{"ً":{"ٌ":36407,"ٍ":"عودة الروح ويقظة الإيمان","َ":1,"ُ":2,"ّ":"الكتاب: عودة الروح ويقظة الإيمان\nالمؤلف: مجدي الهلالي\nالناشر: دار السراج\nالطبعة: الأولى، ١٤٣٠ هـ - ٢٠٠٩ م\nعدد الصفحات: ٣٦\n[الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":2289,"ٕ":23,"ٖ":1770155848,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"المقدمة","level":1,"page":3},{"title":"لمن الخلق والأمر والتدبير؟!","level":1,"page":4},{"title":"لله الأمر جميعا","level":2,"page":4},{"title":"عنده خزائن كل شيء","level":2,"page":5},{"title":"يدبر الأمور كلها","level":2,"page":6},{"title":"هذا هو ربك الحي القيوم","level":2,"page":7},{"title":"قانون السببية","level":2,"page":8},{"title":"كل شيء بأمره وإمداده","level":2,"page":9},{"title":"ولا مثقال ذرة","level":2,"page":9},{"title":"حقيقة الربانية","level":2,"page":9},{"title":"هل نترك الأسباب؟!","level":2,"page":10},{"title":"التوكل وإنجاح الأسباب","level":2,"page":11},{"title":"الإمداد على قدر الاستعداد","level":1,"page":11},{"title":"العجز والفقر الذاتي","level":2,"page":12},{"title":"أين حرية الاختيار؟!","level":2,"page":12},{"title":"كيف نستجلب الإمداد الإلهي؟","level":2,"page":13},{"title":"ما هو العزم؟","level":2,"page":13},{"title":"أولوا العزم","level":2,"page":13},{"title":"عزم الأمور","level":2,"page":14},{"title":"البداية من العبد","level":2,"page":14},{"title":"عزيمة امرأة","level":2,"page":15},{"title":"إن تصدق الله يصدقك","level":2,"page":15},{"title":"أصدق الله فيه","level":2,"page":15},{"title":"الخليفة الخامس","level":2,"page":16},{"title":"قصة الطالب والمسألتين","level":2,"page":16},{"title":"الهزيمة النفسية وغياب الروح","level":1,"page":17},{"title":"الرسوم المسيئة","level":2,"page":17},{"title":"خطورة الهزيمة النفسية على الأمة","level":2,"page":18},{"title":"آثار الهزيمة النفسية على الفرد","level":2,"page":18},{"title":"غياب الروح عن العاملين في حقل الدعوة","level":2,"page":18},{"title":"الثكلى والمستأجرة","level":2,"page":19},{"title":"اصمت .. لا تتكلم!!","level":2,"page":19},{"title":"البداية .. عودة الأمل","level":2,"page":20},{"title":"لا تعتذر بالقضاء والقدر ولا تستسلم للهزيمة","level":2,"page":20},{"title":"عطايانا سحائب مرسلات","level":2,"page":21},{"title":"ما الذي يمنعك أن تكون ذلك الرجل؟!","level":1,"page":21},{"title":"أنا ضعيف وظروفي متشابكة","level":2,"page":22},{"title":"الخطوة الأولى للنجاح","level":2,"page":22},{"title":"واقترب الوعد الحق","level":2,"page":22},{"title":"متى نؤثر في الناس؟!","level":2,"page":23},{"title":"الندوي يؤكد","level":2,"page":24},{"title":"ليست حماسة فقط","level":2,"page":24},{"title":"كيف تبقى الروح يقظة والعزيمة مشتعلة؟!","level":1,"page":25},{"title":"الشعور بالخطر وقود العزائم","level":2,"page":25},{"title":"أخطارنا حقيقية","level":2,"page":26},{"title":"حرب الأفكار والمفاهيم","level":2,"page":26},{"title":"بين الماضي والحاضر","level":2,"page":27},{"title":"من مظاهر نجاح الحرب الفكرية","level":2,"page":28},{"title":"يا أهل المدينة: لا مدينة لكم","level":2,"page":28},{"title":"خطر الاستبدال","level":1,"page":29},{"title":"هل قامت الأمة الإسلامية بمهمة البلاغ؟!","level":2,"page":29},{"title":"طليعة الإنقاذ","level":2,"page":29},{"title":"الغنم بالغرم","level":2,"page":29},{"title":"إياك أن تكون من القاعدين","level":2,"page":30},{"title":"السؤال أمام الله ﷿","level":2,"page":30},{"title":"أمانة الشهادة لهذا الدين","level":2,"page":31},{"title":"وسائل تغذية الشعور بالخطر","level":1,"page":32},{"title":"التعرف على مآسي المسلمين ومخططات أعدائهم","level":2,"page":32},{"title":"القراءة في الكتب التي تشحذ الهمم","level":2,"page":33},{"title":"ومن هذه الكتب","level":2,"page":33},{"title":"هجرة معنوية نحتاجها","level":1,"page":34},{"title":"الخروج من التيه","level":2,"page":34},{"title":"الهجرة المطلوبة","level":2,"page":35},{"title":"فهل أنت مستعد لها؟!!","level":2,"page":36},{"title":"وأخيرا","level":1,"page":37}],"ٛ":{"1,1":2,"1,2":3,"1,3":4,"1,4":5,"1,5":6,"1,6":7,"1,7":8,"1,8":9,"1,9":10,"1,10":11,"1,11":12,"1,12":13,"1,13":14,"1,14":15,"1,15":16,"1,16":17,"1,17":18,"1,18":19,"1,19":20,"1,20":21,"1,21":22,"1,22":23,"1,23":24,"1,24":25,"1,25":26,"1,26":27,"1,27":28,"1,28":29,"1,29":30,"1,30":31,"1,31":32,"1,32":33,"1,33":34,"1,34":35,"1,35":36,"1,36":37},"ٜ":{"1":[1,36]},"ٝ":[null,"1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36"],"ٞ":{"3":[1],"4":[2,3],"5":[4],"6":[5],"7":[6],"8":[7],"9":[8,9,10],"10":[11],"11":[12,13],"12":[14,15],"13":[16,17,18],"14":[19,20],"15":[21,22,23],"16":[24,25],"17":[26,27],"18":[28,29,30],"19":[31,32],"20":[33,34],"21":[35,36],"22":[37,38,39],"23":[40],"24":[41,42],"25":[43,44],"26":[45,46],"27":[47],"28":[48,49],"29":[50,51,52,53],"30":[54,55],"31":[56],"32":[57,58],"33":[59,60],"34":[61,62],"35":[63],"36":[64],"37":[65]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"عودة الروح ..\nويقظة الإيمان\n\nتأليف\nمجدي الهلالي","vol":"1","page":null},{"text":"جميع الحقوق محفوظة\n\nالطبعة الأولى\n١٤٣٠هـ - ٢٠٠٩م\n\nرقم الإيداع: ٢٢٠٤٩/ ٢٠٠٨\nالترقيم الدولي:  I.S.B.N\n٩٧٧- ٤٤١- ٥٩٥ - ٧\n\nدار السراج\nتوزيع\nمؤسسة اقرأ\nللنشر والتوزيع والترجمة","vol":"1","page":1},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1>المقدمة</span>\nالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:\nفإن الروح شيء عظيم من أمر ربي، ولذلك تقترن به الحياة، والإحساس والحركة، وتقترن به الحالة المعنوية للفرد، ومن ثمَّ الأمة.\nفعندما تغيب الروح عن الفرد فإن الهزيمة النفسية ستلاحقه حتى تصيبه، وما أخطر تلك الهزيمة على الفرد، وما أشد ضررها على حاضره ومستقبله حين تستحكم حلقاتها حول عنقه!! .. وكيف لا وصاحبها يستسلم للواقع، وينكفئ على ذاته، ويبحث- عبثا- عما يلهيه، ويُنسيه أمر نفسه.\nالهزيمة النفسية والإحباط يقتلان الطموح، ويجعلان الشعور باليأس يتسرب إلى كيان الإنسان فلا يجد للحياة طعمًا، ولا للمستقبل قيمة ولا وزنًا.\nوعندما تُصاب الأمة بالهزيمة النفسية فإن مستقبلها لن يكون أفضل من حاضرها، بل قد يكون أشد قتامة وبؤسًا ..\nومما يدعو للأسف أن هناك آثارًا كثيرةً لهذه الهزيمة يلمسها المدققون والمراقبون لأحوال الأمة الإسلامية، فالانبهار بالغرب وحضارته، والتبعية شبه الكاملة له، وانطماس الهوية ... ما هي إلا بعض مظاهر تلك الهزيمة.\nومع قسوة الواقع إلا أن الأمل لا يزال موجودًا في أن تستعيد الأمة عافيتها، وتنهض من كبوتها: ﴿إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧]، هذا الأمل يحتاج إلى صاحب عزيمة وقَّادة حتى يترجمه إلى واقع حيّ.\nيحتاج إلى من يُوقِف نفسه لقضية إيقاظ الأمة وبث الروح فيها- بعون الله- ويصمم على ذلك تصميمًا عظيمًا لا تراجع فيه، مستصحبا هذا المعني من رسوله وقدوته محمد ﷺ عندما قال لعمه أبي طالب:\n«يا عم، والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري، على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه، ما تركته» (١).\nفلماذا لا تكن أنت -أخي القارئ- ذلك الرجل؟\nلماذا لا يعتبر كل منا نفسه مسئولًا عن نهضة الأمة، وعودة مجدها من جديد؟!\nإياك ثم إياك أن تستصغر نفسك وتقول: أنا لا أصلح؛ فيقينا أنت تصلح لو صح عزمك وإرادتك .. أتدري لماذا؟!\nلأن الأمر كله بيد الله، وهو وحده الذي يحرك الأحداث .. ينصر ويهزم .. يقدم ويؤخر .. يعطي ويمنع، وقد جعل- سبحانه- عطاءه لعباده مرتبطًا بصدقهم وقوة عزيمتهم وإرادتهم، كما قال ﷺ: «ومن يتحرَّ الخير يُعطه، ومن يَتَّق الشر يُوقَّهُ» (٢) وقال: «إن تصدق الله يصدقك» (٣).\nإذن باستطاعتي، وباستطاعتك- بتوفيق الله تعالى- أن نكون ذلك الرجل، فإن كنت في شك من هذا فاقرأ معي صفحات هذا الكتاب.\n* * *\n_________\n(١) السيرة النبوية لابن هشام ١/ ١٦١ دار التراث - القاهرة.\n(٢) حسن، أخرجه الخطيب البغدادي عن أبي الدرداء، وحسنه الألباني في صحيح الجامع الصغير برقم (٢٣٢٨)، والسلسلة الصحيحة (٣٤٢).\n(٣) صحيح، أخرجه النسائي، وأورده الألباني في صحيح الجامع الصغير ح (١٤١٥).","vol":"1","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>لمن الخلق والأمر والتدبير</span>؟!\nأمر الله ﷿ موسى﵇- بالذهاب إلى فرعون وتبليغه رسالة فحواها: أنه سبحانه هو ربه، ورب كل شيء ومليكه، وهو وحده المستحق للعبادة، وأنه يكره الظلم والطغيان، وأيد الله- جل ثناؤه- موسى ﵇ بآية عظيمة تدل على صدقه، وأنه مبعوث من رب العالمين .. هذه الآية هي تحويل عصاه التي يتكئ عليها إلى حية عظيمة بإذن الله.\nرأى فرعون الآية الكبرى لكنه لم يستسلم لله رب العالمين .. منعه الكبر، والخوف على مصالحه وامتيازاته التي توفرها له مكانته بين رعيته.\nاستشار بطانته في كيفية إبطال ما جاء به موسى﵇- فطرأت له ولهم فكرة اتهامه بالسحر، وراقت لفرعون الفكرة، وانساق وراءها، فطلب ممن حوله إحضار جميع السحرة لمنازلة موسى﵇- وإبطال سحره ﴿قَالَ لِلْمَلأِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ - يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ - قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ - يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٣٤ - ٣٧].\nيأتي السحرة، ويجتمعون في مكان فسيح، وتخرج جموع الناس لمشاهدة هذا الأمر المثير، ويأتي موسى ﵇ ويطلب منهم أن يُظهروا ما عندهم من فنون السحر ...\nيُلقي السحرة عصيهم وحبالهم، فإذا بها تبدو للناس وكأنها تتحرك ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ١١٦].\nفماذا فعل موسى﵇- تجاه ما رآه وهو يعلم أن العصا التي معه يمكنها أن تتحول إلى حية عظيمة- بإذن الله- فتحطم سحرهم؟!\nهل استهزأ بما فعلوه وقال لهم: سترون الفارق بين عصاي وعصيكم، وستعلمون من الأقوى، فالحية التي سترونها لا مثيل لها؟!\nلا، لم يقل لهم هذا، بل قال لهم: ﴿مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللهَ سَيُبْطِلُهُ﴾ [يونس: ٨١]. لقد قفز بهذه الجملة عبر كل الحواجز والمألوفات الأرضية، ووضعهم أمام الحقيقة الكبرى التي تقوم على أساسها السماء والأرض وما فيهن، فلن يُبطل السحر عصا أو حية، بل سيبطله الله ﷿ ..\nنعم، هناك عصا ستتحول إلى حية بإذن الله، هذه الحية ستلتهم جميع الحيَّات المزيفة، ولكن كل هذا لن يتم إلا بأمر الله، وإمداداته المتوالية.\nفجوهر الأمر أن الله ﷿ هو الفاعل، وأنه -سبحانه- هو الذي سيُبطل السحر، وما الحية، وما العصا إلا صور وأشكال لا قيمة لها بدون المدد الإلهي المتواصل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>لله الأمر جميعًا:</span>\nنعم، أخي، فالله ﷿ هو وحده الذي يملك هذا الكون كله ﴿للهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ﴾ [المائدة: ١٢٠].\nفكل ما تراه أمامك، وكل ما يوجد خلفك، وعن يمينك وشمالك فهو ملك ذاتي لله جل ثناؤه ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٩١].\n﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [مريم: ٦٤].\nومع مُلكه لكل شيء فهو سبحانه المتصرف والمدبر لشئون جميع خلقه - صغيرها وكبيرها- وهو القائم على تربية جميع مخلوقاته بالإمداد والرعاية فهو: ﴿رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٦٤].\nلا ينسى أحدًا من خلقه- حاشاه- وكيف ينساه ووجوده، ووجود جميع المخلوقات مرتبط به سبحانه، فإما الإمداد الإلهي المستمر للجميع وإلا فلا حياة ولا وجود ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ [هود: ٦].\n﴿أَوَ لَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾ [الملك: ١٩].\nفكافة أمور الخلائق وما يستلزمها من مقومات الحياة والحركة والسكون، وما يتعلق بوجودها من علاقات متشابكة بين أنواعها المختلفة أو بين النوع الواحد .. كلها بيده سبحانه، هو الذي يدبرها ويتولى أمرها ﴿أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤].","vol":"1","page":3},{"text":"﴿لاَ الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ القَمَرَ وَلاَ اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠].\nكل شيء في هذا الكون قائم به، يستمد احتياجاته منه سبحانه، فجميع إمدادات الخلائق في خزائنه وحده لا شريك له ﴿وَللهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [المنافقون: ٧].\nالإمداد بالنوم والاستيقاظ .. الشعور بالراحة أو التعب .. القيام أو القعود أو الجلوس .. الضحك أو البكاء .. الكلام أو الإنصات .. الشهيق أو الزفير .. الهضم أو الامتصاص أو التمثيل الغذائي .. كل هذا وغيره يستمد وجوده وفاعليته من خزائن الله، ولا يوجد أي مصدر آخر في هذا الكون يقوم بذلك ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾ [الحجر: ٢١].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>عنده خزائن كل شيء:</span>\nعندما طلب الله ﷿ من الملائكة أن تخبره بأسماء الموجودات على ظهر الأرض كانت فحوى إجابتهم: كيف نخبرك بشيء لم تُعلِّمنا إياه ﴿سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة: ٣٢].\nفالعلم لا يستمد إلا من خزائنه: ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ﴾ [يوسف: ٦٨]. وأي فهم، أو حكمة، أو حجة تأتي على لسان أحد فمن عنده سبحانه:\n- ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء: ٧٩].\n- ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾ [الأنعام: ٨٣].\n- ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٦٩].\nوعندما أنزل الله ﷿ الملائكة تقاتل مع المؤمنين في بدر، وأنزل\nكذلك النعاس والمطر، ذكَّرهم بأن هذه الأشياء لا تُحدث نصرًا بذاتها .. لماذا؟ لأن النصر لابد وأن يأتي من عنده سبحانه ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ - وَمَا جَعَلَهُ اللهُ إِلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ [الأنفال: ٩ - ١٠].\nالدنيا كلها ظلمة، وأى نور فيها فهو مستمد من الله ﷿ \"اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ\" [النور: ٣٥].\n﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُورٍ﴾ [النور: ٤٠].