{"ً":{"ٌ":36170,"ٍ":"الصلاة على رسول الله - ﵌ - فضلها ومعناها وكيفيتها ومواضعها والتحذير من تركها","َ":1,"ُ":1,"ّ":"الكتاب: الصلاة على رسول الله - ﵌ - فضلها ومعناها وكيفيتها ومواضعها والتحذير من تركها\nالمؤلف: شحاتة محمد صقر\nالناشر: مكتبة دار العلوم، البحيرة (مصر)\nعدد الصفحات: ٦٢\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":2306,"ٕ":19,"ٖ":1770155860,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة","level":1,"page":3},{"title":"أمر الله - ﷿ - بالصلاة والسلام على نبينا - ﵌ -","level":1,"page":4},{"title":"حكم الصلاة على النبي - ﵌ -","level":1,"page":5},{"title":"مواطن الصلاة على النبي - ﵌ -","level":1,"page":5},{"title":"التحذير من ترك الصلاة على النبي - ﵌ -","level":1,"page":12},{"title":"الفوائد والثمرات الحاصلة بالصلاة على النبي - ﵌ -","level":1,"page":14},{"title":"كيفية الصلاة على النبي - ﵌ -","level":1,"page":23},{"title":"وقد ذكر الشيخ الألباني - ﵀ - ما ثبت من صيغ الصلاة عليه - ﵌ -، وذلك في كتابه (صفة صلاة النبي - ﵌ -):","level":2,"page":25},{"title":"حكم كتابة (ص) و(صلعم (إذا ذكر النبي - ﵌ -، بدلا من كتابتها كاملة:","level":1,"page":27},{"title":"معنى الصلاة على النبي - ﵌ -","level":1,"page":27},{"title":"معنى (اللهم):","level":2,"page":27},{"title":"معنى (آل النبي - ﵌ -):","level":2,"page":28},{"title":"معنى اسم النبي محمد - ﵌ - واشتقاقه:","level":2,"page":28},{"title":"قوله تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾","level":2,"page":31},{"title":"صفة رسول الله - ﵌ - في التوراة.","level":1,"page":31},{"title":"الفرق بين محمد وأحمد من وجهين:","level":1,"page":33},{"title":"ذكر إبراهيم خليل الرحمن - ﵇ -:","level":1,"page":34},{"title":"مسألة: النبي - ﵌ - أفضل من إبراهيم، فكيف طلب له من الصلاة ما لإبراهيم، مع أن المشبه به أصله أن يكون فوق المشبه؟ فكيف الجمع بين هذه الأمرين؟","level":1,"page":36},{"title":"معنى قول: اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد:","level":1,"page":39},{"title":"اختتام الصلاة على النبي - ﵌ - باسمين من أسماء الرب - ﷾ - وهما: الحميد والمجيد:","level":1,"page":42},{"title":"الصلاة على غير النبي - ﵌ -","level":1,"page":44},{"title":"هل يصلي على آل النبي - ﵌ - منفردين عنه؟","level":1,"page":45},{"title":"اتباع النبي - ﵌ - دليل محبة الله - ﷿ -","level":1,"page":46}],"ٛ":{"1,3":3,"1,6":4,"1,7":5,"1,10":6,"1,12":7,"1,13":8,"1,14":9,"1,16":10,"1,17":11,"1,18":12,"1,19":13,"1,20":14,"1,21":15,"1,22":16,"1,23":17,"1,24":18,"1,26":19,"1,27":20,"1,28":21,"1,29":22,"1,30":23,"1,31":24,"1,32":25,"1,34":26,"1,35":27,"1,37":28,"1,39":29,"1,40":30,"1,41":31,"1,44":32,"1,45":33,"1,47":34,"1,48":35,"1,50":36,"1,51":37,"1,52":38,"1,53":39,"1,54":40,"1,55":41,"1,56":42,"1,57":43,"1,58":44,"1,59":45,"1,61":46,"1,62":47},"ٜ":{"1":[3,62]},"ٝ":[null,null,"1,3","1,6","1,7","1,10","1,12","1,13","1,14","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,34","1,35","1,37","1,39","1,40","1,41","1,44","1,45","1,47","1,48","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,61","1,62"],"ٞ":{"3":[1],"4":[2],"5":[3,4],"12":[5],"14":[6],"23":[7],"25":[8],"27":[9,10,11],"28":[12,13],"31":[14,15],"33":[16],"34":[17],"36":[18],"39":[19],"42":[20],"44":[21],"45":[22],"46":[23]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"الصلاة على رسول الله - ﵌ -\nفضلها ومعناها وكيفيتها ومواضعها والتحذير من تركها\n\nجمع وترتيب\nشحاتة صقر","vol":"1","page":null},{"text":"جميع الحقوق محفوظة\n\nرحم الله الإمام أحمد - إمام أهل السنة - الذي أنشد:\nدينُ النبيِّ محمدٍ أخبارُ ... نِعْمَ المَطِيَّةُ للفتى آثارُ\nلا ترغَبَنَّ عن الحديثِ وأهلِهِ ... فالرأيُ ليلٌ والحديثُ نهارُ\nولربما جهِلَ الفتى أثرَ الهدَى ... والشمسُ بازغةٌ لها أنوارُ\n\nالناشر: مكتبة دار العلوم\nالبحيرة - أبو حمص - حي الزهور\nت ٠٤٥٢٥٦٩٨٢٦ـ٠١٢٩٧٣٢١٣١","vol":"1","page":null},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1>مقدمة</span>\nإن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾.\nأما بعد: فإن خيرَ الحديث كلامُ الله، وخيرَ الهدي هدي محمد - ﵌ -، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.\nفهذه رسالة في (الصلاة على النبي - ﵌ -) جُمِعَتْ من كلام أهل العلم؛ نُوَفّي بها بعض حقه - ﵌ - علينا؛ فإن أعظم النعم التي تفضل الله بها علينا أن جعلنا من أمة الإسلام، ومن أمة هذه الحبيب - ﵌ -، فهو - ﵌ - البشير النذير، والسراج المنير، والرءوف الرحيم بأمته، العطوف بهم، الحريص عليهم.\nوالحديث عنه - ﵌ - مفتاح القلوب وبهجة النفوس، وأسعدُ الناس من يُوَفَّق في عبادته لله بالصلاة على النبي - ﵌ -، فإنها من أجَلّ العبادات التي يتقرب بها العبد إلى مولاه - ﷿ -، وينال بها مناه في الدنيا والآخرة.\nوإن أولى الناس بشفاعة النبي - ﵌ - يوم القيامة أكثرهم صلاة عليه - ﵌ -، وعملًا بشريعته، وتمسكًا بسنته - ﵌ -.\nوالمُكْثِرُ من الصلاة والسلام على رسول الله - ﵌ - يضرب البرهان الساطع والدليل القاطع على محبته لرسول الله - ﵌ -، والرسول - ﵌ - يبشره بأنه مع من أحب.\nفعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: جاء رجل إلى رسول الله - ﵌ - فقال: يا رسول الله، كيف تقول في رجل أحبَّ قومًا، ولم يلحق بهم؟ فقال رسول الله - ﵌ -: «المَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ». (رواه البخاري ومسلم)\nوليس لي من عمل في هذه الرسالة إلا الجمع والترتيب، والبحث عن صحة الأحاديث في كتب الشيخ الألباني - ﵀ -. ومعظم هذه الرسالة من كتاب (جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام) للإمام ابن القيم - ﵀ -، واللهَ نسأل أن ينفع المسلمين بهذه الورقات وأن يرزقنا الإخلاص في السر والعلن.\nاللهم ارزقنا حُبَّك وحُبَّ رسولِك - ﵌ -، واللهم اجعل حُبَّك وحُبَّ رسولِك - ﵌ - أحبَّ إلينا من المال والأهل والولد، ووفقنا لنصرة دينه، وارزقنا مرافقته في الجنة تفضلًا منك وإحسانًا.\nوصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله وأمينِه على وحْيِه - سيدنا وإمامنا ونبينا محمد بن عبد الله - وعلى آله وأصحابه، ومن سلك سبيله واهتدى بهداه إلى يوم الدين.\nشحاتة محمد صقر\nsaqrmhm@gawab.com","vol":"1","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>أَمْرُ الله - ﷿ - بالصلاة والسلام على نبينا - ﵌ </span>-\nقال الله - ﷿ -: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦].\nقال أبو العالية: صلاة الله: ثناؤه عليه عند الملائكة، وصلاة الملائكة: الدعاء. وقال ابن عباس: يصلون: يبرِّكون. (رواه البخاري)\nيُبَرِّكُونَ عَلَى النَّبِيّ - ﵌ -: أَيْ يَدْعُونَ لَهُ بِالْبَرَكَةِ.\nوقال الإمام الترمذي - ﵀ -: ورُوِيَ عن سفيان الثوري وغير واحد من أهل العلم قالوا: صلاة الرب: الرحمة، وصلاة الملائكة: الاستغفار.\nوالمقصود من هذه الآية: أن الله سبحانه أخبر عباده بمنزلة عبده ونبيه عنده في الملأ الأعلى، بأنه يثني عليه عند الملائكة المقربين، وأن الملائكة تصلي عليه.\nثم أمر تعالى أهل العالم السفلي بالصلاة والتسليم عليه، ليجتمع الثناء عليه من أهل العالمين العلوي والسفلي جميعًا.","vol":"1","page":6},{"text":"فإذا كان مولانا - ﷾ - في عظمته وكبريائه، وملائكته في أرضه وسمائه يصَلّون على النبي الأمي - ﵌ - إجلالًا لقدره، وتعظيمًا لشأنه، وإظهارًا لفضله، وإشارة إلى قُربه من ربه، فما أحرانا نحن المؤمنين أن نُكثِر من الصلاة والسلام عليه امتثالًا لأمر الله - ﷾ -، وقضاءً لبعض حقه - ﵌ -؛ فقد أخرجنا الله به من الظلمات إلى النور، وهدانا به إلى الصراط المستقيم، وجعلنا به من خير الأمم، وفضلنا به على سائر الناس أجمعين، وكتب لنا به الرحمة التي وسعت كل شيء ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ [الأعراف:١٥٦ - ١٥٧]. فالحمد لله الذي هدانا للإسلام، والحمد لله أن جعلنا من أمة محمد - ﵌ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>حكم الصلاة على النبي - ﵌ </span>-\nفي مدى مشروعيّة هذه الصلاة أقوال:\nأحدها: تجب في العمر مرة، في الصلاة أو في غيرها، ككلمة التوحيد؛ لأن الأمر مطلق لا يقتضي تكرارًا. والماهية تحصل بمرة.\nقال القاضي عياض وابن عبد البر: وهو قول جمهور الأمة.\nوالثاني: أنه يجب الإكثار منها من غير تقييد بعدد.\nوالثالث: تجب كلما ذُكر.\nوالرابع: تجب في كل صلاة في تشهدها الأخير.\nوالخامس: إنها مستحَبّة وليست واجبة.\nوهناك أقوال غيرها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>مواطن الصلاة على النبي - ﵌ </span>-\n١ - في الصلاة في آخر التشهد: وقد أجمع المسلمون على مشروعية الصلاة على النبي - ﵌ - في هذا الموضع واختلفوا في وجوبها فيه.\nوقد استدل من قال بوجوب الصلاة على النبي - ﵌ - بأن رَسُولُ اللهِ - ﵌ - سَمِعَ رَجُلًا يَدْعُو فِي صَلَاتِهِ لَمْ يُمَجِّدْ اللهَ تَعَالَى وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ - ﵌ - فَقَالَ رَسُولُ الله - ﵌ -: «عَجِلَ هَذَا» ثُمَّ دَعَاهُ فَقَالَ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِتَمْجِيدِ رَبِّهِ - جَلَّ وَعَزَّ - وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - ﵌ - ثُمَّ يَدْعُو بَعْدُ بِمَا شَاءَ». (صحيح رواه أبو داود).