{"ً":{"ٌ":36195,"ٍ":"شرح الموقظة للذهبي","َ":1,"ُ":1,"ّ":"الكتاب: شرح الموقظة للذهبي\nالجزء الأول (الحديث الصحيح)\nالمؤلف: أبو المنذر محمود بن محمد بن مصطفى بن عبد اللطيف المنياوي\nالناشر: المكتبة الشاملة، مصر\nالطبعة: الأولى، ١٤٣٢ هـ - ٢٠١١ م\nعدد الصفحات: ١٥٥\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع (الطبعة الورقية)]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":1205,"ٕ":10,"ٖ":1770155535,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"المقدمة","level":1,"page":3},{"title":"فيها مسائل:","level":2,"page":3},{"title":"الأولي","level":3,"page":3},{"title":"الثانية","level":3,"page":3},{"title":"توطئة","level":1,"page":4},{"title":"الحديث الصحيح","level":1,"page":5},{"title":"فائدة: الفرق بين قولهم: حديث صحيح، وإسناد صحيح.","level":2,"page":6},{"title":"الشرط الأول: العدالة","level":2,"page":7},{"title":"قوله: (هو ما دار)","level":3,"page":7},{"title":"قوله: (على عدل)","level":3,"page":8},{"title":"تعريف العدالة","level":4,"page":8},{"title":"واعترض الصنعاني في \" ثمرات النظر في علم الأثر \" على هذا التعريف بعدة اعتراضات","level":4,"page":8},{"title":"الاعتراض الأول: عدم الملازمة بينه وبين التعريف اللغوي للعدالة:","level":4,"page":8},{"title":"الاعتراض الثاني: نقد العدالة بالملكة المذكورة:","level":4,"page":8},{"title":"الاعتراض الثالث: قبولهم رواية فاسق التصريح:","level":4,"page":10},{"title":"الاعتراض الرابع: القصور في تعريف التقوى:","level":4,"page":11},{"title":"الاعتراض الخامس: العدالة والبدعة","level":4,"page":11},{"title":"المبتدع الداعية إلى بدعته","level":4,"page":13},{"title":"إخراج الشيخان لبعض المبتدعة","level":4,"page":13},{"title":"تعريفات أخرى للعدالة","level":3,"page":20},{"title":"شروط أخرى للعدالة","level":3,"page":22},{"title":"أولا: الإسلام","level":4,"page":22},{"title":"ثانيا: البلوغ","level":4,"page":23},{"title":"ثالثا: العقل","level":4,"page":25},{"title":"رابعا: السلامة من أسباب الفسق","level":4,"page":26},{"title":"ما حكم التائب من الكذب في حديث رسول الله ﷺ","level":5,"page":26},{"title":"التائب من الكذب في حديث الناس وغيره من أسباب الفسق","level":5,"page":28},{"title":"خامسا: السلامة من خوارم المروءة","level":4,"page":29},{"title":"مسائل تتعلق بالعدالة:","level":3,"page":32},{"title":"إذا روى الثقة حديثا فسئل عنه فنفاه، فهل يقبل قوله؟ ثم هل يؤثر ذلك النفي في عدالة الفرع الراوي عنه أم لا؟","level":4,"page":32},{"title":"إذا كان المحدث يغشى السلطان، أو يتولى شيئا من أعماله، فهل ذلك يقدح في عدالته أم لا؟","level":4,"page":33},{"title":"أخذ الأجرة على التحديث.","level":4,"page":35},{"title":"تعريف العدالة","level":3,"page":39},{"title":"هل الأصل في الراوي العدالة أم الجهالة؟","level":4,"page":39},{"title":"بم تثبت العدالة؟","level":4,"page":42},{"title":"مسائل أخرى متعلقة بالعدالة","level":3,"page":45},{"title":"المسألة الأولى: قبول تعديل العبد والمرأة:","level":4,"page":45},{"title":"المسألة الثانية: هل يثبت التعديل بواحد:","level":4,"page":46},{"title":"المسألة الثالثة: هل تعد رواية العدل تعديلا لمن روى عنه","level":4,"page":48},{"title":"من كان من الحفاظ لا يروي إلا عن ثقة:","level":5,"page":52},{"title":"المسألة الرابعة: قول العدل حدثني الثقة:","level":4,"page":54},{"title":"المسألة الخامسة: قول الراوي: حدثني من لا أتهم.","level":4,"page":56},{"title":"المسألة السادسة: يقبل التعديل على الإجمال:","level":4,"page":57},{"title":"الشرط الثاني من شروط الحديث الصحيح: الإتقان.","level":2,"page":57},{"title":"الأولى: قال الإمام الذهبي في الموقظة: [تشترط العدالة في الراوي كالشاهد، ويمتاز الثقة بالضبط والإتقان، فإن انضاف إلى ذلك المعرفة والإكثار، فهو حافظ].","level":3,"page":57},{"title":"مرتبة الحافظ أعلى من مرتبة الثقة","level":4,"page":57},{"title":"فائدة: هل يلزم من قول المحدثين عن راو أنه (حافظ) أن يكون ضابطا؟!","level":4,"page":58},{"title":"المسألة الثانية: فرق أبو هلال العسكري في معجم الفروق اللغوية بين الإتقان والإحكام،","level":3,"page":59},{"title":"المسألة الثالثة: الكلام على الضبط:","level":3,"page":60},{"title":"١ - تعريف الضبط:","level":4,"page":60},{"title":"أ - تعريفه لغة:","level":5,"page":60},{"title":"ب - اصطلاحا:","level":5,"page":61},{"title":"٢ - أقسام الضبط:","level":4,"page":62},{"title":"٣ - هل يقع الوهم في الكتاب كما يقع في الحفظ:","level":4,"page":64},{"title":"٤ - بم يعرف ضبط الصدر؟","level":4,"page":65},{"title":"٥ - بم يعرف ضبط الكتاب؟","level":4,"page":68},{"title":"المسألة الرابعة:","level":3,"page":69},{"title":"المسألة الخامسة:","level":3,"page":69},{"title":"الشرط الثالث: الاتصال","level":2,"page":70},{"title":"قوله: (واتصل سنده). فيه مسائل:","level":3,"page":70},{"title":"المسألة الأولى: معنى الاتصال:","level":4,"page":70},{"title":"أ - لغة:","level":5,"page":70},{"title":"ب - اصطلاحا:","level":5,"page":70},{"title":"تنبيه:","level":5,"page":70},{"title":"المسألة الثانية: معنى السند:","level":4,"page":71},{"title":"أ- لغة","level":5,"page":71},{"title":"ب - اصطلاحا:","level":5,"page":71},{"title":"قوله: (واتصل سنده؛ فإن كان مرسلا ففي الاحتجاج به اختلاف).","level":3,"page":73},{"title":"قوله: (وزاد أهل الحديث: سلامته من الشذوذ والعلة. وفيه نظر على مقتضى نظر الفقهاء، فإن كثيرا من العلل يأبونها). فيه مسائل:","level":3,"page":73},{"title":"المسألة الأولى: تعريف الشاذ:","level":4,"page":73},{"title":"المسألة الثانية:","level":4,"page":73},{"title":"المسألة الثانية:","level":4,"page":73},{"title":"المسألة الثالثة: الكلام على العلة","level":4,"page":74},{"title":"١ - معنى العلة:","level":5,"page":74},{"title":"أ - لغة:","level":6,"page":74},{"title":"ب - اصطلاحا:","level":6,"page":76},{"title":"العلة بالمعنى الخاص:","level":6,"page":76},{"title":"العلة بالمعنى العام:","level":6,"page":78},{"title":"٢ - فوائد","level":5,"page":81},{"title":"الأولى: علاقة المعنى اللغوي للعلة بالمعنى الاصطلاحي:","level":6,"page":81},{"title":"الثانية: ما هو القياس في الحديث الذي طرأت عليه العلة؟","level":6,"page":82},{"title":"فائدة: أيهما أولى استعمال معلول أو معلل؟","level":6,"page":85},{"title":"٣ - أسباب العلة:","level":5,"page":85},{"title":"الكشف عن الاختلاط:","level":6,"page":89},{"title":"٤ - معرفة العلة ووسائل الكشف عنها:","level":5,"page":94},{"title":"٥ - خطوات معرفة العلل:","level":5,"page":98},{"title":"٦ - أقسام العلة وأنواعها:","level":5,"page":100},{"title":"المسألة الثالثة: قوله: (وفيه نظر على مقتضى نظر الفقهاء، فإن كثيرا من العلل يأبونها).","level":4,"page":104},{"title":"ملاحظة: مناقشة كلام الشيخ المليباري في التلازم بين العلة وبين القدح في الصحة:","level":5,"page":108},{"title":"قوله: (فالمجمع على صحته إذا: المتصل السالم من الشذوذ والعلة، وأن يكون رواته ذوي ضبط وعدالة وعدم تدليس).","level":2,"page":109},{"title":"المسألة الأولى","level":3,"page":109},{"title":"بعض الشروط الأخرى التي ذكرها العلماء في الحديث الصحيح","level":4,"page":110},{"title":"١ - اشتراط نفي النكارة:","level":4,"page":110},{"title":"٢ - عدم شموله للصحيح لغيره:","level":4,"page":110},{"title":"٣ - اشتراط أن يكون راويه مشهورا بالطلب:","level":4,"page":111},{"title":"٤ - اشتراط الفهم والمعرفة وكثرة السماع والمذاكرة:","level":4,"page":111},{"title":"٥ - اشتراط علمه بمعاني الحديث حيث يروي بالمعنى:","level":4,"page":112},{"title":"٦ - اشتراط فقه الراوي:","level":4,"page":112},{"title":"٧ - اشتراط ثبوت السماع:","level":4,"page":113},{"title":"٨ - اشتراط العدد:","level":4,"page":113},{"title":"المسألة الثانية: قوله: [وعدم تدليس]","level":3,"page":116},{"title":"الكلام على بعض الأسانيد:","level":2,"page":117},{"title":"المسألة الأولى: قوله: [فأعلى مراتب المجمع عليه].","level":3,"page":117},{"title":"المسألة الثانية:","level":3,"page":120},{"title":"المسألة الثالثة: الكلام على هذه الأسانيد والمراتب من ناحية التفصيل:","level":3,"page":122},{"title":"١ - قوله: (مالك، عن نافع، عن ابن عمر).","level":4,"page":122},{"title":"٢ - قوله: (أو: منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله).","level":4,"page":124},{"title":"الفائدة الأولى: بيان أن إبراهيم النخعي مدلس، وكان يرسل، وبيان أن مراسيله عن ابن مسعود صحيحة:","level":5,"page":125},{"title":"الفائدة الثانية: بيان وجه دقة استبدال الإمام الذهبي الأعمش بمنصور بن المعتمر:","level":5,"page":125},{"title":"٣ - قوله: [أو: الزهري، عن سالم، عن أبيه.]","level":4,"page":126},{"title":"٤ - قوله: [أو: أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة.]","level":4,"page":128},{"title":"فائدة: مراتب أخرى أغفلها الإمام الذهبي في المرتبة الأولى للصحيح:","level":4,"page":128},{"title":"٥ - قوله: [ثم بعده: معمر، عن همام، عن أبي هريرة.]","level":4,"page":129},{"title":"فائدة:","level":5,"page":130},{"title":"٦ - قوله: [أو: ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس.]","level":4,"page":130},{"title":"٧ - قوله: [أو: ابن جريج، عن عطاء، عن جابر، وأمثاله.]","level":4,"page":131},{"title":"فوائد:","level":4,"page":132},{"title":"٨ - قوله: [ثم بعده في المرتبة: الليث، وزهير، عن أبي الزبير، عن جابر.]","level":4,"page":133},{"title":"أولا بيان درجة أبي الزبير المكي:","level":5,"page":134},{"title":"ثانيا: تدليس أبي الزبير:","level":5,"page":139},{"title":"بيان قصة أبي الزبير التي هي العمدة في وصفه بالتدليس، واعترافه على نفسه بذلك:","level":5,"page":140},{"title":"بيان ما وقفت عليه من أحاديث التي تثبت تدليس أبي الزبير:","level":5,"page":140},{"title":"ملاحظة:","level":5,"page":142},{"title":"٩ - قوله: [أو سماك عن عكرمة عن ابن عباس].","level":4,"page":149},{"title":"فائدة:","level":5,"page":151},{"title":"١٠ - قال: [أو: أبو بكر بن عياش، عن أبي إسحاق، عن البراء.]","level":4,"page":152},{"title":"١١ - قوله: [أو: العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة.].","level":4,"page":153},{"title":"قوله: [ونحو ذلك من أفراد البخاري أو مسلم.].","level":4,"page":153}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,4":4,"1,6":6,"1,7":7,"1,8":8,"1,9":9,"1,10":10,"1,11":11,"1,12":12,"1,13":13,"1,14":14,"1,15":15,"1,16":16,"1,17":17,"1,18":18,"1,19":19,"1,20":20,"1,21":21,"1,22":22,"1,23":23,"1,24":24,"1,25":25,"1,26":26,"1,27":27,"1,28":28,"1,29":29,"1,30":30,"1,31":31,"1,32":32,"1,33":33,"1,34":34,"1,35":35,"1,36":36,"1,37":37,"1,38":38,"1,39":39,"1,40":40,"1,41":41,"1,42":42,"1,43":43,"1,44":44,"1,45":45,"1,46":46,"1,47":47,"1,49":48,"1,50":49,"1,51":50,"1,52":51,"1,53":52,"1,54":53,"1,55":54,"1,56":55,"1,57":56,"1,58":57,"1,59":58,"1,60":59,"1,61":60,"1,62":61,"1,63":62,"1,64":63,"1,65":64,"1,66":65,"1,67":66,"1,68":67,"1,69":68,"1,70":69,"1,71":70,"1,72":71,"1,73":72,"1,74":73,"1,75":74,"1,76":75,"1,77":76,"1,78":77,"1,79":78,"1,80":79,"1,81":80,"1,82":81,"1,83":82,"1,84":83,"1,85":84,"1,86":85,"1,87":86,"1,88":87,"1,89":88,"1,90":89,"1,91":90,"1,92":91,"1,93":92,"1,94":93,"1,95":94,"1,96":95,"1,97":96,"1,98":97,"1,99":98,"1,100":99,"1,101":100,"1,102":101,"1,103":102,"1,104":103,"1,105":104,"1,106":105,"1,107":106,"1,108":107,"1,109":108,"1,110":109,"1,111":110,"1,112":111,"1,113":112,"1,114":113,"1,115":114,"1,116":115,"1,117":116,"1,119":118,"1,120":119,"1,121":120,"1,122":121,"1,123":122,"1,124":123,"1,125":124,"1,126":125,"1,127":126,"1,128":127,"1,129":128,"1,130":129,"1,131":130,"1,132":131,"1,133":132,"1,134":133,"1,135":134,"1,136":135,"1,137":136,"1,138":137,"1,139":138,"1,140":139,"1,141":140,"1,142":141,"1,143":142,"1,144":143,"1,145":144,"1,146":145,"1,147":146,"1,148":147,"1,149":148,"1,150":149,"1,151":150,"1,152":151,"1,153":152,"1,154":153,"1,155":154},"ٜ":{"1":[1,155]},"ٝ":["1,1","1,2",null,"1,4",null,"1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117",null,"1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155"],"ٞ":{"3":[1,2,3,4],"4":[5],"5":[6],"6":[7],"7":[8,9],"8":[10,11,12,13,14],"10":[15],"11":[16,17],"13":[18,19],"20":[20],"22":[21,22],"23":[23],"25":[24],"26":[25,26],"28":[27],"29":[28],"32":[29,30],"33":[31],"35":[32],"39":[33,34],"42":[35],"45":[36,37],"46":[38],"48":[39],"52":[40],"54":[41],"56":[42],"57":[43,44,45,46],"58":[47],"59":[48],"60":[49,50,51],"61":[52],"62":[53],"64":[54],"65":[55],"68":[56],"69":[57,58],"70":[59,60,61,62,63,64],"71":[65,66,67],"73":[68,69,70,71,72],"74":[73,74,75],"76":[76,77],"78":[78],"81":[79,80],"82":[81],"85":[82,83],"89":[84],"94":[85],"98":[86],"100":[87],"104":[88],"108":[89],"109":[90,91],"110":[92,93,94],"111":[95,96],"112":[97,98],"113":[99,100],"116":[101],"117":[102,103],"120":[104],"122":[105,106],"124":[107],"125":[108,109],"126":[110],"128":[111,112],"129":[113],"130":[114,115],"131":[116],"132":[117],"133":[118],"134":[119],"139":[120],"140":[121,122],"142":[123],"149":[124],"151":[125],"152":[126],"153":[127,128]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"شرح الموقظة\nفي علم مصطلح الحديث\nللحافظ المحدث المؤرِّخ شمس الدين محمد بن أحمد الذهبي\n(٦٧٣ هـ - ٧٤٨ هـ)\nرحمه الله تعالى\nالجزء الأول\nالحديث الصحيح\nتأليف الفقير إلى عفو ربه الغني: أبي المنذر: محمود بن محمد بن مصطفى المنياوي\nعفا الله عنه\nالطبعة الأولى\n١٤٣٢هـ - ٢٠١١م\nالمكتبة الشاملة","vol":"1","page":1},{"text":"حقوق الطبع محفوظة للمؤلف\nالطبعة الأولى\n١٤٣٢ هـ - ٢٠١١ م\nرقم الإيداع بالمكتبة الشاملة ٤/ ٢٠١١","vol":"1","page":2},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\nشرح الموقظة\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1>المقدمة: </span>...\nـ[[بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على محمد وآله وصحبه. رب زدني علمًا، ووفق يا كريم. قال الشيخُ الإمامُ العالمُ العلاَّمة، الرُّحْلةُ المحقَّق، بحر الفوائد، ومَعْدِنُ الفرائد، عُمدةُ الحُفَّاظِ والمحدثين، وعُدَّةُ الأئمةِ المحقَّقين، وآخِرُ المجتهدين، شمسُ الدين محمدُ بن أحمد بنُ عُثمان الذهبيُّ الدمشقي ﵀ ونفعنا بعلومه وجميع المسلمين].]ـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2>فيها مسائل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>الأولي: </span>هذه مقدمة للكتاب رقمها: البقاعي، حيث جاء في آخر الرسالة: تَمَّتْ المقدِّمةُ: الموقظة، علَّقها لنفسه الفقير إبراهيم بن عمر بن حَسَنِ الرَّباطِ الرَّوْحائيُّ، وهو الشهير بالبقاعي أحد تلاميذ الحافظ ابن حجر وملازميه في السفر والحضر (١). وهذه المقدمة ملفقة من نسختين خطيتين للكتاب كما ذكر أبو غدة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>الثانية: </span>في بيان بعض المعاني الواردة فيها، فقوله: (الرُّحْلةُ) بالضم الشيء الذي يرتحل إليه، والمقصود بيان سعة علم الإمام الذهبي، وأنه أهل لأن يُرتحل إليه.\nوقوله: (مَعْدِنُ الفرائد) المعدن: بمعنى الثبوت والاستقرار، قال الخليل بن أحمد في العين: [قال تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ أي: استقرار وثبات وعدن بمكان كذا: استقر ومنه المعدن: لمستقر الجواهر]، ومقصوده بقوله: (معدن الفرائد) أن الذهبي استقر عنده من العلم ما ليس عند غيره، وهذا تأكدًا لوصفه بأنه رُّحْلةُ.\nوقوله: (عُمدةُ الحُفَّاظِ والمحدثين، وعُدَّةُ الأئمةِ المحقَّقين) انتقد الشيخ سليم الهلالي هذه العبارة وقال إن فيها مبالغة ومجازفة، وعلل ذلك بقوله: فإن\n_________\n(١) - انظر ترجمته في: الأنس الجليل ٢: ٤٩٦، والدرر الكامنة ١: ٥٠، وطبقات الشافعية ٦: ٨٢، والضوء اللامع ١: ١٠٠، والبدر الطالع ١: ١٩، وشذرات الذهب ٧: ٣٣٩، والأعلام للزركلي ١/ ٥٦. وانظر أيضًا مقدمة أبي غدة للموقظة ص/١١.","vol":"1","page":null},{"text":"عمدة العبد التوكل على ربه؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ وَعُدَّة المرء التقوى؛ لقوله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾. وفي هذا التعقب والتعليل نظر؛ فالذهبي أهل لما ذكر فإنه من الأئمة المشهود لهم بالعلم، قال عنه (١) تلميذه الصفدي: «حافظ لا يجارى ولافظ لا يُبارى، أتقن الحديث ورجاله، ونظر عللهُ وأحواله، وعرف تراجم الناس، وأزال الإبهام في تواريخهم، لم أجد عنده جمود المحدثين ولا كودنة النقلة بل هو فقيه النظر، له دربة بأقوال الناس، ومذاهب الأئمة من السلف وأرباب المقالات». وقال عنه التاج السبكي: «إمام الوجود حفظًا، وذهب العصر معنى ولفظًا، وشيخ الجرح والتعديل، ورجل الرجال في كل سبيل، كأنما جمعت الأمة في صعيد واحد فنظرها ثم أخذ يُعبَّر عنها إخبار من حضرها». وقال عنه السخاوي: «وهو من أهل الاستقراء التام في نقد الرجال»، وقال عنه ابن كثير الدمشقي: «الحافظ الكبير، مؤرخ الإسلام، وشيخ المحدثين، وخاتمة الحفاظ»، وقال عنه جلال الدين السيوطي: «إن المحدثين عيال في الرجال وغيرها من فنون الحديث على أربعة: المِزي، والذهبي، والعراقي، وابن حجر».\nوأما تعليله فإنما يتجه للإطلاق وكلامهم على التقييد فلا معارضة.\nوقوله: (آخِرُ المجتهدين) انتقده أيضا الشيخ الهلالي بأن فيها إيحاءً بغلق باب الاجتهاد، وفي تعقبه نظر كسابقه فليس فيما قال الناسخ ما يشير إلى قوله بغلق باب الاجتهاد بل مقصوده مدح الذهبي بأن آخر مجتهدي عصره، فالوصف بالأخروية كالوصف بالأولية وبالقدم نسبي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>توطئة:</span>\n(قال الشيخ عبد العزيز السعيد في شرحه للموقظة: [وهذا الكتاب: \" كتاب الموقظة \" للإمام الذهبي - ﵀ - كتاب مختصر نافع مفيد، وتظهر أهميته في أن الإمام الذهبي -﵀- له تعقبات وتعليقات على من سبقه، وهذه التعقبات والتعليقات صادرة عن إمام له نفس حديثي، ليس كغيره ممن سلف.\n_________\n(١) - نقلا عن مقدمة السير (١/ ١٦٩)، رسالة: موقف الإمام الذهبي من الدولة العبيدية نسبًا ومعتقدًا للدكتور/ سعد بن موسى الموسى.","vol":"1","page":4},{"text":"فبعض من تقدم تكلم في هذا الاصطلاح، إلا أنه غلب عليه الجانب الفقهي، وأما الإمام الذهبي - ﵀ - وإن كان قد اختصر هذا الكتاب من كتاب \" الاقتراح \" لشيخه ابن دقيق العيد الذي اختصره من \" علوم الحديث \" للحافظ ابن الصلاح؛ إلا أن نفس الإمام الذهبي الحديثي ظهر في هذا الكتاب في تعقباته وتعليقاته.\nوكذلك تظهر أهمية هذا الكتاب في بعض المباحث التي أوردها المؤلف -﵀- ولم يسبق إليها، وبخاصة ما كان منها متعلقا في علم الرجال، فله مباحث في علم الرجال وفي طبقات الحفاظ لا تجدها في كتاب من كتب مصطلح الحديث إلا في هذا الكتاب، ووجودها في هذا الكتاب يزداد أهمية لكونها صادرة عن إمام له عناية بعلم الرجال، وله عناية تامة في هذا؛ حتى شهد له الأئمة الحفاظ بذلك.\nوهذا الكتاب: \" كتاب الموقظة \" للإمام الحافظ الذهبي -﵀- لا بد أن نعرف هذه اللفظة أو هذه التسمية؛ لأن معرفة هذه التسمية فيها شحن للهمم في دراسة هذا الفن والاعتناء بهذا الكتاب: ف \" الموقظة \" الهاء فيها للتأنيث، وموقظ: اسم فاعل من الإيقاظ وهو الانتباه، فالاستيقاظ والإيقاظ معناه الانتباه، فكأن المؤلف -رحمه الله تعالى- يلفت الانتباه -انتباه طالب العلم- إلى الاعتناء بهذا الفن، أو يلفت الانتباه إلى دراسة هذا الكتاب بخصوصه. فهو إما لفت الانتباه لدراسة هذا الفن على وجه العموم، أو لفت الانتباه لدراسة هذا الكتاب على وجه الخصوص؛ لما حواه من المباحث المهمة التي قل -أو بعضها قل- أن يوجد إلا عند الإمام الذهبي، ولا شك أن هذه التسمية مطابقة للمسمى الذي اشتمل عليه هذا الكتاب ...].\n\nـ[قال الإمام الذهبي: [١ -<span data-type=\"title\" id=toc-6> الحديثُ الصحيح: </span>هو ما دَارَ على عَدْلٍ مُتْقِنٍ واتَّصَل سَنَدُه. فإن كان مُرسَلًا ففي الاحتجاج به اختلاف. وزاد أهلُ الحديث: سلامتَهُ من الشذوذِ والعِلَّة. وفيه نظر على مقتضى نظر الفقهاء، فإنَّ كثيرًا من العِلَل يأبَوْنها. فالمجُمْعُ على صِحَّتِه إذًا: المتصلُ السالمُ من الشذوذِ والعِلَّة، وأنْ يكون رُواتُه ذوي ضَبْطٍ وعدالةٍ وعدمِ تدليس]]ـ","vol":"1","page":null},{"text":"قوله: (الحديثُ الصحيح) أي لذاته لا لغيره؛ لأنه المقصود عند الإطلاق، وهاهنا بحث في دخول الحسن في الصحيح، وقد درج المصنف على جعلهما قسيمين، وسيأتي هذا البحث عند الكلام على الحسن في محله من الرسالة بمشيئة الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>فائدة: الفرق بين قولهم: حديث صحيح، وإسناد صحيح</span>.\nقال ابن الصلاح في مقدمته (ص/٢٠): [قولهم: (هذا حديث صحيح الإسناد أو حسن الإسناد)\nدون قولهم: (هذا حديث صحيح أو حديث حسن)؛ لأنه قد يقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولا يصح لكونه شاذا أو معللا، غير أن المصنف المعتمد منهم إذا اقتصر على قوله: إنه صحيح الإسناد ولم يذكر له علة ولم يقدح فيه فالظاهر منه الحكم له بأنه صحيح في نفسه؛ لأن عدم العلة والقادح هو الأصل والظاهر والله أعلم].\nوناقش ابن حجر تقييد ابن الصلاح الأخير ووجهه فقال في النكت (١/ ٤٧٤): [قلت: لا نسلم أن عدم العلة هو الأصل، إذ لو كان هو الأصل ما اشترط عدمه في شرط الصحيح، فإذا كان قولهم: صحيح الإسناد يحتمل أن يكون مع وجود العلة لم يتحقق عدم العلة، فكيف يحكم له بالصحة. وقوله: إن المصنف المعتمد إذا اقتصر ... الخ يوهم أن التفرقة التي فرقها أولًا مختصة بغير المعتمد وهو كلام ينبو عنه السمع، لأن المعتمد هو قول المعتمد وغير المعتمد لا يعتمد. والذي يظهر لي أن الصواب التفرقة بين من يفرق في وصفه الحديث بالصحة بين التقييد والإطلاق وبين من لا يفرق.\nفمن عرف من حاله بالاستقراء التفرقة يحكم له بمقتضى ذلك ويحمل إطلاقه على الإسناد والمتن معًا وتقييده على الإسناد فقط ومن عرف من حاله أنه لا يصف الحديث دائمًا وغالبًا إلا بالتقييد فيحتمل أن يقال في حقه ما قال المصنف آخرًا والله أعلم.]\nوكلام الحافظ مقيد بمن عرف حاله بالاستقراء ويحمل على الاستقراء التام، وأما الاستقراء الناقص أو من لم يعلم حاله فقد قال عنه ابن حجر: (فيحتمل أن","vol":"1","page":6},{"text":"يقال في حقه ما قال المصنف آخرا) والأقرب أن نعتمد ما قاله عنه ابن الصلاح أولا من التفرقة بين الإطلاق والتقييد فإنه لا تلازم بين الإسناد والمتن إذ قد يصح السند أو يحسن لاستجماع شرائطهما ولا يصح المتن لشذوذ أو علة وقد لا يصح السند ويصح المتن من طريق أخرى، ويؤيد ذلك أيضا أننا خالفنا ابن الصلاح واعتبرنا أن العلة في الحديث هي الأصل.\nقال طاهر الجزائري في توجيه النظر (١/ ٥٠٩) موضحًا للقول الأول الذي ذكره ابن الصلاح: [وقال بعض العلماء الذي لا يشك فيه أن الإمام منهم لا يعدل عن قوله صحيح إلى قوله صحيح الإسناد إلا لأمر ما وعلى كل حال فالتقييد بالإسناد ليس صريحا في صحة المتن أو ضعفه ويشهد لعدم التلازم ما رواه النسائي من حديث أبي بكر بن خلاد عن محمد بن فضيل عن يحيى بن سعيد عن أبي سلمة عن أبي هريرة تسحروا فإن في السحور بركة قال هذا حديث منكر وإسناده حسن وقد أورد الحاكم في مستدركه غير حدث يحكم على إسناده بالصحة وعلى المتن بالوهاء لعلته أو شذوذه وقد فعل نحو لك كثير من المتقدمين وممن فعل ذلك من المتأخرين الحافظ المزي فإنه تكرر منه الحكم بصلاحية الإسناد ونكارة المتن].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>قوله: (هو ما دَارَ) </span>أي ما يكون رواته في جميع الطبقات على ما وصف من العدالة والإتقان. وفي استعماله لهذه الكلمة نكتة لطيفة وهي أنه بذلك يبين شرطه في الصحيح وهو: ألا يوجد من بين رواته من ليس على ما وصف، وإيضاحه أن قوله دار من قولهم: (دَارَتِ) المسألة أي كلما تعلقت بمحلّ توقف ثبوت الحكم على غيره فينقل إليه ثم يتوقف على الأول وهكذا (١)، فلو انخرم تحقق الشرط في أحد الرواة لانقطع الدور.\nوهناك نكتة أخرى من استعماله هذا اللفظ، وهي ما في هذا اللفظ من إشعار بالاتصال على النحو المذكور، بمعنى أنه إذا تحقق الشرط المذكور من صفات الرواة فلا بد من تحقق تمام الدور والاتصال ليحكم بصحة الحديث.\n_________\n(١) - انظر المصباح المنير مادة (دار).","vol":"1","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>قوله: (على عَدْلً) </span>وفيه مسائل، والله نسأل السداد.\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>(تعريف العدالة:</span>\nالتعريف المشهور المتداول للعدالة هو تعريف ابن حجر، ولذا فإننا سوف نبدأ بذكره ونتوقف معه، قال ابن حجر في شرح النخبة (ص/٢٥): (والمراد بالعدل من له ملكة تحمله على ملازمة التقوى والمروءة. والمراد بالتقوى اجتناب الأعمال السيئة من شرك أو فسق أو بدعة)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>واعترض الصنعاني في \" ثمرات النظر في علم الأثر \" على هذا التعريف بعدة اعتراضات:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>الاعتراض الأول: عدم الملازمة بينه وبين التعريف اللغوي للعدالة:</span>\nقال الصنعاني (ص/٥٣: ٥٥): [تفسير العدالة بما ذكره الحافظ تطابقت عليه كتب الأصول وإن حذف البعض قيد الابتداع إلا أنهم الكل اتفقوا أنها ملكة إلى آخره وهذا ليس معناها لغة ففي القاموس العدل ضد الجور وهو إن كان كلامه في هذه الألفاظ قليل الإفادة لأنه يقول والجور نقيض العدل فيدور، وفي النهاية العدل الذي لا يميل به الهوى، وهو وإن كان تفسيرا للعادل فقد أفاد المراد في غيرها. العدل: الاستقامة، وللمفسرين في قوله تعالى) إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ)، أقوال في تفسيره قال الرازي بعد سرده للأقوال إنه عبارة عن الأمر المتوسط بين طرفي الإفراط والتفريط وهو قريب من تفسيره بالاستقامة، وقد فسر الاستقامة الصحابة وهم أهل اللغة بعدم الرجوع إلى عبادة الأوثان وأنكر أبو بكر ﵁ على من فسرها بعدم الإتيان بذنب وقال حملتم الأمر على أشده ...].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-14>الاعتراض الثاني: نقد العدالة بالملكة المذكورة:</span>\nوقال (ص/٥٥: ٥٨): [والحاصل أن تفسير العدالة بالملكة المذكورة ليس معناها لغة ولا أتى عن الشارع حرف واحد بما يفيدها والله تعالى قال في الشهود (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ) (مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء) وهو كالتفسير للعدل والمرضي من تسكن النفس إلى خبره ويرضى به القلب ولا يضطرب من خبره ويرتاب، ومنه) تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ) ... فالعدل من اطمأن القلب إلى خبره وسكنت النفس إلى ما رواه، وأما القول بأنه من له هذه الملكة التي هي كيفية راسخة تصدر عنها الأفعال بسهولة","vol":"1","page":8},{"text":"يمتنع بها عن اقتراف كل فرد من أفراد الكبائر وصغائر الخسة كسرقة لقمة والتطفيف بحبة تمرة والرذائل الجائزة كالبول في الطرقات وأكل غير السوقي فيه فهذا تشديد في العدالة لا يتم إلا في حق المعصومين وأفراد من خلص المؤمنين بل قد جاء في الأحاديث أن (كل بني آدم خطاؤون وخير الخطائين التوابون) (١) وأنه ما من نبي إلا عصى أو هم بمعصية فما ظنك عمن سواهم وحصول هذه الملكة في كل راو من رواة الحديث عزيز الحصول لا يكاد يقع ومن طالع تراجم الرواة علم ذلك وأنه ليس العدل إلا من قارب وسدد وغلب خيره شره ...].\nإلا أن الشيخ حاتم العوني في رسالته \" خلاصة التأصيل لعلم الجرح والتعديل \" لم يرتضِ هذا الاعتراض حيث قال: [تعريف العدالة (على الإطلاق): ملكة تحمل صاحبها على ملازمة التقوى والمروءة. وتعريف العدالة بتلك الملكة ليس عليه انتقاد في نظري؛ لأن تعريف العدالة بذلك ليس هو تعريف العدل، فمن كانت له تلك الملكة لا يلزم من اتصافه بها أن يكون معصومًا، فقد يخالف صاحب الملكة ملكته أحيانًا، وقد يتجاوز ذو السجية سجيته، وكما قيل في بيان ذلك: «لكل جواد كبوة، ولكل سيفٍ نبوة» وعليه: فإن لا أرى أن هناك فرقًا بين تعريف العدل بصاحب تلك الملكة وتعريفه بأنه: من كان الغالب عليه فعل الطاعات وترك المعاصي، أو بأنه: من غلب خيره شره.\nثم إن الملكات (والسجايا) تتفاوت في القوة والتمكن، فليس كل من كان الجود سجيته بلغ مبلغ حاتم الطائي، ولا كل من كانت التقوى والمروءة ملكةً له بلغ مبلغ أبي بكر وعمر ﵄. وهذا هو مقتضى اعتقاد أهل السنة والجماعة بأن الإيمان يزيد وينقص، وأن أصحابه فيه متفاوتون ... ثم قال: تعريف العدل: من كانت له ملكة تحمله على ملازمة التقوى والمروءة، وهو: المسلم العاقل البالغ السالم من أسباب الفسق وخوارم المروءة].\nوهذا التعقب على الاعتراض ليس بشيء؛ وذلك لأن من عَّرفَ العدالة بهذه الملكة، أو عرف العدل بمن له هذه الملكة، فقد قصد وجود ملزوم ذلك من ملازمة\n_________\n(١) - رواه الترمذي وابن ماجه والحاكم وغيرهم من حدث أنس، وحسنه الألباني.","vol":"1","page":9},{"text":"التقوى والمروءة، بمعنى أنه لكي يصح وصف صاحب هذه الملكة بالعدالة فلابد من أن تحمل صاحبها على ملازمة التقوى والمروءة، فإن اختل هذا الحمل فقد اختل وجود العدالة، وعلى قدر هذا الاختلال يكون الاختلال في الوصف بالعدالة، والمقصود هنا بيان العدالة التامة المطلقة التي هي شرط الصحة لا مطلق الاتصاف، ومن هنا يظهر وجه اعتراض الصنعاني، بالإضافة إلى ما ذكره من عدم وجود علاقة بين المعنى اللغوي للعدالة وتفسيرها بهذه الملكة؛ وعليه فإني أتوقف في قبول هذا التعقب على اعتراض الصنعاني. ...\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>الاعتراض الثالث: قبولهم رواية فاسق التصريح:</span>\nقال الصنعاني (ص/٩٥: ١٠٢): [الإشكال عليهم في قبول رواية الرافضي الساب للصحابة والناصبي الساب لعلي ﵁ مع عدهم السب للصحابة من الكبائر كما صرح به في جمع الجوامع وفي الفصول فإذا قبلوا فاعل الكبيرة وليس إلا لظن صدقه مع أن مرتكب الكبيرة فاسق تصريح لا تأويل، وقد سبق في تفسير العدالة أنه لا بد من السلامة منه وقد نقل الإجماع على عدم قبول قول فاسق التصريح كما في الفصول وغيره واستدل له صاحب الفصول بقوله تعالى (إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا) الآية، وأصاب في الاستدلال بها على ذلك لأنها نزلت في الوليد بن عقبة كما تطابق عليه أئمة التفسير وهو فاسق تصريح بشربه الخمر كما في صحيح مسلم، وذكره بشرب الخمر ابن عبد البر والذهبي ... وإذا تتبعت ما سلف علمت أن الآية دلت على أنه يتوقف في خبر الفاسق تصريحا لا يرد بل يقتضي البحث عما أخبر به لا رد خبره (١).\nفإن قلت قد وقع الإجماع على عدم قبول خبره ورده فيكف نافى الإجماع الآية قلت لا نسلم الإجماع كيف وهؤلاء أئمة الحديث رووا عن فساق التصريح الذين يسبون الشيخين ويسبون عليا وغيرهم وحينئذ فلا بد من تخصيص الكبائر في رسم العدالة بما عدا سب المسلم.\n_________\n(١) والآية تدل على جواز قبول خبره إن تبين صدقه، ورده إن كان كاذبا، فلا تعارض بينها وبين اختيار أن مدار العدالة على مظنة الصدق وعدم الكذب.","vol":"1","page":10},{"text":"ومن هنا تزداد بصيرة في أن رسم العدالة بذلك الرسم لا يتم في حق الرواة وأن المرجع ليس إلا في ظن الصدق فإن قلت قد أبطل الله تعالى شهادة القاذف فقال (وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا) والقذف كبيرة فيلحق به سائر الكبائر في عدم القبول لأخبار مرتكبها، قلت أما أولا فإنه قياس فاسد الوضع لمصادمته آية التبين.\nوثانيا إنه لا قياس لكبيرة على كبيرة لعدم معرفة الوجه الجامع وإلا لزم إيجاب حد القذف في كل كبيرة بالقياس عليه.\nفالحق أن القذف لعظم حرمة المؤمنات وهتك حجاب عفتهن كانت عقوبة القاذف شديدة في الدنيا بأمرين جلده ثمانين جلدة ثم إسقاطه عن قبول الشهادة ولو في حبة خردل فلا يحلق به غيره (١).\nفإن قلت وكيف يعرف أن المخبر يفيد خبره الظن فإنه إنما يعرف ذلك من خالط المخبر قلت ما يعرف به عدالة المخبرين الذين لم يلقهم المخبر له يعرف صدق المخبرين فإن معرفة أحوال الرواة من تراجمهم يفيد ذلك].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-16>الاعتراض الرابع: القصور في تعريف التقوى:</span>\nقال الصنعاني (ص/ ٤٧): [في رسم الحافظ للتقوى قصورا فإنها اجتناب المحرمات والإتيان بالواجبات وقد اقتصر على الفصل الأول من فصلي رسمها ومنهم من فسرها بالاحتراز عما يذم شرعا وهو صحيح شامل للأمرين].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>الاعتراض الخامس: العدالة والبدعة </span>(٢):\nقال الصنعاني (ص/٢٤: ٢٩): [قسم الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى البدعة في النخبة إلى قسمين: إلى ما يكون بمكفر أو بمفسق، واختار في شرحها أن الأول لا يكون قادحا في الراوي إلا إذا كان ردا لأمر معلوم من الدين ضرورة أو عكسه أي إثباتا لأمر معلوم بالضرورة أنه ليس منه وإنما فسرنا العكس بهذا لأن ذكر الاعتقاد لا دخل له في كون الفعل بدعة فلا بد من حمله على إثبات أمر ليقابل\n_________\n(١) - وهذه الآية في الشهادة، وقد فرق العلماء بين الشهادة والرواية من وجوه كثيرة، لعله يأتي بسطها في غير هذا الموضوع بإذن الله تعالى.\n(٢) - سوف يأتي للمؤلف كلامًا عن البدعة في آخر رسالته، وسوف أتكلم عليها هناك - إن شاء الله - بأوسع من ذلك، فاللهم بلغ، وسدد، واعن يا كريم.","vol":"1","page":11},{"text":"إنكار أمر فيكون إلماما بالأمرين اللذين هما مرجع البدعة ومنشؤها وهما النقص في الدين والزيادة فيه ... وكان حق العبارة أن يقول أو إثبات غيره أي إثباتا لأمر في الدين معلوم بالضرورة أنه ليس منه قلت إلا أنه لا يخفى أنه من كان بهذه الصفة فهو كافر لرده ما علم من الدين ضرورة وإثباته ما ليس منه ضرورة وكلا الأمرين كفر وإنه تكذيب للشارع وتكذيبه في أي أمر علم من الدين ضرورة إثباته أو نفيه كفر فهذا ليس من محل النزاع إذ النزاع في مجرد الابتداع لا في الكافر الكفر الصريح فلا نزاع فيه وإذا كان من هو بهذه الصفة فقد جاوز رتبة الابتداع إلى أشر منه وأنه لا يرد من أهل ذلك القسم إلا هذا عرفت أنه لا يرد أحد من أهل هذا القسم وأن كل مبتدع مقبول وأما ما يكون ابتداعه بمفسق فقد اختاره لنفسه ونقله عن الجماهير أنه يقبل ما لم يكن داعية وحينئذ فرده لأجل كونه داعية إلى بدعته لا لأجل بدعته فتحصل من هذا أن كل مبتدع مقبول سواء كان بمكفر أو بمفسق واستثناؤه لمن رد ما علم فاثبت من الدين ضرورة أو زاد فيه ما ليس بضرورة ليس لأجل بدعته بل لرده وإثباته ما ليس من الدين ضرورة وكذا رد الداعية لأجل دعوته لا لأجل بدعته والكل ليس من محل النزاع، ثم لا يخفى أن الحافظ وأهل مذهبه لا يرون التكفير بالتأويل فكأنه قسم البدعة على رأي غيره ... انتهى\nثم قال: مسألة قبول كافر التأويل وفاسقه:\nوهذه هي مسألة قبول كافر التأويل وفاسقه وقد نقل صاحب العواصم إجماع الصحابة على قبول فساق التأويل من عشر طرق في كتبه الأربعة ونقل أدلة غير الإجماع واسعة إذا عرفت هذا فحق عبارة النخبة أن يقال ونقبل المبتدع مطلقا إلا الداعية]\nثم قال (ص/٥٢ - ٥٣): [قال في الزواجر وقد عد شيخ الإسلام الصلاح العلائي في قواعده والجلال البلقيني وغيرهما البدعة من الكبائر ولفظ الجلال البلقيني في تعداد الكبائر السادسة عشرة البدعة وهي المراد بترك السنة. إذا عرفت هذا فلا يخلو إما أن يقول قائل: المبتدع عدل وإن ابتداعه لا يخل بعدالته فهذا رجوع عن رسم العدالة بما ذكره فهذه الأحاديث وأقوال العلماء منادية على أن الابتداع من الكبائر وقد رسموا الكبيرة بما توعد عليه بخصوصه وهو صادق على","vol":"1","page":12},{"text":"البدعة، ومن هنا ينقدح لك أن من حذف البدعة من رسم العدالة فلدخولها في لفظ الكبائر المذكورة في الرسم أو يقول إنها تخل بالعدالة فهذا يعود على شرطية العدالة في الراوي بالنقض].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>المبتدع الداعية إلى بدعته:</span>\nقال (ص/١٠٣: ١٠٥): [سبقت الإشارة إلى أنهم قد استثنوا من المبتدعة الداعية فقالوا ولا يقبل خبره قال في التنقيح فإن قلت ما الفرق بين الداعية وغيره عندهم قلت ما أعلم أنهم ذكروا فيه شيئا ولكن نظرت فلم أجد غير وجهين: أحدهما أن الداعية شديد الرغبة في استمالة قلوب الناس إلى ما يدعوهم إليه فربما حمله عظيم ذلك على تدليس أو تأويل. الوجه الثاني أن الرواية عن الداعية تشتمل على مفسدة وهي إظهار أهليته للرواية وأنه من أهل الصدق والأمانة وذلك تغرير لمخالطته وفي مخالطة من هو كذلك للعامة مفسدة كبيرة قلت وهذا الوجه الآخر قد أشار إليه أبو الفتح القشيري نقله عنه الحافظ ابن حجر ثم قال في التنقيح والجواب عن الأول أنها تهمة ضعيفة لا تساوي الورع أي المانع الشرعي الذي يمنع ذلك المبتدع المتدين من الفسوق في الدين وارتكاب دناءة الكذب. الذي يتنزه عنه كثير من الفسقة المتمردين كيف والكاذب لا يخفى تزويره وعما قليل ينكشف تدليسه وتغريره ويفهمه النقاد وتتناوله ألسنة أهل الأحقاد وأهل المناصب الرفيعة يأنفون من ذلك فكيف إذا كانوا من أهل الجمع بين الصيانة والديانة. وقد احتجوا بقتادة لما قويت عندهم عدالة أمانته وهو داعية على أصولهم إلى بدعة الاعتزال. قال الإمام الذهبي في التذكرة كان يرى القدر ولم يكن يقنع حتى كان يصيح به صياحا. ثم قال صاحب التنقيح والجواب عن الثاني أنا نقول إما أن يقوم الدليل الشرعي على قبولهم أو لا إن لم يدل على وجوب قبولهم لم نقبلهم دعاة كانوا أو غير دعاة وإن دل على وجوب القبول لم يصلح ما أورده مانعا من امتثال الأمر ولا مسقطا انتهى\nفعلمت من هذا كله قبول من لم يتهم بالكذب وعدم شرطية العدالة بالمعنى الذي أرادوه وهو أنه لا يرد من المبتدعة إلا من أجاز الكذب لنصرة مذهبه كالخطابية]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>إخراج الشيخان لبعض المبتدعة:</span>\nوقال (ص/٨٥: ٩٣): [وفي البخاري من المبتدعة أمم لا يحصون وفي","vol":"1","page":13},{"text":"غيره من الأمهات وناهيك أنه أخرج لعمران بن حطان الخارجي المادح لقاتل علي ﵁ بالأبيات المشهورة السائرة وأخرج البخاري وأبو داود والترمذي لعمران بن مسلم القصير قال يحيى القطان كان يرى القدر وهو مستقيم الحديث وأخرج الستة للفضل بن دكين وهو شيعي وأخرج الستة لأبي معاوية الضرير قال الحاكم احتجا به وقد اشتهر عنه الغلو قال الإمام الذهبي غلو التشيع وقد وثقه العجلي وأخرجوا أيضا لعدي بن ثابت وقد قال فيه ابن معين شيعي مفرط وقال الدارقطني رافضي غال وأخرج البخاري لإبراهيم بن طهمان وقد رموه بالإرجاء وأخرج البخاري لإسماعيل بن أبان وهو أحد شيوخه قال الجوزجاني كان مائلا عن الحق ولم يكن يكذب في الحديث قال ابن عدي يعني ما عليه الكوفيون من التشيع قال الحافظ ابن حجر الجوزجاني كان ناصبيا منحرفا عن علي فهو ضد الشيعي المنحرف عن عثمان والصواب موالاتهم جميعا ولا ينبغي لنا تسمع قول مبتدع في مبتدع انتهى.