقرينة حاله أنه عازم على الشرب في ليلته فلا إنكار عليه إلاّ بالوعظ. وان أنكر عزمه عليه لم يجز وعظه - أيضًا- فيه فإن في ذلك إساءة ظن بالمسلم وربما صدق في قوله، وربما لا يقدر على ما عزم عليه لعائق.\nقال أبو عبد الله أحمد بن حمدان في الرعاية: (ولا إنكار فيما مات إلا العقائد والآراء).\nقال أبو يعلى محمد بن الحسين الفراء: يشترط أن يعلم المنكر الاستمرار الفاعل على فعل المنكر فإن علم من حاله ترك الاستمرار على الفعل لم يجز إنكار ما وقع على الفعل.\nقال أبو عبد الله محمد بن مفلح: فإن كان مراده أنه ندم وأقلع وتاب فصحيح لكن هل يجوز في هذه الحالة إنكاره أو يرفعه إلى ولي الأمر، ليقيم الحد؟ ينبني على سقوطه بالتوبة. فإن اعتقد الشاهد سقوطه لم يرفعه وإلّا رفعه. وان كان مصرًّا على المحرم لم يتب فهذا يجب إنكار الماضي وإصراره، واحتج على ذلك بما ثبت في الصحيحين من محاجة آدم وموسى - صلوات الله عليهما - ومعاتبتهما على ما وقع منهما. والحديث مشهور.\nثم أورد على هذا الحديث كلام العلماء فيه بما إيراده مخرج عما نحن بصدده.\nثم قال: (وكلام أبي العباس بن تيمية وكلام غيره دل على أن الذنب الماضي يلام صاحبه وينكر عليه إذا لم يتب) انتهى.\nوذكر القاضي أبو يعلى - في المعتمد: (أنه لا يجوز إنكار المنكر إذا ظن وقوعه).","vol":"1","page":218},{"text":"وحكي عن بعضهم: أنه يجب. واختار أبو بكر بن المنذر وغيره من الأئمة: أن الميت إذا نيح عليه يعذب إذا لم يوص بتركه وكان من عادة أهله النوح.\nقال الإمام العلامة مجد الدين عبد السلام بن تيمية - في شرح الهداية: وهو أصح الأقوال لأنه متى غلب على ظنه فعلهم له ولم يوص بتركه مع القدرة فقد رضي به فصار كتارك النهي عن المنكر مع القدرة.\nقال أبو عبد الله بن مفلح: (فقد جعل ظن وقوع المنكر بمنزلة المنكر الموجود في وجوب الإنكار والمشهور في هذه الحالة: أنه لا يعذب).\nثم قال: (وهل يرفع المنكر الماضي إلى ولي الأمر أم لا)؟\nينبني على روايتين عن الإمام أحمد في: (رفع المنكر إلى السلطان إذا علم أنه يقيمه على الوجه المأمور، ولهذا تقبل الشهادة بسبب قديم يوجب الحد في المشهور من مذهب الإمام أحمد، لأنه إنكار وإقامة شهادة) انتهى.\nقال أبو حامد الغزالي - بعد كلام له - فإذا المعصية لها ثلاثة أحوال:\nأحدها: أن تكون ماضية متصرمة والعقوبة على تصرم منها حد أو تعزير وهو إلى الولاة لا إلى الآحاد.\nالحالة الثانية: أن تكون المعصية موجودة وصاحبها مباشر له اكلبسه الحرير، وإمساكه العود والخمر، فإبطال هذه المعصية واجب بكل ما يمكن ما لم يؤد إلى معصية أفحش منها أو مثلها، وذلك يثبت للآحاد والرعية.\nالحالة الثالثة: أن يكون المنكر متوقعًا كالذي يستعد بكنس المجلس وترتيبه وجمع الرياحين لشرب الخمر ولم يحضر الخمر فهذا مشكوك فيه وربما يعوق عنه عائق فلا يثبت للآحاد سلطنة على العازم على الشرب إلاّ بطريق الوعظ والنصح - كما تقدم قريبًا - فأما بالتعنيف والضرب فلا يجوز لا للآحاد ولا للسلطان، إلاّ إذا كانت تلك المعصية معلومة منه بالعادة المستمرة وقد أقدم على السبب الذي جلبه إليها ولم يبق لحصول المعصية إلاّ ما ليس له فيه إلاّ الانتظار، وذلك كوقوف الأحداث على حمامات النساء للنظر إليهن عند الدخول والخروج أو في أماكن مرورهن فإنهم وإن لم يضيق الطريق لسعته فيجوز الإنكار عليهم بإقامتهم في الموضع ومنعهم من الوقوف بالتعنيف والضرب وكان تحقيق هذا إذا بحث عنه يرجع إلى أن هذا الوقوف في نفسه معصية وإن كان مقصد المعاصي (وراءه) كما أن الخلوة - في نفسها - معصية، لأنها مظنة وقوع المعصية وتحصيل مظنة المعصية معصية. ونعني","vol":"1","page":219},{"text":"بالمظنة: ما يتعرض الإنسان به لوقوع المعمية - غالبًا - بحيث لا يقدر على الانفكاك عنها، فإذا هي - على التحقيق- حسبة على معصية موجودة لا على معصية منتظرة انتهى والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-60>فصل - (١٥): الشرط الثالث من شروط المنكر:</span>\nالشرط الثالث: أن يكون المنكر ظاهر للمنكر من غير تجسس. فقد أمرنا أن نجري أحكام الناس على الظواهر من غير استكشاف عن الأمور الباطنة. قال الله - تعالى -: ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم﴾.\nوفي الصحيحين، وسنن الدارقطني من حديث عبد الله بن عمر - ﵄أن رسول الله - ﷺ- قال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا اله إلاّ الله وأن محمدًا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك فقد عصموا مني دماءهم وأموا لهم إلاّ بحق الإسلام وحسابهم على الله تعالى).\nوفي الصحيحين- أيضًا - وسنن النسائي، وابن ماجه من حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا اله إلاّ الله فمن قال: لا اله إلاّ الله فقد عصم مني نفسه وماله إلا بحقه وحسابه على الله).\nوفي سنن النسائي من حديث النعمان بن بشير - ﵁ - قال: (كنا مع النبي - ﷺ - فجاءه رجل ذات يوم فساره) فقال: اقتلوه. ثم قال: أشهد أن لا إله إلاّ الله. قالوا: نعم لكنه يقولها تعوذًا. فقال رسول الله: (لا تقتلوه، فإني إنما أمرت أن أقاتل الناس","vol":"1","page":220},{"text":"حتى يقولوا: لا إله إلاّ الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلاّ بحقها وحسابهم على الله).\nوروى مالك - في الموطأ - من حديث (عبيد) الله بن عدي بن الخيار مرسلًا بينما رسول الله -ﷺ- جالس بين ظهري الناس إذ جاءه رجل فساره فلم يدر ما ساره حتى جهر رسول الله - ﷺ - حين جهر: أليس يشهد أن لا إله إلاّ الله، وأن محمدًا رسول الله؟ .. قال: بلى، ولا شهادة له قال: أليس يصلي؟ قال: بلى ولا صلاة له. قال رسول الله - ﷺ -: (أولئك الذين نهاني الله عن قتلهم).\nوفي صحيح البخاري من حديث عبد الله بن عتبة بن مسعود قال: سمعت عمر بن الخطاب - ﵁ - يقول: \"إنّ ناسًا كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله - ﷺ- وانّ الوحي قد انقطع. وإنما نؤاخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم. فمن أظهر لنا خيرًا أمناه وقربناه وليس لنا في سريرته شيء. الله يحاسبه في سريرته ومن أظهر لنا شرًا لم نأمنه ولم نصدقه وإن قال: إنّ سريرته حسنة.\nوفي الصحيحين وغيرهما من حديث أبي سعيد الخدري أن خالد بن الوليد ﵁ - استأذن النبي -ﷺ- في قتل رجل فقال: (لعله أن يكون يصلي) فقال خالد: وكم من مصلَّ يقول بلسانه ما ليس في قلبه. فقال - ﷺ: (إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم).\nوفي صحيح مسلم وغيره من حديث أسامة بن زيد - ﵁ - قال: بعثنا رسول الله -ﷺ- في سرية فصبحنا الحرقات من جهينة. فأدركت رجلًا فقال: لا إله إلاّ الله، فطعنته فوقع في نفسي من ذلك. فذكرته للنبي ﷺ، فقال رسول الله - ﷺ-: (أقال: لا اله إلاّ الله وقتلته)؟ قلت: يا رسول الله إنما قالها خوفًا من السلاح. قال: (أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا)؟ فما زال يكررها حتى تمنيت أني لم أكن. سلمت قبل ذلك اليوم.","vol":"1","page":221},{"text":"قال أبو الفرج بن الجوزي: (من تستر بمعصيته في داره، وأغلق بابه، لم يجز أن يتجسس عليه، إلاّ إن ظهر ما نعرفه كأصوات المزامير والعيدان، فلمن سمع ذلك أن يدخل ويكسر الملاهي. وإن ظهرت روائح الخمر، فالأظهر جواز الإنكار.\nوقال محمد بن أبي حرب: سألت أبا عبد الله عن الرجل يسمع المنكر في دار بعض جيرانه؟ قال: يأمره: فإن لم يقبل يجمع عليه الجيران ويهول عليه. ونقل جعفر عن الإمام أحمد فيمن يسع صوت الغناء في طريق.\nقال: هذا قد ظهر عليه فله أن ينهاهم، ورأى أن ينكر الطبل، يعني إذا سمح صوته.\nقيل له: مررنا بقوم أشرفوا من علية لهم يغنون فجئنا صاحب الخبر فأخبرناه فقال: لم تتكلموا في الموضع الذي سمعتم؟ فقيل: لا قال: كان يعجبني أن تتكلموا.\nقال ابن مفلح: (وهذا يعني ما ذكره الأصحاب - في باب الوليمة - أنه يلزم القادر الحضور والإنكار وإلاّ لم يحضر وانصرف). انتهى.\nوالمقصود أن يكون المنكر برؤية عين المنكر أو شهادة عدلين وقد روي أن عمر - ﵁ - كان يعس بالمدينة ذات ليلة فرأى رجلًا وامرأة على فاحشة فأقام عليهما الحد، فلما أصبح قال للناس: (أرأيتم لو أن إمامًا رأى رجلًا وامرأة على فاحشة فأقام عليهما الحد، فلما أصبح قال للناس: (أرايتم لو أن إمامًا رأى رجلًا وامرأة على فاحشة فأقام عليهما الحد، ما كنتم فاعلين)؟ فقالوا: إنما أنت إمام. فقال علي: ليس ذلك لك، إذًا يقام عليك الحد، إن الله لم يأمن على هذا الأمر أهل من أربعة شهداء ثم تركهم ما شاء الله أن يتركهم ثم سألهم فقال القوم مثل مقالتهم الأولى وقال مثل مقالته.\nقال هذا الغزالي وهذا يشير إلى أن عمر كان مترددًا في أن الوالي هل له أن يقضي بعلمه في حدود الله؟ فلذلك راجعهم في معرض الفتوى لا في معرض الإخبار خفية من أن (لا) يكون له ذلك.\nفمال رأي علي إلى أنه ليس له ذلك. وهذا من أعظم الأدلة على ستر عورات المسلمين كما سيأتي في مكانه من الباب الرابع-.\n(وقد شاور عمر الصحابة - ﵃ - وهو على المنبر وسألهم عن الإمام إذا","vol":"1","page":222},{"text":"شهد بنفسه منكرًا فهل له إقامة الحد فأشار (علي) إلى أن ذلك منوط بعدلين فلا يكفي فيه واحد).\nوسيأتي في بيان حد الظهور والاستتار في مكانه - من الباب الخامس - (فكل من ستر معصيًة في داره وأغلق بابه فإنه لا يجوز التجسس عليه) كما سيأتي الكلام على ذلك والخلاف فيه في الباب المذكور إن شاء الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-61>فصل - (١٦): أصل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مبني على الظنون</span>\nلكن أمل الأمر والنهي مبني على الظنون، لأن الظن تجويز لأمرين أحدهما أظهر من الآخر.\nفقد قال الشيخ الإمام عز الدين بن عبد السلام: فإن قيل: هل يبنى إنكار المنكر على الظنون كما ذكرتموه في غيره؟\nقلنا: نعم الإنكار مبني على الظنون كغيره فإنا لو رأينا إنسانًا يسلب ثياب إنسان لوجب علينا الإنكار عليه بناء على الظن المستفاد من ظاهر يد المسلوب. وكذلك لو رأيناه يجر امرأة إلى منزله يزعم أنها زوجته أو أمته وهي تنكر ذلك لوجب علينا الإنكار عليه لأن الأصل عدم ما ادعاه.\nوكذلك لو رأيناه يقتل إنسانًا يزعم أنه كافر حربي ودخل في دار الإسلام بغير أمان وهو يكذبه في ذلك لوجب علينا الإنكار عليه، لأن الله - تعالى- خلق عباده حنفاء والدار دالة على إسلام أهلها، لغلبة المسلمين عليها فإن أصابت ظنوننا في ذلك فقد قمنا بالمصالح التي أوجب الله علينا القيام بها وأجرنا عليها إذا قصدنا بذلك وجه الله تعالى -.\nوإن اختلفت ظنوننا أثبنا على قصودنا وكنا معذرين في ذلك كما عذر موسى - ﷺ - في إنكاره على \"الخضر\" بخرق السفينة وقتل الغلام وبالغ في إنكاره بقوله: ﴿لقد جئت شيئا نكرا﴾ بعد: ﴿لقد جئت شيئا إمرا﴾ ولو اطلع موس على ما في خرق السفينة من المصلحة، وعلى ما في قتل الغلام من المصلحة، وعلى ما في ترك السفينة من مفسدة غصبها وعلى ما في إبقاء الغلام من كفر أبويه وطغيانهما لما أنكر عليه ولساعده في ذلك،","vol":"1","page":223},{"text":"وصوب رأيه، لما في ذلك من القربة إلى الله - تعالى - ولو وقع مثل ذلك في زماننا لكان حكمه كذلك.\nثم قال: وإنما عمل بالظنون في موارد الشرع ومصادره، لأن كذب الظنون نادر وصدقها غالب ولو ترك العمل بها خوفًا من وقوع نادر كذبها لتعطلت مصالح كثيرة غالبة خوفًا من وقوع المفاسد قليلة نادرة. وإنما ذم الله - تعالى- العمل بالظن في موضع يشترط فيه العلم أو الاعتقاد الجازم لمعرفة الإله ومعرفة صفاته. والفرق بينهما ظاهر. والحاصل أن معظم مصالح الواجب والمندوب والمباح مبني على الظنون المضبوطة بالضوابط الشرعية. وأن معظم مفاسد المحرم والمكروه مبني على الظنون المضبوطة بالضوابط الشرعية فإن قيل: ما تقولون في قوله - تعالى: - ﴿إن بعض الظن إثم﴾.\nوقوله -ﷺ-: \"إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث \". قلنا: إنّ الآية لم ينه فيها عن كل ظن، وإنما نهى فيها عن بعضه وهو أن يبنى على الطن ما لا يجوز بناؤه عليه مثل أن يظن بإنسان أنه زنى أو سرق أو قطع الطريق أو قتل نفسًا أو أخذ مالًا أو ثلب عرضًا فأراد أن يظن بذلك من غير حجة شرعية يستند إليها ظنه، وأراد أن يشهد عليه بذلك بناء على ظنه المذكور فهذا هو الإثم. وتقدير الآية: ﴿اجتنبوا كثيرًا من (اتباع) الظن، إن اتباع بعض الظن إثم﴾. ويجب تقدير هذا، لأن النهي عن الظن مع قيام أسبابه المثيرة له لا يصح، لأنه تكليف لاجتناب ما لا يطاق اجتنابه، إذ لا يمكن الظان دفعه عن نفسه مع قيام أسباب، ولن يكلف الله نفسًا إلاّ وسعها.\nوأما الحديث: فإنّ التقدير فيه: إياكم واتباع بعض الظن وإنما قدر ذلك لإجماع المسلمين على وجوب اتباع الظن فيما ذكرناه، وكان قد ذكر لذلك صورًا وأمثالًا كثيرة وكذلك جواز اتباعه فيما أردناه. واتباع هذه الظنون المذكورة سبب لفلاح الدنيا والآخرة وإن ظنًا هذه عاقبته خير من علم لا يجلب خيرًا ولا يدفع ضرًا فأكرم به من ظن موجب (لرضا) الرحمن، وسكنى الجنان: وربما كان (كثير) من العلوم مؤديًا إلى سخط الديان وخلود النيران انتهى.","vol":"1","page":224},{"text":"ثم ذكر بعده وقبله كلامًا كثيرًا لا يمكن إيراده في هذا المكان وسيأتي الكلام على كراهة بعض الظن في الأمر بالمعروف - في الباب الخامس - إن شاء الله - تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-62>فصل - (١٧): الشرط الرابع من شروط المنكر أن يكون معلومًا بغير اجتهاد</span>\nالشرط الرابع من شروط المنكر أن يكون معلومًا بغير اجتهاد. وقال شيخ مشايخنا عبد القادر الكيلاني - قدس الله روحه -: والمنكر ينقسم قسمين: أحدهما: ظاهر يعرفه العوام (والخواص) كالزنا، وشرب الخمر، والسرقة، وقطع الطريق، والربا، والغصب، وغير ذلك، فهذا القسم يجب إنكاره على العوام كما يجب على الخواص من العلماء. والقسم الثاني: ما لا يعرفه إلاّ الخواص مثل اعتقاد ما يجوز على الباري - سبحانه - وما لا يجوز عليه. فهذا يختص بالعلماء إنكاره فإن أخبر احد من العلماء بذلك واحدًا من العوام جاز له ذلك ووجب على العامي الإنكار عند القدرة ولا يجوز قبل ذلك. انتهى.\n... وقال قوم: كل ما هو في محل الاجتهاد فلا إنكار فيه. وذكر القاضي أبو يعلى وجماعة: (أن الإنكار- فيما يسوغ فيه خلاف من الفروع - على من اجتهد فيه أو قلد مجتهدًا فيه، كذا ذكره القاضي والأصحاب وصرحوا: أنه لا يجوز، ومثلوه بشرب يسير النبيذ غير مسكر - عند الحنفية - وكذلك التزويج بغير ولي عندهم).\nولو تزوج امرأة تعتقد إباحة يسير النبيذ هل له منعها؟ على وجهين لأصحاب الإمام أحمد.\nوذكر (العلامة أبو مغنية) أنه لا يملك منع امرأته الكتابية من شرب يسير الخمر على نص أحمد لاعتقادها إباحته، ثم ذكر تخريجًا من أحد الوجهين في لحل الثوم أنه يملك منعها، لكراهة رائحته.\nوذكر- أيضًا- في مسألة مفردة أنه لا ينبغي لأحد أن ينكر على غيره العمل بمذهبه، فإنه لا إنكار في المجتهدات.\nقال الإمام أحمد في رواية أبي بكر المروذي: لا ينبغي للفقيه أن يحمل الناس على مذهبه ولا يشدد عليهم.\nوعنه رواية أخرى: لا ينكر على المجتهد، بل على المقلد.","vol":"1","page":225},{"text":"وقال ابن حمدان- في الرعاية الكبرى: ولا إنكار فيما فيه خلاف شائع من الفروع على من اجتهد فيه أو قلد مجتهدًا فيه. ذكر أبو الفرج ابن الجوزي- في المنكرات- غمس اليد بعد القيام من النوم في الماء اليسير. قال: فإن فعل ذلك مالكي لم ينكر عليه، بل يتلطف به ويقول له: (يمكنك أن لا تؤذيني بتفويت الطهارة علي أو ما في معنى ذلك) انتهى.\nوقال سفيان الثوري: إذا كان الرجل يعمل العمل (الذي قد) اختلف فيه وأنت ترى غيره فلا تنه.\nوذكر أبو الحسن علي بن حبيب الماوردي - في الأحكام السلطانية (خلافًا بين العلماء في أن من قلده السلطان الحسبة هل له أن يحمل الناس على مذهبه فيما اختلف فيه الفقهاء أم لا يغير ما كان على مذهب غيره).\nقال النووي: والأصح أنه لا يغير.\nقال الغزالي: (وليس للحنفي أن ينكر على الشافعي كله الضب والضبع، ولا للشافعي أن ينكر الحنفي شربه النبيذ الذي ليس بمسكر، وتناوله ميراث ذوي الأرحام، وجلوسه في دار أخذها بشفعة الجوار إلى غير ذلك من مجاري الاجتهاد) نعم لو رأى الشافعي شافعيًا يشرب النبيذ، وينكح بلا ولي ويطأ زوجته فهذا محل (النظر). والأظهر أن له الحسبة والإنكار إذ لم يذهب أحد من المحصلين إلى أن المجتهد يجوز له أن يعمل بموجب اجتهاد غيره ولا أن الذي أدى اجتهاده في التقليد إلى شخص رآه أفضل العلماء أن له أن يأخذ بمذهب غيره فينتقي من المذاهب أطيبها عنده بل على كل مقلد اتباع مقلده في كل تفصيل.\nفإذا مخالفته للمقلد متفق على كونه منكرًا بين المحصلين وهو عاص بالمخالفة.\n(وعن الإمام احمد رواية أخرى. فينكر ما فيه خلاف. قال - في رواية (أبو الحسن) عبد الملك الميموني - في الرجل يمر بالقوم وهم يلعبون بالشطرنج: ينهاهم ويعظهم. وقال أبو داود سليمان بن الأشعث: سمعت الإمام أحمد - ﵀ - سئل عن الرجل مر بقوم يلعبون بالشطرنج فنهاهم فلم ينتهو فأخذ الشطرنج فرمى به؟ فقال: قد أحسن. وقال: في رواية أبي طالب -: فمن يمر بالقوم يلعبون بالشطرنج. فقال: يقلبها عليهم إلاّ أن يغطوها أو","vol":"1","page":226},{"text":"يستروها. وقال أبو بكر بن أحمد بن محمد المروذي: قلت لأبي عبد الله: دخلت على رجل وكان أبو عبد الله قد بعثني إليه بشيء فأتى بمكحلة رأسها مفضض فقطعها فأعجبه ذلك وتبسم وأنكر على صاحبها.\nقال أبو العباس بن تيمية - في كتاب بطلان التحليل -: قولهم: ومسائل الخلاف لا إنكار فيها، ليس بصحيح، فإن الإنكار إما أن يتوجه إلى القول بالحكم أو العمل، أما الأول فإذا كان القول مخالفًا سنة أو إجماعًا قديمًا وجب إنكاره وفاقًا، وإن لم يكن كذلك فإنه ينكر بمعنى بيان ضعفه عند من يقول المصيب واحد وهو عامة السلف والفقهاء. وأما العمل إذا كان على خلاف منة أو إجماع وجب إنكاره بحسب درجات الإنكار. وأما إذا لم يكن في المسألة سنة ولا (إجماع) وللاجتهاد فيها مساغ فلا ينكر على من عمل بها مجتهدًا أو مقلدًا، وإنما دخل هذا اللبس من جهة أن القائل يعتقد أن مسائل الخلاف هي مسائل الاجتهاد كما اعتقد ذلك طوائف من الناس.\nوالصواب الذي عليه الأئمة أن مسائل الإجتهاد ما لم يكن فيها دليل يجب العمل به وجوبًا ظاهرًا مثل حديث صحيح لا معارض له من جنسه يسوغ إذا عدم ذلك الاجتهاد، لتعارض الأدلة المقارنة، أو لخفاء الأدلة فيها، وليس في ذكر كون المسألة قطعية طعن على من خالفها من المجتهدين كسائر المسائل التي اختلف فيها السلف. ثم ذكر بعد ذلك كلامًا كثيرًا، وقال - أيضًا - في مكان أخر-: من أصر على ترك الجماعة ينكر عليه ويقاتل - أيضًا - في أحد القولين عند من استحبها، وأما (من) أوجبها فإنه - عنده - يقاتل ويفسق إذا قام الدليل عنده المبيح للمقاتلة والتفسيق كالبغاة بعد زوال الشبهة. وقال - أيضًا -: يعيد من ترك الطمأنينة. ومن لم يوقت المسح نص عليه، بخلاف متأول لم يتوضأ من لحم الإبل، فإن فيه روايتين، لتعارض الأدلة والآثار فيه.\nوذكر النواوي أن المختلف فيه لا إنكار فيه. قال: لكن إن ندبه على جهة النصيجة إلى الخروج من الخلاف فهو حسن محبوب مندوب إلى فعله برفق.\nوذكره غيره من الشافعية في المسألة وجهين، وذكر مسألة الإنكار على من كشف فخذه وأن فيه وجهين.\nوذكر ابن الجوزي: (أنه ينكر على من يسيء صلاته بترك الطمأنينة في الركوع والسجود مع أنها مسائل الخلاف).","vol":"1","page":227},{"text":"(وقد روى أحمد بن إبراهيم الدروقي، عن الإمام أحمد - ﵀ - أنه صلى يومًا إلى جانب رجل لا يتم ركوعه ولا سجوده. فقال: يا هذا، أقم صلبك وأحسن صلاتك).\nوقال شيخ مشايخنا عبد القادر الكيلاني: (يجب أن يأمره ويخصه) وقال أبو الفرج بن الجوزي: (واشتغال المعتكف بإنكار هذه الأشياء أفضل من نافلة اقتصر عليها).\nوعن أحمد رواية ثالثة، لا ينكر على المجتهد بل على المقلد، فقال إسحق بن إبراهيم، عن الإمام أحمد أنه سئل عن الصلاة في جلود الثعالب، قال: إذا كان متأولًا ولا أرجو أن لا يكون به بأس، وإن كان جاهلًا ينهى ويقال له: إن النبي - ﷺ - قد نهى عنها.\nقال أبو عبد الله محمد بن مفلح: في المسألة قول رابع.\nقال في الأحكام السلطانية: ما ضعف الخلاف فيه، وكان ذريعة إلى محظور متفق عليه كربا النقد والخلاف فيه ضعيف وهو ذريعة إلى ربا النساء المتفق على تحريمه وكنكاح المتعة وربما صارت ذريعة إلى استباحة الزنا فيدخل في إنكار المحتسب بحكم ولايته.\nوقد ذكر أبو الخطاب وغيره ما يدل عل أنه يسوغ التقليد في نكاح المتعة. وقال في الرعاية -: ويكره تقليد من يفتي بها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-63>فصل - (١٨): وجوب التزام كل مقلد لمذهب بأحكام مذهبه وكراهة تقليده غيره إلاّ لضرورة</span>\nقال أبو عبد الله أحمد بن حمدان - في الرعاية -: ومن التزم مذهبًا أنكر عليه مخالفته بلا دليل ولا تقليد سائغ ولا عذر آخر. وقال في موضع آخر: يلزم كل مقلد أن يلتزم بمذهب معين في الاشهر ولا يقلد غير أهله. وقيل: بلا ضرورة. قال أبو العباس ابن تيمية - بعد أن ذكر المسألة الأولى من كلام \"ابن حمدان: هذا يراد به شيئان: أحدهما، أن من التزم مذهبًا معينًا ثم فعل خلافه من غير تقليد لعالم آخر أفتاه ولا استدلال بدليل يقتضي خلاف ذلك، ومن غير عذر شرعي يبيح له ما فعله، فإنه يكون متبعًا لهواه، وعاملًا بغير اجتهاد ولا تقليد فاعلًا للمحرم بغير عذر شرعي وهذا منكر. انتهى.\nقال أبو عبد الله بن مفلح: وقد نص الإمام أحمد وغيره على أنه ليس لأحد أن يعتقد","vol":"1","page":228},{"text":"الشيء واجبًا أو حرامًا، ثم يعتقده غير واجب ولا حرام بمجرد هواه مثل أن يكون طالبًا لشفعة الجواز فيعتقد أنها حق له، ثم إذا طلبت منه اعتقد أنها ليست ثابتة. أو إذا كان له عدو يفعل بعض الأمور المختلف فيها كشرب النبيذ المختلف فيه، ولعب الشطرنج، وحضور السماع يقول: إن هذا ينبغي أن يهجر وينكر عليه، فإذا فعل ذلك صديقه اعتقد أن ذلك من مسائل الاجتهاد التي لا تنكر فشل هذا ممن يكون في اعتقاده حل لشيء وحرمة ووجوبه وسقوطه بحسب هواه فهو مذموم مجروح خارج عن العدالة.\nوقد نص الإمام أحمد وغيره من العلماء: أن ذلك لا يجوز، وأما إذا تبين له ما يوجب رجحان قول على قول إما بالأدلة المفصلة إن كان يعرفها ويفهمها، وإما بأن يرى أحد الرجلين أعلم بتلك المسألة من الآخر وهو أتقى منه فيما يقول فيرجع عنه قول إلى قول لمثل هذا، فهذا يجوز بل يجب وقد نص عليه أحمد وغيره.\nوقال أبو العباس تقي الدين أحمد بن تيمية - ﵀ - هل على العامي أن يلتزم مذهبًا معينًا يأخذ بعزائمه ورخصه؟ فيه وجهان لأصحاب الإمام أحمد والشافعي. والجمهور من هؤلاء وهؤلاء لا يوجبون ذلك. والذين يوجبونه يقولون: إذا التزمه لم يكره له أن يخرج عنه ما دام ملتزمًا له أو ما لم يتبين له أن غيره أولى بالالتزام منه.\nولا ريب أن التزام المذاهب والخروج عنها إن كان لغير أمر ديني. مثل أن يلتمس مذهبًا لحصول عرض دنيوي من مال أو جاه أو نحو ذلك فهذا مما لا يحمد عليه بل يذم عليه في نفس الأمر ولو كان ما انتقل إليه خيرًا مما انتقل عنه، وهو بمنزلة من يسلم لا يسلم إلاّ لغرض دنيوي. وأما إن كان انتقاله من مذهب إلى مذهب لأمر ديني فهو مثاب على ذلك، بل واجب على كل أحد إذا تبين له حكم الله - تعالى - ورسوله في أمر أن لا يعدل عنه ولا يتبع أحدًا في مخالفة الله ورسوله. انتهى.\nقال القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين - ﵀ - فيمن خالف مذهبه: ينكر عليه وإن جاز أن يختلف اجتهاده الأول، لان الظاهر بقاؤه عليه. وإلاّ لأظهره لينتفي عنه الظنة والشبهة، كما ينكر على من أكل في رمضان أو طعام غيره وإن جاز له أن يكون هناك عذر. ثم قال: وإن علمنا من حال العامي أنه قلد من يسوغ اجتهاده لم ينكر عليه، وإلاّ أنكرناه.\nقال أبو الوفا علي بن عقيل: ومن لم يعلم أن الفعل الواقع من أخيه المسلم جائز في الشرع أم غير جائز فلا يحل له أن يأمر ولا ينهى. وقال أبو حامد الغزالي: (ذهب ذاهبون","vol":"1","page":229},{"text":"وقالوا: لا إنكار إلاّ في الخمر والخنزير وما يقع حرامًا، ولكن لا شبهة عندنا أن الاجتهاد يؤثر في حق المجتهد).\nثم قال - في مكان آخر -: (فالعامي - ينبغي له أن لا ينكر إلاّ في الجليان المعلومة كشرب الخمر والزنا وترك الصلاة. فأما من يعلم كونه معصية بالإضافة إلى ما يطيف به من الأفعال ويفتقر فيه إلى اجتهاد. فالعامي إن خاض فيه كان ما يفسده. كثر مما يصلحه. وعن هذا يتأكد ظن من لا يثبت ولاية الأمر والنهي إلاّ بتعيين الإمام، إذ ربما يبتدر لها من ليس أهلًا لها، لقصور معرفته أو قصور ديانته فيؤدي إلى وجه من الخلل.\nوقال صاحب المحرر مجد الدين بن عبد السلام بن تيمية وغيره بعد إيراد حديث عائشة﵂-: أن أناسًا يأتوننا باللحم لا ندري أسموا عليه أم لا؟ قال: سموا أنتم وكلوا.\nقالوا: وهو دليل على أن التصرفات والأفعال تحمل على الصحة والسلامة إلى أن يقوم دليل الفساد. والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-64>فصل - (١٩): ضروب الموجب للإنكار:</span>\nوالموجب للإنكار على ضروب. منه ما يوجب النهي عنه باللسان، فإن انتهى وإلاّ وجب على المسلمين منعه بالضرب والقتال حتى يترك أو يقتل نحو اغتصاب الأموال ومد الأيدي إلى الحرام أو إلى النفس. فيجب أن ينكر عليه باليد واللسان فإن انتهى وإلاّ وجبت محاربته وان أتى ذلك على نفسه، وان استمكنوا منه أو أهوّه لم يجز قتله.\nومن المنكر ما يكون إنكاره بالحبس وذلك مثل منع الناس حقوقهم. من دين وما أشبهه، فإذا وعظ فلم يقبل وجب على الحاكم أن يحبسه. وأما ما يكون المرء فيه ظالمًا لنفسه، كإفساد ماله، وترك الصلوات، أو إفطاره في شهر رمضان، أو تضييع الفرائض التي يكون فاسقًا بتركها، فعلى المسلمين أن ينكروا عليه باللسان، فإن رجح وإلاّ كان على الإمام أو أمرائه أن ينكروا عليه بالضرب والحبس حتى يموت.","vol":"1","page":230},{"text":"وأما ما سوى الفرائض، وكان ينه وبين ربه - تعالى - فإنما ينكر عليه بالموعظة من غير ضرب ولا حس إلاّ ما فيه حد. كما ذكر أبو طالب عمر بن الربيع وغيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-65>فصل - (٢٠): الركن الرابع من أركان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:</span>\nوأما الركن الرابع من أركان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهو نفس الأمر والنهي. وله درجات وآداب.\nأما الدرجات في ولها التَّعرُّف ثم التعريف ثم النهي ثم الوعظ والنصح ثم السب والتعنيف ثم التغيير باليد ثم التهديد بالضرب ثم إيقاع الضرب وتحقيقه ثم شهر السلاح ثم الاستظهار فيها بالأعوان وجمع الجنود. فهذه الدرجات التي ذكرها الإمام الغزالي. ﵀ - تعالى -\nوقد قامت أمام درجة أخرى، وهي إنكار المنكر بالحال. قال بعض العارفين عند تفسير قوله - تعالى-: ﴿لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون﴾.\n(فجعل سبحانه الربانيين نائبين عن الأنبياء الذين هم أولوا الدين، فهم الخلفاء ينهون الخلق بممارسة أحوالهم كثر مما ينهونهم بأقوالهم، لأنهم إذا أشاروا إلى الله حقق ما يؤمنون إليه ويحقق ما يعلقون هممهم به).\nكما جرى لجماعة من السلف منهم خالد بن الوليد﵁- فذكر ابن كثير- في تاريخه عن أي بكر بن عياش، عن الأعمش، عن خيثمة قال: أتي خالد برجل معه زق خمر. فقال: اللهم اجعله عسلًا فصار عسلًا. وله طرق. وفي بعضها: مر عليه رجل معه زق خمر فقال له خالد: ما هذا؟ قال: خل. فقال: اللهم اجعله خلًا. فلما رجع الرجل إلى أصحابه أصابته والله دعوة خالد.\nومنهم شيخ مشايخنا الإمام القطب محيي الدين عبد القادر الكيلاني - قدس الله تعالى روحه.","vol":"1","page":231},{"text":"قال صاحب \"بهجة الأسرار ومعدن الأنوار\": أخبرنا أبو الحسن علي بن أبي بكر الأمهري. قال: سمعت قاضي القضاة أبا نصر قال: سمعت أبي عبد الرزاق يقول: خرج والدي يعني الشيخ محي الدين عبد القادر الكيلاني - قدس الله روحه - يومًا إلى صلاة الجمعة وأنا وإخواني عبد الوهاب وعيسى فرأينا في الطريق ثلاثة أحمال خمر للسلطان وقد فاحت رائحتها واشتدت ومعها صاحب للشرط وأعوان الديوان. فقال لهم الشيخ: قفوا فلم يقفوا وأسرعوا في سوق الدواب. فقال الشيخ للدواب: قفي فوقفت مكانها كأنها جمادات، وضربوها ضربًا عنيفًا، فلم تتحرك من موضعها، وأخذهم القولنج وجعلوا يتقلبون على الأرض يمينًا وشمالًا من شدة الوجع.\nفضجوا بالشيخ، وأعلنوا التوبة والاستغفار، فزال عنهم ذلك في نفس الوقت، وانقلبت رائحة الخمر برائحة الخل، ففتحوا الأواني فإذا هي خل ومشت الدواب، فعلت أصوات الناس بالضجيج وذهب الشيخ إلى الجامع، وانتهى الخبر إلى السلطان فبكى رعبًا، وارتدع عن فعل كثير من المحرمات، وحضر إلى زيارة الشيخ، وكان يجلس بين يديه متصاغرًا ودخل عليه - قدس الله روحه - شيخ ومعه شاب وقال له: ادع لهذا، فإنه ولدي، ولم يكن ولده، بل كان على سريرة غير صالحة، فغضب الشيخ، وقال: بلغ أمركم معي إلى هذا الحد، ودخل داره، ووقع الحريق في أرجاء بغداد من وقته وكلما طفى مكان اشتعلت النار في مكان آخر، ورؤي البلاء نازلًا على بغداد كقطع الغمام بسبب غضب الشيخ.\nراوي القصة عنه - فأسرعت بالدخول إليه، فوجدته على حاله مغضبًا فجلست إلى جانبه، وجعلت أقول له: يا سيدي ارحم الخلق، قد هلك الناس حتى سكن غضبه، فرأيت البلاء قد انكشف وانطفأ الحريق كله.\nوكان الشيخ القطب العارف أبو عبدالله، محمد القرشي أحد الأولياء المشهورين بالبلاد المصرية - قدس الله روحه - (مبتلى) في جسده، ومات بالقدس الشريف ودفن بمقبرة ماملا. وكان يقول لأصحابه: إنكار المنكر بالباطن من حيث الحال أتم من إنكاره بالظاهر من حيث القال فقيل له: أرنا آية ذلك؟ فقال لصاحبه الشيخ أبي عبد الله القرطبي: أجلسني على دكة على الطريق فأتى به إلى المسجد الذي عند مفترق الطريق بين مصر والقاهرة فأجلسه على دكته فعبر بغل عليه جرار خمر، فأعلمه \"القرطبي\" به فأشار الشيخ إلى الحمل بإصبعه هو هذا فعثر البغل وانكسرت الجرار.","vol":"1","page":232},{"text":"ومر عليه ثلاثة أحمال بغال عليهن خمر وهو يصنع كذلك والجرار تنكر فقال الشيخ: هكذا يكون الإنكار.\nوقال الشيخ أبو (محمد) عبد الله بن مسعود المعروف بالرومي: اجتزت مع شيخنا ضياء الدين إلى النجيب عبد القاهر السهروردي صاحب العوارف- قدس الله روحه - قومًا بالكرخ فسمعنا اختلاط أصوات سكارى في دار، وشممنا رائحة منكرة فدخل الشيخ (دهليز) الدار فصلى ركعتين فخن ج من كان فيها صارخين فإذا كانت الخمر في أواني عندهم قد صار ماءا وتابوا كلهم على يد الشيخ.\nقال: ومررت معه مرة أخرى على الجسر فرأى رجلًا: يحمل فاكهة كثيرة. فقال الشيخ: (هذه الفاكهة) تقول لي كلامًا قال الرجل ماذا تقول الفاكهة؟ قال إنها تقول لي: أنقذني من يد هذا، فإنه اشتراني ليشرب علي الخمر. فأغمي على الرجل وسقط لوجهه، ثم أتى إلى الشيخ فتاب على يديه.\nومر الشيخ أبو محمد الشنبكي جد أعيان مشايخ العراقيين العارفين بجماعة بين أيديهم أواني الخمر وآلات الطرب. فقال: اللهم طيب عيشهم في الآخرة فصار الخمر ماء، وألقى الله عليهم الخشية فتصارخوا ومزقوا ثيابهم وتهاطلت دموعهم وكسروا الأواني والآلات وحسنت توبتهم.\nوروي عن الفتح بن منخرق قال: (تعلق رجل لامرأة وبيده سكين، وكان لا يدنو أحد منه إلاّ عقره، وكان الرجل شديد اليدين، فبينا الناس كذلك، والمرأة تصيح من بين يديه، إذ مر بشر بن الحارث الحافي- قدس الله روحه- فدنا منه، وحك كتفه بكتف الرجل فوقع الرجل إلى الأرض، ومضى \"بشر\" فدنوا من الرجل وهو يرشح عرقًا فمضت المر. ة لحالها فسألوه: ما حالك؟ فقال: ما أدري إلا أن شيخنا جاء إلي، وقال: إن الله - تعالى- ناظر إليك وإلى ما تعمل، فضعفت لقوله قدماي، وهبته هيبة شديدة، لا أدري من ذلك الرجل؟ فقالوا له: ذلك بشر الحافي. فقال واسوأتاه كيف ينظر إلى بعد اليوم وحم الرجل من يومه ومات يوم السابع).\nوقد جرى لجماعة من السلف كثير من ذلك. والله أعلم.\n(وحكى الشيخ أبو المظفر سبط بن الجوزي، عن القاضي جمال بن يعقوب الحاكم","vol":"1","page":233},{"text":"بكرك البقاع أنه شاهد مرة الشيخ العارف القطب عبد الله اليونيني وهو يتوضأ من نهر ثوري عند الجسر الأبيض بصالحية دمشق، إذ مر نصراني ومعه حمل بعير خمرا، فعثرت الدابة عند الجسر وسقط الحمل، فرأى الشيخ وقد فرغ من وضوئه، ولا يعرفه فاستعان به على رفع الحمل على البغل، فاستدعاني الشيخ وقال (يا فقيه) فتساعدنا على تحميل ذلك الحمل على الدابة، وذهب النصراني، وتبعت الحمل وأنا ذاهب إلى المدينة، فانتهى بي إلى العقيبة فأورده إلى الخمار بها، فإذا هو خل: فقال له الخمار ويحك ذا خل. فقال النصراني: إني أنا والله أعرف من أين أتيت، ثم ربط الدابة في الخان ورجع إلى الصالحية فسأل عن الشيخ فعرفه وجاء إليه وأسلم على يديه ولازمه. انتهى).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-66>فصل - (٢١): درجات النهي عن المنكر الدرجة الأولى: التعرف</span>\nقال أبو حامد - ﵀: أما الدرجة الأولى فهي التعرف ونعني به، طلب المعرفة بجريان المنكر وهو التجسس وذلك منهي عنه قلت كما سيأتي بيانه - في الباب الخامس - إن شاء الله - تعالى -.\nثم قال - ﵀ -: فلا ينبغي له أن يسترق السمع على دار غيره، ليسمع صوت الأوتار، ولا أن يستنشق، ليدرك رائحة الخمر، ولا أن يمس ما في ثوبه ليعرف شكل المزمار ولا أن يستخبر من جيرانه، ليخبروه بما يجري في داره نعم (لو) أخبره عدلان ابتداء بأن فلانًا يشرب الخمر في داره، أو بأن في داره خمرًا أعده للشرب، فله إذ ذاك أن يدخل داره ولا يلزمه الاستئذان - هذا قول أبي حامد - ولم يذكر إذن الإمام في ذلك.\nلكن قال أبو طالب عمر بن الربيع - في كتابه الأمر بالمعروف -: فإن قيل: (لم) أجزتم للإمام الهجوم عل قوم اجتمعوا على المسكر، وعلى الملاهي أو على من يبيع المسكر في داره أو نحو هذا؟ قيل: إن للإمام أن يعاقب مثل هؤلاء على بما هو أعظم من الهجوم عليهم في منازلهم وسيأتي - في الدرجة الرابعة في تحريق عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب - ﵄ - بيتين وجد فيهما خمرًا. ولا ريب أن إحراق المنازل أعظم من الهجوم عليها: فإن قيل: أو ليس بيت المؤمن حرزًا له؟ قيل: هو حرز له ما كان على إيمانه وستره، فإن أصاب أحدًا أو دمًا واعتصم ببيته كان للإمام أن يأمر بالهجوم عليه، وأن يستخرجه من بيته، ليقام عليه ما يستحقه من الحد، كذلك لو سرق أو قطع الطريق، ثم صار إلى بيته كان للإمام أن يهجم عليه في بيته ويتخرج منه أموال المسلمين، ويفعل به","vol":"1","page":234},{"text":"ما يستحقه ومن كان يبيع الخمر في بيته أنكرنا عليه بالعظة، ولم نهجم عليه إلا بأمر السلطان وأمرائه ويجب علينا أن ننهي ذلك إليهم وعليهم أن يهجموا عليه ويكسروا ما أصابوا عنده ويعاقبوه بما يروا من العقوبة وإن أمرنا بالهجوم عليهم (وجب علينا) أن نهجم عليهم، وأن نكسر ما أصبنا وليس لنا أن نعاقبهم، لأن العقوبة إنما هي للإمام ولأمرائه، فإن باع ذلك في الأسواق والطريق ظاهرًا وجب على المسلمين أن يمنعوه، لأن إظهار ذلك استخفاف بالمسلمين. وللإمام وأمرائه أن يعاقبوه وليس ذلك للعوام. قال الغزالي - ﵀ -: فإن أخبره عدلان أو عدل واحد - وبالجملة كل من تقبل روايته دون شهادته ففي جواز الهجوم على داره بقول هؤلاء نظر واحتمال. والأولى أن يمتنع لأن له حقًا في أن لا يدخل إلى داره بغير إذنه ولا يسقط حق المسلم عما ثبت حقه عليه إلاّ بشهادة عدلين انتهى.\nوقد قيل: إنه كان نقش خاتم لقمان - ﵇ - الستر لما عاينت أحسن من إذاعة ما ظننت. فينبغي - حينئذ- أن لا يقبل في الإخبار بالمنكر إلاّ قول عدلين. كما تقدم - في الركن الثالث - قال الله - تعالى ﴿يا أيها الذين أمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين﴾\nوروى الإمام أحمد - في سبب نزول هذه الآية - بسنده - عن الحارث بن ضرار الخزاعي - ﵁ - قال: قدمت على رسول اللهﷺ- فدعاني إلى الإسلام فدخلت فيه وأقررت به، فدعاني إلى الزكاة فأقررت بها. وقلت: يا رسول الله أرجع إلى قومي في دعوهم إلى الإسلام، وأداء الزكاة فمن استجاب لي جمعت زكاته، فيرسل إلى رسول الله ﷺرسولًأ لأمان كذا وكذا ليآتيك ما جمعت من الزكاة (فلما جمع الحارث الزكاة) ممن استجاب له وبلغ الأمان الذي أراد رسول الله - ﷺ - أن يبعث إليه فقد سلم. قال رسول الله -ﷺ: - (نعم ارجع إليهم فادعوهم إلى الإسلام وأداء الزكاة. فرجع إلى قومه فدعاهم فأسلموا فلما كان بعد ذلك احتبس الرسول فلم يأته قال الحارث فخشيت أن يكون حدث حدث فيه سخطة من الله ورسوله فدعا بكبراء قومه. فقال لهم: إن رسول الله -ﷺ- كان وقت ليَّ وقتًا يرسل إليَّ رسوله ليقبض ما كان عندي من الزكاة، وليس من رسول الله -ﷺ- الخلف: ولا أرى حبس رسوله إلاّ من سخطة كانت فانطلقوا فنأتي رسول الله -ﷺ- وبعث رسول الله -ﷺ- الوليد بن عقبة إلى الحارث ليقبض ما كان عنده مما جمع من الزكاة فلما","vol":"1","page":235},{"text":"أن سار الوليد حتى بلغ بعض الطريق فرق فرجع فأتى رسول الله -ﷺ- فقال: يا رسول الله إن الحارث منعني الزكاة وأراد قتلي. فضرب رسول الله -ﷺ- البعث إلى الحارث وأقبل الحارث بأصحابه، إذا استقبل البعث وفصل من المدينة لقيهم الحارث. فقالوا: هذا الحارث فلما غشيهم قال لهم: إلى من بعثتم؟ قالوا: إليك. قال: ولم؟ قالوا: إذ رسول الله -ﷺ- كان بعث إليك الوليد بن عقبة. فزعم أنك منعته الزكاة وأردت قتله، قال: لا، والذي بعث محمدًا بالحق ما رأيته، ولا أتاني. فلما دخل الحارث على رسول الله -ﷺ- قال: منعت الزكاة وأردت قتل رسولي؟ قال: والذي بعثك بالحق ما رأيته ولا أتاني، وما أقبلت إلاّ حين احتبس عليَّ رسول رسول الله -ﷺ- خشيت أن تكون كانت سخطة من الله ورسوله فنزلت: ﴿يأيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق ...﴾ إلى قوله: ﴿... والله عليم حكيم﴾.\nقال بعض المفسرين: وفي هذه الآية دليل على قبول خبر الواحد، إذا كان عدلًا، لأنه -سبحانه - إنما أمر في الآية بالتثبت عند نقل خبر الفاسق.\nوفيها دليل- أيضًا - على فساد قول من قال: إن المسلمين كلهم عدول حتى يثبت الجرح؛ لأن الله - تعالى- أمر بالتثبت قبل إنفاذ الحكم، فإن حكم الحاكم قبل التثبت فقد أصاب المحكوم عليه بجهالة وإن قضى بما يغلب على الظن لم يكن ذلك عملًا بجهالة، كالقضاء بالشاهدين العدلين، وقبول قول العالم المجتهد. وإنما العمل بجهالة قبول قول من لا يحصل غلبة الظن بقوله).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-67>فصل - (٢٢): الدرجة الثانية: في الأمر النهي عن المنكر التعريف:</span>\nوأما الدرجة الثانية: فهي التعريف، فإن المنكر قد يقدم عليه المقدم بجهله، وإذا عرف أنه منكر تركه، كالسوادي يصلي ولا يحسن الركوع والسجود فيعلم - أن ذلك لجهله - بأن هذه ليست بصلاة ولو رضي بأن لا يكون مصليًا لترك أصل الصلاة، فيجب تعريفه باللطف من غير عنف؛ وذلك لأن في ضمن التعريف نسبة إلى الجهل، والحمق والتجهيل إيذاء وقل أن يرضي الإنسان (بأن ينسب إلى الجهل) بالأمور لا ميما بالشرع، ولذلك ترى الذي يغلب عليه الغضب كيف يغضب إذا نبه على الخط والجهل؟ وكيف يجتهد في مجاهدة الحق بعد معرفته، خيفة من أن ينكشف عورة جهله؟ والطباع أحرص على ستر عورة الجهل منها على ستر العورة الحقيقية؛ لان الجهل قبح في صورة النفس وسواد في وجهها وصاحبها","vol":"1","page":236},{"text":"ملوم عليه- لأن قبح النفس أشد من قبح البدن وهو غير ملوم على قبح البدن، لأن خلقه لم يدخل تحت إختياره حصوله ولا في اختياره إزالته وتحسينه، والجهل قبح يمكن إزالته وتبديله بحسن العلم فلذلك يعظم تألم الإنسان بظهور جهله، ويعظم ابتهاجه في نفسه - بعلمه ثم لذته عند ظهور جمال علمه لغيره. وإذا كان التعريف كاشفًا للعورة مؤذيًا للقلب فلا بد أن يعالج دفع أذاه بلطف الرفق. فنقول له: إن الإنسان لا يولد عالمًا. ولقد كنا - أيضًا - جاهلين بأمور الصلاة فعلمنا العلماء. ولعل قريتك خالية من العلماء أو عالمها مقصر في شرح أمور الصلاة وإيضاحها، إنما شرط الصلاة الطمأنينة في الركوع والسجود، وهكذا يتلطف به؛ ليحصل التعريف من غير إيذاء، فإن إيذاء المسلم حرام محظور كما أن تقريره على المنكر محظور، وليسر من العقلاء من يغسل الدم بالدم أو بالبول ومن اجتنب محظور السكوت على المنكر واستبدل عنه محظور الإيذاء للمسلم مع الاستغناء عنه فقد غسل الدم بالبول وأما إذا وقفت على خطأ في غير أمر الدين فلا ينبغي أن يرده عليه، فإنه يستفيد منك علمًا ويصير لك عدوًا إلاّ إذا علمت أنه قابل مغتنم العلم. وذلك عزيز جدًا). قال بعضهم: يجب على المعلم أن لا يعنف، وعلى المتعلم أن لا يأنف. وسيأتي فصل في استحباب الرفق في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الباب الرابع - إن شاء الله - تعالى - والله أعلم.\nثم ليكن وعظه في هذه الدرجة تعريضًا وإرشادًا من غير تنصيص على شخص.\nوقد روى أبو داود - في سننه - من حديث عائشة - ﵂ - قالت: كان رسول الله -ﷺ- إذا كره من إنسان شيئًا قال: (ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا).\nقال الحافظ عبد العظيم المنذري: رجاله رجال الصحيح قوله: (ما بال) أي ما حال. ففي الحديث عدم مواجهة صاحب المعصية بمعصيته، لأن المقصود يحصل له ولغيره بدون فضيحة وشناعة عليه. وفيه المبالغة بإزالة المنكر والتغليظ في تقبيحه، والله أعلم.\nوروى أبو بكر الخلال - بإسناده - أنه قيل لإبراهيم بن أدهم: الرجل يرى من الرجل شيئًا ويبلغه عنه، يقول له؟ قال: هذا تبكيت ولكن يعرض ويسأل.","vol":"1","page":237},{"text":"وسأل الإمام أحمد رجل. قال: أكون في المجلس تذكر فيه السنة ولا يعرفها غيري: افأتكلم بها؟ فقال: أخبر بالسنة ولا تخاصم عليها. فأعاد عليه القول: فقال: ما أراك إلاّ رجلًا مخاصمًا.\nوهذا المعنى روي عن مالك فإنه أمر بالإخبار بالنسبة وقال: فإن لم يقبل منك فاسكت.\nقال أبو حامد: (ومن اجتنب محظور السكوت عن المنكر، واستبدل عنه محظور الإيذاء للمسلم مع الاستغناء عنه فقد غسل الدم بالبول.\nقال سالم بن عبد الله بن عمر﵃-: نظر عمر إلى رجل أذنب ذنبًا فتناوله بالدرة. فقال الرجل: والله يا عمر: لئن كنت أحسنت فلقد ظلمتني، ولئن كنت أسأت فما علمتني؟ قال: صدقت فاستغفر الله، دونك فاقتد من عمر. فقال: فلأهبها لله وغفر الله لي ولك، رواه أبن أبي الدنيا، وأما إذا وقعت على خطأ في غير أمر الدين فلا ينبغي ان ترده عليه فإنه يستفيد منك علمًا ويصير لك عدوًا إلاّ إذا علمت أنه يغتنم العلم. وذلك عزيز جدًا والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-68>فصل - (٢٣): الدرجة الثالثة للنهي عن المنكر النهي بالوعظ</span>\nوأما الدرجة الثالثة: فهي النهي بالوعظ والنصح والتخويف بالله - ﷿ - وذلك فيمن يقدم على الأمر، وهو عالم بكونه منكرًا، أو فيمن أصرَّ عليه بعد أن عرف كونه منكرًا، كالذي يواظب على الشرب، أو على الظلم أو على اغتياب المسلمين، أو ما يجري مجراه فينبغي أن يوعظ، ويخوف بالله - تعالى - وتورد عليه الأخبار الواردة بالوعيد في ذلك، وتحكى له سيرة السلف وعبادة المتقين، وكل ذلك بشفقة ولطف من غير عنف وغضب؛ بل ينظر إليه نظر المترحم عليه، ويرى إقدامه على المعصية مصيبة على نفسه، إذ المسلمون كنفس واحدة كما سيأتي بيان ذلك فيما بعد - إن شاء الله.\nومن الناس من يستفزه الزهو والعجب، فإن وعظ عنَّف وان وعظ أنف. قال بعض","vol":"1","page":238},{"text":"المحققين: فذلك في الدرك السابع من النار والفرق بين الموعظة والملامة: أن الموعظة أن تقبح الفعل المذموم وتذمه عند عامله، وقلبك يرحم ويعطف عليه قاصدًا بذلك الذم لنفسه الأمارة بالسوء التي دعته إلى فعل المذموم تريد أن تعصى به حتى تنكسر وتذل، فذلك منك نصرة للحق وعطف على أخيك وتكون معينًا له على نفسه بذلك، وينبغي أن يكون ذاك سرًا فيما بينه وبينه في أول مرة، فإن الله - ﷾ - من كرمه وستره على عبده الخاطئ يستر ذنبه إذا حاسبه - كما في الصحيحين، ومسند أحمد من حديث ابن عمر. ﵁ - قال: (إن الله ليدني المؤمن فيضع عليه كتفه ويستره من الناس، ويقرره بذنوبه، ويقول له: أتعرف ذنب كذا أتعرف ذنب كذا ..) الحديث.\nوروى البيهقي - بسنده - عن أم الدرداء - ﵂ - قالت من وعظ أخاه سرًا فقد نصحه وزانه، ومن وعظه علانية فقد شأنه\" وكذلك روي عن الإمام الشافعي: من وعظ أخاه سرًا فقد نصحه وزانه. ومن وعظه علانية فقد فضحه وشأنه).\nوذكر أبو عمر ابن عبد البر في كتابه - بهجة المجالس - عن مسعر بن كدام، أنه قال: رحم الله من أهدى إلي عيوبي في سر بيني وبينه، فإن النصيحة في الملا تقريع\".\nوروى الإمام أبو بكر بن أبي الدنيا - بسنده - عن ابن وديع قال: قال سليمان الخواص: (من وعظ أخاه فيما بينه وبينه فهي نصيحة، ومن وعظه على رؤوس الناس فإنما وبخه.\nوفي شعب الإيمان للبيهقي- بسنده - عن عبد الرحمن بن مطرف قال: كان الحسن ابن صالح ابن حي إذا أراد أن يعظ أخًا له كتبه في اللوح وناوله.\nقيل لأبي الفضيل بن عياض: إنّ سفيان بن عيينة قبل جوائز السلطان؟ فقال: \"فضيل\" ما أخذ منهم إلاّ دون حقه، ثم خلا به وعذله ووبخه. فقال سفيان: (يا أبا علي إن لم نكن من الصالحين فإنا لنحب الصالحين).\nوقال بعض السلف: (ينبغي أن يكون الوعظ والنصح في سر لا يطلع عليه أحد فما كان","vol":"1","page":239},{"text":"على الملإ فهو توبيخ وفضيحة وما كان في السر فهو شفقة ونصيحة).\nوروى الحافظ أبو نعيم - في الحلية - بسنده عن مرة بن شرحبيل. قال: سئل سلمان ابن ربيعة عن فريضة خالفها عمرو بن شرحبيل فغضب سلمان، ورفع صوته. فقال عمرو: والله لكذلك أنزلها الله - ﷿ - فأتيا أبا موسى الأشعري. فقال: القول ما قال أبو ميسرة. وقال لسلمان: ما كان ينبغي لك أن تغضب أن أرشدك رجل. وقال لعمرو: قد كان ينبغي أن تساوره ولا ترد عليه والناس مجموعون يسمعون.\nقال شيخ مشايخنا عبد القادر الكيلاني - قدس الله روحه -: والأولى له أن يأمره وينهاه في خلوة، ليكون ذلك أبلغ وأمكن في الموعظة والزجر والنصيحة له، وأقرب إلى القبول والإقلاع فإن فعل ذلك ولم ينفعه أظهر - حينئٍذ - ذلك، واستعان عليه بأهل الخير، وإن لم ينفع فبأصحاب السلطان. انتهى.\n(والفرق بين النصيحة والتوبيخ، الإسرار والإعلان) فإن لم يندفع المنكر بإسرار الموعظة ولم ينته صاحبه أظهر - حينئٍذ - ذلك وأذاعه وأعلنه. كما سيأتي بيانه قريبًا - إن شاء الله - تعالى-\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-69>فصل- (٢٤): ما ينبغي على الآمر الناهي استخدامه في الوعظ من ذكر آيات وأحاديث وقصص:</span>\nقال بعض المحققين: والذي ينبغي للآمر الناهي بالوعظ وحمل الناس على ترك الذنوب والمعاصي أن يستعمل في ذلك أربعة أنواع:\nالأول: أن يذكر ما في القرآن من الآيات المخوفة للعاصين والمذنبين وكذلك ما ورد من الأحاديث والآثار وأقوال السلف من العلماء والصلحاء وغيرهم، وذلك باب واسع يضيق هذا المحل بذكره.\nالثاني: أن يذكر حكايات الأنبياء والسلف وما جرى عليهم من المصائب بسبب ذنوبهم فذلك شديد الوقع ظاهر النفع في قلوب الخلق. مثل: أحوال آدم في عصيانه، وما لقيه من الإخراج من الجنة، ومثل: ما عوقب به سليمان بن داود - ﵉ - على خطيئته وسلب ملكه أربعين يومًا. وكذلك يوسف لما قال: ﴿... اذكرني عند ربك ...﴾ قال","vol":"1","page":240},{"text":"الله - تعالى -: ﴿.. فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين﴾ إلى غير ذلك وإن ذلك لم يرد به القرآن والأخبار ورود الإسمار بل الغرض منه الاعتبار والاستبصار ليعلم أن الأنبياء لم يتجاوز عنهم في الذنوب الصغار فكيف يتجاوز عن غيرهم بأن عوجلوا بالعقوبة، ولم يؤخروا إلى الآخرة .. فهذا - أيضًا - مما ينبغي عليه أن يكثر منه على أسماع المصرين، فإنه نافع في تحريك دواعي الانكفاف، والإقلاع عن المعاصي بالتوبة.\nالنوع الثالث: أن يقرر - عندهم - أن تعجيل العقوبة في الدنيا متوقع على الذنب، وأن كل ما يصيب العبد من المصائب فهو بسبب جناياته فكم من عبد يتساهل في أمر الآخرة ويخاف من عقوبة الله في الدنيا أكثر لفرط جهله. فينبغي أن يخوف به، فإنّ الذنوب كلها يتعجل شؤمها في الدنيا. كما جرى لداود وغيره ممن تقدم ذكره حتى يضيق على العبد رزقه بسبب ذنبه. كما روى ابن ماجه، والحاكم وصححه من حديث ثوبان مرفوعًا (.. إن الرجل ليحرم الرزق بسبب الذنب يصيبه ...).\nوقال ابن مسعود: إني لأحسب أن العبد ينسى العمل بذنب يصيبه.\nوقال بعض السلف: ليست اللعنة سوادًا في الوجه ونقصًا في المال إنما اللعنة ألا تخرج من ذنب إلاّ وقعت في مثله أو شرًا منه. لأن اللعنة هي الطرد والإبعاد، فإذا لم يوفق للخير، ويتيسر له الشر فقد أبعد، والحرمان عند رزق التوفيق أعظم حرمان وكل ذنب يدعو إلى ذنب أخر يتضاعف فيحرم العبد به من رزقه النافع في مجالسة العلماء والصالحين فيمقتونه.\nوحكي عن بعض العارضين: أن رجلًا كان يمشي جامعًا ثيابه محترزًا حتى زلقت رجله وسقط في وحل فقام وهو يمشي في وسط الوحل ويبكي ويقول: هذا مثل العبد لا يزال يتوقى الذنوب ويخافها، حتى يقع في ذنب وذنب فعند ذلك يخوض الذنوب خوضًا. وهذه إشارة إلى أن صاحب الذنب يتعجل عقوبته بالإنجرار إلى ذنب آخر.\nولذلك قال الفضيل بن عياض: ما أنكرت من تغير الزمان وصفاء الإخوان فذنوبك أورثتك ذلك.\nوقال بعضهم: إني لأعرف عقوبة الذنب في سوء خلق حماري.","vol":"1","page":241},{"text":"وقال بعضهم: أعرف العقوبة حتى في فأر بيتي.\nوقال بعض الصوفية: نظرت إلى غلام نصراني حسن الوجه فوقفت أنظر إليه فمر بي ابن الجلاء الدمشقي، فأخذ بيدي فاستحسنت ذلك منه وقلت: يا أبا عبد الله سبحان الله تعجبت لهذه الصورة وهذه الصنعة المحكمة، كيف خلقت للنار! ! فغمز يدي. وقال: لتجدن عقوبتها بعد حين. قال: فعوقبت بعد ثلاثين سنة. قال: أبو سليمان الداراني: الإحتلام عقوبة.\nوقال - أيضًا -: لا يفوت أحد صلاة جماعة إلاّ بذنب يذنبه. والأخبار كثيرة في آثار الذنوب في الدنيا من الفقر والمرض وغيره بل من شؤم الذنب - في الجملة - أن يكتسب ما بعده فإن ابتلى بشيء كان عقوبة له، ويحرم جميل الرزق، حتى يتضاعف شقاؤه، وإن أصابه نعمة كان استدراجًا ويحرم جميل الشكر حتى يعاقب على كفرانه.\nالنوع الرابع: من صفة الوعظ أن يذكر ما وقع من العقوبات على آحاد الذنوب في محله كالخمر والزنا والسرقة والقتل والغيبة والكبر والحسد وغير ذلك مما لا يمكن حصره.\nوذكره مع غيره أهله، وضع للدواء في غير محله بل ينبغي أن يكون الآمر الناهي بالوعظ كالطبيب الحاذق يتدل أولًا بالنبض والسحنة ووجوه الحركات على العلل الباطنة ويشتغل بعلاجه ويستدل بقرائن الأحوال على خفايا الصفات، ويضع كل شيء في محله اقتداء برسول الله -ﷺ- حيث قال له رجل: أوصني ولا تكثر علي. فقال: لاتغضب.\nوقال آخر: أوصني فقال: (عليك باليأس مما في أيدي الناس فإنّ ذلك هو الغنى، وإياك والطمع فإنه الفقر الحاضر، وصل صلاة مودع وإياك وما يعتذر منه).\nوروى الحديث الأول البخاري، ومالك، وأحمد، والترمذي من حديث أبي هريرة - كما سيأتي في الباب الرابع إن شاء الله- تعالى-.\nوروى الحديث الثاني - ابن ماجه، والحاكم من حديث أبي أيوب الأنصاري. فكأنه -ﷺ- توسم في السائل الأول مخايل الغضب فنهاه عنه، وفي السائل الآخر مخايل الطمع","vol":"1","page":242},{"text":"وطول الأمل فأعطى كل إنسان ما يلائمه.\nفهكذا ينبغي أن يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في درجة الوعظ والنصح، لأن المواعظ مثل الأغذية التي تشترك العامة في التغذي بها ولأجل فقد الوعاظ العارفين انحصر باب الاتعاظ وغلبت المعاصي والفساد، وبلي الخلق بوعاظ يزخرفون أشجانًا، وينشدون أشعارًا. ويتكلفون ذكر ما ليىس في وسع علمهم ويعرضون بذكر العقائد المختلف فيها، ويقذفون العلماء والأخيار من السلف والخلف والأحياء والأموات بحسب ميل أهويتهم ووقوع أغراضهم مما ليسر للناس به كثير نفع، بل يكون ذلك - في الغالب. سببًا لإظهار الخصومات وتحريك العداوات و(إساءة) العقائد والظنونات فيسقط - حينئٍذ - عن القلوب وقارهم حيث لم يكن كلامهم صادرًا عن القلب فلأجل ذلك لم يدخل إلى القلب، بل الواعظ ينحرف والمستمع يتكلف نعوذ بالله من مضلات الفتن وما ظهر منها وما بطن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-70>فصل - (٢٥): الدرجة الرابعة من درجات النهي عن المنكر:</span>\nوأما الدرجة الرابعة: من درجات النهي عن المنكر فهي السب والتعنيف بالقول الغليظ الخشن وذلك يعدل إليه عند العجز عن المنع باللطف وظهور مبادئ الإصرار والاستهزاء بالوعظ والنصح وذلك مثل قول إبراهيم - صلوات الله عليه - ﴿أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون﴾\nومعنى القول الخشن أن يقول: (يا فاسق يا أحمق يا جاهل ألا تخاف الله؟ ! ألا تستحي من الله؟ أو ما في معنى ذلك وما يجري مجراه، فإنّ كل فاسق أحمق جاهل)\nوالأحمق (من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله) كما في حديث شداد بن أوس من رواية الترمذي وابن ماجه مرفوعًا.\nثم يجب أن يكون قصد الآمر الناهي تغليظ القول، وتخشينه رجوع المأمور عن ذلك المنكر لا الانتصار لنفسه لكونه رد كلامه أولًا، أو لاستهزائه به فإنّ الآمر الناهي ربما يكون","vol":"1","page":243},{"text":"مخلصًا في ابتداء الإنكار فإذا سرد كلامه ثارت نفه وأغلظ في الكلام فخرج بذلك عن دائرة الإخلاص ووقع في الحمق والغضب المنهي عنه وصار ممن يجب الإنكار عليه، وممن يغسل الدم بالبول.\nهنا تنبيه: وهو أن الأمور بالمعروف إذا رجع في أثناء الكلام الغليظ عن ذلك المنكر كأن سكن غضب الآمر وأمسك عن الكلام متى زال المنكر علمنا أنه مخلص، وأنه لم يكن قصده إلاّ زوال المنكر وقد زال فلم يبق للكلام الغليظ فائدة. وإن لم يسكن غضبه واسترسل في الكلام علمنا أن الحامل له غضب النفس وباعث الانتصار.\nوهنا تنبيه ثان: وهو أن المنهي عن المنكر إذا استهزأ بالآمر وسبه فهم بإغلاظ الكلام، وتخشين القول له، فقام إنسان مقامه في ذلك وأغلظ القول للمأمور فرجع إلى كلامه وترك المنكر. فإن كان ذلك يسر الآمر ويفرح ويرى لله - تعالى - المنة عليه، وصان لسانه عن الكلام المسيء وإيحاش قلب أخيه المسلم، وزال المنكر فإنه يحصل له ثواب نيته، وأجر ما أصيب به من الاستهزاء والسب. فهو مخلص، وإن كان الأمر لا يرد عن الشروع في الكلام الغليظ والسب ويثقل إليه كون المنكر زال بكلام غيره فهو غير مخلص. والله أعلم.\nوأما اللعن والطعن في النسب فلا يجوز؛ لأحاديث تأتي في الباب الخامس - إن شاء الله تعالى -.\nقال أبو حامد: ولهذه الدرجة أدبان: أحدهما: أن لا يقدم على الفحش من القول إلاّ عند الضرورة والعجز عن اللطف.\nوالثاني: أن لا ينطق إلاّ بالصدق ولا يسترسل فيه فيطلق لسانه الطويل بما لا يحتاج إليه بل يقتصر على قدر الحاجة فإن علم أن خطابه بهذه الكلمات الزاجرات ليست تزجره، فلا ينبغي أن يطلقه بل يقتصر على إظهار الغضب. ولو علم أنه إذا تكلم لضرب، ولو اكفهر وأظهر الكراهة لم يضرب لزمه ولم يكفه الإنكار بالقلب بل يلزمه أن يقطب وجهه ويظهر الإنكار له.\nوقد قال عبد الله بن مسعود - ﵁ -: إذا لم تستطع أن تغيّر على الفاجر فاكفهر في وجهه. وسيأتي في الكلام على الهجران ما يتعلق به - في الباب الرابع - إذ شاء الله-.\nوقال عبد الله بن مسعود: يوشك من عاش منكم أن يرى منكرًا ولا يستطيع فيع غير أن يعلم الله من قلبه انه له كاره.","vol":"1","page":244},{"text":"رواه ابن أبي الدنيا مطولًا.\nوفي رواية: إنها ستكون هنات وهنات (بفتح الهاء) فبحسب امرئ إذا رأى منكرًا لا يستطيع له غيرًا فذكره.\nالهنات - هنا - الأمور المنكرة.\nففعل الكراهة واجب عند العجز عن التغيير باليد واللسان - كما سلف وتقدم - والله-سبحانه - أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-71>فصل - (٢٦): الدرجة الخامسة من درجات النهي عن المنكر التغيير باليد:</span>\nوأما الدرجة الخامسة: فهي التغيير باليد وذلك ككسر الملاهي وإراقة الخمر وخلع الحرير عن رأس لابسه، وعن بدنه ومنعه من الجلوس عليه، ورفعه عن الجلوس على مال الغير وإخراجه من الدار المغصوبة بالجر برجله، وإخراجه من المسجد إذا كان جالسًا وهو جنب بغير وضوء وما يجري مجراه ويتصور ذلك في بعض المعاصي دون بعض معاصي اللسان والقلب فلا يقدر على مباشرة تغييرها. كما قال الغزالي وغيره.\nوقال أبو طالب عمر بن الربيع - في كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر-: فأما ما يقوم به جماعة المسلمين مثل إغاثة المظلوم إذا استغاث بالمسلمين ممن يأخذ ماله أو يناله الضرب أو القتل أو يتعدى على حرمه أو على ولده .. فإن على جماعة المسلمين منعه، ولا يجوز لهم ترك المظلوم في يده يفعل به ما يريد، وعليهم كسر آلة اللهو وإراقة الخمر وخلع الحرير عن لابسه مع الاستطاعة. وأما ما يجب على فاعله الإنكار بالحبس أو الأدب من تضييع الفرائض ومنع الحقوق فإنّ الحبس والتأديب لا يقوم به إلاّ الإمام أو نوابه، وإنما يلزم إنكار ذلك باللسان.\nفإن قيل: فهل يجوز أن يقصد المنكرون إلى قتل المعتدي؟ قيل: إن كان يمكنهم أن يمنعوه دون قتله لم يجز لهم أن يقصدوا ذلك. وإن كان لا يمكنهم أن يمنعوه من الظلم إلاّ بما يؤدي إلى تلف نفسمه وجب عليهم قتاله، وإن صار إلى ما فيه تلفه. انتهى.\nجاهد أعداء انه وأعدوا لهم الكتائب، ولا تبغ على أحد من خلق الله تكن الغالب.","vol":"1","page":245},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-72>فصل - (٢٧): وللمنكر كسر آلة اللهو وكسر وعاء الخمر:</span>\nقال جماعة من أصحاب الإمام أحمد وغيرهم. وللمنكر كسر آلة اللهو وصور الخيال ودق الصنوج، وشق وعاء الخمر، وكسر دنه إن تعذر الإنكار بدون ذلك، وقيل مطلقًا كما سيأتي.\nونقل أبو بكر أحمد بن محمد الأثرم، وإبراهيم بن الحارث عن الإمام أحمد في زق الخمر- يحله فإن لم يقدر على حله شقه.\nقال أبو عبد الله محمد بن مفلح: فظاهره أنه لا يجوز كسره مع القدرة على إراقته. وهو اختيار القاضي أبي يعلى.\nكما قال أبو حامد: ويتوقى في إراقة الخمر كسر الأواني إذ وجد إليه سبيلًا فإن لم يقدر إلاّ بأن يرمي ظروفها بحجر فله ذلك.\nقال العلامة ابن القيم- في الطرق الحكمية: - (ولا ضمان في كسر أواني الخمر وشق زقاقه) ثم قال: قال المروزي: قلت لأبي عبد الله: (لو رأيت منكرًا في قنينة أو قرابة تكسر أو تصب؟ قال: تكسر).\nوقال أبو طالب: قلت: نمر على المسكر القليل أو الكثير: أكسره؟ قال: نعم تكسره.\nفظاهر ذلك جواز الكسر وأصح الروايتين عنه إباحة إتلاف وعاء الخمر وعدم ضمانه مطلقًا، لأنها كانت حائلة بينه وبين الخمر.\nحتى قال أبو حامد: ولو ستر الخمر ببدنه لكنَّا نقصد بدنه بالجرح بالضرب؛ لنتوصل إلى إراقة الخمر فإذا لا تزيد حرمة ملكه في الظروف على حرمة نفسه. انتهى.","vol":"1","page":246},{"text":"فعلى هذه الرواية لا ضمان.\nوفي سنن أبي داود والترمذي من حديث أبي طلحة زيد بن مهل الأنصاري - ﵁- أنه قال: يا نبي الله، إني اشتريت خمرًا لأيتام في حجري. قال: (أهرق الخمر واكسر الدنان).\nهذه رواية الترمذى. وقال: وقد روى عن أنس أن أبا طلعة كان عنده خمر لأيتام. وهو أصح ورواية أبي داود عن أنس أن أبا طلحة سأل النبيﷺ- عن أيتام ورثوا خمرًا. فقال: أهرقها. قال: أفلا أجلها خلًا؟ قال: لا.\nوخرج الترمذي هذه الرواية-أيضًا - وقال فيه حديث حسن صحيح ورواه رزين من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄- أنه قال لرسول اللهﷺ- إني اشتريت خمرًا لأيتام في حجري. قال: أهرقها وأكسر الدنان\".\nوروى الدارقطني- في السنن بإسناد صحيح، عن عبد الله بن أبي الهذيل قال: كان\nعبد الله بن مسعود﵁ - يحلف بالله: إنّ التي أمر بها رسول اللهﷺ- حين حرمت الخمر أن تكسر دنانها، وأن يكفا ثمن التمر والزبيب.\nوفي مسند أحمد من حديث ابن عمر﵁- قال: خرج رسول اللهﷺإلى المربد، فخرجت معه، فكنت عن يمينه وأقبل أبو بكر فتأخرت له، فكان عن يمينه وكنت عن يساره فأتى رسول اللهﷺ- فإذا بزقاق على المربد فيها خمر قال ابن عمر: فدعاني رسول اللهﷺبالمدية قال: وما عرفت المدية إلاّ يومئٍذ، فأمر بالزقاق فشقت. ثم قال: (لعنت الخمر وشاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها وحاملها والمحمول إليه وعاصرها. . . .).\nوفي رواية، قال ابن عمر: أمرني رسول اللهﷺ- أن آتيه بمدية وهي الشفرة، فأتيته بها، فأرسل بها فارتفقت ثم أعطانيها. وقال: أغد علي بها ففعلت، وخرج بأصحابه إلى أسواق المدينة وفيها زقاق خمر قد جلبت من الشام، فأخذ المدية مني فشق ما كان من تلك","vol":"1","page":247},{"text":"الزقاق بحضرته، ثم أعطانيها وأمر أصحابه الذين كانوا معه أن يمضوا معي، وأن يعاونوني، وأمرني أن آتي الأسواق كلها فلا أجد فيها زق خمر إلاّ شققته ففعلت فلم أترك في أسواقها زقًا إلاّ شققته.\nوفي الصحيحين من حديث أنس بن مالك. قال: كنت أسقي أبا عبيدة بن الجراح، وأبا طلحة، وأبي بن كعب، شرابًا من فضيخ وتمر. فأتاهم آت. فقال: إنّ الخمر قد حرمت. فقال أبو طلحة: قم يا أنس إلى هذه الجرة فاكسرها. فقمت إلى مهراس لنا فضربتها بأسفله حتى تكسرت.\nوقيل يجب الضمان فيما ينقى بالغسل فقط.\nوهو اختيار أبي عبد الله محمد بن عبد القوي في نظمه-كما سيأتي قريبًا.\nوقال أبو حامد الغزالي: (ولو كان الخمر في قوارير ضيقة الرؤوس ولو اشتغل بإراقتها طال الزمان وأدركه الفساق ومنعوه فله كسوها فإنّ ذلك عذر، وإن كان لا يحذر ظفر الفساق به ومنعهم إياه ولكن كان يضيع في زمانه وتتعطل عليه أشغاله فله أن يكسرها). انتهى.\nقال: قيل فهلا جاز كسر أواني الخمر إذا لم تتعذر إراقتها زجرًا. والجر بالرجل في الإخراج من الدار المغصوبة زجرًا.؟\nقال أبو حامد: إنما يكون الزجر عن المستقبل والعقوبة على الماضي والدفع عن الحاضر، وليس لآحاد الرعية إلاّ الدفع وهو إعدام المنكر فما زاد على قدر إعدام المنكر فهو إما عقوبة على جريمة سابقة أو زجر عن لاحق، وذلك إلى الولاة لا إلى الرعية فللوالي أن يفعل ذلك إذا رأى المصلحة فيه.\nثم قال- في مكان آخر-: (لو أريقت الخمر أولًا لم يجز كسر الأواني بعدها وإنما جاز كسرها تبعًا للخمر، فإذا خلت عنها فهي إتلاف مال إلًا أن تكون ضارية للخمر لا تصلح إلًا لها). فكأن الفعل المنقول عن العصر الأول كان مقرونًا بمعينين أحدهما: شدة الحاجة إلى الزجر. الآخر: تبعية الظروف للخمر التي هي مشغولة بها وهما معنيان مؤثران لا سبيل","vol":"1","page":248},{"text":"إلى حذفهما. ومعنى ثالث: وهو صدور هذا عن رأي صاحب الأمر؛ لعلمه بشدة الحاجة إلى الزجر وهو- أيضًا- مؤثر فلا سبيل إلى إلغائه فهذه تصرفات دقيقة فقهية يحتاج الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر لا محالة إلى معرفتها.\nقال ابن مفلح: وذكر صاحب النظم: إنما يضمن إذن ما يطهر بغسله فقط. كذا قيل: يقبل قول المنكر في التعذر؛ لتيقن المنكر والشك في موجب التضمين والأولى أن يقال: إن كان ثمة قرينة وطاهر حال عمل بها، وإلا احتمل ما قال واحتمل الضمان؛ للشك في وجوب السبب المسقط للضمان، والأصل عدمه.\nقال أبو بكر المروذي: سألت أبا عبد الله عن كسر الطنبور الصفير يكون مع الصبي؟ قال: يكسر- أيضًا-.\nقلت: أمر في السوق فأرى الطبول تباع أفأ كسرها؟ قال: ما أراك تقدر، إن قويت يا أبا بكر. يعني إن قويت فاكسرها.\nقلت: أدعى لأغسل الميت فأسمع صوت الطبل؟ قال: (إن قدرت على كسره وإلاّ فاخرج.\nوقال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عن رجل كسر عودًا كان مع أمة لإنسان، فهل يغرمه أو يصلحه؟ قال: (لا أرى عليه بأسًا أن يكسره، ولا يغرمه ولا يصلحه).\nوقال أبو إسحاق إبراهيم بن هانئ: قلت لأحمد: فالدف الذي يلعب به الصبيان؟ قال: يروى عن أصحاب عبد الله بن مسعود﵁-: أنهم كانوا يتبعون الأزقة يخرجون الدفوف. انتهى.\nقال أحمد بن حمدان- في الرعاية: (وله كسر آلة التنجيم والسحر والتعزيم والطلمسات وتمزيق كتب ذلك ونحوه يعني أن له إتلاف ذلك مطلقًا. ومراد غيره في أو مثله أنه يجب إتلافه لأنه منكر).","vol":"1","page":249},{"text":"قال العلامة ابن القيم: (وآلات اللهو - كالطنبور - يجوز إتلافها عند أكثر الفقهاء). وهو مذهب مالك وأشهر الروايتين عن أحمد.\nقال أبو داود: وسمعت أحمد سئل عن قوم يلعبون بالشطرنج فنهاهم فلم ينتهوا فأخذ الشطرنج فرمى به؟ قال: قد أحسن. قيل: فليس عليه شيء؟ قال: لا، وكذلك إن كسر عودًا أو طنبورًا؟ قال: نعم.\nوقال عبد الله: سمعت أبي. قيل له في رجل يرى مثل الطنبور أو العود أو الطبل ما أشبه هذا. ما يصنع به؟ قال: إذا كان مكشوفًا فأكسره.\nوقال يوسف بن موسى، وأحمد بن الحسن: إنّ أبا عبد الله سئل عن الرجل يرى الطنبور أو المنكر أيكسره؟ قال: لا بأس.\nوقال أبو الصقر: سألت أبا عبد الله عن رجل رأى عودًا أو طنبورًا فكسره، ما عليه؟ قال: قد أحسن، وليس عليه في كسره شيء.\nوقال إسحاق بن إبراهيم: سألت أبا عبد الله عن الرجل يكسر الطنبور أو الطبل: عليه في ذلك شيء؟ قال: يكسر هذا كله. وليس يلزمك شيء.\nوقال القاضي أبو الحسين محمد بن أبي يعلى: لا تختلف الرواية عن أحمد - ﵀ - أنه إذا كسر عودًا أو مزمارًا أو طبلًا لم يضمن قيمته لصاحبه، والدليل على كسر ذلك كله ومحقه: أن الله - سبحانه- أخبر عن كلمة موسى﵇ أنه حرق العجل الذي عبد من دون الله ونسفه في اليم. وكان من ذهب وفضة وذلك محق له بالكلية.\nوقال عن خليله إبراهيم﵇ -: ﴿فجعلهم جذاذا﴾ وهو الفتات. وذلك نص في الاستئصال.\nوفي مسند أحمد، ومعجم الطبراني وغيرهما من حديت أبي أمامة الباهلي﵁ - عن النبي -ﷺ - قال: (إن الله بعثني رحمة للعالمين، وهدى للعالمين. وأمرني ربي بمحق المعازف والمزامير والأوثان، والصليب، وأمر الجاهلية).لفظ الطبراني.