{"ً":{"ٌ":36399,"ٍ":"إنه القرآن سر نهضتنا - كيف يمكن للقرآن أن ينهض بالأمة؟","َ":1,"ُ":2,"ّ":"الكتاب: إنه القرآن سر نهضتنا - كيف يمكن للقرآن أن ينهض بالأمة؟\nالمؤلف: مجدي الهلالي\nالناشر: مؤسسة اقرأ للنشر والتوزيع والترجمة، القاهرة\nالطبعة: الأولى، ١٤٢٧ هـ - ٢٠٠٦ م\nعدد الصفحات: ٨٣\n[الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":2289,"ٕ":23,"ٖ":1770155848,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"المقدمة","level":1,"page":3},{"title":"الفصل الأول الأسباب والنتائج","level":1,"page":5},{"title":"الأسباب المادية والمعنوية","level":2,"page":6},{"title":"النتائج من الله لا من الأسباب","level":2,"page":6},{"title":"خطورة التعلق بالأسباب","level":3,"page":7},{"title":"ستار الأسباب","level":2,"page":7},{"title":"هل الأسباب متاحة للجميع؟!","level":2,"page":8},{"title":"الفصل الثاني لسنا كبقية الأمم","level":1,"page":10},{"title":"تمهيد","level":2,"page":11},{"title":"الوضع الخاص بأمة الإسلام","level":2,"page":11},{"title":"هل نترك الأسباب المادية؟","level":2,"page":14},{"title":"العودة إلى الله هي البداية","level":3,"page":14},{"title":"المسلم الصحيح أولا","level":2,"page":15},{"title":"المقصود بصلاح الفرد","level":3,"page":15},{"title":"هل هي دعوة للتخلف؟!","level":2,"page":16},{"title":"الفصل الثالث المعجزة التي نحتاجها","level":1,"page":18},{"title":"الحلقة المفقودة","level":2,"page":19},{"title":"محاولات","level":3,"page":20},{"title":"ضامن التنفيذ","level":3,"page":20},{"title":"الدافع الذاتي","level":2,"page":21},{"title":"ما المقصود بالقوة الروحية؟","level":2,"page":21},{"title":"المطلوب من القوة الروحية","level":3,"page":21},{"title":"نحتاج إلى معجزة","level":2,"page":22},{"title":"إنه القرآن العظيم","level":2,"page":22},{"title":"مظاهر قوة تأثير القرآن","level":2,"page":23},{"title":"هذا القرآن","level":3,"page":23},{"title":"الفصل الرابع لماذا القرآن هو سر نهضتنا؟","level":1,"page":25},{"title":"تمهيد","level":2,"page":26},{"title":"أولا: القرآن هو اختيار الله لعباده أجمعين","level":2,"page":27},{"title":"ثانيا: القرآن يجمع بين الرسالة والمعجزة","level":2,"page":28},{"title":"ثالثا: القرآن يخاطب","level":2,"page":29},{"title":"رابعا: القرآن لديه القدرة - بإذن الله - على الاستثارة الدائمة للمشاعر والضرب على أوتار القلوب وتوليد الطاقة والقوة الروحية","level":2,"page":31},{"title":"خامسا: القرآن ميسر للذكر والفهم","level":2,"page":33},{"title":"سادسا: القرآن هو الكلمة السواء التي لا يختلف عليها اثنان من الأمة","level":2,"page":35},{"title":"سابعا: القرآن عبادة متجددة لا تمل","level":2,"page":37},{"title":"ثامنا: القرآن وسيلة ودواء مجرب","level":2,"page":38},{"title":"تاسعا: القرآن هو المنقذ - بإذن الله- والمخرج من الفتن الذي دلنا عليه رسول الله ﷺ","level":2,"page":42},{"title":"الفصل الخامس كيف يمكن للقرآن أن ينهض بالأمة؟","level":1,"page":44},{"title":"هجر القرآن","level":2,"page":45},{"title":"الصورة الموروثة عن القرآن","level":3,"page":45},{"title":"الكتاب الوحيد","level":2,"page":46},{"title":"أين شرفنا؟","level":3,"page":46},{"title":"الحاضر الغائب","level":2,"page":47},{"title":"إعادة الثقة في القرآن","level":2,"page":48},{"title":"شرط لابد منه","level":3,"page":48},{"title":"خصوصية الترتيل","level":3,"page":50},{"title":"التأثر هو الغاية","level":2,"page":50},{"title":"أتأثر ولكن!!","level":3,"page":51},{"title":"التربة مهيأة لاستقبال المشروع","level":3,"page":51},{"title":"خطوات عملية مقترحة","level":2,"page":51},{"title":"الفصل السادس تصور مقترح للمراكز القرآنية النموذجية","level":1,"page":53},{"title":"التوعية وإنشاء الرغبة","level":2,"page":54},{"title":"إعداد المعلمين","level":2,"page":55},{"title":"أولا: وضوح الرؤية حول القرآن ودوره كرسالة ومعجزة وكيفية الانتفاع به","level":3,"page":55},{"title":"ثانيا: مداومة تلاوة القرآن","level":3,"page":56},{"title":"ثالثا: بناء الإيمان من خلال القرآن","level":3,"page":56},{"title":"رابعا: مدارسة وحفظ الأجزاء الثلاثة الأخيرة","level":3,"page":60},{"title":"التقييم","level":4,"page":64},{"title":"الحلقات القرآنية","level":4,"page":65},{"title":"صغار السن والقرآن","level":4,"page":65},{"title":"الفصل السابع تساؤلات وردود","level":1,"page":66},{"title":"تمهيد","level":2,"page":67},{"title":"قراءتان للقرآن","level":2,"page":67},{"title":"أيهما أفضل؟!","level":2,"page":68},{"title":"الحد الأقصى لختم القرآن","level":2,"page":70},{"title":"ما المقصود بـ «اقرأ وارق»؟","level":2,"page":71},{"title":"الشيطان والقرآن","level":2,"page":74},{"title":"«الذي يتعتع له أجران»","level":2,"page":75},{"title":"التعمق في التدبر","level":2,"page":76},{"title":"التلقي المباشر من القرآن","level":2,"page":77},{"title":"المحافظة على الحفظ","level":2,"page":78},{"title":"تأثر غير العرب بالقرآن","level":2,"page":78},{"title":"الذنوب وأمراض القلوب","level":2,"page":79},{"title":"لا أجد أثرا","level":2,"page":79},{"title":"مكانة السنة","level":2,"page":80},{"title":"وفي النهاية","level":1,"page":82},{"title":"أهم المراجع","level":1,"page":84}],"ٛ":{"1,1":2,"1,2":3,"1,3":4,"1,4":5,"1,5":6,"1,6":7,"1,7":8,"1,8":9,"1,9":10,"1,10":11,"1,11":12,"1,12":13,"1,13":14,"1,14":15,"1,15":16,"1,16":17,"1,17":18,"1,18":19,"1,19":20,"1,20":21,"1,21":22,"1,22":23,"1,23":24,"1,24":25,"1,25":26,"1,26":27,"1,27":28,"1,28":29,"1,29":30,"1,30":31,"1,31":32,"1,32":33,"1,33":34,"1,34":35,"1,35":36,"1,36":37,"1,37":38,"1,38":39,"1,39":40,"1,40":41,"1,41":42,"1,42":43,"1,43":44,"1,44":45,"1,45":46,"1,46":47,"1,47":48,"1,48":49,"1,49":50,"1,50":51,"1,51":52,"1,52":53,"1,53":54,"1,54":55,"1,55":56,"1,56":57,"1,57":58,"1,58":59,"1,59":60,"1,60":61,"1,61":62,"1,62":63,"1,63":64,"1,64":65,"1,65":66,"1,66":67,"1,67":68,"1,68":69,"1,69":70,"1,70":71,"1,71":72,"1,72":73,"1,73":74,"1,74":75,"1,75":76,"1,76":77,"1,77":78,"1,78":79,"1,79":80,"1,80":81,"1,81":82,"1,82":83,"1,83":84},"ٜ":{"1":[1,83]},"ٝ":[null,"1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83"],"ٞ":{"3":[1],"5":[2],"6":[3,4],"7":[5,6],"8":[7],"10":[8],"11":[9,10],"14":[11,12],"15":[13,14],"16":[15],"18":[16],"19":[17],"20":[18,19],"21":[20,21,22],"22":[23,24],"23":[25,26],"25":[27],"26":[28],"27":[29],"28":[30],"29":[31],"31":[32],"33":[33],"35":[34],"37":[35],"38":[36],"42":[37],"44":[38],"45":[39,40],"46":[41,42],"47":[43],"48":[44,45],"50":[46,47],"51":[48,49,50],"53":[51],"54":[52],"55":[53,54],"56":[55,56],"60":[57],"64":[58],"65":[59,60],"66":[61],"67":[62,63],"68":[64],"70":[65],"71":[66],"74":[67],"75":[68],"76":[69],"77":[70],"78":[71,72],"79":[73,74],"80":[75],"82":[76],"84":[77]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"إنه القرآن\nسر نهضتنا\nكيف يمكن للقرآن\nأن ينهض بالأمة؟\n\nتأليف\nمجدي الهلالي","vol":"1","page":null},{"text":"جميع الحقوق محفوظة\nالطبعة الأولى\n١٤٢٧هـ - ٢٠٠٦م\n\nرقم الإيداع: ٧٩٢٥/ ٢٠٠٦م\n\nبطاقة الفهرسة\nفهرسة أثناء النشر إعداد الهيئة المصرية العامة\nلدار الكتب والوثائق القومية\nإدارة الشئون الفنية\n\nالهلالي، مجدي\nأنه القرآن/ سر نهضتنا، كيف يمكن للقرآن أن ينهض بالأمة؟\nتأليف مجدي الهلالي. ط١ - القاهرة\nمؤسسة اقرأ للنشر والتوزيع والترجمة، ٢٠٠٦\n١٦٠ ص، ٢٣ سم ... تدمك: ٩ - ٨٥ - ٦١١٩ - ٩٧٧\n١ - القرآن والمجتمع ... ٢ - العنوان\n٢٢٩.٤٣\n\nمؤسسة اقرأ\nللنشر والتوزيع والترجمة\n١٠ ش أحمد عمارة - بجوار حديقة الفسطاط\nالقاهرة ت: ٥٣٢٦٦١٠ ... محمول:٠١٠٢٣٢٧٣٠٢ - ٠١٠١١٧٥٤٤٧\nwww.iqraakotob.com\nE-mail:info@iqraakotob.com","vol":"1","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>المقدمة</span>\nالحمد لله الرحيم الودود، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:\nفلا يخفى على أحد الواقع المرير الذي تعيشه أمتنا الإسلامية في هذا العصر، فلقد أصبحت بلا قيمة ولا اعتبار، تكالب عليها الجميع، وصارت عبرة بين الأمم في الذل والهوان والتخلف والظلام.\nهذا الواقع الأليم دفع المخلصين من أبنائها إلى البحث عن سبل لنهضتها وخروجها من النفق المظلم الذي تسير فيه، وتعالت الأصوات من هنا وهناك تنادي بضرورة وجود مشروع للنهضة تلتف الأمة كلها حوله وتتبناه.\nتعددت الطروحات والمقترحات حول نقطة البداية لمشروع النهضة، فمن قائل: نأخذ بأسباب التقدم العلمي كما أخذ بها الغرب فنصير مثلهم، ومن قائل: بل وجودنا كقوة اقتصادية تفرض نفسها على الجميع هو الحل الأمثل لعودة مجدنا مرة أخرى ..\nهذه وغيرها أمثلة للرؤى التي تُطرح اليوم، بيد أن أصحاب تلك الأطروحات -على أهميتها- قد غفلوا عن حقيقة مهمة، وهي أن الأمة الإسلامية ليست كبقية الأمم عند الله ﷿، لذا فإن سبيل نهضتها لابد أن يختلف عن سبيل نهضة الأمم الأخرى، فما يصلح لغيرنا ليس بالضرورة يصلح لنا أو يصل بنا إلى ما وصلوا إليه.\nومما يؤكد هذا المعنى أن الله - ﷾- قد ربط بين تقدمنا وعلونا كأمة إسلامية وبين إيماننا ومدى ارتباطنا به. ﴿وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٩]\nوليس معنى هذا أن نترك الاجتهاد في تحصيل الأسباب المادية، بل المقصد هو إعادة ترتيب الأولويات وعدم مقارنتنا بالأمم الأخرى في كل شيء.\nفمشروع النهضة الذي ينبغي أن نتبناه جميعًا لابد أن يكون هدفه الأول إعادة الأمة إلى مكانتها عند الله، ليعيد لها سبحانه دورها القيادي بين الأمم، وكيف لا، ومفاتيح التمكين بيده وحده سبحانه ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ [الأعراف:١٣٧].\nوبيده وحده مقاليد النصر والسيادة ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص:٥].\nمع الأخذ في الاعتبار أن الاجتهاد في تحصيل الأسباب المادية له دور كبير في نهضة أي أمة، ومع أهميته الكبرى إلا أنه لا يأتي في المقدمة بالنسبة لنا.\nولأن كيان الأمة يتشكل من مجموع الأفراد، فإن نقطة البداية وحجر الزاوية في النهضة لابد أن ينطلق من صلاح الفرد لتنصلح بذلك الأمة، فيرضى الله عنها ويعيد لها مجدها السليب.\nفإن قلت: وما الوسيلة التي يمكنها أن تقوم بذلك فتسع جميع أفراد الأمة من شرقها إلى غربها، وبكل مستوياتها، ولا تكون في الوقت نفسه - موضع اختلاف - بل موضع إجماع من الجميع، سلفهم وخلفهم؟!","vol":"1","page":2},{"text":"من أجل الإجابة عن هذا السؤال كانت تلكم الصفحات، التي نسأل الله أن يلهمنا فيها الرشد والسداد، ويجنبنا الزلل، وأن تصحبنا فيها رعايته وفضله وتوفيقه وأن يتقبلها منا ومن كل من ساهم فيها، إنه نعم المولى ونعم النصير ﴿سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾.\n\nالفقير إلى عفو ربه\nمجدي الهلالي\nwww.alemanawalan.com","vol":"1","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>الفصل الأول\nالأسباب والنتائج</span>\n- الأسباب المادية والمعنوية.\n- النتائج من الله لا من الأسباب.\n- ستار الأسباب.\n- هل الأسباب متاحة للجميع؟","vol":"1","page":4},{"text":"الأسباب والنتائج\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>الأسباب المادية والمعنوية:</span>\nخلق الله ﷿ الأرض، وجعل القانون الذي يحكمها وينظم الحياة عليها هو قانون السببية، فلكي نحصل على نتيجة ما، لابد من اتخاذ أسباب بعينها تؤدي إليها، والأسباب التي من شأنها أن تؤدي إلى حدوث النتائج تنقسم إلى قسمين: قسم مادي، وقسم معنوي.\nالقسم المادي هو القسم الذي يتعامل مع المادة المتعلقة بحدوث النتيجة المطلوبة، فالعطشان الذي يريد أن يرتوي عليه أن يشرب الماء، والجائع عليه أن يأكل ليشبع، والذي يريد الوصول إلى مكان ما عليه أن يسير إليه أو يتخذ وسيلة مواصلات مناسبة تقوم بتوصيله للمكان الذي يريد ... وهكذا.\nوكما نرى فالقوانين المادية نتائجها في الغالب معروفة ومحددة.\nأما القسم المعنوي للقوانين فهو يتعلق بتنفيذ أمور غير مادية تؤدي إلى تحقيق نتائج مادية ملموسة، أو تنفيذ أمور مادية ليس لها علاقة ظاهرية بالنتائج التي تُحدثها ... وإليك أخي القارئ أمثلة لهذا القسم:\nالاستغفار شيء معنوي، لكن الله ﷿ أخبرنا في كتابه وعلى لسان نبيه ﷺ بأن للاستغفار نتائج مادية كقوله تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا - يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا - وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح:١٠: ١٢].\nوفي الحديث: «من لزم الاستغفار جعل الله له من كل ضيق مخرجًا، ومن كل هم فرجًا، ورزقه من حيث لا يحتسب» (١)\n- الدعاء أمر معنوي لكنه من شأنه أن يؤدي إلى نتائج مادية محسوسة مثل ما حدث للثلاثة نفر الذين دخلوا إلى مغارة، وجاءت صخرة عظيمة فسدت عليهم باب الخروج، وحاولوا زحزحتها فلم يستطيعوا، فما كان منهم إلا أن دعوا الله بإخلاص أن يفرج عنهم كربهم، فاستجاب الله لهم وأزيحت الصخرة، وخرجوا جميعًا (٢).\n- المرض له أسباب، وعندما يتناول المريض الدواء المعالج لسبب المرض فغالبًا ما يُشفى - بإذن الله- ولكن هناك أمور أخرى ليس لها علاقة بأسباب المرض من شأنها أن تؤدي إلى الشفاء؛ كماء زمزم، والصدقة ...\nقال ﷺ: «داووا مرضاكم بالصدقة» (٣).\n- ومن أمثلة الأسباب المعنوية كذلك صلاة الاستسقاء، فالجو قد يكون صحوا، والسماء صافية ويحتاج المسلمون إلى الماء فيخرجون للصلاة متذللين متخشعين منكسرين لله ﷿، فترى السماء الصافية وقد تلبدت بالغيوم وتجمعت فيها السحب، ونزل المطر، كما حدث في عهد الرسول ﷺ، وكما تكرر كثيرًا عبر تاريخنا الإسلامي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>النتائج من الله لا من الأسباب:</span>\nقد يقول قائل: إذن نركز على الأسباب المعنوية باعتبار أن نتائجها كبيرة ولا تكلفنا شيئًا، ونترك الأسباب المادية .. نترك التداوي .. نترك الطعام .. نترك ... . ونتجه إلى الدعاء والصدقة والاستغفار\n_________\n(١) رواه أبو داود (١٥١٨)، وأحمد (٢٢٣٤)، وابن ماجه (٣٨١٩).\n(٢) انظر نص الحديث في البخاري ومسلم.\n(٣) حسن، حسنه الألباني في صحيح الجامع الصغير ح (٣٣٥٨).","vol":"1","page":5},{"text":"لو فعلنا ذلك ما تحققت نتائج، فالله ﷿ هو الذي خلق الأسباب المادية والمعنوية، وهو الذي طالبنا باتخاذ كليهما، على أن يكون التعامل معها باعتبار أنها لا تملك قوة، ولا فاعلية ذاتية تمكنها من تحقيق النتيجة، فالأمر كله مع الله، والأسباب هي الستار الذي يتنزل من خلاله قَدَرُه سبحانه\nفالله ﷿ هو الذي يروي ويشعرنا بالإرواء، لكنه جعل هذا الأمر يتحقق من خلال سبب مادي وهو شرب الماء، وهو سبحانه الذي يشفي، وجعل ذلك من خلال بث الفاعلية في الدواء أو في الصدقة، وهكذا\nولعل عدم ملازمة النتائج للأسباب في بعض الأحيان دليل يؤكد للناس هذه العقيدة، فالنوم سبب للراحة وفي بعض الأحيان ينام الإنسان طويلًا ويستيقظ وهو يشعر بالتعب، بل لقد نصَّ الحديث النبوي على أن من ينام عن صلاة الفجر، ولو كان نومه طويلًا، إلا أنه يُصبح «خبيث النفس كسلان» (١)، وكذلك الدواء قد لا يكون سببًا للشفاء، ويظل المريض ينتقل من دواء لدواء دون نتيجة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>خطورة التعلق بالأسباب:</span>\nعندما يتعامل المرء مع الأسباب على أنها هي التي تستجلب له النتائج فإنه بذلك يقع في منزلق خطير يؤدي به إلى الوقوع في دائرة الشرك بالله، وتتحول الأسباب إلى جدار يحجبه عن الله، مع أنها ما خُلقت إلا لتكون ستارًا يرى العبد من ورائه حكمة الله، ولطفه، ورحمته، وقهره، و\nومن مخاطر التعلق بالأسباب كذلك أن الفزع سيتملك القلب كلما نقصت الأسباب، والفرح سيملؤه عندما تزداد، ويتحول الاعتماد عليها في تحقيق النتائج لا على الله، وقد نص القرآن على حال المشركين الذين إذا ذكر من هم دون الله من شركائهم يفرحون ويستبشرون ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآَخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر:٤٥].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>سِتار الأسباب:</span>\nإذن فالأسباب ستار لابد من إقامته ليتنزل عليه القدر ... هذا الستار يبدأ بالأسباب المادية المتاحة أولًا، ثم بالمعنوية ثانيًا، كما قال ﷺ للرجل الذي ترك دابته دون عقال: «اعقلها وتوكل». (٢)\nفإن اقتصر الستار على الأسباب المادية كان حجمه محدودًا ونتائجه محدودة.\nوإن حاول الإنسان إقامته من الأسباب المعنوية فقط دون استخدام الأسباب المادية المتاحة أمامه فهذا سوء أدب مع الله، ولن يتحقق له ما يريد لأنه خالف بذلك القوانين التي وضعها الله ﷿ لإقامة الحياة والوصول إلى النتائج.\nوإن جمع بين الاثنين فهو بذلك يزيد من حجم الستار فيتنزل القدر بنتائج لا حدود لها ... تأمل قوله ﷺ: «لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصًا وتروح بطانًا». (٣)\nمع ملاحظة أن تغدو وتروح هي الأسباب المطلوب من الطير أن تفعلها وتأخذ بها فقط.\n_________\n(١) متفق عليه.\n(٢) رواه الترمذي وقال حديث حسن.\n(٣) رواه الترمذي (٢٣٤٥) وقال: حديث حسن، وأخرجه أحمد ١/ ٣٠، وابن ماجه (٤١٦٤). ومعنى خماصًا: أي ضامرة البطون من الجوع، وبطانًا: أي ممتلئة البطون.","vol":"1","page":6},{"text":"ومن الأمثلة التي تؤكد هذا المعنى: شكوى الصحابة من قلة الماء واحتياجهم للشرب والوضوء، فماذا فعل ﷺ؟ أقام الستار بالأسباب المادية أولًا: طلب الماء القليل الموجود، ثم وضع يده الشريفة فيه ودعا الله بعد ذلك، فنبع الماء من بين أصابعه، وشرب الجميع وتوضأوا ... (١)\nوكذلك ما حدث لمريم الصدِّيقة حين جاءها المخاض وهي تستند بظهرها على جذع نخلة لا ثمر فيها، فطلب الله منها أن تهز الجذع بيدها كستار مادي، مع توكلها المطلق على الله ﷿ كستار معنوي ليتنزل القدر ويسقط الرطب ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ [مريم:٢٥].\nوعندما أمر الله ﷿ إبراهيم ﵇ أن ينادي على الناس، داعيًا إياهم إلى الحج ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ [الحج:٢٧]. قال ﵇: يارب كيف أبلغ الناس وصوتي لا ينفذهم؟ فقال تعالى: ناد وعلينا البلاغ، فقام على مقامه، وقيل على الحجر، وقيل على الصفا، وقيل على أبي قبيس، وقال: يا أيها الناس إن ربكم قد اتخذ بيتًا فحجوه، فيقال إن الجبال تواضعت حتى بلغ الصوت أرجاء الأرض، وأسمع من في الأرحام والأصلاب .. (٢)\nفإن قلت ولماذا يُبدأ بالأسباب المادية لتكوين الستار؟\nلأن الأسباب المادية جعلها الله متاحة للجميع .. المؤمن والكافر، وبالتالي يمكن لأي إنسان أن يحصل على النتائج من خلالها، ولو كانت البداية بالأسباب المعنوية لحُرم الكافر من النتائج التي تكفل له العيش وتوفر له الاحتياجات الأساسية، ومن ثمَّ فإنه لن يأخذ فرصته الكاملة في التعرف على الله وتوحيده وعبادته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>هل الأسباب متاحة للجميع</span>؟!\nالله ﷿ خلق الأرض وقدَّر فيها الأقوات والأرزاق والأسباب التي تيسر للناس معاشهم فيها، وجعل التعامل مع أسبابها متاحًا للجميع ... سواء للسائلين، فعلى قدر اجتهاد الإنسان وسعيه في الوصول إلى مكنوناتها واستخدام أسبابها، يصل إلى مبتغاه ويحصل على نتيجة جهده وسعيه .. يستوي في ذلك المؤمن والكافر ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِّلسَّائِلِينَ﴾ [فصلت:١٠]، ﴿كُلًا نُّمِدُّ هَؤُلاَءِ وَهَؤُلاَءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ [الإسراء:٢٠].\nهذا بالنسبة للأسباب المادية، أما الأسباب المعنوية التي تجلب الزيادة المضاعفة في النتائج فاستخدامها مشروط بالإيمان بالله، وعدم الشرك به، وإخلاص التوجه إليه ... وعلى قدر ذلك يكون الستار، ومن ثمَّ المدد الإلهي ..\nفالمشركون إذا ما عادوا إلى الله في أي وقت وطلبوا منه بصدق وإخلاص أن ينجيهم من كرب أصابهم فإنه سبحانه سينجيهم ﴿وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلاَّ كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ [لقمان: ٣٢].\n_________\n(١) روى البخاري عن ابن مسعود قال: بينما نحن مع رسول الله ﷺ وليس معنا ماء، فقال لنا رسول الله ﷺ «اطلبوا من معه فضل ماء» فأتي بماء فصبه في إناء، ثم وضع كفه فيه، فجعل الماء ينبع من بين أصابع رسول الله ﷺ.\n(٢) تفسير القرآن العظيم لابن كثير ٣/ ٢٠٤.","vol":"1","page":7},{"text":"إذن فحصول النتائج من خلال اتخاذ الأسباب المعنوية مرتبط بحال صاحبها وقت استخدامه لها، فعلى قدر إيمانه بالله، وتعلقه به، وإخلاص التوجه والاستعانة به -سبحانه- يكون المدد، فالأسباب المعنوية بمثابة القوس في يد الضارب، وعلى قدر قوته في استخدامه تكون سرعة السهم ومكان وصوله ... تأمل معي مدى استغاثة المسلمين بربهم في بدر، ثم انظر إلى حجم المدد الإلهي بعد ذلك ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال:٩].\nفالإمداد ليس مرتبطًا بأشخاص بعينهم مهما كانت سابقتهم أو نَسَبهم، بل مرتبط بالحالة الإيمانية التي هم عليها ﴿وَأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا﴾ [الجن:١٦]، فعهد الله ووعده بإمداد عباده بما يكفيهم وينصرهم ويحفظهم لن يتحقق إلا إذا أوفوا هم بعهدهم معه ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة:٤٠]، فإن لم يفعلوا فالنتيجة معروفة ﴿... لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:١٢٤].\nوخلاصة القول أن الأسباب ضرورية لحصول النتائج، وأنها بذاتها لا تُحدث القدَر، بل تهيئ لنزوله.\nوالأسباب نوعان مادي ومعنوي ... المادي متاح للجميع، والمعنوي قاصر على المؤمنين بالله، وعلى قدر الإيمان والإخلاص تكون النتائج المتحققة.\n* * *","vol":"1","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>الفصل الثاني\nلسنا كبقية الأمم</span>\n- الوضع الخاص بأمة الإسلام.\n- هل نترك الأسباب المادية؟!\n- المسلم الصحيح أولًا.\n- هل هي دعوة للتخلف؟","vol":"1","page":9},{"text":"لسنا كبقية الأمم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>تمهيد:</span>\nنهض الغرب في القرون الأخيرة نهضة واسعة، وتسابق أبناؤه في كشف مكنونات الأرض وحسن الانتفاع بها، فاستجابت الأرض لهم، وأعطتهم بعض أسرارها، فتفوقوا على غيرهم وامتلكوا مفاتيح التقدم والثروة\nوفي المقابل نجد أن أمة الإسلام قد خيم عليها الجهل والظلام والتخلف، وانتقلت تدريجيًا من مصاف الأمم المتقدمة إلى مؤخرتها.\nأصبحت أمتنا أضعف الأمم، وباتت مطمعًا للجميع، حتى اليهود الذين كتب الله عليهم الذلة والمسكنة قد استأسدوا علينا وسامونا سوء العذاب.\nهذا الوضع المرير حدا بالكثير من أبناء الأمة بالمناداة بضرورة التركيز على الأسباب المادية، والسعي في نفس الاتجاه الذي سلكه الغرب كي نصل إلى ما وصلوا إليه، فهل هذا التصور فقط يصلح لكي يكون سبيلًا لنهضة الأمة الإسلامية؟\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>الوضع الخاص بأمة الإسلام:</span>\nإن كان الغرب بسعيه في الأرض واستفادته من خيراتها المتاحة للجميع قد نجح في امتلاك زمام التقدم والحضارة، فإن هذا لا يعني أن نسير مثلهم في نفس الطريق، ونعطي ذلك الأولوية المطلقة، وذلك لجملة من الأسباب:\nأولًا: إن الله تعالى قد اختص الأمة الإسلامية بنعمة عظيمة، لم يختص بها أمة معها على وجه الأرض ألا وهي رسالة الإسلام التي تُعد بمثابة رسالة هداية للبشرية جمعاء ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة:١٤٣].\nهذه المزية العظيمة التي تجعل من أمتنا خير أمة أخرجت للناس، وتضعها على رأس الأمم الأخرى، مرتبطة بمدى تمثل الرسالة في الأمة، وبمدى تبليغها إياها لسائر الناس، فإن لم تفعل ذلك عاقبها الله ﷿ بعقوبات كثيرة كي تفيق من سباتها وتقوم بواجبها، وسيستمر العقاب طالما استمر الإعراض عن القيام بذلك الواجب، وهذا هو التشخيص الحقيقي لواقعنا المرير.","vol":"1","page":10},{"text":"فنحن الآن في مظان الغضب والعقوبة الإلهية بسبب خيانتنا للأمانة .. ومهما اجتهدنا في تحصيل الأسباب المادية فلن يُرفع عنا العقاب أو الذل والهوان إلا إذا عدنا إلى ديننا أولًا ... ألم يقل ﷺ: «إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلًا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم» (١).\nولقد كان ثمة أمة في الماضي خانت الأمانة ولم تبلغ الرسالة، فحدث لها مثل ما يحدث لنا الآن من عقوبات حتى يرجعوا، فلما أصروا على غيهم سلب الله منهم الأمانة وحمَّلها لنا ... تلكم هي أمة بني إسرائيل ﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [البقرة:٢١١].\nثانيًا: إن مصدر رفعة وعزة الأمة الإسلامية مرتبط بمدى علاقتها بربها، ومدى دخولها في دائرة معيته وكفايته ﴿وَأَنتُمُ الأَعلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٩].\nويتمثل ذلك جليًا في قول عمر بن الخطاب ﵁: نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، فإن ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله.\nوفي المقابل فإن مصدر رفعة الأمم الأخرى في الدنيا يكون على قدر امتلاكها للأسباب المادية «فقط» لأنها لم تُكلَّف بما كلفنا به، ومن الخطأ بمكان أن نسعى للرفعة من خلال تقليدهم والسير وراءهم ﴿أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ للهِ جَمِيعًا﴾ [النساء:١٣٩].\nثالثًا: إن باب الأسباب المعنوية نملكه دون غيرنا من الأمم الكافرة بالله ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لاَ مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد:١١].\nفكيف نترك سر تفوقنا؟!\nكيف نترك ما اختصنا الله به ونبحث عما في أيدي الآخرين؟\nكيف نستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير ونعطيه الأولوية؟! ألم يقل سبحانه: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُولِي الأبْصَارِ﴾ [آل عمران:١٣].\nرابعًا: لو أُغلق أمامنا باب الأسباب المعنوية، وتساوينا مع الكفار في السباق نحو امتلاك الأسباب المادية، فستكون النتيجة لصالحهم لا محالة، فكما قال الخليفة الفاروق عمر بن الخطاب ﵁: إنما تنصرون على عدوكم بطاعتكم لله ومعصيتهم له، فإذا عصيتموه تساويتم.\nهذا من ناحية .. ومن ناحية أخرى فنحن حين نترك الأسباب المعنوية ونعتمد على الأسباب المادية فقط، فإننا نتعرض للعقوبة من الله بالخذلان وتعسير الأمور، بينما هم لن يعاقبوا مثلنا وإن كانوا أكثر منا معصية، ولمَ لا وقد خنا أمانة عظيمة ائتمننا الله عليها دون غيرنا. وهذا ما أكده عمر بن الخطاب لسعد بن أبي وقاص - ﵄ - قبل تحرك جيش المسلمين لملاقاة الفرس في القادسية بقوله: ولا تقولوا إن عدونا شر منا فلن يُسلط علينا، فرب قوم سلط الله عليهم من هو شر منهم، كما سلط على بني اسرائيل لما عملوا بمعاصي الله كفار المجوس فجاسوا خلال الديار (٢).\n_________\n(١) صحيح، رواه أبو داود عن ابن عمر وصححه الألباني في صحيح الجامع (٤٢٣).\n(٢) الجهاد في الإسلام لمحمد سعيد رمضان البوطي، ص ٢٤٥.","vol":"1","page":11},{"text":"خامسًا: نحن مطالبون بالأخذ بالأسباب المادية بالقدر المتاح أمامنا لإقامة الستار الذي يتنزل من خلاله قدر الله ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال:٦٠]، ولسنا مطالبين أمام الله ﷿ بأكثر مما نقدر على تحصيله من تلك الأسباب.\nوفي الوقت نفسه فقد طالبنا الله - ﷿- بالأخذ بالأسباب المعنوية كلها، من توبة وتذلل وانكسار إليه، واستعانة به، وتوكل مطلق عليه، وليس لنا عذر في تركها، وكيفَ لا وهي متاحة أمامنا جميعًا، ولا يوجد ما يحول بيننا وبين الأخذ بها، وهذا هو ترتيب دعاء المجاهدين ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٧].