{"ً":{"ٌ":36506,"ٍ":"إعراب القرآن - إسماعيل الأصبهاني","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"علوم القرآن/إعراب القرآن - الأصبهاني - ت المؤيد","files":["26735.pdf"]},"ّ":"الكتاب: إعراب القرآن للأصبهاني\nالمؤلف: إسماعيل بن محمد بن الفضل بن علي القرشي الطليحي التيمي الأصبهاني، أبو القاسم، الملقب بقوام السنة (ت ٥٣٥هـ)\nقدمت له ووثقت نصوصه: الدكتورة فائزة بنت عمر المؤيد\nالناشر: بدون ناشر (فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية - الرياض)\nالطبعة: الأولى، ١٤١٥ هـ - ١٩٩٥ م\nعدد الصفحات: ٥٦٦\nأعده للشاملة: أبو إبراهيم حسانين\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":204,"ٕ":4,"ٖ":1770154146,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"(فاتحة الكتاب)","level":1,"page":2},{"title":"البسملة","level":2,"page":5},{"title":"مسألة:","level":2,"page":6},{"title":"سورة البقرة","level":1,"page":12},{"title":"قوله تعالى (وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا)","level":2,"page":12},{"title":"قوله تعالى: (مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم)","level":2,"page":14},{"title":"(أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق)","level":2,"page":14},{"title":"قوله تعالى: (إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها)","level":2,"page":18},{"title":"قوله تعالى: (هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء)","level":2,"page":22},{"title":"قوله تعالى: (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة)","level":2,"page":26},{"title":"قوله تعالى: (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا)","level":2,"page":33},{"title":"قوله تعالى. (ولا تكونوا أول كافر به)","level":2,"page":40},{"title":"قوله تعالى: (واستعينوا بالصبر والصلاة)","level":2,"page":42},{"title":"قوله تعالى: (ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم)","level":2,"page":45},{"title":"قوله تعالى: (وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر)","level":2,"page":46},{"title":"قوله تعالى: (ما ننسخ من آية أو ننسها)","level":2,"page":47},{"title":"قوله تعالى (ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه)","level":2,"page":51},{"title":"قوله تعالى: (ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين)","level":2,"page":53},{"title":"قوله تعالى: (ولكم في القصاص حياة)","level":2,"page":54},{"title":"قوله تعالى: (أياما معدودات فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه)","level":2,"page":55},{"title":"قوله تعالى: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان)","level":2,"page":57},{"title":"قوله تعالى: (يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه)","level":2,"page":62},{"title":"قوله تعالى: (الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور)","level":2,"page":65},{"title":"قوله تعالى: (وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي)","level":2,"page":67},{"title":"من سورة (آل عمران)","level":1,"page":70},{"title":"قوله تعالى: (نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه)","level":2,"page":70},{"title":"قوله تعالى: (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات)","level":2,"page":72},{"title":"قوله تعالى: (تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي)","level":2,"page":76},{"title":"قوله تعالى: (ذرية بعضها من بعض)","level":2,"page":77},{"title":"قوله تعالى: (ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين)","level":2,"page":78},{"title":"قوله تعالي: (إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي)","level":2,"page":79},{"title":"قوله تعالى: (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون (٥٩)","level":2,"page":81},{"title":"قوله تعالى: (قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا)","level":2,"page":81},{"title":"قوله تعالى: (وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير)","level":2,"page":83},{"title":"قوله تعالى: (ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم)","level":2,"page":84},{"title":"ومن سورة (النساء)","level":1,"page":86},{"title":"قوله تعالى: (واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام)","level":2,"page":86},{"title":"قوله تعالى: (وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع)","level":2,"page":87},{"title":"قوله تعالى: (يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم (٢٦)","level":2,"page":89},{"title":"قوله تعالى: (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها)","level":2,"page":91},{"title":"قوله تعالى: (لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله)","level":2,"page":92},{"title":"قوله تعالى: (واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا)","level":2,"page":93},{"title":"قوله تعالى: (وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا (١٥٩)","level":2,"page":94},{"title":"قوله تعالى: (لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة)","level":2,"page":96},{"title":"قوله تعالى: (يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة)","level":2,"page":97},{"title":"ومن سورة (المائدة)","level":1,"page":101},{"title":"قوله تعالى: (قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين (٢٥)","level":2,"page":101},{"title":"قوله تعالى: (فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض)","level":2,"page":101},{"title":"قوله تعالى: (وإذا جاءوكم قالوا آمنا وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به)","level":2,"page":102},{"title":"قوله تعالى: (إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون (٦٩)","level":2,"page":103},{"title":"وقوله تعالى: (وحسبوا ألا تكون فتنة فعموا وصموا)","level":2,"page":104},{"title":"قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم)","level":2,"page":105},{"title":"قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم)","level":2,"page":106},{"title":"قوله تعالى: (إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك)","level":2,"page":107},{"title":"قوله تعالى: (وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك)","level":2,"page":109},{"title":"قوله تعالى: (ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا)","level":2,"page":110},{"title":"ومن سورة (الأنعام)","level":1,"page":113},{"title":"قوله تعالى: (وهو الله في السماوات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون (٣)","level":2,"page":113},{"title":"قوله تعالى: (ثم لم تكن فتنتهم)","level":2,"page":113},{"title":"قوله تعالى (ولو ترى إذ وقفوا على النار)","level":2,"page":114},{"title":"قوله تعالى: (وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء)","level":2,"page":116},{"title":"قوله تعالى: (وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين)","level":2,"page":117},{"title":"قوله تعالى: (وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة إني أراك وقومك في ضلال مبين (٧٤)","level":2,"page":118},{"title":"قوله تعالى: (فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت)","level":2,"page":119},{"title":"قوله تعالى: (وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية)","level":2,"page":121},{"title":"قوله تعالى: (إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين (١١٧)","level":2,"page":122},{"title":"قوله تعالى: (النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم)","level":2,"page":123},{"title":"قوله تعالى: (وكذلك زين لكثير من المشركين)","level":2,"page":125},{"title":"ومن سورة (الأعراف)","level":1,"page":128},{"title":"قوله تعالى: (ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة)","level":2,"page":128},{"title":"قوله تعالى: (وبينهما حجاب وعلى الأعراف رجال)","level":2,"page":129},{"title":"قوله تعالى: (وواعدنا موسى ثلاثين ليلة)","level":2,"page":130},{"title":"قوله تعالى: (واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار)","level":2,"page":131},{"title":"قوله تعالى: (ساء مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا)","level":2,"page":132},{"title":"قوله تعالى: (فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما)","level":2,"page":133},{"title":"قوله تعالى: (وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم سواء عليكم أدعوتموهم)","level":2,"page":134},{"title":"ومن سورة (الأنفال)","level":1,"page":135},{"title":"قوله تعالى: (كما أخرجك ربك من بيتك بالحق)","level":2,"page":135},{"title":"قوله تعالى: (فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت)","level":2,"page":136},{"title":"قوله تعالى: (وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك)","level":2,"page":136},{"title":"ومن سورة (التوبة)","level":1,"page":139},{"title":"قوله تعالى: (وأذان من الله ورسوله إلى الناس)","level":2,"page":139},{"title":"قوله تعالى: (والذين يكنزون الذهب والفضة)","level":2,"page":142},{"title":"قوله تعالى: (استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم)","level":2,"page":144},{"title":"قوله تعالى: (وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت)","level":2,"page":144},{"title":"ومن سورة (يونس)","level":1,"page":146},{"title":"قوله تعالى: (والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها)","level":2,"page":146},{"title":"قوله تعالى: (لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة)","level":2,"page":146},{"title":"قوله تعالى (ولا يحزنك قولهم إن العزة لله جميعا هو السميع العليم (٦٥)","level":2,"page":147},{"title":"قوله تعالى: (فأجمعوا أمركم وشركاءكم)","level":2,"page":148},{"title":"قوله تعالى: (فاليوم ننجيك ببدنك)","level":2,"page":149},{"title":"قوله تعالى: (فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس)","level":2,"page":150},{"title":"قوله تعالى: (قل يا أيها الناس إن كنتم في شك من ديني)","level":2,"page":151},{"title":"ومن سورة (هود)","level":1,"page":152},{"title":"قوله تعالى (قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء)","level":2,"page":152},{"title":"قوله تعالى: (قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح)","level":2,"page":153},{"title":"قوله تعالى: (وقيل يا أرض ابلعي ماءك)","level":2,"page":154},{"title":"قوله تعالى: (ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى)","level":2,"page":155},{"title":"قوله تعالى: (وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق)","level":2,"page":157},{"title":"قوله تعالى: (أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشيء عجيب (٧٢)","level":2,"page":159},{"title":"قوله تعالى: (قالوا يا لوط إنا رسل ربك)","level":2,"page":160},{"title":"قوله تعالى: (فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق (١٠٦)","level":2,"page":161},{"title":"قوله تعالى: (وإن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم)","level":2,"page":166},{"title":"ومن سورة (يوسف)","level":1,"page":167},{"title":"قوله تعالى: (إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون (٢)","level":2,"page":167},{"title":"قوله تعالى: (نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن)","level":2,"page":167},{"title":"قوله تعالى: (إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا)","level":2,"page":168},{"title":"قوله تعالى: (ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه)","level":2,"page":169},{"title":"قوله تعالى: (قال هي راودتني عن نفسي وشهد شاهد من أهلها)","level":2,"page":170},{"title":"قوله تعالى: (ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين (٣٥)","level":2,"page":171},{"title":"قوله تعالى: (جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه كذلك نجزي الظالمين (٧٥)","level":2,"page":171},{"title":"قوله تعالى: (قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل)","level":2,"page":172},{"title":"قوله تعالى: (واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها)","level":2,"page":173},{"title":"قوله تعالى: (سوف أستغفر لكم ربي)","level":2,"page":173},{"title":"قوله تعالى: (حتى إذا استيأس الرسل)","level":2,"page":174},{"title":"ومن سورة (الرعد)","level":1,"page":176},{"title":"قوله تعالى: (الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها)","level":2,"page":176},{"title":"قوله تعالى: (وإن تعجب فعجب قولهم أإذا كنا ترابا)","level":2,"page":176},{"title":"قوله تعالى: (له معقبات من بين يديه ومن خلفه)","level":2,"page":177},{"title":"قوله تعالى: (ويسبح الرعد بحمده)","level":2,"page":178},{"title":"قوله تعالى: (ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها)","level":2,"page":180},{"title":"قوله تعالي: (مثل الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار)","level":2,"page":181},{"title":"ومن سورة (إبراهيم)","level":1,"page":183},{"title":"قوله تعالى: (قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة)","level":2,"page":183},{"title":"قوله تعالى: (وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم)","level":2,"page":183},{"title":"ومن سورة (الحجر)","level":1,"page":185},{"title":"قوله تعالى: (الر تلك آيات الكتاب وقرآن مبين (١)","level":2,"page":185},{"title":"قوله تعالى: (ربما يود الذين كفروا)","level":2,"page":185},{"title":"قوله تعالى: (قال هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين (٧١) لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون (٧٢)","level":2,"page":186},{"title":"قوله تعالى: (وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل (٧٤)","level":2,"page":187},{"title":"قوله تعالى: (ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم (٨٧)","level":2,"page":188},{"title":"قوله تعالى: (الذين جعلوا القرآن عضين (٩١)","level":2,"page":189},{"title":"قوله تعالى: (فاصدع بما تؤمر)","level":2,"page":189},{"title":"ومن سورة (النحل)","level":1,"page":191},{"title":"قوله تعالى: (أتى أمر الله)","level":2,"page":191},{"title":"قوله تعالى: (فخر عليهم السقف من فوقهم)","level":2,"page":191},{"title":"قوله تعالى: (نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا)","level":2,"page":192},{"title":"قوله تعالى: (ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا)","level":2,"page":193},{"title":"قوله تعالى: (ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا)","level":2,"page":194},{"title":"قوله تعالى: (لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين (١٠٣)","level":2,"page":194},{"title":"قوله تعالى: (وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا)","level":2,"page":195},{"title":"قوله تعالى: (ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب)","level":2,"page":196},{"title":"ومن سورة (بني إسرائيل)","level":1,"page":198},{"title":"قوله تعالى: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا)","level":2,"page":198},{"title":"قوله تعالى: (وآتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل)","level":2,"page":199},{"title":"قوله تعالى: (وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه)","level":2,"page":200},{"title":"قوله تعالى: (وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها)","level":2,"page":201},{"title":"قوله تعالى: (ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم)","level":2,"page":202},{"title":"قوله تعالى: (وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس)","level":2,"page":204},{"title":"قوله تعالى: (يوم ندعو كل أناس بإمامهم فمن أوتي كتابه بيمينه)","level":2,"page":205},{"title":"قوله تعالى: (ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي)","level":2,"page":206},{"title":"قوله تعالى: (قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن)","level":2,"page":207},{"title":"ومن سورة (الكهف)","level":1,"page":208},{"title":"قوله تعالى: (الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب)","level":2,"page":208},{"title":"قوله تعالى: (كبرت كلمة تخرج من أفواههم)","level":2,"page":209},{"title":"قوله تعالى: (أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا (٩)","level":2,"page":210},{"title":"قوله تعالى: (لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا (١٢)","level":2,"page":212},{"title":"قوله تعالى: (سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم)","level":2,"page":213},{"title":"قوله تعالى: (ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعا (٢٥)","level":2,"page":214},{"title":"قوله تعالى: (لكنا هو الله ربي)","level":2,"page":216},{"title":"قوله تعالى: (وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره)","level":2,"page":216},{"title":"قوله تعالى: (أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها)","level":2,"page":217},{"title":"قوله تعالى؛ (قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي)","level":2,"page":218},{"title":"ومن سورة (مريم)","level":1,"page":219},{"title":"قوله تعالى: (كهيعص (١) ذكر رحمت ربك عبده زكريا (٢)","level":2,"page":219},{"title":"قوله تعالى: (يرثني ويرث من آل يعقوب)","level":2,"page":219},{"title":"قوله تعالى: (فناداها من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا (٢٤) وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا (٢٥)","level":2,"page":220},{"title":"قوله تعالى: (قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا (٢٧)","level":2,"page":221},{"title":"قوله تعالى: (ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا (٦٢)","level":2,"page":223},{"title":"قوله تعالى: (أفرأيت الذي كفر بآياتنا)","level":2,"page":223},{"title":"ومن سورة (طه)","level":1,"page":225},{"title":"قوله تعالى: (طه (١) ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى (٢)","level":2,"page":225},{"title":"قوله تعالى: (واجعل لي وزيرا من أهلي (٢٩) هارون أخي (٣٠) اشدد به أزري (٣١) وأشركه في أمري (٣٢) كي نسبحك كثيرا (٣٣)","level":2,"page":226},{"title":"قوله تعالى: (فاجعل بيننا وبينك موعدا لا نخلفه نحن ولا أنت مكانا سوى (٥٨) قال موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى (٥٩)","level":2,"page":227},{"title":"قوله تعالى: (قالوا إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم)","level":2,"page":229},{"title":"قوله تعالى: (ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي)","level":2,"page":234},{"title":"قوله تعالى: (يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى (١١٧)","level":2,"page":235},{"title":"ومن سورة (الأنبياء)","level":1,"page":238},{"title":"قوله تعالى: (ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون (٢)","level":2,"page":238},{"title":"قوله تعالى (أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها)","level":2,"page":239},{"title":"قوله تعالى: (وداوود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم)","level":2,"page":240},{"title":"قوله تعالى: (وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات)","level":2,"page":241},{"title":"قوله تعالى: (إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون (٩٨)","level":2,"page":243},{"title":"قوله تعالى: (يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب)","level":2,"page":244},{"title":"ومن سورة (الحج)","level":1,"page":246},{"title":"قوله تعالى: (يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم (١)","level":2,"page":246},{"title":"قوله تعالى: (كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله)","level":2,"page":249},{"title":"قوله تعالى: (ومن الناس من يعبد الله على حرف)","level":2,"page":249},{"title":"قوله تعالى: (هذان خصمان اختصموا في ربهم)","level":2,"page":251},{"title":"قوله تعالى: (وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق (٢٧)","level":2,"page":252},{"title":"قوله تعالى: (فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها)","level":2,"page":254},{"title":"قوله تعالى: (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته)","level":2,"page":256},{"title":"قوله تعالى: (ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة إن الله لطيف خبير (٦٣)","level":2,"page":257},{"title":"ومن سورة (المؤمنون)","level":1,"page":259},{"title":"قوله تعالى: (وشجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن وصبغ للآكلين (٢٠)","level":2,"page":259},{"title":"قوله تعالى: (هيهات هيهات لما توعدون (٣٦)","level":2,"page":261},{"title":"قوله تعالى: (ثم أرسلنا رسلنا تترا)","level":2,"page":262},{"title":"قوله تعالى: (يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا)","level":2,"page":263},{"title":"قوله تعالى: (ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون (٧٦)","level":2,"page":265},{"title":"قوله تعالى: (حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون (٩٩)","level":2,"page":265},{"title":"ومن سورة (النور)","level":1,"page":267},{"title":"قوله تعالى: (سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيها آيات بينات)","level":2,"page":267},{"title":"قوله تعالى: (الخبيثات للخبيثين)","level":2,"page":269},{"title":"قوله تعالى: (الله نور السماوات والأرض)","level":2,"page":270},{"title":"قوله تعالى: (أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج)","level":2,"page":273},{"title":"قوله تعالى: (وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشاء ويصرفه عن من يشاء يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار (٤٣)","level":2,"page":274},{"title":"قوله تعالى: (لا تحسبن الذين كفروا معجزين في الأرض ومأواهم النار ولبئس المصير (٥٧)","level":2,"page":275},{"title":"ومن سورة (الفرقان)","level":1,"page":277},{"title":"قوله تعالى: (ويوم يعض الظالم على يديه ... (٢٧)","level":2,"page":277},{"title":"قوله تعالى: (ثم استوى على العرش الرحمن فاسأل به خبيرا (٥٩)","level":2,"page":277},{"title":"قوله تعالى: (وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما (٦٣)","level":2,"page":278},{"title":"قوله ﷿: (ومن يفعل ذلك يلق أثاما (٦٨) يضاعف له العذاب)","level":2,"page":278},{"title":"قوله تعالى: (واجعلنا للمتقين إماما (٧٤)","level":2,"page":279},{"title":"ومن سورة (الشعراء)","level":1,"page":280},{"title":"قوله تعالى: (فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين (١٦)","level":2,"page":280},{"title":"قوله تعالى: (وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل (٢٢)","level":2,"page":280},{"title":"قوله تعالى: (أولم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل (١٩٧)","level":2,"page":281},{"title":"قوله تعالى: (والشعراء يتبعهم الغاوون (٢٢٤)","level":2,"page":282},{"title":"ومن سورة (النمل)","level":1,"page":284},{"title":"قوله تعالى: (وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم (٦)","level":2,"page":284},{"title":"قوله تعالى: (وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل ... (٢٤)","level":2,"page":287},{"title":"قوله تعالى: (قالت يا أيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم (٢٩)","level":2,"page":288},{"title":"قوله تعالى: (ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين (٣١) قالت يا أيها الملأ)","level":2,"page":289},{"title":"قوله تعالى: (قالوا نحن أولو قوة وأولو بأس شديد والأمر إليك)","level":2,"page":290},{"title":"قوله تعالى: (وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم ... (٨٢)","level":2,"page":292},{"title":"ومن سورة (القصص)","level":1,"page":293},{"title":"قوله تعالى: (فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا)","level":2,"page":293},{"title":"قوله تعالى: (قال رب إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون (٣٣)","level":2,"page":293},{"title":"قوله تعالى: (وربك يخلق ما يشاء ويختار)","level":2,"page":294},{"title":"قوله تعالى: (إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم وآتيناه من الكنوز)","level":2,"page":295},{"title":"قوله تعالى: (وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس يقولون ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر)","level":2,"page":298},{"title":"ومن سورة (العنكبوت)","level":1,"page":301},{"title":"قوله تعالى: (وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء)","level":2,"page":301},{"title":"قوله تعالى: (وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا","level":2,"page":301},{"title":"ومن سورة (الروم)","level":1,"page":303},{"title":"قوله تعالى: (الم (١) غلبت الروم (٢) في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون (٣)","level":2,"page":303},{"title":"قوله تعالى: (ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا)","level":2,"page":306},{"title":"قوله تعالى: (وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه)","level":2,"page":307},{"title":"قوله تعالى: (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون (٤١)","level":2,"page":308},{"title":"قوله تعالى: (ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا لظلوا من بعده يكفرون (٥١)","level":2,"page":309},{"title":"ومن سورة (لقمان)","level":1,"page":311},{"title":"قوله تعالى: (ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم (٢٧)","level":2,"page":311},{"title":"ومن سورة (السجدة)","level":1,"page":312},{"title":"قوله تعالى: (ولقد آتينا موسى الكتاب فلا تكن في مرية من لقائه وجعلناه هدى لبني إسرائيل (٢٣)","level":2,"page":312},{"title":"ومن سورة (الأحزاب)","level":1,"page":313},{"title":"قوله تعالى: (وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى)","level":2,"page":313},{"title":"قوله تعالى: (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين ... (٤٠)","level":2,"page":314},{"title":"قوله تعالى: (وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين)","level":2,"page":315},{"title":"قوله تعالى: (ذلك أدنى أن تقر أعينهن ولا يحزن ويرضين بما آتيتهن كلهن)","level":2,"page":315},{"title":"ومن سورة (سبإ)","level":1,"page":316},{"title":"قوله تعالى: (ولقد آتينا داوود منا فضلا يا جبال أوبي معه والطير وألنا له الحديد (١٠)","level":2,"page":316},{"title":"قوله تعالى: (لقد كان لسبإ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال)","level":2,"page":317},{"title":"قوله تعالى: (ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين (٢٠)","level":2,"page":320},{"title":"قوله تعالى: (وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين (٢٤)","level":2,"page":321},{"title":"قوله تعالى: (بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا وأسروا الندامة لما رأوا العذاب)","level":2,"page":321},{"title":"قوله تعالى: (قل إن ربي يقذف بالحق علام الغيوب (٤٨)","level":2,"page":322},{"title":"ومن سورة (فاطر)","level":1,"page":324},{"title":"قوله تعالى: (من كان يريد العزة فلله العزة جميعا)","level":2,"page":324},{"title":"قوله تعالى: (وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج)","level":2,"page":325},{"title":"قوله تعالى: (ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود (٢٧)","level":2,"page":327},{"title":"ومن سورة (يس)","level":1,"page":329},{"title":"قوله تعالى: (لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم غافلون (٦)","level":2,"page":329},{"title":"قوله تعالى: (إنا نحن نحي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه في إمام مبين (١٢)","level":2,"page":329},{"title":"قوله تعالى: (والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم (٣٨) والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم (٣٩)","level":2,"page":330},{"title":"وقوله (لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر)","level":2,"page":330},{"title":"قوله تعالى: (ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون (٥١)","level":2,"page":332},{"title":"قوله تعالى: (إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون (٨٢)","level":2,"page":333},{"title":"ومن سورة (الصافات)","level":1,"page":336},{"title":"قوله تعالى: (إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب (٦)","level":2,"page":336},{"title":"قوله تعالى: (قال قائل منهم إني كان لي قرين (٥١)","level":2,"page":337},{"title":"قوله تعالى: (أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم (٦٢)","level":2,"page":338},{"title":"قوله تعالى: (فما ظنكم برب العالمين (٨٧) فنظر نظرة في النجوم (٨٨)","level":2,"page":340},{"title":"قوله تعالى: (فبشرناه بغلام حليم (١٠١) فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى","level":2,"page":342},{"title":"قوله تعالى: (وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون (١٤٧)","level":2,"page":346},{"title":"ومن سورة (ص)","level":1,"page":347},{"title":"قوله تعالى: (ص والقرآن ذي الذكر (١)","level":2,"page":347},{"title":"قوله تعالى: (إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد (٣١)","level":2,"page":349},{"title":"قوله تعالى: (ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب (٣٤)","level":2,"page":351},{"title":"قوله تعالى: (قال فالحق والحق أقول (٨٤)","level":2,"page":352},{"title":"ومن سورة (الزمر)","level":1,"page":354},{"title":"قوله تعالى: (وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج)","level":2,"page":354},{"title":"قوله تعالى: (قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون (٦٤)","level":2,"page":354},{"title":"قوله تعالى: (. . حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها)","level":2,"page":356},{"title":"ومن سورة المؤمن (غافر)","level":1,"page":358},{"title":"قوله تعالى: (قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل (١١)","level":2,"page":358},{"title":"قوله تعالى: (وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم","level":2,"page":358},{"title":"ومن سورة حم السجدة (فصلت)","level":1,"page":360},{"title":"قوله تعالى: (ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين (١١)","level":2,"page":360},{"title":"قوله تعالى: (ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون (٣٧)","level":2,"page":362},{"title":"ومن سورة حم عسق (الشورى)","level":1,"page":363},{"title":"قوله تعالى: (ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام (٣٢)","level":2,"page":363},{"title":"قوله تعالى: (وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء إنه علي حكيم (٥١)","level":2,"page":364},{"title":"ومن سورة (الزخرف)","level":1,"page":366},{"title":"قوله تعالى: (وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم (٣١)","level":2,"page":366},{"title":"قوله تعالى: (واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون (٤٥)","level":2,"page":366},{"title":"قوله تعالى: (قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين (٨١)","level":2,"page":367},{"title":"قوله تعالى: (وعنده علم الساعة وإليه ترجعون (٨٥) ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم يعلمون (٨٦)","level":2,"page":369},{"title":"ومن سورة (الدخان)","level":1,"page":371},{"title":"قوله تعالى: (إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين (٣) فيها يفرق كل أمر حكيم (٤)","level":2,"page":371},{"title":"قوله تعالى: (فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين (٢٩)","level":2,"page":372},{"title":"قوله تعالى: (ذق إنك أنت العزيز الكريم (٤٩)","level":2,"page":372},{"title":"قوله تعالى: (لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى ووقاهم عذاب الجحيم (٥٦)","level":2,"page":373},{"title":"ومن سورة (الجاثية)","level":1,"page":375},{"title":"قوله تعالى: (إن في السماوات والأرض لآيات للمؤمنين (٣) وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون (٤)","level":2,"page":375},{"title":"ومن سورة (الأحقاف)","level":1,"page":378},{"title":"قوله تعالى: (فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم (٢٤)","level":2,"page":378},{"title":"قوله تعالى: (وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين (٢٩)","level":2,"page":379},{"title":"ومن سورة (محمد) ﷺ","level":1,"page":380},{"title":"قوله تعالى: (ويدخلهم الجنة عرفها لهم (٦)","level":2,"page":380},{"title":"قوله تعالى: (فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم (١٨)","level":2,"page":380},{"title":"قوله تعالى: (طاعة وقول معروف)","level":2,"page":381},{"title":"ومن سورة (الفتح)","level":1,"page":382},{"title":"قوله تعالى: (ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم)","level":2,"page":382},{"title":"قوله تعالى: (لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين)","level":2,"page":383},{"title":"قوله تعالى (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا","level":2,"page":384},{"title":"ومن سورة (الحجرات)","level":1,"page":386},{"title":"قوله تعالى: (إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون (٤)","level":2,"page":386},{"title":"قوله تعالى: (واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم","level":2,"page":386},{"title":"ومن سورة (ق)","level":1,"page":388},{"title":"قوله تعالى: (ق والقرآن المجيد (١) بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال الكافرون هذا شيء عجيب (٢) أإذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد (٣)","level":2,"page":388},{"title":"قوله تعالى: (إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد (١٧)","level":2,"page":389},{"title":"قوله تعالى: (ألقيا في جهنم كل كفار عنيد (٢٤)","level":2,"page":390},{"title":"قوله تعالى: (يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد (٣٠)","level":2,"page":393},{"title":"ومن سورة (الذاريات)","level":1,"page":395},{"title":"قوله تعالى: (كانوا قليلا من الليل ما يهجعون (١٧) وبالأسحار هم يستغفرون (١٨)","level":2,"page":395},{"title":"قوله تعالى: (وفي السماء رزقكم وما توعدون (٢٢) فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون (٢٣)","level":2,"page":396},{"title":"ومن سورة (الطور)","level":1,"page":400},{"title":"قوله تعالى: (يتنازعون فيها كأسا لا لغو فيها ولا تأثيم (٢٣)","level":2,"page":400},{"title":"ومن سورة (النجم)","level":1,"page":404},{"title":"قوله تعالى: (والنجم إذا هوى (١) ما ضل صاحبكم وما غوى (٢) وما ينطق عن الهوى (٣)","level":2,"page":404},{"title":"قوله تعالى: (علمه شديد القوى (٥) ذو مرة فاستوى (٦) وهو بالأفق الأعلى (٧) ثم دنا فتدلى (٨) فكان قاب قوسين أو أدنى (٩)","level":2,"page":406},{"title":"قوله تعالى: (ما كذب الفؤاد ما رأى (١١) أفتمارونه على ما يرى (١٢) ولقد رآه نزلة أخرى (١٣) عند سدرة المنتهى (١٤) عندها جنة المأوى (١٥)","level":2,"page":408},{"title":"قوله تعالى: (أفرأيتم اللات والعزى (١٩) ومناة الثالثة الأخرى (٢٠)","level":2,"page":409},{"title":"ومن سورة (القمر)","level":1,"page":411},{"title":"قوله تعالى: (اقتربت الساعة وانشق القمر (١) وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر (٢)","level":2,"page":411},{"title":"قوله تعالى: (فكيف كان عذابي ونذر (١٦)","level":2,"page":412},{"title":"قوله تعالى: (فقالوا أبشرا منا واحدا نتبعه إنا إذا لفي ضلال وسعر (٢٤)","level":2,"page":413},{"title":"قوله تعالى: (إنا كل شيء خلقناه بقدر (٤٩)","level":2,"page":413},{"title":"ومن سورة (الرحمن)","level":1,"page":415},{"title":"قوله تعالى: (الشمس والقمر بحسبان (٥)","level":2,"page":415},{"title":"قوله تعالى: (والنجم والشجر يسجدان (٦)","level":2,"page":415},{"title":"قوله تعالى: (سنفرغ لكم أيه الثقلان (٣١) فبأي آلاء ربكما تكذبان (٣٢)","level":2,"page":416},{"title":"ومن سورة (الواقعة)","level":1,"page":419},{"title":"قوله تعالى: (إذا وقعت الواقعة (١) ليس لوقعتها كاذبة (٢) خافضة رافعة (٣) إذا رجت الأرض رجا (٤) وبست الجبال بسا (٥)","level":2,"page":419},{"title":"قوله تعالى: (فلا أقسم بمواقع النجوم (٧٥) وإنه لقسم لو تعلمون عظيم (٧٦)","level":2,"page":420},{"title":"قوله تعالى: (لا يمسه إلا المطهرون (٧٩)","level":2,"page":421},{"title":"قوله تعالى: (أفبهذا الحديث أنتم مدهنون (٨١) وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون (٨٢)","level":2,"page":423},{"title":"قوله تعالى: (وأما إن كان من أصحاب اليمين (٩٠) فسلام لك من أصحاب اليمين (٩١)","level":2,"page":423},{"title":"ومن سورة (الحديد)","level":1,"page":427},{"title":"قوله تعالى: (من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له وله أجر كريم (١١)","level":2,"page":427},{"title":"قوله تعالى: (سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين آمنوا بالله ورسله)","level":2,"page":428},{"title":"قوله تعالى: (وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها)","level":2,"page":429},{"title":"ومن سورة (المجادلة)","level":1,"page":431},{"title":"قوله تعالى: (ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم)","level":2,"page":431},{"title":"قوله تعالى: (استحوذ عليهم الشيطان)","level":2,"page":432},{"title":"ومن سورة (الحشر)","level":1,"page":433},{"title":"قوله تعالى: (ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين (٥)","level":2,"page":433},{"title":"قوله تعالى: (كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين (١٦)","level":2,"page":434},{"title":"قوله تعالى: (هو الله الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى)","level":2,"page":434},{"title":"ومن سورة (الممتحنة)","level":1,"page":436},{"title":"قوله تعالى: (وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم)","level":2,"page":436},{"title":"قوله تعالى: (ولا تمسكوا بعصم الكوافر)","level":2,"page":436},{"title":"قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم قد يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور (١٣)","level":2,"page":437},{"title":"ومن سورة (الصف)","level":1,"page":438},{"title":"قوله تعالى: (هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم (١٠) تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم","level":2,"page":438},{"title":"ومن سورة (الجمعة)","level":1,"page":440},{"title":"قوله تعالى: (يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض الملك القدوس العزيز الحكيم (١)","level":2,"page":440},{"title":"قوله تعالى: (وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين (١١)","level":2,"page":441},{"title":"ومن سورة (المنافقين)","level":1,"page":443},{"title":"قوله تعالى: (وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة ... (٤)","level":2,"page":443},{"title":"قوله تعالى: (يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين)","level":2,"page":443},{"title":"قوله تعالى: (فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين (١٠)","level":2,"page":444},{"title":"ومن سورة (التغابن)","level":1,"page":446},{"title":"قوله تعالى: (ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فقالوا أبشر يهدوننا فكفروا وتولوا واستغنى الله والله غني حميد (٦)","level":2,"page":446},{"title":"ومن سورة (الطلاق)","level":1,"page":447},{"title":"قوله تعالى: (واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن","level":2,"page":447},{"title":"قوله تعالى: (قد أنزل الله إليكم ذكرا (١٠) رسولا يتلو عليكم آيات الله مبينات)","level":2,"page":447},{"title":"ومن سورة (التحريم)","level":1,"page":449},{"title":"قوله تعالى: (يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك والله غفور رحيم (١)","level":2,"page":449},{"title":"قوله تعالى: (إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما)","level":2,"page":450},{"title":"قوله تعالى: (وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين (١٢)","level":2,"page":453},{"title":"ومن سورة (الملك)","level":1,"page":455},{"title":"قوله تعالى: (تبارك الذي بيده الملك)","level":2,"page":455},{"title":"قوله تعالى: (ليبلوكم أيكم أحسن عملا)","level":2,"page":455},{"title":"قوله تعالى: (ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير (١٤)","level":2,"page":456},{"title":"قوله تعالى: (أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن ما يمسكهن إلا الرحمن)","level":2,"page":457},{"title":"قوله تعالى: (أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن يمشي سويا على صراط مستقيم (٢٢)","level":2,"page":457},{"title":"قوله تعالى: (قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا فمن يأتيكم بماء معين (٣٠)","level":2,"page":458},{"title":"ومن سورة (القلم)","level":1,"page":460},{"title":"قوله تعالى: (ن والقلم وما يسطرون (١)","level":2,"page":460},{"title":"قوله تعالى: (بأيكم المفتون (٦)","level":2,"page":460},{"title":"قوله تعالى: (سنسمه على الخرطوم (١٦) إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين (١٧) ولا يستثنون (١٨)","level":2,"page":461},{"title":"ومن سورة (الحاقة)","level":1,"page":465},{"title":"قوله تعالى: (الحاقة (١) ما الحاقة (٢) وما أدراك ما الحاقة (٣) كذبت ثمود وعاد بالقارعة (٤) فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية (٥)","level":2,"page":465},{"title":"قوله تعالى: (والملك على أرجائها)","level":2,"page":466},{"title":"قوله تعالى: (وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون (٤١) ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون (٤٢)","level":2,"page":467},{"title":"ومن سورة (المعارج)","level":1,"page":469},{"title":"قوله تعالى: (سأل سائل بعذاب واقع (١) للكافرين ليس له دافع (٢)","level":2,"page":469},{"title":"قوله تعالى: (كلا إنها لظى (١٥) نزاعة للشوى (١٦)","level":2,"page":470},{"title":"قوله تعالى: (فمال الذين كفروا قبلك مهطعين (٣٦) عن اليمين وعن الشمال عزين (٣٧)","level":2,"page":471},{"title":"ومن سورة (نوح) ﵇","level":1,"page":473},{"title":"قوله تعالى: (يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى)","level":2,"page":473},{"title":"قوله تعالى: (ما لكم لا ترجون لله وقارا (١٣)","level":2,"page":473},{"title":"قوله تعالى: (ومكروا مكرا كبارا (٢٢)","level":2,"page":474},{"title":"ومن سورة (الجن)","level":1,"page":475},{"title":"قوله تعالى: (وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولدا (٣)","level":2,"page":475},{"title":"قوله تعالى: (وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا (١٨) وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا (١٩)","level":2,"page":476},{"title":"ومن سورة (المزمل)","level":1,"page":477},{"title":"قوله تعالى: (يا أيها المزمل (١) قم الليل إلا قليلا (٢) نصفه أو انقص منه قليلا (٣)","level":2,"page":477},{"title":"قوله تعالى: (وذرني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلا (١١)","level":2,"page":477},{"title":"قوله تعالى: (علم أن سيكون منكم مرضى)","level":2,"page":478},{"title":"قوله تعالى: (وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرا وأعظم أجرا)","level":2,"page":478},{"title":"ومن سورة (المدثر)","level":1,"page":480},{"title":"قوله تعالى: (وثيابك فطهر (٤)","level":2,"page":480},{"title":"قوله تعالى: (ولا تمنن تستكثر (٦)","level":2,"page":480},{"title":"قوله تعالى: (كلا إنه كان لآياتنا عنيدا (١٦) سأرهقه صعودا (١٧) إنه فكر وقدر (١٨) فقتل كيف قدر (١٩) ثم قتل كيف قدر (٢٠)","level":2,"page":481},{"title":"قوله تعالى: (إنها لإحدى الكبر (٣٥) نذيرا للبشر (٣٦)","level":2,"page":483},{"title":"ومن سورة (القيامة)","level":1,"page":484},{"title":"قوله تعالى: (لا أقسم بيوم القيامة (١) ولا أقسم بالنفس اللوامة (٢)","level":2,"page":484},{"title":"قوله تعالى: (بلى قادرين على أن نسوي بنانه (٤)","level":2,"page":485},{"title":"قوله تعالى: (بل الإنسان على نفسه بصيرة (١٤)","level":2,"page":485},{"title":"قوله تعالى: (وجوه يومئذ ناضرة (٢٢) إلى ربها ناظرة (٢٣)","level":2,"page":486},{"title":"قوله تعالى: (والتفت الساق بالساق (٢٩)","level":2,"page":487},{"title":"قوله تعالى: (فلا صدق ولا صلى (٣١) ولكن كذب وتولى (٣٢) ثم ذهب إلى أهله يتمطى (٣٣)","level":2,"page":487},{"title":"ومن سورة (الإنسان)","level":1,"page":488},{"title":"قوله تعالى: (هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا (١)","level":2,"page":488},{"title":"قوله تعالى: (عينا يشرب بها عباد الله)","level":2,"page":488},{"title":"قوله تعالى: (ودانية عليهم ظلالها وذللت قطوفها تذليلا (١٤)","level":2,"page":489},{"title":"قوله تعالى: (ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب كانت قواريرا (١٥) قوارير)","level":2,"page":490},{"title":"قوله تعالى: (عاليهم ثياب سندس خضر وإستبرق وحلوا أساور من فضة)","level":2,"page":491},{"title":"قوله تعالى: (والظالمين أعد لهم عذابا أليما)","level":2,"page":492},{"title":"ومن سورة (المرسلات)","level":1,"page":494},{"title":"قوله تعالى: (والمرسلات عرفا (١)","level":2,"page":494},{"title":"قوله تعالى: (وإذا الرسل أقتت (١١)","level":2,"page":494},{"title":"قوله تعالى: (ولا يؤذن لهم فيعتذرون (٣٦)","level":2,"page":495},{"title":"ومن سورة (يتساءلون) النبإ","level":1,"page":496},{"title":"قوله تعالى: (إن جهنم كانت مرصادا (٢١) للطاغين مآبا (٢٢) لابثين فيها أحقابا (٢٣) لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا (٢٤)","level":2,"page":496},{"title":"ومن سورة (النازعات)","level":1,"page":498},{"title":"قوله تعالى: (إذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى (١٦)","level":2,"page":498},{"title":"قوله تعالى: (فأخذه الله نكال الآخرة والأولى (٢٥)","level":2,"page":498},{"title":"قوله تعالى: (فأما من طغى (٣٧) وآثر الحياة الدنيا (٣٨) فإن الجحيم هي المأوى (٣٩)","level":2,"page":499},{"title":"ومن سورة (عبس)","level":1,"page":500},{"title":"قوله تعالى: (عبس وتولى (١) أن جاءه الأعمى (٢)","level":2,"page":500},{"title":"قوله تعالى: (فلينظر الإنسان إلى طعامه (٢٤) أنا صببنا الماء صبا (٢٥)","level":2,"page":500},{"title":"ومن سورة (كورت) التكوير","level":1,"page":501},{"title":"قوله تعالى: (إذا الشمس كورت (١) وإذا النجوم انكدرت (٢)","level":2,"page":501},{"title":"قوله تعالى: (وما هو على الغيب بضنين (٢٤)","level":2,"page":501},{"title":"قوله تعالى: (فأين تذهبون (٢٦) إن هو إلا ذكر للعالمين (٢٧)","level":2,"page":501},{"title":"ومن سورة (انفطرت) الانفطار","level":1,"page":503},{"title":"قوله تعالى: (وما أدراك ما يوم الدين (١٧) ثم ما أدراك ما يوم الدين (١٨) يوم لا تملك نفس لنفس شيئا)","level":2,"page":503},{"title":"ومن سورة (المطففين)","level":1,"page":504},{"title":"قوله تعالى: (ويل للمطففين (١) الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون (٢) وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون (٣)","level":2,"page":504},{"title":"قوله تعالى: (إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين (١٣)","level":2,"page":505},{"title":"قوله تعالى: (ومزاجه من تسنيم (٢٧) عينا يشرب بها المقربون (٢٨)","level":2,"page":505},{"title":"ومن سورة (انشقت) الانشقاق","level":1,"page":507},{"title":"قوله تعالى: (يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه (٦)","level":2,"page":507},{"title":"قوله تعالى: (لتركبن طبقا عن طبق (١٩) فما لهم لا يؤمنون (٢٠)","level":2,"page":507},{"title":"ومن سورة (البروج)","level":1,"page":509},{"title":"قوله تعالى: (والسماء ذات البروج (١) واليوم الموعود (٢) وشاهد ومشهود (٣) قتل أصحاب الأخدود (٤)","level":2,"page":509},{"title":"قوله تعالى: (وهو الغفور الودود (١٤) ذو العرش المجيد (١٥)","level":2,"page":512},{"title":"قوله تعالى: (هل أتاك حديث الجنود (١٧) فرعون وثمود (١٨)","level":2,"page":513},{"title":"قوله تعالى: (بل هو قرآن مجيد (٢١) في لوح محفوظ (٢٢)","level":2,"page":513},{"title":"ومن سورة (الطارق)","level":1,"page":514},{"title":"قوله تعالى: (والسماء والطارق (١) وما أدراك ما الطارق (٢) النجم الثاقب (٣)","level":2,"page":514},{"title":"وقوله: (إن كل نفس لما عليها حافظ (٤)","level":2,"page":514},{"title":"قوله تعالى: (خلق من ماء دافق (٦) يخرج من بين الصلب والترائب (٧) إنه على رجعه لقادر (٨) يوم تبلى السرائر (٩)","level":2,"page":515},{"title":"ومن سورة (الأعلى)","level":1,"page":517},{"title":"قوله تعالى: (والذي أخرج المرعى (٤) فجعله غثاء أحوى (٥)","level":2,"page":517},{"title":"قوله تعالى: (سنقرئك فلا تنسى (٦) إلا ما شاء الله)","level":2,"page":517},{"title":"قوله تعالى: (إن هذا لفي الصحف الأولى (١٨) صحف إبراهيم وموسى (١٩)","level":2,"page":518},{"title":"ومن سورة (الغاشية)","level":1,"page":519},{"title":"قوله تعالى: (هل أتاك حديث الغاشية (١) وجوه يومئذ خاشعة (٢) عاملة ناصبة (٣) تصلى نارا حامية (٤) تسقى من عين آنية (٥)","level":2,"page":519},{"title":"قوله تعالى: (لست عليهم بمصيطر (٢٢) إلا من تولى وكفر (٢٣)","level":2,"page":520},{"title":"قوله تعالى: (إن إلينا إيابهم (٢٥) ثم إن علينا حسابهم (٢٦)","level":2,"page":520},{"title":"ومن سورة (الفجر)","level":1,"page":521},{"title":"قوله تعالى: (والفجر (١) وليال عشر (٢) والشفع والوتر (٣) والليل إذا يسر (٤) هل في ذلك قسم لذي حجر (٥)","level":2,"page":521},{"title":"ومن سورة (البلد)","level":1,"page":523},{"title":"قوله تعالى: (لا أقسم بهذا البلد (١) وأنت حل بهذا البلد (٢)","level":2,"page":523},{"title":"قوله تعالى: (وهديناه النجدين (١٠)","level":2,"page":523},{"title":"قوله تعالى: (فلا اقتحم العقبة (١١) وما أدراك ما العقبة (١٢) فك رقبة (١٣) أو إطعام في يوم ذي مسغبة (١٤) يتيما ذا مقربة (١٥)","level":2,"page":523},{"title":"ومن سورة (الشمس)","level":1,"page":525},{"title":"قوله تعالى: (والسماء وما بناها (٥) والأرض وما طحاها (٦) ونفس وما سواها (٧) فألهمها فجورها وتقواها (٨)","level":2,"page":525},{"title":"قوله تعالى: (فقال لهم رسول الله ناقة الله وسقياها (١٣) فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها (١٤) ولا يخاف عقباها (١٥)","level":2,"page":526},{"title":"ومن سورة (الليل)","level":1,"page":528},{"title":"قوله تعالى: (وما خلق الذكر والأنثى (٣)","level":2,"page":528},{"title":"قوله تعالى: (وما لأحد عنده من نعمة تجزى (١٩) إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى (٢٠)","level":2,"page":528},{"title":"ومن سورة (الضحى)","level":1,"page":530},{"title":"قوله تعالى: (والضحى (١) والليل إذا سجى (٢) ما ودعك ربك وما قلى (٣)","level":2,"page":530},{"title":"قوله تعالى: (ألم يجدك يتيما فآوى (٦) ووجدك ضالا فهدى (٧) ووجدك عائلا فأغنى (٨)","level":2,"page":530},{"title":"ومن سورة (ألم نشرح)","level":1,"page":532},{"title":"قوله تعالى: (فإن مع العسر يسرا (٥) إن مع العسر يسرا (٦)","level":2,"page":532},{"title":"ومن سورة (والتين)","level":1,"page":533},{"title":"قوله تعالى: (والتين والزيتون (١) وطور سينين (٢)","level":2,"page":533},{"title":"قوله تعالى: (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون (٦) فما يكذبك بعد بالدين (٧) أليس الله بأحكم الحاكمين (٨)","level":2,"page":533},{"title":"ومن سورة (العلق)","level":1,"page":535},{"title":"قوله تعالى: (أن رآه استغنى (٧)","level":2,"page":535},{"title":"قوله تعالى: (لنسفعا بالناصية (١٥) ناصية كاذبة خاطئة (١٦) فليدع ناديه (١٧) سندع الزبانية (١٨)","level":2,"page":535},{"title":"ومن سورة (القدر)","level":1,"page":537},{"title":"قوله تعالى: (إنا أنزلناه في ليلة القدر (١)","level":2,"page":537},{"title":"قوله تعالى: (تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر (٤) سلام هي حتى مطلع الفجر (٥)","level":2,"page":537},{"title":"ومن سورة (لم يكن) البينة","level":1,"page":540},{"title":"قوله تعالى: (لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة (١) رسول من الله)","level":2,"page":540},{"title":"قوله تعالى: (وذلك دين القيمة)","level":2,"page":541},{"title":"قوله تعالى: (إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم)","level":2,"page":541},{"title":"ومن سورة (إذا زلزلت)","level":1,"page":543},{"title":"قوله تعالى: (إذا زلزلت الأرض زلزالها (١) وأخرجت الأرض أثقالها (٢) وقال الإنسان ما لها (٣)","level":2,"page":543},{"title":"ومن سورة (العاديات)","level":1,"page":545},{"title":"قوله تعالى: (والعاديات ضبحا (١) فالموريات قدحا (٢) فالمغيرات صبحا (٣) فأثرن به نقعا (٤) فوسطن به جمعا (٥)","level":2,"page":545},{"title":"ومن سورة (القارعة)","level":1,"page":547},{"title":"قوله تعالى: (فأما من ثقلت موازينه (٦) فهو في عيشة راضية (٧) وأما من خفت موازينه (٨) فأمه هاوية (٩)","level":2,"page":547},{"title":"ومن سورة (التكاثر)","level":1,"page":548},{"title":"قوله تعالى: (كلا لو تعلمون علم اليقين (٥) لترون الجحيم (٦) ثم لترونها عين اليقين (٧)","level":2,"page":548},{"title":"ومن سورة (العصر)","level":1,"page":549},{"title":"قوله تعالى: (والعصر (١) إن الإنسان لفي خسر (٢) إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات)","level":2,"page":549},{"title":"ومن سورة (الهمزة)","level":1,"page":550},{"title":"قوله تعالى. (ويل لكل همزة لمزة (١)","level":2,"page":550},{"title":"قوله تعالى: (الذي جمع مالا وعدده (٢) يحسب أن ماله أخلده (٣)","level":2,"page":550},{"title":"قوله تعالى: (وما أدراك ما الحطمة (٥) نار الله الموقدة (٦)","level":2,"page":551},{"title":"ومن سورة (الفيل)","level":1,"page":553},{"title":"قوله تعالى: (ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل (١)","level":2,"page":553},{"title":"ومن سورة (قريش)","level":1,"page":555},{"title":"قوله تعالى: (لإيلاف قريش (١)","level":2,"page":555},{"title":"ومن سورة (الماعون)","level":1,"page":556},{"title":"قوله تعالى: (أرأيت الذي يكذب بالدين (١) فذلك الذي يدع اليتيم (٢)","level":2,"page":556},{"title":"قوله تعالى: (فويل للمصلين (٤) الذين هم عن صلاتهم ساهون (٥) الذين هم يراءون (٦) ويمنعون الماعون (٧)","level":2,"page":556},{"title":"ومن سورة (الكوثر)","level":1,"page":558},{"title":"قوله تعالى: (إنا أعطيناك الكوثر (١) فصل لربك وانحر (٢) إن شانئك هو الأبتر (٣)","level":2,"page":558},{"title":"وقوله: (فصل لربك وانحر)","level":2,"page":558},{"title":"وقوله: (إن شانئك هو الأبتر (٣)","level":2,"page":558},{"title":"ومن سورة (الكافرين)","level":1,"page":559},{"title":"قوله تعالى: (قل يا أيها الكافرون (١) لا أعبد ما تعبدون (٢)","level":2,"page":559},{"title":"قوله تعالى: (فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا (٣)","level":2,"page":560},{"title":"ومن سورة (أبي لهب)","level":1,"page":561},{"title":"قوله تعالى: (تبت يدا أبي لهب وتب (١) ما أغنى عنه ماله وما كسب (٢)","level":2,"page":561},{"title":"قوله تعالى: (سيصلى نارا ذات لهب (٣)","level":2,"page":561},{"title":"قوله تعالى: (قل هو الله أحد (١) الله الصمد (٢)","level":2,"page":563},{"title":"وقوله: (الله الصمد (٢)","level":2,"page":563},{"title":"قوله تعالى: (ولم يكن له كفوا أحد (٤)","level":2,"page":564},{"title":"ومن سورة (الفلق)","level":1,"page":566},{"title":"قوله تعالى: (قل أعوذ برب الفلق (١) من شر ما خلق (٢) ومن شر غاسق إذا وقب (٣)","level":2,"page":566},{"title":"قوله تعالى (ومن شر غاسق إذا وقب (٣)","level":2,"page":566},{"title":"ومن سورة (الناس)","level":1,"page":567},{"title":"قوله تعالى: (من شر الوسواس الخناس (٤) الذي يوسوس في صدور الناس (٥) من الجنة والناس (٦)","level":2,"page":567}],"ٛ":{"1,1":2,"1,2":3,"1,3":4,"1,4":5,"1,5":6,"1,6":7,"1,7":8,"1,8":9,"1,9":10,"1,10":11,"1,11":12,"1,12":13,"1,13":14,"1,14":15,"1,15":16,"1,16":17,"1,17":18,"1,18":19,"1,19":20,"1,20":21,"1,21":22,"1,22":23,"1,23":24,"1,24":25,"1,25":26,"1,26":27,"1,27":28,"1,28":29,"1,29":30,"1,30":31,"1,31":32,"1,32":33,"1,33":34,"1,34":35,"1,35":36,"1,36":37,"1,37":38,"1,38":39,"1,39":40,"1,40":41,"1,41":42,"1,42":43,"1,43":44,"1,44":45,"1,45":46,"1,46":47,"1,47":48,"1,48":49,"1,49":50,"1,50":51,"1,51":52,"1,52":53,"1,53":54,"1,54":55,"1,55":56,"1,56":57,"1,57":58,"1,58":59,"1,59":60,"1,60":61,"1,61":62,"1,62":63,"1,63":64,"1,64":65,"1,65":66,"1,66":67,"1,67":68,"1,68":69,"1,69":70,"1,70":71,"1,71":72,"1,72":73,"1,73":74,"1,74":75,"1,75":76,"1,76":77,"1,77":78,"1,78":79,"1,79":80,"1,80":81,"1,81":82,"1,82":83,"1,83":84,"1,84":85,"1,85":86,"1,86":87,"1,87":88,"1,88":89,"1,89":90,"1,90":91,"1,91":92,"1,92":93,"1,93":94,"1,94":95,"1,95":96,"1,96":97,"1,97":98,"1,98":99,"1,99":100,"1,100":101,"1,101":102,"1,102":103,"1,103":104,"1,104":105,"1,105":106,"1,106":107,"1,107":108,"1,108":109,"1,109":110,"1,110":111,"1,111":112,"1,112":113,"1,113":114,"1,114":115,"1,115":116,"1,116":117,"1,117":118,"1,118":119,"1,119":120,"1,120":121,"1,121":122,"1,122":123,"1,123":124,"1,124":125,"1,125":126,"1,126":127,"1,127":128,"1,128":129,"1,129":130,"1,130":131,"1,131":132,"1,132":133,"1,133":134,"1,134":135,"1,135":136,"1,136":137,"1,137":138,"1,138":139,"1,139":140,"1,140":141,"1,141":142,"1,142":143,"1,143":144,"1,144":145,"1,145":146,"1,146":147,"1,147":148,"1,148":149,"1,149":150,"1,150":151,"1,151":152,"1,152":153,"1,153":154,"1,154":155,"1,155":156,"1,156":157,"1,157":158,"1,158":159,"1,159":160,"1,160":161,"1,161":162,"1,162":163,"1,163":164,"1,164":165,"1,165":166,"1,166":167,"1,167":168,"1,168":169,"1,169":170,"1,170":171,"1,171":172,"1,172":173,"1,173":174,"1,174":175,"1,175":176,"1,176":177,"1,177":178,"1,178":179,"1,179":180,"1,180":181,"1,181":182,"1,182":183,"1,183":184,"1,184":185,"1,185":186,"1,186":187,"1,187":188,"1,188":189,"1,189":190,"1,190":191,"1,191":192,"1,192":193,"1,193":194,"1,194":195,"1,195":196,"1,196":197,"1,197":198,"1,198":199,"1,199":200,"1,200":201,"1,201":202,"1,202":203,"1,203":204,"1,204":205,"1,205":206,"1,206":207,"1,207":208,"1,208":209,"1,209":210,"1,210":211,"1,211":212,"1,212":213,"1,213":214,"1,214":215,"1,215":216,"1,216":217,"1,217":218,"1,218":219,"1,219":220,"1,220":221,"1,221":222,"1,222":223,"1,223":224,"1,224":225,"1,225":226,"1,226":227,"1,227":228,"1,228":229,"1,229":230,"1,230":231,"1,231":232,"1,232":233,"1,233":234,"1,234":235,"1,235":236,"1,236":237,"1,237":238,"1,238":239,"1,239":240,"1,240":241,"1,241":242,"1,242":243,"1,243":244,"1,244":245,"1,245":246,"1,246":247,"1,247":248,"1,248":249,"1,249":250,"1,250":251,"1,251":252,"1,252":253,"1,253":254,"1,254":255,"1,255":256,"1,256":257,"1,257":258,"1,258":259,"1,259":260,"1,260":261,"1,261":262,"1,262":263,"1,263":264,"1,264":265,"1,265":266,"1,266":267,"1,267":268,"1,268":269,"1,269":270,"1,270":271,"1,271":272,"1,272":273,"1,273":274,"1,274":275,"1,275":276,"1,276":277,"1,277":278,"1,278":279,"1,279":280,"1,280":281,"1,281":282,"1,282":283,"1,283":284,"1,284":285,"1,285":286,"1,286":287,"1,287":288,"1,288":289,"1,289":290,"1,290":291,"1,291":292,"1,292":293,"1,293":294,"1,294":295,"1,295":296,"1,296":297,"1,297":298,"1,298":299,"1,299":300,"1,300":301,"1,301":302,"1,302":303,"1,303":304,"1,304":305,"1,305":306,"1,306":307,"1,307":308,"1,308":309,"1,309":310,"1,310":311,"1,311":312,"1,312":313,"1,313":314,"1,314":315,"1,315":316,"1,316":317,"1,317":318,"1,318":319,"1,319":320,"1,320":321,"1,321":322,"1,322":323,"1,323":324,"1,324":325,"1,325":326,"1,326":327,"1,327":328,"1,328":329,"1,329":330,"1,330":331,"1,331":332,"1,332":333,"1,333":334,"1,334":335,"1,335":336,"1,336":337,"1,337":338,"1,338":339,"1,339":340,"1,340":341,"1,341":342,"1,342":343,"1,343":344,"1,344":345,"1,345":346,"1,346":347,"1,347":348,"1,348":349,"1,349":350,"1,350":351,"1,351":352,"1,352":353,"1,353":354,"1,354":355,"1,355":356,"1,356":357,"1,357":358,"1,358":359,"1,359":360,"1,360":361,"1,361":362,"1,362":363,"1,363":364,"1,364":365,"1,365":366,"1,366":367,"1,367":368,"1,368":369,"1,369":370,"1,370":371,"1,371":372,"1,372":373,"1,373":374,"1,374":375,"1,375":376,"1,376":377,"1,377":378,"1,378":379,"1,379":380,"1,380":381,"1,381":382,"1,382":383,"1,383":384,"1,384":385,"1,385":386,"1,386":387,"1,387":388,"1,388":389,"1,389":390,"1,390":391,"1,391":392,"1,392":393,"1,393":394,"1,394":395,"1,395":396,"1,396":397,"1,397":398,"1,398":399,"1,399":400,"1,400":401,"1,401":402,"1,402":403,"1,403":404,"1,404":405,"1,405":406,"1,406":407,"1,407":408,"1,408":409,"1,409":410,"1,410":411,"1,411":412,"1,412":413,"1,413":414,"1,414":415,"1,415":416,"1,416":417,"1,417":418,"1,418":419,"1,419":420,"1,420":421,"1,421":422,"1,422":423,"1,423":424,"1,424":425,"1,425":426,"1,426":427,"1,427":428,"1,428":429,"1,429":430,"1,430":431,"1,431":432,"1,432":433,"1,433":434,"1,434":435,"1,435":436,"1,436":437,"1,437":438,"1,438":439,"1,439":440,"1,440":441,"1,441":442,"1,442":443,"1,443":444,"1,444":445,"1,445":446,"1,446":447,"1,447":448,"1,448":449,"1,449":450,"1,450":451,"1,451":452,"1,452":453,"1,453":454,"1,454":455,"1,455":456,"1,456":457,"1,457":458,"1,458":459,"1,459":460,"1,460":461,"1,461":462,"1,462":463,"1,463":464,"1,464":465,"1,465":466,"1,466":467,"1,467":468,"1,468":469,"1,469":470,"1,470":471,"1,471":472,"1,472":473,"1,473":474,"1,474":475,"1,475":476,"1,476":477,"1,477":478,"1,478":479,"1,479":480,"1,480":481,"1,481":482,"1,482":483,"1,483":484,"1,484":485,"1,485":486,"1,486":487,"1,487":488,"1,488":489,"1,489":490,"1,490":491,"1,491":492,"1,492":493,"1,493":494,"1,494":495,"1,495":496,"1,496":497,"1,497":498,"1,498":499,"1,499":500,"1,500":501,"1,501":502,"1,502":503,"1,503":504,"1,504":505,"1,505":506,"1,506":507,"1,507":508,"1,508":509,"1,509":510,"1,510":511,"1,511":512,"1,512":513,"1,513":514,"1,514":515,"1,515":516,"1,516":517,"1,517":518,"1,518":519,"1,519":520,"1,520":521,"1,521":522,"1,522":523,"1,523":524,"1,524":525,"1,525":526,"1,526":527,"1,527":528,"1,528":529,"1,529":530,"1,530":531,"1,531":532,"1,532":533,"1,533":534,"1,534":535,"1,535":536,"1,536":537,"1,537":538,"1,538":539,"1,539":540,"1,540":541,"1,541":542,"1,542":543,"1,543":544,"1,544":545,"1,545":546,"1,546":547,"1,547":548,"1,548":549,"1,549":550,"1,550":551,"1,551":552,"1,552":553,"1,553":554,"1,554":555,"1,555":556,"1,556":557,"1,557":558,"1,558":559,"1,559":560,"1,560":561,"1,561":562,"1,562":563,"1,563":564,"1,564":565,"1,565":566,"1,566":567},"ٜ":{"1":[1,566]},"ٝ":[null,"1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,500","1,501","1,502","1,503","1,504","1,505","1,506","1,507","1,508","1,509","1,510","1,511","1,512","1,513","1,514","1,515","1,516","1,517","1,518","1,519","1,520","1,521","1,522","1,523","1,524","1,525","1,526","1,527","1,528","1,529","1,530","1,531","1,532","1,533","1,534","1,535","1,536","1,537","1,538","1,539","1,540","1,541","1,542","1,543","1,544","1,545","1,546","1,547","1,548","1,549","1,550","1,551","1,552","1,553","1,554","1,555","1,556","1,557","1,558","1,559","1,560","1,561","1,562","1,563","1,564","1,565","1,566"],"ٞ":{"2":[1],"5":[2],"6":[3],"12":[4,5],"14":[6,7],"18":[8],"22":[9],"26":[10],"33":[11],"40":[12],"42":[13],"45":[14],"46":[15],"47":[16],"51":[17],"53":[18],"54":[19],"55":[20],"57":[21],"62":[22],"65":[23],"67":[24],"70":[25,26],"72":[27],"76":[28],"77":[29],"78":[30],"79":[31],"81":[32,33],"83":[34],"84":[35],"86":[36,37],"87":[38],"89":[39],"91":[40],"92":[41],"93":[42],"94":[43],"96":[44],"97":[45],"101":[46,47,48],"102":[49],"103":[50],"104":[51],"105":[52],"106":[53],"107":[54],"109":[55],"110":[56],"113":[57,58,59],"114":[60],"116":[61],"117":[62],"118":[63],"119":[64],"121":[65],"122":[66],"123":[67],"125":[68],"128":[69,70],"129":[71],"130":[72],"131":[73],"132":[74],"133":[75],"134":[76],"135":[77,78],"136":[79,80],"139":[81,82],"142":[83],"144":[84,85],"146":[86,87,88],"147":[89],"148":[90],"149":[91],"150":[92],"151":[93],"152":[94,95],"153":[96],"154":[97],"155":[98],"157":[99],"159":[100],"160":[101],"161":[102],"166":[103],"167":[104,105,106],"168":[107],"169":[108],"170":[109],"171":[110,111],"172":[112],"173":[113,114],"174":[115],"176":[116,117,118],"177":[119],"178":[120],"180":[121],"181":[122],"183":[123,124,125],"185":[126,127,128],"186":[129],"187":[130],"188":[131],"189":[132,133],"191":[134,135,136],"192":[137],"193":[138],"194":[139,140],"195":[141],"196":[142],"198":[143,144],"199":[145],"200":[146],"201":[147],"202":[148],"204":[149],"205":[150],"206":[151],"207":[152],"208":[153,154],"209":[155],"210":[156],"212":[157],"213":[158],"214":[159],"216":[160,161],"217":[162],"218":[163],"219":[164,165,166],"220":[167],"221":[168],"223":[169,170],"225":[171,172],"226":[173],"227":[174],"229":[175],"234":[176],"235":[177],"238":[178,179],"239":[180],"240":[181],"241":[182],"243":[183],"244":[184],"246":[185,186],"249":[187,188],"251":[189],"252":[190],"254":[191],"256":[192],"257":[193],"259":[194,195],"261":[196],"262":[197],"263":[198],"265":[199,200],"267":[201,202],"269":[203],"270":[204],"273":[205],"274":[206],"275":[207],"277":[208,209,210],"278":[211,212],"279":[213],"280":[214,215,216],"281":[217],"282":[218],"284":[219,220],"287":[221],"288":[222],"289":[223],"290":[224],"292":[225],"293":[226,227,228],"294":[229],"295":[230],"298":[231],"301":[232,233,234],"303":[235,236],"306":[237],"307":[238],"308":[239],"309":[240],"311":[241,242],"312":[243,244],"313":[245,246],"314":[247],"315":[248,249],"316":[250,251],"317":[252],"320":[253],"321":[254,255],"322":[256],"324":[257,258],"325":[259],"327":[260],"329":[261,262,263],"330":[264,265],"332":[266],"333":[267],"336":[268,269],"337":[270],"338":[271],"340":[272],"342":[273],"346":[274],"347":[275,276],"349":[277],"351":[278],"352":[279],"354":[280,281,282],"356":[283],"358":[284,285,286],"360":[287,288],"362":[289],"363":[290,291],"364":[292],"366":[293,294,295],"367":[296],"369":[297],"371":[298,299],"372":[300,301],"373":[302],"375":[303,304],"378":[305,306],"379":[307],"380":[308,309,310],"381":[311],"382":[312,313],"383":[314],"384":[315],"386":[316,317,318],"388":[319,320],"389":[321],"390":[322],"393":[323],"395":[324,325],"396":[326],"400":[327,328],"404":[329,330],"406":[331],"408":[332],"409":[333],"411":[334,335],"412":[336],"413":[337,338],"415":[339,340,341],"416":[342],"419":[343,344],"420":[345],"421":[346],"423":[347,348],"427":[349,350],"428":[351],"429":[352],"431":[353,354],"432":[355],"433":[356,357],"434":[358,359],"436":[360,361,362],"437":[363],"438":[364,365],"440":[366,367],"441":[368],"443":[369,370,371],"444":[372],"446":[373,374],"447":[375,376,377],"449":[378,379],"450":[380],"453":[381],"455":[382,383,384],"456":[385],"457":[386,387],"458":[388],"460":[389,390,391],"461":[392],"465":[393,394],"466":[395],"467":[396],"469":[397,398],"470":[399],"471":[400],"473":[401,402,403],"474":[404],"475":[405,406],"476":[407],"477":[408,409,410],"478":[411,412],"480":[413,414,415],"481":[416],"483":[417],"484":[418,419],"485":[420,421],"486":[422],"487":[423,424],"488":[425,426,427],"489":[428],"490":[429],"491":[430],"492":[431],"494":[432,433,434],"495":[435],"496":[436,437],"498":[438,439,440],"499":[441],"500":[442,443,444],"501":[445,446,447,448],"503":[449,450],"504":[451,452],"505":[453,454],"507":[455,456,457],"509":[458,459],"512":[460],"513":[461,462],"514":[463,464,465],"515":[466],"517":[467,468,469],"518":[470],"519":[471,472],"520":[473,474],"521":[475,476],"523":[477,478,479,480],"525":[481,482],"526":[483],"528":[484,485,486],"530":[487,488,489],"532":[490,491],"533":[492,493,494],"535":[495,496,497],"537":[498,499,500],"540":[501,502],"541":[503,504],"543":[505,506],"545":[507,508],"547":[509,510],"548":[511,512],"549":[513,514],"550":[515,516,517],"551":[518],"553":[519,520],"555":[521,522],"556":[523,524,525],"558":[526,527,528,529],"559":[530,531],"560":[532],"561":[533,534,535],"563":[536,537],"564":[538],"566":[539,540,541],"567":[542,543]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nـ[إعراب القرآن للأصبهاني]ـ\nالمؤلف: إسماعيل بن محمد بن الفضل بن علي القرشي الطليحي التيمي الأصبهاني، أبو القاسم، الملقب بقوام السنة (المتوفى: ٥٣٥هـ)\nقدمت له ووثقت نصوصه: الدكتورة فائزة بنت عمر المؤيد\nالناشر: غير معروف (فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية - الرياض)\nالطبعة: الأولى، ١٤١٥ هـ - ١٩٩٥ م\nعدد الأجزاء: ١\nأعده للشاملة/ أبو إبراهيم حسانين\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","vol":"1","page":null},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1>(فاتحة الكتاب) </span>مدنية، والبقرة مدنية، وآل عمران مدنية، والنساء مدنية، والمائدة مدنية، والأنعام مكية نزلت جملة ما خلا ثلاث آيات فإنها نزلت بالمدينة وهي قوله: (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ) إلى تمام الثلاث. والأعراف مكية، والأنفال مدنية، وهي أول ما أنزل بالمدينة، وقيل (البقرة هي أول ما نزل بالمدينة)، وبراءة مدنية: هي آخر ما أُنزل بالمدينة، قال ابن عباس: قلت لعثمان ما حملكم على أنّ قرنتم بين الأنفال وبراءة، والأنفال من الثاني، وبراءة من المئين، فلم تكتبوا بينهما سطر (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)؟ - فقال عثمان: إن السورة والقصة والآية كنَّ إذا نزلن على النبي - ﷺ - قال لبعض من يكتب الوحي: \" ضعوها إلى موضع كذا. وإلى جنب كذا \"، وإنَّ براءة نزلت والنبي - ﷺ - لم يتقدم فيها إلينا بشيء، وقصتها تشبه قصة الأنفال، فخفنا أن تكون منها وخفنا أنّ لا تكون منها. فمن ثم قرنا بينهما. ولم نكتب سطر (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)، يونس مكية وهود مكية، ويوسف مكية، والرعد مكية، وإبراهيم مكية ما خلا آيتين منها، فإنهما نزلتا بالمدينة في قتلى بدر من المشركين، وهما (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا) إلى تمام الآيتين، الحجر مكية، والنحل مكية، ما خلا ثلاث آيات من آخرها فإنها نزلت بين مكة والمدينة في منصرف رسول الله ﷺ، وقد قتل حمزة ﵁، ومثل المشركون به، قال النبي ﷺ: \" لئن أظفَرنا اللهُ بهم لنُمثلن بهم مُثَلا لم تُمثْل بأحد منَ العرب)، فأنزل الله تعالى بين مكة والمدينة (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ) إلى آخر السورة، وما نزل بين مكة والمدينة فهو مدني، وسورة بني إسرائيل مكية، والكهف مكية، ومريم مكية، وطه مكية، والأنبياء مكية. والحج مكية،","vol":"1","page":1},{"text":"ما خلا ثلاث آيات منها فإنها نزلت بالمدينة في ستة نفر، ثلاثة منهم مؤمنون وثلاثة كافرون؛ فأما المؤمنون فعبيد بن الحارث بن عبد المطلب وحمزة بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب ﵃، وأما الكافرون فعتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة، فأنزل الله ﷿ بالمدينة (هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ) إلى تمام ثلاث الآيات، سورة المؤمنين مكية، النور مدنية، والفرقان مكية. والشعراءُ مكية، ما خلا خمس آيات من آخرها فإنها نزلت بالمدينة وهي قوله ﷿: (وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (٢٢٦) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) يعني حسَّان بن ثابت وكعب بن مالك وعبد الله بن رواحة، هَؤُلَاءِ شعراء رسول الله ﷺ إلى آخر السورة. والنمل مكية، والقصص مكية، والعنكبوت مكية. والروم مكية، ولقمان مكية، ما خلا ثلاث آيات منها، فإنها نزلت بالمدينة، وذلك أنّه لا قَدِم رسول الله ﷺ المدينة أتته أحبار اليهود فقالوا: يا محمد بلغنا أنك تقول: (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) أفعنيتنا أو عنيت قومك؛ - فقال ﷺ: عنيت الجميع. فقالوا: يا محمد أما تعلم أنّ الله جل وعز أنزل التوراة على موسى بن عمران ﵇، والتوراة فيها أنباء كل شيء، وخلفها موسى فينا ومعنا؛ - قال النبي ﷺ لليهود: التوراة وما فيها من الأنباء قليل في علم الله ﷿، فأنزل الله تعالى في المدينة: (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ) إلى تمام الآيات الثلاث، و(الم السجدة) مكية، ما خلا ثلاث آيات منها، فإنها نزلت بالدنية في علي بن أبي طالب ﵁ والوليد بن عقبة بن أبي مُعَيط، وذلك أنّه شجر بينهما كلام قال الوليد لعلي بن أبي طالب ﵁: أنا أذرب منك لسانًا، وأحذ سنانا، وأرد للكتيبة. فقال له علي ﵁: اسكت. فإنك فاسق. فأنزل الله تعالى بالمدينة: (أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ) إلى تمام الآيات. الأحزاب مدنية، سبًا مكية فاطر مكية، يس مكية، الصافات مكية، (ص) مكية، الزمر مكية، ما خلا ثلاث آيات منها.","vol":"1","page":2},{"text":"فإنها نزلت بالمدينة في وحشي قاتل حمزة ﵁، وذلك أنّه أسلم ودخل المدينة، فكان يثقل على رسول الله ﷺ النظر إليه ... ظن وحشي وتوهم أنّ الله ﷿ لم يقبل إسلامه. فأنزل الله ﷿ بالمدينة (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ) إلى تمام ثلاث الآيات، والحواميم السبع كلهن مكيات، وسورة محمد - ﷺ - مدنية، وسورة الفتح مدنية، والحجرات مدنية، وق مكية، والذاريات مكية، والطور مكية. والنجم مكية، والقمر مكية، والرحمن مكية، والواقعة مكية، وسورة الحديد مدنية، وسورة المجادلة مدنية، وسورة الحشر مدنية، وسورة الممتحنة مدنية، وسورة الصف مدنية، والجمعة مدنية. المنافقون مدنية، التغابن مكية ما خلا ثلاث آيات من آخرها فإنها نزلت في عارف بن مالك الأشجعي. وذلك أنّه شكا إلى رسول الله ﷺ جفاء أهله وولده به، فأنزل الله ﷿ بالمدينة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ) إلى آخر السورة، والطلاق مدنية، والتحريم مدنية، الملك مَكية، ون والقلم مكية، الحاقة مكية، سأل سائل مكية، نوح مكية، سورة الجن مكية، المزمل مكية، ما خلا آيتين منها فإنهما نزلتا بالمدينة (إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ) إلى تمام الآية، ثم الفرقان بعد ذلك كله مكي إلى أن يبلغ (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) فإنها مدنية. لم يكن مدنية. إذا زلزلت مكية، والعاديات مكية، القارعة مكية، والتكاثر مكية، والعصر مكية، الهمزة مكية، الفيل مكية، لإيلاف قريش مكية، وقال هما سورة واحدة، أرأيت مكية، الكوثر مكية، الكافرون مكية، النصر مدنية. تبت يدا أبي لهب مكية، الإخلاص مكية، الفلق مدنية، الناس مدنية.","vol":"1","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>البسملة</span>\nروى السُّدِّي عن أبي مالك عن ابن عباس في قوله ﷿:\n(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)\nالباء: بهاء الله، والسين: سناء الله، والميم: ملك الله.\nو(الله): الذي يأله إليه خلقه.\nو(الرحمن): قال المترحم على خلقه، الرحيم بعباده فيما ابتدأهم به من كرامته، ويروى عنه أيضا أنّه قال: الرحمن الرحيم اسمان رقيقان أحدهما أرق من الآخر، وقيل في الجمع بينهما: إنَّ (الرحمن) أشد مبالغة، و(الرحيم) أخص منه؛ فالرحمن لجميع الخلق، والرحيم للمؤمنين خاصة، قال محمد بن يزيد هو تفضل بعد تفضل، وإنعام بعد إنعام، ووعد لا يخيب آمله.\nوأصل الرحمة رقةً في القلب، والله تعالى لا يوصف بذلك إلا أنّ معنى الرقة يؤول إلى الرضا؛ لأنّ من رحمته فقد رضيت عنه، وإذا احتملت الكلمة معنيين أحدهما يجوز على الله والآخر لا يجوز عليه، عدل إلى ما يجوز عليه، ومثل ذلك همزة الاستفهام تأتي في غالب الأمر على جهلٍ من المستفهم، فإذا جاءت من الله ﷿ كانت تقريرًا وتوبيخًا، نحو قول الله تعالى: (آللهُ أذنَ لكُم أم عَلى اللهِ تَفترون)، قال مقاتل بن سليمان في الاستفتاح من حساب الجمل سبعمانة وسبع وثمانون سنة من مُدة هذه الأمة. قال الخليل: (بسم الله) افتتاح إيمان ويمن وحمدُ عاقبة ورحمة وبركةَ وثناء وتقرب إلى الله ﷿ ورغبة فيما عنده واستعانة ومحبة له علم الله ﷿ نبينا ﵇ فقال: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) وقال (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ) وقال لنوح ﵇:","vol":"1","page":4},{"text":"(بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا) ليجعلها سنة لأمته في افتتاح الذبائح والطعام والشراب والكلام، وأن يذكروه عتد كل حركة وسكون وإذا قاله العبد يسر الله تعالى له ما بين يديه من السماء إلى الأرض وثبَّته وحرسه من وسواس الشيطان واعتراض المعترضين وفساد المفسدين وكيد الحاسدين، وهو تحية من الله ﷿ خصَّ بها نبيه وجعله باللسان العربي، ما لم يكن لسائر الأمم إلا ما كان من سليمان، فلما وردت على العرب اضطروا إلى قبولها وتدوينها والإقرار بفضلها ولفظوا بها عند وجوب الشكر وطلب الصبر. قال غير الخليل هو أدب من آداب الدين: مدح لله تعالى وتعظيم، وشعار للمسلمين، وتبرك للمستأنف، وإقرار بالإلاهية، واعتراف بالنعمة. واستعانة بالله ﷿، وعبادة له مع ما فيه من حسن العبارة ووضوح الدلالة والإفصاح والبيان لما يستحقه الله من الأوصاف، وفيه من البلاغة والاختصار في موضعه بالحذف على شرائطه إذ موضوع هذه الكلمة على كثرة التكرير وطول الترديد، وفيه الاستغناء بالحال الدالة على العبادة عن ذكر أبدًا؛ لأنّ الحال بمنزلة الناطقة بذلك، وفيه من البلاغة تقديم الوصف بالرحمن تشبيهًا بالأسماء الأعلام.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>مسألة:</span>\nومما يسأل عنه من الإعراب أن يقال ما موضع الباء من (بسم الله)؟\nوالجواب: أنَّ العُلماء اختلفوا في ذلك، فذهب عامة البصريين إلى أنَّ موضع الباء رفعَ على تقدير مبتدأ محذوف تمثيله: ابتدائي بسم الله، فالباء على هذا متعلقة بالخبر المحذوف الذي قامت مقامه تقديره: ابتداني كائن أو ثابت أو ما أشبه ذلك باسم الله، ثم حذفت هذا الخبر وكان فيه ضمير فأفضى إلى موضع الباء وهذا بمنزلة قولك: زيد في الدار، ولا يجوز أن يتعلق الباء بابتداني المضمر؛ لأنّه مصدر، وإذا تعلقت به صار من صلته، وبقي المبتدأ بلا خبر. وذهب عامة الكوفيين وبعض البصريين إلى أنَّ موضع الباء نصب على إضمار فعل، واختلفوا في تقديره.","vol":"1","page":5},{"text":"فذهب الجمهور منهم إلى أنَّه يضمر فعلا يشبه الفعل الذي يريد أن يأخذ فيه؛ كأنّه إذا أراد الكتابة أضمر: أكتب، وإذا أراد القراءة أضمر: أقرأ، وإذا أراد الأكل والشرب أضمر: آكل وأشرب.\nومما يسأل عنه أن يقال لم جرّت الباء؟\nوالجواب: أنها لا معنى لها إلا في الأسماء، فعملت الإعراب الذي لا يكون إلا في الأسماء؛ وهو الجر.\nويقال: لم حُركت وأصلها السكون؟\nوالجواب: أن يقال حُركت للابتداء بها ... . بساكن؛ لأنَّ اللسان يجفو عنه.\nويقال: فلم اختير لها الكسر؟\nوالجواب: أنّ أبا عمر الجرمي قال كسرت تشبيها بعملها؛ وذلك أنّ عملها الجرُّ وعلامة الجرُّ الكسرة، فاعتُرض عليه بعد موته بأن قيل: الكاف تجر وهي مع ذلك مفتوحة، فانفكَّ أصحابه من هذا الاعتراض بأن قالوا: أرادوا أن يفرقوا بين ما يجر ولا يكون إلا حرفا نحو الباء واللام، ويين ما يجر وقد يكون اسما نحو: الكاف. وأما أبو علي فحكى عنه الربعي أنّهم لو فتحوا أو ضموا لكان جائزًا لأنّ الغرض التوصل إلى الابتداء، فبأي حركة توصل إليه جاز، وبعض العرب يفتح هذه الباء وهي لفة ضعيفة.\n* * *\nمسألة:\nومما يسأل عنه أن يقال: ما وزن (اسم) وما اشتقاقه؟\nوالجواب: أنّه قد اختلف فيه، فذهب البصريون إلى أنّه من السمو؛ لأنَّه سما بمسماه فبينه وأوضح معناه.","vol":"1","page":6},{"text":"وذهب الكوفيون إلى أنّه من السمة؛ لأنَّ صاحبه يُعرف به وقول البصريين أقوى في التصريف. وقول الكوفيين أقوى في المعنى، فمما يدلُّ على صحة قول البصريين قولهم في التصغير (سُميّ) وفي الجمع (أسماء) وجمع الجمع (أسامٍ)، ولو كان على ما ذهب إليه الكوفيون لقيل في تصغيره (وسيم) وفي جمعه (أوسم)، وفي امتناع العرب من ذلك دلالة على فساد ما ذهبوا إليه، وأيضًا فإنا لم نرَ ما حُذِفت فاؤه دخلت فيه همزة الوصل، وإنما تدخل فيه تاء التأنيث نحو: عدد وزنة. وقد قيل: هو مقلوب جعلَت الفاء في مكان اللام؛ كأنّ الأصل (وسم) ثم أخرت الواو وأعلت: كما قالوا (طادٍ) والأص (واطد)، قال القطامي:\nما اعتَادَ حبُّ سُليمى حَيْنَ مُغتادِ ... ولا تَقَضّى بواقي دَيْنَها الطادي\nفوزنه على هذا (عالف) وكذا قيل في حادي عشر أنّه مقلوب من واحد، ووزن اسم (اعل) أو (أفع) والأصل (سُمو) أو (سمْو) بإسكان الميم فأعل على غير قياس، وكان الواجب أنّ لا يُعل؛ لأنّ الواو والياء إذا سكن ما قبلهما صحّتا نحو: صنوٍ وقنوٍ ونحيٍ وظبيٍ وما أشبه ذلك، وقيل وزنه (فُعل) بضم الفاء، وقيل (فِعل) بكسرها، لقولهم (سِمٌ) و(سُمٌ) ولم يسمع (سَمٌ) بفتح السين، أنشد أبو زيد:\nباسْمِ الذي في كلِّ سورةٍ سُِمُهْ .. قد أُخَذت على طريقٍ تِعلمُه\nيروى بضم السين وكسرها، ثم حذفت الواو على غير قياس، وكان يجب أن تُقلب ألفا كما فعل في نحو: رِبا وعَصَا وعُرًا وما أشبه ذلك؛ لأنّ الواو والياء إذا تحركتا وانفتح ما قبلهما قُلبتا ألفًا على كل حال، إلا أنّهم أرادوا أن يفرقوا بين المتشبث وغير المتشبث؛ فالمتشبث نحو: أخٍ وأبٍ، لأنك إذا ذكرت كلّ واحد منهما دل على نفسه وعلى معنى آخر ألا ترى أنك إذا ذكرت أبا دلَّل على ابن، وإذا ذكرت ابنا دلّل عدى أبٍ، وإذا ذكرت أخًا دلَّل على أخ أو أخت؛ إلا أنّ هذا المحذوف أتى على ضربين: أحدهما لم يقع فيه عِوَض من المحذوف نحو: أبٍ وأخٍ، والثاني عوض فيه من المحذوف همزة نحو: اسم وابن، وهذه الأسماء التي دخلتها همزة الوصل مضارعة للفعل، لأنها مفتقرةٌ إلى غيرها فصارت بمنزلة الفعل المفتقر إلى فاعله","vol":"1","page":7},{"text":"وأصل هذه الهمزة أن يكون في الأفعال، فلما ضارعت هذه الأسماء الأفعال اسكنوا أوائلها وأدخلوا فيها همزات الوصل. وفي اسم خمس لغات يقال (إِسم) بكسر الهمزة و(أُسم) بضمها في الابتداء و(سُم) و(سِم) و(سُمى) بمنزلة هدى، هذه اللغة حكاها ابن الأعرابي، فأما ما أنشد أبو زيد من قول الشاعر:\nلأحسَنِها وَجهًا وأكرمها أبًا ... وأسمَحِها نَفْسًا وأُعلنِها سُما\nفيجوز أن يكون (فُعلا) مثل: هُدى، أو تكون الألف منقلبة عن لام الفعل، ويجوز أن تكون الألف ألف النصب التي تدخل في نحو قولك: رأيت زيدا، وهذا الاحتمال على مذهب من ضمُّ السين، فأما من كسرها فالألف ألف النصب على كل حال.\n* * *\nمسألة:\nومما يسأل عنه أن يقال: مما اشتُق قوله (الله) وما أصله؟\nوالجواب: أنّ فيه خلافا؛ ذهب بعضهم إلى أنّه مِن (الولهان) قال: لأنّ القلوب تلهُ إلى معرفته، وقيل اشتقاقه من (أُلِهَ يأله) إذا تحيّر، كأن العقول تتحير فيه عند الفكرة فيه، قال الشاعر وهو زهير:\nوَبيداءَ قَفْرتألهُ العينُ وَسطهِا ... مُخفَقهٍ غَبْراءَ صَرماء سَملقِ\nوقال الفراء: هو من لاه يليه ليها، إذا استتر كأنَّه قد استتر عن خلقه ويروى عن علي ﵁ أنّه قال: معناه المستور عن درك الأبصار، المحتجبِ عن الأوهام والأخطار، أنشدوا في ذلك:\nتاهَ العِبَادُ ولاهَ اللهُ في حُجُبٍ ... فاللهُ محتجب سبحانهُ اللهُ.","vol":"1","page":8},{"text":"وذهب الخليل وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن إلى أنّه اسم علمٍ غير مشتقٍ من شيء، والذي يذهب إليه المحققون أنّه من التأله وهو التعبد والتنسك قال رؤبه:\nلِلَّهِ دَرُّ الغانِياتِ المُدَّةِ ... سَبَّحْنَ واسْتَرْجَعْنَ مِنْ تألُّهي\nأي: من تعبدي وتنسكي، حكى أبو زيد: تأله الرجل يتأله، وهذا يحتمل عندنا أن يكون اشتق من اسم الله ﷿ على حد قولك: استحجر الطين، واستنوق الجمل، فيكون المعنى: أنّه يفعل الأفعال المقربة إلى الله تعالى التي يستحق بها الثواب. ويحتمل أن يكون الاسم مشتقا من هذا الفعل نحو: تعبَّد. وتُسمى الشمس (الاهة) و(الإلاهة) رُوي لنا ذلك عن قطرب، وأنشد:\nتَرَوَّحْنا من اللَّعْباءِ عَصْرًا ... وأَعْجَلْن الإلهة أن تغيبا\nوكأنهم سموها إلاهة على نحو تعظيمهم لها وعبادتهم إياها، ولذلك نهاهم الله عن ذلك، وأمرهم بالتوجه في العبادة إليه دون خلقه فقال: (وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ) ويدل على هذا ما حكاه أحمد بن يحيى أنّهم يسمونها إلاهة غير مصروفة. فدل ذلك على أنّ هذا الاسم منقول إذ كان مخصوصا، وأكثر الأسماء المختصة الأعلام منقول نحو: زيد وعمرو، وقرأ ابن عباس (ويذرَك وإلاهَتَك) أي: وعبادتك وكان يقول: كان فرعون يُعبَد ولا يعبُدُ. وأما قراءة الجماعة (وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ) فهو جمع (إله) كإزار وآزرة، وإناء وآنية. والمعنى على هذا: أنّه كان لفرعون أصنام يعبدها شيعته وأتباعه، فلما دعاهم موسى ﵇ إلى التوحيد حضوا فرعون عليه وعلى قومه، وأغروه بهم، ويقوي هذه القراءة قوله تعالى: (وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ) وأما الأصل في قولنا (الله) فقد اختلف قول سيبويه في ذلك؛ فقال مرة الأصل (إله) ففاء الكلمة على هذا همزة وعينها لام والألف الف فِعال زائدة واللام هاء، وقال مرة الأصل (لاه) فوزنه على هذا، (فَعلٌ). ولكلٍّ من هذين القولين وجه، وإذا قدرته على الوجه الأوّل فالأصل (إلهٌ) ثم حُذفت الهمزة حذفًا","vol":"1","page":9},{"text":"لا على طريق التخفيف القياسي في قولك: الخب في الخبء، وضو في ضوء، فإن قال قائل: فلم قدرتموه هذا التقدير؛ وهلا حملتموه على التخفيف القياسي؛ إذ كان تقدير ذلك فيه سائغًا غير ممتنع، والحمل على القياس أولى من الحمل على الحذف الذي ليس بقياس؟ - قيل له: إن ذلك لا يخلو من أن يكون على الحذف الذي ذكرناه وهو مذهب سيبويه، أو على الحذف القياسي وهو مذهب الفراء وذلك أنّ الهمزة (١).\n_________\n(١) بعد هذه الصفحة يوجد سقط يشمل بقية سورة الفاتحة وأول سورة البقرة حتى الآية الرابعة عشرة","vol":"1","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>سُورَة البقرة</span>\nفصل\n(إذا) في الكلام على ثلاثة أوجه:\n\nأحدها: أن يكون ظرفا زمانيا، وفيها معنى الشرط،: لا يعمل فيها إلا جوابها نحو ما في هذه الآية من<span data-type=\"title\" id=toc-5> قوله تعالى (وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا) </span>فالعامل في إذا (قالوا)؛ لأنَّه الجواب، ولا يجوز أن يعمل فيها (لقوا) لأنها في التقدير مضافة إلى لقوا، ولا يعمل المضاف إليه في المضاف، وكذا (إِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ) العامل فيها (قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ).\nوالثاني: أن يكون ظرفًا مكانيًا نحو قولك: خرجت فإذا الناسُ وقوفٌ ويجوز أن تنصب (وقوفًا) على الحال؛ لأنَّ (إذا) ظرف مكان، وظروف المكان تكون أخبارًا عن الجثث، وهذه المسألة التي وقع الخلاف فيها بين سيبويه والكسائي لما اجتمعا عند يحيى بن خالد بن برمك. حدثنا أبو الحسن الحوفي بمصر عن أبي بكر بن الأدفوني عن أبي جعفر أحمد بن محمد النحاس عن علي بن سليمان حدثنا أحمد بن يحيى ومحمد بن يزيد قالا: لما ورد سيبويه بغداد شق أمره على الكسائي، فأتى جعفر بن يحيى والفضل بن يحيى فقال: أنا وليكما وصاحبكما وهذا الرجل قد قدم ليذهب بمحلي، فقالا له: فاحتل لنفسك فإنا سنجمع بينكما، فجمعا بينهما عند أبيهما، وحضر سيبويه وحده، وحضر الكسائي ومعه الفراء وعلي الأحمر، وغيرهما من أصحابه، فسألوه: كيف تقول (أظنُ العقربَ أشدّ لسعة من الزنبور فإذا هو هي أو فإذا هو إياها)؟ - قال: أقول فإذا هو هي، فأقبل عليه الجميع فقالوا: أخطأت ولحنت، فقال يحيى: هذا موضع مشكل، أنتما إماما مصريكما. فمن يحكم بينكما؟ - فقال الكسائي وأصحابه: الأعراب الذين على الباب، فأدخل أبو الجراح ومن وجد معه ممن كان الكسائي وأصحابه يحملون عنهم. فقالوا: نقول (فإذا هو إياها)، وانصرف المجلس على أنّ سيبويه قد أخطأ، وحكموا عليه بذلك. فأعطاه","vol":"1","page":11},{"text":"البرامكة، وأخذوا له من الرشيد وبعثوا به إلى بلده فما لبث بعد هذا إلا يسيرًا حتى مات، ويقال إنه مات كمدا. قال علي بن سليمان. وأصحاب سيبويه إلى هذه الغاية لا اختلاف بينهم يقولون: إنّ الجواب على ما قال سيبويه: فإذا هو هي، وهذا موضع الرفع، وهو كما قال علي بن سليمان؛ وذلك أنّ النصب إنما يكون على الحال نحو قولك: خرجت فإذا الناس وقوفا، وجاز النصب هاهنا لأنّ (وقوفا) نكرة، والحال لا تكون إلا نكرة، فإذا أضمرت بطل أمر الحال؛ لأنَّ المضمر معرفة. والمعرفة لا تكون حالا، فوجب العدول عن النصب إلى الرفع نحو ما أفتى به سيبويه من أنّه يقول: فإذا هو هي، كما تقول: فإذا الناس وقوف.\nوالوجه الثالث: أن يكون جوابا للشرط نحو قوله تعالى (وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ) (٣٦).\nونحن: مبتدأ، و(مُسْتَهْزِئُونَ): الخبر، وموضع. الجملة نصب لقالوا؛ كما تقول: قلتَ حقا أو باطلا. و(نحن) مبنية لمشابهتها الحروف، وفي بنائها على الضمة أوجه:\nأحدها: أنها من ضمائر الرفع، والضمة علامة الرفع.\nوالثاني: أنها ضمير الجمع. والضمة بعض الواو، والواو تكون علامة للجمع نحو: قاموا ويقومون.\nوقال الكسائي: الأصل (نَحُن) بضم الحاء فنقلت الضمة إلى النون، وهذا القول ليس عليه دلالة تعضده.\nوقال الفراء بنيت (نحن) على الضم؛ لأنها تقع على الاثنين والجماعة، فقووها بالضمة لدلالتها على معنيين.\nويعمهون: في موضع نصب على الحال والعامل فيه نمدهم.","vol":"1","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>قوله تعالى: (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ)</span>\nالمثَل والمِثْل والمثيل بمعنى واحد. كما يقال: شِبْه وشَبه وشبيه.\nوالاستيقاد: استفعال من الوقود، والوقود بالضم: مصدر وقدت النار وقودا، والوقود بالفتح: الحطب.\nوالنار معروفة، وألفها منقلبة عن واو. وأصل منافع النار خمسة:\nالاستضاءة بها. والانضاج، والاصطلاء، والتحليل، والزجر.\nوالإضاءة: أصله الوضوح يقال ضاءت النار وأضاءت لغتان.\nويقال: جلسوا حوله وحوليه تثنية حول، وحواليه تثنية حوال وأحواله وهو جمع، قال امرؤ القيس:\nألَسنتَ تَرَى السُّمارَ والناسَ أحوالي\nوالذهاب بالشيء كالمرور به. والظلمة معروفة، ونقيضها الضياء، والمعنى في الآية: أنّ مثل المنافقين مثل قوم كانوا في ظلمة، فأوقدوا نارا فلما أضاءت النار ما حولها أطفأها الله وتركهم في ظلمات لا يبصرون، فالظلمة الأولى التي كانوا فيها الكفر. واستيقادهم النار قولهم \"لا إله إلا الله محمد رسول الله\" فلما أضاءت لهم ما حولهم، واهتدوا، خلوا إلى شياطينهم فنافقوا وقالوا (إنَّما نحن مُسْتَهْزِئُونَ) فسلبهم الله نور الإيمان وتركهم في ظلمات الكفر لا يبصرون.\nثم ضرب لهم مثلا آخر شبيها بهذا فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>(أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ)</span>\nوالصيِّب: المطر. والظلمة: ظلمة الليل وظلمة السحاب، والرعد دليل على شدة ظلمة الصيِّب وهوله، أراد: أو مثل قوم في ظلمات ليل ومطر، فضرب الظلمات لكفرهم مثلا. والبرق لتوحيدهم مثلا.\nو(أو) هاهنا للإباحة، أي إن شبهتهم بالمثل الأول كنت مصيبا، وإن شبهتهم بالمثلين فكذلك أيضًا.","vol":"1","page":13},{"text":"فصل:\nومما يسأل عنه أن يقال: كيف شبّه المنافقين وهم جماعة بالذي استوقد نارا وهو واحد؟\nوفي هذا ثلاثة أجوية:\nأحدها: أن يكون (الذي) في معنى الجميع كما قال تعالى (وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) (٣٣)\nوكما قال الشاعر:\nوإِنَّ الَّذِي حانَتْ بِفَلْجٍ دِماؤُهُمْ ... هُمُ القَوْمُ كُلُّ القَوْمِ يَا أُمَّ خالِدِ\nوالثاني: أن تجعل النون محذوفة من الذي، والأصل عنده (الذين) كما حذفها الأخطل في التئنية وذلك قوله:\nأَبَني كُلَيْبٍ إِنَّ عَمَّيَّ اللَّذا ... قَتَلا المُلُوكَ وفَكَّكا الأَغْلالَ\nومنهم من أنكر ذلك في الآية وحمله على أنّ (الذي) اسمٌ مبهم كـ (من) يصلح أن يقع للجميع ويصلح أن يقع للواحد كما قال (ومنهم من يستمع إليك) وقال فى موضع آخر (ومِنْهُم مَنْ يسْتَمعونَ إليكَ) وأخرج الأول على اللفظ، والثاني على المعنى وهذا وجهٌ حسن. وقد ذكر أنّ (الذي) يأتي في معنى (الذين) الأخفش وغيره، فهذان وجهان: الأول منهما على حذف النون، والثاني على أنّه اسم مبهم يقع للواحد والجمع.\nوالثالث: أن يكون الكلام على حذف كأنّه قال: مثلهم كمثل أتباع الذي استوقد نارا ثم حذف","vol":"1","page":14},{"text":"المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، قال الجعدي:\nفكيف تُواصلُ مَن أصبَحتْ ... خلالتُه كأبي مَرحَب\nيريد: كخلالة أبي مرحب.\n* * *\nفصل:\nقوله (مثلهم) مبتدأ، و(كمثل الذي) الخبر، والكاف زائدة، والتقدير: مثلهم مثل الذي استوقد نارًا، ومثل زيادة الكاف هاهنا قوله تعالى: (ليس كمِثلهِ شيء) والمعنى ليس مثله شيء، ولا يجوز أنّ تكون الكاف غير زائدة؛ لأنّه يصير شركا، وذلك أنك كنت تثبت لله مثلا، ثم تنفي الشبه عن ذلك المثل، ويصير التقدير: ليس مثل مثله شيء، وهذا كما تراه، فأما قول محمد بن جرير أنّ (مثلا)\nبمعنى: ذات الشيء، كأنّه قال: ليس كهو شيء، فليس بشيء؛ لأنّه يرجع إلى ما منعنا منه أولًا من إثبات المثل، ومثل زيادة الكاف ما أنشده سيبويه لخطام المجاشعي:\nوصالياتٍ كَكما يُؤَثْفَيْنْ\nوهذا قبيح لإدخال الكاف على الكاف، والآية إنما فيها إدخال الكاف على مثل، وهذا حسن، وقد أدخلوا (مثلا) على الكاف، قال الراجز:\nفأصبحوا مثل كعصفٍ مأكول\nو(استوقد نارا) وما اتصل به من صلة (الذي)، والعائد على (الذي) المضمر الذي في (استوقد). وتقريبه على المبتدئ أن يقال له: كأنك قلت: الذي استوقد هو نارًا.","vol":"1","page":15},{"text":"و(لمَّا) في الكلام على ثلاثة أوجه:\nأحدها: أنّ تدل على وقوع الشيء لوقوع غيره، وهذه محتاجة إلى جواب نحو قولك: لمّا قام زيد قمت معه، والتي في الآية من هذا الباب، فإن قيل: فأين الجواب؟ - قيل: محذوف تقديره: فلما أضاءت ما حوله طفئت، ومثله قوله تعالى (فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا» كأنّه قال: فاز أو ظفر، والعرب تحذف للإيجاز قال أبو ذؤيب:\nعصاني إليها القلبُ إني لأمرِه ... مطيع فما أدري أرشدَ طِلابُها.\nيريد: أرشدٌ أم غي، ثم حذف.\nوالوجه الثاني: أنّ تكون بمعنى (إلا) حكى سيبويه: نشدتك الله، فعلت، أي: إلا فعلت، وعليه تأولوا قوله تعالى: (إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ) في قراءة من شدد الميم.\nوالثالث: أنّ تكون جازمة نحو قوله تعالى (وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ) وهي (لم) قلدت عليها (ما) وهي جواب من قال: قد فعل، فتقول أنت: لا يفعل، فإن قال: فعل، قلت: لم يفعل.\nو(ما) في موضع نصب؛ لأنَّها مفعول (أضاءت). و(ذهب) فعل ماضٍ مستأنف، والباء من (بنورهم) يتعلق بذهب، وأما (في) نتعلق بـ (تركهم)، وقوله (لا يبصرون) في موضع نصب","vol":"1","page":16},{"text":"على الحال والعامل فيه (تركهم) أي: تركهم غير مبصرين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا)</span>\nالاستحياء: من الحياء ونقيضه القِحةُ. وفي الحديث (من كلام النبوة: إذا لم تستح فاصنع ما شئت) قال المازني: الناس يغلطون في هذا: يظنونه أمرا بالقحة، وليس كذلك، وإنما معناه: إذا فعلت فعلا لا يستحيا من مثله فاصنع منه ما شئت.\nقال الخليل: الضرب يقع على جميع الأعمال إلا قليلا؛ تقول: ضرب في التجارة، وضرب في الأرض. وضرب في سبيل الله. وضرب بيده إلى كذا، وضرب فلان على يد فلان إذا أفسد عليه أمرا أخذ فيه وأراده. وضرب الأمثال إنما هو جعلها لتسير في البلاد، يقال: ضرلت القول مثلا، وأرسلته مثلا وما أشبه ذلك.\nوالبعوض: القرقس، وهو هذا الذي يسميه العامة (البق) واحده بعوضة، قال العجاج:\nوصرت عبدا للبَعُوضِ أُخصَفَا\nوفوق: ظرف، وهو نقيض تحت.\n* * *\nفصل:\nومما يسأل عنه أن يقال: قوله تعالى «إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً) إنّه جواب ماذا؟\nالجواب للعلماء فيه قولان:","vol":"1","page":17},{"text":"أحدهما: ما ذكر عن ابن عباس وابن مسعود ﵄ أنّ الله تعالى لما ضرب المثلين قيل هذه للمنافقين يعني قوله (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا) وقوله (أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ) قال المنافقون: الله أعلى وأجل من أنّ يضرب هذه الأمثال. فأنزل الله تعالى «إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا» إلى قوله (أُولَئِكَ هم الخاسرون)، والمعنى على هذا: إن الله لا يستحيي أنّ يضرب مثلا بالصغير والكبير إذا كان في ضريه بالصغير من الحكمة ما في ضربه بالكبير. ويروى عن الربيع بن أنس أنّ البعوضة تحيا ما جاعت فإذا شبعت وسمنت ماتت، فكذلك القوم الذين ضرب الله لهم هذا المثل في القرآن إذا امتلأوا من الدنيا أخذهم الله عند ذلك ثم تلا (حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ).\nوالقول الثاني: يروى عن الحسن وقتادة وغيرهما من أهل العلم أنّه لما ضرب الله المثل بالذباب والعنكبوت تكلم قوم من المشركين في ذلك وعابوا ذكره، فأنزل الله تعالى هذه الآية.\nوذهب بعض أهل العلم إلى أنّ الاختيار التأويل الأول من قبل أنّه متصلٌ بذكر المثلين اللذين ضربهما الله للمنافقين في سورة البقرة، فكان لذلك أولى من أنّ يكون جوابا لما ذكر في سورة غيرها؛ إذ كان ذكر الذباب في سورة الحج وذكر العنكبوت في سورة العنكبوت. والأظهر في هذا أنّ يكون جوابا لما قيل في الذباب والعنكبوت لما فيهما من الاحتقار والضآلة، فأخبر الله تعالى أنّه لا عيب في ذلك.\n* * *\nفصل:\nللعرب في يستحيي لغتان: منهم من يقول (يستحي) بياء واحدة، وبذلك قرأ ابن كثير في","vol":"1","page":18},{"text":"رواية شبل، ومنهم من يقول (يستحيي) بياءين. وبه قرأ الباقون، فوجه هذه القراءة: أنّه الأصل. ووجه القراءة الأخرى: أنّه حذف استثقالًا لاجتماع الياءين؛ كما قالوا: لم أكُ، ولم أدرِ وما أشبه ذلك والاختيار في القراءة إثبات الياءين؛ لأنَّه إذا اعتل لام الفعل فلا ينبغي أنّ يعل العينُ لئلا يجتمع في الكلمة اعتلالان؛ لأنَّ ذلك إخلال، ولأن أكثر القراء عليها، ولأنها لغة أهل الحجاز، والأخرى لغة بني تميم، وقال أبو النجم:\nأُليسَ يَستَحِيي مِنَ الفِرارِ\nوقال رؤبة في الياء الواحدة:\nلا أسَتحِي الفِراء أنّ أُمِيسَا\nوفي (ما) ثلاثة أوجه:\nأحدها: أنّ تكون صلة. كأنّه قال: إنّ الله لا يستحي أنّ يضرب مثلًا بعوضة.\nوالثاني: أنّ تكون نكرة مفسّرة بالبعوضة كما تكون نكرة موصوفة في قولك: مررت بما مُعجبٍ لك، أي: بشيء مُعجبٍ لك.\nوالثالث: أنّ تكون نكرة، وتكون بعوضة بدلًا منها.\nفأما (بعوضة) ففي نصبها ثلاثة أوجه:\nأحدها: أنّ تكون مفعولا ثانيًا ليضرب.\nوالثاني: أنّ تكون معرَّبةٌ بتعريب (ما) كما قال حسان:\nفَكفَى بِنَا فَضْلًا عَلَى مَنْ غَيرِنا ... حُبُّ النَّبِيِّ محمدٍ إِيّانا\nوحقيقته البدل.","vol":"1","page":19},{"text":"والثالث: يحكى عن الكوفيين زعموا أنَّ النصب على إسقاط حرف الخفض؛ كأنَّه قيل: ما بين بعوضة فما فوقها، وحكوا أنّ العرب تقول: مطرنا ما زبالة فالثعلبية، وله عشرون ما ناقة فجملًا، وأنكر المبرد هذين الوجهين.\nوأجود هذه الأوجه الوجه الأول؛ وذلك أنّ (يضرب) لمَّا صارت لضرب الأمثال صارت في معنى (جعل) فجاز أنّ تتعدى إلى مفعولين، وإذا كانت كذلك كانت من جملة ما يدخل على المبتدأ والخبر، هذا أقيس ما يُحمل عليه، وإنما اخترته لأنني وجدت في الكتاب العزيز ما يدل عليه؛ وذلك بأنني وجدت فيه قوله تعالى: (إنما مثلُ الحياةِ الدنيا كماءٍ)، فمثل الحياة الدنيا: مبتدأ، وكماء: الخبر، كما تقول: إنما زيدٌ كعمرو، ووجدت فيه (واضربْ لهُم مثلَ الحياةِ الدُنيا كماء) فأنت ترى كيف دخلت (اضرب) على المبتدأ والخبر فصار هذا بمنزلة قولك: ظننت زيدًا كعمرو.\nويجوز الرفع في بعوضة من وجهين:\nأحدهما: أنّ تكون خبرًا، لمبتدأ محذوف يكون في صلة (ما) على أنّ تكون (ما) بمنزلة (الذي)، فيكون التقدير: إنّ الله لا يستحيي أنّ يضرب مثلا ما هو بعوضة. أي: الذي هو بعوضة.\nوالوجه الثاني: أنّ يكون على إضمار مبتدأ، لا يكون صلة في (ما) ولا تكون (ما) بمعنى (الذي) كأنّه قال: إن الله لا يستحيي أنّ يضرب مثلا ما. قيل: ما هو؟