\nوروى الإمام أبو بكر ابن أبي الدنيا - بإسناده- عن عبد الرحمن بن زبيد بن الحارث.","vol":"1","page":250},{"text":"قال: رأى جدي زبيد بيد جارية من الحي دفأ، فأخذه فضرب به الأرض حتى كسره. وقال: رأيت جدي زبيدًا رأى غلامًا معه زمارة قصب في خذها فشقها.\nوفي الصحيحين من حديث آبي هريرة مرفوعًا: (والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكمًا عدلًا فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية.\nفهؤلاء رسل الله - صلوات الله وسلامه عليهم- إبراهيم وموسى وعيسى ونبينا صلوات الله وسلامه عليهم - كلهم على محق المحرم وإتلافه بالكلية، وكذلك الصحابة - ﵃ أجمعين.\nقال صاحب المقنع: ومن أتلف مزمارًا أو طنبورًا أو صليبًا أو كسر إناء ذهب أو فضة أو إناء خمر لم يضمنه.\nوعنه: يضمن آنية الخمر إن كان ينتفع بها في غيره.\nقال أبو البركات زين الدين ابن المنجا التنوخي: أما كون من أتلف مزمارًا أو طنبورًا أو صليبًا لا يضمنه، فلأن بيع ذلك لا يحل فلم يضمنه كالميتة.\nودليل تحريم بيع ذلك كله قول النبي - ﷺ -: (بعثت بمحق القينات والمعازف) وأما كون من كسر إناء فضة وذهب لا يضمنه فلان اتخاذه محرم فلم يصادف الإتلاف شيئًا مباح البقاء، فلم يضمن كإتلاف الخنزير، ولأنه أتلف ما ليس بمباح فلم يضمنه كالميتة. انتهى.\nقال المروزي: (قلت لأبي عبد الله: دفع إلي إبريق فضة لأبيعه. ترى أن أكسره، أو أبيعه كما هو) قال: اكسره.\nوقال: قيل لأبي عبد الله: إنّ رجلًا دعا قومه، فجيء بطشت فيه فضة وإبريق فكسره فأعجب أبا عبد الله كسره.\nوقال- أيضًا- بعث بي أبو عبد الله إلى رجل بشيء فدخلت عليه فأتي بمكحلة رأسها مفضض فقطعتها. فأعجبه ذلك، وتبسم.","vol":"1","page":251},{"text":"قال ابن القيم: ووجه ذلك، أن الصياغة محرمة: فلا قيمة لها ولا حرمة.\nو-أيضًا- فتعطيل هذه الهيئة مطلوب. فهو بذلك محسن. (وما على المحسنين من سبيل) انتهى. وقال صاحب المنجا: وأما كونه لا يضمن إناء الخمر على المذهب فلحديث أنس السابق في هذا الفصل من رواية الصحيحين.\nوقال صاحب الكافي: وإن كسر صليبًا أو مزمارًا لم يضمنه، لأنه لا يحل بيعه في شبه الميتة، وإن كسر أواني الذهب والفضة لم يضمنها، لأن اتخاذها يحرم.\nفإن كسر آنية الخمر، ففيه روايتان: أحدهما: يضمنه؛ لأنها مال غير محرم، ولأنها تضمن إذا حلت فتضمن إذا كان فيها خمر كالدار والثانية: لا تضمن، لما روى ابن عمر أن النبيﷺ- أمره بتشقيق زقاق الخمر. رواه أحمد.\nواختلفت الرواية عن أحمد في كسر دق الصنوج. هل عليه الضمان على روايتين، ذكره في الرعاية الكبرى. انتهى.\nونقل أبو عبد الله مهنا بن يحى الشامي عن أحمد - ﵀ - في رجل دخل منزل رجل فرأى قنينة فيها نبيذ؟ قال: (ينبغي أن يلقي فيها ملحًا أو شيئًا يفسد).\nقال أبو طالب عمر بن الربيع - في كتابه الأمر بالمعروف-: فإن قيل لنا: يجوز أن نكسر الملاهي؟ قيل: أما الطنبور والعود والطبل والمزمار وما أشبه ذلك. قلنا لنا أن تكسره كله إلاّ الدف وحده وهو المدور الذي ليس به جلاجل، فإن رسول اللهﷺ- قد أذن بالضرب به في العرس فليس ينبغي أن يكر إلا بإذن الإمام وأما آلات الخمر نحو القناني والأقداح والجرار والخواني وما أشبه ذلك مما يصلح أن ينتفع به في غير الفساد، فقد اختلف الناس فيه. فمنهم من قال: لا يكسر. ومن كسر شيئًا عليه قيمته إلاّ الإمام أو أمراؤه، فإن لهم أن يأمروا بكسره، إذا كان في ذلك عقوبة لأهلها، ليكون ذلك زجرًا لهم ولغيرهم، لأن عمر بن الخطاب﵃- أمر بحرق بيت خمار وجد فيه خمرًا فلم ينكر عليه أحد من الصحابة ذلك، وكذلك أحرق علي- كرّم الله وجهه- بيت رجل كان يصنع الخمر- كما سيأتي قريبًا- إن شاء الله- تعالى-.","vol":"1","page":252},{"text":"فعلمنا بذلك أن للإمام، أو لنوابه أن يعاقبوا الفساق بكسر آنيتهم، وإن كانوا ينتفعون بها في غير فسقهم.\nوسيأتي- في الباب الثامن- الكلام على مشروعية التعذير بالعقوبات المالية.\nومن العلماء من قال: لجماعة المسلمين أن يكسروا الآنية إذا كان فيها الخمر.\nفإن قيل: فللمسلمين أن يهرقوا المنكر دون السلطان؟ قيل: نعم إذا رأوا شيئًا من المنكر كان لهم أن يهرقوه، أمرهم السلطان أو لم يأمرهم. قال: ليس بين أهل العلم في ذلك اختلاف من أن لهم كسر هذه الملاهي.\nفإن قالوا: لم زعمتم أن لكم كسر الملاهي استعمالها، وقد روى مالك - في الموطأ- عن نافع: أن ابن عمر - ﵁- كان إذا رأى أحدًا من أهل بيته يلعب بالنرد ضربه وكسرها.\nولا ضمان على مستأجر البيت في حك تصاويره، ولا على الداخل في الحمام، إذا فعل ذلك.\nقال المروذي: (قلت لأحمد: الرجل يكتري البيت، فيرى فيه تصاوير ترى أن يحلها؟ قال: نعم).\nقال ابن القيم: وحجته ما روى مسلم من حديث أبي الهياج حيان بن حصين الأسدي. قال: قال لي علي بن أبي طالب: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول اللهﷺ-؟ أن لا تدع تمثالًا إلاّ طمسته. ولا قبرًا مشرفًا إلاّ سويته.\nوهذا يدل على طمس الصور في أي شيء كانت. وروى البخاري- في صحيحه- من حديث ابن عباس - ﵁- (أن النبي -ﷺ- لما رأى الصور في البيت لم يدخل حتى أمر بها فمحيت).\nوروى - أيضًا - من حديث عائشة: (أن النبي - ﷺ - كان لا يترك في بيته شيئًا فيه تصليب إلاّ قصه).","vol":"1","page":253},{"text":"قال أبو عبد الله بن عبد القوي- في النظم:\nوحل لمن يستأجر البيت حكه التصاوير كالحمام للداخل أشهد.\nفإن قيل: أرأيتم إن وجدتم بعض الملاهي في بعض الطرق مع قوم يحملونها أو يبيعونها أيجوز أن تكسروها؟ قيل: نعم، لأنها لا تصلح إلاّ للهو الذي حرمه الله، كما أن نهريق الخمر التي حرمها الله إذا وجدناها عند من يشربها أو يبيعها.\nفإن قيل: أما يجوز أن ينتفع بالملاهي غير اللهو إلاّ بإحراقها بمنزلة الحطب فإذا كسرناها دفعناها إلى صاحبها ينتفع بإحراقها إن شاء.\nفإن قيل: أرأيتم إن كانت الملاهي لأطفال المسلمين أتكسرونها؟ إذا كانت مثل الآلات التي يلهو بها الرجال كسرناها، كما لو وجد عند أطفال المسلمين خمرًا وجب علينا إراقتها.\nوقد ضمن الشيخ أبو عبد الله محمد بن عبد القوي غالب ما تقدم ذكره في هذه الدرجة لأبيات من منظومته- في الآداب الشرعية فقال﵀ -:\nولا غرم في دف الصنوج كسرته ... ولا صور - أيضًا - ولا آلة الردى\nوآلة تنجيم وسحر ونحوه ... وكتب حوت هذا وأشباهه أقدد\nوبيض وجوز للقمار بقدر ما ... تزيل عن المذكور مقصد مفسد\nولا شق زق الخمر أو كسر دونه ... إذا عجز الإنكار دون التقدد\nوإن يتأتى دونه دفع منكر ... ضمنت الذي ينقى بتغسيله قد\nقال العلماء: (ويحرم التكسب بعمل آلات اللهو والتجارة بها ولو بلا عوض ويؤدب المعطى).\nقال أبو العباس بن تيمية: (آلات اللهو لا يجوز عملها، ولا الاستئجار عليها عند الأئمة الأربعة) انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-73>فصل - (٢٨): وجوب إنكار المنكر المستتر</span>\nويجب إنكار المنكر المعطى إذا تحقق. في إحدى الروايتين عن الإمام أحمد- ذكرها","vol":"1","page":254},{"text":"صاحب الترغيب، وأبو الحسين محمد بن أبي يعلى وقالا: هي أصح لأننا تحققنا المنكر.\n(ونص أحمد: أيضًا- في رواية إسحاق، ومحمد بن أبي حرب- في الطنبور، ووعاء الخمر وأشباه ذلك يكون مغطى -يكسره ويتلفه. قال: وفي رواية ابن منصور - في الرجل يرى الطنبور والطبل مغطى، والقنينة إذا كان تبينه أنه طنبور أو طبل أو فيها مسكر كسره.\nوقال محمد بن أبي حرب: سألت أبا عبد الله- عن الرجل يسمع المنكر في دار بعض جيرانه؟ قال: يأمره. فإن لم يقبل يجمع عليه الجيران ويهول عليه. ونقل جعفر عن أحمد في من يسمع صوت الغنى في طريق. قال هذا قد ظهر أن ينهاه. ونقل عنه أي عن أحمد أن ينكر الطبل إذا سمع صوته.\nونقل جعفر، عن أحمد بن حمدان- في الرعاية: وقيل: من علم منكرًا قريبًا معه في دار ونحوها دخلها وأنكره.\nقال أبو العباس بن تيمية: ومن كان قادرًا على إراقة الخمر، وجب عليه إراقتها (ولا ضمان عليه، وأهل الذمة إذا أظهروا الخمر فإنهم يعاقبون عليه - أيضًا - بإراقتها).\nوشق ظروفها، وكسر أوانيها، وإن كنا لا نتعرض لهم إذا أسروا ذلك بينهم.\nقال ابن مفلح: وهذا ظاهر في إنكار المنكر المستور. ولم نجد فيه خلافًا.\nقال ابن عبد القوي وغيره: (المستتر من فعل المنكر بموضع لا يعلم فيه غالبًا- إما لبعد ونحوه، وما من يفعله بموضع يعلم به جيرانه ولو في داره فإنّ هذا معلن مجاهر غير مستتر).\nقال أبو حامد الغزالي: فإن قلت: ما حد الظهور والاستتار؟ فاعلم أن من أغلق بابه","vol":"1","page":255},{"text":"وتستر بحيطانه فلا يجوز الدخول عليه بغير إذنه، لتعرف المصيبة إلاّ أن يظهر في الدار ظهورًا يعرفه من هو خارج الدار كأصوات المزامير والأوتار إذا ارتفعت بحيث يجاوز ذلك حيطان الدار فإن سمع ذلك فله دخول الدار وكسر الملاهي، وكذلك إذا ارتفعت أصوات السكارى بالكلمات المألوفة بينهم بحيث يسمعها أهل الشوارع، فهذا إظهار موجب الإنكار فإذًا إنما يدرك مع تخلل الحيطان صوت أو رائحة فإذا فاحت روائح الخمر، فإن احتمل أن يكون ذلك من الخمر المحترمة فلا يجوز قصدها بالإراقة وإن علم بقرينة الحال أنها فاحت، لتعاطيهم الشراب فهذا محتمل، والظاهر جواز الإنكار.\nوقد تستر أواني الخمر وظروفه في الكم وتحت الذيل وكذلك الملاهي. فإذا رؤي فاسق وتحت ذيله شيء آخر لم يجز أن يكشف عنه ما لم يظهر بعلامة خاصة، فإن فسقه لا يدل على أن الذي معه خمر إذ الفاسق محتاج - أيضًا- إلى الخل وغيره فلا يجوز أن يتدل بإخفائه وأنه لو كان خلا لما أخفاه. فإن كانت الرائحة فائحة فهذا محل النظر والظاهر أن له الإنكار؛ لأن هذه علامة تفيد الظن، والظن كالعلم في أمثال هذه الأمور وكذلك العود ربما يعرف بشكله، إذا كان الثوب الساتر له رقيقًا، فدلالة الشكل كدلالة الرائحة والصوت، وما ظهرت دلالته، فهو غير مستور بل هو مكشوف، وقد أمرنا بأن نستر ما ستر الله وأن ننكر على من أبدى لنا صفحته انتهى.\nقال ابن مفلح وجماعة: (إذا فاحت روائح الخمر، فالأظهر جواز الإنكار)\nقال الغزالي - ﵀ - والإبداء له درجات: فتارة يبدو بحاسة السمع، وتارة بحاسة الشم، وتارة بحاسة البصر، وتارة بحاسة اللمس. ولا يمكن أن يختص بحاسة البصر بل المراد العلم. وهذه الحواس - أيضًا - تفيد العلم، فإذا إنما يجوز أن يكسر ما تحت الثياب إذا علم أنه خمر، وليس له أن يقول: أرني لأعلم ما فيه، فإنّ هذا هو التجسس الذي نهى الله عنه، ومعناه طلب الأمارات المعرفة: فإن حصلت وأورثته المعرفة جاز العمل بمقتضاها، فأما طلب الأمارة المعرفة فلا رخصة فيه أصلًا.\nوقال عمر بن الربيع (الخشاب) في كتاب الأمر بالمعروف- في باب الإنكار على أصحاب الملاهي: إذا كان يسمع الناس حتى يصل إليهم في طرقهم ومساجدهم منعوهم بالوعظ، فإن انتهوا وإلاّ كان عليهم أن يعلموا السلطان، فإن فعلهم ذلك في منازلهم إذا كان","vol":"1","page":256},{"text":"يسمعه الناس هو استحقاق بالمسلمين كما لو أظهروا ذلك، لأن أذاه يصل إلى المسلمين وهم في منازلهم، كما يصل إليهم في طرقهم، فيجب على السلطان منعهم بالهجوم عليهم، وأن يعاقبهم بما يرى من العقوبة، فإذا لم يصل المسلمون إلى السلطان أو أحد من نوابه، وجب عليهم الهجوم على أولئك، وليس لهم أن يعاقبوهم، إنما العقوبة للسلطان فإن كان ذلك في منازلهم لا يظهر للناس إلاّ بالخير فليس لهم الهجوم ولكن بالعظة. انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-74>فصل- (٢٩): إختلاف الرواية عن أحمد في وجوب تحريق بيوت تجار الخمر:</span>\nقال القاضي أبو الحسين محمد بن أبي يعلى: اختلفت الرواية عن أحمد﵀ - فيمن تجارته الخمر هل يحرق بيته أم لا؟ على روايتين الأولى يحرق، لما روى أبو عبيد الله ابن بطة- بسنده- عن صفية بنت أبي عبيد، قالت: وجد عمر بن الخطاب﵁- في بيت رجل من ثقيف شرابًا، فأمر به عمر فحرق وكان يدعى \"رويشدا\" فقال عمر: إنك فويسق لست برويشد، وبسنده - أيضًا - عن الحارث بن عبد الله الأعور قال: شهد قوم على رجل عند علي بن أبي طالب - كرم الله وجه- أنه يصنع الخمر في بيته فيشربها، في مر بها \"علي\" فكسرت وحرق بيته، ونهب ماله، وجلده، ونفاه.\nقال أبو عبد الله أحمد بن منصور للإمام أحمد - ﵀ - عن رجل مسلم وجد في بيته خمر؟ قال: يراق الخمر ويؤدب، وإن كانت تجارته تحرق.\nكما فعل عمر برويشد.\nوقال إسحاق بن راهويه كما قال أحمد.\nوقد روى يحيى بن يحيى الليثي، عن مالك - أنه قال: لا أرى أن يحرق بيت الخمَّار.\nوقال: وقد أخبرني بعض أصحابنا أن مالكًا كان يستحب أن يحرق بيت المسلم الخمار، الذي يبيع الخمر.\nقيل له: فالنصراني يبيع الخمر من المسلمين؟ قال: إذا تقدم اليه فلم ينته فأرى أن يحرق عليه بيته بالنار.\nوالرواية الأخرى عن أحمد: لا يحرق بيت من تجارته الخمر ولا يتلف، لأنها كبيرة فلا يحرق بيت فاعلها كسائر الكبائر.","vol":"1","page":257},{"text":"قال أبو حامد: فإن قيل: فهلا جاز للسلطان تخريب ديار الفساق زجرًا. قلنا لو ورد الشرع بذلك لم يكن خارجًا عن سنن المصالح ولكنا لا نبتدع المصالح، بل نتبع فيها الشرع وكسر الظروف- وقد كان في بداية الشرع- عند شدة الحاجة إلى الزجر، وتركه بعد ذلك لعدم شدة الحاجة لا يكون نسخًا يزول بزوال العلة ويعود بعودها، وإنما جوزنا ذلك للإمام بحكم الإتباع ومنعنا آحاد الرعية لخفاء وجه الاجتهاد فيه. انتهى.\nقال حنبل: سمعت أحمد - ﵀- سئل عمن يعمل المسكر ويبيعه. ترى أن يحول من الجوار؟ قال، أرى أن يوعظ في ذلك ويقال له. فإن انتهى وإلاّ نهى أمره إلى السلطان حتى يمتنع من ذلك.\nقال ابن القاسم: سئل مالك - ﵀ - عن فاسق يأوي إليه أهل الفسق والخمر ما يصنع به؟ قال: يخرج من منزله، وتكرى عليه الدار والبيوت قال: فقلت: ألا تباع؟ قال: لا لعله يتوب، فيرجع إلى منزله.\nقال ابن القاسم: يتقدم إليه مرة، أو مرتين أو ثلاثًا. فإن لم ينته أخرج وأكرى عليه.\nقال ابن رشيد: قد قال \"مالك\" في الواضحة: إنها تباع عليه خلاف قوله في هذه الرواية.\nقال: وقوله فيها أصح، لما ذكره من أنه قد يتوب ويرجع إلى منزله. ولو لم تكن الدار له وكان فيها بكراء، أخرج منها، وأكريت عليه، ولم يفسخ كراؤه فيها. قاله في كراء الدار من المدونة. والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-75>فصل - (٣٠): كراهة النظر إلى التصاوير وإباحة حكها من على الجدران:</span>\nوقال أبو بكر المروذي: قلت لأبي عبد الله - ﵀ - فالرجل يدعى إلى وليمة فيرى سترًا فيه تصاوير؟ قال: لا ينظر إليها. فقلت: نظرت كيف أصنع أحرقه؟ قال: تحرق شيء الناس؟ ولكن إن أمكنك خلعه خلعته. قلت: فالرجل يكتري البيت فيه تصاوير ترى أن يحكها؟ قال: نعم: وقلت إن دخلت حمامًا فرأيت فيه صورة ترى أن أحك الرأس؟ قال: نعم.","vol":"1","page":258},{"text":"وقال أبو الوفا ابن عقيل: سئل أحمد - ﵀ - هل يجوز تحريق الثياب التي عليها الصور؟ قال: لا يجوز، لأنها يمكن أن تكون مفارش بخلاف غيرها.\nقال أبو عبد الله بن محمد بن مفلح: فلا يجوز على قول \"أحمد\" تحريق الثياب التي عليها الصور ولا المرقومة للبسط والدومى ولا كسر حلى الرجال المحرم عليهم إن صلح للنساء ولم يستعمله الرجال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-76>فصل (٣١): لا ضمان في تحريق الكتب كالتي فيها الأحاديث المفتراة على رسول الله:</span>\nقال ابن القيم: ولا ضمان في تحريق الكتب المضلة وإتلافها. قال أبو بكر المروذي: قلت لأحمد: استعرت من صاحب الحديث كتابًا يعني فيه أحاديث رديئة ترى أن أخرقه أو أحرقه؟ قال: نعم وذكر أبو عبد الله ابن مفلح، عن ابن عقيل أنه قال- في الفنون -: لا يصح ابتياع الخمر ليريقها، ويصح ابتياع كتب الزندقة لتحريقها، لأن في الكتب مالية الورق.\nثم قال ابن مفلح: ومتوجه قول أنه لا يجوز، لأنه استنقاذ كشراء الأسير. وكأن ابن عقيل إنما حكى ذلك عن غيره، فإن لفظه قيل لحنبل: أيجوز شراء الخمر للإراقة؟ قال: لا. قلت: فكتب الزندقة للتمزيق؟ قال: نعم. قيل فما الفرق؟ قال: في الكتب مالية الورق. قال حنبلي جيد الفهم: هذا باطله بآلة اللهو؛ فإن فيها أخشابًا ووترًا ولا يصح بيعها بما فيها من التأليف الذي أسقط حكم مالية الآلة حتى لو أحرقت لم يضمن فهلا أسقطت حكم مالية التأليف الورق كما سقطت مالية الخشب.\nوقال - في الرعاية-: ويصح أن يشتري كتب الزندقة ونحوها ليتلفها فقط. انتهى.\n(وقد رأى النبي - ﷺ - بيد عمر بن الخطاب كتابًا اكتتبه من التوراة وأعجبه موافقته للقرآن فتمعر وجه النبي - ﷺ- حتى ذهب به عمر إلى التنور في فألقاه فيه.","vol":"1","page":259},{"text":"قال ابن القيم: فكيف لو رأى النبي -ﷺ- ما صنف بعده من الكتب التي يعارض بها ما في القرآن والسنة؟ فالله المستعان.\nوقد أمر النبي - ﷺ -: (من كتب عنه شيئًا غير القرآن أن يمحوه) ثم: (أذن في كتابة سنته) ولم يأذن في غير ذلك.\nوكل هذه الكتب المتضمنة لمخالفة السنة: غير مأذون فيها، بل مأذون في محقها وإتلافها وما على الأمة أضرمنها. وقد حرق الصحابة جميع المصاحف المخالفة لمصحف عثمان لما خافوا على الأمة من الاختلاف فكيف لو رأوا هذه الكتب التي أوقعت الخلاف والتفرق؟ .\nوقال: والمقصود أن هذه الكتب المشتملة على الكذب والبدعة يجب إتلافها وإعدامها، وهي أولى بذلك من إتلاف آلات اللهو والمعازف وإتلاف آنية الخمر، فإذ ضررها أعظم من ضرر هذه. انتهى وقد سبق معنى هذا قريبًا في قول صاحب النظم، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-77>فصل - (٣٢): في الدرجة الخامسة أدبان</span>\nوفي هذه الدرجة أدبان- أعني الدرجة الخامسة- أحدهما: أن لا يباشر بيده التغيير ما لم يعجز عن التكليف ذلك بنفسه، فإذا أمكن أن يكلفه المشي في الخروج عن الأرض المغصوبة والمسجد إذا كان جنبًا فلا ينبغي أن يدفعه أو يجره وإذا قدر أن يكلفه إراقة الخمر وكسر الملاهي وحل دروز ثوب الحرير، فلا ينبغي أن يباشر ذلك بنفسه، فإذا لم يتعاط بنفسه ذلك كفى الاجتهاد فيه، وتولاه من لا حجر عليه في فعله.","vol":"1","page":260},{"text":"والأدب الثاني: أن يقتصر في طريق التغيير على القدر المحتاج إليه، وهو أن لا يأخذ بلحيته في الإخراج ولا برجله إذا قدر على جره بيده، فإن زيادة الأذى فيه مستغنى عنه، وأن لا يمزق ثوب الحرير بل يحل دروزه فقط، ولا يحرق الملاهي والصليب الذي أظهره النصارى بل يبطل صلاحيتها للفساد بالكسر، وحد الكسر أن يصير في حالة يحتاج اسئناف إصلاحها إلى تعب يساوي تعب عملها في المرة الأولى من الخشب ابتداء. قاله الغزالي.\nوقال صاحب الرعاية الكبرى، ويكفي إزالة التأليف، وقطع الوتر يعني من الملاهي.\n(ونقل \"مهنا\" عن \"أحمد\" في رجل دخل منزل رجل فرأى قنينة فيها نبيذ، ينبغي أن يلقى فيها ملحًا أو شيئًا يفسده).\nوقال القاضي أبو يعلى: وهذا صحيح، لأن بالإفساد قد زال المنكر، وكذلك قال العلماء في كسر بيض القمار والجوز بحيث. لا ينفع للقمار إعاد ة، فإن زاد على ذلك ضمن.\nوقد تقدم في قول صاحب النظم:\nوبيض وجوز للقمار بقدر ما ... يزيل عن المنكور مقصد مفسد\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-78>فصل- (٣٣): الدرجة السادسة من درجات النهي عن المنكر التهديد والتخويف:</span>\nوأما الدرجة السادسة: فهي بالتهديد والتخويف كقوله: دع عنك هذا، أو لأكسرن رأسك أو لأضربن رقبتك، أو لأفعلن بك كذا وكذا مما يشابه ذلك.\nقال الغزالي: وهذا ينبغي أن يقدم على تحقيق الضرب إذا أمكن تقديمه، والأدب في هذه الدرجة أن لا يهدده بوعيد لا يجوز تحقيقه كقوله: لأنهبن دارك أر لأضربن ولدك أو لأسبين زوجتك، وما يجري مجراه، بل إن قال ذلك عن عزم فهر حرام، وإن قاله عن غير عزم فهو كذب.\nكما روي عن أبي بكر الصديق - ﵁- أنه كتب إلى عكرمة وهو عامله \"بعمان\" يقول: إياك وأن تتوعد في معصيبة بأكثر من عقوبته، فإنك إن فعلت أثمت وإن لم تفعل كذبت وكلا الأمرين ذميم.","vol":"1","page":261},{"text":"قال أبو حامد: نعم إذا تعرض لوعيده بالضرب والاستحقاق فله العزم عليه إلى حد معلوم يقتضيه الحال، وله أن يزيد في الوعيد على ما هو في عزمه الباطن إذا علم أن ذلك مما يقمعه ويردعه وليس ذلك من الكذب المحذور، بل المبالغة في مثل ذلك معتادة، وهي في معنى مبالغة الرجل في إصلاحه بين شخصين، وتأليفه بين الضرتين، وذلك مما قد رخص فيه للحاجة، وهذا في معناه، وإلى هذا المعنى أشار بعض العلماء إلى أنه لا يقبح من الله -تعالى- أن يتوعد بما لا يفعل، لأن الخلف في الوعيد كرم وإنما يقبح أن يعد بما لا يفعل، وهذا غير مرض عندنا؛ فإن الكلام القديم لا يتطرق إليه الخلف، وعدًا كان أو وعيدًا، وإنما يتصور هذا في حق العباد وهو كذلك إذ الخلف في الوعيد ليس بحرام. انتهى والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-79>فصل (٣٤): الدرجة السابعة مباشرة الضرب باليد والرجل بلا شهر سلاح:</span>\nوأما الدرجة السابعة: فهي مباشرة الضرب باليد والرجل وغير ذلك مما ليس فيه شهر سلاح وذلك جائز للآحاد بشرط الضرورة والاقتصار على قدر المنكر. فينبغي أن يكف فإن احتاج إلى إشهار سلاح وكان في قدرته دفع المنكر بشهر السلاح وبالحرج فإن له أن يتعاطى ذلك.\nكما لو قبض فاسق مثلًا على امرأة أو كان يضرب بمزمار مثلًا وبينه وبين الآمر نهر حائل أو جدار مانع فيأخذ قوسه ويقول له: خل عنها أو لأرمينك فإن لم يخل عنها فله أن يرميه. وينبغي أن لا يقصد المقتل بل الساق والفخذ وما أشبهه. ويراعى في ذلك كله التدريج، وكذلك يسل سيفه ويقول: اترك هذا المنكر أو لأضربنك، فكل هذا دفع للمنكر. ودفعه واجب بكل ممكن ولا فرق في ذلك بين ما يتعلق بخاص حق الله وما يتعلق بالأدميين.\nفقال أبو حامد: فإن قيل: فلو قصد الإنسان قطع طرف من نفسه وكان لا يمتنع عن ذلك إلا بالقتال ربما يؤدي إلى قتله فهل تقاتله عليه؟ فان قلتم: يقاتل فهو محال، لأنه إهلاك نفس خوفًا من إهلاك طرف وفي إهلاك النفس إهلاك الطرف - أيضًا - قلنا يمنعه عنه ويقاتله، إذ ليس غرضًا في حفظ نفسه وطرفه بل الغرض حسم سبل المنكرات والمعاصي،","vol":"1","page":262},{"text":"وقتله في الإنكار ليسر معصية. وقطع طرف نفسه معصية، وذلك كدفع الصائل على المسلم بما يأتي على نفسه، فإنه جائز لا على معنى أن التعدي على درهم من مال مسلم يعدل روح مسلم، فإن ذلك محال ولكن لأن قصد أخذ مال المسلم معصية ومثله في الدفع عن المعصية معصية وإنما المقصود دفع المعاصي.\nفإن قيل: فلو علمنا أنه لو خلا بنفسه لقطع طرف نفسه فلينبغي أن يقتله في الحال؛ حسمًا لباب المعصية: قلنا: ذلك لا يعلم يقينًا ولا يجوز سفك دمه بتوهم معصية ولكننا إذا رأيناه في حالة مباشرة القطع دفعناه، فإن قاتلنا قاتلناه ولم نيال ما يأتي على روحه، وقالت المعتزلة: ما لا يتعلق بالآدميين فلا، إنكار فيه إلاّ بالكلام أو بالضرب لكن للإمام لا للآحاد.\nقال بعض العلماء: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باليد على الأمراء، وباللسان على العلماء، وبالقلب على العوام من الناس. وهذا قول ضعيف؛ فإن الأمر والاستطاعة عامان في حديث طارق بن شهاب السالف في الباب الأول وغيره ولا وجه للتخصيص والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-80>فصل - (٣٥): الدرجة الثامنة للنهي عن المنكر الاستعانة بأعوان من أهل الخير لإزالة المنكر:</span>\nوأما الدرجة الثامنة: فهي أن لا يقدر على إزالة المنكر بنفسه، ويحتاج فيه إلى أعوان يستعين بهم من أهل الخير فإن لم يزل المنكر في عوان السلطان وغيرهم من أهل الشر يشهرون السلاح. وربما يستمد الفاسق- أيضًا- بأعوانه ويؤدي ذلك إلى أن يتقابل الصفان ويتقاتلا، فهذا قد ظهر الاختلاف في احتياجه إلى إذن الإمام فقال قائلون: لا ينكر أحد بسيف إلاّ مع ذي سلطان، ولا يستقل آحاد الرعيَّة بذلك لأنه يؤدي إلى تحريك الفتن وهيجان الفساد وخراب البلاد.\nوقال آخرون: لا يحتاج إلى إذن الأمام.\nقال أبو حامد: وهو الأقيس، لأنه إذا جاز للآحاد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (وأوائل درجاته تجر إلى ثوان والثواني إلى ثوالث) وقد ينتهي إلى التضارب لا محالة والتضارب يدعو إلى التعاون فلا ينبغي أن يبالي بلوازم الأمر بالمعروف، ومنتهاه، تجنيد الجنود في رضى الله - تعالى - ودفع معاصيه.","vol":"1","page":263},{"text":"ثم قال﵀ - ونحن نجوز للآحاد من الغزاة أن يجتمعوا ويقاتلوا من أرادوا من فرق الكفار، قمعًا لأهل الكفر فكذلك قمع أهل الفساد جائز، لأن الكافر لا بأس بقتله، والمسلم إن قتل فهو شهيد، وكذلك الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر المحق إذا قاتل الفاسق المناضل عن فسقه وقتل مظلومًا فهو شهيد وعلى الجملة: فانتهاء الأمر إلى هذا من النوادر في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فلا يعتبر به قانون القياس بل يقال: كل من قدر على دفع منكر فله أن يدفع ذلك. بيده وبسلاحه وبنفسه وبأعوانه، فالمسألة إذًا محتملة. والله أعلم.\nوالمقصود: أن المنكر يبدأ بالأسهل والأرفق فإن لم يزل المنكر وزاد بقدر الحاجة: فإن لمن ينقطع أغلظ فيه فإن زال وإلاّ دفعه إلى ولي الأمر- كما سبق: -\nوإذا انجر الأمر إلى الاستعانة فلا يستعان بأهل الأهواء والبدع في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا في شيء من أمور المسلمين.\nقال أبو الحسين بن أحمد بن الفضل: (دخلت على أحمد بن حنبل - ﵀ - فجاء رسول الخليفة، فسأله عن الاستعانة بأهل الأهواء فقال \"أحمد\" لا يستعان بهم.\nفقال: يستعان باليهود والنصارى ولا يستعان بهم؟ قال: إن اليهود والنصارى لا يدعون إلى أديانهم وأصحاب الأهواء داعية، ذكره البيهقي في مناقب أحمد، وكذلك ابن الجوزي.\nقال أبو العباس بن تيمية: فالنهي عن الاستعانة بالداعية لما فيه من الضرر على الأمة. انتهى.\nقال ابن مفلح: وهو كما ذكرنا - في جامع الخلال - عن الإمام أحمد أن أصحاب بشر المريسي وأهل البدع والأهواء لا ينبغي أن يستعان بهم في شيء من أمور المسلمين فإن في ذلك أعظم الضرر على الدين والمسلمين.\nوروي البيهقي في مناقب أحمد بن حنبل، عن محمد بن أحمد بن منصور المروذي: (أنه استأذن على أحمد بن حنبل، فأذن فجاء أربعة رسل المتوكل يسألونه، فقالوا: الجهمية يستعان بهم على أمور السلطان أولى أمر اليهود والنصارى. فقال أحمد: أما الجهمية فلا يستعان بهم على أمور السلطان قليلها ولا كثيرها، وأما اليهود والنصارى فلا بأس أن يستعان","vol":"1","page":264},{"text":"بهم في بعض الأمور والتي لا يسلطون فيها على المسلمين حتى لا يكونوا تحت أيديهم، وقد استعان بهم السلف.\nقال محمل بن أحمد المروذي: أيستعان باليهود والنصارى وهما مشتركان ولا يستعان بالجهمي.\nقال: يا بني يغتر بهم المسلمون وأولئك لا يفتر بهم المسلمون.\nفهذه أركان الآمر بالمعروف والنهي عن المنكر ودرجاته التي ينبغي أن يستعملها الآمر الناهي مرتبة من غير تقديم ولا تأخير، كما قال معاوية بن ابي سفيان - ﵁ -: لا أضع سيفي حيت يكفيني سوطي، ولا أضع سوطي حيت يكفيني لساني.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-81>فصل- (٣٦): وترتيب درجات النهي عن المنكر مقتبسة من إشارات بعض آيات التنزيل:</span>\nوترتيب هذه الدرجات التي ذكرها الإمام الغزالي وغيره وجدت لها شاهدًا من قوله - تعالى-: ﴿لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب ..﴾ لأن قوله: ﴿لقد أرسلنا رسلنا بالبينات﴾ أي بالمعجزات والحجج الباهرات، والدلائل القاطعات ﴿وأنزلنا معهم الكتاب﴾ وهو النقل المصدق ببيان شرائع الأحكام و﴿الميزان﴾ هو العدل: قاله ابن عباس، وقتادة. وهو الحق الذي شهدت به العقول الصحيحة المستقيمة المخالفة للآراء السقيمة؛ كما قال تعالى: ﴿أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه﴾ وقال: ﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها﴾ وقال: ﴿والسماء رفعها ووضع الميزان﴾ ولهذا قال في هذه الآية: ﴿ليقوم الناس بالقسط ...﴾ أي بالحق والعدل وهو إتباع الرسل فيما أخبروا به وطاعتهم فيما أمروا به، فان الذي جاؤوا به هو الحق الذي ليس وراءه حق. كما قال تعالى: ﴿وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا ..﴾ أي صدقا في الأخبار وعدلًا في الأوامر والنواهي، ولهذا يقول المؤمنون إذا تبوؤوا غرف الجنات، والمنازل العاليات، والسرر المصفوفات: ﴿وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق ...﴾.","vol":"1","page":265},{"text":"قوله - تعالى -: ﴿وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد﴾ يعني السلاح من السيوف والنبال والدروع وغيرها أي وجعلنا لك رادعًا لمن أبى الحق وعانده بعد قيام الحجة عليه، ولهذا أقام رسول الله - ﷺ - بمكة بعد البعثة ثلاث عشرة سنة توحي إليه السور المكية، وكلها جدال مع المشركين وبيان إيضاح للتوحيد، وبينات ودلائل فلما قامت الحجة على من تخلف من المشركين شرع الله الهجرة، وأمرهم بالقتال بالسيوف، وضرب رقاب من خالف أمر رسوله وكذب القرآن وعانده.\nقوله: ﴿وليعلم الله من يضره﴾ و(يعني يرى من ينصر دينه. ﴿ورسله بالغيب﴾ أي قام بنصرة الدين ولم ير الله ولا الآخرة).\nاللهم أيقظنا للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بترتيب درجاته ووفقنا للقيام به بصدق على اختلاف مراتبه وحالاته، وهب طالحنا للصالح وسامحنا وأنت اللهم مسامح، واغفر ذنوبنا قبل أن تشهد علينا الجوارح، ونبهنا من رقدات الغفلات واستر لنا الفضائح. فمنك الفضل والجود والمنائح ومنا التقصير والخذلان والقبائح.","vol":"1","page":266},{"text":"الجزء الثالث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-82>الباب الثالث: طبقات الناس من الآمرين والمأمورين والمتخلفين</span>\nفي بيان طبقات الناس من الآمرين والمأمورين والمتخلفين. وأن السالكين طريق الحق الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر بين أهل الفساد من الغرباء المكروهين.\nففي الصحيحين وغيرهما من حديث أبي بردة عن أبي موسى الأشعري -﵁- عن النبي ﷺ قال: (مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضًا فكان منها بقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير. وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به).\nورواه عبد الله بن أحمد في زيادات المسند بزيادة في أوله:\nقال النووي: معنى هذا التمثيل أن الأرض ثلاثة أنوع فكذلك الناس.\nفالنوع الأول من الأرض: ينتفع بالمطر فتحيا بعد أن كانت ميتًا وتنبت الكلأ فينتفع به الناس والدواب والزرع وكذلك النوع الأول من الناس يبلغه الهدى والعلم فيحفظه فيحي به قلبه ويعمل به ويعلمه غيره فينتفع وينفع.\nالنوع الثاني من الأرض: ما لا تقبل الانتفاع في نفسها لكن فيها فائدة وهي إمساك","vol":"1","page":267},{"text":"الماء لغيرها فينتفع به الناس والدواب. وكذلك النوع الثاني من الناس لهم قلوب حافظة لكن ليست لهم أذهان ثاقبة ولا رسوخ لهم في العلم يستنبطون به المعاني والأحكام وليس لهم اجتهاد في العمل به فهم يحفظونه حتى يجيء أهل النفع والانتفاع فيأخذوه منهم فينتفعوا به فهؤلاء نفعوا الناس بما بلغهم.\nوالنوع الثالث من الأرض: هو السباخ الذي لا تنبت فهي لا تنتفع بالماء ولا تمسكه لينتفع به غيرها وكذا النوع الثالث من الناس ليست لهم قلوب حافظة ولا أفهام واعية فإذا سمعوا العلم لا ينتفعون به ولا يحفظونه فينتفع به غيرهم.\nفالمثل الأول. للمنتفع النافع. والثاني للنفاع غير المنتفع. والثالث لغيرهما. انتهى. وقال الخطابي: هذا مثل ضرب لمن قبل الهدى وعلم ثم علم غيره فنفعه الله ونفع به ولمن لم يقبل الهدى فلم ينتفع بالعلم ولم ينفع به. انتهى.\nفالناس- حينئذ على ثلاثة أقسام: قسم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وقسم مأمورون منهيون. وقسم متخلفون عن ذلك معرضون عما هنالك وكل قسم من هؤلاء ينقسم إلى طبقات معروفة ومراتب مشهورة مألوفة.\nأما القسم الأول: فعليهم المدار والمعول فطبقاتهم مختلفة بقدر النيات وتفاوت درجاتهم بحسب الطويات فأرفع هذه الطبقات قدرًا وفخرًا وأعظمها ثوابًا وخيرًا وأجرًا، وأحقها بالقيام في ذلك وأولى خواص الخلق أهل الطبقة الأولى قد علم كل منهم محذور المداهنة على منكر رآه أو سمع به في مكان أعلنه صاحبه وأبداه. وأن القائم بالإنكار المجتهد في حصوله خليفة الله تعالى وخليفة رسوله وهم العلماء العاملون والعباد المتزهدون أرباب القلوب والعزائم الذين لا تأخذهم في الله لومة لائم. قاموا بذلك بمجرد أمر الله ونهيه الذي لا يدعونه. وبادروه خوفًا من قوله تعالى: ﴿وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه﴾.\nفهؤلاء لزمهم القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في جميع الحالات المقصودون بقوله: ﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون﴾.\nوعند كل منهم الرفق فيما أرشد وعلم اقتداء في ذلك بالنبي ﷺ فأهل هذه الطبقة قد","vol":"1","page":268},{"text":"سكنت عظمة الله في قلوبهم. وضمائرهم ظاهرة من سوى محبوبهم يجتمعون على الأمر بالخير والتواصي، حذرًا من يوم الأخذ بالنواصي. لا يخافون سطوة الجبارين وبأسهم. متكلين على فضل الله أن يحرسهم كما قال سبحانه في وصف أهل القوة منهم والصادقين: ﴿وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين﴾.\nوردوا إليه أكرم ورود وأمنوا في وصالهم عاتق الصدود. وأتعبوا الأعضاء في خدمته والجلود، تصافوا فاصطفوا كالجنود. واستلوا سيوف الجهاد من الغمود وقمعوا بالصبر العدو والكنود. وأرغموا بهمتهم أنف الحسود. فسبحان من اختارهم من الكل واصطفاهم. وخلصهم بالإخلاص من كدر الشوائب ومنعاهم فليس المقصود بالمحبة سواهم.\nساروا وخلفت ففانك ما وجدوا ... وبقيت في أعقابهم فإن لم تلحق بعدوا\nفما أشرف من أكرمه المولى العظيم. وما أعلى من مدحه في الكلام القديم وما أسعد من خصه بالتشريف والتكريم لمثل هذا فليعمل العاملون. وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.\nالطبقة الثانية: إذ هي من الأولى دانية. وهم قوم من أهل العلم والعمل والقيام بما يرضي الله﷿ - متلبسون بما يستحب من الأخلاق المحمودة تاركون ما كره لهم من تعدي الأمور المحدودة.\nفهم لغوامض الأحكام فاقهون، وإلى الأمر بالمعروف سابقون، فترى أحدهم للنهي عن المنكر يلازم، ومع الأذى لا تأخذه في الله لومة لائم. أحوالهم في ذلك عجيبة وهممهم في المبادرة إليه غريبة. لكن عندهم حدة في تغييرهم، وصلابة زائدة في أمر دينهم، ففاتهم الرفق الذي لم يكن في شيء إلا زانه ولا ينزع من أمر مندوب إلا شانه.\nفهم- مع ذلك- قريبون ممن قبلهم إذ كان سعيهم مشكورًا: ﴿كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا﴾.\nالطبقة الثالثة: قوم عالمون بما يأمرون عارفون بما يقولون ويفعلون لكنهم بالآفات المفسدة للأمر والنهي جاهلون. فترى الواحد منهم بالظن السيئ خصيصًا، وعلى التجسس على آهل المنكر حريصًا، محتقرًا لمن ينكر عليه، ناظرًا بعين الازدراء والتجبر إليه.\nالطبقة الرابعة: قوم صالحون أخيار مؤمنون أتقياء أبرار غير أنهم لا يعرفون قواعد","vol":"1","page":269},{"text":"الأمر بالمعروف، ولا يحققون مراتب النهي عن المنكر الموصوف. فهؤلاء بجملتهم قسمان على مقتضى طبع الإنسان.\nالأول عندهم: الرفق في أمرهم ونهيهم. صابرون على الأذى في سرهم وجهرهم.\nوالثاني: تقيمهم إلى ذلك الغيرة الإسلامية وتحملهم عليه الأنفة الدينية، على أن كلامهم يشتمل الطيش والعجلة والشدة والعنف فيما قاله أو فعله. إذا نزل بهم ما يكرهون لا يحتملون ولا يصبرون. مرتكبون. بالسب واللعن والغيبة محظورًا فيرجع كل منهم آثمًا مأزورا. كما قيل:\nيا عبيد السوء ماذا دينكم ... إن هذا الدين عنكم قد قلص\nغاية المنكر في تعريفكم ... وبياض خالف اللون برص\nالطبقة الخامسة: قوم من العوام رزقوا حظًا من القبول بين الأنام، يأمرون وينهون خبطًا، ولا يعرفون للمأمورات والمنهيات شرطًا. فمن أرضاهم لم يناصحوه، ومن أغضبهم لا يتركوه وما علموا أن الجاهل يأمر وينهى للرئاسة فيفسد، والعالم يأمر وينهى للسياسة فيرشد.\nالطبقة السادسة: وهم- في الجهل بالآمر والنهي كالخامسة لكنهم أهل الأسواق وعامة الناس على الإطلاق يهيجهم على إنكار المنكر عقد الإيمان فينكرونه مع غفلتهم عما يقولونه ويفعلونه.\nكل منهم قد راح في المعاصي وغدا وممار عند العلماء بجهله مقيدًا:\nكيف يجتمع قلب قد صار في الهوى مبددا ... كيف يلين وقد أمسى بالقساوة جلمدا\nالطبقة السابعة: دون التي قبلها لخستها ودناءة أهلها وهم قوم نصبوا أنفسهم لذلك رياء وسمعة واكتسابًا للمحامد بين الناس والرفعة واستجلابًا لقلوبهم استجلابًا لمحبوبهم. قد تزيوا بزي الصالحين، ولبسوا لباس المتقشفين، فمنهم من يقوم بذلك عند نظر الخلق إليه. ويتركه إذا لم ير أحدًا لديه. فهم في الجمع يأمرون وينهون إظهارًا للغضب لله من اقتراف السيئات معلنين الأسف على ارتكاب الخطيئات. وصاروا عارًا على المتعبدين ومقتًا للطوائف المتزهدين، لأن قيامهم محض لأجل الناس، فيا شقاءهم بما حصل لهم من الافلاس.\nوأهل هذه الطبقة فريقان:\nأحدهما: عالمون بما يأمرون.","vol":"1","page":270},{"text":"والثاني: جاهلون بما يقولون ويفعلون.\nقتل الجهل أهله ونجا كل من عقل ... فاغتنم دولة الشباب واستأنف العمل\nفكفى الله المؤمنين شرهم إما بصلاحهم أو بالراحة منهم.\nالطبقة الثامنة: القبيحة حيث لم يكن لأهلها نية صحيحة يقومون بذلك على الضعفاء ويقصرون عن الآقوياء الشرفاء. مع قدرتهم في ذلك عليهم وإلقاء محض النصيحة إليهم. وهم ممن يحابي الأصحاب ويراعي ذوي الهيئات والأنساب. وما ذلك إلا لغرض مذموم، وأمر شيطاني مكتوم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-83>فصل- (١) طبقات المنهيين:</span>\nوأما القسم الثاني وهم المنهيون المأمورون الذين- بالمعاصي - يؤمنون فكما أن الآمرين على طبقات، بتفاوت المقامات، فكذلك المأمورون باختلاف الحالات.\nالطبقة الأولى: وهم بعض الخلفاء والسلاطين والأمراء والمتجبرين وأرباب الحكم والرئاسة والمنتمين إليهم من أهل الفخر والنفاسة.\nوكل منهم يقصد أذى من يأمره بحبسه، ويتسلط عليه بتجبره على الله وسوء أدبه. فهذا ممن لا يترك العصيان ولا يرجع بجبروته عن الطغيان حيث ذمه الله في كتابه وعمم قوله: ﴿وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم﴾. ذهبت لذاتهم بما ظلموا وبقي العار، لا راحة لهم ولا سكون ولا قرار، شيدوا بنيان الأمل، وإذا به قد انهار ﴿سرابيلهم من قطران وتغشى وجوههم النار﴾.\nتفنى اللذاذة ممن نال صفوتها ... من الحرام ويبقى الإثم والعار\nتبقى عواقب سو، في معيشتها ... خير في لذة من بعدما النار\nيا عظيم المعاصي، يا مخبطًا جدًا، يا ظالمأ ما عتى وتعدى.\nوكم جاوز حدًا، وكم أتى دنيا عمداا! .\nيا أسير الهوى وقد أصبح له عبدًا، يا ناظمًا خرزات الأمل في سلك المنى عقدًا، يا معرضًا عما قد حل قد حل عقدًا.","vol":"1","page":271},{"text":"وأنشدوا:\nلا ينفع الوعظ قلبًا قاسيًا أبدا ... وهل تلين لقلب الواعظ الحجر\nقال بعضهم: من التعذيب تهذيب الذئيب.\nقال علماء التفسير- عند قوله - تعالى: ﴿وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم وبئس المهاد﴾.هذه صفة الكافر والمنافق الذاهب بنفسه زهوًا كما قال عبد الله بن مسعود - ﵁ -: (كفى بالمرء إثمًا أن يقول له أخوه اتق الله فيقول: عليك بنفسك مثلك يأمرني ويوصيني. و(أخذته) أي حملته. و(العزة) القوة والغلبة. وقيل الحمية. وقيل المنعة وشدة النفس، أي اعتز في نفسه فأوقعته تلك العزة في الإثم حين أخذته).\nقال قتادة: المعنى إذا قيل له: مهلًا ازداد إقدامًا على المعصية.\nقال القرطبي: والمعنى حملته العزة على الإثم. وقيل أخذته العزة بما يؤثمه. أي ارتكب الكبر للعزة وحمية الجاهلية. ونظيره قوله تعالى: ﴿بل الذين كفروا في عزة وشقاق﴾.\nوقيل الباء في قوله (بالإثم) بمعنى اللام أي أخذته العزة والحمية عن قبول الوعظ للإثم الذي في قلبه وهو النفاق.\nقال بعض العارفين: هؤلاء قوم استولى عليهم التكبر وزال عنهم خضوع الإنصاف فشمخت أنوفهم عن قبول الحق فإذا أمرته بمعروف قال: ألمثلي يقال هذا؟ ! وأنا كذا وكذا وأنت أولى بأن تؤمر بالمعروف وتنهى عن المنكر فإن من حالك وقصتك كذا وكذا، ولو ساعده التوفيق وأدركته الرحمة لتقلد المنة لمن هداه إلى رؤية خطئه ونبهه عن سوء وصفه.\nقوله تعالى: ﴿فحسبه جهنم﴾ أي كافيه عقابًا وجزاءَا. (المهاد) الموضع المهيأ للنوم وسميت جهنم مهادًا. لأنها مستقر الكفار وكان عمر بن الخطاب إذا قرأ هذه الآية قال: إنا لله وإنا إليه راجعون.\nذكر أبو عبد الله القرطبي أن يهوديًا كانت له حاجة عند هارون الرشيد فاختلف إلى بابه سنة فلم يقض حاجته فوقف يومًا على الباب فلما خرج هارون سعى حتى وقف بين يديه فقال: اتق الله يا أمير المؤمنين، فنزل هارون عن دابته وخر ساجدًا فلما رفع رأسه أمر","vol":"1","page":272},{"text":"بحاجته فقضيت. فلما رجع قيل له: يا أمير المؤمنين نزلت عن دابتك لقول يهودي؟ قال: لا ولكن ذكرت قول الله تعالى: ﴿وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد﴾.\nفالذي يجب على المأمور بالمعروف المنهي عن المنكر أن يتلقى الأمر والنهي بالقبول من غير أن يتأثر بعزة نفس وتكبر يمنعه من قبول الحق. وألا يلقى النصح بالشر فيعمه الذم والتوعد، قال تعالى: ﴿ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها ونسي ما قدمت يداه﴾.\nوقال الله تعالى: ﴿ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها إنا من المجرمين منتقمون﴾، أي لا أجد أظلم لنفسه ممن وعظ بحجج الله وعلاماته فتهاون بها وأعرض عنها وعن قائلها ونسي ما قامت يداه من الكفر والمعاصي فلم يتب منها ولا رجع عن غيه.\nغه\nوقد كان السلف يحبون من أمرهم ونهاهم وأهدى إليهم عيوبهم.\nكما قال عمر بن الخطاب -﵁-: رحم الله امرءًا أهدى إلينا مساوئنا، وكان يقول: رحم الله امرءًا أهدى إلي عيوبي.\nوكان يسأل سلمان الفارسي عن عيوبه لما قدم عليه وقال: ما الذي بلغك عني مما كرهته؟ فاستعغاه فألح عليه. قال: سمعت أنك جمعت بين أدمين على مائدة وأن لك حلتين حلة بالنهار وحلة بالليل. قال وهل بلغك غير هذا؟ قال: لا. قال: أما هذان فقد كفيتهما.\nقال عمر- أيضًا - في خطبة خطبها: لو صرفناكم عما تعرفون إلى ما تنكرون ما كنتم صانعين؟ قال ذلك ثلاثًا فقام علي فقال: يا أمير المؤمنين كنا نستتيبك فإن تبت قبلناك. قال فإن لم افعل؟ قال: إذن نضرب الذي فيه عيناك. فقال عمر: الحمد لله الذي جعل في هذه الأمة من إذا اعوججنا أقام أودنا.\nوكان عمر- أيضًا - يسأل حذيفة ويقول: أنت صاحب سر رسول الله ﷺ في المنافقين فهل ترى علي من آثار النفاق شيئًا؟\nقال رجل لعمر بن عبد العزيز: رأيتك تسحب ذيلك، قال: فهلا قلت لي؟ قال: هبتك قال: أما علمت أن لقائل الحق من الله سلطانًا؟ .","vol":"1","page":273},{"text":"وقال الحسن البصري: كان بين \"عمر\" وبين رجل كلام في شيء. فقال له الرجل: اتق الله يا أمير المؤمنين. فقال له رجل من القوم: تقول لأمير المؤمنين: اتق الله! قال: دّعه فليقلها لي، نعم ما قال. ثم قال \"عمر\": لا خير فيكم إن لم تقولوها، ولا خير فينا إن لم نقبلها منكم.\nقال الحسن- أيضًا - المسلم أخو المسلم يبصره عيوبه ويغفر له ذنوبه، إن من كان قبلكم من السلف الصالح يلقى الرجلُ الرجلَ فيقول يا أخي ما كل ذنوبي أبصر، ولا كل عيوبي أعرف فإذا رأيت خيرًا فمرني وإذا رأيت شرًا فانهني. وقال الإمام أحمد: لا نزال بخير ما كان في الناس من ينكر علينا.\nوقال بعض السلف: رحم الله من بصرني عيوبي، فإن النفس تعمى عن عيبها.\nوقال يحيى بن معاذ- قدس الله روحه: اجعل (حبيبك) من عرفك العيوب. وصديقك من حذرك الذنوب. وقال بعضهم: من أحبك نهاك، ومن أبغضك ما نهاك.\nوكان داود الطائي قد اعتزل الناس فقيل له: ألا تخالط الناس؟ فقال: ماذا أصنع بأقوام يخفون عني عيوبي.\nقال بعضهم: كلمة لك من أخيك خير لك من مال يخذيك، فإن الحكمة تحييك والمال يطفيك.\nوروى البيهقي- بسنده - عن الاوزاعي - قال: سمعت بلال بن سعد - رحمة الله عليه- يقول: أخ لك كلما لقيك ذكرك بحظك من الله خير لك من أخ كلما لقيك وضع في يدك دينارًا.\nوقال \"القمان\" لابنه: لأن يضربك الحكيم فيؤذيك، خير من أن يدهنك بدهن طيب.\nوالمقصود أنه كان أمنية ذوي الدين أن ينبهوا غيرهم، وأن يبذل لهم النصح.\nوقد آل الأمر إلى أن بقي أبغض الناس إلينا من ناصحنا وعرفنا عيوبنا، وكاد يكون هذا مفصحًا عن ضعف الإيمان وعدم العرفان، فإن الأخلاق السيئة حيات وعقارب لداغة. ولو نبهنا منبه على أن تحت ثوب أحدنا عقربًا لتقلدنا منته، وفرحنا بذلك واشتغلنا بإبعاد العقرب وقتلها مع أن نكايتها على البدن لا تستمر إلا يومًا أو دونه. ونكاية الأخلاق الرديئة على صميم القلب ونخشى أن تدوم غوائلها بعد الموت أبد الآباد. ثم إننا لا نفرح بمن ينبهنا عليها ولا يشتغل بإزالتها بل يشتغل بمعاملة الناصح بمثله. وتقول: وأنت - أيضًا - تصنع كيت وكيت، وتشعل العداوة معه عن الانتفاع بنصحه.","vol":"1","page":274},{"text":"كما قال بعض السلف: الأحمق يغضب من الحق، والعاقل يغضب من الباطل.\nقال أبو حامل الغزالي - ﵀-: فمن ذمك وأظهر لك النصح لا يخلو من ثلاثة أحوال: إما أن يكون قد صدق فيما قال، قصد النصح والشفقة - وإما أن يكون صادقًا ولكن قصده الإيذاء والتعنّت، أو يكون كاذبًا.\n(فإن كان صادقًا وقصده النصح) فلا ينبغي أن تذمه، وتغضب عليه وتحقد بسببه، بل ينبغي أن تتقلد (منته) فإن من أهدى إليك عيوبك فقد أرشدك إلى معرفة الصفة المهلكة حتى تنقيها فينبغي أن تفرح به، وتشتغل بإزالة الصفة المذمومة عن نفسك إن قدرت عليها. في ما اغتمامك بسببه، وكراهتك له، وذمك إياه غاية الجهل.\nوإن كان قصده التعنت فأنت قد انتفعت بقوله، إذ أرشدك إلى عيبك إن كنت جاهلًا به أو ذكرك عيبك إن كنت غافلًا عنه، أو قبحه في عينك، لينبعث حرصك إلى إزالته إن كنت قد استحسنته. وكل ذلك أسباب سعادته وقد استفدته منه. فمهما قصدت الدخول على ملك وثوبك ملوث بالعذرة وأنت لا تدري، ولو دخلت عليه كذلك لخفت أن يجز رقبتك، لتلويثك مجلسه بالعذرة. وقال لك قائل: أيها الملوث بالعذرة طهر نفسك، فينبغي أن تفرح به، لأن تنبيهك بقوله غنيمة.\nوجميع مساوئ الأخلاق مهلكة في الآخرة، والإنسان إنما يعرفها من قول أعدائه فينبغي أن يغتنمه.\nوأما قصد العدو التعنت فجناية منه على دين نفسه وهو نعمة منك عليك - فلم تغضب عليه بفعل انتفعت أنت به، وتضرر هو به؟\nالحالة الثالثة: أن يفتري عليك بما أنت بريء منه عند الله فينبغي أن لا تكره ذلك العيب ولا تشتغل بذمه، بل تتفكر في ثلاثة أمور:\nأحدها: أنك خلوت من ذلك العيب فلا تخلو عن أمثاله، وما ستر الله من عيوبك أكثر، فاشكر الله، إذ لم يطلعه على عيوبك ودفعه عنك بذكر ما أنت بريء منه عند الله.\nالأمر الثاني: أن ذلك كفارات لبقية مساوئك وذنوبك وكأنه رماك بعيب أنت بريء منه وطهرك من ذنوب أنت ملوث بها. وكل من اغتابك فقد أهدى إليك حسناته، وكل من مدحك فقد قطع ظهرك - فما بالك تفرح بقطع الظهر، ولا تفرح بهدايا الحسنات التي تقربك إلى الله.\nالأمر الثالث: أن السكين جنى على دينه حتى سقط من عين الله وأهلك نفسه","vol":"1","page":275},{"text":"بافترائه وتعرض لعقابه الأليم، فلا ينبغي أن تغضب مع غضب الله عليه فتشمت الشيطان به وتقول: اللهم أهلكه، بل ينبغي أن تقول: اللهم أصلحه اللهم تب عليه- كما قال ﷺ حين شجعه قومه وضربوه: (اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون).\nودعاء إبراهيم بن أدهم لمن شج رأسه بالمغفرة: (فقيل له في ذلك) فقال اعلم أني مأجور على ذلك فلا أرضى أن يكون هو معاقبًا بسببي. انتهى.\nفسبحان من أغوى وأرشد، وأشقى وأسعد، ونسأله - تعالى - أن يعرفنا طريق رشدنا، ويبصرنا بعيوب أنفسنا، ويوقظنا بشكر من يطلعنا عليها بفضله وإحسانه وجوده وامتنانه فهو الحاكم في جميع الأفعال، اللطيف الكبير المتعال.\nولنرجع - الآن - إلى طبقات المأمورين بالمعروف المنهيين عن المنكر.\nالطبقة الثانية: من ليس له وجاهة بين العوام لكنهم أوغاد أغمار لئام مرفوعون على الناس ببعض وصلة بالدولة ولكل منهم بحسب إيصاله صولة ذكرهم بالقبائح قد ملأ الأقطار ويكفيهم اتسامهم بالأشرار فإن أمروا أو نهوا لا يسمعون وإن أرهبوا لا يرهبون.\nكما قيل:\nإذا غلب الشقاء على السفيه ... تنطع في مخالفة الفقيه\nفقد أنفذ الله تعالى حكمه فيهم وأبرم، وقصه في كتابه العزيز الذي أنزله وأحكم، فقال عز من قائل - فيمن سبق قضاؤه فيهم بدمارهم، وجرى القلم في القديم ببوارهم: ﴿أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم﴾ ثم قال: ﴿أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم وأولئك هم الغافلون﴾ ﴿لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون﴾.\nقال للمقيمين على معاصيهم وجهلهم، الناسين من سبقهم من أهلهم، المصرين على قبح فعلهم.","vol":"1","page":276},{"text":"نظم:\nإذا قسا القلب لم تنفعه موعظة ... كالأرض إن سبخت لم ينفع المطر\nفهم قوم إذا ذكروا لا يذكرون وإذا وعظوا لا يتعظون.\nولبعضهم في كان وكان:\nوإن تكن يا بني معنا على فؤادك قد ختم ... فليسف لى فيك حيلة فضل الدواء قد فات\nكم لعب الردى بمثلهم، وتولع في اجتثاث أصلهم، افترى ما يكفي في توبيخهم وعزلهم: ﴿فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم﴾.\nولبعضهم:\nإن كان غيرك قد أجاب الداعي ... كأنني بك قد تعالى الناعي\nقد طال باعك والمنية بعدها ... فليس إذا طالت قصيرة باعي\nوملأت سمعك بالمواعظ ظاهرًا ... حتى اشتهرت به وليسر بواعي\nتسعى بنفسك في المتالف جاهدًا ... لا تفعلن وأرفق بها يا ساعٍ\nكم قد غررت بظاهر متجمل ... مثل الشراب جرى ببطن القاع\nوقال مجاهد: هو مثل الذي يقرأ الكتاب ولا يعمل به والمعنى أن هذا الكافر إن زجرته لا ينزجر وإن تركته لم يهتد. فالحالتان كحالتي الكلب إن طرد وحمل عليه بالطرد كان لاهثًا، وإن ترك كان لاهثًا. قال القتيبي: كل شيء يلهث وغن يلهث ففي إعياء أو عطش إلا الكلب فإنه يلهث في حال الكلال وحال الراحة، وفي حالة الري وفي حالة العطش فضربه الله مثلًا لمن كذب بآياته فقال: إن وعظته فهو ضال وإن تركته فهو ضال كالكلب إن طردته لهث وإن تركته على حاله لهث. وذكر الواحدي، وغيره (عند) تفسير قوله- تعالى-في قصة بلعام بن باعور: ﴿فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث﴾. عن ابن عباس معناه: إن تحمل عليه الحكمة لم يحملها، وإن ترك لم يهتد لخير كالكلب إن كان راضيًا لهث وإن طرد لهث.\nوقال الحسن: هو المنافق لا ينيب إلى الحق دعي أم لم (يدع)، وعظ أو لم يوعظ،","vol":"1","page":277},{"text":"وذلك أن بلعام زجر ونهي عن الدعاء على موسى فلم ينزجر ولم ينتفع بالزجر فحصل له ما حصل.\nوقال تعالى: ﴿ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها﴾ أي لا أحد أظلم لنفسه ممن وعظ بآيات الله فتهاون بها واعرض عن قبولها ﴿ونسي ما قدمت يداه﴾ أي ترك كفره ومعاصيه فلم يتب منها. والنسيان - هنا - الترك.\nفانظر لنفسك قبل أن يعمى الناظر وتفكر في أمرك بالقلب الحاضر، فشتان بين الفساق وأهل الصلاح. أين أهل الخسران من أرباب الأرباح؟ فالمعصية ليل مظلم، والطاعة مصباح.\nالطبقة الثالثة: قوم طمس الله على قلوبهم فلم يهدهم إلى نظر عيوبهم، يؤمر أحدهم فلا يسمع وينهى عن المنكر فلا يرجع ولا ينزع.\nكما قيل: لا تعذليه فإن العذل يولعه ... قد قلت حقًا ولكن ليس يسمعه\nبل يتول لآمره مقالة مفترى:\nيا هذا أنت ما تدخل ني تبري، عليك في الأمر بنفسك وأصلح ما فسد من أهلك وكل شاة معلقة بعرقوبها.\nفذلك من أقبح خطيات النفس وذنوبها، ومن قسي قلبه صمت مسامعه عن المواعظ حتى ينفذ القدر. ﴿سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون﴾ ﴿يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون﴾.\nفهذا ممن ينادي عليه لسان الكون في كل أوان ولحظة وساعة وزمان: يا حاملًا من الذنوب أثقالا، يا مطمئنًا ستنقل لابد انتقالا، يا مرسلًا عنان لهوه في ميدان زهوه إرسالا، كأنك بعينيك حين عرض الكتاب عليك قد سالا.\nوأنشدوا:\nفشغلت بالشهوات منك خواطرا ... وفررت من نمح الصيح وعتبه\nأغضبت ربك في خلافك أمره ... فبقيت من رهط اللعين وحزبه\nفارجع إليه بتوبة وندامة ... إن السلامة كلها في قربه","vol":"1","page":278},{"text":"وعظ:\nأين المعترف بما جناه؟ أين المعتذر إلى مولاه؟ أين التائب من خطاياه؟ أين الآيب من سفر هواه؟ نيران الاعتراف تأكل حطب الاقتراف، مناجيق الزفرات تهدم حصون السيئات، مياه الحسرات تغسل أنجاس الخطيات. فإن طلبت النجاة دم على قرع الباب، وزاحم أهل التقى والآداب، ولا تبرح وإن لم يفتح، فرب نجاح بعد الإياس، ورب غنى بعد الإفلاس فإذا تبت من ذنوبك فاندم على عيوبك، وامح بدموعك قبيح مكتوبك.\nالطبقة الرابعة: قوم أصروا على معاصيهم - استكبارًا - يقاتلون من يأمرهم بالقول السيء جهارًا كما شوهد ونسمع مرارًا مثل قول بعضهم: ممار فرعون مذكرًا! ! . أو بقي هامان في زماننا آمرًا. ثم يحمله شيطانه إلى التعدي إلى البهتان، فيقول لآمره: نسيت نفسك \"لا إله إلا الله\" يا فلان.\nفيذكرون هذه الكلمة العظيمة في ذا المقام، وما يشعرون بما عليهم من الآثام كأ نهم - من جهلهم - لا يعلمون. صم بكم عمي فهم لا يعقلون.\nيا من هو في لجة بحر الهوى يسبح ... جملك بما آنت في أقبح\nستبكي على خسرانك إذا رأيت من يربح .... أيستوي ليل وفجر قد أصبح\nيا من يدعى إلى نجاته فلا يجيب، يا من قد رضي أن يخسر ويخيب إن أمرك طريف وحالك عجيب. وأنشدوا:\nفقلبك قلب لا يلين لواعظ ... ذنوبك والزلات في الكتب تكتب\nفلو كنت تدري نحت مع كل نائح ... وكنت على التفريط في الليل- تندب\nولكن حلم الله غرك يا فتى ... فأصبحت في الدنيا تخوض وتلعب\nفمن كتب عليه العطب كيف يسلم؟ ومن عمي قلبه كيف يفهم؟ ومن أمرضه طبيبه كيف لا يسقم؟ ومن أعوج- في أصل وضعه - فبعيد أن يتقوم ومن خلق للشقاء فللشقاء يكون.\nلقد نودي على المطرودين لكن لا يسمعون! ! خاب المتجهرمون بالمعاصي، وفاز ﴿وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون﴾.\nيا معرضًا عن لوم من لام، وعتب من (لحا) لقد أتعبت النصحاء الفصحاء","vol":"1","page":279},{"text":"أما وعظت بما يكفي؟ أما رأيت من العبر- ما يشفي؟ يا من بين يديه يوم لا شك فيه ولا مرى، يقع - فيه - الفراق وتنفصم العرى، تدبر أمرك قبل أن تحضر وترى، وانظر لنفسك نظر من قدمهم ما جرى، قبل أن يغضب الحاكم والحاكم رب الورى: ﴿يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا﴾\nالطبقة الخامسة: من يقبل الأوامر والنواهي علانية وجهرًا، وإذا ارتكب الذنوب خفية وسرًا، فيكون قبوله للأمر والنهي تقية، وإذا غاب عمن يأمره عاد إلى البرية، حيث لا يكون أحد مما يخافه لديه، فيجعل الله- تعالى- أهون الناظرين إليه كما قيل:\nإذا ظلمة الليل انجلت بصفائها ... تعود لعينيه ظلامًا كما هيا\nفهذا الصنف ثري ممن قال الله فيهم: ﴿وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون﴾.\nيا منعكفًا على ذلله وذنبه، لا يؤثر عنده أليم عتبه، يا من يبارز مولاه بما يكره، ويخالفه في أمره آمنًا مكره، يا من قبائحه ترفع عشيًا وبكرة، يا قليل الزاد ما أطول السفرة، والنقلة قد دنت والمصير إلى الحفرة.\nمتى تعمل في قلبك المواعظ، متى تراقب العواقب وتلاحظ؟ ! أما تحذر من أوعد وتهدد، أما تخاف من أنذر وتشدد، متى تضرم نار الحرب في قلبك وتتوقد، إلى متى بين القصور والغواني تتردد.\nيا سكران الهوى، والى الآن ناصحًا، يا مفني زمانه الشريف لهوًا ومرحًا، يا من كلما بنى نقض، وحيثما رفع انخفض- يا عجيب الداء والمرض، كم مضرور بعد النفع. كم مدفوع عن إعراضه أقبح الدفع - أسفًا لمن إذا ربح العاملون خسر، وإذا أطلق المتقون أسر.\nالطبقة السادسة: من يسمع ويطيع وتؤثر فيه المواعظ، والتقريع، فيحدث توبة خالصة في الوقت، رغبة في الثواب ورهبة في المقت ولا يتأخر- عن ذلك - ساعة ولا دقيقة، ويعقد مع الله عهودًا أكيدة ووثيقة بعدم العودة إلى ما كان عليه، وندم على ما أسلف من الذنوب بين يديه.\nويحل عقد الأسرار، ويكثر من ذكر الله والاستغفار.","vol":"1","page":280},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-84>فصل (٢): أقسام التائبين الذين تأثروا بالموعظة:</span>\nفأهل هذه الطبقة إلى أربعة أنوع ينقسمون، وفي ملازمة الإنابة يفترقون.\nأ- فتائب يستقيم على التوبة إلى آخر عمره، متدارك لفارط أمره؛ وهذه استقامة على التوبة النصوح الموصلة إلى المقام المربوح. وصاحبها سابق بالخيرات، مبشر بتبديل السيئات. فائز بما أولاه مولاه (ونوله) يقول النبي ﷺ: (التائب من الذنب، كمن لا ذنب له).\nوتائب سلك طريق الاستقامة في أمهات الطاعات، وترك كبائر الفواحش والزلات وليس ينفك عن ذنوب تعتريه، وخطيئات ترديه. عن غير إرادة وقصد، ولا معاندة وعمد. وإذا أتى شيئًا من ذلك ندم على ما هنالك، فهو ممن لهم حسن الوعد على لسان سيد الأمم. بقوله تعالى: ﴿والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش﴾ إلا اللمم.\nجـ- وتائب يستمر على الاستقامة مدة، ثم يقارف بعض الذنوب فيتعدى حده ويقدم عليها عن قصد وشهوة وجرأة وقوة مع مواظبة على الطاعات وملازمة كثير من العبادات، وهذا من الذين أشار إليهم- سبحانه- بقوله الكريم: ﴿وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم﴾\nد- وتائب يستمر (على) التوبة أيامًا معدودة، ويباشر الطاعات أوقاتًا محدودة. ثم يعود إلى مقارفة الذنوب، وملازمة الأوزار والحوب ويصير عليها مصرًا، وفي الإهماك مستمرًا، فهو ناقض لما ركن إليه. وخاسر بإعراض الله بعد إقباله عليه.\nفنسأل الله أن يعاملنا بما هو أهل له، ويوفقنا للتوبة النصوح (كما يقتضيه فضله).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-85>فصل (٣): المتقاعسون عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:</span>\nوأما القسم الثالث: فهم المتخلفون عن الأمر والنهي بعد وجوبه، وتعيينه عليهم على","vol":"1","page":281},{"text":"اختلاف ضروبه (يعرف المجرمون بسيماهم) والآمرون بالمعروف قليل ما هم. وهم على طبقات بحسب الغرض، في ترك القيام بهذا المفترض.\nفإن الطبقة الأولى: هم- بالمقت والمذلة - أولى. قوم خالفوا الرحمن، وحالفوا الذل والخذلان، فوهبوا من المخلوقين، فتركوا القيام بذلك إيثارًا للدنيا على الدين فإن سنح لأحدهم أن يأمر وينهى، عارضه الخناس بما يلائمه ويهوى وزين له ترك ما عزم عليه من إنكار المنكر، من وجوه كثيرة لا تكاد أن تحصر.\nمن أعظمها أن يقول له: متى أمرت هذا أو نهيت أوصلك شره، وقطع عنك خيره وبره فيقبل إذ ذاك من إبليس، مائلًا إلى الخدع والتلبيس. ويترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بجهله، مع إصرار على معاصيه فيا سوء فعله.\nالطبقة الثانية: من يخاف على ماله، وذهاب جاهه، وزوال حاله فتراه شحيحًا بنذر يسير، سخيًا بذهاب دينه الخطير، لا ينكر منكرًا إذا رآه خوفًا على ذهاب دنياه، ولا يتكلم كلمة لله، رهبة من سقوط الجاه.\nولعمري إن ما يحذره سيأتيه، والذي يخاف منه يقع فيه.\nالطبقة الثالثة: من يروح في بر الجيران، ويغلظ في إحسان الأقران، فيسكت عما يراه من المنكرات، لما لهم عليه من الأيادي والواصلات. فهذا مهما استهوته الشياطين، فأكل قليل الدنيا بكثير الدين، يا من اشترى سلع الشك بنقد اليقين، يا مستور الحال غدًا تبين، إذا حشرجت النفس وجاء الأنين، وبرزت إشارات الشقاء من الكمين، كيف يختار الضلال من يعرف الطريق الأرشد، كيف يؤثر النزول من يقال له اصعد؟ !\nبعت أفضل الأشياء بقدر طفيف، وآثرت الفاني على الباقي وهذا الرأي سخيف.\nالطبقة الرابعة: من يرى محبة الناس له على السكوت أكثر، فيترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مصانعة لهم أن لا يمقتوه، وتقية من أن يبغضوه. وجزعًا من الإعراض عن طريقه. وهلعًا لنفور أكثرهم عن تصديقه، فما أسرع ما تتقلب محبتهم له إذا كان كالمنافق لالتماس رضا الخلق بسخط الخالق! ! !\nالطبقة الخامسة: كالتي قبلها في القرب، من حيث التماس الإكرام والمحمدة والحب فهم- في مدح الخلق على ترك الأمر والنهي- يرغبون، وللثناء عليهم- بذلك- يفرحون، يسر الواحد منهم بقول الناس: فلان عاقل خير من الأكياس، لا يعترض على احد ولا ينظر إليه، ولا يتبع عثرة عاص ولا ينكر عليه. ما بينه وبين أحد معاملة، ولا يرغب في اعتراض","vol":"1","page":282},{"text":"ولا مقاولة، فكلما سمع أشباه ذلك نفخ فيه الشيطان، واستهواه فأضله الله وما هداه.\nالطبقة السادسة: من يترك ذلك تكبرًا وعجبًا، ويقصر عن القيام به فيزداد- عن ربه- بعدًا، وحجبًأ يرى أن القيام - بذلك- يضيع من قدره، ويهضم من رتبته بين الناس وفخره. يخاف إذا قام به أن لا يقبل مقاله، فيحتقر- بذلك-عند الخلق حاله. أما علم هذا المسكين وعيد رب العالمين بقوله: ﴿.... أليس في جهنم مثوى للمتكبرين﴾؟\nالطبقة الثامنة: قوم من أهل الزهادة، والاجتهاد في حسن العبادة. لا يغفلون عن استصحاب الفكر ولا يفترون عن ملازمة الذكر زموا أنفسهم بالتنفلات وخطموا أبصارهم وبصائرهم عن الالتفات، لكن إذا عرض لأحدهم منكر، لم يشتغل بإزالته خوفًا أن يقطعه ذلك عن عبادته.\nفلعمري كيف يرجو هذا المسكين أن يسلم، وقد دخل عليه العدو من حيث لا يدري ولا يعلم! ! فارتكب محظورًا رضي أم لم يرض لاشتغاله بالتنفل عن القيام بالغرض.\nفهذه الطبقات كلها مذمومة، وبعضها شر من بعض.\nوقد. سبق في أواخر الباب الأول إشارة إلى من لم ير النهي عن المنكر من الدين، والمهم الذي ابتعث الله (له) المرسلين.\nوالله سبحانه - الموفق للسداد الهادي إلى سبيل الرشاد.\nاللهم اجعلنا من المتقين الأبرار، الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر بالعشي والأبكار، وأسكنا معهم دار القرار، فأنت الواحد الكريم الغفار، ولا تجعلنا من المخالفين الفجار وآتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-86>فصل (٤): غربة الآمرين الناهين ين أهل الفساد:</span>\nوأما كون السالكين طريق الحق الآمرين به بين أهل الفساد من الغرباء المكروهين. فقد روى مسلم في صحيحه، وابن ماجه من حديث أبي حازم واسمه سليمان الأشجعي، عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي ﷺ قال: (بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ فطوبى للغرباء).","vol":"1","page":283},{"text":"قوله: (بدا) بلا همز بمعنى ظهر. وإذا كان بمعنى البداءة كان مهموزًا.\nوروى مسلم - أيضًا - من حديث عبد الله بن عمر. ﵄ - عن النبي ﷺ قال: (إن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ) الحديث.\nورواه الإمام أحمد وابن ماجه أيضًا من حديث ابن مسعود بزيادة في آخره وهي قيل: يا رسول الله ومن الغرباء؟ قال: \"النزاع من القبائل\"\nورواه ابن ماجه - أيضًا - من حديث أنس مرفوعًا. قال: (إن الإسلام بدأ، وسيعود كما بدأ فطوبى للغرباء).\nورواه الترمذي- في جامعه - من حديث كثير بن عبد الله، عن عوف المزني، عن أبيه، عن جده - ﵁ - عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الدين بدأ غريبًا، ويرجع غريبًا فطوبى للغرباء، وهم الذين يصلحون ما أفسد الناس من بعدي من سنتي).\nورواه أبو القاسم الطبراني من حديث جابر - ﵁ - عن النبي ﷺ وفي حديثه. قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: (الذين يصلحون ما أفسد الناس).\nورواه الإمام أحمد من حديث سعد بن أبي وقاص - ﵁: عن النبي ﷺ (فطوبى - يومئذ - للغرباء إذا فسد \"الناس\".","vol":"1","page":284},{"text":"وروى الإمام أحمد - أيضًا - من حديث المطلب بن حنطب مرسلًا: طوبى للغرباء قال يا رسول الله من الغرباء؟ قال: (يزيدون إذا نقص الناس) وحنطب بفتح الحاء المهملة، وسكون النون، وفتح الطاء المهملة والله أعلم.\nوروى الطبراني - في الكبير- من حديث أبي الدرداء، وأبي أمامة، وواثلة بن الأسقع، وأنس. قالوا: خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن نتمارى في شيء من أمور الدين. فذكر الحديث إلى أن قال: (إن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا) قالوا: يا رسول الله، من الغرباء؟ قال: (الذين يصلحون إذا فسد الناس، ولم يتماروا في دين الله، ولا يكفروا أحدًا من دين التوحيد بذنب).\nوروى الإمام أحمد-أيضًا- والطبراني من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ - عن النبي ﷺ أنه قال: (طوبى للغرباء) قلنا: وما الغرباء؟ قال: (قوم صالحون قليل في ناس سوء كثير من يعصهم أكثر ممن يطيعهم).\nوفي رواية: (من يبغضهم أكثر ممن يحبهم).\nقوله ﷺ: (بدأ الإسلام غريبًا) (بدأ) معناه في آحاد من الناس وقلة، ثم انتشروا وظهر، ثم يلحقه النقص والاختلال حتى لا يبقى إلا في آحاد من الناس وقلة-أيضًا -كما بدأ.\nو(طوبى) يعني من الطيب، ومعناه: نوح وقرة عين. وقيل: نعم ما لهم. وقيل: غبطة لهم. وقيل: خير لهم وكرامة. وقيل: الجنة.\nوأما (الغرباء) فقد جاء تفسيرهم في هذه الأحاديث: (وهم النزع من القبائل) يعني الذين قلوا فلا يوجد في كل قبيلة منهم إلا الواحد والإثنان، وقد لا يوجد في القبائل والبلدان منهم أحد -كما كان في أول الإسلام. وفي الحديث المتقدم (الذين يصلحون إذا فسد الناس) يعني هم قوم صالحون عاملون بالسنة في زمن الفساد وفي حديث أخر: (الذين يصلحون ما أفسده الناس) يعني من السنة. وفي رواية: (المتمسكون بما أنتم عليه اليوم).\nوفي الحديث الأخر: (الذين يزيدون إذا نقص الناس) يعني يزيدون خيرًا وإيمانًا وتقى إذا نقص الناس.","vol":"1","page":285},{"text":"فهؤلاء الغرباء الممدوحون المغبوطون، ولقلتهم في الناس -جدًا- سموا غرباء، فإن أكثر الناس على غير هذه الصفات، فأهل الاسلام - في الناس - غرباء، وأهل الايمان- في المسلمين - غرباء والعلماء في المؤمنين غرباء، وأهل السنة - الذين تميزوا بها بين أهل الأهواء والبدع - غرباء، والداعون إليها، الصابرون على أذى المخالفين لهم غرباء، ولكن هم أهل الله حقًا، والداعون إليه صدقًا. وأنشدوا:\nيا من شكى شجوه من طول غربته ... اصبر لعلك تلقى من نحب غدا\nوفي جامع الترمذي من حديث أنس بن مالك - ﵁- قال: قال رسول الله ﷺ: (يأتي على الناس زمان الصابر فيه على دينه كالقابض على الجمر).