\nوالرحمة التي ترى مظاهرها الكثيرة في الحياة .. كلها مستمدة من خزائن الرحمة الإلهية ﴿مَا يَفْتَحِ اللهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٢].\nقال ﷺ: «جعل الله الرحمة مائة جزء، أمسك عنده تسعة وتسعين، وأنزل في الأرض جزءًا واحدًا، فمن ذلك الجزء يتراحم الخلق حتى ترفع الفَرَسُ حَافِرها عن ولدها خشية أن تصيبه» (١).\nحتى الرحمة التي كانت في قلب رسول الله ﷺ فهي مستمدة من خزائن الرحمة الإلهية ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللهِ لِنتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران:١٥٩].\nوأي جود، وأي كرم تراه في أحد فهو مستمد من خزائن الجود والكرم الإلهي .. جاء في الأثر: «أنا الجواد ومني الجود، أنا الكريم ومني الكرم» (٢).\nوكل آثار لقوة تراها في الحياة فهي مستمدة من خزائن الله ﴿لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ﴾ [الكهف: ٣٩].\nوعندما قالت عاد ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ كان الرد الإلهي ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥].\n_________\n(١) رواه مسلم في كتاب التوبة (٦٩٠٦).\n(٢) أورده ابن رجب في لطائف المعارف ص ١٨٣، دار ابن حزم - بيروت.","vol":"1","page":4},{"text":"والشعور بالسكينة، والسلام مستمد من خزائنه ﴿فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح: ١٨]، «اللهم أنت السلام ومنك السلام» (١).\nوالصبر من خزائنه: ﴿وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللهِ﴾ [النحل: ١٢٧].\nوالثبات من عنده: ﴿يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآَخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧].\n﴿وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٤].\nوالشفاء من عنده: «.. لا شفاء إلا شفاؤك» (٢).\nوالتقوى من عنده: ﴿وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد: ١٧].\nوالتوبة في خزائنه: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ [التوبة: ١١٨].\nوالتوفيق من عنده: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللهِ﴾ [هود: ٨٨].\nوالتيسير كذلك: «اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلًا» (٣).\nوالعزة كلها من عنده: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر: ١٠].\n﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٨٠].\nفسبحان من بيده ملكوت كل شيء.\nسبحانه، لا رب غيره، ولا إله سواه: ﴿ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الأنعام: ١٠٢].\nهذه هي الحقيقة التي ينبغي أن نعتقدها ونوقن بها، ونشهدها، ونشهد بها ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١٨].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>يدبر الأمور كلها:</span>\nالله ﷿ هو وحده الذي يدير هذا الكون ويتابعه .. يقدم ويؤخر .. يخفض ويرفع .. يقبض ويبسط .. يحيي ويميت.\nلم يفلت منه سبحانه زمام الكون لحظة واحدة- حاشاه- ﴿هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥].\nأَزِمَّة الأمور كلها بيده ﴿اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ - لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الزمر: ٦٢، ٦٣].\nفترتيب الأمور والأحداث، والعلاقات المتشابكة بين الأشخاص، ومقدار أرزاقهم المادية والمعنوية .. كل ذلك وغيره يتولى الله ﷿ تدبيره وترتيبه بما يناسب مصالح عباده ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَّشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الشورى: ١٢].\nفعلى سبيل المثال:\nهناك (مبلغ) من المال سيتقاضاه رجل (ما) نظير عمله بالتدريس في مدرسة من المدارس.\nهذا المال الذي قدَّره له الله لن يبقى كله معه، بل سيتوزع أغلبه على العديد من الأشخاص قد يبلغون المائة؛ ما بين سائق، أو صاحب مطعم، أو بائع للصحف، أو صاحب مغسلة، أو مسكين، أو بائع أدوات منزلية، أو طبيب، أو صاحب صيدلية، أو ...، وكل واحد من هؤلاء له في علم الله نصيب محدد من هذا الراتب، وسيأخذه في وقت محدد لا يعلمه إلا الله.\nهذه الترتيبات المرتبطة بالزمان والمكان .. الذي يديرها ويحرك الأحداث في اتجاه وقوعها في الزمان والمكان المقدر هو الله وحده لا شريك له.\n_________\n(١) رواه مسلم.\n(٢) رواه البخاري ومسلم.\n(٣) رواه ابن حبان في صحيحه (٢٤٢٧) وصححه عبد القادر الأرناؤوط في تخريج الأذكار للنووي.","vol":"1","page":5},{"text":"هو الذي يوجه تفكير صاحب الراتب في وقت (ما) إلى الذهاب لمتجر (ما) لشراء شيء يُذكره به، ليقوم بتوصيل الرزق (المقدَّر) لصاحب المتجر في ذلك الوقت، ويشعر في وقت آخر بصداع وهو يسير في الطريق فيجد بالقرب منه صيدلية، فيدخلها ويشتري منها دواء ليقوم بتوصيل الرزق المقدر لصاحب الصيدلية في هذا الوقت.\nيقف في الطريق العام ينتظر وسيلة مواصلات تنقله لمدرسته، وكلما مرت به مركبة لا يجد في نفسه رغبة لركوبها لأسباب مختلفة، حتى تأتي مركبة محددة -منذ الأزل- فيركب فيها ليتم تحصيل الأجرة منه، لتكون جزءًا مقَّدرًا من رزق صاحب المركبة عليه أن يُحّصله في ذلك الوقت.\nوهكذا يتم توزيع الراتب على هؤلاء المائة- إن افترضنا أنهم مائة فقط- ووراء هؤلاء عشرات بل مئات يتولى الله ﷿ توزيع أرزاقهم، ويوجههم لجمعها من أفراد محددين ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الزخرف: ٣٢].\nوليس الرزق فقط الذي يتولى سبحانه تقديره بين الناس؛ بل كل ما يتعلق بتسيير حياتهم .. يكفيك أن تتذكر أن الله ﷿ يقبض جميع أرواح العباد عند النوم، ويعيدها لهم عند اليقظة، ولم يحدث -ولو مرة واحدة- أن حلَّت روح شخص في شخص آخر، وكيف يحدث هذا والله هو الذي يتولى هذا الأمر كما يتولى جميع الأمور ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الزمر: ٤٢].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>هذا هو ربك الحي القيوم:</span>\nيروي أحد الأصدقاء أن أحد معارفه قابله وأعطاه مظروفًا به مبلغ من المال، وطلب منه أن ينفقه في أوجه الخير، ووضع صاحبنا المظروف في جيبه ثم افترقا، وبعد لحظات قابله صديق آخر بتلهف شديد، واشتكى له من ضائقة مالية شديدة ألمت به، وأخبره بأنه يريد على وجه السرعة قدرًا (محددًا) من المال حتى يتجاوز الضائقة، فتذكر صاحبنا المظروف الذي في جيبه، فأعطاه إياه وطلب منه أن يُحص ما فيه، وإذا بالاثنين يفاجآن!! فلقد كان المظروف يحتوي على المبلغ المطلوب دون زيادة أو نقصان ﴿ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٩٧].\nوآخر يحكي بأنه صعد يومًا الحافلة وكانت مزدحمة، فلم يجد مكانا للجلوس، وكان يحمل على كتفه ابنته الصغيرة، وبينما المركبة تسير في طريقها، شرد ذهنه في الماضي، وتذكر خطأً جسيما ارتكبه في حق أحد الأشخاص منذ سنوات بعيدة، ولا يعرف كيف يصل إليه ليستسمحه، وتذكر يوم القيامة، والحساب والقصاص، فتأثر تأثرًا شديدًا، ودمعت عيناه، وبينما هو في هذه الحالة إذ بيد تمتد إليه من أحد الركاب الجالسين فتأخذ منه طفلته ليُجلسها بجواره، فالتفت صديقنا لصاحب اليد ليفاجأ بأنه هو ذات الشخص الذي كان يتذكره منذ لحظات ولا يدري كيف يصل إليه، فانتابته لحظة ذهول ثم أقبل عليه يستسمحه ويسترضيه.\nوصديق آخر يروي أنه كان في يوم من الأيام نائمًا على أريكة، وفوق هذه الأريكة لوحة ضخمة معلقة على الحائط، وفي أثناء نومه انتبه وقام-تلقائيا- لينام على الأريكة المقابلة، ثم غط في نوم عميق، وبعد دقائق استيقظ على صوت ارتطام شديد بالأرض، فنظر أمامه والفزع يتملكه، وإذا باللوحة الضخمة قد سقطت على الأريكة التي كان نائمًا عليها ثم على الأرض ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢].","vol":"1","page":6},{"text":"وفي أحد البلدان التي يضطهد فيها الدعاة إلى الله، وفي أثناء إحدى تلك المحاكمات الظالمة، أراد القاضي أن يستمع إلى أدلة الإثبات التي تُدين بعض الدعاة، وكانت من هذه الأدلة: تسجيلات صوتية لهم، فطلب القاضي إحضار جهاز التسجيل للاستماع لهذه التسجيلات المفتراة، وعندما جاءوه به طلب تجربة الجهاز أولًا، فبحثوا هنا وهناك حتى وجدوا (شريطا) مسجلًا عليه آيات من القرآن، فتناوله ووضعه في الجهاز، وضغط على زر التشغيل فإذا بصوت القارئ ينبعث من الجهاز، ويُجلجل في قاعة المحاكمة، وترن أصداؤه في جنباتها بقوله تعالى: ﴿وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [التوبة: ١٠٧]، فاضطرب القاضي ومن حوله وسارع بإغلاق الجهاز وهو في غاية التوتر.\nوالأمثلة كثيرة، وكلها تؤكد وتبرهن على أن لهذا الكون كله ربًا واحدًا، يديره، ويتابعه ويتعاهده، ويمده بما يقيمه ويصلحه ... لا يغفل عنه لحظة واحدة ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾ [الرعد: ٢].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>قانون السببية:</span>\nولكي يستطيع الناس ترتيب أمورهم في الحياة، فقد جعل الله ﷿ لها نظاما تقوم عليه، وقوانين تسير عليها، وجعل سبحانه هذا النظام يقوم على قانون السببية، بمعني أن الحصول على النتائج يأتي من خلال استخدام أشياء- مادية أو معنوية- هذه الأشياء لا تُحدث بنفسها أية نتائج، ولكنها سبب وشكل وستار يتنزل عليه المدد الإلهي، فالماء جعله الله سببًا للإرواء، والطعام سببًا للشبع، والنوم سببًا للراحة ..، ولكن بدون المدد الإلهي المتواصل فلا قيمة لهذه الأسباب، فالماء سبب شكلي للإرواء، أما الذي يروي فهو الله ﷿، ولو لم تتنزل الفاعلية والإرواء من خزائنه- سبحانه- ما ارتوى الظمآن، وهكذا في بقيه الأمور، ويُجسّد هذا المعني بوضوح قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ - وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللهُ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ١٤ - ١٥]، وقول جبريل ﵇ لمحمد ﷺ: «بسم الله أرقيك والله يشفيك» (١).\nفله وحده الفاعلية المطلقة في هذا الكون، فهو سبحانه الذي يحملنا في البر والبحر والجو، وما السيارة، وما الطائرة، وما أرجلنا إلا أسباب شكلية لا قيمة لها بدون المدد الإلهي: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [يونس: ٢٢].\nتأمل معي قوله تعالى في بيان هذه الحقيقة في قصة نجاة نوح -﵇- من الغرق بعد ركوبه السفينة التي مكث طويلًا في بنائها: ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾ [القمر: ١٣].\nنعم أخي هذه هي الحقيقة، فالذي حمل نوحًا﵇- هو الله، وما السفينة إلا ألواح خشبية ومسامير لا قيمة لها بدون المدد الإلهي ﴿وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [يس:٤١].\nفإن كانت الحياة قائمة على قانون السببية، إلا أن الحقيقة التي لا مرية فيها هي أن الله ﷿ هو الذي يحرك كل شيء في هذا الكون، وهو الذي يُنشىء النتائج من خلال الأسباب، أو بدونها ﴿وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا﴾ [التوبة: ٥٢].\n﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٤٧].\n_________\n(١) رواه مسلم.","vol":"1","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>كل شيء بأمره وإمداده:</span>\nهذه- إذن- حقيقة الحياة، فكل ما يوجد في جسدك- أخي- من إمكانات وقدرات، لا قيمة لها لو تخلى الله عنها ولم يمدها بفاعليتها لحظة بلحظة، وآنًا بآن، فالأحبال الصوتية التي خلقها الله ﷿ كسبب للنطق، لا يمكنها أن تتحرك حركة واحدة إلا إذا جاءها المدد من الخزائن الإلهية ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾ [الحجر: ٢١]، وانقباض العضلات وانبساطها والحركة والعدو والرمي يتم بإمداده ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧].\nحتى الضحك والبكاء ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ [النجم: ٤٣].\nفما من حركة في هذا الكون إلا والله من ورائها ﴿مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللهِ﴾ [الحشر: ٥].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>ولا مثقال ذرة:</span>\nيقينا لا توجد مثقال ذرة في هذا الكون يمكن لها أن تتحرك بذاتها دون إمداد من الله .. انظر مثلًا إلى النبات واقرأ هذه الآية التي تؤكد على أن الله تعالى قائم عليه في كل مرحلة من مراحل نموه يبث فيه الفاعلية وينقله من طور إلى طور: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا﴾ [الأنعام: ٩٩].\nوتأمل في الآيات التي تتحدث عن خلق الإنسان وكيفية انتقاله من مرحلة إلى مرحلة ليزداد يقينك بهذه الحقيقة ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ - ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ - ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٢ - ١٤].\nنعم، أخي، هذه هي حقيقة الوجود ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ - أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ - لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ - إِنَّا لَمُغْرَمُونَ - بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ - أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ - أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ - لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ - أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ - أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ - نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِّلْمُقْوِينَ - فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٦٣ - ٧٤].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>حقيقة الربانية:</span>\nهذه الحقيقة كانت تهيمن على رسول الله ^ في كل أموره وأحواله، وكانت تصبغ كلماته وتوجيهاته لأصحابه ولأمته من بعده.\nفكان ﷺ إذا غزا قال: «اللهم أنت عضدي، وأنت نصيري، بك أحول، وبك أصول، وبك أقاتل» (١).\nوكان يقول: «إنما أنا مبلغ والله يهدي، وإنما أنا قاسم، والله يُعطي» (٢).\nويقول: «ما أوتيكم من شيء، ولا أمنعكموه، إن أنا إلا خازن أضع حيث أُمرت» (٣).\n_________\n(١) صحيح، رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني في صحيح الجامع، ح (٤٧٥٧).\n(٢) صحيح، رواه الطبراني، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير، برقم (٢٣٤٧).\n(٣) صحيح، رواه الإمام أحمد أبو داود، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم (٥٥٦٦).","vol":"1","page":8},{"text":"وعندما قال له البعض: يا رسول الله غلا السِّعر، فَسَعِّر لنا، فقال: «إن الله تعالى الخالق، القابض، الباسط، الرزاق، المُسَعِّرُ ..» (١).\nفإذا ما نظرنا لجيل الصحابة- رضوان الله عليهم- نجد أن هذا المعني كان حاضرا في حياتهم بشكل أساسي، فهذا أنس بن النضر ﵁ يقول لرسول الله ﷺ بعد غزوة بدر: يا رسول الله، غبت عن أول قتال قاتلته المشركين، لئن أشهدني الله قتال المشركين، ليرىن الله ما أصنع» (٢)\nوهذا الطفيل بن عمرو الدوسي وهو يقص على من حوله قصة إسلامه، وكيف أنه بعد أن ذهب إلى مكة وحذره المشركون من سماع محمد ﷺ حتى لا يفتنه، ويسحره بكلامه، فيقول: فوالله ما زالوا يحدثوني في شأنه، وينهوني عن أن أسمع منه، حتى قلت: والله لا أدخل المسجد إلا وأنا ساد أذني.