{"ً":{"ٌ":36397,"ٍ":"العودة إلى القرآن لماذا وكيف","َ":5,"ُ":3,"ّ":"الكتاب: العودة إلى القرآن لماذا وكيف\nالمؤلف: مجدي الهلالي\nعدد الصفحات: ١١٣\n[الكتاب مرقم آليا]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":2289,"ٕ":23,"ٖ":1770155848,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"المقدمة","level":1,"page":2},{"title":"الفصل الأول لماذا أنزل الله القرآن؟","level":1,"page":4},{"title":"خلق آدم","level":2,"page":5},{"title":"طلب إبليس","level":2,"page":6},{"title":"الهبوط إلى الأرض","level":2,"page":6},{"title":"المشهد العظيم","level":2,"page":7},{"title":"ماذا فعل الناس على الأرض؟","level":2,"page":8},{"title":"حب الله لعباده","level":2,"page":8},{"title":"الرسائل السماوية","level":2,"page":9},{"title":"كيف تعامل الناس مع هذه الرسائل؟","level":2,"page":9},{"title":"الرسالة الأخيرة","level":2,"page":10},{"title":"أعظم رسالة","level":2,"page":10},{"title":"الفصل الثاني جوانب الهداية في القرآن","level":1,"page":12},{"title":"مفهوم الهداية","level":2,"page":13},{"title":"فكيف له ذلك؟","level":2,"page":14},{"title":"كيفية الهداية القرآنية","level":2,"page":14},{"title":"الجانب الأول للهداية القرآنية التعرف على الخالق (من هو الله؟) وواجبنا تجاهه (واجبات العبودية)","level":3,"page":15},{"title":"المعرفة طريق الخشية والإجلال","level":4,"page":16},{"title":"كيف نعرف الله؟","level":4,"page":16},{"title":"دور القرآن في معرفة الله","level":4,"page":17},{"title":"نماذج تطبيقية","level":4,"page":17},{"title":"الجانب الثاني الرسول والرسالة","level":3,"page":18},{"title":"تربيته ﷺ على تمام العبودية","level":4,"page":19},{"title":"واجبنا نحوه ﷺ","level":4,"page":19},{"title":"الرسالة القرآنية","level":4,"page":19},{"title":"الجانب الثالث التعريف بالإنسان","level":3,"page":19},{"title":"العقل","level":4,"page":19},{"title":"النفس","level":4,"page":20},{"title":"القلب","level":4,"page":21},{"title":"الجانب الرابع التعريف بالشيطان","level":3,"page":21},{"title":"اعرف عدوك","level":4,"page":21},{"title":"الجانب الخامس قصة الوجود ويوم الحساب","level":3,"page":22},{"title":"الدنيا دار امتحان","level":4,"page":22},{"title":"لماذا الاختلاف بين الناس؟","level":4,"page":23},{"title":"إنها القصة المكررة منذ القدم","level":4,"page":23},{"title":"ويبقى السؤال: متى الحساب وإعلان النتيجة؟","level":4,"page":24},{"title":"القرآن وقصة الوجود","level":4,"page":24},{"title":"الجانب السادس معرفة السنن والقوانين الحاكمة للكون والحياة","level":3,"page":26},{"title":"القوانين المادية","level":4,"page":26},{"title":"القوانين الاجتماعية","level":4,"page":26},{"title":"البداية من العبد","level":4,"page":27},{"title":"القرآن دستور الحياة","level":4,"page":27},{"title":"الجانب السابع التعرف على الكون المحيط","level":3,"page":28},{"title":"كون مسخر:","level":4,"page":28},{"title":"الكون العابد","level":4,"page":29},{"title":"الجانب الثامن حقوق العباد بعضهم على بعض","level":3,"page":29},{"title":"الشريعة رحمة كلها","level":4,"page":30},{"title":"من فوائد الإحسان","level":4,"page":30},{"title":"وصور الإحسان في القرآن كثيرة، منها","level":4,"page":30},{"title":"الجانب التاسع فقه الدعوة إلى الله","level":3,"page":31},{"title":"فإن كان الأمر كذلك فلماذا لا يؤمن الكثير من الناس بالله وبدينه؟!","level":4,"page":31},{"title":"ولكن كيف يشخص الداعية حال من يدعوه، وهل هو من الذين يجهلون الحق أو يجحدونه؟","level":4,"page":32},{"title":"لماذا يثيرون الشبهات؟","level":4,"page":32},{"title":"صور الهدى","level":4,"page":32},{"title":"متى نرد على الشبهات؟","level":4,"page":33},{"title":"الجانب العاشر العبرة من قصص السابقين","level":3,"page":33},{"title":"كيف نستخلص العبرة؟","level":4,"page":34},{"title":"سؤال وجواب","level":4,"page":35},{"title":"الفصل الثالث القرآن والتغيير","level":1,"page":36},{"title":"أمثلة من الواقع","level":2,"page":37},{"title":"أين القدوة؟","level":2,"page":37},{"title":"المعجزة الكبرى","level":2,"page":38},{"title":"كيفية التغيير القرآني","level":2,"page":39},{"title":"المحور الأول القرآن والعقل","level":3,"page":39},{"title":"تجارب عملية","level":4,"page":39},{"title":"الشعور واللا شعور","level":4,"page":40},{"title":"علاقة العقل المدرك بالأخفى (أو علاقة الشعور باللاشعور)","level":4,"page":40},{"title":"القرآن واللاشعور","level":4,"page":41},{"title":"وهذا ما يفعله القرآن","level":4,"page":41},{"title":"المحور الثاني القلب والقرآن","level":3,"page":44},{"title":"القلب بين الإيمان والهوى","level":4,"page":44},{"title":"الإيمان أولا:","level":4,"page":44},{"title":"مرض القلب وصحته","level":4,"page":45},{"title":"القلب الحي","level":4,"page":45},{"title":"القرآن ودوره في دخول الإيمان القلب","level":4,"page":45},{"title":"وهنا يأتي دور القرآن","level":4,"page":46},{"title":"دور الموعظة","level":4,"page":46},{"title":"القرآن يمزج الفكر بالعاطفة","level":4,"page":46},{"title":"القرآن وزيادة الإيمان","level":4,"page":47},{"title":"القرآن وشفاء القلب","level":4,"page":47},{"title":"القرآن وحياة القلوب (الولادة الثانية)","level":4,"page":48},{"title":"القرآن والسير إلى الله","level":4,"page":48},{"title":"أعمال القلوب","level":4,"page":48},{"title":"الحال والمقام","level":4,"page":49},{"title":"الطريق إلى العبودية","level":4,"page":50},{"title":"أهمية الانشغال بالقرآن","level":4,"page":50},{"title":"المحور الثالث القرآن والنفس","level":3,"page":50},{"title":"أنواع الشهوات","level":4,"page":51},{"title":"الشرك الخفي","level":4,"page":51},{"title":"القرآن يعرفنا بأنفسنا","level":4,"page":52},{"title":"معرفة الله حق","level":4,"page":52},{"title":"جوانب النعم","level":4,"page":53},{"title":"عفو الله أو النار","level":4,"page":54},{"title":"من فوائد النظر في حق الله","level":4,"page":54},{"title":"وسائل عملية","level":4,"page":55},{"title":"معرفة النفس","level":4,"page":55},{"title":"نماذج تربوية","level":4,"page":58},{"title":"احتياجات التغيير القرآني","level":4,"page":58},{"title":"الفصل الرابع القرآن بين الأولين والآخرين","level":1,"page":60},{"title":"الرسول والقرآن","level":2,"page":61},{"title":"التحذير من عدم الانتفاع بالقرآن","level":2,"page":62},{"title":"القرآن علم يدعو للعمل","level":2,"page":62},{"title":"عدم الاختلاف في القرآن","level":2,"page":63},{"title":"صفاء المنبع","level":2,"page":64},{"title":"الجيل الجديد","level":2,"page":64},{"title":"وحدة التصور والسلوك","level":2,"page":64},{"title":"من وصايا الصحابة","level":2,"page":65},{"title":"١ - التفرغ للقرآن وعدم الانشغال بغيره","level":3,"page":65},{"title":"٢ - ومن هذه الوصايا: تأكيدهم المستمر بأن المعنى هو المقصود من التلاوة والعمل هو ثمرته:","level":3,"page":66},{"title":"٣ - تصحيح مفهوم حامل القرآن","level":3,"page":67},{"title":"٤ - ومن وصاياهم: الإيمان قبل القرآن:","level":3,"page":68},{"title":"٥ - ومن وصاياهم: ضرورة تدبر القرآن وفهمه وتحريك القلب به:","level":3,"page":68},{"title":"٦ - ومن وصاياهم: عدم التعمق في إقامة حروف القرآن:","level":3,"page":70},{"title":"٧ - ومن وصاياهم: اترك نفسك للقرآن وتمسك به:","level":3,"page":70},{"title":"حالنا مع القرآن","level":2,"page":71},{"title":"فما الذي حدث؟","level":3,"page":71},{"title":"تاريخ هجر القرآن","level":3,"page":72},{"title":"التشخيص","level":3,"page":72},{"title":"واقع الأمة الإسلامية","level":3,"page":73},{"title":"الفصل الخامس حاجتنا إلى القرآن","level":1,"page":74},{"title":"التشخيص","level":2,"page":76},{"title":"فلنبدأ بأنفسنا","level":2,"page":76},{"title":"القرآن هو الحل","level":2,"page":77},{"title":"لماذا القرآن؟","level":2,"page":77},{"title":"القرآن وجمع كلمة الأمة","level":2,"page":78},{"title":"سمات المنهج القرآني","level":2,"page":79},{"title":"دفع شبهة","level":2,"page":79},{"title":"حاجة الفرد إلى القرآن","level":2,"page":80},{"title":"أولا: تحقيق الربانية:","level":3,"page":80},{"title":"ثانيا: تحقيق السعادة:","level":3,"page":80},{"title":"ثالثا: ومن دواعي حاجة المسلم إلى القرآن: زيادة الإيمان:","level":3,"page":81},{"title":"رابعا: من دواعي العودة الحقيقية للقرآن: التذكر الدائم لحقائق الإيمان وجوانب الهداية:","level":3,"page":81},{"title":"خامسا: تحصيل العلم النافع:","level":3,"page":81},{"title":"سادسا: العصمة من الفتن:","level":3,"page":82},{"title":"سابعا: ومن دواعي العودة للقرآن: حسن التعامل مع متغيرات الحياة:","level":3,"page":83},{"title":"الفصل السادس عقبات في طريق العودة","level":1,"page":85},{"title":"العقبة الأولى الاهتمام الشكلي فقط","level":2,"page":86},{"title":"بركة القرآن","level":3,"page":87},{"title":"ختمتان للقرآن!!","level":3,"page":87},{"title":"دفع شبهة","level":3,"page":88},{"title":"الوسائل والغايات","level":3,"page":88},{"title":"العقبة الثانية الخوف من تدبر القرآن","level":2,"page":89},{"title":"انتبه","level":3,"page":90},{"title":"معنى التحذير من القول في القرآن","level":3,"page":90},{"title":"التلقي المباشر من القرآن","level":3,"page":90},{"title":"ماذا قال صاحب الظلال؟","level":3,"page":91},{"title":"العقبة الثالثة مفهوم التدبر وطبيعته","level":2,"page":91},{"title":"طبيعة التدبر","level":3,"page":92},{"title":"فلنبحث عن الهدى","level":3,"page":92},{"title":"العقبة الرابعة ضرورة ختم القرآن في مدة محددة","level":2,"page":93},{"title":"العقبة الخامسة أمراض القلوب","level":2,"page":93},{"title":"العقبة السادسة مفهوم الانشغال بالقرآن","level":2,"page":94},{"title":"الفصل السابع كيف نعود إلى القرآن؟","level":1,"page":95},{"title":"الدعاء والتضرع إلى الله","level":2,"page":96},{"title":"القرآن والأولويات","level":2,"page":97},{"title":"سلامة النطق","level":2,"page":97},{"title":"الوسائل العملية للانتفاع بالقرآن","level":2,"page":97},{"title":"أولا: المداومة على التلاوة اليومية:","level":3,"page":98},{"title":"ثانيا: تهيئة الجو المناسب:","level":3,"page":98},{"title":"ثالثا: التركيز مع القراءة:","level":3,"page":98},{"title":"رابعا: أن نجعل المعنى هو المقصود:","level":3,"page":99},{"title":"خامسا: التجاوب مع القراءة:","level":3,"page":100},{"title":"سادسا: ترديد الآية التي تؤثر في القلب:","level":3,"page":100},{"title":"سابعا: استصحاب معنى من المعاني الإيمانية:","level":3,"page":101},{"title":"التعرف على الله (الواحد)","level":4,"page":101},{"title":"التعرف على الله (المنعم)","level":4,"page":102},{"title":"التعرف على الله (الرحيم)","level":4,"page":102},{"title":"التعرف على الله (القوي) (الجبار)","level":4,"page":102},{"title":"جوانب الفقر إلى الله","level":4,"page":102},{"title":"التعرف على الله (العزيز - القهار).","level":4,"page":102},{"title":"الدنيا دار امتحان","level":4,"page":102},{"title":"الرسائل الإلهية","level":4,"page":103},{"title":"كيف ربى الله رسولنا ﷺ على تمام العبودية؟","level":4,"page":103},{"title":"السنن الاجتماعية الحاكمة للحياة","level":4,"page":103},{"title":"الفصل الثامن معينات على الطريق","level":1,"page":104},{"title":"أولا: كثرة ذكر الموت:","level":2,"page":105},{"title":"ثانيا: ومن المعينات أيضا: قيام الليل:","level":2,"page":106},{"title":"ثالثا: دراسة السيرة النبوية:","level":2,"page":107},{"title":"رابعا: التفسير:","level":2,"page":107},{"title":"خامسا: الدعوة إلى الله:","level":2,"page":107},{"title":"سادسا: ومن المعينات كذلك: حلقات المدارسة:","level":2,"page":108},{"title":"سابعا: حفظ القرآن:","level":2,"page":109},{"title":"تجربة مفيدة","level":3,"page":110},{"title":"الصغار وحفظ القرآن","level":3,"page":110},{"title":"ماذا يقول الطرطوشي","level":3,"page":111},{"title":"رأي البنا","level":3,"page":111},{"title":"تصور مقترح لحفظ الآيات بطريقة الإيمان قبل القرآن","level":3,"page":112},{"title":"الوسيلة الأولى","level":4,"page":112},{"title":"الوسيلة الثانية","level":4,"page":112},{"title":"القرآن كتاب هداية","level":3,"page":113},{"title":"لا بديل عن العمل بالقرآن","level":3,"page":113},{"title":"نموذج مقترح","level":3,"page":113},{"title":"الخاتمة","level":1,"page":114}],"ٛ":{"1,1":2,"1,2":3,"1,3":4,"1,4":5,"1,5":6,"1,6":7,"1,7":8,"1,8":9,"1,9":10,"1,10":11,"1,11":12,"1,12":13,"1,13":14,"1,14":15,"1,15":16,"1,16":17,"1,17":18,"1,18":19,"1,19":20,"1,20":21,"1,21":22,"1,22":23,"1,23":24,"1,24":25,"1,25":26,"1,26":27,"1,27":28,"1,28":29,"1,29":30,"1,30":31,"1,31":32,"1,32":33,"1,33":34,"1,34":35,"1,35":36,"1,36":37,"1,37":38,"1,38":39,"1,39":40,"1,40":41,"1,41":42,"1,42":43,"1,43":44,"1,44":45,"1,45":46,"1,46":47,"1,47":48,"1,48":49,"1,49":50,"1,50":51,"1,51":52,"1,52":53,"1,53":54,"1,54":55,"1,55":56,"1,56":57,"1,57":58,"1,58":59,"1,59":60,"1,60":61,"1,61":62,"1,62":63,"1,63":64,"1,64":65,"1,65":66,"1,66":67,"1,67":68,"1,68":69,"1,69":70,"1,70":71,"1,71":72,"1,72":73,"1,73":74,"1,74":75,"1,75":76,"1,76":77,"1,77":78,"1,78":79,"1,79":80,"1,80":81,"1,81":82,"1,82":83,"1,83":84,"1,84":85,"1,85":86,"1,86":87,"1,87":88,"1,88":89,"1,89":90,"1,90":91,"1,91":92,"1,92":93,"1,93":94,"1,94":95,"1,95":96,"1,96":97,"1,97":98,"1,98":99,"1,99":100,"1,100":101,"1,101":102,"1,102":103,"1,103":104,"1,104":105,"1,105":106,"1,106":107,"1,107":108,"1,108":109,"1,109":110,"1,110":111,"1,111":112,"1,112":113,"1,113":114},"ٜ":{"1":[1,113]},"ٝ":[null,"1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113"],"ٞ":{"2":[1],"4":[2],"5":[3],"6":[4,5],"7":[6],"8":[7,8],"9":[9,10],"10":[11,12],"12":[13],"13":[14],"14":[15,16],"15":[17],"16":[18,19],"17":[20,21],"18":[22],"19":[23,24,25,26,27],"20":[28],"21":[29,30,31],"22":[32,33],"23":[34,35],"24":[36,37],"26":[38,39,40],"27":[41,42],"28":[43,44],"29":[45,46],"30":[47,48,49],"31":[50,51],"32":[52,53,54],"33":[55,56],"34":[57],"35":[58],"36":[59],"37":[60,61],"38":[62],"39":[63,64,65],"40":[66,67],"41":[68,69],"44":[70,71,72],"45":[73,74,75],"46":[76,77,78],"47":[79,80],"48":[81,82,83],"49":[84],"50":[85,86,87],"51":[88,89],"52":[90,91],"53":[92],"54":[93,94],"55":[95,96],"58":[97,98],"60":[99],"61":[100],"62":[101,102],"63":[103],"64":[104,105,106],"65":[107,108],"66":[109],"67":[110],"68":[111,112],"70":[113,114],"71":[115,116],"72":[117,118],"73":[119],"74":[120],"76":[121,122],"77":[123,124],"78":[125],"79":[126,127],"80":[128,129,130],"81":[131,132,133],"82":[134],"83":[135],"85":[136],"86":[137],"87":[138,139],"88":[140,141],"89":[142],"90":[143,144,145],"91":[146,147],"92":[148,149],"93":[150,151],"94":[152],"95":[153],"96":[154],"97":[155,156,157],"98":[158,159,160],"99":[161],"100":[162,163],"101":[164,165],"102":[166,167,168,169,170,171],"103":[172,173,174],"104":[175],"105":[176],"106":[177],"107":[178,179,180],"108":[181],"109":[182],"110":[183,184],"111":[185,186],"112":[187,188,189],"113":[190,191,192],"114":[193]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"العودة إلى القرآن\n\nلماذا ... وكيف؟\n\nمجدي الهلالي","vol":"1","page":null},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>المقدمة</span>\nالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.\nوبعد ..\nفلقد أكرم الله ﷿ هذه الأمة بخير رسالة أرسلها إلى البشر، ضمّن فيها ﷾ كل ما يكفُل للإنسان العيش السعيد الآمن في الدنيا، والنعيم المقيم في الآخرة.\nقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٥٧].\nهذه الرسالة عندما استمع إليها نفر من الجن أدركوا قيمتها العظيمة، وفهموا المقصد من نزولها، فسارعوا إلى قومهم ليخبروهم بما عملوا .. فماذا قالوا لهم؟\n﴿قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١) وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الأحقاف: ٣٠ - ٣٢].\nولم يكن هؤلاء النفر من الجن وحدهم هم الذين أدركوا قيمة القرآن؛ ففي تاريخنا أسطر من نور تقُصُّ علينا أن جيلًا كاملًا قد أحسن استقبال القرآن، وتعامل معه على أنه منهج حياة، جاءهم من عند مالك الحياة - رحمة منه وفضلًا - ليُعينهم على السير فيها بما يُحقق لهم السعادة في دنياهم وأخراهم.\nفهم الصحابة - رضوان الله عليهم - المقصد العظيم من نزول القرآن؛ فتعاملوا معه من هذا المنطلق، وأتوه من أوله، فأعطوه عقولهم وقلوبهم وأوقاتهم، فأحسن القرآن وفادتهم، وأكرمهم بكرمه البالغ، وأعاد صياغتهم من جديد، ليخرجوا من مصنعه أُناسًا آخرين، لم تشهد البشرية لهم نظيرًا فدانت لهم الأرض، وسادوها في سنوات معدودات.\nومضى الزمان، وابتعد المسلمون شيئًا فشيئًا عن القرآن قائدًا وموجهًا، ومصنعًا للتشكيل والتغيير، واشتغلوا عنه بأمور أخرى، ولم يُعطوه من أوقاتهم وأنفسهم ما أعطاه الجيل الأول له، ولم يأتوا أمره من أوله، فما انطلقوا في تعاملهم معه من القصد الأسمى لنزوله .. فماذا كانت النتيجة، وماذا حصدت الأمة من وراء ذلك؟\nلقد كانت لنتيجة الطبيعية لإغلاق مدرسة القرآن وتوقف ماكيناته عن العمل أن كل ما بناه الجيل الأول وحققه من مجد وعز تلاشى وأصبح أنقاضًا، وصرنا في ذيل الأمم لا قيمة لنا، ولا اعتبار لوجودنا، فأصبحنا أضيع من الأيتام على مائدة اللئام.\nوتطبيقًا للقاعدة \" ومن ثمارهم تعرفهم \" فلقد عرفنا حُسن تعامل الصحابة - رضوان الله عليهم - مع القرآن من خلال الثمار العظيمة التي تحققت فيهم وفي أمتهم.\nوتطبيقًا لنفس القاعدة على الواقع الحالي للمسلمين نجد أنه ومع وجود بعض الانشغال بالقرآن حفظًا وتلاوة إلا أن ثمار هذا الانشغال لم تظهر للوجود بصورة واضحة، وهذا يدل على أن هناك حلقة مفقودة في تعاملنا مع القرآن، وأن المطلوب معه أمر آخر بالإضافة إلى ما نفعله.\nإننا وباختصار شديد نحتاج إلى عودة حقيقية إلى القرآن فندخل إلى عالمه ومصنعه، لتُعيد ماكيناته تشكيلنا من جديد، وتغيير ما بأنفسنا، ليُحقق الله وعده الذي لا يُخلف، فيُغير - سبحانه - ما حاق بنا من بؤس وعذاب وضياع.\nقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١].","vol":"1","page":1},{"text":"وهذا الكتاب \" العودة إلى القرآن، لماذا وكيف؟ \" يتناول هذا الموضوع، والذي يبدأ في فصله الأول بالحديث عن الهدف الأسمى من نزول القرآن، وفي فصله الثاني يستعرض جوانب الهداية القرآنية، أما الفصل الثالث فيُجيب عن تساؤل البعض عن كيفية التغيير القرآني، ويأتي الفصل الرابع والذي بعنوان \" القرآن بين الأولين والآخرين \" ليُقدم لنا النماذج التي تخرحت من مدرسة القرآن، ويستعرض كذلك تاريخ هجر القرآن، ووصول الأمر إلى ما وصل إليه الآن. والفصل الخامس بعنوان \" حاجتنا إلى القرآن\"، والسادس بعنوان \" عقبات في طريق العودة \"، ثم يأتي الفصل السابع مُبيِّنًا الوسائل العملية للعودة إلى القرآن تحت عنوان \" كيف نعود إلى القرآن؟ \" أما الفصل الثامن والأخير فهو بعنوان \" معينات على الطريق \".\nنسأل الله ﷿ التيسير والسداد والقبول ..\n﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧].","vol":"1","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>الفصل الأول\n\nلماذا أنزل الله القرآن</span>؟","vol":"1","page":3},{"text":"خلق الله ﷿ المخلوقات من أرض وسماء، وجبال ودواب، وماء وهواء، و... قبل خلق الإنسان، وجعلها منقادة لعبادته، لا تعرف خالقًا سواه، ولا إلهًا غيره .. تُسبحه وتسجد له، قال تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٤].\nوخلق ﷾ الملائكة وهم من خواص خلقه، وجعلهم مقربين إليه يقومون بتنفيذ أوامره في تدبير أمور الكون .. وهم كسائر مخلوقاته في حالة دائمة من التسبيح والعبادة له سبحانه ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>خلق آدم:</span>\nومع عبادة الكون كله لله وتسبيحه الدائم له، فإنه ﷾ أراد أن يخلق مخلوقًا جديدًا يعبده باختياره بعد أن يُعطيه عقلًا لا يوجد مثله في سائر مخلوقاته، ويودع فيه من الملكات والمقومات ما يستطيع من خلالها أن يصل لمعرفة الله ﷿، لدرجة لم يصل إليها مخلوق آخر - بما في ذلك الملائكة - وبجانب هذا العقل جعل له ﷾ نفسًا تُحب الشهوات، ولا تنظر إلى عواقب الأمور .. تُريد أن تاخذ حظها من كل عمل يقوم به هذا المخلوق .. تُحب الراحة، وتكره التكليف.\nوبين العقل والنفس يوجد القلب الذي يُعد بمثابة الملك: يُصدر الأوامر فُيسمع له الجميع ويطيع .. ففيه مركز القيادة والإرداة واتخاذ القرار، ولقد خلقه الله ﷾ بإرادة حُرَّه، وأعطاه مزية حرية الاختيار، وطالبه بعبادته في الغيب في ظل هذه المعطيات.\nأخبر ﷾ الملائكة هذا الأمر ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠].\nفاستعظمت الملائكة أن يوجد مخلوق لا يعبد الله عبودية تامة كبقية الخلائق، وأن يوجد مكان في الوجود يُعصى فيه الإله ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠].","vol":"1","page":4},{"text":"ثم بيَّن ﷾ للملائكة قدرات هذا المخلوق الجديد، وإمكانيات عقله ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢) قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ٣١ - ٣٣].\nوطلب ﷾ من الملائكة السجود لآدم تشريفًا وتكريمًا له .. فانصاعت الملائكة للأمر إلا إبليس رفض التنفيذ ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤].\nكيف لمخلوق يرى الله ﷿، وآثار قوته وقدرته وقهره أن يرفض له أمرًا؟!\nلكنه الكبر والحسد، فعندما سأله المولى ﷿ عن سبب رفضه للسجود ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢].\nفكان العقاب الأليم: اللعن والطرد من رحمة الله والعقوبة بالحبس الأبدي في النار ﴿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا﴾ [الأعراف: ١٨].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>طلب إبليس:</span>\nعرف إبليس مصيره وبدلًا من أن يُبادر بالتوبة عما فعله، ازداد حقدًا وحسدًا وكراهية لآدم - ﵇ -، وطلب من الله ﷿ أن يمهله في تنفيذ العقوبة طوال مدة الحياة الدنيا، لينتقم لنفسه من آدم وبنيه، ويسوقهم معه إلى النار ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٧٩) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٨٠) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ [ص: ٧٩ - ٨١].\nوبعد أن تمت الموافقة على طلبه، أقسم اللعين أن يعمل جاهدًا طوال هذه المهلة على إغواء بني آدم، وصدهم عن الصراط المستقيم بكل الطرق الممكنة ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٦، ١٧].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>الهبوط إلى الأرض:</span>\nأسكن الله ﷿ آدم الجنة وجعلها داره، وخلق له زوجته حواء، وأباح لهما الجنة كلها إلا شجرة واحدة ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٣٥].\nبدأ إبليس عمله مباشرة فهو لا يُريد أن يُضيع وقتًا من المهلة التي أخذها، واستهل ذلك بالوسوسة إلى آدم وزوجه بالأكل من الشجرة المحرمة، وادعى بأنها شجرة الخلد والملك، وأقسم لهما بالله على ذلك.\n﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (٢٠) وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠، ٢١].","vol":"1","page":5},{"text":"لم يكن آدم وزوجته يظنان أن هناك من يُقسم بالله كاذبًا، فأكلا من الشجرة لتنكشف لهما عوراتهما وينتصر عليهما اللعين .. حينئذ شعر آدم وزوجته بعِظم الجُرم الذي ارتكباه ﴿فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٢) قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الأعراف: ٢٢ - ٢٣].\nندم آدم وزوجه ندمًا شديدًا، وتابا توبة صادقة إلى الله، فقبِل سبحانه توبتهما ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ٣٧].\nولكن لابد من اختبار آخر كي يعودا إلى دارهما - الجنة - مرة أخرى، فكانت الأرض هي مكان الاختبار الجديد ليهبطا عليها وتبدأ منها رحلة العودة، ويهبط معهما إبليس ليستمر في عمله الذي طلب من أجله المهلة: ﴿قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٢٤) قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾ [الأعراف: ٢٤، ٢٥].\nهبطوا جميعًا إلى الأرض ليبدأ الصراع بين الحق والباطل، قال تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٣٨، ٣٩].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>المشهد العظيم:</span>\nقَّدر الله ﷾ لآدم عددًا محدودًا من الذرية يهبطون تباعًا إلى الأرض ليؤدوا الاختبار - اختبار العودة إلى الجنة - وقبل هبوطهم أخذ عليهم جميعًا العهد والميثاق على عبادته ﷾، ولقد وافق الجميع على ذلك وشهدوا بأنفهسهم على هذا العهد ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٢، ١٧٣].\nأخبر ﷾ الجميع بأنهم سيعودون إليه مرة أخرى ليسألهم عن العهد والميثاق والمهمة، التي أنزلهم إلى الأرض من أجلها ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ [الأعراف: ٢٩].\nولقد جعل الله ﷿ هذا العهد الذي وافق عليه الجميع مركوزًا في داخلهم: فطرة تميل بهم إلى الحق، وإلى عبادته ﷾ ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٣٠].\nبدأت ذرية آدم في الخروج إلى الأرض مجموعة بعد مجموعة لأداء الاختبار، وعندما تنتهي الواحدة وتنقضي مدة اختبارها ووجودها على الأرض تُنزع أرواحها وتذهب إلى القبور التي تُعد بمثابة ساحات انتظار حتى ينتهي الجميع من أداء الامتحان.","vol":"1","page":6},{"text":"يتوالى هبوط الناس إلى الأرض وخروجهم منها إلى أن يأتي آخر عدد قدره الله ﷿، فيؤدى الاختبار ويكتمل امتحان الجميع، فينتهي دور الأرض كقاعة امتحان فتتزلزل، وتُخرج منها ليبدأ يوم الحساب وإعلان النتائج: إما النجاح والعودة إلى الجنة، أو الرسوب والحبس في النار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>ماذا فعل الناس على الأرض</span>؟\nخرجت الأجيال إلى الأرض بفطرة سليمة، مُهيأة لعبادة الله ﷿، ولكن إبليس اللعين لم يكن ليتركهم ينجحون في امتحان العودة إلى الجنة .. وكيف يتركهم وقد طلب المهلة من الله ﷿ لا ليرتاح، بل ليُضل الناس جميعًا ويسوقهم معه إلى النار؟ فهو يعتبر كل فرد ينجح في الفرار منه، والعودة إلى الجنة، دليل على أفضلية آدم عليه، وأحقيته بالسجود له - كما طلب الله منه - لذلك فهو يعمل جاهدًا على غواية الجميع من خلال ذريته، وألا يفلت أحد من قبضته، فتراه لا يترك فرصة للإضلال إلا ويستغلها.\nمدخله الأساسي النفس البشرية وما فيها من جوانب ضعف كثيرة، وولع بالشهوات، وحب للراحة، فيدخل إلى القلب من خلالها ليستولي على إرادته فيصير أسيرًا له يأمره وينهاه كيفما شاء ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٩].\nوللأسف الشديد فقد اتبعه خلق كثير ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ [يس: ٦٠ - ٦٢].\nاتبعوه بإرادتهم بعد ان زين لهم الدنيا وزخرفها، وأنساهم ربهم وما طالبهم به ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ﴾ [المجادلة: ١٩].\nفانتهت حياة الكثيرين منهم نهاية مظلمة، وانكشفت لهم الحقيقة، ولكن بعد فوات الأوان وانتهاء فترة الامتحان ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٩، ١٠٠].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>حب الله لعباده:</span>\nبالرغم من اتباع الغالبية العظمى من الناس لعدو الله إبليس، ونبذهم عبادة ربهم إلا أنه ﷾ لم يشأ أن يعاقبهم على ذلك بحرمانهم مما حباهم به، فنعمه عليهم مستمرة، ورعايته لهم قائمة، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٤٣].\nلا يتربص بهم، ولا يأخذهم حال معصيتهم ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ﴾ [يس: ٦٧].\nبل يُمهلهم ويُعطيهم الفرصة تلو الفرصة ليعودوا إليه قبل فوات الأوان ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [النحل: ٦١].\nيصبر عليهم وهم يتمادون في العصيان والكفر .. يحلم بهم لعلهم يفيقون ويثوبون إلى رشدهم .. يُمسك السماوات أن تقع على الأرض والبحار من أن تُغرقها غضبًا منها على العصاة ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [فاطر: ٤١].\nلم يتركنا نواجه الشيطان بمفردنا، بل جعل لكل منا ملكًا يحضُّه على فعل الخير.","vol":"1","page":7},{"text":"قال ﷺ: \" في القلب لمَّتان: لمة من الملك إيعاد بالخير وتصديق بالحق، فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله سبحانه وليحمد الله، ولمَّة من العدو إيعاد بالشر وتكذيب بالحق، ونهي عن الخير، فمن وجد ذلك فليستعذ بالله من الشيطان الرجيم، ثم تلا قوله تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ (١) [البقرة: ٢٦٨].\nومن صور رحمته وحبه لعباده أنه - ﷾ - قد جعل باب التوبة مفتوحًا أمام الجميع، فلا يُغلقه أمام الإنسان - أي إنسان - إلا في اللحظات الأخيرة من حياته، وعند نزع الروح، وانتهاء فترة الامتحان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>الرسائل السماوية:</span>\nومن دلائل حب الله لعباده كذلك: تلك الرسل التي أرسلها لهم على مر الأزمان، تُذكِّرهم بما خُلِقوا من أجله، وأنهم سوف يعودون إليه شاءوا أم أبَوا ليُحاسبهم عما فعلوه .. يُرغبهم فيها بنعيم الجنة إن هم أطاعوه، ويُنذرهم بالنار ليخافوه ويستقيموا على أمره ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ [الزمر: ١٦].\nواختار ﷾ خير عباده من البشر ليقوموا بتبليغ رسالاته إلى الناس: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].\nوأعطى كل رسول من رسله دليل على صدقه فيما جاء به من ربه لكيلا يشك الناس في أمره ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ [هود: ٦٣].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>كيف تعامل الناس مع هذه الرسائل</span>؟\nكل مره يرسل الله فيها رسالة إلى طائفة من عباده مع رسول من رسله يستجيب القليل لنداء الرسول ويُطيعونه فيما جاء به من ربه، ويمتنع الكثير عن طاعته استجابة منهم للشيطان.\nيستمر التكذيب فيمهلهم الله ﷿ لعلهم يستجيبون لدعوته، ويُنقذون أنفسهم من سوء المآل، ولكنهم في الغالب يظلون على عنادهم فيحق عليهم وعيد الله، فيأخذهم أخذ عزيز مقتدر.\n﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٤].\nوهكذا تتوالى الرسائل من السماء إلى أهل الأرض أن أفيقوا قبل فوات الأوان .. لا تتبعوا الشيطان ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ﴾ [الشورى: ٤٧].\nإذن فجوهر الرسائل كلها هو هداية الناس إلى الله، وإلى صراطه المستقيم، وإنقاذهم من طريق الشيطان.\nقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ [المائدة: ٤٤]. وقال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ﴾ [المائدة: ٤٦].\n_________\n(١) حديث ضعيف: أخرجه الترمذي في سننه (ج٥/ص٢٢٠ ح٢٩٨٨)، وضعفه الشيخ الألباني في ضعيف الجامع الصغير (١٩٦٣).","vol":"1","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>الرسالة الأخيرة:</span>\nكانت الرسائل التي أرسلها الله ﷿ للبشر تُخاطب قومًا من الأقوام في فترة زمنية محددة، حيث كان التقدم الحضاري والاتصال بين الأمم محدودًا، وبعد الرسالة التي أرسلها الله ﷾ مع عيسى ابن مريم لبني إسرائيل ازداد انحراف الناس أكثر وأكثر، واحتاجت البشرية إلى رسالة تُخرجها من الظلمات إلى النور فكان القرآن .. ذلك الكتاب الذي أرسله الله ﷿ للبشرية جمعاء في كل زمان ومكان حيث يتلاءم مع ما يحدث في الأرض من تقدم علمي وحضاري غير مسبوق.\nفالهدف الأساسي من نزول القرآن: هداية الناس إلى الله وإلى طريقه المستقيم، والعيش على الأرض بأمان، والعودة إلى الجنة بسلام.\nقال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: ١٨٥].\nوقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (١٧٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء: ١٧٤، ١٧٥].\nرسالة منطلقها الرحمة الإلهية بالناس لانقاذهم من النار وإخراجهم من الظلمات ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [إبراهيم: ١].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>أعظم رسالة:</span>\nلأن القرآن هو رسالة الله الأخيرة للبشرية، فقد أرسله ﷾ مع خير رسله، وتولى بنفسه حفظه من التبديل والتحريف ليستمر في أداء دوره حتى قيام الساعة.\nقال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُون﴾ [الحجر: ٩].\nأنزله ﷾ بلغة عربية عذبة، سلسة، بحيث يستطيع أي إنسان أن يفهم الحقائق الأساسية لتلك الرسالة مهما كان حظه من الثقافة، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: ٢].\nولقد جعلها الله ﷿ رسالة موجزة ليسهل حملها وحفظها وقراءتها.\nوكونها رسالة موجزة فلابد من قراءتها بتأن وتؤدة حتى يتمكن السامع والقارئ من فهم المقصود منها ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء: ١٠٦].\nولأنها لا تُخاطب العقل فقط، بل الوجدان أيضًا، كان الأمر بترتيلها والتغني بها لتكون اكثر تعمقًا في النفس، قال تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: ٤].\nيسرها الله للقراءة، فلا تحتاج إلى أماكن محددة أو أزمنة خاصة لتُقرأ فيها، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ [القمر: ١٧].\nولكي يتم دوام الاستفادة منها كان من الضروري أن يداوم المسلم على قراءتها يوميًّا، فكان التحفيز وشحذ الهمم لذلك برصد الجوائز لكل من يقرأ فيها حرفًا فيكون ذلك دافعًا لقراءتها، ومن ثَمَّ حدوث المقصود من نزولها.\nولقد جعل ﷾ مواضيعها الأساسية مكررة في كثير من السور بأساليب مختلفة لتتم بها التذكرة في أي موضع يلتقي فيه المسلم مع القرآن، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا﴾ [الفرقان: ٥٠].\nولأن المعنى هو المقصود من القراءة كان الأمر بالإنصات لها، وتدبرها، وإعمال العقل في فهم المقصود من خطابها، قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩].","vol":"1","page":9},{"text":"كل هذا وغيره ليحدث المقصد الأعظم من نزول القرآن، ألا وهو هداية الناس إلى الله ﷿ واستنقاذهم من طريق الشيطان، قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩].\nوقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٥٧].","vol":"1","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>الفصل الثاني\n\nجوانب الهداية في القرآن</span>","vol":"1","page":11},{"text":"أنزل الله ﷿ القرآن لمقصد عظيم، ألا وهو هداية البشر إليه وإلى طريقه المستقيم، وقيادتهم إلى جنته ورضوانه، وإنقاذهم من إبليس ومن المصير الذي يقودهم إليه.\nيقول تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٥، ١٦].\nفالقرآن حبل الله الممدود بين السماء والأرض، مَن تمسَّك به نجا من الهلاك كما قال ﷺ: \" أبشروا، أبشروا! أليس تشهدون أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟ قالوا: نعم قال: فإن هذا القرآن سبب طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم فتمسكوا به فإنكم لن تضللوا ولن تهلكوا بعده أبدًا\" (١).\nإنه المصباح الذي اجتبى به ﷾ هذه الأمة، فلا سبيل لهدايتها إلا به، قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ [فصلت: ٤٤].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-14>مفهوم الهداية:</span>\nالقارئ للقرآن المتدبر لمعانيه، يجده كثيرًا ما يصف نفسه بأنه نور وهدى للناس .. فماذا تعني كلمة الهداية، وكيف تكون؟\nقال ﷺ لعلي بن أبي طالب ﵁: \" يا علي، سل الله الهدى والسداد، واذكر بالهدى هدايتك الطريق، وبالسداد تسديدك السهم\" (٢).\nفمعنى الهداية بصفة عامة: معرفة الطريق الصحيح الموصل للهدف الذي يسعى المرء لبلوغه.\nفإن كان الأمر كذلك، فما هو هدف المسلم في الحياة وكيف يبلغه؟\nأليس الهدف هو: رضا الله ﷿ ودخول جنته، كما في الدعاء \" اللهم إني أسألك رضاك والجنة \"؟\nولقد أخبرنا ﷾ بأنه ليس هناك إلا طريق واحد يؤدي إلى هذا الهدف، ألا وهو: الصراط المستقيم.\nقال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣].\nوالطرق التي تُحيط بالصراط كثيرة، ويقف على رأس كل منها شيطان يدعو الناس إليه، كما أخبرنا بذلك المعصوم ﷺ.\nفعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: خط رسول الله ﷺ خطًّا بيده، ثم قال: \" هذا سبيل الله مستقيمًا \" وخطَّ عن يمينه وشماله ثم قال: \" هذه السبل، ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه \" ثم قرأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (٣) [الأنعام: ١٥٣].\nهذا الطريق المستقيم ينبغي على المسلم أن يعرفه من بين الطرق الأخرى المحيطة به، وأن يسير فيه طيلة حياته حتى يلقى ربه ..\n_________\n(١) حديث صحيح: أخرجه ابن حبان (١/ ٣٢٩، برقم ١٢٢)، وصححه الألباني السلسلة الصحيحة (رقم ٧١٣).\n(٢) حديث صحيح: أخرجه الإمام أحمد (١/ ٨٨ رقم ٦٦٤)، والنسائي (٨/ ١٧٧، رقم ٥٢١٠)، والحاكم (٤/ ٢٩٨ رقم ٤٧٧٠٠)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (رقم ٧٩٥٢).\n(٣) أخرجه الإمام أحمد (٧/ ٤٣٦ برقم، ٤٤٣٧)، وقال شعيب الأرنؤوط: إسناده حسن.","vol":"1","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>فكيف له ذلك</span>؟\nلم يشأ ﷾ أن يترك الإنسان بدون دليل يدله على الصراط، ويهديه إليه .. فكان القرآن.\nقال تعالى: ﴿قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٣٠].\nوقال سبحانه: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩].\nولقد بيَّن ذلك رسول الله ﷺ في الحديث الذي رواه عنه النواس بن سمعان، قال: \" ضرب الله مثلًا صراطًا مستقيمًا، وعلى جنبتي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى باب الصراط داع يقول: يا أيها الناس، ادخلوا الصراط جميعًا ولا تتعوجوا، وداع يدعو من فوق الصراط، فإذا أراد الإنسان أن يفتح شيئًا من تلك الأبواب قال: ويحك، لا تفتحه؛ فإنك إن تفتحه تلجه، فالصراط الإسلام، والسوران حدود الله، والأبواب المفتحة محارم الله، وذلك الداعى على رأس الصراط كتاب الله، والداعى من فوق واعظ الله فى قلب كل مسلم» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-16>كيفية الهداية القرآنية:</span>\nهداية القرآن للإنسان تتم من خلال كشفه وإنارته لكل الجوانب التي تتعلق بحركة الإنسان الخارجية، وكذلك كل ما يوجد بداخله من جوانب غامضة، وأسئلة حائرة، وتصورات خاطئة. فالقرآن يكشف هذه الجوانب، ويوجهها الوجهة الصحيحة، وهو ما يعبر عنه \" بسُبل السلام \"، فهدفه الأساسي الوصول بمن يتبعه إلى بر الأمان في كل ما يتعلق به من أمور الدنيا قبل الآخرة.\nيقول تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٥، ١٦].\nفمن خلال القرآن يحدث الانسجام بين المرء وفطرته المجبولة على عبادة الله ﷿، وبه يحدث السلام بينه وبين نفسه، وبينه وبين من حوله من أفراد، وكذلك مع الكون المحيط به، ومع كل ما في يديه من أدوات مثل الأولاد والمال.\nهذا على سبيل الإجمال.\nأما على سبيل التفصيل: فعندما يوجد الإنسان في الدنيا، ويبدأ عقله في النمو والتمييز والإدراك، ويصل إلى سن البلوغ، فمن الطبيعي أن تتوارد على عقله تساؤلات كثيرة تتردد داخله من مثل هذا النوع وغيرها:\n١ - من الذي خلقني وخلق الناس جميعًا؟ ما اسمه، وكيف أتعرف عليه، وما الدليل الذي يؤكد على أنه الخالق، فهناك الكثير من الآلهة المزعومة؟! [من هو الله؟].\nولماذا خلقني هذا الإله، وميزني عن سائر ما أجد من مخلوقات؟ ما المطلوب مني؟! [واجبات العبودية].\n٢ - اسمع عن شخص اسمه محمد ﷺ، قد أرسله الله ﷿ إلى البشر، معه رسالة منه - سبحانه - فمن هو هذا الرسول، وما دوره، وما طبيعة رسالته التي يحملها؟