\nولبعضهم:\nهذا زمان كنا نحاذره ... في قول كعب وفي قول ابن مسعود\nإن دام هذا ولم يحدث له غبر ... لم يبك ميت ولم يفرح بمولود\nوهؤلاء الغرباء قسمان: أحدهما من يصلح بنفسه عند فساد الناس. والثاني: من يصلح ما أفسد الناس من السنة وهو على القسمين.\nقال عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي - ﵀-: أما أنه ما يذهب الإسلام، ولكن يذهب أهل السنة، حتى لا يبقى في البلد منهم إلا رجل واحد أو رجلان. وهذا كما قال عبد الله بن المبارك- قدس الله روحه- منشدًا:\nذهب الرجال المقتدى بفعالهم ... والمنكرون لكل أمر منكر\nوبقيت في خلف يزكي بعضهم ... بعضًا ليدفع مغور عن مغور\nقال عبد الواحد بن زيد البغدادي: مررت براهب في صومعة له. فقلت: يا راهب كيف تكون الغربة؟ قال: يا فتى ليس الغريب من مشى من بلد إلى بلد، ولكن الغريب صالح بين فساق.\nوقال الفضيل بن عياض: من كان بطاعته من الله قريبًا، كان في الأرض من الخلق غريبًا. وقال يونس بن عبيد - ﵀-: ليس شيء أعزب من السنة، وأغرب منها من يعرفها، ويحك أتسكن إلى العافية، وتساكن العيشة الصافية، ولا بد من فراق العيش الرطيب","vol":"1","page":286},{"text":"فاحضر قلبك، إنما أنت - في الدنيا - غريب.\nكان الحسن البصري يقول: يا أهل السنة توقفوا رحمكم الله، فإنكم من أقل الناس.\nوالمراد بالسنة: طريقة النبي ﷺ وطريقة أصحابه وهي عبارة عما يسلم من الشبهات في الاعتقادات، ومسائل الإيمان، ومسائل القدر وغير ذلك. وكذلك القائمون بوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهؤلاء هم أقل الناس في أخر الزمان، ولذلك وصفوا بالغربة، لقلتهم كما سبق في بعض الروايات: قوم ممالحون قليل في قوم سوء كثير من يعصهم أكثر ممن يطيعهم.\nقال أبو الفرج ابن الجوزي عبد الرحمن - ﵀-: ففي هذا إشارة إلى قلتهم، وقلة المستجيبين لهم. والقابلين منهم وكثرة المخالفين والعامين لأمرهم. انتهى.\nفالغربة - عند أهل الطريق - غربتان: ظاهرة، وباطنة، فالظاهرة نوعان:\nالأول: غربة الحال، وليس لنا- بذكرها في هذا الموطن - كثير فائدة.\nوالثاني: هي التي نحن بصددها- غربة الحال، والحال ها هو الوصف القائم به المؤمن من الدين، والمسك بالسنة وهي غربة أهل الملاح بين الفساق. وغربة الصادقين بين أهل الرياء والنفاق. وغربة العلماء بين أهل الجهل وسوء الأخلاق. وغربة علماء الآخرة بين علماء الدنيا الذين سلبوا الخشية والإشفاق. وغربة الزاهدين بين الراغبين في كل ما يفد وليس بباق.\nوأما الغربة الباطنة: فغربة الهمة وهي غربة العارف بين الخلق كلهم حتى العلماء والعباد والزهاد، فإن أولئك واقفون مع علمهم وعبادتهم وزهدهم، وهؤلاء واقفون مع معبودهم لا يعرجون بقلوبهم عنه.\nقال يحيى بن معاذ: الزاهد غريب الدنيا، والعارف غريب الأخرة، يعني أن الزاهد غريب بين أهل الدنيا، والعارف غريب بين أهل الأخرة، لا يعرفه العباد ولا الزهاد وإنما يعرفها من هو مثله، وهمته كهمته.\nفالغربة - حينئذ- ثلاثة أنواع: الأولى: غربة الأبدان، والثانية: غربة الأفعال، والثالثة: (غربة الهمم) .. والله أعلم.\nوهذا الفضل العظيم الموعود به لأهل الغربة، وإنما هو لرغبتهم بين الناس، والتمسك بالسنة بين ظلم أهوائهم فإذا أراد المؤمن الذي رزقه الله بصيرة في دينه، وفقهًا في سنة رسول","vol":"1","page":287},{"text":"الله ﷺ وفهمًا في كتابه وأراه ما الناس فيه من الأهواء والباع والضلالات، وتنكبهم عن الصراط المستقيم الذي كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه. فإذا أراد أن يسلك هذا الصراط فليوطن نغمه على قدح الجهال وأهل البدع وطعنهم فيه، وازدرائهم به، وتغير الناس وتحذيرهم منه، كما كان الكفار يفعلون مع متبوعهم وإمامهم، فإن دعاهم إلى ذلك قدح ما هم عليه من المنكر، فهناك تقوم قيامتهم، وينصبون لهم الحبائل ويجلبون عليهم بخيلهم ورجلهم، فهو غريب في دينه، لفساد أديانهم، غريب في تمسكه بالسنة، لتمسكهم بالبدع، غريب في اعتقاده، لفاد عقائدهم، غريب في طريقه، لفساد طريقهم، غريب في معاشرته لهم، لأنه لا يعاشرهم على ما تهوى انفسهم.\nوبالجملة، فهو غريب في أمور دنياه وآخرته لا يجد مساعدًا معينًا، فهو عالم بين قوم جهال، صاحب سنة بين أهل البدع، دع إلى الله ورسوله بين دعاة إلى الأهواء والبدع آمر بالمعروف ناه عن المنكر بين قوم المعروف لديهم المنكر والمنكر المعروف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-87>فصل (٥): ابتلاء الله الفقهاء ببعض العصاة لهم:</span>\nروى أبو القاسم الطبراني وغيره من حديث أبي أمامة﵁- عن النبي ﷺ أنه قال: (لكل شيء (إقبال وإدبار) وإن من إقبال الدين ما كنتم عليه العمى والجهالة وما بعثني الله به. وإن من إقبال الدين أن تفقه القبيلة بأسرها حتى لا يوجد فيها إلا الفاسق والفاسقان فهما مقهوران ذليلان، إن تكلما قمعا وقهرا واضطهدا. ألا وإن من إدبار الدين أن يجفو القبيلة بأسرها حتى لا يرى فيها إلا الفقيه أو الفقيهان وهما مقهوران ذليلان لا يجدان على ذلك أعوانًا ولا أنصارًا). فوصف ﷺ في هذا الحديث المؤمن العالم بالسنة الفقيه في الدين بأنه يكون في آخر الزمان عند فساده مقهورًا ذليلًا لا يجد آعوانًا ولا أنصارًا.\nوروى الطبراني- أيضًا- من حديث عبد الله بن مسعود - ﵁- عن النبي ﷺ في حديث طويل في ذكر أشراط الساعة قال: (وإن من أشراطها أن يكون المؤمن في القبيلة أذل من النقد).","vol":"1","page":288},{"text":"قال العلماء: النقد الغنم الصغار.\nوروى الإمام أحمد - بسنده - عن عبادة بن الصامت - ﵁ - أنه قال لرجل من أصحابه: \"يوشك إن طالت بك حياة أن ترى الرجل قد قرأ القرآن على لسان محمد ﷺ فأعاذه في حل حلاله وحرم حرامه ونزل عند منازله لا يحوز فيكم إلا كما يحوز رأس الحمار الميت\".\nوروى الإمام احمد -أيضًا- في كتاب الزهد- بسنده، عن عثمان بن يحيى الحضرمي. قال شكا الحواريون إلى عيسى﵇. قال: من ولع الناس بهم وبغضهم إياهم. فقال المسيح: كذلك المؤمنون مبغوضون في الناس. وإنما مثلهم مثل حبة القمح ما أحلى مذاقها وأكثر أعدائها.\nوروى أبو بكر بن أبي الدنيا- بسنده عن محمد بن كعب القرظي، عن ابن عباس - ﵄- أنه قال: المؤمن ملجم بلجام فلا يبلغ حقيقة الإيمان حتى يجد طعم الذل.\nوبسنده عن كعب الأحبار أنه قال: لتحببن إليكم الدنيا حتى تتعبدون لها ولا أهلها، وليأتينكم زمان تكره فيه الموعظة حتى يختفي المؤمن بإيمانه كما يختفي الفاجر بفجوره، وحتى يعير المؤمن بإيمانه كما يعير الفاجر بفجوره.\nوقال عبد الله بن مسعود - ﵁-: سيأتي على الناس زمان المؤمن فيه أذل من الأمة، وروى أحمد في الزهد بسنده، عن لقمان بن عامر. قال: سمعت أبا أمامة﵁ - يقول: المؤمن في الدنيا بين كافر يقاتله، ومنافق يبغضه ومؤمن يحسده، وشيطان وكل به.\nوروى نحوه أبو بكر بن لال- في مكارم الأخلاق- من حديث أنس مرفوعًا: المؤمن بين خمس شدائد: مؤمن يحسده، ومنافق يبغضه، وكافر يقاتله، وشيطان يضله، ونفس تنازعه.","vol":"1","page":289},{"text":"وروى أبو نعيم - في الحلية - بسند، عن خيثمة بن عبد الرحمن وكان قوم يؤذونه تحال: إن هؤلاء يؤذونني فلا والله ما طلبني. أحد منهم بحاجة إلا قضيتها، ولا أدخلت على أحد منهم أذى، ولأنا أبغض فيهم من الكلب الأسودـ، ولم يرون ذلك إلا أنه والله لا يحب منافق مؤمنًا أبدًا.\nوأنشدني فارس العربية ومالك أذمة العلوم الأدبية برهان الدين أبو إسحاق إبراهيم الباعوني لنفسه:\nاشكو إلى الباري أنا ساقد غدت ... ملأي بأنواع المخازي بيوتهم\nتغلي على قلوبهم حقدًا كما ... تغلي على الجمر الكثيف قدورهم\nهم يعلنون لذي اللقاء مودتي ... والله يعلم ما تكن صدورهم\nولبعضهم:\nإني بليت بقوم لا خلاق لهم ... إن رمت إيضاح علم عندهم جهلوا\nإن كنت منبسطًا سميت مسخرة ... أو كنت منقبضًا قالوا: به ثقل\nوإن تقربت قالوا: جاء يسألنا ... وإن تزينت قالوا قد زها الرجل\nمن لم بخلق وخلق يرتضون به ... لا بارك الله فيهم إنهم سفلوا\nهم الكشوت فلا أصل ولا ورق ... ولا نسيم ولا ظل ولا أثلُ\nوالكشوت: نبت معروف بهذه الصفة\nوكان أبو الدرداء﵁- يقول: لا يحرز المؤمن من شرار الناس إلا قبره.\nوأنشدوا:\nوما احد من السن الناس سالم ... ولو انه ذاك النبي المطهر\nفإن كان مقدامًا يقولون أهوج ... وإن كان مبذالًا يقولون: مبذر\nوإن كان سكيتًا يقولون: أبكم ... وإن كان منطقيًا يقولون: مهذر\nوإن كان صوامًا وباليل قائمًا ... يقولون ساع يرائي ويمكر\nفلا تحتفل في الناس بالذم والثنا ... ولا تخشى غير الله والله اكبر","vol":"1","page":290},{"text":"وقال عبد الله بن المبارك: ليست للمؤمن في الدنيا دولة، لأنها سجنه وبلاؤه، وإنما هو الصبر، وكظم الغيظ، وإنما دولته في الآخرة. وقيل، أوحى الله - تعالى إلى عزير: إن لم تطب نفسًا بأن أجعلك علكًا في أفواه الماضغين، لم أكتبك عندي من المتواضعين.\nوقال الحسن البصري - رحمة الله عليه- إلى جانب كل مؤمن منافق يؤذيه.\nكما قيل:\nولن تبصري شخصًا يسمى محمدًا ... من الناس إلا مبتلى بأبي جهل\nومما قرع الأسماع، واشتهر وذاع، ما روى القاضي أبو عبد الله محمد ين سلامة القضاعي- في مسند الشهاب- بسنده- عن علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه- عن النبي ﷺ أنه قال: (لو كان المؤمن في حجر، لقيقبض الله له فيه من يؤذيه).\nوروى- أيضًا - نحوه من حديث أنس مرفوعًا بلفظ: \"لو أن المؤمن في حجر فأرة لقيض الله له فيه من يؤذيه\".\nوقال علي﵁ -: ما كان ولا يكون إلى يوم القيامة مؤمن إلا وله جار يؤذيه.\nوالحكمة في ذلك ما ذكر بعض المحققين: أن المؤمن ولي الله ومحبوبه، لقوله تعالى: ﴿الله ولي الذين آمنوا﴾.\nولقوله: ﴿... والله ولي المؤمنين﴾.\nولقلوله: ﴿... يحبهم ويحبونه﴾.\nفإذا أحب الله - سبحانه - عبده المؤمن، وأراد أن يختصه بالولاية عرفه للبلاء والابتلاء - كما سيأتي في فضل الصبر - من الباب الرابع إن شاء الله تعالى. قوله ﷺ بعد ان سأله سعد بن أبي وقاص: أي الناس أشد بلاء قال: (الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل ...) الحديث.","vol":"1","page":291},{"text":"وقوله ﷺ بعد أن قال له أبو سعيد الخدري: ما أشد حماك يا رسول الله؟ قال: (إنا كذلك يشدد علينا البلاء، ويضاعف لنا الأجر). ثم قال: يا رسول الله من أشد الناس بلاء؟ قال: (الأنبياء). قال ثم من؟ قال: (العلماء). قال: ثم من؟ قال: (الصالحون).وقوله ﷺ: (أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الصالحون).\nفكما لا يخلو الأنبياء من الابتلاء بالجاحدين، فكذلك لا يخلو الأولياء والعلماء والآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر عن الابتلاء بالجاهلين، لأن منزلة الآمرين بالمعروف تلي منزلة الأنبياء. كما سبق في - الباب الأول - عند قوله: ﴿إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم﴾.\n\nفذكر الله - سبحانه - الذين يأمرون بالقسط بعد الأنبياء في الترتيب فقل ما انفك الأولياء وأهل الدين، من الأمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، عن ضروب الإيذاء، وأنوع البلاء بالإخراج من البلاد، والسعاية بهم إلى السلاطين والحكام، والشهادة عليهم بالكفر والخروج عن الدين، أو نسبتهم إلى ما يفسق من البدع والمعاصي وغير ذلك وفي كل ذلك خير لهم في الدنيا والأخرة.\nوقد روى ابن أبي الدنيا - بسنده - عن أنس مرفوعًا: \"إن الله - تعالى - إذا أراد بعبد خيرًا، أو أراد أن يصافيه، صب عليه البلاء صبًا\" الحديث.\nورواه الأصفهاني - في الترغيب والترهيب - بأتم من هذا إلى غير ذلك من الأحاديث.\nومن جملة ما يرسله الله - ﷾ - إلى عبده من البلاء، أن يقيض له ويسلط عليه من بعض خلقه من يقصده بالأذى، وكان لنبينا محمد ﷺ أوفى نصيب من ذلك كما روي من حديث جابر مرفوعًا: (ما أوذي أحد في الله ما أوذيت) ثم ألحق بحاله خواص","vol":"1","page":292},{"text":"المؤمنين، فإن أحدهم لو اختفى في جحر ضب أو فأرة مثلًا لقيض الله له من يؤذيه كما تقدم قريبًا؛ فيفعل الله سبحانه بعبده المؤمن رفعًا لدرجاته التي لا يبلغها إلا بفوادح البلاء.\nوأما في الدنيا فيذع عليه بلاؤها ومحنها حماية له من الافتتان بها، وتزهيدًا له فيها بالبلاء؛ كيلا يطمئن إليها، ويألف محبتها فيقطعه ذلك عن منازل الآخرة فيبتليه سبحانه تعويضًا له، وترسيخًا لمقام الولاء، ليضعف صورة نفسه ويذيب صفات بشريته، ويقطع بالفقر والذل عنه مواد الهدى وزينة الدنيا، فيترك فاقته وفقره بمولاه في كل بأساء وضراء، فيألف الإقبال عليه، ويستوطن المثول بهمته بين يديه بالصبر، ئم الرضا إلى أن يرفعه بذلك إلى درجات الأحباب والأولياء.\nوهذا معنى قوله: (إذا أحب الله عبدًا صب عليه (البلاء) صبًا).\nأي إذا أراد رفعه إلى مقام محبوبيته، سلك به طريق محنه وبلائه لأن البلاء سبك الصفات فإنه يسبك نفس عبده بنار الامتحان والابتلاء، ليصفيه من كدورات أخلاق بشريته ليصلح لولايته.\nوأنشدوا:\nإن كنت تزعم حبنا وهوانا .... فلتلقين مذلة وهوانا\nواسمح بنفسك إن أردت وصالنا ... واغضب عليها إن أردت رضانا\nولبعضهم:\nتطرق أهل الفضل بين الورى ... مصائب الدنيا وأفاتها\nكالطير لا تحب من جنها .... إلا التي تطرب أصواتها\nولغيره الصغر يرتفع في الرياض وإنما ... حبس الهزاز لأنه ترنم\nوروى ابن أبي الدنيا - بسنده - عن يحيى بن سعد القطان، قال: بلغني أن أبي الدرداء﵁- كان يقول: ما من يوم أصبح فيه لا يرميني الناس بداهية إلا عددتها لله علي نعمة.\nوأنشد حسان بن ثابت﵁-:\nوإن امرؤ يمسي ويصبح سالمًا ... من الناس إلا ما مفلح ومجيد","vol":"1","page":293},{"text":"وإن امرؤ ويصبح سالمًا ... من الناس إلا ما جنى لسعيد\nولبعضهم:\nإنا لفي زمن ترك القبيح به ... من أكثر الناس إحسانًا وإجمال\nقيل للحسن البصري: يا أبا سعيد، إن قومًا يحضرون مجلسك ويحفظون عليك سقطات كلامك، ليعيبونك بذلك؟ فقال: يا ابن أخي، لا يكن في ذلك عليك شيء، فإني طمعت نفسي في دخول الجنة ومجاورة الرحمن - سبحانه- ومرافقة الأنبياء﵈ - ولم أطمعها في السلامة من الناس، لأني قد علمت أن خالقهم ورازقهم ومحييهم ومميتهم لم يسلم منهم. رواه أبو نعيم.\nوروى أن موسى﵇- قال: يا رب احبس عني ألسنة الناس. فقال هذا شيء لم أصطفه لنفسي فكيف أفعله بك؟\nوقال ابن عبد البر: قال منصور (شعرًا):\nلي حلة فيمن ينم بي ... وليس في الكذاب حيلة\n(من) يخلق ما يقول ... فحيلتي فيه قليلة\nوقال عيسى﵇ -: (لا يحزنك) قول الناس فيك، فإن كان كذبًا كان حسنة لم تعلمها، وإذ كان صدقًا كانت سيئة عجلت عقوبتها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-88>فصل (٦): ذل المؤمن لغربته بين الفساق:</span>\nوإنما عظم ذل المؤمن في آخر الزمان لكثرة الفسق وغربته بين أهله فكلهم يكرهه ويؤذيه، لمخالفة طريقه لطريقهم ومباينته لهم فيما هم عليه لا سيما إن أمرهم بمعروف أو نهاهم عن منكر. كما قال حذيفة بن اليمان - ﵁-: (يآتي على الناس زمان تكون فيه جيفة حمار أحب إليهم من مؤمن يأمرهم وينهاهم. وقال كعب الأحبار، لأبي مسلم الخولاني: كيف منزلتك من قومك؟ قال حسنة. قال: إن التوراة لتقول غير ذلك. قال: ما تقول؟ قال: إن الرجل إذا أمر بالمعروف ونهى عن المنكر ساءت منزلته (عند)","vol":"1","page":294},{"text":"قومه. فقال أبو مسلم: صدقت التوراة، وكذب أبو مسلم.\nوأنشدوا:\nنصحت فلم أفلح وخانوا فأفلحوا ... فأسكنني نصحي بدار هوان\nفإذ عشت لم أنصح وإن مت فالعنوا ... ذوي النصح من بعدي بكل لسان\nوذكر أبو الفرج بن الجوزي، عن أبي عثمان عبد الرحمن النهدي قال: قال عمر بن الخطاب - ﵁- يأتي على الناس زمان يكون صالح القوم من لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر، إن غضبوا غضبوا لأنفسهم، وإن رضوا رضوا لأنفسهم لا يغضبون لله ولا يرضون لله - ﷿.\nوروى أبو محمد الخلال- في كتابه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- قال: أخبرني عمر بن صالح. قال: قال لي أبو عبد الله يعني الإمام أحمد: يا أبا حفص، يأتي على الناس زمان المؤمن بينهم مثل الجيفة، ويكون المنافق يشار إليه بالأصابع. فقلت: وكيف يشار إليه بالأصابع؟ قال: يصيروا أمر الله فضولًا. وقال: المؤمن إذا رأى أمرًا بمعروف أو نهيا عن منكر لم يصبر حتى يأمر وينهى. يعني قالوا: هذا فضول. قال: والمنافق كل شيء يراه قال بيده على فمه، فقالوا: نعم الرجل ليى بينه وبين الفضول عمل. ونحن قد شاهدنا في زماننا وتحققناه من أقراننا. كما قال أبو الفرج بن الجوزي - ﵀ -: واعلم انه قد اضمحل في هذا الزمان الأمر بالمعروف حتى صار المعروف منكرًا والمنكر معروفًا وهذا زمن قوله - ﵇ -: (بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ).\nومن نظم أبي زكريا يحى الصرصري - رحمه الله تعالى -:\nنح وابك في المعروف تعقد رسمه .... والمنكر استعلى وأثر رسمه\nلم يبق إلا بدعة فتانة ... بهوى مضل مستطير سمه\nهذا لعمرك إنه الزمن الذي ... تبدو جهالته ويرفع علمه\nلم يبق إلا حاكم هو مرتشي ... أو عامل تخشى الرعية ظلمه\nوالصالحون على الذهاب تتابعوا ... فكأنهم عقد تناثر نظمه","vol":"1","page":295},{"text":"وقال غيره:\nالنصح من رخصه في الناس مجان .... والغش غال له في الناس أثمان\nوالعدل نور وأهل الجور قد كثروا ... وللظلوم على المظلوم أعوان\nتفاسد الناس والبغضاء ظاهرة ... فالناس في غير ذات الله أخوان\nوالعلم فاش وقل العاملون به ... والعاملون لغير الله أقران\nوذكر أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي - في تذكرته بأحوال الآخرة - عن ابن عباس - ﵄ - قال: لا يأتي على الناس عام إلا أماتوا فيه سنة وأحيوا فيه بدعة حتى تموت السنن وتحيا البدع. ولن يعمل بالسنن وينكر البدع إلا من هون الله عليه سخط الناس ومخالفتهم فيما أرادوا ونهيهم عما اعتادوا، ومن يسر لذلك أحسن الله تعويضه، فإن رسول الله ﷺ (قال): (إنك لن تدع لله شيئًا إلا عوضك خيرًا منه).\nوبالجملة فلا يميل أكثر الناس إلا إلى الأسهل والأوفق لطباعهم، فإن الحق مر والوقوف عليه صعب، وإدراكه شديد، وطريقه مستوعر.\nوروى الإمام أحمد بسنده عن الحسن البصري -رحمة الله عليه - أنه قال: هذا الحق قد جهد الناس، وحال بينهم وبين شهواتهم، والله ما صبر عليه إلا من عرف فضله ورجا عاقبته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-89>فصل (٧): معاداة العصاة للآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر:</span>\nقال الله تعالى: ﴿وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين﴾\nوقال -تعالى: ﴿وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون﴾\nوقد قال ورقة بن نوفل للنبي ﷺ: إنه لم يأت أحد بما جئت به إلا عودي.\nوروى الترمذي وأبو يعلى عن علي: رحم الله أبا بكر زوجني ابنته وحملني إلى دار","vol":"1","page":296},{"text":"الهجرة وصحبني في الغار وأعتق بلالاّ من ماله. ورحم الله عمر يقول الحق ولو كان مرًا. ما ترك له الحق من صديق ورحم الله عثمان تستحيي منه الملائكة. ورحم الله علياّ اللهم أدر الحق معه حيث دار. وروي عن أبي ذر موقوفًا﵁- أنه قال: \"ما زال بي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى ما ترك لي الحق صديقًا\".\nولما استخلف أبو بكر عمر﵁- قال لمعيقيب الدوسي: ما يقول الناس في استخلاف عمر؟ قال: كرهه قوم ورضيه قوم آخرون. قال فالذين كرهوه أكثر أم الذين رضوه؟ قال: الذين كرهوه أكثرهم.\nقال: إن الحق يبدو كريهًا، وله تكون العاقبة.\nكما روى أبو بكر بن أبي الدنيا- بإسناده- عن ابن سلامة البكري، عن رجل من مراد قال: دخلنا على أويس القرني. فقال يا أخا مراد إن قيام المؤمن بحق الله لم يبق له صديقًا، والله إنا لنأمر بالمعروف وننهى عن المنكر فيتخذونا أعداء، ويجدون على ذلك من الفساق أعوانا، حتى لقد رموني بالعظائم، ووالله لا يمنعن ذلك أن أقوم لله بحق.\nوبسنده، عن مسعد بن كدام- رحمة الله- قال: ما نصحت أحدًا إلا طلب عيوني، فالشيطان وأعوانه يودون أن لا يأمر أحد بمعروف ولا ينهى عن منكر، وإذا أمرهم أحد أو نهاهم، عابوه بما فيه وبما ليس فيه. كما قيل: إن سمعوا الخير أخفوه، وإن سمعوا شرًا أذاعوا وإن لم يسمعوا (كذبوا).\nولبعضهم:\nإن يسمعوا فيه طاروا به فرحًا ... مني وما سمعوا من صالح دفنوا\nصم إذا سمعوا خيرًا ذكرت به ... وإن ذكرت بشر عندهم أذنوا\nجهلًا علينا وجبنًا عن عدوهم ... لبئست الخلتان الجهل والجبن\nإن يسمعوا الخير يخفوه وإن سمعوا ... شرًا أذاعوا وإن لم يسمعوا أذنوا\nلكنهم معذورون حيث قيل:\nيعيب أمري أقوام وأعذرهم ... لأني أمرو وردى وهم جعل\nوالنهي إن كان سهلًا فهو ذو ثقل ... على عدوى، فهو السهل والجبل","vol":"1","page":297},{"text":"الناهي عن المنكر يحمي عن طعام المعاصي. ولكن الطبيب مبغوض. قال الله تعالى: ﴿ولكن لّا تٌحبٌون النّصحين﴾.\nفمن قصد الناس بالإنكار عليهم، ونظر بعين النصيحة إليهم سارعوا إلى إهلاكه ومبادرته، وسبقوه قبل إن تسبق إليهم سيوف نقمته.\nوروى البيهقي- في الشعب- بسنده، عن العلاء بن جرير، عن أبيه، عن الأحنف بن قيس. قال: من أسرع إلى الناس بما يكرهون. قالوا فيه مالا يعلمون\".\nكما قيل:\nأرنوا إلى الأقوام أبغي ذكرهم ... أبدًا ويجهل بعضهم مقداري\nوروى ابن أبي الدنيا- بإسناده- عن أبي مخلد، عن عطاء بن مسلم. قال: قال لي سفيان الثوري- قدس الله روحه-: يا عطاء احذر الناس وأنا فاحذرني فلو خالفت رجًا في رمانة فقال: حامضة وقلت حلوة. أو قال: حلوه. وقلت: حامضة لخشيت أن يشيط بدمي.\nوقال مرة: يشي بي إلى السلطان.\nقوله: (يشيط بدمي) يقال: أشاط فلان، أي ذهب دمه هدرًا. ويقال: أشاطه وأشاط دمه أي عرضه للقتل. والله أعلم.\nوقال سفيان- أيضًا- صاف من شئت ثم اغضبه بالمراء، فليرمينك بداهية تمنعك من العيش.\nولقد كان سبب قتل عمر بن الخطاب﵁- أنه أمر ملجمًا بمعروف فقتله كما سيأتي- في الباب العاشر- إن شاء الله تعالى.\nفقد جرت عادة الله التي لا تبدل، وسنته التي لا تحول في خلقه لا سيما في زماننا هذا أن من عظمت منزلته وتزايدت رتبته، وتردد الناس في حوائجهم إليه، وعولوا في كل قلب مسود منكوس.\nكما قيل:\nلو لم يكن لي في القلوب مهابة ... ما أكثر الأعداء فيّ وأقدحوا\nكالليث لما هيب حط له الزناد ... وعوت لخشيته الكلاب النبح","vol":"1","page":298},{"text":"يغرون بي حور العيون لأنني ... علمت في طلب العلاء وأصبحوا\nنظروا بعين عداوة لو أنها ... عين الرضا لا ستحسنوا ما استقبحوا\nولبعضهم:\nوإذا الفتى نال الفضائل كلها ... لم يخل من سفه اللئيم الشاتم\nوالغصن تهجره الورى حتى إذا ... أبدى الثمار فكم له من راجم\nقد أجرى- سبحانه عادته في خلقه- أيضًا- أن الأشرار يكرهون الأخيار، وينفرون لرؤيتهم، لما بينهم من المباينة الظاهرة والباطنة.\nكما قال ابن الملحي في كان وكان:\nروائح الورد تحيي الأنفس ... كذلك الأشرار تكره روائح الأخيار\nلكن أنشد بعضهم:\nإذا أتتك مذمتي من ناقص ... فهي الشهادة لي بأني كامل\nولغيره:\nزادني حبّا لنفسي أنني ... بغض إلى كل امرى غير طائل\nوأني شقي باللئام ولن ترى ... شقيًا أبهم إلا الكريم الشمائل\nوقيل لحكيم: من الذي يسلم من الناس؟ قال: من لا يظهر منه خير ولا شر. قيل له: كيف؟ قال: إن ظهر منه (خير) عاداه شرارهم وإن ظهر منه شر عاداه خيارهم.\nوأنشدوا:\nوما أنا إلا المسك ضاع فعندكم ... يضيع وعند الأكرمين يضوع\nكما قيل:\nمثل النهار يزيد أبصار الورى ... نورًا ويعمي أعين الخفاش\nوروى أبو نعيم- في الحليه- والبيهقي- بسنديهما- عن مطرق بن عبد الله قال: قال لي مالك بن أنس﵀-: ما يقول الناس في؟ قلت: أما الصديق فيثني وأما العدو فيقع. قال: ما زال الناس كذلك لهم صديق وعدو ولكن نعوذ ولكن بالله من تتابع الألسنة كلها.","vol":"1","page":299},{"text":"وقال سفيان الثوري: إذا رأيت القارئ محببًا إلى جيرانه فاعلم أنه مداهن.\nوفي رواية: إذا كان الرجل محببًا في جيرانه محمودًا عند إخوانه، فاعلم أنه مداهن.\nفإن أضيف إلى ذلك أمر ونهي وإنكار زاد البغض والقذف والإضرار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-90>فصل (٨): حسد الفساق للعلماء وتمنيهم إضلالهم:</span>\nوفي الغالب ما يحمل أهل الفساد إخوان الشيطان على معاداة الصلحاء لا سيما الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر وسلب أعراضهم بالافتراء والبهتان إلا الحسد المذموم الذي حقيقته التأذي بما يتجدد من نعم الله عليه من خيري الدنيا والآخرة للأخ المسلم سواء أراد انتقالها إليه أم لا، لأن أعظم النعم الإقبال على الله باجتناب نهيه وامتثال أمره وملازمة طاعته ومداومة ذكره لكن لكل نعمة حاسد، وعلى كل فضل معاند. لما ظهرت فضائل\"أدم\"- ﵇- بسجود الملائكة وبتعليمه أسماء كل شيء وإخباره الملائكة بها، وهم يستمعون له كاستماع المتعلم من معلمه حتى أقروا بالعجز عن علمه وأقروا له بالفضل وأسكن هو وزوجته الجنة ظهر الحسد من\"إبليس\" وسعى في الأذى وما زالت الفضائل يحسد عليها. وأنشدوا:\nلا مات حاسدوك بل خلدوا ... حتى يروا منك الذي يكمدوا\nلا برحت الدهر في نعمه ... فإنما الجاهل من يحسد\nفما زال اللعين يحتال على\"آدم\" حتى تسبب في إخراجه من الجنة وما درى أن\"آدم\" ﵇- إذا أخرج منها كملت فضائله ثم يعود إلى الجنة على أكمل من حالته الأولى.\nكما قيل:\nوإذا أراد الله شر فضيلة ... طويت أتاح لها لسان حسود\nلولا اشتعال النار فيما جاورت ... ما كان يعرف طيب عرق العود\nقال تعالى- في سورة البقرة: ﴿ودّ كثيرٌ من أهل الكتب لو يردونكم من بعد إيمنكم كفارًا حسدًا من عند أنفسهم﴾.","vol":"1","page":300},{"text":"وقال تعالى في النساء ﴿أم يحسدون النّاس على ما ءاتهم الله من فضله ...﴾ يعني أن اليهود حسدوا نبينا محمدًا - ﷺ - على ما آتاه الله من النبوة، وما أجرى على يديه من الخيرات.\nوقال تعالى في النساء أيضًا: ﴿ودٌوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء ..﴾.\nأي يودون لكم الكفر كما فعلوا فتكونون أنتم وهم سواء في الكفر.\nوقال تعالى: ﴿ودٌوأ لو تدهن فيدهنون﴾\nحكى المفسرون فيه أقوالًا:\nأحدهم: لو ترخص فيرخصون- قال ابن عباس.\nوالثاني: لو تصانعهم في دينك فيصانعون في دينهم- قاله الحسن.\nوالثالث: لو تكفر فيكفرون- قاله عطية، والضحاك، ومقاتل.\nوالرابع: لو تلين لهم فيلينون لك- قاله ابن السائب.\nوالخامس: لو تنافق وترائي فينافقون ويراؤون. قاله زيد بن مسلم.\nوالسادس: لو تداهن في دينك فيداهنون في أديانهم.\nوكانوا قد أرادوه لو يعبد آلهتهم مدة ويعبدوا (إلهه) مدة- قاله ابن قتيبة.\nوكذالك قال أبو عبيدة من المداهنة. وقيل غير ذلك. والله أعلم.\nوأمر ﷾ نبيه ﷺ أن يتعوذ من الحسد، تنبيهآ على عظه وكثرة ضرره.\nوفي حديث الإفك المشهور من رواية البخاري، ومسلم، وأحمد، والترمذي، والنسائي وابن ماجه، من حديث محمد بن شهاب الزهري، عن عروة وغيره أن عائشة ﵂ قالت: يا أمتاه ما يتحدث الناس؟ فقالت يا بنية هوني على نفسك الشأن فو الله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا حسدنها، وأكثرن عليها وفي رواية أي بنية خفضي عليك الشأن فإنه والله لقلما كانت امرأة حسناء عند رجل يحبها لها ضرائر إلا","vol":"1","page":301},{"text":"حسدنها وقيل فيها، فانظر كيف أكدت ذلك باليمين.\nوروى الطبراني- في الأوسط- من حديث ابن عباس مرفوعًا: \"إن لأهل النعم حسادًا فاحذروهم\".\nوأنشدوا:\nيسوؤهم ما يسر الناس من سدد ... ويفرحون لما يبدون من الخلل\nويرقبون إذا أعيت مكائدهم ... تقلب الدهر للإيذاء والدول\nكما يكتمون سجاياهم ويفضحهم ... ويظهرون لنا ودًا على دخل\nوروى البيهقى- في الشعب- بسنده، عن الحارث بن أبي أسامة، وأبي يزيد محمد دوح البزار أن عبيد الله بن محمد حفص العيشي أنشدهم في ابنه:\nحسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه ... فالناس أضداد له وخصوم\nوكضرائر الحسنا قلن لوجهها ... حسدًا وبغيًا إنه لذميم\nوروى الإمام أحمد، والبيهقي- بسنديهما- عن معمر، عن قتادة. قال: \"ما كثرت النعم على قوم قط إلا كثر أعداؤها\".\nوروى ابن أبي الدنيا، والطبري، والقضاعي- في مسند الشهاب- من حديث\"معاذ\" مرفوعًا: \"استعينوا على قضاء حوائجكم بكتمانها، فإن كل ذي نعمة محسود\".\nورواه أبو الشيخ ابن حبان- في كتاب الأمثال. ولفظه: \"استعينوا على طلب حوائجكم بكتمانها، فإن لكل نعمة حسدة\" ولو أن كل امرئ كان أقوام من قدح لكان له من الناس غامر.\nوقال بعض الحكماء: الحسد أصل الشر ولا يوجد إلا لمن عظمت نعم الله عليه.","vol":"1","page":302},{"text":"وسيأتي في الباب الخامس ما ثبت في الصحيحين، ومسنده أحمد، وسنن أبي داود، والترمذي، وابن ماجه من حديث أبي هريرة﵁- أن رسول الله - ﷺ - قال: (إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث ولا تجسسوا ولا تنافسوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا ...).\nوفي مسند الإمام أحمد، وجامع الترمذي- أيضًا- من حديث الزبير بن العوام. أن رسول الله ﷺ قال: (دب إليكم داء الأمم قلبكم الحسد والبغضاء (والبغضاء) هي الحلقة حالقة الدين لا حالقة الشعر ...).\nوعند الترمذي: \"وهي الحالقة أما إني لا أقول تحلق الشعر ولكن أقول تحلق الدين).\nوفي سنن أبي داود من حديث أبي هريرة﵁- أن النبي - ﷺ - قال: (إياكم والحسد، فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب أو قال\"العشب\".\nوروى ابن ماجه نحوه من حديث أنس.\nوكذلك ابن أبي شبية.\nوروى ابن حبان في صحيحه من حديث أبي هريرة مرفوعًا: \"لا يجتمع في جوف عبد مؤمن غبار في سبيل الله وفيح جهنم، ولا يجتمع في مؤمن إيمان وحسد ... \".\nإني لأرحم حسادي فحسدهم ... ما ضمت صدورهم من الأغاري\nنظورا صنيع الله في فبعيونهم ... في جنة ناري","vol":"1","page":303},{"text":"وروى المعافى ابن عمران من حديث ابن مسعود﵁- عن النبي - ﷺ - أنه قال: (إياكم والحسد فإن ابني آدم إنما قتل أحدهما صاحبه حسدًا).\nقيل أوحى الله- تعالى- إلى سليمان بن داود﵉- أوصيك بسعة أشياء لا تغتبن صالحي عبادي، ولا تحسدن أحدًا من عبادي. فقال سليمان: حسبي.\nوقال بعض السلف: إذا أراد الله أن يسلط على عبد عدوًا لا يرحمه سلط عليه حاسدًا.\nوقال بعضهم: الحاسد غضبان على من لا ذنب له يحتال بما لا يملك كما قيل:\nأفكر ما ذنبي إليك فما أرى ... علي سبيلا غير أنك حاسد\nولبعضهم:\nعين الحسود عليك حارسة ... يبدئ المساوئ والإحسان يخفيه\nوقال الفضيل بن عياض: المؤمن يغبط والمنافق يحسد وروى البيهقي عن أبي حاتم محمد بن حبان قال: أنشدني محمد بن نصر المديني لداود بن علي بن خلف:\nإني نشأت وحسادي ذو وعود ... يا ذا المعارج لا تنقص لهم عدوا\nإن يحسدوني على ما كان من حسن ... فمثل خلقي فيهم جر لي حسد\nوبسنده أيضًا عن أبي بكر بن كامل القاضي قال: أنشدني بن الأزرق النحوي:\nبكر الحسود إلىّ بلحى ربه ... جهلًا نقلت له مقالة حازم\nالله أعلم حيث يجعل فضله ... مني ومنك ومن جميع العالم\nوفي بعض الكتب المنزلة يقول الله تعالى: الحاسد عدو نعمتي ساخط لقسمتي.\nولبعضهم:\nالا قل لمن يأت لي حاسدًا ... أتدري على من أسأت الأدب\nأسأت على الله من حكمة ... لأنك لم ترض لي ما وهب\nوكلها أدارية على قدر حاله ... سوى حاسد فهي التي لا أنالها\nوكيف يداري المرء حاسد نعمتة ... إذا كان لا يرضيه إلا زوالها","vol":"1","page":304},{"text":"قال البيهقي- أيضًا- أنشدنا أبو القاسم الحسن بن محمد حبيب المفسر قال:\nأنشدنا منصور الفقه:\nإن تحسدوني فإني لا ألومكم ... قبلي من الناس أهل الفضل قد حسدوا\nفدام لي ولكم ما بي وما بكم ... ومات أكثركم غيظًا بما يجدوا\nولبعضهم:\nيحسدوني قومي على صنعتي ... لأنني في صنعتي فارس\nسهرت في ليلي واستغفوا ... هل يستوي الساهر والناعس\nولغيره:\nسبقت العالمين إلى المعالي ... بصائب فكرة وعلو همه\nجهد الحاسدون ليطفئوه ... ويأبى الله إلا أن ينمّه\nولغيره:\n(قل للحسود إذا تنفيس (...) ... يا ظالمًا (...) مظلوم\nثم إن الحسد يعمل أذاه في الحاسد أكثر من المحسود.\nكما قال أبو عبد الله الحاكم- في تاريخه-: أخبرنا أبو بكر الجعابي قال: لا تشتغل بالحساد، واصبر عليهم، فقد حدثونا عن ابن أخي الأصمعي، عن عمر﵁قال: الحسد داء منغص يعمل في الحاسد أكثر مما يعمل في المحسود.\nوقال بعض الحكماء: يقتل الحاسد عما قبل المحسود.\nوقال بعض الحكماء: يقتل الحاسد عما قبل المحسود.\nوقالوا:\nلله در الحسد ما أعدله ... بدا بصاحبه فقتله\nولبعضهم:\nلقد لقيت بك الحسام حتفا ... وما سل الحسام من القراب\nولا هزت يراعك الأنتقام ... ولا صعرت خدك الاحتاب\nولكن نشر مكرمة وذكر ... وفضل ما يحصل باكتساب","vol":"1","page":305},{"text":"قال بعض الحكماء: يكفيك من الحاسد أنه يغتم وقت سرورك.\nقال بعض العلماء: بارز الحاسد ربه من خمسة أوجه:\nأولها: أنه أبغض كل نعمة ظهرت على غيره.\nوثانيها: أنه سخط لقسة ربه كأنه يقول: لم قسمت هذه القسمة؟\nوثالثها: أنه ضاد فعل الله.\nورابعها: أنه خذل أولياء الله، أو يريد خذلانهم وزوال النعمة عنهم.\nوخامسها: أنه أعان عدوه إبليس.\nوأنشدوا:\nوأظلم أهل الأرض من بات حاسدًا ... لمن بات في نعمائه يتقلب\nولبعضهم:\nإن يحسدوك على علاك فإنما ... ناقص الدرجات يحسد من علا\nوالحسد يثمر للحاسد خمسة أشياء مذمومة:\nأولها: إفساد الطاعة، لأنه يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب، فواأسفاه على من أوقد نارًا في قلبه وجعل حطبها صالح كسبه لكن من آسره الشيطان وأسكرته الغفلة وانكب على القاذروات جاد بدينه على أعدائه، وقدم على الله فقيرًا حقيرًا مفلسًا ممقوتًا، وذلك مراد الشيطان من أتباعه وأوليائه.\nالثاني: فعل المعاصي والشرور لأن الحاسد له ثلاث علامات: يتملق إذا شهد ويغتاب إذا غاب، ويشمت بالمصيبه.\nالثالث: التعب والهم من غير قائدة. نفس دائم وعقل هائم وغم لازم.\nالرابع: عمى القلب. كما قال بعض السلف: لا تكن حاسدًا تكن سريع الفهم.\nالرابع: عمى القلب. كما قال بعض السلف: لا تكن حاسدًا تكن سريع الفهم.\nالخامس: الحرمان والخذلان، لأنه لا يكاد يظفر بمراده ولا ينصر على عدوه فكيف يظفر بمراده. ومراده زوال نعم الله- تعالى- عن المؤمنين من عباده وكيف ينتصر على أعدائه وهم المؤمنون أهل النصر والعز. قال تعالى: ﴿... وكان حقّا علينا نصر المؤمنين﴾","vol":"1","page":306},{"text":"وقال الله تعالى: ﴿... ولله العزة ولرسوله والمؤمنين ...﴾.\nوأما المحسود فلا ضرر عليه في أمر دينه ودنياه، لأن النعمة لا تزول عنه بحسده بل ما قدره الله فلا حيلة في رفعه بل كل شيء عنده بمقدار. ولكل أجل كتاب. أما ما نفعه في الدين فواضح، لأنه مظلوم لا سيما إذا خرج الحسد إلى القول والفعل بالغيبة والقدح فيه وهتك سره وذكر مساوئه. وقد يكون الحسد سبب إظهار نعمة المحسود- كما تقدم- في حسد\"إبليس\" لآدم﵇- وأما منفعته في الدنيا فهو أن أهم أغراض الخلق إساءة الأعداء وغمهم وكونهم معذبين مغمومين ولا عذاب لهم مما الحاسد فيه، من ألم الحسد فقد فعل بنفسه ما لم يقدروا عليه أن يتسيبوا له فيه.\nفإذا تأمل الحاسد هذا، علم أنه عدو نفسه وصديق عدوه، حيث تعاطي ما تضرر به في الدنيا والآخرة، وانتفع به عدوه في الدنيا والآخرة، وصار مذمومًا عند الخالق والخلق، شقيًا في الحال والمآل، ثم لم يكتف بذلك حتى توصل إلى إدخال أعظم السرور على \"إبليس\" وهو أعدى عدوه، لأنه لما رآه محرومًا من نعمة العلم والورع والجاه والمال الذي اختص به محسوده عنه، خاف أن يحب له ذلك فيشاركه في الثواب المحبة، لأن من أحب الخير للمسلمين كان شريكًا في الخير، ومن فاته اللحاق بدرجة الأكابر في الدين لم يفته ثوب الحب لهم. يخاف\"إبليس\" أن يحب ما أنعم الله به على عبده من دينه ودنياه، يفته ثوب الحب لهم. فبعضه إليه حتى لا يلحقه بحبه كما لم يلحقه بعلمه. فظهر بذلك أن الحاسد يتضرر بحسده قبل محسوده. وقد تقدم قريبًا من رواية الحاكم، عن عمر بن الخطاب موقوفًا: الحاسد أكثر مما يعمل في المحسود.\nوقال أبن عقيل- في الفنون: افتقدت الأخلاق فإذا أشدها وبالًا على صاحبها الحسد.\nفصل\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-91>(فصل): وجوب إيثار الآمر الناهي رضي رب العباد على رضى العباد:</span>\nوالذي يتعين على الآمر الناهي- حينئذ- أن يعرض عن ملاحظة الناس له في المدح والذم، وعن رضاهم عنه، ويؤثر رضي الله- سبحانه- على رضاهم مع أن العبد إذا آثر رضي سيده الله كفاه مؤنة غضب الخلق، بل يرضيهم عنه. وإذا آثر رضاهم لم يكفوه لم يكفوه\"مؤنة غضب الله عليهم. بل إذا غضب الله على عبد أغضب عليه عباده.\nوفي جامع الترمذي وغيره من حديث عبد الوهاب بن الورد، عن رجل من أهل","vol":"1","page":307},{"text":"المدينة قال: كتب معاوية إلى عائشة﵂- أن اكتبي كتابًا توصيني فيه ولا تكثري علي. فكتبت إليه سلام عليك. أما بعد. فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول) من التمس رضا الله بسخط الناس، كفاه الله مؤنة الناس، ومن التمس رضا الناس بسخط الله، وكله الله إلى الناس) والسلام عليك.\nوفي رواية عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أنها كتبت إلى معاوية، فذكر الحديث بمعناه ولم يرفعه.\nقال بعض السلف: لمصانعة وجه واحد أيسر عليك من مصانعة وجوه كثيرة، إنك إذا صانعت ذلك الوجه الواحد كفاك الوجوه كلها مع أنك لا تقدر على مصانعة أكثرهم.\nكما قال الشافعي﵀-: رضا الناس غاية لا تدرك فعليك ما فيه صلاح نفسك فالزمه.\nقال العلامة ابن القيم: ومعلوم أنه لا صلاح للنفس إلا بإيثار رضا بأرئها ومولاها على غيره.\nوقد أحسن أبو فراس في قوله الأبيات المشهورة:\nفليتك تحلو والحياة مريرة ... وليتك ترضى والأنام غضاب\nوليت الذي بيني وبينك عامر ... وبيني وبين العالمين خراب\nإذا صح منك الود فالكل هين ... وكل الذي فوق التراب تراب\nوروى البيهقي- بسنده- عن يونس بن عبد الأعلى قال: قال الشافعي﵀- يا أبا موسى لو جهدت كل الجهد على أن ترضي الناس كلهم فلا سبيل إليه، فإذا كان كذلك فأخلص عملك ونيتك لله﷿ - انتهى.\nفكلما رضي به فريق من الناس يسخط به فريق، ورضي بعضهم في سخط بعض.\nوأما ذمهم فلا يزيد العبد شيئًا ما لم يكتبه الله ﷿- عليه ولا يعجل أجله محبوبًا عنده ولا يؤخر رزقه ولا يجعله من أهل النار إن كان من أهل الجنة. ولا يبغضه إلى الله إن كان محبوبًا عنده، بل في مرقية ذمهم موصلة الهموم ومرادفة العموم.","vol":"1","page":308},{"text":"كما قيل: من راقب الناس مات غمًا، وفاز بالراحة الجسور.\nفالعباد كلهم عاجزون كعجزء لا يملكون لأنفسهم ضرًا ولا نفعًا، ولا موتًا ولا حياة ولا نشورا. والله سبحانه هو المتفرد بالضر والنفع والعطاء والمنع ولا يصيب العبد من ذلك ألا ما سبق تقديره وقضاؤه له. والخلق كلهم عاجزون عن إيصال نفع أو ضر غير مقدر في الكتاب السابق وتحقيق هذا يقتضي انقطاع العبد عن التعلق بالخلق وعن رجاء نفعهم وخوف ضرهم.\nومن المعلوم أن المؤثر لرضا الله متصد لمعاداة الخلق وأذاهم، وسعيهم في إتلافه، ولا بد هذه سنة الله في خلقه وألا فما ذنب الرسل من الأنبياء والذين يأمرون بالقسط من الناس والقائمين بدين الله، الذايين عن كتابه وسنة رسوله عندهم فمن آثر رضا الله فلا بد أن يعاديه رذّالة العالم وسقطهم وجهالهم وأهل البدع والفجور منهم، وأهل الرياسات الباطلة وكل من يخالف هديه هديه. وما يقوم على معاداة هؤلاء إلا طلب الرجوع إلى الله على سماع خطاب: ﴿يأيتها النفس المطمّنة أرجعي إلى ربك راضية مرضيّة﴾. ومن إسلامه صلب كامل لا تزعزعه الرجال ولا تقلقه الجبال\nكما قال أبو الوفا ابن عقيل- في الفنون من صدر اعتقاده عن برهان لم يبق عنده تلون يراعي به أحوال الرجال: ﴿أفائن مّات أو قتّل انقلبتم علّى أعقبكم﴾.\nوكان الصديق﵁- من ثبت على اختلاف الأحوال، فلم يتقلب به في كل مقام زلت به الأقدام. إلى أن قال: وقد يكون الإنسان مسلمًا إلى أن يضيق به عيش وأنما ديننا مبني على تعب مع صلاح الآخرة. فمن طلب به العاجل أخطأ. انتهى.\nفينبغي للعبد- حينئذ- أن لا يتغير بكثرة التاركين لما أمرنا به أو الفاعلين لما نهينا عنه.\nوقد قال السيد الجليل الفضيل بن عياض- قدس الله روحه- لا تستوحش طرق الهدى لقلة أهلها. ولا تغيتر بكثرة السالكين والذين يتعين على العارف مخالفتهم في ذلك قولآ وفعلًا ولا يثبطه عنه وحدته وقلة الرفيق.\nاللهم أبرم لهذه الأمة أمرًا رشدًا تعز فيه وليك، وتذل فيه عدوك، ويؤمر فيه بالمعروف وينهي عن المنكر، وسر بنا في سرب النجاة، ووفقنا لامتثال الأمر والإنابة وأفتح لأدعيتنا أبواب الإجابة وإلهمنا ما ألهمت الصالحين، وأيقظنا من رقدة الغافلين، إنك ولي من تولاك، ومجيب من دعاك.","vol":"1","page":309},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-92>الباب الرابع: بيان ما يستحب من الأفعال والأقوال والأحوال في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر</span>\nفأول ما يستجيب للآمر بالمعروف الناهي عن المنكر بل لكل عامل، أن يحدث في كل أمر ونهي وحركة وسكون، نية صالحة مخلصًا جهاده من شوائب الأكدار.\nقال الخطابي: معنى النية فصدك الشيء بقلبك. وقيل: عزيمة القلب.\nقال الله تعالى: ﴿... إن يريدّا إصلحًا يوفّق الله بينهماّ ...﴾ فجعل سبحانه النية سبب التوفيق وهي عمل القلب وعبوديته، كما أن العمل عبودية الجوارح.\nوفي الصحيحين، والسنن الأربعة، وغيرها من حديث عمر بن الخطاب﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ - (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى).\nوفي صحيح مسلم وغيره من حديث أبي هريرة مرفوعًا: (إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم)، فإنما نظره سبحانه إلى القلوب، لأنها مظنة النية.","vol":"1","page":310},{"text":"وقد سبق- في الباب الأول- من رواية الصحيحين عن ابن عمر﵄- قال: قال رسول الله - ﷺ -: (إذا أنزل بقوم عذابًا أصاب العذاب من كان فيهم، ثم يبعثون على نياتهم).\nوروى ابن ماجه من حديث جابر مرفوعًا: \"يحشر الناس على نياتهم\".\nوروى مسلم، وأحمد، والترمذي، وابن ماجه من حديث أم سلمة مرفوعًا: \"يعوذ عائذ بالبيت فيبعث إليه بعث إليه بعث فإذا كان بيداء من الأرض خسف بهم\"فقلت: يا رسول الله، فكيف من كان كارهاّ قال: (يخسف به معهم ولكنه يبعث يوم القيامة على نيته).\nوروى الإمام أحمد- أيضًا- من حديث ابن مسعود مرفوعًا: \"أكثر شهداء أمتي أصحاب الفرش، ورب قتيل بين الصفين الله أعلم به\"\nوروى-أيضًا- النسائي من حديث عبادة بن الصامت مرفوعًا: \"من غزا في سبيل الله ولم ينو إلا عقالًا فله ما نوى\".\nوروى ابن أبي الدنيا- في كتاب الإخلاص والنيه- من حديث عمر بن الخطاب مرفوعًا: \"إنما يبعث المقتتلون على النيات\".\nوروى الطبري- في الكبير- من حديث سهل بن سعد الساعدي مرفوعًا: \"نية المؤمن خير من عمله، وعمل المنافق خير من نيته، فإذا عمل المؤمن عملًا ثار في قلبه نور\".\nورواه- أيضًا- من حديث النواس بن سمعان مختصرًا.\nقال بعض العلماء: قيل لأن النية تدوم إلى آخر العمل، والعمل لا يدوم.\nوقيل لأن النية سر لا طلع عليه إلا الله- والعمل ظاهر ولعل السر أفضل، لأنه فعل","vol":"1","page":311},{"text":"القلب، وعمل الأشراف أشرف. وقيل إن النية مجردة خير من العمل مجردًا لأن نية المرء خير من عمله.\n(وقال عمر بن الخطاب﵁-: (أفضل الأعمال أداء ما افترضه الله- تعالى- والورع عما حرم الله، وصدق النية فيما عمل لله.\nوكتب سالم بن عبد الله إلى عمر بن عبد العزيز- رحمة الله عليها- اعلم أن عون الله- تعالى- والورع عما حرم الله، وصدق النية فيما عمل لله.\n-تعالى- للعبد على قدر النية. فمن تمت نيته ما لم يعطيه على عمله، لأن النية لا رياء فيها.\nوقال الحسن البصري- رحمة الله عليه-: إنما حل أهل الجنة، وأهل النار في النار النيات.\nوقال يونس بن عبيد: إني لأحسب الناس لا يدخلوا الجنة بفضل صوم ولا صلاة، ولكن يدخلوا الجنة بالنية (الحسنة) والسنة والقصد الصالح.\nوينبغي للآمر بالمعروف الناهي عن المنكر، أن ينوي إبادة المعاصي وما يكره الله- تعالى- وتنظيف البقاع من المنكرات، وإعلاء كلمة الحق وإظهارها، والسعي في توبة أهل الجرائم والآثار، وتخليص أديانهم وأعرضهم من القاذورات التي لا تليق.\nثم ينبغي للآمر بالمعروف الناهي عن المنكر، والمعلم، إخلاص النية في تعليم أحكام ربه- تعالى- وأصابة الحق والصواب في أقواله وأفعاله، وألا يختار بنيته أن يكون هو الذي - ﷺ - قال (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه).\nوكان السلف﵃- يأتون بالمسائل العظيمة والفوائد الجسمية ولا يريدون","vol":"1","page":312},{"text":"أن تنسب إليهم، خوفًا من الرباء والسمعة وكانوا من ذلك براء، لشدة إخلاصهم ومراقبتهم لربهم في أعمالهم.\nوقال الإمام الشافعي: وددت أن الناس انتفعوا بهذا العلم ولا ينسب إلى منه شيء.\nوقال- أيضًا-: ما ناظرت أحدًا قط فأحببت أن يخطئ.\nوقال- أيضًا-: ما كلمت أحدًا قط إلا أحببت أن يوفق ويسدد ويعان وتكون عليه رعاية من الله- تعالى.\nوالحق اليوم مع عدم الإخلاص والصفاء، وقلة اليقين وكثرة الجزع من الخلق والطمع فيما في أيديهم من المال، وما يتوقع عندهم من الجاه والرياسة، نحب أن نسمع ما نلقيه من الأمر والنهي والتعليم، ونخبر به ويصدر عنا بل ينسب إلينا من ذلك ما يفعله غيرنا، ويجريه الله على يديه من الخير، وأن يشاع عنا كل ذلك ويذاع في الأفطار. . فإذا قيل من أحدنا: أن فلان يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر، أو عالم أو صاحب فهم، توهمت نفسه أن ذلك حق وأنه الآمر بالمعروف كما قالوا.\nفمثل هذا مثل نائم يرى في منامه ما يسره ويعجبه، فيفرح ويسر ويخيل إليه أن ذلك حق ثم ينتبه من نومه فلا يجد شيئًا مما رآه. فكذلك هذا لما رأى وسمع ما قيل عنه حسب نفسه كما قالوا. فلو تيقظ من هذه السنة والغفلة التي وقع فيها، ونظر إلى ما ميز الله به العلماء المتقدمين، والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر من المهم العالية، والأفهام السامية والتقوى المتينة وإتباعهم- في أمورهم- سيد المرسلين، لتلاشى عنده ما هو فيه وما نسب إليه، ووجده قطرة من بحر، لكثرة ما يجد عند من تقدمه من الفضائل والصفات الجميلة، وما يجد في نفسه من التقصير والتلبيس بالصفات الذميمة. والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-93>فصل (١): الآمر بالمعروف والنهين عن المنكر القائم في حدوده بمنزلة الطبيب الذي يسقى الدواء الكريه الذي يرجو به الشفاء للمريض من دائه</span>، ويقطع الأعضاء المتأكله وبالحجامة وقطع العروق بالفصاد ونحو ذلك وما يدخله عليه من المشقة ينوي له به الراحة في الآخرة الأرض كانت نية صالحة وقصدًا حسنًا وحصل له- حينئذ- النصر والظفر.","vol":"1","page":313},{"text":"قال أبو العباس تقي الدين أحمد ابن تيمية- رحمة الله-: وهكذا ينبغي أن يكون فيه وفي الأمر في إقامتها، فإنه متى كان قصده صلاح الرعية والنهي عن المنكرات بجلب المنافع إليهم، ودفع المضار عنهم وأبتغى بذلك وجه الله- تعالى- كانت نية صالحة، وسبب التيسير أسباب الخير عليه وتعظيم حرمته وزيادة هيبته. ويرضى المأمور بالمعروف المنهي عن المنكر والمحدود- غالبًا- إذا قام عليه الحد. فهذه النية كما روي عن عمر بن عبد العزيز- رحمة الله عليه- أنه كان نائبًا للوليد ابن عبد الملك على مدينة النبي - ﷺ - قبل أن يلي الخلافة وقد ساسهم سياسة صالحة فقدم\"الحجاج\" من العراق وقد سامهم سواء العذاب فسأل أهل المدينة عن \"عمر\" كيف هيبة فيكم؟ قالوا: ما نستطيع أن ننظر إليه، هيبة له. قال: كيف محبتكم له؟ قالوا: هو أحب إلينا من أهلينا.\nقال: فكيف أدبه فيكم؟ قالوا: ما بين الثلاثة أسواط إلى العشرة. قال الحجاج: هذه هيبته وهذه محبته وهذا أدابه فهذا أمر من السماء.\nوروى أبو عبد الله الحاكم- في تاريخه- بسنده، عن وكيع. قال: سمعت سفيان الثوري يقول: لا يتقي الله أحد إلا اتقاه الناس شاءوا أم أبوا.\nوقال عمر بن عبد البر- في كتابه بهجة المجالس- كان يقال: من خاف الله خاف منه كل شيء، ومن لم يخف الله أخافه كل شيء. انتهى.\nوقد روى أبو الشيخ بن حيان الأصبهاني- في كتاب الثواب- بسنده، عن وائلة بن الأسقع مرفوعًا: \"من خاف الله﷿- خوف الله منه كل شيء، ومن لم يخف الله خوفه الله من كل شيء\"\nورواه الحكيم الترمذي ولفظه: \"من اتقى الله﷿- أهاب الله منه كل شيء ومن لم يتق الله أهابه الله من كل شئ\".\nقال الترمذي الحكيم: قال ابن عباس أو غيره: والله لدرة\"عمر\" كانت أهيب في صدور الناس من سيوف غيره.\nوروى الحكيم الترمذي- أيضًا- بسنده عن ابن عمر﵄- أنه خرج في","vol":"1","page":314},{"text":"سفر له فإذا جماعة على طريق فقال: ما هذه الجماعة؟ فقالوا: أسد قطع الطريق. قال: فنزل فمشي إليه حتى بعده ونحاه علي الطريق، ثم قال: ما كذب علك رسول الله - ﷺ - قال: إنما يسلط علي ابن آدم من لم يخف الله قال: أن ابن آدم لم يخف غير الله لم يسلط الله عليه غيره.\nوروي عن محمد بن صالح. قال: (كنت عند حماد بن سلمة وليس في البيت إلا حصير هو جالس عليها، ومصحف يقرأ فيه، ومطهره يتوضأ منها فبينما أنا عنده إذ دق الباب، فإذا هو محمد بن سليمان، فإذا له فدخل وجلس بين يديه. ثم قال: ما لي إذا رأيتك امتلأت منك رعبًا؟ قال: لأنه﵊- قال: (إن العالم إذا أراد بعلمه وجه الله هابه كل شيء، وإن أراد أن يكنز به الكنوز هاب من كل شيء).\nثم عرض عليه أربعين درهمًا. قال: تأخذها وتستعين بها قال: ارددها إلي من ظلمته بها. قال: والله ما أعطيتك إلا مما ورثته. قال: لا حاجة لي فيها. قال: فتأخذها فتقسمها. قال: لعلي إن عدلت في قسمتها. أن يقول بعض من لم يرزق منها أنه لم يعدل في قسمها فيأثم فازوها عني).\nوأما إذا كان غرض الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر العلو في الناس بإقامة رياسته، ليعظموه أو يبذلوا له ما يريد من الأموال، انعكس عليه مقصوده وتعسرت الأسباب دونه، قلت بركته، وتناقصت هيبته في الدنيا ولم يكن له في الآخرة من نصيب.\nقال الله - تعالي -: ﴿تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوًا في الأرض ولا فسادًا ..﴾.\nأي لا يريدون رفعة وتكبرًا علي المؤمنين ولا يجزعون من ذل الدنيا ولا يتنافسون في عزها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-94>فصل (٢): يستجيب للآمر الناهي العلم والورع وحسن الخلق:</span>\nومما يستجيب للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يكون عالمًا ورعًا حسن الخلق.","vol":"1","page":315},{"text":"أما العلم فليكن عالمًا بمواقع الأمر والنهي وحدوده، ومجاريه، ويقتصر علي حد الشرع فيه، ليدفع به جهل الجاهلين وإلا كان ما يفسده أكثر مما يصلحه.\nوقد روي أبو محمد الخلال - بإسناده عن أسامه بن زيد - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (لا ينبغي لأحد أن يأمر بالمعروف حتى يكون فيه ثلاث خصال: عالمًا بما يأمر عالمًا بما ينهي رفيقًا فيما يأمر ورفيقًا فيما ينهي).\nفقد حلف أبو الفرج - بن الجوزي - في بعض مصنفاته - بالله العظيم - أما أحدًا أخطأه العلم إلا كان ما يفسد أكثر مما يصلح في دينه ودنياه، ولم يدعه الجهل يرشد إلي خير.\nوجاء فضل العلم في غير ما وضع من القرآن الكريم، ومن حديث النبي - ﷺ -.\nوقد عد شيخ مشايخنا - عبد القادر الكيلاني - قدس الله روحه - أول شرائط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أن يكون الآمر عالمًا بما يأمر وبما ينهي.\nوكذلك قال غيره.\nقال ابن مفلح: فهذا يقتضي أنه لا إنكار إلا مع العلم.\nوقال بعضهم: وإنما يدرك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالعلم، لأن العلم يرشد إلي مواضع بذل المعروف، والفرق بينه وبين المنكر، وترتيبه في وضعه مواضعه، فلا يضع الغضب موضع الحلم وعكسه، ولا العجلة موضع الإناة والتؤدة وعكسه، بل يعرف مواقع الخير والشر ومراتبها وموضع كل خلق بابن آدم يضعه، وأين يحسن استعماله، فالعلم أكبر العون علي نيل كل مطلوب من خير الدنيا والآخرة. والآمر الناهي بغير علم مسددة عليه سبيل الهدي والفلاح، مغلقة عنه أبوابها، لأن العلم هو الركن الأعظم والسنن الأقوم. وأما الورع فهو التوقف في كل شيء وترك الإقدام إلا بإذن الشرع، فذلك العز","vol":"1","page":316},{"text":"الأكبر والغنى الخالص والملك العظيم والفخر الجليل واليقين الصافي والتوكل الشافي الصحيح.\nفالورع أساس العبادة ونتيجة الزهد الذي عليه مبني الإرادة. وقد تظاهرت الأدلة من الكتاٍب والسنة علي استجابه مطلقًا.\nقال الله تعالي: ﴿... وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم﴾.\nوقال تعالي: ﴿إنَّ ربَّك لبا لمرصاد﴾.\nوفي الصحيحين، وسنن أبي داود، والترمذي، والنسائي من حديث النعمان بن البشير - ﵄ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (إن الحلال بين وإن الحرام بين وبينهما لا يعلمهن كثير من الناس فمن اتقي المشبهات استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعي حول الحمى يوشك أن يقع فيه ألا وإن لكل ملك حمى ألا وإن حمى الله محارمه إلا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب).\nوروي هذا الحديث بألفاظ متعددة متقاربة. لكن اقتصرت هنا علي لفظ الصحيحين.\nقال العلماء: (وهذا أحد أحاديث الإسلام التي عليها مداره مجمعين علي جلالته وعظم موقعه).\nقال جماعة: هو ثلث الإسلام، وإن الإسلام يدور عليه وعلي حديث (إنما الأعمال بالنيات).","vol":"1","page":317},{"text":"وحديث: (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه).\nوسبب عظم موقعه أنه - ﷺ - نبه فيه علي صلاح المطعم والمشرب والملبس وغيرها.\nوإنه ينبغي أن يكون حلالآ وأنه ينبغي ترك الشبهات فإنه سبب لحماية دينه وعرضه.\nو(استبرأ) أي حصل له البراءة لدينه من الذم الشرعي فصان عرضه عن كلام الناس فيه والله أعلم.\nوفي الصحيحين- أيضًا- من حديث أنس بن مالك﵄- أن النبي - ﷺ - وجد ثمرة في الطريق. فقال: (لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها).\nوروي الترمذي والنسائي وابن حبان- في صحيحه عن الحسن بن علي﵄- قال: حفظت من رسول الله - ﷺ - قال: (دع ما يريبك إلي ما لا يريبك).\nوقال الترمذي: حديث حسن صحيح.\nورواه الطبراني بنحوه من حديث وائلة بن الأسقع. وزاده. قيل: فمن الورع؟ قال: \"الذي يقف عند الشبهه\".\nقال العلماء: معناه أترك ما تشتك فيه وخذ ما لا تشتك فيه.\nوروي الترمذي وابن ماجه والحاكم من حديث عطية بن عروة السعدي مرفوعًا. \"لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به (حذرًا لما به بأس) \".\nقال الترمذي: حديث حسن.","vol":"1","page":318},{"text":"وقال الحاكم: صحيح الإسناد.\nوفي المعاجم الثلاثة للطبراني من حديث ابن عمر مرفوعًا \"أفضل العبادة والفقه وأفضل الدين الورع\".\nوروي- أيضًا- في الكبير من حديث ابن عباس مرفوعًا: \"فضل العلم أفضل من فضل العبادة، وملاك الدين والورع\".\nوروي أبو القاسم إسماعيل في الترغيب والترهيب بسنده عن علقمة بن مرثد بن سلمان الفارسي مرفوعًا: \"جلساء الله- تعالي- غدًا أهل الورع والزهد.\nوبسنده، عن عبد الله بن عمر مرفوعًا. قال الله- تعالي- لموسي ﵇- لم يتقرب إليَّ المتقربون بمثل الورع. وبسنده عن عتبه بن ضمرة بن حبيب- رحمة الله عليه- قال: لا يعجبنكم صلاة كل امرئ ولا صيامه ولكن انظروا إلي ورعه فإن كان ورعًا، مع ما رزقه الله من العبادة فهو عند الله حقًا.\nوروي الإمام أحمد- في كتاب الزهد- بسنده، عن الحسن البصري- رحمة الله عليه- إنه كان يقول: إن من أفضل العمل بعد الفرائض الورع والتفكر.\nوبسنده، عن مطرف بن عبد الله قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول: فضل العلم خير من فضل العمل وخير دينكم الورع.\nورواه الطبراني- في الأوسط- من حديث حذيفة بن اليمان مرفوعًا وكذلك البزار.\nقال المنذري: إسناده حسن.","vol":"1","page":319},{"text":"وروى أبو القاسم إسماعيل الأصبهاني- في الترغيب والترهيب- بسنده، عن الحسن البصري في قوله- تعالي-:\n﴿يؤتي الحكمة من يشاء﴾.\nقال: الورع.\n(ودخل الحسن- أيضًا- مكة، فرأي غلامًا من أولاد علي بن أبي طالب- كرم الله وجهه- قال: وقد اسند ظهره إلي الكعبة يعظ الناس، فوقف عليه الحسن. فقال: ما ملاك الدين؟ فقال: الورع. فقال: ما آفة الدين؟ قال الطمع. فتعجب الحسن منه.\nقال شيخ مشايخنا محيي الدين عبد القادر الكيلاني- قدس الله روحه- والورع ثلاث درجات: ورع العوام (من الحرام) والشبهة، والخواص وهو كل ما للنفس والهوى فيه حظ، وورع خواص الخواص وهو عن كل ما لهم فيه إرادة ورؤية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-95>فصل (٣): تأكد ورع الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر بالإغراض عما في أيدي الناس</span>\nويتأكد لزوم الورع للآمر بالمعروف الناهي عن المنكر، سيما بالإغراض عما في أيدي الناس بقطع المطامع، لأنها مذهبة للهيبة حيث كان غضبة لغرض دنيوي وكذلك سروره، فإن الطمع تعلق النفس بإدراك مطلوب تعلقًا قويًا.\nوهو أشد من الرجاء، لأنه لا يحدث إلا عن قوة ورغبة وشدة إرادة فإذا اشتد صار طمعًا وإذا ضعف كان رغبة ورجاء.\nوروي ابن ماجه، والحاكم، وغيرهما من حديث أبي أيوب الأنصاري﵁- أن رجلًا أتي النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله، أوصني وأوجز. فقال: (عليك باليأس عما في أيدي الناس، وإياك والطمع فإنه الفقر الحاضر) الحديث.\nورواه أبو الشيخ ابن حيان في كتاب الأمثال، ورواه ابن أبي الدنيا- في كتاب القناعة- من حديث إسماعيل الأنصاري عن أبيه، عن جده.\nوقد تقدم- في الباب الثاني- والله أعلم.","vol":"1","page":320},{"text":"قال وهيب بن الورد: من أراد شهوات الدنيا فليتهيأ للذل.\nوانشدوا:\nبلوت بني الدنيا فلم أر فيهم ... سوي غادر والغدر حشو إهابه\nفجررت من كنز القناعة صارمًا ... قطعت إياسي عنهم بذبابة\nفلا يراني واقفًا في طريقه ... ولا ذا يراني قاعدًا عنه بابه\nوقد روي العطار- قدس الله روحه- قال: (مررنا بالبصرة في بعض الشوارع وإذا مشايخ قعود وصبيان يلعبون. فقلت: أما تستحيون من هؤلاء المشايخ؟ فقال صبي من بينهم: هؤلاء المشايخ قل ورعهم، فقلت هيبتهم).\nقال بعض السلف: (ومن آداب الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، تقليل العلائق حتى لا يكثر خوفه، وقطع المطامع من الخلائق حتى تزول عنه المداهنة).\nوفي المعجم الأوسط لأبي القاسم الطبراني، وصحيح الحاكم من حديث سهل بن سعد﵁- في حديث طويل- أن جبريل قال للنبي - ﷺ -: \"عز المؤمن استغناؤه عن الناس\". ورواه أبو الشيخ في كتاب الثواب، وأبو نعيم- في الحلية.\nقال الحاكم: صحيح الإسناد.\nوجعله القضاعي- في مسند الشهاب- من قول النبي - ﷺ -.\nوأنشد أبو حازم المدني:\nالدهر أدبني والصبر رباني ... والقوت أقنعني واليأس أغناني\nوأحكمتني من الأيام تجربة ... حتى نهيت الذي كان ينهاني\nوغيره:\nحنكتني نوائب الدهر حتى ... عرفتني طرائق الإرشاد\nوفي جامع الترمذي، وغيره من حديث جابر بن عبد الله﵁- قال: ذكر","vol":"1","page":321},{"text":"رجل عند النبي - ﷺ - بعباده واجتهاد، وذكر آخر برعة. فقال النبي - ﷺ -: (ألا يعدل بالرعة شيء).\nالرعة- بكسر الراء- من الورع. وهو الكف عن الحرام، ثم (يصير) التحرج منه حالًا.\nورع الرجل- يرع- بالكسر فيهما- ورعًا، فهو ورع، ونورع من كذا استعير للكف عن المباح، إذا كان يؤدي إلي الوقوع في الشبهات. والله أعلم.\nوقد روي البيهقي- في شعب الإيمان - بسنده عن أحمد بن أبي الحواري. قال: سمعت عرام بن سميع. قال: كان سليمان الخواص يمر باللحام يأخذ منه لقط له فمر به فإذا تكلم (أمسك) قال: تقول له نفسه: يا أبا سليمان من أجل قط تمسك عن الكلام! ! فجاءه إلي منزله فأخرج القطة فطردها، ثم صار إلي اللحام من الغد فوعظه. هذه رواية البيهقي.\nوذكر القصة أبو حامد الغزالي. وزاد- بعد ذلك- فقال له القصاب: لا أعطيك بعدها شيئًا لسنورك. فقال: ما أنكرت عليك إلا بعد إخراج السنور وقطع الطمع منك.\nوروي أبو نعيم عن الثوري (إن الرجل ليستعير من السلاطين الدابة أو السرج فيتغير قلبه لهم.\nوروي أبو بكر الخلال- بسنده- عن ميمون بن مهران أن عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز قال له: يا أبت ما يمنعك أن تمضي لما تريده من العدل؟ فو الله ما كنت أبالي لو غلت بي وبك القدور في ذلك. قال: يا بني إني إنما أروض الناس رياضة الصعب، إني أريد أن أحيي الأمر من العدل فأؤخر ذلك حتى أخرج معه طمعًا من طمع الدنيا، فينفروا لهذه ويسكنوا لهذه.\nقال بعضهم: (من لم يقطع الطمع من الخلق، لا يقدر على الإنكار بيده، ولا بلسانه لعجزه).","vol":"1","page":322},{"text":"وقال بعض الزهاد \"للمنصور\": (اذكر ليلة تمحض عن يوم القيامة لا ليلة بعدها. فأفحم المنصور) فأمر له بمال. فقال لو (تطلعت) إلي مالك ما وعظتك. وقال أكثم بن صيفي -رحمه الله_: ما يسرني أني مكفي من أمر الدنيا. قيل له: قال: أخاف عادة العجز.\nوصدق﵀- لأن العاجز ذليل لا يمكن من إزالة المنكرات ولا من غيرها.\nوقال بعض السلف: ينبغي أن يكون الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر نزيهًا عفيفًا معرضًا عما في أيدي الناس، لتقبل موعظته وتؤثر نصيحته، ويصير حرًا.\nقال أبو العتاهية:\nأطعت مطامعي فاستبعدتني ... ولو أني قنعت لكنت حرًا\nقال الإمام أحمد -﵀-: (سمعت محمد بن السماك يقول: الطمع غل في عنقك، وقيد في رجلك، فأخرج الغل من عنقك، يخرج القيد من رجلك).\n(الغل- بضم الغين- طوق من حديد أو شبهه يجعل في العنق ويكسرها هو الحقد في القلب) والله أعلم.\nوقال سفيان الثوري: ما وضع رجل يده في قصعة رجل إلا ذل له.\nوأنشدوا:\nلا تخضعن لمخلوق علي طمع ... فإن ذلك وهن منك في الدين\nواسترزق الله في خزائنه ... فإنما الرزق بين الكاف والنون\nوقال الجنيد: لا يكون العبد لله عبدًا حتى يكون مما سواه حرًا.\nوقال أبو العباس: فإنه من أحب غير الله ورجاه أو خافه صار فيه عبودية له، فلا يكون عبدًا مخلصًا لله. انتهي.\nقال بعض السلف: الحر عبد ما طمع والعبد حر ما قنع.","vol":"1","page":323},{"text":"قال يحيى بن يوسف الصرصري﵀-:\nإذا انقطعت أطماع عبد عن الورى ... تعلق بالرب الكريم رجاؤه\nفأصبح حرًا عزة وقناعة ... على وجهه أنواره وضياؤه\nوإن علقت بالخلق أطماع نفسه ... تباعد ما يرجو وطال هناؤه\nثم الورع- أيضًا- علي الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر، وقطع المطامع من شيئين.\nقال أبو الفرج بن الجوزي﵀-: من لم يقطع الطمع من الناس من شيئين لم يقدر علي الإنكار عليهم.\nالأول: من لطف ينالونه به.\nوالثاني: من رضاهم عنه وثنائهم عليه. انتهي.\nوقال أبو حامد الغزالي:\n(من أبواب الشيطان الداخل منها إلي القلب الطمع فيما عند الناس فإنه إذا غلب علي القلب فإنه لم يزل الشيطان يحن التصنع والتزين لمن يطمع فيه بأنواع الرياء والتلبيس حتى يصير المطموع فيه كأنه معبود، فلا يزال يتفكر في حيلة التودد والتحبب إليه ويدخل كل مدخل للوصول إلي ذلك. وأقل أحواله الثناء عليه بما ليس فيه والمداهنة معه بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر).\nوأنشدوا:\nإذا شئت أن تحيا عزيزًا فلا تكن ... علي حالة إلا رضيت بدونها\nفمن طمع أن تكون قلوب الناس عليه طيبة، وألسنتهم بالثناء مطلقة، وصلاتهم له مشرقة، لم يتمكن من الأمر بالمعروف ولا من النهي عن المنكر لذلته وهوانه.\nوأنشدوا:\nيذل النفس من طمع لديه ... وفي الطمع المذلة للرقاب\nقال شيخ مشايخنا عبد القادر الكيلاني- قدس الله روحه- يا غلام أنت أخو العزة، ما التحفت برداء القناعة، ومحبوب (الرب) ما التزمت بمفروض الطاعة.","vol":"1","page":324},{"text":"وذكر الحافظ عبد الغني- عن عبد الله بن محمد الباهلي، قال: جاء رجل إلي سفيان الثوري فقال: إني أريد الحج فقال: لا تصحب من يتكرم عليك، ساويته أضر بك، وإن تفضل عللك استذلك.\nولبعصهم:\nأطعت مطامعًا فأفدت ذلًا ... وخير من تذلك القنوع\nفمن طمع ف الخلق لم يخل من الذل والخيبة. وإن وصل إلي المراد لم يخل عن المنة والمهانة.\nفكيف تتعلق يا عبد الله برجاء كاذب، ووهم فاسد؟ قد يصيب وقد تخطئ، فإذا أصاب فلا تقي لذاته بألم منته ومذلته.\nولبعضهم:\nأزلت مطامعي وأرحت نفسي ... فإن النفس ما طمعت تهون\nفمن لم يكن متورعًا عما في أيدي الناس ومتورعًا في أمره ونهيه عن الميل إلي الهوى فإن كلامه لا يصير مقبولًا. والناس يهزؤن به إذا أنكر عليهم وربما أورث ذلك جرأة عليه من المأمور. كما سيأتي في وضعه- من الباب الخامس- والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-96>فصل (٤): وجوب اتصاف الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر بحسن الخلق:</span>\nوأما وجوب اتصاف الآمر بحسن الخلق، فليتمكن الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر من الرفق، وسعة الصدر واللطف والحلم، وذلك أصل الأمر بالمعروف والنهي وأساسه وهو نتيجة حسن الخلق. فمن (شأن) المعلم الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر التحلي بمكارم الأخلاق وسعة الصدر ليتحمل جفاء العامة وغلظهم له فوجب أن يكون المعلم هو الآمر الناهي محل الفضائل وسعة الصدر. وقد علمنا ثناء في الكتاب والسنة علي حسن الخلق، فمن ذلك ومن ثناء الكتاب والسنة علي حسن الخلق:\nقال الله تعالي: ﴿فبما رحمة من الله من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر﴾.","vol":"1","page":325},{"text":"وقال- سبحانه لأكرم الخلق عليه، ومظهرًا لأنعمه لديه، ومفصحًا في كتابه الكريم: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾.\nفتخصيصه- تعالي- الخلق بالذكر فيه تخصيص عظيم وإرشاد بليغ علي تحصيل ذلك والإتصاف به في كل الأحوال الممدوحة شرعًا.\nوفي الصحيحين من حديث أنس بن مالك﵁- قال: كان رسول الله - ﷺ -: (أحسن الناس خلقًا).\nوفيهما، وفي مسند أحمد، وجامع الترمذي من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص﵄- قال: لم يكن رسول الله - ﷺ - فاحشًا ولا متفحشًا. وكان يقول: (إن من خياركم أحسنكم أخلاقًا).\nقال الترمذي: حديث حسن صحيح-.\nورواه ابن أبي الدنيا- بالشطر الأول- كما سيأتي.\nولأحمد عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (ألا أخبركم بأحبكم إليَّ وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة؟) فسكت فأعادتها مرتين أو ثلاثًا. فقال القوم: نعم يا رسول الله. قال: أحسنكم أخلاقًا.\nوفي مسند أحمد-أيضًا- من حديث ابن مسعود﵁- أن رسول الله - ﷺ - كان يقول: (اللهم كما أحسنت خلقي فحسن خلقي).\nوفي صحيح مسلم، وجامع الترمذي من حديث النواس بن سمعانا لكلابي﵁- قال: سألت رسول الله - ﷺ - عن البر والإثم. فقال: البر حسن الخلق والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس منك\".","vol":"1","page":326},{"text":"ولفظ الترمذي: أن رجلًا سأل النبي - ﷺ - فذكره.\nوفي سنن أبي داود، وجامع الترمذي، سنن النسائي، وصحيح الحاكم من حديث هريرة﵁- قال: قيل يا رسول الله، أي المؤمنين أفضل إيمانًا؟ قال: (أحسنهم خلقًا).\nوفي مسند أحمد، وجامع الترمذي، وصحيح الحاكم من حديث عائشة مرفوعًا: (إن أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا، وألطفهم بأهله).\nوفي مسند أحمد، وسنن أبي داود وصحيحي ابن حبان والحاكم من حديث عائشة مرفوعًا. \"إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم\".\nوفي مسند أحمد، وسنن أبي داود، وجامع الترمذي، وصحيح ابن حبان من حديث أبي الدرداء مرفوعًا: \"ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن\".","vol":"1","page":327},{"text":"زاد الترمذي: \"وإن صاحب حسن الخلق، ليبلغ به درجة صاحب الصوم والصلاة\".\nوزاد في رواية أخري: \"وإن الله يبغض الفاحش البذيء\".\nوقال فيه: حديث حسن صحيح.\nوزاد \"أحمد\" في رواية أخري: \"من أعطي حظه من الرفق، أعطي حظه من الخير، وليس شيء أثقل في الميزان من الخلق الحسن\".\nقال أهل اللغة: البذيء الذي يتكلم بالفحش ورديء الكلام. وفي جامع الترمذي- أيضًا- من حديث أبي ذر مرفوعًا: اتق الله (حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن).\nوروي الترمذي عن (معاذ) نحوه.\nوفي شعب الإيمان للبيهقي بسنده عن الأصمعي قال: سمعت ابن المبارك يقول منشدًا:\nخالق الناس بخلق حسن ... ولا تكن كلبًا علي الناس يهر\nوروي الإمام أحمد، والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة قال: سئل النبي - ﷺ - عن أكثر ما يلج به الناس الجنة. فقال رسول الله - ﷺ -: (حسن الخلق) هذا لفظ أحمد.\nوللترمذي، وابن ماجه: قال سئل النبي - ﷺ - عن أكثر ما يدخل الجنة. قال: (تقوي الله وحسن الخلق) الحديث.","vol":"1","page":328},{"text":"وروى أبو الشيخ بن حيان- في كتاب الثواب- بسنده عن عائشة مرفوعًا. \"ما جبل ولي لله﷿- إلا علي السخاء وحسن الخلق\".\nوروي البزار، وأبو يعلى الموصلي، والحاكم، والخرائطي في مكارم الأخلاق والبيهقي في الشعب، وابن عدي في الكامل. من حديث أبي هريرة﵁- مرفوعًا: \"إنكم لا تسعوا الناس بأموالكم ولكن ليسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق\".\nقال الحاكم: صحيح الإسناد.\nوفي المعجم الأوسط للطبراني من حديث أبي هريرة﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: (ما حسن الله خلق امريء، وخلقه فتطمعه النار).\nورواه ابن أبي الدنيا، والبيهقي- في الشعب، والخرائطي- أيضًا- في مكارم الأخلاق وغيرهم.\nقال العلماء: الخلق الصورة الظاهرة، والخلق الصورة الباطنة.\nوفي سنن ابن ماجه، وغيرها من حديث أبي ذر مرفوعًا: \"لا عقل كالتدبير، ولا حسب كحسن الخلق\".\nوفي المعجم الأوسط للطبراني من حديث عمران بن حصين مرفوعًا: \"إن الله استخلص هذا الدين لنفسه فلا يصلح لدينكم إلا السخاء وحسن الخلق ألا فزينوا دينكم بها\". ورواه الأصبهاني مرفوعًا: (جاء حبريل فقال: يا محمد إن الله استخلص هذا الدين لنفسه ... فذكره).\nوروي الإمام مالك بن أنس- في الموطأ- من حديث معاذ بن جبل- رضي الله","vol":"1","page":329},{"text":"عنه- قال: كان آخر ما أوصاني به رسول الله - ﷺ - حين وضعت رجلي في الغرز أن قال: \"يا معاذ حسن خلقك للناس\".\nقال أهل اللغة: (الغرز) ركاب كور الجمل إذا كان من جلد، فإن كان من خشب أو حديد فهو ركاب. كما سبق بيانه.\nوروي أبو القاسم الطبراني، والأصبهاني- بسنديهما- عن أبي هريرة مرفوعًا: \"أوحي الله﷿- إلي إبراهيم -﵇- يا خليلي حسن خلقك ولو مع الكفار، تدخل مدخل الأبرار، فإن كلمتي سبقت لمن حسن خلقه أن أظله تحت عرشي، وأن أسقيه من حظيرة قدسي، وأن أدنيه من جواري \"اللفظ للطبراني\".\nوفي مسند البزار، وغيره من حديث أنس \"مرفوعًا\" \"ثلاث من كن فيه استوجب الثواب واستكمل الإيمان خلق يعيش به الناٍس، وورع يحجزه عن محارم الله، وحلم يرد به جهل الجاهل\".\nوقال عمر بن الخطاب -﵁- من اتقي الله لم يشف غيظه، ومن خاف الله لم يفعل ما يريد ولولا يوم القيامة لكان غير ما ترون.\nوروي الطبراني في الكبير، والخرائطي في مكارم الأخلاق، وأبو الشيخ بن حيان- في كتاب طبقات الأصبهانيين- من حديث أنس مرفوعًا: (إن العبد ليبلغ بحسن خلقه عظيم درجات الآخرة، وإن العبد ليبلغ بسوء خلقه أسفل من درك جهنم).\nوقال أبو علي الفضيل بن عياض- قدس الله روحه- لأن يصحبني فاجر حسن الخلق، خير لي من أن يصحبني عابد سيء الخلق.\nوقال أبو القاسم الجنيد بن محمد -﵀- (أربع ترفع العبد إلى أعلى) الدرجات","vol":"1","page":330},{"text":"وإن قل علمه وعمله: الحلم والتواضع، والسخاء وحسن الخلق حسنة لا يضر معها كثير السيئات، وهو كمال الإيمان.\nوقال يحيي بن معاذ الرازي- قدس الله روحه- حسن الخلق حسنة لا يضر معها كثير السيئات، وسوء الخلق سيئة لا ينفع معها كثير الحسنات.\nوقال- أيضًا- في سعة الأخلاق كنوز الأرزاق.\nوسئل ابن عباس عن الحسب، فقال: ﴿أحسنكم أخلاقًا أفضلكم حسبًا).\nقال بعض المفسرين- في قوله تعالي: ﴿وأسبغ عليكم نعمه ظهرة وباطنه ...﴾.\nالظاهرة تسوية الخلق، والباطنة تسوية الخلق فالجود بالخلق الحسن والبشر والبساطة من أعلي مراتب الجود، وهو فرق الجود بالصبر والاحتمال والعفو، وهو الذي يبلغ بصاحبه درجة الصائم القائم، ولا شيء أثقل في الميزان منه- كما تقدم في حديث أبي الدرداء- والناس يختلفون في علامة حسن الخلق ما هي؟\nفروي البيهقي- في شعب الإيمان- بسنده، عن الحسن عن أبي هريرة مرفوعًا. \"عليك بحسن الخلق\". قال: وما حسن الخلق؟ قال: \"تصل من قطعك وتعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك\".\nوروي الترمذي بسنده- عن عبد الله بن المبارك﵀- أنه وصف حسن الخلق، فقال: هو بسط الوجه وبذل المعروف، وكف الأذي.\nوروي عن الحسن البصري مثله.\nوروي التيمي صاحب الترغيب والترهيب- بسنده- عن أحمد بن إسحاق بن منصور قال: سمعت أبي يقول: قلت لأحمد بن حنبل﵀-: ما حسن الخلق؟ (قال) هو أن يحتمل ما يكون من الناس قريبًا.\nوقال هل بن عبد الله التستري: أدناه الحياء. وترك المكاره، والرحمة للظالم، والاستغفار له والشفقة عليه.","vol":"1","page":331},{"text":"وقيل أن لا يخاصم أحدًا من شدة معرفته بالله - تعالي-.\nوقيل: أن يكون من الناس قريبًا، وفيما بينهم غريبًا.\nوقيل: أن لا يؤثر (فيه) جفاء الخلق بعد مطالعته للحق.\nوقيل: قبول ما يرد عليه من جفاء الخلق وقضاء الحق بلا ضجر ولا قلق.\nوقال بعض السلف: (أولى ما يمتحن (به) حسن الخلق الصبر علي الأذى، واحتمال الجفاء).\nوقيل: بذل الجميل، وكف القبيح.\nوقد جمع بعضهم علامات حسن الخلق. فقال: أن يكون كثير الحياء، قليل الأذى، كثير الصلاح، قليل الفساد، صدوق اللسان قليل الكلام، كثير العمل، قليل الذلل، قليل الفضول برًا وصولًا رضيًا شكورًا حليمًا رفيقًا عفيفًا شفوقًا. لا لعانًا ولا سبابًا ولا نمامًا ولا شتامًا ولا مغتابًا ولا عجولًا، ولا حقودًا ولا بخيلًا ولا حسودًا، هشاشًا بشاشًا يحب الله ويبغض في الله ويرضى لله ويبغض لله.\nفهذا هو حسن الخلق.\nقال يوسف بن أسباط: (علامة حسن الخلق عشرة أشياء. قلة الخلاف وحسن الإنصاف وترك طلب العثرات، وتحسين ما يبدو من السيئات، والتماس المعذرات، واحتمال الأذى، والرجوع بالملامة على النفس، والتفرد بمعرفة عيوب نفسه دون عيوب غيره، وطلاقة الوجه للكبير والصغير ولطف الكلام لمن دونه وفوقه).\nومدار حسن الخلق مع الخلق ومع الحق على أمرين ذكرهما شيخ مشايخنا عبد القادر الكيلاني - قدس الله روحه- قال: كن مع الحق بلا خلق ومع الخلق بلا نفس، وقال بعض المحققين (حسن الخلق يقوم على أربعة أركان لا يتصور قيام ساقه إلا عليها. الصبر والعفة والشجاعة والعدل، فالصبر يحمله على الاحتمال وكظم الغيظ، وكف الأذى، والحلم، والأناة والرفق وعدم الطيش والعجلة، والعفة تحمله على اجتناب الرذائل والقبائح من القول والفعل، وتحمله علي الحياء وهو رأس كل خير ويمنعه من الفحش والكذب والغيبة وغير ذلك.","vol":"1","page":332},{"text":"والشجاعة تحمله على عزة النفس وقوتها، وإيثار معالي الأخلاق والشيم على الندى الذي هو شجاعة النفس وقوتها، وتحمله على كظم الغيظ والحلم وتحمله علي إيثار معالي الأخلاق والشيم. وعلي شجاعة النفس وقوتها.\nفإنه بقوة نفسه وشجاعتها، يمسك عنانها ويمنعها عن البطش.\nكما صح عنه - - ﷺ - أنه قال: ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب، وسيأتي الحديث- قريبًا بأتم من هذا.\nوالعدل: يحمله علي اعتدال أخلاقه، وتوسطه فيها بين طرفي الإفراط والتفريط. وملاك هذه الأربعة أصلان: إفراط النفس في الضعف، وإفراطها في القوة. فيتولد من إفراطها في الضعف، المهانة والبخل والخسة واللؤم والذل والحرص والشح وسفساف الأخلاق.\nويتولد من إفراطها في القوة الظلم والغضب والحسد والفحش والطيش.\nويتولد من (تزوج) أحد الخلقين بالآخر أولاد كثيرون، فإن النفس قد تجمع قوة وضعفًا، فيكون صاحبها أجبر الناس إذا قدر، وأذلهم إذا قهر. ظالم عسوف جبار فإذا قهر صار أذل من امرأة جبانة على القوى. جبار على الضعف. فالأخلاق الذميمة يولد بعضها بعضًا، وكذلك الأخلاق الحميدة. وكل خلق محمود يكتنف أي يحاط بخلقين ذميمين وهو وسط بينهما .. [فالمراد كل فضيلة وسط بين رذيلتين].\nوسيأتي الكلام علي شيء من ذلك- في الباب السادس -إن شاء الله تعالي. والمقصود، أن حسن الخلق أصل كبير في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل هو أساسه، لأن سبب الغضب هجوم ما تكرهه النفس ممن هو دونها.\nفالحادث عند السطوة والانتقام إذا هاج لم يكف مجرد العلم والورع ما لم يكن في الطبع قبول له بحسن الخلق.\nوعلى التحقيق، فلا يتم الأمر والنهي إلا مع حسن الخلق (والقدرة علي ضبط الشهوة والغضب ويحتاج ذلك إلى قوة دينية، وقد جاء ذم سوء الخلق) في غير ما حديث مأثور، وأثر صحيح مشهود. ومن أمثلتها، ما روى الترمذي من حديث أبي سعيد الخدري.","vol":"1","page":333},{"text":"مرفوعًا: (خصلتان لا يجمعان في مؤمن: البخل وسوء الخلق).\nوقال: حديث غريب.\nوروى ابن أبي الدنيا -بسنده- عن ميمون بن مهران مرسلًا. \"ما من ذنب أعظم عند الله من سوء الخلق، وذلك أن صاحبه لا يخرج من ذنب إلا وقع في ذنب\".\nوفي مسند أحمد من حديث رافع بن مكيث الجهني وكان من شهداء الحديبية أن رسول الله - ﷺ - قال: (حسن الخلق نماء، وسوء الخلق شؤم ..).\nوفي مسند الإمام أحمد -أيضًا- من جديث عائشة مرفوعًا. \"الشوم سوء الخلق\".\nوقال الحسن والإمام أحمد -أيضًا- من حديث من ساء خلقه عذب نفسه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-97>فصل (٤) [مكرر]: في ذم الغضب</span>\nوقد جاء ذم الغضب والمنع منه في غير ما حديث.\nفمن ذلك: ما روى الطبراني في المعجم الكبير، والبيهقي في الشعب من رواية بهز بن حكيم عن أبيه، عن جده مرفوعًا \" (إن) الغضب يفسد الإيمان كما يفسد الصبر العسل\".\nوفي جامع الترمذي وغيره من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا \"الغضب جمرة في القلب\".\nوروى البخاري، ومالك، وأحمد، والترمذي، وغيرهم من حديث أبي هريرة -﵁- أن رجلًا قال لرسول الله - ﷺ -: (أوصني ولا تكثر علي)، أو قال: مرني بأمر وأقلله لي، كي لا أنساه. قال: \"لا تغضب\".\nوفي رواية البخاري، والترمذي: مرني بأمر وأقلله علي، كي أعقله، قال: \"لا تغضب\" فردد مرارًا. قال: \"لا تغضب\".","vol":"1","page":334},{"text":"الرجل المبهم السائل هو جارية بن قدامة. وقيل: أبو الدرداء، أو عبد الله بن عمر أو سفيان بن عبد الله الثقفي.\nوهذا الرجل طلب من النبي - ﷺ - أن يوصيه وصية وجيزة جامعة لخصال الخير، ليحفظها عنه فوصاه أن لا يغضب ثم ردد هذه المسألة عليه مرارًا والنبي - ﷺ - يردد عليه هذا الجواب.\nوهذا الحديث يدل على أن الغضب جماع الشر، وأن التحرز منه جماع الخير.\nوقد روى الإمام أحمد من حديث الزهري، عن حميد عبدالرحمن عن رجل من أصحاب النبي - ﷺ - قال: قلت يا رسول الله أوصني قال: (لا تغضب).\nقال الرجل: تفكرت حين قال النبي ما قال: فإذا الغضب يجمع الشر كله.\nورواه مالك- في الموطأ عن الزهري، عن حميد مرسلًا.\n(وروى أبو القاسم الطبراني -في مكارم الأخلاق- وأبو عمر بن عبدالبر -في التمهيد- بإسناد حسن، عن عبدالله بن عمرو بن العاص -﵄- قال: سأل جل رسول الله - ﷺ - ما يبعدني من غضب الله؟ قال: \"لا تغضب\". ورواه أحمد بن حيان -في صحيحه-: وعندهما أن عبدالله بن عمرو هو السائل.\nفنهيه - ﷺ - عن الغضب لا سيما وقد ردده مرارًا دليل على دخوله تحت الوسع، وإلا لم ينه عن المحال. وعلى عظم مفسدته وما ينشأ منه. والله أعلم.\nوقال جعفر بن محمد: (الغضب مفتاح كل شر. وقيل لعبد الله بن المبارك: اجمع لنا حسن الخلق في كلمة).\nقال: ترك الغضب.\nفقوله - ﷺ - للذي استوصاه: (لا تغضب) يحتمل أمرين:\nأحدهما أن يكون مراده الأمر بالأسباب التي توجب حسن الخلق من الكرم والشجاعة والحلم والحياء والتواضع والاحتمال وكف الأذى والصفح والعفو وكظم الغيظ والطلاقة","vol":"1","page":335},{"text":"والبشر ونحو ذلك من الأخلاق الجميلة، فإن النفس إذا تخلقت بهذه الأخلاق وصارت لها عادة، أوجب لها ذلك دفع الغضب عند حصول أسبابه.\nوالثاني: أن يكون المراد لا تعمل بمقتضى الغضب إذا حصل لك وجاهد نفسك على ترك تنفيذه والعمل بما يأمر به، فإن الغضب إذا ملك ابن آدم كان كالآمر الناهي له، ولهذا المعنى قال الله ﷿: ﴿ولما سكت عن موسى الغضب ...﴾.\nفإذا لم يمسك الإنسان ما يأمره به غضبه، وجاهد نفسه على ذلك اندفع عنه شر الغضب وربما يمكن غضبه ويذهب عاجلًا فكأنه -حينئذ- لم يغضب.\nقال ابن رجب: وإلى هذا وقعت الإشارة إليه في القرآن (في) قوله -تعالى: ﴿وإذا ما غضبوا هم يغفرون﴾.\nوقوله: ﴿... والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين﴾.\nوالغيظ: الغضب. وقيل: أشد. وقيل: أوله. غاظه يغيظه فاغتاظ وغيظه يغيظه وأغاظه وغايظه.\nوكظم الغيظ رده في الجوف. يقال: كظم غيظه أي سكت عليه ولم يظهره مع قدرته على إيقاعه. والغيظ أصل الغضب وهو نتيجته وكثيرًا ما يتلازمان لكن الفرق بينهما أن الغيظ لا يظهر على الجوارح بخلاف الغضب فإنه يظهر من باطن الإنسان إلى ظاهره والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-98>فصل (٥): فضيلة كظم الغيظ:</span>\nوقد جاء في كظم الغيظ والثبات عند الغضب أحاديث من أمثلتها. ما ثبت في الصحيحين ومسند أحمد، والموطأ من حديث أبي هريرة مرفوعًا: \"ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب\".","vol":"1","page":336},{"text":"ورواه ابن حبان -في صحيحه- ولفظه: \"ليس الشديد من غلب الناس، إنما الشديد من غلب نفسه\".\nالصرعة -بضم- الصاد، وفتح الراء- أصله عند العرب- من يصرع الناس كثيرًا. وفي صحيح مسلم ومسند أحمد وسنن أبي داود عن ابن مسعود مرفوعًا (ما تعدون الصرعة فيكم؟ قالوا الذي لا تصرعه الرجال. قال: لا ولكن الذي يملك نفسه عن الغضب).\nوفي مسند الإمام أحمد من حديث ابن حصية أو أبي حصية عن رجل شهد سول الله - ﷺ - يخطب. وفي آخره. ثم قال النبي - ﷺ -: (ما الصرعة؟ قالوا: الصريع). فقال رسول الله - ﷺ -: (الصرعة كل الصرعة الذي يغضب فيشتد غضبه، ويحمر وجهه، ويقشع شعره فيصرعه غضبه).\nوروى ابن أبي الدنيا من حديث علي مرفوعًا: \"أشدكم من ملك نفسه عند الغضب، وأحلمكم من عفا عند المقدرة\".\nوروى أبو الاسم الأصبهاني -في الترغيب والترهيب- عن حديث ابن عمر مرفوعًا \"من كف لسانه ستر الله عورته، ومن ملك غضبه وقاه الله عذابه، ومن اعتذ إلى ربه قبل الله عذره\".\nورواه أبو يعلى الموصلي بلفظ: \"من كف غضبه كف الله عنه عذابه\" فذكر مثله.\nوروى أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه من حديث سهل بن","vol":"1","page":337},{"text":"معاذ بن أنس الجهني، وعن أبيه مرفوعًا: \"من كظم غيظًا وهو قادر على (أن) ينفذه دعاه الله -﷿- على رؤوس الخلائق يوم القيامة حتى يخيه من أي حور العين شاء\" الحديث\nقال الترمذي: حديث حسن.\nوعند \"أحمد\": \"من كظم غيظًا وهو يقدر أن ينتصر ... \" فذكره.\nوروى أحمد -أيضًا- وابن أبي الدنيا من حديث ابن عباس مرفوعًا: \"ما من جرعة أحب إلى الله من جرعة غيظ كظمها عبد، ما كظمها عبد إلا ملأ الله قلبه إيمانًا\".\nوفي مسند أحمد، وسنن ابن ماجه من حديث ابن عمر مرفوعًا. \"ما تجرع عبد جرعة أفضل عند الله من جرعة غيظ يكظمها ابتغاء وجه الله -تعالى-\".\nففي هذه الأحاديث دلالة على فضل كظم الغيظ، وإمساك النفس عند الغضب عن الانتصا والمخاصمة، فإن شدة الغضب مؤدية إلى كل سوء.\nوغضب عمر بن العزيز -رحمة الله عليه- فقال له ابنه عبد الملك: أنت يا أمير المؤمنين مع ما أعطاك الله وفضلك به تغضب هذا الغضب؟ فقال له: أو ما تغضب يا عبد الملك؟ فقال عبد الملك: وما تغني عني سعة جوفي إذا لم أردد فيه الغضب حتى لا يظهر.\nوقال بعض السلف: (إياك والغضب، فإنه يصيرك إلى ذل الاعتذار).\nوقال بعضهم: عجبًا لمن قيل فيه السوء وهو فيه. كيف يغضب؟ وعجبًا لمن قيل فيه الخير وليس فيه كيف يفرح؟ أيها الآمر زل المنكر بمعروف وتبتل واستشعر الخضوع واستجلب الدموع واحتل، واحذر سهم الغضب أن يصيب المقتل.\nوالمقصود أن يحسن الخلق بكظم الإنسان غيظه وبه يصير الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر صابرًا على ما أصابه في دين الله -تعالى- وإلا فإذا أصيب عرضه أو نفسه بشتم أو","vol":"1","page":338},{"text":"ضرب لنسي الأمر بالمعروف وغفل عن دين الله تعالى واشتغل بنفسه بل ربما يطلب الجاه والاسم وغير ذلك.\nليكن الآمر الناهي -حينئذ- حذرًا من نفسه، مفتقدًا لمجاري الغضب المفسد للدين وإلا كان ما يفسده أكثر مما يصلحه.\nوروى الإمام أحمد -في الزهد- بسنده، عن يحيى بن أبي كثير -رحمة الله عليه- قال: قال سليمان بن داود -﵉- لابنه: يا بني إياك والغضب، فإن كثرة الغضب يستخف فؤاد الحليم. يا بني إياك والمراء، فإن نفعه قليل. وهو يهيج العداوة بين الإخوان.\nوقال بعض السلف: الغضب يحدث ثلاثة أشياء مذمومة: تفرق الفهم، وتغير النطق، وقطع مادة الحجة.\nوقال إبراهيم بن أدهم. أنا منذ عشرين سنة لي أخ، إذا غضب علي لم يقل في إلا الحق- لا أجده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-99>فصل (٦): أساليب إذهاب الغضب:</span>\nوينبغي للمغضب أن يذهب غضبه بأشياء: منها، الاستعاذة؛ لقوله -تعالى-: ﴿وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله ...﴾.\nوفي الصحيحين، وسنن أبي داود من حديث- سليمان بن صرد -﵁- قال: استب رجلان عند رسول الله - ﷺ - ونحن عنده فبينما أحدهما يسب صاحبه مغضبًا وقد احمر وجهه وانتفخت أوداجه. قال رسول الله - ﷺ -: (إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه الذي يجد. لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) فقال: وهل بي من جنون.","vol":"1","page":339},{"text":"وعند أبي داود: فجعل أحدهما تحمر عيناه وتنتفخ أوداجه. وفي آخره: وهل ترى بي من جنون.\nومنها. ذكر الله -تعالى- وذكر وعده ووعيده. ففي بعض الآثار يقول الله تعالى: (يا ابن آدم اذكرني إذا غضبت أذكرك إذا غضبت ولا أهلكك فيمن أهلك) رواه ابن أبي حاتم.\nومنها ذكر نار جهنم، فقد قال الحسن البصري: أيها الناس أطفئوا نار الغضب بذكر نار جهنم.\nوقال أبو الدرداء: أقرب ما يكون العبد من غضب الله إذا غضب.\nومنها: السكوت؛ لما روى الإمام أحمد، والبزار من حديث ابن عباس مرفوعًا: \"علموا ويسروا ولا تعسروا، وإذا غضب أحدكم فليسكت، وإذا غضب أحدكم فليسكت وإذا غضب أحدكم فليسكت\".\nوهذا -أيضًا- دواء عظيم للغضب، لأن الغضبان يصدر منه في حال غضبه من القول والفعل ما يندم عليه بعد زوال غضبه.\nومنها: جلوسه إذا كان قائمًا واضطجاعه إذا كان قاعدًا، لما روى الإمام أحمد، وأبو داود من حديث أبي ذر مرفوعًا: \"إذا غضب أحدكم وهو ائم فليجلس، فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع\".\nقال بعض العلماء؛ لأن القائم مهيئ للانتقام، والجالس دونه في ذلك، والمضطجع بعيد عنه. فأمر رسول الله - ﷺ - بالتباعد عن حالة الانتقام.\nولهذا المعنى قال النبي - ﷺ - في الفتن: (إن المضطجع فيها خير من القاعد، والقاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي فيها خير من الساعي ...) والله أعلم.","vol":"1","page":340},{"text":"ومنها: أن يتوضأ، لما روى الإمام أحمد، وأبو داود من حديث أبي وائل عبدالله بن بحير الصنعائي قال: كنا جلوسًا عند عروة بن محمد السعدي إذا دخل عليه رجل فكلمه بكلام أغضبه، فلما أن غضب قام ثم عاد إلينا وقد توضأ فقال: حدثني أبي عن جدي \"عطية\" وكان له صحبة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خلق من النار، وإنما يطفئ النار الماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ).\nوروى أبو نعيم -في الحلية- بسنده عن أبي مسلم الخولاني. أنه كلم معاوية -﵁- بشيء وهو على المنبر، فغضب، ثم نزل واغتسل، ثم عاد إلى المنبر وقال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (إن الغضب من الشيطان، والشيطان من النار والماء يطفئ النار، فإذا غضب أحدكم فليغتسل) وأمره - ﷺ - بالسكوت والجلوس والاضطجاع والوضوء وغير ذلك يدل على أنه مكلف في حال غضبه بذلك، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-100>فصل (٧): استحباب الغضب عند انتهاك حرمات الله:</span>\nفجميع ما تقدم من ذم الغضب لمجرد هوى النفس لانتهاك حرمات هوى النفس لانتهاك حرمات الله -تعالى- وكما نستحب كتم الغيظ والعفو إذا انتهكت حرمة الإنسان، فكذلك يستحب الغضب إذا انتهكت حرمات الله -﷿- قال الله -تعالى: ﴿قتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين ويذهب غيظ لوبهم ويتوب الله على من يشاء والله عليم حكيم ...﴾.\nوقال تعالى: ﴿... ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه ...﴾.\nوقال تعالى: ﴿يأيها النبي جهد الكفار والمنفقين واغلظ عليهم ..﴾.\nفالله تعالى يغضب كما شاهد به الكتاب والسنة لا سيما على من لم يغضب له، فإن المرء إذا رأى منكرًا ولم يغضب لله ولم يغيه، غضب الله عليه وإذا لم يتمعر وجهه لحقه الإثم كما سبق في غير ما حديث.","vol":"1","page":341},{"text":"وقد كان رسول الله - ﷺ -: (يغضب لله إذا انتهكت حرماته). ففي الصحيحين، والموطأ، ومسند أحمد، وسنن أبي داود، وأبن ماجه، وغيرهم من حديث عائشة -﵂- قالت: ما ضرب رسول الله - ﷺ - شيئا قط بيده ولا امرأة ولا خادمًا إلا أن يجاهد في سبيل الله، وما نيل منه شيء قط فينتقم من صاحبه إلا أن ينتهك شيء من حرمات الله فينتقم لله-تعالى- هذا لفظ مسلم.\nوروى الترمذي-في الشمائل- من حديث علي- كرم الله وجهه- قال: (كان) رسول الله - ﷺ - لا يغضب للدنيا، فإذا أغضبه التعدي على الحق لم يعرفه أحد ولم يقم لغضبه شيء حتى ينتصر (له) ولا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها\".\n(وفي الشمائل -أيضًا- من حديث هند أبي هالة. أنه كان - ﷺ - يغضب لربه لا لنفسه). وفيه (وكان لا تغضبه الدنيا وما كان منها فإذا تعدى الحق لم يقم لغضبه شيء حتي ينتصر له. ولا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها).\nوفي صحيح مسلم من حديث جابر﵁- قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته واشتد غضبه .. \".\nوقد بوب أبو عبد الله البخاري على ذلك- في صحيحه- فقال: باب الغضب في الموعظة والتعليم إذا رأى ما يكره. ثم روى- بإسناده- عن (أبي) مسعود﵁- قال: قال رجل: يا رسول الله لا أكاد أدرك الصلاة مما يطول بنا فلان. فما رأيت النبي - ﷺ - في موعظة أشد غضبًا من يومئذ. فقال: (أيها الناس، إن منكم منفرين، فمن صلى بالناس فليخفف، فإن فيهم المريض والضعيف وذا الحاجة).\nورواه مسلم وغيره.","vol":"1","page":342},{"text":"قوله: (إن منكم منفرين) أي عن الجماعات والأمور الإسلامية. وخاطب الكل ولم يعين المطول. كرمًا ولطفًا. وكانت هذه عادته حيث ما كان يخصص العتاب والتأديب بمن يستحقه، حتى لا يحصل الخجل ونحوه على رؤوس الأشهاد. والله أعلم.\nثم ذكر البخاري حديث زيد بن خالد أن النبي - ﷺ - سأله رجل عن اللقطة. قال: (اعرف وكاءها). أو قال: وعاءها وعفاصها ثم عرفها سنة ثم استمتع بها فإن جاء ربها فأدها إليه. قال فضاله الإبل فغضب حتي احمرت وجنتاه. فقال: \"وما لك ولها\" الحديث.\nرواه مسلم -أيضًا- وغيره.\nغضه - ﷺ - في هذا الحديث إنما كان استقصارًا لعلم السائل، وسوء فهمه، إذ لم يراع المعنى المشار إليه، ولم ينتبه له.\nثم ذكر أيضًا حديث أبي موسى الأشعري -﵁- قال: سئل رسول الله - ﷺ - عن أشياء كرهها فلما أكثر عليه غضب. ثم قال للناس: (سلوني عما شئتم قال رجل: من أبي؟ قال: أبوك حذيفة) فقام آخر فقال: من أبي يا رسول الله؟ فقال: (أبوك سالم مولى شيبة) فلما رأى (عمر) ما في وجهه. قال: يا رسول الله إنا نتوب إلى الله﷿).\nرواه مسلم- أيضًا- وغيره.\nوغضبه - ﷺ - في هذا الحديث، لكثرة سؤالهم وإحفائهم في المسألة وفي ذلك إيذاء له.\nقال تعالى: ﴿... وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ...﴾.\nقال تعالى: ﴿غن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة﴾ فلما أكثروا عليه.\nقال: سلوني عما شئتم وأخبر بما سألوه.\nوفي الصحيحين وغيرهما من حديث عائشة﵂- قالت: قدم رسول الله - ﷺ - من سفر وقد سترت سهوة لي بقرام فيه تماثيل فلما رآه رسول الله - ﷺ - هتكه وتلون","vol":"1","page":343},{"text":"وجهه. وقال: (يا عائشة أشد الناس عذابًا يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله).\n(السَّهوة) هي الصُّفَّة بين يدي البيت.\n(والقرام) بكسر القاف- ستر رقيق.\n(وهتكه) أي أفسد الصورة التي فيها.\nوقوله: (تلون وجهه) اي احمر من شدة الغضب.\nوفي مسند الإمام أحمد من حديث أبي شريح الخزاعي الكعبي، وكان من أصحاب رسول الله - ﷺ - قال: أذن لنا رسول الله - ﷺ - يوم الفتح في قتال \"بني بكر\" حتي أصبنا منهم ثأرنا وهو بمكة، ثم أمر رسول الله - ﷺ - يرفع السيف. فلقى رهط منا الغد رجلًا من \"هذيل\" فقتلوه وبادروه أن يخلص إلى رسول الله - ﷺ - قيأمن فلما بلغ ذلك رسول الله - ﷺ - غضب غضبًا شديدًا. قال والله ما رأيته غضب غضبًا أشد منه. الحديث.\nوفي الموطأ من حديث عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه﵄- أن رسول الله - ﷺ - استعمل رجلًا من بني عبد الأشهل على الصدقة فلما تقدم سأله بعيرًا منها. فغضب رسول الله - ﷺ - حتى احمر وجهه وعرف الغضب في وجهه وكان مما يعرف أنه تحمر عيناه ثم قال: (ما بال رجال يسألني أحدهم ما لا يصلح لي ولا له. فإن منعته كرهت منعه. وإن أعطيته، أعطيته ما لا يصلح لي ولا له) \"فقال الرجل: يا رسول الله لا أسألك منها شيئّا أبدًا\".\nوفي الصحيح، عن أبي سعيد الخدري﵁- قال: كان النبي - ﷺ - أشد حياء من العذراء في خدرها، فإذا رأى شيئًا يكرهه عرفناه في وجهه\".\nوروى الطبراني- في الأوسط- بسنده، عن عمرو بن العاص مرفوعًا: \"لا يحق العبد حقيقة الإيمان حتى يغضب لله ويرضى لله، فغذا فعل ذلك فقد استحق حقيقة الإيمان\" .. الحديث.\nإلى غير ذلك من الاحاديث الصريحة بغضب النبي - ﷺ - في أمور وما يتعلق بحقوق المسلمين، لأنه كان مع لينه ولطفه إذا انتهكت حرمات الله، لم يقم لغضبه شيء- كما تقدم قريبًا-.","vol":"1","page":344},{"text":"ولم يكن - ﷺ - يواجه أحدًا بما يكره، بل كانت تعرف الكراهة في وجهه-كما تقدم- وسيأتي-في هذا الباب- قول أبي سليمان الداراني من روايه البيهقي- في الشعب- إنما الغضب علي أهل المعاصي لجرأتهم عليها، فإذا تذكرت ما يصيرون اليه من عقوبة الآخرة دخلت قلوب الرحمة إليهم.\nفينبغي- حينئذ- للمؤمن أن يغضب لله- سبحانه- إذا انتهكت حرماته، لكن يكون غضبه غير مخرج حد للإنحراف، إلى قول ما لا يحل وفعل ما لا يجوز له.\nوروى الطبراني- في المعجم الصغير- من حديث أنس بن مالك أن رسول الله - ﷺ - قال: (ثلاث من اخلاق أهل الإيمان، من إذا غضب لم يدخله غضبه في باطل ومن إذا رضي لم يخرجه رضاه من حق، ومن إذا قدر لم (يتعاط) ما ليس له).\nومن وصيه محمد بن جعب القرظي، لعمر بن عبد العزيز- رحمة الله عليهما- (ثلاث من كن فيه استكمل الإيمان بالله﷿- من إذا رضي لم يدخله رضاه في الباطل، وإذا غضب لم يخرجه غضبه من الحق، وإذا قدر لم يتناول ما ليس له.\nوأنشدوا:\nوإذا غضبت فكن وقورًا كاظمًا ... للغيظ تبصر ما تقول وتسمع\nفكفى به شرفًا تصبر ساعة ... يرضى بها عنك الإله ويدفع\n(فإن قيل: كيف أغضب علي من أمرت أن أتواضع له، وأترك التكبر عليه) - كما سيأتي بعد-؟\nقيل. تغضب لمولاك وسيدك، إذا أمرك أن تغضب لا لنفسك. وأنت في غضبك لا تري نفسك ناجيًا، ومن تأمره وتغضبه عليه هالكًا. بل يكون خوفك علي نفسك بما علم الله من خفايا ذنوبك أكثر من خوفك عليه مع الجهل بالخاتمة. وليس من ضرورة الغضب لله أن تتكبر علي المغضوب عليه وترى قدرك فوق قدره. ومثال ذلك: أنه إذا كان للملك غلام وولد هو قرة عينه وقد وكل الغلام بالولد، ليراقبه وأمره أن يغضب عليه ويضربه إذا أساء أدبه، وأشتغل بما لا يليق به، فإن كان الغلام مطيعًا محبًا لمولاه فلا يجد بدًا من أن يغضب عليه، إذا رأى ولده قد أساء الأدب، وإنما يغضب عليه لمولاه ولأنه أمره به وهو يريد التقرب بامتثال أمره، ولأنه يرى من ولده ما يكره مولاه فيضرب ولده، ويغضب من غير","vol":"1","page":345},{"text":"تكبر عليه بل (هو) متواضع يرى قدره عند مولاه فوق قدر نفسه، لأن الولد أعز لا محالة من الغلام. ومع ذلك فينبغي أن يكون غضبه بحكم الأمر (محبه) لمولاه إذا جرى ما يكرهه، مع التواضع لمن يجوز أن يكون عنده أقرب منه في الآخرة. وأما المغرور فإنه يتكبر ويرجو لنفسه (أكثر) مما برجوه لغيره مع جهله بالعاقبة، ولذلك غاية الغرور.\nقال بعضهم: والفرق بين الغضب للحق، والغضب للنفس، أن الغضب للحق كرجل رأي منكرًا فغار لله﷿- ولمحق ذلك المنكر وإبطاله فهو محمود، والغضب للنفس فهو كرجل رأي منكرًا فحميت نفسه، لأنه رجع إلى نفسه فقال بين يدي مثل هذا؟ ! ولقد استهزئ بقدري واجترئ علي. فهذا الغضب مردود والإنكار فيه غير مقبول. انتهي.\nوسيأتي الكلام علي التكبر- في الأمر بالمعروف والنهي، واستحقار المأمور- في الباب الخامس- إن شاء الله تعالي. والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-101>فصل (٨): وجوب حذر الغاضب عند انتهاك حرمات الله من الشوائب الدنيوية</span>.\nثم ليحذر في غضبه من الشوائب الدنيوية، لأن ذلك من أسباب زلته وخذلانه، كما في الإسرائيليات أن عابدًا عبد الله- تعالى- دهرًا طويلًا فجاء قوم فقالوا: إن ههنا (قومًا) يعبدون شجرة من دون الله، فغضب لذلك، وأخذ فأسه علي عاتقه، وقصد الشجرة ليقطعها فاستقبله \"إبليس\" في صورة شيخ. فقال: أين تريد رحمك الله؟ قال: أريد قطع هذه الشجرة. قال وما أنت وذاك! تركت عبادتك واشتغالك بنفسك وتفرغك لغير ذلك؟ فقال: إن هذا من عبادتي. فقال: فإني لا أتركك أن تقطعها، وقاتله فأخذه العابد فطرحه علي الأرض، وقعد علي صدره. فقال له \"إبليس\" أطلقني حتى أكلمك، فقام عنه. فقال له \"إبليس\": يا هذا إن الله أسقط عنك هذا ولم يفرضه عليك، وما تعبدها أنت فما عليك من غيرك ولله-تعالي - أنبياء في الأرض ولو شاء لبعثهم إلى أهلها وأمرهم بقطعها. قال العابد: لا بد لي من قطعها فنابذه القتال، فغلبه العابد وصرعه وقعد علي صدره فعجز \"إبليس\" فقال له: هل لك من أمر فصل بيني وبينك وهو خير لك وأنفع؟\nقال: بلى.\nقال: أطلقني حتى أقول لك، فأطلقه.","vol":"1","page":346},{"text":"فقال \"إبليس\": انت رجل فقير ولا شيء لك إنما أنت كل على الناس يعولونك، ولعلك تحب أن تتفضل على إخواتك وتواسي جيرانك وتستغني عن الناس؟\nقال: نعم. قال: فأرجع عن هذا الأمر ولك أن أجعل عند رأسك في كل ليلة دينارين إذا أصبحت أخذتهما وأنفقت على نفسك وعلى عيالك وتصدقت على إخواتك، فيكون ذلك أنفع لك وللناس من قطع الشجرة التي يغرس مكانها فلا يضرهم قطعها ولا ينفع إخواتك المؤمنين قطعك إياها!\nففكر العابد فيما قال. وقال: صدق الشيخ لا يلزمني قطع هذه الشجرة ولا أمرني الله أن أقطعها فأكون عاصيًا بتركها، وما ذكره الشيخ اكثر منفعة فعاهده على الوفاء بذك وحلف له، فرجع العابد إلى معبده فبات فلما أصبح رأى العابد دينارين تحت رأسه فأخذهما وكذلك في اليوم الثاني، فلما أصبح في الثالث والرابع لم (ير) شيئًا، فغضب، فأخذ فاسه على عاتقه فاستقبله \"إبليس\" في صورة الشيخ فقال: إلى أين؟ فقال: أقطع تلك الشجرة، فقال: كذبت والله ما أنت بقادر على ذلك ولا سبيل لك عليها.\nقال:\nفتناوله العابد، ليأخذه كما فعل أول مرة فقال \"إبليس\" له: هيهات فأخذه فصرعه فإذا هو كالعصفور بين رجلي \"إبليس\" وقعد على صدره. وقال: لتنتهين عن هذا الأمر أو لأذبحنك، فنظر العابد فإذا لا طاقة له به. قال: يا هذا غلبتني فخل عني وأخبرني كيف غلبتك أولًا وغلبتني الآن؟ قال: لأنك غضبت اول مرة لله- تعالى- وكانت نيتك الآخرة فصرعتني، وهذه المرة غضبت لنفسك وللدنيا فصرعتك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-102>فصل (٩): استحباب الحلم والعفو للآمر بالمعروف الناهي عن المنكر</span>\nومما يستحب للآمر بالمعروف الناهي عن المنكر بل لكل أحد الرفق والحلم والعفو.\nأما الرفق فقال الله- تعالى- في سورة البقرة: ﴿... وقولوا للنَّاس حسنًا ...﴾ وقال في سورة آل عمران: ﴿فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظًا غليظ القلب لأنفضُّوا من حولك ...﴾.","vol":"1","page":347},{"text":"وقال في سورة الأعراف: ﴿خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين﴾.\nوقال تعالى في سورة النحل: ﴿ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ...﴾.\nوقال تعالى في سورة طه خطابًا لمويى وهارون حين بعثهما إلى فرعون: ﴿فقولًا له قولًا لينًا لعله يتذكر أو يخشى﴾.\nوقال تعالى في سورة فصلت: ﴿ولا تستوى الحسنة ولا السيئة أدفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم﴾.\nأما آية البقرة قوله تعالى: ﴿... وقولوا للناس حسنًا ..﴾ معناها خالقوا الناس بخلق حسن فكأنه- سبحانه- يأمر الناس بحسن المعاشرة مع الناس فينبغي للإنسان (أن يكون) قوله للناس لينًا ووجهه منبسطًا طلقًا مع البر والفاجر والسني والمبتدع، من غير مداهنة، ومن غير أن يتكلم بكلام يظن أنه يرضي مذهبه، لأن الله- تعالى- قال لموسى وهارون: ﴿فقولا قولًا لينًا﴾ فليس البر بأفضل من موسى وليس الفاجر بأخبث من فرعون وقد أمرهما باللين معه.\nوقال طلحة بن عمر: قلت لعطاء: غنك رجل تجمع الناس عندك ذوو أهواء مختلفة وأنا رجل وفي حدة، فأقول لهم بعض القول الغليظ. فقال: لا تفعل، يقول الله ﴿وقولوا للناس حسنًا﴾ فدخل في ذلك اليهود والنصارى فكيف الحنيفي؟ وقال سفيان الثوري: معنى الآية (مروهم بالمعروف وانهوهم عن المنكر).\nكما قال الحسن البصري- رحمة الله عليه-: الحسن (من) القول أمر بالمعروف وينهي عن المنكر ويحلم ويعفو وبصفح.\nوأما آية آل عمران. فقوله لنبيه - ﷺ -: ﴿فبما رحمة من الله﴾ و(ما) هنا صلة ﴿لنت لهم﴾، أي سهلت لهم أخلاقك وكثر احتمالك ﴿ولو كنت فظًا﴾ يعني جافيًا سيء الخلق قليل الاحتمال ﴿غليظ القلب﴾.","vol":"1","page":348},{"text":"قال الكلبي (فظًا) في القول، غليظ القلب في الفعل ﴿لاتفضوا من حولك﴾ أي لنفروا وتفرقوا عنك ﴿فاعف عنهم﴾ أي تجاوز عنهم ما أتوا يوم أحد ﴿واستغفر لهم﴾ حتي أشفعك فيهم ﴿وشاورهم في الأمر﴾ أي استخرج آراءهم واعلم ما عندهم.\nواختلفوا في المعنى الذي لأجله أمره بالمشاورة مع كمال عقله وجزالة رأيه ونزول الوحي عليه ووجوب طاعته على الخلق.\nفقال \"مقاتل\": أمره الله-تعالى- بمشاورتهم تطيبًا لقلوبهم، فإن ذلك أعطف بهم عليهم وأذهب لأضغانهم كما ذكر \"البغوي\" وغيره، والله أعلم.\nوأما آية الأعراف، فقال المفسرون: (هي خطاب وتأديب للنبي - ﷺ - ويعم جميع الأمة وهو أمر يجمع\nمكارم الأخلاق (والآية ثلاث كلمات تضمنت قواعد الشريعة في المأموريات والمنهيات. فقوله: ﴿خذ العفو﴾ دخل فيه صلة القاطعين، والعفو عن المذنبين والرفق بالمؤمنين وغير ذلك من أخلاق المطيعين). وقال بعض المفسرين: قوله: ﴿خذ العفو﴾ يعني اقبل الميسور من أخلاق الناس. ولا تستقص عليهم فيستقصوا عليك ويتولد منه البغضاء والعداوة.\n(ودخل في قوله: ﴿وأمر بالعرف﴾ صلة الأرحام، وتقوى الله في الحلال والحرام، وغض الأبصار، والاستعداد لدار القرار).\nقال عامر بن شراحيل الشعبي. سأل رسول الله - ﷺ - جبريل عن قوله- تعالى-: ﴿خذ العفو﴾ فأخبره \"أن\nتعفو عمن ظلمك وتعطي من حرمك وتصل من قطعك\".\nوفي مسند الإمام أحمد من حديث أنس بن معاذ الجهني﵁- عن رسول الله - ﷺ - قال:\n(أفضل الفضائل أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتصفح عمن ظلمك).","vol":"1","page":349},{"text":"وفي \"مستدرك الحاكم\" من حديث أبي (بن) كعب مرفوعا. \"من سره ان يشرف له البنيان، وترفع له الدرجات فليعف عمن ظلمه ويعط من حرمه ويصل من قطعه\".\nوقال: صحيح على شرط الشيخين.\nوفي مسند البزار، ومعجم الطبراني من حديث عبادة بن الصامت مرفوعًا: \"ألا أدلكم على ما يرفع الله به الدرجات؟ قالوا: نعم يا رسول الله. قال: (تحلم على من جهل عليك وتعفو عمن ظلمك وتعطي من حرمك وتصل من قطعك).\nوروى البزار، والطبراني والحاكم من حديث أبي هريرة مرفوعًا: \"ثلاث من كن فيه حاسبه الله حسابًا يسيرًا وأدخله الجنة برحمته، قالوا: وما هي يا رسول الله بأبي أنت وأمي؟ قال: (تعطي من حرمك وتصل من قطعك وتعفو عمن ظلمك وإذا فعلت ذلك تدخل الجنة) \".\nوعن علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه- قال: وجدنا في قائم سيف رسول الله - ﷺ -: \"أعف عمن ظلمك، وصل من قطعك، وأحسن إلى من أساء إليك، وقل الحق ولو على نفسك\" ذكره رزين.\nوروى الإمام أحمد- في الزهد- بسنده، عن الحسن بن علي، عن أبيه﵄- أن عيسى﵇- قال: \"امرت أن أصل من قطعني، وأعطي من حرمني وأعفو عمن ظلمني، وأن أكون لابن السبيل أهلًا، وللضعيف ضهرًا\".\nوفي قوله تعالى: ﴿وأعرض عن الجاهلين﴾ دليل على التخلق بالحلم. والإعراض عن أهل الجهل، والتنزه عن منازعة السفهاء. وغير ذلك من الأخلاق الحميدة والصفات السديدة.\nوفي صحيح أبي عبد الله البخاري، وسنن أبي داود من حديث هشام بن عروة، عن","vol":"1","page":350},{"text":"أبيه عن الزبير بن العوام﵁- قال: \"ما أنزل الله هذه الآية ﴿خذ العفو وأمر بالعرف﴾ إلا في أخلاق الناس\".\nوفي رواية قال: أمر الله نبيه - ﷺ - أن يأخذ العفو من أخلاق الناس\".\nوفي رواية قال: أمر الله نبيه - ﷺ - أن يأخذ العفو من أخلاق الناس\nوروى ابن أبي الدنيا بسنده، عن عبد الملك بن عطاء في قوله- تعالى: ﴿.. وقولوا للناس حسنًا ..﴾ قال: للناس كلهم المشرك وغيره.\nفقوله: ﴿وأمر بالعرف﴾ أي بالمعروف، لأن العرف والمعروف كل خصلة حسنة.\nوقوله: ﴿وأعرض عن الجاهلين﴾ أي أقمت عليهم الحجة، وأمرتهم بالمعروف فجهلوا عليه فأعرض عنهم، صيانة لهم، ورفعًا لقدره.\nقال جعفر الصادق: أمر الله- تعالى- نبيه - ﷺ - بمكارم الأخلاق، وليس في القرآن أجمع لمكارم الأخلاق منها.\nوفي صحيح البخاري من حديث عبد الله بن عباس﵄- قال: قدم عليه (عيينة) بن حذيفة، فنزل على ابن أخيه الحر بن قيس، وكان من النفر اللذين يدينهم عمر. وكان القراء أصحاب مجلس عمر ومشورته كهولًا كانوا أو شبابًا. فقال عيينة لابن أخيه: يا ابن أخي لك وجه عند هذا الأمير فاستأذن لي عليه. قال: سأستأذن لك عليه. قال ابن عباي: فاستأذن الحر لعيينة، فأذن له \"عمر\" فلما دخل. قال: يابن الخطاب، فوالله ما تعطينا الجزل، ولا تحكم فينا بالعدل. فغضب عمر حتى هم أن يوقع به. فقال له الحر: يا أمير المؤمنين إن الله قال لنبيه - ﷺ -: ﴿خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين﴾ وإن هذا من الجاهلين. والله ما جاوزها عمر حين تلاها وكان وقافًا عند كتاب الله﷿-.\nفواجب على الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر عند جهل الجاهلين، الإعراض","vol":"1","page":351},{"text":"عنهم، وعدم مقابلتهم والانتقام منهم لنفسه إذا سفهوا عليه.\nوأنشدوا:\nخذ العفو وأمر بعرف كما ... أمرت وأعرض عن الجاهلين\nوعند اقتدارك كن راحمًا ... وأظهر دوامًا ما الجاه لينا\nفاعفو (عمن) ظلم، والإحسان إلى من أساء من أخلاق الصديقين لكن إنما يحسن الإحسان إلى من ظلمك. فاما من ظلم غيرك وعصى الله به فلا يحسن الإحسان فيه، لأن في الإحسان إلى الظالم إساءة إلى المظلوم وهو أولى بالمراعاة وتقوية قلبه بالإعراض عن الظالم لأن ذلك أحب إلى الله، فأما إذا كنت أنت المظلوم فالأحسن في حقك العفو والصفح والاحتمال. والله أعلم.\nوأما آية النحل. فقال- تعالى-: ﴿أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ...﴾.\nفأمر سبحانه- وتعالى- نبيه - ﷺ - أن يدعو إلى دين الله وشرعه بتلطف من القول.\nوهو أن يسمع المدعو حكمة، وهو الكلام الصواب القريب الواقع من النفس أجمل موقع.\nوالحكمة: القرآن. قاله ابن عباس. وعنه الفقه. وقيل: الدليل الموضح للحق، المزيل للشبه وقيل. ما يمنع الفساد من آيات ربك المرغبة المرهبة.\nوالموعظة الحسنة. مواعظ القرآن، قاله ابن عباس. وعنه- ايضًا- الأدب الجميل الذي يعرفونه. وقيل: ان تختلط الرغبة بالرهبة، والإنذار بالبشارة. وقيل: هي التي لا تخفى عليهم انك مناصحهم بها، وتقصد ما ينفعهم فيها.\nقوله: ﴿وجادلهم بالتي هي أحسن﴾ أي بالتي هي أحسن طرق المجادلة من الرفق واللين من غير فظاظة ولا تعنيف.\nوروى أحمد- في كتاب الزهد- بسنده عن (الحسن البصري) أن هرم بن حيان لما احتضر. قيل له: أوصنا. فقال لهم: (أوصيكم بخواتيم سورة النحل ﴿ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة ...﴾ حتى ختم السورة).","vol":"1","page":352},{"text":"وأما أنه سبحانه- وتعالى- قال: ﴿وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن﴾. قيل: نزلت في عمر بن الخطاب -﵁- وذلك أن رجلًا من العرب شتمه فأمر الله﷿- بالعفو.\nقال الكلبي: كان المشركون يؤذون أصحاب رسول الله - ﷺ - بالقول والفعل فشكوا ذلك إلى رسول الله فأنزل الله الآية. يعني: وقل لعبادي المؤمنين يقولوا للكافرين التي هي أحسن ولا يكافئوهم بسفههم. وذلك قبل أن يؤمروا بالجهاد). والله أعلم. وأما آية طه. فقال- تعالى- لموسى وهارون: ﴿اذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا له قولًا لّنا ...﴾.\nقال ابن العباس: لا تعنفا في قولكما ولا تغلظا. وقال ألسدي وعكرمة: كنياه، وقولا له يا أبا العباس. وقيل يا أبا المنذر. وقال مقاتل: يعني بالقول اللين: ﴿هل لّك إلى أن تزكى﴾ وقوله تعالى: ﴿.. لّعلّه يتذكر أو يخشى﴾ أي يسلم. قال يحيى بن معاذ الرازي- قدس الله روحه- وقد قرأ هذه الآية: ﴿هذا رفقك بمن يقول. أنا الإله، فكيف رفقك رفقك بمن يقول. أنت الإله؟ ! !﴾.\nوأما آية فصلت. فقال- سبحانه-: ﴿ولا تستوي الحسنة ولا السيئة أدفع بالتي هي أحسن فإذا الذّي بينك وبينه عدوة كأنه ولي حميم وما يلقها إلا الذين صبروا وما يلقها إلا ذو حظ عظيم﴾.\nلما ذكر- سبحانه- أنه لا أحد أحسن ممن دعا إلى الله، ذكر ما ترتب على ذلك من حسن الأخلاق، وأن الدعي إلى الله- تعالى- قد يجافي المدعو فينبغي أن يرفق به ويتلطف في إيصال الخير إليه.\nقيل: (نزلت في أبي سفيان صخر بن حرب الأموي، وكان عدوا لرسول الله - ﷺ - فصار وليًا مصافيًا. وقيل: نزلت في أبي جهل بن هشام كان يؤذي رسول - ﷺ - فأمره الله","vol":"1","page":353},{"text":"-تعالى- بالصبر عليه، والصفح عنه، وذكر أبو الحسن الماوردي وغيره).\nالحسنة والسيئة: الحلم والفحش. وقيل: المداراة والغلظة. وإما إشارة الحسنة والسيئة فأمر أن تدفع بالتي هي أحسن.\nقال ابن عباس: قوله - تعالي: ﴿ادفع بالتي هي أحسن﴾ (هي الصبر عند الغضب والعفو عند الإساءة، فإذا فعلوا عصمهم الله﷿- وخضع لهم عدوهم ذكره البخاري تعليقًا. (والولي الحميم) هو القريب الصديق الخالص الصداقة).\nوأنشدوا:\nبمكارم الأخلاق كن متخلقًا ... ليفوح مسك ثنائك العطر الشذي\nوانفع صديقك، إن صدقت صداقة ... وادفع عدوك بالتي فإذا الذي\nقوله: ﴿وما يلقاها إلا اللذين صبروا﴾ أي ما يلقي اله هذه الوصية. قيل: هذه الخصال الجليلة ﴿إلا الذين صبروا﴾ بكظم الغيظ، واحتمال الأذى ﴿ذو حظ عظيم﴾ من خصال الخير. قال ابن عباس وغيره. والله أعلم.\nوقد جعل الله سبحانه- كلام بعض عباده حسنًا لطيفًا يوفق لعبارات محبوبة وكلمات مقبولة مطلوبة، تكن سببًا للإقبال عليه، والنظر بعين المحبة إليه.\n(كما روي أن معن بن زائدة، دخل على المنصور، فقارب في خطوه. فقال له المنصور: كبرت سنك يا معن؟ قال: في طاعتك يا أمير المؤمنين. قال: إنك لجلد. قال: علي أعدائك. قال وإن فيك لبقية. قال: هي لك).\nوسأل بعض الخلفاء رجلًا عن اسمه. فقال: سعد أمير المؤمنين. قال: أي السعود أنت؟ قال: سعد السعود لك يا أمير المؤمنين. قال: أي السعود أنت؟ قال: سعد السعود لك يا أمير المؤمنين، وسعد الدامج لأعدائك). فاعجبه ذلك.\nوسئل العباس. أنت أكبر أم رسول الله؟ فقال: هو أكبر مني، وأنا ولدت قبله.","vol":"1","page":354},{"text":"وقد روي عن عمر- رضي الله (عنه) أنه (كان) يخرج يعس المدينة بالليل فرأي نارًا موقدة في حي فوقف. قال: يا أهل الضوء، وكره أن يقول يا أهل النار.\nوسأل رجلًا عن شيء هل كان؟ قال: لا أطال الله بقاءك. فقال: قد علمتهم فلم يتعلموا: هل لا وأطال الله بقاءك.\nوكان بعض القضاة جلس أعمي وكان إذا أراد أن ينهض يقول: يا غلام اذهب مع أبي محمد. يقول خذ بيده. قال: والله ما أخل بها مرة واحدة. وسأل بعض الخلفاء ولده وفي يده عود أراك. ما جمع هذا؟ قال: محاسنك بي يا أمير المؤمنين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-103>فصل (١٠): أحاديث من مدح الرفق وذم تاركه:</span>\nوقد جاء في مدح الرفق وذم تاركه في غير ما حديث، وما أحسن ما بوب عليه الإمام أبو عبد الله البخاري- في صحيحه- فقال: باب الرفق في الأمر كله. حدثنا عبد العزيز بن عبد الله قال: حدثنا إبراهيم بن سعد، عن صالح عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير أن عائشة - ﵂ - قالت: دخل رهط من اليهود علي رسول الله - ﷺ - فقالوا: السام عليكم. قالت عائشة: ففهمتها فقلت عليكم السام واللعنة. فقالت: فقال رسول الله - ﷺ -: (مهلًا يا عائشة، إن الله يحب الرفق في الأمر كله) فقلت: يا رسول الله أولم تسمع ما قالوا؟ قال رسول الله - ﷺ -: قد قلت وعليكم).\nوفي رواية نحوه.\nوفي أخري. أن رسول الله - ﷺ - قال: (قد قلت: عليكم). ولم يذكر الواو. هذا لفظ الصحيحين، ومسند أحمد، والترمذي.\nوفي رواية البخاري: \"أن اليهود أتوا النبي - ﷺ - فقالوا: السام عليكم فقال: وعليكم. فقالت عائشة: السام عليكم ولعنكم الله وغضب عليكم. فقال رسول الله - ﷺ -: (يا عائشة عليك بالرفق وإياك والفحش). فقالت أو لم تسمع ما قالوا؟ قال: أو (لم) تسمعي ما قلت؟","vol":"1","page":355},{"text":"رددت عليهم، فيستجاب لي فيهم، ولا يستجاب لهم فيَّ\".\nوفي رواية أحمد كذلك.\nولمسلم، قالت: أتي النبي - ﷺ - ناس من اليهود فقالوا: السام عليكم يا أبا القاسم قال: (وعليكم) قالت عائشة﵂- وعليكم السام والذام. فقال رسول الله - ﷺ -: (يا عائشة لا تكوني فاحشة) فقالت: ما سمعت ما قالوا؟ قال: (أوليس قد رددت عليهم الذي قالوا؟ قلت: وعليكم).\nوفي رواية أخري بنحوه، وفيه: قال: ففطنت بهم عائشة فسبتهم فقال رسول الله - ﷺ - (مه يا عائشة، فإن الله لا يحب الفحش والتفحش). وزاد: فأنزل الله﷿-: ﴿وإذا جاؤوك حيوك بما لم يحيك به الله ...﴾.\nولأحمد، قالت: بينما أنا عند النبي - ﷺ - إذ استأذن رجل من اليهود فأذن له. فقال: السام عليك. فقال النبي - ﷺ -: (وعليك). قالت فهممت أن أتكلم. قالت: ثم دخل الثاني: فقال مثل ذلك. فقال النبي - ﷺ - وعليك قالت: ثم دخل الثالث: فقال: السام عليك: قالت: قلت: بل السام عليكم وغضب الله إخوان القردة والخنازير، \"أتحيون الله - ﷺ - بما لم يحيه به الله؟ ! قالت: فنظر إليَّ. فقال: (مه، إن الله لا يحب الفحش ولا التفحش)، فقالوا قولًا فرددناه عليهم .. الحديث.\nوروي الترمذي الرواية الأولي. وقال حديث حسن صحيح، قوله: (والذام) بتشديد الذال المعجمة وتخفيف الميم- والذم. والله أعلم.\nثم قال أبو عبد الله البخاري: حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب قال: حدثنا حماد بن زيد. قال: حدثنا ثابت، عن أنس﵁- أن أعرابيًا بال المسجد، فقاموا إليه. فقال رسول الله - ﷺ -: (لا تزرموه، ثم دعا بدلو من ماء فصب عليه). وفي رواية فقام الناس إليه ليقعوا فيه. فقال النبي - ﷺ -: (دعوه وأريقوا علي بوله سجلًا من ماء أو ذنوبًا من ماء، فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين).","vol":"1","page":356},{"text":"ورواه مسلم وغيره.\nقوله: (لا تزرموه) بضم التاء وإسكان الزاي بعدها راء- أي لا تقطعوا عليه بوله و(الإزرام) القطع. والسجل- بفتح السين المهملة وسكون الجيم- وهي الدلو الممتلئة بالماء.\nوالذنوب- الدلو. والله أعلم.\nفالحديث دال علي استحباب الرفق بالجاهل وتعليمه ما يلزمه من غير تعسف ولا إيذاء، إذا لم يأت بالمخالفة استخفافًا ولا عنادًا. وعلي دفع أعظم الضررين باحتمال أخفهما من قوله - ﷺ -: (دعوه) وكان قوله - ﷺ - دعوة لمصلحتين.\nإحداهما: لو قطع عليه بوله تضرر، وأصل التنجيس قد حصل، فكان احتمال زيادته أولي من إيقاع الضرر به.\nالثانية: أن التنجيس قد حصل في جزء يسير من المسجد فلو أقاموه في أثناء بوله لتنجست ثيابه وبدنه ومواضع كثيرة في المسجد.\nفكذلك ينبغي للآمر بالمعروف الناهي عن المنكر أن يستعمل في جميع أموره مراعاة المصالح من الرفق وغيره.\nوفي صحيح مسلم وسنن أبي داود من حديث عائشة﵂- أن النبي - ﷺ - قال: (إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع في شيء إلا شانه).\nوفي رواية. قال: ركبت عائشة- رشي الله عنها- بعيرًا وكان فيه صعوبة فجعلت تردده. فقال لها رسول الله - ﷺ -: (عليك بالرفق) وذكر مثله وفي رواية أخري أن رسول الله - ﷺ - قال: (إن الله تعالي رفيق يحب الرفق ويعطي علي الرفق ما لا يعطي علي العنف وما لا يعطي علي سواه) هذه رواية مسلم.\nولأحمد، ولأبي داود، عن المقدام بن شريح، عن أبيه. قال: سألت عائشة- رضي","vol":"1","page":357},{"text":"الله عنها- عن البداوة. فقالت: كان رسول الله - ﷺ - يبدو إلي هذه التلاع، وأنه أراد البداوة مرة، فأرسل إلي ناقة محرمة من إبل الصدقة. فقال لي: يا عائشة، ارفقي، فإن الرفق لم يكن شيء قط إلا زانه ولا نزع من شيء قط إلا شانه).\nوفي رواية ذكرها رزين بعد قوله: محرمة، وهي التي لك تركب فلعنتها. فقال لي رسول الله - ﷺ -: (يا عائشة إن الله يحب الرفق في الأمر كله، فعليك بالرفق).\nولأحمد- أيضًا- أن النبي - ﷺ - قال لها: (من أعطي حظه من الرفق، فقد أعطي حظه من خير الدنيا والآخرة، ومن حرم حظه من الرفق فقد حرم حظه من خير الدنيا والآخرة، وصلة الرحم وحسن الخلق وحسن الجوار يعمران الديار ويزيدان في الأعمار).\nولان ماجه: إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله\".\nقال العلماء: الشين ضد الزين وهو العيب.\nورفق الله: تودده إلي عباده، ودعاؤه إياهم.\nوالعنف بضم العين وإسكان النون هو ضد الرفق ومعني يعطي علي الرفق أي يثيب عليه- ما لا يثيب علي غيره.\nوقيل: يتأتي به من الأغراض وتسهيل به من المطالب ما لا يتأتي بغيره.\nوالبداوة: الخروج إلي البادية. فيها لغتان: فتح الباء وكسرها.\nوالتلاع جمع تلعة، وهي مجري بأعلى الأرض في بطون الأدوية. وقيل: ما ارتفع من الأرض وما انخفض منها.\nوالناقة المحرمة: التي لم ترض ولم تذلل بالركوب- كما سبق في رواية رزين قريبًا-.\nوروي الحديث ابن أبي الدنيا. ولفظه: (ما كان الفحش في شيء إلا شانه). قال العلماء: الفحش التعبير عن الأمور القبيحة بعبارة صريحة. والله أعلم.","vol":"1","page":358},{"text":"وأنشدوا:\nفإن الرفق قيل يمن ... وأن الخرق في الأشياء شؤم\nولبعضهم:\nالرفق يمن والأناة سلامة ... فاستأن في رفق تلاق نجاحا\nوفي صحيح مسلم، وسنن أبي داود، وابن ماجه حديث جرير بن عبد الله مرفوعًا: \"من يحرم الخير وزاد مسلم كله\".\nوفي مسند أحمد وسنن أبي داود من حديث عبد الله بن مغفل مرفوعًا: \"إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي علي الرفق ما لا يعطي علي العنف\".\nومعني الحديث: أن استعمال اللطف يثمر ما لا يثمر العنف غالبًا وأنشدوا:\nينال بالرفق ما يغني الرجال به ... كالموت مستعجلًا يأتي علي مهل\nوفي مسند أحمد، وجامع الترمذي من حديث أبي الدرداء مرفوعًا: \"من أعطي حظه من الرفق أعطي حظه من الرفق أعطي حظه من الخير\".\nقال الترمذي: حديث حسن صحيح.\nوروي أحمد- أيضًا- نحوه من حديث عائشة. ولفظه:\n\"فقد أعطي حظه من خير الدنيا والآخرة\".\nوفي صحيح مسلم- أيضًا- وغيره من حديث عياض بن حماد المجاشعي مرفوعًا: \" ... أهل الجنة ثلاثة ذو سلطان مقسط، ورجل رحيم رقيق القلب بكل ذي قربي ومسلم، ورجل غني عفيف متصدق ... \" الحديث","vol":"1","page":359},{"text":"قوله: (ذو سلطان مقسط) وما بعده مرفوع علي أنها صفات له، وهي بمعني صاحب.\nوانشدوا:\nرأيت الرفق أعلي في السمو ... ولم أر كالتواضع في العلو\nوفي صحيح مسلم، ومسند أحمد من حديث عائشة مرفوعًا:\n(الهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فشق عليهم، فاشقق عليه. ومن ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم، فارفق به).\nوفي الصحيحين من حديث عائشة -﵂- (ما خير رسول الله - ﷺ - بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا فإن كان إثمًا كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسول الله - ﷺ - لنفسه قط إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله تعالي).\nوفي الصحيحين -أيضًا- ومسند أحمد، وسنن أبي داود، والنسائي من حديث أبي موسي الأشعري- رشي الله عنه- قال: بعثني رسول الله - ﷺ - ومعاذًا إلي اليمين- فقال: (ادعوا الناس وبشرا ولا تنفرا ويسرا ولا تعسرا، وتطاوعا ولا تختلفا).\nوفيهما -أيضًا- من حديث أنس بن مالك مرفوعًا: يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا.\nوفي سنن أبي داود من حديث أبي موسي الأشعري﵁- قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا بعث أحدًا من أصحابه في بعض أمره قال: (يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا).\nوروي الإمام أحمد من حديث ابن عباس مرفوعًا: \"علموا ويسروا ولا تعسروا\".","vol":"1","page":360},{"text":"وروى البزار من حديث أبي رافع أن رسول الله - ﷺ - قال لعلي بن أبي طالب: (إن الله أمرني أن أعلمك ولا أجفوك، وأن أدنيك ولا أقضيك فحق علي أن أعلمك، وحق عليك أن تعي).\nقال العلماء: في هذا الحديث الأمر بالتيسير وهو ضد التعسير، ثم بالتبشير أي الإخبار بالخير، نقيض الإنذار وهو الإخبار بالشر، وذلك بفضل الله ورحمته وجزيل عطائه، رفقًا بعباده، والنهي عن التغير بذكر التخويف.\nوهذا الحديث من جوامع الكلم، لاشتماله علي خير الدنيا والآخرة، لأن الدنيا دار الأعمال والآخرة دار الجزاء، فأمر - ﷺ - بالتسهيل فيما يتعلق بالآخرة تخفيفًا لكونه رحمة للعالمين في الدارين. وفي تأليف من قرب إسلامه وترك التشديد عليهم. وكذلك من تاب من أهل المعاصي يتلطف بهم كلهم ويدرجون في أنواع الطاعة قليلًا قليلًا. وقد كانت أمور الإسلام في التكليف علي التدريج فمتى يسر علي الدخل في الطاعة الدخول فيها سهلت عليه (وكانت عاقبته- غالبًا- التزايد فيها، ومتى عسرت عليه أوشك أن لا يدخل فيها، وإن أوشك أن لا يدوم أو لا يستحليها. وفيه أمر الولاة بالرفق. كما ذكر النووي وغيره.\nوفي جامع الترمذي، وصحيح ابن حبان من حديث عبد الله بن مسعود مرفوعًا: \"ألا أخبركم بمن يحرم علي النار، أو بمن تحرم عليه النار؟ علي قريب هين لين سهل\" قال الترمذي: حديث حسن.\nوفي رواية لابن حيان: \"إنما تحرم النار علي كل هين لين قريب سهل\".\nوروي الخرائطي- في مكارم الأخلاق- من حديث جرير مرفوعًا: \"الرفق رأس الحكمة\".","vol":"1","page":361},{"text":"وبسنده عن عائشة مرفوعًا (إن الرفق يمن وإن الخرق شؤم)، ورواه أبو الشيخ عبد الله بن حيان- في كتاب الأمثال- بلفظ: الرفق يمن، والخرق شؤم.\nوفي الشعب- للبيهقي- بسنده، عن عمر بن عبد العزيز﵀ عليه- أنه قال: إن من أحب الأعمال إلي الله﷿- العفو عند المقدرة، وتسكين الغضب عند الحدة، والرفق بعباد الله.\nوروي الطبراني من حديث أبي أمامه مرفوعًا: \"إن الله يحب الرفق ويرضاه ويعين عليه ما لا يعين علي العنف\".\nورواه (مالك) في الموطأ- من حديث خالد بن (معدان) مرسلًا.\nقال ابن عون: (ما تكلم الناس بكلمة صعبة إلا وإلي جانبها كلمة اللين تجري مجراها).\nوروي مالك في الموطأ عن يحيي بن سعيد القطان. قال: إن عيسي ابن مريم﵇- لقي خنزيرًا فلي الطريق فقال: ابعد بسلام. فقيل له: تقول هذا لخنزير؟ فقال عيسي: أكره وأخاف أن أعود لساني النطق بالسوء.\nوقال أبو حمزة الكوفي: لا تتخذ من الخدم إلا من لا بد منه، فإن مع كل إنسان شيطانًا، وأعلم أنهم لا يعطونك بالشدة شيئًا إلا أعطوك باللين ما هو أفضل منه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-104>فصل (١١): تأكد استحباب الرفق للآمر بالمعروف الناهي عن المنكر</span>\nويتأكد استحباب الرفق للآمر بالمعروف الناهي عن المنكر. وقد عد شيخ مشايخنا عبد القادر الكيلاني- قدس الله روحه- في كتاب الغنيمة من شروط الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر: أن ذلك باللين والرفق لا بالفظاظة والغلظة بل يكون شفوقًا علي أخيه المسلم. كيف","vol":"1","page":362},{"text":"وافق عدوه الشيطان الرجيم الذي قد استولي علي عقله وزين له معصية ربه ومخالفة أمره، يريد بذلك إهلاكه وإدخاله النار.\nوروي أبو بكر البيهقي- في شعب الإيمان- بسنده، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده﵁- قال: رسول الله - ﷺ -: (من أمر بمعروف فليكن أمره بمعروف).\nوقد سبق في أوائل هذا الباب من رواية أبي محمد الخلال- في كتاب الأمر بالمعروف بسنده عن أسامة بن زيد مرفوعًا: \"لا ينبغي لأحد أن يأمر بمعروف حتى يكون فيه ثلاث خصال: عالمًا بما يأمر، عالمًا بما ينهي، رفيقًا بما يأمر به رفيقًا فيما ينهي\".\nوفي مسند الإمام أحمد من حديث أبي أمامه الباهلي﵁- أن فتي شابًا أتي النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله ائذن لي بالزنا. فأقبل القوم عليه فزجروه، وقالوا: (مه مه) قال: ادنه فدنا منه متقربًا. قال: فجلس. قال: أتحبه لأمك؟ قال: لا، والله جعلني، الله فداك. قال: ولا الناس يحبونه لأمهاتهم قال: افتحبه لابنتك؟ قال لا والله جعلني الله فداك. قال: ولا الناس يحبونه لبناتهم. قال: أفتحبه لأختك؟ قال لا والله (جعلني الله فداك) قال: ولا الناس يحبونه لأخواتهم. قال أفتحبه لعمتك؟ قال: لا والله جعلني فداك قال: ولا الناس يحبونه لعماتهم. قال: أفتحبه لخالتك؟ قال: لا والله جعلني فداك. قال: \"ولا الناس يحبونه لخالاتهم\". قال: فوضع يده عليه. وقال: (اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه وحصن فرجه). فلم يكن بعد ذلك الفتي يلتفت إلي شيء.\nقال الحافظ زين الدين أبو الفضل العراقي: إسناده جيد ورجاله رجال الصحيح.\nوروي أبو القاسم الطبراني- في المعجم الكبير- من طريق جرير بن عثمان بن سليم بن عامر، عن أبي أمامة﵁- نحوه والرجل المبهم هو أبو الوليد] كثير [الهذلي الشاعر والله أعلم.\nوروي أبو داود وغيره من حديث أبي هريرة -﵁- أن رسول الله - ﷺ - قال:","vol":"1","page":363},{"text":"(علموا ولا تعنفوا، فإن المعلم خير من المعنف).\nوقد سئل الإمام مالك بن أنس -﵀- عن الرجل يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر هو يظن أن لا يطاع في ذلك ممن لا يخاف مثل الجار، والأخ.\nقال: ما أري بذلك بأسًا ولا سيما إذا رفق به، فإن الله -تعالي- ربما ينفع بذلك.\nقال تعالي: ﴿فقولا له قولًا لَّينا لَّعلَّه يتذكَّر أو يخشي﴾.\nلقد علم الله - سبحانه- أن فرعون لا يتذكر ولا يخشي، وإنما قص الله علينا قصته، لتكون سنة. فإذا كان الله- تعالي- أمر كليمه موسي وأخاه هرون - ﵉- أن يذهبا إلي فرعون عدوه، ويقولا له قولًا لينًا فكيف من قد جعل الله في قلوبهم الإيمان وإن ابتلاهم بالمعاصي؟ فهم أولي أن يرفق بهم ويتعطف عليهم، لعل الله تعالي يستنفذهم مما هم فيه.\nوأنشدوا\nألم تر أن الله يرحم خلقه ... وإن قصروا في حقه فهو يفضل\nففرعون يؤذيه بضيم عباده ... من شا يستحي ومن شا يقتل\nويزعم أن لا رب للخلق غيره ... ويفتنهم عن دينهم ويضلل\nومع ذاك أوصي الله موسي كليمه ... وهرون رفقًا منه والرفق أجمل\nفقولا له قولًا من الوعظ لينًا ... عساه لما أبدي من النصح يقبل\nإذا كان هذا لطفه بعدوه ... فما تراه (بعد ذا) بالأحبة يفعل\nوقال إمام الحرمين أبو المعالي عبد الملك الجويني -﵀-: الشرع من أوله إلي آخره أمر بالمعروف ونهي عن المنكر والدعاء إلي ذلك يثبت لكافة المسلمين إذا قدموا علي بصيرة. وليس للرعية إلا المواعظ والترغيب والترهيب.\nوقال أبو حامد الغزالي -﵀- ينبغي للآمر بالمعروف أن يعظ ويخوف بالله -تعالي- ويورد علي المأمور الأخبار الواردة بالوعيد غي ذلك، وذلك لمن يقدم علي المنكر وهو عالم بكونه منكرًا، كالذي يواظب علي الشرب أو علي الظلم أو علي اغتياب المسلم أو","vol":"1","page":364},{"text":"ما يجري مجراه، ويحكي سير السلف وعادة المتقدمين، وكل ذلك لشفقة ولطف من غير عنف وغضب، بل ينظر إليه نظر المترحم عليه ويري إقدامه علي المعصية مصيبة علي نفسه إذ المسلمون كنفس واحدة.\nوقال أبو زكريا يحيي النووي: وينبغي للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يرفق، ليكون أقرب إلي تحصيل المطلوب. انتهي. فقد يأمر المرء بالمعروف ويكون أمره منكرًا، لأنه إذا أمر بعنف وغلظة وفظاظة يوشك أن يفضي ذلك إلي العداوة والشر والتقاتل والمحاربة فيكون منكرًا وغالب الناس إذا رأي من الأمر غلظة وجفوة في أمره ونهيه لا يقبل قوله ولا يطيع أمره.\nكما روى الإمام أحمد قال: حدثنا معتمر بن سليمان. قال: سمعت (أبي) يقول: ما أغضبت أحدًا فقبل منك. وذلك أن معاملة الخلق بالعنف والشدة والغلظة ينفرهم ويبعدهم عنك، وإذا نفروا لا يصغوا إلي ما تأمرهم به وتنهاهم عنه، ثم يفسد عليك قلبك وحالك مع الله. (وقال ابن القيم: ليس قلب أنفع من معاملة الخلق باللطف فإن المعامل باللطف إما أجنبي فتكسب مودته وصحبته وإما صاحب وحبيب فتستديم مودته وصحبته وإما عدو فتطفئ بلطفك جمرة عداوته وتستكفي شره).\nقال العلامة ابن مفلح ﵀: وينبغي أن يكون الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر متواضعًا رفيقًا فيما يدعو إليه شفيقًا رحيمًا غير فظ ولا غليظ القلب رقيقًا عالمًا بالمأمورات والمنهيات شرعًا، دينًا نزهًا عفيفًا ذا رأي وصرامة وشدة في الدين قاصدًا - بذلك- وجه الله وإقامة دينه ونصرة شرعه وامتثال أمره وإحياء سنته بلا رياء ولا منافقة ولا مداهنة، غير منافر ولا مفاخر ولا ممن يخالف فعله ويسن له العمل بالنوافل والمندوبات والرفق وطلاقة الوجه وحسن الخلق عند إنكاره والتثبت والمسامحة عند أول مرة.\nقال حنبل: (سمعت أبا عبد الله يقول: والناس يحتاجون إلي مداراة ورفق في الأمر بالمعروف بلا غلظة إلا رجل معلن بالفسق فقد وجب عليك نهيه وإعلامه، لأنه يقال: ليس لفاسق حرمة. فهؤلاء الفساق لا حرمة لهم ونقل مهنا عنه: ينبغي أن يأمر بالرفق والخضوع، قلت: كيف؟ قال: أن أسمعوه ما يكره لا يغضب فيريد أن ينتصر لنفسه).","vol":"1","page":365},{"text":"وقال بعض السلف: ينبغي أن يكون أمرك بالمعروف والتأني والمداراة بشفقة منك عليه، ورحمة منك له، لعلك تستنقذة من النار، فبالرفق تنال ما تريد من خير الدنيا والآخرة.\nوروي أبو محمد الخلال أنه قيل لإبراهيم بن أدهم: الرجل يري من الرجل الشيء ويبلغه عنه، أيقول له؟ فقال: هذا تبكيت، ولكن يعرض.