\nوأخرج الشيخان لأيوب بن عايذ بن مدلج وثقة ابن معين وأبو حاتم والنسائي والعجلي وأبو داود وزاد أبو داود وكان مرجئا وقال البخاري وكان يرى الإرجاء إلا أنه صدوق وأخرج البخاري والترمذي والنسائي ليحيى بن صالح الوحاظي (١) الحمصي وثقه ابن معين وأبو اليمان قال إسحاق بن منصور كان مرجئا إذا عرفت هذا فهؤلاء جماعة بين مرجئ وقدري وشيعي وناصبي غال وخارجي أخرجت أحاديثهم في الصحيحين وغيرهما ووثقوا كما سمعت وهم قطرة من رجال الكتب الستة الذين لهم هذه البدع وحكموا بصحة أحاديثهم مع الابتداع الذي ليس وراءه وراء وهل وراء بدعة الخوارج من شيء فهو دليل ناهض على إجماعهم على أن عمدة قبول الرواية وعلتها حصول الظن بصدق الراوي وعدم تلوثه بالكذب ألا ترى قول مالك في جماعة لا عدالة لهم كانوا لئن يخروا من السماء إلى الأرض أسهل عليهم من أن يكذبوا فما لاحظ إلا ظنه بصدقهم وقول من قال في إسماعيل بن أبان كان مائلا عن الحق إلا أنه كان لا يكذب في الحديث.\n_________\n(١) بالأصل: أبو حائطي، والتوصيب من كتب التراجم.","vol":"1","page":14},{"text":"مناقشة غريبة:\nوكذا توثيقهم لجميع من سمعت مع ذكرهم لعظائم بدعهم ما ذاك إلا لأن المدار على ظن الصدق لا غير وكفاك بقول الحافظ ابن حجر إنه لا أثر للتضعيف مع ظن الصدق والضبط وإذا عرفت هذا اتضح لك ما في رسم الصحيح والحسن من الاختلال حيث أخذوا عدالة الراوي شرطا فيهما وفسروا العدالة بما لا بدعة معه ووصلوا إلى محل التصحيح والتحسين فحكموا على أحاديث المبتدعة بهما وقد أطبقت على تلك الشريطة كتب أصول الحديث وكتب أصول الفقه حتى إنه لم يستدل ابن الحاجب في مختصر المنتهى ولا من تابعه كمؤلف نهاية السؤل وشرحها على شرطية العدالة في الراوي وإنما اشتغلا بتفسيرها كأن شرطيتها أمر قد علم من الدين ضرورة]\n(ومما يؤيد ما قاله أيضًا إخراج الأئمة في دواوين السنة لبعض المبتدعة فيما يتعلق ببدعتهم، فقد روى الإمام أحمد ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه: عن عدي بن ثابت عن زر قال: قال علي بن أبي طالب (﵁): والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنّه لعهد النبي الأمّي (ﷺ) إليّ أنّ لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق.\nوعدي بن ثابت: قال عنه الذهبي في الكاشف: ثقة، لكنه قاص الشيعة وإمام مسجدهم بالكوفة.\n(... وللشيخ عبد الله السعد تحقيق لطيف حول مبحث العدالة، وعلاقتها بالبدعة، انقل عبارته لأهميتها قال: [فأما ما يتعلق بالعدالة: فالعدالة هي: \" الاستقامة \" وهذه الاستقامة مرجعها إلى الاعتقاد والأقوال والأعمال. فلا بد أن يكون الاعتقاد والأقوال والأعمال مستقيمة حتى يكون هذا الراوي مستقيمًا وعدلًا. لكن أحيانًا قد تتخلف بعض هذه الأشياء ومع ذلك لا يضر هذا الراوي فيما يتعلق بالحكم عليه من حيث الثقة وعدم ذلك.\nفمثلًا المبتدع إذا لم تكن بدعته بدعة كبرى تخرجه من الملة. فهذا لا ينافي أن يحكم عليه بالثقة. وذلك أنه إذا كان صادقًا وكان حافظًا وضابطًا، فهذا لا يمنع من إطلاق الثقة عليه وإن كان هو ليس بعدل فيما يتعلق بالاعتقاد وذلك بسبب","vol":"1","page":15},{"text":"بدعته لأن هذا ليس له علاقة في الحكم على الراوي من حيث الثقة وعدمها.\nتلك الثقة التي تدعونا لقبول الإسناد وعدم رده. ولذلك أهل العلم وثقوا كثيرًا من الرواة ممن وصف ببدعة وقبلوهم في مجال الرواية وصححوا أحاديثهم.\nمثال ذلك: محمد بن إسحاق بن خزيمة ﵀، قال في صحيحه: \" حدثنا عباد بن يعقوب الرواجني الثقة في حديثه، المتهم في دينه (١) \" ففرق ما بين توثيقه في حديثه وما بين اعتقاده فقال: \" المتهم في دينه \" وذلك أنه متهم بالتشيع، ففي الحقيقة أن البدعة لا يرد بها الخبر مطلقًا على القول الصحيح، سواءً كان هذا الراوي روى فيما يؤيد بدعته أو فيما لا يؤيد بدعته. وقد اختلف أهل العلم في هذه المسألة على ثلاثة أقوال (٢):\nالقول الأول: رد رواية المبتدع مطلقًا. وأن الراوي المبتدع لا يقبل في مجال الرواية، وبالتالي لا يصح خبره ولا يقبل.\nوهذا القول يذهب إليه أحيانًا \" أبو حاتم بن حبان البستي \" صاحب الصحيح وهناك أمثلة على تضعيفه لبعض الرواة الثقات من أجل بدعتهم. فمثلًا أنه ضعف \" حريز بن عثمان الرحبي\" وهو ثقة ثبت وإنما الذي دعاه إلى تضعيفه، هو ما يتعلق ببدعته ألا وهى بدعة النصب، فلذلك ذهب إلى تضعيفه مع أنه ثقة ثبت وممن يذهب إلى ذلك أبو إسحاق إبراهيم ابن يعقوب الجوزجاني وخاصة فيمن وصف بالتشيع، فكان يرد حديث من هو موصوف بذلك. إلا نفرًا من الرواة ممن اشتهروا بالحفظ والضبط كأبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، وسليمان بن مهران الأعمش مع أنه حاول أن يرد أحاديثهم، ثم قبلهم.\n_________\n(١) - ولفظ ابن خزيمة: (المتهم في رأيه الثقة في حديثه).\n(٢) - وقد وصل بها أبو بكر كافي قي رسالته منهج الإمام البخاري في تصحيح الأحاديث وتعليلها (من خلال الجامع الصحيح) والتي أعدها لنيل درجة الماجستير، من جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية بقسنطينة الجزائر، والتي طبعت بدار ابن حزم إلى خمسة أقوال، وزاد: تقبل رواية المبتدع إذا كان مرويه مما يشتمل على ما ترد به بدعته، وذلك لبعده حينئذ عن تهمة الكذب 'تقبل روايته إذا كانت بدعته صغرى، وإذا كانت كبرى فلا تقبل. ولعل الله عزوجل يمن بعرض أدلة هذه الأقوال بأوسع من ذلك عند محله من الموقظة.","vol":"1","page":16},{"text":"القول الثاني: هو التفصيل: فإذا كان هذا الراوي روى حديثًا يؤيد بدعته فهنا لا يقبل، وأما إذا روى حديثًا لا يؤيد بدعته فيقبل، وهذا التفصيل قال به إبراهيم بن إسحاق الجوزجاني كذلك، واختاره كثير من المتأخرين ومنهم الحافظ ابن حجر العسقلاني ﵀.\nالقول الثالث: أن البدعة لا تؤثر على الراوي. إذا ثبت أنه حافظ ضابط وصادق ليس بكاذب، وهذا قول جمهور النقاد، جمهور المتقدمين وعلى رأسهم\" الإمام علي ابن المديني ويحيى بن معين ويحيى بن سعيد القطان\" وغيرهم، وعلى هذا المذهب البخاري ومسلم والترمذي والنسائي\" وغيرهم من أهل العلم بالحديث.\nومن ذلك: أن مسلم بن الحجاج - ﵀ - خرج من طريق عدي بن ثابت عن زر بن حبيش عن علي بن أبي طالب ﵁، قال: \" إنه لعهد النبي الأمي إلى أنه لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق \" وعدي بن ثابت\" موصوف بأنه قاص الشيعة. ولا شك أن هذا الحديث قد يكون فيه تأييد لبدعته. وهو لا يدل على ذلك. ومع ذلك خرج الإمام مسلم هذا الحديث له من طريقه ... فأقول إن القول الثالث هو القول الصحيح لأنه:\nأولًا: قول المتقدمين من أهل العلم بالحديث.\nثانيًا: أنه الذي جرى عليه العمل.\nثالثًا: أنه الذي يدل عليه الدليل وذلك أنا قد وثقنا هذا الراوي فيما يتعلق بضبطه وحفظه (١)، ولم نجد له حديثًا منكرا. فحكمنا على هذا الراوي أنه ثقة إذًا علينا أن نقبل روايته سواء كانت هذه الرواية تتعلق ببدعته أو لا وأما القول بأن الراوي إذا روى حديثًا يؤيد بدعته أنه يرد حديثه وإذا روى حديثا لا يؤيد بدعته فإنه يقبل حديثه، فهذا قول فيه تناقض وتدافع، وذلك لأنك قد حكمت عليه بأنه ثقة فيلزم من هذا قبولك لحديثه، وإما إذا رددت حديثه فيما يؤيد بدعته فهذا مصير منك إلى عدم القول بثقته، وإلى الشك في ثقته، وإلى إمكان كذبه وإتيانه بشيء\n_________\n(١) - لاحظ أن العدالة الدينية هي الاستقامة في الدين، واما العدالة في الرواية فهي تتعلق بحفظ الرواة وضبطهم لما يرونه، وهي المقصودة هنا.","vol":"1","page":17},{"text":"يؤيد بدعته، إذن لم تثبت لك ثقة هذا الراوي، وقد حكمت قبل ذلك بأنه ثقة فهذا القول ضعيف وليس بصحيح وهذا ما يتعلق بمسألة العدالة ...].\nوقال أبو بكر كافي في رسالته منهج \"الإمام البخاري في تصحيح الأحاديث وتعليلها من خلال الجامع الصحيح\" (ص/١٠٣: ١٠٦) بعد أن عرض الأقوال الخمسة التي وقف عليها في حكم الرواية عن أهل البدع: [بعد أن سردت أقوال الأئمة ومذاهبهم في الرواية عن أهل البدع والأهواء، فقد تبين أن مذاهبهم متباينة جدًا. امتزجت فيها أقوال المحدثين بآراء علماء الكلام والأصول. فلا بد من استجلاء الموقف العملي للمحدثين من خلال مصنفاتهم، ومن هؤلاء الإمام البخاري - ﵀ - فكيف تعامل مع روايات أهل البدع في صحيحه؟\nإذا تأملنا رجال البخاري - ﵀ - نجد جملة كبيرة منهم قد رموا ببدع اعتقاية مختلفة وقد أورد الحافظ في \" هدي الساري \" (١) من رمي من رجال البخاري بطعن في الاعتقاد فبلغوا (٦٩) راويًا، ومن خلال التتبع لهؤلاء الرواة يمكن أن نستخلص المعايير التي اعتمدها البخاري في الرواية عن أهل البدع ويمكن أن نجملها في النقاط التالية:\n- ... ليس فيهم من بدعتهم مكفرة.\n- ... أكثرهم لم يكن داعية إلى بدعته، أو كان داعية ثم تاب (٢).\n- ... أكثر ما يروي لهم في المتابعات والشواهد.\n- ... أحيانًا يروى لهم في الأصول لكن بمتابعة غيرهم لهم.\n- ... كثير منهم لم يصح ما رموا به.\nإذن فالعبرة إنما هي صدق اللهجة، وإتقان الحفظ، وخاصة إذا انفرد المبتدع بشيء ليس عند غيره.\nوما ذهب إليه البخاري هو مذهب كثير من المحدثين، ومن هؤلاء تلميذه وخريجه الإمام مسلم، فقد روى في صحيحه عن أهل البدع والأهواء المعروفين\n_________\n(١) - هدي الساري (ص/٤٨٣ - ٤٨٤).\n(٢) - انظر ترجمة: عمران بن حطان في هدي الساري ص٤٠٤، وترجمة شبابة بن سوار في الهدي ص٤٦٩، وترجمة: عبد الحميد بن عبدالرحمن الحماني في الهدي ص٤٣٧.","vol":"1","page":18},{"text":"بالصدق والإتقان، وخاصة إذا انضم إلى ذلك الورع والتقوى، وما ذهب إليه الشيخان هو رأي أكثر الأئمة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وإنما توقف من توقف منهم في الرواية عن أهل البدع إما لأنه لم يتبين لهم صدقهم، أو أرادوا محاصرة البدعة وإخمادها حتى لا تفشوا، ولكن شاء الله تعالى أن تكثر البدع وتفشو، وتبناها كثير من العلماء والفقهاء والعباد فلم يكن من المصلحة ترك رواياتهم، لأن في تركها، اندراسًا للعلم، تضييعًا للسنن. فكانت المصلحة الشرعية تقتضي قبولها ما داموا ملتزمين بالصدق والأمانة. قال الخطيب البغدادي - بعد أن ذكر أسماء كثير من الرواة احتج بهم وهم منسوبون إلى بدع اعتقادية مختلفة: \". دون أهل العلم قديمًا وحديثًا رواياتهم واحتجوا بأخبارهم، فصار ذلك كالإجماع منهم، وهو أكبر الحجج في هذا الباب وبه يقوى الظن في مقارنة الصواب \" (١).\nوقال علي بن المديني: \" لو تركت أهل البصرة لحال القدر، ولو تركت أهل الكوفة لذلك الرأي خربت الكتب \" (٢).]\n(وعليه فالأظهر، والمعمول به في الصحيحين وغيرهما من دواوين السنن أن المبتدع، روايته مقبولة إذا كان معروفا بالصدق والأمانة، لم يظهر عليه ولم يكن من مذهبه استحلال الكذب، فهذا تقبل روايته كما خرج الشيخان لمثل هذه الطائفة، حتى وإن روى ما يؤيد بدعته، فإن الراجح والمعمول به قبول روايته أيضًا إن كان على النحو السابق؛ وعليه فالأنسب حذف قيد السلامة من البدع في رسم عدالة الرواة.\nفإن قيل أن البدع تدخل في الكبائر قيل: بل إن جنس البدع أعظم جرما من جنس الكبائر لما فيها من افتئات واستدراك على الشرع بالزيادة والنقص، إلا أن هذا لا يمنع من أن تكون بعض البدع أخف من بعض الكبائر فالكلام على الجنس. حتى أنه وإن قيل إن البدع لا تقاس على الكبائر لما فيها من نوع شبهة تأويل لما بَعُد ذلك؛ وعليه فدخول البدع في حكم المعاصي لا يصح لما بينهما من الفروق، وقد أوضحت ذلك في بحث البدعة عند الكلام على أقسام البدع.\n_________\n(١) - الكفاية ص١٥٣ - ١٥٤.\n(٢) - المصدر نفسه ص١٥٧.","vol":"1","page":19},{"text":"وإنما ذهبنا إلى قبول رواية المبتدعة للمصلحة في رواية السنة فقد انتشرت البدع من التشيع والنصب ونحوهما في عصر التابعين، وتابعيهم، ولو رددنا رواية المبتدعة لذهب جُلّ السنة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>(تعريفات أخرى للعدالة:</span>\nتعريف الغزالي:\nقال في المستصفى (ص/١٢٥): [والعدالة عبارة عن استقامة السيرة والدين ويرجع حاصلها إلى هيئة راسخة في النفس تحمل على ملازمة التقوى والمروءة جميعا حتى تحصل ثقة النفوس بصدقه، فلا ثقة بقول من لا يخاف الله تعالى خوفا وازعا عن الكذب. ثم لا خلاف في أنه لا يشترط العصمة من جميع المعاصي. ولا يكفي أيضا اجتناب الكبائر بل من الصغائر ما يرد به كسرقة بصلة وتطفيف في حبة قصدا. وبالجملة كل ما يدل على ركاكة دينه إلى حد يستجرئ على الكذب بالأعراض الدنيوية، كيف وقد شرط في العدالة التوقي عن بعض المباحات القادحة في المروءة نحو الأكل في الطريق والبول في الشارع وصحبة الأراذل وإفراط المزح؟ والضابط في ذلك فيما جاوز محل الإجماع أن يرد إلى اجتهاد الحاكم، فما دل عنده على جراءته على الكذب رد الشهادة به وما لا فلا، وهذا يختلف بالإضافة إلى المجتهدين، وتفصيل ذلك من الفقه لا من الأصول.]\nتعريف ابن النجار الحنبلي:\nقال ابن النجار في شرح الكوكب المنير (ص/٢٧٢): [(وهي) أي العدالة في اللغة: التوسط في الأمر من غير زيادة ولا نقصان، وهي في اصطلاح أهل الشرع (صفة) أي كيفية نفسانية، وتسمى قبل رسوخها حالا (راسخة في النفس) أي نفس المتصف بها (تحمله) على ملازمة التقوى والمروءة، وتحمله أيضا على (ترك الكبائر).]\nتعريف ابن السمعاني:\nقال ابن السمعاني: [لابد في العدل من أربع شرائط: المحافظة على فعل الطاعة، واجتناب المعصية، وأن لا يرتكب من الصغائر ما يقدح في دين أو","vol":"1","page":20},{"text":"عرض، وأن لا يفعل من المباحات ما يسقط القدر ويُكسبُ الندم، وأن لا يعتقد من المذاهب ما يردُّهُ أصول الشرع] (١).\nتعريف المرتضى الزيدي:\nقال المرتضي في البحر الزخار (٦/ ٥٠): [العدالة هي ملازمة التقوى والمروءة].\nتعريف ابن الحاجب:\nقال ابن الحاجب: [هي محافظة دينية تحمل على ملازمة التقوى والمروءة، ليس معها بدعة، وتتحقق باجتناب الكبائر، وترك الإصرار على الصغائر، وبعض الصغائر، وبعض المباح] (٢).\n\n(ونختم بتعريف الإمام الشافعي الذي استحسنه الصنعاني حيث قال في ثمرات النظر (ص/٧٢ - ٧٣): [وقد قال الشافعي في العدالة قولا استحسنه كثير من العقلاء من بعده قال لو كان العدل من لم يذنب لم نجد عدلا ولو كان كل ذنب لا يمنع من العدالة لم نجد مجروحا ولكن من ترك الكبائر وكانت محاسنه أكثر من مساوئه فهو عدل انتهى (٣). قلت: وهذا قوله حسن ويؤيده أن أهل اللغة فسروا العدل بنقيض الجور وليس الجور عبارة عن ملكة راسخة توجب إتيان كل معصية ولا الجائر لغة كل من يأتي معصية بل من غلب جوره على عدله]\n_________\n(١) - نقلا عن رسالة: الأصل في الناس الجهالة لا العدالة للردادي، وعزاه لـ: \"إرشاد الفحول\" (١/ ٢٦٤)، وانظر: \"مقدمة ابن الصلاح\" (١٠٥ - ١٠٦)، و\"مذكرة أصول الفقه\" (ص٢٠٤).\n(٢) - نقلا عن المنهج الحديث للسماحي - قسم الرواة (ص/٥٥، ٥٦).\n(٣) - وروى عنه الخطيب بسنده في الكفاية (ص/٩٠): عن البويطى قال: قال الشافعي لا اعلم أحدا أعطى طاعة الله حتى لم يخلطها بمعصية الله إلا يحيى بن زكريا ﵇ ولا عصى الله فلم يخلط بطاعة فإذا كان الأغلب الطاعة فهو المعدل وإذا كان الأغلب المعصية فهو المجرح.","vol":"1","page":21},{"text":"ثم قال في نهاية رسالته (ص/١٥١) مبينا أن العدالة التي تشترط في الراوي لقبول روايته ما هي إلا ظن صدقه وعدم كذبه: [لا يشترط في قبول الرواة إلا ظن صدق الراوي وضبطه ولا يرد إلا بكذبه وسوء حفظه ونحوهما وأن هذا شرط متفق عليه بين كل طائفة والخلاف في القدح، وما عداه قد أقمنا الأدلة على أنه لا قدح به في الرواية].\nوقد روى الخطيب في الكفاية (ص/ ٩٠) بعض الآثار مما يؤيد ذلك منها: وقال سمعت مالك بن أنس يقول سمعت الزهرى يقول سمعت سعيد بن المسيب يقول ليس من شريف ولا عالم ولا ذي سلطان إلا وفيه عيب لا بد ولكن من الناس من لا تذكر عيوبه، من كان فضله أكثر من نقصه وهب نقصه لفضله.\n\nوقد لاح لك مما سبق أن الصواب عدم اعتبار أن سب المسلم من القوادح في العدالة الخاصة بالرواية، وأيضا أنه لا يشترط الخلو من البدعة في رسم العدالة، وأن مدار العدالة على مظنة صدق الرواي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>شروط أخرى للعدالة: </span>...\nوسوف نناقش الشروط الأخرى التي وضعها العلماء للعدالة، وبيان الموقف الصحيح منها، وقد بحث الشيخ أبو بكر كافي في رسالته \" منهج الإمام البخاري\" هذه الشروط، وإليك ملخص ما قاله مع بعض التصرف والزيادة حسبما يقتضي الحال (١)، والله الموفق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-22>أولًا: الإسلام:</span>\nلا تقبل رواية الكافر يهوديا كان، أو نصرانيا، أو غيرهما إجماعًا. وقد حكى الإجماع على ذلك الغزالي في المستصفى (٢) والرازي في المحصول (٣) وغيرهما.\n_________\n(١) وانظر رسالته من (ص ٧٥): (ص ٩٧)\n(٢) المستصفى من علم الأصول - دار الفكر - بيروت - ج١ ص١٥٦.\n(٣) المحصول في علم أصول الفقه ج٢ ص٥٦٧.","vol":"1","page":22},{"text":"قال الخطيب البغدادي: \" ويجب أن يكون وقت الأداء مسلمًا لأن الله تعالى قال: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ وإن أعظم الفسق الكفر، فإن كان خبر الفاسق مردودًا (١) مع صحة اعتقاده فخبر الكافر بذلك أولى (٢) فالإسلام إذا شرط عند الأداء والتبليغ وليس شرطًا عند التحمل فيصح تحمل الكافر \" وقد ثبت روايات كثيرة لغير واحد من الصحابة كانوا حفظوها قبل إسلامهم وأدوها بعده \" (٣).\nوأضرب أمثلة على ذلك من صحيح البخاري - ﵀ -:\n١) رواية محمد بن جبير عن أبيه قال: سمعت النبي ﷺ يقرأ في المغرب بالطور وذلك أول ما وقر الإيمان في قلبي \" (٤)\nقال الحافظ: واستدل به على صحة أداء ما تحمله الراوي في حال الكفر، وكذا الفسق إذا أداه في حال العدالة \" (٥).\n٢) حديث أبي سفيان بقصة هرقل (٦) التي كانت قبل إسلامه فقد رواها البخاري في صحيحه كاملة في كتاب بدء الوحي ثم قطعها في مواضع كثيرة مستنبطًا منها في كل مرة حكمًا فقهيًا أو فائدة جديدة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>ثانيًا: البلوغ:</span>\nهذا الشرط يتعلق بحالتين من حالات الراوي: حالة السماع والتحمل، ثم حالة الأداء والرواية.\nولقد تنازع العلماء والمحدثون قديمًا في ذلك، فمنهم من اشترط سنًا معينًا للتحمل، ومنهم من صحح سماع الصغير. وقد ذكر هذا الخلاف الخطيب البغدادي في الكفاية فقال: \" قل من كان يكتب الحديث - على ما بلغنا - في عصر التابعين\n_________\n(١) والآية لا تدل على أن خبر الفاسق مردود إلا إن حمل على الكاذب، وإنما مقصود الآية التوقف في خبر الفاسق حتى يتبين صدقه.\n(٢) الكفاية في علم الرواية ص٩٩.\n(٣) المصدر نفسه.\n(٤) البخاري في كتاب المغازي، باب شهود الملائكة بدرًا (٤/ ١٤٧٥) (٣٧٩٨).\n(٥) فتح الباري ج٢ ص٢٩٠.\n(٦) رجه البخاري في كتاب بدء الوحي، باب ٦ حديث رقم (٧)، ج١ ص٤٢ - ٤٤ مع الفتح.","vol":"1","page":23},{"text":"وقريبًا منه إلا من جاوز حد البلوغ، وصار في عداد من يصلح لمجالسة العلماء ومذاكرتهم، وسؤالهم. وقيل إن أهل الكوفة لم يكن الواحد منهم يسمع الحديث إلا\nبعد استكماله عشرين سنة، ويشتغل قبل ذلك بحفظ القرآن وبالتعبد.\nوقال قوم: الحد في السماع خمس عشرة سنة، وقال غيرهم: ثلاث عشرة، وقال جمهور العلماء: يصح لمن سنه دون ذلك، وهذا هو عندنا الصواب \" (١).\nوقد ذهب الإمام البخاري - ﵀ - في صحيحه إلى صحة سماع الصغير قبل البلوغ، وقد ترجم لهذه المسألة في كتاب العلم بقوله: \"باب متى يصح سماع الصغير؟ \" وأورد فيه حديثين:\nأولهما: حديث ابن عباس قال:\" أقبلت راكبًا على أتان، وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام، ورسول الله ﷺ يصلي بمنى إلى غير جدار، فمررت بين يدي بعض الصف، وأرسلت الأتان ترتع، فدخلت في الصف، فلم ينكر لك علي\" (٢).\nوثانيهما: حديث محمود بن الربيع قال: \" عقلت من النبي ﷺ مجة مجها في وجهي وأنا ابن خمس سنين من دلو \" (٣).\nوقال العلامة العيني: \" ومراده (أي بهذه الترجمة) الاستدلال على أن البلوغ ليس شرطًا في التحمل \" (٤).\nومن المحدثين من قيده بخمس سنين. قال ابن الصلاح - ﵀ -: \" والتحديد بخمس هو الذي استقر عليه عمل أهل الحديث من المتأخرين ... والذي ينبغي في ذلك أن يعتبر في كل صغير حاله على الخصوص، فإن وجدناه مرتفعًا عن حال من لا يعقل فهمًا للخطاب وردًا للجواب ونحو ذلك صححنا سماعه، وإن كان دون خمس. وإن لم يكن كذلك لم نصحح سماعه وإن كان ابن خمس بل ابن\n_________\n(١) الكفاية في علم الرواية ص٧٣.\n(٢) أخرجه البخاري في كتاب العلم، باب متى يصح سماع الصغير حديث رقم (٧٦) ج١ ص٢٠٥.\n(٣) أخرجه البخاري في كتاب العلم، باب متى يصح سماع الصغير حديث رقم (٧٧) ج١ ص٢٠٧.\n(٤) عمدة القاري شرح صحيح البخاري ج٢ ص٦٨.","vol":"1","page":24},{"text":"خمسين \" (١).\nوقال - الإمام الذهبي - ﵀ -: \" واصطلح المحدثون على جعلهم سماع ابن خمس سنين سماعًا، وما دونها حضورًا، واستأنسوا بأن محمودًا عقل مجة، ولا دليل فيه (٢)، والمعتبر إنما هو أهلية الفهم والتمييز \" (٣).\nوما اختاره ابن الصلاح والذهبي - رحمهما الله - هو المختار إن شاء الله، وعليه يدل صنيع الإمام البخاري في صحيحه فقد أخرج أحاديث مجموعة من الصحابة ممن تحملوا في صباهم كابن عباس، ومحمود بن الربيع، وأنس بن مالك، والنعمان بن بشير، وعائشة، ونحوهم وهؤلاء سمعوا وهم دون البلوغ، وأخرج لمن دونهم في السن كالسبطين الحسن والحسين ﵄.\nفالمحققون من أهل العلم على عدم اعتبار تحديد سن معين بل المعتبر عندهم هو العقل والتمييز (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>ثالثًا: العقل:</span>\nوهو من شروط العدالة المجمع عليها، حكى الإجماع على ذلك الخطيب البغدادي وغيره من العلماء (٥) قال ﵀: \" وأما الأداء بالرواية فلا يكون صحيحًا يلزم العمل به إلا بعد البلوغ، ويجب أيضًا أن يكون الراوي في وقت أدائه عاقلًا مميزًا، والذي يدل على وجوب كونه بالغًا عاقلًا، ما أخبرنا القاضي أبو عمر والقاسم بن جعفر قال ثنا محمد بن أحمد اللؤلؤي، قال ثنا أبو داود قال ثنا موسى بن إسماعيل قال ثنا وهيب عن خالد عن أبي الضحى عن علي عن النبي ﷺ قال: \" رفع القلم عن ثلاثة، عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى\n_________\n(١) علوم الحديث ص١١٧.\n(٢) أي لا يلزم من عقل المجة عقل غيرها مما يسمعه فالمجة شئ حسي بسيط بخلاف تحمل الحديث فإنه مركب من ألفاظ ومعان ذات نسق معين، قد لا يستوعبها ولا يضبطها ذهن الطفل، الذي استوعب بعض الأشياء الحسية البسيطة كالمجة.\n(٣) الموقظة \" في علم مصطلح الحديث \" - اعتنى به عبد الفتاح أبو غدة - ص٦١.\n(٤) فتح المغيث ج٢ ص١٤ - ١٥.\n(٥) انظر الكفاية ص٩٩، وشروط الأئمة الخمسة ص٥٣، وتدريب الراوي: ج١ ص٣٠٠.","vol":"1","page":25},{"text":"يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل \" (١) ولأن حال الراوي إذا كان طفلًا أو مجنونًا\nدون حال الفاسق من المسلمين. وذلك أن الفاسق يخاف ويرجو، ويجتنب ذنوبًا، ويعتمد قربات، وكثير من الفساق يعتقدون أن الكذب على رسول الله ﷺ والتعمد له ذنب كبير، وجرم غير مغفور، فإذا كان خبر الفاسق الذي هذه حاله غير مقبول فخبر الطفل والمجنون أولى بذلك، والأمة مع هذا مجتمعة على ما ذكرناه لا نعرف بينها خلاف فيه \" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>رابعًا: السلامة من أسباب الفسق </span>(٣):\nالفسق هو ارتكاب الكبيرة أو الإصرار على الصغيرة (٤) وقد أفاض العلماء في تعريف الكبيرة والصغيرة، وكيفية التمييز بين الصغائر والكبائر وعددها، بل هناك من أفردها بالتصنيف (٥) والذي يهمنا هنا هو ذكر مسألتين وقع فيهما النزاع ومحاولة معرفة الراجح فيهما.\nالمسألة الأولى:\n\nما حكم التائب من الكذب (٦) في حديث رسول الله ﷺ ذهب\n_________\n(١) رواه أبو داود بنفس لفظ الخطيب من طريق علي ﵁ - في كتاب الحدود، باب\nالمجنون يسرق أو يصيب حدًا ج٤ ص٥٦٠، رقم (٤٤٠٣) بإسناد حسن، وهو حديث صحيح بطرقه.\n(٢) الكفاية ص٩٩.\n(٣) سبق أن تكلمنا على الفسق وعلاقته بالعدالة، وإنما نضيف هنا بعض المسائل التي لم نتكلم عليها هناك.\n(٤) فتح المغيث ج١ ص٣١٥. وروي: \" لا صغيرة مع إصرار ولا كبيرة مع استغفار\" مرفوعا من حديث ابن عباس وأنس وأبي هريرة وعائشة - ﵃ - وجميع أسانيدها واهية ساقطة. وانظر تفصيلها في: السلسة الضعيفة (رقم٤٨١٠)، ولكنه صح من قول ابن عباس عند البيهقي وابن أبي حاتم وابن جرير وغيرهم. ولكن الإصرار يحتاج لضابط.\n(٥) انظر: مدارج السالكين: ج١ ص٣٢١، وقواعد الأحكام في مصالح الأنام: ج١ ص١٩، والكبائر للذهبي، والزواجر عن اقتراف الكبائر لابن حجر الهيتمي، وهما خاصان بهذا الموضوع.\n(٦) وينبغي التفريق بين ممن اتهم بالكذب وبين من اتصف فعلًا بالكذب، وإن كان كلًا من\nالوصفين من أوصاف الجرح. لكن لا يخفى أن الكذاب قد تحقق فيه الوصف فعلًا أما المتهم بالكذب فلم يتحقق فيه هذا الوصف.","vol":"1","page":26},{"text":"أكثر العلماء والمحدثين إلى أن التائب من الكذب في حديث رسول الله ﷺ لا تقبل روايته. وإلى هذا ذهب سفيان الثوري، وعبد الله بن المبارك ورافع بن الأشرس، وأبو نعيم الفضل بن دكين، وأحمد بن حنبل، وأبو بكر الحميدي، ويحي بن معين (١) ووجه عدم قبول روايته - وإن حسنت توبته - أن ذلك تغليظًا وجزرًا بليغًا عن الكذب عليه ﷺ لعظم مفسدته، فإنه يصير شرعًا مستمرًا إلى يوم القيامة. بخلاف الكذب على غيره والشهادة، فإن مفسدتهما قاصرة ليست عامة (٢) وألحقوا بالكاذب المتعمد من أخطأ وصمم على خطئه بعد أن يبين له ذلك ممن يثق بعلمه لمجرد عناد (٣).\nلكن ذهب الإمام النووي - ﵀ - إلى قبول رواية التائب من الكذب في حديث رسول الله ﷺ حيث قال: \" هذا الذي ذكره هؤلاء الأئمة ضعيف مخالف للقواعد الشرعية، والمختار القطع بصحة توبته في هذا وقبول رواياته بعدها إذا صحت توبته بشروطها المعروفة وهي: الإقلاع عن المعصية، والندم على فعلها، والعزم على أن لا يعود إليها، فهذا هو الجاري على قواعد الشرع، وقد أجمعوا على صحة رواية من كان كافرًا فأسلم، وأكثر الصحابة كانوا بهذه الصفة - أي كانوا كفارًا فأسلموا - وأجمعوا على قبول شهادتهم، ولا فرق بين الشهادة والرواية في هذا، والله أعلم \" (٤).\nوما ذهب إليه الإمام النووي - ﵀ - مبني على القواعد الأصولية حيث استعمل القياس لإثبات هذا الحكم، وهو قياس التائب من الكذب على رسول الله ﷺ على الكافر إذا أسلم، ومثل له بقبول الأئمة لرواية الصحابة، وقد كانوا كفارًا ثم أسلموا. لكن هذا القياس معترض، بأن الصحابة قد عدلهم القرآن\n_________\n(١) شروط الأئمة الخمسة للحازمي ص٥٣، وفتح المغيث للسخاوي: ج١ ص٣٦٥ - ٣٦٩.\n(٢) شرح صحيح مسلم ج١ ص٧٠.\n(٣) فتح المغيث: ج١ ص٣٦٦.\n(٤) شرح صحيح مسلم ج١ ص٧٠.","vol":"1","page":27},{"text":"الكريم وشهد بصدق إيمانهم وإسلامهم. وأما التائب من الكذب في حديث رسول الله. فأنى لنا أن نعرف صدق توبته، حتى نحكم بعدالته ونقبل روايته، كما أنه مبني\nعلى انعدام الفارق بين الرواية والشهادة، والفارق موجود هنا.\nوقد سبق إلى انتقاد النووي في هذا شيخ الإسلام زكريا الأنصاري فقد قال - بعد أن ساق كلام النووي السابق -: \" كنت أميل إليه، ثم ظهر لي أن الأوجه ما قاله الأئمة لما مر، ويؤيده قول أئمتنا أن الزاني إذا تاب لا يعود محصنًا، ولا يحد قاذفه، وأما إجماعهم على صحة رواية من كان كافرًا فأسلم، فلنص القرآن على غفران ما سلف. والفرق بين الرواية والشهادة أن الرواية الكذب فيها أغلظ منه في الشهادة لأن متعلقها لازم لكل المكلفين، وفي كل الأعصار كما مر، مع خبر (إن كذبًا علي ليس ككذب على أحد) (١) \" (٢).\nوعليه فالراجح عدم قبول رواية التائب من الكذب في حديث رسول الله ﷺ لعدم قيام الأدلة الكافية على ذلك - والله تعالى أعلم -.\nالمسألة الثانية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>التائب من الكذب في حديث الناس وغيره من أسباب الفسق</span>. هذا الصنف من الرواة قبل المحدثون رواياتهم إلا خلافًا لبعض الأصوليين كالسمعاني والصيرفي (٣). ولا عبرة بهذا الخلاف لأن المعتبر هو إجماع أهل الفن وهم هنا المحدثون ولم ينقل عنهم خلاف في ذلك. وأما ما قاله الحافظ البلقيني: \" وما نقل عن الصيرفي يقرب منه ما قال ابن حزم: من أسقطنا حديثه لم نعد لقبوله أبدًا، ومن احتججنا به لم نسقط روايته أبدًا، وكذا ما قاله بن حبان في آخرين \".\nفي الواقع أن ما ذهب إليه ابن حزم لا علاقة له البتة بما يراه الصيرفي فابن حزم ذكر هذا بصدد الرد على من يقبل روايات الضعفاء في الرقاق والفضائل\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه، عن المغيرة بن شعبة، كتاب الجنائز، باب ما يكره من النياحة على الميت، حديث رقم (١٢٩١)، ج٣ ص١٩١ مع الفتح. ورواه مسلم في مقدمة صحيحه ج١ ص١٠ حديث رقم (٤).\n(٢) فتح الباقي شرح ألفية العراقي لزكريا الأنصاري ج١ ص٣٣٥.\n(٣) علوم الحديث ص١٠٤ - ١٠٥.","vol":"1","page":28},{"text":"ويتجنبها في الأحكام والحلال والحرام، كما هو مذهب كثير من أئمة الحديث، فهو يرى أن الراوي إما أن يكون من العدالة والضبط بحيث تقبل أحاديثه جملة، أو\nينزل عن درجة القبول فترد أحاديثه جملة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>خامسًا: السلامة من خوارم المروءة:</span>\nعرفت المروءة بتعاريف كثيرة، جلها يرجع إلى العادات الجارية بين الناس. فقال بعضهم: \"المروءة كمال المرء كما أن الرجولة كمال الرجل \".\nوقال بعضهم:\"المروءة هي قوة للنفس تصدر عنها الأفعال الجميلة المستحقة للمدح شرعًا وعقلًا وعرفًا \".\nوقال آخرون: \" المروءة صون النفس عن الأدناس، ورفعها عما يشين عند الناس \" وقيل: \"سيرة المرء بسيرة أمثاله في زمانه \".\nومن أحسن تعاريفها \" هي آداب نفسانية، تحمل مراعاتها الإنسان على الوقوف عند محاسن الأخلاق، وجميل العادات \" (١).\nواشتراط العلماء للمروءة سببه: أن الإخلال بها إما يكون لخبل في العقل، أو لنقصان في الدين، أو لقلة حياء وكل ذلك رافع للثقة بقوله (٢).\nوقد جرى نزاع كبير واعتراض على من أدخل المروءة في شروط العدالة المتفق عليها (٣).\nومما يجدر التنبيه إليه هنا - وهو أن اشتراط المروءة والقدح في الراوي الذي يتصف بما هو من خوارمها، إنما هو موكول للعالم الناقد مع إضافة أسباب أخرى قد فصلها الإمام الخطيب البغدادي حيث قال: \" وقد قال الكثير من الناس: يجب أن يكون المحدث والشاهد مجتنبين لكثير من المباحات نحو التبذل والجلوس للتنزه في الطرقات، والأكل في الأسواق، وصحبة العامة الأرذال، والبول على قوارع\n_________\n(١) توجيه النظر إلى أصول الأثر ص٢٨ - ٢٩.\n(٢) المرجع نفسه ص ٢٩.\n(٣) انظر هذه الاعتراضات والجواب عليها في: التقييد والإيضاح ص١١٤ - ١١٥ وفتح المغيث: ج١ ص٣١٦ - ٣١٧، وشرح العراقة لألفيته: ج١ ص٣٠٠ - ٣٠٣، وتدريب الراوي: ج١ ص٣٠٥ - ٣٠٦.","vol":"1","page":29},{"text":"الطرقات، والبول قائمًا، والانبساط إلى الخلق (١) في المداعبة والمزاح، وكل ما قد اتفق على أنه ناقص القدر والمروءة، ورأوا أن فعل هذه الأمور يسقط العدالة ويوجب رد الشهادة (٢).\nقال الخطيب: والذي عندنا في هذا الباب رد خبر فاعلي المباحات إلى العالم، والعمل في ذلك بما يقوى في نفسه فإن غلب على ظنه من أفعال مرتكب المباح المسقط للمروءة أنه مطبوع على فعل ذلك، والتساهل به، مع كونه ممن لا يحمل نفسه على الكذب في خبره وشهادته، بل يرى إعظام ذلك وتحريمه، والتنزه عنه قبل خبره، وإن ضعفت هذه الحال في نفس العالم واتهمه عندها، وجب عليه ترك العمل بخبره ورد شهادته \" (٣).\nفالأمر إذن موكول إلى الناقد، فإن أكثر الشخص من الأفعال المخلة بالمروءة وتكرر منه ذلك وأعلن به في الناس كان ذلك دليلًا على السفه وخفة العقل ورقة الدين، وهذا مما يسقط العدالة ويوجب رد الرواية.\nومما يؤيد ما ذهب إليه الخطيب البغدادي - ﵀ - من رد خبر فاعلي المباحات إلى العالم - صنيع الأئمة النقاد ومنهم الإمام البخاري - ﵀ -.\nفهذا المنهال بن عمرو تركه شعبة، لما سمع في داره صوت الطنبور (٤)، وفي رواية أخرى أنه سمع قراءة لحان، فكره السماع منه (٥). قال ابن القطان: \" هذا ليس بجرحه إلا أن يتجاوز إلى حد يحرم، ولم يصح ذلك عنه \" (٦).\n_________\n(١) وردت في المطبوع (الخرق) ولعل الصواب ما أثبته.\n(٢) «قال السخاوي في فتح المغيث (١/ ٢٩١): [وما أحسن قول الزنجابي في شرح الوجيز المروة يرجع في معرفتها إلى العرف فلا تتعلق بمجرد الشارع وأنت تعلم أن الأمور العرفية قلما تضبط بل هي تختلف باختلاف الأشخاص والبلدان فكم من بلد جرت عادة أهله بمباشرة أمور لو باشرها غيرهم لعد خرما للمروءة. وفي الجملة رعاية مناهج الشرع وآدابه والاهتداء بالسلف والاقتداء بهم أمر واجب الرعاية قال الزركشي وكأنه يشير بذلك إلى انه ليس المراد سيرة مطلق الناس بل الذين نقتدي بهم وهو كما قال]\n(٣) الكفاية علم الرواية ص١٣٩.\n(٤) المصدر نفسه ص١٤٠.\n(٥) فتح المغيث: ج١ ص٣٢٩.\n(٦) المرجع نفسه ص٣٣٠.","vol":"1","page":30},{"text":"وقال السخاوي: \" وجرحه بهذا تعسف ظاهر، وقد وثقه ابن معين والعجلي وغيرهما كالنسائي وابن حبان، وقال الدارقطني: إنه صدوق \" (١).\nلذا نجد الإمام البخاري قد احتج به في صحيحه. روى له حديثين أحدهما: عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في تعويذ الحسن والحسين (٢)، وثانيهما في تفسير سورة فصلت (٣). وروى له تعليقًا من طريق شعبه نفسه (٤) وفيه دليل على أن شعبة لم يترك الرواية عنه وذلك إما بما لعله سمعه منه قبل ذلك، أو لزوال المانع منه عنده.\nومن ذلك أيضًا ما رواه الخطيب عن شعبة قال: \" لقيت ناجية الذي روى عنه أبو إسحاق فرأيته يلعب بالشطرنج فتركته فلم أكتب عنه، ثم كتبت عن رجل عنه \".\nقال الخطيب: \" ألا ترى أن شعبة في الابتداء جعل لعبه بالشطرنج مما يجرحه، فتركه، ثم استبان له صدقه في الرواية، وسلامته من الكبائر، فكتب عنه نازلًا \" (٥).\nقال السخاوي في \"فتح المغيث\" (٢/ ٦): (وما أحسن قول الزنجاني في شرح (الوجيز): \" المروءة يرجع في معرفتها إلى العرف، فلا تتعلق بمجرد الشرع، وأنت تعلم أن الأمور العرفية قلما تضبط، بل هي تختلف باختلاف الأشخاص والبلدان، فكم من بلد جرت عادة أهله بمباشرة أمور لو باشرها غيرهم لعد خرما للمروءة. وفي الجملة رعاية مناهج الشرع وآدابه، والاهتداء بالسلف، والاقتداء بهم أمر واجب الرعاية \". قال الزركشي: \" وكأنه يشير بذلك إلى أنه ليس المراد سيرة\n_________\n(١) المرجع نفسه ص ٣٣٠.\n(٢) أخرجه البخاري في: كتاب أحاديث الأنبياء، في قصة إبراهيم. حديث رقم (٣٣٧١) ج٦ ص٤٧٠ مع الفتح.\n(٣) أخرجه البخاري في: كتاب التفسير، سورة حم السجدة ج٨ ص٤١٨ مع الفتح.\n(٤) أخرجه البخاري في: كتاب الذبائح والصيد، باب ما يكره من المثلة والمصبورة والمجثمة، حديث رقم (٥٥١٥)، ج٩ ص٥٥٨.\n(٥) الكفاية ص١٣٩.","vol":"1","page":31},{"text":"مطلق الناس، بل الذين يقتدى بهم \"، وهو كما قال).\nوسوف أبين بإذن الله في نهاية هذا المبحث الخاص بشروط العدالة الربط بين المرؤة والعدالة والكذب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>مسائل تتعلق بالعدالة:</span>\nهناك مسائل لها علاقة بشروط العدالة. ومرتبطة بها ارتباطًا وثيقًا، وقد جرى إدراكها في كتب علوم الحديث، ويلاحظ أن آراء الأصوليين هي الغالبة في تلك المباحث. كما يغلب عليها طابع التنظير دون التمثيل بواقع المحدثين وسأختار فيما يلي بعض تلك المسائل، وأحاول دراستها وربطها بالواقع العملي. وهذه المسائل هي:\n١) إذا روى الثقة حديثًا فسئل عنه فنفاه، فهل يقدح في عدالته؟\n٢) إذا كان المحدث يغشى السلطان، هل يقدح في عدالته؟\n٣) إذا كان المحدث يأخذ الأجرة على التحديث، فهل يقدح في عدالته؟\nالمسألة الأولى:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-30>إذا روى الثقة حديثًا فسئل عنه فنفاه، فهل يقبل قوله؟ ثم هل يؤثر ذلك النفي في عدالة الفرع الراوي عنه أم لا</span>؟ هذه المسألة اختلف فيها العلماء على خمسة أقوال نوجزها فيما يلي (١):\n١) إذا كان النافي جازمًا، وجب رد حديث الفرع.\n٢) عكس الأول تمامًا، وهو عدم رد المروي، ولا يكون واحد منهما مجروحًا، لاحتمال النسيان.\n٣) نفس القول السابق، إلا أنه يجوز للفرع أن يرويه عن الأصل.\n٤) أنهما يتعارضان، ويرجح أحدهما على الآخر. هذه الأقوال الأربعة إذا كان الأصل جازمًا بالرد.\n٥) أما إذا قال الأصل \" لا أعرفه \" أو \" لا أذكره \" مما يقتضي جواز أن\n_________\n(١) للتفصيل ينظر: مقدمة ابن الصلاح (علوم الحديث) ص١٠٥ - ١٠٦، وفتح المغيث للسخاوي ج١ ص٣١٥، وتدريب الراوي: ج١ ص٣٣٤ - ٣٣٥.","vol":"1","page":32},{"text":"يكون نسبه، فذلك لا يقتضي رد رواية الفرع عنه.\nوالظاهر قبول رواية الفرع، وأن ذلك لا يقدح في عدالته، ولا عدالة الأصل.\nوقد أورد الإمام البخاري - ﵀ - في \" صحيحه \" حديث ابن عباس ﵁: \" ما كنا نعرف انقضاء صلاة رسول الله ﷺ إلا بالتكبير \" (١).\nفهذا الحديث مما أنكره الأصل على الفرع، فقد رواه الإمام مسلم في صحيحه أيضًا عن عمرو بن دينار عن أبي معبد مولى ابن عباس أنه سمعه يخبر عن ابن عباس قال: \" ما كنا نعرف انقضاء صلاة رسول الله ﷺ إلا بالتكبير. قال عمرو: فذكرت ذلك لأبي معبد فأنكره، وقال: لم أحدثك بهذا! قال عمر: قد أخبرتنيه قبل ذلك \" (٢).\nوهذا يدل على أن البخاري ومسلمًا يذهبان إلى صحة الحديث ولو أنكره راويه إذا كان الناقل عنه عدلًا، وأن ذلك لا يقدح في عدالة أصل الراوي ولا في عدالة الفرع الراوي عنه.\nالمسألة الثانية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-31>إذا كان المحدث يغشى السلطان، أو يتولى شيئًا من أعماله، فهل ذلك يقدح في عدالته أم لا</span>؟\nقد قدح كثير من الورعين في بعض الرواة بسبب علاقتهم بالسلطان، وخاصة إذا كان سلطان جور. ولكن ذلك في واقع الأمر لا يقدح في العدالة، ولا يوجب رد الرواية. ما كان الراوي متصفًا بالصدق مجانبًا للكذب، وقدح من قدح فيهم، إنما كان على سبيل الهجر والتأديب الشرعي كي يكفوا عن إعانة الظلمة - لا غير - قال الحافظ ابن حجر - ﵀ -: \" أعلم أنه قد وقع من جماعة الطعن في جماعة بسبب اختلافهم في العقائد فينبغي التنبه لذلك وعدم الاعتداد به. وكذا عاب\n_________\n(١) أخرجه البخاري في كتاب الآذان، باب الذكر بعد الصلاة حديث رقم (٨٤١) ورقم (٨٤٢) ج٢ ص٣٧٨ مع الفتح.\n(٢) صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب الذكر بعد الصلاة حديث رقم (١٢١) ج١ ص٤١٠.","vol":"1","page":33},{"text":"جماعة من الورعين جماعة دخلوا في أمر الدنيا، فضعفوهم لذلك، ولا أثر لذلك\nالتضعيف مع الصدق والضبط. والله الموفق \" (١).\nوهذا الذي قرره الحافظ هو الحق - إن شاء الله - ويشهد له صنيع الإمام البخاري - ﵀ - فقد روى في \"صحيحه\" عن رجال كثيرين ضعفوا بسبب من هذه الأسباب، ولم ير ذلك قادحًا في عدالتهم وموجبًا لرد رواياتهم.\nومن هؤلاء:\n١ - أحمد بن واقد الحراني:\nقال ابن نمير: تركت حديثه لقول أهل بلده.\nقال الميموني: قلت لأحمد: إن أهل حران يسيئون الثناء عليه فقال: أهل حران قل أن يرضوا عن إنسان، هو يغشى السلطان بسبب ضيعه له. فأفصح أحمد بالسبب الذي طعن فيه أهل حران من أجله، وهو غير قادح، وقد قال أبو حاتم: كان من أهل الصدق والإتقان. وقد روى عنه الإمام البخاري، في الصلاة والجهاد والمناقب أحاديث شورك فيها عن حماد بن زيد، كما روى عنه الإمام أحمد في مسنده، والنسائي وابن ماجة (٢).\n٢ - حميد بن أبي حميد الطويل:\nمشهور من الثقات المتفق على الاحتجاج بهم، وقال يحي بن يعلي المحاربي: طرح زائدة حديث حميد الطويل. قال الحافظ: \" إنما تركه زائدة لدخوله في شيء من أمر الخلفاء \" (٣). فلم يعتبر الأئمة ذلك قادحًا في عدالته، فقد روى له البخاري وسائر الجماعة.\n٣ - حميد بن هلال العدوي:\nقال الحافظ فيه: \"من كبار التابعين وثقة ابن معين، والعجلي والنسائي وآخرون وقال يحي القطان: كان ابن سيرين لا يرضاه. قلت: بين أبو حاتم الرازي: أن ذلك\n_________\n(١) هدي الساري ص٤٠٤.\n(٢) المصدر نفسه ص٤٠٦.\n(٣) المصدر نفسه ص٤١٩.","vol":"1","page":34},{"text":"بسبب أنه دخل في شيء من عمل السلطان، وقد احتج به الجماعة \" (١).\n٤ - خالد بن مهران الحذاء:\nأحد الأثبات، وثقة أحمد وابن معين والنسائي وابن سعد، وتكلم فيه شعبة وابن علية. إما لكونه دخل في شيء من عمل السلطان، أو كما قال حماد بن زيد، قدم خالد قدمة من الشام، فكأنما أنكرنا حفظه \" (٢). فلم يعتبر ذلك البخاري ولا غيره قادحًا فيه، فقد روى له هو وسائر الجماعة.\n٥ - عاصم بن سليمان الأحول:\nثقة، حافظ. وثقة أحمد وابن معين، والعجلي وابن المديني وغيرهم، وتركه وهيب لأنه أنكر بعض سيرته. قال الحافظ: \" كان يلي الحسبة بالكوفة قال ابن سعد \" (٣) ونجد الإمام البخاري قد وثقه وروى له في صحيحه ولم يلتفت إلى ما قيل فيه.