\nقال: فعمدت إلى أذني فحشوتها كرسفا- أي قطنا- ثم غدوت إلى المسجد، فإذا برسول الله ﷺ قائمًا في المسجد، فقمت قريبا منه، وأبى الله إلا أن يسمعني بعض قوله (٣) ...\nوعندما خرج عبد الله بن عتيك في سرية مع بعض الصحابة لقتل اليهودي\nأبي رافع- سلام بن أبي الحقيق- في حصن خيبر، ودخل ابن عتيك الحصن، ووصل إلى أبي رافع وقتله، ثم عاد إلى أصحابه يبشرهم، ويحثهم على سرعة الخروج من المكان إذا به يقول لهم: النجاء، فقد قتل الله أبا رافع (٤).\nوهذه زنيرة الرومية يعذبها أبو جهل وعمر بن الخطاب- قبل إسلامه- حتى فقدت بصرها، فقال لها أبو جهل: إن اللات والعزى هما اللذان أذهبا بصرك، فماذا قالت له وهي في هذه الحال الصعبة التي قد تفتن أقوى الأنفس؟؟\nقالت: «وما تدري اللات والعزي من يعبدها، ولكن هذا أمر من السماء، وربي قادر على أن يرد بصري» وبالفعل رد الله بصرها، فقالا: لقد سحرها محمد.\nوهذه حفصة ﵂ تقول: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: «اللهم قتلًا في سبيلك ووفاة ببلد نبيك ﷺ» قالت: فقلت: وأنَّي يكون هذا؟! قال: يأتي به الله إذا شاء (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>هل نترك الأسباب</span>؟!\nليس معنى أن الله ﷿ هو الذي يبث الفاعلية في الأسباب، وأنها لا قيمة لها بدون إمداده أن نترك الأخذ بالأسباب، ونتجه مباشرة إلى الله ﷿ من أجل الحصول على النتائج، فهذا لا يجوز ولا يصح، لأنه- سبحانه- لو أراد منا ذلك ما خلق الأسباب، وما أمرنا بالأخذ بها، ولئن كانت الأسباب لا قيمة لها بدون الله، إلا أنها تُعد بمثابة الستار الذي يتنزل عليه أمر الله وقدره، وعلى المسلم أن يقيم هذا الستار بالقدر المتيسر والمتاح أمامه.\nومع أخذ المسلم بالأسباب، وإقامته لهذا الستار إلا أنه لا ينبغي عليه الركون إليها، أو الاعتماد عليها في حصول النتائج، وإلا تحول هذا الستار إلى جدار يحجبه عن الله.\nانظر إليه ﷺ وهو يوجه صاحب الناقة إلى ربطها -كسبب لعدم شرودها- ويوجهه كذلك إلى التوكل على الله في إنجاح هذا السبب فقال له: «اعقلها وتوكل» (٦).\nوتأمل ما حدث للصحابة وقد نفد ماؤهم وأرادوا الوضوء والشرب فذهبوا إلى رسول الله ﷺ يخبرونه بذلك .. فماذا فعل ﵊؟\n_________\n(١) صحيح رواه الإمام أحمد والترمذي وأبو داود، وأورده الألباني في صحيح الجامع الصغير ح (١٨٤٦).\n(٢) أخرجه البخاري.\n(٣) المعجزة القرآنية لمحمد حسن هيتو ص٤٠ نقلا عن سير أعلام النبلاء.\n(٤) السيرة النبوية لعلي الصلابي ٢/ ٤١٨.\n(٥) حياة الصحابة ١/ ٣٨٨، ٣٨٩.\n(٦) حسن، رواه الترمذي عن أنس، وأورده الألباني في صحيح الجامع ح (١٠٦٨).","vol":"1","page":9},{"text":"طلب منهم إحضار ما تبقى عندهم من ماء، ثم وضع فيه أصابعه الشريفة، فنبع من بينها الماء ليشرب الجميع ويتوضأ (١).\nفهنا استنفد ﷺ الأسباب الموجودة، وشكَّل الماءُ القليل «الستار» الذي تنزّل من خلاله المدد الإلهي.\nفعلينا- إذن- أن نجتهد في الأخذ بالأسباب المتاحة أمامنا، مع يقيننا بأنها لا تفعل شيئًا بذاتها، فالفاعل هو الله، وإنما نأخذ بها لأننا مأمورون بذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>التوكل وإنجاح الأسباب:</span>\nويؤكد على هذا المعني محمد عبد الله دراز﵀- في تعليقه على اتخاذه ﷺ الزاد وهو ذاهب للتعبد في غار حراء فيقول: وفي هذا بيان للسنة النبوية في اتخاذ الزاد والعمل بالأسباب، وأن التوكل على الله ليس في ترك الأسباب التي وضعها الله، بل التوكل هو تفويض الأمر إلى الله في إنجاح هذه الأسباب، لأنها لا نُجح لها من طبيعتها، وإنما نجحها بتوفيقه وتيسيره، لا رب غيره (٢).\nفالمؤمن يجمع بين الأمرين -كما يقول ابن القيم- يجرد عزمه للقيام بالأسباب حرصًا واجتهادًا، وَيُفرِّغ قلبه من الاعتماد عليها، والركون إليها، تجريدًا للتوكل، واعتمادًا على الله وحده، وقد جمع النبي ﷺ بين هذين الأصلين في الحديث الصحيح حيث يقول: «احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تَعْجَزْ» فأمر ﷺ المؤمن بالحرص على الأسباب، والاستعانة بالمسبب، ونهاه عن العجز، وهو نوعان: تقصير في الأسباب، وعدم الحرص عليها، وتقصير في الاستعانة بالله، وترك تجريدها (٣).\nوخلاصة القول أن الذي يدير الكون ويتعاهده ويتابعه هو الله وحده لا شريك له، وأنه سبحانه هو الذي أمرنا باتخاذ الأسباب دون الركون إليها أو التعلق بها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>الإمداد على قدر الاستعداد</span>\nالله ﷿ هو رب كل شيء ومليكه، ومدبر أمره .. هذه هي الحقيقة التي يقوم عليها الوجود كله.\nأما الإنسان- أي إنسان- فهو مخلوق من مخلوقات الله، حياته كلها متعلقة بإمدادات ربه إليه، ولو تركه لحظة واحدة لتوقف فيه كل شيء.\nوالإنسان إذ يعيش في الحياة بفضل إمدادات ربه؛ فإنه- يقينا- لا يقدر على فعل أي شيء- مهما صغر- إلا إذا أذن له الله بفعله، وفتح له خزائنه.\nلذلك كان من الضروري أن نُقَدِّم المشيئة الإلهية عند العزم على فعل أي شيء.\nنُقَدِّمها ونحن على يقين بأن الأمر كله لله ﴿وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا - إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللهُ﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤].\nولئن كان الله ﷿ قد خاطب رسوله محمد ﷺ- وهو سيد البشر- قائلًا: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨]، فماذا عن بقية البشر؟؟\nهل يمكن أن يكون لأحد منهم صلاحية أو قوة ذاتية في هذا الكون؟! ﴿يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الأمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأمْرَ كُلَّهُ للهِ﴾ [آل عمران: ١٥٤].\nفالله ﷿ هو خالق كل شيء، وهو ربه يمده بما يحتاجه، وما الإنسان إلا مخلوق صغير ضئيل في هذا الكون الرحيب، لا يمكنه- بمفرده- أن يُنفذ إرادته، فإرادته لا تنفذ إلا من خلال موافقة الله على إنفاذها، ومن ثمّ إمداده بما يظهرها .. من هنا ندرك بعضا من معاني قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللهُ﴾ [الإنسان: ٣٠].\nوقوله: ﴿وَمَا يَذْكُرُونَ إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللهُ﴾ [المدثر: ٥٦].\n_________\n(١) حديث نبع الماء من بين أصابعه ﷺ رواه البخاري وغيره.\n(٢) كنوز مختارة من السنة ص ١٦ لمحمد عبد الله دراز، دار القلم- الكويت.\n(٣) تهذيب مدارج السالكين ص ٦٤٠.","vol":"1","page":10},{"text":"فلو حشد المرء ما يمكن حشده من أسباب فلن يصل إلى النتيجة المتوقعة لها إلا إذا أَذِن الله وفتح له خزائن ذلك ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلاَئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَّا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ [الأنعام: ١١١].\nوعندما قام نبي الله يوسف﵇- بتدبر أمر الحيلة التي من خلالها كان ينوي استبقاء أخيه معه، ونجح في ذلك، نجد التعقيب القرآني يُذكِّر بحقيقة الأمر وبأن ما حدث فإنما حدث بإذن الله ومشيئته وإمداده حتى يرسخ المعنى في الأذهان ﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللهُ﴾ [يوسف: ٧٦].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-14>العجز والفقر الذاتي:</span>\nوالمتأمل لسير الرسل والأنبياء- عليهم الصلاة والسلام- وهم أكمل البشر، نجد أنهم كانوا يعيشون في حقيقة عجزهم وفقرهم الذاتي والمطلق لله ﷿، فهذا شعيب﵇- يقر بها عندما يخيره قومه بين العودة إلى ملتهم أو إخراجه ومن معه من قريتهم، فيرد عليهم قائلًا: ﴿أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ - قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الأعراف: ٨٨، ٨٩].\nوبمثل هذا أجاب إبراهيم﵇- قومه في حواره معهم: ﴿وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ﴾\n[الأنعام: ٨٠].\nوكذلك كان حال موسى﵇- عندما أخذته ومن معه الرجفة ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِّمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ﴾ [الأعراف: ١٥٥].\nوكان رسولنا محمد ﷺ يعيش بكيانه كلّه في هذه الحقيقة .. فهذا عبد الله بن حوالة الأزدي ﵁ يقول: بعثنا رسول الله ﷺ لنغنم على أقدامنا فرجعنا فلم نغنم شيئًا، وعرف الجهد في وجوهنا، فقام فينا فقال:\n«اللهم لا تكلهم إلىَّ فأضعف عنهم، ولا تكلهم إلى أنفسهم فيعجزوا عنها، ولا تكلهم إلى الناس فيستأثروا عليهم» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>أين حرية الاختيار</span>؟!\nفإن قلت: وأين حرية الاختيار؟ وأين الإرادة الحرة التي أتاحها الله للإنسان والتي على أساسها يترتب الثواب والعقاب؟!\nنعم، أتاح الله ﷿ للإنسان حرية الاختيار (٢)، إلا أن الذي يترجم ويُفعِّل اختياراته هو الله ﷿ ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الأنعام: ١٠٢]، بمعني أن العبد له أن يختار ما يريد فعله بإرادته الحرة، ولكن الذي يمكنه من ترجمة هذا الاختيار إلى أرض الواقع هو الله ﷿.\n* * *\n_________\n(١) أخرجه أبو داود وأحمد والحاكم.\n(٢) (*) أتاح الله ﷿ للإنسان حرية الاختيار في الأمور التي سيحاسبه عليها والتي سماها العلماء (الإرادة الشرعية)، أما الأمور التي ليس للإنسان فيها اختيار كشكله، وطوله، وجنسه، ورزقه .. فسميت (الإرادة الكونية).","vol":"1","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>كيف نستجلب الإمداد الإلهي</span>؟\nالإنسان مخلوق عاجز وفقير فقرًا ذاتيًا ومطلقًا، لا يملك مقومات تسيير شئونه بنفسه، بل يحتاج إلى ربه وإلي إمداداته المتوالية لترجمة اختياراته وإقامة حياته .. هذه هي الحقيقة .. ليبقى السؤال عن كيفية استجلاب هذه الإمدادات؟\nالإجابة عن هذا السؤال أجملها الحديث القدسي: «يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم. يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم. يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم» (١).\n(فاستهدوني .. فاستكسوني .. فاستطعموني) كلها كلمات تدل على تمكن الرغبة ممن يطلبها.\nومما تجدر الإشارة إليه أن التاء في هذه الكلمات -كما يقول أهل اللغة- للطلب، بمعني أنكم إذا أردتم الهداية أو الطعام أو الكسوة فاطلبوها من الله، فعلى قدر عزمكم وحرصكم على تحصيلها يكون إمداد ربكم إليكم .. فالإمداد على قدر الاستعداد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>ما هو العزم</span>؟\nفإن قلت: ولكن ما هو العزم؟! هل هو كل ما يفكر فيه الإنسان ويُحدِّث به نفسه؟\nأجاب العلماء عن هذه الأسئلة وقالوا بأن ما يدور داخل الإنسان إما أن يكون هاجسًا، أو خاطرًا، أو حديث نفس، أو همّا، أو عزمًا.\nفالهاجس هو بداية التفكير بصورة عامة، فإذا اتجه التفكير إلى شيء بعينه سُمّي: (خاطرًا)، فإذا قلَّب الإنسان فكره في هذا الشيء من داخله وباطنه سُمّي (حديث نفس)، فإذا تحركت إرادة الإنسان إلى فعل شيء ما سمي: (همّا)، لأن الهم هو ترجيح قصد الفعل بأن يميل إلى الشيء ولا يصمم على فعله. والهاجس والخاطر وحديث النفس لا إثم على صاحبه ما لم يتحدث أو يعمل به كما في الحديث «إن الله تجاوز لي عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تكلم أو تعمل» (٢).\n(والهمّ) يماثل الثلاثة السابقة في رفع الإثم والمسئولية عن صاحبه ما لم يقل أو يعمل، ويفوقها في إثبات الثواب لصاحبه كما جاء في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم: «إن الله كتب الحسنات والسيئات ثم بين ذلك، فمن (هَمّ) بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن (همّ) بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة».\nأما (العزم) فهو فوق (الهم)، وهو أعلى مراتب القصد، وهو العقد القلبي الذي يتقرر على أساسه القول والعمل، لذلك كان (العزم) أول درجات المسئولية قبل القول والعمل، ويترتب عليه الثواب والعقاب (٣).\nأي أن العزم هو الحرص والتصميم الجازم على فعل شيء ما.\nوقد سُئل سفيان الثوري: أيؤاخذ العبد (بالهمة)، قال: إذا كانت عزما أُوخِذ (٤).\nوالنية: هي القصد، أي عزم القلب على أمر من الأمور .. وعلى ذلك فهي أقرب لمعني العزم، لذلك كان من شروط التوبة النصوح: العزم، أي التصميم الجازم أن لا يعود إلى فعل المعصية التي ارتكبها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>أولوا العزم:</span>\nإذن فالمطلوب من العبد العزم والإصرار على فعل الخير ليكون المدد من الله ﷿ على قدر هذا العزم، ويتفاوت العزم من شخص لآخر، ولقد وصل نفر قليل من البشر لأعلى درجات العزم على فعل ما يرضي الله ﷿ من الاستقامة على أمره، ودعوة الخلق إليه، مع الاستعداد لتحمل أشد الصعوبات وأقسى الآلام في سبيل ذلك، وهؤلاء هم الذين سماهم الله ﷿ «أولوا العزم من الرسل» وهم: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد عليهم الصلاة والسلام. قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف:٣٥]. فالإمداد على قدر الاستعداد .. تأمل قوله تعالى عن إبراهيم ﵇ ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٥١].\n_________\n(١) رواه مسلم.\n(٢) رواه البخاري ومسلم.\n(٣) في الفقه الإسلامي المعاصر د. عبد الستار فتح الله سعيد ص ٣٣، ٣٤، دار القلم، نقلا عن الموسوعة الفقهية مجلد ٣٠ بحث العزم ص٨٨.\n(٤) المصدر السابق.","vol":"1","page":12},{"text":"فحجر الزاوية -إذن- في قضية الإمداد هو العزم والتصميم، لذلك أوضح القرآن أن أهم أسباب مخالفة أبينا آدم﵇- وأكله من الشجرة التي نُهي عنها هو قلة عزمه في ذلك ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه: ١١٥].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>عزم الأمور:</span>\nوإن كانت قوة العزيمة تختلف من شخص لآخر، فإن الأمور كذلك تختلف في قدر العزيمة المطلوبة لبلوغها، فهناك أمور تحتاج إلى عزيمة شديدة مثل ما ذكر في قوله تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٦]، وقوله تعالى على لسان لقمان: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاَةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [لقمان: ١٧] وقوله: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣].\nفالصبر من الأمور التي تحتاج إلى عزيمة شديدة، فمع أنه- كغيره- يتنزل من عند الله ﴿وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللهِ﴾ [النحل: ١٢٧]، إلا أنه يحتاج إلى عزيمة شديدة من العبد لكي يتنزل عليه من الخزائن الإلهية كما فعلت البقية الباقية مع طالوت عند مواجهة جالوت وجنوده ﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ - فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللهِ﴾ [البقرة: ٢٥٠، ٢٥١].