{"ً":{"ٌ":36166,"ٍ":"معاوية بن أبي سفيان أمير المؤمنين وكاتب وحي النبي الأمين ﷺ - كشف شبهات ورد مفتريات","َ":1,"ُ":1,"ّ":"الكتاب: معاوية بن أبي سفيان أمير المؤمنين وكاتب وحي النبي الأمين ﷺ - كشف شبهات وردّ مفتريات\nالمؤلف: شحاتة محمد صقر\nالناشر: دار الخلفاء الراشدين - الإسكندرية، مكتبة الأصولي - دمنهور، مكتبة دار العلوم - البحيرة (مصر)\nعدد الصفحات: ٣٠٠\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":2306,"ٕ":1,"ٖ":1770155860,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"تقديم الأستاذ الدكتور: أنور السنوسي","level":1,"page":2},{"title":"مقدمة","level":1,"page":7},{"title":"هذا معاوية - ﵁ -","level":1,"page":13},{"title":"كيف نقرأ التاريخ","level":1,"page":16},{"title":"دور الشيعة في الدس على التاريخ الإسلامي وتشويهه:","level":1,"page":22},{"title":"وسائل الأخباريين في تشويه التاريخ:","level":1,"page":23},{"title":"تنبيه:","level":2,"page":24},{"title":"ذم في ثوب المدح، تشويق وتشويه","level":1,"page":27},{"title":"١ - قصة ابن الأكرمين:","level":2,"page":27},{"title":"٢ - قصة أصابت امرأة وأخطأ عمر:","level":2,"page":29},{"title":"٣ - قصة جلد عمر - ﵁ - لابنه حتى الموت:","level":2,"page":32},{"title":"٤ - قصة اغتسال فاطمة - ﵂ - قبل الموت:","level":2,"page":40},{"title":"٥ - حلم أم ظلم:","level":2,"page":41},{"title":"٦ - ذكر أحد المعاصرين الغيورين - حفظه الله - الكلام التالي يستدل بها على ثقة عمر في معاوية وسعادة أبي سفيان بذلك:","level":2,"page":41},{"title":"٧ - وقال هذا الغيور أيضا ما يلي:","level":2,"page":42},{"title":"التحذير من أخبار يحتج بها الرافضة","level":1,"page":44},{"title":"منهج أهل السنة والجماعة فيما شجر بين الصحابة - ﵃ -","level":1,"page":46},{"title":"لماذا هذه العناية بأعراض الصحابة - ﵃ - ولماذا الدفاع عنهم؟","level":1,"page":57},{"title":"معاوية بن أبي سفيان - ﵄ - في سطور","level":1,"page":58},{"title":"أبو سفيان بن حرب والد معاوية - ﵄ -","level":1,"page":62},{"title":"هند بنت عتبة بن ربيعة أم معاوية - ﵄ -","level":1,"page":63},{"title":"من إخوان وأخوات معاوية - ﵁","level":1,"page":65},{"title":"تاريخ إسلام معاوية - ﵁ -","level":1,"page":66},{"title":"حقيقة ما حدث بين علي ومعاوية - ﵄ -","level":1,"page":67},{"title":"التحكيم","level":1,"page":70},{"title":"بطلان قصة التحكيم المشهورة","level":1,"page":73},{"title":"والصلح خير","level":1,"page":83},{"title":"فضائل معاوية - ﵁ - من فضائل معاوية - ﵁ - في القرآن الكريم:","level":1,"page":93},{"title":"من فضائل معاوية - ﵁ - في السنة النبوية الصحيحة","level":1,"page":94},{"title":"من فضائل معاوية - ﵁ - ثبوت كونه كاتبا للنبي - ﵌ -، وكتابته الوحي","level":1,"page":98},{"title":"ومن فضائل معاوية - ﵁ - كونه خال المؤمنين","level":1,"page":100},{"title":"ومن فضائل معاوية - ﵁ - أنه أول من غزا البحر وقد وجبت له الجنة","level":1,"page":101},{"title":"ومن فضائل معاوية - ﵁ - أنه من الذين رآهم النبي - ﵌ - يركبون ظهر البحر كالملوك على الأسرة","level":1,"page":102},{"title":"ومن فضائل معاوية - ﵁ - أنه كان من الذين أحب النبي - ﵌ - أن يعزوا، فأعزهم الله","level":1,"page":104},{"title":"ومن فضائل معاوية - ﵁ - أنه كانت له منزلة خاصة عند رسول الله - ﵌ -","level":1,"page":105},{"title":"ومن فضائل معاوية - ﵁ - دلائل النبوة في الإخبار بأن ولايته رحمة على الأمة","level":1,"page":106},{"title":"ومن فضائل معاوية - ﵁ - دعاء النبي - ﵌ - له بالهداية وبالوقاية من العذاب","level":1,"page":107},{"title":"ومن فضائل معاوية - ﵁ - أنه أحد الخلفاء الاثني عشر","level":1,"page":108},{"title":"معاوية - ﵁ - أم عمر بن عبد العزيز - ﵀ -","level":1,"page":109},{"title":"أحاديث لا تصح في شأن معاوية - ﵁ - مدحا وذما","level":1,"page":111},{"title":"تعظيم معاوية - ﵁ - لسنة النبي - ﵌ -","level":1,"page":115},{"title":"توقير معاوية - ﵁ - لآل بيت النبي - ﵌ -","level":1,"page":117},{"title":"أمر معاوية - ﵁ - بالمعروف وإنكاره للمنكر","level":1,"page":118},{"title":"معاوية - ﵁ - طالبا للعلم والنصيحة","level":1,"page":121},{"title":"بعض الأحاديث التي رواها معاوية - ﵁ - عن رسول الله - ﵌ -","level":1,"page":122},{"title":"علم معاوية - ﵁ - وفقهه","level":1,"page":125},{"title":"ذكر بعض ما جاء من ثناء الصحابة على معاوية - ﵃ -","level":1,"page":126},{"title":"ذكر بعض ما جاء من ثناء التابعين على معاوية - ﵁ -","level":1,"page":128},{"title":"ذكر بعض ما جاء من ثناء العلماء على معاوية - ﵁ -","level":1,"page":130},{"title":"تواضع معاوية - ﵁ - وزهده","level":1,"page":133},{"title":"حلم معاوية - ﵁ - ورحابة صدره","level":1,"page":134},{"title":"جهاد معاوية - ﵁ - وفتوحاته","level":1,"page":136},{"title":"عدل معاوية - ﵁ -","level":1,"page":140},{"title":"حرص معاوية - ﵁ - على توطين الأمن في خلافته","level":1,"page":141},{"title":"اهتمام معاوية - ﵁ - برعيته","level":1,"page":143},{"title":"بعض ما روي من أقوال معاوية - ﵁ -","level":1,"page":144},{"title":"كشف شبهات الشيعة حول معاوية - ﵁ -","level":1,"page":146},{"title":"الشبهة الأولى «لا أشبع الله بطنه»","level":2,"page":148},{"title":"الشبهة الثانية «وأما معاوية فصعلوك لا مال له»","level":2,"page":152},{"title":"الشبهة الثالثة «إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه»","level":2,"page":154},{"title":"الشبهة الرابعة الطليق ابن الطليق","level":2,"page":155},{"title":"الشبهة الخامسة قالوا: قاتل عليا وهو عند أهل السنة رابع الخلفاء، إمام حق، وكل من حارب إمام حق فهو باغ ظالم","level":2,"page":158},{"title":"الشبهة السادسة","level":2,"page":174},{"title":"الشبهة السابعة","level":2,"page":179},{"title":"الشبهة الثامنة","level":2,"page":182},{"title":"الشبهة التاسعة","level":2,"page":183},{"title":"الشبهة العاشرة","level":2,"page":186},{"title":"الشبهة الحادية عشرة","level":2,"page":187},{"title":"الشبهة الثانية عشرة","level":2,"page":189},{"title":"الشبهة الثالثة عشرة","level":2,"page":190},{"title":"الشبهة الرابعة عشرة","level":2,"page":191},{"title":"الشبهة الخامسة عشرة","level":2,"page":196},{"title":"الشبهة السادسة عشرة","level":2,"page":199},{"title":"الشبهة السابعة عشرة هل لعن علي على المنابر بأمر من معاوية - ﵄ -؟","level":2,"page":209},{"title":"الشبهة الثامنة عشرة مسألة سب معاوية لعلي - ﵄ -","level":2,"page":213},{"title":"الشبهة التاسعة عشرة هل حملت الخمر لمعاوية - ﵁ -؟","level":2,"page":222},{"title":"الشبهة العشرون هل باع معاوية - ﵁ - الأصنام لأهل الهند؟","level":2,"page":225},{"title":"الشبهة الحادية والعشرون هل أقسم معاوية - ﵁ - اليمين الغموس وكذبه النبي - ﵌ -!!","level":2,"page":226},{"title":"الشبهة الثانية والعشرون هل قتل معاوية عبد الرحمن بن خالد بن الوليد؟","level":2,"page":228},{"title":"الشبهة الثالثة والعشرون هل قتل معاوية الأشتر مالك بن الحارث النخعي؟","level":2,"page":231},{"title":"الشبهة الرابعة والعشرون هل معاوية - ﵁ - ذمه كثير من المهاجرين والأنصار من البدريين وغيرهم - ﵃ -؟!!","level":2,"page":233},{"title":"الشبهة الخامسة والعشرون هل معاوية - ﵁ - ذمه كثير من التابعين كالحسن البصري والأسود بن يزيد وغيرهم؟!","level":2,"page":237},{"title":"الشبهة السادسة والعشرون قولهم: «قتل ابنه يزيد الحسين - ﵁ - ونهب نساءه»","level":2,"page":240},{"title":"الشبهة السابعة والعشرون استلحاق معاوية - ﵁ - زياد بن أبيه","level":2,"page":246},{"title":"الشبهة الثامنة والعشرون قتله حجر بن عدي وأصحابه","level":2,"page":250},{"title":"الشبهة التاسعة والعشرون اتهام معاوية - ﵁ - بشرب الخمر","level":2,"page":256},{"title":"الشبهة الثلاثون افتراءات حول مصارف الأموال في عهد معاوية - ﵁ -","level":2,"page":258},{"title":"الشبهة الحادية والثلاثون هل قال معاوية - ﵁ -: «إن الكريم طروب»","level":2,"page":261},{"title":"الشبهة الثانية والثلاثون هل أراد معاوية - ﵁ - أن ينقل منبر رسول الله - ﵌ - من المدينة إلى الشام؟","level":2,"page":263},{"title":"الشبهة الثالثة والثلاثون","level":2,"page":266},{"title":"الشبهة الرابعة والثلاثون هل تعامل معاوية - ﵁ - بالربا؟!","level":2,"page":272},{"title":"الشبهة الخامسة والثلاثون هل قتل معاوية - ﵁ - خمسة وعشرين بدريا يوم صفين؟!","level":2,"page":278},{"title":"أهم المراجع","level":1,"page":282}],"ٛ":{"1,3":2,"1,4":3,"1,5":4,"1,6":5,"1,7":6,"1,8":7,"1,9":8,"1,10":9,"1,11":10,"1,12":11,"1,13":12,"1,14":13,"1,15":14,"1,16":15,"1,17":16,"1,18":17,"1,20":18,"1,21":19,"1,22":20,"1,23":21,"1,24":22,"1,25":23,"1,26":24,"1,27":25,"1,28":26,"1,29":27,"1,30":28,"1,31":29,"1,32":30,"1,33":31,"1,34":32,"1,35":33,"1,36":34,"1,37":35,"1,38":36,"1,39":37,"1,40":38,"1,41":39,"1,42":40,"1,43":41,"1,44":42,"1,46":43,"1,47":44,"1,48":45,"1,49":46,"1,50":47,"1,51":48,"1,52":49,"1,54":50,"1,55":51,"1,56":52,"1,57":53,"1,58":54,"1,59":55,"1,62":56,"1,63":57,"1,64":58,"1,65":59,"1,66":60,"1,67":61,"1,68":62,"1,69":63,"1,70":64,"1,71":65,"1,72":66,"1,73":67,"1,74":68,"1,75":69,"1,76":70,"1,77":71,"1,78":72,"1,79":73,"1,80":74,"1,81":75,"1,82":76,"1,83":77,"1,84":78,"1,85":79,"1,86":80,"1,87":81,"1,88":82,"1,90":83,"1,91":84,"1,92":85,"1,93":86,"1,94":87,"1,95":88,"1,96":89,"1,97":90,"1,98":91,"1,99":92,"1,100":93,"1,101":94,"1,102":95,"1,103":96,"1,104":97,"1,106":98,"1,108":99,"1,109":100,"1,110":101,"1,111":102,"1,112":103,"1,113":104,"1,114":105,"1,115":106,"1,116":107,"1,117":108,"1,118":109,"1,119":110,"1,120":111,"1,121":112,"1,122":113,"1,123":114,"1,124":115,"1,126":116,"1,127":117,"1,128":118,"1,129":119,"1,130":120,"1,131":121,"1,132":122,"1,133":123,"1,134":124,"1,136":125,"1,137":126,"1,138":127,"1,139":128,"1,140":129,"1,141":130,"1,142":131,"1,143":132,"1,144":133,"1,145":134,"1,146":135,"1,147":136,"1,148":137,"1,149":138,"1,150":139,"1,151":140,"1,152":141,"1,153":142,"1,154":143,"1,155":144,"1,156":145,"1,157":146,"1,158":147,"1,159":148,"1,160":149,"1,161":150,"1,162":151,"1,163":152,"1,164":153,"1,165":154,"1,166":155,"1,167":156,"1,168":157,"1,170":158,"1,172":159,"1,173":160,"1,174":161,"1,175":162,"1,176":163,"1,177":164,"1,178":165,"1,179":166,"1,180":167,"1,181":168,"1,183":169,"1,184":170,"1,185":171,"1,186":172,"1,187":173,"1,188":174,"1,189":175,"1,190":176,"1,191":177,"1,192":178,"1,193":179,"1,194":180,"1,195":181,"1,196":182,"1,197":183,"1,198":184,"1,199":185,"1,200":186,"1,201":187,"1,202":188,"1,203":189,"1,204":190,"1,205":191,"1,206":192,"1,207":193,"1,208":194,"1,209":195,"1,210":196,"1,211":197,"1,212":198,"1,213":199,"1,214":200,"1,215":201,"1,217":202,"1,218":203,"1,219":204,"1,220":205,"1,221":206,"1,222":207,"1,223":208,"1,224":209,"1,225":210,"1,226":211,"1,227":212,"1,228":213,"1,229":214,"1,230":215,"1,232":216,"1,233":217,"1,234":218,"1,235":219,"1,236":220,"1,237":221,"1,238":222,"1,239":223,"1,241":224,"1,242":225,"1,243":226,"1,244":227,"1,245":228,"1,246":229,"1,247":230,"1,248":231,"1,249":232,"1,250":233,"1,251":234,"1,252":235,"1,253":236,"1,254":237,"1,255":238,"1,256":239,"1,257":240,"1,258":241,"1,259":242,"1,260":243,"1,261":244,"1,262":245,"1,264":246,"1,265":247,"1,266":248,"1,267":249,"1,268":250,"1,269":251,"1,270":252,"1,271":253,"1,272":254,"1,273":255,"1,274":256,"1,275":257,"1,276":258,"1,277":259,"1,278":260,"1,279":261,"1,280":262,"1,281":263,"1,282":264,"1,283":265,"1,284":266,"1,285":267,"1,286":268,"1,287":269,"1,288":270,"1,289":271,"1,290":272,"1,291":273,"1,292":274,"1,293":275,"1,294":276,"1,295":277,"1,296":278,"1,297":279,"1,298":280,"1,299":281,"1,300":282},"ٜ":{"1":[3,300]},"ٝ":[null,"1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,106","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,170","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300"],"ٞ":{"2":[1],"7":[2],"13":[3],"16":[4],"22":[5],"23":[6],"24":[7],"27":[8,9],"29":[10],"32":[11],"40":[12],"41":[13,14],"42":[15],"44":[16],"46":[17],"57":[18],"58":[19],"62":[20],"63":[21],"65":[22],"66":[23],"67":[24],"70":[25],"73":[26],"83":[27],"93":[28],"94":[29],"98":[30],"100":[31],"101":[32],"102":[33],"104":[34],"105":[35],"106":[36],"107":[37],"108":[38],"109":[39],"111":[40],"115":[41],"117":[42],"118":[43],"121":[44],"122":[45],"125":[46],"126":[47],"128":[48],"130":[49],"133":[50],"134":[51],"136":[52],"140":[53],"141":[54],"143":[55],"144":[56],"146":[57],"148":[58],"152":[59],"154":[60],"155":[61],"158":[62],"174":[63],"179":[64],"182":[65],"183":[66],"186":[67],"187":[68],"189":[69],"190":[70],"191":[71],"196":[72],"199":[73],"209":[74],"213":[75],"222":[76],"225":[77],"226":[78],"228":[79],"231":[80],"233":[81],"237":[82],"240":[83],"246":[84],"250":[85],"256":[86],"258":[87],"261":[88],"263":[89],"266":[90],"272":[91],"278":[92],"282":[93]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"معاوية بن أبي سفيان\n- ﵄ -\nأمير المؤمنين\nوكاتب وحي النبي الأمين - ﵌ -\n\nكشف شبهات وردّ مفتريات\n\nجمع وترتيب\nشحاتة صقر\n\nتوزيع\nدار الخلفاء الراشدين // الإسكندرية - أبو سليمان // ت ٠١٢٠١٥٢٩٠٨\nمكتبة الأصولي // دمنهور - خلف عمر أفندي // ت ٠١٠٥٤٠١٣٢٤\nمكتبة دار العلوم // أبو حمص // ت ٠١٢٩٧٣٢١٣١","vol":"1","page":null},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>تقديم الأستاذ الدكتور: أنور السنوسي</span>\nرئيس قسم اللغة العربية بكلية التربية بدمنهور\n\nإن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، ونشهد أن لا إله إلا الله - وحده لا شريك له - وأن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صلّ وسلِّمْ وبارك عليه كما تحب أن يصلى عليه، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. ... وبعد\nفإن ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ (١)، وعدنا ربُّنا وعدَ الحق: ... ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ (٢) بالسنان واللسان، وهاهم أولاء يفعلون دائبين لا يفتُرون، ووعدنا ربنا وعد الصدق: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾ (٣).\nوهاهم أولاء يؤذون الله - ﷿ - ورسوله - ﵌ - والمؤمنين بألسنة حدادٍ، وقلوبٍ سُودٍ، وغيظٍ قاتلٍ، وحقدٍ أعمى، ونفوسٍ موتورة، وكلابٍ مسعورة، وأقلامٍ مأجورة، وأخبرنا ربنا - ﷿ - بالخبر الموثوق: ﴿هَاأَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ﴾ (٤) فترانا\n_________\n(١) الأحزاب:٢٢.\n(٢) البقرة:٢١٧.\n(٣) آل عمران:١٨٦.\n(٤) آل عمران:١١٩.","vol":"1","page":3},{"text":"نوادّهم ونتزلف ونتملق ونطلب الرضا والقبول، ولا يُلقون إلينا إلا بالبغضاء والاحتقار والاستنزاف وابتزاز المزيد من الصَّغار وإعطاء الدنية.\n﴿وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ (١) إلا على المسلمين وكتابِهم ونبيِّهم، ورموزهم، وتاريخهم؛ فتتحد قلوبهم على شنآنهم، وتتحد ألسنتهم فيقولون - وصدق ربي ـ: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ (٢)، ويتعاون على ضرب الإسلام أحبارُهم ورهبانُهم ومستشرقوهم، واستعمارهم، وصهاينتهم، ومجامعهم، ونواديهم، وكل جند لهم.\nويشاركهم أصحاب الأعراق من الفرس وغيرهم، من الذين يبغضون العرب والنبي العربي - ﵌ -، ويواليهم المحسوبون على الإسلام من كل فرقة ضالة فيقولون للذين كفروا - وصدق ربي ـ: ﴿هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ (٣)، ويرونهم أقرب إليهم من أهل السنة، فـ ﴿يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ﴾ (٤).\nويتسلق على بنيانهم الآثم نباتُ العلمانيين الآكلين على موائد اللئام، المتسولين أجر الكفر، الطالبين وجاهة أبي لهب وامرأته، تبت يداهم من رجال سوء وناءت بحملها من طابورهم كل حمالة للحطب.\nويعينهم (طيبون) من مثقفي المسلمين من حيث لا يدرون أن السم في الدسم، وأمةٌ غلب عليها الجهل بدينها وسلفها وتاريخها، وصدق ربي: ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ (٥).\n_________\n(١) الحشر:١٤.\n(٢) البقرة:١١١.\n(٣) النساء:٥١.\n(٤) الحشر:١١.\n(٥) التوبة:٤٧.","vol":"1","page":4},{"text":"صدق ربي وعده وتكالبوا جميعًا، وصدق رسوله فتداعوا جميعًا على قصعة الإسلام وثروات المسلمين، يريدون أن يطفئوا نور الله، فتعجز أفواههم العفنة، فيدورون ويناورون، فيرمون الرجال، وخيرهم نبي هذا الدين - ﵌ -، فيرومون نسف الجبل الأشم فلا يُوهُون إلا قرونهم، فيقصدون أصحابه، لينالوا من صخرتهم الباذخة (١)، ليقال: «رجل سوء وصحبته صحبة سوء»، فتتحطم رؤوسهم، وتنفجر آذانهم بدويّ الحق من ربهم: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٢)، وصحبة الصدق في قرآنهم: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾ (٣).\nولكنهم لا يزالون يقاتلون، فيرمون أبا بكر وعمر وعائشة وغيرهم - ﵃ -، وهاهم أولاء يقصدون معاوية - ﵁ -، يريدون كما أراد أسلافهم أن يكسبوا جولة في معركة التشويه، ويريدون ما هو أخطر: أن يفسخوا وجدان الأمة؛ لتفرق في محبتها بين معاوية وعلي - ﵄ -، وأن يُفقدوها ثقتها في خلفائها وملوكها، وفاتحيها ومجاهديها، الذين أذلوا الفرس والروم من قبل، ولا يزالون بفضل الله شوكة في حلوق أحفادهم\n_________\n(١) بَذِخَ الْجَبَلُ يَبْذَخُ بَذَخًا: طَالَ فَهُوَ بَاذِخٌ. انظر: المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، مادة (ب ذ خ).\n(٢) التوبة:١٠٠.\n(٣) الفتح:٢٩.","vol":"1","page":5},{"text":"الموتورين.\nوهم يستغلون جهل الأمة، وفساد منهج التلقي عندها، وبعدها عن القراءة الصحيحة لتراثها، وإعجاب كل ذي رأي فيها برأيه، وانبهار عقول كثير منها بالغرب وفكره المسموم.\nولكن الله غالب على أمره يقيّض في كل عصر ومَصر - من أهل السنة الراشدين، والعلماء العاملين، والدعاة الحارسين للحدود - مَن يردّ الحملة المسعورة فينفي الجهالة، ويكشف الضلالة، ويبيِّن المنهج السويّ بالفهم الجلي والنقل السلفي.\nوأحسب أن من بين طالبي هذه المنزلة السامية والهمة العالية أخانا الشيخ شحاتة صقر الذي ندبني لمراجعة هذا البحث لُغَويًا، فأهدى إليَّ خير ما يهدي الأخ لأخيه، من العلم النافع المجموع من مظانه الحسنى الوثيقة، والمفهوم فهمًا صحيحًا راسخًا، كما أشركني وأشْرك كل قارئٍ في همّه، وما همُّه إلا قضايا الإسلام والهجمة الشرسة عليه.\nلقد جلّى دواعي الشانئين للطعن في الصحابة - ﵃ -، نقلة الدين، ووارثي العلم، ومؤسسي الدولة المسلمة، ومجسدي نموذج الإسلام المتحرك الفاعل، ومخرجي الناس - بمشيئة الله - من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد.\nكما بيَّن وسائل تشويه التاريخ وأمسك بالأيدي الآثمة الدساسة، وأرشد إلى كيفية قراءة التاريخ على هدى وبصيرة نافذة، ومنهج رشيد، لا يغادر سندًا إلا حققه، ولا متنًا إلا دققه، ولا دعوى إلا محصها، ولا فهمًا إلا راجعه.\nونبَّه على أن موقف السلف مما شجر بين الصحابة - ﵃ -، هو الإمساك عن الخوض فيه، واعتقاد الخير في جميعهم، والتماس العذر لهم في اجتهادهم.\nثم فرغ لشخص معاوية - ﵁ -، فتحدث عن شخصه الكريم الفذ وعن أبويه وإخوته وابنه يزيد، وعن كتابته الوحي للنبي - ﵌ - ونبوءات النبي - ﵌ - له، وما جرى بينه وبين علي - ﵄ -، وما كان من التحكيم وما تلاه، ثم موقف الحسن بن علي بعد أبيه","vol":"1","page":6},{"text":"- ﵄ -، وما كان من ملك معاوية - ﵁ - وجهاده وفتوحه.\nثم عكف على شبهات الشيعة حول معاوية التي بلغت - فيما عدّه المؤلف - خمسًا وثلاثين شبهةً، واجتهد ما أمكنه في دحضها.\nوأظن أن الأخ شحاتة صقر قد أحسن الجمع والترتيب، والاستنباط والنقد، وأرجو أن يكون له أجور المصيبين، ودرجات المرابطين على ثغور هذا الدين، وأن يرزقنا وإياه الإخلاص، ويعفو عن زلاتنا وخطراتنا. والله حسبنا ونعم الوكيل.\nكتبه: أنور السنوسي.","vol":"1","page":7},{"text":"(\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2>مقدمة</span>\nإن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ (آل عمران:١٠٢)، ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ (النساء:١)، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠)﴾. (الأحزاب:٧٠).\nأما بعد: فإن خيرَ الحديث كلامُ الله، وخيرَ الهدي هدي محمد - ﵌ -، وشرَّ الأمور محدثاتُها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\nإن سلامة القلب تجاه الصحابة والتأدب معهم من صميم اعتقاد أهل السنة والجماعة، وإن الطعن فيهم هو وسيلة للطعن في الدين الإسلامي فأصحاب رسول الله كلهم عدول ثقات، وهم الذين نقلوا لنا هذا الدين.\nومن كتب أهل العلم جمعتُ هذا الكتاب عن أحدهم، وهو معاوية بن أبي سفيان - ﵄ - - كاتب وحي النبي - ﵌ - وأمير المؤمنين - الذي مكث عشرين سنة أميرًا على الشام في خلافة عمر وخلافة عثمان - ﵄ -، ثم خليفةً للمسلمين مثلَها.","vol":"1","page":8},{"text":"هذا الكتاب فيه ذِكْر فضائله - ﵁ - من كتاب الله - ﷿ - وكلام حبيبنا - ﵌ -، وفيه ثناء الصحابة والتابعين وتابعيهم والعلماء عليه - ﵁ -، وفيه ذِكْر جهاده وأخلاقه وحسن سياسته لرعيته، وفيه دفْعٌ للشبهات والأكاذيب التي حاولت النيْل منه - ﵁ -، في وقت اشرأبت فيه أعناق أهل الضلال من الشيعة وغيرهم.\nولعله لم يَنَلْ شخصيةً في التاريخ الإسلامي من التشويه مثل ما نال شخصيةَ معاوية بن أبي سفيان - ﵄ - خاصة من أهل الأهواء قديمًا للنزاعات السياسية والمذهبية، ثم وجد المستشرقون في رواياتهم مرتعًا خصبًا للنيل من الإسلام.\nإن معاوية بن أبي سفيان - ﵄ - من الصحابة الأجلّة الكرام، الذين يجبُ الترضّي عن جميعهم، ولا يجوز الطعنُ فيهم، كما هو اعتقادُ الفرقة الناجية: أهلِ السُنَّة والجماعة، كيف وقد قال فيهم رسول الله - ﵌ -: «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ» (رواه البخاري ومسلم).\nومَعْنَى الْحَدِيث - كما نقل الحافظ ابن حجر عن الْبَيْضَاوِيّ: «لَا يَنَال أَحَدكُمْ بِإِنْفَاقِ مِثْل أُحُد ذَهَبًا مِنْ الْفَضْل وَالْأَجْر مَا يَنَال أَحَدهمْ بِإِنْفَاقِ مُدّ طَعَام أَوْ نَصِيفه» (١).\nومعاوية بن أبي سفيان - ﵄ - هو أحد الصحابة الذين أكرمهم الله - ﷿ - بصحبة نبيه محمد - ﵌ - وكل كلام يقال في الصحابة فيما يتعلق بفضلهم عمومًا وما يجب لهم عمومًا، فإن معاوية - ﵁ - يدخل في ذلك.\nأما من تكلم فيهم بكلام لا ينبغي فهو في الحقيقة لم يضرّهم إنما ضرَّ نفسه؛ وذلك أنهم - ﵃ - قدِموا على ما قدَّموا، وقد قدَّموا الخير الكثير، وقد قدَّموا الأعمال الجليلة التي قاموا بها مع رسول الله - ﵌ -.\nبل إن ذلك يكون زيادة في حسناتهم؛ لأنه إذا تكلم فيهم بغير حق أضيف إليهم من حسنات المتكلم فيهم - إذا كان له حسنات - فيكون ذلك رفعة في درجاتهم، وإن لم يكن له حسنات فإنه لا يضر السحاب نبح الكلاب - كما يقولون.\n_________\n(١) فتح الباري بشرح صحيح البخاري (٧/ ٣٤).","vol":"1","page":9},{"text":"وقال الإمام الشافعي قال: «ما أرى الناس ابتُلُوا بشتم أصحاب محمّد - ﵌ - إلا لِيَزيدَهمُ الله ﷿ بذلك ثوابًا عندَ انقطاعِ عَمَلِهم» (١).\nوعن عائشة - ﵂ - قالت: «أمِرُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِأَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﵌ - فَسَبُّوهُمْ» (رواه مسلم). قال الإمام النووي في (شرح صحيح مسلم):\n«وَأَمَّا الْأَمْر بِالِاسْتِغْفَارِ الَّذِي أَشَارَتْ إِلَيْهِ فَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ (الحشر:١٠) وَبِهَذَا اِحْتَجَّ مَالِك فِي أَنَّهُ لَا حَقّ فِي الْفَيْء لِمَنْ سَبَّ الصَّحَابَة - ﵃ -، لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى إِنَّمَا جَعَلَهُ لِمَنْ جَاءَ بَعْدهمْ مِمَّنْ يَسْتَغْفِر لَهُمْ».\nفلا يجوز الطعنُ في آحادهم، فكيف بمن له فضائل ثابتة - خاصة وعامة - مثلَ معاوية - ﵁ -؟ ولمعاوية - ﵁ - فضائل كثيرة - سنذكرها إن شاء الله - ﷿ - - وبسبب ثبوت هذه الفضائل وغيرها عن السلف، فقد نهوا نهيًا شديدًا عن التكلم في معاوية - ﵁ - وبقية الصحابة - ﵃ -، وعَدّوا ذلك من الكبائر.\nوكان بعض السلف يجعل حب معاوية - ﵁ - ميزانًا للسنة.\nقال الربيع بن نافع: «معاوية بن أبي سفيان ستر أصحاب رسول الله - ﵌ - فإذا كشف الرجل الستر اجترأ على ما وراءه». (٢)\nوسُئل أبوعبد الرحمن النسائي عن معاويةَ بن أبي سفيان -صاحبِ رسول الله - ﵌ - ـ، فقال: «إنما الإسلام كدارٍ لها بابٌ، فبابُ الإسلام الصحابة، فمن آذى الصحابةَ إنما أرادَ الإسلام، كمن نَقرَ البابَ إنما يريدُ دخولَ الدار؛ فمن أراد معاويةَ فإنما أراد الصحابة» (٣).\n_________\n(١) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي (٨/ ١٤٦٠).\n(٢) رواه الخطيب البغدادي في تاريخه (١/ ٢٠٩)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٩/ ٢٠٩).\n(٣) ذكره الحافظ المزي في تهذيب الكمال (١/ ٤٥).","vol":"1","page":10},{"text":"وقال الإمام عبد الله بن المبارك - ﵀ -: «معاوية عندنا مِحْنة، فمن رأيناه ينظر إليه شزَرًا اتهمناه على القوم»، يعني الصحابة. (١)\nوقد صدق في ذلك - ﵀ -، فإنه ما من رجل يتجرأ ويطعن في معاوية - ﵁ - إلا تجرأ على غيره من الصحابة - ﵃ -.وانظر هذا في أحوال الزيدية: فإنهم طعنوا في معاوية - ﵁ - ثم تجرؤوا على عثمان - ﵁ -، ثم تكلموا في أبي بكر وعمر - ﵄ - حتى صرح بعض الزيدية بكفرهما. والسبب في ذلك أن من تجرأ على معاوية - ﵁ - فإنه يكون قد أزال هيبة الصحابة من قلبه فيقع فيهم.\nقال الأوزاعي: «أدركَتْ خلافةُ معاوية جماعةً من أصحاب رسول الله - ﵌ -، لم ينتزعوا يدًا من طاعة، ولا فارقوا جماعة، وكان زيد بن ثابت يأخذ العطاء من معاوية».\nوقال أيضًا: «أدركَتْ خلافةُ معاوية عدةً من أصحاب رسول الله - ﵌ -، منهم: سعد، وأسامة، وجابر، وابن عمر، وزيد بن ثابت، ومسلمة بن مخلد، وأبو سعيد، ورافع بن خديج، وأبو أمامة، وأنس بن مالك، ورجال أكثر ممن سمَّيْنا بأضعاف مضاعفة، كانوا مصابيح الهدى وأوعية العلم، حضروا من الكتاب تنزيله، وأخذوا عن رسول الله - ﵌ - تأويله.\nومن التابعين لهم بإحسان إن شاء الله منهم: المسور بن مخرمة، وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث، وسعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وعبد الله بن محيريز، في أشباه لهم، لم ينزعوا يدًا عن مجامعة في أمة محمد - ﵌ -» (٢).\nوقال البيهقي بعد أن سرد الآيات والأحاديث الموجبة لحب الصحابة جميعًا، وأن ذلك من الإيمان: «وإذا ظهر أن حب الصحابة من الإيمان، فحُبُّهم أن يَعتقد فضائلهم، ويَعترف لهم بها، ويَعرف لكل ذي حقٍّ منهم حقَّه، ولكل ذي غناءٍ في الإسلام منهم غناءَه، ولكل ذي منزلةٍ عند رسول الله - ﵌ - منزلتَه، ويَنشر محاسنهم،\n_________\n(١) انظر: البداية والنهاية لابن كثير ٨/ ١٣٩.\n(٢) رواه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٩/ ١٥٨)، ورجاله ثقات أثبات.","vol":"1","page":11},{"text":"ويدعو بالخير لهم، ويقتدي بما جاء في أبواب الدين عنهم، ولا يتبع زلاتِهم وهفواتِهم، ولا يتعمَّد تهجين أحد منهم بِبَثِّ ما لا يحسن عنه، ويسكت عما لا يقع ضرورة إلى الخوض فيه فيما كان بينهم» (١).\nوقال الميموني: «سمعت أحمد يقول: ما لهم ولمعاوية؟ نسأل الله العافية».\nوقال لي: «يا أبا الحسن إذا رأيت أحدًا يذكر أصحاب رسول الله - ﵌ - بسوء فاتهمه على الإسلام» (٢).\nوروى الخطيب البغدادي عن أبى زرعة الرازى - ﵀ - أنه قال:\n«إذا رأيت الرجل ينتقص أحدا من أصحاب رسول الله - ﵌ - فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول - ﵌ - عندنا حق، والقرآن حق، وإنما أدَّى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله - ﵌ -، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليُبْطِلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أوْلى وهم زنادقة» (٣).\nولما تكلم الموفق ابن قدامة في لمعة الاعتقاد عن الصحابة إجمالًا ختم بقوله: «ومعاوية خال المؤمنين، وكاتب وحي الله، أحد خلفاء المسلمين - ﵃ -».\nفعلّق الشيخ ابن عثيمين - ﵀ -: «إنما ذكره المؤلف وأثنى عليه للرد على الروافض الذين يسبونه ويقدحون فيه» (٤).\nومعاوية - ﵁ - كان من كتاب الوحي، وقد أثبت ذلك إمام الحديث أحمد بن حنبل وأمر بهجر من يجحد بتلك الحقيقة.\nولذلك لمّا سأل رجلٌ الإمام أحمد بن حنبل: «ما تقول - رحمك الله - فيمن قال: لا أقول إن معاوية كاتب الوحي، ولا أقول إنه خال المؤمنين، فإنه أخذها بالسَّيف\n_________\n(١) شُعَب الإيمان (٤/ ١٤٦).\n(٢) الصارم المسلول (٣/ ١٠٥٨)، وأوله عند الخلال (٢/ ٤٣٢) بسند صحيح.\n(٣) الكفاية في علم الرواية (ص٦٧).\n(٤) شرح لمعة الاعتقاد (ص١٠٧).","vol":"1","page":12},{"text":"غصْبًا؟».قال الإمام أحمد: «هذا قول سوءٍ رديء. يجانَبُون هؤلاء القوم، ولا يجالَسون، ونبيِّن أمرهم للناس» (١).\nوعن إبراهيم بن ميسرة قال: «ما رأيت عمر بن عبد العزيز ضرب إنسانًا قط إلا إنسانًا شتم معاوية فإنه ضربه أسواطًا» (٢).\nوما ضَرَّ معاويةَ - ﵁ - شَتْمُ مَنْ شَتَمَه؛ فإنه «ما ضر المسك عطره، أن مات من شمه الجعل» (٣).\nو«لا يضر السحابَ نبحُ الكلاب، ولن يضير السماء نقيق الضفادع».\nيا نَاطِحَ الجَبَلَ العالي ليَكْلِمَه ... أَشفِقْ على الرّأسِ لا تُشْفِقْ على الجَبَلِ\nوقد يلاحظ القارئ الكريم أن هناك تكرارًا لبعض الأقوال؛ والسبب في ذلك تعلقها بالموضوع الذي ذُكِرَتْ فيه، وهذا أيسر للقارئ من الإحالة على ماسبق ذكره.\nوفي الختام أتقدم بالشكر لأستاذي الأستاذ الدكتور أنور السنوسي لما قام به من جهد في مراجعة هذا الكتاب، واللهَ أسأل أن يكون هذا الجهد في ميزان حسناته، وأن نكون بهذه الورقات قد وفَّينا الصحابي الجليل معاوية بن أبي سفيان - ﵄ - بعض حقه علينا في الدفاع عنه باعتباره أحد صحابة حبيبنا - ﵌ -، كما أسأله - ﷾ - أن ينفع المسلمين بهذه الورقات وأن يرزقنا الإخلاص في السر والعلن، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ونبيه - سيدنا محمد - وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.\nشحاتة محمد صقر\nsaqrmhm@gawab.com\n_________\n(١)  السنة للخلال (٢/ ٤٣)، وإسناده صحيح.\n(٢) تاريخ دمشق (٥٩/ ٢١١)، ومعظم النقول المتقدمة ذكرها أيضًا الحافظ ابن كثير في ترجمة معاوية - ﵁ - من كتابه البداية والنهاية (٨/ ١٣٠ - ١٣٩).\n(٣) الجُعْل: دُوَيْبَّة سَوْدَاء تُدِير الْخِرَاء بِأَنْفِهَا. وَمِنْ شَأْنِه جَمْع النَّجَاسَة وَادِّخَارهَا. وَمِنْ عَجِيب أَمْره أَنَّهُ يَمُوت مِنْ رِيح الْوَرْد وَرِيح الطِّيب فَإِذَا أُعِيدَ إِلَى الرَّوْث عَاشَ. وَمِنْ عَادَته أَنْ يَحْرُس النِّيَام فَمَنْ قَامَ لِقَضَاءِ حَاجَته تَبِعَهُ وَذَلِكَ مِنْ شَهْوَته لِلْغَائِطِ لِأَنَّهُ قُوتُه.","vol":"1","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>هذا معاوية - ﵁ </span>-\nأيُّها الشَّانِئُ (١) أَقْصِرْ ... إِنَّمَا جِئْتُ لِأَفْخَرْ\nبِابْنِ حَربٍ مَنْ كَسَيْلٍ ... لِصُرُوحِ الْكُفْرِ دَمَّرْ\nجَيْشُهُ قَامَ يُنادِي ... فِي الدُّنَى: اللهُ أَكْبَرْ\nبَذَلَ الْغالِي انْتِصَارًا ... لِلْهُدَى فِي كُلِّ مَعْبَرْ\nمَجْدُ (رُومَانٍ) و(فُرْسٍ) ... كُلُّ ذَا وَلَّى .. تَبَخَّرْ\nزَانَهُ اللهُ بِحِلْمٍ صَارَ ... فِي الْأَمْثَالِ يُذْكَرْ\nكَاتِبُ الْوَحْيِ أَمِينٌ ... لِلتُّقَى وَالْعَدْلِ مُسْفِرْ\nجَاءَهُ بِالْحَقِّ بُشْرَى ... الصَّادِقِ الْمَصْدُوقِ تُظْهِرْ\nأَنَّهُ حَازَ الْجِنَانَ ... سَبْقَ مَنْ في الْيَمِّ أَبْحَرْ (٢)\nكَالْمُلُوكِ فِي الْأَسِرَّةْ (٣) ... إِنَّ فَضْلَ اللهِ أَكْبَرْ\n_________\n(١) الشانئ: المبغِض.\n(٢) قال - ﵌ -: «أَوَّلُ جَيْشٍ مِنْ أُمَّتِي يَغْزُونَ الْبَحْرَ قَدْ أَوْجَبُوا». (رواه البخاري). ...\n(قَدْ أَوْجَبُوا) أَيْ فَعَلُوا فِعْلًا وَجَبَتْ لَهُمْ بِهِ الْجَنَّة. ...\nوفِي هَذَا الْحَدِيثِ مَنْقَبَة لِمُعَاوِيَة - ﵁ - لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ غَزَا الْبَحْرَ.\n(٣) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ - عَنْ أُمِّ حَرَامٍ - ﵂ - وَهِيَ خَالَةُ أَنَسٍ قَالَتْ: أَتَانَا النَّبِيُّ - ﵌ - يَوْمًا، فَقَالَ عِنْدَنَا، فَاسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ فَقُلْتُ: «مَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللهِ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي؟»، قَالَ: «أُرِيتُ قَوْمًا مِنْ أُمَّتِي يَرْكَبُونَ ظَهْرَ الْبَحْرِ كَالْمُلُوكِ عَلَى الْأَسِرَّةِ».فَقُلْتُ: «ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ». قَالَ: «فَإِنَّكِ مِنْهُمْ».\nقَالَتْ: «ثُمَّ نَامَ فَاسْتَيْقَظَ أَيْضًا وَهُوَ يَضْحَكُ فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ مِثْلَ مَقَالَتِهِ فَقُلْتُ: «ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ».\nقَالَ: «أَنْتِ مِنْ الْأَوَّلِينَ».\nفَخَرَجَتْ مَعَ زَوْجِهَا عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ غَازِيًا أَوَّلَ مَا رَكِبَ الْمُسْلِمُونَ الْبَحْرَ مَعَ مُعَاوِيَةَ، فَلَمَّا انْصَرَفُوا مِنْ غَزْوِهِمْ قَافِلِينَ فَنَزَلُوا الشَّأْمَ، فَقُرِّبَتْ إِلَيْهَا دَابَّةٌ لِتَرْكَبَهَا فَصَرَعَتْهَا فَمَاتَتْ. (رواه البخاري ومسلم).\nقَوْله (مُلُوكًا عَلَى الْأَسِرَّة): أي رَأَى الْغُزَاة فِي الْبَحْر مِنْ أُمَّته مُلُوكًا عَلَى الْأَسِرَّة فِي الْجَنَّة، وَرُؤْيَاهُ - ﵌ - وَحْي، وَقَدْ قَالَ اللَّه تَعَالَى فِي صِفَة أَهْل الْجَنَّة: ﴿عَلَى سُرَرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾.\nومعاوية - ﵁ - مِن أولى الناس بهذا الفضلُ العظيم، إذ أنه أميرُ تلك الغزاة بالاتفاق، وقد قال ابنُ عبد البر عن هذا الحديث في التمهيد (١/ ٢٣٥): «وفيه فضلٌ لمعاوية - ﵀ -، إذ جَعَلَ مَن غَزا تحتَ رايَتِه مِن الأوَّلين».","vol":"1","page":14},{"text":"وَلَهُ يُدْعَى بِحِفْظٍ ... مِنْ لَظَى - نَارٍ تُسَعَّرْ (١)\nوَدُعَاءٍ بِاهْتِدَاءٍ ... وَالْهُدَى فِي النَّاسِ يَنْشُرْ (٢)\nأَيُّهَا الشَّانِي تَدَبَّرْ ... فِي جَزَاءِ مَنْ تَجَبَّرْ\nعِنْدَ رَبِّ الْعَرْشِ تَلْقَى ... كُلَّ مَا تَجْنِي مُسَطَّرْ\nهل يَضِيرُ الشَّمْسَ يَوْمًا ... جَحْدُ مَنْ لِلنُّورِ أَنْكَرْ\nهَلْ يُمِيطُ الضَّوْءَ عَنْهَا ... أمْ بِنُورِ الْحَقِّ يُقْهَرْ\nأَيُّ وَجْهٍ لِقِرَانٍ؟ (٣) ... ذَاكَ نَجْمٌ لَسْتَ تُذْكَرْ\nأَنْتَ لَا تَسْمُو لِتُرْبٍ (٤) ... دَاسَهُ الْغازِي الْمُظَفَّرْ\nشَادَ فِي الْآفَاقِ عِزًّا ... أُسُّهُ الدِّينُ الْمُطَهَّرْ\nلَيْتَ هَذَا العزَّ فِينَا ... إِنَّنِي كَمْ أَتَحَسَّرْ\n_________\n(١) ثَبَتَ أن النبيَّ - ﵌ - دعا لمعاوية فقال: «اللهُمَّ عَلِّمْهُ الْكِتَابَ والْحِسَابَ، وَقِهِ الْعَذَابَ». (رواه الطبراني وغيره وصححه الألباني).\n(٢) عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عُمَيْرَةَ - ﵁ - - وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ - ﵌ - - عَنْ النَّبِيِّ - ﵌ - أَنَّهُ قَالَ لِمُعَاوِيَةَ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا وَاهْدِ بِهِ» (رواه الترمذي وغيره وصححه الألباني).\n(هَادِيًا) أَيْ لِلنَّاسِ أَوْ دَالًّا عَلَى الْخَيْرِ. (مَهْدِيًّا) أَيْ مُهْتَدِيًا فِي نَفْسِهِ.\n(٣) قِران: مقارنة.\n(٤) تُرْب: تراب.","vol":"1","page":15},{"text":"أيْنَ هَذَا مِنْ قُرَانَا ... سَاسَهَا كِسْرَى وَقَيْصَرْ\nظُلْمُ (أَمْرِيكَا) وَ(رُوسْيَا) ... وَجْهُ مَنْ بِالْكُفْرِ أَسْفَرْ\nجَرْحُ (شِيشَانٍ) وَ(بُورْمَا) ... جَرْحُ أَفْغَانَ الْمُسَعَّرْ\nجَرْحُ أَقْصَانَا سَجِينًا ... جَرْحُ صُومَالَ الْمُفَغَّرْ (١)\nجَرْحُ غَزَةَ قَدْ دَهَانَا ... جَرْحُ بَغْدَادَ تَفَجَّرْ\nأَيُّهَا الْفُجَّارُ مَهْلًا ... إِنَّنَا يَوْمًا سَنَثْأَرْ\nإِنْ أَقَمْنَا الشَّرْعَ فِينَا ... إِنَّنَا حَتْمًا سَنُنْصَرْ\n_________\n(١) المفَغَّر: المتسع.","vol":"1","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>كيف نقرأ التاريخ </span>(١)\nكيف نقرأ التاريخ؟\nلابد أن نقرأ التاريخ كما نقرأ أحاديث رسول الله - ﵌ -.\nإذا أردنا أن نقرأ أحاديث رسول الله - ﵌ - فإننا نتثبت من الخبر أثابِتٌ عن رسول الله - ﵌ - أم لا؟ ولن نستطيع أن نعرف صحة الخبر عن رسول الله - ﵌ - من بطلانه إلا بالنظر إلى الإسناد مع المتن؛ لأن أهل العلم اعتنوا بالحديث ورجاله وتتبعوا أحاديثهم ومحَّصُوها وحكموا عليها وبيَّنوا الصحيح من الضعيف وبالتالي نُقّيَتْ هذه الأحاديث مما فيها أو مما أدخِلَ عليها من كذب أو تدليس أو مما شابه ذلك.\nولكن التاريخ يختلف فتارة نجد كثيرًا من رواياته ليس لها إسناد وتارة أخرى نجد لها إسنادًا ولكن قد لا نجد للرجال الذين في إسناد تلك الرواية ترجمة، ولا نجد أحدًا من أهل العلم تكلم فيهم جرحًا أو تعديلا ً مدحًا أو ذمًا، فيصعب عليك عندئذ أن تحكم على هذه الرواية؛ لأنك لا تعرف حال بعض رجال السند.\nفالأمر أصعب من الحديث، ولكن لا يعني هذا أبدًا أن نتساهل فيه بل لابد أن نتثبت وأن نعرف كيف نأخذ تاريخنا.\nقد يقول قائل: سيضيع علينا كثير من التاريخ بهذه الطريقة.\nنرد عليه قائلين: إنه لن يضيع الكثير كما تتصور.\nبل إن كثيرًا من روايات التاريخ مذكورة بالأسانيد سواء كانت هذه الأسانيد في كتب التاريخ نفسها كتاريخ الطبري، أوفي كتب الحديث كصحيح البخاري ومسند أحمد وسنن الترمذي، أو المصنفات كمصنف ابن أبي شيبه، أو في كتب التفسير التي تذكر بعض الروايات التاريخية بالأسانيد كتفسير ابن كثير وتفسير ابن جرير، وأحيانًا في كتب خاصة تكلمت عن أوقات خاصة ككتاب (حروب الردة) للكلاعي مثلا ً أو\n_________\n(١) حقبة من التاريخ، للشيخ عثمان الخميس ص ٢٩ - ٣٩ باختصار وتصرف يسيرين.","vol":"1","page":17},{"text":"كتاب (تاريخ خليفة بن خياط) المختصر، القصد أنك لا تعجز عن أن تجد سندًا لرواية من الروايات.\nإن لم تجد سندًا:\nوإن عجزت ولم تجد سندًا فعندك أصل عام تسير عليه وهو خاص بالنسبة لما وقع في عهد الصحابة، ألا وهو ثناء الله ﵎ وثناء رسوله - ﵌ - على الصحابة فالأصل فيهم العدالة.\nوكل رواية جاء فيها مطعن على أصحاب رسول الله - ﵌ - فالأصل النظر في السند فإن كان صحيحًا ينظر بعد ذلك في تأويل هذه الرواية وفيما تدل عليه.\nفإن وجدنا السند ضعيفًا فالحمد لله، وإن لم تجد لها سندًا فعندك الأصل وهو عدالة أولئك القوم.\nإذًا عند قراءة التاريخ لابد أن نقرأ بتمحيص كما نقرأ الحديث، ويُخَصُّ من هذا التاريخ تاريخ أصحاب رسول الله - ﵌ -.\nلمن نقرأ؟\nللأسف شُغف الكثيرون الآن في زماننا هذا بقراءة الكتب الحديثة التي ألّفَتْ في التاريخ والتي تهتم بجمال القصة، أو تشويه الصورة، أو هما معًا، بغض النظر عن صحتها أو عدم صحتها، ككتب عباس العقاد، أو كتب خالد محمد خالد، أو كتب طه حسين، أو كتب چورچي زيدان أو غيرهم من المُحْدَثين.\nفهؤلاء عندما يتكلمون عن التاريخ يهتمون بالسياق وجمال القصة بغض النظر عما إذا كانت صحيحة أو غير صحيحة المهم أن يقص عليك قصة جميلة.\nإذن لمن نقرأ؟\n• إذا كنت تستطيع أن تبحث عن الأسانيد وتمحصها فاقرأ للإمام الطبري فهو العمدة بالنسبة للذين يكتبون في التاريخ، واقرأ لابن كثير في كتابه (البداية والنهاية)، وللذهبي في كتابه (تاريخ الإسلام).\n• وإذا كنت لا تستطيع أن تمحص الأسانيد فاقرأ لأبي بكر ابن العربي في كتابه (العواصم من القواصم)، وهو من أجمل الكتب التي تكلمت عن فترة الفتنة التي وقعت بين الصحابة، واقرأ لكتب أهل السنة التي تهتم بتمحيص الروايات التاريخية وفق منهج المحدثين ككتاب (تحقيق مواقف الصحابة في الفتنة من روايات الإمام الطبري والمحدّثين) للأستاذ الدكتور محمد أمحزون.\nمم نحذر؟\nونحن نقرأ كتب التاريخ نحذر من أن نميل مع رأي المؤلف إذ لابد من أن ننظر إلى أصل الرواية لا إلى رأيه وأن نكون منصفين ونحن نقرأ.\nولابد أن نعتقد ونحن نقرأ تاريخ أصحاب رسول الله - ﵌ - أمرين اثنين:\nالأمر الأول:\nأن نعتقد أن أصحاب النبي - ﵌ - هم خير البشر بعد أنبياء الله صلوات الله وسلامه عليهم؛ وذلك لأن الله ﵎ مدحهم والنبي - ﵌ - مدحهم وبيَّنَ في أكثر من حديث أنهم أفضل الأمة أو الأمم بعد أنبياء الله صلوات الله وسلامه عليهم.\nالأمر الثاني:\nأن نعلم أن أصحاب رسول الله - ﵌ - غير معصومين؛ نعم نحن نعتقد العصمة في إجماعهم لأن النبي - ﵌ - أخبرنا أن هذه الأمة لا تجتمع على ضلالة (١)، لكنْ كأفراد هم غير معصومين فالعصمة لأنبياء الله - ﷿ -، أما غير الأنبياء فلا نعتقد بعصمة أحد منهم.\nإذًا لابد أن نعتقد أن الصحابة خير الأولياء وأن نعتقد أنهم غير معصومين.\n_________\n(١) قال رسول الله - ﵌ -: «إنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ أَجَارَ أمَّتِي أنْ تَجْتَمِعَ عَلَى ضَلَالَةٍ». (رواه ابن أبي عاصم في السنة وحسنه الألباني).","vol":"1","page":18},{"text":"فإذا جاءتك رواية فيها طعن في صحابي فلا تُقْدِمْ على ردّها وأيضًا لا تقْبَلْها حتى تنظر فيها، فإن وجدت السند صحيحًا فهذه من الأشياء التي هم غير معصومين فيها.\nوإن وجدت السند ضعيفًا فنبقى على الأصل وهو أنهم خير البشر بعد أنبياء الله صلوات الله وسلامه عليهم.\nمدح الله ﵎ لأصحاب رسول الله - ﵌ -:\nأما مدح الله ﵎ لأصحاب رسول الله - ﵌ - فهو في قول الله - ﷿ -:\n﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾ (محمد:٢٩).\nمَدَح الله ﵎ جملة أصحاب رسول الله - ﵌ - إذ ًا الأصل فيهم المدح.\nمدح رسول الله - ﵌ - لأصحابه - ﵃ -:\nوقد ثبت عن النبي - ﵌ - أنه قال: «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ» (متفق عليه).\nفهذا مدح من رسول الله - ﵌ - لأصحابه رضوان الله ﵎ عليهم.\nلاتقبل كل ما خَطّ الرواة:\nيقول أبو عبد الله القحطاني في نونيته:\nلَا تَقْبَلَنَّ مِنَ التَّوَارِخِ كُلّ مَا ... جَمَعَ الرُّوَاةُ وَخَطّ كُلُّ بَنَانِ\nارْوِ الحَدِيثَ المُنْتَقَى عَنْ أَهْلِهِ ... سِيمَا ذَوِي الأحْلَامِ والأسْنَانِ\nكَابْنِ المُسَيَّبِ وَالعَلَاءِ وَمَالِكٍ ... وَاللّيْثِ وَالزُهْرِيِّ أوْ سُفْيَانِ\n\nوهو يحذّر المخاطب أن لا يقبلن من التوارخ كل ما خط الرواة وجمعوا، وأن لا يقبل كل هذا التاريخ ففيه الغث والسمين، إذ ًا كيف؟ قال: إذا أردت تاريخًا صحيحًا","vol":"1","page":20},{"text":"فهو الذي يرويه هؤلاء وأمثالهم من الثقات، لا كما يقول الكثيرون ممن يطعنون في سيرة أصحاب رسول الله - ﵌ -، يقولون إن تاريخنا أسود مظلم قاتم، لا بل تاريخنا ناصع، جميل، طيب يتلذذ الإنسان بقراءته.\nتاريخ الطبري:\nإن أهم كتاب في التاريخ هو تاريخ الإمام الطبري وكثيرًا ما ينقل الناس عن تاريخ الطبري، أهل السنة ينقلون عن تاريخ الطبري، وأهل البدعة ينقلون عن تاريخ الطبري، أهل السنة يحتجون بتاريخ الطبري، وأهل البدعة يحتجون بتاريخ الطبري.\nلماذا يقدم تاريخ الطبري على غيره من التواريخ؟\nلأمور كثيرة منها:\n١ - قرب عهد الإمام الطبري من تلك الحوادث.\n٢ - أن الإمام الطبري يروي بالأسانيد.\n٣ - جلالة الإمام الطبري ومنزلته العلمية ﵀ ﵎.\n٤ - أن أكثر كتب التاريخ إنما تنقل عنه.\nوإذا كان الأمر كذلك فنحن إذا أردنا أن نقرأ فلنذهب مباشرة إلى الإمام الطبري، ولكن أهل السنة يأخذون من تاريخ الطبري وأهل البدعة يأخذون من تاريخ الطبري، فكيف نوفّق بين هذا وهذا؟\nتاريخ الطبري - كما قلنا - من مميزاته أنه لايحدّث إلا بالأسانيد، أهل السنة يأخذون الصحيح من أسانيد الطبري وأهل البدعة يأخذون الصحيح والغث والسمين، المهم أن يوافق أهواءهم.","vol":"1","page":21},{"text":"منهج الإمام الطبري في تاريخه:\nلقد أراحنا الإمام الطبري - ﵀ - من هذه المسألة بمقدمة كتبها في أول كتابه، ليت الذين يقرؤون التاريخ يقرؤون هذه المقدمة (١).\nيقول الإمام الطبري في مقدمة تاريخه:\n«وليعلم الناظر في كتابنا هذا أن اعتمادي في كل ما أحضرت ذكره فيه مما شرطت أني راسمه فيه، إنما هو على ما رُوِّيتُ من الأخبار التي أنا ذاكرها فيه والآثار التي أنا مُسْنِدُها إلى رواتها.\nفما يكن في كتابي هذا من خير ذكرناه عن بعض الماضين مما يستنكره قارئه أو يستشنعه سامعه، من أجل أنه لم يعرف له وجهًا من الصحة ولا معنى في الحقيقة فليعلم أنه لم يُؤْتَ في ذلك مِن قِبَلِنَا وإنما أتِيَ مِنْ قِبَل ناقليه إلينا، وإنا إنما أدَّيْنا ذلك على نحو ما أدِّيَ إلينا».\nإن الإمام الطبري بهذه المقدمة التي قدم لكتابه ألقى العهدة عليك أيها القارئ فهو يقول لك: إذا وجدت في كتابي هذا خبرًا تستشنعه ولا تقبله فانظر عمن رُوِّيناه والعهدة عليه، وعليَّ أن أذكر من حدثني بهذا، فإن كان ثقة فاقبل وإن لم يكن ثقة فلا تقبل.\nوهذا الأمر قام به أكثر المحدثين، فحين ترجع إلى كتب الحديث غير الصحيحين اللذين تعهدا بإخراج الصحيح فقط، كأن ترجع إلى سنن الترمذي، أو أبي داود، أو الدارقطني، أو الدارمي أو مسند أحمد أو غيرها من الكتب تجدهم يذكرون لك الإسناد ولم يتعهدوا بذكر الصحيح فقط وإنما ذكروا لك الإسناد، وانظر أنت إلى الإسناد إذا كان السند صحيحًا فاقبل وإن لم يكن صحيحًا فرُدّه.\nوالطبري هنا لم يتعهد أن ينقل الصحيح فقط إنما تعهد أن يحدثك عمن نقل عنه، يحدثك باسمه فإذا كان الأمر كذلك فلا عهدة على الإمام الطبري رحمه الله تعالى.\n_________\n(١) بل ينبغي لكل إنسان إذا أراد أن يقرأ كتابًا من الكتب أن يقرأ مقدمة الكتاب حتى يعرف منهج المؤلف.","vol":"1","page":22},{"text":"وقد أكثَرَ الإمام الطبري في كتابه (التاريخ) النقل عن رجل اسمه لوط بن يحيى، ويكنى بأبي مخنف.\nولوط بن يحيى هذا روى عنه الطبري خمسمائة وسبعًا وثمانين رواية، وهذه الروايات تبدأ من وفاة النبي - ﵌ - وتنتهي إلى خلافة يزيد، منها سقيفة بني ساعدة، قصة الشورى الأمور التي من أجلها قام الخوارج على عثمان - ﵁ - ثم بعد ذلك مقتله، خلافة علي - ﵁ -، معركة الجمل، معركة صِفِّين، التحكيم، معركة النهروان، خلافة معاوية - ﵁ -، قتل الحسين - ﵁ -.في كل هذه تجد لأبي مخنف رواية وهذه هي التي يعتمدها أهل البدع، ويحرصون عليها.\nوليس أبو مخنف وحده بل أبو مخنف هو أشهرهم وإلا فهناك غيره كالواقدي مثلا ً، وهو متروك متهم بالكذب أيضًا.\nوالثالث: سيف بن عمر التميمي وهو أيضًا مؤرخ معروف ولكنه متروك متهم بالكذب أيضًا. وكذلك الكلبي وهو كذاب مشهور فإذ ًا لابد أن يتثبت المرء من رواية أمثال هؤلاء.\nنرجع إلى أبي مخنف قال عنه ابن معين: ليس بثقة.\nوقال أبو حاتم: متروك الحديث.\nوسئل عنه مرة فنفض يده وقال: أحد يسأل عن هذا؟.\nوقال الدارقطني: ضعيف.\nوقال الذهبي: أخباري تالف لا يوثق به.\nفأنت إذا فتحت تاريخ الطبري ووجدت رواية فيها مطعن على أصحاب الرسول ثم وجدت أن الطبري إنما رواها عن أبي مخنف فعليك أن تلقيها جانبًا.\nلماذا؟ لأنها من رواية أبي مخنف.\nوأبو مخنف هذا جمع بين البدعة والكذب وكثرة الرواية؛ مبتدع كذاب مكثر من الرواية.","vol":"1","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>دور الشيعة في الدس على التاريخ الإسلامي وتشويهه:</span>\nأشهر أهل البدع الشيعة وهم أكثروا من الكذب في التاريخ؛ ولذلك قال أهل العلم: «أكذب من رافضي»، وذلك لكثرة الكذب عندهم.\nقال الأعمش: «أدركت الناس وما يسمونهم إلا الكذابين».\nويقول شريك القاضي: «احمل العلم عن كل من لقيته إلا الرافضة، فإنهم يضعون الحديث ويتخذونه دينًا».\nويقول الإمام الشافعي: «لم أرَ أشْهَدَ بالزورِ من الرافضة» (١).\nفالقصد أن هذه الفرقة اشتهرت أكثر من غيرها باختلاق الكذب والأحاديث.\nمنهج التثبت عن أهل السنة متى بدأ؟\nبدأ لما وقعت الفتنة كما يقول الإمام محمد بن سيرين التابعي الجليل - ﵀ -: «لَمْ يَكُونُوا يَسْأَلُونَ عَنِ الإِسْنَادِ، فَلَمَّا وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ قَالُوا: «سَمُّوا لَنَا رِجَالَكُمْ»، فَيُنْظَرُ إِلَى أَهْلِ السُّنَّةِ فَيُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ وَيُنْظَرُ إِلَى أَهْلِ الْبِدَعِ فَلاَ يُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ» (٢).\nوذلك أن الأصل في الناس الثقة، ولأن ابن سيرين من كبار التابعين، وأدرك حياة الصحابة وعاش مع كبار التابعين ومع صغارهم، ولأن الفتنة هذه هي خروج أهل البدع كالشيعة والخوارج والقدرية.\n_________\n(١) انظر أقوال هؤلاء الأئمة في مختصر منهاج السنة لشيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - ص (٢٥. (\n(٢) رواه مسلم في مقدمة صحيحه (١/ ١٥ (.","vol":"1","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>وسائل الأخباريين في تشويه التاريخ:</span>\n١ - الاختلاق والكذب:\nيختلقون قصة ما، كما اختلقوا مثلًا أن عائشة - ﵂ - لما جاءها خبر موت علي - ﵁ - سجدت لله شكرًا؛ وهذه قصة مكذوبة.\n٢ - الزيادة على الحادثة أو النقصان منها بقصد التشويه.\nأصل الحادثة صحيح كحادثة السقيفة، قصة السقيفة صحيحة ووقع هناك اجتماع بين أبي بكر وعمر وأبي عبيدة من جانب، والحباب بن المنذر وسعد بن عبادة وغيرهما من الأنصار من جانب آخر، فزادوا عليها أشياء أرادوا بها تشويه هذه الحقيقة وتشويه حياة أصحاب رسول الله - ﵃ -.\n٣ - التأويل الباطل للأحداث:\nوهو أن يجتهد في تأويل الحدث تأويلًا باطلًا يتمشى مع هواه، مع معتقده، مع بدعته التي هو عليها.\n٤ - إبراز المثالب والأخطاء:\nالقصة صحيحة، ولكن يبرزها إبرازًا يركز فيه على الأخطاء ويغطي على أية محاسن.\n٥ - صناعة الأشعار لتأييد حوادث تاريخية:\nيصنعون شعرًا يؤلفه أحدهم ثم ينسبه إلى أمير المؤمنين علي - ﵁ - أو ينسبه إلى أم المؤمنين عائشة - ﵂ -، أو ينسبه إلى الزبير أو إلى طلحه - ﵄ - في الطعن في أحد الصحابة.\n٦ - وضع الكتب والرسائل المزيفة:\nككتاب (الإمامة والسياسة) الذي نسب - زورًا - للإمام ابن قتيبة، وكتاب (نهج البلاغة) الذي نُسب - زورًا - إلى علي ابن أبي طالب - ﵁ - (١).\n_________\n(١) حقبة من التاريخ للشيخ عثمان الخميس (٢٩ - ٣٩) بتصرف واختصار يسيرين.","vol":"1","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>تنبيه:</span>\nمما يؤسف له أن ينخدع كثير من أهل السنة بكتاب (نهج البلاغة)، فتجده في مكتباتهم الخاصة والعامة، بل إن كثيرًا منهم لا يعلم أنه من كتب الشيعة، وأنه كتاب مطعون في سنده ومتنه، فقد جُمِع بلا سند بعد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - ﵁ - بثلاثة قرون ونصف، وقد نسبت الشيعة تأليف نهج البلاغة إلى الشريف الرضي - محمد بن الحسين بن موسى الرضي أبو الحسن، المتوفى سنة ٤٠٦ هـ قال الذهبي: «رافضي جلد» (١)، وهو غير مقبول عند المحدثين لو أسند - خصوصًا فيما يوافق بدعته - فيكف إذا لم يُسنِد كما فعل في (النهج)؟\nوأما المتهم - عند المحَدِّثين - بوضع (النهج) فهو أخوه علي بن الحسين العلوي الشريف المرتضى المتكلم الرافضي المعتزلي، المتوفى سنة (٤٣٦هـ) (٢).\nوسواء أكان من تأليف وجمع الشريف الرضى، أم أخيه الشريف المرتضى، فليس متصل الإسناد إلى الإمام على - ﵁ -.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وأهل العلم يعلمون أن أكثر خُطَب هذا الكتاب مُفْتَراة علَى علِيٍّ، ولهذا لا يوجد غالبها في كتاب متقدم ولا لها إسناد معروف» (٣).\nوقال الإمام الذهبي: «ومن طالع كتابه «نهج البلاغة» جزم بأنه مكذوب على أمير المؤمنين عليّ - ﵁ -، ففيه السب الصراح والحطُّ على السيدين أبي بكر وعمر - ﵄ -، وفيه من التناقض والأشياء الركيكة والعبارات التي مَن له معرفة بنفس القرشيين الصحابة، وبنفس غيرهم ممن بعدهم من المتأخرين، جزم بأن الكتاب أكثره باطل» (٤).\nوقد قام الدكتور صبري إبراهيم السّيّد في تحقيقه وتوثيقه لـ (نهج البلاغة) ببحث يمتاز بالدقة والصبر والتأنّي ذكر فيه عشرة أسباب للشك في نسبة النّصوص\n_________\n(١) ميزان الاعتدال (٣/ ٥٢٣).\n(٢) ميزان الاعتدال (٣/ ١٢٤).\n(٣) منهاج السنة (٤/ ٢٤).\n(٤) ميزان الاعتدال (٣/ ١٢٤).","vol":"1","page":26},{"text":"الواردة في كتاب (نهج البلاغة) عن القدماء والمحدثين ننقلها بشيء من الاختصار والتصرّف:\n- إن في الكتاب من التعريض بصحابة رسول الله - ﵌ - ما لا يصحّ نسبته إلى عليّ - ﵁ -، وهو ما قرّره الحافظ ابن حجر بقوله: «ففيه السبّ الصراح والحطّ على السيدين أبي بكر وعمر - ﵄ -». (١)\n- إنّ فيه من السجع والتنميق اللفظي وآثار الصنعة ما لم يعهده عهد عليّ ولا عرفَه.\n- إنّ فيه من دقة الوصف واستفراغ صفات الموصوف كما تراه في الخفاش والطاووس وغير ذلك مما لم تعرفه العرب إلاّ بعد تعريب كتب اليونان والفرس الأدبية والحكمية.\n- إنّ فيه بعض الألفاظ الاصطلاحية التي لم تعرف إلا من بعد كاصطلاحات المتكلّمين وأصحاب المقولات مثل (المحسوسات) و(الصفات الذاتية والجسمانية).\n- إنّ فيه ما يُشَمّ منه ريح ادّعاء صاحبه علم الغيب.\n- إنّ في خطبه مقاطع طويلة وقصيرة تروى على وجهين مختلفين يتّفقان في المعنى، ولكن يختلفان في اللفظ.\n- خلوّ الكتب الأدبية والتاريخية التي ظهرت قبل الشريف الرضي من كثير مما في (النهج).\n- طول الكلام غير المعهود في ذلك الوقت كما في عهده إلى الأشتر النخعي، والمعروف عن عليّ - ﵁ - التوسّط إن لم يكن الإيجاز.\n- ما في الكتب من الخطب الكثيرة والرسائل المتعددة التي من الواضح أنها مختلقة لأغراض مذهبية شيعية.\n_________\n(١) اللسان (٤/ ٢٢٣).","vol":"1","page":27},{"text":"- عدم ذكر المصادر المنقول منها خطب علي - ﵁ - ولا الشيوخ الذين رووا ذلك (١).\nوقد استهجن الدكتور زيد العيص موقف محمد عبده من الكتاب حيث قام بشرح ألفاظ الكتاب.\nقال الدكتور: «وليس بمستغرب أن يصدر هذا الافتراء عن الشريف المرتضى، إنما المستهجن موقف الشيخ محمد عبده الذي قام بشرح ألفاظ هذا الكتاب، وكان يمر بالعبارات التي تذم الشيخين والصحابة، والنصوص التي توحي بأن عليًّا يعلم الغيب، وغيرها من النصوص المستنكرة، دون أن يعلق بكلمة واحدة، وكأنها مسلمات عنده.\nولم يكن هَمّ الشيخ سوى شرح الألفاظ، وتقريب المعاني إلى القاريء بأسلوب ميسر ليحببه إلى النفوس، ويشجع على قراءته، والغريب أيضا أنه عبَّر في بعض المواضع عن أهل السنة بقوله: «عندهم». ولا أدري أين كان يضع الإمام نفسه وقتئذ؟» (٢).\n_________\n(١) انظر في نقد نهج البلاغة: تأملات في كتاب نهج البلاغة لمحمد الصادق، قراءة راشدة لكتاب نهج البلاغة لعبد الرحمن عبد الله الجميعان، كِتابُ (نَهْجِ البَلاغَةِ) في مِيزانِ أهلِ السنةِ والجماعةِ لعبد الله زقيل.\n(٢) الخميني والوجه الآخر (ص ١٦٦).","vol":"1","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>ذم في ثوب المدح، تشويق وتشويه</span>\nإن من وسائل الأخباريين في تزييف الحقائق التاريخية وضع الذم في ثوب المدح، فتجد أحدهم يذكر واقعة معينة بها فضيلة لأحد الصحابة ولكن لو دققت فيها لوجدت طعنًا فيه أو في غيره من الصحابة.\nوهذه الخدعة قد تنطلي حتى على بعض الغيورين من أهل السنة فتجده يستدل بالواقعة على شيء مع أنها في نفس الوقت تهدم شيئًا آخر.\nومن أوضح الأمثلة على ذلك:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>١ - قصة ابن الأكرمين:</span>\nرُوِيَ عن أنس بن مالك - ﵁ - أن رجلًا من أهل مصر أتى إلى عمر بن الخطاب - ﵁ - فقال: «يا أمير المؤمنين، عائذ بك من الظلم».\nقال: «عُذْتَ بمعاذ».\nقال: «سابقتُ ابنَ عمرو بن العاص فسبقتُه، فجعل يضربني بالسوط ويقول: أنا ابن الأكرمين».\nفكتب عمر إلى عمرو يأمره بالقدوم عليه، ويَقْدم بابنه معه، فقدم، فقال عمر: أين المصري؟ خذ السوط فاضرب.\nفجعل يضربه بالسوط، ويقول عمر: «اضرب ابن الألْيَمَيْن».\nقال أنس: فضرب، فوالله لقد ضربه ونحن نحب ضربه، فما أقلع عنه حتى تمنينا أنه يرفع عنه، ثم قال عمر للمصري: «ضع على صلعة عمرو».\nفقال: «يا أمير المؤمنين إنما ابنه الذى ضربني، وقد اشتفيت منه».\nفقال عمر لعمرو: «مُذْ كم تعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟».\nقال: «يا أمير المؤمنين لم أعلم ولم يأتني».","vol":"1","page":29},{"text":"هذه القصة الموضوعة رواها ابن عبد الحكم في (فتوح مصر وأخبارها ص٢٩٠، وأوردها محمد يوسف الكاندهلوي في (حياة الصحابة ٢/ ٨٨، باب عدل النبي وأصحابه). وقد استدل بها على عدل عمر - ﵁ -.\nوقد ذكرها أحد الدعاة - حفظه الله - في أحد دروسه على إحدى القنوات الفضائية مستدلًا على عدل الفاروق عمر - ﵁ -.\nوقد بيَّن الشيخ علي حشيش في مجلة التوحيد عدد شعبان ١٤٢٢هـ أن هذه القصة واهية وسندها منقطع ومظلم.\nويظهر هذا الانقطاع في السند، حيث قال ابن عبد الحكم فى (فتوح مصر ص ٢٩٠): «حُدِّثْنا عن أبى عبدة عن ثابت البُنانى وحُمَيْد عن أنس ...» ثم ذكر القصة.\nولفظ الأداء فى رواية ابن عبد الحكم للقصة مبنى للمجهول، وبهذا لم يُعرَف مَن الشيخ الذي أخذ عنه وتلقى عنه القصة. وترتب عليه عدم معرفة أبى عبدة الذي روى عنه هذا المجهول وأصبح السند مظلمًا بهذه الجهالة.\nوهذه القصة لو دققت فيها لوجدت طعنًا في عمرو بن العاص - ﵁ - حيث اتهامه باستغلال ابنه لنفوذ أبيه في ظلم الرعية.\nوفيها طعن في عمر بن الخطاب - ﵁ - بمخالفة الكتاب والسنة؛ إذ ورد في القصة قول عمر للمصرى: «ضع السوط على صلعة عمرو».\nوقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (الإسراء:١٥).\nقال ابن كثير: «أي لا يحمل أحد ذنب أحد، ولا يجني جَانٍ إلا على نفسه» (١).\nوقال القرطبى: «أي لا تحمل حاملة ثقل أخرى، أي لا تؤخذ نفس بذنب غيرها، بل كل نفس مأخوذة بجرمها ومعاقبة بإثمها» (٢).\n_________\n(١) تفسير القرآن العظيم (٥/ ٣٤).\n(٢) الجامع لأحكام القرآن (٣/ ٢٦٧٦).","vol":"1","page":30},{"text":"وفى هذه القصة يُنْسب إلى عمر بن الخطاب - ﵁ - أنه قال للمصري وهو يضرب ابن عمرو بن العاص: «اضرب ابن الألْيَمين». يعنى الألْأمين، وهذا اللفظ أشد من لفظ (لئيم) لأن هناك اللئيم والألْأم، ولفظ (اللئيم) معناه: «الدنيء الأصل الشحيح النفس» (١) والتعيير بالأصل لا يجوز؛ لأنه من أمور الجاهلية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>٢ - قصة أصابت امرأة وأخطأ عمر:</span>\nأخرج سعيد بن منصور في سننه عن الشعبي قال: «خطب عمر بن الخطاب - ﵁ - الناس، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: «ألَا لَا تُغالوا في صداق النساء، فإنه لا يبلغني عن أحد ساق أكثر من شيء ساقه رسول الله - ﵌ - أو سيق إليه إلا جعلت فضل ذلك في بيت المال»، ثم نزل فعرضت له امرأة من قريش فقالت: «يا أمير المؤمنين أكتاب الله أحق أن يتبع أم قولك؟».\nقال: «بل كتاب الله ﷿، فما ذلك؟».\nقالت: «نهيت الناس آنفًا أن يغالوا في صداق النساء، والله ﷿ يقول في كتابه: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ (النساء:٢٠).\nفقال عمر: «كل أحد أفقه من عمر» مرتين أو ثلاثًا، ثم رجع إلى المنبر، فقال للناس: «إني نهيتكم أن تغالوا في صداق النساء؛ ألا فليفعل رجل في ماله ما بدا له». (٢)\nوهذه الرواية قد بيَّن ضعّفها الشيخ الألباني في (إرواء الغليل رقم ١٩٢٧)، والشيخ علي حشيش في (سلسلة تحذير الداعية من القصص الواهية) التي تصدر تباعًا في مجلة (التوحيد) المصرية.\nوهذه الرواية باطلة سندًا ومتنًا.\nفأما من ناحية السند: ففيه علّتان:\n_________\n(١) انظر: لسان العرب (١٢/ ٥٣٠).\n(٢) سنن سعيد بن منصور (ج١، باب ما جاء في الصداق برقم (٥٩٥، ٥٦٩،٥٧٩).","vol":"1","page":31},{"text":"الأولى: الانقطاع، قال البيهقي عقب روايته: «هذا منقطع؛ لأن الشعبي لم يدرك عمر».\nوالعلّة الثانية: أن فيه مجالدًا وهو ابن سعيد، ضعفه الأئمة النسائي والجوزجاني وابن عدي وأحمد بن حنبل وابن معين وابن حجر. (١)\nوأما من ناحية المتن: ففيه نكارة وذلك للأسباب التالية:\nأـ أنه ثبت عن عمر صريحًا نهيه عن المغالاة في المهور بالسند الصحيح، فعَنْ أَبِي الْعَجْفَاءِ السُّلَمِيِّ قَالَ: خَطَبَنَا عُمَرُ ﵀ فَقَالَ: «أَلَا لَا تُغَالُوا بِصُدُقِ النِّسَاءِ؛ فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ مَكْرُمَةً فِي الدُّنْيَا أَوْ تَقْوَى عِنْدَ اللهِ لَكَانَ أَوْلَاكُمْ بِهَا النَّبِيُّ - ﵌ -، مَا أَصْدَقَ رَسُولُ اللهِ - ﵌ - امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ، وَلَا أُصْدِقَتْ امْرَأَةٌ مِنْ بَنَاتِهِ أَكْثَرَ مِنْ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً» (رواه أبو داود والترمذي والنسائي، وصححه الألباني).\nفهذه الرواية الصحيحة تُظهِر نَهْيَ عمر - ﵁ - عن المغالاة في المهور وهي تُظهِر بطلان الرواية الأخرى.\nب - مخالفتها لنصوص صحيحة صريحة في الحث على عدم المغالاة في المهور وتيسير أمر الصداق منها: قوله - ﵌ -: «خَيْرُ النِّكَاحِ أَيْسَرُهُ» (رواه أبو داود، وصححه الألباني).\nومنها قوله - ﵌ -: «إِنَّ مِنْ يُمْنِ الْمَرْأَةِ تَيْسِيرُ خِطْبَتِهَا وَتَيْسِيرُ صَدَاقِهَا، وَتَيْسِيرُ رَحِمِهَا» (رواه ابن حبان والحاكم وغيرهما، وحسنه الألباني).\nومنها أيضًا ما أخرجه مسلم في صحيحه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ:\n«جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - ﵌ - فَقَالَ: إِنِّي تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً مِنْ الْأَنْصَارِ.\n_________\n(١) الضعفاء الصغير للبخاري (ص١١٦) رقم (٣٦٨)، الضعفاء والمتروكين للنسائي (ص ٢٣٦) رقم (٥٥٢)، الشجرة في أحوال الرجال وآيات النبوة للجوزجاني (ص ١٤٤)، تهذيب الكمال للمزي (٢٧/ ٢٢٢)، رقم (٥٧٨٠)، تقريب التهذيب (٢/ ١٥٩).\nوانظر: القول المعتبر في تحقيق رواية كل أحد أفقه من عمر.","vol":"1","page":32},{"text":"فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - ﵌ -: «هَلْ نَظَرْتَ إِلَيْهَا؛ فَإِنَّ فِي عُيُونِ الْأَنْصَارِ شَيْئًا؟».\nقَالَ: قَدْ نَظَرْتُ إِلَيْهَا.\nقَالَ: «عَلَى كَمْ تَزَوَّجْتَهَا؟».\nقَالَ: عَلَى أَرْبَعِ أَوَاقٍ.\nفَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - ﵌ -: «عَلَى أَرْبَعِ أَوَاقٍ؟ كَأَنَّمَا تَنْحِتُونَ الْفِضَّةَ مِنْ عُرْضِ هَذَا الْجَبَلِ، مَا عِنْدَنَا مَا نُعْطِيكَ، وَلَكِنْ عَسَى أَنْ نَبْعَثَكَ فِي بَعْثٍ تُصِيبُ مِنْهُ».\nقَالَ: فَبَعَثَ بَعْثًا إِلَى بَنِي عَبْسٍ بَعَثَ ذَلِكَ الرَّجُلَ فِيهِمْ».\nقال الإمام النووي في شرحه لهذا الحديث من صحيح مسلم:\n(الْعُرْض) بِضَمِّ الْعَيْن وَإِسْكَان الرَّاء هُوَ الْجَانِب وَالنَّاحِيَة، (وَتَنْحِتُونَ) بِكَسْرِ الْحَاء أَيْ تُقَشِّرُونَ وَتُقَطِّعُونَ. وَمَعْنَى هَذَا الْكَلَام كَرَاهَة إِكْثَار الْمَهْر بِالنِّسْبَةِ إِلَى حَال الزَّوْج.\nت - هذه الآية التي استدلت بها المرأة ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ (النساء:٢٠) معترضَةً بمفهومها على عمر - ﵁ - في نهيه عن المغالاة في مهور النساء، لا تنافي توجيه عمر، فغاية ما تدل عليه جواز دفع القادر على الصداق الكثير المنوه عنه بالآية بالقنطار، لا تكليف العاجز ما لا يقدر عليه أو يستطيعه، بدليل إنكار النبي على الرجل المتزوج امرأة من الأنصار بأربع أواق صنيعهما لكون ذلك لا يتناسب وحالهما أو لكثرته، هذا فيما لو كانت الآية تدل على المغالاة في المهور.\nأما وأنها لا تدل على إباحة المغالاة في الصداق لأنه تمثيل على جهة المبالغة في الكثرة، قال القرطبي - ﵀ - بعد أن حكى قول من أجاز المغالاة في المهور: «وقال قوم: لا تعطي الآية جواز المغالاة، لأن التمثيل بالقنطار إنما هو على جهة المبالغة، كأنه قال: وآتيتم هذا القدر العظيم الذي لا يؤتيه أحد، وهذا كقوله ﵌: «مَنْ بَنَى مَسْجِدًا للهِ كَمَفْحَصِ قَطَاةٍ أَوْ أَصْغَرَ بَنَى اللهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ» (١).\n_________\n(١) تفسير القرطبي عند تفسير هذه الآية، والحديث رواه ابن ماجه، وصححه الألباني.","vol":"1","page":33},{"text":"نستخلص مما سبق أن الآية الكريمة لا علاقة لها بإباحة غلاء المهور وأن نصها ومفهومها يفيدان أن الرجل القادر لو أحب إعطاء زوجته تطوعًا من نفسه فدفع إليها قنطارًا أو قناطير فهذا جائز.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>٣ - قصة جلد عمر - ﵁ - لابنه حتى الموت:</span>\nوسنذكر هذه القصة رغم طولها لنعلم خطر تغليف التشويه بالتشويق، وقد ذكر لي أحد الشباب أنه كاد يبكي من شدة تأثره أثناء قراءته لهذه القصة، وذلك قبل أن يعلم أنها مكذوبة.\nذكر الإمام ابن الجوزي في كتاب (الموضوعات) بسنده عن سعيد بن مسروق قال: «كانت امرأة تدخل على آل عمر أو منزل عمر ومعها صبى، فقال: من ذا الصبي معك؟ فقالت: هو ابنك، وقع عليَّ أبو شحمة فهو ابنه.\nقال: فأرسل إليه عمر فأقَرَّ.\nفقال عمر لعلى - ﵄ -:اجلدْه.\nفضربه عمر خمسين، وضربه علي خمسين.\nقال: فأتى به.\nفقال لعمر: يا أبَتِ قتلْتَنى.\nفقال: إذا لقيت ربك ﷿ فأخبره أن أباك يقيم الحدود».\nثم قال: «هذا حديث موضوع، وضعه القصاص، وقد أبدوا فيه وأعادوا، وقد شرحوا وأطالوا».\nثم ذكر بسنده عن مجاهد قال: «تذاكر الناس في مجلس ابن عباس، فأخذوا في فضل أبى بكر، ثم أخذوا في فضل عمر بن الخطاب، فلما سمع عبد الله بن عباس بكى بكاء شديدًا حتى أغمى عليه، ثم أفاق فقال: رحم الله رجلًا لم تأخذه في الله لومة لائم، رحم الله رجلًا قرأ القرآن وعمل بما فيه وأقام حدود الله كما أمر، لم يزد عن القريب لقرابته، ولم يخف عن البعيد لبعده.","vol":"1","page":34},{"text":"ثم قال: والله لقد رأيتُ عمر وقد أقام الحد على ولده فقتله فيه.\nثم بكى وبكى الناس مِن حولِه وقلنا: يا ابن عم رسول الله إن رأيتَ أنْ تحدثنا كيف أقام عمر على ولده الحد.\nفقال: والله لقد أذكرتمونى شيئًا كنت له ناسيًا.\nفقلت: أقسمنا عليك بحق المصطفى أما حدثتنا.\nفقال: معاشر الناس، كنت ذات يوم في مسجد رسول الله - ﵌ - وعمر بن الخطاب جالس والناس حوله يعظهم ويحكم فيما بينهم، فإذا نحن بجارية قد أقبلتْ من باب المسجد، فجعلت تتخطى رقاب المهاجرين والأنصار حتى وقفت بإزاء عمر فقالت: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته.\nفقال عمر: وعليكِ السلام (١) يا أمة الله، هل من حاجة؟\nفقالت: نعم أعظم الحوائج إليك، خذ ولدك هذا منى فأنت أحق به منى.\nثم رفعت القناع فإذا على يدها طفل.\nفلما نظر إليه عمر قال: يا أمة الله أسفري عن وجهك.\nفأسفرت.