\n٦ - عبد الله بن ذكوان:\nأبو الزناد المدني: أحد الأئمة الأثبات الفقهاء، ويقال إن مالكًا كرهه لأنه كان يعمل للسلطان (٤) لكن نجد البخاري قد وثقه وروى له، وكذا سائر الجماعة.\n٧ - مروان بن الحكم:\nتكلم فيه من أجل الولاية، لكن لم ير الأئمة ذلك قادحًا في عدالته، فقد روى له البخاري أحاديثه التي رواها عنه سهل بن سعد الساعدي، وعروة بن الزبير، وعلي بن الحسين، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، وقد اعتمد مالك رأيه وحديثه وكذا بقية الجماعة سوى مسلم (٥).\nالمسألة الثالثة:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-32>أخذ الأجرة على التحديث</span>.\nفي هذه المسألة قولان للعلماء: قول بالمنع، وآخر بالجواز.\n_________\n(١) المصدر نفسه ص٤١٩.\n(٢) المصدر نفسه ص٤٢٠.\n(٣) هدي الساري ص٤٣٢.\n(٤) المصدر نفسه ص٤٣٣.\n(٥) المصدر نفسه ص٤٦٦.","vol":"1","page":35},{"text":"القول الأول:\nمن أخذ على التحديث أجرًا فلا تقبل روايته، وإليه ذهب الإمام أحمد وإسحاق\nبن راهويه، وأبو حاتم الرازي، وحماد بن سلمة، وسليمان بن حرب وغيرهم (١).\nالقول الثاني:\nقبول رواية من أخذ على التحديث أجرًا، وممن ذهب إلى هذا القول: أبو نعيم الفضل بن دكين، وعفان بن مسلم، وعلي بن عبد العزيز المكي البغوي، ومجاهد بن جبر، وعكرمة، وطاووس، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي، وهشام بن عمار وغيرهم (٢).\nوالظاهر أنه لا تعارض بين هذه الأقوال إذ المنع مرتب على ما يمكن أن يجر إليه أخذ العوض على التحديث من التكثر في الرواية المفضي إلى الكذب، والجواز محمول على من هو ثقة ثبت له عذر في أخذ العوض كأن يكون فقيرًا، وله عيال يجب عليه مؤونتهم، وانقطاعه للتحديث يؤدي إلى ترك الكسب لهم، وإلى هذا نبّه الإمام السخاوي - ﵀ - حيث قال: \" قال حنبل بن إسحاق: سمعت أبا عبد الله - يعني الإمام أحمد - يقول: شيخان كان الناس يتكلمون فيهما ويذكرونهما، وكنا نلقى من الناس في أمرهما ما الله به عليم، قاما لله بأمر لم يقم به أحد، أو كبير أحد، مثل ما قاما به: عفان، وأبو نعيم. يعني بقيامهما عدم الإجابة في المحنة، وبكلام الناس من أجل أنهما كانا يأخذان على التحديث. ووصف أحمد مع هذا عفان بالمتثبت. وقيل له: من تابع عفان على كذا؟ فقال: وعفان يحتاج إلى أن يتابعه أحد، وأبا نعيم الحجة الثبت، وقال مرة أنه يزاحم به ابن عيينة، وهو على قلة روايته أثبت من وكيع، إلى غير ذلك من الروايات عنه، بل وعن أبي حاتم في توثيقه وإجلاله، فيمكن الجمع بين هذا، وإطلاقهما كما مضى أولًا، عدم الكتابة بأن ذلك في حق من لم يبلغ هذه المرتبة في الثقة والتثبت، والأخذ مختلف في الموضعين \" (٣).\n_________\n(١) انظر: الكفاية ص١٨٤ - ١٨٦، وعلوم الحديث ص١٠٧.\n(٢) انظر: الكفاية ص١٨٧ - ١٨٨، وعلوم الحديث ص١٠٧، وفتح المغيث: ج١ ص٣٧٨.\n(٣) فتح المغيث: ج١ ص٣٧٨.","vol":"1","page":36},{"text":"وواضح أن الإمام البخاري يذهب إلى هذا الرأي، فقد روى عن شيوخ يأخذون الأجرة على التحديث منهم:\n١) أبو نعيم الفضل بن دكين (١).\n٢) عفان بن مسلم (٢).\n٣) يعقوب بن إبراهيم بن كثير الدروقي (٣): الحافظ المتقن صاحب المسند. فقد روى النسائي عنه - في سننه - حديث يحي بن عتيق عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة. رفعه: \" لا يبولن أحدكم في الماء الدائم (٤) ... \"، وقال عقبه: إنه لم يكن يحدث به إلا بدينار، ومع ذلك روى له البخاري والجماعة.\n٤) هشام بن عمار (٥): قال ابن عدي: سمعت قسطنطين يقول: حضرت مجلسه فقال له المستملي من ذكرت؟ فقال له: بعض مشايخنا، ثم نعس فقال له المستملي: لا تنتفعون به. فجمعوا له شيئًا فأعطوه فكان بعد ذلك يملي عليهم، بل قال الإسماعيلي عن عبد الله بن محمد بن سيار. إن هشامًا كان يأخذ على كل ورقتين درهمين ويشارط، لذلك قال ابن وارة: عزمت زمانًا أن أمسك عن حديث هشام. لأنه كان يبيع الحديث، وقال صالح بن محمد (٦): إنه كان لا يحدث ما لم\n٥)\n_________\n(١) اسمه: عمرو بن حماد بن زهير بن درهم التميمي، أحد الأئمة، من شيوخ البخاري، مات سنة ٢١٨هـ ترجمته في: تهذيب التهذيب ج٨ ص٢٤٣. وتاريخ بغداد ج٦ ص٣٤٦، والعبر: ج١ ص٣٧٧.\n(٢) أحد الأعلام، قال العجلي: ثقة ثبت صاحب سنة. مات سنة ٢١٩هـ، ترجمته في: تاريخ بغداد: ج١٢ ص٢٦٩، وتذكرة الحفاظ: ج١ ص٣٧٩، وشذرات الذهب: ج٢ ص٤٧.\n(٣) كان أحد الحفاظ المتقنين، صنف \" المسند \"، مات سنة ٢٥٢هـ، ترجمته في: تذكرة الحفاظ: ج٢ ص٥٠٥.\n(٤) أخرجه النسائي في كتاب الطهارة، باب الماء الدائم (١/ ٤٩) حديث رقم (٥٩).\n(٥) هشام بن عمار بن نصير بن مسيرة الدمشقي، روى عن مالك وخلق، وروى عنه البخاري وغيره. مات سنة (٢٤٥هـ). ترجمته في: تذكرة الحفاظ: ج٢ ص٤٥١ - وشذرات الذهب: ج٢ ص١٠٩.\n(٦) صالح بن محمد بن عمر بن حبيب الأسدي مولاهم البغدادي المعروف بصالح جزرة، نزيل بخاري. قال الإدريسي: ما أعلم في عصره بالعراق ولا بخرسان مثله في الحفظ. مات سنة\n(٢٩٣هـ)، ترجمته في: تذكرة الحفاظ: ج٢ ص٦٤١ وتاريخ بغداد: ج٩ ص٣٢٢.","vol":"1","page":37},{"text":"٦) يأخذ (١). ومع هذا كله لم ير الإمام البخاري ذلك قادحًا في عدالته فقد روى له في \"صحيحه \". وكذا روى له أصحاب السنن.\nالربط بين العدالة والمروءة والكذب:\nبعد مناقشة شروط العدالة والكلام على المروءة يتأكد عندما مبدأ أن هذه الشروط التي تكلمنا عنها لإنها هي لحدوث ثقة واطمئنان في النفس لصدق الراوي، وأن إرتكاب بعض الكبائر كسب الصحابة والبدعة لا يقدح في هذا التلازم ولا يمنع من ترجيح جانب صدقهم وقبول روايتهم.\nقال موفق الدين في \"المغني\" (١٠/ ١٤٩): (وقد روى أبو مسعود البدري، قال: قال رسول الله - ﷺ -:» إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى، إذا لم تستح فاصنع ما شئت «. يعني من لم يستح صنع ما شاء. ولأن المروءة تمنع الكذب، وتزجر عنه، ولهذا يمتنع منه ذو المروءة وإن لم يكن ذا دين. وقد روي عن أبي سفيان، أنه حين سأله قيصر عن النبي - ﷺ - وصفته فقال: والله لولا أني كرهت أن يؤثر عني الكذب، لكذبته. ولم يكن يومئذ ذا دين. ولأن الكذب دناءة، والمروءة تمنع من الدناءة. وإذا كانت المروءة مانعة من الكذب، اعتبرت في العدالة كالدِّين).\nقال الآمدي في \"إحكام الأحكام\" (٢/ ٧٧): (وأما بعض الصغائر فما يدل فعله على نقض الدين، وعدم الترفع عن الكذب وذلك كسرقة لقمة، والتطفيف بحبة، واشتراط أخذ الأجرة على إسماع الحديث ونحوه. وأما بعض المباحات فيما يدل على نقص المروءة، ودناءة الهمة، كالأكل في السوق والبول في الشوارع وصحبة الأراذل، والإفراط في المزح. ونحو ذلك مما يدل على سرعة الإقدام على الكذب، وعدم الاكتراث به. ولا خلاف في اعتبار اجتناب هذه الأمور في العدالة المعتبرة في قبول الشهادة والرواية عن النبي ﷺ؛ لأن من لا يجتنب هذه الأمور أحرى أن لا يجتنب الكذب، فلا يكون موثوقا بقوله).\nقال الشيخ مشهور في \"المروءة\" (ص/٢٨٩): (المروءة تمنع من الكذب\n_________\n(١) فتح المغيث: ج٣ ص٣٧٩.","vol":"1","page":38},{"text":"كالعدالة؛ فيجب اعتبارها فيه. قال ابن قدامة: \" وإذا كانت المروءة مانعة من\nالكذب، اعتبرت في العدالة كالدِّين \" فالكذب دناءة، والمروءة تمنع منه؛ فحقَّقَت ما من أجله أشترطت العدالة، وقياسا على اشتراط الإسلام فإنه يمنع من الكذب؛ فكذا المروءة).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-33>تعريف العدالة:</span>\nيمكننا من خلال هذه الشروط التي سبق مناقشتها أن نعرف العدالة المعتبرة في الرواية بأنها: (غلبة خير الراوي على جوره بحيث يظن صدقه)، والعدل هو الراوي الذي غلب خيره على شره حتى ظن صدقه).\nوغليه الخيريه هذه نتيجة تتبع حاله ومعرفة مدى تحقق شروط العدالة والمروءة فيه، وثمرة هذه الغلبة ترجح جانب صدقه على كذبه.\nوقولنا: (يظن صدقه) يشمل أن يكون مسلما حال الآداء؛ لأن المسلم لا يكذب، فدينه يمنعه من الكذب، وأن يكون عاقلا مميزا حال التحمل والآداء.\nوأيضا من لا مروءة له لا تحصل الثقة بكلامه؛ لأن من لا يستقبح القبيح ولا يترفع عن الدناءات لا يستقبح الكذب.\n\nوقد لاح لك مما سبق الشروط المعتبرة وغير المعتبرة في عدالة الراوي، وبقيت لنا مسألتان نختم بهما هذا المبحث الخاص بالعدالة:\nالمسألة الأولى: هل الأصل في الراوي الجهالة أم العدالة؟\nالمسألة الثانية: بم تثبت العدالة؟\n\n(وأما المسألة الأولى وهي:<span data-type=\"title\" id=toc-34> هل الأصل في الراوي العدالة أم الجهالة</span>؟\nعندنا ثلاث مسائل تكلم فيها العلماء وهي هل الأصل في المسلم العدالة؟ وهل الأصل في الشاهد العدالة؟ ومسألتنا هي هل الأصل في الرواي العدالة؟ وهذه المسائل بينها عموم وخصوص وقد تتداخل، وقد اختلف العلماء فيها على قولين بالإيجاب والسلب.\nوسوف نركز كلامنا في الراوي، والذي أراه راجحا هو أن الأصل في الراوي الجهالة حتى تثبت عدالته ويغلب الظن صدقه في نقل كلام النبي صلى الله عليه","vol":"1","page":39},{"text":"وسلم على النحو سالف الذكر، والدليل على ذلك أمور منها:\nأولا - قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦]\nهذه الآية لا دلالة فيها على أحد القولين من أن الأصل في المخبر العدالة أم الجهالة، وإنما تدل بمنطوقها على التثبت والتوقف في خبر من تبين فسقه لنرى هل صدق في هذا الخبر أم لا، وتدل بمفهومها على قبول خبر من من لم يعرف بفسق، وأما من لم يتبين حاله هل هو فاسق أم عدل ماذا نفعل في خبره هل نتوقف فيه أم نقبله؟\nقال الشنقيطي في \"المذكرة\" (ص/١٣٨): (ومدار هذا الخلاف على أن شرط القبول هل هو العلم بالعدالة أو هو عدم العلم بالفسق فمن قال لا يقبل مجهول العدالة قال المدار على علم العدالة والمجهول لم تعلم عدالته فلا يقبل ومن قال يقبل قال المدار على عدم العلم بالفسق وهذا لم يعلم منه فسق فيقبل).\nوالقول بقبول رواية مجهول العدالة هو قول الحنفية، وقد رده الألوسي الحنفي في \"روح المعاني\" (١٣/ ٢٩٨): (واستدل الحنفية بها على قبول خبر المجهول الذي لا تعلم عدالته وعدم وجوب التثبت لأنها دلت على أن الفسق شرط وجوب التثبت فإذا انتفى الفسق انتفى وجوبه وهاهنا قد انتفى الفسق ظاهرا ونحن نحكم به فلا يجب التثبت. وتعقب بأنا لا نسلم أنه هاهنا انتفى الفسق بل انتفى العلم به ولا يلزم من عدم العلم بالشيء عدمه والمطلوب العلم بانتفائه ولا يحصل إلا بالخبرة به أو بتزكية خبير به له).\nوعليه فالأقوى أنه يلحق بالفاسق حكما ونتوقف في خبره حتى نتبين حاله؛ حماية لجناب السنة حتى لا يلحق بسنة النبي ما لم يقله، وفي ذلك من المفاسد في ناحية التعبد ما لا يخفى.\nثانيا - ما عليه الجمهور من رد رواية مجهول العين والحال، ولو كان الأصل في الراوي العدالة لما رُدَّ حديثه.\nقال ابن الصلاح في \"مقدمته\" (ص/١١١): (المجهول العدالة من حيث الظاهر والباطن جميعا، وروايته غير مقبولة عند الجماهير). ثم قال: (المجهول العين،","vol":"1","page":40},{"text":"وقد يقبل رواية المجهول العدالة من لا يقبل رواية المجهول العين، ومن روى عنه عدلان وعَيَّنَاه فقد ارتفعت عنه هذه الجهالة).\nثالثا - في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ مرفوعا: \"كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع\" ولو كانت كل الرواة عدول لما أوجب النبي التثبت من خبره، ولما حكم بإثم وتكذيب من يحدث بكل ما سمع.\nرابعا - ما ورد عن الصحابة والتابعين ومن جاء بعدهم من التحري في الرواية وعدم الرواية عن الكذابين والضعفاء والمجروحين والمجهولين، وهذا مشهور عنهم وإليك طائفة من أقوالهم:\nساق الخطيب في \"الكفاية\" (ص/٨٣): بسنده عن أبي إسحاق، قال: كنت في المسجد الجامع مع الأسود فقال: أتت فاطمة بنت قيس عمر بن الخطاب فقال:» ما كنا لندع كتاب ربنا، وسنة نبينا لقول امرأة، لا تدري أحفظت أم لا «ثم قال: (وهكذا اشتهر الحديث عن علي بن أبي طالب أنه قال ما: حدثني أحد عن رسول الله ﷺ إلا استحلفته، ومعلوم أنه كان يحدثه المسلمون ويستحلفهم، مع ظهور إسلامهم، وأنه لم يكن يستحلف فاسقا ويقبل خبره، بل لعله ما كان يقبل خبر كثير ممن يستحلفهم، مع ظهور إسلامهم وبذلهم له اليمين، وكذلك غيره من الصحابة روي عنهم أنهم ردوا أخبارا رويت لهم ورواتها ظاهرهم الإسلام، فلم يطعن عليهم في ذلك الفعل، ولا خولفوا فيه، فدل على أنه مذهب لجميعهم، إذ لو كان فيهم من يذهب إلى خلافه لوجب بمستقر العادة نقل قوله إلينا، ويدل على ذلك أيضا إجماع الأمة على أنه لا يكفي في عدالة الشهود على ما يقتضي الحدود إظهار الإسلام، دون تأمل أحوال الشهود واختبارها، وهذا يوجب اختبار حال المخبر عن رسول الله ﷺ، وحال الشهود بجميع الحقوق، بل قد قال كثير من الناس: إنه يجب الاستظهار في البحث عن عدالة المخبر بأكثر مما يجب في عدالة الشاهد، فثبت بما ذكرناه أن العدالة شيء زائد على ظهور الإسلام، يحصل بتتبع الأفعال واختبار الأحوال والله أعلم).\n- روى مسلم في \"مقدمة صحيحه\" (١/ ١٣) بسنده عن مجاهد أنه قال: \"جاء بشير العدوي إلى ابن عباس فجعل يحدث ويقول: قال رسول الله -صلى الله عليه","vol":"1","page":41},{"text":"وسلم- فجعل ابن عباس لا يأذن لحديثه ولا ينظر إليه فقال: يابن عباس ما لي لا أراك تسمع لحديثي؟ أحدثك عن رسول الله -ﷺ- ولا تسمع!! فقال ابن عباس: إنا كنا مرة إذا سمعنا رجلا يقول: قال رسول الله -ﷺ- ابتدرته أبصارنا وأصغينا إليه بآذاننا، فلما ركب الناس الصعب والذلول لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف\".\n- وروى بسنده عن محمد بن سيرين قال: \"إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم\".\n- وروى عن ابن سيرين أيضا أنه قال لم يكونوا يسألون عن الإسناد فلما وقعت الفتنة قيل سموا لنا رجالكم فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم.\n- وروى عن عبد الله بن المبارك قال: \"الإسناد من الدين ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء\".\n\n(وأما المسألة الثانية وهي:<span data-type=\"title\" id=toc-35> بم تثبت العدالة</span>؟\nتثبت عدالة الراوي بـ:\nأولًا: بتنصيص المعدلين على عدالته.\nثانيًا: بالاستفاضة والشهرة.\nقال السيوطي في تدريب الراوي (١/ ٣٠١ - ٣٠٢): [(الثانية تثبت العدالة) للراوي (بتنصيص عالمين عليها) وعبارة ابن الصلاح معدلين وعدل عنه لما سيأتي أن التعديل إنما يقبل من عالم (أو بالاستفاضة) والشهرة (فمن اشتهرت عدالته بين أهل العلم) من أهل الحديث أو غيرهم (وشاع الثناء عليه بها كفى فيها) أي في عدالته ولا يحتاج مع ذلك إلى معدل ينص عليها (كمالك والسفيانين والأوزاعي والشافعي وأحمد) بن حنبل (وأشباههم) قال ابن الصلاح: هذا هو الصحيح في مذهب الشافعي وعليه الاعتماد في أصول الفقه، وممن ذكره من أهل الحديث الخطيب ومثله بمن ذكر وضم إليهم الليث وشعبة وابن المبارك ووكيعا وابن معين وابن المديني ومن جرى مجراهم في نباهة الذكر واستقامة الأمر فلا يسأل عن عدالة هؤلاء وإنما يسأل عن عدالة من خفي أمره، وقد سئل ابن حنبل","vol":"1","page":42},{"text":"عن إسحق بن راهويه، فقال: مثل إسحق يسأل عنه، وسئل ابن معين عن أبي عبيد فقال: مثلى يسأل عن أبي عبيد أبو عبيد يسأل عن الناس، وقال القاضي أبو بكر الباقلاني: الشاهد والمخبر إنما يحتاجان إلى التزكية إذا لم يكونا مشهورين بالعدالة والرضى وكان أمرهما مشكلا ملتبسا ومجوزا فيهما العدالة وغيرها قال: والدليل على ذلك أن العلم بظهور سيرهما واشتهار عدالتهما أقوى في النفوس من تعديل واحد واثنين يجوز عليهما الكذب والمحاباة].\nثالثًا: حمل العلم:\nقال السيوطي في التدريب (١/ ٣٠٢: ٣٠٤): [(وتوسع) الحافظ أبو عمر (ابن عبد البر فيه فقال كل حامل علم معروف العناية به) فهو عدل (محمول) في أمره (أبدا على العدالة حتى يتبين جرحه) ووافقه على ذلك ابن المواق من المتأخرين لقوله ﷺ: \" يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين \" رواه من طريق العقيلي من رواية معان بن رفاعة السلامي عن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري مرفوعا (وقوله هذا غير مرضي) والحديث من الطريق الذي أورده مرسل أو معضل وإبراهيم هو الذي أرسله قال فيه ابن القطان لا نعرفه البتة ومعان أيضا ضعفه ابن معين وأبو حاتم وابن حبان وابن عدي والجوزجاني، نعم وثقة ابن المديني وأحمد وفي كتاب العلل للخلال أن أحمد سئل عن هذا الحديث فقيل له كأنه موضوع فقال لا هو صحيح فقيل له ممن سمعته فقال من غير واحد قيل من هم قال حدثني به مسكين إلا أنه يقول عن معان عن القاسم بن عبد الرحمن ومعان لا بأس به انتهى قال ابن القطان وخفي على أحمد من أمره ما علمه غيره قال العراقي وقد ورد هذا الحديث متصلا من رواية علي وابن عمر وابن عمرو وجابر بن سمرة وأبي أمامة وأبي هريرة وكلها ضعيفة لا يثبت منها شيء وليس فيها شيء يقوي المرسل قال ابن عدي ورواه الثقات عن الوليد بن مسلم عن إبراهيم العذري ثنا الثقة من أصحابنا أن رسول الله ﷺ فذكره ثم على تقدير ثبوته إنما يصح الاستدلال به لو كان خبرا ولا يصح حمله على الخبر لوجود من يحمل العلم وهو غير عدل وغير ثقة فلم يبق له محمل إلا على الأمر ومعناه أنه أمر للثقات بحمل","vol":"1","page":43},{"text":"العلم لأن العلم إنما يقبل عنهم والدليل على ذلك أن في بعض طرقه عند ابن أبي حاتم: \" ليحمل هذا العلم \" بلام الأمر وذكر ابن الصلاح في فوائد رحلته أن بعضهم ضبطه بضم الياء وفتح الميم مبنيا للمفعول ورفع العلم وفتح العين واللام من عدوله وآخره تاء فوقية فعولة بمعنى فاعل أي كامل في عدالته أي إن الخلف هو العدولة والمعنى إن هذا العلم يحمل أي يؤخذ عن كل خلف عدل فهو أمر بأخذ العلم عن العدول والمعروف في ضبطه فتح ياء يحمل مبنيا للفاعل ونصب العلم مفعوله والفاعل عدوله جمع عدل] (١).\nوعلى كل حال فالحديث مختلف في ثبوته من ناحيتي الرواية والدراية، والراجح على فرض ثبوته من ناحية الرواية دلالته على عدالة المعروفين بحمل العلم المعتنين به.\nقال ابن الوزير في تنقيح الأنظار (٢/ ٩٣ - مع التوضيح) عن رواية الأمر: [أنها معلولة بمخالفة جميع الرواة، إذ كلهم رواه بلفظ الخبر، فالوهم أبعد عن\n_________\n(١) - وإلى نحو هذا المنحى ذهب الشيخ مقبل حيث قال في رسالته المقترح: [السؤال / ٢٠٧ ما حال حديث: «يحمل هذا العلم من كلّ خلف عدوله»؟ الجواب: الذي يظهر أنه مرسل من مراسيل إبراهيم العذري، وجاء من طرق أخرى لا ترتقي إلى الحجية، وجاء عن الإمام أحمد أنه يقول: إنه صحيح، وقد خولف الإمام أحمد -﵀-، ثم لو صح فهو على الأمر لا على الإخبار، بمعنى: ليحمل هذا العلم من كل خلف عدوله. قال بهذا بعض أهل العلم. وقد استدل ابن عبد البر بهذا الحديث على أن حملة العلم أو المحدثين عدول، وهذا مخالف لما جاء في تراجم المحدثين، فمثلًا سليمان بن داود الشاذكوني أبو أيوب وكان حافظًا، جاء عنه أنه كان يشرب الخمر، وقال فيه الإمام البخاري: إنه أضعف من كل ضعيف. وكذلك محمد بن عمر الجعابي نقل عنه أنه كان لا يصلي، فالواقع يخالف ما قاله ابن عبد البر - ﵀ -: أن حملة علم الحديث كلهم ثقات. وعندنا بحمد الله \"ميزان الاعتدال \"، والإمام الشافعي - ﵀ - يقول: من روى عن البياضي بيض الله عيونه. ويقول أيضًا في حرام بن عثمان: الرواية عن حرام بن عثمان، حرام. وما أكثر المحدثين الذين يعتبرون من حملة الحديث ومن حفاظه الكبار، ومع ذلك فهم مضعّفون مثل: أحمد بن محمد بن سعيد الشهير بابن عقدة، فهو حافظ كبير أمثاله قليل في الحفظ من معاصريه، ومع هذا فهو ضعيف.]","vol":"1","page":44},{"text":"الجماعة]. وعلى فرض ثبوتها، فتأول بما يوافق رواية الجماعة بأن يكون المراد بالأمر فيها الخبر فتكون من باب الإنشاء الذي أريد به الخبر جمعا بين روايات الحديث.\nوقال الصنعاني في توضيح الأفكار (٢/ ٩٢) مرحجًا لاستدلال ابن عبد البر بالحديث على عدالة حملة العلم المعتنين به: [يتم به استدلاله وذلك لأن العام يعمل به على عمومه حتى يقوم دليل على تخصيصه، فمن كان حامل علم معروفا بالعناية به فهو عدل حتى يظهر قادح في عدالته].\nقال المناوي في فيض القدير (٦/ ٣٩٦): [حديث يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وهذا إخبار منه بصيانة العلم وحفظه وعدالة ناقليه وأنه تعالى يوفق له في كل عصر خلقا من العدول يحملونه وينفون عنه التحريف وهذا تصريح بعدالة حامليه في كل عصر وهذا من أعلام نبوته ولا يضر معه كون بعض الفساق يعرف شيئا من العلم بأن الحديث إنما هو إخبار بأن العدول يحملونه لا أن غيرهم لا يعرف منه شيئًا].\nفتحصل من هذا أن الحديث لا يثبت من ناحية الإسناد، وعلى فرض ثبوته فالأقوى فيه أنه خبر وهو صادق فكل من حمل العلم فهو عدل، فإن ظهر فيه فسق أو نحوه فإن هذا دليل على أنه ليس من حملة العلم، وليس من العلماء الربانيين العاملين بعلمهم، وأنه كان من أدعيائه، وأن بركة العلم نزعت منه لفسقه وغلبة جوره على عدله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-36>(مسائل أخرى متعلقة بالعدالة </span>(١»:\n<span data-type=\"title\" id=toc-37>المسألة الأولى: قبول تعديل العبد والمرأة:</span>\nقال السيوطي في تدريب الراوي (١/ ٣٢١): [(يقبل تعديل العبد والمرأة العارفين) لقبول خبرهما وبذلك جزم الخطيب في الكفاية والرازي والقاضي أبو بكر بعد أن حكى عن أكثر الفقهاء من أهل المدينة وغيرهم أنه لا يقبل في التعديل النساء لا في الرواية ولا في الشهادة واستدل الخطيب على القبول بسؤال النبي\n_________\n(١) - وسيأتي - بمشيئة الله - مسائل أخرى في الجرح والتعديل وإنما اقتصرت هنا على هذه المسائل لتعلقها بمبحث العدالة.","vol":"1","page":45},{"text":"ﷺ بريرة عن عائشة في قصة الإفك قال بخلاف الصبي المراهق فلا يقبل تعديله إجماعا].\nقلت وفي المسالة بالنسبة للمرأة قول ثالث وهو: وهو أن تقبل تزكيتهن لبعضهن لا للرجال، حيث بوب البخاري على سؤال النبي ﷺ في قصة الإفك بريرة عن حال عائشة أم المؤمنين ﵂ وجوابها له باب: (تعديل النساء بعضهم بعضًا)، قال ابن حجر في الفتح: (٥/ ٢٧٣): [قال بن بطال: فيه حجة لأبي حنيفة في جواز تعديل النساء، وبه قال أبو يوسف، ووافق محمد الجمهور. قال الطحاوي: التزكية خبر وليست شهادة فلا مانع من القبول، وفي الترجمة الإشارة إلى قول ثالث وهو: أن تقبل تزكيتهن لبعضهن لا للرجال؛ لأن من منع ذلك اعتل بنقصان المرأة عن معرفة وجوه التزكية لا سيما في حق الرجال، ... والجمهور على جواز قبولهن مع الرجال فيما تجوز شهادتهن فيه].\nوالراجح قول الجمهور من قبول تزكية كل عدل مرضي من ذكر أو أنثى حر أو عبد.\nقال الخطيب في الكفاية (ص/ ٩٨): [فإذا ثبت أن خبر المرأة العدل مقبول وانه إجماع من السلف وجب أيضا قبول تعديلها للرجال حتى يكون تعديلهن الذي هو أخبار عن حال المخبر والشاهد بمثابة خبرهن في وجوب العمل به ... ويجب أيضا قبول تزكية العبد المخبر دون الشاهد لأن خبر العدل مقبول وشهادته مردودة والذي يوجبه القياس وجوب قبول تزكية كل عدل ذكر وأنثى حر وعبد لشاهد ومخبر حتى تكون تزكيته مطابقة للظاهر من حاله والرجوع إلى قوله وانتفاء التهمة والظنة عنه إلا أن يرد توقيف أو إجماع أو ما يقوم مقام ذلك على تحريم العمل بتزكية بعض العدول المرضيين فيصار إلى ذلك ويترك القياس لأجله ومتى لم يثبت ذلك كان ما ذكرناه موجبا لتزكية كل عدل لكل شاهد ومخبر].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-38>المسألة الثانية: هل يثبت التعديل بواحد:</span>\nقال الصنعاني في توضيح الأفكار (٢/ ١٢٠ - ١٢١): [ولما كانت العدالة صفة للراوي لا تعرف بمجرد إيمانه، افتقرت إلى مُعَرِّف لها؛ فقال المصنف: قال - أي ابن الصلاح -: والصحيح أن التعديل يثبت بواحد ولو امرأة، على","vol":"1","page":46},{"text":"الصحيح، واستدل ابن الصلاح لما جزم به بقوله: لأن العدد لم يشترط في قبول الخبر فلم يشترط في جرح راويه ولا تعديله بخلاف الشهادات انتهى.\nقلت وفي المسألة ثلاثة أقوال:\nالأول: أنه لا يقبل في التزكية إلا رجلان في رواية وشهادة حكاه القاضي أبو بكر والباقلاني عن\nأكثر الفقهاء من أهل المدينة، وغيرهم.\nالثاني: أنه يكفي واحد فيهما، وهو اختيار القاضي أبي بكر فإنه قال: والذي يوجب القياس وجوب\nقبول تزكية كل عدل مرضى ذكرا أو أنثى حرا أو عبدا لشاهد ومخبر.\nالثالث: التفصيل فيكفي في الرواية تزكية العدل، ولا بد من اثنين في الشهادة ورجحه الإمام فخر الدين والسيف الآمدي.\nوأقربها به أوسطها لأن التزكية من باب الأخبار ولا يشترط العدد في قبول رواية العدل (١).] اهـ\n_________\n(١) - فائدة: بيان الفرق بين الرواية والشهادة، وسوف أنقل هنا ما قاله السيوطي دون تعليق، واكتفي بالإشارة المجملة، لثبوت الخلاف في بعض تلك الفروق، وأن اختيار السيوطي قد يكون لقول مرجوح في بعض المسائل، وبعضها قد سبق مناقشته، وعرض الأقوال فيه، وبعضها سيأتي - بمشيئة الله -، وإنما أذكر كلامه هنا لمناسبته وأهميته، والله الموفق.\nقال السيوطي في تدريب الراوي (١/ ٣٣١: ٣٣٤): [فائدة: من الأمور المهمة تحرير الفرق بين الرواية والشهادة، وقد خاض فيه المتأخرون وغاية ما فرقوا به: الاختلاف في بعض الأحكام؛ كاشتراط العدد وغيره، وذلك لا يوجب تخالفا في الحقيقة، قال القرافي: أقمت مدة أطلب الفرق بينهما حتى ظفرت به في كلام المازري، فقال: الرواية هي الإخبار عن عام لا ترافع فيه إلى الحكام، وخلافه الشهادة.\nوأما الأحكام التي يفترقان فيها فكثيرة لم أر من تعرض لجمعها وأنا أذكر منها ما تيسر:\nالأول: العدد لا يشترط في الرواية بخلاف الشهادة، وقد ذكر ابن عبد السلام في مناسبة ذلك أمورا: أحدها: أن الغالب من المسلمين مهابة الكذب على رسول الله - ﷺ - بخلاف شهادة الزور. الثاني: أنه قد ينفرد بالحديث راو واحد فلو لم يقبل لفات على أهل الإسلام تلك المصلحة، بخلاف فوت حق واحد على شخص واحد. الثالث: أن بين كثير من المسلمين عداوات تحملهم على شهادة الزور، بخلاف الرواية عنه - ﷺ-.\nالثاني: لا تشترط الذكورية فيها مطلقا، بخلاف الشهادة في بعض المواضع.\nالثالث: لا تشترط الحرية فيها، بخلاف الشهادة مطلقا.\nالرابع: لا يشترط فيها البلوغ في قول.\nالخامس: تقبل شهادة المبتدع إلا الخطابية، ولو كان داعية، ولا تقبل رواية الداعية ولا غيره إن روى موافقه.\nالسادس: تقبل شهادة التائب من الكذب دون روايته.\nالسابع: من كذب في حديث واحد رد جميع حديثه السابق، بخلاف من تبين شهادته للزور في مرة لا ينقض ما شهد به قبل ذلك.\nالثامن: لا تقبل شهادة من جرت شهادته إلى نفسه نفعا، أو دفعت عنه ضررا، وتقبل ممن روى ذلك.\nالتاسع: لا تقبل الشهادة لأصل وفرع، ورقيق بخلاف الرواية.\nالعاشر والحادي عشر والثاني عشر: الشهادة إنما تصح بدعوى سابقة وطلب لها وعند حاكم، بخلاف الرواية في الكل.\nالثالث عشر: للعالم الحكم بعلمه في التعديل والتجريح قطعا مطلقا، بخلاف الشهادة فإن فيها ثلاثة أقوال أصحها: التفصيل بين حدود الله تعالى وغيرها.\nالرابع عشر: يثبت الجرح والتعديل في الرواية بواحد دون الشهادة على الأصح.\nالخامس عشر: الأصح في الرواية قبول الجرح والتعديل غير مفسر من العالم، ولا يقبل الجرح في الشهادة إلا مفسرا.\nالسادس عشر: يجوز أخذ الأجرة على الرواية بخلاف أداء الشهادة، إلا إذا احتاج إلى مركوب.\nالسابع عشر: الحكم بالشهادة تعديل، قال الغزالي: بل أقوى منه بالقول بخلاف عمل العالم أو فتياه بموافقة المروي على الأصح لاحتمال أن يكون ذلك الدليل آخر.\nالثامن عشر: لا تقبل الشهادة على الشهادة، إلا عند تعسر الأصل بموت، أو غيبة، أو نحوها، بخلاف الرواية.\nالتاسع عشر: إذا روى شيئا ثم رجع عنه سقط، ولا يعمل به، بخلاف الرجوع عن الشهادة بعد الحكم.\nالعشرون: إذا شهدا بموجب قتل، ثم رجعا وقالا: تعمدنا، لزمهما القصاص، ولو أشكلت حادثة على حاكم فتوقف فروى شخص خبرا عن النبي - ﷺ - فيها وقتل الحاكم به رجلا ثم رجع الرواي وقال: كذبت وتعمدت، ففي فتاوى البغوي: ينبغي أن يجب القصاص كالشاهد إذا رجع، قال الرافعي: والذي ذكره القفال في الفتاوى: والإمام أنه لا قصاص بخلاف الشهادة فإنها تتعلق بالحادثة والخبر لا يختص بها.\nالحادي والعشرون: إذا شهد دون أربعة بالزنا حدوا للقذف في الأظهر، ولا تقبل شهادتهم قبل التوبة، وفي قبول روايتهم وجهان: المشهور منهما: القبول، ذكره الماوردي في الحاوي، ونقله عنه ابن الرفعة في الكفاية، والأسنوي في الألغاز].","vol":"1","page":47},{"text":"كلام الصنعاني، والقول بالتفصيل الذي اختاره هو الراجح (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-39>المسألة الثالثة: هل تُعد رواية العدل تعديلًا لمن روى عنه </span>(٢)؟\nاختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: إذا روى العدل عمن سماه لم يكن تعديلا:\nعزاه النووي في التقريب إلى الأكثرين من أهل الحديث وغيرهم، وصححه السيوطي في التدريب (١/ ٣١٤)، وعزاه ابن رجب في شرح علل الترمذي للشافعية، وأحمد في رواية، وقال: [ما ذكره الترمذي ﵀ يتضمن مسائل من علم الحديث:\nإحداها: إن رواية الثقة عن رجل لا تدل على توثيقه؛ فإن كثيرًا من الثقات رووا عن الضعفاء، كسفيان الثوري وشعبة وغيرهما، وكان شعبة يقول: «لو لم\n_________\n(١) - وانظر أيضًا في هذه المسألة: التقييد والإيضاح (١/ ١٤٢ - ١٤٣)، والرافع والتكميل (ص/ ١١١ - ١١٢)، فتح المغيث (١/ ٢٩٤)، والشذا الفياح (١/ ٢٤٢)، وغيرهم.\n(٢) - اختلفت عبارات العلماء حول صياغة هذه المسألة فبعضهم يقول: هل تعتبر رواية العدل تعديلًا لمن روى عنه، فكأنه لا يتكلم عن الضبط مطلقًا، وسار على ذلك النووي في التقريب، وتابعه السيوطي في التدريب. وأما ابن رجب فأحيانا يقول: رواية الثقة توثيق، وأحيانا يقول: تعديل. والذي أراه أن الذي يتكلم على هذه المسألة يتكلم على أصلها فقط، بمعنى: هل تنفع رواية أهل النقد والتحري هؤلاء الرواة أم لا؟ والذي ينبغي من الناحية العملية: مراعاة لفظ هذا الإمام، واصطلاحه، ثم الحكم بمقتضى ذلك من ناحية الحكم بالضبط مع العدالة أم الاكتفاء بالعدالة فقط، وأما في حالة عدم معرفة اصطلاحه فالذي ينبغي الاكتفاء بالحد الأدنى وهو العدالة فقط، بمعنى أن حديثه يصلح للاعتبار في المتابعات والشواهد فقط فلا يحكم له بصحة ولا حسن. والله الموفق.","vol":"1","page":49},{"text":"أحدثكم إلا عن الثقات لم أحدثكم إلا عن نفر يسير»، قال يحيى القطان: «إن لم أرو إلا عمن أرضى ما رويت] إلا [عن خمسة أو نحو ذلك»].\nأدلة القول الأول:\nقالوا: يجوز رواية الثقة عن غير العدل، فلم تتضمن روايته عنه تعديله، وقد روينا عن الشعبي أنه قال: حدثنا الحرث، وأشهد بالله أنه كان كذابا. وروى الحاكم وغيره عن أحمد بن حنبل أنه رأى يحيى بن معين وهو يكتب صحيفة معمر عن أبان عن أنس فإذا اطلع عليه إنسان كتمه، فقال له أحمد: تكتب صحيفة معمر عن أبان عن أنس وتعلم أنها موضوعة؟ فلو قال لك قائل أنت تتكلم في أبان ثم تكتب حديثه؟ فقال: يا أبا عبد الله أكتب هذه الصحيفة فأحفظها كلها، وأعلم أنها موضوعة حتى لا يجيء إنسان فيجعل بدل أبان ثابتا ويرويها عن معمر عن ثابت عن أنس، فأقول له: كذبت، إنما هي عن معمر عن أبان لا عن ثابت.\nالقول الثاني: هو تعديل:\nحكاه ابن رجب في شرح العلل للحنفية، ولأحمد في رواية.\nأدلة القول الثاني:\nقالوا: لو علم فيه جرحا لذكره، ولو لم يذكره لكان غاشا في الدين، قال الصيرفي: وهذا خطأ؛ لأن الرواية تعريف له، والعدالة بالخبرة. وأجاب الخطيب: بأنه قد لا يعرف عدالته ولا جرحه. قال السماحي في الرواة (ص/٦٤): [وقال ابن الحاجب: ورَد بأنه قد علم أنهم يروون عمن لو سئلوا عنه لم يعدلوه، فلا تدليس].\nالقول الثالث: التفصيل:\nإن كان العدل الذي روى عنه لا يروي إلا عن عدل كانت روايته تعديلا، وإلا فلا. قال السيوطي في التدريب: [واختاره الأصوليون كالآمدي وابن الحاجب وغيرهما].\nوقال ابن رجب في شرح العلل: [والمنصوص عن أحمد يدل على أنه من عرف منه أنه لا يروي إلا عن ثقة فروايته عن إنسان تعديل له، ومن لم يعرف منه ذلك فليس بتعديل، وصرح بذلك طائفة من المحققين من أصحابنا وأصحاب","vol":"1","page":50},{"text":"الشافعي.\nقال أحمد - في رواية الأثرم -: «إذا روى الحديث عبد الرحمن ابن مهدي عن رجل فهو حجة، ثم قال: كان عبد الرحمن أولًا يتساهل في الرواية عن غير واحد ثم تشدد بعدها، وكان يروي عن جابر ثم تركه»، وقال في رواية أبي زرعة: «مالك بن أنس إذا روى عن رجل لا يعرف فهو حجة»، وقال في رواية ابن هانئ: «ما روى مالك عن أحد إلا وهو ثقة، كل من روى عنه مالك فهو ثقة»، وقال الميموني، سمعت أحمد غير مرة يقول: «كان مالك من أثبت الناس، ولا تبال أن لا تسأل عن رجل روى عنه مالك، ولا سيما مديني». قال الميموني: وقال لي يحيى بن معين: «لا تريد أن تسأل عن رجال مالك، كل من حدث عنه ثقة إلا رجلًا أو رجلين»].\n(والقول بالتفصيل هو الراجح:\nقال السخاوي في فتح المغيث (١/ ٣١٥) بعد عرضه للقول الأول والثاني: [والثابت التفصيل، فإن علم أنه لا يروي إلا عن عدل كانت روايته عن الراوي تعديلا له وإلا فلا وهذا هو الصحيح عند الأصوليين، كالسيف الآمدي، وابن الحاجب، وغيرهما، بل وذهب إليه جمع من المحدثين وإليه ميل الشيخين وابن خزيمة في صحاحهم، والحاكم في مستدركه، ونحوه قول الشافعي - ﵀- فيما يتقوى به المرسل أن يكون المرسل إذا سمى من روى عنه لم يسم مجهولا ولا مرغوبا عن الرواية عنه انتهى. وأما رواية غير العدل فلا يكون تعديلا باتفاق].\nوقال الزركشي في النكت على مقدمة ابن الصلاح (١/ ٤٧٥): [والصحيح التفصيل بين أن يكون من عادته أنه لا يروي إلا عن ثقة فيكون تعديلا [له] وإلا فلا].\nوقال د. عبد الرحمن الزيد في رسالته: \" فوائد في مناهج المتقدمين في التعامل مع السنة تصحيحًا وتضعيفًا \" حيث قال: [فالخلاصة: أن من روى عنه ولو واحد من أئمة النقل أهل النقد والتحري ممن لا يروي إلا عن الثقات ولم يُتَكلم فيه فإنه ينفعه ذلك].\nفمن اشترط على نفسه عدم الرواية إلا عن الثقات أو العدول، فمن روى عنه","vol":"1","page":51},{"text":"يكون ثقةً أو عدلًا عنده، مع ملاحظة شرطه هل هو على الإطلاق، أو في كتاب معين، وينبغي ملاحظة أن هذا التعديل أو التوثيق، كالتعديل أو التوثيق المجملين، الذين يقدم عليهما الجرح المفسر، وينبغي أيضًا لاعتبار قوله ملاحظة حاله في التزام شرطه، وأنه لم يضطرب فيه فإن ظهر أنه اضطرب فيه فلا يدل قوله على التوثيق أو التعديل.\nفائدة: ذكر من كان لا يروي إلا عن الثقات:\nقال السخاوي في فتح المغيث (١/ ٣١٦): [تتمة: من كان لا يروي إلا عن ثقة إلا في النادر: الإمام أحمد وبقي بن مخلد وحريز بن عثمان وسليمان ابن حرب وشعبة والشعبي وعبد الرحمن بن مهدي ومالك ويحيى بن سعيد القطان وذلك في شعبة على المشهور فإنه كان يتعنت في الرجال ولا يروى إلا عن ثبت وإلا فقد قال عاصم بن علي سمعت شعبة يقول لو لم أحدثكم إلا عن ثقة لم أحدثكم عن ثلاثة وفي نسخة ثلاثين وذلك اعتراف منه بأنه يروي عن الثقة وغيره فينظر، وعلى كل حال فهو لا يروي عن متروك ولا عن من أجمع على ضعفه. وأما سفيان الثوري فكان يترخص مع سعة علمه وشدة ورعه ويروي عن الضعفاء حتى قال فيه صاحبه شعبة لا تحملوا عن الثوري إلا عن من تعرفون فإنه لا يبالي عمن حمل]\nوقد طرح هذا الموضوع في ملتقى أهل الحديث، وأدلى كلٌّ بدلوه ونقلوا عن محمد خلف سلامة، في مقال له بِعنوان (الدرر المتناسقة فيمن قيل إنّه لا يروي إلاّ عن ثقة)، وقد قمت بترتيب ما ذكروه على حروف المعجم مع حذف المكرر، ودمج التعليقات والإحالات مع بعض الزيادات في الإحالات، والواقع أن هذا المجهود منهم طيب، وسعي مشكور، ويا ليت هذا المجهود يكون بداية لبحث هذه المسألة نظريًا، وتطبيقيًا، على نطاق أوسع، لأهميتها في علم الجرح والتعديل، وخاصة في تعديل أو توثيق المجاهيل.\nوإليك مثالين لبيان أهمية هذه المسألة، فقد صحح الشيخ الألباني إسناد حديثين اعتمادًا على هذه القاعدة وهما:-\n١ - قال الشيخ الألباني في هامش صحيح ابن خزيمة (٤/ ٢٠٧) عن أثر ابن","vol":"1","page":52},{"text":"عمر في قطع التلبية إذا دخل الحرم ويعاود إذا طاف بالبيت وإذا فرغ من الطواف بين الصفا والمروة: [إسناده صحيح، ورجاله كلهم ثقات معروفون، غير محمد بن مهدي العطار، وأظنه محمد بن مهدي الزيلعي الذي ترجمه ابن أبي حاتم فقال: \" روى عن أبي داود الطيالسي روى عنه أبو زرعة \" وأبو زرعة لا يروي إلا عن ثقة كما هو معروف ويكفي في توثيقه أنه من شيوخ ابن خزيمة في هذا الصحيح وبعيد جدا أن يكون مثله غير صحيح والله أعلم].\n٢ - وقال في ظلال الجنة (١/ ٢٤٥):] إسناده صحيح: رجاله ثقات، رجال الشيخين، غير محمد بن ثعلبة، وهو السدوسي البصري، روى عنه جمع من الحفاظ والثقات، ومنهم أبو زرعة الرازي وهو لا يروي إلا عن ثقة ولذلك قال الحافظ صدوق].\nوإليك محصل ما وقفت عليه في هذه المسألة:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-40>من كان من الحفاظ لا يروي إلا عن ثقة:</span>\nعرف عن جمع من الأئمة أنهم لا يروون إلا عن الثقات عندهم، منهم:\n١ - إبراهيم بن موسى بن يزيد التميمي الرازي.\n٢ - إبراهيم بن يزيد النخعي.\n٣ - أحمد بن حنبل: (فتح المغيث للسخاوي ١/ ٣٤٣). وتعقب بعضهم وضع الإمام أحمد هنا، وكذا ابنه عبد الله؛ لأنهما كان يرويان عمن لم يجب في الفتنة، وليس عمن لم يكن فيه ضعف في الحديث.\n٤ - إسماعيل بن أبي خالد: (تهذيب التهذيب ١/ ٢٩٢).\n٥ - أيوب ابن أبي تميمة السختياني (فتح الباري لابن رجب (٤/ ١٣٢).\n٦ - بقي بن مخلد الأندلسي: (تهذيب التهذيب ١/ ١٩و٢٦و٣٥٨)، فتح المغيث للسخاوي ١/ ٣٤٣، وقال الزركشي في النكت على مقدمة ابن الصلاح (٣/ ٣٧٢): [وحكى الشيخ علاء الدين مغلطاي عن تاريخ قرطبة أن بقي بن مخلد قال \" كل من رويت عنه فهو ثقة \".\n٧ - بكير بن عبد الله الأشج.\n٨ - حريز بن عثمان الرحبي: (شرح علل الترمذي لابن رجب ٢/ ٧٨٣، فتح","vol":"1","page":53},{"text":"المغيث للسخاوي ١/ ٣٤٣).\n٩ - سعيد بن المسيّب.\n١٠ - سليمان بن حرب الأزدي: (شرح علل الترمذي لابن رجب ٢/ ٧٨٣، فتح المغيث للسخاوي ١/ ٣٤٣).\n١١ - شعبة بن الحجاج: (تهذيب التهذيب ١/ ٥، فتح الباري ١/ ٣٠٠، فتح المغيث للسخاوي ١/ ٣٤٣ وذكر في فتح الباري: أنه لا يروي عن شيوخه المدلسين إلا ما هو مسموع لهم. ٤/ ٣٨و١٩٤).\n١٢ - عامر بن شراحيل الشعبي: (تهذيب التهذيب ٥/ ٦٧، وقال الزركشي في النكت على مقدمة ابن الصلاح (٣/ ٣٧٢): [وحكى الشيخ علاء الدين مغلطاي من تاريخ ابن أبي خيثمة سمعت يحيى بن معين يقول \" إذا حدث الشعبي عن رجل فسماه فهو ثقة يحتج بحديثه \".\n١٣ - عبد الرحمن بن مهدي: (سؤالات أبي داود ص٣٣٩ و١٩٨ و٣٤١، فتح المغيث للسخاوي ١/ ٣٤٣).\n١٤ - عبد الله بن أحمد بن حنبل: (قال ابن حجر في تعجيل المنفعة (١/ ١٨): [عبد الله كان لا يكتب إلا عن ثقة عند أبيه].\n١٥ - عفان بن مسلم الباهلي.\n١٦ - عمرو بن مرزوق البصري.\n١٧ - مالك بن أنس: (التمهيد ١/ ١٧و١٣/ ١٨٨، سير أعلام النبلاء ١/ ١٣٨).\n١٨ - محمد بن إسماعيل البخاري صاحب الصحيح.\n١٩ - محمد بن سيرين: (التمهيد ٨/ ٣٠١، فتاوى ابن تيمية ٢٣/ ٤٧).\n٢٠ - محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب: (تهذيب التهذيب ٩/ ٣٠٤و٣٠٥).\n٢١ - محمد بن وضاح القرطبي: (تهذيب التهذيب ٦/ ٣٩١).\n٢٢ - محمد بن الوليد بن عامر.\n٢٣ - مظفر بن مدرك الخراساني: (تقريب التهذيب ١/ ٥٣٥).\n٢٤ - منصور بن المعتمر: (تهذيب الكمال ٢٨/ ٥٤٩).\n٢٥ - موسى بن هارون الحمّال.","vol":"1","page":54},{"text":"٢٦ - الهيثم بن جميل.\n٢٧ - يحيى بن أبي كثير الطائي: (الجرح والتعديل ٩/ ١٤١، سير أعلام النبلاء ٦/ ٢٨). ٢٩ - أبو داود السجستاني صاحب السنن: (نصب الراية ١/ ١٩٩، تهذيب التهذيب ٢/ ٢٩٧، وقال المزي في تهذيب الكمال (٣١/ ٥٠٩): [وقال أبو حاتم: إمام لا يحدث إلا عن ثقة]. وبعضهم تعقب هنا بأن أبا داود روى في سننه عن رجال ضعّفهم بنفسه وجرحهم!\n٢٨ - يحيى بن سعيد القطان: (ثقات العجلي ص ٤٧٢، سؤالات أبي داود ص ٣٣١و١٩٨، وقال المزي في تهذيب الكمال (٣١/ ٣٤٠): [قال العجلي بصري ثقة نقي الحديث كان لا يحدث إلا عن ثقة].\n٢٩ - أبو زرعة الرازي: (لسان الميزان٢/ ٤١٦).\n٣٠ - أبو مسلمة الخزاعي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-41>المسألة الرابعة: قول العدل حدثني الثقة:</span>\nمن أبهم على التعديل للعلماء في قبول روايته أقوال:\nالقول الأول: عدم قبول هذا التعديل أو التوثيق:\nعزاه الزركشي في البحر المحيط (٦/ ١٧٤): لأبي بكر القفال الشاشي، والخطيب البغدادي، والصيرفي، والقاضي أبي الطيب الطبري، والشيخ أبي إسحاق الشيرازي، وابن الصباغ، والماوردي، والروياني، وعزاه ابن النجار في شرح الكوكب المنير (ص/ ٢٨٥) لبعض الأصحاب من الحنابلة، ولأكثر الشافعية. وهو ترجيح جماعة من العلماء منهم ابن الملقن في المقنع (١/ ٢٥٤)، والسخاوي في فتح المغيث (١/ ٣١٣)، والأبناسي في الشذا الفياح (١/ ٨٥ - ٨٦) وغيرهم.