\nقيل: بعوضةٌ، أي: هو بعوضة، كما تقول: مررت برجل زيد.\nوقد قيل: إنّ (ما) هاهنا يجوز أنّ تكون كافة للفعل. فيستأنف الكلام بعدها، وهو على معنى المفعول، قال الشاعر\nأَعَلاقَةً أُمَّ الوُلَيِّدِ بعدما ... أَفْنانُ رأْسِكِ كالثَّغامِ المخُلِس.","vol":"1","page":20},{"text":"واختُلف في معنى (فوق) هاهنا فقيل: فما فوقها في الكبر، وقيل: فما فوقها في الصّغر، وروي عن قتادة وابن جريج أنّ البعوضة أضعفُ خلقٍ، يعني من الحيوان ولذلك اختار بعض أهل العلم (فما فوقها) فما هو أكبر منها. واختار. قوم فما فوقها في الصغر؛ لأنّ الغرضَ المطلوب هاهنا الصغر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ)</span>\nأصل الخلق: التقدير.\nوالأرض في الكلام على ثلاثة أوجه:\nالأرض المعروفة، والأرض قوائم الدابة، ومنه قول الشاعر:\nوأَحْمَر كالدِّيباجِ أَما سَماؤُه ... فرَيَّا وأَما أَرْضُه فمُحُولُ\nوالأرض الرعدة، وفي كلام ابن عباسٍ: أزُلزلت الأرض أم بي أرضَ؟.\nوأصل الجمع: الضم ونقيضه الفرق.\nوالسماء: السحاب يُسمى بذلك كلُّ ما علاك فأظلك، وهي في الكلام على خمسة أوجه:\nالسماء التي تَظلُّ الأرض، والسماء السقف، والسماء السحاب، سمي بذلك لعلوه، والسماء المطر؛ لأنَّه نزل من السماء، والسماء المرعى؛ لأنّ بالمطر يكون، قال الشاعر:","vol":"1","page":21},{"text":"إِذَا سَقَط السماءُ بأَرضِ قوْمٍ ... وهَيْناه وَإِنْ كَانُوا غِضابا\nوالسبع: عدد المؤنث، السبعة عدد المذكر، والسُبُع مشتق من ذلك؛ لأنّه مضاعف القوى، كأنّه قد ضوعف سبع مرات، ومن شأن العرب أنّ تبالغ بالسبعة والسبعين من العدد، نحو قوله تعالى (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً)، والسبعة: تصرف في جلائل الأمور: فالأيام سبعة والسماوات سبع والأرض سبع وأعلام النجوم سبعة: زحل والمشتري وعطارد والمريخ والزهرة والشمس والقمر، والبحار سبعة، وأبواب جهنم سبعة في أشباه لذلك.\nولفظة (كلّ) تُستعمل للعموم مرة نحو قوله تعالى (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ) وقد يكون غير عموم نحو (تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ). و(شيء) عبارة عن كل موجود هذا مذهب الجماعة، وذهب قوم إلى أنّه يقع على الوجود والمعدوم.\nوالعليم: في معنى العالم، قال سيبويه: إذا أرادوا المبالغة عدلوا إلى (فعيل) نحو: عليم ورحيم.\nوجاء في التفسير عن ابن عباس أنّ معنى استوى إلى السماء صعد أمره، وقيل معناه: تحوّل فعله؛ كما تقول: كان الأمير يدبر أمر أهل الشام ثم استوى إلى أهل الحجاز أي تحول فعله وتدبيره.","vol":"1","page":22},{"text":"وروي عن الربيع بن أنس: أنّ استوى بمعنى ارتفع على جهة علو مُلك وسلطان. لا علو انتقال وزوال، وفي هذا بعد؛ لأنَّ الله تعالى لم يزل عاليًا على كل شيء بمعنى الاقتدار عليه، وأكثر أهل العلم على أنّ المعنى عهد وقصد.\n* * *\nفصل:\nومما يسأل عنه أن يقال: لم جاء (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ) على لفظ الجمع؟\nوفي هذا جوابان:\nأحدهما: أنّ معنى السماء معنى الجمع وإن كان مخرجها مخرج الواحد، لأنها على طريقة الجنس كما يقال: أهلك الناس الدينار والدرهم.\nوالجواب الثاني: أنّ السماء جمعٌ. واحدها (سماوة) و(سماءة) وذكر قطرب ما لفظه لفظ الواحد ومعناه معنى الجمع فقال منه (وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ) وقوله (فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي) وقوله (إنَّا رسُولُ ربِّ العَالمين) قال الشاعر:\nألا إنّ جيراني العَشيةَ رائحٌ ... دَعتهم دَواعٍ مِن هَوى ومَنَادِحُ\nوإذا كان سماء جمع سماوة وسماءة كان بمنزلة حمام وحمامة ودجاج ودجاجة.","vol":"1","page":23},{"text":"فصل:\nومما يسأل عنه: كيف اتصل قوله تعالى (وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) بقوله (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ)؟\nوالجواب: أنّه يتصل كما يتصل تفصيل الجملة بعضه ببعضٍ؛ لأنّه لما وصف نفسه تعالى بما يُدلُّ به على القدرة والاستيلاء وصل ذلك بوصفه بالعلم؛ إذ بهما يصح الفعل على جهة الإحكام والإتقان.\nووجه آخر: وهو أنّه دل على أنّه عالم بجميع ما فعله وبما يؤول إليه حاله.\n* * *\nفصل:\nومما يسأل عنه أن يقال: هل يوجب (ثُمَّ) في قوله تعالى (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ) أنّ يكون خلق السماء بعد الأرض؟\nقيل: لا يوجب من قِبَل أنّ قوله (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ) إنما يدلُّ على أنّه جعلها سبعا بعد ما خلق الأرض، وقد كانت السماء مخلوقة كما قال أهل التفسير إنّها كانت قبل دخانا، وقال الأخفش: هو كما تقول للصانع. اعمل هذا الثوب، وإنما معك غزل، وقد اعترض قومٌ من الجهَّال في هذا فقالوا: إذا كان قوله (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ) (وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ) إلى قوله (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ) إلى قوله (طَائِعِينَ) موافقًا لقوله تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ) في أنّه يوجب أنّ خلق السماء بعد الأرض، ثم قال في موضع آخر: (أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا) ثم قال (وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا)، فأوجب هذا أنّ يكون خلقُ الأرض بعد السماء، فظنوا لجهلهم أنّ","vol":"1","page":24},{"text":"هذا متناقض، وهذا معناه بيِّن، لأنّه قال دحاها أي بسطها. ولم يقل خلقها، وكانت قبل دحوها ربوة مجتمعة، ثم بسطها وأرساها بالجبال وأنبت فيها النبات، وأما علامَ يدلُّ عليه قول ابن عباس ومجاهدٍ في (بَعْدَ ذَلِكَ) فإنها تكون بمعنى (مع).\nكأنّه قال: والأرض مع ذلك دحاها.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً)</span>\nالقول: موضوع في كلام العرب للحكاية، نحو قولك: قال زيد كذا وكذا، وقلت: خرج عمرو وما أشبه ذلك.\nوالربُّ: السيد يقال ربُّ الدار وربُّ الفرس. ولا يقال الرب بالألف واللام إلا لله تعالى، وأصله من رييته إذا قمت بأمره، ومنه قيل للعالم ربَّاني؛ لأنَّه يقوم بأمر الأمة.\nوالملائكة: جمع ملك، واختلف في اشتقاقه: فذهب الجمهور من العلماء إلى أنّه من الألوكة وهي الرسالة، قال صاحب المعنى: الألوك الرسالة، وهى المالكة على (مفعُله) والمالكه على (مفعَلة)، قال غيره إنما سُميت الرسالة ألوكا؛ لأنها قولك في الفم. مشتقًا من قول العرب: الفرس يالُكُ اللجام، أي: يمضغ الحديدة، قال عديّ بن زيد:\nأَبِلِغِ النُّعمانَ عَنِّي مَأْلُكًا ... إنَّنِي قَدْ طالَ حَبْسِي وانْتِظارْ\nويروى مَالكا. قل لبيد:\nوغُلامٍ أَرْسَلَتْهُ أُمُّه ... بأَلوكٍ فَبَذَلْنا مَا سَأَلْ","vol":"1","page":25},{"text":"وقال عبد بني الحسحاس:\nأَلِكْني إِلَيْهَا عَمْرَكَ اللَّهُ يَا فَتَى ... بآيةِ مَا جاءتْ إِلينا تُهادِيا\nوَقَالَ الْهُذَلِيُّ:\nأَلِكْني إليها وخَيْرُ الرَّسُو ... ل أَعْلَمُهم بِنُوَاحِي الخَبَرُ\nفالملائكة على هذا (معافلة)، لأنّه مقلوب جمع ملاك. قال الشاعر:\nفَلَسْتَ لإِنْسِيٍّ وَلَكِنْ لِمَلأَكٍ ... تَنَزَّلَ مِنْ جَوِّ السَّماءِ يَصُوبُ\nووزن ملاك (معفل) محول من مألك على وزن (مفعل)، فمن العرب من يستعمله مهموزًا والجمهور منهم على إلقاء حركة الهمزة على اللام وحذفها، فيقال ملك، ويهذه اللغة جاء القرآن. وقال أبو عبيدة: أصله من لاك إذا أرسل، فملأكَ على هذا القول (مَفْعل)، وملائكة (مفاعلة). ولا قلب في الكلام، و(الميم) في هذين الوجهين زائدة، وذهب ابن كيسان إلى أنّه من الملك وأن وزن ملاك (فَعَال) مثل: شمال. وملائكة (فعائلة)، فـ (الميم) على هذا القول أصلية، والهمزة زائدة.\nوالجعل في الكلام على أربعة أوجه:\nأحدها: أنّ يكون بمعنى الخلق، نحو قوله تعالى: (وجَعَل الظلماتِ والنور).\nوالثاني: أنّ يكون بمعنى التسمية نحو قوله تعالى: (وجَعلُوا للهِ أندادًا) أي سموا له.","vol":"1","page":26},{"text":"والثالث: أنّ يكون بمعنى عملتُ، نحو قولك: جعلتُ المتاع بعضَه فوق بعض.\nوالرابع: أنّ يكون بمعنى طفق، نحو قولك: جعل يقول كذا وكذا.\nوالخليفة: الإمام، والخليفة من استخلف في أمرٍ، وجمعه (خلائف)، فأما الخلفاء فجمع (خليف)، مثل: كريم وكرماء.\nوالإفساد: ضد الإصلاح.\nوأصل السفك: صبُّ الدم، كذا قال صاحب العين، وقد يقال: سفك الكلام أي نثره، ورجلٌ سفاك الدماء سفّاك الكلام، قال الشاعر:\nإذا ذكَرت يَومًا مِنَ الدهرِ شَجوَها ... على قَرعٍ سَاق أذرَتِ الدُّمعَ سَافِكا\nواختلف في وزن (دمٍ)؛ فقال بعضهم: دَمَيٌ على وزن (فَعَل) واحتج بقول الشاعر:\nفلَوْ أَنَّا عَلَى حَجَرٍ ذُبِحْنا ... جَرَى الدَّمَيان بالخَبَر اليَقِينِ\nوقيل: وزنه (فَعْل)، والأصل فيه (دَمْي) وإنما الشّاعر لما ردَّ الياء في التثنية؛ لقلة الاسم حركه؛ ليُعلم أنّه كان متحركا قبل ذلك، ويقال للقطعة من الدم (دمة)، ذكره صاحب العين\nوالتسبيح: التنزيه لله تعالى من السوء، يقال: سبَّح يسبِّح تسبيحًا،","vol":"1","page":27},{"text":"والسبوح: المستحق للتنزيه والتعظيم.\nوالقدوس: المستحق للتطهير، والتقديس: التطهير، وحكى سيبويه أنّ منهم من يقول: سَبُّوح قَدُوس بالفتح. والضم أكثر في الكلام، والفتح أقيس، لأنَّه ليس في الكلام (فُعول) إلا سبوحًا وقدوسًا وذروحًا لواحد الذرائح، ويقال ذرحرح حكاه سيبويه.\nو(سبحان) اسمٌ للمصدر، ومعناه التنزيه. قال الأعشى:\nأَقولُ لمَّا جَاءَنِي فَجْرُهُ ... سُبحانَ مِن عَلْقَمَةَ الفاجِرِ\nقال أبو العباس: أي براءة منه، قال وهو معرفةٌ علمٌ خاص لا ينصرف للتعريف والزيادة، وقد اضطرَ الشاعر فنونه، قال أميّة:\nسُبْحانُه ثُمَّ سُبْحانًا يَعُودُ لَهُ ... وقَبْلَنا سَبَّح الجُودِيُّ والجُمُدُ\n* * *\nفصل:\nومما يسأل عنه أن يقال ما (إذ)؟\nوالجواب: أنها ظرفٌ يدلُّ على الزمان الماضي، فإن قيل: ما العامل فيها؟","vol":"1","page":28},{"text":"قيل: فعل مضمر تقديره: اذكر إذ قال ربُّك للملائكة. فأمَّا قول أبي عبيدة: إنَّها زائدة.\nواحتجاجه على ذلك بقول الأسود بن يعفر:\nفَإِذَا وَذَلِكَ لَا مَهاهَ لذكْرِهِ ... والدهرُ يُعْقِبُ صَالِحًا بفسادِ\nفغلط من قِبل أنّ معنى الأصل منه مفهوم. فلا يحكم بالزيادة وعنها مندوحة، وتأويل وإذا وذلك: فإذا ما نحن فيه وذلك ... فكأنه قال: فإذا هذا وذلك، فأشار إلى الحاضر والغائب. ولا يجب أنّ يقدم على القول بالزيادة في القرآن ما وجد عنها مندوحة.\nفإن قيل: فما الذي يدل على أنَّ العامل في (إذ) اذكر. وأنَّه محذوف؟\nوالجواب: أنَّ فيه قولين:\nأحدهما: أنَّ الآية التي قبلها تُذكر بالنعمة والعبرة في قوله (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) فكأنَّه قيل اذكر النعمة في ذلك، واذكر إذ قال ربُّك للملائكة.\nوالقول الثاني: أنّه لمَّا جرى خلق السماوات والأرض، دل على ابتداء الخلق كأنَّه قال: وابتداء خلقكم إذ قال ربُّك للملائكة.\nوعلى الأول جمهور العلماء، والعرب تحذف إذا كان فيما بقي دليل على ما أُلقي، قال النمر بن تولب:\nفإن المنيةَ مَن يخشهَا ... فَسَوفَ تُصَادفُهُ أُينَمَا\nيريد: أينما كان وأينما ذهب.","vol":"1","page":29},{"text":"فصل:\nمما يسأل عنه أن يقال: ما المراد بالخليفة؟\nوفي هذا جوابان:\nأحدهما: أنّ المراد به آدم وذريته؛ جعلوا خلائف من الجن الذين كانوا يسكنون الأرض.\nوالقول الثاني: أنَّ المراد بالخليفة أممٌ يخلف بعضهم بعضا؛ كلما هلكت أمّةٌ خلفتها أخرى.\nويروى عن ابن عباس وابن مسعود ﵄ أنّ آدم ﵇ يكون خليفةً لله تعالى؛ يحكم بالحق في أرضه، إلا أنّ الله تعالى أعلم الملائكة أنّ يكون من ذريته من يسفك الدماء ويفسد في الأرض.\nويسأل عن الألف من قوله: (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا)؟\nوقد اختلف فيها، فقال أبو عبيدة والزجاج: هي ألف إيجاب كما قال جرير:\nألستُم خيرَ مَن ركِبَ المطايَا ... وأندَى العَالمينَ بُطُونَ راحِ\nهذا إيجاب وليس باستفهام، وهذا القول غير مرضي، وإنما غلِط مَنْ قال هذا منْ قبل أنَّ الله تعالى قال: (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) فلا يجوز أنّ يشكُّو فيما أخبرهم الله تعالى، فيستفهموا عنه، فلهذا منعوا أنّ يكون استفهاما. وليس يوجب الاستفهام الشك في أنّه سيجعل. وإنما يوجبُ الشكّ في أنّ حالهم يكون مع الجعل، وترك الجعل في الاستقامة والصلاح سواء.\nوأصل الألف للاستفهام، قال علي بن عيسى قال بعض أهل العلم: هو استفهام. كأنهم","vol":"1","page":30},{"text":"قالوا أتجعل فيها من يُفسدُ، وهذه حالنا في التسبيح والتقديس، أم الأمر بخلاف ذلك، فجاء الجواب على طريق التعريض من غير تصريح في قوله: (إنِّي أعلمُ ما لا تَعَلمون)، قال: وهذا الاختيار؛ لأنّ أصل الألف للاستفهام، فلا يُعدل بها عنه إلا أنّ لا يصح التأويل عليه، وسمع أبا محمد مكي بن أبي طالب بعضُ شيوخنا يقول: الاستفهام فيه معنى الإنكار، ولا يجب أنّ تحمل الألف عليه، وكان يسميها ألف التعجب كأنّ الملائكة تعجبت من ذلك.\nوأما أنا فأرى أنها ألف استرشاد، كأنّ الملائكة استرشدت الله تعالى وسألته: ما وجه المصلحة في ذلك.\n...\nفصل:\nومما يسأل عنه أن يقال: من أين علمت الملائكة أنّهم يُفسدون في الأرض؟\nففي هذا جوابان:\nأحدهما: أنّ الله تعالى أعلمهم أنّه يكون من ذرية هذا الخليفة من يفسد في الأرض ويسفك الدماء، فاقتضى ذلك أنّ سألوا هذا السؤال، وهذا معنى قول ابن عباس وابن مسعود ﵄.\nوالجواب الثاني: أنّ الجن كانوا في الأرض، فكفروا وأفسدوا وسفكوا الدماء فلما أخبرهم الله تعالى أنّه جاعل في الأرض خليفة. أحبوا أنّ يعلموا هل سبيله في ذلك سبيلَ من كان فيها من الجن.\nوإلى القول الأول يذهب أهل النظر. فإن قيل: فليس في القرآن إخبارٌ بذلك قيل: هو محذوف، اكتفى منه بدلالة الكلام؛ إذ كانت الملائكة لا تعلم الغيب.\nوقيل في قوله (إني أعلمُ مَا لا تَعلمون) أنّه ناب عن الجواب الذي هو (نعم). وقيل معناه: إني أعلم من المصلحة والتدبير ما لا تعلمون. وقيل معناه: إني أعلم ما لا تعلمون من أنّ ذلك الخليفة يكون من ذريته أهل طاعةٍ وولاية، وفيهم الأنبياء.","vol":"1","page":31},{"text":"وقيل: إني أعلم ما لا تعلمون من إضمار إبليس المعصية وانطوائه عليها.\n* * *\nفصل:\nقد تقدم أنّ موضع (إذ) نصب على إضمار فعل و(الواو) عاطفة جملة على جملة و(إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) جملة في موضع نصبٍ بـ (قال)، وقوله: (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ) إلى قوله (ونقدّس لك) في موضع نصب بـ (قالوا)، و(الواو) في قوله (ونحن) واو الحال، وتسمى: واو القطع وواو الاستئناف وواو الابتداء وواو (إذ) كذا كان يمثلها سيبويه، ومثلها الواو في قوله تعالى (يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ) أي إذ طائفة، وكذا هاهنا، إذ نحن نسبح، والعامل في الحال هاهنا (أتجعل) كأنّه قال: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء وهذه حالنا من التسبيح.\nو(الباء) من (بحمدك) يتعلق بـ (نسبّح). و(اللام) من (لك) يتعلق بـ (نقدس)، وقوله (إني أعلمُ ما لا تَعلمُون) في موضع نصب بـ (قال) الذي قبله.\nو(إنّ) تكسر في أربعة مواضع: بعد القول نحو ما في الآية، وبعد القسم وبعض العرب يفتحها بعد القسم والكسر أكثر، وفي الابتداء، وإذا كان في خبرها اللام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>قوله تعالى: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا)</span>","vol":"1","page":32},{"text":"أصل السجود: الخضوع، يقال سجد وأسجد إذا ذل وخضع. قال الأعشى:\nمَنْ يَلْقَ هَوْذَةَ يَسْجُدْ غَيرَ مُتَّئِبٍ ... إِذا تَعَمَّمَ فَوْقَ التَّاج أَو وَضَعا\nوقال آخر:\nفَكِلْتاهُما خَرَّتْ وأَسْجَدَ رأْسُها ... كَمَا أَسْجَدَتْ نَصْرانَة لم تحَنَّفِ\nويقال في الجمع (سُجُد)، قال الشاعر:\nتَضِلُّ البلقُ في حَجراتِه ... تَرَى الأُكْمَ فِيهَا سُجَّدًا للحوافِرِ\nأي مذللةً، ويقال: نساء سجد، إذا كنّ فاترات الأعين، قال:\nوالهوى إلى حور المدامع سجدِ.\nوالإسجاد: الإطراق وإدامة النظر في فتورٍ وسكونٍ، قال الشاعر:\nأَغَرَّكِ مِنِّي أَنَّ دَلَّكِ عِنْدَنَا ... وإِسجادَ عيْنَيكِ الصَّيودَيْنِ رابحُ\nو(آدم): أفعل من الأدمةِ وهي السُّمرَة، وقيل أخذ من أدمة الأرض.\nومعنى أبى وامتنع واحد، والاستكبار والتكبر والتعظم والتجبُّر واحد ونقيضه التواضع.\n* * *\nفصل:\nومما يسأل عنه أن يقال: أكان إبليس من الملائكة حتى استثني منهم أم لا؟","vol":"1","page":33},{"text":"والجواب أنّ العلماء اختلفوا في ذلك:\nفذهب قوم إلى أنّه لم يكن من الملائكة، وجعل الاستثناء هاهنا منقطعا، كقوله تعالى (مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ)، وأنشد سيبويه:\nوالحَرْب لَا يَبْقى لجا ... حِمِها التخيُّلُ والمِراحُ\nإلا الفتى الصبَّارُ في المنجـ ... داتِ والفرسُ والوقاحُ\nوأحتج على صحة هذا القول بقوله تعالى (لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) فنفى المعصيةَ عنهم نفيا عاما، واحتج أيضا بقوله تعالى (إلا إبليس كان من الجن)، ومتى أطلق لفظ (الجن) لم يجز أنّ يُعنى به إلا الجنسُ المعروف، واحتج أيضا بأن إبليس مخلوقٌ من النار، والملائكة روحانيون خلقوا من الريح، وقال الله تعالى في إبليس وولده (أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ) واحتج أيضا بقوله تعالى (جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا)، فعمها بالوصف بالرسالة، ولا يجوز على رسل الله أنّ تكفر، ولا أنّ تفسق. كما لا يجوز على رسله من البشر من قبل أنّهم حجة لله على خلقه فالملائكة بهذه المنزلة، ولو جاز عليهم الفسقُ لجاز عليهم الكذب، فكان يكون لا سبيل إلى الفرق بين الصدق والكذب فيما أخبروا به عن الله.\nوذهب الجمهور من العلماء إلى أنّه من الملائكة، واحتجوا بأنّه لو كان من غير الملائكة لما كان ملوما في ترك السجود؛ لأنّ الأمر إنما يتناول الملائكة دون غيرهم. قال: وأما ما احتج به من أنّهم (لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) وأنّه نفى نفيا عاما، فإنَّ العموم قد يختص","vol":"1","page":34},{"text":"من الشيء، نحو قوله تعالى (وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ)، وقد عُلم أنّ المعنى: وأوتيت من كل شيء يؤتاه الملوك، ولم يرد جمع الأشياء، قال: وأما احتجاجه بقوله تعالى (إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ) فإنَّ الجنَّ جنس من الملائكة، وقيل يقع الجنُّ على جميع الملائكة؛ لاجتنانها عن العيون، قال أعشى قيس بن ثعلبة:\nلو كانَ شيءٌ خالدًا أو معمرًا ... لكان سليمانَ البريُّ من الدَّهرِ\nبراه إلهي واصطفاه عبادُهُ ... ملَّكه ما بين نوبَا إلى مِصْرِ\nوسَخّر منْ جِنَّ الملائك تسعةً ... قياما لديه يعملون بلا أجرِ\nوقال الله تعالى: (وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا)، وقال: (وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ)، فالجنة هاهنا الملائكة بلا خلاف؛ لأنَّ قريشا قالت: الملائكة بنات الله، فردَّ الله عليهم، وأما قوله: إنَّ لإبليس نسلًا وذريةً، والملائكة ليست كذلك، فلا دليل فيه؛ لأنَّ الله تعالى لما أهبطه إلى الأرض ولعنه تغيَّرت حاله عن حال الملائكة، فإذا كان كذلك لم تصح الدلالة بذلك، وأما قوله: إنه مخلوقٌ من النار والملائكة خُلقوا من الريح. فقال الحسن: الملائكة خلقوا من النور، والنار والنور سواء، وقوله: الملائكة لا يطعمون ولا يشربون، والجن يطعمون ويشربون. فقد جاء عن العرب ما يدل على أنّهم لا يطعمون ولا يشربون، أنشد أبو القاسم الزجاجي قال أنشدنا ابن دريد قال أنشدنا أبو حاتم:\nونارٍ قد خضأتُ بُعيدَ وَهنٍ ... بدارٍ ما أريدُ بها مُقَامَا\nسِوَى تَرْحِيلِ راحلةٍ وعَينٍ ... أُكالئُها مَخافَةً أَن تَنامَا\nأتَوا نَاري فقلتُ: منُونَ أنتم ... فقالوا: الجنُّ قلتُ عِموًا ظلاما\nفَقُلتُ إلى الطعام، فقالَ منهم ... زعيمَ يحسدُ الإنسَ الطعاما\nلقد فُضلتُمُ بالأكل فينا ... ولكنْ ذلك يُعقبكمُ سقاما","vol":"1","page":35},{"text":"فهذا يدل على أنّهم لا يأكلون ولا يشربون؛ لأنَّهم روحانيون، وجاء في بعض الأخبار النهي عن التمسح بالعظم والروث، قال: لأنّ ذلك طعام الجن وطعام دوابهم، فإن صح ذلك، فلأنهم لما سكنوا الأرض خالفوا حكم الملائكة؛ لأنَّهم خرجوا من جملتهم بمعصية إبليس، وقد قيل في تأويل الحديث: إنهم يتشممون ذلك ولا يأكلونه.\nوالقول الأول قول الحسن، والثاني قول الجمهور من العلماء، روي عن ابن عباس القولان جميعًا، وروي عن ابن مسعود قال: كانت الملائكة تقاتل الجن، فسُبي إبليسُ وكان صغيرًا، وكان مع الملائكة، فتُعبد معها بالأمر بالسجود، فلذلك قال الله تعالى (إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ).\nويسأل عن سجود الملائكة لآدم على أيّ وجهٍ كان؟\nوفيه جوابان:\nأحدهما: أنّه كان على وجه التحية لآدم والتكرمة. والعبادة لله تعالى لا لآدم وهو قول قتادة.\nوالثاني: أنّه كان على معنى القِبلة، كما أمروا بالسجود إلى القبلة والوجه الأول أبين.\n* * *\nفصل:\nويسأل عن قوله (وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ) ما معنى (كان)؟\nالجواب: أنّ بعضهم قال المعنى: وصار من الكافرين، وقيل: كان في علم الله من الكافرين، وقال بعضهم: كان كافرًا في الأصل.\n* * *\nفصل:\nقوله (وَإذْ قُلنا) في موضع نصب؛ لأنَّها معطوفة على (إذ) الأولى، كأنّه قال: واذكر إذ قال","vol":"1","page":36},{"text":"ربُّك للملائكة. وقال أبو عبيدة: لا موضع لها، وقد نبهنا على فساد هذا فيما تقدم.\nو(إبليس): اسم أعجمي لا ينصرف في المعرفة للتعريف والعجمة: قال الزجاج وغيره من النحويين: هو اسم أعجمي معرّب، واستدلوا على ذلك بامتناع صرفه، وذهب قوم إلى أنّه عربي مشتق من (الإبلاس)، وأنشدوا للعجاج:\nيَا صاحِ هَلْ تَعْرِفُ رَسْمًا مُكْرَسا ... قَالَ نَعَمْ أَعْرِفُهُ وأَبْلَسا\nوقال رؤبة:\nوحَضَرَتْ يومَ خَمِيسٍ الأَخْماسْ ... وَفِي الوجوهِ صُفْرَةٌ وإِبْلاسْ\nأي اكتئابٌ وكسوف، وزعموا أنّه لم ينصرف استثقالا له، لأنَّه اسمٌ لا نظير له من أسماء العرب، فشبهته العربُ بأسماء العجم التي لا تنصرف، وزعموا أنّ (إسحاق) الذي لا ينصرف من: أسحقه الله إسحاقًا، وأنّ (أيوب) من آب يؤوب، وأنَّ (إدريس) من الدرس. . في أشباهٍ ذلك.","vol":"1","page":37},{"text":"وغلطوا في ذلك؛ لأنّ هذه ألفاظ معرَّبة وافقت ألفاظ العربية. وكان أبو بكر بن السراج يمثّل ذلك على جهة التبعيد بمن يقول: إنّ الطير ولدُ الحوت، وغلطوا أيضا في أنّه لا نظير له في أسماء العرب: العرب تقول (إزميل) اسمًا للشفرة، قال الشاعر:\nهُم مَنَعوا الشَيخَ المافيّ بعدما ... رأى حُمَة الإزميل فوق البراجمِ\nوقالوا: إغريض للطلع: وإخريط لصبغٍ بعينه أحمر، ويقال: هو العصفر قال الراجز:\nمُلتَهِبُ تَلهبَ الإحريضِ\nوقالوا سيف إصليت ماض كثير الماء، وقال الراجز:\nكأنَّني سيفٌ بها إصْليتُ\nوقالوا ثوبٌ إضريج أي: مشبع الصبغ، وقالوا من الصفرة خاصة. قال النابغة:\nتُحيّيهم بيضُ الولائدِ بينهُم ... وأَكْسِيةُ الإِضْريجِ فَوْقَ المَشاجِبِ\nوهذا كثير، وإنما أوردنا هذه الأشياء لزعمهم أنّه لا نظير له.\nو(إبليس) نصب على الاستثناء المتصل في مذهب من جعله من الملائكة، وعلى الاستثناء المنقطع في مذهب من جعله من غير الملائكة.","vol":"1","page":38},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>قوله تعالى: (وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ)</span>\nيسأل ما معنى قوله تعالى (وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ)؟\nوالجواب: أنّ المعنى ولا تكونوا أوّل كافر بالقرآن من أهل الكتاب، وقد كانت قريش كفرت به بمكة وقيل المعنى: ولا تكونوا السابقين إلى الكفر فيتبعكم الناس، أي لا تكونوا أئمة في الكفر به.\nوقيل المعنى: ولا تكونوا أوّل جاحدٍ أنّ صفة النبي في كتابكم. والهاء في (به) على هذا القول تعود على النبي ﵇. وفي القول الأول تعود على القرآن.\nوقيل المعنى: ولا تكونوا أوّل كافر بما معكم من كتابكم، لأنكم إذا جحدتم ما فيه من صفة النبي ﷺ فقد كفرتم به. والأول قول أبي العالية. والقول الثاني قول ابن جريج، والقول الثالث حكاه الزجاج.\n* * *\nفصل:\nومما يسأل عنه أن يقال: لِمَ وحِّد (كافر) في قوله تعالى (أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ) وقبله جمع؟\nوفي هذا أجوبة:\nقال الفراء، لأنّه في مذهب الفعل؛ معناه أوّل من كفر به، ولو أُريد الاسم لم يجز إلا بالجمع مثل قولك للجماعة، لا تكونوا أوّل رجالٍ يفعلون ذلك، لا يجوز أنّ تقول: لا تكونوا أوّل رجُل يفعل ذلك.\nوقال أبو العباس: هذا الذي قاله الفراء خارجٌ من المعنى المفهوم؛ لأنّ الفعل هاهنا والاسم سواء، إذا قال القائل: زيد أوّل رجل جاء فمعناه: أوّل الرجال الذين جاءوا رجلا رجلا وكذلك إذا قال:","vol":"1","page":39},{"text":"أوّل كافرٍ به، وأوّل مؤمنٍ، فمعناه: أوّل الكافرين، وأول المؤمنين لا فصل بينهما في لغة ولا قياس، ولا فيما يتقبله الناس. قال ومجازه: لا تكونوا أوّل قبيل كافرٍ به، وأول حزب كافر به، وهو ممّا يسوغ به النعت؛ لأنَّا نقول: جاءني قبيلٌ صالحٌ وحيٌّ كريمٌ، ونظير ما ذكره أبو العباس قول الشاعر:\nوإذا همُ طعموا فالأمُ طاعم ... وإذا هم جاعوا فشرُّ جياعِ\nوقال الزجاج في هذه المسألة: إذا قلت الجيش رجل فإنما يكره في هذا أنّ يتوهم أنك تقلله، فأما إذا عرف معناه فهو سائغٌ جيد، تقول: جيشهم إنَّما هو رجلٌ وفرس أي ليس بكثير الأتباع، فيدلُّ المعنى على أنّك تريد: الجيش خيل ورجال، وهو في فاعل ومفعول أبين؛ كقولك: الجندُ مقبل، والجيش مهزوم، قال غيره لا يجوز: نحن أوّل رجل قام، ويجوز: نحن أوّل قائم.\nقال علي بن عيسى: إنّ جعْلَ الواحد بإزاء الجماعة إذا لم يكن فيه معنى الفعل كان قبيحًا، ألا ترى أنّه يقبح: إخوتك أوّل رجل، وإنما يحسن: أخوك أوّل رجل؛ لأنّك ذكرت واحدًا فقابلت به واحدًا على معنى الجميع، ولا يجيء على ذلك القياس إذا ذكرت جميعا إلا أنّ تقابل به الجميع، وقد علمنا أنّهم جعلوا لفظ الواحد في موضع الجمع للإيجاز.\nوأبين هذه الأقوال قولُ أبي العباس.\n* * *\nفصل:\nويقال: إذا كانوا أو كافر به، ما في ذلك من تعظيم الأمر عليهم في أنّ لا يكونوا ثاني كافر؟ فالجواب: لأنَّهم إذا كانوا أئمةً في الضلالة كانت ضلالتهم أعظم على نحو ما جاء من قولهم: (من سَنَّ سنة خير كان له أجرها وأجر من يعمل بها إلى يوم القيامة، ومن سَنَّ سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من يعمل بها إلى يوم القيامة.\nونصب (أَوَّلَ كَافِرٍ) لأنّه خبر كان، وأما نصب قوله (مصدقًا) فلأنّه حال من الهاء المحذوفة،","vol":"1","page":40},{"text":"كأنَّه قال: وآمنوا بما أنزلته مصدقًا لما معكم، ويصلح أنّ ينتصب بآمنوا. كأنّه قال: آمنوا بالقرآن مصدقًا. و(معكم) ظرف والعامل فيه الاستقرار؛ كأنّه قال: وآمنوا بما أنزلت مصدقا للذي استقر معكم. وهذا الاستقرار مع الظرف الذي يتعلق به من صلة الذي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>قوله تعالى: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ)</span>\nاستعينوا: استفعلوا من العون، وأصله (استعونوا) فاستثقلت الكسرة على الواو، فنقلت إلى العين، فانقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها؛ لأنَّه ليس في كلام العرب واو ساكنة قبلها كسرة.\nوالصبر: نقيض الجزع.\nوأصل الصلاة: عند أكثر أهل اللغة الدعاء ومنه قول الأعشى:\nعَليكِ مثلُ الذِي صليتِ فاغتَمِضي ... يَومًا فَإِنَّ لِجَنْبِ المَرْءِ مُضْطَجَعا\nأي دعوت، ومثله:\nوقابَلَها الرّيحُ فِي دَنِّها ... وصَلَّى عَلَى دَنِّها وارْتَسَمْ\nوقيل أصلها اللزوم، من قول الشاعر:\nلم أكُن مِن جُنَاتها عَلمَ اللهُ ... وأني بحرّها اليومَ صالٍ\nأي ملازم لحرّها. فكأنّ معنى الصلاة: ملازمة العبادة على الحد الذي أمر الله تعالى به.","vol":"1","page":41},{"text":"وقيل أصلها من الصلا وهو عظم العجز؛ لرفعه في الركوع والسجود. ومن هذا قول النابغة:\nفآبَ مُصَلُّوهُ بعَيْنٍ جَلِيَّةٍ ... وغُودِرَ بالجَوْلانِ حَزْمٌ ونائلُ\nأي: الذي جاءوا في صلا السابق. وعلى القول الأول أكثر العلماء، ومنه قوله تعالى (وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً) أي: دعاؤهم. والأصل على ما قلنا: الدعاء، وهو اسم لغويٌّ. فأضيف إلى ذلك الدعاء عملٌ بالجوارح، فقيل: صلا، وصار اسما شرعيا، ومثل هذا (الصوم) أصله الإمساك في اللغة. وجاء في الشرع: الإمساك عن الطعام، فصار اسما شرعيًّا بهذه الزيادة.\nوالكبيرة: نقيض الصغيرة، يُقال: كبر الشيء فهو كبير. وكبر الأمر: أي عظُم.\nوأصل الخشوع: التذلل، قال جرير:\nلَمَّا أَتَى خَبَرُ الزُّبَيْرِ تَوَاضَعَتْ ... سُورُ الْمَدِينَةِ والجِبالُ الخُشَّعُ\nومنه خشعت الأصوات، أي سكنت وزلّت.\n* * *\nفصل:\nومما يسأل عنه أن يقال: ما وجه الاستعانة بالصلاة؟\nوالجواب: أنّه لمَّا كان في الصلاة تلاوةُ القرآن، وفيها الدعاء والخضوع لله ﷿، كان ذلك معونةً على ما يتنازع إليه النفس من حبّ الرئاسة، والأنفة من الانقياد إلى الطاعة. وهذا الخطاب وإن كان لأهل الكتاب فهو أدبٌ لجميع العباد.","vol":"1","page":42},{"text":"ويُقَال: ما معنى الاستعانة بالصبر؟\nقيل المعنى: استعينوا بالاستشعار للصبر. وقيل: استعينوا بالصبر، أي: بالصوم.\nويسأل عن معنى كبيرة هاهنا؟\nوالجواب: أنّ الحسن والضحّاك قالا: ثقيلة، والأصل في ذلك أنّ ما يكبُر يثقُل على الإنسان حمله كالأجسام الجافية.\nويُسْأَل عن (الهاء) في قوله: (وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ) علامَ يعود؟\nوالجواب: أنّها تعود على الإجابة للنبي ﷺ، فهذا قول وإن لم يجر للإجابة ذكر؛ لأنّ الحال تدلُّ عليها، وقال قوم: تعود على الاستعانة. لأنّ (استعينوا) تدلُّ على الاستعانة، ومثله قول الشاعر:\nإذا نُهي السَّفيهُ جَرَى إليهِ ... وخَالفَ، والسَّفيهُ إلى خلافِ\nأى جرى إلى السفيه، ودلّ السفيه على السَّفه. ومثل الأول (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ)، يعني القرآن، ولم يجر له ذكر.\nوقيل: تعود على الصلاة، وهو القول المختار، وجاز أنّ يردّ عليها لقربها منه.\nوقيل: يعود إليهما جميعًا، وإن كان الضمير واحدًا وهما اثنان،","vol":"1","page":43},{"text":"كما قال الله تعالى: (وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ)، فرد الضمير إلى واحدٍ، وقال الشاعر:\nأمَّا الوَسَامةُ أو حُسنُ النساءِ فقد ... أوتيت منه أوان العقل محتنكُ\nوهذا كثير في كلامهم.\n* * *\nفصل:\nومما يسأل عنه أن يقال: لم خصّ الخاشعَ بأنها لا تكبر عليه دون غيره؟\nوالجواب: أنّ الخاشع قد توطأ له ذلك بالاعتياد له. والمعرفة بما له فيه فقد صار لذلك بمنزلة من لا يشُقُّ فعله عليه ولا يثقل تناوله.\nويقال: لمن هذا الخطاب؟\nوالجواب: أنّه لأهل الكتاب على هذا أكثر العلم، وقال بعضهم: هو لجميع المسلمين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-14>قوله تعالى: (ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ)</span>\nيُسأل عن قوله تعالى (ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ) ما معنى (هَؤُلَاءِ) هنا، وكيف يتصل به (تقتلون)، وما موضعه من الإعراب؟\nفالجواب: أنّ فيه ثلاثة أقوال:","vol":"1","page":44},{"text":"أحدهما: أنّ معناه النداء. كأنّه قال: ثم أنتم يا هَؤُلَاءِ تقتلون أنفسكم.\nوالثاني: أنّ معناه التوكيد لـ (أنتم)، والخبر (تقتلون) أعني خبر (أنتم)؛ لأنّه مبتدأ.\nوالثالث: أنّه بمعنى (الذي)، وصلته (تقتلون).\nوموضع (تقتلون) رفع إذا كان خبرًا. وإذا كان (هَؤُلَاءِ) بمعنى (الذين) فلا موضع لـ تقتلون؛ لأنّه صلة. قال الزجاج: ومثله في الصلة (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى) أي: وما التي بيمينك، وأنشد النحويون:\nعَدَسْ مَا لعَبَّادٍ عليكِ إِمارَةٌ ... نَجَوْت وَهَذَا تَحْمِلينَ طَلِيقُ\nوهذا القول الأخير على مذهب الكوفيين، ولا يجيزه أكثر البصريين، وقد ذهب إليه جماعة من المتأخرين ممن يري رأي البصريين.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>قوله تعالى: (وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ)</span>\nالزحزحة: التنحية. والعذاب: اسم للتعذيب، وهو بمنزلة الكلام من التكليم.\nوالتعمير: طول العمر، وعُمر الشيء ومدته سواء.\nوقوله: (وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ) فيه ثلاثة أقوال:\nأحدها: أنّه كناية عن أحدهم الذي جرى ذكره","vol":"1","page":45},{"text":"في قوله تعالى: (يَوَدُّ أَحَدُهُمْ). والثاني: أنّه كناية عن التعمير. والثالث: أنّه عماد، ومنع الزجاج هذا القول الأخير قال: إذا جاءت (الباء) في خبر (ما) لم يصلح العماد عند البصريين، ولا يجوز عندهم: ما هو بقائم، ولا: ما هو قائما زيد. قال غيره: إذا كانت (ما) غير عاملة في (الباء) جاز؛ كقولك: ما بهذا بأس.\n* * *\nفصل:\nومما يسأل عنه أن يقال: ما موضع (أَنْ يُعَمَّرَ)؟\nوالجواب: رفع، فإن قيل: من أي وجه؟ - قيل: من وجهين:\nأحدهما: إبتداء وخبره (بِمُزَحْزِحِهِ). أو يكون على تقدير الجواب لما كُني عنه؛ كأنّه قيل: وما هو الذي بِمُزَحْزِحِهِ، فقيل: هو التعمير.\nْوالوجه الآخر: أنّ يرتفع (بِمُزَحْزِحِهِ) ارتفاع الفاعل بفعله؛ كما تقول: مررت برجل معجبٍ قيامُه وقيل في معنى (بِمُزَحْزِحِهِ) بمبعده، وقال ابن عباس: بمنحيه. وهو قول أبي العالية أيضًا.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-16>قوله تعالى: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا)</span>\nقال ابن دريد: النسخ نسخك كتابا عن كتاب. قال صاحب العين: النسخ أنّ تُزيل أمرًا كان من قبل يُعمل به ينسخُه بحادث غيره، كالآية ينزل فيها أمر ثم يُخفّف عن العباد، فينسخ تلك الآية آيةٌ أخرى، فالأولى منسوخة والأخرى ناسخة.","vol":"1","page":46},{"text":"والنسأ: التأخير. والآية: القطعة من القرآن، قال ابن عباس: \" مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ \" ما نبدل من آية:\n* * *\nفصل:\nومما يُسأل عنه أن يقال: ما معنى (ننسأها) بالهمز؟\nقبل: نؤخرها. قيل: فما معنى التأخير هاهنا؟\nففي هذا جوابان:\nأحدهما: أنّ يكون المعنى نؤخرها فلا ننزلها، وننزل بدلًا منها ما يقوم مقامها في المصلحة، أو تكون أصلح للعباد منها.\nوالثاني: أنّ يكون المعنى نؤخرها إلى وقتٍ ثان، ونأتي بدلا منها في الوقت المتقدم ما يقوم مقامها.\nفأما من تأوّل ذلك على معنى يرجع إلى النسخ فلا يحسُن. إذ كان محصوله فى التقدير: ما ننسخ من آية أو ننسخها، وهذا لا يصح.\nويقال: هل يجوز نسخُ القرآن بالسنة؟\nفالجواب: أنّ بعض أهل العلم أجازه، وبعضهم منعه.\nواختلف في القراءة: فقرأ ابن عامر (ما نُنسِخ من آية) بضم النون وكسر السين، وقرأ الباقون (مَا نَنْسَخْ) بفتحها.","vol":"1","page":47},{"text":"فأما (نَنسَخ) فمن نسخت فأنا ناسخٌ، والشيء منسوخ.\nوأمَّا (نُنسِخ) ففيه وجهان:\nأحدهما: أنّ يكون بمعنى ما نُنسِخك يا محمد، هو قول أبي عبدة، يُقال نَسخت الكتابَ، وأنسخته غيري.\nوالثاني: أنّ يكون نُنسِخ جعلته ذا نسخ، كما يُقال: أقبرته جعلته ذا قبر ويروى أنّ الحجاج قتل رجلا فقال له قومه: أقبرنا فلانا، أي اجعله ذا قبر. واختلف في (ننسأها): فقرأ ابن كثير وأبو عمرو (ننسأها) بالهمزة، وهو جزم بالشرط، ولا يجوز حذفها عندهما؛ لأنّ سكونها علامةُ الجزم، وقرأ الباقون (نُنْسِهَا) بضم النون وكسر السين، على أنّ يكون من (النسيان) أو يكون من الترك، والأول قول قتادة والثاني قول ابن عباس.\nقال الزجاج: هذا خطأ، وإنما يقال: نسيت بمعنى تركت، ولا يقال: أُنسيت بمعنى تركت، وإنَّما معنى نُنسِها: نتركها أي نأمر من يتركها.\n* * *\nفصل:\nومما يسأل عنه أن يقال: كيف يجوز على الجماعة الكثيرة أنّ تنسى شيئا كانت حافظةٌ له، حتى لا يذكره ذاكر منها؟\nوالجواب: أنّ فيه قولين:\nأحدهما: أنّه إذا أُمر الناس بترك تلاوته نُسي على مرور الأيام.\nوالثاني: أنّ يكون معجزةً للنبي ﵇، وقد جاءت أحاديث متظاهرة في أنها نزلت أشياء من القرآن ثم نُسِخت تلاوتها. فمنها ما ذكر أبو موسى الأشعري أنّهم كانوا يقرؤون: (لو أنّ لابن آدم واديين من ذهب لا بتغى لهما ثالثا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا الترابُ ويتوب الله على من تاب).","vol":"1","page":48},{"text":"ثم رُفع. ومنها عن قتادة عن أنس أنّ السبعين من الأنصار الذين قُتْلوا ببئر معونه كانوا يقرون فيهم كتابا (بلغوا عنا قومنا أنا لقينا ربّنا ورضي عنا وأرضانا) ثم إن في ذلك رفع. ومنها (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة). ومنها ما روي عن أبي بكر ﵁ أنّه قال كنَّا نقرأ (لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم). ومنها ما حكي أنّ سورة الأحزاب كانت تعادل سورة البقرة في الطول.\n\n* * *\nفصل:\nومما يسأل عنه أن يقال: على كم وجه يصحُّ النسخ؟\nوالجواب على ثلاثة أوجهٍ:\nنسخ الحكم دون اللفظ، ونسخ اللفظ دون الحكم، ونسخهما جميعًا، فالأوّل: كقوله (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ) إلى قوله (يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ).\nوالثاني: كآية الرجم كانت منزلة فرُفع لفظها وبقي حكمها.\nوالثالث: يجوز وإن لم يقطع بأنه كان، كالذي قيل إنه كان على المؤمنين فرضا قيام الليل، ثم نسخ.\nولا يجوز النسخ إلا في الأمر والنهي. ولا يجوز في الخبر والقصص؛ لأنّ ذلك يؤدي إلى الكذب، والقرآن منزّهٌ عن ذلك.\nويقال: ما معنى (نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا)؟\nوفيه جوابان:\nأحدهما: أنّ يكون المعنى: بخيرٍ منها لكم في التسهيل والتيسير، كالأمر بالقتال الذي سُهِّل على المسلمين في قوله: (الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ)، (أَوْ مِثْلِهَا): كالعبادة بالتوجه إلى الكعبة بعد","vol":"1","page":49},{"text":"ما كان إلى بيت المقدس.\nوالثاني: أنّ يكون المعنى بخير منها في الوقت الثاني، أي هي لكم في الوقت الثاني خير من الأولى لكم في الوقت الأول، أو مثلها في ذلك، وهو معنى قول الحسن، كأنّ الآية في الوقت الثاني في الدعاء إلى الطاعة، والزجر في المعصية مثل الآية الأولى في وقتها، فيكون اللطف بالثانية. كاللطف بالأولى، إلا أنّه في الوقت الثاني يستقيم بها دون الأول، والجواب الأول معنى قول ابن عباس.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>قوله تعالى: (وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ)</span>\nيقال: رغبت في الشيء أحببته، ورغبت عنه كرهته.\nوالملة: الدين.\nوفي (إبراهيم) أربع لغات: إبراهيم، وإبراهام. وإبراهِم، وإبراهَم.\nوالاصطفاء: افتعال من الصفوة، والطاء مبدلة من تاء الافتعال؛ لأنَّ الطاء تشبه الصاد في الاستعلاء والإطباق، وهي من مخرج التاء، فاختاروها ليكون العمل من جهةٍ واحدة.\nوالسَّفه: الخفّة، والمعنى ومن يمل عن ملة إبراهيم إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ، واختلف في (سَفِهَ نَفْسَهُ) فقال الأخفش: أهل التأويل يزعمون أنّ المعنى: سَفَّه نفسه. وقال يونس أراها لغة، قال الزجاج: ذهب يونس إلى أنَّ (فَعِل) للمبالغة. كما أنّ (فَعَّل) لذلك، قال ويجوز على هذا سَفِهت زيدًا بمعنى: سَفّهت. وقال أبو عبيدة: معناه أهلك نفسه، وأوبق نفسه، قال ابن زيد: إلا من أخطأ خطيئة، فهذا كله وجه واحد في التأويل، وقال آخرون: هو على التفسير. كقوله تعالى (فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا).","vol":"1","page":50},{"text":"وهو قول الفراء قال: العرب توقع سَفِهَ على نفسه وهي معرفة وكذا (بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا)، وأنكر هذا الزجاج، وقال: معنى التمييز لا يحتمل التعريف؛ لأنَّ التمييز إنما هو واحد يدلُّ على جنسه فإذا عرَّفته صار مقصودًا، وقيل: هو تمييز على تقدير الانفصال كما تقول: مررت برجلٍ مثله. أي: مثلٍ له، وقيل: هو على حذف حرف الجر كما قال تعالى (وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ)، أي: على عقدة النكاح قال الشاعر:\nنُغالي اللَّحْمَ للأَضْيافِ نِيًّا ... ونبذلُه إِذا نَضِجَ القُدورُ\nكأنّ قال: نغالي باللحم، قال الزجاج: وهذا مذهبٌ صحيح، والاختيار عنده أنّ يكون سفِه في معنى جهل، وهو موافق لما قال ابن السراج في (بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا)؛ لأنَّ البَطِر مستقل للنعمة غيرُ راضٍ بها.\nويقال: لما قال (وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ). فخصّ الآخرة بالذكر، وهو في الدنيا كذلك؟\nوالجواب: أنّ الحسن قال: المعنى أنّه من الذين يستوجبون على الله الكرامة وحسن الثواب، فلما كان خلوص الثواب في الآخرة دون الدنيا وصفه بما ينبئ عن ذلك.\nفي هذه الآية دلالة على أنّ ملة نبينا ﷺ هي ملة إبراهيم ﵇ مع زياداتٍ في ملّة نبينا. فبين أنّ الذين يرغبون من الكفار عن هذه الملة وهي تلك الملّة قد سَفِهوا أنفسَهم. وهذا قول قتادة والربيع.","vol":"1","page":51},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>قوله تعالى: (وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ)</span>\nوَصَّى وأوصى وأمر وعهد بمعنى.\nومما يُسأل عنه أن يقال: علامَ تعود الهاء من (بها)؟\nوالجواب فيه قولان:\nأحدهما: أنّها تعود على الملة وقد تقدم ذكرها، وهو قول الزجاج.\nوالثاني: أنّها تعود على الكلمة التي هي (أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) قاله بعض أهل اللغة.\nوسأل بما ارتفع (يَعقُوبُ)؟\nوالجواب أنّ فيه قولين:\nأحدهما: أنّه معطوف على إبراهيم، والتقدير: ووصى بها يعقوب، وهذا معنى قول ابن عباس وقتادة والثاني: أنّه على الاستئناف. أي: ووصى يعقوب أنّ يا بني.\nوالفرق بين التقديرين: أنّ الأوّل لا أضمار فيه؛ لأنّه معطوف، والثاني فيه إضمار.\n* * *\nفصل:\nويُسأَل عن قوله (فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) كيف نهاهم عن الموت، وليس الموتُ إليهم، فيصحُّ أنّ ينهاهم عنه؟\nوالجواب: أنّ أبا بكر السَّراج قال: لم ينهوا عن الموت وإن كان اللفظ على ذلك، وإنما نُهوا في الحقيقة عن ترك الإسلام لئلا يصادفهم الموتُ عليه، فإنّه لابد منه، والتقدير: أثبتوا على الإسلام لئلا يصادفكم الموت وأنتم على غيره، ومثله من الكلام: لا أرينك هاهنا. فالنهي في اللفظ للمتكلم وهو","vol":"1","page":52},{"text":"في المعنى للمخاطب كأنّه قال: لا تتعرّض للكون هاهنا. فإن من كان هاهنا، أراه.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>قوله تعالى: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ)</span>\nالقصاص: القود، والحياة: نقض الموت، والألباب: العقول واحدها لبٌّ.\nوهذا من الكلام الموجز، ونظيره من كلام العرب (القتل أنفى للقتل) إلا أنّ ما في القرآن أوجه وأفصح وأكثر معاني، والفرق بينهما في البلاغة من أربعة أوجه وهي أنّه:\nأكثر في الفائدة، وأوجز في العبارة، وأبعد من الكلفة بتكرير الجملة، وأحسن تأليفا بالحروف المتلائمة.\nأمّا الكثرة في الفائدة: ففيه كلُّ ما في (القتل أنفى للقتل) وزيادة معاني حسنة منها: إبانة العدل لذكره القِصاص؛ لأنَّه ليس في قولهم (القتل أنفى للقتل) بيان أنّه قصاص. ومنها: إبانة الغرض المرغوب فيه وهو الحياة. ومنها: الاستدعاء بالرغبة والرهبة وحكم الله به.\nوأما الإيجاز في العبارة: فإن الذي هو نظير (القتل أنفى للقتل) قوله تعالى (القِصَاصِ حَيَاةٌ)، وهذا عشرة أحرف، والأول أربعة عشر حرفا.\nوأما بعدهُ من الكلفة بالتكرير الذي فيه على النفس مشقة، فإنّ قولهم (القتلُ أنفى للقتل) فيه تكرير غيره أبلغ منه، ومتى كان التكرير كذلك، فهو مقصّر في باب البلاغة.\nوأمَّا الحسن بتأليف الحروف المتلائمة: فإنه يدرك بالحسّ، ويوجد في اللفظ؛ لأنّ الخروج من الفاء إلى اللام أعدل من الخروج من اللام إلى الهمزة؛ لبُعد الهمزة من اللام، وكذا الخروج من الصاد إلى الحاء أعدل من الخروج من الألف إلى اللام.","vol":"1","page":53},{"text":"فباجتماع هذه الأمور التي ذكرنا صار أبلغَ منه وأحسن. وإن كان الأوّل حسنًا بليغا، وقد أخذه الشاعر فقال:\nأَبْلِغْ أَبا مالكٍ عنِّي مُغَلْغَلةً، ... وَفِي العِتاب حَياةٌ بَيْنَ أَقوام\n* * *\nفصل:\nويُسأل عن معنى (لعل) هاهنا؟\nوالجواب أنّ فيها ثلاثة أقوال:\nأحدها: أنّ يكون بمعنى (اللام) كأنّه قال: لتتقوا.\nوالثاني: أنّ يكون للرجاء والطمع، كأنّه قال: على رجائكم وطمعكم في التقوى.\nوالثالث: على معنى التّعرُّض، كأنّه قال: على تعرضكم للتقوى.\nوقيل في (تتقون) قولان:\nأحدهما: لعلكم تتقون القتل؛ للخوف من القِصاص وهو قول ابن زيد.\nوالثاني: لعلكم تتقون ربكم باجتناب معاصيه.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>قوله تعالى: (أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ)</span>\nالأصل في أيّام: أيوام؛ لأنَّ الواحد يوم، ولكن الواو والياء إذا اجتمعتا وسبقت الأولى منهما","vol":"1","page":54},{"text":"بالسكون قلبت الواو ياء، وأدغمت في الياء التي بعدها.\nويُسأل عن قوله (أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ) ما هي؟\nوالجواب: أنّ عطاء وابن عباس قالا: ثلاثة أيام من كل شهر ثم نُسخ ذلك، وقال ابن أبي ليلى: المعنيُّ به شهر رمضان، وإنما كان صيام ثلاثة أيام من كل شهر تطوعا.\n* * *\nفصل:\nويُسأل عن الذين يطيقونه؟\nوفيه ثلاثة أجوبة:\nأحدها: أنّ المعنيُّ به سائر الناس، ومن شاء صام ومن شاء أفطر وافتدى لكل يوم بإطعام مسكين، ثم نُسخَ ذلك، وهو قول ابن عباس والشعبي.\nوالثاني: أنّه نزل فيمن كان يطيقه. ثم صار إلى حال العجز عنه، وهو قول السُّدِّيّ.\nويُسأل عن الهاء في (يطيقونه) علامَ يعود؟\nوفيه جوابان:\nأحدهما: أنّ يعود على الصيام.\nوالثاني: أنّ يعود على الفداء؛ لأنّه معلوم وإن لم يجر له ذكر.\nوعلى القول الأوّل أكثر العلماء.","vol":"1","page":55},{"text":"فصل:\nويُسأَل عن الناصب لقوله (أَيَّامًا)؟\nوالجواب: أنّه يجوز أنّ يكون ظرفا، والعامل فيه فعلٌ مضمر يدل عليه (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ) كأنّه قال: الصيام في أيام معدودات، ولا يجوز أنّ يعمل فيه (كُتِبَ عَلَيْكُمُ)؛ لأنَّ فيه التفرقة بين الصلة والموصول؛ لأنّ (كما كتب) في موضع المصدر، وكذلك لا يجوز أنْ يعمل فيه الصيام الذي في الآية لهذه العلة.\nويجوز أنّ يكون مفعولًا على السعة، كقولك: اليومَ صمته، وكأنه قال: صوموا أياما معدودات.\nوقال الفراء: هو مفعول لما لم يُسمّ فاعله، وخالفه الزجاج في ذلك، ومثْله الفراء بقولك: أعطي زيدٌ المالَ، قال الزجاج: لأنّه لا يجوز عنده رفع الأيام كما يجوز رفع المال، وإذا كان المفروض في الحقيقة هو الصيام دون الأيام، فلا يجوز ما قاله الفراء إلا على السعة.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>قوله تعالى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ)</span>\nالشهر معروف، وجمعه في القلة (أشهر) وفي الكثرة (شهور)، وأصله من الاشتهار.\nوأصل (رمضان) من الرَّمَض وهو شدة وقع الشمس على الرمل وغيره، كذلك قال ابن دريد، واشتقاق رمضان من هذا؛ لأنهم سَمُّوا الشهور بالأزمنة التي وقعت فيها، فوافق رمضان. أيامَ رمضِ\nالحرّ. وقالوا في جمعه (رمضانات)، وأنشد صاحب العين:\nإنْ شهرًا مباركًا قد أتانا ... مثلَ ما بعدَ قيلهِ رمضانُ","vol":"1","page":56},{"text":"وروي عن مجاهد أنّه قال: لا تقل (رمضان) ولكن قل كما قال الله تعالى (شَهْرُ رَمَضَانَ) فإئك لا تدري ما رمضان، حدثنا أبو الحسن الحوفي عن أبي بكر بن الأدفوني حدثنا أبو جعفر أحمد بن محمد النحاس قال قُرئ على أحمد بن محمد بن الحجاج عن يحيى بن سليمان قال حدثني عبيد الله بن موسى حدثنا عثمان بن الأسود عن مجاهد قال: لا تقل رمضان، ولكن قل كما قال الله تعالى (شَهْرُ رَمَضَانَ) فإنك لا تدري ما رمضان؟ قال يحيى بن سليمان وحدثنا يعلى بن عبيد حدثنا طلحة بن عمرو عن مجاهد وعطاء أنهما كانا يكرهان أنّ يقولا (رمضان) ويقولان نقول كما قال الله تعالى. (شَهْرُ رَمَضَانَ) لعل رمضان اسم من أسماء الله تعالى.\nوليس العمل على ما قالا؛ لأنّ الأخبار جاءت بخلاف ذلك.\nوقد روى مالك في الموطأ يرفعه أنّ النبي ﷺ قال: (من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه).\nوحدثنا أبو الحسن عن أبي بكر حدثنا أبو جعفر قال قُرئ على أحمد بن شعيب عن إسحاق بن إبراهيم أخبرنا يحيى بن سعيد قال حدثنا المهلب بن أبي حبيبة، قال أحمد وأخبرنا عبيد الله بن سعيد حدثنا يحيى عن المهلب بن أبي حبيبة، قال حدثني الحسن عن أبي بكرة عن النبي ﷺ قال: (لا يقولنَ أحدكم صمتُ رمضانَ ولا قمته كلّه) فلا أدري أكره التركيبة أم قال: لابد من غفلةٍ ورقدة، واللفظ لعبيد الله.\nوحدثنا أبو الحسن عن أبي بكر عن أبي جعفر أخبرنا عمرانُ بن خالد أخبرنا شعيب أخبرنا ابن جريج قال أخبرني عطاء قال سمعت ابن عباس ﵁ يقول، قال رسول الله ﷺ لامرأة من الأنصار (إذا كان رمضان فاعتمري فيه، فإنّ عمرةً فيه تعدل حجة).","vol":"1","page":57},{"text":"فصل:\nومما يسأل عنه أن يقال: ما معنى (أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ)؟\nوالجواب أنّ فيه قولين:\nأحدهما: أنّه أنزل كلُّه في ليلة القدر إلى بيت العزة في السماء الدنيا، ثم أُنزل على النبي - ﷺ - بعد ذلك نجوما، وهو قول ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن.\nوالثاني: أنّ معناه أنزل في فضله قرآن، كما نقول: أُنزل في عائشة قرآن.\nوقد قيل إن المعنى: ابتُدئ إنزاله في ليلة القدر من شهر رمضان.\n* * *\nفصل:\nومما يُسأل عنه أنّ يُقال: ما معنى (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ)؟\nوفيه جوابان:\nأحدهما: أنّ المعنى فمن شَهِدَ مِنْكُمُ الْمِصْرَ، وحضر ولم يغب؛ لأنَّه يقال: شاهدٌ بمعنى حاضر.\nوالجواب الثاني: أنّ يكون التقدير: فمن شَهِد منكم الشهر مقيمًا.\n* * *\nفصل:\nومما يسأل عنه أن يقال: بمَ ارتفع (شَهرُ رمَضَانَ)؟\nوالجواب أنّه يرتفع من ثلاثة أوجه:\nأحدها: أنّ يكون خبر مبتدأ محذوف يدل عليه قوله (أيامًا) كأنّه قال: هي شهر رمضان.\nوالثاني: أنّ يكون بدلًا من الصيام؛ كأنّه قال: كتب عليكم شهر رمضان.\nوالثالث: يرتفع بالابتداء، ويكون الخبر (الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ).","vol":"1","page":58},{"text":"وإن شئت جعلت (الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ) وصفًا، وأضمرت الخبر حتى كأنَّه قال: وفيما كتب عليكم شهرُ رمضان. أي: صيام شهر رمضان.\n* * *\nفصل:\nومما يسأل عنه أن يقال: لِمَ لم يُكنّ عن (الشهر)؛ لأنّه قد جرى ذكره، كقولك: شهر رمضان المبارك من شهده فليصُمه؟\nْقيل: هذا كقوله (الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢» و(الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ (٢»، وما أشبه ذلك مما أعيد بلفظ التعظيم والتفخيم.\nوأما دخول الفاء في قوله (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ)، فإن شئت جعلتها زائدة كما قال الشاعر:\nلَا تَجْزَعِي إِن مُنْفِسًا أَهْلَكْتُه ... وإِذا هَلكتُ فعِنْدَ ذَلِكَ فاجْزَعِي\nلابدّ أنّ تكون إحدى الفائين هاهنا زائدة؛ لأنّ (إذا) إنما يقتضي جوابًا واحدًا وإن شئت أنّ تقول دخلت الفاء؛ لأنّ فيه معنى الجزاء؛ لأنّ شهر رمضان وإن كان معرفةً فليس بمعرفة معينة، ألا ترى أنّه شائع في جميع هذا القبيل لا يُراد به واحد بعينه.\nويجوز فيه النصب من وجهين:\nأحدهما: على الأمر، كأنّه قال: صوموا شهر رمضان.","vol":"1","page":59},{"text":"والثاني: أنّ يكون على البدل من (أيّام).\nوقد قرأ بذلك مجاهد. و(هُدًى لِلنَّاسِ) في موضع نصب على الحال.\n* * *\nفصل:\nومما يسأل عنه أن يقال: كيف جاز أنّ يُعطف الظرف على الاسم في قوله (وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ)؟\nفالجواب: أنّه بمعنى الاسم، كأنّه قال: أو مسافرًا، ومثله (دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا) أي: دعانا مضطجعا.\nويُسْأَل عن اللام في قوله: (وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ) علامَ عُطِفت؟\nوفيه جوابان:\nأحدهما: أنها معطوفة على الجملة؛ لأنَّ المعنى شرع لكم ذلك، فأريد منكم ولتكملوا العدهّ، ومثله: (وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ) أي: وليكون من الموقنين أريناه ذلك.\nوالوجه الثاني: أنّ يكون على تأويل محذوف دلّ عليه ما تقدم؛ كأنّه قال: يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر، قال: فعل الله ذلك ليُسهِّلَ عليكم، ولتكملوا العدة، قال الشاعر:\nبادَت وغيَّر آيهُنّ مع البلى ... إلا رواكدَ جمرُهنّ هَبَاءُ\nومُشَجَّجٌ أَمَّا سَواءُ قَذالِهَ ... فَبَدا وغَيَّر سارَهُ المَعْزاءُ\nفعطف على تأويل الكلام الأوّل كأنَّه قال: بها رواكد ومُشَجَّجٍ، وهذا قول الزجاج","vol":"1","page":60},{"text":"والأول قول الفراء.\nورفع قوله (فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) بالابتداء، والخبر محذوف، كأنّه قال: فعله عدة من أيامٍ أخر، ويجوز النصبُ في العربية على تقدير: فليَعُدَّ عِدَّةَ أَيَّامٍ أُخَرَ لا مما أفطر.\nولم ينصرف (أخَر) لأنّها صفه معدولة عما يجب في نظائرها من الألف واللام، ونظائرها نحو: الصُّغَر والكُبَر، فأما من قال: لم ينصرف لأنها صفة، فيلزمه أنّ لا يصرف (لُبَدًا) و(حُطمًا)، ومن قال: لم ينصرف لأنّ الواحد غير مصروف، يلزمه أنّ لا يصرف (غِضابًا) و(عِطاشًا)؛ لأنّ الواحد غير مصروف.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-22>قوله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ)</span>\nيسألون: من السؤال، والصدُّ: المنع.