\nتأمل معي قوله تعالى وهو يخاطب نبيه ويرشده إلى الاهتمام بالأسباب المعنوية، وأنها هي السبب الرئيسي لاستجلاب النصر: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ - إِن يَنْصُرْكُمُ اللهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٥٩، ١٦٠].\nسادسًا: لو افترضنا أن الأسباب المادية هي التي تحسم الصراع، وتعيد لنا مجدنا السليب، فالوضع القائم يؤكد أن أعداءنا لن يسمحوا لنا بامتلاكها بالقدر الذي يجعلنا نتكافأ معهم أو حتى نقترب منهم، فلقد أحكموا قبضتهم علينا من كل جانب، وظهر استعلاؤهم واستكبارهم وطغيانهم بصورة لم يسبق لها مثيل، ولا أمل لنا إلا في الله بأن يكون معنا فيحسم الصراع لصالحنا ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوءً فَلاَ مَرَدَّ لَهُ﴾ [الرعد:١١].\nفالله وحده هو القادر على أن يهزمهم رغم تفوقهم علينا ماديًا، وهو القادر على قلب ميزان القوة تمامًا، ولعل ما حدث في غزوتي بدر والأحزاب أكبر دليل على ذلك.\nولكن الله ﷿ لن يكون معنا إلا إذا فعلنا ما يرضيه من إخلاص له في التوجه والاستعانة، ومن طاعة لأوامره، ومن جهاد في سبيله وتضحية من أجله، ومن تقديم حبه على كل المحابّ الأخرى، ومن بذل الجهد والأخذ بالأسباب المادية المتاحة أمامنا ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور:٥٥].\nسابعًا: تاريخ أمتنا يؤكد هذه الحقيقة .. فأمة العرب التي كانت قبل الإسلام في مؤخرة الأمم لم تنتقل إلى مقدمتها بفضل امتلاكها للأسباب المادية وتفوقها بها على غيرها، بل لأنها دخلت في دائرة المعية والرضا الإلهي، فأوفى الله بعهده معها، وملَّكها الأرض ودحر الممالك الأخرى من فرس وروم، والذين كانوا يمتلكون من الأسباب المادية ما يفوق ما عند الأمة الإسلامية بأضعاف الأضعاف ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ﴾ [التوبة:١١١].\nويزداد هذا الأمر تأكيدًا عندما ننظر إلى المعارك الإسلامية خاصة في العصور الأولى التي كانت الأمة فيها قريبة من الله ... تتمتع بحمايته ونصرته وكفايته.\nففي هذه المعارك –كبدر واليرموك والقادسية – كانت الأسباب المادية عند الكفار تفوق أضعاف أضعاف ما عند المسلمين، ومع ذلك انتصر المسلمون انتصارات باهرة.\nلماذا؟!","vol":"1","page":12},{"text":"لأن الله كان معهم ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ\nاللهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧].\nفعندما يكون الله مع الفئة المؤمنة فلا قيمة أبدًا لكثرة الكافرين عددًا أو عدة ﴿وَلَن تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:١٩].\nوفي المقابل فإن التاريخ ينبئنا بأنه عندما يُخل المسلمون بالشروط التي يريدها الله منهم ليُنزل عليهم نصره، فإن الهزيمة ستكون حليفهم وإن كانوا أكثر عددًا وعدة من أعدائهم، ولنا في غزوة حنين -عند بدايتها- أكبر مثال على ذلك ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ﴾ [التوبة:٢٥].\nبل إنه في إحدى المعارك -معركة العِقَاب (١) - وكانت بين المسلمين في الأندلس في عهد دولة الموحدين، وبين النصارى، فقد بلغ فيها عدد جيش المسلمين - كما تقول بعض الروايات - خمسمائة ألف مقاتل، ومع ذلك فقد هُزموا هزيمة منكرة وذبح منهم عشرات الآلاف، وذلك بسبب اتكالهم على قوتهم، وكثرة خلافاتهم فيما بينهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>هل نترك الأسباب المادية</span>؟\nقد يقول قائل: ولكن هل معنى هذا أن نترك الأسباب المادية، ونتجه للأسباب المعنوية التي نعرفها ولا يعرفها غيرنا؟!\nلو تركنا الأسباب المادية المتاحة أمامنا لظللنا في أماكننا كما نحن ولن نتقدم قيد أنملة، فكما قيل سابقًا بأن الأسباب المادية المتاحة هي التي تُقيم الستار وتهيئ التربة لنزول القدر الإلهي، أما الأسباب المعنوية فهي التي تستكمل إقامة الستار وتمنحنا مزية التأييد الإلهي دون غيرنا، فالإعداد المادي ضروري - وبالقدر المتاح أمامنا- والإعداد المعنوي لا غنى لنا عنه إن أردنا أن تعود لنا عزتنا ومجدنا السليب، ولم لا وهو الذي يُرجِّح كفتنا على غيرنا، فضلًا عن أنه قبل ذلك هو مهمة وجودنا لتحقيق عبوديتنا لله ﷿.\nإذن فالمقصد من هذا كله هو إعادة ترتيب الأولويات، وعدم مقارنتنا بالغرب، وأن نوقن بأن علاقتنا بالله هي سر تقدمنا، فإن انقطعت، وتخلى الله عنا، صار أعداؤنا أفضل منا وإن فقناهم عددًا وعدة، لأننا حينئذ نكون: مغضوبًا علينا ... ألم يقل سبحانه لبني إسرائيل من قبل ﴿وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى﴾ [طه:٨١]. ولقد هوينا إلى القاع بالفعل، وصرنا تحت أقدام الكفار بسبب غضب الله علينا لأننا خُنَّا أمانته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>العودة إلى الله هي البداية:</span>\nإذن فنقطة البداية التي ينبغي ألا نتخطاها هي العودة إلى الله.\nالصلح مع الله، والدخول في دائرة الرضا والمعية والولاية والنصرة الإلهية.\nنقطة البداية هي الارتقاء بقيمة الفرد عند الله وهذا لن يأتي إلا من خلال صلاحه على منهاج ربه ومولاه.\nصلاح الفرد هو الذي سيؤدي إلى صلاح المجتمع، فصلاح الأمة، ليستبدل الله بغضبه عليها رضاه ويولي عليها خيارها.\nعن قتادة قال: قال موسى ﵇ لربه: يارب أنت في السماء، ونحن في الأرض، فما علامة غضبك من رضاك؟\nقال: إذا استعملت عليكم خياركم فهو علامة رضاي، وإذا استعملت عليكم شراركم فهو علامة غضبي عليكم (٢).\n_________\n(١) جمع عقبة وكانت في سنة ٦٠٩ هـ.\n(٢) العقوبات لابن أبي الدنيا، ص (٢٧٨).","vol":"1","page":13},{"text":"معنى ذلك أن عزنا وتقدمنا ورفعتنا مرتبطة برضا الله عنا، فإن رضي عنا تضاعفت النتائج المترتبة على الأخذ بالأسباب المادية، وظهرت البركة في القليل المتاح ... فعشرة آلاف على سبيل المثال يهزمون مائة ألف وأكثر، وكيف لا والله يؤيد بنصره من يشاء ﴿إِن يَنْصُرْكُمُ اللهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُم مِّنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٠].\nوتتدرج نسبة التفوق تصاعديًا وتنازليًا ﴿الآَنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ [الأنفال:٦٦].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>المسلم الصحيح أولًا:</span>\nفصلاح الفرد أولًا ثم امتلاك الأسباب المادية ثانيًا.\nالمسلم الصحيح قبل الطبيب .. قبل المهندس .. قبل عالم الذرة ..\nالمسلم العابد لله أولًا، ثم ليكن بعد ذلك في المكان الذي أقامه الله فيه، ليتخذ الأسباب المادية المتاحة أمامه، فيبارك الله فيها ويضاعف نتائجها ..\nإذن فنهضة أمتنا تنطلق من صلاح الفرد على أساس الإسلام، ثم التحرك بهذا الفرد الصالح في الميادين المختلفة والمتاحة ليكون بعد ذلك: مسلم طبيب ... مسلم مهندس .. مسلم مدرس .. مسلم نجار ... مسلم فلاح.\nويؤكد الإمام حسن البنا على هذا المعنى فيقول: إذا وجد المؤمن الصحيح وجدت معه أسباب النجاح جميعًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-14>المقصود بصلاح الفرد:</span>\nوليس المقصد بصلاح الفرد هو التركيز على أدائه العبادات بشكلها الظاهري فقط، بل المقصد هو أن يكون في القالب الذي يريده الله منه، فعلى قدر «العبودية» تكون قيمة الفرد عند الله ﷿ ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣].\nصلاح الفرد يبدأ من الداخل، فيكون باطنه أفضل من ظاهره.\nصلاح الفرد يعني أن يكون الله أعز عليه وأحب إليه من كل شيء.\nصلاح الفرد يعني أن يَعظُم قدر الله لديه، وتصغر نفسه عنده.\nصلاح الفرد يعني زهده في الدنيا ورغبته في الآخرة.\nصلاح الفرد يعني أن تكون معاملته مع الله هي الأساس الذي يحرص عليه، فيخشاه ويتقيه ويطيعه ويرجوه ويتوكل عليه ويستعين به في كل أموره، لينعكس ذلك على تصرفاته ومعاملاته مع غيره وفي جميع الدوائر التي يتعامل فيها .. مع أهله وزوجته وأولاده .. مع جيرانه وزملائه .. مع الناس أجمعين، فيكون نعم الزوج لزوجه، والابن لأبويه، والأب لأبنائه، والجار لجيرانه، والعامل في متجره، والداعي دومًا إلى الله، و\nيحب في الله ويبغض في الله ... يسارع دومًا في الخيرات، ويجتنب كل المنكرات .. فإن زلت قدمه يومًا تراه مسرعًا مهرولًا إلى مولاه يسترضيه ويطلب منه العفو والصفح، وبصلاحه هذا يمن الله عليه وعلى من حوله بما ورد في الأثر: «إن الله يصلح بصلاح الرجل المسلم ولده، وولد ولده، وأهل كويرته، ودويرات حوله».","vol":"1","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>هل هي دعوة للتخلف</span>؟!\nفإن قلت: ولكن هذا معناه إضعاف الحافز داخل النفس للتقدم والتفوق، فتقل تبعًا لذلك الكفاءات بيننا ويزداد اعتمادنا على الحضارة الغربية والتبعية المهينة لهم.\nالمتأمل لما قيل سابقًا سيجد أن العكس هو الذي سيحدث - بمشيئة الله -، وإليك -أخي القارئ- مزيد من وضوح الرؤية حول هذه النقطة:\nأولًا: الذي يبدأ طريقه بالصلح مع الله والتربية على إيثار محابه ومراضيه على ما تحبه نفسه وتهواه، فإنه لن يألو جهدًا في ارتياد كل الأماكن التي من شأنها أن ترفع شأن الإسلام؛ لأنه سيحمل همَّه دائمًا، وفي المقابل فإن من يبدأ طريقه بالتركيز على التفوق المادي فقط فإنه بالفعل سيتفوق - بإذن الله - طبقًا لقانون السببية، ولكن في كثير من الأحيان يصبح هذا التفوق خادمًا لنفسه، محققًا لمجده الشخصي، ورفعته على من حوله، من ثم لا يدخل صاحبه في دائرة الرضا الإلهي لإخلاله بشروطها، فتكون النتيجة استمرار الوضع على ما هو حادث الآن.\nثانيًا: البدء بالأسباب المادية يمهد الطريق لظهور مظاهر العزة الزائفة بالألقاب والشهادات، والمناصب، والأموال وغير ذلك من أمور الدنيا، مما يجعل تفاضل المسلمين فيما بينهم ونظرتهم لبعضهم البعض طبقًا لوجود تلك المظاهر، وهذا من شأنه أن يبعدنا أكثر وأكثر عن دائرة الرضا الإلهي التي هي سر كل سعادة ورفعة.\nوفي المقابل فإن من يبدأ طريقه بإصلاح نفسه من كل الجوانب فإنه سيعيش دومًا في حقيقة فقره إلى الله، وشدة احتياجه دومًا إليه، وأنه به سبحانه لا بنفسه، فينعكس ذلك على تعامله مع الآخرين؛ فيخفض لهم جناحه، بل ويستشعر دومًا أنهم جميعًا أفضل منه مهما كانت ألقابه ومناصبه.\nثالثًا: الذي يبدأ بإصلاح نفسه فإنه يتحرر من أسر الناس، وأعرافهم الخاطئة، ويتحرر كذلك من أسر الاهتمامات الأرضية الدنيوية، فتسمو اهتماماته، وتجده يبحث عما يرضي الله ليفعله، بغض النظر عن تقييم الناس لفعله.\nومن فوائد البدء بصلاح الفرد وإيجاد المسلم الصحيح أولًا:\n- أن أساليب تربية الوالدين لأبنائهما ستختلف، فعندما يصبح الهدف هو تعبيد الأبناء لله ﷿ أولًا ثم التفوق ثانيًا، فإن هذا من شأنه أن يجعل محور اهتمام البيت هو الله ونيل رضاه، وتعظيم قدره في النفس، فيؤدي ذلك إلى حرص الأب على التواجد داخل بيته أطول فترة ممكنة لممارسة دوره في قيادة أهل بيته إلى الله، وربط حياتهم به سبحانه، ومن ثمَّ فإنه لن يحرص على العمل الإضافي، أو السفر للخارج وترك الأولاد مع أمهم بدعوى توفير وسائل الحياة المرفهة لهم، وتحصيل متطلبات تعليمهم الباهظة، بل سيوضع التعليم في حجمه الحقيقي، كخادم للهدف الأساسي وليس غاية في حد ذاته.\n- ومن مظاهر الاهتمام بهدف إيجاد المسلم الصحيح أولًا أن الأبوين سيحرصان على عدم إلحاق أبنائهما بمدارس اللغات التي من شأنها أن تجعل ولاء الدارسين فيها للغة أخرى غير لغة القرآن، وتجعلهم يعظمون شأن الحضارة الغربية ويوالونها ويرضون بغثها وسمينها، ومن ثمَّ يحتقرون الحضارة العربية الإسلامية، وهذا واقع مشاهد للكثير من خريجي تلك المدارس.\nنعم، إنّ حرص الآباء على إلحاق أبنائهم في تلك المدارس ينبع من انبهارهم بالغرب وحضارته، وحرصهم على سير أبنائهم في هذا الطريق ليضمنوا لهم النجاح في حياتهم.","vol":"1","page":15},{"text":"هذا التصور بلا شك سيحل محله التصور الصحيح عندما يتأكد الجميع أننا لسنا كبقية الأمم، ولن نتقدم بمثل ما تقدموا به، بل بالعودة إلى الله أولًا، ثم بالأخذ بالأسباب المادية المتاحة أمامنا ثانيًا.\n- ومن فوائد البدء بالتربية الإيمانية والتركيز على صلاح الفرد، أنها ستعرِّضنا للتوفيق والتأييد الإلهي، فيتضاعف أثر الأسباب المادية بعد ذلك، كما حدث مع المسلمين الأوائل الذين برعوا في شتى فروع العلوم، وأقاموا صرح الحضارة الإسلامية العريقة، وما كان ذلك ليحدث لولا توفيق الله لهم، ومباركته لجهودهم.\nومن فوائدها كذلك: عدم التعلق بالأسباب، بل الاجتهاد في تحصيلها، ثم التعلق بالله وحده في تحصيل النتائج، وهذا من شأنه أن يسكب في الفرد السكينة والطمأنينة فلا يبدو فزعًا منزعجًا كلما قلَّ حجم الأسباب المتاحة أمامه ﴿إِنَّ الإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا - إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا - وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا - إِلاَّ الْمُصَلِّينَ﴾ [المعارج:١٩ - ٢٢].\n\nوخلاصة القول:\nإن سر تقدمنا مرتبط بمدى علاقتنا بالله، وأننا لابد أن نجتهد في الأخذ بالأسباب المادية بالمفهوم الذي يسود بيننا الآن، ولكن بعد أن نجتهد في الأخذ بالأسباب المعنوية التي تُعني بصلاح الفرد كأساس للنجاح في كل الميادين.\nفالأمة بحاجة إلى الربانيين أولًا ليكونوا بعد ذلك في المكان الذي يقيمهم الله فيه .. أما بدون رهبان الليل ... البكائين بالأسحار .. فلا أمل في تقدم ولا رفعة بل سيستمر الوضع القائم وسيزداد سوءًا.\nألم يقل سبحانه: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ - إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاَغًا لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٥، ١٠٦].\nوبهذا المفهوم انتصر المسلمون الأوائل على أعدائهم ... تأمل معي ما قاله سعد بن أبي وقاص لعمر بن الخطاب ﵄ وهو يصف له المجاهدين في معركة القادسية: «... كانوا يُدَوُّون بالقرآن إذا جنَّ عليهم الليل كدويِّ النحل وهم آساد في النهار لا تشبههم الأسود، ولا يفضل من مضى منهم من بقى إلا بفضل الشهادة» (١).\nوفي فتح أفريقية يصف عبد الله بن الزبير أحوال المقاتلين فيها فيقول:\nواستشهد الله ﷻ رجالًا من المسلمين، فبتنا وباتوا، وللمسلمين دوي كدوي النحل، وبات المشركون في ملاهيهم وخمورهم، فلما أصبحنا زحف بعضنا على بعض، فأفرغ الله علينا صبره، وأنزل علينا نصره، ففتحناها من آخر الليل. (٢)\n* * *\n_________\n(١) البداية والنهاية لابن كثير، ٧/ ٥٠.\n(٢) كيف ننتفع بالقرآن الكريم، لأحمد البراء الأميري، ص (١٠٧).","vol":"1","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>الفصل الثالث\nالمعجزة التي نحتاجها</span>\n- الحلقة المفقودة.\n- الدافع الذاتي.\n- ما المقصود بالقوة الروحية؟\n- نحتاج إلى معجزة.\n- إنه القرآن العظيم.\n- مظاهر قوة تأثير القرآن.","vol":"1","page":17},{"text":"المعجزة التي نحتاجها\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>الحلقة المفقودة:</span>\nكان الجهل بحقائق الدين يضرب بأطنابه في جنبات الأمة، وكان من المستغرب أن يتم الحديث عن شمول الإسلام، وأنه صالح لكل زمان ومكان، وأنه يتناول مظاهر الحياة جميعًا ... ثم ظهرت الصحوة الإسلامية وانتشرت الأفكار الصحيحة حول الإسلام، وتناقلتها الكتب والمحاضرات، وبدأت أفهام الناس تتغير حول طبيعة الدين ... كل هذا قد تم خلال القرن الرابع عشر الهجري (القرن العشرين) خاصة في نصفه الأخير ...\nإلا أنه في السنوات القليلة الماضية، ومع انتشار الفضائيات والشبكة العنكبوتية ازداد الأمر وضوحًا، وتصححت مفاهيم كثيرة في أذهان الناس، وإن أردت دليلًا على ذلك فاجلس مع أي مجموعة تقابلك من جيرانك أو أقاربك أو زملائك، وافتح باب النقاش حول موضوع من الموضوعات المطروحة على الساحة مثل سبب تخلف الأمة، أو خطورة دور اليهود، أو الأمراض الاجتماعية المنتشرة في مجتمعنا، ستسمع بلا شك كلامًا رائعًا، وحلولًا جيدة ...\nإذن فما هي مشكلتنا؟\nالمشكلة أن هذا الفهم الجيد لقضايا الأمة لا يتفق في الغالب مع سلوك هؤلاء الأفراد الذين يتحدثون ويشخصون مكامن الداء، فالقول في وادٍ والعمل في وادٍ آخر، والفجوة واضحة بين العلم والعمل، والفكر والسلوك، والفهم والتطبيق ... ولا يُخطئ من يقول بأن الكم الهائل من برامج الإصلاح التي تُقدَّم للأمة عبر الفضائيات وغيرها من وسائل الإعلام المختلفة تكفي لصلاح الأجيال حتى قيام الساعة ..\nإذن فالمشكلة الآن ليست في التوجيهات أو النصائح ... المشكلة في التطبيق لهذه الأمور ...\nالكثير يعلم مواصفات الزوج الناجح، أو الأب الناجح، أو الجار الناجح، لكنه لا يستطيع أن يكون كذلك، وصدق من قال:\nغاض الوفاء وفاض الغدر واتسعت ... مسافة الخُلف بين القول والعمل\nفما السبب؟!\nالسبب أن الفرد يسمع التوجيهات ويتمنى تنفيذها لكنه لا يجد قوة تدفعه لتطبيقها ..\nهو مقتنع تمام الاقتناع بما يسمع، لكنه لا ينفذ، وكأن شيئًا داخليًا يثبطه ويقعده ... وإذا ما وجد همة وعزيمة في لحظة ما للتطبيق، فإنه قد يفتقد تلك العزيمة والهمة في لحظات أخرى كثيرة، بل في سائر حياته.","vol":"1","page":18},{"text":"معنى ذلك أن المشكلة في هذا العصر ليست في العلم والفهم بقدر ما هي في العمل والتطبيق، فصلاح الفرد الذي ينطلق من خلاله مشروع نهضة الأمة لن يتم إلا بالعمل، وفي نفس الوقت هناك تثاقل شديد تجاه العمل ... فما الحل؟\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>محاولات:</span>\nومع اتجاه العلماء والمصلحين إلى مخاطبة أفراد الأمة بضرورة العمل، وكثرة حديثهم بصيغة: علينا أن نفعل كذا ... لابد أن نقوم بكذا وكذا ...، إلا أن الحديث في الغالب لا يتطرق إلى كيفية استنهاض الهمم وتقوية العزائم للقيام بهذه الأعمال بصورة دائمة.\nنعم، هناك محاولات تُبذل في هذا الاتجاه، ولكنها في الغالب تعمل على شحذ همة الأفراد بصورة وقتية من خلال الحديث المؤثر الذي يخاطب المشاعر، ويدفع للسلوك فتتحسن أحوال وأفعال الفرد بعد سماعه لهذا الحديث المؤثر، لكنه يعود لسابق عهده بعد انتهاء تأثيره.\nهذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فقد ازداد في الآونة الأخيرة الحديث عن المهارات الإدارية والمتابعة كعنصر فعال وضامن قوي لتنفيذ الواجبات، وبالفعل فكلما قويت المتابعة وكانت لصيقة بالفرد ازدادت درجة تنفيذه للأعمال التي تطلب منه، ولكن لأن الدافع للعمل في الغالب لا ينبع من داخله فقد أصبحت الأعمال تُؤَدى بلا روح أو بصورة آلية، مما أدى إلى تحسن الشكل دون المضمون، والدليل على ذلك هو الواقع، والمعاملات، والتي تدل على أن هناك حلقة مفقودة، وأن الجهد الكبير الذي يُبذل في التعليم والتوجيه والمتابعة لا يقابله أثر إيجابي ملحوظ في السلوك، كل ذلك يحدث لأن الدافع الذي يدفع المرء للقيام بالعمل دافع خارجي وليس داخليًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>ضامن التنفيذ:</span>\nإن المعاني الإصلاحية الجيدة والفهم الصحيح لكثير من مسائل الدين التي أصبحت شائعة الآن بين المسلمين - مع أهميتها - إلا أنها لا تكفي وحدها لإحداث التغيير داخل الفرد ومن ثمَّ عودة الأمة إلى الله، بل لابد أن يواكبها وجود ضامن وطريقة تتكفل بتنفيذها.\nهذا الضامن إما خارجي أو داخلي.\nالضامن الخارجي يكون من خلال التوجيه وشحذ الهمم، وكذلك من خلال قوة المتابعة، وهذا وحده لا يكفي لاستمرارية الفرد في التنفيذ لأنها مرتبطة باستمرار التوجيه والمتابعة في كل وقت، وهذا من المستحيل تحقيقه، ناهيك عن الأداء الشكلي الذي سيصاحب التنفيذ، ومن ثمَّ تظل الفجوة قائمة بين الواجب والواقع ...\nمعنى ذلك أنه لابد أن يكون الضامن الذي يضمن تنفيذ التوجيهات والتوصيات نابعًا من داخل الفرد، دافعًا له دومًا إلى التنفيذ طمعًا في نيل رضا الله ومثوبته.\nوصدق من قال:","vol":"1","page":19},{"text":"لا تنتهي الأنفس عن غيها ... ما لم يكن لها من نفسها دافع\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>الدافع الذاتي:</span>\nإذن فلكي يصبح السر أفضل من العلانية، والأعمال خير من الأقوال ..\nلكي نصل إلى مرحلة الانتباه والإيجابية والتلهف للقيام بأي عمل يرضي الله ﷿، لابد من وجود دافع داخلي وليس خارجيًا .. دافع يدفعنا باستمرار لفعل الصالحات وترك المنكرات ..\nلابد من وجود قوة روحية تتولد باستمرار داخلنا، تضبط تصرفاتنا، وتحثنا على فعل الخيرات وتطبيق التوصيات التي تُلقى على مسامعنا ..\nومما لاشك فيه أن هذه القوة الروحية التي تحول الواجب إلى واقع، وتزيل الفجوة بين العلم والعمل، وتدفع الفرد إلى الفعل من تلقاء نفسه تحتاج إلى مصدر يقوم بتوليدها باستمرار داخل كيانه.\nمعنى ذلك أننا لو استطعنا الوصول لمصدر ومنبع متجدد لتلك القوة، فإن هذا من شأنه أن يقلل من الجهد المبذول، وفي نفس الوقت يزيد من الإنتاج كمًّا وكيفًا، وهذا ما فعله محمد ﷺ بنجاح باهر مع الجيل الأول كما سنبين بمشيئة الله.\nفما هو هذا المصدر وأين نجده؟!\nلنتفق أولًا على معنى القوة الروحية، والمطلوب منها ثم ننتقل بفضل الله وعونه للتعرف على مصدر توليدها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>ما المقصود بالقوة الروحية</span>؟\nالمقصود بالقوة الروحية هي العزيمة التي تتولد داخل الفرد، والحالة التي تسيطر عليه عندما تتجاوب مشاعره مع أمر من الأمور، فيشعر وكأن شيئًا من داخله يدفعه للقيام بفعل ما.\nفعندما يستمع المرء إلى موعظة بليغة تتحدث عن ضرورة الإنفاق في سبيل الله، وعن الخير والثواب الذي يعود على المنفق في الدنيا والآخرة، تجده وقد تجاوبت مشاعره مع ما يسمعه، وتولدت داخله عزيمة تقوده ربما لإخراج كل ما في جيبه في تلك اللحظة.\nوعندما يرى الواحد منا وهو يسير في طريقه رجلًا يقوم بضرب ولد صغير، والولد يجهش بالبكاء ويسترحم المارة ليكفوا بأس الرجل عنه، فإنه من المتوقع أن تستثار المشاعر وتتولد تلك القوة والعزيمة داخل النفس لتنتج تحركًا تجاه الحدث، ومحاولة لدفع الظلم عن الولد.\nفالقوة الروحية إذن هي تلك الطاقة والعزيمة المتولدة من التأثير على مشاعر الإنسان، والتي من شأنها أن تدفعه للعمل.\nهذه القوة تتولد بالفعل داخلنا وتدفعنا للعمل، ولكن ليس بصورة دائمة، فمشاهدة مناظر مأساوية، أو رؤية فقير يتلوى من الجوع، أو قراءة في كتاب من كتب الرقائق ... كل ذلك من شأنه أن يهز مشاعرنا، وقد يدفعنا للبكاء والعمل ولكن بصورة وقتية، يعود المرء بعد انتهاء تأثيرها إلى سابق عهده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-22>المطلوب من القوة الروحية:</span>\nإذن لكي نستمر في حالة التوهج والانتباه ومن ثمَّ القيام بالأعمال المطلوبة منا بذاتية وتلقائية، لابد أن تتولد داخلنا تلك القوة الروحية بصورة دائمة ومستمرة ...\nفكيف يتم ذلك؟!\nكيف يتم ذلك وقد خلصنا مما سبق بيانه أنه لابد من أن يكون الدافع الذي يدفع المرء للقيام بالعمل المطلوب منه دافعًا ذاتيًا ينبع من داخله بصورة أساسية؟!\nأي أن القوة الروحية المطلوبة ينبغي أن توفر باستمرار هذا الدافع الذاتي ..\nمعنى ذلك أننا بحاجة إلى نبع متجدد، ومصدر دائم لتوليد تلك القوة والدافع الذاتي لدى الأفراد.\nالمواصفات المطلوبة:\nولأننا نتحدث عن أمر يخص نهضة الأمة جمعاء، والذي ينطلق من صلاح الفرد، فلابد أن يكون مصدر تحصيل تلك القوة الروحية متاح للجميع ... الرجل والمرأة، العالم وغير العالم، العربي والأعجمي، ...\nولابد أن يكون هذا المصدر مجمع عليه من سائر أفراد الأمة وليس محل خلاف بينها، وأن يكون من مواصفاته كذلك ألا يمل منه أحد، وأن يكون لديه القدرة - بإذن الله - على التعامل مع المستويات المختلفة لأفراد الأمة في كل زمان ومكان ...","vol":"1","page":20},{"text":"فما هو هذا المصدر الفريد الذي يجمع بين هذا كله؟!\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>نحتاج إلى معجزة:</span>\nلو نظرنا إلى المواصفات التي ينبغي أن تتوافر في المصدر المطلوب لتوليد القوة الروحية لوجدناها مواصفات غير عادية، وقد يتجه التفكير إلى أن هذا المصدر شيء خارق لا يمكن وجوده، فهو أقرب إلى الخيال منه إلى الواقع ...\nنعم، لا يوجد مصدر لديه القدرة على القيام بهذا الدور الخطير إلا إذا كان شيئًا معجزًا، خارقًا للعادة، ذا قوة تأثيرية جبارة ومستمرة ..\nنعم، أخي القارئ نحتاج إلى معجزة تقوم بهذا الدور، فأين تلك المعجزة؟\nلنفكر سويًا في الأمر ... فالأمة لن ينصلح حالها إلا بصلاح أفرادها وعودتهم إلى الله، وصلاح الأفراد مرتبط بوجود دافع ذاتي يدفعهم لفعل ما يكلفون به من توجيهات وتوصيات ليصبح العمل قرينًا للعلم، والدافع الذاتي يحتاج إلى مصدر لتوليده باستمرار، ذلك المصدر ينبغي أن يسع الجميع وألا يختلف عليه اثنان و...\nفهل سيتركنا الله هكذا دون هذا المصدر أو تلك المعجزة؟\nهل سيتركنا الله هكذا وهو الودود الرحيم الذي يريد لنا الخير؟ ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلاَئِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب:٤٣].\nيقينًا أنه سبحانه ما كان ليترك عباده هكذا يتخبطون ويدورون بلا فائدة حول أنفسهم، وقد كتب على نفسه الرحمة، وأعلمنا أنه رءوف، رحيم، ودود، كريم ...\nمن المؤكد أنه ﷾ لن يحرمنا من تلك المعجزة التي ستؤدي هذا العمل المطلوب وتتوافر فيها المواصفات المشار إليها آنفًا وغيرها وغيرها ...\nفأين هي هذه المعجزة؟ وهل هي موجودة بالفعل أم علينا أن نتحرق شوقًا لقدومها؟\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>إنه القرآن العظيم:</span>\nلو فكرنا سويًا في هذا الأمر، وتذكرنا فضل الله الدائم على عباده، لوجدنا أنفسنا أمام حقيقة واضحة وهي أنه لابد وأن تكون هذه المعجزة موجودة بيننا بالفعل.\nنعم ... قد تكون كذلك لكننا لا نعرفها أو لا ندرك قيمتها، ولا نتعامل معها على حقيقتها ولكنها بالتأكيد موجودة ... فما هي تلك المعجزة؟!\nلو تفكرنا في المعجزات السابقة لوجدناها مرتبطة بزمان محدد، أو بحالة محددة، أو بشخص محدد كعصا موسى، وناقة صالح، وإحياء عيسى للموتى بإذن الله.\nكل هذه المعجزات مرتبطة بأصحابها من الرسل، إلا معجزة واحدة اختص الله بها أمتنا الإسلامية، فلم يجعلها ﷾ تخص زمانًا بعينه أو ترتبط بشخص الرسول ثم تنتهي بوفاته، بل جعلها صالحة لكل زمان ومكان حتى قيام الساعة ... ألا وهي القرآن العظيم ... وقد تكفل -سبحانه- بحفظه من التحريف والتبديل لتستمر معجزته في القيام بدورها الخطير في تغيير الأفراد، وبث الروح فيهم، وتوليد القوة الروحية والدافع الذاتي داخلهم باستمرار في أي زمان ومكان ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى:٥٢].\nتعرف بنفسك على المعجزة:\nلعلك أخي القارئ متعجب بأن ما نبحث عنه موجود بيننا ...\nلعل الأفكار تراودك من بساطة هذا الحل وسهولته وقربه منا ..\nنعم، لك بعض العذر في ذلك، كيف لا وقد هجرنا هذه المعجزة، وورثنا تعاملًا خاطئًا معها جعلنا نحصرها في أذهاننا داخل نطاق التقديس الشكلي فقط، مما حرمنا الانتفاع بها، لذلك أدعوك - أخي - إلى أن تبحث في القرآن عن الآيات التي تتحدث عن القرآن وتسجلها بقلمك ثم تنظر إليها بعد ذلك، وتُخرج منها مواصفات وقوة تأثير ومجالات عمل هذا الكتاب ...","vol":"1","page":21},{"text":"افعل ذلك بنفسك لتدرك بعضًا من حجم هذه المعجزة، وأنها هي التي نبحث عنها، وهي التي نريدها تمامًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>مظاهر قوة تأثير القرآن:</span>\nلقد أنزل الله القرآن من السماء ليكون كتاب هداية وشفاء وتقويم وتغيير لكل من يُحسن الإقبال عليه، ويدخل في دائرة تأثير معجزته ...\nتأمل معي تلك الآية التي تصف لنا صورة من صور تأثير القرآن ومخاطبته للمشاعر وتوليده للقوة الروحية ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ﴾ [الزمر: ٢٣].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>هذا القرآن </span>الذي بين أيدينا له قوة تأثير هائلة لا يمكن للعقل أن يدرك أبعادها أو يحيط بها، ولقد ضرب الله لنا بعض الأمثلة التي تبين ذلك لندرك قيمة المعجزة التي بين أيدينا ... انظر إلى قوله تعالى ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾ [الرعد:٣١]. (١) وجواب الشرط محذوف وتقديره: لكان هذا القرآن ...