\nقال ابن الصلاح في مقدمته (ص/٦١): [لأنه قد يكون ثقة عنده، وغيره قد اطلع على جرحه بما هو جارح عنده أو بالإجماع، فيحتاج إلى أن يسميه حتى يعرف. بل إضرابه عن تسميته مريب يوقع في القلوب فيه ترددًا].\nالقول الثاني: قبول هذا التعديل:\nقال ابن النجار: [وصححه ابن الصباغ. قال ابن مفلح: وكذا أبو المعالي، واختار قبوله ; وأن الشافعي أشار إليه، وقبله المجد من أصحابنا، وإن لم يقبل","vol":"1","page":55},{"text":"المرسل والمجهول. فقال: إذا قال العدل: حدثني الثقة، أو من لا أتهمه، أو رجل عدل، ونحو ذلك. فإنه يقبل، وإن رددنا المرسل والمجهول; لأن ذلك تعديل صريح عندنا انتهى. وكذا قال ابن قاضي الجبل. ونقل ابن الصلاح عن أبي حنيفة: أنه يقبل].\nقال ابن الوزير في التنقيح (٢/ ١٧١، ١٧٢ - مع التوضيح): [ثم ذكروا مسألة وهي: توثيق من لم يعرف عينه، ولم يسم، مثل قول العالم الثقة: حدثني الثقة، أو جميع من رويت عنه ثقة، واختاروا أنه لا يقبل؛ لجواز أن يعرف فيه جرح لو بينه، وهذا ضعيف؛ فإن توثيق العدل لغيره يقتضي رجحان صدقه، وتجويز وجود الجارح لو عرف هذا المُعَدَّل لا يعارض هذا الظن الراجح حتى يصدر عن ثقة ولو كان التجويز يقدح مع تسميته لأن التسمية لا تمنع من وجود جرح عند غير المعدل. فإن قالوا: لما لم يعلم حكمنا بالظاهر حتى نعلم، فكذلك هنا لا فرق بينهما، إلا أن طريق البحث غير ممكنة عند الإبهام، وقد يمكن عند التسمية، فيكون الظن بعد البحث عن المعارض وعدم وجدانه أقوى. وهذا الفرق ركيك؛ لأنا لم نتعبد بأقوى الظنون في غير حال التعارض؛ ولأن الطلب المعارض في هذه الصورة لا يجب؛ ولأن التمكن من البحث قد يتعذر مع التسمية فيلزم طرح توثيق من الفرض أن قبوله واجب.\nويمكن نصرة القول الأول - وهو عدم قبول تزكية المبهم - بأن الخبر عن التوثيق كالخبر عن التصحيح والتحليل والتحريم يمكن اختلاف أهل الديانة والإنصاف فيه بخلاف الأخبار المحضة فلا يجوز للمجتهد التقليد في التوثيق المبهم على هذا وهو محل نظر والله أعلم].\nالقول الثالث: القبول بشروط:\nقال الصنعاني في توضيح الأفكار (٢/ ١٧٢): [واعلم أن في المسألة قولا ثالثا، حكاه البرماوي، قال: وهو الصحيح المختار الذي قطع به إمام الحرمين، وجريت عليه في النظم، وحكاه ابن الصلاح عن اختيار بعض المحققين: أنه إن كان القائل بذلك من أئمة هذا الشأن العارف بما يشترط هو وخصومه في العدل، وقد ذكر في مقام الاحتجاج فيقبل].","vol":"1","page":56},{"text":"القول الرابع: التفصيل:\nقال الصنعاني: [وقول رابع: وهو التفصيل، فإن عرف من عادته إذا أطلق ذلك أنه يعني به معينًا، وهو معروف بأنه ثقة، فيقبل، وإلا فلا، حكاه البرماوي أيضا عن حكاية شارح اللمع عن صاحب الإرشاد، والثالث قد أشار إليه الحافظ ابن حجر في النخبة وشرحها].\nوقد اجتهد العلماء في بيان المراد بالثقة عند الإمام الشافعي، والإمام مالك، وغيرهما، وقال الصنعاني في التوضيح (١/ ٣٢٠) بعد عرضه لبعض هذه الاجتهادات: [ذكر هذا البرماوي في شرح ألفيته في أصول الفقه، ثم نقل أقوالا غير هذه فيما يريده الشافعي بالثقة. قلت: وكلها تخمين وتظنن] ...\nوقال الشيخ مقبل في المقترح بعد ذكره لكلام الصنعاني هذا: [يعنى لا يوجد جزم؛ لأن هذه مسألة استقراء تصيب وتخطئ].\nالقول الخامس:\nقال ابن الصلاح في مقدمته (ص/٦١): [فإن كان القائل لذلك عالما أجزأ ذلك في حق من يوافقه في مذهبه على ما اختاره بعض المحققين. وذكر (الخطيب الحافظ): أن العالم إذا قال: كل من رويت عنه فهو ثقة وإن لم أسمه. ثم روى عن من لم يسمه فإنه يكون مزكيا له، غير أنا لا نعمل بتزكيته هذه].\n(والقول الراجح هو القول بعدم قبول هذا الثوثيق أو التعديل؛ لأن الأصل في الرواة الجهالة، فلا ينتقل عن هذا الأصل إلا بيقين. ولما كان الخبر عن التوثيق والتعديل يختلف باختلاف المُعَدِّل، فقد يُظهر له المُعَدَّل ما يجعله يحكم له بالعدالة أو التوثيق، في حين أنه لو صرح به لأنكشف حاله؛ وعليه فتمسكًا بالأصل الأول في الرواة، وحماية لجناب السنة، نختار القول بعدم قبول هذا التعديل أو التوثيق للمجاهيل والمبهمين. والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-42>المسألة الخامسة: قول الراوي: حدثني من لا أتهم</span>.\nقال السيوطي في تدريب الراوي (١/ ٣١١ (: [لو قال نحو الشافعي أخبرني من لا أتهم فهو كقوله أخبرني الثقة وقال الإمام الذهبي ليس بتوثيق لأنه نفي للتهمة وليس فيه تعرض لإتقانه ولا لأنه حجة قال ابن السبكي وهذا صحيح غير أن هذا","vol":"1","page":57},{"text":"إذا وقع من الشافعي على مسألة دينية فهي والتوثيق سواء في أصل الحجة وإن كان مدلول اللفظ لا يزيد على ما ذكره الذهبي فمن ثم خالفناه في مثل الشافعي أما من ليس مثله فالأمر كما قال انتهى قال الزركشي والعجب من اقتصاره على نقله عن الذهبي مع أن طوائف من فحول أصحابنا صرحوا به منهم: السيرافي، والماوردي، والروياني].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-43>المسألة السادسة: يقبل التعديل على الإجمال:</span>\nقال ابن الصلاح في مقدمته (ص/٦١): [التعديل مقبول من غير ذكر سببه، على المذهب الصحيح المشهور؛ لأن أسبابه كثيرة يصعب ذكرها، فإن ذلك يحوج المعدل إلى أن يقول: لم يفعل كذا، لم يرتكب كذا، فعل كذا وكذا، فيعدد جميع ما يفسق بفعله أو بتركه وذلك شاق جدا ...].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-44>الشرط الثاني من شروط الحديث الصحيح: الإتقان</span>.\nقوله: [هو ما دَارَ على عَدْل مُتْقِنٍ].\nومتقن: اسم فاعل من الإتقان، والإتقان هو الإحكام.\nقال الزبيدي في تاج العروس (١/ ٧٩٨٥): [(أتقن الأمر) اتقانا (أحكمه) وهو في الاصطلاح معرفة الأدلة وضبط القواعد الكلية بجزئياتها].\nقال الجرجاني في التعريفات (١/ ٢٣): [الإتقان معرفة الأدلة بعللها وضبط القواعد الكلية بجزئياتها وقيل الإتقان معرفة الشيء بيقين].\nوالمقصود بالإتقان هنا إحكام الحفظ أو الضبط التام، لا المعنى الاصطلاحي للإتقان؛ إذ لو كان مقصودًا لاشترط في راوي الصحيح معرفة أصول الرواية والدراية، وسيأتي من كلام الذهبي عدم اشتراط ذلك.\nمسائل:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-45>الأولى:\nقال الإمام الذهبي في الموقظة: [تُشتَرَطُ العدالةُ في الراوي كالشاهد، ويمتازُ الثقةُ بالضبطِ والإتقان، فإن انضاف إلى ذلك المعرفةُ والإكثارُ، فهو حافظ]</span>.\nوالذي يظهر من عبارته هذه: أنه يجعل<span data-type=\"title\" id=toc-46> مرتبة الحافظ أعلى من مرتبة الثقة</span>، وذلك بزيادة المعرفة والإكثار لشروطه من عدالة وضبط وإتقان.","vol":"1","page":58},{"text":"قال الزركشي في النكت على مقدمة ابن الصلاح (١/ ٥٣): [وسئل الشيخ أبو الفتح بن سيد الناس عن حد المحدث والحافظ؟ فأجاب بأن المحدث في عصرنا هو من اشتغل بالحديث رواية ودراية وكتابة واطلع على كثير من الرواة والروايات في عصره، وتبصر بذلك حتى حفظه واشتهر فيه ضبطه، فإن انبسط في ذلك وعرف أحوال من تقدم شيوخه وشيوخ شيوخهم طبقة طبقة بحيث تكون السلامة من الوهم في المشهورين غالبة، ويكون ما يعلمه من أحوال الرواة كل طبقة أكثر مما يجهله فهذا حافظ].\nوقال ابن حجر في النكت (١/ ٢٦٨): [للحافظ في عرف المحدثين شروط إذا اجتمعت في الراوي سموه حافظًا:\n١ - وهو الشهرة بالطلب والأخذ من أفواه الرجال لا من الصحف.\n٢ - والمعرفة بطبقات الرواة ومراتبهم.\n٣ - والمعرفة بالتجريح والتعديل وتمييز الصحيح من السقيم حتى يكون ما يستحضره من ذلك مما لا يستحضره مع استحضار الكثير من المتون.\nفهذه الشروط إذا اجتمعت في الراوي سموه حافظًا.] ...\n(ومن هنا تظهر النكتة التي من أجلها عبر الذهبي - ﵀ - بلفظ: متقن، بدلًا من حافظ؛ فليس من شرط رواة الصحيح اشتراط المعرفة والإكثار مع الضبط والإتقان فيهم. ...\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-47>فائدة: هل يلزم من قول المحدثين عن راو أنه (حافظ) أن يكون ضابطًا</span>؟!\nذهب الشيخ طارق عوض الله في كتابه \" النقد البناء لحديث أسماء \" إلى أن: وصف الراوي بأنه (حافظ) لا يلزم منه أن يكون ضابطًا، وقال: بدلالة وصفهم لبعض الرواة بأنهم حفاظ وهم ضعفاء، ولأنهم ربما وصفوا الراوي بـ (الحفظ) مع اتهامهم له في عدالته وصدقه.\nوهذا التقعيد والتعميم في إطراد هذه الملازمة العكسية خطأ فإن الأصل في وصف المحدثين للراوي بأنه (حافظ) هو أن يكون ضابطًا، نعم قد يقصدون أحيانًا بقولهم (حافظ) كثرة محفوظاته من مرويات ومسموعات، وإن لم يكن ضابطًا متقنًا لما حفظه، ولكنهم لابد وأن يبينون وجه الضعف فيه عطفا على","vol":"1","page":59},{"text":"وصفه بالحافظ فيقولون مثلا: حافظ، وهو ضعيف، والكلام في الإطلاق لا التقييد.\nفهناك فرق بين إطلاق (حافظ) دون تقييد، وبين إطلاقها مع التعقيب عليها!؛ فالأصل أن إطلاق المحدث على راو أنه (حافظ) أي تام الضبط، إلا أنهم قد يريدون بـ (الحافظ) المكثر من المحفوظات، وحينها ينبهون على ذلك، فيعقبون على (حافظ) بقولهم (وله أوهام) أو (وله مناكير) ونحو ذلك من الألفاظ.\nقال الشيخ العوني في \"شرح الموقظة\" (ص/١٨٦): (الأصل فيمن وصف بالحافظ أن يكون قد جمع مع الحفظ العدالة، وهذا خلاف ما قرره بعض المتأخرين من أن الراوي إذا وصف بأنه حافظ لا يحتج بحديثه؛ لاحتمال أن يكون غير عدل، وهذا خطأ، بل الصحيح أن من لم نجد فيه إلا الوصف بأنه حافظ فإنه حجة؛ لأنهم لا يطلقون هذا الوصف (دون قيد) إلا إذا أرادوا أنه قد جمع العدالة والضبط، بل يريدون ذلك .. وزيادة كما بيَّن الإمام الذهبي هنا. لكن إذا قالوا: (حافظ، وهو ضعيف) فهو خارج عن التقرير السابق؛ لأنه لميُطلق عليه لفظ الحفظ. بل مثل هذا الحكم وهو التضعيف مع الوصف بالحفظ لا يكون غالبا إلا في حق من كان ضعفه شديد؛ لأنه سيكون مطعونا في عدالته. وهذا كما وقع في حق بعض الحفاظ الكبار كسليمان بن داود الشاذكوني، ومحمد بن يونس الكديمي، وأبي الفتح الأزدي).\nوهذا هو الظاهر من كلام الذهبي في مقولته السابقة - (تُشتَرَطُ العدالةُ في الراوي كالشاهد، ويمتازُ الثقةُ بالضبطِ والإتقان، فإن انضاف إلى ذلك المعرفةُ والإكثارُ، فهو حافظ) - ومن خلال منهجه في تذكرة الحفاظ، ويؤيد ذلك أن المعنى اللغوي لكلمة حافظ تدل على استظهار ما حفظه، قال ابن سيده: (الحفظ نقيض النسيان، وهو التعاهد وقلة الغفلة)؛ فعلى هذا لا يصح أن يُقال على من أكثر من القراءة في الكتب أنه (حافظ)، ولا على من أكثر من السماع من شيخه!، وإنما تُقال لمن يستظهر العلوم في صدره!، ولابد من وجود علاقة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-48>المسألة الثانية:\nفرَّق أبو هلال العسكري في معجم الفروق اللغوية بين الإتقان والإحكام</span>، فقال","vol":"1","page":60},{"text":": [الفرق بين الإتقان والإحكام: أن إتقان الشيء إصلاحه وأصله من التقن وهو التَّرنُوق (١) الذي يكون في المسيل أو البئر وهو الطين المختلط بالحمأة يؤخذ فيصلح به التأسيس وغيره فيسد خلله ويصلحه فيقال أتقنه إذا طلاه بالتقن ثم استعمل فيما يصح معرفته فيقال أتقنت كذا أي عرفته صحيحا كأنه لم يدع فيه خللا، والإحكام إيجاد الفعل محكما ولهذا قال الله تعالى \" كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُه \" أي خلقت محكمة (٢) ولم يقل أتقنت لأنها لم تخلق وبها خلل ثم سد خللها. وحكى بعضهم أتقنت الباب إذا أصلحته قال أبو هلال رحمه الله تعالى: ولا يقال أحكمته إلا إذا ابتدأته محكما.]\nومن تمام حفظ الراوي أنه يؤدي الحديث كما سمعه؛ وعليه فكان الأنسب للإمام الذهبي التعبير بلفظ: مُحْكِم، بدلًا من: متقن، أو يعبر بلفظ ضابط كما استخدمه حيث قال: [فالمجُمْعُ على صِحَّتِه إذًا: المتصلُ السالمُ من الشذوذِ والعِلَّة، وأنْ يكون رُواتُه ذوي ضَبْطٍ وعدالةٍ وعدمِ تدليس].\nوالتعبير بالأخير المشهور المتداول هو الأولى، وضبط الشيء شدة الحفظ له لئلا يفلت منه شئ، وهو بمعنى الإتقان هنا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-49>المسألة الثالثة: الكلام على الضبط:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-50>١ - تعريف الضبط:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-51>أ - تعريفه لغة:</span>\nقال المناوي في التعاريف (١/ ٤٦٩): [الضبط لغة الحزم وعرفا سماع الكلام كما يحق سماعه ثم فهم معناه الذي أريد به ثم حفظه ببذل المجهود وهو الثبات عليه بمذاكرته إلى حين أدائه إلى غيره كذا ذكره ابن الكمال وفي المصباح\n_________\n(١) - أي الطين الذي يرسب في مسايل المياه.\n(٢) - معتقد أهل السنة والجماعة أن القرآن كلام الله، تكلم به حقيقة كما شاء، غير مخلوق ولا مربوب، منه ﷾ خرج وإليه يعود، وللرد على الجهمية القائلين بأن القرآن مخلوق مجال ليس هذا محله، وانظر المجلد الثاني عشر من فتاوى تقي الدين ابن تيمية - ﵀ -.","vol":"1","page":61},{"text":"ضبطه حفظه حفظا بليغا ومنه ضبطت البلاد وغيرها قمت بأمرها قياما لا نقص فيه].\nقال الزبيدي في تاج العروس (مادة ضبط): [ضَبَطَهُ يَضْبُطه ضَبْطًا وضَبَاطَةً بالفَتْحِ: حَفِظَهُ بالحَزْمِ فهو ضَابِطٌ أَي حازِمٌ. وقالَ اللَّيْثُ: ضَبْطُ الشَّيْءِ: لُزُومُه لا يُفارِقُه يُقَالُ ذلِكَ في كلِّ شيءٍ. وضَبْطُ الشَّيْءِ: حِفْظُه بالحَزْم. وقالَ ابنُ دُرَيْدٍ: ضَبَطَ الرَّجُلُ الشَّيءَ يَضْبُطُه ضَبْطًا إِذا أَخَذَه أَخْذًا شَديدًا ورَجُلٌ ضَابِطٌ وضَبَنْطَى ...].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-52>ب - اصطلاحًا:</span>\nقال الصنعاني في توضيح الأفكار (١/ ٨): [الضابط عندهم من يكون حافظا متيقظا غير مغفل ولا ساه ولا شاك في حالتي التحمل والأداء وهذا الضبط التام وهو المراد هنا. - أي في تعريف الحديث الصحيح -].\nقال الشيخ السماحي في المنهج الحديث - قسم الرواة (ص/٦٩) في تعريف الضبط اصطلاحًا: [أن يكون الراوي متيقظا (١)، غير مغفل (٢)، حافظا إن حدث من حفظه، ضابطا لكتابه من التبديل والتغيير إن حدث منه، ويشترط فيه مع ذلك أن يكون عالمًا بما يحيل المعنى إن روى به].\nقال الزركشي في النكت على مقدمة ابن الصلاح (١/ ١٠٢):] أن الضبط عبارة عن موافقة الثقات فيما يروونه].\nقال طاهر الجزائري في توجيه النظر إلى أصول الأثر (١/ ١٠٥): [الضابط من الرواة هو الذي يقل خطؤه في الرواية وغير الضابط هو الذي يكثر غلطه ووهمه فيها سواء كان ذلك لضعف استعداده أو لتقصيره في اجتهاده].\n_________\n(١) - قال السماحي في شرح التعريف: أي في حال التحمل والأداء، فخرج من عرف بالتساهل في سماع الحديث أو إسماعه: كمن لا يبالي بالنوم في مجلس السماع، وكمن يحدث لا من أصل مقابل صحيح، ومن هذا القبيل من عرف بقبول التلقين في الحديث، وكذلك من كثرت الشواذ والمناكير في حديثه.\n(٢) - قال السماحي: والغفلة الذهول.","vol":"1","page":62},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-53>٢ - أقسام الضبط:</span>\nقال الشيخ السماحي في المنهج الحديث قسم الرواة (ص/٧٤: ٧٧): [ينقسم الضبط باعتبار الحفظ والصيانة إلى ضبط صدر، وضبط كتاب، وباعتبار اللفظ والمعنى إلى ضبط لفظ، وضبط معنى، وباعتبار قوته وضعفه إلى مرتبة عليا، ووسطى، ودنيا:\n١ - ضبط صدر: قال ابن حجر: وهو أن يثبت ما سمعه بحيث يتمكن من استحضاره متى شاء.\nقال الملا: (ضبط صدر) أي إتقان قلب وحفظ.\n(ما سمعه) أي من الحديث ورواته.\n(يتمكن) أي يقتدر.\n(متى شاء) الأظهر إذا شاء أي حين أراد أن يحدث به ... اهـ.\nأما الكمال فعرفه عند الحنفية بأنه توجه الراوي بكليته إلى كله عند سماعه، ثم حفظه بتكريره، ثم الثبات عليه إلى أدائه. اهـ ...\nفقوله: (توجه الراوي بكليته إلى كله عند سماعه) هو مثل قول المحدثين: (أن يكون الراوي متيقظًا غير مغفل). وقوله: (ثم حفظه بتكريره، ثم الثبات عليه إلى أدائه) مثل قول ابن حجر: (أن يثبت ما سمعه بحيث يتمكن من استحضاره متى شاء). ولعل قوله (إلى كله) يريد إلى لفظه ومعناه.\n٢ - ضبط كتاب: قال ابن حجر: وهو صيانته لديه، منذ سمعه فيه وصححه إلى أن يؤدي منه.\nقال الملا: (صيانته لديه) أي حفظ الكتاب عنده من غير أن يعيره بحيث لا أمن من تغيير المستعير، فلا يضر وضعه أمانة عند غيره.\n(منذ سمع فيه) أي من ابتداء زمان سماعه في ذلك الكتاب.\n(وصححه) حتى لا يتطرق الخلل إليه.\n(إلى أن يؤدي) أي الحديث.\n(منه) أي من الكتاب ...]. اهـ كلام الشيخ السماحي.\nوأما الكلام على تقسيم الضبط إلى: ضبط لفظ، وضبط معنى، فسوف يأتي","vol":"1","page":63},{"text":"الكلام عليه - بمشيئة الله - في محله من الموقظة.\nوأما تقسيم الضبط باعتبار قوته وضعفه إلى: مرتبة عليا، ووسطى، ودنيا. فقال الشيخ السماحي عقب ذكره لقول الكمال في الضبط: (وَيُعْرَفُ بِالشُّهْرَةِ، وَبِمُوَافَقَةِ الْمَشْهُورِينَ بِهِ، أَوْ غَلَبَتِهَا، وَإِلَّا فَغَفْلَةٌ): فاعتبر الكمال الموافقة في اللفظ والمعنى، أو غلبة الموافقة، واعتبر عدم الموافقة أو غلبتها غفلة بقوله: (وإلا) أي وإن لم يعرف بالموافقة أو غلبتها (فغفلة)، فالموافقة التامة هي العليا، وغلبة الموافقة هي الوسطى والدنيا].\nوقد قسمها الصنعاني بأوسع من ذلك حيث قال في توضيح الأفكار تعليقًا على عبارة ابن الوزير في التنقيح (١/ ٩: ١٢): [(ولا بد من اشتراط الضبط؛ لأن من كثر خطؤه عند المحدثين استحق الترك) المعنى استحقاق كثير الخطأ الترك عند أئمة الحديث (وإن كان عدلا) إذا العدالة لا تنافي كثرة الخطأ في الرواية إذ مدرك ذلك عدم تمام الضبط ومدرك العدالة غيره وهذا في كثرة الخطأ وأما خفته فإنه يكون الراوي معه مقبولا ويصير حديثه حسنا كما قال الحافظ ... (وكذلك) أي يستحق الترك (عند الأصوليين إذا كان خطؤه أكثر من صوابه، واختلفوا) أي الأصوليون لا أهل الحديث فإنه يعلم أنهم إذا تركوا من كثر خطؤه فتركهم من تساوي خطؤه وصوابه بالأولى، والفرق بين: كثيرا وأكثر ظاهر، فهذان قسمان، والثالث أشار إليه بقوله (إذا استويا فالأكثر منهم) أي الأصوليين (على رده) لعدم الظن بصدقه (لأنه لا يحصل الظن بصدقه) ولا يقبل إلا ما يظن صدقه وإلا كان تحكما وهذا ثالث الأقسام، ورابعها أن يخف ضبطه وهذا لم يذكره المصنف، وقد أشرنا إليه، وخامسها من صوابه أكثر من أخطائه، وهو مفهوم كلام المصنف حيث قال لأن من كثر خطؤه عند المحدثين واستحق الترك كما سلف وهذا يحتمل أنه الخفيف الضبط فهو مقبول عند المحدثين لكن حديثه حسن لا صحيح عندهم ويكون مقبولا عند الأصوليين ...\nثم قال: اعلم أنه يتصور هنا أربع صور:\nالأولى: تام الضبط.\nالثانية: من تساوى ضبطه وعدمه.","vol":"1","page":64},{"text":"الثالثة: من كان ضبطه أكثر من عدمه.\nالرابعة: من عدم ضبطه أكثر من ضبطه.\nوينضاف إليها صورتان: الأولى: من قل غلطه. والثانية: من كثر غلطه.\nالأولى من الأربع بشرط الصحيح، والخامسة شرط الحسن؛ فإن قلة الضبط هي خفته، والسادسة هي التي قال المصنف: إنه يستحق صاحبها الترك عند المحدثين، وأما من صوابه أكثر من خطائه وهي الصورة الثالثة فمفهوم كلام المصنف أن صاحبها مقبول عند الأصوليين ويحتمل أنها صورة خفة الضبط عند المحدثين فيكون مقبولا عندهم أيضا فأنا لم ترهم عينوا خفة الضبط برتبة يتميز بها عن غيره، وعلى هذا فقد قبل المحدثون أهل هذه الصفة في رجال الحسن فلا يتم قول المنصف إن في دعوى الفقيه عبد الله الإجماع نظرا لمخالفة المحدثين فإن الفقيه عبد الله ادعى الإجماع على قبول من صوابه أكثر من خطائه وهو فيما يظهر لنا خفيف الضبط فيتم دعواه الإجماع على قبوله من الفريقين لكنه شرط للحسن، والفقيه عبد الله إنما يتكلم على مجرد القبول، لا على ما هو شرط الصحيح؛ ويدل لذلك أن المحدثين جعلوا من القوادح في الراوي فحش غلطه، أي كثرته، وسوء حفظه، وهو عبارة عمن يكون غلطة أكثر من إصابته، هكذا ذكره الحافظ في النخبة وشرحها فالذي ذكر المحدثون أربع صور: تام الضبط، خفيفه، كثير الغلط، من غلطة أكثر من حفظه، فالأوليان مقبول من اتصف بهما\n، والأخريان مردود من اتصف بهما].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-54>٣ - هل يقع الوهم في الكتاب كما يقع في الحفظ:</span>\nقال الصنعاني في توضيح الأفكار (٢/ ١٢٠):] واعلم أن قدمنا لك أنهم اختاروا في رسم الصحيح أن يكون راويه تام الضبط، كما قال في النخبة: عدل تام الضبط، وتبعه المصنف في مختصره كما قدمنا لفظه، وفي شرح النخبة: وقيد بالتمام إشارة إلى الرتبة العليا في ذلك، قال ملا على: والمعنى أنه لا يكفي في الصحيح لذاته بمسمى الضبط على ما هو المعتبر في الحسن لذاته وكذا في الصحيح لغيره يكتفي بمجرد الضبط انتهى. ولا يخفي أن هذا في ضبط الصدر، قال ملا على: وأما ضبط الكتاب فالظاهر أن كله تام لا يتصور فيه النقصان،","vol":"1","page":65},{"text":"ولهذا لا يقسم الحديث باعتباره، وإن كان يختلف ضبط الكتاب باختلاف الكُتَّاب].\nوقال السيوطي في تدريب الراوي (١/ ٣٠٤):] ذكر الحافظ أبو الحجاج المزي في الأطراف: أن الوهم تارة يكون في الحفظ، وتارة يكون في القول، وتارة في الكتابة، قال: وقد روى مسلم حديث: \" لا تسبوا أصحابي \" عن يحيى بن يحيى، وأبي بكر، وأبي كريب، ثلاثتهم عن أبي معاوية عن، الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، ووهم عليهم في ذلك إنما رووه عن أبي معاوية عن الأعمش عن أبى صالح عن أبي سعيد كذلك، رواه عنهم الناس كما رواه ابن ماجه عن أبي كريب أحد شيوخ مسلم فيه قال: والدليل على أن ذلك وقع منه في حال كتابته لا في حفظه أنه ذكر أولا حديث أبي معاوية ثم ثنى بحديث جرير وذكر المتن وبقية الإسناد ثم ثلث بحديث وكيع ثم ربع بحديث شعبة ولم يذكر المتن ولا بقية الإسناد عنهما بل قال عن الأعمش بإسناد جرير وأبي معاوية بمثل حديثهما فلولا أن إسناد جرير وأبي معاوية عنده واحد لما جمعهما في الحوالة عليهما].\nوالصحيح إمكان وقوع الوهم في الكتاب وهو قليل بالنسبة لوقوعه في ضبط الصدر، وترجم الذهي في كتابه \"المغني في الضعفاء\" لابن سعدون بذلك فقال: (مُحَمَّد بن سعدون الأندلسي لَقِي ابْن الْورْد، قَالَ ابْن الفرضي: ضَعِيف الْكتاب غير ضَابِط (١».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-55>٤ - بمَّ يعرف ضبط الصدر</span>؟\nقال ابن الصلاح في مقدمته (ص/٦١): [يعرف كون الراوي ضابطا بأن نعتبر روايته بروايات الثقاة المعروفين بالضبط والإتقان. فإن وجدنا رواياته موافقة - ولو من حيث المعنى - لرواياتهم، أو موافقة لها في الأغلب، والمخالفة نادرة، عرفنا حينئذ كونه ضابطا ثبتا. وإن وجدناه كثير المخالفة لهم عرفنا اختلال ضبطه، ولم نحتج بحديثه، والله أعلم].\nوقال ابن أمير الحاج في التقرير والتحبير شرح تحرير ابن الهمام (٢/ ٢٤٢) عند الكلام على شرائط الراوي: [(وَمِنْهَا رُجْحَانُ ضَبْطِهِ عَلَى غَفْلَتِهِ لِيَحْصُلَ\n_________\n(١) - انظر \"تاريخ علماء الأندلس\" لابن الفرضي (٢/ ١٠٧).","vol":"1","page":66},{"text":"الظَّنُّ) بِصِدْقِهِ إذْ لَا يَحْصُلُ بِدُونِهِ وَالْحُجَّةُ هِيَ الْكَلَامُ الصِّدْقُ (وَيُعْرَفُ) رُجْحَانُ ضَبْطِهِ (بِالشُّهْرَةِ وَبِمُوَافَقَةِ الْمَشْهُورِينَ بِهِ) أَيْ بِالضَّبْطِ فِي رِوَايَتِهِمْ فِي اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى (أَوْ غَلَبَتِهَا) أَيْ الْمُوَافَقَةِ (وَإِلَّا) إنْ لَمْ يَعْرِفْ رُجْحَانَ ضَبْطِهِ بِذَلِكَ (فَغَفْلَةٌ)].\n@ وللشيخ المأربي بحث جبد حول هذه المسألة فقال - حفظه الله - في \"الجواهر السليمانبة شرح المنظومة البيقونية\" (ص/٦١): (يعرف العلماء ذلك بأمور:\n١ - استفاضة ضبط الراوي بين الأئمة، وهذه الصورة هي أعلى الصور في هذا الباب.\n٢ - تزكية بعض أئمة الجرح والتعديل للراوي بأنه يحفظ حديثه ويتقنه.\n٣ - سَبْر روايات الراوي، ومقارنتها بروايات غيره من الثقات؛ لينظر هل يوافقهم أم يخالفهم؟ ويُحْكَم على حديثه بعد ذلك بما يستحق، كما قال ابن معين: قال لي إسماعيل بن علية يومًا: كيف حديثي؟ قلت: أنت مستقيم الحديث، فقال لي: وكيف علمتم ذاك؟ قلت له عارَضْنا بها أحاديث الناس، فرأيناها مستقيمة، فقال: الحمد لله. . . اهـ (١).\n٤ - إذا نصُّوا على أن الراوي ثقة، وليس له كتاب، فهذا يدل على أنه يحفظ حديثه في صدره.\n٥ - ومن ذلك قول الراوي عن نفسه:\" ما كتبت سوداء في بيضاء \" أو \" ما يضُرُّني أن تُحْرَق كتبي\" ونحو ذلك مما يدل على إتقانه لحديثه.\n٦ - باختبار الراوي، وللاختبار صور، منها:\nأ - أن يأتي إليه أحد أئمة الجرح والتعديل، فيسأله عن بعض الأحاديث، فيحدثه بها على وجه ما، ثم يأتي إليه بعد زمن، فيسأله عن الأحاديث نفسها، فإن أتى بها كما سمعها منه في المرة الأولى؛ علم أن الرجل ضابط لحديثه، ومتقن له، أما إذا خَلَّط فيها، وقَدَّم وأَخَّر؛ عَرَفَ أنه ليس كذلك، وتكلم فيه على قدر خطئه\n_________\n(١) - انظر \" سؤالات ابن محرز \" (٢/ ٣٩) اهـ نقلًا عن \" الإرشادات \" (ص ٢١) للشيخ طارق عوض الله - حفظه الله -.","vol":"1","page":67},{"text":"ونوعه، فإن كانت هذه الأخطاء يسيرة عددا ونوعا؛ احتملوها له إذا كان مكثرا، وإلا طُعِن فيه.\nومسألة كثرة الخطأ وقلته مسألة نسبية، ترجع إلى كثرة حديث الراوي وقلته، فمن كان مكثرًا من أحاديثه الصحيحة، وأخطأ في أحاديث قليلة؛ احْتُمِل له ذلك الخطأ، كمن كان عنده عشرة آلاف حديث - مثلًا - وأخطأ في عشرين حديثًا منها، وهذا بخلاف من لم يكن عنده إلا حديث واحد - مثلا - وأخطأ فيه، فمثل هذا يكون متروكا، أو كمن عنده عشرة أحاديث، وأخطأ في خمسة منها؛ فهذا يطعن فيه مع أن الخطأ في عشرين حديثًا، أو خمسين حديثًا، لا يضر من كان مكثرًا، واسع العلم والحصيلة.\nإلا أن النظر لا يقتصر على مسألة القلة والكثرة فقط، بل يُراعَى في ذلك أيضًا نوع الخطأ: فقد يكون الخطأ قليلًا، إلا أنه فاحش، فيذهب بحديث الراوي، كما جاء عن الدارقطني أنه قال في الربيع بن يحيى بن مقسم: حَدَّث عن الثوري عن ابن المنكدر عن جابر، قال: جَمَع النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم - بين الصلاتين، ثم قال: وهذا حديث ليس لابن المنكدر فيه ناقة ولاجمل، وهذا يُسقط مائة ألف حديث \" وقال أبو حاتم في \"العلل \": \" هذا باطل عن الثوري \" اهـ (١).\nب - وهناك صورة أخرى لاختبار الرواة لمعرفة ضبطهم، وهي أن يُدْخِل الإمام منهم في حديث الراوي ما ليس منه، ثم يقرأ عليه ذلك كله، موهمًا أن الجميع حديثه، فإن أقره وقبله، مع ما أُدخل فيه؛ طعن في ضبطه، وإن ميز حديثه من غيره؛ علم أن الرجل ضابط، ومثال ذلك: ما حصل من يحيى بن معين مع أبي نعيم الفضل بن دكين الكوفي (٢) ولعل لذلك صلة بالتلقين الآتي في الصورة الثالثة.\nج - ومن صور الاختبار - أيضًا - أن يلقن الإمام منهم الراوي بقصد اختباره شيئا في السند أو في المتن، لينظر هل سيعرف ويميز؛ فيرد ما لُقِّنَه، أو لا يميز؛ فيقبل ما أُدخل عليه، فإن ميز؛ فهو ضابط، وإلا فغير ضابط.\nومن قبول التلقين: أن يسأل الإمامُ أحدَ الرواة عن مجموعة من الأحاديث،\n_________\n(١) - انظر: \" تهذيب التهذيب \" (٢/ ٢٢٧).\n(٢) - انظر \" تاريخ بغداد \" (٣/ ٣٥٣) ترجمة أبي نعيم.","vol":"1","page":68},{"text":"أي هل حدثك فلان بكذا وكذا، وليس ذلك من حديثه، فإن أجابه بنعَم؛ عَرف ضعفه وغفلته، ويُعبِّر علماء الجرح والتعديل عن الراوي الضعيف في مثل ذلك بقولهم: \" فلان يُجيب عن كل ما يُسْأل عنه \" والله أعلم.\nد - إغراب إمام من الأئمة على الراوي بالحديث، فيقلب سنده، أو متنه، أو يركب سند حديث على متن حديث آخر، أو العكس، ليعرف ضبط الراوي من عدمه أو قلته، ويحكم عليه بما يستحق حسب حِذْقه، وفطنته، وضبطه، أو غفلته، وعدم فهمه، وهذا يفعله الشيوخ مع تلاميذهم لمعرفة نباهتهم وتيقظهم، والعكس، كما جرى من حماد بن سلمة مع ثابت البناني (١).\n٧ - وكذلك يُعرف الضبط بالمذاكرة، كما قال أبوزرعة: كان أحمد بن حنبل يحفظ ألف ألف حديث، فقيل له: ومايدريك؟ قال: ذاكرتُه، فأخذت عليه الأبواب \" اهـ (٢).\n٨ - بالنظر في كتاب الراوي: فيُعرف اختلاطه - مثلًا - وذلك إذا كانت رواية القدماء عنه مستقيمة، ورواية الأحداث عنه مضطربة، فَيُعْلَم من ذلك اختلاطه بأخرة.\nبل يُعلم من خلال النظر في الكتاب: هل هو مدلِّس أم لا؟ فإن كانت رواياته التي صرح فيها بالسماع عن الثقات مستقيمة، والتي يعنعن فيها مضطربة، وكذا التي قد يُظهر فيها واسطة ضعيفة، عُلم بذلك تدليسه، فمن خلال النظر في الكتاب يُعلم ضبط الراوي وعدمه، والله أعلم).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-56>٥ - بم يعرف ضبط الكتاب</span>؟\nوقال الشيخ المأربي (ص/٦٥): (يُعْرف ذلك بعدة أمور:\n١ - التنصيص من إمام على أن فلانًا صحيح الكتاب، أو أن كتابه هو الحَكَم بين المحدثين، أو أن كتابه كثير العجم والتنقيط، ونحو ذلك مما يدل على ضبطه لكتابه.\n٢ - أن يصرح الراوي الثقة بضبطه كتابه، كأن يقول: إذاكان كتابي معي\n_________\n(١) - انظر \" الجرح والتعديل \" (٢/ ٤٤٩).\n(٢) - انظر مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص/٨٥).","vol":"1","page":69},{"text":"فلا أبالي أن يكون فلان من الأئمة عن يميني، والآخر عن شمالي.\n٣ - التنصيص على أن أصل الراوي الذي يُحدِّث منه مُقَابلٌ على أصل شيخه، أو على نسخة معتمدة منه.\n٤ - أن يوافق حديثُهُ الذي يرويه من كتابه حديثَ الثقات، فإن هذا يدل على ضبطه لكتابه، وقد يكون عنده ضبط صدر، وقد لايكون.\n٥ - التنصيص على أنه لم يكن يُعير كتابه، ولايُخْرِج أصله من عنده؛ لأن فاعل ذلك قد ينسى المعار إليه، وقد يعيره للمأمون وغير المأمون؛ فيؤدي ذلك إلى إدخال شئ في كتابه، وهو ليس من حديثه، وقد لا يميز ذلك، لاسيما إذا لم يكن عنده حفظ وإتقان لحديثه، فيسقط حديثه).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-57>المسألة الرابعة:</span>\nقال الصنعاني في توضيح الأفكار (١/ ٨): [(ولم يشترط) الخطابي في رسم الصحيح (الضبط) كما اشترط غيره من أئمة الحديث، قال السيوطي في شرح ألفيته: قال الحافظ ابن حجر: قول الخطابي (وعدلت نقلته) مغن عن التصريح باشتراط الضبط؛ لأن المعدل من عدله النقاد أي وثقوه، وإنما يوثقون من اجتمع فيه العدالة والضبط بخلاف من عرفه بلفظ العدل فيحتاج إلى زيادة قيد الضبط فلا اعتراض عليه].\nولا يخفى ما فيه من تكلف، فظاهر قوله: (وعدلت نقلته) أي شهدوا له بالعدالة، وأما الضبط فهو شرط زائد على ذلك وليس في عبارة الإمام الخطابي ما يشير إلى اشتراطه، وظاهر كلام الحافظ التسوية بين قولهم: (وعدلت نقلته)، و: (وثقت نقلته)، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-58>المسألة الخامسة:</span>\nقال الإمام الذهبي في الموقظة: [تُشتَرَطُ العدالةُ في الراوي كالشاهد، ويمتازُ الثقةُ بالضبطِ والإتقان]. فظاهر هذه العبارة أن الثقة عنده من جمع مع العدالة الضبط والإتقان؛ وعليه فقد تعقب البعض الذهبي بأنه قد أسهب في عبارة التعريف، وكان الأخصر أن يقول: هو ما دار على ثقة.\nقال السيوطي في تدريب الراوي (١/ ٦٣): [كان الأخضر أن يقول - أي","vol":"1","page":70},{"text":"النووي في التقريب -: بنقل الثقة؛ لأنه من جمع العدالة، والضبط، والتعاريف تصان عن الإسهاب].\nوهذا التعقب ليس بشيء، فقد آثر الذهبي التطويل، وعدل عن الاختصار؛ زيادةً في البيان، ودفعًا للتوهم، فقد بين - ﵀ - أن الثقة عند المتأخرين يطلق على من لم يُجْرَح، مع ارتفاع الجهالةِ عنه، قال الإمام الذهبي في الموقظة: [وقد اشتَهَر عند طوائف من المتأخرين، إطلاقُ اسم (الثقة) على من لم يُجْرَح، مع ارتفاع الجهالةِ عنه. وهذا يُسمَّى: مستورًا، ويُسمىَّ: محلهُّ الصدق، ويقال فيه: شيخ].\nوقد أشار طاهر الجزائري في توجيه النظر إلى أصول الأثر (١/ ١٨١) إلى هذا التعقب على التعريف، وأجاب عنه بنحو ذلك فقال: [فأورد عليه بأن الاختصار يقتضي أن يقال: بنقل ثقة عن مثله؛ فإن الثقة هو الجامع بين وصف العدالة والضبط، وأجيب عن ذلك: بأن الثقة قد يطلق على من كان مقبولا، وإن لم يكن تام الضبط، والمعتبر في حد الصحيح إنما هو تام الضبط، ولذا فسروا الضابط في تعريفه بتام الضبط].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-60>قوله: (واتَّصَل سَنَدُه).\nفيه مسائل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-61>المسألة الأولى: معنى الاتصال:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-62>أ - لغة: </span>قال الفيروزآبادي في القاموس المحيط: [وَصَلَ الشيءَ بالشيءِ وَصْلًا وصُلَةً بالكسر والضم ووصَّلَهُ: لأَمّهُ ووصِلَكَ اللهُ بالكسرِ لُغَةٌ والشيءَ وإليه وُصولًا ووُصْلَةً وصِلَةً: بَلَغَهُ وانتهى إليه. وأوْصَلَهُ واتَّصَلَ: لم يَنْقَطِعْ ...]. ...\n<span data-type=\"title\" id=toc-63>ب - اصطلاحًا:</span>\nقال الحافظ في شرح النخبة (ص/٢٥): [المتصل: ما سلم إسناده من سقوط فيه، بحيث يكون كل من رجاله سمع ذلك المروي من شيخه].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-64>تنبيه:</span>\nقال طاهر الجزائري في توجيه النظر (١/ ١٧٤): [تنبيه: لا يقال المتصل في","vol":"1","page":71},{"text":"حال الإطلاق إلا في المرفوع والموقوف، وأما في حال التقييد فيسوغ أن يقال في المقطوع، وهو واقع في كلامهم يقولون: هذا متصل إلى سعيد بن المسيب، أو إلى الزهري، أو إلى مالك] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-65>المسألة الثانية: معنى السند:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-66>أ- لغة: </span>قال الجوهري في \"الصحاح\": [السَنَدُ: ما قابلك من الجبلِ وعلا عن السفح. وفلان سَنَدٌ، أي معتمَدٌ. وسَنَدْتُ إلى الشئ أسند سنودا، واستندت بمعنى. وأَسْنَدْتُ غيري. والإسنادُ في الحديث: رفْعُه إلى قائله].\n<span data-type=\"title\" id=toc-67>ب - اصطلاحًا:</span>\nقال السخاوي في فتح المغيث (١/ ١٦): [المتصل الإسناد: أي السالم إسناده، الذي هو كما قال شيخنا في شرح النخبة: الطريق الموصلة إلى المتن، مع قوله في موضع آخر منه: إنه حكاية طريق المتن، وهو أشبه فذاك تعريف السند].\nقال ابن جماعة في المنهل الروي (١/ ٢٩): [وأما السند فهو الإخبار عن طريق المتن، وهو مأخوذ إما من السند وهو ما ارتفع وعلا عن سفح الجبل لأن المسند يرفعه إلى قائله، أو من قولهم فلان سند أي معتمد، فسمي الإخبار عن طريق المتن سندا لاعتماد الحفاظ في صحة الحديث وضعفه عليه. وأما الإسناد فهو رفع الحديث إلى قائله والمحدثون يستعملون السند والإسناد لشيء واحد].\nقال الصنعاني في توضيح الأفكار: (١/ ٨): [السند هو الإخبار عن طريق المتن من قولهم (فلان سند) أي معتمد سمي سندا لاعتماد الحفاظ في صحة الحديث وضعه عليه وأما الإسناد فهو رفع الحديث إلى قائله وقد يستعمل كل منهما في مكان الآخر فقوله (ما اتصل سنده) احتراز عن المتقطع وهو الذي لم يتصل سنده بأقسامه ويأتي بيان أقسامه في كلام المصنف].\n\nالمسألة الثالثة: بمَّ يعرف اتصال السند؟\nقال الفهري في السنن الأبين (ص/ ٤١ - ٤٢: ([اعلم أن البيِّن اتصاله من الحديث ما قال فيه ناقلوه: سمعت فلانا، أو حدثنا، أو أنبانا، أو نبأنا، أو أخبرنا\n_________\n(١) - وسوف يأتي بإذن الله ذكر الخلاف في هذه المسألة في باب المتصل في محله من الرسالة.","vol":"1","page":72},{"text":"، أو خبرنا، أو قرأ علينا، أو قرأنا، أو سمعنا عليه، أو قال لنا، أو حكى لنا، أو ذكر لنا، أو شافهنا، أو عرض علينا، أو عرضنا عليه، أو ناولنا، أو كتب لنا إذا كتب له ذلك الشيء بعينه وكان يعرف خط الكاتب إليه، وفي اعتماده على إخبار الموصل الثقة بأنه خطه وكتابه وإلغاء الواسطة نظر الأصح إلغاؤها والأخلص اعتبارها وتبيين الحالة كما وقعت أو ما أشبه ذلك من العبارات المثبتة للاتصال النافية للانفصال فهذه كلها لا إشكال في اتصالها لغة وعرفا إذا كان الطريق كله بهذه الصفة وإن خالف بعضهم في بعضها.\nوهذا الذي قلناه قبل أن يشيع اختصاص بعض هذه الألفاظ بالإجازة المعينة أو المطلقة على ما هو المعلوم من تفاصيل مذاهب المحدثين في ذلك ومن تخصيص بعض هذه الألفاظ ببعض الصور تمييزا لأنواع التحمل وتحرزا من الراوي تظهر به نزاهته على ما هو مفسر في مواضعه.\nويتلو ذلك ما شاع في استعمال المسندين وذاع في عرف المحدثين عند طلب الاختصار من إبراز عن في معرض الاتصال وهو الذي قصدناه].\nوقال المليباري في رسالته علوم الحديث في ضوء تطبيقات المحدثين النقاد: [وأما العنصر الثاني - أي اتصال السند - فيعرف بما يلي:\n١ - تصريح كل من سلسلة الإسناد بما يدل على سماعه للحديث من مصدره الذي روى عنه ذلك الحديث، كقوله ك (سمعت فلانًا) أو (سمعنا فلانًا) أو (حدثني فلان) أو (حدثنا) أو (قرأت عليه) أو (حدثني قراءة عليه) أو (حدثنا قراءة عليه) أو (أخبرني) أو (أخبرنا) أو (أنبأني) أو (أنبأنا) أو (قال لي) أو (قال لنا)، أو نحو ذلك من العبارات الدالة على أن الراوي قد لقي من فوقه، وأنه سمع منه ذلك الحديث.\n٢ - عنعنة الراوي، إذا لم يكن مدلسًا، أو مرسلًا، فتفيد عنعنته الاتصال، وأما إن كان الراوي المعنعن مدلسًا، فعنعنته تحمل على الانقطاع لقوة احتمال تدليسه في الإسناد بإسقاط شيخه الذي سمع منه هذا الحديث.\nوكذا الأمر إذا اختلف العلماء في سماع الراوي ممن فوقه عمومًا، ولم يتبين الراجح في ذلك، فإن الحكم على الإسناد باتصاله حينئذ متوقف على ما يزول به","vol":"1","page":73},{"text":"احتمال الانقطاع، من القرائن ...].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-68>قوله: (واتَّصَل سَنَدُه؛ فإن كان مُرسَلًا ففي الاحتجاج به اختلاف)</span>.\nظاهر هذه العبارة أنه يرى أن المرسل لم يتحقق فيه شرط اتصال السند، وأن العلماء من المحدثين والفقهاء مختلفون في الاحتجاج به، وسوف يأتي من كلامه أن المرسل منه: الصحيح، والحسن، والضعيف، والمطروح، والموضوع.\nوسوف يأتي الكلام على تعريف المرسل، والخلاف في الاحتجاج به، ومسائل كثيرة متعلقة به في محله من الرسالة - إن شاء الله -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-69>قوله: (وزاد أهلُ الحديث: سلامتَهُ من الشذوذِ والعِلَّة. وفيه نظر على مقتضى نظر الفقهاء، فإنَّ كثيرًا من العِلَل يأبَوْنها).\nفيه مسائل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-70>المسألة الأولى: تعريف الشاذ:</span>\nوسيأتي بمشيئة الله تعالى الكلام عليه تفصيليًا في محله من الرسالة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-71><span data-type=\"title\" id=toc-72>المسألة الثانية:</span></span>\nقال الزركشي في النكت على مقدمة ابن الصلاح (١/ ١٠٢): [هلا اكتفى - أي ابن الصلاح - بقوله \" الضابط \" عن قوله \" ولا يكون شاذا \"؛ لأن الضبط عبارة عن موافقة الثقات فيما يروونه فإن خالفهم لم يكن ضابطا، وهذا معنى الشاذ؟ فالجواب عن ذلك: أن مخالفة الثقات على قسمين: غالبة، ونادرة، فمتى خالف الثقات فيما رواه غالبا لم يكن حافظا، ومتى خالفهم نادرا ولو في حديث واحد كانت مخالفته شذوذا، فاحتاج المصنف أن يذكر في حد الصحيح السلامة من الشذوذ، وكون الراوي ضابطا.\nفإن قيل: هلا اكتفى بذكر السلامة من الشذوذ عن اشتراط الضبط في الراوي؛ لأن الشاذ هو الفرد المخالف، وإخلال الضبط يوجد لمخالفة الثقات غالبا، فحيث جعلنا الشذوذ يمنع من الحكم على الحديث بالصحة، وهو المخالفة في فرد واحد فبطريق أولى أن يمنع من خالف ففي أفراد كثيرة غالبة على رواية الثقات، وهو الذي قيل إنه يحصل به اختلال الضبط؟ فالجواب أنه أراد أن ينص عليها حتى يعلم ذلك بطريق","vol":"1","page":74},{"text":"المنطوق].\nومما يوضح ضررة التنصيص على اشتراط الضبط في الحديث الصحيح وعدم الاكتفاء بنفي الشذوذ أنه ليس كل مخالفة تكون شاذة، فقد تكون الزيادة في المتن بيانية، وفي السند من المزيد في متصل الأسانيد، فالاقتصار على اشتراط الخلو من الشذوذ دون الضبط يفتح المجال للاختلاف في شروط الحديث الصحيح تبعا للاختلاف في حقيقة الشاذ وضوابط رد الزيادات أو قبولها، بخلاف التنصيص على ضبط الراوي فهو محل اتفاق بين العلماء.\nأضف إلى أنه قد يفهم من اشتراط نفي الشذوذ دون التصريح باشتراط الضبط أنه يشترط في الحديث الصحيح أن يكون له طرق سالمة من المخالفة، فلا يشمل الأحاديث الغريبة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-73>المسألة الثالثة: الكلام على العلة </span>(١):\n<span data-type=\"title\" id=toc-74>١ - معنى العلة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-75>أ - لغة:</span>\nقال ابن فارس في معجم مقاييس اللغة مادة (عل): [(عل) العين واللام أصول ثلاثة صحيحة: أحدها تكرُّرٌ أو تكرير، والآخر عائق يعوق، والثالث ضَعف في الشَّيء.