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>البداية من العبد:</span>\nإذن فالبداية منك أيها الإنسان .. لا تلم أحدًا على تقصيرك .. على مستواك .. على عدم نجاحك .. فالإمداد على قدر الاستعداد، فمن يرد شيئًا ويصمم على بلوغه يصل إليه .. لا، لا، بل يوصله الله إليه ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ﴾ [الإسراء: ١٨].ويؤكد على هذا المعني قوله ﷺ: «.. ومن يتحر الخير يُعطه، ومن يتق الشر يُوَقَّه» .. والمتأمل للحديث من أوله يجده يدور في نفس المعنى (إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم، ومن يتحر الخير يُعطه، ومن يتق الشر يُوَقَّهَ) (١).\nفالتاء هنا للطلب- كما أسلفنا- أي أن الذي يريد العلم عليه أن يطلب ذلك، ويعزم عليه فُيعلِّمه الله، والذي يريد الحلم عليه أن يعزم عزيمة صادقة على بلوغه، فيرزقه الله الحلم، وهكذا في كل الأمور مثل العفة والصبر .. ففي الحديث «ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله، ومن يتصبر يصبره الله ..» (٢).\nفلو أراد (متخاصمان) الصلح بصدق وعزما على ذلك، أصلحهما الله ﴿إِن يُّرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: ٣٥].\nومَن يُرد الهداية بصدق يهده الله ﴿فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ [الجن: ١٤].\nوالذي لا يريد الهداية لا يهديه الله ﴿فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللهُ﴾ [التغابن: ٦].\n﴿كَيْفَ يَهْدِي اللهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران: ٨٦].\n_________\n(١) حسن، أخرجه الخطيب البغدادي عن أبي الدرداء وحسنة الألباني في صحيح الجامع (٢٣٢٨) والسلسلة الصحيحة (٣٤٢).\n(٢) متفق عليه، البخاري (٦٤٧٠)، مسلم (١٠٥٣).","vol":"1","page":13},{"text":"والذي يريد أن يدعو الناس إلى الله ويحببهم فيه، عليه أن يعزم عزيمة صادقة ويشتد حرصه على ذلك .. جاء في الأثر: لما أهبط الله آدم إلى الأرض قال له: يا آدم أحبني، وحببني إلى خلقي، ولا تستطيع ذلك إلا بي، ولكن إذا رأيتك حريصًا على ذلك أعنتك عليه (١).\nوالذي استدان من شخص (ما) مبلغا من المال، وهو في قرارة نفسه ينوي بصدق ويعزم على أدائه، رزقه الله ما يسد به دينه، كما في الحديث «من كان عليه دين ينوي أداءه كان معه من الله عون، وسبَّب الله له رزقا» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>عزيمة امرأة:</span>\nعندما صدق عزم امرأة عمران في أن يكون الجنين الذي تحمله في بطنها لله، وألا يكون فيه أي حظ من حظوظ النفس، كافأها الله ﷿ بولادة مريم الصديقة، والتي أصبحت بعد ذلك أمًّا لرسول الله عيسى ﵇ ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ - فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ - فَتَقَبّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾ [آل عمران: ٣٥ - ٣٧].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-22>إن تصدق الله يَصدُقُك:</span>\nجاء رجل من الأعراب إلى النبي ﷺ، فآمن به واتبعه، فقال: أُهاجر معك، فأوصي به النبي ﷺ بعض الصحابة، فلما كانت غزوة (خيبر) غَنِم رسول الله ﷺ شيئًا، فقسَم، وقسَم له، فأعطى أصحابه ما قسم له، وكان يرعى ظهرهم، فلما جاء دفعوه إليه، فقال: ما هذا؟ قالوا: قسم قسمه لك النبي ﷺ، فأخذه فجاء به إلى النبي ﷺ فقال: ما هذا؟ قال: «قَسَمْتُه لك»\nقال: ما على هذا اتبعتك، ولكن اتبعتك على أن أُرْمي إلى ههنا- وأشار إلى حلقه- بسهم فأموت فأدخل الجنة.\nفقال: «إن تصدق الله يصدقك»، فلبثوا قليلًا ثم نهضوا في قتال العدو، فأتى به النبي ﷺ يُحمل قد أصابه سهم حيث أشار.\nفقال النبي ﷺ: «أهو هو»؟\nقالوا: نعم، قال: «صدق الله فَصَدَقه»، ثم كفنه النبي ﷺ في جُبَّة، ثم قَدَّمه فصلى عليه، فكان فيما ظهر من صلاته: «اللهم هذا عبدك خرج مهاجرًا في سبيلك، فقُتل شهيدًا وأنا شهيد على ذلك» (٣)\nأرأيت- أخي- ماذا قال رسول الله ﷺ للأعرابي: «إن تصدق الله يصدقك» نعم، فهذا هو مفتاح الوصول إلى المعالي: صدق الإرادة والعزيمة، ولقد كان الرجل بالفعل صادقًا فيما طلبه، فحرك الله ﷿ الأحداث في اتجاه تحقيق مقصده ليس بالموت شهيدًا فقط، ولكن بأن يموت بالطريقة التي عزم عليها وتاقت لها نفسه ﴿فَإِذَا عَزَمَ الأمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [محمد: ٢١].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>أصدق الله فيه:</span>\nوتنقل لنا كتب السيرة في قصة إسلام أسيد بن حضير، أن أسيدًا دخل غاضبًا يحمل حربته، ويريد شرًا بمصعب بن عمير، وعندما رآه أسعد بن زرارة على هذه الحال قال لمصعب: ويحك يا مصعب، هذا سيد قومه، وأرجحهم عقلا: أسيد بن حضير، فإن يُسلم يتبعه في إسلامه خلق كثير، فاصدق الله فيه. فلما صدق (مصعب) الله في (أسيد): فتح الله قلب أسيد، وانشرح صدره، وانفرجت أساريره، ودخل في الإسلام (٤).\n_________\n(١) استنشاق نسيم الأنس لابن رجب ص ١٢٧ - مكتبة الخاني- الرياض.\n(٢) السلسلة الصحيحة (٢٨٢٢).\n(٣) أخرجه النسائي (١٩٥٢) باب الجنائز.\n(٤) السيرة النبوية لابن هشام ٢/ ٢٧٤، ٢٧٥.","vol":"1","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-24>الخليفة الخامس:</span>\nعندما تولى عمر بن عبد العزيز إمارة المؤمنين عزم أن يسير بالأمة بسيرة الخلفاء الراشدين، ويعيدها إلى ما كانت عليه، وذلك بعد سنوات طويلة من انقضاء تلك الخلافة الراشدة، وما حدث بعدها من بعض الانحرافات، والمظالم التي أبعدت الأمة عن النهج القويم.\nلقد عزم عمر على هذا ولا يملك سوى هذا العزم الصادق، فالأجواء المحيطة به لم تكن لتشجعه على هذا، وأعوانه لم يكونوا آنذاك كأعوان أبي بكر وعمر وعثمان وعلي﵃ أجمعين-، لكنه صدق في عزمه، وأرسل رسالة إلى سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب يطلب منه أن يرسل له كل ما عنده من سيرة جده عمر بن الخطاب من أقضية وسنن حتى يسير على هديه، فكان مما كتبه له: «أما بعد، فإن الله ﷿ ابتلاني بما ابتلاني به من ولاية أمر المسلمين عن غير مشورة مني ولا طلب، فأسأل الله الذي ابتلاني بهذا الأمر أن يعينني عليه، فإذا جاءك كتابي هذا، فابعث لي بكتب عمر بن الخطاب، وأقضيته وسيرته، فإني عازم على أن أتبع سيرته، وأسير على نهجه إن أعانني الله على ذلك، والسلام».\nفأرسل إليه سالم بن عبد الله برسالة تؤكد له المعني الذي تتحدث عنه هذه الصفحات، بأن الأمر وإن بدا صعبا إلا أن صدق العزم يذلل جميع الصعاب وكيف لا والذي يحرك كل شيء هو الله، والله يريد منا صدق العزم ليحقق لنا ما نريد، حسبما تقتضيه حكمته وعلمه المحيط جل شأنه.\nيقول سالم في رسالته لعمر:\n«أما بعد، فقد جاءني كتابك الذي تذكر فيه أن الله ﷿ ابتلاك بإمرة المسلمين من غير طلب منك ولا مشورة، وأنك تريد أن تسير بسيرة عمر، فلا يَفُتْك أنك في زمان غير زمان عمر، وأنه ليس في رجالك من يماثل رجال عمر، ولكن اعلم أنك إن نويت الحق وأردته، أعانك الله عليه، وأتاح لك عمالا يقومون لك به، وأتاك بهم من حيث لا تحتسب، فإن عون الله للعبد على قدر نيته، فمن تمت نيته في الخير تم عون الله له، ومن قصرت نيته نقص من عون الله له بقدر نقص نيته» (١).\nولقد كان عمر بن العزيز صادقا فيما ادعى، وكان عزمه أكيدًا، فماذا حدث؟\nلقد أعاد الله ﷿ به الأمة إلى ما كانت عليه في السابق حتى سماه العلماء والمؤرخون «الخليفة الخامس» .. كل ذلك حدث في زمن قياسي في نحو سنتين .. فماذا تقول بعد ذلك؟!\nعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم ... وتأتي على قدر الكرام المكارم\nوتعظم في عين الصغير صغارها ... وتصغر في عين العظيم العظائم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>قصة الطالب والمسألتين:</span>\nينقل لنا د. توفيق الواعي في كتابه «الإيمان وإيقاظ القوي الخفية» قصة عجيبة تؤكد المعني الذي نتحدث عنه من أن العزيمة الأكيدة هي مفتاح الوصول للمعالي .. يقول:\nهناك قصة لشاب غفا أثناء حصة الرياضيات، واستيقظ على صوت جرس انتهاء الحصة، ونظر إلى السبورة وقام بكتابة المسألتين الموجودتين فوقها، وقد افترض أنهما الواجب المدرسي لهذا اليوم، فعاد إلى البيت وأخذ يجتهد طيلة النهار والليل لحلهما. .. لم يستطع الشاب حل أي منهما، إلا أنه واصل المحاولة بقية الأسبوع، وفي نهاية الأمر، استطاع حل إحداها وذهب بها إلى الفصل، فلما رآها المدرس أصيب بالذهول فقد اتضح أن المسألة التي قام بحلها كان المفترض عدم وجود حلًّ لها (٢)، وكان المدرس قد كتبها على السبورة من باب تعريف الطلاب ببعض المسائل التي لم يتوصل أحد إلى حلها.\nدواؤك فيك وما تُبصر ... وداؤك منك وما تشعر\nوتزعم أنك جِرْم صغير ... وفيك انطوى العالم الأكبر\n\n* * *\n_________\n(١) صور إيمانية من حياة الصحابة والتابعين لمصطفي أبو المعاطي ١/ ٢٢٤، ٢٢٥، زهرة المدائن - المنصورة- نقلًا عن طبقات ابن سعد.\n(٢) الإيمان وإيقاظ القوي الخفية د. توفيق الواعي ص ٤٨ - دار البحوث العلمية- الكويت.","vol":"1","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-26>الهزيمة النفسية وغياب الروح</span>\nعندما ننظر إلى واقع الأمة الإسلامية نجد أنها في أشد حالات الضعف والتخلف، وليس هذا فحسب، فالضعيف يمكنه أن يقوى، والمتخلف عن الركب يمكنه اللحاق إن عزم على ذلك، ولكن الأخطر من حالة الضعف التي تمر بها الأمة هو تسرب الشعور باليأس من إمكانية النهوض، وشيوع ثقافة الإحباط والهزيمة النفسية بين غالبية أفراد الأمة.\nولقد تفنن أعداء الإسلام في ابتكار الوسائل التي تحطم معنويات المسلمين، وتُشعرهم باليأس، وتجعلهم يفقدون الأمل في عودة مجد الإسلام من جديد.\nفمن تلك الوسائل تسريبهم المعلومات عن خططهم للسيطرة على بلاد الإسلام، وكشفهم للطرق التي يستخدمونها لإذلال المسلمين مع إدراكهم عدم قدرتهم للرد عليهم فتكون النتيجة: مزيدا من الانكسار الداخلي في النفوس، ولعلنا نتذكر تلك الصور التي نشرتها وسائل الإعلام بعد احتلال الولايات المتحدة للعراق، والتي تبين حجم التعذيب والإهانة وإهدار الآدمية التي تعرض لها أهل العراق المسلمون فيما سمي وقتها بفضيحة (سجن أبو غريب)، ولا يخامرني شك في أن نشر هذه الصور بهذه الطريقة كان متعمدًا - إلى حد كبير- ليخدم بالدرجة الأولى مخطط أعداء الإسلام الذي يرمي إلى إضعاف الروح المعنوية للمسلمين، والعمل على تيئيسهم، ونشر الشعور بالإحباط بينهم، والدليل على ذلك تلك الحالة التي أصابت الكثير من المسلمين آنذاك والتي اضطرت بعضهم للذهاب إلى عيادات الطب النفسي للتخلص من الشعور بالكآبة والإحباط الذي أصابه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>الرسوم المسيئة:</span>\nأخي .. تصور معي هذا المشهد:\nبينما رجل يجلس آمنًا في بيته بين زوجته وبناته، إذ بعصابة من المجرمين يقتحمون داره، ويلتفون حوله، وبعد تدافع بينهم يتمكنون من الإمساك به، وشدِّ وثاقه، لينتشروا بعد ذلك في بيته ويبدأون بالعبث في محتوياته، ثم إذا بأيديهم تمتد إلى زوجته وبناته وهو يصرخ ويصرخ ولا يستطيع أن يفعل شيئًا، ويشتد صراخه ولا مجيب، ثم يتركون النساء ويرتاحون قليلًا، ليعيدوا الكرة بعد ذلك فيصرخ ويصرخ ولكن ليس كالصراخ الأول فقد بدأت بوادر الهزيمة النفسية والانكسار تظهر عليه .. وبمرور الوقت يخفت صوته شيئًا فشيئًا حتى يتلاشى ..\nهذا المشهد ينطبق إلى حد بعيد مع حال أمتنا وما يفعله بها أعداؤها.\nويكفيك تأكيدًا على هذا المعني ما حدث في موضوع نشر الرسوم المسيئة لرسول الله ﷺ، ففي عام ١٤٢٧هـ (٢٠٠٦م) نشرت جريدة في الدانمارك رسوما مسيئة للرسول ﷺ، فانتفض العالم الإسلامي وخرجت الجماهير الغاضبة في مظاهرات حاشدة تشجب وتندد، وعقدت المؤتمرات، وتوالت البيانات التي تستنكر الحدث و...، ثم هدأت العاصفة ..\nوبعد قرابة العامين أعيد نشر الرسوم مرة أخرى في أكثر من جريدة دانماركية وأوروبية، فثار العالم الإسلامي مرة أخرى ولكن بصورة أقل بكثير من المرة الأولى، وهكذا ينجح أعداؤنا - ولو مرحليا - في تحطيم معنويات المسلمين، والدفع بهم نحو مزيد من الانكفاء على الذات والانغماس في الملهيات، وقتل الأمل في نفوسهم، وبذلك لا تقوم لهم قائمة، ولا يعلو لهم صوت، فهم يعلمون جيدًا أن الهزيمة النفسية هي أشد أنواع الهزائم فتكًا بالأمم والأفراد ..:","vol":"1","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-28>خطورة الهزيمة النفسية على الأمة:</span>\nإن أخطر مرض يمكن أن تصاب به أمة من الأمم هو اليأس والانكسار الداخلي ...\nيؤكد على هذا المعنى محمد أمين المصري- رحمة الله- في كتابه (المسئولية) فيقول اليأس القتَّال، والخور المميت، والثقة المفقودة، كل هذه هي العدو الحقيقي، والعقبة الكبرى التي تواجه المسلمين، أما العدو الخارجي: الصهيونية، والصليبية، والدعوات الملحدة، فكلها أمرها يهون إذا استطعنا أن نغير ما بأنفسنا لنقر فيها معاني الإيمان، واليقين، والصبر، والجلد، والثقة، والعمل.\nإن أكبر المصائب أن يصاب المرء في نفسه، ذلك أن معالجة أي خطر ممكنة ميسرة حينما تكون تربية الأفراد تربية قوية تستطيع أن تجابه المصاعب وتصمد للشدائد.\nولقد بين الله تباركت أسماؤه بشأن يهود بني النضير حين غلبهم المسلمون أنهم لم يُؤتَوا لنقص في ذخيرتهم أو عددهم أو منعة حصونهم ولكن الله تعالى أصابهم بذنوبهم من داخلهم، إذ قذف الله في قلوبهم الرعب، فكان ذلك أكبر المصائب وكان العامل في تسليم ديارهم وتخريب بيوتهم ... قال تعالى: ﴿مَا ظَنَنْتُمْ أَن يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللهِ فَأَتَاهُمُ اللهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢].\nويستطرد قائلًا:\nولقد أُتي المسلمون اليوم من قبل أنفسهم، وقذف الوهن في قلوبهم ... قال أحد الباحثين المحدثين: إن الأسباب الحقيقية لكل انحطاط داخلية لا خارجية، وليس علينا أن نلوم العواصف حين تحطم شجرة نخرة في أصولها، إنما اللوم على الشجرة النخرة نفسها (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>آثار الهزيمة النفسية على الفرد:</span>\nعندما تتمكن الهزيمة النفسية من فرد (ما) إثر فشله المتكرر في بلوغ هدفه، فإن الإحباط يتسرب إلى نفسه، واللامبالاة تسيطر على حركته.\nتنحط اهتماماته، وينغمس فيما يشبع غرائزه وشهواته.\nينظر دوما إلى النصف الفارغ من الكوب ... يكثر من النقد للآخرين ... لا يحب الناجحين، ويعمل دوما على تشويه صورتهم والبحث عن نقائصهم.\nكلامه بلا روح، وآراؤه انهزامية.\nتسيطر على مخيلته أخلاط اليقظة، والأماني الكاذبة بالاشتهار بين الناس، وفعل الخوارق والمعجزات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-30>غياب الروح عن العاملين في حقل الدعوة:</span>\nالهزيمة النفسية لها آثار سلبية خطيرة على أي محيط تغزوه، ولقد تعرفنا في الأسطر السابقة على بعض مظاهرها عندما تنال من الفرد، فإن كان هذا الفرد يعمل في حقل الدعوة الإسلامية؛ كانت الآثار أخطر، وكيف لا، والدعاة إلى الله، والعاملون للإسلام هم قلب الأمة النابض؟!\nولعل من أبرز صور الهزيمة النفسية عند العاملين في حقل الدعوة: «غياب الروح».