\nفالآية تخبرنا بأن القرآن قادر - بإذن الله - على أن يُحرك الجبال من مكانها، ويُقطِّع الأرض، ويُكلم الموتى ... فأي قوة هذه التي تستطيع أن تحرك جبلًا من مكانه، أو تقطع الأرض فتجعلها منفصلة عن بعضها، بل وتكلم الموتى فيستجيبون؟! إنها بلا شك قوة لا يمكن للعقل البشري أن يحيط بها أو يدرك أبعادها.\nفإن كانت تستطيع أن تفعل ذلك كله - بإذن الله - فماذا عساها أن تفعل بي وبك إن دخلنا إلى دائرة تأثيرها؟!\nلقد بلغ من قوة تأثير القرآن أنه شيَّب شعر رسول الله ﷺ، فهذا أبو بكر ﵁ يقول لرسول الله ﷺ: يا رسول الله قد شبت، فقال ﷺ: «شيبتني هود، والواقعة، والمرسلات، وعم يتساءلون، وإذا الشمس كورت». (٢)\nهذا القرآن:\nهذا القرآن جعل قلب الجبير بن مطعم كاد يطير عندما استمع إلى بعض آياته ... ففي البخاري عن محمد بن جبير عن أبيه - ﵁ - قال: سمعت رسول الله ﷺ يقرأ في المغرب بالطور، وذلك أول ما وقر الإيمان في قلبي (٣) .. وفي رواية: فلم بلغ هذه الآية ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ - أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لاَّ يُوقِنُونَ - أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ﴾ كاد قلبي أن يطير (٤).\nهذا القرآن وقوة تأثيره واستحواذه على المشاعر وسيطرته عليها هو الذي جعل رسولنا ﷺ يردد في قيامه طيلة الليل قوله تعالى: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة:١١٨].\n_________\n(١) يقول الحافظ ابن كثير في تفسيره لهذه الآية: يقول تعالى مادحًا للقرآن الذي أنزله على محمد ﷺ ومفضلًا له على سائر الكتب المنزلة قبله ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ﴾ أي لو كان في الكتب الماضية كتاب تسير به الجبال عن أماكنها، أو تقطع به الأرض وتنشق، أو تكلم به الموتى في قبورها، لكان هذا القرآن هو المتصف بذلك دون غيره.\nوجاء في سبب نزول هذه الآية أن كفار مكة قالوا لمحمد ﷺ: لو سيرت لنا جبال مكة حتى تتسع، فنحرث فيها، أو قطعت لنا الأرض كما كان سليمان يقطع لقومه بالريح، أو أحييت لنا الموتى كما كان عيسى يحيي الموتى لقومه، فأنزل الله هذه الآية.\n(٢) صحيح، رواه الترمذي وصححه الألباني في صحيح الجامع (٣٧٢٣).\n(٣) رواه البخاري رقم (٣٧٩٨).\n(٤) رواه البخاري رقم (٤٥٧٣).","vol":"1","page":22},{"text":"قوة تأثير هذه المعجزة الجبارة هي التي جعلت عبَّاد بن بشر يتحمل ألم إصابته بالسهام الثلاثة، التي أطلقها عليه أحد المشركين وهو قائم يصلي ويتلو آيات القرآن، فلم يقطع قراءته إلا خشية تعرض المسلمين للخطر وذلك في غزوة ذات الرقاع ..\nهذا القرآن استمع إليه نفر من النصارى الذين يبحثون عن الهُدى فماذا حدث لهم؟\n﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة:٨٣].\nوليس هذا في عالم الإنس فقط، فحين استمع إليه نفر من الجن كان قولهم: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا - يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ ...﴾ [الجن: ١ - ٢].\nإنه شيء لا يمكن للعقل للبشري القاصر أن يدرك أبعاده ومدى قوة تأثيره ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللهِ وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر: ٢١].\nإذن فالقرآن الذي بين أيدينا هو الذي تحتاج إليه الأمة جمعاء، ليكون بمثابة المصدر والمولد للطاقة والقوة الروحية بقدرته الفذة على التأثير في المشاعر.\nالقرآن وحقائقه التي بينها رسول الله ﷺ هو الذي يصلح لكي يكون بداية قوية لنهضة الأمة .. ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل:٨٩].\nأخي ..\nيقول لنا ربنا: ﴿أَوَ لَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت:٥١].\nفبماذا نجيبه؟!\nنعم يا رب يكفينا، يكفينا «سمعنا وأطعنا».\nولقد أدرك الإمام المجدد حسن البنا ﵀ هذه الحقيقة تمامًا، وجعلها غاية في حركة هذه الجماعة ... تأمل قوله: أنتم روح جديد يسري في جسد هذه الأمة ليحييها بالقرآن.\n* * *","vol":"1","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-27>الفصل الرابع\nلماذا القرآن هو سر نهضتنا</span>؟\n- أولًا: القرآن اختيار الله لعباده أجمعين.\n- ثانيًا: القرآن يجمع بين الرسالة والمعجزة.\n- ثالثًا: القرآن يخاطب الفكر والعاطفة.\n- رابعًا: القرآن يولد باستمرار القوة الروحية.\n- خامسًا: القرآن ميسر للذكر والفهم.\n- سادسًا: القرآن هو الكلمة السواء التي لا يختلف عليها اثنان.\n- سابعًا: القرآن عبادة متجددة لا تُمل.\n- ثامنًا: القرآن وسيلة مجربة.\n- تاسعًا: القرآن هو وصية الرسول ﷺ بأنه المخرج من الفتن.","vol":"1","page":24},{"text":"لماذا القرآن هو سر نهضتنا؟\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>تمهيد:</span>\nعندما نقول - بعون من الله - إن القرآن هو سر نهضة هذه الأمة، وأنه مخرجها الآمن من النفق المظلم الذي تسير فيه، وأنه قادر - بإذن الله- على بث الروح في جسدها، ومعالجة نقاط ضعفها، وإعادة ما سُلب من أمجادها، فإن هذا القول لا يأتي من فراغ، بل تُؤيده شواهد وأسباب كثيرة نذكرها لك -أخي القارئ- لعلها تشحذ الهمم وتقوي العزائم للانطلاق الصحيح نحو هذا الكنز المهجور، وهي على سبيل الإجمال:\nأولًا: القرآن اختيار الله لعباده أجمعين.\nثانيًا: القرآن يجمع بين الرسالة والمعجزة.\nثالثًا: القرآن يخاطب الفكر والعاطفة في آن واحد.\nرابعًا: القرآن لديه القدرة - بإذن الله - على الاستثارة الدائمة للمشاعر والضرب على أوتار القلوب، وتوليد القوة الروحية.\nخامسًا: القرآن ميسر للذكر والفهم.\nسادسًا: القرآن هو الكلمة السواء التي لا يختلف عليها اثنان.\nسابعًا: القرآن عبادة متجددة لا تُمل.\nثامنًا: القرآن وسيلة مجربة.\nتاسعًا: القرآن هو وصية الرسول ﷺ بأنه المخرج من الفتن.\nولننتقل بعد هذا الإجمال إلى الحديث عن تلك الأسباب بشيء من التفصيل.","vol":"1","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-29>أولًا: القرآن هو اختيار الله لعباده أجمعين</span>\nالله ﷿ هو الرب الذي يُربِّي عباده ويتعاهدهم، ويمدهم بما يحتاجون إليه من سائر الإمدادات كالطعام والشراب والهواء والحفظ والرعاية ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ - يُنبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل:١٠، ١١].\nهذا الرب العظيم يحب عباده جميعًا ويريد لهم الخير والنجاح في الاختبار الذي نزلوا إلى الأرض لتأديته ... يريد لهم جميعًا دخول الجنة ﴿وَاللهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٢١].\nوكيف لا يكون الأمر كذلك وقد اختص الإنسان لنفسه، وكرمه على سائر خلقه ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء:٧٠].\nولأنه سبحانه هو الذي خلق الإنسان ويعلم عنه أكثر مما يعلم هذا الإنسان عن نفسه ﴿أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤]، فلقد علم - سبحانه- بحاجة هذا الإنسان إلى دواء يشفيه، ويبصره بطريق الهدى، ويُولد لديه الطاقة والعزيمة للسير في هذا الطريق، فهيأ له دواء فريدًا يصلح له حتى قيام الساعة ... فكان القرآن ﴿تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [فصلت:٢].\nوالأمر اللافت للانتباه أن هناك العديد من الآيات القرآنية التي تؤكد لنا هذا المعنى وتخبرنا بأن القرآن «تنزيل من رب العالمين».\nفرب العالمين، المربي للبشر جميعًا هو الذي أنزل لهم القرآن.\nفالقرآن هو اختيار الله لعباده أجمعين ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس:٥٧].\nوفي هذا المعنى يقول سيد قطب - ﵀ -:\nإن هذه البشرية - وهي من صنع الله -لا تفتح مغاليق فطرتها إلا بمفاتيح من صنع الله، ولا تعالج أمراضها وعللها إلا بالدواء الذي يخرج من يده - سبحانه - وقد جعل في منهجه وحده مفاتيح كل مغلق، وشفاء كل داء: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢] ... ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩].\nولكن هذه البشرية لا تريد أن ترد الآلة إلى صانعها، ولا أن تذهب بالمريض إلى بارئه، ولا تسلك في أمر نفسها، وفي أمر إنسانيتها وفي أمر سعادتها أو شقوتها، ما تعودت أن تسلكه في أمر الأجهزة والآلات المادية الزهيدة التي تستخدمها في حاجاتها اليومية الصغيرة ... وهي تعلم أنها تستدعي لإصلاح الجهاز مهندس المصنع الذي صنع الجهاز ... ولكنها لا تطبق هذه القاعدة على الإنسان نفسه فترده إلى المصنع الذي منه خرج، ولا أن تستفتي المبدع الذي أنشأ هذا الجهاز الإنساني العظيم الكريم الدقيق اللطيف، الذي لا يعلم مساربه ومداخله إلا الذي أبدعه وأنشأه: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ - أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِير﴾ [الملك: ١٣، ١٤] (١).\n* * *\n_________\n(١) في ظلال القرآن .. المقدمة.","vol":"1","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-30>ثانيًا: القرآن يجمع بين الرسالة والمعجزة:</span>\nالقرآن دون غيره من الكتب السماوية السابقة يجمع بين أمرين عظيمين: الرسالة والمعجزة ..\nفالرسالة القرآنية شأنها شأن الكتب السابقة تدل الناس على الله، وتهديهم إلى الطريق الموصل إليه، وتبين لهم العقبات والمنعطفات التي قد تقابلهم وكيف يتجاوزونها ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة:١٨٥].\nولقد كانت هذه وظيفة الإنجيل أيضًا ﴿وَآتَيْنَاهُ الإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ﴾ [المائدة:٤٦].\nوكذلك التوراة وسائر الكتب ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ [المائدة:٤٤].\nولكن هل معرفة الطريق وحدها تكفي لسلوك المرء له، أليس هناك عقبات داخل الإنسان تحول بينه وبين السير في طريق الهدى؟\nأليس الهوى وسطوته على القلب له دور كبير في تثبيط الإنسان وإقعاده عن السير في طريق الله؟\nمن هنا تظهر عظمة القرآن وأفضليته على سائر الكتب السابقة، فلقد أودع الله فيه معجزة خارقة، أعظم بكثير من معجزات عيسى وموسى وصالح وسائر الرسل والأنبياء السابقين عليهم أفضل الصلوات والتسليم.\nإن المعجزة القرآنية الخارقة ليست فقط في بلاغته وخلوده وحفظه من التحريف، وليست فقط في صلاحية القرآن لكل زمان ومكان، بل إنها فوق ذلك بكثير، فسرُّ المعجزة القرآنية يكمن في قدرته الفذة - بإذن الله - على التغيير، وبث الروح والحياة الحقيقية، وتوليد الطاقة فيمن يحسن الإقبال عليه ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى:٥٢].\nالمعجزة القرآنية تقوم بتوصيل تيار الحياة إلى القلب فيفيق من غفلته، ويحيا بعد موته، وينطلق إلى ربه ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا﴾ [الأنعام:١٢٢].\nولئن كانت الرسالة القرآنية توضح للناس الطريق الموصل إلى الله، فإن المعجزة القرآنية تقوم بأخذ أيديهم إلى هذا الطريق، وتسير بهم، وتقودهم، وتتولى إخراجهم من الظلام الذي يعيشون فيه إلى نور الله المبين في الدنيا، والجنة في الآخرة.\nوهناك العديد من الآيات التي تبين هاتين الوظيفتين، منها ما جاء في سورة المائدة ﴿قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ - يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ﴾ [المائدة: ١٥، ١٦].\nفهنا توضح الآيات وظيفة القرآن كرسالة هادية، أما وظيفته كمعجزة فتوضحها بقية الآية ﴿وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٦].\nفالإخراج من الظلام ... من المكان الذي ألفه الإنسان يحتاج إلى قوة دافعة، وطاقة تتولد داخله تُيسِّر له اتخاذ قرار النهوض والخروج مما تعود عليه ... وهذه هي وظيفة المعجزة القرآنية، والتي اختصه الله بها ... قال ﷺ: «مَا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ نَبِيٌّ إِلا أُعْطِيَ مَا مِثْلهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُ وَحْيًا أَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَيَّ، فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (١).\nيعلق الحافظ ابن كثير على هذا الحديث فيقول: معناه أن معجزة كل نبي انقرضت بموته، وهذا القرآن حجة باقية على الآباد لا تنقضي عجائبه، ولا يخلق عن كثرة الرد ..\nفإنه ليس ثمَّ حجة ولا معجزة أبلغ ولا أنجع في العقول والنفوس من هذا القرآن، الذي لو أنزله الله على جبل لرأيته خاشعًا متصدعًا من خشية الله (٢).\n* * *\n_________\n(١) صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ (٤٥٩٨).\n(٢) تفسير القرآن العظيم لابن كثير ٢/ ٤٧١.","vol":"1","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-31>ثالثًا: القرآن يخاطب</span>\nالفكر والعاطفة في آن واحد\nمن عجائب القرآن التي ينفرد بها عن غيره أنه يخاطب الفكر والعاطفة معًا وفي آن واحد، يخاطب العقل فيقنعه بما يريد إقناعه به، وفي نفس الوقت يتسرب هذا الخطاب إلى المشاعر فيستثيرها ويدفعها للتجاوب معه فتتحول القناعة العقلية إلى إيمان قلبي، وهذا لا يمكن حدوثه مع أي خطاب آخر.\nفأهل الرأي إذا ما أرادوا أن يقنعوا الناس بفكرة ما استخدموا أساليب الإقناع المختلفة، وبالفعل يقتنع العقل، ولكن تظل هذه الفكرة حبيسة فيه، ولا تنتقل إلى القلب لتصبح إيمانًا يدفع للعمل بمقتضاها، والسبب في ذلك أنهم لم يخترقوا القلب بفكرتهم، ولم يؤثروا على المشاعر وهذا أمر بعيد المنال عنهم، فإمكاناتهم وإمكانات البشر جميعًا لا تسمح بذلك.\nوفي هذا المعنى يقول د. محمد عبد الله دراز - ﵀-:\nوفي النفس الإنسانية قوتان: قوة تفكير وقوة وجدان، وحاجة كل واحدة منهما غير حاجة أختها، فأما إحداهما فتنقب عن الحق لمعرفته، وعن الخير للعمل به، وأما الأخرى فتسجل إحساسها بما في الأشياء من لذة وألم، والبيان التام هو الذي يوفي لك هاتين الحاجتين ويطير إلى نفسك بهذين الجناحين، فيؤتيها حظها من الفائدة العقلية والمتعة الوجدانية معًا.\nفهل رأيت هذا التمام في كلام الناس؟\nلقد عرفنا كلام العلماء والحكماء، وعرفنا كلام الأدباء والشعراء، فما وجدنا من هؤلاء ولا هؤلاء إلا غُلُوًا في جانب، وقصورًا في جانب ... فالذي يفهمك تتناقص قوة وجدانه، والذي يقع تحت تأثير لذة أو ألم يضعف تفكيره. وهكذا لا تقصد النفس الإنسانية إلى هاتين الغايتين قصدًا واحدًا، وإلا لكانت مقبلة مدبرة معًا.\nهذا مقياس تستطيع أن تتبين به في كل لسان وقلم أي القوتين كان خاضعًا لها حين قال أو كتب: فإذا رأيته يتجه إلى تقرير حقيقة نظرية أو وصف طريقة عملية قلت: هذه ثمرة الفكرة.\nوإذا رأيته يعمد إلى تحريض النفس أو تنفيرها، وقبضها أو بسطها، واستثارة كوامن لذاتها أو ألمها، قلت: هذه ثمرة العاطفة، وإذا رأيته قد انتقل من أحد هذين الضربين إلى الآخر ... عرفت بذلك تعاقب التفكير والشعور على نفسه .. وأما إن أسلوبًا واحدًا يتجه اتجاهًا واحدًا ويجمع في يديك هذين الطرفين معًا، كما يحمل الغصن الواحد من الشجرة أوراقًا وأزهارًا وأثمارًا معًا ... فذلك لا تظفر به في كلام بشر، ولا هو من سنن الله في النفس الإنسانية.\nأما الله رب العالمين فهو الذي لا يشغله شأن عن شأن. وهو القادر على أن يخاطب العقل والقلب معًا ﴿الرَّحْمَنُ - عَلَّمَ الْقُرْآنَ - خَلَقَ الإِنْسَانَ - عَلَّمَهُ البَيَانَ﴾ [الرحمن: ١ - ٤].\nوأن يمزج الحق والجمال معًا يلتقيان، وأن يخرج من بينهما شرابًا خالصًا سائغًا للشاربين، وهذا ما تجده في كتابه الكريم حيثما توجهت.\nألا تراه في فسحة قصصه وأخباره لا ينسى حق العقل من حكمة وعبرة؟\nأوَلا تراه في معمعة براهينه وأحكامه لا ينسى حظ القلب من تشويق وترقيق، وتحذير وتنفير، وتهويل وتعجيب، وتبكيت وتأنيب؟ يبث ذلك في مطالع آياته ومقاطعها وتضاعيفها؟","vol":"1","page":28},{"text":"اقرأ مثلًا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة:١٧٨]، وانظر: الاستدراج إلى الطاعة في افتتاح الآية بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا\" وترقيق العاطفة بين الواترين والموتورين في قوله ﴿أَخِيهِ﴾ وقوله ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ وقوله ﴿بِإِحْسَانٍ﴾، والامتنان في قوله تعالى: ﴿تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ والتهديد في ختام الآية.\nثم انظر في أي شأن يتكلم؟ أليس في فريضة مفصلة وفي مسألة دموية؟\nوتتبع هذا المعنى في سائر آيات الأحكام حتى أحكام الإيلاء والظهار.\nففي أي كتاب من كتب التشريع تجد مثل هذا الروح؟\nبل في أي لسان تجد هذا المزاج العجيب؟ تالله لو أن أحدًا حاول أن يجمع في بيانه بين هذين الطرفين ففرق همه ووزع أجزاء نفسه، لجاء بالأضواء المتنافرة ولخرج بثوب بيانه رقعًا ممزقة (١).\nومن نماذج الخطاب المتكامل التي لا يقدر عليه إلا الله والذي يخاطب العقل والوجدان، ويتعرض لقضية غاية في الحساسية دون جرح مشاعر قارئها ذكرًا كان أو أنثى قوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُم مُّلاَقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٢٢٣].\n* * *\n_________\n(١) النبأ العظيم لمحمد عبد الله دراز ١٤٣ - ١٤٦ بتصرف.","vol":"1","page":29},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-32>رابعًا: القرآن لديه القدرة - بإذن الله -\nعلى الاستثارة الدائمة للمشاعر والضرب على أوتار\nالقلوب وتوليد الطاقة والقوة الروحية</span>\nأودع الله في القرآن خاصية عجيبة تساعده على تفعيل معجزته، والقيام بدوره الخطير في توليد القوة الروحية الدافعة للعمل بما يدل عليه، هذه الخاصية هي قدرته الفذة - بإذن الله - على الاستثارة الدائمة للمشاعر.\nونلحظ هذه الخاصية في لفظه وبيانه.\nفبالنسبة للفظه وتأليف حروفه وكلماته نجد أن نَظْمه وجرسه - عندما يُقرأ بترتيل صحيح - له وقع مؤثر غاية التأثير على النفس، فله جمال توقيعي يأخذ بمجامع القلوب؛ من توزيع الحركات والسكنات، والمدَّات والغنات، والاتصالات والسكنات، لا يمكن أن تجده في غيره.\nيقول محمد عبد الله دراز: أول ما يلاقيك ويسترعى انتباهك من أسلوب القرآن الكريم خاصية تأليفه الصوتي في شكله وجوهره.\nدع القارئ المجوِّد يقرأ القرآن يرتله حق ترتيله، ثم انتبذ منه مكانًا قصيًا لا تسمع فيه جرْس حروفه، ولكن تسمع حركاتها وسكناتها، ومدَّاتها وغُنَّاتها، واتصالاتها وسكناتها، ثم الق سمعك إلى هذه المجموعة الصوتية، وقد جُرِّدت تجريدًا أو أرسلت ساذجة في الهواء. فستجد نفسك منها بإزاء لحن غريب عجيب لا تجده في كلام آخر لو جُرِّد هذا التجريد، وجوِّد هذا التجويد.\nستجد اتساقًا وائتلافًا يسترعي من سمعك ما تسترعيه الموسيقى والشعر، على أنه ليس بأنغام الموسيقى ولا بأوزان الشعر، ذلك أنك تسمع القصيدة من الشعر فإذا هي تتحد الأوزان فيها بيتًا بيتًا، وشطرًا شطرًا، فلا يلبث سمعك أن يمجها، وطبعك أن يملها، إذا أعيدت وكررت عليك بتوقيع واحد، بينما أنت من القرآن أبدًا في لحن متنوع متجدد، تنتقل فيه بين أسباب وأوتار وفواصل، على أوضاع مختلفة يأخذ منها كل وتر من أوتار قلبك بنصيب سواء، فلا يعروك منه على كثرة ترداده ملالة ولا سأم. بل لا تفتأ تطلب منه المزيد.","vol":"1","page":30},{"text":"هذا الجمال التوقيعي في لغة القرآن لا يخفى على أحد ممن يسمع القرآن حتى الذين لا يعرفون لغة العرب، فكيف يخفى على العرب أنفسهم؟ (١).\nومع جماله التوقيعي يأتي جماله التنسيقي في رصف حروفه وتأليفها من مجموعات مؤتلفة مختلفة (٢) مما يزيد من قوة تأثيره على المشاعر.\nبحر لا ساحل له:\nهذا من ناحية القشرة الخارجية للفظ القرآن، أما ما يخص بيانه ومعانيه وقوة تأثيرها على القلب فلا يمكن لأحد كائنًا من كان أن يدرك أبعادها جميعًا، وإنما هي رشفات نرتشفها من بحر لا ساحل له ...\nفالبيان القرآني يحمل شتى أنواع الأساليب التي تخاطب العاطفة، وتضرب على أوتار القلوب فتستثيرها وتأخذ بمجامعها وترجها رجًا عنيفًا، فيحدث التفاعل وتتولد الطاقة والقوة الروحية وتقوى العزيمة، وتشتد الإرادة للقيام بما تحمله الآيات من توجيهات ...\nفتجد القرآن مليئًا بأساليب الترغيب والترهيب، والتشويق، ولفت الانتباه، وضرب الأمثال، والقصة، والتخيير، والاستدراج، والترقيق، والتنفير، والتحذير، والتشجيع، والإشهاد، والاستشهاد، وإثارة مشاعر الغيرة والتنافس ....\nهذا وغيره تجده بسهولة عند قراءتك لبضع آيات من القرآن، فإذا ما اجتمع في القراءة الترتيل الصحيح حيث التأثر بالنظْم والجرْس، مع التدبر والفهم حيث التأثر بالمعنى .. تولدت القوة الروحية التي ننشدها.\nفإن أردت مثالًا لتأثير التلاوة الصحيحة في المعنى، وما يحدثه من أثر في القلب، وبعد ذلك البدن في الحركة فاقرأ -إن شئت- قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ - قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [المدثر: ١:٢]، وكذلك قوله: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾ [آل عمران: ١٩٣].\nوقل مثل ذلك على إيحاءات ألفاظ: سارعوا - سابقوا - خروا سجدًا وبكيا، وأثر ذلك على القلب والبدن.\n* * *\n_________\n(١) النبأ العظيم ١٢٧ - ١٣١.\n(٢) يقول د. دراز: فإذا ما اقتربت بأذنك قليلًا قليلًا، فطرقت سمعك جواهر حروفه خارجة من مخارجها الصحيحة. فاجأتك منه لذة أخرى في نظم تلك الحروف ورصفها وترتيب أوضاعها فيما بينها: هذا ينقر، وذاك يصفر، وثالث يهمس، ورابع يجهر، وآخر ينزلق عليه النَفَس، وآخر يحتبس عنده النفس. وهلمَّ جرًّا، فترى الجمال اللغوي ماثلًا أمامك في مجموعة مختلفة مؤتلفة: لا كركرة (إعادة الشيء مرة بعد مرة) ولا ثرثرة، ولا رخاوة (استرخاء ولين) ولا معاظلة (تعقيد الكلام) ولا تناكر ولا تنافر (تنافر بين الحروف) وهكذا ترى كلامًا ليس بالحضري الفاتر ولا بالبدوي الخشن، بل تراه وقد امتزجت فيه جزالة البداوة وفخامتها برقة الحضر وسلاستها، وقُدّر فيه الأمر تقديرًا أن لا يبغي بعضها على بعض ... النبأ العظيم ١٣٢ - ١٣٣.","vol":"1","page":31},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-33>خامسًا: القرآن ميسر للذكر والفهم</span>\nمن المزايا العظيمة للقرآن أنه ميسر للذكر ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٧].\nففي أي وقت بالليل أو النهار، وفي أي مكان طاهر يستطيع المرءْ أن يلتقي مع القرآن.\nكان من الممكن أن تكون قراءة القرآن مقصورة على أزمنة محددة أو أماكن معينة كالمساجد مثلًا، لكن الله ﷿ جعل تناوله بهذا التيسير لتتاح الفرصة للجميع أن يلتقوا به في الوقت الذي يروق لهم، وهذا - بلا شك - يعطي للقرآن مزية عظيمة في استيعابه لجميع الأفراد باختلاف ظروفهم وأحوالهم.\nخطاب للعامة وخطاب للخاصة:\nومع تيسر القرآن للقراءة في أي وقت وأي مكان فإنه كذلك ميسر للفهم، فخطابه موجه للعامة والخاصة.\nيقول د. دراز: وهاتان غايتان متباعدتان عند الناس، فلو أنك خاطبت الأذكياء بالواضح المكشوف الذي تخاطب به (العامة) لنزلت بهم إلى مستوى لا يرضونه لأنفسهم في الخطاب.\nولو أنك خاطبت العامة باللمحة والإشارة التي تخاطب بها الأذكياء لجئتهم من ذلك بما لا تطيقه عقولهم، فلا غنى لك - إن أردت أن تُعطي كلتا الطائفتين حظها كاملًا من بيانك - أن تخاطب كل واحدة منها بغير ما تخاطب به الأخرى، كما تخاطب الأطفال بغير ما تخاطب به الرجال.\nفأما أنَّ جملة واحدة تُلقى إلى العلماء والجهلاء، وإلى الأذكياء والأغبياء، وإلى السوقة والملوك، فيراها كل منهم مُقَدّرة على مقاس عقله، وعلى وفق حاجته، فذلك ما لا تجده على أتمه إلا في القرآن الكريم.\nفهو قرآن واحد يراه البلغاء أوفى كلام بلطائف التعبير، ويراه العامة أحسن كلام وأقربه إلى عقولهم، لا يلتوي على أفهامهم، ولا يحتاجون فيه إلى ترجمان وراء وضع اللغة، فهو متعة العامة والخاصة على السواء. ميسر لكل من أراد ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٧].\nالقصد في اللفظ والوفاء بحق المعنى:\nمن وسائل تيسير القرآن للقراءة أنه كتاب موجز مع أن ما يحتويه من معان عظيمة يحتاج عرضها إلى الكثير من المجلدات الضخمة.\nتخيل معي - أخي القارئ - أن القرآن يملأ عدة مجلدات ... هل سيقبل عليه الناس؟ هل سيتسنى لهم قراءته من أوله إلى آخره أم سيهابون ذلك ويتكاسلون عن إتمامه؟!\nهذا الإيجاز المعجز يجمع بين القصد في اللفظ والوفاء بالمعنى، وهذان ضدان لا يمكن أن يجتمعا في أي كلام غير القرآن كما يقول د. دراز: فالذي يعمد إلى ادخار لفظه وعدم الإنفاق منه إلا على حد الضرورة لا ينفك من أن يحيف على المعنى قليلًا أو كثيرًا ... فالحذر يأخذه من الإكثار والإسراف ... يبذل جهده في ضم أطرافه وحذف ما استطاع من أدوات التمهيد والتشويق، ووسائل التقرير والتثبيت، وما إلى ذلك مما تمس إليه حاجة النفس في البيان، حتى يخرجه ثوبًا متقلصًا يقصر عن غايته، أو هيكلًا من العظم لا يكسوه لحم ولا عصب ... ورب حرف ينقص من الكلام يذهب بمائه ورونقة، ويكسف شمس فصاحته.\nوالذي يعمد إلى الوفاء بحق المعنى وتحليله إلى عناصره، وإبراز كل دقائقه لا يجد له بُدًّا من أن يمد في نفسه مدًّا، لأنه لا يجد في القليل من اللفظ ما يشفي صدره، ويؤدي عن نفسه رسالتها كاملة، فإذا أعطى نفسه حظه من ذلك لا يلبث أن يباعد ما بين أطراف كلامه، ويبطئ بك في الوصول إلى غايته فتحسُّ بقوة نشاطك وباعثة إقبالك آخذتين في التضاؤل والإضمحلال (١).\nفإن سرك أن ترى كيف تجتمع هاتان الغايتان على تمامهما بغير فترة ولا انقطاع، فانظر حيث شئت من القرآن الكريم، تجد بيانًا قد قدِّر على حاجة النفس أحسن تقدير، فلا تحس فيه بتخمة الإسراف ولا بمخمصة التقتير.\n_________\n(١) المصدر السابق ١٣٩،١٣٨.","vol":"1","page":32},{"text":"يؤدي إليك من كل معنى صورة نقية وافية: (نقية) لا يشوبها مما هو غريب عنها، (وافية) لا يشذ عنها شيء من عناصرها الأصلية ولواحقها الكمالية ... كل ذلك في أوجز لفظ وأنقاه.\nضع يدك حيث شئت من المصحف، وعد ما أحصته كفك من الكلمات عدًا، ثم أحص عدتها من أبلغ كلام تختاره خارجًا عن الدفتين، وانظر نسبة ما حواه هذا الكلام من المعاني إلى ذاك. ثم انظر: كم كلمة تستطيع أن تسقطها أو تبدلها من هذا الكلام دون إخلال بغرض قائله؟ وأي كلمة تستطيع أن تسقطها أو تبدلها هناك؟\nفكتاب الله - كما يقول ابن عطية - (لو نُزعت منه لَفظة، ثم أدير لسان العرب على لفظة أحسن منها لم توجد). بل هو كما وصفه الله ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود:١] (١).\nالقرآن إيجاز كله:\nالقرآن إيجاز كله، سواء مواضع إجماله ومواضع تفصيله، والقرآن يستثمر دائمًا برفق أقل ما يمكن من اللفظ في توليد أكثر ما يمكن من المعاني ... أجل، تلك ظاهرة بارزة فيه كله، يستوي فيها مواضع إجماله التي يسميها الناس مقام الإيجاز، ومواضع تفصيله التي يسمونها مقام الإطناب، ولذلك نسميه إيجاز كله ... فليس فيه كلمة إلا هي مفتاح لفائدة جليلة، وليس فيه حرف إلا جاء لمعنى (٢).\n* * *\n_________\n(١) النبأ العظيم، ١٤٢،١٤١.\n(٢) المصدر السابق ١٥٩،١٥٨.","vol":"1","page":33},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-34>سادسًا: القرآن هو الكلمة السواء\nالتي لا يختلف عليها اثنان من الأمة</span>\nلا يمكن لعاقل أن يُنكر الخلافات الموجودة بين أبناء الأمة الإسلامية، فمن خلاف بين السنة والشيعة، إلى خلاف بين أبناء السنة أنفسهم.\nوالخلاف بين الناس أمر واقع ما له من دافع، لاختلاف البيئات والأفهام والثقافات ...\nوهو محمود لو كان اختلاف تنوع بين الطوائف والمذاهب المختلفة حين يسعى الجميع لتكميل بعضهم البعض.\nوهو محمود لو كان خلافًا في المساحة التي يمكن الخلاف فيها، فالصحابة والسلف اختلفوا فيما بينهم، ولكن لم يختلفوا في الكليات والأصول، بل في الفرعيات.\nوهو محمود كذلك لو لم يصاحبه تعصب واعتداد بالرأي وتسفيه وانتقاص للمخالفين واحتقار جهودهم أو الحط من شأنهم.\nولكن الواقع يقول غير ذلك، فالأمة ليست على قلب رجل واحد، فبعض الخلافات تجاوزت المساحة المسموح بها بكثير.\nوبعض الخلافات انتقل أصحابها من الناحية الموضوعية إلى الناحية الشخصية، فعمدوا إلى تجريح الأشخاص والهيئات والتشهير بهم ...\nومما يدعو للأسف أن الكل يعتقد أنه على صواب، وأن طريقته هي الطريقة المثلى.\nفما هو الحل لهذا الوضع الذي لا يُرضي الله ﷿، والذي بسببه تتعرض الأمة للخذلان والحرمان ﴿وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال:٤٦].\nولقد ذهبت ريحنا بالفعل، وأصبحنا معرَّة الأمم، ومضرب المثل في التخلف والانحطاط.\nالكلمة السواء:\nلحل لهذه المشكلة المعقدة لابد أن يكون هناك شيء يجتمع عليه الجميع ... يرضون به حكمًا يحل هذا الخلاف ويصوب للجميع مواقفهم، فما هو هذا الشيء الذي يمكنه أن يجمع حوله أمة تجاوز عددها المليار وثلث المليار؟!