\nفالأوَّل العَلَل، وهي الشَّرْبة الثانية. ويقال عَلَلٌ بعد نَهَل. والفعل يَعُلُّون عَلًاّ وعَلَلًا، والإبل نفسها تَعُلّ عَلَلا. قال:\nعافَتا الماءَ فلم نُعْطِنْهُما ... ... ... إنَّما يُعْطِن من يرجو العَلَلْ\nوفي الحديث: \" إذا عَلَّهُ ففيه القَود \"، أي إذا كرَّر عليه الضَّربَ. وأصله في المشْرَب. قال الأخطل:\n_________\n(١) - الإمام الذهبي - ﵀ - لم يفرد الكلام على الحديث المُعل، ولكنه ذكره مساويًا بينه وبين المضطرب، وحقيقة الأمر أن المضطرب داخل في قسم العلل، ولذا فإنني رأيت أنه من الفائدة هنا الكلام على الحديث المُعل بشيء من التفصيل؛ وذلك لأن العلة هي دعامة هذا العلم، وقد أهمل الكثيرون إعمالها من الناحية العملية، أو أنهم تبنوا فيه قولًا جانبه الصواب، ولذا فإنني رأيت أن أدون هنا شتات ما تفرق - مما وقفت عليه - حول هذا الموضوع، والله المستعان.","vol":"1","page":75},{"text":"إذا ما نديمي عَلَّنِي ثمَّ عَلَّني ... ... ... ثلاثَ زُجاجاتٍ لهنَّ هديرُ\nويقال أعلَّ القومُ، إذا شربت إبلُهم عَلَلا. قال ابنُ الأعرابيّ: في المثل: \"ما زيارتُك إيّانا إلاَّ سَوْمَ عالَّة\" أي مثل الإبل التي تَعُلّ. و\"عَرَض عليه سَوْم عالّة\". وإنّما قيل هذا لأنها إذا كرَّرَ عليها الشُّرْب كان أقلَّ لشُربها الثاني.\nومن هذا الباب العُلاَلة، وهي بقيّة اللَّبن. وبقيّةُ كلِّ شيء عُلالة، حتى يقالُ لبقيّة جَري الفرس عُلالة.\nقال:\nإلاّ عُلالة أو بُدَاهةَ ... ... ... قارحٍ نهدِ الجُزارَه\nوهذا كلُّه من القياس الأول؛ لأنَّ تلك البقيَّة يُعاد عليها بالحلب. ولذلك يقولون: عالَلْتُ النّاقة، إذا حَلبتها ثم رفَقت بها ساعةً لتُفِيق، ثم حلبتها، فتلك المُعَالّة والعِلاَل. واسم اللَّبن العُلالة. ويقال إنَّ عُلالَة السَّير أن تظنَّ الناقةَ قد ونت فتضربَها تستحثُّها في السَّير. يقال ناقةٌ كريمة العُلالة. وربما قالوا للرّجُل يُمدح بالسَّخاء: هو كريم العُلالة، والمعنى أنَّه يكرِّر العطاءَ على باقي حالِه. قال:\nفإلاَّ تكنْ عُقبي فإنَّ عُلاَلةً ... على الجهد من ولد الزّناد هَضومُ\nوقال منظور بن مَرثد في تعالِّ النّاقة في السَّير:\nوقد تعاللتُ ذَمِيل العَنْسِ ... ... ... بالسَّوط في ديمومةٍ كالتُّرْسِ ...\nوالأصل الآخَر: العائق يعوق. قال الخليل: العِلّة حدَثٌ يَشغَلُ صاحبَه عن وجهه. ويقال اعتلَّه عن كذا، أي اعتاقه. قال: فاعتلَّهُ الدّهرُ وللدّهرِ علَلْ.\nوالأصل الثالث: العِلّةُ: المرض، وصاحبُها مُعتلّ. قال ابنُ الأعرابيّ: عَلّ المريض يَعِلُّ عِلّة فهو عليل. ورجل عُلَلَة، أي كثير العِلَل.\nومن هذا الباب وهو باب الضَّعف: العَلُّ من الرِّجال: المُسِنّ الذي تَضاءل وصغُر جسمُه. قال المتَنَخِّل:\nليس بعلٍّ كبيرٍ لا حَرَاكَ به ... ... ... لكن أُثيلةُ صافي اللَّوْن مقتَبَلُ\nقال: وكلُّ مسِنٍّ من الحيوان عَلٌّ. قال ابنُ الأعرابيّ: العَلّ: الضعيف من كِبرَ أو مرض. قال الخليل: العَلُّ: القُرَاد الكبير. ولعلّه أن يكون ذهب إلى أنّه الذي أتت عليه مُدّةٌ طويلةٌ فصار كالمُسِنّ].","vol":"1","page":76},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-76>ب - اصطلاحًا:</span>\nقال هشام بن عبد العزيز الحلاف في رسالته (التعريف بعلم العلل): [تبين لي من خلال النظر في كتب العلل واستعمال الأئمة لها وتعاريفهم إياها أن مصطلح العلة يُستعمل عندهم باستعمالين: عام وخاص.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-77>العلة بالمعنى الخاص:</span>\nفأما العلة بمعناها الخاص فهي سبب خفي يقدح في صحة الحديث.\nوأول من وجدته قد أبان عن هذا المعنى بوضوح هو أبو عبد الله الحاكم، حيث قال في معرفة علوم الحديث - في النوع السابع والعشرين منه _: (وإنما يُعلل الحديث من أوجه ليس للجرح فيها مدخل، فإن حديث المجروح ساقط واهٍ، وعلة الحديث يكثر في أحاديث الثقات أن يحدثوا بحديث له علة فيخفى عليهم علمه فيصير معلولًا) (١).\nوهذا هو معنى قول عبد الرحمن بن مهدي: (لئن أعرف علة حديث عندي أحب إلي من أكتب عشرين حديثًا ليس عندي).\nثم جاء بعده ابنُ الصلاح - وقد حررَّ كلامَ الحاكم السابق - فقال في مقدمته: (وهي (أي العلة) عبارة عن أسباب خفية غامضة قادحة فيه، فالحديث المعلل هو الحديث الذي اطلع فيه على علة تقدح في صحته مع أن ظاهره السلامة منها) (٢).\nقال ابن حجر: (فعلى هذا لا يسمى الحديث المنقطع - مثلًا - معلولًا، ولا الحديث الذي راويه مجهول أو مضعف معلولًا، وإنما يسمى معلولًا إذا آل أمره إلى شيء من ذلك مع كونه ظاهر السلامة من ذلك. وفي هذا رد على من زعم أن\n_________\n(١) - وعقب د. همام عبد الرحيم سعيد في مقدمته لشرح علل الترمذي على كلام الحاكم بقوله: [وهذا من الحاكم محاولة أولى لتحديد مفهوم عام للعلة، ولا يمكن أن نسميه حدًا بما يحمله الحد من الضوابط، كما يلاحظ في كلام الحاكم قصر العلة على ما لا مدخل للجرح والتعديل فيه، وهو مخالف لمنهج كتب العلل التي احتوت على علل سببها جرح الراوي].\n(٢) - وعقب د. همام على كلام ابن الصلاح فقال: [وفي هذا التعريف دور لأنه أدخل العلة في تعريف المعلول إلى جانب أنه ذكر علة الإسناد ولم يشمل هذا التعريف علة المتن التي لا تقل أهمية عن علة الإسناد].","vol":"1","page":77},{"text":"المعلول يشمل كل مردود).\nوقال ابن حجر - أيضًا _: (وقد أفرط بعض المتأخرين فجعل الانقطاع قيدًا في تعريف المعلول، فقرأت في المقنع للشيخ سراج الدين ابن الملقن قال: ذكر ابن حبيش في كتاب علوم الحديث أن المعلول: أن يروي عمن لم يجتمع به كمن تتقدم وفاته عن ميلاد من يروي عنه، أو تختلف جهتهما كأن يروي الخراساني مثلًا عن المغربي ولا يُنقل أن أحدهما رحل عن بلده. قلت (أي ابن حجر): وهو تعريف ظاهر الفساد، لأن هذا لا خفاء فيه، وهو بتعريف مدرك السقوط في الإسناد أولى).\nوكل من جاء بعد ابن الصلاح - ممن عرف الحديث المعلول - هو على ما قاله ابن الصلاح، وعندهم أن الحديث المعلول يُشترط فيه شرطين:\nالأول: أن تكون العلة في الحديث خفية غامضة.\nالثاني: أن تكون العلة قادحة في صحة الحديث.\nولذا قال الإمام الذهبي في الموقظة: (فإن كانت العلة غير مؤثرة، بأن يرويه الثبت على وجه، ويخالفه واه، فليس بمعلول. وقد ساق الدارقطني كثيرًا من هذا النمط في كتاب العلل فلم يصب، لأن الحكم للثبت).\nوقال ابن حجر معقبًا على تعريف ابن الصلاح للحديث المعلول: (وفي هذا رد على من زعم أن المعلول يشمل كل مردود).\nقلت: ولاشك في خطأ قصر تعريف الحديث المعلول على ما ذكره ابن الصلاح، لأنني وجدت الأئمة المتقدمين قد أطلقوا العلة بمعنى أعم مما سبق _كما سيأتي _، وقد اقرّ بهذا ابن الصلاح كما سنورد كلامه بعد قليل. وإنما أراد الحاكم في تعريفه للحديث المعلول بيان أدق صوره وأغمض أنواعه - وعلى هذا المعنى وردت عبارات للأئمة ذكروا فيها صعوبة هذا العلم وغموضه ودقته - ولذلك أورد الحاكم بعد تعريفه السابق قول عبد الرحمن بن مهدي: (لئن أعرف علة حديث عندي أحب إلي من أكتب عشرين حديثًا ليس عندي)] (١).\n_________\n(١) - وقال د. هشام بعد أن ذكر تعريفي الحاكم، وابن الصلاح للعلة وتعقبهما بما سبق نقله عنه: [وأما الحافظ زين الدين عبد الرحيم العراقي (ت ٨٠٤هـ) فقد عرف العلة بقوله: العلة عبارة عن أسباب خفية غامضة طرأت على الحديث فأثرت فيه، أي قدحت في صحته. ويلاحظ على هذا التعريف: تكرار الألفاظ فيه، وقوله: طرأت يشعر بأن الحديث كان في أصله صحيحا، وليس ذلك بلازم؛ إذ قد تدخل العلة على الحديث الصحيح، وقد يكون الحديث من أصله معلولا، كأن يظهر بعد البحث أن الحديث لا أصل له، وإنما أدخل على الثقة فرواه.\nوقد نقل برهان الدين البقاعي (ت ٨٥٥هـ) في نكتة على ألفية العراقي كلاما آخر للعراقي جاء فيه: والمعلل خبر ظاهره السلامة اطلع فيه بعد التفتيش على قادح.\nوأما الحافظ ابن حجر (ت ٨٥٢هـ) فقد ذكر في تعريف المعلل أثناء كلامه على أنواع الضعيف فقال: ثم الوهم إن اطلع عليه بالقرائن وجمع الطرق فهو المعلل. ولا يصلح هذا لأن يكون حدا للعلة إذ هو بيان لطرق الكشف عن العلة.\nوما نختاره من هذه التعاريف هو ما نقله البقاعي عن العراقي: والمعلل خبر ظاهره السلامة اطلع فيه بعد التفتيش على قادح. وهو تعريف جامع مانع. وفيما يلي بيان لعناصر هذا التعريف يوضح أسباب اختياره:\n(أ) في قوله: خبر، ذكر لعلة السند، وعلة المتن؛ لأن الخبر يشمل السند والمتن.\n(ب) وفي قوله: ظاهرة السلامة، بيان أن العلة تكون في الحديث الذي رجاله ثقات الجامع شروط الصحة من ... حيث الظاهر.\n(ج) قوله: اطلع فيه بعد التفتيش، دليل على خفاء القادح، وعلى إمعان النظر، ولا يكون ذلك إلا من الناقد الفهم العارف.\n(د) وقوله: على قادح، تعميم لأسباب العلل لتشمل: العلل التي مدارها الحرج، وتلك الناشئة عن أوهام الثقات، وما يلتبس عليهم ضبطه من الأخبار؛ وبذلك يكون هذا التعريف مطابقا لواقع كتب العلل التي اشتملت على أحاديث كثيرة أعلت بجرح راو من رواتها].","vol":"1","page":78},{"text":"ثم قال هشام الحلاف: <span data-type=\"title\" id=toc-78>[العلة بالمعنى العام:</span>\nوالناظر في كلام أئمة الحديث - والمتقدمين منهم خاصة - يجدهم يطلقون العلة في الحديث بمعنى أعم مما تقدم فالعلة عندهم هي كل سبب يقدح في صحة الحديث سواء كان غامضًا أو ظاهرًا، وكل اختلاف في الحديث سواء كان قادحًا أو غير قادح.\nقال ابن الصلاح بعد أن عرف العلة بالمعنى الخاص: (ثم اعلم أنه قد يطلق اسم العلة على غير ما ذكرناه من باقي الأسباب القادحة في الحديث، المخرجة له","vol":"1","page":79},{"text":"من حال الصحة إلى حال الضعف، المانعة من العمل به على ما هو مقتضى لفظ العلة في الأصل. ولذلك تجد في كتب علل الحديث الكثير من الجرح بالكذب والغفلة وسوء الحفظ ونحو ذلك من أنواع الجرح. وسمى الترمذي النسخ علة من علل الحديث. ثم إن بعضهم أطلق اسم العلة على ما ليس بقادح من وجوه الخلاف، نحو إرسال من أرسل الحديث الذي أسنده الثقة الضابط، حتى قال: من أقسام الصحيح ما هو صحيح معلول!، كما قال بعضهم: من الصحيح ما هو صحيح شاذ!. والله أعلم).\nقال ابن حجر متعقبًا كلام ابن الصلاح السابق: (مراده بذلك أن ما حققه من تعريف المعلول قد يقع في كلامهم ما يخالفه، وطريق التوفيق بين ما حققه المصنف وبين ما يقع في كلامهم أن اسم العلة إذا أُطلق على حديث لا يلزم منه أن يسمى الحديث معلولًا اصطلاحًا. إذ المعلول ما علته قادحة خفية، والعلة أعم من أن تكون قادحة أو غير قادحة، خفية أو واضحة. ولهذا قال الحاكم: \" وإنما يعل الحديث من أوجه ليس فيها للجرح مدخل).\nقلت: وقول ابن حجر: (أن اسم العلة إذا أُطلق على حديث لا يلزم منه أن يسمى الحديث معلولًا اصطلاحًا) بعيد، وإلا فماذا يسمى حينئذ؟! (١)\nوكلام ابن الصلاح صحيح، والأمثلة كثيرة جدًا على ما ذكره ابن الصلاح من وجود أنواع من الجرح في كتب العلل. وقد يذكرون الحديث في كتب العلل لا لوجود جرح في أحد رواتها! وإنما من أجل عدم سماع راو من آخر، كما في علل ابن أبي حاتم: (١٣٨).\nبل وجدت ابن أبي حاتم أورد في كتابه العلل أحاديث لأغراض أخرى!\n_________\n(١) - يسميه معلول لغة، وههنا قد تحاكم كلٌّ إلى اصطلاحه، ومن المعلوم أن ابن حجر يشترط قيد القدح في العلة الاصطلاحية، وعليه فما هو ليس بقادح لا يسمى علة اصطلاحية عنده، والكاتب قد حاكم ابن حجر إلى اصطلاحه في إدخال العلل غير القادحة في مسمى العلل بالمعنى العام، وأرى أن الخلاف لفظي فمن أطلق العلة على غير القادح كالخليلي قسم الصحيح إلى معلول، وغير معلول، ومن لم يقبل هذا الإطلاق فالعلة عنده قادحة فقط، وسيأتي مزيد بحث حول اشتراط القدح في العلة بمشيئة الله.","vol":"1","page":80},{"text":"فأورد أحاديث من أجل الاستفهام عن أحد الرواة الواردين في الإسناد من هو؟!: (٢٩٥، ٦٦٠، ٦٩٣، ١١٠٨ وغيره).\nأو للسؤال عن نسب راو: (١٧١٨، ٢٥٩٣).\nأو لأجل تعيين مبهم: (٢٧٤٠).\nبل أعجب من هذا إدخاله حديثًا من أجل ما أشكل فيه من جهة العقيدة وما المراد به!: (٢١١٨).\nأو لأجل استنباط حكم فقهي قد يكون غريبًا: (١٢١٧)!!\nولذا قال الصنعاني بعد أن ذكر تعريف ابن الصلاح: (وكأن هذا تعريف أغلبي للعلة، وإلا فإنه سيأتي أنهم قد يعلون بأشياء ظاهرة غير خفية ولا غامضة، ويعلون بما لا يؤثر في صحة الحديث).\nوقد حاول السخاوي أن يخرج وجود العلل التي ليست بخفية في كتب العلل فقال: (ولكن ذلك منهم (أي من أصحاب كتب العلل الذين يذكرون ما ليس بخفي) بالنسبة للذي قبله قليل، على أنه يُحتمل أيضًا أن التعليل بذلك من الخفي، لخفاء وجود طريق آخر ينجبر بها ما في هذا من ضعف، فكأن المعلل أشار إلى تفرده)].\nوإليك بعض النقول مما يؤيد وجود العلة بالمعنى العام عند بعض المحدثين:\nقال ابن حجر في النكت (١/ ٢٣٥): [من العلل ما يجري على أصول الفقهاء وهي العلل القادحة. وأما العلل التي يعلل بها كثير من المحدثين ولا تكون قادحة فكثيرة. منها: أن يروي العدل الضابط عن تابعي مثلًا عن صحابي حديثًا فيرويه عدل ضابط غير مساو له في عدالته وضبطه وغير ذلك من الصفات العلية عن ذلك التابعي بعينه عن صحابي آخر، فإن مثل هذا يسمى على عندهم لوجود الاختلاف على ذلك التابعي في شيخه، ولكنها غير قادحة لجواز أن يكون التابعي سمعه من الصحابيين معًا من هذا جملة كثيرة].\nقال الشيخ مقبل في غارة الفصل على المعتدين على كتب العلل: [الأصل في العلة أنها سبب خفي يوجب ضعف الحديث لا يطلع عليها إلا جهابذة الحديث ونقاده.\nولكنهم قد يُعِلُّون بما علته ظاهرة كأن يكون في السند كذاب، أو ضعيف،","vol":"1","page":81},{"text":"أو مجهول، أو غير ذلك من أسباب الضعف، كما ستراه إن شاء الله في هذا الفصل.\nوما قرأنا في كتب المصطلح في تعريف العلة أنها سبب خفي .. إلخ؛ لا ينفي أنهم قد يُعِلُّون بما علته ظاهرة، ويكون التعريف أغلبي لا كلي. والله أعلم. ثم أخذ يسوق بعض الأمثلة على ذلك ...].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-79>٢ - فوائد:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-80>الأولى: علاقة المعنى اللغوي للعلة بالمعنى الاصطلاحي:</span>\nقال د. همام عبد الرحيم سعيد في مقدمته لشرح علل الترمذي (١/ ٢٠) بعد أن نقل عن ابن فارس وغيره معنى العلة لغة: [ولما كان من معاني عل في أصل اللغة الشربة الثانية كما ذكر ابن فارس في معنى هذه المادة فيكون هذا الاستعمال لا غبار عليه لا في اللغة ولا في الاصطلاح وتكون العلاقة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي أن العلة ناشئة عن إعادة النظر في الحديث مرة بعد مرة، وكما يقال معلول بهذا المعنى فإنه يقال معل لما دخل على الحديث من العلة بمعنى المرض وأما استعمال معلل فلا تمنعه القواعد إذا كان مشتقا من علله بمعنى ألهاه به وشغله ويكون معنى الحديث المعلل هو الحديث الذي عاقته العلة وشغلته فلم يعد صالحا للعمل به].\nوقال هشام الحلاف: [هناك علاقة بين المعنيين تظهر لنا فيما يلي:\nفعلاقة المعنى الاصطلاحي بالمعنى اللغوي الأول وهو التكرار ظاهرة، لأن الحديث المعلول لا يتبين فيه سبب الضعف إلا بعد تكرار النظر فيه، لأنه _كما سبق - فيه خفاء، ولذا لا بد من تكرار النظر في الحديث حتى تتبين سلامته من العلل الخفية.\nوأما علاقة المعنى الاصطلاحي بالمعنى اللغوي الثاني وهو العائق يعوق، فإن الحديث المعلول عاقته العلة عن تصحيحه والعمل به.\nوأما علاقة المعنى الاصطلاحي بالمعنى اللغوي الثالث وهو المرض فهي علاقة ظاهرة أيضًا، وذلك أن العلة إذا طرأت في الحديث أوجبت ضعفه.\nوالظاهر مما سبق إيراده أن أقرب هذه المعاني إلى اصطلاح المحدثين هو المعنى الثالث. إلا أن للمعنيين الآخرين علاقة بالعلة عند المحدثين، فالمعنى اللغوي الأول يدخل في وسيلة تحصيل العلة، والمعنى الثاني هو نتيجة وثمرة وجود العلة].","vol":"1","page":82},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-81>الثانية: ما هو القياس في الحديث الذي طرأت عليه العلة</span>؟\nقال هشام الحلاف: [القياس في الحديث الذي طرأت عليه علة (بمعنى المرض) أن يسمى (مُعَلّ) لأنه اسم مفعول من الفعل أعلّ. إلا أن المحدثين استعملوا (معلول)، وممن استعملها منهم:\n١_ البخاري في قصته المشهورة مع مسلم لما سأله عن علة حديث كفارة المجلس، وانظر مثالًا آخر في: علل الترمذي (١/ ٢٠٦).\n٢_ والترمذي في سننه: (١/ ١٦٣) (٣/ ٤٢٧).\n٣_ وأبوداود في رسالته لأهل مكة (٣٤).\n٤_ وابن خزيمة كما في السنن الكبرى للبيهقي (٣/ ١٩٨).\n٥_ والعقيلي في ضعفائه (١/ ٢٥٢) (٢/ ٨٣، ١٣٩) (٣،٨١).\n٦_ وابن حبان في صحيحه (٣/ ٤٠٨) (٤/ ٤٨٣) (٥/ ١٨٠،٣٤٢) (٦/ ٤٢٨) (٨/ ٣٠٢).\n٧_ والحاكم في معرفة علوم الحديث (٥٩، ١١٥).\n٨_ وأبونعيم في مستخرجه على صحيح مسلم: (١/ ٤٨).\n٩_ والخليلي في الإرشاد (١/ ١٥٧،٣٢٢، ٣٧٨) (٢/ ٨٠٩).\n١٠_ وابن عبدالبر في التمهيد (١٦/ ٢٣٧).\n١١_ والبيهقي في سننه الكبرى (١/ ١٩٧) (٤/ ١٤٣) (١٠/ ٢٥٧).\nوقد اختلف أهل اللغة في جواز هذا الاستعمال:\nفذهب بعضهم إلى منعه، وممن منعه من أهل اللغة: - ابن سيده (ت ٤٥٨هـ) صاحب المحكم حيث قال: (والعلة: المرض. علّ يعِل واعتل، وأعله الله، ورجل عليل. وحروف العلة والاعتلال: الألف والياء والواو، سميت بذلك للينها وموتها. واستعمل أبو إسحاق لفظة المعلول في المتقارب من العروض ...).\nثم قال: (والمتكلمون يستعملون لفظة المعلول في هذا كثيرًا، وبالجملة فلست منها على ثقة ولا ثلج، لأن المعروف إنما هو أعله الله فهو معل. اللهم إلا أن يكون على ما ذهب إليه سيبويه من قولهم: مجنون ومسلول من أنه جاء على جَنَنتُه وسَلَلته، وإن لم يُستعملا في الكلام استغني عنهما بأفعلت، قال: وإذا قالوا:","vol":"1","page":83},{"text":"جُن وسُلَّ فإنما يقولون جعل فيه الجنون والسل كما قالوا: حُزِن وفُسِل).\n_وقال الحريري (ت ٥١٦هـ) - كما في درة الغواص في أوهام الخواص _: (ويقولون للعليل: هو معلول، فيخطئون فيه، لأن المعلول هو الذي سقي العَلَل وهو الشرب الثاني، والفعل منه علَلْتُه، فأما المفعول من العلة فهو مُعَلَّ، وقد أعلّه الله تعالى).\n_ وقال الفيروزأبادي: (العلة - بالكسر _: المرض، علّ يَعِلّ، واعتل وأعله الله تعالى فهو مُعَلّ وعليل، ولا تقل: معلول، والمتكلمون يقولونها، ولست منه على ثلج).\nوتبعهم بعضُ المحدثين في تخطئة من يقول (معلول):\n_قال ابن الصلاح في معرفة أنواع علم الحديث - المشهور بمقدمة ابن الصلاح _: (النوع الثامن عشر: الحديث المعلل، ويسميه أهل الحديث المعلول، وذلك منهم ومن الفقهاء في قولهم في باب القياس: (العلة والمعلول) مرذول عند أهل العربية واللغة).\nوتبعه النووي والعراقي والأبنوسي والسيوطي.\nوذهب بعض أهل اللغة إلى جواز استعمال (معلول) في اللغة:\nقال الزركشي: (والصواب أنه يجوز أن يُقال: علّه فهو معلول، من العلة والاعتلال، إلا أنه قليل. ومنهم من نص على أنه فعل ثلاثي وهو ابن القوطية في كتاب الأفعال، فقال: (علّ الإنسان علة مرض، والشيء أصابته العلة) انتهى. وكذلك قاله قطرب في كتاب فعلت وأفعلت، وكذلك الليلي، وقال أحمد صاحب الصحاح: (علّ الشيء فهو معلول من العلة).\nويشهد لهذه العلة قولهم: عليل، كما يقولون قتيل وجريح. وظهر بما ذكرناه أن قول المصنف (مرذول) أجود من قول النووي في اختصاره (لحن) لأن اللحن ساقط غير معتبر البتة بخلاف المرذول).\nوقال العراقي: (واعترض عليه (أي على ابن الصلاح) بأنه قد حكاه جماعة من أهل اللغة، منهم: قطرب فيما حكاه اللبلي، والجوهري في الصحاح، والمطرزي في المغرب).","vol":"1","page":84},{"text":"وقال البلقيني: (فائدة: لا يُقال ليست مرذولة، حكاها صاحب الصحاح والمطرزي وقطرب، ولم يترددوا، وتبعهم غير واحد. لأنا نقول: المستعمل عند المحدثين والفقهاء والأصوليين إنما يقصدون به أن غيره أعله، لا أنه عُلّ بنفسه. والذي ذكره الجوهري: (عُلّ الشيء فهو معلول، وما ذكره في أول المادة من أن علّه الثلاثي يتعدى فذاك في السقي (أي بمعنى سقاه)، وحينئذ فصواب الاستعمال: المعلل إذا كان من أُعلّ).\nوالذي يظهر لي هو جواز استعمال (معلول) في وصف الحديث الذي طرأت عليه العلة، وذلك لأمور:\nالأول: أنه قد أجاز هذا الاستعمال بعض كبار أئمة اللغة كقطرب والجوهري والمطرزي وابن القوطية وغيرهم، ولذا لم يجزم ابن سيده بخطأ هذا الاستعمال.\nولذا قال السخاوي: (إلا أن مما يساعد صنيع المحدثين ومن أشير إليهم استعمال الزجاج اللغوي له، وقول صاحب الصحاح: علّ الشيء فهو معلول يعني من العلة، ونص جماعة كابن القوطية في الأفعال على أنه ثلاثي ...).\nالثاني: أن له مخرجًا لغويًا.\nقال الفيومي في المصباح المنير: (العلة: المرض الشاغل، والجمع عِلل مثل سدرة وسدر، وأعله الله فهو معلول، قيل: من النوادر التي جاءت على غير قياس، وليس كذلك فإنه من تداخل اللغتين، والأصل أعله الله فهو معلول، أو من علّه فيكون على القياس، وجاء معل على القياس لكنه قليل الاستعمال).\nالثالث: أن المحدثين استعملوا (معلول) والذي هو اسم مفعول لـ (علّ) بمعنى التكرار استعملوه اسمًا مفعولًا لـ (أعلّ) بمعنى المرض - والتي لا يصح عند أهل اللغة استعمال معلول منها _.\nولعل هذا جائز نظرًا لأن أصل الكلمتين واحد، ولوجود علاقة بين معنى الكلمتين، فإن معنى الكلمة الأولى وهو التكرار هو وسيلة لكشف العلة المأخوذ تعريفها من المعنى الثالث وهو المرض.","vol":"1","page":85},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-82>فائدة: أيهما أولى استعمال معلول أو معلل</span>؟\nاستعمال (معلول) أولى من استعمال بعض المحدثين (كابن الصلاح ومن جاء بعده) لـ (معلل)، إذ أن (معلل) اسم مفعول لـ (عَلَّلَ) وهو بمعنى ألهاه بالشيء وشغله به، وهذا لا يناسب المعنى الذي أراده المحدثون إلا بتجوز. ولذا انتقد هذا الاستعمال بعض المحدثين، وممن انتقده: الزركشي حيث قال: (وأما قول المحدثين: علله فلان بكذا، فهو غير موجود في اللغة، وإنما هو مشهور عندهم بمعنى ألهاه بالشيء وشغله، من تعليل الصبي بالطعام. لكن استعمال المحدثين له في هذا المعنى على سبيل الاستعارة).\nوقال العراقي: (والأحسن أن يقال فيه: معل بلام واحدة، لا معلل، فإن الذي بلامين يستعمله أهل اللغة بمعنى ألهاه بالشيء وشغله به، من تعليل الصبي بالطعام، وأما بلام واحدة فهو الأكثر في كلام أهل اللغة، وفي عبارة أهل الحديث أيضًا، لأن أكثر عبارات أهل الحديث في الفعل أن يقولوا: أعله فلان بكذا، وقياسه معل، وتقدم قول صاحب المحكم أن المعروف إنما هو أعله الله فهو معل، وقال الجوهري: لا أعلك الله أي لا أصابك بعلة). وتبعهما على ذلك السخاوي وزكريا الأنصاري والصنعاني وطاهر الجزائري. ولولا خشية الإطالة لذكرت كلامهم].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-83>٣ - أسباب العلة: </span>...\nقال د. همام في مقدمة شرح علل الترمذي (١/ ٩٠: ١١٨): [المبحث الأول في أسباب العلة من خلال كتاب ابن رجب: تمهيد:\nلقد حاولت من خلال استقراء شرح علل الترمذي لابن رجب وغيره من كتب العلل أن أحدد أهم الأسباب التي تؤدي إلى حدوث العلة إذ الكلام عن هذه الأسباب منظما مجتمعا لم يقع لي في كتاب من الكتب التي تعرضت للعلل ومع أن كتاب ابن رجب هو كتاب العلل الوحيد الذي تكلم على العلل كعلم له قواعده وأقسامه إلا أنه لم يفصل أسباب العلل في مبحث مستقل وإنما عرض لها في مواضع متفرقة ولعل دراستنا هذه هي بداية المحاولة في هذا الترتيب النظري لعلم العلل.\nوفيما يلي عرض لهذه الأسباب والكلام عليها مع ذكر كلام ابن رجب في كل","vol":"1","page":86},{"text":"منها.\nالسبب العام:\nهو الذي يقف وراء الكثير من هذه العلل إلا أنه الضعف البشري الذي لا يسلم منه مخلوق ولا عصمة إلا لله ولكتابه ولرسوله (١) وما وراء ذلك ناس يصيبون ويخطئون ويتذكرون وينسون وينشطون ويغفلون على ما بينهم من تفاوت في ذلك بين مكثر ومقل، ودخول الوهم والخطأ على الصحابة والتابعين والأئمة المتقدمين شيء معروف عند العامة والخاصة وقد أشار الترمذي في علله آخر الجامع إلى هذا في القسم الرابع من الرواة عنده وهم الحفاظ الذي يندر أو يقل الغلط في حديثهم وهؤلاء هم الطبقة العليا من الرواة فهو لم يصفهم بالضبط التام الكامل بل قال وإنما تفاضل أهل العلم بالحفظ والإتقان مع أنه لم يسلم من الخطأ والغلط كبير أحد من الأئمة فالضبط التام الكامل هو ضبط نسبي يدخل فيه الوهم والخطأ القليل النادر وهذا احتراز ينبغي أن يدخل صراحة في شرط رجال الصحيح وإن كان قد تناوله تعريف الحديث الصحيح بصورة غير مباشرة عند ذكرهم سلامة الحديث من الشذوذ والعلة القادحة.\nوقد تناول ابن رجب في شرحه لعلل الترمذي هذا القسم الرابع الذي ذكره الترمذي بالشرح وذكر أقوال العلماء في أخطاء الثقات وأوهامهم فقال: وذكر الترمذي ههنا حكم القسم الرابع وهم الحفاظ المتقنون الذين يقل خطؤهم وذكر أنه لم يسلم من الخطأ كبير أحد من الأئمة على حفظهم.\nوقال ابن معين: من لم يخطئ في الحديث فهو كذاب.\nوقال أيضا: لست أعجب ممن يحدث فيخطئ إنما أعجب ممن يحدث فيصيب.\nوقال ابن المبارك: ومن يسلم من الوهم، وقد وهمت عائشة جماعة من الصحابة في رواياتهم وقد جمع بعضهم جزءا في ذلك. ووهم سعيد بن المسيب ابن عباس في قوله تزوج النبي ميمونة وهو محرم ...\n_________\n(١) - وإجماع الأمة لقوله صلى الله عليه وسبم: (لا تجتمع أمتي على ضلالة).","vol":"1","page":87},{"text":"وأما أوهام كبار أئمة الحديث فقد ذكر ابن رجب أقوالا فيها:\nقال أحمد: كان مالك من أثبت الناس وكان يخطئ.\nوقال البرذعي شهدت أبا زرعة وذكر عبد الرحمن بن مهدي ومدحه وأطنب في مدحه وقال: وهم في غير شيء ثم ذكر عدة أسماء صحفها، وهذه الأسماء ورد النص بها في كتاب البرذعي، وهي: قول ابن مهدي شهاب بن شريفة وإنما هو شهاب بن شرنقة، وقال عن هشام عن الحجاج عن عائذ بن بطة، وإنما هو ابن نضلة. وقال: قيس بن جبير وإنما هو قيس بن حبتر (وزن جعفر) التميمي ...\nونختم هذا السبب العام الذي لا يكاد يخرج من تأثيره أحد من الحفاظ بما ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل وهو نص يؤكد وقوع بعض الأوهام في روايات الحفاظ ويكشف عن القدر من الخطأ الذي يبقى معه الحافظ الضابط الإمام على رتبته في الإمامة والضبط: (أنا) أبي أخبرنا سليمان بن أحمد الدمشقي قال قلت لعبد الرحمن بن مهدي اكتب عمن يغلط في عشرة قال نعم قيل له يغلط في عشرين قال نعم قلت فثلاثين قال نعم قلت فخمسين قال نعم.\nوهكذا فإنه يمكننا أن نرجع قسما لا بأس به من علل الحديث لأخطاء مثل هؤلاء الجهابذة ويعتبر كشف هذه العلل من أعلى مراتب هذا العلم وذلك لخفائها واستتارها بمنزلتهم في الحفظ والضبط ...\nالسبب الثاني:\nهو ما اتصف به بعض رواة الآثار من خفة الضبط، وكثرة الوهم مع بقاء عدالتهم وهؤلاء هم الذين ذكرهم الترمذي في علله (آخر الجامع) بقوله: أهل صدق وحفظ ولكن يقع الوهم في حديثهم كثيرا.\nوعلى أسلوب ابن رجب في توليد الموضوعات من الكلمات فقد شرح عبارة الترمذي وحشد لها عيون الشواهد من كلام أرباب هذه الصنعة فقال: (وهم أيضا أهل صدق وحفظ ولكن يقع الوهم في حديثهم كثيرا ولكن ليس هو الغالب عليهم وهذا هو القسم الذي ذكره الترمذي ههنا وذكر عن يحيى بن سعيد أنه ترك حديث هذه الطبقة. وعن ابن المبارك وابن مهدي ووكيع وغيرهم أنهم حدثوا عنهم وهو أيضا رأي سفيان وأكثر أهل الحديث والمصنفين منهم في السنن والصحاح كمسلم","vol":"1","page":88},{"text":"بن الحجاج وغيره فإنه ذكر في مقدمة كتابه أنه لا يخرج حديث من هو متهم عند أهل الحديث أو عند أكثرهم ولا من الغالب على حديثه المنكر أو الغلط. وذكر قبل ذلك أنه يخرج حديث أهل الحفظ والإتقان وأنهم على ضربين:\nأحدهما من لم يوجد في حديثه اختلاف شديد ولا تخليط فاحش.\nوالثاني من هو دونهم في الحفظ والإتقان وشملهم اسم الصدق والستر وتعاطى العلم كعطاء بن السائب ويزيد بن أبي زياد وليث بن أبي سليم).\nمن كل هذا نعلم أن حديث هؤلاء الذين كثر غلطهم مقبول عند جماهير علماء الحديث ولا يعني قبول حديثهم أن يؤخذ دونما تمييز بين الصواب والخطأ بل استطاع النقاد أن يحصوا ما لهم من أوهام ويسجلوا شوارد أخبارهم شواذها فكان نصيب كتب العلل من هذه الأوهام كبيرا وكثيرا ما نقرأ الحديث في هذه الكتب ثم تذكر علته ويقال بعد ذلك أخطأ فيه شريك وهم فيه عطاء الخراساني وهكذا.\nوقد ذكر ابن رجب في شرحه لعلل الترمذي عددا من هؤلاء الثقات الذين يكثر الخطأ في حديثهم مع ترجمة قصيرة لكل منهم فأنار سبيل سالك هذا الدرب بمعرفتهم وأتاح لدارسي الكتاب فرصة كشف كثير من العلل، فذكر من هذا الصنف محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي، وعبد الرحمن بن حرملة المدني، وشريك بن عبد الله النخعي قاضي الكوفة، وأبا بكر بن عياش المقرئ الكوفي، والربيع بن صبيح ومبارك بن فضالة، وسهيل بن أبي صالح، ومحمد بن إسحاق، ومحمد بن عجلان، وحماد بن سلمة وغيرهم ...\nالسبب الثالث: الاختلاط أو الآفة العقلية:\nوقد تكلم ابن رجب عن هذا السبب أثناء الكلام عن اختلاط المشاهير من الثقات ...\nمفهوم الاختلاط:\nوالاختلاط آفه عقلية تورث فسادا في الإدراك وتصيب الإنسان في آخر عمره أو تعرض له بسبب حادث ما كفقد عزيز أو ضياع مال ومن تصيبه هذه الآفة لكبر سنة يقال فيه: اختلط بأخرة.\nورغم أن كثيرا من الناس يختلطون إلا أن الاختلاط إذا أطلق انصرف إلى فئة","vol":"1","page":89},{"text":"قليلة منهم وهي فئة المحدثين وذلك لما في اختلاط المحدث من أثر على روايته لا سيما وأنه الثقة العدل المحتج به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-84>الكشف عن الاختلاط:</span>\nوالكشف عن الاختلاط يلقي على الناقد رجل العلل مهمة عسيرة وشاقة إلى جانب أنها دقيقة وخطيرة فهي لا تقتصر على متابعة المحدث في فترة دون فترة أو مكان دون آخر أو عن شيخ دون سواه بل تمتد مهمة رجل العلل حتى وفاة الرجل موضع النقد والعلة ولمعرفة طريقة النقاد في الكشف عن الاختلاط وتحديد زمنه يحسن بنا أن نستشهد بما ذكره البرذعي في مسائله لأبي زرعة الرازي قال: قلت لأبي زرعة: قرة بن حبيب تغير؟ فقال: نعم كنا أنكرناه بأخرة غير أنه كان لا يحدث إلا من كتابه ولا يحدث حتى يحضر ابنه ثم تبسم فقلت لم تبسمت قال أتيته ذات يوم وأبو حاتم فقرعنا عليه الباب واستأذنا عليه فدنا من الباب ليفتح لنا فإذا ابنته قد لحقت وقالت يا أبت إن هؤلاء أصحاب الحديث ولا آمن أن يغلطوك أو أن يدخلوا عليك ما ليس من حديثك فلا تخرج إليهم حتى يجيء أخي تعني علي بن قرة فقال لها أنا أحفظ فلا أمكنهم ذاك فقالت لست أدعك تخرج إليهم فإني لا آمنهم عليك فما زال قرة يجتهد ويحتج عليها في الخروج وهي تمنعه وتحتج عليه في ترك الخروج إلى أن يجيء علي بن قرة حتى غلبت عليه ولم تدعه. قال أبو زرعة فانصرفنا وقعدنا حتى وافى ابنه علي. قال أبو زرعة فجعلت أعجب من صرامتها وصياتنها أباها ...\nوأحيانا كان الناقد يدخل على المختلط يخضعه لاختبار دقيق فيقلب عليه الأسانيد والمتون ويلقنه ما ليس من روايته فإن لم يتنبه الشيخ لما يراد به فإنه يتأكد اختلاطه ويحذر الناس من الرواية عنه؛ روى أبو محمد الرامهرمزي من طريق يحيى بن سعيد قال: قدمت الكوفة وبها ابن عجلان وبها من يطلب الحديث مليح بن وكيع وحفص بن غياث وعبد الله بن إدريس ويوسف بن خالد التيمي قلنا نأتي ابن عجلان نقلب على هذا الشيخ ننظر فهمه قال فقلبوا فجعلوا ما كان عن سعيد عن أبيه وما كان عن أبيه عن سعيد ثم جئنا إليه لكن ابن إدريس تورع وجلس بالباب وقال لا أستحل وجلست معه ودخل حفص ويوسف بن خالد ومليح فسألوه","vol":"1","page":90},{"text":"فمر فيها فلما كان عند آخر الكتاب انتبه الشيخ فقال أعد العرض فعرض عليه فقال ما سألتموني عن أبي فقد حدثني به سعيد وما سألتموني عن سعيد فقد حدثني به أبي.\nولكن بصيرة الناقد ويقظة المجتمع ليس لهما تلك القدرة التي تحدد ساعات بدء الاختلاط إذ الاختلاط حالة عقلية تبدأ خفية ثم يتعاظم أمرها بالتدريج وبين الخفاء والظهور يكون المختلط قد روى أحاديث تناقلها الثقات عن الثقات وما دورا أنهم أخذوها عن الثقة ولكن في اختلاطه، وهكذا تدخل العلة من هذا الطريق الذي هو طريق الاختلاط ولكن رجال هذا العلم بما لديهم من وسائل الدراية يقفون بالمرصاد لتمييز الصحيح من السقيم ...\nوقد ذكر ابن رجب طائفة من مشاهير المختلطين وفصل أحوالهم وما يتعلق باختلاطهم وهم عطاء بن السائب الثقفي وحصين بن عبد الرحمن السلمي وسعيد بن إياس الجريري وسعيد بن أبي عروبة وعبد الرحمن بن عبد الله المسعودي وأبان بن صمعة وسفيان بن عيينة وأبو قلابة الرقاشي ومحمد بن الفضل السدوسي ...\nذكر ضابط التمييز بين السماع قبل الاختلاط وبعده:\nوقد فصل ابن رجب في هذا الأمر وجمع أقوال العلماء التي تصلح ضابطا للتمييز بين الرواية عنه قبل الاختلاط وبعده ونرى مثل هذا في كلامه على اختلاط عطاء بن السائب فقال: وقد اختلفوا في ضابط من سمع منه قديما ومن سمع منه بأخرة - فمنهم من قال من سمع منه بالكوفة فسماعه صحيح ومن سمع منه بالبصرة فسماعه ضعيف - ومنهم من قال دخل عطاء البصرة مرتين فمن سمع منه في المرة الأولى فسماعه صحيح ومنهم الحمادان والدستوائي ومن سمع منه في المقدمة الثانية فسماعه ضعيف منهم وهيب وإسماعيل بن علية - ومنهم من قال إن حدث عطاء عن رجل واحد فحديثه جيد وإن حدث عن جماعة فحديثه ضعيف وهو ضابط التمييز عند شعبة بالنسبة لروايات عطاء - ومنهم من قال حديث شعبة وسفيان عنه صحيح لأنه قبل الاختلاط.\nالسبب الرابع: خفة الضبط بالأسباب العارضة:\nونقصد بالأسباب العارضة أمورا تعرض للمحدث تؤثر في ضبطه دون أن","vol":"1","page":91},{"text":"تؤثر في إدراكه وبهذا نميز هذه الأمور العارضة عن الاختلاط ولا أرى ضمها إلى الاختلاط كما فعل السخاوي في كتابه فتح المغيث وهذه العوارض تعتري المحدث الذي يعتمد على كتابه في الرواية فإذا ضاع الكتاب أو احترق أو أضر الراوي أو لم يصطحب كتابه معه إذا رحل في كل هذه الحالات يختل ضبط الراوي ويكون سبب خفة الضبط هذا العارض الذي اعترض المحدث ...\nولكن ضبط الكتاب لا يغني وبالتالي يقع المحذور في حالة بعد الكتاب أو فقده وفقد آلة النظر في الكتاب ومن هنا دخلت العلة في أحاديث بعض الثقات فكان لا بد من دخول الناقد رجل العلل في دائرة أحاديث هؤلاء الثقات لتمييز سقيمها ومعلولها من صحيحها ومستقيمها.\nوممن خف ضبطه لبعده عن كتبه معمر بن راشد ... ومن الحفاظ من خف ضبطه لضياع كتبه فدخلت الأوهام على حديثه فمنهم علي بن مسهر القرشي الكوفي قاضي الموصل ولي قضاءها للمهدي (سنة ١٦٦هـ) وكان ثقة صالح الكتاب قبل ذهاب كتبه.\nومن أسباب خفة الضبط - وبالتالي دخول الوهم والعلل- الانشغال عن العلم حفظا وكتابة وضبطا وقد ذكر هذا السبب في علل من تولوا القضاء كشريك بن عبد الله النخعي وحفص بن غياث ...\nومن الثقات من فقد بصره وكان يعتمد على كتبه فخف ضبطه ووهم فيما حدث به بعد ذلك وهؤلاء كثيرون منهم عبد الرزاق بن همام ... وقد ذكر ابن رجب ضابطا لرواية الضرير والأمي فقال وهذا يرجع إلى أصل وهو أن الضرير والأمي إذا لم يحفظا الحديث فإنه لا تجوز الرواية عنهما ولا تلقينهما ولا القراءة عليها من كتاب وقد نص على ذلك أحمد -في رواية عبد الله- في الضرير والأمي لا يجوز أن يحدثا إلا بما حفظا وقال كان أبو معاوية الضرير إذا حدثنا بالشيء الذي نرى أنه لا يحفظه يقول في كتابي كذا وكذا، ولقد أخذ على يزيد بن هارون أنه لما أضر كانت جاريته تحفظه من كتاب فيتلقن.\nقال ابن رجب: وحاصل الأمر أن الناس ثلاثة أقسام حافظ متقن يحدث من حفظه فهذا لا كلام فيه وحافظ نسي فلقن حتى ذكر أو تذكر حديثه من كتاب فرجع","vol":"1","page":92},{"text":"إليه حفظه الذي كان نسيه وهذا أيضا حكمه حكم الحافظ ومن لا يحفظ وإنما يعتمد على مجرد التلقين فهذا الذي منع أحمد ويحيى من الأخذ عنه.\nالسبب الخامس: قصر الصحبة للشيخ وقلة الممارسة لحديثه:\nأعطى المحدثون طول ملازمة الشيخ وممارسة حديثه أهمية كبيرة فرجحوا - من أجل ذلك - أسانيد كثيرة على أخرى وأعانتهم معرفتهم بالصحبة والممارسة على تمييز كثير من الأوهام والعلل، واهتمام النقاد بهذا الأمر جعلهم يتابعون الرواة عن شيخ ما فيقسمونهم فئات بين الأطول صحبة والأقصر والأقل ممارسة والأكثر وممن اعتنى اعتناء فائقا باختيار أكثر رجاله من بين الأوثق والأطول صحبة الإمام محمد بن إسماعيل البخاري في كتابه الصحيح وفي هذا يقول الإمام ابن رجب - في شرحه لعلل الترمذي - وأما البخاري فشرطه أشد من ذلك وهو أنه لا يخرج إلا للثقة الضابط ولمن ندر وهمه ونذكر لذلك مثالا وهو أن أصحاب الزهري خمس طبقات: الطبقة الأولى جمعت الحفظ والإتقان وطول الصحبة للزهري والعلم بحديثه والضبط له كمالك وابن عيينة وعبيد الله بن عمر ومعمر ويونس وعقيل وشعيب وغيرهم وهؤلاء متفق على تخريج حديثهم عن الزهري. الطبقة الثانية أهل حفظ وإتقان ولكن لم تطل صحبتهم للزهري وإنما صحبوه مدة يسيرة ولم يمارسوا حديثه وهم في إتقانه دون الأولى كالأوزاعي والليث وهؤلاء يخرج لهم مسلم عن الزهري. الطبقة الثالثة لازموا الزهري وصحبوه ولكن تكلم في حفظهم كسفيان بن حسين ومحمد بن إسحاق. الطبقة الرابعة قوم رووا عن الزهري من غير ملازمة ولا طول صحبة ومع ذلك تكلم فيهم مثل إسحاق بن أبي فروة وهؤلاء قد يخرج الترمذي لبعضهم. الطبقة الخامسة قوم من المتروكين والمجهولين كالحكم الأيلي وعبد القدوس بن حبيب. ورجال البخاري - كما دل عليه الاستقراء - هم في معظمهم من الطبقة الأولى طبقات الثقات ذات الصحبة والممارسة؛ وهكذا نرى أن درجة الثقة وحدها لا تكفي لقبول الحديث بل لا بد من معرفة سياق السند ومعرفة ممارسة كل رجل من رجاله لحديث شيخه ومعرفة هذه الممارسة تجعل نظرة المحدث تختلف - عما قبل المعرفة - وهو يرى حديث الأوزاعي عن الزهري وحديث معمر عن الزهري فمما لا شك فيه أن الأوزاعي","vol":"1","page":93},{"text":"أكبر وأجل ولكن إسناد معمر أصح وأدق إذ أن معمر عن الزهري من الطبقة الأولى والأوزاعي عن الزهري من الطبقة الثانية لقصر صحبته وقلة ممارسته؛ ومن أجل هذه الممارسة كان بعض المحدثين لا يرضى أن يسمع الحديث من الشيخ مرة واحدة قال حماد بن زيد ما أبالي من خالفني إذا وافقني شعبة لأن شعبة كان لا يرضى أن يسمع الحديث مرة واحدة يعاود صاحبه مرارا.\nوتظهر هذه الممارسة في عبارات القوم وهم يقولون ليس هذا الحديث من حديث فلان أو يقولون هذا الحديث أشبه بفلان إلى غير ذلك من العبارات التي تدل على خبرة واسعة بعلاقة الرواة بعضهم ببعض.\nوالجدير بالذكر أن هذه الممارسة قد ترفع الراوي من رتبة الصدوق إلى رتبة الثقة أو إلى رتبة أوثق الناس في هذا الشيخ ومثاله حماد بن سلمة فقد اتفق النقاد أنه أوثق الناس في ثابت بالرغم من أن حمادا بشكل عام كثير الوهم والخطأ ... وهذا كله في مجال تقديم إسناد على آخر إذ يتقدم الأفهم والأكثر ممارسة على غيره. (١)\nالسبب السادس: اختصار الحديث أو روايته بالمعنى:\nرأى الجمهور على أن الرواية بالمعنى جائزة وقد دلل ابن رجب على جوازها بأقوال بعض الصحابة والتابعين وعلماء الحديث المتقدمين وبأن الله يقص قصص القرون السالفة بغير لغاتها وقد قيد العلماء هذا الجواز فاشترطوا فيمن يروي الحديث بالمعنى أن يكون عارفا بمواقع الألفاظ بصيرا بدلالاتها حتى لا يحيل الحلال حراما أو يضع الدليل في غير مكانه وفي شرح علل الترمذي تفصيل لهذا الموضوع وعرض لأقوال العلماء فيه وأن الرواية بالمعنى إن لم يلتزم راويها بشرطها الذي يضمن عدم الإحالة فإن هذه الرواية تكون سببا في دخول العلة على الحديث ...\nالسبب السابع: تدليس الثقات:\nوقد يكون سبب العلة تدليسا أدركه النقاد فكشفوا فيه عن انقطاع في الإسناد أو\nرواية عن ضعيف غير اسمه أو كنيته وغالبا ما تكون العلة في حديث الأعمش أو\n_________\n(١) - لاحظ الفرق بين هذه المسألة، ومسألة انفراد الثقة بما لم يرو غيره، وسيأتي الكلام عنها بمشيئة الله.","vol":"1","page":94},{"text":"هشيم بن بشير أو إسحاق بن أبي فروة أو ابن جريح ناشئة عن التدليس ..\nالسبب الثامن: الرواية عن المجروحين والضعفاء:\nوقد تضمنت كتب العلل أحاديث ذكر أن علتها جرح الراوي فكان هذا الجرح سببا في العلة وقد سبق وأن اشترطنا لدخول هذا الفرع في العلل أن يكون من الخفاء بحيث يغيب عن بعض الثقات الأعلام (١) كأن يروي مالك عن عبد الكريم أبي أمية والشافعي عن إبراهيم بن أبي يحيى ... وينبغي التنبيه إلى أن الأغلب في العلل أوهام الثقات حتى الرواية عن المجروحين كثيرا ما ترتبط بالثقة الذي روى الحديث.