\nوقال عبد الله المأمون بن هارون الرشيد- إذا وعظه واعظ وعنف له في القول: يا رجل ارفق فقد بعث الله من هو حير منك إلي من هو شر مني، وأمر بالرفق. فقال-تعالى-: ﴿فقولا له قولًا لَّينا لَّعلًّه يتذكر أو يخشي﴾.\nفليكن إقتداء الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر في الرفق بالأنبياء - ﵈-.\nوروي ابن أبي الدنيا- بسنده- عن عبد الله بن المبارك، عن عبد العزيز بن أبي داود -﵀- أنه قال: كان من قبلكم إذا رأي من أخيه شيئًا يأمره في رفق فيؤجر في أمره ونهيه، وإن أحد هؤلاء بخرق بصاحبه فيستغضب أخاه ويهتك ستره.\nوقد روي أبو بكر بن أبي الدنيا بسنده- عن أبي سلمة، عن ثابت البناني أن صلة بن أشيم وأصخابه أبصروا رجلًا قد أسبل إزاره، فهم أصحابه أن يأخذوه بشدة. فقال: دعوني أنا أكفيكموه. فقال: أين يا أخي أم لي إليك حاجة. فقال: وما حاجتك يا عم؟ قال: أحب أن ترفع إزارك. فقال: نعم وكرامة. فرفع إزاره. فقال لأصحابه: لو أخذتموه بشدة لقال: لا أفعل ولا كرامة.\nوعن محمد بن زكريا الغلابي. قال: (شهدت عبد الله بن محمد بن عائشة وقد خرج من المسجد بعد المغرب يريد منزله، وإذا في غلام من قريش سكران وقد قبض علي امرأة يجذبها فاستغاثت، فاجتمع الناس عليه يضربونه فنظر إليه ابن عائشة فعرفه. فقال للناس: تنحوا عن ابن أخي، ثم قال: إلي يا ابن أخي. فاستحي الغلام وجاء إليه فضمه إلي نفسه، ثم قال: امض معي فمضي معه حتي صار إلي منزله وأدخله الدار.","vol":"1","page":366},{"text":"وقال لبعض غلمانه: بيته عندك فإذا أفاق من سكره فأعلمه بما جرى وما كان منه ولا تدعه ينصرف حتى تأتيني به. فلما أفاق وذكر له ما جرى استحى منه (وبكى) وهم بالانصراف. فقال له الغلام: قد أمرني مولاي أن تأتيه، فأدخله عليه. فقال له: أما استحييت (لنفسك) لشرفك! فاتق الله وانزع عما أنت فيه، فبكى الغلام منكسًا رأسه ثم رفعه وقال: عاهدت الله عهدًا يسألني عنه يوم القيامة أن لا عدت أشرب الخمر ولا لشيء مما كنت فيه وأنا تائب إلى الله. فقال: ادن مني فدنا منه، فقبل رأسه وقال: أحسنت يا بني. فكان الغلام- بعد ذلك- يلزمه، ويكتب الحديث، وكان ذلك من بركة الرفق. ثم قال: إن الناس يأمرون بالمعروف ويكون معروفهم منكرًا فعليكم بالرفق في جميع الأمور تنالوا به ما تطلبون).\nوروى الإمام أبو بكر ابن أبي الدنيا بسنده عن علي بن (غنام) الكلابي، عن أبيه. قال: مر محمد بن المنكدر- رحمة الله عليه- بشاب يجذب امرأة في الطريق فقال: يا فتى ما هذا جزاء نعم الله عندك.\nوبسنده عن عثمان بن الوليد قال: رأى محمد بن المنكدر رجلًا مع امرأة في خراب وهو يكلمها. فقال: إن الله يراكما، سترنا الله وإياكما.\nوبسنده، عن محمد بن المنكدر- أيضًا- أنه وجد لصًا في داره يقال له: قنديل. كان غلامًا لآل إبراهيم بن محمد بن طلحة. فقال: عشوا قنديلًا وابعثوا به إلى مواليه.\nودعي الحسن البصري- رحمة الله عليه- إلى عرس فجيء بجام من فضة فيه خبيص، فتناوله فقلبه على رغيف وأصاب منه. فقال رجل من الحاضرين: هذا نهي في سكون.\nفهكذا كانت عادة أهل الدين في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الرفق واللطف بالمأمورين.\nفينبغي- حينئذ- لمن سلك طريقهم أن يكون رفيقًا لاسيما للمأمور القاصر بالمعصية على نفسه في مبادئ الأمر والنهي، لعل الله- تعالى- أن يستنقذه مما هو فيه ببركة الرفق، لأنه أشرف أخلاق الآمرين والناهين.","vol":"1","page":367},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-105>فصل (١٢): وجوب حذر الآمر الناهي من رفق المداهنة لبلوغ غرض دنيوي</span>\nثم ليحذر من آفة الرفق وهو أن يكون رفقه عن مداهنة أو استمالة للقلوب أو الوصول إلى غرض أو لخوف من تأثير وخشية (بظن) قريب أو بعيد. وكل ما يراه أميل إلى هواه وطبعه فالأولى له تركه.\nوالمقصود استعمال الرفق واللين في الأمر والنهي إلا لمعلن بالفسق أو مجاهر بالمعصية، لأن الرفق محمود مفيد في أكثر الأحوال وأغلب الأمور والحاجة إلى العنف قد تقع وإنما الكامل من يميز مواضع الرفق عن مواضع العنف، فيعطي كل ذي حق حقه.\nقال حنبل: سمعت أبا عبد الله﵀- يقول: الناس يحتاجون إلى مداراة ورفق الآمر والناهي بلا غلظة إلا لرجل معلن بالفسق، فقد وجب عليك نهيه وزجره، فليس لفاسق حرمة.\nوقال القاضي عياض بن موسى- وينبغي أن يرفق (في التغيير) جهده بالجاهل، وبذي العزة الظالم المخوف شره، إذ ذلك أدعى إلى قبول قوله ولا يغلظ إلا على (الممعن) في غيه، والمسرف في بطالته إن أمن أن يؤثر إغلاظه منكرًا أشد مما غيره، ليكون جانبه محميًا عن سطوة الظالم.\nقال سفيان الثوري لأصحابه: (أتدرون ما الرفق؟ قالوا: قل يا أبا محمد قال: أن تضع الأمور مواضعها: الشدة في موضعها، واللين في موضعه، والسيف في موضعه، والسوط في موضعه.\n(ففي هذه إشارة إلى أنه لابد من مزج الغلظة باللين والفظاظة بالرفق).\nقال الحليمي: ينبغي أن يكون الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر مميزًا يرفق في موضع الرفق، ويعنف في موضع التعنيف، ويكلم كل طبقة من الناس بما يعلم أنه أليق بهم وأنجح فيهم، وأن يكون غير محاب ولا مداهن.\nقال الغزالي: فإن كان قاصر البصيرة، وأشكل عليه حكم واقعة من الوقائع فليكن ميله إلى الرفق، فإن النجح معه في الأكثر.","vol":"1","page":368},{"text":"وقد سبق الكلام على معنى ذلك في درجات الأمر والنهي- من الباب الثاني- والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-106>فصل (١٣): وجوب اتصاف الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر بالحلم والعفو</span>\nوأما الحلم والعفو فمن أهم الأخلاق للآمر بالمعروف الناهي عن المنكر، ويدل على فضيلة ذلك والندب إليه، ما تقدم في فضيلة الرفق من الآيات الكريمات، والأحاديث الصحاح المروريات، قال أكثرها مشتركة بين الرفق والحلم والعفو.\nوقال تعالى: ﴿فاعفوا واصفحوا حتَّى يأتي الله بأمره إنَّ الله على كل شيءٍ قدير﴾.\nقال أهل التفسير: (العفو ترك المؤاخذة والصفح إزالة أثره من النفس).\nوقال تعالى: ﴿وأن تعفوا أقرب للتقوى﴾. وقال تعالى: ﴿ومغفرة خيرٌ من صدقةٍ يتبعها أذى والله غنيُّ حليمٌ﴾.\nقال الكلبي والضحاك: وتجاوز عن ظالمه \"خير من صدقة يتبعها أذى\". أي من وتعيير للسائل بالسوائل. وقول يؤذيه.\n﴿... والله غنيُّ﴾ أي مستغن عن صدقة العباد ﴿حليمٌ﴾ لا يعجل بالعقوبة. وقيل: يحلم ويعفو ويصفح ويتجاوز عنهم مع شدة إساءتهم وعظيم إحسانه.\nوقال تعالى: ﴿والكاظمين الغيظ﴾. قال المفسرون: (كظم الغيظ رده في الجوف أي سكت عنه ولم يظهر قدرته على إيقاعه بعدوه).\n﴿والعافين عن الناس﴾ أثنى سبحانه- على الكاظمين الغيظ بعفوهم عن الناس لتركهم المؤاخذة وهو قول الواحدي.","vol":"1","page":369},{"text":"قال بعضهم هو أجل ضروب فعل الخير، حيث يجوز للإنسان أن يعفو أو يحلم وأخبر- بعد ذلك- أنه يحبهم بإحسانهم.\nوقال تعالى: ﴿فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر﴾.\n(أمر سبحانه نبيه ﷺ بتدريج بليغ، وذلك أنه أمره بأن يعفو عنهم ما له في خاصته عليهم من تبعة، فلما صاروا في هذه الدرجة أمره أن يستغفر فيما لله عليهم من تبعة- أيضًا- فإذا صاروا في هذه الدرجة صاروا أهلًا للاستشارة في الأمور).\nوهي من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام. وقد مدح الله سبحانه المؤمنين بقوله: ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾.\nوقال تعالى: ﴿إن تبدوا خيرًا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء فإن الله كان عفوًا قديرًا﴾ أي إن تظهروا أيها الناس خيرًا، أو أخفيتموه، أو عفوتم عمن أساء إليكم، فإن ذلك مما يقربكم عند الله، ويجزل ثوابكم لديه.\nوقال تعالى: ﴿ولا تزال تطَّلع على خائنةٍ منهم إلَّا قليلًا منهم فاعف عنهم واصفح إن الله يحبُّ المحسنين﴾.\nوقال تعالى- حكاية عن يوسف وإخوته﵈- حين قالوا: ﴿... تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين﴾ (أي مذنبين ﴿قال لا تثريب عليكم﴾ أي لا تعيير ولا توبيخ ولا لوم عليكم اليوم وقيل: لا إفساد لما بيني وبينكم من الحرمة وحق الأخوة، ولكم عندي العفو والصفح ﴿يغفر الله لكم﴾ أي يستر عليكم ويرحمكم).\nوقال- تعالى- لنبيناﷺ: ﴿فاصفح الصَّفح الجميل﴾ (أي تجاوز عنهم، واعف عفوًا حسنًا. قال بعض المفسرين: أمر ﷺ بالصفح في حق نفسه فيما بينه وبينهم) وقال","vol":"1","page":370},{"text":"- تعالى-: ﴿ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسَّعة ...﴾ أي ولا يحلف أولو الغنى والجدة يعني أبا بكر الصديق﵁- ﴿... أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهجرين في سبيل الله﴾ يعني مسطحًا ابن خالته أن لا ينفق عليه بعد ذلك فأنزل الله هذه الآية.\nفإن أبا بكر كان ينفق على مسطح فلما شارك في حديث الإفك كف عن النفقة عليه فعاتبه الله فرجع ثم أمره- سبحانه- بالعفو والصفح عن الخوض في أمر عائشة فقال: ﴿وليعفوا وليصفحوا ألا تحبُّون أن يغفر الله لكم﴾ فلما قرأها رسول الله ﷺ على أبي بكر قال: بلى أنا أحب أن يغفر الله لي، ورد على مسطح نفقته التي كان ينفق عليه، وقال: والله لا أنزعها منه أبدًا.\nوقال- تعالى: ﴿وعباد الرحمن ....﴾ (أي أفاضل العباد) ﴿الَّذين يمشون على الأرض هونًا ...﴾ رفقًا.\nقال الحسن: (علماء حلماء. وقال محمد بن الحنفية: أصحاب وقار لا يسفهون، وإن سفه عليهم حلموا: ﴿وإذا خاطبهم الجهلون﴾ يعني السفهاء بما يكرهون ﴿... قالوا سلمًا﴾ قال مجاهد سدادًا من القول.\nوقال مقاتل بن حيان: قولًا يسلمون فيه من الإثم. وقال الحسن: إن جهل عليهم جاهل حلموا ولم يجهلوا.\nوقال بعض العارفين: (من خاطبهم بالقدح فيهم جاوبوه بالمدح له. وقال غيره: إذا خاطبهم الجاهلون بأحوالهم، الطاعنون فيهم، العائبون لهم قابلوهم بالرفق وحسن الخلق، والقول الحسن).\nوقال تعالى: ﴿وإذا مُّروا باللَّغو مرُّوا كرامًا﴾ قال مقاتل: إذا سمعوا من الكفار الشتم والأذى أعرضوا عنه. وقال الحسن والكلبي: اللغو المعاصي كلها. يعني إذا مروا بمجالس اللغو واللهو والباطل مروا كرامًا مسرعين معرضين. يقال: تكرم فلان عما يشينه إذا تنزه عنه وأكره نفسه عنها. وقال مجاهد: إذا أوذوا صفحوا. رواه ابن أبي الدنيا.","vol":"1","page":371},{"text":"وقال تعالى: ﴿فسقى لهما ثمَّ تولَّى إلى الظّل فقال ربّ إنّي ...﴾.\nقال مقاتل: يدفعون ما سمعوا من الأذى والشتم من المشركين بالصفح والعفو ﴿وممَّا رزقنهم ينفقُّون﴾ أي في الطاعة ﴿وإذا سمعوا اللَّغو أعرضوا عنه ...﴾ أي القبيح من القول وذلك أن المشركين كانوا يسبون مؤمني أهل الكتاب ويقولون: \"تبًا لكم تركتم دينكم فيعرضون عنهم ولا يردون عليهم\" ﴿... وقالوا لنا أعمالنا ولكم﴾ أي لنا ديننا ﴿ولكم أعمالكم﴾ ولكم دينكم .. سلام عليكم.\nأي سلام المتاركة ومعناه: سلمتم منا لا نعارضكم بالشتم القبيح ﴿... لا نبتغي الجاهلين﴾ قيل: لا يريد أن يكون من أهل الجهل والسفه.\nوقال تعالى: ﴿.. وإذا ما غضبوا هم يغفرون﴾.\nقال ابن عباس: شتم رجل من المشركين أبا بكر فلم يرد عليه شيئًا فنزلة الآية. ومعناها: يكظمون الغيظ ويتجاوزون ويحلمون، وذلك من محاسن الأخلاق يطلبون ثواب الله- تعالى- فمدحهم بقوله: (وإذا ما غضبوا هم يغفرون).\nوأنشد بعضهم:\nإني غفرت لظالمي ظلمي ... ووهبت ذلك له على علمي\nما زال يظلمني وأرحمه ... حتى بكيت له من الظلم\nوقال تعالى: ﴿وجزؤا سيئةٍ سيئةٌ مثلها ..﴾ سمى الجزاء سيئة وإن لم يكن سيئة، لتشابههما في الصورة. قال مجاهد والسدي هو جواب القبيح ثم ذكر- سبحانه- العفو فقال: ﴿فمن عفا ...﴾ أي ظالمه ﴿.. وأصلح ..﴾ بالعفو بينه وبينه ﴿.. فأجره على الله ..﴾. وفي الخبر الآتي قريبًا: إنه ينادي يوم القيامة يقم من له أجر على الله فلا يقوم إلا من عفا في الدنيا.\nوقال- تعالى-: ﴿يأيُّها الَّذين ءامنوا إنَّ من أزواجكم وأولدكم عدوًا لَّكم","vol":"1","page":372},{"text":"فاحذروهم وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفورٌ رحيم﴾ فلا تعاقبوهم على خلافهم إياكم ﴿فإنَّ الله غفورٌ رحيم﴾.\nوقال تعالى: ﴿ولمن صبر وغفر ...﴾ أي ظلم فلم ينتصر ﴿.. إنَّ ذلك لمن عزم الأمور﴾ أي ذلك الصبر والتجاوز (لمن عزم الأمور) من حق الأمور التي أمر الله بها.\nوأما أحاديث الحلم ففي الصحيحين، ومسند الإمام أحمد، وجامع الترمذي، وسنن ابن ماجه من حديث ابن عباس﵄- في حديث طويل وأن النبي ﷺ قال للأشج عبد القيس: (إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة).\nورواه أبو داود من حديث مطر بن عبد الرحمن العبدي الأعنق، قال: حدثتني أم أبان بن الوازع بن زارع، عن جدها زارع وكان في وفد عبد القيس \"قال: وفدنا على رسول الله ﷺ فجعلنا نتبادر من رواحلنا، فنقبل يد رسول الله ﷺ ورجله، وانتظر المنذر الأشج حتى أتى عليه فلبس ثوبه، ثم أتى النبي ﷺ فقال له رسول الله ﷺ: (إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والإناة) قال: يا رسول الله، أنا أتخلق بهما أم الله جبلني عليهما؟ قال: (بل الله جبلك عليهما).\nقال: الحمد لله الذي جبلني على خصلتين يحبهما الله ورسوله.\nورواه الترمذي مختصرًا.\nورواه ابن ماجه من حديث أبي سعيد الخدري.\nورواه مسلم، وأحمد بأتم من هذا.\nوالأشج عبد القيس هو المنذر بن عمرو. وقيل عائذ بن عمرو. وقيل عبد الرحمن بن","vol":"1","page":373},{"text":"عوف. وقيل المنذر بن الحارث. والحلم: العقل. وقيل: حالة توقر وثبات عند الأسباب المحركات، والاحتمال وحبس النفس عند الآلام والمؤذيات، ومثله الصبر.\nوالأناة (بغير مد) هي التثبت وترك العجلة- كما سيأتي- والله أعلم.\nوفي معجم الطبراني من حديث فاطمة مرفوعًا: \"إن الله يحب الغني الحليم المتعفف\".\nوورى البزار من حديث أبي هريرة مرفوعًا: \"إن الله يحب الغني الحليم المتعفف\".\nوورى الحاكم، والبيهقي من حديث أبي هريرة مرفوعًا: \"ابتغوا الرفعة عند الله. قالوا: وما هي؟ قال: تصل من قطعك، وتعطي من حرمك وتحلم على من جهل عليك.\nوروى الطبراني- في المعجم الأوسط- من حديث علي مرفوعًا: \"إن الرجل المسلم ليدرك بالحلم درجة الصائم القائم، وإنه ليكتب جبارًا عنيدًا وما يملك إلا أهل بيته\".\nوورى ابن أبي الدنيا- بسنده، عن عبد الوارث، عن أنس بن مالك﵁- في قول الله- تعالى: ﴿فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم﴾ إلى قوله: ﴿.. عظيم﴾ قال: الرجل يشتمه أخوه، فيقول: إن كنت صادقًا يغفر الله لي، وإن كنت كاذبًا يغفر الله لك.\nوروى الإمام أحمد في الزهد عن معاوية بن قرة، قال: قال أبو الدرداء﵁- ليس الخير أن يكثر مالك، ولكن الخير أن يعظم حلمك، وأن يكثر علمك، وأن تبادر الناس في عبادة الله- تعالى. ﷿.","vol":"1","page":374},{"text":"وبسنده، عن الفضيل بن عياض- قدس الله روحه- قال: كان يقال: من أخلاق الأنبياء الأصفياء الأخيار الطاهرة قلوبهم ثلاثة: الحلم والإناة وحظ من قيام الليل.\nوروى الأصبهاني وغيره من حديث عائشة مرفوعًا: \"وجبت محبة الله على من أغضب فحلم\".\nوروى ابن أبي الدنيا- بسنده- عن ييحى بن سعيد القطان. قال: قال أبو الدرداء﵁- أدركت الناس ورقًا لا شوك فيه، فأصبحوا شوكًا لا ورق فيه، إن نقدتهم نقدوك، وإن تركتهم لا يتركوك. قالوا: فكيف نصنع؟ قال: تقرضهم من عرضك ليوم فقرك.\nوفي الزهد للإمام أحمد- بسنده عن الربيع بن خيثم- رحمة الله عليه- أنه قال: الناس رجلان مؤمن وجاهل، فأما المؤمن فلا تؤذه وأما الجاهل فلا تجاره.\nوأنشدوا:\nومن بسط اللسان على سفيه ... كمن دفع السلاح إلى العدو\nوروى ابن أبي الدنيا- بسنده- عن عمرو بن العاص﵁- قال: ليس الحليم أن يحلم عمن يحلم عنه، ويجاهل من يجاهله ولكن الحليم من يحلم عمن لا يحلم عنه، ويحلم عمن جاهله.\nوروى البيهقي- في الشعب- بسنده، عن قتادة في قوله- تعالى- ﴿ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل﴾ قال: (هذا في الخماشة تكون بين الناس). فأما إن ظلمك فلا تظلمه، وإن حرمك فلا تحرمه، وإن خانك فلا تخنه، وإن فجر بك فلا تفجر به، فإن المؤمن هو الموفي المؤدي، وإن الفاجر هو الخائن الغادر.\nوالخماشة- ما ليس له أرش معلوم من الجراحات. والله أعلم. وبسند البيهقي، عن الحسن البصري في قوله- تعالى-: ﴿وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلامًا﴾ قال: السلام عليكم على الأرض.","vol":"1","page":375},{"text":"قال عمر بن الخطاب﵁-: إني لأعلم أجود الناس وأعلم الناس، أجود الناس من أعطى من حرمه، وأجود الناس من عفا عمن ظلمه.\nوفي الشعب للبيهقي- بسنده، عن الأحنف بن قيس قال:\nثلاثة لا ينتصفون من ثلاثة: حليم من أحمق، وبر من فاجر، وشريف من دنيء.\nوقال ابن عباس﵁-: ثلاثة من لم تكن فيه واحدة منهن فلا يعتد بشيء من علمه: تقوى تحجزه عن معاصي الله، وحلم يكف به السفيه، وخلق يعيش به في الناس.\nوقال لقمان لابنه: يا بني ثلاثة لا يعرفون إلا في ثلاثة مواطن: الحليم عند الغضب، والشجاع عند الحرب، والأخ عند الحاجة.\nوقال الحسن البصري- رحمة الله عليه- المؤمن حليم لا يجهل، وإن جهل عليه حلم، ولا يظلم وإن ظلم غفر، ولا يقطع وإن قطع وصل.\nوروى أبو بكر البيهقي- في مناقب الإمام أحمد- عن عمار بن زائدة- رحمة الله عليه- قال: العافية عشرة أجزاء (تسعة منها في التغافل، فحدثت به أحمد فقال: العافية عشرة أجزاء كلها في التغافل).\nوروى- أيضًا- في الشعب- بسنده، عن الأعمش. قال: السكوت جواب والتغافل يطفئ شرًا كبيرًا، ورضا المتجني غاية لا تدرك، واستعطاف المحب عون الطفر، ومن غضب عمن لا يقدر عليه طال حزنه.\nوذكر أبو عبد الله القرطبي في تفسيره عند قوله تعالى: ﴿ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالَّتي هي أحسن ...﴾. أن رجلًا شتم قنبرًا مولى علي بن أبي طالب﵁- فناداه: يا قنبر دع شاتمك، واله عنه ترضي الرحمن وتسقط وتسخط الشيطان، وتعاقب شاتمك، فما عوقب الأحمق بمثل السكوت.","vol":"1","page":376},{"text":"وأنشدوا:\nقالوا: سكت وقد خوصت فقلت لهم ... إن الجواب لباب الشر مفتاح\nالصمت عن جاهل أو أحمق كرما ... أيضًا وفيه لصون العرض إصلاح\nأما ترى الأسد تمشي وهي صامتة ... والكلب يخشى- لعمري- وهو نباح\nوروى البيهقي- في الشعب- بسنده، عن أحمد بن عبيد. قال: أنشدني الأصمعي﵀-:\nوما شيء أحب إلى سفيه ... إذا سب الكريم من الجواب\nمتاركة السفيه بلا جواب ... أشد على السفيه من السباب\nولبعضهم:\nوكم من لئين ود أني شتمته ... وإن كان شتمي فيه صاب وعلقم\nوالكف عن شتم اللئيم تكرما ... أضر به من شتمه حين يشتم\nقال أسماء بن خارجة: ما شتمت أحدًا قط، لأنه إن شتمني كريم فأنا أحق من غفرها له وإن شتمني لئيم فلا أجعل عرضي له غرضًا.\nوكان يتمثل وينشد:\nواغفر عور الكريم اصطناعة ... وأعرض عن ذات تكرما\nوأنشد رجل لمسعر بن كدام:\nلا ترجعن إلى السفيه خطابه ... إلا جواب تحيه حياكها\nفمتى تحركه تحرك جيفة ... تزداد نتنا ما أردت حراكها\nولبعضهم:\nوإذا بليت بجاهل متجاهل ... بجد المحال من الأمور صوابا\nأوليته من السكون وربما ... كان السكوت عن الجواب جوابا\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-107>فصل (١٤): على الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر أن يقابل إساءة المأمورين بالإحسان</span>\nوجميع ما تقدم آنفًا يتضمن التغافل. وترك المقابلة على الإساءة ونسيان الأذى. لكن","vol":"1","page":377},{"text":"فوق ذلك درجة أخرى. وهي الإحسان إلى من أساء إليك ومعاملته بضد ما عاملك به. بل يعتذر إليه ويستغفر لديك كما قال منشدًا:\nإذا مرضنا أتيناكم نعودكم ... وتذنبون فنأتيكم ونعتذر\nومعنى ذلك أنك تنزل نفسك منزلة الجاني لا المجني عليه. لأن الجاني خليق بالعذر.\nولبعضهم:\nرب رام لي بأحجار الأذى ... لم أجد بدًا من العطف عليه\nولغيره:\nولما رضوا بالحلم عن ذي ذلة ... حتى أنالوا كفه وأفادوا\nوتكون هذه المعاملة منك صادرة عن سماح وطيب نفس وانشراح صدر لا عن كظم غيظ ومصابرة. ولم يكن كمال هذه الدرجة لأحد سوى نبينا ﷺ ثم للورثة منها بحسب سهامهم من التركة، لأن حلمه غير محدود كما قد ملأ عفوه كل الوجود. فإنه جمع الآداب الشريفة والمعارف المنيفة، والفضائل المقصودة، والأخلاق المحمودة. حيث سواه سبحانه فعدل تركيبه، وأدبه فأحسن تأديبه، وجبله على الصيانة والعفاف. وعدل به ميزان العدل والإنصاف، وكان أكثر الناس حياء وأوفرهم على العورات إغضاء، وأدومهم بشرًا وأنسًا وأبسطهم خلقًا وأطيبهم نفسًا، يصل من قطعه ويعطي من منعه ويأمر بالحسنة ويدني أهلها ولا يجزي بالسيئة مثلها، ولكن يعفو ويصفح. ويتجاوز عن المسيء ويسمح وكم أعرض عن جاهل ومعاند. وما ضرب بيده شيئًا قط إلا أن يجاهد في سبيل الله اللهم صلِّ وسلِّم على محمد الحامد بجميع المحامد.\nوفي الصحيحين ومسند أحمد وسنن ابن ماجه من حديث جابر ﵁ قال: (أتى رجل رسول الله ﷺ بالجعرانة منصرفة من حنين. وفي ثوب بلال فضة ورسول الله ﷺ يقبض منها ويعطي الناس فقال: يا محمد: اعدل فقال: ويلك. وم يعدل إذا لم أعدل؟ لقد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل.\nفقال عمر بن الخطاب﵁- دعني يا رسول الله فأقتل هذا المنافق. فقال: معاذ الله أن يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه. إن هذا وأصحابه يقرؤن القرآن ولا","vol":"1","page":378},{"text":"يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية).\nهذا لفظ الصحيحين وأحمد، وفي رواية البخاري قال: بينما رسول الله ﷺ يقسم غنيمة بالجعرانة. إذ قال له رجل: اعدل. فقال له: لقد شقيت إن لم أعدل.\nولابن ماجه قال: كان رسول الله ﷺ بالجعرانة وهو يقسم التبر والغنائم. وهو في حجر بلال. فقال رجل: اعدل يا محمد فإنك لم تعدل. فقال: ويحك من يعدل إذا لم أعدل؟ فقال عمر: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق. فقال رسول الله ﷺ: (إن هذا في أصحاب له يقرؤون القرآن) فذكره الرجل المبهم القائل هو ذو الخويصرة حرقوص بن زهير. وقيل: نافع التميمي. وقيل: عبد الله بن ذي الخويصرة. والله أعلم.\nومن أعظم ما ورد في عفوه وحلمهﷺ- ما ثبت في الصحيحين، ومسند أحمد وسنن أبي داود من حديث أنس بن مالك﵁- أن امرأة يهودية أتت رسول الله ﷺ بشاة مسمومة ليأكل منها- فجيء بها إلى رسول الله ﷺ فسألها عن ذلك؟ فقالت: أردت قتلك. فقال: (ما كان الله ليسلطك علي) \"فقالوا: ألا تقتلها؟ قال: لا\".\nوروى نحوه البخاري وأحمد من حديث أبي هريرة.\nوروى نحوه أبو داود من حديث محمد بن شهاب الزهري. قال: \"كان جابر يحدث أن يهودية من خيبر سمت شاة مصلية، ثم أهدتها لرسول الله ﷺ، فأخذ الذراع فأكل منها، وأكل رهط من أصحابه معه، ثم قال لهم رسول الله ﷺ: (ارفعوا أيديكم) وأرسل إلى اليهودية فدعاها. فقال لها: (أسممت الشاة؟) قالت اليهودية: من أخبرك؟ قال: (أخبرتني هذه الذراع التي في يدي) قالت: نعم. قال: (فما أردت في ذلك؟) قالت: قلت إن كان نبيًا فلن يضره، وإن لم يكن نبيًا استرحنا منه، فعفا عنها، ولم يعاقبها، وتوفي أصحابه الذين أكلوا من الشاة\".","vol":"1","page":379},{"text":"وفي رواية عن أبي سلمة نحوه وفيها: \"فمات بشر بن البراء بن معرور الأنصاري\" الحديث. وفيه: فأمر بها رسول الله ﷺ فقتلت.\nوروى نحوه الدارقطني وفيه فأمر بها رسول الله ﷺ فصلبت.\nوالجمع بين الأحاديث في قتلها، والعفو عنها أن يقال: إنه ﷺ عفا عنها في أول الأمر، فلما مات بشر بن البراء طلبها وقتلها قصاصًا. والله أعلم. واليهودية واضعة السم اسمها زينب بنت الحارث أخت مرحب اليهودي. والله أعلم وقد سبق من حديث الترمذي- في الشمائل- من حديث عائشة﵂- قالت: \"ما رأيت رسول الله ﷺ منتصرًا من مظلمة ظلمها قط ما لم تكن حرمة من محارم الله- تعالى- وما ضرب بيده شيئًا إلا أن يجاهد في سبيله، وما ضرب خادمًا ولا امرأة\".\nوفي مسند الإمام أحمد، وسنن النسائي من حديث زيد بن أرقم. قال: سحر النبيﷺ- رجل من اليهود. قال فاشتكى لذلك أيامًا فجاءه جبريل فقال: إن رجلًا من اليهود سحرك، عقد لك عقدًا في بئر كذا وكذا فأرسل إليها فجيء بها. فبعث رسول الله ﷺ عليًا فاستخرجها فجاء بها فحللها. قال: فقام النبي ﷺ كأنما نشط من عقال. قال: فما ذكر ذلك لذلك اليهودي ولا رآه في وجهه قط حتى مات.\nوروى ابن أبي الدنيا بسنده، عن عائشة- أيضًا- قالت: والله ما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه في شيء يؤتى إليه حتى ينتهك من محارم الله فينتقم لله﷿-.\nوفي الصحيحين، ومسند أحمد من حديث أنس﵁- قال: \"كنت أمشي مع رسول الله ﷺ وعليه برد نجراني غليظ الحاشية. فأدركه أعرابي. فجذبه بردائه جذبة شديدة. فنظرت إلى صفحة عنق رسول الله ﷺ وقد أثرت بها حاشية الراء من شدة جذبته. ثم قال: يا محمد مر لي من مال الله عندك. فالتفت إليه. فضحك. ثم أمر له بعطاء\".\nوللحديث روايات وطرق.\nورواه ابن ماجه إلى قوله: (غليظ الحاشية) والله أعلم.","vol":"1","page":380},{"text":"فأحاديث حلم رسول الله ﷺ وعفوه عند المقدرة وإحسانه إلى من أساء إليه أكثر من أن يؤتى عليها، وكذلك أصحابه والتابعون وتابعوهم والصالحون.\nوسب رجل أبا بكر الصديق﵁- فقال: ما ستر الله عنك أكثر.\nومر عيسى ابن مريم﵇- بقوم من اليهود فقالوا له شرًا. فقال لهم خيرًا. فقيل: إنهم يقولون شرًا، وأنت تقول خيرًا. فقال: كل أحد ينفق مما عنده.\nوأنشدوا- في كان وكان-:\nفكل شخص لسانوا ... من قدر قلبوا يغترف\nإذا كان طيب فطيب ... وإن كان غيرو بان\n(وقالوا: فلان في الورى لك شاتم ... وأنت له- في الناس- تثني وتمدح\nفقلت: دعوه ما تعد خالصه ... فكل إنا بالذي فيه ينضح\nوذكر أبو الفرج بن الجوزي، عن إبراهيم بن حمزة. قال: أتى عمر بن الخطاب﵁- ببرود، فقسمها بين المهاجرين والأنصار، وكان فيها برد فاضل لها. فقال: إن أعطيته أحدًا منهم غضب أصحابه، ورأوا أني فضلته عليهم. فدلوني على فتى من قريش نشأ نشأة حسنة أعطيه إياها، فسموا له المسور بن مخرمة، فدعه إليه، فنظر إليه سعد بن أبي وقاص على المسور﵄-. فقال: ما هذا؟ قال: كسانيه أمير المؤمنين. فجاء سعد إلى عمر. فقال: تكسوني هذا البرد، وتكسو ابن أخي مسورًا أفضل منه. قال له: يا أبا إسحاق إني كرهت أن أعطيه أحدًا منكم فيغضب أصحابه فأعطيته فتى نشأ نشأة حسنة، لا تتوهموا أني فضلته عليكم .. فقال سعد: فإني قد حلفت لأضربن بالبرد الذي أعطيته رأسك فخضع له عمر رأسه، وقال: عبدك يا أبا إسحاق وليرفق الشيخ بالشيخ فضرب رأسه بالبرد.\nودعا علي﵁- غلامًا فلم يجبه، فدعاه ثانية فلم يجبه، فقام إليه فرآه مضطجعًا. فقال: أما تسمع يا غلام؟ فقال: بلى. قال: فما حملك على السكوت. فقال: أمنت عقوبتك فتكاسلت فقال: امض فأنت حر لوجه الله.\nوشتم رجل أبا ذر﵁- فقال: يا هذا لا تستغرق في شتمنا. ودع","vol":"1","page":381},{"text":"للصلح موضعًا، فإنا لا نكافئ من عصى الله فينا بأكثر من أن نطيع الله فيه.\nوكان أويس القرني: إذا رآه الصبيان يرمونه بالحجارة فيقول: يا إخوتاه، إن كان ولا بد فبالصغار، لا تدمون ساقي فتمنعوني الصلاة.\nوشتم سلمان الفارسي﵁- فقال: إن خفت موازيني فأنا شر مما تقول وإن ثقلت موازيني لم يضرني ما تقول.\nوروى الإمام- أحمد- في الزاهد، وابن أبي الدنيا- بسنديهما عن عمر بن حفص، عن شيخ قال: لما ولى عمر بن عبد العزيز- رحمة الله عليه- خرج ليلة ومعه حرسي، فدخل المسجد، فمر في الظلمة برجل نايم فعثر به، فرفع رأسه إليه. قال: أمجنون أنت؟ قال: لا. فهم به الحرسي. فقال له (عمر) معه إنما سألني أمجنون أنت؟ فقلت: لا.\nوذكر أبو الفرح بن الجوزي، عن إبراهيم بن أبي عبلة. قال: غضب عمر بن عبد العزيز على رجل غضبًا شديدًا، فبعث إليه، فأتى به فجرده ومده في الحبال، ثم دعا بالسياط حتى قلنا: هو ضاربه. قال: خلوا سبيله، لو أني غضبان لسؤتك. ثم تلا: ﴿والكاظمين الغيظ والعافين عن النَّاس والله يحب المحسنين﴾.\nوذكر ابن الجوزي أيضًا عن سفيان قال: نال رجل من عمر بن عبد العزيز، فقال له: ما يمنعك مني؟ فقال: إن التقي ملجم.\nوأسمعه رجل بعض ما يكره. فقال له: مه يا هذا كأنك أردت بكلامك هذا أن يستفزني الشيطان بعز السلطان، فأنال منك ما تستقصه مني. إذهب راشدًا، هداك الله.\nوأنشدوا:\nوذو سفه يخاطبني بجهل ... وأكره أن أكون له مجيبا\nيزيد سفاهة وأزيد حلمًا ... كعود زاده الإحراق طيبا\nوروي أن رجلًا شتم الأحنف بن قيس واسمه الضحاك. وقيل صخر وكان ذلك الرجل يتبعه فلما قرب من الحي وقف. فقال: إن كان في قلبك شيء فقله، كي لا يسمعك سفاء الحي فيحاربوك.","vol":"1","page":382},{"text":"وذكر عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي: أن رجلًا أتى الأحنف فلطمه فقال: ما شأنك؟ قال: اجتعلت لي جعلًا على أن ألطم سيد بني تميم. فقال: ما أنا بسيدهم وإنما سيدهم الحارثة بن قدامة، فذهب الرجل فلطم حارثة فأخرج حارثة سكينًا فقطع يد ذلك. فقال: ما أنت قطعت يدي إنما قطعها الأحنف بن قيس.\nوقيل للأحنف بن قيس: ممن تعلمت الحلم؟ فقال: من قيس بن عاصم فقيل: وماذا بلغ من حلمه؟ قال: قال: بينا هو جالس في داره إذ جاءته خادمة له بسفود من شواء، فسقط من يدها فوقع على ابنة له فماتت، فدهشت الجارية. فقال: لا روعة عليك أنت حرة لوجه الله- تعالى-.\nوروى البيهقي من شعب الإيمان- بسنده- عن الأحنف بن قيس أنه قال: تعلموا الحلم تعلمًا، ولقد تعلمته من قيس بن عاصم، أتي قيس بابنه قتيلًا، فجاء بقاتله وهو أحد بني عمه. فقال له: لقد نقصت عددك وأوهنت عزك، وقتلت ابن عمك وقد عفوت عنك وإن أمه لثكلى وقد حملت لها مائة من الإبل في مالي.\nوقد اتخذ أهل التصوف﵃- التحلي بعدم الانتصار لأنفسهم، لأن حظوظ النفس شين في العقلاء فستروها بالعزم على عدم الانتصار لها حتى إنه ذكر عن بعضهم أن شخصًا سبه فأعرض عنه فقال له: أنت أعني، فقال له السيد وعنك أعرض.\nوشتم الربيع بن خيثم، فقال: يا هذا قد سمع الله كلامك، وإن دون الجنة عقبة إن قطعتها لم يضرني ما تقول، وإن لم أقطعها فأنا شر مما تقول.\nوسب رجل لعلي بن الحسين﵃- فرمى له بخميصة كانت عليه، وأمر له بألف درهم. فقال بعضهم: جمع فيه خمس خصال: الحلم، وإسقاط الأذى، وتخليص الرجل مما يبعده من الله، وحمله على الندم والتوبة، ورجوعه إلى المدح بعد الذم اشترى ذلك بيسير من الدنيا.\nوشتم الشعبي رجل في ملأ من الناس فقال له: إن كنت كذابًا فغفر الله لك، وإن كنت صادقًا، فغفر الله لي.\nوقالت امرأة لمالك بن دنيار﵀- يا مرائي. فقال: يا هذه وجدت اسمي الذي","vol":"1","page":383},{"text":"أضله أهل البصرة، وفي رواية ما عرفني غيرك.\nوروى ابن أبي الدنيا بسنده عن هشام بن عروة. قال: كان أبو السواد العدوي- رحمة الله عليه- يعرض له الرجل فيشتمه فيقول له: إن كنت كما قلت فإني إذًا لرجل سوء.\nوشتم رجل حكيمًا فقيل له: ألا تجيبه؟ فقال: لا أدخل في حزب الغالب فيه شر من المغلوب. وشتم رجل حكيمًا فقيل له: ألا تغضب؟ فقال: كفاه أنه يشتم ولا يشتم.\nوقد روى البيهقي بسنده عن ذي النون المصري- قدس الله روحه- أنه قال: إذا غضب الرجل فلم يحلم فليس بحليم، لأن الحليم لا يعرف إلا عند الغضب.\nأغضب صديقك غرة لتعرفه ... لا يعرف الحلم إلا ساعة الغضب\nوبسنده عنه- أيضًا- أنه قال: ثلاثة من أعلام الحلم: قلة الغضب عند مخالفة الرأي، والاحتمال عند الردى أحبابًا للرب ونسيان إساءة المسيء إليه عفوًا عنه.\nوبسنده، عن محمد بن جحادة قال: كان عمر الشعبي- رحمة الله عليه- من أولع الناس بهذا البيت:\nليست الأحلام في حال الرضا ... إنما الأحلام من حيث الغضب\nوضرب رجل قدم بعض السلف فأوجعه ولم يغضب. فقيل له في ذلك. فقال: أقمته مقام حجر عثرت به وربحت الحلم. ثم إن الحلم لا يكون إلا عن اقتدار وعز وشرف، فإن النفس إذا انحرفت عن خلق الحلم انحرفت إما إلى الطيش والسرف والحدة والخفة، وإما إلى الذل والمهابة والحقارة والفجر. والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-108>فصل (١٥): عفو الناهي عن المسيء يورثه عزًا</span>\nوفي صحيح مسلم، ومسند أحمد، وجامع الترمذي من حديث أبي هريرة﵁- قال: قال رسول الله ﷺ: (ما نقصت صدقة من مال وما عفا رجل عن مظلمة إلا زاده الله بها عزًا، ولا تواضع عبد لله إلا رفعه الله﷿-).","vol":"1","page":384},{"text":"وروى الإمام أحمد، وأبو يعلى الموصلي، والبزار من حديث عبد الرحمن بن عوف﵁- أن رسول الله ﷺ قال: (ثلاث إن كانت لحالفًا عليهن: لا ينقص مال من صدقة فتصدقوا، ولا يعفو عبد عن مظلمة إلا رفعه الله بها عزًا). (وفي رواية إلا زاده الله بها عزًا). وفي لفظ: إلا زاده الله بها عزًا يوم القيامة، ولا يفتح عبد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر.\nورواه أحمد- أيضًا- من حديث أبي كبشة سعيد بن عمرو. وقيل عامر الأنماري﵁- قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ثلاث أقسم عليهم وأحدثكم حديثًا فاحفظوه. قال: أما الثلاث التي أقسم عليهن، فإنه ما نقص مال عبد من صدقة، ولا ظلم عبد فصبر عليها إلا زاده بها عزًا) الحديث.\nورواه الطبراني في الأوسط والصغير من حديث أم سلمة وقال فيه: (ولا عفا رجل عن مظلمة إلا زاده الله بها عزًا فاعفو يعزكم الله).\nقال العلماء: ففي قوله: (لا يعفو عبد عن مظلمة إلا زاده الله بها عزًا) وجهان:\nأحدهما: أنه على ظاهره، فإن من عرف بالعفو والصفح ساد وعظم في القلوب، وزاد عزه وإكرامه.\nوالثاني: أن المراد أجره في الآخرة وعزه هناك.\nوقال النووي: وقد يكون المراد الوجهين معًا في الدنيا وفي الآخرة.\nوروى الطبراني، وابن أبي عاصم من حديث أنس أن النبي ﷺ قال: (إذا وقف الناس للحساب نادى مناد من كان أجره على الله فليقم فليدخل الجنة. ثم ينادي الثانية: من كان أجره على الله فليقم فليدخل الجنة. قالوا: من ذا الذي أجره على الله؟ قال: العافين عن الناس. ثم ينادي الثالثة: من كان أجره على الله فليقم فليدخل الجنة. قال: فيدخلها كذا وكذا بغير حساب). ويصدق هذا الحديث قوله تعالى: ﴿.. فمن عفا وأصلح فأجره على الله ...﴾.","vol":"1","page":385},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-109>فصل (١٦)</span>\nومن أحسن ما تقل في العفو، ما ذكر أبو الفرج بن الجوزي. قال: كنا نجلس إلى الوزير أبي المظفر عون الدين يحيى بن محمد بن هبيرة الحنبلي فيملي علينا كتابه \"الإفصاح\" فبينما نحن كذلك إذ قدم رجل ومعه رجل ادعى عليه أنه قتل أخاه. فقال له \"عون الدين\" أقتلته؟ قال: نعم، جرى بيني وبينه كلام فقتلته. فقال الخصم: سلمه إلينا، لنقتله فقد أقر بالقتل. فقال الوزير: أطلقوه ولا تقتلوه. قالوا: كيف ذلك وقد قتل أخانا، قال: أفتبيعونه فاشتراه منهم بستمائة درهم وسلم الذهب إليهم، وذهبوا وقالوا للقاتل: اقعد عندنا لا تبرح، قال: فجلس عندهم وأعطاه الوزير خمسين دينار. قال: فقلنا له: أحسنت إلى هذا، وعملت معه أمرًا عظيمًا، وبالغت في الإحسان إليه، فقال الوزير منكم أحد يعمل أن عيني اليمنى لا أبصر بها شيئًا؟ فقلنا: معاذ الله- تعالى- فقال: بلى، والله أتدرون ما سبب ذلك؟ قلنا: لا. قال: هذا الذي خلصته من القتل جاء إلي وأنا في الدور ومعي كتاب من الفقه أقرأ فيه ومعه سلة فاكهة. فقال: أحمل هذه السلة. فقلت له: ما هذا شغلي فاطلب غيري، فشاكلني وكلمني فقلع عيني ومضى فلم أره بعد ذلك إلى يومي هذا فذكرت ما صنع لي فأردت أن أقابل إساءته إلي بالعفو والإحسان مع القدرة. ولبعضهم:\nقوم إذا ظفروا بنا ... جادوا بعتق رقابنا\nوأتي عمر بن عبد العزيز- رحمة الله عليه- برجل كان قد نذر إن أمكنه الله منه ليفعلن به وليفعلن. فقال له رجاء بن حيرة: قد فعل الله ما تحب من الظفر فافعل ما يحب من العفو.\nوأنشدوا:\nيعطي الكريم ولا يملك من العطا ... والدفع شيمته إذا رفع الخطا\nقال عبد الله بن المبارك: كنت عند أبي جعفر عبد الله المنصور جالسًا فأمر بقتل رجل. فقلت: يا أمير المؤمنين، قال رسول الله ﷺ (إذا كان يوم القيامة نادى مناد بين يدي الله: من كانت له عند الله يد فليتقدم، فلا يتقدم إلا من عفا عن ذنب) فأمر بإطلاقه.\nوقال صالح ابن الإمام أحمد: دخلت على أبي يومًا، فقلت: بلغني أن رجلًا أتى إلى أبي فضل الأنماطي فقال له: اجعلني في حل إذ لم أقم بنصرتك. فقال: فضل: لا جعلت","vol":"1","page":386},{"text":"أحدًا في حل فتبسم إلي وسكت فلما كان بعد أيام قال لي: مررت بهذه الآية: ﴿فمن عفا وأصلح فأجره على الله﴾ فنظرت في تفسيرها فإذا هو ما حدثني هاشم بن القاسم قال: حدثني المبارك، قال: حدثني من سمع الحسن. يقول: إذا جثت الأمم بين يدي رب العالمين يوم القيامة، ونودوا: ليقم من أجره على الله، فلا يقوم إلا من عفا في الدنيا. قال أبي: فجعلت الميت في حل من ضربه إياي، ثم جعل يقول: وما على رجل أن لا يعذب الله بسببه أحدًا.\nوقال عبد الله ابنه: قال أبي: وجه الله الواثق أن أجعل المعتصم في حل من ضربه إياك. فقلت: ما خرجت من داره حتى جعلته في حل.\nوأنشد محمود الوراق:\nإني وهبت لظالمي ظلمي ... وغفرت ذاك له على علمي\nورأيته أسدى إلى يدا ... فأبان منه بجهله حلمي\nوقال غيره:\nوإذا المسيء جنى عليك جناية ... فاقتله بالمعروف لا بالمنكر\nوأحسن إليه إذا أساء فإنه ... من ذي الجلال بسمع وبنظر\nوقيل لبعض الأعراب: من سيدكم؟ فقال: من احتمل شتمنا، وأعطى سائلنا. وأغضى عن جاهلنا. فمن قابل المكروه بالعفو، والزلة بالحلم، والإساءة بالإحسان والسيئة بالغفران فقد أوطأ أخمص قدمه أوج السيادة وأعطى نفسه بشراها بأن له الحسنى وزيادة.\nوروى البيهقي في الشعب بسنده، عن محمد بن عبد الواحد أنه كان ينشد:\nلن يبلغ المجد أقوام وإن شرفوا ... حتى يذلوا وإن عزوا لأقوام\nويشتموا فترى الألوان مشرقة ... لا عفو ذل ولكن عفو إكرام\nوقيل: إن هذين البيتين لعروة بن الزبير- رحمة الله عليه- هذا جود الفتوة. فمن قابل المكروه بالعفو، والزلة بالحلم، والإساءة بالإحسان، والسيئة بالغفران فقد أوطأ أخمص قدميه أوج السيادة وأعطى نفسه بشراها بأن له الحسنى وزيادة.","vol":"1","page":387},{"text":"قال الله تعالى: ﴿والجروح قصاصٌ فمن تصدق به فهو كفَّارة له﴾ ... وفي هذا الجود. قال الله تعالى: ﴿وجزؤا سيئةٍ سيئةٌ مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحبُّ الظَّلمين﴾.\nقال سعيد بن المسيب: لأن يخطئ الإمام في العفو خير له أن يخطئ في العقوبة.\nوقال جعفر بن محمد: لأن أندم على العفو، أحب إلي أن أندم على العقوبة.\nهذه والله علامات المهذبين المرتاضين، وأمارات المخلصين الصادقين. كما قال الإمام أحمد﵀- في رواية إسحاق بن إبراهيم وقد جاءه رجل. فقال له: إني كنت شاربًا مسكرًا فتكلمت فيك بشيء فاجعلني في حل. فقال أبو عبد الله: أنت في حل إن لم تعد. فقلت له: يا أبا عبد الله، لم قلت له ذلك فلعله يعود؟ قال: ألم تر ما قلت له: إن لم تعد قد اشترطت عليه؟ ثم قال: ما أحسن الشروط إذا أراد أن يعود فلا يعود إن كان له دين.\nوقال أبو بكر المروذي: سمعت رجلًا يقول لأبي عبد الله: اجعلني في حل. قال: من أي شيء؟ قال: كنت أذكرك، أي أتكلم فيك. قال له: ولم أردت أن تذكرني. فجعل يعترف بالخطأ فقال له أبو عبد الله: على أن لا تعود لهذا. قال له نعم. قال: قم، ثم التفت إلي وهو يبتسم. فقال: لا أعلم أني شددت على أحد إلا على رجل جاءني فدق علي الباب، وقال: اجعلني في حل، فإني كنت أذكرك. فقلت: ولم أردت أن تذكرني، أي وهذا الرجل كأنه أراد منهما التوبة وأن لا يعود.\nرواه الخلال- في حسن الخلق- من كتاب الأدب. فينبغي للإنسان أن لا ينزعج على من آذاه ويجاهد نفسه، ليرتاض فيقابله بالعفو والصفح، ويواجهه بما لا يواجهه به غيره من المحبين.\nوالمعتقدين من طيب القول وحسن العبادة، وعدم الجفاء تقربًا إلى ربه﷿- فإن ذلك من شيم العلماء الصلحاء الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، المقتدين بسنة سيد البشر- عليه أفضل الصلاة والسلام وأعلى من ذلك الجود بالعرض.\nكما روى ابن أبي الدنيا وغيره: من حديث حمزة الثمالي، أن علي بن الحسين زين العابدين كان إذا خرج من بيته قال: اللهم إني أتصدق اليوم، أو أهب عرضي من استحل منا شيئًا من ذلك. كأبي ضمضم﵁- فيما رواه أبو بكر بن السني من حديث أنس","vol":"1","page":388},{"text":"﵁- أن رسول الله ﷺ قال: (أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضمضم؟ قالوا: ومن أبو ضمضم يا رسول الله؟ قال: كان إذا أصبح قال: اللهم إني وهبت نفسي وعرضي لك، فلا يشتم من شتمه ولا يظلم من ظلمه، ولا يضرب من ضربه).\nورواه غيره بلفظ: (اللهم إنه لا مال لي فأتصدق به على الناس وقد تصدقت عليهم بعرضي، فمن شتمني أو قذفني فهو في حل) فقال النبي: من يستطع منكم أن يكون كأبي ضمضم؟ قال ذلك ﷺ لأن العفو عن أرباب الهفوات بإقالة العثرات والحلم على مقترفي الزلات، والصفح عن ذوي الهيئات واصطناع المعروف، وإغاثة المضطر الملهوف من محاسن الشيم، وأشرف خلال الكرم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-110>فصل (١٧): استحباب الأناة والتثبت للآمر الناهي</span>\nومما يستحب للآمر بالمعروف الناهي عن المنكر، الأناة والتؤدة والتثبت. والأناة الصفح والحلم والوقار. قال الله تعالى: ﴿يأيها الذين ءامنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ...﴾.\nقرأ حمزة والكسائي: (فتثبتوا) من التثبت.\nوقال تعالى: ﴿خلق الإنسان من عجلٍ﴾، وقال- تعالى-: ﴿.. وكان الإنسان عجولًا﴾ وقال- تعالى-: ﴿فستعلمون من أصحاب الصراط السّوي ومن اهتدى ...﴾.\nوقال تعالى: ﴿يأيها الذين ءامنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهلةٍ فتصبحوا على ما فعلتم نادمين﴾.\nوقرأ حمزة والكسائي: فتثبتوا- كقراءتهما آية النساء المتقدمة قريبًا. و(الفاسق) الكذاب، (أن تصيبوا): أي لئلا تصيبوا قومًا (بجهالة) أي بخطأ. ﴿فتصبحوا على ما فعلتم نادمين﴾ أي على عجلة، وترك التأني.","vol":"1","page":389},{"text":"وفي جامع الترمذي من حديث سهل بن سعيد الساعدي﵁- قال: قال رسول الله ﷺ: (الأناة من الله والعجلة من الشيطان).\nوقال: حديث حسن غريب- وروى نحوه أبو يعلى الموصلي من حديث أنس مرفوعًا. بلفظ: التأني من الله والعجلة من الشيطان.\nفالأناة بفتح الهمزة وبالتاء: التي تكتب هاء وبالقصر- التثبت في الأمور والسكون وترك العجلة والتأني والمكث والإبطاء وهي محمودة (والعجلة) وهي التقدم فيما لا ينبغي التقدم فيه، وهي مذمومة، والسرعة محمودة وهي التقدم فيما ينبغي التقدم فيه والأناة والتؤدة، والتثبت خلق متوسط، لأن النفس إذا انحرفت عن ذلك انحرفت إما عجلة وطيش، وإما إلى تفريط وإضاعة. والفرق بين المبادرة والعجلة أن البادرة هي الإسراع في أمر هو حق الله ﷿ ويخاف عليه الفوت. فالعبد محمود في الإسراع فيه أما العجلة بالإسراع في أمر على قضاء الشهوة والتهمة وإدراك المنية، لا لله- تعالى- ولا لوجهه. فتلك العجلة من الشيطان.\nكما قيل:\nوإذا هممت بأمر سوء فاتئد ... وإذا هممت بأمر خير فأسرع\nوالمقصود أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يكون بعد البصيرة والمعرفة، والبصيرة تحتاج إلى تأمل ومهلة، والعجلة تمنع من ذلك.\nقال الشيخ الإمام عز الدين بن عبد السلام: الأفعال ضربان:\nأحدهما: ما خفي عنا مصلحته، فلا تقدم عليه حتى تظهر مصلحته المجردة عن المفسدة أو الراجحة عليها. وهذا الذي جاءت الشريعة بمدح الأناة فيه إلى أن يظهر رشده وصلاحه.\nالضرب الثاني: ما ظهرت لنا مصلحته، وله حالان:\nأحدهما: أن لا تعارض مصلحته مفسدته ولا مصلحة أخرى، فالأولى تعجيله، والثانية أن تعارض مصلحته مصلحة هي أرجح منه مع الخلو عند المفسدة، فيؤخر عند رجاء","vol":"1","page":390},{"text":"الحياة وإلى تحصيله، وإن عارضته مصلحة تساويه قدمت مصلحة التعجيل لما ذكرناه فيما خلا عن المعارض والله أعلم.\nوفي الموطأ، ومسند أحمد وسنن أبي داود من حديث عبد الله بن عباس﵄- أن رسول الله ﷺ قال: (القصد والتؤدة وحسن السمت جزء من خمسة وعشرين جزءًا من النبوة) هذه رواية الموطأ.\nورواية أحمد، وأبي داود أن رسول الله ﷺ قال: (إن الهدي الصالح والسمت الصالح والاقتصاد جزء من خمسة وعشرين جزءًا من النبوة).\nورواه الترمذي من حديث عبد الله بن سرجس بلفظ: (إن السمت الحسن والتؤدة والاقتصاد جزء من أربعة وعشرين جزءًا من النبوة) وقال: حديث حسن غريب.\nالتؤدة- بضم المثناة الفوقية، وفتح الهمزة المهملة- هي التأني والتثبت وعدم العجلت فإذا أمرت بها فأنت أتيد.\nوفي سنن أبي داود وصحيح الحاكم من حديث سعد بن أبي وقاص﵁- أن رسول الله ﷺ قال: (التؤدة في كل شيء إلا في عمل الخير).\nورواه البيهقي. قال: إلا في عمل الآخرة.\nقال الحاكم: صحيح على شرط البخاري ومسلم.\nوقال عبد الله بن مسعود﵁-: أنتم في زمان خيركم فيه المسارع الأمور، وسيأتي بعدكم بزمان يكون خيركم المتثبت المتوقف لكثرة الشبهات.\nوقال علي﵁ وكرم وجهه-: من التوفيق التوقف عند الحيرة.\nقال الغزالي: فمن لم يثبت في هذا الزمان، ووافق الجماهير فيما هم عليه خاض فيما","vol":"1","page":391},{"text":"خاضوا، وهلك فيمن هلكوا. فبجمع ما في هذا الفصل، أن من وقعت به نازلة أو بلغه خبر محتمل الصدق والكذب أن لا يعجل فيه.\nوكتب عمرو بن العاص إلى معاوية﵄- يعاتبه في التأني فكتب إليه معاوية: أما بعد فإن التفهم في الخبر زيادة ورشد، وإن المتثبت مصيب أو كاد أن يكون مصيبًا، فإن العجل يخطئ- أو كاد أن يكون مخطئًا.\nوأنشد بعضهم:\nومستعجل والمكث أولى لرشده ... ولم يدر ما يلقاه حين يبادر\nقال بعض الحكماء: العجلة تثمر الزلل العاجل، وتسفر عن الندامة في الأجل.\nولغيره:\nقد يدرك المتأني بعض حاجته ... وقد يكون من المستعجل الزلل\nقال أبو بكر البيهقي- في الشعب-: أخبرنا جعفر الخلوي. قال: سمعت الخواص يقول: العجلة تمنع من إصابة الحق، وربما آلت إلى الضرر.\nوأنشدوا:\nلا تعجلن فربما عجل الفتى فيما يضره ... وربما كره الفتى أمرًا عواقبه تسره\nوكم لله من لطف خفي ... يدق خفاه عن فهم الذكي\nوكم عسر أعاد يسرًا ... وفرح لريحه القلب الشجي\nوكم هم تساءمنه صباحًا ... فأعقبه المسرة بالعشي\nوروى أنه لما ولد عيسى﵇- أتت الشياطين إبلين. فقالت: أصبحت الأصنام قد نكصت رؤوسها. قال: هذا حادث قد حدث مكانكم! وطار حتى جاء خافقي الأرض فلم يجد شيئًا ثم وجد عيسى ﵇ قد ولد وإذا الملائكة قد حفت حوله، فرجع إليه فقال: إن نبيًا قد ولد وإذا الملائكة قد حفت حوله، فرجع إليهم فقال: إن نبيًا قد ولد البارحة ولا حملت أنثى قط ولا وضعت إلا وأنا بحضرتها إلا هذا، فأيسوا أن تعبد الأصنام بعد هذه الليلة ولكن ائتوا بني آدم من قبل العجلة.\nوقال الحسن البصري: المؤمن وقاف متأن وليس كحاطب ليل. وأجمع الحكماء على أن المظفر مأمور بالصبر، والإدراك موصول بالتأني.","vol":"1","page":392},{"text":"وسئل بعضهم أي الأمور أشد تأييدًا للفتى وأشدها إضرارًا به. قال: أشدها تأييدًا له ثلاثة أشياء: مشاورة الحكماء وتجربة الأمور وحسن التثبت وأشدها إضرارًا به ثلاثة أشياء: الاستبداد، والتهاون، والعجلة. وكانت العرب تسمي العجلة: أم الندامات.\nوذكر عند المأمون بعض عظماء دولته، فقال: نعم من ذكرتم ولولا عجلة فيه.\nوقال بعض الحكماء: العجلة في الأمر خرق، وأخرق من ذلك التفريط في الأمر بعد القدرة عليه.\nقال حكيم للإسكندر: احفظ عني ثلاثة خلال. صل عجلتك بتأنيك، وسطوتك بترفقك، وضرك بنفعك. تثبت في سائر أمورك تحصل على الفوائد، وجانب العجلة فإنها بئست الخصلة المقاصد.\nوأنشدوا:\nوإذا أردت صواب أمر مشكل ... فتأن أمرك، فالتأني أصوب\nما أقوم فنانك لو استعملت في أمرك أنانك! ! وما أصلح شأنك لو رأيت في مرآة الاعتبار ما شانك! !\nفينبغي للآمر الناهي أن يتأمر العواقب تأمل من لله يراقب، فمن سمت نفسه إلى تجشم رتب المعالي، وعلت همته إلى استخدام بيض الأيام وسود الليالي، تسربل بملابس التؤدة، لتكشف له موارد الخطل والخلل، ومقاصد أهل الزيغ والزلل ويعلم المفسد من المصلح في القول والعمل فتهون عليه عظائم الأمور، وتعظم مهابته في الصدور وتتجافى الناس أن يعاملوه بشيء من المحظور والمحذور. ومتى آثر السرعة على راحة التؤدة. فقد تعجل أغراق النار الموقدة وكان جديرًا بإنتقاص مبرم ما ذكر إليه، وإعراض الخلق بعد إقبالهم عليه، وآل أمره إلى ندامة يعض منها على يديه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-111>فصل (١٨): ويستحب للآمر بالمعروف الناهي عن المنكر قصد نصح جميع الأمة</span>\nومما يستحب للآمر بالمعروف الناهي عن المنكر، قصده نصح جميع الخلق، بأن يريد لغيره من الخير ما يريد لنفسه.","vol":"1","page":393},{"text":"قال الله تعالى حكاية عن عبده ورسوله نوح: ﴿وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا تعلمون﴾، وعن نبيه هود﵉-: ﴿.. وأنا لكم ناصحٌ أمين﴾ أي عرفت فيما بينكم بالنصح، فما حقي أن أتهم وأنا لكم ناصح فيما أدعوكم.\nقال العلماء: النصح إخلاص النية من شوائب الفساد في المعاملة بخلاف الغش. يقال: نصحته ونصحت له نصيحة ونصاحة ونصحًا وهو باللام أفصح، لقوله: ﴿.. وأنصح لكم ..﴾ والاسم النصيحة والنصيح الناصح. وقوم نصحاء، ورجل ناصح أي خالص، وكل شيء خلص فقد نصح وانتصح فلان أي أقبل على النصيحة.\nقال أبو سليمان الخطابي: النصيحة كلمة جامعة، ومعناها: حيازة الحظ للمنصوح له، وقيل: إنها مأخوذة من نصحت العسل إذا صفيته من الشمع. شبهوا تخليص القول من الغش بتخليص العسل.\nوقيل: (مأخوذة من نصح الرجل ثوبه إذا خاطه، فشبهوا فعل الناصح- فيما يتحراه من صلاح المنصوح له- بما يسده من خلل الثوب، والله أعلم).\nولقد أكرم الله هذه الأمة بالصديقين خاصة، كما خص بني إسرائيل بالأنبياء عامة، فجعل المرسلين أهل الشرع، وجعل الأنبياء أهل الإنذار، وجعل الصديقين أهل النصيحة والبيان.\nوفي الصحيحين، ومسند الإمام أحمد، وسنن أبي داود، والترمذي، والنسائي من حديث زياد بن علاقة. (قال: سمعت جرير بن عبد الله﵁- يقول يوم مات المغيرة بن شعبة. قام فحمد الله وأثنى عليه. وقال: عليكم باتقاء الله وحده لا شريك له، والوقار والسكينة حتى يأتيكم أمير، فإنما يأتيكم الآن. ثم قال: استعفوا لأميركم فإنه كان يحب العفو. ثم قال: أما بعد فإني أتيت رسول الله ﷺ فقلت: أبايعك على الإسلام فشرط","vol":"1","page":394},{"text":"علي والنصح لكل مسلم فبايعته على هذا، ورب هذا المسجد إني لكم لناصح، ثم استغفر ونزل. هذه رواية البخاري).\nوأخرج مسلم المسند منه.\nوفي رواية لهما. (قال جرير: بايعت رسول الله ﷺ على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم).\nوفي أخرى لهما. قال: بايعت رسول الله ﷺ على السمع والطاعة، فلقنني: فيما استطعت والنصح لكل مسلم.\nوروى أبو داود، والترمذي، الرواية الثانية وزاد فيها أبو داود: وكان إذا باع الشيء أو اشتراه قال: أما إن الذي أخذنا منك أحب إلينا مما أعطيناك فاختر.\nوفي رواية قال: بايعت رسول الله ﷺ على السمع والطاعة وأن أنصح لكل مسلم.\nوفي أخرى قال: بايعت رسول الله ﷺ على النصح لكل مسلم.\nوفي أخرى قال: أتيت رسول الله ﷺ فقلت: أبايعك على السمع والطاعة فيما أحببت وكرهت. قال النبي ﷺ: (أوتستطيع ذلك يا جرير أو تطيق ذلك؟ قال: فيما استطعت فبايعني والنصح لكل مسلم).\nوفي أخرى قال: أتيت النبي ﷺ وهو يبايع، فقلت: يا رسول الله أبسط يدك، حتى أبايعك واشترط علي، فأنت أعلم. قال: (أبايعك أن تعبد الله، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، وتناصح المسلمين، وتفارق المشركين).\nقال العلماء﵃-: فالنصح معتبر بعد الإسلام لهذا الحديث. ومما يتعلق","vol":"1","page":395},{"text":"بهذا الحديث- أيضًا- منقبة لجرير﵁- فيما روى أبو القاسم الطبراني- بإسناده أن جريرًا أمره مولاه أن يشتري له فرسًا، فاشترى له فرسًا بثلاثمائة درهم وجاء به وبصاحبه، لينقده الثمن. فقال جرير لصاحب الفرس: فرسك خير من الثلاثمائة درهم أتبيعه بأربعمائة؟ قال: ذلك إليك، يا أبا عبد الله. قال: فرسك خير من ذلك أتبيعه بخمسمائة درهم، ثم لم يزل يزد مائة فمائة وصاحبه يرضى وجرير يقول: فرسك خير إلى أن بلغ ثمانمائة درهم فاشتراه فقيل له في ذلك! ! فقال: (بايعت رسول الله ﷺ على النصح لكل مسلم).\nوفي صحيح مسلم، ومسند أحمد، وسنن أبي داود، والنسائي من حديث أبي رقية تميم بن أوس الداري﵁- أن رسول الله ﷺ قال: (الدين النصيحة) قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: (لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم). هذه رواية مسلم وأحمد.\nوفي رواية أبي داود: إن الدين النصيحة: قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: (لله﷿- ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم). وعند النسائي بلفظ (إنما الدين النصيحة، قالوا لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم).\nوروى أحمد، والترمذي، والنسائي نحوه من حدث أبي هريرة﵁- بالتكرار- أيضًا- وحسنه.\nوروى أيضًا- نحوه من حديث ابن عباس.\nورواه الطبراني- في الأوسط- من حديث ثوبان إلا أنه قال: رأس الدين النصيحة.\nوليس لتميم في صحيح مسلم سوى هذا الحديث، وليس له في صحيح البخاري شيء سوى تعليق الحديث والله أعلم.","vol":"1","page":396},{"text":"قال العلماء: (معنى الحديث عماد الدين وقوامه النصيحة). كقوله: (الحج عرفة) أي عماده ومعظمه.\nوالنصيحة فرض على الكفاية فيجزئ فيه من قام به وسقط عن الباقين لأنها محض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر).\nقال أبو عبد الله بن مفلح: وظاهر كلام الإمام أحمد، وأصحابه وجوب النصح للمسلم وإن لم يسأله ذلك، لظاهر الأدلة).\nوقال صاحب المستوعب: ومن الواجب موالاة المسلمين والنصيحة لهم وأنشدوا:\nمن يبلغ عمرو بن هند إيه ... ومن النصيحة كثرة الإنذار\nوالنصيحة لازمة على قدر الطاقة، إذا علم الناصح أنه يقبل منه نصحه ويطاع أمره وأمن على نفسه المكروه، فإن خشي أذى فهو في سعة.\nأما النصيحة لله- تعالى- فمعناها: (إخلاص الاعتقاد في الوحدانية، ونفي الشرك عنه، ووصفه بصفات الكمال، وتنزيهه عن جميع أنواع النقائص، والقيام بطاعته، واجتناب معصيته، والدعاء إلى جميع أوصاف الخير، والحث عليها).\nقال الخطابي: وحقيقة هذه الإضافة راجعة إلى العبد في نصحه (نفسه) معاذ الله- تعالى- غني عن نصح الناس).\nوستأتي رواية أحمد من حديث أبي أمامة: \"أحب ما تعبدني به عبدي إلى النصح لي\".\nوقال جعفر بن محمد: ما ناصح الله عبد مسلم في نفسه، فأخذ الحق لها وأعطى الحق منها، إلا أعطي خصلتين: رزق من الله بقنع منه، ورضا من الله عنه.\nأما النصيحة لكتابه، فالإيمان بأنه كلامه- تعالى- وتنزيله لا يشبهه شيء من كلام","vol":"1","page":397},{"text":"الخلق ثم تعظيمه وتلاوته، مع إقامة حروفه مع الخشوع عندها والذب عنه، لتأويل المحرفين، والوقوف مع أحكامه، وتفهم علومه، وأمثاله، والاعتبار بمواعظه، والتفكر في عجائبه، والعمل بمحكمه والتسليم لمتشابهه.\nوأما النصيحة لرسول الله ﷺ فتصديقه على الرسالة، والإيمان بجميع ما جاء به، وطاعته في أمره ونهيه ونصرته حيًا وميتًا، ومعاداة من عاداه، وموالاة من والاه، وتعظيمه وإحياء سنته وطريقته، ونشرها، ونفي التهمة عنها، والنفقة في معانيها، والدعاء إليها، والتلطف في تعلمها وتعليمها، وإعظامها وإجلالها، والتخلق بأخلاقه والتأدب بآدابه، ومحبة أهل بيته وأصحابه، ومجانبة من ابتدع في سنته، أو تعرض لأحد من أصحابه﵃-.\n(يا آل بيت رسول الله حبكم ... فرض من الله في القرآن أنزله\nيكفيكم من عظيم القدر أنكم ... من لا يصلي عليكم لا خلاق له)\nوأما النصيحة لأئمة المسلمين- وهم الخلفاء وغيرهم فمن يقوم بأمر المسلمين من أصحاب- الولايات- فمعاونتهم على الحق، وطاعتهم فيه وأمرهم به، وتذكيرهم برفق ولطف، وإعلامهم بما غفلوا عنه ولم يبلغهم من حقوق المسلمين، وترك الخروج عليهم، وتألف قلوب الناس لطاعتهم والدعاء لهم بالصلاح.\nقال صاحب المستوعب: وفرض على المؤمن النصيحة لإمامه، وطاعته في غير معصية، والذب عنه.\nقال أبو زكريا يحيى النووي: اعلم أن هذا الباب تتأكد العناية به- فيجب على الإنسان النصيحة والوعظ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكل كبير وصغير، إذا لم يغلب على ظنه ترتب مفسدة على وعظ. انتهى.\nوقد روى أبو بكر البيهقي- في شعب الإيمان من حديث أنس مرفوعًا: \"السلطان ظل الله في الأرض فمن غشه ضل، ومن نصحه اهتدى\".","vol":"1","page":398},{"text":"ثم رواه من طريق آخر، عن قتادة:\nوقال بعض السلف: أحوج الناس إلى النصيحة الملوك، لما ابتلاهم الله به من سياسة الخلق وأوجب عليهم من القيام بالحق.\nوأما ما يفعله كثير من الناس من إهمال ذلك في حق كبار المراتب، ويتوهم أن ذلك حياء فخطأ صريح، وجهل قبيح، فإن ذلك ليس بحياء، وإنما هو جور ومهانة وضعف وعجز، فإن الحياء خير كله، والحياء لا يأتي إلا بخير، وهذا يأتي بشر فليس بحياء. وإنما الحياء- عند المحققين والعلماء الربانيين- خلق يبعث على ترك القبيح، ويمنع من التقصير في حق ذي الحق.\nكما قال أبو القاسم الجنيد بن محمد- قدس الله روحه-: الحياء رؤية الآلاء، ورؤية التقصير، فتتولد بينهما حالة تسمى حياء. والله أعلم.\n(وأما نصيحة عامة المسلمين- وهم من عدا ولاة الأمور- فعلى المسلم أن يكون ناصحًا لإخوانه المسلمين، يقصد ما هو أصلح لهم من إرشاد لمصالحهم في آخرتهم ودنياهم، وإعانتهم على ذلك بالقول والفعل، وأمرهما بالمعروف ونهيهم عن المنكر، وستر عوراتهم، ورفع المضار عنهم، وجلب المنافع إليهم، والشفقة عليهم، وتوقير كبيرهم، ورحمة صغيرهم، وتخولهم بالموعظة الحسنة، وترك غيبتهم والذب عن أعراضهم وأموالهم وغير ذلك بالقول والفعل، وحثهم على التخلق بجميع هذه الصفات وتنشيط هممهم إلى الطاعات. ومجموع ذلك كله ما ثبت في الصحيحين من حديث أنس بن مالك﵁- عن النبي ﷺ أنه قال: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحبُّ لنفسه).","vol":"1","page":399},{"text":"الجزء الرابع\nوقال الإمام أبو بكر البيهقي- في الشعب: وأما نصيحة جماعة المسلمين، فإن نصيحتهم على أخلاقهم ما لم يكن لله معصية وانظر إلى تدبير الله فيهم بقلبك، فإن الله قسم بينهم أخلاقهم كما قسم بينهم أرزاقهم ولو شاء لجعلهم على خلق واحد فلا تغفل عن تدبير الله فيهم فإذا رأيت معصية فاحمد الله، إذ صرفك عنها في وقتك، وتلطف في الأمر والنهي في رفق وصبر وسكينة فإن قبل منك فاحمد الله، وإن رد عليك فاستغفر الله، لتقصير منك كان في أمرك ونهيك واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور.\nوفي الصحيحين، ومسند أحمد، وسنن أبي داود، والترمذي والنسائي من حديث أبي هريرة﵁- مرفوعًا: حق المسلم على المسلم: ردّ السلام، وعيادة المريض واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس. هذا لفظ الصحيحين وأحمد وأبي داود، ولمسلم وأحمد قال: حق المسلم على المسلم ست قيل: ما هن يا رسول الله؟ قال: (إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فحمد الله فشمِّته وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه). وروى \"الترمذي\" هذه الرواية التي \"المسلم\" وجعل بدل \"السلام\" وتنصح له غاب أو شهد.","vol":"1","page":400},{"text":"ولفظ النسائي قال: \"للمؤمن على المؤمن ست خصال: يعوده إذا مرض ويشهده إذا مات ويجيبه إذا دعاه ويسلم عليه إذا لقيه ويشمته إذا عطس، وينصح له إذا غاب أو شهد\".\nورواه ابن ماجه بلفظ آخر: ويحب له ما يحب لنفسه.\nوفي مسند الإمام أحمد وغيره من حديث علي ابن أبي طالب مرفوعًا للمسلم على المسلم من المعروف ست: يسلم عليه إذا لقيه ويشمته إذا عطس، ويعوده إذا مرض ويجيبه إذا دعاه ويشهده إذا توفى، ويحب له ما يحب لنفسه وينصح له بالمغيبة.\nوروى أبو داود- في باب النصيحة- بسنده عن كثير بن زيد، عن الوليد بن رباح، عن أبي هريرة﵁- عن النبي ﷺ قال: (المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخ المؤمن يكف عليه ضيعته، ويحفظه من ورائه).\nقال العلماء: وأما الكافر فليس على المسلم أن ينصحه. لما تقدم من حديث زياد بن علاقة وتميم الداري قال حنبل: سمعت أبا عبد الله يعني الإمام أحمد﵀ يقول: ليس على المسلم نصح الذمي، بل عليه نصح المسلم والله أعلم.\nوروى الطبراني، والحاكم من حديث حذيفة بن اليمان مرفوعًا: من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم، ومن لم يصبح ويمسي ناصحًا لله ولرسوله ولكتابه ولإمامه ولعامة المسلمين فليس منهم.\nوروى نحوه الطبراني- أيضًا- في المعجم الأوسط- من حديث أبي ذر.\nوروى أبو القاسم إسماعيل الأصبهاني- في الترغيب والترهيب بسنده عن أبي أمامة","vol":"1","page":401},{"text":"الباهلي مرفوعًا: إن الله﵎- يقول: أحب ما تعبدني به النصيحة. ورواه الإمام أحمد في المسند- بلفظ: أحب ما تعبد لي به عبدي النصح لي.\nوفي رواية: أحب ما تعبدني به عبدي النصح.\nوروى أبو بكر البيهقي- في الشعب- من حديث النعمان بن بشير مرفوعًا: مثل تراخم المؤمنين بعضهم على بعض ونصح بعضهم بعضًا، وشفقة بعضهم على بعض، كرجل اشتكى بعض جسده فتداعى جسده كله بالسهر إذا ألم ببعض جسده.\nوسيأتي- من رواية الصحيحين- بغير هذا اللفظ.\nوروى أيضًا- بسنده، عن قتادة، عن أنس بن مالك مرفوعًا: \"المؤمنون بعضهم لبعض نصحه وادُّون وإن افترقت منازلهم وأبدانهم والفجرة. بعضهم لبعض غششةٌ متخاذلون وإن اجتمعت منازلهم وأبدانهم\". ورواه أبو الشيخ بن حيان في كتاب التوبيخ وكذلك أبو القاسم الأصبهاني- في الترغيب والترهيب. وروى الإمام أحمد في كتاب الزهد- بسنده، عن الحسن البصري مرسلًا: إن أحب عباد الله إلى الله أنصحهم لعباده. وبسنده، عن غالب القطان قال: رأيت الحسن البصري- رحمة الله عليه- في المنام في سكة الموالي وبيده ريحان فقلت: أخبرني بأمر يسير عظيم الأجر. فقال: نعم نصيحة بقلبك وذكر بلسانك تقلب بهما.\nوفي كتاب الزهد والرقائق، لعبد الله بن المبارك، عن الأوزاعي عن حسان بن عطية- رحمة الله عليه- قال: قال الله- تعالى: لا ينجو مني عبدي إلا بأداء ما افترضت عليه، وما يبرح عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، وما تقرب إلي بشيء أفضل من النصيحة فإذا فعل ذلك كنت قلبه الذي يعقل به، ولسانه الذي ينطق به وبصره الذي يبصر به أجيبه إذا دعاني وأعطيه إذا سألني وأغفر له إذا استغفرني.\nوفي صحيح مسلم وغيره من حديث معقل بن يسار مرفوعًا: ما من أمير يلي أمور","vol":"1","page":402},{"text":"المسلمين ثم لا يجهد لهم ولا ينصح إلّا لم يدخل معهم الجنة.\nوروى البيهقي- في الشعب- بسنده، عن الحسن البصري أنه سمع عبد الرحمن بن سمرة يقول: ما استرعى الله عبدًا رعية فلم يحط من ورائهم بالنصيحة، إلا حرم الله عليه الجنة. وفي مسند الإمام أحمد بسنده. عن حكيم بن زيد مرفوعًا: دعوا الناس يصيب بعضهم من بعض، فإذا استنصح أحدكم أخاه فلينصحه. ورواه: فليصب بعضهم من بعض. ورواه الخرائطي- في مكارم الأخلاق- بلفظ: دعوا عباد الله فليصب بعضهم من بعض، وإذا استنصح أحدكم أخاه فلينصحه.\nوفي رواية: إذا استشار أحدكم أخاه فلينصحه. وقال سفيان بن عيينة: عليك بالنصح لله في خلقه، فلن تلقاه بعمل أفضل منه.\nقال بعض الحكماء: حض أخاك بالنصيحة، وإن كانت قبيحة. وقال غيره: أوقف أخاك على النصيحة حسنة كانت أو سيئة.\nوروى أبو بكر بن أبي الدنيا- بسنده، عن عبد الله بن المبارك عن معمر: قال: كان يقال: أنصح الناس لك من خاف الناس فيك. وقال بعض الحكماء: خير الإخوان أشدهم مبالغة في النصيحة.\nوأنشدوا:\nإن النصيحة لو تباع وتشتري ... كانت تباع بأنفس الأثمان\nلكنها مبذولة موهوبة ... ولقلما قبلت من الإخوان\nقال عمر بن الخطاب -﵁-: لا خير في قوم ليسوا بناصحين ولا يحبون الناصحين. قال أبو حامد الغزالي: فإن قلت: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عامله عبد","vol":"1","page":403},{"text":"الرحمن بن نعيم التستري. أما بعد، فكن عبدًا لله ناصحًا له في عباده، ولا تأخذك في الله لومة لائم، فإن الله -تعالى- أولى بك من الناس، وحقه عليك أعظم ولا تولين شيئا من أمور المسلمين إلا الأمر بالمعروف وبالنصيحة لهم والتوفير عليهم، وأداء الأمانة فيما استرعى وإياك أن يميلك ميلًا إلى غير الحق، فإن الله لا تخفى عليه خافية.\nقال أبو حامد الغزالي: فإن قلت: فمتى يصح للإنسان يشتغل بنصح الناس؟ فأقول: إذا لم يكن له قصد إلا هداية الخلق لله -تعالى- وكان يود لو وجد من يعينه، أو لو اهتدوا بأنفسهم وانقطع بالكلية طمعه عن شأنهم، وعن أموالهم فاستوى عنده مدحهم وذمهم، ونظر إليهم كما ينظر إلى السادات وإلى البهائم، أما السادات فمن حيث لا يتكبر عليهم، ويرى كلهم خيرًا منه، بجهله بالخاتمة، وأما البهائم فمن حيث المنزلة في قلوبهم.\nوينبغي أن تكون النصيحة سرًا بين الناصح والمنصوح له، كما سبق الكلام عليه - في الدرجة الثالثة - من الباب الثاني - من قول الإمام الشافعي وغيره: من وعظ أخاه سرًا فقد نصحه وزانه، ومن وعظه علانية فقد فضحه وشانه.\nوروى أبو نعيم بسنده - عن سفيان الثوري قال: قلت لمسعر بن كدام: تحب أن تهدى إليك عيوبك؟ فقال: أما من ناصح فنعم. وأما من موبخ فلا.\nكما قال بعض الحكماء: نصح الصديق تأديب، ونصح العدو تعنيف. والفرق بين التأديب والنصح، وبين سوء العشرة: أن التأديب لرجل ناصح لله- تعالى- محب للقيام بحقوقه﷿- حريص على ذلك فهو يعاشر الناس على التأديب. وإذا رأى منهم تقصيرًا في حق أو تهاونًا بأمر الله عاتبهم وأدبهم، فينفع الله به الخلق، لصدقه في فعله، وتلين القلوب له، ويذهل النفوس منه.\nوسوء العشرة، لرجل ضايق الناس في أمورهم ومعاملتهم ومعاشرتهم ليس به إقامة حق لله، ولكن سوء خلقه، وضيق صدره حمله على ذلك فهو معاشر الناس بذلك الضيق والانحراف.