{"ً":{"ٌ":36193,"ٍ":"الأساليب والإطلاقات العربية","َ":1,"ُ":1,"ّ":"الكتاب: الأساليب والإطلاقات العربية\nالمؤلف: أبو المنذر محمود بن محمد بن مصطفى بن عبد اللطيف المنياوي\nالناشر: المكتبة الشاملة، مصر\nالطبعة: الأولى، ١٤٣٢ هـ - ٢٠١١ م\nعدد الصفحات: ١٣٢\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع (الطبعة الورقية)]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":1205,"ٕ":4,"ٖ":1770155535,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"المقدمة","level":1,"page":3},{"title":"المجاز","level":2,"page":5},{"title":"المطلب الأول: أهمية الموضوع وأسباب اختياره.","level":2,"page":5},{"title":"المطلب الثاني: تعريف المجاز في الاصطلاح.","level":2,"page":5},{"title":"المطلب الثالث: أقسام المجاز، وأمثلته.","level":2,"page":6},{"title":"المطلب الرابع: تاريخ نشوء القول بالمجاز.","level":2,"page":7},{"title":"المبحث الأول: أقوال العلماء في المجاز.","level":3,"page":8},{"title":"المبحث الثاني: الأدلة، والمناقشات، والراجح، ووجه ترجيحه.","level":3,"page":9},{"title":"المبحث الثالث: هل للخلاف في المجاز ثمرة؟","level":3,"page":17},{"title":"المبحث الرابع: أثر القول بالمجاز على النصوص الشرعية وتعقيب على أشهر الأمثلة التي ذكرها بعض الأصوليين للمجاز.","level":3,"page":18},{"title":"الأساليب العربية","level":2,"page":20},{"title":"١ - يسمي التقدير خلقا","level":1,"page":27},{"title":"٢ - المفرد إذا كان اسم جنس يكثر في كلام العرب إطلاقه مرادا به الجمع - مع تنكيره، أو تعريفه بالألف واللام أو بالإضافة -","level":1,"page":28},{"title":"٣ - عطف الشيء على نفسه، مع اختلاف اللفظ؛ لأن تغاير اللفظين ربما نزل منزلة التغاير المعنوي.","level":1,"page":31},{"title":"٤ - كل ما علا الماء يسمى طافيا.","level":1,"page":33},{"title":"٥ - الخيط الأبيض يطلق على الصبح، والأسود على الليل","level":1,"page":34},{"title":"٦ - ربما أطلقت العرب لفظ النعم على خصوص الإبل.","level":1,"page":35},{"title":"٧ - إطلاق الخوف بمعنى العلم.","level":1,"page":35},{"title":"٨ - إسلام الوجه يطلق ويراد به الإذعان والانقياد التام.","level":1,"page":35},{"title":"٩ - عال يعول إذا جار ومال، وهو عائل","level":1,"page":36},{"title":"١٠ - يسمى النفخ روحا","level":1,"page":37},{"title":"١١ - الخفض بالمجاورة.","level":1,"page":37},{"title":"١٢ - يطلق المسح على الغسل.","level":1,"page":41},{"title":"١٣ - ربما استعمل التحرير في الإخراج من الأسر والمشقات، وتعب الدنيا ونحو ذلك.","level":1,"page":41},{"title":"١٤ - إطلاق شيطان على المتمرد","level":1,"page":41},{"title":"١٥ - يطلق المجموع مرادا بعضه.","level":1,"page":42},{"title":"١٦ - يطلق لا شيء على ما لا نفع فيه.","level":1,"page":42},{"title":"١٧ - القرابة إذا كانت قرابة نسب تعين التأنيث فيها، وإن كانت قرابة مسافة جاز التذكير والتأنيث.","level":1,"page":43},{"title":"١٨ - يطلق اسم الفيء على الغنيمة.","level":1,"page":43},{"title":"١٩ - يطلق الحرف الواحد من الكلمة، ويراد به جميع الكلمة.","level":1,"page":44},{"title":"٢٠ - عادة العرب قولهم: لا أستطيع أن أسمع كذا، إذا كان شديد الكراهية، والبغض له","level":1,"page":45},{"title":"٢١ - الضلال يطلق بمعنى: الذهاب عن طريق الحق إلى طريق الباطل، وبمعنى: الضلال بمعنى الهلاك والغيبة والاضمحلال، وبمعنى: الذهاب عن علم حقيقة الأمر المطابقة للواقع.","level":1,"page":45},{"title":"٢٢ - يطلق الهم ويراد به المحبة والشهوة.","level":1,"page":47},{"title":"٢٣ - إذا كان المحكوم عليه غير موجود فيعلم منه انتفاء الحكم عليه بذلك الأمر الموجودي.","level":1,"page":47},{"title":"٢٤ - \" وراء \" تطلق بمعنى: أمام","level":1,"page":48},{"title":"٢٥ - الغلام يطلق على العبد، وعلى الصغير الذي لم يبلغ، وعلى الرجل البالغ، وربما قالوا للأنثى غلامة.","level":1,"page":48},{"title":"٢٦ - صدعت الشيء: أظهرته.","level":1,"page":49},{"title":"٢٧ - يطلق اسم الشجر على كل ما تنبته الأرض من المرعى","level":1,"page":49},{"title":"٢٨ - يقال: سامت المواشي، إذا رعت في المرعى الذي ينبته الله بالمطر. وأسامها صاحبها: أي رعاها فيه.","level":1,"page":50},{"title":"٢٩ - يذكر وصف الأنثى باعتبار الشخص، وكذلك لا مانع من تأنيث صفة الذكر باعتبار النسمة أو النفس","level":1,"page":50},{"title":"٣٠ - الفلك يطلق على الواحد وعلى الجمع، وأنه إن أطلق على الواحد ذكر، وإن أطلق على الجمع أنث.","level":1,"page":52},{"title":"٣١ - يطلق الوصوب على الدوام.","level":1,"page":53},{"title":"٣٢ - البشارة تطلق على الخبر مما يسر، وبما يسوء.","level":1,"page":53},{"title":"٣٣ - لفظة «جعل» تأتي لأربعة معان: اعتقد، صير، خلق، شرع.","level":1,"page":54},{"title":"٣٤ - رجوع الضمير إلى غير مذكور يدل عليه المقام.","level":1,"page":55},{"title":"٣٥ - تطلق المفاعلة بمعنى الفعل المجرد.","level":1,"page":56},{"title":"٣٦ - يطلق المصدر ويراد الاسم","level":1,"page":56},{"title":"٣٧ - يطلق الإيحاء على الإعلام بالشيء في خفية. ولذا تطلقه العرب على الإشارة، وعلى الكتابة، وعلى الإلهام.","level":1,"page":57},{"title":"٣٨ - حذف الإرادة لدلالة المقام عليه","level":1,"page":58},{"title":"٣٩ - يطلق اللسان ويراد به الكلام، فيؤنث، ويذكر","level":1,"page":58},{"title":"٤٠ - يطلق الإذاقة على الذوق وعلى غيره من وجود الألم واللذة.","level":1,"page":59},{"title":"٤١ - يطلق اللباس على المعروف، ويطلق على غيره مما فيه معنى اللباس من الاشتمال.","level":1,"page":59},{"title":"٤٢ - الإتيان بحرف التعليل للدلالة على العلة الغائية، والإتيان باللام للدلالة على ترتب أمر على أمر، كترتب المعلول على علته الغائية.","level":1,"page":61},{"title":"٤٣ - الفلاح يطلق على: الفوز بالمطلوب، وعلى: البقاء والدوام في النعيم.","level":1,"page":61},{"title":"٤٤ - المشاكلة بين الألفاظ.","level":1,"page":62},{"title":"٤٥ - لفظ الرؤيا يطلق على رؤية العين يقظة - أي مع إطلاقها على رؤيا المنام -","level":1,"page":62},{"title":"٤٦ - حذف المضاف، إن دلت عليه قرينة","level":1,"page":63},{"title":"٤٧ - أمرته فعصاني. أي أمرته بالطاعة فعصى.","level":1,"page":64},{"title":"٤٨ - خطاب إنسان والمراد بالخطاب غيره.","level":1,"page":65},{"title":"٤٩ - إفراد الخطاب مع قصد التعميم","level":1,"page":66},{"title":"٥٠ - إطلاق كل من اسما الفاعل واسم المفعول وإرادة الآخر.","level":1,"page":66},{"title":"٥١ - حذف النعت إن دل عليه الدليل.","level":1,"page":67},{"title":"٥٢ - يطلق لفظة الصالحة على الفعلة الطيبة.","level":1,"page":68},{"title":"٥٣ - تطلق لعل مضمنة معنى النهي.","level":1,"page":68},{"title":"٥٤ - يطلق فعيل بمعنى مفعول","level":1,"page":69},{"title":"٥٥ - يطلق الأمد على الغاية.","level":1,"page":70},{"title":"٥٦ - تطلق الآية في اللغة العربية بمعنى العلامة، وبمعنى الجماعة، وتطلق في القرآن على الآية الشرعية، والآية الكونية.","level":1,"page":70},{"title":"٥٧ - يطلق الغد على المستقبل من الزمان","level":1,"page":71},{"title":"٥٨ - التهديد بالصيغة التي ظاهرها التخيير","level":1,"page":71},{"title":"٥٩ - الظلم وضع الشيء في غير محله.","level":1,"page":72},{"title":"٦٠ - إغاثة الكفار بماء كالمهل مع أنه من أشد العذاب، وبيان إطلاقات المهل.","level":1,"page":73},{"title":"٦١ - أصل الارتفاق هو الاتكاء على المرفق","level":1,"page":74},{"title":"٦٢ - يطلق الجن على الملائكة.","level":1,"page":74},{"title":"٦٣ - يطلق باض وفرخ على سبيل المثل","level":1,"page":75},{"title":"٦٤ - الظن يطلق على اليقين، وعلى الشك","level":1,"page":76},{"title":"٦٥ - تطلق الإرادة على المقاربة والميل إلى الشيء.","level":1,"page":77},{"title":"٦٦ - الرجاء يستعمل في رجاء الخير، ويستعمل في الخوف أيضا.","level":1,"page":78},{"title":"٦٧ - يعبر عن انتشار بياض الشيب في الرأس، باشتعال الرأس شيبا.","level":1,"page":78},{"title":"٦٨ - المولى: يطلق على كل من انعقد بينك وبينه سبب يواليك وتواليه به.","level":1,"page":79},{"title":"٦٩ - العاقر يطلق على الذكر والأنثى","level":1,"page":79},{"title":"٧٠ - السمي يطلق بمعنى: مسمى باسمه. وبمعنى: المسامي، أي المماثل في السمو، والرفعة، والشرف، وهو فعيل بمعنى مفاعل","level":1,"page":80},{"title":"٧١ - يطلق الكلام على الإشارة.","level":1,"page":80},{"title":"٧٢ - يطلق اسم الأخ على النظير المشابه، وعلى الصديق، والصاحب.","level":1,"page":81},{"title":"٧٣ - يطلق الغي على كل شر، والرشاد على كل خير.","level":1,"page":81},{"title":"٧٤ - يعبر عن الدوام بالبكرة والعشي، والمساء والصباح.","level":1,"page":81},{"title":"٧٥ - يعبر بتحلة القسم عن القلة الشديدة وإن لم يكن هناك قسم أصلا.","level":1,"page":82},{"title":"٧٦ - إطلاقات الأثاث.","level":1,"page":82},{"title":"٧٧ - حيث كلمة تدل على المكان، كما تدل حين على الزمان، ربما ضمنت معنى الشرط.","level":1,"page":83},{"title":"٧٨ - السحر يطلق على كل شيء خفي سببه، ولطف، ودق.","level":1,"page":83},{"title":"٧٩ - يعدى التصليب بـ «في».","level":1,"page":84},{"title":"٨٠ - إشباع الحركة بحرف مد يناسبها.","level":1,"page":84},{"title":"٨١ - السلوى يطلق على العسل.","level":1,"page":85},{"title":"٨٢ - زيادة لفظة «لا» لتوكيد الكلام وتقويته في الكلام الذي فيه معنى الجحد أغلب مع أن ذلك مسموع في غيره.","level":1,"page":85},{"title":"٨٣ - الهمس يطلق على الخفاء، فيشمل خفض الصوت وصوت الأقدام","level":1,"page":87},{"title":"٨٤ - العرب تقول: خلق من كذا. يعنون بذلك المبالغة في الاتصاف.","level":1,"page":87},{"title":"٨٥ - يطلق اللبوس على كل ما يلبس.","level":1,"page":88},{"title":"٨٦ - ما ورد من وضع الحامل حملها، وشيب الولد، ونحو ذلك يوم القيامة، كناية عن شدة الهول","level":1,"page":88},{"title":"٨٧ - الهدى يستعمل في الإرشاد والدلالة على الخير، ويستعمل أيضا في الدلالة على الشر.","level":1,"page":89},{"title":"٨٨ - يطلق على الأرض أنها اهتزت لاهتزاز ما بها من نبات.","level":1,"page":89},{"title":"٨٩ - إسناد جميع الأعمال إلى اليد","level":1,"page":90},{"title":"٩٠ - الإشارة إلى القريب إشارة البعيد","level":1,"page":90},{"title":"٩١ - تزحلق اللام عن محلها الأصلي.","level":1,"page":91},{"title":"٩٢ - اليد تطلق على العضو إلى المرفق، وإلى المنكب","level":1,"page":91},{"title":"٩٣ - تسمية الشيء باسم ما يحل فيه.","level":1,"page":91},{"title":"٩٤ - يطلق الإحرام على الدخول في أي حرمة لا تهتك زمانية، أو مكانية، أو غير ذلك","level":1,"page":93},{"title":"٩٥ - الأيام تطلق على ما يشمل الليالي.","level":1,"page":94},{"title":"٩٦ - السعي يطلق على العمل في الأمر لإفساده، وإصلاحه.","level":1,"page":94},{"title":"٩٧ - معاني الفتنة في القرآن.","level":1,"page":95},{"title":"٩٨ - يسمي انطواء القلب على الأمور الخبيثة: مرضا.","level":1,"page":96},{"title":"٩٩ - تطلق القلة، ويراد بها العدم.","level":1,"page":96},{"title":"١٠٠ - يطلق النكاح على الوطء","level":1,"page":97},{"title":"١٠١ - إطلاق المسبب وإرادة سببه، وإطلاق السبب وإرادة المسبب.","level":1,"page":97},{"title":"١٠٢ - يطلق المحصنات على العفائف.","level":1,"page":98},{"title":"١٠٣ - يطلق الرمي على رمي الشخص لآخر بلسانه بالكلام القبيح.","level":1,"page":98},{"title":"١٠٤ - يطلق على سليمات الصدور، نقيات القلوب، اسم البله مدحا لا ذما","level":1,"page":99},{"title":"١٠٥ - يطلق النشور على الإحياء بعد الموت، وعلى الحياة بعد الموت.","level":1,"page":100},{"title":"١٠٦ - يأتي الفعال بمعنى المفعول","level":1,"page":101},{"title":"١٠٧ - تستعمل جاء وأتى بمعنى: فعل.","level":1,"page":101},{"title":"١٠٨ - أفكه بمعنى قلبه.","level":1,"page":101},{"title":"١٠٩ - إذا أرادوا تخصيص شيء بالفضيلة، دون غيره جاءوا بصيغة التفضيل، يريدون بها خصوص ذلك الشيء بالفضل.","level":1,"page":102},{"title":"١١٠ - بورا، اسم مصدر يقع على الجماعة، وعلى الواحد.","level":1,"page":103},{"title":"١١١ - رجوع الإشارة، أو الضمير بالإفراد مع رجوعهما إلى متعدد باعتبار المذكور","level":1,"page":103},{"title":"١١٢ - يطلق الموت على النوم","level":1,"page":104},{"title":"١١٣ - تطلق مرج بمعنى: أرسل وخلى، وبمعنى: خلط.","level":1,"page":104},{"title":"١١٤ - عود الضمير إلى اللفظ وحده، دون المعنى.","level":1,"page":105},{"title":"١١٥ - بات الرجل يبيت، إذا أدركه الليل، نام أو لم ينم","level":1,"page":105},{"title":"١١٦ - كل صوت غير عربي تسميه العرب أعجم، ولو من غير عاقل.","level":1,"page":105},{"title":"١١٧ - الجناح يطلق لغة حقيقة على يد الإنسان وعضده وإبطه.","level":1,"page":106},{"title":"١١٨ - تطلق العرب خفض الجناح كناية عن التواضع، ولين الجانب.","level":1,"page":106},{"title":"١١٩ - إسناد صفات الذات لبعض أجزائها","level":1,"page":106},{"title":"١٢٠ - يضاف الموصوف إلى صفته.","level":1,"page":106},{"title":"١٢١ - حذف المنادى مع ذكر أداة النداء.","level":1,"page":107},{"title":"١٢٢ - يحذف الأول لدلالة الثاني عليه.","level":1,"page":109},{"title":"١٢٣ - زوجة الرجل يطلق عليها اسم الأهل.","level":1,"page":110},{"title":"١٢٤ - الإتيان بأداة الترتيب لمجرد الترتيب الذكرى فقط، دون إرادة ترتيب الصفات أو الموصوفات","level":1,"page":110},{"title":"١٢٥ - من للعالم","level":1,"page":111},{"title":"١٢٦ - يطلق اللازب واللاتب واللازم، بمعنى واحد.","level":1,"page":111},{"title":"١٢٧ - الذي تأتي بمعنى الذين","level":1,"page":112},{"title":"١٢٨ - يقال حاق به المكروه يحيق به حيقا وحيوقا، إذا نزل به وأحاط به، ولا يطلق إلا على إحاطة المكروه خاصة","level":1,"page":113},{"title":"١٢٩ - النعت بالمصدر.","level":1,"page":113},{"title":"١٣٠ - يطلق الجزء مرادا به البنات.","level":1,"page":113},{"title":"١٣١ - إن كان بمعنى ما كان","level":1,"page":114},{"title":"١٣٢ - يطلق الفعيل وصفا بمعنى المفعل.","level":1,"page":115},{"title":"١٣٣ - يطلق المثل، على الذات نفسها.","level":1,"page":116},{"title":"١٣٤ - يعرضون على النار: معناه يباشرون حرها كقول العرب: عرضهم على السيف إذا قتلهم به.","level":1,"page":116},{"title":"١٣٥ - قلب الفاعل مفعولا، والمفعول فاعلا.","level":1,"page":116},{"title":"١٣٦ - يسند الفعل إلى ما هو له أصالة لملابسته له","level":1,"page":118},{"title":"١٣٧ - الفعال يأتي كثيرا، بمعنى التفعيل.","level":1,"page":118},{"title":"١٣٨ - لفظة \"اليدين\" التي أضيفت إليها لفظة \"بين\" يكون المراد: \" أمامه \".","level":1,"page":119},{"title":"١٣٩ - تطلق الشعب، والقبيلة، والعمارة، والبطن، والفخذ، والفصيلة بعضها على بعض","level":1,"page":120},{"title":"١٤٠ - شدة الخلق تسمى حبكا.","level":1,"page":120},{"title":"١٤١ - تطلق السماء على كل ما علاك.","level":1,"page":120},{"title":"١٤٢ - يطلق اسم الذنوب، التي هي الدلو، على النصيب.","level":1,"page":121},{"title":"١٤٣ - التنازع يطلق على كل تعاط وتناول.","level":1,"page":122},{"title":"١٤٤ - لا تكاد العرب تطلق الكأس إلا على الإناء المملوء","level":1,"page":122},{"title":"١٤٥ - يطلق السموم على الريح الشديدة البرد","level":1,"page":123},{"title":"١٤٦ - لن يحور، بمعنى لن يرجع.","level":1,"page":123},{"title":"١٤٧ - يطلق المنون على الموت.","level":1,"page":124},{"title":"١٤٨ - لا تكاد العرب تطلق لفظ النجم مجردا إلا على الثريا.","level":1,"page":124},{"title":"١٤٩ - أمنى الرجل ومني إذا أراق المني وصبه.","level":1,"page":124},{"title":"١٥٠ - منى الماني إذا قدر.","level":1,"page":125},{"title":"١٥١ - تعاطى كذا إذا فعله أو تناوله، وعاطاه إذا تناوله.","level":1,"page":125},{"title":"١٥٢ - يطلق العقر على القتل والنحر والجرح.","level":1,"page":126},{"title":"١٥٣ - يطلق كان بمعنى صار.","level":1,"page":126},{"title":"١٥٤ - كل نسج أحكم ودوخل بعضه في بعض، تسمية العرب وضنا، وتسمى المنسوج به موضونا ووضينا.","level":1,"page":126},{"title":"١٥٥ - تسمي المرأة لباسا وإزارا وفراشا ونعلا.","level":1,"page":127},{"title":"١٥٦ - تأتي أو بمعنى الواو","level":1,"page":127},{"title":"١٥٧ - يطلق النزول على عذاب أهل النار على سبيل التهكم والاحتقار","level":1,"page":128},{"title":"١٥٨ - كل شيء خلا من الناس يقال له أقوى.","level":1,"page":129},{"title":"١٥٩ - يقال: أتي فلان إذا أظل عليه العدو.","level":1,"page":129},{"title":"١٦٠ - القول لا يتغير بل يحكي على ما قيل أولا.","level":1,"page":130},{"title":"١٦١ - الغاشية تطلق على الخير كما تطلق على الشر، بمعنى الشمول والإحاطة التامة.","level":1,"page":130},{"title":"١٦٢ - يطلق المحل، ويراد الحال","level":1,"page":131}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,5":5,"1,6":6,"1,7":7,"1,8":8,"1,9":9,"1,10":10,"1,11":11,"1,12":12,"1,13":13,"1,14":14,"1,15":15,"1,16":16,"1,17":17,"1,18":18,"1,19":19,"1,20":20,"1,21":21,"1,22":22,"1,23":23,"1,24":24,"1,25":25,"1,26":26,"1,27":27,"1,28":28,"1,29":29,"1,30":30,"1,31":31,"1,32":32,"1,33":33,"1,34":34,"1,35":35,"1,36":36,"1,37":37,"1,38":38,"1,39":39,"1,40":40,"1,41":41,"1,42":42,"1,43":43,"1,44":44,"1,45":45,"1,46":46,"1,47":47,"1,48":48,"1,49":49,"1,50":50,"1,51":51,"1,52":52,"1,53":53,"1,54":54,"1,55":55,"1,56":56,"1,57":57,"1,58":58,"1,59":59,"1,60":60,"1,61":61,"1,62":62,"1,63":63,"1,64":64,"1,65":65,"1,66":66,"1,67":67,"1,68":68,"1,69":69,"1,70":70,"1,71":71,"1,72":72,"1,73":73,"1,74":74,"1,75":75,"1,76":76,"1,77":77,"1,78":78,"1,79":79,"1,80":80,"1,81":81,"1,82":82,"1,83":83,"1,84":84,"1,85":85,"1,86":86,"1,87":87,"1,88":88,"1,89":89,"1,90":90,"1,91":91,"1,92":92,"1,93":93,"1,94":94,"1,95":95,"1,96":96,"1,97":97,"1,98":98,"1,99":99,"1,100":100,"1,101":101,"1,102":102,"1,103":103,"1,104":104,"1,105":105,"1,106":106,"1,107":107,"1,108":108,"1,109":109,"1,110":110,"1,111":111,"1,112":112,"1,113":113,"1,114":114,"1,115":115,"1,116":116,"1,117":117,"1,118":118,"1,119":119,"1,120":120,"1,121":121,"1,122":122,"1,123":123,"1,124":124,"1,125":125,"1,126":126,"1,127":127,"1,128":128,"1,129":129,"1,130":130,"1,131":131,"1,132":132},"ٜ":{"1":[1,132]},"ٝ":["1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132"],"ٞ":{"3":[1],"5":[2,3,4],"6":[5],"7":[6],"8":[7],"9":[8],"17":[9],"18":[10],"20":[11],"27":[12],"28":[13],"31":[14],"33":[15],"34":[16],"35":[17,18,19],"36":[20],"37":[21,22],"41":[23,24,25],"42":[26,27],"43":[28,29],"44":[30],"45":[31,32],"47":[33,34],"48":[35,36],"49":[37,38],"50":[39,40],"52":[41],"53":[42,43],"54":[44],"55":[45],"56":[46,47],"57":[48],"58":[49,50],"59":[51,52],"61":[53,54],"62":[55,56],"63":[57],"64":[58],"65":[59],"66":[60,61],"67":[62],"68":[63,64],"69":[65],"70":[66,67],"71":[68,69],"72":[70],"73":[71],"74":[72,73],"75":[74],"76":[75],"77":[76],"78":[77,78],"79":[79,80],"80":[81,82],"81":[83,84,85],"82":[86,87],"83":[88,89],"84":[90,91],"85":[92,93],"87":[94,95],"88":[96,97],"89":[98,99],"90":[100,101],"91":[102,103,104],"93":[105],"94":[106,107],"95":[108],"96":[109,110],"97":[111,112],"98":[113,114],"99":[115],"100":[116],"101":[117,118,119],"102":[120],"103":[121,122],"104":[123,124],"105":[125,126,127],"106":[128,129,130,131],"107":[132],"109":[133],"110":[134,135],"111":[136,137],"112":[138],"113":[139,140,141],"114":[142],"115":[143],"116":[144,145,146],"118":[147,148],"119":[149],"120":[150,151,152],"121":[153],"122":[154,155],"123":[156,157],"124":[158,159,160],"125":[161,162],"126":[163,164,165],"127":[166,167],"128":[168],"129":[169,170],"130":[171,172],"131":[173]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"الأساليب والإطلاقات العربية\nالتي\nذكرها العلامة الشِّنقيطي\nمحمد الأمين بن محمد المختار الجَكَنِي\nفي تفسيره أضواء البيان\nجمع وترتيب\nأبي المنذر محمود بن محمد بن مصطفي المنياوي\nعفا الله عنه\n\nالطبعة الأولى\n١٤٣٢هـ / ٢٠١١م\nالمكتبة الشاملة","vol":"1","page":1},{"text":"حقوق الطبع محفوظة للمؤلف\nالطبعة الأولى\n١٤٣٢ هـ / ٢٠١١ م\nرقم الإيداع بالمكتبة الشاملة ٧/ ٢٠١١","vol":"1","page":2},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1>المقدمة</span>\nإن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾،\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾،\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾،\nأما بعد، ..\nفمنذ زمن، وقضية المجاز تستحوذ على قدر غير قليل من تفكيري، لما لها من تعلق بمسائل شتى وفنون متعددة، وخاصة صفات الباري - ﷾ -، فقد توصل قوم من خلال القول بوقوع المجاز في اللغة إلى نفي صفات الكمال الثابتة لله - عزوجل -.\nولقد كانت تعجبني طريقة العلامة الشنقيطي - ﵀ - في الرد على القائلين بالمجاز في رسالته \"منعُ جَوازِ المَجازِ في المُنزَّلِ للتَّعَبُّدِ والإعجَازِ\" وذلك ببيان أن كل ما يسميه القائلون بالمجاز مجازًا فهو - عند من يقول بنفي المجاز - أسلوب من أساليب اللغة العربية، وأنها حقائق تكلم بها العرب، ولا يجوز نفيها.\nإلا أن رسالته هذه جاءت قصيرة، والأمثلة فيها قليلة، فقد صنفها - ﵀ - لتكون أمثلتها، وطريقتها مثالًا يحتذى به، ويقاس عليه غيره مما لم يُذكر - فجزاه الله خيرًا -.\nولقد منَّ الله - عزوجل - عليَّ بقراءة تفسيره \"أضواء البيان\" فرأيت فيه أنه - ﵀ - قد عالج هذه القضية بأوسع مما في هذه الرسالة، فرحت أجوب بين جنباته، وألتقط من عباراته كل ما قد ذكر عنه أنه من الأساليب العربية، ثم رأيت","vol":"1","page":3},{"text":"أن أضيف إليها ما قال أنه من الإطلاقات العربية، للشبه بينهما، فلما رأيت أنه قد تجمع لديَّ كم غير قليل من هذه الأساليب، والإطلاقات قمت بعرضها على من أظن أن لهم دراية أكثر مني بعلم البلاغة، وكنت أستفيد من ملاحظاتهم، فجزاهم الله، على حسن النصيحة، خير الجزاء، فكانت ثمرة ذلك هذه الرسالة النافعة بإذن الله، وسميتها: \"تتمة منع جواز المجاز ببيان الأساليب والإطلاقات العربية التي ذكرها العلامة الشِّنقيطي محمد الأمين بن محمد المختار الجَكَنِي في تفسيره أضواء البيان\"، وسوف أقدم بين يديها بمقدمة تبين مقصودها، وتشتمل على: الكلام على المجاز: وبيان أهميته، وتعريف المجاز في الاصطلاح، وأقسامه، وأمثلة على كل قسم، وتاريخ نشوء القول بالمجاز، وأقوال العلماء في المجاز، وأدلتهم، مع المناقشة والترجيح. ثم أبين من كلام العلامة الشنقيطي - ﵀ - أهمية الأساليب العربية في الرد على القائلين بالمجاز، وأتبع ذلك ببعض الأمثلة حتى يتضح المقصود تمام الاتضاح.\nوالله - عزوجل - أسأل أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، وأن يجعله في ميزان حسناتي، وميزان حسنات كل من شارك فيه بنصح، أو مشورة.\nوأرجو من الله - عزوجل - أن تكون هذه الرسالة باكورة عمل لتجميع مثل هذه الأساليب والإطلاقات من بطون الكتب (١)، ومعالجتها على نحو طريقة الشنقيطي في الرد على القائلين بالمجاز؛ لتكون موسوعة شاملة، ومعولًا فعالًا لهدم طاغوت التأويل، ونفي الصفات، وأيضًا لفهم كتاب الله، وسنة نبيه - ﷺ - على الوجه الصحيح.\n_________\n(١) - وانظر كتاب \"سر العربية\" للثعالبي، و\"الصاحبي في فقه اللغة\" لابن فارس.","vol":"1","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>المجاز </span>(١)\nقال د. عبد الرحمن السديس:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>المطلب الأول: أهمية الموضوع وأسباب اختياره</span>.\nتأتي أهمية هذا الموضوع وترجع أسباب اختياره لاعتبارات عدة أهمها:\n١ - أن هذه القضية تعتبر مسألة جوهرية من مسائل اللغة، والألفاظ، لها علاقتها الوطيدة بعدد من العلوم في العقيدة لاسيما في صفات الباري جل وعلا، كما أن لها ارتباطا وثيقا بالأدلة خاصة المصدر الأول من مصادر التشريع \"كتاب الله سبحانه\"، وقضية هذا شأنها، وتلك محاورها، جديرة بالبحث والدراسة.\n٢ - أن هذه المسألة ليست نظرية صرفة ولفظية بحتة، بل لها آثار عملية كثيرة ويلزم منها لوازم خطيرة، ويترتب عليها أمور شنيعة، بل لقد كانت تكأة لكثير من المخالفين لمذهب السلف في الاعتقاد، بنوا عليها مذاهبهم، وعولوا عليها في استدلالاتهم، فكان لابد من تجليتها وإبانة الحق فيها.\n٣ - أن هذه القضية كانت ولازالت محل نقاش وإشكال وجدل بين طلاب العلم والباحثين ما بين مثبت وناف ومفصل ومتردد ومتوقف، فكان لابد من وجود بحث حر متجرد يتسم بالعرض والاستدلال والمناقشة الهادفة ومن ثم بيان الراجح على حسب قوة الدليل وصحة التعليل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>المطلب الثاني: تعريف المجاز في الاصطلاح</span>.\nتعددت عبارات الأصوليين في تعريف المجاز، وإليك أهمها:\nأن المجاز: \"ما كان بضد معنى الحقيقة\".\nومنها: \"أنه اللفظ المستعمل في غير ما وضع له\" (٢).\n_________\n(١) - وقد لخصت في هذه الفقرة كلام د. عبد الرحمن بن عبد العزيز بن عبد الله السديس، في البحث الذي أودعه العدد العشرين من مجلة أم القرى باسم: \"المجاز عند الأصوليين بين المجيزين والمانعين\"، وقد نقلت عنه لما رأيت أنه قد ألمَّ بعدة جوانب من هذه القضية، وأنه قد سلك الحياد، والموضوعية في مناقشة هذه المسألة، فجزاه الله خيرًا.\n(٢) - وعبر صاحب المعتمد بـ: \"ما أفيد به غير ما وضع له\" ١/ ١١ من المعتمد للبصري.","vol":"1","page":5},{"text":"ومن الأصوليين من زاد على هذا الحد قيدا، وهو قولهم \"في غير ما وضع\nله أولا\"، ومنهم من زاد \"على وجه يصح\" وهو تعريف صاحب الروضة (١)، وبعضهم زاد \"في غير ما وضع له، لعلاقة مع قرينة\" (٢).\nومنهم من عبر بقوله: \"قول مستعمل بوضع ثان لعلاقة\".\nوعرفه بعضهم بأنه: \"كل اسم أفاد معنى على غير ما وضع له\" (٣).\nوذكروا في تعريفه \"أنه كل اسم غير ما وقع عليه الاصطلاح على ما وضع له حين التخاطب\" (٤).\nومن خلال عرض هذه التعريفات يترجح لدي أن تعريف صاحب الروضة أرجحها لأنه جامع مانع وهذا واضح لمن تأمله بخلاف غيره فلم يسلم من المناقشات (٥).\nوهذا الترجيح مبني على القول بصحة التقسيم، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>المطلب الثالث: أقسام المجاز، وأمثلته</span>.\nقسم العلماء المجاز إلى أقسام متعددة، أهمها أربعة هي:\nمجاز الإفراد، ومجاز التركيب، والمجاز العقلي، ومجاز النقص والزيادة.\n_________\n(١) - انظر: ص٦٤ منها.\n(٢) - وهو حد صاحب جمع الجوامع، انظر: ١/ ٣٠٠ من حاشية البناني على الجمع وقريب منه حد شارح الكوكب المنير كما في ١/ ١٥٤ منه.\n(٣) - وهو تعريف أبي الخطاب صاحب التمهيد كما في ١/ ٧٧ منه.\n(٤) - انظر في تعريف المجاز: ١/ ٢٠٣ من فواتح الرحموت، ١/ ١١ من المعتمد للبصري، ص٤٤ من شرح تنقيح الفصول، ص٢٠ من منتهى الوصول والأمل لابن الحاجب، ١/ ١٠٥،٣٤١ من المستصفى، ١/ ٣٠٤ - ٣٠٥ من حاشية البناني على جمع الجوامع، ص١٧٩ من التمهيد للاسنوي، ١/ ٢٨ من الإحكام للآمدي، ١/ ١٧٢ - ١٧٤ من العدة لأبي يعلى، ١/ ٧٧ من التمهيد لأبي الخطاب، ص٦٤ من الروضة ١/ ١٥٤ - ١٥٥ من شرح الكوكب المنير، ص٢١٤ من التعريفات، ص٢١ من إرشاد الفحول للشوكاني، ص٤٤٣ من أصول الفقه لشلبي.\n(٥) - انظر شيئا منها في: ١/ ١١ - ١٤ من المعتمد، ١/ ٢٩ من الإحكام للآمدي.","vol":"1","page":6},{"text":"فمجاز الإفراد: هو الكلمة المستعملة في غير ما وضعت له، لعلاقة مع قرينة صارفة عن قصد المعنى الأصلي كإطلاق لفظ الأسد على الرجل الشجاع.\nوالتركيب: أن يستعمل كلام مفيد في معنى كلام آخر، لعلاقة بينهما دون نظر إلى المفردات، ومن ذلك جميع الأمثال السائرة، المعروفة عند العرب.\nوالمجاز العقلي: هو ما كان التجوز فيه في الإسناد خاصة، لا في لفظ المسند إليه ولا المسند، كقولك \"أنبت الربيع البقل\"، فالربيع وإنبات البقل كلاهما مستعمل في حقيقته، والتجوز: إنما هو في إسناد الإنبات إلى الربيع، وهو لله جل وعلا.\nوأما مجاز النقص والزيادة: فمداره على وجود زيادة، أو نقص يغيران الإعراب، ويمثلون للنقص بقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾، والمراد أهل القرية.\nويمثلون للزيادة بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ويقولون إن الكاف زائدة والمراد ليس مثله شيء.\nوهناك أقسام أخرى كمجاز التقديم والتأخير، وغيره، وليس هذا محل بسطه (١).\nوينبغي أن يعلم أن أقسام المجاز هذه إنما هي عند الذين يرون المجاز في العربية، وفي القرآن، أما الذين لا يرونه فلا يعتبرون ذلك كله، وسيأتي لهذا الأمر تفصيل في صلب البحث عند ذكر الخلاف في المسألة، وقد أتيت بهذه التقسيمات لعلاقتها الوطيدة بالبحث، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>المطلب الرابع: تاريخ نشوء القول بالمجاز</span>.\nالمستقرئ للجانب التاريخي لظهور المجاز يجد أن العرب لم يعرف عنهم تقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز ولم يذكر عنهم التعبير بلفظ المجاز الذي هو قسيم الحقيقة عند أهل الأصول، وإنما هذا اصطلاح حدث بعد القرون المفضلة.\n_________\n(١) - انظر في أقسام المجاز والأمثلة: ١/ ٢٠٣ من فواتح الرحموت، ص٤٤ من شرح تنقيح الفصول، ١/ ١٤ من المعتمد، ١/ ٣٤١ من المستصفى، ١/ ٣٠٩ - ٣١٧ من حاشية البناني على جمع الجوامع، ١/ ١٧٢ من العدة،١/ ١٥٦ - ١٨٠ من شرح الكوكب المنير، ص٢١٤ - ٢١٥ من التعريفات، ص٢٣ - ٢٤ من إرشاد الفحول.","vol":"1","page":7},{"text":"يقول شيخ الإسلام ابن تيميه - ﵀ -: \"فهذا التقسيم اصطلاح حادث بعد انقضاء القرون الثلاثة لم يتكلم به أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان ولا أحد من الأئمة المشهورين في العلم، .. بل ولا تكلم به أئمة اللغة، .. ولا من سلف الأمة، وعلمائها وإنما هو اصطلاح حادث، .. فإن تقسيم الألفاظ إلى حقيقة، ومجاز إنما اشتهر في المائة الرابعة، وظهرت أوائله في المائة الثالثة، وما علمته موجودا في المائة الثانية\" (١).\nوقال العلامة ابن القيم ﵀ بعد رده تقسيم اللفظ إلى حقيقة ومجاز: \"وهو اصطلاح حدث بعد القرون الثلاثة المفضلة بالنص\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>المبحث الأول: أقوال العلماء في المجاز</span>.\nاختلف العلماء في المجاز بين مجيز، ومانع، ومفصل، ولقد تتبعت أقوالهم فيه فتحصل لي خمسة مذاهب (٣) هي:\nالأول: الجواز والوقوع مطلقا، وإليه ذهب الجمهور (٤).\nالثاني: المنع مطلقا، وإليه ذهب بعض العلماء والمحققين منهم أبو إسحاق الاسفراييني (٥) من الشافعية، وأبو علي الفارسي من أهل اللغة، وهو قول المحققين من العلماء (٦).\n_________\n(١) - مجموع الفتاوى (٧/ ٨٨، ٨٩)، (١٢/ ٢٧٧).\n(٢) - مختصر الصواعق المرسلة ٢/ ٥.\n(٣) - أوردها كلها الزركشي في البحر المحيط ٢/ ١٨٥.\n(٤) - انظر: ١/ ٢٤ من المعتمد، ١/ ٤٧ من الإحكام للآمدي، ١/ ٨٠ من التمهيد لأبي الخطاب، ص٥٦٤ من المسودة، ١/ ١٩١ من شرح الكوكب، ص٢٢ من إرشاد الفحول.\n(٥) - وقد طعن في النقل عن أبي إسحاق الاسفراييني إمام الحرمين ظنا منه ولكن الأظهر ثبوته عنه، وقد دأبت كتب الأصول على إثباته عنه، وعن الفارسي في أكثرها.\n(٦) - كشيخ الإسلام ابن تيميه وتلميذه العلامة ابن القيم، وقد ذكرا من ذهب إليه، انظر ٧/ ٨٩ من الفتاوى، ص٨٥ من كتاب الإيمان، ط/٢، المكتب الإسلامي، بيروت ٢/ ٢٤٢ - ٢٤٣ من مختصر الصواعق المرسلة لابن القيم، اختصار محمد بن الموصلي دار الندوة الجديدة، بيروت، وانظر في ذلك أيضا: ١/ ٨٠ من التمهيد لأبي الخطاب، ص١٦٥ من المسودة، ١/ ١٩٢ من شرح الكوكب المنير، ١/ ١٨٣ من شرح ابن بدران على الروضة، ص٥٨ من مذكرة الشنقيطي.","vol":"1","page":8},{"text":"القول الثالث: المنع في القرآن وحده، وهو قول بعض العلماء منهم داود بن علي، ومن الشافعية ابن القاص، ومن المالكية ابن خويز منداد، ومن الحنابلة جمع منهم: أبو الفضل التميمي بن أبي الحسن التميمي، وأبو عبد الله بن حامد وغيرهم (١).\nالقول الرابع: المنع في القرآن والسنة دون غيرهما (٢)، وهو قول ابن داود الظاهري.\nالقول الخامس: التفصيل بين ما فيه حكم شرعي وغيره، فما فيه حكم شرعي لا مجاز فيه ومالا فلا (٣)، وإلى هذا التفصيل ذهب ابن حزم الظاهري.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>المبحث الثاني: الأدلة، والمناقشات، والراجح، ووجه ترجيحه</span>.\nأولا: أدلة الجمهور القائلين بجواز المجاز ووقوعه.\nاستدلوا بأدلة كثيرة على ذلك، أهمها:\n١ - أن الاسم في لغة العرب منقسم إلى الحقيقة والمجاز، وهذا التقسيم معتبر عند علماء العربية، ومشتهر في استعمالات العرب، والقرآن هو أصل اللغة، ومعينها، فمحال أن يأتي بخلاف ما عليه أهل اللسان العربي، من تقسيم الاسم إلى حقيقة ومجاز.\n٢ - أن الأمثلة على وقوع المجاز في القرآن وغيره كثيرة جدا، وهي أشهر من أن تنكر كقوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ﴾، ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ﴾، ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ﴾، وغيرها.\n_________\n(١) - كأبي الحسن الخرزي من الحنابلة، ومنذر بن سعيد البلوطي، وقد ذكر شيخ الإسلام أن له مصنفا في منع المجاز في القرآن ٧/ ٨٩ من الفتاوى.\n(٢) - نسبه إليه الزركشي في البحر وقال تفرد به، انظر ٣/ ١٨٥، وأورده ابن حزم في الإحكام ٤/ ٥٣١.\n(٣) - أورده الزركشي في البحر ٣/ ١٨٥، وانظر: ٤/ ٥٣١ - ٥٣٢ من الإحكام لابن حزم الظاهري.","vol":"1","page":9},{"text":"ووجه الاستدلال من هذه الآيات أنها استعملت في غير ما وضعت له أولا في أصل الوضع، فقوله \"جناح الذل\" الجناح حقيقة للطائر من الأجسام، والمعاني والجمادات لا توصف به، فإثباته للذل مجاز قطعا، والسؤال لأهل القرية، وليس لها، فهو مجاز بالحذف، والجدار لا إرادة له، إذ الإرادة حقيقة، من خصائص الإنسان أو الحيوان، وإنما هو كناية عن مقاربته الانقضاض لأن من أراد شيئا قاربه فكانت المقاربة من لوازم الإرادة، فتجوز بها عنها (١).\nثانيا: أدلة المانعين من وجود المجاز، ومناقشتهم للمجيزين.\nسأورد هنا أدلة المانعين للمجاز سواء في اللغة أم في القرآن وحده أم في القرآن والسنة لتقاربها، وتلافيا للتكرار وفي ثناياها مناقشة المخالف ومنها:\n(أ) أن تقسيم الألفاظ إلى حقيقة ومجاز لم يقع إلا في كلام المتأخرين، فهو اصطلاح حادث بعد انقضاء القرون الثلاثة المفضلة، ولم يتكلم في ذلك أحد من الصحابة والتابعين، ولا أحد من الأئمة المشهورين في العلم من أئمة المذاهب، وغيرهم، بل ولا تكلم فيه أئمة اللغة والنحو المعتبرون.\n(ب) أن الذين أطلقوا كلمة المجاز من علماء السلف لم يعنوا بها ما هو قسيم الحقيقة، فأول من عرف أنه تكلم بلفظ المجاز أبو عبيدة معمر ابن المثنى في كتابه \"مجاز القرآن\"، ولكنه لم يعن بالمجاز ما يقابل الحقيقة وإنما عنى بمجاز الآية ما يعبر به عن الآية.\nوقال الإمام أحمد في كتابه \"الرد على الجهمية\" في قوله تعالى \"إنا\" و\"نحن\" ونحو ذلك في القرآن، هذا من مجاز اللغة، ومراده ﵀ بذلك أن هذا مما يجوز استعماله في اللغة، ولم يرد أنه مستعمل في غير ما وضع له.