\nوفي جعل الجرح سببا من أسباب العلة يقول ابن الصلاح: ثم اعلم أنه قد يطلق اسم العلة على غير ما ذكرناه من باقي الأسباب القادحة في الحديث المخرجة له من حال الصحة إلى حال الضعف المانعة من العمل به على ما هو مقتضى لفظ العلة في الأصل ولذلك نجد في كتب علل الحديث الكثير من الجرح بالكذب والغفلة وسوء الحفظ ونحو ذلك من أنواع الجرح.].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-85>٤ - معرفة العلة ووسائل الكشف عنها:</span>\nقال د. همام في مقدمة شرح علل الترمذي (١/ ١١٩: ١٣٦) [المبحث الثاني معرفة العلل والكشف عنها من خلال كتاب ابن رجب: وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: معرفة العلة.\nالمطلب الثاني: وسائل الكشف عن العلة.\nالمطلب الأول: معرفة العلة:\nذكر ابن رجب في شرح علل الترمذي أن مجال العلة - في الأغلب والأكثر - حديث الثقات وذلك لأن رواية الثقة للحديث تكسبه في الأصل صفة الصحة الظاهرة والسلامة التي تجعله مقبولا محتجا به ولكن ليس عجيبا أن يفاجئنا رجل العلل بما لديه من الوسائل العلمية والمعرفة الحديثية بكشف ما يقدح في هذه السلامة الظاهرة وإذا بالحديث بعد الصحة معلولا وبعد القبول والاحتجاج به شاذا\n_________\n(١) - وهذا لأنه تكلم عن المعنى الخاص للعلة فقط.","vol":"1","page":95},{"text":"لا يستند عليه ولا يحتج به وإذا كان الأمر كذلك فهل لنا أن نتعرف على وسائل النقاد وجوانب معرفتهم الحديثية التي مكنتهم من ارتياد هذا المجال ...\nومن كل هذا نستفيد أن الكشف عن العلة يحتاج إلى علم غزير بالأسانيد والطرق وأساليب التعبير كما يحتاج إلى مزيد فهم ومعرفة وحدة ذكاء وسرعة بديهة وإن شئت فقل هو فن القلة من الناس وحتى هؤلاء القلة فإنهم متفاوتون في القدرة عليه.\nيقول ابن كثير في اختصار علوم الحديث وإنما يهتدي إلى تحقيق هذا الفن الجهابذة النقاد يميزون بين صحيح الحديث وسقيمه ومعوجه ومستقيمه فمنهم من يظن ومنهم من يقف بحسب مراتب علومهم وحذقهم واطلاعهم على طرق الحديث وذوقهم حلاوة عبارة الرسول التي لا يشبهها غيرها من ألفاظ الناس فمن الأحاديث المروية ما عليه أنوار النبوة ومنها ما وقع فيه تغيير لفظ أو زيادة باطلة يدركها البصير من أهل هذه الصناعة.\nويقول ابن الصلاح في هذا ويستعان على إدراكها بتفرد الراوي أو بمخالفته غيره له مع قرائن تنضم إلى ذلك تنبه العارف بهذا الشأن.\nأما الخطيب البغدادي فإنه يقول السبيل إلى معرفة علة الحديث أن يجمع بين طرقه وينظر في اختلاف رواته ويعتبر بمكانتهم من الحفظ ومنزلتهم من الإتقان.\nالمطلب الثاني: وسائل الكشف عن العلة:\nإن كتب العلل تحمل بين طياتها صورة كاملة شاملة لما ينبغي أن يكون عليه رجل هذا الفن وأنه إن كان حصر جوانب هذه المعرفة لا يمكن في مبحث صغير فإن ذكر أهم هذه الجوانب يسير ومعقول وفيما يلي بعض هذه الجوانب.\n١ - معرفة المدارس الحديثية ونشأتها ورجالها ومذاهبها العقدية والفقهية وأثرها وتأثيرها في غيرها وما تميزت به عن غيرها، فقد نشأت للحديث مدارس في المدينة ومكة والكوفة والبصرة والشام ومصر واليمن.\nوبهذه المعرفة يعالج الباحث أسانيد كثيرة فيكشف عن علتها فإذا كان الحديث كوفيا احتمل التدليس أو الرفض إن كان بصريا احتمل النصب وتأثير الإرجاء والاعتزال في إسناده فإذا روى المدنيون عن الكوفيين فإنها تختلف الاحتمالات عما","vol":"1","page":96},{"text":"إذا روى المدنيون عن البصريين ولذلك نجد الحاكم يقول بعد ذكره علة حديث: والمدنيون إذا رووا عن الكوفيين زلقوا. أما حديث الشام عن المدارس الأخرى فأكثره ضعيف ...\n٢ - معرفة من دار عليهم الإسناد وأوثق الناس فيهم وتمييز أصح الأسانيد وأضعفها وممن اهتم بهذا وأرسى قواعده علي بن المديني فنراه يقول: نظرت فإذا الإسناد يدور على ستة فلأهل المدينة ابن شهاب ولأهل مكة عمرو بن دينار ولأهل البصرة قتادة بن دعامة السدوسي ويحيى بن أبي كثير ولأهل الكوفة أبو إسحاق السبيعي وسليمان بن مهران، ثم صار علم هؤلاء الستة إلى أصحاب الأصناف ممن صنف فلأهل المدينة مالك بن أنس ومحمد بن إسحاق من أهل مكة عبد العزيز بن جريح وسفيان بن عيينة ثم انتهى علم هؤلاء الثلاثة من أهل البصرة وعلم الاثني عشر إلى ستة ... وهكذا يمضي علي بن المديني في تأصيل هذه الخبرة الإسنادية وتفريعها. ومع ذكر الراوي فإنه يذكر أصحابه ويبين أوثقهم فيه وأكثرهم في الرواية عنه وهذا جزء هام من علم العلل ... ...\n٣ - معرفة الأبواب ورجل العلل الحافظ العارف الفهم لم يصل إلى ما وصل إليه إلا بعد أن جمع الأحاديث في الأبواب وأحاديثه كما سبق وأن قلت إنها مرتبة على الأسانيد فهي أيضا مرتبة على الأبواب باب الطهارة الصلاة الزكاة وهكذا والعملية النقدية عنده هي عرض ما يسمعه على أبوابه وأصوله وبعد هذا العرض يذكر نتيجة من النتائج الكثيرة عنده معروف منكر مشهور غريب شاذ لا أصل له ... وروي عن علي بن المديني أنه قال الباب إذا لم تجمع طرقه لم يتبين خطؤه.\n٤ - معرفة المتشابه من الأسماء والكنى والألقاب:\nوكتب العلل مليئة بهذا النوع كمعرفة عامة أو تطبيقية تخدم موضوع العلة ومثال ذلك ما ذكره عبد الله بن أحمد - ﵀ - في العلل قال حدثني أبي قال حدثنا هشيم قال زعم لي بعضهم قال كتب الحجاج أن يؤخذ إبراهيم بن يزيد إلى عامله فلما أتاه الكتاب قال فكتب إليه إن قبلنا إبراهيم بن يزيد التيمي وإبراهيم بن يزيد النخعي فأيهما نأخذ قال فكتب أن يأخذهما جميعا هذه القصة ظاهرها أنها طرفة ومقصدها ذكر اثنين من الرواة اجتمعا في الاسم والعصر والرتبة ومن لا","vol":"1","page":97},{"text":"يميز بينهما قد يخلط في حديثهما وقد يقول قائل ما داما ثقتين فما الضرر من هذا الخلط والجواب على ذلك أن لكل من الرجلين إسناده ولكل منهما رجاله والخلط بينهما لا يقتصر عليهما بل يتعداهما إلى بقية رجال الإسناد. وإن الباحث ليدهش وهو يجد أن أربعة عشر رجلا من الثقات يحملون اسم إبراهيم بن يزيد مما يجعل معرفة هذا الجانب ضرورية لرجل العلل حتى لا تشتبه عليه الأمور. وكما تتشابه الأسماء تتشابه الكنى ولا بد من معرفتها من قبل صاحب هذا الشأن ...\nوإلى جانب التشابه في الكنى نجد الكثير من الكنى التي لم تشتهر أصحابها بها فاستغلها المدلسون ستارا لتدليسهم ولكن المعرفة الواسعة التي يتمتع بها الناقد تقف لكل ذلك بالمرصاد.\n٥ - معرفة مواطن الرواة:\nقال الحاكم أبو عبد الله وهو علم قد زلق فيه جماعة من كبار العلماء بما يشتبه عليهم فيه وقد يثبت هذه المعرفة في كتب العلل لارتباطها وعلاقتها الوثيقة به ففي علل أحمد ابن أبي حسن قرشي مكي هشام بن حجير مكي ضعيف الحديث ومحمد بن أبي إسماعيل شيخ كوفي ثقة وعبد الله بن سعيد بن أبي هند شيخ مديني موثق وإبراهيم بن ميسرة طائفي سكن مكة وهكذا إذ القصد هو التمثيل على هذه المعرفة لا الإحاطة بما كتب عليها فهو كثير.\n٦ - معرفة الوفيات والولادات:\nوعن طريق هذه المعرفة - مضافا إليها غيرها - يتأكد الناقد من السماع والمعاصرة أو ينفيهما وتجد هذه المعرفة مبثوثة في كتب العلل يقول ابن المديني مات أيوب سنة إحدى وثلاثين في الطاعون ومات يونس سنة تسع وثلاثين ومات إبراهيم النخعي سنة خمس وتسعين وقتل ابن جبير سنة خمس وتسعين وفيها مات الحجاج وهكذا. ومعرفة الولادات جانب آخر يحدد اللقاء وفترته بين الراوين فعندما يأتي حديث يرويه عبد الجبار بن وائل عن أبيه نجد النقاد يقولون عبد الجبار لم يدرك أباه ولد بعد وفاة أبيه.\n٧ - معرفة من أرسل ومن دلس ومن اختلط:\nوقد اعتنت كتب العلل اعتناء كبيرا بهذه المعرفة وكثيرا ما تجد فيها علل","vol":"1","page":98},{"text":"الإرسال والتدليس والاختلاط كما نجد تحديدات دقيقة للاختلاط وتفاوت المراسيل وما دلس من الأسانيد.\n٨ - معرفة أهل البدع والأهواء:\nوقد سبق وأن ذكرت أن هذه المعرفة جزء من معرفة المدارس الحديثية ولكنها هنا تهتم بالرواة كأفراد كل على حدة وقد يكون الغالب على مدرسة ما التشيع ولكن فيها الناصبي والخارجين والمعتزلي وغير ذلك. وعلى صفحات كتب العلل نجد كلاما كثيرا حول هذا الجانب مثل يونس بن عباد كان خبيث الرأي كان يزيد بن عبد الرحمن شيخا فقيرا مرجئيا.\nهذه بعض جوانب المعرفة التي لا بد منها للمشتغل بالعلل وتركت غيرها لأن الموضوع لا يتسع لعلوم الحديث إذ ظهر لي بعد البحث والاستقصاء أن أكثر علوم الحديث استمد من علم العلل وأن أقدم المحاولات في هذا الميدان هي كتب ابن المديني وأحمد الترمذي وأبي زرعة وأبي حاتم وهي كتب شاملة تطبيقية. وقد قصدت من ذكر هذه الجوانب التمثيل لا الحصر ولعل أبرز ثمرات هذا الموضوع القناعة التامة بأن علم العلل عماده المعرفة المستفيضة أفقيا وعموديا وهو ما يعبر عنه بعلم الرواية والدراية ومن تتوافر له هذه المعرفة تنكشف له العلاقات بين الروايات فيصبح مجال الحديث سندا ومتنا بمتناول بصيرته وعند التعليل يستفيد من كل هذه الجوانب فجزى الله علماءنا عن أمتهم خير الجزاء فلقد والله حملوا الأمانة التي لا تحملها الجبال الراسيات].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-86>٥ - خطوات معرفة العلل:</span>\nقال هشام الحلاف: [لما كانت العلة سببًا خفيًا غامضًا كان لابد من وجود طرق ترشد إلى وجودها، ووسائل تعين على الوقوف عليها، ومن خلال كلام العلماء في هذا العلم وممارستي له تبين لي أنه لا بد من عدة خطوات حتى يمكن معرفة سلامة الحديث من العلة أو وجودها فيه. وإليك هذه الخطوات:\nأولًا: جمع طرق الحديث:\nوقد كان المحدثون يهتمون بذلك ويؤكدون عليه:\nقال أحمد: (الحديث إذا لم تُجمع طرقه لم تفهمه، والحديث يفسر بعضه","vol":"1","page":99},{"text":"بعضًا).\nوقال علي بن المديني: (الباب إذا لم تُجمع طرقه لم يتبين خطؤه).\nوقال عبد الله بن المبارك: (إذا أردت أن يصح لك الحديث فاضرب بعضه ببعض).\nولهذا قال يحيى بن معين: (اكتب الحديث خمسين مرة، فإن له آفات كثيرة).\nوقال أيضًا: (لو لم نكتب الحديث من ثلاثين وجهًا ما عقلناه).\nوقال أيضًا: (لو لم نكتب الحديث من مائة وجه ما وقعنا على الصواب).\nوقال أبو حاتم الرازي: (لو لم يُكتب الحديث من ستين وجهًا ما عقلناه).\nوكان بعض الحفاظ يقول: (إن لم يكن الحديث عندي من مائة طريق فأنا فيه يتيم).\nوللمحدثين في ذلك الأخبار الكثيرة، ومن ذلك:\nقال ابن حبان: (سمعت محمد بن إبراهيم بن أبي شيخ الملطي يقول: جاء يحيى بن معين إلى عفان ليسمع منه كتب حماد بن سلمة، فقال له: سمعتها من أحد؟ قال: نعم، حدثني سبعة عشر نفسًا عن حماد بن سلمة، فقال: والله لا حدثتك. فقال: إنما هو درهم وانحدر إلى البصرة وأسمع من التبوذكي، فقال: شأنك. فانحدر إلى البصرة وجاء إلى موسى بن إسماعيل، فقال له موسى: لم تسمع هذه الكتب من أحد؟! قال: سمعتها على الوجه من سبعة عشر نفسًا وأنت الثامن عشر!. فقال: وماذا تصنع بهذا؟ فقال: إن حماد بن سلمة كان يخطئ، فأردت أن أميز خطأه من خطأ غيره، فإذا رأيت أصحابه قد اجتمعوا على شيء علمت أن الخطأ من حماد نفسه، وإذا اجتمعوا على شيء عنه وقال واحد منهم بخلافه، علمت أن الخطأ منه لا من حماد، فأميز بين ما أخطأ هو بنفسه وبين ما أخطئ عليه).\nثانيًا: الموازنة بين الطرق:\nوفي هذه الخطوة يتم المقارنة بين طرق الحديث بعد جمعها، فإن اتفقت الطرق ولم يوجد بينها اختلاف علمنا حينئذ سلامة الحديث من العلة.\nقال ابن حجر: (السبيل إلى معرفة سلامة الحديث من العلة كما نقله المصنف","vol":"1","page":100},{"text":"(أي ابن الصلاح) عن الخطيب: أن يُجمع طرقه، فإن اتفقت رواته واستووا ظهرت سلامته، وإن اختلفوا أمكن ظهور العلة، فمدار التعليل في الحقيقة على بيان الاختلاف).\nقلت: وإن وجد اختلاف بين هذه الطرق (كالاختلاف بين الوصل والإرسال والوقف والرفع ونحوه) فلابد حينئذ من تحديد الراوي الذي اختلف عليه ومعرفة الأوجه التي رويت عنه، ثم يكون الترجيح بين هذه الطرق بقرائن كثيرة لا يمكن حصرها.\nقال العلائي: (ووجوه الترجيح كثيرة لا تنحصر، ولا ضابط لها بالنسبة إلى جميع الأحاديث، بل كل حديث يقوم به ترجيح خاص، وإنما ينهض بذلك الممارس الفطن، الذي أكثر من الطرق والروايات، ولهذا لم يحكم المتقدمون في هذا المقام بحكم كلي يشمل القاعدة، بل يختلف نظرهم بحسب ما يقوم عندهم في كل حديث بمفرده، والله أعلم).\nوقال ابن الصلاح: (ويستعان على إدراكها بتفرد الراوي وبمخالفة غيره له، مع قرائن تنضم إلى ذلك تنبه العارف بهذا الشأن على إرسال في الموصول، أو وقف في المرفوع، أو دخول حديث في حديث، أو وهم واهم بغير ذلك، بحيث يغلب على ظنه ذلك، فيحكم به أو يتردد فيتوقف فيه، وكل ذلك مانع من الحكم بصحة ما وجد ذلك فيه).\nوهناك أحاديث ليس فيها اختلاف في طرقها، وإنما تدرك علتها بأمور أخرى: قال ابن رجب: (حذاق النقاد من الحفاظ لكثرة ممارستهم للحديث ومعرفتهم بالرجال وأحاديث كل واحد منهم، لهم فهم خاص يفهمون به أن هذا الحديث يشبه حديث فلان، ولا يشبه حديث فلان، فيعللون الأحاديث بذلك. وهذا مما لا يعبر عنه بعبارة تحصره، وإنما يرجع فيه إلى أهله، إلى مجرد الفهم والمعرفة التي خصوا بها عن سائر أهل العلم).]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-87>٦ - أقسام العلة وأنواعها:</span>\nقال هشام الحلاف: [أقسام العلة وأنواعها.\nيمكن تقسيم العلة بعدة اعتبارات:","vol":"1","page":101},{"text":"أ_ تقسيم العلة بحسب تأثيرها: فالعلة بحسب تأثيرها على قسمين:\n١_ علة قادحة: وهي العلة التي يُضعّف الحديث من أجلها.\n٢_ وعلة غير قادحة: وهي العلة التي لا يُضعف بها الحديث.\nب_ تقسيم العلة بحسب محلها: فالعلة بحسب محلها على قسمين أيضًا:\n١_ علة في الإسناد: وهي العلة التي تقع في إسناد الحديث.\n٢_ علة في المتن: وهي العلة التي تقع في متن الحديث.\nوسيأتي أمثلة للتقسيمين السابقين في التقسيم الثالث.\nج_ تقسيم العلة بحسب تأثيرها ومحلها معًا: من خلال التقسيمين السابقين يمكن لنا ظهور هذا التقسيم الثالث، وهذا التقسيم هو الذي ذكره ابن حجر في نكته على ابن الصلاح فإنه قال: (إذا وقعت العلة في الإسناد قد تقدح وقد لا تقدح، وإذا قدحت فقد تخصه وقد تستلزم القدح في المتن. وكذا القول في المتن سواء. فالأقسام على هذا ستة:\n_ فمثال ما وقعت العلة في الإسناد ولم تقدح مطلقًا: ما يوجد مثلًا من حديث مدلس بالعنعنة، فإن ذلك علة توجب التوقف عن قبوله، فإذا وجد من طريق أخرى قد صرح فيها بالسماع تبين أن العلة غير قادحة. وكذا إذا اختلف في الإسناد على بعض رواته، فإن ظاهر ذلك يوجب التوقف عنه، فإن أمكن الجمع بينها على طريق أهل الحديث بالقرائن التي تحف الإسناد تبين أن تلك العلة غير قادحة.\n_ ومثال ما وقعت العلة فيه في الإسناد وتقدح فيه دون المتن: ما مثّل به المصنف من إبدال راو ثقة براو ثقة، وهو بقسم المقلوب أليق.\n_ فإن أبدل راو ضعيف براو ثقة وتبين الوهم فيه استلزم القدح في المتن أيضًا إن لم يكن له طريق أخرى صحيحة.\n_ ومثال ما وقعت العلة في المتن دون الإسناد ولا تقدح فيهما: ما وقع من اختلاف ألفاظ كثيرة من أحاديث الصحيحين إذا أمكن رد الجمع إلى معنى واحد، فإن القدح ينتفي عنها.\n_ ومثال ما وقعت العلة فيه في المتن واستلزمت القدح في الإسناد: ما يرويه","vol":"1","page":102},{"text":"راو بالمعنى الذي ظنه يكون خطأ والمراد بلفظ الحديث غير ذلك، فإن ذلك يستلزم القدح في الراوي فيعلل الإسناد.\n_ ومثال ما وقعت العلة في المتن دون الإسناد: ما ذكره المصنف (أي ابن الصلاح) من أحد الألفاظ الواردة في حديث أنس وهي قوله (لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءة ولا في آخرها) فإن أصل الحديث في الصحيحين، فلفظ البخاري (كانوا يفتتحون بالحمد لله رب العالمين)، ولفظ مسلم في رواية له نفي الجهر، وفي رواية أخرى نفي القراءة). انتهى ما ذكره الحافظ ابن حجر باختصار يسير.\nد_ تقسيم العلة بحسب صورها: وقد قسمها أبو عبد الله الحاكم في كتابه معرفة علوم الحديث (١١٣) إلى عشرة أقسام، ولم يذكر تعريفًا لكل نوع وإنما اكتفى ببيان أمثلة لكل نوع.\nوجاء السيوطي بعده في تدريب الراوي (١/ ٢٥٨) وذكر هذه الأنواع باختصار معرفًا لكل نوع منها، فقال: (وقد قسم الحاكم في علوم الحديث أجناس المعلل إلى عشرة، ونحن نلخصها هنا بأمثلتها.\nأحدها: أن يكون السند ظاهره الصحة وفيه من لا يعرف بالسماع ممن روى عنه. كحديث موسى بن عقبة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال من جلس مجلسا فكثر فيه لغطه فقال قبل أن يقوم سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك غفر له ما كان في مجلسه ذلك. فروى أن مسلما جاء إلى البخاري وسأله عنه فقال هذا حديث مليح إلا أنه معلول حدثنا به موسى بن إسماعيل ثنا وهيب ثنا سهيل عن عون بن عبد الله قوله وهذا أولى لأنه لا يذكر لموسى بن عقبة سماع من سهيل.\nالثاني: أن يكون الحديث مرسلًا من وجه رواه الثقات الحفاظ، ويسند من وجه ظاهره الصحة.\nكحديث قبيصة بن عقبة عن سفيان عن خالد الحذاء وعاصم عن أبي قلابة عن أنس مرفوعًا أرحم أمتي أبو بكر وأشدهم في دين الله عمر الحديث. قال فلو صح إسناده لأخرج في الصحيح، إنما روى خالد الحذاء عن أبي قلابة مرسلًا.","vol":"1","page":103},{"text":"الثالث: أن يكون الحديث محفوظًا عن صحابي ويروى عن غيره لاختلاف بلاد رواته كرواية المدنيين عن الكوفيين. كحديث موسى بن عقبة عن أبي إسحق عن أبي بردة عن أبيه مرفوعا إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم مائة مرة. قال هذا إسناد لا ينظر فيه حديثي إلا ظن أنه من شرط الصحيح، والمدنيون إذا رووا عن الكوفيين زلقوا، وإنما الحديث محفوظ عن رواية أبي بردة عن الأغر المزني.\nالرابع: أن يكون محفوظًا عن صحابي فيروى عن تابعي يقع الوهم بالتصريح بما يقتضي صحته بل ولا يكون معروفا من جهته. كحديث زهير بن محمد عن عثمان بن سليمان عن أبيه أنه سمع رسول الله ﷺ يقرأ في المغرب بالطور. قال أخرج العسكري وغيره هذا الحديث في الوحدان وهو معلول، أبو عثمان لم يسمع من النبي ﷺ ولا رآه، وعثمان إنما رواه عن نافع بن جبير بن مطعم عن أبيه، وإنما هو عثمان بن أبي سليمان.\nالخامس: أن يكون روى بالعنعنة وسقط منه رجل دل عليه طريق أخرى محفوظة. كحديث يونس عن ابن شهاب عن علي بن الحسين عن رجل من الأنصار أنهم كانوا مع رسول الله ﷺ ذات ليلة فرمى بنجم فاستنار الحديث. قال وعلته أن يونس مع جلالته قصر به، وإنما هو عن ابن عباس حدثني رجال، هكذا رواه ابن عيينة وشعيب وصالح والأوزاعي وغيرهم عن الزهري.\nالسادس: أن يختلف على رجل بالإسناد وغيره ويكون المحفوظ عنه ما قابل الإسناد. كحديث علي بن الحسين بن واقد عن أبيه عن عبد الله بن بريدة عن أبيه عن عمر بن الخطاب قال قلت يا رسول الله مالك أفصحنا؟ الحديث. قال وعلته ما أسند عن علي بن خشرم حدثنا علي بن الحسين بن واقد بلغني أن عمر فذكره.\nالسابع: الاختلاف على رجل في تسمية شيخه أو تجهيله. كحديث الزهري عن سفيان الثوري عن حجاج بن فرافصة عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعا المؤمن غر كريم والفاجر خب لئيم. قال وعلته ما أسند عن محمد بن كثير حدثنا سفيان عن حجاج عن رجل عن أبي سلمة فذكره.\nالثامن: أن يكون الراوي عن شخص أدركه وسمع منه لكنه لم يسمع منه","vol":"1","page":104},{"text":"أحاديث معينة فإذا رواها عنه بلا واسطة فعلتها أنه لم يسمعها منه. كحديث يحيى ابن أبي كثير عن أنس أن النبي ﷺ كان إذا أفطر عند أهل بيت قال أفطر عندكم الصائمون الحديث. قال فيحيى رأى أنسا وظهر من غير وجه أنه لم يسمع منه هذا الحديث، ثم اسند عن يحيى قال حدثت عن أنس فذكره.\nالتاسع: أن تكون طريقه معروفة يروي أحد رجالها حديثًا من غير تلك الطريق فيقع من رواه من تلك الطريق بناء على الجادة في الوهم. كحديث المنذر بن عبد الله الحزامي عن عبد العزيز بن الماجشون عن عبد الله دينار عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ كان إذا افتتح الصلاة قال سبحانك اللهم الحديث. قال أخذ فيه المنذر طريق الجادة، وإنما هو من حديث عبد العزيز حدثنا عبد الله بن الفضل عن الأعرج عن عبيد الله بن أبي رافع عن علي.\nالعاشر: أن يروي الحديث مرفوعًا من وجه وموقوفًا من وجه. كحديث أبي فروة يزيد بن محمد حدثنا أبى عن أبيه عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر مرفوعا من ضحك في صلاته يعيد الصلاة ولا يعيد الوضوء. قال وعلته ما أسند وكيع عن الأعمش عن أبي سفيان قال سئل جابر فذكره.\nقال الحاكم وبقيت أجناس لم نذكرها وإنما جعلنا هذه مثالا لأحاديث كثيرة.]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-88>المسألة الثالثة:\nقوله: (وفيه نظر على مقتضى نظر الفقهاء، فإنَّ كثيرًا من العِلَل يأبَوْنها)</span>.\n١ - قوله: (وفيه نظر) ظاهر هذه العبارة أن الضمير يعود لاشتراط نفي الشذوذ والعلة في الحديث الصحيح، وأن اشتراطهما فيه نظر على مقتضى نظر الفقهاء دون المحدثين، وعبارة شيخه ابن دقيق العيد في الاقتراح صريحة في ذلك حيث قال: [الصحيح: ومداره بمقتضى أصول الفقهاء والأصوليين على صفة عدالة الراوي في الأفعال مع التَّيقُظ، العدالة المشترطة في قبول الشهادة، على ما قُرِّر في الفقه، فمن لم يقبل المرسل منهم زاد في ذلك أن يكون مسندًا. وزاد أصحاب الحديث أن لا يكون شاذًا ولا معلَّلًا. وفي هذين الشرطين نَظَرٌ على مقتضى مذهب الفقهاء، فإن كثيرًا من العلل (التي) يعلِّل بها المحدثون الحديث لا","vol":"1","page":105},{"text":"تجري على أصول الفقهاء].\n(وبعد فالذي يظهر أنه هاهنا ثلاث وجوه للتعقب على الإمام الذهبي في هذه العبارة:\nالوجه الأول: قد تعقب البعض هنا بأنهما أطلقا الخلاف في اشتراط خلو الحديث من الشذوذ والعلة، ولكنهما لم يفصلا بعد ذلك إلا في الكلام على العلة دون الشذوذ.\nقال الصنعاني في توضيح الأفكار (١/ ١٤): [كلام الشيخ تقي الدين تنظير على شرطي السلامة من الشذوذ من العلة ولم يبين وجه النظر إلا في اشتراط السلامة من العلة دون الشذوذ؛ فالعلة قاصرة عن المدعى].\nوالصحيح أنه لا وجه للتعقب عليهما من هذه الناحية؛ وذلك لأن كلام الإمام الذهبي، وشيخه ابن دقيق العيد صريح في أن الفقهاء لا يشترطون خلو الحديث من الشذوذ مطلقًا، ولكنهم يتفقون مع المحدثين في اشتراط خلو الحديث من بعض العلل، وهي القادحة فقط، ولذا فقد لزم ذلك منهما التنبيه على موضع الاتفاق وهو بعض العلل، وأما الشذوذ فكلامهما في أول عبارتهما صريح في عدم اشتراط الفقهاء لخلو الحديث الصحيح منه، ولذلك لم يحتاجا لإعادة التنبيه اكتفاءً بما سبق من كلامهم.\nومما يؤكد مذهب الفقهاء في الشاذ ما نقله الصنعاني في التوضيح (١/ ٣٧٨) عن ابن حجر حيث قال: [قال الحافظ ابن حجر إنه يمكن بأن يجاب عنه بأن اشتراط نفي الشذوذ في رسم الصحيح إنما يقوله المحدثون وهم القائلون بترجيح رواية الأحفظ إذا تعارض الوصل والإرسال، والفقهاء وأهل الأصول لا يقولون بذلك فأهل الحديث يشترطون أن لا يكون الحديث شاذا ويقولون إن من أرسل عن الثقات فإن كان أرجح ممن وصل من الثقات قُدِّمَ والعكس ...].\nالوجه الثاني: ظاهر عبارة الإمام الذهبي أن المحدثين يشترطون في الحديث الصحيح خلوه من الشذوذ، وهذا متعارض مع ما قاله ابن حجر، قال السيوطي في التدريب (١/ ٦٥): [قيل لم يفصح - أي ابن كثير - بمراده من الشذوذ هنا وقد ذكر في نوعه ثلاثة أقوال أحدها مخالفة الثقة لأرجح منه والثاني","vol":"1","page":106},{"text":"تفرد الثقة مطلقا والثالث تفرد الراوي مطلقا ورد الأخيرين فالظاهر أنه أراد هنا الأول، قال شيخ الإسلام: وهو مشكل لأن الإسناد إذا كان متصلا ورواته كلهم عدولا ضابطين فقد انتفت عنه العلل الظاهرة ثم إذا انتفى كونه معلولا فما المانع من الحكم بصحته فمجرد مخالفة أحد رواته لمن هو أوثق منه أو أكثر عددا لا يستلزم الضعف بل يكون من باب صحيح وأصح. قال: ولم يرو مع ذلك عن أحد من أئمة الحديث اشتراط نفي الشذوذ المعبر عنه بالمخالفة وإنما الموجود من تصرفاتهم تقديم بعض ذلك على بعض في الصحة وأمثلة ذلك موجودة في الصحيحين وغيرهما فمن ذلك أنهما أخرجا قصة جمل جابر من طرق وفيها اختلاف كثير في مقدار الثمن وفي اشتراط ركوبه وقد رجح البخاري الطرق التي فيها الاشتراط على غيرها مع تخريج الأمرين ورجح أيضا كون الثمن أوقية مع تخريجه ما يخالف ذلك ومن ذلك أن مسلما أخرج فيه حديث مالك عن الزهري عن عروة عن عائشة في الاضطجاع قبل ركعتي الفجر (١) وقد خالفه عامة أصحاب الزهري كمعمر ويونس وعمرو ابن الحارث والأوزاعي وابن أبي ذئب وشعيب وغيرهم عن الزهري فذكروا الاضطجاع بعد ركعتي الفجر قبل صلاة الصبح ورجح جمع من الحفاظ روايتهم على رواية مالك ومع ذلك فلم يتأخر أصحاب الصحيح عن إخراج حديث مالك في كتبهم وأمثلة ذلك كثيرة. ثم قال: فإن قيل يلزم أن يسمى الحديث صحيحا ولا يعمل به قلت لا مانع من ذلك ليس كل صحيح يعمل به بدليل المنسوخ قال وعلى تقدير التسليم إن المخالف المرجوح لا يسمى صحيحا ففي جعل انتفائه شرطا في الحكم للحديث بالصحة نظر بل إذا وجدت الشروط المذكورة أولا حكم للحديث بالصحة ما لم يظهر بعد ذلك أن فيه شذوذا لأن الأصل عدم الشذوذ وكون ذلك أصلا مأخوذ من عدالة الراوي وضبطه فإذا ثبت عدالته وضبطه كان الأصل أنه حفظ ما روي حتى يتبين خلافه].\nوسوف يأتي - بمشيئة الله - الكلام على الشاذ في موضعه من الرسالة، وإنما الغرض هنا التنبيه. والله أعلم.،\n_________\n(١) - أي بعد ركعتي الوتر.","vol":"1","page":107},{"text":"الوجه الثالث: ظاهر عبارة الإمام الذهبي أن المحدثين يشترطون في الحديث الصحيح خلوه من العلة مطلقًا، بمعنى أنهم يعللون الحديث بمطلق العلة، مع أنه قد قال في الموقظة: (فإن كانت العلة غير مؤثرة، بأن يرويه الثبت على وجه، ويخالفه واه، فليس بمعلول. وقد ساق الدارقطني كثيرًا من هذا النمط في كتاب العلل فلم يصب، لأن الحكم للثبت) فهذا صريح منه في أن بعض العلل غير مؤثرة وأن الحديث مع وجود مثل هذه العلل ليس بمعلول.\nوقال ابن حجر في النكت (١/ ٢٣٦): [ويحتمل إنه - أي ابن الصلاح - إنما لم يقيد العلة بالقدح في نفس الحد ليكون الحد جامعًا للحديث الصحيح المتفق على قبوله عند الجميع، لأن بعض المحدثين يرد الحديث بكل علة سواء كانت قادحة أو غير قادحة]. فقوله: (بعض المحدثين) صريح في بيان أن البعض الآخر من المحدثين لا يشترطون خلو الحديث الصحيح إلا من العلة القادحة.\nوقد أطلق الخليلي أيضًا العلة على غير القادح وقسم الصحيح إلى معلول، وغير معلول حيث قال في الإرشاد (١/ ١٥٧ وما بعدها): [اعلموا رحمكم الله أن الأحاديث المروية عن رسول الله ﷺ على أقسام كثيرة: صحيح متفق عليه، وصحيح معلول، وصحيح مختلف فيه، وشواذ، وأفراد، وما أخطأ فيه إمام، وما أخطأ فيه سيئ الحفظ يضعف من أجله، وموضوع وضعه من لا دين له ... فأما الحديث الصحيح المعلول فالعلة تقع للأحاديث من أنحاء شتى لا يمكن حصرها فمنها أن يروي الثقات حديثا مرسلا وينفرد به ثقة مسندا فالمسند صحيح وحجة ولا تضره علة الإرسال ومثاله حديث رواه أصحاب مالك في الموطأ عن مالك قال بلغنا عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال للملوك طعامه وشرابه ولا يكلف من العمل ما لا يطيق ورواه إبراهيم بن طهمان الخراساني والنعمان بن عبد السلام الأصبهاني عن مالك عن محمد بن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ... فقد صار الحديث بتبيين الإسناد صحيحا يعتمد عليه وهذا من الصحيح المبين بحجة ظهرت وكان مالك - ﵀ - يرسل أحاديث لا يبين إسنادها وإذا استقصى عليه من يتجاسر أن يسأله ربما أجابه إلى الإسناد ... إلى آخر ما ذكر من أمثلة]. وراجع هنا أيضًا ما سبق ذكره","vol":"1","page":108},{"text":"في تعريف العلة بالمعنى العام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-89>ملاحظة: مناقشة كلام الشيخ المليباري في التلازم بين العلة وبين القدح في الصحة:</span>\nقال المليباري في رسالته \" الحديث المعلول قواعد وضوابط \" تحت عنوان: التلازم بين العلة وبين القدح في الصحة: [ما ينبغي ذكره هنا أنه يمكن أن نستخلص مما سبق أن العلة كلها قادحة، لأنها دالة على وهم الراوي وخطئه، ويكون الخطأ قادحا في صحة ما وقع فيه الخطأ، وقد يكون ذلك في الإسناد أو في المتن أو في كليهما، ولا تخرج العلة عن أن تكون قادحة، ولهذا جاء تعريف العلة متضمنا ذلك حين قالوا: ''إن العلة عبارة عن سبب غامض يقدح في صحة الحديث''.\nوعلى الرغم من اتفاق المتأخرين على ذكر القدح في تعريف العلة كقيد وشرط، فإنهم في الوقت ذاته يقسمونها إلى قادحة وغير قادحة!! ولعل هذا التقسيم لخلفيتهم العلمية المزدوجة، التي لا تتفق مع منهج المحدثين في نقد الحديث، كما سيتضح لنا من المثال الآتي.\nروى مخلد ويعلى بن عبيد عن سفيان عن عمرو بن دينار عن ابن عمر عن النبي صلى الله عيه وسلم حديثا في خيار البَيِّعين (١). يقول النقاد: هذا وهم من مخلد ويعلى إذ أضافا الحديث إلى عمرو بن دينار، وهو لم يحدث به، والصواب: أن هذا الحديث إنما رواه عبد الله بن دينار، وليس عمرو بن دينار. وهذه العلة في الإسناد غير قادحة في صحة المتن، لأنه صح عن سفيان من طرق أخرى.\nوبهذا وغيره قالوا: العلة قد تكون غير قادحة، أي لا تقدح في صحة المتن، والواقع أن ذلك لا ينفي كون تلك العلة قادحة، إذ لا يختلف اثنان على عدم صحة روايتهما، وأن العلة هنا أصبحت قادحة في صحة الحديث عن عمرو بن دينار، وإن كان المتن صحيحا. كما أن الاضطراب حول اسم الصحابي الذي روى الحديث، أو راويه الثقة لا يعدونه علة قادحة أيضا، لأنه أيا كان هذا الراوي\n_________\n(١) - رواه النسائي في ٧/ ٢٥٠ من طريق مخلد به، والطبراني في الكبير ١٢/ ٤٤٨ من طريق يعلى بن عبيد به.","vol":"1","page":109},{"text":"فالحديث لا يخرج من رواية الثقة، سواء أكان هو هذا الثقة أم ذاك الثقة، أو هذا الصحابي أو ذاك الصحابي، بخلاف الاضطراب الذي يكون حول الراوي الثقة والضعيف؛ فإنه يضر حينئذ في صحة الحديث.\nوهذا أيضا لا ينفي كون العلة قادحة لتأثيرها في ثبوت الراوي الثقة بعينه، ويكون السؤال مطروحا: من صاحب هذا الحديث؟ فهذا النوع من الاضطراب أصبح علة قادحة، وإن لم تقدح في صحة الحديث عموما ...\nوالواقع هو أن العلة كلها قادحة تقدح في صحة ما وقعت فيه العلة، قد يكون ذلك في الإسناد أو فيما يخص راويا من رواته، أو في المتن، أو زيادة كلمة فيه، أو تغيير سياقه أو في الحديث سندا ومتنا، أعني بذلك أن القدحية قد تكون نسبية أو مطلقة، لأن العلة عند نقاد الحديث عبارة عن خطأ الراوي. والله أعلم].\nلاحظ أن نظر المقسمين للعلة إلى قادحة وغير قادحة إنما هو بالنظر إلى الطريق الصحيح، فالعلة والمخالفة هنا لم تقدح في صحة هذا الحديث من هذه الطريق الصحيحة، وأما كلام المليباري في هذا المبحث فإنما هو بالنظر لعموم الطرق فمطلق العلة قادح سواء كان ذلك في الطريق الصحيح أو الطريق الخطأ، فأصبح الخلاف بينهما لفظي فالمليباري بمقتضى كلامه لا ينكر أن العلة القادحة في الطريق الخطأ تكون غير قادحة في الطريق الصحيح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-90>قوله: (فالمجُمْعُ على صِحَّتِه إذًا: المتصلُ السالمُ من الشذوذِ والعِلَّة، وأنْ يكون رُواتُه ذوي ضَبْطٍ وعدالةٍ وعدمِ تدليس)</span>. فيه مسألتان:\n<span data-type=\"title\" id=toc-91>المسألة الأولى: </span>قوله: (المجُمْعُ على صِحَّتِه) أي بين المحدثين والفقهاء، قال ابن دقيق العيد في الاقتراح: [الصحيح: ومداره بمقتضى أصول الفقهاء والأصوليين على صفة عدالة الراوي في الأفعال مع التَّيقُظ، العدالة المشترطة في قبول الشهادة، على ما قُرِّر في الفقه، فمن لم يقبل المرسل منهم زاد في ذلك أن يكون مسندًا. وزاد أصحاب الحديث أن لا يكون شاذًا ولا معلَّلًا. وفي هذين الشرطين نَظَرٌ على مقتضى مذهب الفقهاء، فإن كثيرًا من العلل (التي) يعلِّل بها المحدثون الحديث لا تجري على أصول الفقهاء. وبمقتضى ذلك حُدَّ الحديث","vol":"1","page":110},{"text":"الصحيح، بأَنه: الحديث المسند الذي يتصل إسناده بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط إلى منتهاه، ولا يكون شاذًا ولا معلّلًا.\nولو قيل في هذا الحدِّ: الصحيح المجمع على صحته هو كذا وكذا إلى آخره لكان حسنًا، لأَنَّ من لا يشترط بعض هذه الشروط لا يحصر الصحيح في هذه الأوصاف. ومن شَرْطِ الحدِّ أن يكون جامعًا مانعًا]. ...\n\n(ولابد هنا من التنبيه على<span data-type=\"title\" id=toc-92> بعض الشروط الأخرى التي ذكرها العلماء في الحديث الصحيح </span>والتي منها الشروط الثبوتية والسلبية، والتي تجعل الحد غير جامع ولا مانع. وإليك هذه الشروط وتوجيهات العلماء لها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-93>١ - اشتراط نفي النكارة:</span>\nقال ابن حجر في النكت (١/ ٢٣٧): [إنما لم يشترط نفي النكارة - أي ابن الصلاح -، لأن المنكر على قسميه عند من يخرج الشاذ هو أشد ضعفًا من الشاذ. فنسبة الشاذ من المنكر نسبه الحسن من الصحيح فكما يلزم من انتفاء الحسن عن الإسناد انتفاء الصحة.\nكذا يلزم من انتفاء الشذوذ عنه انتفاء النكارة. ولم يتفطن الشيخ تاج الدين التبريزي لهذا وزاد في حد الصحيح، أن لا يكون شاذًا ولا منكرًا].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-94>٢ - عدم شموله للصحيح لغيره:</span>\nقال السيوطي في التدريب (١/ ٦٧ - ٦٨): [أورد على هذا التعريف ما سيأتي إن الحسن إذا روى من غير وجه ارتقى من درجة الحسن إلى منزلة الصحة وهو غير داخل في هذا الحد وكذا ما اعتضد بتلقي العلماء له بالقبول قال بعضهم يحكم للحديث بالصحة إذا تلقاه الناس بالقبول وإن لم يكن له إسناد صحيح قال ابن عبد البر في الاستذكار لما حكى عن الترمذي أن البخاري صحح حديث البحر هو الطهور ماؤه وأهل الحديث لا يصححون مثل إسناده لكن الحديث عندي صحيح لأن العلماء تلقوه بالقبول وقال في التمهيد روى جابر عن النبي ﷺ الدينار أربعة وعشرون قيراطا قال وفي قول جماعة العلماء وإجماع الناس على معناه غنى عن الإسناد فيه وقال الأستاذ أبو اسحق الإسفرايني تعرف صحة الحديث إذا اشتهر عند أئمة الحديث بغير نكير منهم، وقال نحوه ابن فورك وزاد بأن مثل","vol":"1","page":111},{"text":"ذلك بحديث في الرقة ربع العشر وفي مائتي درهم خمسة دراهم وقال أبو الحسن ابن الحصار في تقريب المدارك على موطأ مالك قد يعلم الفقيه صحة الحديث إذا لم يكن في سنده كذاب بموافقة آية من كتاب الله أو بعض أصول الشريعة فيحمله ذلك على قبوله والعمل به وأجيب عن ذلك بأن المراد بالحد الصحيح لذاته لا لغيره وما أورد من قبيل الثاني].\nوهذا الجواب سبق التنبيه عليه في صدر شرح تعريف الحديث الصحيح، حيث قلت: أي لذاته لا لغيره؛ لأنه المقصود عند الإطلاق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-95>٣ - اشتراط أن يكون راويه مشهورا بالطلب:</span>\nقال السيوطي في التدريب (١/ ٦٩ - ٧٠): [بقي للصحيح شروط مختلف فيها منها ما ذكره الحاكم من علوم الحديث أن يكون راويه مشهورا بالطلب وليس مراده الشهرة المخرجة عن الجهالة بل قدر زائد على ذلك، قال عبد الله بن عون: لا يؤخذ العلم إلا على من شهد له بالطلب، وعن مالك نحوه، وفي مقدمة مسلم عن أبي الزناد: أدركت بالمدينة مائة كلهم مأمون ما يؤخذ عنهم الحديث يقال ليس من أهله، قال شيخ الإسلام: والظاهر من تصرف صاحبي الصحيح اعتبار ذلك إلا إذا كثرت مخارج الحديث فيستغنيان عن اعتبار ذلك كما يستغنى بكثرة الطرق عن اعتبار الضبط التام، قال شيخ الإسلام: ويمكن أن يقال اشتراط الضبط يغني عن ذلك إذ المقصود بالشهرة بالطلب أن يكون له مزيد اعتناء بالرواية لتركن النفس إلى كونه ضبط ما روي (١)].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-96>٤ - اشتراط الفهم والمعرفة وكثرة السماع والمذاكرة:</span>\nوقال أيضًا في نفس الموضع: [ومنها ما ذكره السمعاني في القواطع أن الصحيح لا يعرف برواية الثقات فقط وإنما يعرف بالفهم والمعرفة وكثرة السماع والمذاكرة قال شيخ الإسلام هذا يؤخذ من اشتراط انتفاء كونه معلولا لأن الاطلاع على ذلك إنما يحصل بما ذكر من الفهم والمذاكرة وغيرهما].\n_________\n(١) الأولى أن نفسر الشهرة المقصودة هنا بأن يكون ثقة أي عدل ضابط، فنزيد شرط العدلة مع الضبط وذلك لأن حال الرواة ترك الرواسة عن غير العدل، وإن رووا عنه فمقصودهم تمييز حديثه.","vol":"1","page":112},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-97>٥ - اشتراط علمه بمعاني الحديث حيث يروي بالمعنى:</span>\nوقال أيضًا: [ومنها أن بعضهم اشترط علمه بمعاني الحديث حيث يروي بالمعنى وهو شرط لا بد منه لكنه داخل في الضبط].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-98>٦ - اشتراط فقه الراوي:</span>\nوقال أيضًا: [ومنها أن أبا حنيفة اشترط فقه الراوي قال شيخ الإسلام والظاهر أن ذلك إنما يشترط عند المخالفة أو عند التفرد بما تعم به البلوى].\nوعزو هذا الشرط للإمام أبي حنيفة فيه نظر، كما أن عزوه بهذا الإطلاق للأحناف فيه أيضًا نظر، وإنما هو عندهم مقيد بمخالفة القياس؛ قال الزركشي في البحر المحيط (٦/ ٢١٢ - ٢١٣): [ولا يشترط أن يكون - أي الراوي - فقيها عند الأكثرين سواء خالفت روايته القياس أم لا. وشرط عيسى بن أبان فقه الراوي لتقديم الخبر على القياس، ولهذا رد حديث المصراة، وتابعه أكثر متأخري الحنفية، ومنهم الدبوسي، وأما الكرخي وأتباعه فلم يشترطوا ذلك، بل قبلوا خبر كل عدل إذا لم يكن مخالفا للكتاب أو السنة المشهورة، ويقدم على القياس. قال أبو اليسر منهم: وإليه مال أكثر العلماء. قال صاحب \" التحقيق \": وقد عمل أصحابنا بحديث أبي هريرة: ﴿إذا أكل أو شرب ناسيا﴾، وإن كان مخالفا للقياس، حتى قال أبو حنيفة: لولا الرواية لقلت بالقياس، وقد ثبت عن أبي حنيفة أنه قال: ما جاءنا عن الله وعن رسول الله ﷺ فعلى الرأس والعين. واحتج أبو حنيفة في مواضع كثيرة على تقدير الحيض وغيره بمذهب أنس بن مالك مقلدا له، فما ظنك بأبي هريرة مع أنه أفقه من أنس. قال: ولم ينقل عن أحد من السلف اشتراط الفقه في الراوي، فثبت أنه قول محدث. اهـ]. ...\nوقول النبي - ﷺ -: (نضر الله امرأ سمع منا حديثا فحفظه حتى يبلغه فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ورب حامل فقه ليس بفقيه) (١) صريح في رد هذا الشرط كما قال السخاوي في فتح المغيث (٢). ...\n_________\n(١) - رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وغيرهم، من حديث زيد بن ثابت - ﵁ - وصححه الألباني، والأرناوؤط.\n(٢) - فتح المغيث (١/ ٢٩٣).","vol":"1","page":113},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-99>٧ - اشتراط ثبوت السماع:</span>\nقال السيوطي (١/ ٧٠): [ومنها اشتراط البخاري ثبوت السماع لكل راو من شيخه ولم يكتف بإمكان اللقاء والمعاصرة كما سيأتي وقيل إن ذلك لم يذهب أحد إلى أنه شرط الصحيح بل للأصحية]\nوالكلام على شرط البخاري سيأتي - إن شاء الله - في محله من الرسالة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-100>٨ - اشتراط العدد:</span>\nقال ابن حجر في النكت: (١/ ٢٣٨: ٢٤٧): في مبحث \" اشتراط العدد لقبول الحديث لم يصرح به أحد من المحدثين \": [١ - قوله - أي العراقي -: \" وكأن البيهقي رآه في كلام أبي محمد الجويني فنبه على أنه لا يعرف عن أهل الحديث \".\nيعني اشتراط العدد في الحديث المقبول بأن يرويه عدلان عن عدلين حتى يتصل مثنى مثنى برسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - انتهى.\nوهذا إن كان الشيخ أراد بأنه لا يعرف التصريح به من أحد أهل الحديث فصحيح، وإلا فذلك موجود في كلام الحاكم أبي عبد الله الحافظ في المدخل. وقد نقله عنه الحازمي لما ذكر أن الحديث الصحيح ينقسم أقسامًا وأعلامًا شرط البخاري ومسلم، وهي الدرجة الأولى من الصحيح، وهو أن يرويه عن رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - صحابي زائل عنه اسم الجهالة. بأن يروي عنه تابعيان عدلان ثم يرويه عنه التابعي المشهور بالرواية عن الصحابة، وله راويان ثقتان، ثم يرويه عنه من أتباع التابعين، حافظ متقن، وله رواة ثقات من الطبقة الرابعة، ثم يكون شيخ البخاري أو مسلم حافظًا مشهورًا بالعدالة في روايته. (وله رواة ثم يتداوله أهل الحديث بالقبول إلى وقتنا كالشهادة على الشهادة) (١).\nوقال في كتاب علوم الحديث له «وصفة الحديث الصحيح أن يرويه» ثم ساق نحو ذلك لكن لم يتعرض لعدد معين فيمن بعد التابعين.\n_________\n(١) - قال د. ربيع: وما بين القوسين لم يذكر فيما نقله عنه الحازمي، وقد راجعت المدخل ص٧ فلم أجده فيه وهو موجود في معرفة علوم الحديث فظنه الحافظ في المدخل وليس كذلك.","vol":"1","page":114},{"text":"وقد فهم الحافظ أبو بكر الحازمي من كلام الحاكم أن ادعى أن الشيخين لا يخرجان الحديث إذا انفرد به أحد الرواة فنقض عليه بغرائب الصحيحين.