\nوسمع رسول الله - ﵌ - رجلا يصلي فمجَّد الله وحمِدَه وصلى على النبي - ﵌ -؛ فقال - ﵌ -: «ادْعُ تُجَبْ وسَلْ تُعْطَ» (رواه النسائي بسند صحيح)\n٢ - في صلاة الجنازة بعد التكبيرة الثانية: لحديث أبي أمامة - ﵁ - أنه أخبره رجل من أصحاب النبي - ﵌ -: «أن السُّنَّة في الصَّلَاةِ علَى الجنَازةِ أنْ يُكَبِّر الإمَامُ، ثُمَّ يَقْرَأَ بفَاتِحَةِ الكِتَابِ بَعْدَ التَّكْبيرة الأولَى سِرًّا في نفْسِه، ثم يُصَلِّي على النَّبي - ﵌ - ...» (صحيح رواه النسائي وغيره)\n٣ - يوم الجمعة: فعَنْ أَوْسِ بْنِ أَوْسٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﵌ -: «إِنَّ مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ قُبِضَ، وَفِيهِ النَّفْخَةُ، وَفِيهِ الصَّعْقَةُ؛ فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنْ الصَّلَاةِ فِيهِ؛ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ»\nقَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، وَكَيْفَ تُعْرَضُ صَلَاتُنَا عَلَيْكَ وَقَدْ أَرِمْتَ؟ - يَقُولُونَ: بَلِيتَ - فَقَالَ: «إِنَّ الله ﷿ حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ أَجْسَادَ الْأَنْبِيَاءِ» (صحيح رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه).\n(فِيهِ النَّفْخَة): أَيْ النَّفْخَة الثَّانِيَة الَّتِي تُوصِل الْأَبْرَار إِلَى النِّعَم الْبَاقِيَة.","vol":"1","page":7},{"text":"(وَفِيهِ الصَّعْقَة): أَيْ الصَّيْحَة وَالْمُرَاد بِهَا الصَّوْت الْهَائِل الَّذِي يَمُوت الْإِنْسَان مِنْ هَوْله وَهِيَ النَّفْخَة الْأُولَى.\n(فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنْ الصَّلَاة فِيهِ): أَيْ فِي يَوْم الْجُمُعَة لِكَوْنِ إشْغَال الْوَقْت الْأَفْضَل بِالْعَمَلِ الْأَفْضَل هُوَ الْأَكْمَل وَالْأَجْمَل وَلِكَوْنِهِ سَيِّد الْأَيَّام فَيُصْرَف فِي الصلاة على سَيِّد الْأَنَام - ﵌ -.\n(فَإِنَّ صَلَاتكُمْ مَعْرُوضَة عَلَيَّ) أَيْ هِيَ مَعْرُوضَة عَلَىَّ كَعَرْضِ الْهَدَايَا عَلَى مَنْ أُهْدِيَتْ إِلَيْهِ؛ فَهِيَ مِنْ الْأَعْمَال الْفَاضِلَة وَمُقَرِّبَة لَكُمْ إِلَيَّ كَمَا تُقَرِّبُ الْهَدِيَّة الْمُهْدِي إِلَى الْمُهْدَى إِلَيْهِ.\n(قَالَ): أَيْ أَوْس الرَّاوِي (يَقُولُونَ): أَيْ الصَّحَابَة.\n(حَرَّمَ عَلَى الْأَرْض أَجْسَاد الْأَنْبِيَاء): أَيْ مَنَعَهَا مِنْ أَنْ تَأْكُلهَا فَإِنَّ الْأَنْبِيَاء فِي قُبُورهمْ أَحْيَاء.\nقال - ﵌ -: «الأنْبِيَاءُ أحْيَاءٌ في قُبُورِهِمْ يُصَلّونَ». (صحيح رواه أبو يعلى والبزار)\nوالحياة التي أثبتها هذا الحديث للأنبياء - ﵈ - إنما هي حياة برزخية، ليست من حياة الدنيا في شيء، ولذلك وجب الإيمان بها دون ضرب الأمثال لها ومحاولة تكييفها وتشبيهها بما هو المعروف عندنا في حياة الدنيا.\nهذا هو الموقف الذي يجب أن يتخذه المؤمن في هذا الأمر: الإيمان بما جاء في الحديث دون الزيادة عليه بالأقيسة والآراء كما يفعل أهل البدع الذين وصل الأمر ببعضهم إلى ادعاء أن حياته - ﵌ - في قبره حياة حقيقية!! فقالوا: إنه يأكل ويشرب ويجامع نساءه!!! ويستقبل الزائرين ويصافحهم!!! ونحو ذلك.\nفحياة الأنبياء في قبورهم إنما هي حياة برزخية لا يعلم حقيقتها إلا الله - ﷾ -.\nوقد قال الله - ﷿ - لنبيه - ﵌ -: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ - (الزمر:٣٠)، وقال: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾. (الأنبياء:٣٤) مع يقيننا الصادق أن روحه - ﵌ - في أعلى الجنان، وأن الله حرَّم على الأرض أجساد الأنبياء، وأن الحياة البرزخية تختلف عن الحياة الدنيا وعن الحياة الآخرة.\nفإن بين الأحياء والأموات حاجز يمنع الاتصال فيما بينهم قطعيًا؛ وعلى هذا فيستحيل الاتصال بينهم لا ذاتًا ولا صفات، والله - ﷾ - يقول: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (المؤمنون:١٠٠) والبرزخ معناه: الحاجز الذي يحول دون اتصال هؤلاء بهؤلاء.","vol":"1","page":10},{"text":"٤ - بعد سماع الأذان: فعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - ﵄ - أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ - ﵌ - يَقُولُ: «إِذَا سَمِعْتُمْ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ، ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ؛ فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا، ثُمَّ سَلُوا الله لِي الْوَسِيلَةَ فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ الله، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ؛ فَمَنْ سَأَلَ لِي الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ» (رواه مسلم).\n(الْوَسِيلَة) قَدْ فَسَّرَهَا - ﵌ - بِأَنَّهَا مَنْزِلَة فِي الْجَنَّة.\nوَقَوْله - ﵌ -: (حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَة) أَيْ وَجَبَتْ، وَقِيلَ: نَالَتْهُ.\nتنبيه: هذا أمر من النبي - ﵌ - بالصلاة عليه بعد الأذان، وهذا عام يشمل المؤذن وغيره؛ قال النبي - ﵌ - «إِذَا سَمِعْتُمْ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ، ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ» وكلمة (ثم) فيها دليل على أن الصلاة على النبي - ﵌ - ليست من ألفاظ الأذان؛ لأن الصلاة على النبي - ﵌ - تكون بعد ترديد ما يقوله المؤذن، فدل ذلك على أن المؤذن لا يرفع الصوت بالصلاة على النبي - ﵌ - بعد الأذان.\nفهل كان بلال أو ابن أم مكتوم وكل من أذَّن للرسول - ﵌ - و- ﵃ - يفعلون ما يفعله بعض المؤذنين في هذا الزمان من رفع الصوت بالصلاة على النبي - ﵌ - بعد الأذان؟ وهل فُعِل ذلك في","vol":"1","page":12},{"text":"عهد الخلفاء الراشدين - ﵃ - الذين أُمِرْنا بالاقتداء بسنتهم وكذلك في عهد الأئمة الأربعة وأتباع التابعين أو أحد القرون الثلاثة المفضَّلة؟\nاللهم لا. ومن قال بخلاف هذا فقد افترى على الإسلام ودعاته الأوائل.\nوهل يوجد في صفة الأذان في أي كتاب من كتب الفقه والحديث المعتمدة ما أحدثه المؤذنون من الصلاة على النبي - ﵌ - على المنائر بعد الأذان؟ اللهم إنه لا يوجد حتى في كتب الفقهاء المتأخرين.\nقال - ﵌ -: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ» (متفق عليه). وكل بدعة في الدين ضلالة في النار. فكل ما لم يَرِدْ فِعْلُه عن النبي - ﵌ - ولا خلفائه الراشدين فهو مردود على صاحبه كائنًا من كان. ولا توجد بدعة حسنة وأخرى سيئة في الإسلام.\nفالجهر بالصلاة والسلام على رسول الله - ﵌ - عقب الأذان غير مشروع. قال ابن حجر في (الفتاوى الكبرى): «الأصل سنة والكيفية بدعة».","vol":"1","page":13},{"text":"وكذلك قول المؤذن حين الأذان أو الإقامة: أشهد أن سيدنا محمدًا رسول الله. قال الحافظ ابن حجر: «إنه لا يزاد ذلك في الكلمات المأثورة».\nقال الشيخ سيد سابق في (فقه السنة): «الأذان عبادة ومدار الأمر في العبادات على الاتباع فلا يجوز لنا أن نزيد شيئا أو ننقص شيئًا في ديننا. وفي الحديث الصحيح: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ» أي باطل.\n٥ - في كل مجلس: فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - عَنْ النَّبِيِّ - ﵌ - قَالَ: «مَا جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِسًا لَمْ يَذْكُرُوا اللهَ فِيهِ وَلَمْ يُصَلُّوا عَلَى نَبِيِّهِمْ إِلَّا كَانَ عَلَيْهِمْ تِرَةً؛ فَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُمْ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُمْ» (صحيح رواه الترمذي)\n(إِلَّا كَانَ) أَيْ ذَلِكَ الْمَجْلِسُ.\n(عَلَيْهِمْ تِرَةً) أَيْ تَبِعَةً وَمُعَاتَبَةً، أَوْ: نُقْصَانًا وَحَسْرَةً وَنَدَامَةً.\n(فَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُمْ) أَيْ بِذُنُوبِهِمْ السَّابِقَةِ وَتَقْصِيرَاتِهِمْ اللَّاحِقَةِ.\n(وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُمْ) أَيْ فَضْلًا مِنْهُ وَرَحْمَةً.\n٦ - عند ذِكْرِه - ﵌ -: فعن الحسين بن علي - ﵁ - عن النبي - ﵌ - قال: «البَخِيلُ منَْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ» (صحيح رواه النسائي وابن حبان والحاكم).\nوقد اختلف العلماء في وجوبها كلما ذكر اسمه - ﵌ -، فقال أبو جعفر الطحاوي، وأبو عبيد الله الحليمي: تجب الصلاة عليه - ﵌ - كلما ذكر اسمه.\nوقال غيرهما: إن ذلك مستحب، وليس بفرض يأثم تاركه.\n٧ - عند دخول المسجد والخروج منه: قَالَ رَسُولُ الله - ﵌ -: «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلْيُسَلِّمْ عَلَى النَّبِيِّ - ﵌ -.ثُمَّ لْيَقُلْ: اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ، فَإِذَا خَرَجَ فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ». (صحيح رواه أبو داود)\nوعَنْ فَاطِمَةَ - ﵂ - - بِنْتِ رَسُولِ اللهِ - ﵌ - - قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﵌ - إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ يَقُولُ: «بِسْمِ اللهِ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ الله، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ».\nوَإِذَا خَرَجَ قَالَ: «بِسْمِ اللهِ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ الله، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ فَضْلِكَ» (صحيح رواه ابن ماجه)","vol":"1","page":14},{"text":"وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﵌ - قَالَ: «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلْيُسَلِّمْ عَلَى النَّبِيِّ - ﵌ -. وَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ، وَإِذَا خَرَجَ فَلْيُسَلِّمْ عَلَى النَّبِيِّ - ﵌ -، وَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ اعْصِمْنِي مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ» (صحيح رواه ابن ماجه).