\nفإن قلت: وهل يمكن أن تغيب الروح عن هؤلاء وهم الذين يقومون بأشرف مهمة، ويشكلون حائط الصد الأساسي لحماية الأمة؟\nتغيب الروح عندما يضعف الإيمان في القلب: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلاَ يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحديد: ١٦].\nمع الأخذ في الاعتبار أن تطاول الزمن دون تحسن للواقع بشكل ملحوظ، والحصار الطويل للدعوة، بالإضافة إلى إلف الأعمال الدعوية المتكررة لها أثر كبير في إضعاف الروح عند بعض العاملين.\n_________\n(١) المسئولية لمحمد أمين المصري ص ٨٤، ٨٥، دار الصفوة، القاهرة.","vol":"1","page":17},{"text":"ولا يمكن إغفال التأثير السلبي لموجة المادية العنيفة التي تجتاح أمتنا، وما خلفته من آثار طالت الكثيرين، وغيرت بعض المفاهيم، ورفعت سقف الطموح الدنيوي عند أفراد المجتمع، فإذا ما انخرط الدعاة في المجتمع، وهم غير محصنين بالإيمان القوى، فإن آثار تلك الموجة ستصيبهم، ليزداد انجذابهم نحو الأرض والطين، فتضعف الروح، وتصاب العزائم بالوهن، ويصبح همُّ الواحد منهم هو كيفية تحصيل أسباب الحياة المريحة له ولأبنائه، وينعكس ذلك على محيطه الدعوى بالسلب، ليصبح أداؤه أداءً روتينيا يفتقد الحماس والروح، وستراه يتحين كل فرصة للهروب من القيام بأعمال الدعوة، فإن قام بعمل تجده يتحرك بلا روح، وإن تكلم فكلامه مكرر يفتقد الانفعال الصادق، ومن ثم لا تكاد تجد أثرًا إيجابيًا لكلامه أو حركته ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ﴾ [الكهف: ١٨].\nوفي نفس الوقت سيؤدي غياب الروح وضعف الإيمان إلى شيوع ثقافة الانهزامية والرضا بالواقع، والانبهار بأي تجربة تنجح ولو نجاحا جزئيا في إبراز بعض المعالم الإسلامية وإن تخلت عن بعض ثوابت الدين، فالانبهار يعكس الضعف والوهن الذي أصاب القلوب وجعلها تستطيل الطريق وترضى بأي نجاح ولو كان زهيدًا.\nوقد يؤدي غياب الروح عن البعض إلى محاولتهم فرض واقعهم على من حولهم، والاجتهاد في تبرير ما يفعلونه رافعين شعارات قد تقنع الآخرين وتدفعهم لتقليدهم في استرخائهم وانشغالهم بمصالحهم الشخصية على حساب العمل الدعوى، ومن هذه الشعارات «مصلحة الدعوة تقتضي ذلك»، «نحن جزء من مجتمع مريض»، «الزمان تغير ولابد من تغيير الوسائل» .. وغير ذلك من الشعارات التي يتم تأويلها على غير وجهها الصحيح، فيؤدي هذا إلى مزيد من الاستسلام للواقع، ومن ثم تزداد نسبة البطالة الدعوية، ويقل تدريجيا عدد من يحمل همّ الدين، ومن يعمل على إنقاذ نفسه والأمة من بعده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-31>الثكلى والمستأجرة:</span>\nعندما سأل أحد السلف أخاه قائلًا: ما لنا نذهب للاستماع إلى الحسن البصري فنتأثر بكلامه تأثرًا بالغًا، ونذهب إلى غيره فلا نشعر بنفس الإحساس والأثر، فأجابه بكلام بليغ يشرح بإيجاز الفارق بين من يعمل بروح ورغبة في نفع الآخرين، وبين من يعمل بلا روح ولا مشاعر، فقد قال له: «ليست النائحة الثكلى كالنائحة المستأجرة».\nومع التأكيد على حرمة النياحة، إلا أن المعني الذي تشير إليه العبارة صحيحًا، ويشخص واقعًا موجودًا عند البعض.\nفعندما تغيب الروح عن الفرد الذي يعمل في حقل الدعوة فإن أداءه يتحول من كونه صاحب دعوة يحمل همها، ويسعى لنجاحها وبلوغها الأهداف المطلوبة، إلى ما يشبه (المُسْتَأجر) أو (الموظف)، الذي يؤدي عمله بلا روح، وينتظر دومًا موعد الانصراف، ويفرح بأيام العطلات، ويحزن كلما زادت الأعباء عليه .. فأي خسارة تخسرها الدعوة حين يزداد عدد (الموظفين) فيها، ويقل عدد من يحمل همها بين جوانحه؟!\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-32>اصمت .. لا تتكلم</span>!!\nوكما أن غياب الروح، وشيوع ثقافة اليأس والانهزامية والانجذاب نحو الدنيا، والغرق في بحر الشهوات هو أخطر مرض يمكن أن يصيب الأمة، فإن غياب الروح عن أصحاب الدعوات وتبدل اهتماماتهم، وضعف إيمانهم، لمن أشد الأخطار عليها، وعلى مشروعها الرامي لاستئناف الحياة الإسلامية الصحيحة وكيف لا، وعدد الأيدي العاملة سيتناقص تدريجيا .. سيكثر الكلام والتخطيط والتنظير والجدال، وسيقل التطبيق والعمل، ناهيك عن أن الأعمال التي قد يؤديها البعض ستفتقد للروح، لتكون النتيجة: عمل بلا ثمرة، وجهد بلا أثر .. مجهود كبير يبذل وأثر غائب.","vol":"1","page":18},{"text":"يقول سيد قطب: أيما داعية لا يصدق فعله قوله، فإن كلماته تقف على أبواب الآذان لا تتعداها إلى القلوب مهما تكن كلماته بارعة وعباراته بليغة، فالكلمة البسيطة التي يصاحبها الانفعال، ويؤيدها العمل هي الكلمة المثمرة التي تحرك الآخرين إلى العمل (١).\nوللأستاذ محمد فتح الله كولن كلمات صريحة يوجهها للدعاة والعاملين للإسلام الذين يعانون من غياب الروح وضعف الإيمان فيقول مخاطبًا إياي وإياك:\nعندما لا يحترق القلب شوقا، والذهن هما: فلا تتكلم، وإلا فلن تجد أحدًا يصغي إليك.\nعندما لا يملؤك شعور بأن دعوتك هي قلب الكون، وروح الوجود، وأنها ميزان العالم، وصمام أمن وأمان له، فكيف تواتيك الشجاعة لمواجهة العالم كله؟!\nعندما لا يلتهب في دمك عرق يدفعك لتحدي قدرات هي أعظم من قدراتك، وإمكانات هي أعظم من إمكاناتك، فكيف إذن ستصنع الأعاجيب؟!\nعندما لا تشعر بمسئوليتك في إنقاذ الإيمان مما يحيق به من خطر عظيم في العالم كله، فكيف تريد إذن من هذا العالم أن يفتح أذنيه ليسمعك؟!\nعندما تصاب الروح بالفتور، وتنخفض درجة حرارة القلب، ويخبو أوار الفكر، فأنت مُتوَعِّك روحيًا، فعليك أن تصمت؛ لأن الصمت هنا أبلغ من كل كلام ميت تقوله.\nإن لم ترتب بيت نفسك أولًا فكيف تستطيع أن ترتب بيوت نفوس الآخرين (٢)؟!\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-33>البداية .. عودة الأمل:</span>\nفإن كان الأمر كذلك، وإن كانت الهزيمة النفسية، وغياب الروح من أشد الأمراض التي يمكن أن تصيب الفرد والأمة، فلا بديل أمامنا من مقاومته، والتصدي له، ووضع هدف «عودة الروح» على أعلى سلم الأولويات، وبخاصة لدى قلب الأمة النابض ألا وهم «الدعاة إلى الله» وكل من يعمل في حقل الدعوة.\nإن الأمل في نهوض الأمة من كبوتها قائم ما تعاقب الليل والنهار ...\nستظل الشمس بإشراقها كل يوم تذكرنا بأن ربنا قدير، وأن قدرته لا حدود لها، وأنه وحده الذي يدير هذا الكون، ويدبر أمر كل حركة وسكنة فيه، وأن مقاليد الأمور وأزمتها جميعًا بيده ..\nلا تزال السماء مرفوعة بلا عمد، يمسكها الله ﷿ فنرى من خلالها آثار قدرته وقوته غير المتناهية، لتتضاءل في أعيننا أي قوة أرضية وهمية لجبار متعجرف ..\nلا يزال وعد ربنا الحق بالتمكين للمؤمنين وبنشر نوره على العالمين قائمًا، ولا يزال نصره قريب في انتظار من يستحقه.\nمع اليقين الجازم بأنه وإن كان الأمل قائما ما دام الليل والنهار إلا إنه يحتاج إلى أهل العزيمة والإيمان لكي يصبح واقعا مشهودا، وعندما يتأخر النصر فما علينا إلا أن نلوم أنفسنا، ولا نعتذر بالقضاء والقدر، بل نجتهد في استكمال ما ينقصنا حتى نكون -بإذن الله- مهيئين لاستقباله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-34>لا تعتذر بالقضاء والقدر ولا تستسلم للهزيمة:</span>\nمن هنا نقول- بيقين-: إن المفتاح الأعظم للوصول للمعالي هو التوكل العميق الوثيق على ربنا جل شأنه، ثم وجود الرغبة والعزيمة الأكيدة والتصميم الجازم للوصول إليها، وعندما تصاب العزائم بالخور والضعف فلا نهوض للفرد ولا للأمة مهما امتلكت من إمكانات.\nلذلك لا ينبغي علينا أن نعتذر بالقضاء والقدر لتبرير أي فشل يصيبنا، بل علينا أن نلوم أنفسنا .. نلوم إرادتنا وعزائمنا ... نلوم صدقنا في طلب المعالي.\nيقول محمد إقبال: المسلم الضعيف يعتذر دائمًا بالقضاء والقدر، أما المؤمن القوى فهو بنفسه قضاء الله الغالب، وقدره الذي لا يرد (٣).\nتفاءل تفاءل ولا تيأَسَنْ ... ولا تعتذر بالقضا والقدر\nإذا المرء يومًا أراد العلا ... فلابد أن يستحِثَّ السِّيرَ\n_________\n(١) في ظلال القرآن ٤/ ٢٣٦٩.\n(٢) طرق الإرشاد في الفكر والحياة- المقدمة- دار النيل- القاهرة.\n(٣) روائع إقبال للندوي ص ٧٩، ٨٠.","vol":"1","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-35>عطايانا سحائب مرسلات:</span>\nولقد اجتهد شاعر الإسلام- محمد إقبال- في بيان وتأكيد هذا المعنى في قصائده، وكان من أبرزهما قصيدتان حاول بهما -كما يقول محمد حسن الأعظمي-: أن يستحث همم المسلمين إلى طلب الرفعة، والطموح إلى المجد، أما أولاهما فقد اتجه بها إلى الله تعالى شاكيا ما أصاب المسلمين من الأحداث التي تخلفت بهم عن ركب الحضارة، وهم الذين حملوا شعلتها، ورفعوا مصباحها لعصور الدهر وأجياله (١)، وهي بعنوان «شكوى» فكان مما جاء فيها:\nكنا جبالا فوق الجبال وربما ... سرنا على موج البحار بحارا\n\nبمعابد الإفرنج كان أذاننا ... قبل الكتائب يفتح الأمصارا\nلم تنس أفريقيا ولا صحراؤها ... سجداتنا والأرض تقذف نارًا\n\nثم يشتكي قائلا:\nماذا دهى الإسلام في أبنائه ... حتى انطووا في محنة وعذاب؟!\n\nفثراؤهم فقرٌ ودولة مجدهم ... في الأرض نهب ثعالب وذئاب\nعاقبتنا عدلًا فهب لعدونا ... عن ذنبه في الدهر يوم عقاب\nعاشوا بثرواتنا وعشنا دونهم ... للموت بين الذل والإملاق\n\nأما القصيدة الثانية؛ فهي جواب الشكوى، تخيَّلها إقبال «صوتا سماويا» يدوي بصيحة الحق جوابا لهذه الشكوى (٢)، وسنذكر- أخي القارئ- بعضا منها، وهي تؤكد المعني الذي تحمله هذه الصفحات، ألا وهو أن بلاءنا الشديد هو ضعف العزم والإرادة لفعل الخير وبلوغ الآمال العظيمة بما يرضي الله ﷿ ..\nيقول إقبال (٣) ..\nعطايانا سحائب مرسلات ... ولكن ما وجدنا السائلينا\n\nوكل طريقنا نور ونور ... ولكن ما رأينا السالكينا\nولم نجد الجواهر قابلات ... ضياء الوحي والنور المبينا\nولو صدقوا وما في الأرض نهر ... لأجرينا السماء لهم عيونا\nوأخضعنا لملكهم الثريا ... وشيدنا النجوم لهم حصونا\nولكن ألحدوا في خير دين ... بنى في الشمس ملك الأولينا\nتراث (محمد) قد أهملوه ... فعاشوا في الخلائق مهملينا\nلقد ذهب الوفاء فلا وفاء ... وكيف ينال عهدي الظالمينا\nإذ الإيمان ضاع فلا أمان ... ولا دنيا لمن لم يحيى دينا\nلأي مآثر القوم انتسبتم ... لتكتسبوا فخار المسلمينا؟\nوأنتم تطمحون إلى الثريا ... بلا عزم ولا قلب سليما\n\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-36>ما الذي يمنعك\nأن تكون ذلك الرجل</span>؟!\nبعد أن تذكرنا سويا هذه الحقائق، وبعد أن تأكدنا أن مفتاح نجاح كل فرد بيده، وعليه يتنزل به توفيق الله تعالى، فما رأيك لو اعتبر كل واحد منا أن هذا الكلام موجهٌ إليه، وأنه ذلك الرجل الذي سيغير الأمة بإذن الله؟!\nبلا شك أن قوة العزيمة والتصميم والإصرار على فعل شيء (ما) هو المفتاح الأساس للوصول إليه- بأمر الله- كما أسلفنا.\nهذا المفتاح يمكننا أن نستخدمه في أمور معيشتنا على مستوانا الشخصي، وهذا أمر لا غبار عليه، ولكن الأهم من ذلك هو استخدامه لإصلاح أمر هذه الأمة التي توارت بالحجاب، وأصبحت (غثاء كغثاء السيل) بعد أن كانت (خير أمة) ..\nفمن لهذه الأمة سوي رجال عقدوا العزم الأكيد، وصمموا على بلوغها مجدها من جديد؟!\nإن الرجل- كما يقول الإمام حسن البنا- سر حياة الأمم ومصدر نهضاتها، وإن تاريخ الأمم جميعًا إنما هو تاريخ من ظهر بها من الرجال النابغين الأقوياء النفوس والإرادات (٤).\nإن الأمة تحتاج إلى رجال كما وصفهم الكواكبي:\nينبهون الناس، ويرفعون الالتباس، ويفكرون بحزم، ويعملون بعزم، ولا ينفكون حتى ينالوا ما يقصدون.\nفلماذا لا تكن أنت من هؤلاء الرجال؟\n_________\n(١) حديث الروح شعر محمد إقبال وعربه شعرًا الصاوي وشعلان ص ٢١ - دار القلم دمشق.\n(٢) حديث الروح، شعر محمد إقبال، ص ٦٣.\n(٣) قام بتعريب شعر إقبال الصاوي شعلان انظر المصدر السابق.\n(٤) مجموعة رسائل الإمام الشهيد حسن البنا- رسالة هل نحن قوم عمليون؟ ص ٦٨ - دار التوزيع والنشر الإسلامية- مصر.","vol":"1","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-37>أنا ضعيف وظروفي متشابكة:</span>\nفإن قلت: ولكني ضعيف لا أصلح لما قصدت، ذكَّرتك بما تضمنته الصفحات السابقة بأن الأمر كله لله، وأن القوة والقدرة والعلم والإحاطة والخلق والإمداد والتدبير بيده سبحانه، وكل ما يريده منا هو صدق العزم على تغيير أنفسنا، وتغيير أمتنا إلى الوضع الذي يرضيه.\nويؤكد ابن عطاء في حِكَمه المشهورة على هذا المعنى فيقول: «من استغرب أن ينقذه الله من شهوته، وأن يخرجه من وجود غفلته فقد استعجز القدرة الإلهية ﴿وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا﴾ [الكهف: ٤٥].\nويعلق ابن عباد النفري على هذه الحكمة فيقول: ومن أغرب ما رأيته في هذا المعنى ما رواه عبد الصمد بن مغفل عن عمه وهب بن منبه أن رجلًا قتل نفسا فجاء إلى سائح من سائحي بني إسرائيل فسأله عن ذلك وهل له توبة؟ فرفع له السائح من الأرض عرجونا (١) أبيض قديما حائلا، ثم قال له: إذا اخضر هذا العرجون قُبلت توبتك، وأراد السائح بذلك أن يؤيسه من التوبة لعظم ذنبه.\nفأخذ الرجل العرجون وهو يطمع في التوبة ويعزم، فتاب وجعل يعبد الله زمانا ويدعو حتى اخضر ذلك العرجون بإذن الله وقدرته (٢).\nفالأمر- إذن- عندي وعندك، فالله ﷿ يريد منا الحرص والتصميم والعزم الأكيد أن نكون من هؤلاء الرجال ... أن نكون ربانيين، متواضعين، وأن نكون على استعداد لبذل كل ما نملك من أجل تبليغ دعوته، وتغيير وضع الأمة البائس، فإن رأى- سبحانه- منا ذلك، فيقينًا سيفتح لنا من خزائنه ما يصل بنا إلى ما عزمنا عليه؛ ألم يقل سبحانه: ﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا - وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [الفتح: ١٨، ١٩].\nواعلم- أخي- بأن الحرص والتصميم والعزم الأكيد يمكن أن يتوافر في أي شخص- إن أراد- بغض النظر عن عمره، أو جنسه، أو صحته، أو جاهه، أو مقدار ما يمتلك .. معنى ذلك أن قولك بأنك ضعيف وظروفك الحياتية متشابكة، ليس له أي علاقة بما نتحدث عنه، فكل ما هو مطلوب مني ومنك تصميم جازم وعزيمة وقَّادة تهيمن علينا، وهذا في متناول أيدينا جميعًا إن أردنا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-38>الخطوة الأولى للنجاح:</span>\nوبعد اتخاذك لهذا القرار واستشعارك بأنك ستكون من أولئك الرجال الذين سينقذون الأمة- بإذن الله-: عليك أن تطلب من الله هذا الأمر .. أن تنطرح بين يديه سبحانه وتلح عليه إلحاحا شديدًا بأن تكون ممن يصنع بهم مجد هذه الأمة، ولا تقطع إلحاحك وتضرعك إلى ربك ما حييت، فلقد أخبرنا الله ﷿ بأن الخطوة الأولى لبلوغ الهدف هي العزم الأكيد لبلوغه ﴿فَإِذَا عَزَمَ الأمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللهَ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ﴾ [محمد: ٢١].\nوالخطوة التي تليها مباشرة هي التوكل على الله ﷿، والاستعانة الصادقة به في بلوغ الهدف: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩].\nوقد جمع الأمرين قوله ﷺ: «.. احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز ..» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-39>واقترب الوعد الحق:</span>\nوتأكد- أخي- أن الله ﷿ يحرك أحداث هذا الكون في اتجاه التمكين لهذا الدين وإن بدت الأمور على عكس ذلك .. وكيف لا وقد وعد سبحانه بأنه سيتم نشر نوره على العالمين: ﴿وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [الصف: ٨].\n_________\n(١) العرجون هو عذق النخل إذا يبس واعوج.\n(٢) غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية لابن عباد النفري ص ٣١٦ - مكتبة الإيمان القاهرة.\n(٣) رواه مسلم.","vol":"1","page":21},{"text":"قال ﷺ: «ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين؛ بعز عزيز، أو بذل ذليل، عزًا يعز الله به الإسلام، وذلا يذل به الكفر» (١).\nووعدنا -سبحانه- على لسان رسول الله ﷺ بأن الأمة ستنعم بخلافة على منهاج النبوة، بعد مرورها بعدة مراحل آخرها مرحلة يشيع فيها الظلم والاستبداد فعن حذيفة بن اليمان أن الرسول ﷺ قال: «تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منها ج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكا عاضا، فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكا جبريا، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منها ج النبوة، ثم سكت» (٢).\nفإذا كان الأمر كذلك، وأننا الآن نعيش في مرحلة «الملك الجبري» وأن المرحلة التالية هي مرحلة (خلافة على منهاج النبوة) فلماذا لا تكن أنت ممن يستعملهم الله ﷿ في إتمام نوره وتحقيق وعده؟!\nكل ما هو مطلوب: التصميم والعزم والإصرار وصدق التوكل والاستعانة بالله.\nيقول الإمام حسن البنا: إنما تنجح الفكرة إذا قوى الإيمان بها، وتوفر الإخلاص في سبيلها، وازدادت الحماسة لها، ووجد الاستعداد الذي يحمل على التضحية والعمل لتحقيقها (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-40>متى نؤثر في الناس</span>؟!\nإن تغيير حال الأمة لن يتم إلا إذا غير أبناؤها ما بأنفسهم ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١].\nوالواقع يخبرنا بأن هذا الأمر غاية في الصعوبة، فموجة الماديةفي علو، وانجذاب المسلمين نحو طين الأرض في ازدياد، ولكي يتم الأخذ بأيديهم إلى تغيير ما بأنفسهم، وتقوية الإيمان في قلوبهم، وتصحيح الأفكار والمعتقدات في عقولهم، والتأثير الإيجابي الدائم فيهم؛ لابد من وجود رجال صادقين متوهجين يؤثرون فيمن حولهم بحالهم ومقالهم ..\n* فالبداية الصحيحة للتغيير هو وجود الشخص المتوهج، صاحب الروح اليقظة، والإيمان الحي ... إن كل كلام يصدر عن القلب - كما يقول محمد إقبال- يترك أثره في القلوب، والأفكار الصادقة لا أجنحة لها، لكنها تسبق الطيور، وكل كلام قدسي المنبع فهو أبدًا يتجه إلى العلا (٤).\nوفي هذا المعني يقول محمد أمين المصري:\nإن العامل الأساس في نجاح الداعية. ليس كثرة علمه ولا قوة بيانه وسحره، ولكن هنالك عاملا قبل كل هذه الأمور: هو الإيمان بالدعوة التي يدعو إليها، والخوف الشديد مما يعتريها، والشعور بالأخطار التي تقع بسبب إهمال الدعوة .. إن مثل هذا الإنسان يصيح بالناس ويترك فيهم أقوى الآثار ولو كان أبكم (٥).\n_________\n(١) صحيح، رواه ابن حبان في صحيحه، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة برقم (٣).\n(٢) صحيح، رواه الأمام أحمد، والبزار، وأورده الألباني في السلسلة الصحيحة برقم (٥).\n(٣) مجموعة رسائل الإمام الشهيد-رسالة إلى الشباب ص١٧٣.\n(٤) حديث الروح للصاوي شعلان- ص ٦٣.\n(٥) المسئوولية ص ٣١.","vol":"1","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-41>الندوي يؤكد:</span>\nويؤكد أبو الحسن الندوي﵀- على هذه القاعدة فيقول:\nلقد ضل من زعم أن العلماء يتفاضلون بقوة العلم، وكثرة المعلومات، وزيادة الذكاء، وأن الشعراء يتفاضلون بقوة الشاعرية، وحسن اختيار اللفظ، ودقة المعاني، وأن المؤلفين يتفاضلون بسعة الدراسة والمطالعة، وكثرة التأليف والإنتاج، وأن المعلمين يتفاضلون بحسن الإلقاء والمحاضرة، واستحضار المادة الدراسية، وكثرة المراجع، وأن المصلحين والزعماء يتفاضلون بالبراعة في الخطابة، وأساليب السياسة والحكمة واللباقة، إنما يتفاضل الجميع بقوة الحب، والإخلاص لغايتهم.\nإذا فاق أحدهم غيره فإنما يفوقه، لأن الغاية أو الموضوع حلَّ في قرارة نفسه، وسرى منه مسرى الروح، وملك عليه قلبه وفكره، وقهر شهواته، واضمحلت فيه شخصيته، فإذا تكلم تكلم عن لسانه، وإذا كتب كتب بقلمه، وإذا فكر فكر بعقله، وإذا أحب أو أبغض فبقلبه (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-42>ليست حماسة فقط:</span>\nفإن قلت: وماذا أفعل بعد هذا التصميم والعزم الأكيد، والتوكل الصادق على الله ﷿، لكي أكون ممن يساهم في إنقاذ هذه الأمة؟!\nكانت الإجابة بأن المطلوب بعد ذلك هو السير في طريق الإصلاح وبناء المشروع الإسلامي والذي ينطلق من قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١]، والتغيير المطلوب هو تغيير على منها ج النبوة، من خلال العمل على إصلاح الأفراد من داخلهم إصلاحًا متكاملا يشمل إصلاح التصورات والمفاهيم عن الدين وعلاقته بالحياة، ويشمل إصلاح الإيمان وتقويته في القلوب، وكذلك تزكية النفوس وترويضها على ارتداء ثوب العبودية لله ﷿، مع دفعها للبذل والتضحية من أجل هذا الدين ..\nالتغيير المطلوب يبدأ بإصلاح الفرد فالبيت فالمجتمع.\nولكي تتم عملية الإصلاح المطلوبة لابد من وجود عناصر مشعة، مؤثرة، متوهجة تتمثل فيها المعاني التي تدعو الناس إليها، فيخرج منها الكلام محملًا (بالحُرقة) على هذا الدين، والشفقة على المستمعين، والرغبة الأكيدة في إفادتهم وتغييرهم ..\nفلتكن أنت أحد هذه النماذج.\nلتكن أنت كالنبراس المضيء الذي يؤثر في كل ما حوله، وهذا يستلزم منك أن تبدأ بقلبك فتنوره، وبنفسك فتزكيها، وبعقلك فتغذية بالعلوم النافعة.\nويستلزم منك كذلك أن تضع يدك في يد كل من يريد الخير لهذه الأمة، ويحمل همَّ هذا الدين .. لابد من التواصل معهم، والانتفاع بصحبتهم وتجاربهم، لتحقق معهم قوله تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ٣].\nويستلزم منك أيضًا أن تستنهض همم القاعدين، فالنار مشتعلة والأمة بحاجة لكل جهد يُبذل في إطفائها.\nوخلاصة القول: أن المطلوب مني ومنك هو عزيمة أكيدة وإصرار عظيم على إعادة مجد الأمة بالإسلام من جديد، وترجمة هذه العزيمة بالاستعانة الصادقة بالله ﷿، والتوكل المحض عليه سبحانه في أن يبلغنا مرادنا، ثم البدء بإصلاح النفس، ومصاحبة الصالحين المصلحين، واستنهاض همم القاعدين، والانطلاق بين الناس والتركيز معهم في توضيح مفاهيم الإسلام الصحيحة، والأخذ بأيديهم لتغيير ما بأنفسهم من سلبيات، وإصلاح الإيمان في قلوبهم ..\nوحجر الزاوية- كما تري- هو تلك القوة النفسية العظيمة التي ينبغي أن تتواجد باستمرار داخلنا كنتيجة للعزائم المشتعلة، (والحُرقة) الشديدة على الدين، وتأكد- أخي- أنه لا سبيل للنهوض إلا بهذا، فلا المال، ولا الجاه وحدهما، سينصران هذا الدين، بل سينصره- بإذن الله- جهد الأفراد المؤمنين المتوهجين .. جهد الرجال الكبار الذين يستشعرون أن خلاصهم بخلاص الأمة ونهوضها من كبوتها ..\n_________\n(١) روائع إقبال للندوى ص ٢٦.","vol":"1","page":23},{"text":"إن الدعوات الدينية الصادقة- كما يقول حسن البنا- عمادها الإيمان قبل المال، والعقيدة قبل الأعراض الزائلة، وإذا وجد المؤمن الصحيح وجدت معه وسائل النجاح جميعًا (١).\nلذلك فإن من يريد أن يخدم الإسلام خدمة صحيحة تساهم في نهوض أمته من كبوتها فعليه بأن يتذكر أن الإسلام الآن بحاجة إلى جهد الأفراد المؤمنين المتوهجين- رجالًا ونساء- أكثر من حاجته لأي شيء آخر.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-43>كيف تبقى الروح\nيقظة والعزيمة مشتعلة</span>؟!\nمن المتوقع أن تقفز بعض التساؤلات إلى الأذهان تدور حول كيفية إبقاء الروح يقظة والعزيمة مشتعلة، وبخاصة مع تسارع مستجدات الحياة وتقلباتها، وما يستلزمه ذلك من شغل الفكر والوقت، ومن ثَمَّ التأثير السلبي على التوهج وحمل هم الدين.\nلا شك أن الحياة في هذا العصر تستهلك جزءًا كبيرًا من الفكر والجهد والوقت والمال، ومع ذلك فإن استسلامنا للأمر الواقع، والقناعة به، والقعود عن مهمة إنقاذ الأمة معناه وكأننا نقول لله ﷿ بلسان حالنا: يا رب استبدل بنا غيرنا لأننا مشغولون بأمور الحياة وتوفير متطلباتها، ومعناه أن يستمر الوضع السيء للأمة، بل وأن يزداد سوءًا وتدهورًا.\nومع القناعة بأن هناك بالفعل أثقال كثيرة تجذبنا نحو الدنيا وتشغلنا بها، إلا أن ذلك ليس معناه الاستسلام للأمر الواقع، بل لابد من وجود وسائل مضادة تُبقى الروح يقظة، والعزائم متقدة، والقلوب حرة من أسر الدنيا.\nأو بمعني آخر: نحتاج إلى وسائل متجددة تقوم بتغذية مشاعر الرغبة والعزيمة لإنقاذ الأمة بشكل مستمر، ونحتاج كذلك إلى حسن التعامل مع العقبات التي تواجهنا والتي يقف على رأسها الانشغال بالدنيا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-44>الشعور بالخطر وَقوُد العزائم:</span>\nومن أهم وسائل إبقاء العزائم مشتعلة هو الاستثارة الدائمة لمشاعر الخوف والقلق، والشعور بالخطر، فكما قال ﷺ: «من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل ...» (٢).\nفمن خاف من شيء أدلج، أي سار بالليل ولم ينتظر الصباح؛ لأن شعوره بالخطر وقلقه مما هو آت لا يجعله يهنأ براحة، فعلى قدر القلق، والشعور بالخطر من شيء (ما) يكون التشمير والعمل لتبديد هذا القلق ودفع هذا الخطر، ولو استدعى ذلك عدم النوم بالليل، والتضحية بوقت الراحة والاسترخاء.\nوعلى سبيل المثال: لو أن رجلا يجلس بين زوجته وأولاده يتناولون الطعام، فشاهدوا نارًا تشتعل في منزلٍ غير بعيد عنهم، فماذا سيكون رد فعلهم؟! .. سينتابهم القلق، ويتحفزون للمقاومة والعمل -ولكن- مع استمرارهم في تناول الطعام، فإذا وصلت النار إلى جيرانهم ازدادوا قلقًا، وتركوا طعامهم، فإذا وصلت إلى بيتهم انطلقوا في قوة خارقة لإطفاء النار ..\nمن هنا نقول بأن تزكية الشعور بالخطر هو الذي سيغذي- بعون الله- العزائم ويبقيها في حالة من الاشتعال والتوقد.\nفالشعور بالخطر ومواجهته- كما يقول سيد قطب- يستثير كوامن النفس، وطاقات العقل، ويشد العضل، ويُدرب الطاقات البشرية على العمل، ويشحذها للتلبية والاستجابة (٣).\n_________\n(١) مجموعة رسائل الإمام الشهيد حسن البنا، رسالة إلى أي شيء ندعو الناس ص ٣٧.\n(٢) صحيح، أورده الألباني في صحيح الجامع الصغير ح (٦٢٢٢)، والسلسلة الصحيحة ح (٢٣٣٥).\n(٣) في ظلال القرآن لسيد قطب ٣/ ١٦٩٥.","vol":"1","page":24},{"text":"إن استنفار أقصى ما يملكه الإنسان من إمكانات وطاقات لابد وأن يمر من طريق القلق والشعور بالخطر، ولقد فهم أعداؤنا هذا الأمر جيدا، لذلك نجد أنهم بعد انهيار المعسكر الاشتراكي في ثمانينات القرن العشرين الميلادي، والذي كان وجوده يُشعر الغرب بالخطر، ويحرك العزائم، ويستفز العقول لإنتاج كل ما هو جديد في مراكز البحث العلمي وغيرها، قد اجتهدوا في إبراز (ضحية) جديدة توضع في (مقام العدو) حتى يستشعروا دوما بأن هناك خطرًا ماثلًا أمامهم، وكانت الضحية هذه المرة هي الإسلام، كما أعلنوا ذلك أكثر من مرة على لسان قادتهم في حلف الأطلنطي وغيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-45>أخطارنا حقيقية:</span>\nفإن كان الشعور بالخطر يحرك العزائم، فما أحوجنا إلى استحضار الأخطار التي تواجه الفرد والأمة وهي أخطار حقيقية، ومتنوعة، بل يكفي تذكر واحدة منها لإشعال عزائمنا جميعًا، ولعل من أهم تلك الأخطار ما يواجهه العالم الإسلامي من محاولات الاستئصال، وتضييع الهوية، تارة تحت شعار محاربة الإرهاب، وتارة من خلال حملات التنصير، والأخطر من ذلك هو المشروع الصهيوني وحلمه بالسيطرة على قلب العالم الإسلامي، ونجاحه- إلى حد كبير- في تحقيق الكثير من مراحله.\nولعل ما يحدث في فلسطين والعراق خير دليل على أن الأمر جدٌ لا هزل فيه، وأن النار ليست بمنأى عن أحد، وأنه بين عشية وضحاها يمكن أن يتم استصدار قرار من مجلس الأمن باحتلال بلد آخر وآخر، وما يستتبع ذلك من تدمير، وقتل، وسبي، وتشريد لأهل هذا البلد .. فهل ننتظر دورنا في الذبح أم ننتفض، ونتحرك في ربوع الأمة لإيقاظها من سباتها قبل فوات الأوان؟\nالأجيال الجديدة والذوبان:\nومن الأخطار التي من شأنها أن تستنفر الطاقات إذا ما تم الانتباه إليها: التدمير الذي يحدث في كيان الأجيال الجديدة، تلك الأجيال التي نشأت وترعرعت أمام الفضائيات وما تبثه من خلاعة ومجون، وأمام الشبكة العنكبوتية وما فيها من انفتاح غير مأمون.\nإنه مخطط شديد المكر: أن يتم التركيز على تدمير الشباب من الداخل، حتى تصبح الأمة بلا مستقبل، والمستهدف من هذا التدمير هو أن يكون الشاب المسلم غير صالح للقيام بأي عمل يخدم قضايا أمته، لذلك نجد المصادر التي يتلقى منها الشباب المعلومات تقوم بالتركيز على استثارة الغرائز، والتوجيه إلى توافه الأمور، والانجذاب نحو الأرض والطين، وإبراز نماذج وقدوات تافهة يتم تركيز الضوء عليها لتكون مُثُلا عليا لهم، ناهيك عن ثقافة السخرية والاستهزاء بقيمنا وهويتنا التي يتلقاها هؤلاء الشباب والتي أحدثت هزة شديدة لمنظومة القيم والأخلاق والثوابت والمقدسات في كيانهم، ولقد تطاير الشرر- وياللأسف- فأصاب بعضه الأجيال الجديدة الغضة في محيط الدعوة الإسلامية؛ فإن لم نشمر لتدارك هذا الخطر الداهم، ونضاعف جهدنا مع الشباب، ونعمل على تحصينهم- قدر المستطاع- من داخلهم، فإن المستقبل لن يكون مبشرًا، وستكون بيوتنا جميعا في مرمى هذا الخطر الزاحف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-46>حرب الأفكار والمفاهيم:</span>\nومن المخاطر الشديدة التي تواجه الأمة: حرب الأفكار والمفاهيم التي يخوضها الغرب ضد الإسلام، والتي تطورت وسائلها بشكل لافت في الآونة الأخيرة.\nفأعداء الأمة يدركون جيدًا أن للإسلام ومعانيه في نفوس أتباعه سلطان كبير، وأنهم مهما ألحقوا بالمسلمين من هزائم على شتى الجبهات فإن هذا لن يضمن لهم موت الأمة، ولا عدم إمكانية بعثها من جديد؛ طالما أن معاني هذا الدين قائمة، ومن ثم فإن فرصة إحيائها في نفوس المسلمين ستظل موجودة.\nمن هنا كان تركيزهم في الآونة الأخيرة على تغيير مفاهيم الإسلام وثوابته، بالتوازي مع عملهم الدائب على تغيير المسلمين.","vol":"1","page":25},{"text":"وترمي خططهم في هذا الشأن إلى تفريغ مدلولات المفاهيم الإسلامية من معانيها الأصلية حتى تصبح الصورة الذهنية المستقرة في عقول المسلمين مجتزءة ومشوهة.\nفإذا حدث ذلك؛ صعب على الدعاة والمصلحين إحياء هذه المعاني في نفوس أبناء الأمة لأن المفاهيم- ذاتها- قد تغير مدلولها.