\nوالثاني فالصاحب من ينصحك إذا علا أمرك، ولا يفضحك إذا خمد جمرك. أولئك خيار الخلصاء وكرام الجلساء، خيار الصباح، وسمار المساء (والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرون في البأساء).","vol":"1","page":404},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-112>فصل (١٩): ومما يستحب للآمر بالمعروف أن يكون قصده رحمة الخلق والنفقة عليهم:</span>\nومما يستحب للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر القائم في حدود الله- أعانه الله تعالى- أن يكون قصده رحمة الخلق كلهم والنفقة عليهم، بكف الناس عن المنكرات التي تسبب الدمار في الدنيا والعقوبات في الآخرة.\nقال الله تعالى: ﴿محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفَّار رحماء بينهم﴾ غلاظ كالأسد على فريسته. قيل: المراد ﴿وبالذين معه﴾ جميع المؤمنين، ﴿رحماء بينهم﴾ أي يرحم بعضهم بعضًا.\nوقيل: (متعاطفون متوادون).\nوقد سبق نظير هذه الآية في أوائل الكتاب- قوله تعالى- ﴿... أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين ...﴾.\nفالرحمة- بفتح الراء المهملة- الحنو والعطف الرقة رحم يرحم إذا حن ورق وتعطف. والله أعلم.\n(وفي الصحيحين من حديث- أسامة بن زيد﵄- عن النبي ﷺ أنه قال: (إنما يرحم الله من عباده الرحماء) في (الرحماء) يجوز الرفع والنصب. والله أعلم).\nوفيهما- أيضًا- من حديث جرير بن عبد الله مرفوعًا: (من لا يرحم الناس لا يرحمه الله﷿-) وفي رواية: (لا يرحم الله من لا يرحم الناس).\nورواه أحمد- في المسند- وزاد (... من لا يغفر لا يغفر له).","vol":"1","page":405},{"text":"ورواه الترمذي. وقال في الثاني: حديث حسن صحيح.\nوفي الصحيحين، ومسند أحمد، وسنين أبي داود، والترمذي من حديث أبي هريرة﵁- في حديث تقبيل النبيﷺ- للحسن بن علي- أن النبي ﷺ قال: (من لا يرحم لا يرحم).\nقوله: (من لا يرحم لا يرحم) بضم الميم- فيهما- على الخبر.\nوقيل: بالجزم إن جعلت شرطًا. والله أعلم.\nأخبرنا شيخنا الإمام العلامة الحافظ أبو عبد الله محمد بن محمد بن محمد الجزري الشافعي الدمشقي- فسح الله في مدته- قال: أخبرنا أبو الثناء محمود بن خليفة بن محمد بن خلف المنجي- قرأه عليه وهو أول حديث سمعته منه. قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن أبي القاسم البغدادي- وهو أول حديث سمعته منه. قال: أخبرنا الإمام شيخ الشيوخ شهاب الدين أبو حفص عمر بن محمد بن عبد الله السهروردي وهو أول حديث سمعته منه يقول: قال أخبرتنا الشيخة الصالحة ست الدار شهدة بنت أحمد (الأيري) الكاتبة وهو أول حديث سمعته منها. قالت: أخبرنا زاهر بن طاهر الشحامي وهو أول حديث سمعته منه. قال: أخبرنا أبو صالح أحمد بن عبد الملك المؤذن- وهو أول حديث سمعته منه. قال: حدثنا أبو حامد البزار، وهو أول حديث سمعته منه قال: حدثنا عبد الرحمن بن بشر- وهو أول حديث سمعته منه قال: حدثنا سفيان بن عيينة- وهو أول حديث سمعته من- سفيان، عن عمرو بن دينار، عن أبي قابوس مولى لعبد الله بن عمرو بن العاص﵄- أن رسول الله ﷺ قال: (الراحمون يرحمهم الله. ارحموا أهل الأرض يرحمكم من في السماء).","vol":"1","page":406},{"text":"وروى الحديث أبو داود والترمذي. وقال: حديث حسن صحيح.\nورواه الإمام أحمد بلفظ: أن النبي ﷺ قال وهو على المنبر: (ارحموا ترحموا، واغفروا يغفر لكم، ويل لأقماع القول، ويل للمصرين على ما فعلوا وهم يعلمون).\nورواه الطبراني، والبيهقي- في شعب الإيمان.\nقوله: (ويل لأقماع القول) الأقماع جمع قمع بكسر القاف وسكون الميم، وفتحها، وقيل: بفتح القاف وسكون الميم- وهو الإناء الذي ينزل في رؤوس الظروف، لتملأ بالمائعات.\nيشبه أسماع الذين يسمعون القول ولا يعونه ويحفظونه ويعملون به بالأقماع. والله أعلم.\n(وروى الطبراني من حديث ابن مسعود مرفوعًا- بإسناد حسن- من لم يرحم الناس لم يرحمه الله).\nوروى من حديث جرير مرفوعًا- بإسناد جيد قوي-: (من لا يرحم من في الأرض لا يرحمه من في السماء).\nوفي مسند الإمام أحمد، وسنن أبي داود، والترمذي، وصحيح ابن حبان","vol":"1","page":407},{"text":"من حديث أبي هريرة مرفوعًا: (لا تنزع الرحمة إلا من شقي) هذا لفظ الترمذي. وقال هذا حديث حسن، وفي بعض النسخ صحيح.\nوفي المعجم الأوسط، والصغير للطبراني، من حديث أبي سعيد الخدري﵁- قال: قام رسول الله ﷺ على بيت فيه نفر من قريش فأخذ بعضادتي الباب. فقال: هل في البيت إلا قرشي؟ فقالوا: لا إلا ابن أخت لنا. قال: إن ابن أخت القوم منهم. ثم قال: إن هذا الأمر في قريش ما إذا استرحموا رحموا، وإذا حكموا عدلوا، وإذا قسموا أقسطوا، ومن لم يفعل ذلك فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.\nقال المنذري: رواته ثقات.\nوفي كتاب الزهد للإمام أحمد- بسنده- عن أبي صالح عبد الرحمن بن قيس مرسلًا: إن الله﷿- رحيم. لا يضع رحمته إلا على رحيم، ولا يدخل جنته إلا رحيم. قالوا: يا رسول الله إنا لنرحم أموالنا وأهالينا. قال: ليس بذلك ولكن ما قال الله﷿-: ﴿حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم﴾.\nوفي الترغيب والترهيب، لأبي القاسم إسماعيل الأصبهاني، بسنده، عن أبي هريرة مرفوعًا: (لن يلج الجنة إلا رحيم)، فقال بعض الصحابة: كلنا يا رسول الله رحيم. قال: (ليس برحمة أحدكم خاصة حتى يرحم الناس عامة).\nوروى الحاكم في المستدرك، والطبراني نحوه من حديث أبي موسى الأشعري بلفظ: (لن تؤمنوا حتى تحابوا أفلا أدلكم على ما تحبون عليه؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: (أفشوا السلام بينكم تحابوا والذي نفسي بيده، لا تدخلوا الجنة حتى تراحموا) قالوا: كلنا رحيم قال: (إنه ليس برحمة أحدكم ولكن رحمة العامة).\nقال الحافظ عبد العظيم المنذري: رواته رواة الصحيح.\nوروى أبو يعلى الموصلي، والطبراني نحوه من حديث أنس بلفظ: (والذي نفسي بيده ولا يضع الله الرحمة إلا على رحيم. قلنا: يا رسول الله كلنا رحيم. قال: ليس الرحيم الذي يرحم نفسه وأهله خاصة ولكن الرحيم الذي يرحم المسلمين).","vol":"1","page":408},{"text":"وروى أبو القاسم إسماعيل الأصفهاني- في الترغيب والترهيب- بسنده، عن أبي عبد السلام، عن أبيه، عن كعب الأحبار- رحمة الله عليه- قال: قال الله﵎-: يا موسى أتريد أن أملأ مسامعك يوم القيامة مما يسرك؟ ارحم الصغير كما ترحم ولدك وارحم الكبير كما ترحم الصغير، وارحم الغني كما ترحم الفقير، وارحم المعافى كما ترحم المبتلى وارحم القوي كما ترحم الضعيف وارحم الجاهل كما ترحم الحليم.\nوقد سبق- في الباب الأول- من حديث ابن عباس من رواية أحمد، والترمذي وابن حبان مرفوعًا: (ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويوقر كبيرنا، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر).\nوقوله: (ليس منا) أي ليس من رحمائنا وذوي الرقة والعطف المرحومين منا. من لم يرحم الصغير أي لضعفه وعجزه وبرائته عن قبائح الأعمال. وقد يكون الصغير في المعنى مع تقدم السن. فيصغر القدر بالجهل والغفلة فيرحمها بالتعليم له والإرشاد، شفقة عليه.\nوقوله: (ويوقر كبيرنا) لأن التوقير هو التفخيم والتعظيم والكبير يكون كبيرًا بأمرين: صورة ومعنى. فالصورة للكبير بالسن فله حظه من التوقير والتعظيم، لما خص به من السبق في الوجود وتجربة الأمور وأما الكبير معنى، فبالعلم والفضل والدين والتقوى فيستحق من التعظيم والتوقير بحسب ما عنده من ذلك إجلالًا لحق العلم وتبجيلًا لموضع الفضل والله أعلم.\nوروى الإمام أحمد- في كتاب الزهد- بسنده عن مسلم بن أبي مريم- رحمة الله عليه- أنه بلغه أن عيسى﵇- قال: لا تنظروا في ذنوب العباد كأنكم أرباب وانظروا كأنكم عبيد فإنما الناس بين مبتلى ومعافى فارحموا أهل البلاء واحمدوا الله تعالى على العافية.\nقال لقمان: يا بني ارحم الفقراء، لقلة صبرهم وارحم الأغنياء لقلة شكرهم وارحم الجميع لطول غفلتهم.\nوروى أبو القاسم في الترغيب والترهيب- بسنده- عن عبد الرحمن بن عسيلة، هو","vol":"1","page":409},{"text":"عبد الرحمن الصنابجي عن أبي بكر الصديق مرفوعًا: قال الله﷿-: (إن كنتم تريدون رحمتي فارحموا خلقي ...) ورواه أبو أحمد عبد الله بن عدي- في كتاب الكامل-.\nوروى صاحب الترغيب والترهيب- أيضًا- بسنده عن أسامة بن شريك الثعلبي مرفوعًا: \"من لا يشكر الناس لا يشكر الله، ومن لا يرحم لا يرحمه الله، ومن لا يغفر لا يغفر الله- تعالى- له\". وروى الإمام أحمد، والحاكم والأصبهاني من حديث معاوية بن قرة، عن أبيه﵁- أن رجلًا قال: يا رسول الله إني لأذبح الشاة وأنا أرحمها. أو قال: إني أرحم الشاة أن أذبحها.\nقال: \"والشاة إن رحمتها رحمك الله- تعالى\".\nقال الحاكم: صحيح الإسناد.\nفينبغي للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يكون كالوالد إذا أدب ولده، فإنه لو كف عن تأديبه كما تفعل الأم، رقة ورحمة لفسد الولد، وإنما يؤدبه، رحمة به وإصلاحًا لحاله مع أنه يود ويؤثر أن لا يحوجه إلى تأديب بعد ذلك.\nوروى أبو بكر البيهقي- من شعب الإيمان- بسنده، عن أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت أبا سليمان الداراني- قدس الله سره- يقول: إنما الغضب على أهل المعاصي لجرأتهم عليها. فإذا تذكرت ما يصيرون إليه من عقوبة الآخرة دخلت القلوب الرحمة لهم. وقيل لبعض السلف: بأي شيء تعرفون الأولياء لله﷿-؟ قالوا: بلطف ألسنتهم وحسن أخلاقهم، وبشاشة وجوههم وسخاوة نفوسهم، وقبول عذر من اعتذر إليهم وتمام ذلك الشفقة على الخلق برهم وفاجرهم.\nوليس من مقتضى رحمة أهل المعاصي ترك الإنكار عليهم واستيفاء الحدود منهم وغير ذلك، بل من كمال الرحمة بهم الإنكار عليهم وردهم إلى المنهج القويم والصراط المستقيم.\nوإذا انحرفت النفس من خلق الرحمة انحرفت إلى قسوة قلب، وإما إلى ضعف قلب وجبن، كمن لا يقدم على ذبح شاة ولا إقامة حد ولا تأديب ولد، ويزعم أن الرحمة تحمله على ذلك. وقد ذبح أرحم الخلق بيده ﷺ في موقف واحد ثلاثمائة وستين بدنة وقطع الأيدي من الرجال والنساء، وضرب الأعناق، وأقام الحدود ورجم بالحجارة حتى مات","vol":"1","page":410},{"text":"المرجوم. وكان أرحم الناس أجمعين على الإطلاق وأرأفهم.\nفالعبد المطيع لله إذا سمع بأسير من أسراء المسلمين في أرض العدو رحمه وبذلك نفسه وماله في تخليصه، فمن باب الأولى أنه إذا رأى أخاه مأسورًا في نفسه وشيطانه وهما أعداء عدوه أن يجتهد في خلاصه. واستنقاذه منها، فإن أعرض عنه وتركه وأسره كان ذلك من جهله بالله- تعالى- وبأموره.\nألا ترى إلى قوله- تعالى- في مناجاته: يا داود إن أتيتني بعبد أبق كان أحب إلي من عبادة الثقلين. يا وداد إن استنقذت هالكًا من هلكته سميتك عبدي جهيدًا.\nوقد سبق- في الباب الأول- قوله ﷺ: (لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النَّعم). فإذا أنقذ العبد أسيرًا من يد عدوه الأصغر كان ثوابه من الله ما ذكر في تنزيله: ﴿.. ومن أحياها فكأنما أحيا النَّاس جميعًا ...﴾ فما ظنك بمن أنقذ أسير المعاصي من يد عدوه الأكبر فذلك لا يحصى ثوابه. والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-113>فصل (٢٠): ومما يستحب للآمر بالمعروف الناهي عن المنكر ستر العورات والعيوب:</span>\nومما يستحب للآمر بالمعروف الناهي عن المنكر ستر عورات المسلمين لأن ستر العيوب والتجاهل والتغافل عنها سمة أهل الدين. ويكفي تنبيهًا على كمال الرتبة في ستر القبيح وإظهار الجميل قول الله تعالى: ﴿قول مَّعروفٌ ومغفرة ..﴾.\nقال بعض المفسرين: أي يستر عليه خلته، ولا يهتك ستره ثم إن الله تعالى (اختاروه) في الدعاء ونزل به جبريل على سيد البشر ﷺ قوله: \"يا من أظهر (الجميل) وستر البيح، يا من لا يؤاخذنا بجزيرة ولا يهتك الستر\".\nوروى الخرائطي- في مكارم الأخلاق- بسنده، عن الضحاك في قوله تعالى: ﴿وأسبغ عليكم نعمه ظهرة وباطنة ..﴾.\nقال: أما الظاهرة فالإسلام والقرآن، وأما الباطنة فالستر من العورات والعيوب. والمرضيّ عند الله- تعالى- من تخلق بأخلاقه- تعالى- وأنه ستار العيوب، وغفار الذنوب","vol":"1","page":411},{"text":"فكيف لا تستر أنت على من هو مثلك أو فوقك أو دونك! !\nوروى أبو الفرج المعافي ابن زكريا- بإسناده- عن الضحاك، عن ابن عباس وقد سئل عن هذه الآية. فقال: هذه مما سألت عنه رسول الله ﷺ قلت: يا رسول الله ما هذه النعم؟ قال: (أما ما ظهر فالإسلام وما سواه من خلقك وما أسبغ عليك من رزقه وأما ما بطن فما ستر عليك من مساوئ عملك). يا ابن عباس، إن الله تعالى- يقول: \"ثلاث جعلتهن للمؤمن: صلاة المؤمن عليه من بعد موته. وجعلت له ثلث ماله يكفر عنه من خطاياه، وسترت مساوئ عمله أن أفضحه بشيء ولو أبديتها لنبذه أهله فمن سواهم\". إذا كان ستر الخالق البارئ المصور فكيف لا تستر أنت على من هو مثلك أو فوقك أو دونك ومن هو بكل حال لا عبدك ولا مخلوقك! !\nومن أعظم الأدلة على ذلك طلب الشرع لستر الفواحش، أنه أناط الزنا بشهادة أربعة من العدول، يشهدون ويفصحون من غير كتابة، حتى أن القاص لو علم بحقيقته لم يكن له أن يكشف عنه. فانظر إلى هذه المحكمة العظيمة في حسم باب الفاحشة عن عباده، ثم انظر إلى ستره- سبحانه- كيف يسبله على العصاة من خلقه.\nوفي حديث النجوى الثابت في الصحيحين، ومسند أحمد، وسنن ابن ماجه من حديث عمر مرفوعًا: \"إن الله يدني المؤمن فيضع على كتفه ويستره. فيقول: أتعرف ذنب كذا وكذا؟ أتعرف ذنب كذا وكذا؟ فيقول: نعم يا رب حتى إذا قرَّره بذنوبه ورأى نفسه أنه هلك قال: إني ما سترتها عليك في الدنيا إلا وأنا أريد أن أغفرها لك اليوم ... الحديث. فيعطى كتاب حسناته، وأما الكافر والمنافق فيقول الأشهاد: \"هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين\" الحديث.\nوفي الصحيحين، وجامع الترمذي من حديث عبد الله بن عمر ﵄- أن رسول الله ﷺ قال: (المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة، فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلمًا، ستره الله يوم القيامة).","vol":"1","page":412},{"text":"قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث ابن عمر.\nوفي صحيح مسلم ومسند أحمد، وسنن أبي داود والترمذي والنسائي، وابن ماجه، وصحيحي الحاكم وابن حبان من حديث أبي هريرة مرفوعًا: \"من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عن كربة من كرب يوم القيامة. ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة. ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه\" مختصر.\nوفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعًا: \"لا يستر عبد عبدًا في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة\".\nوفي رواية: لا يستر الله على عبد في الدنيا، إلا ستره يوم القيامة.\nوروى الإمام أحمد، والنسائي نحوه من حديث عروة، عن عائشة مرفوعًا- في حديث طويل- \"لا يستر الله على عبد في الدنيا إلا ستره الله في الآخرة\".\nومعنى ستره الله في الآخرة أن يستر معاصيه وعيوبه عن إذاعتها في أهل الموقف- كما تقدم قريبا- من حديث عمر.\nوفي مسند أحمد من حديث مسلمة بن مخلد الأنصاري مرفوعًا: من ستر مسلمًا في الدنيا ستره الله﷿- في الدنيا الآخرة ومن نجَّى مكروبًا فكَّ الله عنه كربة من كرب يوم","vol":"1","page":413},{"text":"القيامة، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حياته.\nورواه الطبراني ولفظه: من علم من أخيه سيئة فسترها ستر الله عليه يوم القيامة.\nوفي مسند الإمام أحمد وغيره من حديث عن مسيب عن عمه. قال: بلغ رجلًا من أصحاب النبي ﷺ عن رجل من أصحاب النبي ﷺ أنه يحدث عن النبي ﷺ أنه قال: (من ستر أخاه المسلم في الدنيا ستره الله يوم القيامة). فرحل إليه وهو بمصر فسأله عن الحديث. قال: نعم سمعت رسول الله ﷺ يقول: من ستر أخاه المسلم في الدنيا ستره الله يوم القيامة. فقال: وأنا قد سمعته من رسول الله ﷺ.\nوفي سنن ابن ماجه وغيرها من حديث ابن عباس﵄- عن النبي ﷺ قال: من ستر عورة أخيه المسلم ستر الله عورته يوم القيامة، ومن كشف عورة أخيه المسلم كشف الله عورته حتى يفضحه الله بها في بيته).\nأنشدني الشيخ علاء الدين بن الشريف المارديني لنفسه:\nاستر عوارًا أخي الولات معتذرًا ... عنه وإن كنت بالمعروف تأمره\nفالرب من فضله العالي ورأفته ... على العباد يرى العاصي ويستره\nوأنشدني أيضًا لنفسه:\nربنا الستار من ألطافه ... يستر العبد وذا الفضل الجزيل\nفإذا شاهدت يومًا ذللا ... فاستر الذلة فالستر جميل\nوفي سنن أبي داود، وابن ماجه من حديث أبي هريرة ﵁- قال رسول الله ﷺ: (من أقال مسلمًا عثرته أقاله الله يوم القيامة).","vol":"1","page":414},{"text":"ورواه الطبراني وابن حبان.\nوروى الخرائطي- في مكارم الأخلاق- بسنده- عن أبي الدرداء قال: أتي بجارية قد سرقت جملًا إلى رسول الله ﷺ فقال لها النبي أسرقت. قولي لا. وفي سنن أبي داود عن عائشة أن النبي كان يقول: أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود.\nوسيأتي- في باب الحث على إقامة الحدود- إن شاء الله تعالى- وفي مسند الإمام أحمد، وسنن أبي داود بسنديهما- عن يزيد بن نعيم بن هزال، عن أبيه نعيم. قال: كان ماعز بن مالك يتيمًا في حجر أبي، فأصاب جارية من الحي فقال له أبي: ائت رسول الله ﷺ فأخبره بما صنعت لعله يستغفر لك وإنما يريد بذلك رجاء أن يكون له مخرج، فأتاه فقال: يا رسول الله إني قد زنيت فأقم علي كتاب الله فأعرض عنه فعاد فقال: يا رسول الله إني زنيت فأقم عليَّ كتاب الله فأعرض عنه، فأتاه الثالثة فقال: يا رسول الله إني زنيت فأقم علي كتاب فأعرض النبي عنه فقالها أربع مرات حتى قالها أربع مرات فقال النبي ﷺ: إنك قلتها أربع مرات فبمن؟ قال: بفلانة. فقال: هل ضاجعتها؟\nقال: نعم. قال هل باشرتها؟ قال: نعم. قال: هل جامعتها؟ قال: نعم. قال: فأمر به أن يرجم فأخرج إلى الحرة فلما رجم فوجد مس الحجارة جزع فخرج يشتد فلقيه عبد الله بن أنيس وقد عجز أصحابه فنزع له بوطيف بعير فرماه به فقتله، ثم أتى النبي ﷺ فذكر ذلك له فقال: هلا تركتموه لعله أن يتوب فيتوب الله عليه.\nزاد أحمد. قال هشام: فحدثني يزيد بن نعيم بن هزال عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال لأبي حين رآه: والله يا هزال لو كنت سترته بثوبك كان خيرًا مما صنعت به.\nوحكاه صاحب الأطراف للنسائي من عدة طرق.\nاسم المرأة التي زنا بها ماعز فاطمة. وقيل: منيرة وهي أمة هزال القائل لماعز: إئت رسول الله ﷺ. وروى أبو القاسم الطبراني في المعجم الأوسط. والصغير والخرائطي- في","vol":"1","page":415},{"text":"مكارم الأخلاق- من حديث أبي سعيد الخدري﵁- عن النبي ﷺ أنه قال: (لا يرى امرؤ من أخيه عورة فيسترها عليه إلا أدخله الله الجنة).\nوفي مسند أحمد والنسائي من حديث أبي الهيثم، عن دخين كاتن عقبة بن عامر. قال: قلت لعقبة: إن لنا جيرانًا يشربون الخمر وأنا داع لهم الشرط، فيأخذونهم فقال: لا تفعل ولكن عظهم وتهددهم. قال: ففعل فلم ينتهوا. فاء دخين فقال: إني نهيتهم فلم ينتهوا وأنا داع لهم الشرط. فقال عقبة: ويحك لا تفعل، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من ستر عورة مؤمن فكأنما استحتى موؤودة من قبرها). ورواه البيهقي في الشعب الخرائطي في مكارم الأخلاق وابن حبان في صحيحه والحاكم في المستدرك. وقال صحيح الإسناد.\nورواه أبو داود بسنده عن كعب بن علمقمة: أنه سمع أبا الهيثم يذكر أنه سمع دخينًا كاتب علقمة بن تامر. قال: كان لنا جيران يشربون الخمر. فقلت لعقبة بن عامر إن جيراننا يشربون الخمس، فنهيتم فلم ينتهوا فأنا داع لهم الشرط. فقال: دعهم، ثم رجع إلى عقبة مرة أخرى. فقلت: إن جيراننا قد أبوا أن ينتهوا عن شرب الخمر، وأنا داع لهم الشرط، فقال: ويحك دعهم، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من رأى عورة فسترها كان كمن أحيات موؤودة).\nالشرط- بضم المعجمة، وفتح الراء ثم طاء مهملة- هم أعوان الولاة والظلمة والوحد منهم شرطي- بضم الشين وسكون الراء والله أعلم.\nوروى الطبراني بسنده- عن مكحول أن عقبة بن عامر أتى مسلمة بن خالد﵄- وكان بينه وبين البواب شيء فسمع صوته فأذن له: فقال: إني لم آتك زائرًا ولكن جئتك لحاجة، أتذكر يوم قال رسول الله ﷺ: (من علم من أخيه سيئة فسترها ستر الله عليه","vol":"1","page":416},{"text":"يوم القيامة) قال: نعم. قال: لهذا جئت. قال الحافظ عبد العظيم المنذري: رجاله رجال الصحيح.\nوبسند الطبراني- أيضًا- في الأوسط عن رجاء بن حيوة الكندي قال: سمعت مسلمة بن مخلد﵁- يقول: بينما أنا على مصر أتاني البواب. فقال: إن أعرابيًا على الباب يستأذن. فقلت: من أنت؟ فقال: جابر بن عبد الله. قال: فأشرفت عليه فقلت أنزل غليك أو تصعد؟ قال: لا تنزل ولا أصعد حديث بلغني أنك ترويه عن رسول الله ﷺ في ستر المؤمن جئت أسمعه: قلت سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من ستر على مؤمن عورة فكأنما أحيا موؤودة) فضرب بعيره راجعًا.\nرواه الخرائطي في مكارم الأخلاق.\nوقال عيسى ﵇- كيف تصنعون إذا رأيتم نائمًا فكشفت الريح عن ثوبه؟ قالوا: نستره ونغطيه. فقال: بل تكشفون عورته. فقالوا: سبحان الله من يفعل هذا؟ قال: أحدكم يسمع في أخيه الكلمة فيزيد عليه، ويشيعها بأعظم منها.\nوروى الخرائطي- بسنده عن زبيد بن الصامت قال: سمعت أبا بكر الصديق يقول: لو أخذت سارقًا لأحببت أن يستره الله.\nوبسنده عن أبي هريرة. أنه قال: من أطفأ على مؤمن سيئة فكأنما أحيا موؤوة. قوله: (أطفأ) أي ستر وغطى.\nوسئل الحسن البصري، عن رجل زنى بامرأة فظهر بها حبل. قال: يتزوجها ويستر عليها.\nوقال له رجل: يا أبا سعيد رجل علم من رجل شيئًا أفيفشيه عليه؟ قال: يا سبحان الله لا.\nوروى أبو نعيم- في الحلبة- بسنده عن شبيل بن عوف- رحمة الله عليه- أنه قال: \"من سمع بفاحشة فأفشاها فهو كمن أبداها\".","vol":"1","page":417},{"text":"وقال عطاء: قال عمر بن الخطاب: أُستر من الحدود ما وراءك أي إدرءوها ما قدرتم.\nذكر الخرائطي.\nوذكر -أيضًا- عن أبي الدرداء مرفوعًا «من أشاد على مسلم عورة يشينه بها أشانه الله بها يوم القيادة.\nأشاد: أي رفع. أي ذكره بها وفوه به وشهره بالقبيح.\nوقال (صاحب) سيرة أبي الفضل الوزير ابن هبيرة سمعته يقول لبعض من يأمر بالمعروف: اجتهد أن تستر العصاة فإن ظهور معاصيهم عيب في أهل الإسلام وأولى الأمور ستر العيوب.\nوقال ابن حمدان -في الدعاية الكبرى-: (ومما للمسلم على المسلم أن يستر عورته، ويغفر ذلته، ويرحم غربته ويقيل عثرته ويقبل معذرته ويرد غربته ويديم نصيحته، ويحفظ خلته ويرعى ذمته ويجيب دعوته ويقبل هديته ويكافئ صلته ويشكر نعمته ويحسن نصرته ويقضي حاجته ويشمت عطسته ويرد ضالته ويواليه ولا يعاديه وينصره على ظالمه ويكفه عن ظلم غيره ولا يسلمه ولا يخذله ويحب له ما يحب لنفسه ويكره له ما يكره لنفسه.\nقال أبو ذكريا النووي -﵀- في شرح صحيح مسلم عند قوله ﷺ: (ومن ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة)، وأما الستر المندوب إليه هنا فالمراد به الستر على ذوي الهيئات ونحوهم ممن ليس معروفًا بالأذى والفساد. وأما المعروف بذلك فيستحب أن لا يستر عليه، بل ترفع قضيته إلى ولي الأمر، إن لم يخف من ذلك مفسدة لأن الستر على هذا يطمعه في الإيذاء والفساد وانتهاك المحرمات وجسارة غيره على مثل فعله. وهذا كله في ستر معصية وقعت وانقضت.\nأما مسألة معصية يراه عليها وهو متلبس فتجب المبادرة بإنكارها عليه ومنعه منها على من قدر على ذلك ولا يحل تأخيرها. فإن عجز لزمه رفعها إلى ولي الأمر، إذا لم تترتب على ذلك مفسدة -كما تقدم. ثم قال: وأما الرواة والشهود والأمناء على الصدقات والأوقاف والأيتام ونحوهم فيجب جرحهم عند الحاجة ولا يحل الستر عليهم إذا رأى منهم مايقدح في أهليتهم. وليس هذا من الغيبة المحرمة، بل من النصيحة الواجبة. وهذا مجمع عليه.","vol":"1","page":418},{"text":"وسيأتي الكلام على الغيبة وما أبح العلماء منها - في الباب الخامس- إن شاء الله تعالى. قال أبو منصور لأبي عبد الله أحمد -﵀-: (إذا علم من الرجل الفجور أيخبر به الناس؟ قال: لا، بل ويستر عليه).\nقال ابن مفلح: ويتوجه أن في معنى الداعية من اشتهر وعرف بالبشر ينكر عليه وإن أسر المعصية إلا أن يكون داعية. واعتبر أبو العباس أحمد بن تيمية -﵀- تعالى أن المستتر بالمنكر ينكر عليه ويستر عليه، فإن لم ينته فعل ما ينكف به، إذا كان أنفع في الدين وأن المظهر للمنكر يجب الإنكار عليه علانية ولم تبق له غيبة ويجب أن يعاقب علانية بما يردعه عن ذلك، وينبغي لأهل الخير أن يهجروه ميتًا إذا كان فيه كف لأمثاله ويتركوا تشييع جنازته. انتهى.\nقال ابن مفلح: وهذا لا ينافيه ما تقدم من وجوب الإغضاء عنه فإنه لا يمنع وجوب الإنكار سرًا جمعًا بين المصالح.\nوكلام \"أحمد\" ظاهر وصريح في وجوب الستر على هذا، وظاهر كلام \"الخلال\" يستحب ولم أجد بين الأصحاب خلافًا في أن من عنده شهادة بما يوجب حدًا له أن يقيمها عند الحاكم ويستحب أن لا يقيمها لما تقدم من أحاديث الستر فدل هذا على أن ستره لا يجب وإنه كان ينكر عليه بطريقة ولم يفرقوا بين أن يكون المشهود عليه بالشر والفساد، أم لا، انتهى.\nقال النووي: وحيث قيل بالستر في هذا يكون مندوبًا فلو رفعه إلى ولي الأمر لم يأثم بالإجماع لكن (هذا خلاف الأولى) وقد يكون في بعض صوره ماهو مكروه. انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-114>فصل (٢١): ومما يستحب للآمر بالمعروف الناهي عن المنكر أن يكون مغتمًا مما ظهر من معصية أخيه المسلم </span>وأن يكون آسفًا لتعرضه لعقاب الله\nومما يستحب (للآمر بالمعروف الناهي عن المنكر) أن يكون مغتمًا مما ظهر من معصية أخيه المسلم وتعرضه لعقاب الله -تعالى- حتى يشغله الهم عن فرحه بأجر الأمر والنهي بحيث أنه لو خير بين أجره في أمره ونهيه وبين أن أخاه لم يصب ذلك الذنب لاختار أن لا يكون أصاب الذنب، - وهو النصح لله في خلقه، وهو أعظم من أجر الآمر في أمره مع إثمه. فإذا اغتم بمعصيته وشره وأحب أن يكون الله -تعالى- عصمه- جمع الله أجره على عظته إياه، وأجره على اغتمامه بمعصيته وأجره على محبته عصمته.","vol":"1","page":419},{"text":"وقد روي أنه سرق لبعض السلف متاع وأخذ ماله. فشكى إلى عالم ذلك الزمان. فقال: إن لم يكن غمك أنه قد صار في المسلمين من يستحل هذا أكثر من غمك بمالك فما نصحت للمسلمين.\nوسرق من علي بن الفضيل بن عياض دنانير وهو يطوف بالبيت فرآه أبوه وهو يبكي ويحزن. فقال: أعلى الدنيا تبكي؟ فقال: لا، والله على المسكين إنه يسأل يوم القيامة، ولا نكون له حجة.\nوفي الصحيحين، وفي مسند أحمد من حديث النعمان بن بشير ﵄ - قال: قال رسول الله ﷺ (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى).\nوللبخاري ومسلم- في رواية أخرى-قال: المؤمنون كرجل واحد إذا اشتكى رأسه تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى).\nوللبخاري ومسلم- في رواية أخرى- قال: المؤمنون كرجل واحد إذا اشتكى رأسه تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر.\nولمسلم. قال: \"المسلمون كرجل واحد (إن) اشتكى عينه اشتكى كله، وإن اشتكى رأسه اشتكى كله\".\nوفي مسند الإمام أحمد وغيره من حديث سهل بن سعد مرفوعًا: \"إن المؤمن من أهل الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، يألم المؤمن لأهل الإيمان كما يألم الجسد لما في الرأس\".\nومن ذلك مافي الصحيحين وغيرهما من حديث أنس بن مالك -﵁- عن النبي ﷺ: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه).\nورواه (ابن حبان) في صحيحه ولفظه: \"لا يبلغ العبد حقيقة الإيمان حتى يحب للناس ما يحب لنفسه\".","vol":"1","page":420},{"text":"وسيأتي في هذا الباب حديث أنس بن معاذ الجهني -﵁- أنه سأل النبي ﷺ عن أفضل الإيمان فقال: (أن تحب لله وتبغض لله وتعمل لسانك في ذكر الله) قال: وماذا يا رسول الله؟ قال: (وأن تحب للناس ما تحب لنفسك وتكره لهم ما تكره لنفسك) ورواه أحمد في المسند. قال العلماء: معناه (ما يحب لنفسه) أي من الطاعات والمباحات. وحكى مبينًا من رواية النسائي (.. من الخير) وظاهره يقتضي التسوية وحقيقته التفضيل، لأن كل أحد يحب أن يكون أفضل الناس فإذا أحب لأخيه مثله فقط دخل في جملة المفضولين ولا يتم إيمان المرء ما لم يحب لأخيه ما يحب لنفسه وأقل درجات الأخوة أن يعامل أخاه بمثل ما يحب أن يعامل به. وروى الإمام أحمد من حديث عائشة مرفوعًا: \"أتدرون من السابقون إلى ظل الله﷿- يوم القيامة؟ قالوا الله ورسوله أعلم. قال: \"الذين إذا أعطوا الحق قبلوه، وإذا سئلوه بذلوه وحكموا للناس كحكمهم لأنفسهم\".\nوروى الإمام أحمد -أيضًا- من حديث ابن عمر مرفوعًا: \"من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتدركه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، ويأتي إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه\" والمقصود أن الإنسان إذا رأى من أخيه شيئًا يكرهه الله، وأراد وعظه وأمره ونهيه فلا يفعل ذلك وهو مسرور بإطلاعه على معصيته، لينظر إلى الواعظ بعين التعظيم، وينظر الواعظ إليه بعين الإستصغار، ويترفع عليه بدلالة الوعظ، والأمر والنهي، بل يكون قصده تخليصه من الإثم وهو حزين كما يحزن على نفسه إذا دخل عليه نقصان فإذا فعل ذلك فقد جمع بين أجر الوعظ، وأجر الغم بمعصيته، وأجر الإعانة على دينه كما تقدم -والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-115>فصل (٢٢): ومما يستحب للآمر بالمعروف الناهي عن المنكر أن يكون غيورًا على إخوانه المسلمين أي غيورًا على دمائهم وأموالهم وأعراضهم</span>\nومما يستحب للآمر بالمعروف الناهي عن المنكر بل لكل مسلم أن يكون غيورًا على إخوانه المسلمين. قال الله تعالى: ﴿قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها ومابطن﴾.\nوفي الصحيحين، ومسند أحمد وجامع الترمذي من حديث أبي هريرة ﵁","vol":"1","page":421},{"text":"-أن رسول الله ﷺ قال: (إن الله ﷿يغار وإن المؤمن يغار، وإن من غيرة الله تعالى أن يأتي المؤمن ما حرم الله عليه).\nولمسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: (المؤمن يغار والله أشد غيرًا).\nورواه ابن ماجه ولفظه: (من الغيرة ما يحب الله ومن الغيرة ما يكره الله فأما ما يحب الله فالغ يرة (في الريبة) وأما ما يكره الله فالغيرة في غير الريبة).\nوالغيرة -بفتح الغين-: الحمية والأنفة، يقال: غار الرجل فهو غيور.\nويقال للمرأة غيور -أيضًا- بغير هاء و(الغيرة) مصدر قولك (غار) الرجل على أهله يغار (غيرا) و(غيرة) و(غارا) ورجل (غيور) و(غيران) وامرأة (غيورة) و(غيرى).\nوأما الغيرة في حق الله-سبحانه- فهو منعه ذلك وتحريمه. ويدل عليه قوله: ومن غيرته حرَّم الفواحش) وقوله: (وإن من غيرة الله تعالى -أن يأتي المؤمن ما حرَّم الله عليه).\nقال القاضي عياض: وقد تكون غيرته تغييره حال فاعل ذلك بعقاب -والله أعلم.\nوفي الصحيحين، ومسند أحمد من حديث أسماء بنت أبي بكر الصديق -﵂- أن رسول الله ﷺ قال: (لا شيء أغير من الله).\nوفي الصحيحين ومسند أحمد أيضًا -وجامع الترمذي من حديث ابن مسعود مرفوعًا:\n\"لا أحد أغير من الله، من أجل ذلك حرَّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحب إليه (المدح من الله)، من أجل ذلك مدح نفسه\".\nوللبخاري ومسلم نحوه -أيضًا- بدون قوله: (ما ظهر منها ما بطن). وزاد مسلم","vol":"1","page":422},{"text":"فيه: \"ولا أحد أحب إليه (العذر من الله) من أجل ذلك أنزل الكتاب وارسل الرسل\".\nوفي الصحيحين، ومسند أحمد -أيضًا- من حديث المغيرة بن شعبة قال: قال سعد بن عبادة -﵄- لو رأيت رجًلا مع امرأتي لضربته بالسيف غير مصفح. فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: (أتعجبون من غيرة سعد؟ والله أما أغير منه - والله أغير مني، من أجل غيرة الله حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن. ولا أحد أحب إليه العذر من الله). (ومن أجل ذلك وعد بالجنة المبشرين والمنذرين، ولا أحد أحب إليه المدح من الله) ومن (أجل) ذلك وعد الجنة. هذا لفظ البخاري.\nوعند مسلم وأحمد: \" .. ولا شخص أغير من الله، ولا شخص أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك بعث المرسلين مبشرين ومنذرين ولا شخص أحب إليه المدحة من الله من أجل ذلك وعد بالجنة\".\nوفي الصحيحين -أيضًا- والموطأ- وسنن أبي داود من حديث أبي هريرة بنحوه قال العلماء: ولا ينبغي أن تكون إلا في الريبة وهي الغيرة التي يحبها الله.\nكما روى الإمام أحمد وغيره من حديث عقبة بن عامر مرفوعًا: \"غيرتان إحداهما يحبها الله والأخرى يبغضها الله الغيرة من الريبة يحبها الله والغيرة من غيرها يبغضها الله\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-116>فصل (٢٣): ومما يستحب (أو يجب) على كل مسلم أن يهجر المجاهرين بالمعاصي الفعلية والقولية والاعتقادية للإجتماع على وجوب ترك الأرض التي يجاهر فيها بالمعاصي</span>\nومما يستحب أو يجب على كل مسلم هجران من جهر بالمعاصي الفعلية والقولية","vol":"1","page":423},{"text":"والاعتقادية. يقال: أن هجر يهجر هجرًا وهجرانًا أي (صرمه) وهما يهجران ويتهاجران أي يتقاطعان. والاسم الهجرة بالكسر، وذلك عند العجز عن الإنكار باليد واللسان كما سيأتي بيانه قريبًا. قال العلماء: الهجر الشرعي نوعان:\nأحدهما: بمعنى الترك للمنكرات مثل قوله تعالى: ﴿وقد نزل عليكم في الكتب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره﴾.\nيكفر بها ومعناه: (إذا ارتكبتم النهي بعد وصوله إليكم، ورضيتم بالجلوس معهم، وأقررتموهم على ذلك فقد شاركتموهم في الذي هم فيه. فلهذا قال: (إنكم إذًا مثلهم) أي في المأثم كما قال تعالى: ﴿إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعًا﴾ أي كما اشتركوا في الكفر فكذلك شارك بينهم في الخلود في نار جهنم أبدًا).\nوالمقصود أن الآية متضمنة عدم شهود المنكرات لغير الحاجة. والله أعلم.\nومثل قوله تعالى: ﴿وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره﴾.\nقال المفسرون: (الخطاب للنبي ﷺ والمؤمنون داخلون فيه بأمر أن يساندهم بالقيام عنهم، إذا استهزؤا وخاضوا، ليتأدبوا بذلك ويدعوا الخوض والاستهزاء. قال أبو عبد الله القرطبي - ﵀- فدل هذا على أن الرجل إذا علم من الآخر منكرًا، وعلم أنه لا يزول عنه فعليه أن يعرض عنه إعراض منكر ولا يقبل عليه حتى يرجع). وقال بعض العارفين (معنى ذلك لا تجالسوا أهل الغفلة والوحشة، فإن ظلمات أنفاسهم تؤذي قلوبكم، فإن من كان متلبسًا بوصف ما يشاركه فيه حاضروه، لأن جليس من هو (في) أنس مستأنس، وجليس من هو في ظلمة مستوحش).\nثم قال تعالى: ﴿وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين﴾ المعنى يا محمد إن أنساك الشيطان أن تقوم عنهم وجالستهم بعد النهي فلا تقعد أي (إذا) ذكرت النهي فلا تقعد معهم، لغير حاجة مثل قوم يشربون الخمر لا تجلس عندهم. وقوم دعوه الوليمة عليها خمرًا أو مزمارًا لا تجب دعوتهم وأمثال ذلك فقد قيل: حاضر المنكر كفاعله.","vol":"1","page":424},{"text":"وفي حديث جابر المرفوع من رواية الإمام أحمد والترمذي: \"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يشرب عليها الخمر\". قال أبو العباس تقي الدين أحمد بن تيمية -﵀-: وهذا الهجر من جنس هجر الإنسان نفسه لفعل المنكر.\nكما روى ابن ماجه، وغيره من حديث فضالة بن عبيد مرفوعًا: \"المهاجر من هجر الخطايا والذنوب\". الحديث. وروى الحاكم من حديث أنس مرفوعًا: \"المهاجر من هجر السوء\" وقال صحيح الإسناد.\nومن هذا الباب الهجر من دار الكفر والفسوق إلى دار الإسلام والإيمان، فإنه هجر المقام بين الكافرين والمنافقين الذين لا يمكنونه من فعل ما أمر الله به. ومنه قوله تعالى: ﴿والرجز فاّهجر﴾.\nوقال تعالى: ﴿فأعرض عن من تولى عن ذكرنا﴾ أي أعرض عن الذي أعرض عن الحق واهجرهم. وقال تعالى: ﴿واهجرهم هجرًا جميًلا﴾.\nوهو الذي لا أذى فيه. وهذه الآية -عند المفسرين- منسوخة بآية السيف. وقال أبو عبد الله القرطبي -عند تفسير قوله تعالى: ﴿واتقوا فتنًة لا تصيبنَّ الذين ظلموا منكم خاصَّة﴾.\n(فإذا لم تغير المعاصي وجب على المؤمنين المنكرين لها بقلوبهم هجران تلك البلدة والهرب منها. وهكذا كان الحكم فيمن كان قبلنا من الأمم كما في قصة السبت حين هجروا العاصين واقلوا لا نساكنكم. وبهذا قال السلف ﵃).\nوروى أبو بكر بن أبي الدنيا بسنده عن جعفر بن سليمان عن مالك بن دينار أنه قال: أوحى الله -﷿- إلى نبي (من) أنبياء بني إسرائيل أن قل لقومك: (لا يدخلوا مداخل","vol":"1","page":425},{"text":"أعدائي، ولا يطعموا طعام أعدائي، ولا يركبوا مراكب أعدائي، فيكونوا أعدائي كما هم أعدائي). كما يقال: هجران أعداء الحق فرض ومخالفة الأضداد ومفارقتهم دين، والركون إلى أصحاب الغفلة قرع باب الفرقة.\nوروى عبد الله بن وهب عن مالك بن أنس -﵀- أنه قال: \"تهجر الأرض التي يصنع فيها المنكر جهارًا ولا يستقر فيها\". واحتج بصنيع أبي الدرداء في خروجه عن معاوية -﵄- حين أعلن بالربا، فأجاز بيع سقاية الذهب بأكثر من وزنها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-117>فصل (٢٤): استحباب هجر المجاهر بالمعصية على جهة التأديب</span>\nالنوع الثاني: الهجر على وجه التأديب والعقوبة، وهو هجر أهل المعاصي والمنكرات، إذا لم يقدر على الإنكار باليد ولا باللسان، أو لم يفد فيهم ذلك.\nقال بعض أصحاب الإمام أحمد: ومن جهر بمعصية من المعاصي غير مكفرة فهل يسن هجره أم يجب أن أرتدع به، أو مطلقًا إلا من السلام بعد ثلاثة، أو ترك السلام فرض كفاية؟ في ذلك أوجه.\nوقال القاضي أبو يعلى وغيره: من أسر بمعصية لا يهجر. ونقل \"حنبل عن أحمد أنه قال: ليس لمن قارف شيئًا من الفواحش حرمة ولا صلة إذا كان معلنًا قال ابن مفلح\" وهذا معنى كلام الخلال. وقد هجر النبي ﷺ والمسلمون الثلاثة الذين خلفوا حتى أنزل الله براءتهم حين ظهر منهم ترك الجهاد المتعين عليهم بغير عذر. وفي سنن أبي داود من حديث عائشة -﵂- أنه اعتل بعير بصفية بنت حيي، وعند زينب فضل ظهر. فقال رسول الله ﷺ لزينب: (أعطيها بعيرًا) فقالت: أنا أعطي تلك اليهودية؟ فغضب رسول الله ﷺ فهجرها ذا الحجة والمحرم وبعض صفر\".\nولم يهجر ﷺ من أظهر الإسلام، وإن كان منافقًا وكما أمر الله -سبحانه- بهجر","vol":"1","page":426},{"text":"الزوجات إذا خيف عليهن النشوز قال الله تعالى: ﴿واللاتي تخافون نشوزهنَّ فعظوهنَّ واهجروهنَّ في المضاجع ..﴾.\n(والنشوز هو الارتفاع أي ينشزن على أزواجهن، فالمرأة الناشز هي المرتفعة على زوجها التاركة لأمره المعرضة عنه المغضبة له. فمتى ظهر له منها أمارات النشوز فليعظها وليخوفها عقاب الله وعصيانه، فإنه -سبحانه- قد أوجب عليها حق الزوج وطاعته وحرم عليها معصيته، لما له عليها من الفضل والأفضال بنص الكتاب والسنة فأمر -سبحانه-بهجرها في المضجع. قال ابن عباس: الهجر أن لا يجامعها ولا يضاجعها ويوليها ظهره، وزاد آخرون منهم السندي والضحاك، وعكرمة وابن عباس في رواية: ولا يكلمها مع ذلك ولا يحدثها. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس -أيضًا- يعظها- فإن هي قبلت، وإلا هجرها في المضجع ولا يكلمها من غير أن يرد نكاحها وذلك عليها شديد.\nوفي مسند الإمام أحمد، والسنن الأربعة من حديث معاوية بن حيدة القشيري أنه قال: يارسول الله ما حق امرأة أحدنا؟ قال: أن يطعمها إذا طعمت، ويكسوها إذا اكتست ولا يضرب الوجه ولا يهجر إلا في البيت.\nقال تعالى: ﴿لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادُّن من حادَّ الله ورسوله ولوّ كانوا أباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيَّدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون﴾.\nقوله (يوادون) أي يحبون ويوالون. (والمحاماة): المعاداة والمخالفة. أي لا يوادون المعادين ولو كانوا من الأقربين كما قال تعالى: ﴿لا يتَّخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه﴾.","vol":"1","page":427},{"text":"وقال تعالى: ﴿قل إن كان أباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحبَّ إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربّصوا حتى يأتي الله﴾.\nقوله \"ولو كانوا آباؤهم\" روى مقاتل عن مرة الهنذاني عن عبد الله بن مسعود في هذه الآية قال: (ولو كانوا آباءهم) يعني أبا عبيدة بن الجراح قتل أباه عبد الله بن الجراح يوم أحد. (أو أبناءهم) يعني \"أبا بكر\" دعا ابنه يوم \"بدر\" إلى البراز فقال يا رسول الله دعني أكن في الرعلة الأولى فقال له رسول الله ﷺ: (متعنا بنفسك يا ابا بكر) (أو إخوانهم) يعني مصعب بن عمير قتل أخاه عبيد بن عمير يوم أحد.\n(أو عشيرتهم) يعني -عمر- قتل خاله العاص بن هشام بن المغيرة يوم بدر وعلي وحمزة وعبيدة قتلوا يوم بدر وشيبة ابني ربيعة، والوليد بن عتبة.\n(أولئك كتب في قلوبهم الإيمان) أي أثبت التصديق في قلوبهم فهي مؤمنة مخلصة.\nقوله: (وأيدهم بروح منه) أي من اتصف بأنه لا يواد من حاد الله ورسوله أي عاد الله ورسوله. ولو كان أباه أو أخاه فهذا ممن كتب الله في قلبه الإيمان أي كتب الله له السعادة وقررها في قلبه وزين الإيمان في بصيرته.\nقال ابن عباس: (وأيدهم بروح منه) أي قواهم. وفي قوله تعالى: ﴿رضي الله عنهم ورضوا عنه﴾ سر بديع وهو أنه لما سخطوا على الأقارب والعشائر في الله تعالى -عوضهم بالرضا عنهم وأرضاهم عنه، بما أعطاهم من النعيم المقيم والفوز العظيم والفضل العميم.\nوقوله: ﴿ألا إن حزب الله هم المفلحون﴾ تنويه بفلاحهم وسعادتهم ونصرتهم في الدنيا والآخرة.","vol":"1","page":428},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-118>فصل (٢٥): استحباب هجر من ترك الفرائض من باب التغرير بترك السلام على تارك الصلاة وشارب الخمر</span>\nهذا الهجر بمنزلة التغرير والتغرير يكون لمن ظهر منه ترك الواجبات كالصلاة والزكاة وغيرها، أو فعل المحرمات كالظلم والفواحش أو دعا إلى البدع المضللة المخالفة للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة.\nقال أبو عبد الله البخاري -في صحيحه- باب من لم يسلم على من اقترف ذنبًا ولم يرد عليه سلامه حتى تتبين توبته والى متى تتبين توبة العاصي.\nوقال عبد الله بن عمر -﵄- لا تسلموا على شربة الخمر. حدثنا ابن بكير: أخبرنا الليث عن عقيل بن ابن شهاب عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب قال سمعت كعب بن مالك يحدث حين تخلف عن تبوك\" ونهى رسول الله ﷺ عن كلامنا وآتي رسول الله ﷺ فأقول في نفسي هل حول شفتيه برد السلام أم لا؟ حتى كملت خمسون ليلة وآذن النبي ﷺ بتوبة الله علينا حين ﷺ الفجر ثم مرة أصلي قريبًا منه فارقه النظر فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي فإذا التفت نحوه أعرض عني .. الحديث وهو مطول جدًا ورواه مسلم في صحيحه والنسائي وغيرهم.\nوروى مسلم في صحيحه وأحمد وأبو داود والترمذي وفي مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود والترمذي وابن ماجه من حديث عبد الله بن مسعود﵁- قال: قال رسول الله ﷺ: (إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل أنه كان الرجل يلقى الرجل فيقول يا هذا اتق الله ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك. ثم يلقاه من الغد وهو على حاله فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم على بعض ثم قال ﴿لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون -ترى كثيرًا منهم يتولون الذين كفروا لبتئ ما قدمت لهم أنفسهم﴾ .. إلى قوله (فاسقون). وقد سبق هذا الحديث بأتم من هذا -في الباب الأول.","vol":"1","page":429},{"text":"فهؤلاء الذين ذمهم الله تعالى في هذه الآية الكريمة لم يتركوا الأمر بالمعروف بل أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر لكنهم لم ينأوا عن الفساق ولا هجروهم وجلسوا معهم فلعنهم الله على لسان داود وعيسى ابن مريم.\nفمن لم يهجر من خالف الله ورسوله وارتكب المعاصي خيف عليه أن يحل به ما حل بأحبار بني إسرائيل فقد خوفنا رسول الله ﷺ أن يحل بنا ما حل بهم إن فعلنا مثل فعلهم.\nوروى نعيم بن حماد -بسنده- عن الحسن مرسًلا اللهم لا تجعل لفاجر ولا لفاسق عندي يدًا ولا نعمة فإني وجدت فيما أوحاه الله -إني لا أجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله. ورواه أحمد وقال الحسن أيضًا: مصارمة الفاسق قربان إلى الله تعالى.\nوروى أبو نعيم في الحلية بسنده عن إبراهيم بن أدهم، عن ابن عباس الخرساني عن سعيد بن المسيب -﵀ عليه- أنه قال: لاتملؤا أعينكم من أعوان الظلمة إلا بالإنكار من قلوبكم لكي لا يحبط أعمالكم الصالحة.\nوالمقصود أنه يستحب أو يجب هجران من جهر بالمعاصي لما تقدم من هذه النصوص وغيرها وأن يكفر في وجهه.\nوأنشد أبو عبد الله بن عبد القوي:\nوهجران من أبدى المعاصي سنة ... وقد قيل إن يردعه أوجب وأكد\nوقيل على الإطلاق مادام معلنا ... ولاقه بوجه مكفهر معربد\nقوله (إن يردعه) أي إن كان الهجر يردع المهجور.\nوقوله: (مكفهر) أي معبس. وقد أكفهر الرجل إذا عبس وفلان مكفهر اللون: إذا ضرب لونه إلى الغبرة. والمكفهر من السحاب: الأسود الغليظ الذي ركب بعضه بعضًا.\nقال الجوهري وغيره والله أعلم. قال ابن مفلح: ولا هجر مع السلام.\nوقد روى أبو حفص العكبري بسنده عن أبي هريرة مرفوعًا \"السلام يقطع الهجران\".","vol":"1","page":430},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-119>فصل (٢٦): هجران أهل البدع والمتظاهرين بالمعاصي فرض كفاية</span>\nوأما هجران أهل البدع فقال \"ابن تميم\" (هجران أهل البدع كافرهم وفاسقهم والمتظاهر بالمعاصي فرض كفاية) لأن المشهور عن أحمد كفر الداعية إلى البدع يعني المحرمة وعنه: لا. قال ابن حمدان -في الرعاية-: ويجب هجر من كفر أو فسق ببدعة أو (دعا) إلى بدعة مضلة أو منسقة على من عجز عن الرد عليه أو خاف الاغترار به والتأذي دون غيره.\nوقيل: يجب هجره مطلقًا. و(هو) ظاهر نصوص أحمد وأصحابه في البدعة سواء كفر بهم أم لا. قال ابن مفلح في فروعه: وفي تحريم السلام على مبتدع لمخاصم روايتان قال ابن مفلح\" وظاهر نصوص أحمد: لا فرق بين من جهر بالبدعة ودعا إليها أو أسرها. قال ابن حامد في أصوله: المبتدع المدعي للسنة هل يجب هجره ومباعدته؟ فنقل علي بن سعد ع ن أحمد في المرجئ: يدعو إلى طعامه أو أدعوه؟ قال يدعوه ويجيبه إلا أن يكون رأسًا فيهم. ونقل \"حرب\" عن \"أحمد\" لا يعجبني أن أخاطب أهل البدع. ورد الخطاب أبو ثابت سلام جهمي. فقال أحمد: يرد على كافر.\nفقلت أليس يرد على اليهودي والنصراني؟ قال اليهود والنصارى قد تبين أمرهما. قال ابن حامد فمذهب أحمد في أهل البدع- إن كان داعية مشتهرًا به فلا يعاد ولا يسلم عليه ولا يرد ﵇ ولا يجاب إلى طعام ولا دعوة - وإن كان يخفي بدعته فعلى وجهين في الجواز والمنع بناء على جواز إقامته. ونقل الفضل عن أحمد أنه قال: (إذا عرفت من أحد نفاقًا فلا تكلمه لأن النبي ﷺ خاف على الثلاثة الذين خلفوا فأمر الناس أن لا يكلموهم). ونقل الميموني عنه أنه قال: فكذا كل من خفنا عليه. قيل له: فالمرجئه؟ قال: هؤلاء أسهل إلا المخاصم منهم فلا يكلم.","vol":"1","page":431},{"text":"وروى الخلال عن إسماعيل بن إسحاق الثقفي النيسابوري (أن أبا عبد الله سئل عن رجل له جار رافضي يسلم عليه؟ قال: لا. وإذا سلم لا يرد عليه.\n(وقد اشتهرت الرواية عنه في هجر من أجاب في المحنة إلى أن مات).\n(وقال القاضي أبو الحسين بن أبي يعلى- في التمائم ٠ لا تختلف الرواية في وجوب هجر أهل البدع وفساق الملة). قال ابن مفلح: \"أطلق كما ترى فظاهره أنه لا فرق بين المهاجر وغيره في المبتدع والفاسق وهو ظاهر كلام أحمد في مكان وقطع به أبو الوفا ابن عقيل وقال: ليكون ذلك كسرًا واستصلاحًا\". وقال إن أردت أن تعلم محل الإسلام من أهل الزمان فلا تنظر إلى ازدحامهم في أبواب الجوامع ولا ضجيجهم في الموقف (ولكن انظر إلى مواطأتهم أعداء الشريعة).\nومن الهجران: ترك العبادة -نص عليه أحمد.\nوقد حرم ابن الصيرفي الحراني من الحنابلة -من نوادره- عيادة المبتدع.\nوعن أحمد ورواية لا يعاد الداعية فقط -كما تقدم- واعتبر ابن عباس بن تيمية المصلحة في ذلك. ونقل أبو الحرث ع ن \"أحمد\": أن أهل البدع لا يعادون ولا تشهد لهم جنازة وهو مذهب مالك.\nفأهل البدع فلي الهجر -أسوأ حالًا من أهل الذمة- كما تقدم قريبًا من قول أحمد لأن الذمي يجوز إجابة دعوته وترد التحية عليه إذا سلم ويجوز قصده في البيع والشراء فجازت عيادته وتعزيته كالمسلم. بخلاف من يحكم بكفره من أهل البدع لوجب هجره كما ذكر العلامة مجد الدين بن تيمية -في المحرر-.\nقال القاضي أبو يعلي: (ولم يهجر أهل الذمة لأنا عقدناها معهم لمصلحتنا بأخذ الجزية، وأما المرتدون فإن الصحابة باينوهم بالقتال وأي هجر أعظم من هذا؟). وروى الإمام أحمد وأبو داود من الحديث عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: (لكل أمة مجوس ومجوس أمتي الذين يقولون لا قدر إن مرضوا فلا تعودوهم وإن ماتوا فلا","vol":"1","page":432},{"text":"تشهدوهم). هذا لفظ أحمد ولفظ أبي داود: \"القدرية مجوس هذه الأمة\" وذكره.\nوروى أبو داود أيضًا -من حديث حذيفة بن اليمان مرفوعًا: \"لكل أمة مجوس ومجوس هذه الأمة الذين يقولون: لا قدر. من مات منهم فلا تشهدوا جنازته ومن مرض منهم فلا تعودوهم وهم شيعة الدجال، وحق ع لى الله أن يلحقهم بالدجال\".\nوروى أحمد وأبو داود من حديث عمر مرفوعًا: \" لا تجالسوا أهل القدر ولا تناكحوهم\".\nوروى ابن ماجة من حديث جابر مرفوعًا: \"إن مجوس هذه الأمة المكذبون بالأقدار إن مرضوا فلا تعودوهم وإن ماتوا فلا تشهدوهم وإن لقيتموهم فلا تسلموا عليهم\".\nوروى الإمام أحمد وأبو داود من حديث نافع. قال: كان لابن عمر صديق من أهل الشام فكاتبه. فكتب إليه عبد الله بن عمر: إنه بلغني أنك تكلمت في شيء من القدر فإياك أن تكتب إليَّ فإن سمعت رسول الله ﷺ يقول: (سيكون في أمتي أقوام يكذبون بالقدر). ورواه ابن ماجة والترمذي وقال: حديث حسن صحيح.\nوروى أبو بكر الخلال بسنده عن أنس ﵁وقيل له: إن قومًا يكذبون بالشفاعة وقومًا يكذبون بعذاب القبر؟ قال: لا تجالسوهم. وبإسناده عن حذيفة بن اليمان -﵁- أنه قال لرجل جعل في عضده خيطًا من الحما: لو مت وهذا عليك لم أصل عليك.\nوبإسناده عن الحسن قال لسمرة بن جندب -﵁- إن ابنك أكل طعامًا كثيرًا حتى كاد أن يقتله. قال: (لو ومات مات ما صليت عليه).\nوبإسناده أن أنسًا -﵁- كان له امرأة في خلقها سوء فكان يهجرها السنة","vol":"1","page":433},{"text":"والأشهر فتتعلق بثوبه. فتقول\" أنشدك الله يا بن مالك أنشدك الله يا بن مالك فما يكلمها قال محمد بن كعب القرظي -﵀-: لا تجالسوا أصحاب القدر ولا تماروهم.\nوكان حماد بن مسلمة إذا جلس يقول: من كان قدريًا فليقم.\nوعن طاوس وأيوب وسليمان التيمي وأبي السوار ويونس بن عبيد مثل ذلك. قال القاضي أيو يعلى: هو إجماع الصحابة والتابعين.\nوروى الحافظ أبو نعيم -في الحلية- بسنده- عن أحمد بن عبد الله بن يونس قال: سمعت رجًلا يقول لسفيان الثوري: رجل يكذب بالقدر أصلي وراءه؟ قال: لا تقدموه. قال: هو إمام القرية ليس لهم إمام غيره؟ قال: لا تقدموه وجعل يصبح.\nوبسنده عن بشر بن منصور قال: \"سفيان\" يقول وسأله رجل فقال على بابي مسجد إمامه صاحب بدعة قال: سمعت \"سفيان\" يقول وسأله رجل فقال على بابي مسجد إمامه صاحب بدعة؟ قال: لا تصل خلفه. قال: يكون الليلة المطيرة وأنا شيخ كبير؟ فقال لا تصل خلفه. وقال بعض أهل البدع لأبي عمران النخعي -﵀- إسمع مني كلمة فأعرض عنه، قال: لا ولا نصف كلمة. ومثله عن أيوب لسختياني.\nوقيل لأحد -﵀-: آخذذ على ابن الجهمي؟ قال: كم له؟ قلت ابن سبع أو ثمان. قال لا تأخذ عليه، ولا تلقنه لتذل الأب به.\nوقال في رسالته إلى \"مسدد\": (ولا تشاور أهل البدع في دينك ولا ترافقهم في سفرك).\nونقل أبو داود عن أحمد -أيضًا- في الرجل يمشي مع المبتدع: لا يكلمه.\nوقال في رواية حنبل: (عليكم بالسنة والحديث وما ينفعكم، وإياكم والخوض والمراء فإنه لا يفلح من أحب الكلام وقال لي أبو عبد الله: لا تجالسهم ولا تكلم أحدًا منهم وقال أيضًا -وذكر أهل البدع فقال: لا أحب لأحد أن يجالسهم ولا يخالطهم ولا يأنس بهم وكل من أحب الكلام لم يكن آخره أمره إلا إلى بدعة لأن الكلام لا يدعوا إلى","vol":"1","page":434},{"text":"خير. عليكم بالسنن والفقه الذي تنتفعون به. ودعوا الجدال وكلام أهل الزيغ والمراء. أدركنا الناس وما يعرفون هذا ويجانبون أهل الكلام.\nوقال في رواية حنبل -أيضًا- وكتب إليه رجل يسأله عن مناظرة أهل الكلام والجلوس معهم؟ قال: والذي كنا نسمع وأدركنا عليه من أدركنا من سلفنا من أهل العلم أنهم كانوا يكرهون الكلام والخوض مع أهل الزيغ.\nوقال موسى بن هارون الحمال عن أحمد: (لاتجالس أصحاب الكلام وإن ذبوا عن السنة).\nوذكر موفق الدين بن قدامة في \"المقنع\" -في النظر في كتب المبتدعة- قال: كان السلف ينهون عن مجالسة أهل البدع والنظر في كتبهم والاستماع لكلامهم -إلى أن قال: وإذا كان أصحاب النبي ﷺ ومن اتبع سنتهم في جميع الأمصار والإعصار متفقين على وجوب اتباع الكتاب والسنة وترك علم الكلام وتبديع أهله وهجرانهم والخبر بزندقتهم وبدعتهم. وقد روى الحاكم في صحيحه من حديث عائشة ﵂قال: قال رسول الله ﷺ (من وقر صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام).\nوذكر القرطبي -في تفسيره- عن الفضيل بن عياض. أنه قال: من أحب صاحب البدعة أحبط الله عمله وأخرج نور الإسلام من قلبه ومن زوج كريمته من مبتدع قطع رحمها ومن جلس مع صاحب بدعة لم يعط الحكمة فإذا علم الله من رجل أنه يبغض صاحب بدعة رجوت أن يغفر له. وقال عبد الله بن محمد بن الفضل الصيداوي: قال\"أحمد\" إذا سلم الرجل على المبتدع فهو يحبه قال النبي ﷺ (ألا أدلكم على ما إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم). وروى أبو نعيم في الحلية بسنده عن سفيان الثوري أنه قال: (من أصغى بسمعه إلى صاحب بدعة فقد خرج من عصمة الله ووكل إلى نفسه والبدعة أحب إلى إبليس من المعصية، المعصية يتاب منها والبدعة لا يتاب منها على إحدى الروايتين.\nقال أبو داود: قلت لأبي عبد الله بن حنبل: أرى الرجل من أهل السنة مع","vol":"1","page":435},{"text":"الرجل من أهل البدع أأترك كلامه؟ قال: لا. أو تعلمه أن الرجل الذي رأيته معه صاحب بدعة فإن ترك كلامه فكلمه وإلا فألحقه به).\nوأما مبايعة أهل البدع ومشاوراتهم فسأل المروزي أحمد -﵀- فقال: أمر بقربة فيها الجهمية لا زاد معي ترى أن أطوي؟ قال: نعم ولا تشتر منها شيئًا وتوقى أن تبيعه قال: بايعته ولا أعلم؟ قال: إن قدرت أن تسترد البيع فافعل فقلت: فإن لم يكن أتصدق بالثمن؟ قال: أكرره أن أحمل الناس على هذا فتذهب أموال الناس: قلت فكيف أصنع؟ قال: لا أدري أكره أن أتكلم بشيء ولكن أقل ما هنا أن يتصدق بالربح.\nقال ابن حامد: فظاهر كلام \"أحمد\" المنع من ذلك وإبطاله مطلقًا فمن كان منهم داعية فالبيع باطل يملك به شيئًا.\nكالمرتدين سواء والإخراج على وجهين في إمامته والسلام عليه ورد سلامه.\nقال ابن حامد: فدل كلام أحمد أن مراده البدعة المكفرة فالداعية إليها كالمرتد وإلا فالوجهان. وقال جماعة من السلف: إن الدعاة إلى البدع لا تقبل شهادتهم ولا يصلى خلفهم ولا يؤخذ عنهم العلم ولا يناكحون فذلك عقوبة لهم حتى ينتهوا. وهجر أحمد الحارث المحاسبي ع لى تصنيفه في الرد على المعتزلة وقال: وحمل الناس على التفكير فيها ثم ترد عليهم.\nوهجر أبا ثور في تأويله قول رسول الله ﷺ: (إن الله خلق آدم على صورته) وذكر الغزالي عنه -أيضًا- أنه كان بينه وبين يحيى بن معين صحبة طويلة فهجره \"أحمد\" إذ سمعه يقول: إني لا أسألك أحدًا شيئًا ولو أعطاني الشيطان شيئًا لأكلته. حتى اعتذر يحيى وقال: كنت أمزح فقال: تمزح بالدين! أما علمت أن الأكل من الدين قدمه الله -تعالى- على العمل الصالح فقال: ﴿كلو من الطَّيبات واعملوا صالحًا﴾.\nفيتعين حينئذ على المرء هجر أهل البدع لاسيما الداعية وترك مخالطتهم والتردد إليهم لغير مصلحة فإن في ذلك وزرًا عليه في دينه.\nولقد أحسن الإمام أبو عبد القوي -في نظمه- حيث قال:\nوهجران من أبدى المعاصي سنة وقد قيل: أن يردعه أوجب وآكد","vol":"1","page":436},{"text":"ثم على ذلك أبياتًا فقال:\nوهجران من يدعو الأمر معضل ... أو مفسق احتمه بغير تردد\nعلى غيره من يقوى على دحض قوله ... ويدفع إضرار المضل بمزود\nويقضي أمور الناس عند مجيئه ... ولا هجر مع تسليمه المتعود\nوحظر نبينا التسليم فوق ثلاثة ... على غير من قلنا يهجر فأكد\nقال القاضي أبو يعلى: وإنا لم نهجر أهلل الذمة لأنا عقدنا معهم لمصلحتنا بأخذ الجزية فلو قلنا يهجرون زال المعنى المقصود وأما أهل الحرب ففي الإمتناع من كلامهم ضرر، لأنه يؤدي إلى ترك مبايعتهم وشرائهم.\nوأما المرتدون فإن الصحابة باينوهم بالحرب والقتال وأي هجر أعظم من هذا؟\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-120>فصل (٢٧): على الآمر الناهي أن يسلك مع العصاة والفساق مسالك بحسب مراتبهم في مخالفة أوامر الله</span>\nقال أبو حامد الغزالي -﵀- فإن قيل: فالعصاة والفساق على مراتب مختلفة فكيف ينال الفضل بمعاملتهم؟ وهل يسلك بجميعهم في الهجرة والبغض مسلكًا واحدًا أن لا؟ فاعلم أن المخالف لأمر الله -سبحانه- لا يخلو إما أن يكون مخالفًا في عقده أو في عمله والمخالف في العقد إما مبتدع أو كافر. والمبتدع إما داع إلى بدعته أو ساكت إما لعجزه أو باختياره: فإن أقسام الفساد ثلاثة:\nالأول: الكفر، فالكافر إن كان محاربًا فهو مستحق للقتل والإرقاق وليس بعد هذين الأمرين إهانة.\nوأما الذمي فإنه لا يجوز إيذاؤه إلا بالإعراض عنه والتحقير له بالاضطرار إلى أضيق الطرق وترك البداءة بالسلام فإن قال: السلام عليكم قيل: وعليك. والأولى الكف عن مخالطته ومعاملته ومؤاكلته فإنما الإنبساط معه والاسترسال إليه كما يسترسل الأصدقاء فهو مكروه كراهة شديدة يكاد أن ينتهي ما يقوى منها إلى حد التحريم.","vol":"1","page":437},{"text":"قال سبحانه: ﴿لا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادُّون من حادَّ الله ورسوله﴾\nوقال تعالى: ﴿يا أيها الذين أمنوا لا تتَّخذوا عدوي وعدوَّكم أولياء تلقون إليهم بالمودَّة﴾.\nالقسم الثاني: المبتدع الذي يدعو إلى بدعة فإن كان يكفر بها فأمه أشد من الذمي لأنه لا يقر بجزية ولا يسامح بعقد ذمة.\nوإن كان ممن لا يكفر به بأمره بينه وبين الله أخف من أمر الكافر لا محالة ولكن الأمر في الإنكار عليه أشد منه على الكافر لأن شر الكافر غير متعد فإن المسلمين اعتقدوا كفره فلا يلتفتون إلى قوله إذا لا يدعي لنفسه الإسلام واعتقاد الحق، وإما المبتدع الذي يعو إلى بجعته أمنا أن يدعو إليه حق فهو سبب لغرابة الخلق فشره متحد بالاستحباب إظهار بغضه وعاداته والانتقاع وتحقيره والتشنيع عليه ببدعته وتنفير الناس عنه أشد.\nوإن سلم في خلوة فلا بأس برد جوابه.\nوإن علمت أن الإعراض عنه والسكوت عن جوابه يقبح في نفسه بدعته ويؤثر في زجره فترك الجواب أولى لأن جواب السلام وإن كان واجبًا فيسقط بأدنى غرض حتى يسقط بكون الإنسان في الحمام أو في قضاء حاجته وغرض الزجر أهم من هذه الأغراض، وإن كان في ملأ فترك الجواب أولى تنفيرًا للناس عنه وتقبيحًا لبدعته في أعينهم.\nالقسم الثالث: المبتدع العامي الذي لا يقدر على الدعوة ولا يخاف الاقتداء به فأمره أهون، فالأولى أن لا يتابع بالتغليظ والإهانة بل يتلطف به في النصح فإن قلوب العوام سريعة التقلب فإن لم ينفع النصح وكان الأعراض عنه (تقبيحًا) لبدعته، تأكد الاستحباب في الإعراض. (وإن علم أن ذلك) لايؤثر فيه لجمود طبعه ورسوخ عقده في قلبه فالإعراض أولى لأن البدعة إذا لم يبالغ في تقبيحها شاعت بين الخلق وعم فساده.\nوأما العاصي بفعله وعمله لا باعتقاده فلا يخلو إما أن يكون يتأذى به غيره كالظلم والغصب وشهادة الزور والغيبة والمشي بالنميمة وأمثالها أو كان مما لا يقتصر عليه ويؤذي غيره وذلك ينقسم إلى ما يدعو غيره إلى الفساد كالذي يجمع بين الرجال والنساء ويهيئ أسباب الشرب والفساد لأهل الفساد أو لا يدعو غ يره كالذي يشرب أو يزني. وهذا الذي لا يدعو غيره إما أن يكون عصيانه بكبيرة أو صغيرة وكل واحد إما أن يكون مصرًا عليه أو غير","vol":"1","page":438},{"text":"مصر فهذه التقسيمات تحصل منها ثلاثة أقسام ولكل قسم منها رتبة وبعضها أشد من بعض:\nالقسم الأول: وهو أشهدها -ما تضرر به الناس كالظلم والغصب وشهادة الزور والغيبة والنميمة. فهؤلاء الأولى الإعراض عنهم وترك مخاطبتهم والانقباض عن معاملتهم لأن المعصية شديدة فيما يرجع إلى إيذاء الخلق.\nثم ينقسمون إلى من يظلم في الدماء والى من يظلم في الأموال والى من يظلم في الأعراض وبعضها أشد من بعض فالاستحباب في إهانتهم والإعراض عنهم مؤكد جدًا.\nالقسم الثاني: الذي يهيئ أسباب الفساد ويسهل طرقه على الخلق فهذا لا يؤذي الخلق في دنياهم وهو أخف من الأول فإن المعصية بين العبد وبين الله إلى العفو أقرب ولكن من حيث أنه متعد على الجملة -إلى غيره فهو شديد وهذا أيضًا يقتضي الإهانة والإعراض والمقاطعة وترك جواب السلام إذا ظن أن فيها نوعًا من الزجر له أو لغيره.\nالثالث: الذي يفسق في نفسه بشرب خمر أو ترك واجب أو مقارنة محظور يخصه فالأمر فيه أخف ولكن وقت مباشرته إن صودف فيجب منعه بما يمتنع منه ولو بالضرب والاستخفاف فإن النهي عن المنكر واجب. وإذا فرغ منه وعلم أن ذلك من عادته وهو مصر عليه فإن تحقق أن نصحه يمنعه من العود وجب النصح وإن لم يتحقق ولكنه كان يرجو فالأفضل النصح والزجر بالتلطف أو بالتغليظ إذا كان هو الأنفع، فأما الإعراض ع ن جواب سلامه والكف عن مخالطته حيث يعلم أنه يضر وأن النصح ليس ينفعه فهذا فيه نظر والصحيح أن ذلك يختلف باختلاف نية الرجل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-121>فصل (٢٨): تباين درجات الهجر بحسب أحوال المهجورين فإن كان الهجر يضعف شرهم وجب الهجر كأسلوب للزجر وإن كان يزيد من شرهم وجبت مخالطتهم وتغريرهم</span>.\nوالهجر يختلف باختلاف المهجورين في قوتهم وضعفهم وقلتهم وكثرتهم فإن المقصود زجر المهجور وتأديبه وزجر العامي عن مثل حاله، فإن كانت مصلحته تلك راجحة بحيث يفضي هجره إلى ضعف الشر وخفته كان مشروعًا وإن كان لا المهجور ولا غيره يرتدع بذلك بل يزيد الشر، والهاجر يضعف بحيث تكون مفسدة ذلك راجحة على مصلحته","vol":"1","page":439},{"text":"لم يشرع الهجر بل يكون التأليف لبعض التأمل أنفع من الهجر لبعض الناس أنفع من التأليف.\nقال أبو عبد الله بن مفلح وظاهر كلامهم يعني أصحاب \"أحمد\" أو صريحه من النشوز -بتحريم الهجر لخوف المعصية على المرأة ولهذا كان النبي ﷺ يتألف أقوامًا ويهجر آخرين وقد يكون المؤلفة قلوبهم أشر حًالا في الدين من المهجورين. كما أن الثلاثة الذين خلفوا كانوا خيرًا من أكثر المؤلفة قلوبهم لمكان هؤلاء لأنهم كانوا سادة مطاعين في عشائرهم وكانت المصلحة الدينية في تألف قلوبهم وهؤلاء كانوا مؤمنين: والمؤمنون سواهم كثيرون عزيزون فكان في هجرهم عز الدين وتطهيرهم من ذنوبهم. كما أن الشروع في الغدر والقتال تارة والمهادنة تارة وأخذ الجزية تارة. كل ذلك بحسب الأحوال والمصالح.\nكما هجر النبي ﷺ نساءه وإيلائه منهن شهرًا كما في الحديث المشهور فقد كان في ذلك مصالح كثيرة في الدين وكما فعل كثير من السلف.\nوقد ذكر محمد بن عمر الواقدي -﵀- عن رجل هجر رجًلا حتى مات فقال: هذا شيء تقدم فيه قوم منهم سعد بن أبي وقاص كان مهاجرًا لعمار بن ياسر حتى مات وعثمان بن عفان كان مهاجرًا لعبد الرحمن بن عوف وعائشة كانت مهاجرة لحفصة وطاووس مهاجرًا لوهب بن منبه حتى مات.\nوقال أبو بكر الخلال في كتاب المجانبه: كان أبو عبد الله يعني الإمام أحمد يهجر أهل المعاصي ومن قارن الأعمال الرديئة أو تعدى وهجر بعض أصحابه وكان يتردد إليه سنين وصار لا يكلمهن فلم يزل يسأله تغير حاله وهو لا يذكر حتى قال: بلغني أنك طينت حائط جارك من جانب الشارع فقد أخذت قدر سمك الطين من الطريق وهو أنملة من شارع المسلمين فلا تصلح لتعلم العلم ونقل عنه أبو بكر المروزي في سقف البيت يكون فيه الذهب بجانب صاحبه؟ .\nقال: يجفي صاحبه: وقال-في رواية- إذا علم أنه مقيم على معصيته وهو يعلم بذلك لم يأثم إن جفاه حتى يرجع وإلا كيف يتبين للرجل ماهو عليه إذا لم ير منكرًا ولا جفوة من صديق.","vol":"1","page":440},{"text":"وكذلك جماعة من السلف تهاجروا لمصلحة يضيف هذا المحل عن ذكرهم حتى إن بعض الصحابة ﵃ أثروا فراق نفوسهم لمخالفتها للخالق فمنهم من يقو زنيت فطهرني، ونحن لا نجسر أن نقاطع أحدًا في الله لمكان المخالفة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-122>فصل (٢٩): تباين درجات الهجر بحسب درجات اعتقاد وسلوك الجماهير:</span>\nقد تقدم في أوائل هذا الفصل ذم الله تعالى -لمصاحبة البطالين إخوان الشر الذين لا يبالون بالمعصية ولا يخافون من الله ولا يرجون الله وقارًا ويتسلطون على عباد الله الصالحين بالإيذاء والاستهزاء والغيبة والخوض فيما لا يعني فمثل هؤلاء القوم ينبغي للمؤمن أن لا يجالسهم ولا يعاشرهم ولا يركن إليهم وهؤلاء أقسام:\nفمنهم قسم كفار معاندون لله ولرسوله أعداء الله وأعداء رسوله وأعداء عباده المؤمنين وهؤلاء أيضًا - ينقسمون قسمين:\nالقسم الثاني: المنافقون الذين آمنوا في الظاهر وكفروا في الباطن فأوهموا المؤمنين أنهم منهم ومعهم حتى أمنوهم وذلك لتلفظهم بكلمة التوحيد ظاهرًا وهم في الباطن مع الكفار يوادونهم ويطلعونهم على عورات المسلمين ولا يخفون عنهم شيئًا من أحوالهم وودهم ومحبتهم للكفار. فهذان القسمان ينبغي للمؤمن من أن لا يجالسهم ولا يعاشرهم ولا يركن إليهم وهؤلاء أقسام: فمنهم قسم كفار معاندون لله ورسوله أعداء الله وأعداء رسوله وأعداء عباد المؤمنين وهؤلاء أيضًا ينقسمون قسمين:\n-فهذان القسمان ينبغي أن يجالسهم المؤمن أصًلا ولا يصاحبهم ولا يخالطهم ولا يسمع حديثهم لأنهم لا يزالون يستهزؤون بالأنبياء والصالحين.