\n٨ - عند الدعاء: قال - ﵌ -: «كُلّ دُعَاءٍ مَحْجُوبٌ حَتَّى يُصَلَّى على النَّبِي - ﵌ -» (حسنه الألباني في صحيح الجامع).\nوعن عبد الله بن أبي بكر قال: كنا بالخيف ومعنا عبد الله ابن أبي عتبة: فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي - ﵌ -، ودعا بدعوات ثم قام فصلى بنا» (صحيح رواه الجهضمي في فضل الصلاة على النبي - ﵌ -)\n٩ - في القنوت: عن قتادة عن عبد الله بن الحارث: أن أبا حليمة معاذ - ﵁ - كان يصلي على النبي - ﵌ - في القنوت» (صحيح رواه الجهضمي في فضل الصلاة على النبي - ﵌ -)\n١٠ - في الصباح والمساء: قال رسول الله - ﵌ -: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ حِينَ يُصْبِحُ عَشْرًا، وحِينَ يُمْسِي عَشْرًا أَدْرَكَتْهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَة». (حسن رواه الطبراني)","vol":"1","page":16},{"text":"١١ - بين تكبيرات العيد: عن علقمة، أن ابن مسعود وأبا موسى، وحذيفة - ﵃ -، خرج عليهم الوليد بن عقبة قبل العيد يومًا، فقال لهم: «إن هذا العيد قد دنا فكيف التكبير فيه؟»\nقال عبد الله: «تبدأ فتكبر تكبيرة تفتتح بالصلاة وتحمد ربك وتصلي على النبي محمد - ﵌ -، ثم تدعو أو تكبر وتفعل مثل ذلك، ثم تكبر وتفعل مثل ذلك، ثم تكبر وتفعل مثل ذلك، ثم تقرأ ثم تكبر وتركع، ثم تقوم فتقرأ وتحمد ربك وتصلي على النبي محمد - ﵌ -، ثم تدعو وتكبر الله، وتفعل مثل ذلك، ثم تكبر وتفعل مثل ذلك، ثم تركع.\nفقال حذيفة وأبو موسى: صدق أبو عبد الرحمن».\n(صحيح رواه الجهضمي في فضل الصلاة على النبي - ﵌ -)","vol":"1","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>التحذير من ترك الصلاة على النبي - ﵌ </span>-\nعن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﵌ - صعد المنبر فقال: «آمِين، آمِين، آمِين».\nقيل: يا رسول الله، إنك صَعَدتَ المنبر فقلتَ: آمين، آمين، آمين؟\nفقال: «إن جبريل - ﵇ - أتاني فقال: مَنْ أدركَ شَهْرَ رمضانَ فلم يُغفَر له فدخلَ النارَ فأَبْعَدهُ الله، قُلْ: آمِين، فقلتُ: آمِين.\nومَن أَدْرَكَ أبَويْه أو أحدَهُما فلم يبرّهُما فمات، فدخلَ النارَ فأَبْعَدهُ الله، قُلْ: آمِين، فقلتُ: آمِين.\nومن ذُكِرْتَ عنده فلم يُصَلّ عليكَ فمات، فدخلَ النارَ فأَبْعَدهُ الله، قُلْ: آمِين، فقلتُ: آمِين». (حسن صحيح رواه ابن حبان)\nوتأمل: جبريل - ﵇ - يدعو ونبينا - ﵌ - يقول: آمين؛ فاحذر أخي المسلم.\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﵌ -: «رَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ، وَرَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ دَخَلَ عَلَيْهِ","vol":"1","page":18},{"text":"رَمَضَانُ ثُمَّ انْسَلَخَ قَبْلَ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ، وَرَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ أَدْرَكَ عِنْدَهُ أَبَوَاهُ الْكِبَرَ فَلَمْ يُدْخِلَاهُ الْجَنَّةَ» (حسن صحيح رواه الترمذي)\nوعن حسين بن علي - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﵌ -: «من ذُكِرْتُ عنده فخَطِىءَ الصلاةَ عليَّ، خَطِىءَ طريقَ الجنّة» (صحيح رواه الطبراني)\nوعن حسين - ﵁ - عن النبي - ﵌ - قال: «البخيلُ مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلّ عَلَيَّ» (صحيح رواه النسائي وابن حبان)\nوعن أبي ذر - ﵁ - قال: «خرجت ذات يوم فأَتَيتْتُ رسولَ الله - ﵌ - قال: «ألا أخبركم بأبخل الناس؟»\nقالوا: «بلى يا رسول الله».\nقال: «مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلّ عَلَيَّ فَذّلِكَ أبخَلُ النَّاسِ» (صحيح رواه ابن أبي عاصم في كتاب الصلاة).","vol":"1","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>الفوائد والثمرات الحاصلة بالصلاة على النبي - ﵌ </span>-\nقد جاءت الأحاديث مستفيضة توضح فضل الصلاة على النبي - ﵌ -، وتبين مكانة المكثر من الصلاة عليه، فمن ثمرات الصلاة على النبي - ﵌ -:\n١ - امتثال أمر الله - ﷿ - وموافقته - ﷾ - في الصلاة عليه - ﵌ -:\nوإن اختلفت الصلاتان: فصلاتنا عليه دعاء وسؤال، وصلاة الله تعالى عليه ثناء وتشريف.\nوأيضًا موافقة الملائكة فيها؛ قال الله - ﷿ -: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦].\n٢ - حصول عشر صلوات من الله - ﷿ - ومن الملائكة على المصلي بالصلاة مرة واحدة على النبي - ﵌ - ولم تزل الملائكة تصلي عليه ما صلى على النبي - ﵌ -:\nقال - ﵌ -: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا» (رواه مسلم).","vol":"1","page":20},{"text":"وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَبِيهِ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﵌ - جَاءَ ذَاتَ يَوْمٍ وَالْبُشْرَى فِي وَجْهِهِ فَقُلْنَا: إِنَّا لَنَرَى الْبُشْرَى فِي وَجْهِكَ؟\nفَقَالَ: «إِنَّهُ أَتَانِي الْمَلَكُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّ رَبَّكَ يَقُولُ: أَمَا يُرْضِيكَ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي عَلَيْكَ أَحَدٌ إِلَّا صَلَّيْتُ عَلَيْهِ عَشْرًا، وَلَا يُسَلِّمُ عَلَيْكَ أَحَدٌ إِلَّا سَلَّمْتُ عَلَيْهِ عَشْرًا». (صحيح رواه النسائي وغيره).\nوعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ - ﵁ - قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ - ﵌ - فَاتَّبَعْتُهُ حَتَّى دَخَلَ نَخْلًا فَسَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ حَتَّى خِفْتُ أَوْ خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ اللهُ قَدْ تَوَفَّاهُ أَوْ قَبَضَهُ، فَجِئْتُ أَنْظُرُ فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: «مَا لَكَ يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ؟»\nفَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: «إِنَّ جِبْرِيلَ - ﵇ - قَالَ لِي أَلَا أُبَشِّرُكَ؟ إِنَّ اللهَ ﷿ يَقُولُ لَكَ: مَنْ صَلَّى عَلَيْكَ صَلَّيْتُ عَلَيْهِ، وَمَنْ سَلَّمَ عَلَيْكَ سَلَّمْتُ عَلَيْهِ؛ فسَجَدْتُ للهِ شُكْرًا». (حسن رواه أحمد والحاكم).\nوعن أنس - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﵌ -: «أَكْثِرُوا الصلاةَ عَليَّ يوَْمَ الجمعَة؛ فإنه أتاني جِبريلُ آنفًا عن ربِّه - ﷿ - فقال: «مَا عَلَى","vol":"1","page":21},{"text":"الأرضِ مِن مُسلمٍ يُصَلِّي عليكَ مرَّةً واحدةً إلا صليتُ أنا وملائكَتي عليهِ عشرًا» (حسن رواه الطبراني)\nوقال رسول الله - ﵌ -: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصَلِّي عَلَيَّ إِلَّا صَلَّتْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ مَا صَلَّى عَلَيَّ؛ فَلْيُقِلَّ الْعَبْدُ مِنْ ذَلِكَ أَوْ لِيُكْثِرْ». (حسن رواه ابن ماجه)\n٣ - مَن صلّى على النبي - ﵌ - صلاة كتب الله له بهًا عشر حسنات، ومحا عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات:\nعَنْ أَبِي طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيِّ - ﵁ - قَالَ: أَصْبَحَ رَسُولُ الله - ﵌ - يَوْمًا طَيِّبَ النَّفْسِ يُرَى فِي وَجْهِهِ الْبِشْرُ، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، أَصْبَحْتَ الْيَوْمَ طَيِّبَ النَّفْسِ يُرَى فِي وَجْهِكَ الْبِشْرُ؟ قَالَ: «أَجَلْ أَتَانِي آتٍ مِنْ رَبِّي - ﷿ - فَقَالَ: مَنْ صَلَّى عَلَيْكَ مِنْ أُمَّتِكَ صَلَاةً كَتَبَ اللهُ لَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ، وَمَحَا عَنْهُ عَشْرَ سَيِّئَاتٍ، وَرَفَعَ لَهُ عَشْرَ دَرَجَاتٍ، وَرَدَّ عَلَيْهِ مِثْلَهَا». (صحيح رواه أحمد والنسائي)\n٤ - الصلاة على النبي - ﵌ - سبب لعرض اسم المصلي على رسول الله - ﵌ -، وكفى بالمرء نُبلًا أن يُذكر اسمه بين يدي رسول الله - ﵌ -: فعن ابن مسعود - ﵁ - عن النبي - ﵌ - قال: «إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً سَيَّاحِينَ","vol":"1","page":22},{"text":"فِي الْأَرْضِ يُبَلِّغُونِي مِنْ أُمَّتِي السَّلَامَ» (صحيح رواه النسائي وابن حبان)\nوعن الحسن بن علي - ﵄ - أن رسول الله - ﵌ - قال: «حَيْثُمَا كُنْتُمْ فَصَلُّوا عَلَيَّ، فَإِنَّ صَلاتَكُمْ تَبْلُغُنِي». (صحيح رواه الطبراني).\n٥ - الصلاة على النبي - ﵌ - سبب لرد النبي - ﵌ - الصلاة والسلام على المصلي والمُسَلّم عليه؛ فعن أبي هريرة - ﵁ - عن رسول الله - ﵌ - قال: «مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إِلَّا رَدَّ اللهُ عَلَيَّ رُوحِي حَتَّى أَرُدَّ ﵇» (حسن رواه أحمد وأبو داود)\n٦ - الصلاة على النبي - ﵌ - سبب لزيادة محبته - ﵌ - والقرب منه:\nفعن أبي أمامة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﵌ -: «أكثِرُوا علَيَّ مِن الصلاةِ في كلِّ يومِ جمعة؛ فإن صلاةَ أمَّتي تُعرَضُ عليَّ في كلِّ يومِ جمعة؛ فمَن كانَ أكثرَهم عليَّ صلاةً كانَ أقربَهُم منِّي منزِلةً» (حسن رواه البيهقي)\nوعن ابن مسعود - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﵌ -: «أَوْلَى النَّاسِ بِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرُهُمْ عَلَيَّ صَلَاةً». (حسن رواه الترمذي).\n(أَوْلَى النَّاسِ بِي) أَيْ أَقْرَبُهُمْ بِي أَوْ أَحَقُّهُمْ بِشَفَاعَتِي.","vol":"1","page":23},{"text":"(أَكْثَرُهُمْ عَلَيَّ صَلَاةً) لِأَنَّ كَثْرَةَ الصَّلَاةِ مُنْبِئَةٌ عَنْ التَّعْظِيمِ الْمُقْتَضِي لِلْمُتَابَعَةِ النَّاشِئَةِ عَنْ الْمَحَبَّةِ الْكَامِلَةِ الْمُرَتَّبَةِ عَلَيْهَا مَحَبَّةُ الله تَعَالَى؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ (آل عمران:٣١).\n٧ - الصلاة على النبي - ﵌ - سبب لغفران الذنوب وسبب لكفاية العبد ما أهمه من أمر الدنيا والآخرة:\nفعن أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ - ﵁ - قال: كَانَ رَسُولُ الله - ﵌ - إِذَا ذَهَبَ ثُلُثَا اللَّيْلِ قَامَ فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا اللهَ، اذْكُرُوا اللهَ، جَاءَتْ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ، جَاءَ الْمَوْتُ بِمَا فِيهِ، جَاءَ الْمَوْتُ بِمَا فِيهِ».\nقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أُكْثِرُ الصَّلَاةَ عَلَيْكَ، فَكَمْ أَجْعَلُ لَكَ مِنْ صَلَاتِي؟\nفَقَالَ: «مَا شِئْتَ».\nقُلْتُ: الرُّبُعَ؟\nقَالَ: «مَا شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ».\nقُلْتُ: النِّصْفَ؟\nقَالَ: «مَا شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ».\nقُلْتُ: فَالثُّلُثَيْنِ؟\nقَالَ: «مَا شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ».\nقُلْتُ: أَجْعَلُ لَكَ صَلَاتِي كُلَّهَا؟\nقَالَ: «إِذًا تُكْفَى هَمَّكَ وَيُغْفَرُ لَكَ ذَنْبُكَ».\n(حسن صحيح رواه والترمذي)\nقول أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ - ﵁ -: «أُكْثِرُ الصَّلَاةَ عَلَيْكَ، فَكَمْ أَجْعَلُ لَكَ مِنْ صَلَاتِي؟» معناه: أكثِرُ الدعاء فكم أجعلُ لك من دعائي صلاةً عليك.\nقال الإمام ابن القيم - ﵀ - في (جلاء الأفهام): «وسُئِل شيخنا أبو العباس (ابن تيمية)، عن تفسير هذا الحديث فقال: كان لأبَيِّ ابْنِ كَعْبٍ دعاءٌ يدعو به لنفسه، فسأل النبي - ﵌ -: هل يجعل له منه ربعه صلاة عليه - ﵌ -؟\nفقال: إن زِدتَ فهو خير لك. فقال له: النصف؟ فقال: إن زدت فهو خير، إلى أن قَالَ: «إِذًا تُكْفَى هَمَّكَ وَيُغْفَرُ لَكَ ذَنْبُكَ»؛ لأن من صلى على النبي - ﵌ - صلاةً صلى الله عليه بها عشرًا، ومن صلى الله عليه كفاه همه وغفر له ذنبه، هذا معنى كلامه - ﵁ -».اهـ.\nوفي رواية لأحمد عن أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ الله، أَرَأَيْتَ إِنْ جَعَلْتُ صَلَاتِي كُلَّهَا عَلَيْكَ؟","vol":"1","page":24},{"text":"قَالَ: «إِذَنْ يَكْفِيَكَ اللهُ ﵎ مَا أَهَمَّكَ مِنْ دُنْيَاكَ وَآخِرَتِكَ» (إسناد ها جيد)\n٨ - الصلاة على النبي - ﵌ - سبب لنَيْل شفاعته - ﵌ -: فعن عبد الله بن عمرو - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﵌ -: «مَنْ صَلَّى عليَّ أو سألَ لِيَ الوسيلةَ حقَّتْ عليهِ شفَاعَتي يَومَ القِيَامَة» (رواه الجهضمي في فضل الصلاة على النبي - ﵌ - وصححه الألباني)\n٩ - يُرجَى إجابة الدعاء إذا قدَّم الداعي الصلاةَ على النبي - ﵌ - أمامه: قال - ﵌ -: «كلُّ دعاءٌ محجوبٌ حتى يُصَلَّى على النبي - ﵌ -». (حسنه الألباني في صحيح الجامع).\nقال المناوي: (كلُّ دعاءٌ محجوبٌ) أي محجوب عن القبول (حتى يُصَلَّي) أي حتى يُصَلِّي الداعي (على النبي - ﵌ -) يعني أنه لا يرفع إلى الله حتى يستصحب الرافع معه الصلاة عليه؛ إذ هي الوسيلة إلى الإجابة».\nوعن علي - ﵁ - قال: «كل دعاء محجوب حتى يصلى على محمد - ﵌ -». (صحيح رواه الطبراني موقوفًا).","vol":"1","page":26},{"text":"وعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - ﵁ - قَالَ: «إِنَّ الدُّعَاءَ مَوْقُوفٌ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا يَصْعَدُ مِنْهُ شَيْءٌ حَتَّى تُصَلِّيَ عَلَى نَبِيِّكَ - ﵌ -» (صحيح رواه الترمذي)\n١٠ - الصلاة على النبي - ﵌ - سبب لطِيبِ المجلس، وأن لا يعود حسرة على أهله يوم القيامة. وتنجي من نتن المجلس الذي لا يذكر فيه الله ويحمد ويثنى عليه فيه، ويصلى على رسوله - ﵌ -.\n١١ - الصلاة على النبي - ﵌ - تنفي عن العبد اسم البخل إذا صلى عليه عند ذكره - ﵌ -، ويخرج بها العبد عن الجفاء.\n١٢ - الصلاة على النبي - ﵌ - ترمي صاحبها على طريق الجنة، وتخطئ بتاركها عن طريقها.\n١٣ - الصلاة على النبي - ﵌ - سب لإبقاء الله سبحانه الثناء الحسن للمصلي عليه بين أهل السماء والأرض: لأن المصَلِّي طالبٌ من الله أن يثني على رسوله ويكرمه ويشرفه، والجزاء من جنس العمل، فلا بد أن يحصل للمصلي نوع من ذلك.\n١٤ - الصلاة على النبي - ﵌ - سبب للبركة في ذات المصلي وعمله وعمره، وأسباب مصالحه: لأن المصلي داعٍ ربه أن يبارك علي النبي - ﵌ - وعلى آله، وهذا الدعاء مستجاب، والجزاء من جنسه.","vol":"1","page":27},{"text":"١٥ - الصلاة على النبي - ﵌ - سبب لنَيْل رحمة الله - ﷿ - للمصلي؛ لأن الرحمة - كما قال ابن القيم - ﵀ - - إما بمعنى الصلاة كما قاله طائفة، وإما من لوازمها وموجباتها على القول الصحيح، فلا بد للمصلي عليه من رحمة تناله.\n١٦ - الصلاة على النبي - ﵌ - سبب لدوام محبته للرسول - ﵌ - وزيادتها وتضاعفها: وذلك عقد من عقود الإيمان الذي لا يتم إلا به، لأن العبد كلما أكثر من ذكر المحبوب، واستحضاره في قلبه، واستحضار محاسنه ومعانيه الجالبة لحبه، تضاعف حبه له وتزايد شوقه إليه، واستولى على جميع قلبه.\nوإذا أعرض عن ذكره وإحضار محاسنه بقلبه، نقص حبه من قلبه، ولا شيء أقر لعين المحب من رؤية محبوبه، ولا أقر لقلبه من ذكره وذكر محاسنه، وتكون زيادة ذلك ونقصانه بحسب زيادة الحب ونقصانه في قلبه، والحس شاهد بذلك.\n١٧ - الصلاة على النبي - ﵌ - سبب لمحبته للعبد: فإنها إذا كانت سببًا لزيادة محبة المصَلِّى عليه له، فكذلك هي سبب لمحبته هو - ﵌ - للمصَلِّي عليه.","vol":"1","page":28},{"text":"١٨ - الصلاة على النبي - ﵌ - سبب لهداية العبد وحياة قلبه: فإنه كلما أكثر الصلاة عليه وذكره، استولت محبته على قلبه، حتى لا يبقى في قلبه معارضةٌ لشيء من أوامره، ولا شكٌ في شيءٍ مما جاء به، بل يصير ما جاء به مكتوبًا مسطورًا في قلبه، لا يزال يقرؤه على تعاقب أحواله، ويقتبس الهدى والفلاح وأنواع العلوم منه، وكلما ازداد في ذلك بصيرةً وقوةً ومعرفةً، ازدادَتْ صلاتُه عليه - ﵌ -.\n١٩ - الصلاة على النبي - ﵌ - أداء لأقل القليل من حقه.\n٢٠ - الصلاة على النبي - ﵌ - متضمنة لذكر الله وشكره، ومعرفة إنعامه على عبيده بإرساله: فالمصَلِّي عليه - ﵌ - قد تضمنتْ صلاتُه عليه ذكر الله وذكر رسوله، وسؤاله أن يجزيه بصلاته عليه ما هو أهله، كما عرفنا ربنا وأسماءه وصفاته، وهدانا إلى طريق مرضاته، وعرفنا ما لنا بعد الوصول إليه، والقدوم عليه.\nفهي متضمنة لكل الإيمان، بل هي متضمنة للإقرار بوجود الرب المدعو وعلمه وسمعه وقدرته وإرادته وصفاته وكلامه، وإرسال رسوله، وتصديقه في أخباره كلها، وكمال محبته، ولا ريب أن هذه هي أصول الإيمان، فالصلاة عليه - ﵌ - متضمنة لعلم العبد ذلك، وتصديقه به، ومحبته له فكانت من أفضل الأعمال.","vol":"1","page":29},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>كيفية الصلاة على النبي - ﵌ </span>-\nهذه الصلاة تؤدَّى بأية صيغة كانت، وأفضلها - كما قال كثير من العلماء - هي الصلاة الإبراهيميّة التي تُقال بعد التشهد الأخير في الصلاة؛ لأن الأحاديث الصحيحة وردت في أنها هي التي علَّمها النبي - ﵌ - لأصحابه.\nبعض الأحاديث الواردة في كيفية الصلاة عليه - ﵌ -:\n١ - عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: أَتَانَا رَسُولُ الله - ﵌ - وَنَحْنُ فِي مَجْلِسِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ فَقَالَ لَهُ بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ: أَمَرَنَا اللهُ تَعَالَى أَنَّ نُصَلِّيَ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ؛ فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟\nفَسَكَتَ رَسُولُ اللهِ - ﵌ - حَتَّى تَمَنَّيْنَا أَنَّهُ لَمْ يَسْأَلْهُ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﵌ -: «قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ فِي الْعَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ» (رواه مسلم).\nورواه الترمذي ولفظه: ... قَالَ رَسُولُ الله - ﵌ -: «قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ","vol":"1","page":30},{"text":"إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ فِي الْعَالَمِينَ؛ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ» (صحيح).\n٢ - عن أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ - ﵁ - أَنَّهُمْ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ الله - ﵌ -: «قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ؛ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ» (رواه البخاري).\n٣ - عن عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى قَالَ لَقِيَنِي كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ فَقَالَ: أَلَا أُهْدِي لَكَ هَدِيَّةً سَمِعْتُهَا مِنْ النَّبِيِّ - ﵌ -؟\nفَقُلْتُ: بَلَى، فَأَهْدِهَا لِي.\nفَقَالَ: سَأَلْنَا رَسُولَ اللهِ - ﵌ -، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ الصَّلَاةُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ فَإِنَّ اللهَ قَدْ عَلَّمَنَا كَيْفَ نُسَلِّمُ عَلَيْكُمْ؟\nقَالَ: «قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ.\nاللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ؛ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ». (رواه البخاري).","vol":"1","page":31},{"text":"قَوْلهم: (كَيْف نُسَلِّم عَلَيْك) قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: فِيهِ إِشَارَة إِلَى السَّلَام الَّذِي فِي التَّشَهُّد وَهُوَ قَوْل: «السَّلَام عَلَيْك أَيّهَا النَّبِيّ وَرَحْمَة اللهِ وَبَرَكَاته»؛ فَيَكُون الْمُرَاد بِقَوْلِهِمْ: «فَكَيْف نُصَلِّي عَلَيْك» أَيْ بَعْد التَّشَهُّد.\n٤ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - ﵁ - قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ الله، هَذَا التَّسْلِيمُ فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟\nقَالَ: «قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ. وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ» (رواه البخاري).