\n٣ - أرى الناس تتسابق على جمع المال، وعلى التمتع بما في الدنيا من زينة، ومع ذلك أراهم يموتون دون أن يأخذوا من دنياهم شيئًا، فلماذا إذا يتكالبون عليها؟\nوأرى كذلك أُناسًا قد حُرموا الغنى، وآخرين حُرموا الصحة، وآخرين حُرموا الأولاد ..\nفلماذا لا يكون الجميع سواسية؟ ... وماذا بعد الموت؟ [قصة الوجود].\n_________\n(١) حديث صحيح: أخرجه أحمد (٤/ ١٨٢، رقم ١٧٦٧١)، والحاكم (١/ ١٤٤، رقم ٢٤٥)، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم (٣٨٨٧).","vol":"1","page":13},{"text":"٤ - أشعر بنوازع ودوافع تدفعني إلى الفجور، والاستئثار بكل خير والتطلع لما عند الآخرين، وأشعر كذلك بصوت من داخلي يؤنبني على بعض ما أفكر فيه وأقوم به .. فمن أنا؟ وما الذي يحدث بداخلي؟ وكيف تهدأ أمواج الخواطر والتطلعات، وأحلام اليقظة التي تضطرم في كياني؟ [من هو الإنسان].\n٥ - أشعر في بعض الأحيان وكأن هناك من يدفعني لفعل الشر، ويعمل على إبعادي عن القيام بأعمال الخير، وهذا لا يأتي إلا من عدو .. فمن هو هذا العدو؟ وكيف أتقيه؟ [من هو الشيطان؟].\n٦ - أجد نفسي في كون فسيح مليئ بالمخلوقات من نبات وحيوان وجماد، فما علاقتي به، وكيف أتعامل معه؟ وهل ما أراه بعيني فقط هو الموجود في هذا الكون أم هناك مخلوقات لا أراها، فأنا لا أرى الهواء مثلًا ولكنني أشعر بوجوده!! [التعرف على الكون].\n٧ - ألاحظ أن الكون من حولي يسير وفق نظام دقيق: فالشمس تُشرق في الصباح وتغرُب في المساء، والفصول الأربعة تتوالى بدقة متناهية، ودورة حياة الإنسان تسير بنظام ثابت، وكذلك الحيوان والنبات .. فهناك إذن نظام وقوانين تحكم كل شيء، فما هي تلك القوانين؟ وكيف أعرفها لأستفيد بها؟ [القوانين الحاكمة للكون والحياة].\n٨ - أجد نفسي بين أبوين وأشقاء وجيران، ثم زوجة وأولاد وزملاء .. فما شكل العلاقة التي ينبغي أن أتعامل بها مع هؤلاء؟! [حقوق العباد بعضهم على بعض].\n٩ - أجد الكثير من الناس حولي تائهين يسيرون في طرق متعددة، بعضهم لا يعتقد بأن هناك إلهًا للكون، والآخر يدَّعي أن إلهه فلان، وتتعدد المزاعم، ويُثيرون الشُبهات حول الإله الحق .. فلماذا لا يتَّبع الناس الحق، وكيف ندعوهم إليه؟ [لماذا لا يتبع الناس الحق؟].\n١٠ - أسمع عن أُناس جاءوا إلى الدنيا قبلي ثم خرجوا منها ... فماذا كان حالهم؟ وماذا فعلوا من صواب لأقوم به، ومن خطأ فأجتنبه؟ [العبرة من قصص السابقين].\nمثل هذه الأسئلة وغيرها ينبغي أن تتردد في ذهن كل عاقل يبحث عن سر وجوده، وبالإجابة عنها يهتدي المرء إلى سُبل السلام، ويعيش في سكينة وطمأنينة.\nولأن القرآن كتاب هداية فقد أفرد للإجابة عن هذه الأسئلة العشرة مساحات كبيرة فيه، وكررها في مواضع متعددة ليتم بها دوام التذكر، وفي الصفحات القادمة سيتم بمشيئة الله وعونه وفضله عرض نماذج للإجابة عن هذه الأسئلة من خلال القرآن ليستأنس بها الواحد منا عندما يبدأ عهده الجديد مع القرآن بالبحث عن جوانب الهداية فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>الجانب الأول للهداية القرآنية\nالتعرف على الخالق (من هو الله؟)\nوواجبنا تجاهه (واجبات العبودية)</span>\nالتعرف على الخالق من أهم جوانب الهداية، بل إنه المفتاح الذي يفتح الباب للجوانب الأخرى. وإن كنَّا نحن المسلمين قد عرفنا من هو الإله الحق - رب العالمين - فإن هذه المعرفة تحتاج إلى كثير من التفاصيل لتترسخ مدلولاتها داخلنا، فينعكس ذلك على شكل العلاقة بيننا وبينه ﷾.\nفعلى سبيل المثال عندما يتعرف الواحد منّا على شخص ما معرفة عامة، فإن نظرته له ستكون نظرة عادية مثله مثل غيره لا تلفت انتباهه، فإذا ما اقترب منه وازدادت معلوماته عنه وعن قدراته، وخبراته وشهاداته، أو المنصب الذي يتولاه، فإن هذا من شأنه أن يزيده احترامًا وهبية وتقديرًا لهذا الشخص مما سينعكس على طريقة تعامله معه، والتي بلا شك ستختلف كثيرًا عما كان من قبل.","vol":"1","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>المعرفة طريق الخشية والإجلال:</span>\nفعلى قدر معرفة الله ﷿ تكون الخشية منه، وعلى قدر الخشية تكون المراقبة، والمبادرة إلى الخيرات، وترك المنهيات، كما في الدعاء (اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك) (١).\nقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩٠، ١٩١].\nفبينت هذه الآيات أن التفكر في خلق السماوات والأرض قاد هؤلاء الصالحين إلى المعرفة ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾، وأن المعرفة قادتهم إلى الخشية ﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.\nونلمح ذلك المعنى في قوله تعالى على لسان سيدنا موسى ﵇ وهو يخاطب فرعون ﴿وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾ [النازعات: ١٩]، ففرعون لا يعرف الله ﷿، لذلك لا يخشاه ولا يحسب له حسابًا، وموسى ﵇ يُريد أن يعرِّفه به حتى يخشاه فينتهي عما يفعله.\nوكذلك فعل نوح ﵇ مع قومه ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا * أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا * وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾ [نوح: ١٣ - ١٦].\nوعندما سأل موسى ربه: يارب أي عبادك أخشى لك؟ قال: أعلمهم بي (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>كيف نعرف الله</span>؟\nالله ﷿ أخبرنا بأنه ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣].\nوأنه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١].\nوأنه: ﴿لَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠].\nفما السبيل إذن إلى معرفته؟!\nنعم لا يعرف الله إلا الله - ﷾ - كما قال ﷺ: \"لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك\" (٣).\nومع ذلك فقد أتاح لنا ﷾ جزءا من المعلومات عنه بدرجة تتحملها عقولنا من خلال ما أخبرنا به من أسمائه وصفاته، والتي أودع مظاهرها وآثارها في مخلوقاته، وبقدر التتبع لهذه الآثار وربطها بالأسماء والصفات تكون المعرفة.\nفالقاعدة تقول: \" من آثارهم تعرفونهم \"، فعندما يصف الناس شخصا ما بأنه محسن - مثلًا - فإن هذا الوصف لن يقع موقعه في النفس إلا إذا رأيت آثار إحسانه .. وكلما تتبعت تلك الآثار وشاهدتها بنفسك يزداد يقينك بصحة هذا الوصف .. ولله المثل الأعلى.\nفالله ﷿ لا نستطيع أن نراه في الدنيا، ولكنه ﷾ خلق هذا الكون كله وجعله يدل عليه، كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: ٥٣]. وأخبرنا ﷾ بأن له أسماء وصفات أودع آثارها في كونه ومخلوقاته.\nإذن فالطريقة السهلة لمعرفة الله ﷿: أن نتعرف على آثار أسمائه وصفاته، قال تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢٠، ٢١]. وعلى قدر التتبع والتفكر في هذه الصفات تزداد المعلومات عن الله ﷿ فينعكس ذلك على القلب بزيادة جوانب العبودية فيه.\n_________\n(١) حديث حسن: أخرجه النسائي (٦/ ١٠٦، رقم ١٠٢٣٤)، والترمذي (٥/ ٥٢٨، رقم ٣٥٠٢)، والحاكم (١/ ٧٠٩، رقم ١٩٣٤)، وحسنه الشيخ الألباني في صحيح الجامع برقم (١٢٦٨).\n(٢) إسناده صحيح: أخرجه الدارمي في سننه (١/ ١١٤ برقم ٣٦٢)، وابن المبارك في الزهد، ص (٧٥)، وقال حسين سليم أسد: إسناده صحيح، وهو منقطع إلى عطاء.\n(٣) حديث صحيح: أخرجه مسلم (١/ ٣٥٢، رقم ٤٨٦)، وغيره.","vol":"1","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-20>دور القرآن في معرفة الله:</span>\nمن أهم سمات القرآن أنه كتاب تعريف بالله ﷿ فأكبر مساحة فيه تتحدث عنه سبحانه، وعن أسمائه وصفاته وأفعاله.\nأما الطريقة التي ينتهجها القرآن في تعريف الناس بربهم عن طريق أسماءه وصفاته فتتلخص في هذه النقاط:\n١ - التعريف بالصفة.\n٢ - وصف الصفة.\n٣ - عرض آثار هذه الصفة.\n٤ - العبودية المستحقة لها، وكيفية القيام بها، مع بيان صور الانحراف عنها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>نماذج تطبيقية:</span>\n١ - أخبرنا القرآن بأن الله واحد - أحد - (صفة الوحدانية).\nوصف القرآن هذه الصفة بعدة أوصاف منها أنه - ﷾ - لا شريك له، ولا إله إلا هو، ولم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد.\n- من آثار تلك الصفة:\nقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢].\nوقوله: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [المؤمنون: ٩١].\nوقوله: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [لقمان: ١١].\nويرشدنا القرآن إلى العبودية الواجبة لهذه الصفة ألا وهي توحيده ﷾، وإخلاص العبادة له.\nقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: ٥].\nويحذرنا من الوقوع في الشرك بالله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ١١٦].\nويبين لنا مظاهر الشرك بالله، وعاقبة المشركين في الدنيا والأخرة.\nقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨].\n٢ - الله ﷿ أخبرنا بأنه الوهاب - الرزاق - المنان - البر - المعطي -والتي يجمعها صفة الإنعام.\n- وصف الصفة: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣].\n- مظاهر الصفة وآثارها في الكون والنفس:\nمثل قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [الملك: ٢٣].\nوقوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعً﴾ [الجاثية: ١٣].\nوقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾ [النور: ٢١].\n- العبودية المطلوبة: الشكر.\nقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨].\nصور الانحراف عن العبودية: الإعراض عن الشكر (الجحود ونكران النعم).\nقال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: ١١٢].\n٣ - الله ﷿ أخبرنا بأنه عزيز- قهار- قاهر- ويجمعها صفة العزة والقهر.\nوصف الصفة: والله غالب على أمره - يفعل ما يريد - إن الله بالغ أمره.\nآثار الصفة: مثل قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٦].","vol":"1","page":16},{"text":"وقوله تعالى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا﴾ [الشورى: ٤٩، ٥٠].\n- العبودية المطلوبة: الاستسلام والانكسار لله ﷿.\n﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ [الأعراف: ١٨٨].\nمن صور الانحراف عن هذه العبودية:\nمثل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [النحل: ٥٨].\n٤ - الله ﷿ وصف نفسه بأنه الملك.\nوصف الصفة: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٨٤].\n﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحديد: ٢].\nمن آثار تلك الصفة: قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٦].\nالعبودية المطلوبة: طاعة أوامره.\nقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦].\nوقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨].\n- من صور الانحراف عن هذه العبودية: الفسوق والعصيان.\nقال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠].\nوقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-22>الجانب الثاني\nالرسول والرسالة</span>\nمن جوانب الهداية في القرآن: التعريف برسولنا ﷺ، وبالرسالة التي حملها إلى البشر.\nقال تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [إبراهيم: ١].\nفرسولنا ﷺ بشر مثلنا، كلفه ربه بحمل رسالته وتبليغها إلي الناس.\nقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الكهف: ١١٠].\nوقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١].\nهذا التبليغ يشمل شرح الرسالة القرآنية، وتفصيل المجمل منها.\nقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤].\nولقد قام ﷺ بهذ الدور خير قيام، فالناظر إلى سنته يجد أنها مكملة للقرآن ومفصلة له كما جاء في الحديث: \" ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه\" (١).\nففي القرآن والسنة عصمة من الضلال كما قال ﷺ: \"تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما كتاب الله وسنتى\" (٢).\n_________\n(١) حديث صحيح: أخرجه أحمد (٢٨/ ٤١٠) برقم (١٧٢١٣) وصححه الشيخ الألباني في صحيح الجامع برقم (٢٦٤٣).\n(٢) حديث صحيح: أخرجه الحاكم (١/ ١٧٢، رقم ٣١٩) وصححه الشيخ الألباني في صحيح الجامع برقم (٢٩٣٧).","vol":"1","page":17},{"text":"ولقد تعرض الرسول ﷺ لكثير من المضايقات، واتُّهم بالعديد من الاتهامات والافتراءات فصبر على ذلك حتى نصره ربه، ودخل الناس في دين الله أفواجا، قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ [الروم: ٦٠].\nوقال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النحل: ١٢٧].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>تربيته ﷺ على تمام العبودية:</span>\nوكما يُعرفنا القرآن برسولنا ﷺ ودوره العظيم، فإنه كذلك يُبين لنا كيفية تربيته ﷺ على تمام العبودية لربه، ليكون لنا نعم الأسوة.\nمثل قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٨].\nوقوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى (١٣٠) وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: ١٣٠، ١٣١].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>واجبنا نحوه ﷺ:</span>\nوفي القرآن تعريف بما هو مطلوب منًا تجاهه صلى الله علي وسلم.\nفمن ذلك: طاعته ﷺ.\nقال تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ [آل عمران: ٣٢].\nومن لوازم طاعته ﷺ السير في طريقه، واتباع سنته:\nقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].\nوعلينا كذلك حبه، وتوقيره، والصلاة عليه.\nقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>الرسالة القرآنية:</span>\nومع التعريف برسول الله ودوره، وواجبنا نحوه، يأتي التعريف بالقرآن ذاته ليُدرك الناس مدى أهميته:\nفالقرآن كتاب هداية كما قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩].\nيُخاطب العقول فيُقنعها: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٧٤].\nويؤثر على المشاعر فيؤججها: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٥٧].\nيزيد الإيمان: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال: ٢].\nويبني اليقين الصحيح: ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِين﴾ [الحاقة: ٥١].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>الجانب الثالث\nالتعريف بالإنسان </span>(١)\nخلق الله ﷿ الإنسان وجعله مكونا من عقل وقلب ونفس وجوارح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>العقل:</span>\nأما العقل: فلقد جعله ﷾ محلًا للعلم والمعرفة، به كرَّم الإنسان على سائر مخلوقاته، وأودع فيه من الأسباب والقدرات ما يمكنه من الوصول إلى معرفته بدرجة لم يصل إليها مخلوق من قبل، وليس أدل على هذا من تلك الاختراعات التي وصل إليها العقل كالحاسب الآلي ومركبات الفضاء ... إلخ.\n_________\n(١) سيتم بمشيئة الله بسط القول في هذا الموضوع في الفصل الثالث: القرآن والتغيير.","vol":"1","page":18},{"text":"والأمر اللافت للانتباه أن الأبحاث الحديثة قد أثبتت أن الإنسان لا يستخدم إلا جزءا يسيرا من قدراته العقلية، فلا تزال في العقول إمكانات هائلة معطلة ..\nولا شك أن أي عاقل لا يستخدم عقله ولا يستفيد مما حباه الله به قد أهان نفسه، وسفهها بحرمانها فائدة هذا العضو الشريف.\nنعم، إن الناس يتفاوتون في قدرات عقولهم، ومع هذا التفاوت فإن الحد الأدنى عند كل عاقل كفيل بأن يُعينه على معرفة الله ﷿.\nمن هنا نجد أن القرآن يُعلي من شأن العقل، فتراه يستحث قارئه على استخدامه، فنجد الكثير من الآيات تنتهي بقوله تعالى: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾، ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.\nولأجل أن يستخدم الإنسان عقله في الوظيفة التي خُلة لها نجد القرآن يدعوه إلى تحرير هذا العقل من أسر التقاليد والأعراف الخاطئة، مثل قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ﴾ [الزخرف: ٢٣، ٢٤].\nفتحرير العقل واستخدامه فيما خُلق من أجله مع ضبطه بضوابط الشرع من أهم الوظائف التي يقوم بها القرآن، فمن خلال الفكر الصحيح يصل المرء إلى صحة النقل، فقضية الوحدانية على سبيل المثال خاطب فيها القرآن العقل، كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأحقاف: ٤].\nفالقرآن إذن يُعرِّف الإنسان بقيمة عقله ويُعلي من شأنه، ويحترمه ويدعوه إلى استخدامه في التفكر، وفهم المقصود من الخطاب، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ [سبأ: ٤٦].\nوالقرآن كذلك يعرض صورا لأناس أهانوا عقولهم، وعطلوها، فأصبحوا شر الدواب، قال تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الأنفال: ٢٢].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>النفس:</span>\nمن تعريفات النفس أنها مجموعة الشعوات والرغائب داخل الإنسان، ومن طبيعتها أنها تحب الراحة وتكره التكليف، وتعمل على الحصول على شهواتها وحظها في كل فعل يقوم به العبد ... لا تنظر إلى العواقب، كالطفل الذي يلح على أبويه في الحصول على شيء قد يكون فيه حتفه، فهي كما وصفها القرآن ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣].\n- شحيحة، تحب الاستئثار بكل خير، قال تعالى: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ [النساء: ١٢٨].\n- لديها قابلية للفجور والطغيان إذا ما أُرخي لها العنان، ولديها كذلك القابلية للانكماش والحذر إذا خوفت، قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: ٧، ٨].\nأما الهوى فهو ما تميل إليه النفس من شهوات ورغائب.\nإذن فالنفس هي العقبة الكئود بيننا وبين الله ﷿، ولقد خلقها الله ﷾ بهذه الصفات ليختبر مدى عبوديتنا له .. وهنا يأتي دور القرآن العظيم في تعريف الناس بأنفسهم ونقاط ضعفها وخطورتها، وما فيها من قابليات، ويُرشدهم إلى طريق تزكيتها، ومجاهدتها على القيام بطاعة الله بصدق وإخلاص.","vol":"1","page":19},{"text":"والقرآن يدخل إلى أعماق النفس - أي نفس - حتى آخر نقطة فيها، فيواجهها، ويوجهها، وكأنه قد نزل من أجلها دون غيرها.\nولا يكتفي القرآن بذلك، بل يعرض نماذج للمؤمنين الذين زكُّوا أنفسهم وجاهدوها، ليتأسى بهم القارئ، ويعرض كذلك صورا لأناس تركوا الزمام لأنفسهم وساروا وراء أهوائهم حتى هلكوا.\nقال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠) كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا (١١) إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا (١٢) فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا (١٣) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا (١٤) وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَ﴾ [الشمس: ٧ - ١٥].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>القلب:</span>\nوفي القرآن تعريف بقلب الإنسان، وأنه الملك على سائر الأعضاء، وأن حياته الحقيقية إنما تكون بالله ﷿ .. هذا القلب يمرض، ومرضه إنما يكون بسيطرة الهوى عليه.\nوالقرآن يُبين لقارئه صور الهوى التي تُمرض القلب، ويُبين له كذلك كيفية شفائه منها، ويُعدد له وسائل زيادة الإيمان، لتستقيم حياته، وتقوى إرادته.\nقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٥٧].\nولا يكتفي القرآن بذلك، بل يعرض نماذج للصالحين أصحاب القلوب الحية لنتأسى بهم، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].\nويعرض كذلك صورا لأصحاب القلوب المريضة القاسية لنتجنب مسببات تلك القسوة.\nقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: ١٦].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-30>الجانب الرابع\nالتعريف بالشيطان</span>\nبعد أن رفض إبليس السجود لآدم ﵇ طرده الله من رحمته وحكم عليه بالحبس الأبدي في النار، فطلب إبليس مهلة قبل تنفيذ العقوبة .. هذه المهلة هي فترة وجود آدم وذريته على الأرض.\n﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٧٩) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٨٠) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ [ص: ٧٩ - ٨١].\nهبط إبليس إلى الأرض ليبدأ في العمل على إضلال البشر وسوقهم معه إلى النار، مستهدفا كل فرد يخرج إلى الدنيا.\n﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٢].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-31>اعرف عدوك:</span>\nفإبليس إذن هو عدونا الذي أخرج أبوينا من الجنة، ويعمل على حرماننا من العودة إليها، بل على مرافقته في النار .. أما الشياطين فهم ذريته وأعوانه: يأتمرون بأوامره، وينفذون مخططاته، وما من يوم تشرق شمسه إلا ولهذا العدو فخ جديد ينصبه، ومحاولة للصد عن سبيل الله يحاولها.","vol":"1","page":20},{"text":"يدخل على كل عبد من مناطق ضعفه، فهذا يدخل عليه من باب حبه للنساء، وهذا من باب حبه لجمع المال، وهذا من باب الإكثار من الطعام، وهذا من باب سوء الظن، وهذا من باب البدعة، وهذا من باب ترك الفاضل وفعل المفضول.\nالمهم أنه لا يريد أن يخرج صفر اليدين في معركته مع العبد.\nإنه أمر مُخيف أن نتعامل مع عدو يملؤه الحقد والحسد والكراهية نحونا، ولا يرضى بأقل من النار مصيرا لنا .. يرانا ولا نراه .. نغفل عنه ولا يغفل عنا .. يدخل علينا من المداخل التي نُحبها.\nفما العمل إذن؟! وما السبيل إلى محاربته وتوقِّيه؟\nإنه القرآن الذي بين أيدينا، فهو دائم التحذير من خطورة الشيطان، وعداوته المتأصلة للبشر جميعا.\nقال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٦].\nويُذكرنا دائما بماضيه مع البشر، وكيف استطاع أن يُضل الكثير منهم.\nقال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ [يس: ٦٠ - ٦٢].\nولا يكتفي القرآن بهذا كله، بل يُبين لقارئه أبوابه، ومداخله عليه، وكيف يحترز منها، مثل قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فصلت: ٣٦].\nوقوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ [الإسراء: ٥٣].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-32>الجانب الخامس\nقصة الوجود ويوم الحساب</span>\nالكثير من الناس يدخل إلى الدنيا ثم يخرج منها وهو لا يدري لماذا وُجد فيها، بل إنه لا يُجهد نفسه في البحث عن إجابة عن هذا السؤال، فهو يسير مع غيره .. همُّه جمع المال، وتأمين احتياجاته من مطعم ومشرب وملبس ومسكن.\nيتزوج كغيره، ويُنجب الأولاد ليزداد سعيه من أجل تأمين مستقبلهم المادي في الدنيا ..\nيكبر سنه شيئا فشيئا، وهو يظن أنه قد أدى دوره في الحياة، ثم يموت ليُفاجأ بالحقيقة، يقول تعالى: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢].\nفما هي تلك الحقيقة التي يُفاجأ بها الغافلون عند الموت: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٩، ١٠٠]. إنها حقيقة الدنيا، وحقيقة المهمة التي خُلقنا من أجلها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-33>الدنيا دار امتحان:</span>\nإننا - معشر البشر - لم نهبط إلى الدنيا ونمض فيها ما نمضي من السنوات لنأكل أو لنشرب أو لنتزوج وتكون لنا ذرية .. بل لأمر عظيم أبت السماوات والأرض أن تحمله: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: ٧٢].\nإنه اختبار في عبادة الله ﷿ بالغيب في ظل تمتعنا بحرية الاختيار، ومع وجود النفس الراغبة في نيل الشهوات، وحب العاجلة.\nوشاء الله ﷿ أن تكون الأرض هي مكان هذا الاختبار .. ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٧].","vol":"1","page":21},{"text":"وحدد لنا ﷾ شكل العبودية التي يريدها منا من خلال منهج وأدوات، وجعل المنهج ميسرا وسهلا: تكاليف قليلة، أوامر ونواه ضمَّنها كتابه، وشرحها رسوله ﷺ، أما الأدوات فهي ما يُعطيع - سبحانه - لعبده أو يمنعه عنه .. فيُعطي بعضهم أشياء مثل المال، الصحة، المنصب، ... ويمنعها عن آخرين ..\nوالهدف من العطاء: الشكر. ومن المنع: الصبر .. فمن أعطي مالا ولم يشكر الله عليه فقد رسب في هذا الاختبار، ومن حُرم الأولاد فصبر ورضي فقد نجح وحقق المطلوب منه.\nفالعبد الصالح يستقبل العطاء، أي عطاء، مستشعرا قول الله ﷿: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ [النمل: ٤٠].\nوالآخر يستقبله وهو يردد ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الزمر: ٤٩]، وهو لا يدري أنه اختبار ﴿بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٤٩].\nويُذكرنا الله ﷿ أنه ليس لأحد أن يملك شيئا من الدنيا، فكل عطاء مُسترد، وسنخرج منها كما دخلنا فيها، فالله ﷿ سيرث الأرض ومن عليها من ذهب وفضة و... فما علينا إلا أن نردد ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-34>لماذا الاختلاف بين الناس</span>؟\nفإذا ما تبين ذلك كانت الإجابة سهلة عن السؤال الذي يشغل بال الكثير، وهو: لماذا الاختلاف بين البشر في العطاء والمنع، وأيهما أفضل: الغنى أم الفقر؟ من عنده أولاد أم من حُرم منهم؟\nالأفضل من ينجح في مادته، فالغني الشاكر خير من الفقير غير الراضي وغير الصابر، ومن حُرم الأولاد فصبر خير ممن رُزق الأولاد ولم يشكر الله عليهم ..\nفالعبرة في الكيفية التي نتعامل بها مع المنع والعطاء، ويتضح هذا جليا في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (١٦) كَلَّا﴾ [الفجر: ١٥ - ١٧].\nأما الشيطان فهو يدخل علينا من نفس مداخله على أبوينا: الملك والخلد .. فيُزين لنا العطاء على أنه مُلك حقيقي، ويُبهرج الدنيا أمام أعيننا، فنحبها ونتشبث بها، ونتصارع عليها، ثم نُفاجأ بعد ذلك أننا لم نجن من ورائها إلا السراب ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [النساء: ١٢٠].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-35>إنها القصة المكررة منذ القدم:</span>\nفإن كان هذا هو المنهج وهذه هي الإجابة المطلوبة، فما هو زمن الامتحان، ومن الذي يتولى الرقابة عليه؟\nأخبرنا الله ﷿ بأن وقت الامتحان يبدأ من وقت البلوغ والتكليف وينتهي عند نزع الروح من الجسد، وأخبرنا كذلك بأن باب التوبة مفتوح طوال هذه الفترة، فلنا أن نمحو كل الإجابات الخاطئة، ونستبدلها بحسنات ما لم نغرغر ..\nأما تسجيل الإجابات والرقابة على الأرض فتتولاها أكثر من جهة، فالملائكة تُسجل كل أعمالنا ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨].\nوأجسامنا شهيدة علينا ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٢٤].\nوالكون كله يراقبنا ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٩].","vol":"1","page":22},{"text":"ومع هذا كله، فالله ﷿ أحاط بكل ذلك، فهو الشهيد - الرقيب - السميع - البصير - القريب - المحيط، قال تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة: ٧].\nفشدة الرقابة وعدم معرفة نهاية وقت الاختبار يستلزم منا شدة اليقظة، ودوام محاسبة النفس، والحذر من الشيطان، وكثرة التوبة والإنابة إلى الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-36>ويبقى السؤال: متى الحساب وإعلان النتيجة</span>؟\nيُخبرنا القرآن في عشرات الآيات بما سيحدث للأرض بعد انتهاء امتحان آخر مجموعة من البشر: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٢) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (٤) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١ - ٥].\nفالأرض بعد انتهاء دورها تُخرج كل من فيها من البشر ثم تتحطم ليبدأ يوم الحساب في أرض المحشر.\nالكل سيُحاسب ﴿يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (١٠) كَلَّا لَا وَزَرَ (١١) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (١٢) يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ [القيامة: ١٠ - ١٣].\nجميعنا سيأتي يوم القيامة، ولكن كل واحد بمفرده، دون حاشية او أقارب أو معارف ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: ٩٥].\nوستخرج معنا صحيفة أعمالنا وإحاباتنا عن كل شيئ ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٣، ١٤].\nإنه يوم عصيب ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ [المزمل: ١٧]، ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٤ - ٣٧].\nيتولى فيه ﷾ بنفسه الحساب مع كل فرد ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧].\nوبعد الحساب تُعلن النتائج وتُوزع الشهادات ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (٩) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (١٠) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (١١) وَيَصْلَى سَعِيرًا﴾ [الانشقاق: ٧ - ١٢].\nفينطلق الناجون إلى الجنة ليتنعموا فيها بالملك والخلد ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ [الإنسان: ٢٠].\nويُساق الراسبون إلى النار حيث الحبس والعقوبة الأليمة ﴿نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-37>القرآن وقصة الوجود:</span>\nولقد أفاض القرآن في تذكيرنا بقصة الوجود، وأخبرنا بما سيحدث لنا، وصوّر يوم القيامة بمشاهده العظيمة، ووصف لنا الجنة والنار وصفا دقيقا .. كل ذلك ليزداد تشميرنا وتنافسنا للفوز بالجنة والنجاة من النار.","vol":"1","page":23},{"text":"إن دوام تذكر يوم الحساب من شأنه أن يُغير حياة الناس، ويجعلهم دائما في خوف ووجل، ويُهوِّن في أعينهم الدنيا، فتخرج من قلوبهم ويتعاملون معها كما يُريد الله ﷿ فيجعلون منها مزرعة للآخرة.\nستصبح تصوراتنا حول مفردات الدنيا من رزق وزوجة وأولاد ومستقبل .. معتدلة، فلن نتصارع من أجل جمع المال، وسنعمل على تأمين مستقبل الأولاد الحقيقي هناك في الجنة، وسنجعل شعارنا قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص: ٢٦].\nلذلك أعطى القرآن لقصة الوجود، ويوم الحساب، والوعد والوعيد مساحة كبيرة لتكون لنا عونا على دوام تذكرنا، فلا نُفاجأ بالموت دون أن نستعد له، وذكر لنا كذلك نماذج للإجابات الصحيحة من المؤمنين على مرِّ العصور لتكون لنا مثالا نحتذي به، ونحن نسير في الدنيا، ونتقلب في مواد امتحانها.\nقال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (٦٤) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (٦٥) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٦٦) وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (٦٧) وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠) وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (٧١) وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (٧٢) وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا (٧٣) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (٧٤) أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا (٧٥) خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٧٦) قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣ - ٧٧].\nومع هذه النماذج الطيبة يعرض لنا القرآن كذلك صورا للإجابات الخاطئة لنتجنب تكرارها والقيام بمثلها.\nمنها قوله تعالى: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (١٧) وَلَا يَسْتَثْنُونَ (١٨) فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (١٩) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (٢٠) فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ (٢١) أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ (٢٢) فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (٢٣) أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (٢٤) وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ (٢٥) فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (٢٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [القلم: ١٧ - ٢٧].","vol":"1","page":24},{"text":"والأمر اللافت للانتباه أن القرآن كثيرا ما يصف الدنيا بأوصاف منفرة، مع بيان حقيقتها، لتخرج من قلوب الناس ولا يتعلقوا بها، فحب الدنيا رأس كل خطيئة، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥].\nوقوله: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا (٤٥) الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ [الكهف: ٤٥ - ٤٦].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-38>الجانب السادس\nمعرفة السنن والقوانين الحاكمة للكون والحياة</span>\nما من ملك أو رئيس لدولة إلا ويحكم شعبه من خلال قوانين تنظم حياتهم، وتُعرفهم حقوقهم وواجباتهم .. والفرد الذي يريد العيش في سلام عليه أن يعرف هذه القوانين جيدا حتى يقوم بواجباته ويُطالب بحقوقه ..\nهذا مع البشر، وفي حيِّز ضيق، فكيف بمالك الملك .. رب الأرض والسماء؟!\nوكيف بمن حرَّم الظلم على نفسه؟ وكيف بمن جعل قيام السماوات والأرض بالحق؟\nقال تعالى: ﴿وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الجاثية: ٢٢].\nفقيام السماوات والأرض بالحق يعني ضمن ما يعني: تسييرها بنظام لا يتغير، ولا يتبدل، وهو ما يُعرف بالسُنن، قال تعالى: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ [فاطر: ٤٣]. فالله ﷿ يُنظم الحياة على الأرض بقوانين تسري على الجميع .. هذه القوانين تنقسم إلى قسمين: مادية، واجتماعية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-39>القوانين المادية:</span>\nفالقوانين المادية تلك التي تنظم حركة المادة في الكون .. كتبديل الليل والنهار، والفصول الأربعة، وكحركة القمر الشهرية، والأطوار التي يمر بها الجنين في بطن أمه.\nقال تعالى: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٢٠) فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (٢١) إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢٢) فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾ [المرسلات: ٢٠ - ٢٣].\nومنها أيضا وظائف أعضاء الجسم، حيث الحركة المنضبطة للسوائل، والهرمونات، والأجهزة المختلفة كجهاز المناعة، والتنفس، والتمثيل الغذائي، والإخراج، والدورة الدموية .. كل هذه الأشياء تتحرك وفق نظام لا يتغير بتغير رغبة الناس وأمزجتهم، يقول تعالى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ [المؤمنون: ٧١].\nهذا بالنسبة للقوانين المادية والتي لا يختلف على وجودها اثنان، بل لقد استطاع الكثير من الكفار أن يستفيدوا منها أكثر من المسلمين لسعيهم الدءوب لاكتشافها، والانتفاع بها، وذلك لأن الله ﷿ قد جعل الأرض سواء للسائلين، فمن أحسن سعيه واجتهد في اكتشاف قوانينها وصل إلى كنوزها التي أودعها ربها فيها:\nقال تعالى: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ [فصلت: ١٠].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-40>القوانين الاجتماعية:</span>\nأما القوانين الاجتماعية فهي القوانين التي تنظم حياة الناس وينتج عنها سعادتهم أو شقاؤهم، وهي كالمادية لا تتغير ولا تتبدل، وتنطبق على الأفراد كما تنطبق على الأمم، ومعرفتها من الأهمية بمكان لتحقيق السعادة للفرد، والريادة للأمة الإسلامية.\nونظرا للدور الخطير الذي تقوم به هذه القوانين فلقد أكثر القرآن من ذكرها، وأعطى نماذج كثيرة من تطبيقاتها.","vol":"1","page":25},{"text":"ومن هذه القوانين:\nتبديل النعم وسلبها، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الأنفال: ٥٣].\nومنها: المحافظة على النعم: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧].\nومنها: قوانين النصر: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧].\nومنها: نزول البلاء بالناس: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠].\nومنها عقوبة الظلم: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [الأنعام: ١٤٦].\nومنها: قوانين التيسير: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل: ٥ - ٧].\nومنها: قوانين التعسير: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ٨ - ١٠].\nوغيرها من القوانين التي تضمَّنها هذا الكتاب المبين ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-41>البداية من العبد:</span>\nالملاحظ في القوانين الاجتماعية أن هناك قاسما مشتركا بينها وهو أن البداية التي تستدعيها لابد أن تكون من الفرد، فهي كالمعادلات الرياضية، إذا اكتمل الطرف الأول منها تحقق الطرف الثاني .. فالهدى والضلال والسعادة والشقاء، والتوفيق والخذلان، وانشراح الصدر وضيقه، والنصر والهزيمة .. كل هذه الأمور لا تُصيب العبد إلا أذا كانت منه بداية تستدعيها، فالله ﷿ لا يظلم أحدا: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [آل عمران: ١٨٢].\nوهو كذلك لا يُحابي أحدا ولا يكرمه إلا بمقدار استقامته وتقواه، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٨٨].\nإنها قوانين تُطبق على الجميع أفرادا ومجتمعات، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٤٤].\nفالآية تقول للمؤمنين: إنكم حين توالون الكافرين تستوجبون على أنفسكم تطبيق سنن الله فيكم .. من هنا يتضح لنا أن إدراك السنن والقوانين التي يحكم الله بها الحياة، وفهمها، وإسقاطها على الواقع الذي نحياه لابديل عنه لكل من يريد العيش الآمن والسعيد لنفسه في الدنيا والآخرة، ولمن يريد كذلك العزة والرفعة لأمته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-42>القرآن دستور الحياة:</span>\nلأن القرآن كتاب هداية فلقد أفاض في ذكر السنن والقوانين التي تحكم الحياة، وبخاصة الاجتماعية منها لتوقف سعادة الناس عليها. قال تعالى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ [طه: ١٢٣، ١٢٤].\nولم يكتف القرآن بذلك، بل ضرب الكثير من الأمثلة التطبيقية لهذه القوانين ليزداد يقين الناس بها.\nقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٥٣) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ﴾ [الأنفال: ٥٣، ٥٤].","vol":"1","page":26},{"text":"ويوضح لنا القرآن كذلك أن للسنن والقوانين وقتا محددا للعمل، فالله ﷿ لا يعجل بعجلة أحد، قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾ [طه: ١٢٩].\nومن أشكال الهداية القرآنية في هذا الجانب: تعريف الناس بكيفية استبدال القوانين، وإيقاف عملها. قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [يونس: ٩٨].\nفقوم يونس عندما سارعوا بالتضرع إلى الله، والتوبة إليه، أوقف ﷾ العذاب الذي كان قد حاق بهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-43>الجانب السابع\nالتعرف على الكون المحيط</span>\nنحن في هذا الكون لا نعيش بمفردنا بل هناك عوالم أخرى كثيرة تشترك معنا في الوجود .. منها ما هو مشهود لنا، ومنها ما هو غائب عنا، والقرآن الكريم يعرفنا على هذه المخلوقات وعلى طبيعة العلاقة التي تربطها بنا، وكيف نتعامل معها.\nفتخبرنا الآيات مثلا بوجود الملائكة، وأن منها الحفظة، ومنها من يقومون بتسجيل أعمال العباد، ومنها الملائكة السيارة، وحملة العرش .. قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ﴾ [الانفطار: ١٠، ١١].\nومما لا نراه أيضا: عالم الجن، ويخبرنا القرآن بأنهم مكلفون مثلنا تماما، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-44>كون مُسخَّر:</span>\nهذا بالنسبة لعالم الغيب، أما عالم الشهادة فنحن نرى الكثير من المخلوقات في عالمنا، فما سبب وجودها، وما وظيفتها؟\nيُخبرنا القرآن الكريم بأن الله قد خلق جميع ما على الأرض من مخلوقات من أجلنا .. يقول تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩].\nوجعلها مُسخَّرة لنا، لا تمتنع عنَّا، ولا ترفض استخدامنا لها .. فالماء مسخر للإرواء والإطفاء، وكمادة حياة، والنار للتدفئة والإضاءة والإحراق، والنبات لإخراج الثمار، ولإشاعة روح البهجة في نفوسنا،، ولنستظل به، والمعادن تستجيب لتعاملنا معها ... الأنعام مسخرة لركوبها، وأكل لحمها، وشرب لبنها ... وكل ما في جسم الإنسان من عضلات، وأجهزة وغدد وعمليات حيوية مسخرة له كذلك.\nالليل والنهار والشمس والقمر، وكل ما في الأرض يعمل من أجلنا .. كل ذلك لتتفرغ لأداء المهمة التي خلقنا من أجلها، يقول تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢) وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ الجاثية: ١٢، ١٣].","vol":"1","page":27},{"text":"هذا الكون المسخر لنا أودع الله فيه الكثير من أسمائه وصفاته، وجعلها تدل عليه ﷾، ودعانا إلى السير في الأرض، والتأمل في مخلوقاته، واكتشاف أسرارها لتزداد معرفتنا به، قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (٣) وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٤) وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الجاثية: ٣ - ٥]. إنه كون ينتظر فتحنا، واكتشافنا له .. مئات الأنواع من الطيور التي خلقها الله ﷿ تبحث عمن يكشف أسرارها ويتعرف على الله من خلالها، الأشجار المختلفة، والكائنات العجيبة، ما خلقها الله عبثا ولا سدى، قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ [يوسف: ١٠٥].\nوالقرآن يحثنا في مواضع كثيرة على النظر في آيات الله في الكون، والعمل على فهم الرسائل التي تحملها لنا: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [يونس: ١٠١].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-45>الكون العابد:</span>\nومع تسخير المخلوقات وما تحمله إلينا، فإنها أيضا تشترك معنا في العبودية لله ﷿ تُسبحه، تسجد له، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ [الحج: ١٨].\nالكل يُسبح لله ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الجمعة: ١].