\nلو بحثنا في كل شيء تحت أيدينا فلن نجد إلا شيئًا واحدًا يوافق الجميع على الاحتكام إليه ... ألا وهو القرآن.\nوالعجيب أن الله ﷾ سماه بالحبل، وكأن قدره ووظيفته أن ينتشل الجميع ويرفعهم ويوحدهم ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران:١٠٣].\nفحبل الله هو القرآن كما قال ابن مسعود وغيره.\nومما يؤكد هذا المعنى قوله ﷺ: «كتاب الله هو حبل الله الممدود بين السماء إلى الأرض» (١).\nفالقرآن حين يقبل عليه المرء إقبالًا صحيحًا نازلًا به على هواه، وليس نازلًا بهواه إليه، فإنه يزيد الإيمان ويُنقص الهوى في قلبه، وهذا من شأنه أن يُنهي جزءًا كبيرًا في موضوع الخلاف.\nوالقرآن كذلك يوضح ويبين الكثير من الأمور المختلف فيها، ويرسم في الأذهان خريطة الإسلام بنسبها الصحيحة دون تفريط ولا إفراط، فيُعطي كل ذي حق حقه.\nوالقرآن يبني العلاقة الصحيحة مع الله، ومع النفس، ومع الرسل، ومع الملائكة، ومع الصالحين، ومع عالم الغيب وعالم الشهادة، و...\n_________\n(١) صحيح رواه ابن أبي شيبة، وابن جرير عن أبي سعيد، وصححه الألباني في صحيح الجامع، ح (٤٤٧٣).","vol":"1","page":34},{"text":"وحين تنبنى العلاقة الصحيحة بهذه الأمور يزول الكثير من أسباب الخلاف بين أبناء الأمة.\nفعلى سبيل المثال: عندما يقرأ المرء قوله تعالى مخاطبًا رسوله ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران:١٢٨]، ويجد أن المعنى الذي تحمله الآية يتكرر في عشرات الآيات، ومن ثمَّ يتحول ذلك إلى يقين في عقله، وإيمان في قلبه، فإن هذا يدفعه إلى أن ينظر إلى البشر جميعًا بنفس منظار الآية ... ليس لهم من الأمر شيء مهما كان صلاحهم.\nهذا المعنى لو استقر في عقولنا وقلوبنا فإنه سيؤدي إلى حسم الكثير والكثير من نقاط الخلاف، وأسباب التشرذم والفرقة الناتجة عن تقديس البشر.\n* * *","vol":"1","page":35},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-35>سابعًا: القرآن عبادة متجددة لا تُمل</span>\nالقرآن لا يبلى من كثرة الرد، ففيه الجديد دائمًا لقرائه، ولو نهل البشر جميعًا من نبعه لما انقطع أبدًا عن التدفق، ولما شعر أحدهم بالملل أو التكرار أو عدم وجود جديد، بل العجب أننا سنفاجأ يوم القيامة بأننا ما أخذنا إلا رشفات وقطرات يسيره من نهر القرآن العظيم الفياض بالخير، وصدق من قال بأن القرآن لا يزال بكرًا.\nوفي هذا المعنى يقول د. محمد عبد الله دراز - ﵀ -:\nتقرأ القطعة من القرآن فتجد في ألفاظها من الشفوف، والملاسة، والإحكام، والخلو من كل غريب عن الغرض، ما يتسابق به مغزاها إلى نفسك دون كدّ خاطر ولا استعادة حديث، كأنك لا تسمع كلامًا ولغات بل ترى صورًا وحقائق ماثلة.\nوهكذا يخيل لك أنك قد أحطت به خُبرا ووقفت على معناه محدودًا ...\nهذا ولو رجعت إليه كرة أخرى لرأيتك منه بإزاء معنى جديد، غير الذي سبق إلى فهمك أول مرة. وكذلك حتى ترى للجملة الواحدة أو الكلمة الواحدة وجوهًا عدة، كلها صحيح أو محتمل للصحة، كأنما هي فصّ من الماس يعطيك كل ضلع منه شعاعًا فإذا نظرت إلى أضلاعه جملة بهرتك بألوان الطيف كلها، فلا تدري ماذا تأخذ عينك وماذا تدع.\nولعلك لو وكلت النظر فيها إلى غيرك لرأى منها أكثر مما رأيت. وهكذا تجد كتابًا مفتوحًا مع الزمان يأخذ كل منه ما يُيسَّر له، بل ترى محيطًا مترامي الأطراف لا تَحدّه عقول الأفراد ولا الأجيال.\nثم يضرب الشيخ دراز مثلًا فيقول:\nاقرأ قوله تعالى: ﴿وَاللهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [البقرة:٢١٢]، وانظر هل ترى كلامًا أبيين من هذا في عقول الناس. ثم انظر كم في هذه الكلمة من مرونة، فإنك لو قلت في معناها:\n١ - إنه سبحانه يرزق من يشاء بغير محاسب يحاسبه ولا سائل يسأله لماذا يبسط الرزق لهؤلاء ويقدره على هؤلاء، أصبت.\n٢ - ولو قلت: إنه يرزق بغير تقتير ولا محاسبة لنفسه عند الإنفاق خوف النفاذ، أصبت.\n٣ - ولو قلت: إنه يرزق من يشاء من حيث لا ينتظر ولا يحتسب، أصبت.\n٤ - ولو قلت: أنه يرزقه بغير معاتبة ومناقشة له على عمله، أصبت.\n٥ - ولو قلت: يرزقه رزقًا كثيرًا لا يدخل تحت حصر وحساب، أصبت. (١)\nتقرأ فتؤجر:\nوفوق هذا كله فالقرآن عبادة يُتعبد من خلالها ويُتقرب إلى الله ﷿ بها، مما يدفع بالمسلم إليه ويحببه دومًا في التعامل معه كباب للأجر والثواب، وقربة إلى الله، وهذا لا يتوافر في أي كتاب آخر.\nتأمل هذا القول لرسول الله ﷺ وما يمكن أن يثيره من رغبة لقراءة القرآن:\n«أيحب أحدكم إذا رجع إلى أهله، أن يجد ثلاثَ خِلفاتٍ عظامٍ سمانٍ؟ فثلاث آيات يقرأ بهن أحدكم في صلاته، خير له من ثلاث خلفاتٍ عظامٍ سمان» (٢).\n* * *\n_________\n(١) النبأ العظيم، ١٤٦، ١٤٧.\n(٢) رواه مسلم","vol":"1","page":36},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-36>ثامنًا: القرآن وسيلة ودواء مُجرب</span>\nومما يؤهل القرآن ليكون بداية صحيحة لنهضة الأمة، أنه قد جُرِّب من قبل ... استعمله الجيل الأول على حقيقته فصاروا من خلاله - بإذن الله - خير أمة، وتبدل ترتيبهم بين الأمم من الذيل إلى المقدمة في سنوات معدودة.\nلقد كان حال أمة العرب قبل الإسلام أسوأ بكثير من حالنا الآن، ومع ذلك فقد نفع معهم القرآن وأثر فيهم، وغيَّرهم، وأصلح حالهم، وأعاد صياغتهم من جديد، وهذا - بلا شك - يعطينا الأمل بأن القرآن يصلح معنا - بإذن الله - ويقدر أن يفعل بنا مثل ما فعل بهم.\nويكفيك في هذا أن حزنهم الشديد على وفاة محمد ﷺ لم يكن فقط على فراقه، بل كان على انقطاع نزول القرآن، وانفصال الأرض عن السماء، كيف لا وقد ذاقوا حلاوة الإيمان من خلاله، وأدركوا قيمته وقدرته التغييرية الفذة، وأنه كان يرفعهم ويرقيهم في مدارج الإيمان، ويزيدهم معرفة بالله،\nوارتباطًا به ...\nتأمل معي هذه الواقعة التي تؤكد هذا المعنى:\n«قال أبو بكر، ﵁، بعد وفاة رسول الله ﷺ، لعمر، ﵁: انطلق بنا إلى أم أيمن، نزورها كما كان رسول الله ﷺ يزورها ... فما انتهينا إليها بكت، فقال لها: ما يبكيك؟ ما عند الله خير لرسول الله ﷺ، فقالت: ما أبكى أن لا أكون أعلم أن ما عند الله خير لرسوله ﷺ، ولكني أبكي أن الوحي انقطع من السماء!\nفهيجتهما على البكاء، فجعلا يبكيان معها». (١)\nفالنص - كما يقول د. فريد الأنصاري - دال بوضوح على أن ارتباط الصحابة، إنما كان بالقرآن، الذي هو ربط مباشر بالله، ولم يكن بشخص الرسول ﷺ إلا من حيث هو مبلغ عن الله (٢).\n(ومن ثمّ صح أن نقول: إن القرآن الكريم كان هو الباب المفتوح والمباشر الذي ولجه الصحابة الكرام إلى ملكوت الله، حيث صُنعوا على عين الله ... إنه السبب الوثيق الذي تعلقت به قلوبهم، فأوصلهم إلى مقام التوحيد (الفعلي والحقيقي). (٣)\nولقد دأب رسول الله صلى الله عليه وسلمعلى ترسيخ الارتباط بالقرآن، باعتباره المصدر الأساسي للتربية، والمتتبع لأحاديث الرسول ﷺ يجدها شارحة للقرآن مبينة لما أُجمل فيه، مؤكدة لمعانيه، وهذا ما دفع الشافعي - ﵀ - لأن يقول بأن السُّنة هي: فهم النبي للقرآن، أو نضح فهمه للقرآن (٤).\nأولا يكفينا القرآن؟!\nجاء بعض المسلمين إلى رسول الله ﷺ بكتب قد كتبوها، فيها بعض ما سمعوه من اليهود. فقال رسول الله ﷺ «كفى بقوم حمقا -أو ضلالة- أن يرغبوا عما جاء به نبيهم إليهم إلى ما جاء به غيره إليهم». فنزلت: ﴿أَوَ لَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥١] (٥).\n_________\n(١) أخرجه مسلم في فضائل الصحابة.\n(٢) التوحيد والوساطة في التربية الدعوية، ص (٤٥).\n(٣) المصدر السابق، ص (٤٦).\n(٤) كيف نتعامل مع القرآن لمحمد الغزالي، ص (٤٥).\n(٥) أخرجه الدارمي وأبو داود في مراسيله وابن أبي حاتم ... انظر الدر المنثور.","vol":"1","page":37},{"text":"وأخرج عبد الرزاق والبيهقي عن أبي قلابة أن عمر بن الخطاب ﵁ مر برجل يقرأ كتابًا، فاستمعه ساعة، فاستحسنه، فقال للرجل: اكتب لي من هذا الكتاب، فقال: نعم، فاشترى أديمًا فهيأه ثم جاء به إليه فنسخ له في ظهره وبطنه، ثم أتى النبي ﷺ فجعل يقرأه عليه، وجعل وجه رسول الله ﷺ يتلون، فضرب رجل من الأنصار بيده الكتاب، قال: ثكلتك أمك يا ابن الخطاب أما ترى وجه رسول الله ﷺ منذ اليوم وأنت تقرأ عليه هذا الكتاب، فقال النبي ﷺ عند ذلك: «إنما بعثت فاتحًا وخاتمًا، وأعطيت جوامع الكلم وفواتحه واختصر لي الحديث اختصارًا، فلا يهلكنكم المتهوكون» (١).\nوأخرج ابن الضريس عن الحسن أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: يا رسول الله إن أهل الكتاب يحدثونا بأحاديث قد أخذت بقلوبنا، وقد هممنا أن نكتبها فقال: «يا ابن الخطاب أمتهوكون أنتم كما تهوكت اليهود والنصارى؟ أما والذي نفس محمد بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية، ولكني أعطيت جوامع الكلم، واختُصر لي الحديث اختصارًا» (٢).\nمن هذه النصوص وغيرها يتبين لنا أن رسول الله ﷺ لم يكن يعتمد شيئًا في تربية الصحابة غير القرآن، وسنته المطهرة، باعتبارها شارحة له.\nومن هنا توثق ارتباط الناس بالقرآن في العهد النبوي، ارتباطًا عمق صلة القلوب بربها، إلى درجة أن الصحابة، رضوان الله عليهم، كانوا يتتبعون الوحي، تتبع الملهوف، الحريص على الترقي في مدارج المعرفة بالله والسلوك إليه سبحانه (٣).\nتأمل معي أخي القارئ هذا الخبر الذي يبين كيف كان حال الصحابة مع القرآن، وكيف كانوا يستقبلون توجيهاته وإشاراته:\nنزل رجل من العرب على عامر بن ربيعة، فأكرم عامر مثواه، وكلم فيه رسول الله ﷺ، فجاء الرجل فقال: إني استقطعت رسول الله ﷺ واديًا ما في العرب أفضل منه، ولقد أردت أن أقطع لك منه قطعة تكون لك ولعقبك. فقال عامر: لا حاجة لي في قطيعتك، نزلت اليوم سورة أذهلتنا عن الدنيا ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ١].\nبل انظر إلى مدى تقدير اليهود للقرآن، بل لآية واحدة فيه وهم الذين ينكرونه ويكذبونه ويكذبون رسول الله ﷺ، فقالوا حسدًا من عند أنفسهم: «نزلت عليكم آية لو نزلت علينا معشر يهود لجعلنا يوم نزولها عيدًا يقصدون قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]، لما فيها من فضل وتكريم، فهل شعرنا نحن بهذا التكريم من الله، وقدرناه حق قدره، وقمنا بحقه؟\nالجيل الفريد:\nكان من نتاج ارتباط الصحابة الوثيق بالقرآن، والانصياع التام له، والسماح لمعجزته أن تعمل داخلهم، أن تكونت أمة جديدة وجيلًا فريدًا لم تر البشرية مثله حتى الآن.\nيقول محمد الغزالي - ﵀ -: الأمة التي نزل عليها القرآن فأعاد صياغتها هي المعجزة التي تشهد للنبي ﵇ بأنه أحسن بناء الأجيال، وأحسن تربية الأمم، وأحسن صياغة جيل قدم الحضارة القرآنية للخلق .. فنحن نرى أن العرب عندما قرأوا القرآن، تحولوا إلى أمة تعرف الشورى وتكره الاستبداد، إلى أمة يسودها العدل الاجتماعي ولا يُعرف فيها نظام الطبقات، إلى أمة تكره التفرقة العنصرية، وتكره أخلاق الكبرياء والترفع على الشعوب.\n_________\n(١) الدر المنثور ٥/ ٢٨٤ والمتهوكون أي المتحيرون.\n(٢) المصدر السابق نفسه.\n(٣) التوحيد والوساطة، ص (٤٢).","vol":"1","page":38},{"text":"ووجدنا بدويًا كربعي بن عامر ﵁ يقول لقائد الفرس: جئنا نخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام.\nإنهم فتح جديد للعالم وحضارة جديدة أنعشت الإنسانية ورفعت مكانتها، لأن الأمة الإسلامية كانت في مستوى القرآن الكريم، والحضارة الإسلامية إنما جاءت ثمرة لبناء القرآن للإنسان (١).\nمن ثمارهم تعرفونهم:\nلقد أدركت البشرية، وسجَّل التاريخ حجم التغيير الذي حدث للصحابة وذلك من خلال رصد أعمالهم، التي لا يمكن أن تحدث من أُناس عاديين، فهي أعمال فوق طاقة البشر، ومما يدعو للدهشة أن هذه الأعمال لم تكن قاصرة على عدد محدود من الصحابة، بل كانت سمتًا عامًا لهم جميعًا: رجالًا ونساء ... شبابًا وشيبًا.\nفهذه امرأة تدفع إلى ابنها يوم أحد السيف، فلم يُطق حمله، فماذا فعلت؟!\nهل فرحت وحمدت الله على السلامة وعادت به إلى دارها؟!\nلا، لم تفعل ذلك، بل أحضرت نسعة (سير مضفور) فشدت به السيف على ساعد ابنها، ثم أتت به النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله هذا ابني يقاتل عنك، فقال النبي ﷺ: أي بني احمل ههنا، أي بني احمل ههنا، فأصابته جراحة، فصُرع فأُتي به النبي ﷺ، فقال: أي بني لعلك جزعت؟ قال: لا يا رسول الله. (٢)\nوعندما أراد النبي ﷺ الخروج إلى تبوك دعا الناس للإنفاق وتجهيز الجيش، فتسابق الصحابة إلى إخراج الكثير والكثير من الأموال وكل ما يحتاجه الجيش، فوجد رجلًا من الأنصار اسمه الحجاب ويكنى أبو عقيل أنه لا يملك شيئًا ينفقه، فماذا يفعل وهو يريد أن يساهم في هذا الجهاد، ويُري الله من نفسه خيرًا؟\nفكر وفكر فهداه الله إلى شي عجيب: لقد ذهب وأجَّر نفسه (عمل بالأجرة) عند البعض، وكان العمل هو جر الجرير (الحبل) على ظهره، أما الأُجرة فكانت صاعين من تمر، فترك صاعًا لأهله، وذهب بالآخر لرسول الله ﷺ يقول له: يا رسول الله ما لي من مال غير أني أجرت نفسي من بني فلان، أجُرُ الجرير في عنقي على صاعين من تمر، فتركت صاعًا لعيالي وجئت بصاع أقربه إلى الله تعالى .. (٣)\nفكان وأمثاله ممن قال الله فيهم ﴿وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ﴾ [التوبة:٧٩].\nولما نزلت ﴿مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ قال أبو الدحداح: يا رسول الله، إن الله يريد منا القرض؟ قال: «نعم يا أبا الدحداح» قال: أرني يدك، فناوله يده، قال: قد أقرضت ربي حائطي (بستان) - وحائطه فيه ستمائة نخلة - فجاء يمشي حتى أتى الحائط وأم الدحداح فيه وعيالها، فنادى: يا أم الدحداح، قالت: لبيك، قال: اخرجي فقد أقرضته ربي» (٤).\nوفي رواية: يا أم الدحداح، اخرجي من الحائط فإني قد بعته بنخلة في الجنة؟\nفماذا قالت زوجته؟ هل لامته وعاتبته على فعله؟ هل قالت له: وأين سنذهب، لقد أفقرتنا وأفقرت عيالنا؟!!\nلا، لم تقل له ذلك، بل قالت: ربح البيع (٥).\nوإن تعجب فاعجب من هذا الموقف:\nأخرج ابن سعد في طبقاته عن جعفر بن عبد الله أنه لما كان يوم اليمامة واصطف الناس للقتال كان أول الناس جُرح أبو عقيل الأنيفي، رُمي بسهم فوقع بين منكبيه وفؤاده فَشَطب في غير مقتل، فأخرج السهم ووهن له شقّه الأيسر لما كان فيه، وهذا أول النهار، وجُرَّ إلى الرّحل، فلما حمي القتال وانهزم المسلمون وجازوا رحالهم وأبو عقيل واهن من جُرحه سمع معن بن عدي يصيح بالأنصار: الله الله والكَرَّة على عدوكم.\n_________\n(١) كيف نتعامل مع القرآن، ص (٣٠).\n(٢) كنز العمال ١٠/ ٤٣١.\n(٣) الدر المنثور ٣/ ٤٧٢.\n(٤) حياة الصحابة ٢/ ٢٣.\n(٥) المصدر السابق.","vol":"1","page":39},{"text":"قال عبد الله بن عمر: فنهض أبو عقيل يريد قومه، فقلت: ما تريد يا أبا عقيل؟ ما فيك قتال، قال: قد نوّه المنادي باسمي، قال ابن عمر: فقلت: إنما يقول يا للأنصار لا يعني الجرحى، قال أبو عقيل: أنا رجل من الأنصار وأنا أجيبه ولو حبوا.\nقال ابن عمر: فتحزّم أبو عقيل وأخذ السيف بيده اليمنى مجرّدًا ثم جعل ينادي: يا للأنصار كرَّة كيوم حنين. فاجتمعوا - ﵏ جميعًا- يقدمون المسلمين دُرْبة من دون عدوهم، حتى أقحموا عدوهم الحديقة فاختلطوا واختلفت السيوف بيننا وبينهم.\nقال ابن عمر: فنظرت إلى أبي عقيل وقد قُطعت يده المجروحة من المنكب فوقعت الأرض، وبه من الجراح أربعة عشر جُرحًا كلها قد خلصت إلى مقتل، وقتل عدو الله مسيلمة.\nقال ابن عمر: فوقعت على أبي عقيل وهو صريع بآخر رمق، فقلت: أبا عقيل، فقال لبيك بلسان مُلْتَاث: لمن الدّبْرة؟ قال: قلت أبشر، ورفعت صوتي، قد قُتل عدو الله، فرفع إصبعه إلى السماء يحمد الله، ومات يرحمه الله (١).\n. فماذا تقول بعد ذلك؟!\n* * *\n_________\n(١) طبقات ابن سعد ٣/ ٣٦٢،٣٦١.","vol":"1","page":40},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-37>تاسعًا: القرآن هو المنقذ - بإذن الله-\nوالمُخرج من الفتن الذي دلنا عليه رسول الله ﷺ</span>\nأخبرنا رسول الله ﷺ بأنه ستكون هناك فترات انكسار وهزيمة وفتن ستمر بها الأمة الإسلامية، وأن الأمم الأخرى ستتكالب عليها وتهزمها، وأخبرنا ﷺ بأن السبب وراء ذلك هو حب الدنيا وكراهية الموت، أو بمعنى آخر ضعف الإيمان وسطوة الهوى على القلب.\nعن ثوبان ﵁ أن النبي ﷺ قال: «يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها» فقال قائل: وقلة نحن يومئذ؟ قال: «بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن» فقال قائل: وما الوهن؟ قال: «حب الدنيا وكراهية الموت» (١).\nولقد أخبرنا ﷺ بأن المخرج من هذه الفتن وهذا الوهن هو القرآن، لأنه سيعالج السبب الذي من أجله ضعفت الأمة وهانت على الله.\nعن الحارث الأعور قال: مررت في المسجد فإذا الناس يخوضون في الأحاديث، فدخلت عَلَى عليَّ ﵁ فقلت: يا أمير المؤمنين ألا ترى أن الناس قد خاضوا في الأحاديث؟ قال: أوَ قد فعلوها؟ قلت: نعم.\nقال أما إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ألا إنها ستكون فتنة. فقلت: ما المخرج منها يا رسول الله؟\nقال: كتاب الله فيه نبأ ما كان قبلكم وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، هو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، هو الذي لم تنته الجن إذ سمعته حتى تقول: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا - يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾ [الجن: ١، ٢] من قال به صَدَق، ومن عمل به أُجر، ومن حكم به عَدَل، ومن دعا إليه هُدي إلى صراط مستقيم» (٢)\n_________\n(١) صحيح، أخرجه الإمام أحمد وأبو داود، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ح (٩١٨).\n(٢) أخرجه الترمذي، والدارمي، والبيهقي في الشعب.","vol":"1","page":41},{"text":"ولقد أكد رسول الله ﷺ على هذا المعنى في حديثه لحذيفة بن اليمان حين أخبره بالاختلاف والفرقة بعده، فقد قال حذيفة للرسول ﵊ عندما سمع ذلك: يا رسول الله فما تأمرني إن أدركت ذلك؟ قال: «تعلم كتاب الله ﷿، واعمل به فهو المخرج من ذلك» قال حذيفة: فأعدت عليه ثلاثًا، فقال ﷺ ثلاثًا: «تَعَلَّم كلام الله واعمل به فهو النجاة» (١)\n* * *\n_________\n(١) أخرجه أبو داود، والنسائي، والبيهقي في الشعب، والحاكم في المستدرك وصححه ووافقه الذهبي.","vol":"1","page":42},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-38>الفصل الخامس\nكيف يُمكن للقرآن\nأن ينهض بالأمة</span>؟\n- هجر القرآن.\n- الكتاب الوحيد.\n- الحاضر الغائب.\n- إعادة الثقة في القرآن.\n- التأثر هو الغاية.\n- خطوات عملية مقترحة.","vol":"1","page":43},{"text":"كيف يمكن للقرآن أن ينهض بالأمة؟\nتأكد لدينا أن الأمة بحاجة إلى روح جديدة تُبث في جسدها فتنهض بها وتدفعها للعمل والسعي في مرضاة الله، وتأكد كذلك أن المصدر\nالجامع المتفرد لهذه الروح هو القرآن بما يملكه من مواصفات وخصائص لا تتوافر في غيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-39>هجر القرآن:</span>\nومع كون القرآن قادر بإذن الله على إصلاحنا، وسد الفجوة القائمة بين العلم والعمل، وبث الروح في جسد الأمة إلا أننا لا نرى هذا الأثر في واقعنا، رغم مما نراه من اهتمام كبير به من خلال المطابع الكثيرة التي تقوم بطباعته، والإذاعات التي تبثه ليل نهار، وحلقات التحفيظ والتعليم المنتشرة في المساجد والمدارس، إلا أن هذا كله لم يصاحبه تعامل مع القرآن على حقيقته، ولم يصاحبه استشعار لخطورة الدور الذي يستطيع أن يقوم به في قيادة الأمة وتوجيه الحياة، فلقد هُجرت معجزته، وابتعد الناس عن دائرة تأثيره ..\nوهذا بلا شك لم يكن وليد اليوم، بل هو حصاد موروثات قديمة من التعامل الخاطئ مع القرآن امتدت لعدة قرون سابقة، ابتعد فيها المسلمون شيئًا فشيئًا عنه وعن دوره في التوجيه والتأثير وقيادة الحياة، فحُصر دوره في كونه مصدرًا للتبرك، والأجر والثواب فقط، وأطلق مصطلح «أهل القرآن» على حفاظ حروفه فقط، وأصبح المقصد من تعلم القرآن وتعليمه هو تعلم أحكام تلاوته ومخارج حروفه والاقتصار على ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-40>الصورة الموروثة عن القرآن:</span>\nإن أكبر عقبة تواجه الأمة نحو الانتفاع بالقرآن هي تلك الصورة الموروثة عنه، فكما يقول عمر عبيد حسنة في مقدمة كتاب كيف نتعامل مع القرآن:\nإن الصورة التي طُبعت في أذهاننا في مراحل الطفولة للقرآن أنه: لا يُستدعى للحضور إلا في حالات الاحتضار والنزع والوفاة، أو عند زيارة المقابر، أو نلجأ لقراءته عند أصحاب الأمراض المستعصية، وهي قراءات لا تتجاوز الشفاة.\nفإذا انتقلنا إلى مراكز ودروس تعليم القرآن الكريم، رأينا أن الطريقة التي يُعلَّم بها يصعب معها استحضار واصطحاب التدبر والتذكر والنظر، إن لم يكن مستحيلًا ..\nفالجهد كله ينصب إلى ضوابط الشكل من أحكام التجويد ومخارج الحروف، وكأننا نعيش المنهج التربوي والتعليمي المعكوس ... فالإنسان في الدنيا كلها يقرأ ليتعلم، أما نحن فنتعلم لنقرأ! لأن الهم كله ينصرف إلى حسن الأداء ... وقد لا يجد الإنسان أثناء القراءة فرصة للانصراف إلى التدبر والتأمل، وغاية جهده إتقان الشكل، وقد لا يعيب الناس عليه عدم إدراك المعنى قدر عيبهم عدم إتقان اللفظ.\nونحن هنا لا نهوّن من أهمية ضبط الشكل، وحُسن الإخراج، وسلامة المشافهة، ولكننا ندعو إلى إعادة النظر بالطريقة حتى نصل إلى مرحلة التأمل والتفكر والتدبر التي تترافق مع القراءة (١).\n_________\n(١) كيف نتعامل مع القرآن لمحمد الغزالي، ص (١٧).","vol":"1","page":44},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-41>الكتاب الوحيد:</span>\nمن الأمور البديهية التي لا يختلف عليها اثنان أن الدافع للقراءة هو المعرفة، فالذي يتناول بيده كتابًا أو جريدة ليقرأ فيها، فإن الذي يدفعه لذلك هو المعرفة ... معرفة ما وراء الخبر وما يحتويه من معارف ومعلومات.\nوفي المقابل فلا يمكن لعاقل أن يقرأ - أي شيء - بلسانه أو بعينه دون أن يُعمل عقله فيما يقرؤه، أو يفكر في معانيه!!\nتخيل لو أن شخصًا يفعل ذلك ... ماذا تقول عنه؟ وكيف يكون تقييمك له؟!\nألا توافقني في أنك ستعتبره إنسانًا غير سوي.\nهذا المفهوم البدهي للقراءة قد تعارف عليه الناس في جميع الأزمان والأمصار على اختلاف مذاهبهم وأديانهم، فالذي يقرأ إنما يقرأ لأنه يريد أن يتعلم شيئًا من خلال هذه القراءة، والذي يطلب من غيره قراءة شيء ما، فإنه يقينًا يريد من وراء هذا المطلب أن يفهم المقصود من الكلام المقروء.\nهذه -القاعدة التي لا تحتاج إلى برهان - تنطبق على جميع الكتب والصحف والمجلات الموجودة على ظهر الأرض الآن ... فقط كتاب واحد لا يتم التعامل معه بنفس الكيفية .. كتاب واحد يتعامل معه عدد كبير من الناس بطريقة عجيبة ... إنهم يقرؤونه لمجرد القراءة!! ودون إعمال عقولهم لفهم معانيه ولو بصورة إجمالية، بل ويتنافسون على ذلك ولا يجدون أي غضاضة في نفوسهم من قيامهم بهذا الفعل، ولا يجدون حرجًا في إظهار ذلك أيضًا.\nأتدري أخي القارئ ما هو هذا الكتاب؟!\nإنه- للأسف الشديد - أعظم كتاب على ظهر الأرض ... الكتاب الوحيد الذي ليس فيه أي خطأ أو ريب أو باطل ... إنه القرآن الكريم.\nنعم، أخي القارئ، القرآن هو الكتاب الوحيد الذي يقرؤه غالبية المسلمين بألفاظه فقط دون أن يفكروا في معاني تلك الألفاظ، ودون أن يُعملوا عقولهم في فهمها، والعجيب أنهم بذلك يحسبون أنهم يُحسنون صنعًا.\nلقد أنزل الله القرآن ليقرأه الناس ويتدبروا معانيه، ويفهموا المراد منه ثم يجتهدوا في العمل به ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبَابِ﴾ [ص:٢٩].\nفهل فعل المسلمون ما أمرهم الله به؟!!\nللأسف لا، بل فعلوا شيئًا عجيبًا لم تفعله أمة من قبل ... جعلوا عملهم مع القرآن هو القراءة، ولم يجعلوا القراءة وسيلة لفهم المراد من الآيات والعمل بها، وفي هذا المعنى يقول عبد الله بن مسعود ﵁: «لقد أنزل الله القرآن ليُعمل به، فاتَخَذوا تلاوته عملا»، وقال الفضيل بن عياض: إنما نزل القرآن ليعمل به، فاتخذ الناس قراءته عملًا.\nولقد أدى انشغال المسلمين بألفاظ القرآن عن معانيه إلى حرمان الأمة من مصدر عزها ومجدها، وكيف لا وهم قد اطفأوا بهذا الفعل مصباحهم الذي ينير لهم الطريق فتخبطوا في الظلمات، وسقطوا في الهاوية، وأصبحوا في ذيل الأمم ... لا قيمة لهم، ولا اعتبار لوجودهم ..\nأمة صارت في المؤخرة، بينما لديها ما يعيدها إلى الصدارة والرفعة ... بين يديها مفتاح سعادتها، إلا أنها تُعرض عنه، وتتعامل معه تعاملًا شاذًا لم يحدث مع أي كتاب من صنع البشر ... لم يحدث مع أي صحيفة من الصحف، أو حتى مع قصاصة ورقية شاردة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-42>أين شرفنا</span>؟\nالقرآن هو شرفنا ومصدر عزنا ... هذا هو دوره، وهذا هو قدره، ألم يقل سبحانه: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء:١٠]، قال ابن عباس في هذه الآية: فيه شرفكم (١).\nفماذا فعلت الأمة بشرفها؟\nللأسف أضاعته وهجرته وفي نفس الوقت تدّعي أنها تهتم به اهتمامًا بالغًا، ولعل أصدق ما ينطبق على حالنا مع القرآن هو أننا اتخذناه مهجورًا.\n_________\n(١) الدر المنثور ٤/ ٥٦٣.","vol":"1","page":45},{"text":"فإن قلت: كيف يكون اتخاذ شيء ما بهجره؟ فكلمة «اتخذ» توحي بالإيجابية، و«الهجر» كلمة توحي بالسلبية؟\nلقد اجتمع الضدان بالفعل مع القرآن، فمن الناحية الشكلية اهتم المسلمون بالقرآن اهتمامًا كبيرًا فالإذاعات تبث آياته ليل نهار، والمصاحف في كل بيت، وآيات القرآن تزين الجدران ..\nأما من الناحية الموضوعية، فلقد هجر المسلمون القرآن هجرًا كاملًا ... هجر يشمل رسالته الهادية، ومعجزته التغييرية، وانصب اهتمامهم على شكله ولفظه فقط، والدليل على ذلك الهجر هو الواقع، فكما تذكرنا حجم التغيير الذي حدث للصحابة والذي ظهر في أعمالهم وآثارهم «تعرفهم بسيماهم»، ثم قارنا حالهم بحالنا رأينا أن واقعنا وأعمالنا وما فيها من سلبيات كثيرة تكشف لنا أن القرآن لم يفعل معنا كما فعل معهم!!\nفهل المشكلة في القرآن؟\nهل توقفت معجزته عن العمل بعد الجيل الأول؟!\nحاشاه أن يكون كذلك والله ﷿ قد تكفل بحفظه من كل جوانبه ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩].\nالمشكلة إذن فينا نحن، عندما اتخذناه ترانيمًا، وبابًا للأجر والثواب فقط، وتعاملنا معه بحناجرنا دون عقولنا وقلوبنا ... أحسنا التعامل مع لفظه وهجرنا معجزته، فاجتمع فينا الضدان «اتخذنا القرآن وهجرناه»، وهذا ما ينطبق مع شكوى الرسول ﷺ لربه: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي\nاتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان:٣٠].\nهذا الوضع الشاذ الذي أحدثته الأمة مع كتابها ومصدر عزها، وتوارثته أجيالها المتتابعة وكأنهم تواصوا به ... هذا الوضع يحتاج إلى وقفة حاسمة ومراجعة شديدة مع أنفسنا لنغير الطريقة التي نتعامل بها مع القرآن ليعود إلينا شرفنا وعزنا.\nيقول محمد الغزالي - ﵀ -: لابد من جعل القرآن يتحول في حياتنا إلى طاقة متحركة ... أما أن يوضع في المتاحف أو المكاتب للبركة، أو أن نفتح المصحف ونقرأ آية أو آيات وينتهي الأمر، هذا لا يجوز. (١)\nبل من العجيب أن تعلم أن لفظ يتلو القرآن يتضمن السير وراءه واتباعه، وليس قراءته فقط، ففي اللغة تقول: جاء فلان يتلوه فلان، أي جاء بعده وسار على أثره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-43>الحاضر الغائب:</span>\nإن القرآن أصبح اليوم بين المسلمين حاضرًا وغائبًا .. موجودًا ومفقودًا في نفس الوقت ... فهو حاضر وموجود بلفظه ومصاحفه وقرائه وحفاظه .. غائب ومفقود بروحه ومعجزته وقيادته للحياة.\nفلا هو حاضر معنا حضورًا حقيقيًا، ولا هو غائب عنا غيابًا تامًا، وهذه أهم عقبة تواجه الأمة وتمنعها من الانتفاع به انتفاعًا حقيقيًا، لأن الكثيرين لا يرون أن هناك مشكلة مع القرآن وذلك بسبب حضوره بيننا -كما أسلفنا-.\nيقول حسن البنا ﵀: لم ينزل القرآن من علياء السماء على قلب محمد ﷺ ليكون تميمة يُحتجب بها، أو أورادًا تُقرأ على المقابر وفي المآتم أو ليُكتب في السطور، ويُحفظ في الصدور، أو ليحمل أوراقًا ويُهمل أخلاقًا، أو ليحفظ كلامًا ويُهجر أحكامًا ... وإنما نزل ليهدي البشرية إلى السعادة والخير ﴿قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ - يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة:١٦،١٥] (٢).\n_________\n(١) كيف نتعامل مع القرآن، ص (٥٩).