\n٥ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - ﵁ - قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ هَذَا السَّلَامُ عَلَيْكَ فَكَيْفَ نُصَلِّي؟\nقَالَ: «قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَآلِ إِبْرَاهِيمَ» (رواه البخاري).\n٦ - عن أبي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ أَنَّهُمْ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟\nقَالَ: «قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ؛ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ» (رواه البخاري ومسلم).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>وقد ذكر الشيخ الألباني - ﵀ - ما ثبت من صيغ الصلاة عليه - ﵌ -، وذلك في كتابه (صفة صلاة النبي - ﵌ </span>-):\n١ - «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وعَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وعَلَى أَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ؛ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ بَيْتِهِ وَعَلَى أَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ؛ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ» (رواه أحمد والطحاوي بسند صحيح)\nقال الشيخ الألباني: وهذا كان يدعو به هو نفسه - ﵌ -.\n٢ - «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ؛ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ. اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ؛ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ» (رواه البخاري ومسلم)\n٣ - «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَآلِ إِبْرَاهِيمَ؛ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ","vol":"1","page":32},{"text":"مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَآلِ إِبْرَاهِيمَ؛ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ» (رواه أحمد والنسائي وأبو يعلى)\n٤ - «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ فِي الْعَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ» (رواه مسلم وأبو عوانة)\n٥ - «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى ِإبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» (رواه البخاري والنسائي والطحاوي وأحمد)\n٦ - «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى أَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى أَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ؛ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ» (رواه البخاري ومسلم)\n٧ - «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ وَبَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَآلِ إِبْرَاهِيمَ؛ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ» (رواه النسائي والطحاوي)","vol":"1","page":34},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>حكم كتابة (ص) و(صلعم (إذا ذُكِرَ النبي - ﵌ -، بدلًا من كتابتها كاملة:</span>\nالذي ينبغي أن نعمله هو أن نصلي عليه - ﵌ - لفظًا كاملًا ونكتب ذلك كاملًا.\nقال الشيخ عبد العزيز بن باز - ﵀ -: «... وبما أن الصلاة على النبي ﷺ مشروعة في الصلوات في التشهد، ومشروعة في الخطب والأدعية والاستغفار، وبعد الأذان، وعند دخول المسجد، والخروج منه، وعند ذكره، وفي مواضع أخرى، فهي تتأكد عند كتابة اسمه في كتاب، أو مؤلَّف، أو رسالة، أو مقال، أو نحو ذلك.\nوالمشروع أن تكتب كاملةً تحقيقًا لما أمرنا الله تعالى به، ولِيَتَذَكَّرها القارئ عند مروره عليها، ولا ينبغي عند الكتابة الاقتصار في الصلاة على رسول الله على كلمة (ص) أو (صلعم) وما أشبهها من الرموز التي قد يستعملها بعض الكتبة والمؤلفين؛ لما في ذلك من مخالفة أمر الله - ﷾ - في كتابه العزيز بقوله: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (الأحزاب:٥٦).\nمع أنه لا يتم بها المقصود وتنعدم الأفضلية الموجودة في كتابة (ﷺ) كاملة.\nوقد لا ينتبه لها القارئ أو لا يفهم المراد بها، علمًا بأن الرمز لها قد كرهه أهل العلم وحذروا منه». [مجموع فتاوى الشيخ ابن باز (٢/ ٣٩٧ - ٣٩٩]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>معنى الصلاة على النبي - ﵌ </span>-\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>معنى (اللهم): </span>لا خلاف أن لفظة (اللهم) معناها: يا الله؛ ولهذا لا تستعمل إلا في الطلب، فلا يقال: اللهم غفور رحيم؛ بل يقال: اللهم اغفر لي وارحمني.\nمعنى الصلاة على النبي - ﵌ -: مَعْنَى صَلَاة اللهِ عَلَى نَبِيّه: ثَنَاؤُهُ عَلَيْهِ وَتَعْظِيمه.\nوَصَلَاة الْمَلَائِكَة وَغَيْرهمْ عَلَيْهِ: طَلَب ذَلِكَ لَهُ مِنْ اللهِ تَعَالَى، وَالْمُرَاد طَلَب الزِّيَادَة لَا طَلَب أَصْل الصَّلَاة.\nوَقِيلَ: صَلَاة اللهِ عَلَى خَلْقه تَكُون خَاصَّة وَتَكُون عَامَّة فَصَلَاتُه عَلَى أَنْبِيَائِهِ: هِيَ الثَّنَاء وَالتَّعْظِيم.\nوَصَلَاتُه عَلَى غَيْرهمْ: الرَّحْمَة؛ فَهِيَ الَّتِي وَسِعَتْ كُلّ شَيْء.","vol":"1","page":35},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>معنى (آل النبي - ﵌ </span>-):ذكر الإمام ابن القيم في (جلاء الأفهام) أن الناس اختلفوا في آل النبي - ﵌ - على أربعة أقوال:\nالقول الأول: هم الذين حرمت عليهم الصدقة، وفيهم ثلاثة أقوال للعلماء:١ - أنهم بنو هاشم، وبنو المطلب.\n٢ - أنهم بنو هاشم خاصة.\n٣ - أنهم بنو هاشم ومَن فوقَهم إلى بني غالب.\nالقول الثاني: أن آل النبي - ﵌ - هم ذريته وأزواجه خاصة.\nالقول الثالث: أن آله - ﵌ - أتباعه إلى يوم القيامة.\nالقول الرابع: أن آله - ﵌ - هم الأتقياء من أمته.\nثم ذكر حجج هذه الأقوال، ثم قال: «والصحيح القول الأول ويليه القول الثاني. وأما الثالث والرابع فضعيفان».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>معنى اسم النبي محمد - ﵌ - واشتقاقه:</span>\nهذا الاسم هو أشهر أسمائه - ﵌ -، وهو في الأصل اسم مفعول من الحمد، وهو يتضمن الثناء على المحمود ومحبته وإجلاله وتعظيمه.\nهذا هو حقيقة الحمد وبُني على زنة مُفَعَّل مثل مُعَظَّم، ومُحَبَّب، ومبجَّل، ونظائرها؛ لأن هذا البناء موضوع للتكثير.\nفإن اشتق منه اسم فاعل، فمعناه من كثر صدور الفعل منه مرة بعد مرة، كمعلِّم، ومفهِّم، ومبيِّن، ومخلِّص، ونحوها، وإن اشتُقَّ منه اسم مفعول فمعناه من كثر تكرر وقوع الفعل عليه مرة بعد أخرى إما استحقاقًا أو وقوعًا.\nفـ (محمَّد) هو الذي كثر حمد الحامدين له مرةً بعد أخرى، أوالذي يستحق أن يحمد مرة بعد أخرى.\nفتسميته - ﵌ - بهذا الاسم لما اشتمل عليه من مسماه وهو الحمد، فإنه - ﵌ - محمودٌ عند الله، ومحمودٌ عند ملائكته، ومحمودٌ عند إخوانه من المرسلين، ومحمودٌ عند أهل الأرض كلهم، وإن كفر به بعضهم.\nفإن ما فيه من صفات الكمال محمودٌ عند كل عاقل، وإن كابَرَ عقله جُحُودًا، أو عِنَادًا، أو جَهْلًا باتصافه بها، ولو عَلِمَ اتصافه بها لَحَمِدَهُ؛ فإنه يحمد من اتصف بصفات الكمال، ويجهل وجودها فيه، فهو في الحقيقة حامدٌ له.\nوهو - ﵌ - اختُصَّ من مُسَمَّى الحمْد بما لم يجتمع لغيره؛ فإنه اسمه محمَّد وأحمد، وأمته الحمَّادون، يحمدون الله في السراء والضراء، وصلاتُه وصلاةُ أمَّتِه مفتَتَحة بالحمد، وخطبته مفتَتَحة","vol":"1","page":37},{"text":"بالحمد، وكتابه - أي القرآن الكريم - مفتَتَح بالحمد، هكذا عند الله في اللوح المحفوظ أن خلفاءه وأصحابه يكتبون المصحف مفتتحًا بالحمد.\nوبيده - ﵌ - لواء الحمد (١) يوم القيامة، ولما يسجد بين يدي ربه - ﷿ - للشفاعة، ويُؤْذَنُ له فيها، يحمد ربه بمحامد يفتحها عليه\n_________\n(١) «١) عن أَبِي سَعِيدٍ الخدري - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﵌ -: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ، وَبِيَدِي لِوَاءُ الْحَمْدِ وَلَا فَخْرَ، وَمَا مِنْ نَبِيٍّ يَوْمَئِذٍ آدَمَ فَمَنْ سِوَاهُ إِلَّا تَحْتَ لِوَائِي، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ وَلَا فَخْرَ». (صحيح رواه الترمذي)\nقَوْلُهُ - ﵌ -: (أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ) قَالَهُ إِخْبَارًا عَمَّا أَكْرَمَهُ اللهُ تَعَالَى مِنْ الْفَضْلِ وَالسُّؤْدُدِ، وَتَحَدُّثًا بِنِعْمَةِ الله تَعَالَى عِنْدَهُ وَإِعْلَامًا مِنْهُ لِأُمَّتِهِ لِيَكُونَ إِيمَانُهُمْ بِهِ عَلَى حَسْبِهِ وَمُوجِبِهِ، وَلِهَذَا أَتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ:\n(وَلَا فَخْرَ) أَيْ أَنَّ هَذِهِ الْفَضِيلَةَ الَّتِي نِلْتُهَا كَرَامَةً مِنْ اللهِ لَمْ أَنَلْهَا مِنْ قِبَلِ نَفْسِي وَلَا بَلَغْتُهَا بِقُوَّتِي فَلَيْسَ لِي أَنْ أَفْتَخِرَ بِهَا، قَالَهُ الْجَزَرِيُّ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: قَالَهُ اِمْتِثَالًا لِأَمْرِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّك فَحَدِّثْ﴾ وَثَانِيهِمَا: أَنَّهُ مِنْ الْبَيَانِ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ تَبْلِيغُهُ إِلَى أُمَّتِهِ لِيَعْرِفُوهُ وَيَعْتَقِدُوهُ وَيَعْمَلُوا بِمُقْتَضَاهُ فِي تَوْقيرِهِ - ﵌ - كَمَا أَمَرَهُمْ اللهُ تَعَالَى بِهِ» اِنْتَهَى.\n«لِوَاءُ الْحَمْدِ»:اللواء: الرَّايَةُ، وَلَا يُمْسِكُهَا إِلَّا صَاحِبُ الْجَيْشِ.\nولِوَاءُ الْحَمْدِ عِبَارَةٌ عَنْ الشُّهْرَةِ وَانْفِرَادُهُ بِالْحَمْدِ عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِحَمْدِهِ لِوَاءً يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَقِيقَةً يُسَمَّى لِوَاءَ الْحَمْدِ.