\nفأطرق عمر وهو يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم، يا هذه أنا لا أعرفك، فكيف يكون هذا ولدى؟ فبكت الجارية حتى بلت خمارها بالدموع، ثم قالت: يا أمير المؤمنين إن لم يكن ولدك من ظهرك فهو ولدُ ولدِك.\nقال: أي أولادي؟ قالت: أبو شحمة.\nقال: أبحلال أم بحرام؟ قالت: من قِبَلى بحلال ومن جهته بحرام.\n_________\n(١) قال تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ (النساء: ٨٦)، تأمل الافتراء على عمر - ﵁ - حيث تزعم الرواية أنه لم يَرُدّ السلام بطريقة صحيحة حيث قالت المرأة: «السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته».فقال عمر: «وعليكِ السلام يا أمة الله».","vol":"1","page":35},{"text":"قال عمر: وكيف ذاك؟ قالت: يا أمير المؤمنين، اسمع مقالتي فوالله ما زدت عليك حرفًا ولا نقصت.\nفقال لها: اتقى الله ولا تقولي إلا الصدق.\nقالت: يا أمير المؤمنين كنتُ في بعض الأيام مارةً في بعض حوائجي إذ مررت بحائط لبنى النجار، فإذا أنا بصائح يصيح من ورائي، فإذا أنا بولدك أبى شحمة يتمايل سُكْرًا، وكان قد شرب عند نسيكة اليهودي، فلما قرب منى تواعدني وتهددني وراودني عن نفسي وجرني إلى الحائط فسقطت وأغمى عليّ، فوالله ما أفقت إلا وقد نال منى ما ينال الرجل من امرأته، فقمت وكتمت أمري عن عمى وجيراني، فلما تكاملَتْ أيامي وانقضت شهوري وضربني الطلق وأحسست بالولادة خرجْتُ إلى موضع كذا وكذا فوضعت هذا الغلام فهمَمْتُ بقتله ثم ندمتُ على ذلك، فاحكم بحكم الله بيني وبينه.\nقال ابن عباس: فأمر عمر - ﵁ - مناديه ينادى.\nفأقبل الناس يهرعون إلى المسجد ثم قام عمر فقال: يا معاشر المهاجرين والأنصار لا تتفرقوا حتى آتيكم بالخبر.\nثم خرج من المسجد وأنا معه، فنظر إليَّ وقال: يا ابن عباس أسرع معى، فجعل يسرع حتى قرب من منزله فقرع الباب فخرجت جارية كانت تخدمه، فلما نظرَتْ إلى وجهه وقد غلبه الغضب قالت: ما الذى نزل بك؟ قال يا هذه ولدى أبو شحمة هاهنا؟\nقالت: إنه على الطعام، فدخل وقال له: كل يا بُنَيَّ فيوشك أن يكون آخر زادك من الدنيا.\nقال ابن عباس: فرأيت الغلام وقد تغير لونه وارتعد، وسقطت اللقمة من يده.\nفقال له عمر: يا بُنى من أنا؟\nقال: أنت أبي وأمير المؤمنين.\nقال: فلي عليك حق طاعة أم لا؟\nقال: طاعتان مفترضتان، أولهما: أنك والدي والأخرى أنك أمير المؤمنين.","vol":"1","page":36},{"text":"فقال عمر: بحق نبيك وبحق أبيك، فإني أسألك عن شيء إلا أخبرتني.\nقال: يا أبت لا أقول غير الصدق.\nقال: هل كنتَ ضيفًا لنسيكة اليهودي، فشربتَ عنده الخمر وسكرتَ؟\nقال: بأبي قد كان ذلك وقد تُبتُ.\nقال: يا بُنَيَّ رأس مال المذنبين التوبة.\nثم قال: يا بُنَيَّ أنشدك الله هل دخلت ذلك اليوم حائطًا لبنى النجار فرأيت امرأة فواقعتها؟ فسكت وبكى وهو يبكى ويلطم وجهه.\nفقال له عمر: لا بأس اصدق فإن الله يحب الصادقين.\nفقال: يا أبى كان ذلك والشيطان أغواني وأنا تائب نادم.\nفلما سمع عمر ذلك قبض على يده ولببه وجره إلى المسجد.\nفقال: يا أبت لا يعصمني على رؤوس الخلائق حد السيف واقطعني هاهنا إربًا إربًا.\nقال: أما سمعت قول الله - ﷿ -: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (النور:٢)، ثم جره حتى أخرجه بين يدى أصحاب رسول الله - ﵌ - في المسجد وقال: صدقت المرأة، وأقر أبو شحمة بما قالت.\nوله مملوك يقال له أفلح.\nفقال له: يا أفلح إن لي إليك حاجة إن أنت قضيتها فأنت حر لوجه الله.\nفقال: يا أمير المؤمنين مُرني بأمرك.\nقال: خذ ابني هذا فاضربه مائة سوط ولا تقصر في ضربه.\nفقال: «لا أفعله».وبكى، وقال: «يا ليتني لم تلدني أمي حيث أكلف ضرب ولد سيدي».\nفقال له عمر: إن طاعتي طاعة الرسول فافعل ما أمرتك به فانزع ثيابه.","vol":"1","page":37},{"text":"فضج الناس بالبكاء والنحيب، وجعل الغلام يشير بإصبعه إلى أبيه ويقول: «أبت ارحمني».\nفقال له عمر وهو يبكى: «ربك يرحمك، وإنما هذا كي يرحمني ويرحمك»، ثم قال: «يا أفلح اضرب».\nفضرب أول سوط.\nفقال الغلام: بسم الله الرحمن الرحيم.\nفقال: نعم الاسم سميت يا بُنَيَّ.\nفلما ضربه به ثانية قال: أوه يا أبت.\nفقال عمر: اصبر كما عصيت.\nفلما ضرب ثالثًا قال: الأمان.\nقال عمر: ربك يعطيك الأمان.\nفلما ضربه رابعًا قال: واغوثاه.\nفقال: الغوث عند الشدة.\nفلما ضربه خامسًا حمد الله.\nفقال عمر: كذا يجب أن تحمده.\nفلما ضربه عشرًا قال: يا أبت قتلتني قال: يا بُنَيَّ ذنبُك قتلك.\nفلما ضربه ثلاثين قال: أحرقت والله قلبي.\nقال: يا بني النار أشد حرًا.\nقال: فلما ضربه أربعين قال: يا أبت دعني أذهب على وجهي.\nقال: يا بُنَيَّ إذا أخذت حد الله من جنبك اذهب حيث شئت.\nفلما ضربه خمسين قال: نشدتك بالقرآن لما خليتني.\nقال: يا بُنَيَّ هلا وعظك القرآن وزجرك عن معصية الله ﷿، يا غلام اضرب.","vol":"1","page":38},{"text":"فلما ضربه ستين قال: يا أبى أغثني.\nقال: يا بُنَيَّ إن أهل النار إذا استغاثوا لم يغاثوا.\nفلما ضربه سبعين قال: يا أبت اسقني شربة من ماء.\nقال: يا بُنَيَّ إن كان ربك يطهرك فيسقيك محمد - ﵌ - شربة لا تظمأ بعدها أبدًا، يا غلام اضرب.\nفلما ضربه ثمانين قال: يا أبت السلام عليك.\nقال: وعليك السلام، إن رأيت محمدا - ﵌ - فأقرئه منى السلام وقل له: خلفت عمر يقرأ القرآن ويقيم الحدود، يا غلام اضربه.\nفلما ضربه تسعين انقطع كلامه وضعف.\nفوثب أصحاب رسول الله - ﵌ - من كل جانب فقالوا: يا عمر انظر كم بقى فأخِّرْه إلى وقت آخر.\nفقال: كما لا تؤخر المعصية لا تؤخر العقوبة.\nفأتى الصريخ إلى أمه فجاءت باكية صارخة وقالت: يا عمر أحج بكل سوط حجة ماشية، وأتصدق بكذا وكذا درهمًا.\nقال: إن الحج والصدقة لا تنوب عن الحد، يا غلام أتم الحد.\nفلما كان آخر سوط سقط الغلام ميتًا.\nفقال عمر: يا بُنَيَّ محَّصَ الله عنك الخطايا.\nوجعل رأسه في حجره وجعل يبكي ويقول: بأبي من قتله الحق، بأبي من مات عند انقضاء الحد، بأبي من لم يرحمه أبوه وأقاربه!!\nفنظر الناس إليه فإذا هو قد فارق الدنيا.\nفلم يُرَ يوم أعظم منه.\nوضج الناس بالبكاء والنحيب.","vol":"1","page":39},{"text":"فلما كان بعد أربعين يوما أقبل عليه حذيفة بن اليمان صبيحة يوم الجمعة فقال: إني أخذت وِردى من الليل فرأيت رسول الله - ﵌ - في المنام وإذا الفتى معه حُلتان خضراوان.\nفقال رسول الله - ﵌ -:أقرئ عمر منى السلام وقل له: هكذا أمرك الله أن تقرأ القرآن وتقيم الحدود.\nوقال الغلام: أقرئ أبي منى السلام وقل له: طهرك الله كما طهرتني، والسلام».\nثم ذكر الإمام ابن الجوزي بإسناده صفوان عن عمر أنه كان له ابنان يقال لأحدهما عبد الله والآخر عبيد الله، وكان يكنى أبا شحمة، وكان أبو شحمة أشبه الناس برسول الله - ﵌ - تلاوة للقرآن، وأنه مرض مرضًا، فجعل أمهات المؤمنين يَعُدْنه، فبينا هن في عيادته قلن لعمر: لو نذرت على ولدك كما نذر عليٌّ بن أبى طالب على ولده الحسن والحسين فألبسهما الله العافية.\nفقال عمر: على نذر واجب لئن ألبس الله ﷿ ابني العافية أن أصوم ثلاثة أيام، وقالت والدته مثل ذلك.\nفلما أن قام من مرضه أضافه نسيكة اليهودي، فأتوه بنبيذ التمر فشرب منه.\nفلما طابت نفسه خرج يريد منزله، فدخل حائطًا لبنى النجار، فإذا هو بامرأة راقدة فكابدها وجامعها، فلما قام عنها شتَمَتْه وخرقت ثيابه وانصرفَتْ إلى منزلها». وذكر الحديث بطوله.\nثم قال الإمام ابن الجوزي: «هذا حديث موضوع؛ كيف رُوي ومن أي طريق نُقل؟ وضعه جهال القصاص ليكون سببًا في تبكية العوام والنساء، فقد أبدعوا فيه وأتوا بكل قبيح ونسبوا إلى عمر ما لا يليق به، ونسبوا الصحابة إلى ما لا يليق بهم، وكلماته الركيكة تدل على وضعه، وبعده عن أحكام الشرع يدل على سوء فهم واضعه وعدم فقهه.","vol":"1","page":40},{"text":"وقد تعجل واضعُه قذف ابن عمر بشرب الخمر عند اليهودي، ونسب عمر إلى أنه أحلفه بالله ليقر، وحاشى عمر، لأنه لو رأى أمارة ذلك لصدف عنها فإن ماعزًا لما أقر أعرض عنه رسول الله - ﵌ -، فلما أعاد الإقرار أعرض عنه إلى أن قال له: «أَبِكَ جُنُونٌ» (١).\nوقد قال: «ادْرَءُوا الْحُدُودَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ» (٢)، وقال عمر لرجل أقر بذنب عند رسول الله - ﵌ -: «لَقَدْ سَتَرَكَ اللهُ لَوْ سَتَرْتَ نَفْسَكَ». (٣).\nوكيف يُحَلّفُ عمر ولده بالله: هل زنيت؟ هذا لا يليق بمثله.\nوما أقبح ما زينوا كلامه عند كل سوط.\nوذلك لا يخفى عن العوام أنه صنعه جاهل سوقي.\nوقد ذكر أنه طلب ماء فلم يَسْقِه، وهذا قبيح في الغاية.\nوحكوا أن الصحابة قالوا: أخِّر باقى الحد، وأن أمّ الغلام قالت: «أحُجُّ عن كل سوط».وهذا كله يتحاشى الصحابة عن مثله.\nومنام حذيفة أبرد من كل شيء. ثم شبهوا أبا شحمة برسول الله - ﵌ -، ثم قذفوه بالفاحشة».اهـ كلام ابن الجوزي.\n_________\n(١) رواه البخاري ومسلم.\n(٢) عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ الله - ﵌ -: «ادْرَءُوا الْحُدُودَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ فَإِنْ كَانَ لَهُ مَخْرَجٌ فَخَلُّوا سَبِيلَهُ فَإِنَّ الإِمَامَ أَنْ يُخْطِئَ فِى الْعَفْوِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يُخْطِئَ فِى الْعُقُوبَةِ». (رواه الترمذي وضعَّفه الألباني).\n(٣) عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِىِّ - ﵌ - فَقَالَ: «يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّى عَالَجْتُ امْرَأَةً فِى أَقْصَى الْمَدِينَةِ وَإِنِّي أَصَبْتُ مِنْهَا مَا دُونَ أَنْ أَمَسَّهَا فَأَنَا هَذَا فَاقْضِ فِىَّ مَا شِئْتَ».\nفَقَالَ لَهُ عُمَرُ: «لَقَدْ سَتَرَكَ اللهُ لَوْ سَتَرْتَ نَفْسَكَ». ...\nقَالَ: فَلَمْ يَرُدَّ النَّبِىُّ - ﵌ - شَيْئًا، فَقَامَ الرَّجُلُ فَانْطَلَقَ فَأَتْبَعَهُ النَّبِىُّ - ﵌ - رَجُلًا دَعَاهُ وَتَلاَ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةَ ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾.\nفَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: يَا نَبِىَّ اللهِ هَذَا لَهُ خَاصَّةً؟\nقَالَ: «بَلْ لِلنَّاسِ كَافَّةً». (رواه مسلم).","vol":"1","page":41},{"text":"وأيضًا قد حكم على هذه القصة بالوضع الحافظ ابن حجر والإمام ابن عراق والإمام الشوكاني.\nوتأمل كيف خلط القُصَّاص بين عدل عمر - ﵁ - وحرصه على تطبيق الحدود وبين الطعن فيه وفي زوجته وغيرهما من الصحابة - ﵃ - بالجهل بالشريعة.\nوفي القصة أيضًا اتهام لابن خليفة المسلمين عمر - ﵁ - بشرب الخمر واغتصاب بنات المسلمين.\nوتجد في القصة الحلف بغير الله مثل قول الناس لابن عباس: «قسمنا عليك بحق المصطفى أما حدثتنا». وقول عمر لابنه: «بحق نبيك وبحق أبيك، فإني أسألك عن شيء إلا أخبرتني».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>٤ - قصة اغتسال فاطمة - ﵂ - قبل الموت:</span>\nذكر الإمام ابن الجوزي في كتاب (الموضوعات) بإسناده عن عبيد الله بن أبى رافع عن أبيه عن أمه سلمى قالت: «اشتكت فاطمة فمرضتها فقالت لي يومًا وقد خرج عَلِىٌّ: «يا أمتاه اسكبي لي غسلًا»، فسكبتُ ثم قامت كأحسن ما كنت أراها تغتسل، ثم قالت: «هاتي لي ثيابي الجدد»، فأتيتها بها فلبستها، ثم جاءت إلى البيت الذي كانت فيه فقالت لي: «قدمي لي الفراش إلى وسط البيت»، ثم اضطجعتْ ووضعتْ يدها تحت خدها واستقبلت القبلة ثم قالت: «يا أمتاه إني مقبوضة اليوم، وإني قد اغتسلت فلا يكشفني أحد».\nقال: فقُبِضت مكانها، فجاء علي - ﵁ - فأخبرته فقال: «لا والله لا يكشفها أحد، فدفنها بغسلها ذلك».\nثم قال الإمام ابن الجوزي: «وهذا حديث لا يصح ... ثم إن الغسل إنما يكون لحدث الموت فكيف يغتسل قبل الحدث. هذا لا يصح إضافته إلى علي وفاطمة - ﵄ -، بل يتنزهون عن مثل هذا.» اهـ كلام ابن الجوزي.","vol":"1","page":42},{"text":"فتأمل كيف طعن القُصّاص في علي وفاطمة - ﵄ - بالجهل بأبسط أحكام الدين، وغلفوا ذلك بما يشير إلى حسن خاتمة فاطمة - ﵂ -.\nومن الأمثلة المتعلقة بمعاوية - ﵁ -:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>٥ - حلم أم ظلم:</span>\nفي أثناء دفاعه عن معاوية - ﵁ - ذكر أحد المعاصرين الغيورين من أهل السنة - حفظه الله - الكلام التالي يمدح حِلم معاوية - ﵁ - فتأمل فيه تجد إساءة كبيرة:\n«وقال القاضي الماوردي في الأحكام السلطانية: «وَحُكِيَ أَنَّ مُعَاوِيَةَ أُتِيَ بِلُصُوصٍ فَقَطَعَهُمْ حَتَّى بَقِيَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ فَقُدِّمَ لِيُقْطَعَ فَقَالَ:\nيَمِينِي أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أُعِيذُهَا ... بِعَفْوِكَ أَنْ تَلْقَى نَكَالًا يُبِينُهَا\nيَدِي كَانَتْ الْحَسْنَاءَ لَوْ تَمَّ سَتْرُهَا ... وَلَا تُقَدِّمُ الْحَسْنَاءُ عَيْبًا يَشِينُهَا\nفَلَا خَيْرَ فِي الدُّنْيَا وَكَانَتْ خَبِيثَةً ... إذَا مَا شِمَالٌ فَارَقَتْهَا يَمِينُهَا\n\nفَقَالَ مُعَاوِيَةُ: كَيْف أَصْنَعُ بِكَ وَقَدْ قَطَعْتُ أَصْحَابَكَ؟\nفَقَالَتْ أُمُّ السَّارِقِ: «اجْعَلْهَا مِنْ جُمْلَةِ ذُنُوبِكَ الَّتِي تَتُوبُ إلَى اللهِ مِنْهَا».\nفَخَلَّى سَبِيلَهُ، فَكَانَ أَوَّلَ حَدٍّ تُرِكَ فِي الْإِسْلَامِ».\nهذه الرواية ذُكِرَتْ كمثال لحلم معاوية - ﵁ - ولكن فيها اتهام لمعاوية - ﵁ - بتضييع حدود الله - ﷿ - حيث لم يُقِم الحد على السارق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-14>٦ - ذكر أحد المعاصرين الغيورين - حفظه الله - الكلام التالي يستدل بها على ثقة عمر في معاوية وسعادة أبي سفيان بذلك:</span>\n«في سنة ثمان عشرة للهجرة توفي يزيد بن أبي سفيان - ﵄ - في طاعون عمواس، فولى عمر معاوية عمل أخيه - دمشق وبعلبك والبلقاء.\nوقد كان لعمل عمر هذا أكبر الأثر على نفسية والد معاوية ووالدته، فحين عزَّى عمر أبا سفيان في وفاة ابنه يزيد قال: يا أمير المؤمنين من وليتَ مكانه؟\nقال: أخوه معاوية.","vol":"1","page":43},{"text":"قال: وصلت رحمًا يا أمير المؤمنين.\nوكتب أبو سفيان لمعاوية ينصحه في بداية عمله هذا فمما قال: «يا بني إن هؤلاء الرهط من المهاجرين سبقونا وتأخرنا، فرفَعَهم سَبْقُهم وقدمهم عند الله وعند رسوله - ﵌ - وقصر بنا تأخيرنا، فصاروا قادة وسادة، وصرنا أتباعًا، وقد ولَّوك جسيمًا من أمورهم فلا تخالفهم، فإنك تجري إلى أمد فنافس، فإن بلغته أورثته عقبك».\nففي هذه الرواية طعن في أبي سفيان - ﵁ - حيث يظهره بمظهر الحريص على الزعامة وأن حزنه لتأخره في الإسلام كان من أجل الدنيا، وأنه يحث ابنه على المنافسة في هذه الزعامة، وتحريضه على توريث الحكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>٧ - وقال هذا الغيور أيضًا ما يلي:</span>\n«كان عمر - ﵁ - - وهو الخبير بمعادن الرجال - يدرك أكثر من غيره ما يتمتع به معاوية من صفات تؤهله للقيادة، فحين قدم عمر الشام وافاه معاوية بموكب عظيم أنكره عليه عمر فقال: أنت صاحب الموكب العظيم؟\nقال: نعم.\nقال: مع ما بلغني عنك من طول وقوف ذوي الحاجات ببابك.\nقال: هو ما بلغك من ذلك.\nقال: ولم تفعل هذا؟ لقد هممت أن آمرك بالمشي حافيًا إلى بلاد الحجاز.\nقال: يا أمير المؤمنين إنا بأرض جواسيس العدو فيها كثيرة، فيجب أن تظهر من عز السلطان ما يكون فيه عز للإسلام وأهله ويرهبهم فإن أمرتني فعلت، وإن نهيتني انتهيت.\nفقال له عمر: ما سألتك عن شيء إلا تركتني في مثل رواجب الضرس (١)، لئن كان ما قلت حقًا، إنه لرأي أريب، ولئن كان باطلًا إنه لخديعة أديب.\nقال: فمرني يا أمير المؤمنين.\nقال: لا آمرك ولا أنهاك.\nفقال رجل: يا أمير المؤمنين، ما أحسن ما صدر الفتى عما أوردته فيه.\nفقال عمر: لحسن مصادره وموارده جَشَّمناه ما جَشَّمناه.\nوكان عمر - ﵁ - يتعهد معاوية بالتربية والوعظ والنصح، وأحيانًا يشتد ويغلظ عليه، فعن أسلم مولى عمر - ﵁ - قال: قدم علينا معاوية وهو أبيض أو أبضُّ الناس وأجملهم، فخرج إلى الحج مع عمر، فكان عمر ينظر إليه، فيعجب له، ثم يضع أُصبُعَه على متنه ثم يرفعها عن مثل الشِّراك، فيقول: بَخٍ بَخٍ، نحن إذا خير الناس، أن جمع لنا خير الدنيا والآخرة.\nفقال معاوية: «يا أمير المؤمنين، سأحدثك، إنّا بأرض الحمّامات والريف».\nفقال عمر: «سأحدثك ما بك إلطافك نفسك بأطيب الطعام وتصبحك حتى تضرب الشمس متنيك وذوو الحاجات وراء الباب».\nقال: فلما جئنا ذا طوى أخرج معاوية حُلة فلبسها، فوجد عمر منها ريحًا كأنه ريح طيب، فقال: يعمد أحدكم حاجًّا تَفِلًا، حتى إذا جاء أعظم بُلدان الله حرمة أخرج ثوبيه كأنهما كانا في الطيب فلبسهما.\nفقال معاوية: إنما لبستهما لأدْخل فيهما على عشيرتي أو قومي، والله لقد بلغني أذاك ههنا وبالشام، والله يعلم إني لقد عرفتُ الحياء فيه.\nثم نزع معاوية ثوبيه، ولبس ثوبيه اللذين أحرم فيهما.\nوقال عمرو بن يحي بن سعيد الأموي، عن جَدِّه قال: دخل معاوية على عمر وعليه حُلَّةٌ خضراء فنظر إليها الصّحابة، فلما رأى ذلك عمر وثب إليه بالدِّرَّة (٢)، فجعل يضربه بها، وجعل معاوية يقول: يا أمير المؤمنين، اللهَ اللهَ فيَّ.\nفرجع عمر إلى مجلسه، فقال له القوم: لم ضَرَبْتَه يا أمير المؤمنين وما في قومِك مثله؟\n_________\n(١) الرواجب: جمع راجبة: وهي ما بين عقد الأصابع من داخل أي: أضيق ما يكون.\n(٢) الدِّرَّة: السوط.","vol":"1","page":44},{"text":"فقال: والله ما رأيت إلا خيرًا وما بلغني إلا خيرٌ، ولكنِّي رأيته وأشار بيده (١) - فأحببت أن أضع منه».اهـ.\nهذا الكلام يشير إلى شدة مراقبة عمر - ﵁ - لولاته واستدل بها هذا الغيور - حفظه الله - على ثقة عمر بمعاوية - ﵄ - واهتمامه بنصحه ولكن:\nهل كان معاوية - ﵁ - مشغولًا عن رعيته بالطعام والشراب، وهل يعقل ألا يثق عمر في كلام معاوية - ﵄ - فيقول له: «لئن كان ما قلت حقًا، إنه لرأي أريب، ولئن كان باطلًا إنه لخديعة أديب»؟.\nوما هو أذى عمر الذي بلغ معاوية في مكة والشام.\nوهل يُعقل أن يعاقب عمر - ﵁ - والِيَه الذي يثق به بأن يضربه بالدِّرة أمام الناس ويهمّ بأن يأمره بالمشي حافيًا إلى بلاد الحجاز؟\nوما الجريمة التي اقترفها معاوية حتى يضربه عمر بالدِّرة.\nوفي القصة اتهام لمعاوية بالتكبر أو الخيلاء أمام خليفة المسلمين.\nوهل اطلع عمر على ما في قلب معاوية فعلم فيه الغرور أو الكبر فأحب أن يضع منه.\nوماذا على عمر لو عزله وولى مكانه من هو أصلح وأنفع للمسلمين منه.\n_________\n(١) يعني: أشار بيده إلى فوق.","vol":"1","page":46},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>التحذير من أخبار يحتج بها الرافضة</span>\nإن كثيرًا من الروايات التي توغر الصدور على أصحاب رسول الله - ﵌ - و- ﵃ - لم تصح أصلًا، فكيف يُعتمد عليها مع كونها مخالفة لثناء الله على صحابة نبيه - ﵌ - و- ﵃ - في القرآن الكريم، ومخالفة لما هو معلوم من حال الصحابة من نصرة للإسلام وجهاد في سبيل الله - ﷿ -، وبذل المُهَج والأموال لتكون كلمة الله هي العليا.\nمن هذه الأخبار المكذوبة ما يلي:\n١ - أن معاوية - ﵁ - سَمَّ الحسن بن علي - ﵄ -.\n٢ - أن عائشة - ﵂ - كانت تقول: اقتلوا نعثلًا فقد كفر. تعنى عثمان - ﵁ -.\nهذه الرواية في تاريخ الطبري من طريق سيف بن عمر التميمي، وهو كذاب مشهور.\n٣ - أن عمرو بن العاص اتفق مع أبي موسى الأشعري على عزل علي ومعاوية - ﵃ - فصعد أبو موسى الأشعري المنبر وقال: «إني أنزع عليا من الخلافة كما أنزع خاتمي هذا»، ثم نزع خاتمه، وقام عمرو بن العاص وقال: «وأنا أنزع عليا كذلك كما نزعه أبو موسى، كما أنزع خاتمي هذا، وأثبت معاوية كما أثبت خاتمي هذا».\nفصار اللغط فخرج أبو موسى غاضبًا ورجع إلى مكة ولم يذهب إلى عليٍّ في الكوفة ورجع عمرو بن العاص إلى الشام.\nهذه القصة في تاريخ الطبري وفي سندها أبو مخنف لوط بن يحيى وهو شيعي كذاب.\n٤ - أن عمر عندما رشح ستة للخلافة قال: إذا اتفق أربعة وخالف اثنان فاقتلوهما وإذا انقسم الستة إلى فريقين في كل جهة فخذوا برأي الثلاثة الذين يقف معهم عبد الرحمن بن عوف، وإذا مضى وقت ولم يتفق الستة فاقتلوهم.\nهذه القصة فيها أبو مخنف الكذاب.","vol":"1","page":47},{"text":"٥ - من أقبح أكاذيب الشيعة ما زعموه من أن عمر - ﵁ - ضرب فاطمة - ﵂ - حتى أسقط ولدها. وما درى هؤلاء الجهلة أن في ذلك اتهامًا لعلي - ﵁ - بالجبن مع أنه من أشجع الصحابة - ﵃ -.\n٦ - أن عثمان - ﵁ - أعطى مروان خمس إفريقية، وهذا كذب.\n٧ - أن عثمان نفى أبا ذر إلى الربذة، هذا ذكره الطبري من رواية سيف بن عمر الكذاب.\n٨ - أن عثمان فتق أمعاء ابن مسعود وضرب عمارًا حتى كسر أضلاعه، وهذا كذب ولو فتق أمعاء ابن مسعود ما عاش.\n٩ - ما يُذكَر من أن طلحة والزبير - ﵄ - جاءا إلى عائشة - ﵂ - بخمسين رجلًا وجعلا لهم جعلًا فأقسموا بالله أن هذا ليس بماء الحوأب فواصلت مسيرها حتى البصرة وأنها أول شهادة زور في الإسلام. وهذا كذب لا حقيقة له.","vol":"1","page":48},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-17>منهج أهل السنة والجماعة\nفيما شجر بين الصحابة - ﵃ </span>-\nإن الفتن التي جرت بين الصحابة - ﵃ - يجب أن يكون حظ العاقل منها حسنَ الظن بالصحابة الكرام، والسكوت عن الكلام فيهم إلاّ بخير، والترضي عن الصحابة جميعًا، وموالاتهم، ومحبتهم، والجزم أنهم دائرون في اجتهاداتهم بين الأجر والأجرين.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - مبينًا اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة أهل السنة والجماعة:\n«وَيَتَبَرَّءُونَ مِنْ طَرِيقَةِ الرَّوَافِضِ الَّذِينَ يُبْغِضُونَ الصَّحَابَةَ وَيَسُبُّونَهُمْ.\nوَطَرِيقَةِ النَّوَاصِبِ الَّذِينَ يُؤْذُونَ أَهْلَ الْبَيْتِ بِقَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ.\nوَيُمْسِكُونَ عَمَّا شَجَرَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ، وَيَقُولُونَ:\nإِنَّ هَذِهِ الْآثَارَ الْمَرْوِيَّةَ فِي مَسَاوِيهِمْ مِنْهَا مَا هُوَ كَذِبٌ.\nوَمِنْهَا مَا قَدْ زِيدَ فِيهِ وَنُقِصَ وَغُيِّرَ عَنْ وَجْهِهِ.\nوَالصَّحِيحُ مِنْهُ هُمْ فِيهِ مَعْذُورُونَ:\nإِمَّا مُجْتَهِدُونَ مُصِيبُونَ، وَإِمَّا مُجْتَهِدُونَ مُخْطِئُونَ.\nوَهُمْ مَعَ ذَلِكَ لَا يَعْتَقِدُونَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مَعْصُومٌ عَنْ كَبَائِرِ الْإِثْمِ وَصَغَائِرِهِ، بَلْ يَجُوزُ عَلَيْهِمُ الذُّنُوبُ فِي الْجُمْلَةِ.\nوَلَهُمْ مِنَ السَّوَابِقِ وَالْفَضَائِلِ مَا يُوجِبُ مَغْفِرَةَ مَا يَصْدُرُ مِنْهُمْ إِنْ صَدَرَ، حَتَّى إِنَّهُمْ يُغْفَرُ لَهُمْ مِنَ السَّيِّئَاتِ مَا لَا يُغْفَرُ لِمَنْ بَعْدَهُمْ؛ لِأَنَّ لَهُمْ مِنَ الْحَسَنَاتِ الَّتِي تَمْحُو السَّيِّئَاتِ مَا لَيْسَ لِمَنْ بَعْدَهُمْ» (١).\n_________\n(١) انظر العقيدة الواسطية ص ٣٤.","vol":"1","page":49},{"text":"وقال الإمام الذهبي - ﵀ -: «فَأَمَّا مَا تَنْقُلُهُ الرَّافِضَةُ، وَأَهْلُ البِدَعِ فِي كُتُبِهِم مِنْ ذَلِكَ، فَلاَ نُعَرِّجُ عَلَيْهِ، وَلاَ كرَامَةَ، فَأَكْثَرُهُ بَاطِلٌ، وَكَذِبٌ، وَافْتِرَاءٌ، فَدَأْبُ الرَّوَافِضِ رِوَايَةُ الأَبَاطِيْلِ، أَوْ رَدُّ مَا فِي الصِّحَاحِ وَالمسَانِيْدِ، وَمتَى إِفَاقَةُ مَنْ بِهِ سُكْرَان؟!\nوقال أيضًا - ﵀ -: «كَمَا تَقَرَّرَ عَنِ الكَفِّ عَنْ كَثِيْرٍ مِمَّا شَجَرَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ، وَقِتَالِهِم - ﵃ - أَجْمَعِيْنَ - وَمَا زَالَ يَمُرُّ بِنَا ذَلِكَ فِي الدَّوَاوينِ، وَالكُتُبِ، وَالأَجْزَاءِ، وَلَكِنْ أَكْثَرُ ذَلِكَ مُنْقَطِعٌ، وضَعِيْفٌ، وَبَعْضُهُ كَذِبٌ، وَهَذَا فِيْمَا بِأَيْدِيْنَا وَبَيْنَ عُلُمَائِنَا، فَيَنْبَغِي طَيُّهُ وَإِخْفَاؤُهُ، بَلْ إِعْدَامُهُ، لِتَصْفُوَ القُلُوْبُ، وَتَتَوَفَّرَ عَلَى حُبِّ الصَّحَابَةِ، وَالتَّرَضِّي عَنْهُمُ، وَكِتْمَانُ ذَلِكَ مُتَعَيِّنٌ عَنِ العَامَّةِ، وَآحَادِ العُلَمَاءِ.\nوَقَدْ يُرَخَّصُ فِي مُطَالعَةِ ذَلِكَ خَلْوَةً لِلْعَالِمِ المُنْصِفِ، العَرِيِّ مِنَ الهَوَى، بِشَرْطِ أَنْ يَسْتَغفرَ لَهُم، كَمَا عَلَّمَنَا اللهُ - تَعَالَى - حَيْثُ يَقُوْلُ: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ (الحشرُ:١٠).\nفَالقَوْمُ لَهُم سَوَابِقُ وَأَعْمَالٌ مُكَفِّرَةٌ لِمَا وَقَعَ مِنْهُمُ، وَجِهَادٌ مَحَّاءٌ، وَعِبَادَةٌ مُمَحِّصَةٌ، وَلَسْنَا مِمَّنْ يَغْلُو فِي أَحَدٍ مِنْهُم، وَلاَ نَدَّعِي فِيْهِم العِصْمَةَ، نَقْطَعُ بِأَنَّ بَعْضَهُم أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ، وَنَقْطَعُ بِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ أَفْضَلُ الأُمَّةِ.\nثُمَّ تَتِمَّةُ العَشْرَةِ المَشْهُوْدِ لَهُم بِالجَنَّةِ، وَحَمْزَةُ، وَجَعْفَرٌ، وَمُعَاذٌ، وَزَيْدٌ، وَأُمَّهَاتُ المُؤْمِنِيْنَ، وَبنَاتُ نَبِيِّنَا - ﵌ - وَأَهْلُ بَدْرٍ، مَعَ كَوْنِهِم عَلَى مَرَاتِبَ» (١).\nوقد أثنى الله - ﷿ - عليهم مع أنه سبق في علمه ما سيكون منهم.\nفعن مجاهد عن ابن عباس - ﵄ - قال: «لا تسبوا أصحاب محمد - ﵌ - فإن الله أمر بالاستغفار لهم وهو يعلم أنهم سيقتتلون» (٢).\n_________\n(١) سير أعلام النبلاء (١٠/ ٩٣).\n(٢) فضائل الصحابة للإمام أحمد (١/ ٦٩)، (٢/ ١١٥٢)، والإبانة لابن بطة (٢٩٤)، وصحح إسناده شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة (٢/ ٢٢). وانظر: الصارم المسلول (٣/ ١٠٧١).","vol":"1","page":50},{"text":"وقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّة: «قَدْ ثَبَتَ بِالنُّصُوصِ الصَّحِيحَةِ أَنَّ عُثْمَانَ وَعَلِيًّا وَطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ وَعَائِشَةَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ. بَلْ قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ «لَا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ» (١).\nوَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ وَعَمْرُو بْنُ العاص وَمُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ هُمْ مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَهُمْ فَضَائِلُ وَمَحَاسِنُ. وَمَا يُحْكَى عَنْهُمْ كَثِيرٌ مِنْهُ كَذِبٌ؛ وَالصِّدْقُ مِنْهُ إنْ كَانُوا فِيهِ مُجْتَهِدِينَ: فَالْمُجْتَهِدُ إذَا أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ وَإِذَا أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ وَخَطَؤُهُ يُغْفَرُ لَهُ.\nوَإِنْ قُدِّرَ أَنَّ لَهُمْ ذُنُوبًا فَالذُّنُوبُ لَا تُوجِبُ دُخُولَ النَّارِ مُطْلَقًا إلَّا إذَا انْتَفَتْ الْأَسْبَابُ الْمَانِعَةُ مِنْ ذَلِكَ وَهِيَ عَشْرَةٌ. مِنْهَا: التَّوْبَةُ، وَمِنْهَا الِاسْتِغْفَارُ، وَمِنْهَا الْحَسَنَاتُ الْمَاحِيَةُ، وَمِنْهَا الْمَصَائِبُ الْمُكَفِّرَةُ، وَمِنْهَا شَفَاعَةُ النَّبِيِّ - ﵌ -، وَمِنْهَا شَفَاعَةُ غَيْرِهِ، وَمِنْهَا دُعَاءُ الْمُؤْمِنِينَ، وَمِنْهَا مَا يُهْدَى لِلْمَيِّتِ مِنْ الثَّوَابِ وَالصَّدَقَةِ وَالْعِتْقِ، وَمِنْهَا فِتْنَةُ الْقَبْرِ، وَمِنْهَا أَهْوَالُ الْقِيَامَةِ.\nوَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ - ﵌ - أَنَّهُ قَالَ: «خَيْرُ الْقُرُونِ الْقَرْنُ الَّذِي بُعِثْت فِيهِ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» (٢).\n_________\n(١) رواه مسلم بلفظ: «لاَ يَدْخُلُ النَّارَ - إِنْ شَاءَ اللهُ - مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ أَحَدٌ. الَّذِينَ بَايَعُوا تَحْتَهَا».\nقال الإمام النووي: «قَالَ الْعُلَمَاء: مَعْنَاهُ لَا يَدْخُلهَا أَحَد مِنْهُمْ قَطْعًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْحَدِيث الَّذِي قَبْله حَدِيث حَاطِب، وَإِنَّمَا قَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّه لِلتَّبَرُّكِ، لَا لِلشَّكِّ».\n(٢) الذي في الصحيحين بلفظ: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِى ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ».\nورواه مسلم بلفظ: «خَيْرُ أُمَّتِى الْقَرْنُ الَّذِينَ بُعِثْتُ فِيهِمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ «ولفظ: «خَيْرُ هَذِهِ الأُمَّةِ الْقَرْنُ الَّذِينَ بُعِثْتُ فِيهِمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ». وعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: سَأَلَ رَجُلٌ النَّبِىَّ - ﵌ -:أَىُّ النَّاسِ خَيْرٌ؟ قَالَ «الْقَرْنُ الَّذِى أَنَا فِيهِ ثُمَّ الثَّانِى ثُمَّ الثَّالِث» (رواه مسلم).\nورواه الإمام أحمد في المسند عَنْ عَبْدِ الله بْنِ شَقِيقٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ الله - ﵌ -: «خَيْرُ أُمَّتِى الْقَرْنُ الَّذِى بُعِثْتُ فِيهِمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ». وَاللهُ أَعْلَمُ أَقَالَ الثَّالِثَةَ أَمْ لاَ».\nوقال الأرنؤوط: «إسناده صحيح على شرط مسلم رجاله ثقات رجال الشيخين غير عبد الله بن شقيق فمن رجال مسلم». وكذلك رواه أبو داود والترمذي عن عمران بن حصين - ﵁ - وصححه الألباني.","vol":"1","page":51},{"text":"وَحِينَئِذٍ فَمَنْ جَزَمَ فِي وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ بِأَنَّ لَهُ ذَنْبًا يَدْخُلُ بِهِ النَّارَ قَطْعًا فَهُوَ كَاذِبٌ مُفْتَرٍ. فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ مَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ لَكَانَ مُبْطِلًا فَكَيْفَ إذَا قَالَ مَا دَلَّتْ الدَّلَائِلُ الْكَثِيرَةُ عَلَى نَقِيضِهِ؟ فَمَنْ تَكَلَّمَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ - وَقَدْ نَهَى اللهُ عَنْهُ: مِنْ ذَمِّهِمْ أَوْ التَّعَصُّبِ لِبَعْضِهِمْ بِالْبَاطِلِ - فَهُوَ ظَالِمٌ مُعْتَدٍ.\nوَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ - ﵌ - أَنَّهُ قَالَ: «تَمْرُقُ مَارِقَةٌ عَلَى حِينِ فِرْقَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ تَقْتُلُهُمْ أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ» (١). وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ قَالَ عَنْ الْحَسَنِ: «إنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ وَسَيُصْلِحُ اللهُ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ» (٢).\nوَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَمَّارٍ أَنَّهُ قَالَ: «تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ»، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩)﴾ (الحجرات:٩) فَثَبَتَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ السَّلَفِ عَلَى أَنَّهُمْ مُؤْمِنُونَ مُسْلِمُونَ وَأَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَاَلَّذِينَ مَعَهُ كَانُوا أَوْلَى بِالْحَقِّ مِنْ الطَّائِفَةِ الْمُقَاتِلَةِ لَهُ» اهـ (٣).\nوقال أيضًا - ﵀ -:\n«وَمِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُ وَإِنْ كَانَ الْمُخْتَارُ الْإِمْسَاكَ عَمَّا شَجَرَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ وَالِاسْتِغْفَارَ لِلطَّائِفَتَيْنِ جَمِيعًا وَمُوَالَاتَهُمْ؛ فَلَيْسَ مِنْ الْوَاجِبِ اعْتِقَادُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْعَسْكَرِ لَمْ يَكُنْ إلَّا مُجْتَهِدًا مُتَأَوِّلًا كَالْعُلَمَاءِ بَلْ فِيهِمْ الْمُذْنِبُ وَالْمُسِيءُ وَفِيهِمْ الْمُقَصِّرُ فِي الِاجْتِهَادِ لِنَوْعِ مِنْ الْهَوَى لَكِنْ إذَا كَانَتْ السَّيِّئَةُ فِي حَسَنَاتٍ كَثِيرَةٍ كَانَتْ مَرْجُوحَةً مَغْفُورَةً.\nوَ(أَهْلُ السُّنَّةِ) تُحْسِنُ الْقَوْلَ فِيهِمْ وَتَتَرَحَّمُ عَلَيْهِمْ وَتَسْتَغْفِرُ لَهُمْ لَكِنْ لَا يَعْتَقِدُونَ الْعِصْمَةَ مِنْ الْإِقْرَارِ عَلَى الذُّنُوبِ وَعَلَى الْخَطَأِ فِي الِاجْتِهَادِ إلَّا لِرَسُولِ اللهِ - ﵌ -.\nوَمَنْ سِوَاهُ فَيَجُوزُ عَلَيْهِ الْإِقْرَارُ عَلَى الذَّنْبِ وَالْخَطَأِ لَكِنْ هُمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ الْآيَةَ. وَفَضَائِلُ الْأَعْمَالِ إنَّمَا هِيَ بِنَتَائِجِهَا وَعَوَاقِبِهَا لَا بِصُوَرِهَا» اهـ (٤).\nوقال أيضًا - ﵀ -:\n«وَسَائِرُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَأَئِمَّةُ الدِّينِ لَا يَعْتَقِدُونَ عِصْمَةَ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَا الْقَرَابَةِ وَلَا السَّابِقِينَ وَلَا غَيْرِهِمْ؛ بَلْ يَجُوزُ عِنْدَهُمْ وُقُوعُ الذُّنُوبِ مِنْهُمْ، وَاللهُ تَعَالَى يَغْفِرُ لَهُمْ بِالتَّوْبَةِ، وَيَرْفَعُ بِهَا دَرَجَاتِهِمْ، وَيَغْفِرُ لَهُمْ بِحَسَنَاتِ مَاحِيَةٍ، أَوْ بِغَيْرِ ذَلِك مِنْ الْأَسْبَابِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٣٤) لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (٣٥)﴾ (الزمر:٣٣ - ٣٥)،، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ﴾ (الأحقاف:١٥ - ١٦).\nوَلَكِنَّ الْأَنْبِيَاءَ رِضْوَانُ اللهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ هُمْ الَّذِينَ قَالَ الْعُلَمَاءُ: إنَّهُمْ مَعْصُومُونَ مِنْ الْإِصْرَارِ عَلَى الذُّنُوبِ.\nفَأَمَّا الصِّدِّيقُونَ، وَالشُّهَدَاءُ؛ وَالصَّالِحُونَ: فَلَيْسُوا بِمَعْصُومِينَ. وَهَذَا فِي الذُّنُوبِ الْمُحَقَّقَةِ.\nوَأَمَّا مَا اجْتَهَدُوا فِيهِ: فَتَارَةً يُصِيبُونَ، وَتَارَةً يُخْطِئُونَ.\n_________\n(١) رواه مسلم.\n(٢) رواه البخاري بلفظ: «إِنَّ ابْنِى هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ».\n(٣) مجموع الفتاوى (ج ٤/ ٤٣١ - ٤٣٣) ط دار الوفاء.\n(٤) مجموع الفتاوى ٤/ ٤٣٤ ط دار الوفاء.","vol":"1","page":52},{"text":"فَإِذَا اجْتَهَدُوا فَأَصَابُوا فَلَهُمْ أَجْرَانِ، وَإِذَا اجْتَهَدُوا وَأَخْطَئُوا فَلَهُمْ أَجْرٌ عَلَى اجْتِهَادِهِمْ، وَخَطَؤُهُمْ مَغْفُورٌ لَهُمْ.\nوَأَهْلُ الضَّلَالِ يَجْعَلُونَ الْخَطَأَ وَالْإِثْمَ مُتَلَازِمَيْنِ: فَتَارَةً يَغْلُونَ فِيهِمْ؛ وَيَقُولُونَ: إنَّهُمْ مَعْصُومُونَ. وَتَارَةً يَجْفُونَ عَنْهُمْ؛ وَيَقُولُونَ: إنَّهُمْ بَاغُونَ بِالْخَطَأِ. وَأَهْلُ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ لَا يُعَصِّمُونَ، وَلَا يُؤَثِّمُونَ.\nوَمِنْ هَذَا الْبَابِ تُولَدُ كَثِيرٌ مِنْ فِرَقِ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالضَّلَالِ. فَطَائِفَةٌ سَبَّتْ السَّلَفَ وَلَعَنَتْهُمْ؛ لِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ذُنُوبًا، وَأَنَّ مَنْ فَعَلَهَا يَسْتَحِقُّ اللَّعْنَةَ؛ بَلْ قَدْ يُفَسِّقُونَهُمْ؛ أَوْ يُكَفِّرُونَهُمْ، كَمَا فَعَلَتْ الْخَوَارِجُ الَّذِينَ كَفَّرُوا عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَعُثْمَانَ بْنَ عفان، وَمَنْ تَوَلَّاهُمَا، وَلَعَنُوهُمْ، وَسَبُّوهُمْ، وَاسْتَحَلُّوا قِتَالَهُمْ.\nوَهَؤُلَاءِ هُمْ الَّذِينَ قَالَ فِيهِمْ رَسُولُ اللهِ - ﵌ -: «يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِمْ، وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ، وَقِرَاءَتَهُ مَعَ قِرَاءَتِهِمْ، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنْ الْإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ» (١)، وَقَالَ - ﵌ -: «تَمْرُقُ مَارِقَةٌ عَلَى فِرْقَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَتُقَاتِلُهَا أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ لِأَجْلِ الْحَقِّ» (٢) وَهَؤُلَاءِ هُمْ الْمَارِقَةُ الَّذِينَ مَرَقُوا عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَكَفَّرُوا كُلَّ مَنْ تَوَلَّاهُ.\nوَكَانَ الْمُؤْمِنُونَ قَدْ افْتَرَقُوا فِرْقَتَيْنِ: فِرْقَةٍ مَعَ عَلِيٍّ، وَفِرْقَةٍ مَعَ مُعَاوِيَةَ. فَقَاتَلَ هَؤُلَاءِ عَلِيًّا وَأَصْحَابَهُ، فَوَقَعَ الْأَمْرُ كَمَا أَخْبَرَ بَهْ النَّبِيُّ - ﵌ - وَكَمَا ثَبَتَ عَنْهُ أَيْضًا فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ قَالَ عَنْ الْحَسَنِ ابْنِهِ: «إنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَسَيُصْلِحُ اللهُ بَهْ بَيْنَ طَائِفَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ» (٣) فَأَصْلَحَ اللهُ بَهْ بَيْنَ شِيعَةِ عَلِيٍّ وَشِيعَةِ مُعَاوِيَةَ.\nوَأَثْنَى النَّبِيُّ - ﵌ - عَلَى الْحَسَنِ بِهَذَا الصُّلْحِ الَّذِي كَانَ عَلَى يَدَيْهِ وَسَمَّاهُ سَيِّدًا بِذَلِك؛ لِأَجْلِ أَنَّ مَا فَعَلَهُ الْحَسَنُ يُحِبُّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ، وَيَرْضَاهُ اللهُ وَرَسُولُهُ. وَلَوْ كَانَ\n_________\n(١) رواه البخاري ومسلم.\n(٢) رواه مسلم بلفظ: «تَمْرُقُ مَارِقَةٌ عِنْدَ فُرْقَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَقْتُلُهَا أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ».\n(٣) رواه البخاري بلفظ: «إِنَّ ابْنِى هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ».","vol":"1","page":54},{"text":"الِاقْتِتَالُ الَّذِي حَصَلَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ هُوَ الَّذِي أَمَرَ اللهُ بِهِ وَرَسُولُهُ لَمْ يَكُنْ الْأَمْرُ كَذَلِك؛ بَلْ يَكُونُ الْحَسَنُ قَدْ تَرَكَ الْوَاجِبَ، أَوْ الْأَحَبَّ إلَى اللهِ.\nوَهَذَا النَّصُّ الصَّحِيحُ الصَّرِيحُ يُبَيِّنُ أَنَّ مَا فَعَلَهُ الْحَسَنُ مَحْمُودٌ، مَرْضِيٌّ للهِ وَرَسُولِهِ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﵌ - كَانَ يَضَعُهُ عَلَى فَخِذِهِ، وَيَضَعُ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، وَيَقُولُ: «اللهُمَّ إنِّي أُحِبُّهُمَا، وَأُحِبُّ مَنْ يُحِبُّهُمَا» (١).\nوَهَذَا أَيْضًا مِمَّا ظَهَرَ فِيهِ مَحَبَّتُهُ وَدَعْوَتُهُ - ﵌ - فَإِنَّهُمَا كَانَا أَشَدَّ النَّاسِ رَغْبَةً فِي الْأَمْرِ الَّذِي مَدَحَ النَّبِيُّ - ﵌ - بِهِ الْحَسَنَ، وَأَشَدَّ النَّاسِ كَرَاهَةً لَمَا يُخَالِفُهُ.\nوَهَذَا مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ الْقَتْلَى مِنْ أَهْلِ صِفِّين لَمْ يَكُونُوا عِنْدَ النَّبِيِّ - ﵌ - بِمَنْزِلَةِ الْخَوَارِجِ الْمَارِقِينَ، الَّذِينَ أَمَرَ بِقِتَالِهِمْ، وَهَؤُلَاءِ مَدَحَ الصُّلْحَ بَيْنَهُمْ وَلَمْ يَأْمُرْ بِقِتَالِهِمْ؛ وَلِهَذَا كَانَتْ الصَّحَابَةُ وَالْأَئِمَّةُ مُتَّفِقِينَ عَلَى قِتَالِ الْخَوَارِجِ الْمَارِقِينَ، وَظَهَرَ مِنْ عَلِيٍّ - ﵁ - السُّرُورُ بِقِتَالِهِمْ؛ وَمِنْ رِوَايَتِهِ عَنْ النَّبِيِّ - ﵌ - الْأَمْرَ بِقِتَالِهِمْ مَا قَدْ ظَهَرَ عَنْهُ.\nوَأَمَّا قِتَالُ الصَّحَابَةِ فَلَمْ يُرْوَ عَنْ النَّبِيِّ - ﵌ - فِيهِ أَثَرٌ، وَلَمْ يَظْهَرْ فِيهِ سُرُورٌ؛ بَلْ ظَهَرَ مِنْهُ الْكَآبَةُ، وَتَمَنَّى أَنْ لَا يَقَعَ، وَشَكَرَ بَعْضَ الصَّحَابَةِ، وَبَرَّأَ الْفَرِيقَيْنِ مِنْ الْكُفْرِ\n_________\n(١) عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ - ﵄ -:كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﵌ - يَأْخُذُنِي فَيُقْعِدُنِي عَلَى فَخِذِهِ، وَيُقْعِدُ الْحَسَنَ عَلَى فَخِذِهِ الأُخْرَى، ثُمَّ يَضُمُّهُمَا ثُمَّ يَقُولُ «اللَّهُمَّ ارْحَمْهُمَا فَإِنِّي أَرْحَمُهُمَا». (رواه البخاري).\nوعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ - ﵄ - عَنِ النَّبِيِّ - ﵌ - أَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُهُ وَالْحَسَنَ وَيَقُولُ «اللَّهُمَّ إِنِّى أُحِبُّهُمَا فَأَحِبَّهُمَا». (رواه البخاري).\nأما لفظة: «وَأُحِبُّ مَنْ يُحِبُّهُمَا» فوجدته خاصًا بالحسن والحسين - ﵄ - فعن أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ - ﵄ - قَالَ:\nطَرَقْتُ النَّبِيَّ - ﵌ - ذَاتَ لَيْلَةٍ فِي بَعْضِ الْحَاجَةِ فَخَرَجَ النَّبِيُّ - ﵌ - وَهُوَ مُشْتَمِلٌ عَلَى شَيْءٍ لَا أَدْرِي مَا هُوَ فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنْ حَاجَتِي قُلْتُ: مَا هَذَا الَّذِي أَنْتَ مُشْتَمِلٌ عَلَيْهِ؟\nقَالَ: فَكَشَفَهُ فَإِذَا حَسَنٌ وَحُسَيْنٌ عَلَى وَرِكَيْهِ.\nفَقَالَ: «هَذَانِ ابْنَايَ وَابْنَا ابْنَتِيَ؛ اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُمَا فَأَحِبَّهُمَا، وَأَحِبَّ مَنْ يُحِبُّهُمَا» (رواه الترمذي وحسنه الألباني).\n(الطَّرْقُ): الْإِتْيَانُ بِاللَّيْلِ. (فِي بَعْضِ الْحَاجَةِ) أَيْ لِأَجْلِ حَاجَةٍ مِنْ الْحَاجَاتِ (وَهُوَ مُشْتَمِلٌ) أَيْ مُحْتَجِبٌ (فَكَشَفَهُ) أَيْ أَزَالَ مَا عَلَيْهِ مِنْ الْحِجَابِ (عَلَى وَرِكَيْهِ) بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ، وَفِي الْقَامُوسِ بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ وَكَكَتِفٍ: مَا فَوْقَ الْفَخِذِ، (هَذَانِ اِبْنَايَ) أَيْ حُكْمًا. (وَابْنَا اِبْنَتِي) أَيْ حَقِيقَةً. (اهـ باختصار من تحفة الأحوذي).","vol":"1","page":55},{"text":"وَالنِّفَاقِ، وَأَجَازَ التَّرَحُّمَ عَلَى قَتْلَى الطَّائِفَتَيْنِ، وَأَمْثَالَ ذَلِك مِنْ الْأُمُورِ الَّتِي يُعْرَفُ بِهَا اتِّفَاقُ عَلِيٍّ وَغَيْرِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ عَلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ مُؤْمِنَةٌ.\nوَقَدْ شَهِدَ الْقُرْآنُ بِأَنَّ اقْتِتَالَ الْمُؤْمِنِينَ لَا يُخْرِجُهُمْ عَنْ الْإِيمَانِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠)﴾ (الحجرات:٩ - ١٠)؛ فَسَمَّاهُمْ (مُؤْمِنِينَ) وَجَعَلَهُمْ (إخْوَةً) مَعَ وُجُودِ الِاقْتِتَالِ وَالْبَغْيِ.\nوَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ «إذَا اقْتَتَلَ خَلِيفَتَانِ فَأَحَدُهُمَا مَلْعُونٌ» كَذِبٌ مُفْتَرًى لَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ، وَلَا هُوَ فِي شَيْءٍ مِنْ دَوَاوِينِ الْإِسْلَامِ الْمُعْتَمَدَةِ.\nومُعَاوِيَةُ لَمْ يَدَّعِ الْخِلَافَةَ؛ وَلَمْ يُبَايَعْ لَهُ بِهَا حِينَ قَاتَلَ عَلِيًّا، وَلَمْ يُقَاتِلْ عَلَى أَنَّهُ خَلِيفَةٌ، وَلَا أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْخِلَافَةَ، وَيُقِرُّونَ لَهُ بِذَلِك، وَقَدْ كَانَ مُعَاوِيَةُ يُقِرُّ بِذَلِك لِمَنْ سَأَلَهُ عَنْهُ، وَلَا كَانَ مُعَاوِيَةُ وَأَصْحَابُهُ يَرَوْنَ أَنْ يَبْتَدُوا عَلِيًّا وَأَصْحَابَهُ بِالْقِتَالِ، وَلَا يَعْلُوَا.\nبَلْ لَمَّا رَأَى عَلِيٌّ - ﵁ - وَأَصْحَابُهُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِمْ طَاعَتُهُ وَمُبَايَعَتُهُ، إذْ لَا يَكُون لِلْمُسْلِمَيْنِ إلَّا خَلِيفَةٌ وَاحِدٌ، وَأَنَّهُمْ خَارِجُونَ عَنْ طَاعَتِهِ يَمْتَنِعُونَ عَنْ هَذَا الْوَاجِبِ، وَهُمْ أَهْلُ شَوْكَةٍ رَأَى أَنْ يُقَاتِلَهُمْ حَتَّى يُؤَدُّوا هَذَا الْوَاجِبَ، فَتَحْصُلَ الطَّاعَةُ وَالْجَمَاعَةُ.\nوَهُمْ (١) قَالُوا: إنَّ ذَلِك لَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ، وَإِنَّهُمْ إذَا قُوتِلُوا عَلَى ذَلِك كَانُوا مَظْلُومِينَ قَالُوا: لِأَنَّ عُثْمَانَ قُتِلَ مَظْلُومًا بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، وَقَتَلَتُهُ فِي عَسْكَرِ عَلِيٍّ، وَهُمْ غَالِبُونَ لَهُمْ شَوْكَةٌ، فَإِذَا امْتَنَعْنَا ظَلَمُونَا وَاعْتَدَوْا عَلَيْنَا. وَعَلِيٌّ لَا يُمْكِنُهُ دَفْعُهُمْ، كَمَا لَمْ يُمْكِنْهُ الدَّفْعُ عَنْ عُثْمَانَ؛ وَإِنَّمَا عَلَيْنَا أَنْ نُبَايِعَ خَلِيفَةً يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يُنْصِفَنَا وَيَبْذُلَ لَنَا الْإِنْصَافَ.\n_________\n(١) أي مُعَاوِيَةُ وَأَصْحَابُهُ.","vol":"1","page":56},{"text":"وَكَانَ فِي جُهَّالِ الْفَرِيقَيْنِ مَنْ يَظُنُّ بِعَلِيِّ وَعُثْمَانَ ظُنُونًا كَاذِبَةً، بَرَّأَ اللهُ مِنْهَا عَلِيًّا، وَعُثْمَانَ: كَانَ يَظُنُّ بِعَلِيِّ أَنَّهُ أَمَرَ بِقَتْلِ عُثْمَانَ، وَكَانَ عَلِيٌّ يَحْلِفُ - وَهُوَ الْبَارُّ الصَّادِقُ بِلَا يَمِينٍ - أَنَّهُ لَمْ يَقْتُلْهُ، وَلَا رَضِيَ بِقَتْلِهِ، وَلَمْ يُمَالِئْ عَلَى قَتْلِهِ. وَهَذَا مَعْلُومٌ بِلَا رَيْبٍ مِنْ عَلِيٍّ - ﵁ -.\nفَكَانَ أُنَاسٌ مِنْ مُحِبِّي عَلِيٍّ وَمِنْ مُبْغِضِيهِ يُشِيعُونَ ذَلِك عَنْهُ: فَمُحِبُّوهُ يَقْصِدُونَ بِذَلِك الطَّعْنَ عَلَى عُثْمَانَ بِأَنَّهُ كَانَ يَسْتَحِقُّ الْقَتْلَ، وَأَنَّ عَلِيًّا أَمَرَ بِقَتْلِهِ. وَمُبْغِضُوهُ يَقْصِدُونَ بِذَلِك الطَّعْنَ عَلَى عَلِيٍّ، وَأَنَّهُ أَعَانَ عَلَى قَتْلِ الْخَلِيفَةِ الْمَظْلُومِ الشَّهِيدِ، الَّذِي صَبَّرَ نَفْسَهُ وَلَمْ يَدْفَعْ عَنْهَا، وَلَمْ يَسْفِكْ دَمَ مُسْلِمٍ فِي الدَّفْعِ عَنْهُ، فَكَيْفَ فِي طَلَب طَاعَتِهِ وَأَمْثَالُ هَذِهِ الْأُمُورِ الَّتِي يَتَسَبَّبُ بِهَا الزَّائِغُونَ عَلَى الْمُتَشَيِّعِينَ الْعُثْمَانِيَّةِ، وَالْعَلَوِيَّةِ.\nوَكُلُّ فِرْقَةٍ مِنْ الْمُتَشَيِّعِينَ مُقِرَّةٌ مَعَ ذَلِك بِأَنَّهُ لَيْسَ مُعَاوِيَةُ كُفْئًا لِعَلِيِّ بِالْخِلَافَةِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَلِيفَةٌ مَعَ إمْكَانِ اسْتِخْلَافِ عَلِيٍّ - ﵁ - فَإِنَّ فَضْلَ عَلِيٍّ وَسَابِقِيَّتَهُ، وَعِلْمَهُ، وَدِينَهُ، وَشَجَاعَتَهُ، وَسَائِرَ فَضَائِلِهِ: كَانَتْ عِنْدَهُمْ ظَاهِرَةً مَعْرُوفَةً، كَفَضْلِ إخْوَانِهِ: أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَغَيْرِهِمْ - ﵃ -.\nوَلَمْ يَكُنْ بَقِيَ مِنْ أَهْلِ الشُّورَى غَيْرُهُ وَغَيْرُ سَعْدٍ، وَسَعْدٌ كَانَ قَدْ تَرَكَ هَذَا الْأَمْرَ، وَكَانَ الْأَمْرُ قَدْ انْحَصَرَ فِي عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ؛ فَلَمَّا تُوُفِّيَ عُثْمَانُ لَمْ يَبْقَ لَهَا مُعَيَّنٌ إلَّا عَلِيٌّ - ﵁ - وَإِنَّمَا وَقَعَ الشَّرُّ بِسَبَبِ قَتْلِ عُثْمَانَ، فَحَصَلَ بِذَلِك قُوَّةُ أَهْلِ الظُّلْمِ وَالْعُدْوَانِ وَضَعْفُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ، حَتَّى حَصَلَ مِنْ الْفُرْقَةِ وَالِاخْتِلَافِ مَا صَارَ يُطَاعُ فِيهِ مَنْ غَيْرُهُ أَوْلَى مِنْهُ بِالطَّاعَةِ؛ وَلِهَذَا أَمَرَ اللهُ بِالْجَمَاعَةِ والائتلاف، وَنَهَى عَنْ الْفُرْقَةِ وَالِاخْتِلَافِ؛ وَلِهَذَا قِيلَ: مَا يَكْرَهُونَ فِي الْجَمَاعَةِ خَيْرٌ مِمَّا يُجْمِعُونَ مِنْ الْفُرْقَةِ.\nوَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي فِيهِ: «إنَّ عَمَّارًا تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ» (١) فَلَيْسَ فِي كَوْنِ عَمَّارٍ تَقْتُلهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ مَا يُنَافِي مَا ذَكَرْنَاهُ، فَإِنَّهُ قَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ\n_________\n(١) رواه البخاري ومسلم.","vol":"1","page":57},{"text":"فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ (الحجرات:٩ - ١٠)؛ فَقَدْ جَعَلَهُمْ مَعَ وُجُودِ الِاقْتِتَالِ وَالْبَغْيِ مُؤْمِنِينَ إخْوَةً؛ بَلْ مَعَ أَمْرِهِ بِقِتَالِ الْفِئَةِ الْبَاغِيَةِ جَعَلَهُمْ مُؤْمِنِينَ.\nوَلَيْسَ كُلُّ مَا كَانَ بَغْيًا وَظُلْمًا أَوْ عُدْوَانًا يُخْرِجُ عُمُومَ النَّاسِ عَنْ الْإِيمَانِ، وَلَا يُوجِبُ لَعْنَتَهُمْ؛ فَكَيْفَ يُخْرِجُ ذَلِك مَنْ كَانَ مِنْ خَيْرِ الْقُرُونِ؟\nوَكُلُّ مَنْ كَانَ بَاغِيًا، أَوْ ظَالِمًا، أَوْ مُعْتَدِيًا، أَوْ مُرْتَكِبًا مَا هُوَ ذَنْبٌ فَهُوَ قِسْمَانِ: مُتَأَوِّلٌ، وَغَيْرُ مُتَأَوِّلٍ.\nفَالْمُتَأَوِّلُ الْمُجْتَهِدُ: كَأَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ، الَّذِينَ اجْتَهَدُوا، وَاعْتَقَدَ بَعْضُهُمْ حِلَّ أُمُورٍ، وَاعْتَقَدَ الْآخَرُ تَحْرِيمَهَا، فَهَؤُلَاءِ الْمُتَأَوِّلُونَ الْمُجْتَهِدُونَ غَايَتُهُمْ أَنَّهُمْ مُخْطِئُونَ، وَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ (البقرة:٢٨٦)، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ اللهَ اسْتَجَابَ هَذَا الدُّعَاءَ (١).\nوَقَدْ أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ عَنْ دَاوُد وَسُلَيْمَانَ - ﵁ - إنَّمَا حَكَمَا فِي الْحَرْثِ، وَخَصَّ أَحَدَهُمَا بِالْعِلْمِ وَالْحُكْمِ، مَعَ ثَنَائِهِ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا بِالْعِلْمِ وَالْحُكْمِ. وَالْعُلَمَاءُ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، فَإِذَا فَهِمَ أَحَدُهُمْ مِنْ الْمَسْأَلَةِ مَا لَمْ يَفْهَمْهُ الْآخَرُ لَمْ يَكُنْ بِذَلِك مَلُومًا وَلَا مَانِعًا لِمَا عُرِفَ مِنْ عِلْمِهِ وَدِينِهِ.\nوَإِنْ كَانَ ذَلِك مَعَ الْعِلْمِ بِالْحُكْمِ يَكُون إثْمًا وَظُلْمًا، وَالْإِصْرَارُ عَلَيْهِ فِسْقًا، بَلْ مَتَى عُلِمَ تَحْرِيمُهُ ضَرُورَةً كَانَ تَحْلِيلُهُ كُفْرًا. فَالْبَغْيُ هُوَ مِنْ هَذَا الْبَابِ.\nأَمَا إذَا كَانَ الْبَاغِي مُجْتَهِدًا وَمُتَأَوِّلًا، وَلَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ أَنَّهُ بَاغٍ، بَلْ اعْتَقَدَ أَنَّهُ عَلَى الْحَقِّ وَإِنْ كَانَ مُخْطِئًا فِي اعْتِقَادِهِ: لَمْ تَكُنْ تَسْمِيَتُهُ (بَاغِيًا) مُوجِبَةً لِإِثْمِهِ، فَضْلًا عَنْ أَنْ تُوجِبَ فِسْقَهُ.\n_________\n(١) رواه مسلم.","vol":"1","page":58},{"text":"وَاَلَّذِينَ يَقُولُونَ بِقِتَالِ الْبُغَاةِ الْمُتَأَوِّلِينَ؛ يَقُولُونَ: مَعَ الْأَمْرِ بِقِتَالِهِمْ قِتَالُنَا لَهُمْ لِدَفْعِ ضَرَرِ بَغْيِهِمْ؛ لَا عُقُوبَةً لَهُمْ؛ بَلْ لِلْمَنْعِ مِنْ الْعُدْوَانِ.\nوَيَقُولُونَ: إنَّهُمْ بَاقُونَ عَلَى الْعَدَالَةِ؛ لَا يُفَسَّقُونَ.\nوَيَقُولُونَ هُمْ كَغَيْرِ الْمُكَلَّفِ، كَمَا يُمْنَعُ الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ وَالنَّاسِي وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ وَالنَّائِمُ مِنْ الْعُدْوَانِ أَنْ لَا يَصْدُرَ مِنْهُمْ؛ بَلْ تُمْنَعُ الْبَهَائِمُ مِنْ الْعُدْوَانِ.\nوَيَجِبُ عَلَى مَنْ قُتِلَ مُؤْمِنًا خَطَأً الدِّيَةُ بِنَصِّ الْقُرْآنِ مَعَ أَنَّهُ لَا إثْمَ عَلَيْهِ فِي ذَلِك، وَهَكَذَا مَنْ رُفِعَ إلَى الْإِمَامِ مِنْ أَهْلِ الْحُدُودِ وَتَابَ بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ فَأَقَامَ عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَالتَّائِبُ مِنْ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ.\nثُمَّ بِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ الْبَغْيُ بِغَيْرِ تَأْوِيلٍ: يَكُون ذَنْبًا، وَالذُّنُوبُ تَزُولُ عُقُوبَتُهَا بِأَسْبَابِ مُتَعَدِّدَةٍ: بِالْحَسَنَاتِ الْمَاحِيَةِ، وَالْمَصَائِبِ الْمُكَفِّرَةِ، وَغَيْرِ ذَلِك.\nثُمَّ «إنَّ عَمَّارًا تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ» لَيْسَ نَصًّا فِي أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ لمعاوية وَأَصْحَابِهِ؛ بَلْ يُمْكِنُ أَنَّهُ أُرِيدَ بَهْ تِلْكَ الْعِصَابَةُ الَّتِي حَمَلَتْ عَلَيْهِ حَتَّى قَتَلَتْهُ، وَهِيَ طَائِفَةٌ مِنْ الْعَسْكَرِ، وَمَنْ رَضِيَ بِقَتْلِ عَمَّارٍ كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَهَا.\nوَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ كَانَ فِي الْعَسْكَرِ مَنْ لَمْ يَرْضَ بِقَتْلِ عَمَّارٍ: كَعَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاص، وَغَيْرِهِ؛ بَلْ كُلُّ النَّاسِ كَانُوا مُنْكَرِينَ لِقَتْلِ عَمَّارٍ، حَتَّى مُعَاوِيَةُ، وَعَمْرٌو.\nوَالْفُقَهَاءُ لَيْسَ فِيهِمْ مَنْ رَأْيُهِ الْقِتَالُ مَعَ مَنْ قَتَلَ عَمَّارًا؛ لَكِنْ لَهُمْ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ كَمَا كَانَ عَلَيْهِمَا أَكَابِرُ الصَّحَابَةِ: مِنْهُمْ مَنْ يَرَى الْقِتَالَ مَعَ عَمَّارٍ وَطَائِفَتِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَرَى الْإِمْسَاكَ عَنْ الْقِتَالِ مُطْلَقًا.\nوَفِي كُلٍّ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ طَوَائِفُ مِنْ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ.\nفَفِي الْقَوْلِ الْأَوَّلِ عَمَّارٌ، وَسَهْلُ بْنُ حنيف، وَأَبُو أَيُّوبَ.\nوَفِي الثَّانِي سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مسلمة؛ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ وَنَحْوُهُمْ. وَلَعَلَّ أَكْثَرَ الْأَكَابِرِ مِنْ الصَّحَابَةِ كَانُوا عَلَى هَذَا الرَّأْيِ؛ وَلَمْ يَكُنْ فِي الْعَسْكَرَيْنِ بَعْدَ عَلِيٍّ أَفَضْلُ مِنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَكَانَ مِنْ الْقَاعِدِينَ. (١)\nقال الأستاذ الدكتور محمد أمحزون في خاتمة كتابه القيم (تحقيق مواقف الصحابة في الفتنة من روايات الإمام الطبري والمحدّثين):\n«إن موضوع النزاع والخلاف بين الصحابة - ﵃ - بعد مقتل عثمان - ﵁ - يجب أن ينظر إليه من زاويتين:\nالأولى: إن اللوم في تلك الفتنة على العموم يلقى على قتلة عثمان - ﵁ -؛ لأن كل من قُتِل من المسلمين بأيدي إخوانهم منذ قتل عثمان - ﵁ - إنما يقع إثمه عليهم، فهم الذين فتحوا باب الفتنة وكل ما وقع بعد ذلك فإثمه ووزره عليهم، إذ كانوا هم السبب المباشر فيها، وهم الفئة المعتدية الظالمة الباغية التي قتل بسببها كل مقتول في الجمل وصفين وما تفرق عنها من أحداث وآراء ومواقف فتحت باب الخلاف والفرقة بين المسلمين.\nالثانية: إن ما حدث من جانب الصحابة - ﵃ - في هذه الفتنة يُحمَل على حسن النية والاختلاف في التقدير والاجتهاد، كما يحمل على وقوع الخطأ والإصابة، ولكنهم على كل حال كانوا مجتهدين وهم لإخلاصهم في اجتهادهم مثابون عليه في حالتي الإصابة والخطأ، وإن كان ثواب المصيب ضعف ثواب المخطئ؛ لأن كل فئة كانت لها وجهة نظر تدافع عنها بحسن نية، حيث إن الخلاف بينهم لم يكن بسبب التنافس على الدنيا، وإنما كان اجتهادًا من كل منهم في تطبيق شرائع الإسلام.\nوقد سئل ابن المبارك عن الفتنة التي وقعت بين علي ومعاوية - ﵄ - فقال: «فتنة عصم الله منها سيوفنا فلْنَعصِمْ منها ألسنتَنا» - يعني في التحرز من الوقوع في الخطأ والحكم على بعضهم بما لا يكون مصيبًا فيه.\nوسئل الحسن البصري عن قتالهم فقال: «قتال شهده أصحاب محمد - ﵌ - وغِبْنَا، وعلموا وجهلنا، واجتمعوا فاتَّبَعْنا، واختلفوا فوقَفْنا». (٢)\nويقول النووي - ﵀ - في شرحه لحديث (إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ):\n«وَأَمَّا كَوْن الْقَاتِل وَالْمَقْتُول مِنْ أَهْل النَّار فَمَحْمُول عَلَى مَنْ لَا تَأْوِيل لَهُ، وَيَكُون قِتَالهمَا عَصَبِيَّة وَنَحْوهَا - ثُمَّ كَوْنه فِي النَّار مَعْنَاهُ مُسْتَحِقّ لَهَا، وَقَدْ يُجَازَى بِذَلِكَ، وَقَدْ يَعْفُو اللهُ تَعَالَى عَنْهُ. هَذَا مَذْهَب أَهْل الْحَقّ، وَقَدْ سَبَقَ تَأْوِيله مَرَّات، وَعَلَى هَذَا يُتَأَوَّل كُلّ مَا جَاءَ مِنْ نَظَائِره.\nوَاعْلَمْ أَنَّ الدِّمَاء الَّتِي جَرَتْ بَيْن الصَّحَابَة - ﵃ - لَيْسَتْ بِدَاخِلَةٍ فِي هَذَا الْوَعِيد، وَمَذْهَب أَهْل السُّنَّة وَالْحَقّ إِحْسَان الظَّنّ بِهِمْ، وَالْإِمْسَاك عَمَّا شَجَرَ بَيْنهمْ، وَتَأْوِيل قِتَالهمْ، وَأَنَّهُمْ مُجْتَهِدُونَ مُتَأَوِّلُونَ لَمْ يَقْصِدُوا مَعْصِيَة وَلَا مَحْض الدُّنْيَا، بَلْ اِعْتَقَدَ كُلّ فَرِيق أَنَّهُ الْمُحِقّ، وَمُخَالِفه بَاغٍ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ قِتَاله لِيَرْجِع إِلَى أَمْر اللَّه.\nوَكَانَ بَعْضهمْ مُصِيبًا، وَبَعْضهمْ مُخْطِئًا مَعْذُورًا فِي الْخَطَأ؛ لِأَنَّهُ لِاجْتِهَادٍ، وَالْمُجْتَهِد إِذَا أَخْطَأَ لَا إِثْم عَلَيْهِ، وَكَانَ عَلِيّ - ﵁ - هُوَ الْمُحِقّ الْمُصِيب فِي تِلْك الْحُرُوب. هَذَا مَذْهَب أَهْل السُّنَّة، وَكَانَتْ الْقَضَايَا مُشْتَبِهَة حَتَّى إِنَّ جَمَاعَة مِنْ الصَّحَابَة تَحَيَّرُوا فِيهَا فَاعْتَزَلُوا الطَّائِفَتَيْنِ، وَلَمْ يُقَاتِلُوا، وَلَمْ يَتَيَقَّنُوا الصَّوَاب، ثُمَّ تَأَخَّرُوا عَنْ مُسَاعَدَته مِنْهُمْ» (٣).\nيقول الحافظ ابن حجر - ﵀ -: «وَاتَّفَقَ أَهْل السُّنَّة عَلَى وُجُوب مَنْع الطَّعْن عَلَى أَحَد مِنْ الصَّحَابَة بِسَبَبِ مَا وَقَعَ لَهُمْ مِنْ ذَلِكَ وَلَوْ عَرَفَ الْمُحِقّ مِنْهُمْ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُقَاتِلُوا فِي\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (٣٥/ ٦٩ - ٧٩) ط دار الوفاء باختصار يسير.\n(٢) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٦/ ٣٢٢) في تفسير سورة الحجرات.\n(٣) شرح صحيح مسلم (١٨/ ٢١٩ - ٢٢٠).","vol":"1","page":59},{"text":"تِلْكَ الْحُرُوب إِلَّا عَنْ اِجْتِهَاد وَقَدْ عَفَا اللهُ تَعَالَى عَنْ الْمُخْطِئ فِي الِاجْتِهَاد، بَلْ ثَبَتَ أَنَّهُ يُؤْجَر أَجْرًا وَاحِدًا وَأَنَّ الْمُصِيب يُؤْجَر أَجْرَيْنِ» (١).\nإن كتابة تاريخ الخلفاء الراشدين بصفة خاصة وتاريخ الصحابة بصفة عامة - من زاوية الرصد الإسلامي - ضرورة لازمة للأمة الإسلامية وليست نافلة يمكن الاستغناء عنها» اهـ. (٢)\nإن البحث فيما شجر بين الصحابة - ﵃ -، لا يقرب العبد إلى الله زلفى، فهم قد لقوا ربهم وهو أعلم بما شجر بينهم، فإن كان الأمر لا يقربك إلى الله زلفى وإنما قد يقودك إلى النار وأنت لا تعلم، فتجنبه أولى؛ إلا في حالة واحدة، وهي إن ظهر مبتدع مبطل يقدح فيهم بالباطل، فيجب الدفاع عنهم بحق وعدل مع التنبيه إلى أنه لا يدافع عن بعضهم فيقع في سب آخرين منهم، إنما يكون الدفاع عنهم - ﵃ - جميعًا، وإلا فيجب الصت والإمساك عما شجر بينهم.\nومعنى الإمساك عما شجر بين الصحابة - ﵃ -، هو عدم الخوض فيما وقع بينهم من الحروب والخلافات على سبيل التوسع وتتبع التفصيلات، ونشر ذلك بين العامة، أو التعرض لهم بالتنقّص لفئة والانتصار لأخرى.\nوهذا هو الذي دل عليه الحديث الثابت عند الطبراني وغيره أن رسول الله - ﵌ - قال: «إِذَا ذُكِرَ أَصْحَابِي فَأَمْسِكُوا» (٣).\nوقد فسر المناوي الحديث بأن معناه: ما شجر بينهم - أي الصحابة - من الحروب والمنازعات (٤).\n_________\n(١) فتح الباري (١٣/ ٣٧).\n(٢) تحقيق مواقف الصحابة في الفتنة للأستاذ الدكتور محمد أمحزون ص٦٠١ - ٦٠٦ بتصرف يسير.\n(٣) انظر: السلسة الصحيحة للألباني (١/ ٧٥).\n(٤) فيض القدير (٢/ ٦٧٦).","vol":"1","page":62},{"text":"وإذا كانت أعراض المسلمين بشكل عام مصونة في الإسلام، فأعراض الصحابة وهم أهل الفضل والسابقة والجهاد أولى بالصيانة، والدفاع عنهم قربة لله - ﷿ - وتقديرٌ لمآثرهم وجهادهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>لماذا هذه العناية بأعراض الصحابة - ﵃ - ولماذا الدفاع عنهم</span>؟\nإن مكمن الخطر في سبهم أو التعريض بهم وبعدالتهم، فهم نقلة الدين والطعن فيهم وسيلة للطعن في الدين.\nولما كان أصحاب رسول الله - ﵌ - هم قدوتنا في ديننا وهم حملة الكتاب الإلهي والسنة المحمدية، الذين حملوا عنهم أماناتهم حتى وصلت إلينا، فإن من حق هذه الأمانات على أمثالنا أن ندرأ عن سيرتهم كل ما ألصق بهم من إفك ظلمًا وعدوانا .. حتى تكون صورتهم التي تعرض على أنظار الناس هي الصورة النقية الصادقة التي كانوا عليها، فنحسن الاقتداء بهم وتطمئن النفوس إلى الخير الذي ساقه الله للبشر على أيديهم.\nوالطعن فيهم طعنٌ في الدين الذي هم ورائه. وتشويه سيرتهم تشويه للأمانة التي حملوها وتشكيك في جميع الأسس التي قام عليها كيان التشريع في هذه الملة الحنيفية السمحة.\nوإن من أسوأ الأخطاء المنهجية والتربوية معًا، تدريس الحروب والخلافات التي وقعت بين الصحابة لتلاميذ المدارس، مع ما يصاحب ذلك من تشويه في العرض، وتقصير في تعريف التلاميذ بمنزلة الصحابة وفضلهم وحقهم على الأمة، حيث ينشأ عن ذلك تعارض في أذهانهم بين الصورة الفطرية التي تصوروها عن أصحاب رسول الله - ﵌ -، وما ينبغي أن يكونوا عليه من الاستقامة، وبين الصورة التي تلقوها من المدرسة، فلا يستطيعون معرفة الحق من ذلك ولا يستوعبونه نظرًا لصغر سنهم، ولقلة ثقافتهم، حتى لو حاولت أن توضح لهم الصورة الصحيحة فإنهم لا يكادون يقتنعون لأن الشبهة التي أثيرت قد انقدحت في أذهانهم.","vol":"1","page":63},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-19>معاوية بن أبي سفيان - ﵄ - في سطور</span>\n- هو خال المؤمنين (١)، وكاتب وحي رسول الله رب العالمين - ﵌ -، أمير المؤمنين ملك الإسلام، أبو عبد الرحمن مُعاوية بن أبي سُفيان - صَخْر بن حَرْب - بن أُمَيَّة بن عبد شَمْس بن عبد مَناف بن قُصي بن كِلاب القرشي الأمويُ المكي، يلتقي نسبُه مع النبيِّ - ﵌ - في عبدِ مَناف.\n· وأٌمُّه: هِند بنت عُتبة بن رَبيعة بن عبد شمس - ﵂ -.\n- وُلد معاوية - ﵁ - قبل البعثة بخمس سنين على الأشهر، وقيل بسبع، وقيل بثلاث عشرة.\n- وكان معاوية - ﵁ - رجلًا طويلًا أبيضَ جميلًا مهيبًا أجلح (٢).\n· ومعاوية - ﵁ - لم يُعرف عنه قبل الإسلام أذىً للنبي - ﵌ -، لا بيد، ولا بلسان.\n· وبعد إسلام أبيه أبي سفيان - ﵁ -:انتقلَ وأهله إلى المدينة، وآخى رسول الله - ﵌ - بين معاوية والحُتات بن يزيد المُجاشِعي، وتوفي النبي - ﵌ - وهو عن معاوية راضٍ.\n- وصحب معاوية رسول الله - ﵌ -، وكتب الوحي بين يديه مع الكُتَّاب، وروى عن رسول الله - ﵌ - أحاديث كثيرة في الصحيحين وغيرهما من السنن والمسانيد، وروى عنه جماعة من الصحابة والتابعين.\n_________\n(١) فأخته أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان - ﵂ - زوج النبي - ﵌ -.\nجاء في معجم المناهي اللفظية للشيخ بكر أبو زيد: «خال المؤمنين: في إطلاق ذلك على إخوان زوجات النبي - ﵌ - قولان للعلماء: المنع، والجواز، وحكاهما الكرماني في (شرح البخاري) ولم يُرَجِّحْ».\n(٢) من انْحَسَرَ الشَّعرُ عن مقَدَّم رأسِه فهو أَجْلَحُ.","vol":"1","page":64},{"text":"· رُوي له عن النبي - ﵌ - مائة حديث وثلاث وستون حديثًا، روى عنه من الصحابة ابن عباس وابن عمر وابن الزبير وأبو الدرداء وجرير البجلي والنعمان بن بشير وغيرهم، ومن التابعين ابن المسيب وحميد بن عبد الرحمن وغيرهما.\n· مكث معاوية - ﵁ - عشرين سنة أميرًا على الشام في خلافة عمر وخلافة عثمان - ﵄ -، ثم خليفةً للمسلمين مثلَها.\n- فتح معاوية - ﵁ - قيسارية (١) سنة تسع عشرة في خلافة عمر بن الخطاب - ﵁ -.\n- وافتتح في سنة سبع وعشرين جزيرة قبرص.\n- ولم تزل الفتوحات والجهاد قائما على ساقه في أيامه في بلاد الروم والفرنج وغيرها.\n- ثم كان ما كان بينه وبين علي بعد قتل عثمان - ﵃ -، على سبيل الاجتهاد والرأي، فجرى بينهما قتال عظيم، وكان الحق والصواب مع علي - ﵁ -، ومعاوية - ﵁ - معذور عند جمهور العلماء سلفًا وخلفًا.\n- وقد شهدت الأحاديث الصحيحة بالإسلام للفريقين من الطرفين - أهل العراق وأهل الشام - (٢).\n_________\n(١) قيسارية وتلفظ أيضا (قيسرية أو قيصرية)، مدينة كانت من أهم المدن في دولة سلاجقة الروم، تقع جنوبي مدينة سيواس إلى الشرق. وهناك مدينة بهذا الاسم في فلسطين تقع على ساحل البحر المتوسط في منتصف الطريق بين مدينتي حيفا ويافا.\n(٢) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﵌ -: «تَكُونُ فِي أُمَّتِي فِرْقَتَانِ فَتَخْرُجُ مِنْ بَيْنِهِمَا مَارِقَةٌ يَلِي قَتْلَهُمْ أَوْلَاهُمْ بِالْحَقِّ» (رواه مسلم). قال الإمام النووي في شرحه لهذا الحديث من صحيح مسلم: «هَذِهِ الرِّوَايَات صَرِيحَة فِي أَنَّ عَلِيًّا - ﵁ - كَانَ هُوَ الْمُصِيبَ الْمُحِقَّ، وَالطَّائِفَة الْأُخْرَى أَصْحَاب مُعَاوِيَة - ﵁ - كَانُوا بُغَاة مُتَأَوِّلِينَ، وَفِيهِ التَّصْرِيح بِأَنَّ الطَّائِفَتَيْنِ مُؤْمِنُونَ لَا يَخْرُجُونَ بِالْقِتَالِ عَنْ الْإِيمَان وَلَا يَفْسُقُونَ».","vol":"1","page":65},{"text":"- ولما كان من أمره وأمر أمير المؤمنين علي - ﵄ - ما كان، لم يقع في تلك الأيام فتح بالكلية، لا على يديه ولا على يدي علي - ﵁ -، وطمع في معاوية ملكُ الروم بعد أن كان قد أخشاه وأذله، وقهر جنده، فلما رأى ملك الروم اشتغال معاوية بحرب علي - ﵄ - تدانى إلى بعض البلاد في جنود عظيمة وطمع فيه، فكتب معاوية إليه: «والله لئن لم تَنْتَهِ وترجع إلى بلادك يا لعين لأصطَلِحَنَّ أنا وابن عمي عليك، ولأخرِجَنَّك من جميع بلادك، ولأضَيِّقَنَّ عليك الأرض بما رحبت». فعند ذلك خاف ملك الروم وانكَفَّ، وبعث يطلب الهدنة (١).\n- ثم كان من أمر التحكيم ما كان، وكذلك ما بعده إلى وقت اصطلاحه مع الحسن بن علي - ﵄ - فانعقدت الكلمة على معاوية - ﵁ -، وأجمعت الرعايا على بيعته في سنة إحدى وأربعين للهجرة، فلم يزل مستقلًا بالأمر في هذه المدة إلى السنة التي كانت فيها وفاته، والجهاد في بلاد العدو قائم، وكلمة الله عالية، والغنائم تَرِدُ إليه من أطراف الأرض، والمسلمون معه في راحة وعدل، وصفح وعفو.\n- وكان يغزو الروم في كل سنة مرتين، مرة في الصيف ومرة في الشتاء، ويأمر رجلًا من قومه فيحج بالناس، وحج هو سنة خمسين، وحج ابنه يزيد سنة إحدى وخمسين.\n- وفيها أو في التي بعدها غزا ابنه يزيد بلاد الروم فسار معه خلق كثير من كبراء الصحابة حتى حاصر القسطنطينية، وقد ثبت في صحيح البخاري قول النبي - ﵌ -: «أَوَّلُ جَيْشٍ مِنْ أُمَّتِى يَغْزُونَ مَدِينَةَ قَيْصَرَ مَغْفُورٌ لَهُمْ».\n· وكان معاوية - ﵁ - من الموصوفين بالدهاء والحِلم.\n_________\n(١) البداية والنهاية لابن كثير (٨/ ١٢٧).","vol":"1","page":66},{"text":"· وكان يُضرَب بحِلم معاوية - ﵁ - المثل.\n- وكان معاوية - ﵁ - أول من اتخذ ديوان الخاتم وختم الكتب، وديوان الخاتم شبيه بدائرة السجلات أو الأرشيف العام في الوقت الحاضر.\n· وقد عين معاوية - ﵁ - موظفين مشرفين على هذا الديوان.\n· توفي معاوية - ﵁ - بدمشق في رجب سنة ستين.\n· أغمي عليه ثم أفاق فقال لأهله: «اتقوا الله فإن الله تعالى يقي من اتقاه، ولا يقي من لا يتقي»، ثم مات - ﵀ -.\n- وقد ورد من غير وجه أنه أوصى أن يكفن في ثوب رسول الله - ﵌ - الذي كساه إياه، وكان مدخرًا عنده لهذا اليوم.\n- ومن أشهر أولاده يزيد.\n· وعاش معاوية ثمانية وسبعين عامًا، وقيل غيرُ ذلك، - ﵁ -.","vol":"1","page":67},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-20>أبو سفيان بن حرب والد معاوية - ﵄ </span>-\nكان أبو سفيان - ﵁ - من سادات قريش ومن عتاة الجاهلية الذين حاربوا الإسلام. إلا أن الله - ﷿ - أراد الهداية له؛ فأسلم قبل فتح مكة بقليل، وقد حَسُن إسلامُه وقدم خدمات جليلة للإسلام، فقد كان مع رسول الله - ﵌ - في حُنَيْن، وشارك في حصار الطائف وفقد إحدى عينيه فيها، وفي اليرموك فقد الثانية، وبعد ثقيف أرسله رسول الله - ﵌ - مع المغيرة بن شعبة - ﵁ - لهدم اللات - صنم ثقيف ـ، وقد كانت اللات معظمة عند قريش كذلك، وكانوا يحلفون بها.\nورُوي عن سعيد بن المسيب عن أبيه قال: «فقدت الأصوات يوم اليرموك إلا صوت رجل واحد يقول: «يا نصر الله اقترب، والمسلمون يقتتلون هم والروم»، فذهبتُ أنظر فإذا هو أبو سفيان تحت راية ابنه يزيد».\nورُوي أنه كان يوم اليرموك يقف على الكراديس: فيقول للناس: الله الله إنكم ذادة العرب وأنصار الإسلام، وإنهم ذادة الروم وأنصار الشرك، اللهمَّ هذا يوم من أيامك، اللهمَّ أنزل نصرك على عبادك» (١).\n_________\n(١) التبيين في أنساب القرشيين ص ٢٠٣ عن الدولة الأموية للصلابي.\nوالكُرْدُوسَةُ: قِطْعَةٌ عظيمةٌ من الخَيْلِ، أو الكتيبة من الجند، وكَرْدَسَ الخيلَ جَعَلَهَا كتيبَةً كتيبَةً.","vol":"1","page":68},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-21>هند بنت عتبة بن ربيعة أم معاوية - ﵄ </span>-\nأسلمت - ﵂ - يوم الفتح، بعد إسلام زوجها أبي سفيان - ﵁ -، ولما فرغ رسول الله - ﵌ - من بيعة الرِّجال، بايع النساء، وفيهنَّ هند بنت عتبة، وقد بايعن رسول الله - ﵌ - من غير مصافحة، فقد كان لا يصافح النساء، ولا يمس يد امرأة إلا امرأة أحلّها الله له، أو ذات محرم منه.