\n(٢) نظرات في كتاب الله، ص ٣٤.","vol":"1","page":46},{"text":"ويقول: (عرف سلفنا الصالح رضوان الله عليهم فضل القرآن وتلاوته، فجعلوه مصدر تشريعهم، ودستور أحكامهم، وربيع قلوبهم، وورد عبادتهم، وفتحوا له قلوبهم وتدبروه بأفئدتهم، وتشربت معانيه السامية أرواحهم، فأثابهم الله في الدنيا سيادة العالم، ولهم في الآخرة عظيم الدرجات، وأهملنا القرآن فوصلنا إلى ما وصلنا إليه من ضعف في الدنيا ورقة في الدين) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-44>إعادة الثقة في القرآن:</span>\nإن كان الأمر كذلك فلكي يتم إعادة الثقة مرة أخرى في القرآن من حيث هو المصدر الجامع للتغيير وتوليد الطاقة الروحية، فإن هذا بلا شك يحتاج إلى جهد ضخم وإلى اعتناق المصلحين في الأمة لهذا المشروع، فمع سهولة الحل وبساطته وتيسُّره للجميع؛ إلا أن الموروثات الخاطئة التي توارثتها الأجيال عن القرآن تجعل من الصعب على المرء أن يتجاوزها، وأن تتغير نظرته للقرآن وطريقة تعامله معه، بل إنه من المتوقع أن تجد الكثير من المسلمين غير مقتنع أو متحمس لمبدأ أن القرآن هو الحل، وبأن مجد الإسلام سيعود من جديد على يديه، فهم يظنون أن اهتمامهم بحفظه، وكثرة قراءاته، وانشاء المدارس لتحفيظه، والتعمق قي قراءة تفسيره، وافتتاح الحفلات به، هو أقصى ما ينبغي عليهم فعله معه.\nمن هنا اشتدت الحاجة لبذل الجهد الضخم لإزالة تلك الموروثات القاصرة، ولتغيير تلك الأساليب السائدة لنشره وخدمته، ولبناء الثقة عند الناس في قيمته الحقيقية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-45>شرط لابد منه:</span>\nوقبل الحديث عن التصورات المقترحة لتفعيل مشروع العودة إلى القرآن والانتفاع بقوة تأثيره الفريدة، والتعامل معه على أنه بداية حقيقية لمشروع النهضة، فإن هناك شرطًا لابد منه لكل من يريد اعتناق وتبني هذا المشروع ألا وهو ضرورة الانتفاع والتأثر به أولًا، وتذوق حلاوة الإيمان من خلاله، وأن يصبح بالفعل مصدرًا متفردًا للقوة الروحية والدافع الذاتي عند من يريد نشره وإيصاله إلى غيره.\nلابد لكل من يريد أن يدل الناس عليه أن يبدأ بنفسه أولًا، وأن يشاهد المعجزة القرآنية وهي تعمل داخله، وأن يشرق على قلبه نور القرآن وتظهر علاماته عليه، والتي أخبر عنها رسول الله ﷺ عندما سأله أصحابه عن علامات دخول النور القلب وانشراحه له فقال: «الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزوله» (٢).\nلا يُعقل أن ندل الناس على شيء لا نعرفه، ولم نتذوقه، ولم نر أثره، فهذا إن تم فإنه يعرضنا للمقت من الله كما أخبرنا سبحانه بذلك: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللهِ أَن تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ﴾ [الصف:٣].\nومن شأنه أن يجعل الكلام لا يخرج من القلب، فلا يتعرض للتوفيق الإلهي، ولا يُشعر مستمعه بحرارته فكما قيل: ليست النائحة الثكلى كالنائحة المستأجرة.\nانتبه:\nمهما كنت أخي الحبيب .. مهما كنت حافظًا للقرآن، أو عالمًا من العلماء أو داعية أو كاتبًا أو مربيًا ... مهما كان سنك، ومهما كانت مكانتك بين الناس ... لابد لك أولًا من الدخول إلى دائرة تأثير القرآن والانتفاع به ومشاهدة معجزته في نفسك، ورؤية أنواره، وهذا لا يحتاج منك إلى كبير عناء ... فقط أن تستشعر حاجتك إلى القرآن ثم تقبل عليه بشغف باحثًا عن التأثر من خلال تلاوة آياته، وهذا ما أوصي به نفسي وإياك، فعلى قدر ما سنُعطي القرآن من أوقاتنا وعقولنا ومشاعرنا سيعطينا ويعطينا، وعلى قدر ما سنتواضع أمامه، وندخل عليه دخول الملهوف المتشوق لرؤية معجزته، الباحث عن حياة قلبه ستكون النتيجة المبهرة بمشيئة الله ..\nأما إذا دخلنا عليه دخول المتردد الذي لا يستشعر احتياجه إليه فسنبتعد كثيرًا عن دائرة معجزته.\n_________\n(١) المصدر السابق، ص ٣٧.\n(٢) أخرجه الحاكم، والبيهقي في الزهد.","vol":"1","page":47},{"text":"ولنعلم جميعًا أن الإمداد على قدر الاستعداد، وأن التفاوت الحقيقي بين الناس ليس بالدرجة الأولى في الإمكانات، بل في الرغبات، فمن لديه رغبة أكيدة في الوصول لشيء ما فإنه - بعون الله - يبلغه ... ويؤكد هذا المعنى ابن الجوزي بقوله: لو كانت النبوة تحصل بالاجتهاد لرأيت المقصر في تحصيلها في حضيض (١).\nفيقينًا لو قويت رغبتنا في الانتفاع بالقرآن، والدخول في دائرة تأثير معجزته ... لو قويت رغبتنا واشتدت حاجتنا للقلب الحي ... للسعادة الحقيقية ... لمعرفة الله ... لجنة الدنيا ... فيقينًا سنصل إلى مقصودنا في وقت قياسي، وكيف لا والله ﷿ ينتظر منا التفاتة صادقة ليُقبل علينا ... أتراه يمنعنا من جريان معجزة القرآن علينا وهو يحبنا ويريد لنا الخير؟ ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلاَئِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب:٤٣].\nكل ما هو مطلوب منا أن نحرك قدم العزم، ونشمر عن ساعد الجد، وأن نلح على الله في الدعاء بأن يجعلنا من أهل المعجزة القرآنية، ثم نقبل على القرآن باجتهاد وصدق ننتظر الفتح منه سبحانه ... قال ﷺ: «... ومن يتحر الخير يُعطه» (٢)\nأمامك عقبة:\nمن الأمور التي قد تمنع الواحد منا من استشعار حاجته إلى المعجزة القرآنية أنه قد تعود على تدبر القرآن واستخراجه لمعانٍ عظيمة منه، فهذا من شأنه أن يُشعره بأنه قد أدى حق القرآن، وانتفع به، ومن ثمَّ لا يقع الحديث عن المعجزة القرآنية موقعه الصحيح في نفسه، ولا يتفاعل معها، بل وقد يعتبر أن هذا الكلام موجهًا إلى غيره، لذلك فإن من المهم أن يتأكد لدينا بأن المقصد من التعامل الصحيح مع القرآن ليس التدبر فقط، بل أن يصبح القرآن مصدرًا رئيسًا لتوليد القوة الروحية، وهذا يستلزم حصول التأثر وتجاوب المشاعر مع المعاني التي تفهمها عقولنا، فهذا الذي يزيد الإيمان ويولد الطاقة، ويسير بالقلب قُدمًا نحو التحرر من أسر الهوى، ومن ثمَّ تتم يقظته وحياته الدائمة.\nإن العلم وحده لا يكفي ليكون دافعًا للعمل، بل لابد أن يمتزج بالعاطفة، ويؤثر في المشاعر والقرآن يفعل ذلك بكل سهولة ويسر -إذا ما أحسن المرء التعامل معه-، وقراءته بالطريقة التي تخاطب الفكر والعاطفة معًا، والتي دلنا عليها الله ﷿ عندما أمرنا بتدبره وترتيله.\nفمخاطبة الفكر تحتاج إلى إعمال العقل عند قراءة الآيات ... وهذا هو جوهر التدبر ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبَابِ﴾ [ص:٢٩].\nومخاطبة العاطفة تحتاج إلى وسائل تستثيرها، فبالإضافة إلى أساليب القرآن المؤثرة، إلا أن هناك أمرًا بالغ الأهمية يقوم بالطرق على المشاعر طرقًا شديدًا ألا وهو الترتيل ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل:٤]، وتحسين الصوت بالقراءة «زينوا أصواتكم، فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسنًا» (٣)\nفإذا ما قام المرء بقراءة القرآن قراءة هادئة بطيئة مرتلة مع إعمال العقل فيما يقرأ، فسيكون لذلك أبلغ الأثر في مزج الفكر بالعاطفة والوصول لدرجة التأثر والتفاعل مع القراءة، ومن ثمَّ تكون الطاقة والروح الدافعة للعمل ..\n_________\n(١) صيد الخاطر.\n(٢) حسن، صحيح الجامع ح (٢٣٢٨)\n(٣) صحيح، رواه أبو داود، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٣٥٨١)","vol":"1","page":48},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-46>خصوصية الترتيل:</span>\nولأن القرآن هو الوحيد في الكتب السماوية الذي يجمع بين الرسالة والمعجزة، فقد ميَّزه الله ﷿ بأن يُقرأ مرتلًا، فالتوراة والإنجيل لم يؤمر الناس بترتيلهما، وكذلك فإن القرآن كان ينزل على مراحل، ولم ينزل جملة واحدة مثل التوراة، وذلك للقيام بدوره العظيم في إنشاء الإيمان وتثبيته في القلب ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان:٣٢].\nولقد كانت قراءته ﷺ للقرآن قراءة هادئة بطيئة مترسلة مرتلة، فقد كان يرتل السورة حتى تكون أطول من أطول منها، وقام بآية حتى الصباح، وكان ﷺ يقف عند المعاني متأملًا ومعتبرًا ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء:١٠٦].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-47>التأثر هو الغاية:</span>\nإذن فلتكن غايتنا من قراءة القرآن الوصول لدرجة التأثر، فمهما فهمنا وتدبرنا الآيات دون أن يصاحب ذلك تأثر، فلن يفعل القرآن ما نريده منه، ولن نشعر بمعجزته وهي تعمل داخلنا وتقوم بتوصيل تيار الحياة إلى قلوبنا.\nولقد تمت الإشارة إلى الوسائل المعينة على الوصول إلى درجة التأثر في غير هذه الصفحات (١) وهي باختصار:\nأن يكون هدفنا من قراءة القرآن التأثر القلبي وليس التدبر العقلي فقط، وهذا يستدعي منا القراءة اليومية للقرآن، وأن تكون متصلة وبمدة معتبرة، وأن يكون وردنا اليومي زمنًا وليس كمًا محددًا وذلك بأن يكون ساعة أو ساعتين، وأن نقرأه في مكان هادئ قدر المستطاع، وبصوت مسموع وبترتيل، وأن نتباكى عند القراءة لنهيئ مشاعرنا لسرعة الاستثارة، ولا يكن همنا هو سرعة الانتهاء من السورة أو الجزء ...\nوعلينا أن نقرأه ببساطة ودون تعمق وتوقف عند كل لفظ فيه، بل نأخذ المعنى الإجمالي الذي تدل عليه الآيات، وأن نمرر ما لا نفهمه، على أن نعود للتفسير في وقت آخر غير وقت التلاوة، حتى لا يحدث برود أو فتور في المشاعر، ومن ثمَّ يصبح من الصعب استثارتها بعد ذلك.\nوعندما يحدث التأثر مع آية أو آيات فعلينا بتكرارها مرات ومرات طالما وُجد التجاوب والتأثر، لنستفيد قدر الإمكان من الإيمان الذي يزيد في هذه اللحظات، والطاقة المتولدة الناتجة من هذه الحالة.\nهذه الوسائل لو داومنا عليها لدخلنا إلى دائرة تأثير القرآن - بإذن الله - في مدة وجيزة، ولشعرنا بالتغيير، وبروح جديدة تسري داخلنا، ولعدنا إلى مرحلة الانتباه التي كنا عليها عند بداية تديننا، ولوجدنا قلوبنا تتحرك معنا حين نريدها، ولعظم قدر الله في نفوسنا ولصغرت الدنيا في أعيننا و... كل ذلك وغيره سيحدث بمشيئة الله لو ثابرنا على اتباع هذه الوسائل، وانشغلنا بالقرآن أكثر مما ننشغل بأي شيء آخر خاصة في البداية.\n_________\n(١) ذكرت في كتب: بناء الإيمان من خلال القرآن، الطوفان قادم، كيف نغير ما بأنفسنا، العودة إلى القرآن، وكيف ننتفع بالقرآن.","vol":"1","page":49},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-48>أتأثر ولكن</span>!!\nفإن قلت إنني بالفعل أتأثر بالقرآن ولكني لا أشعر بآثار المعجزة ولا بعلامات دخول النور إلى القلب؟!\nنعم، يحدث هذا لنا لأن تأثرنا تأثر وقتي ومحدود وغير متواصل، لذلك، ولكي تصل المعجزة القرآنية إلى قلوبنا فتمدها بتيار الحياة لابد وأن يستمر التأثر ويزداد وقته ويطول أمده يومًا بعد يوم، فتنتقل المشاعر تدريجيًا من كفة الهوى إلى كفة الإيمان، وهكذا حتى نصل لمرحلة غلبة الإيمان على الهوى، وتمكن النور من القلب، ومن ثمَّ تظهر علامات ذلك بسهولة ويسر، وهذا يستدعي منا أن نعطي القرآن الكثير من الأوقات خاصة في البداية، وألا نسمح بمرور يوم دون اللقاء معه، وألا نتعجل قطف الثمرة قبل نضجها. ولنتذكر أن هذا هو فعل الصحابة، وأن رسول الله ﷺ لم يسمح لهم بالانشغال بقراءة شيء آخر غير القرآن حتى يصفو النتاج وتطيب الثمار.\nوقد كان .. فعندما أعطوا القرآن الكثير من أوقاتهم وانشغلوا بتلاوته، وتعاملوا معه على حقيقته ككتاب هداية، وكمعجزة تحيي القلوب أحسن القرآن وفادتهم ورفعهم إلى السماء فكانوا بحق الجيل القرآني الفريد\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-49>التربة مهيأة لاستقبال المشروع:</span>\nوبعد أن نتذوق حلاوة الإيمان من خلال القرآن، ونشعر بقيمته، ونرى آثار معجزته في أنفسنا، علينا أن نقوم ببث هذه الروح، والتبشير بهذا المشروع في الأمة، ومما يثلج الصدر أن هناك بالفعل جهود مخلصة يتبناها الكثيرون من أبناء المسلمين المخلصين في خدمة القرآن، فالمراكز القرآنية وحلقات التعليم والحفظ، منتشرة في كل مكان.\nكل هذه الوسائل وغيرها تجعل التربة مهيأة أكثر من أي وقت مضى لتفعيل مشروع القرآن، فالوعاء موجود، وحب القرآن يملأ القلوب، كل ما في الأمر هو تحويل الوجهة، والتعامل الصحيح مع هذا الكتاب، وهذا بلا شك سيقَابل في البداية باعتراض من البعض الذين تعودوا على خدمة حروف القرآن وألفاظه فقط، ولكن مع إلحاح المخلصين الذين ذاقوا حلاوة الإيمان نتيجة تعاملهم مع القرآن، وعرفوا قيمته الحقيقية من خلال تأثرهم الدائم به، فسيكون هناك حتمًا من يستجيب لهذه الدعوة، وستبدأ المراكز القرآنية في تبني المشروع، ومن ثمَّ تبدأ الثمار اليانعة في الظهور لتكون أكبر دليل على صحة هذا التوجه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-50>خطوات عملية مقترحة:</span>\nبعد أن نرى المعجزة القرآنية، ونشعر بروحها وعلاماتها من انتباه ويقظة، ومن قلة رغبة في الدنيا، ومن تعلق بالآخرة ... ومع استمرار هذا الشعور معنا، فمن المقترح أن نقوم بهذه الأعمال:\nأولًا: أن نقوم بنشر هذا المفهوم الجديد للتعامل مع القرآن لمن حولنا ... للزوجة والأولاد والأهل والمعارف والأصدقاء، وأن نأخذ بأيديهم حتى يصلوا إلى ما وصلنا إليه، ليقوموا هم بعد ذلك بنشره إلى من حولهم.\nثانيًا: ومن الوسائل المهمة كذلك والتي من شأنها أن تُسرع الخطى نحو انتشار روح القرآن في الأمة: اهتمام المربين بهذا الأمر، ووضعه في برامجهم التربوية، وبخاصة أن القرآن تلاوة وحفظًا وتفسيرًا يحتل مساحة معتبرة في هذه البرامج ...","vol":"1","page":50},{"text":"كل ما هو مطلوب هو زيادة الاهتمام به، وأن يكون الهدف الذي يسعى الجميع إليه هو السعي وراء التأثر، مع القراءة اليومية الطويلة ليتم من خلالها توليد القوة الروحية الدافعة للقيام بالواجبات المختلفة، مع الأخذ في الاعتبار أنه ينبغي على المربين أن يبدأوا بأنفسهم أولًا، فهذا أمر لا يصلح له إلا من عايشه، وعاين المعجزة بنفسه.\nولو قام المربون بذلك، وانتشر مفهوم التعامل الصحيح مع القرآن في المحاضن التربوية فلا تسل عن النتائج المبهرة التي ستحدث، ولا عن الذاتية والإيجابية التي سيثمرها في الأفراد، وسينعكس ذلك على العمل فيزداد النتاج، وتزداد خطوات البناء في مشروع الإصلاح الشامل المتكامل الذي تتبناه الحركة الإسلامية، ويقترب تحقيق الوعد الإلهي ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ - وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ﴾ [القصص:٥، ٦]\nولقد كان الإمام حسن البنا - ﵀ - شديد العناية بالقرآن وبضرورة الانتفاع به كروح ودستور للحياة ... تأمل معي قوله:\nفليس المقصود من القرآن: مجرد التلاوة، أو التماس البركة، وهو مبارك حقًا، ولكن بركته الكبرى في تدبره، وتفهم معانيه ومقاصده، ثم تحقيقها في الأعمال الدينية والدنيوية على السواء، ومن لم يفعل ذلك، أو اكتفى بمجرد التلاوة بغير تدبر ولا عمل، فإنه يُخشى أن يحق عليه الوعيد الذي يرويه البخاري عن حذيفة رضي الله: «يا معشر القراء: استقيموا فقد سبقتم سبقًا بعيدًا، وإن أخذتم يمينًا وشمالًا لقد ضللتم ضلالًا بعيدًا» (١)، وتحذير رسول الله ﷺ الخطير عندما نزلت عليه خواتيم سورة آل عمران فقال: «ويل لمن لاكها بين فكيه ولم يتدبرها».\nولقد كان حريصًا - ﵀ - على أن يدل الناس ويرشدهم للوسائل المعينة على فهم القرآن والتأثر به، وفي ذلك يقول:\nواجتهد أن تقرأ القرآن في الصلاة وغيرها على مُكث وتمهل وخشوع وتذلل، وأن تقف على رؤوس الآيات، وتُعطي التلاوة حقها من التجويد والنغمات، من غير تكلف ولا تطريب، أو اشتغال بالألفاظ عن المعاني، مع رفع الصوت المعتدل في التلاوة العادية أو الصلاة الجهرية، فإن ذلك يُعين على الفهم، ويُثير ما غاص من شآبيب الدمع، وما نفع القلب شيء أفضل من تلاوة في تدبر وخشوع (٢).\nثالثًا: ومن الوسائل المهمة كذلك في تفعيل هذا المشروع: إقامة مراكز قرآنية نموذجية تهتم بتحقيق المعجزة وتخريج نماذج قرآنية تمشي على الأرض، وإليك أخي القارئ المزيد من التفاصيل حول طبيعة ودور هذه المراكز ...\n_________\n(١) نظرات في كتاب الله، ص (٨٨).\n(٢) حسن البنا ومنهجه في التفسير /١٠٠.","vol":"1","page":51},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-51>الفصل السادس\nتصور مقترح\nللمراكز\nالقرآنية النموذجية</span>\n- التوعية وإنشاء الرغبة.\n- برنامج إعداد المعلمين.","vol":"1","page":52},{"text":"تصور مقترح للمراكز القرآنية النموذجية\nمما لا شك فيه أن أهم عامل يضمن نجاح المراكز القرآنية النموذجية في أداء رسالتها المرتقبة، هو أن يكون القائمون عليها أناسًا عرفوا معنى المعجزة القرآنية، وتذوقوا ثمرتها، وشاهدوا آثارها في أنفسهم حتى يتسنى لهم إقامة تلك المراكز على أسس صحيحة، والحفاظ على هويتها، ووضوح الرؤية الدائم حول الهدف من وجودها، وطبيعة الثمار المتوقعة منها.\nويمكن أن تكون نواة المركز القرآني النموذجي شخص واحد على الأقل، شريطة أن يكون ممن دخل إلى عالم القرآن الحقيقي، ورأى آثار معجزته في نفسه، وأصبح مداومًا على تلاوته آناء الليل وأطراف النهار بفهم وتأثر، ولديه الإمكانية لتعليم غيره وشحذ همته، وبث روح القرآن في قلبه بإذن الله، وأن يكون وقته يسمح بذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-52>التوعية وإنشاء الرغبة:</span>\nأول عمل ينبغي أن يقوم به هذا الشخص -إذا ما أراد تكوين مركز قرآني نموذجي - هو القيام بحملات توعية للناس من حوله وتوجيههم حول طريقة الانتفاع الحقيقي بالقرآن، ولماذا أنزله الله ﷿ وكيفية الدخول إلى دائرة تأثير معجزته، وكيف يمكن جعله قائدًا موجهًا للحياة، مع الإجابة عن التساؤلات التي يطرحها الناس في هذا المضمار.\nويمكن القيام بهذه المهمة من خلال المحاضرات والندوات والمنتديات .. ومن خلال توفير الكتب والمطويات والمواد السمعية التي تخدم هذا الموضوع، ومن الكتب المفيدة في التوعية وإنشاء الرغبة للانتفاع الحقيقي بالقرآن:\nأخلاق حملة القرآن للآجري - فضائل القرآن لأبي عبيد الهروي - التذكار في أفضل الأذكار للقرطبي - تدبر القرآن للسنيدي - كيف نتعامل مع القرآن لمحمد الغزالي - مقدمة تفسير في ظلال القرآن لسيد قطب - منهج السلف في العناية بالقرآن الكريم لبدر ناصر البدر.\nولقد يسر الله لنا بفضله وكرمه طرح هذا الموضوع في بعض الكتب مثل: العودة إلى القرآن - كيف نغير ما بأنفسنا؟ - الطوفان قادم - كيف ننتفع بالقرآن - الكنز المهجور - القرآن وقيادة الحياة.\nومن خلال حملات التوعية ستظهر-بمشيئة الله - نوعيات تريد أن تكون من أهل القرآن بمفهومه الصحيح.","vol":"1","page":53},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-53>إعداد المعلمين:</span>\nأول خطوة حقيقية ينبغي القيام بها في المركز القرآني النموذجي - بعد التوعية - هو تأهيل الأفراد الذين سيقومون بمهمة التدريس والتوجيه والتحفيظ للطلاب الملتحقين بالمركز، وإلا فكيف يقوم المعلم بدلالة طلابه على شيء لم يعرفه ولم يتذوقه ...؟!\nمن هنا تظهر أهمية التأني وعدم الاستعجال في تخريج المعلمين المؤهلين لهذه المهمة العظيمة.\nشروط الالتحاق بدورة إعداد معلمي القرآن:\n١ - أن تكون لدى المتقدم الرغبة في الانتفاع الحقيقي بالقرآن، وأن يكون مستشعرًا عظيم حاجته إليه.\n٢ - أن يكون ماهرًا في قراءة القرآن من حيث النطق السليم وأحكام التلاوة.\n٣ - أن يكون حافظًا لقدر مناسب من القرآن.\nبرنامج إعداد المعلمين:\nمدة البرنامج المقترحة: سنتان.\nويشمل البرنامج عدة نقاط من الضروري أن يتم السير بها على التوازي - جنبًا إلى جنب -، وهي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-54>أولًا: وضوح الرؤية حول القرآن ودوره كرسالة ومعجزة وكيفية الانتفاع به</span>.\nوتشمل هذه النقطة العناصر التالية:\n١ - التعرف على الهدف الأسمى من نزول القرآن.\n٢ - التعرف على جوانب الهداية في القرآن (القرآن كرسالة).\n- الجانب الأول: التعرف على الخالق وواجبنا نحوه (من هو الله؟!).\n- الجانب الثاني: التعرف على الرسول والرسالة (من هو الرسول؟!).\n- الجانب الثالث: التعرف على الإنسان (من أنا؟).\n- الجانب الرابع: التعرف على الشيطان (من هو الشيطان؟!).\n- الجانب الخامس: قصة الوجود ويوم الحساب.\n- الجانب السادس: معرفة السنن والقوانين الحاكمة للكون والحياة.\n- الجانب السابع: التعرف على الكون المحيط بنا.\n- الجانب الثامن: حقوق العباد بعضهم على بعض.\n- الجانب التاسع: فقه الدعوة إلى الله.\n- الجانب العاشر: العبرة من قصص السابقين.\n٣ - التعرف على القرآن كمعجزة: كيفية التغيير القرآني:\n- القرآن وإعادة تشكيل العقل وبناء اليقين الصحيح.\n- القرآن والقلب وتعبيده لله.\n- القرآن وترويض النفس.\n٤ - النموذج القرآني في الجيل الأول:\n- الرسول والقرآن.\n- تحذير الرسول ﷺ للصحابة من عدم الانتفاع بالقرآن كرسالة ومعجزة.\n- صفاء المنبع الذي نهل من الصحابة\n- وفاء الله بعهده للصحابة وتمكينهم في الأرض.\n- وصايا الصحابة لمن بعدهم.\n٥ - تاريخ هجر القرآن.\n٦ - حاجتنا إلى القرآن.\n٧ - عقبات في طريق العودة إلى القرآن:\n- العقبة الأولى: الاهتمام بالشكل فقط.\n- العقبة الثانية: ختمتان للقرآن.\n- العقبة الثالثة: الخوف من تدبر القرآن.\n- العقبة الرابعة: مفهوم التدبر.\n- العقبة الخامسة: ضرورة ختم القرآن في مدة محددة.\n- العقبة السادسة: أمراض القلوب.\n- العقبة السابعة: مفهوم حامل القرآن.\n٨ - كيف نعود إلى القرآن؟!\n٩ - معينات على الفهم والتأثر.","vol":"1","page":54},{"text":"هذه العناصر يمكن دراستها من خلال كتاب العودة إلى القرآن، مع إضافة كل ما يخدمها من الكتب الأخرى، والتي تم التنويه إلى بعضها في الصفحات السابقة عند الحديث عن التوعية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-55>ثانيًا: مداومة تلاوة القرآن:</span>\nوالنقطة الثانية من نقاط برنامج إعداد معلمي القرآن، هي مداومة تلاوة القرآن آناء الليل وأطراف النهار.\nفأهم عامل يؤهل الفرد لكي يكون من أهل القرآن الحقيقيين هو لقاؤه المباشر والطويل مع القرآن بصفة دائمة، وبالطريقة التي طالبنا الله بها (تدبرًا وترتيلًا) وباتباع هدي محمد ﷺ في قراءته.\nلابد أن يتعود الفرد في خلال هذه الدورة على كثرة قراءة القرآن حتى يصل لمرحلة عدم الصبر عنه، وأن يصبح وقت لقائه به أحب الأوقات إليه، وهذا لن يتم إلا إذا ذاق حلاوته، ودخل إلى دائرة تأثير معجزته، وشاهد آثارها في ذاته بانشراح في صدره، وشعور بالسلام الداخلي والطمأنينة، وبتولد الطاقة والقوة الروحية التي تدفعه دومًا إلى التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل نزوله.\nوهذا بلا شك يحتاج إلى دوام متابعة وتعاهد من القائم على الدورة، وأن يتأكد من قيام الأفراد بالأخذ بالوسائل المعينة على الفهم والتأثر.\nولنعلم جميعًا أن محور دورة معلمي القرآن، بل والنجاح في إقامة المركز القرآني النموذجي متوقف - بإذن الله - على النجاح في هذه النقطة، فعلى سبيل المثال: حفظ الآيات (النقطة الرابعة التي ستأتي لاحقًا)، والعمل بما تدل عليه، يتوقف على وجود قوة دافعة تتولد داخل الفرد وتدفعه للعمل بتلقائية، فإن لم توجد تلك القوة تحول الأمر إلى حفظ باللسان فقط.\nوالمصدر الذي لا بديل عنه لتوليد تلك القوة هو المداومة على قراءة القرآن ليلًا ونهارًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-56>ثالثًا: بناء الإيمان من خلال القرآن:</span>\nالقرآن أفضل وسيلة لبناء الإيمان، وهو خير كتاب يؤسس العقيدة الصحيحة الصافية في النفس والتي تثمر بدورها سلوكًا في واقع الحياة، لذلك فمن الضروري أن تقوم هذه المراكز بتعليم الإيمان وذلك من خلال القرآن، كما كان يقول الصحابة رضوان الله عليهم: «فتعلمنا العلم والإيمان معًا».\nفالإيمان ليس شيئًا نظريًا، أو قواعد تُحشى بها العقول، بل هو حقائق تشكل جزءًا من يقين الإنسان، وتتشابك مع مشاعره، فالمعرفة وحدها لا تكفي لإقامة صرح الإيمان وتأسيس قاعدته في القلب، بل لابد من التأثر والانفعال مع هذه المعرفة بصورة مستمرة، وهذا ما يقوم القرآن بفعله بسهولة ويسر.\nلقد كان القرآن في السابق ومع الأجيال الأولى هو الوسيلة الأساسية لبناء العقيدة الصحيحة الصافية عند المسلم، ولكن بمرور الوقت، وابتعاد الأجيال اللاحقة عن القيمة الحقيقية للقرآن، وهجر الانتفاع به، تحولت العقيدة إلى كلام نظري تمتلئ به الكتب ما بين قواعد وأصول وشروح وحواش ومختصرات، مما أدى إلى تضخيم الجانب المعرفي دون أن يصاحب ذلك إيمان حي في القلب، فكانت النتيجة ابتعاد الواقع عن الواجب والعمل عن العلم.\nوكما ورد في الأثر ... العلم علمان: علم في القلب؛ فذاك العلم النافع، وعلم على اللسان؛ فذاك حجة الله على ابن آدم.\nمن هنا اشتدت الحاجة إلى العودة مرة أخرى إلى القرآن، لتعلم الإيمان وبناء العقيدة التي تجمع بين اليقين العقلي والإيمان القلبي، ويظهر أثرها في السلوك العملي بالاستقامة على أمر الله.\nومن الوسائل المعينة على ذلك تتبع معنى من المعاني الإيمانية خلال رحلتنا مع تلاوة القرآن كوسيلة سهلة ومتدرجة لبناء العقيدة الصحيحة ..","vol":"1","page":55},{"text":"فعلى سبيل المثال ندرس في كتب العقيدة: الإيمان بالغيب كموضوع محدد، فلماذا لا نفعل ذلك مع القرآن، ونستقي منه حقيقة هذا المعنى الإيماني ونمزج الفكر بالعاطفة، ونجتهد في تجاوب المشاعر معه ليصبح إيمانًا راسخًا في قلوبنا، فينعكس على تصرفاتنا بمزيد من الاستقامة على أمر الله؟\nوحبذا لو أعطينا كل معنى من المعاني الإيمانية التي تشكل أسس العقيدة عند المسلم مساحة كبيرة من الوقت، بأن نخصص له ختمة أو أكثر من ختماتنا، ولا ننتقل إلى غيره حتى نتشبع منه تمامًا.\nأما وظيفة دورة معلمي القرآن في ذلك فهي تستعرض المعنى من الناحية النظرية، وطريقة عرض القرآن له، ثم تطبيقات عملية على بعض الآيات يستخرج من خلالها الدارسون ما يدل على المعنى الإيماني، ويطلب منهم أن يركزوا في وردهم اليومي على التجاوب بصفة خاصة مع هذا المعنى، وأن يدوِّنوا الآيات التي أثرت فيهم تأثيرًا كبيرًا ليتم طرحها خلال الوقت المخصص في الدورة والتعليق عليها.\nولكي تحسن استفادتنا أكثر وأكثر بهذه النقطة، علينا أن نربط هذا المعنى الإيماني الذي نعيشه في رحلتنا المباركة مع القرآن بأعمال مصاحبة لها ارتباطًا وثيقًا به، فعندما نبحث في القرآن ونتعرف على الله الوهاب المنعم يمكننا أن نستصحب في هذه الفترة بعض الوسائل لترسيخ التفاعل مع هذا المعنى ككثرة الحمد، وسجود الشكر، وإحصاء النعم ... وهكذا.\nولقد تم شرح هذا النقطة بشيء من التفصيل في كتاب «بناء الإيمان من خلال القرآن» مع عرض عدة نماذج مقترحة يبني بها الفرد إيمانه من خلال القرآن ... وإليك أخي القارئ نموذجًا منها ننقله من الكتاب:\n«الإيمان باليوم الآخر»\nالإيمان بالله واليوم والآخر له دور كبير في استقامة العبد، فالذي يعلم أن هناك حسابًا على ما يفعله من أخطاء، وأن هناك سجن يُودع فيه المجرمون، فإن هذا من شأنه أن يدفعه لاجتناب الوقوع في المعاصي، فإن زلت قدمه يومًا سارع بالاعتذار والندم وطلب العفو والصفح\nإذن فالإيمان باليوم الآخر ركن ركين من أركان الإيمان، لذلك كان ولازال المشركون ومن سار على نهجهم يحاولون التشكيك في قضية البعث والحساب ليستمروا في غيهم وظلمهم ﴿بَلْ يُرِيدُ الإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ - يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ﴾ [القيامة:٦،٥].\nولأهمية هذا الموضوع وضرورة الإيمان الراسخ به، فلقد أفرد له القرآن مساحة كبيرة وتناوله من عدة جهات:\nتناوله من جهة إثباته بالأدلة العقلية الدامغة.\nوتناوله من جهة كشف أسباب تكذيب الناس به.\nوتناوله من جهة وصف أحداثه بكثير من التفصيل مع التركيز على مخاطبة المشاعر؛ لتزداد بذلك خشية الله والخوف منه، مما يدفع العبد للاستقامة والمسارعة إلى الخيرات ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ - وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ - وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ - وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ - أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون:٥٧: ٦١].\nومما لاشك فيه أن حجر الزاوية ونقطة البداية في هذا الموضوع هو إثبات البعث والمعاد، وهذا ما سيفرد له الحديث في الأسطر القادمة بعون الله وفضله.\nإثبات المعاد:\nأثبت القرآن أن هناك حياة بعد الموت، وأن هناك بعثًا، وحشرًا، وحسابًا، وجنة يتنعم فيها الطائعون، ونارًا يُعاقب فيها العاصون.\nومن هذه الأدلة:\n١ - إثبات صحة القرآن وصحة نسبه إلى الله ﷿ ومن ثمَّ تثبت صحة كل ما أخبر به من غيبيات وأحداث مستقبلية.