\nقُلْت (أي المباركفوري - صاحب تحفة الأحوذي): حَمْلُ لِوَاءِ الْحَمْدِ عَلَى مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيِّ هُوَ الظَّاهِرُ بَلْ هُوَ الْمُتَعَيَّنُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُصَارُ إِلَى الْمَجَازِ مَعَ إِمْكَانِ الْحَقِيقَةِ.\n«وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ» أَيْ لِلْبَعْثِ فَلَا يَتَقَدَّمُ أَحَدٌ عَلَيْهِ بَعْثًا، فَهُوَ مِنْ خَصَائِصِهِ - ﵌ -» اهـ بتصرف من (تحفة الأحوذي).","vol":"1","page":39},{"text":"حينئذ، وهو صاحب المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون، قال تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩].وإذا قام في ذلك المقام حَمِدَه حينئذ أهل الموقف كلهم مسلمُهم وكافرُهم أولهم وآخرهم.\nوهو محمود - ﵌ - بما ملأ الأرض من الهدى والإيمان والعلم النافع والعمل الصالح، وفتح به القلوب، وكشف به الظلمة عن أهل الأرض، واستنقذهم من أسر الشياطين، ومن الشرك بالله والكفر به والجهل به، حتى نال به أتباعه شرف الدنيا والآخرة، فإن رسالته وافت أهل الأرض أحوج ما كانوا إليها، فإنهم كانوا بين عُبَّادِ أوْثان وعُبَّادِ صُلْبَان وعُبَّادِ نيران وعُبَّاد الكواكب، ومغضوبٍ عليهم قد باؤوا بغضب، وحَيران لا يعرف ربًا يعبده، ولا بماذا يعبده، والناس يأكلُ بعضُهم بعضًا، مَنْ استحسن شيئًا دعا إليه، وقاتل مَن خالَفه، وليس في الأرض موضع قدم مُشرقٌ بنورِ الرسالة.\nوقد نظر الله سبحانه حينئذٍ إلى أهل الأرض، فمقَتَهم عرَبَهم وعَجَمَهم إلا بقايا على آثار مِن دينٍ صحيح، فأغاث الله به البلاد والعباد، وكشف به تلك الظُلَم، وأحيا به من الجهالة، وكثر بعد","vol":"1","page":40},{"text":"القلة، وأعز به بعد الذلة، وأغنى به بعد العَيْلة، وفتح به أعينًا عُميًا، وآذانًا صمًا، وقلوبًا غلفًا، فعرف الناس ربهم ومعبودهم.\nوعرَّفهم الطريق الموصل لهم إلى ربهم ورضوانه ودار كرامته، ولم يدَعْ حسنًا إلا أمرهم به، ولا قبيحًا إلا نهى عنه، كما قال - ﵌ -: «إنَّه لَيْسَ شَيْءٌ يقرِّبُكُمْ إلى الجنَّة إلا قَدْ أمَرْتُكُمْ بِهِ، ولَيْسَ شيءٌ يقرِّبُكُمْ إلى النَّارِ إلا قَدْ نَهَيْتُكُمْ عَنْه» (حسنه الألباني في السلسلة الصحيحة).\nوعرَّفهم حالهم بعد القدوم على ربهم أتم تعريف، فكشف الأمر وأوضحه، ولم يدَعْ بابًا من العلمِ النافع للعباد المقرِّبِ لهم إلى ربهم إلا فتحه، ولا مشكلًا إلا بينه وشرحه، حتى هدى الله به القلوب من ضلالها وشفاها به من أسقامها، وأغاثها به من جهلها، فأي بشر أحق بأن يحمد منه - ﵌ - وجزاه عن أمته أفضل الجزاء.\n\n* وأصح القولين في<span data-type=\"title\" id=toc-14> قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [</span>الأنبياء:١٠٧]، أنه على عمومه، وفيه على هذا التقدير وجهان:\nأحدهما: أن عمومَ العالمينَ حصل لهم النفعُ برسالتِه:\nأما أتباعُه فنالوا بها كرامةَ الدنيا والآخرة.\nوأما أعداؤُه المحاربون له: فالذين عُجِّل قتْلُهم موتُهم خيرٌ لهم من حياتهم؛ لأن حياتَهم زيادةٌ لهم في تغليظ العذاب عليهم في الدار الآخرة، وهم قد كُتِب عليهم الشقاء، فتعجيل موتهم خيرٌ لهم من طُولِ أعمارهم في الكفر.\nوأما المعاهِدُون له فعاشوا في الدنيا تحت ظله وعهده وذمته، وهم أقل شرًا بذلك العهْد من المحاربين له.\nوأما المنافقون فحصل لهم بإظهار الإيمان به حقنُ دمائهم وأموالهم وأهلهم واحترامها وجريان أحكام المسلمين عليهم في التوارث وغيرها.\nالوجه الثاني: أنه رحمة لكل أحد، لكن المؤمنون قبلوا هذه الرحمة فانتفعوا بها دنيا وأخرى، والكفار ردوها؛ فلم يخرج بذلك عن أن يكون رحمةً لهم، لكن لم يقبلوها، كما يقال: هذا دواء لهذا المرض، فإذا لم يستعمله لم يخرج عن أن يكون دواء لذلك المرض.\nومما يحمد عليه - ﵌ - ما جبله الله عليه من مكارم الأخلاق وكرائم الشيم، فإن من نظر في أخلاقه وشيمه - ﵌ - علم أنها خيرُ أخلاق، فإنه - ﵌ - كان أعلم الخلق، وأعظمهم أمانة، وأصدقهم حديثًا، وأجودهم وأسخاهم، وأشدهم احتمالًا، وأعظمهم عفوًا ومغفرةً، وكان لا يزيده شدة الجهل عليه إلا حلمًا.\n\nكما روى البخاري في (صحيحه): عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ لَقِيتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - ﵄ - قُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ<span data-type=\"title\" id=toc-15> صِفَةِ رَسُولِ اللهِ - ﵌ - فِي التَّوْرَاةِ</span>.\nقَالَ: «أَجَلْ، وَالله إِنَّهُ لَمَوْصُوفٌ فِي التَّوْرَاةِ بِبَعْضِ صِفَتِهِ فِي الْقُرْآنِ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ وَحِرْزًا لِلْأُمِّيِّينَ، أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي، سَمَّيْتُكَ المتَوَكِّلَ لَيْسَ بِفَظٍّ، وَلَا غَلِيظٍ، وَلَا سَخَّابٍ فِي الْأَسْوَاقِ، وَلَا يَدْفَعُ بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ، وَلَنْ يَقْبِضَهُ اللهُ حَتَّى يُقِيمَ بِهِ الْمِلَّةَ الْعَوْجَاءَ؛ بِأَنْ يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَيَفْتَحُ بِهَا أَعْيُنًا عُمْيًا وَآذَانًا صُمًّا وَقُلُوبًا غُلْفًا».\n(شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا):أَيْ شَاهِدًا عَلَى الْأُمَّة وَمُبَشِّرًا لِلْمُطِيعِينَ بِالْجَنَّةِ وَلِلْعُصَاةِ بِالنَّارِ، أَوْ شَاهِدًا لِلرُّسُلِ قَبْلَهُ بِالْإِبْلَاغِ.\n(وَحِرْزًا) أَيْ حِصْنًا، وَالْأُمِّيِّينَ هُمْ الْعَرَب.\n(سَمَّيْتُكَ الْمُتَوَكِّل) أَيْ عَلَى اللهِ؛ لِقَنَاعَتِهِ بِالْيَسِيرِ، وَالصَّبْر عَلَى مَا كَانَ يَكْرَه.\n(لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظ) هُوَ مُوَافِق لِقَوْلِه تَعَالَى (فَبِمَا رَحْمَة مِنْ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ، وَلَوْ كُنْت فَظًّا غَلِيظ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ) وَلَا يُعَارِض قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾؛ لِأَنَّ النَّفْي بِالنِّسْبَةِ","vol":"1","page":41},{"text":"لِلْمُؤْمِنِينَ، وَالْأَمْر بِالنِّسْبَةِ لِلْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ كَمَا هُوَ مُصَرَّح بِهِ فِي نَفْس الْآيَة.\n(وَلَا سَخَّاب) السَّخَب وَيُقَال فِيهِ الصَّخَبُ بِالصَّادِ بَدَلَ السِّينِ: هُوَ رَفْع الصَّوْتِ بِالْخِصَامِ.\n(وَلَا يَدْفَع السَّيِّئَة بِالسَّيِّئَةِ) هُوَ مِثْل قَوْله تَعَالَى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَن﴾.\n(وَلَنْ يَقْبِضه) أَيْ يُمِيته.\n(حَتَّى يُقِيم بِهِ الْمِلَّةَ الْعَوْجَاءَ) أَيْ مِلَّةَ الْعَرَبِ، وَوَصَفَهَا بِالْعِوَجِ لِمَا دَخَلَ فِيهَا مِنْ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ، وَالْمُرَاد بِإِقَامَتِهَا أَنْ يَخْرُجَ أَهْلُهَا مِنْ الْكُفْرِ إِلَى الْإِيمَانِ ويَنْفِيَ الشِّرْك وَيُثْبِت التَّوْحِيد.\nقَوْله: (فَيَفْتَح بِهَا) أَيْ بِكَلِمَةِ التَّوْحِيد (أَعْيُنًا عُمْيًا) أَيْ عَنْ الْحَقّ.\nوَقَوْله: (وَقُلُوبًا غُلْفًا) أَي مُغَشَّاة مغطاة.\nوقيل: لا تفقه.\nوقيل: عليها غشاوة.\nوقيل: عليها غلاف، وهو الغطاء.","vol":"1","page":44},{"text":"* قال الحسن البصري - ﵀ -: «إن المؤمنَ رُزِقَ حلاوةً ومهابة».\nيعني يُحَب ويُهَاب ويُجَلّ بها، ألبسه الله - ﷾ - من ثوب الإيمان المقتضي لذلك، ولهذا لم يكن بشرٌ أحبَّ إلى بشرٍ ولا أهيب وأجَلَّ في صدره من رسول الله - ﵌ - في صدر الصحابة - ﵃ -.\nقَالَ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ - ﵁ -: «لَقَدْ رَأَيْتُنِي وَمَا أَحَدٌ أَشَدّ بُغْضًا لِرَسُولِ اللهِ - ﵌ - مِنِّي وَلَا أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ أَكُونَ قَدْ اسْتَمْكَنْتُ مِنْهُ فَقَتَلْتُهُ؛ فَلَوْ مُتُّ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ لَكُنْتُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَلَمَّا جَعَلَ اللهُ الْإِسْلَامَ فِي قَلْبِي أَتَيْتُ النَّبِيَّ - ﵌ - فَقُلْتُ: «ابْسُطْ يَمِينَكَ فَلْأُبَايِعْكَ»، فَبَسَطَ يَمِينَهُ، فَقَبَضْتُ يَدِي.\nقَالَ: «مَا لَكَ يَا عَمْرُو؟»\nقُلْتُ: «أَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِطَ».\nقَالَ: «تَشْتَرِطُ بِمَاذَا؟»\nقُلْتُ: «أَنْ يُغْفَرَ لِي».\nقَالَ: «أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ، وَأَنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلِهَا، وَأَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ».\nوَمَا كَانَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﵌ - وَلَا أَجَلَّ فِي عَيْنِي مِنْهُ، وَمَا كُنْتُ أُطِيقُ أَنْ أَمْلَأَ عَيْنَيَّ مِنْهُ إِجْلَالًا لَهُ، وَلَوْ سُئِلْتُ أَنْ أَصِفَهُ مَا أَطَقْتُ؛ لِأَنِّي لَمْ أَكُنْ أَمْلَأُ عَيْنَيَّ مِنْهُ» (رواه مسلم).\nفلما كان رسول الله - ﵌ - مشتملًا على ما يقتضي أن يحمد مرة بعد مرة سمي محمدًا، وهو اسم موافق لمسماه، ولفظ مطابق لمعناه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-16>الفرق بين محمد وأحمد من وجهين:</span>\nأحدهما: أن (محمدًا) هو المحمود حمدًا بعد حمد، فهو دالّ على كثرة حمْد الحامدين له، وذلك يستلزم كثرة موجبات الحمد فيه.\nو(أحمد) أفعل تفضيل من الحمد يدل على أن الحمد الذي يستحقه أفضل مما يستحقه غيره، فـ (محمد) زيادة حمد في الكمية، و(أحمد) زيادة في الكيفية، فيحمد أكثر حمد وأفضل حمد حمده البشر.\nالوجه الثاني: أن (محمدًا) هو المحمود حمدًا متكررًا كما تقدم، وأحمد هو الذي حَمْدُه لربه أفضل من حمد الحامدين غيره.\nفدل أحد الاسمين - وهو محمد - على كونه محمودًا، ودل الاسم الثاني - وهو أحمد - على كونه أحمد الحامدين لربه.","vol":"1","page":45},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-17>ذكر إبراهيم خليل الرحمن - ﵇ </span>-:\nجعل الله - ﷾ - إبراهيم الأب الثالث للعالم، فإن أبانا الأول آدم، والأب الثاني نوح، وأهل الأرض كلهم من ذريته، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ [الصافات:٧٧].