\nوهذه الآية نزلت في سرية للنبي ﷺ التقت مع عمرو بن الحضرمي في آخر يوم من جمادى الآخرة فخافوا أنّ يخلُّوهم ذلك اليوم فيدخل الشهر الحرام، فلقوهم وقُتل عمرو بن الحضرمي، فقال المشركون: محمد يُحلُّ القتال في الشهر الحرام. وجاءوا فسألوا النبي ﷺ عن ذلك. فأنزل الله هذه الآية، وهذا قول الحسن.\nوقال غيره: السائلون المسلمون.\nواختلف في أمر القتال في الشهر الحرام: فذهب الجمهور من العلماء إلى أنّه منسوخ.","vol":"1","page":61},{"text":"وذهب عطاء إلى أنّه على التحريم، والوجه الأوّل أظهر، لقوله تعالى (اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ).\n* * *\nفصل:\nويُسأل عن جرّ (قِتَالٍ)؟\nوالجواب: أنّه بدل من الشهر، وهو بدل الاشتمال، ومثله قوله تعالى: (قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (٤) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (٥»، وقال الأعشى:\nلقد كَان في حَولٍ ثَواءٍ ثَوَيتُه ... تُقَضّي لُبانات ويَسأم سائمُ\nوقال الكوفيون: هو جرٌّ على إضمار (عن). وقال بعضهم: هو على التكرير، وهذه ألفاظٌ متقاربة في المعنى، وإن اختلفت العبارة.\n* * *\nفصل:\nويُسأل عن جرّ (الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ)؟\nوفيه جوابان:\nأحدهما: أنّ يكون معطوفا على (سبيل الله) كأنّه قال: وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وعن المسجد الحرام، وهو قول أبي العباس.","vol":"1","page":62},{"text":"والثاني: أنّه معطوف على (الشَّهْرِ الْحَرَامِ) كأنّه قال: يسألونك عن القتال في الشهر الحرام والمسجد الحرام، وهذا قول الحسن والفراء.\nوأنكر بعضهم هذا لأنّه فيما زعم لم يسألوا عن المسجد؛ لأنَّهم لا يشكون فيه، وليس كما ذهب إليه من قِبَل أنّ القوم لمَّا استعظموا القتال في الشهر الحرام. وكان القتال عند المسجد الحرام يجري مجراه في الاستعظام، جمع بينهما في السؤال، وإن كان القتال إنما وقع في الشهر الحرام خاصةً، كأنهم قالوا: هل استحللت الشهر الحرام والمسجد الحرام، ولا يجوز حمله على (الباء) في قوله (وكفرٌ به)؛ لأنّه لا يُعطف على المضمر المجرور إلا بإعادة الجار إلا في ضرورة شعر، وسأشرحه في سورة النساء.\n* * *\nفصل:\nومما يسأل عنه قوله: (وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ)؟\nوالجواب: أنَّ الفتنة في الدين وهي الكفر أعظم من القتل في الشهر الحرام.\nويُسْأَل بما ارتفع (وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ)؟\nوالجواب: أنّه مرفوع بالابتداء، وما بعده معطوف عليه، وخبره (أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ)، وهذا قول الزجاج، وأجاز الفراء رفعه من وجهين فقال: إن شئت جعلته مردودًا على (كَبِيرٌ) يعني: قل قتال فيه كبيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ. وإن شئت جعلت الصدَّ كبيرًا، يريد القتال فيه كبير وكبيرٌ الصدُّ عن سبيل الله وَكُفْرٌ بِهِ.\nوخطّأه علماؤنا في ذلك، قالوا لأنّه يصير المعنى في التقدير الأوّل: قل القتال في الشهر الحرام كفر بالله، وهذا خطأ بإجماع، ويصير التقدير في الثاني: وإخراج أهله منه أكبر عند الله من الكفر وهذا","vol":"1","page":63},{"text":"خطأ بإجماع.\nوللفراء أنّ يقول في هذا المعنى: وإخراج أهله منه أكبر من القتل فيه لا من الكفر به؛ لأنّ المعنى في إخراج أهله منه: إخراج النبي صلى الله عليه رسلم والمؤمنين معه. فأما الوجه الأوّل فليس له منه تخلصُّ.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>قوله تعالى: (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ)</span>\nالوليُّ: النصير والمعين، وجمعه أولياء، وأصله من الوَلي وهو القرب، قال علقمة:\nتكلفُني ليلى وقد شَطّ وَليُّهَا ... وعادت عَوادٍ بيننا وخُطُوبُ\nواختُلف في (الطاغوت): فقال قوم هو كاهن، وقال آخرون هو صنم. وقال آخرون هو الشيطان، وقيل: هو كل ما عُبِدَ من دون الله، وأصله من الطغيان يقال طغى يطغى، وطغا يطغو، وهو (فلعوت)؛ لأنَّه مقلوب، وأصله: طغيوت أو طغووت، على إحدى اللغتين، ثم قُدِّمت اللام وأُخرت العين، فصار طيغوتًا أو طوغوتا، فقلب لتحرك حرف العلّة وانفتاح ما قبله، والطاغوت يقع على الواحد والجمع بلفظه، ويُذكّر ويؤنّث، قال الله تعالي: (اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا)، وقال في هذه الآية (أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ)، وقد قيل: هو واحد وضع موضع الجمع في هذا الموضع، كما قال العباس بن مرداس:\nفقُلنا أسلموا إنّا أخوكم ... فقد برئَتْ منَ الإحَنِ الصُّدرُ\nوجمع (طاغوت): طواغيت وطواغِت وطواغٍ على حذف الزيادة وطواغي على العوضِ من الحذف.","vol":"1","page":64},{"text":"فصل:\nويُسأَل عن معنى قوله (يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ)؟\nوالجواب: أنَّ الظلمات هاهنا الكفر، والنور الإيمان. وقال قتادة: من ظلمات الضلالة إلى نور الهدى.\nويُسأَل عن قوله (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ)، فيقال: كيف يخرجونهم من النور وهم لم يدخلوا فيه؟\nوفي هذا أربعة أجوبة:\nأحدها: أنّه كقول القائل: أخرجني أبي من ميراثه، وهو لم يدخُل فيه، وإنما ذلك لأنّه لو لم يعمل ما عَمِل لدخل فيه فصار لذلك بمنزلة الداخل فيه الذي أُخرج عنه، قال الشاعر:\nفإن تكنِ الأيامُ أحسَن مرةً ... إليَّ فقد عَادَت لهنّ ذبوبُ\nولم يكن لها ذبوب قبل ذلك.\nوالجواب الثاني: يروى عن مجاهد قال: نزلت في قومٍ ارتدوا عن الإسلام، فكأنّهم خرجوا من نور الإسلام بعد ما دخلوا فيه.\nوالجواب الثالث: أنَّها نزلت في المنافقين، كأنّهم كانوا في نور بما أظهروه من الإسلام وخرجوا منه بما أبطنوه من الكفر.\nوالجواب الرابع: أنّهم كانوا في نورٍ وُلدوا فيه. فلما كبروا وكفروا خرجوا منه، ويدُلُّ على صحة هذا القول قول النبي ﷺ (كل مولود يولد على الفطرة، حتى يكون أبواه هما اللذان يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجسانه).","vol":"1","page":65},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-24>قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي)</span>\nالاطمننان: السكون والتَّوطؤ، والجزء: النصيب. والصورُ: الإمالة، والصورُ أيضا القطع.\nومما يسأل عنه أن يقال: ما سبب سؤاله أنّ يُريَه كيفَ الإحياء؟\nوفي هذا جوابان:\nأحدهما: أنّه رأى جيفةً يمزقها السباع. فأراد أنّ يعرف كيف الإحياء. وهذا قول الحسن وقتادة والضحاك.\nوالجواب الثاني: أنّ نمرود لما نازعه في الإحياء، أراد أنّ يعرِف ذلك علم بيان بعد علم الاستدلال، وهذا قول أبي إسحاق.\nوزعم قوم أنّه شكٌّ، وهذا غلط ممن قاله؛ لأنّ الشك في قدرة الله تعالى على إحياء الموتى كفر لا يجوز على أحدٍ من الأنبياء ﵈.\n* * *\nفصل:\nويُسْأَل عن قوله (لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي)؟\nوالجواب: أنّه أراد ليزَداد قلبي يقينا إلى يقينه، وهذا قول الحسن وسعيد بن جبير والربيع ومجاهد.\nولا يجوز أنّ يريد: ليطمئن قلبي بالعلم بعد الشك لما قدمناه.","vol":"1","page":66},{"text":"ويقال: ما كانت الطير؟\nوالجواب: أنّ مجاهدًا وابن جريج وابن زيد وابن إسحاق قالوا: الديك والطاووس والغراب والحمام. أمر أنّ يقطّعها ويخلط ريشها بدمها، ثم يُفرقها على كلّ جبلٍ جزءا جزءا.\nوقرأ حمزة (فَصِرْهُنَّ إِلَيْكَ)، وقرأ الباقون (فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ) بالضم.\nوقد قلنا إن معنى (صُرْ) اقطع، وهو قول ابن عبّاسٍ وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد، وقال توبةُ ابن الحميّر:\nفَأدنَت لي الأسبابَ حتى بلغتُها ... بنهضي وقَد كادَ ارتقائي يصورُها.\nأي: يقطعها.\nوقال عطاء وابن زيد المعنى: اضممهن إليك، وهذا من صاره يصُورُه إذا أماله، قال الشاعر:\nووجاءَتْ خُلْعَةٌ دُهْسٌ صَفايا ... يَصُورُ عُنُوقَها أَحْوَى زَنِيمُ\nيصف غنمًا وتيسًا يعطف عنوقها.\nفأما من قرأ بالكسر. فيحتمل الوجهين المتقدمين، قال بعض بني سُليم:\nوفرعٌ يصيرُ الجيدَ وحفٍ كأنّه ... على الليثِ قِنوانُ الكُرُوم الدَوَلحِ\nيريد: يميلُ الجيدَ.","vol":"1","page":67},{"text":"فصل:\nقوله تعالى: (إِذْ قَالَ)، موضع (إذ) نصبَ من وجهين:\nأحدهما: أنّ يكون على إضمار (اذكر) كأنّه قال: اذكر إذ قال إبراهيم، وهذا قول الزجاج.\nوالثاني: أنّ يكون معطوفا على قوله (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ)، كأنّه قال: ألم تر إذ قال إبراهيم. وإذا كان معنى فصُرهن إليك: قطعهن، فـ (إليك) من صلة (خذ). كأنّه قال: خذ إليك أربعةً من الطير فصُرهن.\nوإذا كان معناها: أملهنّ واعطفهُن، فـ (إليك) متعلقة يه.\nوهذه الألف التي في قوله (أولم تُؤمن) ألف تحقيق وإيجابٍ، كما قال جرير:\nألستُم خيرَ مَن ركبَ المطايَا ... وأندَى العَالمينَ بُطونَ راحِ\nوالطير: جمع طائر. مثل راكب وركب وصاحب وصحب، والطير مؤنثة.\nونصب (سعيا) على الحال، والعامل فيها (يَأْتِينَكَ).\nوقوله (أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) في موضع نصب بـ (اعْلَمْ).\n* * *","vol":"1","page":68},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-25>مِنْ سُورَةِ (آل عمران)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>قوله تعالى: (نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ)</span>\nقيل في قوله (مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ) يعني من كتابٍ ورسولٍ، وهو قول مجاهد وقتادة والربيع وسائر أهل العلم.\nفإن قيل: لِمَ قال (بَيْنَ يَدَيْهِ)؟\nقيل: لأنّه ظاهر له كظهور ما بين يديه.\nوقيل في معنى (مُصَدِّقًا) قولان:\nأحدهما: أنّه مُصَدِّقٌ لما بين يديه لموافقته إياه في الخبر.\nوالثاني: أنّه مُصَدِّقٌ، أي: يُخبر بصدق الأنبياء.\nوفي قوله (نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ) قولان:\nأحدهما: بالصدق في إخباره.\nوالثاني: بالحق أي، بما توجبه الحكمة من الإنزال، كما توجبه الحكمة من الإرسال وهو حقٌّ من الوجهين.\n* * *\nفصل:\nويُسأل ما وزن التوراة؟\nوالجواب: أنّ فيها ثلاثة أقوال:","vol":"1","page":69},{"text":"أحدها: أنها (تَفعَلة) وأصلها (تورية) تحركت الياء، وانفتح ما قبلها، فانقلبت ألفا، و(تَفعَلة) في الكلام قيل جدًا، قالوا: تتفَلة في تتفُلة.\nوالقول الثاني: أنها (تفعلِة) والأصل (تورِية) مثل: توقية وتوفية، فانقلبت إلى (تَفعَلة) وقلبت ياؤها.\nهذان القولان رديئان: وهما للكوفيين.\nوأما البصريون فالتوراة عندهم (فوعَلة) وأصلها (وَورَية) مثل: حوقلة ودوخلة، فأبدلوا من الواو الأولى تاء كما فعلوا في (تولج) والأصل: وولج، لأنّه من الولوج، وقلبوا الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها.\nوهذا القول المختار؛ لأنّ (توقيةً) لا يجوز فيها (توقاة) و(تفعَلة) قيل في الكلام، واشتقاق (تورية) من قولهم: وريت بك زنادي، كأنّها ضياء في الدين، كما أنّ ما يخرج من الزناد ضياء.\nوأما (إنجيل) فهو (إفعيل) من النجل.\nواختلف في معناه:\nفقال علي بن عيسى: النجل الأصل، لأنّ الإنجيل أصلٌ من أصول العلم.\nقال غيره: النجل الفرع، ومنه قيل للولد نجل، فكأنّ الإنجيل فرع على التوراة، يستخرج منها.\nوعندي: أنّه من النَّجَل وهو السَّعَة، يقال: عينٌ نجلاء، أي: واسعة. وطعنةٌ نجلاء، ومنه قول الشاعر:\nوأطْعَنُ الطَّعْنَة النَّجْلاءَ عَنْ عُرُضٍ ... وأكتم السِّرّ فيه ضربةُ العُنُق\nفكأنه قد وسّع عليهم في الإنجيل ما ضيق فيه على أهل التوراة، وكلٌّ محتمل.","vol":"1","page":70},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-27>قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ)</span>\nالحكم: مأخوذ من قولك: أحكمت الشيء إذا ثقفتَهُ وأتقنته.\nوأم الكتاب: أصل الكتاب.\nوالمتشابه: الذي يشبه بعضُه بعضًا فيغمض.\nوالزيغ: الميل، والابتغاء: التطلب.\nوالفتنة: أصلها الاختبار، ومن قولهم: فتنت الذهب بالنار أي اختبرته وقيل معناه: خلصته.\nوالتأويل: المرجع، يقال آل الأمر إلى كذا أي: رجع، وأكثر العلماء يعبر عنه بالتفسير، والأوّل الأصل، قال الأعشى:\nعَلَى أَنها كَانَتْ تَأَوُّلُ حُبِّها ... تَأَوُّلُ رِبْعِيِّ السِّقاب فأَصْحَبا\nأي كان حبها صغير فآل إلى العِظم كما آل السُقبُ وهو الصغير من أولاد النوق إلى الكبر.\nوالراسخون: الثابتون، والإيمان: التصديق.\n* * *\nفصل:\nومما يسأل عنه أن يقال: ما المحكم، وما المتشابه هاهنا؟\nوالجواب فيه خلاف:\nقيل المحكم الناسخ والمتشابه المنسوخ. وهذا قول ابن عباس وقتادة.","vol":"1","page":71},{"text":"وقال مجاهد: المحكم ما لم تشتبه معانيه، والمتشابه ما اشتبهت معانيه، نحو (وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ) (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى).\nوقال محمد بن جعفر بن الزبير: الحكم ما لا يحتمل من التأويل إلا وجهًا واحدا، والمتشابه ما يحتمل أوجهًا.\nوقال ابن زيد: المحكم الذي لم يتكرّر لفظه، والمتشابه ما تكرر لفظه.\nقال جابر بن عبد الله: المحكم ما يعلم تعيين تأويله، والمتشابه ما لا يُعلم تعيين تأويله نحو (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا).\nفهذه خمسة أقوال للعلماء.\nويقال: ما معنى (فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ)؟\nوالجواب: أنّهم يحتجون به على باطلهم.\nفإن قيل: ففيمن نزلت؟\nوالجواب: نزلت في وفد نجران لمَّا حاجوا النبي ﷺ في عيسى بن مريم ﵇، فقالوا: أليس هو كلمةَ الله وروحًا منه؟ - فقال: بلى، فقالوا: حسبنا. فأنزل الله تعالى (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ) ثم أنزل (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ).\nوقيل: بل كلٌّ من احتجّ بالمتشابه لباطله، فالآية فيه عامة، كالحرورية والسبابية، وهو قول قتادة.\nومما يسأل عنه الملحدون هذه الآية، وذلك أنّهم يقولون: لِمَ أُنزل في القرآن المتشابه، والغرض به هداية الخلق؟\nوالجواب: أنّه أُنزل للاستدعاء إلى النظر الذي يوجب العلم دون الإنكار على الخبر من غير نظرٍ، وذلك أنّه لو لم يعلم بالنظر أنَّ جميع ما أتى به النبي ﵇ حق، لجوّز أنّ يكون الخبر كذبًا.","vol":"1","page":72},{"text":"وبطل دلالة السمع.\n* * *\nفصل:\nومما يسأل عنه أن يقال: ففي أي شيء يقع المتشابه؟\nقيل: في أمور الدين كالتوحيد، ونفي التشبيه، ألا ترى أنّ قوله تعالى: (ثُم استَوى عَلى العرش)، يحتمل في اللغة أنّ يكون كاستواء الجالس على سريره، ويحتمل أنّ يكون بمعنى القهر والاستيلاء، كما قال الشاعر:\nقَدِ اسْتَوى بِشْرٌ عَلَى العِرَاق، ... مِنْ غَيرِ سَيْفٍ ودَمٍ مُهْراقٍ\nواستواء الجالس لا يجوز على الله ﷿.\nونحو قوله تعالى (يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ)، يحتمل في اللغة أنّ يكون ساق الإنسان، وساق الشجرة، والشدّة من قولهم: قامت الحربُ على ساق، والوجهان الأولان لا يجوزان على الله، وأشباه لذلك.\nومما يُسأل عنه أنّ يُقال: لم أفرد (أم الكتاب)؟\nوفي هذا جوابان:\nأحدهما: أنّه أراد: هُنّ أم الكتاب، كما يقال: مَن نظير زيد؛ فيقول مجيبا: نحن نظيره.\nوالثاني:، أنّه استغنى فيه بالإفراد عن الجمع، كما قال: (وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً)، ولم يقل آيتين.","vol":"1","page":73},{"text":"وسأل: هل يعرف الراسخون في العلم تأويل المتشابه؟\nوفي هذا جوابان:\nأحدهما: أنَّ تأويل المتشابه لا يعلمه إلا الله تعالى، والوقف على هذا عند قوله تعالى: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ) ثم يبتدأ (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ)، فعلى هذا ليس للراسخين من المزية إلا قولهم (آمَنَّا بِهِ)، وذلك نحو قيام الساعة وما بيننا وبينها من المدة وهذا قول عائشة والحسن ومالك ﵃، ومن حجتهم: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ).\nوالجواب الثاني: أنّ الله تعالى يعلمه والراسخون يعلمونه قائلين: آمَنَّا بِهِ، وهذا قول ابن عباس ومجاهد والربيع.\nوقرأ ابن عباس فيما حدثني أبو محمد مكي بن أبي طالب المقرئ: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ [ويقُولُ] وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ)، وهذه القراءة بعيدة من وجهين:\nأحدهما: مخالفة المصحف.\nوالثاني: تكرار اللفظ؛ لأنَّ اللفظ الثاني يغني عن الأول.\nوموضع (يقولون آمَنَّا بِهِ) على هذا القول نصب على الحال، ومثله قول الشاعر:\nالريحُ تبكي شَجهُو ... والبَرقُ يلمُع غمامهْ\nوعلى الوجه الأول يكون موضع (يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ) رفعا لأنّه خبر المبتدأ.\nوقوله (مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ) في موضع نصب على الحال من الكتاب، أي: أنزله وهذه حاله.","vol":"1","page":74},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-28>قوله تعالى: (تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ)</span>\nالإيلاج: الإدخال. والولوج: الدخول.\nومما يُسأل عنه هاهنا أنّ يُقال: ما معنى (تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ)؟\nفالجواب: أنّ المعنى: يجعل ما نقص من أحدهما زيادة في الآخر، وهذا قول ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة والسدي والضحاك وابن زيد.\nوقيل معناه: يُدخل أحدهما في الآخر لمجيئه بدلا منه في مكانه. وإلى هذا ذهب الجبائي من المعتزلة.\n* * *\nفصل:\nويُسأل عن قوله (تُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ)؟\nوفيه جوابان:\nأحدهما: يخرج الحيّ من النطفةِ وهي ميتةٌ، والنطفةُ من الحي. وكذلك الدجاجة من البيضة، والبيضة من الدجاجة. وهذا قول عبد الله ومجاهد وابن الضحاك والسُّدِّي وقتادة.\nوالجواب الثاني: يخرج المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن، وهو قول الحسن.","vol":"1","page":75},{"text":"واختلف في الْمَيْتَ والْمَيِّتَ: فقيل الْمَيْتَ بالتخفيف الذي قد مات. والْمَيِّتَ بالتشديد الذي لم يمت، وقال أبو العباس: لا فرق بينهما عند البصريين، وأنشد:\nلَيْسَ مَن مَاتَ فاسْتراحَ بمَيْتٍ ... إِنما المَيْتُ مَيِّتُ الأَحْياءِ\nإِنما المَيْتُ مَن يَعِيشُ دليلًا ... كاسِفًا بالُه قليلَ الرَّجاءِ\nفجمع بين اللغتين.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>قوله تعالى: (ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ)</span>\nيُسأل عن معنى قوله تعالى (بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ)؟.\nوفيه جوابان:\nأحدهما: أنّهم في التناصر للدين بعضهم من بعض، أي في الاجتماع، كما قال تعالى: (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ)، أي في الاجتماع على الضلالة، والمؤمنون بعضهم من بعض، أي: بعضهم أولياء بعض في الاجتماع على الهدى، وهذا قول الحسن وقتادة.\nوالجواب الثاني: أنّ المعنى بعضها من بعض في التناسل، أي جميعهم زرية آدم، ثم ذرية نوح، ثم ذرية إبراهيم ﵈.\n* * *\nفصل:\nويُسأل ما وزن (ذُرِّيَّةً)؟","vol":"1","page":76},{"text":"وفيه ثلاثة أجوبة:\nأحدها: أنّ وزنها (فُعليَّة) من الذرّ، مثل: قُمرية.\nوالثاني: أنّ وزنها (فُعُّولة)، والأصل فيها: ذُرُّورة. إلا أنّه كره التضعيف، فقلبت الراء الأخيرة ياء، فصارت ذُرُّويِة، ثم قلبت الواو ياء. لاجتماع الواو والياء، وسبق الأولى منهما بالسكون، وكُسِر ما قبل الياء الساكنة؛ ليصح فقيل: ذُرِّيَّةً.\nْوالثالث: أنّ أصلها: ذُرُّؤة من ذرأ الله الخلق. فاستثقلت الهمزة. فأبدلت ياء. وفعل بها ما فعل بالوجه الذي ذكرناه آنفًا، واجتمع على تخفيفها كما اجتمع على تخفيف (بريَّة).\nويُسأَل عن نصب (ذُرِّيَّةً)؟\nوفي النصب جوابان:\nأحدهما: أنّ يكون بدلًا من آدم وما بعده، وإن كان آدم غير ذرية لأحد. وذلك إذا أخذتها من: ذرأ الله الخلق\nوالثاني: أنّ يكون نصبا على الحال ويجوز رفعها على إضمار مبتدأ محذوف، كأنّه قال: تلك ذرية.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-30>قوله تعالى: (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ)</span>\nالمكر: أصله الالتفاف، ومنه قولهم لضرب من الشجر: مكر، لالتفافه. وامرأة ممكورة: ملتفة.\nومما يسأل عنه أن يقال ما معنى: (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ)؟\nوفي هذا جوابان:\nأحدهما: مكروا بالمسيح بالحيلة عليه لقتله، ومكر الله بردهم بالخيبة؛ لإلقائه شبه المسيح على غيره.\nهذا قول السُّدِّي.","vol":"1","page":77},{"text":"والجواب الثاني: أنّ المعنى: ومكروا بإضمار الكفر. ومكر الله بمجازاتهم بالعقوبة على المكر.\nفإن قيل: المكر لا يحسن من الحكيم.\nقبل: إنما جاز هذا على مزاوجة الكلام، نحو قوله (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ). فهذا أحد وجوه البلاغة، وهي على أربعة أضرب:\nإِحدها: المزاوجة نحو: (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ).\nوالمجانسة: نحو قوله: (يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ).\nوالمطابقة: نحو: (مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا) بالنصب على مطابقة السؤال.\nوالمقابلة: نحو قوله: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (٢٤) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ (٢٥».\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-31>قوله تعالي: (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ)</span>\nالتوفي: القبض، يقال: توفيت حقي واستوفيت بمعنى واحد.\nومما يُسأل عنه هاهنا أن يقال ما معنى (مُتَوَفِّيكَ) هاهنا؟.\nوفيه أجوبة:","vol":"1","page":78},{"text":"أحدها: أنّ المعنى قابضك برفعك من الأرض إلى السماء من غير وفاة موت. وهذا قول الحسن وابن جريج وابن زيد.\nوالجواب الثاني: إني متوفيك وفاة النوم لأرفعك إلى السماء، وهو قول الربيع، قال رفعه نائمًا.\nوالجواب الثالث: إني متوفيك وفاة موت، وهو قول ابن عباس.\nووهب بن منبه. قال أماته ثلاث ساعات.\nفأما النحويون فيقولون: هو على التقديم والتأخير، أي: إني رافعك ومتوفيك. لأنّ الواو لا يقتضي الترتيب، بدلالة قوله تعالى: (فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ) والنذر قبل العذاب، بدلالة قوله تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا).\nوموضع (إذ) نصب على أحد وجهين:\nإما على قوله: ومكروا ومكر الله إذ قال الله\nوإما على إضمار (اذكر).\nويجوز أنّ يكون موضعها رفعًا على تقدير: ذلك إذ قال الله، وتمثيله: ذلك واقع إذ قال الله، ثم حذفت (واقعًا) وهو العامل في \" إذ \" وأقمت \" إذ \" مقامه.\nو\" إذ \" مبنية على السكون؛ لافتقارها إلى ما يوضحها، فأشبهت بعض الكلمة، وبعض الكلمة لا يعرب، نحو: الزاي من \" زيد\" والجيم من \"جعفر\".","vol":"1","page":79},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-32>قوله تعالى: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩»</span>\nفي هذه الآية حجة على من أنكر القياس، لأنّ الله تعالى احتج بذلك على المشركين، ولا يجوز أنّ يحتج عليهم إلا بما فيه طريق القياس؛ لأنّ قياس خلق عيسى من غير ذكر كقياس آدم، وهو في عيسى أوجب، لأنّ آدم ﵇ من غير أنثى ولا ذكر.\nوهذه الآية نزلت في السيد والعاقب من وفد نجران، وذلك أنهما قالا للنبي ﷺ: هل رأيت ولدًا من غير ذكر. فأنزل الله تعالى هذه الآية، وهذا قول ابن عباس والحسن وقتادة.\n* * *\nفصل:\nويُسأَل عن رفع قوله (فيكونُ)، ولمَ لمْ يجز نصبه على جواب الأمر الذي هو (كن)؟\nفالجواب: أنّ جواب الأمر يجب أنّ يكون غيره في نفسه أو معناه، نحو: ائتني فأكرمك، وائتني فتحسن إلي، ولا يجوز: قم فتقوم، لأنّ المعنى يصير: قم فإن تقم فقم، وهذا لا معنى له، فلذلك لم يجز في الآية. فإن قيل: فقد جاء (إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠»\nقيل: هذا معطوف على قوله (أنّ نقولَ)، وقوله تعالى (فيكونَ) معناه (فكان) إلا أنّه أوقع الفعل المستقبل في موضع الماضي، ومثله قول الشاعر:\nوانْضَحْ جَوانِبَ قَبْرِهِ بدِمائها ... ولَقَدْ يَكُونُ أَخا دَمٍ وذَبائِح\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-33>قوله تعالى: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا)</span>","vol":"1","page":80},{"text":"يُسأل من المخاطب هاهنا من أهل الكتاب؟\nوفيه ثلاثة أجوبة:\nأحدها: أنّ المخاطب نصارى نجران. وهذا قول الحسن ومحمد بن جعفر بن الزبير والسُّدِّي وابن زيد.\nوالثاني: أنّ المخاطب يهود المدينة. وهو قول قتادة، والربيع وابن جريج، ومعنى هذا أنّهم أطاعوا أحبارهم طاعة الأرباب.\nوالثالث: أنّ المخاطب الفريقان. وهذا على ظاهر التلاوة.\nوسأل عن (سواء) ما معناه هاهنا؟.\nقيل معناه: مستوٍ. فوضع اسم المصدر موضع اسم الفاعل، كأنّه قال: تعالوا إلى كلمةٍ مستويةٍ.\nوقرأ الحسن (سواءً) بالنصب على المصدر.\nويُسْأَل عن موضع (أنْ) من قوله (أنّ لا نَعْبُدَ)؟\nوالجواب أنها تحتمل وجهين:\nأحدهما: أنّ تكون في موضع جر على البدل من (كلمة)، كأنّه قال: تعالوا إلى أنّ لا نعبد إلا الله.\nوالوجه الثاني: أنّ تكون في موضع رفع، كأنّه قال: هي أنّ لا نعبد إلا الله.\nومن رفع فقرأ (أنْ لا نَعْبُدُ)، فأنْ مخففةٌ من الثقيلة. كأنّه قال: أنّه لا نعبد إلا الله، ومثله (أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا)، وإذا كانت مخففةً من الثقيلة كانت من عوامل","vol":"1","page":81},{"text":"الأسماء، وثبتت النون في الخط، وعلى والوجه الأول تكون من عوامل الأفعال ولا تثبت النون في الخط ومن قرأ (أنْ لا نعبدْ إلا الله) بالإسكان فـ (أنْ) مفسرةٌ كالتي في قوله تعالى: (أنّ امشُوا واصبِروا)، فالمعنى: أي لا نعبد إلا الله. و(لا) على هذا جازمة، لأنّه نهي.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-34>قوله تعالى: (وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ)</span>\nيقال: كأيِّن وكأين وكاءٍ بمعنى، قال الشاعر:\nكَأَيِّن في المعاشرِ منْ أناسِ ... أخُوهمُ فَوقهم وهُمُ كِرامُ\nفشدد، وقال جرير:\nوكائِنْ بالأباطح مِنْ صديقٍ ... يراني لو أُصِبتُ هو المُصابا\nفخفف.\nوفي هذا لغات أخر، وتعليله من طريق التصريف يطول شرحه، وجملتها أنها (أيّ) دخلت عليها (كاف) التشبيه، كما دخلت على (ذا) في قولك: كذا. وغُيِّرت في اللفظ كما غُيِّرت في المعنى؛ لأنها نقلت إلى معنى (كم) في التكثير، والأصل التشديد، وإنما وقع التخفيف لكراهة التضعيف، كما قالوا: لا سيْما، والأصل لا سيَّما.","vol":"1","page":82},{"text":"وقرأ ابن كثير (قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ) وكذلك نافع وأبو عمرو، وقرأ الباقون (قَاتَلَ).\n* * *\nفصل:\nويسأل بمَ ارتفع (رِبِّيُّونَ)؟\nوفيه جوابان:\nأحدهما: أنّه مفعول لم يُسَمَّ فاعله لـ (قُتِلَ)، وهذا يجيء على مذهب الحسن؛ لأنَّه قال: لم يقتل نبي قط في معركة.\nوالثاني: أنّه مبتدأ و(معه) الخبر. كأنّه قال: قتل ومَعَهُ رِبِّيُّونَ.\nوموضع قوله (مَعَهُ رِبِّيُّونَ) نصب على الحال من المضمر فى (قُتل) أي: قُتِل ذلك النبي ومعه رِبِّيُّونَ، وهذا يجيء على معنى قول أبي إسحاق وقتادة والربيع والسُّدِّي. ويجوز أنّ يرتفع (رِبِّيُّونَ) بالظرف الذي هو (معه) وهو مذهب أبي الحسن.\nويجيء أيضًا على مذهب سيبويه؛ لأنَّ الظرف إذا اعتمد على ما قبله جاز أنّ يرفع. والرِّبِّيُّونَ: العلماء هذا قول ابن عباس والحسن، وقال مجاهد وقتادة الجموع الكثيرة.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-35>قوله تعالى: (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ)</span>\nقرأ حمزة (وَلَا تَحْسَبَنَّ) بالتاء وفتح السين، وقرأ الباقون بالياء.\nفمن قرأ بالتاء فالفاعل المخاطب وهو النبي ﷺ و(الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) مفعول أول لـ تحسبن و(خيرًا لهم) المفعول الثاني","vol":"1","page":83},{"text":"و(هو) فصل\n، وأهل الكوفة يسمونه عمادًا، وفي الكلام حذفٌ تقديره: ولا تحسبن يا محمد بخل الذين يبخلون خيرًا لهم. وإنما احتجت إلى هذا المحذوف ليكون المفعول الثاني هو الأول في المعنى؛ لأنّ هذه الأفعال تدخل على المبتدأ والخبر، والخبر هو المبتدأ في المعنى إذا كان الخبر مفردًا.\nوأما من قرأ بالياء فـ (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ) فاعلون، والمفعول الأول لـ يحسبنَّ محذوف لدلالة (يَبْخَلُونَ) عليه تقديره: ولا يحسبن الذين يبخلون البخل هو خيرًا لهم، وهذا كما تقول العرب: من كذب كان شرًّا له، أي: كان الكذب، فحذف (الكذب) لدلالة (كذبَ) عليه. ومثله:\nإذا نُهيَ السفيه جَرى إليه ... وَخَالف والسفيهُ إلى خلافِ.\nأي: خالف إلى السفه.\nفأما فتح السين وكسرها فلغتان ويروى أنّ الفتح لغة النبي ﷺ.\n* * *","vol":"1","page":84},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-36>وَمِنْ سُورَةِ (النِّسَاءِ)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-37>قوله تعالى: (وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ)</span>\nيسأل عن معنى قوله (تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ)؟.\nوفيه - جوابان:\nأحدهما: أنّ المعنى يسأل بعضكم بعضا بالله وبالرحم، وهذا قول الحسن ومجاهد.\nوالثاني: أنّ المعنى واتقوا الأرحام أنّ تقطعوها، وهذا قول ابن عباس وقتادة والسُّدِّي والضحَّاك والربيع وابن زيد.\n* * *\nفصل:\nومما يُسأل عنه أن يقال ما وجه النصب في الأرحام؟\nقيل: على الوجه الأول يكون معطوفا على موضع (به) كأنّه قال: وتذكرون في الأرحام في التساؤل. وعلى الوجه الثاني يكون معطوفًا على اسم الله تعالى وقرأ حمزة (وَالْأَرْحَامِ) بالجر، والنحويون لا يجيزون هذا لأنّه لا يجوز عطف الظاهر على المضمر المجرور إلا بإعادة الجار، قال سيبويه: لأنّه لا ينفصل فصار كبعض الحرف. ومثله بعضهم بالتنوين؛ وذلك أنّه يعاقبه","vol":"1","page":85},{"text":"ويحذف في الموضع الذي يحذف فيه التنوين، وذلك قولك: يا غلامِ، تحذف الياء تخفيفا، كما تحذف التنوين من قولك: يا زيدُ.\nوقال المازني: المعطوف والمعطوف عليه شريكان، لا يجوز في أحدهما ما لا يجوز في الآخر، فكما لا تقول: مررت بزيدوك، كذلك لا تقول: مررت بك وزيدٍ. فإن احتج محتجٌّ بقول الشاعر:\nفاليَومَ قرذضيتَ تهجُونا وتَشتِمُنا ... فَاذهب فَمَا بِكَ والأيامِ مِن عَجَبِ\nوبقول الآخر:\nنُعَلّق في مِثل السّواري سُيوفَنا ... وَمَا بَينَها والكعْبِ غُوطٌ نَفَانفُ.\nقيل هذا من ضرورات الشعر، ولا يحمل القرآن عليه، وقد احتج له بعضهم بأنه على إضمار (الباء) لتقدم ذكرها في قوله (به)، واستشهدوا بقول الشاعر:\nأكُلَّ امرئٍ تحسبين امرأً ... ونارٍ توقَّدُ بالليل نارًا\nأراد: وكل نارٍ، فحذف (كلًّا) لدلالة ما في صدر البيت.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-38>قوله تعالى: (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ)</span>\nخفتم: من الخوف، والخوف والخشية بمعنى. والإقساط والعدل.\nويُسأل عن اتصال هذا الكلام بعضه ببعض كيف يصح؟","vol":"1","page":86},{"text":"وفي هذا جوابان:\nأحدهما أنّ المعنى: فإن خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى، فكذا خافوا في النساء، وذلك أنّهم كانوا يتحرجون في يتامى النساء، ولا يتحرجون في النساء، وهذا قول سعيد بن جبير وقتادة والسُّدّي والضحاك والربيع.\nوالجواب الثاني أنّ المعنى: إن خفتم ألا تقسطوا في نكاح اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء من غيرهن، وهذا قول عائشة والحسن وله قال أبو العباس.\n* * *\nفصل:\nومما يسأل عن قوله (مَا طَابَ لكم) كيف جاءت (ما) هاهنا، والموضع موضع (مَن)؛ لأنَّ (ما) لما لا يعقل. و(مَنْ) لمن يعقل؟ والجواب أنّ (ما) هاهنا مصدرية. كأنّه قال: فانكحوا من النساء الطيِّب، أي: الحلال، وهذا قول مجاهد، وبه أخذ الفراء. ويروى عن مجاهد أيضا: فانكحوا النساء نكاحًا طيبًا.\nقال أبو العباس: (ما) هاهنا للجنس. كقولك: ما عندك؟ - فالجواب رجل أو امرأة.\nوقيل: لما كان المكان مكان إبهام جاءت (ما) لما فيها من الإبهام، كما تقول العرب: خذ من عبيدي ما شئت.\nوأما (مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ) فمعناه: اثنين اثنين، وثلاثا ثلاثا وأربعا أربعا، فعدل عن هذا ليدل على هذا المعنى، وهو نكرة، وامتنع من الصرف للعدل والوصف.","vol":"1","page":87},{"text":"وقال قوم: هو معرفة، لأنّه لا يدخله الألف واللام. والوجه ما قدمناه، لأنّ النكرة توصف به، قال صخر الغي:\nمنُيتُ بأن تلاقِيني المنايَا ... أُحادَ أُحادَ في شهرٍ حَلالِ\nوقال تميم بن أبي مقبل:\nتَرَى النُّعَراتِ الزُّرْقَ تحتَ لَبانِه ... أُحادَ ومَثْنى أَضعَفَتْها صَواهِلُهْ\nوقيل: لم ينصرف للعدل والتأنيث؛ لأنّ العدد كله مؤنث.\nوقيل: لم ينصرف لأنّه عدل على غير ما يجب في العدل، لأنّ أصل العدل أنّ يكون في المعارف.\n* * *\nفصل:\nومما يسأل عنه أن يقال: لم جاءت (الواو) هاهنا، ولم تأتِ (أو) لأنّه لا يجوز أنّ يجمع بين تسعٍ؟ والجواب: أنّه على طريق البدل، كأنّه قال: وثُلاثَ بدلًا من مثنى، ورُباع بدلًا من ثُلاث، ولو جاء بـ (أو) لجاز أنّ لا يكون لصاحب المثنى ثُلاث، ولا لصاحب الثُلاث رُباع.\nويوضح هذا: أنّ مثنى بمعنى اثنتين، وثُلاث بمعنى ثلاث. فأما من أجاز تزويج تسع بهذه الآية فمخطئ، لأنّه لو كان كذلك لما جاز أنّ يتزوج دون تسع، وأيضًا فلو أراد الله تعالى ذلك لقال: فانكحوا تسعًا؛ لأنَّ هذا التكرار غي، وتسع أخصر منه، وهذا على طريق التخيير لا للإيجاب.\n* * *\n\nقوله تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)","vol":"1","page":88},{"text":"يُسأل عن دخول (اللام) فى قوله (لِيُبَيِّنَ لَكُمْ)؟\nوفيها ثلاثة أجوبة:\nأحدها: أنّ معناها (أنّ) و(أنْ) تأتي مع (أردت: أمرت)؛ لأنَّها تطلب الاستقبال (لذا) استوثقوا لها باللام، وربما جمعوا بين (اللام) و(كي) لتأكيد الاستقبال، قال الشاعر:\nأَردتَ لِكَيْما لَا تَرَى لِيَ عَثْرَةً، ... ومَنْ ذَا الَّذِي يُعْطَى الكَمال فيَكْمُلُ\nولا يجوز أنّ تقع (اللام) بمعنى (أنْ) مع الظن؛ لأنَّ الظن يصلح معه الماضي والمستقبل، نحو: ظننت أنّ قمت، وطننت أنّ تقوم، وهذا قول الكسائي والفراء، وأنكره الزجاج، وأنشد:\nأَرَدْتُ لِكَيْما يَعْلَم الناسُ أَنها ... سَراوِيلُ قَيْسٍ والوُفُودُ شهودُ\nقال: ولو كانت (اللام) بمعنى (أنْ) لم تدخل على (كي) كما لا تدخل (أنْ) على (كي)، قال: ومذهب سيبويه وأصحابه أنّ (اللام) دخلت هاهنا على تقدير المصدر، أي: الإرادة للبيان. نحو قوله تعالى: (إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ) و(رَدِفَ لَكُمْ)، وقال كثير:\nأُريدُ لأَنسَى ذِكرَها فكأَنّما ... تَمثَّلُ لِي لَيْلى بكلِّ سبيلِ\nأي: إرادتي لهذا، وهذا الجواب الثاني.\nوالجواب الثالث: أنّ بعض النحويين ضعف هذين الوجهين بأن جعل اللام بمعنى (أنْ) لم يقم به حجةٌ قاطعة، وحمله على المصدر يقتضي جواز: ضربت لزيد، بمعنى: ضربت زيدًا، وهذا لا يجوز، ولكن يجوز في التقديم والتأخير، نحو: لزيدٍ ضربت. وللرؤيا تعبرون؛ لأنّ عمل الفعل فى التقديم يضعف كعمل المصدر فى التأخير، ولذلك لم يجز إلا فى المتصرف، فأما (رَدِفَ لَكُمْ) فعلى تأويل: ردف ما ردف لكم، وعلى ذلك: يريد ما يريد لكم.","vol":"1","page":89},{"text":"وهذه الأقوال كلها مضطرية، وقد قيل إن مفعول (يريد) محذوف تقديره: يريد الله تبصيركم ليبين لكم.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-40>قوله تعالى: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا)</span>\nالقتل: معروف، وقتل العمد: ما قصد به اتلاف النفس كائنا ما كان بحجر أو عصى أو حديد أو غير ذلك، وهذا قول عبيد بن عمير وإبراهيم وروى أنس أنّ يهوديًا قتل جاريةً بين حجرين، فأتى به النبي ﷺ فقتله بين (حجرين)، فكل شيء خطأ إلا السيف، ولكل خطأ إرش.\nوالجزاء والمجازاة واحد، واللعنة: الإبعاد والطرد.\n* * *\nفصل:\nومما يسأل عنه أن يقال: هل القاتل يخلد في النار، أم له توبة؟\nوالجواب: أنّ العلماء اختلفوا في ذلك:\nفقال الضحاك وجماعة من التابعين: نزلت هذه الآية في رجل قتل رجلًا من المسلمين، فارتد عن الإسلام، وصار إلى المشركين، ونزلت هذه الآية فيه، والتغليظ فيها لارتداده عن الإسلام.\nوقال جماعة من التابعين: الآية اللينة وهي: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) نزلت بعد الشديدة وهي: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا)،: ذهبوا إلى أنّ للقاتل توبة.\nوقال عمر وعلي وابن مسعود ﵃: كنا نبت الشهادة فيمن عمل الموجبات حتى نزلت (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ).\nوقال أبو مجلز: هي جزاؤه إن جازاه أدخله جهنم خالدًا فيها، ويروى هذا أيضًا عن أبي صالح.\nوروي عن مجاهد أنّه قال: المعنى إلا من تاب وندم على ما فعل. وروي عن ابن عباس وزيد بن","vol":"1","page":90},{"text":"ثابت. وجماعة من التابعين ﵃ أنّهم قالوا: الآية ثابتة في الوعيد، لأنّ الله تعالى غلظ فيه.\nوكرر الوصف بقوله: (وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا).\nوقال عكرمة وابن جريج وبعض المتكلمين: المعنى ومن يقتل مؤمنا متعمدًا، أي: مستحلًا لذلك؛ لأنَّ المستحل لما حرم الله تعالى كافر، لأنّه أحل ما حرم الله، فالخلود إذًا إنما هو من هذه الطريقة.\nوالعرب تتمدح بإنجاز الوعد وخُلف الوعيد. ويروى عن أبي عمرو أنّه سمع عمرو بن عبيد ينكر هذا فعابه عليه، وأنشد:\nوإِنّي إِنْ أَوعَدْتُه أَو وَعَدْتُه ... لأُخْلِفُ إِيعادِي وأُنْجِزُ مَوْعِدِي\nوجاء في الحديث (من وعده الله على عملٍ ثوابًا فهو منجزٌ له، ومن أوعده على عمل عقابًا فهو بالخيار. إن شاء عذبه وإن شاء غفر له).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-41>قوله تعالى: (لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)</span>\nقرأ نافع وابن عامر والكسائي (غَيْرَ أُولِي الضَّرَرِ) بالنصب، وقرأ الباقون بالرفع، وقرئ في غير السبعة (غيرِ) بالجر فوجه النصب: أنّه حال، وإن شئت كان استثناء.\nوأما الرفع: فعلى أنّه نعت لقوله (القاعدون).","vol":"1","page":91},{"text":"وأما الجر: فعلى أنّه نعت للمؤمنين.\nوأجود هذه القراءات: الرفع؛ لأنّ الوصف على (غير) أغلب من الاستثناء.\nوقد زعم بعضهم أنّ النصب على معنى الاستثناء أجود؛ لتظاهر الأخبار بأنه نزل لما سأل ابن أم مكتوم رسول الله ﷺ عن حاله في الجهاد وهو ضرير فنزل (غَيرَ أُولِي الضَّرَرِ).\nوهذا ليس بشيء؛ لأنّ (غيرًا) وإن كانت صفة فهي تدل على معنى الاستثناء؛ لأنها في كلا الحالين قد خصصت القاعدين عن الجهاد بانتفاء الضرر.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-42>قوله تعالى: (وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا)</span>\nاختلف في الحنيف:\nفقيل معناه: المائل إلى الحق بكليته.\nوقيل الحنيف: هو المستقيم، وإنَّما قيل للرجل الأعرج حنيف تفاؤلًا، يقال: حنف في الطريق إذا استقام عليه، فكل من سلك طريق الاستقامة فهو حنيف.\nويُسأل: ما في اتباع ملة إبراهيم من الحسن، دون اتباع ملة موسى وعيسى وغيرهما من النبيين؟ والجواب: أنّ إبراهيم ﵇ قد رضي به جميع الأمم، وكان يدعو إلى الحنيفية لا اليهودية ولا النصرانية ولا الوثنية، فهو محق في دعائه إليها، وكل من استجاب له بإذن الله فيها نقد جمع من المعنى المرغربة ما ليس لغيره.","vol":"1","page":92},{"text":"واختلف في معنى الخليل:\nفقيل: هو المصطفى بالمودة المختص بها.\nوقيل: هو من الخلة وهي الحاجة، فخليل الله على هذا المحتاج إليه، قال زهير:\nوإِنْ أَتاهُ خَلِيلٌ يومَ مَسْأبةٍ ... يَقُولُ: لَا غائبٌ مَالِي وَلَا حَرِمُ\nويُسْأَل عن نصب (حنيفا)؟\nوفيه ثلاثة أجوبة:\nأحدها: أنّ يكون حالا من (ملة إيراهيم)، وكان حقه أنّ تكون فيه الهاء؛ لأنَّ \" فعيلا \" إذا كان بمعنى \" فاعل \" للمؤنث ثبتت فيه الهاء نحو: رحيمة وكريمة وما أشبه ذلك، إلا أنّه جاء مجيء \" ناقة سديس وريح خريق \".\nوالجواب الثاني: أنّه حال من المضمر في (وَاتَّبَعَ)، والمضمر هو النبي ﷺ.\nوالثالث: أنّه يجوز أنّ يكون حالًا من إبراهيم، والحال من المضاف إليه عزيزة، وقد جاء ذلك في الشعر قال النابغة:\nقالت بنُو عامرٍ خالوا بني أسدٍ ... يا بُؤْسَ للجهلِ ضَرَّارًا لأقوامِ\nأي: يا بؤس الجهل ضرارًا. واللام مقحمة لتوكيد الإضافة.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-43>قوله تعالى: (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩»</span>\nيسأل عن الضمير في قوله: (قَبْلَ مَوْتِهِ) على ما يعود؟","vol":"1","page":93},{"text":"وفيه ثلاثة أجوبة:\nأحدها: أنّه يعود على الكتابي، والمعنى: لَيُؤْمِنَنَّ الكتابي بالمسيح قبل موت الكتابي، وهذا قول ابن عباس ومجاهد وعكرمة والضحاك وابن سيرين وجويبر.\nوالثاني: قبل موت المسيح أي: لَيُؤْمِنَنَّ الكتابي بالمسيح قبل موت المسيح ﵇ إذا خرج في آخر الزمان، وهذا يروى عن أبي مالك وقتادة وابن زيد عن ابن عباس والحسن بخلاف.\nوالثالث: أنّ يكون المعنى لَيُؤْمِنَنَّ لمحمد ﷺ قبل موت الكتابي وهذا يروى عن عكرمة بخلاف.\nواختلف النحويون فىِ المضمر المحذوف ما هو؟\nفذهب البصريون إلى أنّ المعنى: وإن من أهل الكتاب أحد إلا لَيُؤْمِنَنَّ به قبل موته.\nوذهب الكوفيون إلى أنّ المعنى: وإن من أهل الكتاب إلا من لَيُؤْمِنَنَّ به.\nوأهل البصرة لا يجيزون حذف الموصول وتبقية الصلة ومثله: (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا) (وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ)، يجيء على مذهب البصريين \" وإن منكم أحد \"، وعلى مذهب الكوفيين \" وإن مِنكُم إلا من هو واردها \"، \" وما منا أحد إلا له مقام معلوم \"، قال الشاعر:\nلَوْ قُلْتَ مَا فِي قَوْمِها لَمْ تِيثَمِ ... يَفْضُلُها فِي حَسَبٍ ومِيسَمِ\nتقديره: لو قلت ما في قومها أحد يفضلها في حسب وميسم لم تيثم.","vol":"1","page":94},{"text":"و(إنْ) في قوله (وإن منكم) نافية، كالتي في قوله تعالى: (إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ) وأكثر ما تأتي (إن نافية مع غير (إلا) نحو قوله تعالى: (وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ)، أي: في الذي ما مكناكم، وهو قليل.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-44>قوله تعالى: (لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ)</span>\nاختلف في نصب (الْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ):\nفذهب البصريون إلى أنّه نصب على المدح، وهو قول سيبويه وأنشد لخرنق بنت هفان:\nلَا يَبْعَدَنْ قَوْمي الَّذين هُمُ ... سُمُّ العُداةِ وآفَةُ الجُزرِ\nالنَازلينَ بكلّ معتركٍ ... والطيبُونَ معا قِدَ الأزرِ\nعلى تقدير: أعني النازلين، وهذا: أعني المقيمين الصلاة.\nواختلف في تأويل (الْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ):\nفذهب قوم إلى أنّ المراد بهم الأنبياء.\nوذهب آخرون إلى أنّ المراد بهم الملائكة. وهذا الوجه عندي أظهر؛ لقطع قوله (وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ)، لأنّ الملائكة لا توصف بإيتاء الزكاة، والأنبياء يوصفون به.\nوذهب قوم إلى أنّه معطوف على (قبلك). أي يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ومن قبل المقيمين الصلاة، ثم حذف (قبل) لدلالة (قبل) عليه.","vol":"1","page":95},{"text":"وقيل هو معطوف على الكاف من (إليك) أو الكاف من (قبلك)، وهذا لا يجوز عند البصريين؛ لأنّه لا يعطف على الضمير المجرور بغير إعادة الجار وقد شرحناه عند قوله تعالى (والأرحامِ). وكذا قول من قال هو معطوف على الهاء والميم من قوله (منهم). وأما من زعم أنّه غلط من الكاتب فلا تجب أن يلتفت إلى قوله، وإن كان قد روي عن عائشة ﵂ وإبان بن عثمان، لأنّه لو كان كذلك لم تكن الصحابة لتعلمه الناس على الغلط وهم الأئمة.\nوأجود ما قيل في هذا القولان الأولان.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-45>قوله تعالى: (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ)</span>\nالاستفتاء: استدعاء الفُتيا. والفُتيا: الإخبار بالحكم ولا يقال للإخبار بالحكم عن علة الحكم فتيا إلا أنّ تذهب به مذهب الحكم بالمعنى على البناء له على حكم غيره ليصحح به.\nوالكلالة: ما عدا الوالد والولد، هذا قول أبي بكر الصديق ﵁، ويروى عن عمر ﵁ أنّه قال: ما عدا الولد - على تشكك منه - وقال الحسن: الإخوة والأخوات.\nوعلى القول الأول جمهور العلماء، وهو الوجه لأنّه من تكلل النسب غير اللاصق به، وإنما اللاصق الوالد والولد.\nوفي الكلام حذف، والتقدير فيه: إن امرؤ هلك ليس له ولد وقد ورث كلالة وله أخت.\nوقال العلماء: أصول الفرائض ثمانية عشر: اثنا عشر في أول السورة، وأربعة في آخرها، واثنان سماهما رسول الله ﷺ العصبة وفريضة الجد.","vol":"1","page":96},{"text":"وقيل هي تسعة عشر، لقوله: (وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ)، وفي قوله تعالى: (فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ) دلالة على أنّ للبنتين الثلثين. لأنّ الله تعالى سوى بين البنت والأخت في النصف، فقيست البنتان على الأختين.\n* * *\nفصل:\nويُسأل عن أي الفعلين أعمل من قوله تعالى (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ)؟ والجواب: أنّ المعمل الثاني وهو (يفتيكم)، والتقدير: يستفتونك في الكلالة قل الله يفتيكم في الكلالة. فحذف الأول لدلالة الثاني، ولو أعمل الأول لقال: يستفتونك قل الله يفتيكم فيها في الكلالة وإعمال الفعل الثاني عند البصريين أجود وعليه جاء القرآن نحو قوله تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ)، فأعمل (يستغفر)، ولو أعمل (تعالوا) لقال: تعالوا يستغفر لكم إلى رسول الله.\nفأما في الشعر فقد جاء إعمال الأول كما جاء إعمال الثاني، فمن إعمال الأول قول امرئ القيس:\nفلو أنَّ ما أسْعى لأدنى معيشةٍ ... كَفَاني ولم أَطْلُبْ قليلٌ من المالِ\nيريد: كفاني قليل من المال ولم أطلب، ولو أعمل الثاني لا نفسد المعنى.\nومن إعمال الثاني قول طفيل:\nوكُمْتًا مُدَمَّاةً كأَنَّ مُتُونَها ... جَرى فَوْقَها، واسْتَشْعَرَتْ لَوْنَ مُذْهَب\nفأعمل (استشعرت) ولو أعمل (جرى) لقال: جرى فوقها واستشعرت لون مذهب، ومثل ذلك قول كثير:\nقَضى كلُّ ذِي دَيْنٍ فَوَفَّى غَرِيمَه ... وعَزَّةُ مَمْطُولٌ مُعَنًّى غرِيمُها\nفأعمل (وفَّى) ولو أعمل (قضى) لقال: قضى كل ذي دين فوفّاه غريمه. وهو كثير في الشعر والكلام","vol":"1","page":97},{"text":"وقوله (إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ) ارتفع (امْرُؤٌ) بإضمار فعل يفسره ما بعده تقديره: إن هلك امْرُؤٌ هلك، ولا يجوز إظهاره، لأنّ الثاني يغني عنه. وقال الأخفش هو مبتدأ و(هلك) خبره.\nوالأوّل أولى؛ لأنَّ الشرط بالفعل أولى.\nوقوله (يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا)، في (أنْ) ثلاثة أقوال:\nأحدها: أنّ المعنى كراهة أنّ تضلوا، فهي على هذا في موضع نصب مفعول له.\nوالثاني: أنّه على إضمار حرف النفي. كأنّه قال: أنّ لا تضِلّوا، وتلخيصه: لئلا تضلوا.\nوالأوّل مذهب البصريين والثاني مذهب الكسائي.\nومثل الأول قوله تعالى: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ)، أي: أهلَ القرية.\nومثل الثاني قول القطامي يصف ناقته:\nرَأيْنَا مَا يَرى البُصَراءُ فيها ... فآلينا عَليها أنّ تُباعَا\nيريد: أنّ لا تباعا. ومثل الأول قول عمرو بن كلثوم:\nفَأعجلنا القِرى أنّ لا تشْتِمونا","vol":"1","page":98},{"text":"أي: كراهة أنّ تشتمونا.\nوالثالث: قاله الأخفش وهو أنّ (أنْ) مع الفعل بتأويل المصدر، وموضع (أنْ) نصب بـ (يبين)، وتقديره: يبين الله لكم الضلال لتجتنبوه.\n* * *","vol":"1","page":99},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-46>وَمِنْ سُورَةِ (الْمَائِدَةِ)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-47>قوله تعالى: (قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٥»</span>\nيسأل عن موضع (أخي) من الإعراب؟\nوفيه أربعة أوجه:\nأحدها: الرفع على موضع (إني).\nوالثاني: العطف على المضمر في (لا أملك) وحسُن العطف عليه وإن كان غير مؤكد؛ لأنّ الحشو الذي هو (إلا نفسي) قام مقام التوكيد.\nوالثالث: أنّ يكون موضعه نصبًا بالعطف على الياء في (إني).\nوالرابع: أنّ يكون معطوفا على (نفسي).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-48>قوله تعالى: (فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ)</span>\nيسأل عن انتصاب (أَرْبَعِينَ سَنَةً)؟\nوفيه جوابان:\nأحدهما: أنّ ينتصب بـ (مُحَرَّمَةٌ). وهو معنى قول الربيع، وهذا القول يجوز دخولهم إياها.\nوالثاني: أنّه منتصب بـ (يَتِيهُونَ)، وهو معنى قول الحسن وقتادة؛ لأنَّهما ذكرا أنّه ما دخلها أحد منهم، وقيل إن يوشع بن نون وكالب بن يوقنا دخلاها.","vol":"1","page":100},{"text":"وجاء عن الربيع أنّ مقدار التيه كان مقدار ستة فراسخ، وقال مجاهد: كانوا يصبحون حيث أمسوا، ويمسون حيث أصبحوا: روي عن ابن عباس أنّ موسى ﵇ مات في التيه بخلافٍ عنه. وكان الحسن يقول لم يمت فيه. وكذا في دخول مدينة الجبارين خلاف عنه وعن ابن عباس أيضا.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-49>قوله تعالى: (وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ)</span>\nيسأل عن معنى (وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ)؟\nوفيه جوابان:\nأحدهما: أنّهم دخلوا به على النبي ﷺ وخرجوا به إلى أحوال أخر، كقولك: هو يتقلب في الكفر ويتصرف فيه.\nو(قد) تدخل في الكلام على وجهين:\nإذا كانت مع الماضي قربته من الحال، وإذا كانت مع المستقبل دلت على التقليل.\nوموضع (الباء) من قوله: (وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ) نصب على الحال؛ لأنّ المعنى: دخلوا كافرين وخرجوا كافرين، لأنّه لا يريد أنّهم دخلوا يحملون شيئًا، وهو كقولك: خرج بثيابه، يريد: خرج لابسًا ثيابه، ومثله قول الشاعر:\nومُسْتَنَّةٍ كاسْتِنانِ الخَرُو ... ف قَدْ قَطَّعَ الحَبْلَ بالمِرْوَدِ\nأي: وفيه المرود، يعني هذه صفته.","vol":"1","page":101},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-50>قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٩»</span>\nيسأل عن قوله: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا) ثم قال (مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ)؟\nوفيه جوابان:\nأحدهما: أنّ المعنى آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم، وهم المنافقون، وهذا قول الزجاج والثاني: أنّ المعنى من دام على الإيمان والإخلاص، ولم يرتد عن الإسلام\nويُسأَل عن قوله (الصَّابِئُونَ)؟\nوفيه أجوية:\nأحدها: أنّه ارتفع لضعف عمل (إنَّ). وهذا قول الكسائي، وقال أيضًا يجوز أنّه ارتفع لأنّه معطوف على المضمر في (هادوا)، كأنّه قال: هادوا هم والصَّابِئُونَ.\nوفي هذا بعد، لأنّ الصابئ وهو الخارج عن كل دين عليه أمة عظيمة من الناس إلى ما عليه فرقة قليلة لا يشارك اليهودي في اليهودية، ومع ذلك فالعطف على المضمر المرفوع من غير توكيد قبيح، وإنما يأتي في ضرورة الشعر كما قال عمر بن أبي ربيعة:\nقُلْتُ إذا أقبلَتْ وزهرٌ تَهادَى ... كنِعاجِ الفَلا تَعَسَّفْنَ رَمْلًا\nوالثاني: أنّه عطف على ما لا يتبين معه فيه الإعراب مع ضعف (إنّ)، وهذا قول الفراء.\nوالثالث: أنّه على التقديم والتأخير، كأنّه قال: إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى من آمن منهم بالله واليوم الآخر وعمل صالحًا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والصابئون كذلك، وهذا قول سيبويه.","vol":"1","page":102},{"text":": قال الشاعر:\nوإلا فاعلموا أنَّا وأنتمْ ... بُغاةٌ ما بَقِينا في شقاقٍ\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-51>وقوله تعالى: (وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا)</span>\nقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي (أَلَّا تَكُونُ فِتْنَةٌ)، وقرأ الباقون (أَلَّا تَكُونَ) بالنصب.\nولم يختلفوا في رفع (فتنة) ويجوز نصبها.\nفمن قرأ (أَلَّا تَكُونُ فِتْنَةٌ) بالرفع جعل (أنْ) مخففة من الثقيلة، وأضمر الهاء، وجعل (حسبوا) بمعنى \" علموا \". وعلى هذا تثبت النون في الخط.\nوأما النصب: فعلى أنّه جعل (أنّ) الناصبة للفعل، ولم يجعل (حسبوا) بمعنى لا (العلم)، وعلى هذا الوجه تسقط النون من الخط.\nوأما رفع (فِتْنَةٌ) فعلى أنّ تكون (تكونُ) بمعنى الحضور والوقوع، فلا تحتاج إلى خبر.\nويجوز أنّ تكون ناقصة، فتنتصب (فِتْنَةً) على الخبر، ويضمر الاسم.\nوأما قوله (كَثِيرٌ مِنْهُمْ)، فيرتفع من ثلاثة أوجه:\nأحدها: أنّ يكون بدلا من الواو في (صموا).\nوالثاني: أي يكون خبر مبتدأ محذوف، كأنّه قال: هم كثير منهم","vol":"1","page":103},{"text":"والثالث: أنّ يكون على لغة من قال (أكلوني البراغيث)، وعليه قول الشاعر:\nيَلُوْمونني في اشتراء النَّخيـ ... لِ أهلي فكلُّهُمُ يَعذُلُ\nوقال الفرزدق:\nألفيَتا عيناكَ عِند القَفَا ... أولى فَأُولى لكَ ذا واقِيَهْ\nويجوز في الكلام النصب على الحال من المضمر في (صموا)، إلا أنّه لا يجوز أنّ يقرأ به إلا أنّ تثبت رواية بذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-52>قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ)</span>\nقيل في قوله تعالى (وأنتُم حُرمُ) قولان:\nأحدهما: وأنتم محرمون بالحج.\nوقيل: وأنتم قد دخلتم الحرم.