\nولما أسلمت هند وبايعت عادت إلى بيتها فجعلت تكسر صنمًا كان عندها وهي تقول: «كنتُ مِنْكَ في غرور» (١).\nموقف في الجاهلية:\nوكان لهند في جاهليتها موقف مع زينب بنت رسول الله - ﵌ -، فقد كانت بمكة مع زوجها أبي العاص بن الربيع وأرسل النبيُّ - ﵌ - من يأتيه بها إلى المدينة، وكان ذلك بعد (غزوة بدر) ولم تجِفّ دماء قريش بعد، وكانت هند قد أصيبت بأبيها وأخيها وعمها، وكانت تطوف على مجالس قريش وأنديتها تُذكي نار الثأر، وتؤجج أوار الحرب.\nوفي الطريق لقِيَتْ زينب بنت رسول الله - ﵌ -، وكان قد تسرَّب خبر استعدادها للخروج لأبيها فقالت هند: «أي بنت محمد: بلغني أنك تريدين اللحوق بأبيك!! .. أي ابنة عمي، إن كانت لك حاجة بمتاع مما يعينك في سفرك، أو بمال تبلغين به إلي أبيك، فعندي حاجتك فلا تستحي مني، فإنه لا يدخل بين النساء ما يكون بين الرجال».\nتروي زينب - ﵂ - ذلك، وتقول: «ووالله ما أراها قالت إلا لتفعل».\n_________\n(١) الطبقات الكبرى لابن سعد (٨/ ١٧٢).","vol":"1","page":69},{"text":"ثم يوم خروج زينب يتعرض لها رجال من قريش، يريدون إرجاعها، فتسقط من على ناقتها وكانت حاملًا، فتنزف، وتسمع هند، فتخرج مسرعة، وتقول لقومها: «أين كانت شجاعتكم يوم بدر؟».\nوتحُولُ بينهم وبين زينب وتضمها إليها وتمسح عنها ما بها، وتصلح شأنها، حتى استأنفت الخروج إلى أبيها في أمن وأمان» (١).\n_________\n(١) الدولة الأموية للصلابي عن (نحو رؤية جديدة للتاريخ ص ٢٠٠، ص ٢٠٨)، (فرسان من عصر النبوة ص ٨٥٣).","vol":"1","page":70},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-22>من إخوان وأخوات معاوية - ﵁ </span>-\nيزيد بن أبي سفيان - ﵁ -:\nكان يقال له يزيد الخير، أسلم يوم الفتح وشهد حُنَيْنًا، واستعمله أبو بكر - ﵁ - على أول الجيوش التي أرسلها إلى الشام.\nولما فُتِحَت الشام في عهد الفاروق عمر وَلّى يزيدَ بنَ أبي سفيان فلسطين وناحيتها، ثم لما مات أبو عبيدة استخلف معاذ بن جبل، فلما مات معاذ بن جبل استخلف يزيد بن أبي سفيان، ثم مات يزيد فاستخلف أخاه معاوية - ﵃ - جميعًا.\nأم حبيبة بنت أبي سفيان - ﵂ -:\nهي رملة بنت أبي سفيان زوج النبي - ﵌ - تكنى أم حبيبة وهي بها أشهر من اسمها، ولدت - ﵂ - قبل البعثة بسبعة عشر عامًا، وكانت قبل النبي - ﵌ - عند عبيد الله بن جحش بن رباب بن يعمر الأسدي من بني أسد بن خزيمة، فأسلما ثم هاجرا إلى الحبشة فولدت حبيبة ومات زوجها - ﵁ - بالحبشة (١)،وهي أقرب أزواجه نسبًا إليه وأكثرهن صداقًا - ﵁ - اوأرضاها (٢).\nقال الإمام الذهبي عنها: «وَهِيَ مِنْ بَنَاتِ عَمِّ الرَّسُوْلِ - ﵌ - لَيْسَ فِي أَزْوَاجِهِ مَنْ هِيَ أَقْرَبُ نَسَبًا إِلَيْهِ مِنْهَا، وَلاَ فِي نِسَائِهِ مَنْ هِيَ أَكْثَرُ صَدَاقًا مِنْهَا، وَلاَ مَنْ تَزَوَّجَ بِهَا وَهِيَ نَائِيَةُ الدَّارِ أَبْعَدُ مِنْهَا.\nعُقِدَ لَهُ - ﵌ - بِالحَبَشَةِ، وَأَصْدَقَهَا عَنْهُ صَاحِبُ الحَبَشَةِ أَرْبَعَ مائَةِ دِيْنَارٍ، وَجَهَّزَهَا بِأَشْيَاءَ (٣).\n_________\n(١) من القصص المختلقة الواهية قصة ارتداد عبيد الله بن جحش زوج أم حبيبة - ﵄ - عن الإسلام وتنَصُّرُه بالحبشة. (انظر تحقيق دعوى ردة عبيد الله بن جحش لمحمد بن عبد الله العوشن).\n(٢) الطبقات لابن سعد (٨/ ٩٦ - ١٠٠) مجمع الزوائد (٩/ ٢٤٩).\n(٣) سير أعلام النبلاء (٣/ ١٩٣).","vol":"1","page":71},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-23>تاريخ إسلام معاوية - ﵁ </span>-\nاختَلف العلماء في تحديده على قولين مشهورين، أحدهما أنه أسلم في فتح مكة سنة ثمان، والآخر أنه قَبل ذلك، ولكلّ من الفريقين أدلتُهم.\nورجَّح الحافظ ابن حجر في (الإصابة) أن معاوية - ﵁ - أسلم سنة سبع من الهجرة، وجَزَم في (تقريب التقريب) أيضا أنه أسلم قبل الفتح.\nوقد قال مؤرخ الإسلام الحافظ الذهبي: «أسلم قبل أبيه في عُمرة القَضاء، وبقيَ يخاف من الخروج إلى النبي - ﵌ - من أبيه»، ثم قال: «وأظهر إسلامه يوم الفتح» (١).\nقال الحافظ ابن كثير: «ورُوِي عنه أنه قال: أسلمتُ يوم القضية ولكن كتمتُ إسلامي من أبي، ثم علم بذلك فقال لي: هذا أخوك يزيد وهو خير منك على دين قومه، فقلت له: «لم آل نفسي جهدًا».\nعن عمر بن عبد الله العنسي قال: قال معاوية: «لما كان عامُ الحُديبية، وصدُّوا رسول الله - ﵌ - عن البيت، وكتبوا بينهم القضية، وقع الإسلام في قلبي، فذكرت لأمي، فقالت: «إياك أن تخالف أباك»، فأخفيتُ إسلامي، فوالله لقد رحل رسول الله - ﵌ - من الحديبية وإنّي مصدّقٌ به، ودخل مكة عام عُمرة القضية وأنا مسلم. وعلم أبو سفيان بإسلامي، فقال لي يومًا: «لكن أخوك خيرٌ منك وهو على ديني»، فقلت: «لم آلُ نفسي خيرًا»، وأظهرتُ إسلامي يوم الفتح، فرحَّب بي النبيُّ - ﵌ -، وكتبتُ له» (٢).\n_________\n(١) تاريخ الإسلام (٤/ ٣٠٨).\n(٢) البداية والنهاية (٤/ ٥٠١)، الطبقات لابن سعد (٧/ ٤٠٦)، وتاريخ ابن عساكر (١٦/ ٣٣٩).","vol":"1","page":72},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-24>حقيقة ما حدث بين علي ومعاوية - ﵄ </span>-\nيرجع أصل هذه القضية إلى استشهاد عثمان بن عفان - ﵁ - على أيدي المنافقين وتأجيل علي - ﵁ - إقامة القصاص على قتلة عثمان، مما أدى إلى مطالبة معاوية لعلي بتسليمه قتلة عثمان.\nقال الحافظ ابن حجر: «وَقَدْ ذَكَرَ يَحْيَى بْن سُلَيْمَان الْجُعْفِيُّ أَحَد شُيُوخ الْبُخَارِيّ فِي (كِتَاب صِفِّينَ) فِي تَأْلِيفه بِسَنَدٍ جَيِّد عَنْ أَبِي مُسْلِم الْخَوْلَانِيّ أَنَّهُ قَالَ لِمُعَاوِيَةَ: «أَنْتَ تُنَازِع عَلِيًّا فِي الْخِلَافَة أَوَ أَنْتَ مِثْله؟».\nقَالَ: لَا، وَإِنِّي لَأَعْلَم أَنَّهُ أَفْضَل مِنِّي وَأَحَقّ بِالْأَمْرِ، وَلَكِنْ أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ عُثْمَان قُتِلَ مَظْلُومًا وَأَنَا اِبْن عَمّه وَوَلِيّه أَطْلُب بِدَمِهِ؟ فَأْتُوا عَلِيًّا فَقُولُوا لَهُ يَدْفَع لَنَا قَتَلَة عُثْمَان».\nفَأَتَوْهُ فَكَلَّمُوهُ فَقَالَ: «يَدْخُل فِي الْبَيْعَة وَيُحَاكِمهُمْ إِلَيَّ».\nفَامْتَنَعَ مُعَاوِيَة فَسَارَ عَلِيّ فِي الْجُيُوش مِنْ الْعِرَاق حَتَّى نَزَلَ بِصِفِّينَ، وَسَارَ مُعَاوِيَة حَتَّى نَزَلَ هُنَاكَ وَذَلِكَ فِي ذِي الْحِجَّة سَنَة سِتّ وَثَلَاثِينَ، فَتَرَاسَلُوا فَلَمْ يَتِمّ لَهُمْ أَمْر، فَوَقَعَ الْقِتَال») (١).\nفأصل الخلاف لم يكُنْ حول اعتراض معاوية على أحقية علي بالخلافة، بل كان بسبب تأجيل إقامة القصاص على قتلة عثمان إذ كان علِيٌّ يرى تأجيل إقامة القصاص على قتلة عثمان حتى تستتب له الأمور بعد استشهاد عثمان - ﵃ - أجمعين.\nولا شك أن الحق الذي سعى إليه علي - ﵁ - مقدم على الحق الذي سعى له معاوية - ﵁ -، إذًا فالمسألة تتعلق بالأولويات وهو ما فقهه علي - ﵁ -.\n_________\n(١) فتح الباري (١٣/ ٩٢).","vol":"1","page":73},{"text":"وروى ابن عساكر من طريق سفيان عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: ذكر عند عليّ يوم صِفِّين - أو يوم الجمل - فذكرنا الكفر، قال: «لا تقولوا ذلك، زعموا أنا بغَيْنَا عليهم، وزعمْنا أنهم بغَوْا علينا؛ فقاتلناهم على ذلك» (١).\nيقول الحافظ ابن كثير: «ثم كان ما كان بينه - أي معاوية - وبين علي بعد قتل عثمان على سبيل الاجتهاد والرأي، فجرى بينهما قتال عظيم ... وكان الحق والصواب مع علي، ومعاوية معذور عند جمهور العلماء سلفًا وخلفًا» (٢».\nويقول ابن خلدون: «ولما وقعت الفتنة بين علي ومعاوية كان طريقهم فيها الحق والاجتهاد، ولم يكونوا في محاربتهم لغرض دنيوي، أو لإيثار باطل، أو لاستشعار حقد كما قد يتوهمه متوهم، وينزع إليه ملحد، وإنما اختلف اجتهادهم في الحق، وسفه كل واحد نظر صاحبه في اجتهاده في الحق، فاقتتلوا عليه، وإن كان المصيب عليًّا، فلم يكن معاوية قائمًا فيها بقصد الباطل وإنما قصد الحق وأخطأ، والكل كانوا في مقاصدهم على الحق» (٣).\nوخلاصة القول أن عليًّا ومعاوية - ﵄ - كانا يسعيان إلى الحق ولا شيء سوى ذلك، لكن عليًا كان هو الأقرب إلى الحق والدليل في ذلك ما أخرجه مسلم في صحيحه عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﵌ -: «تَكُونُ فِي أُمَّتِي فِرْقَتَانِ فَتَخْرُجُ مِنْ بَيْنِهِمَا مَارِقَةٌ يَلِي قَتْلَهُمْ أَوْلَاهُمْ بِالْحَقِّ».\nوَقَدْ أَخْرَجَ اِبْن عَسَاكِر عَنْ أَبِي الْقَاسِم اِبْن أَخِي أَبِي زُرْعَة الرَّازِيِّ قَالَ: جَاءَ رَجُل إِلَى عَمِّي فَقَالَ لَهُ: «إِنِّي أُبْغِض مُعَاوِيَة»، قَالَ لَهُ: «لِمَ؟»، قَالَ: «لِأَنَّهُ قَاتَلَ عَلِيًّا بِغَيْرِ\n_________\n(١) تاريخ دمشق (١/ ٣٤٣)، وإسناده صحيح.\n(٢) البداية والنهاية (٨/ ١٢٦).\n(٣) المقدمة (١/ ٢٥٧).","vol":"1","page":74},{"text":"حَقّ»؛ فَقَالَ لَهُ أَبُو زُرْعَة: «رَبّ مُعَاوِيَة رَبّ رَحِيم، وَخَصْم مُعَاوِيَة خَصْم كَرِيم، فَمَا دُخُولُك بَيْنَهُمَا؟» (١).\nوشهد شاهد من أهلها:\nتذكر مصادر الشيعة الاثني عشرية أن معاوية ما قاتل عليًّا إلا في أمر عثمان - ﵃ -، وهذا هو ما يؤكده عليّ - ﵁ - فقد أورد الشيعي الشريف الرضي في كتابه (نهج البلاغة) خطبة نسب فيها لعليٍّ - ﵁ - قوله: «وبدءُ أمرِنا أنّا التقَينا والقوم من أهل الشام، والظاهر أن ربنا واحد ونبينا واحد، ودعوتنا في الإسلام واحدة، ولا نستزيدهم في الإيمان بالله والتصديق برسوله، ولا يستزيدوننا، الأمر واحد إلا ما اختلفنا فيه من دم عثمان ونحن منه براء» (٢).\nفهذا عليّ - ﵁ - يؤكد أن الخلاف بينه وبين معاوية هو مقتل عثمان - ﵃ - جميعًا وليس من أجل الخلافة أو التحكم في رقاب المسلمين كما يدعي الشيعة، ويقرر أن معاوية وشيعته هم أهل إسلام وإيمان ولكن القضية اجتهادية كل يرى نفسه على الحق في مسألة عثمان.\nولقد ذكر الحميري الشيعي عن جعفر عن أبيه أن عليًّا - ﵁ - كان يقول لأهل حربه: «إنا لم نقاتلهم على التكفير لهم ولم يقاتلونا على التكفير لنا، ولكنا رأينا أنّا على حق ورأوا أنهم على حق».\nوروى رواية أخرى عن جعفر عن أبيه محمد الباقر: «إن عليًا - ﵇ - لم يكن ينسب أحدًا من أهل حربه إلى الشرك ولا إلى النفاق ولكن يقول: «هم إخواننا بغوا علينا» (٣).\n_________\n(١) تاريخ دمشق (٥٩/ ١٤١).\n(٢) نهج البلاغة (٣/ ٦٤٨).\n(٣) قرب الإسناد للحميري الشيعي (ص٤٥) ط. إيران.","vol":"1","page":75},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-25>التحكيم </span>(١)\nإن أمير المؤمنين عليًّا - ﵁ - قَبِلَ وقف القتال في صِفِّين (٢) ورضي التحكيم وعَدَّ ذلك فتحًا ورجع إلى الكوفة، وعلّق على التحكيم آمالًا في إزالة الخلاف وجمع الكلمة، ووحدة الصف، وتقوية الدولة، وإعادة حركة الفتوح من جديد.\nولكن قتلة عثمان كانوا حريصين على أن تستمر المعركة بين الطرفين، حتى يتفانى الناس، وتضعف قوة الطرفين، فيكونوا بمنأى عن القصاص والعقاب، ولذلك فإنهم فزعوا وهم يرون أهل الشام يرفعون المصاحف، وعليٌّ - ﵁ - يجيبهم إلى طلبهم فيأمر بوقف القتال وحقن الدماء فسعوا إلى محاولة ثَنْي أمير المؤمنين في عزمه لكن القتال توقف، فسقط في أيديهم، فلم يجدوا بدًا من الخروج على عليٍّ - ﵁ - فاخترعوا مقولة (الحكم لله) وتحصنوا بعيدًا عن الطرفين.\nتم الاتفاق بين الفريقين على التحكيم بعد انتهاء موقعة صِفِّين، وهو أن يحكّم كل واحد منهما رجلًا من جهته ثم يتّفق الحكمان على ما فيه مصلحة المسلمين، فوكّل معاوية عمرو بن العاص ووكل عليُّ أبا موسى الأشعري - ﵃ - جميعًا، وكُتِبَ بين الفريقين وثيقة في ذلك، وكان مقر اجتماع الحكمين في دومة الجندل في شهر رمضان سنة ٣٧هـ.\nوقد رأى قسم من جيش علي - ﵁ - أن عمله هذا ذنب يوجب الكفر فعليه أن يتوب إلى الله تعالى وخرجوا عليه فسموا الخوارج، فأرسل علي - ﵁ - إليهم عبد الله بن عباس - ﵄ - فناظرهم وجادلهم، ثم ناظرهم عليٌّ - ﵁ - بنفسه فرجعت طائفة منهم\n_________\n(١) بتصرف من كتاب (الدولة الأموية) للدكتور علي الصلابي (١٧٨ - ٢٠٢).\n(٢) صِفَّين: بكسرتين وتشديد الفاء، موضع بقرب الرقة على شاطىء الفرات من الجانب الغربىِ بين الرَقة وبالس، وكانت وقعة صِفِّين بين علي ومعاوية - ﵄ - في سنة ٣٧ في غرة صفر. (باختصار من معجم البلدان).","vol":"1","page":76},{"text":"وأبَتْ طائفةٌ أخرى، فجرت بينهم وبين علي - ﵁ - حروب أضعفت من جيشه وأنهكت أصحابَه، وما زالوا به حتى قتلوه غيلة.\nنَصّ وثيقة التحكيم\nبسم الله الرحمن الرحيم\n١ـ هذا ما تقاضى عليه عليُّ بن أبي طالب، ومعاوية بن أبي سفيان وشيعتهما، فيما تراضَيَا فيه من الحكم بكتاب الله وسنة نبيه - ﵌ -.\n٢ـ قضية علي على أهل العراق شاهدهم وغائبهم، قضية معاوية على أهل الشام شاهدهم وغائبهم.\n٣ - إنّا تراضينا أن نقف عند حُكم القرآن فيما يحكم من فاتحته إلى خاتمته، نُحيي ما أحْيى ونُميت ما أمات. على ذلك تقاضينا وبه تراضينا.\n٤ - وإن عليًّا وشيعته رضوا بعبد الله بن قيس (١) ناظرًا وحاكمًا، ورضي معاوية بعمرو بن العاص ناظرًا وحاكمًا.\n٥ - عليٌّ ومعاوية - ﵄ - أخذا على عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص عهد الله وميثاقه وذِمّته وذِمّة رسوله، أن يتخذا القرآن إمامًا ولا يعدوا به إلى غيره في الحكم بما وجداه فيه مسطورًا وما لم يجدا في الكتاب ردّاه إلى سنة رسول الله الجامعة، لا يتعمّدان لها خلافًا، ولا يبقيان فيها بشبهة.\n٦ - وأخذ عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص على عليٍّ ومعاوية عهدَ الله وميثاقه بالرضا بما حكما به مما في كتاب الله وسنة نبيه وليس لهما أن ينقُصا ذلك ولا يخالفاه إلى غيره.\n٧ - وهما آمنان في حكومتهما على دمائهما وأموالهما وأشعارهما وأبشارهما وأهاليهما وأولادهما، لم يَعْدُوَا الحق، رضي به راض أو سخط ساخط، وإن الأمة أنصارهما على ما قضيا به من الحق مما في كتاب الله.\n_________\n(١) أبو موسى الأشعري - ﵁ -.","vol":"1","page":77},{"text":"٨ - فإن توفي أحد الحكمين قبل انقضاء الحكومة، فلشيعته وأنصاره أن يختاروا مكانه رجلًا من أهل المعدلة والصلاح، على ما كان عليه صاحبه من العهد والميثاق.\n٩ - وإن مات أحد الأميرين قبل إنقضاء الأجل المحدود في هذه القضية، فلشيعته أن يُوِلوّا مكانه رجلًا يرضون عدله.\n١٠ - وقد وقعت القضية بين الفريقين والمفاوضة ورفع السلاح.\n١١ - وقد وجبت القضية على ما سمّيناه في هذا الكتاب، من موقع الشرط على الأميرين والحَكمين والفريقين والله أقرب شهيد وكفى به شهيدًا، فإن خالفا وتعدّيا، فالأمّة بريئة من حُكمهما، ولا عهد لهما ولا ذِمّة.\n١٢ - والناس آمنون على أنفسهم وأهليهم وأولادهم وأموالهم إلى انقضاء الأجل، والسلاح موضوع، والسبل آمنة، والغائب من الفريقين مثل الشاهد في الأمر.\n١٣ - وللحَكمين أن ينزلا منزلًا متوسطًا عدلًا بين أهل العراق والشام.\n١٤ - ولا يحضرهما فيه إلا من أحبَّا عن تراضٍ بينهما.\n١٥ - والأجل إلى انقضاء شهر رمضان، فإن رأى الحَكمان تعجيل الحكومة عجّلاها، وإن رَأَى تأخيرها إلى آخر الأجل أخَّراها.\n١٦ - فإن هما لم يحكُما بما في كتاب الله وسنة نبيه إلى انقضاء الأجل، فالفريقان على أمرهم الأول في الحرب.\n١٧ - وعلى الأمّة عهد الله وميثاقه في هذا الأمر، وهم جميعًا يد واحدة على من أراد في هذا الأمر إلحادًا أو ظلمًا أو خلافًا.\nوكتب يوم الأربعاء لثلاث عشرة ليلة بقيت من صفر سنة سبع وثلاثين (١).\n_________\n(١) انظر: الوثائق السياسية (٥٣٧ - ٥٣٨)، الأخبار الطوال للدينوري (١٩٦ - ١٩٩)، أنساب الأشراف (١/ ٣٨٢)، تاريخ الطبري (٥/ ٦٦٥، ٦٦٦)، البداية والنهاية (٧/ ٢٧٦، ٢٧٧).","vol":"1","page":78},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-26>بطلان قصة التحكيم المشهورة </span>(١)\nإن قضية التحكيم من أخطر الموضوعات في تاريخ الخلافة الراشدة وقد تاه فيها كثير من الكتاب، وتخبط فيها آخرون وسطروها في كتبهم ومؤلفاتهم، وقد اعتمدوا على الروايات الضعيفة والموضوعة التي شوهت الصحابة الكرام وخصوصًا: أبا موسى الأشعري الذي وصفوه بأنه كان أبله ضعيف الرأي مخدوعًا في القول، وبأنه كان على جانب كبير من الغفلة؛ ولذلك خدعه عمرو بن العاص في قضيّة التحكيم، ووصفوا عمرو بن العاص - ﵁ - بأنه كان صاحب مكر وخداع.\nفكل هذه الصفات الذميمة حاول المغرضون والحاقدون على الإسلام إلصاقها بهذين الرجلين العظيمين الذين اختارهما المسلمون ليفصلا في خلاف كبير أدّى إلى قتل الكثير من المسلمين.\nوقد تعامل الكثير من المؤرخين والأدباء والباحثين مع الروايات التي وضعها خصوم الصحابة الكرام - ﵃ - على أنها حقائق تاريخية، وقد تلقاها الناس منهم بالقبول دون تمحيص لها وكأنها صحيحة لا مرية فيها، وقد يكون لصياغتها القصصية المثيرة وما زعم فيها من خداع ومكر أثر في اهتمام الناس بها وعناية المؤرخين بتدوينها، وليعلم\n_________\n(١) بتصرف من كتاب (الدولة الأموية) للدكتور علي الصلابي (٢٠٣ - ٢١٨).\nوانظر: الإنصاف فيما وقع في تاريخ العصر الراشدي من الخلاف - للدكتور حامد محمد الخليفة (ص٥٣٣).\nحقبة من التاريخ - للشيخ عثمان الخميس (ص٨٤).\nالعواصم من القواصم - للقاضي أبو بكر بن العربي (ص١١٧).\nإبطال قصة التحكيم الشهيرة بين أبي موسى وعمرو بن العاص - ﵄ - للشيخ سليمان بن صالح الخراشي على موقع صيد الفوائد  http://saaid.net/Warathah/Alkharashy/mm/11.htm\nحيث نقل كلام الشيخ محمد العربي التباني عن هذه القصة من كتابه (تحذير العبقري من محاضرات الخضري، ٢/ ٨٦ - ٩١).","vol":"1","page":79},{"text":"أن كلامنا هذا ينصب على التفصيلات لا على أصل التحكيم حيث أن أصله حق لا شك فيه (١).\nإن قصة تحكيم أبي موسى وعمرو بن العاص في الخلاف الذي كان بين علي ومعاوية - رضي الله عن الجميع - مشهورة ذائعة في كتب الأخباريين وأهل الأدب، وفيها ما فيها من لمز الصحابة - ﵃ - بما ليس من أخلاقهم.\nلقد كثر الكلام حول هذه القصة الباطلة، وتداولها المؤرخون والكتاب على أنها حقيقة ثابتة لا مرية فيها، فهم بين مطيل في سياقها ومختصر وشارح ومستنبط للدروس وبانٍ للأحكام على مضامينها وقلما تجد أحدًا وقف عندها فاحصًا محققًا، وقد أحسن ابن العربي في ردها إجمالًا دون أن يُفَصّل وفي هذا دلالة على قوة حاسته النقدية للنصوص.\nوقد فند هذه القصة الباطلة: الدكتور يحيى اليحيى في (مرويات أبي مخنف).\nوقد أجاد الشيخ محمد العربي التباني في إبطالها في رده على محمد الخضري المؤرخ في كتابه (تحذير العبقري من محاضرات الخضري).\nإن جميع متون قصة التحكيم لا يمكن أن تقوم أمام معيار النقد العلمي، بل هي باطلة من عدة وجوه (٢).\nالوجه الأول:\nأن جميع طرقها ضعيفة، وأقوى طريق وردت فيه هو ما أخرجه عبد الرزاق والطبري بسند رجالة ثقات عن الزهري مرسلًا قال: قال الزهري: فأصبح أهل الشام قد نشروا مصاحفهم، ودعوا إلى ما فيها، فهاب أهل العراق، فعند ذلك حكموا الحكمين، فاختار أهل العراق أبا موسى الأشعري، واختار أهل الشام عمرو بن العاص فتعرق أهل صِفِّين حين حكم الحكمان، فاشترطا أن يرفعا ما رفع القرآن ويخفضا من خفض\n_________\n(١) مرويات أبي محنف في تاريخ الطبري (ص ٣٧٨).\n(٢) نفس المصدر (ص ٤٠٤).","vol":"1","page":80},{"text":"القرآن، وأن يختار لأمّة محمد - ﵌ -، وأنهما يجتمعان بدومة الجندل، فإن لم يجتمعا لذلك اجتمعا من العام المقبل بأذرح.\nفلما انصرف عليّ خالفت الحرورية وخرجت - وكان ذلك أول ما ظهرت - فآذنوه بالحرب، وردوا عليه: أن حكَّم ابن آدم في حكم الله - ﷿ -، وقالوا: لا حكم إلا لله سبحانه، فلما اجتمع الحكمان بأذرح، وافاهم المغيرة بن شعبة فيمن حضر من الناس، فأرسل الحكمان إلى عبد الله بن عمر بن الخطاب وعبد الله بن الزبير في إقبالهم في رجال كثير، ووافى معاوية بأهل الشّام، وأبَى علي وأهل العراق أن يوافوا، فقال المغيرة بن شعبة لرجال من ذوي الرأي من قريش: أترون أحدًا من الناس برأي يبتدعه يستطيع أن يعلم أيجتمع الحكمان أم يفترقان؟ قالوا: لا نرى أحدًا يعلم ذلك.\nقال: فوالله إني لأظن أني سأعلمه منهما حين أخلو بهما وأرجعهما، فدخل على عمرو بن العاص وبدأ به فقال: يا أبا عبد الله، أخبرني عما أسألك عنه، كيف ترانا معشر المعتزلة، فإنا قد شككنا في الأمر الذي تبين لكم من هذا القتال، ورأينا أن نستأني ونتثبت حتى تجتمع الأمّة، قال: أراكم معشر المعتزلة خلف الأبرار، وأمام الفجار، فانصرف المغيرة ولم يسأله عن غير ذلك، حتى دخل على أبي موسى فقال له مثل ما قال لعمرو، وقال أبو موسى: أراكم أثبت الناس رأيًا، فيكم بقية المسلمين.\nفانصرف المغيرة ولم يسأله عن غير ذلك، فلقي الذين قال لهم ما قال من ذوي الرأي من قريش، فقال: لا يجتمع هذان على أمر واحد.\nفلما اجتمع الحكمان وتكلما قال عمرو بن العاص: يا أبا موسى، رأيت أول ما تقضي به من الحق أن تقضي لأهل الوفاء بوفائهم، وعلى أهل الغدر بغدرهم، قال أبو موسى: وما ذاك؟ قال: ألست تعلم أن معاوية وأهل الشّام قد وفوا، وقدموا للموعد الذي واعدناهم إياه؟ قال: بلى، قال عمرو: اكتبها فكتبها أبو موسى.\nقال عمرو: يا أبا موسى، أأنت على أن نسمي رجلًا يلي أمر هذه الأمة؟ فسَمِّه لي، فإن أقدر على أن أتابعك فلك علَيَّ أن أتابعك، وإلا فلي عليك أن تتابعني!","vol":"1","page":81},{"text":"قال أبو موسى: أسمي لك عبد الله بن عمر، وكان ابن عمر فيمن اعتزل؛ قال عمرو: إني أسمي لك معاوية بن أبي سفيان.\nفلم يبرحا مجلسهما حتى استبَّا، ثم خرجا إلى الناس، فقال أبو موسى: «إني وجدت مثَلَ عمرو كمَثَلِ الذي قال الله - ﷿ -: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ (الأعراف:١٧٥).\nفلما سكت أبو موسى تكلم عمرو فقال: أيها الناس وجدت مثل أبي موسى كمثل الذي قال الله - ﷿ -: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ (الجمعة:٥). وكتب كل واحد منهما مثله الذي ضرب لصاحبه إلى الأمصار (١).\nتحقيق هذه القصة:\nالزهري لم يدرك الحادثة فهي مرسلة، ومراسيله كأدراج الرياح لا تقوم بها حجة (٢)، كما قرّر العلماء.\n* وهناك طريق أخرى أخرجها ابن عساكر بسنده إلى الزهري وهي مرسلة وفيها أبو بكر بن أبي سبرة قال عنه الإمام أحمد: كان يضع الحديث. وفي سندها أيضًا الواقدي، وهو متروك (٣).\nوهذا نصها:\n«... رفع أهل الشّام المصاحف وقالوا: ندعوكم إلى كتاب الله والحكم بما فيه وكان ذلك مكيدة من عمرو بن العاص، فاصطلحوا وكتبوا بينهم كتابًا على أن يوافوا رأس الحول أذرح، وحكموا حكمين ينظرون في أمور الناس فيرضوا بحكمها، فحكّم عليٌّ أبا موسى الأشعري، وحكَّم معاوية عمرو بن العاص.\n_________\n(١) المصنف (٥/ ٤٦٣)، مرويات أبي محنف في تاريخ الطبري (ص ٤٠٦).\n(٢) المراسيل لأبي حاتم (ص ٣)، الجرح والتعديل (١/ ٢٤٦).\n(٣) تهذيب التهذيب (١٢/ ٢٧)، مرويات أبي محنف في تاريخ الطبري (ص ٤٠٦).","vol":"1","page":82},{"text":"وتفرق الناس فرجع عليٌّ إلى الكوفة بالاختلاف والدغل، واختلف عليه أصحابه فخرج عليه الخوارج من أصحابه ممن كان معه، وأنكروا تحكيمه وقالوا: لا حُكْم إلا لله ورجع معاوية إلى الشام بالألفة واجتماع الكلمة عليه.\nووافى الحكمان بعد الحول بأذرح في شعبان سنة ثمان وثلاثين، واجتمع الناس إليهما وكان بينهما كلام اجتمعا عليه في السر خالفه عمرو بن العاص في العلانية، فقدم أبا موسى فتكلم وخلع عليًّا ومعاوية، ثم تكلم عمرو بن العاص فخلع عليًا وأقر معاوية، فتفرق الحكمان ومن كان اجتمع إليهما وبايع أهل الشام ومعاوية في ذي القعدة سنة ثمان وثلاثين» (١).\n*وهناك طريق أخرى فيها أبو مخنف وأبو جناب الكلبي فهي معلولة بهما:\nفالأول: أبو مخنف - لوط بن يحيى - ضعيف ليس بثقة، وأخباري تالف غالٍ في الرفض.\nوالثاني: أبو جناب الكلبي قال فيه ابن سعد: «كان ضعيفًا».\nوقال البخاري وأبو حاتم: «كان يحيى القطان يضعفه».\nوقال عثمان الدارمي: «ضعيف»، وقال النسائي: «ضعيف» (٢).\nوهذا نص رواية أبي مخنف كما ذكرها الطبري في (تاريخ الرسل والملوك ٥/ ٧٠ - ٧١):\n«قال أبو مخنف: حدثني أبو جناب الكلبي أن عمرًا وأبا موسى حيث التقيا بدومة الجندل، أخذ عمرو يقدم أبا موسى في الكلام، يقول: «إنك صاحب رسول الله - ﵌ - وأنت أسَنّ مني، فتكلم وأتكلم».\n_________\n(١) تاريخ دمشق لابن عساكر (١٦/ ٥٣).\n(٢) انظر: تحقيق مواقف الصحابة في الفتنة من روايات الإمام الطبري والمحدّثين) للأستاذ الدكتور محمد أمحزون (٢/ ٢٢٣)، مرويات أبي محنف في تاريخ الطبري (ص ٤٠٧)، التاريخ الكبير للبخاري (٤/ ٢٦٧)، الجرح والتعديل (٩/ ١٣٨). التاريخ للدارمي (ص ٢٣٨)، الضعفاء والمتركون (ص ٢٥٣).","vol":"1","page":83},{"text":"فكان عمرو قد عوَّد أبا موسى أن يقدمه في كل شيء، اعتزى (١) بذلك كله أن يقدمه فيبدأ بخلع عَلِيٍّ.\nقال: فنظرا في أمرهما وما اجتمعا عليه، فأراده عمرو على معاوية فأبى، وأراده على ابنه فأبى، وأراد أبو موسى عمْرًا على عبد الله بن عمر فأبى عليه.\nفقال له عمرو: «خبرني ما رأيك؟».\nقال: «رأيي أن نخلع هذين الرجلين، ونجعل الأمر شورى بين المسلمين، فيختار المسلمون لأنفسهم من أحبوا».\nفقال له عمرو: «فإن الرأي ما رأيت».\nفأقبلا إلى الناس وهم مجتمعون، فقال: «يا أبا موسى، أعْلِمْهم بأن رأيَنَا قد اجتمع واتفق»، فتكلم أبو موسى فقال: «إن رأيي ورأي عمرو قد اتفق على أمر نرجو أن يصلح الله - ﷿ - به أمر هذه الأمة».\nفقال عمرو: «صدق وبرّ، يا أبا موسى، تقدم فتكلم».\nفتقدم أبو موسى ليتكلم، فقال له ابن عباس: «ويحك! والله إني لأظنه قد خدعك. إن كنتما قد اتفقتما على أمر، فقدمه فليتكلم بذلك الأمر قبلك، ثم تكلم أنت بعده، فإنّ عَمْرًا غادر، ولا آمن من أن يكون قد أعطاك الرضا فيما بينك وبينه، فإذا قمت في الناس خالفك»، - وكان أبو موسى مغفّلًا - فقال له: «إنا قد اتفقنا».\nفتقدم أبو موسى فحمد الله - ﷿ - وأثنى عليه ثم قال: «أيها الناس، إنا قد نظرنا في أمر هذه الأمة فلم نَرَ أصلحَ لأمرِها، ولا ألَمَّ لشعثها من أمرٍ قد أجمع رأيي ورأيُ عمرو عليه؛ وهو أن نخلع عليًا ومعاوية، وتستقبل هذه الأمة هذا الأمر فيولوا منهم من أحبوا عليهم، وإني قد خلعت عليًا ومعاوية، فاستقبلوا أمركم. وولوا عليكم من رأيتموه لهذا الأمر أهلًا»، ثم تنحى.\n_________\n(١) اعتزى: أي قصد.","vol":"1","page":84},{"text":"وأقبل عمرو بن العاص فقام مقامه، فحمد الله وأثنى عليه وقال: «إن هذا قد قال ما سمعتم وخلع صاحبه، وأنا أخلع صاحبه كما خلعه. وأثبت صاحبي معاوية، فإنه ولي عثمان بن عفان والطالب بدمه، وأحق الناس بمقامه».\nفقال أبو موسى: «ما لك لا وفقك الله، غدرت وفجرت! إنما مثلك كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث».\nقال عمرو: «إنما مثلك كمثل الحمار يحمل أسفارًا».\nوحمل شريح بن هانىء على عمرو فقنعه بالسوط، وحمل على شريح ابنٌ لعمرو فضربه بالسوط، وقام الناس فحجزوا بينهم.\nوكان شريح بعد ذلك يقول: «ما ندمت على شيء ندامتي على ضرب عمرو بالسوط ألا أكون ضربته بالسيف آتيًا به الدهر ما أتى».\nوالتمس أهل الشام أبا موسى فركب راحلته ولحق بمكة!\nقال ابن عباس: «قبح الله رأي أبي موسى حذرته وأمرته بالرأي فما عقل».\nفكان أبو موسى يقول: «حذرني ابن عباس غدرة الفاسق، ولكني اطمأننت إليه، وظننت أنه لن يؤثر شيئًا على نصيحة الأمة».\nثم انصرف عمرو وأهل الشام إلى معاوية، وسلموا عليه بالخلافة، ورجع ابن عباس وشريح بن هانىء إلى علي، وكان إذا صلى الغداة يقنت فيقول: «اللهم العن معاوية وعمرًا وأبا الأعور السلمي وحبيبًا وعبد الرحمن بن خالد والضحاك بن قيس والوليد».فبلغ ذلك معاوية، فكان إذا قنت لعن عليًّا وابن عباس والأشتر وحسنًا وحسينًا».\nهذه طرق قصة التحكيم المشهورة، والمناظرة بين أبي موسى وعمرو بن العاص المزعومة، أفمثل هذا تقوم به حجة، أو يعول على مثل ذلك في تاريخ الصحابة الكرام","vol":"1","page":85},{"text":"وعهد الخلفاء الراشدين، عصر القدوة والأسوة، ولو لم يكن في هذه الروايات إلا الاضطراب في متونها لكفاها ضعفًا فكيف إذا أضيف إلى ذلك ضعف أسانيدها (١).\nوتأمل ما وضعنا تحته خطًا في الرواية الأخيرة لتعلم مدى جُرم هؤلاء الكذابين في الافتراء على صحابة النبي - ﵌ - وإظهارهم بمظهر أهل السبّ واللعن والغدر.\nالوجه الثاني من أوجه بطلان قصة التحكيم المشهورة:\nإن الحكمين كانا مفوضين للحكم في الخلاف بين عليٍّ ومعاوية - ﵄ -، ولم يكن الخلاف بينهما حول الخلافة ومن أحق بها منهما، وإنما كان حول توقيع القصاص على قتلة عثمان، وليس هذا من أمر الخلافة في شيء، فإذا ترك الحكمان هذه القضية الأساسية، وهي ما طُلب إليهما الحكم فيه، واتخذا قرارًا في شأن الخلافة كما تزعم الرواية الشائعة، فمعنى ذلك أنهما لم يَفْقَهَا موضوع النزاع، ولم يحيطا بموضوع الدعوى، وهو مستبعد جدّا (٢).\nولم يكن معاوية - ﵁ - مدعيا للخلافة ولا منكرًا حق عليّ - ﵁ - فيها كما تقرر سابقًا، وإنما كان ممتنعًا عن بيعته وعن تنفيذ أوامره في الشام حيث كان متغلبًا عليها بحكم الواقع لا بحكم القانون، مستفيدًا من طاعة الناس له بعد أن بقي واليًا فيها زهاء عشرين سنة (٣).\nالوجه الثالث:\nليس الأمر بهذه الصورة التي تحكيها الروايات أن كل من لم يرضَ بإمامه خلعه، فعقد الإمامة لا يحله إلا من عقده، وهم أهل الحل والعقد، وبشرط إخلال الإمام بشروط الإمامة، وهل علي - ﵁ - فعل ذلك واتفق أهل الحل والعقد على عزله عن الخلافة وهو الخليفة الراشد حتى يقال إن الحكمين اتفقا على ذلك، فما ظهر منه قط إلى\n_________\n(١) مرويات أبي مخنف في تاريخ الطبري (ص ٤٠٨).\n(٢) تحقيق مواقف الصحابة في الفتنة (٢/ ٢٢٥).\n(٣) نفس المصدر (٢/ ٢٣٤).","vol":"1","page":86},{"text":"أن مات - ﵁ -، شيء يوجب نقض بيعته، وما ظهر منه قط إلا العدل، والجد والبر والتقوى والخير (١).\nالوجه الرابع:\nأن الزمان الذي قام فيه التحكيم زمان فتنة، وحالة المسلمين مضطربة مع وجود خليفة له، فكيف تنتظم حالتهم مع عزل الخليفة! لا شك أن الأحوال ستزداد سوءًا، والصحابة الكرام - ﵃ - أحذق وأعقل من أن يُقْدِموا على هذا، وبهذا يتضح بطلان هذا الرأي عقلًا ونقلًا.\nالوجه الخامس:\nهذه الرواية المكذوبة تطعن في أبي موسى الأشعري - ﵁ - بأنه مغفل وهذا طعْن في النبي - ﵌ - الذي ولاه على تهائم اليمن زبيد وعدن وغيرهما وهو مغفل.\nوالطعنُ فيه بما ذكر طعنٌ في عمر - ﵁ - الذي ولاه أميرًا على البصرة وقائدًا على جيشها فافتتح الأهواز وأصبهان، وكتب عمر في وصيته: «لا يقر لي عامل أكثر من سنة وأقروا الأشعري أربع سنين».\nفكيف يقرّ عمر - ﵁ - أبا موسى الأشعري أربع سنين وهو مغفل؟!!!\nفهؤلاء الوضاعون الكائدون للإسلام ورجاله مغفلون لا يحسنون وضع الأباطيل؛ لأنهم يأتون فيها بما يظهر بطلانها في بادئ الفهم الصحيح لكل مسلم.\nالوجه السادس:\nما نقصت هذه الخديعة - لو صحت - مما كان لأمير المؤمنين عليٍّ - ﵁ - عند أتباعه شيئًا وما أفادت معاوية - ﵁ - شيئًا جديدًا زائدًا عما كان له حتى يصح أن يقال فيها إن فلانًا داهية كاد أمة من المسلمين بكيد مقدمها ومحكمها، وغاية أمرها أنها أشبه بعبث الأطفال لا تتجاوز العابث والمعبوث به، وبرَّأ الله تعالى أصحاب النبي - ﵌ - من هذا العبث.\n_________\n(١) الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم (٤/ ٢٣٨).","vol":"1","page":87},{"text":"الوجه السابع:\nلا يخلو قول عمرو بن العاص - ﵁ - فيما زعموا عليه: «وأثبت صاحبي معاوية» من أمرين:\nالأول: تثبيته في الخلافة كما كان أولًا، وهذا هو المتبادر من لفظ التثبيت، وهو باطل قطعًا؛ فإنه لم يقل أحد ينتسب إلى الإسلام إن معاوية - ﵁ - كان خليفة قبل التحكيم حتى يثبّته حَكمه فيها بعده، ولم يدَّعِها هو لا قبله ولا بعده، ولم ينازع عليًّا - ﵁ - فيها.\nالثاني: تثبيته على إمارة الشام كما كان قبل، وهذا هو المتعين دراية وإن لم يصح رواية، وهو تحصيل الحاصل، وأي دهاء امتاز به على أبي موسى في تحصيل الحاصل؟ وأي تغفيل يوصم به أبو موسى مع هذا العبث؟ فهل زاد به معاوية شيئًا جديدًا لم يكن له من قبل؟ وهل نقص به علي عما كان له قبل؟\nالوجه الثامن:\nلا يخفى ما تنطوي عليه هذه الروايات من قدح وذمّ في صحابة رسول الله - ﵌ - واتهام بعضهم بالغدر والخيانة وسب ولعن بعضهم بعضًا، وما يخالف هذا امتداح الله - ﷿ - ورسوله - ﵌ - لهم - ﵃ -.\nالوجه التاسع:\nوردت رواية صحيحة تناقض تلك الروايات تمامًا، وذلك فيما أخرجه البخاري في (التاريخ الكبير) بسند صحيح، أن عمرو بن العاص - ﵁ - لما جاء التحكيم التقى مع أبي موسى الأشعري - ﵁ - فقال له: ما ترى في هذا الأمر؟\nقال: «أرى أنه في النفر الذين توفي رسول الله - ﵌ - وهو عنهم راض» (١).\nفقال عمرو بن العاص - ﵁ -: «فأين تجعلني من هذا الأمر أنا ومعاوية؟».\nقال: «إن يستَعِن بكما ففيكما معونة، وإن يستغن عنكما فطالما استغنى أمر الله عنكما (٢).\nثم انتهى الأمر على هذا فرجع عمرو بن العاص إلى معاوية - ﵄ - بهذا الخبر ورجع أبو موسى الأشعري إلى عليٍّ - ﵄ -.\n_________\n(١) أي علي بن أبي طالب - ﵁ -.\n(٢) التاريخ الكبير (٥/ ٣٩٨).","vol":"1","page":88},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-27>والصلح خير</span>\nكانت بيعة الحسن بن علي - ﵄ - في شهر رمضان من سنة ٤٠ هـ وذلك بعد استشهاد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - ﵁ - على يد الخارجي عبد الرحمن بن ملجم المرادي، وقد اختار الناس الحسن بعد والده - ﵄ - ولم يعين أمير المؤمنين أحدًا من بعده، وقد اشترط الحسن بن علي - ﵁ - على أهل العراق عندما أرادوا بيعته، فقال لهم: «والله لا أبايعكم إلا على ما أقول لكم».\nقالوا: «ما هو؟».\nقال: «تسالمون من سالمت وتحاربون من حاربت».\nويستفاد من ذلك ابتداء الحسن - ﵁ - في التمهيد للصلح فور استخلافه وقد باشر الحسن بن علي سلطته كخليفة، فرتب العمال وأمّر الأمراء وجند الجنود وفرق العطايا، وكان في وسعه أن يخوض حربًا لا هوادة فيها ضد معاوية،وكانت شخصيته الفذة من الناحية العسكرية والأخلاقية، والسياسية، والدينية تساعده على ذلك، إلا أن الحسن بن علي - ﵄ -، مالَ إلى السلم والصلح لحقن الدماء، وتوحيد الأمة، والرغبة فيما عند الله، وزهده في الملك، وغير ذلك من الأسباب.\nوقد قاد الحسن بن علي مشروع الإصلاح الذي تُوّج بوحدة الأمة.\nوقد تنازل الحسن بن علي - ﵄ - من موقف قوة فقد اختير الحسن بن علي بعد والده - ﵄ - اختيارًا شوريًا وأصبح الخليفة الشرعي على الحجاز واليمن والعراق، وكل الأماكن التي كانت خاضعة لوالده، وقد استمر في خلافته ستة أشهر وتلك المدة تدخل ضمن الخلافة الراشدة التي أخبر عنها رسول الله - ﵌ - بأن مدتها ثلاثون سنة ثم تكون ملكًا (١).\n_________\n(١) رواه أبو داود، وصححه الألباني.","vol":"1","page":90},{"text":"وكان مع الحسن بن علي - ﵄ - أكثر من أربعين ألفًا بايعوه على الموت وكان في معسكره كثير من القواد الكبار، كأخيه الحسين، وابن عمه عبد الله بن جعفر، وقيس بن سعد بن عبادة، وعدي بن حاتم وغيرهم فلو أراد الخلافة لأعطي المجال لقياداته للتحرك نحو تعبئة الناس والدخول في الحرب مع معاوية وعلى الأقل يكون خليفة على دولته إلى حين.\nإن تسليم الحسن بن علي - ﵄ - الخلافة إلى معاوية - ﵁ - مع أنه كان معه أكثر من أربعين ألفًا بايعوه على الموت، ليدل على مكانة معاوية - ﵁ - فلو لم يكن أهلًا لها لما سلمها السبط الطيب إليه ولَحَاربه (١).\nعن الْحَسَن قال: «اسْتَقْبَلَ وَاللهِ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ مُعَاوِيَةَ بِكَتَائِبَ أَمْثَالِ الْجِبَالِ، فَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: «إِنِّي لَأَرَى كَتَائِبَ لَا تُوَلِّي حَتَّى تَقْتُلَ أَقْرَانَهَا».\nفَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ - وَكَانَ وَاللهِ خَيْرَ الرَّجُلَيْنِ ـ: «أَيْ عَمْرُو، إِنْ قَتَلَ هَؤُلَاءِ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ هَؤُلَاءِ مَنْ لِي بِأُمُورِ النَّاسِ؟ مَنْ لِي بِنِسَائِهِمْ؟ مَنْ لِي بِضَيْعَتِهِمْ؟»\nفَبَعَثَ إِلَيْهِ رَجُلَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ - عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ وَعَبْدَ اللهِ بْنَ عَامِرِ بْنِ كُرَيْزٍ - فَقَالَ: «اذْهَبَا إِلَى هَذَا الرَّجُلِ فَاعْرِضَا عَلَيْهِ، وَقُولَا لَهُ، وَاطْلُبَا إِلَيْهِ».\nفَأَتَيَاهُ فَدَخَلَا عَلَيْهِ فَتَكَلَّمَا وَقَالَا لَهُ، فَطَلَبَا إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُمَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ: «إِنَّا بَنُو عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَدْ أَصَبْنَا مِنْ هَذَا الْمَالِ وَإِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ قَدْ عَاثَتْ فِي دِمَائِهَا».\nقَالَا: «فَإِنَّهُ يَعْرِضُ عَلَيْكَ كَذَا وَكَذَا وَيَطْلُبُ إِلَيْكَ وَيَسْأَلُكَ».\nقَالَ: «فَمَنْ لِي بِهَذَا؟».\nقَالَا: «نَحْنُ لَكَ بِهِ».\nفَمَا سَأَلَهُمَا شَيْئًا إِلَّا قَالَا: «نَحْنُ لَكَ بِهِ»، فَصَالَحَهُ.\n_________\n(١) بتصرف من كتاب الدولة الأموية للصلابي (٢٢٩ - ٢٤٤).","vol":"1","page":91},{"text":"فَقَالَ الْحَسَنُ: «وَلَقَدْ سَمِعْتُ أَبَا بَكْرَةَ يَقُولُ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﵌ - عَلَى الْمِنْبَرِ وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ إِلَى جَنْبِهِ وَهُوَ يُقْبِلُ عَلَى النَّاسِ مَرَّةً وَعَلَيْهِ أُخْرَى وَيَقُولُ: «إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ وَلَعَلَّ اللهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ». (رواه البخاري في كتاب الصلح من صحيحه).\nوفي رواية أخرى للبخاري عن الْحَسَنُ قَالَ: «لَمَّا سَارَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ - ﵄ - إِلَى مُعَاوِيَةَ بِالْكَتَائِبِ قَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ لِمُعَاوِيَةَ: «أَرَى كَتِيبَةً لَا تُوَلِّي حَتَّى تُدْبِرَ أُخْرَاهَا».\nقَالَ مُعَاوِيَةُ: «مَنْ لِذَرَارِيِّ الْمُسْلِمِينَ»، فَقَالَ: «أَنَا».\nفَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَامِرٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ: «نَلْقَاهُ فَنَقُولُ لَهُ الصُّلْحَ».\nقَالَ الْحَسَنُ وَلَقَدْ سَمِعْتُ أَبَا بَكْرَةَ قَالَ: «بَيْنَا النَّبِيُّ - ﵌ - يَخْطُبُ جَاءَ الْحَسَنُ فَقَالَ النَّبِيُّ - ﵌ -: «ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ وَلَعَلَّ اللهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ». (رواه البخاري في كتاب الفتن من صحيحه).\nقال الحافظ ابن حجر: «(الْحَسَن) يَعْنِي الْبَصْرِيّ.\nوَالْكَتَائِب جَمْع كَتِيبَة وَهِيَ طَائِفَة مِنْ الْجَيْش تَجْتَمِع.\n(أَمْثَال الْجِبَال) أَيْ لَا يُرَى لَهَا طَرَف لِكَثْرَتِهَا كَمَا لَا يَرَى مَنْ قَابَلَ الْجَبَل طَرَفه، وَيَحْتَمِل أَنْ يُرِيد شِدَّة الْبَأْس.\nوَأَشَارَ الْحَسَن الْبَصْرِيّ بِهَذِهِ الْقِصَّة إِلَى مَا اِتَّفَقَ بَعْدَ قَتْل عَلِيّ - ﵁ -، وَكَانَ عَلِيّ لَمَّا اِنْقَضَى أَمْر التَّحْكِيم وَرَجَعَ إِلَى الْكُوفَة تَجَهَّزَ لِقِتَالِ أَهْل الشَّام مَرَّة بَعْدَ أُخْرَى فَشَغَلَهُ أَمْر الْخَوَارِج بِالنَّهْرَوَانِ وَذَلِكَ فِي سَنَة ثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ، ثُمَّ تَجَهَّزَ فِي سَنَة تِسْع وَثَلَاثِينَ فَلَمْ يَتَهَيَّأ ذَلِكَ لِافْتِرَاقِ آرَاء أَهْل الْعِرَاق عَلَيْهِ، ثُمَّ وَقَعَ الْجِدّ مِنْهُ فِي ذَلِكَ فِي سَنَة أَرْبَعِينَ.\nفَأَخْرَجَ إِسْحَاق مِنْ طَرِيق عَبْد الْعَزِيز بْن سِيَاهٍ قَالَ: لَمَّا خَرَجَ الْخَوَارِج قَامَ عَلِيّ فَقَالَ: «أَتَسِيرُونَ إِلَى الشَّام أَوْ تَرْجِعُونَ إِلَى هَؤُلَاءِ الَّذِينَ خَلَفُوكُمْ فِي دِيَاركُمْ؟».\nقَالُوا: «بَلْ نَرْجِع إِلَيْهِمْ»، فَذَكَرَ قِصَّة الْخَوَارِج.","vol":"1","page":92},{"text":"قَالَ: فَرَجَعَ عَلِيّ إِلَى الْكُوفَة، فَلَمَّا قُتِلَ وَاسْتَخْلَفَ الْحَسَن وَصَالَحَ مُعَاوِيَة كَتَبَ إِلَى قَيْس بْن سَعْد بِذَلِكَ فَرَجَعَ عَنْ قِتَال مُعَاوِيَة.\nوَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيح عَنْ يُونُس بْن يَزِيد عَنْ الزُّهْرِيّ قَالَ: «جَعَلَ عَلِيّ عَلَى مُقَدِّمَة أَهْل الْعِرَاق قَيْس بْن سَعْد بْن عُبَادَةَ وَكَانُوا أَرْبَعِينَ أَلْفًا بَايَعُوهُ عَلَى الْمَوْت، فَقُتِلَ عَلِيّ فَبَايَعُوا الْحَسَن بْن عَلِيّ بِالْخِلَافَةِ، وَكَانَ لَا يُحِبّ الْقِتَال وَلَكِنْ كَانَ يُرِيد أَنْ يَشْتَرِط عَلَى مُعَاوِيَة لِنَفْسِهِ، فَعَرَفَ أَنَّ قَيْس بْن سَعْد لَا يُطَاوِعهُ عَلَى الصُّلْح فَنَزَعَهُ وَأَمَّرَ عَبْد اللَّه بْن عَبَّاس فَاشْتَرَطَ لِنَفْسِهِ كَمَا اِشْتَرَطَ الْحَسَن».\nقَالَ اِبْن بَطَّال: «سَلَّمَ الْحَسَن لِمُعَاوِيَةَ الْأَمْر وَبَايَعَهُ عَلَى إِقَامَة كِتَاب اللَّه وَسُنَّة نَبِيّه - ﵌ -، وَدَخَلَ مُعَاوِيَة الْكُوفَة وَبَايَعَهُ النَّاس فَسُمِّيَتْ سَنَة الْجَمَاعَة لِاجْتِمَاعِ النَّاس وَانْقِطَاع الْحَرْب. وَبَايَعَ مُعَاوِيَةَ كُلّ مَنْ كَانَ مُعْتَزِلًا لِلْقِتَالِ كَابْنِ عُمَر وَسَعْد بْن أَبِي وَقَّاص وَمُحَمَّد بْن مَسْلَمَةَ، وَأَجَازَ مُعَاوِيَة الْحَسَن بِثَلَاثِمِائَةِ أَلْف وَأَلْف ثَوْب وَثَلَاثِينَ عَبْدًا وَمِائَة جَمَل، وَانْصَرَفَ إِلَى الْمَدِينَة، وَوَلَّى مُعَاوِيَة الْكُوفَة الْمُغِيرَة بْن شُعْبَة وَالْبَصْرَة عَبْد اللَّه بْن عَامِر وَرَجَعَ إِلَى دِمَشْق.\nقَوْله (قَالَ عَمْرو بْن الْعَاصِ لِمُعَاوِيَةَ: أَرَى كَتِيبَة لَا تُوَلِّي) بِالتَّشْدِيدِ أَيْ لَا تُدْبِرُ.\nقَوْله (حَتَّى تُدْبِر أُخْرَاهَا) أَيْ الَّتِي تُقَابِلهَا.\n(قَالَ مُعَاوِيَة مَنْ لِذَرَارِيِّ الْمُسْلِمِينَ) أَيْ مَنْ يَكْفُلهُمْ إِذَا قُتِلَ آبَاؤُهُمْ؟\nوَالْمُرَاد بِقَوْلِهِ (ضَيْعَتهمْ) الْأَطْفَال وَالضُّعَفَاء سُمُّوا بِاسْمِ مَا يَئُولُ إِلَيْهِ أَمْرهمْ لِأَنَّهُمْ إِذَا تُرِكُوا ضَاعُوا لِعَدَمِ اِسْتِقْلَالهمْ بِأَمْرِ الْمَعَاش.\nوَأَمَّا قَوْله هُنَا فِي جَوَاب قَوْل مُعَاوِيَة: «مَنْ لِذَرَارِيِّ الْمُسْلِمِينَ؟ فَقَالَ: «أَنَا» فَظَاهِره يُوهِم أَنَّ الْمُجِيب بِذَلِكَ هُوَ عَمْرو بْن الْعَاصِ، وَلَمْ أَرَ فِي طُرُق الْخَبَر مَا يَدُلّ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَتْ مَحْفُوظَة فَلَعَلَّهَا كَانَتْ: (فَقَالَ أَنَّى) بِتَشْدِيدِ النُّون الْمَفْتُوحَة، قَالَهَا عَمْرو عَلَى سَبِيل الِاسْتِبْعَاد.\nقَوْله (فَقَالَ عَبْد اللَّه بْن عَامِر وَعَبْد الرَّحْمَن بْن سَمُرَة: نَلْقَاهُ فَنَقُول لَهُ الصُّلْح)","vol":"1","page":93},{"text":"أَيْ نُشِير عَلَيْهِ بِالصُّلْحِ، وَهَذَا ظَاهِره أَنَّهُمَا بَدَآ بِذَلِكَ، وَاَلَّذِي فِي كِتَاب الصُّلْح أَنَّ مُعَاوِيَة هُوَ الَّذِي بَعَثَهُمَا، فَيُمْكِن الْجَمْع بِأَنَّهُمَا عَرَضَا أَنْفُسهمَا فَوَافَقَهُمَا.\n(فَقَالَ مُعَاوِيَة: اِذْهَبَا إِلَى هَذَا الرَّجُل فَاعْرِضَا عَلَيْهِ) أَيْ مَا شَاءَ مِنْ الْمَال (وَقُولَا لَهُ) أَيْ فِي حَقْن دِمَاء الْمُسْلِمِينَ بِالصُّلْحِ (وَاطْلُبَا إِلَيْهِ) أَيْ اُطْلُبَا مِنْهُ خَلْعه نَفْسه مِنْ الْخِلَافَة وَتَسْلِيم الْأَمْر لِمُعَاوِيَةَ وَابْذُلَا لَهُ فِي مُقَابَلَة ذَلِكَ مَا شَاءَ.\n(فَقَالَ لَهُمَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ: «إِنَّا بَنُو عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَدْ أَصَبْنَا مِنْ هَذَا الْمَالِ وَإِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ قَدْ عَاثَتْ فِي دِمَائِهَا».\nقَالَا: «فَإِنَّهُ يَعْرِضُ عَلَيْكَ كَذَا وَكَذَا وَيَطْلُبُ إِلَيْكَ وَيَسْأَلُكَ».\nقَالَ: «فَمَنْ لِي بِهَذَا؟».\nقَالَا: «نَحْنُ لَكَ بِهِ».\nفَمَا سَأَلَهُمَا شَيْئًا إِلَّا قَالَا: «نَحْنُ لَكَ بِهِ»، فَصَالَحَهُ).\nقَالَ اِبْن بَطَّال: هَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ مُعَاوِيَة كَانَ هُوَ الرَّاغِب فِي الصُّلْح وَأَنَّهُ عَرَضَ عَلَى الْحَسَن الْمَال وَرَغَّبَهُ فِيهِ وَحَثَّهُ عَلَى رَفْع السَّيْف وَذَكَّرَهُ مَا وَعَدَهُ بِهِ جَدّه - ﵌ - مِنْ سِيَادَته فِي الْإِصْلَاح بِهِ، فَقَالَ لَهُ الْحَسَن: إِنَّا بَنُو عَبْد الْمُطَّلِب أَصَبْنَا مِنْ هَذَا الْمَال، أَيْ إِنَّا جُبِلْنَا عَلَى الْكَرَم وَالتَّوْسِعَة عَلَى أَتْبَاعنَا مِنْ الْأَهْل وَالْمَوَالِي وَكُنَّا نَتَمَكَّن مِنْ ذَلِكَ بِالْخِلَافَةِ حَتَّى صَارَ ذَلِكَ لَنَا عَادَة.\nوَقَوْله (إِنَّ هَذِهِ الْأُمَّة) أَيْ الْعَسْكَرَيْنِ الشَّامِيّ وَالْعِرَاقِيّ (قَدْ عَاثَتْ) أَيْ قَتَلَ بَعْضهَا بَعْضًا فَلَا يَكُفُّونَ عَنْ ذَلِكَ إِلَّا بِالصَّفْحِ عَمَّا مَضَى مِنْهُمْ وَالتَّأَلُّف بِالْمَالِ.\nوَأَرَادَ الْحَسَن بِذَلِكَ كُلّه تَسْكِين الْفِتْنَة وَتَفْرِقَة الْمَال عَلَى مَنْ لَا يُرْضِيه إِلَّا الْمَال، فَوَافَقَاهُ عَلَى مَا شَرَطَ مِنْ جَمِيع ذَلِكَ وَالْتَزَمَا لَهُ مِنْ الْمَال فِي كُلّ عَام وَالثِّيَاب وَالْأَقْوَات مَا يَحْتَاج إِلَيْهِ لِكُلِّ مَنْ ذُكِرَ.\nوَقَوْله (مَنْ لِي بِهَذَا) أَيْ مَنْ يَضْمَن لِي الْوَفَاء مِنْ مُعَاوِيَة؟ فَقَالَا: نَحْنُ نَضْمَن لِأَنَّ مُعَاوِيَة كَانَ فَوَّضَ لَهُمَا ذَلِكَ.","vol":"1","page":94},{"text":"وَفِي هَذِهِ الْقِصَّة مِنْ الْفَوَائِد:\nعَلَم مِنْ أَعْلَام النُّبُوَّة، وَمَنْقَبَة لِلْحَسَنِ بْن عَلِيّ فَإِنَّهُ تَرَكَ الْمُلْك لَا لِقِلَّةٍ وَلَا لِذِلَّةٍ وَلَا لِعِلَّةٍ بَلْ لِرَغْبَتِهِ فِيمَا عِنْدَ اللَّه لِمَا رَآهُ مِنْ حَقْن دِمَاء الْمُسْلِمِينَ، فَرَاعَى أَمْر الدِّين وَمَصْلَحَة الْأُمَّة.\nوَفِيهَا رَدّ عَلَى الْخَوَارِج الَّذِينَ كَانُوا يُكَفِّرُونَ عَلِيًّا وَمَنْ مَعَهُ، وَمُعَاوِيَة وَمَنْ مَعَهُ؛ بِشَهَادَةِ النَّبِيّ - ﵌ - لِلطَّائِفَتَيْنِ بِأَنَّهُمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَمِنْ ثَمَّ كَانَ سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ يَقُول عَقِبَ هَذَا الْحَدِيث: «قَوْله: «مِنْ الْمُسْلِمِينَ» يُعْجِبنَا جِدًّا» أَخْرَجَهُ يَعْقُوب بْن سُفْيَان فِي تَارِيخه عَنْ الْحُمَيْدِيِّ وَسَعِيد بْن مَنْصُور عَنْهُ.\nوَفِيهِ فَضِيلَة الْإِصْلَاح بَيْنَ النَّاس وَلَا سِيَّمَا فِي حَقْن دِمَاء الْمُسْلِمِينَ، وَدَلَالَة عَلَى رَأْفَة مُعَاوِيَة بِالرَّعِيَّةِ، وَشَفَقَته عَلَى المُسْلِمِينَ، وَقُوَّة نَظَره فِي تَدْبِير الْمُلْك، وَنَظَره فِي الْعَوَاقِب.\nوَفِيهِ وِلَايَة الْمَفْضُول الْخِلَافَة مَعَ وُجُود الْأَفْضَل لِأَنَّ الْحَسَن وَمُعَاوِيَة وُلِّيَ كُلّ مِنْهُمَا الْخِلَافَة وَسَعْد بْن أَبِي وَقَّاص وَسَعِيد بْن زَيْد فِي الْحَيَاة وَهُمَا بَدْرِيَّانِ.\nوَفِيهِ جَوَاز خَلْع الْخَلِيفَة نَفْسه إِذَا رَأَى فِي ذَلِكَ صَلَاحًا لِلْمُسْلِمِينَ وَالنُّزُول عَنْ الْوَظَائِف الدِّينِيَّة وَالدُّنْيَوِيَّة بِالْمَالِ، وَجَوَاز أَخْذ الْمَال عَلَى ذَلِكَ وَإِعْطَائِهِ بَعْدَ اِسْتِيفَاء شَرَائِطه بِأَنْ يَكُون الْمَنْزُول لَهُ أَوْلَى مِنْ النَّازِل وَأَنْ يَكُون الْمَبْذُول مِنْ مَال الْبَاذِل.\nفَإِنْ كَانَ فِي وِلَايَة عَامَّة وَكَانَ الْمَبْذُول مِنْ بَيْت الْمَال اُشْتُرِطَ أَنْ تَكُون الْمَصْلَحَة فِي ذَلِكَ عَامَّة، أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ اِبْن بَطَّال قَالَ: يُشْتَرَط أَنْ يَكُون لِكُلٍّ مِنْ الْبَاذِل وَالْمَبْذُول لَهُ سَبَب فِي الْوِلَايَة يَسْتَنِد إِلَيْهِ، وَعَقْد مِنْ الْأُمُور يُعَوَّل عَلَيْهِ (١).\nإن أهم نتائج الصلح هي:\n- توحد الأمة تحت قيادة واحدة.\n- عودة الفتوحات إلى ما كانت عليه.\n_________\n(١) باختصار من (فتح الباري).","vol":"1","page":95},{"text":"- تفرغ الدولة للخوارج.\nوبتنازل الحسن بن علي - ﵄ - اكتملت عوامل تولي معاوية - ﵁ - الخلافة، وتهيأت له جميع أسبابها، فبويع أميرًا للمؤمنين عام واحد وأربعين للهجرة وسمي هذا العام بعام الجماعة، وسجل في ذاكرة الأمه عام الجماعة وأصبح هذا الحدث من مفاخرها التي تزهو بها على مر العصور، وتوالي الدهور.\nفقد التقت الأمة على زعامة معاوية، ورضيت به أميرًا عليها، وابتهج خيار المسلمين بهذه الوحدة الجامعة، بعد الفرقة المشتتة، وكان الفضل في ذلك لله - ﷿ - ثم للسيد الكبير صاحب المشروع الإصلاحي العظيم الحسن بن علي بن أبي طالب - ﵄ -، ويُعد عام الجماعة من علامة نبوة المصطفى - ﵌ - وفضيلة باهرة من فضائل الحسن.\nويكفي معاوية - ﵁ - فخرًا أن كل الصحابة الأحياء في عهده بايعوه، فقد أجمعت الأمة على معاوية وبايعه علماء الصحابة والتابعين وعدوا خلافته شرعية ورضوا إمامته، ورأوا أنه خير من يلي أمر المسلمين ويقوم به خير قيام في تلك المرحلة.\nرُوي عن الأوزاعي أنه قال: «أدركت خلافة معاوية عدة من أصحاب رسول الله - ﵌ - منهم سعد، وأسامة، وجابر، وابن عمر، وزيد بن ثابت، ومسلمة بن مخلد، وأبو سعيد الخدري، ورافع بن خديج، وأبو أمامة، وأنس بن مالك، ورجال أكثر مما سميت بأضعاف مضاعفة.\nكانوا مصابيح الهدى، وأوعية العلم، حضروا من الكتاب تنزيله، وأخذوا عن رسول الله - ﵌ - تأويله، ومن التابعين لهم بإحسان إن شاء الله منهم: المسور بن مخرمة، وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث، وسعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وعبد الله بن محيريز في أشباه له، لم ينزعوا يده عن مجامعة في أمة محمد - ﵌ -» (١).\n_________\n(١) البداية والنهاية (١١/ ٤٣٤، ٤٣٥).","vol":"1","page":96},{"text":"وقال ابن حزم: «فبويع الحسن ثم سلّم الأمر إلى معاوية، وفي بقايا الصحابة مَن هو أفضل منهما بلا خلاف ممن أنفق قبل الفتح وقاتل، وكلهم أولهم عن آخرهم بايع معاوية، ورأى إمامته» (١).\nفالصحابة لم يبايعوا معاوية - ﵁ - إلا وقد رأوا فيه شروط الإمامة متوفرة، ومنها العدالة، فمن يطعن في عدالة معاوية وإمامته فقد طعن في عدالة هؤلاء الصحابة جميعهم وخونّهم وتنقَّصَهم.\nفمن رضيه هؤلاء لدينهم ودنياهم ألا نقبله ونرضى به نحن؟!! ومن قال: «لعلهم بايعوا خوفًا» فقد اتهمهم بالجبن وعدم الصدع بالحق، وهم القوم المعلوم من سيرتهم الشجاعة والشهامة وعدم الخوف في الله لومة لائم.\nانتهاء عهد الخلافة الراشدة:\nانتهى عهد الخلافة الراشدة على منهاج النبوة بتنازل الحسن بن علي لمعاوية - ﵁ -، فعن حُذَيْفَةُ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﵌ -: «تَكُونُ النُّبُوَّةُ فِيكُمْ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ تَكُونَ ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ تَكُونَ ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا عَاضًّا فَيَكُونُ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَكُونَ ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا جَبْرِيَّةً فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ تَكُونَ ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ»، ثُمَّ سَكَتَ (٢).\nوقد قال رسول الله - ﵌ -: «خِلاَفَةُ النُّبُوَّةِ ثَلاَثُونَ سَنَةً ثُمَّ يُؤْتِى اللهُ الْمُلْكَ مَنْ يَشَاءُ - أَوْ مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ -». (رواه أبو داود وصححه الألباني).\n_________\n(١) الفصل في الملل والنحل (٥/ ٦).\n(٢) رواه الإمام أحمد وصححه الألباني. (ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا عَاضًّا) أي يعضّ بعضُ أهلِه بعضًا كعَضِّ الكلاب (فَيَكُونُ) أي الملك أي الأمر على هذا المنوال (فَيَكُونُ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَكُونَ ثُمَّ يَرْفَعُهَا) أي تلك الحالة (إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ) أي الحكومة (مُلْكًا جَبْرِيَّةً) أي جبروتية (ثُمَّ سَكَتَ) أي النبي - ﵌ - عن الكلام. (باختصار من مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح لعلي القاري ح ٥٣٧٨).","vol":"1","page":97},{"text":"وإنما كملت الثلاثون بخلافة الحسن، فإنه نزل عن الخلافة لمعاوية في ربيع الأول من سنة إحدى وأربعين، وذلك كمال ثلاثين سنة من موت رسول الله - ﵌ -، فإنه - ﵌ - توفي في ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة، وهذا من دلائل نبوته - ﵌ -، وبذلك تكون مرحلة خلافة النبوة قد انتهت بتنازل الحسن - ﵁ - عن الخلافة لمعاوية في شهر ربيع الأول من سنة ٤١ هـ.\nوقد بيَّن رسول الله - ﵌ - بأنه ستكون خلافة نبوة ورحمة ثم يكون ملك ورحمة؛ قال رسول الله - ﵌ -: «أوَّلُ هَذَا الْأمْرِ نُبُوَّةٌ وَرَحْمَةٌ، ثُمَّ يَكُونُ خِلَافَةً وَرَحْمَةً، ثُمَّ يَكُونُ مُلْكًا وَرَحْمَةً» (رواه أحمد والطيالسي والبزار، وصححه العراقي والألباني) (١).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «... فكانت نبوة النبي - ﵌ - نبوة ورحمة، وكانت خلافة الخلفاء الراشدين خلافة نبوة ورحمة، وكانت إمارة معاوية ملكًا ورحمة، وبعده وقع ملك عضوض» (٢).\nويجوز تسمية مَن بعد الخلفاء الراشدين خلفاء وإن كانوا ملوكًا، ولم يكونوا خلفاء الأنبياء بدليل قول النَّبِىِّ - ﵌ -: «كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمُ الأَنْبِيَاءُ، كُلَّمَا هَلَكَ نَبِىٌّ خَلَفَهُ نَبِىٌّ، وَإِنَّهُ لاَ نَبِىَّ بَعْدِى، وَسَيَكُونُ خُلَفَاءُ فَيَكْثُرُونَ».\nقَالُوا: «فَمَا تَأْمُرُنَا؟».قَالَ: «فُوا بِبَيْعَةِ الأَوَّلِ فَالأَوَّلِ، أَعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ، فَإِنَّ اللهَ سَائِلُهُمْ عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ» (رواه البخاري ومسلم). (٣)\n_________\n(١) انظر السلسلة الصحيحة (رقم ٣٢٧٠).\n(٢) جامع المسائل (٥/ ١٥٤).\n(٣) قال الحافظ ابن حجر: «قَوْله: (تَسُوسهُمْ الْأَنْبِيَاء) أَيْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا ظَهَرَ فِيهِمْ فَسَاد بَعَثَ اللهُ لَهُمْ نَبِيًّا لَهُمْ يُقِيم أَمْرهمْ وَيُزِيل مَا غَيَّرُوا مِنْ أَحْكَام التَّوْرَاة، وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّهُ لَا بُدّ لِلرَّعِيَّةِ مِنْ قَائِم بِأُمُورِهَا يَحْمِلهَا عَلَى الطَّرِيق الْحَسَنَة وَيُنْصِف الْمَظْلُوم مِنْ الظَّالِم».قَوْله: (وَإِنَّهُ لَا نَبِيّ بَعْدِي) أَيْ فَيَفْعَل مَا كَانَ أُولَئِكَ يَفْعَلُونَ.\nقَوْله: (وَسَيَكُونُ خُلَفَاء) أَيْ بَعْدِي. قَوْله: (فُوا) فِعْل أَمْر بِالْوَفَاءِ. وَالْمَعْنَى أَنَّهُ إِذَا بُويِعَ الْخَلِيفَة بَعْد خَلِيفَة فَبَيْعَة الْأَوَّل صَحِيحَة يَجِب الْوَفَاء بِهَا وَبَيْعَة الثَّانِي بَاطِلَة. (اهـ باختصار من فتح الباري).","vol":"1","page":98},{"text":"ومعاوية - ﵁ - أفضل ملوك هذه الأمة، والذين كانوا قبله خلفاء نبوة، وأما هو فكانت خلافته مُلكًا، وكان مُلكه مُلكًا ورحمة وكان في مُلكه من الرحمة والحلم ونفع المسلمين، ما يعلم أنه كان خيرًا من مُلك غيره.\nومعاوية - ﵁ - كان عالمًا ورعًا عدلًا دون الخلفاء الراشدين في العلم والورع والعدل، كما ترى من التفاوت بين الأولياء، بل الملائكة والأنبياء، وإمارته كانت صحيحة بإجماع الصحابة وتسليم الحسن بن عليٍّ - ﵄ -.\nسؤال:\nمن المسَلّم به عند كل من اطلع على مذهب الشيعة أنهم يكفّرون معاوية لقتاله عليًّا - ﵄ - ولكن الثابت أن الحسن بن علي - ﵄ - - وهو من الأئمة المعصومين عندهم - قد صالح معاوية - ﵁ - وبايعه على الخلافة.\nفهل صالح الحسن (المعصوم) رجلًا كافرًا وسلّم له بالخلافة؟!\nأم أصلح بين فئتين مسلمتين كما قال النبي - ﵌ -: «إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ وَلَعَلَّ اللهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ»؟! (رواه البخاري ومسلم).","vol":"1","page":99},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-28>فضائل معاوية - ﵁ -\nمن فضائل معاوية - ﵁ - في القرآن الكريم:</span>\n* قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (٢٦)﴾ (التوبة:٢٥ - ٢٦).ومعاوية - ﵁ - من الذين شهدوا غزوة حُنين المقصودة في الآيات، وكان من المؤمنين الذين أنزل الله سكينتَه عليهم مع النبي - ﵌ -.\n* وقال - ﷿ -: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٠)﴾ (الحديد:١٠).\nومعاوية - ﵁ - لا يخلو أن يكون على حالَين:\n· أن يكون قد أسلم قبل فتح مكة كما رجّح وصحّح الحافظُ ابنُ حَجَر.\n· أو يكون بعد ذلك، وقد أنفق وقاتل في حُنين والطائف مع رسول الله - ﵌ -، فهو ممن وعَدَهم الله الحُسنى بنص الآية.\nوالحُسنى: الجنّة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ (١٠٢)﴾ (الأنبياء:١٠١ - ١٠٢). وهل يُخْلِف الله وعده.\n* وقال تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١١٧)﴾ (التوبة:١١٧).\nوساعةُ العُسرة هي غزوةُ تَبُوك، وقد شَهِدَها مُعاوية - ﵁ -.","vol":"1","page":100},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-29>من فضائل معاوية - ﵁ -\nفي السُّنّة النبوية الصحيحة</span>\nمن الشبهات التي يتعلق بها البعض شبهة أن المحدثين الأوائل ضعفوا الأحاديث الواردة في فضل معاوية - ﵁ - ومن ذلك:\nالشبهة الأولى: ما يتشدق به البعض من نقلهم عن إسحاق بن راهويه أنه قال: «لا يصح عن النبي - ﵌ - في فضل معاوية شيء».\nوالجواب:\nهذا القول عن ابن راهويه باطل ولم يثبت عنه (١).\nوقد أورده السيوطي في «اللآلي المصنوعة» (٢)، وابن عراق الكناني في «تنزيه الشريعة» (٣)، والشوكاني في الفوائد المجموعة (٤) وعلق على ذلك بقوله: «قلت: قد ذكر الترمذي في الباب الذي ذكره في مناقب معاوية من سننه ما هو معروف فليراجع».\nوعلى فرض صحة هذا القول عن إسحاق بن راهويه يجاب عنه بما يلي:\n* أنه يوجد من الأئمة من ذكر أحاديث في فضل معاوية مصححًا لها!\nوهم بهذا يخالفون من قال بأنه «لا يصح في فضل معاوية شيء» ومن هؤلاء الأئمة:\n١ - الإمام الآجري ﵀ في «كتاب الشريعة» (٥) بوَّبَ: سياق ما روي عن النبي - ﵌ - في فضائل أبي عبد الرحمن معاوية بن أبي سفيان - ﵄ -.\n_________\n(١) انظر: الأحاديث النبوية في فضائل معاوية بن أبي سفيان للشيخ محمد الأمين الشنقيطي.\nلا دفاعًا عن الألباني لعمرو عبد المنعم (ص ١٨١ - ١٨٢).\n(٢) (١/ ٣٨٨).\n(٣) (٢/ ٧).\n(٤) (٤٠٧).\n(٥) (٥/ ١٥٢٤).","vol":"1","page":101},{"text":"٢ - الإمام الذهبي - ﵀ - كما في «سير أعلام النبلاء» (١) فقد ذكر أحاديث في فضل معاوية - ﵁ - وقال بعد ذلك: «فهذه أحاديث مقاربة».\n٣ - الحافظ ابن كثير كما في «البداية والنهاية» حيث قال - ﵀ - بعد أن ذكر أحاديث في فضل معاوية - ﵁ -: «واكتفينا بما أوردناه من الأحاديث الصحاح والحسان والمستجادات عما سواه من المصنوعات والمنكرات» (٢).\nوقال في تعليقه على قول النَّبِيِّ - ﵌ - لِمُعَاوِيَةَ: «اللهُمَّ اجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا وَاهْدِ بِهِ»: «وقد اعتنى ابن عساكر بهذا الحديث وأطنب فيه وأطيب وأطرب وأفاد وأحسن الانتقاد فرحمه الله كم من موطن قد تبرز فيه على غيره من الحفاظ والنقاد» (٣).\n٤ - والحافظ ابن عساكر كما في «تاريخ دمشق» (٤).\n٥ - وابن حجر الهيتمي في «تطهير الجنان» (٥).\nالشبهة الثانبة: ما يشاع أن الإمام البخاري لم يجد في فضائل معاوية شيئًا.\nوالجواب:\nقد عقد الإمام البخاري - ﵀ - في كتاب فضائل الصحابة من صحيحه بابًا قاله فيه: (بَاب ذِكْرِ مُعَاوِيَةَ - ﵁ -)، أورد فيه ثلاثة أحاديث:\nأحدها: عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: أَوْتَرَ مُعَاوِيَةُ بَعْدَ الْعِشَاءِ بِرَكْعَةٍ وَعِنْدَهُ مَوْلًى لِابْنِ عَبَّاسٍ فَأَتَى ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ: «دَعْهُ فَإِنَّهُ قَدْ صَحِبَ رَسُولَ اللهِ - ﵌ -».\nثانيها: عَنْ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: قِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: «هَلْ لَكَ فِي أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مُعَاوِيَةَ فَإِنَّهُ مَا أَوْتَرَ إِلَّا بِوَاحِدَةٍ؟».\n_________\n(١) (٣/ ٣٥٠).\n(٢) (٨/ ٨٤).\n(٣) (٨/ ٨٣).والحديث رواه الترمذي وغيره، وصححه الألباني.\n(هَادِيًا) أَيْ لِلنَّاسِ أَوْ دَالًّا عَلَى الْخَيْرِ. (مَهْدِيًّا) أَيْ مُهْتَدِيًا فِي نَفْسِهِ.\n(٤) (ص٥٩ - ٧٩).\n(٥) (ص١١).","vol":"1","page":102},{"text":"قَالَ: «أَصَابَ إِنَّهُ فَقِيهٌ».\nثالثها: عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ قَالَ سَمِعْتُ حُمْرَانَ بْنَ أَبَانَ عَنْ مُعَاوِيَةَ - ﵁ - قَالَ: «إِنَّكُمْ لَتُصَلُّونَ صَلَاةً لَقَدْ صَحِبْنَا النَّبِيَّ - ﵌ - فَمَا رَأَيْنَاهُ يُصَلِّيهَا وَلَقَدْ نَهَى عَنْهُمَا يَعْنِي الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ».\nوأما أن الإمام البخاري عبّر في ترجمة معاوية - ﵁ - بقوله: «بَاب ذِكْرِ مُعَاوِيَةَ - ﵁ -»، ولم يقل فضيلة ولا منقبة، فإن الإمام البخاري كذلك عبّر في ترجمة عبد الله بن عباس - ﵁ - بقوله: «بَاب ذِكْرِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ -»، ولم يقل فضيلة ولا منقبة. علمًا أنه أخرج فيه قول رسول الله - ﵌ -: «اللهُمَّ عَلِّمْهُ الْحِكْمَةَ».\nوهذا لا يختلف عاقل أنه فضيلة عظيمة لابن عباس - ﵁ -. فهل يفهم أحد من ذلك أن عبد الله بن عباس ومعاوية بن أبي سفيان - ﵃ - ليس لهما فضائل؟!\nقال الحافظ ابن حجر في شرحه: «عَبَّرَ الْبُخَارِيّ فِي هَذِهِ التَّرْجَمَة بِقَوْلِهِ: «ذِكْر» وَلَمْ يَقُلْ فَضِيلَة وَلَا مَنْقَبَة لِكَوْنِ الْفَضِيلَة لَا تُؤْخَذ مِنْ حَدِيث الْبَاب، لِأَنَّ ظَاهِر شَهَادَة اِبْن عَبَّاس لَهُ بِالْفِقْهِ وَالصُّحْبَة دَالَّة عَلَى الْفَضْل الْكَثِير، وَقَدْ صَنَّفَ اِبْن أَبِي عَاصِم جُزْءًا فِي مَنَاقِبه، وَكَذَلِكَ أَبُو عُمَر غُلَام ثَعْلَب، وَأَبُو بَكْر النَّقَّاش ....\nثم قال الحافظ ابن حجر إن البخاري بِدَقِيقِ نَظَره اِسْتَنْبَطَ مَا يَدْفَع بِهِ رُءُوس الرَّوَافِض» (١).\nوقد كان البخاري - ﵀ - يترضى عن معاوية كلما ذكر اسمه، ثم إنه قد ثبت عند البخاري صحبة معاوية - ﵁ - للرسول - ﵌ -، وثبت فقهه أيضًا كما نص عليه ابن عباس، وقد تقدم الحديث ... وكفى بهذا الثناء من حبر الأمة من فضيلة ومنقبة.\nكما أخرج البخاري ﵀ الحديث الذي دعا فيه النبي - ﵌ - لمعاوية بأن يجعله هاديًا مهديًا ويهدي به في كتابه (التاريخ الكبير).\n_________\n(١) انظر فتح الباري (٧/ ١٠٣ - ١٠٤).","vol":"1","page":103},{"text":"الشبهة الثالثة: أَخْرَجَ اِبْن الْجَوْزِيّ مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن أَحْمَد بْن حَنْبَل: «سَأَلَتْ أَبِي مَا تَقُول فِي عَلِيّ وَمُعَاوِيَة؟».\nفَأَطْرَقَ ثُمَّ قَالَ: «اِعْلَمْ أَنَّ عَلِيًّا كَانَ كَثِير الْأَعْدَاء فَفَتَّشَ أَعْدَاؤُهُ لَهُ عَيْبًا فَلَمْ يَجِدُوا، فَعَمَدُوا إِلَى رَجُل قَدْ حَارَبَهُ فَأَطْرَوْهُ كِيَادًا مِنْهُمْ لِعَلِيٍّ» (١).\nوالجواب: هذه القصة عجيبة الله أعلم بمدى صحة إسنادها.\nوقد رواها ابن الجوزي فقال: أنبأنا هبة الله بن أحمد الجريرى أنبأنا محمد بن على بن الفتح أنبأنا الدارقطني حدثنا أبو الحسين عبدالله بن إبراهيم بن جعفر بن نيار البزاز حدثنا أبو سعيد بن الحرفى حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: ...».\nولم أجد مَن ترجم لبعض رواته، وقال الإمام الذهبي في ترجمة: مُحَمَّدُ بنُ عَلِيِّ بنِ الفَتْحِ: «وَقَدْ أُدْخِلَ فِي سَمَاعه مَا لَمْ يَتَفَطَّنْ لَهُ» (٢).\nوالقصة على أية حال ليس لها علاقة بموضوعنا؛ فإن الإمام أحمد - على فرض صحة القصة - قد أشار إلى أن أعداء علي - ﵁ - قد وضعوا أحاديث في فضائل معاوية - ﵁ -، وهذا شيء معروفٌ مسلّمٌ به، بل والعكس صحيح كذلك، فقد وضع شيعة عليٍّ الكثير من الأحاديث في ذم معاوية، وكلها موضوعة. ووضعوا في فضائل علي أكثر بأضعاف مما وضع النواصب في فضائل معاوية - ﵄ -.\nأما عقيدة إمام أهل السنة والجماعة في عصر أحمد بن حنبل فقد كانت واضحة جدًا في الترضي عن معاوية - ﵁ - والإنكار على من يذمه.\nقال الخلال: «أخبرنا أبو بكر المروزي قال: قيل لأبي عبد الله ونحن بالعسكر وقد جاء بعض رسل الخليفة وهو يعقوب، فقال: «يا أبا عبد الله، ما تقول فيما كان من علي ومعاوية رحمهما الله؟».فقال أبو عبد الله: «ما أقول فيها إلا الحسنى ﵏ أجمعين» (٣).\nبل قد صحح الإمام أحمد حديثًا في فضل معاوية - ﵁ -.فقد روى الخلال: أخبرني عبد الملك بن عبد الحميد الميموني قال: قلت لأحمد ابن حنبل: «أليس قال النبي - ﵌ -: «كُلّ صِهْرٍ وَنَسَبٍ يَنْقَطِعُ إلّا صِهْرِي وَنَسَبِي» (٤)؟\nقال: «بلى!».\nقلت: «وهذه لمعاوية؟».\nقال: «نعم، له صهر ونسب».\nقال: «وسمعت ابن حنبل يقول: «ما لهم ولمعاوية؟ نسأل الله العافية!» (٥).\nويستفادُ منه تثبيتُ الإمام أحمد - ﵀ - للحديث.\nوأخيرًا:\nعلى فرض صحة ما ذُكر عن بعض الأئمة من أنه لا يصح شيء في فضل معاوية - ﵁ - فأنهم ﵏ لا ريب أنهم يرون أن معاوية داخل في عموم النصوص التي جاءت في فضل الصحابة - ﵃ -.\nفمرادهم لا يصح حديث في فضله بخصوصه أما على سبيل العموم فنعم.\n_________\n(١) الموضوعات (٢/ ٢٤).\n(٢) سير أعلام النبلاء (٣٥/ ٣٨).\n(٣) السنة (٢/ ٤٦٠)، وإسناده صحيح.\n(٤) وفي رواية «كُلُّ سَبَبٍ ونَسَبٍ مُنْقَطِعٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غَيْرَ سَبَبي ونَسَبي»، وفي رواية: «غَيْرَ نَسَبِي وصِهري». (وللحديث طرقٌ كثيرة، جوَّدَ بعضَها ابنُ كثير، وصححه ابن السَّكَن، والحاكم، والضياء، والذهبي، والألباني، وغيرُهم).\n(٥) السنة (٦٥٤)، وإسناده صحيح.","vol":"1","page":104},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-30>من فضائل معاوية - ﵁ -\nثبوت كونه كاتبًا للنبي - ﵌ -، وكتابته الوحي</span>\n* عن ابْنُ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: كَانَ الْمُسْلِمُونَ لاَ يَنْظُرُونَ إِلَى أَبِى سُفْيَانَ وَلاَ يُقَاعِدُونَهُ فَقَالَ لِلنَّبِىِّ - ﵌ -: «يَا نَبِىَّ اللهِ ثَلاَثٌ أَعْطِنِيهِنَّ».\nقَالَ: «نَعَمْ».\nقَالَ: عِنْدِى أَحْسَنُ الْعَرَبِ وَأَجْمَلُهُ أُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ أَبِى سُفْيَانَ أُزَوِّجُكَهَا».\nقَالَ: «نَعَمْ».\nقَالَ: «وَمُعَاوِيَةُ تَجْعَلُهُ كَاتِبًا بَيْنَ يَدَيْكَ».\nقَالَ: «نَعَمْ».\nقَالَ: «وَتُؤَمِّرُنِى حَتَّى أُقَاتِلَ الْكُفَّارَ كَمَا كُنْتُ أُقَاتِلُ الْمُسْلِمِينَ».\nقَالَ: «نَعَمْ». (رواه مسلم).\nقال الإمام النووي في شرحه لهذا الحديث من صحيح مسلم: «وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْحَدِيث مِنْ الْأَحَادِيث الْمَشْهُورَة بِالْإِشْكَالِ، وَوَجْه الْإِشْكَال أَنَّ أَبَا سُفْيَان إِنَّمَا أَسْلَمَ يَوْم فَتْح مَكَّة سَنَة ثَمَان مِنْ الْهِجْرَة، وَهَذَا مَشْهُور لَا خِلَاف فِيهِ، وَكَانَ النَّبِيّ - ﵌ - قَدْ تَزَوَّجَ أُمّ حَبِيبَة قَبْل ذَلِكَ بِزَمَانٍ طَوِيل.\nقَالَ الْقَاضِي: «وَاَلَّذِي فِي مُسْلِم هُنَا أَنَّهُ زَوَّجَهَا أَبُو سُفْيَان غَرِيب جِدًّا. وَخَبَرهَا مَعَ أَبِي سُفْيَان حِين وَرَدَ الْمَدِينَة فِي حَال كُفْره مَشْهُور» (١). وَلَمْ يَزِدْ الْقَاضِي عَلَى هَذَا.\nوَقَالَ الشَّيْخ أَبُو عَمْرو بْن الصَّلَاح - ﵀ -: «يَحْتَمِل أَنَّهُ سَأَلَهُ تَجْدِيد عَقْد النِّكَاح تَطْيِيبًا لِقَلْبِهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ رُبَّمَا يَرَى عَلَيْهَا غَضَاضَة مِنْ رِيَاسَته وَنَسَبه أَنْ تُزَوَّج اِبْنَته بِغَيْرِ رِضَاهُ، أَوْ أَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ إِسْلَام الْأَب فِي مِثْل هَذَا يَقْتَضِي تَجْدِيد الْعَقْد، وَقَدْ خَفِيَ أَوْضَحُ مِنْ هَذَا عَلَى أَكْبَر مَرْتَبَة مِنْ أَبِي سُفْيَان مِمَّنْ كَثُرَ عِلْمه وَطَالَتْ صُحْبَته».