\nوهذان القسمان هما اللذان نهى الله نبيه ﷺ عن الجلوس والخوض معهم في أحاديثهم وأمره بالقيام من مجالسهم إلا نسيانًا فإذا ذكر قام من بينهم.\nالقسم الثالث: أن يكون مسلمًا ليس في إيمانه وليس في نفاق ولكنه كثير الغفلة والمعاصي لا يعتني بالعبادة ولا يخاف من مواقعة الذنوب.\nفهذا القسم ليس اعتقاده كاعتقاد من تقدم من الكفار والمنافقين بل اعتقاد بالإيمان يكثر من فعل المعاصي قد عقل عن الله تعالى وعن عبادته.\nفهذا القسم -أيضًا- ينبغي التجنب لأنه جليس سوء ربما أورثك من مجالسته إما","vol":"1","page":441},{"text":"مشاركته في معاصيه أو مشاهدتك له على المعصية ولا تنهاه. فمجالسة مثل هذا تورث الغفلة ويدل على هذا مايثبت في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري - ﵁- أن رسول الله ﷺ قال: (إنما مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير فحامل المسك إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه وإما أن يجد منه ريحًا طيبة ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجحد منه ريحًا خبيثة).\nقوله يحذك -بحاء مهملة وذال معجمة أن يعطيك.\nوأنشدني أبو الفدا إسماعيل البقاعي في نظم له:\nوجانب بني السوء وأقبل وصيتي ... فقربهم يزري وللعرض يثلب\nوما أحسن قول ابن الملحي في كان وكان:\nالسن إن غاب يؤذي بقسوة ويؤذي مجاور ... فيقتضي الرأي قلعوا لهجم الأسنان\nوهكذا كل مؤذي ما له سوى الهجران ... كالنار إن لم تنطفئ سعت إلى الجيران\nوقال غيره:\nوما ينفع الجرب قرب صحيحه ... إليها ولكن الصحيحة تجرب\nفهذا مثله مثل نافخ الكير.\nالقسم الرابع: قوم مؤمنون موحدون ليسوا بكفار ولا منافقين ولا لهم إرب في فعل المعاصي والخوض فيما لا يغني ولكن عندهم كسل وتباطؤ عن الطاعة مقصرون.\nمجالستهم تورث الكسل فإن المؤمن ينشط المؤمن إذا رآه على الاجتهاد ويكسله إذا كان عنده فتور.\nوقال أبو الخوارزمي:\nلا تصحب الكسلان في حاجاته ... كم صالح بفساد آخر يفسد\nعدوى البليد إلى الجليد سريعة ... والجمر يوضع في الرماد فيخمد","vol":"1","page":442},{"text":"وهذا -أيضًا- جاء في حديث ابن عمر من رواية الصحيحين، وأحمد والترمذي وابن ماجه \"لا حسد إلا في اثنين\". لأنه لما رأى قارئ القرآن قائمًا بأمر الله عامًلا بالقرآن آناء الليل وأطراف النهار تمنى مثل منزلته وأن يعمل بمثل عمله وكذلك لما رأى صاحب المال تصدق من ماله وأنفق منه في وجوه الخيرات والقربات تمنى أن يكون له مال حتى يعمل مثل عمله فتنفعه صحبة هذين الرجلين لأنه اكتسب مما رآه منهما من الأعمال الصالحة اليقظة وأحب أن يعمل بمثل عمله وإما أن تسمع منه خيرًا ولا تسمع منه ما تأثم به فصحبة مثل هذا أو الجلوس معه هي النافعة.\nوضد هذا الذي يخوض في آيات الله بالرد والضد والتكذيب والاستهزاء وهو الذي نهى الله نبيه ﷺ أن يجالسه وأمره بالقيام من مجلسه ولا يقعد معه كما تقدم وذلك من مفهوم هذه الآية: ﴿وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم﴾. فأمره ﷺ بمتاركتهم والقيام عنهم بل الأمر بالقتال وإذا كان حديث هؤلاء في المباح فهو مخير بين الجلوس معهم وبين عدم ذلك.\nوفي الأول منهي عن جلوسهم ولا يقعد معهم أصًلا إلا إ ذا كان ناسيًا وندب إلى أن المؤمن إذا رأى من كان كذلك أن يعظه ويأمره بالمعروف وينهاه عن الخوض فيما لا يعنيه ولأن سبحانه أمر بموعظة من كان كذلك وتذكيره ونهاه عن الخوض ﴿ولكن ذكرى لعلَّهم يتَّقون﴾. وروى الحافظ أبو نعيم -بسنده- عن مبارك أبي حماد قال: سمعت سفيان الثوري يقول لعلي بن الحسن السلمي: إياك وما يفسد عليك عملك وقلبك فإنما يفسد عليك قلبك مجالسة أهل الدنيا وأهل الخوض وإخوان الشياطين الذين ينفقون أموالهم في غير طاعة الله وإياك وما يفسد عليك دينك مجالسة ذوي الألسن المكثرين للكلام وإياك وما يفسد عليك معيشتك، فإنما يفسد عليك معيشتك أهل الخوض وأهل الشهوات وإياك ومجالسة أهل الجفاء ولا تصحب إلا مؤمنًا ولا يأكل طعامك إلا تقي ولا تصحب الفاجر ولا تجالسه ولا تجالس من يجالسه ولا تؤكل من يؤاكله ولا تحب من يحبه ولا تفش إليه سرك ولا تبسم في وجهه ولا توسع له في مجلسك فإن فعلت له شيئًا من ذلك فقد قطعت عرى الإسلام.","vol":"1","page":443},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-123>فصل (٣٠): الهجر أسلوب شرعي للزجر لتكون كلمة الله هي العليا </span>فعلى المؤمن أن يعادي في الله وأن يوالي في الله\nقال أبو العباس تقي الدين بن تيمية: الهجر من باب العقوبات المشروعة فهو من جنس الجهاد في سبيل الله وهذا يفعل لتكون كلمة الله هي العليا ويكون الدين لله والمؤمن عليه أن يعادي في الله ويوالي في الله فإذا كان هناك ؤمن فعليه أن يواليه وإن ظلمه فإن الظلم لا يقطع الموالاة الإيمانية. قال الله تعالى: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتَّى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين إنما المؤمنين إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتَّقوا الله لعلكم ترحمون ..﴾.\nفجعلهم إخوة مع وجود الاقتتال والبغي وأمر بالإصلاح بينهم فليتدبر المؤمن الفرق بين هذين النوعين فما أكثر مايتلبس أحدهما بالآخرة.\nفالمؤمن تجب موالاته وإن ظلمك واعتدى عليك والكافر تجب معاداته وإن أعطاك وأحسن إليك فإن الله بعث الرسل وأنزل الكتب ليكون الدين كله لله فيكون الحب لله ولأوليائه والبغض لأعدائه والإكرام لأوليائه والإهانة لأعدائه والثواب لأوليائه والعقاب لأعدائه وإذا اجتمع في مؤمن خير وشر وبر وفجور وطاعة ومعصية وسنة وبدعة ويستحق من الموالاة والثواب ما فيه من الخير ويستحق من العابر والمعاداة بحسب ما فيه من الشر فيجتمع في الشخص الواحد موجبان: الإكرام والإهانة فيجتمع له من هذا وهذا كاللص الفقير تقطع يده لسرقته ويعطي مايكفيه لحاجته.\nهذا هو الأصل الذي اتفق عليه أهل السنة والجماعة وخالفهم الخوارج والمعتزلة ومن وافقهم عليه فلم يجعلوا الناس إلا مستحقًا للثواب فقط أو مستحقًا للخلود في العقاب فقط.\nوأهل السنة يقولون: إن الله يعذب بالنار من أهل الكبائر من يعذبه ثم يخرجهم منها بشفاعته بمن يأذن له بالشفاعة وبفضل رحمته كما استفاضت الأحاديث عنه ﷺ وإذا عرف هذا فالهجر المشروع هو من الأعمال التي أمر الله بها ورسوله.\nوالطاعات لابد أن تكون خالصة لله موافقة لأمره فمن هجر لهوى نفسه أو هجر هجرًا","vol":"1","page":444},{"text":"غير مأمور به كان خارجًا عن هذا وما أكثر ما تفعل النفوس ما تهواه ظانة أنها تفعله طاعة لله. قال ابن أبي جمرة: من قيل فيه شيء يكون قذفًا في حقه فذلك يوجب هجره وإن لم يتحقق عليه ما قيل ولا يجوز هجره بالكلية وإنما ينقص له من العادة التي كان يعامل بها بحسب ما كان الواقع لأن النبي ﷺ لما وقع الكلام في \"عائشة\" ورميت بالإفك لم يبق لها ما عهدت من اللطف ولم يهجرها أيضًا -بالكلية.\nثم قال: وفي الحديث دليل على أن من وقع ذلك به لا يتكلم كلامًا يستدعي الجواب لأن النبي ﷺ لم يكن ليسألها عن حالها لأن ذلك يستدعي الجواب فإذا وقع منها الجواب والمراجعة في الكلام كان ذلك موجبًا للطف فزال إذ ذاك ما أريد من الهجر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-124>فصل (٣١): لا فرق بين وجوب هجر ذي الرحم والأجنبي إذا كان الهجر لتعدي حق الله:</span>\nولا فرق بين وجوب هجر ذي الرحم والأجنبي إذا كان الحق لله تعالى فأما إذا كان الحق للآدمي كالقذف والسب والغيبة وأخذ ماله غصبًا ونحو ذلك فإن كان الفاعل لذلك من أقاربه وأرحامه لم يجز هجره.\nوإن كان غيره فهل يجوز أم لا؟ على روايتين عن الإمام أحمد قال في رواية أبي بكر أحمد المروزي وقد سأله رجل فقال: إن رجًلا من أهل الخير قد تركت كلامه لأنه قذف مستورًا بما ليس فيه ولي قرابة يسكرون.\nفقال: اذهب إلى ذلك الرجل حتى تكلمه ودع هؤلاء الذين يسكرون.\nفهذا من أحمد يدل على فعل ذلك في حق الشارب مع كونه قرابة له.\nوحضر زنديق مجلس الإمام أحمد ﵀ فقال له إسحاق بن إبراهيم بن هانئ:\nهذا عدو الله كبش الزنادقة حضر المجلس.\nقال أبو عبد الله: من أمركم بهذا؟ عمن أخذتم؟","vol":"1","page":445},{"text":"الجزء الخامس\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-125>فصل (٣٢): عدم جواز الهجر المسلم للتهمة مداومة للصفاء والمحبة</span>\nولا يجوز الهجر بخبر الواحد بما يوجب الهجر. نص عليه الإمام أحمد في رواية أبي مزاحم موسى بن عبيد الله بن يحيى فقال: حدثني أبو مكرم الصفار: فقال حدثنا مثنى بن جامع الأنباري. قال: ذكر أبو عبد الله هذا الحديث عن النبي ﷺ أنه كان لا يأخذ بالقرف (التهمة) ولا يصدق أحد (على) أحد. فقال إلى هذا أذهب أنا وهذا مذهبي.\nقلت وهذا الحديث رواه ابن بطة وجماعة من حديث الحسن البصري. قال كان النبي ﷺ لا يأخذ بالقرف (التهمة) ولا يصدق أحدًا على أحد. القرف -بالفتح والتحريك- الغيبة والتهمة.\nقال الجوهري: قرفت الرجل أي عبته. ويقال هو يقرف بكذا أي يرمي به ويتهم فهو مقروف. انتهى.\nوفي سنن أبي داود، والترمذي من حديث ابن مسعود -﵁- أن النبي ﷺ قال لأصحابه: (لا يبلِّغني أحد منكم عن أحد من أصحابي شيئًا فإني أحبُّ أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر).\nوروى نحوه ابن بطة -أيضًا- وغيره من حديث زيد بن أسلم، عن أبيه ﵁- قال: قال رسول الله ﷺ: (ألا لا يبلغني أحد ما أكره، فإني أحب أن أخرج إليكم وليس في قلبي على أحد شيء).","vol":"1","page":446},{"text":"فكأنه ﷺ نهى عن ذلك، طلبًا لاستصحاب الصفاء، ومداومة المحبة والوفاء، وخوفًا من تغير خاطره الشريف على أحد من أصحابه ومفارقة إخوانه وأحبابه.\nوذكر أبو عمر بن عبد البر، عن معاذ بن جبل -﵁- أنه كان يقول: (إذا كان لك أخ في الله -تعالى- فلا تماره ولا تسمع فيه من أحد، فربما قال لك ما ليس فيه فحال بينك وبينه).\nوأنشدوا:\nإن الوشاة كثير إن أطعتم ... لا يرقبون بناء إلاَّ ولا ذمما\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-126>فصل</span>\nوذهب أبو الدرداء وجماعة من الصحابة والتابعين إلى عدم هجر الصديق والأخ في الله تعالى إذا ارتكب معصية ولم يقبل وعظه صديقه قال أبو الدرداء: إذا تغير أخوك وحال عما كان عليه فلا تدعه لأجل ذلك فإنه يعوج مرة ويستقيم أخرى. قال بعض السلف: لا تقطع أخاك إلا بعد عجز الحيلة في إصلاحه وأنشدوا:\nإذ أنت لم تشرب مرارًا على القذى ... ظمئت وأي الناس تصفو مشاربه\nومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها ... كفى المرء فضًلا أن تعد معايبه\nقال إبراهيم النخفي: (لاتقطع أخاك ولا تهجره عند الذنب بذنبه فإنه يركبه اليوم ويتركه غدًا).\nوقال أيضًا -لا تحدثوا الناس بزلة العالم، فإن العالم يزل الزلة ثم يتركها.\nوروى البغوي في المعجم، وابن عدي في الكامل، من حديث عمر بن عوف المزني مرفوعًا: \"اتقوا زلّة العالم ولا تقطعوه\".\nوفي حديث زيد بن الأصم، أن عمر بن الخطاب -﵁- (قد سأل عن أخ كان) أخاه فخرج إلى الشام، فسأل عنه بعض من قدم عليه، فقال: ما فعل أخي؟ فقال: ذاك أخو الشيطان. قال له: مه، قال: إنه قارف الكبائر حتى وقع في الخمر، قال إذا أردت","vol":"1","page":447},{"text":"الخروج فآذني. فكتب -عند خروجه (إليه): ﴿حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم غافر الذنب وقابل التَّوب شديد العقاب ذي الطوّل لا إله إلا هو إليه المصير﴾.\nثم عاتبه تحت ذلك وعزله، فلما قرأ الكتاب بكى. وقال صدق الله ونصح لي عمر فتاب ورجع.\nورواه أبو نعيم -الحافظ- في الحلية.\nورواه الخطيب أبو بكر البغدادي ولفظه: أن رجًلا كان ذا بأس وكان يوفد إليه عمر ليأتيه، وكان من أهل الشم، وأن عمر فقده. فسأل عنه. فقيل له: تتابع في هذا الشراب فدعا كاتبه. فقال: اكتب من عمر بن الخطاب إلى فلان سلام عليكم فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو غافر (الذنب) قابل التوب شديد العقاب، ذو الطول لا إله إلا هو إليه المصير ثم دعا وأمن من عنده، ودعوا له أن يقبل على الله بقلبه وأن يتوب عليه. فلما أتت الصحيفة الرجل، جعل يقرؤها، ويقول غافر الذنب قد وعدني أن يغفر لي ذنبي، وقابل التوب قد وعدني أن يتوب علي، شديد العقاب قد حذرني عقابه، ذي الطول، والطول -الخير الكثير، إليه المصير. فلم يزل يرددها على نفسه، ثم بكى ثم نزع فأحسن النزع فلما بلغ عمر أمره. قال: هكذا فاصنعوا إذا رأيتم أخًا لكم زل زلة فسددوه، ووفقوه، وادعوا الله أن يتوب عليه، ولا تكونوا أعوانًا للشيطان عليه.\nوروي عن أخوين من السلف انقلب أحدهما على الانشقاق فقيل لأخيه: ألا تقطعه وتهجره؟ فقال: أحوج ما كان إلي من هذا الوقت لما وقع في عسرته أن أخذ بيده وأتلطف له في المعاتبة وادعوا له بالعود إلى ما كان عليه.\nوروي أن أخوين ابتلي أحدهما بهوى، فأظهر عليه أخاه وقال: إني اعتللت، فإن شئت أن لا تعقد على محبتي لله فافعل. فقال: ما كنت لأحل عقد أخوتك لأجل خطيئتك أبدًا، ثم عقد أخوه بينه وبين الله أن لا يأكل ولا يشرب حتى يعافي الله أخاه من هواه، فطوى أربعين يومًا، في كلها يسأله عن حاله؟ فكان يقول القلب مقيم على حاله. ومازال هو ينحل من الغم والجوع حتى زال الهوى عن قلب أخيه بعد الأربعين. فأخبره فأكل بعد ذلك وشرب.","vol":"1","page":448},{"text":"وأنشدوا:\nومن يتبع عثرة من صديقه يجدها ... فلم يسلم له الدهر صاحب\nولبعضهم:\nإذا كنت في كل الأمور معاتبًا ... صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه\nفعش مفردًا أو صل أخاك فإنه ... مقارف ذنب مرة ومجانبه\nإذا أنت لم تشرب مرارًا على القذى ... ظمئت وأي الناس تصفو مشاربه\nوروي - في الإسرائيليات - أن اخوين عابدين كانا في جبل فنزل أحدهما ليشتري من المصر شيئًا يقيتهم فرأى بغيًا فرمقها وعشقها فواقعها، ثم أقام عندها ثلاثة أيام، واستحيا أن يرجع إلى أخيه، من جنايته، قال فافتقده أخوه واهتم بشأنه، فنزل إلى المصر، فلم يزل يسأل عنه، حتى دل عليه، فدخل إليه وهو جالس فاعتنقه وجعل يقبله ويلزمه، وأنكر (الآخر) أنه يعرفه، لفرط استحيائه منه فقال: قم يا أخي فقد علمت شأنك وقصتك وما كنت ق أحب إلي ولا أعز من ساعتك هذه، فلما رأى أن ذلك لم يسقطه من عينه قام وانصرف معه.\nونقل مثنى عن أحمد -﵀- في أخوين يحيف أحدهما على أخيه هل تجوز قطيعته، أم يرفق به وينصح؟ قال: إذا أمره ونهاه فليس عليه أكثر من هذا.\nوأنشدوا:\nإذا ما حال عهد أخيك يومًا ... وحاد عن الطريق المستقيم\nفلا تعجل بلومك واستدمه ... فخير الود ود المستقيم\nإن تر زلة منه فسامح ... ولا تبعد عن الخلق الكريم\nوقيل: من حق الإخاء أن يغفر الهفوة، ويستر الزلة. فمن رام بريئًا من الهفوات سليمًا من الزلات، ورام أمرًا معوذًا، واقترح وصفًا معجزًا، فأي عالم لا يسهوا؟ وأي أخ لا يلغو؟ وأي صارم لا ينبو وأي جواد لا يكبو؟\nوأنشدوا:\nولا تقطع أخًا لك عند ذنب ... فإن الذنب يعفوه الكريم","vol":"1","page":449},{"text":"ولكن داو عورته برفع ... كما يرفع الخلق القديم\nولبعضهم في -كان وكان:\nظفرك إ ذا عاب مرة لا تقلعه فهو ينصلح ... فإن قلعتو لعيبوا بتقى بلا أظفار\nوللمتنبي\nولست بمستبق أخًا لا تلمه ... على شعث أي الرجال المهذب\nولغيره:\nولو كان لا عيب فيه لكنت ... ولكنه أي الرجال المهذب\nولبعضهم:\nلا تعتبن على نقص رأيت أخًا ... فإن بدر الدجى لم يعط تكميلا\nوقال غيره:\nتحمل أخاك على ما به ... فما في استقامة مطمع\nوأني له خلق واحد ... وفيه طبائعه الأربع\nوللإمام علي -كرم الله وجه-:\nقيل: إن الإله ذو ولد ... قيل: إن الرسول قد كهن\nفلا الله ولا الرسول معًا ... سلما من ألسن الناس فكيف أنا\nفهذه طريقة قوم من السلف -كما تقدم:\nقال الغزالي -وهي طريقة لطيفة لما فيها من الرفق والاستمالة والتلطف المفضي إلى الرجوع والتوبة، لاستمرار الحياة عند دوام الصحبة فمتى قوطع انقطع طمعه عن الصحبة واستمر في المعصية وأيضًا - فإن عقد الأخوة ينزل منازل القرابة، فإن انعقدت تأكد الحق ووجب الوفاء بموجبه. ومن الوفاء أن لا يهمل أمام حاجته وفقره. إذ فقر الدين أشد من فقر المال. وقد أصابته جائحة وألمت به آفة افتقر بسببها من دينه، فينبغي أن يراقب ويرعى ولا يهمل، أمام حاجته وفقره. إذ فقر الدين أشد من فقر المال. وقد أصابته جائحة والمت به آفة بسببها من دينه، فينبغي أن يراقب ويرعى ولا يهمل، بل لا يزال يتلطف به، ليعان على الخلاص من الواقعة التي ألمت به والأخوة عدة للنوائب وحوادث الزمان وارتكاب المعاصي من أشد النوائب.","vol":"1","page":450},{"text":"وأنشدوا:\nسامح أخاك إذا خلط ... منه الإصابة بالغلط\nوتجاف عن تعنيفه ... إن زاع يومًا أو قسط\nواحفظ صنيعك عنده ... شكر الصنيعة أم غمط\nواقن أنوفنا وإن أخل ... بما اشترطت وما شترط\nأو ما ترى المحبوب بالمكروه ... لذا في نمط\nكالشوك يبدو في الغصون ... مع الجنى الملتقط\nولو انتقدت بني الزمان ... وجدت أكثرهم سقط\nوقال بعض السلف -في زلات الإخوان-: ود الشيطان أن يلقي على أخيكم مثل هذا حتى تهجروه وتقطعوه. فماذا أتقيتم من محبة عدوكم، وذلك لأن التفرق بين الأحباب من محاب الشيطان، كما أن مقارفة العصيان من محابه، فإذا حصل للشيطان أحد غرضيه فلا ينبغي أن يضاف إليه الثاني والى هذا أضار ﷺ بقوله: (لا تكونوا عونًا للشيطان على أخيكم).\n\" ولا تعينوا عليه الشيطان\" -كما سيأتي- في الباب الثامن إن شاء الله تعالى -عند الرفق بشارب الخمر.\nوأنشدوا:\nإذا ما بدت من صاحب لك زلة ... فكن أنت محتًالا لزلته عذرا\nأحب الفتى يتقي الفواحش سمعه ... كأن في كل فاحشة قسرا\nوالداعي إلى هذا التأويل شيئان التغافل الناشيء عن الفطنة والتآلف الصادر عن الوفاء.\nوقد قال أكثم بن صيفي: من شدد نفر ومن تراخى وتغافل تآله، والسرور (والشرف) في التغافل:\nكما قيل:\nليس المتفحش بسيد في قومه ... لكن سيد قومه المتعالي","vol":"1","page":451},{"text":"ولبعضهم:\nيا سيدي قد عثرت خذ بيدي ... ولا تدعني ولا تقل تعسا\nواعف فإن عدت فاعف ثانية ... فقد يداوي الطبيب من نكسا\nقال بعض الحكماء: من طلب أخًا بلا عيب فليعش وحيدًا. ومن طلب عالمًا بلا زلة فليعش جاهًلا، ومن طلب صديقًا بلا غرامة فليصادق أهل القبور.\nوقال غيره:\nفلا تعجر صديقك للذنوب ... فإن الهجر مفتاح السلو\nإذا كتم الخليل أخاه سرًا ... فما فضل الصديق على العدو\nوذنوبي تتلاشى في عفو ربي الكريم ... فهو أكرم من عفا وجاد بالحلم العظيم\nما بقي إلا القليل والقدوم على الرحيم ... والفوز منه بالكرم ودخول جنة النعيم\nمحمد بن الصوفي صاحب الجرم الكبير ... راجيًا ذا المولى وهو بحالي عليم\nرب سامح واغفر وتجاوز عني ... وعن جميع الأمة بفضلك العميم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-127>فصل (٣٣): هجر المسلم العدل في اعتقاده وأفعاله كبيرة:</span>\nوأما هجر المسلم العدل -في اعتقاده وأفعاله- فكبيرة على نص الإمام أحمد لأن الكبيرة -عنده- مافيه حد في الدنيا أو وعيد في الآخرة.\nوفي الصحيحين، ومسند أحمد والموطأ، وسنن أبي داود، وجامع الترمذي من حديث أبي أيوب الأنصاري -﵁- أن رسول الله ﷺ قال: لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام).","vol":"1","page":452},{"text":"وروى أبو داود ونحوه من حديث أبي هريرة بلفظ: \"لا يحل لمؤمن أن يهجر مؤمنًا فوق ثلاث، فإن مرت ثلاث فلقيه فليسلم عليه، فإن در فقد اشتركا في الأجر، وإن لم يرد عليه فقد باء بالإثم\".\nوفي رواية \"لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، فمن هجر فوق ثلاث دخل النار\". قالوا وإنما عفى عنها في الثلاثة أيام، لأن الآدمي مجبول (على) الغضب وسوء الخلق ونحو ذلك فعفى عن الهجرة في الثلاثة، ليذهب ذلك العارض.\nوفي صحيح مسلم، وغيره من حديث أبي هريرة مرفوعًا \"تعرض الأعمال في كل يوم جمعة مرتين فيغفر الله -﷿- في ذلك اليوم لكل امئ لا يشرك بالله شيئًا. إلا امرءًا كانت بينه وبين أخيه شحناء. فيقول اتركوا هذين حتى يفيا\".\nورواه مالك في الموطأ موقوفًا.\nولمسلم، ولأبي داود أن رسول الله ﷺ قال: (تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين، ويوم الخميس، فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئًا إلا رجًلا كان بينه وبين أخيه شحناء. فيقول: انظروا هذين حتى يصطلحا، انظروا هذين حتى يصطلحا. انظروا هذين حتى يصطلحا) وفي رواية الترمذي (فيغفر لمن لا يشرك بالله شيئًا إلا المتهجرين يقول: ردوا هذين حتى يصطلحا).\nقوله: (انظروا) -قطع الهمزة- يعني أخروهما حتى يفيئا، ويرجعا -إلى الصلح والمودة.\nوفي الباب أحاديث كثيرة.\nوسيأتي في حديث أبي هريرة -في الباب الخامس- قوله ﷺ: (لا تدابروا) \"أي لا تتعادوا\" ولا تتهاجروا والتدابر المعاداة والمقاطعة.","vol":"1","page":453},{"text":"وقال في المستوعب: ويكره هجر المسلم لأخيه المسلم فوق ثلاث إلا أن يكون من \"أهل\" الأهواء والبدع والفساق المدنين على ذلك.\nقال ابن مفلح والأولى التحريم.\nوالهجر لحق المسلم حرام، وإنما رخص في بعضه كما رخص للزوج أن يهجر امرأته في المضجع إذا شذت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-128>فصل (٣٤): قال ابن مفلح -﵀- ولا هجرة مع السلام</span>.\n(وقد روى أبو حفص العكبري -بسنده- عن أبي هريرة مرفوعًا: \"السلام بقطع الهجران\" وذكر النووي أن مذهب مالك والشافعي أن الهجر المحرم يزول بالسلام.\nوقال الإمام أحمد، وابن القاسم المالكي: إن كان المهجور يؤذي الهاجر، لم يقطع السلام بهجرته. انتهى.\nوقال \"الأثرم\": سمعت أبا عبد الله يسأل عن السلام يقطع الهجران؟ فقال: قد يسلم عليه وقد يصد عنه. ثم قال أبو عبد الله: النبي ﷺ يقول: (يلتقيان فيصد هذا ويصد هذا) فإذا كان قد عوده أن يكلمه، وأن يصافحه. ثم قال: إلا أنه ما كان من هجران في شيء يخاف عليه فيه الكفر فهو جائز. ثم قال: (أبو عبد الله) إن النبي ﷺ قال في قصة كعب بن مالك حين خاف عليهم ولم يدر ما لا يقول فيهم: (لا تكلموهم) قيل لأبي عبد الله عمر -﵁- قال: في صبيغ لا تجالسوه. قال: المجالسة الآن غير الكلام. قلت لأبي عبد الله: كان لي جاء يشرب المنكر أسلم عليه؟ فسكت في بعض هذا الكلام-: لا تسلم عليه ولا تجالسه.\nقال القاضي أبو يعلى - في كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر-: ظاهر كلام أحمد -﵀- أنه لا يخرج من الهجرة بمجرد السلام، بل يعود إلى حاله مع المهجور قبل الهجرة.","vol":"1","page":454},{"text":"وذكر رواية \"الأثرم\" وقول \"أحمد\" في رواية محمد بن حبيب وقد سئل عن الرجل لا يكلم الرجل أيجزيه السلام من لاصرم؟ فقال: أتخوف من أجل أنهما يصد أحدهما عن صاحبه، وقد كانا متئانسين يلقى أحدهما صاحبه بالبشر إلا أن يتخوف منه نفاقًا.\nقال: وإنما لم يجعله \"أحمد\" خارجًا من الهجرة بمجرد السلام حتى يعود إلى عادته معه في الاجتماع والمؤانسة، لأن الهجرة لا تزول إلا بعوده إلى عادته معه. انتهى.\nقال أبو عبد الله بن مفلح وقول أحمد في الذي تشتمه ابنة عمه إذا لقيتها سلم عليها اقطع المصادقة ظاهرة أن السلام يقطعها مطلقًا وظاهر قول أصحابنا أن الهجر المحرم لا يزول بغير ذلك. ونص عليه الشافعي، رواه البيهقي عنه ويتوجه على قول من جعل من أصحابنا الكتابة والمراسلة كلامًا أن يزول الهجر المحرم لها ثم وجدت ابن عقيل ذكره وللشافعي وجهان. قال النووي وأصحهما يزول لزوال الوحشة انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-129>فصل (٣٥): استحباب التقرب إلى الله بحب أهل الطاعة وبغض أهل المعصية:</span>\nومما يتعلق بما نحن فيه: الحب في الله لأهل الطاعة، والبغض فيه لأهل المعصية.\nوفي مسند أحمد، وسنن أبي داود من حديث أبي ذر -﵁- قال خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: (أتدرون أي الأعمال إلى الله -تعالى-) قال قائل الصلاة والزكاة. قال قائل: الجهاد. قال (أحب الأعمال إلى الله -﷿- الحب في الله والبغض في الله).\nوفي مسند أحمد -أيضًا- وسنن البيهقي من حديث البراء بن عازب -﵁- قال: كنا جلوسًا عند النبي ﷺ فقال: (أي عرى الإسلام أوثق؟) قالوا: الصلاة. قال: حسنة، وما هي بها؟ قالوا: الزكاة. قال: حسنة، وما هي بها؟ قالوا: صيام رمضان. قال: حسن وما هو به؟ قالوا: الحج. قال: حسنة. وما هو به؟ قال: أوثق عرى الإسلام أن تحب في الله، وأن تبغض في الله).","vol":"1","page":455},{"text":"ورواه الطبراني -في الأوسط والصغير- في حديث طويل.\nوالخرائطي - في مكارم الأخلاق- من حديث ابن مسعود وبلفظ قال: دخلت على رسول الله ﷺ فقال: يا ابن مسعود، أي عرى الإيمان أوثق؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: (أوثق عرى الإسلام الولاية في الله، والحب في الله والبغض في الله).\nوفي الصحيحين، وجامع الترمذي وسنن النسائي من حديث أنس مرفوعًا:\n\"ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما. ومن أحب عبدًا لا يحبه إ لا الله ومن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار\".\nوفي رواية: ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان وطعمه، أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب في الله ويبغض في الله وأن توقد نار عظيمة فيقع فيها أحب إليه من أن يشرك بالله شيئًا. وروى الإمام أحمد والطبراني من حديث عمرو بن الجموح مرفوعًا لايحق العبد حق صريح الإيمان حتى يحب للبه ويبغض لله فإذا أحب لله وأبغض لله فقد استحق الولاء من الله.\nوفي المسند أيضًا وغيره من حديث معاذ بن أنس الجهني ﵁ أنه سأل النبي ﷺ عن أفضل الإيمان قال: أن تحب لله وتغضب لله وتعمل لسانك في ذكر، قال: وماذا يا رسول الله؟ قال: وأن تحب للناس ما تحب لنفسك، وتكره لهم ما تكره لنفسك وقد سلف في هذا الباب. ورواه أحمد أيضًا والترمذي والحاكم والبيهقي بلفظ أن رسول الله ﷺ قال: (من أعطى لله ومنع لله وأحب لله وابغض لله وأنكح لله فقد استكمل إيمانه). قال الحاكم: صحيح الإسناد. وروى أبو داود نحوه من حديث أبي أمامة مرفوعًا بلفظ: من أحب لله وابغض لله ومنع لله فقد استكمل الإيكان. وروى البيهقي وغيره من حديث عمر بن الخطاب مرفوعًا: إنه يصيب أمتي في آخر الزمان من سلطانهم لا ينجو منها إلا رجل عرف","vol":"1","page":456},{"text":"دين الله فجاهد عليه بلسانه ويده وقلبه فذلك الذي سبقت له السوابق ورجل عرف دين الله فصدق به ورجل عرف دين الله فسكت عليه فإن رأى من يعمل الخير أحب عليه وأن رأى من يعمل بباطل بغضه عليه فذلك ينحو على إبطائه كله. وروى أبو عبد الله الحاكم في صحيحه من حديث عائشة مرفوعًا: الشرك أخفى من دبيب الذر على الصفافي الليلية الظلماء وأدناه أن يحب على شيء من الجور ويبغض على شيء من العدل وهل الدين إلا الحب والبغض قال تعالى: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾ وقال صحيح الإسناد. وروى في الإسرائيليات أن الله تعالى أوحى إلى بعض أنبيائه أما زهادتك في الدنيا فقد تجلت الراحة وأما انقاطعك فقد تعززت بي ولكن هل عاديت في عدوًا أو واليت في وليًا. وروي أن الله سبحانه أوحى إلى عيسى لو أنك عبدتني بعبادة أهل السموات والأرض وحب في الله ليس وبغض في الله ليس ما اعنتي عنك ذلك شيئًا. وكان عيسى ﵇ يقول: يا معشر الحواريون تحببوا إلى الله تعالى ببغض أهل المعاصي وتقربوا إليه بالتباعد عنهم والتمسوا رضاه بسخطهم.\nورواه أبو نعيم، وفي رواية: تقربوا إلى الله ببغض أهل المعاصي، والتمسوا رضوان الله بالتباعد منهم. قالوا فمن نجالس؟ قال: من تذكركم بالله رؤيته، ويرغبكم في الآخرة عمله، ويزيدكم -في فهمكم- منطقه.\nمن لم يعش بين أقوام يحبهم ... فكل أوقاته غبن وهجران\nواطلب الأرض ما للنفي فيه هوى ... سم الخياط مع المحبوب ميدان\nوقال علي بن أبي طالب - ﵁- الغريب من ليس له حبيب.\nوروى أبو نعيم - في الحلية- بسنده، عن غبراهيم بن أدهم، عن محمد بن عجلان قال: المؤمن يحب المؤمن حيث كان.\nوسئل ذو النون المصري -قدس الله روجه- عن المحبة؟ قال: أن يحب ما أحب الله -تعالى- ويبغض ما أبغض الله -تعالى- وبفعل الخير كله، ويرفض كل مايشغلك عن الله، وأن لا يخاف في الله لومة لائم، مع العطف على المؤمنين.\nوروي عن عبد الله بن عمر -﵄- أنه قال: لو صمت النهار لا أفطره","vol":"1","page":457},{"text":"وقمت الليل لا أنامه، وأنفقت مالي في سبيل الله، أموت يوم أموت وليس في قلبي حب لأهل طاعة الله وبغض لأهل معصية الله، ما نفعني ذلك شيئًا.\nوروى الطبراني وغيره من حديث أبي قرصافة جندرة. و\"ابن عدي\" من حديث جابر مرفوعًا \"من أحب قومًا على أعمالهم حشر في زمرتهم\" زاد \"ابن عدي\" \"يوم القيامة\".\nفيجب حينئذ ع لى العبد أن يكون له أعداء يبغضهم في الله كما يكون له أصدقاء وإخوان يحبهم لله، إذ يمقت لمقته، ويطرد من أبعده عن حضرته فيعادي من عادى مولاه ويصاحب من يتقي الله ويخشاهن ومن أحب إنسانًا لأنه مطيع لله، فإن عصاه فلا بد أن يبغضه لأنه عاص لله.\nوروى أبو نعيم - في الحلية - بسنده - عن يوسف بن أسباط. قال: سمعت سفيان الثوري يقول: إذا أحببت الرجل في الله ثم أحدث حدثًا في الإسلام، ولم تبغضه عليه فلم تحبه لله.\nفمن أحب لسبب فبالضرورة يبغض لضده، لأن كل واحد من الحب والبغض دفين في القلب وإنما يترشح عند الغلبة، وبظهور أفعال المحبين والمبغضين في المقاربة والمباعدة وفي المخالفة والموافقة، فإذا ظهر في الفعل سمي موالاة ومعاداة.\nقال أبو حامد الغزالي: فإذا اجتمع في شخص واحد خصال يجب بعضها ويكره بعضها وجب حبه لأجل الخير وبغضه \"فتعطى كل صفة حظها من البغض والحب والإعراض والإقبال\". فمن وافقك على غرض وخالفك في آخر، فتكون معه على حالة متوسطة من الانقباض والاسترسال، وبين الإقبال والأعراض، وبين التودد والتوحش، فلا تبالغ في كرامته كمبالغتك في إكرام من يوافقك في جميع أغراضك، ثم ذلك التوسط يكون ميله إلى طرف الإهانة عند غلبة المخالفة والى طرف الإكرام عند غلبة الموافقة فهكذا ينبغي أن يكون فيمن يطيع الله ويعصيه ويتعرض لرضاه مرة ولسخطه أخرى - فإن قيل- فبماذا يمكن إظهار البغض؟ قيل: فأما بالقول فبقطع اللسان عن مكالمته ومحادثته مرة وبالتغليظ بالقول أخرى. وأما في الفعل فبقطع السعي في إعانته مرة وبالسعي في إساءته وإفساد مأربه أخرى.","vol":"1","page":458},{"text":"قال العلماء الذين رزقوا نور البصيرة: إنما يبغض من أهل المعاصي الأفعال التي نهى الشرع عنها وذمها، لذلك قال الله تعالى لنبيه ﷺ: ﴿فإن عصوك فقل إني بريء ممَّا تعملون﴾ وما يقل إني بريء منكم.\nوقيل لبي الدرداء - ﵁- ألا تبغض فلانًا وفعل كذا وكذا؟ فقال: إنما أبغض عمله وإلا فهو أخي.\n(ولا ينبغي في أن يبالغ في البغض عند القطيعة) قال الله -تعالى-: ﴿عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مَّودَّة﴾.\nوكذلك ينبغي أن يتوقى الإفراط في المحبة، فإن ذلك يدعوا إلى التقصير، فلأن تكون الحالة بينهما نامية أولى من أن تكون متناهية.\nوقد روى الترمذي، وأبو الشيخ بن حيان -في كتاب الأمثال- من حديث -أبي هريرة مرفوعًا: \"أحببت حبيبك هونًا ما عسى أن يكون بغيضك يومًا ما، وأبغض بغيضك هونًا ما عسى أن يكون حبيبك يومًا ما\".\nوتوقف في رفعة بعض الرواة.\nورواه ابن خزيمة من حديث \"علي\".\nوقال صالح ابن الإمام أحمد: سألت أبي عن حديث ابن عباس: \"إياكم والغلو فإنما أهلك من كان قبله الغلو\".\nقال أبي: لا تغلوا في كل شيء حتى الحب والبغض.\nوقال عمر بن الخطاب: لا يكون حبك كلفًا، ولا بغضك تلفًا.\nوأنشدوا:\nإذا ما عممت الناس بالأنس لم تزل ... لصاحب سوء مستفيدًا وكاسبًا","vol":"1","page":459},{"text":"وإن نقصهم يرموك عن سميهم بغضة ... فخالطهم إن شئت أو كن مجانبا\nفلا تدنون منهم ولا تغيضهم ... وكن لهم ما بين ذاك مقاربا\nولا توغلن فيهم ودارهم وكن ... عن الشر منحازًا وللخير طالبا\nوحبك والبغضاء لا كلفا بهم ... ولا تلفا فيهم تروم المعاطبا.\nولأبي الأسود الدجؤلي نظم:\nوكن معدنا للخير واصفح عن الأذى ... فإنك رائي ما عمت وسامع\nواحبب إذا أحببت حبًا مقاربا ... فإنك لا تدري من أنت نازع\nوابغض إذا أبغضت غير مباين ... فإنك لا تدري متى أنت راجع\nولعدي بن زيد:\nفلا تأمنن من مبغض قرب داره ... ولا من محب أن تمل فتبعدا\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-130>فصل (٣٦): استحبالب تواضع الآمر الناهي في أمره ونهييه بلا افتخار أو تعاظم</span>\nومما يستحب للآمؤ بالمعروف الناهي عن المنك أن يكون متوضعًا في أمره ونهيه من غير افتخار ولا تعاظم، بل من حقوق المسلمين التواضع لهم.\nوسمي التواضع متواضعًا أنه وضع شيئًا من قدرة الذي يستحقه - وذلك ملح العبادة- وغا شرف الزاهجين، وسيما الناسكين.\nفقال الله -تعالى-: ﴿يا أيها الذين آمنا من يرتدَّ منكم عن دينه، فسيوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلَّة على المؤمنين أعزَّة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم﴾.\n\n(أي متواضعين لهم بذل لين وانقياد، لابذل هو أن فيعاشروا المؤمنين برحمة وعطف وشفقة وإخبات وتواضع).\nوقوله: ﴿أعزة على الكافرين﴾\nهو من عزة القوة والمنعة والغلبة.","vol":"1","page":460},{"text":"وقال \"عطاء\" للمؤمنين كالوالد لوده، وعلى الكافرين كالسبع على فريسته\" كما في الآية الأخرى: ﴿أشدَّاء على الكفَّار رحماء بينهم﴾.\nفالنفس إذا انحرفت عن خلف العزة التي وهبها الله للمؤمنين انحرفت إما إلى كبر وإما إلى ذل والعزة المحمودة بينهما، والله أعلم.\nوقال تعالى: ﴿وعباد الرَّحمن الذين يمشون على الأرض هونا﴾ يع ني سكينة ووقارًا متواضعين، غير أشرين ولا مرحين ولا متكبرين لأن الهون -بالفتح- الرفق واللين، وبالضم -الهوان.\nفالأول صفة أهل الإيمان والثاني صفة أهل الكفران وجزاؤهم من الله النيران\nقال تعالى: ﴿تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوَّا في الأرض ولا فسادًا والعاقبة للمتَّقين﴾.\nذكر المفسرون - عند تفسير هذه الآية- عن أبي معاوية، أنه قال: ﴿للذين لا يريدون علوَّا في الأرض﴾. هو من لم يجزع من ذلها ولم ينافس في عزها، وإن ارفعهم عند الله أشدهم تواضعًا، وأعزهم غدًا ألزمهم لذل اليوم.\nوقال تعالى: ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾.\n(قال بعض المحققين إذا كانت الأصول تربة ونطفة وعلقة، فالتفاخر والتكبر بماذا؟ .\nوقال تعالى: ﴿فلا تزكُّو أنفسكم هو أعلم بمن أتقى﴾.\nوفي بعض الكتب المنزلة يقول الله -تعالى-: (يا عبدي لك عندي منزلة مالم يكن لنفسك عندك منزلة)","vol":"1","page":461},{"text":"وفي \"صحيح مسلم\"، وسنن أبي داود، وابن ماجه من حديث عياض بن حمار المجاشعي -﵁- قال. قال: رسول الله ﷺ: (عن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يفتخر أحد على أحد، ولا ينبغي أحد على أحد).\nقال أهل اللغة: (البغي التعدي والاستطالة).\nقال أبو العباس بن تيمية - في اقتضاء الصراط المستقيم- جمع النبي ﷺ بين نوعي الاستطالة، لأن المستطيل إن استطال بحق فهو المفتخر. وإن استطال بغير حق فهو الباغي فلا يحل لا هذا ولا هذا.\nوقد تقدم - في فصل الحلم والعفو- حديث أبي هريرة - ﵁المرفوع \"مانقصت صدقة من مال، وما عفا رجل عن مظلمة إلا زاده الله بها عزًا ولا تواضع عبد لله إلا رفعه الله -﷿-\".\nوفي سنن ابن ماجه من حديث: \"أنس\" مرفوعًا. \"إ ن الله أوحى 'لي أن تواضعوا، ولا يبغي بعضكم على بعض\".\nوفي صحيح مسلم من حديث أبي رفاعة واسمه عويمر بن أسد. وقيل: ابن أسيد قيل: عبد الله بن الحرث - ﵁- قال: انتهيت إلى رسول الله ﷺ وهو يخطب. فقلت: يارسول الله، رجل غريب جاء يسال عن دينه لا يدري ما دينه. فأقبل علي رسول الله ﷺ وترك خطبته حتى انتهى إلي فأتي بكرسي فقعد عليه وجعل يعلمني مما علمه الله ثم أتى خطبته فأتم آخرها\".\nوفي مسند الإمام أحمد من حديث ابن مسعود مرفوعًا \"حرم على النار كل هين لين قريب من الناس\".","vol":"1","page":462},{"text":"ورواه الترمذي ولفظه: \"ألا أخبركم بمن يحرم على النار؟ كل قريب هين سهل\"\nوقال: حديث حسن غريب.\nورواه الطبراني، وابن حبان -بإسناد جيد-.\nوفي رواية لابن حبان \"إنما تحرم النار على كل هين لين قريب سهل\".\nوروى \"الحاكم\" نحوه من حديث أبي هريرة مرفوعًا: \"من كان هينًا لينًا قريبًا حرمه الله على النار\" وقال صحيح على شرط مسلم.\nورواه الطبراني -المعجم الأوسط-حديث (أنس) ولفظه \"قيل يا رسول الله من يحرم على النار؟ قال: (الصبي اللين السهل القريب).\nورواه في الأوسط -أيضًا- والكبير من حديث \"معيقيب\" مرفوعًا \"حرمت النار على الهين اللين السهل القريب\".\nورواه أبو القاسم إسماعيل الأصبهاني -في الترغيب والترهيب- وأبو منصور الديلمي في مسند الفردوس -من حديث أنس مرفوعًا: \" إن العفو لا يزيد العبد إلا عزًا فاعفوا يعزكم الله، وإن التواضع لا يزيد العبد إلا رفعة فتواضعوا يرفعكم الله، وإن الصدقة لا تزيد المال إلا نماءًا فتصدقوا يزدكم الله.\nوفي سنن ابن ماجه من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا: \" من تواضع لله درجة يرفعه الله بها درجة، ومن تكبر على الله درجة يضعه الله بها درجة، حتى يجعله في أسفل السافلين\".","vol":"1","page":463},{"text":"وفي شعب الإيمان للبيهقي، عن عائشة -﵂- أنها قالت: تغفلون عن أفضل العبادة التواضع.\nوقد روي أن \"أيا ذر\" لما عير \"بلًالا\" بسواده ندم فألقى نفسه، وحلف لا رفعت رأسي حتى يطأ \"بلال\"خدي بقدميه. فلم يرفع رأسه حتى فعل ذلك.\nفعلماء الآخرة الآمرون بالمعروف الناهون عن المنكر يعرفون بسيماهم، في السكينة والذلة والتواضع.\nوقد قيل، ما ألبس عبدًا لبسة أحسن من الخشوع في السكينة، فهي لبسة الأنبياء -صلوات الله عليهم- وسيما الصديقين والعلماء العاملين.\nقال عمر بن الخطاب: تعلموا العلم وتعلموا للعلم السكينة والحلم والتواضع لمن تعلمون منه ولا تكونوا جبابرة العلماء فلا يقوم علمكم بجهلكم.\nوأنشدوا:\nكم من جاهل متواضع ستر التواضع جهله ... ومبرز في علمه هدم التكبر فضله\nفدع التكبر ما حييت ولا تصاحب أهله ... إن التكبر للفتى عيب يقبح فعله\nقال شيخ مشايخنا عبد القادر الكيلاني -قدس الله روحه- التواضع هو أن لا يلقى العبد أحدًا من الناس إلا رأى له الفضل عليه. ويقول: عسى أن يكون عند الله خيرًا مني. فإن كان صغيرًا قال: هذا لم يعص الله وأنا عصيت. وإن كان كبيرًا قال: عبد الله قبلي. وإن كان عالمًا قال: أعطي ما لم أبلغ، ونال ما لم أنل، وعلم ما جهلت وهو يعمل بعلم وما أدري ما يختم لي وله.\nوإن كان كافرًا قال: لا أدري عسى يسلم هذا فيختم له بخير العمل، وعسى أن أكفر أنا فيختم لي بشر العمل. فإذا كان العبد كذلك سلمه الله من الغوائل، وبلغ به منازل النصيحة وكان من أصفياء الله -﷿- وأحبابه وكان من أعداء إبليس -لعنه الله عليه-.\nوفي بعض الآثار: من أتاه الله زهدًا وتواضعًا وحلمًا وحسن خلق فهو إمام المتقين.\nقال الحسن البصري -﵀ عليه- الحلم وزير العلم، والرفق أبوه والتواضع سر حاله.","vol":"1","page":464},{"text":"وقال عروة بن الورد: (التواضع أحد مصايد الشرف. وكل نعمة محسود عليها صاحبها إلا التواضع). وقال يحيى بن خالد البرمكي: الشريف إذا تنسك تواضع والسفيه إذا انتسك تاه. وقال الحسن الزاهد: إذا رأى أحدًا قال: هذا أفضل مني، فذهب ﵀ إلى أن الزهد هو التواضع.\nوقال بعض السلف: إذا جمع العالم ثلاثًا تمت النعمة بها على المتعلم: الصبر والتواضع، وحسن الخلق. وقيل: خمس من الأخلاق هن من علامات علماء الآخرة الأمرون بالمعروف ومفهومة من خمس آيات: الخشية والخشوع، والتواضع، وحسن الخلق، وإيثار الآخرة على الدنيا وهو الزهد، أما الخشية فمن قوله تعالى: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾.\nوأما الخشوع فمن قوله تعالى: ﴿خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمنًا قليًلا﴾\nوأما التواضع فمن قوله تعالى: ﴿واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين﴾\nوأما حسن الخلق فمن قوله تعالى: ﴿فبما رحمة من الله لنت لهم﴾\nوأما الزهد فمن قوله تعالى: ﴿وقال الذين أتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن أمن﴾.\nوروى البيهقي -في شعب الإيمان- بسنده- عن أحمد بن أبي الحواري- قال سمعت أبا سليمان الداراني - قدس الله روحه- يقول: إن الله -تعالى- اطلع في قلوب الآدميين فلم يجد قلبًا أشد تواضعًا من قبل موسى -﵇- فخضه بالكلام لتواضعه.\nقال البيهقي. وقال غير أبي سليمان: أوحى الله -تعالى- إلى الجبال، إني مكلم عليك عبدًا من عبيدي فتطاولت الجبال، ليكلمه عليها، وتواضع الطور، قال وإن قدر شيئًا كان. قال: فكلمه عليه لتواضعه.\nوروي عن قيس بن أبي حازم قال: لما قدم عمر -﵁- الشام فتلقاه علماؤها وعظماؤها وكبراؤها، قيل له: اركب بعير البرذون، ليراك الناس فقال: إنكم ترون الأمر من ههنا. إنما الأمر من ههنا وأشار بيده إلى السماء: \" خلوا سبيلي\".","vol":"1","page":465},{"text":"وفي رواية أن عمر جعل بينه وبين غلامه مناولة وكان \"عمر\" يركب الناقة ويأخذ الغلام بزمامها ويسير مقدار فرسخ. ثم ينزل ويركب الغلام ويأخذ \"عمر\" بزمام الناقة ويسير مقدار فرسخ. فلما قدم الشامكان نوبة ركوب الغلام فركب الغلام وأخذ \"عمر\" زمام الناقة فاستقبله الماء في الطريق فجعل \"عمر\" يخوض في الماء وهو أخذ بزمام الناقة. فخرج أبو عبيدة بن الجراح. وكان أميرًا على الشام. فقال يا أمير المؤمنين إن علماء الشام يخرجون إليك فلا يحسن أن يروك على هذه الحالة. فقال إنما أعزنا الله بالإسلام ولا أبالي بمقالة الناس.\nولما بعث عمر -﵁- أبا هريرة أميرًا على البحرين فدخل البحرين وهو راكب على حماره وجعل يقول\" طرقوا للأمير.\nفهؤلاء أصحاب رسول الله ﷺ كان خلقهم التواضع مع أن الله أعز بهم الإسلام وكانوا أعزة عند الله وعند الملائكة وعند الخلق.\nوأما رسول الله فتواضعه لا يحصى، وعدم افتخاره لا يستقصى، وكذلك الأنبياء والمرسلون والأصفياء والصالحون.\nوروى الإمام أبو بكر بن أبي الدنيا -بسنده- عن محمد بن أبي عثمان قال: رأى فضيل بن عياض رجًلا يفقع أصابعه في الصلاة فزجره وانتهره. فقال له الرجل: يا هذا ينبغي لمن قام لله﷿- يأمر أن يكون ذليًلا. فبكى الفضيل وقال: صدقت.\nوأنشدوا:\nومن يتواضع يسمو حتى لو أنه ... لو أراد محلها في السما أحله\nفبالله لا تزدد إلا تواضعًا ... فلو كان كبر في شريف أذلة\nقال غيره قريبًا منه:\nومن يتواضع لو أراد يفعله ... محًلا على هام السماء لحله\nفبالله لا تزداد إلا تواضعًا ... فلو حل كبر بالعزيز أذله.\nكذلك حال أهل التوفيق، ببذل النفوس وهوانها عليهم، نالوا ما نالوا من الخيرات، وبحب أهل الدنيا نفوسهم هانوا وطرأ عليهم الذل في الدنيا والآخرة.\nولبعضهم في وصف السادة الصوفية -قدس الله أرواحهم-:\nلزموا التواضع فاستنار سناهم ... وتخلفوا بالفضل من خدامهم","vol":"1","page":466},{"text":"إن قيل لم لبسوا الجماجم قل لهم ... جعلوا جماجمهم حذا أقدامهم\nروى البيهقي -في الشعب- من حديث أبي هريرة -﵁- وابن عباس مرفوعًا: \" ما من أحد إلا في رأسه حكمة\" عند ملك فإن تعاظم وارتفع ضرب الملك في رأسه. وقال له -اتضع وضعك الله، وإن تواضع رفعه الملك وقال له: ارتفع رفعك الله\".\nوفي رواية \"ما من أحد إلا ومعه ملكان وعليه حكمة يمسكانه بها، فإن هو رفع رأسه جذباه ثم قالا - اللهم ضعه- وإن وضع نفسه قالا اللهم ارفعه.\nالحكمة: حديدة في اللجام تكون على أنف الفرس وحنكه تمنعه من مخالفة راكبه -قاله أهل اللغة.\nوأنشدوا:\nفتى زاده ذل التواضع عزة ... وكل عزيز عنده متواضع\nقال أبو حامد: فإن قلت كيف التواضع للفاسق والمبتدع وقد أمرت ببغضهما، والجمع بينهما متناقض؟\nفاعلم أن هذا أمر مشتبه يلتبس على أكثر الخلق، إذ يمتزج غضبك لله في إنكار البدعة والفسق بكبر النفس، والإذلال بالعلم والورع، فكم من عابد جاهل وعالم مغرور إذا رأى فاسقًا جلس إلى جانبه أزعجه ذلك.\nوتنزه منه لكبر باطن في نفسه وهو ظان أنه غاضب لله، وذلك لأن الكبر على المطبع ظاهر كونه شرًا والحذر منه ممكن، والكبر على الفاسق والمبتدع يشبه الغضب لله وهو خير، فإن الغضبان -أيضًا- يتكبر على من غضب عليه والمتكبر يغضب، وأحدهما يثمر الآخر ويوجبه وهما ممتزجان ملتبسان لا يميز بينهما إلا الموفقون.\nوالذي يخلصك من هنا أن يكون الحاضر على قلبك عند مشاهدة المبتدع أو الفاسق أو عند أمرهما بالمعروف ونهيهما عن المنكر ثلاثة أمور:\nأحدهما: التفاتك إلى ما سبق من ذنوبك وخطاياك، ليصغر عند ذلك قدرك في عينك.\nوالثاني: أن تكون ملاحظتك لما أنت متميز به من العلم واعتقاد الحق والعمل الصالح","vol":"1","page":467},{"text":"من حيث أنها نعمة من الله -تعالى- وله المنة لا لك فترى ذلك منه حتى لا تعجب نفسك، وإذا لم تعجب لم تتكبر.\nوالثالث: ملاحظة إيهام عاقبتك وعاقبته أنه ربما يختم لك بالسوء ويختم له بالحسنى حتى يشغلك الخوف عن التكبر عليه.\nوقال بعض المحققين: إذا كان الله -تعالى- قد رضي أخاك المسلم العاصي عبدًا لنفسه أفلا ترضى أنت به أخًا! !؟ فعدم رضاك به أخًا -وقد رضيه سيدك الذي أنت عبده عبدًا لنفسه مع عصيانه ومخالفته-عين الكر وأي قبيح أقبح من تكبر العبد على مثله، لا يرضى بأخوته وسيده راض بعبوديته. فينتج من هذا أن المتكبر غيور غير الراضي بعبوديته لأن عبوديته لله توجب رضاه بأخوته عبيد الله انتهى.\nقال بعضهم: فالتواضع له طرفان ووسط فطرفه الذي يميل إلى الزيادة يسمى تكبرًا وطرفه الذي يميل إلى النقصان يسمى تخاسسًا ومذلة، والوسط يسمى تواضعًا وهو المحمود، فمن تقدم على أمثاله فهو متكبر ومن تأخر عنهم فهو متواضع.\nفالعالم إذا دخل عليه إسكاف فتنحى له عن موضعه ومجلسه وأجلسه فيه ثم تقدم فسوى نعله، وعذا إلى باب الدار خلفه فقد تخاسس له وتذلل وهو غير محمود، بل المحمود أن يعطي كل ذي حق حقه، فينبغي أن يواضع بمثل هذا لأمثاله ومن يقرب من درجته.\nوأما تواضعه للسوقي فبالقيام وللبشر بالكلام، والرفق في السؤال، وإجابة دعوته والسعي في حاجته، وأمثال ذلك.\nوأن لا يرى نفسه خيرًا منه، بل يكون على نفسه أخوف منه على غيره فلا يحقره ولا يستصغره وهو لا يعرف خاتمة أمره. انتهى.\nوالفرق بين التواضع واللين وبين المهانة: أن الواضع واللين: لعبد عطوف القلب ساكن النفس، واسع الصدر، مستوي الطبع، سهل الخلق لين هين فاللطف ليّنه، والجود سهل خلقه، والمهانة: لعبد أله شره نفسه وتراكم ظلمة المعاصي على قلبه وفي صدره ففي صدره سحائب المعاصي، وغيوم العلائق وصبابة الهوى، وحديث الشهوات، ودخان","vol":"1","page":468},{"text":"المنى فافتقد طيب النفس فهانت عليه نفسه واستحقرها، فعلته المهانة، وصغر قدره وتلاشت قيمته.\nوأنشدوا:\nوإذا لم يكن من الذل بد ... فالق بالذل إن لقيت كبارا\nليس إجلال الكبار بذل ... إنما الذي أن تجل الصغارا\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-131>فصل (٣٧): استحباب استعانة الآمر الناهي بالله والاعتصام به وخاصة عند عجزه عن مجاهدة نفسه وعن القيام بحقوق الله</span>\nومما يستحب للآمر بالمعروف الناهي عن المنكر أن يكون مستعينًا بالله -تعالى- معتصمًا به عند عجز النفس عن إحتمال الأمر والنهي، وعند عجزه عن المجاهدة لنفسه عن القيام بحقوق الله﷿- ألأن الاستعانة طلب المعونة والتأييد والتوفيق.\nقال الله تعالى: ﴿ومن يعتصم بالله فقد هدى إلى صراط مستقيم﴾\nوقال تعالى: ﴿واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير﴾\nقال بعض العارفين: الاعتصام بالله حسن الاستقامة بدوام الاستعانة، وهذا اعتصام توكل واستعانة وتفويض ولجوء وعبادة، فالاستعانة بالله والاعتصام به هو العمدة في الهداية والعدة في مباعدة الغواية والوسيلة إلى الرشاد وطريق السداد وحصول المراد.\nوفي صحيح مسلم، ومسند الإمام أحمد، وسنن ابن ماجه من حديث أبي هريرة ﵁قال رسول الله - ﷺ: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير إحرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا ولكن قدر الله وماشاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان).","vol":"1","page":469},{"text":"قال العلماء: المراد بالقوة هنا عزيمة النفس والقريحة في أمور الآخرة، فيكون صاحب هذا الوصف أكثر إقدامًا على العدو في الجهاد، وأسرع خروجًا إليه وذهابًا في طلبه، وأشد عزيمة في الأمر بالمعروف، والصبر على الأذى في كل ذلك واحتمال المشاق في ذات الله تعالة.\nوقوله: إحرص -بكسر الراء.\nوقوله: أحمد، وجامع الترمذي فلي وصية النبي ﷺ لابن عباس حين كان رديفه فقال فيه: \" .. وإذا استعنت فاستعن بالله\" وهذا منتزع من قوله تعالى: ﴿صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضَّالين﴾ وهي كلمة عظيمة جامع يقال: إن سر الكتب الإلهية يرجع إليها وتدور عليها. والله أعلم.\nقال تعالى حكاية عن عبده ورسوله نوح -﵇- حين كذبه قومه ﴿وقالوا مجنون ..﴾ ﴿فدعا ربَّه أني مغلوب فانتصر﴾ أي ضعيف عن هؤلاء وعن مقاومتهم فانتصر أنت لدينك.\nقال تعالة: ﴿ففتحنا أبواب السماء بمار منهمر﴾ أي كثير ونبعت الأرض كلها حتى أخذ الله بثأر \"نوح\" وأغرقهم عن آخرهم ونجى نوحًا وأهله.\nقال تعالى: ﴿فلنعم المجيبون﴾.\nأي فنحن أجبنا دعاءه وأهلكنا قومه ونجيناه وأهله من الكرب العظيم الذي لحق قومه وهو الغرق \"وجعلنا ذريته هم الباقين﴾.\nوقرأ عثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وابن الزبير -﵃- قوله: \"ولتكن","vol":"1","page":470},{"text":"منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمررون بالمعروف وينهون عن المنكر ويستعينون الله على ما أصابه\" ولكن لم تثبت هذه القراءة في سواء المصحف فلا يكون قرآنًا بل قالوها على وجه التفسير. وفيها إشارة إلى الاستعانة بالله فيما يصاب به الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر وتجرع مشاقه وأن ذلك سبب لنصره والاستظهار على الأعداء.\nكما قال تعالى: ﴿.. ثم بغى عليه لينصرنه الله﴾\nوروى الحافظ أبو نعيم- في الحلية- بسنده عن عطاء الخراساني قال: لقيت وهب بن منبه في الطريق فقلت: حدثني حديثًا أحفظه عنك في مقامي وأوجز قال: أوحى الله ﷾ - إلى داود - ﵇-: \"ياداود أما وعزتي وعظمتي لا ينتصر بي عبد من عبادي دون خلقي أعلم ذلك من نيته فتكيده السماوات السبع ومن فيهن والأرضون السبع ومن فيهن إلا جعلت له منهن فرجًا ومخرجًا أما وعزتي وعظمتي لا يعتصم عبد من عبادي بمخلوق دوني أعلم ذلك من نيته إلا قطعت أسباب السماوات من يده وأرسخت الأرض من تحته ولا أبالي في أي واد هلك.\nوفي استعانة العبد بالله -تعالى- وجد فائدتان:\nأحدهما: أن العبد عاجز عن الاستقلال بنفسه في عمل الطاعات وإزالة المنكرات.\nالثاني: لا بد من معين على مصالح دينه ودنياه ولا يكون ذلك إلا من الله -﷾- فمن أعانه الله فهو المعان ومن خذله فهو المخذول.\nكما قال تعالى: ﴿وما النَّصر إلا من عند الله﴾ يعني هو الذي نصر من أراد بحكمته ولو شاء لانتصر من أعدائه بدونكم.\nمن غير احتياج إلى قتالكم، كقوله -سبحانه- بعد أمره المؤمنين بالقتال: ﴿ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلوا بعضكم ببعض﴾.\nوقوله: ﴿إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده﴾\nثم أمرهم بالتوكل عليه فقال: ﴿وعلى الله فليتوكل المؤمنون﴾.","vol":"1","page":471},{"text":"وفي الحديث الصحيح المتقدم قريبًا قوله ﷺ في خطبته (احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز) وكان أيضًا: يعلم أصحابه أن يقولوا: (الحمد لله نستعينه ونستهديه) الحديث.\nوفي دعاء القنوت الذي كان عمر وغيره يدعو به: (اللهم إنا نستعينك ونستهديك ...)\nوروى أبو بكر بن أبي الدنيا -بسنده- عن أنس - ﵁- قال: كان رسول الله ﷺ يقول في دعائه: (اللهم اجعلني ممن توكل عليك فكفيتهن واستهداك فهديته واستعان بك فأعنته واستنصرك فنصرته).\nوفي سنن البيهقي ومعجم الطبراني، وغيرهما من حديث عبد الله بن مسعود مرفوعًا: \" ألا أعلمكم الكلمات التي تكلم بها موسى -﵇- حين جاوز البحر ببني إسرائيل؟ فقلنا بلى يارسول الله، فقال: (قولوا اللهم لك الحمد واليك المشتكى، وأنت المستعان وعليك التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم).\nوأمر ﷺ معاذ بن جبل أن لا يدع في دبر كل صلاة أن يقول: (اللهم أعني على ذكرك وشكرك، وحسن عبادتك) رواه أحمد، والنسائي وغيرهما فالعبد محتاج إلى الاستعانة بالله في فعل المأمورات وترك المحظورات وفي الصبر على المقدورات كما قال يعقوب النبي -﵇- لبنيه ﴿فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون﴾.\nولهذا قالت عائشة - ﵂هذه الكلمات لما قال أهل الإفك ماقالوا و﴿قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا﴾.\nوقال تعالى لنبيه محمد ﷺ: ﴿قال رب احكم بالحق وربنا الرحمان المستعان على ما تصفون﴾.\nولما دخلوا على عثمان بن عفان - ﵁- وضربوه: جعل يقول -والدماء","vol":"1","page":472},{"text":"تسيل عليه: \" لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، اللهم إني أستعينك عليهم، وأستعينك على جميع أموري، وأسألك الصبر على ما ابتليتني\".\nوروى أبو بكر بن السني وغيره من حديث أنس بن مالك - ﵁- قال: كنا مع النبص لى في غزوة فلقي العدو فسمعته يقول: (يامالك يوم الدين، إياك نعبد وإياك نستعين).\nوروى أبو الشيخ الأصبهاني من حديث أبي طلحة: ولقد رأيت الرجال تصرع وقال عمر بن الخطاب في أول خطبة خطبها على المنبر: ألا إن العرب جمل أنف قد أخذت في خطامه، ألا وإني حامله على المحجة مستعينًا بالله - تعالى عليه - في مصالح دينه ودنياه.\nكما قال الزبير بن العوام - ﵁- في وصيته لابنه عبد الله: إن عجزت فاستعن بمولاي، فقال له ابنه: يا أبت من مولاك؟ قال: الله -تعالى- قال: فما وقعت في كربة إلا قلت: يا مولى الزبير اقض عنه.\nولما احتضر خالد بن الوليد قال رجل ممن حوله: والله إنه ليسوء، يعني الموت.\nقال خالد: أجل فأستعين بالله - ﷿-.\nوقال عامر بن عبد الله بن الزبير -عند موته: إني أستعين الله على مصرعي هذا فالملهوف إذا صدق في الإستعانة به - سبحانه- وحده، كاشفًا للكرب يخلصه منها.\nولبعضهم:\nفاستعن بالله واستعنه ... فإنه خير مستعان\nومن كلام بعض المتقدمين: يارب عجبت لمن يعرفكن كيف يرجو غيرك عجبت لمن يعرفك كيف يستعين بغيرك.\nوكتب الحسن البصري إلى عمر بن عبد العزيز - رحمة الله عليهما- لا تستعين بغير الله يكلك الله إليه. انتهى.\nكما قيل:\nمن استعان بغير الله في طلب ... فإن نصرته عجز وخذلان","vol":"1","page":473},{"text":"حقيقة هذا تقتضي انقطاع العبد وإعراضه عن التعلق بالخلق وعن سؤالهم أو جلب نقع أو دفع ضر، وذلك يستلزم إفراد الله -تعالى- بالطاعة والعبادة، وفي الكتب المنزلة يقول الله -تعالى- يا عبدي إذا سألت فاسألني وإذا انتصرت فانتصر بي، فإني قوي.\nفمن استنصر بالله وتوكل عليه كفاه ما أهمه، وحفظه من الشركة الناس وعصمه، وإن استعان به بصدق وإخلاص نصره على عدوه، واخذ بثأره.\nقال تعالى: ﴿يا أيها الذي أمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم﴾\nوقال تعالى: ﴿إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون﴾\nوفي اثر إلهي يقول الله -تعالى- ابن آدم إرض بنصرتي لك فإن نصرتي لك خير من نصرتك لنفسك، ومن قام لله بأمر طالبًا منه المعونة، كفاه ما أهمه، قال تعالى: ﴿فأصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين إنا كفيناك المستهزءين﴾.\nفإذا ترك الآمر الناهي الالتفات إلى الخلق في إنكاره، وأحسن العمل بإخلاص كان الظفر له، وإن كان غير ذلك كان الخذلان والصغار والذلة والمهانة وبقي المنكر على حاله.\nكما قيل:\nإذا لم يكن عون من الله للفتى ... فأكثر ما يجني عليه اجتهاده\nتنبيه أيها الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر اعتبر، واستعن بالله في أمورك وانزجر، فإذا ظلمت فتوكل عليه واصطبر وتضرع إلى ملاك وقل: ﴿إني مغلوب فانتصر﴾ لعلك تحظى بجنات ونهر: ﴿في مقعد صدّق عند مليك مقتدر﴾.\nإلهي بك يستعين المستضعف، وبك يستنصر الذليل، والى جناب عزك بلجأ المزلوم فمن غيرك ينفس خناق كرب المكروب؟ ومن سواك يجيب دعوة المضطر؟ فأنت المأمول لإزالة الشدائد وجنابك المعد لطلب الفوائد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-132>فصل (٣٨): استحباب طلب الآمر الناهي إعانة الله</span>\nومما يستحب للآمر بالمعروف الناهي عن المنكر طلب إعانة الله فإذا أراد فعل ذلك أن","vol":"1","page":474},{"text":"يقول ماروى أبو داود، والترمذي من حديث أنس بن مالك - ﵁- قال كان رسول الله ﷺ إذا غزا قال: (اللهم، ت عضدي ونصيري، بل أجول وبك أصول، وبك أقاتل) هذه رواية أبي داود ..\nوفي رواية الترمذي: \"أنت عضدي وأنت نصيري، وبك أقاتل\" وقال هذا حديث حسن.\nثم يكثر من قول (حسبنا الله ونعم الوكيل) لأنه سبحانه أثنى على قوم يقولوه: ﴿الذين قال لهم الناس أن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانًا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل﴾ أي الموكول إليه في الأمور. فعيل - بمعنى مفعول \"فانقلبوا\" فانصرفوا طبنعمة من الله\" بعافية \"لم يمسهم سوء\" لم يصبهم أذى ولا مكروه \" واتبعوا رضوان اللهط في طاعته وطاعة رسوله \" والله ذو فضل عظيم\".\nقال بعض العارفين:) قد جرت عادة الله - سبحانه- أن من التجأ إليه بصدق مهد مقيله في ظل كفايته، فلا البلاء يمسكه ولا العناء يصيبه ولا النصب يظله (.\nوفي صحيح البخاري وغيره من حديث ابن عباس - ﵄- قال \" حسبنا الله ونعم الوكيل\" قالها إبراهيم - ﵇ - حين ألقي في النار وقالها محمد ﷺ حين قالوا ﴿.. إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانًا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل﴾.\nوروى ابن أبي الدنيا بسنده عن عائشة - ﵂- قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اشتد غمه مسح يده على رأسه ولحيته وتنفس الصعداء وقال: (حسبي الله ونعم الوكيل)\nوفي مسند الفردوس من حديث شداد بن أوس - ﵁ - قال: (حسبي الله ونعم الوكيل أمان كل خائف).\nوروى الحافظ أبو بكر بن مردويه بسنده- عن أبي هريرة مرفوعًا: \" إذا وقعتم في الأمر العظيم فقولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل).","vol":"1","page":475},{"text":"قال ابن الزاعوني: رأيت في المنام كأني أمضي إلى قبر الإمام أحمد وإذا به جالس على قبره، وهو شيخ كبير في السن فقال لي يا فلان: قل أنصارنا ومات أصحابنا ثم قال: إذا أردت أن تنصر فإذا دعوت فقل: يا عظيم يا عظيم وادع بما شئت تنصر\".\nفإذا شرع في إزالة المنكر. قال ما ثبت في الصحيحين، ومسند أحمدن وجامع الترمذي من حديث عبد الله بن مسعود -٠ ﵁- قال: دخل النبي ﷺ مكة يوم الفتح وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنمًا، فجعل يطعنها بعود كان بيده ويقول: (جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقًا) (جاء الحق ومايبدئ الباطل ومايعيد).\nورواه الحافظ أبو نعيم -في الحلية- من حديث ابن عباس ولفظه قال: دخل رسول الله ﷺ مكة يوم الفتح وعلى الكعبة ثلاثمائة وستون صنمًا، قد ثبت لهم إبليس أقدامها بالرصاص فجاء رسول الله ﷺ ومعه قضيب فجعل يهوي إلى كل صنم منها فيخر لوجهه وهو يقول: (جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقًا) حتى مر عليها كلها وقد بوب أبو زكريا النووي على ذلك فقال باب ما يقول إذا شرع في إزالة المنكر. وذكر الحديث بالرواية الأولى.\nوقوله (يطعنها) بفتح العين المهملة، وقيل بالضم.\nوقوله (زهق الباطل) أي هلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-133>فصل (٣٩): استحباب تحلي الآمر الناهي بالصبر والاحتمال:</span>\nومما يستحب- بعد ذلك- للآمر بالمعروف الناهي عن المنكر: الصبر والاحتمال مع التخلق بما يلحق ذلك من الأقوال والأفعال (لأن الصبر مقام من مقامات الدين، ومنزلة من منازل السالكين ومتعين على الناهين والآمرين وهو خاص ببني آدم ولا يتصور في الملائكة","vol":"1","page":476},{"text":"والبهائم أما البهائم فلنقصانها وأما الملائكة فلكمالها فيجب الصبر -حينئذ - على ما يصاب به العبد من الأذى في غير الدين، فقد ذكر - سبحانه- الصبر فلي كتابه في نيف وسبعين من المواضع فقال عز من قائل واشرف مسؤول وكامل: ﴿واستعينوا بالصبر والصلاة﴾ وجمع للصابرين بين أجور لم يجمعها لغيرهم بقوله:\n﴿أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون﴾ فالهدى والصلوات والرحمة مجموعة للصابرين.\nوقال تعالى: ﴿أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة أولئك هم المهتدون﴾. وقال تعالى ﴿والله يحب الصابرين﴾ وقال تعالى مخاطبًا عباده المؤمنين ﴿وإن تصبروا وتتقوا لايضركم كيدهم شيئًا إن الله بما يعملون محيط﴾\nيرشدهم - سبحانه- إلى السلامة من شر الأشرار، وكيد الفجار، باستعمال الصبر والتقوى والتوكل على الله الذي هو محيط بأعدائه.\nوقال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطو واتقوا الله لعلكم تفلحون﴾\nوعلق -سبحانه- النصر على الصبر فقال تعالى: ﴿بلى أن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربك بخمسة ألاف من الملائكة مسومين﴾.\nوقال تعالى مثنيًا على الأنبياء لصبرهم على أذى قومهم وتكذيبهم، ثم نصرهم عليهم:\n﴿ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتتهم نصرنا﴾\nوقال تعالى: حاكيًا عن موسى: ﴿قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا﴾","vol":"1","page":477},{"text":"واثنى -سبحانه- على عبده \"داود\" حيث لم يجاوز الحد بقوله ﴿إنال وجدناه صابرًا نعم العبد﴾\nوقال تعالى: ﴿إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب﴾\nقال العلماء: كفى بالصبر أن الأعمال كلها تضاعف الحسنة بعشرة إلى سبعمائة إلا الصبر، فإن أجره يوفى بغير حساب.\nوقال تعالى: ﴿فاصبر إن وعد الله حق فإنا نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا يرجعون﴾\nوقال تعالى: ﴿ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور﴾\nوأمر - سبحانه- نبيه محمدًا ﷺ أن يصبر على ما أصابه كما صبر أولو العزم من الرسل تسهيًلا عليه وتثبيتًا له ﴿فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل﴾","vol":"1","page":478},{"text":"وأثنى سبحانه على عبده \"داود\" حيث لم يجاوز الحد بقوله: \"إنا وجدناه صابرًا نعم العبد\".\nوقال تعالى: (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب).\nقال العلماء: كفى بالصبر أن الأعمال كلها تضاعف الحسنة بعشرة إلى سبعمائة إلا الصبر، فإن أجره يوفى بغير حساب.\nوقال تعالى: (فاصبر إن وعد الله حق فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا يرجعون).\nوقال تعالى: (ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور).\nوأمر سبحانه نبيه محمدًا ﷺ أن يصبر على ما أصابه كما صبر أولوا العزم من الرسل، تسهيلًا عليه وتثبيتًا له (فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل).\nثم قال: \"وتستعجل لهم\" أي لا تستعجل بالدعاء عليهم، وحلول العقاب بهم في الدنيا، لأن النبي ﷺ كان قد ضجر بعض الضجر وأحب أن ينزل العذاب على من أبى من قومه فأمره بالصبر كما صبر الأنبياء من قبله ﴿كأنهم يوم يرون مايوعدون ...﴾ من العذاب ﴿لم يلبثوا﴾ في الدنيا ﴿إلا ساعة من نهار﴾ لأن مكثهم في الدنيا قليل في جنب مكثهم في عذاب الآخرة.\nوقال تعالى: ﴿ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم﴾ أي ولنختبرنكم. وقرأ أخياركم بالمثناة التحتية حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين عليه.\nوأصل الابتلاء الاختبار والامتحان، وابتلاؤه -سبحانه- ليس ليعلم أحوالهم، لأنه عالم بأحوالهم وما ضمرت به قلوبهم وإنما ابتلاهم، ليعلم العباد أحوال بعضهم بعضًا.\nوقال تعالى: ﴿واصبر لحكم ربك﴾","vol":"1","page":479},{"text":"(أي لبلائه فيما ابتلاك به قومك\" فإنك بأعيننا\" أي بمنظر منا نرى ونسمع ما تقول وتفعل)\nوقال تعالى: ﴿فاصبر صبرًا جميًلا﴾ وهو الصبر ال ١ ي لا شكوى معه.\nوأمر -سبحانه- رسوله ﷺ بالصبر على ما يقوله من كذبه منس فهاء قومه، وأن يهجرهم هجرًا جميًلا فقال: ﴿واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرًا جميًلا﴾ وهو الذي لا عتاب معه.\nوقال تعالى: ﴿ولربك فاصبر﴾ أي اجعل صبرك على أذاهم لوجه الله. قال مجاهد.\nوقال تعالى: ﴿إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيًلا فاصبر فحكم ربك﴾ أي كما أكرمتك بما أنزلت عليك، فاصبر على قضائي وقدري، واعلم أني سأدبرك بحسن تدبيري.\nوقال تعالى: ﴿وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة﴾ أي كونوا من المؤمنين العاملين صالحًا، المتواضعين بالصبر على اذى الناس، وعلى الرحمة بهم.\nوقال تعالى: ﴿وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر﴾ إلى غير ذلك من الآيات فسبحانه من كريم جواد يعطي عبده كل هذه الكرامات، وأضعافها بصبر ساعة، فظهر -حينئذ- أن خير الدنيا والآخرة في الصبر.\nوأنشدوا:\nوصبرت فكان الصبر مني سجية ... وحسبك أن الله أثنى على الصبر.\nوأما الأمر بالصبر على ما يصاب به الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر بخصوصية فقد جاء مصرحًا به في قوله تعالى -حكاية عن عبده لقمان الحكيم -﵇- حين وصى ابنه","vol":"1","page":480},{"text":"بقوله: ﴿يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وأنه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور﴾\nقال المفسرون: لما نهى لقمان ابنه عن الشرك، وأخبر - ثانيًا- بعلم الله- تعالى وباهر قدرته، أمره يما يتوصل به إليه -سبحانه- من الطاعات: فبدأ باشرفهما وهو الصلاة حيث يتوجه إليه بها، ثم بالأم بالمعروف والنهي عن المنكر ثم بالصبر على ما يصيبه من المحن جميعها، وعلى ما يصيبه بسبب الأمر بالمعروف ممن يبعثه عليه، والنهي عن المنكر ثم بالصبر على ما يصيبه من المحن جميعها، وعلى ما يصيبه بسبب الأمر بالمعروف ممن يبعثه عليه، والنهي عن المنكر ممن ينكره عليه فكثيرًا مايؤذي فاعله.