\nإنه كون يغار على حرمات الله، ويغضب لانتهاكها ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ [مريم: ٨٨ - ٩١].\nهذه العلائق المتعددة مع الكون لن نستطيع أن نُدرك معانيها، ولا أن نُحقق مدلولاتها إلا من خلال القرآن ... ولعل ما يؤكد هذا الأمر قول الرسول ﷺ عندما نزل عليه قول الله ﷿: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠]، قال: «ويل لمن قرأ هذه الآيات ثم لم يتفكر بها» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-46>الجانب الثامن\nحقوق العباد بعضهم على بعض</span>\nالمتأمل للمعاملات التي تجري بين الناس يجدها لا تخرج عن ثلاثة أقسام:\nعدل أو ظلم أو إحسان.\nأما العدل فهو إعطاء كل صاحب حق حقه دون زيادة أو نقصان.\nوأما الظلم فهو حرمان ذي حق من حقه، والاحتفاظ بالامتيازات.\nوأما الإحسان فهو نقيض الظلم، ويعني الفضل والزيادة، بمعنى أنك تُعطي أحد أكثر من حقه عليك.\nفعلى سبيل المثال:\nدفع الظلم ورده عن صاحبه: عدل لا شيء فيه، أما العفو والصفح عن الظالم فإحسان يُثاب عليه فاعله.\n_________\n(١) أخرجه الديلمي (٤/ ٤٠٠، رقم ٧١٥٨)","vol":"1","page":28},{"text":"قال تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٤٠) وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤٢) وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٠ - ٤٣].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-47>الشريعة رحمة كلها:</span>\nولأن الشريعة الإسلامية التي شرعها الله لعباده رحمة كلها كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧].\nلذلك نجد القرآن كثيرًا ما يُحذر من الظلم وعاقبة الظالمين، ويعرض الصور المختلفة للظلم ليجتنبها الناس.\nمثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠].\nولا يكتفي القرآن بذلك، بل إنه كثيرًا ما يتحدث عن فضل الإحسان ليستثير المشاعر، ويولد الرغبة، ويقوي العزيمة بصوره وأشكاله.\nفلقد أخبر ﷾ في كتابه أنه يُحب المحسنين.\nقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤].\nوأن رحمته سبحانه قريبة منهم: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦]، ويُذكرنا بأن مردوده سيعود على صاحبه، قال تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾ [الإسراء: ٧]، وأن معيته - سبحانه - ستكون للمحسنين ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩].\nوجعل الإنسان طرفا تنعقد به العروة الوثقى مع الطرف الآخر وهو الاستسلام التام لله، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [لقمان: ٢٢].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-48>من فوائد الإحسان:</span>\nفإن قال قائل: ولماذا جعل الله الإحسان بين الناس بهذه المنزلة؟\nمما لا شك فيه أن هناك فوائد كثيرة تعود على الفرد وعلى المجتمع إذا ما شاع الإحسان بين الناس.\nفعلى مستوى الفرد فالإحسان قادر على علاج شح النفس وأثرتها، والشُح كما نعلم مفتاح كل شر، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩].\nوليس الشح مقصورًا على الشُح بالمال، ولكن له أوجه كثيرة كالشح بالوقت والجهد والنصيحة.\nأما على مستوى المجتمع: فبالإحسان يتحقق مفهوم الجسد الواحد والأمة الواحدة. فلو انشغل كلٌ منّا بنفسه فقط ما تعلم متعلم، ولا سارع أحد في نجدة ملهوف أو خدمة محتاج، ولا ذهب مسلم إلى مريض ليعوده، أو جار ليزوره، أو لمتخاصمين ليصلح بينهما، وما اشتغل أحد بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله والجهاد في سبيله، فيؤدي ذلك إلى تفشِّي الأمراض الاجتماعية في المجتمع وانهيار أركانه، فالإحسان إذن ضروري لتحقيق السعادة للفرد والمجتمع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-49>وصور الإحسان في القرآن كثيرة، منها:</span>\nالإحسان إلى الوالدين وبخاصة عند بلوغهما الكبر واستغناء الابن عنهما ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ [الإسراء: ٢٣].","vol":"1","page":29},{"text":"والإحسان إلى ذوي القربى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠].\nوالإحسان لابد أن يُظلل حياة الزوجين ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩].\nوفي حديث الناس مع بعضهم: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ [الإسراء: ٥٣].\nبل وفي الجدال أيضا إحسان: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥].\nويُرغب المولى عباده في القيام بواجب الدعوة إليه، فيُخبرهم بأنها أحسن الأقوال: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: ٣٣].\nوليس الإحسان في القول فقط، بل في الخلق والمعاملات بين الناس أيضا، قال تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤].\nوأرشدنا الله ﷾ إلى أن الطريق السهل لإنهاء الخصومة هو الإحسان: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤].\nوليس الإحسان في الفعل فقط، بل في الترك أيضا، فالله ﷿ أخبر أنه لا يُحب من كان مُختالا فخورا، قال تعالى: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان: ١٨].\nوالمتتبع لهذا الجانب في القرآن سيجد آيات كثيرة تحدد له كل ما يُحبه الله ﷿، وما يُبغضه في علاقته بالناس بصفة عامة وبالمؤمنين بصفة خاصة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-50>الجانب التاسع\nفقه الدعوة إلى الله</span>\nالإسلام هو دين الله الخاتم للبشرية جمعاء، والقرآن الكريم هو كتاب هذا الدين جاء مصدقا لما سبقه من كتب، وناسخا لشرائعها، ومهيمنا عليها، كما قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨].\nهذا الكتاب المعجز\nأنزله الله ﷿ على الناس، وجعله ناطقا بالحق: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢].\nوكما أشرنا سابقا فإن الهدف الأساسي من نزوله هو هداية الناس إلى الله، وإلى صراطه المستقيم، واستنقاذهم من طريق الضلال، فمن بحث فيه عن الهدى وجده، ومن شك فيه فما عليه إلا أن يقرأ الكتب السابقة التي بين أيدي الناس ليعرف الفارق الكبير بينها وبين القرآن، وليتأكد لديه أنه من عند الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-51>فإن كان الأمر كذلك فلماذا لا يؤمن الكثير من الناس بالله وبدينه</span>؟!\nهذا السؤال يُجيب عنه القرآن في عدة مواضع، ويُبين لنا أن ابتعاد الناس عن الحق له سببان لا ثالث لهما: إما جهل بهذا الحق، وإما هوى في قلوبهم يمنعهم من الإذعان له، قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [القصص: ٥٠].\nلذلك كانت أهمية الدعوة إلى الله لإنقاذ هؤلاء الذين يجهلون الله ﷾، ولقد رفع الله ﷿ من شأنها وجعلها من أعظم ما يتقرب به العبد إليه. قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: ٣٣].","vol":"1","page":30},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-52>ولكن كيف يُشخص الداعية حال من يدعوه، وهل هو من الذين يجهلون الحق أو يجحدونه</span>؟\nإنه أمر صعب لا يستطيع أحد أن يصل إليه، لذلك جعل الله سبحانه دور الداعية، بل الرسول ﵊ البلاغ والإنذار، قال تعالى: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ [الشورى: ٤٨]، وقال: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤].\nفليس لأحد ان يُرغم أحدا على الدخول في الدين كما قال تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦]، ولكن المطلوب أن يُبين له طريقي الحق والضلال: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: ٢٥٦].\nولقد خاطب الله ﷿ نبيه ﵊ بألا يحزن على عدم إيمان هؤلاء المعرضين: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣].\nفهم لا يُريدون الهداية: ﴿فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [التغابن: ٦].\nوعندما انشغل ﷺ ببعض من هؤلاء المعرضين عن الهداية، وترك آخر يسعى من أجلها عاتبه الله ﷿ بقوله: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (٤) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (٧) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (١٠) كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾ [عبس: ١ - ١١].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-53>لماذا يُثيرون الشُبهات</span>؟\nعندما يتمكن الهوى من القلب فإنه يعمل على إغلاق سمع وبصر صاحبه تجاه الحق، بل يدفعه إلى إثارة الشبهات حوله، ليظهر صاحب الحق بمظهر العاجز المهزوم، وينتفش الباطل، ويجد أهل الأهواء لأنفسهم مبررا لاستمرارهم على ما هو فيه.\nوما من دعوة لله ﷿ قامت إلا وعمل أصحاب الأهواء على إثارة الشبهات حولها، تأمل معي ماذا قالوا عن رسول الله ﷺ: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (٨) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٧ - ٩].\nثم تأمل ما قال الله ﷾ لرسوله ﵊، وكيف بين دافعهم من وراء هذه الشبهات، قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا (١٠) بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا﴾ [الفرقان: ١٠، ١١].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-54>صور الهدى:</span>\nبيَّن القرآن الصور المتعددة لتمكُّن الهوى من القلب ... فالخوف على الرزق وعلى الحياة يُسيطر على الإنسان ويمنعه من قبول الحق.\nقال تعالى: ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ [القصص: ٥٧].\nوالرغبة في التمتع بالشهوات والفجور دون ضابط ولا رقيب من صور الهوى كذلك.\nقال تعالى: ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ (٥) يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ﴾ [القيامة: ٥، ٦]. ومن صوره أيضا حُب العلو في الأرض، قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤].","vol":"1","page":31},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-55>متى نرد على الشبهات</span>؟\nهناك شبهات يعرضها بعض المبطلين تحتاج إلى بيان شاف .. نعم هذا البيان لن يؤثر في أهل الأهواء، لكن هناك قطاعا عريضا من الغافلين قد تؤثر فيه هذه الشبهات فيُعرض عن الحق، لذلك حرص القرآن على تفنيدها.\nفدحض الشبهات له دور كبير في زيادة إيمان المؤمنين، وذهاب الشك عن المترددين.\nومن صور الشبهات التي يُرددها المُكذِّبون قديما وحديثا أن الكون ليس له خالق، بل إن الطبيعة أوجدته، ومنها أن هناك أكثر من إله في الكون، وأن لله ولدا وزوجة - تعالى سبحانه عن ذلك علوا كبيرا - أو أن القرآن ليس من عند الله، وأن محمدا ﷺ ليس برسول، أو أنه يستحيل أن يكون هناك بعث بعد الموت، ومنها كذلك أننا مُجبرون على ما نقوم به من أفعال أو .... والقرآن حين يرد على هؤلاء تجد رده قويا مُفحما يشرح صدور المؤمنين ويًُزيل الشك عن المترددين.\nتأمل قوله ﷿: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٣) فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [هود: ١٣، ١٤].\nوفي قضية البعث: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١) إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس: ٧٨ - ٨٣].\nوفي مسألة إثبات عبودية البشر لله ﷿ وأنهم مقهورون بقضائه وقدره، في الأمور الكونية وليس في الأمور الشرعية، يقول تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (٨٥) فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الواقعة: ٨٣ - ٨٧].\nوفي القرآن مواضع كثيرة تُفند الشبهات وتكشف الدوافع من وراء إثارتها.\nهذا الجانب عندما يتتبعه الواحد منا في تلاوته للقرآن فإن من شأنه أن يزيده إيمانا ويقينا وعزة بهذا الدين، ويعلمه كذلك فقه الدعوة، وكيف يتعامل مع أصناف الناس، وكيف يستقبل شبهاتهم، ويُصبره على ما يلاقيه من تكذيبهم.\nقال تعالى: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ﴾ [فصلت: ٤٣].\nوقال تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-56>الجانب العاشر\nالعبرة من قصص السابقين</span>\nالقرآن مليء بقصص السابقين من المؤمنين والكافرين، بل إن المساحة التي يُفردها لهذه القصص من أكبر المساحات فيه، وهذا يعني أول ما يعني أنه ينبغي علينا أن نوليها قدرا كبيرا من اهتمامنا.\nقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف: ١١١].","vol":"1","page":32},{"text":"فكل قصة ذُكرت في القرآن للصراع بين الحق والباطل لها عبر ودروس مستفادة من شأنها أن تُثبت قلوب المؤمنين، وتُهوِّن عليهم مصاعب الطريق، وتُشعرهم بأنهم حلقة مكررة من حلقات التاريخ البشري، وأن ما يحدث معهم ليس بدعا. قال تعالى: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [هود: ١٢٠].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-57>كيف نستخلص العبرة</span>؟\nإن المتأمل في قصص السابقين يجد فيها تطبيقا عمليا لجوانب الهداية التسعة السابق ذكرها - فيما نرى -، فمن خلالها نرى آثارا لأسماء الله وصفاته كالقوي، المنتقم في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (٨) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (٩) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (١٠) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (١١) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (١٢) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (١٣) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ. [الفجر: ٦ - ١٤].\nوصفات العزيز القهار في قوله تعالى: ﴿وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٠].\nوآثارا لصفة القدير، كقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (٨) قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: ٨، ٩].\nومن خلالها نتعرف على الإنسان عندما يطلق الزمام لنفسه ولا يُجاهدها أو يزكيها، مثل قوله تعالى: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ﴾ [المائدة: ٣٠].\n- ومن جوانب الاعتبار فيها البحث عن دور الشيطان وكيف أضل الكثير من الناس عبر التاريخ، قال تعالى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: ٤٨].\n- ونتذكر من خلالها قصة وجودنا، ولماذا أتيت إلى الدنيا وطبيعة الامتحان فيها، ففي قصة قارون نرى مثالا للمرء المخدوع في ماله وسلطانه، وعندما نصحه الناصحون بأن هذا ابتلاء من الله وليس دليل كرامة قال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٨] ... فماذا حدث له؟: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ﴾ [القصص: ٨١].\nوفي قصة سليمان ﵇ نرى مثالا للمؤمن الذي يتعامل تعاملا صحيحا مع كل ما يستقبله من عطاء الله ﷿، قال تعالى: ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٤٠].\n- ومن قصص السابقين يتأكد لدينا واجبات العبودية لله ﷿، كالاستغفار، والتوكل، كمثل قوله تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ [هود: ٥٢]. وقوله: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾ [هود: ٥٦].","vol":"1","page":33},{"text":"- وكذلك حقوق العباد بعضهم على بعض، كقوله تعالى: ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (١٨١) وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ [الشعراء: ١٨١، ١٨٢].\n- ونرى فيها القوانين والسنن الإلهية وهي تُطبق في الوقت المناسب الذي حدده الله ﷿، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ (٧٤) إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ (٧٥) يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ [هود: ٧٤ - ٧٦].\n- وفي قصص السابقين تطبيق عملي للسنن الاجتماعية التي يحكم الله بها الحياة ... تأمل قول الله ﷿ وهو يعرض لنا سنة من سننه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال: ٥٣]، ثم يعطينا ﷾ نموذجا من قصص السابقين كتطبيق عملي لهذه السنة في الآية التي تليها مباشرة، قال تعالى: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ﴾ [الأنفال: ٥٤].\n- ومن خلال تدبرها نكتشف أن الشبهات التي يُثيرها المكذبون متشابهة على مر العصور، مثل قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾ [القصص: ٤٨].\n- وفي قصص السابقين نستشعر بأن الكون يتفاعل معنا؛ فتبكي السماء والأرض على موت الصالحين، ولا تبكي على موت الظالمين: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٩].\nوكأننا نسمع النملة التي تحدثت مع أخواتها من النمل، فيسمعها نبي الله سليمان ﵇، ونتجاوب مع الهدهد التي اشتدت غيرته على دين الله عندما رأى قوما يسجدون للشمس من دون الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-58>سؤال وجواب:</span>\nبعد انتهاء الحديث عن الجوانب العشرة للهداية الربانية يبقى سؤال يحتاج إلى إجابة، وهو: هل القرآن لا يحتوي إلا على هذه الجوانب العشرة التي ذُكرت .. وهل من الممكن أن نُضيف إليها جوانب أخرى؟\nنعم .. يُمكننا ذلك، فليس معنى ما قيل في الصفحات السابقة هو حصر الهداية في هذه الجوانب العشرة فقط، فمن وجد جانبا أو أكثر يُمكن إضافته لما سبق فليفعل، والله المستعان.","vol":"1","page":34},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-59>الفصل الثالث\n\nالقرآن والتغيير</span>","vol":"1","page":35},{"text":"قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢].\nفي هذه الآيات تحذير شديد للمؤمنين من مخالفة فعلهم لقولهم.\nوالمُشاهد لأحوالنا يجد أن الحال يختلف عن المقال، فالكثير يتكلم وينصح والقليل من تتمثل فيه هذه الأقوال والنصائح .. الكل يريد أن تكون أفعاله على مستوى أقواله لكنه لا يستطيع، فإن تكلف ذلك فترة من الزمن فسرعان ما يعود إلى سابق عهده.\nوليس معنى هذا عدم مطابقة الفعل للقول بالكامل، فهذا هو حال المنافقين والعياذ بالله، وإنما المقصد هو وجود بعض السلوكيات الخاطئة التي تتنافى مع ما يُحبه الله ويرضاه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-60>أمثلة من الواقع:</span>\nنحن كثيرا ما نتحدث عن الأولاد أنهم هبة من الله ﷿، وليس بيد أحد من الناس اختيار نوع المولود، فإذا ما رُزق البعض منّا بأنثى شعر بالضيق في صدره، فإذا ما تكرر ذلك ازداد ضيقه، والذي قد يدفعه إلى اتهام زوجته بأنها السبب في ذلك.\nومن صور التناقض بين القول والفعل أيضا أننا نتكلم عن ضرورة المساواة بين الأبناء ويفعل بعضنا عكس ذلك.\nونتكلم كذلك عن ضرورة الإحسان إلى الزوجة ومعاشرتها بالمعروف، ونتبارى في إلقاء الكلمات المُعبرة عن ذلك، وإذا بشكاوى الزوجات من سوء معاملة أزواجهن تصُمُّ الآذان.\n- نتحدث كثيرا عن حقيقة الدنيا وأنها دار ارتحال وليست دار مقام، فلن يأخذ الإنسان - أي إنسان - شيئا معه عند خروجه منها، ثم تجد منّا الحرص على التملك فيها، واللهفة على تحصيل أكبر قدر منها، وكأننا لن نُغادرها.\nوغير ذلك من الأمثلة التي تكشف حجم الهوة بين الواجب والواقع، والقول والسلوك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-61>أين القدوة</span>؟\nإذن فنحن أمام مشكلة السلوك الخاطئ ونُدرة وجود الشخص القدوة الذي يقترب فعله من قوله، فضلا عن أن يتطابق معه.","vol":"1","page":36},{"text":"وقبل أن يشرد الذهن باحثا عن حل لهذه المشكلة لابد من معرفة أسبابها ... هذه الأسباب تدور في مجملها حول النقاط التالية:\n١ - الأفكار والمعتقدات الخاطئة التي ترسَّبت في عقل الفرد على مر السنين، وأصبحت من الثوابت التي تُشكل المنطلق الأول للسلوك.\n٢ - غياب الفهم الصحيح للإسلام والذي قد يؤدي إلى تضخيم فرع من الفروع على حساب أصل من الأصول.\n٣ - ضعف الإيمان: فالإيمان هو الدافع للأعمال الصالحة وعلى قدر وجوده في القلب يكثُر حجم تلك الأعمال.\n٤ - عدم جهاد النفس على لزوم الصدق والإخلاص: فقد يقوى داعي الإيمان في القلب وينتصر على داعي الهوى، ويقوم المرء بما يأمره به إيمانه، لكنه لا يستفيد من تلك الأعمال ولا يصل أثرها إلى القلب، بل تتعرض للإحباط وعدم القبول من الله، وذلك بسبب أن النفس تُريد أن تأخذ حظها من تلك الأعمال، إما بدفع صاحبها إلى الإعجاب والاغترار بها واعتبار أنها السبب في القيام بهذه الأعمال، أو بدفعه للتحدث بها وتزيينها أمام الناس، وكلا الأمرين يؤديان - والعياذ بالله - إلى إحباط العمل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-62>المعجزة الكبرى:</span>\nإذن فلكي يُصبح الواحد منَّا ذا سلوك سَوِي، بفهم صحيح، وبصدق وإخلاص لابد أن يشمل التغيير عقله وقلبه ونفسه.\nفإن كان الأمر كذلك فما هو المنهج القادر على إحداث هذا التغيير في هذه المحاور الثلاثة، والذي ينبغي أن يكون ميسرا للجميع؟!\nهنا يأتي دور القرآن العظيم، وتظهر قيمة معجزته الكبرى.\nفالقرآن لا يكتفي بتعريف الناس طريق الهدى، ولا يؤدي فقط دور المصباح الذي يشع النور فيُبدد الظلمات، ويُنير طريق السالكين إلى الله، بل يقوم بنفسه بإخراج مَن يتمسك به من الظلمات إلى النور، وتغييره وإعادة تشكيله ليُصبح عبدا مخلصا لله في كل أموره وأحواله.\nوهذا هو سر معجزته والتي جعلته تتفوق على سائر المعجزات الأخرى كمعجزة عيسى - ﵇ - في إحياء الموتى، أو عصا موسى، أو ناقة صالح ....\nقد يقول قائل: إن معجزة القرآن تكمن في أسلوبه، وبلاغته، وتحدِّيه للبشرية، وأنه صالح لكل زمان ومكان و... .\nنعم، هذا كله من أوجه إعجازه، ولكن يبقى سر إعجازه الأعظم في قدرته على التغيير ... تغيير أي إنسان، ومن أي حال يكون فيه، ليتحول من خلاله إلى إنسان آخر عالما بالله عابدا له في كل أموره وأحواله، حتى يتمثل فيه قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢].","vol":"1","page":37},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-63>كيفية التغيير القرآني:</span>\nالوسائل التي يستخدمها القرأن في تغيير الفرد، وإحداث انقلاب جذري وشامل في كيانه تصُب في محاور ثلاثة: العقل والقلب والنفس، وبقدر استخدام تلك الوسائل يكون التغيير، وفي ذلك تفصيل ... .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-64>المحور الأول\nالقرآن والعقل</span>\nقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٨].\nفالجنين يخرج من رحم أمه إلى الدنيا وهو لا يعلم شيئا، ويبدأ تدريجيا في التعرف على العالم من حوله من خلال بيئته الصغيرة المحيطة به، ففيها يكتسب معارفه الأوليه، وبمرور الأيام والسنين ومع اتساع دائرة حركته، وتنوع وسائل المعرفة التي يستقي منها معلوماته، وتتكون لديه مجموعة من الثوابت والتصورات عن نفسه وعن كل ما يُحيط به ويتعامل معه، مثل نظرته للمال، الدراسة، الزواج، الصداقة، القوة، الموت، عالم الغيب ...\nومما لا شك فيه أن هذه التصورات تختلف من شخص لآخر باختلاف المشارب والبيئات والمنابع التي يستقي منها الفرد معلوماته، وعلى أساسها يتكون فكر الإنسان وثوابته الخاصة ..\nهذا الفكر وهذه الثوابت تُشكل المنطلق الأساسي للسلوك الخارجي، فالإنسان - أي إنسان - يتحرك من خلال قناعاته الشخصية، وإذا ما أردت تغيير سلوك شخص ما فعليك أولا أن تبدأ بتغيير قناعاته تجاه ما تُريد، أما إذا حاولت أن تقفز مباشرة إلى السلوك لتغيره دون أن تبدأ بالفكر، فلن تصل إلى النتيجة التي ترجوها، وإن أبدى أمامك استجابة سريعة لأوامرك - وبخاصة إذا ما كان لك عليه سلطان - فإن هذه الاستجابة تكون وقتية لا تستمر طويلا.\nلابد إذن من مخاطبة العقل وتغيير الفكر والمعتقد أولا إذا ما أردنا تغيير السلوك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-65>تجارب عملية:</span>\nلبيان مدى تأثير القناعات والمعتقدات على سلوك الإنسان يقول د. مالك البدري:\nإن تأثير العوامل النفسية على الناحية الجسمية العضوية أمر بدهي يلاحظه الفرد في حياته اليومية، فهو يضطرب وتزداد ضربات قلبه عند تلقيه أخبارا مفزعة أو مؤلمة، كما يحمر وجهه خجلا وحياء إن كان من أصحاب البشرة البيضاء.\nومن أهم الظواهر أيضا تحسُّن الحالة الصحية الجسمية لكثير من المرضى عند تناولهم لحبوب وكبسولات لا تحتوي على أي مادة فعَّالة لكنهم يعتقدون أنها عقاقير مفيدة. فقد لا تحتوي الكبسولات إلا على قليل من السكر لكن الطبيب يؤكد للمرضى أنها ذات فائدة مضمونة.\nوفي بعض الحالات يقوم الطبيب بحقن المرضى بمحلول الماء والملح بعد إيهامهم بأن هذه الحقن تحتوي على دواء ممتاز. وقد أثبتت الدراسات المتكررة بأن هؤلاء المرضى تتحسن حالتهم بدرجة واضحة تكاد في بعض الأحيان تصل إلى مستوى أولئك الذين تلقوا عقاقير حقيقية.\nولقد ظهرت مئات المؤلفات التي تدعو لتحسين صحة الإنسان الجسمية بتغيير أفكاره ومشاعره وانفعالاته .. ذلك لأن الذي يُشكل فكر الإنسان ونشاطه المعرفي ليس هو الأحداث والمثيرات التي يتعرض لها في بيئته بشكل مباشر، بل الذي يؤثر بالفعل هو تقييمه وتصوراته لهذه الأحداث والمثيرات (١).\nمن هنا يتبين لنا أن الخطوة الأولى والأساسية لتغيير سلوك الإنسان هي تغيير فكره، وليس المقصد من تغيير الفكر تلك القناعة العابرة التي يُبديها العقل نتيجة قراءة أو مناقشة، فهذا من شأنه أن يُحدث تغييرا وقتيا ينتهي مفعوله بغياب الفكرة من العقل، ولكن إذا ما أردنا تغييرا مستمرا فهذا أمر آخر يتطلب الحديث عن الشعور واللا شعور.\n_________\n(١) التفكر من المشاهدة للشهود، د. مالك بدري ص (٥١).","vol":"1","page":38},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-66>الشعور واللا شعور:</span>\nالبعض منَّا يخاف من الظلام، فإذا ناقشته وجدته مقتنعا بعدم وجود ما يُبرر خوفه، لكنه مع ذلك يستمر كما هو، والناس يتحدثون عن العدول والمساواة ولكن عند التطبيق يظهرون بالقيم العشائرية ...\nفما السبب في ذلك؟\nالسبب الرئيسي لهذا التناقض بين القول والفعل أن العقل يستقبل المعلومات بجزئه المُدرك الواعي والذي يُسميه العلماء بالشعور .. هذه المعلومات لن تستطيع ان تكون دافعا مستمرا للأعمال إلا إذا أصبحت علما راسخا عند الإنسان، وانتقلت من منطقة الوعي والإدراك والشعور إلى منطقة اللاشعور، أو العقل الباطن، أو الأخفى على حد تعبير القرآن.\nقال تعالى: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: ٧].\nفالسر - كما يقول ابن عباس ﵁ -: ما أسرَّ ابن آدم في نفسه، وأخفى: ما خفي على ابن آدم مما هو فاعله (١).\nفاللا شعور، أو الأخفى هو منطقة العلم الراسخ اليقيني عند الإنسان، ومن خلاله تنطلق الأفعال بصورة تلقائية.\nولقد ضرب القرآن مثالا لأناس اعتقدوا أنهم مصلحون، ولكن سلوكهم يدل على عكس ذلك .. لماذا؟\nلأنهم يُفسدون بطريقة تلقائية من اللا شعور.\nقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ١١، ١٢].\nوالأمر الجدير بالانتباه كما يقول د. ميسرة طاهر: أن حوالي ٦٠% من سلوكنا اليومي ومن أفعالنا وأقوالنا مصدرها (الأخفى).\nويستطرد قائلا: والأدلة على وجود الأخفى كثيرة، منها: المخاوف الشاذة، فكثيرا ما نرى كبارا وصغارا يخافون مما لا ينبغي الخوف منه، كالأماكن المرتفعة، والقطط، فمثل هذه المخاوف لا يمكن أن نجد لها تفسيرا على مستوى العقل الواعي.\nومنها كذلك فلتات اللسان، وهي الكلمات التي نتفوَّه بها دون إرادة منَّا، وعند اكتشاف الفرد لمثل هذه الفلتات فغالبا ما يعتذر عنها، ويقول: لم يكن قصدي أن أقول هذا ...\nومن مظاهر وجوده كذلك ألعاب الأطفال، فمن يُراقب الأطفال يجد أنهم يخرجون من عقلهم الباطن كل ما يُضايقهم ليصبُّوه على ألعابهم سواء بالحركات أو بالكلمات (٢).\nومن الأوقات التي تُظهر الأخفى بصورة جلية: لحظات الاحتضار، حيث يكاد العقل المُدرك أن يتوقف ليُفسح المجال للأخفى ليُعبِّر عما بداخله، ويظهر هذا بوضوح من خلال تباين استجابة المحتضرين لمن يُلقِّنهم الشهادة، بل قد نجد الواحد منهم يُردد ما كان يغلب على اهتماماته في حياته.\nجاء في كتاب الداء والدواء لابن القيم: أنه قيل لرجل يحتضر: قل لا إله إلا الله، فجعل يهذي بالغناء، ويقول ابن القيم: وأخبرني من حضر الشحاذين عند موته فجعل يقول: لله، فِلْس لله، حتى قُضي.\nوأخبرني بعض التجار عن قرابة له أنه احتضر وهو عنده، وجعلوا يلقنونه (لا إله إلا الله) وهو يقول: هذه القطعة رخيصة، هذا مشْتَرِ جيد، هذه كذا، حتى قُضي (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-67>علاقة العقل المُدرِك بالأخفى (أو علاقة الشعور باللاشعور)</span>\nما من معلومة ترسخ في اللاشعور إلا وتمر عليه من خلال الشعور أو العقل المُدرك .. مع العلم أن كل فكرة نعتقد بصحتها حتى لو كانت خرافة فإن اللاشعور يقبلها دون مناقشة، أما رسوخها فيه لتُصبح يقينا ومُنطلقا للفعل التلقائي فهذا يحتاج إلى تكرار مرورها إليه من العقل المُدرِك ... وإليك بعض الأمثلة التي تُوضح ذلك الأمر:\n_________\n(١) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١١/ ١١٤).\n(٢) مجلة الإعجاز العلمي - العدد التاسع - صفر ١٤٢٢هـ - ص (٢٣، ٢٤) بتصرف.\n(٣) الداء والدواء لابن القيم (١٧٠، ١٧١).","vol":"1","page":39},{"text":"عندما نتعلم أحكام تلاوة القرآن فنحن نتعلمها بالعقل المُدرِك، وبالمداومة على تطبيقها ترسخ هذه المعلومات في اللاشعور، فيُطبِّق المرء الأحكام دون تفكير فيها، وقد ينسى القارئ نَص الحكم التجويدي ومع ذلك يستمر في تطبيقه بصورة صحيحة.\nوالذي يتعلم قيادة السيارة فإنه يتعلمها بالشعور، ثم بالمداومة والممارسة ترسخ المعلومات في اللاشعور، مما يجعله يقود سيارته دون تفكير، وقل مثل هذا على الذي يتعلم الكتابة على الكمبيوتر والذي لا يستطيع في البداية كتابة حرف دون النظر إلى مكانه في لوحة الحروف، وشيئًا فشيئًا يستطيع الكتابة وهو ينظر إلى الآخرين.\nإذن فتحول المعلومة من الشعور إلى اللاشعور وثباتها فيه يحتاج إلى تكرار التفكير فيها واسترجاعها بين الحين والآخر وإلَّا تلاشى وجودها شيئا فشيئا .. فكم من مهارات وأعمال وأناشيد وجُمَل مأثورة تعلمناها في الصِغر ودخلت اللاشعور، ثم تلاشت منه أو كادت بسبب إهمالها وعدم استرجاعها كل فترة.\nمن هنا تأتي أهمية الممارسة العملية المتكررة المعبرة عن الأفكار التي نُريد ترسيخها في اللاشعور، ولعلنا نلمح هذا المعنى من تأكيد رسولنا ﷺ على أهمية المداومة على العمل - وإن قَلَّ - ليظل مدلوله راسخا في اللاشعور.\nعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: «أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلَّ» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-68>القرآن واللاشعور:</span>\nمما سبق يتبين لنا أن من أسباب عدم مطابقة الفعل للقول هو ما ترسب لدى الإنسان في عقله الباطن من أفكار ومعتقدات، والتي من الجائز أن يقتنع العقل المُدرك بعكسها في لحظة من اللحظات، لكنه عند التطبيق يصدر منه سلوك مُعبر عن يقينه ومعتقداته الراسخة لديه.\nفعلى سبيل المثال: لو ناقشت إنسانا ما في قضية الرزق وأنه بيد الله ﷿ وقد ضَمِنه لنا، ولن تموت نفس حتى تستوفي رزقها، فستجد منه اقتناعا تاما بذلك، ولكن عند التطبيق في معترك الحياة نجد أن الأمر يختلف، حيث اللهفة والحرص على المال وكثرة التفكير في المستقبل والخوف من الفقر ...\nإذن فالخطوة الأولى في تغيير السلوك تبدأ بتغيير ما ترسب لدينا من أفكار ومعتقدات خاطئة واستبدالها بأفكار ومعتقدات صحيحة.\nهذا التغيير - كما مرَّ علينا - يستلزم ثلاثة أمور:\nأولًا: اقتناع العقل المُدرِك بالأفكار الجديدة.\nثانيًا: تكرار مرور تلك الأفكار على العقل.\nثالثًا: ممارسة مقتضيات تلك الأفكار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-69>وهذا ما يفعله القرآن</span>.\nفالقرآن يُعيد تشكيل العقل من جديد، ويُصوِّب كل فكرة خاطئة لديه، ويبني فيه اليقين الصحيح لكل الأفكار والمعتقدات.\nولكن كيف يتم ذلك؟\nالمتأمل في كتاب الله سيجد العديد من الوسائل التي يستخدمها في ترسيخ المفاهيم الصحيحة في اللاشعور، ومن أهم هذه الوسائل:\nأولا: الاقتناع:\nفالاقتناع بالفكرة هو الخطوة الأولى في طريق التغيير، حيث يسمح العقل المُدرِك بمرورها بعد ذلك إلى اللاشعور ليصبح السلوك المعبر عنها يصدر بطريقة تلقائية.\n_________\n(١) متفق عليه: أخرجه البخاري (٥/ ٢٣٧٣، رقم ٦١٠٠)، ومسلم (١/ ٥٤١، رقم٧٨٣).","vol":"1","page":40},{"text":"من هنا يبرز احترام القرآن للعقل ودوام مخاطبته وإقناعه بأهمية الفكرة المطروحة. والقارئ المُتدبر يجد المولى ﷾ – وهو الكبير المتعال – يُخاطب عقولنا، ويُبيِّن لنا الكثير من الأمور التي من شأنها أن تُقنعنا بما يُريده منَّا، بل إنه ﷾ يدعونا في كتابه إلى استخدام عقولنا والتفكر في كلامه، كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأحقاف: ٤].\nويرُد القرآن على ادعاء النصارى بألوهية المسيح ﵇ أو أمه، فيقول تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المائدة: ٧٥].\nومن وسائل الإقناع التي يستخدمها القرآن: ضرب الأمثال، والتي تُعتبر من أهم وسائل تبسيط المعلومة وربط الذهن بها، فالمعلم القدير – كما يقول جودت سعيد – هو الذي يُقدم العلم للناس في أمثلة تجعلهم يقتربون من الموضوع أكثر (١).\nقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الزمر: ٢٧].\nومن أمثلة القرآن ذلك المثال الذي يُبيِّن خطورة الرياء، وعدم الإخلاص لله، وكيف سيكون حال صاحبه وهو يرى جهده وتعبه قد ضاع، هو أحوج ما يكون إليه.\nيقول تعالى: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٦].\nومن وسائل الإقناع كذلك:\nاستخدام الطريقة الاستنتاجية بطرح الأسئلة وترك الإجابة للعقل ليصل إلى المعنى المراد من ورائها، مثل قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ [الرعد: ٣٣].\nوقوله تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص: ٢٨].\nثانيا: تكرار الموضوعات:\nنعم الاقتناع بالفكرة هو الخطوة الأولى في طريق التغيير حيث تنتقل هذه الفكرة من العقل المُدرك إلى اللاشعور، ولكنها لن تستقر فيه إلا إذا حدث لها تكرار وتكرار.\nولعلنا جميعا نلحظ ذلك، فعندما يحدث اقتناع بفكرة ما في لحظة من اللحظات تجد الواحد منَّا كثيرا ما يُعبر عن هذا الاقتناع بعمل من الأعمال، كمن قرأ أو سمع عن أهمية مساعدة المحتاجين ثم وجد أمامه محتاجا، ففي الغالب أنه سيتصدق عليه ولو بالقليل، هذا الفعل قد لا يتكرر من صاحبه ثانية إلا إذا استمر التذكير بأهميته بين الفينة والأخرى.\nمن هنا تبرز قيمة التكرار كوسيلة من وسائل بناء اليقين الصحيح والتي يستخدمها القرآن، فالمتتبع للموضوعات المطروحة فيه يجدها متكررة ومتشابهة، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ [الزمر: ٢٣].\nوقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا﴾ [الفرقان: ٥٠].\nوصرَّفناه أي: كررناه بأساليب مختلفة ..\nومن فوائد التكرار كذلك أنه يجعل القارئ في حالة دائمة من التذكر واليقظة.\n_________\n(١) كن كابن آدم، ص (٨٥).","vol":"1","page":41},{"text":"والموضوعات التي تتكرر في القرآن كثيرة، تَقِف على قِمَّتها تلك الموضوعات التي تتناول جوانب الهداية فيه، والتي تمَّ ذكرها في الفصل السابق.\nفالتعرف على الله ﷿ يحتل مساحة ضخمة في القرآن، ولا تكاد تمر آية إلا وتجد فيها تعريف بالمولى ﷾ وبحقوقه علينا من عبادات قلبية وجوانب تشريعية.\nومن الموضوعات التي تتكرر كثيرا في القرآن: قصة وجودنا على الأرض، وطبيعة الدنيا وأنها دار امتحان ينتهي بيوم عظيم للحساب، تُعرض فيها الأعمال، وتُعلن النتائج، ليفوز الناجحون بالجنة التي أعدَّ الله لهم فيها شتى أنواع النعيم، ويذهب الراسبون إلى النار فيذوقوا من ألوان العذاب .. أعاذنا الله منها.\nويُحذرنا القرآن دوما من عداوة الشيطان لنا وعمله الدائب لإضلالنا، ويُكرر لنا السنن والقوانين التي يحكم الله بها الحياة لنتذكرها ونستفيد بها.\nويُذكِّرنا القرآن كذلك بحقوق الناس بعضهم على بعض، ويُكرر علينا قصص السابقين لتتأكد لدينا المعاني والعِبر التي تحملها ...\nثالثا: رسم خريطة الإسلام:\nومن وسائل القرآن في إعادة تشكيل العقل: رسم خريطة الإسلام بنِسَبِها الصحيحة في ذهن قارئه، فالقرآن يُعطي لصاحبه تصورا عاما لكل ما هو مطلوب منه، وعلاقته بكل شيء حوله، ولا يكتفي بذلك بل يضع كل أمر في حجمه المناسب له في شجرة الإسلام، فهو يرتب الأولويات، ويُكون الشخصية المعتدلة، المتوازنة، والتي تُعطي كل ذي حق حقه، فعلى سبيل المثال: نجد قضية الجهاد في سبيل الله قد أخذت مساحة معتبرة في القرآن بل نجدها تتقدم في الأولوية على عبادات أخرى عند تعارضها.\nقال تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٩) الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠) يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (٢١) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [التوبة: ١٩، ٢٢].\nفمن يترك عقله للقرآن، سيجد بلا شك أن شخصيته قد تشكلت بصورة متوازنة، وستتكون لديه ملكة معرفة الأهم فالمهم لكل قضية حين يطرحها القرآن، وستوضع في ذهنه بالحجم المناسب الذي يتناسب مع اهتمام القرآن بها.\nولك أن تتخيل - أخي القارئ - ماذا يمكن أن يحدث لو اتجهت عقول الأمة إلى القرآن ليصبح المصدر الرئيسي للتلقي؟ وكيف ستكون نسبة الاتفاق بين أفرادها؟! ...\nوخلاصة القول: أن القرآن يعيد تشكيل العقل، ويقوم ببناء اليقين الصحيح فيه من خلال مخاطبته له بأساليب شتي، مما يؤدي إلي إقناعه بما يحمل من أفكار فتنتقل تلك الأفكار بسهولة ويسر إلي منطقة اللاشعور، وتترسخ فيها من خلال تكرارها في السور والآيات لتشكل بعد ذلك نقطة بداية قوية لانطلاق السلوك المعبر عنها ... .\nوالقرآن لا يركز على قضايا بعينها، بل يرسم في الذهن خريطة شاملة وواضحة للإسلام، ويُعطي كل جزء فيها اهتمامًا يناسب حجمه، فينشأ عن هذا كله تصحيح للمفاهيم الخاطئة وتغيير للثوابت الموروثة، لتحل محلها معاني القرآن وثوابته، وهذا من شأنه أن يُحدث وحدة التصور لدي أفراد الأمة.","vol":"1","page":42},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-70>المحور الثاني\nالقلب والقرآن</span>\nنعم إن الاقتناع العقلي هو المنطلق الأساسي للسلوك، ومع هذا يبقي هذا الاقتناع بحاجة إلى رضا قلبي لتنطلق به الجوارح بالأفعال المؤيدة لما في العقل من أفكار، فالعقل مهما كان وضعه إلا أنه في النهاية ما هو إلا جندي من جنود القلب، فالقلب هو الملك، وما من عمل تقوم به الجوارح إلا ويمر من خلال القلب ويأخذ موافقته ورضاه عليه، كما قال تعالى:\n﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ [الأنعام: ١١٣].\nفالسلوك يبدأ - كما توضح الآية - بإصغاء من القلب لصوت العقل ثم رضا بذلك لتكون النتيجة اقتراف الفعل ..\nوهذا ما يؤكده كذلك قوله تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَ﴾ [التحريم: ٤]، أي: أنصتت قلوبكما لصوت العقل وارتضته فكانت التوبة.\nفالاقتناع العقلي هو نقطة البداية التي لابد أن يتبعها إصغاء من القلب ثم رضًا منه بمقتضياته .. ولكن قد يقتنع العقل بقضية من القضايا لكن القلب لا يستطيع أن يتخذ القرار بتنفيذ مقتضى هذا الاقتناع .. أتدرون لماذا؟!\nلغلبة سلطان النفس وهواها وسيطرتها عليه، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [القصص: ٥٠].\nفما هو الهوى وما مدى علاقته بالقلب؟\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-71>القلب بين الإيمان والهوى:</span>\nمن تعريفات القلب أنه مجموعة المشاعر والعواطف داخل الإنسان من حب وكُرْه، وفرح وخوف ورجاء، والقلب كما نعلم هو الملك على سائر الأعضاء كما في الحديث: «.. ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب» (١) ... هذا القلب يتجاذبه طرفان: إيمان وهوى.\nأما الإيمان فهو تصديق القلب لحقائق العقل، أو بمعنى آخر: اتجاه المشاعر لما قرره العقل من حقائق، فالإيمان محله القلب كما قال تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤].\nوالإيمان مشاعر كما في الحديث: «ثلاث مَن كُنَّ فيه وجد حلاوة الإيمان ن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار» (٢).\nوأما الهوى: فهو اتجاه المشاعر لما تميل إليه النفس من شهوات حسية كانت أو معنوية.\nوعلى قدر قوة أحد الطرفين - الإيمان أو الهوى - تكون له الغلبة على إرادة القلب، ومن ثَمَّ يكون من نصيبه الأمر الصادر من القلب إلي للجوارح.\nففي الحديث: «لا يزني العبد حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن» (٣).\nفلحظات الزنى أو السرقة أو القتل عكست انتصار الهوى على الإيمان، وقوة سيطرته على المشاعر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-72>الإيمان أولًا:</span>\nإذن فعندما نرى سلوكًا معوجًا من شخص ما: كمن بدأ يتهاون في أداء الصلاة، أو من يطلق بصره إلى المحرمات، فإن هذا يعكس قوة سلطان الهوى على مشاعره، ومن ثَمَّ فإن الطريقة الصحيحة لتقويمه ليست بإنكار أفعاله فقط، فهو يعلم جيدًا خطأ ما يفعل، وإنما تكون بالعمل على زيادة الإيمان في قلبه ليصبح هو الدافع للأعمال. وهذا ما نلحظه في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢].\n_________\n(١) متفق عليه: رواه البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩).\n(٢) متفق عليه: رواه البخاري (٦٥٤٢)، ومسلم (١٧٤).\n(٣) أخرجه البخاري (٦/ ٢٤٩٧ رقم ٦٤٢٤).","vol":"1","page":43},{"text":"وفي الدعاء: «اللهم اقسم لنا من خشيتك ما يحول بيننا وبين معاصيك» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-73>مرض القلب وصحته:</span>\nمعنى مرض القلب: أي عدم صحته، أو بعبارة أخري: اتجاه مشاعره نحو الهوى حتى يسيطر عليه، وبقدر هذه السيطرة يكون المرض، وعندما تتجه المشاعر كلها للهوى يتمكن المرض من القلب وتنتفي عنه الصحة، ويصبح داعي الهوى هو الآمر الناهي المطاع، كما صور ذلك القرآن في قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٣].