والأب الثالث إمام الحنفاء الذي اتخذه الله خليلًا، وجعل النبوة والكتاب في ذريته، ذاك خليل الرحمن.\nولم يأمر الله رسوله - ﵌ - أن يتبع ملة أحد الأنبياء غيره، فقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِين﴾ [النحل:١٢٣]، وأمر أمَّتَه بذلك فقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الحج:٧٨].\nوكان رسول الله - ﵌ - يوصي أصحابه - ﵃ - إذا أصبحوا أن يقولوا: «أَصْبَحْنَا عَلَى فِطْرَةِ الْإِسْلَامِ، وَعَلَى كَلِمَةِ الْإِخْلَاصِ، وَعَلَى دِينِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ - ﵌ -، وَعَلَى مِلَّةِ أَبِينَا إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ». (صحيح رواه الدارمي وغيره).","vol":"1","page":47},{"text":"وسماه الله - ﷾ - إبراهيم: إمامًا وأمة، وقانتًا، وحنيفًا. وقال تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:١٢٤]، فأخبر سبحانه أنه جعله إمامًا للناس، وأن الظالم من ذريته لا ينال رتبة الإمامة، والظالم هو المشرك، وأخبر سبحانه أن عهده بالإمامة لا ينال من أشرك به.\nوقال تعالى: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَآَتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [النحل:١٢٠ - ١٢١].\nفالأمَّة: هو القدوة المعلم للخير، والقانت: المطيع لله الملازم لطاعته، والحنيف المقبل على الله، المعرض عما سواه.\nوكان خير بَنِيه - سيد ولد آدم محمد - ﵌ - - يُجِلّه ويعظمه ويبجله ويحترمه؛ فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﵌ - فَقَالَ: يَا خَيْرَ الْبَرِيَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ الله - ﵌ -: «ذَاكَ إِبْرَاهِيمُ ﵇». (رواه مسلم).\nوعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - عَنْ النَّبِيِّ - ﵌ - قَالَ: «إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا ثُمَّ قَرَأَ ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾، وَأَوَّلُ مَنْ يُكْسَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ» (رواه البخاري). (غُرْلًا):غَيْر مَخْتُونِينَ.\nوكان رسول الله - ﵌ - أشبه الخلق بإبراهيم - ﵇ -، كما في الصحيحين عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ الله - ﵌ - قَالَ: «رَأَيْتُ إِبْرَاهِيمَ - صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ - فَإِذَا أَقْرَبُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ شَبَهًا صَاحِبُكُمْ يَعْنِي نَفْسَهُ» (رواه البخاري).\nوكان - ﵌ - يُعَوِّذ أولاد ابنته: حَسَنًا وحُسَيْنًا - ﵄ - بتعويذ إبراهيم لإسماعيل وإسحاق - ﵈ -؛ ففي صحيح البخاري عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﵌ - يُعَوِّذُ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ وَيَقُولُ: «إِنَّ أَبَاكُمَا كَانَ يُعَوِّذُ بِهَا إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّةِ مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَّةٍ وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لَامَّةٍ»\n(إِنَّ أَبَاكُمَا) يُرِيد إِبْرَاهِيم - ﵇ -.\n(بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّةِ) الْمُرَاد بِالتَّامَّةِ: الْكَامِلَة، وَقِيلَ: النَّافِعَة، وَقِيلَ: الشَّافِيَة، وَقِيلَ: الْمُبَارَكَة، وَقِيلَ: الْقَاضِيَة الَّتِي تَمْضِي وَتَسْتَمِرّ وَلَا يَرُدّهَا شَيْء وَلَا يَدْخُلهَا نَقْص وَلَا عَيْب.","vol":"1","page":48},{"text":"وكَانَ الْإِمَامُ أَحْمَد - ﵀ - يَسْتَدِلّ بِهَذَا الْحَدِيث عَلَى أَنَّ كَلَام اللهِ غَيْر مَخْلُوق، وَيَحْتَجّ بِأَنَّ النَّبِيّ - ﵌ - لَا يَسْتَعِيذ بِمَخْلُوقٍ.\n(مِنْ كُلّ شَيْطَان) يَدْخُل تَحْته شَيَاطِين الْإِنْس وَالْجِنّ.\n(وَهَامَّة) وَاحِدَة الْهَوَامّ ذَوَات السَّمُوم، وَقِيلَ: كُلّ مَا لَهُ سُمٌّ يَقْتُل، وَقِيلَ: الْمُرَاد كُلّ نَسَمَة تَهُمُّ بِسُوءٍ.\nقَوْلُهُ: (وَمِنْ كُلّ عَيْن لَامَّة) قَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْمُرَاد بِهِ كُلّ دَاء وَآفَة تُلِمّ بِالْإِنْسَانِ مِنْ جُنُون وَخَبَل.\nوعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵁ - قال: ﴿حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ قَالَهَا إِبْرَاهِيمُ - ﵇ - حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ وَقَالَهَا مُحَمَّدٌ - ﵌ - حِينَ قَالُوا: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (رواه البخاري).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>مسألة: النبي - ﵌ - أفضل من إبراهيم، فكيف طلب له من الصلاة ما لإبراهيم، مع أن المشبَّه به أصله أن يكون فوق المشبَّه؟ فكيف الجمع بين هذه الأمرين</span>؟\nأجاب العلماء عن ذلك بأجوبة كثيرة، وقد بلغت نحو عشرة أقوال، منها:١ - أن التشبيه المذكور إنما هو في أصل الصلاة، لا في قدرها، ولا في كيفيتها، فالمسئول إنما هو راجع إلى الهيئة، لا إلى","vol":"1","page":50},{"text":"قدر الموهوب، وهذا كما تقول للرجل: أحسن إلى ابنك كما أحسنت إلى فلان، وأنت لا تريد بذلك قدر الإحسان، وإنما تريد به أصل الإحسان.\nوقد يُحْتَجّ لذلك بقوله تعالى: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ﴾ (القصص:٧٧)، ولا ريب أنه لا يقدر أحد أن يحسن بقدر ما أحسن الله إليه، وإنما أريد به أصل الإحسان لا قدره، فالتشبيه في الآية لا يتعلق بمقدار الإحسان؛ بل بأصله؛ فكأن معنى الآية: كما وقع الإحسان من الله إليك أيها العبد الفقير إلى الله - ﷾ -، فأحسن بالصدقة وبالعبادة وغيرها من الطاعات.\nومنها قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ (النساء:١٦٣)، وهذا التشبيه في أصل الوحي لا في قدره وفضل الموحَى به.\n٢ - قول قوَّاه واستحسنه شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم: وهو قول من قال عن آل إبراهيم - ﵇ -: «فيهم الأنبياء الذين ليس في آل محمد مثلهم، فإذا طُلب للنبي - ﵌ - ولآله مثل ما لإبراهيم وآله - وفيهم الأنبياء - حصل لآل محمد - ﵌ - من ذلك ما يليق بهم، فإنهم لا يبلغون مراتب الأنبياء، وتبقى الزيادة التي","vol":"1","page":51},{"text":"للأنبياء - وفيهم إبراهيم - لمحمد - ﵌ - فيحصل له من المزية ما لا يحصل لغيره»\n٣ - قال الإمام ابن القيم في (جلاء الأفهام): «... وأحسن منه (أي من القول السابق) أن يقال: «محمد - ﵌ - هو من آل إبراهيم، بل هو خير آل إبراهيم، كما روى علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس - ﵄ - في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحًا وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (آل عمران: ٣٣)، قال ابن عباس - ﵄ -: «محمد من آل إبراهيم». وهذا نص، فإنه إذا دخل غيره من الأنبياء الذين هم من ذرية إبراهيم في آله، فدخول رسول الله - ﵌ - أوْلَى.\nفيكون قولنا: «كما صليت على آل إبراهيم» متناولًا للصلاة عليه، وعلى سائر النبيين من ذرية إبراهيم.\nثم قد أمرنا الله - ﷿ - أن نصلي عليه وعلى آله خصوصًا بقدر ما صلينا عليه مع سائر آل إبراهيم عمومًا، وهو فيهم، ويحصل لآله من ذلك ما يليق بهم، ويبقى الباقي كله له - ﵌ -.\nوتقرير هذا أنه يكون قد صُلِى عليه خصوصًا، وطُلِب له من الصلاة ما لآل إبراهيم وهو داخل معهم، ولا ريب أن الصلاة الحاصلة لآل إبراهيم - ورسول الله - ﵌ - معهم - أكمل من الصلاة","vol":"1","page":52},{"text":"الحاصلة له دونهم، فيطلب له من الصلاة هذا الأمر العظيم الذي هو أفضل مما لإبراهيم قطعًا». (اهـ بتصرف).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>معنى قول: اللَّهم بارك على محمّد وعلى آل محمّد:</span>\nالبركة: النماء والزيادة. والتبريك: الدعاء بذلك. ويقال: باركه الله وبارك فيه، وبارك عليه، وبارك له. وفي القرآن الكريم: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاق﴾ (الصافات:١١٣)، وفيه: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ (الأنبياء:٧١).\nوقَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ - ﵄ -:عَلَّمَنِي رَسُولُ الله - ﵌ - كَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ فِي قُنُوتِ الْوِتْرِ: «اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ، وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ، وَبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْتَ، وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْتَ إِنَّكَ تَقْضِي وَلَا يُقْضَى عَلَيْكَ، وَإِنَّهُ لَا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ وَلَا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ». (صحيح رواه أصحاب السنن).\nوالْمُبَارَك: الذي قد بارَكه الله سبحانه، كما قال المسيح - ﵇ -: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ آَتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي","vol":"1","page":53},{"text":"مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا [مريم:٣٠ - ٣١].\nوكتاب الله مبارَك، قال تعالى: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ [الأنبياء:٥٠]، وقال: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص:٢٩]، وهو أحق أن يسمى مباركا من كل شيء؛ لكثرة خيره ومنافعه، ووجوه البركة فيه.\nوالرب تعالي يقال في حقه: «تبارك»، ولا يقال: مبارك.\nوقال الحسن: «تبارك»:تجيء البركة من قِبَله.\nوقال الضحاك: تبارك: تعاظم.\nوقال الخليل بن أحمد: تمجد.\nوقال الحسين بن الفضل: تبارك في ذاته، وبارك فيمن شاء من خلقه.