\nوقرأ عاصم وحمزة والكسائي (فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ) بالرفع وترك الإضافة، وقرأ الباقون بالإضافة فمن قرأ (فَجَزَاءُ مِثْلِ مَا قَتَلَ) بالرفع، فجزاءٌ: مبتدأ. ومثلُ ما قَتَلَ: الخبر، ويكون المعنى على هذا: أنّه يلزمه أشبه الأشياء بالمقتول من النعم، مَن قتل نعامة فعليه بدنه. وقد حكم بذلك النبي ﷺ، عن الحسن: إن قتل أروى فعليه بقرة، وإن قتل غزالًا أو أرنبًا فعليه شاة، وهذا قول ابن عباس والسُّدِّي ومجاهد وعطاء والضحاك.","vol":"1","page":104},{"text":"وأما من قرأ بالإضافة فإن بعض النحويين أنكر عليه ذلك؛ لأنَّه من إضافة الشيء إلى نفسه. وليس كذلك؛ لأنَّ (الجزاء) هاهنا مصدر، وهو غير (المثل) وإنما هو فصل المجازي. و(مثل) هاهنا بمعنى ذات الشىء كما تقول: مثلك لا يفعل كذا، وأنت تريد: أنت لا تفعل كذا، وكذلك (مثل) نحو قوله تعالى: (كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ). إنما يريد كمن هو في الظلمات.\nوعلى هذا حمل محمد بن جرير قوله تعالى (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)، أي: ليس كذاته شيء. والواجب على القائل على هذه القراءة أن يقوم الصيد بقيمة عادلة ثم يشتري بثمنه مثله من النعم يهدي إلى الكعبة.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-53>قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ)</span>\nقال ابن عباس وأنس وأبو هريرة والحسن وطاووس وقتادة والسُّدِّي: نزلت في رجل يقال له \" عبد الله \" وكان يطعن في نسبه، فقال: يا رسول الله من أبي؟ - فقال: حذافة، وهو غير الذي ينسب إليه، فساءه ذلك، فنزلت هذه الآية.\nوقيل: نزلت لأنهم سألوا عن أمر الحج لما نزل (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ)، فقالوا: أفي كل عام؟ قال: لا، ولو قلت نعم لوجبت.\nويروى عن مجاهد وأبي أمامة وعن ابن عباس وأبي هريرة بخلاف، ويذكر أنّ السؤال الأول والثاني كانا في مجلس واحد.\n* * *\nفصل:","vol":"1","page":105},{"text":"ويُسأل عن قوله (أَشْيَاءَ) لِمَ لم ينصرف؟\nوفيه بين العلماء خلاف:\nقال الخليل وسيبويه: أصله (شَيئَاء) على وزن (طرفَاء)، ثم قدمت الهمزة التي هي لام الفعل إلى موضع الفاء وأسكنت الشين، فقيل (أشياء) والهمزة في آخره للتأنيث فلم ينصرف لذلك.\nوقال الأخفش والفراء: أصله (أشيئاء) على وزن (أفعِلاء)، ثم خفف وشبهاه بـ (هيّن وأهوِنَاء) و(صديق وأصدقاء)، واختلفا في الواحد: فجعله أحدهما كهين وجعله الآخر كصديق.\nقال المازني: قلت للأخفش كيف تصغر (أَشْيَاءَ)؟ - فقال: أشيّئاء، فقلت: خالفت أصلك، وإنما يجب أنّ تصغر الواحد ثم تجمعه بالألف والتاء. فانقطع.\nوقال الكسائي: هو (أفعال) إلا أنّه لم ينصرف، لأنهم شبهوه بحمراء؛ لأنَّهم يقولون: أشياوات كما يقولون حمروات. فألزمه الزجاج أنّ لا ينصرف \" أبناء \" و\" أسماء \"؛ لأنَّهم يقولون: أبناوات وأسماوات. وقال أبو حاتم هو أفعال كبيت وأبيات إلا أنّه شذ فجاء غير مصروف. وقال محمد بن الحسن الزبيدي: توهمت العرب أنّ همزته للتأنيث فلم تصرفه.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-54>قوله تعالى: (إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ)</span>","vol":"1","page":106},{"text":"يُسأل كيف معنى هذا السؤال؟\nوالجواب: أنّ فيه ثلاثة أقوال:\nأحدها: أنّ المعنى: هل يقدر، وكان هذا في ابتداء أمرهم، قبل أنّ تستحكم معرفتهم بالله تعالى، وبما يجوز عليه من الصفات، ولذلك أنكر عليهم عيسى ﵇ بقوله (اتقوا الله).\nوالثاني: أنّ المعنى: هل يفعل، وهو قول الحسن، وهو على طريق المجاز، كما تقول: هل تستطيع أن تقوم معنا، أي: هل تفعل.\nوالثالث: أنّ المعنى: هل يستجيب لك ربُّك. قال السُّدِّي: هل يطيعك ربُّك إن سألته؟ - فهذا على أنّ \" استطاع \" بمعنى، (أطاع) كما تقول استجاب بمعنى أجاب، وأنشد الأخفش:\nوَداعٍ دَعا: يَا مَنْ يُجيبُ إِلَى النَّدَى، ... فَلَمْ يَسْتَجِبْه عِنْدَ ذاكَ مُجِيبُ\nوإنما حكى سيبويه (أسطاع) في معنى (أطاع) بقطع الهمزة وزيادة السين.\nوقرأ الكسائي (هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ) بالتاء ونصب (رَبَّكَ) والمعنى في هذه القراءة: هل تستدعي إجابة ربِّك، وأصله: هل تستدعي طاعته فيما تسأل من هذا، وهذا قول الزجاج.\nوقيل معناه: هل تقدر أنّ تسأل ربَّك.\nوموضع (إذ) من الإعراب نصب. والعامل فيها (أوحيت) ويجوز أن يكون العامل: اذكر إذ قال الحواريون.","vol":"1","page":107},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-55>قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ)</span>\nيسأل عن معنى سؤاله تعالى لعيسى ﵇؟\nوفيه جوابان:\nأحدهما: التوبيخ لمن أدعى ذلك عليه. كما يُقَرر الرجلُ البريء بحضرة المدعَى عليه ليبكت المدعي بذلك، وهذا قول الزجاج.\nوالثاني: أنّ الله تعالى أراد أن يُعرفه أنّ قومه آل أمرهم إلى هذا الأمر العجيب المنكر، وهذا على تأويل قول السُّدِّي: أنّه قيل له هذا في الدنيا.\n* * *\nفصل:\nويُسأل: هل قيل له هذا في الدنيا. أو سيقال له؟\nوفي هذا جوابان:\nأحدهما: أنّه سيقال له يوم القيامة، وهو قول ابن جريج وقتادة والزجاج لقوله (هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ).\nوالثاني: أنّه قيل له ذلك حين رفعه الله تعالى إليه في الدنيا، وهو قول السُّدِّي، لأنّ الفعل بلفظ الماضي، ولا ينكر أن يأتي الفعل الماضي ومعناه الاستقبال في مثل هذا، وقد جاء في القرآن منه مواضع كثيرة، نحو قوله تعالى: (وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ) وقال (إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا) وقال (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ) وقال (وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ)، وهذا","vol":"1","page":108},{"text":"إنما يأتي لصدق المخبِر فيما يخبر؛ لأنَّه يصير في الثبات والصحة بمنزلة ما قد وقع.\nقال أبو النجم:\nثُم جزاه اللهُ عنَّا إذْ جَزَى ... جناتِ عَدْنٍ في العَلالِيِّ العُلَى\nيريد: إذا جزى.\n* * *\nفصل:\nويُسأَل عن قوله تعالى: (تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ) قال الزجاج المعنى: تعلم ما عندي ولا أعلم ما عندك.\nقال غيره: تعلم حقيقتي ولا أعلم حقيقتك مشاهدة.\nوقيل: تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك التي هي نفسي. يعني التي تملكها، وحقيقة ذلك: تعلم ما أخفي ولا أعلم ما تُخفي، إلا أنّه ذكر النفس على مزاوجة الكلام؛ لأنّ ما تُخفيه كأنّه إخفاء في النفس. وموضع (إذ) نصب؛ لأنها معطوفة على (إذ) الأولى، فالعامل فيهما واحد، ويجوز أنّ يكون عطف جملة على جملة.\nوالألف في (أأنت) تسمى ألف التوييخ، وجوز فيها ثلاثة أوجه:\nالتحقيق في الهمزتين، وتحقيق الأولى وتليين الثانية، وتحقيقهما جميعًا وإدخال ألف بينهما، وقد شرحنا ذلك في سورة البقرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-56>قوله تعالى: (مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا)</span>","vol":"1","page":109},{"text":"الرقيب: الحفيظ. هذا قول السُّدِّي وابن جريج وقتادة. والمراقبة: في الأصل المراعاة. والشهيد هاهنا العليم وقيل الشاهد.\nوسأل عن موضع (أنْ) من الإعراب؟\nوفيه ثلاثة أوجه:\nأحدها: أن يكون موضعها جرًا على البدل من المضمر في (به).\nوالثاني: أن يكون موضعها نصبًا على البدل من (ما).\nوالثالث: أنّ لا يكون لها موضع من الإعراب، ولكن تكون مفسرة بمنزلة \" أي \" كالتي في قوله تعالى (أنّ امشُوا).\nويُسأل على الوجهين الأولين: كيف جاز أنّ تُوصل (أنّ) بفعل الأمر، ولم يجز أن يوصل (الذي) به والجواب: أنّ (الذي) اسمٌ ناقص يقتضي أنّ تكون صلته مبنية عنه كإبانة الصفة للموصوف، وفعل الأمر لا يصح فيه هذا؛ لأنَّه إنما يتبين بما علمه عند المخاطب.\nفأما (أنّ) فحرف لا يجب فيه ذلك كما لا يجب أن يكون في صلته عائد.\n* * *\nفصل:\nوسأل عن قوله تعالى: (فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي)؟\nوفيه جوابان:","vol":"1","page":110},{"text":"أحدهما: أنّه أراد وفاة الرفع إلى السماء: هذا قول الحسن.\nوقال غيره: يعني وفاة الموت.\nوالأوّل أولى، لقول النبي ﷺ (لينزلن ابن مريم حَكمًا عدلًا، فليقتلنَّ الدجال).\nونصب (كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ)؛ لأنَّه خبر \" كان \" و\" أنت \" فصل، وقرأ الأعمش: (كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبُ) بالرفع. جعل \" أنت \" مبتدأ و\" الرقيب \" الخبر والجملة خبر \" كان \". ومثله قول قيس بن ذريح:\nتُبكِي عَلَى لُبْنى وأَنْتَ تَرَكْتَها ... وكُنْتَ عَلَيْها بالمَلا أَنْتَ أَقْدَرُ\nفإنْ تكن الدُنيا بلبُنى تغَيرتْ ... فللدهرِ والدنيا بُطونٌ وأظهرُ\nولا يدخل الفصل إلا بين معرفتين، أو بين معرفة ونكرة تقارب المعرفة، نحو: كنت أنت القائم، وكنت أنت خيرًا منه.\n* * *","vol":"1","page":111},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-57>وَمِنْ سُورَةِ (الْأَنْعَامِ)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-58>قوله تعالى: (وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (٣»</span>\nيسأل عن العامل في الظرف من قوله (فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ)؟.\nوفي هذا جوابان:\nأحدهما: أنّ (في) متعلقة بما دلّ عليه اسم الله ﷿. لأنّه وقع موقع (المدبّر) كأنّه قال: وهو المدبر في السماوات وفي الأرض.\nوالجواب الثاني: أنّ تكون (في) متعلقة بمحذوف. كأنّه قال: وهو الله مدبر في السماوات وفي الأرض.\nوقوله (في الأرض) معطوف على (في السماوات).\nويجوز فيه وجه آخر وهو أن يكون المعنى: وهو الله ملكه في السماوات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم، أي: ويعلم سركم وجهركم في الأرض، ولا يجوز أن يتعلق بالاستقرار؛ لأنّ ذلك يؤدي إلى احتواء الأمكنة عليه والله تعالى لا تحتويه الأمكنة ولا الأزمنة.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-59>قوله تعالى: (ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ)</span>\nيقال كيف كذبوا مع علمهم بأن الكذب في الآخرة لا ينفعهم. وأن الله تعالى يعلم ذلك منهم؟. والجواب: أنّ الآخرة مواقف. فموقف لا يعلمون فيه ذلك. وموقف يعلمون فيه، وهو استقرارهم في النار، وقال الحسن: جروا على عادتهم في الدنيا لأنهم منافقون","vol":"1","page":112},{"text":"ويجوز في (فتنتهم) الرفع والنصب:\nفالرفع على أنّه اسم \" تكن \" و(إلا أنّ قالوا) الخبر.\nوالنصب على أن يكون خبرًا و(إلا أنّ قالوا) الاسم. وهو الوجه؛ لأمرين:\nأحدهما: أنّ الخبر أولى بالنفي، والاسم أولى بالإثبات.\nوالثاني: أنّ قوله (إلا أنّ قالوا) يشبه المضمر من قبل أنّه لا يوصف ولا يوصف به، والمضمرات أعرف المعارف، وإذا اجتمع في كان اسمان أحدهما أعرف من الآخر كان الأعرف اسمًا لها والآخر خبرًا لها وكذا المعرفة والنكرة تكون المعرفة اسمًا والنكرة خبرًا، قال الشاعر:\nوقَد عَلم الأقوامُ ما كان داءَها ... بشَهْلان إلا الخزيُ ممن يقودُها\n* * *\nفصل:\nوممّ يسأل عنه أن يقال: لِمَ أُنث (تكن) والاسم مذكر؟\nوالجواب: لأنّه وقع على مؤنث وهو (الفتنة)، وهى أقرب إلى الفعل مثل قول لبيد:\nفمَضَى وقَدَّمها وَكَانَتْ عَادَةً ... مِنْهُ إِذا هِيَ عَرَّدَتْ إِقْدامُها\nقال الزجاج: يجوز أن يكون التقدير في قوله إلا أنّ قالوا: إلا مقالتهم. فتؤنث لذلك، وهذا وجه جيد صحيح.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-60>قوله تعالى (وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ)</span>","vol":"1","page":113},{"text":"يقال: وقف يقف وقوفا. ووقف غيره يقفه وقفًا، وحكي عن أبي عمرو أنّه أجاز (ما أوقفك هاهنا) مع إخباره أنّه لم يسمعه من العرب، وهو غير جائز عند علمائنا.\nومما يسأل عنه أن يقال: لم جاز (ولو ترى) و\" لو \" إنما هي للماضي؟\nوالجواب: لأنّ الخبر لصحته وصدق المخبِر به صار بمنزلة ما وقع، وقد ذكرنا له نظائر.\nويُقال: \" لو \" فيها معنى الشرط فلمَ لم تجزم؟\nقيل: لمخالفتها حروف الشرط، وذلك أنّ حروف الشرط ترد الماضي مستقبلا، نحو قولك: إن قُمت قُمتُ معك، كما تقول: إن تقم أقم معك، و\" لو \" لا تفعل ذلك الفعل، فلم تجزم لذلك.\nويُسأل عن جواب \" لو \"؟\nوالجواب: أنّه محذوف، وتقديره: لرأيت أمرًا هائلًا، وهذه الأجوبة تحذف لتعظيم الأمر وتفخيمه، نحو قوله تعالى (وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى)، يريد: لكان هذا القرآن، ومثله قول امرئ القيس:\nوجَدِّكَ لو شيءُ أتانَا رسولُه ... سِواكَ ولكن لَمْ نَجِدْ لَكَ مَدْفَعا\nيريد: لو أتانا رسوله سواك لما جئنا.\nوقرأ ابن عامر وعاصم في رواية حفص وحمزة (ولا نكذبَ، ونكونَ) نصب فيهما جميعًا، وقرأ الباقون بالرفع.","vol":"1","page":114},{"text":"وفي النصب أوجه:\nأحدها: أن يكون على إضمار (أنْ)، وهو الذي يسميه الكوفيون نصبًا على الصرف، تقديره: وأن لا نكذبَ وأن نكونَ، وإنما احتجت إلى إضمار (أنّ) ليكون مع الفعل مصدرًا، فتعطف مصدرًا على مصدر، كأنّه في التقدير: يا ليتنا اجتمع لنا الرد وترك التكذيب مع الإيمان. ويجوز أن يكونوا قالوا على الوجهين جميعًا، فاكذبوا على الوجه الأول.\nوأجاز الزجاج أنّ تكون (الواو) بمنزلة (الفاء) في الجواب، فيصير كقولك: لو رُددِنا لم نُكذب بآيات ربِّنا ولكُنَّا من المؤمنين فاكذبوا في هذا. وهو مذهب الكوفيين؛ لأنّ أكثر البصريين لا يجيز أن يكون الجواب إلا بالفاء.\nوأما الرفع فعلى القطع والاستئناف، أي: ونحن لا نكذب بآيات ربِّنا رُددنا أو لم نرد.\nقال سيبويه: دعني ولا أعود، أي: وأنا لا أعود على كل حال تركتني أو لم تتركني، ويدل عليه (وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ).\nويجوز أن يكون على إضمار مبتدأ أي ونحن لا نكذب.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-61>قوله تعالى: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ)</span>\nالدابة: كل ما دبّ من الحيوان.\nومما يسأل عنه أن يقال: لِمَ قال (وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ) وقد علم أنّ الطائر لا يطير إلا بجناحيه؟","vol":"1","page":115},{"text":"والجواب: أنّ هذا إنما جاء للتوكيد ورفع اللبس، لأنّه قد يقول القائل: طِر في حاجتي، أي: أسرع فيها، فجاء هذا التوكيد لإزالة اللبس. وهو كما نقول مشى برجليه.\nومعنى قوله: (إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ)، أي: في الحاجة وشدة الفاقة إلى مدبر يدبرهم في أغذيتهم وكسبهم ونومهم ويقظتهم وما أشبه ذلك.\nويُسأل عن قوله (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ)؟\nوفيه جوابان:\nأحدهما: أنّه قد أتى فيه بكل ما يحتاج إليه العباد في أمور دينهم مجملًا ومفصلًا.\nوالثاني: أنّه ذكر فيه جميع الاحتجاجات على مخالفيه.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-62>قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ)</span>\nيُسأل: ما الشبه وما الشبه به في قوله (وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ)؟\nوفيه جوابان:\nأحدهما: التفصيل الذي تقدم في صفة المهتدين وصفة الضالين شبه بتفصيل الدلالة على الحق من الباطل في صفة غيرهم من كل مخالف للحق.","vol":"1","page":116},{"text":"والثاني: أنّ المعنى كما فصلنا ما تقدم من الآيات لكم نفصله لغيركم.\nوقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم (وَلِيَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ) بالياء ورفع اللام. وقرأ نافع بالتاء ونصب اللام، وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وحفص عن عاصم بالتاء ورفع اللام.\nفمن قرأ بالياء وضم اللام جعل (السبيل) فاعلا وذكَّره وهي لغة بني تميم. ومن قرأ بالتاء ونصب اللام جعل المخاطب فاعلا ونصب (السبيل) لأنّه مفعول تقديره: ولتستبين أنت يا محمد سبيل المجرمين. ومن قرأ بالتاء ورفع اللام جعل (السبيل) فاعلة وأنثها وهي لغة أهل الحجاز وقد روي في الشاذ. (وَلِيَسْتَبِينَ سَبِيلَ) بالياء وفتح اللام على تقدير: وليستبين السائل سبيل.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-63>قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٧٤»</span>\nالأصنام: جمع صنم، والصنم ماكان مصورا، والوثن ما كان غير مصور.\nوالآلهة: جمع إله، كإزار، وآزِره.","vol":"1","page":117},{"text":"وفي (آزر) ثلاثة أقوال:\nأحدها: أنّه اسم أب إبراهيم، وهو قول الحسن والسُّدِّي وسعيد بن جبير وابن إسحاق.\nوالثاني: أنّه اسم صنم، وهو قول مجاهد.\nوالثالث: أنّه صفة عيب قال الفراء معناه: معوج عن الدين.\nوقيل: هو لقب له واسمه تارج.\nوهو في هذه الأقوال مجرور الموضع على البدل من (أبيه) ولا ينصرف لأنّه أعجمي معرفة.\nوأما على قول مجاهد فقال الزجاج يكون منصوبًا على إضمار فعل دل عليه الكلام، كأنّه قال: أتتخذ آزر إلهًا أتتخذ أصناما آلهة.\nوقرئ في الشواذ (آزرُ)، وتقديره: وإذ قال إبراهيم لأبيه يا آزرُ أتتخذ أصنامًا آلهة.\nوالعامل في (إذ) فعل مضمر تقديره (اذكر).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-64>قوله تعالى: (فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ)</span>","vol":"1","page":118},{"text":"البزوغ: البروز والطلوع. يقال: بزغ يبزغ بزوغًا. والأفول: الغيبوبة.\nومما يسأل عنه أن يُقال: ما في أفولها من الدلالة على أنّه لا يجوز عبادتها، وقد عبدها كثير من الناس مع العلم بذلك؟\nوالجواب: أنّ الأفول بعد الطلوع تغير والتغير صفة نقص ودلالة على أنّ للمغيَّر مدبرًا يدبره، وأنه مسخر محدث، وما كان بهذه الصفة وجب أنّ لا يعبد.\n* * *\nفصل:\nومما يُسأل عنه أن يقال: لِمَ لمْ يقل: هذه ربِّي، كما قال (بَازِغَةً)؟\nوالجواب: أنّ التقدير هذا النور الطالع ربِّي. ليكون الخبر والمخبر عنه جميعًا على التذكير، كما كانا جميعًا على التأنيث في (الشَّمْسَ بَازِغَةً)، هذا الذي قاله العلماء، وعندي أنّ قوله تعالى: (فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً) إخبار من الله تعالى، وقوله (هَذَا رَبِّي) من كلام إبراهيم ﵇. والشمس مؤنثة في كلام العرب، فأما في كلام سواهم فيجوز أنها ليست كذلك، وإبراهيم ﵇ لم يكن عربيًا فحكى لنا الله تعالى على ما كان في لغته.\n* * *\nفصل:\nومما يسأل عنه أن يقال: لم أُنثت الشمس وذكر القمر؟\nوالجواب: أن تأنيثها تفخيم لها لكثرة ضيائها، على حد قولهم: نسابة وعلامة، وليس القمر كذلك، لأنّه دونها في الضياء.\nويُقَال: لم دخل الألف واللام فيها وهي واحدة، ولم يدخل في زيد وعمرو؟\nقيل: لأنّ شعاع الشمس يقع عليه اسم الشمس. فاحتيج إلى التعريف إذا قصد إلى جرم الشمس أو إلى الشعاع، على طريق الجنس أو الواحد من الجنس. وليس زيد ونحوه كذلك.","vol":"1","page":119},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-65>قوله تعالى: (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ)</span>\nيقال لم أقسموا، وما الآية التي طلبوا؟\nوالجواب: أنّهم أرادوا أن يتحكموا على النبي صلى الله عليه بأقسامهم، وسألوا أن يحول الصفا ذهبا.\nوقيل: سألوا ما ذكره الله تعالى في الآية الأخرى من قوله: (لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا) الآيات.\nومعنى قوله: (وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ) التنبيه على موضع الحجة عليهم في أنّه ليس لهم ما لا سبيل لهم إلى علمه، وقيل المخاطب بهذا المشركون، وهو قول مجاهد وابن زيد، وقيل المؤمنون، وهو قول الفراء وغيره.\nوقرأ ابن كثير وأبو عمرو (إنها) بالكسر، وقرأ عاصم في رواية حفص وحمزة والكسائي بالفتح، قال ابن مجاهد وأحسب ابن عامر. وقرأ حمزة وابن عامر (تؤمنون) بالتاء، وقرأ الباقون بالياء.\nفوجه الكسر: أنّ (إن) جواب هاهنا، لأنّه استئناف على القطع بأنهم لا يؤمنون، ولو فُتِحَتْ وأُعمل فيها (يشعركم) لكان عُذرًا لهم.\nوأما الفتح فعلى أن تكون (أنّ) بمعنى (لعل)، حكى الخليل: ائت السوق أنك تشتري لنا شيئا، وقال عديٌّ بن زيد:","vol":"1","page":120},{"text":"أَعاذِلَ مَا يُدريكِ أَنَّ مَنِيَّتي ... إِلَى ساعةٍ فِي الْيَوْمِ أَو فِي ضُحى الغَدِ\nوالتقدير على هذا: لعلها إذا جاءت لا يؤمنون.\nوقال الفراء تكون (لا) صلة. نحو قوله تعالى: (مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ)،\nوكقوله تعالى: (وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ). وقال الأخفش التقدير:\nوما يشعركم بأنها إذا جاءت يؤمنون، فجعل (لا) زأندة، وجعل (أنّ) في موضع نصب على حذف الجر.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-66>قوله تعالى: (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١١٧»</span>\nيقال: لِمَ جاز في صفة القديم تعالى (أعلم) مع أنّه لا يخلو أن يكون (أعلم) بالمعنى ممن يعلمه أو ممن لا يعلمه وكلاهما لا يصح فيه (أفعل)؟\nوالجواب أنّ المعنى: هو أعلم به ممن يعلمه. لأنّه يعلمه من وجوه تخفى على غيره، وذلك أنّه يعلم ما يكون منه وما كان وما هو كائن من وجوه لا تحصى.\nوأما موضع (مَن) من الإعراب:\nفقال بعض البصريين: موضعها نصب على حذف (الباء) حتى يكون مقابلا لقوله (وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ).","vol":"1","page":121},{"text":"وقال الفراء والزجاج: موضعها رفع؛ لأنَّها بمعنى (أي) كقوله تعالى: (أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى) وهذه المسألة فيها خلاف. وسأشرحها في موضعها إن شاء الله.\nقال أبو علي: (مَن) في موضع نصب بفعل مضمر يدل عليه (أعلم)، كأنّه قال: إن ربَّك أعلم يعلم من يضل عن سبيله.\nوزعم قوم أن (أعلم) بمعنى (يعلم)، وهذا فاسد ولا يجوز أن يكون (مَن) في موضع جر بإضافة (أعلم)؛ لأنَّ (أفعل) لا يضاف إلا إلى ما هو بعضه، وليس ربنا تعالى بعض الضالين، ولا بعض المضلين فامتنع ذلك لذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-67>قوله تعالى: (النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ)</span>\nالمثوى: موضع الثواء، والثواء الإقامة، قال الله تعالى: (وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ)، قال الأعشى\nلقد كانَ في حَوْلٍ ثَواءٍ ثَوَيْتُه ... تَقَضِّي لُباناتٍ وَيَسْأَمُ سائِمُ\nوالخلود: البقاء. يقال: خلد يخلد خُلدًا وخلودًا، والرجل خالد. والخلد اسم من أسماء الجنة، ويقال: أخلد الرجل إذا أبطأ عنه الشيب، وخلد أيضًا، وكذلك أخلد إلى الأرض وخلد، ويقال: أصاب فلان خُلد الأرض إذا وجد كنزا.\nومما يسأل عنه أي يقال: ما معنى الاستثناء في قوله تعالى: (خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ)؟","vol":"1","page":122},{"text":"وللعلماء في ذلك عشرة أجوبة:\nأحدها: قاله ابن عباس وهو أنّه قال: لا ينبغي لأحد أن يحكم على الله تعالى في خلقه بأن لهم جنة ولا نارًا، وهذا الاستثناء لأهل التوحيد دون أهل الكفر، وهو منقطع على هذا القول.\nوالجواب الثاني: عنه أيضًا وهو أنّه لأهل الإيمان، قال: الخلود البقاء فيها. ثم استثنى أهل التوحيد أنّهم لا يخلدون فيها كما يخلد أهل الكفر، وإنما يدخلونها فيقيمون فيها بقدر ذنوبهم ثم يخرجون.\nوالجواب الثالث: وهو له أيضًا قال: قد جعل الله أمد هَؤُلَاءِ القوم في مبلغ عذابهم إلى مشيئته، والاستثناء على هذا لأهل الكفر. وهو متصل.\nوالجواب الرابع: للفراء وهو أنّ العزيمة قد تقدمت بالخلود وهو لا يشاء تركه.\nوالجواب الخامس: لمحمد بن جرير وهو أنّه استثنى الزمان الذي هو مدة قيامهم من قبورهم إلى أن يصلوا إلى المحشر، لأنهم حينئذ ليسوا في جنة ولا نار.\nوالجواب السادس: للزجاج قال: أوجب لهم النار بقولها (النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا) ومقامهم في الحشر والوقوف للمحاسبة ليس هم في نار. وهو كالجواب الذي قبله.\nوالجواب السابع: أنّه على الزمان الذي هم فيه من قيامٍ في المحشر إلى أن يدخلوا النار، وهو استثناء من الخلود فيها وهو متصل.\nوالجواب الثامن: للزجاج أيضًا وجماعة معه قالوا: الاستثناء في الزيادة من العذاب لهم، أي: إلا ما شاء الله من الزيادة في عذابهم، والاستثناء على هذا القول منقطع، والنحويون مختلفون في تقديره: سيبويه يقدره بـ (لكن) وكذلك جميع أصحابه، والفراء يقدره بـ (سوى) وكذا من تابعه.","vol":"1","page":123},{"text":"والجواب التاسع: قاله بعض أصحاب المعاني وهو أنّ (ما) في الآية بمعنى (مَن) والاستثناء منقطع، والمعنى: إلا من شاء الله إخراجه من النار، يعني الموحدين الذين يخرجون بالشفاعة.\nوقيل: بل هو متصل و(ما) بمعنى (مَن) والتقدير: إلا من شاء الله أن يعذبه بأصناف العذاب، يعني الكفار. والاستثناء في هذين الجوابين من الأعيان، وعلى ما تقدم قبلها من الأزمان.\nو(ما) قد يقع في معنى (من) قال الله تعالى: (إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا) أي: مَنْ، وقال: (فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ) وكذلك (يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) وهو كثير. وحكى أبو زيد أنّ أهل الحجاز كانوا إذا سمعوا الرعد يقولون: سبحان ما سبَّحت له.\nوالجواب العاشر: ذهب إليه بعض المتكلمين قال المعنى: إلا ما شاء الله من الفائت قبل ذلك من الاستحقاق، كأنّه قال: خالدين فيها على مقدار مقادير الاستحقاق إلا ما شاء الله من الفائت قبل ذلك، والفائت من العقاب يجوز تركه بالعفو عنه، والاستثناء على هذا متصل.\nقال بعض شيوخنا المعنى: إلا ما شاء الله من تجديد الجلود بعد إحراقها وتصريفهم في أنواع العذاب معها، أي خالدين فيها على صفة واحدة إلا ما شاء الله من هذه الأحوال والأمور التي ذكرت، و(ما) على بابها على هذا القول.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-68>قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)</span>","vol":"1","page":124},{"text":"الشركاء هاهنا الشياطين، زينوا للمشركين وأد البنات وهو دفنهن وهن في الحياة خوفًا من الفقر والعار، هذا قول الحسن ومجاهد والسُّدِّي، وقيل: هم الغواة من الناس. وقيل: شركاؤهم في نعمتهم وأموالهم، وقيل: شركاؤهم في الإشراك والكفر وما يعتقدونه وينالون عنه، وقيل: هم قوم كانوا يخدمون الأوثان ويقومون بأمرها وإصلاح شأنها وما تحتاج إليه، وهذا قول الفراء والزجاج.\nوفي هذه الآية أربع قراءات:\nقراءة الجماعة (زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ)، ووجه هذه القراءة ظاهر. إلا ابن عامر فإنه قرأ (زُيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلُ أَوْلَادَهِمْ شُرَكَائِهِمْ)، بضم \" الزاي \" ونصب \" الأولاد \" وجر \" الشركاء \"، فهذه الرواية المشهورة عنه.\nورويت عنه روايةٌ أخرى وهي جر \" الأولاد \" و\" الشركاء \" جميعا. فهذه ثلاث قراءات.\nوالقراءة الرابعة (وَكَذَلِكَ زُيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلُ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ)، بضم \" الزاي \" ورفع \" قَتْلُ \" وجر \" الأولاد \" ورفع \" الشركاء \" وأظنها قراءة أبي عبد الرحمن السُّلمي.\nووجه قراءة ابن عامر أنّه فرق بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول، كأنّه قال: قتل شركائهم أولادهم، والشركاء في المعنى فاعلون، وهذا ضعيف في العربية، وإنما يجوز في ضرورة الشعر نحو قول الشاعر:\nفزجَجْتُها. . . . . متمكنا. . . زجَّ القَلوصَ أبي مزَادَهْ\nوأما القراءة الثانية: فوجهها أنّه جعل \" الشركاء \" بدلا من \" الأولاد \" لمشاركتهم إياهم في النسب والميراث، ويقال إن الذي حمله على هذه القراءة أنّه وجد (شركائهم) في مصاحف أهل الشام بالياء.","vol":"1","page":125},{"text":"وأما القراءة الرابعة: وهى شاذة، فعلى أنّه لما قال: (وَكَذَلِكَ زُيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلُ أَوْلَادِهِمْ)، قِيل: مَن زينه، قيل: شركاؤهم. أي: زينه شركاؤهم، ومثله قوله تعالى: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبَّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ)، على مذهب من قرأ (يُسبَّحُ) على ما لم يسم فاعله. وأنشد سيبويه:\nلِيُبْكَ يزيدُ ضارعٌ لخصومةٍ ... ومُخْتَبِطٌ مِمَّا تُطيح الطَّوائِحُ\nكأنّه قال: ليبك يزيد. قيل: من يبكيه؟ قال: ضارعٌ لخصومةٍ.\n* * *","vol":"1","page":126},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-69>وَمِنْ سُورَةِ (الْأَعْرَافِ)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-70>قوله تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ)</span>\nالخلق: التقدير، والتصوير: جعل الشيء على صورة من الصور. والصورة: بنيةَ على هينةٍ ظاهرة.\nومما يسأل عنه أن يقال: كيف جاء (ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا)، والقول كان قبل خلقنا وتصويرنا؟\nوعن هذا ثلاثة أجوبة:\nالأول: أنّ المعنى خلقنا آبائكم، ثم صورنا آبائكم. وهذا يروى عن الحسن من كلام العرب: نحن فعلنا بكم كذا وكذا، وهم يعنون أسلافهم، وفي التنزيل: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ) أي ميثاق أسلافكم الذين كانوا على زمن موسى ﵇.\nوالثاني: أنّ المعنى خلقنا آدم ثم صورناكم في ظهره، وهو قول مجاهد.\nوالثالث: أنّ الترتيب وقع في الإخبار. كأنّه قال ثم إنا نخبركم أنا قلنا للملائكة، كما تقول: أنا راجل ثم أنا مسرع، وهذا قول جماعة من النحويين منهم: علي بن عيسى والسيرافي وغيرهما، وقال الأخفش: (ثم) هاهنا بمعنى (الواو)، وأنكره الزجاج. وقال الشاعر:\nْسألتُ ربيعَةَ مِن خَيْرِهَا ... أُبًا ثُمَّ أُمًّا فَقالت لَمهْ\nأي ليجيب أولا عن الأب ثم الأم.","vol":"1","page":127},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-71>قوله تعالى: (وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ)</span>\nالأعراف: المواضع المرتفعة؛ أخذ من عرف الفرس، وكل مرتفع من الأرض عرف، قال الشماخ:\nفظلَّتْ بأعرافٍ تَعادَى كأنَّها ... رِماحٌ نَحاها وِجْهةَ الريحِ راكزٌ\nوالحجاب: الحاجز المانع من الإدراك، ومنه قيل حاجب الأمير، وقيل للضرير \" محجوب \".\n* * *\nفصل:\nومما يسأل عنه أن يقال: من أصحاب الأعراف؟\nوفي هذا أجوية:\nأحدها: أنّهم فضلاء المؤمنين، وهو قول الحسن ومجاهد.\nوقيل: هم الشهداء، وهم عدول الآخرة.\nوقيل: هم ملائكة يُرون في صورة الرجال، وهو قول أبي مجلز.\nوقيل: هم قوم أبطأت بهم صغائرهم إلى آخر الناس، وهو قول حذيفة\nوقيل: هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، وقوله: (لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ) قيل هم أصحاب الأعراف، وهذا قول ابن عباس وابن مسعود والحسن وقتادة.\nوقيل: هم أهل الجنة قبل أن يدخلوها، وهو قول أبي مجلز.","vol":"1","page":128},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-72>قوله تعالى: (وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً)</span>\nواعد: فاعل من الوعد. وموسى: اسم أعجمي لا ينصرف للتعريف والعجمة.\nقال السُّدِّي: أصله (موشا) فـ (مو): الماء، و(شا): الشجر، قال: وذلك أنّ جواري امرأة فرعون وجدنه بين ماء وشجر، فسمي باسم المكان الذي وُجِد فيه.\nوقال غيره: معناه من الماء رفعتك.\nوجمع (موسى) (موسون) في الرفع و(موسين) وفي الجر والنصب، تحذف الألف لالتقاء الساكنين، وترك الفتحة تدل عليها، هذا مذهب البصريين. وقال الكوفيون: يقال في جمعه (موسون) مثل قولك قاضون.\nفأما موسى الحديد فيقال في جمعه (مواس)، قال الشاعر:\nعَذبوني بعذاب قَلعوا جَوهَر راسِي\nثم زادُوني عَذابًا نَزَعُوا عَني طِسَاسِ\nبالمدَى قُطّعَ لحمِي وبأطرافِ المواسي\nوهي مؤنثة، قال الشاعر:\nفإِن تَكُنِ الْمُوسَى جَرَتْ فوقَ بَظْرِها ... فَمَا وُضِعْتْ إِلا ومَصَّانُ قاعِدُ\nواختلف في اشتقاقها:\nفقال البصريون: هي (مُفْعَل) من أحد شيئين إما من أوسيت الشعر إذا حلقته، أو من أسوت الشيء إذا أصلحته، فعلى القول الأول تكون الواو أصلية، والألف في آخره منقلبة عن ياء، وعلى القول الثاني تكون الواو منقلبة عن همزة، والألف منقلبة عن واو.","vol":"1","page":129},{"text":"وقال الكوفيون: هي (فُعْلىَ) من ماس يميس، فعلى هذا القول تكون الواو منقلبة عن ياء، لسكونها، وانضمام ما قبلها، والألف زائدة للتأنيث. والإتمام: التكميل، والميقات: الموقت.\n* * *\nفصل:\nومما يسأل عنه أن يقال: كيف كانت المواعدة هاهنا، والمواعدة إنما تكون من اثنين؟\nوفي هذا جوابان:\nأحدهما: أنّ (فَاعَل) قد يكون من واحد. نحو: عافاه الله، وعاقبت اللص. وطارقت النعل، فكذلك هاهنا.\nوالجواب الثاني: أنّ القول كان من الله تعالى، والقبول من موسى فصارت مواعدة.\n* * *\nفصل:\nومما يسأل عنه أن يقال: لم قال (ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ)، ولم يقل: أربعين لَيْلَةً؟\nوفي هذا أجوبة:\nقال مجاهد وابن جريج ومسروق كانت العدة ذا القعدة وعشر ذي الحجة.\nوقال غيرهم: واعده ثلاثين ليلة يصوم فيها ويتقرب بالعبادة، ثم أُتمت بعشر إلى وقت المناجاة.\nوقيل: واعده ثلاثين ليلة، فلم يصمها موسى ﵇، فأمره الله تعالى بعشر زيادة عليها؛ ليصوم فيها لتكون مناجاته بعقب صوم؛ لأنَّ خلوف فم الصائم عند الله كرائحة المسك.\nويقال: لم قال (فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً)، وقد دل ما تقدم على هذه العدة؟\nقيل: للبيان الذي يجوز معه توهم أتممنا الثلاثين بعشر منها كأنّه كان عشرين ثم أتم بعشر فتم ثلاثون.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-73>قوله تعالى: (وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ)</span>","vol":"1","page":130},{"text":"الاتخاذ: افتعال من الأخذ. والحلي: ما كان للزينة من الذهب والفضة. وقيل: إن العجل عُمِل من الذهب والفضة.\nوالعجل: ولد البقرة القريب العهد بالولادة. واشتقاقه من التعجيل لصغره. وهو \" العجول \" أيضًا.\nوالجسد: كالجسم، والخوار: الصوت.\nويقال: كيف خار العجل، وهو مصوغ من ذهب؟\nوعن هذا أجوبة:\nقال الحسن: قبض السامري قبضة من تراب من أثر فرس جبريل ﵇ يوم قطع البحر، فقذف ذلك التراب في العجل، فتحول لحمًا ودمًا.\nوقال غيره: احتال السامري بإدخال الريح فيه حتى سُمِع له صوتَ كالخوار.\nوقيل: بل لما جمع الحلي أتى بها إلى هارون ﵇، فقال له: إني أريد أن أصنع بهذا الحلي شيئًا ينتفع به بنو إسرائيل، فادع الله أن ييسره عليَّ، فدعا الله له، فأجرى الله تعالى في العجل ريحًا حتى خار.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-74>قوله تعالى: (سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا)</span>\nساء: فعل ماض لا يتصرف إذا أريد به معنى \" بئس \".\nونصب (مثلًا) لأنّه تفسير للمضمر في ساء وبيان، وتقديره: ساء المثل مثلًا. وفي الكلام حذف آخر تقديره: ساء المثل مثلا مثل القوم، ثم حذف المثل الأول لدلالة المنصوب عليه، وحذف الثاني وأقام المضاف إليه مقامه للإيجاز ولأن المعنى مفهوم.","vol":"1","page":131},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-75>قوله تعالى: (فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا)</span>\nالإيتاء: الإعطاء.\nوقرأ نافع وعاصم من طريق أبي بكر (جَعَلَا لَهُ شُرْكًا)، وقرأ الباقون (شُرَكَاءَ)، وأنكر بعضهم القراءة الأولى، وقال لو كان (شُرْكًا) لقال: جعلا لغيره شُرْكًا؛ لأنّه بمعنى \" النصيب \".\nوالجواب عن هذا أنّ الزجاج قال المعنى: ذا شرك، كما قال (وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ). وقيل: هو على التفحيش، أي: كان له شركًا. والشرك: مصدر، والشركاء: جمع شريك، ككريم وكرماء.\nويُسأل: إلى من يرجع الضمير في (جعلا)؟\nوفيه ثلاثة أجوبة:\nأحدها: أنّه يرجع إلى النفس وزوجها من ولد آدم لا إلى آدم وحواء، وهو قول الحسن وقتادة.\nوالثاني: أنّه يرجع إلى الولد الصالح، بمعنى المعافاة في بدنه، فذلك صلاح في خلقه لا في دينه، وثنى لأنّ حواء كانت تلد في كل بطن ذكرًا وأنثى.\nوالثالث: أنّه يرجع إلى آدم: حواء، فإنهما جعلا له شريكا في التسمية، وذلك أنهما أقاما زمانا لا يولد لهما، فمر بهما الشيطان، ولم يعرفاه، فشكوا إليه، فقال لهما: إن أصلحت حالكما حتى يولد لكما أتسماينه باسمي؟ - فقالا: نعم، وما اسمك؟ قال: الحارث، فولد لهما، فسمياه (عبد الحارث). وهذا القول بعيد ولا يجوز مثل هذا على نبيٍّ من أنبياء الله تعالى، والقول الأول أوضح الأقاويل.","vol":"1","page":132},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-76>قوله تعالى: (وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ)</span>\nالهمزة في قوله: (أَدَعَوْتُمُوهُمْ) همزة تسوية كالذي في قوله: (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ)، و(أم) معادلة لها.\nوسأل على من يعود الضمير في قوله (أَدَعَوْتُمُوهُمْ)؟.\nوفيه جوابان:\nأحدهما: أنّه يعود إلى قومٍ من المشركين قد صبئوا بالكفر. وهو قول الحسن.\nوالثاني: أنّه يعود إلى الأصنام، وهو قول أهل المعاني.\nويُقال: لم قال (أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ)، ولم يقل: أم صمتم؟\nوالجواب: أنّه أتى بذلك لإفادة الماضي والحال؛ لأنَّ المقابلة قد دلت على الماضي، واللفظ دل على معنى الحال. قال الشاعر:\nسواءٌ عليك الفقرُ أم بِتَّ ليلةً ... بأهل القباب مِنْ غَيرِ بن عامرِ\nفقابل الفعل الماضي بالاسم المبتدأ، كما قوبل في الآية المبتدأ بالفعل الماضي، وساغ هذا فيه لأنّه جملة من مبتدأ وخبر قابلت جملة من الفعل والفاعل.\n* * *","vol":"1","page":133},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-77>وَمِنْ سُورَةِ (الْأَنْفَالِ)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-78>قوله تعالى: (كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ)</span>\nيسأل عن الكاف هاهنا، ما شبِّه بها؟\nعن ذلك ثلاثة أجوبة:\nأحدها: أنّ المعنى: قل الأنفال لله والرسول مع مشقته عليهم، لأنّه أصلح لهم كما أخرجك ربك من بيتك بالحق مع كرامتهم، لأنّه أصلح لهم.\nوالثاني: أنّ المعنى: هذا الحق كما أخرجك ربك من بيتك بالحق.\nوالثالث: أنّ المعنى: يجادلونك في الحق متكرهين كما تكرهوا إخراجك من بيتك بالحق. وهذه الأقوال كلها عن أصحاب المعاني.\nوزعم بعضهم: أنّ \" الكاف \" بمعنى \" الباء \"، أي: بما أخرجك ربك، وهذا لا يعرف.\n* * *\nفصل:\nويُسأَل: بم تتعلق \" الكاف \"؟\nوالجواب: أنها تتعلق بما دلَّ عليه (قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ)؛ لأنَّ في هذا معنى بنزعها من أيديهم بالحق كما أخرجك ربك من بيتك.\nوجوابٌ ثانٍ: وهو أن يكون التقدير: يجادلونك في الحق كما كرهوا إخراجك في الحق، لأنّ فيه هذا المعنى وإن قدم ذكر الإخراج.\nوجوابٌ ثالث: وهو أن يعمل فيه معنى الحق بتقدير: هذا الذكر الحق كما أخرجك ربك من بيتك بالحق.\nويقال: لِمَ جاز أن يكره المؤمنون ما أمر الله تعالى به من الإخراج؟\nوفيه جوابان:","vol":"1","page":134},{"text":"أحدهما: أنّه تكره الطباع من طريق المشقة التي تلحق.\nوالثاني: أنّهم كرهوا قبل أن يعلموا أنّ الله تعالى - عز اسمه - أمر به، أو أنّ النبي ﵇ عزم عليه. فلما علموا أرادوه.\nوالقول الأول أبين، وقوله تعالى: (كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-79>قوله تعالى: (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ)</span>\nيقال: بمَ قتلهم الله تعالى؟\nوالجواب: بإعانته للمؤمنين، وإلقاء الرعب في قلوب المشركين، وجاء في التفسير عن ابن عباس والسُّدِّي وعروة: أنّ النبي صلى الله علبه وسلم قبض قبضة من التراب فرماها في وجوههم وقال: (شاهت الوجوه) فبثها الله على أبصارهم حتى شغلهم بأنفسهم.\nويقال: كيف جاز نفي الفعل عنه، وقد فعل؟\nوفي هذا جوابان:\nأحدهما: أنّه أثبته تعالى لنفسه لقوة السبب المؤدي إلى المسبب.\nوالثاني: أنّه أثبته للنبي ﵇ بالاكتساب. ونفاه عنه لأنّه الفاعل في الحقيقة فأثبته لنفسه تعالى.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-80>قوله تعالى: (وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ)</span>","vol":"1","page":135},{"text":"جاء في التفسير أنّ القائل هو \"النضر بن الحارث بن كلدة\" ويروى ذلك عن سعيد بن جبير ومجاهد، وذلك أنّه قال: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ، وأهلكنا ومحمدًا ومن معه. فأنزل الله تعالى: (وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) أي: وفيهم قوم يستغفرون، يعني المسلمين، يدل على ذلك قوله تعالى: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ)، ثم قال: (وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ) خاصة (وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ)، يعني المسلمين. فعذبهم الله بالسيف بعد خروج النبي ﵇. وفي ذلك نزلت: (سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ). وهذا معنى قول ابن عباس، وقال مجاهد في قوله: (وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) علم الله أنّ في أصلابهم من يستغفر.\n* * *\nفصل:\nومما يسأل عنه أن يقال: لم طلبوا العذاب من الله تعالى بالحق، وإنما يطلب بالحق الخير والثواب والأجر؟\nوالجواب: أنّهم كانوا يعتقدون أنّ ما جاء به النبي ﵇ ليس بحق من الله، وإذا لم يكن كذلك لم يصبهم شيء.\nويقال: لِمَ قال (أَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ)، والإمطار لا يكون إلا من السماء؟.\nوفي هذا جوابان:\nأحدهما: أنّه يجوز أن يكون إمطار الحجارة من مكانٍ عالٍ دون السماء.\nوالثاني: أنّه على طريق البيان بـ (من).","vol":"1","page":136},{"text":"وقرئ: (وإِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ) بالنصب على أنّه خبر كان، و(هو) فصل.\nوقرئ: (إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقُّ) بالرفع على أنّ (هو) مبتدأ، و(الْحَقُّ) خبره، والجملة خبر كان، ومثل ذلك (وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ)، وقرئ (وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمُونَ)، وكذلك قوله: (فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ) و(كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبُ) على ما فسرنا.\n* * *","vol":"1","page":137},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-81>وَمِنْ سُورَةِ (التَّوْبَةِ)</span>\nيقال: لِمَ لم تستفتح \" براءة \" بـ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)؟\nوفي هذا جوابان:\nأحدهما: أنها ضُمَّت إلى \" الأنفال \" بالمقاربة، فصارتا كسورة واحدة، إذ الأولى في ذكر العهود، والثانية في رفع العهود، وهذا يروى عن أبي بن كعب، ويروى عن ابن عباس أنّه قال: قلت لعثمان بن عفان: ما حملكم على أن عمدتم إلى \" براءة \" وهي من المئين وإلى \" الأنفال \" وهي من الثاني فجعلتموها في السبع الطول، ولم تكتبوا بينهما سطر \" بسم الله الرحمن الرحيم \"؟ - فقال عثمان: كان النبي صلى الله عليه تنزل عليه الآيات، فيدعو بعض من يكتب له، فيقول (ضع هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا) وتنزل الآيات فيقول مثل ذلك، وكانت \" الأنفال \" من أول ما نزل من القرآن بالمدينة، وكانت \" براءة \" من آخر ما أنزل من القرآن، وكانت قصتها شبيهةً بقصتها فظننا أنها منها، فمن هنا وضعناها في السبع الطُّوَل، ولم نكتب بينهما سطر \" بسم الله الرحمن الرحيم \".\nوالجواب الثاني: أنّ \" بسم الله الرحمن الرحيم \" أمان، \" وبراءة \" نزلت برفع الأمان، وهذا قول أبي العباس، فلم تكتب في أولها، وروى ابن عباس ذلك عن علي ﵄.\nويُسأَل عن الرافع لـ \" براءة \"؟\nوفيه جوابان:\nأحدهما: إضمار المبتدأ، أي: هذه براءة.\nوالثاني: أن يرتفع بالابتداء، وإن كان نكرة؛ لأنّه موصوف، والخبر في قوله (إلى الناس).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-82>قوله تعالى: (وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ)</span>","vol":"1","page":138},{"text":"الأذان: الإعلام. هذا قول ابن زيد.\nوالحج الأكبر: الوقوف بعرفة. هذا قول عطاء ومجاهد.\nوالحج الأصغر: العمرة.\nوأركان الحج: الإحرام بعد الاغتسال، ثم التلبية، ثم طواف القدوم، ثم السعي بين الصفا والمروة، ثم الميت بممنًى، ثم الصلاة بمسجد إبراهيم ﵇. ثم الوقوف بعرفة، ثم المصير إلى مزدلفة والبيت بها، ثم الوقوف بالمشعر الحرام، ثم المصير إلى جمرة العقبة ورميها، ثم حلق الرأس، ثم النحر، ثم طواف الزيارة، ثم الإحلال، ثم الرجوع إلى منىً والمقام بها ثلاثة أيام، ثم العمرة لمن شاءها.\nوقد قيل: يوم الحج الأكبر يوم النحر، يروى هذا عن النبي صلى الله عليه، وعن علي ﵁، وعن ابن عباس ﵁. وسعيد بن جبير وعبد الله بن أوفي وإبراهيم، واختلف عن مجاهد: فقال مرة بالقولين جميعا، وقال مرة: أيامها كلها، ويروى مثل ذلك عن سفيان، وبالقول الأول أخذ أبو حنيفة، ويروى مثله عن ابن الزبير.\n* * *\nفصل:\nويسأل عن قوله تعالى: (وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ)، بمَ ارتفع؟\nوفيه ثلاثة أجوبة:\nأحدها: أنّه معطوف على \" براءة \". وهو قول الفراء والزجاج.","vol":"1","page":139},{"text":"والجواب الثاني: أنّه مبتدأ والخبر محذوف، أي: عليكم أذانٌ من الله، وفيه معنى الأمر، وهذا قول علي بن عيسى.\nوالثالث: أنّه مبتدأ والخبر قوله (أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)، على حذف الباء. كأنّه قال: بأنَّ الله.\nوعلى الوجهين الأولين يكون موضع (أنَّ) نصبًا على أنّه مفعول له.\nوقرأت القراء (وَرَسُولُهُ) بالرفع، وقرأ عيسى بن عمر (وَرَسُولَهُ) بالنصب، وقرأ بعض أهل البدو (وَرَسُولِهِ) بالجر.\nفأما الرفع فمن وجهين:\nأحدهما: أن يكون معطوفًا على المضمر في \" بريء \" وحسُن العطف عليه وإن كان غير مؤكد لأنّ قوله تعالى (مِنَ الْمُشْرِكِينَ) قام مقام التوكيد.\nوالثاني: أن يكون مبتدأ، والخبر محذوف تقديره: ورسوله برىءَ أيضًا، ثم حذف الخبر لدلالة \" أنّ \" عليه.\nوذكر سيبويه وجها ثالثًا: وهو أن يكون معطوفًا على موضع \" أنّ \". وهذا وهم منه، لأنّ \" أنّ \" المفتوحة مع ما بعدها في تأويل المصدر، فقد تغيرت عن حكم المبتدأ وصارت في حكم \" ليت \" و\" لعل \" فكأن في إحداثها معنى يفارق المبتدأ، فكما لا يجوز العطف على مواضعهن فكذلك موضع \" أنَّ \" لا يجوز العطف عليه، وإنما يجوز العطف على موضع \" إنَّ \" المكسورة، كما قال الشاعر:\nفَمَنْ يَكُ أَمْسَى بِالْمَدِينَةِ رَحْلُهُ ... فإِني وقَيَّارًا بِهَا لغَرِيبُ","vol":"1","page":140},{"text":"ولعل سيبويه توهم أنها مكسورة فحمل على موضعها، وقد قرئ في الشواذ (إن الله) بالكسر؛ ولعله تأول على هذه القراءة.\nفأما النصب: فعلى العطف على اللفظ، ومثله قول الراجز:\nإنَّ الربيعَ الجودَ والخريفَا ... يدا أبي العباس والضُّيوفا\nوأما الجر: فحمله قوم على القسم. وهي قراءة بعيدة شاذة.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-83>قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ)</span>\nيسأل عن موضع \" الَّذِينَ يَكْنِزُونَ \" من الإعراب؟\nوفيه جوابان:\nأحدهما: أنّ موضعه نصب؛ لأنَّه معطوف على اسم \" إنَّ \"، ولكون المعنى: وإن الذين يكنزون الذهب والفضة يأكلونها.\nوالثاني: أن يكون رفعًا على الاستئناف.\nويقل: لِمَ قال (يُنْفِقُونَهَا) ولم يقل (ينفقونهما)؟\nوفي هذا أجوبة:\nأحدها: أنّه يرجع إلى ما دل عليه الكلام، كأنّه قال: ولا ينفقون الكنوز.\nوالثاني: أنّه لما ذكر الذهب والفضة دل على \" الأموال \"، فكأنه قال: ولا ينفقون الأموال","vol":"1","page":141},{"text":"والثالث: أنّ الذهب مؤنث، وهو جمعٌ واحده \" ذهبة \"، وهذا الجمع ليس بينه وبين واحده إلا \" الهاء \" يذكر ويؤنث. قال الله تعالى: (كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ) وقال: (كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ) فذكر. ثم لما اجتمعا في التأنيث، وكان كل واحد منهما يؤخذ عن صاحبه في الزكاة على قول جمهور أهل العلم جعلهما كالشيء الواحد، ورد الضمير إليهما بلفظ التأنيث.\nوالرابع: أنّه اكتفى بأحدهما عن الآخر للإيجاز. ورد الضمير إلى الففة لأنّه أقرب إليه، وإن شئت إلى الذهب، على مذهب من يؤنثه. والعرب تكتفي بأحد الشيئين عن الآخر للإيجاز والاختصار، قال الشاعر:\nرَمَاني بأَمرٍ كنتُ مِنْهُ وَوَالِدِي ... بَرِيًّا وَمِنْ أجْلِ الطَّوِيِّ رَماني\nولم يقل: بريئين، وكذا قول الآخر:\nنحنُ بما عِندنا وأنتَ بما عن ... دَكَ راضٍ والرأيُ مختلفُ\nومثله قوله تعالى: (وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ)، وتقدير هذا عند سيبويه: أنَ الخبر الأول محذوف لدلالة الثاني عليه، كأنّه قال: والله أحق أن يرضوه ورسوله أحق أن يرضوه، ثم حذف، وقال أبو العباس: هو على التقديم والتأخير. كأنّه قال: والله أحق أن يرضوه ورسوله. وقد قيل: إنه اقتصر على أحدهما لأنّ رضا الرسول ﵇ رضا الله تعالى، فترك ذكره لأنّه دلَّ عليه مع الإيجاز، وقيل: أنّه لم يذكر تعظيمًا له بإفراد الذكر.","vol":"1","page":142},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-84>قوله تعالى: (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ)</span>\nهذه الآية نزلت في قوم أيأس الله تعالى نبيه من إسلامهم، وروى الحسن وقتادة أنّ النبي ﵇ قال: لأزيدن على السبعين، فأنزل الله تعالى: (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ)، وكان النبي ﵇ يدعو لهم بالمغفرة رجاء أن يكون لله تعالى بهم لطف فيستجيب له، فلما أيأسه كف عن ذلك.\nويُسأل عن صيغة الأمر في قوله (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ)؟\nوالجواب: أنّه للمبالغة عن اليأس من المغفرة، وخصص عدد السبعين للمبالغة. وذلك أنّ العرب تبالغ بالسبعة والسبعين، ولهذا قيل للأسد سبع؛ لأنَّهم تأولوا فيه لقوته أنها ضوعفت له سبع مرات.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-85>قوله تعالى: (وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ)</span>\nهذا معطوف على قوله تعالى: (لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ).\nوسأل عن هَؤُلَاءِ الثلاثة؟\nوالجواب: أنّهم كعب بن مالك وهلال بن أمية ومرار بن ربيعة، وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة وجابر: هؤلاء الثلاثة من الأنصار.","vol":"1","page":143},{"text":"ويسأل عن قوله (خُلِّفُوا) عن ماذا خُلِّفُوا؟\nالجواب: أنّ مجاهدًا قال: خُلِّفُوا عن التوية، وقال قتادة: خُلِّفُوا عن غزوة تبوك.\nوالظن هاهنا بمعنى اليقين، ومثله قول دريد بن الصمة:\nفقلتُ لهم ظُنُّوا بأَلْفَي مُدَجَّجٍ ... سَرَاتُهمُ كالفارِسي المُسَرَّدِ\n* * *","vol":"1","page":144},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-86>وَمِنْ سُورَةِ (يُونُسَ)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-87>قوله تعالى: (وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا)</span>\nالكسب: اجتلاب النفع، والجزاء المكافأة، والسيئة: نقيض الحسنة.\nوسأل عن ارتفاع (جزاء)؟\nوفيه وجهان:\nأحدهما: أن يكون مبتدأ والخبر (بِمِثْلِهَا) على زيادة الباء، وهذا قول أبي الحسن. لأنّه وجد في مكان آخر (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا)، ويجوز أن تكون الباء متعلقة بخبرٍ محذوف تقديره: وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ كائنٌ بمثلها، ثم حذفت كما تقول: إنما أنا بك وأمري بيدك وما أشبه ذلك.\nوالثاني: أن يكون فاعلًا بإضمار فعل تقديره: استقر لهم جزاء سيئة بمثلها ثم حذفت \" استقر \" فبقي \" لهم جزاء سيئة بمثلها \" ثم حذفت \" لهم \" لدلالة الكلام على أنّ هذا مستقر لهم.\nويجوز أن يكون (جَزَاءُ سَيِّئَةٍ) مبتدأ والخبر محذوف تقديره: لهم جزاء سيئة بمثلها، وإن شئت قدرته: جزاء سيئة بمثلها كائن، وهذه إجازة أبي الفتح.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-88>قوله تعالى: (لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ)</span>\nيسأل عن \" البشرى في الحياة الدنيا \" ما هي:","vol":"1","page":145},{"text":"وفيه أجوبة:\nأحدها: أنها بشرى الملائكة ﵈ للمؤمنين عند الموت.\nوالثاني: الرؤيا الصالحة يراها الرجل. أو تُرى له، وهذا في خبرٍ مرفوع، والأوّل قول قتادة والزهري والضحاك.\nوالثالث: أنّ البشرى القرآن.\nوالرابع: أنّ المؤمن يُفتح له باب إلى الجنة في قبره فيشاهد ما أُعدَّ له في الجنة قبل دخولها.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-89>قوله تعالى (وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٥»</span>\nالعزة: القدرة.\nويسأل عن صيغة النهي في قوله (وَلَا يَحْزُنْكَ)؟\nوالجواب: أنّ هذا تسلية للنبي ﷺ.\nويُسأَل: لم كسرت (إنَّ) هاهنا؟\nوالجواب: أنها كسرت للاستئناف بالتذكير لا ينفي الحزن. ولا يجوز أن تكون كسرت لأنها وقعت بعد القول؛ لأنّه يصير حكاية عنهم، وأن النبي ﵇ يحزن لذلك وهذا كفر.\nويجوز فتحها على تقدير \" اللام \" كأنّه قال: ولا يحزنك قولهم لأنّ العزة لله جميعًا.","vol":"1","page":146},{"text":"وقد غلط القتبي في هذا وزعم أنّ فتحها يكون كفرًا، وليس كما ظن، وسواء فتحت أو كسرت إذا كانت معمولة للقول إلا إذا تعلقت بغير القول، ولا خلل في القراءة، ومثل الفتح قول ذي الرمة:\nفَمَا هَجَرتكِ النَفسُ يا مَيُّ أنّها ... قلتْكِ وَلكنْ قلَّ منكِ نَصيبُها\nولكنَّهم يا أُملحَ النَّاسِ أُولِعَوا ... بِقول إذا ما جئتُ هَذا حَبِيبُها\nوقال القتبي عند ذكر هذه المسألة: إذا قلت هذا قاتلٌ أخي -بالتنوين- دل على أنّه لم يقتل، وإذا قلت هذا قاتلُ أخي -بحذف التنوين- دل على أنّه قتل، وهذا غلط بإجماعٍ من النحويين، لأنّ التنوين قد يحذف وأنت تريد الحال والاستقبال، قال الله تعالى (هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ)، يريد: بالغًا الكعبة، وقال: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ)، أي: ستذوق.