\n٢ - قياس الغيبي على المشهود:","vol":"1","page":56},{"text":"فلقد دعا القرآن الناس إلى قياس الغيب على ما يشاهدونه، ومن ذلك إحياء الأرض البور.\nفنحن نشاهد الأرض البور الجرداء والتي لا أثر للزرع فيها، نجدها وقد أصبحت مخضرة بالزرع بعد نزول المطر عليها ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت:٣٩].\n- وكذلك الاستدلال على إمكانية ومعقولية البعث بخلق الإنسان من العدم ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ - قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس:٧٨،٧٩].\n- والاستدلال بالنوم - كموتة صغرى- على الموتة الكبرى، وبالاستيقاظ على البعث ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الزمر:٤٢].\n٣ - إثبات القدرة المطلقة لله ﷿:\nولقد أفاض القرآن في إثبات القدرة المطلقة لله ﷿، ومن ثمَّ تصبح إعادته للحياة بعد الموت شيئًا يسيرًا عليه ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِّنْهُ تُوقِدُونَ - أَوَ لَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ - إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ - فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس: ٨٠ - ٨٣].\n٤ - حدوث آيات تشبه البعث، أخبر عنها القرآن وأثبتها التاريخ:\nومن ذلك قصة أهل الكهف الذين ظلوا نائمين ثلاثمائة عام ثم بعثهم الله، وقد تغير كل ما حولهم، بينما بقيت أجسادهم كما هي لتشهد على قدرة الله سبحانه ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لاَ رَيْبَ فِيهَا﴾ [الكهف:٢١].\n\n٥ - الوعد الحق:\nأخبرنا القرآن في مواضع كثيرة بوعود وعدها الله ﷿ في الماضي وحدثت بالفعل، وأخبر كذلك بوعده سبحانه بيوم الحساب ومجازاة المحسنين بالجنة، والمسيئين بالنار .. فإن كان كل ما وعد به قد تحقق في وقته وكما وعد، فمن المؤكد أيضًا أن وعده بالجزاء سيتحقق ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ﴾ [التوبة:١١١].\nفعلى سبيل المثال: أوحى الله ﷿ إلى أم موسى أن تلقي موسى -﵇- في اليم، ووعدها بأنه سيرده إليها ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص:٧].\nوأوفى الله ﷾ بوعده ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلاَ تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [القصص:١٣].\nووعد ﷾ بنصر الروم على الفرس فانتصروا، ووعد رسوله ﷺ بالعودة إلى مكة مرة أخرى بعد أن أخرجه منها قومه، فوفى بوعده، ووعد سبحانه بحفظ القرآن من التحريف فوفى بوعده، ووعد سبحانه في مواضع كثيرة من القرآن بالبعث ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنبياء:٩٧]، وسيوفي الله بوعده.","vol":"1","page":57},{"text":"ووعد المؤمنين بالنعيم في الجنة ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١١١].\nووعد الكافرين بالنار ﴿النَّارُ وَعَدَهَا اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الحج:٧٢]. وسيوفي بوعده سبحانه.\n﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ﴾ [الأعراف: ٤٤].\nولعلك تلحظ - أخي القارئ- أن الأفعال بصيغة الماضي لتأكيد وقوعها.\n٦ - النظام الحق العادل:\nأفاض القرآن في الحديث عن النظام الذي يحكم السماوات والأرض، وبيَّن أنه نظام حق عادل يجري وفق سنن وقوانين ﴿وَخَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ [الجاثية:٢٢].\nهذا النظام الحق الذي ينظم حركة الحياة والموجودات .. من الطبيعي أن يطبق على البشر كذلك باعتبار أنهم جزء من هذا الكون، ولكن الواقع يخبرنا بأن هناك بعض البشر يظلم والبعض يُظلم، وكلهم في النهاية يموتون ... البعض يرتكب أخطاء فاحشة ولا تتم معاقبته، وهذا بالطبع ينافي النظام الحق العادل الذي قامت عليه السماوات والأرض إلا إذا كان هناك ملحق آخر للحياة يتم فيه مجازاة الظالمين، والانتصار للمظلومين، ومحاسبة المخطئين.\nأعمال يُفضل القيام بها وبمثلها لتثبيت هذه العقيدة في النفس:\n١ - لكي تصبح عقيدة الجزاء راسخة في يقين العبد وتشكل جزءًا أصيلًا من إيمانه، لابد من تكرار عرضها على العقل ليتفكر دومًا فيها، فترسخ في يقينه، وأن يتكرر كذلك عرضها على المشاعر لتستحوذ على جزء معتبر منها فتنشئ إيمانًا .. وهذا ما يفعله القرآن بكثرة عرضه لمسألة البعث والجزاء، ومخاطبته للعقل، وإقناعه بها، وإلهابه للمشاعر من خلال عرضه المتكرر لأهوال يوم القيامة.\nمن هنا كان من الضروري أن نستفيد من القرآن في البناء الصحيح لعقيدة الجزاء، ولا نكتفي بما عندنا من تصور عقلي محدود، بل لابد أن تصبح هذه العقيدة راسخة في عقولنا وقلوبنا، لتُثمر تقوى واستقامة على أمر الله، وهذا يستدعي منا التركيز على المحاور الستة السابقة وغيرها مما أثبت به القرآن البعث والجزاء، وذلك من خلال رحلتنا المباركة مع القرآن وحبذا لو أفردنا ختمة أو أكثر لهذا الموضوع المهم، مع الاجتهاد في تجاوب المشاعر قدر الإمكان مع الحقائق التي تظهرها الآيات.\n٢ - تخصيص وقت للتفكر في آيات الله المبثوثة في الكون والاستدلال من خلالها على قدرة الله المطلقة، وعلى أن هناك نظام عادل ودقيق يحكم حركة الأشياء والمخلوقات، وأنه من اللازم أن يُطبق هذا النظام على البشر وهذا يستدعي وجود ملحق للحياة بعد الموت ... تأمل معي قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآَيَاتٍ لأُولِي الألْبَابِ - الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:١٩٠، ١٩١] فهؤلاء الصالحون قد قادهم التفكير في ملكوت السماوات والأرض إلى الوصول إلى حقيقة ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾، وأن هناك حسابًا ﴿سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.","vol":"1","page":58},{"text":"٣ - الالتزام بدعاء الاستفتاح عند قيام الليل والذي كان رسول الله ﷺ يقوله إذا قام الليل يتهجد: «اللهم لك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت قيّوم السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت رب السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد لك مُلك السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت مَلك السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت الحق، ووعدك الحق، وقولك الحق، ولقاؤك حق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق، ومحمد ﷺ حق، والساعة حق ...» (١).\nرابعًا: ومن النقاط الأساسية في برنامج دورة إعداد المعلمين:\nمدارسة وحفظ الأجزاء الثلاثة الأخيرة:\nحفظ آيات القرآن وسوره له دور كبير في تيسير الانتفاع بالقرآن، وكيف لا والحافظ يمكن أن يتلو القرآن في أي مكان لا يتيسر فيه وجود المصحف، وكذلك يقوم به في الصلاة.\nومع هذه الأهمية فإن حفظ الآيات لابد أن يكون بالطريقة التي كان يفعلها الصحابة، فهم يمثلون الجيل القرآني الذي تربى على يد رسول الله ﷺ، ومن ثمَّ فهم النموذج الصحيح الذي ينبغي أن يُحتذى به.\nيقول أبو عبد الرحمن السُّلمي التابعي والذي تتلمذ على يد كبار الصحابة:\nإنما أخذنا القرآن من قوم أخبرونا أنهم كانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يجاوزوهن إلى العشر الأخرى حتى يعلموا ما فيهن من العمل، فتعلمنا العلم والعمل جميعًا، وأنه سيرث القرآن من بعدنا قوم يشربونه شرب الماء، لا يجاوز هذا، وأشار إلى حنكه (٢).\nوفي رواية أخرى يقول أبو عبد الرحمن: «حدثنا الذين كانوا يُقرئوننا القرآن كعثمان بن عفان، وعبد الله بن مسعود وغيرهما أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي عشر آيات لم يتجاوزوها حتى يعلموا ما فيها من العلم والعمل. قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعًا» (٣).\nوغير ذلك من الأخبار الكثيرة التي وصلت إلينا، والتي تؤكد عدم حرص الصحابة على كمِّ الحفظ الذي يحفظونه بقدر حرصهم على فهم الآيات وتطبيق ما فيها من عمل تدل عليه، ويكفي أن عمر بن الخطاب ﵁ ظل يحفظ سورة البقرة في اثنتي عشرة سنة، أما ابنه عبد الله فحفظها في ثماني سنوات (٤) ...\nعلينا إذن أن نتبنى هذه الطريقة، وألا يكون همنا من الحفظ عدد الأجزاء التي سنحفظها، بل ما تحمله الآيات من معان إيمانية، وحقائق عقدية، وأحكام شرعية، وواجبات عملية، وهذا - بلا شك - سيثمر حفظًا قد يكون قليلًا، ولكن سيكون معه خير كثير ونفع عظيم، فمع الإيمان الذي سيزيد دومًا من خلال القرآن، ومع الطاقة والقوة الروحية المتولدة من القراءة اليومية، سيصبح من السهل علينا تعلم الآيات وتطبيق ما فيها من عمل.\nويُقترح لدورة إعداد المعلمين حفظ ومدارسة الأجزاء الثلاثة الأخيرة من القرآن مع التركيز على هذه الجوانب:\n١ - تعلم النطق السليم للآيات، وأحكام الترتيل.\n٢ - الحقائق الإيمانية التي تدل عليها الآيات.\n٣ - معنى ما أُشكل فهمه منها.\n٤ - معايشة الأجواء التي نزلت فيها ومعرفة سبب النزول.\n٥ - معرفة الأحكام الشرعية التي تتضمنها.\n٦ - استخلاص واجبات عملية تدل عليها، وحبذا لو كانت الواجبات قليلة حتى يتسنى القيام بها والتعود عليها، مع التأكيد بأننا ينبغي ألا ننتقل إلى آيات أخرى حتى نطبق تلك الواجبات، ولو استغرق ذلك بضعة أيام أو أسبوع.\n_________\n(١) متفق عليه.\n(٢) فضائل القرآن للفريابي، ص٢٤١.\n(٣) حديث القرآن عن القرآن لمحمد الراوي، ص١٨٥.\n(٤) انظر شعب الإيمان للبيهقي رقم (١٩٥٥)، (١٩٥٧).","vol":"1","page":59},{"text":"ومما يجدر الإشارة إليه أن معرفة غريب القرآن، وسبب نزول الآيات، والأحكام التي تدل عليها موجود -بفضل الله - في الكثير من كتب التفاسير حيث يمكن للقائمين على الدورة اعتماد بعضها في مجال الحفظ.\nيبقى تعلُّم الحقائق الإيمانية التي تدل عليها الآيات - وهو أهم جانب - ... هذه الحقائق تدور أغلبها حول جوانب الهداية في القرآن وهي:\n١ - التعرف على الله ﷿، والتعرف كذلك على واجبات العبودية نحوه سبحانه.\n٢ - التعرف على الرسول ﷺ والرسالة.\n٣ - التعرف على الإنسان (عقله - قلبه - نفسه).\n٤ - التعرف على الدنيا وكيف أنها دار امتحان، والتعرف على يوم الحساب والجنة والنار (قصة الوجود).\n٥ - التعرف على الشيطان وأساليب خداعه ووسوسته للإنسان.\n٦ - التعرف على السنن والقوانين الحاكمة للكون والحياة.\n٧ - التعرف على الكون المحيط بنا (عبوديته - علاقته بالبشر ....).\n٨ - التعرف على حقوق العباد بعضهم على بعض.\n٩ - التعرف على فقه الدعوة، ولماذا لا يتبع الناس الحق ..\n١٠ - التعرف على قصص السابقين وأخذ العبرة منها.\nعلى أن يكون تناول هذه الجوانب تناولًا يمزج الفكر بالعاطفة من خلال عرض الحقيقة الإيمانية، ومزجها بوسائل التأثير المختلفة كالقصة والمثل والموعظة.\nنموذج لاستخراج الجوانب الإيمانية من الآيات، وكذلك الواجبات العملية ..\nسورة الليل\nبسم الله الرحمن الرحيم\n﴿واللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى - وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى - وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى - إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى - فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى - وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى - فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى - وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى - وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى - فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى - وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى - إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى - وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَالأُولَى - فَأَنذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى - لاَ يَصْلاَهَا إِلاَّ الأشْقَى - الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى - وَسَيُجَنَّبُهَا الأتْقَى - الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى - وَمَا لأحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى - إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأعْلَى - وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾.\nهذه السورة تركز بشكل كبير على التعرف على الله ﷿، وأنه يملك كل شيء في هذا الكون ويقوم عليه بنفسه ... يدير حركة الحياة فيه، ويجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته ..\nوتركز كذلك على السنة الاجتماعية والقاعدة العريضة التي نصَّها: «البداية من العبد» ...\nوالسنن الاجتماعية تشبه المعادلات الرياضية أي أنها نتائج تترتب على بدايات ... كمثال قوله تعالى: ﴿إِن تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ [محمد: ٧] وقوله: ﴿نَسُوا اللهَ فَأَنْسَاهُمْ أنفُسَهُمْ﴾ [الحشر: ١٩].\nكذلك تركز السورة وتحث على الإنفاق وصنائع المعروف دون انتظار المقابل، ولكن ابتغاء وجه الله.\n﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى - وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى - وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى﴾\nمن هو الله؟!: الخالق المبدع الذي خلق الذكر والأنثى بهذا الإتقان والجمال والحكمة، خلق في الذكر ما يُعينه على ممارسة مهامه في الحياة، وفي الأنثى ما يؤهلها للقيام بدورها كزوجة وأم.\nالكون المحيط: كون مطيع لربه .. ففي كل يوم يغشى الليل الكون بظلمته .. لم يعترض يومًا أو يتأخر، وفي كل يوم يتجلى النهار بنوره وضيائه على الأرض.\n\n﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾\nمن هو الإنسان؟: الناس يتفاوتون في أعمالهم واتجاهاتهم، فمن عامل للدنيا، ومن عامل للآخرة.","vol":"1","page":60},{"text":"﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى - وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى - فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾\nمن هو الإنسان؟!: لديه قابلية للعطاء والتقوى والتصديق بالمعاد ... التقوى هي اللجام الذي يلجم به نفسه، وهي الدافع الذي يدفعه للإنفاق.\nالسنن الاجتماعية: هنا سنة مكتملة: فالعطاء والتقوى والتصديق أسباب ومقدمات لتيسير الأمور، وأنه سبحانه ينتظر من عباده قيامهم بهذه الأشياء لييسر لهم أمورهم، فهو الحي القيوم سريع الحساب.\n﴿وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى - وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى - فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾\nمن هو الإنسان؟!: الإنسان عندما يترك نفسه بدون تزكية، فإن لديه القابلية للبخل والاستغناء عن الله والتكذيب بالمعاد.\nالسنن الاجتماعية: هذا الإنسان بأفعاله ينطبق عليه قوانين المنع والتعسير، والله ﷿ لا يظلم الناس شيئًا ولكن الناس هم الذين يظلمون أنفسهم ... فالإنسان هو الإنسان، يمكنه أن يعيش في سعادة وتيسير إذا ما ألجم نفسه بالتقوى وأنفق من ماله، ويمكنه أن يعيش في ضنك وتعسير إذا ما أطلق الزمام لنفسه وسار وراء هواها وظن أن بمقدوره الاستغناء عن الله.\nمن هو الله؟: هو مدبر الأمور، بيده مقاليد كل شيء، وبيده تيسير الأمور -أي أمور- إن شاء جعل الحَزن (المكان المرتفع)، سهلًا منبسطًا هينًا.\nوتيسير العسير لديه يسير، وهو العدل يجازي بالإحسان إحسانًا، ويزيد عليه منة وغفرانًا وتيسيرًا وإكرامًا.\nوكذلك بيده أن يعاقب البخلاء فيُعسِّر أمورهم ويضيق عليهم، حتى يعودوا إليه ويطرقوا بابه ... وهو سبحانه إذ يبين لنا حال الفريقين ينبهنا – رحمة بنا وحبًا لنا – إلى ما فيه الخير والصلاح لنا ... فالآيات تحمل لنا رسالة تقول: أنفقوا وتصدقوا – من رزقي ومالي – أُيسِّر لكم أموركم وأسهلها لكم وأوسع عليكم، ولا تبخلوا فأعاقبكم بالتضييق والتعسير، فالبداية منكم.\n- من المناسب هنا أن يتم عرض نماذج قصصية للتيسير الإلهي للمنفق، وكذلك التعسير للبخيل: كقصة الرجل الذي سمع صوتًا في سحابة يأمرها بالإمطار على أرض فلان، وتتحرك السحابة إلى مكان ما وتمطر فيه .. وكان ذلك بسبب دوام وكثرة إنفاق صاحب الأرض.\n- وكذلك ضرب نماذج لإنفاق الرسول ﷺ والصحابة وعلى رأسهم أبو بكر الصديق ...\n﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾\nمن هو الإنسان؟: ضعيف، مسكين، قليل الحيلة، ضيق الأفق، فهو يظن أن أمواله تنفعه، أو تصرف عنه الأذى والهم، فتراه يهلك نفسه في جمع المال وكنزه، بينما يكتشف الحقيقة المرة يوم القيامة وأنها لا تغني عنه شيئًا إذا ما وقع في النار وتردى فيها، فهيهات أن ينجيه ماله ..\nونموذج طغيان المال يتمثل في صاحب الجنتين، وقارون، فهل نفعهما المال؟!\n﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى﴾\nمن هو الله؟!: الله سبحانه هو الهادي، هو الذي يبين لعباده – بفضله وكرمه – طريق الخير والهدى الذي يوصل إلى جنته ورضوانه.\nوالآية تؤكد وتجزم بأن الهداية من عند الله وحده، ومع ذلك فلابد أن نوقن بأن الله ﷿ يهدي مَن عنده رغبة في الهداية، ويريدها ويبحث عنها (البداية من العبد).\nأما من لا يريدها ولا يبحث عنها فما أبعد الهداية عنه ﴿فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللهُ﴾.\n- وحبذا لو تم عرض قصة فرعون والسحرة؛ فقد رأوا جميعًا الآيات وانقلاب العصا إلى حية عظيمة، فكانت النتيجة إيمان السحرة، وكفر فرعون، فالسحرة رأوا آية تدل على الله، فرغبوا في الله فهداهم، وفرعون رأى آية تدل على الله فخاف على ملكه وسلطانه واستغنى عن الله، فتركه الله لضلاله وكفره.\n﴿وَإِنَّ لَنَا لَلآَخِرَةَ وَالأُولَى﴾","vol":"1","page":61},{"text":"من هو الله؟: هو مالك الملك، يؤتيه من يشاء، وينزعه ممن يشاء ... نعم، لا ينزعه من أحد ظلمًا – حاشاه – فالبداية دومًا تكون من العبد ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الأنفال:٥٣].\nيملك سبحانه الدنيا، ويملك الآخرة ... يدبر الأمر، وبيده مقاليد الأمور.\n﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى﴾\nمن هو الله؟!: يحب عباده ويشفق عليهم من أن يدخلوا النار، لذلك فهو يحذرهم منها، ويهول لهم شأنها فهي «تلظى»، وهذا يدل على استمرارية استعارها والتهابها ... كل ذلك ليجتنبوا كل ما يوقعهم فيها.\n﴿َلا يَصْلاَهَا إِلاَّ الأشْقَى﴾\nمن هو الإنسان؟!: قد يصل في شقاقه وعصيانه لله ورسوله إلى درجة الشقاء – نسأل الله العافية-.\nمن هو الله؟!: الله الودود الذي يطمئن عباده بأن النار لن تكون إلا للأشقياء المكذبين.\n﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأتْقَى - الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾\nمن هو الإنسان؟: كما أنه قد يكون- بأفعاله شقيًا أو أشقى- فقد يكون تقيًا أو أتقى (أي شديد التقوى)، وهنا تعطيه الآية الأمان من النار (سيجنبها)، ثم تعرف الآية بأهم سمة للأتقى بأنه الذي يسعى دومًا في تزكية نفسه من خلال دوام إنفاقه، فالأفعال في الآية بصيغة المضارع (يؤتي – يتزكى) وهي تدل على استمرارية الإنفاق لحاجة النفس دومًا إلى التزكية.\nوفي الآية دلالة واضحة على أن ثمرة التقوى الحقيقية هي دوام الإنفاق، ودلالة كذلك على أن من أهم وسائل تزكية النفس دوام الإنفاق.\n- من المناسب أن يُذكر هنا حديث مثل المنفق والمتصدق وجُبَّتا الحديد (القصة).\nالسنن الاجتماعية: في الآيات الأربع السابقة تتحقق السنة الاجتماعية (البداية من العبد):\n- نارًا تلظى .. من يصلاها؟ الأشقى الذي كذب وتولى.\n- سيجنبها؟ الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى.\nقصة الوجود: الدنيا مكان للاختبار والامتحان، والآخرة دار للجزاء، وأن النجاح في مادة العطاء (المال) يتحقق بإنفاقه في أوجه الخير، والرسوب في هذه المادة يتحقق بالبخل وعدم الإنفاق.\nوكذلك من كذب وتولى عن الله وعن الإنفاق فالنار مصيره.\nومن يتقى الله ويزكي نفسه ويداوم على الإنفاق فسيجنبه الله دخول النار ويكرمه بالجنة فضلًا منه وكرمًا ﴿وَمَا لأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى - إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأعْلَى - وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾.\nواجبات العبودية: من حق الله على عباده أن تكون أعمالهم ابتغاء وجهه الأعلى، فعليهم أن ينفقوا أموالهم ولا ينتظروا أي مقابل ممن يعطونهم، بل يكون هدفهم أن يراهم الله وهم ينفقون فيرضى عنهم.\nمن هو الله؟: الكريم المعطي الذي يُرضي عباده ... فالذي ينفق من ماله ابتغاء رضاه سبحانه عنه، فهذا لا يرضيه المال، فلو جازاه الله بزيادة أمواله لأنفقها أيضًا ... هذا العبد الصالح سيرضيه الله بما يرضيه ... سيرضيه بالسعادة والطمأنينة والرضى عن الله ومعرفته والأنس به في الدنيا، والقرب في الآخرة.\nدروس مستفادة:\n١ - الإنفاق في سبيل الله وسيلة أكيدة لتيسير الأمور وفتح المغاليق وتفريج الكروب.\n٢ - الإنفاق وسيلة عظيمة لتزكية النفس.\n٣ - البخل والشح سبب لضيق الصدر والمعيشة الضنك وتعسير الأمور.\n٤ - البداية دومًا تكون من العبد في تحصيل الهداية أو السعادة أو الشقاء في الدنيا، والجنة والنار في الآخرة.\nواجبات عملية:","vol":"1","page":62},{"text":"١ - التعود على الإنفاق بصفة مستمرة، وحبذا لو كانت الصدقة يومية، وكلما بكرنا بها كانت الفائدة أعم وأوسع، فما من يوم ينشق فجره إلا وملكان يناديان يُسمعان جميع الخلائق إلا الثقلين ويقول أحدهما: «اللهم أعط منفقًا خلفًا» ويقول الآخر: «اللهم أعط ممسكًا تلفًا».\nوحبذا لو خصصنا صندوقًا للصدقة نضع فيه ما نتصدق به كل يوم، ثم نعطي ما فيه للمحتاجين كل عدة أيام.\n٢ - الإنفاق قبل أي أمر نريد إنجازه وتَيَسّره مثل: إنهاء معاملة رسمية - إصلاح بين الناس - قبل الاختبارات ...\n٣ - الإنفاق أيضًا عند الوقوع في أي ذنب أو تقصير، لأن الذنب يوقع العبد في دائرة الغضب الإلهي ويجعله عرضة للعقوبة، أما الصدقة فهي تطفئ غضب الرب وبالتالي تتوقف العقوبة «صدقة السَّر تطفئ غضب الرب» كما ورد في الحديث (١).\nكلمة أخيرة: عاش الصحابة مع سورة الليل وتعلموا منها أهمية الإنفاق فكان من سماتهم الأساسية كثرة الإنفاق بلا حساب ... إنفاق من لا يخشى الفقر (٢).\n\nمسابقات واختبارات:\nومما يساعد على ترسيخ هذه الطريقة والتعود عليها أن نربط التشجيع والجوائز لمن يتفوق في استخراج ما في الآيات من معان إيمانية، وأعمال سلوكية، بجوار الحفظ.\nفعلى سبيل المثال:\nلو أجرينا مسابقة حول سورة النبأ فيمكن تضمينها الآتي:\n١ - تناولت السورة إثبات حقيقة حدوث البعث واليوم الآخر بأدلة عقلية منظورة ... اذكرها.\n٢ - تناولت السورة مظاهر عديدة للقدرة المطلقة لله ﷿ ... ما هي؟!\n٣ - تناولت السورة مظاهر كثيرة تبين مدى حب الله لعباده ... اذكر خمسًا منها.\n٤ - اذكر معاني الكلمات الآتية: المعصرات - مرصادًا - دهاقًا - ثجاجًا.\n٥ - أشارت السورة إلى حقيقة إيمانية عظيمة وهي أن الدنيا دار امتحان ... اذكر الآيات التي تدل على ذلك، مع التعليق عليها.\n٦ - أكمل حتى نهاية السورة: إن للمتقين مفازًا .....\n٧ - اذكر بعضًا من الأعمال التي يمكننا أن نقوم بها من خلال دراستك للسورة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-58>التقييم:</span>\nخلال مدة الدورة وما سيتم فيها من معايشة لأفرادها، والتعامل معهم في النقاط الأربع: (وضوح الرؤية حول القرآن - المداومة والإكثار من تلاوة القرآن - بناء الإيمان من خلال القرآن - مدارسة وحفظ الأجزاء الثلاثة الأخيرة)، ومع الاختبارات والتقويم المستمر لهذه النقاط ستظهر بوضوح مستويات الأفراد ومدى تفاعلهم مع القرآن، والتغيير الذي سيطرأ عليهم، والذي سيظهر بوضوح في التعامل مع الدنيا (تجاف)، والآخرة (إنابة)، والموت (استعداد).\nوسيظهر كذلك التفاعل والتغيير من خلال الأسئلة التي يطرحونها، والخواطر الإيمانية التي تسيطر عليهم، ويتحدثون بها.\nوبعد نهاية مدة الدورة من المتوقع أن نجد أمامنا هذه الأصناف:\nالصنف الأول: أفراد تأثروا وانتفعوا بالقرآن، إلا أنه لم يهيمن عليهم هيمنة تامة ولم يصلوا لمرحلة مداومة تلاوته وعدم إمكانية الصبر عن تلاوته بفهم وتأثر، ومن ثمَّ لم يُحدث تغييرات جوهرية فيهم.\nهؤلاء من الصعب أن يقوموا بمهمة التدريس للأفراد الجدد. ويكفي ما وصلوا إليه من حبهم للقرآن.\nالصنف الثاني: أفراد تأثروا وانفعلوا وهيمن عليهم القرآن هيمنة صحيحة، وأحدث فيهم التغيير المطلوب، لكن ليست لديهم الإمكانية لنقل المعلومة، والتدريس، والتأثير في الناس.\nهؤلاء يمكن الاستفادة بهم في الأعمال الإدارية الخاصة بالمراكز القرآنية.\nالصنف الثالث: مثل الصنف الثاني، ولكن لديهم الإمكانية لتعليم الآخرين.\nهؤلاء يتم تقسيمهم لقسمين حسب المستوى:\n_________\n(١) صحيح الجامع الصغير ح (٣٧٥٩).\n(٢) يمكن الرجوع إلى كتاب «حياة الصحابة» للكاندهلوي - باب إنفاق الصحابة - ونتعرف على أخبارهم في الإنفاق ليزداد المعنى رسوخًا.","vol":"1","page":63},{"text":"قسم منهم (الأكفأ والأكثر تأثرًا وتغيُّرًا) يقوم بمهمة إعداد المدرسين الجدد، والإشراف الكامل على دورة جديدة لإعداد المعلمين.\nوالقسم الآخر يتولى الإشراف والتدريس على<span data-type=\"title\" id=toc-59> الحلقات القرآنية</span>.\nالحلقات القرآنية:\nيقوم بالإشراف عليها وإدارتها أحد الذين تخرجوا من دورة إعداد المعلمين وتمت إجازتهم لإدارة حلقة قرآنية.\nمع الأخذ في الاعتبار أن هذه الحلقة ينبغي ألا تكتفي بالتحفيظ فقط، بل هي نموذج مصغر لدورة إعداد المعلمين.\nفيتم فيها توضيح الرؤيا حول طبيعة القرآن كرسالة ومعجزة وكيفية الانتفاع به بصورة مبسطة.\nويتم فيها متابعة القراءة اليومية للقرآن بفهم وتأثر.\nويتم فيها طرح المواضيع الإيمانية ليتم بناء الإيمان من خلال القرآن - كما أسلفنا - ويتم فيها كذلك مدارسة آيات القرآن وحفظها بطريقة «الإيمان قبل القرآن» والتي تمت الإشارة إليها سابقًا.\nوحبذا لو كانت البداية من الجزء الثلاثين. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-60>صغار السن والقرآن:</span>\nبالنسبة للصغار فالتجارب تقول بأنهم يمكنهم أن يدركوا المعنى العام للآيات بصورة مبسطة، وذلك من سن الخامسة أو السادسة، مثلما لديهم المقدرة على التعلم في المدرسة والحضانة، وكذلك فهم الأفلام الكرتونية وغيرها.\nنعم، علينا أن نخاطبهم على قدر عقولهم ومستوى فهمهم، فإدراكهم محدود، ولكن مع هذا الإدراك المحدود فإن فطرتهم السليمة تؤهلهم لقبول الحقائق الإيمانية بسهولة ويسر، فلنستفد من ذلك في غرس المعاني التي نريدها ليتعلموا الإيمان قبل القرآن، وعلينا ألاّ نسرف في كم الحفظ الذي يأخذونه، فيكفي بضع آيات كل عدة أيام تُشرح لهم بطريقة مبسطة، وتُعرِّفهم بربهم وبنبيهم، وبأنفسهم، وبعدوهم، وبدنياهم، وآخرتهم ...، وليأخذوا منها الجانب العملي البسيط ثم يُتابعوا بعد ذلك في أدائه.\nوشيئًا فشيئًا، وبتكرار المعاني في الآيات، سيزداد كم الحفظ المصاحب للمعنى ليتخرجوا بعد ذلك حفاظًا للقرآن كله أو بعضه، حاملين له حملًا حقيقيًا.\nمعنى ذلك أننا إذا ما بدأنا مع الأولاد من سن الخامسة أو السادسة في الجزء الثلاثين فقد نستمر معهم فيه سنتين أو أكثر، نُعلِّمهم فيه الإيمان، ونربطهم بالله ﷿، فإذا ما حفظوا الآيات رسخت المعاني داخلهم أكثر وأكثر فيزداد إيمانهم، ويعظم قدر الله في نفوسهم.\nولقد كانت هذه الطريقة السائدة في عهد النبي ﷺ يقول جندب بن عبد الله: كنا مع النبي ﷺ ونحن فتيان حزاير فتعلمنا الإيمان قبل القرآن، ثم تعلمنا القرآن فازددنا إيمانًا (٢)، وهذا ما جعلهم يمكثون مدة طويلة في حفظ السورة كما قال ابن تيمية.\nومن المناسب استخدام أساليب التشويق والإثارة في تعليمهم الإيمان ليزداد حبهم لله ولكتابه مثل: القصة - ضرب الأمثال - الأناشيد - التشجيع - المسابقات - الرحلات - المواد الإعلامية خاصة المرئية.\nوحبذا لو تم اختيار المدرسين - الذين اجتازوا الدورة - ممن لديهم الإمكانات والمواهب التي تؤهلهم للتعامل مع هذا السن دون تذمر أو تضجر.\n* * *\n_________\n(١) نسأل الله ﷿ أن يتم علينا فضله ويكرمنا بالانتهاء من كتابة خواطر إيمانية للجزء الثلاثين، يتناول جوانب الهداية العشرة والدروس المستفادة والواجبات العملية، يستأنس بها المعلم في حلقته القرآنية.\n(٢) رواه ابن ماجه بإسناد حسن، وحزاير جمع حزير، وهو الشاب الممتلئ نشاطًا وقوة.","vol":"1","page":64},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-61>الفصل السابع\nتساؤلات وردود</span>\n- قراءتين للقرآن.