\n(جـ) أن الذين قالوا بالتقسيم مطالبون بالدليل لكون الألفاظ العربية وضعت أولا لمعان، ثم بعد ذلك استعملت فيها، ثم تجوز بها عن ما وضعت له ولن يستطيعوا ذلك، لأنه ليس بإمكان أحد أن ينقل عن العرب أنه اجتمع جماعة،\n_________\n(١) - انظر: ١/ ١٨٢ من شرح ابن بدران للروضة. وانظر في أدلة المجيزين: ١/ ٤٧ من الإحكام للآمدي، ١/ ٨٠ من التمهيد لأبي الخطاب، ١/ ١٨٢ من شرح الروضة لابن بدران، ص٢٣ من إرشاد الفحول.","vol":"1","page":10},{"text":"فوضعوا جميع الأسماء الموجودة في اللغة، ثم استعملوها بعد الوضع، وإنما المعروف المنقول بالتواتر استعمال العرب هذه الألفاظ فيما عنوه بها من المعاني،\nوأي دعوى خلاف ذلك فليست صحيحة لعدم نقلها إلينا (١).\n(د) أن التقسيم ذاته غير صحيح من وجوه:\n(١) أن دعوى المجاز تستلزم وضعا قبل الاستعمال، وهذا غير معلوم.\n(٢) أنه يستلزم تعطيل الألفاظ عن دلالتها على المعاني، وذلك ممتنع؛ لأن الدليل يستلزم مدلوله من غير عكس.\n(٣) أن التقسيم لا يدل على وجود المجاز، بل ولا على إمكانه، ولا يدل على ثبوت كل واحد من الأقسام في الخارج، ولا على إمكانها، فإن التقسيم يتضمن حصر المقسوم في تلك الأقسام وهي أعم من أن تكون موجودة، أو معدومة ممكنة، أو ممتنعة.\n(٤) أن هذا التقسيم يتضمن التفريق بين المتماثلين، فإن اللفظ إذا أفهم هذا المعنى تارة، وهذا تارة، فدعوى المدعي أنه موضوع لأحدهما دون الآخر تحكم محض.\n(٥) أنه يلزم منه الدور، فإن معرفة كون اللفظ مجازا متوقف على معرفة الوضع الثاني، ومستفاد منه، فلو استفيد معرفة الوضع من كونه مجازا لزم الدور الممتنع، فمن أين علم أن هذا وضع ثان للفظ؟ ومن أين علم أن وضع اللفظ لأحد معنيين سابق على وضعه للآخر؟\n(٦) أن هذا التقسيم يتضمن إثبات الشيء ونفيه، فإن وضع اللفظ للمعنى هو تخصيص به، بحيث إذا استعمل فهم منه ذلك المعنى فقط، ففهم المعنى المجازي مع نفي الوضع، جمع بين النقيضين، وهو يتضمن أن يكون اللفظ موضوعا غير موضوع.\n(٧) أن المجاز هو ما يصح أن يقال لقائله إنه فيه كاذب لأنه يخبر بالشيء على خلاف حقيقته فيصح أن يقال لمن قال: \"رأيت أسدا يرمي\": إنك كاذب، حيث\n_________\n(١) - انظر: ٧/ ٩٠ - ٩١ من الفتاوى، ص٨٦ - ٨٧ من الإيمان، ٢/ ٢٤٣ - ٢٤٤ من مختصر\nالصواعق، ص٦٢ من مذكرة الشنقيطي.","vol":"1","page":11},{"text":"لم ير أسدا، وإنما رأى رجلا شجاعا، وهذا ظاهر في ضعف تقسيم اللفظ إلى حقيقة ومجاز.\n(٨) أن هذا التقسيم لا ينضبط بضابط صحيح، ولهذا فإن عامة ما يسميه\nبعضهم مجازا، يسميه غيرهم حقيقة، وكل يدعي أن اللفظ مستعمل في موضوعه،\nوهذا يدل على بطلان هذا التقسيم، وتجرده من الحقيقة، وإذا بطل التقسيم بطل تقسيم التقسيم حيث قسموا كل قسم إلى أقسام وهذا ينقصه الدليل الصحيح، والنقل السليم (١).\n(هـ) أن الفروق التي يفرق بها بين الحقيقة والمجاز ليست صحيحة، كقولهم: إن المجاز يصح نفيه، والحقيقة ليست كذلك، وإن المجاز ما يتبادر غيره إلى الذهن، والحقيقة ما تتبادر إلى الذهن، وإن الحقيقة ما يفيد المعنى مجردا عن القرائن، والمجاز مالا يفيد ذلك المعنى إلا مع القرينة (٢).\nفهذه الفروق لم تخل من مناقشات طويلة، ومستلزمات غير سديدة، ثم ما ضابط القرائن، والعلائق التي تذكر؟ كل ذلك وغيره مما ليس له برهان ساطع، وضابط واضح يدل على عدم صحة هذه الفروق، وفساد اللازم يدل على فساد الملزوم (٣).\n(ز) أن هذا الأمر يستلزم لوازم غير صحيحة، ويترتب عليه أمور غير سديدة، وما استلزم ذلك فهو مثله، فما أولت الآيات وردت الأحاديث، إلا بدعوى\n_________\n(١) - انظر في بطلان التقسيم وما يترتب عليه: ٧/ ٩٦ - ١٠٦ من الفتاوى، ص٩٢ - ١٠٤ من الإيمان، ١/ ٢٤٣ - ٢٨٧ من مختصر الصواعق، فقد ذكر فيه خمسين وجها على بطلانه، لما يترتب عليه من لوازم فاسدة.\n(٢) - انظر في الفروق بينهما: ٧/ ٩٦ - ١١٥ من الفتاوى، ص٩٢ - ١٠١ من الإيمان، ٢/ ٢٤٧ - ٢٦١ من مختصر الصواعق، ١/ ٢٥ - ٢٧ من المعتمد، ١/ ٨٦ من التمهيد لأبي الخطاب، ص٢٥ من إرشاد الفحول.\n(٣) - وانظر في ذلك: ٧/ ٩٦ - ١١٥ من الفتاوى، ص٩٢ - ١٠١ من الإيمان، ١/ ٢٤٧ - ٢٦١ من مختصر الصواعق.","vol":"1","page":12},{"text":"المجاز، وما عطلت الصفات العلي لله جل وعلا وحرفت إلا بدعوى المجاز، فقطع هذا الباب، وسده أسلم للشريعة، وأقوم للملة.\nثالثا: أدلة المانعين منه في القرآن ومناقشتهم للمخالفين.\nمن ذلك إضافة إلى ما سبق: أننا لو أثبتنا المجاز في القرآن لصح أن نطلق\nعلى الله سبحانه اسم متجوز ومستعير وهذا لا يصح لأن أسماء الله توقيفية، كما أن\nدعواهم في القرآن بضرب الأمثلة المعروفة غير صحيحة، فالآيات والأمثلة التي ذكروها لا مجاز فيها، وإنما هي أساليب استعملتها العرب، ومعان حقيقية جاءت بها اللغة، فمثلا قوله تعالى ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ فيه حذف مضاف، وحذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، أسلوب من أساليب العربية معروف (١)، لأنه مما يعلم وحذف ما علم جائز كما قرره علماء العربية.\nوأيضا: فإن العرب استعملت لفظ القرية ونحوه من الألفاظ التي فيها الحال والمحل، وهما داخلان في الاسم، كالمدينة والنهر، والميزاب وغيرها، وأطلقت هذه الألفاظ تارة على المحل، وهو المكان، وتارة على الحال وهو السكان، وهذا أسلوب مشهور من أساليب العربية، فيقولون: حفر النهر، يريدون المحل، وجرى النهر، وهو الماء ووضعت والميزاب وهو المحل، وجرى والميزاب وهو الماء، ونحو ذلك (٢)، ونظيره هذا المثال، ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ فقد جاء استعمال العرب لها تارة للمكان، وتارة للسكان، وقد جاء القرآن بذلك كله، قال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾، وقال في آية أخرى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ﴾، فالمراد بالقرية هنا السكان، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا﴾، والمراد السكان.\nوقد أطلق لفظ القرية، وأريد به المكان، قال تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ﴾ الآية.\n_________\n(١) - انظر الأسلوب رقم (٤٦) الآتي في رسالتنا الأساليب، والإطلاقات العربية.\n(٢) - انظر: ٧/ ١١٢ - ١١٣ من الفتاوى، ص١٠٨ من الإيمان، ٢٠/ ٢٦٣ من الفتاوى. والأسلوب الآتي في رسالتنا برقم (١٦٢).","vol":"1","page":13},{"text":"فالحاصل أن العرب تطلق هذا اللفظ، وتريد به تارة المكان، وتارة السكان، والسياق هو الذي يحدد ذلك، وليس هذا اللفظ مجازا، وإنما أسلوب من أساليب العربية المعروفة (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ﴾ ليس المراد به أن للذل جناحا، بل المراد بالآية الكريمة كما يدل عليه كلام جمع من المفسرين أنها من إضافة الموصوف إلى صفته، فيكون المعنى \"واخفض لهما جناحك الذليل لهما من الرحمة\"، وقد ورد ما يدل على ذلك في كلام العرب كقولهم \"حاتم الجود\" أي الموصوف بالجود، ووصف الجناح بالذل، مع أنه صفة الإنسان، لأن البطش يظهر برفع الجناح، والتواضع واللين يظهر بخفضه فخفضه كناية عن لين الجانب، وإضافة صفة الإنسان لبعض أجزائه أسلوب من أساليب العربية كما في هذا المثال، وكما في قوله تعالى: ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾، والمراد: صاحب الناصية (٢)، والله أعلم.\nوأما قوله تعالى: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ فلا مجاز فيه من وجهين:\nأحدهما: أن المراد بالإرادة هنا إرادة حقيقية، لأن للجمادات إرادة حقيقية، لا نعلمها، وإنما يعلمها الله ﷿ ومما يؤيد ذلك سلام الحجر على الرسول - ﷺ - (٣)، وحنين الجذع الذي كان يخطب عليه لما تحول عنه إلى المنبر (٤)، وهذا كله ناشئ عن إرادة يعلمها الله تعالى وإن لم نعلمها، كما في قوله\n_________\n(١) - انظر: ٧/ ١١٢ - ١١٣، ٢٠/ ٤٦٣ من الفتاوى، ص١٠٨ من الإيمان، ٢/ ٣٠٢ - ٣٠٣ من\nمختصر الصواعق المرسلة.\n(٢) - انظر في ذلك كله: ٢٠/ ٤٦٥ من الفتاوى، ٢/ ٢٥٢ من مختصر الصواعق، ص٥٨ - ٥٩ من مذكرة الشنقيطي، والأسلوب رقم (١٢٠) في رسالتنا الأساليب.\n(٣) - يشير إلى ما رواه مسلم (٤/ ١٧٨٢) (٢٢٧٧)، وغيره عن جابر بن سمرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث، إني لأعرفه الآن).\n(٤) - قال الكتاني في نظم المتناثر (ص/ ٣٠٢): [حنين الجذع: أورده في الأزهار من حديث سهل بن سعد، وجابر بن عبدالله، وابن عمر، وأبي بن كعب، وبريدة، وابن عباس، وأبي سعيد الخدري، وأنس، وأم سلمة، والمطلب بن أبي وداعة السمهي عشرة أنفس ...].","vol":"1","page":14},{"text":"تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾، وأمثال ذلك كثير في الكتاب والسنة.\nالثاني: أن الإرادة تطلق على معان عدة، منها: المعنى اللغوي المعروف، ومنها: مقاربة الشيء، والميل إليه فيكون معنى إرادة الجدار ميله إلى السقوط،\nوقربه منه، وهذا أسلوب عربي معروف، وبه ينتفي ادعاء المجاز في الآية (١).\nوأما قوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ﴾ فلا مجاز فيه كذلك، بل هو من إطلاق اسم المحل على الحال فيه وعكسه، وهذا أسلوب من أساليب العربية المشهورة، وكلاهما حقيقة في محله، كما سبق نظيره في القرية، والنهر ونحوها.\nفحاصل الجواب على هذه الأمثلة التي ادعي فيها المجاز أن يقال: إن ذلك أسلوب من أساليب العرب على حقيقته (٢).\nرابعا: ومما سبق من الأدلة والمناقشات على منع المجاز في القرآن يدخل فيها المنع في السنة لعموم كونها وحيا من الله ﵎.\nخامسا: مناقشة الجمهور لأدلة نفاة المجاز.\nوقد ناقش الجمهور حجج المنكرين وأجابوا عن أدلتهم فمن ذلك:\nأن القول بأن العرب لم تقسم الكلام إلى حقيقة، ومجاز، فإن أردتم أنهم لم يضعوا هذا الاصطلاح فمسلم، وإن أردتم أنه لا يوجد في كلامهم مجاز فغير مسلم بدليل ما ذكرناه من الأمثلة.\nوأما قولكم إن هذا الاصطلاح حادث لم يعرف إلا بعد القرون المفضلة فغير صحيح بل قد تكلم به عدد من الأئمة منهم معمر بن المثنى مما يدل على أنه استعمال قديم وقد يطلقون عليه لفظ الاتساع.\nوأما القول بأن المجاز يخل بالفهم، فنحن اشترطنا لصحة القول بالمجاز وجود القرينة التي تمنع الإخلال بالفهم، وتبين مراد المتكلم من لفظه.\n_________\n(١) - انظر: ٧/ ١٠٨ من الفتاوى، ص١٠٣ من الإيمان، ص٥٩ من مذكرة الشنقيطي، والأسلوب رقم (٦٥) في رسالتنا الأساليب.\n(٢) - وبهذا أيها القارئ الكريم يتبين لك أهمية تجميع مثل هذه الأساليب، فلله الفضل والمنة.","vol":"1","page":15},{"text":"وأما قولكم إن المجاز كذب، وأنه يصح نفيه فغير مسلم، لأنه وإن جاز نفيه فليس كذبا، لأن المنفي هو إرادة المعنى الحقيقي وليس المجازي بدليل القرينة الموضحة للمراد.\nوأما دعوى أن المجاز يلزم عليه وصف الله سبحانه بأنه متجوز، ومستعير، فغير مسلم، لأن الصفات توقيفية.\nتلك أهم المناقشات التي أوردها الجمهور على القائلين بنفي المجاز وإنكاره (١).\nسادسا: أما التفصيل بين ما فيه حكم شرعي، وما ليس فيه فيمنع في الأحكام الشرعية لما يترتب عليه من لوازم غير صحيحة، فالأحكام الشرعية مبنية على القرآن والسنة بلفظ العرب ولغتهم، فالأيمان والنذور والمعاملات والنكاح والطلاق ونحوها لا مجاز فيها، أما ما ليس فيه حكم شرعي فالأمر فيه واسع بحمد الله، والله أعلم.\nسابعا: الراجح ووجه ترجيحه.\nمما سبق من عرض المذاهب، والأدلة والمناقشات، أرى صعوبة الترجيح في هذه المسألة وإن كنت أميل إلى التفصيل على حسب الضوابط الشرعية وأهمها:\n(١) ألا يكون في القرآن والسنة.\n(٢) ألا يكون في الاعتقاد لاسيما صفات الله سبحانه.\n(٣) ألا يكون طريقا إلى تأويل النصوص وردها والتنصل من الأحكام الشرعية.\n_________\n(١) - انظر في ذلك: ١/ ٣١ من المعتمد لأبي الحسين البصري، ١/ ٢١٢ من فواتح الرحموت، ٢/ ٢٢ من تيسير التحرير، ص١٧٩ من التبصرة للشيرازي، ١/ ١/٤٦٤ من المحصول للرازي، ١/ ٥٠ من الإحكام للآمدي، ٢/ ٧٠٠ من العدة، ٢/ ٦٤٨،٩١٣،١٠٩٤ من كتاب المجاز في اللغة والقرآن الكريم بين الإجازة والمنع د. عبد العظيم المطعني، ط/مكتبة وهبة بالقاهرة.","vol":"1","page":16},{"text":"والذي يظهر لي إذا دون تعصب، ولا تقليد رجحان القول بعدم المجاز، لاسيما في كتاب الله ﷿ وسنة رسوله - ﷺ -، لقوة أدلة المانعين، وضعف أدلة المجيزين مما ورد عليها من المناقشات القوية، التي أوهنتها.\nولما يلزم على القول بالجواز المطلق من لوازم غير سديدة، كتعطيل صفات الكمال لله جل وعلا بحجة المجاز وتأويل النصوص على حسب الأهواء بهذه الحجة، ولعدم الضوابط السليمة التي يعرف بها ما قسموه، مما يوهن القول به، ولما يترتب على التفريق بين ما قسموه، من جواز نفي بعض كلمات القرآن والسنة، لأن المجاز يجوز نفيه وهذا باطل قطعا، ونحو ذلك مما تقدم عند أدلة المانعين، ومناقشتهم للمجيزين فيصار إلى القول بأن ما سموه بالمجاز يسمى أسلوبا من أساليب العرب المشهورة، التي درجت عليها وعرفت عنها، فالحاصل أن الراجح هو التفصيل والقول بجواز المجاز بالضوابط الشرعية، فما يتعلق بالاعتقاد والصفات وكلام الله فلا مجاز فيه بل كله حقيقة، أما المجاز فيما دون ذلك فأمره يسير بحمد الله (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>المبحث الثالث: هل للخلاف في المجاز ثمرة</span>؟\nبعد عرض الخلاف في المسألة ظهر لي أن الخلاف بين المانعين، والمجيزين خلاف حقيقي ليس لفظيا، وإن لم يترتب عليه كبير فائدة في الفروع بشرط ألا يتخذ القول بالمجاز ذريعة لتعطيل شيء مما جاء به الشرع، فالأمثلة السابقة المضروبة لهذه المسألة، يطلق عليها المجيزون مجازًا، ويطلق عليها المانعون أساليب عربية،\n_________\n(١) - قلت - المؤلف-: ولا أرى لهذا التفريق وجه، بل الراجح هو القول بالمنع مطلقًا في اللغة، والقرآن، والسنة، وأن كل ما يسميه القائلون بالمجاز مجازًا إنما هو أسلوب تكلمت به العرب، وهذه الأساليب لا يجوز نفيها، وعلى هذا، فلا يمكن إثبات مجاز في اللغة العربية أصلًا كما ذكر ذلك العلامة ابن تيمية، وابن القيم، والشنقيطي - ﵏ - وسوف يأتي قريبًا - بمشيئة الله تعالى - زيادة بيان لهذه الأساليب، وأمثلة أخرى عليها.","vol":"1","page":17},{"text":"تكلمت بها العرب، وهي حقيقة في معناها، لا تجوز فيها (١)، ولهذا فقد أنكر المانعون كون الخلاف لفظيا (٢)، لأنهم لم يسلموا أصلا بصحة التقسيم.\nقال شيخ الإسلام ابن تيميه - ﵀ -: \"وتقسيم اللغة إلى حقيقة ومجاز تقسيم مبتدع، محدث لم ينطق به السلف، والخلف فيه على قولين وليس النزاع فيه لفظيا، بل يقال: نفس هذا التقسيم باطل، لا يتميز هذا عن هذا، .. \" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>المبحث الرابع: أثر القول بالمجاز على النصوص الشرعية وتعقيب على أشهر الأمثلة التي ذكرها بعض الأصوليين للمجاز</span>.\nلقد كان للقول بالمجاز على إطلاقه أثر عظيم وخطير على الموقف الصحيح الذي يجب اتخاذه حيال النصوص الشرعية حيث يجب إثباتها على حقيقتها دون تحريف لها عن معانيها الحقيقية لاسيما فيما يتعلق بالأسماء والصفات، وقد سبق أن أوردت في حجج منكري المجاز ومناقشتهم للمثبتين له شيئا من ذلك بما يغني عن الإعادة.\nوقد ذكر الأصوليون عددا من الأمثلة من القرآن على إثبات المجاز وحيث إن كثيرا منها يتعلق بصفات الباري جل وعلا، فإن ادعاء المجاز فيها يقتضي نفي حقيقتها، وتعطيل دلالتها على إثبات صفات الكمال لله ﷿، التي أثبتها لنفسه في كتابه، وأثبتها له رسوله - ﷺ -، وسار عليها سلف هذه الأمة، وقد عرف عن بعضهم سلوكه مذهب الأشاعرة في العقيدة، لذا فقد وقعوا في تأويل بعض النصوص عن حقيقتها، بدعوى المجاز، ولاسيما في آيات الصفات وتلك عقيدة المخالفين لمنهج أهل السنة والجماعة في إثباتهم الصفات لله، كما جاءت، وإقرارها كما وردت، بدون تأويل، ولا تعطيل، ولا نفي لحقيقتها، ولا ادعاء كونها مجازا.\nوإليك بعض الأمثلة (٤) التي ذكروها -عفا الله عنهم- تعد شواهد من كلامهم تبين خطورة القول بالمجاز في هذا المجال:\n_________\n(١) - كذا بالأصل، ولعل الصواب: لا تجوز نفيها.\n(٢) - انظر: ١/ ٤٦ من الإحكام للآمدي حيث جعله كذلك.\n(٣) - ٧/ ١١٣ من الفتاوى، وانظر ٢/ ٢٤٣ من مختصر الصواعق لابن القيم.\n(٤) - وقد اقتصرت على ذكر مثالًا واحدًا مما ذكر د. السديس، خشية الإطالة.","vol":"1","page":18},{"text":"قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ ..﴾ الآية.\nهذا المثال ذكره بعضهم لإثبات المجاز في القرآن، مع اختلافهم في معنى إيذاء الله تعالى.\nفيرى بعضهم أن معنى إيذاء الله: إيذاء رسوله (١).\nويرى آخرون أن معنى إيذاء الله: إيذاء أوليائه (٢).\nوالذي اضطرهم إلى هذا التأويل الواضح ادعاؤهم المجاز فيها.\nوالحق: أن كلا التفسيرين ليس صحيحا، بل تحمل الآية على حقيقتها، وتجرى على ظاهرها، ويكون المعنى الصحيح لإيذاء الله: الكفر به، ومخالفة أوامره، وارتكاب زواجره، واتخاذ الأنداد والشركاء له، وتكذيب رسله عليهم الصلاة والسلام (٣)، ويدل على ذلك المعنى حديث \"ليس أحد أصبر على أذى سمعه من الله، إنهم ليدعون له ولدا، ويجعلون له أندادا، وهو مع ذلك يعافيهم ويرزقهم\" (٤).\nوأما تفسير من أوله بأنه إيذاء رسوله فهو مردود، بما ذكر، ثم إن الله نص في الآية نفسها على إيذاء الرسول بعد ذكره إيذاءه، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ فيكون الكلام على هذا القول مكررًا، وهذا محال؛ لمنافاته الأسلوب الصحيح، والتعبير السليم، الذي جرى عليه كتاب الله.\nوأما تفسير من قال بأنهم يؤذون أولياءه فهو غير صحيح من جهتين:\nالأولى: ما ذكر سابقا من المعنى الصحيح في الآية.\nالثانية: أن الآية نفسها فيها ذكر للرسول، وللمؤمنين والمؤمنات وهم أولياء الله، فيكون في الكلام تكرار لا يليق بكتاب الله، ولو قيل به لحصل المحظور، وهو\n_________\n(١) - ١/ ١٠٥ من المستصفى، ص٦٤ من الروضة.\n(٢) - ١/ ١٠٥ من المستصفى، ٢/ ٦٩٦ من العدة.\n(٣) - انظر: ٣/ ٥١٧ من تفسير القرآن العظيم لابن كثير، ط/دار الفكر، ٧/ ٢٣٧ من تفسير القرطبي، ص٦٠ من مذكرة الشنقيطي.\n(٤) - أخرجه البخاري (٥/ ٢٢٦٢) (٥٧٤٨)، ومسلم (٤/ ٢١٦٠) (٢٨٠٤) من حديث أبي موسى - ﵁ -.","vol":"1","page":19},{"text":"صرف الآية عن ظاهرها، وتأويلها على غير حقيقتها، والوقوع في التكرار الممنوع الذي يجعل المعطوف عليه بمعنى المعطوف فيكون معنى لفظ الجلالة \"الله\" بمعنى لفظ \"الرسول\" وبمعنى لفظ \"المؤمنين\"، وهذا غير مراد قطعًا.\nوالأمثلة التي ذكرها القائلون بالمجاز ليس فيها مجاز على القول الراجح وإنما هي أساليب بلاغية، تكلم بها العرب وأرادوا بها الحقيقة، وأما آيات الصفات فهي حق، تمر على ظاهرها، وتجرى على حقيقتها، نوردها كما جاءت، ونثبتها كما وردت ولا نقع فيه تأويلا أو تعطيلا بدعوى المجاز، فهذا خلاف منهج السلف أهل السنة والجماعة والله تعالى أعلم. اهـ كلام د. عبدالرحمن السديس باختصار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>الأساليب العربية</span>\nالأسلوب العربي هو: الطريقة (١) التي يسلكها العرب للتعبير عن أفكارهم، أو عواطفهم.\nوقد بيَّن العلامة الشنقيطي (٢) - ﵀ - أهمية هذه الأساليب العربية في الرد على القائلين بالمجاز النافين لصفات الله - ﷿ -، وبيَّن أيضًا أنها حقائق تكلم بها العرب، وأنه لا يجوز نفيها، وإليك جملًا من أقواله يتضح بها المقام، والله المستعان.\nقال العلامة الشنقيطي: [كل ما يسميه القائلون بالمجاز مجازًا فهو - عند من يقول بنفي المجاز - أسلوب من أساليب اللغة العربية.\nفمن أساليبها إطلاق الأسد مثلًا على الحيوان المفترس المعروف، وأنه ينصرف إليه عند الإطلاق، وعدم التقييد بما يدل على أن المراد غيره.\nومن أساليبها إطلاقه على الرجل الشجاع إذا اقترن بما يدل على ذلك. ولا مانع من كون أحد الإطلاقين لا يحتاج إلى قيد، والثاني يحتاج إليه؛ لأن بعض الأساليب يتضح فيها المقصود فلا يحتاج إلى قيد، وبعضها لا يتعين المراد فيه إلا\n_________\n(١) - قال الفيومي في المصباح المنير مادة (س ل ب): [(الأُسْلُوبُ) بضم الهمزة الطريق والفن وهو على (أُسْلُوبٍ) من (أَسَالِيبِ) القوم أي على طريق من طرقهم].\n(٢) - وانظر أيضًا ما سبق من كلام د. عبدالرحمن السديس.","vol":"1","page":20},{"text":"بقيد يدل عليه، وكل منهما حقيقة في محله. وقس على هذا جميع أنواع المجازات.\nوعلى هذا، فلا يمكن إثبات مجاز في اللغة العربية أصلًا، كما حققه العلامة ابن القيم - ﵀ - في الصواعق. وإنما هي أساليب متنوعة بعضها لا يحتاج إلى دليل، وبعضها يحتاج إلى دليل يدل عليه، ومع الاقتران بالدليل يقوم مقام الظاهر المستغني عن الدليل، فقولك: \" رأيت أسدًا يرمي \" يدل على الرجل الشجاع، كما أن لفظ الأسد عند الإطلاق على الحيوان المفترس. ثم إن القائلين بالمجاز في اللغة العربية اختلفوا في جواز إطلاقه في القرآن ... والذي ندين به، ويلزم قبوله كل منصف محقق أنه لا يجوز إطلاق المجاز مطلقًا على كلا القولين.\nأما على القول بأنه لا مجاز في اللغة أصلًا - وهو الحق - فعدم المجاز في القرآن واضح، وأما على القول بوقوع المجاز في اللغة العربية فلا يجوز القول به في القرآن. وأوضح دليل على منعه في القرآن إجماع القائلين بالمجاز على أن كل مجاز يجوز نفيه، ويكون نافيه صادقًا في نفس الأمر، فتقول لمن قال: رأيت أسدًا يرمي، ليس هو بأسد، وإنما هو رجل شجاع، فيلزم على القول بأن في القرآن مجاز أن في القرآن ما يجوز نفيه.\nولا شك أنه لا يجوز نفي شيء من القرآن، وهذا اللزوم اليقيني الواقع بين القول بالمجاز في القرآن وبين جواز نفي بعض القرآن قد شوهد في الخارج صحته، وأنه كان ذريعة إلى نفي كثير من صفات الكمال والجلال الثابتة لله في القرآن العظيم.\nوعن طريق القول بالمجاز توصل المعطلون لنفي ذلك فقالوا: لا يد ولا استواء ولا نزول، ونحو ذلك في كثير من آيات الصفات، لأن هذه الصفات لم ترد حقائقها، بل هي عندهم مجازات، فاليد مستعملة - عندهم - في النعمة أو القدرة، والاستواء في الاستيلاء، والنزول نزول أمره، ونحو ذلك، فنفوا هذه الصفات الثابتة بالوحي عن طريق القول بالمجاز ...] (١).\nثم قال - ﵀: [فإن قالوا: هذا الذي نسميه مجازًا وتسمونه أسلوبًا\n_________\n(١) - انظر رسالة \" منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز \" (ص ٣٥: ٣٨).","vol":"1","page":21},{"text":"آخر من أساليب اللغة يجوز نفيه على قولكم، كما جاز نفيه على قولنا. فيلزم\nالمحذور قولكم كما لزم قولنا.\nفالجواب: أنه على قولنا بكونه حقيقة لا يجوز نفيه. فإن قولنا: رأيت أسدًا يرمي - مثلًا - لا نسلم جواز نفيه؛ لأن هذا الأسد المقيد بكونه يرمي ليس حقيقة الحيوان المفترس حتى تقول: وهو ليس بأسد. فلو قلتم: فهو ليس بأسد. قلنا: نحن ما زعمنا أنه حقيقة الأسد المتبادر عند الإطلاق حتى تكذبونا، وإنما قلنا بأنه أسد يرمي، وهو كذلك هو أسد يرمي.\nقال ابن القيم - ﵀ - في مختصر الصواعق ما نصه: (الوجه\nالسادس عشر): أن يقال: ما تعنون بصحة النفي؟ نفي المسمى عند التقييد؟ أم القدر المشترك؟ أم أمرًا رابعًا؟ فإن أردتم الأول كان حاصله أن اللفظ له دلالتان، دلالة عند الإطلاق ودلالة عند التقييد، بل المقيد مستعمل في موضعه، وكل منهما منفي عن الآخر. وإن أردتم الثاني لم يصح نفيه فإن المفهوم منه هو المعنى المقيد فكيف يصح نفيه. وإن أردتم القدر المشترك بين ما سميتموه حقيقة ومجازًا لم يصح نفيه أيضًا. وإن أردتم أمرًا رابعًا فبينوه لنا لنحكم عليه بصحة النفي أو عدمها. وهذا ظاهر جدًا لا جواب عنه كما ترى. اهـ كلام ابن القيم - ﵀ - بلفظه. وهو موضح غاية لما ذكرنا مصرح بأنه ظاهر جدًا لا جواب عنه.\nفإن قيل: هذا الذي قررتم يدل على عدم صحة نفي المجاز، لأن ابن القيم ساق الكلام المذكور ليبين عدم صحة نفي المجاز وإذا يرتفع المحذور الناشئ عن القول بصحة نفيه.\nفالجواب: أنكم أيها القائلون بالمجاز أنتم الذين أطبقتم على جواز نفيه وتوصلتم بذلك إلى نفي كثير من صفات الله الثابتة بالكتاب والسنة الصحيحة، زعمًا منكم أنها مجاز وأن المجاز يجوز نفيه - فلو أقررتم بأنه لا يجوز نفيه لوقفتم على أنه أسلوب من أساليب اللغة العربية وهو حقيقة في محله، وسلمتم من نفي صفات\nالكمال والجلال الثابتة في القرآن ....] (١).\n_________\n(١) - انظر الرسالة السابقة (ص/٧٠ - ٧١).","vol":"1","page":22},{"text":"وبعد، فسوف أضرب بعض الأمثلة (١) التي يتبين بها طريقة الشنقيطي - ﵀ - في الرد على القائلين بالمجاز بطرقة الأساليب العربية، حتى يتضح المقام تمام الاتضاح.\nقال العلامة الشنقيطي - ﵀ -: [في هذه الآية الكريمة سؤال معروف، هو أن يقال: كيف أوقع الإذاقة على اللباس في قوله: ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾. وروي أن ابن الراوندي الزنديق قال لابن الأعرابي إمامِ اللغة الأدب: هل يُذاق اللباس؟ ايريد الطعن في قوله تعالى: ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ﴾. فقال له ابن الأعرابي: لا بأس أيها النسناس هب أن محمدًا ﷺ ما كان نبيًا! أما كان عربيًا؟\nقال مقيده عفا الله عنه: والجواب عن هذا السؤال ظاهر، وهو أنه أطلق اسم اللباس على ما أصابهم من الجوع والخوف؛ لأن آثار الجوع والخوف تظهر على أبدانهم، وتحيط بها كاللباس، ومن حيث وجدانهم ذلك اللباس المعبرَّ به عن آثار الجوع والخوف، أوقع عليه الإذاقة، فلا حاجة إلى ما يذكره البيانيون من الاستعارات في هذه الآية الكريمة، وقد أوضحنا في رسالتنا التي سميناها (منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز): أنه لا يجوز لأحد أن يقول إن في القرآن مجازًا، وأوضحنا ذلك بأدلته، وبينا أن ما يسميه البيانيون مجازًا أنه أسلوب من أساليب اللغة العربية.\nوقد اختلف أهل البيان في هذه الآية، فبعضهم يقول: فيها استعارة مجردة. يعنون أنها جيء فيها بما يلائم المستعار له. وذلك في زعمهم أنه استعار اللباس لما غشيهم من بعض الحوادث كالجوع والخوف، بجامع اشتماله عليهم كاشتمال اللباس على اللابس على سبيل الاستعارة التصريحية الأصلية التحقيقية، ثم ذكر الوصف، الذي هو الإذاقة ملائمًا للمستعار له، الذي هو الجوع والخوف؛ لأن إطلاق الذوق على وجدان الجوع والخوف جرى عندهم مجرى الحقيقة لكثرة الاستعمال.\nفيقولون: ذاق البؤس والضر، وأذاقه غيره إياهما. فكانت الاستعارة مجردة\n_________\n(١) - وسوف تأتي هذه الأمثلة، وغيرها - بمشيئة الله - في صلب الرسالة، وإنما نقلتها هنا للإيضاح، وحتى يكون القارئ على بصيرة تامة بموضوع الرسالة.","vol":"1","page":23},{"text":"لذكر ما يلائم المستعار له، الذي هو المشبه في الأصل في التشبيه الذي هو أصل الاستعارة. ولو أريد ترشيح هذه الاستعارة في زعمهم لقيل: فسكاها؛ لأن الإتيان بما يلائم المستعار منه الذي هو المشبه به في التشبيه الذي هو أصل الاستعارة يسمى «ترشيحًا»، والكسوة تلائم اللباس، فذكرها ترشيح للاستعارة، قالوا: وإن كانت الاستعارة المرشحة أبلغ من المجردة، فتجريد الاستعارة في الآية أبلغ من حيث إنه روعي المستعار له الذي هو الخوف والجوع، وبذكر الإذاقة المناسبة لذلك ليزداد الكلام وضوحًا.\nوقال بعضهم: هي استعارة مبنية على استعارة، فإنه أولًا استعار لما يظهر على أبدانهم من الاصفرار، والذبول، والنحول اسم اللباس، بجامع الإحاطة بالشيء والاشتمال عليه، فصار اسم اللباس مستعارًا لآثار الجوع والخوف على أبدانهم، ثم استعار اسم الإذاقة لما يجدونه من ألم ذلك الجوع والخوف، المعبر عنه باللباس، بجامع التعرف والاختبار في كل من الذوق بالفم، ووجود الألم من الجوع والخوف. وعليه ففي اللباس استعارة أصلية كما ذكرنا، وفي الإذاقة المستعارة لمس ألم الجوع، والخوف استعارة تبعية.\nوقد ألممنا هنا بطرف قليل من كلام البيانيين هنا ليفهم الناظر مرادهم، مع أن التحقيق الذي لا شك فيه: أن كل ذلك لا فائدة فيه، ولا طائل تحته، وأن العرب تطلق الإذاقة على الذوق وعلى غيره من وجود الألم واللذة، وأنها تطلق اللباس على المعروف، وتطلقه على غيره مما فيه معنى اللباس من الاشتمال. كقوله: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾، وقول الأعشى:\nإذا ما الضجيع ثنى عطفها ... ... ... تثنت عليه فكانت لباسا\nوكلها أساليب عربية، ولا إشكال في أنه إذا أطلق اللباس على مؤثر مؤلم يحيط بالشخص إحاطة اللباس، فلا مانع من إيقاع الإذاقة على ذلك الألم المحيط المعبر\nباسم اللباس. والعلم عند الله تعالى.] (١).\nوقال أيضًا: [البشارة: الخبر بما يسر، وقد تطلق العرب البشارة على\n_________\n(١) - (٣/ ٣٤٤: ٣٤٦) (النحل/ ١١٢، ١١٣).","vol":"1","page":24},{"text":"الإخبار بما يسوء، ومنه قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ومنه قول الشاعر:\nوبشرتني يا سعد أن أحبتي ... ... جفوني وقالوا الود موعده الحشر\nوقول الآخر:\nيبشرني الغراب ببين أهلي ... ... ... فقلت له ثكلتك من بشير\nوالتحقيق: أن إطلاق البشارة على الإخبار بما يسوء، أسلوب من أساليب اللغة العربية، ومعلوم أن علماء البلاغة يجعلون مثل ذلك مجازًا، ويسمونه استعارة عنادية، ويقسمونها إلى تهكمية وتمليحية كما هو معروف في محله] (١).\nوقال أيضًا: [أطلق جل وعلا في هذه الآية الكريمة - أي قوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾ -، الرزق وأراد المطر، لأن المطر سبب الرزق، وإطلاق المسبب وإرادة سببه لشدة الملابسة بينهما، أسلوب عربي معروف، وكذلك عكسه الذي هو إطلاق السبب وإرادة المسبب كقوله:\nأكنت دمًا إن لم أرعْكِ بضرَّة ... ... ... بعيدة مهوى القرط طيبة النشر\nفأطلق الدم وأراد الدية، لأنه سببها.\nوقد أوضحنا في رسالتنا المسماة: منع جواز المجاز، في المنزل للتعبد والإعجاز، أن أمثال هذا أساليب عربية، نطقت بها العرب في لغتها، ونزل بها القرآن، وأن ما يقوله علماء البلاغة من أن في الآية ما يسمونه المجاز المرسل الذي يعدون من علاقاته السببية والمسببية، لا داعي إليه، ولا دليل عليه، يجب الرجوع إليه.\nوإطلاق الرزق في آية المؤمن هذه على المطر جاء مثله، في غير هذا الموضع كقوله تعالى في أول سورة الجاثية ﴿وَمَآ أَنَزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَآءِ مَّن رِّزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الاٌّرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ فأوضح بقوله ﴿فَأَحْيَا بِهِ الاٌّرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ أن مراده بالرزق المطر، لأن المطر هو الذي يحيي الله به الأرض بعد موتها.\nوقد أوضح جل وعلا، أنه إنما سمي المطر رزقًا، لأن المطر سبب الرزق، في آيات كثيرة من كتابه، كقوله تعالى في سورة البقرة ﴿وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ\n_________\n(١) - (٤/ ٩) (الكهف/١: ٥)، وانظر أيضًا (٧/ ٣٤٢) (الجاثية/٦: ٨).","vol":"1","page":25},{"text":"مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ﴾، والباء في قوله فأخرج به سببية كما ترى. وكقوله تعالى في سورة إبراهيم: ﴿اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السموات وَالاٌّرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ﴾. وقوله تعالى في سورة ق: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَآءِ مَآءً مُّبَارَكًا فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ رِّزْقًا لِّلْعِبَادِ﴾ ...] (١).\nوفي الختام أنقل هذه العبارة للعلامة الألوسي - ﵀ - للاستدلال بها على صحة كلام الشنقيطي - ﵀ - في الأساليب، قال الألوسي في روح المعاني (١/ ٣٠٢): [الويل: واد في جهنم يهوى به الكافر أربعين خريفا قبل أن يبلغ قعره، وفي بعض الروايات: إنه جبل فيها، وإطلاقه على ذلك إما: حقيقة شرعية، وإما مجاز لغوي، من إطلاق لفظ الحال على المحل، ولا يمكن أن يكون حقيقة لغوية؛ لأن العرب تكلمت به في نظمها، ونثرها قبل أن يجيء القرآن، ولم تطلقه على ذلك]. فيستفاد من مفهوم المخالفة في هذه العبارة أن العرب إن تكلمت بها على المعنى المراد، فتكون حقيقة لغوية. وهذا هو نفس مقصود العلامة الشنقيطي بالأساليب العربية، فتراه يبين بهذه الأساليب أن ما يدعون فيه المجاز إنما هو أسلوب تكلمت به العرب، فيكون حقيقة، وليس مجازًا (٢).\nوبعد فقد لاح لك أيها القارئ الكريم أهمية جمع هذه الأساليب، والإطلاقات العربية، مع ذكر شواهدها من القرآن، واللغة، حتى يتضح لك الجواب عما زعموا أنه من المجاز قاصدين من وراء ذلك نفي الصفات، وهو في الحقيقة حقيقة في محله، وأسلوب عربي، تكلمت به العرب.\nوهذا أوان الشروع في المقصود، فالله المستعان، وعليه البلاغ، ولا حول، ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.\nأبو المنذر محمود بن محمد بن مصطفى المنياوي.\nعفا الله - تعالى - عنه\n_________\n(١) - (٧/ ٧٦) (غافر/١٣)، وانظر أيضًا (٦/ ٧٦) (النور/٣)، (٧/ ٢٦٣ - ٢٦٤) (الزخرف/٦١).\n(٢) - وليس الغرض هنا مناقشة المثال الذي ذكره - ﵀ - وإنما الغرض التنبيه على موطن الشاهد من كلامه.","vol":"1","page":26},{"text":"الأساليب والإطلاقات العربية (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>١ - يسمي التقدير خلقًا </span>(٢).\n[المراد بخلق ما في الأرض جميعا قبل خلق السماء الخلق اللغوي الذي هو التقدير لا الخلق بالفعل الذي هو الإبراز من العدم إلى الوجود، والعرب تسمي التقدير خلقا ومنه قول زهير:\nولأنت تَفْري ما خلقت وبعض ... القوم يخلُقَ ثم لا يَفْري\nوالدليل على أن المراد بهذا الخلق التقدير أنه تعالى نصّ على ذلك في سورة فصلت حيث قال: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ ثم قال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ الآية.] (٣).\nوقال: [وقوله في هذه الآية ﴿أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ أي المقدرين والعرب تطلق الخلق وتريد التقدير. ومنه قول زهير:\nولأنت تفري ما خلقت وبعض ... القوم يخلق ثم لا يفري\n_________\n(١) - وقد رتبتها حسب ورودها في تفسير \" أضواء البيان \"، وقد يرد الأسلوب أو الإطلاق في أكثر من موضع، فيكون ترتيبه على حسب أول وروده، والمنقول على حسب شموله.\nولعلي قد توسعت بعض الشيء، وذلك بإيراد ما ليس له علاقة مباشرة بالرد على الآيات التي زعموا أن فيها مجازًا، وذلك بأنني قد أورد بعض الشواهد الشعرية التي تشهد لوجوه التفسير، وعذري في ذلك أنني رأيت - من وجهة نظري - أن هذه الشواهد قد يكون لها علاقة بالرد على القائلين بالمجاز، وإن كان بطريق غير مباشر، فهي تساعد في إثبات أن هذه الوجوه حقائق في محلها. فأرجو ممن وجد شيئًا من ذلك أن يحسن الظن، ويقوم بالنصح.\n(٢) - ونوع المجاز هنا عند القائلين به هو المجاز اللفظي، من باب إطلاق اللازم على الملزوم، وذلك لأن التقدير لازم للخلق. وانظر الإتقان للسيوطي (٣/ ١١٣).\n(٣) - هذا نص كلام الشنقيطي كما ذكره في (١/ ٤٨) (البقرة/٢٩)، وانظر (٦/ ٢٦٧ - ٢٦٨) (الفرقان/١)، (٧/ ١١٨ - ١٢٠) (فصلت/١٠)، وسوف أضعه دائما بين معكوفتين لتمييز بعضه من بعض.","vol":"1","page":27},{"text":"فقوله: يخلق ثم لا يفري: أي يقدر الأمر، ثم لا ينفذه لعجزه عنه كما هو معلوم.] (١)\nوقال أيضًا: [إطلاق اللازم، وإرادة الملزوم أسلوب عربي معروف، والقائلون بالمجاز يقولون: إن ذلك من المجاز المرسل، وعلى أن هذه الآية - أي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (النور:٢٧) أطلق فيها اللازم الذي هو الاستئناس وأريد ملزومه الذي هو الإذن، يصير المعنى: حتى تستأذنوا، ويشهد لهذا المعنى قوله تعالى: ﴿لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ النَّبِىّ إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾، وقوله تعالى بعده: ﴿فَلاَ تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمُ﴾، وقال الزمخشري في هذا الوجه بعد أن ذكره: وهذا من قبيل الكناية، والإرداف؛ لأن هذا النوع من الاستئناس يردف الإذن فوضع موضع الإذن.] (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>٢ - المفرد إذا كان اسم جنس يكثر في كلام العرب إطلاقه مرادًا به الجمع - مع تنكيره، أو تعريفه بالألف واللام أو بالإضافة </span>- (٣).\n[قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لي من استقراء اللغة العربية التي نزل بها القرآن، هو أن من أساليبها أن المفرد إذا كان اسم جنس يكثر إطلاقه مرادًا به الجمع مع تنكيره كما في هذه الآية، وتعريفه بالألف واللام، وبالإضافة فمن أمثلته في القرآن مع التنكير قوله تعالى ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِى جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ﴾ أي وأنهار بدليل قوله تعالى ﴿فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ وقوله ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ أي أئمة وقوله تعالى ﴿فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا﴾ أي أنفسًا وقوله تعالى ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ أي سامرين وقوله تعالى ﴿لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ﴾ أي بينهم وقوله تعالى ﴿وَحَسُنَ أولئك رَفِيقًا﴾ أي رفقاء\n_________\n(١) - (٥/ ٧٨١) (المؤمنون/١٢: ١٤).\n(٢) - (٦/ ١٦٧) (النور/٢٧).