\nوصور اتباع الهوى كثيرة، وتشمل كل ما تميل إليه النفس، ويجمعها قاعدة واحدة تنطلق منها وهي: حب الدنيا.\nفمن تلك الصور: اتباع الشهوات، قال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩].\nومنها: طلب العلو في الأرض: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤].\nومنها كذلك: الخوف على الرزق والحياة. قال تعالى: ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ [القصص: ٥٧].\nوفي المقابل فإن عودة القلب إلي صحته تعني: تخلصه مشاعره من سيطرة الهوى واتجاهها إلي الله ﷿.\nقال صلي الله عليه وسلم: «من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-74>القلب الحي:</span>\nعندما تتحرر المشاعركلها من سلطان الهوى وتتجه إلي الله عندئذ يصبح القلب حيًا أبيضًا، يشع النور من جنباته، لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض .. كما في الحديث: «تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودًا عودًا، فأي قلب أُشربها، نُكِتت فيه نُكتة سوداء، وأي قلب أنكرها، نُكِتت فيه نكته بيضاء حتى يصير على قلبين: أبيض مثل الصفا، فلا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض، والآخر: أسود مربادًا كالكوز مُجَخِيًا، لا يعرف معروفًا، ولا يُنكِر منكرًا، إلا ما أُشرِب من هواه» (٣).\nفإن استغل الشيطان منه غفلة، تذكر الله فعاد إلي ما كان عليه، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١].\nوخلاصة القول: أن التغيير المنشود يستلزم بالإضافة إلى إعادة تشكيل العقل: دخول الأيمان في القلب، وتقويته في مواجهة الهوى، والعمل الدائم علي زيادته حتى يسيطر تمامًا على المشاعر ليعيد القلب إلى كامل صحته وحياته.\nفإن كان هذا هو المطلوب للقلب ليحدث التغيير المنشود في السلوك، فكيف يمكن للقرآن أن يفعل ذلك؟!\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-75>القرآن ودوره في دخول الإيمان القلب:</span>\nدخول الإيمان والنور في القلب نعمة عظيمة من الله ﷿، كما قال تعالى على لسان نبيه: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ [سبأ: ٥٠].\nوقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي﴾ [المائدة: ١١١].\nفالإيمان محض فضل من الله ﷿ يمنحه لمن يجد عنده الرغبة فيه، كما في الحديث القدسي: «يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم» (٤).\n_________\n(١) حديث حسن: أخرجه الترمذي (٥/ ٥٢٨ رقم ٣٥٠٢) وحسنه الشيخ الألباني في صحيح الجامع برقم ١٢٦٨.\n(٢) حديث صحيح: أخرجه أبو داود (٤/ ٣٥٤، برقم ٤٦٨٣)، وصححه الشيخ الألباني في صحيح الجامع برقم (٥٩٦٥).\n(٣) أخرجه مسلم (١/ ١٢٨، رقم ١٤٤)، مربادًا: أي يعلوه السواد، ومجخيًا: أي: مقلوبًا.\n(٤) أخرجه مسلم (٤/ ١٩٩٤، رقم ٢٥٧٧).","vol":"1","page":44},{"text":"ومما لا شك فيه أن القناعة العقلية هي مبدأ هذه الرغبة .. هذه القناعة لابد لها أن تمتزج بميل قلبي وعاطفة تنتظر اللحظة المناسبة التي يمُنُّ الله فيها عليها. فتتوهج وينشرح صدر صاحبها للإيمان، قال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ [الأنعام: ١٢٥].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-76>وهنا يأتي دور القرآن:</span>\nفمن أقبل على القرآن وهو يبحث فيه عن الهدى وجده .. لماذا؟!\nلأنه سيجد فيه ردًّا شافيا على ما يتردد في عقله من تساؤلات حول قضية الوحدانية، وقصة الوجود وما بعد الموت و..\nلكن هذا كله لا يكفي - كما ذكرنا - فالقناعة العقلية إن لم يصاحبها إصغاء قلبي فستظل حبيسة العقل، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ [الأنعام: ٣٦].\nوهنا يأتي الدور الآخر للقرآن ألا وهو قدرته على إثارة المشاعر وتأجيجها، فالقرآن ليس تذكرة للعقول فقط، ولكنه أيضا موعظة تثير المشاعر والعواطف.\nقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٥٧].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-77>دور الموعظة:</span>\nالموعظة كالسياط تهز القلب، وتهيئ للإصغاء إلى صوت العقل فتنشأ الرغبة، ويزداد الشوق إلى الإيمان الذي يدخل نوره القلب في الوقت الذي يحدده الله ﷾.\nوهنا أمثلة كثيرة توضح قدرة القرآن على مخاطبة العقل وإثارة مشاعر القلب في نفس الوقت، مما يُهيئ سامعه للهداية إن استمر في التعامل معه.\nوإليك هذا المثال والذي نراه يتمثل في أحد صناديد الكفر -عتبة بن ربيعة - الذي ذهب إلى رسول الله ﷺ ليحاوره، ويعرض عليه ترك دعوته ودينه مقابل ما يُريد من مال أو جاه أومُلك.\nفما كان من رسول الله إلا أن انتظر حتى فرغ من كلامه ثم تلا عليه صدر سورة فصلت حتى قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت: ١٣].\nفلم يستطع عقبة أن يتحمل أكثر من ذلك فوضع يده على فيِّ رسول الله ﷺ وناشده بالرحم أن يسكت، وعاد إلى قومه فقال بعضهم لبعض: نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به، فلما جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال: ورائي أني سمعت قولا والله ما سمعت مثله من قبل، والله ما هو بالسحر ولا بالشعر ولا بالكهانة، يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها بي، خلُّوا بين الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت نبأ، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم وعزه عزكم، وكنتم أسعد الناس به، فقالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه، قال: هذا رأيي فيه، فاصنعوا ما بدا لكم (١).\nوالمتأمل للآيات التي قرأها رسول الله ﷺ على عتبة يجدها تُخاطب العقل وتقنعه بوحدانية الله ﷿ وبملكه التام والمُطْلق لهذا الكون، وفي نفس الوقت فإن الآيات تُثير المشاعر وتهز القلب وتخوفه، فينتج عن هذا امتزاج الفكر بالعاطفة، وهذا ما حدث لعتبة لكنه لم يستثمر الفرصة العظيمة التي سُنحت له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-78>القرآن يمزج الفكر بالعاطفة:</span>\nإليك مثال آخر يوضح طريقة القرآن في مزج القناعة العقلية بالعاطفة القلبية.\nيقول تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٣].\n_________\n(١) البيهقى فى الدلائل، وابن عساكر، والضياء، وفي كنز العمال (٣٥٤٢٨).","vol":"1","page":45},{"text":"فهذا خطاب موجَّه للعقل يحمل تحديًّا معجزًا ولكن هذا وحده لا يكفي لحدوث الرضا القلبي، بل لابد من هزِّ القلب، وإثارة مشاعره، وهذا ما نجده في الآيات التالية للآية السابقة: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (٢٤) وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٤ - ٢٥].\nفامتزاج الفكر بالعاطفة هو طريقة القرآن الفريدة في تحويل وجهة القلب إلى الله ﷿، لينتظر القلب بعد ذلك فضل الله ﷾ في إدخال نور الإيمان إليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-79>القرآن وزيادة الإيمان:</span>\nمع دور الإيمان العظيم في دخول الإيمان للقلب فإنه يعمل كذلك على زيادته فيه وذلك من خلال ثلاث وسائل:\nالأولى: أنه بنفسه يزيد الإيمان:\nفكما مرَّ علينا سابقا أن معاني الإيمان، اتجاه المشاعر إلى الله ﷿ .. معنى ذلك أن الإيمان يزداد في لحظات التجاوب والانفعال القلبي لكل ما هو لله. والقرآن يقوم بذلك من خلال قدرته على التأثير في مشاعر قارئه بمواعظه البليغة وسلطان ألفاظه وبخاصة عند ترتيلها والتغني بها.\nنعم في البداية قد يكون التجاوب بطيئا بين العقل والقلب، ولكن بالمدوامة على القراءة مع يقظة الذهن سيزداد التجاوب والانفعال .. هذا التجاوب يعني زيادة الإيمان في القلب، وكلما استثمر الشخص لحظات التأثر بترديد الآية التي أثرت فيه: ازداد الإيمان في قلبه.\nالثانية: الطاقة المتولدة من القرآن:\nفاستثارة المشاعر تولد طاقة في نفس صاحبها، فإن استثمر تلك الطاقة بحُسن تصريفها في أعمال مصاحبة للقراءة كالدعاء أو السجود مثلا: ازداد الإيمان أكثر وأكثر، وهذا ما نجده في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٧ - ١٠٩].\nفعندما ترجم هؤلاء الصالحون شعورهم عند استماعهم للقرآن بالسجود والبكاء، انعكس ذلك على القلب بزيادة خشوعه وخضوعه لله ﷿.\nالوسيلة الثالثة: الدلالة على أوجه البر:\nفالقرآن يدل على أعمال من شأنها أن تزيد إيمانه كالصلاة والصيام وقيام الليل.\nفعلى سبيل المثال: نجد القرآن كثيرا ما يستحث القارئ على الإنفاق في سبيل الله كقوله تعالى: ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الروم: ٣٨].\nفالإيمان كما نعلم يزيد بالطاعة وتنقص بالمعصية، فإذا ما قام العبد بهذه الأعمال فإن أثرها يعود على القلب مرة أخرى بزيادة مساحة الإيمان فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-80>القرآن وشفاء القلب:</span>\nالسبب الرئيسي لمرض القلب هو الهوى، وشفاؤه بالإيمان، وطريقة القرآن الفريدة في شفاء القلب هو «الإحلال» بمعنى استخدام قوة الإيمان ليحل محل الهوى كما قال تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء: ١٨].","vol":"1","page":46},{"text":"ويضرب القرآن مثلا لهذه الطريقة في العلاج، يقول تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ [الرعد: ١٧].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-81>القرآن وحياة القلوب (الولادة الثانية):</span>\nبالمداومة على قراءة القرآن ومع ازدياد فترات تجاوب القلب مع العقل: يزداد الإيمان شيئا فشيئا، ويحل محل الهوى في القلب، إلى أن تأتي لحظة من أجمل لحظات الحياة وهي تحرر القلب بالكامل من الهوى وولادته من جديد: قلبا حيا، يقظا، نابضا، يتحرك ويخشع، ويجده صاحبه معه عندما يريده .. هذه اللحظة السعيدة سماها العلماء «الولادة الثانية».\nيقول ابن القيم: «فللروح في هذا العالم نشأتان: إحداهما النشأة الطبيعية المشتركة، والثانية نشأة قلبية روحانية، يولد بها قلبه وينفصل عن مشيمة طبعه كما وُلد بدنه وانفصل عن مشيمة البطن، ومن لم يصدق هذا فليضرب عنه صفحا وليشتغل بغيره.\nوفي كتاب الزهد للإمام أحمد: أن المسيح عيسى بن مريم ﵇ قال للحواريين: «إنكم لن تلجوا ملكوت السماوات والأرض حتى تولدوا مرتين» (١).\nوعندما تتم هذه الولادة، ويُولد القلب الحي، عندئذ تبدأ رحلته المباركة في السير إلى الله للوصول إلى معرفته في الدنيا والقرب منه في الآخرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-82>القرآن والسير إلى الله:</span>\nكما أن لدى القرآن القدرة على تغيير سلوك صاحبه وذلك بالعمل المستمر على زيادة الإيمان في قلبه وطرد الهوى منه، فإن لديه القدرة كذلك على السير به إلى الله والاقتراب الدائم منه حتى يصل العبد إلى درجة الصديقية، وهي الدرجة التي تلي الأنبياء في القرب من الله ﷿ وذلك من خلال ما يعرف بـ <span data-type=\"title\" id=toc-83>«أعمال القلوب»</span>.\nأعمال القلوب:\nأعمال القلوب هي العبادات التي ينبغي أن يمارسها القلب عند تعرضه لأحوال معينة. فعندما يتوجه البدن بطاعة من الطاعات، كالصلاة أو الانفاق ينبغي أن يصاحب ذلك عبادة قلبية تُسمى الإخلاص لله ﷿، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥].\nوالعبودية التي ينبغي أن يكون فيها القلب عند ورود النعم عليه: الشكر لله ﷿، كما قال تعالى: ﴿فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٤].\nوالصبر هو عبودية القلب التي ينبغي أن تلازمه عند ورود المصائب أو الابتلاءات عليه، كقوله تعالى: ﴿وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ﴾ [الحج: ٣٥].\nوالخشوع والخضوع والتواضع هي عبوديته عند ذكره لله ﷿ وتذكَّر عظمته وكبريائه مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢].\nوعبادة التوكل على الله والاستعانة به ينبغي أن تصاحب القلب قبل القيام بأي عمل: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩].\nوالتقوى هي الحال التي ينبغي أن يكون عليها القلب بعد القيام بأي طاعة. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣].\n_________\n(١) مدارج السالكين (٣/ ١٤٦).","vol":"1","page":47},{"text":"والرضا هو الحال الذي ينبغي أن يستقبل به القلب أقدار الله ﷿ وبخاصة المؤلمة منها. وعلى قدر القيام بهذه الأعمال تكون عبوديته لربه، ومن ثَم قربه منه.\nفإن قال قائل ولكن كيف يمكننا القيام بهذه الأعمال القلبية، وما هو دور القرآن في ذلك؟\nقبل الإجابة بهذه عن هذا السؤال لابد أن يتطرق الحديث حول منشأ هذه العبادات والفرق بين<span data-type=\"title\" id=toc-84> الحال والمقام</span>.\nالحال والمقام:\nعندما تبلغ مسامع شخص ما أخبار ساره فإنه يعيش في حالة من الفرح والسرور، وعكس ذلك يكون عند تلقِّيه أخبارا محزنة، هذه الحالة تزول بعد فترة من تعرضه للمؤثرات التي أثرت فيه، فإذا ما كان المؤثر شديدا أو استمر في تعرضه له لفترة طويلة، فإن هذه الحالة الشعورية التي انتابته ستلازمه لفترة أطول من الزمن، وهذا ما يُسمَّى بالمقام، أي أنه أقام في هذه الحالة واستمر عليها.\nفالحال إذن هو الحالة الشعورية الطارئة التي تنتاب الشخص عند تعرضه لمؤثر ما، ولا يصبح هذا الحال مقاما إلا إذا عاش فيه ولازمه وأقام فيه، فقد تتلقى امرأة خبرا بوفاة زوجها الذي هو في نفس الوقت شقيقا لواحد من الناس وابن عم لواحد آخر .. بلا شك سيعيش الجميع في حالة من الحزن عند وقت تلقيهم النبأ، هذه الحالة ستزول عند ابن العم في وقت أقصر منه عند الأخ، أما الزوجة ففي الغالب أن حالة الحزن ستلازمها وقتا طويلا فتظل في مقام الحزن.\nهذا من ناحية المشاعر، أما من ناحية السلوك فعلى قدر استثارة المشاعر تكون القوة الدافعة للعمل، فعلى قدر قوة المؤثر يكون العمل المُصاحب، وعلى قدر الاستمرار أو المقام في الحالة الشعورية المستثارة يكون الاستمرار في العمل المصاحب.\nفالبكاء مثلا عمل مصاحب لمشاعر الحزن عندما تتمكن من القلب وسرعة استدعائه مرتبطة ببقاء هذه المشاعر في حالة من التوهُّج.\nفإذا ما اتضح هذا الأمر فما علينا إلا أن نُسقطه على عبادات القلوب.\n- فالشكر عبادة قلبية تنتج من استثارة مشاعر الحب لله ﷿، هذه الحالة الشعورية قد تكون طارئة فيعيش القلب شاكرا لله ﷿ في لحظات معدودة، وقد تستمر الحالة فترة طويلة فيستمر القلب في مقام الشكر مما يدفعه إلى القيام بأعمال تُعبِّر عن هذه العبادة القلبية كسجود الشكر، وقيام الليل، وكثرة حمد الله ﷿ باللسان وذكر نعمه والتحدث عنها.\n- والشعور بالاحتياج إلى الله ﷿ يستدعي عبودية الاستعانة به ﷾، وعلى قدر قوة الحالة الشعورية يكون العمل المُصاحب والذي يمثله الدعاء إلى الله ﷿ بإلحاح وصدق. واستمرار هذه العبودية وهذا العمل مرهون ببقاء تلك الحالة الشعورية.\n- وعندما تهيج مشاعر الحياء من الله ﷿ يعيش القلب في عبودية المراقبة والإخلاص والتي قد تصل إلى الإحسان المذكور في حديث جبريل المشهور أي أن تعبد الله كأنك تراه.\n- وعندما ينتاب الشخص شعور بالعجز والانكسار لله ﷿ يعيش قلبه في عبودية الاستسلام والخضوع لله ﷿.\n- وعندما تتأجج مشاعر الخوف من الله ﷿ في القلب فإنه يعيش عبودية التقوى له سبحانه.\nأما عبودية الإنابة والتوبة فيتجه إليها القلب عندما تستثار مشاعر الرغبة والطمع فيما عند الله ﷿.\nهذه الأحوال المختلفة التي قد تطرأ على مشاعر العبد تجعل قلبه يتقلب في ألوان من العبودية لله ﷿ بقدر ما تمكث هذه الأحوال، وما من مؤمن بالله ﷿ إلا وعاش فيها ولو للحظات، ولكنه لا يلبث أن يعود إلى سابق عهده من الغفلة بعد ذهاب المؤثر القوي.","vol":"1","page":48},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-85>الطريق إلى العبودية:</span>\nإذن لكي يصبح القلب في عبودية تامة ودائمة لله ﷿ يجب أن تكون مشاعره متوجهة إلى الله ﷿ وبصورة مستمرة مما يجعل استثارة أي منها تتم بأدنى مؤثر، فيؤدي ذلك إلى توجه القلب إلى العبادة المناسبة للمشاعر المُثارة وبصوة تلقائية، فإن أصابته سرَّاء شكر وإن أصابته ضراء صبر، وإن عزم على أمر توكل على الله، وكلما توجه القلب إلى العبودية المناسبة فإنه بذلك يسير إلى الله ويقترب منه.\nولكن كيف يمكننا أن نصل إلى هذه الحالة القلبية من خلال القرآن؟\nالطريق الذي يسلكه القرآن للوصول بصاحبه إلى هذه الحالة يتلخص في قدرة القرآن على إنشاء الأحوال المختلفة التي يعيشها القلب وذلك بتنوع مؤثراته عليه فتارة يُخوفه بذكر يوم الحساب وما فيه من أهوال، ويذكره النار وما تحتويه من ألوان العذاب، وبعاقبة المكذبين من الأمم السابقة ..\nوتارة يُرغبه بذكر الجنة وما فيها من ألوان النعيم، وتارة يستثير فيه مشاعر الحب بكثرة ذكر النعم، وتارة يستثير مشاعر الاحتياج إلى الله بعرض جوانب الفقر إليه ..\nهذه الأحوال التي ينشئها القرآن في القلب تتحول بمرور الأيام إلى مقامات ثابتة يعيشها القلب، وذلك من خلال كثرة استثارته للمشاعر المختلفة ودوام الضغط عليها حتى تتمكن الأحوال الطارئة من القلب فتصبح مقامات ثابتة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-86>أهمية الانشغال بالقرآن:</span>\nولكي يصل المرء إلى هذه الحالة لابد له من كثرة قراءة القرآن ودوام التفكر في الآيات .. لابد أن تأخذ آيات القرآن وقتها الكافي مع القلب لتستقر الأحوال التي تثمرها فيه، فتنتج هذه الأحوال عبادات قلبية .. هذه العبادات ستدفع صاحبها للقيام بالأعمال الصالحة التي تعبر عنها. وهذا ما كان يفعله الصحابة رضوان الله عليهم - كما سيمر علينا بمشيئة الله في الفصل القادم - كانوا يأخذون عشر آيات فقط من النبي ﷺ فيعيشون معها بكل جوارحهم فتحدث لهم أبلغ الأثر من تغيير في عقولهم، وتعبيد قلوبهم لله ﷿، وتدفعهم لسرعة الاستجابة والمبادرة للقيام بأي عمل صالح يُعبر عن عبوديتهم التامة لربهم .. ثم ينتقلون بعد ذلك إلى غيرها.\nتأمل معي حالهم وقد امتلأت قلوبهم حبًّا لله ﷿ نتيجة لتفاعلهم مع آيات القرآن التي لا تخلو من بيان سور كرمه سبحانه على عباده وإنعامه عليهم ... تأمل معي وقد هاج عليهم هذا الحب والتعات به قلوبهم، فذهبوا إلى رسول الله ﷺ يخبرونه بذلك ويقولون له: يا رسول الله، والله إنا لنحب ربنا، فأنزل ﷿ قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١].\nمن أجل ذلك كانوا يظلون فترة طويلة في حفظ السورة من القرآن، فلقد أتم عمر بن الخطاب حفظ سورة البقرة في اثني عشر عاما، أما ابنه عبد الله فقد أتمها في ثماني سنين.\nإن حفظ سورة البقرة لا يستغرق عدة أسابيع أو شهور إن كان الأمر يقتصر على حفظ ألفاظها فقط، أما إذا كان الأمر مرتبطا بتأثير القرآن على العقل ليعيد تشكيله، وعلى القلب ليعبده لله ﷿، فالأمر بلا شك سيختلف، وسيحتاج إلى سنين كما فعل عمر ابن الخطاب وابنه عبد الله ﵄.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-87>المحور الثالث\nالقرآن والنفس</span>\nبمداومة قراءة القرآن بتدبر وتفهم تبدأ خريطة الإسلام تُرسم في الذهن، ويُعاد تشكيل العقل من جديد، ويُبنى فيه اليقين الصحيح.\nومع التغيير الذي يحدث في العقل فإن القرآن كذلك يؤثر في المشاعر ويوجهها تجاه المولى ﷿ مما يزيد الإيمان، وينصلح القلب فتنصلح الجوارح تبعا له.","vol":"1","page":49},{"text":"هذا العمل الصالح الذي تقوم به الجوارح سيواجه عقبة كبيرة تعمل على منع وصول أثره إلى القلب، هذه العقبة هي الشيئ الذي وضعه الله داخلنا ليمتحننا به ..\nإنها النفس التي جُبلت على حب الراحة والشهوات والتي لا تفكر إلا في لذته الآنية، ولا تنظر إلى عواقب أفعالها ولو كانت بعد لحظات، كالطفل الذي لا يفكر إلا فيما يريد وإن كان سيتسبب في هلكته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-88>أنواع الشهوات:</span>\nوالشهوات التي تسعى النفس دائما للحصول عليها إما أن تكون مادية مثل ما هو مذكور في قوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾ [آل عمران: ١٤].\nومنها ما هو معنوي كحب الرفعة عمن حولها وتميزها على أقرانها، وأن تُحمد على أفعالها وترتفع منزلتها في عيون الآخرين.\nفالنفس تُريد في كل لحظة من اللحظات استيفاء شهوة من شهواتها في حين أنها تنفر من كل تكليف يُتعبها أو عمل لا تخرج منه بشيء من حظوظها.\nمن هنا كان استثقالها للقيام بأي طاعة، فإذا ما دخل الإيمان القلب وارتفع مستواه فيه، وبدأ في صراعه مع هوى النفس واستطاع أن ينتصر عليه .. فإن إرادة القلب ستكون طوع أمره وستأمر الجوارح بنتفيذ ما يُريد من أعمال صالحة.\nولكن هل ستضع النفس سلاحها وتستسلم لقرار القلب وتنتظر معركة أخرى مع الإيمان أم سيكون لها توجه آخر؟!\nعندما تنهزم النفس وهواها أمام داعي الإيمان، وتتأكد أنه لا حيلة لها إلا الاستسلام فإنها لا تترك هذا الأمر هكذا يتم رغما عنها، بل يتحول اهتمامها إلى كيفية الاستفادة من هذا العمل لخدمة حظوظها.\nومن صور ذلك: إلحاحها على صاحبها ودعوته لإظهار عمله أمام الناس ليعظم قدره في أعينهم فيمدحوه، ويوقروه، ويعظموه ... وهذا من أحب الأمور لدى النفس، بل يُعدّ من أحلى الأشربة لديها.\nفإن لم يكن هناك فرصة لإظهار العمل أمام الناس كان هناك طريق آخر أمام النفس يخدم حظوظها، ألا وهو سعيها بأن تجعل العمل كبيرا في عين صاحبها فتلح عليه كي يحمدها على قيامها به فيؤدي ذلك إلى إعجابه بعمله، بل قد يصل به الأمر أن يظن أن له قدرا عند الله بهذا العمل، وأنه أفضل من غيره، وشيئا فشيئا تعظم في عينه فيغتر بها ويتكبر على الآخرين.\nذلك كله يؤدي إلى إحباط العمل وعدم وصول أثره إلى القلب، بل يزيده بعدا من الله ﷿ ومقتا، لأنه قد وقع في<span data-type=\"title\" id=toc-89> الشرك الخفي </span>والذي يعد من اخطر أنواع الشرك.\nفالذي يعمل العمل وهو يريد به وجه الله وفي نفس الوقت يريد أن ترتفع منزلته عند الناس فقد أشرك بالله الناس.\nوالذي يعمل ويرى أن نفسه هي التي أعانته عليه فقد أشرك بالله نفسه.\nالشرك الخفي:\nقال بن تيمية: «الرياء شرك بالناس، والعجب شرك بالنفس».\nفكلا الأمرين ضد الإخلاص، فيُحرم القلب بذلك ثمرة العمل، بل إن ثمرته تخدم جانب الهوى أكثر، وتُقوِّي داعيه في القلب، وهو ما يسميه العلماء بالشهوة الخفية، والتي قد تكون هي الدافع للعمل الذي يبدو أمام الناس أنه عمل صالح.\nفأمر النفس إذن خطير، جد خطير، ولابد أن يشتد حذرنا منها وانتباهنا إليها حتى لا تضيع علينا ثمرة أعمالنا.\nيقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٦٤].","vol":"1","page":50},{"text":"من هنا يتبين لنا أن جهاد النفس على لزوم الصدق والإخلاص هو هو الضلع الثالث لمثلث التغيير، فكل ما سبق ذكره في جانبي العقل والقلب لن يؤتي أكله إلا إذا اكتمل بتزكية النفس وجهادها وترويضها على طاعة الله بصدق وإخلاص.\nفإذا كان الأمر بهذه الخطورة، فما هو دور القرآن في تغيير النفس والسيطرة عليها واليأس من أن تكون في يوم من الأيام سببا لدفعنا للعمل الصالح الخالص لوجه الله؟!\nيتجلي دور القرآن العظيم في تغيير النفس من خلال عدة محاور أهمها تعريف الناس بحقيقة أنفسهم ومدى ضعفها، وتعريفهم بالله ﷿ وحقه عليهم، وإرشادهم إلى الوسائل التي تعينهم على جهاد أنفسهم، وإلزامها طاعة الله بصدق وإخلاص.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-90>القرآن يعرفنا بأنفسنا:</span>\nمن أهم الأمور التي تعين العبد على جهاد نفسه هو معرفته بها معرفة حقيقية، وعدم رضاه عنها، والتأكد أنها لن تأمره بشيء إلا إذا كان لها حظ فيه.\nفمن أخطر الأشياء على العبد وثوقه بنفسه، ورضاه عنها، واعتقاده أنه يأتيه خير من قِبلها. ذلك نجد القرآن كثيرا ما يعرفنا بأنفسنا وبخطورتها، وبضرورة الحذر الدائم منها.\nيقول تعالى: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ [النساء: ١٢٨].\nويقول تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ٧ - ١٠].\nويذكرنا القرآن بحقيقة نفوسنا فيقول تعالى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣].\nولا يكتفي القرآن بذكيرنا بحقيقة أنفسنا، بل يضرب لنا الأمثال، ويقص علينا القصص التي تُبيِّن خطورتها، وكيف استطاع الشيطان أن يستغل جهلها، وولوعها باستيفاء حظوظها العاجلة، وعدم نظرتها للعواقب.\nفنجده يقصُّ علينا قصة ابني آدم، ودور النفس فيها.\nيقول تعالى: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ﴾ [المائدة: ٣٠].\nوإخوة يوسف الذين ألقوا بأخيهم في البئر فقال لهم أبوهم يعقوب ﵇: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ [يوسف: ١٨].\nوامرأة العزيز التي راودت يوسف عن نفسه، واعترفت بأن نفسها هي السبب في ذلك ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣].\nوبنو إسرائيل الذين فعلوا الكثير مما يغضب الله ﷿.\nقال تعالى: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ [المائدة: ٨٠].\nوالقرآن كذلك يُذكرنا بحقيقة ضعفنا أمام أنفسنا، وأننا لا نستطيع الصمود أمام إلحاحها، كما قال تعالى على لسان نبيه يوسف - ﵇ -: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف: ٣٣].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-91>معرفة الله حق:</span>\nمن المحاور الرئيسية في قضية تغيير ما بالنفس معرفة حق الله على عباده، وأن جميع البشر مدينون لله ﷿، ومهما اجتهد العبد في أداء الطاعات فلن يوفي جزءا يسيرا من هذا الحق.","vol":"1","page":51},{"text":"هذه الحقيقة عندما تستقر في كيان الإنسان فإن من شأنها أن تُنسيه عمله الصالح، بمعنى أنه لن يظن أن له مكانة عند الله بهذا العمل أو أنه يستحق به دخول الجنة ودرجاتها العلى، بل يعمل العمل ويجتهد فيه ثم يسغفر الله بعد القيام به لشعوره بأن حق الله عليه أعظم مما يفعل وأنه إن لم تتداركه رحمة الله وعفوه فسيهلك، كمن أدان شخصا بمبلغ كبير من المال مثلا مليون دينار، ثم قام هذا الشخص بالاجتهاد في العمل وفي نهاية كل شهر قام بسداد درهم واحد .. ما هو شعور هذا الشخص وهو يقدم الدرهم لدائنه؟! .. هل شعور الفخر والإعجاب بهذا الدرهم، أم أنه سيُنكِّس رأسه وهو يعطيه له، ويشعره بالتقصير الشديد في حقه ويستعطفه ويرجوه أن يسامحه على تقصيره؟! بل يرى أن قبوله له محض فضل منه وإحسان.\nهذا لو كان الدَيْن يساوي ذلك فقط، فما بالك بدين الله علينا الذي تعجز قدرات العقل عن إحصائه؟!!\nفالله ﷿ له حقان على العبد: حق طاعة أوامره، وحق شكر نعمه.\nوالمتأمل في القرآن يجد مساحة كبيرة ومعتبرة تتحدث عن حق الله على عباده وبخاصة دَيْن النعم، وتذكرهم ببعض تفاصيل هذا الحق وواجبهم نحوه ﷾.\nيقول تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-92>جوانب النعم:</span>\nويعدد لنا القرآن بعضا من جوانب نعم الله علينا لنستشعر حجم الدَّين الذي في رقبتنا، مثل:\n- نعمة الإيجاد. قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨].\n- ونعمة الإمداد: مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ [الملك: ٣٠].\n- ونعمة التسخير. مثل قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣].\n- ونعمة الحفظ. مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ [الأنبياء: ٤٢].\n- ونعمة الهداية. مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى﴾ [الليل: ١٢]، وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ [النحل: ٩].\n- ونعمة التوفيق. مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [هود: ٨٨].\n- ونعمة الثبات: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ٨٣].\n- ونعمة العصمة من الفجور: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٢١].\n- ونعمة العفو: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٤].\n- ونعمة الأمن والستر، ونعمة سبق الفضل، والعافية، والإمهال ..\nوالقرآن بعد أن يُعدِّد لنا بعضا من جوانب النعم الإلهية على العباد يُطالبنا بشكر هذه النعم، قال تعالى: ﴿فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٤].\nوشكر النعم يبدأ بمعرفة حق الله ودَينه المستحق علينا. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [فاطر: ٣].","vol":"1","page":52},{"text":"وكلما توسع العبد في ذكر نعم ربه عليه ازدادا يقينا بأنه لن يستطيع أن يؤدي حقها، وأنه ﷾ لو حاسبنا على نعمه وطالبنا بحقه لهلكنا، كما قال ﷺ: «من نوقش الحساب عذب» (١).\nفلا أمل لدينا إلا في رحمة الله ومغفرته وتجاوزه عن حقه، وعدم محاسبتنا على نعمه علينا ..\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-93>عفو الله أو النار:</span>\nمن هنا كان القرآن دوما يُذكِّر بهذه الحقيقة، وبأن سعينا مهما بلغ فلن يوجب بمفرده النجاة من النار فضلا عن أن يدخل الجنة، وأن هذه النجاة وهذا الفوز لن يحدث إلا إذا تفضل الله علينا ولم يحاسبنا على نعمه، وتجاوز عن حقه، وعن تقصيرنا في أدائه كما قال تعالى على لسان أحد الناجين من النار: ﴿وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ [الصافات: ٥٧].\nوليس معنى هذا ترك العمل والاجتهاد، فصاحب الدَين الذي يرى استهتارا من المدين وعدم مبالاته بالسداد، يجعله يُعرض عنه ويغضب منه ولا يُفكر في إسقاط دينه، بخلاف من يراه مجتهدا في السداد - مع عدم قدرته على الوفاء - فإنه قد يتجاوز عنه.\nقال تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦].\nفالعمل والاجتهاد في فعل الخيرات ما هو إلا وسيلة لنيل الرحمة والمغفرة والتعرض للعفو والتجاوز.\nلذلك نجد القرآن يطالبنا بالاجتهاد في العمل للتعرض للرحمة والمغفرة الإلهية والتي إذا تمت للعبد فسيتبعها بمشيئة الله دخول الجنة، فضلا ورحمة منه سبحانه.\nقال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣].\nويقول سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢١٨].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-94>من فوائد النظر في حق الله:</span>\nكثرة التفكر والنظر في حق الله ودينه علينا له كثير من الفوائد التي من شأنها أن تعيننا على تحري الصدق والإخلاص في أعمالنا.\nفمن هذه الفوائد:\n١ - عدم رؤية العمل الصالح أو الاعتماد عليه بل استصغاره، والنظر إليه بعين النقص مهما كان اجتهاد العبد، فالذي يجتهد ويجتهد ثم يُسدد بضعة دراهم من دينه البالغ المليون دينار لن يشعر بأنه قدَّم شيئا يُذكر، فتراه دوما مستصغرا ما يقدمه لدائنه طامعا في عفوه.\n٢ - عدم احتقار الآخرين أو الشعور بالأفضلية عليهم، فالكل مَدِين لله ﷿ ولا يسع الجميع سوى عفوه وإلا فالنار مصير من لم يدركه هذا العفو.\nفالذي يقدم خمسة دراهم لصاحب الدَّين الكبير لن يشعر بأنه أفضل ممن قدم درهما أو نصف درهم، فالكل مقصِّر، والكل يستحق العقوبة، ولا أمل إلا في السماحة والعفو.\n٣ - الخوف الدائم من عدم قبول العمل: فمن الطبيعي ألا يقبل صاحب الدين الكبير سداد جزء يسير منه، فإن قبله فهذا محض فضل وإحسان منه.\nلذلك كان الصالحون يجتهدون ويجتهدون ثم يخافون ألا يقبل منهم. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٠].\n٤ - الحذر الشديد من السكون إلى النفس أو الإعجاب بها حتى لا يتعرض العبد لمقت الله ومعاملته بالعدل للا بالإحسان، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨].\n٥ - الاجتهاد في نسيان العمل بعد أدائه وعدم التحدث به أمام الآخرين.\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري (٥/ ٢٣٩٤ برقم ٦١٧١)، ومسلم (٤/ ٢٢٠٥، رقم ٢٨٧٦).","vol":"1","page":53},{"text":"٦ - سؤال الجنة استجداء لا استحقاقا، فمن تفضل الله عليه، وقبل عمله وتجاوز عن حقه لديه، وعفا عنه، أدخله الجنة ورفعه في درجاتها بهذ العمل القليل الذي أداه .. رحمة منه - سبحانه - وفضلا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-95>وسائل عملية:</span>\nومع تذكير القرآن الدائم لنا بحق الله علينا فإنه يدلنا كذلك على وسائل عملية تجعلنا دوما مستشعرين لهذا الحق، منها:\n١ - ذكر النعم وإحصاء جوانبها:\nقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [فاطر: ٣].\nوقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾ [المائدة: ١١].\nوقال تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ٦٩].\nفالتذكر الدائم لنعم الله ﷿ والعمل على إحصائها وكتابتها من أهم وسائل معرفة حق الله ﷿ علينا ومن أكبر المعينات كذلك على شكره سبحانه.\nقال تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١].\n٢ - ربط النعم بالمنعم وحمده عليها:\nمما يعين على دوام تذكر حق الله علينا، ربط أي نعمة جديدة بالمنعم العظيم وسرعة حمده عليها لينغلق الباب سريعا أمام النفس، فلا تلح على صاحبها كي ينسب النعمة إليها، أو يحمدها عليها ..\nقال تعالى: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٨].\nوقوله: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ [النمل: ١٩].\n٣ - الاستغفار بعد أداء الطاعة:\nفالاستغفار بعد القيام بالطاعة دليل على استشعار العبد تقصيره في حق الله، وأن هذه الطاعة لا تليق بجلاله ولا توفي حقه .. فبعد الإفاضة من عرفات علينا بالاستغفار، قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩٩].\nوبعد قيام الليل كذلك، قال تعالى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: ١٧].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-96>معرفة النفس:</span>\nهذا بالنسبة لوسائل معرفة حق الله واستشعاره بصورة دائمة، أما بالنسبة لوسائل معرفة النفس واليأس منها فهي:\n١ - معرفة جوانب الفقر إلى الله:\nفمعرفة جوانب الافتقار إلى الله ﷿ تُنسي العبد نفسه وتُشعره بضآلة حجمها، وتُريه دائما فضل ربه عليه، وأنه به سبحانه لا بنفسه، وأنه - سبحانه - لو تركه لنفسه لهلك وضل، كالمريض صاحب الحالة الحرجة والذي تم إمداده بالمقويات والدم والهواء والسوائل من خلال أنابيب تتصل بجسمه ولو قُطعت عنه لهلك.\nفنحن بدون الإمداد الإلهي المستمر لحظة بلحظة نفتقد كل مقومات وأسباب الحياة والعافية والهداية والثبات والعصمة من الفجور و...\nفمن عاش في هذه الحقيقة سيقطع بالكلية اعتماده على نفسه أو غيره وسيتجه قلبه لله ﷿، مادا يده إليه مستجديا فضله آملا ألا ينقطع مدده عنه.\nجوانب الفقر إلى الله:\nأفاض القرآن في بيان أوجه الفقر إلى الله ﷿، منها:\n- فقر الوجود وتوالي الإمداد: قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾ [الأنعام: ٤٦].\n- الفقر إلى الرزق: قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ﴾ [الملك: ٢١].","vol":"1","page":54},{"text":"- فقر الهداية: قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ [الحجرات: ٧].\n- فقر التوفيق والسداد: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧].\n- الفقر إلى العلم: ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة: ٣٢].\n- فقر العصمة من الفجور: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف: ٣٣].\n- فقر العصمة من الكفر: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥].\n- فقر العصمة من الظلم: ﴿رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٩٤].\n- فقر العصمة من الشيطان: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ٨٣].\n- الفقر إلى تزكية النفس: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾ [النور: ٢١].\n- فقر الصبر: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [النحل: ١٢٧].\n- الفقر إلى النصر والتمكين: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٢٦].\n- الفقر إلى الإعانة على القيام بالطاعة: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٣].\n- الفقر إلى التوبة: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ [التوبة: ١١٨].\n- الفقر إلى إيجاد الماء: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ [الملك: ٣٠].\n- الفقر إلى وجود الليل والنهار وتعاقبهما: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ﴾ [القصص: ٧١].\n- فقر الأمن من العواصف والبراكين والزلازل والخسف: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [الملك: ١٦، ١٧].\n- الفقر إلى نزول السكينة: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [القصص: ١٠].\n- الفقر إلى الله في كشف الضر: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: ٦٢].\n- فقر الحفظ: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١].\n- فقر الولاية: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧].\n٢ - من وسائل اليأس من النفس: كثرة الدعاء وسؤال الله كل شيء يحتاجه العبد كدليل على استشعاره لفقره الذاتي والمطلق إليه، وهذا في القرآن أكثر من أن يُحصى، مثل قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨].\n٣ - تتبع عيوب النفس:","vol":"1","page":55},{"text":"وذلك من خلال التفكر في مواضع المنع والحرمان من العصمة الإليهة وتخلية الواحد منا بينه وبين الذنب، ليعرف قدر نفسه عليه لارتكابها، فالعاقل من تتبع هذه المواقف وواجه نفسه بها ليُعرِّفها حقيقتها وقدرها، ويدرك مدى عجزها وجهلها وظلمها وفقرها إلى مولاها، وهذا ما كان يفعله الصالحون، كما جاء في القرآن على لسان آدم وزوجه بعد أن أكلا من الشجرة: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣].\nوعلى لسان موسى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ﴾ [القصص: ١٦].\nوكذلك يونس ﵇: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧].\nوعندما طلب يوسف ﵇ سؤال النسوة اللاتي قطعن أيديهن عند رؤيته ليثبت براءته قبل خروجه من السجن، عند ذلك اعترفت زوجة العزيز أنها من وراء ذلك كله، وأقرت بأن نفسها هي التي أمرتها بذلك فقالت: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٣].\n٤ - التخويف من عاقبة الرياء والعجب:\nمن وسائل الحذر من النفس:\nدوام التذكر بخطورة الرياء والعجب وإحباطهما للعمل ليشتد حذر الإنسان من نفسه، ويخشى على عمله منها.\nقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ﴾ [البقرة: ٢٦٤].\nوقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥].\n٥ - الخوف من الله:\nفالخوف هو أفضل لجام تُلجم به النفس.\nقال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤٠، ٤١].\nوقال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (٩) إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ [الإنسان: ٨ - ١٠].\n٦ - التواضع:\nالتواضع من أفضل الوسائل التي تعين العبد على استصغار نفسه وعدم شعوره بالأفضلية على غيره، مهما كانت درجته أو ثقافته أو سبقه، ومن فوائده كذلك أنه لا يرى نفسه أهلا لتحمل مسئولية، أو إمارة، بل يكون حاله كحال موسى ﵇ عندما استصغر نفسه على حمل الرسالة بمفرده، وطلب من الله ﷿ أن يشاركه أخوه في حملها مع أنه ﵇ كان أهلا لذلك، وقد قام بحملها على أحسن وجه، وتحمل من فرعون ثم من بني إسرائيل الكثير والكثير.\nقال تعالى على لسان موسى ﵇: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ [القصص: ٣٤].\nوفي القرآن صور كثيرة للتواضع، وفيه كذلك تحذير من الكبر ومظاهره.\nقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ [النساء: ٣٦].\nوقال تعالى: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (١٨) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان: ١٨، ١٩].","vol":"1","page":56},{"text":"وقال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣].\n٧ - الإسرار بالعمل ليظل باب طلب المنزلة عند الناس مغلقا أمام الناس:\nقال تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١].\n٨ - كثرة الإنفاق في سبيل الله: فالإنفاق في سبيل الله يزكي النفس ويطهرها من شحها المجبولة عليه، فيجعلها سهلة سمحة مما يعين العبد على ترويضها.\nقال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣].\nوقال تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [التغابن: ١٦].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-97>نماذج تربوية:</span>\nالقرآن لا يكتفي في موضوع النفس ببيان خطورتها وضرورة الحذر منها ووسائل جهادها، بل يعرض لقارئه كذلك نماذج تربية الله ﷿ لرسله وأنبيائه على هذه المعاني العظيمة، وبخاصة رسولنا الكريم ﵊.\nفمن توجيهات القرآن لنبينا ﵊:\nالتذكير الدائم بفضل الله عليه.\nقال تعالى: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ [الشورى: ٥٢].\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال: ٣٠].\nوقوله: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣].\n- ويُذكِّره أنه بالله لا بنفسه.\nقال تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ [النساء: ١١٣].\nوقال تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٤].\n- ويُذكِّره في بدايات الوحي بقوله: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦].\n- ويذكره كذلك بمدى فقره إلى الله: ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا (٨٦) إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٦، ٨٧].\n- ويعلمه كيف يُعبِّر عن حالة الفقر والمسكنة والاستسلام لله ﷿.\nقال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ [الأعراف: ١٨٨].\n- ويذكره دوما بأنه عبد لله ﷿ لا يملك من الأمر شيئا مثله مثل سائر البشر.