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-90>قوله تعالى: (فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ)</span>\nيقال: أجمعت على الأمر، وأجمعت الأمر، أي: عزمت عليه.\nواختلف في انتصاب قوله (وَشُرَكَاءَكُمْ):\nفقال الفراء: هو نصب بإضمار فعل. كأنّه قال: وادعوا شُرَكَاءَكُمْ، وقال: كذا هو في مصحف أبي وقال غيره: أضمر (واجمعوا شُرَكَاءَكُمْ)؛ لأنَّ (أجمعُوا) يدل عليه.\nوروى الأصمعي: أنّه سمع نافعا يقرأ (فَاجْمَعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ)، فهذا يدل على هذا الإضمار، ويُقال: أجمعت الأمر وجمعت الأمر وأجمعت عليه.","vol":"1","page":147},{"text":"وذهب المحققون من أصحابنا إلى أنّه مفعول معه تقديره: مع شركائكم. كما أنشد سيبويه:\nفكُونُوا أُنتُم وَبني أبِيكُم ... مَكَانَ الكُليتَينِ مِنَ الطحالِ\nويدل على صحة هذا القول قراءة الحسن (فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ) فعطف على المضمر في (اجمعوا). وحسن العطف عليه لأنّ الفصل قام مقام التوكيد.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-91>قوله تعالى: (فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ)</span>\nاختلف في قوله (نُنَجِّيكَ):\nفقال أكثر المفسرين: معنى ننجيك نخلصك ببدنك أي بجسمك؛ لأنّه لو سلط عليه دواب البحر فأكلته لادعى قومه أنّه لم يمت، فالمعنى على هذا: نخرجك ببدنك بعد موتك.\nوقال أبو العباس المبرد: الناس يغلطون في هذا. إنما المعنى في (ننجيك) نلقيك بنجوةٍ من الأرض، والنجوة ما ارتفع من الأرض، قال الشاعر:\nفَمَنْ بِنَجْوَتِه كمَنْ بِعَقْوته ... والمُستَكِنُّ كمَنْ يَمْشِي بقِروَاحِ\nوقوله (بِبَدَنِكَ) أي بدرعك. والدرع يسمى بدنا.\nقال غيره: المعنى ببدنك دون روحك.","vol":"1","page":148},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-92>قوله تعالى: (فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ)</span>\nالقرية مأخوذ من قريت الماء إذا جمعته، والخزي: الهوان والوضع من القدر وأصله العيب.\nويُسأَل عن (لولا)؟\nوفيها جوابان:\nأحدهما: أنّه بمعنى (هلاّ) يكون تحضيضًا، نحو قول الشاعر:\nتَعُدُّونَ عَقْرَ النِّيبِ أَفْضَلَ مَجْدِكُم ... بَنِي ضَوْطَرَى لَوْلا الكَمِيَّ المُقَنَّعَا\nويكون تأنيبًا، نحو قولك: لولا امتنعت من الفساد، كما تقول: هلا، والمعنى على هذا: هلا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس. والأصل: فلولا كان أهل قرية، فحذف.\nوالجواب الثاني: أن \" لولا \" بمعنى \" ما \" النفي، وهذا قولٌ ذكره ابن النحاس، ولم أسمعه عن غيره. والتقدير على هذا: ما كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس.\nويُسأَل عن هذا الاستثناء ما هو؟\nوالجواب: أنّه استثناء منقطع في اللفظ؛ لأنَّه بعد (قرية)، متصل في المعنى إذ المعنى: فلولا كان أهل قرية.","vol":"1","page":149},{"text":"ويونس اسم أعجمي لا ينصرف للعجمة والتعريف، وليس من الأنس والاستنناس وإن وافق اللفظُ اللفظَ.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-93>قوله تعالى: (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي)</span>\nالشك: التوقف بين الحق والباطل، والدين هاهنا: الملة.\nومما يسأل عنه أن يقال: لم قال (إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي) وهم يعتقدون بطلان هذا الدين؟\nوعن هذا ثلاثة أجوبة:\nأحدها: أن يكون التقدير: من كان شاكًّا في أمري وهو مصمم على أمره فهذا حكمه.\nوالثاني: أن يكون المعنى أنّهم في حكم الشاك لاضطراب أنفسهم عند ورود الآيات.\nوالثالث: أن يكون فيهم الشاك وغير الشاك، فجرى على التغليب.\nوهذه الأقوال كلها عن أصحاب المعاني.\nويقال: لم جعل جواب (إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ) (لا أعبُدُ)، وهو لا يعبد غير الله شكوا أو لم يشكوا؟\nوالجواب: أنّ المعنى لا تطمعوا أن تشككوني بشككم حتى أعبد غير الله كعبادتكم، كأنّه قال: إن نتم في شك من ديني فلا أعبد الذين يعبدون من دون الله بشككم.\n* * *","vol":"1","page":150},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-94>وَمِنْ سُورَةِ (هُودٍ) </span>﵇\n<span data-type=\"title\" id=toc-95>قوله تعالى (قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ)</span>\nمعنى آوي: أنضم، والعصمة: المنع.\nومما يسأل عنه أن يقال: لم دعاه إلى الركوب معه وقد نهي أن يركب معه كافر؟\nوالجواب: أنّ الحسن قال: كان منافقًا يظاهر بالإيمان، وقال غيره: دعاه على شريطة الإيمان.\nويُسْأَل عن قوله تعالى: (إِلَّا مَنْ رَحِمَ)؟\nوفيه ثلاثة أجوبة:\nأحدها: أن يكون استثناء منقطعًا، كأنّه قال: لكن من رحم معصوم.\nوالثاني: أن يكون المعنى: لا عاصم إلا من رحمنا، كأنّه في التقدير: لا عاصم إلا الله.\nوالثالث: أن يكون المعنى: لا عاصم إلا من ﵀ فنجاه. وهو نوح ﵇.\nوقيل \" عاصم \" هاهنا بمعنى معصوم، والتقدير على هذا: لا معصوم من أمر الله إلا من ﵀، و\" فاعل \" قد يأتي في معنى \" مفعول \"، وعلى هذا قوله تعالى: (فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ)، وقال الحطيئة:\nدَعِ المَكارِمَ لَا تَرْحَلْ لِبُغْيَتِها ... واقْعُدْ فإنَّك أنتَ الطَّاعِمُ الْكَاسِي","vol":"1","page":151},{"text":"و\" عاصم \" مع \" لا \" بمنزلة اسم واحد مبني على الفتح لتضمنه معنى \" مِنْ \"، لأنّ هذا جواب \" هل من عاصم \" وحق الجواب أن يكون وفق السؤال، فكان يجب أن يكون \" لا من عاصم \" إلا أنّ \" مِنْ \"، حذفت، وضُمِّن الكلام معناها، فبني الاسم، وخبر \" لا \"، اليوم \"، والعامل في \" اليوم \" الخبر المحذوف، كأنّه في التقدير: لا عاصم كائن اليوم، ولا يجوز أن يعمل عاصم في \" اليوم \" لأنّه يصير فى صلته، ويبقى بلا خبر.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-96>قوله تعالى: (قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ)</span>\nيسأل عن قوله: (إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ)؟\nوفيه جوابان:\nأحدهما: أنّه ليس من أهلك الذين وعدتك أنّ أنجيهم معك، وكان ابنه لصُلبه، عن ابن عباس وسعيد بن جبير والضحاك، واحتجوابقوله: (وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ).\nوقدره بعضهم: ليس من أهل دينك.\nوالثاني: أنّه لم يكن ابنه لصلبه، ولكن كان ابن امرأته، وروي عن الحسن ومجاهد أنهما قالا كان لغير رشده.\nوقال أصحاب المعارف اسمه (يام).","vol":"1","page":152},{"text":"وقرأ الكسائي (إِنَّهُ عَمِلَ غَيْرَ صَالِحٍ)، جعله فعلا ماضيا، وقرأ الباقون (إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ)، وفي هذه القراءة وجهان:\nأحدهما: أن يكون المعنى: إنه ذو عمل غير صالح، ثم حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه.\nوالثاني: أنّه لما كثر منه ذلك أقام المصدر مقام اسم الفاعل، كما قالت الخنساء (٣):\nتَرْتَعُ مَا رَتَعتْ حَتَّى إِذا ادَّكَرَتْ ... فإِنما هِيَ إِقْبَالٌ وإِدْبارُ\nومن كلام العرب: إنما أنت أكلٌ وشرب.\nوقد روي عن ابن عباس ومجاهد وإبراهيم أنّ المعنى: إن سؤالك هذا عمل غير صالح، فعلى هذا الوجه لا يكون في الكلام حذف.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-97>قوله تعالى: (وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ)</span>\nيقال: أقلع السحابُ إذا ارتفع، وغاض الماء إذا غاب في الأرض، والجودى: جبل بناحية آمد، قال أمية:\nسُبْحانَه ثُمَّ سُبْحانًا يَعُودُ لَهُ ... وقَبْلَنا سَبَّح الجُودِيُّ والجُمُدُ\nومعنى (وَقُضِيَ الْأَمْرُ) وقع إهلاك قوم نوح.","vol":"1","page":153},{"text":"ونصب (بُعْدًا) على المصدر وفيه معنى الدعاء، ويجوز أن يكون من قول الله تعالى، ويجوز أنّ يكون من قول المؤمنين.\nوقد جمعت هذه الآية من عجيب البلاغة أشياء:\nمنها - أنّ الكلام خرج مخرج الأمر على جهة التعظيم لفاعله من نحو: كن فيكون، من غير معاناة ولا لغوب.\nومنها - حسن البيان في تقدير الحال.\nومنها - الإيجاز من غير إخلال.\nومنها - تقبل الفهم على أتم الكمال.\nإلى غير ذلك من المعاني اللطيفة، وقد رأيت في معنى هذه الآية في نصف سفر من أسفار التوراة. وأنت تراها هاهنا في غاية الإيجاز والاختصار والبيان؛ ويروى أنّ كفار قريش لما تعاطوا معارضة القرآن عكفوا على لباب البر ولحوم الضأن وسلاف الخمر أربعين يومًا، لتصفوا أذهانهم، وكانوا من فصحاء العرب، وأخذوا فيما أرادوا، فلمَّا سمعوا هذه الآية قال بعضهم لبعض: هذا كلام لا يشبه كلام المخلوقين وتركوا ما أخذوا فيه وافترقوا.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-98>قوله تعالى: (وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى)</span>\nالسلام في الكلام على أربعة أوجه:\nالسلام التحية، والسلام اسم من أسماء الله ﷿، ومنه قوله تعالى: (لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ)، والسلام جمع سلامة مثل حمام وحمامة، وقد قيل في قوله تعالى: (لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ)، أي: دار السلامة؛ لأنَّ من صار إليها يسلم من آفات الدنيا وعذاب النار، والسلام ضرب من الشجر وهو من العِضَاه سمي بذلك لأنّه لعظمه يسلم من العوارض الداخلة عليه.","vol":"1","page":154},{"text":"والحنيذ: المشوي، وهو \" فعيل \" بمعنى \" مفعول \" أي: محنوذ، كما يقال: طبيخ ومطبوخ.\nقال العجاج:\nوَهَرَبًا مِن حَنذِه أنْ يَهَرَجَا\nوقيل: حنيذٌ نضيجٌ\nومما يسأل عنه أن يقال: لِمَ قدم إلى الملائكة الطعام وهو يعلم أنّهم لا يأكلون؟\nوالجواب: أنّهم لما أتوه في غير صورهم توهم أنّهم أضياف، قال الحسن أتوه في صورة الآدميين فاستضافوه.\nويُسأَل عن البشرى التي أتوا بها؟\nوالجواب: أنها كانت بإسحاق، هذا قول الحسن. وقال غيره: كانت بهلاك قوم لوط.\nوقرأ حمزة والكسائي (سِلْمٌ)، وقرأ الباقون (سَلَامٌ).\nوقيل فى \" سِلْمٌ \" أنّ معناه \" المسالمة \".\nوقيل \" سِلْمٌ \" و\" سلام \" بمعنى، كما يقال: حِلٌّ وحلالٌ، وحِرْمٌ وحَرَامٌ، وِإثمٌ وآثامٌ.\nقال الشاعر:\nوَقَقنَا فَقُلْنَا إِيه سِلمٌ فَسَلَّمَتْ ... كَمَا انْكَلَّ بالبَرْقِ الغَمامُ اللَّوائِحُ","vol":"1","page":155},{"text":"ويُسأل: لم نصب (قَالُوا سَلَامًا). ورفع (قَالَ سَلَامٌ)؟\nوالجواب: أنّ الأول على معنى: سلمنا سلامًا، كأنّه دعاء له. والثاني على معنى: عليكم سلامٌ.\nإلا أنّه خولف بينهما لئلا يتوهم الحكاية، ولأن المرفوع أبلغ، لأنّه حاصل. والمنصوب مجتلب.\nفالأول على هذا مصدر لفعل مضمر، والثاني مبتدأ وخبره محذوف، وأجاز بعضهم أن يكون خبر مبتدأ محذوف، كأنّه قال: أمرنا سلام.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-99>قوله تعالى: (وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ)</span>\nيسأل عن معنى (ضَحِكَتْ)؟\nوالجواب: أنها ضحكت سرورًا بالسلامة.\nوجاء في التفسير: أنها كانت قائمة بحيث ترى الملائكة.\nوفيل: كانت من وراء الستر تسمع كلامهم.\nوقيل: كانت قائمة تخدم الأضياف، وإبراهيم ﵇ جالس.\nوقيل: ضحكت تعجبًا من حال الأضياف في امتناعهم من أكل الطعام.\nوقيل: ضحكت تعجبًا من حال قوم لوط إذ أتاهم العذاب وهم في غفلة، وهذا قول قتادة.\nوقيل: ضحكت تعجبًا من أن يكون له ولد، وهي عجوز قد هرمت، وهذا قول وهب بن منبه.\nوقال مجاهد: ضحكت بمعنى حاضت، قال الفراء لم أسمعه من ثقة، ووجهه أنّه على طريق الكناية، قال الكميت:\nوَأُضحَكتِ السِّبَاعَ سُيُوفُ سَعدٍ ... لِقَتْلى ما دُفِنَّ ولا وُدينَا.","vol":"1","page":156},{"text":"و(يَعْقُوبُ) مرتفع بالاستئناف، وفيه معنى البشارة، وهو ولد إسحاق. بشرت بنبي بين نبيين، وهو (إسحاق) أبوه نبي. وابنه نبي.\nفأما من قرأ (وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ)، فإنه نصب بإضمار فعل يدل عليه (بشرنا) كأنّه قال: ومن وراء إسحاق وهبنا لها يعقوب. وأجاز بعضهم أن يكون معطوفًا على (إسحاق)، كأنّه قال: فبشرناها بإسحاق ويعقوب من وراء إسحاق. قالوا: والوراء بمعنى الولد، والظاهر في الكلام أنّ وراء بمعنى خلف.\nومنع أكثر النحويين العطف هاهنا؛ لأنّه لا يجوز العطف على عاملين مع تأخره عن حرف العطف، فلا يجوز: مررت بزيد فى الدارِ والبيتِ عمروٍ، وكذلك إن قلت: مررت بزيد فى الدار وفي البيت عمروٍ وإنما لم يجز العطف على عاملين؛ لأنّه أضعف من العامل الذي قام مقامه، وهو لا يجر ولا ينصب، أعني: حرف العطف. وأجازه الأخفش، وأنشد:\nسَألتُ الفَتَى المكّي ذا العلم ما الذي ... يحلُّ مِنَ التَّقبيلِ في رَمضَانِ\nفقالَ ليَ المكيُّ أمَّا لزوجةٍ ... فسبعٌ وأمَّا خُلةٍ فثمانِ\nقرأ حمزة وابن عامر وحفص عن عاصم (وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ)، نصبا على ما ذكرناه من إضمار فعل، أو على أنّه في موضع جر، وهو مذهب الأخفش.","vol":"1","page":157},{"text":"وقرأ الباقون رفعا على الابتداء و(وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ) الخبر، ويجوز أن ترفعه بالظرف الذي هو (وراء) وهو قياس قول أبي الحسن الأخفش.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-100>قوله تعالى: (أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (٧٢»</span>\nالبعل: الزوج، وأصله القائم بالأمر، ومن هذا قيل للنخل بعلٌ. وهو الذي استغنى عن سقي الأنهار والعيون وماء السماء؛ لأنّه قائم بأمره في استغنائه عن تكلف السقي.\nوبعل اسم صنم، ومنها قوله تعالى (أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ).\nوالعجيب والعجاب بمعنى واحد، قال ابن إسحاق: كان لإبراهيم ﵇ حين بشر بإسحاق ويعقوب مائة وعشرون سنة ولسارة تسعون سنة.\nويُسأَل عن النصب في قوله (شَيْخًا)؟\nوالجواب: أنّه منصوب على الحال، والعامل فيه معنى التنبيه الذي في (ها)، كأنّه قال: انتبه وانظر. وإن شئت جعلت العامل فيه معنى الإشارة، أي: أشرت إليه شيخًا. وإن شئت أعملت فيه مجموعهما. وكذا ما جرى مجراه، تقول: هذا زيد مقبلًا، ولا يجوز: مقبلا هذا زيد؛ لأنَّ العامل غير متصرف، فإن قلت: ها مقبلا ذا زيد، وجعلت العامل معنى الإشارة لم يجز، وإن جعلت العامل معنى التنبيه جاز.","vol":"1","page":158},{"text":"ويجوز الرفع في (شيخ) من خمسة أوجه:\nأحدها: أن تجعل \" شيخًا \" بدلًا من \" بعلي \". كأنك قلت: هذا شيخ.\nوالثاني: أن يكون (بعلي)، بدلا من \" هذا \": \" شيخ \" خبر المبتدأ.\nوالثالث: أن يكون \" بعلي \" و\" شيخ \" جميعًا خبرًا عن \" هذا \"، كما تقول: هذا حلو حامض، أي: جمع الطعمين.\nوالرابع: أن يكون \" بعلي \" عطف بيان على هذا و\" شيخ \" خبر المبتدأ.\nوالخامس: أن يكون خبر مبتدأ محذوف، كأنك قلت: هو شيخ.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-101>قوله تعالى: (قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ)</span>\nيقال: سرى وأسرى، والسرى: سير الليل، قال الله تعالى: (وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ)، فهذا من سرى. وقال (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ)، وقال امرؤ القيس:\nسَرَيْتُ بِهِمْ حَتَّى تَكِلَّ مطيُّهم ... وَحَتَّى الجِيادُ مَا يُقَدْن بأَرْسانِ\nوقال النابغة:\nسَرَتْ عَلَيْهِ منَ الجَوْزاء ساريةٌ ... تُزْجي الشَّمالُ عَليَه سالِفَ البَرَدِ\nفقال أسرت. وقال: سارية أخذه من (سرى) فجمع بين اللغتين.\nو(القطع) القطعة العظيمة تمضي من الليل.","vol":"1","page":159},{"text":"قال ابن عباس: طائفة من الليل.\nوقيل: نصف الليل. كأنّه قطع نصفين\nوقرأ ابن كثير ونافع (فَاسْرِ) من سريت، وقرأ الباقون (فَأَسْرِ).\nوقرأ أبن كثير وأبو عمرو (إِلَّا امْرَأَتُكَ) بالرفع على البدل من (أَحَدٌ)، كأنّه قال: ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك. وقرأ الباقون (إِلَّا امْرَأَتَكَ) بالنصب على الأصل في الاستثناء من أحد شيئين: إما من الأهل، وإما من أحد، فالتقدير الأول: فاسر بأهلك إلا امرأتك فهذا استثناء من موجب، والتقدير الثاني: ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك، وهذا استثناء من منفي به.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-102>قوله تعالى: (فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦»</span>\nالشقاء والشقاوة والشقوة بمعنى. والماء في شقي منقلبة عن واو.\nوالزفير: ترديد الصوت من الحزن، وأصله: الشدة، من قولهم مزفور للشديد الخلق، وزفرت النار إذا سمع لها صوت من شدة توقدها.\nوالشهيق: صوت فظيع يخرج من الجوف بمد النفس، ويقال: الزفير أول نهاق الحمار والشهيق آخره.\nوالخلود -: البقاء في أمدٍ ما، والفرق بين الخلود والدوام: أنّ الدائم الباقي أبدًا، والخالد الباقي في أمدٍ ما، ولذلك يوصف القديم تعالى بأنه دائم ولا يوصف بأنه خالد.","vol":"1","page":160},{"text":"السعادة ضد الشقاوة. والجذُّ: القطع، قال النابغة:\nتجُدُّ السَّلُوقِيَّ المُضاعَفَ نَسْجُه ... وتُوقِد بالصُّفُّاحِ نارَ الحُباحِب\nواختلف في تأويل هاتين الآيتين. وهما من أشد ما في القرآن إشكالًا، والكلام فيهما يأتي على ضربين:\nأحدهما: على معنى الاستثناء.\nوالثاني: على معنى تحديد الخلود بدوام السماوات والأرض.\nقال ابن زيد بن أسلم: (إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ) استثناء في الزيادة من العذاب لأهل النار، والزيادة من النعيم لأهل الجنة، وقد بينه بقوله تعالى: (عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ)، و(إلا) على هذا بمعنى (سوى).\nقال قتادة: الله أعلم بثنياه، ذكر لنا ناسًا يصيبهم سفعٌ من النار بذنوبهم، ثم يدخلهم الجنة برحمته، يسمون (الجهنميين)، والاستثناء على هذا متصل من الموحدين الذين هم من أمة محمد ﷺ. العاصين. قال: وهم الذين أنفذ فيهم الوعيد ثم أخرجوا بالشفاعة و(ما) على هذا القول بمعنى (من) كما قال تعالى: (يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ)، وكما تقول العرب إذا سمعت الرعد: سبحان ما سبحت له.\nقال الفراء والزجاج وغيرهما: هو استثناء من الزيادة في الخلود لأهل النار ولأهل الجنة، و(إلا) بمعنى (سوى)، حكى سيبويه: لو كان معنا رجل إلا زيدٌ لهلكنا؛ أي: سوى.\nوقيل: المعنى إلا من شاء ربك أن يتجاوز عنه، وهو استثناء من الجنس، وهذا كقول قتادة.","vol":"1","page":161},{"text":"وقيل: إنّ (ما) بمعنى (من) والاستثناء من الأعيان. والتقدير: إلا من شاء ربك أن يخرجه بتوحيده من النار ويدخله الجنة. وإلا من شاء ربك من أهل الجنة ممن يدخله النار بذنوبه وإصراره ثم يخرجه منها. وهو أيضا كقول قتادة.\nوروي عن السُّدِّي أنّه قال: الاستثناء لأهل الشقاء هو لأهل التوحيد الذين يدخلون النار فلا يدومون فيها مع أهلها بل يخرجون منها إلى الجنة، وفي أهل السعادة استثناء مما يقضى لأهل التوحيد المخرجين من النار، فالاستثناء لأهل الشقاء على هذا من الأعيان، و(ما) بمعنى (من) ولأهل السعادة من الزمان، و(ما) على بابها، وقد روي مثل هذا عن الضحاك، وهو قريب من قول قتادة.\nوقال يحيى بن سلام البصري: (إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ) يعني ما سبقهم به الذين دخلوا قبلهم من الفريقين، واحتج بقوله تعالى: (وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا) (وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا) قال: والزمرة تدخل بعد الزمرة، فلابد أن يقع بينهما تفاوت في الدخول، والاستثناءان على هذا من الزمان.\nوقال الفراء والزجاج وغيرهما: هو استثناء تستثنيه العرب وتفعله. كقولك: والله لأضربن زيدًا إلا أنّ أرى غير ذلك، وأنت عازم على ضربه، والضمير عائد على المؤمنين والكافرين الذين تقدم ذكرهم.\nوقال المازني: هو استثناء من الزمان الذي هم فيه، في قبورهم إلى أن يبعثوا. وقال الزجاج أيضًا مثل هذا.\nوقال جماعة من المفسرين: الاستثناء واقع على مقامهم في الحشر والحساب؛ لأنَّهم حيننذ ليسوا في جنة ولا نار.\nوقال جماعة من أصحاب المعاني: هو استثناء واقع على الزيادة في الخلود على مقدار دوام السماوات والأرض في الدنيا، ثم قال (إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ) من الزيادة في مدة الخلود على دوام السماوات والأرض في الدنبا.\nقال أبو عبيدة: عزيمة المشيئة تقدمت بخلود الفريقين، فوقع الاستثناء، والعزيمة قد تقدمت بالحتم في الخلود، وهو كقول الفراء والزجاج في بعض ما روي عنهما.","vol":"1","page":162},{"text":"وروي عن الزجاج أيضًا أنّه استثناء يجوز أن يكون وقع على قوله: (لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ) (إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ) من أنواع العذاب التي لم تذكر. وفي أهل الجنة استثناء مما دل عليه الكلام، كأنّه قال: لهم نعيم ما ذكر وما لم يذكر مما شاء الله.\nقال بعض الكوفيين: \" إلا \" بمعنى \" الواو \" أي: خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض وما شاء ربُّك من الزيادة على دوامهن في الدنيا.\nوقال بعضهم: هو استثناء في أهل الشقاء على تقدير: إلا ما شاء ربك من الوقت الذي يسعدهم فيه بدخول الجنة. وفي أهل السعادة إلا ما شاء ربك من الوقت الذي أشقاهم فيه بدخول النار، و\" ما \" للزمان الذي يكونون فيه، وهو في الموضعين للموحدين العصاة.\nوقال جماعة: الاستثناء لأهل التوحيد، والمعنى: إلا ما شاء ربُّك أن يتجاوز عنهم، ولا يدخلهم النار. قال أبو مجلز: جزاؤه إن شاء تجاوز عنهم والاستثناء من الأعيان وهو العصاة من الموحدين، و(ما) بمعنى (من)، وكان الحسن يقول: استثنى ثم عزم (إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ)، وإنه أراد أن يخلدهم بقوله (فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ).\nوقال بعضهم المعنى: خالدين فيها بعد إعادة السماوات والأرض، لأنّه تعالى يفنيهما حتى تكونا آخرًا كما كانتا أولًا، ثم يعيدهما. فاستثنى (إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ)، فوقع الاستثناء على موقفهم فى الحساب حتى يفرغ منه.\nوقيل: الاستثناء واقع على الموقوفين على النار من المؤمنين، فإذا أخرجوا من النار بالشفاعة، وأدخدوا الجنة سقط الاستثناء عنهم وعن أهل النار، وبقي كل فريق فيها بعد مخلدًا أبد الآبدين، وهو كقول قتادة والضحاك.\nفهذه أقوال العلماء، وفيها تداخل إلا أني أوردتها على ما سمعتها من شيوخنا ﵃ وأما تجديد الخلود بدوام السماوات والأرض فقال قتادة: ما دامت السماوات والأرض مبدلتين.\nوقال عبد الرحمن بن زيد: ما دامت السماء سماءً والأرض أرضًا، وقيل: ما دامت سماوات أهل الآخرة وأرضهم، وقيل: العرب تستعمل دوام السماوات والأرض في معنى الأبد؛ لأنهم كانوا يعتقدون أنّ ذلك لا يتغير فخاطبهم الله تعالى على قدر عقولهم وما يعرفون.","vol":"1","page":163},{"text":"قال زهير:\nألا لا أُرى عَلى الحَوادثٍ بَاقيا ... وَلا خَالدًا إلا الجَبالَ الرَواسِيا\nوإلا السماءَ والبلادَ ورَبَّنا ... وأيامَنا مَعدُودَةً واللياليَا\nلأنّه توهم أنّ هذه الأشياء تخلد ولا تتغير.\nوقال عمرو بن معدي كرب:\nوكلُّ أخٍ مُفارِقُه أَخُوه ... لَعَمْرُ أَبِيكَ إلَّا الفَرْقدانِ\nلأنّه توهم أنّ الفرقدين لا يفترقان.\nقال يحيى بن سلام: الجنة في السماء والنار في الأرض، وذلك ما لا انقطاع له.\nقال عمرو بن عبيد قال بعض أهل العلم: إنما عنى بقوله (خَالدينَ فيها) بعدما يعيدهما، وذلك أنّه يفنيهما، فكأنه قال: خالدين فيها بعد ما يعيد السماوات والأرض.\nوقال أحمد بن سالم: المعنى في أهل النار خالدين فيها ما دامت سماوات أهل النار وأرضهم، وكذلك في أهل الجنة ما دامت سماواتهم وأرضهم، قال: وسماء الجنة العرش والكرسي.\nوقد أشبعت القول على هاتين الآيتين في كتاب \" متخير الفريد \".\nوقرأ الكسائي وحمزة وحفص عن عاصم (وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا) بضم السين، وقرأ الباقون (سَعِدُوا) بفتحها، وفي ضم السين بُعد، ومجازه: أنّه استعمل على حذف الزيادة، وعلى هذا قالوا \" مسعود \" وإنما هو من أسعده الله، وقالوا \" مُحَبوب \" وحقه أن يقال \" مُحَب \"\nقال عنترة:\nوَلقَدَ نَزَلْتِ فلا تَظُني غيرَهُ ... مِنِّي بِمنزلةِ الْمُحبِّ المكرَّمِ\nوهذا وإن كان الأصل فمحبوب أكثر في الاستعمال، وزعم بعضهم: أنّ \" سَعِدَ \" يتعدى ولذلك بناه لما لم يسمَّ فاعله؛ لأنَّ اللازم لا يجوز رده إلى ما لم يسمَّ فاعله.","vol":"1","page":164},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-103>قوله تعالى: (وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ)</span>\nقرأ ابن كثير ونافع (وَإِنْ كُلًّا) بالتخفيف على أنهما أعملا (إنْ) مخففة كعملها مثقلة. وقرأ ابن عامر بتشديد (إنَّ) على الأصل. وكذلك حمزة وحفص عن عاصم، وقرأ أبو عمرو والكسائي كذلك إلا أنهما خففا الميم، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر بتخفيف (إنْ) وتشديد الميم.\nوهذه اللام لام القسم دخلت على (ما) التي للتوكيد. وقيل: هي لام الابتداء دخلت على معنى (ما)، وحكي عن العرب: إني لبحمد الله لصالح.\nفأما من شددها ففيها خمسة أوجه:\nأحدها: أنّ المعنى: لمما، فاجتمعت ثلاث ميمات فحذفت واحدة ووقع الإدغام، قال الشاعر:\nوإني لمما أُصدِرُ الأمرَ وَجَههُ ... إذا هُوَ أُعْيا بالنَبيلِ مَصَادِرُه.\nوالثاني: أنها بمعنى، (إلا) كقول العرب، سألتك لما فعلت.\nوالثالث: أنها مخففة شددت للتأكيد، وهو قول المازني.\nوالرابع: أنها من \" لممت الشيء \" إذا جمعته، إلا أنها بنيت على (فعلى) فلم تصرف مثل تترى والخامس: أنّ الزهري قرأ (لما) بالتنوين بمعنى شديد. و، (كلٌّ) معرفة؛ لأنَّها في نية الإضافة.\n* * *","vol":"1","page":165},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-104>وَمِنْ سُورَةِ (يُوسُفَ) </span>﵇\n<span data-type=\"title\" id=toc-105>قوله تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢»</span>\nيسأل عن قوله (قُرْآنًا) بم انتصب؟\nوفيه وجهان:\nأحدهما: أنّه بدلٌ من الهاء في (أنزلناه)، كأنّه قال: (إنا أنزلنا قرآنًا عربيًا).\nوالثاني: أنّه توطئةٌ للحال؛ لأنَّ \" عربيًا \" حال، وهذا كما تقول: مررت بزيدٍ رجلًا صالحًا، تنصب \" صالحا \" على الحال، وتجعل \" رجلا \" توطئة للحال.\nوقوله تعالى (تعقلون)، يعني: كي تعقلون معاني القرآن؛ لأنّه أنزل على معاني كلام العرب.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-106>قوله تعالى: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ)</span>\nالقصص والخبر سواء.\nوقوله تعالى: (وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ)، قيل معناه: من الغافلين عن الحكم التي في القرآن.\nوأجمع القراء على النصب في (القرآن)؛ لأنَّه وصفٌ لمعمول (أوحينا) وهو (هذا)، أو بدل عطف بيان.","vol":"1","page":166},{"text":"ويجوز الجر على البدل من (ما).\nويجوز الرفع على تقدير (هو) كأنّه قال: بما أوحينا إليك هذا، قيل: ما هو؟ - قال: القرآن، أي: هو القرآن.\nولا يجوز أن يقرأ بهذين الوجهين إلا أن يصح بهما رواية؛ لأنّ القراءة سنة.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-107>قوله تعالى: (إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا)</span>\nقال الحسن: الأحد عشر إخوته، والشمس والقمر أبواه.\nويقال: لم أعيد ذكر (رأيتهم)؟\nوفيه جوابان:\nأحدهما: أنّه أعيد للتوكيد لما طال الكلام.\nوالثاني: ليدل أنّه رآهم ورأى سجودهم له.\nوقيل في معنى السجود هاهنا: أنّه سجود التكرمة، وقيل سجود الخضوع.\nويسأل عن العامل في (إذ)؟\nوالجواب: أنّه فعل مضمر، كأنّه قال: اذكر إذ قال يوسف. وقال الزجاج: العامل فيه (نَقُصُّ) أي: نقص عليك إذ قال يوسف، وهذا وهم؛ لأنَّ الله تعالى لم يقص على نبيه ﵇ هذا القصَصَ وقت قول يوسف.","vol":"1","page":167},{"text":"فصل:\nومما يسأل عنه أن يقال: لم قال (ساجدين) بالياء والنون، وهذا الجمع لمن يعقل، ولا يكون لما لا يعقل؟\nوالجواب: أنّه لما أخبر عنهم بالسجود الذي لا يكون إلا لمن يعقل أجراهم مجرى من يعقل. كما قال: (يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ)، أمروا كما أمر من يعقل.\nوقرأ ابن عامر (يَا أَبَتَ) بالفتح، وقرأ الباقون بالكسر، ووقف ابن كثير (يَا أَبَه) بالهاء، ووقف الباقون على التاء.\nفوجه قراءة ابن عامر أنّه أراد \" الألف \" فحذف واكتفى منها بالفتحة، وهذه الألف بدل من ياء.\nوأما الكسر فعلى أنّه أراد الإضافة إلى النفس. فحذف الياء واكتفى منها بالكسر.\nوأجاز الفراء (يا أُبَتْ) والتاء عوض من ياء المتكلم المحذوفة.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-108>قوله تعالى: (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ)</span>\nالهمُّ: مقاربة الشيء من غير دخول فيه.","vol":"1","page":168},{"text":"واختلف في معناه هاهنا:\nفقال بعضهم: همت المرأة بالعزيمة على ذلك، وهَمُّ يوسف لشدة المحبة من جهة الشهوة، وهو قول الحسن.\nوقال غيره: همَّا بالشهوة.\nوقال بعض المفسرين: همت به أي عزمت. وهم بها أي بضربها.\n* * *\nفصل:\nومما يسأل عنه أن يقال: ما البرهان الذي رآه؟\nوالجواب: أنّ ابن عباس والحسن وسعيد بن جبير ومجاهدًا قالوا: رأى صورة يعقوب ﵇ عاضًا على أنامله.\nوقال قتادة: نودي يا يوسف، أنت مكتوب في الأنبياء وتعمل عمل السفهاء، وروي عن ابن عباس أنّه قال: رأى ملكا (١).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-109>قوله تعالى: (قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا)</span>\nالمراودة والإرادة من أصل واحد.\nواختلف في الشاهد:\nفقيل: كان صبيًا في المهد، وهو قول ابن عباس. وأبي هريرة وسعيد بن جبير، وهو أحد من تكلم في المهد.\nوقال ابن عباس مرة أخرى: كان رجلا حكيما. وكذلك قال عكرمة ومجاهد، وروي مثل ذلك عن سعيد بن جبير والحسن وقتادة، وروي عن مجاهد أيضًا أنّ الشاهد قَدُّ القميص (٢).\n_________\n(١) أكثر هذه الأقوال من الإسرائيليات المنكرة، يكفي في ردها مكان العصمة له ﵇. والله أعلم.\n(٢) قال تعالى (وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا) وهل القميص من أهلها؟؟!!!","vol":"1","page":169},{"text":"و(مِنْ) في قوله (مِنْ قُبُلٍ) لابتداء الغاية، أي كان القدُّ من هنالك.\nو(مِن) في قوله (مِنَ الكاذيين) للتبعيض.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-110>قوله تعالى: (ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (٣٥»</span>\nبدا: ظهر. وفاعله مضمر، تقديره: ثم بدا لهم بداء لَيَسْجُنُنَّهُ.\nودل (لَيَسْجُنُنَّهُ) عليه.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-111>قوله تعالى: (جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٧٥»</span>\nالظلم: وضع الشيء في غير موضعه، ومن كلامهم (مَن شابَهَ أبَاه فما ظلم)، أي: ما وضع الشبه في غير مكانه، ومن هذا يقال: سقاء مظلوم، إذا لم يرب، ومنه سمي النقص ظلما قال الله تعالى: (وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا).\nويسأل عن معنى قوله: (جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ)؟\nوالجواب: أنّ معناه: جزاء من وجد في رحله أخذه رقًا فهو جزاؤه عندنا.\nكجزائه عندكم، وذلك أنّه كان من عادتهم أن يسترقوا السارق، وهو قول الحسن ومعمر وابن إسحاق","vol":"1","page":170},{"text":"والسُّدِّي. فهذا تقدير المعنى.\nفأما الإعراب فيحتمل وجهين:\nأحدهما: أن يكون المعنى: جزاؤه استرقاق من وجد في رحله. فهذا الجزاء جزاؤه، كما تقول: حد السارق القطع.\nوالثاني: أن يكون المعنى: جزاؤه من وجد في رحله فالسارق جزاؤه. فيكون مبتدأ ثانيا والفاء جواب الجزاء والجملة خبر (من).\nويجوز في (مَن) وجهان:\nأحدهما: أن يكون خبرًا بمعنى (الذي)، كأنّه قال: جزاؤه الذي وجد في رحله مسترقا، وينصب \" مسترقا \" على الحال.\nوالثاني: أن يكون شرطًا، كأنّه قال: جزاء السرق إن وجد في رحل رجل منا فالموجود في رحله جزاؤه استرقاقًا.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-112>قوله تعالى: (قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ)</span>\nيسأل عن قوله تعالى: (فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ) كيف نسبوا السرق إلى يوسف ﵇؟\nوالجواب: أنّ سعيد بن جبير وقتادة وابن جريج قالوا: سرق يوسف صنما كان لجده أبى أمه، فكسره وألقاه على الطريق.\nوقيل: أنّه كان يسرق من طعام المائدة ويعطيه للمساكين.\nوقال ابن إسحاق: إن جدته خبأت في ثيابه \" منطقة \" إسحاق لتملكه بالسرقة؛ محبة لمقامه عندها.","vol":"1","page":171},{"text":"ويسأل عن \" الهاء \" في قوله (فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ)؟.\nوالجواب: أنّه أسر قوله (أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا)، أي: ممن قلتم له هذا، وهو قول ابن عباس والحسن وقتادة.\nوأنث لأنّه أراد الكلمة.\nوقال الحسن: لم يكونو أنبياء في ذلك الوقت، وإنما أُعطوا النبوة بعد ذلك.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-113>قوله تعالى: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا)</span>\nالعير: جماعة القافلة إذا كان فيها حمير، وقيل: إن قافلة الإبل سميت عيرًا على التشبيه بذلك، والعَير - بفتح العين - الحمار.\nوالقرية هاهنا مصر، وهو قول ابن عباس والحسن وقتادة.\nوكان الأصل: واسأل أهل القرية وأهل العير، ثم حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه للإيجاز؛ لأنّ المعنى مفهوم.\nوقيل: ليس في الكلام حذف؛ لأنّ يعقوب ﵇ نبي يجوز أن تخرق له العادة وتكلمه القرية والعير.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-114>قوله تعالى: (سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي)</span>","vol":"1","page":172},{"text":"الاستغفار: طلب المغفرة.\nومما يسأل عنه أن يقال: لم أخَّر يعقوب ﵇ الدعاء لولده مع محبته إصلاح حالهم؟\nوعن هذا أجوبة:\nأحدها: أنّه أخَّرهم إلى السحر؛ لأنّه أقرب إلى الإجابة، وهو قول ابن مسعود وإبراهيم التيمي وابن جريج وعمرو بن قيس.\nوقيل: أخَّرهم إلى يوم الجمعة، وهو قول ابن عباس رواه عن النبي ﷺ.\nوقيل: سألوه أن يستغفر لهم دائمًا، فلذلك قال \" سوف \".\nوقيل: أخَّر ذلك لحنكته واجتماع رأيه؛ لينبههم على عظيم ما فعلوه، ويردعهم، ألا ترى أن يوسف لحداثة سنه كيف لم يؤخِّر بل قال اليوم يغفر الله لكم.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-115>قوله تعالى: (حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ)</span>\nالاستيئاس: استفعال من اليأس وهو انقطاع الطمع.\nوالظن: قوة أحد النقيضين.\nقرأ عاصم وحمزة والكسائي (كُذِبُوا) بالتخفيف. وقرأ الباقون (كُذِّبُوا)، وقرئ في الشواذ (كَذِبُوا).","vol":"1","page":173},{"text":"فمعنى قراءة من خفف: أنّ الأمم ظنت أنّ الرسل كذبوهم فيما أخبروهم به من نصر الله لهم وإهلاك أعدائهم، وهو قول ابن عباس وابن مسعود وابن جبير ومجاهد وابن زيد والضحاك.\nوأما من شدد فالمعنى: أنّ الرسل أيقنوا أنّ الأمم قد كذبوهم تكذيبا عمهم حتى لا يفلح فيهم أحد، وهو قول الحسن وقتادة وعائشة. والظن على القول الأول بمعنى الشك. وعلى القول الثاني بمعنى اليقين.\nوأما من قرأ (وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا) فالضمير في (ظنوا) عائد على الكفار وفي (كُذِّبُوا) عائد على الرسل ﵈. وهو قول عائشة وهذه القراءة تروى عنها.","vol":"1","page":174},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-116>وَمِنْ سُورَةِ (الرَّعْدِ)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-117>قوله تعالى: (اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا)</span>\nوالعَمَدُ والعُمُدُ جميعًا بمعنى. واحدها \" عمود \". إلا أنّ \" عُمُدًا \" جمع \" عمود \" و\" عَمَد \" اسم للجمع. ومثله: أديم وأدم، وإهاب وأهب.\nويُسْأَل عن قوله تعالى (بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا)؟\nوعنه جوابان:\nأحدهما: أنها بغير عمد ونحن نراها كذلك، وهو قول قتادة وإياس بن معاوية.\nوالثاني: أنها بعمد لا نراها، وهو قول ابن عباس ومجاهد.\nوأنكر بعض المعتزلة هذا القول، قال: لأنّه لو كان لها عمد لكانت أجساما غلاظًا. وكانت ترى والله ﷿ إنما دل بهذا على وحدانيته من حيث لا يمكن أحد أن يقيم جسمًا بغير عمد إلا هو فلذلك كان هذا التأويل خطأ.\nوالجواب عن هذا أنّه إذا رفع السماوات بعمدٍ وتلك العمد لا ترى، فيه أعظم قدرة، كما لو كانت بغير عمد.\nوقال النابغة في العمد:\nوخَيِّسِ الجِنَّ إِنِّي قَدْ أَذِنْتُ لَهُمْ ... يَبْنُونَ تَدْمُرَ بالصُّفاحِ والعَمَدِ\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-118>قوله تعالى: (وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا)</span>","vol":"1","page":175},{"text":"العَجَبُ والتَّعجب: هجوم ما لا يعرف سببه على النفس.\nقرأ نافع والكسائي (أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ) على الاستفهام في الأول والخبر فى الثاني، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وعاصم بالاستفهام في الموضعين جميعًا. إلا أنّ حمزة وعاصما يهمزان همزتين، وقرأ ابن عامر على الخبر في الأول والاستفهام في الثاني، وعنه في ذلك خلاف.\nومما يسأل عنه أن يقال: ما العامل في (إذا)؟\nوالجواب أنَّ العامل محذوف تقديره: أإذا كنا ترابا نُبعث. ودل عليه (لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ).\nفإن قيل: فهل يجوز أن يعمل فيه \" خلق \" أو \" جديد \"؟\nقيل: لا يجوز ذلك؛ لأنَّ اللام لا يعمل ما بعدها فيما قبلها.\nفإن قيل: فهل يجوز أن يعمل فيها (كنَّا)؟\nقيل: لا يجوز. لأنها مضافة إليه، والمضاف إليه لا يعمل في المضاف.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-119>قوله تعالى: (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ)</span>\nالْمُعَقِّبَات: المتناوبات، وقيل الْمُعَقِّبَات هاهنا ملائكة الليل تعقب ملائكة النهار وهو قول الحسن وقتادة ومجاهد، وروي عن ابن عباس: أنها الولاة والأمراء، وقال الحسن: هي أربعة من الملائكة يجتمعون عند صلاة الفجر، وصلاة العصر.\nويُسأَل عن قوله (مِنْ أَمْرِ اللَّهِ)؟\nوفيه أجوبة:","vol":"1","page":176},{"text":"قال الحسن: يحفظونه بأمر الله، وهو قول قتادة أيضًا.\nوقال ابن عباس: الملائكة من أمر الله.\nوقال مجاهد وإبراهيم: يحفظونه من أمر الله من الجن والهوام.\nوقيل المعنى: عن أمر الله، كما تقول: أطعمته عن جوع وكسوته عن عُري.\nوأصح هذه الأقوال أن يكون المعنى: له معقبات من أمر الله يحفظونه من بين يديه ومن خلفه.\nواختلف في الضمير الذي فى (له):\nفقال بعضهم: يعود على (من) في قوله: (مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ).\nوقيل: يعود على اسم الله جل ثناؤه، وهو عالم الغيب والشهادة.\nوقيل: على النبي ﷺ في قوله: (إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ)، وهو قول عبد الرحمن بن زيد.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-120>قوله تعالى: (وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ)</span>","vol":"1","page":177},{"text":"الرعد: ملك يزجر السحاب. هذا قول ابن عباس. وقال علي بن عيسى: هو اصطكاك أجرام السحاب بقدرة الله سبحانه.\nوالخيفة والخوف بمعنى واحد.\nوالصواعق جمع صاعقة. وتميم تقول: صاقعة.\nوالجدال: الخصومة.\nوالْمِحَالِ: الأخذ بالعقاب هاهنا، يقال: ما حلته مما حلةً ومحالًا، ومحلت به محلًا، قال الأعشى:\nفَرْع نَبْعٍ يَهْتزُّ فِي غُصُنِ المَجْ ... د غزِيرُ النَّدَى شَدِيدُ المِحال\nوهذه الآية نزلت في رجلٍ جاء إلى النبي صلى الله عليه مجادلةً، فقال: يا محمد، مِمَّ ربُّك، أمن لؤلؤٍ أم ياقوتٍ أم ذهبٍ أم فضةٍ؟، فأرسل الله عليه صاعقةً ذهبت بقحفه، وهو قول أنس بن مالك ومجاهد.\nوقيل: نزلت في أربد أخي لبيد بن ربيعة لما أراد هو وعامر بن الطفيل قتل النبي ﷺ، فقال أربد لعامر: أنا أشغله بالحديث فاضربه أنت، فأقبل أربد يسأل النبي صلى الله عليه؛ ليشغله وهمَّ عامر بضربه ﵇. فجفت يده على قائم السيف، فرجعا خائبين، وأصابت أربد في طريقه صاعقة فأحرقته، وأما عامر فابتلي بغدةٍ كغدة البعير، فكان يقول: أغدة كغدة البعير، حتى قتلته. وقال لبيد يرثي أخاه أربد:\nأخشَى على أُربَدَ الحُتُوفَ ولا ... أرهَبُ نَوءَ السّماك والأسَدِ\nفَجَّعَني الرَّعْدُ والصَّواعِقُ بالـ ... فارِسِ يَوْمَ الكَريهةِ النُّجُدِ\nوكان اسم أربد (قيسًا) ولم يكن من أبي ربيعة، وكان عامر قد قال للنبي ﷺ: إن","vol":"1","page":178},{"text":"جعلت لي نصف ثمار المدينة، وجعلت لي الأمر بعدك أسلمت، فقال النبي ﵇: (اللهم اكفني عامرًا واهدِ بني عامر)، فانصرف وهو يقول: والله لأملأنها عليك خيلًا جُردًا أو رجالًا مُردًا ولأربطنَّ بكلّ نخلةٍ فرسًا. فأصابته غدة في طريقه ذلك. فكان يقول: أغدة كغد البعير وموتا في بيت سلولية.\n* * *\nفصل:\nويسأل عن معنى قوله (وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ)؟\nففيه ثلاثة أجوبة:\nأحدها: أنّه ملك يسبح ويزجر السحاب بذلك التسبيح، وهو قول ابن عباس.\nوالثاني: أنّه يسبح بما فيه من الدلالة على تعظيم الله تعالى ووجوب حمده.\nوالثالث: أنّه يسبح بما فيه من الآية التي تدعو إلى تسيبح الله جل وعز.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-121>قوله تعالى: (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا)</span>\nالطاعة والطوع: الانقياد. والكَره والكُره والكراهة بمعنى. والظلال جمع ظلٍ وهو ستر الشخص ما بإزائه.\nوالغُدو والغَداة وغدوة بمعنى. والآصال جمع أُصُل والأُصُل جمع أصيل وهو العشي وقد يقال فى جمعه أصائل. قال أبو ذؤيب:\nلعَمْرِي لأَنتَ البَيْتُ أُكْرِمُ أَهْلَه ... وأَقْعُدُ فِي أَفيائه بالأَصَائِل\nويُسأَل عن معنى قوله (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا)؟","vol":"1","page":179},{"text":"والجواب: أنّ الحسن وقتادة وعبد الرحمن بن زيد قالوا: المؤمن يسجد طوعا والكافر يسجد كرها، والمعنى على هذا أنّ السجود واجب لله تعالى، فالمؤمن يفعله طوعًا والكافر يؤخذ بالسجود كرها، أي هذا الحكم في وجوب السجود لله.\nوقيل: المؤمن يسجد طوعًا والكافر في حكم الساجد كرهًا لما فيه من الحاجة والذلة التي تدعو إلى الخضوع لله تعالى.\nوأما سجود الظلال فبما فيها من أثر الصنعة، وقيل: إن الكافر إذا سجد لغير الله سجد ظله لله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-122>قوله تعالي: (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ)</span>\nالأنهار: جمع نَهَر كجَمَل وأجمال، ويجوز أن يكون جمع نَهْر، كَفْرد وأفراد، والنهر المجرى الواسع من مجاري الماء على وجه الأرض، وأصله الاتساع، ومنه النهار لاتساع الضياء، وأنهرت الدم إذا وسَّعت مجراه، قال الشاعر:\nمَلَكْتُ بِهَا كَفِّي فأَنْهَرْتُ فَتْقَها ... يَرى قائمٌ مِنْ دُونِهَا مَا وراءَها\nأي وسَّعت فتقَها.\nوالأكْلَ: مصدر. والأُكُل بضم الهمزة المأكول.","vol":"1","page":180},{"text":"ومما يسأل عنه أن يقال: ما معنى (أُكُلُهَا دَائِمٌ)؟\nوفيه جوابان:\nأحدهما: أنّ ثمارها لا تنقطع كانقطاعها في الدنيا في غير أزمنتها، وهو قول الحسن.\nوالثاني: أنّ التنعم به لا ينقطع.\nويُسأَل عن معنى (مَثَلُ الْجَنَّةِ)؟\nوفيه أجوبة:\nأحدها: أنّ المعنى صفة الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار، فتجري من تحتها الأنهار وما بعده خبر المبتدأ الذي هو (مَثَلُ الْجَنَّةِ).\nوالجواب الثاني: أنّ (مثلا) هاهنا بمعنى (الشبه) والخبر محذوف تقديره: مثل الجنة التي هي كذا وكذا أجل مثل.\nوالجواب الثالث: أنّ التقدير: وفيما يتلى عليكم مَثَلُ الْجَنَّةِ وهو قول سيبويه.\n* * *","vol":"1","page":181},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-123>وَمِنْ سُورَةِ (إِبْرَاهِيمَ)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-124>قوله تعالى: (قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ)</span>\nيسأل عن قوله (يُقِيمُوا الصَّلَاةَ) ما موضعه من الإعراب؟\nوالجواب جزمٌ من ثلاثة أوجه:\nأحدها: جواب الأمر الذي هو (قُلْ). لأنّ المعنى في (قُلْ): إن تقل لهم يقيموا الصلاة.\nوالثانى: أنّه جواب أمر محذوف تقديره: قل لعبادي أقيموا الصلاة يقيموا الصلاة.\nوالثالث: أنّه على حذف لام الأمر. كأنّه قال: قل لعبادي ليقيموا الصلاة، وإنما جاز حذف \" اللام \" هاهنا، لأنّ في الكلام عليها دليلا، فعلى هذا يجوز: قل له يضربُ زيدًا، ولا يجوز: يضربْ زيدًا، لأنّه لا دليل على اللام، ولا عوض منها. وهذا قول الزجاج.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-125>قوله تعالى: (وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ)</span>\nقرأ الكسائي (وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لَتَزُولُ) بضم اللام الأخيرة وفتح الأولى. وقرأ الباقون: بكسر الأولى وفتح الثانية.\nومعنى قراءة الجماعة: وما كان مكرهم لتزول منه الجبال. أي: ليبطل الحق والإسلام، لأنهما ثابتان بالدلبل والبرهان. فهما كالجبال.\nوأما قراءة الكسائي فمعناها: الاستعظام لمكرهم، كأنها تزول منه الجبال لعظمه.\nو(إنْ) في القراءة الأولى بمعنى (ما) وهو قول ابن عباس والحسن، وعلى القراءة الثانية (إن) مخففة من الثقيلة.","vol":"1","page":182},{"text":"وقد قيل في معنى القراءة الأولى: إن هذا نزل في نمرود بن كوش بن كنعان حين اتخذ التابوت وأخذ أربعة من النسور فأجاعها أيامًا وعلق فوقها لحمًا وربط التابوت إليها فطارت النسور بالتابوت وهو ووزيره فيه إلى أن بلغت حيث شاء الله تعالى، فظن أنّه بلغ السماء. ففتح باب التابوت من أعلاه فرأى بعد السماء منه كبعدها حين كان في الأرض، وفتح بابا من أسفل التابوت فرأى الأرض قد غابت عنه فهاله الأمر. فصوب النسور وسقط التابوت، وكانت له وجبة فظنت الجبال أنّه أمر نزل من السماء فزالت عن مواضعها لهول ذلك.\nفالمعنى على هذا: وإنه كان مكرهم لتزول منه الجبال. أي: قد زالت. وفي التأويل الأول: همت بالزوال، ويروى أنّ عمر وعليا ﵄ قرأا (وَإِنْ كَادَ مَكْرُهُمْ لَتَزُولُ مِنْهُ الْجِبَالُ)، فهذا يدل على التأويل الأول ويدل عليه أيضا قوله (تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا). أي: إعظاما لما جاءوا به.\n* * *","vol":"1","page":183},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-126>وَمِنْ سُورَةِ (الْحِجْرِ)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-127>قوله تعالى: (الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ (١)</span>\nجر (قرآنا) لأنّه معطوف على (الكتاب) تقديره: تلك آيات الكتاب: آيات قرآن مبين.\nوأجاز الفراء الرفع على تقدير: وهو قرآن مبين، أو يكون معطوفًا على آيات، وأجاز النصب على المدح وأنشد:\nإلى المَلِكِ القَرْمِ وابنِ الهُمامِ ... وليثِ الكتيبة في المُزْدَحَمْ\nوذا الرأي حِينَ تُغَمُّ الأمورُ ... بِذاتِ الصليلِ وَذات اللُّجَم\nوزعم أنّ المدح تنصب نكرته ومعرفته، أما قوله (معرفته) فصحيح، وأما (نكرته) فإن أصحابنا لا يجيزون ذلك. لأنّه لا يمدح الشيء الذي لا يعرف. وإنما يمدح ما يعرف، والنكرة مجهولة فلذلك امتنع.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-128>قوله تعالى: (رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا)</span>\nيقال (رُبَّ) بالتشديد، و(رُبَ) بالتخفيف، قال أبو كبير:\nأَزُهَيرُ إِنْ يَشِبِ القَذالُ فإِنَّني ... رُبَ هَيْضَلٍ مرسٍ لفَفْت بِهَيْضَلِ\nزعم بعضهم أنها لغة، وليست بلغة عندنا. وإنما اضطر الشاعر فخففها، والدليل على ذلك: أن كل ما كان من الحروف على حرفين فإنه ساكن الثاني نحو: هل ومِنْ وقد وما أشبه ذلك، ويقال: رُبَّمَا ورُبمَا ورُبَّتَما ورُبَتَما، و(التاء) لتأنيث الكلمة، و(ما) كافة وهي تبع للتخفيف عوض من التضعيف، وحكى أبو حاتم هذه الوجوه كلها بفتح الراء لغة.","vol":"1","page":184},{"text":"فصل:\nومما يسأل عنه هاهنا أن يقال: لم جاء (رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا)، وربَّ للتقليل؟\nوعن هذا جوابان:\nأحدهما: لأنّه أبلغ في التهديد، كما تقول: ربما ندمت على هذا، وأنت تعلم أنّه يندم ندمًا طويلًا، أي يكفيك قليل الندم فكيف كثيره.\nوالثاني: أنّه يشغلهم العذاب عن تمني ذلك إلا في أوقات قليلة.\nوقرأ ابن نافع وعاصم (رُبَمَا) بالتخفيف، وقرأ الباقون بالتشديد على الأصل.\nوساغ التخفيف هاهنا وإن لم يكن من الضرورات؛ لأنَّها لما وصلت بـ (ما) كثرت وثقلت فخففت.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-129>قوله تعالى: (قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٧١) لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٢)</span>\nقال ابن عباس: لَعَمْرُكَ، أي: وحياتك.\nقال لي بعض شيوخنا: أقسم الله تعالى بحياة نبيه إجلالًا له ومحبة.\nوالسكرة هاهنا: الجهل.\nوالعمهُ: التحير. قال رؤبة:\nومَهْمَهٍ أَطْرافُه فِي مَهْمَهِ ... أَعْمَى الهُدَى بالجاهِلينَ العُمهِ","vol":"1","page":185},{"text":"ومما يسأل عنه أن يقال: كيف قال (هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ)؟\nوعنه جوابان:\nأحدهما: أنّه أراد هَؤُلَاءِ بناتي فتزوجوهن إن كنتم فاعلين، وهذا قول الحسن وقتادة، وقوله (إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ) كناية عن طلب الجماع.\nوالثاني: أنّه أراد نساءهم لأنهم أمته ونساؤهم في الحكم كبناته. وهو قول الزجاج.\nويعترض في الجواب الأول: كيف يجوز أن يتزوج الكافر بالمؤمنة؟\nوالجواب: أنّه كان ذلك في شريعتهم جائزًا، وقد كان في أول الإسلام، وهو قول الحسن.\nوقيل: قال ذلك لرؤساء الكفار لأنهم يكفون أتباعهم.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-130>قوله تعالى: (وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (٧٤)</span>\nيسأل عن (سِجِّيلٍ)؟.\nوفيه للعلماء ثمانية أقوالٍ:\nأحدها: أنها حجارةٌ صلبةٌ وليست كحجارة الثلج والبَردَ.\nوالثاني: أنّه فارسي معرب (سنْك) و(كِل) عن ابن عباس وقتادة.\nوالثالث: أنّ معناه شديد عن أبي عبيدة، وأنشد:\nضَربًا تَواصى بهِ الأبطالُ سِجينًا\nإلا أنّه أبدل النون لامًا.","vol":"1","page":186},{"text":"والرابع: أنّه مثل السجل في الإرسال، وهو الدلو. قال بعض بني أبي لهب:\nمَنْ يُسَاجِلْني يُسَاجِلْ ماجِدًا ... يَمْلأُ الدَّلْوَ إِلى عَقْدِ الكَرَب\nالخامس: أنّه من استجلته أي: أرسلته.\nالسادس: أنّه من استجلته أي: أعطيته.\nالسابع: أنّه من السجل وهو الكتاب، قيل: كان على هذه الحجارة كتابةٌ.\nالثامن: أنّه من أسماء سماء الدنيا، وهي تسمى سجيلا، وهذا قول ابن زيد.\nوقيل: أصله (سجين) وهو اسم من أسماء جهنم ثم أبدلت النون لاما. وهذا كقول أبي عبيدة، قال الشاعر في إبدال النون لاما:\nوَقَفْتُ فِيهَا أُصَيْلًا لا أُسائِلُها ... عَيَّتْ جَوابًا وَمَا بالرَّبْع مِنْ أَحَدِ\nيريد أصيلانًا.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-131>قوله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧»</span>\nقال ابن عباس وابن مسعود وسعيد بن جبير ومجاهد: هي سبع سور من أول القرآن، وروى عن الحسن وعطاء: أنها فاتحة الكتاب. وقال ابن عباس وابن مسعود من طريقة أخرى بهذا القول.\nويروى عن النبي ﷺ أنّ السبع المثاني أمُّ القرآن.\nوسميت السبع الطوال مثاني لأنها تثنى فيها الأخبار والأمثال والعبر، وقد روي أيضًا عن ابن عباس أنّ المثاني جميع القرآن.","vol":"1","page":187},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-132>قوله تعالى: (الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (٩١»</span>\nقال الكسائي: هو من العَضِيهَةِ وهي الكذب. أي: جعلوا القرآن كذبًا.\nوقيل معنى (عضين): أنّهم جعلوه فرقا: قالوا فيه هو سحرٌ، وقالوا كهانة، وقالوا شعرٌ وقالوا أساطير الأولين، وهو قول قتادة.\nولام الفعل من عضين على القول الأول هاء، وعلى القول الثاني واو، لأنّه من العضو، كأنهم عضوه أعضاءً، إلا أنّ اللام حُذِفت وعُوض منها هذا الجمع، أعني جمع السلامة وهو مختص بمن يعقل إلا أنّه جاز هاهنا، لأنّه عوض من المحذوف. ومثله: عزون وثبون وما أشبه ذلك.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-133>قوله تعالى: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ)</span>\nأي: افرق، قال أبو ذؤيب:\nوكأَنَّهنّ ربَابةٌ وكأَنُّهُ يَسَرُ ... يَفِيضُ علَى القّداحِ ويَصْدَعُ\nومما يسأل عنه أن يقال: ما (ما) هناهنا؟\nوالجواب: أنها تحتمل أن تكون مصدرية، فيكون التقدير: فاصدع بالأمر، وتحتمل أن تكون بمعنى (الذي) فهذا الوجه محتاج إلى عمل، وذلك أنّ الأصل: فاصدع بما تؤمر بالصدع به فحذفت الباء واجتمعت الإضافة والألف واللام، وهما لا يجتمعان، فحذفت الألف واللام فصار: فاصدع بما تؤمر بصدعه، ثم حذفت المضاف وأتمت المضاف إليه مقامه، على حد (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ)، فصار: فاصدع بما تؤمر به، ثم حذفت الباء على حد حذفها من قول الشاعر:","vol":"1","page":188},{"text":"أَمَرْتُكَ الخَيرَ فافعلْ ما أُمِرْتَ به ... فقد تَرَكْتُكَ ذا مال وذا نَشَبِ\nفصار: فاصدع بما تؤمره، ثم حذفت الهاء لطول الاسم بالصلة على حد قولك: ما أكلتُ الخبزُ، أي: الذي أكلته الخبز، فبقي (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ).\n* * *","vol":"1","page":189},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-134>وَمِنْ سُورَةِ (النَّحْلِ)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-135>قوله تعالى: (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ)</span>\nقال الحسن وابن جريج، عقابه لمن أقام على الكفر.\nوقال الضحاك: فرائضه وأحكامه.\nوقيل أمره: القيامة، فعلى هذا الوجه يكون (أتى) بمعنى (يأتي)، وجاز وقوع الماضي هاهنا لصدق الخبر بما أخبر، فصار بمنزلة ما قد مضى، وقد شرحناه فيما تقدم.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-136>قوله تعالى: (فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ)</span>\nيقال: لم قال (مِنْ فَوْقِهِمْ)، وقد عُلم أنّ السقف يخر من فوقهم؟\nوعنه جوابان:\nأحدهما: أنّه للتوكيد، كما تقول لمن تخاطبه: قلتُ أنت كذا وكذا.\nوالثاني: أنّه جاء كذلك ليدل أنّهم كانوا تحته، لأنّه يجوز أن يقول الرجل:\nخرَّ عليَّ السقف وتهدم عليَّ المنزل، ولم يكن تحتها.\nوقال ابن عباس وعبد الرحمن بن زيد: نزل هذا في نمرود.\nوقيل: في بختنصَر.","vol":"1","page":190},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-137>قوله تعالى: (نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا)</span>\nيقال: سقيته إذا ناولته ليشرب. وأسقيته إذا جعلت له ماء ليشربه دائمًا، من نهر أو غيره، وقد يقال: سقى وأسقى بمعنى، قال لبيد:\nسَقَى قَوْمي بَنِي مَجْدٍ وأَسْقَى ... نُمَيْرًا والقبائِلَ مِنْ هِلالِ\nومما يسأل عنه أن يقال: على ما يعود الضمير في (بطونه)؟\nوالجواب: أنّ العلماء اختلفوا في ذلك:\nفذهب بعضهم: إلى أنّ (الأنعام) جمع، والجمع يذكَّر ويؤنث، فجاء هاهنا على لغة من يذكر، وجاء في سورة \" المؤمنين \" على لغة من يؤنث.\nوذهب آخرون: إلى أنّه رد على واحد الأنعام، وأنشد:\nوَطابَ ألبانُ اللقاح فَبَرَدْ\nردَّه إلى اللبن.\nوقيل: الأنعام، والمنعم سواء، فحصل على المعنى، وأنشدوا للأعشى:\nفإن تَعهديني وَلي لِمّةٌ ... فإنّ الحوادثَ أودَى بها","vol":"1","page":191},{"text":"حمله على الحدثان.\nوقل: المعنى نسقيكم مما في بطون الذكور.\nوقيل: \" من \" تدل على التبعيض، فكأنه قال: نسقيكم من بطون بعض الأنعام؛ لأنَّه ليس لجميعها لبن.\nوقال إسماعيل القاضي: رد إلى الفحل، واستدل بذلك على أنّ اللبن للرجل في الأصل.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-138>قوله تعالى: (وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا)</span>\nالسَّكَر: ما يسكر، والرزق الحسن: الخَلُّ، وقال ابن عباس وسعيد بن جبير والشعبي وإبراهيم وعبد الرحمن بن زيد والحسن ومجاهد وقتادة: السَّكَر: ما حرم من الشراب، والرزق الحسن: ما أحل منه، وقيل: هو ما حلا طعمه من شراب أو غيره، وهو من قول الشعبي.\nويُسأل عن \" الهاء \" في \" منه \" علامَ يعود؟\nوفيها جوابان:\nأحدهما: أنها تعود على المذكور.\nوالثاني: أنها تعود على معنى الثمرات؛ لأنَّ الثمرات والثمر سواء، فكذا \" الهاء \" في قوله: (فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ). قيل: يعود على الشراب، وهو العسل، هذا قول الحسن وقتادة.","vol":"1","page":192},{"text":"وقال مجاهد: يعود على القرآن.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-139>قوله تعالى: (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا)</span>\nيسأل: بما نصب (شَيْئًا)؟\nوفيه جوابان:\nأحدهما: أنّه بدل من (رِزْقًا)، وهو قول البصريين.\nوالثاني: أنّه مفعول بـ (رِزْقًا)، وهو قول الكوفيين وبعض البصريين.\nوفيه بعد؛ لأنَّ (الرزق) اسم، والأسماء لا تعمل، والمصدر (الرزق) هذا قول المبرد.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-140>قوله تعالى: (لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣)</span>\nيقال: ألحد ولحد بمعنى واحد، وذلك إذا مال، ومنه اللحد لأنّه في جانب القبر.","vol":"1","page":193},{"text":"ويُسأل: من الذي ألحدوا إليه؟\nوالجواب: أنّ ابن عباس قال: كان المشركون يقولون إنما يُعلم محمدا - ﷺ - \" بلعام \".\nوقال الضحاك: كانوا يقولون يُعلمه \" سلمان \".\nوقوله (لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ) يعني به القرآن، كما تقول العرب للقصيدة: هذه لسان فلان، قال الشاعر:\nلِسَانُ السُّوءِ تُهديهَا إلينَا ... أُجبتُ وَمَا حَسِبتُك أن تُجِيبا.\nوقرأ حمزة والكسائي (يَلْحَدُونَ) بالفتح، وقرأ الباقون بالضم وهما لغتان.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-141>قوله تعالى: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا)</span>\nقال ابن عباس ومجاهد وقتادة: القرية: مكة.\nوقيل: كل قرية كانت على هذه الصفة. فهي التي ضرب بها المثل.\nوالأنعم: جمع نعمة، كشدة وأشد، وقيل: واحدها (نعم) كغصن وأغصن، وقيل: واحدها (نعماء) كبأساء وأبؤس.","vol":"1","page":194},{"text":"ومما يُسأل عنه أن يُقال: لِمَ قال (لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ)، والجوع لا يُلبس؟\nوالجواب: لما يظهر عليهم من الهزال وشحوب اللون، فصار كاللباس.\nوقيل: إن القحط بلغ بهم إلى أنّ أكلوا القد والوبر مخلوطين بالدم والقراد.\nويُسأل عن قوله تعالى: (فَأَذَاقَهَا اللَّهُ)؟\nوالجواب: أنّه استعارة، والعرب تقول: اركب هذا الفرس وذقه، أي: اختبره، وكذا يقولون: ذق هذا الأمر، قال الشمَّاخ:\nفَذاقَ فَأعطتهُ من اللين جَانِبًا ... كفى ولها أن يُغرقَ السهمَ حاجزُ\nيصف قوسًا.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-142>قوله تعالى: (وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ)</span>\nنصب (الكذبَ) بـ (تصفُ)، و(ما) مصدرية.\nوقرئ في الشاذ (لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكُذُبُ)، جمع كذوبٍ، وهو وصف للألسنة.\nوقرئ أيضا (الكَذِبِ) بالجر على أنّه بدلَ من (ما).","vol":"1","page":195},{"text":"والألسنة: جمع لسان على مذهب من يُذكر، ومن أنَّث قال في جمعه (ألسن)\nقال العجاج:\nوتَلحَجُ الألسُنُ فينا مَلحجا\nوهذه الآية نزلت في تحريمهم البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي.\n* * *","vol":"1","page":196},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-143>وَمِنْ سُورَةِ (بَنِي إِسْرَائِيلَ)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-144>قوله تعالى: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا)</span>\nالمسجد الحرام بمكة، والمسجد الأقصى ببيت القدس، وهو مسجد سليمان ﵇، عن الحسن، وقيل: الأقصى لبعد المسافة بينهما.\nقال الحسن: صلى النبي صلى الله عليه المغرب في المسجد الحرام، ثم أسرى به إلى بيت القدس في ليلته، ثم رجع فصلى الصبح في المسجد الحرام، فلما أخبر المشركين بذلك كذبوه وقالوا: يسير مسيرة شهر في ليلة واحدة، وسألوه عن ييت المقدس، فطوى الله تعالى له الأرض حتى أبصرها، فكان ينظر إليها ويصف لهم.\nوقيل: كان تلك الليلة في المسجد الحرام، كما قال الحسن وقتادة.\nوقيل: كان في بيت أم هانئ، وقال: من المسجد الحرام، لأنّ الحرم كله مسجد.\nومعنى قوله (بَارَكْنَا حَوْلَهُ): يعني بالعمار والأنهار، وقيل: باركنا حوله لما حوله من الأنبياء ﵈، ولهذا جعل مقدَّسًا.\nومعنى (سبحان): براءة وتنزيه، قال الأعشى:\nأَقولُ لمَّا جَاءَنِي فَجْرُه ... سُبحانَ مِن عَلْقَمَةَ الفاجِرِ\nويُسأَل عن نصب (سبحانَ)؟\nوالجواب: أنّه نصب على المصدر إلا أنّه لا ينصرف؛ لأنّه جعل اسما للتسبيح فهو معرفة، وفي آخره زائدتان، فجرى مجرى (عثمان) ونظيره من المصادر (برةُ) في أنّه لا ينصرف، قال النابغة:","vol":"1","page":197},{"text":"إِنَّا اقْتَسَمْنا خُطَّتَيْنا بَيْنَنا ... فَحَمَلْتُ بَرَّةَ واحْتَمَلْتَ فَجارِ\nوقال أبو عبيدة: هو منادى، كأنّه قال: يا سبحان الذي، ولا يجيز هذا حذاق أصحابنا؛ لأنَّه لا معنى له.\nوقوله: (الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ)، تقديره عند البصريين: باركنا ما حوله، فحذف (ما) وهي موصوفة، ولقيت الصفة التي هي (حوله) تدل على المحذوف.\nوقال الكوفيون: هي موصولة. ولا يجيز البصريون حذف الموصول.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-145>قوله تعالى: (وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ)</span>\nآتينا: أي أعطينا.\nويُسأل عن نصب قوله (ذُرِّيَّةَ)؟\nوفي نصبها وجهان:\nأحدهما: أن يكون بدلا من (وَكِيل). كأنّه في التقدير: ألا تتخذوا من دوني وكيلا ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ.\nوالثاني: أن يكون منادى، كأنّه قال: يا ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ.\nهذا على قراءة من قرأ (أَلَّا تَتَّخِذُوا) بالتاء، وأما من قرأ (أَلَّا يَتَّخِذُوا) بالياء، فـ (ذُرِّيَّةَ) في قوله بدل من (وَكِيل) كما كان فى أحد الوجهين الأولين.","vol":"1","page":198},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-146>قوله تعالى: (وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ)</span>\nالإنسان يقع على المذكر والمؤنث، فإن أردت الفصل قلت للمذكر (رجل) وللمؤنث (امرأة)، ومثل ذلك: فرس، هذا مشترك، فإن أردت الفصل قلت (حصان) و(حجر) وفي الهماليج (برذون) و(زمكة)، وكذلك: بعير، يقع على المذكر والمؤنث، فإن فصلت قلت (جمل) و(ناقة).\nواشتقاق الإنسان: من الإِنس والأنس. وهو (فِعْلان) من ذلك، هذا مذهب البصريين.\nْوقال الكوفيون: هو من النسيان، وأصله (إنسيان) حذفت الياء منه استخفافا، واحتجوا على ذلك بقول العرب (أنيسيان)، وهذه الياء عند البصريين زائدة، وهذا التصغير شاذ، ومثله عندهم عشيشية ومغيرلان الشمس ولييلية في أشباه ذلك.\nوالطانر هاهنا: عمل الإنسان، شُبِّه بالطائر الذي يسنح ويُتبرك به. والطائر الذي يبرح فيتشاءم به. والسانح: الذي يجعل ميامنه إلى مياسرك، والبارح الذي يجعل مياسره إلى ميامنك، والأصل في هذا إنه إذا كان سانحًا أمكن الرأي. وإذا كان بارحا لم يمكنه. وإنما خاطب الله تعالى العرب على عادتهم وما يعرفونه.\nقال ابن عباس ومجاهد وقتادة: طائره عمله.\nويقال: لم قال (أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ)، ولم يقل في يده؟\nوالجواب: لأنّه في العنق ألزم؛ لأنَّه يصير بمنزلة الطوق. ولأن محل ما يزين من طوق أو غيره العنق وكذا موضع الغل.","vol":"1","page":199},{"text":"ونصب (حسيبًا) على الحال، والعامل فيها (كفى)، وقيل: هو نصب على التمييز، والأوّل أقيس.\nوموضع (بنفسك) رفع، لأنّه فاعل (كفى) والباء زائدة، وقال أبو بكر بن السراج المعنى: كفى الاكتفاء بنفسك، فالفاعل على هذا محذوف.\nوقرأ ابن عامر (يُلقَّاهُ) بضم الباء وتشديد القاف، وقرأ الباقون (يَلْقَاهُ) بالتخفيف وفتح الياء.\nوقُرئ (وَيُخْرَجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا) وقرئ (وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا).\nفمن قرأ (نُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا) فمعناه: يظهر له كتابا. فتنصب \" كتابا \" على هذا الوجه لأنّه مفعول.\nومن قرأ (وَيُخْرَجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا) نصب \" كتابا \" على الحال. أي: ويخرج له طائره كتابا.\nولو قرئ: ويخرج له كتاب، لجاز على أنّه الفاعل، وكذا لو قرئ: وَيُخْرَجُ له كتابٌ له، على ما لم يسمَّ فاعله لجاز، إلا أنّ القراءة سنة.\nونصب (منشورا) على الحال من (يلقاه) في القراءتين جميعا.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-147>قوله تعالى: (وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا)</span>\nالأمر: ضد النهي، والإتراف: التنعم. والفسق: الخروج عن الطاعة.","vol":"1","page":200},{"text":"والمعنى: أمرناهم بالطاعة ففسقوا، وهو قول ابن عباس وسعيد بن جبير.\nوهذه قراءة السبعة، ومثله: أمرتك فعصيتني.\nوقرئ (أَمَّرْنَا) ومعناه: كثَّرنا، وقيل جعلناهم أمراء. والأوّل أجود؛ لأنّ القرية الواحدة لا يكون فيها عدة أمراء في وقت واحد.\nوقرئ (آمرنا) بالمد أي: كثرنا.\nوذكر ابن خالويه: أنّ بعضهم قرأ (أَُمِرْنا) بكسر الميم بغير مد، وذكر أنّ معناها: كثرنا، وأن (أُمِر) يأتي لازمًا ومتعديًا.\nويُسأل: لم خص المترفون؟\nوالجواب: لأنهم الرؤساء، وَمِنْ سواهم تبع لهم، كما أمر فرعون وكان من عداه من القبط تبعًا له.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-148>قوله تعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ)</span>\nالإملاق: الفقر هذا قول ابن عباس ومجاهد، وذلك أنّهم كانو يئدون البنات خوفًا من الفقر، فنهاهم الله عن ذلك.\nوالزنا يمد ويقصر، قال الشاعر:\nأَبا حاضِرٍ مَنْ يَزْنِ يُعْرَفْ زِناؤُهُ ... ومَنْ يَشرَبِ الخُرْطُومَ يُصْبِحْ مُسَكَّرا","vol":"1","page":201},{"text":"والخرطوم: الخمر، إلا أنّ القرآن جاء بالقصر، والإسراف، مجاوزة الحد، والسلطان هاهنا: القود والدية، وهو قول ابن عباس والضحاك، وقال قتادة: هو القود.\nومما يسأل عنه أن يقال: كيف قال (خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ)، أفيجوز قتلهم لغير إملاق؟\nقيل: لا، وإنما نهى تعالى عن قتلهم ألبتة، ثم أشعرهم بمكان الخوف، ومثله قوله تعالى: (وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ)، لم يأمرهم أن يكونوا ثانيا ولا ثالثا.\nويقال: ما معنى (كَان فاحِشَةً) أتراه الآن ليس بفاحشة؟\nوالجواب: أنّه كان عندهم في الجاهلية فاحشة. وهو كذلك الآن، ومثل هذا في القرآن كثير.\nويقال: ما موضع (وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ)؟\nوالجواب: أنّه يحتمل النصب والجزم، فأما النصب: فعلى قوله: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ) وأن لا تقتلوا. وأما الجزم: فعلى النهي.\nويُسأَل عن الضمير في قوله: (إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا) علامَ يعود؟\nوفيه جوابان:\nأحدهما: أنّه يعود على الولي، وهو قول قتادة.\nوالثاني: أنّه يعود على المقتول، وهو قول مجاهد. والقول الأول أبين.\nوقرأ ابن كثير (كانَ خِطاءً) مكسور الخاء ممدردة مهموزة، وقرأ ابن عامر (خَطَأً) بالفتح والهمز من غير مد، وقرأ الباقون (خِطْأ) مكسورة الخاء ساكنة الطاء مهموزة من غير مد، وهذه لغات.","vol":"1","page":202},{"text":"وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي: (فَلَا تُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ) بالتاء جزمًا، وقرأ الباقون بالياء.\nفالتاء على أنّه خطابٌ للنبي صلى الله عليه. وقيل: هو لولي المقتول.\nوالولي: الوارث من الرجال.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-149>قوله تعالى: (وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ)</span>\nقال ابن عباس والحسن وسعيد بن جبير وقتادة وإبراهيم وابن جريج وابن زيد والضحاك ومجاهد: الرؤيا ما رآه النبي ﷺ ليلة الإسراء، فلما أخبر المشركين بما رأى كذبوا به.\nوقيل: هي رؤيا نوم، وهي رؤياه التي رأى أنّه سيدخل مكة، روي هذا عن ابن عباس من جهة أخرى.\nوالشجرة الملعونة: الزقوم، وقد ذكرها الله تعالى في مكان آخر، فقال: (إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ)، هذا قول ابن عباس والحسن وسعيد بن جبير وابن مالك وقتادة وإبراهيم ومجاهد والضحاك وابن زيد، وكانت فتنتهم بها أنّ أبا جهل قال: النار تأكل الشجر، فكيف تنبت فيها، وارتد قوم، وزاد الله في بصائر آخرين.\nوقال أصحاب المعاني: يجوز أن تكون شجرة الزقوم نبتًا من النار أو من جوهر لا تأكله النار، وكذلك سلاسل النار وأغلالها وعقاربها وحياتها، وكذلك الضريع وما أشبه ذلك.","vol":"1","page":203},{"text":"والفتنة هاهنا: الاختبار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-150>قوله تعالى: (يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ)</span>\nالفتيل: ما يكون في شقِّ النواه.\nواختلف في الإمام هاهنا:\nفقيل: إمامهم نبيهم، وهو قول مجاهد وقتادة.\nوقال ابن عباس والحسن والضحاك: إمامهم كتاب عملهم.\nوقيل: كتابهم الذي أنزل الله تعالى فيه الحلال والحرام والفرائض، وهو قول ابن زيد.\nوقيل: من كانوا يأتمون به في الدنيا. وهو قول أبي عبيدة.\nويُسأَل عن قوله (وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى)؟\nوالجواب: أنّ ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد قالوا: من كان في هذه الدنيا وهي شاهدة له من تدبيرها وتصريفها أعمى عن اعتقاد الصواب فهو في الآخرة التي هي غائبة عنه أعمى.\nوقرأ أبو عمرو (وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى) بالإمالة، وفخم (فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى)، واستشهد بقوله (وَأَضَلُّ سَبِيلًا)، أي: أشد عمى، وهو من عمى القلب، وقرأ ابن كثير وابن عامر ونافع وحفص عن عاصم بالتفخيم فيه جميعًا، وقرأ الكسائي وحمزة وأبو بكر عن عاصم بالإمالة فيهما جميعًا.\nوقيل: فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى عن طريق الجنة.","vol":"1","page":204},{"text":"واحتج قوم لقراءة\nأبي عمرو بأن الأول رأس آية فجاز إمالته، وليس الثاني كذلك ففخم.\nوقد ذكرنا أنّه من عمى القلب. ولا يجوز أن يكون من عمى البصر؛ لأنّه لا يقال: هذا أعمى من هذا، كما لا يقال: هذا أحمر من هذا. وكذا جميع الألوان والعاهات والخلق.\nونصب (يَوْمَ) بفعل مضمر تقديره: اذكر يوم ندعو.\nوقيل: هو منصوب بـ (يعيدهم) يوم ندعو. وهو قول الزجاج.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-151>قوله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي)</span>\nاختلف في الروح هاهنا:\nفقيل: هو جبريل ﵇، هذا قول ابن عباس.\nوقال علي ﵁: هو ملك له سبعون ألف وجه لكل وجه سبعون ألف فم لكل فم سبعون ألف لسان يسبح الله تعالى بجميع ذلك.\n- وقيل: الروح ما تكون به الحياة\n- وقيل: الروح ملك يقوم يوم القيامة صفًا، وتقوم الملائكة صفا، واستدلوا على ذلك بقوله (يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا)، قال قتادة: سأل عن ذلك قوم من اليهود، وقيل سأل عنه اليهود.\nوقيل: في قوله (قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي) أي: من الأمر الذي يعلمه ربي.\nومما يسأل عنه أن يقال: لِمَ لم يجابوا عن الروح؟\nوالجواب: لما في ذلك من المصلحة، ليوكلوا إلى علم ما فى عقولهم من الدلالة، مع ما في ذلك من الرياضة.","vol":"1","page":205},{"text":"وقيل: إنهم وجدوا في كتابهم: أنّه إن أجابهم عن الروح فليس بنبي.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-152>قوله تعالى: (قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ)</span>\n(أو) هاهنا للإباحة. أي: إن دعوت بأحدهما كان جائزًا، وإن دعوت بهما جميعًا كان جائزًا. وهذان الاسمان ممنوعان. أي: لم يتسم أحد بهما غير الله تعالى.\nو(ما) في (أَيًّامًا)، صلة، كقوله تعالى: (عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ).\nوقيل: هي بمعنى (أي شيء) كررت مع اختلاف اللفظين للتوكيد، كقولك:\nما رأيت كالليلة ليلة.\nو(أَيًّا) نصب بتدعو.\nوقرئ (قُلِ ادْعُوا)، (أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ)، بكسر اللام والواو على أصل التقاء الساكنين، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع والكسائي بضم الواو واللام، وهو أجود، والعلة في ذلك أنّ بعدهما ضمة العين فكرهوا الخروج من كسر إلى ضم وليس بينهما إلا حاجز ضعيف، وهو الساكن، ومن زعم من النحويين أنّ ضمة الهمزة من (ادعو) ألقيت على اللام والواو، فقد أخطأ؛ لأنّ هذه الهمزة لا حظَّ لها في الحركة، وإنما تحرك عند الابتداء، فإذا اتصل الكلام سقطت الحركة، وقد كسر بعضهم اللام، وضم الواو جمع بين اللغتين، ولو ضم اللام وكسر الواو لكان جائزًا في العربية، إلا أنّه لا يُقرأ إلا بما صحَّ عن السلف ﵃.\n* * *","vol":"1","page":206},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-153>وَمِنْ سُورَةِ (الْكَهْفِ)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-154>قوله تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ)</span>\nالقيِّم: المستقيم. والعوج: العدول عن الحق إلى الباطل، يقال: ليس في الدين عوج، وكذلك ليس في الأرض عوج، ويقال: في العصا عَوج بالفتح.\nوأجمع العلماء على أنّه على التقديم والتأخير. أي: أنزل على عبده الكتاب قيما ولم يجعل له عوجًا.\nقال ابن عباس والضحاك: أنزله مستقيمًا معتدلًا.\nوقيل: ولم يجعل له عوجا أي: لم يجعله مخلوقًا، ويروى هذا عن ابن عباس أيضًا.\nووزن (قَيِّم) فيعل، وأصله (قيوم) فقلبت الواو ياء وأدغمت الياء فيها، وهذا حكم كل (واو) و(ياء) اجتمعتا وسبقت الأولى منهما بالسكون، نحو: سيِّد وميتِّ وطيّ وليّ، والأصل: سيود وميوت وطوي ولوي، ففعل بهذه الأشياء ما ذكرناه. وقرأ الأعمش (الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ)، وروي أنّ عمر قرأ (الْحَيَّ الْقَيَّامُ)، والأصل فيه القيوام، ففعل به ما قد ذكرناه، وكذلك: القيوم، أصله: قيووم.\nونصب (قيما) على الحال من الكتاب. والعامل فيه \" أنزل \".","vol":"1","page":207},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-155>قوله تعالى: (كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ)</span>\nالكلمة هاهنا: قولهم (اتخذ الله ولدًا)، واختُلف في نصبها:\nفقال قوم: انتصب على تفسير المضمر، على حد قولك: نعم رجلا زيد، والتقدير على هذا: كبرت الكلمة كلمةً، ثم حذفت الأول، لدلالة الثاني عليه. ومثله: كرُم رجلا زيد، ولؤم صاحبا عمرو. وقال قوم: انتصب على التمييز المنقول عن الفاعل. على حد قولك: تصببت عرقًا، وتفقأت شحمًا، قال الشاعر:\nوَلقَد عَلِمتُ إذَا الرياحُ تنَاوحَت ... هَدَجَ الرئال تكبهُن شَمَالا.\nوهذا البيت إذا حُذف منه (تكبهن شمالا) بقي موزونا، وكانَ من مرفل الكامل إذا حركت اللام، فإن أسكنتها كان من الذال، وهو على تمامه من الكامل، ويحكى أنّ أول من نبه على هذا أبو عمرو بن العلاء.\nوقيل: نصب (كلمة) على الحال من المضمر في (كبرت).\nوقرأ ابن كثير (كَبُرَتْ كَلِمَةٌ) بالرفع، جعل كبرت بمعنى عظمت.\nوأما قوله تعالى: (تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ)، فهو نعت لمحذوف تقديره: كبرت كلمةٌ كلمةٌ تخرج من أفواههم، ترفع (كلمة) المضمرة، كما ترفع (زيد) من قولك: نعم رجلًا زيد، ورفعه من وجهين:\nأحدهما: أن يكون مبتدأ وما قبله الخبر.\nوالثاني: أن يكون خبر مبتدأ محذوف، والتفسير في الآية على هذا: هي كلمة تخرج، ولا يجوز أن يكون (تخرج) وصفًا لـ (كلمة) الظاهرة؛ لأنَّ الوصف يقرب النكرة من المعرفة، والتمييز والتفسير","vol":"1","page":208},{"text":"والحال لا تكون معرفة ألبتة، ولا يجوز أن يكون حالًا من (كلمة) المنصوبة لأمرين:\nأحدهما: أنّ الحال يقوم مقام الوصف.\nوالثاني: أنّ الحال لا يكون من نكرة في غالب الأمر.\nولكن يجوز أن يكون (تخرج) وصفًا لـ (كلمة) على مذهب من رفع كلمة.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-156>قوله تعالى: (أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا (٩)</span>\nالكهف: الغار، والرقيم: قيل: هو لوح أو حجر أو صحيفة كتب فيه أسماء أصحاب الكهف وخبرهم حين أووا إلى الكهف؛ لأنَّه من عجائب الأمور، وجعل في خزائن الملوك، وقيل: جعل على باب كهفهم، ورقيم على هذا بمعنى مرقوم، مثل: جريح ومجروح وصريع ومصروع، يقال: رقمت الكتاب أرقمه، وفي القرآن (كِتَابٌ مَرْقُومٌ)، ومن هذا قيل: في الثوب رقم، وقيل للحية: أرقم، لما فيها من الخطوط، وهذا الذي ذكرناه من أنّه كتاب كتب فيه حديثهم قول مجاهد وسعيد بن جبير، وفي بعض الروايات عن ابن عباس: أنّه الوادي الذي كانوا فيه، وروي مثل ذلك عن الضحاك، وقيل: الرقيم الجبل الذي كانوا فيه، وهو قول الحسن، وقيل: الرقيم اسم كلبهم، وجاء في التفسير عن الحسن: أنّهم قوم هربوا بدينهم من قومهم إلى كهف وكان من حديثهم ما قصه الله تعالى في كتابه.\nوقيل في قوله (أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا)، أنّ معناه: أكانوا أعجب من خلق السماوات والأرض وما فيهن.\nو(أم) هاهنا بمعنى: بل أحسبت، وفيها معنى التعجب.","vol":"1","page":209},{"text":"وحدثني أبي عن عمه إبراهيم بن غالب حدثنا القاضي منذر بن سعيد حدثنا أبو النجم عصام بن منصور المرادي القزويني حدثنا أبو بكر أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم الرقي حدثنا أبو محمد عبد الملك بن هشام حدثنا زياد بن عبد الله بن البكائي عن محمد بن إسحاق المطلبي قال حدثني بعض أهل العلم عن سعيد بن جبير وعكرمة عن عبد الله بن عباس ﵁ في خبر طويل:\nأنّ النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط أنفذتهما قريش إلى أحبار اليهود بالمدينة، وقالوا لهما: اسألاهم عن (محمد). وصفا لهم صفته، وأخبراهم بقوله فإنهم أهل الكتاب الأول؛ وعندهم علم ليس عندنا من علم الأنبياء. فخرجا حتى قدما المدينة. فسألا أحبار اليهود عن النبي ﷺ، وقالا لهم ما قالت قريش وقالا: أخبرونا عن صاحبنا. فقالت لهما أحبار اليهود: سلوه عن ثلاث، نأمركم بهن. فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسل، وإن لم يفعل فهو رجل متقول فارؤوا فيه رأيكم، سلوه عن فتية ذهبوا فى الدهر الأول، ما كان أمرهم؟ فإنه قد كان لهم حديث عجب، وسلوه عن رجلٍ طواف قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها ما كان نبأه؟ وسلوه عن الروح، ما هو؟ -فإذا أخبركم بذلك فاتبعوه فإنه نبي، وإن لم يفعل، فاصنعوا في أمره ما بدا لكم، فأقبل النضر وعقبة حتى قدما مكة على قريش فقالا: يا معشر قريش قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين \" محمد \"، وقصَّا عليهم القصة، فجاءوا النبي ﷺ فسألوه عن ذلك، فقال ﵇، أخبركم بما سألتم عنه غدًا، ولم يستثن، فانصرفوا عنه، فمكث ﵇ خمس عشرة ليلة لا يحدث الله إليه في ذلك وحيا، ولا يأتيه جبريل، حتى أرجف أهل مكة وقالوا: وعدنا محمد غدًا، واليوم خمس عشرة ليلة قد أصبحنا منها لا يخبرنا بشيء مما سألناه، وأحزن النبي صلى الله عليه مكث الوحي عنه، وشق ما يتكلم به أهل مكة عليه، ثم جاءه جبريل ﵇ عن الله تعالى بسورة الكهف، فيه معاتبة على حزنه عليهم، وخبر ما سألوا عنه من أمر الفتية، والرجل الطواف، والروح.\nقال ابن إسحاق: فذكر لي أنّ رسول الله ﷺ قال لجبريل ﵇ حين جاءه: لقد أحبست عني يا جبريل حتى سؤت ظنا، فقال له جبريل: (وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا)، فافتتح السورة تعالى: بحمده، وذكر نبوة رسول الله لما أنكروا عليه من ذلك فقال: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ) يعني: محمدًا، إنك رسول مني. أي: تحقيق لما سألوا عنه من نبوتك، (وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا قَيِّمًا) أي: معتدلًا لا اختلاف فيه (لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ)، أي: عاجل عقوبته في الدنيا، ثم مر في السورة.","vol":"1","page":210},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-157>قوله تعالى: (لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا (١٢»</span>\nاختلف العلماء في قوله: (أَيُّ الْحِزْبَيْنِ):\nفقال الخليل: (لنعلم) ملغي. و(أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى) مبتدأ وخبر، والتقدير: لنعلم الذي نقول فيه: أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى، قال يونس: (أَيُّ الْحِزْبَيْنِ) حكاية.\nوقال الفراء: الكلام فيه معنى الاستفهام، فلذلك لم يعمل فيه (لنعلم).\nقال سيبويه: (أَيُّ) هاهنا مبنية، وذلك لحذف العائد عليها، كأن الأصل: لنعلم أي الحزيين هو أحصى، فلما حذف (هو) رجعت (أي) إلى أصلها وهو البناء؛ لأنها بمنزلة (الذي) و(مَنْ) و(ما).\nقال الكسائي: المعنى لنعلم ما يقولون، ثم ابتدأ: أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى، ومثل هذه الآية قوله (فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا) وقوله (ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا)، وأنشد سيبويه:\nوَلَقَدْ أَبِيتُ مِنَ الفَتَاة بمَنْزِلِ ... فأَبِيتُ لَا حَرِجٌ وَلَا مَحْرُومُ\nاستشهادا لقول الخليل، وتأوله هو على تقدير: لا حرج ولا محروم في مكان، على الابتداء والخبر، وجعل الجملة خبر لـ (بات)، وقدره الخليل: فأبيت بمنزلة الذي يقال له لا حرج ولا محروم.\nوأما النصب في (أَمَدًا):","vol":"1","page":211},{"text":"فقال الزجاج: إنه تمييز، وهذا وهم؛ لأنّ (أحصى) فعل وليس باسم، قال الله تعالى (أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ).\nوقال مرة أخرى: هو منصوب بـ (لبثوا) على الظرف، وهذا القول أصح من الأول. وأي الحزبين هاهنا يراد به: الفتية من حصرهم من أهل زمانهم.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-158>قوله تعالى: (سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ)</span>\nالرجم: القذف، عن قتادة، وروي عن ابن عباس أنّه قال: أنا والله من ذلك القليل الذي استثنى الله تعالى، كانوا سبعة وثامنهم كلبهم.\n* * *\nفصل:\nومما يسأل عنه أن يقال: لم دخلت \" الواو \" في قوله (وثامنهم)، وحذفت فيما سوى ذلك؟\nوالجواب: أنها دخلت لتدل على تمام القصة، وموضعها مع ما بعدها نصب على الحال.\nوقيل: دخلت لتعطف جملة على جملة.\nوقال بعضهم: خصت بعدد السبعة؛ لأنَّ السبعة أصل للمبالغة في العدة، لأنّ جلائل الأمور سبعة سبعة.","vol":"1","page":212},{"text":"وأما من يقول هي واو الثمانية، ويستدل بذلك على أنّ للجنة ثمانية أبواب. لقوله تعالى (حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا). فشيء لا يعرفه النحويون وإنما هو من قول بعض المفسرين.\nولو حُذفت هذه الواو لكان جائزًا؛ لأنّ الضمير في قوله (وثامنهم) يربط الجملتين، وذلك نحو قولك: رأيت زيدًا وأبوه قائم، ولو قلت: رأيت زيدًا أبوه قائم لكان جائزًا، وتقول: رأيت زيدًا وعمرو قائم، فلا يجوز حذف الواو؛ لأنّه لا ضمير هاهنا يربط الجملتين.\nولو دخلت الواو في قوله تعالى: (سيقولون ثلاثةٌ ورابعهم كلبهم) (ويقولون خمسةٌ وسادسهم كلبهم) لكان جائزًا عند النحويين.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-159>قوله تعالى: (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا (٢٥)</span>\nاختلف العلماء في هذا:\nفقال قوم: هذا إخبار من الله تعالى بمقدار لبثهم، ثم قال لنبيه ﵇: إن حاجك المشركون فيهم قل: الله أعلم بما لبثوا، هذا قول مجاهد والضحاك وعبيد بن عمير.\nوقال قتادة: هو حكاية عن قول اليهود لأجل قوله تعالى (قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا)، فكأنه في التقدير: سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم، ويقولون كذا وكذا، ويقولون ولبثوا في كهفهم، وقد ذكرنا عن ابن عباس أنّه قال: أنا من ذلك القليل الذي استثناه الله تعالى.\n* * *\nفصل:\nومما يسأل عنه أن يقال: كيف جاء قوله تعالى: (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ)، وإنما يقال: ثلاثمائة سنة؟","vol":"1","page":213},{"text":"وعن هذا جوابان:\nأحدهما: أنّ التقدير: ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنة، على المستعمل، إلا أنّه وضع الجميع موضع الواحد على الأصل، لأنّ الأصل أن تكون الإضافة إلى الجميع. كما قال الشاعر:\nثلاثُ مئين قد مضَينَ كوامِلًا ... وها أنا ذا أرتَجي مَرّ أربَعِ.\nفجاء به على الأصل.\nوالثاني: أنّ العرب تستغني عن الواحد بالجمع. وعن الجمع بالواحد، فمما استغني فيه عن الواحد بالجمع قولهم: قدر أعشار، وثوب أخلاق، ومما استغنوا فيه بالواحد عن الجمع قوله:\nبها جِيَفٌ الحَسْرى فأمَّا عِظامُها ... فَبيضٌ وأَمَّا جِلْدُها فَصَلِيبُ\nوقال آخر:\nكُلُوا في نصْف بَطنكُم تَعيشُوا ... فَإنَّ زمانَكُم زَمنٌ خَمِيصُ.\nوقال الله تعالى في الاستغناء بالجمع عن الواحد: (فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ) الخطاب: للنبي ﷺ، ثم قال للكفار: (فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ)، يدل على ذلك قوله: (فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)، ومما جاء من قوله تعالى على الاستغناء بالواحد عن الجمع قوله تعالى: (ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا)، وهو كثير.\nوهذا كله على قراءة حمزة والكسائي، فأما الباقون فإنهم نونوا (ثَلَاثَمِائَةٌ).\nوفي نصب (سنين) قولان:\nأحدهما: أنّه بدل من ثلاثمائة.","vol":"1","page":214},{"text":"والثاني: أنّه تمييز، كما تقول: عندي عشرة أرطال زيتًا، قال الربيع بن صبع الفزاري:\nإذا عَاشَ الفَتَى مِئتَينِ عَامَا ... فَقذ ذَهبَ البَشَاشة والفَتَاءُ.\nوزعم بعضهم: أنّه على التقديم والتأخير. تقديره: ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة وازدادوا تسع سنين.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-160>قوله تعالى: (لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي)</span>\nالأصل: لكن أنا هُوَ اللَّهُ رَبِّي، فألقيت حركة الهمزة على النون فصار: (لَكِنَنَا) فأسكنت النون الأولى كراهة لاجتماع المثلين، ثم أدغمت في الثانية فصار: لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي؛ ويجوز فيها خمسة أوجه:\nأحدها: لكن هُوَ اللَّهُ رَبِّي، لأنّ ألف (أنا) محذوف في الوصل، قال الشاعر:\nوتَرْمِيْنَنِ بالطَّرْفِ أَيْ أنْتَ مُذْنِبٌ ... وتَقَلِيْنني لكنَّ إياكِ لا أَقْلِيْ\nوالثاني: لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي. وهَذان الوجهان قرئ بهما.\nوالثالث: لَكِنَّنا هُوَ اللَّهُ رَبِّي. بطرح الهمزة وإظهار التنوين.\nوالرابع: لكنْ هُوَ اللَّهُ رَبِّي، بالتخفيف.\nوالخامس: لكن أنا هُوَ اللَّهُ رَبِّي، على الأصل.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-161>قوله تعالى: (وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ)</span>","vol":"1","page":215},{"text":"قال المفسرون: شغل قلبي بوسوسته حتى نسيت الحوت.\nويُسأَل عن موضع (أنْ)؟\nوالجواب: أنّ موضعها نصب على البدل من الهاء، كأنّه في التقدير: وما أنساني أنّ أذكره إلا الشيطان.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-162>قوله تعالى: (أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا)</span>\nيقال: سفينة وسَفائن وسُفُن وسَفِينٌ.\nواختلف في المساكين والفقراء:\nفذهب بعضهم إلى أنهما بمعنًى، وليس كذلك، لأنّ الله تعالى فرق بينهما في آية الصدقة فقال:\n(إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ).\nوفرق بينهما أكثر أهل العلم، واختلفوا في أيهما أشد حاجة:\nفذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ المسكين الذي له بلغة، واحتجوا بهذه الآية، لأنّ الله تعالى جعل لهم سفينة.\nوذهب جمهور أهل اللغة إلى أنّ المسكين الذي لا شيء له، وأن الفقير هو الذي له بلغة وأنشدوا:\nأَمَّا الفَقِيرُ الَّذِي كَانَتْ حَلُو بَتُهُ ... وَفْقَ العِيالِ فَلَمْ يُتْرَكْ لَهُ سَبَدُ\nواختلف في (وراء):\nفقال قوم: هو نقيض قدام","vol":"1","page":216},{"text":"وقال قتادة: هو بمعنى أمام، ومثله: (مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ)، وهو محتمل، لأنّه من المواراة، قال الشاعر:\nأَتَرْجُو بَنُو مَرَوانَ سَمْعي وَطَاعَتي ... وَقَومي تميمٌ والفلاةُ وَرَائيا\nأي أمامي.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-163>قوله تعالى: (قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي)</span>\nقال أصحاب المعاني المعنى: قل لو كان البحر مدادًا لكتابة معاني كلمات ربي لنفد البحر قبل أنّ تنفد كتابة معاني كلمات ربي، فحذف لأنَّ المعنى مفهوم. والنفاد: الفراغ.\nومما يسأل عنه أن يقال: الكلمات لأقل العدد، وأقل العدد العشرة فما دونها، فكيف جاء هاهنا أقل العدد؟\nوالجواب: أنّ العرب تستغني بالجمع القليل عن الكثير، وبالكثير عن القليل، قال الله تعالى: (وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ)، وغرف الجنة أكثر من أن تحصى، وقال: (هُمْ دَرَجَاتٌ)، وقال حسان:\nلَنَا الجَفَنَاتُ الغُرُّ يَلْمَعْنَّ بالضُّحَى ... وَأسيافُنا يَقْطُرْنَ من نَجْدةٍ دَمَا\nوكان أبو علي الفارسي ينكر الحكاية التي تروى عن النابغة، وأنه قال له: قلَّلت جفناتكم وأسيافكم. فقال: لا يمح هذا عن النابغة.\n* * *","vol":"1","page":217},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-164>وَمِنْ سُورَةِ (مَرْيَمَ)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-165>قوله تعالى: (كهيعص (١) ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢)</span>\nقد فسرنا فواتح السور فيما تقدم.\nومما يسأل عنه هاهنا أن يقال: بم ارتفع (ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ)؟\nوفيه وجهان:\nأحدهما: أن يكون خبر مبتدأ محذوف، كأنّه قال: هو ذكر.\nوالثاني: أن يكون مبتدأ والخبر محذوف تقديره: فيما يتلى عليكم ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ.\nونصب (عبدَه) برحمة.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-166>قوله تعالى: (يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ)</span>\nقال أبو صالح: يرثني النبوة، وقال الحسن ومجاهد: يرثني العلم والنبوة، وقال السدي: يرث نبوته ونبوة آل يعقوب.\nويجوز فى (يَرِثُنِي) الرفع والجزم، فالرفع على النعت لولي، وهي قراءة السبعة إلا أبا عمرو والكسائي فإنهما قرأا بالجزم، والجزم على أنّه جواب الدعاء.","vol":"1","page":218},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-167>قوله تعالى: (فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥»</span>\nالسري: الجدول في قول البراء بن عازب، وقال ابن عباس ومجاهد وابن جبير: هو النهر، وقال الضحاك وقتادة وإبراهيم: هو النهر الصغير، وقال الحسن وابن زيد السري: النهر معروف في كلام العرب. قال لبيد:\nفَتَوَسَّطا عُرْضَ السَّرِيِّ فَغَادَرَا ... مَسْجُورَةً مُتَجاوِرًا مُلاّمُها\n* * *\nفصل:\nومما يسأل عنه أن يقال: لم أُمِرت بهز الجذع، والله قادر أن يسقط عليها الرطب من غير هَزٍّ منها؟\nوالجواب: أنّ الله تعالى جعل معائش الدنيا بتصرف أهلها وتطلبهم لها.\nويُسأَل: بم انتصب (رُطَبًا جَنِيًّا)؟\nوفيه جوابان:\nأحدهما: أنّه مفعول لـ (هُزِّي)، أي: هُزِّي رطبًا جنيًا يتساقط عليك، هذا قول المبرد.\nوقال غيره: هو نصب على التمييز. والعامل فيه (تُسَاقِطْ).\nوقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو والكسائي وابن عامر وأبو بكر عن عاصم (تُسَّاقَطْ) بالتاء وردٌ الضمير إلى النخلة، والباء في قوله (بِجِذْعِ النَّخْلَةِ) زائدة.","vol":"1","page":219},{"text":"وقرأ حمزة (تَسَاقَطْ) أراد: تتساقط، فحذف التاء الثانية لأنها زائدة كراهة لاجتماع التاءين.\nوقرأ حفص عن عاصم (تُسَاقِطْ) بضم التاء وكسر القاف مخففة السين، جعله مثل: يطارق النَّعل، ويُعاقب اللص.\nوقرئ في غير السبعة (يَسَّاقَطِ) على أنّ الضمير للجذع.\nوقرأ نافع والكسائي وحمزة وعاصم في رواية حفص (فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا). وقرأ الباقون (مَنْ تَحْتَهَا) بفتح الميم على معنى \" الذي \".\nواختلف فيمن ناداها:\nفقال ابن عباس والضحاك وقتادة والسُّدِّي: ناداها جبريل ﵇. وقال مجاهد ووهب بن منبه وسعيد بن جبير وابن زيد: ناداها عيسى.\nفعلى التأويل الأول يكون (تحت) بمعنى المحاذاة، والمعنى: فناداها جبريل من البستان الذي تحتها؛ لأنّه يقال: داري تحت دارك، بمعنى: محاذية لها.\nوعلى التأويل الثاني يكون المعنى: فناداها من تحت ثيابها.\nوكل الوجهين محتمل.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-168>قوله تعالى: (قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (٢٧»</span>\nالفري: العمل العجيب، قال الراجز:\nقَدْ أَطعَمتني ذَقَلًا حَوليًّا ... مُسَوّسا مُدَوّدًا حجريا.\nقد كنتِ تفرين به الْفَرِيَّا\nوقال قتادة وكعب وابن زيد والمغيرة بن شعبة يرفعه إلى النبي صلى الله عليه: هارون رجل صالح في بني إسرائيل ينسب إليه من عرف بالصلاح.","vol":"1","page":220},{"text":"وقيل: هو هارون أخو موسى، نسبت إليه لأنها من ولده، كما يقال: يا أخا بني فلان، وهو قول السُّدِّي.\nوقيل: كان رجلا فاسقا معلنا بالفسق فنسبت إليه.\nوقال الكلبي: هارون أخوها من أبيها.\nومعنى (فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ): قالت كلموه.\n* * *\nفصل:\nومما يسأل عنه أن يقال: لم قال (بَغِيًّا) وهو صفة مؤنث؟\nوالجواب: أنّ ما كان على (فَعُول) ووصف به المؤنث كان بغير (هاء)، نحو: امرأة شكور وصبور إذا كان بمعنى (فاعل)، فإن كان بمعنى (مفعول) ثبتت فيه \" الهاء \" نحو: حلوبة وقتوبة.\nوالأصل في (بَغِيًّا): بغوي، فاجتمعت الواو والياء وسبقت الأولى بالسكون فوجب القلب والإدغام، وكسرت الغين لتصح الياء الساكنة.\n* * *\nفصل:\nويُسأَل عن قوله تعالى (كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا)، بم نصب (صَبِيًّا)؟\nوالجواب: أنّه منصوب على الحال، و(كان) بمعنى الحدوث. وهي العاملة في الحال، ومثل\nكان هاهنا قوله تعالى (وإن كان ذُو عُسْرَةٍ) أي: حضر ووقع، ومثله قول الربيع:\nإِذَا كانَ الشِّتاءُ فأدفِئُوني ... فإنَّ الشَّيْخَ يُهْدِمُهُ الشِّتاءُ\nويجوز أن تكون زائدةً، نحو قول الشاعر:\nجِيادُ بَني أبي بكرٍ تَسَامى ... عليَّ كَانَ المسَومةِ العِرابِ","vol":"1","page":221},{"text":"والعامل في الحال على هذا الوجه (نُكَلِّمُ).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-169>قوله تعالى: (وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (٦٢»</span>\nيسأل: كيف جاز (وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا)، وليس في الجنة ليل ولا شمس ولا قمر؟\nوالجواب: أنّ العرب خوطبت على قدر ما تعرف، فذكر البكرة والعشي ليدل على المقدار، وكانت العرب تكره (الوجبة) وهي أكلة واحدة، وتستحب الغداء والعشاء، فأعلمهم الله تعالى: أنّ لهم في الجنة مثل ما كانوا يحبون في الدنيا.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-170>قوله تعالى: (أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا)</span>\nهذه الآية نزلت في العاص بن وائل السهمي، وذلك أنّ خباب بن الأرت صاحب رسول الله - ﷺ - كان قينًا بمكة يعمل السيوف فباع من العاص سيوفا، فأعملها له حتى إذا صار له عليه مال جاء يتقاضاه، فقال له: يا خباب، أليس يزعم محمد هذا الذي أنت على دينه، أنّ في الجنة ما ابتغى أهلها من ذهبٍ أو فضة أو ثيابٍ أو خدم؛ قال خباب: بلى، قال: فأنظرني إلى يوم القيامة حتى أرجع إلي تلك الدار، فأقضيك هنالك حقك، فوالله لا تكون أنت ولا أصحابك يا خباب آثر عند الله مني وأعظم حظا. فأنزل الله تعالى فيه (أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا) إلى آخر الآية.","vol":"1","page":222},{"text":"قرأ حمزة والكسائي (وُلْدًا) بضم الواو وإسكان اللام، وقرأ الباقون بفتح الواو، فأما الفتح فهي اللغة المشهورة. وأما الضم وإسكان اللام. فيجوز فيه وجهان:\nأحدهما: أن يكون، (وُلْد) و(وَلَد) بمعنى، كما يُقال: رُشد ورَشد، وعُدم وعَدم، قال الشاعر:\nفَليتَ فُلانًا كانَ في بطنِ أُمِّهِ ... وَليتَ فُلانًا كانتُ وُلدِ حمارِ\nوقال الحارث بن حلزة:\nوَلقَد رأيتُ مَعاشِرًا ... قَد أثمرُوا مالًا وَوُلدا\nوقال رؤبة:\nالحَمدُ للهِ العزيزُ فَردَا ... لم يتخِذْ مِن وُلد شيءٍ وُلدا\nوالثاني: أن يكون الوُلد جمع الولد، كقولهم: أَسَد وأُسْد، ووُثن ووَثن، وهي لغة قريش.\n* * *","vol":"1","page":223},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-171>وَمِنْ سُورَةِ (طه)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-172>قوله تعالى: (طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (٢»</span>\nاختلف في معنى (طه):\nفقيل: هو اسم للسورة. وقيل: هو اختصار من كلام يعلمه النبي ﷺ، وقيل: هو بالسريانية ومعناه: يا رجلًا. وهو قول ابن عباس ومجاهد والحسن وسعيد بن جبير.\nويجوز في (طه) أربعة أوجه:\nأحدها: (طه) بفتح الطاء والهاء والتفخيم.\nوالثاني: (طه) بإمالتهما جميعًا.\nوالثالث: (طاهي) بتفخيم الأول وإمالة الثاني.\nوالرابع: (طهْ) بتسكين الهاء، وفيه وجهان:\nأحدهما: أن يكون المعنى (طأ) ثم أبدل من الهمزة هاء، كما يقال: هرقت الماء، وهنرت الثوب وهرحت الدابة، في معنى: أرقت وأثرت وأرحت.\nوالثاني: أن يكون على تخفيف الهمز كأنّه (طَ يا رجل) كما تقول: رَ يا رجل، ثم أُدخلت الهاء للوقف.\nوقد قرئ بهذه الوجوه كلها:\nفالوجه الأول: قراءة ابن كثير وابن عامر ونافع في إحدى الروايتين.\nوالثاني: قراءة حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر وعباس عن أبي عمرو.\nوالثالث: عن أبي عمرو. وروي عن نافع بين الإمالة والتفخيم في إحدى الروايتين.\nويروى أنّ النبي ﷺ كان يرفع رجله في الصلاة، فأنزل الله تعالى عليه (طَهَ) أي: طء الأرض برجلك، فهذا يقوي إسكان الهاء.","vol":"1","page":224},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-173>قوله تعالى: (وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣٢) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (٣٣) </span>وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (٣٤»\nالأزر: الظهر، يقال: آزرني فلانٌ على كذا، أي: كان لي ظهرًا، ومنه المنزر لأنّه يُشَدُّ على الظهر\nقرأ ابن عامر (أَشْدُد بِهِ أَزْرِي) بقطع الألف (وأُشركُه في أمري) بضم الألف، وقرأ الباقون بوصل الألف الأولى وفتح الثانية، فمن قرأ (أَشْدُد بِهِ أَزْرِي) بقطع الألف (وأُشركه) بضم الألف، فالألف ألف المتكلم، وجزم لأنّه جواب الدعاء الذي هو (واجعل لي)، ومن وصل الألف وفتح الثانية جعله بدلًا من قوله (واجعل لى).\nويُسأل عن قوله تعالى: (وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي (٣٠»، أين مفعولا (واجعل)؟\nوفي هذا جوابان:\nأحدهما: أن يكون الكلام على التقديم والتأخير. حتى كأنّه قال: واجعل لي من أهلي هارون أخي وزيرًا، فـ (هارون) مفعول أول، و(وزيرًا) مفعول ثاني.\nوإن شئت جعلت (وزيرًا) مفعولًا أولًا، و(لي) مفعولًا ثانيًا، وهذا الوجه الثاني.\nويجوز في هارون وجهان:\nأحدهما: أن يكون نصبًا بإضمار فعل، كأنّه قال: أعني هارون أخي. أو: استوزر لي هارون أخي، لأنّ (وزيرا) يدل عليه.","vol":"1","page":225},{"text":"والثاني: أن يكون خبر مبتدأ محذوف، كأنّه لما قال: واجعل لي وزيرًا من أهلي، قيل له: من هذا الوزير؟ - قال: هارون أخي، فهذا وجه في الرفع، إلا أنّ القراءة بالنصب، فإن رفع رافع من القراء فهذا وجه.\nويجوز في النصب أن تضمر (أريد) كأنّه قيل له: من تريد؟ - قال: أريد هارون أخي.\nويُسأَل عن قوله: (نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (٣٣) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (٣٤»؟\nوفيه وجهان:\nأحدهما: أن يكون نعتًا لمصدرٍ محذوف، كأنّه في التقدير: نُسَبِّحَكَ تسبيحًا كثيرًا ونذكرك ذكرًا كثيرًا.\nوالوجه الثاني: أن يكون نعتًا لظرف محذوف تقديره: نسبحك وقتًا كثيرًا، ونذكرك وقتًا كثيرًا.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-174>قوله تعالى: (فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى (٥٨) قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى (٥٩»</span>\nقوله (مَكَانًا سُوًى)، قال السُّدِّي وقتادة: عدل، وقال ابن زيد: مستوٍ.\nوقرأ ابن عامر وحمزة وعاصم (سُوًى) بضم السين، وقرأ الباقون بكسرها، والضم أكثر وأفصح؛ لأنّ (فُعَل) في الصفات أكثر من (فِعَل) وذلك نحو: حُطَم ولُبَد، فهذا أكثر من باب عِدَى، وقد قرئ (بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طُوًى)، و(طِوى)، والضم أفصح لما ذكرناه، ومثل ذلك: ثِنى وثُنى وعِدَى وعُدى.\nقال أبو عبيدة: السوى النَّصف والوسط، قال الشاعر:","vol":"1","page":226},{"text":"وإنَّ أَبَانَ كَانَ حَلَّ ببَلْدَةٍ ... سِوىً بَيْنَ قَيْسٍ قَيْسِ عَيْلانَ والغرزِ\nو(يَوْمُ الزِّينَةِ): يوم عيد لهم. كذا قال السُّدِّي وابن إسحاق وقتادة وابن جريج وابن زيد، وقيل يَوْمُ الزِّينَةِ: يوم سوق لهم يتزينون فيه، وهو قول الفراء.\nويسأل عن قوله (مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ) كيف رفع (يَوْمُ الزِّينَةِ)، وجعله الموعد، وإنما الموعد مصدر؟\nوفي هذا جوابان:\nأحدهما: أن يكون على الحذف، كأنّه في التقدير: يوم موعدكم يوم الزينة ثم حذف على حد قوله (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ) وإن شئت قدرته: قال موعدكم موعد يوم الزينة. ثم حُذفت على ما قدمناه، ومثله قوله تعالى: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ)، تقديره: مواقيت الحج أشهر معلومات، وكذلك قوله تعالى: (وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا)، أي: مدة حمله وفصاله ثلاثون شهرًا.\nوالثاني: أن تجعل (موعد) ظرف زمان، فتخبر بالظرف عن الظرف، وهذا كقولهم: أتت الناقة على مضربها، أي: على زمان ضرابها، ومثله قولك: كان ذلك مغار ابن همام، وأمارة الحجاج، وخلافة عبد الملك، ومقتل الحسين وما أشبه ذلك. ويقال: جئته خفوق النجم وطلوع الشمس، فجعلوا هذه المصادر ظروفًا.\nوقد قرأ الحسن (مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ) بالنصب، وهو أيضا على حذفٍ، كأنّه في التقدير:","vol":"1","page":227},{"text":"محل موعدكم كائن يوم الزينة، أو واقع، لأنّه لم يعدهم في يوم الزينة، ولكنه وعدهم الاجتماع معه في يوم الزينة.\nوقوله (وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى) في موضع رفع على تقدير: موعدكم يوم الزينة. ويوم حشر الناس ضحى، وتكون (أنّ مع الفعل) مصدرًا، ثم حذفت (يوم) لدلالة ما تقدم عليه.\nويجوز أن يكون في موضع جر، تعطفه على (الزينة) حتى كأنّه في التقدير: موعدكم يوم الرينة ويوم حشر الناس ضحى.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-175>قوله تعالى: (قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ)</span>\nقال مجاهد (بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى) بأولي العقل والشرف والأنساب. وقال أبو صالح: بسراة الناس، وقال قتادة: ببني إسرائيل، وكانوا أولي عددٍ ويسار، وقال ابن زيد: طريقتكم التي أنتم عليها في السيرة.\nوقرأ ابن كثير (إِنْ هَذَانِّ لَسَاحِرَانِ) بتشديد النون من (هذان) وتخفيف (إن)، وقرأ عاصم من طريقة حفص (إنْ هذان) بتخفيف النون وتخفيف (إن)، وقرأ أبو عمرو بتشديد (إنَّ) ونصب (هذين)، وقرأ الباقون (إنَّ هذانِ) بتشديد (إنَّ) ورفع (هذان).\nفوجه قراءة ابن كثير: أنّه جعل (إنْ) مخففة من الثقيلة، وأضمر فيها اسمها. ورفع ما بعدها على الابتداء والخبر، وجعل الجملة خبر (إن)، هذا قول البصريين، وفيه نظر، لأنّ (اللام) لا تدخل على خبر المبتدأ إلا فى ضرورة شعر، نحو قوله:","vol":"1","page":228},{"text":"أُمُّ الحُلَيْسِ لَعَجُوزٌ شَهْرَبَهْ ... تَرْضى مِنَ الشاةِ بِعَظْمِ الرَّقَبَهْ\nوقال الكوفيون: \" إنْ \" بمعنى \" ما \" و\" اللام \" بمعنى \" إلا \"، والتقدير: ما هذان إلا ساحران، وهذا قول جيد. إلا أنّ البصريين ينكرون مجيء \" اللام \" بمعنى \" إلا \".\nوالقول على قراءة عاصم من طريق حفص كالقول على قراءة ابن كثير.\nفأما تشديد النون في قراءة ابن كثير ففيها وجهان:\nأحدهما: أن يكون تشديدها عوضًا من ألف (هذا) التي سقطت من أجل حرف التثنية.\nوالثاني: أن يكون للفرق بين النون التي تدخل على المبهم والتي تدخل على المتمكن، وذلك أنَّ هذه النون إنما هي وجدت مشددة مع المبهم.\nوقد قيل: إنما شددت للفرق بين النون التي لا تسقط في الإضافة، والنون التي تسقط في الإضافة.\nوأما قراءة أبي عمرو: فوجهها بيِّن؛ لأنّ (إنَّ) تنصب الاسم وترفع الخبر، إلا أنها مخالفة للمصحف، وقد قرأ بذلك عيسى بن عمر، واحتجا بأنه غلط من الكاتب، وقد رُوي مثل ذلك عن عائشة ﵂، رواه أبو معاوية عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، وكان عاصم الجحدري يقرأ كذلك، فإذا كتب كتب (إن هذان)، واحتجوا له بقول عثمان ﵁:\n(أرى في المصحف لحنا ستقيمه العرب بألسنتها)، وهذان الخبران لا يصححهما أهل النظر، ولعل أبا عمرو وعيسى بن عمر وعاصما الجحدري ما قرأوا إلا ما أخذوه عن الثقات من السلف.","vol":"1","page":229},{"text":"وأما قراءة الجماعة (إِنّ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ): فذهب قوم إلى أنّ (إنّ) بمنزلة (نعم)، وأنشدوا:\nوَلَا أُقِيمُ بِدارِ الهُونِ إِنَّ وَلَا ... آتِي إِلى الغدرِ أَخشَى دونَه الحمجا\nوأنشدوا أيضًا:\nبَكَرَ العَواذِلُ في الصبُو ... حِ يَلُمْنَني وأَلوْمُهُنَّهْ\nويَقُلْنَ شَيْبٌ قد عَلا ... كَ وَقَدْ كبِرْتَ فَقُلْتُ إِنَّهْ\nوهذا القول لا يصح عندنا لأمرين:\nأحدهما: أنها إذا كانت بمعنى (نعم) ارتفع ما بعدها بالابتداء والخبر، وقد تقدم أنّ (اللام) لا تدخل على خبر مبتدأ جاء على أصله.\nوالثاني: أنّ أبا علي الفارسي قال: ما قبل (إنّ) لا يقتضي أن يكون جوابه (نعم)؛ لأنَّك إن جعلته جوابا لقوله (تَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى) - قالوا: نعم هذا لساحران كان محالًا أيضًا.