\nهَذَا كَلَام أَبِي عَمْرو - ﵀ -، وَلَيْسَ فِي الْحَدِيث أَنَّ النَّبِيّ - ﵌ - جَدَّدَ الْعَقْد، وَلَا قَالَ لِأَبِي سُفْيَان إِنَّهُ يَحْتَاج إِلَى تَجْدِيده، فَلَعَلَّهُ - ﵌ - أَرَادَ بِقَوْلِهِ: نَعَمْ أَنَّ مَقْصُودك يَحْصُل وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِحَقِيقَةِ عَقْد. وَاَللَّه أَعْلَم». (اهـ كلام النووي - ﵀ - مختصرًا).\nوقال الحافظ ابن كثير بعد أن ذكر بعض الأقوال: «وهذه كلها ضعيفة والأحسن في هذا أنه أراد أن يزوجه ابنته الأخرى عمرة لما رأى في ذلك من الشرف له واستعان بأختها أم حبيبة كما في الصحيحين وإنما وهم الراوي في تسميته أم حبيبة وقد أوردنا لذلك خبرًا مفردًا» (٢).\n_________\n(١) رُوِي عن الزهري قال: لما قدم أبو سفيان بن حرب المدينة جاء إلى رسول - ﵌ - وهو يريد غزو مكة فكلمه أن يزيد في هدنة الحديبية فلم يُقبل عليه رسول الله - ﵌ -، فقام فدخل على ابنته أم حبيبة، فلما ذهب ليجلس على فراش النبي - ﵌ - طَوَتْه دونه فقال: «يا بنية، أرغبت بهذا الفراش عني أم بي عنه؟».\nفقالت: «بل هو فراش رسول الله - ﵌ - وأنت امرؤ نجس مشرك».\nفقال: «يا بنية لقد أصابك بعدي شر». ... =\n= (أخرجه ابن سعد في الطبقات (٨/ ٧٩) وأخرجه ابن عساكر في التاريخ (٧٩/ ١٥٠) وأورده الحافظ الذهبي في «السير» (٢/ ٢٢٢ - ٢٢٣) بصيغة التضعيف التي تدل على عدم صحة القصة).\nوقد بَيَّنَ الشيخ علي حشيش في الحلقة السبعين من سلسلة (تحذير الداعية من القصص الواهية) التي تصدر تباعًا في مجلة (التوحيد) المصرية أن قصة أم حبيبة مع أبيها أبي سفيان قصة واهية اشتهرت على ألسنة الوعاظ والقصاص ووجدت في كتب المغازي والسير بغير تحقيق، فاغتر بها من لا دراية له بعلم الحديث.\nوقد سبقه إلى تضعيف القصة الشيخ الألباني في (فقه السيرة ص ٣٢٣)، وقال إن ابن إسحق رواها بدون إسناد كما في سيرة ابن هشام ٢/ ٢٦٥ وابن جرير ٢/ ٣٢٥ - ٣٢٦.\nوكذلك من القصص المختلقة الواهية قصة ارتداد عبيد الله بن جحش زوج أم حبيبة - ﵂ - عن الإسلام وتنصره بالحبشة. (انظر تحقيق دعوى ردة عبيد الله بن جحش لمحمد بن عبد الله العوشن).\n(٢) البداية والنهاية (٢/ ٥٧٢).","vol":"1","page":106},{"text":"* عن ابْنَ عَبَّاسٍ قال: كُنْتُ غُلَامًا أَسْعَى مَعَ الصِّبْيَانِ قَالَ فَالْتَفَتُّ فَإِذَا نَبِيُّ اللهِ - ﵌ - خَلْفِي مُقْبِلًا، فَقُلْتُ: مَا جَاءَ نَبِيُّ اللهِ - ﵌ - إِلَّا إِلَيَّ.\nقَالَ: فَسَعَيْتُ حَتَّى أَخْتَبِئَ وَرَاءَ بَابِ دَارٍ فَلَمْ أَشْعُرْ حَتَّى تَنَاوَلَنِي فَأَخَذَ بِقَفَايَ فَحَطَأَنِي حَطْأَةً، قَالَ: «اذْهَبْ فَادْعُ لِي مُعَاوِيَةَ» - وَكَانَ كَاتِبَهُ - فَسَعَيْتُ فَقُلْتُ: أَجِبْ نَبِيَّ اللهِ - ﵌ - فَإِنَّهُ عَلَى حَاجَةٍ». (رواه الإمام أحمد وصححه ابن عساكر والذهبي، وقال شعيب الأرنؤوط: إسناده حسن).\n(حَطَأَنِي حَطْأَة):هُوَ الضَّرْب بِالْيَدِ مَبْسُوطَة بَيْن الْكَتِفَيْنِ، وَإِنَّمَا فَعَلَ النبي - ﵌ - هَذَا بِابْنِ عَبَّاس مُلَاطَفَة وَتَأْنِيسًا.\n* وعن عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ - قال: «إن معاوية كان يكتبُ بين يَدَي رسولِ الله - ﵌ -». (إسنادُه حسن رواه الطبراني وأبوعوانة والبزار والآجري).\n* وعن سَهْلِ بن الحَنْظَلِيَّة الأنصاري - ﵁ -:أن عُيَيْنَةَ والأَقْرَعَ سألا رسولَ الله - ﵌ - شيئًا، فأمرَ معاويةَ أن يكتُبَ به لهما، ففعلَ، وختَمَها رسول الله - ﵌ -، وأَمَر بدفعه إليهما». (إسناده صحيح على شرط مسلم رواه أبوداود وأحمد).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «استَكْتَبَه النبي - ﵌ - لخِبْرَتِه وأمانته» (١).\n_________\n(١) منهاج السنة (٤/ ٤٣٩).","vol":"1","page":108},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-31>ومن فضائل معاوية - ﵁ -\nكونه خال المؤمنين</span>\nفهو أخو أمِّ المؤمنين؛ زوجِ النبي - ﵌ -؛ أمِّ حَبيبة رَمْلة بنت أبي سفيان - ﵃ -؛ ولذلك قال الإمام أحمد: «أقول: معاوية خال المؤمنين، وابن عمر خال المؤمنين».\n(رواه الخلال في السنة بسند صحيح).\nوروى العجلي في (الثقات) ومن طريقه ابن عساكر بسند صحيح أن رجلا سأل الحكم بن هشام الكوفي: ما تقول في معاوية؟ قال: «ذاك خالُ كلِّ مؤمن».\n* وقد قال - ﵌ - في الحديث الصحيح: «كُلُّ سَبَبٍ ونَسَبٍ مُنْقَطِعٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غَيْرَ سَبَبي ونَسَبي»، وفي رواية: «غَيْرَ نَسَبِي وصِهري». (رواه الطبراني والحاكم والبيهقي وللحديث طرقٌ كثيرة، جوَّدَ بعضَها ابنُ كثير، وصححه ابن السَّكَن، والحاكم، والضياء، والذهبي، والألباني، وغيرُهم) (١).\nولا شك أن معاوية داخلٌ في هذا الفضل.\nوروى الخلال: أخبرني عبد الملك بن عبد الحميد الميموني (ثقة فقيه) قال: قلت لأحمد ابن حنبل: «أليس قال النبي - ﵌ -: «كُلّ صِهْرٍ وَنَسَبٍ يَنْقَطِعُ إلّا صِهْرِي وَنَسَبِي؟».\nقال: «بلى!».\nقلت: «وهذه لمعاوية؟».\nقال: «نعم، له صهر ونسب».\nقال: «وسمعت ابن حنبل يقول: «ما لهم ولمعاوية؟ نسأل الله العافية!» (٢).\nويستفادُ منه تثبيتُ الإمام أحمد - ﵀ - للحديث.\n_________\n(١) انظر السلسلة الصحيحة للألباني (رقم ٢٠٣٦).\n(٢) السنة (٦٥٤)، وإسناده صحيح.","vol":"1","page":109},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-32>ومن فضائل معاوية - ﵁ -\nأنه أَوَّلُ مَنْ غَزَا الْبَحْرَ وقد وجبت له الجنة</span>\nروى البخاري في صحيحه عن أم حَرَام الأنصارية - ﵂ - أنها سمعت النبي - ﵌ - يَقُولُ: «أوَّلُ جَيْشٍ مِنْ أُمَّتِي يَغْزُونَ الْبَحْرَ قَدْ أَوْجَبُوا».\nقَالَتْ أُمُّ حَرَامٍ - ﵂ - قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَا فِيهِمْ؟»\nقَالَ: «أَنْتِ فِيهِمْ».\nثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ - ﵌ -: «أَوَّلُ جَيْشٍ مِنْ أُمَّتِي يَغْزُونَ مَدِينَةَ قَيْصَرَ مَغْفُورٌ لَهُمْ»\nفَقُلْتُ: «أَنَا فِيهِمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟»\nقَالَ: «لَا». (رواه البخاري).\n(مَدِينَةَ قَيْصَر) يَعْنِي الْقُسْطَنْطِينِيَّة.\n(قَدْ أَوْجَبُوا) أَيْ فَعَلُوا فِعْلًا وَجَبَتْ لَهُمْ بِهِ الْجَنَّة.\nقَالَ الْمُهَلَّب: فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَنْقَبَة لِمُعَاوِيَة لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ غَزَا الْبَحْرَ، وَمَنْقَبَةٌ لِوَلَدِهِ يَزِيد لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ غَزَا مَدِينَةَ قَيْصَرَ .. (١)\n_________\n(١) باختصار من (فتح الباري).","vol":"1","page":110},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-33>ومن فضائل معاوية - ﵁ - أنه من الذين\nرآهم النبي - ﵌ - يَرْكَبُونَ ظَهْرَ الْبَحْرِ كَالْمُلُوكِ عَلَى الْأَسِرَّةِ</span>\nعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ - عَنْ أُمِّ حَرَامٍ - ﵂ - وَهِيَ خَالَةُ أَنَسٍ قَالَتْ: أَتَانَا النَّبِيُّ - ﵌ - يَوْمًا، فَقَالَ عِنْدَنَا، فَاسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ فَقُلْتُ: «مَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللهِ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي؟»\nقَالَ: «أُرِيتُ قَوْمًا مِنْ أُمَّتِي يَرْكَبُونَ ظَهْرَ الْبَحْرِ كَالْمُلُوكِ عَلَى الْأَسِرَّةِ».\nفَقُلْتُ: «ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ».\nقَالَ: «فَإِنَّكِ مِنْهُمْ».\nقَالَتْ: «ثُمَّ نَامَ فَاسْتَيْقَظَ أَيْضًا وَهُوَ يَضْحَكُ فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ مِثْلَ مَقَالَتِهِ فَقُلْتُ:\n«ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ». قَالَ: «أَنْتِ مِنْ الْأَوَّلِينَ».\nفَرَكِبَتِ الْبَحْرَ فِى زَمَانِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِى سُفْيَانَ فَصُرِعَتْ عَنْ دَابَّتِهَا حِينَ خَرَجَتْ مِنَ الْبَحْرِ، فَهَلَكَتْ.\nوفي رواية: «فَخَرَجَتْ مَعَ زَوْجِهَا عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ غَازِيًا أَوَّلَ مَا رَكِبَ الْمُسْلِمُونَ الْبَحْرَ مَعَ مُعَاوِيَةَ، فَلَمَّا انْصَرَفُوا مِنْ غَزْوِهِمْ قَافِلِينَ فَنَزَلُوا الشَّأْمَ، فَقُرِّبَتْ إِلَيْهَا دَابَّةٌ لِتَرْكَبَهَا فَصَرَعَتْهَا فَمَاتَتْ». (رواه البخاري ومسلم).\nقال الإمام النووي - ﵀ - (١): «فِيهِ (أي هذا الحديث):مُعْجِزَات لِلنَّبِيِّ - ﵌ - مِنْهَا إِخْبَاره بِبَقَاءِ أُمَّته بَعْده، وَأَنَّهُ تَكُون لَهُمْ شَوْكَة وَقُوَّة وَعَدَد، وَأَنَّهُمْ يَغْزُونَ وَأَنَّهُمْ يَرْكَبُونَ الْبَحْر، وَأَنَّ أُمّ حَرَام تَعِيش إِلَى ذَلِكَ الزَّمَان، وَأَنَّهَا تَكُون مَعَهُمْ، وَقَدْ وُجِدَ بِحَمْدِ اللهِ تَعَالَى كُلّ ذَلِكَ.\nوَفِيهِ: فَضِيلَة لِتِلْكَ الْجُيُوش، وَأَنَّهُمْ غُزَاة فِي سَبِيل اللهِ.\nوَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء مَتَى جَرَتْ الْغَزْوَة الَّتِي تُوُفِّيَتْ فِيهَا أُمّ حَرَام فِي الْبَحْر؟ وَقَدْ ذكرَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة فِي مُسْلِم أَنَّهَا رَكِبَتْ الْبَحْر فِي زَمَان مُعَاوِيَة، فَصُرِعَتْ عَنْ دَابَّتهَا\n_________\n(١) في شرحه لهذا الحديث من صحيح مسلم.","vol":"1","page":111},{"text":"فَهَلَكَتْ، قَالَ الْقَاضِي: قَالَ أَكْثَر أَهْل السِّيَر وَالْأَخْبَار: إِنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي خِلَافَة عُثْمَان بْن عَفَّان - ﵁ - وَأَنَّ فِيهَا رَكِبَتْ أُمّ حَرَام وَزَوْجهَا إِلَى قُبْرُص فَصُرِعَتْ عَنْ دَابَّتهَا هُنَاكَ، فَتُوُفِّيَتْ وَدُفِنَتْ هُنَاكَ، وَعَلَى هَذَا يَكُون قَوْله: (فِي زَمَان مُعَاوِيَة) مَعْنَاهُ: فِي زَمَان غَزْوِهِ فِي الْبَحْر لَا فِي أَيَّام خِلَافَته، قَالَ: وَقِيلَ: بَلْ كَانَ ذَلِكَ فِي خِلَافَته، قَالَ: وَهُوَ أَظْهَر فِي دَلَالَة قَوْله فِي زَمَانه».\nوقال الحافظ ابن حجر - ﵀ - (١): «قَوْله (مُلُوكًا عَلَى الْأَسِرَّة) قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ: «أَرَادَ - وَاَللهُ أَعْلَم - أَنَّهُ رَأَى الْغُزَاة فِي الْبَحْر مِنْ أُمَّته مُلُوكًا عَلَى الْأَسِرَّة فِي الْجَنَّة، وَرُؤْيَاهُ وَحْي، وَقَدْ قَالَ اللَّه تَعَالَى فِي صِفَة أَهْل الْجَنَّة: ﴿عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ وَقَالَ: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ وَالْأَرَائِك: السُّرَر فِي الْحِجَال (٢).\nوَقَالَ عِيَاض: «هَذَا مُحْتَمَل، وَيُحْتَمَل أَيْضًا أَنْ يَكُون خَبَرًا عَنْ حَالهمْ فِي الْغَزْو مِنْ سَعَة أَحْوَالهمْ وَقِوَام أَمْرهمْ وَكَثْرَة عَدَدهمْ وَجَوْدَة عَدَدهمْ فَكَأَنَّهُمْ الْمُلُوك عَلَى الْأَسِرَّة».\nقُلْتُ (أي الحافظ ابن حجر): «وَفِي هَذَا الِاحْتِمَال بُعْد، وَالْأَوَّل أَظْهَر لَكِنَّ الْإِتْيَان بِالتَّمْثِيلِ فِي مُعْظَم طُرُقه يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ رَأَى مَا يَئُول إِلَيْهِ أَمْرهمْ، لَا أَنَّهُمْ نَالُوا ذَلِكَ فِي تِلْكَ الْحَالَة، أَوْ مَوْقِع التَّشْبِيه أَنَّهُمْ فِيمَا هُمْ مِنْ النَّعِيم الَّذِي أُثِيبُوا بِهِ عَلَى جِهَادهمْ مِثْل مُلُوك الدُّنْيَا عَلَى أَسِرَّتهمْ، وَالتَّشْبِيه بِالْمَحْسُوسَاتِ أَبْلَغ فِي نَفْس السَّامِع».اهـ.\nفإذا تبيَّن هذا الفضلُ العظيم، كان معاوية - ﵁ - مِن أولى الناس به، إذ أنه أميرُ تلك الغزاة بالاتفاق.\nوقد قال ابنُ عبد البر عن هذا الحديث: «وفيه فضلٌ لمعاوية - ﵀ -، إذ جَعَلَ مَن غَزا تحتَ رايَتِه مِن الأوَّلين» (٣).\n_________\n(١) في شرحه لهذا الحديث من صحيح البخاري.\n(٢) الحَجَلة مثل القُبَّة، وحَجَلة العروس هي بيت يُزَيَّن بالثياب والأَسِرَّة والستور لَهَا عُرًى وَأَزْرَار.\n(٣) التمهيد (١/ ٢٣٥).","vol":"1","page":112},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-34>ومن فضائل معاوية - ﵁ -\nأنه كان من الذين أحبُّ النبي - ﵌ - أن يَعِزّوا، فأعزّهم الله</span>\nعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: «جَاءَتْ هِنْدٌ إِلَى النَّبِيِّ - ﵌ - فَقَالَتْ: «يَا رَسُولَ اللهِ، وَاللهِ مَا كَانَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ أَهْلُ خِبَاءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يُذِلَّهُمْ اللهُ مِنْ أَهْلِ خِبَائِكَ، وَمَا عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ أَهْلُ خِبَاءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يُعِزَّهُمْ اللهُ مِنْ أَهْلِ خِبَائِكَ».\nفَقَالَ النَّبِيُّ - ﵌ -: «وَأَيْضًا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِه». (رواه البخاري ومسلم).\n(خِبَاء) خَيْمَة مِنْ وَبَر أَوْ صُوف، ثُمَّ أُطْلِقَتْ عَلَى الْبَيْت كَيْف مَا كَانَ.\nقَوْله: (قَالَ وَأَيْضًا وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) قَالَ اِبْن التِّين: «فِيهِ تَصْدِيق لَهَا فِيمَا ذَكَرَتْهُ، كَأَنَّهُ رَأَى أَنَّ الْمَعْنَى: وَأَنَا أَيْضًا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْك مِثْل ذَلِكَ» (١).\nقال ابن كثير: «فالمِدحة في قوله: «وَأَيْضًا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِه»؛ وهو أنه - ﵌ - كان يَوَدُّ أن هندًا وأهلَها وكلَّ كافر يَذلّوا في حال كفرهم، فلما أسلموا كان يحبُّ أن يَعِزّوا، فأعزّهم الله، يعني أهلَ خبائها» (٢).\nوالحديث يدلُّ على تخصيص هند وأهل خبائها بالذات، ثم مما يؤكدُ إعزازَ النبيِّ - ﵌ - لها بعد الإسلام؛ أنه استَغفرَ لها لما جاءته مبايعةً مع النساء، فنَزل قولُ الله تعالى: ﴿فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللهَ﴾، وجاء وصفُ المبايعات في الآيات بأنهن من (المؤمنات). (الممتحنة:١٢) ويَدخلُ معاويةُ في فضل الحديث السابق، فهو من أهل خباء هند. وفيهم أنزل الله تعالى: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧)﴾ (الممتحنة:٧)، فإن الله جعل بين النبي - ﵌ - وبين الذين عادُوه - كأبي سفيان وهند وغيرهما - مودة، والله قدير على تبديل العداوة بالمودة، وهو غفور لهم بتوبتهم من الشرك، رحيم بالمؤمنين، وقد صاروا مؤمنين.\n_________\n(١) باختصار من فتح الباري.\n(٢) البداية والنهاية (٨/ ١٣١).","vol":"1","page":113},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-35>ومن فضائل معاوية - ﵁ -\nأنه كانت له منزلةٌ خاصة عند رسول الله - ﵌ </span>-\nعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - ﵁ - قَالَ: خَرَجَ مُعَاوِيَةُ عَلَى حَلْقَةٍ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ: مَا أَجْلَسَكُمْ؟\nقَالُوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللهَ.\nقَالَ: آللهِ مَا أَجْلَسَكُمْ إِلَّا ذَاكَ؟\nقَالُوا: وَاللهِ مَا أَجْلَسَنَا إِلَّا ذَاكَ.\nقَالَ: أَمَا إِنِّي لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ، وَمَا كَانَ أَحَدٌ بِمَنْزِلَتِي مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﵌ - أَقَلَّ عَنْهُ حَدِيثًا مِنِّي.\nوَإِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﵌ - خَرَجَ عَلَى حَلْقَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ: «مَا أَجْلَسَكُمْ؟».\nقَالُوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللهَ وَنَحْمَدُهُ عَلَى مَا هَدَانَا لِلْإِسْلَامِ وَمَنَّ بِهِ عَلَيْنَا.\nقَالَ: «آللهِ مَا أَجْلَسَكُمْ إِلَّا ذَاكَ؟».\nقَالُوا: وَاللهِ مَا أَجْلَسَنَا إِلَّا ذَاكَ.\nقَالَ: «أَمَا إِنِّي لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ، وَلَكِنَّهُ أَتَانِي جِبْرِيلُ فَأَخْبَرَنِي أَنَّ اللهَ - ﷿ - يُبَاهِي بِكُمْ الْمَلَائِكَةَ» (رواه مسلم).\nوالشاهد من الحديث قولُ معاوية: «وَمَا كَانَ أَحَدٌ بِمَنْزِلَتِي مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﵌ - أَقَلَّ عَنْهُ حَدِيثًا مِنِّي».","vol":"1","page":114},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-36>ومن فضائل معاوية - ﵁ -\nدلائل النبوة في الإخبار بأن ولايته رحمةٌ على الأمة</span>\nفقد بيَّن رسول الله - ﵌ - بأنه ستكون خلافة نبوة ورحمة ثم يكون ملك ورحمة؛ قال رسول الله - ﵌ -: «أوَّلُ هَذَا الْأمْرِ نُبُوَّةٌ وَرَحْمَةٌ، ثُمَّ يَكُونُ خِلَافَةً وَرَحْمَةً، ثُمَّ يَكُونُ مُلْكًا وَرَحْمَةً» (رواه أحمد والطيالسي والبزار، وصححه العراقي والألباني) (١).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «... فكانت نبوة النبي - ﵌ - نبوة ورحمة، وكانت خلافة الخلفاء الراشدين خلافة نبوة ورحمة، وكانت إمارة معاوية ملكًا ورحمة، وبعده وقع ملك عضوض» (٢).\nوقال أيضًا - ﵀ -: «وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مُعَاوِيَةَ أَفْضَلُ مُلُوكِ هَذِهِ الْأُمَّةِ فَإِنَّ الْأَرْبَعَةَ قَبْلَهُ كَانُوا خُلَفَاءَ نُبُوَّةٍ وَهُوَ أَوَّلُ الْمُلُوكِ؛ كَانَ مُلْكُهُ مُلْكًا وَرَحْمَةً كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ ... وَكَانَ فِي مُلْكِهِ مِنْ الرَّحْمَةِ وَالْحِلْمِ وَنَفْعِ الْمُسْلِمِينَ مَا يُعْلَمُ أَنَّهُ كَانَ خَيْرًا مِنْ مُلْكِ غَيْرِهِ». (٣)\n_________\n(١) انظر السلسلة الصحيحة (رقم ٣٢٧٠).\n(٢) جامع المسائل (٥/ ١٥٤).\n(٣) مجموع الفتاوى (٤/ ٤٧٨).","vol":"1","page":115},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-37>ومن فضائل معاوية - ﵁ -\nدعاء النبي - ﵌ - له بالهداية وبالوقاية من العذاب</span>\nعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عُمَيْرَةَ وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ - ﵌ - عَنْ النَّبِيِّ - ﵌ - أَنَّهُ قَالَ لِمُعَاوِيَةَ: «اللهُمَّ اجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا وَاهْدِ بِهِ» (رواه الترمذي وغيره وصححه الألباني).\n(هَادِيًا) أَيْ لِلنَّاسِ أَوْ دَالًّا عَلَى الْخَيْرِ.\n(مَهْدِيًّا) أَيْ مُهْتَدِيًا فِي نَفْسِهِ.\nوثَبَتَ أن النبيَّ - ﵌ - دعا لمعاوية فقال: «اللهُمَّ عَلِّمْهُ الْكِتَابَ وَالْحِسَابَ، وقِهِ الْعَذَابَ». (رواه الطبراني وغيره وصححه الألباني).","vol":"1","page":116},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-38>ومن فضائل معاوية - ﵁ -\nأنه أحد الخلفاء الاثني عشر</span>\nعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ - ﵄ - قَالَ: «انْطَلَقْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﵌ -، وَمَعِي أَبِى فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ «لاَ يَزَالُ هَذَا الدِّينُ عَزِيزًا مَنِيعًا إِلَى اثْنَىْ عَشَرَ خَلِيفَةً». فَقَالَ كَلِمَةً صَمَّنِيهَا النَّاسُ فَقُلْتُ لأَبِى مَا قَالَ قَالَ «كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ». (رواه مسلم).\n(فَقَالَ كَلِمَة صَمَّنِيهَا النَّاس) أَيْ: أَصَمُّونِي عَنْهَا، فَلَمْ أَسْمَعهَا لِكَثْرَةِ الْكَلَام.\nوبالتأمل في الحديث بكل حيدة وموضوعية نجد أن هؤلاء الاثنَي عشر وُصِفوا بأنهم يتولون الخلافة، وأن الإسلام في عهدهم يكون في عزة ومنعة، وأن الناس تجتمع عليهم، ولا يزال أمر الناس ماضيًا وصالحًا في عهدهم، وكل هذا الأوصاف لا تنطبق على من تدعي الشيعة الاثنا عشرية فيهم الإمامة فلم يتَوَلَّ الخلافة منهم إلا أمير المؤمنين علي وابنه الحسن - ﵄ -.\nوليس في الحديث حصر لأئمة بهذا العدد، بل نبوة منه - ﵌ - بأن الإسلام لا يزال عزيزًا في عصور هؤلاء، وكان عصر الخلفاء الراشدين وبني أمية عصر عزة ومنعة.\nولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «إن الإسلام وشرائعه في بني أمية أظهر وأوسع مما كان بعدهم»، وعدّ شيخ الإسلام ابن تيمية معاوية - ﵁ - من الأئمة المقصودين بالحديث. (١)\nوقد قَالَ رَسُولِ اللهِ - ﵌ -: «خِيَارُ أَئِمَّتِكُمْ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ وَيُحِبُّونَكُمْ وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ، وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمْ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ» (رواه مسلم).\nيُصَلُّونَ: أَيْ يَدْعُونَ.\nومعاوية - ﵁ - كان من أحسن الناس سيرة في ولايته، وكانت رعيته تحبه وهو يحبهم، ويصلون عليه وهو يصلي عليهم.\n_________\n(١) منهاج السنة (٤/ ٢٠٦).","vol":"1","page":117},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-39>معاوية - ﵁ -\nأم عمر بن عبد العزيز - ﵀ </span>-\nإن عمر بن عبد العزيز من أئمة الهدى ومن المجددين، واعتبر خامس الخلفاء الراشدين، لأنه سار على نهجهم في سيرتهم مع الرعية والخلافة وطريقة العيش وغيرها من الأمور، لكن هذا لا يعني أن نفضل عمر بن عبد العزيز على معاوية - ﵁ -، فمعاوية صحابي جليل القدر والمنزلة رأى رسولَ الله - ﵌ - وصافحَتْ يدُه يدَ النبي - ﵌ -.\nعن أبي بكر المروزي قال: «قلت لأبي عبد الله (أي الإمام أحمد بن حنبل): «أيهما أفضل: معاوية أو عمر بن عبد العزيز؟».\nفقال: «معاوية أفضل، لسنا نقيس بأصحاب رسول الله - ﵌ - أحدًا؛ قال النبي - ﵌ -: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي الذِي بُعِثْتُ فِيهِمْ» (١).\n_________\n(١) رواه الخلال في السنة (٦٦٠) بسند صحيح، والحديث في الصحيحين بلفظ: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِى ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ».\nورواه مسلم بلفظ: «خَيْرُ أُمَّتِى الْقَرْنُ الَّذِينَ بُعِثْتُ فِيهِمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ «ولفظ: «خَيْرُ هَذِهِ الأُمَّةِ الْقَرْنُ الَّذِينَ بُعِثْتُ فِيهِمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ». وعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: سَأَلَ رَجُلٌ النَّبِىَّ - ﵌ -:أَىُّ النَّاسِ خَيْرٌ؟ قَالَ «الْقَرْنُ الَّذِى أَنَا فِيهِ ثُمَّ الثَّانِى ثُمَّ الثَّالِث» (رواه مسلم).\nورواه الإمام أحمد في المسند عَنْ عَبْدِ الله بْنِ شَقِيقٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ الله - ﵌ -: «خَيْرُ أُمَّتِى الْقَرْنُ الَّذِى بُعِثْتُ فِيهِمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ». وَاللهُ أَعْلَمُ أَقَالَ الثَّالِثَةَ أَمْ لاَ».\nوقال الأرنؤوط: «إسناده صحيح على شرط مسلم رجاله ثقات رجال الشيخين غير عبد الله بن شقيق فمن رجال مسلم». وكذلك رواه أبو داود والترمذي عن عمران بن حصين - ﵁ - وصححه الألباني.","vol":"1","page":118},{"text":"وعن رباح بن الجراح الموصلي قال: سمعت رجلًا يسأل المعافى بن عمران فقال: «يا أبا مسعود أيْش عمر بن عبد العزيز من معاوية بن أبي سفيان؟».\nفغضب من ذلك غضبًا شديدًا وقال: «لا يقاس بأصحاب رسول الله - ﵌ - أحد، معاوية صاحبه، وصهره، وكاتبه وأمينه على وحي الله - ﷿ -» (١).\nوسئل المعافى بن عمران: «معاوية أفضل أو عمر بن عبد العزيز؟»\nفقال: «كان معاوية أفضل من ستمائة مثل عمر بن عبد العزيز» (٢).\nوذُكر عمر بن عبد العزيز وعدله عند الأعمش، فقال: «فكيف لو أدركتم معاوية؟».\nقالوا: «يا أبا محمد يعني في حلمه؟».\nقال: «لا والله بل في عدله» (٣).\nوإن الجمع الذي بايع معاوية - ﵁ - بالخلافة خير من الجمع الذي بايع عمر بن عبد العزيز - ﵀ -، فقد بايع لمعاوية جم غفير من صحابة رسول الله - ﵌ - و- ﵃ -.\n_________\n(١) كتاب الشريعة للآجري (٥/ ٢٤٦٦ - ٢٤٦٧)، تاريخ بغداد للخطيب البغدادي (١/ ٢٠٩)، شرح السنة لللالكائي برقم (٢٧٨٥) بسند صحيح.\n(٢) السنة للخلال (٢/ ٤٣٥).\n(٣) السنة للخلال (١/ ٤٣٧).","vol":"1","page":119},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-40>أحاديث لا تصح في شأن معاوية - ﵁ - مدحًا وذمًا</span>\nقال ابن خلدون: «وكثيرا ما وقع للمؤرخين والمفسرين وأئمة النقل من المغالط في الحكايات والوقائع، لاعتمادهم فيها على مجرد النقل، غثا أو سمينا» (١).\nوقد طفحت كتب الأخباريين والتواريخ بأخبارٍ عن معاوية، وجُلها مقاطيع ومراسيل، وهي ضعيفة، فهذا أكثر مَن نقل أخبار معاوية، وهو البلاذري يقول: «قال لي هشام بن عمار: «نظرتُ في أحاديث معاوية عندكم فوجدتُ أكثرها مصنوعا ..»، وذكر أحدها (٢).\nناهيك عن مصادر الأخبار غير الموثوقة أصلًا، كتواريخ الضعفاء المتروكين؛ أمثال أبي مخنف لوط بن يحيى الكوفي، والكلبي، والواقدي، والعباس بن بكار، أو كتب الشيعة مثل كتابَي (الأغاني) و(مقاتل الطالبيين) لأبي الفَرَج الأصفهاني، وكتب المسعودي (٣) وابن أبي الحديد، أو الكتب الموضوعة المنحولة: كالإمامة والسياسة، وتاريخ اليعقوبي، وكتاب السقيفة المنسوب للجوهري، أو الكتب غير المُسندة، أو غير المختصة: كـ (العقد الفريد)، فضلا عن كتابات أمثال طه حسين وخالد محمد خالد!\nوبمثل هذه الأخبار يتعلق أعداء معاوية - ﵁ -، وقد شاء الله أن يرفع درجات معاوية بكثرة من يسبُّه من الرافضة ومَن لا خَلاق له، وقد قام أولئك بوضع الكثير من الحكايات التي تطعن فيه، بل وصل الأمر إلى وضع أحاديث في ثَلْبه - ﵁ -، ولا يُستغرب ذلك من أكذب الناس، وهم الرافضة.\n_________\n(١) المقدمة (١/ ١٣).\n(٢) أنساب الأشراف (٤/ ١٩ - ٣١٧) تحقيق العظم.\n(٣) طُبعت رسالة جامعية من إعداد إبراهيم بن يوسف الأقصم، بعنوان: «الدولة الأموية في كتابات المسعودي»، خلص فيها إلى أن المسعودي يمثل وجهة نظر الخصم الشيعي في كتابة العهد الأموي، وأنه لم يكن حياديًا ولا موضوعيًا ولا منصفًا، وأنه وقع في تناقضات عديدة، وأورد خرافات وموضوعات.","vol":"1","page":120},{"text":"ومن أوضح الأمثلة على ذلك ما أورده الطبري (٥/ ٣٢٣) وغيره أن معاوية لما أوصى إلى ابنه يزيد قال له: «إني لا أتخوّف أن ينازعك هذا الأمر الذى أسَّسْتَه إلا أربعة نفر: الحسين بن على، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الرحمن بن أبى بكر، فأما ابن عمر فهو رجل ثقة قد وقدته العبادة وإذا لم يبق أحد غيره بايعك.\nوأما الحسين فإن أهل العراق خلفه لا يدعونه حتى يخرجوه عليك؛ فإن خرج فظفرت به فاصفح عنه فإن له رحمًا ماسة وحقًّا عظيمًا.\nوأما ابن أبى بكر فهو رجل إن رأى أصحابه صنعوا شيئًا صنع مثله ليست له همة إلا النساء واللهو.\nوأما الذى يجثم لك جثوم الأسد ويراوغك روغان الثعلب وإذا أمكنته فرصة وثب فذاك ابن الزبير؛ فإن هو فعلها بك فقدرت عليه فقطّعه إربًا إربًا».\nوهذا الأثر باطل، في سند الطبري أبومخنف، وهو أخباري تالف، ثم إن متنه منكر، وفي سياقه ما يُكذبه، قال ابن كثير: «كذا قال! والصحيح أن عبد الرحمن [أي ابن أبي بكر] كان قد توفى قبل موت معاوية»، ثم أشار راويه عن أبي مخنف إلى مخالفته (١).\nفإذا كان أحاديثٌ وأخبارٌ قد وُضعت لها أسانيد تطعن في الصحابي الجليل معاوية، فكيف بالحكايات التي لا سند لها أصلا؟\nولا شك أن تاريخ معاوية خاصة، وخلفاء بني أُمَيَّة عامة، قد أصابه ظُلمٌ عظيم من قِبَل أعدائه المختلفين - سياسيين وعقائديين - وعلى الباحثين من أهل السنة الاجتهادُ في تخليص الأكاذيب عن ذلك العهد - بل القرن المفضّل - وتجلية واقعه عبر المنهج الحديثي العلمي.\nقال المؤرخ محمود شاكر - ﵀ -: «إن هذه الافتراءات على بني أمية ليس لها سند صحيح، ومعظمها مجهول المصدر، الأمر الذي يدل على كذبها، وبهذا لا يمكن الاعتماد عليها أبدًا، وإذا أخذنا بمنهج الحديث في الجرح والتعديل، وهو أفضل منهج\n_________\n(١) انظر: البداية والنهاية (٨/ ١٢٣).","vol":"1","page":121},{"text":"للوصول إلى صحة الخبر، فإننا سنطرح هذه الروايات كلها التي تقوَّلت على بني أمية» (١).\nتنبيه: الأحاديث التي رُويت في ذم بني أمية مطلقا لا يصح منها شيء ألبتة، ويكفي للدلالة على بطلانها أنها تشمل عثمان بن عفان: ثالث الأمة فضلا ومنزلة، وأم المؤمنين أم حبيبة بنت أبي سفيان - ﵄ - زوج النبي - ﵌ -، وغيرهما من الصحابة الأجلاء، ومَن بعدَهم، كعمر بن عبد العزيز، مع ما حصل من التصاهر بين الأمويين والهاشميين وغيرهم، مع قرابتهم أصلًا.\nفهذه الأحاديث من وضع أعداء الأمويين السياسيين والعقائديين.\nقال ابن الجوزي - ﵀ -: «قد تعصب قوم ممن يدَّعي السنة فوضعوا في فضله (٢) أحاديثَ ليغضبوا الرافضة، وتعصب قوم من الرافضة فوضعوا في ذمه أحاديث، وكلا الفريقين على الخطأ القبيح» (٣).\nأولا: من الأحاديث التي لا تصح في ذم معاوية - ﵁ -:\nوقد نص الإمام ابن القيم على أنه لا يصح حديث في ذم معاوية - ﵁ - (٤).\n١ - «يا معاوية كيف بك إذا وليت حقبا تتخذ السيئة حسنة والقبيح حسنًا، يربو فيها الصغير ويهرم فيها الكبير، أجلك يسير وظلمك عظيم». (موضوع).\n٢ - عن أبى برزة قال: كنا مع النبي - ﵌ - فسمع صوت غناء فقال انظروا ما هذا؟ فصعدتُ فنظرتُ فإذا معاوية وعمرو بن العاص يتغنيان فجئتُ فأخبرتُ نبي الله - ﵌ - فقال: «اللهم اركسهما في الفتنة ركسًا، اللهم دُعَّهُمَا إلى النار دعًّا». (هذا حديث لا يصح).\n_________\n(١) انظر: مقدمته القيّمة للمجلد الرابع من (التاريخ الإسلامي ص٤٦).\n(٢) أي معاوية - ﵁ -.\n(٣) الموضوعات (٢/ ١٥).\n(٤) المنار المنيف في الصحيح والضعيف (ص ٩٤).","vol":"1","page":122},{"text":"٤ - «لكل أمة فرعون وفرعون هذه الأمة معاوية بن أبي سفيان» (موضوع).\nثانيًا: من الأحاديث التي لا تصح في مدح معاوية - ﵁ - (١):\n١ - «كاد معاوية أن يبعث نبيًا من حلمه وائتمانه على كلام ربي». (موضوع)\n٢ - وعن أبي موسى: نزل عليه الوحي، فلما سُرِّي عنه، طلب معاوية، فلما كتبها - يعني آية الكرسي. قال: «غفر الله لك يا معاوية ما تقدم إلى يوم القيامة». (موضوع).\n٣ - وعن أنس: هبط جبريل بقلم من ذهب، فقال يا محمد: «إن العليَّ الأعلى يقول: قد أهديتُ هذا القلم من فوق عرشي إلى معاوية، فمره أن يكتب آية الكرسي به ويشكله ويعجمه»، فذكر خبرًا طويلًا. (موضوع).\n٤ - وعن ابن عباس، قال: لما أنزلت آية الكرسي، دعا معاوية فلم يجد قلمًا، وذلك أن الله أمر جبريل أن يأخذ الأقلام من دواته، فقام ليجيء بقلم، فقال النبي - ﵌ -: «خذ القلم من أذنك، فإذا قلم ذهب مكتوب عليه لا إله إلا الله، هدية من الله إلى أمينه معاوية». (موضوع).\n٥ - «يبعث معاوية يوم القيامة وعليه رداء من نور». (موضوع).\n٦ - «لا أفتقد أحدًا غير معاوية، لا أراه سبعين عامًا، فإذا كان بعد أقبل على ناقة من المسك، فأقول: أين كنت؟ فيقول في روضة تحت العرش». (موضوع).\n٧ - «يا معاوية، أنت مني وأنا منك، لتزاحمنِّي على باب الجنة». (موضوع).\n٨ - «الأمناء سبعة اللوح والقلم وإسرافيل وميكائيل وجبرائيل ومحمد ومعاوية بن أبي سفيان» (موضوع).\n_________\n(١) لو كان أهل السنة كهؤلاء الشيعة الذين لا يفرقون بين صحيح وضعيف وموضوع لتركوا التنبيه على ضَعْف هذه الأحاديث ولَعُدَّتْ من مناقب معاوية - ﵁ -، ولكن أهل السنة لهم منهج فريد في نقد النصوص وتمحيصها لا يعرف المجاملة ولا المحاباة، قال عبد الرحمن بن مهدي وغيره: «أهل العلم يكتبون ما لهم وما عليهم، وأهل الأهواء لا يكتبون إلا ما لهم».","vol":"1","page":123},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-41>تعظيم\nمعاوية - ﵁ - لسنة النبي - ﵌ </span>-\n١ - عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ قَالَ: خَرَجَ مُعَاوِيَةُ عَلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ وَابْنِ عَامِرٍ، فَقَامَ ابْنُ عَامِرٍ وَجَلَسَ ابْنُ الزُّبَيْرِ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ لِابْنِ عَامِرٍ: اجْلِسْ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﵌ - يَقُولُ: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَمْثُلَ لَهُ الرِّجَالُ قِيَامًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» (صحيح رواه أبو داود).\n(مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَمْثُلَ لَهُ):أَيْ يَقُوم وَيَنْتَصِب لَهُ.\n(فَلْيَتَبَوَّأْ):أَيْ فَلْيُهَيِّئْ، أَمْرٌ بِمَعْنَى الْخَبَرِ، كَأَنَّهُ قَالَ: مَنْ أَحَبَّ ذَلِكَ وَجَبَ لَهُ أَنْ يَنْزِلَ مَنْزِلَةً مِنْ النَّارِ وَحُقَّ لَهُ ذَلِكَ.\n٢ - قال أبو الدَّرداء - ﵁ -: «ما رأيتُ أشْبَهَ صلاةً برسول الله - ﵌ - مِن أميركم هذا»، يعني معاوية - ﵁ -.\n(سنده صحيح رواه الطبراني، والبغوي في معجم الصحابة).\n٣ - روى ابن أبي عاصم أن معاوية قال: إن تسوية القبور من السنة، وقد رفعت اليهود والنصارى، فلا تشبهوا بهم. (قال الألباني: إسناده صحيح).\nيشير معاوية - ﵁ - إلى ما رواه مسلم في صحيحه، عن أَنَّ ثُمَامَةَ بْنَ شُفَىٍّ قَالَ كُنَّا مَعَ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ بِأَرْضِ الرُّومِ بِرُودِسَ فَتُوُفِّىَ صَاحِبٌ لَنَا فَأَمَرَ فَضَالَةُ بْنُ عُبَيْدٍ بِقَبْرِهِ فَسُوِّىَ ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﵌ - يَأْمُرُ بِتَسْوِيَتِهَا.\n٤ - وكان معاوية - ﵁ - يرجع عن رأيه إذا استبان له أن رأي غيره موافق لسنة النبي - ﵌ - فعَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - أَنَّهُ طَافَ مَعَ مُعَاوِيَةَ - ﵁ - بِالْبَيْتِ فَجَعَلَ مُعَاوِيَةُ يَسْتَلِمُ الْأَرْكَانَ كُلَّهَا، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: لِمَ تَسْتَلِمُ هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ - ﵌ - يَسْتَلِمُهُمَا.\nفَقَالَ مُعَاوِيَةُ: لَيْسَ شَيْءٌ مِنْ الْبَيْتِ مَهْجُورًا.\nفَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾.\nفَقَالَ مُعَاوِيَةُ: صَدَقْتَ» (رواه الإمام أحمد وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح).\n٥ - وعَنْ مُعَاوِيَةَ - ﵁ - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﵌ - يَقُولُ: «إِنَّكَ إِنْ اتَّبَعْتَ عَوْرَاتِ النَّاسِ أَفْسَدْتَهُمْ أَوْ كِدْتَ أَنْ تُفْسِدَهُمْ»، فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: «كَلِمَةٌ سَمِعَهَا مُعَاوِيَةُ مِنْ رَسُولِ اللهِ نَفَعَهُ اللهُ تَعَالَى بِهَا». (صحيح رواه أبو داود).\n(أَفْسَدْتَهُمْ أَوْ كِدْتَ أَنْ تُفْسِدَهُمْ):شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي.\nمعنى الحديث: إِذَا بَحَثْت عَنْ مَعَائِبِهِمْ وَجَاهَرْتهمْ بِذَلِكَ، فَإِنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى قِلَّة حَيَائِهِمْ عَنْك فَيَجْتَرِئُونَ عَلَى اِرْتِكَاب أَمْثَالهَا مُجَاهَرَة.\nقول أَبي الدَّرْدَاءِ: «كَلِمَةٌ سَمِعَهَا مُعَاوِيَةُ مِنْ رَسُولِ اللهِ نَفَعَهُ اللهُ تَعَالَى بِهَا».\nقال ابن كثير: «يعني أنه كان جيّدَ السريرة، حَسَنَ التجاوُز، جميلَ العفو، كثيرَ السِّتر، رحمه الله تعالى».\n٦ - قَالَ عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ لِمُعَاوِيَةَ: «إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﵌ - يَقُولُ: «مَا مِنْ إِمَامٍ يُغْلِقُ بَابَهُ دُونَ ذَوِي الْحَاجَةِ وَالْخَلَّةِ وَالْمَسْكَنَةِ إِلَّا أَغْلَقَ اللهُ أَبْوَابَ السَّمَاءِ دُونَ خَلَّتِهِ وَحَاجَتِهِ وَمَسْكَنَتِهِ»، فَجَعَلَ مُعَاوِيَةُ رَجُلًا عَلَى حَوَائِجِ النَّاسِ. (رواه الترمذي وصححه الألباني).\n(وَمَا مِنْ إِمَامٍ يُغْلِقُ بَابَهُ دُونَ ذَوِي الْحَاجَةِ وَالْخَلَّةِ وَالْمَسْكَنَةِ) أَيْ يَحْتَجِبُ وَيَمْتَنِعُ مِنْ الْخُرُوجِ عِنْدَ اِحْتِيَاجِهِمْ إِلَيْهِ، وَالْخَلَّةُ: الْحَاجَةُ وَالْفَقْرُ.\nفَالْحَاجَةُ وَالْخَلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ أَلْفَاظٌ مُتَقَارِبَةٌ وَإِنَّمَا ذَكَرَهَا لِلتَّأْكِيدِ وَالْمُبَالَغَةِ.\n(إِلَّا أَغْلَقَ اللهُ أَبْوَابَ السَّمَاءِ دُونَ خَلَّتِهِ وَحَاجَتِهِ وَمَسْكَنَتِهِ) أَيْ أَبْعَدَهُ وَمَنَعَهُ عَمَّا يَبْتَغِيهِ مِنْ الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ أَوْ الدُّنْيَوِيَّةِ فَلَا يَجِدُ سَبِيلًا إِلَى حَاجَةٍ مِنْ حَاجَاتِهِ الضَّرُورِيَّةِ (١).\nوعن أَبَي مَرْيَمَ الْأَزْدِيَّ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى مُعَاوِيَةَ فَقَالَ: مَا أَنْعَمَنَا بِكَ أَبَا فُلَانٍ - وَهِيَ كَلِمَةٌ تَقُولُهَا الْعَرَبُ - فَقُلْتُ: حَدِيثًا سَمِعْتُهُ أُخْبِرُكَ بِهِ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﵌ -\n_________\n(١) باختصار من تحفة الأحوذي.","vol":"1","page":124},{"text":"يَقُولُ: «مَنْ وَلَّاهُ اللهُ ﷿ شَيْئًا مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ فَاحْتَجَبَ دُونَ حَاجَتِهِمْ وَخَلَّتِهِمْ وَفَقْرِهِمْ احْتَجَبَ اللهُ عَنْهُ دُونَ حَاجَتِهِ وَخَلَّتِهِ وَفَقْرِهِ»\nقَالَ: فَجَعَلَ رَجُلًا عَلَى حَوَائِجِ النَّاسِ. (رواه أبو داود وصححه الألباني).\n(مَا أَنْعَمَنَا بِك):أَيْ مَا الَّذِي أَنْعَمَك إِلَيْنَا وَأَقْدَمَك عَلَيْنَا، يُقَال ذَلِكَ لِمَنْ يُفْرَح بِلِقَائِهِ أَيْ مَا الَّذِي أَفْرَحَنَا وَسَرَّنَا وَأَقَرَّ أَعْيُننَا بِلِقَائِك وَرُؤْيَتك (١).\n٧ - عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ - ﵄ - يَوْمَ عَاشُورَاءَ عَامَ حَجَّ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﵌ - يَقُولُ «هَذَا يَوْمُ عَاشُورَاءَ وَلَمْ يَكْتُبْ اللهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ»، وَأَنَا صَائِمٌ فَمَنْ شَاءَ فَلْيَصُمْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيُفْطِرْ» (رواه البخاري).\nقال الحافظ ابن حجر في شرح هذا الحديث في (فتح الباري): «فِي سِيَاق هَذِهِ الْقِصَّة إِشْعَار بِأَنَّ مُعَاوِيَة لَمْ يَرَ لَهُمْ اِهْتِمَامًا بِصِيَامِ عَاشُورَاء، فَلِذَلِكَ سَأَلَ عَنْ عُلَمَائِهِمْ، أَوْ بَلَغَهُ عَمَّنْ يُكَرِّهُ صِيَامَهُ أَوْ يُوجِبُهُ».\n٨ - ومن تعظيم معاوية - ﵁ - لسنة النبي - ﵌ - تحريه موضع صلاة النبي - ﵌ - داخل الكعبة فعن سَعِيدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ قَالَ: اعْتَمَرَ مُعَاوِيَةُ فَدَخَلَ الْبَيْتَ فَأَرْسَلَ إِلَى ابْنِ عُمَرَ وَجَلَسَ يَنْتَظِرُهُ حَتَّى جَاءَهُ فَقَالَ: «أَيْنَ صَلَّى رَسُولُ اللهِ - ﵌ - يَوْمَ دَخَلَ الْبَيْتَ؟».\nقَالَ: «مَا كُنْتُ مَعَهُ وَلَكِنِّي دَخَلْتُ بَعْدَ أَنْ أَرَادَ الْخُرُوجَ فَلَقِيتُ بِلَالًا فَسَأَلْتُهُ أَيْنَ صَلَّى فَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ صَلَّى بَيْنَ الْأُسْطُوَانَتَيْنِ».\nفَقَامَ مُعَاوِيَةُ فَصَلَّى بَيْنَهُمَا.\n(رواه الإمام أحمد، وقال الشيخ شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط الشيخين).\n_________\n(١) باختصار من عون المعبود.","vol":"1","page":126},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-42>توقير\nمعاوية - ﵁ - لآل بيت النبي - ﵌ </span>-\nعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَوْفٍ الْجُرَشِيِّ عَنْ مُعَاوِيَةَ - ﵁ - قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﵌ - يَمُصُّ لِسَانَهُ أَوْ قَالَ شَفَتَهُ - يَعْنِي الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ - وَإِنَّهُ لَنْ يُعَذَّبَ لِسَانٌ أَوْ شَفَتَانِ مَصَّهُمَا رَسُولُ اللهِ - ﵌ -. (رواه الإمام أحمد وقال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح).\nوأخرج ابن كثير في البداية والنهاية بسند صحيح، أن معاوية - ﵁ -، كان إذا لقي الحسن بن علي - ﵄ - قال: مرحبًا بابن رسول الله وأهلًا، ويأمر له بثلاثمائة ألف، ويلقى ابن الزبير - ﵄ - فيقول: مرحبًا بابن عمة رسول الله وابن حواريِّه، ويأمر له بمائة ألف (١).\nوأخرج الآجري عن الزهري قال: لما قُتل علي بن أبي طالب وجاء الحسن بن علي إلى معاوية - ﵃ -، فقال له معاوية: «لو لم يكن لك فضل على يزيد إلا أن أمك من قريش وأمه امرأة من كلب (٢)، لكان لك عليه فضل، فكيف وأمك فاطمة بنت رسول - ﵌ -»؟! (٣).\nورواية أهل البيت عن معاوية - ﵁ - دالة على فضله وصدقه عندهم، وممن روى عنه ابن عباس - ﵄ - ومحمد بن علي بن أبي طالب (ابن الحنفية) (٤).\n_________\n(١) البداية والنهاية (٨/ ١٣٧).\n(٢) قبيلة من قبائل العرب.\n(٣) انظر كتاب الشريعة (٥/ ٢٤٦٩ - ٢٤٧٠) وإسناده حسن.\n(٤) انظر مسند الإمام أحمد (٤/ ٩٧).","vol":"1","page":127},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-43>أمر معاوية - ﵁ -\nبالمعروف وإنكاره للمنكر</span>\n١ - عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ - ﵁ - عَامَ حَجَّ عَلَى الْمِنْبَرِفَتَنَاوَلَ قُصَّةً مِنْ شَعَرٍ وَكَانَتْ فِي يَدَيْ حَرَسِيٍّ، فَقَالَ: «يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ؟ سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﵌ - يَنْهَى عَنْ مِثْلِ هَذِهِ، وَيَقُولُ: «إِنَّمَا هَلَكَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ حِينَ اتَّخَذَهَا نِسَاؤُهُمْ» (رواه البخاري ومسلم).\nوعَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ مُعَاوِيَةَ - ﵁ - قَالَ ذَاتَ يَوْمٍ: «إِنَّكُمْ قَدْ أَحْدَثْتُمْ زِيَّ سَوْءٍ وَإِنَّ نَبِيَّ اللهِ - ﵌ - نَهَى عَنْ الزُّورِ».\nقَالَ: «وَجَاءَ رَجُلٌ بِعَصًا عَلَى رَأْسِهَا خِرْقَةٌ، قَالَ مُعَاوِيَةُ: أَلَا وَهَذَا الزُّورُ».\nقَالَ قَتَادَةُ: «يَعْنِي مَا يُكَثِّرُ بِهِ النِّسَاءُ أَشْعَارَهُنَّ مِنْ الْخِرَقِ» (رواه مسلم).\nقال الإمام النووي: «الْقُصَّة: الْخُصْلَة مِنْ الشَّعْر، وهِيَ شَعْر مُقَدَّم الرَّأْس الْمُقْبِل عَلَى الْجَبْهَة، وَقِيلَ: شَعْر النَّاصِيَة. وَالْحَرَسِيّ: وَاحِد الْحُرَّاس، وَهُمْ خَدَم الْأَمِير الَّذِينَ يَحْرُسُونَهُ.\n(يَا أَهْل الْمَدِينَة أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ) هَذَا السُّؤَال لِلْإِنْكَارِ عَلَيْهِمْ بِإِهْمَالِهِمْ إِنْكَار هَذَا الْمُنْكَر وَغَفْلَتهمْ عَنْ تَغْيِيره.\nوفِي هَذَا الحَدِيث اِعْتِنَاء معاوية - ﵁ - بِإِنْكَارِ الْمُنْكَر، وَإِشَاعَة إِزَالَته، وَتَوْبِيخ مَنْ أَهْمَلَ إِنْكَاره مِمَّنْ تَوَجَّهَ ذَلِكَ عَلَيْهِ» (١).\nفائدة:\nقال الحافظ ابن حجر - ﵀ -: «كَمَا يَحْرُم عَلَى الْمَرْأَة الزِّيَادَة فِي شَعْر رَأْسهَا يَحْرُم عَلَيْهَا حَلْق شَعْر رَأْسهَا بِغَيْرِ ضَرُورَة». (٢)\n_________\n(١) باختصار من شرحه لصحيح مسلم.\n(٢) باختصار من (فتح الباري).","vol":"1","page":128},{"text":"٢ - عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ قَالَ سَمِعْتُ حُمْرَانَ بْنَ أَبَانَ عَنْ مُعَاوِيَةَ - ﵁ - قَالَ: «إِنَّكُمْ لَتُصَلُّونَ صَلَاةً لَقَدْ صَحِبْنَا النَّبِيَّ - ﵌ - فَمَا رَأَيْنَاهُ يُصَلِّيهَا وَلَقَدْ نَهَى عَنْهُمَا يَعْنِي الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ» (رواه البخاري).\n٣ - عَنْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ هُرْمُزَ الْأَعْرَجُ أَنَّ الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْعَبَّاسِ أَنْكَحَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْحَكَمِ ابْنَتَهُ وَأَنْكَحَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنَتَهُ وَكَانَا جَعَلَا صَدَاقًا، فَكَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى مَرْوَانَ يَأْمُرُهُ بِالتَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا، وَقَالَ فِي كِتَابِهِ: هَذَا الشِّغَارُ الَّذِي نَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللهِ - ﵌ -» (رواه أبو داود وحسنه الألباني).\nقَالَ صَاحِبُ عَوْنِ الْمَعْبُودِ: (وَكَانَا جَعَلَا صَدَاقًا) أَيْ كَانَا جَعَلَا إِنْكَاح كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا الْآخَر اِبْنَته صَدَاقًا.\n(فَكَتَبَ مُعَاوِيَة) بْن أَبِي سُفْيَان الْخَلِيفَة.\n(إِلَى مَرْوَان) بْن الْحَكَم وَكَانَ عَلَى الْمَدِينَة مِنْ قِبَل مُعَاوِيَة - ﵁ -.\n(وَقَالَ فِي كِتَابه) الَّذِي كَتَبَ إِلَى مَرْوَان.\n(هَذَا الشِّغَار الَّذِي نَهَى عَنْهُ رَسُول اللَّه - ﵌ -)\nقَالَ الْإِمَام الْخَطَّابِيّ فِي (الْمَعَالِم): «إِذَا وَقَعَ النِّكَاح عَلَى هَذِهِ الصِّفَة كَانَ بَاطِلًا لِأَنَّ النَّبِيّ - ﵌ - نَهَى عَنْهُ». (اهـ باختصار من عون المعبود).\n٤ - عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ عَطَاءِ بْنِ أَبِي الْخُوَارِ أَنَّ نَافِعَ بْنَ جُبَيْرٍ أَرْسَلَهُ إِلَى السَّائِبِ ابْنِ أُخْتِ نَمِرٍ يَسْأَلُهُ عَنْ شَيْءٍ رَآهُ مِنْهُ مُعَاوِيَةُ فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ: «نَعَمْ صَلَّيْتُ مَعَهُ الْجُمُعَةَ فِي الْمَقْصُورَةِ فَلَمَّا سَلَّمَ الْإِمَامُ قُمْتُ فِي مَقَامِي فَصَلَّيْتُ فَلَمَّا دَخَلَ أَرْسَلَ إِلَيَّ فَقَالَ:\n«لَا تَعُدْ لِمَا فَعَلْتَ إِذَا صَلَّيْتَ الْجُمُعَةَ فَلَا تَصِلْهَا بِصَلَاةٍ حَتَّى تَكَلَّمَ أَوْ تَخْرُجَ؛ فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﵌ - أَمَرَنَا بِذَلِكَ أَنْ لَا تُوصَلَ صَلَاةٌ بِصَلَاةٍ حَتَّى نَتَكَلَّمَ أَوْ نَخْرُجَ» (رواه مسلم).","vol":"1","page":129},{"text":"قال الإمام النووي في شرح لهذا الحديث من صحيح مسلم:\n«قَوْله: (صَلَّيْت مَعَهُ الْجُمُعَة فِي الْمَقْصُورَة) فِيهِ دَلِيل عَلَى جَوَاز اِتِّخَاذهَا فِي الْمَسْجِد إِذَا رَآهَا وَلِيّ الْأَمْر مَصْلَحَة قَالُوا: وَأَوَّل مَنْ عَمِلَهَا مُعَاوِيَة بْن أَبِي سُفْيَان حِين ضَرَبَهُ الْخَارِجِيّ.\nقَوْله: (فَإِنَّ رَسُول اللَّه - ﵌ - أَمَرَنَا بِذَلِكَ أَلَّا تُوصَلَ صَلَاةٌ بِصَلَاةٍ حَتَّى نَتَكَلَّم أَوْ نَخْرُج) فِيهِ دَلِيل لِمَا قَالَهُ أَصْحَابنَا (١) أَنَّ النَّافِلَة الرَّاتِبَة وَغَيْرهَا يُسْتَحَبّ أَنْ يَتَحَوَّل لَهَا عَنْ مَوْضِع الْفَرِيضَة إِلَى مَوْضِع آخَر، وَأَفْضَله التَّحَوُّل إِلَى بَيْته، وَإِلَّا فَمَوْضِع آخَر مِنْ الْمَسْجِد أَوْ غَيْره لِيَكْثُر مَوَاضِع سُجُوده وَلِتَنْفَصِل صُورَة النَّافِلَة عَنْ صُورَة الْفَرِيضَة.\nوَقَوْله: (حَتَّى نَتَكَلَّم) دَلِيل عَلَى أَنَّ الْفَصْل بَيْنهمَا يَحْصُل بِالْكَلَامِ أَيْضًا، وَلَكِنْ بِالِانْتِقَالِ أَفْضَل لِمَا ذَكَرْنَاهُ». (اهـ باختصار).\n_________\n(١) الشافعية.","vol":"1","page":130},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-44>معاوية - ﵁ -\nطالبًا للعلم والنصيحة</span>\n١ - عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ حُدَيْجٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ - ﵁ - أَنَّهُ سَأَلَ أُخْتَهُ أُمَّ حَبِيبَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ - ﵌ -: «هَلْ كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﵌ - يُصَلّيِ فِي الثَّوْبِ الَّذِي يُجَامِعُهَا فِيهِ؟»\nفَقَالَتْ: «نَعَمْ إِذَا لَمْ يَرَ فِيهِ أَذًى» (صحيح رواه أبو داود).\n٢ - وكَتَبَ مُعَاوِيَةُ بنُ أبي سُفْيَان - ﵄ - إِلَى عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ - ﵂ - أَنْ اكْتُبِي إِلَيَّ كِتَابًا تُوصِينِي فِيهِ وَلَا تُكْثِرِي عَلَيَّ فَكَتَبَتْ عَائِشَةُ - ﵂ - إِلَى مُعَاوِيَةَ: «سَلَامٌ عَلَيْكَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﵌ - يَقُولُ: «مَنْ الْتَمَسَ رِضَا اللهِ بِسَخَطِ النَّاسِ كَفَاهُ اللهُ مُؤْنَةَ النَّاسِ، وَمَنْ الْتَمَسَ رِضَا النَّاسِ بِسَخَطِ اللهِ وَكَلَهُ اللهُ إِلَى النَّاسِ»، وَالسَّلَامُ عَلَيْكَ» (رواه الترمذي وصححه الألباني).\nقال المباركفوري: «(مَنْ اِلْتَمَسَ) أَيْ طَلَبَ (بِسَخَطِ النَّاسِ) السَّخَطُ وَالسُّخُطُ وَالسُّخْطُ وَالْمَسْخَطُ الْكَرَاهَةُ لِلشَّيْءِ وَعَدَمُ الرِّضَا بِهِ (كَفَاهُ اللهُ مُؤْنَةَ النَّاسِ) لِأَنَّهُ جَعَلَ نَفْسَهُ مِنْ حِزْبِ اللهِ وَهُوَ لَا يَخِيبُ مَنْ اِلْتَجَأَ إِلَيْهِ، أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمْ الْمُفْلِحُونَ.\n(وَكَلَهُ اللهُ إِلَى النَّاسِ) أَيْ سَلَّطَ اللهُ النَّاسَ عَلَيْهِ حَتَّى يُؤْذُوهُ» (١).\n_________\n(١) باختصار من (تحفة الأحوذي).","vol":"1","page":131},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-45>بعض الأحاديث التي\nرواها معاوية - ﵁ - عن رسول الله - ﵌ </span>-\nيُعَدُّ معاوية - ﵁ - من الذين نالوا شرف الرواية عن رسول الله - ﵌ -، ومرَدُّ ذلك إلى ملازمته لرسول الله - ﵌ - بعد فتح مكة وكان عمره في فتح مكة حوالي ثماني عشرة سنة، ولكونه صهر رسول الله - ﵌ - وكاتبه فقد أتيحت له فرصة عظيمة مكَّنَتْه من الاستفادة من رسول الله - ﵌ -.\nوقد روى معاوية - ﵁ - مائة وثلاثة وستين حديثًا عن رسول الله - ﵌ -، واتفق له البخاري ومسلم على أربعة أحاديث، وانفرد البخاري بأربعة ومسلم بخمسة، ومن هذه الأحاديث التي رواها معاوية - ﵁ -:\n١ - عن حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ - ﵁ - يَخْطُبُ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﵌ - يَقُولُ: «مَنْ يُرِدْ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ، وَيُعْطِي اللهُ، وَلَنْ يَزَالَ أَمْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ مُسْتَقِيمًا حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ أَوْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ» (رواه البخاري ومسلم).\n«وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ، وَيُعْطِي اللهُ»، مَعْنَاهُ أَنِّي لَمْ اِسْتَأْثِرْ مِنْ مَال اللهِ تَعَالَى شَيْئًا دُونكُمْ، وَقَالَهُ تَطْيِيبًا لِقُلُوبِهِمْ حِين فَاضِل فِي الْعَطَاء فَقَالَ: اللَّه هُوَ الَّذِي يُعْطِيكُمْ لَا أَنَا، وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِم، فَمَنْ قَسَمْت لَهُ شَيْئًا، فَذَلِكَ نَصِيبه قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا (١).\n٢ - عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى عَنْ عَمِّهِ قَالَ كُنْتُ عِنْدَ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ فَجَاءَهُ الْمُؤَذِّنُ يَدْعُوهُ إِلَى الصَّلَاةِ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﵌ - يَقُولُ: «الْمُؤَذِّنُونَ أَطْوَلُ النَّاسِ أَعْنَاقًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (رواه مسلم).\n_________\n(١) باختصار من شرح صحيح مسلم للنووي.","vol":"1","page":132},{"text":"٣ - عَنْ أَبِي عَامِرٍ الْهَوْزَنِيِّ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ - ﵁ - أَنَّهُ قَامَ فِينَا فَقَالَ: «أَلَا إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﵌ - قَامَ فِينَا فَقَالَ: «أَلَا إِنَّ مَنْ قَبْلَكُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ افْتَرَقُوا عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً، وَإِنَّ هَذِهِ الْمِلَّةَ سَتَفْتَرِقُ عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ: ثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ وَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ، وَهِيَ الْجَمَاعَةُ، وَإِنَّهُ سَيَخْرُجُ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ تَجَارَى بِهِمْ تِلْكَ الْأَهْوَاءُ كَمَا يَتَجَارَى الْكَلَبُ بِصَاحِبِهِ لَا يَبْقَى مِنْهُ عِرْقٌ وَلَا مَفْصِلٌ إِلَّا دَخَلَهُ» (رواه أبو داود وحسنه الألباني).\n(وَإِنَّ هَذِهِ الْمِلَّة):يَعْنِي أُمَّته - ﵌ -.\n(وَهِيَ):أَيْ الْوَاحِدَة الَّتِي فِي الْجَنَّة.\n(الْجَمَاعَة):أَيْ أَهْل الْقُرْآن وَالْحَدِيث وَالْفِقْه وَالْعِلْم الَّذِينَ اِجْتَمَعُوا عَلَى اِتِّبَاع أَثَارِهُ - ﵌ - فِي جَمِيع الْأَحْوَالِ كُلّهَا وَلَمْ يَبْتَدِعُوا بِالتَّحْرِيفِ وَالتَّغْيِير وَلَمْ يُبَدِّلُوا بِالْآرَاءِ الْفَاسِدَة.\n(تَجَارَى):أَيْ تَدْخُل وَتَسْرِي.\n(تِلْكَ الْأَهْوَاء):أَيْ الْبِدَع.\n(الْكَلَبُ) الْكَلَب - بِالْكَافِ وَاللَّام الْمَفْتُوحَتَيْنِ ـ: دَاء يَعْرِض لِلْإِنْسَانِ مِنْ عَضّ الْكَلْب وَهُوَ دَاء يُصِيب الْكَلْب فَيُصِيبهُ شِبْه الْجُنُون فَلَا يَعَضّ أَحَدًا إِلَّا كَلُبَ وَيَعْرِض لَهُ أَعْرَاض رَدِيَّة (١).\n٤ - عَنْ مُعَاوِيَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﵌ -: «لَا تُلْحِفُوا فِي الْمَسْأَلَةِ؛ فَوَاللهِ لَا يَسْأَلُنِي أَحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئًا فَتُخْرِجَ لَهُ مَسْأَلَتُهُ مِنِّي شَيْئًا وَأَنَا لَهُ كَارِهٌ فَيُبَارَكَ لَهُ فِيمَا أَعْطَيْتُهُ» (رواه مسلم). (وَالْإِلْحَاف: الْإِلْحَاح).\n٥ - عن عُمَيْرَ بْنَ هَانِئٍ حَدَّثَهُ قَالَ سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﵌ - يَقُولُ «لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِى قَائِمَةً بِأَمْرِ اللهِ لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ أَوْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِىَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ عَلَى النَّاسِ». (رواه مسلم).\n_________\n(١) باختصار من (عون المعبود).","vol":"1","page":133},{"text":"٦ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - ﵁ - قَالَ: خَرَجَ مُعَاوِيَةُ عَلَى حَلْقَةٍ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ: مَا أَجْلَسَكُمْ؟\nقَالُوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللهَ.\nقَالَ: آللهِ مَا أَجْلَسَكُمْ إِلَّا ذَاكَ؟\nقَالُوا: وَاللهِ مَا أَجْلَسَنَا إِلَّا ذَاكَ.\nقَالَ: أَمَا إِنِّي لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ، وَمَا كَانَ أَحَدٌ بِمَنْزِلَتِي مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﵌ - أَقَلَّ عَنْهُ حَدِيثًا مِنِّي.\nوَإِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﵌ - خَرَجَ عَلَى حَلْقَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ: «مَا أَجْلَسَكُمْ؟»\nقَالُوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللهَ وَنَحْمَدُهُ عَلَى مَا هَدَانَا لِلْإِسْلَامِ وَمَنَّ بِهِ عَلَيْنَا.\nقَالَ: «آللهِ مَا أَجْلَسَكُمْ إِلَّا ذَاكَ؟»\nقَالُوا: وَاللهِ مَا أَجْلَسَنَا إِلَّا ذَاكَ.\nقَالَ: «أَمَا إِنِّي لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ، وَلَكِنَّهُ أَتَانِي جِبْرِيلُ فَأَخْبَرَنِي أَنَّ اللهَ - ﷿ - يُبَاهِي بِكُمْ الْمَلَائِكَةَ» (رواه مسلم).\n٧ - عَنِ الْحَكَمِ بْنِ مِينَاءَ أَنَّ يَزِيدَ بْنَ جَارِيَةَ الْأَنْصَارِيَّ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا فِي نَفَرٍ مِنْ الْأَنْصَارِ فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ مُعَاوِيَةُ فَسَأَلَهُمْ عَنْ حَدِيثِهِمْ فَقَالُوا: كُنَّا فِي حَدِيثٍ مِنْ حَدِيثِ الْأَنْصَارِ.\nفَقَالَ مُعَاوِيَةُ: أَلَا أَزِيدُكُمْ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﵌ -.\nقَالُوا: بَلَى يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ.\nقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﵌ - يَقُولُ: «مَنْ أَحَبَّ الْأَنْصَارَ أَحَبَّهُ اللهُ ﷿ وَمَنْ أَبْغَضَ الْأَنْصَارَ أَبْغَضَهُ اللهُ ﷿» (رواه الإمام أحمد وقال الأرنؤوط: إسناده صحيح).\n٨ - عن مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ - ﵁ - قال: قال: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﵌ - يَقُولُ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ كَالْوِعَاءِ، إِذَا طَابَ أَسْفَلُهُ طَابَ أَعْلَاهُ، وَإِذَا فَسَدَ أَسْفَلُهُ فَسَدَ أَعْلَاهُ» (صحيح رواه ابن ماجه).\n(إِذَا طَابَ أَسْفَله) كَأَنَّهُ إِشَارَة إِلَى أَنَّ الْعِبْرَة بِالْخَوَاتِيمِ (١).\n_________\n(١) قاله السندي في (حاشيته على سنن ابن ماجه).","vol":"1","page":134},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-46>علم معاوية - ﵁ - وفقهه</span>\nاستفاد معاوية - ﵁ - من ملازمته لرسول الله - ﵌ - علمًا وتربية، وقد روى عن رسول الله - ﵌ - أحاديث كثيره قد ذَكرنا بعضها، وقد روى له البخاري ومسلم مع شرطهما أن لا يرويان إلا عن ثقة ضابط صدوق.\nوشهد له ابن عباس بالفقة، فعن ابْنُ أَبِى مُلَيْكَةَ: «قِيلَ لاِبْنِ عَبَّاسٍ: «هَلْ لَكَ فِى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مُعَاوِيَةَ، فَإِنَّهُ مَا أَوْتَرَ إِلاَّ بِوَاحِدَةٍ».\nقَالَ: «إِنَّهُ فَقِيهٌ». (رواه البخاري).\nقال الشُرّاح: أي مجتهد.\nوفي رواية أُخرى للبخاري عن أبي مليكة قال: «أوتر معاوية - ﵁ - بعد العشاء بركعة وعنده مولى لابن عباس - ﵄ - فأتى ابن عباس فَقَالَ «:دَعْهُ، فَإِنَّهُ صَحِبَ رَسُولَ اللهِ - ﵌ -».\nوكان ابن عباس - ﵁ - من فضلاء الصحابة، ويُلقّب: البحر، لسعة علمه وحبر الأمة، وترجمان القرآن، وقد دعا له الرسول - ﵌ - بالعلم والحكمة والتأويل (١)، وكان من خواص أصحاب علي - ﵁ - وشديد الإنكار على أعدائه، وأرسله علي - ﵁ - ليُحَاجَّ الخوارجَ فحاجَّهم حتى لم يُبق لهم حجة.\nفإذا شهد مثله لمعاوية بأنه مجتهد وكَفَّ مولاه عن الإنكار مستدلًا بأنه من الصحابة فهذه الشهادة دليل على سعة علم معاوية - ﵁ -.\nكما أن معاوية - ﵁ - كان كاتب رسول الله - ﵌ -.\n_________\n(١) عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﵌ - فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ فَوَضَعْتُ لَهُ وَضُوءًا مِنْ اللَّيْلِ، فَقَالَتْ لَهُ مَيْمُونَةُ: «وَضَعَ لَكَ هَذَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ».\nفَقَالَ: «اللَّهُمَّ فَقِّهُّ فِي الدِّينِ وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ».\n(رواه الإمام أحمد، وقال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط مسلم).","vol":"1","page":136},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-47>ذكر بعض ما جاء\nمن ثناء الصحابة على معاوية - ﵃ </span>-\n* قال عمر بن الخطاب - ﵁ - قُبيل وفاته: «اللهُمَّ إِنِّي أُشْهِدُكَ عَلَى أُمَرَاءِ الْأَمْصَارِ، وَإِنِّي إِنَّمَا بَعَثْتُهُمْ عَلَيْهِمْ لِيَعْدِلُوا عَلَيْهِمْ وَلِيُعَلِّمُوا النَّاسَ دِينَهُمْ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِمْ - ﵌ - وَيَقْسِمُوا فِيهِمْ فَيْئَهُمْ وَيَرْفَعُوا إِلَيَّ مَا أَشْكَلَ عَلَيْهِمْ مِنْ أَمْرِهِم». (رواه مسلم).\nوقد توفي عمر ومعاوية - ﵄ - أمير الشام.\nقال الإمام الذهبي - ﵀ -: «حَسْبُكَ بِمَنْ يُؤَمِّرُهُ عُمَرُ، ثُمَّ عُثْمَانُ عَلَى إِقْلِيْمٍ - وَهُوَ ثَغْرٌ - فَيَضْبِطُهُ، وَيَقُوْمُ بِهِ أَتَمَّ قِيَامٍ، وَيُرْضِي النَّاسَ بِسَخَائِهِ وَحِلْمِهِ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ تَأَلَّمَ مَرَّةً مِنْهُ، وَكَذَلِكَ فَلْيَكُنِ المَلِكُ.\nوَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِ رَسُوْلِ اللهِ - ﵌ - خَيْرًا مِنْهُ بِكَثِيْرٍ، وَأَفْضَلَ، وَأَصْلَحَ، فَهَذَا الرَّجُلُ سَادَ وَسَاسَ العَالَمَ بِكَمَالِ عَقْلِهِ، وَفَرْطِ حِلْمِهِ، وَسَعَةِ نَفْسِهِ، وَقُوَّةِ دَهَائِهِ وَرَأْيِهِ» (١).\n* وروى الطبري في التاريخ والبلاذري بسند صحيح عن سعيد المقبُري، قال: قال عمر بن الخطاب - ﵁ -: «تَذكرونَ كِسْرَى وقَيْصَرَ ودَهاءَهُما؛ وعندَكم معاوية».\n* وعن ابن عمر - ﵄ - أنه قال: ما رأيت بعد رسول الله - ﵌ - أسْوَدَ (٢) من معاوية».\nفقيل: ولا أبوك؟\nقال: أبي عمر ﵀ خير من معاوية، وكان معاوية أسود منه (٣).\n_________\n(١) سير أعلام النبلاء (٥/ ١٢٨).\n(٢) من السيادة.\n(٣) رواه الخلال في السنة (١/ ٤٤٣)، والذهبي في سير أعلام النبلاء (٣/ ١٥٢)، وابن كثير في البداية والنهاية (٨/ ١٣٧).","vol":"1","page":137},{"text":"* قال ابن عباس - ﵄ -: «ما رأيت رجلًا كان أخْلَق (١) للملك من معاوية» (٢).\n* عَنْ أَبِى إِدْرِيسَ الْخَوْلاَنِىِّ قَالَ لَمَّا عَزَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عُمَيْرَ بْنَ سَعِيدٍ عَنْ حِمْصَ وَلَّى مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ النَّاسُ: «عَزَلَ عُمَيْرًا وَوَلَّى مُعَاوِيَةَ».\nفَقَالَ عُمَيْرٌ: «لاَ تَذْكُرُوا مُعَاوِيَةَ إِلاَّ بِخَيْرٍ فَإِنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﵌ - يَقُولُ «اللَّهمَّ اهْدِ بِهِ». (رواه الترمذي وصححه الألباني).\n* عن مرجانة أم علقمة مولى عائشة، عن عائشة أم المؤمنين - ﵂ - قالت: «إني لأتمنى أن يزيدَ اللهُ - ﷿ - معاويةَ مِن عُمري في عُمره» (٣).\n* وروى الشافعي في (الأم) وعبد الرزاق والبيهقي وابن عساكر بسند جيد عن عبد الله بن عباس - ﵄ - أنه قال: «ليس أحدٌ منا أعلم من معاوية».\n* وروى البخاري في (صحيحه) عن عبد الله بن عباس - ﵄ - أنه قال عن معاوية: «إِنَّهُ فَقِيهٌ».\nوفي رواية في البخاري أيضًا عن عبد الله بن عباس - ﵄ - أنه قال عن معاوية: «إِنَّهُ قَدْ صَحِبَ رَسُولَ اللهِ - ﵌ -».\n* وقال سعد بن أبي وقاص - ﵁ -: «ما رأيت أحدًا بعد عثمان أقضى بحقٍّ من صاحب هذا الباب»، يعني: معاوية (٤).\n* قال أبوالدَّرداء - ﵁ -: «ما رأيتُ أشْبَهَ صلاةً برسول الله - ﵌ - مِن أميركم هذا»، يعني معاوية (٥).\n_________\n(١) أخلق: أجدر.\n(٢) رواه عبد الرزاق في المصنف (برقم ٢٠٩٨٥) بسند صحيح.\n(٣) رواه أبوعَرُوبة الحرَّاني في الطبقات (ص٤١)، وسنده صحيح.\n(٤) سير أعلام النبلاء (٣/ ١٥٠).\n(٥) رواه الطبراني، والبغوي في (معجم الصحابة) وسنده صحيح.","vol":"1","page":138},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-48>ذكر بعض ما جاء\nمن ثناء التابعين على معاوية - ﵁ </span>-\n* قال أبو إسحاق السبيعي الكوفي: «كان معاوية، وما رأينا بعده مثله» (١).\n* وعن مجاهد قال: «لو رأيتم معاوية لقُلْتم هذا المهدي من فضله» (٢).\n* وقال قتادة: «لو أصبحتم في مثل عمل معاوية لقال أكثَرُكُم: «هذا المهدي» (٣).\n* وقيل للحسن البصري: «يا أبا سعيد، إن ههنا قوما يَشتمون - أو يلعنون - معاوية وابن الزبير!»\nفقال: «عَلَى أولئك الذين يَلعَنونَ لعنةُ اللهِ» (٤).\n* وقال أبومُسْلِم الخَوْلاني لمعاوية: «فلا والله ما أبغضْناكَ منذ أَحببْناك، ولا عَصَيناك بعدما أَطَعْناك، ولا فارَقْناكَ بعدَما جامَعَنْاك، ولا نَكَثْنا بَيْعَتَنا منذُ بايَعْناك، سُيوفُنا على عَواتِقِنا، إنْ أَمَرْتَنا أَطَعْناك، وإنْ دَعَوْتَنا أَجَبْناك، وإنْ سَبَقْتَنا أَدْرَكْناك، وإنْ سَبَقْناكَ نَظَرْناك» (٥).\n* وعن الزهري قال: «عمل معاوية بسيرة عمر بن الخطاب سنين لا يخرم منها شيئًا» (٦).\n* وقد أثنى عليه قبيصة بن جابر الأسدي - وهو من كبار التابعين - بقوله: «ألا أخبركم من صحبت؟ صحبت عمر بن الخطاب فما رأيت رجلًا أفقه فقهًا ولا أحسن\n_________\n(١) رواه ابن سعد وابن عساكر بسند صحيح.\n(٢) رواه الخلال في (السنة) والبغوي في (المعجم) وابن عساكر، وسنده صحيح.\n(٣) السنة للخلال (١/ ٤٣٨).\n(٤) رواه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٩/ ٢٠٦)، وسنده صحيح.\n(٥) رواه أحمد في (مسائل ابنه صالح)، وفي (الزهد) بسند جيّد.\n(٦) السنة للخلال (١/ ٤٤٤)، وقال المحقق إسناده صحيح.","vol":"1","page":139},{"text":"مدارسة منه، ثم صحبت طلحة بن عبيد الله، فما رأيت رجلًا أعطى للجزيل من غير مسألة منه؛ ثم صحبت معاوية فما رأيت رجلًا أحب رفيقًا، ولا أشبه سريرة بعلانية منه».\nوقال أيضًا: «ما رأيت أحدًا أعظم حلمًا ولا أكثر سؤددًا ولا أبعد أناة ولا ألين مخرجًا ولا أرحب باعًا بالمعروف من معاوية» (١).\n_________\n(١) انظر تاريخ الطبري (٥/ ٣٣٧)، التاريخ الكبير للبخاري (٧/ ١٧٥)، البداية والنهاية (٨/ ١٣٨).","vol":"1","page":140},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-49>ذكر بعض ما جاء\nمن ثناء العلماء على معاوية - ﵁ </span>-\n* قال ابن أبي العز الحنفي: «وأول ملوك المسلمين معاوية وهو خير ملوك المسلمين (١).\n* يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: «وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مُعَاوِيَةَ أَفْضَلُ مُلُوكِ هَذِهِ الْأُمَّةِ فَإِنَّ الْأَرْبَعَةَ قَبْلَهُ كَانُوا خُلَفَاءَ نُبُوَّةٍ وَهُوَ أَوَّلُ الْمُلُوكِ؛ كَانَ مُلْكُهُ مُلْكًا وَرَحْمَةً كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ ... (٢) وَكَانَ فِي مُلْكِهِ مِنْ الرَّحْمَةِ وَالْحِلْمِ وَنَفْعِ الْمُسْلِمِينَ مَا يُعْلَمُ أَنَّهُ كَانَ خَيْرًا مِنْ مُلْكِ غَيْرِهِ» (٣).\nوقال أيضًا: «فَإِنَّ مُعَاوِيَةَ ثَبَتَ بِالتَّوَاتُرِ أَنَّهُ أَمَّرَهُ النَّبِيُّ - ﵌ - كَمَا أَمَّرَ غَيْرَهُ وَجَاهَدَ مَعَهُ وَكَانَ أَمِينًا عِنْدَهُ يَكْتُبُ لَهُ الْوَحْيَ وَمَا اتَّهَمَهُ النَّبِيُّ - ﵌ - فِي كِتَابَةِ الْوَحْيِ.\nوَوَلَّاهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ الَّذِي كَانَ مِنْ أَخْبَرِ النَّاسِ بِالرِّجَالِ - وَقَدْ ضَرَبَ اللهُ الْحَقَّ عَلَى لِسَانِهِ وَقَلْبِهِ - وَلَمْ يَتَّهِمْهُ فِي وِلَايَتِهِ.\nوَقَدْ وَلَّى رَسُولُ اللهِ - ﵌ - أَبَاهُ أَبَا سُفْيَانَ إلَى أَنْ مَاتَ النَّبِيُّ - ﵌ - وَهُوَ عَلَى وِلَايَتِهِ فَمُعَاوِيَةُ خَيْرٌ مِنْ أَبِيهِ وَأَحْسَنُ إسْلَامًا مِنْ أَبِيهِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ» (٤).\n* وقال الإمام الذهبي عن معاوية - ﵁ -: «أَمِيْرُ المُؤْمِنِيْنَ، مَلِكُ الإِسْلاَمِ، أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ القُرَشِيُّ، الأُمَوِيُّ، المَكِّيُّ» (٥).\n_________\n(١) شرح العقيدة الطحاوية (ص ٧٢٢).\n(٢) قال رسول الله - ﵌ -: «أوَّلُ هَذَا الْأمْرِ نُبُوَّةٌ وَرَحْمَةً ثُمَّ يَكُونُ خِلَافَةً وَرَحْمَةً ثُمَّ يَكُونُ مُلْكًا وَرَحْمَةً» (رواه الطيالسي وأحمد والبزار، وصححه العراقي والألباني، انظر: الصحيحة٣٢٧٠)\n(٣) مجموع الفتاوى (٤/ ٤٧٨).\n(٤) نفس المصدر (٤/ ٤٧٢).\n(٥) سير أعلام النبلاء (٥/ ١١٦).","vol":"1","page":141},{"text":"وقال: «حَسْبُكَ بِمَنْ يُؤَمِّرُهُ عُمَرُ، ثُمَّ عُثْمَانُ عَلَى إِقْلِيْمٍ - وَهُوَ ثَغْرٌ - فَيَضْبِطُهُ، وَيَقُوْمُ بِهِ أَتَمَّ قِيَامٍ، وَيُرْضِي النَّاسَ بِسَخَائِهِ وَحِلْمِهِ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ تَأَلَّمَ مَرَّةً مِنْهُ، وَكَذَلِكَ فَلْيَكُنِ المَلِكُ.\nوَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِ رَسُوْلِ اللهِ - ﵌ - خَيْرًا مِنْهُ بِكَثِيْرٍ، وَأَفْضَلَ، وَأَصْلَحَ، فَهَذَا الرَّجُلُ سَادَ وَسَاسَ العَالَمَ بِكَمَالِ عَقْلِهِ، وَفَرْطِ حِلْمِهِ، وَسَعَةِ نَفْسِهِ، وَقُوَّةِ دَهَائِهِ وَرَأْيِهِ» (١).\n* تحدث القاضي ابن العربيِّ المالكي عن الخصال التي اجتمعت في معاوية - ﵁ -، فذكر منها: «... قيامه بحماية البيضة، وسدِّ الثغور، وإصلاح الجند، والظهور على العدوِّ، وسياسة الخلق» (٢).