\nقال تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-98>احتياجات التغيير القرآني:</span>\nرأينا فيما سبق قدرة القرآن على التغيير من خلال المحاور الثلاثة: العقل والقلب والنفس لينتج ذلك كله شخصية سوية تتمتع بفكر صحيح وعاطفة جياشة، وسلوك سوي مستقيم، أي أنه ينتج عبدا لله ﷿ في كل أموره وأحواله، شعاره قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ﴾ [الأنعام: ١٦٢، ١٦٣].","vol":"1","page":57},{"text":"هذه القدرة الفذة على التغيير التي يحملها القرآن في طياته كيف نستدعيها وننتفع بها، أو بعبارة أخرى .. ما الأمور التي يحتاجها القرآن ممن يتعامل معه ليحدث فيه هذا التغيير؟\nلو فكرنا معا في هذا الأمر، واسترجعنا ما قيل في الصفحات السابقة لخلصنا إلى أن احتياجات التغيير القرآني تتمثل في هذه النقاط:\nأولا: تفريغ أكبر وقت للقرآن وعدم الانشغال بغيره - قدر المستطاع - ليتمكن القرآن من إعادة تشكيل العقل وترسيخ المعاني فيه، وبناء القاعدة الإيمانية في القلب، ومعرفة النفس معرفة حقيقة، وتزكيتها وترويضها على القيام بطاعة الله مع تحري الصدق والإخلاص.\nوهذا يستدعي أيضا المداومة على قراءته واعتبار أنه بمثابة الوجبة اليومية للعقل والقلب والنفس، فبها يتم دوام التذكير، ووضوح الرؤية، ومن خلالها تتولد الطاقة الدافعة للعمل.\nثانيا: التركيز الشديد عند قراءته والإنصات التام له، وعدم السماح للذهن أن يشرد.\nثالثا: القراءة ببطء وترسل للتمكن من فهم المراد من الآيات.\nرابعا: تدبر الآيات وفهم المعنى الإجمالي المقصود منها، وأن يكون الهدف من قراءته البحث عن الهدى فيه لتحقيق المقصد من نزوله.\nخامسا: ترديد الآية التي تؤثر في القلب لاستثارة المشاعر وترسيخ المعنى في اللاشعور وزيادة الإيمان في القلب.\nسادسا: حسن الاستفادة من الطاقة المتولدة من القراءة بتوجيهها نحو أعمال البر المختلفة والتي دلت عليها القراءة.\nسابعا: حفظ ما تيسر منه أو حفظه كله ليسهل التعبد به وقراءته واستدعاؤه في أي وقت.\nإن الذي يقرأ كتابا - أي كتاب - له هدف من قراءته، والذي يستمع إلى شريط أو يقرأ صحيفة له هدف من ذلك، والقرآن ليس بأقل من هذه الأشياء، فلا ينبغي أن نقرأه لمجرد القراءة، أو طلب الثواب فقط دون النظر إلى الهدف الأسمى الذي من أجله أنزله الله ﷿.","vol":"1","page":58},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-99>الفصل الرابع\n\nالقرآن بين الأولين والآخرين</span>","vol":"1","page":59},{"text":"قد يظن البعض أن ما سبق ذكره عن قدرة القرآن على التغيير فيه مبالغة ن ولا يعدو أن يكون كلاما نظريا.\nنعم القرآن لديه القدرة الفذة على التغيير الجذري لأي شخص - كائنا من كان - ومن أي نقطة يبدأ منها، واستبداله بشخص آخر عابدا لله ﷿ في كل أموره وأحواله.\nومن فضل الله على هذه الأمة أن جعل القرآن يحدث هذا التغيير في أناس كانوا قبل إسلامهم غاية في الغرابة والجاهلية، فدخلوا إلى مصنع القرآن ومدرسته فخرجوا منه أناسا آخرين تفخر بهم البشرية حتى الآن.\nإنها الدفعة الأولى التي تخرجت في مدرسة القرآن وبأعداد كبيرة .. جيل الصحابة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-100>الرسول والقرآن:</span>\nومما ساعد القرآن على إحداث هذا التغيير في جيل الصحابة حُسن تعاملهم معه بعد أن فهموا المقصد من نزوله.\nولقد كان أستاذهم وقدوتهم في ذلك محمدا ﷺ، فلقد عايش رسول الله ﷺ القرآن بكل كيانه وانصبغت حياته به، فكان قرآنا يمشي على الأرض.\nفلقد سئلت السيدة عائشة ﵂ عن خُلق رسول الله ﷺ فقالت: كان خُلقه القرآن، يرضى لرضاه ويسخط لسخطه (١).\nوجاءت سنته شارحة للقرآن وموضحة له، بل إن الإمام الشافعي عليه رحمة الله يقول بأن كل ما حكم به رسول الله ﷺ فهو مما فهمه من القرآن (٢).\n_________\n(١) أخرجه مسلم في صلاة المسافرين برقم (٧٤٦).\n(٢) تفسير القرآن العظيم لابن كثير (١/ ٤).","vol":"1","page":60},{"text":"وكانت قراءته ﷺ للقرآن قراءة متأنية مترسلة .. تقول السيدة حفصة ﵂ كان رسول الله ﷺ يقرأ بالسورة فيرتلها حتى تكون أطول من أطول منها (١)، وكان ﷺ يقف عند المعاني متأملا ومعتبرا، فإذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ.\nعن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: صليت مع النبي ﷺ ذات ليلة فافتتح بالقرأة فقرأها، ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها، يقرأ مترسلا، إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ، ثم ركع (٢).\nبل إنه ﵊ قام ليلة بآية واحدة حتى أصبح يرددها، وهي قوله تعالى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٣) [المائدة: ١١٨].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-101>التحذير من عدم الانتفاع بالقرآن:</span>\nوكان ﷺ يحذر أصحابه من الاهتمام بشكل الأداء فقط دون المعنى، فعن سهل بن سعد الساعدي قال: بينما نحن نقترئ إذ خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: «الحمد لله، كتاب الله واحد، وفيكم الأخيار، وفيكم الأحمر والأسود، اقرأوا القرآن، اقرأوا قبل أن يأتي أقوام يقيمون حروفه كما يقام السهم لا يجاوز تراقيهم، يتعجلون أجره ولا يتأجلونه» (٤).\nوكان يؤكد لأصحابه على أن المعنى هو المقصود من القراءة، وأن القارئ لابد أن يفقه ما يقول، فعندما سأله عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ - عن المدة التي يختم فيها القرآن قال ﷺ: «اقرأه في كل شهر». قال: قلت: إني أقوى على أكثر من ذلك، قال: «اقرأه في خمس وعشرين». قلت: إني أقوى على أكثر من ذلك، قال: «أقرأه في عشرين». قال: قلت: إني أقوي على أكثر من ذلك. قال: «اقرأه في خمس عشرة». قال: قلت: إني أقوى على أكثر من ذلك. قال: «اقرأه في سبع». قال: قلت: إني أقوي على أكثر من ذلك. قال: «لا يفقهه من يقرؤه في أقل من ثلاث» (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-102>القرآن علم يدعو للعمل:</span>\nوكان ﷺ يدرك قيمة القرآن العظمى وأنه منهاج حياة ومصدر سعادة للفرد في الدنيا والآخرة، لذلك كان حريصا على أن يتعامل الصحابة مع آيات القرآن على أنها رسائل جاءتهم من ربهم، تأخذ بأيديهم إلى الصراط المستقيم، وهذا لن يتحقق إلا إذا جعلوا القرآن أمامهم واتبعوا تعليماته.\nفالقرآن علم يدعو للعمل، فمن سار وراء توجيهاته كان من أهله، وإن لم يكن يقرؤه، وهذا لا يعني ترك قراءته ولكن يعني الحرص على العمل بمقتضى علمه.\nومما لا شك فيه أن الذي يواظب على قراءته ويتلوه بالليل والنهار، ويقرون ذلك بالعمل أفضل بكثير ممن يعمل به ولا يقرؤه.\n_________\n(١) رواه مسلم (٧٣٣).\n(٢) رواه مسلم برقم (١٧٦٤).\n(٣) أخرجه أحمد (٣٥/ ٢٥٦ برقم ٢١٣٢٨)، وابن ماجه (١/ ٢٤٩ برقم ١٣٥٠) وغيرهم، وصححه الألباني في صحيح النسائي (١٠١٠).\n(٤) أخرجه أحمد (٥/ ٣٣٨، رقم ٢٢٩١٦)، وعبد بن حميد (ص ١٧١، رقم ٤٦٦)، وأبو داود (١/ ٢٢٠، رقم ٨٣١)، وابن حبان (٣/ ٣٦، رقم ٧٦٠)، والطبرانى (٦/ ٢٠٧، رقم ٦٠٢٤)، والبيهقى فى شعب الإيمان (٢/ ٥٣٩، رقم ٢٦٤٥).\n(٥) أخرجه الإمام أحمد، وأورده الألباني في السلسلة الصحيحة ح (١٥١٣).","vol":"1","page":61},{"text":"روى البخاري في صحيحه عن أبي موسى الأشعري عن النبي ﷺ قال: «مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كالأترجة طعمها طيب وريحها طيب. والذي لا يقرأ كالتمرة طعمها طيب ولا ريح لها. ومثل الفاجر الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر. ومثل الفاجر الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة طعمها مر ولا ريح لها» (١).\nإن قيمة العلم الحقيقية فيما يحدثه من خشوع في القلب يدفع صاحبه للعمل.\nعن جبير بن نفير، عن أبي الدرداء قال: كنا مع النبي ﷺ فشخص ببصره إلى السماء ثم قال: «هذا أوان يختلس العلم من الناس حتى لا يقدروا منه على شيء»، فقال زياد بن لبيد الأنصاري: كيف يختلس العلم منا وقد قرأنا القرآن؟ فوالله لنقرأنه ولنقرئنه نساءنا وأبناءنا، فقال: «ثكلتك أمك يا زياد، إن كنت لأعدك من فقهاء أهل المدينة، هذه التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى فماذا تغني عنهم؟»، قال جبير: فلقيت عبادة بن الصامت قلت: ألا تسمع إلى مايقول أخوك أبو الدرداء؟ فأخبرته بالذي قاله أبو الدرداء، قال: صدق أبو الدرداء، إن شئت لأحدثنك بأول علم يرفع من الناس؟ الخشوع، يوشك أن تدخل مسجد جماعة فلا ترى فيه رجلا خاشعا (٢).\n«فأخبر النبي ﷺ أن العلم عند أهل الكتابين من قبلنا موجود بأيديهم، ولا ينتفعون بشيء منه لما فقدوا المقصود منه، وهو وصوله إلى قلوبهم حتى يجدوا حلاوة الإيمان به، ومنفعته بحصول الخشية والإنابة لقلوبهم، وإنما هوعلى ألسنتهم تقوم به الحجة عليهم» (٣).\nمن هنا يتبين لنا خطورة التحذير النبوي «القرآن حجة لك أو عليك» (٤).\nوكما يقول ابن عمر ﵄ أن كل حرف من القرآن ينادي: أنا رسول الله إليك لتعمل بي، وتتعظ بمواعظي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-103>عدم الاختلاف في القرآن:</span>\nلأن القرآن هو النعمة العظمى التي اختص الله بها الأمة، ولأن عز المسلمين مرتبط بتمسكهم به، واجتماعهم عليه، كان ﷺ حريصا على عدم الاختلاف في القرآن، فما نعرف منه فلنعمل به، وما جهلنا منه فلنكله إلى عالمه ﷾.\nعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: لقد جلست أنا وأخي مجلسا ما أحب أن لي به حمر النعم، أقبلت أنا وأخي، وإذا مشيخة من صحابة رسول الله ﷺ جلوس عند باب من أبوابه، فكرهنا أن نفرق بينهم فجلسنا حَجَرة إذا ذكروا آية من القرآن فتماروا فيها حتى ارتفعت أصواتهم، فخرج رسول الله ﷺ مغضبا قد احمر وجهه يرميهم بالتراب ويقول: «مهلا يا قوم، بهذا أهلكت الأمم من قبلكم باختلافهم على أنبيائهم وضربهم الكتب بعضها ببعض، إن القرآن لم ينزل يُكذِّب بعضه بعضا، بل يصدق بعضه بعضا، فما عرفتم منه فاعملوا به وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه» (٥).\nوعن جرير بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: «اقرءوا القرآن ما أئتلفت قلوبكم، فإذا اختلفتم فقوموا عنه» (٦).\n_________\n(١) أخرجه البخاري رقم (٥٠٢٠).\n(٢) أخرجه الترمذي (٢٧٧)، وصححه الألباني في صحيح الجامع رقم (٦٩٩٠).\n(٣) الذل والانكسار لابن رجب ص (٤٦).\n(٤) رواه مسلم\n(٥) رواه أحمد (١١/ ٣٠٤ برقم ٦٧٠١) وقال السيخ شعيب الأرنؤوط: صحيح، وهذا إسناد حسن.\n(٦) متفق عليه: البخاري (٤/ ١٩٢٩ برقم ٤٧٧٣، ٤٧٧٤)، (٦/ ٢٦٨٠ برقم ٦٩٣٠، ٦٩٣١)، ومسلم (٨/ ٥٧ برقم ٦٩٤٩).","vol":"1","page":62},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-104>صفاء المنبع:</span>\nكان ﷺ حريصا على وحدة التلقي وصفاء المنبع الذي يستقي منه الصحابة - رضوان الله عليهم - فكان دائم التوجيه لهم بعدم الانشغال بغير القرآن، جاءه عمر بن الخطاب يوما بكتاب أصابه من بعض الكتب، فقال: يا رسول الله: إني أصبت كتابا حسنا من بعض أهل الكتاب، فغضب رسول الله ﷺ وقال: «أمتهوكون فيها يابن الخطاب؟ والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به أو بباطل فتصدقوا به والذي نفسي بيده لو أن موسى صلى الله عليه وسلم كان حيا ما وسعه إلا أن يتبعني» (١).\nيقول سيد قطب ﵀ في تعليقه على هذه الحادثة:\n«إذن فقد كان هناك قصد من رسول الله ﷺ أن يُقصر النبع الذي يستقي منه ذلك الجيل في فترة التكوين الأولى على كتاب الله وحده، لتخلص نفوسهم له وحده، ويستقيم عودهم على منهجه وحده، ومن ثم غضب أن رأى عمر ابن الخطاب - ﵁ - يستقي من نبع آخر.\nكان ﷺ يريد صنع جيل خالص القلب، خالص العقل، خالص التصور، خالص الشعور، خالص التكوين من أي مؤثر آخر غير المنهج الإلهي الذي يتضمنه القرآن (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-105>الجيل الجديد:</span>\nاستقبل الصحابة القرآن استقبالا صحيحا، وفهموا المقصد الأساسي من نزوله فانصبغت حياتهم به، وقطف الإسلام أطيب الثمار بظهور هذا الجيل الفريد الذي لم تشهده البشرية - وبهذا الكم - مثله.\nإنه لأمر عجيب يشهد بقدرات هذا الكتاب على إحداث ذلك التغيير الجذري في النفوس .. أمة تعيش في الصحراء .. حفاة عراة .. فقراء، بلا مقومات تذكر، لا توضع في حسابات القوى الكبرى آنذاك من فرس وروم، وإن شئت فقل إنها كانت تابعة .. فيأتي القرآن ليغير هذه الأمة ويعيد صياغة شخصيتها، وكيانها من جديد، ويرفع هامات أبنائها إلى السماء، ويربطها بالله ويُشعرها بالعزة والرفعة بإيمانها ودينها الذي ارتضاه الله لها.\nيأتي القرآن ليصنع أمة جديدة لم يعهدها العالم من قبل، .. تحطم الامبراطوريات وتقلب الموازين، وتصبح في سنوات معدودات صاحبة القوة الأولى في الأرض بين الأمم .. الكل يخشاها .. الكل يتودد إليها .. لا تُشترى بالمال ولا بالجاه .. أمة عرفت مصدر عزتها فتمسكت به فأحسن قيادتها، وأسعد بها الدنيا ردحا من الزمن ..\nانظر مثلا إلى واحد من هؤلاء وهو يُجيب على رستم قائد الفرس عندما سأله: ما الذي جاء بكم؟ قال له: الله جاء بنا .. وهو الذي بعثنا لنُخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، فأرسل رسوله بدينه إلى خلقه، فمن قبله قبلنا منه ورجعنا عنه، وتركناه وأهله، ومن أبى إلا الحرب قاتلناه حتى نفضي إلى الجنة أو الظفر.\nإنها العزة التي جعلت عمر بن الخطاب يقول لأبي عبيدة بن الجراح حين طلب منه أن يغير ثيابه المرقعة لتسلم بيت المقدس ومقابلة عظماء النصارى: نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، فإن ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-106>وحدة التصور والسلوك:</span>\nعندما أتجه الصحابة بكليتهم إلى القرآن أنشأ عندهم وحدة التصور، مما أثمر إلى حد كبير وحدة السلوك، ولم لا والكتاب الذي تلقوا منه أفكارهم وتصوراتهم واحد.\n_________\n(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٢٣/ ٣٤٩ برقم ١٥١٥٦)، وابن أبي شيبة في مصنفه (٩/ ٤٧ برقم ٦٩٤٩)، وحسنه الألباني في الإرواء برقم (١٥٨٩). والتهوك كالتهور: وهو الوقوع في الأمر بغير رويِّة، والمتهوك: الذي يقع في كل أمر، وقيل هو: التحير - ابن الأثير في الغريب -.\n(٢) معالم في الطريق (١٣ - ١٤).","vol":"1","page":63},{"text":"أخرج ابن المبارك في الزهد أن عمر بن الخطاب أخذ أربع مائة دينار فجعلها في صرة ثم قال للغلام: اذهب بها إلى أبي عبيدة بن الجراح ثم تله ساعة في البيت حتى تنظر ما يصنع، فذهب بها الغلام إليه فقال: وصله الله ورحمه، ثم قال: تعالي يا جارية! اذهبي بهذه السبعة إلى فلان وبهذه الخمسة إلى فلان حتى أنفذها. فرجع الغلام إلى عمر بن الخطاب فأخبره ووجده قد أعد مثلها لمعاذ بن جبل فقال: اذهب بها إلى معاذ بن جبل ثم تله في البيت ساعة حتى تنظر ما يصنع، فذهب به إليه فقال: يقول لك أمير المؤمنين: اجعل هذا في حاجتك، فقال: وصله الله ورحمه، تعالي يا جارية! اذهبي إلى فلان بكذا وإلى بيت فلان بكذا وإلى بيت فلان بكذا، فاطلعت امرأة معاذ، فقالت: نحن والله مساكين فأعطنا فلم يبق في الخرفة إلا ديناران، فدحا بهما إليها، فرجع الغلام إلى عمر فأخبره، فسُرَّ بذلك عمر وقال: إنهم أخوة بعضهم من بعض (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-107>من وصايا الصحابة:</span>\nلقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يستشعرون جيدا أن استمرار عزة الإسلام ورفعته مرهون باستمساك أبناءه بالقرآن، فهو حبل الله الذي يجمع ولا يفرق، كما قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣].\nوكانوا يدركون أن الاستمساك بالقرآن يعني اتخاذه دليلا ومصاحبا وهاديا لكل ما يحبه الله ﷿، فكانوا شديدي الحرص على استمرار تعامل الأجيال التي تليهم مع القرآن بنفس الطريقة التي تعاملوا هم بها معه، وكانوا كذلك شديدي الخوف من أن يتحول القرآن من كتاب هداية يصنع النفوس الكبار ويحرر القلوب من أسر الدنيا، وينقذ البشرية من الضلال إلى مجرد تراتيل ترددها الألسن ولا تتجاوز الحناجر.\nوتجلى هذا جيدا في توجيهاتهم ووصاياهم لمن بعدهم.\nفمن هذه الوصايا:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-108>١ - التفرغ للقرآن وعدم الانشغال بغيره:</span>\nإن التفرغ للقرآن وعدم الانشغال بغيره من شأنه أن يجعل تصورات الشخص وخواطره ومنطلقات سلوكه تنطلق من معاني القرآن، لذلك كان الصحابة شديدي الحرص على تبليغ هذه الوصية لمن بعدهم، وبخاصة بعد انتشار الفتوحات، ودخول الكثيرين الإسلام ممن لم يعايشوا أجواء القرآن.\nتأمل معي هذه الوصية لعبد الله بن مسعود - ﵁ - والتي يقول فيها: جردوا القرآن ليربوا فيه صغيركم، ولا ينأى عنه كبيركم، فإن الشيطان يفر من البيت الذي تُقرأ فيه سورة البقرة.\nقال شعبة - أحد رواة هذا الأثر-: فحدثت به أبا التياح وكان عربيا فقال: نعم، أُمروا أن يجردوا القرآن. قلت له: ما جردوا القرآن؟ قال: لا يخلطون به غيره (٢).\nوعن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه قال: أصبت أنا وعلقمة صحيفة، فانطلقنا إلى ابن مسعود بها، وقد زالت الشمس أو كادت تزول، فجلسنا بالباب ثم قال ابن مسعود للجارية: انظري من بالباب فقالت: علقمة والأسود، فقال: ائذني لهما، قال: فدخلنا، فقال: كأنكما قد أطلتما الجلوس؟ قلنا: أجل. قال ما منعكما أن تستأذنا؟ قالا: خشينا أن تكون نائما. فقال: ما أحب أن تظنا بي هذا، إن هذه الساعة كنا نقيسها بصلاة الليل. فقلنا: هذه صحيفة فيها حديث حسن، فقال: هاتها، يا خادم هاتي الطست فاسكبي فيها الماء. قال: فجعل يمحوها بيده ويقول: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف: ٣]، فقلنا: انظر فيها، فإن فيها حديثا عجبا، فجعل يمحوها ويقول: إن هذه القلوب أوعية فاشغلوها بالقرآن، ولا تشغلوها بغيره.\nقال أبو عبيد في تعليقه على هذا الخبر: أرى أن هذه الصحيفة أُخذت من بعض أهل الكتاب، فلهذا كرهها عبد الله (٣).\nجردوا القرآن:\n_________\n(١) الزهد لابن المبارك (١٧٨، ١٧٩).\n(٢) فضائل القرآن للفريابي، ص (١٥١، ١٥٢).\n(٣) فضائل القرآن لأبي عبيد، ص (٧٣).","vol":"1","page":64},{"text":"كان عمر بن الخطاب ينهى وهو يرسل الجيوش عن الإكثار من رواية الحديث لعدم شغل الناس عن القرآن .. فعن قرظة بن كعب قال: خرجنا نريد العراق، فمشى عمر ﵁ معنا إلى صرار فتوضأ، فغسل اثنتين ثم قال: أتدرون لم مشيت معكم؟ قالوا: نعم، نحن أصحاب رسول الله ﷺ مشيت معنا، قال: إنكم تأتون أهل قرية لهم دوي بالقرآن كدوي النحل، فلا تصدوهم بالأحاديث فتشغلوهم، جردوا القرآن وأقلوا الرواية عن رسول الله ﷺ، امضوا وأنا شريككم، فلما قدم قرظة قالوا: حدثنا، قال: نهانا عمر بن الخطاب (١).\nوعن عبد الله بن يسار قال: سمعت عليا ﵁ يخطب ويقول:\n«أعزم على كل من كان عنده كتاب إلا رجع فمحاه، فإنما هلك الناس حيث تتبعوا أحاديث علمائهم، وتركوا كتاب ربهم» (٢).\nويعلق الشيخ محمد الغزالي ﵀ على هذين الخبرين فيقول: فعمر وعلي وغيرهما من الأئمة لا يجحدون السنة، ولكنهم يريدون إعطاء القرآن حظه الأوفر من الحفاوة والإقبال. وذلك هو الترتيب الطبيعي، فلابد من معرفة القانون كله معرفة سليمة قبل الخوض في شروح وتفاصيل لبعض أجزائه، إذ أن هذه الشروح والتفاصيل لا يحتاج إليها كل أحد، وربما شحنت الأذهان فلم تترك بها فراغا للأصول اللازمة والقواعد الهامة (٣).\nلقد أدرك الصحابة القيمة العظمى للقرآن وقدرته على التغيير، وأدركوا كذلك أن انشغال الناس بغيره سيشتت الذهن ويصرف الوقت، مما سيؤدي إلى عدم تمكن القرآن من قيادتهم وتغييرهم.\nتأمل معي ما قاله الحارث الأعور .. دخلت المسجد فإذا أُناس يخوضون في أحاديث، فدخلت على علي فقلت: ألا ترى أناسا يخوضون في الأحاديث في المسجد؟ فقال: قد فعلوها؟ قلت: نعم، قال: أما إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ستكون فتن» قلت: وما المخرج منها؟ قال: «كتاب الله، فيه نبأ من قبلكم، وخبر من بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، هو حبل الله المتين، ونوره المبين، والذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا تنقضي عجائبه، وهو الذي لم ينته الجن إذ سمعته أن قالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ [الجن: ١]، وهو الذي من قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن عمل به هدي إلى صراط مستقيم» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-109>٢ - ومن هذه الوصايا: تأكيدهم المستمر بأن المعنى هو المقصود من التلاوة والعمل هو ثمرته:</span>\nيقول ابن مسعود ﵁: كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن (٥).\nويؤكد هذا المعنى أبو عبد الرحمن السلمي، وهو أحد تلامذة الصحابة فيقول: أخبرونا أنهم كانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يجاوزوهن إلى العشر الأخر حتى يعلموا ما فيهن من العمل. قال: فتعلمنا العلم والعمل جميعا، وأنه سيرث القرآن من بعدنا قوم قوم يشربونه شرب الماء لا يجاوز هذا، وأشار إلى حنكه (٦).\nوفي هذا المعنى يقول عمر بن الخطاب: لا يغرركم من قرأ القرآن، إنما هو كلام نتكلم به، ولكن انظروا من يعمل به (٧).\n_________\n(١) جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر (٢/ ٩٩٩، ١٠٠٠).\n(٢) المصدر السابق (١/ ٢٧٢).\n(٣) فقه السيرة للغزالي ص (٣٧).\n(٤) رواه الدارمي في سننه برقم (٣٣٣٣) قال الشيخ الألباني: (ضعيف) انظر حديث رقم: (٧٤) في ضعيف الجامع.\n(٥) أخرجه الطبري (١/ ٣٥).\n(٦) فضائل القرآن للفريابي (٢٤١).\n(٧) اقتضاء العلم للعمل للخطيب البغدادي (٧١).","vol":"1","page":65},{"text":"ويقول ابن عباس في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ [البقرة: ١٢١]. قال: يتبعونه حق اتباعه. وقال عكرمة: ألا ترى أنك تقول «فلان يتلو فلان»: أي يتبعه ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾ (١) [الشمس: ١، ٢].\nالعمل مقدم على الحفظ:\nلقد كانت قضية العمل بما يتعلمونه من القرآن لا يختلف عليها اثنان منهم، لهذا - كما يقول ابن تيمية - كانوا يبقون مدة في حفظ السورة.\nقال أنس: كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جَلَّ في أعيننا (٢).\nولقد ظل عمر بن الخطاب يتعلم ويحفظ في سورة البقرة اثنتي عشرة سنة، فلما أتمها نحر جزورا، وهذا ابنه عبد الله يتعلمها في ثماني سنين (٣).\nفالعمل بالقرآن لديهم كان مقدما على حفظه، ولقد مات الكثير من أكابر الصحابة، بل من العشرة المبشرين بالجنة دون أن يتموا حفظ القرآن ..\nأخرج ابن سعد في طبقاته عن محمد بن سيرين قال: قُتل عمر ولم يجمع القرآن (٤).\nوكما يقول الحسن البصري أن رسول الله ﷺ توفي وما استكمل حفظ القرآن من أصحابه رضوان الله تعالى عليهم إلا النفر القليل، استعظاما له، ومتابعة لأنفسهم بحفظ تأويله والعمل بمحكمه ومتشابهه.\nوفي هذا يقول عبد الله بن مسعود: «إنا صعب علينا حفظ ألفاظ القرآن، وسهل علينا العمل به، وإن من بعدنا يسهل عليهم حفظ القرآن، ويصعب عليهم العمل به».\nوكان ابن عمر يقول: كان الفاضل من أصحاب رسول الله ﷺ في صدر هذه الأمة لا يحفظ من القرآن إلا السورة أو نحوها، ورزقوا العمل بالقرآن، وإن آخر هذه الأمة يرزقون القرآن، منهم الصبي والأعمى، ولا يرزقون العمل به» (٥).\nوليس معنى هذا هو إهمالهم حفظه، بل معناه انشغالهم بالعمل به عن حفظه، فالعمل بالقرآن مقدم على حفظه، فإن استطاع شخص ما أن يجمع بين الاثنين فهذا هو السابق حقا، فقد استطاع أن يجمع بين النبوة بين كتفيه إلا أنه لا يوحى إليه ..\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-110>٣ - تصحيح مفهوم حامل القرآن:</span>\nيقول عبد الله بن عمرو بن العاص: من جمع القرآن فقد حمل أمرا عظيما، فقد أُدرجت النبوة بين كتفيه غير أنه لا يوحى إليه.\nولقد جمع أبو موسى الأشعري الذين قرأوا القرآن وهم قريب من الثلاثمائة فعظَّم القرآن وقال: إن هذا القرآن كائن لكم ذخرا، وكائن عليكم وزرا، فاتبعوا القرآن ولا يتبعكم، فإنه من اتبع القرآن هبط به على رياض الجنة، ومن اتبعه القرآن زج به في قفاه فقذفه في النار (٦).\nوكان أبو عبد الرحمن السلمي إذا ختم عليه الخاتم القرآن أجلسه بين يديه ووضع يده على رأسه وقال له: يا هذا اتق الله، فما أعرف أحدا خير منك إن عملت بالذي علمت (٧).\nوكان محمد بن كعب القرظي يقول: كنا نعرف قارئ القرآن بصُفرة اللون (٨).\nفلا يصح جمع القرآن عندهم إلا بالعمل به أولا، وهذا ما أشار إليه الحسن البصري بقوله: إن أولى الناس بهذا القرآن من اتبعه وإن لم يقرأه (٩).\nويؤكد ابن عبد البر على هذا المعنى فيقول: وحملة القرآن هم العالمون بأحكامه، وحلاله وحرامه، والعاملون به (١٠).\n_________\n(١) فضائل القرآن لأبي عبيد (١٣٠).\n(٢) مقدمة أصول التفسير لابن تيمية (٩٩).\n(٣) تدبر القرآن للسنيدي (٩٩).\n(٤) طبقات ابن سعد (٣/ ٢٢٤).\n(٥) الجامع لأحكام القرآن (١/ ٣٠).\n(٦) رواه الدارمي وأبو نعيم في الحلية، واسناده حسن، انظر أخلاق حملة القرآن ص (٢٠).\n(٧) التذكار في أفضل الأذكار (٧٨).\n(٨) فضائل القرآن لأبي عبيد (١١٢).\n(٩) المصدر السابق.\n(١٠) التذكار في أفضل الأذكار للقرطبي (١٩٦).","vol":"1","page":66},{"text":"ولقد أتى رجل أبا الدرداء فقال: إن ابني جمع القرآن، فقال: اللهم غفرا، إنما جمع القرآن من سمع له وأطاع (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-111>٤ - ومن وصاياهم: الإيمان قبل القرآن:</span>\nوالمقصد من هذه الوصية غرس قواعد الإيمان في القلب وإقامة صرحه وتمكنه من الإرادة قبل حفظ حروف القرآن.\nيقول جندب بن عبد الله: كنا مع النبي ﷺ ونحن فتيان حزاير، فتعلمنا الإيمان قبل القرآن، ثم تعلمنا القرآن فازددنا إيمانا (٢).\nويؤكد على هذا المعنى عبد الله بن عمر ﵁ بقوله: لقد عشنا برهة من دهرنا وأحدنا يؤتى الإيمان قبل القرآن، فتتنزل السورة على محمد ﷺ فنتعلم حلالها وحرامها وأمرها وزجرها، وما ينبغي أن يقف عليه منها، ثم رأيت رجالا يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان فيقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته ما يدري أمره ولا زجره، ولا ما ينبغي أن يقف عنده فينثره نثر الدقل (٣).\nفإن كنت في شك من هذا فتأمل معي هذا الخبر: كتب إلى عمر بن الخطاب بعض عماله في العراق يخبرونه أن رجالا قد جمعوا كتاب الله تعالى، فكتب لهم عمر أن افرض لهم في الديوان، فكثر من يطلب القرآن، فكُتب إليه من قابل أنه قد جمع القرآن سبعمائة رجل. فقال عمر: «إني لأخشى أن يُسرعوا في القرآن قبل أن يتفقهوا في الدين، فكتب ألا يُعطيهم شيئا» (٤).\nويُطلق الحسن البصري ربيب الصحابة وأحد كبار التابعين تحذيره من حفظ حروف القرآن فقط فيقول: إن هذا القرآن قد قرأه عبيد وصبيان لا علم لهم بتأويله ولم يأتوا الأمر من أوله. قال الله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩]، وما تدبر آياته إلا اتباعه لعلمه. أما - والله - ما هو بحفظ حروفه وإضاعة حدوده، حتى إن أحدهم ليقول: والله لقد قرأت القرآن كله ما أسقطت منه حرفا .. قد والله أسقطه كله، ما رُئي القرآن له في خلق ولا عمل، وإن أحدهم ليقول: والله إني لأقرأ السورة في نفس. ما هؤلاء بالقراء ولا العلماء ولا الورعة .. متى كان القرآء يقولون مثل هذا؟ لا كثر الله في الناس مثل هؤلاء (٥).\nفالحسن البصري يحذر من عدم أخذ أمر القرآن من أوله، وأوله كما مر علينا هو تعلم ما فيه من إيمان وعمل، ليأتي بعد ذلك الحفظ على قاعدة سليمة فيزداد به القلب إيمانا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-112>٥ - ومن وصاياهم: ضرورة تدبر القرآن وفهمه وتحريك القلب به:</span>\nعن أبي جمرة قال: قلت لابن عباس: إني سريع القراءة وإني أقرأ القرآن في ثلاث، فقال: لأن أقرأ البقرة في ليلة فأدبرها وأرتلها أحب إلي من أن أقرأ كما تقول (٦).\nوهكذا كان يفعل ابن عباس ﵄ ... يقول ابن أبي مليكة: سافرت مع ابن عباس - ﵄ - من مكة إلى المدينة فكان يقوم نصف الليل فيقرأ القرآن حرفا حرفا ثم يبكي حتى نسمع له نشيجا (٧).\nوعن ابن أبي ذئب - ﵀ - عن صالح قال: كنت جارا لابن عباس ﵄ وكان يتهجد من الليل فيقرأ الآية ثم يسكت قدر ما حدثتك، وذاك طويل، ثم يقرأ. قلت: لأي شيء فعل ذلك؟ قال: من أجل التأويل يُفكر فيه (٨).\nفبمثل ما كان يقرأ ابن عباس كانوا يوصون ...\n_________\n(١) فتح الباري، كتاب فضائل القرآن (٩/ ٦٢)، وفضائل القرآن لأبي عبيد (١٣٣).\n(٢) رواه ابن ماجه بإسناد حسن، وحزاير جمع حزير، وهو الشاب الممتلئ نشاطا وقوة وجلدا.\n(٣) أخرجه الحاكم وصححه على شرط الشيخين، والدقل: هو ردئ التمر.\n(٤) الحوادث والبدع للطرطوشي (٢٠٦، ٢٠٧).\n(٥) المصدر السابق (٢٠٩، ٢١٠).\n(٦) فضائل القرآن لأبي عبيد (١٥٧).\n(٧) مختصر قيام الليل لمحمد بن نصر (١٣١).\n(٨) المصدر السابق (١٤٩).","vol":"1","page":67},{"text":"ومع شدة انشغالهم بالقرآن واعتنائهم به إلا نهم كانوا يتفاوتون في مدة ختمه.\nأخرج ابن أبي داود عن مكحول قال: كان أقوياء أصحاب رسول الله ﷺ يقرءون القرآن في سبع، وبعضهم في شهر، وبعضهم في شهرين، وبعضهم في أكثر من ذلك (١).\nولقد سأل رجل زيد بن ثابت: كيف ترى قراءة القرآن في سبع؟ فقال زيد: حسن، ولئن أقرأه في نصف شهر أو عشرين أحب إليّ، وسلني لم ذاك؟ فقال: إني أسألك؟ قال زيد: لكي اتدبره وأقف عليه (٢).\nفالعبرة عندهم ليست بكم القراءة بقدر ما كانت بالمعاني المستخرجة منها والتي تحرك القلوب وتدفع للعمل.\nلذلك كان من وصايا ابن مسعود: لا تهذوا القرآن هذّ الشعر ولا تنثروه نثر الدقل، وقفوا عند عجائبه وحركوا به القلوب ولا يكن هم أحدكم من السورة آخرها (٣).\nالقراءة المتأنية أدعى لحسن الفهم:\nسئل الإمام مجاهد – تلميذ ابن عباس – عن رجل قرأ البقرة وآل عمران، ورجل قرأ البقرة، قيامهما واحد، وركوعهما واحد، وسجودهما واحد، وسجودهما واحد، وجلوسهما واحد، أيهما أفضل؟ فقال: الذي قرأ البقرة، ثم قرأ قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ (٤) [الإسراء: ١٠٦].\nولقد قيل للسيدة عائشة ﵂: إن أناسا يقرأ أحدهم القرآن في ليلة مرتين أو ثلاثا، فقالت: قرءوا ولم يقرءوا، كان رسول الله ﷺ يقوم ليلة التمام فيقرأ سورة البقرة وسورة آل عمران وسورة النساء، لا يمر بآية فيها استبشار إلا دعا الله وتعالى ورغب، ولا يمر بآية فيها تخويف إلا دعا واستعاذ (٥).\nوفي صحيح مسلم عن أبي وائل أن رجلا يقال له نهيك بن سنان جاء إلى عبد الله بن مسعود فقال: يا أبا عبد الرحمن: كيف تقرأ هذا الحرف، ألفا تجده أم ياء «من ماء غير آسن» أو «من ماء غير ياسين» قال: فقال عبد الله: وكل القرآن قد أحصيت غير هذا؟ قال: إني لأقرأ المفصل في ركعة. فقال عبد الله: هذَّا كهذِّ الشعر؟ إن أقواما يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، ولكن إذا وقع في القلب، فرسخ فيه، فنفع ..\nويُعلق النووي على قول ابن مسعود: معناه إن قوما ليس حظهم من القرآن إلا مروره على اللسان، فلا يجاوز تراقيهم ليصل إلى قلوبهم، وليس ذلك هو المطلوب، بل المطلوب تعقله وتدبره بوقوعه في القلب (٦).\nفلا بديل عن التدبر ..\nفإن قلت فما هو الحد الأدنى للسرعة في القراءة؟!\nيوضح ذلك الحسن بن علي بقوله: اقرأ القرآن ما نهاك فإذا لم ينهك فلست تقرأه (٧).\nوعندما قال أبو جمرة لابن عباس: إني سريع القراءة، إني لأقرأ القرآن في ليلة .. قال ابن عباس: لأن أقرأ سورة أحب إلي .. إن كنت فاعلا فاقرأ قراءة تسمعها أذنك ويوعها قلبك (٨).\nومن هديهم في تلاوتهم للقرآن: ترديد الآية التي تؤثر فيهم.\nعن عباد بن حمزة قال: دخلت على أسماء ﵂ وهي تقرأ: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: ٢٧]، فوقفت عندها فجعلت تعيدها وتدعو، فطال عليّ ذلك فذهبت إلى السوق، فقضيت حاجتي ثم رجعت وهي تعيدها وتدعو (٩).\nوظل عبد الله بن مسعود يردد قوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (١٠) [طه: ١١٤]، حتى أصبح.\n_________\n(١) الاتقان في علوم القرآن للسيوطي (١/ ١٠٤).\n(٢) مختصر قيام الليل (١٤٩).\n(٣) المصدر السابق (١٣٢).\n(٤) فضائل القرآن لأبي عبيد (١٥٧).\n(٥) أخرجه ابن المبارك في الزهد (ص٤٢١ برقم١١٩٦).\n(٦) صحيح مسلم بشرح النووي (٦/ ٣٤٥).\n(٧) فضائل القرآن لأبي عبيد (١٣٤).\n(٨) فتح الباري (٩/ ١١٠).\n(٩) مختصر قيام الليل (١٤٩).\n(١٠) فضائل القرآن لأبي عبيد (١٤٦).","vol":"1","page":68},{"text":"وظل عمر بن الخطاب يردد الفاتحة في ليلة لا يزيد عليها حتى أصبح (١).\nوقرأ عامر بن قيس ليلة سورة المؤمن فلما انتهى إلى قوله: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ﴾ [غافر: ١٨]، فلم يزل يرددها حتى أصبح (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-113>٦ - ومن وصاياهم: عدم التعمق في إقامة حروف القرآن:</span>\nأخرج ابن الضريس في فضائل القرآن عن الحارث بن قيس قال:\nكنت رجلا في لساني لُكنة، وكنت أتعلم القرآن فقيل لي: ألا تعلم العربية قبل أن تعلم القرآن! فذكرت ذلك لعبد الله بن مسعود وقلت: إنهم يضحكون مني، ويقولون: تعلم العربية قبل أن تعلم القرآن، فقال: لا تفعل، فإنك في زمان تحفظ فيه حدود القرآن، وإن بعدك زمانا تحفظ فيه الحروف وتُضيع فيه الحدود (٣).\nوكأن ابن مسعود يريد أن يلفت الانتباه إلى أن الجهد الأكبر ينبغي أن ينصب في اتجاه المعنى وما يحدثه في القلب وليس في اتجاه إقامة الحروف، وليس معنى هذا إهمال هذا الأمر، ولكن وضعه في حجم معقول يتناسب مع أهميته، فشكل العبادة - أي عبادة - مهم وضروري للدخول على الله بها، ولا قيمة لعبادة تؤدى بشكل مبتدع، ولكن مع الاهتمام بالشكل ينبغي أن يكون الاهتمام الأكبر والأشمل لجوهر العبادة وروحها وما تحدثه في القلب.\nوفي هذا المعنى يقول حذيفة: أقرأ الناس للقرآن منافق يقرأه، ولا يترك منه واوا ولا ألفا يلفته بلسانه، كما تلفت البقرة الخلا بلسانها لا يجاوز ترقوته (٤).\nوتامل ما قاله فضالة بن عبيد الأنصاري لأبي سكينة: خذ هذا المصحف وامسك عليّ ولا تردَّن عليّ ألفا ولا واوا فإنه سيكون قوم يقرأون القرآن لا يسقطون منه ألفا ولا واوا ثم رفع فضالة يده، فقال: اللهم لا تجعلني منهم (٥).\nوهذا عبد الله بن مسعود يصف زمانه ويقارنه بأزمان أخرى فيقول: إنك في زمان قليل قراؤه كثير فقهاؤه .. تحفظ فيه حدود القرآن، وتضيع حروفه .. قليل من يسأل .. كثير من يعطي .. يطيلون فيه الصلاة ويقصرون فيه الخطبة .. يبدون فيه أعمالهم قبل أهوائهم .. وسيأتي على الناس زمان كثير قراؤه، قليل فقهاؤه، تحفظ فيه حروف القرآن، وتضيع حدوده كثير من يسأل، قليل من يعطي، يطيلون الخطبة، ويقصرون الصلاة، ويبدون أهواءهم قبل أعمالهم (٦).\nولقد قرأ رجل عند عمر بن عبد العزيز سورة، وعنده رهط .. قال بعض القوم: لحن. فقال عمر: أما كان فيما سمعت ما يشغلك عن اللحن (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-114>٧ - ومن وصاياهم: اترك نفسك للقرآن وتمسك به:</span>\nعن أبي قلابة أن رجلا من أهل الكوفة لقي أبا الدرداء فقال: إن إخوانا لك من أهل الكوفة يقرئونك السلام، ويأمرونك أن توصيهم. فقال: أقرئهم السلام ومُرهم فليعطوا القرآن بخزائمهم فإنه يحمل على القصد والسهولة ويُجنِّبهم الجور والحزونة (٨).\nوالخزائم جمع خزامة وهي حلقة من الشعر توضع في وترة أنف البعير يشد بها الزمام ..\nوالمراد: أي اجعلوا القرآن مثل الخزام في أنف أحدكم فاتبعوه واعملوا به.\nوهذه الوصية من أهم الوصايا التي قيلت في القرآن، فمن ترك نفسه للقرآن ليقوده ويوجهه فسيحظى بالطريق السهل الآمن الذي لا تشدد فيه ولا تعسف .. طريق الحبيب المصطفى ﷺ وصحابته الكرام.\n_________\n(١) المصدر السابق (١٤٧).\n(٢) المصدر السابق (١٤٧).\n(٣) فضائل القرآن لابن الضريس، ص (٢٧).\n(٤) فضائل القرآن لأبي عبيد (٢١١).\n(٥) المصدر السابق (٢١٢).\n(٦) فضائل القرآن للفريابي (٢٠٢، ٢٠٣).\n(٧) سيرة ومناقب عمر بن عبد العزيز لابن الجوزي ص (٢٥٣)، واللحن هو الخطأ في القراءة.\n(٨) فضائل القرآن لأبي عبيد (٧٢).","vol":"1","page":69},{"text":"جاء رجل إلى عبد الله بن مسعود فقال: علمني كلمات جوامع نوافع، فقال: نعم، تعبد الله ولا تشرك به شيئا، وتزول مع القرآن أينما زال، ومن جاءك بصدق من صغير أو كبير وإن كان بعيدا بغيضا فاقبله منه، ومن جاءك بكذب وإن كان حبيبا قريبا فاردده عليه (١).\nوقال حذيفة بن اليمان لعامر بن مطر: كيف أنت إذا أخذ الناس طريقا واحدا وأخذ القرآن طريقا، مع أيهما تكون؟ قال: أكون مع القرآن وأموت معه وأحيا معه، قال: فأنت إذا أنت، فأنت إذا أنت (٢).\nفالمطلوب مع القرآن أن يكون أمامنا، نسير وراءه كقائد وسائق يسوقنا إلى الله عزوجل وجنته. قال عبد الله بن مسعود: القرآن شافع مشفع، وماحل مصدق، ومن جعله أمامه قاده إلى الجنة ومن جعله خلفه ساقه إلى النار (٣).\nولقد أوضح الشعبي معنى ترك القرآن خلف الظهر، فقال في قوله تعالى: ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٨٧]: أما إنه كان بين أيديهم ولكن نبذوا العمل به، فهذا يُبين لك أن من نبذ شيئا فقد تركه وراء ظهره (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-115>حالنا مع القرآن</span>\nأتعلم أخي القارئ أن القرآن الذي بين أيدينا هو نفس القرآن الذي كان مع الصحابة رضوان الله عليهم وصنع منهم هذا الجيل الفريد؟\nأتعلم أن الأدوات التي كانت معنا هي التي كانت معهم، من عينين ولسان وشفتين وعقل وقلب وجوارح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-116>فما الذي حدث</span>؟\nلماذا لم يعد القرآن يُنتج مثل هذه النماذج؟ مع أنه قد تيسر وجوده بين المسلمين أكثر من أي وقت مضى؟!\nفما من بيت من بيوت المسلمين إلا وفيه مصحف أو أكثر، وما عليك إلا أن تدير مؤشر المذياع لتستمع إلى آيات القرآن تتلى في إذاعة من الإذاعات. لقد أصبح القرآن في عصرنا ميسرا للقراءة أكثر من أي وقت مضى، وانتشرت الكتاتيب، وازداد حُفاظه من الرجال والنساء في كل مكان، فلماذا لا يُحيينا كما أحيا جيل الصحابة، ولماذا لا يرفعنا كما رفعهم؟\nهل فقد مفعوله؟ أم ماذا حدث؟\nيُجيب عن هذه التساؤلات الشيخ محمد الغزالي - ﵀ - فيقول:\nإن المسلمين بعد القرون الأولى، انصرف اهتمامهم بكتابهم إلى ناحية التلاوة، وضبط مخارج الحروف، وإتقان الغُنن والمدود وما إلى ذلك مما يتصل بلفظ القرآن والحفاظ على تواتره كما جاءنا أداء وأحكاما - أقصد أحكام التلاوة - لكنهم بالنسبة لتعاملهم مع كتابهم صنعوا شيئا ربما لم تصنعه الأمم الأخرى، فإن كلمة (قرأت) عندما يسمعها الإنسان العادي أو يقولها تعني: أن رسالة جاءته أو كتابا وقع بين يديه فنظر فيه، وفهم المقصود منه ..\nأما الأمة الإسلامية، فلا أدري بأي طريقة فصلت بين التلاوة وبين التدبر، فأصبح المسلم اليوم يقرأ القرآن لمجرد البركة كما يقولون، وكأن ترديد الألفاظ دون حس بمعانيها، ووعي لمغازيها، يُفيد أو هو المقصود.\nوعندما أحاول أن أتبين الموقف من هذا التصرف أجد أنه موقف مرفوض من الناحية الشرعية، وذلك أن قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩]، يعني الوعي والإدراك والتذكر والتدبر .. فأين التدبر؟ وأين التذكر؟ مع تلك التلاوة السطحية التي ليس فيها أي إحساس بالمعنى، أو إدراك للمقصد، أو غوص فيما وراء المعنى القريب لاستنتاج ما هو مطلوب لأمتنا من مقومات نفسية واجتماعية تستعيد بها الدور المفقود في الشهادة على الإنسانية وقيادتها إلى الخير (٥).\n_________\n(١) فضائل القرآن لأبي عبيد (٧٤).\n(٢) المصدر السابق (١٤٢).\n(٣) فضائل القرآن لأبي الفضل الرازي (١٥٣).\n(٤) فضائل القرآن لأبي عبيد (١٣١).\n(٥) كيف نتعامل مع القرآن؟ للغزالي (٢٧، ٢٨).","vol":"1","page":70},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-117>تاريخ هجر القرآن:</span>\nوالمقصود بهجر القرآن أي هجر الانتفاع به، وعدم الدخول إلى مصنعه وماكيناته التي من شأنها أن تغير الشخص - أي شخص - لتصنع منه مؤمنا عابدا لله - ﷿ - في كل أموره وأحواله.\nوتاريخ هجر القرآن يبدأ من قرون ماضية، حيث اهتم المسلمون ببعض جوانب العلم، وتوسعوا فيها كعلم الكلام والفقه، فوضعوا لها قواعد ثم شروحا ثم حواشي ثم مختصرات، وكان هذا كله على حساب القرآن الذي بات لا يُستدعى إلا في المآتم وعند المرض وفي رمضان.\nيقول الشيخ محمد الغزالي ﵀:\nهجر المسلمون القرآن إلى الأحاديث ..\nثم هجروا الأحاديث إلى أقوال الأئمة ..\nثم هجروا أقوال الأئمة إلى أسلوب المقلدين ..\nوكان تطور الفكر الإسلامي على هذا النحو وبالا على الإسلام وأهله، روى ابن عبد البر عن الضحاك بن مزاحم: «يأتي على الناس زمان يُعلق فيه المُصحف حتى يعشش عليه العنكبوت، لا يُنتفع بما فيه، وتكون أعمال الناس بالروايات والأحاديث» (١).\nإذن فما يحدث للقرآن الآن من تعامل شاذ وغريب ما هو إلا نتاج ميراث ورثناه من القرون الماضية، تحول فيها المسلمون عن القرآن بالتدريج حتى صار إلى ما هو عليه الآن، وحين يستاءل بعضنا عن عدم قدرتنا على الانتفاع بالقرآن كما انتفع به الصحابة، لابد أن تبدأ الإجابة بتشخيص حالنا مع القرآن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-118>التشخيص:</span>\nالهدف الأسمى من نزول القرآن: هداية الناس إلى الله ﷿، قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ [فصلت: ٤٤].\nفهل تعاملنا مع القرآن من هذا المنطق؟ وهل بدأنا معه من هذه النقطة، وأتينا أمره من أوله؟ أم ماذا فعلنا؟ المتأمل لحالنا يجد أننا قد ابتعدنا في تعاملنا مع القرآن عن الهدف الذي نزل من أجله، وتركناه كمصدر للهداية والتوجيه، ثم بحثنا عن ذلك في مصادر أخرى فتشتتنا وتفرقنا.\nلم نعط القرآن حقه في وقتنا، وعندما نقرأه فبحناجرنا فقط، لم نعطه الفرصة ليُشكل تصوراتنا ويُصيغ شخصياتنا ويكون المصدر الأول لثقافتنا.