\n(٣) - ونوع المجاز هنا عند القائلين به هو المجاز في المفرد، ويسمى اللغوي، من نوع إطلاق المفرد على الجمع، وقد أجاد العلامة الشنقيطي - ﵀ - في بيان أن ذلك واقع في لغة العرب، وأنه من أساليبها، فيكون حقيقة لا مجاز، كما سبق بيان ذلك في المقدمة.","vol":"1","page":28},{"text":"وقوله تعالى ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ﴾ أي جنبين أو أجنابًا وقوله تعالى ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذلك ظَهِيرٌ﴾ أي مظاهرون ومن أمثلة ذلك مع التنكير في كلام العرب قول عقيل بن علفة المري:\nوكان بنو فزارة شرَّ عم ... ... ... وكنتُ لهم كشر بني الأَخينا\nيعني شر أَعمام. وقول قعنب ابن أم صاحب:\nما بال قوم صديق ثم ليس لهم ... ... دين وليس لهم عقل إذا ائتمنوا\nيعني ما بال قوم أصدقاء. وقول جرير:\nنصبن الهوى ثم ارتمين قلوبنا ... ... ... بأعين أعداء وهن صديق\nيعني صديقات. وقول الآخر:\nلعمري لئن كنتم على النأي والنوى ... ... ... بكم مثل ما بي إنكم لصديق\nوقول الآخر.\nيا عاذلاتي لا تزدن ملامة ... ... ... إن العواذل ليس لي بأمير\nأي لسن لي بأمراء.\nومن أمثلته في القرآن واللفظ مضاف قوله تعالى ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ أي أصدقائكم: وقوله ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ أي أوامره: وقوله ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا﴾ أَي نعم الله: وقوله ﴿إِنَّ هؤلاء ضَيْفِى﴾: أي أضيافي، ونظير ذلك من كلام العرب قول علقمة بن عبدة التميمي:\nبها جيف الحسرى فأما عظامها ... ... ... فبيض وأما جلدها فصليب\nأي وأما جلودها فصليبة.\nوقول الآخر:\nكلوا في بعض بطنكم تعفوا ... ... ... فإن زمانكم زمن خميص\nأي بطونكم. وهذا البيت والذي قبله أنشدهما سيبويه في كتابه مستشهدًا بهما لما ذكرنا.\nومن أمثلة ذلك قول العباس بن مرادس السلمي:\nفقلنا أسلموا إنا أخوكم ... ... ... وقد سلمت من الإحن الصدور\nأي إنا إخوانكم. وقول جرير:","vol":"1","page":29},{"text":"إذا آباؤنا وأبوك عدوا ... ... ... أبان المقرفات من العراب\nأي إذا آباؤنا وآباؤك عدوًا، وهذا البيت، والذي قبله يحتمل أن يراد بهما جمع التصحيح للأب وللأخ، فيكون الأصل: أبون وأخون فحذفت النون للإضافة، فصار كلفظ المفرد.\nومن أمثلته جمع التصحيح في جمع الأخ بيت عقيل بن علفة المذكور آنفًا، حيث قال فيه: ... كشر بني الأخينا.\nومن أمثلة تصحيح جمع الأب قول الآخر:\nفلما تبين أصواتنا ... ... ... بكين وفديننا بالأبينا\nومن أمثلة ذلك في القرآن: واللفظ معرف بالألف واللام قوله تعالى: ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾ أي بالكتب كلها، بدليل قوله ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ﴾ الآية، وقوله ﴿وَقُلْ آمَنتُ بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ﴾ وقوله تعالى ﴿أولئك يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُواْ﴾ أي الغرف بدليل قوله ﴿لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ﴾ وقوله ﴿وَهُمْ فِى الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾: وقوله تعالى ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا﴾: أي الملائكة بدليل قوله: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾: وقوله تعالى ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾: أي الأدبار بدليل قوله تعالى: ﴿فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ﴾ وقوله تعالى: ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَآءِ﴾: أي الأطفال: وقوله تعالى ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ﴾ أي الأعداء، ونحو هذا كثير في القرآن، وفي كلام العرب: وهو في النعت بالمصدر مطرد، كما تقدم مرارًا.\nومن أمثلة ذلك قول زهير:\nمتى يَشْتَجِر قومٌ يقل سرواتهم ... ... ... هم بيننا هم رضى وهم عدل\nأي عدول مرضيون.] (١)\n_________\n(١) - (٥/ ٢٩ - ٣٢) (الحج/٥)، وانظر أيضًا المواضع التالية: (١/ ٤٨) (البقرة/٣٠)، (٥/ ٧٨٢) (المؤمنون/١٢: ١٤)، (٧/ ١٨٣) (الشورى/١٧)، (٧/ ٢٥١) (الزخرف/٣٣:٣٥)، (٧/ ٦٦١) (الذاريات / ١:٦)، (٧/ ٦٩٩ - ٧٠٠) (النجم / ١: ٤)، (٧/ ٧١٤) (النجم/٥٣)، (٧/ ٧٣٠) (القمر/٥٤). وقال الثعالبي في سر العربية (ص/٣٥٢): [فصل في إقامة الواحد مُقام الجمع - هي من سنن العرب إذ تقول: قَرَرْنا به عينًا، أي أعيننا. وفي القرآن: \"فإن طِبْنَ لكُم عن شيءٍ منهُ نَفْسًا\"، وقال جلّ ذِكره: \"ثمَّ يُخْرِجُكُم طِفْلا\" أي أطفالا، وقال تعالى: \"وكم من مَلَكٍ في السَّمواتِ لا تُغني شَفاعَتُهم شيئًا\"، وتقديره: وكم من ملائكة في السموات، وقال عزّ من قائل: \"فَإنَّهُم عدوٌ لي إلا رَبَّ العالَمين\". وقال: \"هؤلاء ضَيفي\"، ولم يقل: أعدائي ولا أضيافي. وقال ﷻ: \"لا نُفَرِّقُ بينَ أحَدٍ منهم\"، والتفريق لا يكون إلا بين اثنين، والتقدير: لا نُفَرِّق بينهم، وقال: \"يا أيُها النَّبيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساء\". وقال: \"وإنْ كُنْتُم جُنُبًا فاطَّهَروا\". وقال: \"والمَلائكَةُ بَعْدَ ذلك ظَهِير\".\nومن هذا الباب سنة العرب أن يقولوا للرجل العظيم والملك الكبير: انظروا من أمري، ولأنّ السادة والملوك يقولون: نحن فعلنا وإنّا أمَرنا، فعلى قضيَّة هذا الابتداء يخاطِبون في الجواب، كما قال تعالى عمّن حضَرَه الموت: \"رَبِّ ارْجِعون\".]","vol":"1","page":30},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>٣ - عطف الشيء على نفسه، مع اختلاف اللفظ؛ لأن تغاير اللفظين ربما نزل منزلة التغاير المعنوي</span>. ...\n[قوله تعالى: ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ الظاهر في معناه: أن الفرقان هو الكتاب الذي أوتيه موسى، وإنما عطف على نفسه؛ تنزيلًا لتغاير الصفات منزلة تغاير الذوات؛ لأن ذلك الكتاب الذي هو التوراة موصوف بأمرين:\nأحدهما: أنه مكتوب كتبه اللَّه لنبيه موسى عليه وعلى نبيّنا الصلاة والسلام.\nوالثاني: أنه فرقان أي فارق بين الحق والباطل، فعطف الفرقان على الكتاب، مع أنه هو نفسه نظرًا لتغاير الصفتين، كقول الشاعر:\nإلى الملك القرم وابن الهمام ... ... ... وليث الكتيبة في المزدحم\nبل ربما عطفت العرب الشيء على نفسه مع اختلاف اللفظ فقط، فاكتفوا بالمغايرة في اللفظ. كقول الشاعر:\nإني لأعظم في صدر الكميِّ على ... ... ... ما كان فيّ من التجدير والقصر\nالقصر: هو التجدير بعينه. وقول الآخر:\nوقددت الأديم لراهشيه ... ... ... وألفى قولها كذبًا ومينًا\nوالمين: هو الكذب بعينه. وقول الآخر:\nألا حبذا هند وأرض بها هند ... ... ... وهند أتى من دونها النأْي والبعد","vol":"1","page":31},{"text":"والبعد: هو النأي بعينه. وقول عنترة في معلّقته:\nحييت من طلل تقادم عهده ... ... ... أقوى وأقفر بعد أم الهيثم\nوالإقفار: هو الإقواء بعينه.] (١)\nوقال أيضًا: [قوله: ﴿فَمَحَوْنَآ آيَةَ الَّيْلِ وَجَعَلْنَآ آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ ... الوجه الثاني من التفسير أن الآية الكريمة ليس فيها مضاف محذوف، وأن المراد بالآيتين نفس الليل والنهار، لا الشمس والقمر.\nوعلى هذا القول فإضافة الآية إلى الليل والنهار من إضافة الشيء إلى نفسه مع اختلاف اللفظ، تنزيلًا لاختلاف اللفظ منزلة الاختلاف في المعنى. وإضافة الشيء إلى نفسه مع اختلاف اللفظ كثيرة في القرآن وفي كلام العرب. فمنه في القرآن قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾، ورمضان هو نفس الشهر بعينه على التحقيق، وقوله: ﴿وَلَدَارُ الاٌّخِرَةِ﴾، والدار هي الآخرة بعينها. بدليل قوله في موضع آخر: ﴿وَلَلدَّارُ الاٌّخِرَةُ﴾ بالتعريف، والآخرة نعت للدار. وقوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ والحبل هو الوريد، وقوله: ﴿وَمَكْرَ السَّيِّىءِ﴾، والمكر هو السيء بدليل قوله ﴿وَلاَ يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّىءُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ﴾.\nومن أمثلته في كلام العرب قول امرىء القيس: ...\nكبكر المقاناة البياض بصفرة ... ... ... غذاها نمير الماء غير المحلل\nلأن المقاناة هي البكر بعينها، وقول عنترة في معلقته:\nومشك سابغة هتكت فروجها ... ... ... بالسيف عن حامي الحقيقة معلم\nلأن مراده بالمشك: السابغة بعينها. بدليل قوله: هتكت فروجها. لأن الضمير عائد إلى السابغة التي عبر عنها بالمشك.\nوقد أوضحنا هذه المسألة في كتابنا (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب) في سورة فاطر. وبينا أن الذي يظهر لنا: أن إضافة الشيء إلى نفسه مع اختلاف لفظ المضاف والمضاف إليه أسلوب من أساليب اللغة العربية. لأن تغاير اللفظين ربما نزل منزلة التغاير المعنوي. لكثرة الإضافة المذكورة في القرآن وفي\n_________\n(١) - (١/ ٦٦) (البقرة/٥٣).","vol":"1","page":32},{"text":"كلام العرب. وجزم بذلك ابن جرير في بعض مواضعه في القرآن. وعليه فلا حاجة إلى التأويل المشار إليه بقوله في الخلاصة:\nولا يضاف اسم لما به اتحد ... ... ... معنى وأول موهمًا إذا ورد\nومما يدل على ضعف التأويل المذكور قوله:\nوإن يكونا مفردين فأضف ... ... ... حتما وإلا أتبع الذي ردف\nلأن إيجاب إضافة العلم إلى اللقب مع اتحادهما في المعنى إن كانا مفردين المستلزم للتأويل، ومنع الإتباع الذي لا يحتاج إلى تأويل دليل على أن ذلك من أساليب اللغة العربية، ولو لم يكن من أساليبها لوجب تقديم ما لا يحتاج إلى تأويل على المحتاج إلى تأويل كما ترى. وعلى هذا الوجه من التفسير فالمعنى: فمحونا الآية التي هي الليل، وجعلنا الآية التي هي النهار مبصرة. أي جعلنا الليل مَمْحُو الضوء مطموسه، مظلمًا لا تستبان فيه الأشياء كما لا يستبان ما في اللوح الممحو. وجعلنا النهار مبصرًا. أي تبصر فيه الأشياء وتستبان.] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>٤ - كل ما علا الماء يسمى طافيًا</span>.\n[كل ما علا على وجه الماء ولم يرسب فيه تسميه العرب طافيًا. ومن ذلك قول عبد اللَّه بن رواحة ﵁:\nوأن العرش فوق الماء طاف (٢) ... ... وفوق العرش رب العالمين (٣)\n_________\n(١) - (٣/ ٤٢١) (بني إسرائيل/١١)، وانظر أيضًا: (٣/ ٢٤١) (النحل/٣٠)، (٧/ ٨١٢) (الحديد/١٦)، (٧/ ٧٩٨) (الواقعة/٩٥ - ٩٦).\n(٢) - أسند الطفو هنا إلى العرش؛ لأن الطفو ملابس للعرش فهو وصف له، وإطلاق القعل وشبهه إلى ما له به ملابسة، يسمى مجازًا عقليًا، كما زعموا في قوله تعالى: ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ (الزلزلة:٢)، لإسناد الإخراج إلى الأرض لتلبسه بها، وهذا عند القائلين بالمجاز أحد أنواع المجاز العقلي، وطرفاه حقيقيان. وانظر الإتقان للسيوطي (٣/ ١٠٩ - ١١٠).\n(٣) - قال الحافظ الذهبي في \" العلو \" (ص/٤٩) (٨٣): [قال أبو عمر ابن عبد البر في كتاب \" الاستيعاب \": روينا من وجوه صحاح أن عبد الله بن رواحة مشى ليلة إلى أمة له فنالها، فرأته امرأته، فلامته، فجحدها، فقالت له: إن كنت صادقا فاقرأ القرآن، فإن الجنب لا يقرأ القرآن فقال: ...\nشهدت بأن وعد الله حق ... ... ... وأن النار مثوى الكافرينا\nوأن العرش فوق الماء طاف ... ... ... وفوق العرش رب العالمينا\nفقالت امرأته: صدق الله، وكذبت عيني، وكانت لا تحفظ القرآن. قلت: روي من وجوه مرسلة، منها: يحيى بن أيوب المصري حدثنا عمارة بن غزية عن قدامة بن محمد بن إبراهيم الحاطبي، فذكره فهو منقطع]. والقصة ضعفها أيضًا الحافظ ابن حجر في \"الكافي الشافي في تخريج أحاديث الكشاف\". والنووي في المجموع فقال (٢/ ١٨٣): إسنادُ هذه القصةِ ضعيفٌ ومنقطعٌ. والشيخ الألباني - ﵀ - في تخريج الطحاوية (ص/٢٨٢) (٣٠٦)، وحكم عليها بالنكارة الشيخ مشهور حسن في كتاب \"قصص لا تثبت\"، إلا أنه ذهب في تحقيق \"الخلافيات\" للبيهقي (٢/ ٣١ - ٣٨) إلى ثبوت الشِّعر الذي قاله عبد الله بن رواحة دون القصة المذكورة.","vol":"1","page":33},{"text":"ويحكى في نوادر المجانين أن مجنونًا مرّ به جماعة من بني راسب، وجماعة من بني طفاوة يختصمون في غلام، فقال لهم المجنون: القوا الغلام في البحر فإن رسب فيه فهو من بني راسب، وإن طفا على وجهه فهو من بني طفاوة.] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-16>٥ - الخيط الأبيض يطلق على الصبح، والأسود على الليل </span>(٢).\n[قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ بينه قوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ (البقرة: ١٨٧) والعرب تسمى ضوء الصبح خيطًا، وظلام الليل المختلط به خيطًا، ومنه قول أبي دواد الإيادي:\nفلما أضاءت لنا سدفة ... ... ... ولاح من الصبح خيط أنارا\nوقول الآخر:\nالخيط الأبيض ضوء الصبح منفلق ... والخيط الأسود جنح الليل مكتوم] (٣).\n_________\n(١) - (١/ ٨٤) (البقرة / ١٧٣).\n(٢) - ونوع المجاز هنا عند القائلين به هو مجاز الإسناد، والمجاز العقلي، وعلاقته هنا الزمانية؛ لأن (الخيط الأبيض)، وهو الضوء يحدث مع انفلاق الصبح، و(الخيط الأسود) الظلام يحدث مع دخول الليل، فأسند كلاهما لما يحدث فيه، ومثلوا له أيضًا بقوله تعالى: ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ (المزمل: ١٧)، قالوا: فقد أسند ﴿يَجْعَلُ﴾ إلى اليوم؛ لأنه يحدث فيه، وانظر الإتقان للسيوطي (٣/ ١٠٩).\n(٣) - (١/ ١٠٥) (البقرة/١٨٧).","vol":"1","page":34},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-17>٦ - ربما أطلقت العرب لفظ النعم على خصوص الإبل</span>.\n[قوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾ (آل عمران: ١٤)، ربما أطلقت العرب لفظ النعم على خصوص الإبل، ومنه قوله ﷺ: «من حمر النعم» (١) يعني: الإبل (٢). وقول حسان ﵁:\nوكانت لا يزال بها أنيس ... ... ... خلال مروجها نعم وشاء\nأي: إبل وشاء.] (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>٧ - إطلاق الخوف بمعنى العلم</span>.\n[الخوف في لغة العرب: الغم من أمر مستقبل. والحزن: الغم من أمر ماض. وربما استعمل كل منهما في موضع الآخر.\nوإطلاق الخوف على العلم أسلوب عربي معروف. قال بعض العلماء: ومنه قوله تعالى ﴿إِلاَّ أَن يَخَافَآ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾. قال معناه: إلا أن يعلما.\nومنه قول أبي محجن الثقفي:\nإذا مُت فادفِنّي إِلى أصلِ كَرمَةٍ ... ... تروّي عظامي في التراب عروقُها\nولا تَدفِنَنّي بالفلاةِ فإنّني ... ... ... أخافُ إذا ما مُتُّ أن لا أذوقُها (٤)\nفقوله أخاف: أي أعلم لأنه لا يشك في أنه لا يشربها بعد موته.] (٥)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>٨ - إسلام الوجه يطلق ويراد به الإذعان والانقياد التامّ</span>.\n[قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أنه لا أحد أحسن دينًا ممن أسلم وجهه للَّه، في حال\n_________\n(١) - جزء من حديث أخرجه البخاري (٣/ ١٠٧٧) (٢٧٨٣)، ومسلم (٤/ ١٨٧٢) (١٤٠٦) من حديث سهل بن سعد ﵁، وفيه قوله - ﷺ - لعلي ﵁: (فوالله لأن يهدى بك رجل واحد خير لك من حمر النعم).\n(٢) - ونوع المجاز هنا عند القائلين به هو المجاز اللفظي، من نوع إطلاق العام على الخاص، ومثل له أيضًا السيوطي في الإتقان (٣/ ١١٢) بقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْض﴾ (الشورى: ٥)، قال: أي المؤمنين، بدليل قوله: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ (غافر: ٧).\n(٣) - (١/ ٢٤٢ - ٢٤٣) (آل عمران/١٤).\n(٤) - بالأصل بعض التحريف، وصوبته من البرنامج الإلكتروني: (الموسوعة الشعرية).\n(٥) - (٧/ ٢٧٧ - ٢٧٨) (الزخرف/ ٦٨ - ٦٩)، وانظر (١/ ٢٦٩ - ٢٧٠) (النساء/٣).","vol":"1","page":35},{"text":"كونه محسنًا؛ لأن استفهام الإنكار مضمن معنى النفي ... ومعنى إسلام وجهه للَّه إطاعته وإذعانه، وانقياده لَّله تعالى بامتثال أمره، واجتناب نهيه في حال كونه محسنًا، أي: مخلصًا عمله للَّه لا يشرك فيه به شيئًا مراقبًا فيه للهِ كأنه يراه، فإن لم يكن يراه فاللَّه تعالى يراه، والعرب تطلق إسلام الوجه، وتريد به الإذعان والانقياد التامّ، ومنه قول زيد بن نفيل العدويّ:\nوأسلمت وجهي لمن أسلمت ... ... ... له المزن تحمل عذبًا زلالا\nوأسلمت وجهي لمن أسلمت ... ... ... له الأرض تحمل صخرًا ثقالا] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>٩ - عال يعول إذا جار ومال، وهو عائل </span>(٢).\n[العرب تقول: عال يعول إذا جار ومال، وهو عائل، ومنه قول أبي طالب:\nبميزان قسط لا يخيس شعيرة ... ... ... له شاهد من نفسه غير عائل\nأي: غير مائل ولا جائر، ومنه قول الآخر:\nقالوا تبعنا رسول اللَّه واطرحوا ... ... ... قول الرسول وعالوا في الموازين\nأي: جاروا، وقول الآخر:\nثلاثة أنفس وثلاث ذود ... ... ... لقد عال الزمان على عيالي\nأي: جار ومال، أما قول أحيحة بن الجلاح الأنصاريّ:\nوما يدري الفقير متى غناه ... ... ... وما يدري الغني متى يعيل\nوقول جرير:\nاللَّه نزل في الكتاب فريضة ... ... ... لابن السبيل وللفقير العائل\nوقوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾، فكل ذلك من العيلة، وهي الفقر، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾، فعال التي بمعنى جار واوية العين، والتي بمعنى افتقر يائية العين.\nوقال الشافعي ﵀: معنى قوله: ﴿أَلاَّ تَعُولُواْ﴾، أي: يكثر عيالكم من\n_________\n(١) - (١/ ٣٧١) (النساء/١٢٥).\n(٢) - ونوع المجاز هنا عند القائلين به هو المجاز العقلي، من إطلاق الفعل على ما له به ملابسه، ويسمى مجاز إسناد، وانظر الإتقان (٣/ ١٠٩).","vol":"1","page":36},{"text":"عال الرجل يعول إذا كثر عياله، وقول بعضهم: إنّ هذا لا يصح وإنّ المسموع أعال الرجل بصيغة الرباعي على وزن أفعل، فهو معيل إذا كثر عياله فلا وجه له؛ لأنّ الشافعي من أدرى الناس باللغة العربية؛ ولأنّ عال بمعنى كثر عياله لغة حمير، ومنه قول الشاعر:\nوأن الموت يأخذ كل حي ... ... ... بلا شك وإن أمشى وعالا\nيعني: وإن كثرت ماشيته وعياله، وقرأ الآية طلحة بن مصرف ﴿ألا تعيلوا﴾ بضم التاء من أعال إذا كثر عياله على اللغة المشهورة.] (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>١٠ - يسمى النفخ روحًا </span>(٢).\nقال العلامة الشنقيطي - ﵀ - وهو يتكلم عن سبب تسمية سيدنا عيسى - ﵇ - روحًا: [وقيل سمي روحًا بسبب نفخة سيدنا جبريل - ﵇ - المذكورة في سورة الأنبياء، والتحريم، والعرب تسمي النفخ روحًا؛ لأنه ريح تخرج من الروح، ومنه قول ذي الرمة:\nفَقُلتُ لَهُ اِرفَعها إِلَيكَ وَأَحيِها ... ... بِروحِكَ وَاِقتَتهُ لَها قيتَة قَدرا] (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-22>١١ - الخفض بالمجاورة</span>.\n[الخفض بالمجاورة أسلوب من أساليب اللغة العربية، وأنه جاء في القرآن لأنه بلسان عربي مبين.\nفمنه في النعت قول امرئ القيس:\nكأن ثبيرا في عرانين ودقه ... ... ... كبير أناس في بجاد مزمل\nبخفض «مزمل» بالمجاورة، مع أنه نعت «كبير» المرفوع بأنه خبر «كأن» وقول ذي الرمة:\nتريك سنة وجه غير مقرفة ... ... ... ملساء ليس بها خال ولا ندب\nإذ الرواية بخفض «غير»، كما قاله غير واحد للمجاورة، مع أنه نعت «سنة» المنصوب بالمفعولية.\n_________\n(١) - (١/ ٣٧٥ - ٣٧٦) (النساء/١٢٩).\n(٢) - ونوع المجاز هنا عند القائلين به هو: المجاز اللفظي من باب إطلاق اللازم على الملزوم.\n(٣) - (١/ ٣٨٢) (النساء/١٧١).","vol":"1","page":37},{"text":"ومنه في العطف قول النابغة:\nلم يبق إلا أسير غير منفلت ... ... ... وموثق في حبال القد مجنوب\nبخفض «موثق» لمجاورته المخفوض، مع أنه معطوف على «أسير» المرفوع بالفاعلية.\nوقول امرئ القيس:\nوظل طهاة اللحم ما بين منضج ... ... ... صفيف شواءٍ أو قدير معجل\nبجر «قدير» لمجاورته للمخفوض، مع أنه عطف على «صفيف» المنصوب بأنه مفعول اسم الفاعل الذي هو «منضج» والصفيف: فعيل بمعنى مفعول وهو المصفوف من اللحم على الجمر لينشوي، والقدير: كذلك فعيل بمعنى مفعول، وهو المجعول في القدر من اللحم لينضج بالطبخ.\nوهذا الإعراب الذي ذكرناه هو الحق، لأن الإنضاج واقع على كل من الصفيف والقدير، فما زعمه «الصبان» في حاشيته على «الأشموني» من أن قوله «أو قدير» معطوف على «منضج» بتقدير المضاف أي وطابخ قدير الخ ظاهر السقوط، لأن المنضج شامل لشاوي الصفيف، وطابخ القدير. فلا حاجة إلى عطف الطابخ على المنضج لشموله له، ولا داعي لتقدير «طابخ» محذوف.\nوما ذكره العيني من أنه معطوف على «شواء»، فهو ظاهر السقوط أيضًا. وقد رده عليه «الصبان»، لأن المعنى يصير بذلك: وصفيف قدير، والقدير لا يكون صفيفًا.\nوالتحقيق: هو ما ذكرنا من الخفض بالمجاورة، وبه جزم ابن قدامة في المغني.\nومن الخفض بالمجاورة في العطف قول زهير:\nلعب الزمان بها وغيرها ... ... ... بعدي سوافي المور والقطر\nبجر «القطر» لمجاورته للمخفوض مع أنه معطوف على «سوافي» المرفوع، بأنه فاعل غير.\nومنه في التوكيد قول الشاعر:\nيا صاح بلغ ذوي الزوجات كلهم ... أن ليس وصل إذا انحلت عرى الذنب","vol":"1","page":38},{"text":"بجر «كلهم» على ما حكاه الفراء، لمجاورة المخفوض، مع أنه توكيد «ذوي» المنصوب بالمفعولية.\nومن أمثلته في القرآن العظيم في العطف كالآية التي نحن بصددها قوله تعالى: ﴿وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾، على قراءة حمزة، والكسائي.\nورواية المفضل عن عاصم بالجر لمجاورته لأكواب وأباريق، إلى قوله: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ﴾ مع أن قوله: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ حكمه الرفع: فقيل، إنه معطوف على فاعل «يطوف» الذي هو ﴿وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ﴾.\nوقيل: هو مرفوع على أنه مبتدأ خبره محذوف دل المقام عليه.\nأي: وفيها حور عين، أو لهم حور عين. وإذن فهو من العطف بحسب المعنى.\nوقد أنشد سيبويه للعطف على المعنى قول الشماخ، أو ذي الرمة:\nبادت وغير آيهن مع البلا ... ... ... إلا رواكد جمرهن هباء\nومشجَّج أما سواء قذاله ... ... ... فبدا وغيب ساره المعزاء\nلأن الرواية بنصب «رواكد» على الاستثناء، ورفع مشجج عطفًا عليه، لأن المعنى لم يبق منها إلا رواكد ومشجج، ومراده بالرواكد أثافي القدر، وبالمشجج وتد الخباء، وبه تعلم أن وجه الخفض في قراءة حمزة، والكسائي هو المجاورة للمخفوض، كما ذكرنا خلافًا لمن قال في قراءة الجر: إن العطف على أكواب، أي يطاف عليهم بأكواب، وبحور عين، ولمن قال: إنه معطوف على جنات النعيم، أي هم في جنات النعيم، وفي حورٍ على تقدير حذف مضاف أي في معاشرة حور.\nولا يخفى ما في هذين الوجهين، لأن الأول يرد، بأن الحور العين لا يطاف بهن مع الشراب، لقوله تعالى: ﴿حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِى الْخِيَامِ﴾.\nوالثاني فيه أن كونهم في جنات النعيم، وفي حور ظاهر السقوط كما ترى، وتقدير ما لا دليل عليه لا وجه له.\nوأجيب عن الأول بجوابين، الأول: أن العطف فيه بحسب المعنى، لأن المعنى: يتنعمون بأكواب وفاكهة ولحم وحور. قاله الزجاج وغيره.\nالجواب الثاني: أن الحور قسمان: حور مقصورات في الخيام،: وحور","vol":"1","page":39},{"text":"يطاف بهن عليهم، قاله الفخر الرازي وغيره، وهو تقسيم لا دليل عليه، ولا يعرف من صفات الحور العين كونهن يطاف بهن كالشراب، فأظهرها الخفض بالمجاورة، كما ذكرنا.\nوكلام الفراء وقطرب، يدل عليه، وما رد به القول بالعطف على أكواب من كون الحور لا يطاف بهن يرد به القول بالعطف على ﴿وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ﴾، في قراءة الرفع، لأنه يقتضي أن الحور يطفن عليهم كالولدان، والقصر في الخيام ينافي ذلك.\nوممن جزم بأن خفض ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ لمجاورة المخفوض البيهقي في (السنن الكبرى)، فإنه قال ما نصه: باب قراءة من قرأ ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ نصبًا، وأن الأمر رجع إلى الغسل وأن من قرأها خفضًا، فإنما هو للمجاورة، ثم ساق أسانيده إلى ابن عباس، وعلي، وعبد الله بن مسعود، وعروة بن الزبير، ومجاهد وعطاء والأعرج وعبد الله بن عمرو بن غيلان، ونافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم القارىء، وأبي محمد يعقوب بن إسحاق بن يزيد الحضرمي أنهم قرأوها كلهم: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بالنصب.\nقال: وبلغني عن إبراهيم بن يزيد التيمي أنه كان يقرؤها نصبًا، وعن عبد الله بن عامر اليحصبي، وعن عاصم برواية حفص، وعن أبي بكر بن عياش من رواية الأعشى، وعن الكسائي، كل هؤلاء نصبوها.\nومن خفضها فإنما هو للمجاورة، قال الأعمش: كانوا يقرأونها بالخفض، وكانوا يغسلون، اه كلام البيهقي.\nومن أمثلة الخفض بالمجاورة في القرآن في النعت قوله تعالى ﴿عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ﴾ بخفض ﴿مُحِيطٌ﴾ مع أنه نعت للعذاب. وقوله تعالى: ﴿عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾، ومما يدل أن النعت للعذاب، وقد خفض للمجاورة، كثرة ورود الألم في القرآن نعتًا للعذاب. وقوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ فِى لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾ على قراءة من قرأ بخفض ﴿مَّحْفُوظٍ﴾ كما قاله القرطبي ومن كلام العرب «هذا جحر ضب خرب» بخفض خرب لمجاورة المخفوض مع أنه نعت خبر المبتدأ. وبهذا تعلم أن دعوى كون الخفض بالمجاورة لحنًا لا يتحمل إلا لضرورة الشعر باطلة.] (١).\n_________\n(١) - (٢/ ٨ - ١٢) (المائدة/٦).","vol":"1","page":40},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-23>١٢ - يطلق المسح على الغسل</span>.\nقال العلامة الشنقيطي - ﵀ - وهو يتكلم على الجمع بين قراءتي الخفض، والنصب في قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْن﴾ (المائدة: ٦) [وقال بعض العلماء: المراد بمسح الرجلين غسلهما: والعرب تطلق المسح على الغسل أيضًا، وتقول: تمسَّحت بمعنى توضأت، ومسح المطر الأرض أي غسلها، ومسح الله ما بك أي غسل عنك الذنوب والأذى.] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>١٣ - ربّما اسْتُعمِل التحرير في الإخراج مِن الأسر والمشقّات، وتعب الدنيا ونحو ذلك</span>.\n[قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾، والمراد بالتحرير الإخراج من الرقّ، وربّما استعملته العرب في الإخراج مِن الأسر والمشقّات، وتعب الدنيا ونحو ذلك، ومنه قول والدة مريم ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ أي من تعب أعمال الدُّنيا، ومنه قول الفرزدق همام بن غالب التميمي:\nأبني غدانة إنِّي حررتكم ... ... ... فوهبتكم لعطية بن جعال\nيعني حررتكم من الهجاء، فلا أهجوكم.] (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>١٤ - إطلاق شيطان على المتمرد </span>(٣).\n[اللسان العربي الذي نزل به القرآن يطلق اسم الشيطان على كل عات متمرد من الجن، والإنس، والدواب، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ﴾، وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِىٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ ومنه قوله ﷺ: «الكلب الأسود شيطان» (٤) وقول جرير:\n_________\n(١) - (٢/ ١٣) (المائدة/٦).\n(٢) - (٢/ ١١٤) (المائدة/٨٩).\n(٣) - ونوع المجاز هنا عند القائلين به هو المجاز في مفرد، ويسمى اللغوي، من نوع إطلاق المصدر أو شبهه على اسم الفاعل، ومثلوا له أيضًا بقوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي﴾ (الشعراء: ٧٧)، أي معادون، وانظر الإتقان (٣/ ١١٦)، وأسرار البيان (ص/١١١).\n(٤) - أخرجه مسلم من حديث أبي ذر ﵁ (١/ ٣٦٥) (٥١٠).","vol":"1","page":41},{"text":"أيام يدعونني الشيطان من غزلي ... وكن يهوينني إذ كنت شيطانا] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>١٥ - يطلق المجموع مرادًا بعضه</span>.\n[قال بعض العلماء: ﴿رُسُلٌ مِّنْكُمْ﴾ (٢) أي من مجموعكم الصادق بخصوص الإنس: لأنه لا رسل من الجن، ويستأنس لهذا القول بأن القرآن ربما أطلق فيه المجموع مرادًا بعضه، كقوله: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾، وقوله: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا﴾، مع أن العاقر واحد منهم، كما بينه بقوله: ﴿فَنَادَوْاْ صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ﴾.] (٣).\nوقال أيضًا [من أساليب العربية إسناد الفعل إلى المجموع، مع أن فاعله بعضهم لا جميعهم. ومن أظهر الأدلة القرآنية في ذلك قراءة حمزة والكسائي ﴿فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ من القتل في الفعلين، أي فإن قتلوا بعضكم فليقتلهم بعضكم الآخر كما تقدم مرارًا. ومن أظهر الشواهد العربية في ذلك قول الفرزدق:\nفسيف بني عبس وقد ضربوا به ... ... ... نبا بيدي ورقاء عن رأس خالد\nفقد أسند الضرب إلى بني عبس، مع أنه صرح بأن الضارب الذي بيده السيف هو ورقاء وهو ابن زهير بن جذيمة العبسي. وخالد هو ابن جعفر الكلابي. وقصة قتله لزهير المذكور مشهورة.] (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>١٦ - يطلق لا شيء على ما لا نفع فيه</span>.\n[ومن المعلوم أن العرب تطلق لا شيء على ما لا نفع فيه. ألا ترى أن\n_________\n(١) - (٣/ ١٠٩) (الحجر/ ١٧ - ١٨)، وانظر: (٢/ ١٨٦) (الأنعام/١١٢).\n(٢) - ونوع المجاز هنا عند القائلين به هو المجاز مفرد، ويسمى اللغوي، من إطلاق الفعل على شيئين أو أكثر، وهو لأحدهم، مثلوا له أيضًا بقوله تعالى: ﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ (الكهف: ٦١)، مع أن الناسي هو الغلام فقط كما هو معلوم، وانظر الإتقان (٣/ ١١٧)، وفيه أيضًا مجاز مرسل علاقته كلية، حيث أطلق الكل، وأراد البعض، وانظر أسرار البيان (ص/١٢٢)، والإتقان (٣/ ١١١ - ١١٢).\n(٣) - (٢/ ١٨٨) (الأنعام/١٣٠)، وانظر أيضًا: (٣/ ١١١) (الحجر/١٧، ١٨)، (٤/ ١٧٠) (الكهف/٦١)، (٤/ ٢٣١) (مريم/٧)، (٧/ ٧٢٤) (القمر/٢٩)، ...\n(٤) - (٤/ ٣٧٠) (مريم/٦٧)، وانظر أيضًا: (٧/ ٢٥٩) (الزخرف/٥٧، ٥٨)، (٧/ ٦٧١ - ٦٧٢) (الذاريات/٥٦).","vol":"1","page":42},{"text":"الله يقول في المنافقين: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ﴾، مع أنه يقول فيهم: ﴿فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ\nسَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾، ويقول فيهم: ﴿وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ أي لفصاحتهم وحلاوة ألسنتهم. ويقول فيهم: ﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ وما ذلك إلا لأن الكلام ونحوه الذي لا فائدة فيه كلا شيء: فيصدق على صاحبه أنه أعمى\nوأصم وأبكم، ومن ذلك قول قعنب بن أم صاحب:\nصُمٌّ إذا سمعوا خيرًا ذُكِرت به ... ... وإن ذكرت بسوء عندهم أَذنوا\nوقول الآخر:\nأصمٌّ عن الأمر الذي لا أريده ... ... وأسمع خلق الله حين أريد\nوقول الآخر:\nقل ما بدا لك من زور ومن كذب ... ... ... حلمي أصم وأذني غير صماء\nونظائر هذا كثيرة في كلام العرب من إطلاق الصمم على السماع الذي لا فائدة فيه. وكذلك الكلام الذي لا فائدة فيه، والرؤية التي لا فائدة فيها.] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>١٧ - القرابة إذا كانت قرابة نسب تعين التأنيث فيها، وإن كانت قرابة مسافة جاز التذكير والتأنيث</span>.\n[من أساليب اللغة العربية أن القرابة إذا كانت قرابة نسب تعين التأنيث فيها في الأنثى فتقول: هذا المرأة قريبتي أي في النسب ولا تقول: قريب مني. وإن كانت قرابة مسافة جاز التذكير والتأنيث. فتقول: داره قريب وقريبة مني، ويدل لهذا الوجه قوله تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ وقول امرىء القيس:\nلَهُ الوَيلُ إِن أَمسى وَلا أُمُّ هاشِمٍ ... قَريبٌ وَلا البَسباسَةُ اِبنَةَ يَشكُرا] (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>١٨ - يطلق اسم الفيء على الغنيمة</span>.\nقال بعض العلماء: إن الغنيمة والفيء واحد، فجميع ما أخذ من الكفار على\nأي وجه كان غنيمة وفيء، وهذا قول قتادة ﵀ وهو المعروف في اللغة،\n_________\n(١) - (٤/ ٥٩٨ - ٥٩٩) (طه/١٢٤)، وانظر أيضًا: (٢/ ٢٥٧) (الأعراف/٢)، (٣/ ٣٠٠) (النحل/٨٤)، (٦/ ٤٢١) (النمل/٨٠).\n(٢) - (٢/ ٢٨٨) (الأعراف/٥٦).","vol":"1","page":43},{"text":"فالعرب تطلق اسم الفيء على الغنيمة، ومنه قول مهلهل بن ربيعة التغلبي:\nفلا وأبي جليلة ما أفأنا ... ... ... من النعم المؤبل من بعير\nولكنا نهكنا القوم ضربا ... ... ... على الأثباج منهم والنحور\nيعني أنهم لم يشتغلوا بسوق الغنائم ولكن بقتل الرجال فقوله: أفأنا: يعني غنمًا، ويدل لهذا الوجه قوله تعالى: ﴿وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّآ أَفَآءَ اللَّهُ عَلَيْكَ﴾، لأن ظاهر هذه الآية الكريمة شمول ذلك لجميع المسبيات ولو كن منتزعات قهرًا، ولكن الاصطلاح المشهور عند العلماء هو ما قدمنا من الفرق بينهما، وتدل له آية الحشر المتقدمة-أي قوله تعالى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ -.] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-30>١٩ - يطلق الحرف الواحد من الكلمة، ويراد به جميع الكلمة</span>.\n[العرب قد تطلق الحرف الواحد من الكلمة، وتريد به جميع الكلمة كقول الراجز:\nقلت لها قفي فقالت لي قاف ... ... ... لا تحسبي أنا نسينا الإيجاف\nفقوله: «قاف» أي وقفت. وقول الآخر:\nبالخير خيرات وإن شرًا فا ... ... ... ولا أريد الشر إلا أن تا\nيعني: وإن شرًا فشر، ولا أريد الشر إلا أن تشاء. فاكتفى بالفاء والتاء عن بقية الكلمتين.\nقال القرطبي: وفي الحديث «من أعان على قتل مسلم بشطر كلمة» الحديث (٢). قال سفيان: هو أن يقول في أقتل: أق.] (٣).\n_________\n(١) - (٢/ ٣١٦) (الأنفال/٤١).\n(٢) - أخرجه ابن ماجه (٢/ ٨٧٤) (٢٦٢٠) من حديث أبي هريرة - ﵁ -، وقال البوصيري في الزوائد في إسناده يزيد بن أبي زياد بالغوا في تضعيفه حتى قيل كأنه حديث موضوع.، وقال الشيخ الألباني: ضعيف جدًا.\n(٣) - (٣/ ٤ - ٥) (هود/١).","vol":"1","page":44},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-31>٢٠ - عادة العرب قولهم: لا أستطيع أن أسمع كذا، إذا كان شديد الكراهية، والبغض له </span>(١).\n[قوله تعالى: ﴿مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ﴾ ... المعنى ما كانوا يستطيعون السمع أي لشدة كراهيتهم لكلام الرسل على عادة العرب في قولهم: لا أستطيع أن أسمع كذا إذا كان شديد الكراهية والبغض له ويشهد لهذا القول قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِى وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا﴾ وقوله تعالى ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَسْمَعُواْ لِهذا الْقُرْآنِ﴾ وقوله ﴿وَإِنِّى كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُواْ أَصَابِعَهُمْ فِى آذَانِهِمْ﴾.] (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-32>٢١ - الضلال يطلق بمعنى: الذهاب عن طريق الحق إلى طريق الباطل، وبمعنى: الضلال بمعنى الهلاك والغيبة والاضمحلال، وبمعنى: الذهاب عن علم حقيقة الأمر المطابقة للواقع</span>.\n[وقد قدمنا أن الضلال يطلق في القرآن واللغة العربية ثلاثة إطلاقات:\nالأول: الضلال بمعنى الذهاب عن طريق الحق إلى طريق الباطل. كالذهاب عن الإسلام إلى الكفر. وهذا أكثر استعمالاته في القرآن. ومنه قوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّآلِّينَ﴾، وقوله: ﴿وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَآءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرًا وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ السَّبِيلِ﴾.\nالثاني: الضلال بمعنى الهلاك والغيبة والاضمحلال، ومنه قول العرب: ضل السمن في الطعام إذا استهلك فيه وغاب فيه. ومنه بهذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ أي غاب واضمحل، وقوله هنا: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ﴾ أي بطل\n_________\n(١) - ونوع المجاز هنا عند القائلين به هو المجاز في مفرد، ويسمى اللغوي، من نوع إطلاق المسبب على السبب أي أنهم بسبب شدة كرايتهم، وبغضهم للحق ما كانوا يستطيعون سماعه، ومثل له السيوطي أيضًا بقوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾ (غافر: ١٣)، وقوله: ﴿قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا﴾ (الأعراف: ٢٦)، أي مطرًا يتسبب عنه الرزق، واللباس، وقوله تعالى: ﴿لا يَجِدُونَ نِكَاحًا﴾ (النور: ٣٣) أي مؤنة من مهر، ونفقة، وما لابد للمتزوج منه. وانظر الإتقان (٣/ ١١٣)، وأسرار البيان (ص/١٢١).\n(٢) - (٣/ ١٥) (هود/٢٠).","vol":"1","page":45},{"text":"واضمحل، وقول الشاعر:\nألم تسأل فتخبرك الديار ... ... ... عن الحي المضلل أين ساروا\nأي عن الحي الذي غاب واضمحل، ومن هنا سمي الدفن إضلالًا؛ لأن مآل الميت المدفون إلى أن تختلط عظامه بالأرض، فيضل فيها كما يضل السمن في الطعام. ومن إطلاق الضلال على الدفن قول نابغه ذبيان:\nفآب مضلوه بعين جلية ... ... ... وغودو بالجولان حزم ونائل\nفقوله «مضلوه» يعني دافنيه في قبره.