\n* وقال الحافظ ابن كثير - ﵀ -: «وأجمعت الرعايا على بيعته في سنة إحدى وأربعين ... فلم يزل مستقلًا بالأمر إلى هذه السنة التي كانت فيها وفاته، والجهاد في بلاد العدو قائم، وكلمة الله عالية، والغنائم تَرِد إليه من أطراف الأرض، والمسلمون معه في راحة وعدل، وصفح وعفو» (٣).\nوقال عنه أيضًا: «كان جيد السيرة، حسن التجاوز جميل العفو، كثير الستر، رحمه الله تعالى» (٤).\n* يقول ابن قدامة المقدسي: «ومعاوية خال المؤمنين، وكاتب وحي الله، وأحد خلفاء المسلمين رضي الله تعالى عنهم» (٥).\n_________\n(١) نفس المصدر (٥/ ١٢٨).\n(٢) العواصم من القواصم (ص ٢١٠، ٢١١).\n(٣) البداية والنهاية (١١/ ٤٠٠).\n(٤) نفس المصدر (١١/ ٤١٩)\n(٥) لمعة الاعتقاد (ص ٣٣).","vol":"1","page":142},{"text":"* قال المؤرخ العلامة ابن خلدون:\n«إن دولة معاوية وأخباره كان ينبغي أن تلحق بدول الخلفاء الراشدين وأخبارهم، فهو تاليهم في الفضل والعدالة والصحبة» (١).\n* قال الشيخ محب الدين الخطيب - ﵀ -: «سألني مرة أحد شباب المسلمين ممن يحسن الظن برأيي في الرجال ما تقول في معاوية؟».\nفقلت له: «ومن أنا حتى أسأل عن عظيم من عظماء هذه الأمة، وصاحب من خيرة أصحاب محمد - ﵌ -، إنه مصباح من مصابيح الإسلام، لكن هذا المصباح سطع إلى جانب أربع شموس ملأت الدنيا بأنوارها فغلبت أنوارها على نوره» (٢).\n_________\n(١) انظر هذا القول في العواصم من القواصم (ص٢١٣).\n(٢) حاشية محب الدين الخطيب على كتاب العواصم من القواصم (ص٩٥).","vol":"1","page":143},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-50>تواضع معاوية - ﵁ - وزهده</span>\n١ - روى الإمام أحمد في (الزهد) وابن أبي عاصم بسند صحيح عن أبي حملة قال: «رأيت معاوية على المنبر بدمشق يخطب الناس وعليه قميص مرقوع».\n٢ - وعن يونس بن ميسر الحميري الزاهد - وهو من شيوخ الأوزاعي - قال: «رأيت معاوية في سوق دمشق وهو مُرْدِفٌ وراءَه وصيفًا (١)، وعليه قميص مرقوع الجَيْب يسير في أسواق دمشق (٢).\n٣ - قال ابن دريد عن أبي حاتم عن العتبي قال: قال معاوية: «يأيها الناس! ما أنا بخيركم وإن منكم لمن هو خير مني، عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وغيرهما من الأفاضل، ولكن عسى أن أكون أنفعكم ولاية، وأنكاكم في عدوكم، وأدَرّكم حلبًا» (٣).\n٤ - عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ قَالَ: خَرَجَ مُعَاوِيَةُ فَقَامُوا لَهُ فَقَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﵌ - يَقُولُ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَمْثُلَ لَهُ الرِّجَالُ قِيَامًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» (رواه الإمام أحمد وقال الشيخ شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح رجاله ثقات رجال الشيخين).\nوعَنْه أيضًا قَالَ: «خَرَجَ مُعَاوِيَةُ عَلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ وَابْنِ عَامِرٍ، فَقَامَ ابْنُ عَامِرٍ وَجَلَسَ ابْنُ الزُّبَيْرِ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ لِابْنِ عَامِرٍ: اجْلِسْ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﵌ - يَقُولُ: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَمْثُلَ لَهُ الرِّجَالُ قِيَامًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» (رواه الترمذي وأبو داود - واللفظ له - وصححه الألباني).\n_________\n(١) الوصيف: الخادم.\n(٢) تاريخ دمشق لابن عساكر (٥٩/ ١٧١)، البداية والنهايةلابن كثير٨ (/١٤٣).\n(٣) تاريخ دمشق لابن عساكر (٥٩/ ١٦٣)، البداية والنهايةلابن كثير (٨/ ١٤٣).","vol":"1","page":144},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-51>حِلم\nمعاوية - ﵁ - ورحابة صدره </span>(١)\nلقد كان حلم معاوية - ﵁ - ورحابة صدره مضرب المثل، وأخباره في ذلك كثيرة جدًا، وقد أفرد الحافظان ابن أبي الدنيا وابن أبي عاصم تصنيفًا في حلم معاوية.\n١ - قال ابن عون: «كان الرجل يقول لمعاوية: «والله لتستقيمن بنا يا معاوية أو لنُقَوِّمَنَّكَ»، فيقول: «بماذا؟»، فيقول: «بالخشب»، فيقول: «إذن نستقيم».\n٢ - وقال قبيصة بن جابر: «صحبتُ معاوية فما رأيت رجلًا أثقل حلمًا ولا أبطأ جهلًا ولا أبعد أناةً منه».\n٣ - عن أبي مسلم الخولاني، أنه نادى معاوية بن أبي سفيان - ﵁ - وهو جالس على منبر دمشق فقال: «يا معاوية، إنما أنت قبر من القبور إن جئت بشيء كان لك شيء وإن لم تجئ بشيء فلا شيء لك.\nيا معاوية، لا تحسبَنَّ الخلافة جمع المال، وتفرقته ولكن الخلافة العمل بالحق والقول بالمعدلة، وأخذ الناس في ذات الله، يا معاوية، إنا لا نبالي بكدر الأنهار وما صفَت لنا رأس عيننا وإنك رأس أعيننا، يا معاوية إنك إن تَحِفْ على قبيلة من قبائل العرب يذهب حيفُك بعدلِك».\nفلما قضى أبو مسلم مقالته أقبل عليه معاوية فقال: «يرحمك الله يرحمك الله» (٢).\n٤ - وقال بعضهم: أسمَعَ رجلٌ معاويةَ كلامًا سيئًا شديدًا، فقيل له: «لو سطوت عليه؟»، فقال: «إني لأستحيي من الله أن يضيق حِلمي عن ذنبِ أحدٍ من رعيتي».\n_________\n(١) انظر ترجمة معاوية بن أبي سفيان - ﵁ - في (تاريخ دمشق لابن عساكر ٥٩/ ٥٥ - ٢٤١). وترجمته في (البداية والنهاية ٨/ ١٢٥ - ١٥٦).\n(٢) رواه الإمام أحمد في الزهد (٢٣٥١).","vol":"1","page":145},{"text":"وفي رواية قال له رجل: «يا أمير المؤمنين ما أحلمك؟»، فقال: «إني لاستحيي أن يكون جرم أحد أعظم من حلمي».\n٥ - وقال له ابن أخته عبد الرحمن بن أبي الحكم: «إن فلانا يشتمني»، فقال له معاوية: «طأطئ لها؛ فتمر؛ فتجاوزك».\n٦ - وقال: «لا يبلغ الرجل مبلغ الرأي حتى يغلب حلمه جهله، وصبره شهوته، ولا يبلغ الرجل ذلك إلا بقوة الحلم».\n٧ - وقيل لمعاوية - ﵁ -: «مَن أسودُ الناس؟»\nقال: «أسخاهم نفسًا حين يُسأل، وأحسنهم في المجالس خلقًا، وأحلمهم حين يستجهل».","vol":"1","page":146},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-52>جهاد\nمعاوية - ﵁ - وفتوحاته</span>\nشهد معاويةُ - ﵁ - مع النبي - ﵌ - حُنينا والطائف، وشهد غزوة تبوك، وهي العُسرة.\nوفي أيام أبي بكر الصديق - ﵁ - شهد حرب المرتدين في اليمامة.\nثم جمع أبو بكر - ﵁ - أناسًا ووجههم إلى الشام، وأمَّر عليهم معاوية - ﵁ -، وأمرهم باللحاق بيزيد بن أبي سفيان - ﵁ -، وهي أول مهمة قيادية يتولاها معاوية.\nثم صَحِبَ أخاهُ يَزيدَ أميرَ الشام في فُتوحها، وشهد اليرموك، وفتح دمشق تحت راية يزيد.\nوفي عهد عمر بن الخطاب - ﵁ - أرسل يزيدُ حملةً بإمرة أخيه معاوية - ﵄ - إلى سواحل بلاد الشام فافتتحها.\nوكان معاوية - ﵁ - من الجيش الذي فتح بيت المقدس، ودخل المسجد مع عمر بن الخطاب - ﵁ -، وكان أحد أربعة شهدوا على العَهد العُمَري الشهير.\nوفي سنة تسع عشرة زمن عمر كانَ معاويةُ - ﵁ - قائدَ فتحِ قَيْسَارِيَّة، من المعارك الفاصلة مع الروم، وكان فيها بَطارِقَتُهم، وقد حاصرها معاوية حصارًا شديدًا، وأبلى فيها بلاءً كبيرًا.\nفعن عبد الله بن العلاء، قال: ثَغَرَ المسلمون من حائط قيساريةِ فلسطين ثغرة؛ فتحاماها الناس، فكتب عمر إلى معاوية - ﵄ - بتوليه قتالها، فتناول اللواء وأنهض الناس وتبعوه، فركز لواءه في الثغرة؛ فقال: «أنا ابن عنبسة». يريد الأسد (١).\n_________\n(١) رواه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١/ ٣٨١) بسند صحيح.","vol":"1","page":147},{"text":"وتولى معاوية إمارة دمشق في عهد عمر بعد وفاة يزيد - ﵃ - في طاعون عَمَواس سنة ١٨، ثم تفرد بإمرة الشام آخر عهد عمر، وقام على ثغورها، وفتح عسقلان، وتتبع ما بقي من فلسطين.\nوكان قد استأذن عمر في بناء قوة بحرية لمحاربة الروم فلم يأذن.\nثم توفي عمر وهو عن معاوية راض، فأقرّه عثمان بن عفان - - ﵃ - جميعًا - على إمرة الشام كلها، وكان معاوية يغزو الروم، وكان على رأس صائفة، واستطاع أن يصل إلى عمّورية (موقع أنقرة اليوم)، ومعه عدد من الصحابة، منهم: عبادة بن الصامت، وأبو أيوب الأنصاري، وأبو ذر الغفاري، وأبو الدرداء، وشداد بن أوس - ﵃ -.\nوأعاد معاوية طلب بناء قوة بحرية للمسلمين، فوافق عثمان - ﵁ -، فبنى أسطولًا، وغزا بنفسه جزيرة قبرص سنة خمس وعشرين وقيل سنة ثمان وعشرين.\nوعندما قامت الدولة الأموية استكمل معاوية - ﵁ - ما بدأه في بناء القوة البحرية لحماية سواحل الدولة الإسلامية بإقامة المراكب للغزو إلى جانب ترتيب الحفظة في السواحل مما استولى عليه المسلمون من قواعد ومنشآت بحرية، وعندما خرجت الروم في عهده إلى السواحل الشامية أمر بجمع الصناع من النجارين فجُمعوا ورتبهم في السواحل الشامية وجعل مقر دار صناعة السفن في جند الأردن بعكا.\nكما أنشأ الخليفة معاوية - ﵁ - أول دار صناعة للأساطيل لإنتاج السفن الحربية المختلفة بمصر سنة ٥٤هـ في عهد واليها مسلمة بن مخلد الأنصاري، وكان مقرها بجزيرة الروضة لذا عرفت باسم صناعة الروضة.\nوبلغت السفن الحربية في عهد معاوية - ﵁ - نحوًا من ألف وسبعمائة سفينة شراعية مشحونة بالرجال والسلاح وجميع العتاد، والمستلزمات القتالية البحرية.","vol":"1","page":148},{"text":"وجاء حديثٌ في فضل أوّل من يغزو البحر من الأمة كما تقدّم (١)، وهو أمير تلك الغزوة، ومعه عدد من الصحابة، وقام بتحصين أسوار سواحل الشام عند ذهابه إلى قبرص، مثل عكا وصور، وأنشأ حصونًا وشحنها بالجند.\nثم أعاد فتح قبرص سنة ٣٣ عندما نقض أهلها العهد.\nكما غزا معاوية بلاد الروم على رأس صائفة، فوصل إلى (حصن المرأة) قرب ثغر ملاطية.\nوكان لمعاوية إسهام في دحر بقايا الروم في سواحل الشام، مثل طرابلس.\nتوقفت الفتوحات بعد مقتل عثمان بن عفان - ﵁ - مظلومًا.\nقال سعيد بن عبد العزيز: لما قُتل عثمان واختلف الناس لم تكن للناس غازية ولا صائفة حتى اجتمعت الأمة على معاوية سنة أربعين، وسمّوها سنة الجماعة.\nقال سعيد: فأغزا معاويةُ الصوائف وشتّاهم بأرض الروم؛ ست عشرة صائفة تصيفُ بها وتشتُو، ثم تَقفلُ وتدخلُ مُعَقِّبَتُها، ثم أغزاهم معاويةُ ابنَه يزيد في سنة ثنتين وخمسين في جماعة من أصحاب رسول الله - ﵌ - و- ﵃ - في البر والبحر؛ حتى أجاز بهم الخليج، وقاتلوا أهل القسطنطينة على بابها، ثم قَفِل.\nفلم يزل معاوية على ذلك حتى مضى لسبيله، وكان آخر ما وصّاهم به أن شُدّوا خناق الروم، فإنكم تَضبِطون بذلك غيرَهم من الأمم.\n_________\n(١) روى البخاري في صحيحه عن أم حَرَام الأنصارية أنها سمعت النبي - ﵌ - يَقُولُ: «أَوَّلُ جَيْشٍ مِنْ أُمَّتِي يَغْزُونَ الْبَحْرَ قَدْ أَوْجَبُوا». قَالَتْ أُمُّ حَرَامٍ - ﵂ -:قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَا فِيهِمْ؟»\nقَالَ: «أَنْتِ فِيهِمْ».ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ - ﵌ -: «أَوَّلُ جَيْشٍ مِنْ أُمَّتِي يَغْزُونَ مَدِينَةَ قَيْصَرَ مَغْفُورٌ لَهُمْ»\nفَقُلْتُ: «أَنَا فِيهِمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟» قَالَ: «لَا». (رواه البخاري).\n(مَدِينَةَ قَيْصَر) يَعْنِي الْقُسْطَنْطِينِيَّة. (قَدْ أَوْجَبُوا) أَيْ فَعَلُوا فِعْلًا وَجَبَتْ لَهُمْ بِهِ الْجَنَّة.\nقَالَ الْمُهَلَّب: فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَنْقَبَة لِمُعَاوِيَة لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ غَزَا الْبَحْرَ، وَمَنْقَبَةٌ لِوَلَدِهِ يَزِيد لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ غَزَا مَدِينَةَ قَيْصَرَ.","vol":"1","page":149},{"text":"ولم يقتصر الأمر على الغزو الهجومي، بل وزَّع معاوية الصُنّاع والجند على سواحل الشام، بعد أن كانت الصناعة في مصر فقط.\nثم عادت الفتوحات واتسعت أيام خلافة معاوية، وأرسل لحصار القسطنطينية.\nثم جدد حصارها ولمدة أربع سنوات (من سنة ٥٣ إلى ٥٧هـ).\nوغزا جُزُرَ صقلية، ورودس، وجربا، كريت، وكثير من جزر بحر إيجة قرب القسطنطينية.\nوأما في إفريقية، فقد جدد معاوية فتحها، ووصل إلى مكان تونس اليوم، كما فتح مناطق من فزّان، والسودان.\nوفي عهده افتتح بعض المناطق في المشرق، مثل الرُّخّج وبعض سجستان، وقوهستان، وغزا أمراؤه بلادَ السِّند، وجبال الغور، وبلاد اللان، واجتازوا النهر، وهم أول من اجتازه من جند المسلمين، ودخلوا بخارى، وسمرقند، وتِرْمِذ.\nوفي عهده شَتَّتَ الخوارجَ، واشتدَّ وُلاتُه عليهم، وأراحوا المسلمين من شرِّهم.\nوالحاصل كما قال أبونعيم: «مَلَكَ الناسَ كلَّهم عشرين سنة منفردًا بالمُلك، يفتح الله به الفتوح، ويغزو الروم، ويقسم الفيء والغنيمة، ويقيم الحدود، والله تعالى لا يُضِيْعُ أجرَ من أحسنَ عَملًا» (١).\nوتحدث القاضي ابن العربيِّ المالكي عن الخصال التي اجتمعت في معاوية - ﵁ -، فذكر منها: «... قيامه بحماية البيضة، وسدِّ الثغور، وإصلاح الجند، والظهور على العدوِّ، وسياسة الخلق» (٢).\n_________\n(١) معرفة الصحابة (٥/ ٢٤٩٧).\n(٢) العواصم من القواصم (ص ٢١٠، ٢١١).","vol":"1","page":150},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-53>عدل معاوية - ﵁ </span>-\nعن عطية بن قيس قال: «خطبنا معاوية فقال: «إن في بيت مالكم فضلًا عن أعْطِيَاتِكُمْ وأنا قاسمٌ بينكم ذلك، فإن كان فيه في قابلَ فَضْلٌ قسمناه بينكم، وإلا فلا عتيبة علينا فيه؛ فإنه ليس بمالنا إنما هو فَيْءُ الله الذي أفاءه عليكم «(١).\nوعن الزهري قال: «عمل معاوية بسيرة عمر بن الخطاب سنين لا يخرم منها شيئًا» (٢).\nوقال ابن كثير في ترجمة معاوية - ﵁ -: «وأجمعت الرعايا على بيعته في سنة إحدى وأربعين ... فلم يزل مستقلًا بالأمر في هذه المدة إلى هذه السنة التي كانت فيها وفاته، والجهاد في بلاد العدو قائم وكلمة الله عالية، والغنائم ترد إليه من أطراف الأرض، والمسلمون معه في راحة وعدل وصفح وعفو» (٣).\n_________\n(١) رواه أبو عبيد القاسم بن سلام الهروي في الأموال (٥٣٦)، وابن زنجويه في الأموال (٧٢٤).\n(في قابلَ): في الْعَامُ الْمُقْبِلُ، (الفيء): ما يؤخذ من العدو من مال ومتاع بغير حرب.\n(٢) السنة للخلال (١/ ٤٤٤)، وقال المحقق إسناده صحيح.\n(٣) البداية والنهاية (٨/ ١١٩).","vol":"1","page":151},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-54>حرص معاوية - ﵁ -\nعلى توطين الأمن في خلافته </span>(١)\nمن القواعد التي بنى عليها معاوية - ﵁ - سياسته الداخلية توطيد الأمن في ربوع العالم الإسلامي وقد اتخذ معاوية عدة وسائل لتحقيق هذا الهدف.\n١ - الحاجب:\nكان معاوية بن أبي سفيان أول من اتخذ الحاجب في الإسلام، لكي يتجنب محاولات الاعتداء عليه، وكانت بعض المظاهر الملكية لها ما يبررها في هذه الحقبة التاريخية فقد عبر ابن خلدون عن احتجاب الخلفاء عن الناس، على النحو التالي:\n«كان أول شيء بدأ به في الدولة شأن الباب وستره دون الجمهور، لما كان يخشون على أنفسهم من اغتيال الخوارج وغيرهم كما وقع بعُمر وعلي ومعاوية وعمرو ابن العاص وغيرهم - ﵃ -، مع ما في فتحه من ازدحام الناس عليهم وشغلهم بهم عن المهمات، فاتخذوا من يقوم لهم بذلك وسموه الحاجب» (٢).\nوقد كان معاوية وبنو أمية يعيشون في الشام قريبًا من أعدائهم الموتورين من الروم، فضلًا عن أعدائهم الموتورين من الشيعة والخوارج المتفرقين في البلاد، وكانوا يرون لابد لهم لاستقرار الدولة الإسلامية التي قتل ثلاثة من خلفائها من اتخاذ نمط من أنماط الحراسة والاحتراز.\n٢ - الحرس:\nكان معاوية بن أبي سفيان - ﵄ - أول من اتخذ الحرس في الدولة الإسلامية، خوفًا من الخوارج الذين كانوا يريدون قتله، فقد أمر بالمقصورات في الجوامع وكان لا\n_________\n(١) انظر ما ذكره الدكتور علي الصلابي في كتابه (الدولة الأموية ص٣١٢ - ٣١٥).\n(٢) تاريخ ابن خلدون (٢/ ٤٩ - ١٥٠).","vol":"1","page":152},{"text":"يدخلها إلا الثقات وحراسه، وكما يبدو أن معاوية لم يكتف باتخاذ الحرس، بل اتخذ المقاصير زيادة في التشدد وذلك لحماية نفسه من أي اعتداء قد يقع عليه.\n٣ - الشرطة:\nوظيفتها المحافظة على الأمن والنظام، والقبض على اللصوص والجناة والمفسدين، والدفاع عن الخليفة، وهي غير مسؤولة عن صد أي هجوم خارجي عن الدولة، وقد قام معاوية - ﵁ - بتنظيمها وتطويرها في الشام.\nوالشرطة لا يقتصر وجودها على عاصمة الخلافة فقط بل في الولايات الإسلامية الأخرى وهم يتبعون الولاة فهم الذين يختارونهم ويعينونهم وكان وجودها مهمًا للدولة والمجتمع، فالدولة تعتمد عليها في قمع المتمردين، وفي القضاء على الثورات، والاضطرابات، وربما كانت تحل محل الجند في حالة غيابهم واشتراكهم في الغزوات، وهي للمجتمع، لأنها تعمل على تحقيق الأمن والاستقرار، فهي الجهة الوحيدة المسؤولة عن حماية أرواح الناس، وحفظ حقوقهم وأموالهم من اعتداء بعضهم على بعض.","vol":"1","page":153},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-55>اهتمام معاوية - ﵁ - برعيته </span>(١)\nعن أبي قبيل قال: «كان معاوية يبعث رجلًا يقال له أبو الجيش في كل يوم فيدور على المجالس يسأل هل ولد لأحد مولود؟ أو قدم أحد من الوفود؟ فإذا أخبر بذلك أثبت في الديوان» - يعني ليجري عليه الرزق. (٢)\nوعن أبي عثمان الشامي، قال: كان معاوية يَخرج علينا ونحن في الكُتّاب، ويقول للمعلم: «يا معلِّم، أَحْسِن أَدَبَ أبناءِ المُهاجرين» (٣).\nومن إصلاحات معاوية بن أبي سفيان - ﵄ - أنه أول من بلّط المدينة المنورة بالحجارة، وبنى فيها مرافق وحصنًا لأهلها. (٤) وكان يُرسل الأطعمة إلى المدينة كما كان يُفعل أيام عمر، وأمر بحفر نهر مَعْقِل (٥).\nواهتم بالمسجد الحرام وأمر بتوسعته وأجرى له القناديل والزيت من بيت المال وأضاء المصابيح فيه لأهل الطواف، واهتم بالمسجد الأقصى، وقام مسلمة بن مخلد أمير مصر من قبل معاوية بالزيادة في المسجد الجامع بالفُسطاط عام ٥٣هـ وبنى له أربع منارات شامخة وفرشه بالحصير.\nواهتم معاوية - ﵁ - بالمرافق العامة في الدولة الإسلامية، وحرص على توفير مياه الشرب في المدينة، وأجرى في الحرم المكي عيونًا وأنشأ آبار المياه على الطرقات، فربط بين أجزاء مملكته ربطًا محكمًا.\nوجعل دار المراجل بمكة، والتي كان يطبخ فيها طعام الحجاج وطعام الصائمين من الفقراء في شهر رمضان المبارك وقفًا في سبيل الله.\n_________\n(١) انظر (البداية والنهاية ٨/ ١٢٥ - ١٥٦)، والدولة الأموية للصلابي (ص٣٢١ - ٣٢٧).\n(٢) يجري عليه الرزق: أي يحدد له راتبًا من بيت المال.\n(٣) رواه ابن أبي الدنيا في (العيال) (٢٩٣) بسند صحيح.\n(٤) انظر أخبار المدينة لابن شبة (١/ ١٦، ٢٧١).\n(٥) فتوح البلدان للبلاذري (ص٢٥٣، ٤٣٩).","vol":"1","page":154},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-56>بعض ما رُوي\nمن أقوال معاوية - ﵁ </span>- (١)\n١ - «إني لأرفع نفسي من أن يكون ذنبٌ أعظمَ من عَفوي، وجهلٌ أكثر من حِلمي، أو عورةٌ لا أواريها بسِتْري، أو إساءةٌ أكثر من إحساني».\n٢ - «ما مِن شيء ألذُّ عندي من غيظٍ أتجَرَّعُه أرجو بذلك وجه الله».\n٣ - «العقلُ والحِلمُ أفضل ما أُعطي العبدُ، فإذا ذُكِّرَ ذَكَر، وإذا أُعطيَ شَكر، وإذا ابتُليَ صَبر، وإذا غضب كظم، وإذا قَدر غَفر، وإذا أساءَ استغفر، وإذا وعَد أنجز».\n٤ - «إصلاحُ مالٍ في يَدَيك أفضلُ مِن طَلَب الفَضْلِ مِن أيدي الناس، وحُسن التدبير مع الكَفاف أحبُّ إليَّ من الكثير».\n٥ - «أفضل الناس من إذا أعطي شكر، وإذا ابتلي صبر، وإذا غضب كظم، وإذا قدر غفر، وإذا وعد أنجز، وإذا أساء استغفر».\n٦ - «لا أضع سيفي حيث يكفيني سوطي، ولا أضع سوطي حيث يكفيني لساني، ولو أن بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت».\nقيل: «وكيف يا أمير المؤمنين؟».\nقال: «كانوا إذا مدوها خليتها، وإذا خلوها مددتها».\n٧ - «المروءة في أربع، العفاف في الاسلام، واستصلاح المال، وحفظ الإخوان، وحفظ الجار».\n٨ - «إياكم وقذف المحصنات، وأن يقول الرجل: «سمعتُ وبلغني»، فلو قذف أحدكم امرأة على عهد نوح لَسُئِلَ عنها يوم القيامة».\n_________\n(١) انظر ترجمة معاوية بن أبي سفيان - ﵄ - في تاريخ دمشق لابن عساكر (٥٩/ ٥٥ - ٢٤١). والبداية والنهاية (٨/ ١٢٥ - ١٥٦).","vol":"1","page":155},{"text":"٩ - «لا يبلغ الرجلُ مبلغَ الرأي حتى يغلبَ حِلمُه جهلَه، وصبرُه شهوتَه، ولا يبلغُ الرجلُ ذلك إلا بقوة الحلم».\n١٠ - «إن الرشيد من رشد عن العجلة، وإن الخائب من خاب عن الأناة، وإن المتثبت مصيب أو كاد يكون مصيبًا، وإن العَجِلَ مخطئ أو كاد يكون مخطئًا، ومن لا ينفعه الرفق يضره الخرق، ومن لا تنفعه التجارب لا يبلغ المعالي، ولا يبلغ رجل مبلغ الرأي حتى يغلب صبرُه شهوتَه وحلمُه غضبَه».\n(الخرق: ضد الرفق).","vol":"1","page":156},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-57>كشف شبهات\nالشيعة حول معاوية - ﵁ </span>- (١)\nما من شخصية في تاريخنا الإسلامي، من الرعيل الأول من الصحابة الذين تربوا على يدي رسول الله - ﵌ - و- ﵃ - قد نالها من التشويه والدس والافتراء والظلم، مثل ما نال معاوية بن أبي سفيان - ﵄ -؛ حيث امتلأت معظم المصادر التاريخية بعشرات الروايات الضعيفة أو المكذوبة على هذا الصحابي الكريم .. فكان لابد من الدفاع عن عرضه وفق المنهج الصحيح.\nوإن الشبهات التي قيلت في ذم معاوية - ﵁ - ليست بشيء!\nولولا أنها ذكرت واعتقد بعض الناس صحتها لكان الإضراب عنها صفحًا أولى من ذكرها.\nفإن الإعراض عن القول الساقط أفضل وأحرى لإماتته، وإخمال ذكر قائله وأجدر أن لا يكون ذلك تنبيها للجهال عليه.\nوهذه الشبهات التي ذكرت في معاوية - ﵁ - إما أحاديث صحيحة ليس فيها ذم لمعاوية - ﵁ - بل يفهم منها المدح له.\n_________\n(١) انظر:\n* شبهات حول الصحابة والرّدّ عليها، أَميرُ المُؤْمِنين مُعاويةُ بنُ أَبي سُفْيَان، لشيخ الإسلام ابن تيمية، جمع وتقديم وتعليق الشيخ محمد مال الله.\n* شبهات وأباطيل حول معاوية ابن أبي سفيان لأبي عبد الله الذهبي.\n* سل السِّنان في الدفاع عن معاوية بن أبي سفيان - ﵁ - لسعد بن ضيدان السبيعي.\n* كشف الجاني محمد التيجاني في كتبه الأربعة: ثم اهتديت، فاسألوا أهل الذكر، مع الصادقين، الشيعة هم أهل السنة، للشيخ عثمان الخميس.","vol":"1","page":157},{"text":"وإما أخبار ساقطة يرويها الأخباريون وأهل التاريخ بلا زمام ولا خطام، ويتولى كبر الترويج لها أهلُ البدع والأهواء.\nومنها ما يكون رواتها من المتروكين كأبي مخنف لوط بن يحيى فهو إخباري تالف لا يوثق به.\nونصر بن مزاحم صاحب كتاب (صفين) فهو رافضي متروك الحديث.\nومحمد بن السائب الكلبي المفسر الإخباري فهو متروك الحديث أيضًا.\nومحمد بن عمر الواقدي، متروك (١).\nوالبلاذري أحمد بن يحيى بن جابر بن داود المتوفى سنة ٢٧٩هـ صاحب كتاب «أنساب الأشراف»، وهو وإن كان صدوقًا في نفسه إلا أنه انفرد بذكر آثار وقصص في ذم معاوية لا يتابَع عليها - وأطال في ترجمته جدًا - وقد أنكرها أهل الحديث عليه، نقل ذلك هو بنفسه فقال: «قال لي هشام بن عمار: نظرت في أحاديث معاوية عندكم فوجدت أكثرها مصنوعًا» وذكر مثالًا لذلك (٢)!\nوهشام بن عمار ﵀ المتوفى سنة ٢٤٥هـ إمام من أئمة الحديث من شيوخ البخاري ومن شيوخ البلاذري نفسه.\n_________\n(١) انظر: الكامل لابن عدي (٦/ ٩٣)، الضعفاء للعقيلي (٤/ ١٩٠)، لسان الميزان (٢/ ٤٣٠).\nالتهذيب (٣/ ٥٦٩)، الميزان للذهبي (٣/ ٥٥٦)، (٣/ ٦٦٦).\n(٢) أنساب الأشراف (٥/ ٨١).","vol":"1","page":158},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-58>الشبهة الأولى\n«لا أَشْبَعَ اللهُ بَطْنَهُ»</span>\nعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: «كُنْتُ أَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيَانِ فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ - ﵌ - فَتَوَارَيْتُ خَلْفَ بَابٍ قَالَ فَجَاءَ فَحَطَأَنِي حَطْأَةً وَقَالَ: «اذْهَبْ وَادْعُ لِي مُعَاوِيَةَ».\nقَالَ: فَجِئْتُ فَقُلْتُ: «هُوَ يَأْكُلُ».\nقَالَ: ثُمَّ قَالَ لِيَ: «اذْهَبْ فَادْعُ لِي مُعَاوِيَةَ».\nقَالَ: فَجِئْتُ فَقُلْتُ: «هُوَ يَأْكُلُ».\nفَقَالَ: «لَا أَشْبَعَ اللهُ بَطْنَهُ» (رواه مسلم).\nالجواب:\nقد يستغل بعض أعداء الإسلام كالشيعة وغيرهم هذا الحديث ليتخذوا منه مطعنًا فى معاوية - ﵁ - وليس فيه ما يساعدهم على ذلك، كيف وفيه أنه كان كاتب النبى - ﵌ -؟!.\nقال الإمام النووي في شرحه لهذا الحديث من صحيح مسلم:\n«وَقَوْله: حَطْأَة: هُوَ الضَّرْب بِالْيَدِ مَبْسُوطَة بَيْن الْكَتِفَيْنِ، وَإِنَّمَا فَعَلَ هَذَا بِابْنِ عَبَّاس مُلَاطَفَة وَتَأْنِيسًا.\nوَأَمَّا دُعَاؤُهُ عَلَى مُعَاوِيَة أَنْ لَا يَشْبَع حِين تَأَخَّرَ فَفِيهِ الْجَوَابَانِ السَّابِقَانِ: أَحَدهمَا أَنَّهُ جَرَى عَلَى اللِّسَان بِلَا قَصْد، وَالثَّانِي أَنَّهُ عُقُوبَة لَهُ لِتَأَخُّرِهِ.\nوَقَدْ فَهِمَ مُسْلِم - ﵀ - مِنْ هَذَا الْحَدِيث أَنَّ مُعَاوِيَة لَمْ يَكُنْ مُسْتَحِقًّا لِلدُّعَاءِ عَلَيْهِ، فَلِهَذَا أَدْخَلَهُ فِي هَذَا الْبَاب، وَجَعَلَهُ غَيْره مِنْ مَنَاقِب مُعَاوِيَة لِأَنَّهُ فِي الْحَقِيقَة يَصِير دُعَاء لَهُ». (اهـ باختصار).","vol":"1","page":159},{"text":"فالظاهر أن هذا الدعاء منه - ﵌ - غير مقصود، بل هو مما جرت به عادة العرب فى وصل كلامها بلا نية كقوله - ﵌ - لبلال - ﵁ -: «مَا لَهُ تَرِبَتْ يَدَاهُ» (١).\nوقوله - ﵌ - لمعاذ: «ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ» (٢) ونحو ذلك.\nويمكن أن يكون ذلك منه - ﵌ - بباعث البشرية التى أفصح عنها هو نفسه - ﵌ - فى أحاديث كثيرة متواترة، منها قوله - ﵌ -: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنِّي اشْتَرَطْتُ عَلَى رَبِّي ﷿ أَيُّ عَبْدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ سَبَبْتُهُ أَوْ شَتَمْتُهُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لَهُ زَكَاةً وَأَجْرًا» (رواه مسلم).\nوقد ختم الإمام مسلم - ﵀ - بهذا الحديث الأحاديث الواردة في دعاء النبي - ﵌ - أن يجعل ما صدر منه من سب ودعاء على أحد ليس هو أهلًا لذلك أن يجعله له زكاة،\n_________\n(١) عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ - ﵁ - قَالَ: «ضِفْتُ النَّبِيَّ - ﵌ - ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَأَمَرَ بِجَنْبٍ فَشُوِيَ وَأَخَذَ الشَّفْرَةَ فَجَعَلَ يَحُزُّ لِي بِهَا مِنْهُ»، قَالَ: «فَجَاءَ بِلَالٌ فَآذَنَهُ بِالصَّلَاةِ»، قَالَ: «فَأَلْقَى الشَّفْرَةَ، وَقَالَ: «مَا لَهُ تَرِبَتْ يَدَاهُ»، وَقَامَ يُصَلِّي» (رواه أبو داود، وصححه الألباني).\nقَالَ صَاحِبُ عَوْنِ الْمَعْبُودِ: (ضِفْتُ):أَيْ نَزَلْت عَلَيْهِ ضَيْفًا. (بِجَنْبٍ):جَنْب الشَّاة شِقّهَا، وَجَنْب الْإِنْسَان شِقّه. (الشَّفْرَة): هِيَ السِّكِّين الْعَظِيمَة، وَقِيلَ: هِيَ السِّكِّين الْعَرِيضَة. (يَحُزّ): حَزَّهُ وَاحْتَزَّهُ أَيْ قَطَعَهُ، وَفِيهِ دَلِيل عَلَى جَوَاز قَطْع اللَّحْم بِالسِّكِّينِ، وَفِي النَّهْي عَنْهُ حَدِيث ضَعِيف فِي سُنَن أَبِي دَاوُدَ. ...\n(فَآذَنَهُ): أَيْ أَعْلَمَهُ وَأَخْبَرَهُ. (وَقَالَ (النَّبِيّ - ﵌ -: (مَا لَهُ): لِبِلَالٍ قَدْ عَجَّلَ وَلَمْ يَنْتَظِر إِلَى أَنْ أَفْرُغ مِنْ أَكْل طَعَامِي. (تَرِبَتْ يَدَاهُ): تَرِبَ الشَّيْء: أَصَابَهُ التُّرَاب، وَمِنْهُ تَرِبَ الرَّجُل اِفْتَقَرَ كَأَنَّهُ لَصِقَ بِالتُّرَابِ، يُقَال تَرِبَتْ يَدَاك وَهُوَ عَلَى الدُّعَاء أَيْ لَا أَصَبْت خَيْرًا.\nوَ(تَرِبَتْ يَدَاهُ) كَلِمَة تَقُولهَا الْعَرَب عِنْد اللَّوْم وَمَعْنَاهَا الدُّعَاء عَلَيْهِ بِالْفَقْرِ وَالْعَدَم، وَقَدْ يُطْلِقُونَهَا فِي كَلَامهمْ وَهُمْ لَا يُرِيدُونَ وُقُوع الْأَمْر كَمَا قَالُوا عَقْرَى حَلْقَى فَإِنَّ هَذَا الْبَاب لَمَّا كَثُرَ فِي كَلَامهمْ وَأَدَامَ اِسْتِعْمَاله فِي مَجَارِي اِسْتِعْمَالهمْ صَارَ عِنْدهمْ بِمَعْنَى اللَّغْو، وَذَلِكَ مِنْ لَغْو الْيَمِين الَّذِي لَا اِعْتِبَار بِهِ وَلَا كَفَّارَة فِيهِ.\n(٢) جزء من حديث طويل عن معاذ - ﵁ -: «... قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ، وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِما نَتَكَلَّمُ بهِ؟ فقالَ: «ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ، وهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ في النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ، - أوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ - إلاَّ حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ». (رواهُ الترمذيُّ وصححه الألباني).","vol":"1","page":160},{"text":"وأجرًا، ورحمة، وذلك كقوله: (عَقْرَى حَلْقَى (١)، وثَكِلَتْكَ أُمُّكَ، وتَرِبَتْ يَمِينُك، ولَا كَبِرَ سِنُّكِ)، فقد أورد في صحيحه عدّة أحاديث:\nأحدها هذا الحديث.\nوقبله حديث أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ - ﵁ - قَالَ: كَانَتْ عِنْدَ أُمِّ سُلَيْمٍ يَتِيمَةٌ وَهِيَ أُمُّ أَنَسٍ فَرَأَى رَسُولُ اللهِ - ﵌ - الْيَتِيمَةَ فَقَالَ: «آنْتِ هِيَهْ لَقَدْ كَبِرْتِ، لَا كَبِرَ سِنُّكِ».\nفَرَجَعَتْ الْيَتِيمَةُ إِلَى أُمِّ سُلَيْمٍ تَبْكِي؛ فَقَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ: «مَا لَكِ يَا بُنَيَّةُ؟».\nقَالَتْ الْجَارِيَةُ: دَعَا عَلَيَّ نَبِيُّ اللهِ - ﵌ - أَنْ لَا يَكْبَرَ سِنِّي فَالْآنَ لَا يَكْبَرُ سِنِّي أَبَدًا - أَوْ قَالَتْ قَرْنِي.\nفَخَرَجَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ مُسْتَعْجِلَةً تَلُوثُ خِمَارَهَا (٢) حَتَّى لَقِيَتْ رَسُولَ اللهِ - ﵌ - فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ - ﵌ -: «مَا لَكِ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ».\nفَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللهِ أَدَعَوْتَ عَلَى يَتِيمَتِي؟\nقَالَ: «وَمَا ذَاكِ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ؟».\nقَالَتْ: زَعَمَتْ أَنَّكَ دَعَوْتَ أَنْ لَا يَكْبَرَ سِنُّهَا وَلَا يَكْبَرَ قَرْنُهَا.\nقَالَ: فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ - ﵌ - ثُمَّ قَالَ: «يَا أُمَّ سُلَيْمٍ أَمَا تَعْلَمِينَ أَنَّ شَرْطِي عَلَى رَبِّي أَنِّي اشْتَرَطْتُ عَلَى رَبِّي فَقُلْتُ: إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَرْضَى كَمَا يَرْضَى الْبَشَرُ وَأَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُ الْبَشَرُ فَأَيُّمَا أَحَدٍ دَعَوْتُ عَلَيْهِ مِنْ أُمَّتِي بِدَعْوَةٍ لَيْسَ لَهَا بِأَهْلٍ أَنْ يَجْعَلَهَا لَهُ طَهُورًا وَزَكَاةً وَقُرْبَةً يُقَرِّبُهُ بِهَا مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».\n_________\n(١) مَعْنَى (عَقْرَى) عَقَرَهَا اللهُ تَعَالَى، وَ(حَلْقَى) حَلَقَهَا اللهُ. يَعْنِي عَقَرَ اللهُ جَسَدهَا وَأَصَابَهَا بِوَجَعٍ فِي حَلْقهَا.\nوَقِيلَ: يُقَال لِلْمَرْأَةِ عَقْرَى حَلْقَى مَعْنَاهُ عَقَرَهَا اللهُ، وَحَلَقَهَا أَيْ حَلَقَ شَعْرهَا أَوْ أَصَابَهَا بِوَجَعٍ فِي حَلْقهَا.\nوَقِيلَ: مَعْنَاهُ جَعَلَهَا اللَّه عَاقِرًا لَا تَلِد، وَحَلْقَى مَشْئُومَة عَلَى أَهْلهَا. وَعَلَى كُلّ قَوْل فَهِيَ كَلِمَة كَانَ أَصْلهَا مَا ذَكَرْنَاهُ، ثُمَّ اِتَّسَعَتْ الْعَرَب فِيهَا فَصَارَتْ تُطْلِقهَا وَلَا تُرِيد حَقِيقَة مَا وُضِعَتْ لَهُ أَوَّلًا، وَنَظِيره تَرِبَتْ يَدَاهُ، وَقَاتَلَهُ اللَّه مَا أَشْجَعه وَمَا أَشْعَره. وَاَللَّه أَعْلَم. (باختصار من شرح صحيح مسلم للنووي).\n(٢) تَلُوث خِمَارهَا: أَيْ تُدِيرهُ عَلَى رَأْسِهَا.","vol":"1","page":161},{"text":"وعقب هذا الحديث مباشرة أورد مسلم - ﵀ - الحديث الذي قال فيه رسول الله - ﵌ - في معاوية: «لَا أَشْبَعَ اللهُ بَطْنَهُ».\nوهذا من حسن صنيع مسلم - ﵀ - وجودة ترتيبه لصحيحه، وهو من دقيق فهمه، وحسن استنباطه - ﵀ -.فركب مسلم من الحديث الاول وهذا الحديث فضيلة لمعاوية، ولم يُورِد له غير ذلك. قال الحافظ ابن كثير: «فركّب مسلم من الحديث الأول وهذا الحديث فضيلة لمعاوية» (١).\nالحديث الأول: أي حديث «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ» وهذا الحديث: أي حديث «لَا أَشْبَعَ اللهُ بَطْنَهُ».\nوفي الحديث تأكيد لصحبة معاوية - ﵁ - وبأنه من كُتَّاب رسول الله - ﵌ -.\nوليس في الحديث ما يثبت أن ابن عباس - ﵁ - - وقد كان طفلًا آنذاك - قد أخبر معاوية - ﵁ - بأن رسول الله - ﵌ - يريده، بل يُفهم من ظاهر الحديث أنه شاهده يأكل فعاد لرسول الله - ﵌ - ليخبره. فأين الذم هنا كما يزعم المتشدِّقون؟!\n_________\n(١) البداية والنهاية (٨/ ١١٩ - ١٢٠).","vol":"1","page":162},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-59>الشبهة الثانية\n«وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لا مَالَ لَهُ»</span>\nعَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ أَنَّ أَبَا عَمْرِو بْنَ حَفْصٍ طَلَّقَهَا الْبَتَّةَ وَهُوَ غَائِبٌ فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا وَكِيلُهُ بِشَعِيرٍ فَسَخِطَتْهُ فَقَالَ: «وَاللهِ مَا لَكِ عَلَيْنَا مِنْ شَيْءٍ».\nفَجَاءَتْ رَسُولَ اللهِ - ﵌ - فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: «لَيْسَ لَكِ عَلَيْهِ نَفَقَةٌ».\nفَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ فِي بَيْتِ أُمِّ شَرِيكٍ ثُمَّ قَالَ: «تِلْكِ امْرَأَةٌ يَغْشَاهَا أَصْحَابِي اعْتَدِّي عِنْدَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ فَإِنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى تَضَعِينَ ثِيَابَكِ، فَإِذَا حَلَلْتِ فَآذِنِينِي».\nقَالَتْ: فَلَمَّا حَلَلْتُ ذَكَرْتُ لَهُ أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ وَأَبَا جَهْمٍ خَطَبَانِي.\nفَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﵌ -: «أَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَلَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ، وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ؛ انْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ».\nفَكَرِهْتُهُ، ثُمَّ قَالَ: «انْكِحِي أُسَامَةَ»، فَنَكَحْتُهُ فَجَعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْرًا وَاغْتَبَطْتُ». (رواه مسلم).\nوفي رواية عند مسلم: «أَمَّا مُعَاوِيَةُ فَرَجُلٌ تَرِبٌ لَا مَالَ لَهُ، وَأَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَرَجُلٌ ضَرَّابٌ لِلنِّسَاءِ، وَلَكِنْ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ».\nفَقَالَتْ بِيَدِهَا هَكَذَا أُسَامَةُ أُسَامَةُ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ - ﵌ -: «طَاعَةُ اللهِ وَطَاعَةُ رَسُولِهِ خَيْرٌ لَكِ».\nقَالَتْ: «فَتَزَوَّجْتُهُ فَاغْتَبَطْتُ».\nوفي رواية عنده أيضًا: «إِنَّ مُعَاوِيَةَ تَرِبٌ خَفِيفُ الْحَالِ وَأَبُو الْجَهْمِ مِنْهُ شِدَّةٌ عَلَى النِّسَاءِ أَوْ يَضْرِبُ النِّسَاءَ أَوْ نَحْوَ هَذَا» (١).\n_________\n(١) قال الإمام النووي في شرحه لصحيح مسلم: وَقَوْله - ﵌ -: (فَإِذَا حَلَلْت فَآذِنِينِي) أَيْ أَعْلِمِينِي، وَفِيهِ جَوَاز التَّعْرِيض بِخِطْبَةِ الْبَائِن وَهُوَ الصَّحِيح عِنْدنَا. ... =\n= قَوْله - ﵌ -: (أَمَّا أَبُو الْجَهْم فَلَا يَضَع الْعَصَا عَنْ عَاتِقه) فِيهِ تَأْوِيلَانِ مَشْهُورَانِ: أَحَدهمَا أَنَّهُ كَثِير الْأَسْفَار، وَالثَّانِي أَنَّهُ كَثِير الضَّرْب لِلنِّسَاءِ وَهَذَا أَصَحّ، بِدَلِيلِ الرِّوَايَة الَّتِي ذَكَرَهَا مُسْلِم بَعْد هَذِهِ أَنَّهُ ضِرَاب لِلنِّسَاءِ.\nوَفِيهِ دَلِيل عَلَى جَوَاز ذِكْر الْإِنْسَان بِمَا فِيهِ عِنْد الْمُشَاوَرَة وَطَلَب النَّصِيحَة وَلَا يَكُون هَذَا مِنْ الْغِيبَة الْمُحَرَّمَة بَلْ مِنْ النَّصِيحَة الْوَاجِبَة.\nقَوْله - ﵌ -: (وَأَمَّا مُعَاوِيَة فَصُعْلُوك) هُوَ بِضَمِّ الصَّاد، وَفِي هَذَا جَوَاز ذِكْره بِمَا فِيهِ لِلنَّصِيحَةِ كَمَا سَبَقَ فِي ذِكْر أَبِي جَهْم.\nوَأَمَّا إِشَارَته - ﵌ - بِنِكَاحِ أُسَامَة فَلَمَّا عَلَّمَهُ مِنْ دِينه وَفَضْله وَحُسْن طَرَائِفه وَكَرَم شَمَائِله فَنَصَحَهَا بِذَلِكَ فَكَرِهَتْهُ لِكَوْنِهِ مَوْلًى وَقَدْ كَانَ أَسْوَد جِدًّا فَكَرَّرَ عَلَيْهَا النَّبِيّ - ﵌ - الْحَثّ عَلَى زَوَاجه لَمَّا عَلِمَ مِنْ مَصْلَحَتهَا فِي ذَلِكَ وَكَانَ كَذَلِكَ، وَلِهَذَا قَالَتْ: (فَجَعَلَ اللهُ لِي فِيهِ خَيْرًا وَاغْتَبَطْت) وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيّ - ﵌ - فِي الرِّوَايَة الَّتِي بَعْد هَذَا: (طَاعَة اللهِ وَطَاعَة رَسُوله خَيْر لَك).","vol":"1","page":163},{"text":"الجواب:\nجاء في (القاموس المحيط):الصُّعْلُوكُ: كعُصْفُورٍ: الفقيرُ.\nوجاء في (لسان العرب):الصُّعْلُوك: الفقير الذي لا مال له.\nولا يضير معاوية فقره - ﵁ -، ولو كان في دينِ مُعاويةَ أو خُلُقِهِ شيءٌ لذَكَرَه النبيُّ - ﵌ - من باب أولى، ولم يكن من حاله عيبٌ إلا أنه خفيف ذاتِ اليد وقتَها.","vol":"1","page":164},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-60>الشبهة الثالثة\n«إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه»</span>\nزعموا أن رسول الله - ﵌ - لعن معاوية الطليق بن الطليق، اللعين بن اللعين، وقال: «إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه».\nالجواب:\nهذا الحديث ليس في شيء من كتب الإسلام التي يرجع إليها في علم النقل، وهو عند أهل المعرفة بالحديث كذب موضوع مختلق على النبي - ﵌ -، وهؤلاء الرافضة لا يذكرون له إسنادًا حتى يُنظر فيه، وقد ذكره أبو الفرج بن الجوزي في الموضوعات.\nومما يبيّن كذبه أن منبر النبي - ﵌ - قد صعد عليه بعد معاوية - ﵁ - من كان معاوية خيرًا منه باتفاق المسلمين. فإن كان يجب قتل من صعد عليه لمجرد الصعود على المنبر، وجب قتل هؤلاء كلهم.\nثم هذا خلاف المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام، فإن مجرد صعود المنبر لا يبيح قتل مسلم. وإن أمر بقتله لكونه تولّى الأمر وهو لا يصلح، فيجب قتل كل من تولّى الأمر بعد معاوية ممن معاوية أفضل منه. وهذا خلاف ما تواترت به السنن عن النبي - ﵌ - من نهيه عن قتل ولاة الأمور وقتالهم.\nثم الأمة متفقة على خلاف هذا؛ فإنها لم تقتل كل من تولّى أمرها ولا استحلّت ذلك. ثم هذا يوجب من الفساد والهرج ما هو أعظم من ولاية كل ظالم، فكيف يأمر النبي - ﵌ - بشيء يكون فعله أعظم فسادًا من تركه؟!\nقال الحافظ ابن كثير: «وهذا الحديث كذب بلا شك، ولو كان صحيحا لبادر الصحابة إلى فعل ذلك، لأنهم كانوا لا تأخذهم في الله لومة لائم» (١).\n_________\n(١) البداية والنهاية (١١/ ٤٣٤).","vol":"1","page":165},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-61>الشبهة الرابعة\nالطليق ابن الطليق</span>\nقولهم: إن معاوية - ﵁ - كان من الطلقاء فهو الطليق ابن الطليق.\nوقولهم: «كان معاوية من المؤلَّفة قلوبهم».\nوالجواب:\nإذا كان هو وأبوه من المؤلفة قلوبهم فى رأيِ البعض، ففى رأيِ الكثيرين أنه ليس من المؤلفة قلوبهم، قال ابن عبد البر: «معاوية وأبوه من المؤلفة قلوبهم، ذكره فى ذلك بعضهم»، وهو يُشعِر بأن الكثيرين لا يرون هذا الرأى، ولذا نجد الحافظ المحقق ابن حجر لم يذكر فى ترجمته شيئًا من هذا، وإنما ذكر فى ترجمة أبيه أنه من المؤلفة قلوبهم.\nومهما يكن من شئ فقد أسلم معاوية - ﵁ - وحسن إسلامه، وحتى لو كان ممن أسلموا يوم الفتح، فلا يقدح ذلك فى عدالته وصحبته، بعد تزكية رب العزة لمن أسلموا بعد الفتح أيضًا قال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٠)﴾ (الحديد:١٠).\nولم تكن هناك عداوة بين رسول الله - ﵌ - وبين معاوية - ﵁ -، فمعاوية كان صغيرًا حين أسلم، ولم يحضر معركة ضد رسول الله - ﵌ -، ولم يحاربْه في أي موقعة، ولكن الشيعة نقلوا عداوة أمه وأبيه لرسول الله - ﵌ - إليه، ورسول الله - ﵌ - قد عفا عن أمه وأبيه، وهما ممن قد حسن إسلامه، وتابا توبة نصوحا، والتوبة تجُبُّ ما قبلها.\nوقد قبض رسول الله - ﵌ - ومُعظم رجالات بني أمية على مختلف الأعمال، من الولاية والكتابة، وجباية الأموال، ولا نعرف قبيلة من قبائل قريش فيها عمالٌ لرسول - ﵌ - أكثر منهم، واستعمال النبي - ﵌ - لأكثر رجال بني أمية، أكبر دليل على كفاءتهم وأمانتهم.","vol":"1","page":166},{"text":"فقد ولى النبي - ﵌ - أبا سفيان على نجران، ومات رسول الله - ﵌ - وهو أمير عليها، واستعمل على مكة عتاب بن أسيد بن أبي العاص بن أمية، واستعمل خالد بن سعيد بن العاص بن أمية على صدقات مَذْحج وصنعاء اليمن، ولم يزل عليها حتى مات النبي - ﵌ -، واستعمل عمرو بن العاص على تيماء وخيبر وقرى عرينة، وأبان بن سعيد بن العاص استعمله أيضًا على البحرين برها وبحرها حين عزل العلاء بن الحضرمي، فلم يزل عليها حتى مات النبي - ﵌ - وأرسله قبل ذلك أميرًا على سرايا منها سرية إلى نجد وولاه عمر - ﵁ -، ولا يتهم لا في دينه ولا في سياسته.\nومعاوية - ﵁ - ولاه رسول الله - ﵌ - على بعض عمله، واستخدمه كاتبًا بين يديه، وولاه أبو بكر الصَّدَّيق من بعده، ولم يطعن في كفاءته أحد.\nوأما ما روي عن النبي - ﵌ - أنه قال: «اذهبوا فأنتم الطلقاء» (١)، فهذه الكلمات، جعل بعض الناس منها سُبَّة في جبين بني أمية وحدهم، وجعلوا يعيرونهم بأنهم الطلقاء وأبناء الطلقاء، ولم يفهموا أن هؤلاء الطلقاء وأبناءهم قد أسلموا وحسن إسلامهم، وكانت لهم مواقف مشهودة في نصرة الإسلام في الفتوحات في حياة الرسول - ﵌ - وبعد وفاته في عهد خلفائه الراشدين.\nوهاهنا عدة نقاط متعلقة بوصف الطلقاء منها:\n١ـ إن هذا الاتهام وليد عصر الخصومة الحزبية الحادة، لما تفجرت الأحقاد ضد بني أمية في أواخر عهد عثمان - ﵁ - وبعد بروز نجم معاوية بن أبي سفيان - ﵄ - وخلافه مع علي بن أبي طالب - ﵁ -، حيث أصبح ذلك الوصف يعني عندهم أنهم قوم ضعاف الإيمان، دخلوا الإسلام رغبة في غنائمه، أو رهبة من القتل، ليكيدوا لأهله ويفيدوا أنفسهم.\n_________\n(١) تنبيه: حديث «اذهبوا فأنتم الطلقاء» ضعّفه العراقي في تخريج أحاديث الإحياء، والألباني في السلسلة الضعيفة والموضوعة (٣/ ٣٠٧).","vol":"1","page":167},{"text":"٢ - إن أبا سفيان بن حرب وابنه معاوية - ﵄ - ليسا من الطلقاء بالمعنى الدقيق السابق لهذه الكلمة فقد أسلم أبو سفيان قبيل فتح مكة والرسول - ﵌ - وجيشه بمر الظهران خارجها، وقد جاء فور إسلامه يدعو قومه إلى المسالمة والفتح.\nأما معاوية ابنه فقد أكدت بعض الروايات أنه أسلم قبل الفتح أيضًا، غير أنه كان يخفي إسلامه - شأن بعض الناس آنذاك - لمكانته من أبيه الذي كان يقود القتال ضد المسلمين، فقد رُوى أنه أسلم سرًا يوم عمرة القضاء، أو عام الحديبية (١) وإنما وضعهم المؤرخون في زمرة هؤلاء الطلقاء لقرب وقت إسلام أبي سفيان من الفتح، ولأنه كان زعيم مكة الذي ارتبط إسلامه بإسلامها، كما أن معاوية كان إسلامه سرًا لم يشع، ولم يعرف إسلامه إلا مع الطلقاء بعد فتح مكة.\n٣ - إن وصف الطلقاء لا يقتضي الذم، فإن الطلقاء هم مسلمة الفتح الذين أسلموا عام فتح مكة وأطلقهم النبي - ﵌ -، وكانوا نحوًا من ألفَيْ رجل، ومنهم من صار من خيار المسلمين كالحارث بن هشام وسهيل بن عمرو وصفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل، ويزيد بن أبي سفيان وحكيم بن حزام، وأبي سفيان بن الحارث، ابن عم النبي - ﵌ - الذي كان يهجوه ثم حسن إسلامه، وعتاب بن أسيد الذي ولاه النبي مكة لما فتحها، وغير هؤلاء ممن حسن إسلامهم.\n٤ - إن النظرة الإسلامية في هذا الشأن أن الإسلام يَجُبُّ ما قبله (٢).\nوالإسلام يفسح المجال للإفادة من جميع الطاقات والقدرات ويدفع بها نحو تحقيق غاياته الكبرى، وينزل الناس منازلهم، وأن خيار الناس في الإسلام خيارهم في الجاهلية إذا فقهوا، ولم يمنع تأخر إسلام خالد وعمرو بن العاص من تبوئهما المكانة العالية عند النبي - ﵌ -، فأرسل عمْرًا أميرًا على ذات السلاسل، وسمّى خالدًا سيف الله، هذا مع حفظ المكانة الأسمى والمنزلة العظمى للسابقين الصادقين في الإسلام، ومن هؤلاء السابقين كان جماعة من بني أمية وغيرهم، كما كان من الطلقاء بني أمية وغيرهم.\n٥ - أكثر الطلقاء من المؤلفة قلوبهم، كالحارث بن هشام، وابن أخيه عكرمة بن أبي جهل، وسهيل بن عمرو، وصفوان بن أمية، وحكيم بن خزام، وهؤلاء من خيار المسلمين. والمؤلفة قلوبهم غالبهم حَسُن إسلامه.\nومعاوية ممن حَسُن إسلامه باتفاق أهل العلم. ولهذا ولاّه عمر بن الخطاب - ﵁ - موضع أخيه يزيد بن أبي سفيان لما مات أخوه يزيد بالشام.\nوكان يزيد بن أبي سفيان من خيار الناس، وكان أحد الأمراء الذين بعثهم أبو بكر وعمر لفتح الشام: يزيد بن أبي سفيان، وشرحبيل بن حسنة، وعمرو بن العاص، مع أبي عبيدة بن الجراح، وخالد بن الوليد.\nفلما توفي يزيد بن أبي سفيان ولّى عمر مكانه أخاه معاوية، وعمر لم تكن تأخذه في الله لومة لائم، وليس هو ممن يحابي في الولاية، وكان من أعظم الناس عداوة لأبيه أبي سفيان قبل الإسلام، فتولية عمر لابنه معاوية ليس لها سبب دنيوي، ولولا استحقاقه للإمارة لما أمّره.\nثم إن معاوية - ﵁ - بقي في الشام عشرين سنة أميرًا، وعشرين سنة خليفة، ورعيته من أشد الناس محبة له وموافقة له، وهو من أعظم الناس إحسانًا إليهم وتأليفًا لقلوبهم.\n_________\n(١) البداية والنهاية (١١/ ٣٩٦).\n(٢) عن عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ - ﵁ - قَالَ: لَمَّا أَلْقَى اللهُ ﷿ فِي قَلْبِي الْإِسْلَامَ أَتَيْتُ النَّبِيَّ - ﵌ - لِيُبَايِعَنِي فَبَسَطَ يَدَهُ إِلَيَّ فَقُلْتُ: «لَا أُبَايِعُكَ يَا رَسُولَ اللهِ حَتَّى تَغْفِرَ لِي مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِي».\nقَالَ: فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ - ﵌ -: «يَا عَمْرُو أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْهِجْرَةَ تَجُبُّ مَا قَبْلَهَا مِنْ الذُّنُوبِ، يَا عَمْرُو أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَجُبُّ مَا كَانَ قَبْلَهُ مِنْ الذُّنُوبِ» (رواه الإمام أحمد وصححه الألباني).\nورواه مسلم بلفظ «أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الإِسْلاَمَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ، وَأَنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهَا، وَأَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ».","vol":"1","page":168},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-62>الشبهة الخامسة\nقالوا: قاتل عليًا وهو\nعند أهل السنة رابع الخلفاء، إمام\nحق، وكل من حارب إمام حق فهو باغ ظالم</span>\nالجواب:\nأولًا: إن الخلاف بين علي ومخالفيه - ﵃ - إنما هو في تقديم الاقتصاص من قتلة عثمان أو تأخيره مع اتفاقهم على وجوب تنفيذه.\nيقول ابن حجر الهيتمي: «ومن اعتقاد أهل السنة والجماعة أن ما جرى بين علي ومعاوية - ﵄ - من الحروب فلم يكن لمنازعة معاوية لعلي في الخلافة للإجماع على أحقيتها لعلي كما مر فلم تهج الفتنة بسببها، وإنما هاجت بسبب أن معاوية ومن معه طلبوا من علي تسليم قتلة عثمان إليهم، لكون معاوية ابن عمه فامتنع علي» (١).\nوقال الحافظ ابن حجر العسقلاني: «وَقَدْ ذَكَرَ يَحْيَى بْن سُلَيْمَان الْجُعْفِيُّ أَحَد شُيُوخ الْبُخَارِيّ فِي كِتَاب (صِفِّينَ) فِي تَأْلِيفه بِسَنَدٍ جَيِّد عَنْ أَبِي مُسْلِم الْخَوْلَانِيّ أَنَّهُ قَالَ لِمُعَاوِيَةَ: «أَنْتَ تُنَازِع عَلِيًّا فِي الْخِلَافَة أَوَ أَنْتَ مِثْله؟»، قَالَ: «لَا، وَإِنِّي لَأَعْلَم أَنَّهُ أَفْضَل مِنِّي وَأَحَقّ بِالْأَمْرِ، وَلَكِنْ أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ عُثْمَان قُتِلَ مَظْلُومًا وَأَنَا اِبْن عَمّه وَوَلِيّه أَطْلُب بِدَمِهِ؟ فَأْتُوا عَلِيًّا فَقُولُوا لَهُ يَدْفَع لَنَا قَتَلَة عُثْمَان».\nفَأَتَوْهُ فَكَلَّمُوهُ فَقَالَ: «يَدْخُل فِي الْبَيْعَة وَيُحَاكِمهُمْ إِلَيَّ».\nفَامْتَنَعَ مُعَاوِيَة فَسَارَ عَلِيّ فِي الْجُيُوش مِنْ الْعِرَاق حَتَّى نَزَلَ بِصِفِّينَ، وَسَارَ مُعَاوِيَة حَتَّى نَزَلَ هُنَاكَ وَذَلِكَ فِي ذِي الْحِجَّة سَنَة سِتّ وَثَلَاثِينَ، فَتَرَاسَلُوا فَلَمْ يَتِمّ لَهُمْ أَمْر، فَوَقَعَ الْقِتَال (٢).\nوهذه المسألة مقررة أيضًا عند أهل العلم من أهل السنة بما ثبت في ذلك من الأخبار، والآثار الدالة على أن عليًا - ﵁ - لا ينازع مخالفيه في وجوب الاقتصاص من قتلة عثمان، وإنما كان يرى تأجيل ذلك حتى يستتب له الأمر.\nوذلك أن قتلة عثمان - ﵁ - كانوا قد تمكنوا من المدينة، ثم قام في أمرهم من الأعراب وبعض أصحاب الأغراض الخبيثة ما أصبح به قتلهم في أول عهد علي - ﵁ - متعذرًا.\nيشهد لهذا ما ذكره الطبري حيث يقول: «واجتمع إلى علي بعدما دخل طلحة والزبير في عدة من الصحابة، فقالوا: «يا علي إنا قد اشترطنا إقامة الحدود، وإن هؤلاء القوم قد اشتركوا في دم هذا الرجل وأحلّوا بأنفسهم»، فقال لهم: «يا إخوتاه، إني لست أجهل ما تعلمون، ولكني كيف أصنع بقوم يملكوننا ولا نملكهم! هاهم هؤلاء قد ثارت معهم عبدانكم، وثابَتْ إليهم أعرابكم، وهم خلالكم يسومونكم ما شاءوا، فهل ترون موضعًا لقدرة على شيء مما تريدون؟».\nقالوا: «لا».\nقال: «فلا والله لا أرى إلا رأيًا ترونه إن شاء الله» (٣).\nويقول ابن كثير: «ولما استقر أمر بيعة علي دخل عليه طلحة والزبير ورؤوس الصحابة - ﵃ - وطلبوا منه إقامة الحدود، والأخذ بدم عثمان، فاعتذر إليهم بأن هؤلاء لهم مدد وأعوان، وأنه لا يمكنه ذلك يومه هذا» (٤).\n_________\n(١) الصواعق المحرقة (ص ٢١٦).\n(٢) فتح الباري لابن حجر (١٣/ ٨٦).\n(٣) تاريخ الطبري (٤/ ٤٣٧).\n(٤) البداية والنهاية (٧/ ٢٣٩).","vol":"1","page":170},{"text":"فكان هذا هو عذر علي - ﵁ - في بداية الأمر، أما بعد ذلك فإن الأمور أصبحت أكثر تعقيدًا، وأشدّ اشتباهًا، خصوصًا بعدما اقتتل الصحابة - ﵃ - في معركة الجمل بغير اختيار منهم، وإنما بسبب المكيدة التي دبرها قتلة عثمان للوقيعة بينهم، فلم يكن أمر الاقتصاص مقدورًا عليه بعد هذه الأحداث لا لعلي، ولا لغيره من مخالفيه - ﵃ -، وذلك لتفرق الأمة وانشغالها بما هو أولى منه من تسكين الفتنة ورأب الصدع.\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: «لم يكن علي - ﵁ - مع تفرق الناس عليه متمكنًا من قتْل قتَلة عثمان - ﵁ -، إلا بفتنة تزيد الأمر شرًّا وبلاءً. ودفع أفسد الفاسدين بالتزام أدناهما أولى من العكس، لأنهم كانوا عسكرًا، وكان لهم قبائل تغضب لهم» (١).\nوأيًا كان عذر علي - ﵁ - فالمقصود هنا أنه لا يخالف بقية الصحابة المطالبين بدم عثمان - ﵁ - في وجوب الاقتصاص من قتلة عثمان - ﵁ - وهذا مما يدل على إجماع الصحابة - ﵃ - على هذه المسألة، والله تعالى أعلم.\nثانيًا: إن الصحابة - ﵃ - الذين اختلفوا في الفتنة لم يتهم بعضهم بعضًا في الدين، وإنما كان يرى كل فريق منهم أن مخالفه وإن كان مخطئًا، فهو مجتهد متأول، يعترف له بالفضل في الإسلام وحسن الصحبة لرسول الله - ﵌ -.\nوهذه مسألة مقررة عند أهل العلم أيضًا بما ثبت من ثناء الصحابة بعضهم على بعض - ﵃ - أجمعين.\nفقد ثبت عن علي - ﵁ - على ما نقله شيخ الإسلام ابن تيمية عن إسحاق بن راهويه بسنده إلى جعفر بن محمد عن أبيه قال: «سمع علي يوم الجمل أو يوم صِفِّين رجلًا يغلو في القول فقال: «لا تقولوا إلا خيرًا إنما هم قوم زعموا أنا بغَيْنا عليهم، وزعمنا أنهم بغوا علينا فقاتلناهم» (٢).\n_________\n(١) منهاج السنة (٤/ ٤٠٧ - ٤٠٨).\n(٢) نفس المصدر (٥/ ٢٤٤ - ٢٤٥).","vol":"1","page":172},{"text":"وعن محمد بن نصر بسنده عن مكحول أن أصحاب علي - ﵁ - سألوه عمن قُتِل من أصحاب معاوية: «ماهم؟».\nقال: «هم مؤمنون» (١).\nوعن عبد الواحد بن أبي عون قال: «مر علي - وهو متوكئ على الأشتر - على قتلى صِفِّين، فإذا حابس اليماني مقتول: فقال الأشتر: «إنا لله وإنا إليه راجعون هذا حابس اليماني معهم يا أمير المؤمنين عليه علامة معاوية، أما والله لقد عهدته مؤمنًا»، قال علي: «والآن هو مؤمن» (٢).\nإن عليًّا - ﵁ - لم يكن يَعُدّ محاربيه كفارًا، ولقد أقرّ بذلك الشيعة أنفسهم حيث أوردوا نفس الرواية التي أوردها أهل السنة في كتبهم: فقد ذكر الحميري الشيعي عن جعفر عن أبيه أن عليًّا - ﵇ - كان يقول لأهل حربه: «إنا لم نقاتلهم على التكفير لهم ولم يقاتلونا على التكفير لنا، ولكنا رأينا أنّا على حق ورأوا أنهم على حق».\nوروى رواية أخرى عن جعفر عن أبيه محمد الباقر: «إن عليًا - ﵇ - لم يكن ينسب أحدًا من أهل حربه إلى الشرك ولا إلى النفاق ولكن يقول: «هم إخواننا بغوا علينا» (٣).\nوقد تقدَّم ثناء معاوية على عليٍّ - ﵄ - واعترافُه بفضله كما جاء في حواره مع أبي مسلم الخولاني لما قال له: «أَنْتَ تُنَازِع عَلِيًّا فِي الْخِلَافَة أَوْ أَنْتَ مِثْله؟»، قَالَ: «لَا، وَإِنِّي لَأَعْلَم أَنَّهُ أَفْضَل مِنِّي وَأَحَقّ بِالْأَمْرِ») (٤).\n_________\n(١) منهاج السنة (٥/ ٢٤٥).\n(٢) نفس المصدر والصفحة.\n(٣) قرب الإسناد للحميري الشيعي (ص ٤٥) ط. إيران.\n(٤) فتح الباري (١٣/ ٩٢).","vol":"1","page":173},{"text":"وأما قول الشيعة: «وقاتل عليًّا وهو عندهم رابع الخلفاء إمام حق، وكل من قاتل إمام حقٍ فهو باغ ظالم».\nفيقال لهم:\nالباغي قد يكون متأوّلًا معتقدًا أنه على حق، وقد يكون متعمدًا يعلم أنه باغٍ، وقد يكون بَغْيُهُ مركبًّا من شبهة وشهوة، وهو الغالب.\nوعلى كل تقدير فهذا لا يقدح فيما عليه أهل السنة؛ فإنهم لا يُنَزِّهُون معاوية - ﵁ - ولا مَن هو أفضل منه مِن الذنوب، فضلًا عن تنزيههم عن الخطأ في الاجتهاد، بل يقولون: إن الذنوب لها أسباب تُدفع عقوبتها من التوبة والاستغفار، والحسنات الماحية، والمصائب المكفِّرة، وغير ذلك. وهذا أمر يعم الصحابة - ﵃ - وغيرهم.\nوأهل السنة يثبتون خلافة الخلفاء كلهم، ويستدلون على صحة خلافتهم بالنصوص الدالة عليها، ويقولون: إنها انعقدت بمبايعة أهل الشوكة لهم، وعليّ - ﵁ - بايعه أهل الشوكة، وإن كانوا لم يجتمعوا عليه كما اجتمعوا عَلَى من قبله، لكن لا ريب أنه كان له سلطان وقوة بمبايعة أهل الشوكة له، وقد دل النصّ على أن خلافته خلافة نبوة.\nوأما تخلف من تخلف عن مبايعته، فعذرهم في ذلك أظهر من عذر سعد بن عبادة وغيره لما تخلّفوا عن بيعة أبا بكر، وإن كان لم يستقر تخلف أحد إلا سعد وحده، وأما عليّ وغيره فبايعوا الصديق بلا خلاف بين الناس.\nلكن قيل: إنهم إن تأخروا عن مبايعته ستة أشهر، ثم بايعوه.\nونقول للشيعة إلزامًا لهم بما يعتقدون:\nعليّ - ﵁ - إما أن يكون تخلّف أولًا عن بيعة أبي بكر، ثم بايعه بعد ستة أشهر، كما تقول ذلك طائفة من أهل السنة مع الشيعة. وإما يكون بايعه أول يوم، كما يقول ذلك طائفة أخرى.","vol":"1","page":174},{"text":"فإن كان الثاني بطل قول الشيعة: «إن عليًّا تخلّف عن بيعة أبي بكر - ﵄ -»، وثبت أنه كان من أول السابقين إلى بيعته.\nوإن كان الأول، فعذر من تخلف عن بيعة عليّ - ﵁ - أظهر من عذر من تخلف عن بيعة أبي بكر - ﵁ -، لأن النص والإجماع المثبتين لخلافة أبي بكر، ليس في خلافة عليّ مثلها.\nوالنصوص الثابتة عن النبي - ﵌ - تقتضي أن ترك القتال كان خيرًا للطائفتين، وأن القعود عن القتال كان خيرًا من القيام فيه، وأن عليًّا - ﵁ -، مع كونه أوْلى بالحق من معاوية - ﵁ - وأقرب إلى الحق من معاوية، لو ترك القتال لكان أفضل وأصلح وخيرًا.\nوأهل السنة يترحّمون على الجميع، ويستغفرون لهم، كما أمرهم الله تعالى بقوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ (الحشر:١٠).\nوالذين قاتلوا عليًا - ﵁ - لا يخلو: إما أن يكونوا عصاة، أو مجتهدين مخطئين، أو مصيبين. وعلى كل تقدير فهذا لا يقدح في إيمانهم ولا يمنعهم الجنة.\nفإن الله تعالى قال: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠)﴾ (الحجرات:٩، ١٠)، فسمّاهم إخوة ووصفهم بأنهم مؤمنون مع وجود الاقتتال بينهم، والبغي من بعضهم على بعض.\nفمن قاتل عليًّا - ﵁ -:فإن كان باغيًا فليس ذلك بمخرجه من الإيمان ولا بموجب له النيران، ولا مانع له من الجنان؛ فإن البغي إذا كان بتأويل كان صاحبه مجتهدًا.","vol":"1","page":175},{"text":"ولهذا اتفّق أهل السنة على أنه لا تفسق واحدة من الطائفتين، وإن قالوا في إحداهما: إنهم كانوا بغاة لأنهم كانوا متأوّلين مجتهدين، والمجتهد المخطئ لا يَكْفُر ولا يفسق، وإن تعمد البغي فهو ذنب من الذنوب، والذنوب يرفع عقابها بأسباب متعددة: كالتوبة، والحسنات الماحية، والمصائب المكفّرة، وشفاعة النبي - ﵌ -، ودعاء المؤمنين وغير ذلك.\nوالفتن إنما يُعرَف ما فيها من الشر إذا أدبرت. فأما إذا أقبلت فإنها تُزين، ويظن أن فيها خيرًا، فإذا ذاق الناس ما فيها من الشر والمرارة والبلاء، صار ذلك مبينًا لهم مضرتها، وواعظًا لهم أن يعودوا في مثلها، كما أنشد بعضهم:\nالحَرْبُ أوّلَ مَا تَكونُ فتيّةً ... تَبْدُو بِزِينَتِهَا لِكُلّ جَهُولِ\nحتى إذا حَمِيَتْ وَشبّ ضِرَامُها ... عادتْ عجوزًا غيرَ ذاتِ خليلِ\nشَمطاءُ جَزّتْ رَأسَها وَتَنَكّرَتْ ... مكروهة ً للشَّمِّ والتقبيلِ\n\nوالذين دخلوا في الفتنة من الطائفتين لم يعرفوا ما في القتال من الشر، ولا عرفوا مرارة الفتنة حتى وقعت، وصارت عبرة لهم ولغيرهم.\nوقول النبي - ﵌ - في الحديث المتفق على صحته: «تَكُونُ فِي أُمَّتِي فِرْقَتَانِ فَتَخْرُجُ مِنْ بَيْنِهِمَا مَارِقَةٌ يَلِي قَتْلَهُمْ أَوْلَاهُمْ بِالْحَقِّ» يدل على أن عليًّا - ﵁ - وأصحابه أدنى إلى الحق من معاوية - ﵁ - وأصحابه.\nوكذلك حديث عمار بن ياسر: «وَيْحَ عَمَّارٍ تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ» قد رواه البخاري في صحيحه ورواه مسلم بلفظ: «تَقْتُلُ عَمَّارًا الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ».\nوالذين قتلوه هم الذين باشروا قتله. والحديث أطلِق فيه لفظ «البغي» لم يقيده بمفعول، ولفظ البغي إذا أطلق فهو الظلم، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ (الحجرات:٩)، وقال - ﷿ -: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ (البقرة:١٧٣).","vol":"1","page":176},{"text":"وأهل العلم في هذا الحديث - حديث عمار - على ثلاثة أقوال:\n١ - فطائفة ضعفته لما روي عندها بأسانيد ليست ثابتة عندهم، ولكن رواه أهل الصحيح، رواه البخاري ومسلم.\n٢ - ومنهم من قال: هذا دليل على أن معاوية وأصحابه بغاة، وأن قتال عليّ لهم قتال أهل العدل لأهل البغي، لكنهم بغاة متأولون لا يُكفرون ولا يُفسقون.\n٣ - والقول الثالث في هذا الحديث - حديث عمار - إنَّ قاتِل عمار طائفة باغية، ليس لهم أن يقاتلوا عليًا، ولا يمتنعوا عن مبايعته وطاعته، وإن لم يكن عليّ مأمورًا بقتالهم، ولا كان فرضًا عليه قتالهم لمجرد امتناعهم عن طاعته، مع كونهم ملتزمين شرائع الإسلام، وإن كان كل من المقتتلتَيْن متأولين مسلمين مؤمنين، وكلهم يُستغفر لهم ويُترحم عليهم، عملًا بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ (الحشر:١٠).\nفكان الصواب أن لا يكون قتال، وكان ترك القتال خيرًا للطائفتين، فليس في الاقتتال صواب، ولكن عليًّا كان أقرب إلى الحق من معاوية - ﵄ -، والقتال قتال فتنة ليس بواجب ولا مستحب، وكان ترك القتال خيرًا للطائفتين، مع أن عليًا - ﵁ - كان أوْلَى بالحق.\nوهذا قول الإمام أحمد وأكثر أهل الحديث أئمة الفقه، وهو قول أكابر الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وهو قول عمران بن حُصيْن - ﵁ -، وكان ينهي عن بيع السلاح في ذلك القتال، ويقول: «هو بيع السلاح في الفتنة»، وهو قول أسامة بن زيد، ومحمد بن مسلمة، وابن عمر، وسعد بن أبي وقاص، وأكثر من بقي من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار - ﵃ -.","vol":"1","page":177},{"text":"ولهذا كان من مذاهب أهل السنة الإمساك عما شجر بين الصحابة، فإنه قد ثبتت فضائلهم، ووجبت موالاتهم ومحبتهم. وما وقع منه ما يكون لهم فيه عذر يخفى على الإنسان، ومنه ما تاب صاحبه منه، ومنه ما يكون مغفورًا.\nفالخوض فيما شجر يُوقع في نفوس كثير من الناس بُغضًا وذمًا، ويكون هو في ذلك مخطئًا، بل عاصيًا، فيضر نفسه ومن خاض معه في ذلك، كما جرى لأكثر من تكلَّم في ذلك؛ فإنهم تكلموا بكلام لا يحبه الله ولا رسوله: إما مِن ذم مَن لا يستحق الذم، وإما مِن مدح أمور لا تستحق المدح. ولهذا كان الإمساك طريقة أفاضل السلف.\nوالكتاب والسنة قد دلّا على أن الطائفتين مسلمون، وأن ترك القتال كان خيرًا من وجوده. قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠)﴾ (الحجرات:٩، ١٠)؛ فسمّاهم مؤمنين إخوة مع وجود الاقتتال والبغي.\nوفي الصحيحين عن النبي - ﵌ - أنه قال: «تَكُونُ فِي أُمَّتِي فِرْقَتَانِ فَتَخْرُجُ مِنْ بَيْنِهِمَا مَارِقَةٌ يَلِي قَتْلَهُمْ أَوْلَاهُمْ بِالْحَقِّ» وهؤلاء المارقة مرقوا على عليّ، فدل على أن طائفته أقرب إلى الحق من طائفة معاوية.\nوفي الصحيحين عن عَنْ أَبِى بَكْرَةَ - ﵁ -:أَخْرَجَ النَّبِىُّ - ﵌ - ذَاتَ يَوْمٍ الْحَسَنَ فَصَعِدَ بِهِ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَقَالَ «ابْنِى هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ». فأصلح الله به بين أصحاب عليّ ومعاوية، فمدح النبي - ﵌ - الحسن بالإصلاح بينهما، وسماهما مؤمنين. وهذا يدل على أن الإصلاح بينهما هو المحمود، ولو كان القتال واجبًا أو مستحبًا، لم يكن تركه محمودًا.\nوالذين رووا أحاديث القعود في الفتنة والتحذير منها، كسعد بن أبي وقاص، ومحمد بن مسلمة، وأسامة بن زيد لم يقاتلوا لا مع علي ولا مع معاوية - ﵃ -.","vol":"1","page":178},{"text":"عَنْ مُحَمَّدٍ اِبْن سِيرِينَ قَالَ: قَالَ حُذَيْفَةُ - ﵁ -: «مَا أَحَدٌ مِنْ النَّاسِ تُدْرِكُهُ الْفِتْنَةُ إِلَّا أَنَا أَخَافُهَا عَلَيْهِ إِلَّا مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﵌ - يَقُولُ: «لَا تَضُرُّكَ الْفِتْنَةُ» (رواه أبوداود وصححه الألباني). (١).\nوعَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ ضُبَيْعَةَ قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى حُذَيْفَةَ فَقَالَ: «إِنِّي لَأَعْرِفُ رَجُلًا لَا تَضُرُّهُ الْفِتَنُ شَيْئًا».\nقَالَ: فَخَرَجْنَا فَإِذَا فُسْطَاطٌ مَضْرُوبٌ فَدَخَلْنَا فَإِذَا فِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فَسَأَلْنَاهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: «مَا أُرِيدُ أَنْ يَشْتَمِلَ عَلَيَّ شَيْءٌ مِنْ أَمْصَارِكُمْ حَتَّى تَنْجَلِيَ عَمَّا انْجَلَتْ» (رواه أبوداود وصححه الألباني) (٢).\nومما ينبغي أن يُعلم أن الأمة يقع فيها أمور بالتأويل في دمائها وأموالها وأعراضها، كالقتال واللعن والتكفير. فعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ - ﵁ - قَالَ: «بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ - ﵌ - فِي سَرِيَّةٍ فَصَبَّحْنَا الْحُرَقَاتِ مِنْ جُهَيْنَةَ فَأَدْرَكْتُ رَجُلًا فَقَالَ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ».\nفَطَعَنْتُهُ فَوَقَعَ فِي نَفْسِي مِنْ ذَلِكَ فَذَكَرْتُهُ لِلنَّبِيِّ - ﵌ - فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﵌ -: ... «أَقَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَقَتَلْتَهُ؟».\nقَالَ: قُلْتُ: «يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّمَا قَالَهَا خَوْفًا مِنْ السِّلَاحِ».\nقَالَ: «أَفَلَا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ حَتَّى تَعْلَمَ أَقَالَهَا أَمْ لَا»، فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا عَلَيَّ حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي أَسْلَمْتُ يَوْمَئِذٍ (رواه مسلم).\n_________\n(١) (إِلَّا أَنَا أَخَافهَا عَلَيْهِ):أَيْ أَخَاف مَضَرَّة تِلْكَ الْفِتْنَة عَلَيْهِ. (إِلَّا مُحَمَّد بْن مَسْلَمَةَ):هُوَ مِنْ أَكَابِر الصَّحَابَة شَهِدَ بَدْرًا وَالْمَشَاهِد كُلّهَا اِسْتَوْطَنَ الْمَدِينَة وَاعْتَزَلَ الْفِتْنَة. (باختصار من عون المعبود).\n(٢) (فَإِذَا فُسْطَاط):بِالضَّمِّ أَيْ خِبَاء. (فَإِذَا فِيهِ):أَيْ فِي الْفُسْطَاط. (فَسَأَلْنَاهُ عَنْ ذَلِكَ):أَيْ عَنْ سَبَب خُرُوجه وَإِقَامَته فِي الْفُسْطَاط. (فَقَالَ):أَيْ مُحَمَّد مِنْ مَسْلَمَةَ.\n(مَا أُرِيدُ أَنْ يَشْتَمِلَ عَلَيَّ شَيْءٌ مِنْ أَمْصَارِكُمْ):الْمَعْنَى لَا أُرِيدَ أَنْ أَسْكُن وَأُقِيم فِي أَمْصَاركُمْ (حَتَّى تَنْجَلِي عَمَّا اِنْجَلَتْ):أَيْ تَنْكَشِف وَتَزُول.\nومَعْنَى الْحَدِيث حَتَّى تَنْكَشِف الْفِتَن عَنْ الْأَمْصَار الَّذِي غَطَّتْهُ الْفِتَن. (باختصار من عون المعبود).","vol":"1","page":179},{"text":"وَقَوْله (حَتَّى تَمَنَّيْت أَنِّي أَسْلَمْت يَوْمئِذٍ) مَعْنَاهُ لَمْ يَكُنْ تَقَدَّمَ إِسْلَامِي بَلْ اِبْتَدَأْت الْآنَ الْإِسْلَام لِيَمْحُوَ عَنِّي مَا تَقَدَّمَ. وَقَالَ هَذَا الْكَلَام مِنْ عِظَمِ مَا وَقَعَ فِيهِ (١).\nوعن عُبَيْدَ اللهِ بْنَ عَدِيٍّ أَنَّ الْمِقْدَادَ بْنَ عَمْرٍو الْكِنْدِيَّ حَلِيفَ بَنِي زُهْرَةَ حَدَّثَهُ وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ النَّبِيِّ - ﵌ - أَنَّهُ قَالَ: «يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي لَقِيتُ كَافِرًا فَاقْتَتَلْنَا فَضَرَبَ يَدِي بِالسَّيْفِ فَقَطَعَهَا ثُمَّ لَاذَ مِنِّي بِشَجَرَةٍ، وَقَالَ: أَسْلَمْتُ للهِ آقْتُلُهُ بَعْدَ أَنْ قَالَهَا؟».\nقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﵌ -: «لَا تَقْتُلْهُ».\nقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ فَإِنَّهُ طَرَحَ إِحْدَى يَدَيَّ ثُمَّ قَالَ ذَلِكَ بَعْدَ مَا قَطَعَهَا آقْتُلُهُ؟\nقَالَ: «لَا تَقْتُلْهُ؛ فَإِنْ قَتَلْتَهُ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَتِكَ قَبْلَ أَنْ تَقْتُلَهُ وَأَنْتَ بِمَنْزِلَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ كَلِمَتَهُ الَّتِي قَالَ» (رواه البخاري ومسلم).\nفقد ثبت أن هؤلاء قتلوا قومًا مسلمين لا يحل قتلهم، ومع هذا لم يقتلهم النبي - ﵌ -، ولا ضمن المقتول بِقَوَدٍ ولا ديّة ولا كفّارة، لأن القاتل كان متأولًا. وهذا قول أكثر العلماء، كالشافعي وأحمد وغيرهما.\nفالبغاة المتأولون كذلك لم تضمنهم الصحابة - ﵃ -.\nإذا تبين هذا فيقال: قول الرافضة من أفسد الأقوال وأشدها تناقضًا؛ فإنهم يعظِّمون الأمر على مَن قاتل عليًّا، ويمدحون مَن قتل عثمان - ﵄ -، مع أن الذم والإثم لمن قتل عثمان أعظم من الذم والإثم لمن قاتل عليًّا - ﵄ -.\n_________\n(١) باختصار من شرح صحيح مسلم للنووي.","vol":"1","page":180},{"text":"افتراء متعلق بهذه الشبهة\nقالوا: «إن معاوية شر من إبليس، لم يسبقه في سالف طاعته، وجرى معه في ميدان معصيته. ولا شك بين العلماء أن إبليس كان أعبد من الملائكة، وكان يحمل العرش وحده ستة آلاف سنة، ولما خلق الله آدم وجعله خليفة في الأرض، وأمره بالسجود فاستكبر فاستحق اللعنة والطرد، ومعاوية لم يزل في الإشراك وعبادة الأصنام إلى أن أسلم بعد ظهور النبي - ﵌ - بمدة طويلة، ثم استكبر عن طاعة الله في نصب أمير المؤمنين عليه إمامًا، وبايعه الكل بعد قتل عثمان وجلس مكانه، فكان شرًا من إبليس».\nالجواب:\nهذا الكلام فيه من الجهل والضلال والخروج عن دين الإسلام وكل دين، بل وعن العقل الذي يكون لكثير من الكفار، ما لا يخفى على من تدبره.\nأولًا: إن إبليس أكفر من كل كافر، وكل من دخل النار فمن أتباعه. كما قال تعالى: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٥)﴾ (ص:٨٥)، وهو الآمر لهم بكل قبيح المزين له، فكيف يكون أحد شرًا منه؟ لاسيما من المسلمين، لاسيما من الصحابة - ﵃ -؟\nوقول هؤلاء: «إن معاوية شرٌّ من إبليس، لم يسبقه في سالف طاعة، وجرى معه في ميدان المعصية» يقتضي أن كل من عصى الله فهو شر من إبليس، لأنه لم يسبقه في سالف طاعة، وجرى معه في ميدان المعصية. وحينئذ فيكون آدم وذريته شرًّا من إبليس، فإن النبي - ﵌ - قال: «كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ» (رواه الترمذي وحسنه الألباني).