\nيعيب بعضنا على من لم يحسن أحكام التلاوة بل قد تهتز صورته في عينيه، ولا نوجه أي نصيحة لمن لا يفقه المعاني.\nقصرنا فهمنا لحديث رسول الله ﷺ: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه» (٢) على تعلم قراءته فقط، مع أن المقصد من الحديث كما يقول ابن تيمية: تعلم حروفه ومعانيه جميعا، بل تعلم معانيه هو المقصد الأول من تعلم حروفه، وذلك الذي يزيد الإيمان (٣).\nأصبح جُل اهتمامنا حين نقرأ القرآن الوصول إلى نهاية السورة دون الاهتمام بتفهم ما نقول، بل قد ينتقل الواحد منا من سورة إلى أخرى دون أن يشعر، وإن سُئلنا عن الآيات التي استوقفتنا فلن نجد جوابا.\nوعندما يأتي رمضان - والذي شرفه الله بنزول القرآن فيه - يبدأ السباق فيما بيننا حول عدد ختمات القرآن التي سنختمها فيه.\n- ظن بعضنا أن مفهوم الانشغال بالقرآن هو الانشغال بحفظ ومراجعة حروفه فقط دون التفقه فيه وفهم مراد الله منه، فانكب على حفظه آلاف وآلاف ..\n- تغير مفهوم حامل القرآن لدينا، فتجد الواحد منا كما هو قبل أن يحفظ السورة من القرآن وبعد حفظها، لم يتغير أي شيء من أخلاقه أوتعاملاته.\n- ندير مؤشر المذياع على صوت القارئ ثم نتركه ليملأ جنبات المكان وننشغل عنه بأمورنا الخاصة وكأننا لسنا المخاطبين بهذا القرآن.\n_________\n(١) فقه السيرة للغزالي (٤٢، ٤٣).\n(٢) أخرجه البخاري.\n(٣) تدبر القرآن للسنيدي نقلا عن الفتاوى لابن تيمية (١٣/ ٣٠٤).","vol":"1","page":71},{"text":"لقد نبذنا كتابنا وراء ظهورنا وجعلناه أماني، كما نقل ابن تيمية ﵀ عن ابن عباس وقتادة في قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة: ٧٨]، أي: غير عارفين بمعاني الكتاب، يعلمونها حفظا وقراءة بلا فهم، لا يدرون ما فيها.\nفماذا جنينا من وراء هذا التعامل؟\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-119>واقع الأمة الإسلامية:</span>\nالقاصي والداني يدرك ما وصل إليه حال الأمة الإسلامية من ضياع وتفكك، وذل نتجرع مرارته ليل نهار.\nأصبحنا تحت أقدام الكفار يفعلون بنا ما يشاءون .. صرنا في ذيل الأمم .. أذل أهل الأرض .. لا قيمة لنا، ولا اعتبار لوجودنا.\nتخلينا عن مصدر عزتنا فاطمأن أعداؤنا لذلك، وبلغ استهزاؤهم بنا إلى درجة أن بعض إذاعاتهم تبدأ برامجها بالقرآن لعلمهم بأننا قد نبذناه وراء ظهورنا.\nوعندما ظهر شعاع الضوء وبصيص الأمل في تلك الظلمة الحالكة والذي تمثل في ظهور الصحوة الإسلامية، لم تعط هذه الأجيال الشابة الواعدة القرآن حقه في الفهم والعمل، ولم نتعامل معه كمصدر للهداية والتوجيه، بل تركته وبحثت عن غيره، فاختلفت المنابع، وتنوعت المشارب، فحدث ما حدث من خلاف في التصور حول القضايا المختلفة والأمور الجوهرية، ولم نعد على قلب رجل واحد .. فأبى الله أن يوفي بوعده ويطبق سننه معنا حين أسأنا، كما أوفى بوعده مع الجيل الأول حين احسنوا التعامل معه ..\nفبعد أن كانوا أذلاء فقراء، جهالا، في مؤخرة الشعوب قبل الإسلام، إذا بهم - بعد أن أحسنوا استقبال القرآن - في المقدمة، سادة الأرض ومحط الأنظار: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١١١].\nأما نحن فعندما تخلينا عن المصباح، وأهرقنا الدواء، والتمسنا الهدى في غير القرآن، تركنا الله ﷿ وجعلنا أذلة بعد أن كنا أعزة، وسلط علينا من كَتَب عليهم الذلة والمسكنة .. إخوان القردة والخنازير، وجعل منهم سياطا يؤدبنا بها لعلنا نعود إليه وإلى كتابه.\nقال تعالى: ﴿وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف: ٤٨].\nفهل نحن راجعون؟!!","vol":"1","page":72},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-120>الفصل الخامس\n\nحاجتنا إلى القرآن</span>","vol":"1","page":73},{"text":"الناظر المتفحص لأحوال الأمة الإسلامية يجد أنها تمر بأخطر مرحلة في تاريخها فبعد أن كان أعداؤها يُخْفون عداوتهم ومخططاتهم ضدها أصبحوا اليوم يجاهرون بذلك بعد أن استطاعوا هزيمة المسلمين في الميادين المختلفة، سياسية كانت أو اقتصادية أو اجتماعية، تقودهم في ذلك الصهيونية العالمية التي تسعى سعيا حثيثا نحو إقامة مشروعها (إسرائيل الكبرى) والسيطرة على العالم كله بعد ذلك.\nأما أبناء أمة الإسلام الذين انخدعوا في السابق بشعارات الغرب البراقة، وكانوا يعترضون على من يطلق عليه «نظرية المؤامرة» أو مصطلح «أعداء الإسلام»، أصبح هؤلاء يعيشون اليوم مع غيرهم من المسلمين في واقعية المؤامرة، وما أفغانستان وفلسطين والعراق منا ببعيد .. فجراحات المسلمين في كل مكان، ولا ندري أنبكي على هؤلاء أم على هؤلاء أم نبكي على أنفسنا، وعلى المجد الذي أضعناه أو الذل الذي نتجرعه بالليل والنهار.\nلقد انطبق حالنا مع ما أخبر به المعصوم ﷺ: «يوشك أن تتداعي عليكم الأمم كم اتتداعى الأكلة إلى قصعتها» فقال قائل: وقلة نحن يومئذ؟ قال: «بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن في قلوبكم الوهن». فقال قائل: وما الوهن؟ قال: «حب الدنيا وكراهية الموت» (١).\n_________\n(١) صحيح: أخرجه الإمام أحمد وأبو داود عن ثوبان، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ح (٩٥٨).","vol":"1","page":74},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-121>التشخيص:</span>\nوالأمر اللافت للانتباه أنه كلما نزلت بالمسلمين نازلة، وأصابهم جرح جديد تعالت الأصوات من هنا وهناك بأن هذا عقاب من الله ﷿ قد حاق بنا، وهذه هي الحقيقة بالفعل، فما حدث للأمة ما هو إلا تطبيق لسنن الله الحاكمة للأرض.\nقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الأنفال: ٥٣].\nولما بدأنا بالتغيير كان هذا الواقع الذي نشكو منه، فالله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [يونس: ٤٤].\nلقد تمثل فينا قول رسولنا ﷺ: «إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم» (١).\nنعم، هذا هو التشخيص الصحيح للوضع الأليم الذي يعيشه العالم الإسلامي اليوم، فمن ارتكب الذنب لا ينبغي عليه أن يستغرب العقوبة.\nقال تعالى: «ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ» [الروم: ٤١].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-122>فلنبدأ بأنفسنا:</span>\nفإن كان الأمر كذلك، فإن هذا العذاب الذي نتجرعه بالليل والنهار لن يتوقف إلا إذا رجعنا إلى الله ﷿، وغيرنا ما بأنفسنا تغييرا حقيقيا يشمل التصورات والسلوك، والسر والعلن فنكون من بعده عبيدا لله ﷿ في كل أمورنا وأحوالنا، ويتمثل فينا قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢].\nإن وعد الله لا يتخلف، ولقد وعد عباده بنصرتهم وتمكينهم في الأرض إن هم نصروه على أنفسهم أولا.\nقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧].\nإذن فلا بديل أمامنا إلا البدء في عملية التغيير الداخلي لذواتنا إن أردنا الفلاح لأنفسنا والعز لأمتنا.\nفإن قلت: إننا جميعا متفقون على هذا التشخيص، ولكن ما منهج هذا التغيير المنشود الذي يتفق عليه الجميع، وما الكيفية التي من خلالها يقوم هذا المنهج بعمله في ذات الإنسان فيحدث فيه تغييرا جذريا، ويعيد صياغته من جديد؟\nهذه التساؤلات تتردد هنا وهناك، والكل يظن أن الأمر صعب يحتاج إلى بذل الكثير من الجهد لوضع المنهج المناسب لعملية التغيير .. إن الأمر أبسط من ذلك بكثير، فالله ﷿ وهو الرؤوف الرحيم لم يتركنا لنتخبط أو لنختلف فيما بيننا حول منهج التغيير، بل أرشدنا - ﷾ إلى هذا المنهج، وبين لنا فيه طريقته في التغيير.\nأعطانا المصباح الذي بنوره ينكشف لنا الطريق، وتتبدد الظلمات .. وصف لنا الدواء الذي يعالج كل ما نعاني منه من أدواء .. فماذا فعلنا بهذا المصباح وبذلك الدواء؟!\nلقد طرحنا المصباح جانبا، وأهرقنا الدواء، ثم اخذنا نبكي ونقول: أين الطريق؟\nلقد انطبق حالنا مع قول الشاعر:\nكالعيس في البيداء يقتلها الظما ... والماء فوق ظهورها محمول\n_________\n(١) صحيح: أخرجه أبو داود (٣/ ٢٧٤، رقم ٣٤٦٢). وأخرجه أيضا: البيهقى (٥/ ٣١٦، رقم ١٠٤٨٤)، وأبو نعيم فى الحلية (٥/ ٢٠٩)، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير (٤٢٣).","vol":"1","page":75},{"text":"كتابنا، مصدر عزنا، النور المبين، والهدى والشفاء: أدرنا له ظهورنا وتعاملنا معه بطريقة غريبة وشاذة، وأصبحنا لا نستدعيه إلا في المآتم وأوقات المرض، وشهر رمضان، وغيره من المناسبات، واكتفينا بالتعامل مع ألفاظه فقط، والنظر إلى الثواب المترتب على قراءته، وإذا أردنا الدليل على ذلك، فليسأل كل منا نفسه: ما الهدف الذي يسعى إلى تحقيقه حين يقرأ القرآن؟ أليس هو إنهاء الورد وتحقيق أكبر قدر من الحسنات؟\nألهذا الهدف فقط نزل القرآن؟\nإن خير دليل على عدم صحة تعاملنا مع القرآن هو واقعنا نحن، فبالرغم من وجود عشرات بل مئات الآلاف من حفاظ القرآن على مستوى الأمة، وبالرغم من انتشار المصاحف في كل مكان بصورة لم تكن موجودة في العصور الأولى إلا أن الأمة لم تجن ثمارا حقيقية لهذا الاهتمام الشكلي بالقرآن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-123>القرآن هو الحل:</span>\nلقد اهتدى الجيل الأول بنور القرآن فانصلح حاله، وساد الأرض في سنوات معدودة، وبغير هذا النور لن ينصلح حالنا، فكما قال الإمام مالك: لا يصلح حال آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها .. وما صلح أولها إلا بالقرآن.\nوالأمر اللافت للانتباه أن رسول الله ﷺ قد أخبر بذلك، وأنها ستكون فتن وأن المخرج منها الاستمساك بالقرآن واتباعه، وأخبر كذلك أن القرآن والسلطان سيفترقان، وأن علينا أن نكون مع القرآن.\nقال ﷺ: «أما بعد، ألا أيها الناس فإنما أنا بشر فيوشك أن يأتى رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما: كتاب الله، فيه الهدى والنور، من استمسك به وأخذ به كان على الهدى، ومن أخطأه ضل، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به، وأهل بيتى، أذكركم الله فى أهل بيتى» (١).\nوعندما سأله حذيفة بن اليمان ﵁: أبعد هذا الخير الذي نحن فيه من شر نحذره؟ قال: «يا حذيفة، عليك بكتاب الله فتعمله واتبع ما فيه» حتى قال ذلك ثلاث مرات، قلت: نعم (٢).\nإن التمسك بالقرآن يعني أول ما يعني اتباعه واتخاذه دليلا وقائدا يقودنا إلى الله، قال الشعبي في قوله تعالى: ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٨٧]: أما إنه كان بين أيديهم ولكن نبذوا العمل به، فهذا يُبين لك أن من نبذ شيئا فقد تركه وراء ظهره (٣).\nفالمطلوب منا إذن تجاه القرآن يختلف عما نفعله .. المطلوب منا أن نكون معه كما كان الجيل الأول معه، ليفعل بنا كما فعل بهم، فالماكينات القرآنية - إن جاز هذا التعبير - جاهزة للعمل ولا ينقصنا سوى دخولنا إليها.\nوخلاصة القول أن تغيير هذا الواقع المرير الذي تعيشه الأمة، والذي أصبحت من خلاله تحت الأقدام لن يتم إلا إذا حدث تغيير حقيقي في الأفراد، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١].\nهذا التغيير لن يتم بصورة جذرية إلا من خلال العودة الحقيقية إلى القرآن كمصدر للهداية والتوجيه، وكمصنع للتغيير الحقيقي في كيان الإنسان، ليجعل منه مؤمنا صادقا قولا وسلوكا، سرا وعلانية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-124>لماذا القرآن</span>؟\nقد يتساءل البعض: وماذا يمكن للقرآن أن يفعله؟!\nإن القرآن سيفعل الكثير والكثير بعون الله ﷿، وسيظهر انتاجه في وقت قصير شريطة حسن التعامل معه.\n- فالقرآن - كما مر علينا - سيعيد تشكيل العقل، وبناء اليقين الصحيح فيه، ليثمر ذلك انسجام القول مع الفعل.\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٤/ ١٨٧٣، رقم ٢٤٠٨).\n(٢) أخرجه الحاكم في المستدرك (٤/ ٤٣٢) وصححه، ووافقه الذهبي.\n(٣) فضائل القرآن لأبي عبيد (١٣١).","vol":"1","page":76},{"text":"- والقرآن قادر - بإذن الله - على طرد الهوى وحب الدنيا من القلب، وطريقته الفريدة في ذلك: زيادته المستمرة للإيمان، وتوليده طاقة كبيرة في نفس قارئه تدفعه للقيام بالطاعات ومقاومة الشهوات والسمو فوقها.\n- وبالقرآن تتحقق الذاتية والإيجابية لدى الأفراد، فالقوة الدافعة، والطاقة المتولدة من القرآن وبصورة يومية تمثل أكبر دافع للمسارعة إلى الخيرات، وتنفيذ النصائح والتوجيهات التي تلقى على المسامع لتصبح واقعا ملموسا، دون الحاجة إلى شدة المتابعة، وهذا ما كان يفعله ﷺ مع صحابته الكرام، فكان يكفيه التوجيه ليسارع الجميع بالتنفيذ، فعندما بلغ عبد الله بن عمر ﵄ قول النبي ﷺ في شأنه «نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل» (١)، قال سالم: فكان عبد الله بعد ذلك لا ينام من الليل إلا قليلا.\n- وعندما قال ﷺ لعلي وفاطمة ﵄: «ألا أدلكما على ما هو خير لكما من خادم؟ إذا أويتما إلى فراشكما، فسبحا ثلاثا وثلاثين، واحمدا ثلاثا وثلاثين، وكبرا أربعًا وثلاثين» (٢)، قال علي: فما تركتهن منذ سمعتهن من رسول الله ﷺ، فقيل له: ولا ليلة صفين، قال: ولا ليلة صفين (٣).\n- وبالقرآن نتحرى الصدق والإخلاص في أقوالنا وأفعالنا، فنزهد في الرئاسة، وحب الظهور، وبه نكف عن تزكية أنفسنا والمباهاة بإنجازاتها، فتصبح سريرتنا أفضل من علانيتنا (٤).\n- وسيعيد لنا القرآن الشعور بالعزة المفقودة في زمن الهزيمة النفسية .. منطلق هذه العزة: الشعور بقيمة الانتساب إلى الله ﷿ وحسن الصلة به، ومبعثها كذلك الثقة به ﷾.\n- والقرآن يستثير كوامن العقل، ويحرره من أسر التقليد الأعمى، ويضبط هذا التحرر بضوابط الشرع. وهو أيضا يرفع قدره، ويعرفه قيمته في الكون، فينطلق إليه ليكتشف أسراره، وينتفع بقوانين تسخيره، ليبدأ علو المسلمين من جديد في شتى المجالات ويكون لهم قصب السبق كما كانوا من قبل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-125>القرآن وجمع كلمة الأمة:</span>\nالقرآن هو الكتاب الوحيد القادر على جمع كلمة الأمة مصداقًَََا لقوله تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا) [آل عمران: ١٠٣].\nفحبل الله هو القرآن كما قال ابن مسعود وغيره.\nومن وسائل القرآن في تجميع كلمة الأمة، بناؤه لوحدة التصور لدى أفرادها، فهو قادر - بإذن الله - على رسم خريطة الإسلام الصحيحة في ذهن كل مسلم بنسبها الصحيحية دون تفريط أو إفراط، لتنطلق الأعمال بعد ذلك منسجمة مع هذا التصور، فتتوحد الجهود، ويقل الخلاف - إن لم يتلاش - في الأمور الجوهرية، ويضيق في الأمور الفرعية ليصبح خلافًا محمودًا مرغوبًا يهدف إلى رفع الحرج عن الناس.\nيقول سيد قطب ﵀: إننا نعتقد - بالدراسة الطويلة - أن هذا القرآن فيه غناء في بيان الحقائق التي يقوم عليه التصور الإسلامي، فلا يحتاج إلى إضافة من خارجه في هذا البيان ..\nويستطرد قائلًا: ونحن نحب أن يتعود قارئ هذا البحث أن يلجأ إلى القرآن وحده، ليجد فيه تبيانًا لكل شيء (٥).\n_________\n(١) متفق عليه.\n(٢) متفق عليه: أخرجه البخاري برقم (٣١١٣، ٥٣٦١، ٥٣٦٢)، ومسلم برقم (٢٧٢٧).\n(٣) صحيح الكلم الطيب ح (٣٥).\n(٤) في الفصل الثالث (القرآن والتغيير) تم عرض الكيفية التي يقوم بها القرآن لتغيير العق لوالقلب والنفس.\n(٥) مقومات التصور الإسلامي ص (٨٥).","vol":"1","page":77},{"text":"من هنا يتبين لنا أن الأمة الإسلامية بشبابها وشيوخها .. برجالها ونسائها لو اتجهت إلى القرآن دراسة وفهمًا، وأصغت سمعها إليه، وتعاملت معه على أنه كتاب هداية، فإن هذا من شأنه أن ينشئ قاسمًا مشتركًا بين أفرادها للتصور الصحيح لمفردات الحياة ..\nعندئذ لن نختلف فيما بيننا حول النظرة إلى الدنيا أو المال أو الأولاد .. ولن نجادل كثيرًا حول مفهوم الجهاد والدعوة إلى الله .. سنجتمع على الكليات، ونعرف كيف نرتب الأولويات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-126>سمات المنهج القرآني:</span>\nمع هذه القدرة الفذة للقرآن في التغيير، فإن طريقته ومنهجه سهل وميسر للجميع كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٧].\nلا يحتاج إلى طقوس خاصة أو أماكن خاصة للتعامل معه، فيكفي أن تتوضأ وتمد يدك إليه لتقرأه في أي وقت وأي مكان طاهر.\nمنهج ينسجم مع الطبيعة البشرية، وما فيها من ضعف واحتياجات، فتراه لا يُصادم الفطرة ولا يدعو من يتمسك به إلى ترك الدنيا، بل يدفعه إلى حُسن التعامل معها، فأهل القرآن هم أسعد الناس في الدنيا والآخرة.\nومن سمات التغيير القرآني كذلك أنه تغيير متكامل لا يهتم بجانب على حساب آخر، فكما يهتم بحسن علاقة المرء بربه، يهتم كذلك بحسن علاقته مع من حوله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-127>دفع شبهة:</span>\nليس معنى القول بأن القرآن هو الحل أن يتحرك كل واحد بمفرده مع القرآن، فواقع الأمة يستدعي التحرك الجماعي لمواجهة مشروع الإبادة ومحو الشخصية الذي يعمل أعداؤنا على تنفيذه.\nإن أعداءنا قد اجتمعوا علينا، وتوحدت كلمتهم في القضاء على مقومات حضارتنا فليس أقل من أن نكون مثلهم في توحدنا واجتماع كلمتنا.\nيقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ [الأنفال: ٧٣].\nهذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن حجم الانحراف الذي حدث للأمة أكبر بكثير مما يتصوره البعض .. كل هذا يستدعي تضافر الجهود، والتحرك الجماعي لا التحرك الفردي الذي يُبعثر الجهود ويشتتها.\nومن ناحية ثالثة فإن الواحد بمفرده لن يسعه أن يتحرك بالقرآن منفردًا منعزلًا، لأن آيات القرآن نفسها ستلاحقه بوجوب التحرك الجماعي وبناء المجتمع الإيماني والانصهار في بوتقته.\nهذا التحرك الجماعي يحتاج إلى جيل يقود الأمة لمواجهة ما يُراد لها، ويسعى للتمكين لدين الله في الأرض وإعادة المجد الإسلامي من جديد.\nفإن قال قائل: فأين موقع القرآن من هذا الجيل؟\nنُجيبه بأن هذا القرآن هو منهج هذاالجيل في التغيير: تغيير ما بالنفوس، وإقامة الإسلام داخلها، وقيادة الناس بالقرآن.\nيقول الأستاذ حسن الهضيبي ﵀: أقيموا دولة الإسلام في قلوبكم تقم على أرضكم.\nلابد أن يتشبع هذا الجيل بالقرآن، فيملك عليه فكره وخواطره، ويستضيء قلبه بنوره، فيجد فيه الناس النموذج والقدوة، فيثقون به ويسيرون خلفه.\nولكن هل معنى هذا ترك القراءة والاطلاع في مؤلفات العلماء والباحثين؟\nليس معنى الاهتمام بالقرآن واتخاذه منهجا للتغيير أن نترك كتابات العلماء وما فيها من خير عظيم، ولكن المقصد ألا تكون قبل القرآن، بل خادمة له، تدور في فلكه .. توسع المدارك، وتفتح الآفاق لفهمه أكثر واكثر.\nويأتي على رأس تلك العلوم: السنة النبوية المطهرة والتي تلي القرآن مباشرة في الأهمية، فهي شارحة له، مبينة لكثير مما أُجمل فيه.","vol":"1","page":78},{"text":"وكذلك فإن فروع العلوم الإسلامية الأخرى على درجة كبيرة من الأهمية، وسيكون لها أثر فعال في تكوين الفرد إذا ما تم ربطها بالقرآن، ومع ذلك فإن من الأفضل تخصيص أكبر وقت للقرآن وبخاصة في البداية، ليأخذ فرصته في إعادة تشكيل العقل وبناء اليقين الصحيح فيه، وتحرير القلب من الهوى، وتمكين الإيمان منه، وترويض النفس على لزوم الصدق والإخلاص.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-128>حاجة الفرد إلى القرآن:</span>\nإن كان القرآن هو الحل، ونقطة البداية التي ينبغي أن نبدأ بها على مستوى الأمة للخروج من هذا النفق المظلم الذي تسير فيه، فإن المسلم كذلك بحاجة ماسة إلى القرآن على مستواه الفردي وفي كل زمان ومكان .. في ليله ونهاره، وحله وترحاله، وحتى بعد أن يعود للمسلمين عزهم ومجدهم بإذن الله، وذلك لدواع كثيرة منها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-129>أولا: تحقيق الربانية:</span>\nفمن معاني الربانية: القرب إلى الله، وحسن الصلة به، وطريق التحقق بها يستلزم معرفة الله ﷿، فعلى قدر هذه المعرفة تكون عبودية القلب له سبحانه من حب وخشية ورجاء وتوكل وإنابة وإخلاص.\nوالطريق السهل الآمن لتلك المعرفة هو القرآن، فمن أهم سماته أنه كتاب تعريف بالله ﷿، ولا يكتفي بذلك بل إنه يُنشئ في القلب العبودية المصاحبة لهذه المعرفة، فالقرآن هو أفضل وسيلة لتحقيق الربانية، فهو حبل الله المتين الممدود بين السماء والأرض، من تعلق به ارتفع قلبه إلى السماء وصار من عباد الله المقربين.\nويؤكد هذا قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩].\nوفي هذا المعنى يقول خباب بن الأرت لجار له: يا هناه، تقرب إلى الله ما استطعت، واعلم أنك لن تتقرب إليه بشيئ هو أحب إليه من كلامه (١).\nوفي الترمذي عن أبي أمامة مرفوعا: «ما تقرب العباد إلى الله ﷿ بمثل ما خرج منه» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-130>ثانيا: تحقيق السعادة:</span>\nالسعادة هي سكون النفس، وطمأنينتها، وهدوء الخواطر لديها، فلا تفكير في ماض يبعث على الحزن، ولا تطلع لمستقبل يزيد الهم، والسعادة بهذا المعنى لا يمكن أن تأتي للإنسان من خارجه، بل إن مبعثها من داخل ذاته كنتيجة من نتائج هدايته للسلام مع نفسه، ومع كل الدوائر التي يتحرك فيها.\nمن هنا يأتي دور القرآن ..\nيقول تعالى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ [طه: ١٢٣، ١٢٤].\nقال ابن عباس: فضمن الله لمن اتبع القرآن وعمل بما فيه ألا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة.\nوفي الحديث عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: «ما أصاب مسلما قط هم أو حزن فقال: اللهم إنى عبدك وابن عبدك وابن أمتك ناصيتي بيدك ماض فيَّ حكمك عدل فيَّ قضاؤك أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته فى كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به فى علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور بصري وجلاء حزني وذهاب غمي إلا أذهب الله تعالى همه وأبدله مكان حزنه فرحا» (٣).\n_________\n(١) أخرجه الحاكم في المستدرك (برقم ٣٦٥٢) وصححه، ووافقه الذهبي، وفي شعب الإيمان للبيهقي (برقم ١٨٦٣، ٢٠٢٠).\n(٢) أخرجه الترمذي برقم (٢٩١١)، وضعفه الشيخ الألباني، وفي مسند أحمد برقم (٢٢٣٦٠) وضعف إسناده شعيب الأرنؤوط في تحقيقه للمسند.\n(٣) أخرجه أحمد (١/ ٤٥٢، رقم ٤٣١٨)، وابن أبى شيبة (٦/ ٤٠، رقم ٢٩٣١٨)، والطبرانى (١٠/ ١٦٩، رقم ١٠٣٥٢)، والحاكم (١/ ٦٩٠، رقم ١٨٧٧) وقال: صحيح على شرط مسلم. وصححه الشيخ الألباني في صحيح الكلم الطيب ح (١٢٣).","vol":"1","page":79},{"text":"يقول ابن القيم في تعليقه على هذا الحديث: ولمَّا كان الحزن والهم والغم يضاد حياة القلب واستنارته، سأل أن يكون ذهابها بالقرآن فإنها أحرى ألا تعود، وأما إذا ذهبت بغير القرآن من صحة أو دنيا أو جاه أو زوجة أو ولد فإنها تعود بذهاب ذلك (١).\nفكلما ازداد اقتراب المرء من القرآن، ازداد شعوره بالأمان والسكينة.\nقال عبد الله بن مسعود: إن هذا القرآن مأدبة الله في الأرض فمن دخل فيه فهو آمن (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-131>ثالثا: ومن دواعي حاجة المسلم إلى القرآن: زيادة الإيمان:</span>\nيمثل الإيمان جهاز المناعة لقلب الإنسان، ففي حالة زيادته يستطيع القلب أن يقاوم ضغوط النفس فيما تطلبه من شهوات، وفي حالة نقصانه يضعف القلب ويستسلم لها في كثير من الأحيان.\nوالشهوات تُحيط بالإنسان ليلا ونهارا، وبخاصة في عصر كالذي نحيا فيه، والمسلم بحاجة دائمة لزيادة إيمانه، وأفضل طريق لذلك هو القرآن بتذكرته المستمرة، وبمواعظه البليغة التي تضرب بقوة على المشاعر فتؤججها وتوجهها وتسمو بها فوق الشهوات.\nقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: ٢].\nفالقرآن إذن منبع عظيم من منابع الإيمان يفيض على كل من يرده.\nقال محمد بن كعب القرظي في قوله تعالى: ﴿إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾ [آل عمران: ١٩٣]. قال: هو القرآن، ليس كلهم رأى النبي ﷺ (٣).\nوالقرآن مُقوٍّ للإرادة والعزيمة يمنح صاحبه طاقة هائلة، وما عليه فقط إلا أن يُحولها إلى حركة إيجابية فيما يُحبه الله ﷿.\nيقول ابن القيم: فالقرآن مزيل للأمراض الموجبة للإرادات الفاسدة، فيصلح القلب، وتصلح إرادته، ويعود إلى فطرته التي فطر الناس عليها فتصلح أفعاله الاختيارية الكسبية، كما يعود البدن بصحته وصلاحه إلى الحال الطبيعي، فيصير بحيث لا يقبل إلا الحق، كما أن الطفل لا يقبل إلا اللبن الذي تعود عليه (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-132>رابعا: من دواعي العودة الحقيقية للقرآن: التذكر الدائم لحقائق الإيمان وجوانب الهداية:</span>\nمع استمرارية التعامل الصحيح مع القرآن يظل المسلم في حالة دائمة من اليقظة والتذكر لحقائق الإيمان وجوانب الهداية ..\nففي كل مرة نقرأ فيها القرآن سنجد آيات تُعرفنا بالله ﷿ وبحقوقه علينا، وحقوق بعضناعلى بعض، وبالرسول ﷺ وبالرسالة، وتعرفنا بأنفسنا وجوانب ضعفها وكيف نزكيها، وسنجد كذلك آيات تُذكِّرنا بعداوة الشيطان وكيده المستمر لنا، وفي كل جلسة مع القرآن سنجد قصة وجودنا على الأرض تطل علينا وتُذكرنا بالدنيا وقيمتها، وبحقيقة وجودنا فيها ومدى علاقتنا بمفرداتها من زوجة وأولاد ومال و....\nوقلما سنخرج بعد لقائنا بالقرآن دون تذكر بيوم الحساب وأحداثه، وبالجنة ونعيمها، والنار وألوان عذابها.\nأما السنن والقوانين الإلهية التي يحكم الله بها الحياة فما أكثرها في القرآن، وكذلك الحديث عن المكذبين وما يُثيرونه من شبهات وتشخيص دوافعهم للتكذيب، والمآل الذي ينتظرهم إن استمروا على ذلك.\nوفي مساحة ضخمة من القرآن سنجد قصص السابقين من مؤمنين وكافرين، يقصها الله علينا ويكررها في مواضع كثيرة لنأخذ منها العبرة ونربط بينها وبين واقعنا، فتزداد يقينا بأن الباطل إلى زوال والعاقبة للمتقين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-133>خامسا: تحصيل العلم النافع:</span>\nيقول تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩].\n_________\n(١) الفوائد لابن القيم ص (٤٠).\n(٢) فضائل القرآن للفريابي ص (١٦٦).\n(٣) فضائل القرآن لأبي عبيد ص (٨٥).\n(٤) إغاثة اللهفان (١/ ٧٥).","vol":"1","page":80},{"text":"فمن أراد العلم - كما يقول ابن مسعود - فليتفكر في القرآن (١).\nومن أجلِّ العلوم التي يختص بها القرآن: معرفة الله ﷿.\nيقول ابن رجب: فالعلم النافع ما عرَّف العبد بربه ودلَّه عليه، حتى عرفه ووحده وأنِس به، واستحيا من قربه وعَبَده كأنه يراه.\nوكان السلف يقولون: إن العلماء ثلاثة: عالم بالله عالم بأمر الله، وعالم بالله ليس بعالم بأمره، وعالم بأمر الله ليس عالما بالله.\nفأصل العلم العلم بالله الذي يوجب خشيته ومحبته والقرب منه، والأنس به والشوق إليه.\nوكان الإمام أحمد ﵀ يقول عن معروف الكرخي: معه أصل العلم، خشية الله.\nثم يتلوه العلم بأحكام الله، وما يحبه ويرضاه من العبد من قول أو عمل أو حال أو اعتقاد، فمن تحقق بهذين العلمين كان علمه علما نافعا، وحصل له العلم النافع والقلب الخاشع والنفس القانعة والدعاء المسموع، ومن فاته العلم النافع وقع في الأربع التي استعاذ منها النبي ﷺ وصار علمه وبالا، وحجة عليه، فلم ينتفع به (٢).\nففي صحيح مسلم عن زيد بن أرقم أن النبي ﷺ كان يقول: «اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا يُستجاب لها» (٣).\nفمن أراد العلم النافع فليبدأ بالقرآن ليعرف ربه من خلاله فيتحقق قلبه بالخشوع والانكسار له سبحانه، فإن انتقل بعد ذلك إلى تعلم أوامر الله وأحكامه صار من العلماء الربانيين.\nقال كعب: علكيم بالقرآن فإنه فهم العقل ونور والحكمة وينابيع العلم، وأحدث الكتب بالرحمن عهدا (٤).\nويقول مجاهد: استفرغ علمي القرآن (٥).\nفمن ينشغل بالقرآن، ويوقف حياته له، لن يندم على ذلك لحظة من اللحظات.\nيقول القرطبي: فلما كان كتاب الله هو الكفيل بجميع علوم الشرع، الذي استقل بالسنة والفرض، ونزل به أمين السماء إلى أمين الأرض، رأيت أن أشتغل به مدى عمري (٦).\nوهذا الإمام ابن تيمية يُحال بينه وبين كتب العلم في محبسه بالقلعة فيتفرغ للقرآن، ليقول عن هذه التجربة: قد فتح الله علي في هذا الحصن في هذه المرة من معاني القرآن، ومن أصول العلم بأشياء كان الكثير من العلماء يتمنونها، وندمت على تضييع أكثر أوقاتي في غير معاني القرآن (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-134>سادسا: العصمة من الفتن:</span>\nفي هذا الجو المظلم الذي نعيش فيه، ومع ازدياد الفتن يحتاج المرء على ما يستمسك به، ويأخذ بيده إلى بر الأمان، وهنا يأتي دور القرآن، فعندما سأل حذيفة بن اليمان رسول الله ﷺ: أبعد هذا الخير الذي نحن فيه من شر نحذره؟ قال له ﷺ: «يا حذيفة عليك بكتاب الله فتعلمه واتبع ما فيه» حتى قال ذلك ثلاث مرات (٨).\nولقد رأي حذيفة في يوم من الأيام كثرة من الناس فقال لأحد التابعين وهو عامر بن مطر: يا عامر ابن مطر، كيف أنت إذا أخذ الناس طريقًا واحدا، وأخذ القرآن طريقا، مع أيهما تكون؟ قلت: أكون مع القرآن وأموت معه وأحيا معه. قال: فأنت إذا أنت، أنت إذا أنت (٩).\nفعلى قدر تمسكنا بالقرآن واتصالنا الدائم به تكون نجاتنا بإذن الله ﷿.\n_________\n(١) إغاثة اللهفان (١/ ٧٥).\n(٢) فضل علم السلف لابن رجب ص (٥٠، ٥١).\n(٣) أخرجه مسلم برقم (٧٠٨١).\n(٤) سنن الدارمي رقم (٣٣٢٨).\n(٥) فضائل القرآن لأبي عبيد ص (١٠١).\n(٦) الجامع لأحكام القرآن (١/ ٦).\n(٧) ترجمة الإمام ابن تيمية لمحمد الزبيدي في مقدمة كتاب الإيمان، ص (٢٠، ٢١).\n(٨) أخرجه البيهقى فى شعب الإيمان (٢/ ٣٢٧، رقم ١٩٤١)، وابن حبان (١/ ٣٢٣، رقم ١١٧)، وقال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط الشيخين\n(٩) فضائل القرآن لأبي عبيد ص (١٣٢).","vol":"1","page":81},{"text":"قال ﷺ: «أبشروا، فإن هذا القرآن طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم، فتمسكوا به فإنكم لن تهلكوا ولن تضلوا بعده أبدا» (١).\nإن الفتن التي تمر بنا في هذا العصر كقطع الليل المظلم، تجعل الحليم حيرانا وليس أمامنا من عاصم إلا الله وحبله المتين فلنسارع بالتعلق به.\nقال ابن مسعود: إن هذا الصراط محتضر تحضره الشياطين، ينادون: يا عبد الله، هذا الطريق، هذا الطريق، فاعتصموا بحبل الله فإن حبل الله القرآن (٢).\nومن شأن القرآن كذلك أن يُبعد عن أهله أي بوادر لليأس والإحباط مهما اشتد الظلام وادلهمت الخطوب، فهو يثبت القلوب على الحق ويربط عليها، كما قال تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ١٠٢].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-135>سابعا: ومن دواعي العودة للقرآن: حسن التعامل مع متغيرات الحياة:</span>\nما من يوم تُشرق شمسه إلا وللحياة فيه جديد، وليس من عادتها أن تظل صافية لإنسان ما أبد الدهر، ومع كثرة متغيراتها تزداد الحاجة إلى وجود دليل ناصح، أمين، يُعرفنا كيف نواجه تلك المستجدات .. وهنا يأتي دور القرآن، فما من مشكلة يتعرض لها الفرد إلا وفي القرآن حلها، كما قال ابن عباس: لو ضاع مني عقال بعير لوجدته في القرآن ..\nفعند المصائب والشدائد تجده يربت على كتف صاحبه، ويدعوه إلى الصبر والاحتساب، ويحكي له نماذج لأناس أصابتهم مصائب أشد من مصيبته، فصبروا على ما أصابهم حتى جاءهم الفرج من حيث لم يحتسبوا.\nوالقرآن يوجه صاحبه نحو المعالي فيهون عليه، ويصغير في عينيه ما يتهافت عليه الناس، فيجعله دائما في حالة من الرضا بالقضاء، والصبر على البلاء، والشكر على العطاء.\nثامنًا: من دواعي العودة كذلك: الوصول إلى صداقة القرآن وشفاعته:\nكلما اقترب المسلم من القرآن وتوثقت علاقته به، فسيجد أنه أصبحت له علاقة خاصة بسور القرآن، فهو ينتظر الوصول لسورة الأنعام لتزيده حُبًّا لله، ويتلهف لقراءة الأنفال ليزداد شعوره بالعزة، ويشتاق لسورة يوسف لتكون له نعم السلوى.\nيقول الأستاذ سيد قطب: هكذا عُدت أتصور سور القرآن، وهكذا عدت أحُسها، وهكذا عدت أتعامل معها بعد طول الصحبة، وطول الألفة، وطول التعامل مع كل منها وفق طباعه واتجاهاته وملامحه وسماته .. وأنا أجد في سور القرآن تبعا لهذا وفرة بسبب تنوع النماذج، وأنسا بسبب التعامل الشخصي الوثيق، ومتاعا بسبب اختلاف الملامح والطباع والاتجاهات والمطالع ..\nإنها أصدقاء .. كلها صديق .. وكلها أليف .. وكلها حبيب .. وكلها ممتع .. وكلها يجد القلب عنده ألوانا من الاهتمامات طريفة، وألوانا من المتاع جديدة، وألوانا من الإيقاعات، وألوانا من المؤثرات تجعل له مذاقا خاصا وجوا منفردا ..\nومصاحبة السورة من أولها إلى آخرها رحلة ... رحلة في عوالم ومشاهد، ورؤى وحقائق وتقريرات وموحيات، وغوص في أعماق النفوس واستجلاء لمشاهد الوجود .. لكنها كذلك رحلة متميزة المعالم في كل سورة ومع كل سورة (٣).\nوصداقة القرآن للعبد بعد طول الصحبة لا تقتصر على حياته الدنيوية فقط، بل تتعداها إلى حياة البرزخ فيكون القرآن أنيسا له في قبره أيضا.\n_________\n(١) أخرجه البزار (٨/ ٣٤٦، رقم ٣٤٢١)، والطبراني في الكبير (٢/ ١٢٦، رقم ١٥٣٩)، وفى الصغير (٢/ ٢٠٩، رقم ١٠٤٤)، وصححه الألباني فى صحيح الجامع، برقم (٣٤).\n(٢) فضائل القرآن لابن الضريس، ص (٥٠).\n(٣) في ظلال القرآن (٣/ ١٢٤٣).","vol":"1","page":82},{"text":"روى الترمذي عن ابن عباس قال: ضرب رجل من أصحاب رسول الله خباءه على قبر وهو لا يحسب أنه قبر، فإذا قبر إنسان يقرأ سورة الملك حتى ختمها، فأتي النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، ضربت خبائي على قبر وأنا لا أحسب أنه قبر، فإذا قبر إنسان يقرأ سورة (الملك) حتى ختمها؟ فقال رسول الله ﷺ: «هي المانعة، هي المنجية من عذاب القبر» (١).\nأما يوم القيامة، فللقرآن دور آخر، إذ أنه يأتي شفيعا لصاحبه عند ربه، ويرتقي به في درجات الجنة.\nفعن أبي أمامة الباهلي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه» (٢).\n_________\n(١) رواه الترمذي (٥/ ١٦٤ برقم ٢٨٩٠) وقال: حديث حسن غريب، وقال الشيخ الألباني: ضعيف، ويصح منه قول النبي «هي المانعة».\n(٢) أخرجه مسلم برقم (٨٠٤).","vol":"1","page":83},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-136>الفصل السادس\n\nعقبات في طريق العودة</span>","vol":"1","page":84},{"text":"إن طريق العودة الصحيحة إلى القرآن كهاد إلى الله وإلى صراطه المستقيم .. سهل ميسر - بإذن الله - إذا ما استطعنا أن نجتاز العقبات التي وضعت أمامنا خلال القرون الأخيرة، وأن نغير بعض الموروثات التي ورثناها.\nوفي هذا الفصل سيكون الحديث - بعون الله - عن أهم العقبات التي تقف في طريق العودة وكيفية التعامل معها.\nوهي على سبيل الإجمال:\n١ - الاهتمام الشكلي فقط.\n٢ - الخوف من تدبر القرآن.\n٣ - مفهوم التدبر وطبيعته.\n٤ - ضرورة ختم القرآن في مدة محددة.\n٥ - أمراض القلوب.\n٦ - مفهوم الانشغال بالقرآن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-137>العقبة الأولى\nالاهتمام الشكلي فقط</span>\nوالمقصد من ذلك هو قصر التعامل مع القرآن على ألفاظه وحروفه فقط.\nومن مظاهر تلك العقبة:\n- الاهتمام الشديد بإتقان أحكام التلاوة والتعمق فيها، دون أن يصاحب ذلك اهتمام مماثل بالمعنى.\n- ومنها: التركيز عند قراءة القرآن على الانتهاء من أكبر قدر من الآيات، وبخاصة في شهر رمضان، حيث التسابق على عدد الختمات، دون اهتمام بالمعنى.\n- ومنها: الحرص على حفظ ألفاظ القرآن، وبذل الوقت والجهد في ذلك، دون معرفة معاني الآيات، وما فيها من إيمان، وما تدل عليه من عمل.\n- وغير ذلك من المظاهر التي تدور حول قصر الانتفاع بالقرآن على الناحية الشكلية فقط.\nومما يعين على تجاوز هذه العقبة: معرفة الهدف والمقصد الذي من أجله نزل القرآن، ثم ليسأل كل منا نفسه بعد ذلك: هل يمكننا تحقيق هذا المقصد بمجرد تلاوة ألفاظه بحناجرنا فقط؟! فكما قال الحسن البصري ﵀: إن هذا القرآن قد قرأه عبيد وصبيان لا علم لهم بتأويله ولم يأتوا الأمر من أوله. قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩]. وما تدبر آياته إلا اتباعه لعلمه. أما - والله - ما هو بحفظ حروفه وإضاعة حدوده، حتى إن أحدهم ليقول: والله قد قرأت القرآن كله ما أسقطت منه حرفا ... قد والله أسقطه كله، ما رئي القرآن له في خلق ولا عمل ... (١).\nإذن فاجتياز هذه العقبة يستدعي منا أن نأتي أمر القرآن من أوله، بمعنى أن يكون همنا في التعامل معه كيفية الانتفاع به كهاد إلى الصراط، ومصنع للتغيير، وأما إتقان تلاوته والمداومة عليها وحفظه فما هي إلا وسائل معينة على تحقيق هذا المقصد.\nقال الفضيل بن عياض: إنما نزل القرآن ليعمل به، فاتخذ الناس تلاوته عملا، قيل: كيف العمل به؟ قال: أي: يحلوا حلاله ويحرموا حرامه، ويأتمروا بأوامره، وينتهواعن نواهيه، ويقفوا عند عجائبه (٢).\n_________\n(١) سبقت الإشارة إليه.\n(٢) مقدمة في أصول التفسير ص (٧٥).","vol":"1","page":85},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-138>بركة القرآن:</span>\nإن بركة القرآن تكمن فيما يحمله من معان عظيمة تنير الطريق وتشفي الصدور وتُسعد العامل بها في الدنيا والآخرة ... فالمعنى إذن هو المقصود من تلاوته، وما الترتيل والتدبر إلا وسائل لتحقيق ذلك.\nيقول ابن تيمية ﵀: ومن المعلوم أن كل كلام فالمقصود منه فهم معانيه دون مجرد ألفاظه، فالقرآن أولى بذلك (١).\nويقول أيضا: ولا يخفى على أولي الألباب أن المقصود بنزوله اتباعه، والعمل بما فيه، إذ العاملون به هم الذين جُعلوا أهله، وأن المطلوب من تلاوته تدبره، وفهم معانيه، ولذلك أمر الله بترتيله والترسل فيه، ليتجلى أنوار البيان من مشارق تبصرته، ويتحلى بآثار الإيمان من حقائق تذكرته (٢).\nويؤكد على هذا المعنى الأستاذ حسن الهضيبي ﵀ فيقول: ليست العبرة في التلاوة بمقدار ما يقرأ المرء، وإنما العبرة بمقدار ما يستفيد، فالقرآن لم ينزل بركة على النبي ﷺ بألفاظه مجردة عن المعاني، بل إن بركة القرآن في العمل به، واتخاذه منهجًا في الحياة يضيء سبيل السالكين. فيجب علينا حين نقرأ القرآن أن يكون قصدنا من التلاوة أن نحقق المعنى المراد منها، وذلك بتدبر آياته وفهمها والعمل بها (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-139>ختمتان للقرآن</span>!!\nبناء على ما سبق، يتضح لنا أنه ليس هناك أي مبرر لمن يطالب بأن تكون هناك ختمتان للقرآن ... ختمة قراءة لإنهاء الورد دون النظر للمعنى، وختمة للتدبر والتي يمكن أن تستغرق عدة سنوات.\nولعل ما قيل في الصفحات السابقة، مع التركيز على معرفة الهدف الأسمي من نزول القرآن ومدى حاجتنا إليه على مستوي الأمة والفرد ... لعل هذا كله يرد على من يطرح هذا التصور.\nفأي هدف سيسعى القارئ إلى تحقيقه وهو يقرأ بدون تدبر؟ وما النفع الذي سيعود عليه من ذلك؟ وهل ستحقق له قراءة الحناجر التغير المنشود الذي ينتظره من القرآن؟\nلو كانت القراءة لمجرد الثواب المترتب عليها فقط، لكان من الأولى أن نقوم بأعمال أكثر ثوابًا من قراءة القرآن مثل ما رواه ابن عمر ﵄ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من دخل السوق فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحيي ويميت، وهو حي لا يموت، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير، كتب الله له ألف ألف حسنة، ومحا عنه ألف ألف سيئة، ورفع له ألف ألف درجة، وبنى له بيتًا في الجنة» (٤).\nولسنا نعني بذلك التقليل من شأن الثواب المترتب على قراءة القرآن، بل نعني إعادة النظر في في طريقة تعاملنا معه، فقيمة القرآن وبركته الحقيقية تكمن في معانيه، ولأن اللفظ وسيلة لإدراك المعنى كان التوجيه النبوي بالإكثار من تلاوته، وتحفيز الناس على ذلك من خلال الثواب الكبير المترتب على قراءته.\nومثال ذلك: الأب الذي يرصد مكافأة لابنه إن استمر في المذاكرة عدة ساعات، هو بالتأكيد لا يقصد مجرد جلوسه على المكتب والنظر في الكتب دون فهم ما تحتويه، بل هدفه من وراء ذلك تشجيع ابنه على المذاكرة بذهن حاضر ليتحقق له النجاح.\n_________\n(١) أخرجه مسلم برقم (٨٠٤).\n(٢) قاعدة في فضائل القرآن ص (٥٤).\n(٣) مقالات الإسلاميين في رمضان، ص (٤٢٦)\n(٤) أخرجه الترمذي (٥/ ٤٩١ رقم ٣٤٢٨)، وقال: غريب، وابن ماجه (٢/ ٧٥٢، رقم ٢٢٣٥)، أحمد (١/ ٤٧، رقم ٣٢٧)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع رقم: ٦٢٣١.","vol":"1","page":86},{"text":"فإذا ما نظرنا إلى الهدف الأسمى من نزول القرآن، وربطنا بينه وبين ما رتب الشارع الحكيم على قراءته من ثواب عظيم، لوجدنا أن من أهداف هذا الثواب تشجيع المسلمين على دوام الاقتراب منه حتى يهتدوا بهداه، ويستشفوا بشفائه ... أما أن نقترب منه وليس لنا هدف إلا الثواب، دون الالتفات إلى المعنى المقصود من الخطاب، فمما لا شك فيه أننا بذلك التعامل الشكلي سنخسر كثيرًا، ولن يحقق القرآن فينا مقصوده.\nولعل السبب من وراء مطالبة البعض بختمة للتدبر وختمة لإنهاء الورد هو استشعارهم صعوبة التدبر، وعدم القدرة على تجاوز عدة آيات في لقائهم مع القرآن ... فهذه عقبة أخري سيتم تناولها بمشيئة الله في الصفحات القادمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-140>دفع شبهة:</span>\nفإن قال قائل: ولكننا قرأنا أن فلانًا من السلف كان يختم القرآن في الليلة الواحدة مرة ومرتين، وفلان كان يختم القرآن في رمضان ستين ختمة، فلماذا لا نفعل مثلهم؟!\nهذه الأخبار - لو صحت - فلا يمكن أن نستدل بها على جواز اتخاذ هذه الطريقة كوسيلة نحقق بها مقصود القرآن، قال تعالى: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) [محمد: ٢٤].\nفنصوص القرآن واضحة في أهمية تدبره عند قراءته أو الاستماع إليه ليكون التدبر وسيلة للفهم والتأثر ثم العمل، يقول تعالى: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) [ص: ٢٩].\nولأن فهم مقصود الخطاب لابد أن يلازم قراءة القرآن، كان توجيه الرسول ﷺ لعبد الله بن عمرو بن العاص بألَّا يختم القرآن في أقل من ثلاث معللًا ذلك بقوله ﷺ: «لا يفقهه من يقرؤه في أقل من ثلاث» (١).