\n- أيهما أفضل؟\n- الحد الأقصى لختم القرآن.\n- المقصود بـ (اقرأ وارق).\n- الشيطان والقرآن.\n- الذي يتعتع له أجران.\n- التعمق في التدبر.\n- التلقي المباشر من القرآن.\n- المحافظة على الحفظ.\n- تأثر غير العرب بالقرآن.\n- الذنوب وأمراض القلوب.\n- لا أجد أثرًا!!\n- مكانة السنة.","vol":"1","page":65},{"text":"تساؤلات وردود\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-62>تمهيد:</span>\nوإتمامًا للفائدة، فقد تم إلحاق هذا الفصل بالكتاب والذي يحوي ردودًا على بعض التساؤلات، التي من المتوقع أن تقفز إلى أذهان البعض حول طريقة التعامل مع القرآن، وكيفية تحويل الوجهة نحو الانتفاع الحقيقي به، خاصة أن تاريخ هجر القرآن كرسالة هادية ومعجزة تغييرية يمتد إلى عدة قرون سابقة، ومن ثمّ فليس من السهل على النفس الانتقال مما ألفته وتعودت عليه من القراءة السريعة، أو العابرة إلى القراءة الهادئة المترسلة المتباكية التي تراعي الفهم والتأثر.\nوقبل أن نبدأ في سرد تلك التساؤلات والإجابة عنها، نجد أنه من الضروري التذكير بأمر هام وهو أننا في هذه الصفحات نتحدث عن القرآن كنقطة بداية لمشروع نهضة الأمة جمعاء، وكيفية سد الفجوة بين العلم والعمل من خلاله، وإيقاد شعلة الإيمان في القلب، والوصول لحالة الانتباه واليقظة، وتوليد الدافع الذاتي والطاقة الروحية باستمرار.\nوهذا بلا شك لا يمكن حدوثه من خلال الطريقة التي نتعامل بها حاليًا مع القرآن والتي تهتم بالشكل فقط.\n\nالسؤال الأول\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-63>قراءتان للقرآن</span>\n- سمعنا وقرأنا أن بعض السلف كان يخصص ختمتين للقرآن ... ختمة للقراءة السريعة من أجل تحصيل الأجر والثواب، وختمة للتدبر فلماذا لا نفعل ذلك فنجمع بين الأمرين سويًا؟!\nالجواب:\nهذا السؤال من أكثر الأسئلة شيوعًا، والإجابة عليه تتضمن عدة نقاط.\nأولًا: نحن هنا نتحدث عن الانطلاقة الحقيقية لمشروع نهضة الأمة، الذي يتمثل في كيفية الاستفادة من القرآن كمصدر دائم ومتفرد لتوليد القوة الروحية في كيان المسلم، ومن البديهي أن الذي يقرأ قراءة سريعة بغية تحصيل أكبر قدر من الحسنات فقط لن يتم له الفهم أو التأثر، ومن ثمَّ لا يتحقق له الانتفاع الحقيقي بالقرآن.\nثانيًا: نحن نحتاج إلى المعجزة القرآنية وقدرتها على التأثير في مشاعر الإنسان وقلبه، وتوليد القوة الروحية فيه، وكل ذلك يستدعي استمرارية تعرُّض القلب للقرآن، أي تكرار القراءة اليومية، فإذا ما جعلنا ختمة التدبر مفتوحة الزمن، لا نلتزم بها كل يوم فإننا بذلك نكون قد فقدنا أهم مزية للقرآن، ومن ثمَّ لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يصبح القرآن هو المخرج مما نحن فيه، وكيف لا وقد ابتعد المرء عن الاستفادة من دوره الخطير في التغيير.\nثالثًا: إن كان الماء هو مادة الغيث الذي يسقي الأرض فيحييها بعد موتها، وينبت فيها الزرع، فإن القرآن هو مادة الغيث الذي يسقي القلب بأسباب حياته، فينبت فيه الإيمان، كما ورد في الدعاء: «اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا» وربيع: أي غيث.\nفإن لم تتعرض الأرض للماء باستمرار فإنها لن تُنبت شيئًا، وكذلك القلب إن لم يتعرض للقرآن باستمرار فلن ينبت فيه الإيمان الحي اليقظ، ولن تظهر ثماره المرجوة.\nرابعًا: إن فعلنا - كما يقول السائل -هذا فمن المتوقع أن نكون الختمة السريعة هي الغالبة علينا لأنها لا تكلفنا شيئًا، ولأنها تشعرنا بالرضا عن النفس وتحقيق الذات وذلك كلما انتهينا من قراءة سورة أو جزء من القرآن .. أما ختمة التدبر فهي تحتاج إلى إعداد ذهني وقلبي وقراءة هادئة مترسلة و.....، وهذا بلاشك لا يُريح النفس وستحاول التهرب منه، والتسويف في القيام به باعتبار أن هناك بابًا آخر للقراءة السريعة المريحة مفتوح أمامها.\nأما إذا أغلق هذا الباب فلن تجد النفس مناصًا من القراءة الهادئة التي تبحث عن الفهم والتأثر.","vol":"1","page":66},{"text":"خامسًا: لم يرد عن رسول الله ﷺ ولا عن صحابته الكرام أنهم كانوا يخصصون ختمة للتدبر وختمة للقراءة السريعة، بل هي ختمة واحدة تبحث عن الفهم والتأثر .. ومعلوم أن رسول الله ﷺ قدوتنا، وفعل الصحابة هو النموذج الصحيح الذي أقره رسول الله ﷺ.\nقيل للسيدة عائشة ﵂: إن أناسًا يقرأ أحدهم القرآن في ليلة مرتين أو ثلاثًا، فقالت: قرؤوا ولم يقرؤوا، كان رسول الله ﷺ يقوم ليلة التمام فيقرأ سورة البقرة، وسورة آل عمران، وسورة النساء لا يمر بآية فيها استبشار إلا دعا الله تعالى ورغب، ولا يمر بآية فيها تخويف إلا دعا واستعاذ. (١)\nوسأل رجل زيد بن ثابت: كيف ترى قراءة القرآن في سبع؟ فقال زيد: حسن، ولئن اقرأه في نصف شهر أو عشرين أحب إليَّ لكي أتدبره وأقف عليه (٢).\nوعن ابن جمرة قال: قلت لابن عباس: إني سريع القراءة وإني اقرأ القرآن في ثلاث، فقال: لأن أقرأ البقرة في ليلة فأدَّبرها وأرتلها أحب إليَّ من أن أقرأ كما تقول (٣).\n\nالسؤال الثاني\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-64>أيهما أفضل</span>؟!\n- من الملاحظ أن الكثير من المسلمين عندما يدخل عليه شهر رمضان تراه وقد شمر عن ساعديه محاولًا تحصيل أكبر قدر من الحسنات من خلال أدائه لعبادات كثيرة، ويأتي على رأسها قراءة القرآن، فتجده وقد حدد لنفسه هدفًا بأن يختم القرآن عدة مرات خلال هذا الشهر دون الاهتمام بفهم ما يقرأ فضلًا عن التأثر به ... فهل الأفضل له أن يفعل ذلك، أم أن القراءة الهادئة المتأنية التي تبحث عن الفهم والتدبر والتأثر دون النظر لعدد الختمات هي الأفضل؟!\nالجواب:\nيجيب عن هذا التساؤل الإمام ابن القيم في كتابه زاد المعاد فيقول ﵀:\nوقد اختلف الناس في الأفضل: الترتيل وقلة القراءة، أو السرعة مع كثرة القراءة، أيهما أفضل ... على قولين:\nفذهب ابن مسعود وابن عباس ﵄ وغيرهما إلى أن الترتيل والتدبر مع قلة القراءة أفضل من سرعة القراءة مع كثرتها. واحتج أرباب هذا القول بأن المقصود من القراءة فهمه وتدبره والفقه فيه والعمل به، وتلاوته وحفظه وسيلة إلى معانيه، كما قال بعض السلف: نزل القرآن ليعمل به، فاتخذوا تلاوته عملًا، ولهذا كان أهل القرآن هم العالمون به، والعاملون بما فيه، وإن لم يحفظوه عن ظهر قلب، وأما من حفظه ولم يفهمه ولم يعمل بما فيه فليس من أهله وإن أقام حروفه إقامة السهم.\nوقالوا: ولأن الإيمان أفضل الأعمال، وفهم القرآن وتدبره هو الذي يُثمر الإيمان، وأمامجرد التلاوة من غير فهم ولا تدبر، فيفعلها البرُّ والفاجر، والمؤمن والمنافق، كما قال النبي ﷺ: «ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة، ريحها طيب وطعمها مر» [رواه البخاري].\nوالناس في هذا أربع طبقات، الأولى: أهل القرآن والإيمان، وهم أفضل الناس. والثانية: من عَدِم القرآن والإيمان. والثالثة: من أُوتي قرآنا، ولم يُؤت إيمانًا. والرابعة: من أُوتي إيمانًا ولم يؤت قرآنًا.\nقالوا: فكما أن من أُوتي إيمانًا بلا قرآن أفضل ممن أُوتي قرآنًا بلا إيمان، فكذلك من أُوتي تدبرا، وفهمًا في التلاوة أفضل ممن أُوتي كثرة قراءة وسرعتها بلا تدبر. وهذا هدي النبي ﷺ، فإنه كان يرتل السورة حتى تكون أطول من أطول منها، وقام بآية حتى الصباح.\n_________\n(١) أخرجه الإمام أحمد، وأبو يعلى، وابن المبارك في الزهد.\n(٢) مختصر قيام الليل لمحمد بن نصر، ص (١٤٩).\n(٣) فضائل القرآن لأبي عبيد الهروي، ص (١٥٧).","vol":"1","page":67},{"text":"وقال أصحاب الشافعي ﵀: كثرة القراءة أفضل، واحتجوا بحديث ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول الم حرف ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف» [رواه الترمذي].\nقالوا ولأن عثمان بن عفان قرأ القرآن في ركعة (١)، وذكروا آثارًا عن كثير من السلف في كثرة القراءة.\nوالصواب في المسألة أن يُقال: إن ثواب الترتيل والتدبر أجلّ وأرفع قدرًا، وثواب كثرة القراءة أكثر عددًا، فالأول: كمن تصدق بجوهرة عظيمة، أو أعتق عبدًا قيمته نفيسة جدًا، والثاني: كمن تصدق بعدد كثير من الدراهم، أو أعتق عددًا من العبيد قيمتهم رخيصة، وفي صحيح البخاري عن قتادة قال: سألت أنسًا عن قراءة النبي ﷺ، فقال: كان يمد مدًا.\nوقال شعبة: حدثنا أبو جمرة، قال: قلت لابن عباس: إني رجل سريع القراءة، وربما قرأت القرآن في ليلة مرة أو مرتين، فقال ابن عباس: لأن أقرأ سورة واحدة أعجب إلي من أن أفعل ذلك الذي تفعل، فإن كنت فاعلًا ولابد، فاقرأ قراءة تُسمع أذنيك ويعيها القلب.\nوقال ابن مسعود: لا تَهُذُّوا القرآن هذَّ الشعر، ولا تنثروه نثر الدقل، وقفوا عند عجائبه، وحركوا به القلوب، ولا يكنُّ هم أحدكم آخر السورة ....\nانتهى كلامه ﵀، ولعلك أخي القارئ قد أدركت الفرق بين الطريقتين.\nأين الثمرة؟\nهذا من ناحية ومن ناحية أخرى فقد جربنا القراءة السريعة، وكان هم الواحد منا الانتهاء من ختم القرآن، بل وكان بعضنا يتنافس في عدد المرات التي يختمه فيها خاصة في رمضان، فأي استفادة حقيقية استفدناها من ذلك؟ وماذا غيّر فينا القرآن؟!\nإن القرآن باللسان فقط دون مشاركة العقل بالفهم، والقلب بالتأثر، كالنخالة كبيرة الحجم قليلة الفائدة.\nيقول علي ابن أبي طالب ﵁: لا خير في قراءة ليس فيها تدبر.\nوقال الحسن البصري: كيف يرق قلبك وإنما همك آخر السورة؟!\nويؤكد على هذا المعنى الآجري في كتابه «أخلاق حملة القرآن» فيقول:\nوالقليل من الدرس للقرآن مع التفكر فيه وتدبره أحب إلي من قراءة\nالكثير من القرآن بغير تدبر ولا تفكر فيه، وظاهر القرآن يدل على ذلك، والسنة، وقول أئمة المسلمين.\nولقد سئل مجاهد عن رجل قرأ البقرة وآل عمران، ورجل قرأ البقرة قراءتهما واحدة وركوعهما، وجلوسهما ... أيهما أفضل؟ قال: الذي قرأ البقرة، ثم قرأ ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ [الإسراء:١٠٦] (٢).\n_________\n(١) هذا الأثر ضعفه الترمذي، ووافقه الألباني، ومما يؤكد ذلك أيضًا أن الأخبار الكثيرة الواردة عن الصحابة تؤكد أنهم كانوا يقرأون القرآن بترتيل وترسل، وكانوا يوصون من بعدهم بذلك .. قال الألباني: ولقد أحسن الإمام الترمذي برواية هذا الخبر والذي بعده «خبر عثمان بن عفان وخبر سعيد ابن جبير» بصيغة التضعيف، لأن الركعة مهما طالت لا يمكن أن يقرأ فيها القرآن الكريم كاملًا، فضلًا عما في ذلك من مخالفته لسنة رسول الله ﷺ في الركوع والسجود والقيام، وحاشا لسيدنا عثمان أن يفعل مثل ذلك، ضعيف الترمذي للألباني ص (٣٥٧).\n(٢) أخلاق حملة القرآن للآجري ٨٣.","vol":"1","page":68},{"text":"الحافز القوي:\nإن كان الهدف من قراءة القرآن هو تحصيل الحسنات فقط لبحثنا عن أعمال أخرى أكثر ثوابًا منه، ولا يستغرق أداؤها وقتًا طويلًا كالتسبيح مثلًا (١). ولكن أمر القرآن غير ذلك، فلقد أنزله الله ليكون وسيلة للهداية والتغيير، وما الأجر والثواب المترتب على قراءته إلا حافز يشحذ همة المسلم لكي يقبل على القرآن، فينتفع من خلال هذا الإقبال بالإيمان المتولد من الفهم والتأثر، فينصلح حاله ويقترب من ربه.\nومثال ذلك: الأب الذي يُحفِّز ابنه على مذاكرة دروسه من خلال رصد الجوائز له ...\nيقينًا إن هدفه من خلال رصده لهذه الجوائز هو انتفاع ابنه بالمذاكرة، وليس مقصده مجرد جلوسه أمام الكتاب دون مذاكرة حقيقية.\nولله المثل الأعلى، فلأنه سبحانه يحب عباده ويريد لهم الخير أنزل إليهم هذا الكتاب الذي يجمع بين الرسالة والمعجزة ... ولكي يستمر تعاملهم معه ومن ثمَّ يستمر انتفاعهم بما يُحدثه هذا الكتاب من تغيير في داخلهم يدفعهم لسلوك طريق الهدى، كانت الحوافز الكثيرة التي تُرغّبهم وتحببهم في دوام الإقبال عليه، ومنها أن لهم بكل حرف يقرؤونه عشر حسنات.\nأيهما أحب إلى الله؟!\nولنسأل أنفسنا هذا السؤال: أيهما أحب إلى الله: أن نقرأ القرآن كثيرًا، بألسنتنا فقط دون تفهم لخطابه، ولا تجاوب معه، أم القراءة الهادئة المرتلة التي يفهم من خلالها القارئ مراد الله من خطابه ويتأثر به.\nأليس الأحب إلى الله هي الصورة الثانية، ومن ثمَّ يكون الأجر والثواب مصاحبًا لها أكثر وأكثر من الصورة الأولى؟!\nهذا من جانب، ومن جانب آخر، فإن القراءة الهادئة المرتلة بفهم وتأثر تزيد الإيمان، وتولد الطاقة والقوة الدافعة للقيام بالأعمال الصالحة، فيترتب على القيام بهذه الأعمال الأجر والثواب الكبير، وهذا لا يحدث مع القراءة السريعة ... قراءة الحنجرة فقط.\nرمضان والقرآن:\nفإن قلت: لنجعل القراءة الهادئة المتأنية التي تراعي الفهم والتأثر في غير رمضان، أما خلال هذا الشهر فينبغي أن ننتهز فرصة مضاعفة ثواب الأعمال فيه فنقرأ أكبر قدر ممكن من القرآن ...\nنعم، رمضان فرصة عظيمة للانطلاقة القوية، وذوق حلاوة الإيمان من خلال القرآن.\nنعم، رمضان يصلح كنقطة بداية لمن يشكو عدم وجود همة ورغبة في التعامل مع القرآن بتدبر وتأثر ..\nأما أن يكون التعامل مع القرآن في رمضان بطريقة تبحث عن الأجر فقط، ومن ثمَّ لا تراعي الهدف الذي نرجوه فهذا معناه أن نظل في أماكننا ندور في حلقة مفرغة حول أنفسنا، فقراءة القرآن بفهم وتأثر ينبغي أن تصاحبنا طيلة العام، بل إن الحاجة إليها تشتد أكثر وأكثر في شهر رمضان باعتبار أنه فرصة جيدة ومناخ مناسب لإحياء القلب بالإيمان، ولنعلم جميعًا أننا لو ختمنا القرآن في رمضان ختمة واحدة ... بتفهم وتأثر فإن أثرها، والثواب المترتب عليها سيكون- بمشيئة الله- أفضل من عشرات الختمات بدون فهم وتأثر.\nيقول ابن القيم:\nلو علم الناس ما في قراءة القرآن بالتدبر لاشتغلوا بها عن كل ما سواها، فقراءة آية بتفكر خير من ختمة بغير تدبر وتفهم، وأنفع للقلب، وأدعى إلى حصول الإيمان وذوق حلاوة القرآن ... (٢)\n\nالسؤال الثالث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-65>الحد الأقصى لختم القرآن</span>\n- بلغنا أنه ينبغي للمسلم أن يختم القرآن على الأكثر مرة كل شهر أو كل أربعين يومًا، ولو تأخر عن ذلك لأصبح هاجرًا للقرآن.\n_________\n(١) قال ﷺ: «من قال سبحان الله وبحمده، في يوم مائة مرة، حُطَّت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر» متفق عليه.\n(٢) مفتاح دار السعادة ١/ ٥٥٣.","vol":"1","page":69},{"text":"فإن فعلنا ذلك فقد يدفعنا هذا الأمر إلى سرعة قراءة القرآن للانتهاء من ختمة في المدة المحددة، ومن ثمَّ فلن نردد الآية التي تؤثر فينا، ولن نتوقف عند المعاني العظيمة التي يولدها التدبر والتأثر ... فكيف نوفِّق بين الأمرين؟\nالجواب:\nمن الضروري - إن أردنا الانتفاع بالقرآن - أن ننشغل بتلاوته، وألا يمر يوم لا نقرأه فيه مهما كانت الظروف، بل إننا نطمع أن نصل لمرحلة تلاوته آناء الليل وأطراف النهار، وألا نستطيع الصبر عنه، وألا نشبع منه كما كان حال الصحابة رضوان الله عليهم.\nومع هذا الانشغال فلا ينبغي علينا أن نشغل أذهاننا بمدة ختمه، فلا يوجد دليل صريح يبين الحد الأقصى لختم القرآن.\nفإن قلت: ولكنه ﷺ لما سأله عبد الله بن عمرو بن العاص: في كم يقرأ القرآن؟ قال: «في أربعين يومًا» (١).\nيقول محمد أبو شهبة - ﵀ - في رده على هذه المسألة:\nوليس في الحديث ما يدل على كراهة الختم في أكثر من أربعين، والعبارة ليست حاصرة حتى يكون ما عداها ليس من سنته (٢).\nومما يؤكد ذلك هو فعل الصحابة رضوان الله عليهم.\nأخرج ابن أبي داود عن مكحول قال: كان أقوياء أصحاب رسول الله ﷺ يقرءون القرآن في سبع، وبعضهم في شهر، وبعضهم في شهرين، وبعضهم في أكثر من ذلك (٣).\nوليس معنى هذا هو التراخي في ختم القرآن، بل إننا نطمع في أن يكون الغالب علينا ختمة في سبع أو عشر كما كان حال الكثير من الصحابة، ولكن دون وجود سيف على رقابنا يدفعنا لسرعة القراءة من أجل الانتهاء في الوقت المحدد.\nأخي القارئ:\nهب أنك قد تأثرت تأثرًا شديدًا بآية من الآيات، وعشت معها، وأردت أن تكررها مرات ومرات كي تستفيد من الإيمان الذي يزداد في هذه الفترة ... ماذا تفعل حينئذ وأنت تشعر أنك مطالب بالانتهاء من كم محدد من القرآن .. أليس من المتوقع أن تترك ترديد الآية وتكرارها من أجل الانتهاء من السورة أو الجزء؟\nإنك إن فعلت ذلك تكون قد فوّت على نفسك فرصة عظيمة لزيادة الإيمان وتنوير القلب، وطرد الهوى، ومن ثمَّ التغيير والاستقامة على أمر الله.\nتأمل معي هذا الخبر الذي يحدثنا عن حال أحد الصحابة وهو تميم الداري - ﵁ - مع القرآن وكيف كان يفعل مع الآية التي تؤثر فيه.\nعن مسروق قال: قال رجل من أهل مكة: هذا مقام أخيك تميم الداري، لقد رأيته ذات ليلة حتى أصبح أو كاد أن يصبح يقرأ آية من كتاب الله، يركع ويسجد ويبكي ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية:٢١] (٤).\n\nالسؤال الرابع\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-66>ما المقصود بـ «اقرأ وارق»</span>؟\n- قال رسول الله ﷺ: «يُقال لصاحب القرآن: اقرأ وارق ورتِّل، كما كنت تُرتل في دار الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية كنت تقرؤها» (٥).\nهل المقصد بذلك القارئ من المصحف، أم الحافظ الذي يقرأ عن ظهر قلب؟!!\nالجواب:\n_________\n(١) حسن، رواه أبو داود، وأورده الألباني في صحيح الجامع ح (١٢٦١)، والسلسلة الصحيحة (١٥١٢).\n(٢) المدخل لدراسة القرآن لمحمد أبو شهبة، ص (٤٣٨).\n(٣) الإتقان في علوم القرآن للسيوطي ١/ ١٠٤.\n(٤) دموع القراء لمحمد شومان، ص (٧٥).\n(٥) صحيح، رواه أبو داود، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٨١٢٢).","vol":"1","page":70},{"text":"أولًا: حفظ ألفاظ القرآن لا يدل على ما في القلب من إيمان، والدليل على ذلك أن هناك الآلاف من حفاظ القرآن، ممن حفظوه إجباريًا في المدارس أو الجامعات أو الكتاتيب، تجد أن سلوكهم يبتعد كثيرًا عما يرضي الله ... فهل هؤلاء الذين يجهلون على الناس، ويرتكبون ما يغضب الله، ويتركون بعض أوامره .. هل سيقال للواحد منهم اقرأ وارق ورتل ...؟!!\nإن هذا الفهم يتنافى مع أصول التفاضل بين الناس التي أخبرنا الله عنها أنها مرتبطة بالإيمان والتقوى ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣].\nثانيًا: الأحاديث الواردة في فضل حفظ القرآن - كله أو بعضه - مرتبطة بالعمل به، وفي المقابل نجد الوعيد الشديد لمن يحمل القرآن ولا يعمل به.\nروى البخاري من حديث سمرة بن جندب رؤيا النبي ﷺ وفيها: «.. فانطلقنا حتى أتينا على رجل مضطجع على قفاه، ورجل قائم على رأسه بفهر أو صخرة، يشدخ به رأسه، فإذا ضربه تدهده الحجر، فانطلق إليه ليأخذه فلا يرجع إلى هذا حتى يلتئم رأسه، وعاد رأسه كما هو، فعاد إليه فضربه، قلت: من هذا؟ قالا: انطلق ...»\nوفي آخر الحديث: «والذي رأيته يُشدخ في رأسه فرجل علمه الله القرآن، فنام عنه بالليل، ولم يعمل فيه بالنهار، يُفعل به إلى يوم القيامة ...» (١).\nإن الفضل العظيم لحفظ القرآن مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالعمل به، فإن لم يُعمل به كان وبالًا على صاحبه، كيف لا وهو يتلو على الناس آيات لا يعمل بها، فيصير ما يقوله في واد، وما يفعله في واد آخر، فيصدق عليه قوله ﷺ: «أكثر منافقي أمتي قراؤها» (٢).\nمن هنا ندرك تأنِّي الصحابة رضوان الله عليهم في حفظ القرآن لدرجة أن عمر بن الخطاب ظل اثنتي عشرة سنة يحفظ سورة البقرة، أما ابنه عبد الله فقد حفظها في ثماني سنوات.\nوهذا أبو عبد الرحمن السلمي - وهو من كبار التابعين - وكان ممن تتلمذ على يد كبار الصحابة كعبد الله بن مسعود يقول: إنما أخذنا القرآن من قوم أخبرونا أنهم كانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يجاوزوهن إلى العشر الأخرى حتى يعلموا ما فيهن من العمل، فتعلمنا العلم والعمل جميعًا، وإنه سيرث القرآن من بعدنا قوم يشربونه شرب الماء، لا يجاوز هذا وأشار إلى حنكه (٣).\nوجمع أبو موسى الأشعري الذين قرأوا القرآن وهم قريب من ثلاثمائة، فعظّم القرآن وقال:\nإن هذا القرآن كائن لكم ذخرًا وكائن عليكم وزرا، فاتبعوا القرآن ولا يتبعكم، فإنه من اتبع القرآن هبط به على رياض الجنة، ومن اتبعه القرآن زجّ به في قفاه فقذفه في النار. (٤)\nثالثًا: لو كان هذا الأمر الوارد في الحديث مرتبطًا بحفظ الألفاظ ... أتظن أن الصحابة سيفوِّتون هذه الفرصة لعلو المنزلة، وهم الذين عايشوا القرآن، وصاحبوا رسول الله ﷺ، ومن ثمَّ فهم أكثر الناس فهمًا لمراد أقواله ﷺ.\nلو تأملنا سيرتهم سنجد أمرًا عجيبًا ... سنجد أنهم كانوا يتسابقون على كثرة قراءة القرآن أكثر من تسابقهم في حفظه، بل إن الحفاظ بينهم كانوا قلة.\nيقول عبد الله بن عمر: كنا صدر هذه الأمة، وكان الرجل من خيار أصحاب رسول الله ﷺ ما معه إلا السورة من القرآن أو شبه ذلك، وكان القرآن ثقيلًا عليهم، ورزقوا العمل به، وإن آخر هذه الأمة يخفف عليهم حفظ القرآن حتى يقرأه الصبي والأعجمي فلا يعملون به (٥).\n_________\n(١) رواه البخاري في كتاب الجنائز.\n(٢) صحيح، رواه الإمام أحمد والطبراني، والبيهقي، وصححه الألباني في صحيح الجامع (١٢٠٣) والصحيحة (٧٥٠).\n(٣) فضائل القرآن للفرياني /٢٤١.\n(٤) أخلاق حملة القرآن لآجري /٢٠.\n(٥) أخلاق حملة القرآن /٤٩.","vol":"1","page":71},{"text":"والعجيب أنه قد مات الكثير من الصحابة - بل من العشرة المبشرين بالجنة - دون أن يتموا حفظ القرآن.\nأخرج ابن سعد في طبقاته عن محمد بن سيرين قال: قُتِل عمر ولم يجمع القرآن (١).\nويقول الحسن البصري: إن رسول الله ﷺ توفي وما استكمل حفظ القرآن من أصحابه رضوان الله تعالى عليهم إلا النفر القليل، استعظامًا له، ومتابعة لأنفسهم بحفظ تأويله والعمل بمحكمه (٢).\nوليس معنى هذا هو إهمال الحفظ، بل معناه الاجتهاد في العمل بما تدل عليه الآيات المحفوظة، وعدم الاستعجال في الحفظ حتى لا يتم إهمال الفهم والعمل.\nرابعًا: الحديث يؤكد على أهمية التأثر بقراءة القرآن، فدرجات الجنة مرتبطة بالإيمان، ولأن كل آية في القرآن تحمل نورًا يزيد الإيمان في القلب حين يدخله لذلك كلما تأثر القارئ بآية وحصَّل ما فيها من إيمان ارتقى في الجنة درجة، وهذا هو أهم ما يرمي إليه الحديث، فيقال له يوم القيامة اقرأ كما كنت تقرأ في الدنيا بترتيل وتفهم وتأثر، فيزداد إيمانك، وترتفع به في الجنة بحسب ما حصلت من إيمان في الدنيا.\nولو قرأ المرء القرآن سواء كان عن ظهر قلب أو من المصحف دون تأثر وكان همه نهاية السورة أو الورد، ومن ثمّ لم يزدد بقراءته إيمانًا فهيهات أن يكون داخلًا في دائرة هذا الحديث.\nمن المخاطب؟:\nوخلاصة القول أن المخاطب بهذا الحديث هو من يقرأ القرآن سواء عن ظهر قلب، أو من المصحف شريطة تفهمه وتأثر بآياته، وبهذا ندرك سر انشغال الصحابة بكثرة التلاوة بتفهم وترتيل، وندرك أيضًا سر حثه ومتابعته ﷺ للصحابة في قراءة القرآن، أكثر من متابعته لحفظهم، ويكفيك أن الله ﷿ طالب نبيه في أكثر من موضع بأن يتلو القرآن ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ - وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾ [النمل:٩٢،٩١] وقوله: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل:٤].\nوليس ذلك فحسب بل نجد القرآن في مواضع أخرى يحدد مهمات الرسول ﷺ والتي تبدأ بتلاوة الآيات على من حوله ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [الجمعة:٢].\nفإذا ما انتقلنا إلى أحاديثه ﷺ نجده يستثير الهمم لكثرة قراءة القرآن تأمل قوله «اقرؤوا القرآن، فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه ...» (٣).\nوقوله: «اقرؤوا القرآن واعملوا به، ولا تجفوا عنه، ولا تغلو فيه، ولا تأكلوا به، ولا تستكثروا به» (٤).\nهذه الأحاديث وغيرها، وتعامل الصحابة مع القرآن على حقيقته ككتاب هداية، وتغيير، ومنبع للإيمان يرفع صاحبه عند الله كلما تزود منه ... هذا كله جعلهم يتسابقون لقراءته أكثر من حفظه، لأن الحفظ يتطلب العمل بكل ما تحمله الآيات، وهذا يحتاج إلى جهد ضخم، ويحتاج كذلك إلى قوة إيمانية متدفقة باستمرار تدفعهم إلى هذا العمل، وهذا هو المقصد من قول ابن عمر وجندب ابن عبد الله أنهم قد تعلموا الإيمان قبل القرآن ... فتعلم الإيمان إنما يكون بكثرة التلاوة، وتعلم القرآن يكون بحفظ آياته وتعلم ما فيها من علم، والقيام بما تدل عليه من عمل.\nوعندما تعلموا الإيمان بكثرة التلاوة الصحيحة ساعدهم ذلك على تطبيق ما تدل عليه الآيات التي يحفظونها، فزادهم هذا التطبيق إيمانًا ..\n_________\n(١) طبقات ابن سعد ٣/ ٢٢٤.\n(٢) الحسن البصري لابن الجوزي (٩٨).\n(٣) رواه مسلم.\n(٤) صحيح رواه الإمام أحمد، والطبراني، وصححه الألباني في صحيح الجامع (١١٦٨) والصحيحة (٢٦٠).","vol":"1","page":72},{"text":"يقول جندب بن عبد الله: كنا مع النبي ﷺ ونحن فتيان حزاير، فتعلمنا الإيمان قبل القرآن، ثم تعلمنا القرآن فازددنا إيمانًا (١).\nويؤكد على هذا المعنى عبد الله بن عمر بقوله: لقد عشنا برهة من دهرنا، وأحدنا يؤتى الإيمان قبل القرآن، فتتنزل السورة على محمد ﷺ فنتعلم حلالها وحرامها، وأمرها وزجرها، وما ينبغي أن نقف عليه منها، ثم رأيت رجالًا يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان، فيقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته ما يدري أمره ولا زجره، ولا ما ينبغي أن يقف عنده، فينثره نثر الدقل؟ (٢).\nنعم، استطاع البعض منهم أن يستكمل الحفظ، ولكن كانوا جميعًا يكثرون من التلاوة بآدابها الصحيحة التي من شأنها أن تزيد الإيمان، وترفع صاحبها عند الله.\nعن أبي الدراء قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من قرأ القرآن في سبع ليال كُتب من المخبتين» قلنا: فمن قرأه في خمس يا رسول الله؟ قال: «إني أخاف أن يعجلكم عن التّفهم، إلا أن تصبروا على مباكرة الليل، فمن فعل كُتب من المقربين» قلنا: ففي ثلاث يا رسول الله؟ قال: «لا أراكم تطيقون ذلك، إلا أن يبدأ أحدكم بالسورة وأكبر همه أن لا يبلغ آخرها» قلنا: فإن أطقناه على تَفَهُّم وترتيل. قال: «فذلك الجهد من عباده النبيين» قلنا: ففي أقل من ثلاث يا رسول الله؟ قال: «لا تقرؤوه في أقل من ثلاث». (٣)\n\nالسؤال الخامس\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-67>الشيطان والقرآن</span>\n- كلما هممت بقراءة القرآن، وفتحت المصحف أجد النعاس يغلبني، فإذا ما قاومته وقرأت أجد نفسي وقد شردت بفكري في أودية الدنيا، وتذكرت أمورًا لم تخطر على بالي منذ فترة طويلة ... فماذا أفعل لأجمع عقلي ومشاعري مع القراءة؟!!\nالجواب:\nالسبب الرئيسي وراء هذا كله هو الشيطان، فهو لن يتركنا نتعامل تعاملًا صحيحًا مع القرآن وننتفع به، فهو يوقن بأن الهدى والإيمان والتغيير يتحقق من خلال فهم القرآن والتأثر به، فالشيطان هو العدو المبين للبشر، وهدفه الدائم هو إضلال الناس جميعًا ..\nولعلمه بقدر القرآن، ومدى قوة تأثير معجزته لمن يتعرض لها باستمرار، فإنه يعمل جاهدًا على صرف الناس عن قراءة القرآن حتي يسهل عليه إضلالهم، وقد قالها قديمًا بكل وضوح ﴿لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف:١٦]، والقرآن خير ما يدل على الصراط المستقيم ويأخذ بيد من يتمسك به إلى هذا الصراط حتى يصل به إلى منتهاه ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى﴾ [النجم: ٤٢].\nفإن جاهد البعض الشيطان وبدأ في القراءة، فإنه لا يتركه ليفلت منه ويمسك بحبل القرآن، بل يعمل جاهدًا على أن يصرف ذهنه عن فهم ما تضمنته الآيات من معان هادية، ومدخله لذلك هو تزيينه فوائد القراءة السريعة وما سيجني من ورائها من حسنات كثيرة.\nفإن جاهده القارئ، واجتهد أن يُعمل عقله فيما يقرأ، حاول أن يجعل عقله يشرد مع كلمة من كلمات القرآن الذي يقرؤه، فيذكِّره من خلالها بموقف من مواقفه السابقة، فينشغل لسانه بالقراءة، أما عقله ففي واد آخر.\nفإن جاهده القارئ، ولم يسمح بشرود ذهنه مع القراءة، فإنه يدخل عليه من باب التعمق في فهم كل كلمة يقرؤها، ليصبح القرآن بذلك مخاطبًا لعقله فقط، دون أن يؤثر في قلبه، ومن ثمَّ تصبح ثمرة قراءته زيادة معارفه العقلية دون زيادة للإيمان في قلبه.\nوهكذا يجتهد الشيطان في صد الناس عن الانتفاع بالقرآن ..\n_________\n(١) رواه ابن ماجه بإسناد حسن، وحزاير جمع حزير، وهو الشاب الممتلئ نشاطًا وقوة وجلدًا.\n(٢) أخرجه الحاكم، وصححه على شرط الشيخين، والدقل رديء التمر.\n(٣) أورده الغافقي في كتاب لمحات الأنوار (١٨٠٢).","vol":"1","page":73},{"text":"والعجيب أن العبادة الوحيدة التي أمرنا الله ﷿ أن نستعيذ به من الشيطان قبل القيام بها هي تلاوة القرآن ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل:٩٨].