\nومن هذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ أَءِذَا ضَلَلْنَا فِى الاٌّرْضِ أَءِنَّا لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾. فمعنى ﴿ضَلَلْنَا فِى الاٌّرْضِ﴾ أنهم اختلطت عظامهم الرميم بها لغابت واستهلكت فيها.\nالثالث: الضلال بمعنى الذهاب عن علم حقيقة الأمر المطابقة للواقع، ومنه بهذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَآلًاّ فَهَدَى﴾ أي ذاهبًا عما تعلمه الآن من العلوم والمعارف التي لا تعرف إلا بالوحي فهداك إلى تلك العلوم والمعارف بالوحي. وحدد هذا المعنى قوله تعالى عن أولاد يعقوب: ﴿قَالُواْ تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِى ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾ أي ذهابك عن العلم بحقيقة أمر يوسف، ومن أجل ذلك تطمع في رجوعه إليك، وذلك لا طمع فيه على أظهر التفسيرات وقوله تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا﴾ أي نذهب عن حقيقة علم المشهود به بنسيان أو نحوه، بدليل قوله ﴿فَتُذَكّرَ أَحَدُهُمَا الاْخْرَى﴾، وقوله تعالى: ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّى فِى كِتَابٍ لاَّ يَضِلُّ رَبِّى وَلاَ يَنسَى﴾ ومن هذا المعنى قول الشاعر:\nوتظن سلمى أنثى أبغى بها ... ... ... بدلًا أراها في الضلال تهيم\nفقوله «أراها في الضلال» أي الذهاب عن علم حقيقة الأمر حيث تظنني أبغى بها بدلًا، والواقع بخلاف ذلك] (١).\n_________\n(١) - (٤/ ٢٠٩: ٢١١) (الكهف/١٠٣: ١٠٥)، وانظر (٣/ ٤٦: ٤٨) (يوسف/٨)، (٦/ ٣٧١: ٣٧٣) (الشعراء/٢٠).","vol":"1","page":46},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-33>٢٢ - يطلق الهم ويراد به المحبة والشهوة</span>.\n[العرب تطلق الهم وتريد به المحبة والشهوة، فيقول الإنسان فيما لا يحبه ولا يشتهيه: هذا ما يهمني، ويقول فيما يحبه ويشتهيه: هذا أهم الأشياء إلي] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-34>٢٣ - إذا كان المحكوم عليه غير موجود فيعلم منه انتفاء الحكم عليه بذلك الأمر الموجودي</span>.\nقال العلامة الشنقيطي - ﵀ - عند قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ (الرعد: ٢) مرجحًا أن السماء لا عمد لها: [وهذا القول يدل عليه تصريحه تعالى في سورة «الحج» أنه هو الذي يمسكها أن تقع على الأرض في قوله: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَآءَ أَن تَقَعَ عَلَى الاٌّرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾. قال ابن كثير: فعلى هذا يكون قوله: ﴿تَرَوْنَهَا﴾ تأكيدًا لنفي ذلك، أي هي مرفوعة بغير عمد كما ترونها كذلك، وهذا هو الأكمل في القدرة اهـ.\nقال مقيده عفا الله عنه: الظاهر أن هذا القول من قبيل السالبة لا تقتضي وجود الموضوع، والمراد أن المقصود نفى اتصاف المحكوم عليه بالمحكوم به، وذلك صادق بصورتين:\nالأولى: أن يكون المحكوم عليه موجودًا، ولكن المحكوم به منتف عنه، كقولك ليس الإنسان بحجر، فالإنسان موجود والحجرية منتفية عنه.\nالثانية: أن يكون المحكوم عليه غير موجود فيعلم منه انتفاء الحكم عليه بذلك الأمر الموجودي، وهذا النوع من أساليب اللغة العربية، ومثاله في اللغة قول امرئ القيس:\nعلى لا حب لا يهتدى بمناره ... ... ... إذا سافه العود النباطي جرجوا\nأي لا منار له أصلًا حتى يهتدي به، وقوله:\nلا تفزع الأرنب أهوالها ... ... ... ولا ترى الضب بها ينجحر\nيعني لا أرانب فيها ولا ضباب. وعلى هذا فقوله ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ أي: لا عمد لها حتى تروها] (٢).\n_________\n(١) - (٣/ ٥٢) (يوسف/٢٤).\n(٢) - (٣/ ٦٨) (الرعد/٢)، وانظر أيضًا (٦/ ٦٥٩) (يس/٢٣ - ٢٤).","vol":"1","page":47},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-35>٢٤ - \" وراء \" تطلق بمعنى: أمام </span>(١).\n[قوله تعالى: ﴿مِّن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ﴾ وراء هنا بمعنى أمام كما هو ظاهر. ويدل له إطلاق وراء بمعنى إمام في القرآن وفي كلام العرب، فمنه في القرآن قوله تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ أي أمامهم ملك. وكان ابن عباس يقرؤها: وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة غصبًا، ومن إطلاق وراء بمعنى أمام في كلام العرب قول لبيد:\nأليس ورائي إن تراخت منيتي ... ... ... لزوم العصا تحنى عليها الأصابع\nوقول الآخر:\nأترجو بنو مروان سمعي وطاعتي ... ... ... وقومي تميم والفلاة ورائيا\nوقوله الآخر:\nومن ورائك يوم أنت بالغه ... ... ... لا حاضر معجز عنه ولا باد\nفوراء بمعنى أمام في الأبيات.\nوقال بعض العلماء. ومعنى من ورائه جهنم، أي من بعد هلاكه جهنم، وعليه فوراء في الآية بمعنى بعد، ومن إطلاق وراء بمعنى بعد قول النابغة:\nحلفت فلم أترك لنفسك ريبة ... ... ... وليس وراء الله للمرء مذهب\nأي ليس بعد الله مذهب، قاله القرطبي. والأول هو الظاهر وهو الحق] (٢).\n\n٢٥ - الغلام يطلق على العبد، وعلى الصغير الذي لم يبلغ، وعلى الرجل البالغ (٣)، وربما قالوا للأنثى غلامة.\n[الغلام يطلق في لغة العرب على العبد، وعلى الصغير الذي لم يبلغ، وعلى الرجل البالغ.\n_________\n(١) - ونوع المجاز هنا عند القائلين به هو المجاز في مفرد، ويسمى اللغوي، من نوع إطلاق الشيء، وإرادة ضده، وانظر الإتقان (٣/ ١١٥).\n(٢) - (٣/ ٩٦) (إبراهيم/١٦).\n(٣) - إطلاق الغلام على الرجل البالغ فيه عند القائلين بالمجاز مجاز مفرد، وعلاقته: اعتبار ما كان، أي الذي كان غلامًا، ومثلوا له أيضًا بقوله تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ (النساء: ٢) أي الذين كانوا يتامى، وانظر الإتقان (٣/ ١١٣)، وأسرار البيان (ص/١١٩).","vol":"1","page":48},{"text":"ومن إطلاقه على البالغ قول علي رضي الله يوم النهروان:\nأنا الغلام القرشي المؤتمن ... ... ... أبو حسين فاعلمن والحسن\nوقول صفوان بن المعطل السلمي لحسان ﵄:\nتلق ذباب السيف عني فإنني ... ... ... غلام إذا هوجيت لست بشاعر\nوقول ليلى الأخيلية تمدح الحجاج بن يوسف:\nإذا نزل الحجاج أرضا مريضة ... ... ... تتبع أقصى دائها فشفاها\nشفاها من الداء العضال الذي بها ... ... غلام إذا هز القناة سقاها\nوربما قالوا للأنثى غلامة ومنه قول أوس بن غلفاء الهجيمي يصف فرسًا:\nومركضة صريحي أبوها ... ... ... يهان لها الغلامة والغلام] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-37>٢٦ - صدعت الشيء: أظهرته</span>.\n[قوله: ﴿فَاصْدَعْ﴾ قال بعض العلماء: أصله من الصدع بمعنى الإظهار، ومنه قولهم: انصدع الصبح: انشق عنه الليل. والصديع: الفجر لانصداعه، ومنه قول عمرو بن معد يكرب:\nترى السرحان مفترشًا يديه ... ... ... كأن بياض لبته صديع\nأي فجر والمعنى على هذا القول: أظهر ما تؤمر به وبلغه علنًا على رؤوس الأشهاد وتقول العرب:\nصدعت الشيء: أظهرته. ومنه قول أبي ذؤيب:\nوكأنهن ربابة وكأنه ... ... ... يسر يفيض على القداح ويصدع\nقاله صاحب اللسان] (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-38>٢٧ - يطلق اسم الشجر على كل ما تنبته الأرض من المرعى </span>(٣).\n_________\n(١) - (٣/ ١٣٥ - ١٣٦) (الحجر/٥٣).\n(٢) - (٣/ ١٨١) (الحجر/٩٤).\n(٣) - ونوع المجاز هنا عند القائلين به هو المجاز في مفرد، ويسمى اللغوي، فالأرض تنبت الشجر بجميع أنواعه، فإذا أطلق الشجر على كل ما تنبته الأرض يكون من باب إطلاق الخاص على العام، ومثلوا له بقوله تعالى: ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الشعراء: ١٦) أي: رسله. وانظر الإتقان (٣/ ١١٢).","vol":"1","page":49},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-39>٢٨ - يقال: سامت المواشي، إذا رعت في المرعى الذي ينبته الله بالمطر. وأسامها صاحبها: أي رعاها فيه</span>.\n[قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ (١) أي ترعون مواشيكم السائمة\nفي ذلك الشجر الذي هو المرعى. والعرب تطلق اسم الشجر على كل ما تنبته الأرض من المرعى. ومنه قول النمر بن تولب العكلي:\nإنا أتيناك وقد طال السفر ... ... ... نقود خيلا ضمرا فيها صعر\nنطعمها اللحم إذا عز الشجر\nوالعرب تقول: سامت المواشي إذا رعت في المرعى الذي ينبته الله بالمطر. وأسامها صاحبها: أي رعاها فيه، ومنه قول الشاعر:\nمثل ابن بزعة أو كآخر مثله ... ... ... أولى لك ابن مسيمة الأجمال\nيعني يا ابن راعية الجمال التي تسيمها في المرعى] (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-40>٢٩ - يذكر وصف الأنثى باعتبار الشخص، وكذلك لا مانع من تأنيث صفة الذكر باعتبار النسمة أو النفس </span>(٣).\n_________\n(١) - ونوع المجاز في هذه الآية عند القائلين به هو المجاز في التركيب، ويسمى مجاز الإسناد، والمجاز العقلي، فقد أسند الفعل لعاقل، مع أن الأنعام هي التي تسوم، والعلاقة هنا الملابسة؛ لأن الناس متلبسون بالفعل، فهم الذين يسيمون أنعامهم، وانظر الإتقان (٣/ ١٠٩).\n(٢) - (٣/ ٢٠٤ - ٢٠٥) (النحل/١٠).\n(٣) - وتذكير المؤنث على تأويله بمذكر، أو تأنيث المذكر، فيه عند القائلين بالمجاز مجاز مفرد، ويسمى اللغوي، من نوع إقامة صيغة مقام أخرى، وقد مثل له السيوطي بأمثلة كثيرة، وانظر الإتقان (٣/ ١٢٠ - ١٢١). وقال الثعالبي في سر العربية (ص/٣٥٩): [فصل في حمل اللفظ على المعنى في تذكير المؤنث وتأنيث المذكر: من سنن العرب ترك حكم ظاهر اللفظ وحمله على معناه كما يقولون: ثلاثةُ أنفس والنفس مؤنثة وإنما حملوه على معنى الإنسان أو معنى الشّخص. قال الشاعر:\nما عندنا إلا ثلاثة أنفسِ ... مِثلُ النُّجومِ تلألأتُ في الحِندِسِ\nوقال عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة:\nفكان مِجَنِّي دون ما كنتُ أتَّقي ... ثلاثُ شُخوصٍ كاعِبانِ وَمُعْصِرُ\nفحمل ذلك على أنهن نساء. وقال الأعشى:\nلِقومٍ وكانوا هُمُ المُنْفِدِينَ ... شَرَبَهُمُ قَبْلَ تَنْفادِها\nفأنَّث الشراب لما كان الخمر المعني وهي مؤنثة كما ذكر الكفّ وهي مؤنثة في قوله:\nأرى رجلا منهم أسيفًا كأنَّما ... يَضُمُّ إلى كَشْحيه كفًَّا مُخَضَّبا\nفحمل الكلام على العضو وهو مذكر. وكما قال الآخر:\nيا أيها الرَّاكب المُزجي مَطِّيته ... سائلْبني أسدٍ ما هذهِ الصَّوتُ\nأي ما هذه الجَلَبة. وقال آخر:\nمِنَ النَّاسِ إنسانان دَيْنِي عَليهما ... مَليئان لو شَاءَا لقد قَضَياني\nخليلَيَّ أمّا أمُّ عَمروٍ فَواحِدٌ ... وأمَّا عنِ الثاني فلا تَسلاني\nفحمل المعنى على الإنسان أو على الشخص. وفي القرآن: \" وأعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالساعة سَعيرًا \" والسَّعير مذكر ثمَّ قال: \" إذا رَأتهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعيدٍ \" فحمله على النار فأنثه وقال عزَّ إسمه: \" فأحْيَينا بهِ بَلْدَةً ميتًا \" ولم يقل ميتة لأنه حمله على المكان. وقال جلّ ثناؤه: \" السَّماء مُنْفَطِرٌ بِه \" فذكر السّماء وهي مؤنثة لأنه حمل الكلام على السقف وكل ما علاك وأظلك فهو سماء والله أعلم].","vol":"1","page":50},{"text":"[قال مقيّده عفا اللَّه عنه وغفر له: أظهر القولين عندي فيمن قال لذكر: يا زانية بصيغة التأنيث، أو قال لامرأة: يا زاني بصيغة التذكير، أنه يلزمه الحدّ.\nوإيضاحه أن القاذف بالعبارتين المذكورتين لا يخلو من أحد أمرين، إما أن يكون عاميًّا لا يعرف العربية، أو يكون له علم باللغة العربية، فإن كان عاميًّا فقد يكون غير عالم بالفرق بين العبارتين، ونداؤه للشخص بلفظ الزنى ظاهر في قصده قذفه، وإن كان عالمًا باللغة، فاللغة يكثر فيها إطلاق وصف الذكر على الأنثى باعتبار كونها شخصًا.\nوقد قدّمنا بعض أمثلة ذلك في سورة «النحل» (١)، في الكلام على قوله: ﴿وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾، ومما ذكرنا من الشواهد هناك قول حسان ﵁:\nمنع النوم بالعشاء الهموم ... ... ... وخيال إذا تغار النجوم\nمن حبيب أصاب قلبك منه ... ... ... سقم فهو داخل مكتوم\n_________\n(١) - (٣/ ٢٢٣) (النحل/١٣).","vol":"1","page":51},{"text":"ومراده بالحبيب أنثى، بدليل قوله بعده:\nلم تفتها شمس النهار بشىء ... ... ... غير أن الشباب ليس يدوم\nوقول كثير:\nلئن كان يرد الماء هيمان صاديًا ... ... إلى حبيبًا إنها لحبيب\nومن أمثلة ذلك قول مليح بن الحكم الهذلي:\nولكن ليلى أهلكتني بقولها ... ... ... نعم ثم ليلى الماطل المتبلح\nيعني ليلى الشخص الماطل المتبلح.\nوقول عروة بن حزام العذري:\nوعفراء أرجى الناس عندي مودّة ... ... ... وعفراء عني المعرض المتواني\nأي: الشخص المعرض.\nوإذا كثر في كلام العرب تذكير وصف الأنثى باعتبار الشخص كما رأيت أمثلته، فكذلك لا مانع من تأنيثهم صفة الذكر باعتبار النسمة أو النفس، وورود ذلك لتأنيث اللفظ مع تذكير المعنى معروف؛ كقوله:\nأبوك خليفة ولدته أخرى ... ... ... وأنت خليفة ذاك الكمال] (١).\n\n٣٠ - الفلك يطلق على الواحد وعلى الجمع (٢)، وأنه إن أطلق على الواحد ذكر، وإن أطلق على الجمع أنّث.\n_________\n(١) - (٦/ ١١٢ - ١١٣) (النور/٤، ٥).\n(٢) - ونوع المجاز هنا عند القائلين به هو المجاز اللفظي، فإذا أطلقت على الواحد فهو من باب: إطلاق الجمع على المفرد، ومثلوا له أيضًا بقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ (المؤمنون:٩٩)، أي: أرجعني، وإذا أطلقت وأريد بها الجمع فيكون من باب: إطلاق المفرد على الجمع، ومثلوا له أيضًا بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (العصر:٢)، أي: الأناسي. وانظر الإتقان (٣/ ١١٧ - ١١٨).وقال الثعالبي في سر العربية (ص/٣٦٢): [فصل فيما يقع على الواحد والجمع: من ذلك الفُلك قال الله تعالى: \" في الفُلكِ المَشحونِ \" فلما جمعه قال: \" والفُلكِ التي تَجري في البَحرِ \". ومن ذلك قولهم: رَجُل جُنُبٌ ورِجال جُنُبٌ وفي القرآن: \" وإن كنتم جُنُبا فاطَّهَروا \". ومن ذلك العدو. قال تعالى: \" فإنهُمْ عَدُوٌ لي إلا رَبَّ العالمين \" وقال: \" وإن كانَ مِن قومٍ عَدوٍ لَكُم وهوَ مُؤمِنٌ \". ومن ذلك الضيف: قال الله ﷿: \" هؤلاء ضَيْفِي فَلا تَفْضَحونِ \"].","vol":"1","page":52},{"text":"[قوله جل وعلا في هذه الآية الكريمة: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ﴾ أي السفن. وقد دل القرآن على أن \" الفلك \" يطلق على الواحد وعلى الجمع، وأنه إن أطلق على الواحد ذكر، وإن أطلق على الجمع أنّث. فأطلقه على المفرد مذكرًا في قوله: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ. وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾. وأطلقه على الجمع مؤنثا في قوله: ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ (١).] (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-42>٣١ - يطلق الوصوب على الدوام</span>.\n[قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ ... ونظير هذه الآية المذكورة قوله: ﴿وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ دُحُورًا وَلَهُمْ عَذابٌ وَاصِبٌ﴾ أي دائم. وقيل: عذاب «وجمع مؤلم» والعرب تطلق الوصب على المرض، وتطلق الوصوب على الدوام. وروي عن ابن عباس أنه لما سأله نافع بن الأزرق عن قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ قال له: الوصب الدائم، واستشهد له بقول أمية بن أبي الصلت الثقفي:\nوله الدين واصبًا وله المل ... ... ... ك وحمد له على كل حال\nومنه قول الدؤلي:\nلا أبتغي الحمد القليل بقاؤه ... ... ... يومًا بذم الدهر أجمع واصبًا\nوممن قال بأن معنى الواصب في هذه الآية الدائم: ابن عباس ومجاهد، وعكرمة وميمون بن مهران، والسدي وقتادة، والحسن والضحاك، وغيرهم] (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-43>٣٢ - البشارة تطلق على الخبر مما يسر، وبما يسوء</span>.\n[البشارة: الخبر بما يسر. وقد تطلق العرب البشارة على الإخبار بما يسوء، ومنه قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ومنه قول الشاعر:\nوبشرتني يا سعد أن أحبتي ... ... ... جفوني وقالوا الود موعده الحشر\nوقول الآخر:\nيبشرني الغراب ببين أهلي ... ... ... فقلت له ثكلتك من بشير\n_________\n(١) - وقد ورد ذلك في أشعار العرب، قال أمية بن أبي الصلت:\nقِيلَ فَاِهبِط فَقَد تَناهَت بِكَ الفُلكَ عَلى ... ... ... رَأَسِ شاهِقٍ مرساها\n(٢) - (٣/ ٢٢٨ - ٢٢٩) (النحل/١٤)، وانظر (٦/ ٣٧٨) (الشعراء/١١٩).\n(٣) - (٣/ ٢٥٥) (النحل/٥٢).","vol":"1","page":53},{"text":"والتحقيق: أن إطلاق البشارة على الإخبار بما يسوء، أسلوب من أساليب اللغة العربية. ومعلوم أن علماء البلاغة يجعلون مثل ذلك مجازًا، ويسمونه استعارة عنادية، ويقسمونها إلى تهكمية وتمليحية كما هو معروف في محله] (١).\nوقال أيضًا: [والبشارة تطلق في العربية على الخبر مما يسر، وبما يسوء. ومن إطلاقها على الخبر بما يسوء قوله هنا: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالاٍّنْثَى﴾، ونظيره قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، ونحو ذلك من الآيات.\nوما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة: من بغضهم للبنات مشهور معروف في أشعارهم.\nولما خطبت إلى عقيل بن علفة المري ابنته الجرباء قال:\nأني وإن سيق إلى المهر ... ... ... ألف وعبدان وذود عشر\nأحب أصهاري إلى القبر\nويروى لعبد الله بن طاهر قوله:\nلكل أبي بنت يراعى شؤونها ... ... ... ثلاثة أصهار إذا حمد الصهر\nفبعل يراعيها وخدر يكنها ... ... ... وقبر يواريها وخيرهم القبر\nوهم يزعمون أن موجب رغبتهم في موتهن، وشدة كراهيتهم لولادتهن: الخوف من العار، وتزوج غير الأكفاء، وأن تهان بناتهم بعد موتهم. كما قال الشاعر في ابنة له تسمى مودة:\nمودة تهوى عمر شيخ يسره ... ... ... لها الموت قبل الليل لو أنها تدري\nيخاف عليها جفوة الناس بعده ... ... ... ولا ختن يرجى أود من القبر ...] (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-44>٣٣ - لفظة «جعل» تأتي لأربعة معان: اعتقد، صير، خلق، شرع</span>.\n[لفظة «جعل» تأتي في اللغة العربية لأربعة معان:\nالأول بمعنى اعتقد؛ كقوله تعالى هنا: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ﴾ قال في الخلاصة: وجعل اللذ كاعتقد.\n_________\n(١) - (٤/ ٩) (الكهف/١: ٥)، وانظر أيضًا (٧/ ٣٤٢) (الجاثية/٦: ٨).\n(٢) - (٣/ ٢٦١ - ٢٦٢) (النحل / ٥٧: ٥٩).","vol":"1","page":54},{"text":"الثاني بمعنى صير؛ كما تقدم في الحجر. كقوله: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾. قال في الخلاصة:\nوالتي كصيرا ... ... ... وأيضًا بها انصب مبتدأ وخبرا\nالثالث بمعنى خلق؛ كقوله: ﴿الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِى خَلَقَ السموات وَالاٌّرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ أي خلق الظلمات والنور.\nالرابع بمعنى شرع؛ كقوله:\nوقد جعلت إذا ما قمت يثقلني ... ... ... ثوبي فأنهض نهض الشارب السكر\nقال في الخلاصة:\nكأنشأ السائق يحدو وطفق ... ... ... كذا جعلت وأخذت وعلق] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-45>٣٤ - رجوع الضمير إلى غير مذكور يدل عليه المقام</span>.\n[قوله: ﴿مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ﴾ الضمير في «عليها» راجع إلى غير مذكور وهو الأرض؛ لأن قوله ﴿مِن دَابَّةٍ﴾ يدل عليه؛ لأن من المعلوم: أن الدواب إنما تدب على الأرض. ونظيره قوله تعالى: ﴿مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍ﴾، وقوله: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ أي الشمس، ولم يجر لها ذكر، ورجوع الضمير إلى غير مذكور يدل عليه المقام كثير في كلام العرب. ومنه قول حميد بن ثور:\nوصهباء منها كالسفينة نضجت ... ... به الحمل حتى زاد شهرًا عديدها\nفقوله «صهباء منها» أي من الإبل، وتدل له قرينة «كالسفينة» مع أن الإبل لم يجر لها ذكر، ومنه أيضًا قول حاتم الطائي:\nأماوى ما يغني الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يومًا وضاق بها الصدر\nفقوله «حشرجت وضاق بها» يعني النفس، ولم يجر لها ذكر. كما تدل له قرينة «وضاق بها الصدر». ومنه أيضًا لبيد في معلقته:\nحتى إذا ألقت يدًا في كافر ... ... ... وأجن عورات الثغور ظلامها\nفقوله «ألقت» أي الشمس، ولم يجر لها ذكر، ولكن يدل له قوله: وأجن عورات الثغور ظلامها\n_________\n(١) - (٣/ ٢٦٢ - ٢٦٣) (النحل / ٥٧: ٥٩).","vol":"1","page":55},{"text":"لأن قوله: «ألقت يدًا في كافر» أي دخلت في الظلام. ومنه أيضًا قول طرفة في معلقته:\nعلى مثلها أمضي إذا قال صاحبي ... ... ألا ليتني أفديك منها وأفتدي\nفقوله: «أفديك منها» أي الفلاة، ولم يجر لها ذكر، ولكن قرينة سياق الكلام تدل عليها] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-46>٣٥ - تطلق المفاعلة بمعنى الفعل المجرد</span>.\n[وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة - أي قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم﴾ -: ﴿يُؤَاخِذُ﴾ الظاهر أن المفاعلة فيه بمعنى الفعل المجرد. فمعنى آخذ الناس يؤاخذهم: أخذهم بذنوبهم؛ لأن المفاعلة تقتضي الطرفين. ومجيئها بمعنى المجرد مسموع نحو: سافر وعافى. وقوله «يؤاخذ» إن قلنا إن المضارع فيه بمعنى الماضي فلا إشكال. وإن قلنا: إنه بمعنى الاستقبال فهو على إيلاء لو المستقبل وهو قليل. كقوله: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُواْ عَلَيْهِمْ﴾، وقول قيس بن الملوح: ...\nولو تلتقي أصداؤنا بعد موتنا ... ... ... ومن دون رمسينا من الأرض سيسب\nلظل صدى صوتي وإن كنت رمة ... لصوت صدى ليلى يهش ويطرب\nوالجواب بحمله على المضي في الآية تكلف ظاهر، ولا يمكن بتاتًا في البيتين، وأمثلته كثيرة في القرآن وفي كلام العرب. وقد أشار لذلك في الخلاصة بقوله:\nلو حرف شرط في مضي ويقل ... ... ... إيلاؤها مستقبلًا لكن قبل]. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-47>٣٦ - يطلق المصدر ويراد الاسم </span>(٣).\n[قوله تعالى: ﴿وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالاٌّعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا\n_________\n(١) - (٣/ ٢٦٥ - ٢٦٦) (النحل / ٦١).\n(٢) - (٣/ ٢٦٦) (النحل/٦١).\n(٣) - ونوع المجاز هنا عند القائلين به هو المجاز في مفرد، ويسمى اللغوي، من نوع إحلال صيغة محل أخرى، قالوا: ومنه أيضًا: إطلاق المصدر وإرادة اسم الفاعل، أو اسم المفعول، كقوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي﴾ (الشعراء: ٧٧)، أي: معادون، وقوله: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ (البقرة: ٢٥٥)، أي: من معلومه، وانظر الإتقان (٣/ ١١٦).","vol":"1","page":56},{"text":"حَسَنًا﴾. جمهور العلماء على أن المراد بالسكر في هذه الآية الكريمة: الخمر، لأن العرب تطلق اسم السكر على ما يحصل به السكر، من إطلاق المصدر وإرادة الاسم. والعرب تقول: سكر «بالكسر» سكرًا «بفتحتين» وسكرًا «بضم فسكون».\nوقال الزمخشري في الكشاف: والسكر: الخمر. سميت بالمصدر من سكر سكرًا وسكرًا، نحو رشد رشدًا ورشدًا. قال:\nوجاءونا بهم سكر علينا ... ... فأجلى اليوم والسكران صاحي اهـ\nومن إطلاق السكر على الخمر قول الشاعر:\nبئس الصحاة وبئس الشرب شربهم ... إذا جرى فيهم المزاء والسكر\nوممن قال: بأن السكر في الآية الخمر: ابن عباس، وابن مسعود، وابن عمر، وأبو رزين، والحسن، ومجاهد، والشعبي، والنخعي، وابن أبي ليلى، والكلبي، وابن جبير، وأبو ثور، وغيرهم] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-48>٣٧ - يطلق الإيحاء على الإعلام بالشيء في خفية. ولذا تطلقه العرب على الإشارة، وعلى الكتابة، وعلى الإلهام</span>.\n[الوحي في لغة العرب يطلق على كل إلقاء في سرعة وخفاء؛ ولذلك أطلق على الإلهام، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾. وعلى الإشارة كما هو الظاهر في قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُواْ﴾. ويطلق على الكتابة كما هو القول الآخر في هذه الآية الكريمة - أي قوله تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ -. وإطلاق الوحي على الكتابة مشهور في كلام العرب، ومنه قول لبيد بن ربيعة في معلقته:\nفمدافع الريان عرى رسمها ... ... ... خلقا كما ضمن الوحي سلامها\nفقوله «الوحي» بضم الواو وكسر الحاء وتشديد الياء، جمع وحي بمعنى الكتابة. وقول عنترة: ...\nكوحي صحائف من عهد كسرى ... ... ... فأهداها لأعجم طمطمي\nوقول ذي الرمة:\n_________\n(١) - (٣/ ٢٧٩) (النحل/٦٧).","vol":"1","page":57},{"text":"سوى الأربع الدهم اللواتي كأنها ... ... ... بقية بطرحى في ون الصحائف\nوقول جرير:\nكأن أخا الكتاب يخط وحيا ... ... ... بكاف في منازلها ولام] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-49>٣٨ - حذف الإرادة لدلالة المقام عليه </span>(٢).\n[قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾. أظهر القولين في هذه الآية الكريمة: أن الكلام على حذف الإرادة. أي فإذا أردت قراءة القرآن فاستعذ بالله .. الآية. وليس المراد أنه إذا قرأ القرآن وفرغ من قراءته استعاذ بالله من الشيطان كما يفهم من ظاهر الآية، وذهب إليه بعض أهل العلم. والدليل على ما ذكرنا تكرر حذف الإرادة في القرآن وفي كلام العرب لدلالة المقام عليها. كقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاةِ﴾، أي أردتم القيام إليها كما هو ظاهر. وقوله: ﴿إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلاَ تَتَنَاجَوْاْ بِالإِثْمِ﴾. أي إذ أردتم أن تتناجوا فلا تتناجوا بالإثم. لأن النهي إنما هو عن أمر مستقبل يراد فعله، ولا يصح النهي عن فعل مضى وانقضى كما هو واضح] (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-50>٣٩ - يطلق اللسان ويراد به الكلام، فيؤنث، ويذكر </span>(٤).\n[العرب تطلق اللسان وتريد به الكلام. فتؤنثها وتذكرها. ومنه قول أعشى باهلة:\nإني أتتني لسان لا أسر بها ... ... ... من علو لا عجب فيها ولا سخر\nوقول الآخر:\nلسان الشر تهديها إلينا ... ... ... وخنت وما حسبتك أن تخونا\nوقول الآخر:\n_________\n(١) - (٤/ ٢٣٧) (مريم / ١٠)، وانظر أيضًا: (٣/ ٢٨٥) (النحل/٦٨).\n(٢) - ونوع المجاز هنا عند القائلين به هو المجاز في مفرد، ويسمى اللغوي، من نوع إطلاق الفعل، والمراد مشارفته، ومقاربته، وإرادته، وانظر الإتقان (٣/ ١١٥).\n(٣) - (٣/ ٣٢٥) (النحل/٩٨).\n(٤) - ونوع المجاز هنا عند القائلين به هو المجاز في مفرد، ويسمى اللغوي، من نوع تسمية الشيء باسم آلته التي يتم بها، وعلاقته آلية، وانظر الإتقان (٣/ ١١٤).","vol":"1","page":58},{"text":"أتتني لسان بني عامر ... ... ... أحاديثها بعد قول نكر\nومنه قوله تعالى: ﴿وَاجْعَل لِّى لِسَانَ صِدْقٍ فِى الاٌّخِرِينَ﴾ أي ثناءً حسنًا باقيًا. ومن إطلاق اللسان بمعنى الكلام مذكرًا قول الحطيئة:\nندمت على لسان فات مني ... ... ... فليت بأنه في جوف عكم] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-51>٤٠ - يطلق الإذاقة على الذوق وعلى غيره من وجود الألم واللذة</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-52>٤١ - يطلق اللباس على المعروف، ويطلق على غيره مما فيه معنى اللباس من الاشتمال</span>.\n[في هذه الآية الكريمة سؤال معروف، هو أن يقال: كيف أوقع الإذاقة على اللباس في قوله: ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾. وروي أن ابن الراوندي الزنديق قال لابن الأعرابي إمامِ اللغة الأدب: هل يُذاق اللباس؟ ايريد الطعن في قوله تعالى: ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ﴾. فقال له ابن الأعرابي: لا بأس أيها النسناسا هب أن محمدًا ﷺ ما كان نبيًا! أما كان عربيًا؟\nقال مقيده عفا الله عنه: والجواب عن هذا السؤال ظاهر، وهو أنه أطلق اسم اللباس على ما أصابهم من الجوع والخوف؛ لأن آثار الجوع والخوف تظهر على أبدانهم، وتحيط بها كالباس، ومن حيث وجدانهم ذلك اللباس المعبرَّ به عن آثار الجوع والخوف، أوقع عليه الإذاقة، فلا حاجة إلى ما يذكره البيانيون من الاستعارات في هذه الآية الكريمة، وقد أوضحنا في رسالتنا التي سميناها (منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز): أنه لا يجوز لأحد أن يقول إن في القرآن مجازًا، وأوضحنا ذلك بأدلته، وبينا أن ما يسميه البيانيون مجازًا أنه أسلوب من أساليب اللغة العربية.\nوقد اختلف أهل البيان في هذه الآية، فبعضهم يقول: فيها استعارة مجردة. يعنون أنها جيء فيها بما يلائم المستعار له. وذلك في زعمهم أنه استعار اللباس لما غشيهم من بعض الحوادث كالجوع والخوف، بجامع اشتماله عليهم كاشتمال اللباس على اللابس على سبيل الاستعارة التصريحية الأصلية التحقيقية، ثم ذكر الوصف،\n_________\n(١) - (٣/ ٣٣٨) (النحل/١٠٣).","vol":"1","page":59},{"text":"الذي هو الإذاقة ملائمًا للمستعار له، الذي هو الجوع والخوف؛ لأن إطلاق الذوق على وجدان الجوع والخوف جرى عندهم مجرى الحقيقة لكثرة الاستعمال.\nفيقولون: ذاق البؤس والضر، وأذاقه غيره إياهما. فكانت الاستعارة مجردة لذكر ما يلائم المستعار له، الذي هو المشبه في الأصل في التشبيه الذي هو أصل الاستعارة. ولو أريد ترشيح هذه الاستعارة في زعمهم لقيل: فسكاها؛ لأن الإتيان بما يلائم المستعار منه الذي هو المشبه به في التشبيه الذي هو أصل الاستعارة يسمى «ترشيحًا»، والكسوة تلائم اللباس، فذكرها ترشيح للاستعارة، قالوا: وإن كانت الاستعارة المرشحة أبلغ من المجردة، فتجريد الاستعارة في الآية أبلغ من حيث إنه روعي المستعار له الذي هو الخوف والجوع، وبذكر الإذاقة المناسبة لذلك ليزداد الكلام وضوحًا.\nوقال بعضهم: هي استعارة مبنية على استعارة، فإنه أولًا استعار لما يظهر على أبدانهم من الاصفرار، والذبول، والنحول اسم اللباس، بجامع الإحاطة بالشيء والاشتمال عليه، فصار اسم اللباس مستعارًا لآثار الجوع والخوف على أبدانهم، ثم استعار اسم الإذاقة لما يجدونه من ألم ذلك الجوع والخوف، المعبر عنه باللباس، بجامع التعرف والاختبار في كل من الذوق بالفم، ووجود الألم من الجوع والخوف. وعليه ففي اللباس استعارة أصلية كما ذكرنا، وفي الإذاقة المستعارة لمس ألم الجوع، والخوف استعارة تبعية.\nوقد ألممنا هنا بطرف قليل من كلام البيانيين هنا ليفهم الناظر مرادهم، مع أن التحقيق الذي لا شك فيه: أن كل ذلك لا فائدة فيه، ولا طائل تحته، وأن العرب تطلق الإذاقة على الذوق وعلى غيره من وجود الألم واللذة، وأنها تطلق اللباس على المعروف، وتطلقه على غيره مما فيه معنى اللباس من الاشتمال. كقوله: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾، وقول الأعشى:\nإذا ما الضجيع ثنى عطفها ... ... تثنت عليه فكانت لباسا\nوكلها أساليب عربية، ولا إشكال في أنه إذا أطلق اللباس على مؤثر مؤلم يحيط بالشخص إحاطة اللباس، فلا مانع من إيقاع الإذاقة على ذلك الألم المحيط المعبر","vol":"1","page":60},{"text":"باسم اللباس. والعلم عند الله تعالى.] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-53>٤٢ - الإتيان بحرف التعليل للدلالة على العلة الغائية، والإتيان باللاّم للدلالة على ترتب أمر على أمر، كترتب المعلول على علته الغائية</span>.\n[من أساليب اللغة العربية: الإتيان بحرف التعليل للدلالة على العلة الغائية. كقوله: ﴿وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾. ومن أساليبها الإتيان باللاّم للدلالة على ترتب أمر على أمر، كترتب المعلول على علته الغائية، وهذا الأخير كقوله: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾؛ لأن العلة الغائية الباعثة لهم على التقاطه ليست هي أن يكون لهم عدوًا، بل ليكون لهم قرة عين. كما قالت امرأة فرعون: ﴿قُرَّةُ عَيْنٍ لِّى وَلَكَ لاَ تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ ولكن لما كان كونه عدوًا لهم وحزنًا يترتب على التقاطهم له. كترتب المعلول على علته الغائية عبر فيه باللام الدالة على ترتيب المعلول على العلة. وهذا أسلوب عربي، فلا حاجة إلى ما يطيل به البيانيون في مثل هذا المبحث.] (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-54>٤٣ - الفلاح يطلق على: الفوز بالمطلوب، وعلى: البقاء والدوام في النعيم</span>.\n[قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُ﴾ مضارع أفلح بمعنى نال الفلاح. والفلاح يطلق في العربية على الفوز بالمطلوب. ومنه قول لبيد:\nفاعقلي إن كنت لما تعقلي ... ... ... ولقد أفلح من كان عقل\nفقوله «ولقد أفلح من كان عقل» يعني أن من رزقه الله العقل فاز بأكبر مطلوب. ويطلق الفلاح أيضًا على البقاء والدوام في النعيم. ومنه قول لبيد:\nلو أن حيا مدرك الفلاح ... ... ... لناله ملاعب الرماح\nفقوله «مدرك الفلاح» يعني البقاء. وقول الأضبط بن قريع السعدي، وقيل كعب بن زهير:\nلكل هم من الهموم سعه ... ... ... والمسى والصبح لا فلاح معه\nيعني أنه ليس مع تعاقب الليل والنهار بقاء. وبكل واحد من المعنيين فسر\n_________\n(١) - (٣/ ٣٤٤: ٣٤٦) (النحل/ ١١٢، ١١٣).\n(٢) - (٣/ ٣٤٨) (النحل/١١٦).","vol":"1","page":61},{"text":"بعض أهل العلم «حي على الفلاح» في الأذان والإقامة] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-55>٤٤ - المشاكلة بين الألفاظ</span>.\n[أطلق جل وعلا في هذه الآية الكريمة اسم العقوبة على الجناية الأولى في قوله: ﴿بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ والجناية الأولى ليست عقوبة؛ لأن القرآن بلسان عربي مبين، ومن أساليب اللغة العربية المشاكلة بين الألفاظ، فيؤدي لفظ بغير معناه الموضوع له مشاكلة للفظ آخر مقترن به في الكلام.\nكقول الشاعر:\nقالوا اقترح شيئًا نجد لك طبخه ... ... ... قلت اطبخوا لي جبةً وقميصا\nأي خيطوا لي. وقال بعض العلماء: ومنه قول جرير:\nهذي الأرامل قد قضيت حاجتها ... ... فمن لحاجة هذا الأرمل الذَّكر\nبناء على القول بأن الأرامل لا تطلق في اللغة إلا على الإناث.\nونظير الآية الكريمة في إطلاق إحدى العقوبتين على ابتداء الفعل مشاكلة للفظ الآخر قوله تعالى: ﴿ذلك وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِىَ عَلَيْهِ﴾، ونحوه أيضًا قوله: ﴿وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ مع أن القصاص ليس بسيئة وقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ﴾. لأن القصاص من المعتدي أيضًا ليس باعتداء كما هو ظاهر، وإنما أدى بغير لفظه للمشاكلة بين اللفظين.] (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-56>٤٥ - لفظ الرؤيا يطلق على رؤية العين يقظة - أي مع إطلاقها على رؤيا المنام </span>- (٣).\n[وما زعمه بعض أهل العلم من أن الرؤيا لا تطلق بهذا اللفظ لغة إلا على رؤيا المنام مردود.\nبل التحقيق: أن لفظ الرؤيا يطلق في لغة العرب على رؤية العين يقظة أيضًا. ومنه\n_________\n(١) - (٣/ ٣٤٩) (النحل/١١٦ - ١١٧)، وانظر أيضًا: (٤/ ٤٨٠ - ٤٨١) (طه / ٦٩)، (٥/ ٧٥٦ - ٧٥٧) (المؤمنون / ١ - ٢)، (٦/ ٢٠٤) (النور/٣١).\n(٢) - (٣/ ٣٥٤) (النحل/١٢٦).\n(٣) - ولعل هذا، والله أعلم عند القائلين بالمجاز من باب إطلاق المصدر على اسم المفعول، وقد سبق الكلام على ذلك، وانظر الإتقان (٣/ ١١٦).","vol":"1","page":62},{"text":"قول الراعي وهو عربي قح:\nفكبر للرُّؤيا وهش فؤاده ... ... وبشَّر نفسًا كان قبل يلومها\nفإنه يعني رؤية صائد بعينه. ومنه أيضًا قول أبي الطيب: \" ورؤياك أحلى في العيون من الغمض \". قاله صاحب اللسان.] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-57>٤٦ - حذف المضاف، إن دلت عليه قرينة </span>(٢).\n[قوله: ﴿وَجَعَلْنَآ آيَةَ النَّهَارِ﴾ على التفسير المذكور أي الشمس ﴿مُبْصِرَةً﴾ أي ذات شعاع يبصر\nفي ضوئها كل شيء على حقيقته.\nقال الكسائي: هو من قول العرب: أبصر النهار: إذا أضاء وصار بحالة يبصر بها. نقله عنه القرطبي.\nقال مقيده عفا الله عنه: هذا التفسير من قبيل قولهم: نهاره صائم، وليله قائم. ومنه قوله:\nلقد لمتنا يا أم غيلان في السرى ... ... ... ونمت وما ليل المحب بنائم\nوغاية ما في الوجه المذكور من التفسير: حذف مضاف، وهو كثير في القرآن وفي كلام العرب إن دلت عليه قرينة. قال في الخلاصة:\nوما يلي المضاف يأتي خلفا ... عنه في الإعراب إذا ما حذفا\n_________\n(١) - (٣/ ٣٥٧) (بني إسرائيل/١).\n(٢) - قال السيوطي في الإتقان (٣/ ١٢٤): [وقال ابن عطية: حذف المضاف هو عين المجاز ومعظمه، وليس كل حذف مجازا. وقال القرافي: الحذف أربعة أقسام: قسم يتوقف عليه صحة اللفظ ومعناه، من حيث الإسناد، نحو ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَة﴾ (يوسف: ٨٢)، أي: أهلها إذ لا يصح إسناد السؤال إليها. وقسم يصح بدونه، لكن يتوقف عليه شرعا، كقوله: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (البقرة: ١٨٤) أي: فأفطر فعدة.