\nوالأمر الآخر أننا في هذه الصفحات نتحدث عن كيفية الانتفاع بالقرآن كهاد إلى الله وإلى صراطه المستقيم وكمصنع للتغيير، ومما لاشك فيه أن تحقيق هذه الأهداف يستلزم القراءة الهادئة المتأنية المسترسلة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-141>الوسائل والغايات:</span>\nومما يلحق بهذه العقبة قول البعض: بأن الله ﷿ تعبدنا بالوسائل، ولم يطلب منا النظر للأهداف والمقاصد، فمن يقرأ بألفاظه فقط، دون النظر لمقصد نزوله فسيصل إليه دون تكلف، وكذلك فإنه بمجرد الصوم والامتناع عن الطعام والشراب سيتحقق مقصود الصوم، وكذلك الصلاة وسائر العبادات.\nفإن كان الأمر كذلك، وإن مجرد قراءة القرآن بألفاظه فقط دون تدبر سيحقق لصاحبه الهدف الذي نزل لأجله القرآن، فلماذا إذن فُضلت سور عن سور مثل سورة الإخلاص والتي تُعد قراءتها بثلث القرآن ...\nهل لألفاظها فقط كان التفضيل، أم بما تحمله من معانٍِ عظيمة؟!! وهل من قرأها بلسانه فقط سيحقق المقصد من تفضيلها؟!\nولو كان الأمر كذلك لاستوى المصلون في درجاتهم عند الله طالما حققوا شروط وواجبات الصلاة بأجسامهم دون قلوبهم.\nألم يقل ﷺ: «أن الرجل لينصرف وما كُتب له عُشر صلاته، تسعها، ثمنها، سبعها، سدسها، خمسها، ربعها، ثلثها، نصفها» (٢).\nوكذلك الدعاء .. فما قيمة رفع اليدين بالدعاء والقلب غافل لاه؟!\nيقول ﷺ: «واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه» (٣).\nويذكرنا القرآن بأهمية تحصيل التقوى في الحج كمقصد أساسي له.\n_________\n(١) سبق تخريجه.\n(٢) أخرجه أحمد (٤/ ٣٢١، رقم ١٨٩١٤)، وابن حبان (٥/ ٢١٠، رقم ١٨٨٩)، والبيهقى (٢/ ٢٨١، رقم ٣٣٤٢)، وأبو داود (١/ ٢١١، رقم ٧٩٦)، قال الشيخ الألباني: (حسن) انظر حديث رقم: (١٦٢٦) في صحيح الجامع.\n(٣) أخرجه الترمذى (٥/ ٥١٧، رقم ٣٤٧٩)، والحاكم (١/ ٦٧٠، رقم ١٨١٧)، وحسنه الشيخ الألباني في صحيح الجامع حديث رقم: (٢٤٥).","vol":"1","page":87},{"text":"يقول تعالى ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج: ٣٧].\nوغير ذلك من الأدلة التي تحثنا على تحري الخشوع والتقوى وحضور القلب مع العبادات وإلا ضاع جهد صاحبها، قال رسول الله ﷺ: «رب قائم حظه من قيامه السهر ورب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش» (١).\nومع هذا كله فخير دليل على عدم صحة هذا القول هو الواقع، فنحن نقرأ القرآن منذ سنوات وسنوات وختمناه مرات ومرات، وكان كل همنا الانتهاء من الورد أو السورة دون الالتفات إلى المعنى ... فماذا غيَّر القرآن فينا؟\nويؤكد على هذا المعنى ابن القيم فيقول ﵀:\nولا ريب أن مجرد القيام بأعمال الجوارح من غير حضور ولا مراقبة، وإقبال على الله: قليل المنفعة، دنيا وأخرى .. فإنه - وإن كثر - متعب غير مفيد، فهكذا العمل الخارجي القشوري بمنزلة النخالة كثيرة المنظر قليلة الفائدة. فإن الله لا يكتب للعبد من صلاته إلا ما عقل منها (٢).\nويقول: فإن الأعمال لا تتفاضل بصورها وعددها. وإنما تتفاضل بتفاضل ما في القلوب. فتكون صورة العمل واحدة. وبينهما في التفاضل كما بين السماء والأرض. والرجلان يكون مقامهما في الصف واحدًا وبين صلاتهما كما بين السماء والأرض (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-142>العقبة الثانية\nالخوف من تدبر القرآن</span>\nثانية العقبات التي ينبغي أن نجتازها بسلام: (الخوف من تدبر القرآن) فمبدأ الدخول إلى عالم القرآن بتدبره وتفهمه، والعمل بمقتضاه، يُشكِل عقبة عند البعض، ومبعث خوف هؤلاء إما لاستشعارهم عدم أهليتهم لذلك، أو خوفهم من الوقوع تحت طائلة حديث رسول الله ﷺ: «.. ومن قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار» (٤).\nأما شعور البعض بعدم أهليته لتدبر القرآن فهذا من تلبيسات الشيطان ليصرفنا عن مصدر السعادة والهدى، فالقرآن لا يخاطب فئة من الناس، بل هو للرجل والمرأة، والعالم والأمي، والعربي والأعجمي .. إنه خطاب للعامة والخاصة.\nقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١]. ولو كان هذا الكتاب لا يخاطب إلا العلماء ما طالبنا الله ﷿ بتدبره.\nيقول القرطبي في قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢].\nيقول: ودلت هذه الآية وقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤]، على وجوب التدبر في القرآن ليُعرف معناه. فكان في هذا رد على فساد قول من قال: لا يؤخذ من تفسير إلا ما ثبث عن النبي ﷺ (٥).\nويؤكد على هذا المعنى ابن هبيرة فيقول: ومن مكائد الشيطان تنفير عباد الله عن تدبر القرآن، لعلمه أن الهدى واقع عند التدبر، فيقول: هذه مخاطرة، حتى يقول الإنسان: أنا لا أتكلم في القرآن تورعًا (٦).\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٢/ ٣٧٣، رقم ٨٨٤٣)، والحاكم (١/ ٥٩٦، رقم ١٥٧١)، وصححه الشيخ الألباني في صحيح الجامع حديث رقم: (٣٤٨٨).\n(٢) تهذيب مدارج السالكين، ص (١٥٣).\n(٣) المصدر السابق، ص (١٨٨).\n(٤) أخرجه الترمذى، وقال: حديث حسن (٥/ ١٩٩، رقم ٢٩٥١)، وأحمد (١/ ٣٢٣، رقم ٢٩٧٦) وصححه الشيخ أحمد شاكر.\n(٥) الجامع لأحكام القرآن الكريم، (٥/ ١٨٧).\n(٦) تدبر القرآن للسنيدي ص (٤٨) نقلًا عن ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب (٣/ ٢٧٣).","vol":"1","page":88},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-143>انتبه</span>\nويطلق ابن القيم تحذيرًا شديدًا يساعدنا على اجتياز تلك العقبة فيقول: ومن قال: إن له تأويلا لا نفهمه ولا نعلمه، وإنما نتلوه متعبدين بألفاظه، ففي قلبه منه حرج (١).\nنعم، قد تضيق المعاني وتتسع حسب معارف الشخص ومستوى إدراكه، فالقرآن حمَّال أوجه - كما قال علي بن أبي طالب ﵁ - ولكن تبقى النقطة الجوهرية ألا وهي مقدار تأثر القلب بما يدركه العقل ... قد يفهم عالم من العلماء مفاهيم كثيرة ويدرك بعقله معاني عميقة حول آية من الآيات، لكنها تظل حبيسة عقله، فلا ينتفع بها قلبه.\nوفي المقابل قد يفهم رجل عادي، ذو ثقافة محدودة آية من الآيات بفهم بسيط، ومع ذلك فإن هذه الآية بهذا الفهم قد تؤثر في قلبه، وتهز وجدانه .. فالعبرة بما يحدثه القرآن في القلب كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٣].\nوتفاضل الناس عند ربهم ليس بكم المعارف التي في عقولهم، ولكن بمقدار التقوى التي في قلوبهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣].\nتأمل معي ما حدث لهذا الأعرابي عندما كان في مجلس الرسول ﷺ فاستمع منه قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧، ٨]، فقال: يا رسول الله، أمثقال ذرة؟ قال: «نعم». فقال الأعرابي: واسوأتاه، ثم قام وهو يقولها، فقال رسول الله ﷺ: «لقد دخل قلب الأعرابي الإيمان» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-144>معنى التحذير من القول في القرآن:</span>\nأما بالنسبة لخوف البعض من أن يقول في القرآن برأيه فيقع فيما حذر منه رسول الله ﷺ كما جاء في الحديث، فيرد عليه د. يوسف القرضاوي بقوله:\nالأول: أن يراد بالرأي الهوى، فهو يجر القرآن جرًّا لتأييد ما يهواه وما يميل إليه (٣)، فلا يجوز ولا يليق ولا يُقبل أن يكون القرآن تابعا لمذهب في الفقه، أو نحلة في الكلام، أو مقولة في الفلسفة، أو شطحة في الصوفية (٤).\nوالثاني: أن يكون معنى الحديث: أن يهجم على تفسير القرآن دون أن يتأهل له بما يلزم من أدوات التفسير وشروط المفسر (٥).\nوبديهي أن المتدبر، المتفكر في القرآن يختلف عن المفسر، فالمتدبر يبحث عن الهداية والشفاء في القرآن، لذلك فالمعنى هو مقصوده، أما المفسر فيقف عند كل كلمة ليشرح معناها ويستخرج وجوه الإعجاز والبيان فيها، وقد يستخرج منها أحكاما شرعية، وهذا مما لا شك فيه وظيفة العلماء المتخصصين والمؤهلين لهذا العلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-145>التلقي المباشر من القرآن:</span>\nإذن فلا خطورة من التلقي المباشر من القرآن بعد أخذ هذه الضوابط في الاعتبار، والتأكد بأننا لا نأخذ من القرآن أحكاما شرعية بطريقة مباشرة نلزم بها أنفسنا أو الآخرين، بل علينا الرجوع إلى كتب التفسير والفقه إذا ما أردنا معرفة تلك الأحكام.\n(فتفسير مراد الله واستنباط الأحكام الشرعية هما منزلة خاصة بالعلماء والمفسرين أما الفهم والاعتبار والتذكر والاتعاظ فلا عذر لأحد في تركه).\n_________\n(١) التبيان في أقسام القرآن فصل ٦٠، ص ١٤٤.\n(٢) أخرجه سعيد بن منصور عن المطلب بن عبد الله بن حنطب.\n(٣) كيف نتعامل مع القرآن العظيم ليوسف القرضاوي ص (٢١٠).\n(٤) المصدر السابق ص (٢٥٨).\n(٥) المصدر السابق ص (٢١٠).","vol":"1","page":89},{"text":"ويجتهد الصنعاني ﵀ في بيان حجج يرد بها على من سلك هذا المسلك، وملخص ما قال: إن الله سبحانه كمّل عقول العباد ورزقهم فهم كلامه، ثم إن فهم كثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية عند قرعها الأسماع لا يحتاج معناها إلى علم النحو، ولا إلى علم الأصول، بل في الأفهام والعقول ما يجعلها تسارع إلى معرفة المراد، فإن من قرع سمعه قوله تعالى: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٠]، يفهم معناه من دون أن يعرف أن ﴿مَا﴾ أداة شرط، و﴿تُقَدِّمُوا﴾ مجزوم بها لأنه شرطها و﴿تَجِدُوهُ﴾ مجزوم بها لأنه جزاؤها، ومثلها كثير.\nثم إنك ترى العامة يستفتون العالم ويفهمون كلامه وجوابه وهو كلام غير مُعْرب في الأغلب، بل تراهم يسمعون القرآن فيفهمون معناه ويبكون لقوارعه وما حواه، ولا يعرفون إعرابا ولا غيره، بل ربما كان موقع ما يسمعونه في قلوبهم أعظم من موقعه في قلوب من حقق قواعد الاجتهاد، وبلغ الذكاء والانتقاد.\nثم إن هؤلاء العامة يحضرون الخطب في الجمع والأعياد، ويذوقون الوعظ ويفهمونه ويفتت منهم الأكباد، وتدمع منهم العيون، فيكثر منهم البكاء والنحيب.\nثم أنك تراهم يقرءون كتبا مؤلفة من الفروع الفقهية ويفهمون ما فيها، ويعرفون معناها، ويعتمدون عليها ويرجعون في الفتوى والخصومات إليها.\nفيا ليت شعري! ما الذي خص الكتاب والسنة بالمنع عن معرفة معانيهما، وفهم تراكيبهما ومبانيهما والإعراض عن استخراج ما فيهما، حتى جعلت معانيهما كالمقصورات في الخيام، وقد ضربت دونها السجوف، ولم يبق لنا إليهما إلا ترديد ألفاظهما والحروف، وأن استنباط معانيهما قد صار حجرا محجورا وحرما محرما محصورا (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-146>ماذا قال صاحب الظلال</span>؟\nولأهمية التعامل المباشر مع القرآن يقول الاستاذ سيد قطب ﵀ في مقدمته لتفسير سورة الرعد: وإنني لأهيب بقراء هذه الظلال، ألا تكون هي هدفهم من الكتاب إنما يقرءونها ليدنوا من القرآن ذاته. ثم ليتناولوه عند ذلك في حقيقته، ويطرحوا عنهم هذه الظلال (٢).\nوعندما سئل الإمام الشهيد حسن البنا عن أفضل التفاسير للقرآن قال: (قلبك)، فقلب المؤمن لا شك هو أفضل التفاسير لكتاب الله ﵎ (٣).\nوليس معنى هذا هو ترك هذا التراث الضخم من التفاسير العظيمة التي تركها علماء الأمة على مر العصور، فالتفسير بلا شك يعين على زيادة الفهم، وإزالة الإشكاليات أمام العقل، ومعرفة الحكم الشرعي المستبط من الآيات ...\nومع أهمية الرجوع إلى التفسير لمعرفة هذه الأمور وغيرها إلا أنه ليس شرطا للانتفاع الحقيقي بالقرآن كمنهج حياة يعظ صاحبه، ويذكره بما ينبغي أن يتذكره، ويزيد إيمانه، ويعينه على مواجهة متغيرات الحياة ... وهذا هو أهم دور للقرآن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-147>العقبة الثالثة\nمفهوم التدبر وطبيعته</span>\nالبعض يتصور أن معنى التدبر: إعمال العقل في كل كلمة من كلماته والتدقيق الشديد فيها، والغوص في معانيها .. هذا التصور يجعل من التدبر عملية شاقة لا يستطيع أحد أن يستمر عليها، وفي الوقت ذاته فإنها لا تحقق مقصوده. فتدبر القرآن وسيلة لدوام التذكر بما هو مطلوب منا، ومن خلاله تتضح الرؤية لطريق الهدى، وبه يتعظ القلب فيزداد إيمانا وتقوى.\nقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾ [طه: ١١٣].\n_________\n(١) تدبر القرآن للسنيدي ص (٤٨، ٤٩) نقلا عن إرشاد النقاد إلى تيسير الاجتهاد ص (٣٦)، ضمن مجموعة الرسائل المنيرية، الجزء الأول، بتصرف يسير.\n(٢) في ظلال القرآن (٤/ ٢٠٣٩).\n(٣) نظرات في التربية والسلوك ص (١١٩).","vol":"1","page":90},{"text":"فليس المقصد من تدبر القرآن إظهار نوع الإعجاز البياني واللغوي، وإمتاع العقل بما فيه من أدب وتاريخ وقصص - وإن كان كل هذا من محتوياته - بل المقصد الأساسي هو المعنى الذي يخرج به قارئه مما يجعله في حالة من دوام التذكر، كما قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩].\nويضع الشيخ عبد الرحمن السعدي القاعدة لقارئ القرآن فيقول: «وأن يجعل المعنى هو المقصود واللفظ وسيلة له» (١).\nولو تفهمنا هذه القاعدة لأصبح التدبر سهلا ميسرا لمن جعله وسيلة للبحث عن الهدى والشفاء .. فلن يقف القارئ عند كل كلمة يقرؤها بل سيتفكر في المعنى الإجمالي للآية وارتباطها بجوانب الهداية، وأما ما أشكل عليه فهمه فليتركه لعالمه ﷾، وغالبا ما سيجد ما يوضحه في موضع آخر بالقرآن، وحسبنا في ذلك ما قاله رسول الله ﷺ: «إن القرآن لم ينزل يكذب بعضه بعضا، بل يصدق بعضه بعضا، فما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم فردوه إلى عالمه» (٢).\nقال عبد الله بن مسعود: إن للقرآن منارا كمنار الطريق، فما عرفتم منه فتمسكوا به، وما يشبه عليكم - أو قال: شبه عليكم - فكلوه إلى عالمه (٣).\nيقول الحسن البصري في قوله تعالى: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ [البقرة: ١٢١]، قال: يعملون بمحكمه، ويؤمنون بمتشابهه، ويكلون ما أشكل عليهم إلى عالمه (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-148>طبيعة التدبر:</span>\nحينما كنا نسمع أو نقرأ عن أهمية تدبر القرآن والعمل بما فيه، كانت الرغبة تجتاح النفس، والشوق يملؤها لذلك، ولكن ما إن نبدأ في التطبيق إلا ونقف عاجزين أمام الآيات فلا نكاد نستخرج منها شيئا، تماما كمن يقال له: انظر إلى الشمس وقت الغروب وتفكر فيها .. هو يتمنى أن يخرج بشيء من خلال رؤيته لهذا المنظر الجميل ولكنه يقف جامدا أمامه لأنه لم يتعلم كيف يتفكر، وعم يبحث.\nونفس الأمر إذا ما طلب من شخص ما إبداء رأيه في سيرة أو بناية أو ميزانية شركة وهو بعيد عن هذه المجالات فرأيه إن أبداه لن يفيد أحدا طالما أنه لا يعرف أين سيحرك عينيه، وعم سيبحث، وهذا هو ما يحدث معنا، فعندما يطلب منا التدبر واستخراج خواطر من الآيات، تجد الواحد منا يتأمل فيها ويشعر أنها تحتوي على معان عظيمة لكنه لا يخرج منها بشيء يُذكر لأنه لم يتعلم كيف يتدبر.\nنعم قد يتأثر الوجدان بالقراءة والسماع في بعض الأوقات، ولكن هذا التأثر غالبا ما يكون مع آيات الوعيد التي من شأنها مخاطبة الوجدان واستثارة المشاعر، وهذا وحده لا يكفي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-149>فلنبحث عن الهدى:</span>\nالقرآن مليء بأنواع كثيرة من العلوم وأوجه الإعجاز، فمن قرأه وهو يبحث عن البلاغة وجدها، ومن قرأه وهو يبحث عن القصة عثر عليها، ومن قرأه وهو يبحث عن الإعجاز العلمي ظفر به، ومن قرأه وهو يبحث عن الهداية وجدها، ومن قرأ القرآن وهو لا يبحث فيه عن شيء لن تراه غالبا وقد استوقفه شيء منه، ألم يقل ﷾ عن قصة يوسف: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ﴾ [يوسف: ٧].\nفالسائلون المهتمون بالموضوع هم الذين سينتفعون بما في القصة من آيات وعبر.\n_________\n(١) تيسير الكريم الرحمن - المقدمة، ص (٣).\n(٢) أخرجه أحمد (٢/ ١٨١، رقم ٦٧٠٢)، وصححه الشيخ الألباني ﵀ في تخريج شرح العقيدة الطاحوية (١/ ٢١٨).\n(٣) أخرجه أبو عبيد في كتاب فضائل القرآن ص (٩٩).\n(٤) أخرجه الرازي في كتاب فضائل القرآن ص (١٢٦).","vol":"1","page":91},{"text":"من هنا نقول إن من تبين له بوضوح الهدف الأساسي من نزول القرآن، ستسهل عليه قراءة القرآن وتدبره، وسيخرج منها بالكثير من جوانب الهداية، أما من لم يتضح له هذا الهدف ولم يستشعر عظيم حاجته إليه فسيصعب عليه التدبر، ولن يستطيع المدوامة عليه لعدم وجود قضية تشغله يعلم أن في القرآن حلها، وحسبنا في ذلك قول ابن تيمية: من تدبر القرآن طالبا الهدى منه تبين له الحق (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-150>العقبة الرابعة\nضرورة ختم القرآن في مدة محددة</span>\nالبعض منا يظن أن الواجب عليه ختم القرآن في شهر مثلا، وأنه لو تأخر عن ذلك فقد يقع في الإثم والحرج.\nنعم ينبغي علينا أن ننشغل بالقرآن، وألا يمر علينا يوم دون القراءة في المصحف، ولكن ليس معنى هذا أن من الواجب ختم القرآن في مدة محددة، فالصحابة مع شدة اعتنائهم بالقرآن وانشغالهم به إلا أنهم كانوا يتفاوتون في مدة ختمه.\nأخرج ابن أبي دواد عن مكحول قال: كان أقوياء أصحاب رسول الله ﷺ يقرءون القرآن في سبع وبعضهم في شهر، وبعضهم في شهرين، وبعضهم في أكثر من ذلك (٢).\nوليس معنى هذا أننا سنمكث فترات طويلة لنختم القرآن، بل العكس هو المطلوب فعلى قدر انشغالنا بالقرآن والإكثار من تلاوته وتدبره سيكون النفع المتحقق بمشيئة الله، وعلى قدر ما نعطي للقرآن من أوقاتنا وعقولنا وقلوبنا يعطينا من خيره ونوره.\nوعندما نعطي للقرآن المساحة الزمنية الكبيرة من يومنا سنتمكن - بعون الله - أن نختمه في أقل من شهر، ولكن دون أن يكون هناك سيف مسلط على رقابنا يدعونا للمسارعة في القرآن كي لا نتجاوز المدة التي حددناها في أذهاننا.\nهب أنك في يوم من الأيام استوقفتك آية وأنت تقرأ القرآن، فهزّت مشاعرك، وذقت معها حلاوة الإيمان كلما رددتها، هل تترك هذه اللحظة السعيدة - لحظات الإيمان - خوفا من عدم إنهاء وردك المحدد؟\nفإن قال قائل: ولكن وجود حد أقصى لمدة الختم في ذهني يشحذ همتي لمداومة القراءة .. إن كان الأمر كذلك فلا بأس منه شريطة ألا يخل بمقصود القراءة، وألا يكون كذلك على حساب ترديد الآيات والتجاوب معها، والأفضل أن نجعل هذا الأمر من باب الاستئناس وليس من باب الإلزام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-151>العقبة الخامسة\nأمراض القلوب</span>\nيظن البعض أن علاج القلب من أمراضه لابد أن يسبق العودة إلى القرآن، فالقلب المريض لا يمكنه الانتفاع الحقيقي بالقرآن - كما يقولون - ويرفع هؤلاء شعار «التخلية قبل التحلية» فإن كان الأمر كذلك فما هو إذن دور القرآن؟\nألم يصفه الله ﷿ بأنه شفاء لما في الصدور؟\nقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٥٧].\nفالقرآن نعم الدواء لأمراض القلوب، فقوة نوره تخترق الظلمات فتبددها، وتحرق ما يقابلها من شهوات وشبهات، كما قال تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء: ١٨].\n_________\n(١) تدبر القرآن للسنيدي ص (١١١، ١١٢)، نقلا عن العقيدة الواسطية ص (١٠٣) شرح هراس.\n(٢) الاتقان في علوم القرآن للسيوطي (١/ ١٠٤).","vol":"1","page":92},{"text":"نعم في البداية سيجد نور القرآن بعض الصعوبة في الدخول إلى القلب بسبب حجب الظلمات التي تراكمت عليه من آثار المعاصي والغفلات، ولكن هذه الحجب لن تستطيع أن تقاوم طويلا دخول أشعة نور القرآن إلى القلب إذا ما داوم الشخص على تلاوته بتدبر، وكلما دخل النور إلى جزء من أجزاء القلب انطرد منه الهوى وعادت إليه الحياة مرة أخرى، إلى أن يأتي الوقت الذي يعود فيها القلب إلى كامل صحته، قال تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ [الرعد: ١٧].\nوفي المقابل فإن من يتبنى طريقة التخلية قبل التحلية فسيظل يراوح في مكانه، ولن يصل إلى مبتغاه، من تطهير قلبه أولا من أمراضه، لأنه كلما فتش في نفسه سيجد آفات وعيوبا، وكلما تخلص من واحد منها ظهر آخر، ولن يستطيع أن يدعي في يوم من الآيام أنه تخلص منها جميعا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-152>العقبة السادسة\nمفهوم الانشغال بالقرآن</span>\nإن الانشغال الحقيقي بالقرآن يعني أول ما يعني الانشغال بمعانيه، ومواعظه، وجوانب هدايته، وامتلاء القلب بها وتمكنها من العقل الباطن واللاشعور، فينعكس ذلك على خواطر العبد واهتمامته.\n- والانشغال بالقرآن يعني كذلك الانشغال بحمل معانيه إلى الناس، ودعوتهم إلى الجلوس المباشر معه، وإزالة الحاجز النفسي بينهم وبينه.\n- ومن أهم صور الانشغال بالقرآن: تعريف الناس بربهم عن طريقه، وذلك من خلال ربط آيات القرآن بآيات الكون، والاستدلال منها على الخالق العظيم، ذي الجلال والإكرام.\nقال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣].\n- ومن صور الانشغال بالقرآن كذلك: السعي الدءوب على تحويله إلى واقع ملموس في حياة الناس ليصبح دستور الأمة، فتسود أخلاقه جوانب المجتمع، وهذا لن يتم إلا بوجود جيل قرآني يدعو إلى الله بأفعاله قبل أقواله.\n- ومع هذا كله يأتي الانشغال بالقرآن كذلك .. الانشغال بدوام تلاوته بالليل والنهار، وحفظ آياته، ولكن بمثل الطريقة التي كان يحفظ بها الصحابة، فيتعلم الإيمان وجوانب الهداية من الآيات قبل حفظها.\nإن أهل القرآن الذين هم أهل الله وخاصته هم أولئك الذين فهموا مراد الله من إنزاله القرآن، فانكبوا عليه وعملوا به، ودعو الخلق إليه، ولعل هذا هو ما كان يقصده الحسن البصري بقوله: إن أولى الناس بهذا القرآن من اتبعه وإن لم يكن يقرؤه (١).\nومن لوازم تصحيح هذا المفهوم عدم حصر معنى قول الرسول ﷺ: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه» على تعلم وتعليم أحكام التجويد فقط، فكما قال ابن تيمية: دخل في قوله: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه» تعليم حروفه ومعانيه جميعا، بل تعلم معانيه هو المقصد الأول من تعلم حروفه وذلك الذي يزيد الإيمان، كما قال جندب بن عبد الله وعبد الله بن عمر وغيرهما: تعلمنا الإيمان ثم تعلمنا القرآن فازددنا إيمانا، وأنتم تعلمتم القرآن ثم تتعلمون الإيمان .. ولهذا كانوا يبقون مدة في حفظ السورة.\n_________\n(١) فضائل القرآن لأبي عبيد ص (٦٣).","vol":"1","page":93},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-153>الفصل السابع\n\nكيف نعود إلى القرآن</span>؟","vol":"1","page":94},{"text":"قبل الحديث عن وسائل الانتفاع بالقرآن، وحسن العودة إليه، هناك بعض العوامل التي من شأنها أن تهيئ المرء لحسن الدخول إلى عالم القرآن ..\nهذه العوامل هي:\n-<span data-type=\"title\" id=toc-154> الدعاء والتضرع إلى الله</span>.\n- وضع القرآن على أعلى سلم الأولويات.\n- سلامة النطق والترتيل.\nالدعاء والتضرع إلى الله:\nلعل ما قيل في الصفحات السابقة يرسم إلى حد كبير الصورة المُثلى في التعامل مع القرآن، ويزيل بعضا من الموروثات القديمة عنه، ومع هذا فإن العامل الرئيسي لدخول الواحد منا إلى عالم القرآن، وتذوقه، واستخراج كنوزه هو شدة احتياجه إليه ورغبته فيه.\nليتخيل كل واحد منا أن مرضا قد أصاب عضوا من أعضائه، وأن البحث عن الدواء الذي يشفيه قد أعياه، وأن معاناته من ذلك المرض تزداد يوما بعد يوم، وفي هذه الأثناء يخبره أحد المقربين إليه بأن هناك كتابا به وصفة أكيدة لمرضه، وقد جُربت من قبل وأتت بنتائج مبهرة، لكنه لا يعلم في أي صفحات الكتاب تكون هذه الوصفة.\nتُرى ماذا سيكون رد فعل هذا المريض؟ كيف سيتعامل مع هذا الكتاب؟ وكيف ستكون طريقة قراءته له؟ وهل سيسمح لذهنه أن يسرح في سطر منه؟ وإذا ما سرح هل سيتابع القراءة أم سيعود لقراءة ما سرح فيه مرة أخرى؟\nبالتأكيد أن هذا المريض سيكون في أعلى درجات اليقظة والاستعداد للتلقي والتنفيذ في كل لقاء له مع هذا الكتاب، وسيقرؤه مرات ومرات حتى يصل لدوائه.\nفإن كان هذا فيما يخص البدن الذي سيبلى بعد الموت فماذا لا نفعل ذلك مع القلب، وهو محل نظر الله ﷿، وبقدر سلامته تكون النجاة يوم القيامة كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨، ٨٩].\nما الذي يجعلنا ننتظر، والكتاب الذي يحوي الشفاء والهداية بين أيدينا ميسر للذكر .. متواجد في كل بيت .. لا ينقصنا إلا أن نمد أيدينا فنتناوله ونقبل عليه بشعور الملهوف الراغب في الهدى كما قال ابن تيمية ﵀: من تدبر القرآن طالبا الهدى منه تبين له طريق الحق.\nوقال القرطبي: فإذا استمع العبد إلى كتاب الله تعالى، وسنة نبيه ﵊ بنية صادقة على ما يحب الله أفهمه الله كما يحب وجعل له في قلبه نورا (١).\nفنقطة البداية - إذن - تبدأ مني ومنك، وهي استشعار الحاجة للعودة إلى القرآن .. هذا الشعور لابد أن نترجمه في هيئة دعاء وتضرع إلى الله بأن ييسر لنا فهم كتابه، وحسن تدبره، والعمل بما فيه.\nندعوه ﷾ بأن يمنع عنا كل ما يثبط عزائمنا ويبعدنا عن التدبر .. نلح عليه بان يحبب إلى قلوبنا تدبر القرآن، وأن يعلمنا علم القرآن، وينور قلوبنا بنوره .. ولا ينبغي أن يدفعنا تأخر الإجابة إلى اليأس وترك الدعاء، وحسبنا في ذلك ما قاله ﷺ: «يستجاب لأحدكم مالم يعجل، يقول: قد دعوت فلم يستجب لي» (٢).\nالامداد بحسب الاستعداد:\nأخي: لنعلم جميعا بحسب الاستعداد، كما قال تعالى: ﴿إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا﴾ [الأنفال: ٧٠].\nفالبداية من العبد: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: ٣٥].\nفلنرِ الله من أنفسنا خيرا، ولنكثر من الاستغفار والتوبة، ولنداوم قرع الباب وإن رددنا.\nقال رجل لذي النون وهو يعظ الناس: يا شيخ، ما الذي أصنع، كلما وقفت على باب من أبواب المولى صرفني عنه قاطع المحن والبلوى.\nقال له: يا أخي كن على باب مولاك كالصبي الصغير مع أمه، كلما ضربته أمه ترامى عليها، وكلما طردته، تقرب إليها، فلا يزال كذلك حتى تضمه إليها (٣).\n_________\n(١) تدبر القرآن للسنيدي ص ١١٢.\n(٢) متفق عليه.\n(٣) تدبر القرآن للسنيدي ص ١١٢.","vol":"1","page":95},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-155>القرآن والأولويات:</span>\nومع الدعاء والتضرع إلى الله، علينا أن نضع القرآن في أعلى سلم أولوياتنا واهتمامتانا، وأن نعطيه أفضل أوقاتنا، ونمكث معه أطول فترة ممكنة، فعلى قدر ما سنعطي للقرآن سيعطينا ويكرمنا، فهو كما أخبر عنه الله ﷿ ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٧].\nإن طول المكث مع القرآن من شأنه أن يسرع خطى التغيير المنشود .. تغيير العقل وإعادة تشكيله، وبناء اليقين الصحيح فيه، وتغيير القلب وطرد حب الدنيا والهوى منه، وترويض النفس على لزوم الصدق والإخلاص.\nفكتاب هذا شأنه ينبغي أن نسلم له زمام قيادتنا ونترك أنفسنا له، وأن نكثر من الجلوس وعقد اللقاءات معه كلما سنحت الفرصة لذلك. وليس معنى هذا إهمال العلوم الأخرى وإنما تفريغ الوقت الأكبر لهذا الكتاب.\nوعلينا كذلك أن نهيئ مكانا للقائه بعيدا عن الضوضاء، وعن كل ما من شأنه أن يشوش على الذهن ويقلل التركيز.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-156>سلامة النطق:</span>\nومن الأمور التي ينبغي أن نتقنها منذ البداية: تصحيح النطق بالقرآن وتعلم أحكام التجويد، فسلامة النطق من الأهمية بمكان لفهم القرآن، وكذلك أحكام التلاوة والتي من شأنها أن تيسر على القارئ ترتيل القرآن.\nفإن قال قائل: ولماذا الترتيل؟ ألا يكفي سلامة النطق؟\nإن للترتيل الكثير من الفوائد فضلا عن كونه واجبا على قارئ القرآن، فمن فوائده: إطالة مدة قراءة الآية مما يتيح للعقل فرصة فهم المقصود منها.\nيقول ابن حجر في شرحه لباب الترتيل في القراءة في صحيح البخاري: أي تبين حروفها، والتأني في أدائها ليكون أدعى إلى فهم معانيها (١).\nومن فوائده كذلك: أنه يستثير المشاعر، وكما قيل في الصفحات السابقة، فإن العبرة ليست بالتدبر العقلي فقط ولكن لابد أن يصحب ذلك انفعال وجداني ليحدث التأثر القلبي ويزداد الإيمان. لذلك نجد التوجيه النبوي بالتغني بالقرآن، أي بتحسين الصوت وتزيينه، وكذلك التباكي عند قراءته لمن لم يستطع البكاء .. كل ذلك لتستثار المشاعر ويتحقق المقصود من القراءة.\nقال ﷺ: «إن هذا القرآن نزل بحزن، فإذا قرأتموه فابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا، وتغنوا به، فمن لم يتغن به فليس منا» (٢).\nإن تلاوة القرآن حق تلاوته كما يقول أبو حامد الغزالي هو أن يشترك فيه اللسان والعقل والقلب، فحظ اللسان تصحيح الحروف بالترتيل، وحظ العقل تفسير المعاني، وحظ القلب الاتعاظ والتأثر بالانزعاج والائتمار .. فاللسان يرتل، والعقل يترجم، والقلب يتعظ (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-157>الوسائل العملية للانتفاع بالقرآن</span>\nمما لا شك فيه أن من يقبل على القرآن مستشعرا أنه خطاب من الله ﷿ موجه إليه يحمل في طياته مفاتيح سعادته في الدنيا والآخرة، وأنه القادر بإذن الله على تغييره مهما كان حاله .. لا شك أن هذا الشخص لا يحتاج إلى من يدله على وسائل تعينه على الانتفاع بالقرآن، لأنه بهذا الشعور قد أصبح مهيأ للتغيير الذي يقوم به القرآن.\nأما وإنه من الصعب علينا في البداية أن نكون كذلك بسبب ما ورثناه من أشكال التعامل الخاطئ مع القرآن، مما يجعل هناك حاجزا نفسيا بيننا وبينه يمنعنا من الانتفاع الحقيقي به.\nأما والأمر كذلك فإن عودتنا إلى القرآن تحتاج إلى وسائل سهلة وعملية ومحددة تعين صاحبها على إدارة وجهه للقرآن، والإقبال على مأدبته، والدخول إلى عالمه ومصنعه بصورة متدرجة.\n_________\n(١) فتح الباري (٩/ ١٠٨، ١٠٩).\n(٢) أخرجه ابن ماجه (١/ ٤٢٤، رقم ١٣٣٧)، والبيهقي في شعب الإيمان (٢/ ٣٦٢، رقم ٢٠٥١). وأبي يعلى (٢/ ٤٩، رقم ٦٨٩) وضعفه الشيخ الألباني في ضعيف الجامع رقم: (٢٠٢٥).\n(٣) إحياء علوم الدين (١/ ٤٤٢).","vol":"1","page":96},{"text":"هذه الوسائل تنطلق من قاعدة (تيسير القرآن للذكر)، فما دام القرآن ميسرا للذكر فلابد أن تكون وسائل الانتفاع به ميسرة للجميع.\nهذه الوسائل على سبيل الإجمال هي:\n١ - المداومة على التلاوة اليومية.\n٢ - تهيئة الجو المناسب.\n٣ - التركيز مع القراءة.\n٤ - أن نجعل المعنى هو المقصود.\n٥ - التجاوب مع القراءة.\n٦ - ترديد الآية التي تؤثر في القلب.\n٧ - استصحاب معنى من المعاني الإيمانية.\nوقبل أن نتحدث في شرح وبيان هذه الوسائل هناك أمر جدير أن نلفت الانتباه إليه، وهو أن هذه الوسائل السبع تخص القارئ للقرآن، أما السامع فعليه أن يأخذ منها قدر المستطاع لتتحقق له الفائدة المرجوة من هذه المعجزة الكبرى.\nقال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤].\nويقول ابن عباس: من سمع آية من كتاب الله ﷿ تتلى كانت له نورا يوم القيامة (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-158>أولا: المداومة على التلاوة اليومية:</span>\nلكي يحقق القرآن هدفه معنا - فيهدينا إلى الصراط المستقيم، ويثبتنا عليه، ويغير ما بأنفسنا، ويجعلنا في حالة دائمة من التبصر والتذكر - لابد أن تستمر ماكيناته في العمل بصورة دائمة، ولفترة طويلة، فالتغيير القرآني تغيير بطيئ، هادئ، متصاعد، ولكي يؤتي ثماره لابد من استمرارية التعامل معه، فلا يصح ترك قراءة القرآن يوما من الأيام وإلا تضاءل الأثر المترتب عليها.\nفلنداوم على التلاوة اليومية ولفترات طويلة، ليلا ونهارا، سفرا وحضرا .. ولتكن تلاوة مرتلة بطئية، ولا يكن هم القارئ متى سينتهي من السورة أو الورد، بل ليكن همه متى يتجاوب قلبه، ويخشع فؤاده، وتدمع عيناه.\nأما بالنسبة للأوقات المفضلة للقراءة فيقول عنها النووي في كتاب الأذكار:\nاعلم أن أفضل القراءة ما كان في الصلاة، وأما القراءة في غير الصلاة فأفضلها قراءة الليل، والنصف الأخير منه أفضل من الأول، والقراءة بين المغرب والعشاء محبوبة، وأما قراءة النهار فأفضلها ما كان بعد صلاة الصبح، ولا كراهة في القراءة في وقت من الأوقات ولا في أوقات النهي عن الصلاة (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-159>ثانيا: تهيئة الجو المناسب:</span>\nلكي يقوم القرآن بعمله في التغيير لابد من تهيئة الظروف المناسبة لاستقباله، ومن ذلك وجود مكان هادئ بعيد عن الضوضاء يتم فيه لقاؤنا به، فالمكان الهادئ يعين على التركيز وحسن الفهم وسرعة التجاوب مع القراءة، ويسمح لنا كذلك بالتعبير عن مشاعرنا إذا ما استثيرت بالبكاء والدعاء.\nومع وجود المكان الهادئ علينا أن يكون لقائنا بالقرآن في وقت النشاط والتركيز لا في وقت التعب والرغبة في النوم، ولا ننسى الوضوء والسواك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-160>ثالثا: التركيز مع القراءة:</span>\nنريد أن نقرأ القرآن كما نقرأ أي كتاب - كحد أدنى - فعندما نشرع في قراءة كتاب أو مجلة أو جريدة فإننا نعقل ما نقرؤه، وإذا ما سرحنا في موضع من المواضع عُدنا بأعيننا إلى الوراء، وأعدنا قراءة ما فات على عقولنا، وما دفعنا إلى ذلك إلا لتفهم المراد من الكلام.\nهذا ما نريده مع القرآن: أن نقرأه بحضور ذهن، فإذا ما سرحنا في وقت من الأوقات علينا أن نعيد الآيات التي شرد فيها ذهننا.\nنعم في البداية سنجد صعوبة في تطبيق هذه الوسيلة بسبب تعودنا على التعامل مع القرآن كألفاظ مجردة من معانيها، ولكن بالمدوامة والمثابرة سنعتاد بمشيئة الله القراءة بتركيز وبدون سرحان.\nولنتذكر دائما قول الله ﷿: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤].\n_________\n(١) الأذكار للنووي (١٥٦).\n(٢) الأذكار للنووي (١٥٦).","vol":"1","page":97},{"text":"ولكن في بعض الأوقات قد نبدأ القراءة فنجد أنفسنا وقد غلبها النعاس، وأصبحنا لا ندري ما نقول، فماذا نفعل إذا ما فشلنا في جمع الذهن مع القراءة بعد العديد من المحاولات؟\nعلينا عندئذ التوقف بنية العودة إليها في وقت آخر.\nعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا قام أحدكم من الليل فاستعجم القرآن على لسانه، فلم يدر ما يقول فليضطجع» (١).\nوليكن مقياس استمرارنا في القراءة قول الحسن بن علي ﵄: «اقرأ القرآن ما نهاك فإذا لم ينهك فلست تقرأه» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-161>رابعا: أن نجعل المعنى هو المقصود:</span>\nالبعض منا عندما يشرع في تدبر القرآن تجده يقف متمعنا عند كل لفظ فيه مما يجعل التدبر عملية شاقة عليه وما يلبث إلا أن يمل فيعود أدراجه إلى الطريقة القديمة في القراءة دون فهم ولا تدبر.\nفكيف لنا إذن أن نقرأ القرآن بتدبر وسلاسة في نفس الوقت؟\nالطريقة السهلة لتحقيق هذين الأمرين معا هو أن نأخذ المعنى الإجمالي للآية، وإذا وجدنا بعض الألفاظ التي لا نعرف معناها، فعلينا أن نتعرف على المعنى من السياق، كمن يقرأ مقالا باللغة الإنجليزية مثلا ولا يعرف معاني بعض الكلمات، فإنه يفهم المعنى الإجمالي من السياق، وهذا ما أرشدنا إليه رسول الله ﷺ حين قال: «إن القرآن لم ينزل يكذب بعضه بعضا، بل يصدق بعضه بعضا، فما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم فردوه إلى عالمه» (٣).\nوبهذه الطريقة تصبح قراءة القرآن سهلة وميسرة للجميع.\nفعلى سبيل المثال إذا ما قرأنا قوله تعالى: ﴿وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ [الكهف: ٤٠]. ولا ندري معنى حسبانا ولا زلقا لكننا نفهم من السياق أن عقابا ومصيبة قد تحدث لهذا البستان.\nوعندما نقرأ قوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس: ٣١]، ولا ندري معنى أبًّا، فالسياق يدلنا على أنه نوع من المأكولات.\nنعم إن معرفة معاني الكلمات الغريبة تساعدنا على زيادة الفهم، ولكن علينا ألا نجعل عدم معرفتها عائقا يحول بيننا وبين الاسترسال في القراءة، والتركيز معها والتأثر بها.\nوليس معنى هذا عدم النظر في كتب التفسير ومعاني الكلمات، فمما لا شك فيه أن للتفسير دورا كبيرا في حسن الفهم، وله أيضا دور أساسي في معرفة الأحكام الشرعية، والتي لا ينبغي علينا أن نستنبطها بمفردنا من القرآن، فتاريخ الأمة الإسلامية يشهد بانحراف الكثير ممن استنبط تلك الأحكام بمفرده من القرآن دون أن يكون مؤهلا لذلك، مثل الخوارج وغيرهم.\nومع هذا الدور العظيم للتفسير إلا أنه ينبغي أن يكون له وقته الخاص به، وغير مرتبط بوقت القراءة، فنحن لا نريد أن نخرج من لقائنا بالقرآن بزيادة الفهم فقط، ولكن نريد القلب الحي كذلك، وهذا يحتاج إلى اللقاء المباشر مع القرآن، والسماح بقوة تأثيره أن تنساب داخلنا وتتصاعد من خلال الاستمرار في القراءة، والاسترسال مع الآيات والتجاوب معها.\nحسن الابتداء والوقف:\nمن الأمور المعينة كذلك على فهم المعنى الإجمالي للآيات: حُسن الابتداء والوقف.\nيقول النووي ﵀: ويستحب للقارئ إذا ابتدأ من وسط السورة أن يبتدئ من أول الكلام المرتبط بعضه ببعض، وكذلك إذا وقف عند المرتبط وعند انتهاء الكلام، ولا يتقيد في الابتداء ولا في الوقف بالأجزاء والأحزاب والأعشار، فإن كان كثيرا منها في وسط الكلام المرتبط (٤).\n_________\n(١) رواه مسلم.\n(٢) أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن، ص ٦٣.\n(٣) حسن، رواه الإمام أحمد في مسنده وابن ماجه في سننه.\n(٤) الأذكار للنووي ص ١٦٣.","vol":"1","page":98},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-162>خامسا: التجاوب مع القراءة:</span>\nالقرآن خطاب مباشر من الله ﷿ لجميع البشر: لي، ولك، ولغيرنا .. هذا الخطاب يشمل من ضمن ما يشمل: أسئلة وأجوبة، ووعدا ووعيدا، وأوامر ونواهي.\nفعلينا أن نتجاوب مع الخطاب القرآني بالرد على أسئلته، وتنفيذ ما يمليه من تسبيح أو حمد أو استغفار أو سجود، وعلينا كذلك التأمين على الدعاء والاستعاذة من النار، وسؤال الجنة، ولقد كان هذا من هدي رسول الله ﷺ، وصحابته الكرام.\nعن عبد الله بن السائب قال: أخر عمر بن الخطاب - ﵁ - العشاء الآخرة فصُليت ودخل فكان في ظهري، فقرأت: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾ [الذاريات: ١] حتى أتيت على قوله: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: ٢٢]، فرفع صوته حتى ملأ المسجد: أشهد (١).\nوسمع عبد الله بن مسعود رجلا قرأ: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان: ١].\nقال: إي وعزتك، فجعلته سميعا بصيرا، وحيا وميتا (٢).\nوعن أبي عمارة الكوفي - عبد خير - أنه سمع عليا قرأ في الصلاة: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]، فقال: سبحان ربي الأعلى (٣).\nفعلينا المداومة على استخدام هذه الوسيلة والتي سنجد لها أثرا عظيما بمشيئة الله في دوام يقظة العقل، وسرعة تجاوب القلب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-163>سادسا: ترديد الآية التي تؤثر في القلب:</span>\nإن يقظة العقل وقت قراءة القرآن أمر نستطيع تحصيله بشيء من المجاهدة وبعون من الله ﷿، أما حضور القلب وتجاوبه مع القراءة وتأثره بها، فهذا أمر لا نملكه وقد يمضي بنا وقت ليس بالقصير حتى يبدأ القلب في التحرك مع القراءة، فإلى أن تنفذ أنوار الآيات من بين أغلفة الظلمات وتصل إلى القلب علينا بالمداومة على القراءة المتأنية مع يقظة العقل، والتضرع إلى المولى ﷿ بأن يفتح قلوبنا لكلامه، وبمشيئة الله لن يطول انتظارنا، فبمرور الوقت سيبدأ القلب بالتأثر والانفعال ولو مع آية من الآيات.\nفإذا ما تم ذلك في لحظة من اللحظات .. فماذا نفعل حينئذ؟\nينبغي علينا أن نستثمر وجودها أحسن استثمار، وأن نعض عليها بالنواجذ فهذه اللحظات من أهم أوقات حياتنا، ومن خلالها يتم التغيير المنشود.\nفمعنى تأثر القلب بآية من الآيات هو دخول نور هذه الآية إلى القلب وتفاعله معه، وإحلاله محل ظلمة فيه، ويعني كذلك زيادة الإيمان، وهذا قلما يحدث للواحد منا وخاصة في البداية، لذلك علينا ألا نضيع تلك الفرصة إذا ما جاءتنا ولنعمل على دخول أكبر قدر من النور إلى قلوبنا بترديد تلك الآية مرات ومرات، وعلينا ألا نمل من ذلك طالما وُجد التجاوب، وشيئا فشيئا ستتبدد الظلمات من القلب ويُطرد الهوى، ويصبح النور هو الغالب فيه، فيسهل عليه التأثر بالآيات ويزداد لينه وخشوعه بها.\nيقول ابن القيم: ولو علم الناس ما في قراءة القرآن بالتدبر لاشتغلوا بها عن كل ما سواها، فإذا قرأه بتفكر حتى مر بآية هو محتاج إليها في شفاء قلبه كررها ولو مائة مرة .. فقراءة آية بتفكر وتفهم خير من قراءة ختمة بغير تدبر ولا تفهم، وأنفع للقلب وأدعى إلى حصول الإيمان وذوق حلاوة القرآن، وهذه كانت عادة السلف، يردد أحدهم الآية إلى الصباح (٤).\n_________\n(١) فضائل القرآن لأبي عبيد ص ١٤٩.\n(٢) فضائل القرآن لأبي عبيد ص ١٥٠.\n(٣) فضائل القرآن لأبي عبيد ص ١٥٣.\n(٤) مفتاح دار السعادة ١/ ٥٥٣، ٥٥٤.","vol":"1","page":99},{"text":"وبترديد الآية التي تؤثر في القلب تتولد داخل العبد طاقة، عليه أن يُحسن تصريفها بالبكاء والدعاء كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٧ - ١٠٩].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-164>سابعا: استصحاب معنى من المعاني الإيمانية:</span>\nالوسائل السابقة تكفي بمشيئة الله وعونه لحسن العودة إلى القرآن، والانتفاع بمعجزته، إذا ما داومنا عليها، وصبرنا على ذلك.\nوهناك وسيلة أخرى من شأنها أن تُسرع الخطى نحو الدخول إلى عالم القرآن، ودائرة تأثيره القوية على الإنسان.\nهذه الوسيلة هي استصحاب معنى من المعاني الإيمانية، والبحث عن مدلوله من خلال رحلتنا مع القرآن.\nفإذا ما كانت رحلة المسلم مع كتاب ربه تبدأ من سورة الفاتحة وتنتهي بسورة الناس، فلتكن من سمات كل رحلة البحث عن معنى جديد من المعاني التي تؤسس القاعدة الإيمانية في القلب وتبني اليقين في العقل.\nومما لا شك فيه أن استصحاب معنى إيماني أو أكثر في كل رحلة سيكون له بعون الله وفضله أبلغ الأثر في تذوق حلاوة الإيمان، فإذا ما صاحب ذلك ربط مدلول هذا المعنى بواقع الحياة فلا تسل عما سيحدثه من قرب حقيقي، ومعرفة، وأنس بالله ﷿، والتمتع بالحياة الطيبة التي وعد الله بها عباده وأوليائه.\nومن فوائد استصحاب المعنى الإيماني في قراءتنا للقرآن أنه يُثير الهمة ويقوي العزيمة.