\nفقبل أن يشرع الواحد منا في الذكر أو الصيام أو أداء العمرة، أو إخراج الصدقة، فإنه غير مطالب بأن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم.\nإنه أمر يلفت الانتباه .. لماذا القرآن دون غيره من العبادات؟!\nأليس في هذا الأمر دلالة على قيمة القرآن ودوره الخطير في الهداية والتغيير، ومن ثمَّ فالشيطان يجتهد في إبعاد الناس عنه؟!\nيقول ابن هبيرة: ومن مكايد الشيطان تنفير عباد الله عن تدبر القرآن، لعلمه أن الهدى واقع عند التدبر (١).\nمن هنا تتضح لنا أهمية الاستعاذة بالله من الشيطان قبل التلاوة، فجوهر الاستعاذة هو طلب حماية الله لنا من الشيطان، واستدعاء معونته سبحانه في صرف هذا العدو.\nلذلك علينا - كي نتغلب على هذه العقبة - أن نهرع إلى الله، ونلح عليه في الدعاء بأن يصرف عنا الشيطان وذلك قبل الشروع في قراءة القرآن، وكذلك كلما شردت أذهاننا خلال القراءة.\nأيضًا فإن الالتزام بالوسائل النبوية في قراءة القرآن لها دور كبير في جمع العقل والمشاعر مع القراءة؛ ومن ذلك الانشغال بالقرآن، والتهيئة الذهنية من خلال الوضوء والسواك والقراءة في مكان هادئ قدر المستطاع، والتهيئة القلبية بالتباكي مع القراءة، وأيضًا القراءة من المصحف، وبترتيل، وبصوت مسموع، وأيضًا الفهم الإجمالي للآيات، والتجاوب مع الخطاب القرآني بالرد على الأسئلة، وسؤال الله الجنة والاستعاذه من النار، وأخيرًا ترديد الآية التي تؤثر في القلب ..\nوقبل هذا كله علينا ألا نستجيب لوساوس الشيطان بترك القراءة، بل نقاوم ونقاوم ونستعين بالله عليه.\n\nالسؤال السادس\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-68>«الذي يتعتع له أجران»</span>\n- هناك بعض الأحاديث التي يظن البعض أنها تدعو لقراءة القرآن لمجرد القراءة - دون تدبر - كقوله ﷺ: «لماهر بالقرآن مع السَّفرة الكرام البررة، والذي يقرؤه ويتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران» (٢).\nالجواب:\nالمتأمل للحديث السابق لا يجد فيه ما يدل على ما فهمه صاحب السؤال، بل العكس.\nفالحديث يبين أهمية تعلم أحكام التلاوة، والتي تعتبر مفتاحًا ضروريًا للانتفاع بالقرآن ...\nفتلاوة القرآن حق تلاوته - كما يقول أبو حامد الغزالي - هو أن يشترك فيه اللسان والعقل والقلب، فحظ اللسان تصحيح الحروف بالترتيل، وحظ العقل تفسير المعاني، وحظ القلب الاتعاظ والتأثر بالانزعاج والائتمار ... فاللسان يرتل، والعقل يترجم، والقلب يتعظ. (٣)\nولأن الترتيل علم يحتاج إلى ممارسة لفترة ليست بالقصيرة كي يتقنه الانسان، فإن من المتوقع ألا يصبر عليه الكثيرون حتى يتعلموه ويتقنوه، لذلك كان التشجيع النبوي للمبتدئ بأنّ له أجرين حتى يستمر في التعلم ولا يتركه، ومن ثمّ تحسن استفادته بالقرآن.\nأما الفهم والتأثر فليس له علاقة بالتعتعة، أي أن الماهر بالقرآن، والذي يتعتع فيه عليهما أن يفهما ما يقرآنه ويجتهدا في التأثر به .. فالحديث يقول: «والذي يقرؤه ويتعتع فيه» والمتبادر للذهن عند سماع كلمة «يقرأ» هو: إعمال العقل في الألفاظ لإدراك ما ترمي إليه من معانٍ، ولقد مر علينا ذلك في الفصل الخامس بشيء من التفصيل.\n_________\n(١) تدبر القرآن للسنيدي، ص (٤٨).\n(٢) متفق عليه.\n(٣) إحياء علوم الدين ١/ ٤٤٢.","vol":"1","page":74},{"text":"السؤال السابع\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-69>التعمق في التدبر</span>\n- تدبر القرآن يجعلني أقف كثيرًا عند كل كلمة وكل آية، مما يجعلني لا أتجاوز بضع آيات في لقائي بالقرآن، وهذا الأمر يسبب لي ضيقًا في نفسي، وشعورًا بصعوبة الأمر.\nفماذا أفعل؟!\nالجواب:\nغاية التدبر هو إدراك المعنى الذي ترمي إليه الآية، والتدبر وحده لا يكفي لإنشاء وإنبات وزيادة الإيمان في القلب، وإلا لقرأنا القرآن بدون ترتيل، وبأعيننا فقط مثلما نقرأ في أي كتاب، ولكن لأن غاية التلاوة هي الفهم والتأثر، كانت الوسيلة هي التدبر والترتيل، مع الأخذ في الاعتبار بأن التأثر الذي يولِّد الإيمان لابد وأن يمر من بوابة الفهم كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الأعْجَمِينَ - فَقَرَأَهُ عَلَيْهِم مَّا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء:١٩٨، ١٩٩].\nولكن الوصول لدرجة التأثر يستدعي استمرارية القراءة، والسماح للآيات بأن تنساب داخل القلب، ويتصاعد تأثيرها شيئًا فشيئًا، فيستمر الطرق على المشاعر حتى تصل لدرجة التجاوب والتأثر، وهذا يستلزم عدم التوقف عند كل كلمة وإلا لما حدث التأثر.\nعلينا - إذًا- أن نقرأ الآيات ونفهم ما تدل عليه بصورة إجمالية، وأن نمرر ما لا نفهمه من آيات حتى يتسنى لنا بلوغ مرحلة التأثر، التي يحتاج الوصول إليها كثرة مرور الآيات على المشاعر، ودوام الطرق عليها .. وهذا ما أوصى به ﷺ عندما رأى بعض الصحابة يختلفون فيما بينهم في معنى آية من الآيات فقال لهم: «إن القرآن لم ينزل يُكذب بعضه بعضًا، بل يصدق بعضه بعضا، فما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم فردوه إلى عالمه» (١).\nوقال عبد الله بن مسعود: إن للقرآن منارًا كمنار الطريق، فما عرفتم منه فتمسكوا به، وما يشبه - أو قال شُبّه عليكم - فكلوه إلى عالمه (٢).\n\nانتبه:\nوفي المقابل فإننا حين نقف عند كل كلمة ونحاول سبر أغوارها، والغوص في معانيها فإننا بلا شك سنفهم فهمًا عميقًا، ولكن دون تأثر، ولن نتجاوز في القراءة بضع آيات ولن نشعر من خلال القراءة بحلاوة الإيمان، ومن ثمَّ يؤدي ذلك بنا إلى الفتور والضيق بل والاستجابة لإلحاح النفس - ومن ورائها الشيطان - بالعودة إلى الطريقة القديمة التي تبحث عن الانتهاء من قراءة أكبر قدر ممكن دون تدبر ولا تأثر.\nإذًا فالمطلوب تدبر عام وإجمالي للآيات، وألا نقف عند كل كلمة لا نعرف معناها، بل نعمل على إدراك المعنى العام من السياق حتى يستمر انسياب الآيات داخلنا ويتصاعد تأثيرها شيئًا فشيئًا على المشاعر فيحدث التأثر.\nماذا أفعل إن لم أتأثر؟:\nفإن قلت: ولكني قد أقوم بذلك ولا أتأثر بالآيات، فهل أقوم بإعادة الآيات التي لم أتأثر بها؟!\nالتأثر هو رقة القلب، وانفعال المشاعر مع القراءة، وهو نادر الحدوث في البداية لابتعاد القلوب مدة طويلة عن القرآن، لذلك علينا أن نصبر ولا نمل، ولا نقوم بإعادة ما لم نتأثر به، بل نسترسل في القراءة، ونلتزم بالوسائل النبوية المشار إليها سلفًا مع دعاء الله بأن يفتح قلوبنا لغيث القرآن.\n_________\n(١) رواه الإمام أحمد وابن ماجه.\n(٢) فضائل القرآن لأبي عبيد، ص (٩٩).","vol":"1","page":75},{"text":"فإن فعلنا ذلك فستأتي تلك اللحظات السعيدة ... إنها لحظات التأثر معلنة فتح قلوبنا لنور القرآن، فإذا داومنا، وأكثرنا من التلاوة ازدادت أوقات التأثر ورقة القلب حتى تصل إلى ما وصل إليه أبو بكر الصديق ... فقد كان إذا بدأ قراءة القرآن لا يملك دمعه.\nأخرج الإمام مسلم في صحيحه عن عائشة قالت: لما دخل رسول الله ﷺ بيتي قال: «مروا أبا بكر فليصل بالناس، قالت: فقلت يا رسول الله، إن أبا بكر رجل رقيق إذا قرأ القرآن لا يملك دمعه ...\nفلنصبر ولنصبر حتى يأتي التأثر، ومن المعينات التي تستجلبه وتستدعيه: دعاء الله بإلحاح أن يرزقنا فهم الآيات والتأثر بها، وكذلك التباكي له دور كبير في استجلاب التأثر، وتحسين الصوت بالقراءة قدر المستطاع، والاستفادة من أي وقت نجد فيه تأججًا للمشاعر مثل سماع خبر أو رؤية منظر مؤثر .. ففي هذا الوقت تكون المشاعر مهيأة لاستقبال القرآن والتأثر به أكثر من أي وقت آخر ...\nومع هذا كله يبقى الانشغال بالقرآن وطول المكث معه أكبر عامل يستدعي التأثر ويطيل زمنه.\n\nالسؤال الثامن\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-70>التلقي المباشر من القرآن</span>\n- هناك خطورة شديدة من التلقي المباشر من القرآن، وما حدث للخوارج يشهد بذلك ... فماذا نفعل؟!! هل نترك التدبر؟!!\nالجواب:\nنعم، هناك خطورة شديدة لمن يستنبط الأحكام الشرعية من القرآن بمفرده دون أن يكون مؤهلًا لذلك ..\nفاستنباط الأحكام من القرآن وظيفة العلماء المختصين والمؤهلين، أما من هم دونهم فعليهم أن يرجعوا إلى كتب التفسير والفقه لمعرفة ما تدل عليه الآيات من أحكام شرعية.\nأما التدبر .. أما الروح .. أما الطاقة الروحية فلن تتولد إلا باللقاء المباشر مع القرآن من قِبَل العامة والخاصة.\nإذن فلا تعارض بين الأمرين ..\nومما يؤكد هذا المعنى أن الله أمر الجميع بتدبر القرآن - كل حسب مستواه - فكيف نؤمر بشيء لا نستطيعه؟!\nإن الجانب التشريعي في القرآن لا يتجاوز جزءًا من عشرة أجزاء من آيات القرآن، ونحن نُسلِّم بأن هذا الجزء من اختصاص العلماء وفيه ورد النهي الشديد «ومن قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار» (١).\nأما بقية الأجزاء التسعة فالمجال مفتوح للجميع.\nهذا من ناحية، ومن ناحية أخرى يبقى أهم ضابط للتلقي المباشر من القرآن، وهو معرفة معاني الألفاظ الغريبة حتى يستقيم الفهم، ولعل في عصرنا هذا قد تيسر وجود المصاحف التي كتب على هامشها معاني الكلمات الغريبة، فيتمكن القارئ من فهم معناها وهو يقرأ دون أن يقطع القراءة، ومن ثمَّ لا ينقطع حبل تأثره.\n_________\n(١) رواه الترمذي (٤٠٢٣)، وقال حديث حسن.\nيقول الدكتور يوسف القرضاوي في بيان معنى التحذير الوارد في الحديث: والجواب عن الحديث - إن صح - أنه محمول على وجهين، الأول: أن يُراد بالرأي الهوى، فهو يجر القرآن جرًا لتأييد ما يهواه وما يميل إليه.\nوالثاني: أن يكون معنى الحديث: أن يهجم على تفسير القرآن دون أن يتأهل له بما يلزم من أدوات التفسير، وشروط المفسرين، انظر: كيف نتعامل مع القرآن العظيم.","vol":"1","page":76},{"text":"السؤال التاسع\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-71>المحافظة على الحفظ</span>\n- بفضل الله حفظت القرآن، ولخوفي من نسيانه أصبح كل همي هو كيفية المحافظة على هذا الحفظ، مما يضطرني للقراءة السريعة بغية المراجعة وتثبيت الحفظ، مع العلم بأنني لا أراعي التدبر أو التأثر في هذه القراءة ... فماذا أفعل؟!!\nالجواب:\nحفظ القرآن وسيلة لتيسير الانتفاع به، وليس غاية في حد ذاته، وإلا لاندفع الصحابة للحفظ - كما أسلفنا - ومع ذلك فله أهميته العظيمة في القيام بالقرآن في الصلاة، وفي الإمامة بالناس، ومن الخطورة بمكان أن تصبح الوسيلة غاية، ويكون همّ الحافظ منصبًا على كيفية المحافظة على حفظه، مع الأخذ في الاعتبار بأن الذي يزيد الإيمان، ويرفع الدرجات عند الله، ويغير في سلوك الفرد هو تدبر القرآن والتأثر به سواء كانت القراءة من المصحف أو عن ظهر قلب، فإن لم يصاحب القراءة ذلك .. كانت الخطورة بأن يصبح القرآن حجة علينا لا لنا.\nمن هنا كان من الضروري اللقاء المباشر مع القرآن، وحبذا لو كانت القراءة من المصحف حيث التركيز أشد، والتأثر أسرع استجلابًا ....\nوعندما ننشغل بكثرة تلاوة القرآن فإن هذا يؤدي إلى تثبيت الحفظ، وكيف لا والتدبر وهيمنة الآيات على العقل والمشاعر، وكثرة تكرارها من شأنه أن يجعل المرء في حالة من الانتباه والتركيز، ومن ثمَّ يثبت حفظه أكثر وأكثر.\nولا بأس من تخصيص وقت للمراجعة - غير وقت القراءة المباشرة من المصحف- على أن يكون الحد الأدنى للقراءة هو فهم ما نقرأ كما قال ابن عباس لأبي جمرة .. إن كنت فاعلًا (للقراءة السريعة) فاقرأ قراءة تسمعها أذنك ويعيها قلبك. (١)\nولكن أحذِّر نفسي وإياك أن يطغى ذلك على وقت القراءة اليومية من المصحف، والتي تهدف إلى التدبر والتأثر ومن ثمَّ زيادة الإيمان وتوليد القوة الروحية.\n\nالسؤال العاشر\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-72>تأثر غير العرب بالقرآن</span>\n- إن كان الفهم ضروريًا للتأثر ومن ثمَّ زيادة الإيمان، فكيف نفسر تأثر غير الناطقين بالعربية بالقرآن؟!!\nالجواب:\nأولًا: الإيمان محله القلب، ومن تعريفات القلب أنه مجمع المشاعر داخل الإنسان، والإيمان ينشأ في القلب ويستحوذ على جزء من المشاعر عندما يتم التجاوب بين الفكر (الفهم) والعاطفة (التأثر) ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحج:٥٤].\nفلا بديل عن الفهم، ولا بديل عن تجاوب المشاعر مع هذا الفهم إن أردنا زيادة الإيمان في القلب، والذي يؤكد هذا المعنى قوله تعالى ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الأعْجَمِينَ - فَقَرَأَهُ عَلَيْهِم مَّا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء:١٩٨، ١٩٩].\nفالآيات تدل دلالة واضحة أن السبب الأساسي لعدم إيمان هؤلاء هو عدم فهمهم للخطاب القرآني لأنهم أعاجم.\nثانيًا: أما بخصوص تأثر غير الناطقين بالعربية بسماع القرآن، فهذا أمر حقيقي ومتكرر، ومنشأ هذا التأثر ليس ناتجًا عن فهمهم لمعاني القرآن وتجاوب مشاعرهم معها، لأنهم لا يعرفون اللغة العربية، وإنما ينشأ هذا التأثر من وقع نظم القرآن وجرسه في نفوسهم، والذي سماه الشيخ محمد عبد الله دراز بالقشرة الخارجية للقرآن، أو الجمال التوقيعي في لغة القرآن - كما مر علينا في الفصل الرابع - ... هذا التأثر له دور كبير في استجلاب السكينة اللحظية التي يشعر بها هؤلاء، لكنه كما -أسلفنا - لا ينشئ الإيمان.\n_________\n(١) فتح الباري ٩/ ١١٠.","vol":"1","page":77},{"text":"السؤال الحادي عشر\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-73>الذنوب وأمراض القلوب</span>\n- كيف أدخل إلى القرآن، والذنوب تتلبس بي، والهوى يخنقني، والأمراض تملأ قلبي؟!\nأليس من الضروري أن أتطهر من هذا كله أولًا قبل الدخول لعالم القرآن؟!!\nالجواب:\nأولًا: إن كان الأمر كذلك، فما هو دور القرآن إذن؟!!، ألم يصفه الله ﷿ بأنه دواء، وأنه ﴿وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ﴾ [يونس:٥٧].\nفمن خصائص المعجزة القرآنية أنها دواء لأمراض القلوب، ومطهرة للذنوب، وطاردة للهوى ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا﴾ [الرعد:١٧].\nالقرآن غيث للقلب، كما أن الماء غيث للأرض ... ومهما أجدبت الأرض فإن استمرار تعرضها للماء يجعلها تنبت الزرع.\nنعم، الإنبات يكون في البداية ضعيفًا لكن شيئًا فشيئًا يزداد ويزداد ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الحديد:١٧].\nوفي هذا المعنى يقول مالك بن دينار: إن القرآن ربيع المؤمن، كما أن الغيث ربيع الأرض، فقد ينزل الغيث من السماء إلى الأرض فيصيب الحُشَّ، فتكون فيه الحبّة، فلا يمنعها نَتن موضعها أن تهتز وتخضر. (١)\nثانيًا: هل هذا ما حدث مع الصحابة؟!! هل طُلب منهم تطهير قلوبهم أولًا قبل التعامل مع القرآن.؟!!\nأم أنهم تعاملوا معه مباشرة، فقام القرآن بتطهير قلوبهم، وإنبات الإيمان فيها، وطرد الهوى منها شيئًا فشيئًا.\nثالثًا: ومتى يظن المرء أنه قد أصلح نفسه وطهَّر قلبه؟! .. إنه إن ظن ذلك فقد خسر خسرانًا عظيمًا، كيف لا وعلى المسلم أن يديم إساءة الظن بنفسه، وأن يجاهد هواه حتى يأتيه الموت ..\nسُئلت السيدة عائشة: متى يكون الرجل مسيئًا؟ قالت: إذا ظن أنه محسن.\nمعنى ذلك أننا إن سلمنا بما يطرحه السائل فلن نتعامل مع القرآن طيلة حياتنا.\n\nأخي القارئ:\nأقبل على القرآن ولا تخف، واترك زمامك له فسيقوم بأداء دوره الذي يعرفه جيدًا في تطهير قلبك وتنويره، وملئه بالإيمان، شريطة أن تُقبل عليه إقبال الملهوف، الباحث عن النور والإيمان، وأن تعطيه الكثير من وقتك، وألا تستعجل الثمرة، فحتمًا ستظهر لو داومت على تعريض قلبك للقرآن من خلال الفهم والتأثر والتباكي مع القراءة.\nيقول حذيفة: اقرؤوا القرآن بحُزن، ولا تجفوا عنه، وتعاهدوه، ورتلوه ترتيلا. (٢)\n\nالسؤال الثاني عشر\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-74>لا أجد أثرًا</span>\n- حاولت أكثر من مرة أن أقرأ القرآن بتدبر وتأثر، ولكني لم أجد ما تتحدثون عنه من تغيير، وحلاوة الإيمان، و...، مما دفعني للعودة إلى ما ألفته من قراءة سريعة بغية تحصيل أكبر قدر من الحسنات، وللمحافظة على حفظي للقرآن ... ومع ذلك فإني أشعر بين الفينة والفينة بتأنيب الضمير، والشعور بالتقصير تجاه القرآن، والخوف من أن يكون شيء مهم قد فاتني ... فماذا أفعل؟!\nالجواب:\nأولًا: أهم عامل من عوامل النجاح في الانتفاع بالقرآن ككتاب هداية وتغيير، ومنبع دائم للإيمان يتزود منه القلب كلما تعرض له هو وجود الرغبة الجارفة للانتفاع به، واستشعار الحاجة الماسة إليه، وإلى الثمرة الناشئة من دوام الإقبال عليه من: قلب سليم، وإيمان حي، وتعرف حقيقي على الله، ومن ثمَّ السير إليه، والوصول إلى معرفته للدرجة التي تمكِّن صاحبه من أن يعبده - سبحانه - كأنه يراه.\nفعلى قدر هذه الرغبة، وهذا الاحتياج يكون الإمداد من الله «فالإمداد على قدر الاستعداد» تأمل معي قوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ - لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير:٢٨:٢٧].\nفالآيات تخبرنا بوضوح بأن القرآن هو طريق الاستقامة لجميع الناس، ولكن لن ينتفع به إلا من يريد الاستقامة ويبحث عنها، ويرغب فيها ... ويؤكد هذا قوله ﷺ: «ومن يتحرَّ الخير يعطه» (٣).\nولقد أكد على هذا المعنى الإمام البخاري في صحيحه عند تعليقه على قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ - فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ - لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة:٧٧ - ٧٩]\nقال: لا يجد طعمه إلا من آمن به.\nلابد من الاقتناع بأهمية القرآن، ودوره في التغيير، ولابد كذلك من استشعار الحاجة إليه.\nوبدون القناعة الأكيدة، والرغبة الجارفة، والاحتياج الماس للقرآن، فلن تكون هناك النتيجة المرجوة والثمرة المنتظرة من هذا الكتاب.\nجاء في الأثر عن أبي الدرداء قال: لما أهبط الله آدم إلى الأرض قال له: يا آدم أحبني، وحببني إلى خلقي، ولن تستطيع أن تفعل ذلك إلا بي، ولكن إذا رأيتك حريصًا على ذلك أعنتك عليه، فإن فعلت ذلك فخذ به اللذة والنظرة وقرة العين والطمأنينة. (٤)\n_________\n(١) العقوبات لابن أبي الدنيا، ص (٦٦).\n(٢) لمحات الأنوار للغافقي، ص (٥٦٦).\n(٣) حسن أورده الألباني في صحيح الجامع (٢٣٢٨).\n(٤) استنشاق نسيم الأنس للحافظ ابن رجب، ص (١٢٧).","vol":"1","page":78},{"text":"فالدخول والانتفاع بالقرآن لن يكون إلا بالله، والله ﷿ لن يفتح قلوبنا للقرآن إلا إذا رأى منا رغبة وحرصًا أكيدين على ذلك.\nلذلك من أقبل على القرآن يقرؤه بتدبر من باب التجربة ففي الغالب لن يجد الثمرة المرجوة.\nإذًا فبداية الحل تكمن في وجود الرغبة والشعور بالاحتياج، وعلينا أن نترجم هذا الشعور بالإلحاح على الله أن يفتح قلوبنا لتلقي غيث القرآن ... فالدعاء له دور كبير في تيسير هذا الأمر.\nثانيًا: القرآن هو غيث القلوب، ولكي يؤتي ثماره لابد من كثرة تعرض القلب له، والاستمرار على ذلك مدة طويلة، حتى يجد القرآن ثغرة يدخل منها إلى القلب فينبت فيه الإيمان، وشيئًا فشيئًا تزداد الثغرات وينفتح القلب وينشرح ...\nلابد إذن من الاستمرارية وعدم اليأس.\nثالثًا: لا ينبغي علينا أن نغفل دور الشيطان، وعمله الدؤوب لصدنا عن الانتفاع بالقرآن، فمن المتوقع أنه سيحشد كل جنوده، ويستخدم كل أساليبه مع كل من يحاول الانتفاع بالقرآن، وستكون الفترة الأولى هي أشد الفترات التي سيحاربنا فيها الشيطان، ومن أبوابه المتوقعة التي سيعمل على أن يدخل منها الوسوسة لنا بمثل هذه الخواطر: «أين الثمرة التي قالوا عنها .. إنه كلام مبالغ فيه».\nويكفيك في هذا قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾ [آل عمران:١٥٥]، فهؤلاء دخل عليهم الشيطان من باب أنهم لا يصلحون للجهاد بسبب ما فعلوه من ذنوب!!!\nرابعًا: أفي الله شك؟\nلقد أخبرنا الله ﷿ عن دور القرآن المتفرد في التغيير، ولقد رأينا أثره على جيل الصحابة، وبما أن القرآن الذي معنا هو القرآن الذي كان معهم ... فلماذا التردد .. أقبل يا أخي على القرآن ... أقبل ولا تخف ولا تتردد.\nأعط القرآن الكثير من وقتك .. هيئ قلبك قبل اللقاء به ولو بالتباكي -كحد أدنى- عند القراءة، وكلما وجدت الباب مغلقًا اهرع إلى مولاك وألح عليه في الدعاء حتى يفتح لك ولي أبواب رحمته، ويصل غيث القرآن إلى قلوبنا فيحييها.\nخامسًا: وأخيرًا اترك نفسك للقرآن ... لا تدخل على القرآن دخول من يريد إثبات صحة آرائه وتصوراته .. دع القرآن ينزل على هواك، ولا تدع هواك ينزل على القرآن.\nوتذكر وصية أبي الدرداء ونصيحته: اعطوا القرآن خزائمكم فإنه يحمل على القصد والسهولة، ويجنب الجور والحزونة ..\nوالخزامة هي الحلقة التي توضع في أنف البعير، ثم يُربط فيها الحبل لتنقاد من خلاله ...\nفلنترك أمر قيادتنا للقرآن وسنجد الخير الكثير بإذن الله.\n\nالسؤال الثالث عشر\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-75>مكانة السنة</span>\n- أين السنة في مشروع نهضة الأمة؟ وهل ما قيل عن دور القرآن في نهضة الأمة يعني الاكتفاء به وترك السُنَّة؟!\nالجواب:\nأولًا: السنة صنو القرآن، وشارحة له، ومبينة لما أجمل فيه، وهي المصدر الثاني للتشريع بعد القرآن ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل:٤٤].\nوقال ﷺ: «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه ...» (١)\nفالحديث يدل دلالة واضحة على أهمية السنة وأنها شارحة للقرآن، وأنه لا يجوز لأحد أن يستخرج الأحكام الشرعية من القرآن دون الرجوع للسنة.\nثانيًا: نحن في هذه الصفحات نبحث عن معجزة تجمع الأمة، ويكون من شأنها توليد الدافع الذاتي والقوة الروحية باستمرار، وهذا لا يتوافر إلا في القرآن كما أسلفنا.\n_________\n(١) صحيح، رواه الإمام أحمد وأبو داود وصححه الألباني في صحيح الجامع ح (٢٦٤٣).","vol":"1","page":79},{"text":"نعم، نحتاج للقراءة في السُّنَّة كثيرًا لتأكيد المعاني التي دلت عليها آيات القرآن، وضبط الفهم، وفتح آفاق جديدة للعمل الصالح، وكذلك التعرف على نماذج عملية تطبيقية لآيات القرآن.\nومع ذلك يبقى القرآن هو المصدر المتفرد الذي يولد الطاقة باستمرار، ويُرسِّخ الإيمان.\nثالثًا: القرآن والسنة يشكلان سويًا منهج حياة ... فالقرآن يضع الدستور والقوانين، والسنة تشرحها، ولكن يقف ضعف الإيمان والعزيمة عائقًا أمام تطبيق القرآن والسنة في واقع الحياة ... وهنا يظهر دور القرآن المتفرد كمعجزة تغييرية.\nويؤكد الدكتور يوسف القرضاوي على منزلة السنة فيقول:\nالقرآن الكريم هو الآية العظمى، والمعجزة الكبرى لمحمد ﷺ، وهو الكتاب المحفوظ الخالد .. وهو المصدر الأول المقطوع بثبوته من أوله إلى آخره، وبه يحتج على كل مصادر الإسلام وأدلته الأخرى، ولا يستدل بها عليه.\nوتأتي السنة النبوية مصدرًا تاليًا للقرآن، مبينًا له، كما قال تعالى لرسوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:٤٤]، فالرسول هو المبين للقرآن بقوله وعمله وتقريره.\nوبهذا نعلم أن السنة هي التفسير العملي للقرآن، والتطبيق الواقعي - والمثالي أيضًا - للإسلام، فقد كان النبي ﷺ هو القرآن مفسرًا، والإسلام مجسمًا.\nفمن أراد أن يعرف المنهج العملي للإسلام بخصائصه وأركانه، فليعرفه مفصلًا مجسدًا في السنة النبوية القولية والعملية والتقريرية، فكلمة (السنة) تعني: الطريق أو المنهج، وهو تُمثل (الحكمة) النبوية في بيان القرآن، وشرح حقائق الإسلام، وتعليمه للأمة، فقد أنزل الله على رسوله (الكتاب والحكمة)، كما جعل ذلك من شُعب مهمته في تكوين الأمة ﴿لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ [آل عمران:١٦٤] (١).\n* * *\n_________\n(١) كيف نتعامل مع السنة النبوية ليوسف القرضاوي، ص ٢٦،٢٥ - بتصرف يسير.","vol":"1","page":80},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-76>وفي النهاية</span>\nأخي: إن كان القرآن هو سر نهضتنا فهو يحتاج بالضرورة إلى من يحمله ويبلغه للناس.\nلذلك فإن كل ما قيل في الصفحات السابقة متوقف على من يتبناه، ولكن لا يمكننا أن نحمله ونتبناه إلا إذا بدأنا بأنفسنا، وذقنا حلاوة التغيير من خلال القرآن، وشعرنا بالقوة الروحية والدافع الذاتي الدائم المتولد من لقائنا معه.\nفلا تتعجل -أخي- دعوة غيرك إلى ذلك إلا بعد أن يتمثل فيك أولًا وترى بنفسك أثر المعجزة القرآنية، وهذا لا يحتاج إلى وقت طويل، شريطة أن تشتد رغبتك، وتواظب على الوسائل المذكورة آنفًا وغيرها مما يفتح الله به عليك للوصول إلى مرحلة التأثر المستمر، وأن تتواصى بذلك مع من معك، وأن تلح دومًا على ربك بأن يكرمك ويكرمني ويكرم جميع المسلمين بالدخول إلى عالم القرآن، والانتفاع الحقيقي بمعجزته.","vol":"1","page":81},{"text":"مناشدة\nأخي الحبيب:\nناشدتُّك الله .. بأن تأخذ موضوع القرآن مأخذ الجد.\nناشدتُّك الله .. أن تخصص له على الأقل ساعة يوميًا تقرؤه بتفهم وترتيل وتباك.\nناشدتُّك الله .. أن تفعل ذلك وتصبر عليه فالأمة في انتظارك، والقرآن جاهز لتغييري وتغييرك.\nوصلِّ اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم\n(والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله)","vol":"1","page":82},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-77>أهم المراجع</span>\n• القرآن الكريم.\n• الإتقان في علوم القرآن - دار الندوة الجديدة - بيروت.\n• إحياء علوم الدين - أبو حامد الغزالي - دار الحديث القاهرة - ط١ - ١٤١٢ هـ.\n• أخلاق حملة القرآن - أبو بكر الآجري - دار الكتاب العربي - لبنان.\n• آداب الشيخ الحسن بن أبي الحسن البصري - ابن الجوزي - دار المعراج - الرياض - ط١ - ١٤١٤هـ.\n• استنشاق نسيم الأنس - ابن رجب - المكتب الإسلامي - دار الخاني - ط١ - ١٤١١ هـ\n• البداية والنهاية - الحافظ ابن كثير- مكتبة العبيكان - السعودية - ط٢ - ١٤١٧ هـ.\n• تدبر القرآن - سلمان بن عمر السنيدي - المنتدى الإسلامي - ط١ - ١٤٢٢هـ.\n• تفسير القرآن العظيم -الحافظ ابن كثير - مكتبة العبيكان - المكتبة العصرية - بيروت - ط٢ - ١٤١٧هـ\n• التوحيد والوساطة في التربية الدعوية - د. فريد الأنصاري - دار الكلمة - المنصورة - مصر.\n• الجهاد في الإسلام - د. محمد سعيد رمضان البوطي - دار الفكر - دمشق.\n• حديث القرآن عن القرآن - محمد الراوي - مكتبة العبيكان - الرياض - ط١ - ١٤١٥ هـ\n• حسن البنا ومنهجه في التفسير - دار التوزيع والنشر الإسلامية - القاهرة.\n• حياة الصحابة - محمد يوسف الكاندهلوي - شركة الرياض - السعودية - ط١ - ١٩٩٨ هـ\n• الدر المنثور في التفسير المأثور - جلال الدين السيوطي - دار الكتب العلمية - بيروت - ط١ - ٢٠٠٠ م.\n• دموع القراء - محمد شومان الرملي - دار النفائس - الأردن - ط١ - ٢٠٠٣ م.\n• زاد المعاد في هدى خير العباد - ابن القيم - مؤسسة الرسالة - بيروت.\n• سلسلة الأحاديث الصحيحة - محمد ناصر الدين الألباني - مكتبة المعارف - الرياض - ١٤١٥هـ.\n• شعب الإيمان - البيهقي - دار الكتب العلمية - بيروت - ط١ - ١٤١٠هـ.\n• صحيح الجامع الصغير وزيادته - محمد ناصر الدين الألباني - المكتب الإسلامي - دمشق - ط٣ - ١٤٠٨هـ.\n• الطبقات الكبرى - ابن سعد - دار الكتب العلمية - بيروت - ط١ - ١٤١٠ هـ.\n• العقوبات ابن أبي الدنيا - دار ابن حزم - بيروت.\n• فتح الباري شرح صحيح البخاري - الحافظ ابن حجر العسقلاني - دار الكتب العلمية - بيروت - ط١ - ١٤١٠هـ.\n• فتح الرحمن في بيان هجر القرآن - محمد فتحي، محمود الملاح - دار طيبة الخضراء - مكة.\n• فضائل القرآن - أبو عبيد بن سلام الهروي - تحقيق مروان العطية - دار ابن كثير - دمشق - ط٢ - ١٤٢٠هـ.\n• فضائل القرآن - أبي بكر الفريابي - تحقيق د. يوسف عثمان - مكتبة الرشد - الرياض - ط٢ - ١٤٢١هـ.\n• في ظلال القرآن - سيد قطب - دار الشروق - القاهرة - ط١٥ - ١٤٠٨هـ.\n• كيف نتعامل مع السنة النبوية - د. يوسف القرضاوي - دار الشروق - القاهرة - ط١ - ٢٠٠٠م.\n• كيف نتعامل مع القرآن؟ - محمد الغزالي - دار الوفاء - المنصورة - مصر - ط٢ - ١٤١٢هـ.\n• كيف ننتفع بالقرآن الكريم - أحمد البراء الأميري - مؤسسة الريان بيروت.\n• لمحات الأنوار ونفحات الأزهار وري الظمآن - الغافقي - دار البشائر الإسلامية - بيروت - ط١ - ١٩٩٧ م.\n• مختصر قيام الليل - محمد بن نصر المروزي - مؤسسة الرسالة - ط٢ - ١٤١٤هـ.\n• المدخل لدراسة القرآن الكريم - محمد أبو شهبة - طبعة خاصة بالمؤلف.\n• مفتاح دار السعادة - ابن القيم - دار ابن عفان - الخُبر - السعودية - ط١ - ١٤١٦هـ.\n• النبأ العظيم - د. محمد عبد الله دراز - دار طيبة - الرياض - ط٢ - ١٤٢١هـ.\n• نظرات في كتاب الله للإمام الشهيد حسن البنا- جمع عصام تليمة- دار التوزيع والنشر الإسلامية- القاهرة.\n* * *","vol":"1","page":83}]}