\nثم هل يقول من يؤمن بالله واليوم الآخر: إن من أذنب ذنبًا من المسلمين يكون شرًا من إبليس؟ وهذا مما يعلم فساده بالاضطرار من دين الإسلام، وقائل هذا كافر كفرًا معلومًا بالضرورة من الدين.\nوعلى هذا فالشيعة دائمًا يذنبون، فيكون كل منهم شرًا من إبليس.\nثم إذا قالت الخوارج: إن عليًّا - ﵁ - أذنب فيكون شرًا من إبليس - لم يكن للروافض حجة إلا دعوى عصمته وهم لا يقدرون أن يقيموا حجة على الخوارج بإيمانه وإمامته وعدالته، فكيف يقيمون حجة عليهم بعصمته؟\nولكن أهل السنة تقدر أن تقيم الحجة بإيمانه وإمامته، لأن ما تحتج به الرافضة منقوض ومعارض بمثله، فيبطل الاحتجاج به.\nوفي الجملة فلوازم هذا القول وما فيه من الفساد يفوق الحصر والتعداد.\nثانيًا: إن أحدًا لا يجرى مع إبليس في ميدان معصيته كلها، فلا يتصور أن يكون في الآدميين من يساوي إبليس في معصيته، بحيث يضل الناس كلهم ويغويهم.\nوأما طاعة إبليس المتقدمة فهي حابطة بكفره بعد ذلك، فإن الردة تحبط العمل، فما تقدم من طاعته - إن كان طاعة - فهي حابطة بكفره وردته، وما يفعله من المعاصي لا يماثله أحد فيه، فامتنع أن يكون أحد شرًا منه، وصار نظير هذا المرتد الذي يقتل النفوس ويزني ويفعل عامة القبائح بعد سابق طاعاته، فمن جاء بعده ولم يسبقه إلى تلك الطاعات الحابطة، وشاركه في قليل من معاصيه، لا يكون شرًا منه، فكيف يكون أحد شرًا من إبليس؟\nوهذا ينقض أصول الشيعة: حقها وباطلها.\nوأقل ما يلزمهم أن يكون أصحاب عليّ - ﵁ - الذين قاتلوا معه، وكانوا أحيانًا يعصونه، شرًّا من الذين امتنعوا عن مبايعته من الصحابة، لأن هؤلاء عبدوا الله قبلهم، وأولئك جروا معهم في ميدان المعصية.\nثالثًا: ما الدليل على أن إبليس كان أعبد الملائكة؟ وأنه كان يحمل العرش وحده ستة آلاف سنة؟ أو أنه كان من حملة العرش في الجملة؟ أو أنه كان طاووس الملائكة؟ أو أنه ما ترك في السماء رقعة ولا في الأرض بقعة إلا وله فيها سجدة وركعة؟ ونحو ذلك مما يقوله بعض الناس؟","vol":"1","page":181},{"text":"فإن هذا أمر إنما يعلم بالنقل الصادق، وليس في القرآن شيء من ذلك، ولا في ذلك خبر صحيح عن النبي - ﵌ - وهل يحتج بمثل هذا في أصول الدين إلا من هو من أعظم الجاهلين؟!\nوأعجب من ذلك قولهم: «ولا شك بين العلماء أن إبليس كان أعبد الملائكة».\nفيقال: من الذي قال هذا من علماء الصحابة والتابعين وغيرهم من علماء المسلمين؟ فضلًا عن أن يكون هذا متفقًا عليه بين العلماء؟ وهذا شيء لم يقُلْه قط عالم يقبل قوله من علماء المسلمين. وهو أمر لا يعرف إلا بالنقل، ولم ينقل هذا أحد عن النبي - ﵌ - لا بإسناد صحيح ولا ضعيف.\nفإن كان قاله بعض الوعاظ أو المصنفين في الرقائق، أو بعض من ينقل في التفسير من الإسرائيليات ما لا إسناد له، فمثل هذا لا يحتج به في جُرْزَةِ بقل، فكيف يحتج به في جعل إبليس خيرًا من كل من عصى الله من بني آدم، ويجعل الصحابة من هؤلاء الذين إبليس خير منهم؟\nوما وصف الله ولا رسوله - ﵌ - إبليس بخير قط ولا بعبادة متقدمة ولا غيرها، مع أنه لو كان له عبادة لكانت قد حبطت بكفره وردته.\nوأعجب من ذلك قولهم: «لا شك بين العلماء أن كان يحمل العرش وحده ستة آلاف سنة» فيا سبحان الله! هل قال ذلك أحد من علماء المسلمين المقبولين عند المسلمين؟ وهل يتكلم بذلك إلا مفرط في الجهل؟ فإن هذا لا يعرف - لو كان حقًا - إلا بنقل الأنبياء، وليس عن النبي - ﵌ - في ذلك شيء.\nثم حمل واحد من الملائكة العرش خلاف ما دل عليه النقل الصحيح.\nثم ما باله حمل العرش وحده ستة آلاف سنة ولم يكن يحمله وحده دائمًا؟\nومن الذي نقل أن إبليس من حملة العرش؟","vol":"1","page":183},{"text":"وهذا من أكذب الكذب؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ (غافر:٧)، فأخبر أن له حَمَلةً لا واحدًا، وأنهم كلهم مؤمنون مسبحون بحمد ربهم، مستغفرون للذين آمنوا.\nرابعًا: إن إبليس كفر، كما أخبر الله تعالى بقوله: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٧٤)﴾ (ص:٧٤)، فلو قُدِّر أنه كان له عمل صالح حبط بكفره.\nكذلك غيره إذا كفر حبط عمله، فأين تشبيه المؤمنين بهذا؟!\nخامسًا: قولهم: «إن معاوية لم يزل في الشرك إلى أن أسلم» به يظهر الفرق فيما يقصد به الجمع، فإن معاوية أسلم بعد الكفر، وقد قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (الأنفال:٣٨)، وتاب من شركه وأقام الصلاة وآتى الزكاة، وقد قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ (التوبة:١١). وإبليس كفر بعد إيمانه فحبط إيمانه بكفره، وذاك حبط كفره بإيمانه، فكيف يقاس من آمن بعد الكفر بمن كفر بعد الإيمان؟!\nسادسًا: قد ثبت إسلام معاوية - ﵁ -، والإسلام يَجُبُّ ما قبله. فمن ادعى أنه ارتد بعد ذلك كان مدعيًا دعوى بلا دليل لو لم يعلم كذب دعواه، فكيف إذا علم كذب دعواه، وأنه مازال على الإسلام إلى أن مات، كما علم بقاء غيره على الإسلام؟\nفالطريق الذي يُعلم به بقاء إسلام أكثر الناس من الصحابة وغيرهم، يُعلم به بقاء إسلام معاوية - ﵁ -.\nوالمدَّعي لارتداد معاوية وعثمان وأبي بكر وعمر - ﵃ -، ليس هو أظهر حجة من المدعي لارتداد عليّ - ﵁ -.\nفإن كان المدَّعي لارتداد عليّ - ﵁ - كاذبًا، فالمدعي لارتداد هؤلاء أظهر كذبًا - ﵃ -.","vol":"1","page":184},{"text":"سابعًا: هذه الدعوى إن كانت صحيحة، ففيها من القدح والغضاضة بعليّ والحسن وغيرهما ما لا يخفى. وذلك أنه يلزم منها أن عليًا - ﵁ - كان مغلوبًا مع المرتدّين، وكان الحسن - ﵁ - قد سلَّم أمر المسلمين إلى المرتدين.\nوخالد بن الوليد قهر المرتدّين، فيكون نصر الله لخالد على الكفار أعظم من نصره لعليّ. والله - ﷾ - عدل لا يظلم واحدًا منهما فيكون ما استحقه خالد من النصر أعظم مما استحقه عليّ، فيكون أفضل عند الله منه.\nبل وكذلك جيوش أبي بكر وعمر وعثمان ونوّابهم؛ فإنهم كانوا منصورين على الكفّار أيضًا؛ فإن الله ﷾ يقول: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩)﴾ (آل عمران:١٣٩)، وقال تعالى: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ (٣٥)﴾ (محمد:٣٥).\nوعليّ - ﵁ - دعا معاوية إلى السِّلْم في آخر الأمر، لَمّا عجز عن دفعه عن بلاده، وطلب منه أن يبقى كل واحد منهما على ما هو عليه. وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩)﴾ (آل عمران:١٣٩).\nوحسب عقيدة الشيعة فإن أصحاب علي - ﵁ - مؤمنون، وأولئك مرتدون، ويلزم من ذلك أن يكونوا هم الأعلين، وهو خلاف الواقع.\nثامنًا: من قال: «إن معاوية - ﵁ - استكبر عن طاعة الله في نصب أمير المؤمنين» نقول له: لِمَ قلت: إنه علم أن ولايته صحيحة، وأن طاعته واجبة عليه؟ فإن الدليل على ثبوت ولايته ووجوب طاعته من المسائل المشتبهة التي لا تظهر إلا بعد بحث ونظر، بخلاف من أجمع الناس على طاعته.\nوبتقدير أن يكون عَلِمَ ذلك، فليس كل من عصى يكون مستكبرًا عن طاعة الله. والمعصية تصدر تارة عن شهوة، وتارة عن كِبْر، وهل يُحكم على كل عاصٍ بأنه مستكبر عن طاعة الله كاستكبار إبليس؟!","vol":"1","page":185},{"text":"تاسعًا: قولهم: «وبايعه الكل بعد عثمان».\nإن لم يكن هذا حجة فلا فائدة فيه، وإن كان حجة فمبايعتهم لعثمان كان اجتماعهم عليها أعظم. والشيعة لا يرون الممتنع عن طاعة عثمان كافرًا، بل مؤمنًا تقيًّا.\nعاشرًا: اجتماع الناس على مبايعة أبي بكر كانت على قول الشيعة أكمل، وهم وغيرهم يقولون: إن عليًّا تخلّف عنها مدة.\nفيلزم على قولهم أن يكون عليّ - ﵁ - مستكبرًا عن طاعة الله في نصب أبي بكر عليه إمامًا، فيلزم حينئذ كفر عليّ بمقتضى حجتهم، أو بطلانها في نفسها.\nوكُفْر عليّ - ﵁ - باطل، فلزم بطلانها.\nحادي عشر: قولهم: «بايعه الكل بعد عثمان» من أظهر الكذب، فإن كثيرًا من المسلمين: إما النصف، وإما أقل أو أكثر لم يبايعوه، ولم يبايعه سعد بن أبي وقاص ولا ابن عمر ولا غيرهما.\nثاني عشر: قولهم: «إنه جلس مكانه» كذب؛ فإن معاوية لم يطلب الأمر لنفسه ابتداء، ولا ذهب إلى عليّ لينزعه عن إمارته، ولكن امتنع هو وأصحابه عن مبايعته، وبقي على ما كان عليه واليًا على من كان واليًا عليه في زمن عمر وعثمان. ولما جرى حكم الحكمين إنما كان متوليًا على رعيته فقط.\nفإن أريد بجلوسه في مكانه أنه استبد بالأمر دونه في تلك البلاد، فهذا صحيح، لكن معاوية - ﵁ - يقول: إني لم أنازعه شيئًا هو في يده، ولم يثبت عندي ما يوجب عليّ دخولي في طاعته.\nوهذا الكلام سواء كان حقًا أو باطلًا لا يوجب كون صاحبه شرًّا من إبليس، ومَن جعل أصحاب رسول الله - ﵌ - شرًّا من إبليس، فما أبقى غاية في الافتراء على الله ورسوله والمؤمنين، والعدوان على خير القرون في مثل هذا المقام، والله ينصر رسله والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، والهوى إذا بلغ بصاحبه إلى هذا الحد فقد أخرج صاحبه عن ربقة العقل، فضلًا عن العلم والدين.","vol":"1","page":186},{"text":"سؤال للشيعة\nمن المسَلّم عند كل من اطلع على مذهب الشيعة الإمامية أنهم يكفّرون معاوية لقتاله عليًا - ﵁ - ولكن الثابت - عندهم - أن الحسن بن علي - ﵄ - من الأئمة المعصومين، فكل ما يصدر عنه فهو حق، والحسن قد صالح معاوية وبايعه على الخلافة. فهل صالح الحسن (المعصوم) - ﵁ - كافرًا وسلّم له بالخلافة؟! أم أصلح بين فئتين مسلمتين كما قال النبي ﵌؟!!! نريد من الشيعة الإجابة!!!\nإن في مصادر الاثني عشرية ما يثبت أن عليًا ومعاوية على حق ومأجورين على اجتهادهما فقد ذكر الكليني في كتابه (الروضة من الكافي) - الذي يمثل أصول وفروع مذهب الاثني عشرية: «عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْحَلَبِيِّ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ (﵇) يَقُولُ: «اخْتِلَافُ بَنِي الْعَبَّاسِ مِنَ الْمَحْتُومِ، وَالنِّدَاءُ مِنَ الْمَحْتُومِ، وَخُرُوجُ الْقَائِمِ مِنَ الْمَحْتُومِ».قُلْتُ: وَكَيْفَ النِّدَاءُ؟\nقَالَ: يُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ أَوَّلَ النَّهَارِ أَلَا إِنَّ عَلِيًّا وَشِيعَتَهُ هُمُ الْفَائِزُونَ، قَالَ وَيُنَادِي مُنَادٍ فِي آخِرِ النَّهَارِ أَلَا إِنَّ عُثْمَانَ وَشِيعَتَهُ هُمُ الْفَائِزُونَ» (١).\nوهذا علي بن أبي طالب يقرر أن عثمان وشيعته هم أهل إسلام وإيمان ولكن القضية اجتهادية كل يرى نفسه على الحق في مسألة عثمان فيذكر الشيعي الشريف الرضي في كتابهم (نهج البلاغة) عن علي - ﵁ - أنه قال: «وكان بدء أمرنا أن التقينا والقوم من أهل الشام، والظاهر أن ربنا واحد ونبينا واحد، ودعوتنا في الإسلام واحدة، ولا نستزيدهم في الإيمان بالله والتصديق برسوله ولا يستزيدوننا، الأمر واحد إلا ما اختلفنا فيه من دم عثمان ونحن منه براء» (٢)\n_________\n(١) روضة الكافي (٨/ ٣١٠).\n(٢) نهج البلاغة (٣/ ٦٤٨).","vol":"1","page":187},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-63>الشبهة السادسة</span>\nقالوا: إن أهل السنة قالوا لمعاوية إنه خال المؤمنين دون محمد بن أبي بكر، وسبب ذلك محبة محمد بن أبي بكر لعليّ - ﵁ -، ومفارقته لأبيه، وبغض معاوية لعلي ومحاربته له.\nالجواب:\nتنازع العلماء في إخوة أمهات المؤمنين: هل يقال لأحدهم خال المؤمنين (١)؟\nفقيل: يقال لأحدهم خال المؤمنين؛ وعلى هذا فهذا الحكم لا يختص بمعاوية بل يدخل في ذلك عبد الرحمن ومحمد ولدا أبي بكر، وعبد الله وعبيد الله وعاصم أولاد عمر ويدخل في ذلك عمرو بن الحارث بن أبي ضرار أخو جويرية بنت الحارث، ويدخل في ذلك عتبة بن أبي سفيان ويزيد بن أبي سفيان أخوا معاوية.\nومن علماء السنة من قال: لا يطلق على إخوة الأزواج أنهم أخوال المؤمنين فإنه لو أطلق ذلك لأطلق على أخواتهن أنهن خالات المؤمنين ولو كانوا أخوالا وخالات لحرم على المؤمنين أن يتزوج أحدهم خالته وحرم على المرأة أن تتزوج خالها.\nوقد ثبت بالنص والإجماع أنه يجوز للمؤمنين والمؤمنات أن يتزوجوا أخواتهن وإخوتهن كما تزوج العباس أم الفضل أخت ميمونة بنت الحارث أم المؤمنين ووُلد له منها عبد الله والفضل وغيرهما، وكما تزوج عبد الله بن عمر وعبيد الله ومعاوية وعبد الرحمن بن أبي بكر ومحمد بن أبي بكر من تزوجوهن من المؤمنات ولو كانوا أخوالًا لهن لما جاز للمرأة أن تتزوج خالها.\nقالوا: وكذلك لا يطلق على أمهاتهن أنهن جدات المؤمنين ولا على آبائهن أنهم أجداد المؤمنين لأنه لم يثبت في حق الأمهات جميع أحكام النسب وإنما ثبت الحرمة\n_________\n(١) جاء في معجم المناهي اللفظية للشيخ بكر أبو زيد: (خال المؤمنين) في إطلاق ذلك على إخوان زوجات النبي - ﵌ - قولان للعلماء: المنع، والجواز، وحكاهما الكرماني في (شرح البخاري) ولم يرجِّح.","vol":"1","page":188},{"text":"والتحريم وأحكام النسب تتبعض كما يثبت بالرضاع التحريم والمحرمية ولا يثبت بها سائر أحكام النسب وهذا كله متفق عليه.\nوالذين أطلقوا على الواحد من أولئك أنه خال المؤمنين لم ينازعوا في هذه الأحكام ولكن قصدوا بذلك الإطلاق أن لأحدهم مصاهرة مع النبي - ﵌ - واشتهر ذكرهم لذلك عن معاوية - ﵁ - كما اشتهر أنه كاتب الوحي وقد كتب الوحي غيره، فهم لا يذكرون ما يذكرون من ذلك لاختصاصه به بل يذكرون ما له من الاتصال بالنبي - ﵌ - كما يذكرون في فضائل غيره ما ليس من خصائصه، كقوله - ﵌ - لعلي - ﵁ -: «لأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ رَجُلًا يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ». (رواه البخاري ومسلم).\nوقول علي - ﵁ -: «وَالَّذِى فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ إِنَّهُ لَعَهْدُ النَّبِىِّ الأُمِّىِّ - ﵌ - إِلَىَّ «أَنْ لاَ يُحِبَّنِى إِلاَّ مُؤْمِنٌ وَلاَ يُبْغِضَنِى إِلاَّ مُنَافِقٌ». (رواه مسلم).\nفهذان الأمران ليسا من خصائص علي - ﵁ - لكنهما من فضائله ومناقبه التي تعرف بها فضيلته واشتهر رواية أهل السنة لها ليدفعوا بها قدْح مَن قدَح في علي - ﵁ - من الخوارج وغيرهم حيث جعلوه كافرًا أو ظالمًا.\nومعاوية - ﵁ - أيضا لما كان له نصيب من الصحبة والاتصال برسول الله - ﵌ - وصار أقوام يجعلونه كافرًا أو فاسقًا ويستحلون لعنته ونحو ذلك احتاج أهل العلم أن يذكروا ما له من الاتصال برسول الله - ﵌ - ليرعى بذلك حق المتصلين برسول الله - ﵌ - بحسب درجاتهم.\nوهذا القدر لو اجتهد فيه الرجل وأخطأ لكان خيرًا ممن اجتهد في بغضهم وأخطأ فإن باب الإحسان إلى الناس والعفو عنهم مقدم على باب الإساءة والانتقام، فخطأ المجتهد في الإحسان إليهم بالدعاء والثناء عليهم والذب عنهم خير من خطئه في الإساءة إليهم باللعن والذم والطعن.","vol":"1","page":189},{"text":"وما شجر بينهم غايته أن يكون ذنبًا والذنوب مغفورة بأسباب متعددة هم أحق بها ممن بعدهم وما تجد أحدًا قدح فيهم إلا وهو يغضي عما هو أكبر من ذلك من زلات غيرهم وهذا من أعظم الجهل والظلم.\nوهؤلاء الرافضة يقدحون فيهم بالصغائر وهم يغضون عن الكفر والكبائر فيمن يعاونهم من الكفار والمنافقين كاليهود والنصارى والمشركين والإسماعيلية والنصيرية وغيرهم؛ فمن ناقش المؤمنين على الذنوب وهو لا يناقش الكفار والمنافقين على كفرهم ونفاقهم بل وربما يمدحهم ويعظمهم دل على أنه من أعظم الناس جهلًا وظلمًا إن لم ينته به جهله وظلمه إلى الكفر والنفاق.\nومما يبين تناقضهم أنه ذكروا معاوية ومحمد بن أبي بكر وأنهم سموا هذا خال المؤمنين ولم يسموا هذا خال المؤمنين ولم يذكروا بقية من شاركهما في ذلك وهم أفضل منهما كعبد الله بن عمر بن الخطاب وأمثاله.\nوقد بينا أن أهل السنة لا يخصون معاوية - ﵁ - بذلك وأما هؤلاء الرافضة فخصوا محمد بن أبي بكر بالمعارضة وليس هو قريبًا من عبد الله بن عمر في عمله ودينه بل ولا هو مثل أخيه عبد الرحمن بل عبد الرحمن له صحبة وفضيلة.\nومحمد بن أبي بكر إنما وُلد عام حجة الوداع بذي الحليفة ولم يدرك من حياة النبي - ﵌ - إلا خمس ليال من ذي القعدة وذا الحجة والمحرم وصفر وأوائل شهر ربيع الأول ولا يبلغ ذلك أربعة أشهر.\nومات أبوه أبو بكر وتزوج علىٌّ - ﵄ - بعد أبي بكر بأمه أسماء بنت عميس - ﵂ - فكان ربيب على وكان اختصاصه بعلي لهذا السبب.\n* وأما قولهم: «إن سبب قول أهل السنة لمعاوية إنه خال المؤمنين دون محمد بن أبي بكر محبة محمد بن أبي بكر لعليّ، ومفارقته لأبيه»، فكَذِبٌ بَيِّنٌ، وذلك أن محمد بن أبي بكر في حياة أبيه لم يكن إلا طفلًا له أقل من ثلاث سنين، وبعد موت أبيه كان من أشد الناس تعظيمًا لأبيه، به كان يتشرف، وكانت له بذلك حرمة عند الناس.","vol":"1","page":190},{"text":"وأما قولهم: «إن سبب قول أهل السنة لمعاوية إنه خال المؤمنين دون محمد بن أبي بكر، أن محمدًا هذا كان يحب عليًّا، ومعاوية كان يبغضه».\nفيقال: هذا كذب أيضًا؛ فإن عبد الله بن عمر - ﵄ - كان أحق بهذا المعنى مِن هذا وهذا، وهو لم يقاتل لا مع هذا ولا مع هذا، وكان معظِّمًا لعليّ - ﵁ -، محبًا له، يذكر فضائله ومناقبه، وكان مبايعًا لمعاوية لما اجتمع عليه الناس غير خارج عليه، وأخته أفضل من أخت معاوية، وأبوه أفضل من أبي معاوية، والناس أكثر محبة وتعظيمًا له من معاوية ومحمد، ومع هذا فلم يشتهر عنه خال المؤمنين.\nفعُلم أنه ليس سبب ذلك ما ذكره.\nوأيضًا فأهل السنّة يحبون الذين لم يقاتلوا عليًّا - ﵁ - أعظم مما يحبون مَن قاتَله، ويفضِّلون مَن لم يقاتله على من قاتله، كسعد بن أبي وقاص، وأسامة بن زيد، ومحمد بن مسلمة، وعبد الله بن عمر - ﵃ -. فهؤلاء أفضل من الذين قاتلوا عليًّا عند أهل السنة.\nوالحب لعليّ - ﵁ - وترك قتاله خير بإجماع أهل السنة من بغضه وقتاله.\nوهم متفقون على وجوب موالاته ومحبته، وهم من أشد الناس ذَبًّا عنه، وردًّا على من يطعن عليه من الخوارج وغيرهم من النواصب، لكن لكل مقام مقال.\nوالرافضة لا يمكنهم أن يثبتوا وجوب موالاته كما يمكن لأهل السنة.\nوأهل السنة متفقون على ذم الخوارج الذين هم أشد بغضًا له وعداوة من غيرهم.\nوأهل السنة متفقون على وجوب قتالهم، فكيف يفتري المفتري عليهم بأنَّ قَدْح هذا لبغضه عليًّا وذَمّ هذا لحبه عليًّا، مع أنه ليس من أهل السنة من يجعل بغض عليّ طاعة ولا حسنة، ولا يأمر بذلك، ولا من يجعل مجرد حبه سيئة ولا معصية، ولا ينهى عن ذلك.","vol":"1","page":191},{"text":"وكتب أهل السنة من جميع الطوائف مملوءة بذكر فضائله ومناقبه، وبذم الذين يظلمونه من جميع الفرق، وهم ينكرون على من سبَّه، وكارهون لذلك.\nوأهل السنة من أشد الناس بغضًا وكراهة لأن يُتعرض لعلي - ﵁ - بقتال أو سبّ، بل هم كلهم متفقون على أنه أجلّ قدرًا، وأحق بالإمامة، وأفضل عند الله وعند رسوله وعند المؤمنين من معاوية وأبيه وأخيه يزيد الذي كان خيرًا منه، وعليّ أفضل ممن هو أفضل من معاوية - ﵁ -.\nفالسابقون الأولون الذين بايعوا تحت الشجرة كلهم أفضل من الذين أسلموا عام الفتح، وفي هؤلاء خلق كثير أفضل من معاوية، وأهل الشجرة أفضل من هؤلاء كلهم، وعليّ - ﵁ - أفضل جمهور الذين بايعوا تحت الشجرة، بل هو أفضل منهم كلهم إلا الثلاثة، فليس في أهل السنة من يقدّم عليه أحدًا غير الثلاثة - أبي بكر وعمر وعثمان - ﵃ - ـ، بل يفضّلونه على جمهور أهل بدر وأهل بيعة الرضوان وعلى السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار.\nوممن أسلم بعد الحديبية خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وشيبة الحجبي وغيرهم. وأما سهيل بن عمرو، وعكرمة بن أبي جهل، وأبو سفيان بن حرب، وابناه يزيد ومعاوية، وصفوان بن أمية، وغيرهم، فهؤلاء مسلمة الفتح.\nومن الناس من يقول: إن معاوية - ﵁ - أسلم قبل أبيه، فيجعلونه من الصنف الأول.\nفإذا كانت هذه مراتب الصحابة عند أهل السنة، كما دلَّ عليه الكتاب والسنة، وهم متفقون على تأخر معاوية وأمثاله من مسلمة الفتح عمَّن أسلم بعد الحديبية، وعلى تأخر هؤلاء عن السابقين الأولين أهل الحديبية، وعلى أن البدريين أفضل من غير البدريين، وعلى أن عليًا أفضل من جماهير هؤلاء - لم يُقدَّم عليه أحد غير الثلاثة، فكيف يُنْسَبُ إلى أهل السنة تسويته بمعاوية، أو تقديم معاوية عليه - ﵄ -؟","vol":"1","page":192},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-64>الشبهة السابعة</span>\nقالوا: إن أهل السنة سموه كاتب الوحي ولم يكتب للنبي - ﵌ - كلمة واحدة من الوحي، بل كان يكتب له رسائل. وقد كان بين يدي النبي - ﵌ - أربعة عشر نفسًا يكتبون الوحي، أولهم وأخصهم وأقربهم إليه عليّ بن أبي طالب - ﵁ -، مع أن معاوية لم يزل مشركًا بالله تعالى في مدة كَوْن النبي - ﵌ - مبعوثًا، يُكذِّب بالوحي ويهزأ بالشرع.\nالجواب:\n* أما قول الشيعة: «وسمّوه كاتب الوحي ولم يكتب كلمة واحدة من الوحي».\nفهذا قول بلا حجة ولا علم، فما الدليل على أنه لم يكتب له كلمة واحدة من الوحي، وإنما كان يكتب له رسائل؟\nوقولهم: «إن كتاب الوحي كانوا بضعة عشر أخصّهم وأقربهم إليه عليّ».\nفلا ريب أن عليًّا - ﵁ - كان ممن يكتب له أيضًا، كما كتب الصلح بينه وبين المشركين عام الحديبية، ولكن كان يكتب له أبو بكر وعمر أيضًا، ويكتب له زيد بن ثابت بلا ريب.\nوكتب له أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ، وعامر بن فهيرة، وعبد الله بن الأرقم، وأبيّ بن كعب، وثابت بن قيس، وخالد بن سعيد بن العاص، وحنظلة بن الربيع الأسدي، وزيد بن ثابت، ومعاوية، وشُرحبيل بن حسنة - ﵃ -.\n* أما قولهم: «إن معاوية لم يزل مشركًا مدة كون النبي - ﵌ - مبعوثًا».\nفيقال: لا ريب أن معاوية وأباه وأخاه وغيرهم أسلموا عام فتح مكة، قبل موت النبي - ﵌ - بنحو ثلاث سنين، فكيف يكون مشركًا مدة البعث، ومعاوية - ﵁ - كان حين بُعث النبي - ﵌ - صغيرًا، ومعاوية - ﵁ - أسلم مع مسلمة الفتح، مثل أخيه يزيد، وسهيل بن عمرو، وصفوان بن أمية، وعكرمة بن أبي جهل وأبي سفيان بن حرب، وهؤلاء كانوا قبل إسلامهم أعظم كفرًا ومحاربة للنبي - ﵌ - من معاوية - ﵁ -.","vol":"1","page":193},{"text":"فصفوان وعكرمة وأبو سفيان كانوا مقدَّمين للكفار يوم أحد، رؤوس الأحزاب في غزوة الخندق، ومع هذا كان أبو سفيان وصفوان بن أمية وعكرمة من أحسن الناس إسلامًا، وقُتِلوا - ﵃ - يوم اليرموك.\nومعاوية لم يُعرف عنه قبل الإسلام أذًى للنبي - ﵌ - لا بيد ولا بلسان فإذا كان مَن هو أعظم معاداة للنبي - ﵌ - مِن معاوية قد حَسُن إسلامه، وصار ممن يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، فما المانع أن يكون معاوية - ﵁ - كذلك؟\nوكان معاوية - ﵁ - من أحسن الناس سيرة في ولايته، وهو ممن حسن إسلامه، ولولا محاربته لعليّ - ﵁ - وتولِّيه الملك، لم يذكره أحد إلا بخير، كما لم يذكر أمثاله إلا بخير. وهؤلاء مسلمة الفتح - معاوية ونحوه - قد شهدوا مع النبي - ﵌ - عدة غزوات، كغزاة حُنين والطائف وتبوك، فله من الإيمان بالله ورسوله والجهاد في سبيله ما لأمثاله، فكيف يكون هؤلاء كفارًا وقد صاروا مؤمنين مجاهدين تمام سنة ثمان وتسع وعشر وبعض سنة إحدى عشرة؟\nفإن مكة فُتحت باتفاق الناس في شهر رمضان سنة ثمان من الهجرة، والنبي - ﵌ - باتفاق الناس توفي في شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة، والناس كلهم كانوا كفارًا قبل إيمانهم بما جاء به النبي - ﵌ -، وكان فيهم من هو أشد عداوة للنبي - ﵌ - من معاوية وأسلم وحسن إسلامه، كأبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ابن عم رسول الله - ﵌ - كان من أشد الناس بُغضًا للنبي - ﵌ - وهجاء له قبل الإسلام.\nوأما معاوية - ﵁ - فكان أبوه شديد العداوة للنبي - ﵌ -، وكذلك أمه حتى أسلمت، فعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: «جَاءَتْ هِنْدٌ إِلَى النَّبِيِّ - ﵌ - فَقَالَتْ: «يَا رَسُولَ اللهِ، وَاللهِ مَا كَانَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ أَهْلُ خِبَاءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يُذِلَّهُمْ اللهُ مِنْ أَهْلِ خِبَائِكَ، وَمَا عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ أَهْلُ خِبَاءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يُعِزَّهُمْ اللهُ مِنْ أَهْلِ خِبَائِكَ».\nفَقَالَ النَّبِيُّ - ﵌ -: «وَأَيْضًا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِه». (رواه البخاري ومسلم).\n(خِبَاء) خَيْمَة مِنْ وَبَر أَوْ صُوف، ثُمَّ أُطْلِقَتْ عَلَى الْبَيْت كَيْف مَا كَانَ.","vol":"1","page":194},{"text":"قَوْله: (قَالَ وَأَيْضًا وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) قَالَ اِبْن التِّين: «فِيهِ تَصْدِيق لَهَا فِيمَا ذَكَرَتْهُ، كَأَنَّهُ رَأَى أَنَّ الْمَعْنَى: وَأَنَا أَيْضًا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْك مِثْل ذَلِكَ» (١).\nقال ابن كثير: «فالمِدحة في قوله: «وَأَيْضًا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِه»؛ وهو أنه - ﵌ - كان يَوَدُّ أن هندًا وأهلَها وكلَّ كافر يَذلّوا في حال كفرهم، فلما أسلموا كان يحبُّ أن يَعِزّوا، فأعزّهم الله، يعني أهلَ خبائها» (٢).\nوالحديث يدلُّ على تخصيص هند وأهل خبائها بالذات، ثم مما يؤكدُ إعزازَ النبيِّ - ﵌ - لها بعد الإسلام؛ أنه استَغفرَ لها لما جاءته مبايعةً مع النساء، فنَزل قولُ الله تعالى: ﴿فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللهَ﴾، وجاء وصفُ المبايعات في الآيات بأنهن من (المؤمنات). (الممتحنة:١٢) ويَدخلُ معاويةُ في فضل الحديث السابق، فهو من أهل خباء هند.\nوفيهم أنزل الله تعالى: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧)﴾ (الممتحنة:٧)، فإن الله جعل بين النبي - ﵌ - وبين الذين عادوه - كأبي سفيان وهند وغيرهما - مودة، والله قدير على تبديل العداوة بالمودة، وهو غفور لهم بتوبتهم من الشرك، رحيم بالمؤمنين، وقد صاروا مؤمنين.\n_________\n(١) باختصار من فتح الباري.\n(٢) البداية والنهاية (٨/ ١٣١).","vol":"1","page":195},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-65>الشبهة الثامنة</span>\nقالوا: «وكان باليمن يوم الفتح يطعن على رسول الله - ﵌ -، وكتب إلى أبيه صخر بن حرب يعيّره بإسلامه، ويقول: أصَبَوت إلى دين محمد؟ وكتب إليه:\nيا صخر لا تُسلِمَنّ طوعًا فتفضحنا ... بعد الذين ببدرٍ أصبحوا فرقا\nجدّي وخالي وعمُّ الأم يا لهم ... قومًا وحنظلة المهدي لنا أرقا\nفالموت أهون من قول الوشاة لنا ... خلّى ابن هند عن العزّى لقد فَرَقا\n\nالجواب: أما قولهم: «كان باليمن يطعن على النبي - ﵌ -، وكتب إلى أبيه صخر بن حرب يعيِّره بإسلامه، وكتب إليه الأبيات»، فهذا من الكذب المعلوم؛ فإن معاوية إنما كان بمكة، لم يكن باليمن، وأبوه أسلم قبل دخول النبي - ﵌ - مكة بمر الظهران ليلة نزل بها.\nوهذا الشعر كذب على معاوية قطعًا؛ فإنه فيه:\nفالموت أهون من قول الوشاة ... خلّى ابن هند عن العزّى لقد فرقا\n\nومعلوم أنه بعد فتح مكة أسلم الناس وأُزيلت العُزَّى؛ بَعَثَ النبي - ﵌ - إليها خالد بن الوليد، فجعل يقول:\nإني رأيت الله قد أهانك ... يا عزّ كفرانك لا سبحانك\nوكانت قريبًا من عرفات، فلم يبق هناك لا عُزّى ولا من يلومهم على ترك العزّى، فعُلم أن هذا وضع بعض الكذّابين على لسان معاوية.\nوهو كذّاب جاهل لم يعلم كيف وقع الأمر.\nوعلى فرض أن هذا الكذب صحيح فقد أسلم معاوية - ﵁ - وحسن إسلامه والإسلام يجُبُّ ما قبله.","vol":"1","page":196},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-66>الشبهة التاسعة</span>\nقالوا: «الفتح كان في رمضان لثمان سنين من قدوم النبي - ﵌ - المدينة، ومعاوية مقيم على شركه، هارب من النبي - ﵌ -؛ لأنه كان قد أهدر دمه، فهرب إلى مكة، فلما لم يجد له مأوى صار إلى النبي - ﵌ - مضطرًا، فأظهر الإسلام، وكان إسلامه قبل موت النبي - ﵌ - بخمسة أشهر، وطرح نفسه على العباس، فسأل فيه رسول الله - ﵌ - فعفا، ثم شفع إليه أن يشرِّفه ويضيفه إلى جملة الكُتَّاب، فأجابه وجعله واحدًا من أربعة عشرة، فكم كان حظه من هذه المدة لو سلّمنا أنه كاتب الوحي حتى استحق أن يوصف بذلك دون غيره؟».\nالجواب:\nوأما قولهم: «إن الفتح كان في رمضان لثمان من مقدم النبي - ﵌ - المدينة»، فهذا صحيح.\nوأما قولهم: «إن معاوية كان مقيمًا على شِرْكِهِ هاربًا من النبي - ﵌ -؛ لأنه كان قد أهدر دمه، فهرب إلى مكة، فلما لم يجد له مأوى صار إلى النبي - ﵌ - مضطرًا فأظهر الإسلام، وكان إسلامه قبل موت النبي - ﵌ - بخمسة أشهر».\nفهذا من أظهر الكذب؛ فإن معاوية أسلم عام الفتح باتفاق الناس، وقد تقدّم قول الشيعة: «إنه من المؤلفة قلوبهم»، والمؤلفة قلوبهم أعطاها النبي - ﵌ - عام حُنَين من غنائم هَوَازن، وكان معاوية - ﵁ - ممن أعطاه منها، والنبي - ﵌ - كان يتألّف السادة المُطاعين في عشائرهم، فإن كان معاوية هاربًا لم يكن من المؤلفة قلوبهم، ولو لم يسلم إلا قبل موت النبي - ﵌ - لم يعطَ شيئًا من غنائم حنين.\nومن كانت غايته أن يُؤَمَّن لم يحتج إلى تأليف.","vol":"1","page":197},{"text":"وقد ذكر البياضي - وهو من علماء الشيعة - أن معاوية أظهر إسلامه في عام الفتح، فقال: «قد صح من التاريخ أنه أظهر الإسلام سنة ثمانية من الهجرة» (١).\nفهذا شاهد منهم ينقل أنه قد صح إظهار معاوية لإسلامه في السنة الثامنة - عام الفتح - وقوله حجة على من زعم تأخر ذلك.\nوأقل أحوال معاوية أن يكون من الطلقاء أو المؤلفة قلوبهم، وكونه منهم لا يقدح به لأن أكثر الطلقاء المؤلفة قلوبهم حسن إسلامهم.\nوبعض الناس يقول: إنه قد أسلم قبل ذلك.\nومما يبيّن كذب ما ذكره الرافضة أنه لم يتأخر إسلام أحد من قريش إلى هذه الغاية، وكان النبي - ﵌ - قد بعث أبا بكر عام تسع بعد الفتح بأكثر من سنة ليقيم الحج، وينادي أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان.\nفي تلك السنة نُبذت العهود إلى المشركين، وأجِّلوا أربعة أشهر، فانقضت المدة في سنة عشر، فكان هذا أمانًا لكل مشرك من سائر قبائل العرب، وغزا النبي - ﵌ - غزوة تبوك سنة تسع لقتال النصارى بالشام، وقد ظهر الإسلام بأرض العرب.\nولو كان لمعاوية - ﵁ - من الذنوب ما كان لكان الإسلام يَجُبُّ ما قبله، فكيف ولم يُعرف له ذنب يهرب لأجله، أو يُهدر دمه لأجله؟! وأهل السير والمغازي متفقون على أنه لم يكن معاوية - ﵁ - ممن أهدر دمه عام الفتح.\nفهذه مغازي عُروة بن الزبير، والزهري، وموسى بن عقبة، وابن إسحاق، والواقدي، وسعيد بن يحيى الأموي، ومحمد بن عائذ، وأبي إسحاق الفزاري وغيرهم. وكتب التفسير والحديث كلها تنطق بخلاف ما ذكره الشيعة.\nوالذين أهدر النبي - ﵌ - دماءَهم كانوا نفرًا قليلًا نحو العشرة.\nوأبو سفيان كان أعظم الناس عداوة للنبي - ﵌ -؛ فهو في غزوة بدر الذي أرسل إلى قريش ليستنفرهم، وفي غزوة أحد هو الذي جمع الأموال التي كانت معه\n_________\n(١) الصراط المستقيم للبياضي (٣/ ٤٦).","vol":"1","page":198},{"text":"للتجارة، وطلب من قريش أن ينفقها في قتال رسول الله - ﵌ -، وهو أعظم قواد الجيش يوم أحد، وهو قائد الأحزاب أيضًا، وقد أسلم أبو سفيان، وأمّنه النبي - ﵌ -.\nفكيف يُهدِر دم معاوية، وهو شاب صغير ليس له ذنب يختص به، ولا عُرف عنه أنه كان يحضُّ على عداوة النبي - ﵌ -، وقد أمَّن رؤوس الأحزاب؟ فهل يَظُن هذا إلا مَن هو أجهل الناس بالسيرة؟ وهذا الذي ذكرناه مجمع عليه بين أهل العلم مذكور في عامة الكتب المصنّفة في هذا الشأن.\n* وأما قولهم: «إنه استحق أن يُوصف بذلك دون غيره».\nففرية على أهل السنة؛ فإنه ليس فيهم من يقول: إن هذا من خصائص معاوية، بل هو واحد من كتّاب الوحي.","vol":"1","page":199},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-67>الشبهة العاشرة</span>\nقالوا: «إنه نزل فيه: ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ الآية (النحل:١٠٦)».\nالجواب:\nهذا باطل؛ فإن هذه الآية نزلت بمكة، لما أكرِه عمّار وبلال على الكفر، ولو قُدِّر أنه نزلت فيه هذه الآية؛ فالنبي - ﵌ - قد قَبِل إسلامه وبايعه.\nوقد قال تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٨٦) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (٨٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٨) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٨٩)﴾\n(آل عمران:٨٦ - ٨٩).","vol":"1","page":200},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-68>الشبهة الحادية عشرة</span>\nقالوا: «قد روى عبد الله بن عمر، قال: أتيت النبي - ﵌ - فسمعته يقول: «يطلع عليكم رجل يموت على غير سنتي»، فطلع معاوية.\nوقام النبي - ﵌ - خطيبًا، فأخذ معاوية بيد ابنه زيدًا أو يزيد وخرج ولم يسمع الخطبة، فقال النبي - ﵌ -: «لعن الله القائد والمقود، أي يوم يكون للأمة مع معاوية ذي الإساءة؟».\nالجواب:\nأولًا: نحن نطالب بصحة هذا الحديث؛ فإن الاحتجاج بالحديث لا يجوز إلا بعد ثبوته، ونحن نقول هذا في مقام المناظرة، وإلا فنحن نعلم قطعًا أنه كذب.\nثانيًا: هذا الحديث من الكذب الموضوع باتفاق أهل المعرفة بالحديث، ولا يوجد في شيء من دواوين الحديث التي يُرجع إليها في معرفة الحديث، ولا له إسناد معروف.\nوهذا المحتج به لم يذكر له إسنادًا، ثم من جهله أن يروي مثل هذا عن عبد الله بن عمر - ﵄ -، وعبد الله بن عمر كان من أبعد الناس عن ثلب الصحابة، وأروى الناس لمناقبهم، وقوله في مدح معاوية - ﵁ - معروف ثابت عنه.\nقال ابن كثير: «وقال هشيم عن العوام عن جبلة بن سحيم عن ابن عمرو، قال: «ما رأيت أحدًا أسْوَد (١) من معاوية».\nقال: قلت: «ولا عمر؟».\nقال: «كان عمر خيرًا منه، وكان معاوية أسوَد منه» (٢).\nثالثًا: إن خُطب النبي - ﵌ - لم تكن واحدة، بل كان يخطب في الجمع والأعياد والحج وغير ذلك، ومعاوية وابنه كانا يشهدان الخطب، كما يشهدها المسلمون كلهم.\n_________\n(١) من السيادة.\n(٢) البداية والنهاية (٨/ ١٥٣).","vol":"1","page":201},{"text":"أفَتَراهما في كل خطبة كانا يقومان ويُمَكَّنان من ذلك؟ هذا قدح في النبي - ﵌ - وفي سائر المسلمين، إذ يمكِّنون اثنين دائمًا يقومان ولا يحضران الخطبة ولا خطبة الجمعة. وإن كانا يشهدان كل خطبة، فما بالهما يمتنعان من سماع خطبة واحدة قبل أن يتكلم بها؟\nثم من المعلوم من سيرة معاوية أنه كان من أحلم الناس، وأصبرهم على من يؤذيه، وأعظم الناس تأليفًا لمن يعاديه، فكيف ينفر عن رسول الله - ﵌ -، مع أنه أعظم الخلق مرتبة في الدين والدنيا، وهو محتاج إليه في كل أموره؟ فكيف لا يصبر على سماع كلامه وهو بعد المُلك كان يسمع كلام من يسبّه في وجهه؟ فلماذا لا يسمع كلام النبي - ﵌ -.\nوكيف يتخذ النبي - ﵌ - كاتبًا مَن هذه حاله؟\nرابعًا: أما قولهم: «إنه أخذ بيد ابنه زيدًا أو يزيد»، فمعاوية لم يكن له ابن اسمه زيد. وأما يزيد ابنه الذي تولّى بعده الملك وجرى في خلافته ما جرى، فإنما وُلد في خلافة عثمان - ﵁ - باتفاق أهل العلم، ولم يكن لمعاوية ولد على عهد رسول الله - ﵌ -.","vol":"1","page":202},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-69>الشبهة الثانية عشرة</span>\nما ذُكِرَ مِن حال جدّه أبي أمية عتبة بن ربيعة وخاله الوليد بن عتبة وعم أمه شيبة بن ربيعة وأخيه حنظلة وموتهم على الكفر.\nالجواب:\nهذا أمر يشترك فيه هو وجمهور قريش، فما منهم من أحد إلا وله أقارب كفار، قُتلوا كفارًا أو ماتوا كفارًا، فهل كان في إسلامهم فضيحة؟!\nوقد أسلم عكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية، وكانا من خيار المسلمين، وأبواهما قتلا ببدر.\nوكذلك الحارث بن هشام قُتل أخوه يوم بدر. وفي الجملة هذا طعن في عامة أهل الإيمان.\nوهل يحل لأحد أن يطعن في عليّ - ﵁ - بأن عمه أبا لهب كان شديد العداوة للنبي - ﵌ -، أو يطعن في العبّاس - ﵁ - بأن أخاه كان معاديًا للنبي - ﵌ -، أو يعيّر عليًّا - ﵁ - بكفر أبي طالب أو يعير بذلك العباس؟ وهل مثل ذلك إلا مِن كلام مَن ليس مِن المسلمين؟","vol":"1","page":203},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-70>الشبهة الثالثة عشرة</span>\nقالوا: «كسر أبوه ثَنِيَّة النبي - ﵌ - (١)، وأكلتْ أمُّه كبدَ حمزة عم النبي - ﵌ -».\nالجواب:\nلا ريب أن أبا سفيان بن حرب - ﵁ - كان - قبل إسلامه - قائد المشركين يوم أُحُد، وكُسرت ذلك اليوم ثنيّة النبي - ﵌ -، كسرها بعض المشركين. لكن لم يقل أحد: إن أبا سفيان باشر ذلك، وإنما كسرها عُتبة بن أبي وقاص (٢)، ورُوِىَ أن هندًا أخذت كبد حمزة فلاكَتْها (٣)، فلم تستطع أن تبلعها فلفظتها (٤).\nوإن صح ذلك فقد كان هذا قبل إسلامهما، ثم بعد ذلك أسلما وحسن إسلامهما، وهند كان النبي - ﵌ - يكرمها، والإسلام يَجُبٌّ ما قبله (٥).\nوقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (الأنفال:٣٨).\n_________\n(١) الثَنِيَّة: إحدى الأسنان الأربع التي في مقدَّم الفم، اثنتان من فوق واثنتان من تحت.\n(٢) في سيرة ابن هشام (٣/ ٨٤) عن أبي سعيد الخدري أن عتبة بن أبي وقاص رمى رسول الله - ﵌ - يومئذ (يوم أحد) فكسر رباعيته اليمنى السفلى وجرح شفته السفلى.\nوفي زاد المعاد (٣/ ١٩٧): «وكان الذي تولى أذاه - ﵌ - عمرو بن قمئة وعتبة بن أبي وقاص. وقيل: إن عبد الله بن شهاب الزهري، عم محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، هو الذي شجه».\n(٣) اللَّوْكُ: أهْوَنُ المَضْغِ، أو مَضْغُ صُلْبٍ.\n(٤) لفَظَتْها: رَمَتْها مِن فَمِها.\n(٥) عن عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ - ﵁ - قَالَ: «لَمَّا أَلْقَى اللهُ ﷿ فِي قَلْبِي الْإِسْلَامَ أَتَيْتُ النَّبِيَّ - ﵌ - لِيُبَايِعَنِي فَبَسَطَ يَدَهُ إِلَيَّ فَقُلْتُ لَا أُبَايِعُكَ يَا رَسُولَ اللهِ حَتَّى تَغْفِرَ لِي مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِي».قَالَ: فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ - ﵌ -: «يَا عَمْرُو، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْهِجْرَةَ تَجُبُّ مَا قَبْلَهَا مِنْ الذُّنُوبِ، يَا عَمْرُو، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَجُبُّ مَا كَانَ قَبْلَهُ مِنْ الذُّنُوبِ» رواه الإمام أحمد وصححه الألباني). ورواه مسلم بلفظ «أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الإِسْلاَمَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ، وَأَنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهَا، وَأَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ».","vol":"1","page":204},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-71>الشبهة الرابعة عشرة</span>\nقالوا: «إن معاوية سمَّ الحسن بن عليٍّ - ﵄ -».\nالجواب:\nأولا: هذا الادعاء باطل وذلك لأسباب وهي:\nأـ أنه لم يثبت أي دليل صحيح عليه، وإن كان عند الشيعة نقل ثابت عن عدل فليرشدونا إليه لا أن يتهموا صحابيًا دون أن يأتوا ببينة على ادعائهم.\nومثل هذا لا يحكم به في الشرع باتفاق المسلمين، فلا يترتب عليه أمر ظاهر: لا مدح ولا ذم.\nب - كان الناس في تلك المرحلة في حالة فتنة تتصارعهم الأهواء وكل فرقة تنسب للأخرى ما يذمها وإذا نقل لنا ذلك فيجب ألا نقبله إلا إذا نقل بعدل ثقة ضابط.\nجـ - إن هذه الحادثة - قصة دس السم من قبل معاوية للحسن - تستسيغها العقول في حالة واحدة فقط؛ وهي كون الحسن بن علي - ﵄ - رفض الصلح مع معاوية - ﵁ - وأصر على القتال، ولكن الذي حدث أن الحسن صالح معاوية - ﵄ - وسلم له بالخلافة طواعية وبايعه عليها، فعلى أي شيء يقدم معاوية على سم الحسن - ﵄ -؟؟!!\nهـ- لا نلمس لهذه القضية أثرًا في قضية قيام الحسين - ﵁ -، أو حتى عتابًا من الحسين لمعاوية - ﵄ -. ولو كان هذا حقًا لذُكِرَ ذلك.\nثانيًا: أقوال أهل العلم في هذه المسألة:\n١ - قال ابن العربي - ﵀ -:\n«فإن قيل: دس - أي معاوية - على الحسن مَن سَمَّه، قلنا هذا محال من وجهين:\nأحدهما: أنه ما كان ليتقي من الحسن بأسًا وقد سلّم الأمر.\nالثاني: أنه أمر مغيب لا يعلمه إلا الله، فكيف تحملونه بغير بينة على أحد من خلقه، في زمن متباعد، لم نثق فيه بنقل ناقل، بين أيدي قوم ذوي أهواء، وفي حال فتنة","vol":"1","page":205},{"text":"وعصبية، ينسب كل واحد إلى صاحبه مالا ينبغي، فلا يقبل منها إلا الصافي، ولا يسمع فيها إلا من العدل الصميم» (١).\n٢ - قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: «وأما قوله: إن معاوية سم الحسن، فهذا مما ذكره بعض الناس، ولم يثبت ذلك ببينة شرعية، أو إقرار معتبر، ولا نقل يجزم به، وهذا مما لا يمكن العلم به، فالقول به قول بلا علم» (٢).\n٣ - قال الذهبي - ﵀ -: «قلت: هذا شيء لا يصح فمن الذي اطلع عليه». (٣)\n٤ - قال ابن كثير - ﵀ -: «وروى بعضهم أن يزيد بن معاوية بعث إلى جعدة بنت الأشعث أن سُمّي الحسن وأنا أتزوجك بعده، ففعلت، فلما مات الحسن بعثت إليه فقال: «إنا والله لم نرضك للحسن أفنرضاك لأنفسنا؟».\nوعندي أن هذا ليس بصحيح، وعدم صحته عن أبيه معاوية بطريق الأولى والأحرى» (٤).\n٥ - قال ابن خلدون (٥): «وما نقل من أن معاوية دس إليه السم مع زوجته جعدة بنت الأشعث، فهو من أحاديث الشيعة، وحاشا لمعاوية من ذلك».\nثالثًا: إن الذي نُقِلَ لنا عن حادثة سم الحسن بن علي - ﵁ - روايات متضاربة ضعيفة.\nبعضها يقول أن الذي دس السم له هي زوجته.\n_________\n(١) العواصم من القواصم (ص ٢٢٠ - ٢٢١).\n(٢) منهاج السنة (٤/ ٤٦٩.\n(٣) تاريخ الإسلام (عهد معاوية ص ٤٠).\n(٤) البداية والنهاية (٨/ ٤٣).\n(٥) في تاريخه (٢/ ٦٤٩).","vol":"1","page":206},{"text":"وبعضها يقول أن أباها الأشعث بن قيس هو الذي أمرها بذلك (١).\nوبعضها يتهم معاوية - ﵁ - بأن أوعز إلى بعض خدمه فسمّه.\nوبعضها يتهم ابنه يزيد.\nوهذا التضارب في حادثة كهذه، يضعف هذه النقول؛ لأنها يعزوها النقل الثابت بذلك، والرافضة - خيبهم الله - لم يعجبهم من هؤلاء إلا الصحابي الجليل معاوية - ﵁ - يلصقون به التهمة، مع أنه أبعد هؤلاء عنها.\nرابعًا: إن من الدلالة على ضعف تلك الاتهامات وعدم استنادها إلى معقول أو محسوس، ما ذكر حول علاقة جعدة بنت قيس بمعاوية ويزيد، حيث زعموا أن يزيد بن معاوية أرسل إلى جعدة بنت قيس أن سُمّي حسنًا فإني سأتزوجك، ففعلت، فلما مات الحسن بعثت جعدة إلى يزيد تسأله الوفاء، فقال: «إنا والله لم نرضك له أفنرضاك لأنفسنا».\nولعل الناقد لمتن هذه الرواية يتجلى له عدة أمور:\n* هل معاوية - ﵁ - أو ولده يزيد بهذه السذاجة ليأمرا امرأة الحسن بهذا الأمر الخطير، الذي فيه وضع حد لحياة الحسن بن علي - ﵄ - غيلة، وما هو موقف معاوية أو ولده أمام المسلمين لو أن جعدة كشفت أمرهما؟!\n_________\n(١) الأشعث بن قيس بن معد يكرب الكندي، أبو محمد، له صحبة، وفد على النبي - ﵌ - سنة عشر في سبعين راكبًا من كندة وكان من ملوك كنده، فأسلم، وشهد اليرموك فأصيبت عينه وكان مع عليّ يوم صِفِّين وحضر معه وقعة النهروان ثم عاد إلى الكوفة فتوفى فيها سنة ٤٠هـ.\nروى له البخاري ومسلم تسعة أحاديث. (انظر ترجمته في: الإصابة ١/ ٦٦؛ الأعلام ١/ ٣٣٣ - ٣٣٤).\nومما يدل على كذب هذه الرواية أن الأشعث بن قيس - ﵁ - مات سنة أربعين، وقيل إحدى وأربعين، ولهذا لم يذكر في الصلح الذي كان بين معاوية والحسن بن علي، في العام الذي كان يسمى عام الجماعة، وهو عام ٤١هـ، وكان الأشعث حما الحسن بن عليّ، فلو كان شاهدًا لكان يكون له ذكر في ذلك، وإذا كان قد مات قبل الحسن بنحو عشر سنين، فكيف يكون هو الذي أمر ابنته أن تسم الحسن؟!!","vol":"1","page":207},{"text":"* هل جعدة بنت الأشعث بن قيس بحاجة إلى شرف أو مال حتى تسارع لتنفيذ هذه الرغبة من يزيد، وبالتالي تكون زوجة له، أليست جعدة ابنة أمير قبيلة كندة كافة وهو الأشعث بن قيس، ثم أليس زوجها وهو الحسن بن علي أفضل الناس شرفًا ورفعة بلا منازعة، إن أمه فاطمة - ﵂ - وجده الرسول - ﵌ - وكفى به فخرًا، وأبوه علي ابن أبي طالب - ﵁ - أحد العشرة المبشرين بالجنة ورابع الخلفاء الراشدين، إذًا ما هو الشيء الذي تسعى إليه جعدة وستحصل عليه حتى تنفذ هذا العمل الخطير؟!\n* ولو كانت هي التي فعلت ذلك لما خفي ذلك على الحسن أو الحسين - ﵄ - ولأقاموا عليها الحد فلمّا لم يفعلوا ذلك دلَّ على أن هذا الأمر لا يستقيم.\nخامسًا: إذا كان معاوية - ﵁ - يريد أن يصفي الساحة من المعارضين حتى يتمكن من مبايعة يزيد بدون معارضة، فإنه سيضطر إلى تصفية الكثير من أبناء الصحابة - ﵃ -، ولن تقتصر التصفية على الحسن - ﵁ - فقط.\nسادسًا: إن بقاء الحسن من مصلحة معاوية - ﵄ - في بيعة يزيد، فإن الحسن كان كارهًا للنزاع وفرقة المسلمين، فربما ضمن معاوية رضاه، وبالتالي يكون له الأثر الأكبر في موافقة بقية أبناء الصحابة.\nسابعًا: إن هناك الكثير من أعداء الحسن بن علي - ﵁ -، قبل أن يكون معاوية هو المتهم الأول:\nفهناك السبئية الذين وجه لهم الحسن صفعة قوية عندما تنازل عن الخلافة لمعاوية وجعل حدًا لصراع المسلمين.\nوهناك الخوارج الذين قاتلهم أبوه علي بن أبي طالب - ﵁ - في النهراون، وهم الذين طعنوه في فخذه، فربما أرادوا الانتقام من قتلاهم في النهروان وغيرها.\nثامنًا: إن ثبت موت الحسن - ﵁ - بالسم، فهذه شهادة له وكرامة في حقه كما قال بذلك شيخ الإسلام ابن تيمية (١).\n_________\n(١) منهاج السنة (٤/ ٤٢).","vol":"1","page":208},{"text":"ولمزيد فائدة راجع كتاب: (أثر التشيع على الروايات التاريخية في القرن الأول الهجري) للدكتور محمد نور ولي (١) وكتاب (مواقف المعارضة في خلافة يزيد بن معاوية) للدكتور محمد بن عبد الهادي الشيباني (٢) لتقف على الكم الهائل من الروايات المكذوبة على معاوية - ﵁ - من قِبَل الشيعة في قضية سم الحسن - ﵁ -.\nإن أحد مؤرخي الشيعة وهو ابن رستم في كتابه: دلائل الإمامة (٣) قد بالغ في اتهام معاوية - ﵁ -، وادعى أنه سم الحسن - ﵁ - سبعين مرة فلم يفعل فيه السم، ثم ساق خبرًا طويلًا ضمنه ما بذله معاوية لجعدة من الأموال والضِياع لتَسُمّ الحسن، وغير ذلك من الأمور الباطلة.\n_________\n(١) ص ٣٦٧ - ٣٦٨.\n(٢) ص ١٢٠ - ١٢٥.\n(٣) ص ٦١.","vol":"1","page":209},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-72>الشبهة الخامسة عشرة</span>\nشبهة طلب معاوية بن أبي سفيان - ﵄ - للخلافة\nقد شاع بين الناس قديمًا وحديثًا أن الخلاف بين علي ومعاوية - ﵄ - كان سببه طمع معاوية في الخلافة، وأن خروج معاوية على علي وامتناعه عن بيعته كان بسبب عزله عن ولاية الشام.\nلكن الصحيح أن الخلاف بين علي ومعاوية - ﵄ - كان حول مدى وجوب بيعة معاوية وأصحابه لعلي قبل إيقاع القصاص على قتلة عثمان أو بعده، وليس هذا من أمر الخلافة في شيء.\nفقد كان رأيُ معاوية - ﵁ - ومن حوله من أهل الشام أن يقتص علي - ﵁ - من قتلة عثمان ثم يدخلوا بعد ذلك في البيعة.\nيقول إمام الحرمين الجويني: «إن معاوية وإن قاتل عليًا فإنه لا ينكر إمامته ولا يدعيها لنفسه، وإنما كان يطلب قتلة عثمان ظنًا منه أنه مصيب، وكان مخطئًا» (١).\nأما شيخ الإسلام فيقول: «ومُعَاوِيَةُ لَمْ يَدَّعِ الْخِلَافَةَ؛ وَلَمْ يُبَايَعْ لَهُ بِهَا حَيْنَ قَاتَلَ عَلِيًّا، وَلَمْ يُقَاتِلْ عَلَى أَنَّهُ خَلِيفَةٌ، وَلَا أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْخِلَافَةَ، وَيُقِرُّونَ لَهُ بِذَلِك، وَقَدْ كَانَ مُعَاوِيَةُ يُقِرُّ بِذَلِك لِمَنْ سَأَلَهُ عَنْهُ» (٢).\nويذكر ابن كثير أن أبا الدرداء وأبا أمامة - ﵄ -، دخلا على معاوية فقالا له: «يا معاوية! عَلَامَ تقاتل هذا الرجل؟ فوالله إنه أقدم منك ومن أبيك إسلامًا، وأقرب منك إلى رسول الله - ﵌ - وأحق بهذا الأمر منك». فقال: «أقاتله على دم عثمان، فاذهبا إليه فقولا: فليقدْنا من قتلة عثمان ثم أنا أول من أبايعه من أهل الشام» (٣).\n_________\n(١) في لمع الأدلة (ص ١١٥).\n(٢) مجموع الفتاوى (٣٥/ ٧٢).\n(٣) البداية والنهاية (٧/ ٣٦٠).","vol":"1","page":210},{"text":"ويقول ابن حجر الهيتمي: «ومن اعتقاد أهل السنة والجماعة أن ما جرى بين معاوية وعلي - ﵄ - من الحرب، لم يكن لمنازعة معاوية لعلي في الخلافة للإجماع على أحقيتها لعلي؛ فلم تهج الفتنة بسببها، وإنما هاجت بسبب أن معاوية ومن معه طلبوا من علي تسليم قتلة عثمان إليهم لكون معاوية ابن عمه، فامتنع علي» (١).\nوتتضافر الروايات وتشير إلى أن معاوية - ﵁ - خرج للمطالبة بدم عثمان، وأنه صرح بدخوله في طاعة عليٍّ - ﵁ - إذا أقيم الحد على قتلة عثمان.\nولو افتُرِضَ أن معاوية - ﵁ - اتخذ قضية القصاص والثأر لعثمان ذريعة لقتال علي طمعًا في السلطة، فماذا سيحدث لو تمكن عليٌّ من إقامة الحد على قتلة عثمان؟\nحتمًا ستكون النتيجة خضوع معاوية لعلي ومبايعته له، لأنه التزم بذلك في موقفه من تلك الفتنة، كما أن كل من حارب معه كانوا يقاتلون على أساس إقامة الحد على قتلة عثمان، على أن معاوية إذا كان يخفي في نفسه شيئًا آخر لم يعلن عنه، سيكون هذا الموقف بالتالي مغامرة، ولا يمكن أن يقدم عليه إذا كان ذا أطماع.\nإن معاوية - ﵁ - كان من كتاب الوحي، ومن أفاضل الصحابة، وأصدقهم لهجة، وأكثرهم حلمًا فكيف يعتقد أن يقاتل الخليفة الشرعي ويريق دماء المسلمين من أجل ملك زائل، وهو القائل: «وَاللهِ، لاَ أُخَيَّرُ بَيْنَ أَمْرَيْنِ بَيْنَ اللهِ وَبَيْنَ غَيْرِهِ، إِلاَّ اخْتَرْتُ اللهَ عَلَى مَا سِوَاهُ» (٢).\nأما وجه الخطأ في موقفه من مقتل عثمان - ﵁ - فيظهر في رفضه أن يبايع لعلي - ﵁ - قبل مبادرته إلى القصاص من قتلة عثمان، بل ويلتمس منه أن يمكنه منهم، مع العلم أن الطالب للدم لا يصح أن يحكم، بل يدخل في الطاعة ويرفع دعواه إلى الحاكم ويطلب الحق عنده.\n_________\n(١) الصواعق المحرقة (ص ٣٢٥).\n(٢) سير أعلام النبلاء للذهبي (٣/ ١٥١).","vol":"1","page":211},{"text":"ويمكن أن نقول إن معاوية - ﵁ - كان مجتهدًا متأولًا يغلب على ظنه أن الحق معه، فقد قام خطيبًا في أهل الشام بعد أن جمعهم وذكّرهم أنه ولي عثمان - ابن عمه - وقد قُتل مظلومًا وقرأ عليهم الآية الكريمة: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (٣٣)﴾ (الإسراء:٣٣) ثم قال: أنا أحب أن تعلموني ذات أنفسكم في قتل عثمان، فقام أهل الشام جميعهم وأجابوا إلى الطلب بدم عثمان، وبايعوه على ذلك وأعطوه العهود والمواثيق على أن يبذلوا أنفسهم وأموالهم حتى يدركوا ثأرهم أو يفني الله أرواحهم (١).\n_________\n(١) انظر: تحقيق مواقف الصحابة في الفتنة (٢/ ١٥٠ - ١٥٢).","vol":"1","page":212},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-73>الشبهة السادسة عشرة</span>\nادعاء الشيعة على معاوية - ﵁ - أنه أخذ الخلافة بالقوة والقهر وحوّلها من الشورى إلى ملكية قيصرية بمبايعة ابنه يزيد.\nالجواب:\n١ـ لم يأخذ معاوية - ﵁ - الخلافة بالقوة والقهر وإنما سُلّمَتْ له من قبل الحسن بن علي - ﵄ - وذلك بعدما تم الصلح بينهما.\n٢ـ عمل معاوية - ﵁ - جهده من البداية في سبيل إعداد ولده يزيد، وتنشئته التنشئة الصحيحة، ليشب عليها عندما يكبر، فسمح لمطلقته ميسون بنت بحدل الكلبية - وكانت من الأعراب، وكانت من نسب حسيب، ومنها رزق بابنه يزيد - سمح لها أن تتولى تربيته في فترة طفولته، وكان يزيد وحيد أبيه، فأحب معاوية - ﵁ - أن يشب على حياة الشدة والفصاحة فألحقه بأهل أمه ليتربى على فنون الفروسية، ويتحلى بشمائل النخوة والشهامة والكرم والمروءة، إذ كان البدو أشد تعلقًا بهذه التقاليد.\nكما أجبر معاوية ولده يزيد على الإقامة في البادية؛ لكي يكتسب قدرًا من الفصاحة في اللغة، كما هو حال العرب في ذلك الوقت.\nوعندما رجع يزيد من البادية، نشأ وتربى تحت إشراف والده، ونحن نعلم أن معاوية - ﵁ - كان من رواة الحديث، فروى يزيد بعد ذلك عن والده هذه الأحاديث وبعض أخبار أهل العلم. وروى عنه ابنه خالد وعبد الملك بن مروان، وقد عده أبوزرعة الدمشقي في الطبقة التي تلي الصحابة، وهي الطبقة العليا (١).\n_________\n(١) البداية والنهاية لابن كثير (٨/ ٢٢٦ - ٢٢٧).","vol":"1","page":213},{"text":"وقد اختار معاويةُ دَغْفَلَ بن حنظلة السدوسي الشيباني مؤدبًا لولده يزيد، وكان دغفل علامة بأنساب العرب، وخاصة نسب قريش، وكذلك عارفًا بآداب اللغة العربية.\nهذا مختصر لسيرة يزيد بن معاوية قبل توليه الخلافة.\n٣ - أما عن فكرة ولاية العهد، فقد بدأ معاوية - ﵁ - يفكر فيمن يكون الخليفة من بعده، ففكر معاوية في هذا الأمر ورأى أنه إن لم يستخلف ومات ترجع الفتنة مرة أخرى.\nفقام معاوية - ﵁ - باستشارة أهل الشام في الأمر، فاقترحوا أن يكون الخليفة من بعده من بني أمية، فرشح ابنه يزيد، فجاءت الموافقة من مصر وباقي البلاد وأرسل إلى المدينة يستشيرها.\nوقد خالف عبد الله بن الزبير والحسين - ﵄ - هذه الموافقة ولا يقدح ذلك في البيعة إذ لابد من مخالف لذلك، ومن هنا نعلم أن معاوية - ﵁ - حرص على موافقة الأمة على بيعة يزيد، ولو أراد معاوية الاستبداد وأخْذ البيعة ليزيد بالقوة والقهر كما يدعي الشيعة لاكتفى ببيعة واحدة، وفرضها على الناس فرضًا، وهذا ما لم يفعله معاوية بل قد خالف مَن خالف ولم يتخذ معاوية سبيل القوة لإرغامهم على البيعة.\nوكان اعتراض هؤلاء النفر حول تطبيق الفكرة نفسها، لا على يزيد بعينه.\nواعتبر معاوية أن معارضة هؤلاء ليس لها أثر، وأن البيعة قد تمت، حيث أجمعت الأمة على هذه البيعة.\nوقد ثبت أن عبد الله بن عمر - ﵄ - بايع يزيد وعندما قامت عليه الفتنة من المدينة جمع أهله وحذّرهم من الخروج على يزيد، فعَنْ نَافِعٍ قَالَ: لَمَّا خَلَعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ جَمَعَ ابْنُ عُمَرَ حَشَمَهُ وَوَلَدَهُ فَقَالَ: «إِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﵌ - يَقُولُ: «يُنْصَبُ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».","vol":"1","page":214},{"text":"وَإِنَّا قَدْ بَايَعْنَا هَذَا الرَّجُلَ عَلَى بَيْعِ اللهِ وَرَسُولِهِ، وَإِنِّى لاَ أَعْلَمُ غَدْرًا أَعْظَمَ مِنْ أَنْ يُبَايَعَ رَجُلٌ عَلَى بَيْعِ اللهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ يُنْصَبُ لَهُ الْقِتَالُ، وَإِنِّى لاَ أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْكُمْ خَلَعَهُ، وَلاَ بَايَعَ فِى هَذَا الأَمْرِ، إِلاَّ كَانَتِ الْفَيْصَلَ بَيْنِى وَبَيْنَهُ». (رواه البخاري).\nفهذا ابن عمر - ﵁ - يعلن في أحرج المواقف - أي في ثورة أهل المدينة على يزيد بتحريض ابن الزبير وداعيته ابن مطيع - أن في عنقه كما في أعناقهم بيعة شرعية لإمامهم على بيع الله ورسوله - ﵌ -، وأن من أعظم الغدر أن تبايع الأمة إمامها ثم تنصب له القتال.\nولم يكتف ابن عمر بذلك في تلك الثورة على يزيد، بل روى مسلم في كتاب الإمارة من صحيحه عَنْ نَافِعٍ قَالَ: جَاءَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ مُطِيعٍ حِينَ كَانَ مِنْ أَمْرِ الْحَرَّةِ مَا كَانَ زَمَنَ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ فَقَالَ: «اطْرَحُوا لِأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ وِسَادَةً».\nفَقَالَ: «إِنِّي لَمْ آتِكَ لِأَجْلِسَ، أَتَيْتُكَ لِأُحَدِّثَكَ حَدِيثًا سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﵌ - يَقُولُهُ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﵌ - يَقُولُ: «مَنْ خَلَعَ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ لَقِيَ اللهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا حُجَّةَ لَهُ، وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً».\nقال الإمام ابن العربي المالكي: «وروى الثبت العدل عن عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن محمد بن المنكدر قال: قال ابن عمر حين بويع يزيد: «إن كان خيرًا رضينا، وإن كان شرًا صبرنا».\nوثبت عن حميد بن عبد الرحمن قال: «دخلنا على رجل من أصحاب رسول الله - ﵌ - حين استُخلِف يزيد بن معاوية فقال: «تقولون إن يزيد بن معاوية ليس بخير أمة محمد، لا أفقهها فقهًا ولا أعظمها فيها شرفًا. وأنا أقول ذلك.\nولكن والله لأن تجتمع أمة محمد أحب إلي من أن تفترق. أرأيتم بابًا دخل فيه أمة محمد ووسِعَهُم، أكان يعجز عن رجل واحد لو كان دخل فيه؟».\nقلنا: لا.\nقال: «أرأيتم لو أن أمة محمد قال كل رجل منهم: لا أريقُ دم أخي ولا آخذ ماله، أكان هذا يَسَعُهم؟».\nقلنا: «نعم».\nقال: «فذلك ما أقول لكم».\n.. و(الصاحب) الذي كنَّى عنه حميد بن عبد الرحمن هو عبد الله بن عمر، والله أعلم.\nوإن كان غيره فقد أجمع رجلان عظيمان على هذه المقالة، وهي تعضد أن ولاية المفضول نافذة وإن كان هنالك من هو أفضل منه إذ عقدت له. وذلك لما في حلها - أو طلب الفضل - من استباحة ما لا يباح، وتشتيت الكلمة، وتفريق أمر الأمة» (١).\n٤ـ ولقد كانت هناك أسباب كثيرة لتولية معاوية ابنه يزيد للعهد من بعده:\nفهناك سبب سياسي:\nوهو الحفاظ على وحدة الأمة، خاصة بعد الفتن التي تلاحقت يتلو بعضها بعضًا، وكان من الصعوبة أن يلتقي المسلمون على خليفة واحد، خاصة والقيادات المتكافئة في الإمكانيات قد تضرب بعضها بعضًا فتقع الفتن والملاحم بين المسلمين مرة ثانية، ولا يعلم مدى ذلك إلا الله تعالى.\nوهناك سبب اجتماعي:\nوهو قوة العصبية القبلية خاصة في بلاد الشام الذين كانوا أشد طاعة لمعاوية ومحبة لبني أمية، وليس أدل على ذلك من مبايعتهم ليزيد بولاية العهد من بعد أبيه دون أن يتخلف منهم أحد.\n_________\n(١) باختصار من العواصم من القواصم (ص ٢٣١).","vol":"1","page":215},{"text":"وهناك أسباب شخصية في يزيد نفسه:\nفليس معاوية بذلك الرجل الذي يجهل صفات الرجال ومكانتهم، وهو ابن سلالة الإمارة والزعامة في مكة، ثم هو الذي قضى أربعين سنة من عمره وهو يسوس الناس ويعرف مزايا القادة والأمراء والعقلاء، ويعرف لكل واحد منهم فضيلته، وقد توفرت في يزيد بعض الصفات الحسنة من الكرم والمروءة والشجاعة والإقدام والقدرة على القيادة، وكل هذه المزايا جعلت معاوية ينظر ليزيد نظرة إعجاب وإكبار وتقدير.\n٥ـ إن المؤرخين والمفكرين المسلمين قد وقفوا حيال هذه الفكرة مواقف شتى، ففيهم المعارض، ومنهم المؤيد، وكانت حجة الفريق المعارض تعتمد على ما أوردته بعض الروايات التاريخية من أن يزيد بن معاوية كان شابًا لاهيًا عابثًا، مغرمًا بالصيد وشرب الخمر، وتربية الفهود والقرود، والكلاب ... الخ.\nولكن مثل هذه الأوصاف لا تمثل الواقع الحقيقي لما كانت عليه حياة يزيد بن معاوية، فإضافة إلى ما سبق من الجهود التي بذلها معاوية في تنشئة وتأديب يزيد، نجد رواية في مصادرنا التاريخية قد تساعدنا في دحض مثل تلك الآراء.\nقال الإمام ابن العربي المالكي: «فإن قيل: كان يزيد خمارًا.\nقلنا: لا يحل قول ذلك إلا بشاهدين، فمن شهد بذلك عليه؟!!\nبل شهد العدل بعدالته، فروى يحيى بن بكير، عن الليث بن سعد، قال الليث: «توفي أمير المؤمنين يزيد في تاريخ كذا»؛ فسماه الليث «أمير المؤمنين» بعد ذهاب ملكهم وانقراض دولتهم، ولولا كونه عنده كذلك ما قال إلا «توفي يزيد» (١).\nويروي البلاذري أن محمد بن علي بن أبي طالب - ﵄ - - المعروف بابن الحنفية - دخل يومًا على يزيد بن معاوية بدمشق ليودعه بعد أن قضى عنده فترة من الوقت، فقال له يزيد، وكان له مُكرمًا: «يا أبا القاسم، إن كنت رأيت مني خُلُقًا تنكره نَزَعتُ عنه، وأتيت الذي تُشير به علي؟».\n_________\n(١) العواصم من القواصم (ص ٢٣١).","vol":"1","page":217},{"text":"فقال: «والله لو رأيت منكرًا ما وسعني إلاّ أن أنهاك عنه، وأخبرك بالحق لله فيه، لما أخذ الله على أهل العلم عن أن يبينوه للناس ولا يكتموه، وما رأيت منك إلاّ خيرًا» (١).\nكما أنه شهد له بحسن السيرة والسلوك حينما أراده بعض أهل المدينة على خلعه والخروج معهم ضده، فيروي ابن كثير أن عبد الله بن مطيع - الذي كان داعية لابن الزبير - مشى من المدينة هو وأصحابه إلى محمد ابن الحنفية فأرادوه على خلع يزيد فأبَى عليهم.\nفقال ابن مطيع: «إن يزيد يشرب الخمر ويترك الصلاة ويتعدى حكم الكتاب».\nفقال محمدبن الحنفية: «ما رأيت منه ما تذكرون، قد حضرته وأقمت عنده فرأيته مواظبًا على الصلاة متحريًا للخير يسأل عن الفقه ملازمًا للسنة».\nقالوا: «ذلك كان منه تَصَنّعًا لك».\nقال: «وما الذي خاف مني أو رجا حتى يُظهِر إليّ الخشوع؟\nثم أفأطْلَعَكم على ما تَذْكُرون من شرب الخمر، فلئن كان أطلعكم على ذلك فإنكم لشركاؤه، وإن لم يكن أطلعكم فما يحل لكم أن تشهدوا بما لم تعلموا».\nقالوا: «إنه عندنا لحق وإن لم نكن رأيناه».\nفقال لهم: «أبى الله ذلك على أهل الشهادة، ولست من أمركم في شيء» (٢).\nوقد شهد له ابن عباس - ﵁ - بالفضيلة وبايعه (٣).\n٦ - إن مجرد موافقة عدد من كبار الشخصيات الإسلامية، من أمثال عبد الله بن الزبير وعبد الله بن عباس وأبي أيوب الأنصاري، على مصاحبة جيش يزيد في سيره\n_________\n(١) أنساب الأشراف للبلاذري (٥/ ١٧).\n(٢) البداية والنهاية (٨/ ٢٣٣)، وتاريخ الإسلام للذهبي (حوادث سنة ٦١ - ٨٠هـ، ص٢٧٤) وحسَّن محمد الشيباني إسناده، انظر: مواقف المعارضة من خلافة يزيد بن معاوية (ص٣٨٤).\n(٣) انظر: أنساب الأشراف (٤/ ٢٨٩ - ٢٩٠) وسنده حسن.","vol":"1","page":218},{"text":"نحو القسطنطينية، فيها خير دليل على أن يزيد كان يتميز بالاستقامة، وتتوفر فيه كثير من الصفات الحميدة، ويتمتع بالكفاءة والمقدرة لتأدية ما يوكل إليه من مهمات.\nوقد روى البخاري في صحيحه عن أم حَرَام الأنصارية - ﵂ - أنها سمعت النبي - ﵌ - يَقُولُ: «أَوَّلُ جَيْشٍ مِنْ أُمَّتِي يَغْزُونَ الْبَحْرَ قَدْ أَوْجَبُوا».\nقَالَتْ أُمُّ حَرَامٍ - ﵂ - قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَا فِيهِمْ؟»\nقَالَ: «أَنْتِ فِيهِمْ».\nثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ - ﵌ -: «أَوَّلُ جَيْشٍ مِنْ أُمَّتِي يَغْزُونَ مَدِينَةَ قَيْصَرَ مَغْفُورٌ لَهُمْ»\nفَقُلْتُ: «أَنَا فِيهِمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟»\nقَالَ: «لَا». (رواه البخاري).\n(مَدِينَةَ قَيْصَر) يَعْنِي الْقُسْطَنْطِينِيَّة.\n(قَدْ أَوْجَبُوا) أَيْ فَعَلُوا فِعْلًا وَجَبَتْ لَهُمْ بِهِ الْجَنَّة.\nقَالَ الْمُهَلَّب: فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَنْقَبَة لِمُعَاوِيَة لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ غَزَا الْبَحْرَ، وَمَنْقَبَةٌ لِوَلَدِهِ يَزِيد لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ غَزَا مَدِينَةَ قَيْصَرَ. (١)\nوأخرج البخاري عن محمود بن الربيع في قصة عتبان بن مالك قال محمود: «فَحَدَّثْتُهَا قَوْمًا فِيهِمْ أَبُو أَيُّوبَ صَاحِبُ رَسُولِ اللهِ - ﵌ - فِي غَزْوَتِهِ الَّتِي تُوُفِّيَ فِيهَا وَيَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ عَلَيْهِمْ بِأَرْضِ الرُّومِ».\n٧ - ولنستمع إلى وجهة النظر التي أبداها الأستاذ محب الدين الخطيب - حول مسألة ولاية العهد ليزيد - وهي جديرة بالأخذ بها للرد على ما سبق، فهو يقول (٢):\n«إن كان مقياس الأهلية لذلك أن يبلغ مبلغ أبي بكر وعمر في مجموع سجاياهما، فهذا ما لم يبلغه في تاريخ الإسلام، ولا عمر بن عبد العزيز، وإن طمعنا بالمستحيل\n_________\n(١) باختصار من (فتح الباري).\n(٢) في تعليقه على العواصم من القواصم لابن العربي (ص٢٢١).","vol":"1","page":219},{"text":"وقدرنا إمكان ظهور أبي بكر آخر وعمر آخر، فلن تتاح له بيئة كالبيئة التي أتاحها الله لأبي بكر وعمر.\nوإن كان مقياس الأهلية، الاستقامة في السيرة، والقيام بحرمة الشريعة، والعمل بأحكامها، والعدل في الناس، والنظر في مصالحهم، والجهاد في عدوهم، وتوسيع الآفاق لدعوتهم، والرفق بأفرادهم وجماعاتهم، فإن يزيد يوم تُمحّص أخباره، ويقف الناس على حقيقة حاله كما كان في حياته، يتبين من ذلك أنه لم يكن دون كثيرين ممن تغنى التاريخ بمحامدهم، وأجزل الثناء عليهم».\n٨ - نجد أيضًا في كلمات معاوية نفسه ما يدل على أن دافعه في اتخاذ مثل هذه الخطوة هو النفع للصالح العام وليس الخاص، فقد ورد على لسانه قوله: «اللهم إن كنت إنما عهدت ليزيد لما رأيتُ من فضله، فبلّغه ما أملْتُ وأعِنْه، وإن كانت إنما حملني حبّ الوالد لولده، وأنه ليس لما صنعت به أهلًا، فاقبضه قبل أن يبلغ ذلك» (١).\n٩ - لنتصور أن معاوية - ﵁ - سلك إحدى الأمور الثلاث الآتية:\n* ترك الناس بدون خليفة من بعده، مثلما فعل حفيده معاوية بن يزيد.\n* نادَى في كل مَصر من الأمصار بأن يرشحوا لهم نائبًا ثم يختاروا من هؤلاء المرشحين خليفة.\n* جعل يزيد هو المرشح، وبايعه الناس كما فعل.\nولنأخذ الأمر الأول:\nكيف ستكون حالة المسلمين لو أن معاوية تناسى هذا الموضوع، وتركه ولم يرشح أحدًا لخلافة المسلمين حتى تُوُفّي.\nقد يغلب على الظن أن الوضع سيكون أسوأ من ذلك الوضع الذي أعقب تصريح معاوية بن يزيد بتنازله عن الخلافة، وترك الناس في هرج ومرج، حتى\n_________\n(١) تاريخ الإسلام للذهبي، عهد معاوية بن أبي سفيان (ص١٦٩)، وخطط الشام لمحمد كرد علي (١/ ١٣٧).","vol":"1","page":220},{"text":"استقرت الخلافة أخيرًا لعبد الملك بن مروان بعد حروب طاحنة استمرت قرابة عشر سنوات.\nثم لنتصور الأمر الثاني:\nنادى منادٍ في كل مَصر بأن يرشحوا نائبًا عنهم، حتى تكون مسابقة أخيرة ليتم فرز الأصوات فيها، ثم الخروج من هذه الأصوات بفوز مرشح من المرشحين ليكون خليفة للمسلمين بعد وفاة معاوية.\nسيختار أهل الشام، رجل من بني أمية بلا شك، وربما كان يزيد، وربما غيره.\nوسيختار أهل العراق في الغالب الحسين بن علي - ﵄ -.\nوسيختار أهل الحجاز: إما عبد الله بن عمر أو عبد الرحمن بن أبي بكر، أو ابن الزبير - رضي الله عن الجميع.\nوسيختار أهل مصر: عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵁ -.\nوالسؤال الآن:\nهل سيرضى كل مَصر بولاية واحد من هؤلاء، ويسَلّموا له، أم ستكون المعارضة واردة؟!\nالجواب: أغلب الظن أن المعارضة ستظهر.\nولنسأل سؤالًا آخر:\nفي حالة أنه تم اختيار كل مرشح من قِبَل الأمصار، هل يستطيع معاوية - ﵁ - أن يلزم كل مَصر بما اختاره أهل المصر الآخر؟!\nالجواب: ستجد الدولة نفسها في النهاية أمام تنظيمات انفصالية، وسيعمد أدعياء الشر الذين قهرتهم الدولة بسلطتها إلى استغلال هذه الفوضى السياسية، ومن ثم الإفادة منها في إحداث شرخ جديد في كيان الدولة الإسلامية.","vol":"1","page":221},{"text":"ونحن حينما نورد هذه الاعتراضات، فربما حصل ما أشرنا إليه، وربما حدث العكس من ذلك، ولكنا أوردنا ذلك حتى نتصور مدى عدم صحة الآراء التي أحيانًا يطلقها ويتحمس لها البعض دون الرجوع إلى الواقع التاريخي المحتم آنذاك.\nلقد تعرض المجتمع المسلم إلى هزة عنيفة بعد استشهاد عثمان بن عفان - ﵁ -، وترك كيانات وتيارات سياسية وعقائدية خطيرة، استوجبت من معاوية أن يدرك خطورة الأمر والفرقة التي سوف تحصل للمسلمين إذا لم يسارع بتعيين ولي عهد له.\nويبقى الأمر الثالث:\nوهو ما فعله معاوية - ﵁ - بتولية يزيد وليًا للعهد من بعده.\nوقد اعترف بمزايا خطوة معاوية هذه، كل من ابن العربي (١)، وابن خلدون الذي كان أقواهما حجة، إذا يقول: «والذي دعا معاوية لإيثار ابنه يزيد بالعهد دون سواه، إنما هو مراعاة المصلحة في اجتماع الناس، واتفاق أهوائهم باتفاق أهل الحل والعقد عليه ...».\nثم يضيف قائلًا: «وإن كان لا يُظن بمعاوية غير هذا، فعدالته وصحبته مانعة من سوى ذلك، وحضور أكابر الصحابة لذلك، وسكوتهم عنه، دليل على انتفاء الريب منه، فليسوا ممن تأخذهم في الحق هوادة، وليس معاوية ممن تأخذه العزة في قبول الحق، فإنهم - كلهم - أجلّ من ذلك، وعدالتهم مانعة منه» (٢).\n١٠ - لم يبتدع معاوية نظامًا جديدًا للخلافة بتوريث ابنه يزيد، فقد سبقه إلى ذلك أبو بكر عندما عهد بالأمر لعمر بن الخطاب وقد عمد عمر إلى نفس الأمر فعهد بالولاية وحصَرَها في ستة من الصحابة - ﵃ -.\n١١ - إذا احتج الشيعة بأن الاستخلاف في عهد الشيخين لم يكن للأبناء أي ملكًا وراثيًا فنقول لهم: «تذكر كتب الشيعة أن أول من فعل ذلك هو علي - ﵁ - عندما\n_________\n(١) العواصم من القواصم (٢٢٨ - ٢٢٩)\n(٢) المقدمة لابن خلدون (٢١٠ - ٢١١).","vol":"1","page":222},{"text":"عهد بالخلافة من بعده لابنه الحسن، فقد ذكر الكليني في (أصول الكافي) عَنْ عَمْرِو بْنِ شِمْرٍ عَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ - ﵇ - قَالَ: «أَوْصَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ - ﵇ - إِلَى الْحَسَنِ وَأَشْهَدَ عَلَى وَصِيَّتِهِ الْحُسَيْنَ - ﵇ - وَمُحَمَّدًا وَجَمِيعَ وُلْدِهِ وَرُؤَسَاءَ شِيعَتِهِ وَأَهْلَ بَيْتِهِ».