\nوقسم يتوقف عليه عادة، لا شرعا، نحو: ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ﴾ (الشعراء: ٦٣) أي: فضربه. وقسم يدل عليه دليل غير شرعي، ولا هو عادة، نحو: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُول﴾ (طه: ٩٦) دل الدليل على أنه إنما قبض من أثر حافر فرس الرسول، وليس في هذه الأقسام مجاز إلا الأول].","vol":"1","page":63},{"text":"والقرينة في الآية الكريمة الدالة على المضاف المحذوف قوله: ﴿فَمَحَوْنَآ آيَةَ الَّيْلِ وَجَعَلْنَآ آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ فإضافة الآية إلى الليل والنهار دليل على أن الآيتين المذكورتين لهما لا هما أنفسهما. وحذف المضاف كثيرة في القرآن كقوله: ﴿وَاسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِى كُنَّا فِيهَا وَالّعِيْرَ الَّتِى أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾، وقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الاٌّخِ وَبَنَاتُ الاٍّخْتِ﴾ أي نكاحها، وقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ أي أكلها، ونحو ذلك.] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-58>٤٧ - أمرته فعصاني. أي أمرته بالطاعة فعصى</span>.\n[قوله تعالى: ﴿وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾. في معنى قوله ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ في هذه الآية الكريمة ثلاثة مذاهب معروفة عند علماء التفسير:\nالأول: وهو الصواب الذي يشهد له القرآن، وعليه جمهور العلماء أن الأمر في قوله ﴿أَمْرُنَا﴾ هو الأمر الذي هو ضد النهي، وأن متعلق الأمر محذوف لظهوره. والمعنى: ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ بطاعة الله وتوحيده، وتصديق رسله وأتباعهم فيما جاؤوا به ﴿فَفَسَقُواْ﴾ أي خرجوا عن طاعة أمر ربهم، وعصوه وكذبوا رسله ﴿فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ﴾ أي وجب عليها الوعيد ﴿فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ أي أهلكناها إهلاكًا مستأصلًا. وأكد فعل التدمير بمصدره للمبالغة في شدة الهلاك الواقع بهم ...\nوبهذا التحقيق تعلم: أن ما زعمه الزمخشري في كشافه من أن معنى ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ أي أمرناهم بالفسق ففسقوا، وأن هذا مجاز تنزيلًا لإسباغ النعم عليهم الموجب لبطرهم وكفرهم منزلة الأمر بذلك كلام كله ظاهر السقوط والبطلان. وقد أوضح إبطاله أبو حيان في «البحر»، والرازي في تفسيره، مع أنه لا يشك منصف عارف في بطلانه.\nوهذا القول الصحيح في الآية جار على الأسلوب العربي المألوف، من قولهم: أمرته فعصاني. أي أمرته بالطاعة فعصى، وليس المعنى: أمرته بالعصيان كما لا\n_________\n(١) - (٣/ ٤٢١) (بني إسرائيل/١١)، وانظر أيضًا (٥/ ٥٥٤) (الحج/٢٨)، (٦/ ٢٧١) (الفرقان/٣)، (٧/ ٢٦٤) (الزخرف/٦١).","vol":"1","page":64},{"text":"يخفى] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-59>٤٨ - خطاب إنسان والمراد بالخطاب غيره</span>.\n[قوله تعالى: ﴿لاَّ تَجْعَل مَعَ اللَّهِ الهاءَاخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَّخْذُولًا﴾. الظاهر أن الخطاب في هذه الآية الكريمة متوجه إلى النَّبي ﷺ؛ ليشرع لأمته على لسانه إخلاص التوحيد في العبادة له جل وعلا؛ لأنه ﷺ معلوم أنه لا يجعل مع الله إلهًا آخر، وأنه لا يقعد مذمومًا مخذولًا.\nومن الآيات الدالة دلالة واضحة على أنه ﷺ يوجه إليه الخطاب، والمراد بذلك التشريع لأمته لا نفس خطابه هو ﷺ. قوله تعالى: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾؛ لأن معنى قوله ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ﴾: أي إن يبلغ عندك والداك أو أحدهما الكبر فلا تقل لهما أف، ومعلوم أن والديه قد ماتا قبل ذلك بزمن طويل، فلا وجه لاشتراط بلوغهما أو أحدهما الكبر بعد أن ماتا منذ زمن طويل، إلا أن المراد التشريع لغيره ﷺ، ومن أساليب اللغة العربية خطابهم إنسانًا والمراد بالخطاب غيره. ومن الأمثلة السائرة في ذلك قول الراجز، وهو سهل بن مالك الفزاري: إياك أعني واسمعي يا جاره\nوسبب هذا المثل: أنه زار حارثة بن لأم الطائي فوجده غائبًا. فأنزلته أخته وأكرمته، وكانت جميلة.\nفأعجبه جمالها، فقال مخاطبًا لأخرى غيرها ليسمعها هي:\nيا أخت خير البدو والحضارة ... ... ... كيف ترين في فتى فزاره\nأصبح يهوى حرة معطاره ... ... ... إياك أعني واسمعي يا جاره\nففهمت المرأة مراده، وأجابته بقولها:\nإني أقول يا فتى فزاره ... ... لا أبتغي الزوج ولا الدعاره\nولا فراق أهل هذي الحاره ... ... ... فارحل إلى أهلك باستحاره\n_________\n(١) - ٣/ ٤٤١ - ٤٤٢، بني إسرائيل / ١٥.","vol":"1","page":65},{"text":"والظاهر أن قولها «باستحاره» أن أصله استفعال من المحاورة بمعنى رجع الكلام بينهما أي ارحل إلى أهلك بالمحاورة التي وقعت بيني وبينك، وهي كلامك وجوابي له، ولا تحصل مني على غير ذلك! والهاء في «الاستحاره» عوض من العين الساقطة بالإعلال، كما هو معروف في فن الصرف.] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-60>٤٩ - إفراد الخطاب مع قصد التعميم </span>(٢).\nوقال العلامة الشنقيطي - ﵀ - عقب كلامه السابق: [وذهب بعض أهل العلم إلى أن الخطاب في قوله: ﴿لاَّ تَجْعَل مَعَ اللَّهِ الهاءَاخَرَ﴾ ونحو ذلك من الآيات متوجه إلى المكلف، ومن أساليب اللغة العربية: إفراد الخطاب مع قصد التعميم. كقول طرفة بن العبد في معلقته: ...\nستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ... ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود] (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-61>٥٠ - إطلاق كل من اسما الفاعل واسم المفعول وإرادة الآخر</span>.\n[قوله في هذه الآية الكريمة: ﴿حِجَابًا مَّسْتُورًا﴾ قال بعض العلماء: هو من إطلاق اسم المفعول وإرادة اسم الفاعل. أي حجابًا ساترًا، وقد يقع عكسه كقوله تعالى: ﴿مِن مَّآءٍ دَافِقٍ﴾ أي مدفوق ﴿عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ أي مرضية. فإطلاق كل من اسم الفاعل واسم المفعول وإرادة الآخر أسلوب من أساليب اللغة العربية. والبيانيون يسمون مثل ذلك الإطلاق «مجازًا عقليًا» (٤) ومن أمثلة إطلاق المفعول وإرادة الفاعل كالقول في الآية قولهم: ميمون ومشؤوم، بمعنى يامن وشائم. وقال بعض أهل العلم: قوله ﴿مَّسْتُورًا﴾ على معناه الظاهر من كونه اسم مفعول، لأن ذلك\n_________\n(١) - (٣/ ٤٥٠ - ٤٥١) (بني إسرائيل/٢٢)، وانظر أيضًا: (٦/ ٣٣٨) (الفرقان/٥١،٥٢)، (٦/ ٣٨٤) (الشعراء/٢١٣)، (٦/ ٤٩١) (الروم/٦٠)، (٦/ ٥١٣) (الأحزاب/١)، (٧/ ٢٦ - ٢٧) (ص/٢٦)، (٧/ ٣٠٨ - ٣٠٩) (الزخرف/٨١)، (٧/ ٣٥٣) (الجاثية/١٨).\n(٢) - ونوع المجاز هنا عند القائلين به هو المجاز في مفرد، ويسمى اللغوي، من باب إطلاق الخاص على العام، وقد سبق الكلام عليه قريبًا. وانظر الإتقان (٣/ ١١٢).\n(٣) - (٣/ ٤٥١) (بني إسرائيل/٢٢)، وانظر أيضًا: (٧/ ٢٦ - ٢٧) (ص/٢٦)، (٩/ ٣٧٣) (العلق/١٥، ١٦)، (٩/ ٦٠٤) (المسد/١).\n(٤) - وانظر الإتقان (٣/ ١١٧)، وأسرار البيان (ص/١٢).","vol":"1","page":66},{"text":"الحجاب مستور عن أعين الناس فلا يرونه. أو مستورًا به القارئ فلا يراه غيره. واختار هذا أبو حيان في البحر. والعلم عند الله تعالى.] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-62>٥١ - حذف النعت إن دلَّ عليه الدليل</span>.\n[قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّن قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذلك فِى الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾. قال بعض أهل العلم: في هذه الآية الكريمة حذف الصفة، أي وإن من قرية ظالمة إلا نحن مهلكوها. وهذا النعت المحذوف دلت عليه آيات من كتاب الله تعالى. كقوله ﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِى الْقُرَى إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ وقوله: ﴿ذلك أَن لَّمْ يَكُنْ رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ﴾. أي بل لا بد أن تنذرهم الرسل فيكفروا بهم وبربهم. وقوله ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾، وقوله ﴿وَكَأِيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُّكْرًا فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nوغاية ما في هذا القول حذف النعت مع وجود أدلة تدل عليه. ونظيره في القرآن قوله تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ أي كل سفينة صالحة. بدليل أن خرق الخضر للسفينة التي ركب فيها هو وموسى يريد به سلامتها من أخذ الملك لها، لأنه لا يأخذ المعيبة التي فيها الخرق وإنما يأخذ الصحيحة. ومن حذف النعت قوله تعالى: ﴿قَالُواْ الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ أي بالحق الواضح الذي لا لبس معه في صفات البقرة المطلوبة. ونظيره من كلام العرب قول الشاعر، وهو المرقش الأكبر:\nورب أسيلة الخدين بكر ... ... مهفهفة لها فرع وجيد\nأي فرع فاحم وجيد طويل، وقول عبيد بن الأبرص:\nمن قوله قول ومن فعله ... ... فعل ومن نائله نائل\nأي قوله قول فصل، وفعله فعل جميل، ونائله نائل جزيل، وإلى هذا أشار في الخلاصة بقوله: ...\n_________\n(١) - (٣/ ٥٤٢) (بني إسرائيل/٤٢)، وانظر سر العربية للثعالبي (ص/٣٥٥).","vol":"1","page":67},{"text":"وما من المنعوت والنعت عقل ... ... ... يجوز حذفه وفي النعت يقل] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-63>٥٢ - يطلق لفظة الصالحة على الفعلة الطيبة</span>.\n[التحقيق: أن مفرد ﴿الصَّالِحَاتِ﴾ في قوله: ﴿يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ﴾، وقوله: ﴿وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ﴾ ونحو ذلك أنه: صالحة، وأن العرب تطلق لفظة الصالحة على الفعلة الطيبة، كإطلاق اسم الجنس لتناسى الوصفية، كما شاع ذلك الإطلاق في الحسنة مرادًا بها الفعلة الطيبة.\nومن إطلاق العرب لفظ الصالحة على ذلك قول أبي العاص بن الربيع في زوجة زينب بنت رسول الله ﷺ:\nبنت الأمين جزاك الله صالحة ... ... ... وكل بعل سيثنى بالذي علمًا\nوقول الحطيئة:\nكيف الهجاء ولا تنفك صالحة ... ... من آل لأم بظهر الغيب تأتيني\nوسئل إعرابي عن الحب فقال: ...\nالحب مشغلة عن كل صالحة ... ... وسكرة الحب تنفي سكرة الوسن] (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-64>٥٣ - تطلق لعل مضمنة معنى النهي</span>.\n[قوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهذا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ ... وأظهر هذه الأقوال عندي في معنى «لعل» أن المراد بها في الآية النهي عن الحزن عليهم. وإطلاق لعل مضمنة معنى النهي في مثل هذه الآية أسلوب عربي يدل عليه سياق الكلام. ومن الأدلة على أن المراد بها النهي عن ذلك كثرة ورود النهي صريحًا عن ذلك. كقوله: ﴿فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾، وقوله: ﴿وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾، وقوله: ﴿فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ إلى غير ذلك من الآيات وخير ما يفسر به القرآن القرآن.] (٣).\n_________\n(١) - (٣/ ٥٤٦) (بني إسرائيل/٥٨)، وانظر أيضًا (٧/ ٦٥١) (ق / ١٧، ١٨).\n(٢) - (٤/ ١٠) (الكهف/١: ٥).\n(٣) - (٤/ ١٦) (الكهف/٦).","vol":"1","page":68},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-65>٥٤ - يطلق فعيل بمعنى مفعول </span>(١).\n[قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُواْ مِنْءَايَاتِنَا عَجَبًا﴾. واختلف العلماء في المراد بـ ﴿الرقيم﴾ في هذه الآية على أقوال كثيرة ... وأظهر الأقوال عندي بحسب اللغة العربية وبعض آيات القرآن: أن الرقيم معناه: المرقوم، فهو فعيل بمعنى مفعول، من رقمت الكتاب إذا كتبته، ومنه قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ مَّرْقُومٌ﴾. سواء قلنا: إن الرقيم كتاب كان عندهم فيه شرعهم الذي تمسكوا به، أو لوح من ذهب كتبت فيه أسماؤهم وأنسابهم وقصتهم وسبب خروجهم، أو صخرة نقشت فيها أسماؤهم. والعلم عند الله تعالى.] (٢).\nوقال أيضًا: [قوله تعالى في هذه الآية ﴿عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ يعني عذاب النار، فالسعير النار أعاذنا الله، وإخواننا المسلمين منها. والظاهر أن أصل السعير: فعيل، بمعنى: مفعول من قول العرب: سعر النار، يسعرها كمنع يمنع إذا أوقدها، وكذلك سعرها بالتضعيف، وعلى لغة التضعيف والتخفيف القراءتان السبعيتان في قوله ﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ﴾ فقد قرأه من السبعة نافع وابن عامر في رواية ابن ذكوان، وعاصم في رواية حفص: سعرت بتشديد العين وقرأه الباقون بتخفيف العين، ومما جرى من كلام العرب على نحو قراءة نافع، وابن ذكوان، وحفص قول بعض شعراء الحماسة:\nقالت له عرسهُ يومًا لتُسْمعني ... ... مهلًا فإنَّ لنا في أمِّنا أربا\nولو رأتنيَ في نار مُسعَّرة ... ثم استطاعت لزادَت فوقْها حَطبا\nإذ لا يخفى أن قوله: مسعرة: اسم مفعول سعرت بالتضعيف، وبما ذكرنا يظهر أن أصل السعير: فعيل بمعنى اسم المفعول: أي النار المسعرة: أي الموقدة إيقادًا شديدًا لأنها بشدة الإيقاد يزداد حرها عياذًا بالله منها، ومن كل ما قرب إليها\n_________\n(١) - ونوع المجاز هنا عند القائلين به هو المجاز في مفرد، ويسمى اللغوي، من نوع إطلاق فعيل، بمعنى مفعول، ومثل له السيوطي أيضًا بقوله تعالى: ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ (الفرقان: ٥٥) وظهير معنى مظهور أي كفر الكافرين هين على الله تعالى، والله مستهين به؛ لأن كفره لا يضره، وانظر الإتقان (٣/ ١١٧) وتفسير القرطبي.\n(٢) - (٤/ ٢١ - ٢٢) (الكهف/٧، ٨).","vol":"1","page":69},{"text":"من قول وعمل] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-66>٥٥ - يطلق الأمد على الغاية</span>.\n[إطلاق الأمد على الغاية معروف في كلام العرب ومنه قول نابغة ذبيان:\nإلا لمثلك أو من أنت سابقه ... ... سبق الجواد إذا استولى على الأمد] (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-67>٥٦ - تطلق الآية في اللغة العربية بمعنى العلامة، وبمعنى الجماعة، وتطلق في القرآن على الآية الشرعية، والآية الكونية</span>.\n[الآية تطلق في اللغة العربية إطلاقين، وتطلق في القرآن العظيم إطلاقين أيضًا. أما إطلاقاها في اللغة الأول منهما أنها تطلق بمعنى العلامة، وهو الإطلاق المشهور، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ﴾، وقول عمر بن أبي ربيعة:\nبآية ما قالت غداة لقيتها ... ... ... بمدفع أكنان أهذا المشهر\nيعني أن قولها ذلك هو العلامة بينها وبين رسوله إليها المذكور في قوله قبله:\nألكني إليها بالسلام فإنه ... ... يشهر إلمامي بها وينكر\nوقد جاء في شعر نابغة ذبيان وهو جاهلي تفسير الآية بالعلامة في قوله:\nتوهمت آيات لها فعرفتها ... ... ... لستة أعوام وذا العام سابع\nثم بين أن مراده بالآيات علامات الدار بقوله بعده:\nرماد ككحل العين لأيًا أبينه ... ونؤدي كجذم الحوض أثلم خاشع\nوأما الثاني منهما فهو إطلاق الآية بمعنى الجماعة، يقولون: جاء القوم بآيتهم، أي بجماعتهم. ومنه قول برج بن مسهر أو غيره:\nخرجنا من النقبين لاحى مثلنا ... ... ... بآياتنا لزجي اللقاح المطافلا\nفقوله «بآياتنا» أي بجماعتنا.\nوإما إطلاقاها في القرآن فالأول منهما إطلاقها على الآية الكونية القدرية، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِى خَلْقِ السموات وَالاٌّرْضِ وَاخْتِلَافِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ لاّيَاتٍ لاٌّوْلِى\n_________\n(١) - (٥/ ١٧ - ١٨) (الحج / ٣، ٤).\n(٢) - (٤/ ٢٩) (الكهف/١٢).","vol":"1","page":70},{"text":"الاٌّلْبَابِ﴾ أي علامات كونية قدرية، يعرف بها أصحاب العقول السليمة أن خالقها هو الرب المعبود وحده جل وعلا. والآية الكونية القدرية في القرآن من الآية بمعنى العلامة لغة.\nوأما إطلاقها الثاني في القرآن فهو إطلاقها على الآية الشرعية الدينية، كقوله: ﴿رَّسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ ونحوها من الآيات.\nوالآية الشرعية الدينية قيل: هي من الآية بمعنى العلامة لغة، لأنها علامات على صدق من جاء بها. أو أن فيها علامات على ابتدائها وانتهائها.\nوقيل: من الآية بمعنى الجماعة، لاشتمال الآية الشرعية الدينية على طائفة وجماعة من كلمات القرآن] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-68>٥٧ - يطلق الغد على المستقبل من الزمان </span>(٢).\n[قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَىْءٍ إِنِّى فَاعِلٌ ذلك غَدًا إِلاَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ﴾ ... والمراد بالغد: ما يستقبل من الزمان لا خصوص الغد. ومن أساليب العربية إطلاق الغد على المستقبل من الزمان. ومنه قول زهير:\nواعلم علم اليوم والأمس قبله ... ... ... ولكنني عن علم ما في غد عم\nيعني أنه لا يعلم ما يكون في المستقبل، إذ لا وجه لتخصيص الغد المعين بذلك.] (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-69>٥٨ - التهديد بالصيغة التي ظاهرها التخيير </span>(٤).\n[قوله تعالى: ﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾. ظاهر هذه الآية الكريمة بحسب الوضع اللغوي التخيير بين الكفر والإيمان ولكن المراد من الآية الكريمة ليس هو التخيير، وإنما المراد بها التهديد والتخويف. والتهديد بمثل هذه\n_________\n(١) - ٤/ ٤٢: ٤٤، الكهف / ١٧، وانظر أيضًا: ٧/ ٣٣٨: ٣٤٠، الجاثية/٦.\n(٢) - ونوع المجاز هنا عند القائلين به هو المجاز في مفرد، ويسمى اللغوي، من باب إطلاق الخاص على العام، وقد سبق الكلام عليه. وانظر الإتقان (٣/ ١١٢).\n(٣) - (٤/ ٨٦) (الكهف/٢٣، ٢٤).\n(٤) - قال البزدوي في أصوله (ص/٨٨): [وأما الثابت بسياق النظم فمثل قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا﴾ (الكهف: ٢٩) تركت حقيقة الأمر والتخيير بقوله ﷿: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا﴾ وحمل على الإنكار، والتوبيخ مجازا].","vol":"1","page":71},{"text":"الصيغة التي ظاهرها التخيير أسلوب من أساليب اللغة العربية. والدليل من القرآن العظيم على أن المراد في الآية التهديد والتخويف أنه أتبع ذلك بقوله ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِى الْوجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَآءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ وهذا أصرح دليل على أن المراد التهديد والتخويف. إذ لو كان التخيير على بابه لما توعد فاعل أحد الطرفين المخير بينهما بهذا العذاب الأليم. وهذا واضح كما ترى.] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-70>٥٩ - الظلم وضع الشيء في غير محله</span>.\n[وقد قدمنا أن الظلم في لغة العرب: وضع الشيء في غير محله، ومن أعظم ذلك وضع العبادة في مخلوق. وقد جاء في القرآن إطلاق الظلم على النقص في قوله: ﴿وَلَمْ تَظْلِمِ مِّنْهُ شَيْئًا﴾ وأصل معنى مادة الظلم هو ما ذكرنا من وضع الشيء في غير موضعه، ولأجل ذلك قيل الذي يضرب اللبن قبل أن يروب: ظالم لوضعه ضرب لبنه في غير موضعه، لأن ضربه قبل أن يروب يضيع زبده. ومن هذا المعنى قول الشاعر:\nوقائلة ظلمت لكم سقائي ... ... ... وهل يخفى على العكد الظليم\nفقوله «ظلمت لكم سقائي» أي ضربته لكم قبل أن يروب. ومنه قول الآخر في سقاء له ظلمه بنحو ذلك:\nوصاحب صدق لم تربني شكاته ... ... ... ظلمت وفي ظلمي له عامدًا أجر\nوفي لغز الحريري في مقاماته في الذي يضرب لبنه قبل أن يروب قال: أيجوز أن يكون الحاكم ظالمًا؟ قال: نعم، إذا كان عالمًا.\nومن ذلك أيضًا قولهم للأرض التي حفر فيها وليست محل حفر في السابق: أرض مظلومة، ومنه قول نابغة ذبيان:\nإلا الأواري لأيًا ما أبينها ... والنؤى كالحوض بالمظلومة الجلد\nوما زعمه بعضهم من أن «المظلومة» في البيت هي التي ظلمها المطر بتخلفه عنها وقت إبانه المعتاد غير صواب. والصواب هو ما ذكرنا إن شاء الله\n_________\n(١) - (٤/ ١٠١) (الكهف/٢٩).","vol":"1","page":72},{"text":"تعالى. ولأجل ما ذكرنا قالوا للتراب المخرج من القبر عند حفره ظليم بمعنى مظلوم، لأنه حفر في غير محل الحفر المعتاد، ومنه قول الشاعر يصف رجلًا مات ودفن:\nفأصبح في غبراء بعد إشاحة ... ... ... على العيش مرود عليها ظليمها] (١).\n\n٦٠ - إغاثة الكفار بماء كالمهل مع أنه من أشد العذاب (٢)، وبيان إطلاقات المهل.\n[قوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَإِن يَسْتَغِيثُواْ﴾ يعني إن يطلبوا الغوث مما هم فيه من الكرب يغاثوا، يؤتوا بغوث هو ماء كالمهل.\nوالمهل في اللغة: يطلق على ما أذيب من جواهر الأرض، كذائب الحديد والنحاس، والرصاص ونحو ذلك.\nويطلق أيضًا على دردي الزيت وهو عكره. والمراد بالمهل في الآية: ما أذيب من جواهر الأرض. وقيل: دردي الزيت. وقيل: هو نوع من القطران. وقيل السم.\nفإن قيل: أي إغاثة في ماء كالمهل مع أنه من أشد العذاب، وكيف قال الله تعالى: ﴿يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَالْمُهْلِ﴾؟ فالجواب أن هذا من أساليب اللغة العربية التي نزل بها القرآن. ونظيره من كلام العرب قول بشر بن أبي حازم:\nغضبت تميم أن تقتل عامر ... ... ... يوم النسار فأعتبوا بالصيلم\nفمعنى قوله «أعتبوا بالصيلم»: أي أرضوا بالسيف. يعني ليس لهم منا إرضاء إلا بالسيف. ...\nوقول عمرو بن معد يكرب:\nوخيل قد دلفت لها بخيل ... ... ... تحية بينهم ضرب وجيع\nيعني لا تحية لهم إلا الضرب الوجيع. وإذا كانوا لا يغاثون إلا بماء كالمهل علم من ذلك أنهم لا إغاثة لهم البتة.] (٣).\n_________\n(١) - (٤/ ١٠١) (الكهف/٢٩).\n(٢) - ونوع المجاز هنا عند القائلين به هو المجاز في مفرد، ويسمى اللغوي، من نوع إطلاق الشيء، وإرادة عكسه، أو ضده، وانظر الإتقان (٣/ ١١٥).\n(٣) - (٤/ ١٠٤) (الكهف/٢٩).","vol":"1","page":73},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-72>٦١ - أصل الارتفاق هو الاتكاء على المرفق </span>(١).\nقال العلامة الشنقيطي - ﵀ - عند قوله تعالى: ﴿بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ (الكهف: ٢٩) [والمرتفق: مكان الارتفاق. وأصله أن يتكئ الإنسان معتمدًا على مرفقه. وللعلماء في المراد بالمرتفق في الآية أقوال متقاربة في المعنى. قيل مرتفقًا. أي منزلًا، وهو مروي عن ابن عباس. وقيل مقرًا، وهو مروي عن عطاء. وقيل مجلسًا وهو مروي عن العتبي. وقال مجاهد: مرتفقًا أي مجتمعًا. فهو عنده مكان الارتفاق بمعنى مرافقة بعضهم لبعض في النار.\nوحاصل معنى الأقوال أن النار بئس المستقر هي، وبئس المقام هي. ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾، وكون أصل الارتفاق هو الاتكاء على المرفق معروف في كلام العرب، ومنه قول أبي ذؤيب الهذلي:\nنام الخلى وبت الليل مرتفقا ... ... ... كأن عيني فيها الصاب مذبوح\nويروى «وبت الليل مشتجرًا» وعليه فلا شاهد في البيت. ومنه قول أعشى باهلة:\nقد بت مرتفقًا للنجم أرقبه ... ... ... حيران ذا حذر لو ينفع الحذر\nوقول الراجز:\nقالت له وارتفقت ألا فتى ... ... ... يسوق بالقوم غزالات الضحا] (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-73>٦٢ - يطلق الجن على الملائكة</span>.\n[العرب تعرف في لغتها إطلاق الجن على الملائكة. ومنه قول الأعشى في سليمان بن داود: ...\nوسخر من جن الملائك تسعة ... ... ... قيامًا لديه يعملون بلا أجر\nقالوا: ومن إطلاق الجن على الملائكة قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ عند من يقول: بأن المراد بذلك قولهم: الملائكة بنات الله. ﷾ عن كل ما\n_________\n(١) - ونوع المجاز هنا عند القائلين به هو المجاز في مفرد، ويسمى اللغوي، من نوع تسمية الشيء باسم آلته التي يتم بها، وعلاقته آلية، وانظر الإتقان (٣/ ١١٤) وأسرار البيان (ص/١٢٥).\n(٢) - (٤/ ١٠٥ - ١٠٦) (الكهف/٢٩).","vol":"1","page":74},{"text":"لا يليق بكماله وجلاله علوًا كبيرًا!] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-74>٦٣ - يطلق باض وفرخ على سبيل المثل </span>(٢).\n[دلت الآية الكريمة - أي قوله تعالى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوّ﴾ (الكهف: ٥٠) - على أن له ذرية، أما كيفية ولادة تلك الذرية فلم يثبت فيه نقل صحيح، ومثله لا يعرف بالرأي. وقال القرطبي في تفسير هذه الآية: قلت: الذي ثبت في هذا الباب من الصحيح ما ذكره الحميري في الجمع بين الصحيحين عن الإمام أبي بكر البرقاني: أنه خرج في كتابه مسندًا عن أبي محمد عبد الغني بن سعيد الحافظ، من رواية عاصم، عن أبي عثمان، عن سلمان قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تكن أول من يدخل السوق ولا آخر من يخرج منها، فيها باض الشيطان وفرخ» (٣) وهذا يدل على أن للشيطان ذرية من صلبه.\nقال مقيده عفا الله عنه: هذا الحديث إنما يدل على أنه يبيض ويفرخ، ولكن لا دلالة فيه على ذلك. هل هي من أنثى هي زوجة له، أو من غير ذلك، مع أن دلالة الحديث على ما ذكرنا لا تخلو من احتمال؛ لأنه يكثر في كلام العرب إطلاق باض وفرخ على سبيل المثل. فيحتمل معنى باض وفرخ على سبيل المثل؛ فيحتمل معنى باض وفرخ أنه فعل بها ما شاء من إضلال وإغواء ووسوسة ونحو ذلك على سبيل المثل، لأن الأمثال لا تغير ألفاظها.] (٤).\n_________\n(١) - (٤/ ١٣١) (الكهف/٥٠).\n(٢) - ونوع المجاز هنا عند القائلين به هو المجاز في مفرد، ويسمى اللغوي، من نوع إضافة الفعل إلى ما لا يصح منه تشبيهًا، وانظر الإتقان (٣/ ١١٥).\n(٣) - أخرجه بهذا اللفظ الطبراني (٦/ ٢٤٨) (٦١١٨)، والبيهقي في الشعب (٧/ ٣٧٩) (١٠٦٥٥)، ورواه مسلم في صحيحه عن سلمان بلفظ: ﴿قال رسول الله ﷺ: (لا تكن أول من يدخل السوق ولا آخر من يخرج منها فإنها معركة - أو قال مربض - الشيطان وبها رايته)﴾.\n(٤) - (٤/ ١٣٤) (الكهف/٥٠).","vol":"1","page":75},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-75>٦٤ - الظن يطلق على اليقين، وعلى الشك </span>(١).\n[معلوم أن الظن يطلق في لغة العرب، التي نزل بها القرآن على معنيين: أحدهما: الشك كقوله ﴿إَنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِى مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾، وقوله تعالى عن الكفار: ﴿إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾.\nوالثاني: هو إطلاق الظن مرادًا به العلم واليقين، ومنه قوله تعالى هنا: ﴿وَظَنُّواْ مَا لَهُمْ مِّن مَّحِيصٍ﴾ أي أيقنوا، أنهم ليس لهم يوم القيامة محيص، أي لا مفر ولا مهرب لهم من عذاب ربهم، ومنه بهذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّواْ أَنَّهُمْ مُّوَاقِعُوهَا﴾ أي أيقنوا ذلك وعلموه، وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُلاَقُواْ اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةٍ كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَآؤُمُ اقْرَؤُاْ كِتَابيَهْ إِنِّى ظَنَنتُ أَنِّى مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾، فالظن في الآيات المذكورة كلها بمعنى اليقين.\nونظير ذلك من كلام العرب قول دريد بن الصمة:\nفقلت لهم ظنوا بألفي مدجج ... ... ... سراتهم في الفارسي المسرد\nوقول عميرة بن طارق:\nبأن تغتزوا قومي وأقعد فيكم ... ... ... وأجعل مني الظن غيبًا مرجما\nوالظن في البيتين المذكورين بمعنى اليقين] (٢).\n_________\n(١) - ومما يؤكد كلام العلامة الشنقيطي - ﵀ - في قضية المجاز، ما قاله ابن عاشور في التحرير والتنوير: [والظن: يطلق على مراتب الإدراك فيطلق على الاعتقاد الجازم الذي لا يشوبه شك كما في قوله تعالى ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (البقرة: ٤٥، ٤٦)؛ ويطلق على الاعتقاد المشوب بشك. ويظهر أنه حقيقة في هذا الثاني وأنه مجاز في الأول لكنه في الأول شائع فصار كالمشترك] فشيوعه عند العرب لا يجعله من المجاز.\n(٢) - (٧/ ١٤٣ - ١٤٤) (فصلت/٤٨)، وانظر أيضًاً (٤/ ١٤٢) (الكهف/٥٣).","vol":"1","page":76},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-76>٦٥ - تطلق الإرادة على المقاربة والميل إلى الشيء</span>.\n[قوله تعالى: ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾ (١). هذه الآية\nالكريمة من أكبر الأدلة التي يستدل بها القائلون: بأن المجاز في القرآن، زاعمين أن إرادة الجدار الانقضاض لا يمكن أن تكون حقيقة، وإنما هي مجاز، وقد دلت آيات من كتاب الله على أنه لا مانع من كون إرادة الجدار حقيقة، لأن الله تعالى يعلم للجمادات إرادات وأفعالًا وأقوالًا لا يدركها الخلق كما صرح تعالى بأنه يعلم من ذلك ما لا يعلمه خلقه في قوله جل وعلا: ﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلكن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ فصرح بأننا لا نفقه تسبيحهم، وتسبيحهم واقع عن إرادة لهم يعلمها هو جل وعلا، ونحن لا نعلمها. وأمثال ذلك كثيرة في القرآن والسنة ...\nوزعم من لا علم عنده أن هذه الأمور لا حقيقة لها، وإنما هي ضرب أمثال زعم باطل؛ لأن نصوص الكتاب، والسنة لا يجوز صرفها عن معناها الواضح المتبادر إلا بدليل يجب الرجوع إليه. وأمثال هذا كثيرة جدًا. وبذلك تعلم أنه لا مانع من إبقاء إرادة الجدار على حقيقتها لإمكان أن يكون الله علم منه إرادة الانقضاض، وإن لم يعلم خلقه تلك الإرادة. وهذا واضح جدًا كما ترى، مع أنه من الأساليب العربية إطلاق الإرادة على المقاربة والميل إلى الشيء. كما في قول الشاعر:\nيريد الرمح صدر أبي براء ... ... ... ويعدل عن دماء بني عقيل\nأي يميل إلى صدر أبي براء. وكقول راعي نمير:\nفي مهمه قلقت بها هامتها ... ... ... قلق الفؤوس إذا أردن نضولا\nفقوله «إذا أردن نضولا» أي قاربنه. وقول الآخر:\nإن دهرًا يلف شملي بجمل ... ... ... لزمان يهم بالإحسان\nفقوله «لزمان يهم بالإحسان» أي يقع الإحسان فيه.] (٢).\n_________\n(١) - ونوع المجاز هنا عند القائلين به، كالذي قبله، فهو عندهم من باب إضافة الفعل إلى ما لا يصح منه تشبيهًا.\n(٢) - (٤/ ١٩٥) (الكهف/٧٧)، (٤/ ٣٧٧) (مريم٧٠،٧١).","vol":"1","page":77},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-77>٦٦ - الرجاء يستعمل في رجاء الخير، ويستعمل في الخوف أيضًا</span>.\n[اعلم أن الرجاء كقوله هنا ﴿يَرْجُو لِقَآءَ رَبِّهِ﴾ يستعمل في رجاء الخير، ويستعمل في الخوف أيضًا. واستعماله في رجاء الخير مشهور. ومن استعمال الرجاء في الخوف قول أبي ذؤيب الهذلي:\nإذا لسعته النحل لم يرج لسعها ... وحالفها في بيت نوب عواسل\nفقوله «لم يرج لسعها» أي لم يخف لسعها. ويروى حالفها بالحاء والخاء، ويروى عواسل بالسين، وعوامل بالميم.\nفإذا علمت أن الرجاء يطلق على كلا الأمرين المذكورين فاعلم أنهما متلازمان، فمن كان يرجوا ما عند الله من الخير فهو يخاف ما لديه من الشر كالعكس] (١).\nوقال أيضًا: [وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: لا يرجون قال بعض العلماء: لا يرجون أي لا يخافون لقاءنا لعدم إيمانهم بالبعث. والرجاء يطلق على الخوف كما يطلق على الطمع. قال بعض العلماء: ومنه قوله تعالى: ﴿مَالَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ قال أي لا تخافون لله عظمة، ومنه قول أبي ذؤيب الهذلي:\nإذا لسعته النحل لم يرج لسعها ... وخالفها في بيت نوب عواسل\nفقوله لم يرج لسعها: أي لم يخف لسعها، وقال بعض أهل العلم: إطلاق الرجاء على الخوف لغة تهامة، وقال بعض العلماء: لا يرجون لقاءنا لا يأملون، وعزاه القرطبي لابن شجرة وقال: ومنه قول الشاعر:\nأترجو أمة قتلت حسينا ... ... ... شفاعة جده يوم الحساب\nأي أتأمل أمة الخ. والذي لا يؤمن بالبعث لا يخاف لقاء الله، لأنه لا يصدق بالعذاب، ولا يأمل الخير من تلقائه، لأنه لا يؤمن بالثواب.] (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-78>٦٧ - يعبر عن انتشار بياض الشيب في الرأس، باشتعال الرأس شيبا</span>.\n[وقوله: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ الألف واللام في «الرأس» قاما مقام المضاف إليه، إذ المراد: واشتعل رأسي شيبا. والمراد باشتعال الرأس شيبًا: إنتشار\n_________\n(١) - (٤/ ٢١٨ - ٢١٩) (الكهف/١١٠).\n(٢) - (٦/ ٣٠٣ - ٣٠٤) (الفرقان/٢١).","vol":"1","page":78},{"text":"بياض الشيب فيه. قال الزمخشري في كشافه: شبه الشيب بشواظ النار في بياضه وإنارته وانتشاره في الشعر وفشوه فيه، وأخذه منه كل مأخذ باشتعال النار، ثم أخرجه مخرج الاستعارة، ثم أسند الاشتعال إلى مكان الشعر ومنبته وهو الرأس، وأخرج الشيب مميزًا، ولم يضف الرأس اكتفاء بعلم الخاطب أنه رأس زكريا، فمن ثم فصحت هذه الجملة وشهد لها بالبلاغة. انتهى منه.\nوالظاهر عندنا كما بينا مرارًا: أن مثل هذا من التعبير عن انتشار بياض الشيب في الرأس، باشتعال الرأس شيبا أسلوب من أساليب اللغة العربية الفصحى جاء القرآن به، ومنه قول الشاعر:\nضيعت حزمي في إبعادي الأملا ... وما أرعويت وشيبًا رأسي اشتعلا\nومن هذا القبيل قول ابن دريد في مقصورته:\nواشتعل المبيض في مسوده ... مثل اشتعال النار في جزل الغضا] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-79>٦٨ - المولى: يطلق على كل من انعقد بينك وبينه سبب يواليك وتواليه به</span>.\n[المولى في لغة العرب: يطلق على كل من انعقد بينك وبينه سبب يواليك وتواليه به. وكثيرًا ما يطلق في اللغة على ابن العم؛ لأن ابن العم يوالي ابن عمه بالقرابة العصبية. ومنه قول طرفة بن العبد:\nواعلم علمًا ليس بالظن أنه ... ... إذا ذل مولى المرء فهو ذليل\nيعني إذا ذلت بنو عمه فهو ذليل. وقول الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب:\nمهلا ابن عمنا مهلا موالينا ... لا تنبشوا بيننا ما كان مدفونا] (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-80>٦٩ - العاقر يطلق على الذكر والأنثى </span>(٣).\n[قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَكَانَتِ امْرَأَتِى عَاقِرًا﴾ ظاهر في أنها\nكانت عاقرًا في زمن شبابها. والعاقر: هي العقيم التي لا تلد، وهو يطلق على الذكر\n_________\n(١) - (٤/ ٢٢١ - ٢٢٢) (مريم/٤).\n(٢) - (٤/ ٢٢٨ - ٢٢٩) (مريم/٥)، وانظر (٧/ ٢٤٠ - ٢٤١) (الزخرف / ٢٨: ٣٠).\n(٣) - ونوع المجاز هنا عند القائلين به هو المجاز في مفرد، ويسمى اللغوي، من باب إطلاق المؤنث على المذكر، وانظر الإتقان (٣/ ١٢٠ - ١٢١).","vol":"1","page":79},{"text":"والأنثى.\nفمن إطلاقه على الأنثى هذه الآية، وقوله تعالى عن زكريا أيضًا: ﴿وَقَدْ بَلَغَنِي الْكِبَرُ وَامْرَأَتِى عَاقِرٌ﴾.\nومن إطلاقه على الذكر قول عامر بن الطفيل:\nفَبِئسَ الفَتى إِن كُنتَ أَعوَرَ عاقِرًا ... جَبانًا فَما عُذري لَدى كُلِّ مُحضَرِ] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-81>٧٠ - السمي يطلق بمعنى: مسمى باسمه. وبمعنى: المسامي، أي المماثل في السمو، والرفعة، والشرف، وهو فعيل بمعنى مفاعل </span>(٢).\n[وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾ اعلم أولًا أن السمي يطلق في اللغة العربية إطلاقين: الأول قولهم: فلان سمى فلان أي مسمى باسمه. فمن كان اسمهما واحدًا فكلاهما سمى الآخر أي مسمى باسمه.\nوالثاني: إطلاق السمي يعني المسامي، أي: المماثل في السمو، والرفعة، والشرف، وهو فعيل بمعنى مفاعل من السمو بمعنى العلو والرفعة، ويكثر في اللغة إتيان الفعيل بمعنى المفاعل. كالقعيد، والجليس بمعنى: المقاعد، والمجالس. والأكيل، والشريب بمعنى: المؤاكل، والمشارب، وكذلك السمي بمعنى: المسامي، أي: المماثل في السمو، فإذا علمت ذلك فاعلم أن قوله هنا: ﴿لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾ أي لم نجعل من قبله أحدًا يتسمى باسمه، فهو أول من كان اسمه يحيى. وقول من قال: إن معناه: لم نجعل له سميًا، أي: نظيرًا في السمو، والرفعة غير صواب؛ لأنه ليس بأفضل من إبراهيم، وموسى، ونوح، فالقول الأول هو الصواب.] (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-82>٧١ - يطلق الكلام على الإشارة</span>.\n[اعلم أنه على هذا القول الذي اختاره ابن كثير أن المراد بقوله: ﴿فَقُولِى إِنِّى نَذَرْتُ لِلرحمن صَوْمًا﴾ أي قولي ذلك بالإشارة يدل على أن الإشارة تنزل منزلة الكلام، لأنها في هذه الآية سميت قولًا على هذا الوجه من التفسير. وسمع في كلام العرب كثيرًا إطلاق الكلام على الإشارة، كقوله:\n_________\n(١) - (٤/ ٢٢٩) (مريم/٥).\n(٢) - وانظر أيضًا: (٧/ ٦٤٨ - ٦٤٩) (ق/١٧ - ١٨).