\nوقال جمهور أهل التفسير: وهذه الآية تقتضي حضًا على تغيير المنكر وجوازه مع خوف القتل، وان المغير يؤدي أحيانًا وأن ما تقدم من الطاعات- في هذه الآية- كان مامورًا به في سائر الملل.\nقوله: \"إن ذلك من عزم الأمور\" قال مقاتل: إن ذلك الصبر على الأذى فيهما من حق الأمور التي أمر الله بها. وقيل معناه: إن ذلك من معزوم الأمور وقيل: (من مكارم الأخلاق، وعزائم أهل الخير السالكين طريق النجاة) والعزم ضبط الأمر ومراعاة إصلاحه.\nوفي الآية دليل على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصبر على المكروه لا ينبغي أن يمنع من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكرر إلا أن يخاف مكروهًا لا يطاق- قاله الواحدي.\nفالصبر على مايصاب به الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر من أجل المقاماة، وأحسن طرقة العبادات، وهو عبارة عن ثبات باعث الدين في مقاومة باعث الشهوة، وهذه المقاومة من خاصية الآدميين، فإن ثبت حتى قهره واستمر على مخالفة الشهوة فقد نصر حزب الله والتحق بالصابرين، وإن تخاذل وضعف حتى غلبت الشهوة ولم يصبر في دفعها التحق بأتباع الشياطين فالجود بالصبر والاحتمال والإغضاء من أعلى مراتب الجود وأشرفها، وهي أنفع لصاحبها من الجود بالمال واعزل له وأنصر، وأملك لنفسه، وأشرف لها ولا يقدر عليها إلا النفوس الشريفة، فمن صعب عليه الجود بما له فعليه بهذا الجود، فإنه ثمرة عواقبه الحميدة في الدنيا قبل الآخرة، وهذا جود الفتوة. قال تعالى: ﴿والجروح قصاص﴾","vol":"1","page":481},{"text":"قال الإمام أبو حامد الغوالي - ﵀-: واعلم أن الصبر ينقسم -باعتبار حكمه- إلى فرض ونقل ومكروه ومحرم. فالصبر عن المحظورات فرض. وعن المكروهات نفل والصبر على الأذى المحظور محرم كمن تقطع يده أو يد ولده، فهو يصبر عليه ساكتًا. وكمن يقصد حريمه بشهوة محظورة فتهيج غيرته فيصبر على إظهار الغيرة، ويسكت على ما يجري على أهله فهذا الصب محرم. والصبر المكروه، هو الصبر على أذى يناله بجهة مكروهة في الشرع، فليكن الشرع محك الصبر، فلا ينبغي أن يخيل إليك أن جميع أنواع الصبر محمودة بل المراد به أنواع مخصوصة منه، إذ لا يستغنى عن الصبر في مواطنه.\nقال أبو حامد: وجميع مايلقى العبد في هذه الدار لا يخلو عن أحد نوعين:\nالنوع الأول: مايوافق الهوى، وهو الصحة والسلامة والمالي والجاه وكثرة العشيرة واتساع الأسباب وكثرة الأتباع والأنصار، وجميع ملاذ الدنيا فما أحوج العبد إلى الصبر عليها، فإنه إن لم يضبط نفسه عن الاسترسال والكون إليها والإنهماك في ملاذها المباحة أخررجه ذلك إلى البطر والطغيان.\nقال الله تعالى: ﴿كلا إن الإنسان ليطغى أن رءاه استغنى﴾\nالنوع الثاني: مالا يوافق الهوى والطبع وذلك على ثلاثة أقسام:\nالقسم الأول: ما يرتبط باختيار العبد وهو سائر أفعاله من طاعة ومعصية وهو ضربان:\nالضرب الأول: الطاعة فالعبد محتاج إلى الصبر عليها، فالصبر على الطاعة شديد، أن النفس-بطبيعتها- تنفر عن ىلعبودية وتشتهي الربوبية. ولذلك قال بعض السلف: ما من نفس إ لا وهي مضمرة ما أظهر فرعون من قوله: \"أنا ربكم الأعلى\" ولكمن فرعون وجد مجًالا وقبوًلا فأظهر.\nثم من العبادات مايكره -بسبب الكسل- كالعبادات البدنية، ومنها مايكره بسبب البخل ومنها ما يكره بسببهما كالحج والجهاد، فالصبر على الطاعة صبر على الشدائد ويحتاج المطيع إلى شدائد ولعملك المراد بقوله تعالى: ﴿﴾ الذين صبروا أي صبروا تمام الصبر في ثلاثة أحوال:\nالأولى: قبل الطاعة. وذلك في تصحيح النية من شوائب الرياء ودواعي الآفات.\nالثانية: الصبر حالة العمل كي لا يغفل عن الله في أثناء عمله ولا يتكاسل عن تحقيق","vol":"1","page":482},{"text":"آدابه وسننه، فيلازم الصبر عن دواعي الفتور إلى الفراغ.\nكما قال بعض السلف: وهذا من شدائد العمل: ﴿نعم أجر العاملين الذين صبروا﴾\nالحالة الثالثة: الصبر بعد الفراغ من العمل عن إفشائهن والتظاهر به للسمعة والرياء والنظر إليه بعين العجب وعن كل ما يبطل العمل ويحبطه.\nالضرب الثاني: المعاصي فما أحوج العبد إلى الصبر عنها وقد جمع الله تعالى أنواع المعاصي في قوله: ﴿وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغى﴾\nوأشد أنواع الصبر، الصبر عن المعاصي المألوفة في العادات، فإن العادة طبيعة خامسة. فإذا انضافت إلى الشهوة تظاهر جندان من جنود الشياطين على جند الله تعالى.\nالقسم الثاني: مالا يرتبط هجومه باختيار العبد له وله اختيار في دفعه كما لو أوذي بفعل أو قول، وجنى عليه في نفسه أو ماله فالصبر على ذلك بترك المكافأة تارة يكون واجبًا، وتارة يكون فضيلة. فالصبر على أذى الناس من أعلى مراتب الصبر، لأن باعث الشهوة والغضب يتعاونان على باعث الدين، قال عيسى -﵇- لقد قيل لكم من قبل: إن السن بالسن والأنف بالأنف وأنا أقول لكم ولا تقاوموا الشر بالشر بل من ضرب خدك الأيمن فحول إليه الخد الأيسر، ومن أخذ رداءك فأعطه إزارك، ومن سخرك لتسير معه ميًلا فسر معه ميلين.\nكل ذلك أمر بالصبر على الأذى.\nالقسم الثالث: مالا يدخل تحت الاختيار أوله وآخره، كالمصائب مثل موت الأعزة وهلاك الأموال وزوال الصحة بالمرض وفساد الأعضاء وسائر أنواع البلاء فالصبر على ذلك من أعلى مقامات الصبر. والله أعلم.\nوفي الصحيحين ومسند أحمد وسنن النسائي من حديث أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ: (لا أحد أصبر على أذى من الله ﷿. إنه ليشرك به ويجعل له الولد ثم يعافيهم ويرزقهم)\nوفي صحيح البخاري، ومسند أحمد، وسنن النسائي من حديث أبي هريرة مرفوعًا","vol":"1","page":483},{"text":"يقول الله -﵎- يشتمني ابن آدم وما ينبغي له أن يشتمني ويكذبني وما ينبغي له أن يكذبني، أما شتمه فيقول: إن لي ولدًا.\nوفي رواية قال: قال الله ﷿: (كذبني ابن آدم ولم يكن له أن يكذبني وشتمني ولم يكن له أن يشتمني أما تكذيبه لي فقوله لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون علي من إعادتهن واما شتمه إياي، فقوله اتخذ الله ولدًا، وأنا الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد).\nوروى نحوه البخاري من حديث ابن عباس بلفظ: (كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك وشتمني ولم يكن له ذلك فأما تكذيبه إياي فزعم أن لا أقدر أعيده كما كان وأما شتمه أياي فقوله لي ولد فسبحاني أن أتخذ صاحبة أو ولدًا\" فمن أسمائه - سبحانه- الصبور.\nوروي أن الله أوحى إلى داود -﵇- تخلق بأخلاقي، وإن من أخلاقي أني أنا الصبور.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-134>فصل (٤٠): صبر النبي على أذى قريش عشرين عامًا وعفوه عنهم بعد أن أظفره الله بهم</span>\nوأما صبر رسول الله ﷺ فلقد صبر على مقاساة قريش وأذى الجاهلية، ومصابرته الشدائد الصعبة معهم إلى أن أظفره الله عليهم، ونصره عليهم، وحكمه فيهم فما زاد على أن عفا وصفح وقال \"ما تقولون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيرًا، أخ كريم، فقال أقول كما قال أخي يوسف: ﴿لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم﴾ إذهبوا فأنتم الطلقاء. وكل صابر قد عرفت عنه زلة وحفظت عنه هفوة، وهو ﷺ لا يزيد مع الأذى إلا صبرًا، وعلى إسراف الجاهل إلا حلمًا، لأن الله تعالى خصه بمناقب عديدة، ومنحه بكرائم الكرائم وأعلى - في الدارين - مقاله ومقامه، وكمل فيه جميع المحاسن وأفاض عليه من","vol":"1","page":484},{"text":"عين الصبر ماء غير آسن، فكان ﷺ: \" اصبر الناس على مايصاب به من الأذى بقيامه في دين الله \"- تعالى.\nففي الصحيحين، ومسند أحمد، وسنن ابن ماجه من حديث أبي عبد الرحمن عبد الله بن مسعود - ﵁- قال كأني أنظر إلى رسول الله ﷺ بحكي نبيًا من الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم-، ضربه قومه فأدموه، وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: \"اللهم اغفر لقومي، فإنهم لا يعلمون\" وفي رواية \"اللهم أهد قومي\".\nقال أبو زكريا النواوي: وهذا النبي المشار إليه من المتقدمين وقد جرى لنبينا ﷺ نحو هذا يوم أحد.\nوفي صحيح مسلم ومسند أحمد، وجامع الترمذي، وسنن ابن ماجه من ديث أنس﵁- أن رسول الله ﷺ كسرت رباعيته يوم أحد وشج رأسه فجعل يسلت الدم عن وجهه، ويقول: (كيف يفلح قوم شجوا نبيهم، كسروا رباعيته وهو يدعوهم إلى الله) فأنزل الله ﷿ ﴿لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نزلا م عند الله وما عند الله \\خير للأبرار﴾\nوفي رواية قال: (كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم، وهو يدعوهم إلى ربهم)\nوروى البخاري ذكر الشج، والآية في ترجمة باب\nوالشج: الجرح\n(الرباعية) بفتح الراء، وتخفيف الباء الموحدة، والباء المثناة من تحت بوزن ثمانية - هي السن التي بين الثنية والناب من كل جانب (والذي كسر رباعيته ﷺ هو عتبة بن وقاص","vol":"1","page":485},{"text":"أخو سعد وجرح شفته السفلى، وعمر بن قمئة الليثي جرح وجهه يومئذ، وعبد الله بن شهاب الزهري شجه قي وجه يومئذ).\nوكان هؤلاء ومعهم أبي بن خلف تعاهدوا يوم أحد ليقتـ لن رسول الله ﷺ أو ليقتـ لن دونه.\n(روي عن عمر بن الخطاب - ﵁- أنه قال بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لقد دعا نوح على قومه، فقال: ﴿رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا﴾.\nولو دعوت علينا مثلها لهلكنا من عند آخرنا فلقد وطئ ظهرك، وادمي وجهك وكسرت رباعيتك فابيت أن تقول إلا خيرًا. فقلت: (اللهم أغفر لقومين فإنهم لا يعلمون).\n(ففي هذا بيان وقوع الإبتلاء - صلوات الله وسلامه عليهم - ليظهر ما كانوا عليه من الصبر والحلم والعفو والشفقة على قومهمن ودعائهم لهم بالهداية، وينالوا - بذلك جزيل الجر، ولتعرف أممهم وغيرهم ما أصابهم فيتأسوا بهم).\nقال القاضي أبو الفضل عياض بن مكوسى - في كتابه الشفا- أنظر مافي هذا القول من جماع الفضل ودرجات الإحسام- وحسن الخلق وكرم النفس وغاية الصبر والحلم، إذ لم يقتصر - ﷺعلى السكوت عنهم حتى عفار ثم اشفق عليهم ورحمهم ودعا وشفع لهم فقال: (اللهم أغ فر واهد)، ثم أظهر سبب الشفقة والرجمة بقوله \"لقومي\" ثكم اعتذر عنهم بجهلهم بقوله: (فإنه لا يعلمون). انتهى\nوفي الصحيحين، ومسند أحمد من حديث أبي هريرة﵁- قال لما كان يوم حنين آثر سول الله ﷺ ناسًا من أشراف العرب فآثرهم- يومئذ - في القسمة فقال رجل: والله إن هذه القسمة ما عدل فيها، ولا أريد بها وجه الله، قال فقلت: لأخبرن النبي ﷺ قال: فأتيته فأخبرته بما قال، فتغير وجهه حتى كان كالصرف. ثم قال: (فمن يعدل إذا","vol":"1","page":486},{"text":"لم يعدل الله ورسوله) ثم قال: (يرحم الله موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر) فقلت: \"لا جرم لا أرفع إ ليه بعدها حديثًا).\nوفي رواية لأحمد قال: قال رسول الله ﷺ لأصحابه: (لا يبلغني أحد عن أحد من أصحابي شيئًا فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر)، فأتي رسول الله بمال فقسمه- قال: فمررت برجلين وأحدهما يقول لصاحبه: والله ما أراد محمد بقسمته وجه الله ولا الدار الآخرة. قال فتثبت حتى سمعت ما قالا، ثم أتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله إنك قلت لنا: لا يبلغني أحد عن أحد من أصحابي شيئًا وإني مررت بفلان وفلان يقولان كذا وكذا فاحمر وجه رسول الله ﷺ ثم قال: (دعنا منك فقد أوذي موسى بأكثر من ذلك ثم صبر).\nوروى أبو داود قوله: (لايبلغني أحد- إلى قوله: سليم الصدر).\nورواه الترمذي بزيادة عن ذلك.\nوالرجل المبهم هو معتب بن قشير قاله أبو عبد الله محمد الواقدي والصرف: بكسر الصاد - صبغ أحمر.\nوقوله (لا جرم) أي لا نكر ولا نكير بل حق واجب. وقيل معناه: لا محالة ولابد -والله أعلم.\nوروى أبو بكر البزار -وأبو الشيخ عبد الله بن محمد الأصبهاني وغيرهما من حديث أبي هريرة﵁- قال: جاء أعرابي يومًا فطلب من النبي ﷺ شيئًا فأعطاه، فقال: أحسن إليك؟ فقال الأعرابي: لا ولا أجملت، فغضب المسامون وقاموا إليه، فأشار إليهم أن كفوا ثم قام ودخل منزله وارسل إلى الأعرابي وزاده شيئًا ثم قال: أحسنت إليك؟ قال نعم فجاك الله من أهل وعشيرة خيرًا. فقال النبي ﷺ - إنك قلت ما قلت وفي نفس أصحابي من ذلك شيء، فإن أحببت فقل بين أيديهم ماقلت بين يدي حتى يذهب مافي صدورهم","vol":"1","page":487},{"text":"عليك قال: نعم فلما كان من الغد أو العشي جاء. فقال النبي ﷺ إن هذا الأعرابي قال ما قال فزدناه فزعم أنه رضي كذلك؟ قال: نعم فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرًا. فقال النبي ﷺ مثلي ومثل هذا الأعرابي كمثل رجل له ناقة فشردت عنه أتبعها الناس فلم يزيدوها عليه إلا نفورًا فناداهم صاحبها: خلوا بيني وبين ناقتي، فإني أرفق بها منكم وأعلم فتوجه صاحب الناقة بين يديها فأخذ -لها- من قمام الأرض فردها حتى جاءت واستناخت وشد عليها رحلها واستوى عليها وإني لو تركتكم حيث قال الرجل ما قال فقتلتموه دخل النار.\nوأورده القاضي أبو الفضل عياض- في كتابه الشفا وقمام الأرض هو الكناسة وما تقمه الدابة أي تأكله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-135>فصل (٤١): يبتلي المرء على قدر دينه والمرء يبتلي على قدر دينه وقوة يقينه</span>.\nوفي مسند الإمام أحمد، وجامع الترمذي، وسنن ابن ماجه، وصحيح ابن حبان من حديث سعد بن أبي وقاص قال: سألت رسول الله ﷺ أي الناس أشد بلاء؟ قال: (الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، الرجل يبتلى على حسب دينه فإن كان رقيق الدين ابتلي على حسب ذلك وإن كان صلب الدين ابتلي على حسب ذلك فما يزالل البلاء بالرجل حتى يمش على الأرض وما عليه خطيئة) قال الترمذي حديث حسن صحيح، وفي رواية قال سال رسول الله ﷺ أي الناس أشد بلاء: قال الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل يبتلي الناس على قدر دينهم فمن ثخن دينه اشتد بلاؤه ومن ضعف دينه ضعف بلاؤه وإن الرجل ليصيبه البلاء حتى يمشي في الناس ما عليه خطيئة.\nوفي رواية .. فإن كان دينه صلبًا اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلاه الله على حسب دينه فما يبرح البلاء بالعبد .. فذكره ورواه ابن أبي الدنيا وغيره.","vol":"1","page":488},{"text":"وروى ابن ماجه، والحاكم من حديث أبي سعيد الخدري - ﵁- أنه دخل على رسول الله ﷺ وهو موعوك عليه قطيفة فوضع يده فوق القطيفة، فقال: ما اشد حماك يا رسول الله! .\nقال إنا كذلك يشدد علينا البلاء ويضاعف لنا الأجر\" ثم قال: يارسول الله من أشد الناس بلاء؟ قال: (الأنبياء) قال ثم من؟ قال: العلماء، قال ثم من؟ قال: الصالحون الحديث رواه ابن أبي الدنيا.\nقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم.\nوروى الطبراني من حديث فاطمة مرفوع: \" أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الصالحون وكما لا يخلو الأنبياء من الابتلاء بالجاحدين فكذلك لا يخلو الأولياء والعلماء والآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر عن الابتلاء بالجاهلين\".\nوفي كل ما يحصل لهم من ذلك خير من الدنيا والآخرة.\nوفي صحيح أبي عبد الله البخاري، والموطأ ن ومسند أحمد من حديث أبي هريرتة - ﵁ - قال: قال رسول الله ﷺ: (من يرد الله به خيرا يصب منه).\nقوله (يصب) بفتح الصاد وكسرها وهو المشهور ومعناه يبتليه بالمصائب لثيبه عليها.\nوفي الصحيحين، ومسند أحمد، وجامع الترمذي من حديث عطاء بن يسار عن أبي سعي الخدري وأبي هريرة - ﵄- أنهما سمعا رسول الله ﷺ يقول: (ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا سقم ولا حزن، حتى الهم يهمه إلا كفر به من سيئاته).","vol":"1","page":489},{"text":"(الوصب): المرض والألم.\n(والنصب): الأعياء والتعب.\n(والسقم) بضم السين وإسكان القاف وفتحها لغتان وهما المرض وكذلك السقام والهم والحزن، قيل: هما بمعنى واحد وهو تحسر القلب، وشغله بالفكر والتأسف على ما فات من الدنيا.\nوقيل: يشغل القلب فيما يخاف ويرجى.\nوفي صحيح البخاري ومسند أحمد من حديث عائشة مرفوعًا: \" ما من مصيبة تصيب المسلم إلا كفر الله بها عنه حتى الشوكة يشاكها\".\nولأحمد - أيضًا - ومسلم، قال: لا يصيب المؤمن شوكة فما فوقها إلا نقص الله بها من خطيئته.\nوفي رواية: إلا رفعه الله بها درجة، وحط عنه بها خطيئة.\nولمسلم -أيضًا - والترمذي. قال: لا يصيب المؤمن مصيبة، حتى الشوكة إلا قضى بها أو قال: كفر بها من خطاياه. لا يدري الراوي أيتهما قال عروة.\nولمسلم - أيضًا - في الموطأ قال: دخل شباب من فريش على عائشة وهي بمنى وهم يضحكون، فقالت ما يضحككم قالوا فلانًا خر على طنب فسطاط، فكادت عنفه أو عينه أن تذهب، فقالت: لا تضحكوا فإن سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما من مسلم يشاك شوكة فما فوقها إلا كتبت له بها درجة، ومحيت عنه بها خطيئة).\nولأحمد قالت: إن رسول الله ﷺ طرقه وجع فجعل يشتكي ويتقلب على فراشه فقالت عائشة: لو صنع هذا بعضنا لوجدت عليه فقال النبي ثلة: (إن الصالحين يشدد عليهم","vol":"1","page":490},{"text":"وإنه لا يصيب مؤمنًا نكبة من شوكة فما فوق ذلك إلا حطت عنه خطيئة ورفع بها درجة)\nوله رواية أخرى قالت: قال رسول الله ﷺ: (إذا كثرت ذنوب العبد ولم يكن له مايكفرها ابتلاه الله بالحزن ليكفرها.\nقوله: (حتى الشوكة) مكثلثة الأعراب (يشاكها وتشوكه) أي يصاب بها وفي مسند الإمام أحمدن وسنن أبي داود من حديث محمد بن خالد السلمي عن أبيه عن جده كانت له صحبه: أنه خرج زائرًا لرجل من إخوانه بلغة شكايته فدخل عليه. فقال: أتيتك زائرًا وعائدًا مبشرًا. قال: كيف جمعت هذا كله؟ قال خرجت وأنا أريد زيارتك فبلغني شكايتك فكانت عيادة وأبشرك بشيء سمعته من رسول الله ﷺ يقول: (إن العبد إذا سبقت له من الله منزلة لم يبلغها ابتلاه الله في جسده، أو في ماله، أو في ولده).\nوفي رواية: \"ثم صبر على ذلك حتى يبلغه المنزلة التي سبقت له منه \" اللفظ لأحمد.\nوروى أبو يعلى الموصلي وابن حبان- في صحيحه من حديث أبي هريرة مرفوعًا: \" إن الرجل ليكون له عند الله منزلة فما يبلغها بعمل، فما يزال يبتليه بما يكره، حتى يبلعه إياه.\nوفي جامع الترمذي، وسنن ابن ماجه من حديث أنس مرفوعًا: إذا أراد الله بعبده خيرًا عجل له العقوبة في الدنيا، وإذا اراد الله بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافي به يوم القيامة.\nوروى الإمام أحمد، وغيره من حديث محمود بن لبيد النصاري مرفوعًا: \" إن عظم الجزاء مع عظم","vol":"1","page":491},{"text":"البلاء وإن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط\". هذا لفظ الترمذي وقال حسن صحيح.\nورواه مالك في الموطأ بلفظ: (مازال المؤمن يضار في ولده وحاجته حتى يلقى الله وليست له خطيئة).\nوفي مسند أحمد وجامع الترمذي من حديث أبي هريرة مرفوعًا: \" مايزال البلاء بالمؤمن والمؤمن في نفسه وولده وماله حتى يلقى الله وما عليه خطيئة\" قال الترمذي: حديث حسن صحيح.\nورواه- مالك في الموطأ- ولفظه: مايزال المؤمن يصاب في ولده وحامته حتى يلقى الله وليست له خطيئة.\nوفي صحيح مسلم- ومسند أحمد، وجامع الترمذي من حيث أبي هريرة - ﵁- قال لما نزلت: ﴿من يعمل سوءًا يجز به﴾ بلغت من المسلمين مبلغًا شديدًان فقال رسول الله ﷺ: (قاربوا وسددوا ففي كل مايصاب به المسلم كفارة. حتى النكبة ينكبها أو الشوكة يشاكها*\nوروى احمد، والترمذي - أيضًا- من حديث أبي بكر بن أبي زهير، قال أخبرت أن أبا بكر -﵁- قال: يارسول الله، كيف الصلاح بعد هذه الآية؟ ﴿ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءًا يجر به ولا يجد له من دون الله وليًا ولا نصيرا﴾\nفقال رسول الله ﷺ: يا أبا بكر، ألا اقرئك آية أنزلت علي؟ قلت: بلى يارسول الله قال فأقرأنيها فلا أعلم أني وجدت في ظهري انقسامًا فتمطيت لها، فقال رسول الله ﷺ: ما","vol":"1","page":492},{"text":"شأنك يا أبا بكر؟ قلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي وأينا لم يعمل سوءًا وإنا لمجزون بما عملنا؟ فقال رسول الله ﷺ أما أنت يا أبا بكر والمؤمنون فتجزون بذلك في الدنيا حتى تلقوا الله وليس عليكم ذنوب وأما الآخرون فيجمع ذلك لهم حتى يجزون به يوم القيامة\".\nفالثواب الوارد لأهل البلاء- في هذه الأحاديث، وفي غيرها- إنما هو منوط بالصبر لا على نفس النصيبة مثل قوله ﷺ: (من عزى مصابًا فله مثل أجره) أي مثل أجر صبره.\nوروى أبو نعيم - بسنده- عن سفيان الثوري، أنه قال: إنما الأجر على قدر الصبر.\nوأنشدوا:\nإذا ما نابك الأمر ... فكن بالصبر لواذا\nوإلا فاتك الأجر ... فلا هذا ولا هذا\nوقال الشيخ الإمام عز الدين بن عبد السلام وقد ظن بعض الجهلة أن المصاب مأجور على مصيبته وهذا خطأ صريح، فإن المصائب ليست من كسبه بمباشرة ولا تسبب فمن قتل ولده، أو غصب ماله، أو أصيب ببلاء في جسده فليس هذه المصائب من كسبه ولا تسببه، حتى يؤجر علبها، بل إن صبر عليها كان له أجر الصابرين وإن رضي بها كان له أجر الراضين، ولا يؤجر على نفس المصيبة، لأنها ليست من عمله، وقد قال تعالى: ﴿إنما تجزون ما كنتم تعملون﴾ كيف والمصائب الدنيوية عقوبات على الذنوب، والعقوبة ليست ثوابًا، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وما أصابكم من مصيبة فيما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير﴾ انتهى والله أعلم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-136>فصل (٤٢): إذا تحقق المصاب من أن المصيبة بتقدير الله وإرادته هانت عليه والمصاب إذا علم وتحقق أن المصيبة بتقدير الله وإرادته هانت عليه</span>.\nقال الله تعالى: ﴿قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون﴾.","vol":"1","page":493},{"text":"وقال تعالى: ﴿ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه﴾.\nقال ابن عباس: \" إلا بإذن الله\" أي بأمر الله يعني عن قدره ومشيئته. وقيل إلا بعلم الله.\nوقيل: سبب نزول الآية: أن الكفار قالوا: لو كان ما عليه المسلمون حقًا لصانهم الله عن المصائب في الدنيا فيبين - سبحانه- أن ما أصاب من مصيبة في نفس أو مال أو قول أو فعل يقتضي همًّا أو يوجب عقابًا عاجًلا أو آجًلا فبعلمه وقضائه.\nقوله: \" ومن يؤمن بالله\" أي يصدق، ويعلم أنه لا يصيبه مصيبة \"إلا بإذن الله\" أي ومن أصابته مصيبة فعلن أنها بقضاء الله وقدره فصب واحتسب واستسلم لقضاء الله هدى الله قلبه، وعوضه عما فاته في الدنيا هدى في قلبه، ويقينًا صادقًا\".\nوقيل \" يهد قلبه\" عند المصيبة ﴿إنا لله وإنا إليه راجعون﴾\nقال: سعيد بن جبير ومقاتل وابن حبان.\nوقال ابن عباس: هو أن يجعل الله في قلبه اليقين، ليعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه.\nوفي صحيح البخاري تعليقًا عن علقمة، عن عبد الله يعني ابن مسعود -﵁- \" ومن يؤمن بالله يهد قلبه\" هو الذي إذا أصابته مصيبة رضي وعرف أنها من الله.\nوقد روى في صحيح البخاري من حديث علقمة، قال: شهدنا عند رسول الله ﷺعند عبد الله بن مسعود﵁- عرض المصاحف فأتى على هذه الآية: ﴿ومن يؤمن بالله يهد قلبه﴾. قال: هي المصيبات تصيب الرجل فيعلم أنها من عند الله فيسلم ويرضى.","vol":"1","page":494},{"text":"وروى الحاكم، والبزار، والطبراني من حديث عائشة مرفوعًا: لا يغني حذر من قدر .. الحديث).\nوروى عبد الله بن أحمد نحوه من حديث معاذ بن جبل بلفظ: (لاينفع حذر من قدر) وأنشد بعضهم:\nماقدر الله لي لابد أن يدركني ... من ذا الذي يدفع المقدور بالحذر\nفإذا علم العبد أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له من خير أو شر أو نفع أو ضر، وإن اجتهاد الخلف كلهم جميعًا على خلاف المقدور غيير مفيد شيئًا البت، بل بيده كل حركة وسكون، وإنما أمرره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون، وأن قلوب الخلق بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، وأنه - سبحانه - قدر في الأزل، أم ما أصاب المؤمن لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه/ لم يبال باحتمال ما يصيبه في الله، وأغمض عينيه عن ملاحظة غير الله-تعالى- من المخلوقين وعاد يشهد وحده تصريفه عن تصريف وجود الممكنات، وتشعب صور المحملات، وما يلقيه الشيطان - عنده - من الوساوس والخيالات، وفتح بصيرته في النظر إلى تقدير الحركات، وتحريك السكنات، وقام الله بالحق، صابرًا على الأذى من جميع الخلق، فحمد -ظ عند صباح السلامة- مسراء أولًا وآخرًا ونصر دين الله فكان له وليًا وناصرًا، وأرضى الله فأرضى عنه الناس، وجعل من الناس المتوقع البائس واوجب ذلك له توحيد ربه وإفراده بالسؤال، والاستعانة والتضرع والابتهال، فهو مزيل النوب ومفرج الكرب.\nوأنشدوا:\nما قد قضى يا نفس فاصطبري له ... ولك الأمان من الذي لم يقدر\nولبعضهم:\nوإذا رميت بما رميت فلا تقل ... أوذيت من زيد الزمان وعمره","vol":"1","page":495},{"text":"واصبر فكم هم أتى لك عسره ... ليلا فبشرك الصباح بيسره\nولكم على يأس أتى فرح الفتى ... من سر غيب لا يلم بفكره\nوقال بعضهم:\nولقد تمر الحادثات على الفتى ... فتزول حتى ما تمر بفكره\nهون عليك فرب أمر هائل ... دفعت قواه بدافع لم تدره\nولرب ليل بالهموم كدمَّل ... صابرته حتى ظفرت بفجره\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-137>فصل (٤٣): وعد الله المؤمنين الذين يعملون الصالحات باستخلافهم في الأرض وتمكين دينهم لهم:</span>\nقال الله تعالى: ﴿وعد الله الذين أنوا وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوف أمنا ....﴾\nنزلت هذه الآية في أبي بكر وعمر. وقيل: شكا بعض الصحابة جهد ما يكابدونه من الأصدقاء، وما كانوا فيه من الخوف على أنفسهم، وأنهم لا يصنعون فنزلت الآية. وقيل: الآية عامة لجميع المؤمنين وعدهم الله أن يملكهم البلاد ويجعلهم أهلها كالذي جرى في الشام ومصر والعراق، وخراسان والمغرب، وغيرها فوعد الله حق وكلامه صدق.\nقال ابن العربي: فحقيقة الحال أنهم كانوا مقهورين، فصاروا قاهرين، كانوا مطلوبين فصاروا طالبين، فهذا نهاية الأمن والعز ولما جرى للمسلمين ما جرى في أحد غيرها حتى أخبر - سبحانه-بقوله: ﴿إذا جلاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذا زاغت الأبصار وبلغت القلوب للحناجر وتظنون بالله الظنونا هنالك ابتلى المؤمنون وزلزلوا زلزًالا شديدًا﴾\nثم إن الله تعالى رد الكافرين لم ينالوا خيرًا وأمن المؤمنين وأورثهم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضًا لم يطؤوها وهو المراد بقوله ﴿ليتسخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم﴾.\nيعني بني إسرائيل إذ أهلك الجبابرة بمصر والشام وارثهم أرضهم وديارهم، فقال:","vol":"1","page":496},{"text":"﴿وأورثنا القوم الذين كانوا ستضعفون مشارق الرض ومغاربها﴾ وهمكذا كان الصحابة مستضعفين خافيسن ثم إن الله - تعالى-أمنهم وملكهم.\nوفي الصحيحين، وسنن أبي داود، والنسائي من حديث خباب بن الأرث﵁- قال شكونا إلى رسول الله ﷺ وهو متسد بردة في ظل الكعبة فقلنا: ألا ستنصر لنا، ألا تدعوا لنا؟ فقال: (قدج كان قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض، فيجعل فيها، ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيجع نصفين ويمنشط بأمشاط الحديد ما دنن لحمه وعظمهما يصده ذلك ع دينه-والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء اليمن إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون).\nوفي رواية البخاري قال: أتيت رسول الله ﷺ وهو متوسد في ظل الكعبة وقد لقينا من المشركين شدة. فقلت: ألا تدعو الله لنا؟ فقعد وهو محمر وجه فقال: (لقد كان من قبلكن ليمشط بأمشاط الحديد) ثم ذكر معناه.\nوفي رواية أبي داود مثل الأولى وزاد بعد بعد قوله: (بأمشاط الحدي) (ما دون عظمة من لحم وعصب مايصرفه ذلك ع دينه.\nوروى النسائي طرفًا من أوله إلى قوله (وتدعو لنا)\nقوله (ألا تستنصر)؟ أي تدعو لنا بالنصر\nوقوله: (بالمنشار) هو بالنون من نشرت الخشبة، (وبالباء المهموز) مفعال من أنشرت الخشبية بالمنشار.\nوقوله- في الرواية الثانية (وهو محمر وجه) قيل من الغضب.\nوقوله (بأمشاط الحديد) يقال مشط ومشاط كرمح ورماح وخف وخفاف.\nقال بعض العلماء وفي هذا الحديث -والله أعلم- إشارة إلى ذلك الحديث الذي رواه الهيثم بن خارجه قال: حدث عبد بن عبد الرحمن بن زيدي بن جابر الأزدي. قال سمعت الوضين بن عطاء، عن يزيد بن مرتد عن معاذ بن جبل ﵁ عن النبي ﷺ قال: (خذوا العطاء ما دام عطاء، فإذا صار رشوة على الدين فلا تأخذوه، ولبستم بتاركيه يمنعكم","vol":"1","page":497},{"text":"الفقر والمخافة، ألا وإن رحى بن مرح قد دارت، ألا وإن رحلة الإيمان دائرة، فدوروا مع الكتاب حيث دار، ألا وإن الكتاب والسلطان سيفترقان فلا تفارقوا الكتاب، ألا وأنه سيكون بعدي امراء يقضون لكم يقضون لأنفسهم مالا يقضون لكم فإن اطعتموهن أضلوكم وإن عصيتموهم قتلوكم) قالوا: يا رسول الله كيف نصنع؟ قال: (كما صنع أصحاب عيبسى ابن مريم - ﵇- نشروا بالمناشير، وحملوا على الخشب، موت في طاعة خير من حياة في معصية الله -﷿.)\nورواه الشيخ أبو الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي، في كتاب الحجة، وعلقة أبو محمد الخلال في كتاب - الأمر بالمعروف وانهي عن المنكر- فقال: ذكر أبو نصر البلخي المكتب باسناده عن أنس بن مالك رفعه بنجوه.\nوأنشدوا:\nلا تيأسن إذا ما ضقت من فرج ... يأتي به الله في الروحاء والدلج\nفما تجرع كأس الصبر معتصم ... بالله إلا أتاه الله بالفرج\nوروى الحافظ أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم بسنده، عن القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، عن جده ابن مسعود ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ يا ابن مسعود قلت: لبيك يارسول الله. قال: هل علمت أن بني اسرائيل افترقوا على اثنين وسبعين فرقة لم ينج منها إلا ثلاث فرقن قامت بين الملوك الجبابرة قامت بعد عيسى فدعت إلى دين الله بين الملوك الجبابرة فقاتلهم فصبرت ونجت، ثم قامت طائفة أخرى لم يكن لها قوة بالقتال فقامت بين الملوك والجبابرة تدعوا إلى دين الله ودين عيسى ابن مريم، فقتلت وقطعت بالمناشير وحرقت بالنيران فصبرت ونجت. ثم قامت طائفة أخرى لم يكن لها قوة بالقتال ولم تطق القيام بالقسط فلحقت بالجبال فعبدت وترهبت وهم الذين ذكرهم الله -عز وجلا ﴿ورهبانية ابتدعوها وما كتبناها عليهم﴾.\nورواه محمد بن جرير الطبري بلفظ آخر من طريق أخرى\nفي صحيح مسلم مسند أحمد من حديث الي هريرة - ﵁ - أن","vol":"1","page":498},{"text":"رجًلا قال: يارسول الله لي قرابة أصلهم ويقطعوني، وأحسن إليهم ويسيئون إلي، وأحلم عنهم ويجهلون علي فقال: ٠ لئن كنت كما قلت فكأنما تسفهم المل، ولا يزال معك من الله ظهير عليهم، ما دمت على ذلك).\nقوله (تسفهم المل) بضم التاء وكسر السين وتشديد الفاء و(المل) يفتح الميم وتشديد اللام هو الرماد الحار أي كأنما تطعمهم الرماد الحار غير مكترث، وهو تشبيه ما سيلحقهم من الإثم بما يلحق كل الرماد الحار من الألم ولا شيء على هذا المحسن إليهم لكي ينالهم إثم عظيم بتقصيرهم من حقه وإدخالهم الأذى عليه كا ذكر النووي وغيره).\nوفي الصحيحين ومسند أحمد، والموطأ، وسنن أبي داود والترمذي والنسائي من حديث أبي سعيد الخدري - ﵁- أن ناسًا من الأنصار سألوا رسول الله ﷺ فأعطاهم ثم سألوه فأعطاهم ثم سألوه فأعطاهم حتى نفذ ما عنده- قال (مايكون عندي من خير فلن أدخره عنكم، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله، ومن يتصبر يصبره الله، وما أعطى الله أحدًا عطاء هو خير وأوسع من الصبر.\nوروى أبو نعيم، وأبو بكر البغدادي من حديث ابن مسعود مرفوعًا \"الصبر نصف الإيمان\".\nوروى أبو منصور الديلمي -في مسند الفردوس- من حديث أنس مرفوعًا \"الإيمان نصفان نصف صبر ونصف شكر.\nوفي رواية له أنه ﷺ سئل عن الإيمان، فقال: الصبر.","vol":"1","page":499},{"text":"وروى أبو يعلى الموصلي من حديث جابر قال: سئل رسول الله ﷺ عن الإيمان قال: \"الصبر والسماحة\".\nوروى الطبراني من حديث عائشة مرفوعًا: \"لو كان الصبر رجًلا لكان كريمًا\".\nوقال بعض الصحابة: ما كنا نعد إيمان الرجل إيمانًا إذا لم يصبر على الأذى.\nوروى ابن حبان- في صحيحه- وابن مردويه بسنديهما عن ابن عمر قال: لما نزلت هذه الآية ﴿مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة﴾ وقال رسول الله: ٠ رب زد أمتي) فأنزل الله ﴿من ذا الذي يقرض الله قرضًا حسنًا ..﴾.\nقال النبي ﷺ: (رب زد أمتي) فأنزل الله: ﴿إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب﴾.\nوروى أبو بكر بن أبي الدنيا، والبيهقي - في شعل الإيمان - والأصبهاني بسندهم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا: \" إذا جمع الله الخلائق يوم القيامة نادى مناد: أين أهلل الفضل؟ قال فيقوم ناس وهم يسيرون فينطلقون سراعًا إلى الجنة فتتلقاهم الملائكة فيقولون: إنا نراكم سراعًا إلى الجنة فمن أنتم؟ فيقولون نحن أهل الفضل. فيقولون ما فضلكم؟ فيقولون كنا إذا ظلمنا صبرنا وإا أسيء إلينا غفرنا وحلمنا. فيقال لهم: ادخلوا الجنة فنعم أجر العاملين.\nوفي مسند أحمدن وجامع الترمذي، وسنن ابن ماجه من حديث أبي كبشة سعد بن عمرو وقيل: عمرو وقيل عامر بن سعد الأنماري مرفوعًا: \"ثلاث أقسم عليهن وأحدثكم حديثًا فاحفظوه فقال: فأما التي اقسم عليهن فإنه ما نقص مال من صدقة، ولا ظلم عبد مظلمة فصبر عليها إلا زاده الله بها عزًا، ولا فتح عبد باب مسألة إلا فتح الله عليه","vol":"1","page":500},{"text":"باب فقر أو كلمة نحوها .. الحديث قال الترمذي: حديث حسن صحيح.\nوأنشدوا:\nتنكر لي دهري ولم يدر أنني ... أعز وأحداث الزمان تهون\nوظل يريني الخطب كيف اعتداؤه ... وبت أريه الصبر كيف يكون\nوفي مسند أحمد، وجامع الترمذي -أيضًا- من حديث ابن عباس - ﵄- قال: كنت رديف النبي ﷺ فقال: \" ياغلام -ظ أو يا غليم- ألا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن؟ فقلت بلى فقال: (احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده أمامك، تعرف إلى الله في الرجاء يعرفك في الشدة وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستن بالله قد جف القلم بما هو كائن فلو أن الخلق كلهم جميعًا أرادوا أن ينفعوك بشيء لم يقضه الله لم يقدروا عليه، وإن أرادوا أن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يقدروا عليه، واعلم أن في الصبر على ما تكره خيرًا كثيرًا وأن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وان مع العسر يسرا). وللحديث ألفاظ وطرق متعددة تقدم بعضها قبل هذا الفصل، والله أعلم.\nوأنشدوا:\nفصبرا على حلو القضا ومره ... فإن اعتياد الصب أدنى إلى اليسر\nومن عصمة الله الرضا بقضائه ... ومن لطفه توفيقه العبد للصبر.\nولبعضهم:\nتصبر إن عقب الصبر خير ... ولا تجزع لنائبة تنوب\nفإن اليسر بعد العسر يأتي ... وعند الضيق تنفرج الكروب\nوكم جزعت نفوس من أمور ... أتى من دونها فرج قريب\nوروى الإمام أحمد في الزهد - بسنده- عن ميمون بن مهران - ﵀ عليه - أنه كان يقول: ما منال عبد شيئًا من شيم الخير نبي ولا غ يره إ لا بالصبر.\nكما قيل: إن علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه- أنشد أبياتًا ومنها قوله:\nإني نظرت وفي الأيام تجربة ... للصبر عاقبة محمودة الأثر","vol":"1","page":501},{"text":"وقل من جد في أمر يطلبه ... واستصحب الصبر إلا فاز بالظفر\nوالصبر محمود العاقبة يثمر النجح، ويورث المقصود، ويكبت العدو، ويغيظ الحسود، ويفضل لصاحبه بالسيادة، ويكسوه فضيلة الحوم، ويدفع عنه نقيصة الحرمان،\nوروى الإمام أحمد - أيضًا في الزهد بسنده، عن راشد بن أبي راشد قال: كان زيد بن ميسرة يقول: لا تضر نعمة معها شكر، ولا بلاء معه صبرن ولبلاء في طاعة الله خير من نعمة في معصيته﷿ ٠.\nكان كفار قريش كأبي جهل وعتبة والوليد قد اتخذوا فقراء الصحابة كعمار، وبلال وخباب، وصهيب سخريًا يستهزءون بهم، ويضحكون منهم فإذا كان يوم القيامة قيل لهم: ﴿إني جزيتهم اليوم بما صبروا﴾ على أذاكم واستهزائكم.\nلما علم الصالحون أن الدنيا دار رحلة، دافعوا زمان البلاء، وأولجو في ليل الصبر، علمًا منهم بقرب الأجر فما كانت إلا رقدة حتى صيحوا منزل السلامة.\nأصبر على غير الزمان فإنما ... فرج الشدائد مثل حل عقال\nنفدت أبصار بصائرهم بنور الغيب إلى مشاهدة موصوف الوعد، فتعلقت به الآمال بما عانيت مواطن القلوب. كما قيل.\nنفس المحب على الآلان صابرة ... لعل مسقمها يومًا يداويها\nقال عمر بن الخطاب -﵁- وجدنا خير عيشنا الصبر\nوقال عامر الشعبي: قال علي بن أبي طالب: إن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأي من الجسد ولا إيمان لمن لا صبر له.\nوعزى -﵁- رجًلا فقال: إن صبرت جرت عليك المقادير وأنت مأجور وإن جزعت جرت عليك وأنت مأزور.\nولقد أحسن القائل:\nقد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت ... ويبتلي الله بعض القوم بالنعم\nوقال ابن عباس ضري الله عنهما: من حقيقة الإيمان الصبر على المكاره وقال الحسن","vol":"1","page":502},{"text":"البصري رحمة الله عليه: الصبر كنز من كنوز الجنة لا يعطيه الله إلا لمن كرم عليه، وقال أيضًا: المؤمن إن ظلم صبر وإن سفه عليه حلم وإن جبر عليه عدل يؤذى فيحتمل صبور على الأذى محتمل على القذى. وقال إبراهيم التيمي: ما من عبد وهب الله له صبرًا على الذي وصبرًا على البلاء وصبرًا على المصائب إلا وقد أوتي أفضل ما أوتيه أحد بعد الإيمان بالله ﷿ وهذا منتزع من قوله تعالى ﴿ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر ..﴾ إلى قوله: ﴿والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك هم المتقون﴾ قال العلماء: البأساء الفقر ونحوه والضرائب المرض ونحوه وحين البأس حالة الجهاد ونحوه دون حلاوة شهد الولاء تجشم مرارة البلاء لأن البلاء بقدر الولاء وأنشدوا:\nالصبر مثل اسمه من مذاقته ... لكن عواقبه أحلا من العسل\nمنكم رفع الصبر مرتبته من أعتلقه بيديه. وأعلا قيمه من جعله نصب عينين، واستنطقوا الأفواه بالثناء عليه واستطلقوا الأيدي المقبوضة بالإحسان إليه، كان في جيب بعض السلف ورقة يفتحها كل ساعة فينظر فيها وفيها مكتوب: \" واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا\" من فعل مايحب لقي مايكره ومن صبر على ما يكره نال ما يحب كما قال بعض الحكماء لا ينال العاقل القليل ما يحب إلا بالصبر على الكثير مما يكره، فالصبر سلاح يحمي من المعاطب، وينجي من قبضة التلف بعد انقضاء القواصب، ويفضي بصاحبه إلى ارتفاع عوارق المراتب.\nوأنشد بعضهم:\nصبرت على بعض الأذى خوف كله ... ودافعت عن نفسي بنفسي فعزت\nوجرعتها المكروه حتى تدربت ... ولو جملة حملتها لاشمأزت\nفيا رب عز سائفق للنفس ذلة ... ويارب نفس بالتذلل عزت\nوقال غيره:\nتعودت مس الضر حتى الفته ... واسلمني (حسن العز) إلى الصبر\nوصيرني بأسي من الناس راجيًا ... لسرعة صنع الله من حيث لا أدري\nووسع صدري للأذى كثرة الأذى .. وقد كنت أحيانًا يضيق به صدري\nإذا أنا لم اقبل من الدهر كلما ... تكرهت منه طال عتبي على الدهر","vol":"1","page":503},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-138>فصل (٤٤): من أخص آداب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:</span>\nتوطين النفس على الصبر بدليل أن الله قرن الصبر بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر\nفمن آداب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في وصية لقمان السابق ذكرها -فينبغي - حينئذ - للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر إذا أوذي في عرضه أو بدنه أو ماله أن لا يحزن، ولا يصده ذلك عن نصرة دين الله - تعالى - وإقامة حدوده بل يثبت، فإن العاقبة له.\nقال الله تعالى: ﴿ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين﴾\nفعزاهم وسلاهم بما نالهم يوم أحد من القتل والجراح، وحضهم على قتال عدوهم ونهاهم عن العجز والفشل وهو الجبن (ولا تهنوا) أي لا تضعفو ولا تجبنوا عن جهاد أعدائكم لما أصابكم (ولا تحزنوا) على ظهورهم ولا على ما أصابكم من الهزيمة والمصيبة. (وأنتم الأعلون) أي لكن تكون العاقبة بالنصر والظفر.\nقال الله تعالى: ﴿..﴾\nثم قال سبحانه: ﴿إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله﴾ (أي إن كنتم قد أصابتكم جراح وقتل منكم طائفة فقد أصاب أعداءكم قريب من ذلك ﴿وتلك الأيام نداولها بين الناس﴾ أي نديل للأعداء عليكم تارة، وإن كانت العاقبة لكم، لما لنا في ذلك من الحكم ثم قال: ﴿وليعلم الله الذين آمنوا﴾ أي من يصبر على نيل العداء منه ﴿ويتخذ منكم شهداء﴾ يعني يقتلون في سبيل الله ويب ١ لون مهجهم في مرضاته ﴿والله لا يحب الظالمين﴾ ﴿وليمحص الله الذين آمنوا﴾ \"أي يكفر عنهم من ذنوبهم إن كان لهم ذنوب، وإلا رفع في درجاتهم بحسب ما أصيبوا به قالوا: ﴿ويمحق الكافرين﴾ أي فإنهم إذا ظفروا بغوا وبطروا فيكون ذلك سبب دمارهم وهلاكهم.\nقال الله تعالى: ﴿أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين﴾","vol":"1","page":504},{"text":"أي حسبتم أن تدخلوا الجنة ولم تبتلوا بالقتال والشدائد.\nوقال في سورية البقرة: ﴿أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله إلا أن صر الله قريب﴾\nوقال الله تعالى: ﴿ألم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا ءامنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين﴾\nولهذا قال ههنا: ﴿أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين﴾ أي لا يحصل لكم دخول الجنة حتى تبتلوا ويرى الله منكم المجاهدين في سبيله والصابرين على مقاومة الأعداء.\nوأنشدا في كان وكان:\nكم يصبر حتى يعلو على رأس الملك ... من جر ضرب المطارق والكور والسندان\nفما ملك مصر يوسف حتى سجن وسقى العصعص ... من إخواتوا وزليخا والقيد والسجان\nفاصبر لربك وأض واشكر على سائر النعم ... تعط المزيد وتحظى بجنة الرضوان\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-139>فصل (٤٥): وجوب تحمل الآمر الناهي الصبر المترتب على أمره ونهيه:</span>\nروى الإمام أبو بكر بن أبي الدنيا - بسنده- ع ن شيخ من قريش قال: مر دهثم ومعه أصحابه برجل يضرب غلامه. فقال له: يا عبد الله اتق الله فيه فوضع السهم بين أذني دهثم فوثب أصحابه عليه. فقال دهثم لأصحابه: مهًلا فإني سمعت الله -﷿ ذكر عن رجل وصيته لابنه فقال: ﴿يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وأنه عن المنكر واصبر على ما أصابك﴾ وقد أمرنا بالمعروف ونهينا عن المنكر فدعونا نصبر على ما أصابنا فندخل في وصية الرجل الرجل الصالح.\nوروى أبو بكر أحمد المروزي - في كتاب الأمر بالمعروف - بإسناده، عن أبي هريرة ﵁ - قال: قال رسول الله ﷺ: (يا أبا هريرة مر بالمعروف، وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمر) قال: يا رسول الله آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر","vol":"1","page":505},{"text":"أوذي قال: نعم كما أوذيت الأنبياء ﵈.\nوفي حديث ابن عباس -المتقدم قريبًا -وصيته ﷺ له لما كان رديفه ومنه قوله (واعلم أن في الصبر على ما تكره خيرًا كثيرًا وان النصر مع الصبر) الحديث.\nوهذا موافق لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا﴾ قوله تعالى: ﴿فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا الفين بإذن الله والله مع الصابرين﴾ وقوله تعالى - في قصة طالوت ﴿فلما جاوزه والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين﴾ وقوله ﴿بلى أن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين﴾ إلى غير ذلك فالنصر منوط بالصبر.\nوروى الأمام أحمد في كتاب الزهد بسنده عن الحسن البصري - ﵀ عليه- من قوله تعالى ﴿والصابرين على ما أصابهم والمقيمي الصلاة ومما رزقناهم ينفقون﴾ قال \"والله لنصبرن أو لنهلكن\".\nقال أبو العباس تقي الدين بن تيمية - ﵀ - الصبر على أذى الخلق عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إن لم يستعمل لزم أحد أمرين. إما تعطيل الأمر والنهي وإما حصول فتنة ومفسدة أعظم منه مفسدة ترك الأمر والنهي أو مثلها أو قريب منها وكلاهما معصية وفساد. قال: \"وأمر بالمعروف وأنه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور\" فمن امرر ولم يصبر أو صبر ولم يأمر أو لم يأمر ولم يصبر حصل من هذه الأقسام الثلاثة مفسدة وإنما الإصلاح في أن يأمر ويصبر.\nوقال بعض السلف: لا يجد اليوم أحد السلامة إلا أن يكون معه عقل وصبر يحتمل به أذى الناس.\nوقال العلام ابن القيم: الصبر والاحتمال والإغضاء مرتبة شريفة من مراتب الجود وهي أنفع لصاحبها من الجود بالمال وأعز له وأنصر وأملك لنفسه واشرف لها ولا يقدر عليها إلا النفوس الكبار فمن صعب عليه الجود بما له فعليه بهذا الجود فإنه يجتني ثمرة","vol":"1","page":506},{"text":"عواقبه الحميدة في الدنيا قبل الآخرة. وهذا وجود الفتوة قال تعالى: ﴿.. والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ..﴾ وفي هذا الجود قال الله تعالى: ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها قمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين﴾ فذكر المقامات الثلاثة في هذه الآية مقام العدل وأذن فيه ومقام الفضل وندب إليه ومقام الظلم وحرمه\".\nوقبل لبي علي الفضيل بن عياض - قدس الله روحه- ألا نأمر وننهى؟ فقال: إن قومًا أمرروا ونهوا فكفروا وذلك أنهم لم يصبروا على ما أصيبوا.\nكما قال عبد الله بن المبارك:\nفمن صبر فما أقل ما يصبر ... ومن جزع فما أقل ما يتمتع\nسئل البطال: عن الشجاعة. قال: صبر ساعة. كما قيل:\nفما هي إلا ساعة ثم تنقضي ... ويحمد غب السير من هو سائر\nفما هي إلا ساعة ثم تنقضي ... ويذهب هذا كله ويزول\nوقال غيره:\nالدهر لا يبقى على حاله ... لكنه يقبل أو يدبر\nفإن تلقاك بمكروهة ... فاصبر فإن الدهر لا يصبر\nوقال يحيى بن معاذ الرازي -قدس الله روحه- عن الحسن البصري أنه قال: \"ليس شيء على العبد أشد من الحلم عند الجهاد والصبر على الأذى\"\nوروى أبو بكر بن أحمد المروزي بسنده عن الحسن:\n\"ليس حسن الجوار كف الأذى، حسن الجوار الصبر على الأذى\"\nقال أبو داود سليمان بن الأشعث: قلت لأحمد -﵀- يشتم الآمر بالمعروف؟ قال: يحتمل، من يريد أن يأمر وينهي لا يريد أن ينتصر بعد ذلك.\nوسأله أبو طالب أحمد بن حميد فقال: إذا أمرته بمعروف فلم ينته؟ قال: دعه إن","vol":"1","page":507},{"text":"رددت عليه ذهب الأمر بالمعروف وصرت منتصرًا لنفسك فيخرج إلى الأثم.\nونقل عن مهنا بن يحيى الشامي أنه قال: يأمر بالرفق والخضوع. قلت كيف؟ قال: إن اسمعوه مايكره لا يغضب فيريد أن ينصر نفسه.\nوأنشد محمود الوراق:\nاصبر على الظلم ولا تنتصر ... فالظلم مردود على الظالم\nوكل إلى الله ظلومًا فما ... ربى عن الظالم بالنائم\nونقل حنبل، عن أحمد أنه قال - في المحنة - إن عرضت على السيف لا أجيب، وقال عمر بن حبيب: من اراد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فليوطن نفسه على الصبر وليثق بالثواب من الله فمن وثق بالثواب لم يجد المستأنف الأذى.\nوقد روي عن الأستاذ الجليل أبي إسحاق إبراهيم بن أدهم - قدس الله روحه- في الصبر على البلاء واحتمال الأذى أشياء كثيرة.\nومن أمثلتها: أنه خرج إلى بعض البراري فاستقبله رجل. فقال له: أنت عبد؟ فقال: نعم. فقال: أين العمران؟ فأشار إلى المقبرة فقال الرجل: إنما أردت العمران. فقال: هو المقبرة فغاظه ذلك فضرب رأسه بالسوط فشجه شجة فأدماه ورده إلى البلد فاستقبله أصحابه فقالوا: ما هذا؟ فأخبرهم الجندي. فقالوا: هذا إبراهيم بن أدهم فنزل الجندي عن دابته وقبل يده ورجليه وجعل يعتذر إليه فقبل له: لم قلت أنا عبد؟ قال: إنه لم يسألني أنت عبد من؟ بل قال أنت عبد؟ قلت: نعم لأني عبد الله. ولما ضرب رأس سالت الله له الجنة.\nفقيل له: إنه ظلمك، فكيف سألت الله له الجنة؟ فقال علمت أني أؤجر على هذا. فلم أحب أن يصيبني منه الخير ويصيبه مني الشر.\nوأنشدوا:\nسأصدق نفسي إن في الصدق راحة ... وأرضي بدنياي وإن هي قلت\nوإن طرقتني الحادثات بنكبة ... تذكرت ما عوقبت منه فقلت\nوما محنة إلا ولله نعمة ... إذا قابلتها أدبرت وتولت","vol":"1","page":508},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-140>فصل (٤٦): قال العلامة ابن القيم: وللعبد فيما يصيبه من أذى الخلق وجنايتهم عليه احد عشر مشهدًا</span>.\nالمشهد الأول: القدر: وهو أن يعلم أن ما جرى عليه بمشيئة الله وقضائه وقدره فيراه كالتأذي بالحر والبرد، والمرض والألم وهبوب الرياح وانقطاع الأمطار، فإن الكل أوجبته مشيئة الله فما شاء كان ووجب وجوده ومالم يشأ لم يكن وامتنع وجوده وإذا شهد هذا، استراح وعلم أنه كائن لا محالة فما للجزع منه وجه وهو كالجزع من الحر والبرد والمرض والموت.\nالمشهد الثاني: مشهد \"الصبر فيشهده ويشهد وجوبه وحسن عاقبته وجزاء أهله وما يترتب عليه من الغبطة والسرور ويخلصه من ندامة المقابلة والانتقام فما انتقم أحد لنفسه قط إلا أعقبه ذلك ندامة. وعلم إن لم يصبر اختيارًا على هذا -وهو محمود - صبر اضطرارًا على أكثر منه وهو مذموم.\nالمشهد الثالث: مشهد العفو والصفح والحلم فإنه متى شهد ذلك وفضله وحلاوته وعزته لم يعدل عنه إلا لغبش في بصيرته. فإنه مازاد الله عبدًا يعفو إلا عزًا. كما صح ذلك عن النبي ﷺ وعلم بالتجربة والوجود. وما أنتقم أحد لنفسه إلا ذل، هذا وفي الصفح والعفو والحلم من الحلاوة والطمأنينة وشرف النفس وعزها ورفعتها عن تشفيها بالانتقام ما ليس شيء منه في المقابلة والانتقام.\nالمشهد الرابع: وهو مشهد الرضا وهو فوق مشهد العفو والصفح وهذا لا يكون إلا للنفوس المطمئنة، سيما إن كان ما أصيبت به سببه القيام لله. فإذا كان ما أصيب به في الله وفي مرضاته ومحبته رضيت بما نالها في الله. وهذا شأن كل محب صادق يرضى بما يناله في رضى محبوبه من المكاره. ومتى تسخط به أو تشكي منه كان دليًلا على كذبه في محبته والواقع شاهد بذلك والمحب الصادق كما قال منشد:\nمن أجلك جعلت خدي أرضًا .. للشامت والحسود حتى ترضى\nومن لم يرضى بما يصيبه في سبيل رضا وحبوبه فلينزل عن جرة المحبة وليتأخر فليس من ذا الشأن.\nالمشهد الخامس: مشهد الإحسان وهو أرفع مما قبله وهو أن يقابل إساءة المسيء بالإحسان فيحسن إليه كما أساء هو إليه. ويهون هذا عليه علمه بأنه قد ربح عليه وأنه قد","vol":"1","page":509},{"text":"أهدى إليه حسناته ومحاها صحيفته وأثبتها في صحيفة من أساس إليه فينبغي أن تشكره وتحسن إليه بما لا نسبة له إلى ما أحسن به إليك وههنا ينفع استحضار مسالة اقتضاء الهبة الثواب وهذا المسكين قد وهبك حسناته فإن كنت من أهل الكرم فأثبه عليها لتثبت الهبة وتأمن رجوع الواهب فيها.\nوفي هذا حكايات معروفة عن أرباب المكارم وأهل العزائم ويهونه عليك - أيضًا علمك بأن الجزاء من جنس العمل فإن كان هذا عملك في إساءة المخلوق إليك عفوت عنه وأحسنت إليه مع حاجتك وضعفك وفقرك وذلك. فهكذا يفعل المحسن القادر العزيز الغني بك في إساءتك ياقبلها بما قابلت به إساءة عبده إليك. فهذا لابد منه وشاهده في السنة من ـوجوه كثيرة لم تأملها.\nالمشهد السادس: مشهد السلامة وبرد القلب\" وهو مشهد شريف جدًا لمن عرفه وذاق حلاوته وهو أن لا يشتغل قلبه وسره بما ناله من الأذى وطلب الوصول إلى درك ثأره وفاء نفسه بل يفرغ قلبه من ذلك ويرى أن سلامته وبرده وخلوه منه أنفع له. وألذ وأطيب وأعون على مصالحه، فإن القلب إذا اشتغل بشيء فاته ماهو أهم عنده\" وخير له منه. فيكون بذلك مغبونًا والرشيد لا يرضى بذلك ويرى أنه من تصرفات السفيه فأين سلامة القلب من امتلائه بالغل والوساوس وأعمال الفكر من إدراك الانتقام؟\nالمشهد السابع: مشهد الأمن فإنه إذا ترك المقابلة والانتقام آمن ما هو شر من ذلك وإذا انتقم واقعه الخوف ولابد فإن ذلك يزرع العداوة والعاقل لا يأمن عدوه ولو كان حقيرًا.\nلا تحقرن صغيرًا في تقلبه ... إن الذبابة تدمي الأسد\nفكم من حقير أردى عدوه الكبير؟ فإذا غفر ولم ينتقم ولم يقابل أمن من تولد العداوة أو زيادتها. ولابد أن حلمه وعفوه وصفحه يكسر عنه شوكة عدوه ويكف من جزعه بعكس الانتقام والواقع شاهد بذلك - أيضًا-.\nالمشهد الثامن: مشهد الجهاد وهو أن يشهد تولد أذى الناس له من جهاده في سبيل الله وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر وأقام دين الله وإعلاء كلماته.\nوصاحب هذا المقام قد اشترى الله منه نفسه وماله وعرضه بأعظم ثمن فإن أراد أن يسلم إليه الثمن فليسلم هو السلعة ليستحق ثمنها فلا حق له على من آذاه ولا شيء له قبله إن كان قد رضي بعقد هذا التبايع فإنه قد وجب أجره على الله.\nوهذا ثابت بالنص وإجماع الصحابة - ﵃ - ولهذا منه النبي ﷺ المهاجرين","vol":"1","page":510},{"text":"من سكنى مكة - أعزها الله- ولم يرد على أحد منهم داره ولا ماله الذي أخذه الكفار. ولم يضمنهم دية من قتلوه في سبيل الله.\nولما عزم الصديق ﵁ على تضمين أهل الردة ما أتلفوه من نفوس المسلمين وأموالهم، قال عمر بن الخطاب بمشهد من الصحابة ﵃: تلك دماء وأموال ذهبت في الله وأجورها على الله ولا دية لشهيد فاتفق الصحابة على قول عمر ووافقه عليه الصديق فمن قام لله حتى أوذي في الله - حرام عليه الانتقام - كما قال لقمان لابنه: ﴿وأمر بالمعروف وأنه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور﴾.\nالمشهد التاسع: مشهد النعمة وذلك من وجوه.\nأحدها: أن يشهد نعمة الله عليه في أن جعله مظلومًا يترقب النصر ولم يجعله ظالمًا يترقب المقت والأخذ فلو خير العاقل بين الحالتين -ولابد من إحداهما - لأختار أن يكون مظلومًا.\nومنها: أن يشهد نعمة الله عليه في التكفير بذلك من خطاياه فإنه ما أصاب المؤمن هم ولا غم ولا أذى إلا كفر الله به خطاياه فذلك-في الحقيقة- دواء يستخرج به منه داء الخطايا والذنوب ومن رضي أن يلقى الله بأدوائه كلها وأسقامه .. ولم يداوه في الدنيا بدواء يوجب له الشفاء فهو مغبون سفيه. فأذى الخلق لك كالدواء الكريه من الطبيب المشفق عليك فلا تنظر إلى مرارة الدواء وكراهته من كان على يديه وانظر إلى شفقه الطبيب الذي ركبه لك وبعثه إليك على يدي من نفعك بمضرته.\nومنها أن يشهد كون تلك البلية أهون وأسهل من غيرها فنه ما من محنة إلا وفوقها ما هو أقوى منها وأمر، فإن لم يكن فوقها محنة في البدن والمال فلينظر إلى سلامة دينه وإسلامه وتوحيده. وأن كل مصيبة دون مصيبة الدين هينة، وأنهما بالنسبة لمصيبة الدين في الحقيقة نعمة والمصيبة الحقيقية مصيبة الدين. ومنها: توفية أجرها وثوابها يوم الفقر والفاقة.\nوفي بعض الآثار: إنه يتمنى أناس يوم القيامة أن جلودهم كانت تقرض بالمقاريض لما يرون من ثواب أهل البلاء. هذا وإن العبد يشتد فرحه يوم القيامة بما له قبل الناس من الحقوق في المال والنفس والعرض فالعاقل يعد هذا دخرًا ليوم الفقر والفاقه. ولا يبطله بالانتقام الذي لا يجدي عليه شيئًا.","vol":"1","page":511},{"text":"المشهد العاشر: مشهد الأسوة وهو مشهد شريف لطيف جدًا، فإن العاقل اللبيب يرضى أن يكون له أسوة برسل الله، وأنبيائه وأوليائه وخاصته من خلقه فإنهم أشد امتحانًا بالناس وأذى الناس إليهم أسرع من السيل في الحدور.\nويكفي تدبر قصص الأنبياء ﵈ مع أممهم وشأن نبينا محمد ﷺ وأذى أعدائه له بما لم يؤذه من قبله وقد قال له ورقة بن نوفل: \" لتكذبن ولتخرجن ولتؤذين وقال له: ما جاء أحد بمثل ما جاءت به إلا عودي. وهذا مستمر في ورثته كما كان في مورثهم ﷺ.\nأفلا يرضى العبد أن يكون له أسوة بخيار خلق الله وخواص عباده الأمثل فالأمثل.\nومن أحب معرفة ذلك فليقف على محن العلماء وأي الجهال لهم، وقد صنف في ذلك ابن عبد البر كتابًا سماه \"محن العلماء\".\nالمشهد الحادي عشر: مشهد التوحيد وهو أجل المشاهد وأرفعها فإذا امتلأ قلبه بمحبة الله والإخلاص له ومعاملته وإيثار مرضاته والتقرب إليه وقرت العين به والأنس به والاطمئنان إليه وسكن إليه وأشتاق إلى لقائه واتخذه وليًا دون ما سواه بحيث فوض إليه أموره كلها ورضي به وبأقضيته وفنى بحبه وخوفه ورجائه وذكره والتوكيل عليه عن كل ما سواه، فإنه لا يبقى في قلبه متسع لشهود أذى الناس له البتة. فضًلا عن أن يشتغل قلبه وفكره وسره بتطلب الانتقام والمقابلة. فهذا لايكون إلا من قلب ليس فيه مايغنيه عن ذلك ويعوضه منه فهو قلب جائع غير شبعان. فإذا رأى أي طعام هفت إليه نوازعه وانبعثت إليه دواعيه وأما من امتلأ قلبه بأغلى الأغذية وأشرفها فإنه لا يلتفت إلى ما دونها وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. انتهى.\nفالآمر الناهي - أيده الله- تعالى إذا عامل الناس بمقتضى هذه المشاهد من إقامة أعذارهم والعفو عنهم والصبر عليهم وترك مقابلتهم، اشتدت محبتهم له وكان ذلك سببًا لنجاتهم الأخروية والدنيوية إذ يرشدهم ذلك إلى القبول منه وتلقي ما يأمرهم وينهاهم عنه أحسن التلقي.\nأنا خوا بباب الطبيب طلبًا للشفاء وصبروا رجاء العافية على شرب الدواء فإن ابتلوا صبروا. وإن أعطوا شكروا فالأمر على السواء، ربحوا والله ما خسروا وعاهدوا على الصبر فما غدروا واحتالوا على نفوسهم فملكوا واسروا فخاطبهم ربهم بقوله: ﴿إني جزيتهم اليوم بما صبروا﴾ فينبغي للآمر بالمعروف الناهي عن المنكر حينئذ أن يوطن نفسه على احتمال","vol":"1","page":512},{"text":"ما يصيبه في دين الله تعالى من المكروه ليسهل عليه ما يلحقه من الأذى. ولئلا يدخل نفسه عليه شيئًا من المهلكات أو تستريح إلى من عودها المعارضة للتقوي به فيكلها الله إليه وكمال التوحيد أن لا يرى الأمور كلها إلا من الله وعلامة ذلك أن لا يغضب على أحد من الخلق بما يجري عليه إذ لا يرى الوسائط ونما يرى مسبب الأسباب فمن الناس من له من التوحيد مثل الجبال ومنهم من له دون المثقال.\nوروى أبو بكر بن أبي الدنيا بسنده عن مبارك بن فضالة عن الحسن البصري أن رجًلا كان يقال له عقيب كان يعبد الله وكان في ذلك الزمان ملك يعذب الناس بالمثلات فقال عقيب: لو نزلت إلى هذا فأمرته بتقوى الله كان أوجب علي، فنزل من الجبل فقال له: يا هذا اتق الله فقال له لجبار: يا كلب مثلك يأمرني بتقوى الله لأعذبنك عذابًا لم يعذب به أحد من العالمين فأمر به أن يسلخ من قدميه إلى رأسه فسلخ فلما بلغ بطنه أن أنة أوحى الله إليه عقيب اصبر أخرجك من دار الحزن إلى دار الفرح ومن دار الضيق إلى دار السعة فلما بلغ السلخ إلى وجهه صاح فأوحى الله إليه عقيب: أبكيت أهل سمائي وأهل أرضي وأذهلت ملائكتي لئن صحت الثالثة لأصبن عليهم العذاب صبًا فصبر حتى سلخ وجهه مخافة أن يأخذ قومه العذاب.\nفجهاد النفس على الصبر والاحتمال في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أفضل من الصبر في غيره لأن الأمر والنهي أفضل الجهاد وبه صلاح العباد والبلاد إذ تغيير المنكر في غالب الأوقات أميز من عبادة المتعبد في كثير من السنوات فإذا علم العبد ذلك وتأمله بعد النظر فيه فصبر جاءه النصر وحصل له من خيري الدنيا والآخرة ما ليس له حصر.\nقال الله تعالى: ﴿حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء وزلا يرد بأسنا عن القوم المجرمين﴾.\nوقال تعالى: ﴿.. حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب﴾\nوأنشدوا:\nإذا تضايق أمرنا ننتظر فرجا ... فأضيق الأمر أدناه من الفرج\nفإذا اشتد الكرب وعظم وتناهى ووجد الإياس من كشفه من جهة المخلوق ووقع التعلق بالخالق وحده أسرع الفرج إلى صاحبه واستجيب دعاه وصار متوكًلا لأن التوكل هو قطع الاستشراف باليأس من المخلوقين.","vol":"1","page":513},{"text":"كما قال الإمام أحمد واستدل بقول إبراهيم -﵇- لما عرض له جبريل في الهواء حين رمي بالمنجنيق. وقال له: ألك حاجة؟ فقال له: أما إ ليك فلا.\nقال بعض السلف: الدنيا دار ابتلاء فصابروها وقنطرة محنة فاعبروها فالبلاء ريحان أرواح العارفين والفناء نعيم أسرار الواصلين.\nسأصبر حتى يعلم الصبر أنني .. أخوه الذي تطوى عليه جوانحه\nوأقبل ميسور الزمان لأنني .. أرى العيش مقصورًا على من يسامحه\nالبلاء والولاء نجمان طلعا في فلك السعادة والمحبة وردتان لمتعافى غصن القرب، يا من لا يصبر للبلاء على كلمة أين أنت من أقوام يتلقفون البلاء بأكف الرضا.\nوأنشدوا:\nسأصبر حتى يعلم الصبر أنني ... صبرت على شيء أمر من الصبر\nوما صبر صبر الصبر صبري وإنما ... صبرت لأجل الصبر مذ خانني صبري\nفهيات قاموا وقعدت، ووصلوا وتباعدت زاحم القوم مهما استطعت واستغث بساقة الركب فقد انقطعت واجتهد في خلاصك - فقد وقعت.\nصبر القوم قليًلا واستراحوا طويًلا.\nفسبحان من يجبر الكسير ويعز الحقير وينصف المظلوم ويكشف المغموم فلا ييئس المظلوم من الانتصار ولا يعول المقهور إلا على الاصطبار فإن في مطاوئ الأقدار تقليب ما في الليل والنهار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-141>فصل (٤٧): وقوع المحن على قدر قوى الآمرين الناهين ومراتبهم:</span>\nوالمحن طهارة للصادقين وكفارة على قدر صدقهم\nووقع المحن على قدر قوى الآمرين والناهين ومراتبهم أما العارفين فإن وقوعها بهم عند ملاحظتهم أنفسهم في الأم والنهي.\nوأما الصادقين فإن وقوع المحن بهم طهارة لهم وكفارة على قدر قوة صدقهم محبة الله تعالى لهم يعرفهم بها أنفسهم ويرفعهم في درجاتهم.\nوأما بعض الآمرين فإن وقع المحن بهم طهارة لهم وكفارة وذلة ليزول عنهم العجب","vol":"1","page":514},{"text":"بذلك وأما جملة الناس من الآمرين والناهين فإن الله ﷿ امتحنهم لتعديهم حدوده وتضييعهم أمره وشماتتهم بغيرهم\nقال الله تعالى: ﴿وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير﴾.\nفعلى قدر تضييعه وتقصيره يكون ردهم عليه وامتناعهم من القبول منه وعلى قدر ما يلحقه من خوف المخلوقين يكون تسلطهم عليه وعلى قدر توكله عليهم في معاونته ورجائه بهم يكون بعدهم عتنه فيوكل إليهم وعلى قدر محبة النفس للدنيا والثناء والتصنع يلحقه الضعف عند رؤية المنكر لأن القلب لا يحتمل الموارد عليه فيهيج من الغضب فعون الله تعالى للعبد على قدر صدقه في مجاهدته. وعلى قدر ثباته يستحق التثبيت من الله تعالى: ﴿.. ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرًا لهم وأشد تثبيتًا﴾.\nوعلى قدر إخلاص الآمر وإياسه من معاونة الخلق يكون نصر الله له.\nوعلى قدر معرفته أن الخلق مأمورون مسلطون لم يملكهم ضرًا ولا نفعًا لأنفسهم ولا لغيرهم يكون قيامه بالحق عليهم بذهاب رهبتهم من قلبه قال الله تعالى: ﴿.. وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ..﴾\nفمن خاف مخلوقًا فإنما صرف الضر والنفع إليه.\nوعلى قدر ما يعظم الله تعالى في قدر العبد يصغر الخلق كلهم في عينه قال الله تعالى: ﴿.. إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئًا لا يستنقذوه مننه ضعف الطالب والمطلوب﴾.\nوعلى در إعزاز المؤمن لأم الله يلبسه الله من عزه قال الله تعالى: ﴿يا ايها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم﴾.\nوعلى قدر صدق الصادق في البر على القيام بحقوق الله تعالى وحدوده تكون شدة محبته، قال الله تعالى: ﴿ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم﴾.\nوفي مسند البزار من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: \" إن المعونة تأتي من الله على قدر المؤنة وإن الصبر يأتي من الله على قدر البلاء\"","vol":"1","page":515},{"text":"ورواه الحسن بن سفيان بسنده ولفظه: \" فينزل المعونة من السماء على قدر المؤنة وينزل الصبر على قدر المصيبة\".\nابتلاهم فرضوا وصبروا وأنعم عليهم فاعترفوا وشكروا وجاؤوا بكل ما يرضى ثم اعتذروا وجاهدوا العدو بصبر فما انقشعت الحرب حتى ظفروا.\nوأنشدوا:\nلله در أناس أخلصوا عمًلا ... على اليقين دانوا بالذي أمروا\nأولاهم نعمًا فازداد شكرهم ... ثم ابتلاهم فرضًا بما صبروا\nفهذا المذكور في هذا الباب من صفات الأتقياء الأوفياء من الآمرين والناهين لأن من كان ناظرًا إلى الله تعالى - في جميع أحواله صغر في عينه ما سواه من خلقه إذا علم أنه لا يملك الضر والنفع سواه لا إله سبحانه هو الله.\nفمن اجتمعت فيه هذه الأخلاق السابق ذكرها في هذا الباب سلك به طريق السلامة من الآفات الداخلة عليه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.\nفعلى قدر صدق المتخلق تثبت فيه وتصير سجية له كما روي عن أبي عبد الله وهب بن منبه رحمة الله عليه أنه ما من عبد يتخلق بخلق أربعين صباحًا إلا جعله الله طبيعة فيه.\nفعند ذلك ارجو أن يعان على قصده الصالح وينجح أمره ونهيه كما قال عمر بن عبد العزيز: عون الله لعبده على قدر نيته فمن تمت نيته تمت معونة الله تعالى له.\nوقد حكي عن إبراهيم الخواص -قدس الله روحه- أنه خرج لإنكار منكر فنبح عليه كلب فما قدر على الوصول لمكان المنكر فرجع إلى مسجده وتفكر ساعة ثم قام فجعل الكلب يبصبص حوله ولا يؤذيه حتى أزال المنكر فسئل عما جرى له؟ فقال: إنما نبح علي لأن الفساد دخل علي في عقد نيتي بيني وبين الله تعالى فلما رجعت ذكرته فاستغفرت.\nفبهذه الآداب المستحبات يصير الأمر بالمعروف لفقدها منكرًا والنهي عن المنكر زورًا مفترى.\nفنسأل الله العصمة من الزلل والتوفيق لصالح العمل وأن ينهض -للقيام بذلك- ماضي عزمنا ويوقظ له عين حزمنا بمنة وطوله وقوته وحوله.\nوالحمد لله لا أبغي به بدًلا، حمدًا كثيرًا دائمًا أبدًا ثم الصلاة على خير الورى وعلى ساداتنا آله وأصحابه الفضلاء.","vol":"1","page":516}]}