\nوذكر عَنْ أَبَانٍ عَنْ سُلَيْمِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: «شَهِدْتُ وَصِيَّةَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ - ﵇ - حِينَ أَوْصَى إِلَى ابْنِهِ الْحَسَنِ - ﵇ - وَأَشْهَدَ عَلَى وَصِيَّتِهِ الْحُسَيْنَ - ﵇ - وَمُحَمَّدًا وَجَمِيعَ وُلْدِهِ وَرُؤَسَاءَ شِيعَتِهِ وَأَهْلَ بَيْتِهِ» (١).\n١٢ـ الشيعة الاثنا عشرية يعارضون في الأصل مبدأ الشورى ويدَّعون أن الولاية يجب أن ينص عليها رسول الله - ﵌ - بنص صريح، ويعارضون خلافة أبي بكر وعمر وعثمان، فلماذا يتباكون هنا على نظام الشورى الذي يعارضونه، ويعترضون على معاوية بولاية العهد لابنه يزيد؟\nفهل لو جعلها شورى سيقبلها الشيعة الرافضة؟! أم أن الأمر عندهم سِيَّان؟!\nالجواب: إنهم لن يقبلوها ولو كانت شورى من جميع المسلمين.\nفلماذا هذه الإثارة الممجوجة والورع المكذوب من الشيعة على مبدأ الشورى وأغرب ما في الأمر اعتراضهم أن يورث معاوية ابنه يزيد وراثة قيصرية ملكية! مع أن أن أعظم اعتقاداتهم هو اعتقاد الإمامة وراثية قيصرية ملكية في ولد علي بن أبي طالب باستخلاف الأب للابن وهكذا؛ فهل هي حلال لهم حرام على غيرهم؟!\n_________\n(١) أصول الكافي (١/ ٢٩٧ - ٢٩٨) - بَابُ الْإِشَارَةِ وَالنَّصِّ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ - ﵇ -.","vol":"1","page":223},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-74>الشبهة السابعة عشرة\nهل لُعِنَ عليٌّ على المنابر بأمر من معاوية - ﵄ </span>-؟\nالجواب: إن هذه الفرية من الأشياء المكذوبة في حق معاوية - ﵁ - بل من الأباطيل التي روج لها الرافضة ودخلت على كتب أهل السنة كأنها حقيقة لا شك فيها.\nوهذه دعوى تحتاج إلى دليل، وهي مفتقرة إلى صحة النقل، وأغلب الرافضة ومن أشرب قلبه بغض معاوية - ﵁ -، لا يتثبتون فيما ينقلون، وإنما يكتفون بقولهم: (كما ذكر ذلك المؤرخون) أو (وكتب التواريخ طافحة بذلك) إلى غيرها من التُرَّهات. ولا يحيلون إلى أي مصدر موثوق، وكما هو معلوم مدى أهمية الإحالة والتوثيق لمثل هذه الدعاوى عند المحققين والباحثين.\nومعاوية - ﵁ - منزه عن مثل هذه التهم، بما ثبت من فضله في الدين، كما أن معاوية - ﵁ - كان محمود السيرة في الأمة، أثنى عليه الصحابة وامتدحه خيار التابعين، وشهدوا له بالدين والعلم والفقه والعدل والحلم وسائر خصال الخير.\nوإذا ثبت هذا في حق معاوية، فإنه من أبعد المحال على من كانت هذه سيرته أن يحمل الناس على لعن علي - ﵁ - على المنابر وهو مَن هو في الفضل، وهذا يعني أن أولئك السلف وأهل العلم من بعدهم الذين أثنوا عليه ذلك الثناء البالغ، قد مالؤوه على الظلم والبغي واتفقوا على الضلال!! وهذا مما نُزّهت الأمة عنه بنص حديث الرسول - ﵌ -: «إنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ أَجَارَ أمَّتِي أنْ تَجْتَمِعَ عَلَى ضَلَالَةٍ». (رواه ابن أبي عاصم في السنة، وحسنه الألباني).\nومَن عَلِم سيرة معاوية - ﵁ - في الملك وما اشتهر به من الحِلم والصفح وحسن السياسة للرعية، ظهر له أن ذلك من أكبر الكذب عليه.\nثم كيف يسمح معاوية - ﵁ - بذلك؟! وهو الذي لم يصح عنه أبدًا أنه سبّ عليًّا - ﵁ - أو لعنه مرة واحدة، فضلًا عن التشهير به على المنابر؟!!","vol":"1","page":224},{"text":"* إن قصة لعْن عليٍّ - ﵁ - على منابر بني أمية قد رواها الطبري من طريق أبي مخنف عن أبي جناب الكلبي وفيه عن علي - ﵁ -: «وكان إذا صلى الغداة يقنت فيقول: «اللهم العن معاوية وعمْرًا وأبا الأعور السُّلمي وحبيبًا وعبدالرحمن بن خالد والضحاك بن قيس والوليد، فبلغ ذلك معاوية فكان إذا قنت لعن عليًا وابن عباس والأشتر وحسنًا وحسينًا» (١).\nوإسنادها لا يصح.\nإن هذا الأثر - قصة لعن علي على منابر بني أمية - مروي من طريق علي بن محمد وهو شيخ ابن سعد، وهو المدائني فيه ضعف.\nوشيخه لوط بن يحي (أبو مخنف) ليس بثقة، متروك الحديث وأخباري تالف لا يوثق به وعامة روايته عن الضعفاء والهلكى والمجاهيل\nوفي سندها أيضًا أبو جناب الكلبي، ضعيف (٢).\nثم إن هذا الأثر، وهو الوحيد الذي ورد فيه التصريح المباشر بقصة اللعن وهو المشهور، وهو الذي يتمسك به عامة أهل البدع والجهل. يشير إلى أن عليًا - ﵁ - كان يلعن معاوية وعمرو بن العاص وغيرهم!! فلماذا لم يتحدثوا عن هذه؟!! إن في هذا الأثر المكذوب طعنًا أيضًا في علي - ﵁ -.\nإن الصحابة - ﵃ - كانوا أكثر حرصًا من غيرهم على التقيّد بأوامر الشرع الذي نهى عن سباب المسلم ولعنه.\n* وتذكر كتب التاريخ أيضًا أن الولاة من بني أمية قبل عمر بن عبد العزيز - ﵀ - كانوا يشتمون عليًّا، وهذا الأثر الذي ذكره ابن سعد لا يصح.\n_________\n(١) تاريخ الأمم والملوك (٣/ ١١٢).\n(٢) انظر: سير أعلام النبلاء (٧/ ٣٠٢)، والميزان (٣/ ٤١٩).","vol":"1","page":225},{"text":"قال ابن سعد: «أخبرنا علي بن محمد، عن لوط بن يحيي، قال: كان الولاة من بني أمية قبل عمر بن عبد العزيز يشتمون رجلًا - ﵁ -، فلما ولي هو - عمر بن عبد العزيز - أمسك عن ذلك، فقال كثير عزة الخزاعي:\nوَلِيتَ فلم تشتمْ عليًّا ولم تُخِفْ ... بَرِيًّا ولم تتبِعْ مقالةَ مجرمِ\nتكلمتَ بالحق المبين وإنما ... تبين آيات الهدى بالتكلمِ\nفصدَّقت معروف الذي قلتَ بالذي ... فعلتَ فأضحى راضيًا كلُّ مسلمِ» (١)\n\nإن هذا الأثر واهٍ، فعلي بن محمد هو المدائني فيه ضعف وشيخه لوط بن يحيى، واهٍ بمرة، قال عنه يحي بن معين: «ليس بثقة»، وقال أبو حاتم: «متروك الحديث»، وقال الدارقطني: «أخباري ضعيف»، ووصفه في الميزان: «أخباري تالف لا يوثق به، وعامة روايته عن الضعفاء والهلكى والمجاهيل» (٢).\nلقد اتهم الشيعة معاوية بحمل الناس على سب علي - ﵄ - ولعنه فوق منابر المساجد، وهذه الدعوى لا أساس لها من الصحة، والذي يقصم الظهر أن الباحثين قد التقطوا هذه الفرية على هوانها دون إخضاعها للنقد والتحليل، حتى صارت عند المتأخرين من المُسلَّمات التي لا مجال لمناقشتها، ولم يثبت قط في رواية صحيحة، ولا يعول على ما جاء في كتب الشيعة أمثال الدميري، واليعقوبي والمسعودي وأبي الفرج الأصفهاني.\nإن التاريخ الصحيح يؤكد خلاف ما ذكره هؤلاء، من احترام وتقدير معاوية - ﵁ - لأمير المؤمنين علي - ﵁ - وأهل بيته الأطهار - ﵃ -، فحكاية لعن علي على منابر بني أمية لا تتفق مع منطق الحوادث، ولا مع طبيعة المتخاصمين.\n_________\n(١) الطبقات الكبرى لابن سعد (٥/ ٣٩٣ (.\n(٢) سير أعلام النبلاء (٥/ ١٤٧)، الميزان (٣/ ٤١٩).","vol":"1","page":226},{"text":"وقد تسربت تلك الأكذوبة إلى كتب تاريخ أهل السنة ولا يوجد فيها رواية صحيحة صريحة، فهذه دعوى مفتقرة إلى صحة النقل، وسلامة السند من الجرح، والمتن من الاعتراض، ومعلوم وزن هذه الدعوى عند المحققين والباحثين.\nومعاوية - ﵁ - بعيد عن مثل هذه التهم بما ثبت من فضله في الدين، وكان محمود السيرة في الأمة، أثنى عليه بعض الصحابة ومدحه خيار التابعين، وشهدوا له بالدين والعلم، والعدل والحلم، وسائر خصال الخير.\nوقد ثبت هذا في حق معاوية - ﵁ - كما أنه من أبعد المحال على من كانت هذه سيرته، أن يحمل الناس على لعن علي - ﵁ - على المنابر وهو من هو في الفضل، ومن علم سيرة معاوية - ﵁ - في الملك، وما اشتهر به من الحلم والصفح، وحسن السياسة للرعية ظهر له أن ذلك من أكبر الكذب عليه، فقد بلغ معاوية - ﵁ - في الحلم مضرب الأمثال، وقدوة الأجيال ..","vol":"1","page":227},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-75>الشبهة الثامنة عشرة\nمسألة سب معاوية لعلي - ﵄ </span>-\nيتعلق أهل البدع والأهواء في ذلك بشبهات واهية، ليس فيها أي دليل على ما يتشدقون به:\nالشبهة الأولى:\nما جاء في صحيح مسلم عَنْ بُكَيْرِ بْنِ مِسْمَارٍ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ أَمَرَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ سَعْدًا فَقَالَ: «مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسُبَّ أَبَا التُّرَابِ؟».\nفَقَالَ: «أَمَّا مَا ذَكَرْتُ ثَلَاثًا قَالَهُنَّ لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﵌ - فَلَنْ أَسُبَّهُ لَأَنْ تَكُونَ لِي وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ:\nسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﵌ - يَقُولُ لَهُ خَلَّفَهُ فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: «يَا رَسُولَ اللهِ خَلَّفْتَنِي مَعَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ؟».\nفَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﵌ -: «أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَا نُبُوَّةَ بَعْدِي».\nوَسَمِعْتُهُ يَقُولُ يَوْمَ خَيْبَرَ: «لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ رَجُلًا يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ».\nقَالَ: فَتَطَاوَلْنَا لَهَا، فَقَالَ: «ادْعُوا لِي عَلِيًّا»، فَأُتِيَ بِهِ أَرْمَدَ فَبَصَقَ فِي عَيْنِهِ وَدَفَعَ الرَّايَةَ إِلَيْهِ فَفَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ.\nوَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾ دَعَا رَسُولُ اللهِ - ﵌ - عَلِيًّا وَفَاطِمَةَ وَحَسَنًا وَحُسَيْنًا فَقَالَ: «اللهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلِي».\nالجواب:\nأولا: هذا الحديث لا تصح نسبته إلى الإمام مسلم دون بيان أنه إنما أورده في الشواهد لا في الأصول، أي أنه لم يخرجه احتجاجًا، فإنه على طريقته المعروفة - والتي","vol":"1","page":228},{"text":"نص عليها في مقدمة صحيحه - يقدِّم اللفظ الأصح، والمحفوظ في الرواية، ثم يتبعه بما هو دونه، وقد يُشير في ذلك لعلة في السياق المؤخر، ونص على مثل ذلك في كتاب (التمييز) له - وهو في العلل - ومن أمثلته ما نحن بصدده الآن.\nفالإمام مسلم أورد أكثر من طريق لحديث «أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي»، ليس فيها هذا اللفظ: «أَمَرَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ سَعْدًا فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسُبَّ أَبَا التُّرَابِ؟» ولا حتى إشارة له، بل هذا اللفظ تفرد به راوٍ مختلفٌ فيه، وهو بُكَيْرِ بْنِ مِسْمَار (١)، وخالف بذلك جمعًا من الرواة الثقات الذين لم يذكروا السبّ، فتكون روايته بذلك ضعيفة منكرة.\nتنبيه:\nكلمة «أَمَرَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ سَعْدًا» هي من كلام بكير لا من كلام سعد، إذ لو كانت من كلام سعد لقال: «أمرني معاوية». فيكون قد روى بالمعنى وتصرف بالألفاظ. فقد جاء الحديث عند الحاكم عن بكير بن مسمار قال: سمعت عامر بن سعد يقول: قال معاوية لسعد بن أبي وقاص - ﵄ -: «ما يمنعك أن تسب ابن أبي طالب؟». فهذا إسناد متصل؛ وليس فيه لفظ الأمر.\nثانيًا: على فرض أن اللفظ ثابت، فليس صريحًا في السب ولا يفيد أن معاوية أمر سعدًا بسَبّ علي - ﵃ -، وإنما أراد معاوية أن يستفسر عن المانع من سبّ علي، فأجابه سعدٌ عن السبب، ولم نعلم أن معاوية عندما سمع ردَّ سعدٍ غضبَ منه ولا عاقبه.\n_________\n(١) بُكَيْرِ بْنِ مِسْمَار: قال عنه ابن حجر في التقريب: «صدوق». وقال الذهبي في الكاشف: «فيه شيء».\nوقال النسائي: «ليس به بأس» (وهذا دون التوثيق). وقال أبو أحمد بن عدي: «مستقيم الحديث».\nوقال البخاري: «فيه نظر» كما في تهذيب الكمال. وذكر له هذا الحديث في التاريخ الكبير (٢/ ١١٥) وقال: «فيه بعض النظر»، وما روى له شيئًا.\nوذكره العقيلي في (الضعفاء ١٩١). وقال ابن حزم في المحلى (٩/ ٤٧): «بكير بن مسمار ضعيف».\nوقال عنه الذهبي في (المغني في الضعفاء ١/ ١٨٠): «صدوق، ليَّنَه ابن حبان البستي وابن حزم، وقال البخاري: فيه نظر».","vol":"1","page":229},{"text":"كما أن سكوت معاوية هنا، تصويب لرأي سعد، ولو كان معاوية - ﵁ - ظالمًا يجبر الناس على سب علي - ﵁ - كما يدّعون، لَمَا سكت عن سعد ولأجبره على سبِّه، ولكن لم يحدث من ذلك شيء، فعُلم أنه لم يأمر بسبه ولا رضي بذلك.\nيقول الإمام النووي - ﵀ - في ذلك: «قَوْل مُعَاوِيَة هَذَا لَيْسَ فِيهِ تَصْرِيح بِأَنَّهُ أَمَرَ سَعْدًا بِسَبِّهِ، وَإِنَّمَا سَأَلَهُ عَنْ السَّبَب الْمَانِع لَهُ مِنْ السَّبّ، كَأَنَّهُ يَقُول: هَلْ اِمْتَنَعْت تَوَرُّعًا، أَوْ خَوْفًا، أَوْ غَيْر ذَلِكَ. فَإِنْ كَانَ تَوَرُّعًا وَإِجْلَالًا لَهُ عَنْ السَّبّ فَأَنْتَ مُصِيب مُحْسِن، وَإِنْ كَانَ غَيْر ذَلِكَ فَلَهُ جَوَاب آخَر.\n. وَيَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا آخَر أَنَّ مَعْنَاهُ مَا مَنَعَك أَنْ تُخَطِّئَهُ فِي رَأْيه وَاجْتِهَاده، وَتُظْهِرَ لِلنَّاسِ حُسْن رَأْينَا وَاجْتِهَادنَا، وَأَنَّهُ أَخْطَأَ؟» (١).\nوقال القرطبي في شرح هذا الحديث: «وهذا ليس بتصريح بالسب، وإنما هو سؤال عن سبب امتناعه ليستخرج ما عنده من ذلك، أو من نقيضه، كما قد ظهر من جوابه، ولما سمع ذلك معاوية سكت وأذعن، وعرف الحق لمستحقه.\nولو سلمنا أن ذلك من معاوية - ﵁ - حمل على السَّب، فإنَّه يحتمل أن يكون طلب منه أن يسبَّه بتقصير في اجتهاد، في إسلام عثمان لقاتليه، أو في إقدامه على الحرب والقتال للمسلمين، وما أشبه ذلك مما يمكن أن يقصر بمثله من أهل الفضل.\nوأما التصريح باللعن، وركيك القول، فحاشا معاوية منه، ومَن كان على مثل حاله من الصحبة، والدين، والفضل، والحلم، والعلم» (٢).\nوقال القاضي عياض في شرح هذا الحديث: «ليس فيه تصريح بأنه أمره بسبه، وإنما سأله عن السبب المانع له من السب، وقد سُئِل عن مثل هذا السؤال من يستجيز سب المسؤول عنه، وسئل عنه من لا يستجيزه.\nفقد يكون معاوية رأى سعدًا بين قوم يسبونه، ولا يمكن الإنكار عليهم، فقال: ما منعك أن تسب أبا تراب؛ ليستخرج منه مثل ما استخرج مما حكاه عن النبى - ﵌ - فيكون له حجة على من سبه ممن ينضاف إليه من غوغاء جنده، فيحصل على المراد على لسان غيره من الصحابة.\nويمكن أن يريد السب الذى هو بمعنى التغيير للمذهب والرأى، وقد سمى ذلك فى العرف سبًّا، ويقال فى فرقة: إنها تسب أخرى إذا سمع منهم أنهم اْخطؤوا فى مذاهبهم، وحادوا عن الصواب، وأكثروا من التشنيع عليهم، فمن الممكن أن يريد معاوية من سعد بقوله: «مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسُبَّ أَبَا التُّرَابِ؟» أى يُظهر للناس خطأه فى رأيه، وإن رأينا وما نحن عليه أشد وأصوب» (٣).\nوقيل: إن معاوية - ﵁ - إنما قال ذلك على سبيل المداعبة لسعد، وأراد من ذلك استظهار بعض فضائل علي - ﵁ -، فإن معاوية - ﵁ - كان رجلًا فطنًا ذكيًا يحب مطارحة الرجال واستخراج ما عندهم، فأراد أن يعرف ما عند سعد في علي - ﵄ -، فألقى سؤاله بهذا الأسلوب المثير.\nثالثًا: إن معاوية - ﵁ - كان رجلًا ذكيًا، مشهورًا بالعقل والدهاء، فلو أراد حمل الناس على سب علي - ﵁ - - وحاشاه من ذلك - أفكان يطلب ذلك من مثل سعد بن أبي وقاص - ﵁ -، وهو من هو في الفضل والورع، مع عدم دخوله في الفتنة أصلًا!! فهذا لا يفعله أقل الناس عقلًا وتدبيرًا، فكيف بمعاوية؟!!\n_________\n(١) باختصار من شرح النووي لصحيح مسلم.\n(٢) باختصار يسير من شرح القرطبي لصحيح مسلم المسمى (المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم).\n(٣) باختصار يسير من من شرح القاضي عياض لصحيح مسلم المسمى (إكمال المعلم شرح صحيح مسلم).","vol":"1","page":230},{"text":"الشبهة الثانية التي يتعلق بها أهل البدع والأهواء لاتهام معاوية بسبّ علي - ﵄ -:\nما جاء في صحيح مسلم عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: «اسْتُعْمِلَ عَلَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ مِنْ آلِ مَرْوَانَ، قَالَ: فَدَعَا سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ فَأَمَرَهُ أَنْ يَشْتِمَ عَلِيًّا.\nقَالَ: فَأَبَى سَهْلٌ فَقَالَ لَهُ: «أَمَّا إِذْ أَبَيْتَ فَقُلْ لَعَنَ اللهُ أَبَا التُّرَابِ».\nفَقَالَ سَهْلٌ: «مَا كَانَ لِعَلِيٍّ اسْمٌ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَبِي التُّرَابِ وَإِنْ كَانَ لَيَفْرَحُ إِذَا دُعِيَ بِهَا».فَقَالَ لَهُ: «أَخْبِرْنَا عَنْ قِصَّتِهِ لِمَ سُمِّيَ أَبَا تُرَابٍ».\nقَالَ: «جَاءَ رَسُولُ اللهِ - ﵌ - بَيْتَ فَاطِمَةَ فَلَمْ يَجِدْ عَلِيًّا فِي الْبَيْتِ».\nفَقَالَ: «أَيْنَ ابْنُ عَمِّكِ».\nفَقَالَتْ: «كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ شَيْءٌ فَغَاضَبَنِي فَخَرَجَ فَلَمْ يَقِلْ عِنْدِي» (١).\nفَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﵌ - لِإِنْسَانٍ: «انْظُرْ أَيْنَ هُوَ؟».\nفَجَاءَ فَقَالَ: «يَا رَسُولَ اللهِ هُوَ فِي الْمَسْجِدِ رَاقِدٌ».\nفَجَاءَهُ رَسُولُ اللهِ - ﵌ - وَهُوَ مُضْطَجِعٌ قَدْ سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ شِقِّهِ فَأَصَابَهُ تُرَابٌ فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ - ﵌ - يَمْسَحُهُ عَنْهُ وَيَقُولُ: «قُمْ أَبَا التُّرَابِ، قُمْ أَبَا التُّرَابِ».\nالجواب: هذا الادعاء لا أساس له من الصحة، بل إن استشهاد هؤلاء وأمثالهم بهذا الحديث لا حجة فيه، فأين التصريح باسم معاوية فيه؟!!\nثم إن الرجل من آل مروان، ومن المعروف لدى الجاهل قبل العالم أن معاوية - ﵁ - سفياني وليس مرواني.\nومما يدل على جهل هؤلاء قول سهل بن سعد - ﵁ -: «اسْتُعْمِلَ عَلَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ مِنْ آلِ مَرْوَانَ»، إن كان المقصود بذلك معاوية - ﵁ - فمن الذي استعمله، وقد كان حاكم المسلمين ولم يكن واليًا على المدينة فقط.\nومن الغرائب أن هؤلاء الشيعة المبتدعة ينكرون سب علي - ﵁ -، ولم يتورعوا عن سب خير البرية بعد الأنبياء أبي بكر وعمر وعثمان - ﵃ -!! وكتبهم طافحة بذلك.\n_________\n(١) (فَخَرَجَ وَلَمْ يَقِلْ عِنْدِي) هُوَ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْقَافِ - مِنْ الْقَيْلُولَة، وَهِيَ النَّوْمُ نِصْفَ النَّهَار.","vol":"1","page":232},{"text":"الشبهة الثالثة التي يتعلق بها أهل البدع والأهواء لاتهام معاوية بسبّ علي - ﵄ -:\nقال ابن ماجه: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ ابْنِ سَابِطٍ - وَهُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ - عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: قَدِمَ مُعَاوِيَةُ فِي بَعْضِ حَجَّاتِهِ فَدَخَلَ عَلَيْهِ سَعْدٌ فَذَكَرُوا عَلِيًّا، فَنَالَ مِنْهُ فَغَضِبَ سَعْدٌ، وَقَالَ تَقُولُ هَذَا لِرَجُلٍ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﵌ - يَقُولُ: «مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ» وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي»، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ الْيَوْمَ رَجُلًا يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ».\nالجواب:\nهذا الحديث منكر شديد الضعف فيه علل (١).\nوابن سابط لم يسمع من سعد بن أبي وقاص كما نص يحيى بن معين.\nالشبهة الرابعة التي يتعلق بها أهل البدع والأهواء لاتهام معاوية بسبّ علي - ﵄ -:\nما ذكر البلاذري بلا إسناد! فقال: «وحُدِّثْتُ أن معاوية خطب الناس يومًا، فذكر عليًا فتنقصه ...» (٢).\nالجواب: هذه الشبهة ليست بحاجة إلى جواب؛ فالقصة ليس لها إسناد أصلًا حتى يحكم أهل العلم بصحتها أو ضعفها.\n_________\n(١) انظر تخريجًا مفصلًا للحديث وبيان سبب تضعيفه والرد على من أخطأ في تصحيحه من أهل العلم في: أبحاث من مسودة كتاب من فضائل وأخبار معاوية بن أبي سفيان - ﵁ - دراسة حديثية، تأليف: محمد زياد بن عمر التكلة.\n(٢) أنساب الأشراف (٥/ ١٢٤).","vol":"1","page":233},{"text":"إن ما ادعاه الشيعة من الأمر بالسبّ، حاشا معاوية - ﵁ - أن يصدر منه مثل ذلك، والمانع من هذا عدة أمور:\nالأول: أن معاوية نفسه ما كان يسب عليًا - ﵁ -، فكيف يأمر غيرَه بسبه؟ بل كان معظمًا له معترفًا له بالفضل والسبق إلى الإسلام، كما دلت على ذلك أقواله الثابتة عنه.\nقال ابن كثير: وقد ورد من غير وجه أن أبا مسلم الخولاني وجماعة معه دخلوا على معاوية فقالوا له: «هل تنازع عليًا أم أنت مثله؟».\nفقال: «والله إني لأعلم أنه خير مني وأفضل، وأحق بالأمر مني ...».\nونقل ابن كثير أيضًا عن جرير بن عبد الحميد عن المغيرة قال: لما جاء خبر قتل علي إلى معاوية جعل يبكي، فقالت له امرأته: «أتبكيه وقد قاتلته؟».\nفقال: «ويحك إنك لا تدرين ما فقد الناس من الفضل والفقه والعلم» (١).\nالثاني: أنه لا يعرف بنقل صحيح أن معاوية - ﵁ - تعرض لعلي - ﵁ - بسب أو شتم أثناء حربه له في حياته، فهل من المعقول أن يسبه بعد انتهاء حربه معه ووفاته، فهذا من أبعد ما يكون عند أهل العقول وأبعد منه أن يحمل الناس على سبه وشتمه.\nالثالث: أن معاوية - ﵁ - انفرد بالخلافة بعد تنازل الحسن بن علي - ﵄ - له واجتمعت عليه الكلمة والقلوب، ودانت له الأمصار بالملك، فأي نفع له في سبِّ علي - ﵁ -؟!\nبل الحكمة وحسن السياسة تقتضي عدم ذلك، لما فيه من تهدئة النفوس وتسكين الأمور، ومثل هذا لا يخفى على معاوية - ﵁ - الذي شهدت له الأمة بحسن السياسة والتدبير.\nالرابع: أنه كان بين معاوية - ﵁ - بعد استقلاله بالخلافة وأبناء علي - ﵃ - من الألفة والتقارب ما هو مشهور في كتب السير والتاريخ.\n_________\n(١) البداية والنهاية (٨/ ١٣٢، ١٣٣)، وانظر: تاريخ دمشق (٥٩/ ١٤٢).","vol":"1","page":234},{"text":"ومن ذلك أن الحسن بن علي - ﵄ - دخل مرة على معاوية فقال له: «مرحبًا وأهلًا بابن رسول الله - ﵌ -، وأمر له بثلاثمائة ألف» (١).\nوهذا مما يقطع بكذب ما ادُّعِيَ في حق معاوية من حمله الناس على سبِّ علي - ﵄ -، إذ كيف يحصل هذا مع ما بينه وبين أولاده من هذه الألفة والمودة والاحتفاء والتكريم.\nالخامس: ماذا يمكن أن يقال في إجماع المسلمين على أنه لا يجوز لعن المسلم على التعيين؟\nهل يكون هذا الحكم غائبًا عن معاوية - ﵁ -؟\nوكيف نفسر ما نقله صاحب العقد الفريد من أن معاوية أخذ بيد الحسن بن علي في مجلس له، ثم قال لجلسائه: «مَن أكرم الناس أبًا وأمًا وجدًا وجدة؟».\nفقالوا: «أمير المؤمنين أعلم».\nفأخذ بيد الحسن وقال: «هذا أبوه علي بن أبي طالب، وأمه فاطمة - ﵂ - بنت محمد - ﵌ -، وجده رسول الله - ﵌ -، وجدته خديجة - ﵂ -».\nوأخيرًا:\nلنستمع إلى ما رواه أبو نعيم عن أبي صالح قال:\n«دخل ضرار بن ضمرة الكناني على معاوية فقال له معاوية: «صف لي عليًا».\nفقال ضرار: «أو تعفيني يا أمير المؤمنين؟».\nقال معاوية: «لا أعفيك».\nقال ضرار: «أما إذ لابدّ، فإنه كان والله بعيد المدى، شديد القوى، يقول فصلًا ويحكم عدلًا، ويتفجر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من نواحيه، يستوحش من\n_________\n(١) البداية والنهاية (٨/ ١٤٠).","vol":"1","page":235},{"text":"الدنيا وزهرتها، ويستأنس بالليل وظلمته، كان والله غزير العبرة، طويل الفكرة، يقلب كفه، ويخاطب نفسه، يعجبه من اللباس ما قصر، ومن الطعام ما جشب (١).\nكان والله كأحدنا، يدنينا إذا أتيناه، ويجيبنا إذا سألناه، وكان مع تقربه إلينا وقربه منا لا نكلمه هيبة له، فإن تبسم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم، يعظم أهل الدين، ويحب المساكين، لا يطمع القويُّ في باطله، ولا ييأس الضعيفُ من عدله.\nفأشهد بالله لقد رأيته في بعض مواقفه، وقد أرخى الليل سدوله، وغارت نجومه، يميل في محرابه قابضًا على لحيته، يتململ تململ السليم (٢)، ويبكي بكاء الحزين، فكأني أسمعه الآن وهو يقول: «يا ربنا، يا ربنا، يتضرع إليه، ثم يقول للدنيا: «إلىّ تغررت؟ إلىّ تشَوَّفْت؟ هيهات، هيهات، غُرّي غَيري، قد بَتَتّكِ ثلاثًا، فعمرك قصير، ومجلسك حقير، وخطرك كبير، آهٍ آهٍ من قلة الزاد، وبُعد السفر ووحشة الطريق».\nفوكفت دموع معاوية على لحيته ما يملكها، وجعل ينشفها بكمه، وقد اختنق القوم بالبكاء، فقال - أي معاوية - ﵁ - ـ: «كذا كان أبو الحسن ﵀، كيف وَجْدُكَ عليه يا ضرار؟».\nقال ضرار: «وَجْدُ من ذُبح واحِدُها في حِجْرِها، لا ترقأ دمعتها ولا يسكن حزنها»، ثم قام فخرج (٣).\nقال القرطبي في كتابه (المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم) معلقًا على وصف ضرار لعلي - ﵁ - وثنائه عليه بحضور معاوية، وبكاء معاوية من ذلك، وتصديقه لضرار فيما قال: «وهذا الحديث يدل على معرفة معاوية بفضل علي - ﵄ - ومنزلته، وعظم حقه ومكانته، وعند ذلك يَبْعُد على معاوية أن يصرح بلعنه وسبه، لَِما\n_________\n(١) غليظ، أو بلا إدام.\n(٢) اللديغ.\n(٣) حلية الأولياء (١/ ٨٤ - ٨٥).","vol":"1","page":236},{"text":"كان معاوية موصوفًا به من العقل والدين والحلم وكرم الأخلاق وما يروى عنه من ذلك فأكثره كذب لا يصح».اهـ.\nوبعد هذا الموقف، هل يتصور من معاوية أن يسب عليًّا - ﵄ - أو أن يصرح بلعنه - ﵁ - على المنابر؟!\nوهل يعقل أن يسع حلم معاوية - ﵁ - - الذي بلغ مضرب الأمثال - سفهاء الناس وعامتهم وهو أمير المؤمنين، ثم يأمر بعد ذلك بلعن الخليفة الراشد علي بن أبي طالب - ﵁ - على المنابر، ويأمر ولاته بذلك في سائر الأمصار والبلدان؟؟!!\nوالحكم في هذا لكل صاحب عقل وفهم ودين.\nتناقض عجيب:\nمن العجب أن الشيعة تنكر سبّ عليّ - ﵁ -، وهم يسبّون أبا بكر وعمر وعثمان - ﵃ - ويكفرونهم ومن والاهم.\nومعاوية - ﵁ - وأصحابه ما كانوا يكفرون عليًّا - ﵁ -، وإنما يكفره الخوارج المارقون، والرافضة شر منهم.\nولا ريب أنه لا يجوز سب أحد من الصحابة: لا عليّ ولا عثمان ولا غيرهما، ومن سب أبا بكر وعمر وعثمان فهو أعظم إثمًا ممن سب عليًّا.\nومن أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله - ﵌ - كما وصفهم الله - ﷿ - فى قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ (الحشر:١٠).\nوطاعةً للنبى - ﵌ - فى قوله: «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ» (رواه البخاري ومسلم).\nومَعْنَى الْحَدِيث: لَا يَنَال أَحَدكُمْ بِإِنْفَاقِ مِثْل أُحُد ذَهَبًا مِنْ الْفَضْل وَالْأَجْر مَا يَنَال أَحَدهمْ بِإِنْفَاقِ مُدّ طَعَام أَوْ نَصِيفه.","vol":"1","page":237},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-76>الشبهة التاسعة عشرة\nهل حُمِلَتْ الخمرُ لمعاوية - ﵁ </span>-؟\nأولا: روي عن أبي تميلة يحيى بن واضح، عن محمد بن اسحاق، عن بريدة بن سفيان، عن محمد بن كعب القرظي، قال غزا عبد الرحمن بن سهل الأنصاري في زمان عثمان، ومعاوية أمير على الشام، فمرت به روايا خمر تُحمل لمعاوية، فقام إليها عبد الرحمن برمحه فنقر كل راوية منها، فناوشه غلمانه، حتى بلغ شأنه معاوية، فقال: «دعوه، فإنه شيخ قد ذهب عقله!».\nفقال: «كلا والله! ما ذهب عقلي، ولكن رسول الله - ﵌ - نهانا أن ندخل بطوننا وأسقيتنا خمرًا، وأحلف بالله لئن أنا بقيت حتى أرى في معاوية ما سمعت من رسول الله - ﵌ - لأبقرن بطنه، أو لأموتن دونه» (١).\nالجواب:\nهذا الأثر ضعّفه الحافظ ابن حجر في (الإصابة) (٢).\nوهو خبر باطل، وسنده مسلسل بالعلل: فابن إسحاق مدلس - وقد عنعن - وبريدة واهٍ، وكان غاليًا في التشيع، ومحمد بن كعب لم يدرك الواقعة، كما يظهر من ترجمته وطبقته (٣).\n_________\n(١) رواه الحسن بن سفيان في مسنده، وابن منده وابن قانع، كما في الإصابة في معرفة الصحابة للحافظ ابن حجر (٦/ ٢٨٦)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٤/ ١٨٢٨)، وابن عساكر (٣٤/ ٤٢٠).\n(٢) الإصابة في معرفة الصحابة للحافظ ابن حجر (٦/ ٢٨٦).\n(٣) تهذيب الكمال وحاشيته (٤/ ٥٦، ٢٦/ ٣٤٧).","vol":"1","page":238},{"text":"ثانيًا: روى ابن عساكر من طريق يحيى بن سليم عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة عن أبيه أن عبادة بن الصامت مرت عليه قطارة وهو بالشام تحمل الخمر، فقال: «ما هذه؟ أزَيْتٌ؟».\nقيل: «لا، بل خمر تباع لفلان».\nفأخذ شفرة من السوق فقام إليها فلم يَذَرْ فيها راوية إلا بَقَرَها، وأبو هريرة إذا ذاك بالشام.\nفأرسل فلان إلى أبي هريرة فقال: «ألا تمسك عنَّا أخاك عبادة بن الصامت، أما بالغدوات فيغدو إلى السوق فيفسد على أهل الذمة متاجرهم، وأما بالعشي فيقعد بالمسجد ليس له عمل إلا شتم أعراضنا وعيبنا؛ فأمسك عنا أخاك».\nفأقبل أبو هريرة يمشي حتى دخل على عبادة فقال: «يا عبادة ما لك ولمعاوية؛ ذَرْهُ وما حمل فإن الله يقول: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ﴾ (البقرة:١٣٤).\nقال: «يا أبا هريرة لم تكن معنا إذا بايعنا رسول الله - ﵌ -، بايعناه على السمع والطاعة في النشاط والكسل، وعلى النفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن نقول في الله لا تأخذنا في الله لومة لائم، وعلى أن ننصره إذا قدم علينا يثرب فنمنعه مما نمنع منه أنفسنا وأزواجنا وأهلنا ولنا الجنة، ومن وَفّى وَفّى الله له الجنة مما بايع عليه رسول الله - ﵌ -، ومن نكث فإنما ينكث على نفسه».\nفلم يكلمه أبو هريرة بشيء فكتب فلان إلى عثمان بالمدينة: «إن عبادة بن الصامت قد أفسد علىَّ الشام وأهله فإما أن يكف عبادة وإما أن أخلي بينه وبين الشام»، فكتب عثمان إلى فلان أن رحِّله إلى داره من المدينة.\nفبعث به فلان حتى قدم المدينة فدخل على عثمان الدار وليس فيها إلا رجل من السابقين بعينه ومن التابعين الذين أدركوا القوم متوافرين فلم يفْجَأ عثمان به إلا وهو قاعد في جانب الدار فالتفت إليه فقال: «ما لنا ولك يا عبادة».\nفقام عبادة قائمًا وانتصب لهم في الدار قال: «إني سمعت رسول الله أبا القاسم يقول: «سيلي أموركم بعدي رجال يعرفونكم ما تنكرون وينكرون عليكم ما تنكرون فلا طاعة لمن عصى فلا تعتلوا بربكم» فوالذي نفس عبادة بيده إن فلانًا لمن أولئك».\nفما راجعه عثمان بحرف (١).\nالجواب:\nأولًا: هذا الحديث لا يصح، وقد رواه الإمام أحمد بدون ذكر قصة الخمر وبدون ذكر حوار عبادة مع أبي هريرة وبدون ذكر معاوية - ﵃ -، ورواه الحاكم كذلك ولكن ذكر فيه قول عبادة: «فو الذي نفسي بيده إن معاوية من أولئك».\nوهذا الحديث قد ضعفه الشيخ الألباني في السلسلة الضعيفة والموضوعة (٣/ ٥٢٨) وضعفه الشيخ شعيب الأرنؤوط في تحقيقه للمسند.\nثانيًا: على فرض صحة الحديث - وهو ليس بصحيح - فهذا اجتهاد من عبادة بن الصامت - ﵁ - في حمله الحديث على معاوية - ﵁ -، فعمر وعثمان - ﵄ - جعلا معاوية واليًا على الشام ولم يتهماه مدة ولايته.\nوأدرك جمع من الصحابة وكبار التابعين ملك معاوية، ولم ينزعوا يدًا من طاعة - ﵃ - أجمعين.\nثالثًا: من جهة متن الحديث فعلى فرض صحته - وهو ليس بصحيح - ليس صريحًا في أن الخمر كانت لمعاوية - ﵁ - بل جاء فيه «ألا تمسك عنا أخاك عبادة بن الصامت أما بالغدوات فيغدو إلى السوق فيفسد على أهل الذمة متاجرهم ...»، وفيه «خمر تباع لفلان»!!\nوكذلك لو صح لكان فيه طعن في عثمان - ﵁ -؛ يبلغه عن معاوية المتاجرة في الخمور فلا يعاقبه بل يجعله واليًا على أهل الشام؛ بل يعاتب عبادة بن الصامت - ﵁ - لأنه أنكر عليه!!\n_________\n(١) تاريخ مدينة دمشق (٢٦/ ١٩٨).","vol":"1","page":239},{"text":"تنبيه:\nقد أورد ابن عراق الكناني أثر ابن عائشة عن أبيه: كان يزيد في حداثته صاحب شراب فأحس معاوية بذلك فأحب أن يعظه فأنشده أبياتًا يرخص له في فعل ذلك بالليل!!\nيقول فيها:\nحتى إذا الليل أتَى بالدجَى ... واكتحلتْ بالغمضِ عينُ الرقيبِ\nباشر الليل بما تشتهِي ... فإنما الليل نهارُ الأريبِ\nكم فاسق تحسبه ناسكًا ... قد باشر الليلَ بأمرٍ عجيبِ\nولذةُ الأحمقِ مكشوفةٌ ... يسعى بها كلُّ عدوٍّ مريبِ\n\nقال ابن عراق: «وهذا على انقطاعه كذب آفته الغلابي، وإنما الأبيات ليحيى بن خالد البرمكي كتب بها إلى ولده عبدالله وقد أحب مغنية» (١).\n_________\n(١) تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأحاديث الشنيعة الموضوعة (٢/ ٩).","vol":"1","page":241},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-77>الشبهة العشرون\nهل باع معاوية - ﵁ - الأصنام لأهل الهند</span>؟\nروى البلاذري من طريق جرير عن الأعمش عن أبي وائل قال: «كنت مع مسروق بالسِلْسِلة فمرت به سفائن فيها أصنام من صُفْر تماثيل الرجال، فسألهم عنها فقالوا: «بعث بها معاوية إلى أرض السند والهند تباع له».\nفقال مسروق: «لو أعلم أنهم يقتلونني لغرقتها، ولكني أخاف أن يعذبوني ثم يفتنوني، والله ما أدري أي الرجلين معاوية، أرجل قد يئس من الآخرة فهو يتمتع من الدنيا أم رجل زُيِّن له سوء عمله» (١).\nالجواب:\nهذا لا ريب أنه من أبطل الباطل وأكذب الكذب!!\nوقد رد جهابذة الحديث هذه الفرية الباطلة!\nقال الخلال: «قال مهنا سألت أحمد، عن حديث الأعمش، عن أبي وائل، أن معاوية لعب بالأصنام فقال: ما أغلظ أهل الكوفة على أصحاب رسول الله ولم يصح الحديث. وقال تكلم به رجل من الشيعة» (٢).\nوهذا قاله الإمام أحمد في حق من قال: «إن معاوية لعب بالأصنام».\nفكيف بمن قال أن معاوية يبيعها!!\n_________\n(١) تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأحاديث الشنيعة الموضوعة (٢/ ٩).\n(٢) المنتخب من العلل (٢٢٧).","vol":"1","page":242},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-78>الشبهة الحادية والعشرون\nهل أقسم معاوية - ﵁ -\nاليمين الغموس وكذبه النبي - ﵌ </span>-!!\nروى الروياني في مسنده (١) وابن عساكر في تاريخه (٢) من طريق سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمد بن كعب قال: «إنا جلوس مع البراء في مسجد الكوفة إذ دخل قاص فجلس فقص ثم دعا للخاصة والعامة ثم دعا للخليفة، ومعاوية بن أبي سفيان يومئذ خليفة.\nفقلنا للبراء: يا أبا إبراهيم، دخل هذا فدعا للخاصة والعامة ثم دعا لمعاوية فلم يسمعك قلت شيئًا؟ فقال: إنا شهدنا وغبتم وعلمنا وجهلتم إنا بينا نحن مع رسول الله - ﵌ - بحنين إذ أقبلت امرأة حتى وقفت على رسول الله - ﵌ - فقالت: «إن أبا سفيان وابنه معاوية أخذا بعيرًا لي فغيباه عليَّ».\nفبعث رسول الله - ﵌ - رجلًا إلى أبي سفيان بن حرب ومعاوية: «أن رُدَّا على المرأة بعيرها. فأرسلا: «إنا والله ما أخذناه، وما ندري أين هو».\nفعاد إليهما الرسول فقالا: «والله ما أخذناه وما ندري أين هو».\nفغضب رسول الله - ﵌ - حتى رأينا لوجهه ظلالًا، ثم قال: «انطلق إليهما، فقل لهما: «بلى والله إنكما لصاحباه، فأدِّيَا إلى المرأة بعيرها».\nفجاء الرسول إليهما وقد أناخا البعير وعقلاه.\nفقالا: «إنا والله ما أخذناه، ولكن طلبناه حتى أصبناه، فقال لهما رسول الله - ﵌ -: «اذهبا».\n_________\n(١) مسند الروياني (١/ ٢٩٠).\n(٢) تاريخ دمشق (٥٩/ ٢٠٤).","vol":"1","page":243},{"text":"الجواب:\nهذا الإسناد لا يصح في سنده سلمة بن الفضل الأبرش ضعيف الحديث له مناكير وغرائب.\nومحمد بن إسحاق عنعن ولم يصرح بالسماع!!\nوأشار ابن عساكر في لنكارته.\nقال ﵀: محمد بن إسحاق وسلمة بن الفضل يتشيعان (١).\n_________\n(١) تاريخ دمشق (٥٩/ ٢٠٥).","vol":"1","page":244},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-79>الشبهة الثانية والعشرون\nهل قتل معاوية عبد الرحمن بن خالد بن الوليد</span>؟\nقال الطبري: «خبر انصراف عبد الرحمن بن خالد إلى حمص وهلاكه:\nوفيها انصرف عبد الرحمن بن خالد بن الوليد من بلاد الروم إلى حمص، فدس ابن أثال النصراني إليه شربةً مسمومةً - فيما قيل - فشربها فقتلته».\nثم روى الطبري من طريق عمر بن شبه عن علي بن محمد المدائني عن مسلمة بن محارب أن عبد الرحمن بن خالد بن الوليد كان قد عظم شأنه بالشام، ومال إليه أهلها، لما كان عندهم من آثار أبيه خالد بن الوليد، ولغنائه عن المسلمين في أرض الروم وبأسه، حتى خافه معاوية وخشي على نفسه منه، لميل الناس إليه، فأمر ابن أثال أن يحتال في قتله، وضمن له إن هو فعل ذلك أن يضع عنه خراجه ما عاش، وأن يوليه جباية خراج حمص.\nفلما قدم عبد الرحمن بن خالد حمص منصرفًا من بلاد الروم دس إليه ابن أثال شربة مسمومة مع بعض مماليكه، فشربها فمات بحمص، فوفى له معاوية ما ضمن له، وولاه خراج حمص، ووضع عنه خراجه» (١).\nالجواب:\nأولا: هذا الخبر لا يصح!\nفيه مسلمة بن محارب وهو الزيادي فيه جهالة روى عن أبيه وابن جريج وروى عنه المدائني لم يوثقه غير ابن حبان (٢).\nذكره البخاري في «التاريخ الكبير»، وابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا.\n_________\n(١) تاريخ الطبري (٣/ ٢٠٢).\n(٢) الثقات (٧/ ٤٩٠).","vol":"1","page":245},{"text":"ثم أن مسلمة بن محارب لم يدرك القصة وهو لا يروي عن معاوية - ﵁ - إلا بواسطة مما يدل على أن القصة منقطعة السند (١).\nوأيضًا في السند علي بن محمد المدائني الأنباري قال فيه ابن عدي: «ليس بالقوي في الحديث، وهو صاحب أخبار، قَلَّ ما له من الروايات المسندة» (٢).\nلذا رواها الطبري بصيغة التمريض قال: «فيما قيل» (٣).\nوقال ابن كثير: «وزعم بعضهم أن ذلك عن أمر معاوية له في ذلك ولا يصح» (٤).\nوروى هذه القصة بنحوها البلاذري، قال: حدثني محمد بن سعد عن الواقدي قال: «توفي خالد بن الوليد بن المغيرة بحمص سنة عشرين، وأوصى إلى عمر بن الخطاب، وكان عبدالرحمن بن خالد يلي الصوائف فيبلى ويحسن أثره، فعظم أمره بالشام، فدس إليه معاوية متطببًا يُقال له ابن أثال ليقتله وجعل له خراج حمص فسقاه شربة فمات فاعترض خالد بن المهاجر بن خالد - ويقال خالد بن عبدالرحمن بن خالد - ابنَ أثال فضربه بالسيف فقتله، فرفع أمره إلى معاوية، فحبسه أيامًا وأغرمه دِيَتَهُ ولم يُقِدْه به» (٥).\nوفي سند هذه القصة الواقدي وهو متروك الحديث.\nثانيًا: هذه الروايات بالإضافة إلى ضعف سندها يوجد اختلاف في متنها مع الواقع الملموس فمعاوية - ﵁ - بيده عزل الأمراء أو توليتهم كما هو معروف، وليس بالصعوبة على معاوية أن يطلب من عبد الرحمن بن خالد أن يتنحى عن قيادة الصوائف على الثغر الرومي، وتكون النتيجة أن يهمل عبد الرحمن بن خالد ثم لا يكون له أي مكانة يُخشى منها.\n_________\n(١) انظر التاريخ الكبير (٧/ ٣٨٧)، الجرح والتعديل (٨/ ٢٦٦)، الثقات (٧/ ٤٩٠).\n(٢) تاريخ الطبري (٣/ ٢٠٢).\n(٣) الكامل (٥/ ٢١٣).\n(٤) البداية والنهاية (٨/ ٢٤).\n(٥) أنساب الأشراف (٥/ ١١٨).","vol":"1","page":246},{"text":"وقد ورد أن معاوية - ﵁ - عزله وولى بدلًا منه سفيان بن عوف الغامدي على إحدي الصوائف (١)، وهذا لا يشكل صعوبة على معاوية، بل إن معاوية كان يعزل عن الإمارة من هو أعظم وأقوى من عبد الرحمن بن خالد.\nثالثًا: كيف يقوم معاوية بقتله وقد أورد الطبري ذكر غزوة البحر سنة ٤٨هـ وكان قائد أهل مصر عقبة بن عامر الجهني، وعلى أهل المدينة المنذر بن زهير، وعلى جميعهم خالد بن عبد الرحمن بن خالد بن الوليد (٢)، فكيف يرضى معاوية أن يكون ولد عبد الرحمن بن خالد قائدًا كبيرًا من بعد أبيه هذا من ناحية.\nومن ناحية أخرى كيف يرضى أن يقوم ولده خالد بقيادة الجيش لمعاوية إن كان معاوية قاتلَ أبيه، وهل يمكن أن يخفى على ولده هذا الأمر وهو أقرب الناس إليه؟\n_________\n(١) تهذيب تاريخ دمشق (٦/ ١٨٥)، أنساب الأشراف (٤/ ١٠٤).\n(٢) تاريخ الطبري (٦/ ١٤٧).","vol":"1","page":247},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-80>الشبهة الثالثة والعشرون\nهل قتل معاوية الأشتر مالك بن الحارث النخعي</span>؟\nهذه أيضًا من الأباطيل وما أكثرها!\nفي طبقات ابن سعد: «وكان الأشتر من أصحاب علي بن أبي طالب وشهد معه الجمل وصفين ومشاهده كلها وولاه علي - ﵇ - مصر فخرج إليها فلما كان بالعريش شرب شربة عسل فمات» (١).\nقال الذهبي: «ولما رجع علي من موقعة صِفِّين، جهز الأشتر واليًا على ديار مصر، فمات في الطريق مسمومًا، فقيل: إن عبدًا لعثمان عارضه، فسم له عسلًا ...» (٢).\nوليس لمعاوية - ﵁ - ذكر!!\nوقال الحافظ ابن حجر: «قد روي عن عمر وخالد بن الوليد وأبي ذر وعلي وصحبه وشهد معه الجمل وله فيها آثار، وكذلك في صِفِّين وولاه على مصر بعد صرف قيس بن عبادة عنها، فلما وصل إلى القلزم شرب شربة عسل فمات فقيل: إنها كانت مسمومة، وكان ذلك سنة ثمان وثلاثين» (٣).\nوليس لمعاوية - ﵁ - ذكر.\nوروى الطبري خبرًا وفيه:\n«فبعث معاوية إلى الجابيستار - رجل من أهل الخراج - فقال له: «إن الأشتر قد ولى مصر، فإنْ أنت كَفَيْتَنِيهِ لم آخُذْ منك خراجًا ما بقيت، فاحْتَلْ له بما قدرتَ عليه».\n_________\n(١) طبقات ابن سعد (٦/ ٢١٣).\n(٢) سير أعلام النبلاء (٤/ ٣٤).\n(٣) الإصابة (٦/ ١٦٢).","vol":"1","page":248},{"text":"فخرج الجابيستار حتى أتى القلزم وأقام به، وخرج الأشتر من العراق إلى مصر، فلما انتهى إلى القلزم استقبله الجابستار، فقال: «هذا منزل، وهذا طعام وعلف، وأنا رجل من أهل الخراج، فنزل به الأشتر فأتاه الدهقان بعلف وطعام، حتى إذا طعم أتاه بشربة من عسل قد جعل فيها سمًا فسقاه إياه فلما شربها مات ...» (١).\nوهذه القصة من راوية أبي مخنف لوط بن أبي يحيى أخباري تالف، وقد سبق الكلام عليه.\nلذلك أشار إليها ابن عساكر في (تاريخه) بصيغة التمريض!! (٢)\nوذكر القصةَ البلاذري بلا إسناد.\nوفيها: «وبلغت معاوية وفاته .. وجعل يقول: «إن لله لجندًا من عسل»! (٣).\n_________\n(١) تاريخ الطبري (٣/ ١٢٧).\n(٢) انظر تاريخ دمشق لابن عساكر (٤٩/ ٤٢٨)، (٥٦/ ٣٧٥، ٣٧٦، ٣٨٨، ٣٨٩، ٣٩١).\n(٣) أنساب الأشراف (٣/ ١٦٨).","vol":"1","page":249},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-81>الشبهة الرابعة والعشرون\nهل معاوية - ﵁ - ذمه كثير من المهاجرين\nوالأنصار من البدريين وغيرهم - ﵃ </span>-؟!!\nأما ذم معاوية - ﵁ - على ألسنة كثير من المهاجرين والأنصار فهذا كذب محض! فعمر - ﵁ - المحدث الملهم مدحه وأثنى عليه وولاه الشام مدة خلافته وكذلك عثمان - ﵁ -، وناهيك بهذه منقبة عظيمة من مناقب معاوية - ﵁ - فلم يَشْكُ أحد منه، ولا اتهمه بجور ولا مظلمة مدة ولايته (١).\nأما قول من قال: «ثبت ذمه على ألسنة كثير من المهاجرين والأنصار»، فلم يُورِدْ ولا إسنادًا واحدًا صحيحًا:\nأولا: أثر علي - ﵁ - لما طلبوا منه أن يبقي معاوية على الشام فتلا الآية الكريمة: ﴿وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا (٥١)﴾ (الكهف:٥١)، رواه ابن عساكر في (تاريخ دمشق ٥٩/ ١٢٧)، وفي سنده نصر بن مزاحم رافضي كذاب.\nثانيًا: عن عمارة بن خزيمة بن ثابت قال: شهد خزيمة بن ثابت الجمل وهو لا يسلُّ سيفًا وشهد صِفِّين، وقال أنا لا أقتل أحدًا حتى يُقتَل عمار فأنظر مَن يقتله فإني سمعت رسول الله - ﵌ - يقول: «تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ».\nقال: فلما قتل عمار بن ياسر، قال خزيمة: «قد بان لي الضلالة»، واقترب فقاتل حتى قتل» (٢).\n_________\n(١) انظر الاستيعاب (٦٩٩)، السير (٣/ ١٣٢)، منهاج السنة (٤/ ٣٦٩)، البداية والنهاية (٨/ ١٨).\n(٢) رواه ابن سعد في الطبقات الكبرى (٣/ ٢٥٩)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (١٦/ ٣٧٠).","vol":"1","page":250},{"text":"وهذا الأثر لا يصح؛ في سنده محمد بن عمر الواقدي الكذاب، كان يضع الحديث.\nثالثًا: حديث عبادة بن الصامت مرفوعًا «سيلي أموركم بعدي رجال يعرفونكم ما تنكرون وينكرون عليكم ما تعرفون فلا طاعة لمن عصى، فلا تعتلوا بربكم»، قال عبادة: «والله إن معاوية لمن أولئك».\nتقدم في جواب الشبهة التاسعة عشرة أن هذا الحديث لا يصح، وقد رواه الإمام أحمد بدون ذكر معاوية - ﵁ -، ورواه الحاكم كذلك ولكن ذكر فيه قول عبادة: «فو الذي نفسي بيده إن معاوية من أولئك».\nوهذا الحديث قد ضعفه الشيخ الألباني في السلسلة الضعيفة والموضوعة (٣/ ٥٢٨) وضعفه الشيخ شعيب الأرنؤوط في تحقيقه للمسند.\nوعلى فرض صحة الحديث فهذا اجتهاد من عبادة بن الصامت - ﵁ - في حمله الحديث على معاوية - ﵁ -، فعمر وعثمان - ﵄ - جعلا معاوية واليًا على الشام ولم يتهماه مدة ولايته، وأدرك جمع من الصحابة وكبار التابعين ملك معاوية، ولم ينزعوا يدًا من طاعة - ﵃ - أجمعين.\nرابعًا: هل كفّر أبو بكرة معاوية - ﵄ -؟!\nروى ابن عساكر عن هوذة بن خليفة عن عوف عن أبي عثمان النهدي قال: «كنت خليلا لأبي بكرة فقال لي يوما: «أترى الناس إني إنما عتبت على هؤلاء في الدنيا، وقد استعملوا عبيد الله - يعني ابنه - على فارس، واستعملوا روادًا - يعني ابنه - على دار الرزق، واستعملوا عبد الرحمن - يعني ابنه - على الديوان وبيت المال، أفليس في هؤلاء دنيا؟ كلا، والله إنما عتبتُ عليهم لأنهم كفروا - فذكر كلمة وكان في نسخة أخرى - كفروا صراحة أو صراحًا»» (١).\nالجواب:\n_________\n(١) تاريخ دمشق (٦٢/ ٢١٧).","vol":"1","page":251},{"text":"أولًا: بعض رواة هذا الأثر لم أجد من ترجم لهم.\nثانيًا: هذا الأثر رواه هَوْذَةُ بنُ خَلِيْفَةَ عن عوف بن أبى جميلة العبدى الهجرى وقد نقل الذهبي والمزي عن أَحْمَدُ بنُ زُهَيْرٍ: قَوْلَ يَحْيَى بن معين: «هَوْذَةُ بنُ خَلِيْفَةَ، عَنْ عَوْفٍ ضَعِيْفٌ».\nونقلا عن أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ مُحْرِزٍ، عَنْ يَحْيَى بن معين أيضًا قوله في هَوْذَةَ: «لَمْ يَكُنْ بِالمَحْمُوْدِ، لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِهَذِهِ الأَحَادِيْثِ كَمَا جَاءَ بِهَا، وَكَانَ أُطْرُوشًا» (١).\nثالثًا: على فرض صحة هذا الأثر - وقد تبيَّن ما فيه - يجاب عنه بأن هذا ليس صريحًا في أن أبا بكرة قاله في حق معاوية - ﵄ -؛ فليس لمعاوية - ﵁ - ذِكْر في هذا الأثر، بل إنه يتكلم عن (هؤلاء) ومن زعم أن المقصود بـ (هؤلاء) معاوية فليأتنا بالدليل.\nرابعًا: على فرض أن أبا بكرة قال هذا في حق معاوية - ﵄ - فلماذا اعتزل أبو بكرة الفتنة ولم يقاتِلْه وهو يرى كُفْرَه؟! ولماذا لم يقاتل مع علي - ﵁ -؟!\nعَنْ الْحَسَنِ عَنْ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: ذَهَبْتُ لِأَنْصُرَ هَذَا الرَّجُلَ، فَلَقِيَنِي أَبُو بَكْرَةَ فَقَالَ: «أَيْنَ تُرِيدُ؟».\nقُلْتُ: «أَنْصُرُ هَذَا الرَّجُلَ».\nقَالَ: «ارْجِعْ؛ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﵌ - يَقُولُ: «إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ».\nفَقُلْتُ: «يَا رَسُولَ اللهِ هَذَا الْقَاتِلُ؛ فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟».\nقَالَ: «إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ» (رواه البخاري).\nورواه مسلم عَنْ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: «خَرَجْتُ وَأَنَا أُرِيدُ هَذَا الرَّجُلَ فَلَقِيَنِي أَبُو بَكْرَةَ، فَقَالَ: «أَيْنَ تُرِيدُ يَا أَحْنَفُ؟».\nقَالَ: قُلْتُ: «أُرِيدُ نَصْرَ ابْنِ عَمِّ رَسُولِ اللهِ - ﵌ -» - يَعْنِي عَلِيًّا ـ.\nقَالَ: فَقَالَ لِي: «يَا أَحْنَفُ، ارْجِعْ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﵌ - يَقُولُ: «إِذَا تَوَاجَهَ\n_________\n(١) سير أعلام النبلاء (١٩/ ١٠٤)، تهذيب الكمال (٣٠/ ٣٢٣) والأُطْروشُ: الأصَمُّ.","vol":"1","page":252},{"text":"الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا؛ فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ».\nقَالَ: فَقُلْتُ أَوْ قِيلَ: «يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَا الْقَاتِلُ فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟».\nقَالَ: «إِنَّهُ قَدْ أَرَادَ قَتْلَ صَاحِبِهِ».\nواستدلال أبي بكرة - ﵁ - بهذا الحديث يدل على عدم تكفيره لمعاوية حيث يعتبره وعليًا - ﵄ - ومن معهما من المسلمين.\nخامسًا: هل خفي على أبي بكرة - ﵁ - أنه روى ثناء الرسول - ﵌ - على الحسن - ﵁ - في حقنه لدماء المسلمين وتنازله عن الملك لمعاوية، فعن أَبي بَكْرَةَ - ﵁ - قال: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﵌ - عَلَى الْمِنْبَرِ وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ إِلَى جَنْبِهِ وَهُوَ يُقْبِلُ عَلَى النَّاسِ مَرَّةً وَعَلَيْهِ أُخْرَى، وَيَقُولُ: «إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ» (رواه البخاري).\nفهل يعقل بعد ذلك أن يكفِّر معاوية؟!!\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: «فَلَمَّا أَثْنَى النَّبِيُّ - ﵌ - عَلَى الْحَسَنِ بِالْإِصْلَاحِ وَتَرْكِ الْقِتَالِ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْإِصْلَاحَ بَيْنَ تِلْكَ الطَّائِفَتَيْنِ كَانَ أَحَبَّ إلَى اللهِ تَعَالَى مِنْ فِعْلِهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الِاقْتِتَالَ لَمْ يَكُنْ مَأْمُورًا بِهِ.\nوَلَوْ كَانَ مُعَاوِيَةُ كَافِرًا لَمْ تَكُنْ تَوْلِيَةُ كَافِرٍ وَتَسْلِيمُ الْأَمْرِ إلَيْهِ مِمَّا يُحِبُّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ؛ بَلْ دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ مُعَاوِيَةَ وَأَصْحَابَهُ كَانُوا مُؤْمِنِينَ؛ كَمَا كَانَ الْحَسَنُ وَأَصْحَابُهُ مُؤْمِنِينَ؛ وَأَنَّ الَّذِي فَعَلَهُ الْحَسَنُ كَانَ مَحْمُودًا عِنْدَ اللهِ تَعَالَى مَحْبُوبًا مُرْضِيًا لَهُ وَلِرَسُولِهِ - ﵌ -» (١).\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (٤/ ٤٦٧).","vol":"1","page":253},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-82>الشبهة الخامسة والعشرون\nهل معاوية - ﵁ - ذمه كثير من التابعين\nكالحسن البصري والأسود بن يزيد وغيرهم</span>؟!\nأما ذم الحسن البصري لمعاوية - ﵁ - فلا يصح عنه.\nذكر الطبري في تاريخه (٣/ ٢٣٢) ضمن حوادث سنة (٥١هـ) وابن الأثير في الكامل (٣/ ٤٨٧) وابن كثير في «البداية والنهاية» (٨/ ٩٠) - بصيغة التمريض التي تدل على ضعفه عنده - نقلًا عن الحسن البصري أنه قال:\n«أربع خصال كن في معاوية لو لم تكن فيه إلا واحدة لكانت موبقة له:\n* أخذه الأمر من غير مشورة وفيهم بقايا الصحابة ونور الفضيلة.\n* استخلافه بعده ابنه سكيرًا خميرًا يلبس الحرير ويضرب الطنابير.\n* ادعاءه زيادًا وقد قال رسول الله: «الولد للفراش وللعاهر الحجر».\n* قتله حجرًا وأصحاب حجر، فيا ويلا له من حجر ويا ويلا له من حجر وأصحاب حجر» (١).\nالجواب:\nأولًا: من ناحية السند: هذه الرواية مدارها على أبي مخنف، وأبو مخنف هذا هو لوط بن يحيى الأزدي الكوفي، قال عنه الذهبي وابن حجر: «أخباري تالف لا يوثق به». كما تركه أبو حاتم وغيره.\nوقال عنه الدارقطني: «ضعيف».\nوقال ابن معين: «ليس بثقة».\n_________\n(١) تاريخ الطبري (٣/ ٢٣٢) ضمن حوادث سنة (٥١ هـ)، الكامل لابن الأثير (٣/ ٤٨٧)، البداية والنهاية لابن كثير (٨/ ٩٠).","vol":"1","page":254},{"text":"وقال مرة: «ليس بشيء».\nوقال ابن عدي: «شيعي محترق».\nوعَدَّهُ العقيلي من الضعفاء (١).\nوعلى ذلك فالخبر ساقط ولا حجة فيه بسبب ضعف سنده، هذا بالنسبة لرواية الطبري.\nأما رواية ابن الأثير فقد أوردها ابن الأثير بغير إسناد.\nوكيف نسلم بصحة خبر مثل هذا في ذم صحابي لمجرد وروده في كتاب لم يذكر فيه صاحبه إسنادًا صحيحًا، والمعروف أن المغازي والسير والفضائل من الأبواب التي لم تسلم من الأخبار الضعيفة والموضوعة.\nثانيًا: الصحيح عن الحسن - ﵀ - خلاف ذلك!\nفروى الآجري، وابن عساكر عن قتادة عن الحسن البصري إن أناسًا يشهدون على معاوية وذويه أنهم في النار! قال: «لعنهم الله! وما يدريهم أنه في النار؟» (٢).\nورواه ابن عساكر عن أبي الأشهب قال: قيل للحسن: «يا أبا سعيد إن ههنا قومًا يشتمون - أو يلعنون - معاوية وابن الزبير! فقال: «على أولئك الذين يلعنون لعنة الله» (٣).\n_________\n(١) الضعفاء للعقيلي (٤/ ١٨ - ١٩)، ميزان الاعتدال (٣/ ٤١٩)، لسان الميزان (٤/ ٤٩٢).\nوللمزيد من حال هذا الرجل راجع رسالة (مرويات أبي مخنف في تاريخ الطبري) للدكتور يحيى بن إبراهيم اليحيى (ص ٤٣ - ٤٥) ففيها مزيد بيان وتفصيل عن حال هذا الرجل.\n(٢) الشريعة (٥/ ٢٤٦٧)، تاريخ دمشق (٥٩/ ٢٠٦).\n(٣) تاريخ دمشق (٥٩/ ٢٠٦)، وسنده صحيح.","vol":"1","page":255},{"text":"وكذلك ذم الأسود بن يزيد لا يصح:\nروى ابن عساكر عن الأسود بن يزيد قال: قلت لعائشة: ألا تعجبين لرجل من الطلقاء ينازع أصحاب محمد - ﵌ - في الخلافة؟ قالت: «وما تعجب من ذلك؟ هو سلطان الله يؤتيه البر والفاجر وقد ملك فرعون أهل مصر أربعمائة سنة» (١).\nوهذا الأثر لا يصح في سنده أيوب بن جابر أبو سليمان اليمامي، وهو ضعيف عند أكثر أهل العلم بالحديث، ضعفه ابن معين وابن المديني والنسائي وأبو زرعة وأبو حاتم ويعقوب بن سفيان ومعاوية بن صالح وقال أبو حبان: «كان يخطئ حتى خرج عن حد الاحتجاج به لكثرة وهمه».\nوفيه أيضا عبد الرحمن بن محمد بن يحيى بن ياسر الجوبري فيه جهالة توفي سنة ٤٢٥هـ. ذكره الذهبي في «سير أعلام النبلاء» (١٧/ ٤١٥) ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا (٢).\n_________\n(١) تاريخ دمشق (٥٩/ ١٤٥).\n(٢) انظر: التهذيب (١/ ٢٠١)، المجروحين (١/ ١٦٧)، الكامل (١/ ٣٥٥)، تذكرة الحفاظ (٣/ ١٠٧٦).","vol":"1","page":256},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-83>الشبهة السادسة والعشرون\nقولهم: «قتلَ ابنُه يزيد الحسينَ - ﵁ - ونهب نساءه»</span>\nالجواب:\nإن يزيد لم يأمر بقتل الحسين - ﵁ - باتفاق أهل النقل، ولكن كتب إلى ابن زياد أن يمنعه عن ولاية العراق. والحسين - ﵁ - كان يظن أن أهل العراق ينصرونه ويَفُونَ له بما كتبوا إليه، فأرسل إليهم ابنَ عمه مسلم بن عقيل، فلما قتلوا مسلمًا وغدروا به وبايعوا ابن زياد، أراد الرجوع فأدركَتْه السرية الظالمة، فطلب أن يذهب إلى يزيد، أو يذهب إلى الثغر، أو يرجع إلى بلده، فلم يمكّنوه من شيء من ذلك حتى يستأسر لهم، فامتنع، فقاتلوه حتى قتل شهيدًا مظلومًا - ﵁ -، ولما بلغ ذلك يزيد أظهر التوجع على ذلك، وظهر البكاء في داره، ولم يَسْبِ له حريمًا أصلًا، بل أكرم أهل بيته، وأجازهم حتى ردهم إلى بلدهم.\nولو قُدِّرَ أن يزيد بن معاوية قتل الحسين - ﵁ - لم يكن ذنب ابن معاوية ذنبًا له، فإن الله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (فاطر:١٨). وقد اتفق الناس على أن معاوية - ﵁ - وصّى يزيد برعاية حق الحسين وتعظيم قدره.\nوإذا قيل: إن معاوية - ﵁ - استخلف يزيد، وبسبب ولايته فعل هذا.\nقيل: استخلافه إن كان جائزًا لم يضره ما فعل، وإن لم يكن جائزًا فذاك ذنب مستقل ولو لم يقتل الحسين.\nوهو مع ذلك كان من أحرص الناس على إكرام الحسين - ﵁ - وصيانة حرمته، فضلًا عن دمه، فمع هذا القصد والاجتهاد لا يضاف إليه فعل أهل الفساد.","vol":"1","page":257},{"text":"موقف يزيد بن معاوية - ﵀ - من قتل الحسين - ﵁ -:\nكتب عبيد الله بن زياد إلى يزيد بن معاوية يخبره بما حدث ويستشيره في شأن أبناء الحسين ونسائه، فلما بلغ الخبر إلى يزيد بن معاوية بكى وقال: «كنت أرضى من طاعتهم - أي أهل العراق - بدون قتل الحسين، لعن الله ابن مرجانة لقد وجده بعيد الرحم منه، أما والله لو أني صاحبه لعفوتُ عنه، فرحم الله الحسين» (١).\nومن هنا يعلم أن ابن زياد لم يحمل آل الحسين بشكل مؤلم أو أنه حملهم مغللين كما ورد في بعض الروايات.\nوكان رد يزيد - ﵀ - على ابن زياد مخالفًا لما يطمع إليه ابن زياد، حيث كان يطمع بأن يقره يزيد على الكوفة، فلم يقره على عمله بل سبه ونال منه بسبب تصرفه مع الحسين، وهنا يكون الداعي أكبر لأن يحمل ابن زياد آل الحسين على صورة لائقة لعلها تخفف من حدة وغضب يزيد عليه.\nولذلك قال شيخ الإسلام - ﵀ -: «وأما ما ذكر من سبي نسائه والذراري والدوران بهم في البلاد وحملهم على الجمال بغير أقتاب، فهذا كذب وباطل، ما سبى المسلمون - ولله الحمد - هاشمية قط، ولا استحلت أمة محمد - ﵌ - سبي بني هاشم قط، ولكن كان أهل الجهل والهوى يكذبون كثيرًا» (٢).\nولما دخل أبناء الحسين على يزيد قالت فاطمة بنت الحسين: «يا يزيد أبنات رسول الله - ﵌ - سبايا؟»، قال: «بل حرائر كرام، ادخلي على بنات عمك (٣) تجديهن قد فعلْنَ ما فعلْتِ»، قالت فاطمة: «فدخلتُ إليهن فما وجدتُ فيهن سفيانية إلا ملتزمة تبكي» (٤).\n_________\n(١) رواه البلاذري في أنساب الأشراف (٣/ ٢١٩، ٢٢٠) بسند حسن.\n(٢) منهاج السنة (٤/ ٥٥٩).\n(٣) أي النساء من أهل يزيد.\n(٤) رواه الطبري (٥/ ٤٦٤).","vol":"1","page":258},{"text":"وأرسل يزيد إلى كل امرأة من الهاشميات يسأل عن كل ما أخِذ منهن، وكل امرأة تدّعي شيئًا بالغًا ما بلغ إلا أضعفه لهن في العطية. وكان يزيد لا يتغدى ولا يتعشى إلا دعا علي بن الحسين.\nوبعث يزيد إلى المدينة فقدم عليه ذوو السن من موالي بني هاشم ومن موالي بني علي. ولعل يزيد أراد باستقدامه لهؤلاء الموالي إظهار مكانة الحسين وذويه ويكون لهم موكب عزيز عند دخول المدينة.\nوبعد أن وصل الموالي أمر يزيد بنساء الحسين وبناته أن يتجهزن وأعطاهن كل ما طلبن حتى أنه لم يدع لهن حاجة بالمدينة إلا أمر بها (١).\nوقبل أن يغادروا قال يزيد لعلي بن الحسين: «إن أحببت أن تقيم عندنا فنصل رحمك ونعرف لك حقك فعلت» (٢).\nقال شيخ الإسلام: «وأكرم أبناء الحسين وخيرهم بين المقام عنده والذهاب إلى المدينة فاختاروا الرجوع إلى المدينة» (٣).\nوعند مغادرتهم دمشق كرر يزيد الاعتذار من علي بن الحسين وقال: «لعن الله ابن مرجانة، أما والله لو أني صاحبه ما سألني خصلة أبدًا إلا أعطيتها إياه، ولدفعت الحتف عنه بكل ما استطعت ولو بهلاك بعض ولدي، ولكن الله قضى ما رأيت، كاتِبْني بكل حاجة تكون لك» (٤).\nوأمر يزيد بأن يرافق ذرية الحسين وفد من موالي بني سفيان، وأمر المصاحبين لهم أن ينزلوا بهم حيث شاءوا ومتى شاءوا، وبعث معهم محرز بن حريث الكلبي، وكان من أفاضل أهل الشام (٥).\n_________\n(١) الطبقات لابن سعد (٥/ ٣٩٧)، تاريخ الطبري (٦/ ٣٩٥).\n(٢) رواه ابن سعد في الطبقات (٥/ ٣٩٧).\n(٣) منهاج السنة (٤/ ٥٥٩).\n(٤) تاريخ الطبري ٥/ ٤٦٢).\n(٥) ابن سعد في الطبقات (٥/ ٣٩٧).","vol":"1","page":259},{"text":"وخرج آل الحسين من دمشق محفوفين بأسباب الاحترام والتقدير حتى وصلوا إلى المدينة. قال ابن كثير في ذلك: «وأكرم آل الحسين ورد عليهم جميع ما فقد لهم وأضعافه، وردهم إلى المدينة في محامل وأهبة عظيمة ...» (١).\nتنبيه: لم يصح أن رأس الحسين - ﵁ - حُمِل إلي يزيد بن معاوية.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية:\n«قَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ الْقِصَّةَ الَّتِي يَذْكُرُونَ فِيهَا حَمْلَ رَأْسِ الْحُسَيْنِ إلَى يَزِيدَ وَنَكْتَهُ إيَّاهَا بِالْقَضِيبِ كَذَبُوا فِيهَا وَإِنْ كَانَ الْحَمْلُ إلَى ابْنِ زِيَادٍ - وَهُوَ الثَّابِتُ بِالْقِصَّةِ - فَلَمْ يُنْقَلْ بِإِسْنَادِ مَعْرُوفٍ أَنَّ الرَّأْسَ حُمِلَ إلَى قُدَّامِ يَزِيدَ.\nوَلَمْ أَرَ فِي ذَلِكَ إلَّا إسْنَادًا مُنْقَطِعًا، قَدْ عَارَضَهُ مِنْ الرِّوَايَاتِ مَا هُوَأَثْبَتُ مِنْهُ وَأَظْهَرُ - نَقَلُوا فِيهَا أَنَّ يَزِيدَ لَمَّا بَلَغَهُ مَقْتَلُ الْحُسَيْنِ أَظْهَرَ التَّأَلُّمَ مِنْ ذَلِكَ وَقَالَ: «لَعَنَ اللهُ أَهْلَ الْعِرَاقِ. لَقَدْ كُنْت أَرْضَى مِنْ طَاعَتِهِمْ بِدُونِ هَذَا».\nوَقَالَ فِي ابْنِ زِيَادٍ: «أَمَا إنَّهُ لَوْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحُسَيْنِ رَحِمٌ لَمَا قَتَلَهُ. وَأَنَّهُ ظَهَرَ فِي دَارِهِ النَّوْحُ لِمَقْتَلِ الْحُسَيْنِ وَأَنَّهُ لَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ أَهْلُهُ وَتَلَاقَى النِّسَاءُ تَبَاكَيْنَ وَأَنَّهُ خَيَّرَ ابْنَهُ عَلِيًّا بَيْنَ الْمُقَامِ عِنْدَهُ وَالسَّفَرِ إلَى الْمَدِينَةِ فَاخْتَارَ السَّفَرَ إلَى الْمَدِينَةِ. فَجَهَّزَهُ إلَى الْمَدِينَةِ جَهَازًا حَسَنًا.\nفَهَذَا وَنَحْوَهُ مِمَّا نَقَلُوهُ بِالْأَسَانِيدِ الَّتِي هِيَ أَصَحُّ وَأَثْبَتُ مِنْ ذَلِكَ الْإِسْنَادِ الْمُنْقَطِعِ الْمَجْهُولِ تُبَيِّنُ أَنَّ يَزِيدُ لَمْ يُظْهِرْ الرِّضَا بِقَتْلِ الْحُسَيْنِ وَأَنَّهُ أَظْهَرَ الْأَلَمَ لِقَتْلِهِ. وَاللهُ أَعْلَمُ بِسَرِيرَتِهِ». (٢)\nوقال شيخ الإسلام أيضًا: «الَّذِي ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ: «أَنَّ الرَّأْسَ حُمِلَ إلَى قُدَّامِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ زِيَادٍ وَجَعَلَ يَنْكُتُ بِالْقَضِيبِ عَلَى ثَنَايَاهُ بِحَضْرَةِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ».\n_________\n(١) البداية والنهاية (٨/ ٢٣٥).\n(٢) مجموع الفتاوى (٢٧/ ٤٧٩ - ٤٨٠)","vol":"1","page":260},{"text":"وَفِي الْمُسْنَدِ: «أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِحَضْرَةِ أَبِي بَرْزَةَ الأسلمي» وَلَكِنَّ بَعْضَ النَّاسِ رَوَى بِإِسْنَادِ مُنْقَطِعٍ «أَنَّ هَذَا النَّكْتَ كَانَ بِحَضْرَةِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ» وَهَذَا بَاطِلٌ. فَإِنَّ أَبَا بَرْزَةَ وَأَنَسَ بْنُ مَالِكٍ كَانَا بِالْعِرَاقِ لَمْ يَكُونَا بِالشَّامِ، وَيَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ كَانَ بِالشَّامِ لَمْ يَكُنْ بِالْعِرَاقِ حِينَ مَقْتَلِ الْحُسَيْنِ؛ فَمَنْ نَقَلَ أَنَّهُ نَكَتَ بِالْقَضِيبِ ثَنَايَاهُ بِحَضْرَةِ أَنَسٍ وَأَبِي بَرْزَةَ قُدَّامَ يَزِيدَ فَهُوَ كَاذِبٌ قَطْعًا كَذِبًا مَعْلُومًا بِالنَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ.\nوَمَعْلُومٌ بِالنَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ: أَنَّ عُبَيْدَ اللهِ بْنَ زِيَادٍ كَانَ هُوَ أَمِيرَ الْعِرَاقِ حِينَ مَقْتَلِ الْحُسَيْنِ». (١)\nروى البخاري عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ - أنه قال: «أُتِيَ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ زِيَادٍ بِرَأْسِ الْحُسَيْنِ - ﵁ - فَجُعِلَ فِي طَسْتٍ فَجَعَلَ يَنْكُتُ وَقَالَ فِي حُسْنِهِ شَيْئًا فَقَالَ أَنَسٌ: «كَانَ أَشْبَهَهُمْ بِرَسُولِ اللهِ - ﵌ -».\nقال الحافظ ابن حجر: «قَوْله: (فَجَعَلَ يَنْكُت) فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ وَابْن حِبَّان مِنْ طَرِيق حَفْصَة بِنْت سِيرِينَ عَنْ أَنَس: «فَجَعَلَ يَقُول بِقَضِيبٍ لَهُ فِي أَنْفه، وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيث زَيْد بْن أَرْقَم: «فَجَعَلَ قَضِيبًا فِي يَده فِي عَيْنه وَأَنْفه، فَقُلْت: اِرْفَعْ قَضِيبك فَقَدْ رَأَيْت فَم رَسُول اللَّه - ﵌ - فِي مَوْضِعه»، وَلَهُ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَنَس نَحْوه».\n_________\n(١) (مجموع الفتاوى ٢٧/ ٤٦٩).","vol":"1","page":261},{"text":"التحذير من أساطير الشيعة حول مقتل الحسين - ﵁ -:\nإن الشيعة بالغوا في نقل أخبار تلك الحادثة، وامتلأت كتب التاريخ بحوادث عجيبة قيل إنها وقعت إثر مقتل الحسين، من احمرار الأفق، وتدفق الدماء من تحت الحجارة، وبكاء الجنّ، إلى غير ذلك من الخيال الذي نسجته عقول الشيعة يومئذ، وما زالوا يردّدونه إلى اليوم تضخيمًا لهذا الحادث على حساب غيره من الأحداث الأخرى، وإن الذي يدرس أسانيد تلك الأخبار والرّوايات لا يرى إلا ضعيفًا هالكًا، أو مجهولًا لا يعرف أصله أو مدلِّسًا يريد تعمية الأبصار عن الحقائق.\nومن أكاذيب مؤرخي الشيعة على سبيل المثال في هذه الموقعة أن السبايا حملن على نجائب الإبل عرايا حتى أن الإبل البخاتي (١) إنما نبتت لها الأسنمة من ذلك اليوم لتستر عوارتهن من قبلهن ودبرهن (٢).\nإن كل عاقل يعلم أن الإبل البَخَاتي كانت مخلوقة موجودة قبل أن يبعث الله النبي - ﵌ -، وقبل وجود أهل البيت، كوجود غيرها من الإبل والغنم، والبقر والخيل والبغال (٣).\nوقال ابن كثير: «ولقد بالغ الشِّيعة في يوم عاشوراء، فوضعوا أحاديث كثيرة وكذبًا فاحشًا، من كون الشمس كسفت يومئذ حتى بدت النجوم، وما رفع يومئذ حجر إلا وجد تحته دم، وإن أرجاء السماء احمرّت، وأن الشمس كانت تطلع وشُعاعُها كأنه الدم وصارت السماء كأنها علقة، وأن الكواكب صار يضرب بعضها بعضًا، وأمطرت السماء دمًا أحمر، وأن الحمرة لم تكن في السماء قبل يومئذ.\nوأن رأس الحسين لما دخلوا به قصر الإمارة جعلت الحيطان تسيل دمًا، وأن الأرض أظلمت ثلاثة أيام، ولم يُمسَّ زعفران ولا ورس مما كان معه يومئذ إلا احترق مَن مسَّه، ولم يرفع حجر من حجارة بيت المقدس إلا ظهر تحته دم عبيط. وأن الإبل التي غنموها من إبل الحسين حين طبخوها صار لحمها مثل العلقم. إلى غير ذلك من الأكاذيب والأحاديث الموضوعة التي لا يصح منها شيء (٤).\nوللأسف الشديد، فقد شحنت المصادر التاريخية الإسلامية، مثل تاريخ الطبري، وتاريخ ابن عساكر وغيرهما بمثل هذه الأباطيل والأكاذيب، ممّا يتطلب تحقيقًا علميًا لهذين الكتابين خاصة، ولغيرهما من كتب التاريخ.\n_________\n(١) البُخْتيَّةُ: الأُنثى من الجمال البُخْتِ، وهي جمالٌ طوالُ الأَعْناق، ويُجْمَع على بُختٍ وبَخَاتٍ، وقيل الجمع بَخاتيُّ. (القاموس المحيط، لسان العرب - مادة بخت).\n(٢) البداية والنهاية (١١/ ٥٦٤، ٥٦٥).\n(٣) الفتاوى (٤/ ٣٠٦).\n(٤) البداية والنهاية (١١/ ٥٧٦).","vol":"1","page":262},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-84>الشبهة السابعة والعشرون\nاستلحاق معاوية - ﵁ - زياد بن أبيه</span>\nالجواب: المراد بزياد هنا؛ هو زياد بن سمية، وهي أمُّه كانت أمَةً للحارث بن كلدة، زوَّجها لمولاه عبيد، فأتت بزياد على فراشه وهم بالطائف قبل أن يسلم أهل الطائف، قال الطبري في حوادث عام ٤٤هـ: «في هذه السنة استلحق معاوية نسب زياد بن سمية بأبيه أبي سفيان فيما قيل (١)».\nوقد اتُهِم معاوية - ﵁ - عندما استلحق زياد بن أبيه إلى أبيه بأنه خالف أحكام الإسلام؛ فعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: «قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ فُلَانًا ابْنِي عَاهَرْتُ بِأُمِّهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﵌ -: «لَا دِعْوَةَ فِي الْإِسْلَامِ، ذَهَبَ أَمْرُ الْجَاهِلِيَّةِ، الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ» (٢) (رواه أبو داود وقال الألباني: حسن صحيح).\n_________\n(١) تاريخ الطبري (٦/ ١٣١).\n(٢) قَالَ صَاحِبُ عَوْنِ الْمَعْبُودِ: «(عَاهَرْت): أَيْ زَنَيْت. (لَا دِعْوَة): بِكَسْرِ الدَّال أَيْ لَا دَعْوَى نَسَب. قَالَ فِي النِّهَايَة: الدِّعْوَة بِالْكَسْرِ فِي النَّسَب وَهُوَ أَنْ يَنْتَسِب الْإِنْسَان إِلَى غَيْر أَبِيهِ وَعَشِيرَته وَقَدْ كَانُوا يَفْعَلُونَهُ فَنُهِيَ عَنْهُ وَجُعِلَ الْوَلَد لِلْفِرَاشِ.\nواخْتُلِفَ فِي مَعْنَى الْفِرَاش فَذَهَبَ الْأَكْثَر إِلَى أَنَّهُ اِسْم لِلْمَرْأَةِ وَقَدْ يُعَبَّر بِهِ عَنْ حَالَة الِافْتِرَاش. وَقِيلَ إِنَّهُ اِسْم لِلزَّوْجِ.\nقَالَ النَّوَوِيّ: «مَعْنَى قَوْله «الْوَلَد لِلْفِرَاشِ» أَنَّهُ إِذَا كَانَ لِلرَّجُلِ زَوْجَة أَوْ مَمْلُوكَة صَارَتْ فِرَاشًا لَهُ فَأَتَتْ بِوَلَدٍ لِمُدَّةِ الْإِمْكَان مِنْهُ لَحِقَهُ الْوَلَد وَصَارَ وَلَدًا يَجْرِي بَيْنهمَا التَّوَارُث وَغَيْره مِنْ أَحْكَام الْوِلَادَة، سَوَاء كَانَ مُوَافِقًا لَهُ فِي الشَّبَه أَمْ مُخَالِفًا، وَمُدَّة إِمْكَان كَوْنه مِنْهُ سِتّ أَشْهُر مِنْ حِين أَمْكَنَ اِجْتِمَاعهمَا». ...\nوَأَمَّا مَا تَصِير بِهِ الْمَرْأَة فِرَاشًا فَإِنْ كَانَتْ زَوْجَة صَارَتْ فِرَاشًا بِمُجَرَّدِ عَقْد النِّكَاح وَنَقَلُوا فِي هَذَا الْإِجْمَاع وَشَرَطُوا إِمْكَان الْوَطْء بَعْد ثُبُوت الْفِرَاش. ... =\n= وَأَمَّا الْأَمَة فَعِنْد الشَّافِعِيّ وَمَالِك تَصِير فِرَاشًا بِالْوَطْءِ وَلَا تَصِير فِرَاشًا بِمُجَرَّدِ الْمِلْك حَتَّى لَوْ بَقِيَتْ فِي مِلْكه سِنِينَ وَأَتَتْ بِأَوْلَادٍ وَلَمْ يَطَأهَا وَلَمْ يُقِرّ بِوَطْئِهَا لَا يَلْحَقهُ أَحَد مِنْهُمْ، فَإِذَا وَطِئَهَا صَارَتْ فِرَاشًا، فَإِذَا أَتَتْ بَعْد الْوَطْء بِوَلَدٍ أَوْ أَوْلَاد لِمُدَّةِ الْإِمْكَان لَحِقُوهُ.\n(وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَر): الْعَاهِر الزَّانِي وَعَهَرَ زَنَى وَعَهَرَتْ زَنَتْ، وَالْعِهْر الزِّنَا أَيْ وَلِلزَّانِي الْخَيْبَة وَلَا حَقّ لَهُ فِي الْوَلَد. وَعَادَة الْعَرَب أَنْ تَقُول لَهُ الْحَجَر وَبِفِيهِ الْأَثْلَب وَهُوَ التُّرَاب وَنَحْو ذَلِكَ يُرِيدُونَ لَيْسَ لَهُ إِلَّا الْخَيْبَة.