\n(٣) - (٤/ ٢٣١) (مريم/٧).","vol":"1","page":80},{"text":"إذا كلمتني بالعيون الفواتر ... ... رددت عليها بالدموع البوادر] (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-83>٧٢ - يطلق اسم الأخ على النظير المشابه، وعلى الصديق، والصاحب</span>.\n[إطلاق اسم الأخ على النظير المشابه معروف في القرآن وفي كلام العرب، فمنه في القرآن قوله تعالى: ﴿وَمَا نُرِيِهِم مِّنْ آيَةٍ إِلاَّ هِىَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُبَذرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾، وقوله تعالى ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِى الْغَىِّ ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ﴾، ومنه في كلام العرب قوله:\nوكل أخ يفارقه أخوه ... ... ... لعمر أبيك إلا الفرقدان\nفجعل الفرقدين أخوين.\nوكثيرًا ما تطلق العرب اسم الأخ على الصديق والصاحب.\nومن إطلاقه على الصاحب قول القلاخ بن حزن:\nأخا الحرب لباسا إليها جلالها ... ... ... وليس بولاج الخوالف أعقلا\nفقوله: «أخا الحرب» يعني صاحبها. ومنه قول الراعي وقيل لأبي ذؤيب:\nعشية سعدي لو تراءت لراهب ... بدومة تجر دونه وحجيج\nقلى دينه واهتاج للشوق إنها ... ... ... على النأي إخوان العزاء هيوج\nفقوله «إخوان العزاء» يعني أصحاب الصبر] (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-84>٧٣ - يطلق الغي على كل شر، والرشاد على كل خير</span>.\n[قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَلْقُونَ غَيًّا﴾. اعلم أولًا أن العرب تطلق الغي على كل شر، والرشاد على كل خير. قال المرقش الأصغر:\nفمن يلق خيرًا يحمد الناس أمره ... ... ... ومن يغو لا يعدم على الغي لائما\nفقوله: «ومن يغو» يعني: ومن يقع في شر. والإطلاق المشهور هو أن الغي: الضلال] (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-85>٧٤ - يعبر عن الدوام بالبكرة والعشي، والمساء والصباح</span>.\n[قوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ فيه سؤال\n_________\n(١) - (٤/ ٢٧٥) (مريم/٢٦).\n(٢) - (٤/ ٢٩٣ - ٢٩٤) (مريم/٢٧، ٢٨).\n(٣) - (٤/ ٣٣٣) (مريم/٥٩، ٦٠).","vol":"1","page":81},{"text":"معروف، وهو أن يقال: ما وجه ذكر البكرة والعشي، مع أن الجنة ضياء دائم ولا دليل فيها. وللعلماء عن هذا السؤال أجوبة: الجواب الثالث: أن العرب تعبر عن الدوام بالبكرة والعشي، والمساء والصباح، كما يقول الرجل: أنا عند فلان صباحًا ومساءً، وبكرة وعشيًا. يريد الديمومة ولا يقصد الوقتين المعلومين.] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-86>٧٥ - يعبر بتحلة القسم عن القلة الشديدة وإن لم يكن هناك قسم أصلًا</span>.\n[قال الشنقيطي عند قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾: قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لي والله تعالى أعلم أن الآية ليس يتعين فيها قسم. لأنها لم تقترن بأداة من أدوات القسم، ولا قرينة واضحة دالة على القسم، ولم يتعين عطفها على القسم. والحكم بتقدير قسم في كتاب الله دون قرينة ظاهرة فيه زيادة على معنى كلام الله بغير دليل يجب الرجوع إليه، وحديث أبي هريرة المذكور المتفق عليه (٢) لا يتعين منه أن في الآية قسمًا؛ لأن من أساليب اللغة العربية التعبير بتحلة القسم عن القلة الشديدة وإن لم يكن هناك قسم أصلًا، يقولون: ما فعلت كذا إلا تحلة القسم، يعنون إلا فعلًا قليلًا جدًا قدر ما يحلل به الحالف قسمه، وهذا أسلوب معروف في كلام العرب، ومنه قول كعب بن زهير في وصف ناقته:\nتخدي على يسرات وهي لاصقة ... ... ... ذوابل مسهن الأرض تحليل\nيعني: أن قوائم ناقته لا تمس الأرض لشدة خفتها إلا قدر تحليل القسم، ومعلوم أنه لا يمين من ناقته أنها تمس الأرض حتى يكون ذلك المس تحليلًا لها كما ترى.] (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-87>٧٦ - إطلاقات الأثاث</span>.\n[الأثاث: متاع البيت. وقيل هو الجديد من الفرش. وغير الجديد منها يسمى «الخرثي» بضم الخاء وسكون الراء والثاء المثلثة بعدها ياء مشددة. وأنشد لهذا التفصيل الحسن بن علي الطُّوسي قول الشاعر:\n_________\n(١) - (٤/ ٣٦٧) (مريم/٦٢).\n(٢) - عن أبي هريرة ﵁، عن النَّبي ﷺ قال: «لا يموت لمسلم ثلاثة من الولدِ فيلج النار إلا تحلة القسم».\n(٣) - (٤/ ٣٨٢) (مريم/٧٠، ٧١).","vol":"1","page":82},{"text":"تقادم العهد من أم الوليد بنا ... ... ... دهرًا وصار أثاث البيت خرثيا\nوالإطلاق المشهور في العربية هو إطلاق الأثاث على متاع البيت مطلقًا. قال الفراء: لا واحد له. ويطلق الأثاث على المال أجمع: الإبل، والغنم، والعبيد، والمتاع. والواحد أثاثة. وتأثث فلان: إذا أصاب رياشًا، قاله الجوهري عن أبي زيد] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-88>٧٧ - حيث كلمة تدل على المكان، كما تدل حين على الزمان، ربما ضمنت معنى الشرط</span>.\n[قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿حَيْثُ أَتَى﴾ حيث كلمة تدل على المكان، كما تدل حين على الزمان، ربما ضمنت معنى الشرط. فقوله: ﴿وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ أي حيث توجه وسلك. وهذا أسلوب عربي معروف يقصد به التعميم، كقولهم: فلان متصف بكذا حيث سير، وأية سلك، وأينما كان. ومن هذا القبيل قول زهير:\nبان الخليط ولم يأووا لمن تركوا ... ... وزودوك اشتياقًا أية سلكوا] (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-89>٧٨ - السحر يطلق على كل شيء خفي سببه، ولطف، ودق</span>.\n[اعلم أن السحر يطلق في اللغة على كل شيء خفي سببه، ولطف، ودق، ولذلك تقول العرب في الشيء الشديد الخفاء: أخفى من السحر، ومنه قول مسلم بن الوليد الأنصاري: ...\nجعلت علامات المودة بيننا ... ... ... مصائد لحظ من أخفى من السحر\nفأعرف منها الوصل في لين طرفها ... وأعرف منها الهجر في النظر الشزر\nولهذا قيل لملاحة العينين: سحر؛ لأنها تصيب القلوب بسهامها في خفاء. ومنه قول المرأة التي شببت بنصر بن حجاج السلمي:\nوانظر إلى السحر يجري في لواحظه ... وانظر إلى دعج في طرفه الساجي] (٣).\n_________\n(١) - (٤/ ٣٨٦) (مريم/٧٣ - ٧٤).\n(٢) - (٤/ ٤٨١) (طه/٦٩).\n(٣) - (٤/ ٤٨١ - ٤٨٢) (طه /٦٩).","vol":"1","page":83},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-90>٧٩ - يعدى التصليب بـ «في»</span>.\n[تعدية التصليب بـ «في» أسلوب عربي معروف، ومنه قول سويد بن أبي كاهل:\nهم صلبوا العبدي في جذع نخلة ... ... ... فلا عطصت شيبان إلا بأجدعا\nومعلوم عند علماء البلاغة: أن في مثل هذه الآية استعارة تبعية في معنى الحرف] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-91>٨٠ - إشباع الحركة بحرف مد يناسبها</span>.\n[قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَآ إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِى فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِى الْبَحْرِ يَبَسًا لاَّ تَخَافُ دَرَكًا وَلاَ تَخْشَى﴾ ...\nوقرأ حمزة ﴿لاَ تَخَفْ﴾ بسكون الفاء بدون ألف بين الخاء والفاء، وهو مجزوم؛ لأنه جزاء الطلب، أي: فاضرب لهم طريقًا في البحر يبسًا لا تخف. وقد قدمنا أن نحو ذلك من الجزم بشرط محذوف تدل عليه صيغة الطلب، أي: أن تضرب لهم طريقًا في البحر يبسًا لا تخف. وعلى قراءة الجمهور «لا تخاف» بالرفع، فلا إشكال في قوله ﴿وَلاَ تَخْشَى﴾ لأنه فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الألف، معطوف على فعل مضارع مرفوع هو قوله: ﴿يَبَسًا لاَّ تَخَافُ﴾. وأما على قراءة حمزة ﴿لاَ تَخَفْ﴾ بالجزم ففي قوله ﴿وَلاَ تَخْشَى﴾ إشكال معروف، وهو أنه معطوف على مضارع مجزوم، وذلك يقتضي جزمه، ولو جزم لحذفت الألف من ﴿تَخْشَى﴾ على حد قوله في الخلاصة:\nوالرفع فيهما انْوِ واحذف جازما ... ثلاثهن تقض حكمًا لازما\nوالألف لم تحذف فوقع الإشكال بسبب ذلك.\nوأجيب عنه من ثلاثة أوجه: ...\nوالثالث: أن إشباع الحركة بحرف مد يناسبها أسلوب معروف من أساليب اللغة العربية، كقول عبد يغوث بن وقاص الحارثي:\nوتضحك مني شيخة عبشمية ... ... ... كأن لم ترا قبلي أسيرا يمانيا\n_________\n(١) - (٤/ ٥١٤) (طه/٧١).","vol":"1","page":84},{"text":"وقول الراجز:\nإذا العجوز غضبت فطلق ... ... ... ولا ترضاها ولا ثملق\nوقول الآخر:\nوقلت وقد خرت على الكلكال ... ... ... يا ناقتي ما جلت من مجال\nوقول عنترة في معلقته:\nينباع من ذفرى غضوب جسرة ... ... ... زيافة مثل الفنيق المكدم\nفالأصل في البيت الأول: كأن لم تر، ولكن الفتحة أشبعت. والأصل في الثاني ولا ترضها، ولكن الفتحة أشبعت. والأصل في الثالث على الكلكال يعني الصدر، ولكن الفتحة أشبعت. والأصل في الرابع ينبع يعني أن العرق ينبع من عظم الذفرى من ناقته على التحقيق، ولكن الفتحة أشبعت، وإشباع الفتحة بألف في هذه الأبيات وأمثالها مما لم نذكره ليس لضرورة للشعر لتصريح علماء العربية بأنه أسلوب عربي معروف.\nويؤيد ذلك أنه مسموع في النثر، كقولهم في النثر: كلكال، وخاتام، وداناق، يعنون كلكلًا، وخاتمًا، ودانقًا.] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-92>٨١ - السلوى يطلق على العسل</span>.\n[قوله: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ ... «السلوى» يطلق على العسل لغة. ومنه قول خالد بن زهير الهذلي:\nوقاسمها بالله جهدًا لأنتم ألذ ... ... ... من السلوى إذا ما نشورها\nيعني ألذ من العسل إذا ما نستخرجها؛ لأن النشور: استخراج العسل. قال مؤرج بن عمر السدوسي: إطلاق السلوى على العسل لغة كنانة. سمي به لأنه يسلي. قاله القرطبي. إلا أن أكثر العلماء على أن ذلك ليس هو المراد في الآية.] (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-93>٨٢ - زيادة لفظة «لا» لتوكيد الكلام وتقويته في الكلام الذي فيه معنى الجحد أغلب مع أن ذلك مسموع في غيره</span>.\n[قوله تعالى: ﴿قَالَ ياهَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّواْ أَلاَّ تَتَّبِعَنِ﴾. قال\n_________\n(١) - (٤/ ٥٢١ - ٥٢٢) (طه/٧٧)، (٨/ ٦٣٤، ٦٣٥) (القيامة/١، ٢).\n(٢) - (٤/ ٥٢٧) (طه/٨٠، ٨١).","vol":"1","page":85},{"text":"بعض أهل العلم: «لا» في قوله: ﴿أَلاَّ تَتَّبِعَنِ﴾ زائدة للتوكيد. واستدل من قال ذلك بقوله تعالى في «الأعراف»: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ قال لأن المراد: ما منعك أن تسجد إذ أمرتك. بدليل قوله في القصة بعينها في سورة «ص»: ﴿قَالَ ياإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ﴾. فحذف لفظة «لا» في «ص» مع ثبوتها في «الأعراف» والمعنى واحد. فدل ذلك على أنها مزيدة للتوكيد.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: قد عرف في اللغة العربية أن زيادة لفظة «لا» في الكلام الذي فيه معنى الجحد لتوكيده مطردة. كقوله هنا: ﴿مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّواْأَلاَّ تَتَّبِعَنِ﴾ أي ما منعك أن تتبعني، وقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ﴾ بدليل قوله في «ص»: ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ﴾، وقوله تعالى: ﴿لِّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَىْءٍ مِّن فَضْلِ اللَّهِ﴾. أي ليعلم أهل الكتاب، وقوله ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ إي فوربك لا يؤمنون، وقوله: ﴿وَلاَ تَسْتَوِى الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ﴾ أي والسيئة، وقوله: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَآ أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ﴾ على أحد القولين، وقوله: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ على أحد القولين، وقوله: ﴿قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ﴾ على أحد الأقوال فيها.\nونظير ذلك من كلام العرب قول امرئ القيس:\nفلا وأبيك ابنة العامري ... ... ... لا يدعي القوم أني أفر\nيعني فو أبيك. وقول أبي النجم:\nفما ألوم البيض ألا تسخرا ... ... ... لما رأين الشمط القفندرا\nيعني أن تسخر، وقول الآخر:\nما كان يرضى رسول الله دينهم ... ... ... والأطيبان أبو بكر ولا عمر\nيعني وعمر. وقول الآخر:\nوتلحينني في اللهو ألا أحبه ... ... ... وللهو داع دائب غير غافل\nيعني أن أحبه، و«لا» مزيدة في جميع الأبيات لتوكيد الجحد فيها.\nوقال الفراء: إنها لا تزاد إلا في الكلام الذي فيه معنى الجحد كالأمثلة المتقدمة. والمراد بالجحد النفي وما يشبه كالمنع في قوله: ﴿مَا مَنَعَكَ﴾ ونحو ذلك.\nوالذي يظهر لنا والله تعالى أعلم: أن زيادة لفظة «لا» لتوكيد الكلام وتقويته","vol":"1","page":86},{"text":"أسلوب من أساليب اللغة العربية، وهو في الكلام الذي فيه معنى الجحد أغلب مع أن ذلك مسموع في غيره. وأنشد الأصمعي لزيادة «لا» قول ساعدة الهذلي:\nأفعنك لا برق كان وميضه ... ... ... غاب تسنمه ضرام مثقب\nويروى «أفمنك» بدل «أفعنك» و«تشيمه» بدل «تسنمه» يعني أعنك برق ب «لا» زائدة للتوكيد والكلام ليس فيه معنى الجهد. ونظيره قول الآخر:\nتذكرت ليلى فاعترتني صبابة ... ... ... وكاد صميم القلب لا يتقطع\nيعني كاد يتقطع. وأنشد الجوهري لزيادة «لا» قول العجاج:\nفي بئر لا حور سرى وما شعر ... ... ... بإفكه حتى رأى الصبح جشر\nوالحور الهلكة. يعني في بئر هلكة ولا زائدة للتوكيد. قاله أبو عبيدة وغيره. والكلام ليس فيه معنى الجحد.] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-94>٨٣ - الهمس يطلق على الخفاء، فيشمل خفض الصوت وصوت الأقدام</span>.\n[قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرحمن﴾ أي خفضت وخفتت، وسكنت هيبة لله، وإجلالًا وخوفًا ﴿فَلاَ تَسْمَعُ﴾ في ذلك اليوم صوتًا عاليًا، بل لا تسمع ﴿إِلاَّ هَمْسًا﴾ أي صوتًا خفيًا خافتًا من شدة الخوف. أو ﴿إِلاَّ هَمْسًا﴾ أي إلا صوت خفق الأقدام ونقلها إلى المحشر.\nوالهمس يطلق في اللغة على الخفاء، فيشمل خفض الصوت وصوت الأقدام. كصوت أخفاف الإبل في الأرض التي فيها يابس النبات، ومنه قول الراجز:\nوهن يمشين بنا هميسا ... ... ... إن تصدق الطير ننك لميسا.] (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-95>٨٤ - العرب تقول: خلق من كذا. يعنون بذلك المبالغة في الاتصاف</span>.\n[العرب تقول: خلق من كذا. يعنون بذلك المبالغة في الاتصاف. كقولهم: خلق فلان من كرم، وخلقت فلانة من الجمال. ومن هذا المعنى قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ﴾ على الأظهر.] (٣).\n_________\n(١) - (٤/ ٥٤٧ - ٥٤٨) (طه/٩٢ - ٩٣)،وانظر أيضًا: (٦/ ٣٩٩ - ٤٠٠) (النمل/٢٥)، (٨/ ٦٣٣،٦٣٤) (القيامة/١، ٢).\n(٢) - (٤/ ٥٦١) (طه/١٠٨).\n(٣) - (٤/ ٦٢٤ - ٦٢٥) (الأنبياء/٣٧).","vol":"1","page":87},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-96>٨٥ - يطلق اللبوس على كل ما يلبس</span>.\n[إذا عرفت أن اللبوس في الآية - أي قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾ - الدروع فاعلم أن العرب تطلق اللبوس على الدروع كما في الآية. ...\nومنه قول الشاعر:\nعليها أسود ضاويات لبوسهم ... ... ... سوابغ بيض لا يخرقها النبل\nفقوله «سوابغ» أي دروع سوابغ، وقول كعب بن زهير:\nشم العرانيين أبطال لبوسهم ... ... ... من نسج داود في الهيجا سرابيل\nومراده باللبوس التي عبر عنها بالسرابيل: الدروع.\nوالعرب تطلق اللبوس أيضًا على جميع السلاح درعًا كان أو جوشنًا أو سيفًا أو رمحًا. ومن إطلاقه على الرمح قول أبي كبير الهذلي يصف رمحًا: ...\nومعي لبوس للبئيس كأنه ... ... ... روق بجبهة نعاج مجفل\nوتطلق اللبوس أيضًا على كل ما يلبس. ومنه قول بيهس:\nالبس كل حالة لبوسها ... ... ... إما نعيمها وإما بوسها] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-97>٨٦ - ما ورد من وضع الحامل حملها، وشيب الولد، ونحو ذلك يوم القيامة، كناية عن شدة الهول </span>(٢).\n[قال البخاري ﵀ في صحيحه في التفسير في باب قوله ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى﴾ حدثنا عمر بن حفص، حدثنا أبي، حدثنا الأعمش، حدثنا أبو صالح، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال النَّبي ﷺ «يقول الله ﷿ يوم القيامة: يا آدمُ، فيقول: لبيك ربَّنا وسعديك، فَيُنادى بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثًا إلى النار، قال: يا رب، وما بعث النار؟ قال: من كل ألف أراه، قال تسعمائه وتسعة وتسعين، فحينئذ تضع الحامل حملها، ويشيب الوليد،\n_________\n(١) - (٤/ ٧٣٦) (الأنبياء/٨٠).\n(٢) - ونوع المجاز هنا عند القائلين به هو المجاز عقلي، ويسمى مجاز الإسناد، فقد نسب هذه الأحداث إلى الوقت الذي تقع فيه، والعلاقة هنا زمانية، وانظر الإتقان (٣/ ١٠٩)، وأسرار البيان (ص/١١٠ - ١١١).","vol":"1","page":88},{"text":"وترى الناس سكارى، وما هم بسكارى، ولكن عذاب الله شديد ... الحديث (١) ... فإن قيل: هذا النص فيه إشكال، لأنه بعد القيام من القبور لا تحمل الإناث، حتى تضع حملها من الفزع، ولا ترضع، حتى تذهل عما أرضعت.\nفالجواب عن ذلك من وجهين:\nالأول: هو ما ذكره بعض أهل العلم، من أن من ماتت حاملًا تبعث حاملًا، فتضع حملها من شدة الهول والفزع، ومن ماتت مرضعة بعثت كذلك، ولكن هذا يحتاج إلى دليل.\nالوجه الثاني: أن ذلك كناية عن شدة الهول كقوله تعالى ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ ومثل ذلك من أساليب اللغة العربية المعروفة.] (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-98>٨٧ - الهدى يستعمل في الإرشاد والدلالة على الخير، ويستعمل أيضًا في الدلالة على الشر</span>.\n[وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة ﴿وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ ويدل على أن الهدى كما أنه يستعمل في الإرشاد والدلالة على الخير، يستعمل أيضًا في الدلالة على الشر، لأنه قال: ﴿وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ ونظير في ذلك القرآن قوله تعالى ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ وقوله تعالى ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ لأن الإمام هو من يقتدى به في هديه وإرشاده.\nوإطلاق الهدى في الضلال كما ذكرنا أسلوب عربي معروف وكلام البلاغيين في مثل ذلك، بأن فيه استعارة عنادية، وتقسيمهم العنادية إلى تهكمية وتمليحية.] (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-99>٨٨ - يطلق على الأرض أنها اهتزت لاهتزاز ما بها من نبات</span>.\n[﴿فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَآءَ اهْتَزَّتْ﴾: أي تحركت بالنبات. ولما كان النبات نابتًا فيها متصلًا بها، كان اهتزازه كأنه اهتزازها فأطلق عليها بهذا الاعتبار، أنها\n_________\n(١) - أخرجه البخاري (٤/ ١٧٦٧) (٤٤٦٤)، ومسلم (١/ ٢٠١) (٢٢٢).\n(٢) - (٥/ ١١: ١٤) (الحج/١، ٢).\n(٣) - (٥/ ١٨) (الحج/٣، ٤).","vol":"1","page":89},{"text":"اهتزت بالنبات. وهذا أسلوب عربي معروف] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-100>٨٩ - إسناد جميع الأعمال إلى اليد </span>(٢).\n[السؤال الثاني: أنه أسند كل ما قدم إلى يديه في قوله ﴿بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ وكفره الذي هو أعظم ذنوبه، ليس من فعل اليد، وإنما هو من فعل القلب واللسان، وإن كان بعض أنواع البطش باليد، يدل على الكفر، فهو في اللسان والقلب أظهر منه في اليد. وزناه لم يفعله بيده، بل بفرجه، ونحو ذلك من المعاصي التي تزاول بغير اليد.\nوالجواب عن هذا ظاهر: وهو أن من أساليب اللغة العربية، التي نزل بها القرآن إسناد جميع الأعمال إلى اليد، نظرًا إلى أنها الجارحة التي يزاول بها أكثر الأعمال فغلبت على غيرها، ولا إشكال في ذلك] (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-101>٩٠ - الإشارة إلى القريب إشارة البعيد </span>(٤).\n[الإشارة إلى القريب إشارة البعيد أسلوب عربي معروف، وقد ذكره البخاري عن أبي عبيدة معمر بن المثنى ومنه قوله ﴿ذلك الْكِتَابُ﴾ أي هذا القرآن؛ لأن الكتاب قريب، ولذا تكثر الإشارة إليه بإشارة القريب كقوله ﴿إِنَّ هذا الْقُرْآنَ يِهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ﴾ وقوله ﴿وَهذا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ﴾ وأمثال ذلك كثيرة في القرآن، ومن إطلاق إشارة البعد على القريب قول خفاف بن ندية السلمي:\nفإن تَكُ خيلي قد أصيب صَميمها ... فعمدًا على عيني تيممَّتُ مالكا\nأقول له والرُّمح يأطر مَتْنُه ... ... ... تأمَّل خفافًا إنني أنا ذَلِكا\n_________\n(١) - (٥/ ٣٧) (الحج/٥).\n(٢) - ونوع المجاز هنا عند القائلين به هو المجاز في مفرد، ويسمى اللغوي، من باب إقامة صيغة مقام أخرى، ونوعه همن التغليب، وانظر الإتقان (٣/ ١٢١). ويمكن القول أيضًا بأن هنا مجاز مرسل علاقته جزئية، حيث عبر بالجزء (اليد)، وأراد باقي الأعضاء، وانظر أسرار البيان (ص/١٢٢ - ١٢٥).\n(٣) - (٥/ ٤٣) (الحج/١٠).\n(٤) - ونوع المجاز هنا عند القائلين به هو المجاز في مفرد، ويسمى اللغوي، من نوع تسمية الشيء باسم ضده، والضدية هنا في المعنى فـ (ذلك) للبعيد، و(هذا) للقريب، وانظر الإتقان (٣/ ١١٥).","vol":"1","page":90},{"text":"فقد أشار إلى نفسه إشارة البعيد، ومعلوم أنه لا يمكن أن يكون بعيدًا من نفسه] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-102>٩١ - تزحلق اللام عن محلها الأصلي</span>.\n[واعلم أن اللام في ﴿يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ﴾ فيها إشكال معروف. وللعلماء عن ذلك أجوبة. ذكر ابن جرير الطبري ﵀ منها ثلاثة:\nأحدها - وقال عنه أنه أقربهم عنده -: أن اللام متزحلقة عن محلها الأصلي، وأن ذلك من أساليب اللغة العربية التي نزل بها القرآن، والأصل: يدعو من لضره أقرب من نفعه، وعلى هذا فمن الموصولة في محل نصب مفعول به ليدعوا، واللام موطئة للقسم، داخلة على المبتدإ، الذي هو وخبره صلة الموصول، وتأكيد المبتدإ في جملة الصلة باللام، وغيرها لا إشكال فيه.\nقال ابن جرير وحكي عن العرب سماعًا: منها عندي لما غيره خير منه: أي عندي ما لغيره خير منه، وأعطيتك لما غيره خير منه: أي ما لغيره خير منه.] (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-103>٩٢ - اليد تطلق على العضو إلى المرفق، وإلى المنكب </span>(٣).\n[وقد تقرر في الأصول أن فعل النَّبي ﷺ إذا كان لبيان نص من كتاب الله، فهو على اللزوم والتحتم. ولذا أجمع العلماء على قطع يد السارق من الكوع؛ لأن قطع النَّبي ﷺ للسارق من الكوع بيان، وتفصيل لما أجمل في قوله تعالى ﴿فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا﴾ لأن اليد تطلق على العضو إلى المرفق، وإلى المنكب.] (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-104>٩٣ - تسمية الشيء باسم ما يحل فيه</span>.\n[اعلم أن العلماء اختلفوا في المعنى الذي منه الجمرة، فقال بعض أهل العلم:\n_________\n(١) - (٥/ ٣٣١) (الحج/٢٧)، وانظر أيضًا: (٥/ ٤٤) (الحج/١٠)، (٧/ ٣٣٧) (الجاثية/٦).\n(٢) - (٥/ ٤٧) (الحج/١٣).\n(٣) - ونوع المجاز هنا عند القائلين به هو المجاز في مفرد، ويسمى اللغوي، من نوع إطلاق الكل على الجزء، حيث أن حقيقة اليد تطلق على من المنكب إلى أطراف الأصابع، وانظر الإتقان (٣/ ١١١)، وأسرار البيان (ص/١٢٢).\n(٤) - (٥/ ٢٠٣) (الحج/٢٧).","vol":"1","page":91},{"text":"الجمرة في اللغة: الحصاة، وسميت الجمرة التي هي موضع الرمي بذلك، لأنها المحل الذي يرمى فيه بالحصى، وعلى هذا فهو من تسمية الشيء باسم ما يحل فيه، وهو أسلوب عربي معروف، وهو عند البلاغيين من نوع ما يسمونه المجاز المرسل، والتجمير: رمي الحصى في الجمار ومنه قول بن أبي ربيعة:\nبدَا لِي منها معصمٌ يوم جَمَّرت ... ... ... وكفٌّ خضيبٌ زُيِّنت ببنانِ\nفوالله ما أدري وإني لحاسب ... ... ... بسبع رميتَ الجمرَ أم بثمانِ\nوالمجمر بصيغة اسم المفعول مضعفًا: هو الموضع الذي ترمى فيه الجمار، ومنه قول حذيفة بن أنس الهذلي:\nلأدركهم شُعْث النواصي كأنهم ... ... سوابقُ حجَّاج تُوافِي المجمَّرا\nوقال بعض أهل العلم: أصل الجمرة من التجمر بمعنى التجمع، تقول العرب: تجمَّر القوم، إذا اجتمعوا، وانضم بعضهم إلى بعض، وجمرهم الأمر: أحوجهم إلى التجمر، وهو التجمع، وجمر الشيء: جمعه، وجمر الأمير الجيش، إذا أطال حبسهم مجتمعين بالثغر، ولم يأذن لهم في الرجوع والتفرق، وروى الربيع: أن الشافعي أنشده في ذلك قول الشاعر:\nوجمَّرتْنا تجميرَ كسرى جُنوده ... ... ... ومنيتنا حتى نسينا الأمَانِيَا\nوالجمار: القوم المجتمعون، ومنه قول الأعشى:\nفَمِنْ مُبلغٍ وائلًا قومَنا ... ... ... وأعني بذلك بكرًا جمارا\nأي مجتمعين، وعلى هذا فاشتقاق الجمرة من التجمر بمعنى: التجمع لاجتماع الحجيج عندها يرمونها، وقيل: لأن الحصى يتجمع فيها، وقيل: اشتقاق الجمرة من أجمر إذا أسرع؛ لأن الناس يأتون مسرعين لرميها. وقيل: أصلها من جمرته إذا نحيته، وأظهرها: القول الأول، والثاني. والعلم عند الله تعالى.] (١).\n_________\n(١) - (٥/ ٢٩٨) (الحج/٢٧) وقال الشيخ - ﵀ -: في فتوى له عن محل العقل: [يغلب في الكتاب والسنة إطلاق القلب وإرادة العقل وذلك أسلوب عربي معروف لأن من أساليب اللغة العربية إطلاق المحل وارد الحال فيه كعكسه والقائلون بالمجاز يسمون ذلك الأسلوب العربي مجازا مرسلا، ومن علاقات المجاز (المرسل) عندهم المحلية والحالية كإطلاق القلب وإرادة العقل لان القلب محل العقل و(كإطلاق) النهر الذي هو الشق في الأرض على الماء الجاري فيه كما هو معلوم في محله.].","vol":"1","page":92},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-105>٩٤ - يطلق الإحرام على الدخول في أي حرمة لا تهتك زمانية، أو مكانية، أو غير ذلك </span>(١).\n[ولا خلاف بين أهل اللسان العربي في إطلاق الإحرام على الدخول في حرمة لا تهتك كالدخول في الشهر الحرام، أو في الحرم أو غير ذلك.\nوقال ابن منظور في اللسان: وأحرم الرجل: إذا دخل في حرمة لا تهتك، ومن إطلاق الإحرام على الدخول في الشهر الحرام، وقد أنشده في اللسان شاهدًا لذلك قول زهير:\nجعلن القنان عن يمين وحزنه ... ... ... وكم بالقنان من محل ومحرم\nوقول الآخر:\nوإذ فتك النعمان بالناس مُحرما ... ... ... فملىء من عوف بن كعب سلاسله\nوقول الراعي:\nقتلوا ابن عفَّان الخليفةَ مُحرما ... ودعا فلم أر مثله مقتولا\nفتفرقت من بعد ذاك عصاهُم ... ... ... شقفًا وأصبح سيفهم مسلولا\nويروى: فلم أر مثله مخذولًا، فقوله: قتلوا ابن عفان الخليفة محرمًا: أي في الشهر الحرام وهو ذو الحجة، وقيل المعنى: أنهم قتلوه في حرم المدينة، لأن المُحْرِِم يطلق لغة على كل داخل في حرمة لا تهتك، سواء كانت زمانية، أو مكانية أو غير ذلك.\nوقال بعض أهل اللغة منهم الأصمعي: إن معنى قول الراعي: محرمًا في بيته المذكور كونه في حرمة الإسلام، وذمته التي يجب حفظها، ويحرم انتهاكها وأنه لم يحل من نفسه شيئًا يستوجب به القتل، ومن إطلاق المحرم على هذا المعنى الأخير قول عدي بن زيد:\nقتلوا كسرى بليل محرما ... ... ... غادروه لم يمتع بكفن\n_________\n(١) - ونوع المجاز هنا عند القائلين به هو المجاز العقلي، وعلاقته إما زمانية، أو مكانية، وانظر الإتقان (٣/ ١٠٩ - ١١٠).","vol":"1","page":93},{"text":"يدريد قتل شيرويه أباه أبرويز بن هرمز، مع أن له حرمة العهد الذي عاهدوه به، حين ملكوه عليهم، وحرمة الأبوة ولم يفعل لهم شيئًا يستوجب به منهم القتل. وذلك هو مراده بقوله: محرمًا، وعلى تفسير قول ابن عباس: وهو محرم بما ذكر فلا تعارض بين حديث ابن عباس، وبين حديث ميمونة وأبي رافع ...] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-106>٩٥ - الأيام تطلق على ما يشمل الليالي</span>.\nقال العلامة الشنقيطي - ﵀ - وهو يتكلم عن حكم ذبح الهدي في ليالي الأيام المعلومات [وحجة من قال لا يجوز الذبح ليلًا: أن الله خصصه بلفظ الأيام في قوله: ﴿فِى أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ﴾ قالوا: وذكر اليوم يدل على أن الليل ليس كذلك.\nوحجة من أجازه: أن الأيام تطلق لغة على ما يشمل الليالي، وتخصيصه بالأيام أحوط، لمطابقة لفظ القرآن، والعلم عند الله تعالى.] (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-107>٩٦ - السعي يطلق على العمل في الأمر لإفساده، وإصلاحه</span>.\n[السعي يطلق على العمل في الأمر لإفساده وإصلاحه، ومن استعماله في الإفساد قوله تعالى هنا: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْاْ فِى آيَاتِنَا﴾ أي سعوا في إبطالها وتكذيبها بقولهم: إنها سحر، وشعر، وكهانة، وأساطير الأولين، ونحو ذلك، ومن إطلاق السعي في الفساد أيضًا قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِى الاٌّرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا﴾. (٣)\nومن إطلاق السعي في العمل للإصلاح قوله تعالى: ﴿إِنَّ هذا كَانَ لَكُمْ جَزَآءً وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُورًا﴾ وقوله: ﴿وَأَمَّا مَن جَآءَكَ يَسْعَى وَهُوَ يَخْشَى﴾ إلى غير ذلك من الآيات (٤).\nومن إطلاق السعي على الخير، والشر معًا قوله تعالى: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا يُغْنِى عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾ وهذه الآية التي ذكرها هنا في سورة\n_________\n(١) - (٥/ ٣٦٨) (الحج/٢٧).\n(٢) - (٥/ ٥٠٢) (الحج/٢٨).\n(٣) - ومنه قول ابن المضلل:\nوَقَد سَعى بَينَنا الواشونَ وَاِختَلَفوا ... ... ... حَتّى تَجَنَّبتُها مِن غَيرِ هِجرانِ\n(٤) - ومنه قول غطيف بن تويل\nحينَ سعى الفاروقُ في قومِه ... ... ... سعْيَ امرئ في قومِه مُصْلِحِ","vol":"1","page":94},{"text":"الحج التي هي قوله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ وَالَّذِينَ سَعَوْاْ فِى آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أولئك أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ جاء معناها واضحًا في سورة سبأ في قوله تعالى: ﴿لِّيَجْزِىَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أولئك لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ وَالَّذِينَ سَعَوْا فِى آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أولئك لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ﴾ فالعذاب من الرجز الأليم المذكور في سبأ هو عذاب الجحيم المذكور في الحج.] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-108>٩٧ - معاني الفتنة في القرآن</span>.\n[وقد أوضحنا معاني الفتنة في القرآن سابقًا، وبينا أن أصل الفتنة في اللغة وضع الذهب في النار، ليظهر بسبكه فيها أخالص هو أم زائف، وأنها في القرآن تطلق على معان متعددة منها:\nالوضع في النار، ومنه قوله تعالى ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ أي يحرقون بها. وقوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُواْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ أي أحرقوهم بنار الأخدود على أظهر التفسيرين.\nومنها: الاختبار وهو أكثر استعمالاتها في القرآن، كقوله تعالى ﴿إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ وقوله تعالى ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ وقوله تعالى ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُواْ عَلَى الطَّرِيقَةِ لاّسْقَيْنَاهُم مَّآءً غَدَقًا لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾.\nومنها: نتيجة الابتلاء إن كانت سيئة كالكفر والضلال كقوله ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أي شرك بدليل قوله ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ للَّهِ وقوله في الأنفال ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلهِ﴾ ومما يوضح هذا المعنى قوله ﷺ «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا اله إلا الله» الحديث (٢). فالغاية في الحديث مبينة للغاية في الآية، لأن خير ما يفسر به القرآن بعد القرآن السنة، ومنه بهذا المعنى قوله هنا ﴿لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِى الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾.\nوقد جاءت الفتنة في موضع بمعنى الحجة، وهو قوله تعالى في الأنعام ﴿ثُمَّ\n_________\n(١) - (٥/ ٧٢٦) (الحج/٥٠، ٥١).\n(٢) - أخرجه البخاري (١/ ١٧) (٢٥)، ومسلم (١/ ٥٣) (٢٢) من حديث ابن عمر - ﵄ -.","vol":"1","page":95},{"text":"لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ أي حجتهم كما هو الظاهر] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-109>٩٨ - يسمي انطواء القلب على الأمور الخبيثة: مرضًا</span>.\n[اعلم أن مرض القلب في القرآن يطلق على نوعين:\nأحدهما: مرض بالنفاق والشك والكفر، ومنه قوله تعالى في المنافقين ﴿فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ وقوله هنا ﴿لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِى الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ أي كفر وشك.\nالثاني: منهما إطلاق مرض القلب على ميله للفاحشة والزنى، ومنه بهذا المعنى قوله تعالى ﴿فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِى فِى قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ أي ميل إلى الزنى ونحوه، والعرب تسمي انطواء القلب على الأمور الخبيثة: مرضًا وذلك معروف في لغتهم ومنه قول الأعشى:\nحافظ للفرج راض بالتقى ... ... ... ليس ممن قلبه فيه مرض] (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-110>٩٩ - تطلق القلة، ويراد بها العدم</span>.\n[العرب تطلق القلة، وتريد بها العدم. واستدل قائل هذا القول بقول الطرماح بن حكيم يمدح يزيد بن المهلب:\nأشم ندى كثير النوادي ... ... ... قليل المثالب والقادحه\nيعني: لا مثلبة فيه، ولا قادحة ...\nالعرب تطلق القلة في لغتها، وتريد بها العدم كَقولهم: مررت بأرض قليل بها الكراث والبصل.\nيعنون لا كراث فيها ولا بصل. ومنه قول ذي الرمة:\nأنيخت فألقت بلدة فوق بلدة ... ... ... قليل بها الأصوات إلا بغامها\nيريد: أن تلك الفلاة لا صوت فيها غير بغام ناقته. وقول الآخر:\nفما بأس لو ردت علينا تحية ... ... ... قليلًا لدى من يعرف الحق عابها\n_________\n(١) - (٥/ ٧٣٤) (الحج/٥٢)، وانظر أيضًا (٦/ ٢٥٤ - ٢٥٥) (النور/٦٣)، (٦/ ٤٠٧: ٤٠٩) (النمل/٤٧)، (٨/ ٦٢٢) (المدثر/٣١).\n(٢) - (٥/ ٧٣٥) (الحج/٥٢).","vol":"1","page":96},{"text":"يعني لا عاب فيها: أي لا عيب فيها عند من يعرف الحق، وأمثال هذا كثير في كلام العرب] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-111>١٠٠ - يطلق النكاح على الوطء </span>(٢).\n[العرب الذين نزل القرءان بلغتهم، يطلقون النكاح على الوطء، والتحقيق: أن النكاح في لغتهم الوطء. قال الجوهري في صحاحه: النكاح الوطء، وقد يكون العقد، اهـ.\nوإنما سموا عقد التزويج نكاحًا؛ لأنه سبب النكاح أي الوطء، وإطلاق المسبب، وإرادة سببه معروف في القرءان، وفي كلام العرب، وهو مما يسمّيه القائلون بالمجاز، المجاز المرسل، كما هو معلوم عندهم في محله، ومن إطلاق العرب النكاح على الوطء، قول الفرزدق:\nوذات حليل أنكحتها رماحنا ... ... ... حلال لمن يبنى بها لم تطلق\nلأن الإنكاح في البيت ليس المراد به عقد التزويج، إذ لا يعقد على المسبيات، وإنما المراد به الوطء بملك اليمين والسبي مع الكفر، ومنه قوله أيضًا:\nوبنت كريم قد نكحنا ولم يكن ... ... ... لها خاطب إلا السنان وعامله\nفالمراد بالنكاح في هذا البيت هو الوطء بملك اليمين، لا العقد؛ كما صرّح بذلك بقوله: ولم يكن لها خاطب إلا السنان وعامله.\nوقوله:\nإذا سقى اللَّه قومًا صوب غادية ... فلا سقى اللَّه أهل الكوفة المطرا\nالتاركين على طهر نساءهم ... ... ... والناكحين بشطي دجلة البقرا\nومعلوم أن نكاح البقر ليس معناه التزويج.] (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-112>١٠١ - إطلاق المسبب وإرادة سببه، وإطلاق السبب وإرادة المسبب</span>.\n[أطلق جل وعلا في هذه الآية الكريمة - أي قوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾ -، الرزق وأراد المطر، لأن المطر سبب الرزق، وإطلاق\n_________\n(١) - (٥/ ٧٦٨) (المؤمنون/٥: ٧).\n(٢) - وانظر أيضًا الأسلوب التالي.\n(٣) - (٦/ ٧٥) (النور/٣).","vol":"1","page":97},{"text":"المسبب وإرادة سببه لشدة الملابسة بينهما، أسلوب عربي معروف، وكذلك عكسه الذي هو إطلاق السبب وإرادة المسبب كقوله:\nأكنت دمًا إن لم أرعْكِ بضرَّة ... ... بعيدة مهوى القرط طيبة النشر\nفأطلق الدم وأراد الدية، لأنه سببها.\nوقد أوضحنا في رسالتنا المسماة: منع جواز المجاز، في المنزل للتعبد والإعجاز، أن أمثال هذا أساليب عربية، نطقت بها العرب في لغتها، ونزل بها القرآن، وأن ما يقوله علماء البلاغة من أن في الآية ما يسمونه المجاز المرسل الذي يعدون من علاقاته السببية والمسببية، لا داعي إليه، ولا دليل عليه، يجب الرجوع إليه.