\nومثال ذلك: تغيير مفهوم الاعتدال الإسلامي، والتركيز على إظهار الاعتدال على أنه إطلاق الحريات بدون ضوابط، كحرية تبديل الأديان، وحرية الاختلاط بين الرجال والنساء، والمساواة بينهما في كل شيء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-47>بين الماضي والحاضر:</span>\nلقد كان تركيز أعدائنا في الماضي على كيفية تغيير المسلمين ليصبحوا أفرادًا بلا هوية، وهذا ما عبر عنه القس زويمر في المؤتمر التنصيرى الذي أقيم في القدس عام (١٩٣٥ م) بقوله: إن مهمتنا ليست تنصير المسلمين، فهذه مهمة لا طائل من ورائها، ولكن مهمتنا هي صرف المسلمين عن التمسك بالإسلام، وفي هذا نجحنا نجاحًا باهرًا بفضل مدارسنا التنصيرية، ومناهج التعليم التي وضعناها للعالم الإسلامي (١).\nوالآن أصبح التركيز الأكبر على تغيير مفاهيم الإسلام وثوابته، وإعادة تفسيره بالشكل الذي يخدم أهدافهم.\nويمكنك أخي القارئ أن تتأكد من هذا الأمر إذا ما قرأت تقرير مؤسسة راند الأمريكية لعام (٢٠٠٧ م)، وهي من أكبر المؤسسات الفكرية في العالم، والتي تساهم في صنع القرار الأمريكي، فالتقرير يضع تصورًا محددًا لكيفية بناء شبكات مسلمة معتدلة بالمفهوم الغربي الأمريكي (٢).\nوسترى- أخي القارئ- من خلال قراءتك لهذا التقرير كيف أنهم يركزون على أهمية استعادة تفسيرات الإسلام من أيدي التيار الإسلامي وتصحيحها من وجهة نظرهم حتى تتماشى وتتناسب مع واقع العالم اليوم، وتتماشى مع القوانين والتشريعات، الدولية في مجالات الديمقراطية، وحقوق الإنسان، وقضايا المرأة.\nوسترى كيف أن التقرير يركز على أهمية إيجاد تعريف واضح ومحدد للاعتدال الإسلامي، وأن يصاغ هذا التعريف من قبل الغرب، وأن يصبح هذه التعريف هو الأداة والوسيلة لتحديد المعتدلين في العالم الإسلامي، من أدعياء الاعتدال الذي لا يتوافق مع التعريف الأمريكي والغربي له.\nومن الملفت للنظر أن التقرير يؤكد على أهمية استخراج النصوص الشرعية من التراث الإسلامي والتي يمكن أن تدعم أطروحات الغرب لإعادة تفسير الإسلام! وأن يُستَخدم بعض الدعاة للقيام بهذا الدور.\nويوصي التقرير أن تكون الدعوة للاعتدال بعيدًا عن المساجد، وأن تستخدم البرامج التلفازية، والشخصيات ذات القبول الإعلامي والجماهيري من أجل تحقيق ذلك!.\nإننا- كما يقول د. باسم خفاجي- أمام محاولة لإعادة تعريف مفهوم الاعتدال داخل المجتمع المسلم بحيث لا يستند التعريف من الآن فصاعدًا إلى مبادئ الوسطية والتراحم التي حثت عليها الشريعة، وإنما أن تتحول هذه المبادئ إلى مجموعة من المُسلَّمات الغربية تقدم للعالم على أنها مبادئ أولية). (٣)\n_________\n(١) مكانة التربية في العمل الإسلامي لمحمد قطب ص ٣٢ - دار الشروق- مصر.\n(٢) قام المركز العربي للدراسات الإنسانية بالقاهرة بترجمة التقرير وعرض أهم فقراته في كتابه بعنوانه: «استراتجيات غربية لاحتواء الإسلام» .. قراءة في تقرير راند ٢٠٠٧.\n(٣) من مقال في مجلة البيان عدد (٢٣٦) بعنوان: المفهوم الأمريكي للاعتدال الإسلامي بقلم د. باسم خفاجي.","vol":"1","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-48>من مظاهر نجاح الحرب الفكرية:</span>\nلعلك -أخي القارئ- تذكر ما حدث منذ قرابة العامين عندما تم الإعلان عن نية امرأة مسلمة القيام بإلقاء خطبة الجمعة وإمامة المسلمين من الرجال والنساء في الولايات المتحدة الأمريكية وما صاحب ذلك من ضجة إعلامية واستنكار في أوساط العالم الإسلامي، وبالفعل قامت هذا المرأة بإلقاء خطبة الجمعة، ونقلت لنا الكاميرات صور للرجال والنساء ينصتون إليها وهم جلوس بجوار بعضهم البعض.\nومنذ بضعة أسابيع (في أواخر عام ١٤٢٩ هـ- ٢٠٠٨ م) طالعتنا الصحف بصور فوتوغرافية جديدة لنفس المرأة وهي تخطب الجمعة وتؤم المصلين من الرجال والنساء في بلدة من بلدان أوربا.\nوالجديد في هذه المرة عدم حدوث تفاعل مع الحدث، أو استنكار له من قبل العلماء كما حدث في المرة الأولى، لتنجح الحرب الفكرية في هذه الجولة، وتبدأ العقول المسلمة في قبول فكرة أن الإسلام لا يمانع من إمامة المرأة للرجال، والاختلاط بين الجنسين في الصلاة، ومن ثم في غيرها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-49>يا أهل المدينة: لا مدينة لكم:</span>\nفي بداية معركة اليمامة والتي كانت بين جيش المسلمين بقيادة خالد بن الوليد ﵁ وبين جيش المرتدين بقيادة مسيلمة الكذاب حدثت هزيمة للجيش الإسلامي، واستشهد العديد من المسلمين، فاستشعر الصحابة الخطر المحدق بالإسلام لو انتصر مسيلمة، فبدأوا حملة استنفار ضخمة لشحذ الهمم، وبذل أقصى ما يمكن بذله من جهد، وصعد البراء بن مالك ﵁ إلى مكان مرتفع وصرخ في المسلمين قائلا: «يا أهل المدينة: لا مدينة لكم، وإنما هو الله وحده والجنة» (١).\nفكان لهذا النداء الصادق أثره الإيجابي في زيادة شعور المسلمين بالخطر، وما تبع ذلك من استنفار لكل طاقاتهم في القتال مع عظيم توكلهم على الله ﷿، فكان النصر المبين بإذن الله.\nوهذا هو المعنى الذي ترمي إليه هذه الأسطر .. أن نستشعر الخطر المحدق بالإسلام ... ولا يخطئ من يقول بأن الوضع الذي تعيشه الأمة الآن أشد خطرًا من الوضع الذي عايشه المسلمون في بداية معركة اليمامة.\n«إن الأمة الإسلامية بأكملها تواجه حربًا فكرية بدأت وتم حشد الأنصار لها، والمراكز الفكرية في الغرب تقوم بحشد الآراء والتوجهات والموارد من أجل ذلك، فلابد أن يكون رد الفعل من قبل الأمة بجميع فئاتها متناسبًا مع هذا الخطر الشديد» (٢).\nومع ذلك، فإننا نوقن بأن هذا الخطر الشديد يمكن التصدي له، ودحره إذا ما صح منا العزم، وازداد التشمير لإيقاظ الأمة وبث الروح فيها، وكيف لا، والأمر كله لله، وهو وحده الذي يتولى تسيير شئون هذا الكون؟ فإذا ما رأى منا الصدق والحرص والعزيمة الوقادة، والاستعداد التام لبذل غاية الجهد من أجل نصرة دينه فإنه سبحانه سيدفع عنا هذه الهجمة الشرسة، ولعل ما حدث في غزوة الأحزاب خير دليل على ذلك: \"وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللهُ قَوِيًّا عَزِيزًا\" [الأحزاب: ٢٥].\n* * *\n_________\n(١) الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر العسقلاني ١/ ٤١٣.\n(٢) من مقال المفهوم الأمريكي للاعتدال الإسلامي د. باسم خفاجي مجلة البيان عدد (٢٣٦).","vol":"1","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-50>خطر الاستبدال</span>\nومن الأخطار التي ينبغي أن تقض مضاجع الدعاة والعاملين للإسلام، وتجعلهم في حالة دائمة من الاستنفار: خطر الاستبدال ..\nولكي نتعرف على هذا الخطر، فإن من المناسب التذكير بمكانة الأمة الإسلامية بالنسبة للبشرية، ونقطة البداية في هذه المسألة تبدأ بالتذكير بأن الله ﷿ يريد الخير للناس جميعًا، ولا يرضى لهم الكفر، ومراده دخولهم جميعًا الجنة: \"وَاللهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ\" [البقرة: ٢٢١].\nومن دلائل رحمة الله العظيمة بالبشر جميعًا تلك الرسالات المتتالية التي أرسلها إليهم والتي تبشرهم بالجنة، وتخوفهم من النار، وترسم لهم طريق الهداية إليه- سبحانه- وإلى جنته.\nولقد اصطفى الله ﷿ أمة الإسلام لكي تقوم بمهمة تبليغ رسالته الأخيرة للبشرية جمعاء: \"وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ\" [البقرة: ١٤٣].\nولأن القرآن هو رسالته الأخيرة، لذلك فهو سبحانه لن يستبدل الأمة الإسلامية بأمة أخرى في مهمة هداية البشرية وإيصال رحمته للعاملين كما حدث من قبل مع بني إسرائيل حينما استبدل بهم أمة الإسلام بعد خيانتهم للأمانة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-51>هل قامت الأمة الإسلامية بمهمة البلاغ</span>؟!\nقامت الأجيال الأولى للأمة بأداء مهمتها خير قيام، وتحركوا في كل مكان لتبليغ الرسالة، ثم حدث ما حدث بعد ذلك من ضعف، وتكالب على الدنيا، وصراع من أجل الرئاسة فيها، فانتكست الأمة، ومن ثم تركت وظيفتها ومهمتها الأساسية في هداية البشرية.\nوكل يوم جديد يموت الكثيرون والكثيرون على الضلالة لأنهم- من جانبهم- لم يبحثوا عن الطريق الصحيح، وعن غاية وجودهم في الدنيا، ومن جانب آخر فإن المكلفين بتبليغهم رسالة الله لم يقوموا بذلك، وخانوا الأمانة، أو قصروا في أدائها.\nمن هنا ندرك بعضًا من حِكم الابتلاءات والعقوبات المتتالية التي أصابت الأمة؛ لأنها أولًا: أهملت الرسالة ولم تعمل بما تضمنته، ولأن الأمة أيضًا خانت أمانة بلاغ الرسالة الذي هو المحور الثاني لوجودها .. قال ﷺ: «إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد: سلط الله عليكم ذلا، لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-52>طليعة الإنقاذ:</span>\nومع العقوبات المتتالية للأمة إلا أنها لم تفق من غفلتها، ولم تعد لسيرتها الأولى.\nولأن الله ﷿ قد كتب ألا يستبدل أحدًا بهذه الأمة؛ كانت رحمته بها وبالبشرية أن أيقظ مجموعة من الأمة لتقيم الرسالة في ذواتها أولًا، ثم تتولى بعد ذلك مهمة إيقاظ الأمة وإقامة الدين بشموله فيها، ليقوم مجموع الأمة- تبعا لذلك- بأداء وظيفتها الرئيسة، والغافلة عنها، ألا وهي: إنقاذ البشرية، وإسعادها بالإسلام: \"وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ للهِ\" [الأنفال: ٣٩]. ولقد تمثلت هذه الرحمة الإلهية في الدعاة إلى الله والعاملين للإسلام.\nفالعاملون للإسلام يشكلون (طليعة الإنقاذ) لأنفسهم أولا، ثم لأمتهم ثانيا، ثم للبشرية جمعاء ثالثا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-53>الغُنْم بالغُرْم</span>\nولئن كان الله ﷿ قد شرف الدعاة والعاملين للإسلام باختيارهم لأداء هذه الوظيفة العظيمة، إلا أن هذا التشريف والاختيار مرتبط، ومرتهن بمدي التزامهم بها، فإن لم يفعلوا فسيرسل لهم الله ﷿ من الآيات ما يذكرهم بأهمية بذل الوسع والطاقة في سبيل إعلاء رايته، وذلك من خلال المحن والابتلاءات المتنوعة.\nفإن لم يتذكروا بعد سلسلة الابتلاءات فإن سنة الله الصارمة هي الاستبدال كما قال تعالى: \"وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ\" [محمد: ٣٨].\n_________\n(١) صحيح، رواه أبو داود والإمام أحمد والطبراني، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير (٤٢٣).","vol":"1","page":28},{"text":"والذي يريد أن يتأكد من إمكانية جريان هذه السنة على العاملين للإسلام؛ ما عليه إلا أن يقرأ القرآن، ويتأمل في تاريخ بني إسرائيل وكيف أن الله ﷿ قال عنهم في مرحلة من مراحل تاريخهم: \"وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ\" [الدخان: ٣٢]، ويتأمل كذلك كيف أن الله ﷿ استبدل أمة الإسلام بهم، بعد أن مروا بسلسلة طويلة من المحن والابتلاءات لعلهم يفيقون ويعودون إلى رشدهم ولكنهم لم يفعلوا.\nوهذا أمر في غاية الخطورة، فالله ﷿ ليس بينه وبين أحد من عباده نسب ولا قرابة، ولقد شرف (الدعاة) باختيارهم لمهمة الإنقاذ، فإذا فرطوا فستتحول الدفة تدريجيًا من أيديهم إلى أيدي فريق إنقاذ جديد، وسيجدون أنفسهم وقد أصبحوا- بتفريطهم- بعيدًا عن شرف حمل هذه الرسالة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-54>إياك أن تكون من القاعدين:</span>\nومما تجدر الإشارة إليه أن الله ﷿ لن ينزل علينا كتابا من السماء يخبرنا فيه باستبدال من سيُستبدل، ولكن بمرور الوقت، واستمرار التراخي، والانشغال بطين الأرض، وتناقص عدد من يحمل همَّ الدين، سيُظهر الله الجيل الذي تتوافر فيه الشروط التي يريدها سبحانه، وسيصبح الآخرون أثرًا بعد عين، وتاريخا مضى بعد واقع ملموس، وذكريات يتذكرونها عند ملاقاة بعضهم البعض.\nفإن كنت في شك من وجود هذا الخطر فاقرأ ما قاله صاحب الظلال وهو يوجه حديثه للدعاة:\n«أيها الدعاة»: إن اختيار الله لكم لحمل دعوته تكريم ومنٌّ وعطاء. فإذا لم تحاولوا أن تكونوا أهلًا لهذا الفضل، وإذا لم تنهضوا بتكاليف هذه المكانة، وإذا لم تدركوا قيمة ما أُعطيتم فيهون عليكم كل ما عداه .. فإن الله يسترد ما وهب، ويختار غيركم لهذه المنة ممن يُقَدِّرُ فضل الله: ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ (١) [محمد: ٣٨].\nوصدق الله ﴿فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاَءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ [الأنعام: ٨٩].\nوعندما تحدث الإمام حسن البنا عن معنى الثبات قال: أن يظل الأخ عاملًا مجاهدًا في سبيل غايته، مهما بعدت المدة وتطاولت السنوات والأعوام، حتى يلقى الله على ذلك وقد فاز بإحدى الحسنيين (٢).\nفإن لم يظل عاملا مجاهدًا في سبيل غايته، وقعد أو تراخي، ورضي بوجوده بين أصحابه دون جهد حقيقي يبذله في المشروع الإسلامي فقد ترك مكانه وإن لم يترك، وأصبح من القاعدين وإن ادَّعى غير ذلك إلا إذا جدد العزم وعاد إلى سيرته الأولى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-55>السؤال أمام الله ﷿:</span>\nومن الأخطار الحقيقية التي تواجه كل فرد على حدة:\nملاقاة الله ﷿ يوم القيامة؛ وما ستتضمنه هذه المقابلة من أسئلة علينا أن نجهز أنفسنا للإجابة عنها، والتي تتضمن سؤالا عن الجهد الذي بذله المسلم لإقامة الإسلام، ونصرة المستضعفين، وتبليغ رسالته سبحانه للعالمين ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف: ٤٤].\nفلقد أخبرنا القرآن بأن الله ﷿ قد فضل أمة الإسلام على الأمم الأخرى، وخصها برسالته الخاتمة لتقوم بأمرين عظيمين:\nأولهما: أن تتمثل الرسالة في ذواتها.\nوثانيهما: أن يقوم أبناؤها بتبليغ هذه الرسالة للبشرية جمعاء، وأن يُحسنوا البلاغ حتى ينقذوا كل من بداخله خير وشوق إلى الهداية، وفي نفس الوقت يقيمون الحجة على المجرمين المعاندين، فإذا ما وقفوا أمام الله ﷿ قاموا بالشهادة على الناس: «هؤلاء قمنا بتبليغهم الرسالة واستجابوا، وهؤلاء قمنا بتبليغهم الرسالة ولم يستجيبوا».\n_________\n(١) في ظلال القرآن ٦/ ٣٣٠٣.\n(٢) رسالة التعاليم ص ٣٦٣ من مجموع رسائل الإمام البنا.","vol":"1","page":29},{"text":"والجدير بالذكر أن الرسول ﷺ سيقوم بالشهادة على أمته: من منهم سار على نهجه واتبع طريقه؟ ومن منهم خالفه وخان أمانته؟! ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاَءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١].\nفهل أعددنا جوابًا لسؤال الشهادة على الناس يوم القيامة؟!\nوماذا نتوقع عن شهادة رسول الله ﷺ علينا؟ هل ستكون لصالحنا أم ضدنا؟!\nولقد جمع هذه المعاني قوله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللهِ هُوَ مَوْلاَكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الحج: ٧٨].\nولنعلم جميعًا بأنه ليست كل أعذار القعود ستُقبل .. تأمل قوله جل ثناؤه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٧].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-56>أمانة الشهادة لهذا الدين:</span>\nويؤكد سيد قطب﵀- على هذا المعنى عند تفسير قوله تعالى: \"إِنَّ اللهَ يَأمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا\" [النساء: ٥٨]، فيقول:\nومن هذه الأمانات: أمانة الشهادة لهذا الدين .. الشهادة له في النفس أولا بمجاهدة النفس حتى تكون ترجمة له .. ترجمة حية في شعورها وسلوكها، حتى يرى الناس صورة الإيمان وأحسنه وأزكاه؛ وهو يصوغ نفوس أصحابه على هذا المثال من الخلق والكمال؛ فتكون هذه شهادة لهذا الدين في النفس يتأثر بها الآخرون.