\nقال الإمام ابن القيم: وهذا أحسن الأقوال.\nولا يوصف بهذه اللفظة إلا الله - ﷾ -، ولا تتصرف هذه اللفظة في لغة العرب، لا يستعمل منها مضارع ولا أمر.","vol":"1","page":54},{"text":"وقول: «وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ»: هذا الدعاء يتضمن إعطاءه من الخير ما أعطاه لآل إبراهيم، وإدامته وثبوته له، ومضاعفته له وزيادته، هذا حقيقة البركة.\nوقد قال تعالى في إبراهيم وآله: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ * وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ [الصافات:١١٢ - ١١٣]، وقال تعالى فيه وفي أهل بيته: ﴿قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود:٧٣].\nوتأمل كيف جاء في القرآن: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ﴾ [الصافات: ١١٣] ولم يذكر إسماعيل؛ إيذانًا بما حصل لبَنِيهِ من الخير والبركة، لا سيما خاتمة بركتهم وأعظمها وأجلها برسول الله - ﵌ -، فنبهَهُم بذلك على ما يكون في بنيه من هذه البركة العظيمة الموافية على لسان المبارك - ﵌ -.","vol":"1","page":55},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-20>اختتام الصلاة على النبي - ﵌ - باسْمَيْن من أسماء الرب - ﷾ - وهما: الحميد والمجيد:</span>\nوذكر هذين الاسمين: الحميد والمجيد عقب الصلاة على النبي - ﵌ - مطابق لقوله تعالى: ﴿رَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود: ٧٣].\nولما كانت الصلاة على النبي - ﵌ - - وهي ثناء الله تعالى عليه وتكريمه والتنويه به، ورفع ذكره، وزيادة حبه وتقريبه - كانت مشتملة على الحمد والمجد، فكأن المصلي طلب من الله تعالى أن يزيد في حمده ومجده، فإن الصلاة عليه هي نوع حمد له وتمجيد، هذا حقيقتها، فذكر في هذا المطلوب الاسمين المناسبين له، وهما اسما الحميد والمجيد.\nوالداعي يُشرَع له أن يختم دعاءه باسم من الأسماء الحسنى مناسب لمطلوبه، أو يفتتح دعاءه به، وهذا من قوله - ﷿ -: ﴿وَلِلهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]، وقال سليمان - ﵇ - في دعائه: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [ص:٣٥]، وقال الخليل وابنه إسماعيل سدد خطاكم في دعائهما: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً","vol":"1","page":56},{"text":"لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٨].\nوعَنْ ابْنِ عُمَرَ - ﵁ - قَالَ: كَانَ يُعَدُّ لِرَسُولِ الله - ﵌ - فِي الْمَجْلِسِ الْوَاحِدِ مِائَةُ مَرَّةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَقُومَ: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَتُبْ عَلَيَّ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الْغَفُورُ» (صحيح رواه الترمذي)\nوعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ عَلِمْتُ أَيُّ لَيْلَةٍ لَيْلَةُ الْقَدْرِ مَا أَقُولُ فِيهَا؟ قَالَ: «قُولِي: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عُفُوٌّ كَرِيمٌ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي» (صحيح رواه الترمذي).\nولما كان المطلوب للرسول - ﵌ - حمدًا ومجدًا بصلاة الله عليه، ختم هذا السؤال باسمي الحميد والمجيد.\nوأيضًا فإنه لما كان المطلوب للرسول - ﵌ - حمدًا ومجدًا، وكان ذلك حاصلًا له، ختم ذلك بالإخبار عن ثبوت هذين الوصفين للرب - ﷾ - بطريق الأولى، وكل كمال في العبد غير مستلزم للنقص، فالرب أحق به.\nوأيضًا فإنه لما طلب للرسول - ﵌ - حمدًا ومجدًا بالصلاة عليه - وذلك يستلزم الثناء عليه - خُتم هذا المطلوب بالثناء على مُرسِله - ﷿ -","vol":"1","page":57},{"text":"بالحمد والمجد، فيكون هذا الدعاء متضمنًا لطلب الحمد والمجد للرسول - ﵌ -، والإخبار عن ثبوته للرب - ﷾ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>الصلاة على غير النبي - ﵌ </span>-\nأما سائر الأنبياء والمرسلين فيصلى عليه ويسلم؛ قال تعالى عن نوح - ﵇ -: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآَخِرِينَ * سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ٧٨ - ٨٠]، وقال عن إبراهيم خليله - ﵇ -: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآَخِرِينَ * سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الصافات: ١٠٨ - ١٠٩]، وقال تعالى في موسى وهارون سدد خطاكم: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآَخِرِينَ * سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الصافات: ١١٩ - ١٢٠]، فالذي تركه سبحانه على رسله في الآخرين هو السلام عليهم المذكور.\nوأما من سوى الأنبياء، فإن آل النبي - ﵌ - يُصَلَّى عليهم بغير خلاف بين الأمة.","vol":"1","page":58},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-22>هل يصلي على آل النبي - ﵌ - منفردين عنه</span>؟\nقال الإمام ابن القيم - ﵀ - في (جلاء الأفهام):هذه المسألة على نوعين: أحدهما: أن يقال: «اللهم صل على آل محمد» فهذا يجوز، ويكون - ﵌ - داخلًا في آله، فالإفراد عنه وقع في اللفظ لا في المعنى.\nالثاني: أن يفرد واحد منهم بالذكر، فيقال: اللهم صل على عَلِيٍّ، أو على حسن، أو حسين، أو فاطمة، ونحو ذلك.\nفاختلف في ذلك وفي الصلاة على غير آله - ﵌ - من الصحابة ومن بعدهم ... (وذكر الإمام ابن القيم الخلاف في ذلك وناقش الأدلة ثم قال): «وفصل الخطاب في هذه المسألة: أن الصلاة على غير النبي - ﵌ - إما أن يكون آله وأزواجه وذريته أو غيرهم، فإن كان الأول فالصلاة عليهم مشروعة مع الصلاة على النبي - ﵌ - وجائزة مفردة (١).\nوأما الثاني: فإن كان الملائكة وأهل الطاعة عمومًا الذين يدخل فيهم الأنبياء وغيرهم، جاز ذلك أيضًا، فيقال: اللهم صل على ملائكتك المقربين وأهل طاعتك أجمعين.\nوإن كان شخصًا معينًا أو طائفة معينة كُرِهَ أن يتخذ الصلاة عليه شعارًا (٢) لا يخلّ به، ولو قيل بتحريمه لكان له وجه، ولا سيما إذا جعلها شعارًا له، ومنع منها نظيره، أو من هو خير منه، وهذا كما تفعل الرافضة (٣) بعلي - ﵁ -، فإنه حيث ذكروه قالوا: ﵊، ولا يقولون ذلك فيمن هو خير منه، فهذا ممنوع، لا سيما إذا اتخذ شعارًا لا يخل به، فتركه حينئذ متعين.\nوأما إن صلى عليه أحيانًا بحيث لا يجعل ذلك شعارًا كما يصلي على دافع الزكاة (٤)، وكما قال ابن عمر - ﵁ - للميت: صلى الله عليه (٥).\n_________\n(١) أي يقال: اللهم صل على آل محمد.\n(٢) ذكر الإمام النووي في (الأذكار) أن الصلاة على غير النبي - ﵌ - وآله قد صارت شعار أهل البدع، وقد نُهينا عن شعارهم.\nقال الإمام ابن القيم في (جلاء الأفهام) - موضحًا كلام الإمام النووي ـ: «ومعنى ذلك: أن الرافضة إذا ذكروا أثمنهم يصلون عليهم بأسمائهم ولا يصلون على غيرهم ممن هو خير منهم، وأحب إلى الرسول - ﵌ -، فينبغي أن يخالَفوا في هذا الشعار». اهـ\n(٣) الرافضة: الشيعة.\n(٤) ٣ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﵌ - إِذَا أَتَاهُ قَوْمٌ بِصَدَقَتِهِمْ قَالَ: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ فُلَانٍ» فَأَتَاهُ أَبِي بِصَدَقَتِهِ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى». (رواه البخاري ومسلم).\n(٥) عن ابن عمر - ﵁ -: أنه يكبر على الجنازة ويصلي على النبي - ﵌ - ثم يقول: «اللهم بارك فيه وصل عليه واغفر له وأورده حوض نبيك - ﵌ -» [رواه الجهضمي في (فضل الصلاة على النبي - ﵌ -) وصححه الألباني].","vol":"1","page":59},{"text":"وكما صلى النبي - ﵌ - على المرأة وزوجها (١)، فهذا لا بأس به. وبهذا التفصيل تتفق الأدلة وينكشف وجه الصواب والله والموفق. (انتهى كلام الإمام ابن القيم بتصرف يسير)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>اتباع النبي - ﵌ - دليل محبة الله - ﷿ </span>-\nمحبة الرسول - ﵌ - تكون باتباع سنته، والامتثال لأوامره، قال الله - ﷿ -: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ (آل عمران ٣١ - ٣٢)\nدلت هذه الآية الكريمة على أن كل من ادعى محبة الله - ﷿ -، وليس متبعًا لهدي النبي - ﵌ - فإنه كاذب في دعواه، حتى يتبع سنة النبي - ﵌ - في جميع أقواله وأحواله، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله - ﵌ - أنه قال: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (رواه البخاري ومسلم)؛ ولهذا قال - ﷿ -:قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾ أي: يحصل لكم فوق ما طلبتم من محبتكم إياه\n_________\n(١) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ - ﵁ - أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ لِلنَّبِيِّ - ﵌ -:صَلِّ عَلَيَّ وَعَلَى زَوْجِي فَقَالَ النَّبِيُّ - ﵌ -: «صَلَّى اللهُ عَلَيْكِ وَعَلَى زَوْجِكِ» (صحيح رواه أبو داود).","vol":"1","page":61},{"text":"وهو محبته إياكم، وهو أعظم من الأول، كما قال بعض الحكماء العلماء: ليس الشأن أن تُحِبّ، إنما الشأن أن تُحَبّ.\nوقال الحسن البصري وغيره من السلف: «زعم قوم أنهم يحبون الله فابتلاهم الله بهذه الآية، فقال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾».\nثم قال - ﷿ -: ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي: باتباعكم للرسول - ﵌ - يحصل لكم هذا كله.\nثم قال آمرًا لكل أحد من خاص وعام: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أي: خالفوا عن أمره ﴿فَإِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ فدل على أن مخالفته في الطريقة كفر، والله لا يحب من اتصف بذلك، وإن ادعى وزعم في نفسه أنه يحب لله ويتقرب إليه، حتى يتابع الرسول النبي الأمي خاتم الرسل، ورسول الله إلى جميع الثقلين الجن والإنس الذي لو كان الأنبياء - بل المرسلون، بل أولو العزم منهم - في زمانه لما وَسِعَهم إلا اتباعه، والدخول في طاعته، واتباع شريعته - ﵌ -.","vol":"1","page":62}]}