\nوإطلاق الرزق في آية المؤمن هذه على المطر جاء مثله، في غير هذا الموضع كقوله تعالى في أول سورة الجاثية ﴿وَمَآ أَنَزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَآءِ مَّن رِّزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الاٌّرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ فأوضح بقوله ﴿فَأَحْيَا بِهِ الاٌّرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ أن مراده بالرزق المطر، لأن المطر هو الذي يحيي الله به الأرض بعد موتها.\nوقد أوضح جل وعلا، أنه إنما سمي المطر رزقًا، لأن المطر سبب الرزق، في آيات كثيرة من كتابه، كقوله تعالى في سورة البقرة ﴿وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ﴾، والباء في قوله فأخرج به سببية كما ترى. وكقوله تعالى في سورة إبراهيم: ﴿اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السموات وَالاٌّرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ﴾. وقوله تعالى في سورة ق: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَآءِ مَآءً مُّبَارَكًا فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ رِّزْقًا لِّلْعِبَادِ﴾ ...] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-113>١٠٢ - يطلق المحصنات على العفائف</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-114>١٠٣ - يطلق الرمي على رمي الشخص لآخر بلسانه بالكلام القبيح</span>.\n[وإطلاق المحصنات على العفائف معروف في كلام العرب. ومنه قول جرير:\n_________\n(١) - (٧/ ٧٦) (غافر/١٣)، وانظر أيضًا (٦/ ٧٦) (النور/٣)، (٧/ ٢٦٣ - ٢٦٤) (الزخرف/٦١).","vol":"1","page":98},{"text":"فلا تأمننّ الحيّ قيسًا فإنَّهم ... ... بنو محصنات لم تدنس حجورها\nوإطلاق الرمي على رمي الشخص لآخر بلسانه بالكلام القبيح معروف في كلام العرب. ومنه قول عمرو بن أحمر الباهلي:\nرماني بأمر كنت منه ووالدي ... ... ... بريئًا ومن أجل الطوى رماني\nفقوله: رماني بأمر يعني أنه رماه بالكلام القبيح، وفي شعر امرىء القيس أو غيره:\nوجرح اللسان كجرح اليد] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-115>١٠٤ - يطلق على سليمات الصدور، نقيّات القلوب، اسم البله مدحًا لا ذمًا </span>(٢).\n[قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِناتِ﴾، وقد زاد في هذه الآية كونهنّ مؤمنات غافلات لإيضاح صفاتهنّ الكريمة.\nووصفه تعالى للمحصنات في هذه الآية بكونهنّ غافلان ثناء عليهن بأنهنّ سليمات الصدور نقيّات القلوب لا تخطر الريبة في قلوبهن لحسن سرائرهن، ليس فيهن دهاء ولا مكر؛ لأنهن لم يجربن الأمور فلا يفطن لما تفطن له المجربات ذوات المكر والدهاء، وهذا النوع من سلامة الصدور وصفائها من الريبة من أحسن الثناء، وتطلق العرب على المتّصفات به اسم البله مدحًا لها لا ذمًّا، ومنه قول حسّان ﵁:\nنفج الحقيبة بوصها متنضد ... ... ... بلهاء غير وشيكة الإقسام\nوقول الآخر:\nولقد لهوت بطفلة ميالة ... ... ... بلهاء تطلعني على أسرارها\nوقول الآخر:\nعهدت بها هندًا وهند غريرة ... ... عن الفحش بلهاء العشاء نؤم\nرداح الضحى ميالة بحترية ... ... لها منطق بصبى الحليم رخيم] (٣).\n_________\n(١) - (٦/ ٨٦) (النور/ ٤ - ٥).\n(٢) - ونوع المجاز هنا عند القائلين به هو المجاز في مفرد، ويسمى اللغوي، من نوع إطلاق اللفظ، وإرادة عكسه، وانظر الإتقان (٣/ ١١٥).\n(٣) - (٦/ ٨٧ - ٨٨) (النور/٤، ٥).","vol":"1","page":99},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-116>١٠٥ - يطلق النشور على الإحياء بعد الموت، وعلى الحياة بعد الموت</span>.\n[قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلاَ نُشُورًا﴾، اعلم أن النشور يطلق في العربية إطلاقين:\nالأول: أن يكون مصدر نشر الثلاثي المتعدّي، تقول: نشر اللَّه الميت ينشره نشرًا ونشورًا.\nوالثاني: أن يكون مصدر نشر الميّت ينشر نشورًا لازمًا، والميت فاعل نشر.\nوالحاصل أن في المادة ثلاث لغات:\nالأولى: أنشره رباعيًّا بالهمزة ينشره بضم الياء إنشارًا، ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا شَاء أَنشَرَهُ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ ننشرها﴾، بضمّ النون وبالراء المهملة في قراءة نافع، وابن كثير، وأبي عمرو، وهو مضارع أنشره.\nوالثانية نشر اللَّه الميت ينشره بصيغة الثلاثي المتعدّي، والمصدر في هذه اللغة النشر والنشور، ومنه قوله هنا: ﴿حياةً وَلاَ نُشُورًا﴾، أي لا يملكون أن ينشروا أحدًا، بفتح الياء وضمّ الشين.\nوالثالثة: نشر الميّت بصيغة الثلاثي اللازم، ومعنى أنشره ونشره متعدّيًا أحياه بعد الموت، ومعنى نشر الميّت لازمًا حيى الميت وعاش بعد موته، وإطلاق النشر والنشور على الإحياء بعد الموت، وإطلاق النشور على الحياة بعد الموت معروف في كلام العرب، ومن إطلاقهم نشر الميّت لازمًا فهو ناشر، أي: عاش بعد الموت، قول الأعشى:\nلو أسندت ميّتًا إلى نحرها ... ... ... عاش ولم ينقل إلى قابر\nحتى يقول الناس مما رأوا ... ... ... يا عجبًا للميّت الناشر\nومن إطلاق النشور بمعنى الإحياء بعد الموت، مصدر الثلاثي المتعدّي، قوله هنا: ﴿وَلاَ نُشُورًا﴾، أي: بعثًا بعد الموت، ومن إطلاقهم النشور بمعنى الحياة بعد الموت مصدر الثلاثي اللازم، قول الآخر:\nإذا قبلتها كرعت بفيها ... ... ... كروع العسجدية في الغدير\nفيأخذني العناق مبرد فيها ... ... ... بموت في عظامي أو فتور","vol":"1","page":100},{"text":"فنحيا تارة ونموت أخرى ... ... ... ونخلط ما نموت بالنشور\nفقد جعل الغيبوبة من شدّة اللذّة موتًا، والإفاقة منها نشورًا، أي: حياة بعد الموت.] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-117>١٠٦ - يأتي الفعال بمعنى المفعول </span>(٢).\n[وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَاتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ ءالِهَةً﴾، حذف فيه أحد المفعولين، أي: اتّخذوا من دونه أصنامًا آلهة؛ كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَة﴾ (الأنعام: ٧٤)، والآلهة جمع اله، فهو فعال مجموع على أفعلة، لأن الألف التي بعد الهمزة مبدّلة من همزة ساكنة هي فاء الكلمة، كما قال في «الخلاصة»:\nومدًّا أبدل ثاني الهمزين من ... ... ... كلمة إن يسكن كآثر وأتمن\nوالإله المعبود فهو فعال بمعنى مفعول، إتيان الفعال بمعنى المفعول جاءت منه أمثلة في اللغة العربية كالإله بمعنى المألوه، أي: المعبود، والكتاب بمعنى المكتوب، واللباس بمعنى: الملبوس، والإمام بمعنى المؤتم به.] (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-118>١٠٧ - تستعمل جاء وأتى بمعنى: فعل</span>.\n[العرب تستعمل جاء وأتى بمعنى: فعل، فقوله: ﴿فَقَدْ جَاءوا ظُلْمًا﴾، أي: فعلوه، وقيل: بتقدير الباء، أي: جاءوا بظلم، ومن إتيان أتى بمعنى فعل قوله تعالى: ﴿لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْاْ﴾، أي: بما فعلوه. وقول زهير بن أبي سلمى:\nفما يك من خير أتوه فإنما ... ... ... توارثه آباء آبائهم قبل] (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-119>١٠٨ - أفكه بمعنى قلبه</span>.\n[اعلم بأن الإفك هو أسوأ الكذب؛ لأنه قلب للكلام عن الحقّ إلى الباطل،\n_________\n(١) - (٦/ ٢٧٢) (الفرقان/٣).\n(٢) - ونوع المجاز هنا عند القائلين به هو المجاز في مفرد، ويسمى اللغوي، من نوع إطلاق المصدر على المفعول، وانظر الإتقان (٣/ ١١٦).\n(٣) - (٦/ ٢٧٣) (الفرقان/٣).\n(٤) - (٦/ ٢٧٥) (الفرقان/٤).","vol":"1","page":101},{"text":"والعرب تقول: أفكه بمعنى قلبه، ومنه قوله تعالى في قوم لوط: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيّنَاتِ﴾، وقوله: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى﴾، وإنما قيل لها مؤتفكات؛ لأن الملك أفكها، أي: قلبها؛ كما أوضحه تعالى بقوله: ﴿جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾.] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-120>١٠٩ - إذا أرادوا تخصيص شيء بالفضيلة، دون غيره جاءوا بصيغة التفضيل، يريدون بها خصوص ذلك الشيء بالفضل</span>.\n[قوله تعالى: ﴿أَذلك خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِى وَعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ ... وفي هذه الآيات وأمثالها في القرآن إشكال معروف، وهو أن يقال: لفظة خير في الآيات المذكورة صيغة تفضيل كما قال في الكافية:\nوغالبًا أغناهم خير وشر ... عن قولهم أخير منه وأشر\nكما قدمناه موضحًا في صورة النحل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِى هذه الْدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الاْخِرَةِ خَيْرٌ﴾ (٢).\nوالمعروف في علم العربية أن صيغة التفضيل تقتضي المشاركة بين المفضل والمفضل عليه فيما فيه التفضيل، إلا أن المفضل أكثر فيه وأفضل من المفضل عليه، ومعلوم أن المفضل عليه في الآيات المذكورة الذي هو عذاب النار لا خير فيه البتة، وإذن فصيغة التفضيل فيها إشكال.\nوالجواب عن هذا الإشكال من وجهين:\nالأول: أن صيغة التفضيل قد تطلق في القرآن، وفي اللغة مرادًا بها مطلق الاتصاف، لا تفضيل شيء على شيء. وقدمناه مرارًا وأكثرنا من شواهده العربية في سورة النور وغيرها (٣).\nالثاني: أن من أساليب اللغة العربية أنهم إذا أرادوا تخصيص شيء بالفضيلة، دون غيره جاءوا بصيغة التفضيل، يريدون بها خصوص ذلك الشيء بالفضل، كقول حسان بن ثابت ﵁:\nأتهجوه ولست له بكفء ... ... ... فشرّ كما لخيركما الفداء\n_________\n(١) - الموضع السابق.\n(٢) - (٣/ ٣٥٢) (النحل/١٢٥).\n(٣) - (٦/ ١٠٨: ١١٠) (النور/٤، ٥)، وانظر أيضًا: (٦/ ٢٩٥) (الفرقان/١٥، ١٦).","vol":"1","page":102},{"text":"وكقول العرب: الشقاء أحب إليك، أم السعادة؟ وقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبّ السّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ﴾ الآية.\nقال أبو حيان في البحر المحيط في قوله تعالى: ﴿أَذلك خَيْرٌ﴾، وخير هنا ليست تدل على الأفضلية، بل هي على ما جرت به عادة العرب في بيان فضل الشيء، وخصوصيته بالفضل دون مقابله كقوله: فشركما لخيركما الفداء. وكقول العرب: الشقاء أحب إليك أم السعادة، وكقوله: ﴿السّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَنِى إِلَيْهِ﴾ وهذا الاستفهام على سبيل التوقيف والتوبيخ. اهـ. الغرض من كلام أبي حيان.\nوعلى كل حال فعذاب النار شر محض لا يخالطه خير البتة كما لا يخفى] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-121>١١٠ - بورا، اسم مصدر يقع على الجماعة، وعلى الواحد</span>.\n[الأصح أن قوله بورًا معناه هلكى، وأصله اسم مصدر يقع على الواحد وعلى الجماعة، فمن إطلاقه على الجماعة قوله هنا ﴿وَكَانُواْ قَوْمًا بُورًا﴾ وقوله في سورة الفتح ﴿وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السَّوْء وَكُنتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ ومن إطلاقه على المفرد قول عبد الله بن الزبعري السهمي ﵁:\nيا رسول المليك إن لساني ... ... ... راتق ما فتقت إذ أنا بور\nويطلق البور على الهلاك. وعن ابن عباس أنها لغة أهل عمان، وهم من أهل اليمن، ومنه قول الشاعر:\nفلا تكفروا ما قد صنعنا إليكم ... وكافوا به فالكفر بور لصانعه] (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-122>١١١ - رجوع الإشارة، أو الضمير بالإفراد مع رجوعهما إلى متعدّد باعتبار المذكور </span>(٣).\n[رجوع الإشارة، أو الضمير بالإفراد مع رجوعهما إلى متعدّد باعتبار المذكور أسلوب عربيّ معروف، ومنه في الإشارة قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا\n_________\n(١) - (٦/ ٢٩٥ - ٢٩٦) (الفرقان/١٥، ١٦).\n(٢) - (٦/ ٣٠٠) (الفرقان/١٧ - ١٨).\n(٣) - ونوع المجاز هنا عند القائلين به هو المجاز في مفرد، ويسمى اللغوي، من نوع إطلاق المفرد على المثنى، ومثل له أيضًا السيوطي في الإتقان (٣/ ١١٧) بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ (التوبة: ٦٢)، قال: أي يرضوهما، فأفرِد لتلازم الرضاءين.","vol":"1","page":103},{"text":"بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذلك﴾، أي: ذلك المذكور من الفارض والبكر، وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾، أي: بين ذلك المذكور من الإسراف والقتر، وقول عبد اللَّه بن الزبعري السهمي:\nإن للخير وللشرّ مدى ... ... ... وكلا ذلك وجه وقبل\nأي: وكلا ذلك المذكور من الخير والشر، ومنه في الضمير قول رؤبة:\nفيها خطوط من سواد وبلق ... ... ... كأنه في الجلد توليع البهق\nأي: كأنه، أي: ما ذكر من خطوط السواد والبلق، وقد قدّمنا هذا البيت] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-123>١١٢ - يطلق الموت على النوم </span>(٢).\n[إطلاق الموت على النوم معروف في القرءان العظيم؛ كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى يَتَوَفَّاكُم بِالَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾، وقوله: ﴿ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾ فيه دليل على ما ذكره الزمخشري؛ لأن كلًاّ من البعث والنشور يطلق على الحياة بعد الموت؛ وكقوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الاْنفُسَ حِينَ مِوْتِهَا وَالَّتِى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِى قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الاْخْرَى إِلَى أَجَلٍ﴾] (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-124>١١٣ - تطلق مرج بمعنى: أرسل وخلى، وبمعنى: خلط</span>.\n[اعلم أن لفظة: ﴿مَرَجَ﴾، تطلق في اللغة إطلاقين:\nالأول: مرج بمعنى: أرسل وخلى، من قولهم: مرج دابّته إذا أرسلها إلى المرج، وهو الموضع الذي ترعى فيه الدواب؛ كما قال حسان بن ثابت ﵁:\nوكانت لا يزال بها أنيس ... ... ... خلال مروجها نعم وشاء\n_________\n(١) - (٦/ ٣٢٤) (الفرقان/٣٨)، وانظر أيضًا (٧/ ١٧٥) (الشورى/١١).\n(٢) - قال ابن عاشور في التقرير والتحبير: [والتوفي حقيقته الإماتة؛ لأنه حقيقة في قبض الشيء مستوفى. وإطلاقه على النوم مجاز لشبه النوم بالموت في انقطاع الإدراك والعمل]، وقال البيضاوي في تفسيره (١/ ٤١٦): [﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْل﴾ (الأنعام: ٦٠) ينيمكم فيه ويراقبكم استعير التوفي من الموت للنوم لما بينهم من المشاركة في زوال الإحساس والتمييز فإن أصله قبض الشيء بتمامه].\n(٣) - (٦/ ٣٣٣ - ٣٣٤) (الفرقان/٤٧).","vol":"1","page":104},{"text":"وعلى هذا، فالمعنى: أرسل البحرين وخلاهما لا يختلط أحدهما بالآخر.\nوالإطلاق الثاني: مرج بمعنى: خلط، ومنه قوله تعالى: ﴿فِى أَمْرٍ مَّرِيجٍ﴾، أي: مختلط، فعلى القول الأول: فالمراد بالبحرين الماء العذب في جميع الدنيا، والماء الملح في جميعها.] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-125>١١٤ - عود الضمير إلى اللفظ وحده، دون المعنى</span>.\n[أسلوب عربي معروف، وهو عود الضمير إلى اللفظ وحده، دون المعنى. وإيضاحه أن يقال في قوله: ﴿جَعَلَ فِى السَّمَاء بُرُوجًا﴾، هي السماء المحفوظة، ولكن الضمير في قوله: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُّنِيرًا﴾، راجع إلى مطلق لفظ السماء الصادق بمطلق ما علاك في اللغة، وهذا أسلوب عربي معروف وهو المعبّر عنه عند علماء العربية، بمسألة: عندي درهم ونصفه، أي: نصف درهم آخر، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِى كِتَابٍ﴾، أي: ولا ينقص من عمر معمر آخر.] (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-126>١١٥ - بات الرجل يبيت، إذا أدركه الليل، نام أو لم ينم </span>(٣).\n[قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ (الفرقان:٦٤)، قال الزجاج: بات الرجل يبيت، إذا أدركه الليل، نام أو لم ينم، قال زهير:\nفبتنا قيامًا عند رأس جوادنا ... ... ... يزاولنا عن نفسه ونزاوله\nانتهى بواسطة نقل القرطبي.] (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-127>١١٦ - كل صوت غير عربيّ تسميه العرب أعجم، ولو من غير عاقل</span>.\n[قوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ (الشعراء:١٩٨ - ١٩٩) اعلم أن كل صوت غير عربيّ تسميه العرب أعجم، ولو من غير عاقل، ومنه قول حميد بن ثور يذكر صوت حمامة:\n_________\n(١) - (٦/ ٣٣٨) (الفرقان/٥٣).\n(٢) - (٦/ ٣٤٨) (الفرقان/٦١)، وانظر أيضًا (٦/ ٦٠٦ - ٦٠٧) (الأحزاب/٧٢).\n(٣) - ونوع المجاز هنا عند القائلين به هو مجاز عقلي من إسناد الفعل إلى الوقت الذي يحدث فيه، و(بات) تسند إلى الليل؛ لأن المبيت يحدث فيه. وانظر أسرار البيان (ص/١١١).\n(٤) - (٦/ ٣٥٠) (الفرقان/٦٤).","vol":"1","page":105},{"text":"فلم أرَ مثلي شاقه صوت مثلها ... ... ... ولا عربيًّا شاقه صوت أعجما] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-128>١١٧ - الجناح يطلق لغة حقيقة على يدّ الإنسان وعضده وإبطه</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-129>١١٨ - تطلق العرب خفض الجناح كناية عن التواضع، ولين الجانب</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-130>١١٩ - إسناد صفات الذات لبعض أجزائها</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-131>١٢٠ - يضاف الموصوف إلى صفته</span>.\n[الجواب عن قوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلّ﴾، أن الجناح هنا مستعمل في حقيقته؛ لأن الجناح يطلق لغة حقيقة على يدّ الإنسان وعضده وإبطه. قال تعالى: ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ﴾، والخفض مستعمل في معناه الحقيقي، الذي هو ضدّ الرفع؛ لأن مريد البطش يرفع جناحيه، ومظهر الذل والتواضع يخفض جناحيه، فالأمر بخفض الجناح للوالدين كناية عن لين الجانب لهما، والتواضع لهما؛ كما قال لنبيّه ﷺ: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾،وإطلاق العرب خفض الجناح كناية عن التواضع، ولين الجانب أسلوب معروف، ومنه قول الشاعر\nوأنت الشهير بخفض الجنا ... ... ... ح فلا تكُ في رفعه أجدلا\nوأما إضافة الجناح إلى الذلّ، فلا تستلزم المجاز كما يظنّه كثير؛ لأن الإضافة فيه كالإضافة في قولك: حاتم الجود.\nفيكون المعنى: واخفض لهما الجناح الذليل من الرحمة، أو الذلول على قراءة الذل بالكسر، وما يذكر عن أبي تمام من أنه لما قال:\nلا تسقني ماء الملام فإنني ... ... صب قد استعذبت ماء بكائي\nجاءه رجل فقال له: صب لي في هذا الإناء شيئًا من ماء الملام، فقال له: إن أتيتني بريشة من جناح الذل صببت لك شيئًا من ماء الملام، فلا حجّة فيه؛ لأن الآية لا يراد بها أن للذلّ جناحًا، وإنما يراد بها خفض الجناح المتّصف بالذل للوالدين من الرحمة بهما، وغاية ما في ذلك إضافة الموصوف إلى صفته كحاتم الجود، ونظيره في القرءان الإضافة في قوله: ﴿مَطَرَ السَّوْء﴾، و﴿عَذَابَ الْهُونِ﴾،\n_________\n(١) - (٦/ ٣٨١) (الشعراء/١٩٨ - ١٩٩).","vol":"1","page":106},{"text":"أي: مطر حجارة السجيل الموصوف بسوئه من وقع عليه، وعذاب أهل النار الموصوف بهون من وقع عليه، والمسوغ لإضافة خصوص الجناح إلى الذلّ مع أن الذل من صفة الإنسان لا من صفة خصوص الجناح، أن خفض الجناح كني به عن ذلّ الإنسان، وتواضعه ولين جانبه لوالديه رحمة بهما، وإسناد صفات الذات لبعض أجزائها من أساليب اللغة العربية، كإسناد الكذب والخطيئة إلى الناصية في قوله تعالى: ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾، وكإسناد الخشوع، والعمل، والنصب إلى الوجوه في قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ﴾، وأمثال ذلك كثيرة في القرءان، وفي كلام العرب. وهذا هو الظاهر في معنى الآية، ويدلّ عليه كلام السلف من المفسّرين.\nوقال ابن القيّم في «الصواعق»: إن معنى إضافة الجناح إلى الذلّ أن للذلّ جناحًا معنويًّا يناسبه لا جناح ريش، واللَّه تعالى أعلم، انتهى. وفيه إيضاح معنى خفض الجناح.\nوالتحقيق أن إضافة الجناح إلى الذل من إضافة الموصوف إلى صفته؛ كما أوضحنا، والعلم عند اللَّه تعالى.] (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-132>١٢١ - حذف المنادى مع ذكر أداة النداء</span>.\n[قوله تعالى: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ ... اعلم أن جمهور أهل العلم على ما ذكرنا في قراءة الكسائي من أن لفظة ﴿أَلَّا﴾ للاستفتاح والتنبيه، وأن يا حرف نداء حذف منه الألف في الخط، واسجدوا فعل أمر، قالوا: وحذف المنادى مع ذكر أداة النداء أسلوب عربي معروف، ومنه قول الأخطل:\nألا يا اسلمي يا هند هند بني بكر ... ... وإن كان حيّانا عدى آخر الدهر\nوقول ذي الرمّة:\nألا يا سلمى يا دارمي على البلا ... ... ... ولا زال منهلًا بجرعائك القطر\n_________\n(١) - (٦/ ٣٨٥ - ٣٨٧) (الشعراء/٢١٥).","vol":"1","page":107},{"text":"فقوله في البيتين: ألا يا اسلمي، أي: يا هذه اسلمي، وقول الآخر: لا يا اسلمي ذات الدماليج والعقد.\nوقول الشمّاخ:\nألا يا اصبحاني قبل غارة سنجالي ... ... ... وقبل منايا قد حضرن وآجالي\nيعني: ألا يا صحبي اصبحاني، ونظيره قول الآخر:\nألا يا اسقياني قبل خيل أبي بكر\nومنه قول الآخر:\nفقالت ألا يا اسمع أعظك بخطبة ... فقلت سمعنا فانطقي وأصيبي\nيعني: ألا يا هذا اسمع، وأنشد سيبويه لحذف المنادى مع ذكر أداته، قول الشاعر:\nيا لعنة اللَّه والأقوام كلّهم ... ... ... والصالحين على سمعان من جار\nبضمّ التاء من قوله: لعنة اللَّه، ثم قال: فيالغير اللعنة، يعني أن المراد: يا قوم لعنة اللَّه، إلى آخره. وأنشد صاحب اللسان لحذف المنادى، مع ذكر أداته مستشهدًا لقراءة الكسائي المذكورة، قول الشاعر:\nيا قاتل اللَّه صبيانًا تجيء بهم ... ... ... أم الهنينين من زندلها وارى\nثم قال: كأنه أراد: يا قوم قاتل اللَّه صبيانًا، وقول الآخر:\nيا من رأى بارقًا أكفكفه ... ... بين ذراعي وجبهة الأسد\nثم قال: كأنه دعا يا قوم يا إخوتي، فلمّا أقبلوا عليه قال: من رأى. وأنشد بعضهم لحذف المنادى مع ذكر أداته، قول عنترة في معلّقته:\nيا شاة ما قنص لمن حلّت له ... ... ... حرمت على وليتها لم تحرم\nقالوا: التقدير: يا قوم انظروا شاة ما قنص.\nواعلم أن جماعة من أهل العلم، قالوا: إن يا على قراءة الكسائي، وفي جميع الشواهد التي ذكرنا ليست للنداء، وإنما هي للتنبيه فكل من ألا ويا: حرف تنبيه كرّر للتوكيد، وممّن روي عنه هذا القول: أبو الحسن بن عصفور، وهذا القول اختاره أبو حيّان في «البحر المحيط»، قال فيه: والذي أذهب إليه أن مثل هذا التركيب الوارد عن العرب ليست يا فيه للنداء، وحذف المنادى؛ لأن المنادى عندي لا يجوز حذفه، لأنه قد حذف الفعل العامل في النداء، وانحذف فاعله لحذفه، ولو حذف","vol":"1","page":108},{"text":"المنادى لكان في ذلك حذف جملة النداء، وحذف متعلّقه، وهو المنادى، فكان ذلك إخلالًا كبيرًا، وإذا أبقينا المنادى ولم نحذفه كان ذلك دليلًا على العامل فيه جملة النداء، وليس حرف النداء حرف جواب كنعم، ولا، وبلى، وأجل، فيجوز حذف الجمل بعدهنّ لدلالة ما سبق من السؤال على الجمل المحذوفة، فيا عندي في تلك التراكيب حرف تنبيه أكّد به ألا التي للتنبيه، وجاز ذلك لاختلاف الحرفين ولقصد المبالغة في التوكيد، وإذا كان قد وجد التوكيد في اجتماع الحرفين المختلفي اللفظ، العاملين في قوله: فأصبحن لا يسألنني عن بما به، والمتفقي اللفظ العاملين في قوله: ولا للما بهم أبدا دواء.\nوجاز ذلك، وإن عدوه ضرورة أو قليلًا، فاجتماع غير العاملين وهما مختلفا اللفظ يكون جائزًا، وليس يا في قوله: يا لعنة اللَّه والأقوام كلّهم. حرف نداء عندي، بل حرف تنبيه جاء بعده المبتدأ، وليس مما حذف منه المنادى، لما ذكرناه. انتهى الغرض من كلام أبي حيان، وما اختاره له وجه من النظر] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-133>١٢٢ - يحذف الأول لدلالة الثاني عليه</span>.\n[قوله تعالى: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ ... المعنى عن اليمين قعيد\nوعن الشمال قعيد، فحذف الأول لدلالة الثاني عليه، وهو أسلوب عربي معروف، وأنشد له سيبويه في كتابه قول عمرو بن أحمر الباهلي:\nرماني بأمر كنت منه ووالدي ... ... ... بريئًا ومن أجل الطوى رمان\nوقول قيس بن الخطيم الأنصاري:\nنحن بما عندنا وأنت بما ... ... ... عندك راض والرأي مختلف\nوقول ضبائي بن الحارث البرجمي:\nفمن يك أمسى بالمدينة رحله ... ... ... فإني وقيار بها لغريب\nفقول ابن أحمر: كنت منه ووالدي بريئًا أي كنت بريئًا منه وكان والدي بريئًا منه.\n_________\n(١) - (٦/ ٤٠٢: ٤٠٥) (النمل/٢٥).","vol":"1","page":109},{"text":"وقول ابن الخطيم: نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض: أي نحن راضون وأنت راض.\nوقول ضابىء بن الحارث: فإني وقيار بها لغريب: يعني إني لغريب وقيار غريب، وهذا أسلوب عربي معروف.\nودعوى أن قوله في الآية: ﴿قَعِيدٌ﴾ هي الأولى أخرت وحذفت الثانية لدلالتها عليها لا دليل عليه، ولا حاجة إليه كما ترى، لأن المحذوف إذا صحت الدلالة عليه بالأخير فلا حاجة إلى أن هذا الأخير أصله هو الأول، ولا دليل عليه.] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-134>١٢٣ - زوجة الرجل يطلق عليها اسم الأهل</span>.\n[من أساليب اللغة العربية التي نزل بها القرءان أن زوجة الرجل يطلق عليها اسم الأهل، وباعتبار لفظ الأهل تخاطب مخاطبة الجمع المذكر، ومنه قول تعالى في موسى: ﴿فَقَالَ لاِهْلِهِ امْكُثُواْ﴾، وقوله: ﴿سَئَاتِيكُمْ﴾، وقوله: ﴿لَّعَلّى ءاتِيكُمْ﴾، والمخاطب امرأته؛ كما قاله غير واحد، ونظيره من كلام العرب قول الشاعر:\nفإن شئت حرمت النساء سواكم ... ... وإن شئت لم أطعم نقاخًا ولا بردا] (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-135>١٢٤ - الإتيان بأداة الترتيب لمجرد الترتيب الذكرى فقط، دون إرادة ترتيب الصفات أو الموصوفات </span>(٣).\n[الترتيب بالفاء لمجرّد الترتيب الذكري، والإتيان بأداة الترتيب لمجرد الترتيب الذكرى فقط، دون إرادة ترتيب الصفات، أو الموصوفات أسلوب عربيّ معروف جاء في القرءان في مواضع، وهو كثير في كلام العرب.\nومن أمثلته في القرءان العظيم، قوله تعالى: ﴿فَلاَ اقتَحَمَ الْعَقَبَةَ وَمَا ادرَكَ مَا الْعَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعَامٌ فِى يَوْمٍ ذِى مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ ءامَنُواْ﴾، فلا يخفى أن ﴿ثُمَّ﴾ حرف ترتيب وأن المرتب به\n_________\n(١) - (٧/ ٦٤٩) (ق/ ١٧، ١٨)، وانظر (٦/ ٥٤٦) (الأحزاب/٤).\n(٢) - (٦/ ٥٧٨ - ٥٧٩) (الأحزاب/٣٣).\n(٣) - ونوع المجاز هنا عند القائلين به هو المجاز في مفرد، ويسمى اللغوي، من نوع التضمين، وهو إعطاء الشيء معنى الشيء، ويكون في الحروف - كما هنا - وغيرها، وانظر الإتقان (٣/ ١٢٢ - ١٢٣).","vol":"1","page":110},{"text":"الذي هو كونه ﴿مّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ﴾ لا ترتّب له على ما قبله إلا مطلق الترتيب الذكري، ومن ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذلكمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ثُمَّ ءاتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِى أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لّكُلّ شَىْء﴾، كما لا يخفى أن الترتيب فيه ذكري.\nومن أمثلة ذلك في كلام العرب قوله:\nإن من ساد ثم ساد أبوه ... ... ... ثم قد ساد قبل ذلك جدّه] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-136>١٢٥ - من للعالم </span>(٢).\n[قد علمت أن وجه العبارة بمن التي هي للعالم، في قوله تعالى: ﴿أَم مَّنْ خَلَقْنَا﴾، عن السماوات، والأرض، والكواكب، هو تغليب ما ذكر معها من العالم كالملائكة على غير العالم، وذلك أسلوب عربيّ معروف] (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-137>١٢٦ - يطلق اللازب واللاتب واللازم، بمعنى واحد</span>.\n[وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿مّن طِينٍ لاَّزِبٍ﴾، اللازب: هو ما يلزق باليد مثلًا إذا لاقته، وعبارات المفسّرين فيه تدور حول ما ذكرنا، والعرب تطلق اللازب واللاتب واللازم، بمعنى واحد، ومنه في اللازب قول عليّ ﵁:\nتعلم فإن اللَّه زادك بسطة ... ... ... وأخلاق خير كلها لك لازب\nوقول نابغة ذبيان:\nولا يحسبون الخير لا شرّ بعده ... ... ... ولا يحسبون الشر ضربة لازب\nفقوله: ضربة لازب، أي: شيئًا ملازمًا لا يفارق، ومنه في اللاتب قوله:\nفإن يك هذا من نبيذ شربته ... ... ... فإني من شرب النبيذ لتائب\nصداع وتوصيم العظام وفترة ... ... وغمّ مع الإشراق في الجوف لاتب] (٤).\n_________\n(١) - (٦/ ٦٧٤ - ٦٧٥) (الصافات/ ١: ٥).\n(٢) - ونوع المجاز هنا عند القائلين به هو المجاز في مفرد، ويسمى اللغوي، من نوع التغليب، وهو ترجيح أحد المغلوبين على الآخر، وانظر الإتقان (٣/ ١٢٢).\n(٣) - (٦/ ٦٧٨) (الصافات/١١).\n(٤) - (٦/ ٦٧٩) (الصافات/١١).","vol":"1","page":111},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-138>١٢٧ - الذي تأتي بمعنى الذين </span>(١).\n[قوله تعالى: ﴿وَالَّذِى جَآءَ بِالصِّدْقِ﴾. أوضح جل وعلا، أن الذي في هذه الآية بمعنى الذين، بدليل قوله بعده ﴿أولئك هُمُ الْمُتَّقُون َلَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَآءُ الْمُحْسِنِينَ﴾.\nوقد ذكرنا في غير هذا الموضع أن الذي تأتي بمعنى الذين، في القرآن وفي كلام العرب، فمن أمثلة ذلك في القرآن، قوله تعالى في آية الزمر هذه: ﴿وَالَّذِى جَآءَ بِالصِّدْقِ﴾. وقوله تعالى في سورة البقرة ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِى اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ أي الذين استوقدوا بدليل قوله بعده: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ﴾ وقوله فيها أيضًا ﴿كَالَّذِى يُنفِقُ مَالَهُ رِئَآءَ النَّاسِ﴾ أي كالذين ينفقون بدليل قوله بعده ﴿لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَىْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ﴾. وقوله تعالى في التوبة ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُواْ﴾ على القول بأن الذي موصولة لا مصدرية، ونظيره من كلام العرب قول أشهب بن رميلة:\nوإن الذي حانت بفلج دماؤهم ... ... هم القوم كل القوم يا أم خالد\nوقول عديل بن الفرخ العجلي:\nفبت أساقي القوم إخوتي الذي ... ... ... غوايتهم غيٌّ ورشدهم رشد\nوقول الراجز:\nيا رب عبس لا تبارك في أحد ... ... ... في قائم منها ولا فيمن قعد\nإلا الذي قاموا بأطراف المسد] (٢).\n_________\n(١) - ونوع المجاز هنا عند القائلين به هو المجاز في مفرد، ويسمى اللغوي، من نوع إطلاق المفرد على الجمع، وانظر الإتقان (٣/ ١١٧).\n(٢) - (٧/ ٥٤ - ٥٥) (الزمر/٣٣)، وانظر أيضًا (٧/ ٣٨٧ - ٣٨٨) (الأحقاف/١٧، ١٨).","vol":"1","page":112},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-139>١٢٨ - يقال حاق به المكروه يحيق به حيقًا وحيوقًا، إذا نزل به وأحاط به، ولا يطلق إلا على إحاطة المكروه خاصة </span>(١).\n[ما دلت عليه هذه الآية الكريمة - أي قوله تعالى: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ (غافر:٤٥) -، من حيق المكر السيىء بالماكر أوضحه تعالى في قوله: ﴿وَلاَ يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّىءُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ﴾.\nوالعرب تقول حاق به المكروه يحيق به حيقًا وحيوقًا، إذا نزل به وأحاط به، ولا يطلق إلا على إحاطة المكروه خاصة، يقال حاق به السوء والمكروه، ولا يقال حاق به الخير، فمادة الحيق من الأجوف الذي هو يائي العين، والوصف منه حائق على القياس، ومنه قول الشاعر:\nفأوطأ جُرْد الخيل عقر دِيارِهم ... وحاقَ بهمْ من يأس ضبَّة حائقُ] (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-140>١٢٩ - النعت بالمصدر</span>.\n[قوله تعالى في هذه الآية الكريمة ﴿صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ﴾ من النعت بالمصدر؛ لأن الهون مصدر بمعنى الهوان، والنعت بالمصدر أسلوب عربي معروف، أشار إليه في الخلاصة بقوله:\nونعتوا بمصدر كثيرا ... ... ... فالتزموا الإفراد والتذكيرا\nوهو موجه بأحد أمرين:\nأحدهما: أن يكون على حذف مضاف. أي العذاب ذي الهون.\nوالثاني: أنه على سبيل المبالغة، فكأن العذاب لشدة اتصافه بالهوان اللاحق بمن وقع عليه، صار كأنه نفس الهوان، كما هو معروف في محله] (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-141>١٣٠ - يطلق الجزء مرادًا به البنات</span>.\n[قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾، قول قتادة ومن وافقه: إن\n_________\n(١) - ونوع المجاز هنا عند القائلين به هو المجاز العقلي حيث أسند الفعل إلى ما يلابسه، فالمكر يلابس النزول، وانظر الإتقان (٣/ ١٠٩)، وفيه أيضًا عندهم استعارة تبعية الواقعة على سبيل التمثيلية، لأن (يحيق) بمعنى (يحيط) فلا يستعمل إلا في الأجسام، وانظر الإتقان (٣/ ١٦٢).\n(٢) - (٧/ ٩٠ - ٩١) (غافر/٤٥ - ٤٦)\n(٣) - (٧/ ١٣٠) (فصلت/١٧).","vol":"1","page":113},{"text":"المراد بالجزء العدل والنظير الذي هو الشريك غير صواب أيضًا؛ لأن إطلاق الجزء على النظير ليس بمعروف في كلام العرب.\nأما كون المراد بالجزاء في الآية الولد، وكون المراد بالولد خصوص الإناث، فهذا هو التحقيق في الآية.\nوإطلاق الجزء على الولد يوجه بأمرين:\nأحدهما: ما ذكره بعض علماء العربية من أن العرب تطلق الجزء مرادًا به البنات، ويقولون:\nأجزأت المرأة إذا ولدت البنات، وامرأة مجزئة أي تلد البنات، قالوا ومنه قول الشاعر:\nإن أجزأت حرة يومًا فلا عجب ... ... قد تجزىء الحرة المذكار أحيانًا\nوقول الآخر:\nزوجتها من بنات الأوس مجزئة ... ... ... للعوسج اللدن في أبياتها زجل\nوالوجه الثاني: وهو التحقيق إن شاء الله أن المراد بالجزء في الآية الولد، وأنه أطلق عليه اسم الجزء، لأن الفرع كأنه جزء من أصله والولد كأنه بضعة من الوالد كما لا يخفى ...] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-142>١٣١ - إن كان بمعنى ما كان </span>(٢).\n[الذي يظهر لي في معنى هذه الآية الكريمة - أي قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ -: أنه يتعين المصير إلى القول بأن إن نافية، وأن القول بكونها شرطية لا يمكن أن يصح له معنى بحسب وضع اللغة العربية التي نزل بها القرآن، وإن قال به جماعة من أجلاء العلماء.\nوإنما اخترنا أن ﴿إِنْ﴾ هي النافية لا الشرطية، وقلنا إن المصير إلى ذلك متعين في نظرنا لأربعة أمور:\n_________\n(١) - (٧/ ٢١٥ - ٢١٦) (الزخرف/١٥).\n(٢) - ونوع المجاز هنا عند القائلين به هو المجاز في مفرد، ويسمى اللغوي، من نوع التضمين، وهو إعطاء الشيء معنى الشيء، فإن الشرطية ضُمِنت معنى النفي، وانظر الإتقان (٣/ ١٢٢ - ١٢٣).","vol":"1","page":114},{"text":"الأول: إن هذا القول جار على الأسلوب العربي، جريانًا واضحًا، لا إشكال فيه، فكون إن كان بمعنى ما كان كثير في القرآن، وفي كلام العرب كقوله تعالى: ﴿إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ أي ما كانت إلا صيحة واحدة.\nفقولك مثلًا معنى الآية الكريمة: ما كان لله ولد فأنا أول العابدين، الخاضعين للعظيم الأعظم، المنزه عن الولد أو الآنفين المستنكفين، من أن يوصف ربنا بما لا يليق بكماله وجلاله، من نسبة الولد إليه، أو الجاحدين النافين، أن يكون لربنا ولد، ﷾ عن ذلك علوًا كبيرًا لا إشكال فيه، لأنه جار على اللغة العربية، التي نزل بها القرآن، دال على تنزيه الله، تنزيهًا تامًا عن الولد، من غير إيهام ألبتة لخلاف ذلك ...] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-143>١٣٢ - يطلق الفعيل وصفًا بمعنى المفعل</span>.\n[وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾ (سبأ:٥)، أصح القولين فيه أن المراد بالرجز العذاب، ولا تكرار في الآية لأن العذاب أنواع متفاوتة والمعنى لهم عذاب، من جنس العذاب الأليم، والأليم معناه المؤلم. أي الموصوف بشدة الألم وفظاعته.\nوالتحقيق إن شاء الله: أن العرب تطلق الفعيل وصفًا بمعنى المفعل، فما يذكر عن الأصمعي من أنه أنكر ذلك إن صح عنه فهو غلط منه، لأن إطلاق الفعيل بمعنى المفعل معروف في القرآن العظيم وفي كلام العرب، ومن إطلاقه في القرآن العظيم قوله تعالى: ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي مؤلم وقوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السموات وَالاٌّرْضِ﴾ أي مبدعهما وقوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَّكُمْ﴾. أي منذر لكم، ونظير ذلك من كلام العرب قول عمرو بن معد يكرب:\nأمن ريحانة الداعي السميع ... ... ... يؤرقني وأصحابي هجوع\nفقوله الداعي السميع يعني الداعي المسمع. وقوله أيضًا:\nوخيل قد دلفت لها بخيل ... ... ... تحية بينهم ضرب وجيع\nأي موجع. وقول غيلان بن عقبة:\n_________\n(١) - (٧/ ٢٨٩) (الزخرف/٨١).","vol":"1","page":115},{"text":"ويرفع من صدور شمردلات ... ... ... يصك وجوهها وهج أليم\nأي مؤلم] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-144>١٣٣ - يطلق المثل، على الذات نفسها</span>.