\nوالظاهر أن الحاكم لم يرد ذلك وإنما أراد كل راو في الكتابين من الصحابة فمن بعدهم يشترط أن يكون له راويان في الجملة، لا أنه يشترط أن يتفقا في رواية ذلك الحديث بعينه عنه، إلا أن قوله في آخر الكلام. ثم يتداوله أهل الحديث كالشهادة على الشهادة.\nإن أراد به تشبيه الرواية بالشهادة من كل وجه فيقوى اعتراض الحازمي وإن أراد به تشبيهها بها في الاتصال والمشافهة، فقد ينتقض عليه بالإجازة والحاكم قائل بصحتها. وأظنه إنما أراد بهذا التشبيه أصل الاتصال (والإجازة عند المحدثين لها حكم الاتصال) والله أعلم.\nولا شك أن الاعتراض عليه في علوم الحديث أشد من الاعتراض عليه بما في المدخل، لأنه جعل في المدخل هذا شرطًا لأحاديث الصحيحين.\nوفي العلوم جعله شرطًا للصحيح في الجملة. وقد جزم أبو حفص الميانجي بزيادة على ما فهمه الحازمي من كلام الحاكم.\n\" زعم الميانجي أن الشيخين يشترطان العدد في صحة الحديث في كتابيهما: \" فقال في (كتاب ما لا يسع المحدث جهله) إن شرط الشيخين في صحيحهما - أن لا يدخلا فيه إلا ما صح عندهما، وذلك ما رواه عن رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - اثنان فصاعدًا وما نقله عن كل واحد من الصحابة أربعة من التابعين فأكثر، وأن يكون عن كل واحد من التابعين أكثر من أربعة\". فهذا الذي قاله الميانجي مستغن بحكايته عن الرد عليه فإنهما لم يشترطا ذلك ولا واحد منهما.\nوكم في الصحيحين من حديث لم يروه إلا صحابي واحد، وكم فيهما من حديث لم يروه إلا تابعي واحد. وقد صرح مسلم في صحيحه ببعض ذلك. وإنما حكيت كلام الميانجي هنا، لأتعقبه لئلا يغتر به.\n\" اشتراط ابن علية وغيره العدد في صحة الحديث: \"\nوأما اشتراط العدد في الحديث الصحيح، فقد قال به قديمًا إبراهيم بن إسماعيل بن علية وغيره.","vol":"1","page":115},{"text":"وعقد الشافعي في «الرسالة» بابًا محكمًا لوجوب العمل بخبر الواحد، وخبر الواحد عندهم هو: ما لم يبلغ درجة المشهور سواء رواه شخص واحد أو أكثر. ورأيت في بعض تصانيف الجاحظ أحد المعتزلة أن الخبر لا يصح عندهم إلا إن رواه أربعة. وعن أبي علي الجبائي أحد المعتزلة - أيضًا - فيما حكاه أبو الحسين البصري في المعتمد «أن الخبر لا يقبل إذا رواه العدل الواحد إلا إذا انضم إليه خبر عدل آخر. أو عضده موافقة ظاهر الكتاب، أو ظاهر خبر آخر. أو يكون منتشرًا بين الصحابة، أو عمل به بعضهم».\nوأطلق الأستاذ أبو منصور التميمي عنه أنه اشترط الاثنين عن الاثنين والحق عنه التفصيل الذي حكيناه.\nواحتج على ذلك:\n١ - بقصة ذي اليدين وكون النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - توقف في خبره حتى تابعه أبو بكر وعمر ﵄ وغيرهما.\n٢ - وقصة أبي بكر ﵁ حين توقف في حديث المغيرة بن شعبة ﵁ في ميراث الجدة حتى تابعه محمد بن مسلمة.\n٣ - وقصة عمر ﵁ في توقفه في حديث أبي موسى الأشعري ﵁ في الاستئذان حتى تابعه أبو سعيد الخدري ﵁ وغير ذلك.\n٤ - وقول على بن أبي طالب ﵁ «كنت إذا حدثني رجل استحلفته فإن حلف لي صدقته».\nوالجواب: عن ذلك كله واضح.\nأما قصة ذي اليدين: فإن النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - إنما توقف فيه للريبة الظاهرة، لأنه أخبر النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - عن فعل نفسه وكان ثم جماعة من أكابر الصحابة ﵃ ولم يذكره أحد منهم سواء، فكان موجب التوقف قويًا. وقد قبل خبر غيره على انفراده عند انتفاء الريبة في جملة من الوقائع.\nوأما قصة المغيرة ﵁ فإن أبا بكر الصديق - رضي الله","vol":"1","page":116},{"text":"عنه - إنما توقف فيه، لأنه أمر مشهور فأراد أن يثبت فيه، وقد قبل أبو بكر ﵁ حديث عائشة ﵂ وحدها في القدر الذي كفن فهي رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - إلى غير ذلك من الأخبار.\nوأما عمر ﵁ فإن أبا موسى ﵁ أخبره بذلك الحديث عقب إنكاره عليه رجوعه، فأراد عمر ﵁ الاستثبات في خبره لهذه القرينة.\nوقد قبل عمر ﵁ حديث عبد الرحمن بن عوف ﵁ وحده في أن النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - أخذ الجزية من مجوس هجر.\nوحديثه وحده ﵁ في النهي عن الفرار من الطاعون وعن دخول البلد التي وقع بها.\nوحديث الضحاك بن سفيان في توريث امرأة أشيم من دية زوجها. وعدة أخبار من أخبار الآحاد في عدة من الوقائع.\nوأما صنيع علي ﵁ في الاستحلاف فقد أنكر البخاري صحته وعلى تقدير ثبوته، فهو مذهب تفرد به والحامل له على ذلك المبالغة في الاحتياط، والله أعلم.].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-101>المسألة الثانية: قوله: [وعدمِ تدليس]</span>\nزاد الإمام الذهبي هذا القيد، ولم أراه لغيره، ولم يذكره شيخه في الاقتراح، ولم يلتزمه فقد ذكر في الأسانيد التي وصفها بأنها أعلى مراتب المجمع عليه كما سيأتي رواة قد وصفوا بالتدليس، إلا أن يكون مقصوده اشتراط التصريح بالسماع ليتحقق شرط عدم التدليس عند الرواة الموصوفين بالتدليس، إلا أن هذا المقصود فيه نظر وسيأتي - إن شاء الله - بيان هذا النظر عن الكلام على الاتصال.\nوهذا القيد داخل في اشتراط العدالة، والاتصال، ولذا فلعل الصواب حذف هذا القيد والاستغناء عنه من الحد. وسوف يأتي الكلام تفصيليًا بمشيئة الله على التدليس وأنواعه في محله من الرسالة.","vol":"1","page":117},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-102>الكلام على بعض الأسانيد:</span>\nـ[قال الإمام الذهبي: [فأعلى مراتبِ المجمَع عليه:\nمالكُ، عن نافع، عن ابن عُمَر.\nأو: منصورٌ، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله.\nأو: الزهريٌّ، عن سالم، عن أبيه.\nأو: أبو الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة.\nثم بعدَهُ:\nمَعْمَر، عن هَمَّام، عن أبي هريرة.\nأو: ابنُ أبي عَرُوبة، عن قتادة، عن أنس.\nأو: ابنُ جُرَيج، عن عطاء، عن جابر، وأمثالُه.\nثم بعدَهُ في المرتبةِ:\nالليثُ، وزهير، عن أبي الزُّبير، عن جابر.\nأو: سِماَكٌ، عن عكرمة، عن ابن عباس.\nأو: أبو بكر بن عَيّاش، عن أبي إسحاق، عن البَرَاء.\nأو: العلاءُ بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة.\nونحوُ ذلك من أفراد البخاري أو مسلم.].]ـ\nفيه مسائل:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-103>المسألة الأولى:\nقوله: [فأعلى مراتبِ المجمَع عليه]</span>.\nوهنا يعرض إشكالان على هذه العبارة:\nالإشكال الأول: أن ظاهر هذه العبارة أن الإمام الذهبي يريد هنا ذكر أعلى المراتب المتحقق فيها ما ذكر من شروط للحديث الصحيح المجمع عليه بين الفقهاء والمحدثين من: اتصال، وسلامة من الشذوذ، والعلة، وأن يكون رواته ذوي ضبط، وعدالة، وعدم تدليس، كما سبق ذكر عبارته آنفًا، بمعنى أنه يريد ذكر أعلى مراتب الحديث الصحيح، مع أنه لم يسق إلا بعض الأسانيد، وكما هو معلوم","vol":"1","page":null},{"text":"أنه لا تلازم بين صحة الإسناد وصحة المتن، وعليه فكان الأحرى بالإمام الذهبي أن يقيد إطلاق عبارته بالأسانيد، وألا يخالف نص عبارة شيخه في الاقتراح حيث قال: [وقد اختلف أئمة الحديث في أَصحِّ الأسانيد: ...].\nقال ابن حجر في النكت (١/ ٢٤٧ - ٢٤٨): (قوله - أي ابن الصلاح -: «ولهذا نرى الإمساك عن الحكم لإسناد أو حديث بأنه الأصح على الإطلاق. على أن جماعة من أئمة الحديث خاضوا غمرة ذلك». (انتهى). إما الإسناد فهو كما قال قد صرح جماعة من أئمة الحديث بأن إسناد كذا أًصح الأسانيد.\nوأما الحديث فلا يحفظ عن أحد من أئمة الحديث أنه قال: حديث كذا أصح الأحاديث على الإطلاق، لأنه لا يلزم من كون الإسناد أصح من غيره أن يكون المتن المروي به أصح من المتن المروي بالإسناد المرجوح، لاحتمال انتفاء العلة عن الثاني ووجودها في الأول. أو كثرة المتابعات وتوافرها على الثاني دون الأول. فلأجل هذا ما خاض الأئمة إلا في الحكم على الإسناد خاصة. وليس الخوض فيه يمتنع، لأن الرواة قد ضبطوا، وعرفت أحوالهم وتفاريق مراتبهم، فأمكن الاطلاع على الترجيح بينهم.\nوسبب الاختلاف في ذلك إنما هو من جهة أن كل من رجح إسنادًا كانت أوصاف رجال ذلك الإسناد عنده أقوى من غيره بحسب اطلاعه، فاختلفت أقوالهم، لاختلاف اجتهادهم.].\nوقال طاهر الجزائري في توجيه النظر إلى أصول الأثر (١/ ٥٠١): [ولما كان لا يلزم من كون الإسناد أصح من غيره أن يكون المتن كذلك قصر الأئمة الحكم على الإسناد فقط ولا يحفظ عن أحد منهم أنه قال إن الأحاديث المروية بإسناد كذا من الأسانيد التي حكم لها بأنها أصح من غيرها هي أصح الأحاديث].\nالإشكال الثاني:\nوهو جزمه هنا بأن ما ذكر هو أعلى مراتب الصحيح المجمع عليه، مخالفًا لشيخه الذي قد ذكر هذه الأسانيد كمذاهب في المسألة، ولم يجزم بشيء منها.\nقال طاهر الجزائري في توجيه النظر إلى أصول الأثر (١/ ٥٠٠ - ٥٠١): [وقد اختلف في أصح الأسانيد فقال البخاري أصح الأسانيد كلها مالك عن نافع","vol":"1","page":119},{"text":"عن ابن عمر ... والمختار أنه لا يحكم لإسناد بأنه أصح الأسانيد كلها إذ لا يمكن أن يحكم لكل راو ذكر فيه بأنه قد حاز أعلى صفات القبول من العدالة والضبط ونحوهما عل وجه لا يوازيه فيه أحد من الرواة الموجودين في عصره ولذلك اضطربت أقوال من خاض في ذلك إذ ليس لديهم دليل مقنع واكثر الأقوال المذكورة في ذلك متكافئة يعسر ترجيح بعضها على بعض في الأكثر فالحكم حينئذ على إسناد معين بأنه أصح الأسانيد على الإطلاق مع عدم اتفاقهم فيه ترجيح بلا مرجح.\nقال بعض الحفاظ ومع ذلك يمكن للناظر المتقن ترجيح بعضها على بعض من حيث حفظ الإمام الذي رجح وإتقانه وإن لم يتهيأ ذلك على الإطلاق فلا يخلو النظر فيه من فائدة لأن مجموع ما نقل عن الأئمة من ذلك يفيد ترجيح التراجم التي حكموا لها بالأصحية على ما لم يقع له حكم من أحدهم وهذا حيث لم يكن مانع؛ ولذلك قال أبو بكر البرديجي: أجمع أهل النقل صحة أحاديث الزهري عن سالم عن أبيه وعن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة من رواية مالك وابن عيينة ومعمر ما لم يختلفوا فإذا اختلفوا توقف فيها ...\nفإن كان ولا بد من الحكم فينبغي تقييد كل ترجمة بصحابيها أو بالبلدة التي منها أصحاب تلك الترجمة بأن يقال أصح أسانيد فلان كذا وأصح أسانيد أهل بلدة كذا وكذا فإنه أقل انتشارا وأقرب إلى الحصر بخلاف الأول فإنه في أمر واسع شديد الانتشار والحاكم فيه على خطر من الخطأ والخطأ فيه أكثر من الخطأ في مثل قولهم ليس في الرواة من اسمه كذا سوى فلان.\nوعلى ذلك يقال أصح أسانيد ابن عمر مالك عن نافع عن ابن عمر وأصح أسانيد ابن مسعود سفيان الثوري عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود وأصح أسانيد أنس بن مالك مالك عن الزهري ولهما من الرواة جماعة فأثبت أصحاب ثابت حماد بن زيد وقيل حماد بن سلمة وأثبت أصحاب قتادة شعبة وقيل هشام الدستوائي.\nوأصح أسانيد المكيين سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن جابر وأصح أسانيد اليمانيين معمر عن همام عن أبي هريرة وأثبت أسانيد المصريين الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن عقبة بن عامر وأصح أسانيد الكوفيين يحيى","vol":"1","page":120},{"text":"بن سعيد القطان عن سفيان الثوري عن سليمان التيمي عن الحارث بن سويد عن علي.\nومن الرتبة العليا ما اتفق البخاري ومسلم على إخراجه في صحيحهما وذلك لجلالة شأنهما في هذا العلم وتقديمها على غيرهما فيه وفرط عنايتهما بتمييز الصحيح].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-104>المسألة الثانية:</span>\nذكر الإمام الذهبي ثلاث مراتب للصحيح ورتبها من الأعلى إلى الأدنى، ولكل مرتبة خصائص لرجالها، سوف أتكلم - بمشيئة الله - على هذه الخصائص من ناحية الإجمال، ثم أتكلم عليها من ناحية التفصيل.\nقال د. عبد العزيز بن محمد السعيد في شرحه للموقظة: [فمراتب الصحيح، أو الصحيح يختلف فيما بينها، بحسب ضبط الرواة، وهذه المراتب التي ذكرها الإمام الذهبي -﵀- ثلاث مراتب: فالمرتبة الأولى: هذه مرتبة عليا، الرواة فيها ثقات متقنون، وهي سلاسل معروفة ومشهورة ... وتمتاز هذه المرتبة أو أهل هذه المرتبة، بأن الرجال المذكورين فيها لم يمس أحد منهم بما يقدح في عدالته أو ضبطه، فصارت هذه المرتبة التي أوردها المؤلف، أو أهل هذه المرتبة التي أوردها المؤلف -﵀- وهي المرتبة الأولى من مراتب الصحيح -يجمع أهلها ثلاثة أوصاف:\nالوصف الأول: أنهم قد خرج لهم في الصحيحين بجميعهم، على هذا النسق الذي ذكره المؤلف ﵀.\nوالثاني: أن هذه السلسلة، أو هذه السلاسل المذكورة وصفت بأنها أصح الأسانيد.\nالثالث: أن ما ذكر من هؤلاء الرجال، لم يمس أحد منهم بجرح يقدح في ضبطه، فضلا عن عدالته.\nوأما المرتبة الثانية التي ذكرها المؤلف: فهي أقل من هذه المرتبة، وتمتاز بأن رجالها مخرج لهم في الصحيحين، جميع الرجال المذكورين في المرتبة الثانية،","vol":"1","page":121},{"text":"هؤلاء مخرج لهم في الصحيحين، والرجل الذي يُخرج له في الصحيحين، يختلف حاله عمن لم يُخرج له في الصحيحين؛ لأن وجوده في الصحيحين دليل على علو منزلته وأنه من الحفاظ؛ ولهذا بعض أهل العلم ذكروا أن من خرج له في الصحيح على سبيل الاحتجاج -فهو قد اجتاز القنطرة، فلا يتكلم في حفظه، فأقل أحواله أن يكون حسن الحديث، وإن لم يوثقه أحد من أئمة العلم ... وهذه الصفة أو الوصف الأول الذي فازت به هذه المرتبة: إن الحديث من أهلها، إن أهلها مخرج لهم في الصحيحين، والصفة الثانية: إن أهلها لم يمس أحد منهم بقادح ظاهر، وإن كان على بعضهم ملحظ في الرواية، فمثلا: سعيد بن أبي عروبة ثقة فذ، لكن كان يدلس واختلط في آخر عمره، معمر ثقة فذ، لكن كان إذا حدث في البصرة وهِم، وإذا حدث عن بعض شيوخه: كالأعمش وهشام وثابت يخطئ، ليسوا كالرجال المتقدمين في المرتبة الأولى. والصفة الثالثة وهي صفة سلب عنهم: أن هذه السلاسل لم يوصف أحد منها بأنه أصح الأسانيد، كما وصف في المرتبة الأولى، اللهم إلا حديث معمر عن همام عن أبي هريرة، هذا وصف بأنه أصح أسانيد اليمانيين، وهذا وصف مقيد ليس مطلقا، وأما الأولون فكان الوصف لروايتهم وصفا مطلقا ...\nأما أهل المرتبة الثالثة: فهؤلاء فيما ذكره المؤلف في التمثيل لأهل هذه المرتبة، هذا فيه محل نظر، وكونه يدخل في الصحيح أيضا محل نظر، فضلا عن كونه من مراتب الصحيح.\nهذه الأسانيد المذكورة في هذه المرتبة، تبين أن كلام المؤلف في رواية سماك عن عكرمة عن ابن عباس، وجعلها من الصحيح، هذا مما لا يوافقه عليه الحفاظ، فرواية سماك عن عكرمة أعلها العلماء بالاضطراب، فهي من ضعيف حديث سماك وليست من صحيحه، كما أعلها شعبة وعلي بن المديني، ويعقوب بن شيبة، وآخرون ... وإن كان سماك على الصحيح، حسن الحديث في روايته عن غير عكرمة، ولكن كونه يدخل في الصحيح بروايته عن عكرمة، هذا مما لا يوافق الحفاظ عليه الحافظ الذهبي -رحمه الله تعالى- اللهم إلا أن يكون مراد الإمام الذهبي: أن يكون هذا الحديث الذي يرويه سماك عن عكرمة عن ابن عباس، من رواية الثوري أو شعبة عن سماك، فإن العلماء ذكروا: \"إن الثوري وشعبة، إذا رويا","vol":"1","page":122},{"text":"عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس فهذا صحيح، وأما إذا روى غيرهم عن سماك فالرواية مضطربة\". فيكون على ذلك كلام المؤلف: إما أن يقيد، يقال: \"رواية سماك عن عكرمة عن ابن عباس، فيما رواه عن سماك الثوري وشعبة\"، وإما أن يقال: \"إدخال هذه السلسلة في هذه المراتب، مخالفة من الذهبي لما اعتمده الحفاظ\".\nوهذه المرتبة، لو لاحظنا الأوصاف التي تميز بها أهلها لوجدنا أن الوصف الأول: أنهم مخرج لهم في الصحيح، سواء في الصحيحين، أو في صحيح البخاري، أو في صحيح مسلم، فهم من رجال الصحيح. الثاني: أن كل سلسلة من هذه السلاسل المذكورة، قد قدح في راو منها، لكن هذا القادح، يعني ليس مؤثرا يضعف الراوي، وإنما يحط من رتبته نوعا ما، وهذه -أيضا- فيها وصف سلبي: وهو أنه ليس في هذه السلاسل ما وُصف بأنه أصح الأسانيد ... ...\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-105>المسألة الثالثة:\nالكلام على هذه الأسانيد والمراتب من ناحية التفصيل:</span>\n١ - قوله: (مالكُ (١)، عن نافع (٢)، عن ابن عُمَر).\nقال الزركشي في النكت على مقدمة ابن الصلاح (١/ ١٤٠: ١٤٨): [(قوله) عن البخاري: أصحها مالك عن نافع عن ابن عمر.\nهذا يسمى سلسلة الذهب وفي هذا الإطلاق عنه نظر ففي ذم الكلام للهروي قال الداوساني قال محمد بن إسماعيل البخاري \" أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ديباج خسرواني (٣) \".\n_________\n(١) هو الإمام مالك بن أنس الأصبحي الحميري، إمام دار الهجرة، رأس المتقنين، وكبير المتثبتين، وأحد الأئمة الأربعة، مناقبه كثيرة جدًا، وقد أفردت بالتصنيف، ولد بالمدينة النبوية، وتوفي بها (١٧٩ هـ).\n(٢) هو نافع، مولى عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشى العدوى، أبو عبد الله المدنى، ثقة ثبت فقيه مشهور من أئمة التابعين وأعلامهم، قال الخليلى: نافع من أئمة التابعين بالمدينة، إمام فى العلم، متفق عليه، صحيح الرواية، منهم من يقدمه على سالم ومنهم من يقارنه به، ولا يعرف له خطأ فى جميع ما رواه. توفي (١١٧ هـ أو بعد ذلك).\n(٣) وهذا لقب مدح دال على التوثيق التام المؤكد، ومثله: (ميزان، مصحف).","vol":"1","page":123},{"text":"ثم قال: (قوله) وبنى الإمام أبو منصور التميمي على ذلك أن أجل الأسانيد\nالشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر واحتج بإجماع أصحاب الحديث على أنه لم يكن في الرواة عن مالك أجل من الشافعي:\nفيه أمور:\nأحدها: يقال على هذا أجل الأسانيد ما رواه أحمد بن حنبل عن الشافعي عن مالك وقد وقع من ذلك أحاديث في مسنده منها قال أحمد ثنا الشافعي ثنا مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال \" لا يبع بعضكم على بيع بعض ونهى عن النجش ونهى عن حبل الحبلة ونهى عن المزابنة والمزابنة بيع الثمر بالتمر كيلا وبيع الكرم بالزبيب كيلا \" وأخرجه البخاري متقطعا من حديث مالك ... وصنف الحازمي جزءا فيما رواه أحمد عن الشافعي وسماه سلسلة الذهب ...\nالثاني: ما نقله عن أبي منصور رأيته كذلك في كتابه المسمى بتنبيه العقول في الرد على الجرجاني ويتأيد بما ذكره الخليلي في الإرشاد قال أحمد بن حنبل \" كنت سمعت الموطأ من بضعة عشر رجلا من حفاظ أصحاب مالك فأعدته على الشافعي لأني وجدته أقومهم [به] ...\nالثالث: أن نقله الإجماع فيه نظر فإن أصحاب مالك قد منعوا ذلك وقالوا: إما أن تريدوا بالأجلية في الفقه أو الحديث فإن أردتم الفقه فلا خلاف عندنا [أن عبد الرحمن بن القاسم وعبد الله بن وهب أجل منه وإن أردتم الحديث فلا خلاف عندنا] أن يحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي أجل إسنادا منه فلم يسند ذلك على قول أبي منصور إلا بالمجاز وهو أن يريد من أجل الأسانيد وأيضا فإن الدارقطني قد صنف جزءا في الأحاديث التي رواها أبو حنيفة عن مالك والحنفية يقولون إن أجل من روى عن مالك أبو حنيفة.\nوالجواب أما ما ذكره المالكية فممنوع - وأين محل ابن وهب ومن ذكروه من الشافعي ويكفي في ذلك كلام الإمام أحمد السابق. وأما أبو حنيفة وإن صحت روايته عن مالك فلم يشتهر ولم يكثر كرواية الشافعي وقد ذكره الخطيب في كتاب الرواة عن مالك وأسند له حديثا عنه ووهمه فيه وقال سائر رواة الموطأ على خلافه].","vol":"1","page":124},{"text":"٢ - قوله: (أو: منصورٌ (١)، عن إبراهيم (٢)، عن علقمة (٣)، عن عبد الله).\nقال الخطيب في الكفاية في علم الرواية (ص/٣٩٨): [أخبرنا البرقاني قال قرأت على أبي العباس بن حمدان حدثكم تميم بن محمد قال ثنا إبراهيم بن محمد الشافعي قال سمعت الفضيل بن عياض يقول: منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله مثل هذه السارية، أخبرنا الحسن بن علي الطناجيري قال انا عمر بن أحمد الواعظ قال ثنا عبد الله بن سليمان بن الأشعث قال ثنا الحسين بن محمد الطيالسي قال حدثني أبي قال سمعت محمد بن أبي خالد قال سمعت بن المبارك يقول: إذا جاءك سفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله فكأنك تسمعه يعني من النبي ﷺ، أخبرني علي بن محمد بن الحسين الدقاق قال أنا علي بن الحسين بن هارون القاضي عن أبي العباس بن سعيد قال ثنا عبد الله بن محمد بن أحمد بن نوح البلخي قال سمعت أبي يقول سمعت عبد الله بن المبارك يقول: ما اجمع الناس على شيء إجماعهم على هذا الإسناد سفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله]. ...\nوقال المزي في تهذيب الكمال (٢٨/ ٥٥٣): [وقال محمد بن سهل بن عسكر: سمعت عبد الرزاق يقول: حدث سفيان يوما بحديث عن منصور عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله فقال: هذا الشرف على الكراسي].\n_________\n(١) هو منصور بن المعتمر بن عبد الله بن ربيعة، أبو عتاب الكوفي، من أئمة الكوفة وأثبتهم، قال: ما كتبت حديثا قط، ومناقبه جمة، وكان لا يدلس، توفي: ١٣٢ هـ.\n(٢) هو إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود بن عمرو بن ربيعة بن ذهل النخعي أبو عمران الكوفي الفقيه وكان مفتي أهل الكوفة وكان رجلا صالحا فقيها متوقيا قليل التكلف، وهو ثقة إلا أنه يرسل كثيرا، توفي (٩٥ هـ) وهو متوار من الحجاج، ودفن ليلًا.\n(٣) هو علقمة بن قيس بن عبد الله بن مالك بن علقمة بن سلامان، وهو خال إبراهيم النخعي، ولد في حياة النبي ﷺ، وقال: ما حفظت وأنا شاب وكأني أنظر إليه في قرطاس أو رقعة. وكان فقيهًا، عالمًا، إمامًا، ثقة، ثبتًاً، توفي (بعد ٦٠ هـ، وقيل: بعد ٧٠ هـ بـ الكوفة).","vol":"1","page":125},{"text":"فائدتان:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-108>الفائدة الأولى: بيان أن إبراهيم النخعي مدلس، وكان يرسل، وبيان أن مراسيله عن ابن مسعود صحيحة:</span>\nقال ابن حجر في طبقات المدلسين: [إبراهيم بن يزيد النخعي الفقيه المشهور في التابعين من أهل الكوفة ذكر الحاكم أنه كان يدلس وقال أبو حاتم لم يلق أحدا من الصحابة إلا عائشة ﵂ ولم يسمع منها وكان يرسل كثيرا ولا سيما عن بن مسعود وحدث عن أنس وغيره مرسلا].\nوقال الحافظ أبو سعيد العلائي عنه: [هو مكثر من الإرسال، وجماعة من الأئمة صححوا مراسيله، وخص البيهقي ذلك بما أرسله عن ابن مسعود].\nوقال أبو الوفا الحلبي في التبيين لأسماء المدلسين: [إبراهيم بن يزيد النخعي ذكر الحاكم وغيره انه مدلس وحكى خلف بن سالم عن عدة من مشايخه أن تدليسه من أخص شيء وكانوا يتعجبون منه].\nعن سليمان الأعمش، قال: قلت لإبراهيم النخعي: [اسند لي عن عبد الله بن مسعود، فقال إبراهيم: إذا حدثتكم عن رجل عن عبد الله فهو الذي سمعت، وإذا قلت: قال عبد الله: فهو عن غير واحد عن عبد الله].\nقال الشيخ الألباني في إرواء الغليل (٢/ ١٣١): [وهذا إسناد صحيح وان كان ظاهره الانقطاع لما عرف من ترجمة إبراهيم وهو النخعي فيما يرويه عن ابن مسعود بدون واسطة أنه إنما يفعل ذلك إذا كان بينه وبين ابن مسعود أكثر من واحد من التابعين من أصحاب ابن مسعود ولذلك صرح الحافظ بصحة إسناده كما تقدم]. وقال في السلسة الصحيحة (٦/ ٢/١٢٦١): [وكذلك هو من طريق إبراهيم وهو ابن يزيد النخعي وهو وان كان لم يسمع من ابن مسعود فمن المعروف من ترجمته أن ما أرسله عنه فهو صحيح].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-109>الفائدة الثانية: بيان وجه دقة استبدال الإمام الذهبي الأعمش بمنصور بن المعتمر:</span>\nعدل الذهبي هنا عن اختيار شيخه في الاقتراح حيث أن الإمام ابن دقيق العيد قال وهو يعرض المذاهب في أصح الأسانيد: [وعن يحيى بن مَعِين: أجودها:","vol":"1","page":126},{"text":"الأعمش عن إبراهيم، عن علقمة عن عبد الله]، فاستبدل الذهبي الأعمش بمنصور بن المعتمر، واختيار الذهبي أدق وأوفق؛ حيث أن منصور قال عنه ابن حجر في التقرب: [ثقة ثبت، وكان لا يدلس]، وأما الأعمش فقال عنه: [ثقة حافظ عارف بالقراءات، ورع، لكنه يدلس].\nوهذه جملًا من أقوال العلماء في المفاضلة بينهما:\nقال أبو عبيد الآجرى، عن أبى داود: طلب منصور الحديث قبل الجماجم، والأعمش طلب بعد الجماجم.\nقال عثمان بن سعيد الدارمى: قلت ليحيى بن معين: أبو معشر الحنفى أحب إليك عن إبراهيم أو منصور؟ فقال: منصور خير منه ومن أبيه. قلت: الأعمش أحب إليك عن إبراهيم أو منصور؟ فقال: منصور. قلت: فمنصور، أو الحكم؟ قال: منصور. قلت: فمنصور أو مغيرة؟ قال: منصور.\nوقال أبو بكر بن أبى خيثمة: سمعت يحيى بن معين، وأبى حاضر، يقول: إذا اجتمع منصور والأعمش فقدم منصورا.\nوقال أيضا: سئل أبى عن الأعمش، ومنصور، فقال: الأعمش حافظ يخلط ويدلس، ومنصور أتقن لا يخلط ولا يدلس.\n\n٣ - قوله: [أو: الزهريٌّ (١)، عن سالم (٢)، عن أبيه.]\nروى الخطيب في الكفاية (ص/٣٩٧) بسنده عن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي أنه قال: أصح الأسانيد كلها الزهري عن سالم عن أبيه.\n_________\n(١) هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة القرشي الزهري، أبو بكر المدني أحد الأعلام، الفقيه، الحافظ، المتفق على جلالته وإتقانه. قال أبو بكر بن منجويه: رأى عشرة من أصحاب النبي ﷺ وكان من أحفظ أهل زمانه وأحسنهم سياقا لمتون الأخبار، وكان فقيها فاضلا. وقال محمد بن سعد: قالوا: وكان الزهري ثقة، كثير الحديث والعلم والرواية فقيها جامعا توفي ١٢٥ هـ وقيل قبلها.\n(٢) هو سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوى، ثبت عابد فاضل أحد فقهاء السبعة، قال مالك: لم يكن أحد في زمان سالم أشبه بمن مضى في الزهد والفضل والعيش الخشن منه الوفاة: ١٠٦ هـ.","vol":"1","page":127},{"text":"قال ابن الصلاح في مقدمته (ص / ١٠): [روينا عن (إسحاق بن راهويه) أنه قال: أصح الأسانيد كلها: الزهري عن سالم عن أبيه. وروينا نحوه عن (أحمد بن حنبل)].\nوقال الزركشي في النكت على مقدمة ابن الصلاح (١/ ١٣١): [هذا إسناد حجازي فلعل إسحاق أراد ذلك لا مطلق الأسانيد ... الذي نقله الحاكم عن أحمد بن حنبل بصيغة \" أجود \" لا بصيغة \" أصح \" فلعل المصنف يرى أن الجودة والصحة مترادفان أو متغايران ولهذا قال \" نحوه \" ولم يقل \" مثله \"].\nفائدة: الترجيح بين سالم ونافع عند الاختلاف في الرواية عن ابن عمر ﵄:\nهذا هو الإسناد الثاني عن ابن عمر - ﵁ - الذي قيل عنه أنه من أصح الأسانيد، والأول هو من طريق مالك عن نافع عن ابن عمر، وقد تكلم العلماء في الترجيح بين ابنه سالم، ومولاه نافع عند الاختلاف حيث قال ابن رجب في شرح العلل (٢/ ٤٧٢ - ٤٧٣) تحت عنوان: \" في معرفة مراتب أعيان الثقات الذين تدور غالب الأحاديث الصحيحة عليهم وبيان مراتبهم في الحفظ وذكر من يرجح قوله منهم عند الاختلاف \": [أصحاب ابن عمر: أشهرهم سالم ابنه، ونافع مولاه، وقد اختلفا في أحاديث ذكرناها في باب رفع اليدين في الصلاة، وقفها نافع، ورفعها سالم.\nوسئل أحمد إذا اختلفا فلأيهما تقضي؟ [فـ] قال: «كلاهما ثبت» ولم ير أن يقضي لأحدهما على الآخر، نقله عنه المروذي.\nونقل عثمان الدارمي عن ابن معين نحوه، مع أن المروذي نقل عن أحمد أنه مال إلى قول نافع في حديث: «من باع عبدًا له مال»، وهو وقفه، وكذلك نقل غيره عن أحمد أنه رجح قول نافع في وقف حديث: «فيما سقت السماء العشر» ورجح النسائي والدارقطني قول نافع في وقف ثلاثة أحاديث: حديث «فيما سقت السماء العشر». وحديث «من باع عبدًا له مال». وحديث «تخرج النار من قبل اليمن».\nوكذا حكى الأثرم عن غير أحمد أنه رجح قول نافع في هذه الأحاديث، وفي","vol":"1","page":128},{"text":"حديث: «الناس كإبل مائة» أيضًا.\nوذكر ابن عبد البر أن الناس رجحوا قول سالم في رفعها.].\n\n٤ - قوله: [أو: أبو الزِّناد (١)، عن الأعرج (٢)، عن أبي هريرة.]\nقال الحاكم في معرفة علوم الحديث (ص /٩٩): [حدثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب قال ثنا محمد بن سليمان قال سمعت محمد بن إسماعيل البخاري يقول: أصح الأسانيد كلها مالك عن نافع عن بن عمر وأصح أسانيد أبي هريرة أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة]، وسبق ذكر قول الإمام البخاري عن هذا الإسناد بأنه ديباج خسرواني.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-112>فائدة: مراتب أخرى أغفلها الإمام الذهبي في المرتبة الأولى للصحيح:</span>\nهذه المرتبة هي آخر المراتب التي ذكرها الإمام الذهبي للمرتبة الأولى في الصحيح، وقد أغفل بعض الأسانيد الأخرى منها ما ذكرها شيخه في الاقتراح حيث قال: [وعن عمرو بن عليّ: أصحُّ الأسانيد: محمد بن سِيرين عن عَبِيدة عن عليٍّ. ثم قيل: أيوب عن محمد. وقيل: ابن عَوْن، عن محمد.] ومنها ما ذكره الحاكم في علوم الحديث (ص / ٩٩)، وما بعدها، والخطيب في الكفاية (ص / ٣٩٧)، وما بعدها، وغيرهما، ولولا خشية الإطالة لذكرت كلامهما، وكلام غيرهما هنا إلا أنني أكتفي بالإشارة، ودونك كتب القوم فطالعها.\n_________\n(١) هو عبد الله بن ذكوان القرشي، أبو عبد الرحمن المدني المعروف بأبي الزناد إمام ثقة ثبت من صغار التابعين. قال سفيان بن عيينة: كان كنية أبى الزناد أبو عبد الرحمن، وكان يغضب من أبى الزناد، وقال حرب بن إسماعيل، عن أحمد بن حنبل: كان سفيان يسمى أبا الزناد أمير المؤمنين في الحديث، وقال الليث بن سعد، عن عبد ربه بن سعيد: رأيت أبا الزناد دخل مسجد النبي ﷺ، ومعه من الأتباع مثل ما مع السلطان، فمن سائل عن فريضة، ومن سائل عن الحساب، ومن سائل عن الشعر، ومن سائل عن الحديث، ومن سائل عن معضلة. توفي: ١٣٠ هـ وقيل بعدها.\n(٢) هو عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، أبو داود المدنى، قال المزى: ذكره محمد بن سعد فى الطبقة الثانية من أهل المدينة، وقال: كان ثقة كثير الحديث. وقال الدانى: روى عنه القراءة عرضا نافع بن أبى نعيم. وقال ابن لهيعة، عن أبى النضر: كان الأعرج عالما بالأنساب، والعربية. اهـ، توفي: ١١٧ هـ بالإسكندرية.","vol":"1","page":129},{"text":"٥ - قوله: [ثم بعدَهُ: مَعْمَر (١)، عن هَمَّام (٢)، عن أبي هريرة.] ...\nبدء هنا في الكلام على المرتبة الثانية من المراتب التي ذكرها للحديث الصحيح المجمع عليه.\nوقد كتب همام بن منبه عن أبي هريرة صحيفة فيها نحو مائة وأربعين حديثًا.\nقال الشيخ أحمد شاكر في تحقيق المسند: [هذه صحيفة \" همام بن منبه \" التي رواها وكتبها عن أبي هريرة. ورواها عنه: معمر بن راشد. ورواها الرواة عن معمر. وأجل من رواها عنه منهم: عبد الرزاق بن همام إمام أهل اليمن وحافظهم. ورواها الأئمة والحفاظ والعلماء عن عبد الرزاق. وأجل من رواها عن عبد الرزاق وأعظمهم، وأوثقهم وأثبتهم: إمام أهل السنة، أمر المؤمنين، الإمام الأعظم \" أحمد بن محمد بن حنبل \" ﵁، وقد ساقها كلها في هذا المسند العظيم في موضع واحد بإسناد واحد: \" حدثنا عبد الرزاق بن همام حدثنا معمر، عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا به أبو هريرة عن رسول الله ﷺ قال \" ... ثم ساقها حديثًا حديثًا. وهذه الصحيفة من أوائل ما كتب من الحديث النبوي، وهي تعتبر تأليفًا مستقلًا، بكتابة همام إياها ... والظاهر من الروايات أنه كتبها عن أبي هريرة مباشرة ...] ...\n_________\n(١) هو معمر بن راشد الأزدى الحدانى مولاهم أبو عروة البصرى، من كبار أتباع التابعين، ثقة ثبت فاضل إلا أن فى روايته عن ثابت والأعمش وهشام بن عروة شيئا وكذا فيما حدث به بالبصرة. قال عنه الذهبي في الكاشف: عالم اليمن، قال أحمد: لا تضم معمرا إلى أحد إلا وجدته يتقدمه. كان من أطلب أهل زمانه للعلم. توفي: ١٥٤ هـ.\n(٢) هو همام بن منبه بن كامل بن سيج اليمانى، أبو عقبة الصنعانى الأبناوى، أخو وهب بن منبه. قال أحمد بن حنبل: همام بن منبه روى عنه أخوه وهب بن منبه، وكان رجلا يغزو، وكان يشترى الكتب لأخيه وهب، فجالس أبا هريرة بالمدينة، فسمع منه أحاديث - وكان قد أدرك المسودة - المقصود بهم العباسيين لأن السواد كان شعارهم. ذكره الأرنؤوط في تحقيقه على سير أعلام النبلاء - وسقط حاجباه على عينيه - وهى نحو من أربعين ومئة حديث بإسناد واحد، ولكنها مقطعة في الكتب، وفيها أشياء ليست في الأحاديث، قال عنه الذهبي في الكاشف: صدوق، وقال العجلي: يماني تابعي ثقة، توفي: ١٣٢ هـ.","vol":"1","page":130},{"text":"وقول الشيخ أحمد شاكر: [وقد ساقها كلها في هذا المسند]، هذا هو المشهور إلا أنني بتتبع أحاديث الصحيفة المفردة، ومقارنتها بالموجود في المسند، وجدت أن الإمام أحمد لم يرو الحديث الثالث في الصحيفة من الطريق السابق، وهو قوله - ﷺ -: (مثل البخيل والمتصدق كمثل رجلين عليهما جبتان أو جنتان من حديد إلى ثدييهما أو إلى تراقيهما فجعل المتصدق كلما تصدق بشيء ذهبت عن جلده حتى تجن بنانه وتعفو أثره وجعل البخيل كلما أنفق شيئا أو حدث به نفسه عضت كل حلقة مكانها فيوسعها ولا تتسع)، كما أنه زاد على الصحيفة المفردة التي بيدي قوله - ﷺ -: (إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه)، وقد ساقه في المسند ضمن أحاديث الصحيفة معطوفًا على أسانيدها، ومن نفس الطريق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-114>فائدة:</span>\nقال الحاكم في معرفة علوم الحديث (ص/٩٩): [وأصح أسانيد اليمانيين: معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة، سمعت أبا أحمد الحافظ يقول: سمعت أبا حامد بن الشرقي يقول: سألت محمد بن يحيى فقلت: أي الإسنادين أصح: محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة أو معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة؟ فقال: إسناد محمد بن عمرو أشهر وإسناد معمر أمتن. قال الحاكم: فقلت لـ أبي أحمد الحافظ: محمد بن يحيى إمام غير مدافع إمامته ولكني أقول معمر بن راشد أثبت من محمد بن عمرو وأبو سلمة أجل وأشرف وأثبت من همام بن منبه: فأعجبه هذا القول وقال فيه ما قال].\n\n٦ - قوله: [أو: ابنُ أبي عَرُوبة (١)، عن قتادة (٢)، عن أنس.]\n_________\n(١) هو سعيد بن أبى عروبة: مهران العدوى، أبو النضر، اليشكري مولاهم، البصري، ثقة حافظ، له تصانيف، كثير التدليس، واختلط، وكان من أثبت الناس في قتادة. قال عنه الذهبي في الكاشف: [أحد الأعلام، قال أحمد كان يحفظ لم يكن له كتاب، وقال ابن معين هو من أثبتهم في قتادة، وقال أبو حاتم هو قبل أن يختلط ثقة]، وقال الآجرى، عن أبى داود: كان سعيد يقول في الاختلاط: قتادة عن أنس، أو أنس عن قتادة. توفي: ١٥٦ هـ وقيل ١٥٧ هـ.\n(٢) هو قتادة بن دعامة بن قتادة، ويقال قتادة بن دعامة بن عكابة، السدوسي، أبو الخطاب\nالبصري، قال ابن حبان في الثقات: كان من علماء الناس بالقرآن والفقه، ومن حفاظ أهل زمانه، مات بواسط سنة سبع عشرة، وكان مدلسا، على قدر فيه. وقال غالب القطان، عن بكر بن عبد الله المزني: من سره أن ينظر إلى أحفظ من أدركنا في زمانه وأجدر أن يؤدى الحديث كما سمعه فلينظر إلى قتادة، ما رأيت الذي هو احفظ منه ولا أجدر أن يؤدى الحديث كما سمعه. وقال الصعق بن حزن: حدثنا زيد أبو عبد الواحد، قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول: ما أتاني عراقي أحفظ من قتادة. قال أبو بكر الأثرم: سمعت أحمد بن حنبل يقول: كان قتادة أحفظ أهل البصرة لا يسمع شيئا إلا حفظه، وقرىء عليه صحيفة جابر مرة واحدة، فحفظها. وقال أبو داود الطيالسي، عن شعبة: كنت أعرف إذا جاء ما سمع قتادة مما لم يسمع ; كان إذا جاء ما سمع قال: حدثنا أنس بن مالك، حدثنا الحسن، حدثنا مطرف، حدثنا سعيد، وإذا جاء ما لم يسمع قال: قال سعيد بن جبير، قال: أبو قلابة. توفي: ١٠٠ وبضع عشرة هـ بواسط.","vol":"1","page":131},{"text":"٧ - قوله: [أو: ابنُ جُرَيج (١)، عن عطاء (٢)، عن جابر، وأمثالُه.]\n_________\n(١) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج القرشي الأموي مولاهم، أبو الوليد وأبو خالد المكي، ثقة فقيه فاضل وكان يدلس ويرسل. وقال أبو بكر بن خلاد، عن يحيى بن سعيد: كنا نسمى كتب ابن جريج كتب الأمانة وإن لم يحدثك ابن جريج من كتابه لم تنتفع به. وقال أبو بكر الأثرم، عن أحمد بن حنبل: إذا قال ابن جريج \" قال فلان و\" قال فلان \" و\" أخبرت \" جاء بمناكير، وإذا قال: \" أخبرني \" و\" سمعت \" فحسبك به. قال الدارقطني: تجنب تدليس ابن جريج فإنه قبيح التدليس، لا يدلس إلا فيما سمعه من مجروح مثل إبراهيم بن أبى يحيى، وموسى بن عبيدة، وغيرهما. توفي: ١٥٠ هـ أو بعدها.\n(٢) هو عطاء بن أبي رباح، واسمه أسلم القرشي الفهري، أبو محمد المكي، ثقة فقيه فاضل، لكنه كثير الإرسال، وقيل: تغير بأخرة، ولم يكثر ذلك منه. قال محمد بن سعد: كان من مولدي الجند، ونشأ بمكة، وهو مولى لبنى فهر أو الجمح، وانتهت فتوى أهل مكة إليه وإلى مجاهد في زمانهما، وأكثر ذلك إلى عطاء. سمعت بعض أهل العلم يقول: كان عطاء أسود أعور أفطس أشل أعرج ثم عمى بعد ذلك، وكان ثقة فقيها عالما كثير الحديث. وروى الأثرم، عن أحمد ما يدل على أنه كان يدلس، فقال في قصة طويلة: ورواية عطاء عن عائشة لا يحتج بها إلا أن يقول: سمعت. ثم قرأت بخط الذهبي: قول ابن المديني: كان ابن جريج وقيس بن سعد تركا عطاء بآخره. لم يعن الترك الاصطلاحي، بل هو ثبت رضى حجة إمام كبير الشان. اهـ. توفي: ١١٤ هـ، على المشهور، وقيل: بعدها.","vol":"1","page":132},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-117>فوائد:</span>\n١ - بداية من الإسناد السادس لم أقف فيه على قول لأحد من العلماء بأنه من\nأصح الأسانيد، سواء بإطلاق أو تقييد.\n٢ - كل هذه الأسانيد السابقة مخرج لهم في الصحيحين بنفس هذه الطرق.\n٣ - نص العلماء على أن ابن أبي عروبة من أثبت الناس في قتادة، قال ابن معين هو من أثبتهم في قتادة.\nوكذلك ابن جريج هو من أثبت الناس في عطاء. قال صالح بن أحمد بن حنبل، عن أبيه: عمرو بن دينار وابن جريج أثبت الناس في عطاء.\n٤ - بيان أن رواية ابن جريج عن عطاء مقبولة مطلقًا ومحمولة على الاتصال:\nقال أبو بكر بن أبى خيثمة: حدثنا إبراهيم بن عرعرة، عن يحيى بن سعيد، عن ابن جريج قال: (إذا قلت: قال عطاء. فأنا سمعته منه، وإن لم أقل سمعت). وروايته عن نفسه ذلك يدل على أن روايته عن عطاء محمولة على الاتصال.\nولكن يشكل على هذا ما ذكره ابن رجب في شرح علل الترمذي عن الإمام أحمد أنه قال: (كل شيء قال ابن جريج قال عطاء أو عن عطاء فإنه لم يسمعه من عطاء). وهذه الرواية في بحر الدم برقم (٦٤١): وفي رواية ابن إبراهيم بن هانيء أيضا: كل شيء يقول ابن جريج قال عطاء أو عن عطاء فإنه لم يسمعه من عطاء) انتهى.\nوقد وجهها (١) صالح بن سعيد عومار في كتابه \"التدليس وأحكامه، وآثاره النقدية\" (ص/١٥٤): (فلعله- أي الإمام أحمد- لم يبلغه قول عطاء الذي رواه القطان، فحكم عليه بحسب ما يعرفه من حاله في التدليس، والله أعلم) انتهى. مع أن الإمام أحمد في روايات متعددة كما في موسوعة الإمام أحمد في الجرح والتعديل (٢/ ٣٨٠ - ٣٨٧) يقدم ابن جريج في عطاء.\n_________\n(١) وهذا التوجيه نقلته من أحد المنتديات العلمية.","vol":"1","page":133},{"text":"وقد ظهر لي وجه آخر في الجمع بين هذه الأقوال، وهو حمل قول ابن جريج عن نفسه على روايته عن عطاء بن أبي رباح، وحمل كلام الإمام أحمد على روايته من عطاء الخرساني، ويؤيد ذلك ما قاله أبو بكر: ورأيت في كتاب على ابن المديني: سألت يحيى بن سعيد عن حديث ابن جريج، عن عطاء الخراساني، فقال: (ضعيف، قلت ليحيى: إنه يقول: أخبرني؟! قال: لا شيء، كله ضعيف، إنما هو كتاب دفعه إليه). وقد نقل ابن حجر في الفتح (١/ ٢٧٥) عن أبي مسعود الدمشقي أن ابن جريج لم يسمع التفسير من عطاء الخرساني وإنما أخذ الكتاب من ابنه عثمان ونظر فيه ... ثم نقل قول يحيى السابق ثم قال: [قلت ففيه نوع اتصال ولذلك استجاز بن جريج أن يقول فيه أخبرنا]، وقد ذكر الذهبي في السير في ترجمة ابن جريج أنه كان يرى (١) الرواية بالإجازة وبالمناولة ويتوسع في ذلك، ولكن ليس هذا محل مناقشة هذه المسألة. والله أعلم.،\n\n٨ - قوله: [ثم بعدَهُ في المرتبةِ: الليثُ (٢) (٣)، وزهير (٣)، عن أبي الزُّبير (٤)، عن جابر.]\nبدء هنا في الكلام على المرتبة الثالثة من المراتب التي ذكرها للحديث الصحيح المجمع عليه.\nوهذين الطريقين عن أبي الزبير عن جابر من أفراد الإمام مسلم في صحيحه.\nوقد اختلف العلماء في أبي الزبير تعديلًا، وتجريحًا، ووصفًا بالتدليس، وعدمه، وفي حكم روايته عن جابر، وكل هذا سوف أفرده بالبحث حسب الطاقة\n_________\n(١) بالأصل يروي، وما أثبته أقرب.