\nيقول ابن القيم:\nفإن سيرهم - أي السائرين إلى الله - إنما هو على الشواهد، فمن كان لا شاهد له فلا سير له، ولا طلب ولا سلوك له.\nقالت عائشة ﵂: «من رأى رسول الله ﷺ فقد رآه غاديا رائحا، لم يضع لبنة على لبنة، ولكن رُفع له علم فرآه فشمر إليه».\nولا يزال العبد في التواني والفتور والكسل، حتى يرفع الله ﷿ بفضله ومَنِّه علما يشاهده قلبه، فيشمر إليه ويعمل إليه (١).\nوإليك أخي القارئ بعضا من العناوين المقترحة لهذه المعاني الإيمانية، لك أن تستصحب منها ما تشاء في رحلتك المباركة مع كتاب ربك (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-165>التعرف على الله (الواحد):</span>\nوذلك من خلال تتبع آيات القرآن التي تتحدث عن صفة الوحدانية، وآثارها في الكون، وكيف يُثبت القرآن أن للكون إلها واحدا لا شريك له، وأنه هو الله، ونتتبع كذلك تفنيد الآيات لمزاعم المبطلين الذين يدعون أن هناك إلها آخر للكون، أو أن لله شريكا في ملكه.\nمثل قوله تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [لقمان: ١١].\nوقوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأحقاف: ٤].\n_________\n(١) مدارج السالكين ٣/ ٣٦٦، ٣٦٧.\n(٢) نسأل الله ﷿ أن يتم علينا فضله وييسر لنا إتمام كتاب: «رحلة الإيمان من خلال القرآن» وسيكون فيه الحديث بالتفصيل عن هذا الموضوع بمشيئة الله مع عرض الكثير من المعاني الإيمانية في القرآن وربطها بالواقع.","vol":"1","page":100},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-166>التعرف على الله (المنعم):</span>\nمن خلال رحلتنا مع القرآن نبحث عن الآيات التي تتحدث عن نعم الله ﷿ علينا، ونعمل على إحصائها قدر الإمكان، والتعرف على جوانبها المختلفة كنعم الإيجاد والإمداد، والحفظ، والتسخير، والاجتباء والهداية، والثبات، والتوفيق، والأمن، والستر، مثل قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾ [النور: ٢١].\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ [الملك: ٢٣].\nوقوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-167>التعرف على الله (الرحيم):</span>\nوذلك من خلال تتبع الآيات التي تتحدث عن الرحمة الإلهية وآثارها في الكون والنفس، مثل قوله تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الروم: ٥٠].\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-168>التعرف على الله (القوي) (الجبار):</span>\nالله ﷿ وصف نفسه بأنه: القوي، الجبار، شديد العقاب، ذو انتقام، فهو سبحانه يعاقب الظالمين والعاصين، وينتقم منهم .. ولقد أفاض القرآن في الحديث عن مظاهر تلك الصفة سواء كان ذلك على مستوى الأمم أو على مستوى الأفراد.\nمثل قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢].\nوقوله: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٥].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-169>جوانب الفقر إلى الله:</span>\nفقرنا إلى الله ﷿ فقر ذاتي ومطلق يشمل جميع أسباب ومقومات الحياة، والهداية، والثبات، والتوفيق، والعصمة من الفجور، ولقد تم بيان بعض أوجه الفقر إلى الله بشيء من التفصيل في الفصل الثالث (القرآن والتغيير- محور النفس).\nقال تعالى على لسان نبيه إبراهيم: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥].\nوقال تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨].\nوقال: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ [الملك: ٣٠].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-170>التعرف على الله (العزيز - القهار)</span>.\nكل ما في الكون خاضع لله ﷿ منقاد لإرادته، لا يتحرك متحرك إلا بحول الله وقوته، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، فإرادته الكونية غالبة، فعال لما يريد، غالب على أمره، فالعبد يريد شيئا والله يريد شيئا آخر، فلا يحدث إلا ما يريده الله ﷿.\nقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٦].\nوقال تعالى: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الشورى: ١٢].\nوقال ﷿: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [الأنفال: ٤٤].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-171>الدنيا دار امتحان:</span>\nتم بفضل الله شرح هذا العنوان في الفصل الثاني (جوانب الهداية في القرآن).","vol":"1","page":101},{"text":"ويتضمن هذا المعنى: بداية خلق آدم، عداوة الشيطان للإنسان، الدنيا قاعة امتحان، أدوات الامتحان والإجابات الصحيحة، تسجيل الإجابات والرقابة على الامتحان، نهاية الامتحان، يوم النتيجة وتوزيع الشهادات، وذهاب الناجحين إلى الجنة، وسوق الراسبين إلى النار.\nمثل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾ [الأنعام: ١٦٥].\nوقوله تعالى: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا (٤٨) وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٨، ٤٩].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-172>الرسائل الإلهية:</span>\nالله ﷿ أخبرنا بأنه لا تدركه الأبصار، ولا سبيل لمعرفته إلا من خلال ما أتاحه لنا من معلومات عنه سبحانه، هذه المعلومات أودعها الله في مخلوقاته، وجعلها آيات تدل علي وتذكر به.\nقال تعالى: ﴿وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [البقرة: ٢٢١].\nوقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [الروم: ٢٤].\nقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٧].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-173>كيف ربى الله رسولنا ﷺ على تمام العبودية</span>؟\nفنتأمل في رحلتنا المباركة مع القرآن التوجيهات التي وُجهت لحبيبنا المصطفى ﵊، ونعمل على أن ننهل منها لنقتفي أثره ﷺ في عبوديته لربه.\nمثل قوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ [الإسراء: ٢٢].\nوقوله: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى (١٣٠) وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٣١) وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه: ١٣٠ - ١٣٢].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-174>السنن الاجتماعية الحاكمة للحياة:</span>\nمن خلال هذا المعنى نتعرف من القرآن على القوانين التي تجلب للناس السعادة أو الشقاء، ولقد تم شرح هذا الموضوع بشيء من التفصيل في الفصل الثاني (جوانب الهداية في القرآن).\nهذه القوانين كالمعادلات الرياضية، لابد أن يكتمل الطرف الأول ليتحقق الطرف الثاني، والملاحظ أن الطرف الأول دائما يكون هو العبد وما يفعله.\nومن هذه القوانين قانون النصر والهزيمة، والتيسير والتعسير، سلب النعم، هلاك الأمم، الحياة الطيبة ..\nمثل قوله تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧].\nوقوله: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١].\nوقوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل: ٥ - ٧].","vol":"1","page":102},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-175>الفصل الثامن\n\nمعينات على الطريق</span>","vol":"1","page":103},{"text":"انطلاقا من حسن الظن بالله - ﷾ - نوقن بأننا إذا ما أحسنا البداية وأخذنا بالوسائل العملية المشار إليها فسنجد ثمارا سريعة، وتحسنا ملحوظا في علاقتنا بالقرآن، ومع ذلك فهناك معينات من شانها أن تهيئ القلب أكثر وأكثر لاستقبال القرآن وسرعة الانتفاع به، وخروجه من دائرة التدبر العقلي إلى الانفعال الوجداني والتحرك القلبي ليقوم القرآن بأهم دور له، فيصبح القوة الدافعة والمحركة لفعل كل ما يرضي مولانا، وترك ما يبغضه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-176>أولا: كثرة ذكر الموت:</span>\nلكي يحدث القرآن في القلب أثره المطلوب، لابد من تهيئة القلب لاستقباله بزيادة مستوى الخوف من الله فيه، هكذا أخبرنا الله وتعالى: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى﴾ [الأعلى: ١٠]، وقال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق: ٤٥].\nوقال ﷺ: «من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة» (١).\nويعلق المناوي في فيض القدير على هذا الحديث فيقول:\nفكل من خاف الردى أو فوت ما يتمنى لا يركن إلى الراحة ولا ينتظر الصباح، بل يبادر إلى الحركة والسفر ولو كان بالليل، فأخبر ﷺ أن الخوف من الله هو المقتضي للسير إليه بالعمل الصالح والمشار إليه بالإدلاج .. (٢).\nمن هنا يتضح لنا أن القلب الخائف الوجل من الله ﷿ هو المؤهل للانتفاع بالقرآن، فالخوف بصفة عامة يجعل الإنسان مرهف الحس تجاه كل ما من شأنه تخفيف مسببات خوفه، فيستقبل أي موعظة او نصيحة استقبال الباحث عن طوق النجاة، فيتعلق بها، ولا يتركها إلا إذا استفاد منها استفادة كاملة .. أما الآمن فهو على عكس ذلك لأنه لا يستشعر بأن هناك خطرا قريبا منه.\nقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ [النازعات: ٢٦].\nووسائل زيادة الخوف من الله كثيرة، أهمها ذكر الموت والتوقع الدائم لقدومه، كما قال ﷺ: «أكثروا ذكر هاذم اللذات، الموت، فإنه ما ذُكِر في ضيق العيش إلا وسعه عليه، ولا ذكره في سعة إلا ضيقها عليه» (٣).\nولقد اشتكت امرأة إلى عائشة - ﵂ - قسوة قلبها فقالت: أكثري ذكر الموت يرق قلبك، ففعلت فرقّ قلبها.\nومن الوسائل المعينة للتذكر الدائم للموت: زيارة المقابر، وتغسيل الموتى واتباع الجنائز، وكتابة الوصية، ودوام مطالعتها.\nومنها أيضا: شراء الكفن ومشاهدته كل فترة، والجلوس مع الأهل لترتيب أمورهم فيما بعد الموت.\nوكذلك زيارة المستشفيات ومشاهدة المرضى وأصحاب العاهات.\n_________\n(١) صحيح، أورده الألباني في الجامع الصغير ح (٦٢٢٢) والسلسة الصحيحة ح (٢٣٣٥).\n(٢) فيض القدير (٦/ ١٥٩).\n(٣) صحيح، أورده الألباني في الجامع الصغير ح (٦٢٢٢) والسلسة الصحيحة ح (٢٣٣٥).","vol":"1","page":104},{"text":"ومنها أيضا: الاستماع إلى المواعظ والقراءة في كتب الرقائق كـ «التوهم» للحارث بن أسد المحاسبي، و«بحر الدموع، صفة الصفوة، وبستان الواعظين» لابن الجوزي، و«الداء والدواء» لابن القيم (١).\nوبالمداومة على هذه الوسائل وغيرها ترق القلوب فينزل عليها القرآن نزوله الصحيح فتزداد به تذكرا وخشوعا.\nقال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ٥١].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-177>ثانيا: ومن المعينات أيضا: قيام الليل:</span>\nتدبر القرآن، والنظر في معانيه، من شانه أن يملأ القلب بمعاني العبودية والمعارف الإلهية، فهي تعرفنا بالله ﷿ وبحقوقه علينا، وتورث في القلب ما تستوجبه هذه المعرفة من تعظيم ومهابة وحب، وخوف ورجاء، وثقة، وطمانينة به سبحانه، وتدفعنا إلى الإنابة والتوبة إليه، ودوام التوكل عليه ..\nويعرفنا القرآن كذلك بأنفسنا، وبمدى ضعفها، وفقرها الذاتي والمطلق لله ﷿ في كل طرفة عين، وينبهنا على ضرورة الحذر من الشيطان، وأهمية الاستعاذة بالله من شره، وغير ذلك من جوانب الهداية القرآنية.\nوبعد أن يمتلئ القلب بكل هذه المعاني والمعارف متى سيُخرجها؟ وكيف يعبر عنها؟\nلابد إذن من وسيلة عملية تساعد العبد على استفراغ هذه المعاني، ومدلولاتها من القلب .. وما من وسيلة أعظم من الصلاة، وأفضل صلاة بعد المكتوبة قيام الليل، فهو مركبة السائرين، تقربهم، وتدنيهم من حبيبهم ومولاهم.\nقال تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩].\nففي القيام نقرأ القرآن، ونعيش مع معانيه، ونردد الآية التي تؤثر فينا، وفي الركوع نسبح الله ونثني عليه، وفي السجود نحمده سبحانه ونمجده ونتذلل له، ونريه ذل مقامنا وانكسارنا بين يديه، وافتقارنا الماس إليه.\nنستغفره من ذنوبنا وتقصيرنا في القيام بحقوقه، ونسأله من خيري الدنيا والآخرة، ونفضي إليه بمدى شوقنا إلى لقائه، ونقدم له طلباتنا، ونشكو له همومنا.\nإنها لحظات رائعة، تلك اللحظات التي يناجي فيها العبد مولاه وحبيبه، ويستشعر فيها بالقرب منه والأنس به، وأنه ليس مقطوع النسب، فله مولى يحميه، وملك يؤويه، وكافٍ يكفيه شر ما أهمه وأغمه.\nما أجملها من لحظات وأنت تكتب رسائلك إلى مولاك بدموعك، وتنتظر منه الإجابة.\nومما لاشك فيه أنه مما يعين على استثارة هذه المشاعر الفياضة تجاه المولى ﷿ طول القيام بالقرآن، وإجمال النظر في معانيه ليكون السجود معبرا عما تأثر به القلب، فلنحرص على القيام كل ليلة، مهما كانت شواغلنا، ولا بأس من القراءة في المصحف، فلقد أجاز العلماء ذلك في صلاة التطوع.\n_________\n(١) قد يقول البعض إن كثرة ذكر الموت بهذه الطريقة قد تسبب في الإصابة بمرض نفسي .. والرد على هؤلاء يتلخص في أن المقصد من كثرة ذكر الموت: هو الاستعداد العملي لاستقباله، أي أنه يدفع إلى العمل الإيجابي .. أما أن يصبح الشخص سلبيا، يسمع ويقرأ عن الموت دون أن يعمل ما يؤدي به إلى حسن الاستعداد له فهذا هو المعرض لمثل هذه الأمراض النفسية، فمما لاشك فيه أن حسن الاستعداد الفعلي لاستقبال الموت يسكب في النفس راحة وطمأنينة، عكس من يكثر الاستماع والقراءة والتخيل عن الموت دون استعداد له، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [السجدة: ١٥]، فهؤلاء المؤمنين دفعهم تذكرهم لآيات الله إلى العمل مباشرة، وهذا هو المراد من كثرة ذكر الموت، والله أعلم.","vol":"1","page":105},{"text":"أخرج ابن أبي داود في كتابه (المصاحف) عن ابن أبي مليكة أن عائشة زوج النبي ﷺ كان يؤمها غلامها ذكوان في المصحف في الصلاة (١).\nوعن الحسن أنه كان يعجبه إذا كان مع الرجل ما يقرأ، أن يردده، ويؤم به في رمضان، وإن لم يكن معه شيء أن يقرأ في المصحف (٢).\nوعن عطاء أنه كان لا يرى بأسا أن يقرأ في المصحف في الصلاة (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-178>ثالثا: دراسة السيرة النبوية:</span>\nالسيرة النبوية هي التطبيق العملي للقرآن، ودراستنا للسيرة من هذا المنطلق تزيد من فهمنا للقرآن، وتفتح لنا آفاقا جديدة لفهم ومعايشة القرآن.\nكذلك فإن معرفة أسباب النزول تؤدي إلى نفس المعنى، فهي تعد بمثابة نماذج تطبيقية للآيات، وتعين كذلك على استشعار الظروف التي نزلت فيها فيقوي التعايش والتفاعل معها، ومن ثم التأثر بها والاستفادة منها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-179>رابعا: التفسير:</span>\nالقرآن الكريم كفيل - بإذن الله - أن يُحدث التوازن المطلوب في شخصية المسلم إذا ما أقبل عليه بروح الشغوف الباحث عن الهداية، وسيكون له عاصما من الزلل، وسيفسر بعضه بعضا، فما يجمله في مكان يفصله في مكان آخر، وسيصحح له - بدوام قراءته وتدبره - أي مفهوم خاطئ قد يتطرق إلى عقله، فأغلب آيات القرآن واضحة يسهل فهمها، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٧].\nومع هذا كله علينا أن نرجع إلى التفاسير لفهم آية لا نستطيع فهمها، أو لتصحيح مفهوم خاطئ، أو لفتح آفاق جديدة أمام عقولنا، أو لمعرفة حكم شرعي دلت عليه الآيات .. فلا بيصح لنا أن نستنبط الأحكام الشرعية مباشرة من القرآن مهما بلغت درجة انشغالنا أو تأثرنا به طالما لم نستكمل الأدوات اللازمة لذلك من علوم شرعية كثيرة بينهما العلماء في حديثهم عن شروط المفسر للقرآن.\nولقد أجمل الإمام حسن البنا - ﵀ - الكثير من معينات الفهم لكتاب الله بما في ذلك التفسير في إجابته عن سؤال أحد الأشخاص.\nيقول ﵀: فلقد سألني أحد الإخوان عن أفضل التفاسير، وأقرب طرق الفهم لكتاب الله ﵎؟\nفكان جوابي على سؤاله هذا هذه الكلمة: (قلبك) فقلب المؤمن لا شك هو أفضل التفاسير لكتاب الله ﵎. وأقرب طرائق الفهم أن يقرأ بتدبر وخشوع، وأن يستلهم الله الرشد والسداد، ويجمع شوارد فكره حين التلاوة، وأن يُلم مع ذلك بالسيرة النبوية المطهرة، ويعني بنوع خاص بأسباب النزول وارتباطها بمواضعها من هذه السيرة، فسيجد في ذلك أكبر العون على الفهم الصحيح السليم.\nوإذا قرأ في كتب التفسير بعد ذلك، فللوقوف على معنى لفظ دق عليه، أو تركيب خفي أمامه معناه، أو استزادة من ثقافة تعينه على الفهم الصحيح لكتاب الله. فهي مساعدات على الفهم، والفهم بعد ذلك إشراق يقدح ضوؤه في صمصم القلب .. ولاشك أن من أخذ بهذه الطريقة سيجد أثرها بعد حين في نفسه ملكة تجعل الفهم من سجيته ونورا يستضيء به في دنياه وآخرته إن شاء الله (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-180>خامسا: الدعوة إلى الله:</span>\nمن أهم أسباب فهم القرآن والتفاعل معه والشعور بأننا المخاطبون به: الحركة وبذل الجهد بين الناس لتبليغ دين الله، والعمل على إقامة شرعه، مع ما في ذلك من صعوبات ومحن.\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي داود في كتاب «المصاحف» برقم ٧٩٧، ص ٦٥٨.\n(٢) المصدر السابق برقم ٨٠١، ص ٦٥٩.\n(٣) المصدر السابق برقم ٨٠٤، ص ٦٦٠.\n(٤) نظرات في التربية والسلوك: مقالات لحسن البنا جمعها عصام تليمة، والفقرة السابقة وردت في مقالة نُشرت بمجلة الشهاب الشهرية، العدد الأول ١٤ نوفمبر ١٩٤٧ م، ص (١١٩، ١٢٠).","vol":"1","page":106},{"text":"فالقرآن يثبت القلوب، ويدحض الشبهات، ويذكر بالثوابت والأولويات، ويحل المشكلات ويوضح الرؤية كلما علا الغبش وكثر الضباب في الطريق .. هذا كله لا يستطيع أن يدركه من أغلق الباب على نفسه ورضي بالقعود.\nفهذا القرآن كما يقول سيد قطب ﵀: لا يدرك إسراره قاعد، ولا يعلم مدلولاته إلا إنسان يؤمن به ويتحرك به (١).\nويقول: إن هذا القرآن لا يتذوقه إلا من يخوض مثل هذه المعركة، ويواجه مثل تلك المواقف التي تنزل ليواجهها ويوجهها.\nوالذين يلتمسون معاني القرآن ودلالاته وهو قاعدون، يدرسونه دراسة بيانية أو فنية لا يمكلون أن يجدوا من حقيقته شيئا في هذه القعدة الباردة الساكنة بعيدا عن المعركة وبعيدا عن الحركة، إن حقيقة هذا القرآن لا تنكشف للقاعدين أبدا (٢).\nإن القرآن هو خير زاد للصف المسلم الذي تعقد عليه الأمة آمالها .. وهو نعم الصديق الذي يخفف عن صديقه معاناته، ويملؤه بالأمل، ويشحذ همته للاستمرار في مواجهة المعرضين عن الدعوة .. ويذكره بأن ما يحدث له قد تكرر كثيرا مع أصحاب الدعوات ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [فصلت: ٤٣].\nيقول سيد قطب ﵀: إن هذه الطلائع - طلائع البعث الإسلامي - في حاجة إلى هذا القرآن تستلهمه وتستوحيه: تستلهمه في منهج الحركة وخطواتها ومراحلها، وتستوحيه فيما يصادف هذه الخطوات والمراحل من استجابات، وما ينتظرها من عاقبة في نهاية الطريق.\nوالقرآن بهذه الصورة لا يعود مجرد كلام يتلى للبركة، ولكنه ينتفض حيا يتنزل اللحظة على الجماعة المسلمة المتحركة لتتحرك به، وتتابع توجيهاته، وتتوقع موعود الله فيه.\nويستطرد قائلا: وهذا ما نعنيه بأن هذا القرآن لا ينفتح عن أسراره إلا للعصبة المسلمة التي تتحرك به لتحقيق مدلوله في عالم الواقع. لا لمن يقرؤونه لمجرد التبرك، ولا لمن يقرؤونه لمجرد الدراسة الفنية والعلمية، ولا لمن يدرسونه لمجرد تتبع الأداء البياني فيه.\nإن هؤلاء جميعا لن يدركوا من هذا القرآن شيئا يذكر، فإن هذا القرآن لم يتنزل ليكون مادة دراسة على هذا النحو. إنما تنزل ليكون مادة حركة وتوجيه (٣).\nفلنبحث عن العاملين للإسلام الداعين إليه، الذين يتحركون به حركة شاملة فنضع أيدينا في أيديهم ونسير معا وراء القرآن متجهين إلى الله ﷿.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-181>سادسا: ومن المعينات كذلك: حلقات المدارسة:</span>\nقال ﷺ: «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده» (٤).\nإن وجود حلقات المدارسة القرآنية من الأهمية بمكان لتعليم الناس كيف يدخلون إلى عالم القرآن فيهتدون بهداه، ويستشفون بشفائه.\nهذه الحلقات وإن كانت منتشرة في المساجد هنا وهناك إلا أن مفهومها قد اختُزِل على تعلم أحكام التجويد، وتصحيح النطق فقط، وهذا الأمر - كما أشرنا سابقا - مهم وضروري ولكنه لا يكفي لتعلم القرآن كما يريد الله ﷿، بل هو بداية لابد أن يتبعها تعلم المعاني وجوانب الهدى والإيمان فيما يُتلى من آيات، فيسهل على من يواظب عليها التعامل مع القرآن بمفرده.\nفي هذه الحلقات نتعرف على الله ﷿ أكثر وأكثر من خلال أسمائه الحسنى وصفاته العلى وأفعاله، التي أكثر القرآن من ذكرها لنستدل بها عليه - ﷾ - إلها واحدا خالقا، عزيزا رحيما ودودا رءوفا غنيا حيا قيوما ..\n_________\n(١) في ظلال القرآن ٤/ ٢٠٣٨.\n(٢) المصدر السابق (٤/ ١٩٤٨).\n(٣) المصدر السابق (٤/ ١٩٤٨).\n(٤) صحيح: أخرجه أبو داود وأورده الألباني في صحيح الجامع (برقم ٥٥٠٩).","vol":"1","page":107},{"text":"وفيها نتدارس أسباب هلاك الأمم كعاد وثمود وقوم لوط وبني إسرائيل، ولماذا فضلهم الله على العالمين فترة من الفترات؟ ثم غضب منهم وجعل منهم قردة وخنازير؟ وغير أولئك من الأمم التي حكى عنها القرآن.\nوفيها نتعرف على الكون المحيط بنا، ونتذكر قصة وجودنا على الأرض، ويوم الحساب والجزاء، ومن خلالها نبحث عن واجبات العبودية وحقوق الله علينا، وحقوق العباد بعضهم على بعض .. ولا نقوم منها إلا وقد خرجنا بدروس مستفادة وواجبات عملية نعمل على الالتزام بها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-182>سابعا: حفظ القرآن:</span>\nمما لا شك فيه أن حفظ القرآن من معينات تدبره، ولِم لا وهو مع صاحبه أينما كان، يستدعيه في أي لحظة ليتلوه، ويقف عند معانية، ويدخل إلى مأدبته، يستشهد به في دعوته للناس وحركته بينهم، ويترنم بآياته، ويعيش معها، ويقف بين يدي الله ﷿.\nإنها نعمة عظيمة، ومرتبة عالية، تمنح صاحبها شرفا كبيرا في الدنيا والآخرة.\nأخرج أبو عبيد في فضائل القرآن أن نافع بن الحارث الخزاعي تلقى عمر بن الخطاب بعسفان، وكان عمر استعمله على مكة، فسلم على عمر، فقال له: من استخلفت على البوادي؟ استخلفت عليهم يا أمير المؤمنين ابن أبزى، قال عمر: ومن ابن أبزى؟ فقال نافع: هو من موالينا، فقال عمر: استخلفت عليهم مولى؟! فقال: يا أمير المؤمنين إنه قارئ لكتاب الله تعالى، عالم بالفرائض، فقال عمر: أما إن نبيكم ﷺ قال: «إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع به آخرين» (١).\nومع هذا الفضل الكبير لحامل القرآن ينبغي ألا يغيب عن أذهاننا مدلول ما يحمله هذا الاسم، كما نقله إلينا صحابة رسول الله ﷺ، ومر علينا في صفحات هذا الكتاب، فهم أدرى الناس بصورة التعامل الصحيحة مع القرآن وكيفية حفظه.\nإننا جميعا - بلا استثناء - نشهد أن جيل الصحابة هو أفضل جيل ظهر على الأرض في تاريخ الأمة الإسلامية، ونشهد كذلك بأن المنهج الذي صنعهم ورفعهم إلى هذه المرتبة هو القرآن، فلماذا لا نتعامل معه كما تعاملوا؟!\nتُرى ما الذي يحدث لو حذونا حذوهم في طريقة تعلمهم وحفظهم للقرآن؛ فنبدأ بتعلم الإيمان قبل القرآن، فستخرج من الآيات التي نريد حفظها ما فيها من جوانب الهداية ثم نستخلص منها واجبات عملية نلتزم بها في حياتنا قدر المستطاع؟\nقد يقول قائل: إننا بذاك سنمكث فترة طويلة في حفظ السورة.\nنعم سيحدث ذلك، ولكن ما الضرر الذي سيقع علينا، وما النفع الذي سيفوتنا إن حدث ذلك؟\nألم يكن هذا هو هدي الصحابة في حفظ القرآن؟\nإن حمل القرآن ليس بتعلم حروفه وحفظها فقط، بل بتعلم حروفه ومعانيه جميعا- كما يقول ابن تيمية - بل تعلم معانيه هو المقصد الأول من تعلم حروفه، وذلك الذي يزيد الإيمان كما قال جندب بن عبد الله، وعبد الله بن عمر وغيرهما: «تعلمنا الإيمان ثم تعلمنا القرآن فازددنا إيمانا، وأنتم تعلمتم القرآن ثم تتعلمون الإيمان» .. ولهذا كانوا يبقون مدة في حفظ السورة (٢).\nفلنحفظ القرآن بهذه الطريقة، ولا نستعجل إنهاء السورة فيكفي عشر آيات نتعلمها ونعيش معها ونطبق ما فيها قدر المستطاع ثم ننتقل إلى العشر التي تليها.\nعن الحسن قال: مات عمر ابن الخطاب ولم يجمع القرآن، قال: أموت وأنا في زيادة أحب إليّ أن أموت وأنا في نقصان .. قال الأنصاري: يعني نسيان القرآن (٣).\n_________\n(١) مسلم (١/ ٥٥٩، رقم ٨١٧).\n(٢) مقدمة أصول التفسير لابن تيمية ص ٧٤، ٧٥.\n(٣) فضائل القرآن لأبي عبيد، ص ٢٠٤.","vol":"1","page":108},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-183>تجربة مفيدة:</span>\nفإن قيل: وما العمل فيمن حفظ القرآن كله أو بعضه بطريقة حفظ حروفه فقط؟\nمن كان هذا حاله - وأغلبنا كذلك إلا من رحم الله- ما عليه إلا أن يبدأ من الآن في فهمه واستخراج جوانب الهداية منه، والتفقه فيه، وليجاهد نفسه على قراءته بترسل وتؤدة، وللشيخ محمد الغزالي تجربة مفيدة في ذلك، يقول ﵀:\nحفظت القرآن وعمري عشر سنين .. وبداهة ما كنت أعي منه شيئا، والغريب أن هذه الطريقة في الحفظ لألفاظ القرآن صرفني عن معان كثيرة كنت أمر بها ولا أعرفها .. وأنا كبير أقرأ، ولكن لأني حفظت القرآن دون فهم للمعنى أجد نفسي في كثير من الأحيان أمضي دون فهم للمعنى، لأن الحفظ كان يغلب على التدبر أو على إحسان الوعي، وما بدأت أفكر حتى أكرهت نفسي على أن أعود فأدقق النظر في كل ما أقرأ، وأحمل نفسي على ترك هذه العادة التي ورثتها مع الحفظ (١).\nأما بالنسبة لتعهد القرآن والعمل على عدم نسيانه فهو أمر ضروري يلزمنا جميعا، قال ﷺ: «مثل صاحب القرآن كمثل الإبل المعلقة، إن عاهد عليها أمسكها، وإن أطلقها ذهبت» (٢).\nولكن هذه المراجعة المستمرة للمحفوظ ينبغي أن تكون بقراءة يفهمها قارئها، والحد الأدنى في ذلك ما قاله ابن عباس لأبي جمرة عندما أخبره بأنه سريع القراءة، وأنه يقرأ القرآن في ليلة، فقال له: لأن أقرأ سورة أحب إليّ .. وإن كنت لابد فاعلا فاقرأ قراءة تسمعها أذنك ويوعها قلبك (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-184>الصغار وحفظ القرآن:</span>\nلا يخفى على أحد أن الامة الإسلامية في حاجة ماسة إلى من يخرجها من النفق المظلم الذي تسير فيه ..\nإنها بحاجة إلى من يقودها وهو يحمل المصباح بإحدى يديه والدواء باليد الأخرى ..\nإنها باختصار تحتاج إلى جيل قرآني ذاق حلاوة القرآن، فاختلط القرآن بلحمه ودمه، فشكل شخصيته وأنار قلبه، وهذا لن يتحقق إلا إذا بدأنا بأنفسنا وبأولادنا، فلا ينبغي أن نفوت فرصة صفاء أذهانهم حتى نملأها بمعاني القرآن، كما قال عبد الله بن مسعود ﵁: جردوا القرآن ليربوا فيه صغيركم، ولا ينأى عنه كبيركم (٤).\nفلنبدأ معهم أمر القرآن من أوله ولنعمل على تأسيس القاعدة الإيمانية في قلوبهم من خلاله، فنعرفهم بالله ﷾ بما تحتمله عقولهم، ونطلب منهم أن يبحثوا في القدر الذي يحفظونه عما يعرفهم به، كالتعرف على الله المنعم أو الرحيم مثلا، ثم ننتقل معهم بعد ذلك إلى واجبات العبودية، ونرفع معهم على سبيل المثال شعار: «احفظ الله يحفظك»، وكيف نستدل من القرآن على صحة هذا الشعار، ونربط بينه وبين حياتهم العملية، ونتحدث معهم كذلك عن الشيطان ثم نطلب منهم تعريفا به، وبمداخله من خلال القرآن .. وهكذا في بقية الجوانب العشر التي سبق الإشارة إليها في الفصل الثاني بأسلوب سهل، شيق، قصصي، يراعي سنهم وقدراتهم.\nومما يساعد على ذلك تأكيدنا الدائم لأولادنا بأن المعنى هو المقصود من التلاوة، فلا بديل عن فهم المعنى لما سيتم حفظه، ولا داعي للاستعجال في الكم، وليكن ماثلا أمام أعيننا دوما قول أبي الدرداء لمن جاء يبشرة بأن ابنه قد جمع القرآن فقال له: اللهم غفرا، إنما جمع القرآن من سمع له وأطاع (٥).\nفلنجعل أبناءنا ممن يسمع للقرآن ويطيع، وهذا لن يتأتى إلا بتعلم الإيمان قبل القرآن، مما سيجعل فترة حفظ السورة طويلة - نسبيا - وبخاصة في البداية، لكننا سنكون قد استفدنا من إمكاناتهم وفطرتهم السليمة في ترسيخ معاني القرآن وبناء تصوراتهم الصحيحة وشخصياتهم المتوازنة .. فهل هناك من يزهد في هذه الثمار ولا يتمناها لأبنائه؟\n_________\n(١) كيف نتعامل مع القرآن لمحمد الغزالي ص ٣٢.\n(٢) متفق عليه: البخاري (٤/ ١٩٢٠، رقم ٤٧٤٣)، ومسلم (١/ ٥٤٣، رقم ٧٨٩).\n(٣) فتح الباري (٩/ ١١٠).\n(٤) فضائل القرآن لأبي عبيد ص ٣٢.\n(٥) المصدر السابق ص ١٣٣.","vol":"1","page":109},{"text":"إن بناء اليقين الصحيح عند أبنائنا لمن أهم صور التربية الصالحة لهم، وسيعود نفعه - بمشيئة الله - عليهم وعلى أسرهم وأمتهم، والقرآن كفيل بذلك إذا ما أعطينا معانيه جل اهتمامنا، وربطنا بينه وبين الواقع، وجعلنا تشجيعنا لأولادنا مرتبطا بمدى تعلمهم المعاني الإيمانية من القرآن وتطبيقها على أنفسهم، وليس معنى هذا أن نزهد في أن يكون أبناؤنا من حفظة القرآن، ولكن المقصد هو أن نأتي أمر القرآن معهم من أوله، فنعلمهم الإيمان قبل الحفظ، فمن استطاع أن يُحفظ ابنه القرآن بهذه الطريقة فقد قدم لنفسه ولأمته خدمة عظيمة، ورفع للإسلام راية في زمن قلَّت فيه راياته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-185>ماذا يقول الطرطوشي:</span>\nيقول أبو بكر الطرطوشي في كتابه «الحوادث والبدع»:\nومما ابتدعه الناس في القرآن الاقتصار على حفظ حروفه دون التفقه فيه، ويقول: سئل الإمام مالك عن صبي ابن سبع سنين جمع القرآن فقال: «ما أرى هذا ينبغي» وإنما وجه إنكاره ما تقرر في الصحابة ﵃ من التسرع في حفظ القرآن دون التفقه فيه.\nوقد قال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [البقرة: ٧٨].\nكانوا يحفظون التوراة ولا يعلمون ما استودع الله تعالى فيها من الحكم والعبر، فوصفهم الله تعالى بأنه ليس عندهم من ذلك إلا الأماني، والأماني معناها: التلاوة.\nوقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥].\nفشبَّه تالي القرآن من غير أن يفهمه كمثل الحمار يحمل أسفارا .. فدخل في عموم هذا من يحفظ القرآن من أهل ملتنا ثم لا يفهمه ولا يعمل به (١).\nوأيضا قد قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [المائدة: ٦٨]، أ. هـ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-186>رأي البنا:</span>\nوللإمام حسن البنا رأي مهم في مسألة تحفيظ القرآن للصغار، يقول ﵀:\nتقرر في أذهان الناس: أن تحفيظ القرآن جزء من منهج التعليم لأول أدواره، إذ أن هذه السن هي وقت قوة الحافظة والذاكرة، ولا يتيسر حفظه فيما بعد ذلك، وصار هذا عرفا يجد الناس في مخالفته كثيرا من الحرج، ويُخيل إليهم أن ذلك ضياع لكتاب الله، وترى من جانب آخر اشتغال الطلبة بحفظ القرآن كله في هذا السن يُفوِّت عليهم كثيرا من استخدام مواهبهم العقلية، ويُعطِّل كثيرا من قواهم النفسانية، ويُرسم القرآن في عقولهم وقلوبهم ألفاظا لا معنى لها، ويعودهم القرآءة بدون تفكير ولا تدبر في مستقبل حياتهم، فهذه الطريقة إن خرَّجتهم أوعية القرآن فقد حرمتهم لذة تدبره وثمرة التفكير في معانيه ومقاصده.\nوالمشكل قديم، وقد عالجه أبو بكر بن العربي، وأشار إليه وأبان أن التحفيظ ابتداءً طريقة المشارقة، ونقد هذه الطريقة نقدا مُرًّا، وزكّى طريقة المغاربة والأندلسيين في البدء بتعليم اللغة، وتذوق الأدب، ثم يأتي دور دراسة القرآن بعد ذلك.\n_________\n(١) أي أن الله نعت اليهود بذلك الوصف لأنهم لم يعملوا بما في التوراة ولم يفهموها، وذلك الوصف ينطبق على من يتعامل مع القرآن بنفس طريقتهم.\n(٢) الحوادث والبدع ص٢٠٦ - ٢١٤ باختصار.","vol":"1","page":110},{"text":"ونحن نريد أن نوفق بين حفظ كتاب الله والمحافظة عليه، وبين الانتفاع بكل القوى والمواهب في الطفل، وتربيتها جميعا تربية متناسقة، بحيث يقوي بعضها بعضا، ويعضد بعضها بعضا، ولنجمع بين الفائدتين (١).\nوهذا ما نريده .. أن نجمع بين الفائدتين.\nوإليك أخي القارئ في الأسطر القادمة تصورا مقترحا لذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-187>تصور مقترح لحفظ الآيات\nبطريقة الإيمان قبل القرآن</span>\nبداية التصور المقترح لحفظ الآيات بطريقة الإيمان قبل القرآن يبدأ بضرورة الاقتناع بأنه لا داعي للاستعجال في الحفظ، فالصحابة رضوان الله عليهم - وهم من هم - كان اهتمامهم بالعمل بالقرآن قبل اهتمامهم بحفظ حروفه وكلماته، لذلك كان الحفاظ فيهم قليلين.\nلقد بدأوا أمر القرآن من أوله، وأول أمر القرآن هو الانتفاع به وتحقيق المقصود من نزوله، أما الحفظ فليس غاية في حد ذاته، بل وسيلة مساعدة لتيسير الانتفاع بالقرآن من خلال سرعة استدعائه في أي وقت وأي مكان.\nالنقطة الأخرى للتصور المقترح هو تبني طريقة الصحابة في الحفظ، والتي أخبرنا عنها بعضهم كما مر علينا سابقا، وأخبرنا كذلك أحد تلامذتهم وهو أبو عبد الرحمن السُلمي. يقول ﵀: إنما أخذنا القرآن من قوم أخبرونا أنهم كانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يجاوزوهن إلى العشر الأخرى حتى يعلموا ما فيهن من العمل. قال: فتعلمنا العلم والعمل جميعا، وأنه سيرث القرآن من بعدنا قوم يشربونه شرب الماء، لا يجاوز هذا، وأشار إلى حنكه (٢).\nوتكمن أهمية هذا الأثر في أن صاحبه - وهو ليس من الجيل الأول بل من التابعين- ينقل لنا الطريقة السائدة في حفظ القرآن بين الصحابة وبعد أن اكتمل نزوله.\nإذن ف<span data-type=\"title\" id=toc-188>الوسيلة الأولى </span>في كيفية الحفظ هي: أن نأخذ كما قليلا في المرة الواحدة، وليكن عشر آيات، ولا يتم الانتقال إلى العشر الأخر إلا بعد العمل بما فيهن وحفظهن كذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-189>الوسيلة الثانية:</span>\nتبني طريقة «الإيمان قبل القرآن» في الحفظ، والتي شرحها لنا جندب بن عبد الله عندما قال: كنا مع النبي ﷺ ونحن فتيان حزاير فتعلمنا الإيمان قبل القرآن ثم تعلمنا القرآن فازددنا إيمانا» (٣).\nويؤكد على هذه الطريقة عبد الله بن عمر بقوله: لقد عشنا برهة من الدهر وأحدنا يؤتى الإيمان قبل القرآن، فتنزل السورة على محمد فنتعلم حلالها وحرامها، وأمرها وزجرها، وما ينبغي أن يقف عليه منها (٤).\nهذا هو الإطار العام الذي ينبغي أن نُلزم أنفسنا به ونحن نحفظ القرآن، ولأن الكثير منا قد تعود على حفظ القرآن بألفاظه فقط، وبكم كبير، دون ربط الآيات بمعانيها، وما فيها من هداية وإيمان وعمل، فإن من الصعب عليه الانتقال المباشر إلى الطريقة الأخرى، المشار إليها تحت شعار «الإيمان قبل القرآن».\nوفي هذه السطور طريقة مقترحة تساعدنا، ولو في البداية، على التحول التدريجي نحو حفظ القرآن وربطه بالإيمان والعمل، وهي ليست إلزامية لأحد، ولكنها من باب الاستئناس، وكمرحلة انتقالية تعينه بإذن الله على التعود على حفظ اللفظ والمعنى، وترشده إلى كيفية استخراج الجوانب العملية من الآيات.\n_________\n(١) نُشرت في مجلة النذير في العدد ٦ من السنة الثانية، في يوم الاثنين الموافق ٦ من صفر سنة ١٣٥٨ هـ، انظر نظرات في كتاب الله للإمام الشهيد حسن البنا، جمع عصام تليمة ص ٨٢.\n(٢) فضائل القرآن للفريابي ص ٢٤١.\n(٣) سبق تخريجه.\n(٤) سبق تخريجه.","vol":"1","page":111},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-190>القرآن كتاب هداية:</span>\nمنطلق التصور المقترح لحفظ القرآن أن القرآن كتاب هداية .. هذه الهداية لها جوانب متعددة تتعلق بكل ما يتصل ويخص الإنسان، سواء كان ذلك من داخله أو من خارجه، هذه الجوانب لوحظ أنها - في الغالب - تتركز في عشرة مواضيع، وهي التي تمت الإشارة إليها بشيء من التفصيل في الفصل الثاني:\n١ - التعريف بالله ﷿ وحقوقه على العباد.\n٢ - التعريف بالرسول ﷺ والرسالة.\n٣ - التعريف بالإنسان.\n٤ - التعريف بالشيطان.\n٥ - التعريف بقصة الوجود ويوم الحساب.\n٦ - معرفة السنن والقوانين الحاكمة للكون والحياة.\n٧ - التعرف على الكون المحيط.\n٨ - التعرف بحقوق العباد بعضهم على بعض.\n٩ - لماذا لا يتبع الناس الحق؟ (فقه الدعوة إلى الله).\n١٠ - التعريف بالسابقين وأخذ العبرة منهم.\nفالقارئ لكتاب الله سيجد أن هذه الجوانب العشرة تطل عليه في كل لقاء له معه ... نعم قد لا نجدها مجتمعة في بضع آيات من القرآن، ولكننا حتما سنجد بعضا منها، وليس معنى هذا قصر هداية القرآن على هذه الجوانب، فلك أخي القارئ أن تضيف عليها أو تعدل فيها كما تشاء في الإطار العام لمقصد نزول القرآن، فهي - كما ذكرنا - ليست إلزامية لأحد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-191>لا بديل عن العمل بالقرآن:</span>\nوالجدير بالذكر أن الخروج بواجب عملي أو أكثر من الآيات المقرر حفظها، من الأهمية بمكان لكي يصبح القرآن حجة لنا لا علينا.\nلذلك علينا ألا نتجاوز بضع آيات في مقرر الحفظ - لنا ولأولادنا وأن نستخرج منها جوانب الهداية، ونعيش معها في صلواتنا، ونلزم أنفسنا بالقيام بما فيها من عمل ولو لعدة أيام قبل أن ننتقل إلى الآيات الأخرى.\nولنثابر على ذلك، ولنتذكر أن عمر بن الخطاب ﵁ قد حفظ سورة البقرة في اثنتي عشرة سنة أي بمعدل آيتين كل شهر!\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-192>نموذج مقترح:</span>\nسورة الناس\nبسم الله الرحمن الرحيم\n﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ (٣) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [الناس: ١ - ٦].\n١ - من هو الله؟\n- رب الناس: أي مربيهم ومدبر أحوالهم.\n- ملك الناس: أي الذي يملك الناس ملكًا تامًا.\n- إله الناس: هو المعبود بحق.\n- الذي يحمي من يلجأ إليه.\n٢ - حقوق الله على العباد:\n- الاستعاذه والالتجاء إليه ﷾ من شر كل ذي شر.\n٣ - من هو الإنسان؟\n- مملوك لربه.\n- ضعيف يحتاج إلى دوام الحماية من ربه.\n- عنده قابلية للشر والقيام بعمل الشياطين (من الجنة والناس).\n٤ - من هو الشيطان:\n- الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس.\n٥ - الكون المحيط:\n- يوجد حولنا مخلوقات لانراها (الجن).\nالواجبات العملية:\n- دوام الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم.\n- كثرة قراءة سورة الناس لفضلها وفائدتها.\nبشرى:\nنعم إن تعلم استخراج المعاني الإيمانية من الآيات سيحتاج في البداية إلى بعض الوقت، وبخاصة ونحن نريد تحقيق مدلولها في الواقع.\nومع الاستمرار على ذلك، سنجد بعون الله وفضله أن تلك المعاني تتكرر في الآيات والسور، مما سيجعل الحفظ يتم أيسر وأسرع من ذي قبل، والله المستعان، وعليه التكلان.","vol":"1","page":112},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-193>الخاتمة</span>\nوأخيرًا: القرآن ينادينا\nوقبل أن ينتهي الحديث في هذه الصفحات عن القرآن وعن كيفية العودة إليه، أنقل إليك أخي القارئ رسالة استشعرت وكأن القرآن يريد أن يرسلها لنا، يقول فيها:\nأيها المسلمون في كل مكان سارعوا بالعودة إلي والانتفاع بي قبل أن تضيع منكم الفرصة، ويشتد بكم الندم.\nأقبلوا علي بكيانكم اتهتدوا بهداي، ولتستشفوا بشفائي، ولتنتفعوا بمواعظي ...\nاتركوا أنفسكم لي، وسيروا معي حيث سرت، فسأكون لكم -بمشيئة الله- نِعم القائد الذي يقودكم إلى العيش السعيد في الدنيا، والنعيم المقيم في الآخرة.\nانشغلوا بي، وأكثروا من تلاوتي، وتدبروا آياتي، وأعملوا بما أدلكم عليه قدر استطاعتكم .. ولا تبخلوا عليَ بأوقاتكم، اجعلوا لي حظا من نهاركم، ونصيبا من ليلكم ...\nاصحبوني في حلكم وترحالكم، ولكم عهد بألا أخذلكم، وألا أترككم تواجهون الصعاب بمفردكم بل سأكون معكم نعم الصديق لصديقه، وسأصحبكم في قبوركم لتستأنسوا بي في وحدتكم، وستجدوني أمامكم يوم القيامة أحاج عنكم حتى أرفعكم في الجنة درجات ودرجات.\nاعتصموا بي فأنا حبل الله المتين، من استمسك به ارتفع إلى السماء، وتخلص من جاذبية الأرض والطين واقترب من مولاه.\nإياكم ثم إياكم أن تستجيبوا لوساوس الشيطان بأنكم لا تصلحون لتدبري وفهم آياتي، فيقينا أن كل عاقل منكم يقدر على فهمي، والاهتداء بهداي، والتأثر بمواعظي، فلقد أودع الله في آياتي القدرة على التأثير على الحجارة إن خاطبتها، فكيف بقلوب خلقها ربي لتكون أوعية لمعرفته؟\nقد يتأخر الإمداد من ربكم لحكمة منه سبحانه فلا تيأسوا، وأيقنوا بأنه قادم لا محالة طالما اشتد عزمكم وتاقت أنفسكم للدخول إلى مأدبتي وتذوق حلاوتي.\nعاهدوني أن تتلوا آياتي بترسل وتؤدة .. حركوا بها قلوبكم، وترنموا بها في ليلكم، واجعلوا المعنى مقصودكم، ولا يكن همكم سرعة الانتهاء من وِردكم.\nلا تستصغروا أنفسكم فلقد كرمك مولاكم على سائر خلقه، وأسجد الملائكة لأبيكم ... أنتم قادة هذا الكون الفسيح، وكل ما فيه مخلوق من أجلكم، مسخر لخدمتكم، فتقدموا إليه واجعلوني دليلكم، وافتحوا به هذه الأرض، وتعرفوا على ما فيها من عوالم كثيرة طال انتظارها لكم لتكتشفوا مكنوناتها وما تحتويه من أسرار لأسماء الله وصفاته، فتزداد من خلالها معرفتكم بربكم.\nسارعوا إلى حملي فأمتكم أمة الإسلام - خير أمة أخرجت للناس - في حالة من الضياع والتفكك والتشرذم لم يسبق لها مثيل، فلقد طال سباتها واشتد مرضها ولا علاج لها إلا من خلالي.\nإن المستضعفين من إخوانكم المسلمين في كل مكان ينتظرون الفرج، فاحملوا مصباحي، واجمعوا الناس حول نوري، وناولوا دوائي لكل شارد وغافل.\nوأبشروا بالنصر فما أسرع تنزله على جيل القرآن ...\nسيعود لكم مجدكم الزائل، ودياركم المسلوبة .. ستعود القدس، ويافا، وحيفا، وعكا .. ستعود كشمير، والبلقان، والأندلس، وسترتفع راية التوحيد على روما، وستعود أمتكم أمة واحدة .. دستورها واحد وغايتها واحدة، وخليفتها واحد .. العدل منهجه، وكتاب الله دليله، وما ذلك على ربكم بعزيز، واعلموا أن استمرار عزكم ومجدكم مرهون بتمسككم بي، فلا تقعوا بعد ذلك فيما وقع فيه من سبقكم عندما تركوني وانشغلوا بغيري.\nأنفذوا وصية نبيكم بالتمسك بي واجعلوني وصيتكم لأبنائكم ولمن بعدكم تفوزوا بخيري الدنيا والآخرة.\nوفي النهاية:\nنسأل الله ﷿ أن يتقبل منا ما وفقنا إليه من خير في هذه الصفحات، وأن يتجاوز عما فيها من زلات، وأن يجعلنا جميعا من أتباع القرآن، ومن جيل القرآن، ومن أهل القرآن الذين هم أهل الله وخاصته.\nوالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ..\nوالحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.","vol":"1","page":113}]}