\n[قوله تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِى إِسْرَاءِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾. التحقيق: إن شاء الله، أن هذه الآية الكريمة جارية على أسلوب عربي معروف، وهو إطلاق المثل، على الذات نفسها، كقولهم: مثلك، لا يفعل هذا، يعنون لا ينبغي لك أنت أن تفعله.\nوعلى هذا فالمعنى، وشهد شاهد من بني إسرائيل على أن هذا القرآن، وحي منزل حقًا من عند الله، لا أنه شهد على شيء آخر مماثل له، ولذا قال تعالى ﴿فَأامَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾.\nومما يوضح هذا، تكرر إطلاق المثل في القرآن مرادًا به الذات كقوله تعالى ﴿أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِى النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ﴾، فقوله: كمن مثله في الظلمات، أي كمن هو نفسه في الظلمات، وقوله تعالى ﴿فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَآ آمَنتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَواْ﴾ أي فإن آمنوا بما آمنتم به لا بشيء آخر مماثل له على التحقيق، ويستأنس له بالقراءة المروية عن ابن عباس وابن\nمسعود ﴿فإن آمنوا بما آمنتم به﴾ الآية.] (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-145>١٣٤ - يعرضون على النار: معناه يباشرون حرها كقول العرب: عرضهم على السيف إذا قتلهم به</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-146>١٣٥ - قلب الفاعل مفعولًا، والمفعول فاعلًا</span>.\n[قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِى حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِى الاٌّرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ﴾. معنى الآية الكريمة أنه يقال للكفار يوم يعرضون على النار: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ﴾.\nفقوله يعرضون على النار: قال بعض العلماء: معناه يباشرون حرها كقول العرب: عرضهم على السيف إذا قتلهم به، وهو معنى معروف في كلام العرب.\n_________\n(١) - (٧/ ٣٥٠) (الجاثية/١١).\n(٢) - (٧/ ٣٨٠) (الأحقاف/١٠).","vol":"1","page":116},{"text":"وقد ذكر تعالى مثل ما ذكر هنا في قوله: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ﴾ وهذا يدل على أن المراد بالعرض مباشرة العذاب لقوله: ﴿قَالُواْ بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَحَاقَ بِأالِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ لأنه عرض عذاب.\nوقال بعض العلماء: معنى عرضهم على النار هو تقريبهم منها، والكشف لهم عنها، حتى يروها كما قال تعالى: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ﴾. وقال تعالى: ﴿وَجِىءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾.\nوقال بعض العلماء: في الكلام قلب، وهو مروي عن ابن عباس وغيره.\nقالوا: والمعنى ويوم تعرض النار على الذين كفروا قالوا وهو كقول العرب: عرضت الناقة على الحوض. يعنون عرضت الحوض على الناقة، ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِّلْكَافِرِينَ عَرْضًا﴾.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: هذا النوع الذي ذكروه من القلب في الآية، كقلب الفاعل مفعولًا، والمفعول فاعلًا، ونحو ذلك اختلف فيه علماء العربية، فمنعه البلاغيون إلا في التشبيه، فأجازوا قلب المشبه مشبهًا به والمشبه به مشبهًا بشرط أن يتضمن ذلك نكتة وسرًا لطيفًا كما هو المعروف عندهم في مبحث التشبيه المقلوب. وأجازه كثير من علماء العربية.\nوالذي يظهر لنا أنه أسلوب عربي نطقت به العرب في لغتها، إلا أنه يحفظ ما سمع منه، ولا يقاس عليه ومن أمثلته في التشبيه قول الراجز:\nومنهل مغبرة أرجاؤه ... ... ... كأن لون أرضه سماؤه\nأي كأن سماءه لون أرضه، وقول الآخر:\nوبدا الصباح كأن غرته ... ... ... وجه الخليفة حين يمتدح\nلأن أصل المراد تشبيه وجه الخليفة بغرة الصباح فقلب التشبيه ليوهم أن الفرع أقوى من الأصل في وجه الشبه.\nقالوا ومن أمثلته في القرآن ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُوْلِى الْقُوَّةِ﴾؛ لأن العصبة من الرجال هي التي تنوء بالمفاتيح أي تنهض بها بمشقة وجهد لكثرتها وثقلها، وقوله تعالى: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الاٌّنبَآءُ﴾ أي عموا عنها. ومن","vol":"1","page":117},{"text":"أمثلته في كلام العرب قول كعب بن زهير:\nكأن أوب ذراعيها إذا عرقت ... ... وقد تلفع بالقور العساقيل\nلأن معنى قوله: تلفع لبس اللفاع وهو اللحاف، والقور الحجارة العظام، والعساقيل: السراب. والكلام مقلوب، لأن القور هي التي تلتحف بالعساقيل لا العكس كما أوضحه لبيد في معلقته بقوله:\nفبتلك إذ رقص اللوامع بالضحى ... ... ... واجتاب أردية السراب إكامها\nفصرح بأن الإكام التي هي الحجارة اجتابت أي لبست أردية السراب. والأردية جمع رداء، وهذا النوع من القلب وإن أجازه بعضهم فلا ينبغي حمل الآية عليه، لأنه خلاف الظاهر، ولا دليل عليه يجب الرجوع إليه.\nوظاهر الآية جار على الأسلوب العربي الفصيح، كما أوضحه أبو حيان في البحر المحيط.] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-147>١٣٦ - يسند الفعل إلى ما هو له أصالة لملابسته له </span>(٢).\n[قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَق﴾ (الأحقاف: ٢٠) مع أنه من المعلوم أنهم لا يستكبرون في الأرض إلا استكبارًا متلبسًا بغير الحق كقوله تعالى: ﴿وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ ومعلوم أنه لا يطير إلا بجناحيه، وقوله: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾، ومعلوم أنهم لا يكتبونه إلا بأيديهم، ونحو ذلك من الآيات، وهو أسلوب عربي نزل به القرآن.] (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-148>١٣٧ - الفعال يأتي كثيرًا، بمعنى التفعيل</span>.\n[قوله تعالى: ﴿بَلاَغٌ﴾. التحقيق إن شاء الله أن أصوب القولين في قوله: ﴿بَلاَغٌ﴾ أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره، هذا بلاغ، أي هذا القرآن بلاغ من الله إلى خلقه.\nويدل لهذا قوله تعالى في سورة إبراهيم ﴿هذا بَلَاغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِ﴾، وقوله\n_________\n(١) - (٧/ ٣٩٠: ٣٩٢) (الأحقاف/٢٠).\n(٢) - ونوع المجاز هنا عند القائلين به هو مجاز الإسناد، والمجاز العقلي، وعلاقته الملابسة، وانظر الإتقان (٣/ ١٠٩).\n(٣) - (٧/ ٣٩٦) (الأحقاف/٢٠).","vol":"1","page":118},{"text":"في الأنبياء ﴿إِنَّ فِى هذا لَبَلَاغًا لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾، وخير ما يفسر به القرآن القرآن.\nوالبلاغ اسم مصدر، بمعنى التبليغ، وقد علم باستقراء اللغة العربية، أن الفعال يأتي كثيرًا، بمعنى التفعيل، كبلغه بلاغًا: أي تبليغًا، وكلمه كلامًا، أي تكليمًا، وطلقها طلاقًا، وسرحها سراحًا، وبينه بيانًا. كل ذلك بمعنى التفعيل، لأن فعل مضعفة العين، غير معتلة اللام ولا مهموزته قياس مصدرها التفعيل. وما جاء منه على خلاف ذلك، يحفظ ولا يقاس عليه، كما هو معلوم في محله.] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-149>١٣٨ - لفظة \"اليدين\" التي أضيفت إليها لفظة \"بين\" يكون المراد: \" أمامه </span>\".\n[واعلم أن لفظ اليدين، قد يستعمل في اللغة العربية استعمالًا خاصًا، بلفظ خاص لا تقصد به في ذلك النعمة ولا الجارحة ولا القدرة، وإنما يراد به معنى أمام.\nواللفظ المختص بهذا المعنى هو خاصة، أعني لفظة بين يديه، فإن المراد بهذه اللفظة أمامه. وهو استعمال عربي معروف مشهور في لغة العرب لا يقصد فيه معنى الجارحة ولا النعمة ولا القدرة، ولا أي صفة كائنة ما كانت.\nوإنما يراد به أمام فقط كقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَن نُّؤْمِنَ بِهذا الْقُرْآنِ وَلاَ بِالَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي ولا بالذي كان أمامه سابقًا عليه من الكتب.\nوكقوله: ﴿وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ أي مصدقًا لما كان أمامه متقدمًا عليه من التوراة.\nوكقوله: ﴿فَزَيَّنُواْ لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾، فالمراد بلفظ ما بين أيديهم ما أمامهم.\nوكقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرىً بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ﴾، أي يرسل الرياح مبشرات أمام رحمته التي هي المطر، إلى غير ذلك من الآيات.\nومما يوضح لك ذلك أنه لا يمكن تأويل اليدين في ذلك بنعمتين ولا قدرتين ولا جارحتين. ولا غير ذلك من الصفات، فهذا أسلوب خاص دال على معنى خاص. بلفظ خاص مشهور، في كلام العرب فلا صلة له باللفظ الدال على\n_________\n(١) - (٧/ ٤١٠) (الأحقاف/٣٥).","vol":"1","page":119},{"text":"الجارحة، بالنسبة إلى الإنسان ولا باللفظ الدال على صفة الكمال والجلال الثابتة لله تعالى. فافهم] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-150>١٣٩ - تطلق الشعب، والقبيلة، والعمارة، والبطن، والفخذ، والفصيلة بعضها على بعض </span>(٢).\n[واعلم أن العرب قد تطلق بعض هذه الست (٣) على بعض كإطلاق البطن على القبيلة في قول الشاعر:\nوإن كلابا هذه عشر أبطن ... ... وأنت بريء من قبائلها العشر] (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-151>١٤٠ - شدة الخلق تسمى حبكًا</span>.\n[قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ﴾ (الذريات:٧) ... وقال بعض العلماء: ذات الحبك أي ذات الشدة، وهذا القول يدل له قوله تعالى: ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا﴾. العرب تسمى شدة الخلق حبكًا، ومنه قيل للفرس الشديد الخلق: محبوك. ومنه قول امرئ القيس.\nقد غدا يحملني في أنفه ... ... ... لاحق الأطلين محبوك ممر] (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-152>١٤١ - تطلق السماء على كل ما علاك</span>.\n[وقال بعض أهل العلم: معنى قوله: ﴿وَفِى السَّمَآءِ رِزْقُكُمْ﴾ أن أرزاقكم\n_________\n(١) - (٧/ ٤٦٥: ٤٦٦) (محمد / ٢٤).\n(٢) - ولا يخلو الأمر من إطلاق الأكبر منها على الأصغر، أو العكس، ويكون نوع المجاز فيه عند القائلين به هو مجاز مرسل، وعلاقته إما جزئية، أو كلية، وانظر الإتقان (٣/ ١١١)، وأسرار البيان (ص/١٢٢).\n(٣) - أي الطبقات الست التي عليها العرب وهي: الشعب، والقبيلة، والعمارة، والبطن، والفخذ، والفصيلة.\nفالشعب يجمع القبائل، والقبيلة تجمع العمائر، والعمارة تجمع البطون، والبطن يجمع الأفخاذ والفخذ يجمع الفصائل. خزيمة شعب، وكنانة قبيلة، وقريش عمارة، وقصي بطن، وهاشم فخذ، والعباس فصيلة. وسميت الشعوب، لأن القبائل تتشعب منها. (نقلا عن أضواء البيان (٧/ ٦٣٥ - ٦٣٦».\n(٤) - (٧/ ٦٣٦) (الحجرات/١٣).\n(٥) - (٧/ ٦٦٣) (الذاريات/٧: ٩).","vol":"1","page":120},{"text":"مقدرة مكتوبة، والله جل وعلا يدبر أمر الأرض من السماء، كما قال تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الاٌّمْرَ مِنَ السَّمَآءِ إِلَى الاٌّرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ الآية، قوله تعالى: ﴿وَمَا تُوعَدُونَ﴾ ما، في محل رفع عطف على قوله: ﴿رِزْقُكُمْ﴾، والمراد بما يوعدون، قال بعض أهل العلم: الجنة، لأن الجنة فوق السماوات، فإطلاق كونها في السماء إطلاق عربي صحيح، لأن العرب تطلق السماء على كل ما علاك كما قيل:\nوقد يسمى سماء كل مرتفع ... ... ... وإنما الفضل حيث الشمس والقمر\nولما حكى النابغة الجعدي شعره المشهور، قال فيه:\nبلغنا السماء مجدنا وسناؤنا ... ... ... وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا\nقال له ﷺ «إلى أين يا أبي ليلى: قال: إلى الجنة، قال: نعم إن شاء الله» (١).] (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-153>١٤٢ - يطلق اسم الذنوب، التي هي الدلو، على النصيب</span>.\n[قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذَنُوبًا مِّثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلاَ يَسْتَعْجِلُونِ﴾. أصل الذنوب في لغة العرب الدلو، وعادة العرب أنهم يقتسمون ماء الآبار والقلب بالدلو، فيأخذ هذا منه ملء دلو، ويأخذ الآخر كذلك، ومن هنا أطلقوا اسم الذنوب، التي هي الدلو على النصيب. قال الراجز في اقتسامهم الماء بالدلو:\nلنا ذنوب ولكم ذنوب ... ... ... فإن أبيتم فلنا القليب\nويروى:\nإنا إذا شاربنا شريب ... ... ... له ذنوب ولنا ذنوب\nفإن أبى كان لنا القليب\nومن إطلاق الذنوب على مطلق النصيب قول علقمة بن عبدة التميمي، وقيل عبيد:\nوفي كل حي قد خبطت بنعمة ... ... فحق لشأس من نداك ذنوب\n_________\n(١) - قال العراقي في تخريج أحاديث الإحياء (٢/ ٢٣٠): [رواه البغوي في معجم الصحابة، وابن عبد البر في الاستيعاب بإسناد ضعيف من حديث النابغة]. وذكره البزار بنحوه في المجمع (٨/ ٢٣٣): [رواه البزار، وفيه يعلى بن الأشدق، وهو ضعيف].\n(٢) - (٧/ ٦٦٧) (الذاريات/ ٢٠: ٢٢).","vol":"1","page":121},{"text":"وقول أبي ذؤيب:\nلعمرك والمنايا طارقات ... ... لكل بني أب منها ذنوب\nفالذنوب في البيتين النصيب، ومعنى الآية الكريمة، فإن للذين ظلموا بتكذيب النبي ﷺ ذنوبًا، أي نصيبًا من عذاب الله مثل ذنوب أصحابهم من الأمم الماضية من العذاب لما كذبوا رسلهم] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-154>١٤٣ - التنازع يطلق على كل تعاط وتناول</span>.\n[قوله: ﴿يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا﴾: أي يتعاطون، ويتناول بعضهم من بعض كأسًا أي خمرًا، فالتنازع يطلق لغة على كل تعاط وتناول، فكل قوم يعطي بعضهم بعضًا شيئًا ويناوله إياه، فهم يتنازعونه كتنازع كؤوس الشراب والكلام، وهذا المعنى معروف في كلام العرب.\nومنه في الشراب قول الأخطل:\nوشارب مربح بالكأس نادمني ... لا بالحصور ولا فيها بسوار\nنازعته طيب الراح الشمول وقد ... ... ... صاح الدجاج وحانت وقعة السار\nفقوله: نازعته طيب الراح: أي ناولته كؤوس الخمر وناولنيها، ومنه في الكلام قول امرئ القيس:\nولما تنازعنا الحديث وأسمحت ... ... هصرت بغصن ذي شماريخ ميال] (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-155>١٤٤ - لا تكاد العرب تطلق الكأس إلا على الإناء المملوء </span>(٣).\nوقال قال العلامة الشنقيطي - ﵀ - عقب كلامه السابق: [والكأس تطلق على إناء الخمر، ولا تكاد العرب تطلق الكأس إلا على الإناء المملوء، وهي مؤنثة (٤)] (٥).\n_________\n(١) - (٧/ ٦٧٨) (الذاريات/٥٩).\n(٢) - (٧/ ٦٨٧) (الطور/٢٣).\n(٣) - وإطلاق الكأس على ما به من شراب، فيه عند القائلين بالمجاز، مجاز مرسل، علاقته المجاورة، وانظر أسرار البيان (ص/١٢٥).\n(٤) - قال الخطابي في غريب الحديث (٢/ ٢٤٥): [الكأس تؤنث على نية الخمر].\n(٥) - (٧/ ٦٨٧ - ٦٨٨) (الطور/٢٣).","vol":"1","page":122},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-156>١٤٥ - يطلق السموم على الريح الشديدة البرد </span>(١).\n[قوله تعالى: ﴿قَالُواْ إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِى أَهْلِنَا مُشْفِقِين َفَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ ... والسموم النار ولفحها ووهجها، وأصله الريح الحارة التي تدخل المسام، والجمع سمائم. ومنه قول عمر بن أبي ربيعة المخزومي:\nأنامل لم تضرب على البهم بالضحى ... بهن ووجه لم تلحه السمائم\nوقد يطلق السموم على الريح الشديدة البرد، ومنه قول الراجز:\nاليوم يوم بارد سمومه ... ... ... من جزع اليوم فلا ألومه] (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-157>١٤٦ - لن يحور، بمعنى لن يرجع</span>.\n[ذكر تعالى أن السرور في الدنيا وعدم الخوف من الله سبب العذاب يوم القيامة، وذلك في قوله: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَابَهُ وَرَآءَ ظَهْرِهِ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا وَيَصْلَى سَعِيرًا إِنَّهُ كَانَ فِى أَهْلِهِ مَسْرُورًا إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ﴾.\nوقد تقرر في مسلك الإيماء والتنبيه أن إن المكسورة المشددة من حروف التعليل، فقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ فِى أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾، علة لقوله: ﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا وَيَصْلَى سَعِيرًا﴾.\nوالمسرور في أهله في دار الدنيا ليس بمشقق ولا خائف، ويؤيد ذلك قوله بعده: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ﴾، لأن معناه، ظن ألن يرجع إلى الله حيًا يوم القيامة، ولا شك أن من ظن أنه لا يبعث بعد الموت لا يكون مشفقًا في أهله خوفًا من العذاب، لأنه لا يؤمن بالحساب والجزاء، وكون لن يحور، بمعنى لن يرجع معروف في كلام العرب، ومنه قول مهلهل بن ربيعة التغلبي:\nأليلتنا بذي حسم أنيري ... ... ... إذا أنت انقضيت فلا تحوري\nفقوله: فلا تحوري، أي فلا ترجعي.\nوقول لبيد بن ربيعة العامري:\nوما المرء إلا كالشهاب وضوئه ... يحور رمادًا بعد ما هو ساطع\n_________\n(١) - ونوع المجاز هنا عند القائلين به هو المجاز في مفرد، ويسمى اللغوي، من نوع تسمية الشيء باسم ضده، وانظر الإتقان (٣/ ١١٥).\n(٢) - (٧/ ٦٩٠) (الطور/٢٦، ٢٧).","vol":"1","page":123},{"text":"أي يرجع رمادًا، وقيل: يصير، والمعنى واحد.] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-158>١٤٧ - يطلق المنون على الموت</span>.\n[قال بعض العلماء: المنون في الآية - أي قوله تعالى: ﴿نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ - الموت، وإطلاق المنون على الموت معروف في كلام العرب، ومنه قول أبي الغول الطهوي:\nهم منعوا حمى الوقبي بضرب ... ... يؤلف بين أشتات المنون\nلأن الذين ماتوا عند ذلك الماء المسمى بالوقبا، جاءوا من جهات مختلفة، فجمع الموت بينهم في محل واحد، ولو ماتوا في بلادهم لكانت مناياهم في بلاد شتى.] (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-159>١٤٨ - لا تكاد العرب تطلق لفظ النجم مجردًا إلا على الثريا</span>.\n[قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْىٌ يُوحَى﴾. اختلف العلماء في المراد بهذا النجم الذي أقسم الله به في هذه الآية الكريمة ... قال بعضهم: إن المراد به الثريا، وهو مروي عن ابن عباس وغيره، ولفظة النجم علم للثريا بالغلبة، فلا تكاد العرب تطلق لفظ النجم مجردًا إلا عليها، ومنه قول نابغة ذبيان:\nأقول والنجم قد مالت أواخره ... ... ... إلى المغيب تثبت نظرة حار] (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-160>١٤٩ - أمنى الرجل ومني إذا أراق المني وصبه</span>.\n[قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالاٍّنثَى مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى﴾. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه خلق الزوجين أي النوعين الذكر، والأنثى من نطفة، وهي نطفة المني إذا تمنى أي تصب وتراق في الرحم، على أصح القولين.\nويدل قوله تعالى: ﴿أَفَرَءَيْتُمْ مَّا تُمْنُون َأَءَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَم نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِىٍّ يُمْنَى﴾.\n_________\n(١) - (٧/ ٦٩١) (الطور/٢٦، ٢٧).\n(٢) - (٧/ ٦٩٣) (الطور/٢٩، ٣٠).\n(٣) - (٧/ ٦٩٩) (النجم/١: ٤)، وانظر أيضًا (٩/ ١٥٦) (الطارق/١).","vol":"1","page":124},{"text":"والعرب تقول: أمنى الرجل ومنى إذا أراق المني وصبه] (١).\nوقال الشنقيطي - ﵀ - أيضًا: [وقوله تعالى: ﴿أَفَرَءَيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ﴾ يعني أفرأيتم ما تصبونه من المني في أرحام النساء، فلفظة ما موصولة، والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد إلى الصفة محذوف، لأنه منصوب بفعل، والتقدير: أفرأيتم ما تمنونه، والعرب تقول: أمنى النطفة بصيغة الرباعي، يمنيها بضم حرف المضارعة، إذا أراقها في رحم المرأة، ومنه قوله تعالى: ﴿مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى﴾ ومنى يمنى بصيغة الثلاثي لغة صحيحة، إلا أن القراءة بها شاذة.] (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-161>١٥٠ - منى الماني إذا قدر</span>.\n[قال بعض العلماء: ﴿مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى﴾ أي تقدر بأن يكون الله قدر أن ينشأ منها حمل، من قول العرب: منى الماني إذا قدر. ومن هذا المعنى قول أبي قلابة الهذلي، وقيل سويد بن عامر المصطلقي:\nلا تأمن الموت في حل وفي حرم ... إن المنايا توافي كل إنسان\nواسلك سبيلك فيها غير محتشم ... ... ... حتى تلاقي ما يمني لك الماني] (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-162>١٥١ - تعاطى كذا إذا فعله أو تناوله، وعاطاه إذا تناوله</span>.\n[قوله تعالى: ﴿فَنَادَوْاْ صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ﴾. قوله: ﴿فَتَعَاطَى﴾، قال أبو حيان في البحر: فتعاطى هو مطاوع عاطا، وكأن هذه الفعلة تدافعها الناس وعاطاها بعضهم بعضًا، فتعاطاها قدار وتناول العقر بيده. انتهى محل الغرض منه.\nوالعرب تقول: تعاطى كذا إذا فعله أو تناوله، وعاطاه إذا تناوله، ومنه قول حسان ﵁:\nكلتاهما حلب العصير فعاطني ... بزجاجة أرخاهما للمفصل\nوقوله: ﴿فَعَقَرَ﴾ أي تعاطى عقر الناقة فعقرها، فمفعولا الفعلين محذوفان تقديرهما كما ذكرنا] (٤).\n_________\n(١) - (٧/ ٧١١) (النجم/٤٥، ٤٦).\n(٢) - (٧/ ٧٨٥) (الواقعة/٥٨، ٥٩).\n(٣) - (٧/ ٧١١) (النجم/٤٥، ٤٦).\n(٤) - (٧/ ٧٢٣) (القمر/٢٩).","vol":"1","page":125},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-163>١٥٢ - يطلق العقر على القتل والنحر والجرح</span>.\n[قوله تعالى: ﴿فَعَقَرَ﴾: أي قتلها. والعرب تطلق العقر على القتل والنحر والجرح ومنه قول امرىء القيس:\nتقول وقد مال الغبيط بنا معا ... ... ... عقرت بعيري يامرأ القيس فانزل\nومن إطلاق العقر على نحر الإبل لقري الضيف قول جرير:\nتعدون عقر الذيب أفضل مجدكم ... بني ضوطرا لولا الكمي المقنعا] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-164>١٥٣ - يطلق كان بمعنى صار</span>.\n[قوله تعالى: ﴿وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً﴾. أي صرتم أزواجًا ثلاثة، والعرب تطلق كان بمعنى صار، ومنه ﴿وَلاَ تَقْرَبَا هذه الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ﴾ أي فتصيرا من الظالمين.\nومنه قول الشاعر:\nبتيهاء قفر والمطي كأنها ... ... ... قطا الحزن قد كانت فراخًا بيوضها] (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-165>١٥٤ - كل نسج أحكم ودوخل بعضه في بعض، تسمية العرب وضنا، وتسمى المنسوج به موضونا ووضينا</span>.\n[قوله تعالى: ﴿عَلَى سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ مُّتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ﴾. السرر جمع سرير، وقد بين تعالى: أن سررهم مرفوعة في قوله: في الغاشية ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ﴾ وقوله تعالى ﴿مَّوْضُونَةٍ﴾ منسوجة بالذهب، وبعضهم يقول بقضبان الذهب مشبكة بالدر والياقوت، وكل نسج أحكم ودوخل بعضه في بعض، تسمية العرب وضنا، وتسمى المنسوج به موضونا ووضينا، ومنه الدرع الموضونة إذا أحكم نسجها ودوخل بعض حلقاتها في بعض.\nومنه قول الأعشى:\nومن نسج داود موضونة ... ... ... تساق مع الحي عيرا فعيرا\nوقوله أيضًا:\nوبيضاء كالنهى موضونة ... ... ... لها قونس فوق جيب البدن\n_________\n(١) - (٧/ ٧٢٤) (القمر/٢٩).\n(٢) - (٧/ ٧٦٧) (الواقعة/٧).","vol":"1","page":126},{"text":"ومن هذا القبيل تسمية البطان الذي ينسج من السيور، مع إدخال بعضها في بعض وضينا.\nومنه قول الراجز:\nليك تعدو قلقا وضينها ... ... ... معترضا في بطنها جنينها\nمخالفًا دين النصارى دينها] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-166>١٥٥ - تسمي المرأة لباسًا وإزارًا وفراشًا ونعلًا</span>.\n[قوله تعالى: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا عُرُبًا أَتْرَابًا لًاّصْحَابِ الْيَمِينِ﴾. الضمير في أنشأناهن: قال بعض أهل العلم: هو راجع إلى مذكور. قال: هو راجع إلى قوله ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾ قال: لأن المراد بالفرش النساء، والعرب تسمي المرأة لباسًا، وإزارًا، وفراشًا، ونعلًا، وعلى هذا فالمراد بالرفع في قوله: ﴿مَّرْفُوعَةٍ﴾ رفع المنزلة، والمكانة.] (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-167>١٥٦ - تأتي أو بمعنى الواو </span>(٣).\n[إتيانها - أي أو - بمعنى الواو معروف في القرآن وفي كلام العرب، فمنه في القرآن: ﴿فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾ لأن الذكر الملقى للعذر، والنذر معًا لا لأحدهما، لأن المعنى أنها أتت الذكر إعذارًا وإنذارًا، وقوله تعالى: ﴿وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ أي ولا كفورًا، وهو كثير في كلام العرب، ومنه قول عمرو بن معد يكرب:\nقوم إذا سمعوا الصريخ رأيتهم ... ... ... ما بين ملجم مهرة أو سافع\nفالمعنى ما بين الملجم مهره وسافع: أي آخذ بناصيته ليلجمه، وقول نابغة ذبيان:\nقالت ألا ليتما هذا الحمام لنا ... لى حمامتنا أو نصفه فقد\n_________\n(١) - (٧/ ٧٧١) (الواقعة/١٥، ١٦).\n(٢) - (٧/ ٧٧٤) (الواقعة/٣٥:٣٨).\n(٣) - ونوع المجاز هنا عند القائلين به هو المجاز في مفرد، ويسمى اللغوي، من نوع التضمين، وهو إعطاء الشيء معنى الشيء، ويكون في الحروف - كما هنا - وغيرها، وانظر الإتقان (٣/ ١٢٢ - ١٢٣).","vol":"1","page":127},{"text":"فحسبوه فألفوه كما زعمت ... ... ... ستا وستين لم تنقص ولم تزد\nفقوله: أو نصفه بمعنى ونصفه كما هو ظاهر من معنى البيتين المذكورين، لأن مرادها أنها تمنت أن يكون الحمام المار بها هو ونصفه معه لها مع حمامتها التي معها، ليكون الجميع مائة حمامة، فوجدوه ستًا وستين ونصفها ثلاث وثلاثون، فيكون المجموع تسعًا وتسعين، والمروي في ذلك عنها\nأنها قالت:\nليت الحمام ليه ... ... ... إلى حمامتيه\nونصفه قديه ... ... ... تم الحمام مايه\nوقول توبة بن الحمير:\nقد زعمت ليلى بأني فاجر ... ... لنفسي تقاها أو عليها فجورها] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-168>١٥٧ - يطلق النزول على عذاب أهل النار على سبيل التهكم والاحتقار </span>(٢).\n[قوله تعالى: ﴿هذا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ﴾. النزل بضمتين: هو رزق الضيف الذي يقدم له عند نزوله إكرامًا له، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾، وربما استعملت العرب النزول في ضد ذلك على سبيل التهكم والاحتقار، وجاء القرآن باستعمال النزول فيما يقدم لأهل النار من العذاب كقوله هنا: في عذابهم المذكور في قولهم: ﴿لاّكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ﴾ إلى قوله: ﴿شُرْبَ الْهِيمِ هذا نُزُلُهُمْ﴾ أي هذا العذاب المذكور هو ضيافتهم ورزقهم المقدم لهم عند نزولهم في دارهم التي هي النار، كقوله تعالى للكافر الحقير الذليل: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾.\nوما تضمنته هذه الآية الكريمة من إطلاق النزول على عذاب أهل النار، جاء موضحًا في غير هذا الموضع كقوله في آخر هذه السورة الكريمة: ﴿فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيم ٍوَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾، وقوله تعالى في آخر الكهف: ﴿إِنَّآ أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا﴾، ونظير ذلك من كلام العرب قول أبي السعد الضبي:\n_________\n(١) - (٧/ ٧٨٠) (الواقعة/٤٧).\n(٢) - وفيه عند القائلين بالمجاز استعارة تهكمية، وهي ما استعمل في ضد أو نقيض، وانظر الإتقان (٣/ ١٤٠).","vol":"1","page":128},{"text":"وكنا إذا الجبار بالجيش ضافنا ... جعلنا القنا والمرهفات له نزلًا] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-169>١٥٨ - كل شيء خلا من الناس يقال له أقوى</span>.\n[قوله تعالى ﴿وَمَتَاعًا لِّلْمُقْوِينَ﴾ أي منفعة للنازلين بالقواء من الأرض، وهو الخلاء والفلاة التي ليس بها أحد ... وكل شيء خلا من الناس يقال له أقوى، فالرجال إذا كان في الخلا قيل له: أقوى. والدار إذا خلت من أهلها قيل لها أقوت.\nومنه قول نابغة ذبيان:\nيا دار مية بالعلياء فالسند ... ... أقوت وطال عليها سالف الأبد\nوقول عنترة:\nحيت من طلل تقادم عهده ... ... أقوى وأقفر بعد أم الهيثم] (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-170>١٥٩ - يقال: أُتِيَ فلان إذا أظل عليه العدو</span>.\nقال صاحب التتمة - ﵀ -: [قوله تعالى: (فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا) أتى: تأتي بعدة معان، منها: بمعنى المجيء، ومنها بمعنى الإنذار، ومنها بمعنى المداهمة.\nأما معنى الآية، فإن سياق القرآن يدل على أن مثل هذا السياق ليس من باب الصفات كما في قوله تعالى: (فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِد)، أي هدمه واقتلعه من قواعده، ونظيره: (أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا)، وقوله: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا)، وقوله: (أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا).\nوفي الحديث عن أبي هريرة ﵁ في العَدْوَى: (أنَّى قلتَ أُتِيتَ) (٣) أي دُهِيتَ وتغيَّر عليك حِسّك فَتَوَهَّمْتّ ما ليس بصحيح صحيحا.\nويقال: أُتِيَ فلان بضم الهمزة وكسر التاء إذا أظل عليه العدو، ومنه قولهم: «من مأمنه يأتي الحذر»، فيكون قوله تعالى: (فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا) أخذهم ودهاهم وباغتهم من حيث لم يحتسبوا من قتل كعب بن الأشرف وحصارهم،\n_________\n(١) - (٧/ ٧٨٣ - ٧٨٤) (الواقعة/٥٦).\n(٢) - (٧/ ٧٩٦) (الواقعة/٧١: ٧٣).\n(٣) - لم أقف عليه.","vol":"1","page":129},{"text":"وقذف الرعب في قلوبهم] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-171>١٦٠ - القول لا يتغير بل يحكي على ما قيل أولًا</span>.\n[إنهم اتفقوا على أن القول لا يتغير بل يحكي على ما قيل أولًا كقولهم: الصيف ضيعتِ اللبن بكسر التاء خطابًا للمؤنثة.\nفلو قيل لرجل أهمل وقت الإمكان ثم راح يطلبه بعد فواته، لقلت له: الصيف ضيعتِ اللبن بكسر التاء على الحكاية.\nوهذا مما يسمى الاستعارة التمثيلية من أبلغ الأساليب، وأكثر ما في القرآن من أمثلة إنما هو من قبيل التشبيه التمثيلي، وهو تشبيه صورة بصورة، وهو من أوضح أساليب البيان.] (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-172>١٦١ - الغاشية تطلق على الخير كما تطلق على الشر، بمعنى الشمول والإحاطة التامة</span>.\n[معلوم أن الغاشية تطلق على الخير كما تطلق على الشر، بمعنى الشمول والإحاطة التامة. ومن إطلاقها على الخير ما جاء في الحديث: «ما جلس قوم مجلسًا يذكرون الله تعالى فيه إلاَّ حفَّتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة، وذكرهم الله فيمن عنده» أخرجه مسلم (٣).\nوبيان ذلك وتحقيقه في حق كلا القسمين كالآتي:\nأما الأول منهما: وهو الغاشية في حق أهل النار فقد غشيهم العذاب حسًا ومعنى ظاهرًا وباطنًا أو لا خشوع في ذلة، وهي ناحية نفسية، وهي أثقل أحيانًا من الناحية المادية، فقد يختار بعض الناس الموت عنها، ثم مع الذلة العمل والنصب حسًا وبدنًا، ومع النصب الشديد تصلى نارًا حامية، وكان يكفي تصلى نارًا. ولكن إتباعها بوصفها حامية فهو زيادة في إبراز عذابهم وزيادة في غشيان العذاب لهم، ثم يسقون من عين آنية متناهية في الحرارة فيكونون بين نار حامية من الخارج وحميم من الداخل تصهر منه البطون، فهو أتم في الشمول للغاشية لهم من جميع\n_________\n(١) - (٨/ ٣٢: ٣٤) (الحشر / ٢).\n(٢) - (٨/ ١٠٥ - ١٠٦) (الحشر/٢١).\n(٣) - أخرجه مسلم (٤/ ٢٠٧٤) (٢٦٩٩) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.","vol":"1","page":130},{"text":"الوجوه. وفي حق القسم المقابل تعميم كامل وسرور شامل كالآتي، وجوه ناعمة مكتملة النعمة، تعرف في وجههم نضرة النعيم.\nوهذا في شموله من الناحية المعنوية كمقابلة في القسم الأول بدلًا من خاشعة في ذلة ناعمة في نضرة لسعيها راضية الذي سعته في الدنيا، والذي تسعى لتحصيله أو ثوابه في جنة عالية بدلًا من عمل ونصب، لا تسمع فيها لاغية: منزلة أدبية رفيعة حيث لا تسمع فيها كلمة لغو، ولا يليق بها، فهو إكرام لهم حتى في الكلمة التي يسمعونها، كما في قوله: ﴿لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلاَ تَأْثِيمًا إِلاَّ قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا﴾ ...] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-173>١٦٢ - يطلق المحل، ويراد الحال </span>(٢).\n[﴿الَّذِى يُوَسْوِسُ فِى صُدُورِ النَّاسِ﴾. اختلف في الظرف هنا، هل هو ظرف للوسواس حينما يوسوس، فيكون موجودًا في الصدور، ويوسوس للقلب، أو هو ظرف للوسوسة. ويكون المراد بالصدور القلوب، لكونها حالة في الصدور من باب إطلاق المحل، وإرادة الحال على ما هو جار في الأساليب البلاغية. وعلى حد قوله تعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾، أطلق النادي، وأراد من يحل فيه من القوم (٣).] (٤).\n_________\n(١) - (٩/ ١٩٨) (الغاشية/٨: ١٦).\n(٢) - ونوع المجاز هنا عند القائلين به هو مجاز مرسل، وعلاقته محلية، وانظر الإتقان (٣/ ١١٤)، أسرار البيان (ص/١٢٤).\n(٣) - قال الشنقيطي - ﵀ - (٤/ ٣٨٧ - ٣٨٨) (مريم/٧٣ - ٧٤): [وقول الكفار الذي حكاه الله عنهم في هذه الآية الكريمة ﴿أَىُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ الظاهر فيه أن وجه ذكرهم للمقام والندي: أن المقام هو محل السكنى الخاص لكل واحد منهم. والندي محل اجتماع بعضهم ببعض ...\nوالمقامات: جمع مقامة بمعنى المقام. والأندية: جمع نادٍ بمعنى الندى وهو مجلس القوم، ومنه قوله تعالى: ﴿السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِى نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ فالنادي والندي يطلقان على المجلس، وعلى القوم الجالسين فيه. وكذلك المجلس يطلق على القوم الجالسين، ومن إطلاق الندي على المكان قول الفرزدق:\nوما قام منا قائم في ندينا ... ... ... فينطق إلا بالتي هي أعرفُ\nوقوله تعالى هنا: ﴿وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾. ومن إطلاقه على القوم قوله: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾. ومن إطلاق المجلس على القوم الجالسين فيه قول ذي الرمة:\nلهم مجلس صهب السبال أذلة ... ... ... سواسية أحرارها وعبيدها].\nوقال أيضًا (٥/ ٧١٠) (الحج/٤٥): [وقد دلت هذه الآية الكريمة وأمثالها في القرآن أن لفظ القرية: يطلق تارة على نفس الأبنية، وتارة على أهلها الساكنين بها، فالإهلاك في قوله: ﴿أَهْلَكْنَاهَا﴾، والظلم في قوله: ﴿وَهِىَ ظَالِمَةٌ﴾: يراد به أهلها الساكنون بها وقوله: ﴿فَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ يراد به الأبنية كما قال في آية: ﴿وَاسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِى كُنَّا فِيهَا﴾ وقال في أخرى: ﴿حَتَّى إِذَآ أَتَيَآ أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَآ أَهْلَهَا﴾. وقد بينا في رسالتنا المسماة منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز: أن ما يسميه البلاغيون مجاز النقص، ومجاز الزيادة، ليس بمجاز حتى عند جمهور القائلين بالمجاز من الأصوليين، وأقمنا الدليل على ذلك].\nوقال الثعالبي في سر العربية (ص/٣٤٦): [فصل في ذكر المكان والمراد به مَنْ فيه: العرب تفعل ذلك قال الله تعالى: \" واسأَل القَرْيَةَ التي كنَّا فيها \" أي أهلها وكما قال ﷻ: \" وإلى مَديَنَ أخاهم شُعيبًا \" أي أهل مديَن وكما قال حُمَيدُ بن ثَور: ...\nقَصائِدُ تَستَحْلي الرُواةُ نَشيدَها ... ويَلهو بها من لاعِبِ الحَيِّ سامِرُ\nيَعَضُّ عليها الشيخُ إبهامَ كَفِّهِ ... وتُجزى بها أحياؤُكم والمقابرُ\nأي أهل المقابر.\nوالعرب تقول: أكلتُ قِدرًا طيبة. أي أكلت ما فيها. وكذلك قول الخاصّة: شَرِبت كأسا].\n(٤) - (٩/ ٦٧٠) (الناس/٥).","vol":"1","page":131},{"text":"وهذا آخر ما وقفت عليه من أساليب وإطلاقات عربية في تفسير أضواء البيان للعلامة الشنقيطي - ﵀ -.\nوالله - ﷿ - أسأل التوفيق، والقبول، والسداد. وهو حسبنا ونعم الوكيل. ...\n\nأبو المنذر: محمود بن محمد بن مصطفى المنياوي.\nعفا الله - تعالى - عنه","vol":"1","page":132}]}