\n(٢) هو ليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي، أبو الحارث المصري، ثقة ثبت فقيه إمام، قال الشافعي: الليث أفقه من مالك إلا أن أصحابه لم يقوموا به. وقال ابن حبان في \" الثقات \": كان من سادات أهل زمانه فقها، وورعا، وعلما وفضلا، وسخاء. توفي: ١٧٥ هـ.\n(٣) هو زهير بن معاوية بن حديج بن الرحيل بن زهير بن خيثمة الجعفى، أبو خيثمة الكوفى، من كبار أتباع التابعين، وقال ابن سعد: كان ثقة ثبتا مأمونا كثير الحديث توفي ١٧٢ أو ١٧٣ أو ١٧٤ هـ.\n(٤) محمد بن مسلم بن تدرس القرشي الأسدي، أبو الزبير المكي، مولى حكيم بن حزام، توفي: ١٢٦ هـ، وقد اختلف العلماء فيه وسوف أفرد ترجمته في صلب الرسالة لأهميتها.","vol":"1","page":134},{"text":"، نظرًا لأهميته، والله المستعان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-119>أولًا بيان درجة أبي الزبير المكي:</span>\nاختلف العلماء في أبي الزبير المكي على قولين:\nالقول الأول: أنه ثقة:\nوإليك طائفة من أقوال العلماء في توثيقه، وبيان قوة حفظه.\nقال أبو بكر بن أبى خيثمة، عن يحيى بن معين: ثقة، وقال إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين: صالح.\nقال النسائي: ثقة.\nقال أبو أحمد بن عدى: وروى مالك عن أبى الزبير أحاديث، وكفى بأبي الزبير صدقا أن يحدث عنه مالك، فإن مالكا لا يروى إلا عن ثقة، ولا أعلم أحدا من الثقات تخلف عن أبى الزبير إلا وقد كتب عنه، وهو في نفسه ثقة، إلا أن يروى عنه بعض الضعفاء فيكون ذلك من جهة الضعيف.\nقال محمد بن عثمان بن أبى شيبة: سألت ابن المديني عنه، فقال: ثقة ثبت.\nقال عثمان الدارمي: قلت ليحيى: فأبو الزبير؟ قال: ثقة. قلت: محمد بن المنكدر أحب إليك أو أبو الزبير؟ قال: كلاهما ثقتان.\nوقال هشيم عن حجاج وابن أبى ليلى عن عطاء: كنا نكون عند جابر فإذا خرجنا من عنده تذاكرنا حديثه فكان أبو الزبير أحفظنا.\nقال يعلى بن عطاء فيما روى عنه: حدثني أبو الزبير، وكان أكمل الناس عقلا وأحفظهم.\nقال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث إلا أن شعبة تركه لشيء زعم أنه رآه فعله في معاملة.\nالقول الثاني: أنه ضعيف:\nوقد روي تضعيفه عن: شعبة، وأيوب السختياني، وابن عيينة، والشافعي، وأبو حاتم، وأبو زرعة. وإليك أقوالهم، ومناقشتها؛ إذ لا يقبل الجرح إلا مفسرًا.\nقال هشام بن عمار، عن سويد بن عبد العزيز: قال لي شعبة: تأخذ عن","vol":"1","page":135},{"text":"أبى الزبير وهو لا يحسن أن يصلى!.\nقال نعيم بن حماد: سمعت هشيما يقول: سمعت من أبى الزبير، فأخذ شعبة كتابي فمزقه.\nقال محمد بن جعفر المدائني عن ورقاء: قلت لشعبة: مالك تركت حديث أبى الزبير قال: رأيته يزن ويسترجح في الميزان.\nوقال شعبة: لم يكن في الدنيا أحب إلى من رجل يقدم فأسأله عن أبى الزبير، فقدمت مكة فسمعت منه، فبينا أنا جالس عنده إذ جاءه رجل فسأله عن مسألة، فرد عليه، فافترى عليه، فقال له: يا أبا الزبير تفتري على رجل مسلم؟ قال: إنه أغضبني. قلت: ومن يغضبك تفتري عليه! لا رويت عنك شيئا.\nقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: قال أبى: كان أيوب السختياني يقول: حدثنا أبو الزبير، وأبو الزبير أبو الزبير! قلت لأبى: كأنه يضعفه؟ قال: نعم.\nقال نعيم بن حماد: سمعت ابن عيينة يقول: حدثنا أبو الزبير وهو أبو الزبير. أي كأنه يضعفه.\nقال يونس بن عبد الأعلى: سمعت الشافعي يقول: أبو الزبير يحتاج إلى دعامة.\nقال عبد الرحمن بن أبى حاتم: سألت أبى عن أبى الزبير، فقال: يكتب حديثه، ولا يحتج به، وهو أحب إلى من أبى سفيان.\nوقال أيضا: سألت أبا زرعة عن أبى الزبير؟ فقال: روى عنه الناس. قلت: يحتج بحديثه؟ قال: إنما يحتج بحديث الثقات.\nمناقشة وجوه التضعيف:\n١ - قال د. صالح بن أحمد رضا في رسالته: \" صحيفة أبي الزبير المكي عن جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄ \": [فالأمور التي ذكر أن شعبة أنتقدها علي أبي الزبير، وترك الرواية عنه لأجلها أربعة:\n١ - الافتراء على من أغضبه.\n٢ - الإسترجاح في الوزن- وقد ردها ابن حبان لأنها ليست سببًا في ترك رواية الراوي.","vol":"1","page":136},{"text":"٣ - إساءة الصلاة.\n٤ - الشدة والقسوة.\nفأما إساءة الصلاة، وعدم إحسانها فهو أمر نسبي، فلعل شعبة قاس الأمور على نفسه فقد كان هو من العباد المكثرين من الصلاة حتى رق جلده، ومن الذين يحسنوا أداءها وليس كل من لا يكون على مثل شعبة في الصلاة مردود الرواية إذ ليس من المعقول أن يكون أبو الزبير التابعي الذي يعيش في مكة المكرمة لا يحسن الصلاة إلا إذا كان المقصود ما قلت. . والله أعلم.\nوأما الشدة والقسوة والإفتراء على من أغضبه، فيظهر أن أبا الزبير يتصف بذلك لسرعة الغضب، ويظهر ذلك فيه واضحًا إذا أزعجه إنسان، وبخاصة حين كبر في السن وجاوز الستين من العمر-كما ألمحت سابقًا أن شعبة قد تأخر في الذهاب للسماع من أبي الزبير- ولعل ذلك كان قليلًا فيه، ونادرًا، ولذلك لم نر أحدًا روى عنه ذلك إلا شعبة ... بل وجدنا أقرانه كيعلي بن عطاء يقول عنه: وكان أكمل الناس عقلًا، فمن ظهر منه شيء مرة لا يترك حديثه، ثم إن هذه أمور خاصة، وطباع شخصية لا تتعلق بالرواية، ولهذا رأينا شعبة نفسه لم يطعن في روايته للحديث، وهو الواسع الإطلاع.\nقال بن رجب الحنبلي - في شرح العلل - بعد أن ذكر ما أخذه شعبة على أبي الزبير: ولم يذكر عليه كذبًا أو سوء حفظ.]\n٢ - وقال د. صالح أيضًا: [وأبو الزبير أبو الزبير.\nقلت: وهذا الأسلوب يحتمل أمرين:\nالتوثيق، ولذا حمله الترمذي على أنه عنى حفظه وإتقانه.\nالتضعيف: ولذا قال الإمام أحمد: يضعفه بذلك وأنا أرجح حمل ذلك على التوثيق، وذلك:\n- لقول محمد بن يحي راوي الكلام عن سفيان عن أيوب: أي يوثقه.\n- وزاد في رواية: وقال-يعني أيوب-: بكفه فقهينا.\nفهذه الزيادة تدل على التوثيق لا على التضعيف.\n- ولرواية الترمذي: قال سفيان بيده يقبضها. فقبض اليد يدل على التوثيق لا","vol":"1","page":137},{"text":"على التضعيف.\nوقد قال الإمام الذهبي: قد روى عنه مثل أيوب ومالك. قلت: فلو كان يضعفه لما روى عنه].\nثم قال د. رضا: [خلاصة القول في أبي الزبير:\nأنه أحفظ الرواة عن جابر.\nوروى عنه مالك وأيوب فلو كانا يضعفانه لما رويا عنه.\nووثقه علي بن المديني ويحي بن معين والنسائي وابن حبان والساجي وابن سعد وابن عون والذهبي.\nونسب ابن حجر توثيقه إلى الجمهور.\n- وجعله الإمام أحمد ويعقوب بن شيبة من درجة رواية الحديث الحسن وفي رواية وثقة.\n- وضعه الشافعي وابن أبي حاتم وأبو زرعة وجعلوا حديثه مما يعتبر به.\n- وترك حديثه شعبة لأمور خاصة لا تقدح بصدقه وضبطه].\nوقد أجاب الشيخ عبد الله السعد في أحد دروسه لشرح الترمذي عن تضعيف الأئمة: أيوب، والشافعي، وأبي حاتم، وأبي زرعة لأبي الزبير بقوله: [أما أيوب فقال (حدثنا أبو الزبير، وأبو الزبير أبو الزبير) قال أحمد بن حنبل (يضعفه بذلك) وهذا التضعيف ليس بظاهر من كلامه وحتى لو حمل على التضعيف فهو تضعيف مجمل غير مفسر وكذا فهو مخالف بمن ذكرنا من الحفاظ الذين وثقوه.\n• وأما الشافعي فقال (يحتاج إلى دعامة) ويجاب عن لك بأجوبة:\n١ - أنه قد خالفه غيره من الحفاظ الذين سبق ذكرهم.\n٢ - أن هذا تضعيف مجمل غير مفسر.\n٣ - أن من وثقه أمكن منه في هذا المجال - أي مجال نقد الرجال والجرح والتعديل -.\n٤ - أن الشافعي قال ذلك في حالة غضب حيث احتج عليه رجل بحديث أبي الزبير فغضب وقال ذلك، ومعلوم أن الإنسان إذا غضب قد يقول ما لا يريد أن","vol":"1","page":138},{"text":"يقوله.\n٥ - أن الشافعي احتج بجملة من الأحاديث فيها أبو الزبير.\n• أما تضعيف أبو حاتم الرازي له، فيجاب عن ذلك بأجوبة:\n١ - أن أبا حاتم الرازي شديد التزكية للرجال، وقد وصفه بذلك جماعة من أهل العلم كشيخ الإسلام والحافظ الذهبي، والحافظ ابن حجر، ومن تتبع كلامه في الرجال تبين له ذلك بجلاء، ومما يدل على تشدده ما قاله عن الإماما الشافعي والإمام مسلم وأبو حفص الفلاس حيث قال عن كل واحد منهم (صدوق) ومن المعلوم أن هؤلاء أئمة حفاظ. وكذا قوله عن عبد الرزاق (يكتب حديثه ولا يحتج به).\n٢ - أن هذه اللفظة كثيرًا ما يستخدمها أبو حاتم وهي ليست صريحة في التضعيف، بل أحيانًا يقولها في أئمة حفاظ كما تقدم فيما قاله عن عبد الرزاق فلعل هذا التضعيف محمول على التضعيف النسبي أي أنهم كذلك بالنسبة للثوري وشعبة ومالك مثلًا. وقد روي عن بعضهم أنه قال: (إنما الحجة الثوري وشعبة مالك).\n• وأما أبو زرعة فهو كذلك يتشدد في الرواة أحيانًا.\nهذا مجمل ما يمكن أن يجاب به على القائلين بتضعيف أبي الزبير.].\nوهذه الأجوبة، لا يخلو بعضها من نظر، لذا فالمصير إلى الجمع بين أقوال الفريقين هو المتعين، وقد جمع بين أقوالهم ابن حجر في التقريب بجعل مرتبته \" صدوق \" - التي هي دون الثقة - إعمالًا لكلام كلا الفريقين.\nقال د. وليد بن حسن العاني في رسالته: \"منهج دراسة الأسانيد والحكم عليها \" عند الكلام على المرتبة الرابعة عند ابن حجر في التقريب وهي مرتبة \" الصدوق \" أو \" لا بأس به \": [لقد تبين لي من خلال دراسة رجال هذه المرتبة أن رجلًا ما يوثقه جماعة من النقاد المعتدلين منهم، والمتشددين، ثم يظهر للباحث أن واحدًا من النقاد خالف الجمهور، وقال فيه قولًا يجرحه فيه، فالباحث العادي يمضي ولا يلتفت إلى القول المخالف للجمهور، لكن ابن حجر يتوقف عند قول المخالف ويدرسه هل له وجه معتبر أم لا ...؟ فإن كان له وجه معتبر جعل هذا الراوي من المختلف فيه ووضعه في المرتبة الخامسة - أي مرتبة من وصفه:","vol":"1","page":139},{"text":"صدوق سيئ الحفظ، أو صدوق يهم، أو صدوق له أوهام، أو صدوق يخطئ ... - وإن لم يكن له وجه معتبر وخرجه ابن حجر على وجه يبرئ فيه ساحة هذا الراوي جعل هذا الراوي في المرتبة الرابعة، وأعطاه لقب صدوق، أو لا باس به، ولم يرفعه إلى درجة ثقة أو ثبت، وذلك للقول المخالف الذي قيل فيه ... أما إذا كان الجرح غير معتبر بالكلية ويرى ابن حجر أنه يجب أن يُطرح بالمرة، ولا ينظر فيه أساسًا، عند ذلك يرفعه ابن حجر إلى المرتبة الثالثة فيقول فيه ثقة أو ثبت أو حافظ إلى آخر ألقاب هذه المرتبة.\nفعلى ما قاله د. وليد العاني تكون درجه صدوق عند ابن حجر هي أقرب ما يوصف به أبي الزبير على اصطلاح ابن حجر، وإن كانت درجة هذه الرتبة عند ابن حجر متفاوتة، إلا أن هذا ليس محل بحث مراتب ابن حجر، وأرى أن حديث أبي الزبير يندرج في مراتب الحديث الصحيح؛ وذلك لما سبق نقله عن الجمهور من توثيقه، وكذا إخراج مسلم له في الصحيح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-120>ثانيًا: تدليس أبي الزبير:</span>\nوصف أبي الزبير بالتدليس كل من الأئمة: النسائي، وأحمد، ويحيى القطان، حتى قال عنه الذهبي في تذكرة الحفاظ: [وقال غير واحد هو مدلس فإذا صرح بالسماع فهو حجة]، وذكره ابن أبي حاتم في كتابه \" المراسيل \".\nقال الإمام النسائي في سننه الكبرى (١/ ٦٤٠): [قال أبو عبد الرحمن: أبو الزبير اسمه محمد بن مسلم بن تدرس مكي كان شعبة سيئ الرأي فيه، وأبو الزبير من الحفاظ روى عنه يحيى بن سعيد الأنصاري وأيوب ومالك بن أنس، فإذا قال: سمعت جابرا فهو صحيح، وكان يدلس، وهو أحب إلينا في جابر من أبي سفيان وأبو سفيان هذا اسمه طلحة بن نافع وبالله التوفيق].\nقال الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء (٧/ ٧٤): [قال النسائي: ذكر المدلسين: الحسن، قتادة، حجاج بن أرطاة، حميد سليمان التيمي، يونس بن عبيد، يحيى بن أبي كثير، أبو إسحاق، الحكم بن عتيبة، مغيرة، إسماعيل بن أبي خالد، أبو الزبير، ابن أبي نجيح، ابن جريج، ابن أبي عروبة، هشيم، سفيان بن عيينة. وزدت أنا: الأعمش، مكحول، بقية بن الوليد، الوليد بن مسلم","vol":"1","page":140},{"text":"، وآخرون].\nواختار طائفة من العلماء أنه مدلس، ولم يقبلوا من روايته إلا ما صرح فيه بالسماع، أو ما كان من رواية الليث بن سعد عنه، ولو كان معنعنًا.\nمنهم ابن حزم في الإحكام، والمحلى، وإن كان كلامه يحتاج لتحرير، وعبد الحق الأشبيلي كما نقله عنه الزيلعي في نصب الراية (٢/ ١٢٢، ٢٧٧)، وغيره، وابن القطان كما في بيان الوهم والإيهام، وابن عبد الهادي كما في طبقات علماء الحديث (١/ ٢٠٤)، وابن القيم كما في زاد المعاد (٢/ ٢٧٦)، والبوصيري كما في مصباح الزجاجة (٢/ ٦)، وابن حجر كما في مراتب المدلسين (ص/١٠١)، وأعل بعنعنته في نتائج الأفكار (١/ ١٠٢)، وفتح الباري (٩/ ٥٣٦، ١٢/ ٩٢)، وظفر التهانوي في قواعد التحديث (ص/٤٦٤)، وغيرهم.\nووصفه أيضًا العلائي في جامع التحصيل (ص/١١٠)، وأبو الوفا الحلبي في التبيين لأسماء المدلسين (ص/٢٠٠) بأنه مشهور بالتدليس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-121>بيان قصة أبي الزبير التي هي العمدة في وصفه بالتدليس، واعترافه على نفسه بذلك:</span>\nروى العقيلي في الضعفاء في ترجمة أبي الزبير بإسناده عن سعيد بن أبي مريم قال: حدثنا الليث بن سعيد قال قدمت مكة فجئت أبا الزبير فرفع إلي كتابين وانقلبت بهما ثم قلت في نفسي لو عاودته فسألته أسمع هذا كله من جابر فقال منه ما سمعت ومنه ما حدثناه عنه فقلت له أعلم لي على ما سمعت فأعلم لي على هذا الذي عندي.\nووجه الاستدلال بهذه القصة على تدليس أبي الزبير أن ظاهرها أن رواية أبي الزبير كانت عن جابر في هذين الكتابين بلا واسطة، وأن الليث بن سعد لما راجعه بَيَّن له أن هناك وسائط بينه وبين جابر في بعض هذه الأحاديث، ولم يكن قد ذكرها في هذين الكتابين. فلو أن الليث كان لم يتثبت ولم يراجعه لرواها عنه مناولة بدون وسائط بين أبي الزبير، وجابر - ﵁ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-122>بيان ما وقفت عليه من أحاديث التي تثبت تدليس أبي الزبير:</span>\nروى الترمذي في فضائل القرآن، والنسائي في عمل اليوم والليلة،","vol":"1","page":141},{"text":"وغيرهما من طريق الليث بن أبي سليم، والمغيرة بن مسلم، وغيرهما عن أبي الزبير عن جابر - ﵁ - قال: (أن النبي - ﷺ - كان لا ينام حتى يقرأ آلم تنزيل وتبارك الذي بيده الملك).\nوروى النسائي في عمل اليوم والليلة (١/ ٤٣٢) قال: أخبرنا أبو داود قال حدثنا الحسن (١) قال حدثنا زهير قال: سألت أبا الزبير أسمعت جابرا يذكر أن نبي الله - ﷺ - كان لا ينام حتى يقرأ ألم تنزيل وتبارك. قال: ليس جابر حدثنيه، ولكن حدثني صفوان أو أبو صفوان.\nقال الترمذي في سننه عقب إشارته لهذه الرواية: [وكأن زهيرا أنكر أن يكون هذا الحديث عن أبي الزبير عن جابر].\nومن توسع في تخريج طرق رسالة \" أبي الزبير عن غير جابر \" لأبي الشيخ، لعله يقف على أشياء تثبت تدليس أبي الزبير، ولعل الوقت يتسع - إن شاء الله - بعد ذلك لهذا الأمر، وقد وقفت من خلال النظرة السريعة على مثالين في هذه الرسالة (٢):\n١ - ما رواه أبو الزبير عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: (إذا رأيتم أمتي تهاب الظالم أن تقول له انك أنت ظالم فقد تودع منهم) فأبو الزبير لم يسمع من عبد الله بن عمرو كما قال أبو حاتم في المراسيل، وقال: يحيى بن معين: لم يسمع من عبد الله بن عمرو ولم يره، وقال ابن عدي أيضا: [وأبو الزبير عن عبد الله بن عمرو يكون مرسلا وقد رواه أبو شهاب عبد ربه بن نافع\n_________\n(١) قال د. صالح بن رضا في صحيفة أبي الزبير: (وأبو داود وهو الإمام صاحب السنن والحسن أظنه: ابن موسى الأشيب وهو ثقة، فيكون الإسناد صحيحًا) كذا قال وهو خطأ والصواب أن أبي داود هو: أبو داود سليمان بن سيف الحراني، قال عنه الذهبي في \"الكاشف\": \"الحافظ\"، وقال عنه ابن حجر في \"التقريب\": \"ثقة حافظ\"، والحسن هو: الحسن بن أعين قال عنه في \"الكاشف\": \"ثقة\"، وقال عنه في \"التقريب\": \"صدوق\"، وعلى كل حال فالإسناد صحيح أيضا.\n(٢) - وهذا بناء على عدم التفرقة بين المرسل الخفي والتدليس، وسوف يأتي بمشيئة الله مزيد بيان وبحث ومناقشة لذلك في محله.","vol":"1","page":142},{"text":"الحناط عن الحسن بن عمرو عن أبي الزبير عن عمرو بن شعيب عن عبد الله بن عمرو]. فقد صرح هنا بالواسطة بين أبي الزبير، وعبد الله بن عمرو، وهو: عمرو بن شعيب.\n٢ - ما رواه أبو الزبير عن ابن عباس، وعائشة ﵃، أن النبي ﷺ أخر الطواف يوم النحر إلى الليل، وقال البيهقي: [وأبو الزبير سمع من بن عباس وفي سماعه من عائشة نظر قاله البخاري]، وهذا ما يطلقون عليه تدليس العطف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-123>ملاحظة:</span>\nوقد حاول بعض المتأخرين دفع شبهة التدليس عن أبي الزبير ومنهم: الشيخ عبد الله السعد في شريط «منهج تعلم علم الحديث»، والشيخ ناصر بن حمد الفهد في رسالته \" منهج المتقدمين في التدليس \"، وذكر أنه استفاد من رسالة غير مطبوعة للدكتور خالد الدريس بعنوان \" الإيضاح والتبيين بأن أبا الزبير ليس من المدلسين \"، ولم أقف عليها. وحاول د. صالح بن أحمد رضا في رسالته: \" صحيفة أبي الزبير المكي عن جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄ \" التوسط؛ بين ما أورده من أقوال ووجوه لتبرئة ساحة أبي الزبير من وصفه بالتدليس، وبين الأقوال والأدلة المثبتة لذلك، فقال: [ولذا مازلت أشكك في دعوى تدليس أبي الزبير عن جابر. إلا ما ثبت بالدليل القاطع الحديث السابق - يشير إلى حديث جابر السابق: (أن النبي - ﷺ - كان لا ينام حتى يقرأ آلم تنزيل وتبارك الذي بيده الملك) -.\nوأبو الزبير المكي الذي جعله الإمام ابن حجر في المرتبة الثالثة من المدلسين أحسن حالًا، أحفظ حديثًا، أتقن حفظًا وأوثق حالًا من كثير من الرواة الذين وضعوا في الرتبة الثانية من مراتب المدلسين، بل هو أفضل ممن جعل في المرتبة الأولى من المدلسين مثل «عبد ربه بن نافع الحناط (الذي قيل فيه: صدوق في حفظه شيء، وقال يحي بن سعيد: لم يكن بالحافظ، ولم يرض أمره، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال يعقوب بن شيبة: ثقة ولم يكن بالمتين وقد تكلموا في حفظه) أنظر ميزان الاعتدال ٢/ ٥٤٤». وكعبد الله بن عطاء الطائفي.","vol":"1","page":143},{"text":"وغيره.\nوهو أحسن حالًا من «يحي بن أبي كثير، وسليمان بن مهران الأعمش، والحسن البصري، والحكم بن عتيبة الفقيه الكوفي، وعمرو بن دينار .. الذين وضعهم ابن حجر والعلائي في المرتبة الثانية رغم أنهم وصفوا بالتدليس لم يصف به أبو الزبير المكي ولمن راجع كتب الرجال علم حقيقة الحال، فقبول عنعنة هؤلاء المذكورين وغيرهم تقتضي بقبول عنعنة أبي الزبير من باب أولى، ولذا عندما نرى الإمام مسلم- رحمه الله تعالى - قد قبل عنعنة أبي الزبير، فإنما كان يسير على قواعد أهل الحديث، ويطبقها في صحيحه، وهو دقيق في هذا، ولم يأت بشيء غريب أو شاذ ... وأما التدليس فكان قليل التدليس، وإذا دلس لم يدلس إلا عن ثقة].\nوقول د. صالح هنا: [كان قليل التدليس، وإذا دلس لم يدلس إلا عن ثقة] قد يقبله من لم يدقق فيه، مع أن فيه مجازفة؛ وبيان ذلك من وجوه:\nالوجه الأول:\nأنه قد أثبت لأبي الزبير وصفه بالتدليس، وإن كان قليلًا على حد تعبيره، ثم قال أنه لم يدلس إلا عن الثقات، وأنا أتسأل من أين هذا الجزم مع أنه في شيوخ أبي الزبير قوم ليسوا بالثقات كأمثال: عبد الرحمن بن الصامت قال عنه ابن حجر: مقبول، وقال عنه الذهبي في الكاشف: مجهول، وعبد الله بن سلمة المرادي قال عنه ابن حجر: صدوق تغير حفظه، وقال عنه الذهبي: صويلح، قال ابن عدى: أرجو أنه لا بأس به، وقال البخاري: لا يتابع في حديثه، وغيرهما.\nالوجه الثاني:\nأن في سؤال الليث بن سعد لأبي الزبير عن سماعه من جابر ﵁، إلماح إلى ضعف بعض شيوخ جابر، وإلا فلماذا ترك الرواية عنه لباقي هذه الأحاديث إن كان لا يروي إلا عن ثقة.\nوالليث هو في مرتبة مالك بن أنس في الحفظ والعلم والإمامة. وهو أعلم من هؤلاء المتأخرين بحال أبي الزبير وشيوخه. فقوله مُقدّمٌ عليهم قطعًا. ومن نفى تدليس أبي الزبير، أو قال إنه لا يدلس إلا عن ثقة فقد خالف ظاهر هذه القصة،","vol":"1","page":144},{"text":"ويكون أيضًا قد كذب أبا الزبير نفسه الذي أقر على نفسه لليث بذلك!\nالوجه الثالث:\nوأنني أتعجب من هذا الجزم، وذلك لأن من جزم به إنما اعتمد على أن أبا الزبير روى صحيفة جابر عن اليشكري، وهو ثقة، وقد رَدَّ د. صالح هذا القول حيث قال: [ذكرت أن الإمام ابن حجر-رحمه الله تعالى-ذكر أن الإمام مسلم أخرج صحفًا كاملة، أو أكثرها، ومن ذلك صحيفة أبي الزبير عن جابر، ولا ندري كثيرًا عن هذه الصحيفة. أصلها، وما مصيرها؟ وكيف كتبت؟\nومن كتبها؟ وكم عدد أحاديثها؟\nونقل أهل التراجم أن البخاري قال: أبو الزبير عن جابر صحيفة.\nوقال ابن حجر في ترجمة سليمان بن قيس اليشكري: قال أبو حاتم: جالس جابرا، وكتب عنه صحيفة وتوفي [هكذا. ولعله توفى ولم ترو عنه].\nوروى أبو الزبير، وأبو سفيان والشعبي عن جابر، وهم قد سمعوا من جابر، وأكثره من الصحيفة، وكذلك قتادة (١).\nوقد ورد هذا النص في الجرح والتعديل بصورة حيث قال: «جالس سليمان اليشكري جابرًا فسمع منه، وكتب عنه صحيفة، فتوفى، وبقيت الصحيفة عند امرأته، فروى أبو الزبير، وأبو سفيان، والشعبي عن جابر، وهم قد سمعوا من جابر، وأكثره من الصحيفة، وكذلك قتادة» (٢)\nوقال همام بن يحي: وقدمت أم سليمان اليشكري بكتاب سلمان، فقرئ على ثابت، وقتادة، وأبي بشر، والحسن، ومطرف، فرووها كلها، وأما ثابت فروى منها حديثًا واحدًا» (٣)\nوقال سلمان التيمي (١٤٣هـ): ذهبوا بصحيفة جابر بن عبد الله إلى الحسن البصري، فأخذوها- أو قال رواها- وذهبوا به إلى قتادة، فرواها وأتوني بها، فلم\n_________\n(١) تهذيب التهذيب ٤/ ٢١٥.\n(٢) الجرح والتعديل ٤/ ١٣٦.\n(٣) الكفاية للخطيب /٣٩٢.","vol":"1","page":145},{"text":"أروها، رددتها» (١).\nوقال عبد الله بن أحمد سمعت أبي يقول: سليمان اليشكري شيخ قديم، قتل في فتنة ابن الزبير. قيل له: فمن روى عنه؟ قال: قتادة، وما سمع منه شيئًا، وأبو بشر روى عنه أحاديث، وما أرى سمع منه شيئًا، ثم قال: قدموا بصحيفة اليشكري البصرة، فحفظها قتادة» (٢).\nوقال أيضًا: كان قتادة أحفظ أهل البصرة لا يسمع شيئًا إلا حفظه، قرأ عليه صحيفة جابر مرة واحدة فحفظها» (٣).\nونقل الترمذي عن البخاري قوله «سليمان اليشكري يقال: أنه مات في حياة جابر بن عبد الله﵄قال: ولم يسمع منه قتادة ولا أبو بشر.\nقال: وإنما يحدث قتادة عن صحيفة سليمان اليشكري، وكان له كتاب عن جابر بن عبد الله﵄ (٤).\nوقال البخاري: روى قتادة وأبو بشر، والجعد وأبو عثمان من كتاب سليمان بن قيس (٥).\nوقال معمر بن راشد: رأيت قتادة قال سعيد بن أبي عروبة: أمسك على المصحف، فقرأ البقرة، فلم يخط حرفًا فقال: يا أبا النضر لأنا لصحيفة جابر أحفظ مني لسورة البقرة (٦).\nوقال قتادة: «عرضت على سعيد بن المسيب صحيفة جابر، فلم ينكر» (٧).\n_________\n(١) الترمذي في الجامع ٣/ ٦٠٤/ ونحوه في الكفاية، ولم يذكر قتادة /٣٩٢/ وابن الجعد في مسنده /٥٩٤/ وذكر قوله ابن سعد بلفظ: قال: سليمان أخذ فلان وفلان صحيفة جابر، فقالوا: خذها، فقلت: لا. الطبقات ٧/ ٢٥٢ - ٢٥٣.\n(٢) العلل ومعرفة الرجال للإمام أحمد ٢/ ٣٤.\n(٣) سير أعلام النبلاء ٥/ ٢٧٦ - ٢٧٧.\n(٤) عند الترمذي في جماعه ٣/ ٤٠٦.\n(٥) التاريخ الصغير /٩٣.\n(٦) الطبقات لابن سعد ٧/ ٢٢٩/ وابن الجعد ١/ ٥٢٢/ والتاريخ الكبير للبخاري ٧/ ١٨٢/ وسير الأعلام ٥/ ٢٧٢/ ذو التهذيب ٨/ ٥٣٥.\n(٧) العلل ومعرفة الرجال، ٢/ ٣٤٩.","vol":"1","page":146},{"text":"ويتضح مما سبق نقله من هذه الروايات أن اليشكري كانت له صحيفة وانتقلت هذه الصحيفة إلى موطنها في إلى البصرة، فتلقاها بعض علمائها ورووها عن جابر﵁وأظهرت هذه الروايات (١) أن هذه الصحيفة لم تمض إلى مكة المكرمة مستقر أبي الزبير وإنما مضت إلى العراق وبالذات إلى البصرة، فكل من ذكر أنه أخذ صحيفة جابر إنما هو بصري وليس فيهم واحد مكي، اللهم إلا عن أبي حاتم أن أبا الزبير وأبا سفيان رووا من صحيفة اليشكري، وأبو الزبير مكي وأبو سفيان واسطي حوار بمكة، ولم يذكر أبو حاتم عمن نقل هذا من شيوخه ولعله ظن ذلك ظنًا لقولهم إن أبا الزبير عن جابر صحيفة، فذهب وهله إلى صحيفة اليشكري.\nقلت: وإذا سلم كلام أبي حاتم هذا، فكان من المفروض أن يكون كل حديث رواه أبو الزبير رواه أيضًا أبو سفيان (٢) وكذا رواه الشعبي وقتادة، لأنهم، على\n_________\n(١) قلت: ومن أعجب ما روي في هذا قول الإمام أجمد: حدثنا هشييم (١٨٣هـ) وأخبرنا أبو بشر (وهو جعفر ابن إياس بن أبي وحشية (١٢٤هـ) قال: قلت لأبي سفيان: مالي أراك لا تحدث عن جابر كما يحدث سليمان اليشكري؟! قال: إن سليمان كان يكتب، وإني لم أكن أكتب (العلل للإمام أحمد ١/ ٣٣٣/ وتقييد العلم /١٠٨/).\nقلت: كيف يقال هذا؟ وسليمان اليشكري توفى سنة (٧٠) أو بعدها في حياة، ولا تعرف له رواية عن جابر، ولا تعرف عن جابر اللهم إلا إذا كان مراد أبي بشر: ما في صحيفة اليشكري أكثر من رواية أبي سفيان، ورغم ذلك أن رواية أبي سفيان أكثر مما وجدناه مرويًا عن اليشكري الذي ليس له مسند الإمام أحمد إلا ثمانية أحاديث، وفي كتب ثلاث أحاديث (أنظر تحفة الأشراف ٢/ ١٨٦/) ولا يعرف أنه كان مكثرًا في الرواية حتى يقال لأبي سفيان ذلك.\nوقد وردت هذه الرواية في صحائف الصحابة /١٣٤/ وفي معرفة النسخ والصحف الحديثية /١٥٧/ ولم يعلق المؤلفان عليها شيئًا. ويلاحظ كثرة الأخطاء المطبعية وغيرها في كتاب معرفة النسخ.\n(٢) وقد قال ابن عيينة: إنما أبو سفيان عن جابر صحيفة. سير الأعلام ٥/ ٢٩٣/ والجرح والتعديل ٣/ ٤٧٥/ وميزان الاعتدال /٣٤٢/ وتهذيب التهذيب ٥/ ٢٧/ ابن عيينة أخذ عن أبي الزبير، زوى عنه، ولم يقل أن حديثه عن جابر صحيفة. ولعل السبب في اتفاق أبي سفيان وأبي الزبير في كثير من الروايات أنها تلقيا عنه في وقت واحد.\nقلت: لا نجد لقتادة-مثلًا-عن جابر إلا حديثًا واحدًا في الكتب الستة. انظر تحفة الأشراف ٢/ ٢٦٣/ وقد قال قتادة: لأنا بصحيفة جابر أحفظ مني من سورة البقرة. التاريخ الكبير للبخاري ٤/ ١٨٢/ ولم يخرج العلماء له عن جابر لأنهم على يقين أنه لم يسمعها منه، وحديث قتادة الوحيد أورده البخاري على الشك قال: وقال أبو هلال حدثنا قتادة عن أنس أو جابر بن عبد الله كان النبيﷺضخم الكفين والقدمين لم أر بعده شبيهًا له» في اللباس باب الجعد رقم (٥٩١١ و٥٩١٢) فتح ١٠/ ٣٥٧/ ووصله البيهقي في دلائل النبوة ١/ ٢٤٤/ ورجح ابن حجر أنه عن أنس لا عن جابر. انظر تعليق التعليق ٥/ ٧٥/ وهدى الساري /٦١/ وفتح الباري ١٠/ ٣٥٧.","vol":"1","page":147},{"text":"قول أبي حاتم- أخذوا عن صحيفة واحدة، وهذا إن صدق مع أبي سفيان في كثير من الأحاديث التي رواها أبو الزبير فيما راجعت حتى الآن من أحاديث أبي الزبير التي جمعتها-فهو لا يصدق مع الباقين مطلقًا، ولعلني في نهاية جمع أحاديث أبي الزبير أستطيع أن أعطي صورة دقيقة مضبوطة. ولذلك نرى أن البخاري وأحمد كانا أدق في التعبير عن صحيفة اليشكري، فلم يذكرا أبا الزبير ولا أبا سفيان فيمن روى في صحيفة اليشكري، حتى القصة التي رددتها، فإنها تدل على أن أبا سفيان وسليمان تلقيا عن جابر لكن كثر حديث سليمان لأنه يكتب بخلاف أبي سفيان. فالذين رووا صحيفة اليشكري هم: قتادة وأبو بشر والحسن ومطرف وثابت، وليس فيهم أبو الزبير ولا أبو سفيان، وبخاصة وأن كثيرًا من أحاديث أبي الزبير يقول فيها: سمعت أو سألت.\nوالذي أراه أن المقصود بصحيفة أبي الزبير عن جابر هو صحيفة كتبها أبو الزبير مما سمعه من حديث جابر كما بينه الليث بن سعد في قصته، فقد كان عند أبي الزبير حديث جابر مكتوبًا في صحيفة، وكان تلامذته يأخذون ذلك منه لينقلوه، ثم ليسمعوه منه، فإذا حدثهم حدثهم عن حفظه، فإن أعياه الحفظ رجع إلى الصحيفة المكتوبة والله أعلم.\nثم كيف يكون ما رواه أبو الزبير عن جابر صحيفة، وقد روى ابن عيينة-نفسه-عن أبي الزبير أن عطاء ابن أبي رباح كان يقدمه إلى جابر يحتفظ لهم الحديث، فهذا من أوضح الأخبار الدالة على ما رواه أبو الزبير عن جابر ليس","vol":"1","page":148},{"text":"صحيفة، وإنما هو حفظ للحديث وتلق له من قائله جابر﵁-.\nوالظاهر مما سبق في ترجمة جابر أن هذا الأخذ كان في السنة التي جاور فيها جابر بمكة المكرمة، وكما قال أبو سفيان أنه جاور معه ستة أشهر في بني فهر، فلو أخذ عنه أبو سفيان وأبو الزبير كل يوم ثلاثة أحاديث لكان مجموع الأحاديث التي تلقياها تزيد عن خمسمائة حديث.\nومما يدل على أن الصحيفة التي يروها أبو الزبير عن جابر﵁ - سماع وليست وجادة ما ورد في قصة الليث حيث قال: جئت أبا الزبير فأخرج لنا كتبًا، فقلت: سماعك عن جابر؟ قال: ومن غيره. قلت: سماعك من جابر؟ فأخرج إلي هذه الصحيفة» (١).\nفانظر: إلى قوله «سماعك من جابر» فإنها تدل دلالة واضحة على أنها سماع (٢)، فالصحيفة التي قدمها أبو الزبير للليث هي من سماعه هو عن جابر، وليست من صحيفة اليشكري. ورغبة مني في التأكد من أن ما يرويه أبو الزبير هو من صحيفة اليشكري كله، أو أكثره-كما قال ابن أبي حاتم-رأيت أن آتي بصحيفة اليشكري وأعرض أحاديثها على ما رواه أبو الزبير، وبعبارة أخرى أعرض روايات أبي الزبير على صحيفة اليشكري حديثًا حديثًا، فإذا وجدنا أن كل ما ورد في صحيفة اليشكري قد رواه أبو الزبير بنصه، كان هذا القول صحيحًا، وإذا وجدنا حديث أبي الزبير يختلف عما في صحيفة اليشكري كان هذا القول الذي ردده أهل السير والتراجم لا صحة له في الواقع.\nولكننا لما كنا لا نملك صحيفة اليشكري، فليس لنا إلى هذه المقارنة سبيل وليس لنا إلا روى سليمان بن قيس اليشكري في كتب السنة، وهو قليل، وقليل جدًا، فليس له في الكتب الستة إلا ثلاثة أحاديث، وفي مسند الإمام أحمد ست\n_________\n(١) المعرفة والتاريخ ١/ ١٦٦/ والجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع ٢/ ٢٠٥.\n(٢) قلت: ورغم هذا الوضوح لم يتنبه إليه الأستاذان: أحمد صويان ود. بكر أبو زيد-حفظهما الله-أن محمد بن سليم بن تدرس المكي ليس من رواة صحيفة جابر وجادة. وجاء الدكتور بطر بهذه القصة مستدلًا بها على ما ذهب إليه /١٥٨/ ولو أمعنا النظر، ودققا في ألفاظ الرواية لعلما أنها ليست من صحيفة جابر، فضلًا عن أن تكون وجادة، بل هي سماع.","vol":"1","page":149},{"text":"أحاديث فلنقارن بين هذه الأحاديث وبين روايات أبي الزبير: - ثم أخذ في إحراء هذه المقارنة ثم قال: فهذه الأحاديث التي استطعت أحصل عليها من صحيفة اليشكري وليس فيها حديث واحد يمكن أن نجزم فيه أن أبا الزبير رواه من صحيفة اليشكري إما لتصريحه بالسماع عن جابر، وإما لاختلاف الألفاظ وإما لعدم رواية أبي الزبير للحديث ... كما تدل هذه الروايات على ما كنت قلته، من أن أبا الزبير اطلع على الأحاديث الموجودة في صحيفة سليمان اليشكري- إن صح هذا الافتراض- سأل عنها جابر ليتأكد من صحتها، أو لعل هذه أحاديث كانت منشرة بين التابعين فأحب أن يتأكد منها - وهو الأرجح - والله تعالى أعلم.].\n\n٩ - قوله: [أو سماك (١) عن عكرمة (٢) عن ابن عباس]. ...\nقال ابن رجب لبيان حال سماك، وعكرمة:\nقال في شرح علل الترمذي (٢/ ٦٤٣) تحت عنوان: \" قوم ثقات في أنفسهم لكن حديثهم عن بعض الشيوخ فيه ضعف، بخلاف حديثهم عن بقية شيوخهم: وهؤلاء جماعة كثيرون: ومنهم: سماك بن حرب \": [وقد وثقه جماعة، وخرج حديثه مسلم، ومن الحفاظ من ضعف حديثه عن عكرمة خاصة، وقال: «يسند عنه عن ابن عباس ما يرسله غيره».\nوقال ابن المديني: «رواية سماك عن عكرمة مضطربة، سفيان وشعبة يجعلونها عن عكرمة، وغيرهما يقول: عن ابن عباس إسرائيل وأبو الأحوص».\n_________\n(١) هو سماك بن حرب بن أوس بن خالد بن نزار بن معاوية الذهلي البكري، أبو المغيرة الكوفي، قال حماد بن سلمة، عن سماك بن حرب: أدركت ثمانين من أصحاب النبي ﷺ وكان قد ذهب بصري، فدعوت الله فرد على بصري، قال عنه الذهبي: ثقة ساء حفظه، أحد علماء الكوفة. وقال عنه ابن حجر: صدوق، وروايته عن عكرمة خاصة مضطربة، وقد تغير بأخرة فكان ربما تلقن، توفي سنة (١٢٣ هـ).\n(٢) هو عكرمة القرشي الهاشمي، أبو عبد الله المدني، مولى عبد الله بن عباس، وقال يزيد النحوي عن عكرمة: قال ابن عباس: انطلق فأفت الناس وأنا لك عون. قال عنه الذهبي في الكاشف: ثبت لكنه أباضي يرى السيف، روى له مسلم مقرونا، وتحايده مالك، قال عنه ابن حجر في التقريب: ثقة ثبت عالم بالتفسير، لم يثبت تكذيبه عن ابن عمر ولا تثبت عنه بدعة، توفي: ١٠٤ هـ وقيل بعد ذلك بـ المدينة.","vol":"1","page":150},{"text":"ومنهم من ضعف في آخر عمره وقال: «كان يلقن حينئذ».].\nوقال أيضًا في شرح علل الترمذي (١/ ٣٢٥ - ٣٢٧): [فمثال القسم الأول: وهو من اختلف فيه هل هو متهم بالكذب أم لا: عكرمة مولى ابن عباس:\nاتهمه بالكذب جماعة، منهم: سعيد بن المسيب، والقاسم بن محمد، وعطاء، وعلي بن عبد الله، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وغيرهم.\nوأنكر ذلك جماعة آخرون، قال أيوب: «لم يكن بكذاب ولم أكن اتهمه». ووثقه ابن أبي ذئب. وقال بكر المزني: «أشهد أنه صدوق». ووثقه أيضًا من الحفاظ يحيى بن معين وغيره، وخرج له البخاري في صحيحه.\nوقال ابن عدي: «إذا روى عنه الثقات فهو مستقيم الحديث، ولم يمتنع الأئمة من الرواية عنه».\nوقال أحمد في رواية عنه: «عمرو بن أبي عمرو كل شئ يرويه عن عكرمة مضطرب وكذا كل من يروي عن عكرمة سماك وغيره». قيل له: «فترى هذا من عكرمة أو منهم؟ قال: «ما أحسبه إلا من قبل عكرمة».\nوقال أحمد بن القاسم: «رأيت أحمد ضعف رواية عكرمة ولم ير روايته حجة».\nقال أبو بكر الخلال: «هذا في حديث خاص. قال: وعكرمة عند أبي عبد الله ثقة يحتج بحديثه».\nكذا قال؛ والظاهر هو خلافه، وقد يكون عن أحمد فيه روايتان، فإن المروزي نقل عن أحمد أنه قال: «عكرمة يحتج به».\nوذكر يحيى بن معين عن محمد بن فضيل ثنا عثمان بن حكيم قال: جاء عكرمة إلى أبي أمامة بن سهل وأنا جالس عنده، قال: «يا أبا أمامة، أسمعت ابن عباس يقول: ما حدثكم عكرمة عني بشئ فصدقوه فإنه لن يكذب عليّ؟ قال نعم».\nوقال ابن معين: «إذا سمعت من يقع في عكرمة فاتهمه على الإسلام».\nوقال أبو حاتم الرازي: «يحتج بحديثه إذا روى عنه الثقات قال: والذي أنكر عليه مالك ويحيى بن سعيد فلسبب رأيه». يعني أنه نسب إلى رأي الخوارج.","vol":"1","page":151},{"text":"وأما تكذيب ابن عمر له [قد] روي من وجوه لا تصح، وقد أنكره مالك، قال إسحاق بن عيسى قلت لمالك: «أبلغك أن ابن عمر قال لنافع لا تكذب عليّ كما يكذب عكرمة على ابن عباس؟» قال: «لا. ولكن بلغني أن ابن المسيب قال ذلك لبرد مولاه».\nوذكر أحمد أن ابن سيرين كان يروي عنه ولا يسميه، وكذلك مالك. وأشار أحمد إلى أنهما طعنا في مذهبه ورأيه، لكن روي عن ابن سيرين أنه كذبه من رواية الصّلت بن دينار عنه، والصّلت لا تقبل رواياته، وابن سيرين لا يروي عن كذاب أبدًا.]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-125>فائدة:</span>\nهذا الإسناد لم يخرج له أحد من الشيخين، ولم أقف على من وصفه بأنه من أصح الأسانيد، بل إن بعض العلماء أعله بالاضطراب.\nقال ابن حجر في النكت (١/ ٣١٤): [إذا كان الإسناد قد احتج كل منهما برجل منه ولم يحتج بآخر منه كالحديث الذي يروى عن طريق شعبة مثلًا عن سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - فإن مسلمًا احتج بحديث سماك إذا كان من رواية الثقات عنه ولم يحتج بعكرمة واحتج البخاري بعكرمة دون سماك، فلا يكون الإسناد والحالة هذه على شرطهما حتى يجتمع فيه صورة الاجتماع. وقد صرح بذلك الإمام أبو الفتح القشيري وغيره.]\nوقال الشيخ عبد العزيز الطريفي في شرح بلوغ المرام: [حديث سماك بن حرب عن عكرمة على ثلاثة أنواع:\nالأول: فيما رواه عن عكرمة عن ابن عباس وانفرد به ولم يوافق عليه فهو يغلب عليه النكارة فيكون مردودا. ومن ذلك ما رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث سماك عن عكرمة عن بن عباس قال جاء أعرابي إلى النبي - ﷺ - فقال: إني رأيت الهلال، قال: (أتشهد أن لا إله إلا الله، أتشهد أن محمدا رسول الله، قال: نعم، قال: يا بلال أذن في الناس أن يصوموا غدا). والصحيح فيه الإرسال فقد رواه جماعة كسفيان الثوري وغيره عن سماك عن عكرمة مرسلا وصوب ذلك الحفاظ كالترمذي والنسائي. وقد أنكر","vol":"1","page":152},{"text":"الحفاظ تفردات سماك عن عكرمة كابن المديني وأحمد العجلي والدارقطني وغيرهم.\nالثاني: ما رواه عن عكرمة عن ابن عباس ورواه عنه قدماء أصحابه: شعبة وسفيان وأبو الأحوص فهذا النوع ينظر فيه إلى استقامة متنه وعدم غرابته ونكارته فان كان كذلك فيقبل (١).\nالثالث: ما رواه عن عكرمة عن غير ابن عباس كعائشة وغيرها ولم يكن ممن يستنكر متنه ولم ينفرد بأصل فهو محمول على الاستقامة والصحة ما لم يخالف كما روى النسائي والطيالسي والبيهقي عن سماك عن عكرمة عن عائشة - ﵂ - قالت: دخل علي رسول الله - ﷺ - ذات يوم فقال أعندك شيء قلت لا قال إذا أصوم. وهذا صحيح قد صححه الحفاظ كالدارقطني والبيهقي وغيرهما].\n\n١٠ - قال: [أو: أبو بكر بن عَيّاش (٢)، عن أبي إسحاق (٣)، عن البَرَاء.]\nقال ابن أبي حاتم في \"العلل\" (١/ ٥٠١): (قال أبي: وسماع أبي بكر من أبي إسحاق ليس بذاك القوي).\n_________\n(١) قلت: رواية شعبة والثوري عنه تقبل في مسألة ما إذا كان يتلقن، أما روايته عن عكرمة عن ابن عباس خاصة فهي مضطربة مطلقا.\n(٢) هو أبو بكر بن عياش بن سالم الأسدى الكوفي المقرىء الحناط راوية عاصم بن بهدلة بن أبي النجود أحد القراء السبعة، وقد اختلف في اسمه على عشرة أقوال، والصحيح أن اسمه كنيته. قال محمد بن يزيد المرادى: لما حضرت أبا بكر بن عياش الوفاة بكت ابنته، فقال: يا بنية لا تبكى، أتخافين أن يعذبني الله وقد ختمت في هذه الزاوية أربعة وعشرين ألف ختمة!، قال عنه الذهبي: أحد الأعلام، قال أحمد: صدوق ثقة، ربما غلط، وقال أبو حاتم: هو وشريك فى الحفظ سواء. وقال عنه ابن حجر: ثقة عابد إلا أنه لما كبر ساء حفظه وكتابه صحيح. توفي: ١٩٤ هـ، وقيل قبل ذلك بسنة أو سنتين.\n(٣) هو عمرو بن عبد الله بن عبيد أو على أو ابن أبى شعيرة، الهمدانى، أبو إسحاق السبيعى الكوفي، من أئمة التابعين، وثقاتهم إلا أنه اختلط، وكان يدلس، قال عنه الذهبي: أحد الأعلام، وهو كالزهري في الكثرة، وقال عنه ابن حجر: ثقة مكثر عابد، اختلط بأخرة، توفي: ١٢٩ هـ وقيل قبل ذلك بالكوفة.","vol":"1","page":153},{"text":"هذا الإسناد لم يخرج له أحد من الشيخين، ولم أقف على من وصفه بأنه من أصح الأسانيد. ...\n\n١١ - قوله: [أو: العلاءُ بن عبد الرحمن (١)، عن أبيه (٢)، عن أبي هريرة.].\nوهذا الإسناد لم يخرج له البخاري، وأخرج له مسلم.\nقال طاهر الجزائري في توجيه النظر إلى أصول الأثر (١/ ٣٠٣): [إن الذين انفرد بهم البخاري ممن تكلم فيه، لم يكثر من تخريج أحاديثهم، وليس لواحد منهم نسخة كبيرة أخرجها كلها أو أكثرها، إلا ترجمة عكرمة عن ابن عباس، بخلاف مسلم فإنه اخرج أكثر تلك النسخ: كأبي الزبير عن جابر، وسهيل عن أبيه، والعلاء بن عبد الرحمن عن أبيه، وحماد بن سلمة عن ثابت، وغير ذلك.]\nقال الخليلي في الإرشاد (١/ ٢١٨): [العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب، مولى الحرقة، مديني مختلف فيه؛ لأنه يتفرد بأحاديث لا يتابع عليها، كحديثه عن أبيه عن أبى هريرة عن النبي - ﷺ -: \" إذا كان النصف من شعبان فلا صوم حتى رمضان \" وقد أخرج مسلم في الصحيح المشاهير من حديثه دون هذا والشواذ.].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-128>قوله: [ونحوُ ذلك من أفراد البخاري أو مسلم</span>.].\nهذه العبارة تحتمل أمرين:\nالأول: أن ما سبق وقد ذكره في هذه المراتب، وكذا نحوها مما لم يذكره أقله ما انفرد به أحد الشيخين، وهو ضعيف؛ لما قد سبق بيانه من أن بعض الأسانيد التي ذكرها لم يخرج لها أحدهما.\n_________\n(١) هو العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب الحرقى، أبو شبل المدنى. وقال أبو أحمد بن عدى: وللعلاء نسخ عن أبيه عن أبى هريرة يرويها عنه الثقات وما أرى به بأسا. قال عنه الذهبي: أحد علماء المدينة، قال أبو حاتم: صالح أنكر من حديثه أشياء. وقال عنه ابن حجر: صدوق ربما وهم. توفي: ١٠٠ وبضع وثلاثون هـ.\n(٢) هو عبد الرحمن بن يعقوب الجهني المدني. قال النسائي: ليس به بأس. وقال العجلي: تابعي ثقة. وقال عنه الذهبي: ثقة، وقال عنه ابن حجر: ثقة.","vol":"1","page":154},{"text":"الثاني: أنه يمثل على سبيل الإجمال لأسانيد أخرى، وهي ما انفرد به أحد الشيخين، وهذا هو الأقرب.\n\nوكتبه حامدا ومصليا ...\nأبو المنذر محمود بن محمد بن مصطفى المنياوي\nأسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يتقبل مني هذا العمل وأن يجعله خالصا لوجهه الكريم، وألا يجعل لأحد فيه شيئا، وأن يدخر لي أجره يوم ألقاه.\nوأرجو من الله أن يكتب له القبول وأن ينفع به المسلمين، أنه ولي ذلك وهو القادر عليه.\nسبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.\nوصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.","vol":"1","page":155}]}