\nوَقِيلَ الْمُرَاد بِالْحَجَرِ هُنَا أَنَّهُ يُرْجَم بِالْحِجَارَةِ، وَهَذَا ضَعِيف؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ كُلّ زَانٍ يُرْجَم وَإِنَّمَا يُرْجَم الْمُحْصَن خَاصَّة، وَلِأَنَّهُ لَا يَلْزَم مِنْ رَجْمه نَفْي الْوَلَد عَنْهُ. وَالْحَدِيث إِنَّمَا وَرَدَ فِي نَفْي الْوَلَد عَنْهُ». (اهـ باختصار).","vol":"1","page":264},{"text":"وقد ردّ على هذا الاتهام الدكتور خالد الغيث بقوله:\n«... أما اتهام معاوية - ﵁ - باستلحاق نسب زياد، فإني لم أقف على رواية صحيحة صريحة العبارة تؤكد ذلك، هذا فضلًا عن أن صحبة معاوية - ﵁ -، وعدالته ودينه وفقهه تمنعه من أن يرد قضاء رسول الله - ﵌ - لاسيما وأن معاوية أحد رواة حديث: «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ» (١).\nووجَّه الدكتور خالد الغيث التهمة إلى زياد بن أبيه بأنه هو الذي ألحق نسبه بنسب أبي سفيان واستدل برواية أخرجها مسلم في صحيحه من طريق أَبِي عُثْمَانَ النهدي قَالَ: «لَمَّا ادَّعَى زِيَادٌ لَقِيتُ أَبَا بَكْرَةَ فَقُلْتُ لَهُ مَا هَذَا الَّذِي صَنَعْتُمْ؛ إِنِّي سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ يَقُول: سَمِعَ أُذُنَايَ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﵌ - وَهُوَ يَقُولُ: «مَنْ ادَّعَى أَبًا فِي الْإِسْلَامِ غَيْرَ أَبِيهِ يَعْلَمُ أَنَّهُ غَيْرُ أَبِيهِ فَالْجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ».\nفَقَالَ أَبُو بَكْرَةَ: «وَأَنَا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﵌ -».\nقال الإمام النووي - ﵀ - مُعلقًا على هذا الخبر:\n«فَمَعْنَى هَذَا الْكَلَام الْإِنْكَار عَلَى أَبِي بَكْرَة؛ وَذَلِكَ أَنَّ زِيَادًا هَذَا الْمَذْكُورُ هُوَ الْمَعْرُوف بِزِيَادِ بْن أَبِي سُفْيَان، وَيُقَال فِيهِ: زِيَادُ بْن أَبِيهِ، وَيُقَال: زِيَاد بْن أُمِّهِ، وَهُوَ أَخُو أَبِي بَكْرَة لِأُمِّهِ، وَكَانَ يُعْرَف بِزِيَادِ بْن عُبَيْد الثَّقَفِيّ، ثُمَّ اِدَّعَاهُ مُعَاوِيَة بْن أَبِي سُفْيَان وَأَلْحَقَهُ بِأَبِيهِ أَبِي سُفْيَان، وَصَارَ مِنْ جُمْلَة أَصْحَابه بَعْد أَنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ عَلِيّ بْن أَبِي\n_________\n(١) مرويات خلافة معاوية في تاريخ الطبري (ص ٣٧٢ - ٣٧٩)، وانظر: فتح الباري (١٢/ ٣٩).","vol":"1","page":265},{"text":"طَالِب - ﵁ -.فَلِهَذَا قَالَ أَبُو عُثْمَان لِأَبِي بَكْرَة مَا هَذَا الَّذِي صَنَعْتُمْ؟ وَكَانَ أَبُو بَكْرَة - ﵁ - مِمَّنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ، وَهَجَرَ بِسَبَبِهِ زِيَادًا، وَحَلَفَ أَنْ لَا يُكَلِّمَهُ أَبَدًا.\nوَلَعَلَّ أَبَا عُثْمَان لَمْ يَبْلُغْهُ إِنْكَار أَبِي بَكْرَة حِين قَالَ لَهُ هَذَا الْكَلَام، أَوْ يَكُون مُرَادُهُ بِقَوْلِهِ: مَا هَذَا الَّذِي صَنَعْتُمْ؟ أَيْ مَا هَذَا الَّذِي جَرَى مِنْ أَخِيك؟ مَا أَقْبَحَهُ وَأَعْظَم عُقُوبَته! فَإِنَّ النَّبِيّ - ﵌ - حَرَّمَ عَلَى فَاعِله الْجَنَّة» اهـ.\nوبذلك يكون زياد هو المدعي، ولذلك هجره أخوه أبو بكرة - ﵁ -.\nويزيد هذا الأمر تأكيدًا ما أورده الحافظ أبو نعيم في ترجمة زياد بن أبيه حيث قال: «زياد بن سمية: ادَّعَى أبا سفيان فنُسب إليه» (١).\nوفي حقيقة الأمر فإن مسألة استلحاق معاوية - ﵁ - زياد هي مسألة اجتهادية ويذهب الكثير من المؤرخين بأن هناك دلائل عديدة تثبت أن أبا سفيان قد باشر سمية - جارية الحارث بن كلدة الثقفي - وكانت من البغايا ذوات الرايات - في الجاهلية، فعلقت منه بزياد، وذكروا أن أبا سفيان اعترف بنفسه بذلك أمام علي بن طالب - ﵁ - وآخرين بعدما شب زياد ونبغ في عهد عمر بن الخطاب (٢).\nوذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن أبا سفيان كان يقول زياد من نطفته (٣)، فلما كانت خلافة معاوية شهد لزياد بذلك النسب أبو مريم السلولي وهو صحابي كان يعمل في الجاهلية خَمَّارًا بالطائف، وهو الذي جمع بين أبي سفيان وسمية، وكان ذلك أمرًا مألوفًا آنذاك (٤).\nويبدو أن هذا النسب قد شاع أمره حتى لقد شهد بذلك أحد رجال البصرة لزياد قبل استلحاق معاوية - ﵁ - إياه (٥)، فهي دعوة قديمة إذن ولم تكن كما يزعم الرواة\n_________\n(١) معرفة الصحابة (٣/ ١٢١٧).\n(٢) مروج الذهب (٣/ ١٤ - ١٥)، الدولة الأموية المفترى عليها (ص ١٩٥).\n(٣) الفتاوي (٢٠/ ١٤٨).\n(٤) الكامل في التاريخ (٢/ ٤٧٠).\n(٥) تاريخ الطبري (٦/ ١٣١، ١٣٢).","vol":"1","page":266},{"text":"نتيجة مشورة المغيرة بن شعبة على معاوية - ﵄ - كجزء من صفقة متبادلة بين معاوية وزياد أو غير ذلك من التفاصيل التي اخترعها الرواة (١).\nوبعد عقود من السنين نجد الإمام مالك بن أنس - إمام أهل المدينة - يذكر زيادًا في كتابه الموطأ بأنه زياد بن أبي سفيان، ولم يقل زياد بن أبيه، وذلك في عصر بني العباس (٢)، والدولة لهم والحكم بأيديهم فما غيروا عليه، ولا أنكروا ذلك منه، لفضل علومهم ومعرفتهم بأن مسألة زياد قد اختلف الناس فيها، فمنهم من جوزها، ومنهم من منعها، فلم يكن لاعتراضهم عليها سبيل (٣).\nوأما تعارض هذا الاستلحاق - إن صح - مع نص الحديث الشريف، فمن اعتذر لمعاوية - ﵁ - قال: إنما استلحق معاوية زيادًا لأن أنكحة الجاهلية كانت أنواعًا، وكان منها أن الجماعة يجامعون البَغِيَّ، فإذا حملت وولدت ألحقت الولد لمن شاءت منهم فيلحقه، فلمّا جاء الإسلام حرّم هذا النكاح، إلا أنّه أقر كل ولد كان يُنسب إلى أب من أي نكاح كان من أنكحتهم على نسبه، ولم يفرّق بين شيء منها، فتوهم معاوية أنّ ذلك جائز له ولم يفرّق بين استلحاق في الجاهلية، والإسلام (٤).\nوأجاز الإمام مالك أن يستلحق الأخ أخا له ويقول: هو ابن أبي، ما دام ليس له منازع في ذلك النسب. فالحارث بن كلدة - الذي كانت سمية جارية له - لم ينازع زيادًا، ولا كان إليه منسوبًا، وإنما كان ابن أمَةٍ بغي وُلد على فراشه - أي في داره - فكل من ادعاه فهو له، إلا أن يعارضه من هو أولى به منه، فلم يكن على معاوية في ذلك مغمز، بل فعل الحق على مذهب الإمام مالك.\n_________\n(١) الدولة الأموية المفترى عليها (ص ١٩٦).\n(٢) المصدر نفسه (ص ١٩٦).\n(٣) العواصم من القواصم (ص ٢٥٤).\n(٤) الكامل في التاريخ (٢/ ٤٧١).","vol":"1","page":267},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-85>الشبهة الثامنة والعشرون\nقَتْلُه حِجْر بنَ عدي وأصحابه</span>\nالجواب:\n١ - إن حِجْر بن عدى مختلف في صحبته، والأكثرون على أنه تابعى، قال الحافظ ابن حجر: «وأما البخاري، وابن أبي حاتم، عن أبيه، وخليفة بن خياط، وابن حبان فذكروه في التابعين، وكذا ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من أهل الكوفة» (١).\nوعلى فرض التسليم له بالصحبة فالواجب علينا عدم الخوض فيما شجر بين الصحابة، بل الترحم عليهم، والتصديق بعدالتهم.\n٢ - تحدثت معظم المصادر التاريخية عن مقتل حجر بن عدي - ﵁ - بين مختصر في هذا الأمر ومطول كل بحسب ميله، وكان للروايات الشيعية النصيب الأوفر في تضخيم هذا الحدث ووضع الروايات في ذلك؛ وكأنه ليس في أحداث التاريخ الإسلامي حدث غير قصة مقتل حجر بن عدي.\n٣ - ذكر ابن العربي أن الأصل في قتل الإمام، أنه قَتْلٌ بالحق فمن ادعى أنه بالظلم فعليه الدليل، ولكن حِجْرًا فيما يقال: «رأى من زياد أمورًا منكرة، حيث أن زياد بن أبيه كان في خلافة علي واليًا من ولاته، وكان حجر بن عدي من أولياء زياد وأنصاره، ولم يكن ينكر عليه شيئًا، فلما صار من ولاة معاوية صار ينكر عليه مدفوعًا بعاطفة التحزب والتشيع، وكان حجر يفعل مثل ذلك مع من تولى الكوفة لمعاوية قبل زياد.\nفقام حجر وحصب زياد وهو يخطب على المنبر، حيث أن زياد قد أطال في الخطبة فقام حجر ونادى: «الصلاة! فمضى زياد في خطبته فحصبه حجر وحصبه آخرون معه وأراد أن يقيم الخلق للفتنة، فكتب زياد إلى معاوية يشكو بغي حجر على\n_________\n(١) االإصابة (١/ ٣١٣).","vol":"1","page":268},{"text":"أميره في بيت الله، وعدّ ذلك من الفساد في الأرض، فلمعاوية العذر، وقد كلمته عائشة في أمره حين حج، فقال لها: «دعيني وحجرًا حتى نلتقي عند الله» (١).\nوأنتم معشر المسلمين أولى أن تدعوهما حتى يقفا بين يدي الله - ﷿ -.\n٤ - وأما قضاء معاوية - ﵁ - في حجر - ﵁ - وأصحابه، فإنه لم يقتلهم على الفور، ولم يطلب منهم البراءة من علي - ﵁ - كما تزعم بعض الروايات الشيعية (٢)، بل استخار الله - ﷾ - فيهم، واستشار أهل مشورته، ثم كان حكمه فيهم.\nوالحجة في ذلك ما يرويه صالح بن أحمد بن حنبل بإسناد حسن عن ابن عياش قال: حدثني شرحبيل بن مسلم قال: «لما بُعِث بحجر بن عدي بن الأدبر وأصحابه من العراق إلى معاوية بن أبي سفيان، استشار الناس في قتلهم، فمنهم المشير، ومنهم الساكت.\nفدخل معاوية منزله، فلما صلى الظهر قام في الناس خطيبًا فحمد الله وأثنى عليه، ثم جلس على منبره، فقام المنادي فنادى: أين عمرو بن الأسود العنسي، فقام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «ألا إنا بحصن من الله حصين لم نؤمر بتركه، وقولك يا أمير المؤمنين في أهل العراق ألا وأنت الراعي ونحن الرعية، ألا وأنت أعلمنا بدائهم، وأقدرنا على دوائهم، وإنما علينا أن نقول: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ (البقرة:٢٨٥).\nفقال معاوية: «أما عمرو بن الأسود فقد تبرأ إلينا من دمائهم، ورمى بها ما بين عيني معاوية».\nثم قام المنادي فنادى: «أين أبو مسلم الخولاني»، فقام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «أما بعد فلا والله ما أبغضناك منذ أحببناك، ولا عصيناك منذ أطعناك، ولا\n_________\n(١) العواصم من القواصم (ص ٢١٩ - ٢٢٠).\n(٢) انظر: تاريخ الطبري (٥/ ٢٥٦ - ٢٥٧، ٢٧٥).","vol":"1","page":269},{"text":"فارقناك منذ جامعناك، ولا نكثنا بيعتنا منذ بايعناك، سيوفنا على عواتقنا، إن أمرتنا أطعناك، وإن دعوتنا أجبناك وإن سبقناك نظرناك»، ثم جلس.\nثم قام المنادي فقال: «أين عبد الله بن مِخْمَر الشرعبي»، فقام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «وقولك يا أمير المؤمنين في هذه العصابة من أهل العراق، إن تعاقبهم فقد أصبت، وإن تعفُ فقد أحسنت».\nفقام المنادي فنادى: «أين عبد الله بن أسد القسري»، فقام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «يا أمير المؤمنين، رعيتك وولايتك وأهل طاعتك، إن تعاقبهم فقد جنوا على أنفسهم العقوبة، وإن تعفوا فإن العفو أقرب للتقوى، يا أمير المؤمنين لا تطع فينا من كان غشومًا ظلومًا بالليل نؤومًا، عن عمل الآخرة سؤومًا.\nيا أمير المؤمنين إن الدنيا قد انخشعت أوتارها، ومالت بها عمادها وأحبها أصحابها، واقترب منها ميعادها»، ثم جلس.\nفقلت - القائل هو: اسماعيل بن عياش - لشرحبيل: فكيف صنع؟ قال: قتل بعضًا واستحيى بعضًا، وكان فيمن قتل حجر بن عدي بن الأدبر» (١).\n٥ - مما يجدر التذكير به في هذا المقام أن معاوية - ﵁ - لم يكن ليقضي بقتل حجر بن عدي - ﵁ - لو أن حجرًا اقتصر في معارضته على الأقوال فقط ولم ينتقل إلى الأفعال.\nوقد ذكر ابن سعد ما يدل على أن معاوية أمر بقتل حجر بن عدي - ﵁ - لما شهد عنده الشهود بأنه ألب على عامله بالعراق، وحصبه وهو على المنبر، وخلع البيعة لمعاوية نفسه، وهو آنذاك أمير المؤمنين (٢).\nولعل معاوية - ﵁ - قد اعتمد في قضائه هذا بقتل حجر بن عدي، على قوله - ﵌ -: «مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمْرُكُمْ جَمِيعٌ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ يُرِيدُ أَنْ يَشُقَّ عَصَاكُمْ أَوْ يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ فَاقْتُلُوهُ» (رواه مسلم).\n_________\n(١) انظر الرواية في مسائل الإمام أحمد رواية ابنه صالح (٢/ ٣٢٨ - ٣٣١).\n(٢) الطبقات (٦/ ١٥١).","vol":"1","page":270},{"text":"وفي رواية عنه - ﵌ -: «إِنَّهُ سَتَكُونُ هَنَاتٌ وَهَنَاتٌ فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُفَرِّقَ أَمْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَهِيَ جَمِيعٌ فَاضْرِبُوهُ بِالسَّيْفِ كَائِنًا مَنْ كَانَ» (رواه مسلم).\nالْهَنَات: جَمْع هَنَة، وَتُطْلَق عَلَى كُلّ شَيْء، وَالْمُرَاد بِهَا هُنَا الْفِتَن وَالْأُمُور الْحَادِثَة.\nقال الإمام النووى - ﵀ - في شرح هذا الحديث من صحيح مسلم: «فِيهِ الْأَمْر بِقِتَالِ مَنْ خَرَجَ عَلَى الْإِمَام، أَوْ أَرَادَ تَفْرِيق كَلِمَة الْمُسْلِمِينَ وَنَحْو ذَلِكَ، وَيُنْهَى عَنْ ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَنْتَهِ قُوتِلَ، وَإِنْ لَمْ يَنْدَفِع شَرّه إِلَّا بِقَتْلِهِ فَقُتِلَ كَانَ هَدَرًا».\n٦ - وفي القصة التي ذكرها ابن سعد ما يدل على أن الشيعة قد ألّبوه على معاوية وعامله، وأن زيادًا والى العراق قد راجعه في ذلك قبل أن يبعث بالشهود إلى معاوية - ﵁ - فلما علم معاوية من حاله، وشهد عنده الشهود بذلك، أمر بقتله عملًا بنص هذا الحديث، خصوصًا وأن البيعة كانت قد استقرت له، والتأليب عليه مما يضر بالدولة الإسلامية آنذاك.\nوقد أمرنا النبي بالسمع والطاعة ولو لعبد حبشي يقيم كتاب الله، فكيف بمن كان من صحابته الذين آزروه ونصروه، وبمن دعا له النبي - ﵌ - بالهداية؟!!\nإن حجرًا - ﵁ - زيَّن له شيعة الكوفة هذه المعارضة، فأوردوه حياض الموت بخذلانهم إياه.\nولا ننسى موقف شيعة الكوفة مع الحسين - ﵁ -، حين زينوا له الخروج ثم خذلوه كما خذلوا حجرًا من قبله.\n٧ - إن قيل: قتل حجر بن عدي واختلفنا: فقائل يقول قتله ظلمًا، وقائل يقول قتله حقًا.\nفإن قيل: الأصل قتله ظلمًا إلا إذا ثبت عليه ما يوجب قتله: قلنا: الأصل أن قتل الإمام بالحق، فمن ادعى أنه بالظلم فعليه الدليل.","vol":"1","page":271},{"text":"٨ - إن الذين يرون أن معاوية قتله بحق يقولون: ما من حكومة في الدنيا تعاقب بأقل من ذلك من يحصب أميره وهو قائم يخطب على المنبر في المسجد الجامع، مندفعًا بعاطفة الحزبية والتشيع.\nوالذين يعارضونهم يذكرون فضائل حجر ويقولون: كان ينبغي لمعاوية أن لا يخرج عن سجيته من الحلم وسعة الصدر لمخالفيه.\nويجيبهم الآخرون بأن معاوية يملك الحلم وسعة الصدر عند البغي عليه في شخصه، فأما البغي على الجماعة في شخص حاكمها وهو على منبر المسجد فهو ما لا يملك معاوية أن يتسامح فيه، ولا سيما في مثل الكوفة التي أخرجت العدد الأكبر من أهل الفتنة الذين بغوا على عثمان بسبب مثل هذا التسامح، فكبدوا الأمة من دمائها وسمعتها وسلامة قلوبها ومواقف جهادها تضحيات غالية كانت في غنى عنها لو أن هيبة الدولة حفظت بتأديب عدد قليل من أهل الرعونة والطيش في الوقت المناسب.\nولو سلمنا أن معاوية أخطأ في قتل حجر؛ فقد سبق هذا الخطأ في القتل أسامة بن زيد - ﵄ -.\nوقصة أسامة بن زيد - ﵁ - مع الرجل الذي نطق بالشهادتين، وقتْل أسامة له بعد نطقها، في الصحيحين البخاري ومسلم.\nوكل ما جرى من أسامة ناتج عن اجتهاد لا عن هوى وعصبية وظلم.\n٩ - الغريب أن الشيعة يصيحون من أجل قتل حجر بن عدي ولا يعترضون على عليٍّ - ﵁ - عندما قاتل الخارجين على خلافته في الجمل وصفين، والتي تسببت في مقتل خيار الصحابة إضافة إلى الآلاف من المسلمين، مع أنّ السبب واحد وهو الخروج على سلطة الخليفة!!!\n١٠ - بالغت الروايات في ذكر موقف عائشة - ﵂ - من مقتل حجر بن عدي، حيث ذهبت بعض الروايات إلى زعم بتهديد عائشة لمعاوية بالقتل حين زارها عام","vol":"1","page":272},{"text":"٥١هـ، وكذلك التهديد بمحاربة معاوية، وهذه الروايات لم يصح منها شيء في حق أم المؤمنين عائشة - ﵂ -.\nوأما حقيقة موقفها فعن ابن أبي مليكه: إن معاوية جاء يستأذن على عائشة، فأبت أن تأذن له، فخرج غلام لها يقال له: ذكوان، قال: ويحك أدخلني على عائشة فإنها قد غضبت علَيَّ، فلم يزل بها غلامها حتى أذنت له، وكان أطوع مني عندها، فلما دخل عليها قال: «أمّتاه فيما وجَدْتِ عليَّ (١) يرحمكِ الله؟».\nقالت: «... وجدت عليك في شأن حِجْر وأصحابه أنك قتلتهم».\nفقال لها: «... وأما حِجْر وأصحابه فإني تخوفت أمرًا، وخشيت فتنة تكون، تهراق فيها الدماء، تستحل فيها المحارم، وأنت تخافيني، دعيني والله يفعل ما يشاء».\nقالت: «تركتك والله، تركتك والله، تركتك والله».\nوجاء في رواية أخرى: «لما قدم معاوية دخل على عائشة، فقالت: «أقتلت حجرًا؟».\nقال: «يا أم المؤمنين، إني وجدت قتل رجلٍ في صلاح الناس، خيرًا من استحيائه في فسادهم» (٢).\n_________\n(١) وَجَدَ عليه: غَضِبَ، (القاموس المحيط، مادة وجد).\n(٢) تاريخ دمشق (٤/ ٢٧٣، ٢٧٤) نقلا عن مرويات معاوية (ص٤٤٠).","vol":"1","page":273},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-86>الشبهة التاسعة والعشرون\nاتهام معاوية - ﵁ - بشرب الخمر</span>\nعن عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَأَبِي عَلَى مُعَاوِيَةَ فَأَجْلَسَنَا عَلَى الْفُرُشِ ثُمَّ أُتِينَا بِالطَّعَامِ فَأَكَلْنَا ثُمَّ أُتِينَا بِالشَّرَابِ، فَشَرِبَ مُعَاوِيَةُ ثُمَّ نَاوَلَ أَبِي ثُمَّ قَالَ: «مَا شَرِبْتُهُ مُنْذُ حَرَّمَهُ رَسُولُ اللهِ - ﵌ -».\nقَالَ مُعَاوِيَةُ: «كُنْتُ أَجْمَلَ شَبَابِ قُرَيْشٍ، وَأَجْوَدَهُ ثَغْرًا، وَمَا شَيْءٌ كُنْتُ أَجِدُ لَهُ لَذَّةً كَمَا كُنْتُ أَجِدُهُ وَأَنَا شَابٌّ غَيْرُ اللَّبَنِ أَوْ إِنْسَانٍ حَسَنِ الْحَدِيثِ يُحَدِّثُنِي» (رواه الإمام أحمد وقال الشيخ شعيب الأرنؤوط: إسناده قوي).\nوقال غيره: «إسناد الخبر فيه لين؛ فزيد بن الحباب في حفظه ضعف، ومثله حسين بن واقد (١).\nيحاول الشيعة بهذا الخبر التلبيس على القارئ بأن معاوية كان ممن يشرب الخمر بعد إسلامه، وبعد ثبوت تحريم شرب الخمر.\nالجواب:\nهذا مندفع بأمور:\nأولها: لنفرض صحة الخبر السابق وأن ما جاء فيه، ثبوت شرب معاوية - ﵁ - للشراب، فإن لفظ الشراب لا يقتضي أن يكون المشروب خمرًا.\nفقد يكون هذا الذي شربه معاوية نبيذًا، أو لبنًا.\nثانيها: مناولته لبريدة بن الحصيب الشراب، فلو كان خمرًا لما أخذه بريدة، ولأنكر عليه ذلك.\n_________\n(١) انظر: مجمع الزوائد (٥/ ٤٢ (، من فضائل وأخبار معاوية دراسة حديثية (ص ٦٣).","vol":"1","page":274},{"text":"ولم يَرِدْ في شيء من مصادر الخبر نَقْلُ كراهية بريدة أو إنكاره، فضلا عن ردِّه وامتناعه عما ناوله معاوية، ولو كان بُريدة - ﵁ - يظن ذلك لما جلس هذا المجلس، ولَنَقَلَ ابنُه استفهامَه على أقل تقدير.\nثالثها: أن قوله: «مَا شَرِبْتُهُ مُنْذُ حَرَّمَهُ رَسُولُ اللهِ - ﵌ -» هو من قول معاوية - ﵁ - وليس من قول بريدة، فدل على أن الشراب لم يكن خمرًا.\nوإن مما يتبادر للذهن أن الشراب هو اللبن، بدليل أن معاوية في سِنّه هذه لا يُفَضِّلُ عليه غيره؛ كما في رواية ابن أبي شيبة عن عبد الله بن بريدة، قال: «دخلت أنا وأبي على معاوية، فأجْلَسَ أبي على السَّرير، وأَتَى بالطعام فأطْعَمنا، وأتَى بشرابٍ فشَرِبَ، فقال معاوية: «ما شيءٌ كنتُ أستَلِذَّهُ وأنا شابٌّ فآخُذُهُ اليومَ إلا اللَّبَنَ؛ فإني آخُذُه كما كنتُ آخُذُه قَبْلَ اليَومِ» (١).\nرابعها: كيف يُفهم أن معاوية - ﵁ - شَرِبَ الخمر!! وهو ينص في الخبر ذاته على أنه لم يشربها قط! وأنَّه عَلِمَ النَّهْيَ عنه مِنَ النبيِّ - ﵌ -، وروى عنه حديثَ جلد الشارب ثلاثًا، ثم قتْله في الرابعة.\nفعَنْ مُعَاوِيَةَ - ﵁ - قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﵌ -: «مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ فَإِنْ عَادَ فِى الرَّابِعَةِ فَاقْتُلُوهُ» (٢).\n_________\n(١) مصنف ابن أبي شيبة (١١/ ٩٤ - ٩٥)، وسنده حَسَنَ، انظر: من فضائل وأخبار معاوية دراسة حديثية (ص ٦٣).\n(٢) رواه الترمذي، وصححه الألباني، وانظر: كلمة الفصل في قتل مدمني الخمر للشيخ المحدث: أحمد بن محمد شاكر - ﵀ -.","vol":"1","page":275},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-87>الشبهة الثلاثون\nافتراءات حول مصارف\nالأموال في عهد معاوية - ﵁ </span>- (١)\nأثار بعض المؤرخين شبهات حول مصارف الأموال في عهد معاوية - ﵁ -، وذكروا عدة مصارف وسموها بأنها جائرة وغير شرعية منها:\nأولا: إعطاء مصر طعمة لعمرو بن العاص:\nتتعدد الروايات التي تنص على أن معاوية - ﵁ - أعطى مصر طُعمَةً لعمرو بن العاص لقاء تأييد الأخير له في حربه ضد علي بن أبي طالب - ﵁ -، وجُلّ هذه الأخبار تحوي روحًا عدائية لعمرو ومعاوية - ﵄ - وتصور اتفاقهما على حرب علي - ﵁ - كما لو كانت مؤامرة دَنيئة أو صفقة مريبة، خان فيها الرجلان ربهما ودينهما، مقابل عَرَضٍ زائل أو نصر سريع، وكأن من المستحيل أن يبذل ابن العاص نصره لقضية اجتمع حولها آلاف الرجال في الشام وغيرها - وهي الطلب بدم عثمان - إلا إذا نال ولاية مصر وخراجها لنفسه.\nوبعض هذه الروايات تحوي سبابًا لهذين الصحابيين، كأن تزعم أن عَمْرو بنَ العاص فضَّل ولاية مصر على حسنى الآخرة وصرح بذلك فقال: «إنما أردنا هذه الدنيا»، أو أنه قال لمعاوية: «لا أعطيك من ديني حتى آخذ من دنياك»، أو قوله: «إنما أبايعك بها ديني» (أي بمصر)، أو قوله لمعاوية: «ولولا مصر وولايتها لركبت المنجاة منها؛ فإني أعلم أن علي بن أبي طالب على الحق وأنت على ضده»، إلى غير ذلك من الروايات (٢).\n_________\n(١) باختصار من كتاب (الدولة الأموية) للدكتور علي الصلابي.\n(٢) الكامل في التاريخ (٢/ ٥٧)، الإمامة والسياسة (١/ ٩٨)، العقد الفريد (٤/ ٣٤٥)، مروج الذهب (٣/ ٢٩)، وقعة صِفِّين (ص٢٣٧).","vol":"1","page":276},{"text":"ورواة هذه الروايات كلهم من الشيعة الروافض.\nوكذلك روايات باطلة وموضوعة عند المسعودي وكتاب (الإمامة والسياسة) المنسوب لابن قتيبة وغيرها تمسخ عمرو بن العاص إلى رجل مصالح، وصاحب مطامع وراغب دنيا.\nوقد تأثر بالروايات الضعيفة والموضوعة والسقيمة مجموعة من الكتّاب والمؤرَّخين، فأهووا بعمرو إلى الحضيض، ومنهم عباس محمود العقَّاد الذي يتعالى عن النَّظر في الإسناد، ويستخفُّ بقارئه، ويظهر له صورة معاوية وعمرو - ﵄ - بأنَّهما انتهازيَّان، صاحبا مصالح، ولو أجمع النّاقدون التاريخيون على بطلان الرِّوايات التي استند إليها في تحليله فهذا لا يعني للعقَّاد شيئًا.\nفقد قال بعد أن ذكر روايات ضعيفة، واهية، لا تقوم بها حجة: «... ولْيَقُل الناقدون التاريخيون ما بدا لهم أن يقولوا في صدق هذا الحوار، وصحَّة هذه الكلمات، وما ثبت نقلة، ولم يثبت منه سنده، ولا نصُّه فالذي لا ريب فيه، ولو أجمعت التواريخ قاطبة على نقضه: أن الاتفاق بين الرجلين، كان اتفاق مساومة، ومعاونة على الملك، والولاية، وأن المساومة بينهما كانت على النصَّيب الذي آل على كلِّ منهما، ولولاه لما كان بينهما اتفاق» (١).\nوما عرف من صحة إسلام وتقوى معاوية وعمرو - ﵄ -، وتاريخهما المضيء في خدمة دين الله منذ أسلما مما يرد على تلك الروايات الضعيفة والموضوعة والسقيمة التي لاقت رواجًا واستقرارًا في تشويههما بالظلم والبهتان.\nففي معاوية يكفي دعاء رسول الله - ﵌ - عندما قال: «اللهُمَّ اجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا وَاهْدِ بِهِ» (رواه الترمذي وغيره وصححه الألباني).\n(هَادِيًا) أَيْ لِلنَّاسِ أَوْ دَالًّا عَلَى الْخَيْرِ. (مَهْدِيًّا) أَيْ مُهْتَدِيًا فِي نَفْسِهِ.\n_________\n(١) عمرو بن العاص للعقاد (ص٢٣١ - ٢٣٢).","vol":"1","page":277},{"text":"وثَبَتَ أن النبيَّ - ﵌ - دعا لمعاوية فقال: «اللهمَّ عَلِّمْهُ الكِتابَ والحِسابَ، وقِهِ العَذاب». (رواه الطبراني وغيره وصححه الألباني).\nوأما عمرو بن العاص - ﵁ - فقد شهد له رسول الله - ﵌ - بالإيمان حيث قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﵌ -: «أَسْلَمَ النَّاسُ وَآمَنَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ» (رواه الترمذي وحسنه الألباني).\nثانيًا: التنازل عن خراج «دارابجرد» للحسن بن علي:\nزعم بعض المؤرخين أن معاوية تنازل للحسن بن علي - ﵃ - عن خراج (دارابجرد) وأن يعطيه مما في بيت مال الكوفة مبلغ خمسة آلاف ألف درهم مقابل تنازل الحسن عن الخلافة لمعاوية، وأن الحسن قد أخذ ما في بيت مال الكوفة ولكنه لم يستطع الحصول على خراج (دارابجرد) إذ إن أهل البصرة قد منعوه منه، ويزعمون أن ذلك كان بتحريض معاوية أو بمبادرة من البصريين (١).\nإن هذه الرواية تغض من شأن الحسن ومعاوية معًا - ﵄ - وتجعلهما في موقف التواطؤ على أكل أموال المسلمين بالباطل، وهذا باطل ولا يصح.\nثالثًا: التوسع في إنفاق الأموال لتأليف القلوب واكتساب الأنصار:\nذكر المؤرخون أن معاوية - ﵁ - أنفق أموالًا كبيرة ليتألف بها قلوب الزعماء والأشراف ويوطد أركان الدولة الإسلامية التي قامت بعد فترات من الصراع والتطاحن.\nفإن صح ذلك فإن إراقة بعض المال خير من إراقة كثير من دماء المسلمين. فلعله أعطى هؤلاء الرجال المال يستميل به قلوبهم، وقلوب أتباعهم وأنصارهم، ويعلي به مكانتهم ويسد خلة من وراءهم.\nولعله قد فهم من إعطاء الرسول - ﵌ - المؤلفة قلوبهم بعد فتح مكة ليستميلهم نحو الدين، أنه يجوز أن يعطي أمثال هؤلاء الرجال ليتألف قلوبهم ويضمن ولاءهم للدين والدولة حيث نصرة الدين وجمع شمل أهله.\n_________\n(١) تاريخ الطبري (٦/ ١٦٥)، الدولة الأموية المفترى عليها (ص٤١٧).","vol":"1","page":278},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-88>الشبهة الحادية والثلاثون\nهل قال معاوية - ﵁ -: «إن الكريم طروب»</span>\nعن محمد بن عامر: عاتب معاوية عبد الله بن جعفر على الاستهتار بالغناء والطرب، فدخل عليه يومًا ومعه بُديح المليح، مولى آل الزبير ويقال مولاه، فلما كان على باب البيت الذي فيه معاوية قال: «يا بديح، قل»، فتغنى وجعل يقرع حلقة الباب ويوقع بها، وجعل معاوية يحرك رجليه، فقال عبد الله: «ما هذا يا أمير المؤمنين؟».\nقال: «إن الكريم طروب» (١).\nوقال الطبري:\nحدثنى أحمد عن على عن محمد بن عامر قال: «لام معاوية عبد الله بن جعفر على الغناء فدخل يومًا على معاوية ومعه بديح، ومعاوية واضع رجلًا على رجل.\nفقال عبد الله لبديح: «إيهٍ (٢) يا بديح».\nفتغنى، فحرك معاوية رجله.\nفقال عبد الله: «مه يا أمير المؤمنين؟».\nفقال معاوية: «إن الكريم طروب».\nقال: وقدم عبد الله بن جعفر على معاوية، ومعه سائب خاثر وكان مولى لبنى ليث وكان فاجرًا، فقال له: «ارفع حوائجك».\nففعل ورفع فيها حاجة سائب خاثر، فقال معاوية: «من هذا؟» فخبره، فقال: «أدخله».\nفلما قام على باب المجلس غنى:\n_________\n(١) هذا الخبر أورده البلاذري في (أنساب الأشراف ٤/ ٢٧) بنحوه، وأورده ابن عبد ربه في (العقد الفريد ٦/ ٢١، ٢٢)، مع بعض الزيادات المنكرة.\n(٢) إيهِ: اسمُ فعْل أمر، ومعناه طلب الزيادة من حديث أو عَمل.","vol":"1","page":279},{"text":"إن الديارَ رسومُها قَفْرُ ... لعبَتْ بها الأرواحُ والقطرُ\nوخَلا لها مِن بَعدِ ساكِنِها ... حِجَجٌ خَلَوْنْ ثَمانِ أو عشْرُ\nوالزعفرانُ على ترائِبِهَا ... شَرِقًا به اللّبَّاتُ والنَّحْرُ\n\nفقال: «أحسنت»، وقضى حوائجه».\nالجواب:\nأولًا: لم أجد مَن ترجم لمن اسمه محمد بن عامر إلا ابن حبان في (المجروحين برقم ١٠١٠) فقال:\n«محمد بن عامر أبو عبد الله شيخ من أهل الرملة يروي عن ابن عيينة يقلب الأخبار ويروي عن الثقات ما ليس من أحاديثهم».\nثانيًا: غاية مافي هذه الرواية - إن صحت - سماع معاوية - ﵁ - للشعر، فليس هناك معازف أو فرق موسيقية!!!!\nثالثًا: في هذه الرواية الضعيفة إنكار معاوية - ﵁ - على عبد الله بن جعفر الاستهتار بالغناء والطرب.","vol":"1","page":280},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-89>الشبهة الثانية والثلاثون\nهل أراد معاوية - ﵁ - أن ينقل\nمنبر رسول الله - ﵌ - من المدينة إلى الشام</span>؟\nذكر الإمام الطبري - ﵀ - في كتابه التاريخ في حوادث سنة ٥٠ هـ، قال محمد بن عمر (١): «وفي هذه السنة أمر معاوية بمنبر رسول الله - ﵌ - أن يحمل إلى الشام، فحرك فكسفت الشمس حتى رُئِيَت النجوم بادية يومئذ، فأعظم الناس ذلك.\nوجاء في رواية أخرى: «قال معاوية: «إني رأيت أن منبر رسول الله وعصاه لا يُتْركان بالمدينة، وهم قتلة أمير المؤمنين عثمان وأعداؤه»، فلما قدم طلب العصا وهي عند سعد القرظ، فجاء أبو هريرة وجابر بن عبد الله، فقالا: «يا أمير المؤمنين، نذكّرك الله ﷿ أن تفعل هذا، فإن هذا لا يصح، تُخرِجُ منبر رسول الله - ﵌ - من موضع وضعه، وتخرج عصاه من المدينة».\nفترك ذلك معاوية، ولكن زاد في المنبر ستَّ درجات، واعتذر إلى الناس.\nوفي رواية: «قال محمد بن عمر: حدثني يحيى بن سعيد بن دينار عن أبيه قال: قال معاوية: «إني رأيت أن منبر رسول الله - ﵌ - وعصاه لا يتركان بالمدينة، وهم قتلة أمير المؤمنين عثمان وأعداؤه».\nوفي رواية: قال محمد بن عمر - بعد أن ساق سند الرواية ـ: «كان عبدالملك قد هَمَّ بالمنبر، فقال قبيصة بن ذؤيب: «أذَكّرك الله ﷿ أن تفعل هذا، أن تحوله، إن أمير المؤمنين معاوية حرَّكه فكسفت الشمس» (٢).\n_________\n(١) الواقدي الكذاب.\n(٢) البداية والنهاية (١١/ ٢١٤) تاريخ الطبري (٦/ ١٥٥).","vol":"1","page":281},{"text":"تحدثت الروايات السابقة عن القضايا التالية:\n* عزم معاوية - ﵁ - نقل منبر الرسول - ﵌ - وعصاه إلى الشام.\n* ربط كسوف الشمس بتحريك منبر رسول الله - ﵌ -.\n* اتهام معاوية - ﵁ - ببغض أهل المدينة (الأنصار).\nالجواب:\nأولًا: هذه الروايات مدارها على محمد بن عمر الواقدي وهو متروك الحديث.\nولا توجد رواية صحيحة تؤكد عزم معاوية - ﵁ - نقل منبر الرسول - ﵌ - وعصاه إلى الشام، ولا بغضه لأهل المدينة (الأنصار) (١).\nثانيًا: إن دين معاوية - ﵁ -، وعدالته، وصحبته لرسول الله - ﵌ - تمنعه مِن حَمْل منبر رسول الله - ﵌ - من المدينة إلى الشام وهو يعلم قوله - ﵌ -: «مَا بَيْنَ بَيْتِى وَمِنْبَرِى رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ» (رواه البخاري ومسلم).\nثالثًا: إن ربط كسوف الشمس بتحريك المنبر لم يَرِدْ بإسناد صحيح، هذا فضلًا عن أن كسوف الشمس - على افتراض حدوثه - لم يكن نتيجة لتحريك المنبر، وقد حصل ما يشبه ذلك في عهد الرسول - ﵌ -، حيث أخرج البخاري عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: «كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﵌ - يَوْمَ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ، فَقَالَ النَّاسُ: «كَسَفَتِ الشَّمْسُ لِمَوْتِ إِبْرَاهِيمَ».\nفَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﵌ -: «إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لاَ يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلاَ لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ فَصَلُّوا وَادْعُوا اللهَ».\nرابعًا: في هذه القصة المكذوبة اتهام لمعاوية - ﵁ - ببغض أهل المدينة (الأنصار) لكونهم قتلة عثمان بن عفان - ﵁ -.\n_________\n(١) وهناك رواية أخرى أوردها ابن الأثير في الكامل (٢/ ٤٨٢)، وهي ضعيفة الإسناد؛ انظر: مرويات خلافة معاوية في تاريخ الطبري (ص٣٩٠).","vol":"1","page":282},{"text":"وإن تقريب معاوية للأنصار وتوليته إياهم في مناصب هامة وحساسة يَرُدّ هذه الفِرْيَة، ومن الشواهد على ذلك:\n- توليته فضالة بن عبيد الأنصاري - ﵁ - قضاء دمشق، وتوليته إياه منصب أمير البحرية الإسلامية في مصر.\n- تعيينه النعمان بن بشير الأنصاري - ﵁ - أميرًا على الكوفة.\n- تعيينه مسلمة بن مخلد الأنصاري - ﵁ - أميرًا على مصر والمغرب معًا.\n- تعيينه رويفع بن ثابت الأنصاري - ﵁ - أميرًا على طرابلس (١).\n_________\n(١) انظر: الاستيعاب (٢/ ٥٠٤)، (٣/ ١٢٦٢)، الإصابة (٥/ ٣٧١)، مرويات خلافة معاوية (ص٣٩١، ٣٩٢).","vol":"1","page":283},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-90>الشبهة الثالثة والثلاثون</span>\nقَالَ عَلِيٌّ - ﵁ -: «وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ إِنَّهُ لَعَهْدُ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ - ﵌ - إِلَيَّ أَنْ لَا يُحِبَّنِي إِلَّا مُؤْمِنٌ وَلَا يُبْغِضَنِي إِلَّا مُنَافِقٌ» (رواه مسلم).\nقالوا: «ولا ريب أن معاوية كان من مبغضي علي بن أبي طالب».\nوقالوا: «وقد كان معاوية من أعداء علي الكبار».\nوالجواب:\nأولًا: معنى الحديث:\nقال الإمام النووي في شرحه لهذا الحديث والأحاديث التي قبله من صحيح مسلم وهي قوله - ﵌ -: «حُبُّ الْأَنْصَارِ آيَةُ الْإِيمَانِ وَبُغْضُهُمْ آيَةُ النِّفَاقِ»، و«أَنَّهُ قَالَ فِي الْأَنْصَارِ: «لَا يُحِبُّهُمْ إِلَّا مُؤْمِنٌ وَلَا يُبْغِضُهُمْ إِلَّا مُنَافِقٌ مَنْ أَحَبَّهُمْ أَحَبَّهُ اللهُ وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ أَبْغَضَهُ اللهُ»، و«لَا يُبْغِضُ الْأَنْصَارَ رَجُلٌ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ»:\n«الْآيَة هِيَ الْعَلَامَةُ، وَمَعْنَى هَذَه الأحَادِيث: أَنَّ مَنْ عَرَفَ مَرْتَبَة الْأَنْصَار وَمَا كَانَ مِنْهُمْ فِي نُصْرَة دِينِ الْإِسْلَامِ، وَالسَّعْيِ فِي إِظْهَارِهِ وَإِيوَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَقِيَامِهِمْ فِي مُهِمَّاتِ دِينِ الْإِسْلَامِ حَقّ الْقِيَام، وَحُبِّهِمْ النَّبِيَّ - ﵌ - وَحُبّه إِيَّاهُمْ، وَبَذْلهمْ أَمْوَالهمْ وَأَنْفُسهمْ بَيْن يَدَيْهِ، وَقِتَالهمْ وَمُعَادَاتهمْ سَائِر النَّاس إِيثَارًا لِلْإِسْلَامِ.\nوَعَرَفَ مِنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب - ﵁ - قُرْبه مِنْ رَسُول اللَّه - ﵌ -، وَحُبّ النَّبِيّ - ﵌ - لَهُ، وَمَا كَانَ مِنْهُ فِي نُصْرَة الْإِسْلَام وَسَوَابِقه فِيهِ، ثُمَّ أَحَبَّ الْأَنْصَارَ وَعَلِيًّا لِهَذَا، كَانَ ذَلِكَ مِنْ دَلَائِل صِحَّة إِيمَانِهِ وَصِدْقِهِ فِي إِسْلَامِهِ لِسُرُورِهِ بِظُهُورِ الْإِسْلَامِ وَالْقِيَام بِمَا يُرْضِي اللَّه ﷾، وَرَسُوله - ﵌ -، وَمَنْ أَبْغَضهمْ كَانَ بِضِدِّ ذَلِكَ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى نِفَاقه وَفَسَاد سَرِيرَته.\nوَأَمَّا قَوْله: (فَلَق الْحَبَّة) فَمَعْنَاهُ شَقَّهَا بِالنَّبَاتِ. وَقَوْله (وَبَرَأَ النَّسَمَة) أَيْ خَلَقَ النَّسَمَة وَهِيَ بِفَتْحِ النُّون وَالسِّين. وَهِيَ الْإِنْسَان، وَقِيلَ: النَّفْس». (اهـ باختصار).","vol":"1","page":284},{"text":"وقال القرطبي في شرحه لهذه الأحاديث في كتابه (المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم): «وحُبُّ الأَْنْصَارِ - من حيث كانوا أنصارَ الدِّينِ ومُظهِريهِ، وباذلين أموالَهُمْ وأَنْفُسَهُمْ في إعزازِهِ وإعزازِ نبيِّه - ﵌ - وإعلاءِ كلمته - دلالةٌ قاطعةٌ على صِحَّةِ إيمانِ مَنْ كان كذلك، وصحَّةِ محبَّته للنبيِّ - ﵌ -، وبُغْضُهم لذلك دلالةٌ قاطعةٌ على النفاق.\nوكذلك القولُ في حُبِّ عليٍّ وبغضه - ﵁ - وعنهم أجمعين: فمَنْ أحبَّه لسابقته في الإسلام، وقِدَمِهِ في الإيمان، وغَنَائِهِ فيه، وذبِّه عنه وعن النبيِّ - ﵌ -، ولمكانته منه - ﵌ - وقرابتِهِ ومصاهرته، وعلمِهِ وفضائله، كان ذلك منه دليلًا قاطعًا على صِحَّةِ إيمانه ويقينِهِ ومحبتِهِ للنبيِّ - ﵌ -، ومَنْ أبغضَهُ لشيء من ذلك، كان على العكس.\nقال الشيخ - ﵀ -: «وهذا المعنَى جارٍ في أعيان الصحابة - ﵃ - كالخلفاء، والعَشَرة، والمهاجرين - بل وفي كُلِّ الصحابة؛ إذْ كُلُّ واحدٍ منهم له سابقةٌ وغَنَاءٌ في الدِّين، وأَثَرٌ حَسَنٌ فيه؛ فحبُّهم لذلك المعنى محضُ الإيمان، وبُغْضُهُمْ له محضُ النفاق.\nوقد دَلَّ على صحَّة ما ذكرناه: قوله - ﵌ - فيما خرَّجه البَزَّار في أصحابه كلِّهم: «فَمَنْ أحبَّهم فبحبِّي أحبَّهم، ومَنْ أبغضَهُمْ فببغضي أبغَضَهُمْ» (١).\n_________\n(١) قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﵌ -: «اللهَ اللهَ فِي أَصْحَابِي، اللهَ اللهَ فِي أَصْحَابِي، لَا تَتَّخِذُوهُمْ غَرَضًا بَعْدِي، فَمَنْ أَحَبَّهُمْ فَبِحُبِّي أَحَبَّهُمْ، وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ فَبِبُغْضِي أَبْغَضَهُمْ، وَمَنْ آذَاهُمْ فَقَدْ آذَانِي، وَمَنْ آذَانِي فَقَدْ آذَى اللهَ ﷿ وَمَنْ آذَى اللهَ فَيُوشِكُ أَنْ يَأْخُذَهُ» (رواه الإمام أحمد والترمذي، وصحح إسناده حمزة الزين في تحقيقه للمسند (٢٠٤٥٦)، ولم أجده في مسند البزار).\n(اللهَ اللهَ) أَيْ اِتَّقُوا اللهَ ثُمَّ اِتَّقُوا اللهَ (فِي أَصْحَابِي) أَيْ فِي حَقِّهِمْ. وَالْمَعْنَى لَا تُنْقِصُوا مِنْ حَقِّهِمْ وَلَا تَسُبُّوهُمْ، أَوْ التَّقْدِيرُ: أُذَكِّركُمْ اللهَ ثُمَّ أَنْشُدُكُمْ اللهَ فِي حَقِّ أَصْحَابِي وَتَعْظِيمِهِمْ وَتَوْقِيرِهِمْ كَمَا يَقُولُ الْأَبُ الْمُشْفِقُ اللهَ اللهَ فِي حَقِّ أَوْلَادِي. (لَا تَتَّخِذُوهُمْ غَرَضًا) أَيْ هَدَفًا تَرْمُوهُمْ بِقَبِيحِ الْكَلَامِ كَمَا يُرْمَى الْهَدَفُ بِالسَّهْمِ.\n(فَبِحُبِّي أَحَبَّهُمْ) أَيْ بِسَبَبِ حُبِّهِ إِيَّايَ أحَبَّهُمْ، أَوْ بِسَبَبِ حُبِّي إِيَّاهُمْ أحَبَّهُمْ.\n(وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ فَبِبُغْضِي أَبْغَضُهُمْ) أَيْ إِنَّمَا أَبْغَضُهُمْ بِسَبَبِ بُغْضِهِ إِيَّايَ.\n(أَنْ يَأْخُذَهُ) أَيْ يُعَاقِبَهُ فِي الدُّنْيَا أَوْ فِي الْآخِرَةِ. (اهـ باختصار من تحفة الأحوذي).","vol":"1","page":285},{"text":"تنبيه: مَنْ أبغض بعضَ مَنْ ذَكَرْنا من الصحابة - ﵃ - من غير تلك الجهات التي ذكرناها، بل لأمرٍ طارئ، وحدَثٍ واقعٍ - من مخالفةِ غَرَضٍ، أو ضررٍ حصل، أو نحوِ ذلك - لم يكنْ كافرًا ولا منافِقًا بسبب ذلك؛ لأنهم - ﵃ - قد وقعتْ بينهم مخالفاتٌ كثيرةٌ عظيمة، وحروبٌ هائلة، ومع ذلك فلم يكفِّرْ بعضُهُمْ بعضًا، ولا حُكِمَ عليه بالنفاقِ لِمَا جرى بينهم من ذلك، وإنما كان حالُهُمْ في ذلك حالَ المجتهدين في الأحكام:\nفإمَّا أن يكونَ كلُّهم مصيبًا فيما ظهَرَ له.\nأو المصيبُ واحدٌ، والمخطئُ معذورْ، بل مخاطبٌ بالعملِ على ما يراه ويظنُّه مأجورْ. (اهـ كلام القرطبي باختصار).\nوقال الإمام الذهبي في قَوْلِ عَلِيٌّ - ﵁ -: «وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ إِنَّهُ لَعَهْدُ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ - ﵌ - إِلَيَّ أَنْ لَا يُحِبَّنِي إِلَّا مُؤْمِنٌ وَلَا يُبْغِضَنِي إِلَّا مُنَافِقٌ»:\n«مَعْنَاهُ: أَنَّ حُبَّ عَلِيٍّ مِنَ الإِيْمَانِ، وَبُغْضَه مِنَ النِّفَاقِ، فَالإِيْمَانُ ذُو شُعَبٍ، وَكَذَلِكَ النِّفَاقُ يَتَشَعَّبُ، فَلاَ يَقُوْلُ عَاقل: إِنَّ مُجَرَّدَ حُبِّهِ يَصيرُ الرَّجُلُ بِهِ مُؤْمِنًا مُطلَقًا، وَلاَ بِمُجَرَّدِ بُغضه يصيرُ بِهِ الموحِّد مُنَافِقًا خَالصًا.\nفَمَنْ أَحَبّه وَأَبغض أَبَا بَكْرٍ، كَانَ فِي مَنْزِلَة مَنْ أَبغضه، وَأَحَبَّ أَبَا بَكْرٍ، فَبُغضهُمَا ضَلاَلٌ وَنفَاق، وَحبُّهُمَا هُدَىً وَإِيْمَان» (١).\nإن عليًّا - ﵁ - قد أحبه قوم لا خلاق لهم - وهم الشيعة، وأبغضه قوم من النواصب.\nفالمراد بالحديث: «لا يحبك الحب الشرعي المعتد به عند الله تعالى، أما حب الشيعة المتضمن للبلايا والمصائب، فلا عبرة به، بل هو وبال على صاحبه كما أحبت النصارى المسيح - ﵇ -».\n_________\n(١) سير أعلام النبلاء (١٢/ ٥١٠).","vol":"1","page":286},{"text":"إن الشيعة قد رفعوا بعض المخلوقين - وهم الأئمة عندهم ومنهم علي بن أبي طالب - ﵁ - - إلى مرتبة جبار السماوات والأرض، يدعونهم من دون الله - ﷿ - ويعتقدون فيهم النفع والضر، ويعتقدون أنهم يعلمون الغيب.\nقال القحطاني في نونيته:\nواحفظْ لأهلِ البيتِ واجبَ ... حقِّهم واعرف عليًّا أيما عرفانِ\nلا تنْتَقِصْه ولا تَزِدْ في قدرِهِ ... فعليهِ تَصْلَى النارَ طائفتانِ\nإحداهما لا ترتَضِيهِ خليفةً ... وتَنُصُّهُ الأخرَى إلهًا ثَانِ\n\nثانيًا: من زعم أنه قد شق عن قلب معاوية - ﵁ - واطّلع على ما فيه وعلم أنه كان يبغض عليًّا - ﵁ - فليأتِنَا بما يثبت ذلك.\nثالثًا: إن معاوية ما ترك مبايعة عليًا - ﵄ - طمعًا في الخلافة أو الملك ولم يقاتله من أجل ذلك وإنما طلبًا لدم عثمان.\nومعاوية - ﵁ - كان متأولًا في قتاله لعلي - ﵁ -.\nقال ابن كثير: «وقد ورد من غير وجه أن أبا مسلم الخولاني وجماعة معه دخلوا على معاوية فقالوا له: «هل تنازع عليًا أم أنت مثله؟».\nفقال: «والله إني لأعلم أنه خير مني وأفضل، وأحق بالأمر مني ...».\nونقل ابن كثير أيضًا عن جرير بن عبد الحميد عن المغيرة قال: لما جاء خبر قتل علي إلى معاوية جعل يبكي، فقالت له امرأته: «أتبكيه وقد قاتلته؟».\nفقال: «ويحك إنك لا تدرين ما فقد الناس من الفضل والفقه والعلم» (١).\nولما سئل القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين الفراء عما جرى بين علي معاوية - ﵄ -، وهل يجوز أن يضاف إلى معاوية بذلك ظلم أو فسق؟ قال: «لا يجوز أن يضاف إليه شيء من ذلك، بل يقال: إنه اجتهد، وله أجر على اجتهاده، ووجه اجتهاده أنه\n_________\n(١) البداية والنهاية (٨/ ١٣٢، ١٣٣)، وانظر: تاريخ دمشق (٥٩/ ١٤٢).","vol":"1","page":287},{"text":"قال: استعملني الخليفتان من قبل، وولَّيَاني على الشام، عمر وعثمان - ﵄ -، وأنا على ما استعملاني عليه، حتى يجتمع الناس على إمام، فأسلِّم إليه ما في يدي، وأنا مطالب بدم عثمان، لأني ابن عمه ووليه، وأحق الناس به. والله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (٣٣)﴾ (الإسراء:٣٣)» (١).\nقال ابن حزم: «لم ينكر معاويةُ قط فضلَ عليٍّ واستحقاقه بالخلافة لكن اجتهاده أدّاه إلى أنْ رأى تقديم أخذ القود من قتلة عثمان - ﵁ - على البيعة ورأى نفسه أحق بطلب دم عثمان» (٢).\nقال الأشعري: «وكذلك ما جرى بين علي ومعاوية - ﵄ - كان على تأويل واجتهاد وكل الصحابة مأمونون غير متهمين في الدين، وقد أثنى الله ورسوله على جميعهم، وتعبَّدَنا بتوقيرهم وتعظيمهم وموالاتهم والتّبَرِّي من كل من ينقص أحدًا منهم رضي الله عن جميعهم» (٣).\nرابعًا: إن الصحابة الذين حضروا القتال سواء مع علي أو معاوية - ﵃ - ما فهموا ما فهمه بعض أهل الأهواء من هذه النصوص التي ذكروها.\nفلم يحكم بعضهم على بعض بالنفاق أو الكفر أفلا يسعهم ما وسعهم!\nروى ابن عساكر من طريق سفيان عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: ذكر عند عليّ يوم صِفِّين - أو يوم الجمل - فذكرنا الكفر، قال: «لا تقولوا ذلك، زعموا أنا بغَيْنَا عليهم، وزعمْنا أنهم بغَوْا علينا؛ فقاتلناهم على ذلك» (٤).\n_________\n(١) تنزيه خال المؤمنين معاوية بن أبي سفيان من الظلم والفسق في مطالبته بدم أمير المؤمنين عثمان (ص ٨٣).\n(٢) الفصل (٣/ ٧٥).\n(٣) الإبانة (٧٨).\n(٤) تاريخ دمشق (١/ ٣٤٣)، وإسناده صحيح.","vol":"1","page":288},{"text":"وتذكر مصادر الشيعة الاثني عشرية أن معاوية ما قاتل عليًّا إلا في أمر عثمان - ﵃ -، وهذا هو ما يؤكده عليّ - ﵁ - فقد أورد الشيعي الشريف الرضي في كتابه (نهج البلاغة) خطبة نسب فيها لعليٍّ - ﵁ - قوله: «وبدءُ أمرِنا أنّا التقَينا والقوم من أهل الشام، والظاهر أن ربنا واحد ونبينا واحد، ودعوتنا في الإسلام واحدة، ولا نستزيدهم في الإيمان بالله والتصديق برسوله، ولا يستزيدوننا، الأمر واحد إلا ما اختلفنا فيه من دم عثمان ونحن منه براء» (١).\nفهذا عليّ - ﵁ - يؤكد أن الخلاف بينه وبين معاوية هو مقتل عثمان - ﵃ - جميعًا وليس من أجل الخلافة أو التحكم في رقاب المسلمين كما يدعي الشيعة، ويقرر أن معاوية وشيعته هم أهل إسلام وإيمان ولكن القضية اجتهادية كل يرى نفسه على الحق في مسألة عثمان.\nولقد ذكر الحميري الشيعي عن جعفر عن أبيه أن عليًّا - ﵇ - كان يقول لأهل حربه: «إنا لم نقاتلهم على التكفير لهم ولم يقاتلونا على التكفير لنا، ولكنا رأينا أنّا على حق ورأوا أنهم على حق».\nوروى رواية أخرى عن جعفر عن أبيه محمد الباقر: «إن عليًا - ﵇ - لم يكن ينسب أحدًا من أهل حربه إلى الشرك ولا إلى النفاق ولكن يقول: «هم إخواننا بغوا علينا» (٢).\n_________\n(١) نهج البلاغة (٣/ ٦٤٨).\n(٢) قرب الإسناد للحميري الشيعي (ص٤٥ ط. إيران).","vol":"1","page":289},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-91>الشبهة الرابعة والثلاثون\nهل تعامل معاوية - ﵁ - بالربا</span>؟!\nعَنْ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ: كُنْتُ بِالشَّامِ فِي حَلْقَةٍ فِيهَا مُسْلِمُ بْنُ يَسَارٍ فَجَاءَ أَبُو الْأَشْعَثِ.\nقَالَ: قَالُوا: «أَبُو الْأَشْعَثِ، أَبُو الْأَشْعَثِ»، فَجَلَسَ.\nفَقُلْتُ لَهُ: «حَدِّثْ أَخَانَا حَدِيثَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ».\nقَالَ: «نَعَمْ، غَزَوْنَا غَزَاةً وَعَلَى النَّاسِ مُعَاوِيَةُ فَغَنِمْنَا غَنَائِمَ كَثِيرَةً فَكَانَ فِيمَا غَنِمْنَا آنِيَةٌ مِنْ فِضَّةٍ فَأَمَرَ مُعَاوِيَةُ رَجُلًا أَنْ يَبِيعَهَا فِي أُعْطِيَاتِ النَّاسِ؛ فَتَسَارَعَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ فَبَلَغَ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ فَقَامَ فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﵌ - يَنْهَى عَنْ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرِّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرِ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرِ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحِ بِالْمِلْحِ إِلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ، عَيْنًا بِعَيْنٍ؛ فَمَنْ زَادَ أَوْ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى».\nفَرَدَّ النَّاسُ مَا أَخَذُوا، فَبَلَغَ ذَلِكَ مُعَاوِيَةَ فَقَامَ خَطِيبًا فَقَالَ: «أَلَا مَا بَالُ رِجَالٍ يَتَحَدَّثُونَ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﵌ - أَحَادِيثَ قَدْ كُنَّا نَشْهَدُهُ وَنَصْحَبُهُ فَلَمْ نَسْمَعْهَا مِنْهُ.\nفَقَامَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ فَأَعَادَ الْقِصَّةَ ثُمَّ قَالَ: «لَنُحَدِّثَنَّ بِمَا سَمِعْنَا مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﵌ - وَإِنْ كَرِهَ مُعَاوِيَةُ - أَوْ قَالَ وَإِنْ رَغِمَ - مَا أُبَالِي أَنْ لَا أَصْحَبَهُ فِي جُنْدِهِ لَيْلَةً سَوْدَاءَ» (رواه مسلم).\nالجواب:\nأولًا: القول بجواز ربا الفضل وأنه لا يحرم إلا في نسيئة لم ينفرد به معاوية - ﵁ -، بل جاء عن جمع من الصحابة: عبدالله بن عباس، وابن عمر، والبراء بن عازب، وزيد بن أرقم - ﵃ -، فلماذا يُخَصُّ معاوية - ﵁ - دون بقية هؤلاء؟!\nعَنْ أَبِي نَضْرَةَ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ الصَّرْفِ؛ فَقَالَ: أَيَدًا بِيَدٍ؟\nقُلْتُ: نَعَمْ.","vol":"1","page":290},{"text":"قَالَ: فَلَا بَأْسَ بِهِ.\nفَأَخْبَرْتُ أَبَا سَعِيدٍ فَقُلْتُ: إِنِّي سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ الصَّرْفِ فَقَالَ: أَيَدًا بِيَدٍ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَلَا بَأْسَ بِهِ.\nقَالَ: أَوَ قَالَ ذَلِكَ؟ إِنَّا سَنَكْتُبُ إِلَيْهِ فَلَا يُفْتِيكُمُوهُ.\nقَالَ: فَوَاللهِ لَقَدْ جَاءَ بَعْضُ فِتْيَانِ رَسُولِ اللهِ - ﵌ - بِتَمْرٍ فَأَنْكَرَهُ فَقَالَ: «كَأَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ تَمْرِ أَرْضِنَا».\nقَالَ: «كَانَ فِي تَمْرِ أَرْضِنَا أَوْ فِي تَمْرِنَا الْعَامَ بَعْضُ الشَّيْءِ فَأَخَذْتُ هَذَا وَزِدْتُ بَعْضَ الزِّيَادَةِ».\nفَقَالَ: «أَضْعَفْتَ، أَرْبَيْتَ لَا تَقْرَبَنَّ هَذَا، إِذَا رَابَكَ مِنْ تَمْرِكَ شَيْءٌ فَبِعْهُ ثُمَّ اشْتَرِ الَّذِي تُرِيدُ مِنْ التَّمْرِ». (رواه مسلم).\nوعَنْ أَبِي نَضْرَةَ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ وَابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ الصَّرْفِ فَلَمْ يَرَيَا بِهِ بَأْسًا، فَإِنِّي لَقَاعِدٌ عِنْدَ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ فَسَأَلْتُهُ عَنْ الصَّرْفِ فَقَالَ: «مَا زَادَ فَهُوَ رِبًا»، فَأَنْكَرْتُ ذَلِكَ لِقَوْلِهِمَا فَقَالَ: «لَا أُحَدِّثُكَ إِلَّا مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﵌ -، جَاءَهُ صَاحِبُ نَخْلِهِ بِصَاعٍ مِنْ تَمْرٍ طَيِّبٍ - وَكَانَ تَمْرُ النَّبِيِّ - ﵌ - هَذَا اللَّوْنَ ـ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - ﵌ -: «أَنَّى لَكَ هَذَا؟».\nقَالَ: «انْطَلَقْتُ بِصَاعَيْنِ فَاشْتَرَيْتُ بِهِ هَذَا الصَّاعَ فَإِنَّ سِعْرَ هَذَا فِي السُّوقِ كَذَا وَسِعْرَ هَذَا كَذَا».\nفَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﵌ -: «وَيْلَكَ، أَرْبَيْتَ، إِذَا أَرَدْتَ ذَلِكَ فَبِعْ تَمْرَكَ بِسِلْعَةٍ ثُمَّ اشْتَرِ بِسِلْعَتِكَ أَيَّ تَمْرٍ شِئْتَ».\nقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: «فَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ أَحَقُّ أَنْ يَكُونَ رِبًا أَمْ الْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ؟».\nقَالَ: «فَأَتَيْتُ ابْنَ عُمَرَ بَعْدُ فَنَهَانِي وَلَمْ آتِ ابْنَ عَبَّاسٍ».\nقَالَ: «فَحَدَّثَنِي أَبُو الصَّهْبَاءِ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْهُ بِمَكَّةَ فَكَرِهَهُ» (رواه مسلم).","vol":"1","page":291},{"text":"وعَنْ أَبِي صَالِحٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: «الدِّينَارُ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمُ بِالدِّرْهَمِ مِثْلًا بِمِثْلٍ مَنْ زَادَ أَوْ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى»، فَقُلْتُ لَهُ إِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ غَيْرَ هَذَا، فَقَالَ: «لَقَدْ لَقِيتُ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقُلْتُ: «أَرَأَيْتَ هَذَا الَّذِي تَقُولُ أَشَيْءٌ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﵌ - أَوْ وَجَدْتَهُ فِي كِتَابِ اللهِ ﷿؟».\nفَقَالَ: لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﵌ - وَلَمْ أَجِدْهُ فِي كِتَابِ اللهِ، وَلَكِنْ حَدَّثَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ - ﵌ - قَالَ: «الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ» (رواه مسلم).\nقال الإمام النووي في شرحه لهذه الأحاديث من صحيح مسلم:\n«مَعْنَى مَا ذَكَرَهُ أَوَّلًا عَنْ اِبْن عُمَر وَابْن عَبَّاس أَنَّهُمَا كَانَا يَعْتَقِدَانِ أَنَّهُ لَا رِبَا فِيمَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ، وَأَنَّهُ يَجُوز بَيْع دِرْهَم بِدِرْهَمَيْنِ، وَدِينَار بِدِينَارَيْنِ، وَصَاع تَمْر بِصَاعَيْنِ مِنْ التَّمْر، وَكَذَا الْحِنْطَة وَسَائِر الرِّبَوِيَّات، كَانَا يَرَيَانِ جَوَاز بَيْع الْجِنْس بَعْضه بِبَعْضٍ مُتَفَاضِلًا، وَأَنَّ الرِّبَا لَا يَحْرُم فِي شَيْء مِنْ الْأَشْيَاء إِلَّا إِذَا كَانَ نَسِيئَة.\nوَهَذَا مَعْنَى قَوْله: «إِنَّهُ سَأَلَهُمَا عَنْ الصَّرْف فَلَمْ يَرَيَا بِهِ بَأْسًا»، يَعْنِي الصَّرْف مُتَفَاضِلًا كَدِرْهَمٍ بِدِرْهَمَيْنِ، وَكَانَ مُعْتَمَدهمَا حَدِيث أُسَامَة بْن زَيْد: «إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَة» ثُمَّ رَجَعَ اِبْن عُمَر وَابْن عَبَّاس عَنْ ذَلِكَ وَقَالَا بِتَحْرِيمِ بَيْع الْجِنْس بَعْضه بِبَعْضٍ مُتَفَاضِلًا حِين بَلَغَهُمَا حَدِيث أَبِي سَعِيد كَمَا ذَكَرَهُ مُسْلِم مِنْ رُجُوعهمَا صَرِيحًا.\nوَهَذِهِ الْأَحَادِيث الَّتِي ذَكَرَهَا مُسْلِم تَدُلّ عَلَى أَنَّ اِبْن عُمَر وَابْن عَبَّاس لَمْ يَكُنْ بَلَغَهُمَا حَدِيث النَّهْي عَنْ التَّفَاضُل فِي غَيْر النَّسِيئَة، فَلَمَّا بَلَغَهُمَا رَجَعَا إِلَيْهِ.\nوَأَمَّا حَدِيث أُسَامَة: «لَا رِبَا إِلَّا فِي النَّسِيئَة» فَقَدْ قَالَ قَائِلُونَ بِأَنَّهُ مَنْسُوخ بِهَذِهِ الْأَحَادِيث، وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى تَرْك الْعَمَل بِظَاهِرِهِ، وَهَذَا يَدُلّ عَلَى نَسْخه.\nوَتَأَوَّلَهُ آخَرُونَ تَأْوِيلَات:\nأَحَدهَا: أَنَّهُ مَحْمُول عَلَى غَيْر الرِّبَوِيَّات، وَهُوَ كَبَيْعِ الدَّيْن بِالدَّيْنِ مُؤَجَّلًا بِأَنْ يَكُون لَهُ عِنْده ثَوْب مَوْصُوف، فَيَبِيعهُ بِعَبْدٍ مَوْصُوف مُؤَجَّلًا، فَإِنْ بَاعَهُ بِهِ حَالًّا جَازَ.","vol":"1","page":292},{"text":"الثَّانِي: أَنَّهُ مَحْمُول عَلَى الْأَجْنَاس الْمُخْتَلِفَة، فَإِنَّهُ لَا رِبَا فِيهَا مِنْ حَيْثُ التَّفَاضُل، بَلْ يَجُوز تَفَاضُلهَا يَدًا بِيَدٍ.\nالثَّالِث: أَنَّهُ مُجْمَل، وَحَدِيث عُبَادَة بْن الصَّامِت وَأَبِي سَعِيد الْخُدْرِيِّ وَغَيْرهمَا مُبَيِّن، فَوَجَبَ الْعَمَل بِالْمُبَيِّنِ، وَتَنْزِيل الْمُجْمَل عَلَيْهِ. هَذَا جَوَاب الشَّافِعِيّ ﵀».انتهى كلام الإمام النووي - ﵀ -.\nوقال الحافظ ابن حجر في (فتح الباري) في شرح حديث أُسَامَةُ بنِ زيد أَنَّ النَّبِيَّ - ﵌ - قَالَ: «لَا رِبًا إِلَّا فِي النَّسِيئَةِ»:\n«وَالصَّرْفُ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ: دَفْعُ ذَهَبٍ وَأَخْذُ فِضَّةٍ وَعَكْسُهُ، وَلَهُ شَرْطَانِ:\nمَنْع النَّسِيئَة مَعَ اِتِّفَاقِ النَّوْعِ وَاخْتِلَافِهِ وَهُوَ الْمُجْمَعُ عَلَيْهِ.\nوَمَنْع التَّفَاضُل فِي النَّوْعِ الْوَاحِدِ مِنْهُمَا وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ. وَخَالَفَ فِيهِ اِبْن عُمَر ثُمَّ رَجَعَ، وَابْن عَبَّاس وَاخْتَلَفَ فِي رُجُوعِهِ.\nوَقَدْ رَوَى الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيق حَيَّانَ الْعَدَوِيّ: «سَأَلْت أَبَا مِجْلَز عَنْ الصَّرْفِ فَقَالَ: كَانَ اِبْن عَبَّاس لَا يَرَى بِهِ بَأْسًا زَمَانًا مِنْ عُمْرِهِ مَا كَانَ مِنْهُ عَيْنًا بِعَيْن يَدًا بِيَد، وَكَانَ يَقُولُ: إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ فَلَقِيَهُ أَبُو سَعِيد - فَذَكَرَ الْقِصَّة وَالْحَدِيث، وَفِيهِ: «التَّمْرُ بِالتَّمْرِ وَالْحِنْطَةُ بِالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ وَالذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ يَدًا بِيَدٍ مِثْلًا بِمِثْل، فَمَنْ زَادَ فَهُوَ رِبًا»، فَقَالَ اِبْن عَبَّاس: «أَسْتَغْفِرُ اللهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ»، فَكَانَ يَنْهَى عَنْهُ أَشَدَّ النَّهْيِ».\nوَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى صِحَّةِ حَدِيثِ أُسَامَةَ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْجَمْعِ بَيْنَهُ وَبَيْن حَدِيث أَبِي سَعِيد فَقِيلَ: مَنْسُوخ، لَكِنَّ النَّسْخَ لَا يَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ.\nوَقِيلَ الْمَعْنَى فِي قَوْلِهِ: «لَا رِبًا» الرِّبَا الْأَغْلَظ الشَّدِيد التَّحْرِيم الْمُتَوَعَّد عَلَيْهِ بِالْعِقَابِ الشَّدِيدِ كَمَا تَقُولُ الْعَرَب: «لَا عَالِمَ فِي الْبَلَدِ إِلَّا زَيْدٌ» مَعَ أَنَّ فِيهَا عُلَمَاءَ غَيْرَهُ، وَإِنَّمَا الْقَصْدُ نَفْيُ الْأَكْمَل لَا نَفْيُ الْأَصْلِ، وَأَيْضًا فَنَفْيُ تَحْرِيم رِبَا الْفَضْل مِنْ حَدِيثِ","vol":"1","page":293},{"text":"أُسَامَةَ إِنَّمَا هُوَ بِالْمَفْهُومِ، فَيُقَدَّمُ عَلَيْهِ حَدِيث أَبِي سَعِيد لِأَنَّ دَلَالَتَهُ بِالْمَنْطُوقِ، وَيُحْمَلُ حَدِيث أُسَامَةَ عَلَى الرِّبَا الْأَكْبَرِ كَمَا تَقَدَّمَ وَاللهُ أَعْلَمُ».\nوَقَالَ الطَّبَرِيّ: «مَعْنَى حَدِيث أُسَامَة: «لَا رِبًا إِلَّا فِي النَّسِيئَةِ» إِذَا اِخْتَلَفَتْ أَنْوَاع الْبَيْعِ وَالْفَضْل فِيهِ يَدًا بِيَد رِبًا جَمْعًا بَيْنَهُ وَبَيْن حَدِيث أَبِي سَعِيد». (انتهى كلام الحافظ ابن حجر).\nثانيًا: معاوية وغيره من الصحابة - ﵃ - ممن قالوا بجواز ربا الفضل، قالوا ذلك متأولين أن الربا لا يحرم إلا في النسيئة.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «إِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَمُعَاوِيَةَ وَغَيْرَهُمَا رَخَّصُوا فِي الدِّرْهَمِ بِالدِّرْهَمَيْنِ وَكَانُوا مُتَأَوِّلِينَ أَنَّ الرِّبَا لَا يَحْرُمُ إلَّا فِي النَّسَاءِ؛ لَا فِي الْيَدِ بِالْيَدِ ...\nوَلَيْسَ لِأَحَدِ أَنْ يَتَّبِعَ زَلَّاتِ الْعُلَمَاءِ كَمَا لَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ فِي أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ إلَّا بِمَا هُمْ لَهُ أَهْلٌ؛ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى عَفَا لِلْمُؤْمِنِينَ عَمَّا أَخْطَئُوا كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ (البقرة:٢٨٦)، قَالَ اللهُ: «قَدْ فَعَلْت» (١)، وَأَمَرَنَا أَنْ نَتَّبِعَ مَا أُنْزِلَ إلَيْنَا مِنْ رَبِّنَا وَلَا نَتَّبِعَ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ وَأَمَرَنَا أَنْ لَا نُطِيعَ مَخْلُوقًا فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ وَنَسْتَغْفِرَ لِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ؛ فَنَقُولَ: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ الْآيَةَ (الحشر:١٠).\nوَهَذَا أَمْرٌ وَاجِبٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي كُلِّ مَا كَانَ يُشْبِهُ هَذَا مِنْ الْأُمُورِ.\nوَنُعَظِّمُ أَمْرَهُ تَعَالَى بِالطَّاعَةِ للهِ وَرَسُولِهِ؛ وَنَرْعَى حُقُوقَ الْمُسْلِمِينَ؛ لَا سِيَّمَا أَهْلُ الْعِلْمِ مِنْهُمْ كَمَا أَمَرَ اللهُ وَرَسُولُهُ.\n_________\n(١) رواه مسلم.","vol":"1","page":294},{"text":"وَمَنْ عَدَلَ عَنْ هَذِهِ الطَّرِيقِ فَقَدْ عَدَلَ عَنْ اتِّبَاعِ الْحُجَّةِ إلَى اتِّبَاعِ الْهَوَى فِي التَّقْلِيدِ وَآذَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا: فَهُوَ مِنْ الظَّالِمِينَ. وَمَنْ عَظَّمَ حُرُمَاتِ اللهِ وَأَحْسَنَ إلَى عِبَادِ اللهِ كَانَ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللهِ الْمُتَّقِينَ» (١).\nثالثًا: قد يُحْمَلُ قولُ مَن قال مِن الصحابة - ﵃ - بجواز ربا الفضل، على أن ذلك لم يبلغه عن رسول الله - ﵌ -.\nومن ذلك قول معاوية - ﵁ - لما بلغه عن عبادة النهي عن ربا الفضل: «أَلَا مَا بَالُ رِجَالٍ يَتَحَدَّثُونَ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﵌ - أَحَادِيثَ قَدْ كُنَّا نَشْهَدُهُ وَنَصْحَبُهُ فَلَمْ نَسْمَعْهَا مِنْهُ» (رواه مسلم).\nقال النووي في شرحه على صحيح مسلم: «وَهَذِهِ الْأَحَادِيث الَّتِي ذَكَرَهَا مُسْلِم تَدُلّ عَلَى أَنَّ اِبْن عُمَر وَابْن عَبَّاس لَمْ يَكُنْ بَلَغَهُمَا حَدِيث النَّهْي عَنْ التَّفَاضُل فِي غَيْر النَّسِيئَة، فَلَمَّا بَلَغَهُمَا رَجَعَا إِلَيْهِ.» ا. هـ.\nوكذلك معاوية - ﵁ -.\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (٣٢/ ٢٣٨).","vol":"1","page":295},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-92>الشبهة الخامسة والثلاثون\nهل قتل معاوية - ﵁ -\nخمسة وعشرين بدريًا يوم صِفِّين</span>؟!\nالجواب:\nإن صِفِّين لم يحضرها من الصحابة - ﵃ - إلا عددٌ قليلٌ بل قيل لم يحضرها إلا خزيمة بن ثابت - ﵁ -؛ فعن أمية بن خالد قال: «قلت لشعبة: «إن أبا شيبة حدثنا عن الحكم عن عبدالرحمن بن أبي ليلى أنه قال: «شهد صِفِّين من أهل بدر سبعون رجلًا».\nقال: «كذب والله؛ لقد ذاكرتُ الحكم ذاك، وذكرناه في بيته فما وجدنا شهد صِفِّين أحدٌ من أهل بدر غير خزيمة بن ثابت (١).\nوعن روح قال: حدثنا شعبة قال: «ذاكرتُ الحكم مَن شهد صِفِّين من أهل بدر فأثبت فيهم خزيمة بن ثابت، وكان شعبة ينكر أن يكون أبو الهيثم بن التيهان شهد صِفِّين» (٢).\nقال الإمام الذهبي: «قَالَ أُمَيَّةُ بنُ خَالِدٍ: قُلْتُ لِشُعْبَةَ: «إِنَّ أَبَا شَيْبَةَ حَدَّثَنَا عَنِ الحَكَمِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ أَبِي لَيْلَى: أَنَّ صِفِّينَ شَهِدَهَا مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ سَبْعُوْنَ رَجُلًا».\nقَالَ: «كَذَبَ أَبُو شَيْبَةَ، لقَدْ ذَاكَرتُ الحَكَمَ، فَمَا وَجَدْنَا أَحَدًا شَهِدَ صِفِّينَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ، غَيْرَ خُزَيْمَةَ بنِ ثَابِتٍ».\n«قُلْتُ - أي الذهبي ـ: «قَدْ شَهِدَهَا عَمَّارُ بنُ يَاسِرٍ، وَالإِمَامُ عَلِيٌّ أَيْضًا» (٣).\nوقال الحافظ ابن كثير: «وقد قيل أنه شهدها من أهل بدر سهل بن حنيف وكذا\n_________\n(١) رواه الإمام أحمد في العلل ومعرفة الرجال (١/ ٢٨٧)، وابن عدي في الكامل (٢٣٩)، والخلال في السنة (٢/ ٤٦٥)، رقم (٧٢٦)، والخطيب في تاريخ بغداد (٦/ ١١٣)، وسنده جيد.\n(٢) رواه الإمام أحمد في «العلل ومعرفة الرجال» (١/ ٤٣١).\n(٣) سير أعلام النبلاء (٧/ ٢٢١).","vol":"1","page":296},{"text":"أبو أيوب الأنصاري» (١).\nوعن إسماعيل بن علية قال: حدثنا أيوب عن محمد بن سيرين قال: «هاجت الفتنة وأصحاب رسول الله عشرة آلاف فما حضر فيها مائة بل لم يبلغوا ثلاثين» (٢).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية:\n«وهذا الإسناد من أصح إسناد على وجه الأرض» (٣).\nوروى معمر بن راشد في (جامعه) عن أيوب عن ابن سيرين قال: «ثارت الفتنة، وأصحاب رسول الله - ﵌ - عشرة آلاف، لم يخِفّ (٤) منهم أربعون رجلًا».\nقال معمر: «وقال غيره: «خَفَّ معه - يعني عليًّا - ﵁ - - مئتان وبضعة وأربعون من أهل بدر، منهم أبو أيوب، وسهل بن حنيف، وعمار بن ياسر» (٥).\nورواه الحاكم (٦) من طريق معمر بن راشد إلا أنه جعل آخره من كلام ابن سيرين فوهم ولم يُصِبْ!.\n_________\n(١) البداية والنهاية (١١/ ٤٩١).\n(٢) رواه الإمام أحمد في «العلل» (٣/ ١٨٢) (٤٧٨٧)، والخلال في «السنة» (٢/ ٤٤٦) رقم (٧٢٨)، وابن شبة في «أخبار المدينة» (٢٢٨٦).\n(٣) منهاج السنة (٦/ ٢٣٦).\n(٤) خَفَّ القوم عن منزلهم خُفُوفًا: ارْتحَلُوا مسرعين، وقيل: ارتحلُوا عنه فلم يَخُصُّوا السرعة، والخُفُوفُ سُرعةُ السير من المنزل، يقال: حان الخُفُوفُ. (انظر: لسان العرب، مادة خفف).\n(٥) رواه معمر بن راشد في جامعه (٢٠٧٣٥).\n(٦) المستدرك (٥/ ٦٢٧) (٨٤٠٧).","vol":"1","page":297},{"text":"فقول من قال: «خَفَّ مع علي - ﵁ - مئتان وبضعة وأربعون من أهل بدر» مردود من وجوه:\n١ - أنه لا يُدرى من قال هذا، وعَزْوُ الحاكم في (مستدركه) هذا إلى ابن سيرين لم يُصِبْ فيه فقد رواه هو بنفسه من طريق معمر (١).\nوالذي في (جامع معمر): «وقال غيره: .....». أي غير ابن سيرين.\n٢ - أن هذا يخالف ما ذُكِر من الآثار الصحيحة في أن صِفِّين لم يشهدها إلا عددٌ قليلٌ من الصحابة لاسيما أهل بدر.\nفصفين لم يدركها إلا قلة من أهل بدر فعن سعيد بن عامر قال: حدثنا هشام عن محمد قال: «وقعت الفتنة وبالمدينة عشرة آلاف، أو قال: أكثر من عشرة آلاف من أصحاب رسول الله فما دخل الفتنة منهم كلهم إلا ثلاثون» (٢).\nبل حتى وقعة الجمل لم يحضرها إلا عددٌ قليلٌ من الصحابة - ﵃ -؛ قال ابن كثير: «ولم يكن في الفريقين من الصحابة إلا القليل» (٣).\nوقال: «يقال: لم يكن في الفريقين مائة من الصحابة، وعن أحمد: «ولا ثلاثون» (٤).\nوروى الحاكم ومعمر بن راشد عن سعيد ابن المسيب قال: «ثارت الفتنة الأولى فلم يبق ممن شهد بدرًا أحدٌ، ثم كانت الفتنة الثانية فلم يبق ممن شهد الحديبية أحد»، قال: «وأظن لو كانت الثالثة لم ترفع وفي الناس طَبَاخ» (٥).\nورواه البخاري في صحيحه عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: «وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ الأُولَى - يَعْنِى مَقْتَلَ عُثْمَانَ - فَلَمْ تُبْقِ مِنْ أَصْحَابِ بَدْرٍ أَحَدًا، ثُمَّ وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ الثَّانِيَةُ - يَعْنِى\n_________\n(١) فقال: أخبرني محمد بن علي الصنعاني، بمكة حرسها الله تعالى، ثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا عبد الرزاق، أنبأ معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين ....\n(٢) رواه ابن شبة في أخبار المدينة (٢٢٨٥).\n(٣) البداية والنهاية (١١/ ٤٧٤).\n(٤) اختصار علوم الحديث (٢/ ٥٠٠).\n(٥) رواه الحاكم في المستدرك (٨٥٠٥) ومعمر بن راشد في جامعه (٢٠٧٣٩) وسنده صحيح.","vol":"1","page":298},{"text":"الْحَرَّةَ - فَلَمْ تُبْقِ مِنْ أَصْحَابِ الْحُدَيْبِيَةِ أَحَدًا، ثُمَّ وَقَعَتِ الثَّالِثَةُ فَلَمْ تَرْتَفِعْ وَلِلنَّاسِ طَبَاخٌ».\nقال ابن حجر في (فتح الباري):\n«قَوْله: (وَقَعَتْ الْفِتْنَة الْأُولَى) يَعْنِي مَقْتَل عُثْمَان.\n(فَلَمْ تُبْقِ مِنْ أَصْحَاب بَدْرٍ أَحَدًا)، أَيْ أَنَّهُمْ مَاتُوا مُنْذُ قَامَتْ الْفِتْنَة بِمَقْتَلِ عُثْمَان إِلَى أَنْ قَامَتْ الْفِتْنَة الْأُخْرَى بِوَقْعَةِ الْحَرَّة، وَكَانَ آخِر مَنْ مَاتَ مِنْ الْبَدْرِيِّينَ سَعْد بْن أَبِي وَقَّاصٍ، وَمَاتَ قَبْل وَقْعَة الْحَرَّة بِبِضْعِ سِنِينَ.\nقَوْله: (ثُمَّ وَقَعَتْ الْفِتْنَة الثَّانِيَة يَعْنِي الْحَرَّة إِلَخْ) كَانَتْ الْحَرَّة فِي آخِر زَمَن يَزِيد بْن مُعَاوِيَة (١).\n(ثُمَّ وَقَعَتْ الثَّالِثَة) قَالَ اِبْن عَبْد الْحَكَم: هُوَ يَوْم خُرُوج أَبِي حَمْزَة الْخَارِجِيّ، قُلْت: كَانَ ذَلِكَ فِي خِلَافَة مَرْوَان بْن مُحَمَّد بْن مَرْوَان بْن الْحَكَم سَنَة ثَلَاثِينَ وَمِائَة.\nوَقَوْله (طَبَاخٌ): أَيْ قُوَّة. (اهـ باختصار).\n\nتم بحمد الله\n_________\n(١) لَمَّا خَلَعَ أَهْل الْمَدِينَة بَيْعَةَ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ وَبَايَعُوا عَبْد اللَّه بْن حَنْظَلَة بْن أَبِي عَامِر الْأَنْصَارِيّ.\nوعَنْ نَافِعٍ قَالَ: «جَاءَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ مُطِيعٍ حِينَ كَانَ مِنْ أَمْرِ الْحَرَّةِ مَا كَانَ زَمَنَ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ: «اطْرَحُوا لِأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ وِسَادَةً»، فَقَالَ: «إِنِّي لَمْ آتِكَ لِأَجْلِسَ، أَتَيْتُكَ لِأُحَدِّثَكَ حَدِيثًا سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﵌ - يَقُولُهُ - سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﵌ - يَقُولُ: «مَنْ خَلَعَ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ لَقِيَ اللهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا حُجَّةَ لَهُ، وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً» (رواه مسلم).","vol":"1","page":299},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-93>أهم المراجع</span>\n* البداية والنهاية لابن كثير.\n* تاريخ دمشق لابن عساكر.\n* العواصم من القواصم في تحقيق مواقف الصحابة بعد وفاة النبي - ﵌ - للقاضي أبي بكر بن العربي.\n* شبهات حول الصحابة والرّدّ عليها، أَميرُ المُؤْمِنين مُعاويةُ بنُ أَبي سُفْيَان، لشيخ الإسلام ابن تيمية، جمع وتقديم وتعليق: محمد مال الله.\n* الأحاديث النبوية في فضائل معاوية بن أبي سفيان، للشيخ محمد الأمين الشنقيطي.\n* من أقوال المنصفين في الصحابي الخليفة معاوية - ﵁ -، للشيخ عبد المحسن بن حمد العباد البدر.\n* تحقيق مواقف الصحابة في الفتنة من روايات الإمام الطبري والمحدّثين، للأستاذ الدكتور محمد أمحزون.\n* مرويات خلافة معاوية في تاريخ الطبري، للدكتور خالد الغيث.\n* سل السِّنان في الذَبّ عن معاوية بن أبي سفيان - ﵁ - لسعد بن ضيدان السبيعي.\n* أبحاث من مسودة كتاب من فضائل وأخبار معاوية بن أبي سفيان - ﵁ - دراسة حديثية، لمحمد زياد بن عمر التكلة.\n* الدولة الأموية عوامل الازدهار وتداعيات الانهيار، للدكتور: علي محمد الصًّلاَّبيَّ.\n* حقبة من التاريخ، للشيخ عثمان الخميس.\n* شبهات وأباطيل حول معاوية ابن أبي سفيان، لأبي عبد الله الذهبي.\n* معاوية بن أبي سفيان بين البخس والإنصاف، موقع البرهان ٥ رمضان ١٤٢٧.","vol":"1","page":300}]}