\nوالشهادة له بدعوة الناس إليه، وبيان فضله ومزيته- بعد تمثل هذا الفضل والمزية في نفس الداعية- فما يكفي أن يؤدي المؤمن الشهادة للإيمان في ذات نفسه، إذا هو لم يدع إليها الناس كذلك، وما يكون قد أدى أمانة الدعوة والتبليغ والبيان، وهي إحدى الأمانات.\nثم الشهادة لهذا الدين بمحاولة إقراره في الأرض؛ منهجًا للجماعة المؤمنة، ومنهجا للبشرية جمعاء .. المحاولة بكل ما يملك الفرد من وسيلة، وبكل ما تملك الجماعة من وسيلة. فإقرار هذا المنهج في حياة البشر هي كبرى الأمانات؛ بعد الإيمان الذاتي، ولا يعفى من هذه الأمانة الأخيرة فرد ولا جماعة .. ومن ثم فالجهاد ماض إلى يوم القيامة على هذا الأساس .. أداء لإحدى الأمانات (١) ..\n* * *\n_________\n(١) في ظلال القرآن ٢/ ٦٨٨.","vol":"1","page":30},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-57>وسائل تغذية الشعور بالخطر:</span>\nلكي يستمر المرء في حالة من التذكر الدائم للأخطار التي تواجهه وتواجه أمته لابد من وجود وسائل تغذي مشاعره، وتشعره دوما بأن الخطر قريب فيزداد قلقه ومن ثم عزمه وتشميره.\nومن أهم هذه الوسائل:\nكثرة تلاوة القرآن بترتيل، وتفهم، وتدبر\nفمن أعظم وظائف القرآن في حياة المسلم أنه كتاب هداية، وتذكرة، وتبصرة، وهو أيضًا يلهب المشاعر، وينشئ الإيمان، ويوقد العزائم، ويولد الطاقة الدافعة للعمل.\nوالقرآن بشير ونذير لكل مسلم يدفعه دومًا لتنفيذ أوامر الله ﷿ في نفسه وفي مجتمعه، بل ويستحثه للدعوة إلى الله وتبليغ رسالته للعالمين، ويذكره بحقيقة الدنيا، وأن الموت يأتي فجأة، وأن كل فرد سيقف بمفرده أمام ربه ... كل ذلك في خطاب يمزج بين القناعة العقلية والانفعال القلبي الوجداني ليتولد الإيمان والقوة الدافعة للعمل، لذلك نجد أن الله ﷿ قد وصفه بأنه (روح) ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا﴾ [الشوري: ٥٢].\nولقد كان القرآن الكريم أكبر محرك لعزائم الصحابة- رضوان الله عليهم- فهذا أبو طلحة يقرأ سورة (براءة) فيأتي على هذه الآية ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ [التوبة: ٤١]. فقال: أرى ربنا استنفرنا شيوخا وشبابا، جهزوني يا بني، فقال بنوه: يرحمك الله، قد غزوت مع رسول الله ﷺ حتى مات، ومع أبي بكر حتى مات، ومع عمر حتى مات، فنحن نغزو عنك، فأبى فركب البحر فمات، فلم يجدوا له جزيرة يدفن فيها إلا بعد تسعة أيام، فلم يتغير فدفنوه فيها (١).\nوفي القادسية وقبل بدء المعركة، صلى سعد بن أبي وقاص بالناس الظهر، ثم خطب الناس ووعظهم وحثهم وتلا قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥]، ثم قرأ القرَّاء آيات الجهاد وسوره.\nوبعد انتهاء المعركة، وانتصار المسلمين كتب سعد بن أبي وقاص إلى عمر بن الخطاب كتابا يخبره فيه بالفتح، فكان مما فيه: «وأصيب من المسلمين سعد بن عبيد القاري، وفلان وفلان، ورجال من المسلمين لا يعلمهم إلا الله، فإنه بهم عالم .. كانوا يدوون بالقرآن إذا جن عليهم الليل كدوى النحل، وهم آساد في النهار لا تشبههم الأسود» (٢).\nوالآثار الواردة عن تأثير القرآن في تحريك العزائم، وشحذ الهمم، وبث الروح أكثر من أن تُحصى في هذا المكان، ولكن يبقى التذكير بأن هذا الأثر لن يحدث إلا إذا أكثرنا من تلاوة القرآن، وفتحنا له القلوب، وأعملنا عقولنا في فهمه -ولو بصورة إجمالية- مع الترتيل والصوت الحزين ليحدث التعانق بين الفكر والعاطفة فينتج الأثر المطلوب (٣).\nوغني عن البيان القول بأن الحديث عن القرآن الكريم يشمل السنة النبوية بالتبعية، فالسنة شارحة للقرآن، مبينة لما أُجمل فيه، وهي الوحي الثاني .. قال ﷺ: «تركت فيكم شيئين، لن تضلوا بعدهما؛ كتاب الله، وسنتي، ولن يتفرقا حتى يردا علىَّ الحوض» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-58>التعرف على مآسي المسلمين ومخططات أعدائهم:</span>\nومن وسائل تغذية الشعور بالخطر التعرف على أحوال المسلمين في كل مكان وما يتعرضون له من مآس، مع استشعار المسئولية نحوهم، ولقد كان هذا هو دأب المصلحين. يقول الإمام حسن البنا: ليس يعلم أحد إلا الله كم من الليالي كنا نقضيها نستعرض حال الأمة وما وصلت إليه في مختلف مظاهر حياتها، ونحلل العلل والأدواء، ونفكر في العلاج وحسم الداء، ويفيض بنا التأثر لما وصلنا إليه إلى حد البكاء (٥).\n_________\n(١) تفسير القرآن العظيم لأبن كثير ٢/ ٣٢٧ - مكتبة العبيكان.\n(٢) البداية والنهاية لابن كثير ٧/ ٥٠.\n(٣) لمزيد من التفصيل حول كيفية الانتفاع بالقرآن يمكنك -إن شئت- الاطلاع على كتاب (تحقيق الوصال بين القلب والقرآن).\n(٤) صحيح، رواه الحاكم وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير (٢٩٣٧).\n(٥) رسالة المؤتمر الخامس ص ١١٧.","vol":"1","page":31},{"text":"فلتكن مجالسنا مجالس تذكير بالله، وبالمهمة التي كلفنا بها، ومدارسة أحوال الأمة ومآسيها، ومخططات أعدائها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-59>القراءة في الكتب التي تشحذ الهمم:</span>\nوذلك لكي نخرج منها بقوة نفسية عظيمة تدفعنا لبذل أقصى الجهد لخدمة ديننا.\nوهناك العديد من الكتب التي كتبها أصحابها ممتزجة بمداد مشاعرهم الفياضة، وحرقتهم على الأمة، فإذا ما قرأنا فيها انتقلت حرارتها إلينا، وساعدت -بإذن الله- في إبقاء العزائم متقدة، والروح يقظة. كما يحس ذلك كل من يقرأ في ظلال القرآن لسيد قطب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-60>ومن هذه الكتب:</span>\n- مجموعة رسائل الإمام الشهيد حسن البنا.\n- المسؤولية لمحمد أمين المصري.\n- روائع إقبال لأبي الحسن الندوي.\n- آن الأوان لتجديد الإيمان، د. عبد الستار فتح الله سعيد.\n- علو الهمة ..... محمد إسماعيل المقدم.\nالتعرف على القدوات العملية والابتعاد عن صحبة البطالين:\nيقولون: (القدوة إمامة بلا إمارة)، فالروح تسري من خلال التواصل بين أصحاب الهمم، والقدوات العملية، والنماذج الحية، وبين غيرهم، وفي المقابل، فإن الابتعاد عن المجالس الفارغة وصحبة البطالين له أثر كبير في تجنب المؤثرات المثبطة للهمم والعزائم، والآية الكريمة تذكر النوعين آمرة ومحذرة: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾\n[الكهف: ٢٨].\nوتبقى العقبة التي ينبغي اجتيازها حتى تستمر العزائم في التوقد، والروح في اليقظة، ألا وهي عقبة تشعب الهموم بالدنيا؛ وهذا يحتاج إلى بعض التفصيل في الصفحات القادمة.\n* * *","vol":"1","page":32},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-61>هجرة معنوية نحتاجها</span>\nمن الأمور التي من شأنها أن توهن العزائم، وتعود بنا القهقرى: التعلق بالدنيا، وتشُّعب الهموم في أوديتها، والحرص على العلو فيها من أجل تحقيق الذات، والمجد الشخصي للفرد، ولقد أوضح القرآن الكريم هذا المعني، وبين أن من أهم أسباب عدم بذل الجهد في سبيل الله هو التعلق بالدنيا وطينها ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآَخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ﴾ [التوبة: ٣٨].\nوليس معني هذا هو ترك الدنيا، أو الانعزال عنها، أو عدم السعي في تحصيل أسباب الرزق منها؛ بل المقصد هو عدم انشغال القلب بها، أو استغراق الأوقات فيها، وتعلق النفس بزهرتها، لأن هذا هو رأس الخطايا والعياذ بالله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-62>الخروج من التيه:</span>\nإن المرحلة التي تعيشها أمتنا اليوم تتشابه إلى حد كبير بمرحلة التيه التي عاشها بنو إسرائيل بعد رفضهم دخول الأرض المقدسة.\nفبعد أن نجى الله ﷿ موسى ﵇ وقومه، وأغرق فرعون وجنده، سار موسى ﵇ ببني إسرائيل متوجها نحو الأرض المقدسة، وطلب منهم أن يدخلوها معه، فلما علموا أن فيها قوما أشداء خافوا من مواجهتهم ورفضوا الدخول، وقالوا لموسى ﵇: ﴿إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤].\nفكان العقاب الإلهي بأن يتيهوا في الأرض أربعين سنة وجاء الحكم الصارم: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ﴾ [المائدة: ٢٦]، وظل بنو إسرائيل خلال هذه المدة يبحثون عن مخرج من التيه، وكلما توهموا مخرجا اندفعوا إليه، وبذلوا فيه جهدهم، ليفاجأوا بعد ذلك أنه ليس سوى سراب.","vol":"1","page":33},{"text":"وخلال مدة التيه مات موسى وهارون عليهما الصلاة والسلام وتولى حكم بني إسرائيل من بعد موسي ﵇ فتاه يوشع بن نون، وانقضت السنوات الأربعون، وأراد يوشع بن نون أن يحارب الجبارين، ويدخل الأرض المقدسة، لكن ما فعله الجيل الجبان مع موسي ﵇ لم يكن ليبرح مخيلته، لذلك فقد وضع شروطا قاسية لمن يريد الخروج معه، فقال لقومه كما جاء في الصحيحين: «لا يتبعني رجل ملك بضع امرأة وهو يريد أن يبني بها ولم يبن، ولا آخر قد بنى بنيانا ولم يرفع سقفها، ولا آخر قد اشترى غنما أو خَلفَات، وهو ينتظر ولادها».\nفهنا نجد أن يوشع بن نون ﵇ قد شخَّص السبب الرئيس الذي من أجله رفضت بنو إسرائيل دخول الأرض المقدسة مع موسي ﵇ ألا وهو حب الدنيا والتعلق بها، لذلك اشترط على من يريد الخروج معه عدم انشغال البال أو تعلق القلب بشيء من الدنيا، لأنه لو تساهل في هذه الأمر لخرج معه من تشعبت همومه وخواطره في أودية الدنيا، فيصبح كل ما يتمناه ألا يصاب بمكروه، وأن يعود سالما حتى يستكمل مسيرته الدنيوية كما تطمح نفسه.\nوما أدق ما قاله الإمام النووي في تعليقه على هذا الحديث وما يستفاد منه:\nبأن الأمور المهمة ينبغي ألا تُفَوَّص إلا إلى أولى العزم وفراغ البال، ولا تُفوَّض إلى متعلق القلب بغيرها، لأن ذلك يُضعف عزمه، ويفوت كمال بذل وسعه فيه (١).\nونحن إذ نعيش في أجواء التيه المعنوي، ونريد الخروج منها نحتاج إلى رجال من أولى العزم، وتوهج الإيمان.\nفهل يا أخي سنكون من هؤلاء؟!\nهل سنكون ممن يوحد همه، ويجعله في مرضاة الله ﷿، وحمل همّ هذا الدين، وإيقاظ الأمة؟! أم سنترك أنفسنا لتتنازعها زخارف الدنيا، وهي لا تنفك عن الهموم والمتاعب؟!\nأَبشِرْ ثم أَبشِرْ ..\nوعليك أن تتذكر- يا أخي- أننا إن صدقنا مع الله ﷿، فإنه سبحانه سيتولى جميع أمورنا ﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٦]، ولك أن تقرأ هذا الحديث النبوي لتزداد بهذا المعنى يقينا .. قال ﷺ: «تفرغوا من هموم الدنيا ما استطعتم، فإنه من كانت الدنيا أكبر همه أفشى الله ضيعته، وجعل فقره بين عينيه (٢)، ومن كانت الآخرة أكبر همه جمع الله له أمره، وجعل غناه في قلبه، وما أقبل عبد بقلبه إلى الله تعالى إلا جعل قلوب المؤمنين تفد إليه بالود والرحمة، وكان الله بكل خير إليه أسرع» (٣).\nويقول بديع الزمان النورسي وهو يعيش في حالة من الامتنان لربه: لقد شهدنا بأم أعيننا دون مبالغة الكثير من آثار الإكرام الإلهي، والعناية الربانية زهاء ست سنوات من سير خدمتنا للقرآن الكريم، إننا نُربَّى بشفقة ورأفة، وتجري معيشتنا بعناية بحيث يحسن إلينا صاحب العناية الذي يستخدمنا في هذه الخدمة بما يحقق أصغر رغبة من رغبات قلوبنا، وينعم بها علينا من حيث لا نحتسب (٤).\nفماذا تريد- أخي- بعد هذا؟\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-63>الهجرة المطلوبة:</span>\nلقد هاجر المسلمون الأوائل من مكة إلى المدينة تاركين ديارهم وأموالهم وأقاربهم وذكرياتهم، وتاركين الكعبة والبلد الحرام .. تركوا هذا كله، وذهبوا إلى المجهول في يثرب .. منهم الرجل والمرأة، والشاب، والشيخ الكبير ...\nفعلوا هذا الفعل العجيب من أجل إرضاء الله ﷿ ونصرة دينه.\n_________\n(١) صحيح مسلم بشرح النووي ١٢/ ١٧٩ - دار المعرفة بيروت.\n(٢) معنى أفشى الله ضيعته، وجعل فقره بين عينيه: أي شعب همومه، وجعله دوما يخشى الفقر وإن امتلك الكثير من المال.\n(٣) رواه الطبراني.\n(٤) المكتوبات ص ٤٨٥.","vol":"1","page":34},{"text":"هاجروا وهم لا يعلمون ماذا سيحدث لهم بعد ذلك؟ هل سيجدون لهم مأوى؟ هل سيعيشون آمنين؟ هل سيجدون ما يأكلونه ويعيشون منه؟ هل .. هل، لكنهم هاجروا ونُصب أعينهم ابتغاء رضوان الله ﷿، والانتصار له سبحانه ولرسوله ... وكانوا صادقين في هذا ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر: ٨]، فأصبحوا خلال سنوات معدودة سادة الدنيا، وأوفى الله بعهده معهم ومكنهم في الأرض ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ﴾ [التوبة: ١١١].\nونحن في هذه المرحلة الدقيقة التي تمر بها أمتنا نحتاج إلى هجرة أخرى، ولكنها من نوع خاص ..\nنحتاج إلى هجرة معنوية من هموم الدنيا، إلى همٍّ واحد هو العمل على رضا الله ونصرة دينه.\nهجرة من طموحات الطين إلى طموحات الدين.\nإنها هجرة عظيمة تحتاج إلى قرار وعزم وتصميم.\nهجرة لابد منها إن أردنا أن نكون من الجيل الذي يستخدمه الله ﷿ لإيقاظ الأمة وإنقاذ البشرية، بعد أن تفيض عليه السعادة في ذات نفسه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-64>فهل أنت مستعد لها</span>؟!!\nإنها لا تحتاج منك إلى ترك عملك، أو دراستك، أو أهلك، بل تحتاج إلى قرار تتخذه، وعزم تعزم عليه بأن تكون حياتك الباقية لخدمة هذا الدين وإيقاظ الأمة، فإن رأى الله منك صدقا أكيدا في عزمك فسيهيئ لك الأسباب التي تساعدك على تنفيذ ما عزمت عليه، وسيريح بالك من هموم الدنيا .. وإن ضاقت عليك.\n* هيا خذ القرار الآن، وارفع يديك متضرعا إلى مولاك واطلب منه- صادقا- الإعانة والتوفيق، وضع نصب عينيك قوله ﷺ: «إذا دعا أحدكم فلا يقل: اللهم اغفر لي إن شئت، وليعزم المسألة، وليعظم الرغبة، فإن الله لا يعظم عليه شيء أعطاه» (١).\nوتذكر وصية عبد القادر الجيلاني:\nيا غلام! لا يكن همك ما تأكل وما تشرب، وما تلبس، وما تنكح، وما تسكن، وما تجمع، كل هذا هم النفس والطبع، فأين هم القلب؟ همُّك ما أهمك، فليكن همك ربك ﷿ وما عنده.\nوتمثل دوما قول الشاعر:\nقد رشحوك لأمر لو فطنت له ... فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل\n_________\n(١) رواه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم في صحيحه وأورده الألباني في صحيح الجامع الصغير (٥٣٠).","vol":"1","page":35},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-65>وأخيرًا</span>\nماذا تنتظر .. هيا ابدأ\nأخي ..\nما الذي تنتظره، فالفرصة أمامك الآن لكي تصبح من جيل الإنقاذ لهذه الأمة.\nهيا نبدأ جميعًا، وليتخذ كل منا القرار ويعزم عزمة صادقة بأن يكون من ذلك الجيل الذي سيوقظ الأمة ويخرجها بإذن الله من تيهها، ويعيدها إلى ربها ..\nهيا .. نستغيث ونتضرع إلى الله بأن يهيئ لنا من أمرنا رشدا، ويسبب لنا الأسباب التي تخرجنا من هموم الدنيا، وتدفعنا نحوه سبحانه ونحن في عافية، وأن يحقق مرادنا، ويبلغنا آمالنا في مرضاته، وأن يجعلنا ممن يحقق بهم وعده في إتمام نوره على العالمين.\nوفي خضم تضرعك -أخي الحبيب- لا تنس كاتب هذه السطور بدعوة مخلصة بالمغفرة والرحمة والثبات وحسن الخاتمة.\nوالحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.\nوصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.","vol":"1","page":36}]}