\nوقيل: الهاء مضمرة بعد (إنّ)، وفيه أيضا نظر من أجل دخول اللام في الخبر ولأنَّ إضمار الهاء بعد (إنَّ) المشددة إنما يأتي في ضرورة الشعر، نحو قوله:\nإنّ مَن يدخُل الكنيسةَ يومًا ... يلق فيها جَآذرًا وظباءَ\nوقيل: لما كانت (إنَّ) مشبهة بالفعل. وليست بأصل في العمل ألغيت هاهنا، كما تلغى إذا خُفِّفت، وهذا قول علي بن عيسى الرماني، وهو غير صحيح، لأنها لم تلغ مشددة فى غير هذا الموضع، وأيضًا فإنها قد أعملت مخففة نحو قوله تعالى: (وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ)","vol":"1","page":230},{"text":"في قراءة من قرأ كذلك، لأنها إنما عملت لشبهها بالفعل كما ذكره والفعل قد يعمل وهو محذوف، نحو: لم يك زيدٌ قائمًا، ولم يخشَ عبدُ الله أحدًا وما أشبه بذلك، وقد أعمل اسم الفاعل والمصدر لشبههما بالفعل، ولا يجوز إلغاؤهما. وأيضًا فإن (اللام) تمنع من هذا التأويل؛ لأنّ (إن) إذا ألغيت ارتفع ما بعدها بالابتداء و(اللام) لا تدخل على خبر المبتدأ كما قدمناه.\nوقيل: (هذان) في موضع نصب إلا أنّه مبني لأنّه حُمِل على الواحد والجمع وهما مبنيان، نحو: هذا: هَؤُلَاءِ. وهذا أيضًا غير صحيح؛ لأنَّه لا يعرف في غير هذا المكان. ولأن التثنية لا تختلف ولا تأتي إلا على طريقة واحدة. والواحد والجمع يختلفان. فجاز منهما البناء ولم يجز في التثنية لأنّ فيها دليل الإعراب وهو (الألف) ومحال أن تكون الكلمة مبنية معربة في حال.\nوقيل: هذه الألف ليست بألف تثنية، وإنما هي ألف (هذا) زيدت عليها النون، وهذا قول الفراء، وهو أيضًا غير صحيح؛ لأنّه لا تكون تثنيةً ولا علم للتثنية فيها، فإن قيل: النون علم التثنية، قيل: النون لا يصح أن تكون علم التثنية لأنها لم تأت في غير هذا الموضع كذلك، ألا ترى أنها تسقط في نحو قولك: غلاما زيد، فلو كانت علم التثنية لم يجز حذفها، وإنما النون في قولك (هذان) عوض من الألف المحذوفة هذا قول السيرافي، وقال أبو الفتح: هذه النون دخلت في المبهم لشبهه بالمتمكن وذلك أنّه يوصف ويوصف به ويصغر، فأشبه المتمكن من هذه الطريقة، ألا ترى أنّ المضمر لما بَعُد من المتمكن لم يوصف ولم يوصف به ولم يصغر.\nوقال الزجاج: في الكلام حذف، والتقدير: إنه هذان لهما ساحران. فحذف (الهاء) فصار: إن هذان لهما ساحران، ثم حذف المبتدأ الذي هو (هما) فاتصلت اللام بقوله (ساحران) فصار: إنّ هذان لساحران، فـ (لساحران) على هذا القول خبر مبتدأ محذوف وذلك المبتدأ مع خبره خبر عن (هذان) و(هذان) مع خبره خبر (إنّ)، وقد ذكرنا ما في حذف (الهاء) من القبح. وأنه من ضرورة الشعر، وأما ما ذكره من إضمار المبتدأ تخيلا للام فتعسف لا يعرف له نظير.","vol":"1","page":231},{"text":"وأجود ما قيل في هذا أنها لغة بالحارث بن كعب؛ لأنهم يجرون التثنية في الرفع والنصب والجر مجرى واحدًا، فيقولون: رأيت الزيدان ومررت بالزيدان، قال بعض شعرائهم:\nفَأطرقَ إِطْراقَ الشُّجاعِ ولو يَرى ... مَسانمًا لِنَاباهُ الشُّجاعُ لصمّما\nوقال آخر:\nتَزَوَّد منَّا بَيْنَ أُذْنَيهِ طَعنةً ... دَعَتْه إِلَى هَابِي الترابِ عَقيمِ\nوقال آخر:\nوَاهًا لرَيَّا ثُمَّ وَاهًا واهَا ... يَا لَيْتَ عَيْناها لَنَا وَفَاهَا\nهي المنى لو أننا نلناها ... بثمنٍ نُرضي به أباها\nإنَّ أباها وأبا أباها ... قد بَلَغا في المجدِ غايتاها\nوقال آخر:\nأَيُّ قَلُوصٍ راكبٍ تَراها ... طاروا علاهُنّ فَطِر علاها\nيريد: طاروا عليهن فطر عليها فأبدل الياء ألفًا.\nوزعم بعض المتأخرين أنّ هذه الألف مشبهة بألف (يفعلان) فلما لم تنقلب هذه لم تنقلب تلك، وهذا فاسد؛ لأنّ هذه ضمير في حيز الأسماء وتلك علامة للتثنية وهي حرف، والألف في (يفعلان) لا يصح أن تنقلب؛ لأنَّه لا يتعاقب عليها ما يغير معناها، لأنها لا تكون إلا فاعلة أو ما يقوم مقام الفاعل وهو ما لم يسم فاعله. والألف في (هذان) حرف إعراب وفيه دليل الإعراب والعوامل تغير أواخر الكلم.","vol":"1","page":232},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-176>قوله تعالى: (وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي)</span>\nاليبس: المكان اليابس وجمعه أيباس.\nقال المفسرون المعنى اجعل لهم طريقا يابسًا في البحر يعبرون فيه لا تخاف لحوقا من عدوك ولا\nتخشى من هول البحر الذي انفرج لك.\nومعنى قوله: (فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ)، أي: ما سمعتم به، وجاءتكم به الأخبار، ومثله قول أبي النجم:\nأنَا أبُو النجم وشِعري شِعري\nأي: شعري الذي سمعت به وعلمت.\nقرأ حمزة (لَا تَخَفْ دَرَكًا)، وقرأ الباقون (لَا تَخَافُ دَرَكًا)، وأجمعوا على (وَلَا تَخْشَى) بالألف.\nفتحتمل قراءة حمزة وجهين:\nأحدهما: أن يكون جزاء والثاني: أن يكون نهيًا.\nوأما قراءة الجماعة فإنه يكون حالًا، كأنّه في التقدير، وأسر بعبادي غير خائفٍ ولا خاشٍ، ومثله قراءة حمزة (يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ).","vol":"1","page":233},{"text":"أي: ثم هم لا ينصرون، وكذلك في الآية الأخرى: لا تخف وأنت لا تخشى.\nوقد ذهب بعضهم إلى أن (تخشى) في موضع جزم بالعطف على (لا تخف)، وأن الألف تثبت في موضع الجزم على حد قول الراجز:\nإذا العَجُوزُ غَضبت فطلّقْ ... ولا ترضَاها ولا تملّقْ\nوهذا وجه ضعيف لا يُحمل القرآن عليه.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-177>قوله تعالى: (يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (١١٧»</span>\nيقال: زوج وزوجة، وعلى اللغة الأولى جاء القرآن، ومن اللغة الثانية قول الشاعر:\nوإِنَّ الَّذِي يَسْعَى ليُفْسِدَ زَوْجَتِي ... كسَاعٍ إِلى أُسْدِ الشَّرَى يَسْتَبِيلُها\nوالظمأ: العطش، ويضحى: ينكشف إلى الشمس، قال عمر بن أبي رييعة:\nرَأَتْ رَجُلًا أَمَّا إِذا الشَّمْسُ عارضَتْ ... فيَضْحَى وأَمَّا بالعَشيِّ فَيَخْصَرُ\nيقال: ضحي الرجل يضحي إذا برز للشمس، قال ابن عباس وقتادة وسعيد بن جبير: لا تعطش ولا يصيبك حرُّ الشمس.","vol":"1","page":234},{"text":"فصل: ومما يسأل عنه أن يقال: لم قال (فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى)، ولم يقل: فتشقيا؟\nوالجواب: أنّ المعنى على ذلك، لأنّه خطاب له ولزوجه. إلا أنّه اكتفى بذكره عن ذكرها، لأنّ أمرهما في السبب واحد فاستوى حكمهما في استواء العلة.\nومما يسأل عنه أن يقال: كيف جمع بين الجوع والعري. وبين الظمأ والضحو. والظمأ من جنس الجوع، والضحو من جنس العري؟\nوعن هذا جوابان:\nأحدهما: أنّ الضحو الانكشاف إلى الشمس على ما تقدم. والحر عنه يكون، والظمأ أكثر ما يكون من شدة الحر، فجمع بينهما في اللفظ لاجتماعهما في المعنى. وكذلك الجوع والعري يتشابهان من قِبل أن الجوع عرى في الباطن من الغذاء، والعري ظاهر للجسم.\nوالجواب الثاني: أنّ العرب تلف الكلامين بعضهما ببعض اتكالًا على علم المخاطب، وأنه يرد كل واحدٍ منهما إلى ما يشاكله، قال امرؤ القيس:\nكأَنِّي لَمْ أَرْكَبْ جَوادًا لِلَذَّةٍ ... وَلَمْ أَتَبطَّنْ كاعِبًا ذاتَ خَلْخالِ\nولم أَسْبَأ الزِّقَّ الرَّويَّ ولم أقْلْ ... لخيلي كُرِّي كَرَّةً بعد إجْفالِ\nوكان حقه أن يقول: كأني لم أركب جوادًا للذة، ولم أقل لخيلي كُرِّي، ولم ولم أَسْبَأ الزِّقَّ الرَّويَّ، ولم أتبطن كاعبا.\nوقد تؤول قول امرئ القيس على الجواب الأول، وذلك أنّه جمع في البيت الأول بين ركوبين: ركوب لجواد وركوب الكاعب، وجمع في الثاني بين سباء الخمر والإغارة لأنهما يتجانسان\n* * *\nفصل:\nومما يُسأل عنه أن يقال: لم جاز أن تعمل (إنَّ) في (أنَّ) بفصلٍ، ولم يجز من غير فصل؟\nوالجواب: أنّهم امتنعوا عن ذلك كراهة للتعقيد بمداخلة المعاني المتقاربة، فأما المتباعدة فلا يقع فيها تعقيد بالاتصال، لأنها مباينة مع الاتصال لألفاظها، فلذلك جاز (إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (١١٩» ولم يجز: إن إنك لا تظمأ فيها؛ لأنّه بغير فصل. وقرأ نافع وعاصم من طريقة أبي بكر (وَإِنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا) بالكسر، وقرأ الباقون بالفتح.","vol":"1","page":235},{"text":"فمن كسر عطف على (أَنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ)، ومن فتح فيجوز فيه وجهان:\nأحدهما: أن يكون في موضع نصب عطفا على اسم (إنَّ).\nوالثاني: أن يكون في موضع رفع على تقدير: ولك أنك لا تظمأ فيها.\n* * *","vol":"1","page":236},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-178>وَمِنْ سُورَةِ (الْأَنْبِيَاءِ)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-179>قوله تعالى: (مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٢»</span>\nيسأل عن معنى (مُحْدَثٍ)؟\nوفيه وجهان:\nأحدهما: أنّ المعنى محدث إنزاله، فحذف لدلالة الكلام عليه.\nوالثاني: أنّ الذكر هاهنا الموعظة، والمعنى: ما يأتيهم ذكر، أي: موعظة محدثة إلا استمعوها وهم يلعبون.\nويجوز في (مُحْدَثٍ) الرفع والجر والنصب:\nفالجر: بالرد على ذكر، والرفع: على موضع ذكر. والنصب على الحال.\nويُسأل عن موضع (الذين) فى قوله: (وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا)؟\nوفيه ستة أجوبة:\nأحدها: أنّ موضعه رفع على البدل من الواو في (أَسَرُّوا)\nوالثاني: أنّ موضعه رفع بإضمار فعل تقديره: يقول الذين ظلموا.\nوالثالث: أن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي: هم الذين ظلموا.\nوالرابع: أن يكون رفعا بـ (أَسَرُّوا) على لغة من قال: أكلوني البراغيث.\nفهذه أربعة أوجه في الرفع.\nوالخامس: أن يكون في موضع نصبٍ بإضمار (أعني).","vol":"1","page":237},{"text":"والسادس: أن يكون في موضع جر بدلًا من \" الناس \" في قوله تعالى: (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ).\nوقد ذهب بعضهم إلى أنّه نعتٌ للناس.\nفهذه سبعة أوجه.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-180>قوله تعالى (أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا)</span>\nالنقص: نقيض الزيادة، واختلف العلماء في معنى (نَنْقُصُهَا):\nفقال بعضهم: ننقصها بخرابها، وقيل: بموت أهلها، وقيل: ننقصها من أطرافها بما يفتح الله جل وعز على نبيه، وما ينقص من الشرك بإهلاك وقيل: ننقصها بموت العلماء؛ لأنَّه من أشراط الساعة، وقد جاء في الحديث: (إن الله لا ينتزعُ العلم انتزاعًا ولكن ينتزعه بموت العلماء فيتخذ الناس رؤوسا جهالًا فيَضلون ويُضلون)، وكان يقال: الأطراف مكان الأشراف.\n* * *\nفصل:\nومما يسأل عنه أن يقال: ما الأصل فى قوله (أَنَّا)؟\nوالجواب: أنّ الأصل فيها: أننا فحذفت إحدى النونات كراهة لاجتماع ثلاث نونات، والوجه أن تكون المحذوفة الوسطى لأنّ الثالثة اسم مع الألف ولا يجوز حذفها. والأولى ساكنة ولو حذفتها لالتقى مثلان فيجب إسكان الأولى وإدغامها في الثاني، فيجتمع إعلالان، والعرب تفر من مثل هذا.\nوقيل في قوله: (أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ) أنّ معناه: أفهُم الغالبون على رسول الله صلى الله عليه توبيخًا لهم، وهو قول قتادة، وقيل: من يحفظهم مما يريد الله إنزاله بهم من عقوبات الدنيا والآخرة.","vol":"1","page":238},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-181>قوله تعالى: (وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ)</span>\nالنفش: الرعي ليلًا. هذا قول شريح، وقال الزهري: النفش: العمل بالنهار أيضًا.\nومما يسأل عنه أن يقال: كيف أضاف الحكم إليهما. وإنما المتسبب فى الحكم أحدهما؟\nوالجواب أنّ المعنى: إذ أسرعا في الحكم من غير قطع به. ويجوز أن يكون المعنى: إذ طلبا الحكم في الحرث، ولم يبتدأا به بعدُ، ويجوز أن يكون داود ﵇ حكم حكما معلقا بشرط يفعله معه. كل ذلك قد قيل.\n* * *\nفصل:\nومما يُسأل عنه أن يقال: ما الحرث الذي حكما فيه؟\nوالجواب أنّ قتادة قال: كان زرعا وقعت فيه الغنم ليلا ورعته، وقال ابن مسعود وشريح: كان كرمًا قد نبتت عناقيده. قال ابن مسعود: كان داود ﵇ حكم لصاحب الكرم بالغنم. فقال له سليمان ﵇: غير هذا يا نبي الله، قال: وماذاك؟ قال: تدفع الكرم إلى صاحب الغنم فيقوم عليه حتى يعود كما كان. وتدفع الغنم إلى صاحب الكرم فيصيب منها حتى إذا عاد الكرم كما كان دفع كلُّ واحدٍ منهما إلى صاحبه. وفي هذه الآية دلالة على النظر والاجتهاد.\n* * *\nفصل:\nومما يُسأل عنه أن يُقال: كيف قال (وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ) وهما اثنان؟\nوعن هذا جوابان:\nأحدهما: أنّه وضع الجمع موضع التثنية. والعرب تفعل ذلك وعليه قوله تعالي: (فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ). قال ابن عباس: أخوان فصاعدا.","vol":"1","page":239},{"text":"وقال تعالى: (وَألقَى الألواحَ)، جاء في التفسير أنهما لوحان.\nوالثاني: أن يكون أدخل معهما المحكوم لهم.\nوالأوّل أولى؛ لأنّ المحكوم لهم، لم يحكموا وإنما حُكم لهم.\nوداود وسليمان عطف على قوله تعالى: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا)، وكذلك قوله: (وَلُوطًا آتَيْنَاهُ) (وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-182>قوله تعالى: (وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ)</span>\nالنون: الحوت، وجمعه نينان قياسًا لا سماعًا.\nوذو النون: يونس بن متى ﵇، قال ابن عباس والضحاك: غضب على قومه، وقيل: خرج قبل الأمر بالخروج على عادة الأنبياء ﵈.\nومعنى (فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ) أي: لن نضيق عليه، ومنه قوله تعالى: (وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ).","vol":"1","page":240},{"text":"أي: ضيِّق، وهو قول ابن عباس ومجاهد والضحاك، وقال تعالى: (يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ). والمعنى على هذا: فظن أنّ لن نضيق عليه فنادى في الظلمات أنّ لا إله إلا أنت سبحانك. والظلمات هاهنا: ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة بطن الحوت. هذا قول ابن عباس وقتادة، وقال سالم بن أبي الجعد: كان حوت في بطن حوت.\nوقدر بعض السلف حذف حرف الاستفهام، كأنّه قال: أفظن أنّ لن نقدر عليه، وأنكره علي بن عيسى، وقال لا يجوز حذف حرف الاستفهام من غير دليل عليه، وقال الأصمعي: ما حذفت ألف الاستفهام إلا وعليها دليل، وقد جاء حذفها على خلاف ما قال، أنشد النحويون لعمر بن أبي ربيعة:\nثم قالو تُحبُّها قُلتُ بَهرًا ... عَدَدَ النجمِ والحصَى والتُرابِ\nأي: أتحبها؟\nوروي عن الشعبي وسعيد بن جبير أنهما قالا: خرج مغاضبًا لربه، وهذا القول مرغوب عنه، لا يجوز مثل هذا على نبى من أنبياء الله تعالى، وقال بعضهم: غضب لما عفا الله عنهم إذ آمنوا، وهذا القول أيضًا لا يصح، لأنّه يؤدي إلى الاعتراض على الله تعالى فيما فعله، وأشدُّ من هذا ما رواه بعضهم من أنّ المعنى في قوله: (فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ) ظن أننا نعجز عنه، وهذا كفر، فمن ظن أنّ الله تعالى لا يقدر عليه، لا يجوز هذا كله على أنبياء الله تعالى.\nوفى هذه الآية دلالة على أنّ الصغائر تجوز على الأنبياء علهم السلام، وهم معصومون عن الكبائر، ومعصومون عن الكبائر والصغائر في حال الرسالة.\nوكان بقاء يونس ﵇ في بطن الحوت حيًا معجزة له.","vol":"1","page":241},{"text":"وقيل في قوله (إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) معناه: من الظالمين لنفسي في خروجي عن قومي قبل الإذن.\nومغاضب: اسم الفاعل من غاضب، و(فاعل) في غالب الأمر إنما يكون من اثنين. نحو: قاتلته وصارمته، إلا أنّ (مغاضبًا) هاهنا من باب: عاقبت اللص وعافاه الله وطارقت النعل. وما أشبه ذلك في أنّه من واحد.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-183>قوله تعالى: (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨»</span>\nقال ابن عباس: حَصَبُ جَهَنَّمَ وقودها، وقال مجاهد: حطبها. وقال الضحاك: يرمون فيها كما يرمى بالحصباء، وقيل: الحصب كل ما ألقي في النار.\nحدثني أبي عن عمه إبراهيم بن غالب عن القاضي منذر بن سعيد عن أبي النجم عصام بن منصور عن أبي بكر عبد الله بن عبد الرحيم حدثنا أبو محمد عبد الملك بن هشام حدثنا زياد بن عبد الله البكاي عن محمد بن إسحاق قال: جلس رسول الله ﷺ مع الوليد بن المغيرة في المسجد، فجاء النضر بن الحارث حتى جلس معه، وفي الجلس غير واحد من رجال قريش، فتكلم رسول الله ﷺ، فعرض له النضر بن الحارث، فكلمه رسول الله ﷺ حتى أفحمه ثم تلا عليه وعليهم: (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ) الآية، ثم قام رسول الله ﷺ، وأقبل عبد الله بن الزبعرى حتى جلس، فقال له الوليد بن المغيرة: والله ما قام النضر بن الحارث لابن عبد المطلب آنفًا ولا قعد، وقد زعم محمد أنَّا وما نعبد من آلهتنا هذه حصب جهنم، فقال عبد الله بن الزبعرى: والله لو وجدته لخصمته، فاسألوا محمدًا: أكل ما نعبد من دون الله في جهنم مع من عبده. فنحن نعبد الملائكة واليهود تعبد عزيرًا والنصارى تعبد عيسى ابن مريم ﵇، فعجب الوليد ومن كان معه في المجلس من قول عبد الله بن الزبعرى، ورأوا أنّه قد احتج وخاصم، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ، فقال ﵇ (من أحب أن يعبد من دون الله فهو مع من عبده في النار، إنما يعبدون الشياطين ومن أمرتهم بعبادته).","vol":"1","page":242},{"text":"فأنزل الله تعالى عليه (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا) الآية. أي: عيسى وعزير ومن عبدوا من الأحبار والرهبان الذين مضوا على طاعة الله فاتخذهم من يعبدهم من أهل الضلالة أربابًا من دون الله، فنزل فيما ذكروا أنّهم يعبدون الملائكة وأنها بنات الله: (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ) إلى قوله (وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٢٩»، ونزل فيما ذكر من أمر عيسى ﵇. وأنه يعبد من دون الله. وعجب الوليد ومن حضر من حجة عبد الله الزبعرى وخصومته (وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ)، أي: يصدون عن أمرك. ثم ذكر عيسى، فقال: (إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ)، إلى آخر القصة، قال أبو ذؤيب في الحصب:\nفَأُطفِء ولا تُوقدِ وَلا تكُ محصبا ... لنِارِ العُداةِ أنْ تَطِيرَ شَكَاتُها\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-184>قوله تعالى: (يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ)</span>\nالطيُّ: نقيض النشر. واختلف في السجل:\nفقيل: الصحيفة تطوى على ما فيها من الكتابة، وهو قول ابن عباس ومجاهد.\nوقال ابن عمرو والسُّدِّي: السجل ملك يكتب أعمال العباد.\nوروي عن ابن عباس من جهة أخرى أنّ السجل كاتب كان للنبي ﷺ.\nقرأ عاصم وحمزة من طريق حفص والكسائي (لِلكُتُبِ)، وقرأ الباقون (للكتَاب).","vol":"1","page":243},{"text":"ويختلف حكم \" اللام \" في قوله: (للكتاب) و(للكتب) بقدر اختلاف العلماء في معنى (السجل):\nفعلى مذهب من جعل (السجل) ملكًا وكاتبًا فـ (اللام) يتعلق بنفس (طي)، لأنّ الكتب مفعولة في المعنى، وذلك أنّ التقدير: كما يطوي السجلُ الكتابَ أو الكتبَ، وهذا كقولك: كضرب زيد لعمرو وأما على مذهب من جعل (السجل) الصحيفة فتحتمل (اللام) وجهين:\nأحدهما: أن يكون الكتاب بمعنى الكتابة، والتقدير: يوم نطوي السماء كطي السجل للكتابة التي فيه، أي: من أجلها؛ ليصونها الطي، وهذا كما تقول: فعلت ذلك لعيون الناس، أي: من أجل عيون الناس.\nوالثاني: أن تعلقها بـ (نطوي) فيكون التقدير: يوم نطوي السماء للكتاب السابق بأنها تطوى كطي السجل. أي: كطي الصحيفة على ما فيها.\n* * *","vol":"1","page":244},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-185>وَمِنْ سُورَةِ (الْحَجِّ)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-186>قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١)</span>\nالزلزلة: شدة حركة الأرض. وزعم بعضهم: أنّ الأصل في (زلزل): زلّ، فضوعف للمبالغة، وأهل البصرة يمنعون من ذلك يقولون (زلّ) ثلاثي. و(زلزل) رباعي، وإن اتفق بعض الحروف في الكلمتين، لأنّه لا يمتنع مثل هذا، ألا ترى أنّهم يقولون: دَمِثٌ ودمثر، وسبط. وسبطر، وليس أحدهما مأخوذًا من الآخر، وإن كان معناهما واحدًا، لأنّ الزاي ليست من حروف الزيادة.\nوالساعة: كناية عن القيامة.\nوالعظيم: نقيض الحقير.\nوالذهول: الذهاب عن الشيء دهشًا وحيرة، قال الشاعر:\nصَحَا قَلبُه يَا عزُّ أو كَادَ يذَهَلُ\nوالحمل: بفتح الحاء، ما كان في البطن، والحِمل: بالكسر ما كان على ظهر أو رأس، أما ما كان على الشجرة فقد جاء فيه الفتح والكسر: فمن فتح فلظهوره عن الشجرة بالماء الذي يصيبها كظهور الولد عن المرأة بماء الرجل، ومن كسر فلأنه شيء ظاهر عليها كظهور ما يكون على الظهر أو الرأس.\nقال الشعبي وعلقمة: الزلزلة من أشراط الساعة في الدنيا، وروى الحسن في حديث يرفعه: أنّ زلزلة الساعة يوم القيامة.\nقال الحسن: تذهل المرضعة عن ولدها لغير فطام. وتضع ما في بطنها لغير تمام، وتراهم سكارى من الفزع وما هم بسكارى من شرب الخمر.\nوالفرق بين المرضع والمرضعة: أنّ المرضع التي أرضعت وانقطع رضاعها. والمرضعة هي التي ترضع ولم ينقطع رضاعها.","vol":"1","page":245},{"text":"قال امرؤ القيس في المرضع:\nفَمِثْلُكِ حُبْلَى قَدْ طَرَقْتُ ومُرْضِعٍ ... فأَلْهَيْتُها عَنْ ذِي تَمَائِمَ محوِلِ\nإنما خصت التي في حال رضاعها بظهور التأنيث فيها؛ لأنَّه جار على الفعل، نحو: أرضعت فهي مرضعة، والثاني إنما هو على طريق النسب. أي: ذات رضاع، ويقال: رَضَاع ورِضاع ورَضاعة ورِضاعة. ويقال: رَضِع بكسر الضاد وهي الفصحى، ويقال: رَضَعَ بالفتح، ويُنشَد هذا البيتُ على اللغتين:\nوذَمُّوا لَنَا الدُّنْيا وَهُمْ يَرْضَعُونها ... أفاوِيقَ حَتَّى مَا يَدِرُّ لَهَا ثعْلُ\nويقال: سُكارى وسَكارى وهو الباب.\nوقرأ بعضهم (سَكْرَى) شبهه بصريع وصرعى، ذلك أنَّ السكران مشرف على الهلكة، وباب (فعلى) مرضوع لهذا نحو: قتلى وصرعى وزمنى وهلكى.\nوقوله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ):\nيا: حرف نداء، وهو نائب عن الفعل الذي هو (أدعو) و(أنادي)، واختلف قول أبي علي فيه: فمرة جعل فيه الضمير الذي كان في (أدعو وأنادي)، ومرة قال لا ضمير فيه، وهو الوجه؛ لأنّ الحروف لا يضمر فيها.\nوأيُّ: منادى مفرد مبني على الضم، وكذا حكم كل منادى مفرد معرفة.","vol":"1","page":246},{"text":"وإنما بني لأنّه أشبه المضمر من ثلاث جهات:\nأحدها: أنّه مخاطب، والمخاطب لا يكون إلا مضمرًا \" كافًا \" أو \" تاء \".\nوالثانية: أنّه معرفة كما أنّ المضمر لا يكون إلا معرفة.\nوالثالثة: أنّه مفرد أي غير مضاف، كما أنّ المضمر لا يضاف.\nفمتى سقطت واحدة من هذه الخصال أعرب المنادى.\nو(ها): عوض من قطع الإضافة عن (أي)؛ لأنها لا تكون أبدًا في غير هذا المرضع إلا مضافة لفظًا أو معنى، لأنَّها تدل على بعض الشيء، وبعض الشيء مضاف إلى جميعه.\nواشتقاقها من (أُوي)، ففعلوا بها ما فعلوا ب (طيّ) و(ليّ)، وأصلها (طويٌ) و(لويٌ)، وكذا الأصل فى (أي) (أوي). والاشتقاق في الأسماء المبهمة عزيز لا يكاد يوجد منه إلا حروف يسيرة لإيغالها في شبه الحرف، والحرف غير مشتق نحو: من وإلى وهل وما أشبه ذلك.\nو(الناس) نعت لـ (أيّ) لا يستغني عنه؛ لأنّه المنادى في المعنى، وإنما جاءوا ب (أيّ) ليتوصلوا بها إلى نداء ما فيه الألف واللام، وكان أبو الحسن الأخفش يقول في (الناس) وما يجري مجراه: هو صلة لـ (أي).\nوأجمع النحويون على الرفع في (الناس) إلا المازني، فإنه أجاز النصب وشبهه بقولك: يا زيدُ الظريفَ، حمله على (أيّ)، وهذا غير مرض منه؛ لأنَّ (الظريف) نعت يُستغنى عنه. وليس كذلك (الناس).\nو(الألف واللام) في (الناس) للعهد، وقيل للجنس، وتُأول على قول سيبويه: أنهما بدل من الهمزة؛ لأنَّ الأصل (أناس) فحذفت الهمزة، وجعلت \" الألف واللام \" عوضا منها، وقال الفراء: الأصل (الأناس) فألقيت حركة الهمزة على \" اللام \" وحذفت، فصار (الناس) فاجتمع المتقاربان فأسكِن الأول وأدغِم في الثاني، وقال الكسائي: يقال يا ناس وأناس، فالألف واللام دخلتا على \" ناس \".","vol":"1","page":247},{"text":"فمن قال: \" أناس \" أخذه من الأنس أو الإنس، وهو (فُعال). ومن قال: (ناس) أخذه من ناس ينوس إذا ذهب وجاء، ومنه قيل: ذو نواس لذؤابة كانت عليه، ويجوز أن يكون من ناس في المكان إذا أقام فيه، وإن كان (الناووس) عربيًا كان مشتقًا من هذا. وقال ابن الأنباري هو من (نسيت) والأصل فيه (نسيَ) ثم قلب فصار (نَيَسًا) فقلبت الياء ألفًا، لتحركها وانفتاح ما قبلها، فقيل (ناس). ويبطل هذا بقول العرب في تصغيره (نويس) ولم يقولوا (نييس) ولا (نُسَيّ).\nوالعامل في (يَوْمَ تَرَوْنَهَا) \" تذهل \" أي: تذهل كل مرضعة عما أرضعت وفي يوم ترونها.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-187>قوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ)</span>\nالهاء في (عليه) تعود إلى الشيطان.\nويُسأل عن قوله: (فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ)، لم فُتِحت (أنّ)؟\nوفيه جوابان:\nأحدهما: أنّه عطف على الأولى للتوكيد، والمعنى: كتب عليه أنّه من تولاه يضله، وهذا قول الزجاج، وفيه نظر لأنّ الأكثر في التوكيد إسقاط حرف العطف، إلا أنّه يجوز كما يجوز (زيدٌ) فأفهم في الدار.\nوالثاني: أن يكون المعنى: فلأنه يضلّه.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-188>قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ)</span>","vol":"1","page":248},{"text":"الحرف: الطرف، والاطمئنان: التمكن، والفتنة: هاهنا: المحنة. والانقلاب: الرجوع، والخسران: ضد الربح.\nوالمولى في الكلام على تسعة أوجه:\nالمولى: السيد، والمولى: العبد، والمولى: المنعم، والمولى: المنعَم عليه، والمولى: ابن العم، والمولى: واحد الموالي وهم العصبة، والمولى: الوليّ، والمولى: الصهر، والمولى: الأولى، من قوله تعالى:\n(هي مَولاهُمْ) أي: أولى بهم، والمولى: الخليف.\nوقيل المولى هاهنا: الولي والناصر، والعشير: الصاحب المعاشر.\nقال أبو عبيدة في قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ)، أي: شاكًا، وأصل الحرف: الطرف، ومن كان متطرفا لم يطمئن ولم يثبت وكذلك هذا إنما عبد الله على ضعف في العبادة كضعف القائم على حرف، لأنّه لم يتمكن في الدين.\n* * *\nفصل:\nويُسأَل عن قوله تعالى: (يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ)، لم دخلت هذه (اللام) هاهنا، وأنتم لا تجيزون: ضربت لزيدًا؟\nوفي هذا للعلماء ثلاثة أجوبة:","vol":"1","page":249},{"text":"أحدها: أنّ في الكلام حذفًا، تقديره: يدعو والله لمن ضره أقرب من نفعه، فاللام على هذا جواب القسم المحذوف.\nوجواب ثانٍ: هو أنّ اللام فى موضعها، وفي الكلام تقديم وتأخير، والأصل: يدعو من لضره أقرب من نفعه، وهذا أن (يدعو) معلقة؛ لأنَّها الذي ضره أقرب من نفعه يدعو، ثم حذفت (يدعو) الأخيرة للاجتزاء بالأولى منهما، ولو قلت: يضرب لمن خيره أكثر من شره يضرب، فحذفت الأخير لجاز، والعرب تقول: عندي لما غيره خير منه، كأنّه قال: للذي غيره خير منه عندي. ثم حذف الخبر في الثاني والابتداء من الأول. كأنّه قال عندي شيء غيره خير منه، وعلى هذا قالوا: أعطيتك لما غيره خير منه، على حذف الخبر.\nوقيل: المعنى لمن ضره أقرب من نفعه لا يجب أن يدعى، و(مَنْ) على هذا القول والقول الذي قبله مبتدأ، والخبر محذوف، وعلى قول المبرد يكون موضعها نصبا ب (يدعو).\nوقد قيل: واللام زائدة.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-189>قوله تعالى: (هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ)</span>\nيسأل عن قوله: (خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا)، كيف ثنى ثم جمع؟\nوالجواب: أنّه يراد بالخصمين هاهنا الفريقان من المؤمنين والكافرين اختصموا في يوم بدر، وهذا قول\nأبي ذر، وقال ابن عباس: الخصمان أهل الكتاب وأهل القرآن، وقال الحسن ومجاهد وعطاء: المؤمنون\nوالكافرون. وهذا كقول أبي ذر إلا أنّ هَؤُلَاءِ لم يذكروا يوم بدر.\nويجوز في الكلام: هذان خصم اختصموا، وهَؤُلَاءِ خصم اختصموا، قال الله تعالى: (وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ) وذلك أنّ الخصم مصدر يقع على الواحد والاثنين والجماعة من المذكر والمؤنث، وهكذا حكم المصادر إذا وصف بها أو أخبر بها، نحو: عدل ورضا وصوم وفطر وزود ودنف وحري وقمن وما أشبه ذلك.\nوقيل: كان أحد الخصمين \" حمزة \" مع قوم من المؤمنين خاصموا قوما من أهل بدر من المشركين.","vol":"1","page":250},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-190>قوله تعالى: (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧»</span>\nالأذان: الإعلام، وأصل الحج: القصد، والضامر: المهزول، والفج: الثنية، والعميق: البعيد.\nوالأيام المعلومات: عشر ذي الحجة، فأما المعدودات: فأيام التشريق، هذا قول الحسن وقتادة، وسميت هذه معدودات لقلتها، وسميت تلك معلومات للحرص على علمها بحسابها من أجل وقت الحج في آخرها.\nوالبهيمة: أصلها من الإبهام؛ وذلك أنها لا تفصح كما يفصح الحيوان الناطق.\nوالأنعام: الإبل خاصة، واشتقاقها من النعمة، وهي (اللين) سميت بذلك للين أخفافها؛ لأنَّها ليست كذوات الحافر. وقد يجتمع معها البقر والغنم، ويسمى الجميع أنعاما اتساعا، فإن انفردا لم يسميا أنعامًا.\nوالبائس: الذي به ضر الجوع. والفقير: الذي لا شيء له، كأن الحاجة فقرت ظهره. أي: كسرت فقاره، وفقار الظهر: الخرز التي تكون فيه، يقال: فقارة وفقار وفقرة وفقر.\nوالتفث: مناسك الحج كلها، وهذا قول ابن عباس وابن عمر، وقيل: التفث: كشف الإحرام وقضاؤه كحلق الرأس والاغتسال.","vol":"1","page":251},{"text":"وقيل للبيت \" عتيق \"؛ لأنّه أعتق من أن يملكه الجبابرة، وهو قول مجاهد. وقيل: لأنّه قديم، وهو أول بيت وضع للناس بناه آدم ﵇، وجدده إبراهيم ﵇، وهو قول ابن زيد، وقال علي بن أبي طالب ﵁: هو أول بيت وضعت فيه البركة.\nوالطواف هاهنا طواف الإفاضة بعد التعريف إما يوم النحر وإما بعده وهو طواف الزيارة.\nويُسأَل عن قوله تعالى: (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ)، علامَ يعود الضمير؟\nوفيه جوابان:\nأحدهما: أنّه يعود على \" إبراهيم \" قال ابن عباس: قام في المقام فقال: يا أيها الناس إن الله دعاكم إلى الحج، فأجابوا بلبيك اللهم لبيك.\nوقال الحسن: الضمير يعود على النبي ﵇. أي: وأذن يا محمد في الناس بالحج، فأذن في حجة الوداع.\nوقوله؛ (يَأْتُوكَ رِجَالًا)، أي: مشاةً على أرجلهم، وهو جمع \"راجل\"، كصاحب وصحاب، يدل على ذلك قراءة من قرأ (يَأْتُوكَ رُجَّالًا).\n(وعَلى كُل ضَامِر): أي على جمل ضامر، أي مهزول من السفر، وقال (يَأْتِينَ)، لأنّ كل ضامر في معنى الجمع، والجمع مؤنث، ويجوز أن يعني بالضامر هاهنا الناقة، لأنّه يقال: ناقة ضامر وضامرة وقد قرأ بعضهم (يَأْتون مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ)، حمل على المعنى، أي: يأتي رُكاب كل ضامر من كل فج عميق.","vol":"1","page":252},{"text":"قرأ الكسائي (ثُمَّ لْيَقْضُوا) بإسكان اللام، وهذه القراءة فيها بعدٌ عند البصريين من جهة إسكان \" اللام \". لأنّ هذه \" اللام \" أصلها الكسر، وإنما تسكن إذا وقع قبلها حرف يتصل بها كالواو والفاء كما يفعل بـ، \" هو \" إذا اتصلتا به. نحو: فهو وهو وما أشبه ذلك، فهذا مشبه بعضد في عضد، و(اللام) معهما في نحو: فليقم وليخرج مشبهة بفخذٍ في فخذ وليست \" ثم \" كالفاء والواو؛ لأنَّها حرف قائم بنفسه يجوز الوقوف عليه. ولا يجوز الوقوف على الواو والفاء، إلا أنّ أبا علي اعتذر له بأن قال: \" ثم \" على ثلاثة أحرف ساكنة الأوسط فكأنه وقف على الميم الساكنة المدغمة ثم ابتدأ (ملْيقضوا).\nفأما في قوله (وليطوفوا) (وليوفوا) وما أشبه ذلك فإسكان اللام حسن جميل. وكسرها جائز على الأصل. وكسر اللام في قوله (ثم لِيقضوا) أقيس. والإسكان يجوز على الوجه الذي ذكره أبو علي.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-191>قوله تعالى: (فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا)</span>\nخاوية: خالية، وعروشها: سقوفها، هذا قول الضحاك، والمشيد: المجصص وهو المبني بالشيد وهو الحجارة والجيار، قال قتادة: مشيد رفيع. قال عدي بن زيد:\nشادَه مَرْمَرًا وَجَلَّلَه كِلْسًا ... فللطَّيْرِ فِي ذَراهُ وكُورُ","vol":"1","page":253},{"text":"وقال آخر:\nكحيَّةِ الماء بَينَ الطيِّ والشيد\nوقد عاب قوم من الملحدة قوله تعالى، (وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ) وقالوا: ما الفائدة في ذكر: بئر معطلة وقصر مشيد، وأبدوا فيه وأعادوا، وهذا لجهلهم بجوهر الكلام وغامض المعاني وإشارة البلاغة، لأنّ الله تعالى ذكر هذا وما أشبهه على طريق العظة ليُعتبر بذلك، ألا تراه تعالى قال: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا)، يريد: لو صاروا لرأوا آثار قوم أهلكهم وأبادهم، وما زالت العرب تصف ذلك في خطبها ومقاماتها، يروى عن أبي بكر الصديق ﵁ أنّه كان يقول في خطبته: (أين بانو المدائن ومحصنوها بالحوائط، أين مشيدو القصور وعامروها، أين جاعلو العجيب فيها لمن بعدهم. تلك منازلهم خاوية، وهذه منازلهم في القبور خالية (هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا (٩٨».\nوكان سلمان إذا مر بخراب قال: يا خرب الخربين أين أهلك الأولون؟ - قال الأسود بن يعفر:\nماذَا أُؤَمِّلُ بَعْدَ آلٍ مُحرِّقٍ ... تَركُوا منَازِلَهُمْ وبعدَ إِيَادِ\nهل الخَوَرْنَقِ والسَّدِيرِ وبارِقٍ ... والقَصْرِ ذِي الشُّرَفَاتِ من سِنْدَادِ\nأَرضًا تَخَيَّرَها لِدَارِ أَبيهُمِ ... كَعْبُ بنُ مَامَةَ وابنُ أُمِّ دُؤَادِ\nجَرَتِ الرِّياحُ على مكانِ دِيارِهِمُ ... فكأَنَّما كانوا عَلَى مِيعَادِ\nنزَلُوا بِأَنْقُرَةٍ يَسِيلُ عليهمُ ... ماءُ الفُرَاتِ يَجيءُ مِنْ أَطْوَادِ\nفإِذَا النَّعيمُ وكلُّ ما يُلْهَى به ... يومًا يَصيرُ إِلى بِلىً ونَفَادِ\nويروى عن علي بن أبي طالب ﵁ أنّه سمع رجلا ينشد هذه الأبيات فتلا (كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (٢٧) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ (٢٨».","vol":"1","page":254},{"text":"فصل:\nومما يسأل عنه أن يقال: علامَ عُطف (وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ)؟\nوفيه جوابان:\nأحدهما: أن يكون معطوفا على قرية، فيكون المعنى: إهلاك القرية والبئر المعطلة والقصر المشيد.\nوالثاني: أن يكون معطوفًا على عروشها. فيكون المعنى: وكم من قريةٍ أهلكناها وهي ظالمةٌ فهي خاوية على عروشها وعلى بئر معطلة وقصر مشيد.\nقال المفسرون: تهدمت الحيطان على السقوف وتعطلت بئرها وقصرها المشيد.\nوالبئر: مؤنثة، وجمعها: آبار وأبؤر فى القلة، وفى الكثرة: بئار.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-192>قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ)</span>\nالتمني في الكلام على ثلاثة أضرب:\nأحدها: التلاوة وشاهده الآية، وقال الشاعر:\nتَمَنَّى كتابَ اللهِ أوَّلَ لَيلهِ ... وآخِرَه لاقَى حِمامَ المقادِرِ\nوالثاني: ما يتمناه الإنسان من الأماني.\nوالثالث: الكذب ومنه قول عثمان: (والله ما تمنيت منذ أسلمت). ومرَّ أعرابي بابن داب وهو يحدث، فقال له: أهذا شيء سمعته أم تمنيته.","vol":"1","page":255},{"text":"والأمنية في الآية: التلاوة. قال ابن عباس والضحاك وسعيد بن جبير ومحمد بن كعب ومحمد بن قيس: نزلت هذه الآية لما تلا النبي ﷺ: (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠» \" تلِكَ الغرانيقُ العُلى وَإنَّ شَفَاعتهُم لتُرتجى)، وكان هذا من إلقاء الشيطان (١).\nومما يسأل عنه أن يقال: كيف جاز عليه الغلط في تلاوته؟\nوفيه جوابان:\nأحدهما: أنّه كان على سبيل السهو الذي لا يعرى منه بشر، فنبهه الله تعالى على ذلك.\nوالثاني: أنّه إنما قاله في تلاوة بعض المنافقين عن إغواء الشيطان، فأوهم أنّه من القرآن.\nوقوله: (مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ) في موضع نصب، والمعنى: ما أرسلنا من قبلك رسولًا ولا نبيًا، و(من) زائدة، ومثله: (فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ)، أي: خيلًا ولا ركابًا.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-193>قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (٦٣»</span>\nاللطيف: المحيط بتدبير دقائق الأمور، الذي لا يخفى عليه شيء يتعذر على غيره، فهو لطيف لاستخراج النبات من الأرض بالماء، وابتداع ما يشاء، وقيل: اللطيف الذي يلطف بعباده من حيث لا يحتسبون.\n* * *\nفصل:\nومما يسأل عنه أن يقال: بم ارتفع (فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً) وقبله استفهام، وهلا انتصب على حد قولك: أفتأتني فأكرمَك؟\n_________\n(١) القصة باطلة ومردودة.","vol":"1","page":256},{"text":"والجواب: أنّه خبر في المعنى، وإن خرج مخرج الاستفهام، كأنّه قال: قد رأيت أنّ الله تعالى ينزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة، وهو تنبيه على ما قد كان رآه ليتأمل ما فيه. قال الشاعر:\nأَلم تَسْأَلِ الرَّبْعَ القَواءَ فَيَنْطِقُ ... وهَلْ تُخْبِرَنَّكَ اليَوْمَ بَيْداءُ سَمْلَقُ\nومعناه: سألته فنطق، وإن شئت قلت معناه: فهو ينطق، وكذا في الآية: فهي تصبح.\n* * *","vol":"1","page":257},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-194>وَمِنْ سُورَةِ (الْمُؤْمِنُونَ)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-195>قوله تعالى: (وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ (٢٠»</span>\nطور سيناء: جبل بالشام، وهو الذي نودي منه موسى ﵇. وقال ابن عباس ومجاهد: معناه جبل البركة، وقال الضحاك وقتادة: معناه الحسن، وقال ابن الرماني: يجوز أن يكون رفيعًا من (السناء)، وفي هذا القول نظرت لأنّه جعله (فِيعَالًا). نحو: ديماس، وهذا الوزن منصرف، وسيناء غير منصرف، إلا أنّ للمحتج له أن يقول: جعل اسما للبقعة وهو معرفة؛ فلم ينصرف لذلك، ولا يجوز أنّ تكون همزته للتأنيث؛ لأنّ همزة التأنيث لا تدخل فيما كان على هذه البنية: مما أوله مكسور، وإنما يكون هذا البناء ملحقًا نحو: علباء وزيزاء وما أشبه ذلك. ولا يوجد في الكلام مثل: حِمراء بكسر الحاء، وهذا على قراءة نافع وأبي عمر وابن كثير، لأنهم قرأوا بكسر السين، وقرأ الباقون بفتح السين، فعلى هذا يجوز أن تكون همزته للتأنيث فيكون (سَيناء) مثل (بيضاء)، وفيه لغة أخرى وهي: طور سنين، وجاء القرآن باللغتين.\nوالأطوار: جبال بالشام طور سيناء وطور زيتاء وهما بأرض بيت المقدس.\nوقرأ أبو عمرو وابن كثير (تُنْبِتُ) بضم التاء. وقرأ الباقون بفتحها.\nواختلف في هذه (الباء):\nفقال قوم: يقال \" نبت \" و\" أنبت \" بمعنى، وأنشد الأصمعي لزهير:\nرَأيتُ ذَوي الحاجاتِ حَولَ بُيُوتهِم ... قَطِينًا لهم حتى إذا أنبتَ البقلُ","vol":"1","page":258},{"text":"فالباء على هذا لتعدي الفعل.\nوقيل: الباء زائدة. والمعنى: تنبت الدهن كما قال الشاعر:\nنحنُ بَنُو جَعْدَةَ أَصحابُ الفَلَجْ ... نَضْرِبُ بالسيفِ ونرْجُو بالفَرَجْ\nأي: نرجو الفرج.\nوقيل: \" الباء \" ليست بزائدة، والمفعول محذوف و\" الباء \" في موضع نصب على الحال تقديره:\nتنبت ثمرها بالدهن. أي: وفيه الدهن. كما قال الشاعر:\nومُسْتَنَّةٍ كاسْتِنانِ الخَرو ... فِ قَدْ قَطَّعَ الحَبْلَ بالمِرْوَدِ\nأي: وفيه المرود.\nفهذا على مذهب من ضم (التاء)، فأما من فتحها فيجوز فيه وجهان:\nأحدهما: أن تكون للتعدي على حد قولك: ذهبت بزيد، وأنت تريد: أذهبت زيدًا فكأنه في التقدير: تنبت الدهن، ومثله: (مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ)، أي: تنيء العصبة، وليس قول أبي عبيدة إنه مقلوب، وإن المعنى فيه: ما إنَّ مفاتحه لتنوء العصبةُ بها بشيء لأنّ هذا القلب إنما يقع من الضرورة نحو قول الشاعر:\nكانت فريضةُ ما تقولُ كما ... كانَ الزِّناءُ فريضةَ الرَّجْمِ\nوكذا قول امرئ القيس:","vol":"1","page":259},{"text":"يُضيء الفِراشَ وَجهُها لضجيعِها ... كمِصباح زَيتٍ في قناديلِ ذُبَّالِ\nأي: في ذُبَّالِ قناديل.\nوالثاني: أن تكون \" الباء \" في موضع نصب على الحال، والتقدير:\nتنبت وفيها الدهن، أي: تنبت دهنة. ومثله: خرج بثيابه، والمعنى: خرج لابسًا ثياب، وهو فى الكلام كثير.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-196>قوله تعالى: (هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (٣٦»</span>\nمعنى هيهات: بعدُ. والتقدير: بعدًا لما توعدون. وهو صوت مثل: صه ومه، وهذه الأصوات إنما تأتي في الأغلب في الأمر والنهي، إلا أنّ هذا جاء في الخبر، ونظيره (شتان ماهما) أي: بُعد بعضهما من بعضٍ جدًا.\nوهذه الأصوات كلها مبنية لإيغالها في شبه الأفعال، وإنما جعلت هكذا للإفهام بها كما تفهم البهيمةُ بالزجر.\nقال ابن عباس: المعنى في (هيهات) - بعدٌ بعيد، والعرب تقول: هيهات لا تبغي وهيهات منزلك، قال جرير:\nفأيْهاتَ أيْهاتَ العَقِيقُ ومَنْ بِهِ ... وأيْهاتَ وَصلٌ بالعَقيقِ نُواصِلُهْ\nويُقَال: هيهات وأيهات. وفي (هيهات) لغات: منهم من يقول: هيهات هيهات على أنّه واحد، واختلف في الوقف عليها، فاختار الكسائي الوقف بالهاء؛ لأنّ التاء زائدة، واختار الفراء الوقف بالتاء. لأنّ قبلها ساكنا فصارت كتاء (بنت) و(أخت).\nوالثانى: أنّ من العرب من يقول: هيهاتُ هيهاتُ بالضم.","vol":"1","page":260},{"text":"والثالث: أنّ منهم من يقول: هيهاتِ هيهاتِ بالكسر.\nوالوقف على هذين الوجهين بالتاء؛ لأنها بمنزلة التاء في مسلمات، وهي \" تاء \" جمع، وليس \" هيهات \" على هذه اللغة واحدًا.\nومن العرب من ينون فيقول: هيهاتًا. وهيهاتٌ، وهيهاتٍ، وكذلك قال الزجاج وغيره. والفرق بين التنوين وحذفه: أنّ من نون جعل هذه الأسماء نكرة، ومن لم ينون جعلها معرفة، والتنوين يدخل في الأصوات للفرق بين المعرفة والنكرة، نحو: إيهِ وإيهٍ،: غاقِ وغاقٍ في حكاية صوت الغراب، وكذلك: ماء ماء في حكاية صوت الشاء.\nومن العرب من يقول: هيهاه هيهاه. بالهاء.\nوموضع (لِمَا تُوعَدُونَ) رفع؛ لأنّ المعنى: بعُد ما توعدون.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-197>قوله تعالى: (ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا)</span>\nمعنى تترى: يتبع بعضهم بعضًا، كذا قال ابن عباس ومجاهد وابن زيد.\nوأصلها من \" المواترة \". وكان قبل القلب (وترى) فأبدل من الواو تاء؛ لأنَّ التاء أجلد من الواو وأقوى، كما فعلوا في: تخمةٍ وتهمةٍ لأنهما من الوخامة والوهم، وكذلك تجاه وتراث وتولج وما أشبه ذلك.\nوالعرب تختلف في (تترى):\nفمنهم من ينونها فيقول (تترًا) وهي قراءة أبي عمرو وابن كثير، والألف على هذا للإلحاق بمنزلة (علقى) الملحق بجعفر. و(أرَطا) في أحد القولين. والأصل \" تتريٌ \" فقلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، ومن كانت هذه لغته لم يمل.","vol":"1","page":261},{"text":"ومنهم من يقول: (تترى) بغير تنوين، يجعل الألف للتأنيث، وبذلك قرأ الباقون. ومنهم من يميل، لأنها ألف تأنيث بمنزلة الألف التي في غضبى وسكرى، ومنهم لا يميل على الأصل.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-198>قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا)</span>\nالطيبات هاهنا: الحلال. وقيل: الطيبات ما يُستلذ. فعلى الوجه الأول يكون أمرًا واجبًا، وعلى الثاني يكون أمرًا على طريق الإباحة.\nوالأصل في (كلوا) (أؤكلوا)، فكره اجتماع همزتين، فحذفت الثانية استثقالالها؛ لأنَّ الثقل بها وقع، فوليت همزة الوصل متحركًا فحذفت للاستغناء عنها.\nواختلف في قوله: (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ):\nفقيل: هو خطاب لعيسى ﵇، وهو خطاب لواحد، كما تخاطب الواحد مخاطبة الجمع:\nنحو قولك للواحد: يا أيها القوم كفوا عنا أذاكم.\nوقيل هو للحكاية لما قيل لجميع الرسل.\n* * *\nفصل:\nومما يسأل عنه أن يقال: ما موضع (أنَّ) من قوله (وَأَنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً)؟\nوفيها جوابان:","vol":"1","page":262},{"text":"أحدهما: أنّ موضعها نصب، والتقدير: ولأن هذه أمتكم، فهي مفعول له.\nوالثاني: أنّ موضعها جر على العطف على قوله (بِمَا تَعْمَلُونَ).\nوفي قوله (وَأَنَا رَبُّكُمْ) تقوية لقول سيبويه في قوله: (أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ): عطفه على موضع (أنَّ)، وموضع الدليل من هذه الآية: أنّ (أنا) من ضمانر الرفع، وقد عطفه على (أنَّ) على مذهب من جعلها في موضع نصب.\nونصب (أُمَّةً وَاحِدَةً) على الحال، والكوفيون يسمون الحال \" قطعًا \"، وربما قالوا: نُصب على الاستغناء.\nواختلف في الأمة هاهنا:\nفقيل: الأمة الملة. وهو قول الحسن وابن جريج، أي: دينكم دين واحد، والأمة قد تقع على الدين، نحو قوله (وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ) أي: على دين، قال النابغة:\nحَلفتُ فلم أتركْ لنفِسك ريبةً ... وَهَل يَأثمن ذو أُمةٍ وهو طائعُ\nوقيل: الأمة هاهنا الجماعة، والمعنى: جماعتكم جماعة واحدة في الشريعة، والجماعة تسمى أمة.\nنحو قوله تعالى (وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ).","vol":"1","page":263},{"text":"والأمة في غير هذا المكان: الحين، ومنه (وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ).\nوالأمة: الرجل العالم المنفرد، نحو قوله: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً).\nوالأمة: القرن من الناس وغيرهم، نحو قوله تعالى: (أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ).\nوالأمة: القامة، نحو قول الشاعر:\nوإنَّ مُعاويةَ الأَكْرَمِيـ ... نَ حِسان الوُجوهِ طِوالُ الأُمَمْ\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-199>قوله تعالى: (وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (٧٦»</span>\nاختلف في (استكانوا):\nفقيل: هو \" استفعل \" من الكون. والمعنى: ما طلبوا الكون على صفة الخضوع.\nوقيل: هو من \" السكون \"، إلا أنّ الفتحة أشبعت فنشأت منها ألف، فصار \" استكانوا \"، وهو\nعلى هذا القول \" افتعلوا \". أي: استكنوا، قال الشاعر في إشباع الفتحة:\nوَأَنتَ مِنَ الغَوائلِ حِينَ تُرْمى ... وَمِنْ ذَمِّ الرجالِ بمُنْتَزاحِ\nأي: بمنتزح، وقال عنترة:\nيَنْباعُ مِنْ ذِفْرى غَضُوبٍ جَسْرةٍ ... زَيّافةٍ مِثْلَ الفَنِيقِ المُكْرَمِ\nيريد: ينبع، فأشبع الفتحة على ما قدمنا.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-200>قوله تعالى: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩»</span>","vol":"1","page":264},{"text":"يسأل: لم جاز (ارْجِعُونِ) بلفظ الجمع؟\nوفيه ثلاثة أجوبة:\nأحدها: أنّه استغاث أولًا بالله تعالى واستعان به. ثم رجع إلى مسألة الملائكة في الرجوع إلى الدنيا.\nهذا القول رواه ابن جريج.\nوالثاني: أنّ العظماء يخبرون عن أنفسهم كما تخبر الجماعة، فخوطبوا كما تخاطب الجماعة.\nوالثالث: أنّه جمع الضمير ليدل على التكرار، فكأنه قال: ربِّ ارجعنِ ارجعنِ ارجعنِ، وهذا قول المازني.\n* * *","vol":"1","page":265},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-201>وَمِنْ سُورَةِ (النُّورِ)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-202>قوله تعالى: (سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ)</span>\nفي \" السورة \" للعلماء أقوال:\nأحدها: أنها مأخوذة من سور البناء، وهي ارتفاعه، وقيل هو ساف من أسوافه. فعلى القول الأول تكون تسميتها بذلك لارتفاعها في النفوس، وعلى القول الثاني تكون تسميتها بذلك لأنها قطعة من القرآن.\nوقيل: السورة الشرف والجلالة، قال النابغة\nألم تَر أنّ اللهَ أعطاكَ سُورةً ... تَرى كل مُلكٍ دُونَها يَتَذَبذَبُ\nفإنَّك شمسٌ والملوكُ كواكبٌ ... إذا طلعَتْ لم يَبْدُ منهنَّ كَوكبُ\nوقيل: أصلها الهمزة واشتقاقها من (أسأرت) إذا أبقيت في الإناء بقية، ومنه الحديث: (إذا شربتم فأسئروا)، إلا أنّه اجتُمع على تخفيفها كما اجتُمع على تخفيف \" برية \" و\" روية \"، وهما من: برأ الله الخلق وروَّأت في الأمر.\nوأصل الفرض: الحزُّ، ثم اتسع فيه فجعل في موضع الإيجاب.\nوالرأفة: التحتن والتعطف، يقال: رأفة ورآفة.\nوالطائفة هاهنا: رجلان فصاعدًا. وهو قول عكرمة. وقيل: ثلاثة فصاعدًا، وهو قول قتادة والزهري، وقيل: أقله أربعة، وهو قول ابن زيد.\nواختلف فى قوله (فَرَضْنَاهَا):\nفقيل: معناه فصلنا فيها فرائض مختلفة، كما تقول: فرضت له كذا، أي جعلت له نصيبًا منه.","vol":"1","page":266},{"text":"وقيل: أوحيناها عليكم وعلى من بعدكم إلى يوم القيامة.\n\n* * *\nفصل:\nومما يسأل عنه قوله: (الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ)؟\nوفي هذا أجوبة:\nأحدها: أنها نزلت على سببٍ، وهو أنّ رجلًا من المسلمين استأذن النبي ﷺ في أن يتزوج \" أم مهزول \"، وهي امرأة كانت تسافح ولها رايةٌ على بابها تعرف بها، فنزلت هذه الآية، وهذا قول عبد الله بن عباس وابن عمر، قال مجاهد والزهري وشعبة وقتادة والشعبي: حرَّم الله تزويج أصحاب الرايات.\nوالثاني: أنّ النكاح هاهنا الجماع، والمعنى: أنهما اشتركا في الزنا فهي مثله، وهذا قول الضحاك وابن زيد وسعيد بن جبير، وروي مثل ذلك عن ابن عباس في أحد قوليه.\nوالثالث: أنّ هذا الحكم كان في كل زانٍ وزانية ثم نسخ بقوله: (وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ)، وهو قول سعيد بن جبير، ووجه هذا: أن يكون قوله (الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً) خبرًا وفيه معنى التحذير، فكأنه نهي في المعنى، ثم نُسخ، وإنما احتيج إلى هذا التأويل من قبل أنّ النسخ لا يصح في الأخبار. وإنما يصح في الأوامر والنواهي.\nوسأل عن قوله تعالي: (سُورَةٌ) بم ارتفع؟\nوالجواب: أنّه خبر مبتدأ محذوف تقديره: هذه سورة، ولا يجوز أن يكون مبتدأ، لأنها نكرة ولا يبتدأ بالنكرة حتى توصف، وإن جعلت (أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا) صفة لها بقي المبتدأ بلا خبر، هذا قول أكثر العلماء.","vol":"1","page":267},{"text":"ويجوز عندي أن تكون مبتدأة على إضمار الخبر، والتقدير: فيما يتلى عليكم سورة أنزلناها، ولا يجوز أنّ نقدر هذا الخبر متأخرًا، لأنّ خبر النكرة يتقدم عليها، نحو قولك: في الدار رجل، وله مال، ولا يحسن: رجل في الدار، ومال له، وإنما قبح ذلك لقلة الفائدة.\nوقرأ عيسى بن عمر (سُورَةً أَنْزَلْنَاهَا) على إضمار فعل يفسره (أنزلناها)، والتقدير: أنزلنا سورةً أنزلناها، إلا أنّ هذا الفعل لا يُظهر، لأنّ الظاهر يكفي منه.\nوقوله (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) مبتدأ. والخبر محذوف، والتقدير: فيما عليكم الزاني والزانية فاجلدوا كل واحد منهما، هذا قول سيبويه، وتلخيصه: أنّ المعنى: فيما يتلى عليكم حكم الزانية والزاني فاجلدوا؛ وإنما احتيج إلى هذا التقدير لأنّ المتلوّ إنما هو حكمهما لا أنفسهما.\nوالفاء دخلت في قوله (فاجلدوا) جوابا لما في الكلام من الإبهام؛ إذ لا يقصد بها زانية بعينها ولا زانٍ بعينه ولذلك رُفعا.\nويجوز النصب على وجهين:\nأحدهما: إضمار فعل يدل عليه (فاجلدوا).\nوالثاني: أن يكون منصوبًا ب (اجلدوا) على تقدير زيادة الفاء، كما تقول: زيدًا فاضرب.\nقرأ ابن كثير (فَرَّضْنَاهَا) بالتشديد و(رَأَفَةٌ) بفتح الهمزة. وقرأ الباقون بالتخفيف وإسكان الهمزة، التشديد للمبالغة. وأما فتح الهمزة وإسكانها فلغتان.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-203>قوله تعالى: (الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ)</span>","vol":"1","page":268},{"text":"الخبيث: نقيض الطيب.\nواختلف في معنى قوله (الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ): فقال ابن عباس والضحاك ومجاهد والحسن: الخبيثات من الكلم للخبيثين من الرجال. والخبيثون من الرجال للخبيثات من الكلم، والطيبات من الكلم للطيبين من الرجال، والطيبون من الرجال للطيبات من الكلم.\nوقال ابن زيد: الخبيثات من السيئات للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من السيئات، والطيبات من الحسنات للطيبين من الرجال، والطيبون من الرجال، للطيبات من الحسنات. وقيل: الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من النساء والطيبات من النساء للطيبين من الرجال، والطيبون من الرجال للطيبات من النساء.\nثم جمع ذلك في قوله (أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ) فردّ الضمير على الطيبات والطيبين.\nوقال الفراء (أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ) يعني به عائشة ﵂ وصفوان بن المعطل، وهو بمنزلة قوله تعالى: (فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ) والأم تحجب بالأخوين، فجاء على تغليب لفظ الجمع.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-204>قوله تعالى: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)</span>\nالنور: الضياء، ونقيضه الظلمة، والمشكاة الكوة في الحائط يوضع عليها زجاجة ثم يكون المصباح خلف تلك الزجاجة، ويكون للكوة باب آخر يوضع المصباح فيه.\nويقال: زُجاجة وزِجاجة وزَجاجة.","vol":"1","page":269},{"text":"والمصباح: مِفعَال من الصبح. ويقال: مصبح كمفتاح ومفتح.\nواختلف في معنى قوله تعالى: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ): فقيل: منورهما بالشمس\nوالقمر والنجوم، وهذا قول ابن عباس وأبي العالية والحسن.\nوقيل: هادي أهل السماوات والأرض، وهذا أيضا يروى عن ابن عباس.\nوفي تقدير قوله: (نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) مِن جهَة الإعراب وجهان:\nأحدهما: أن يكون على حدّ المضاف، تقديره: ذو نور السماوات والأرض. ثم حُذِف على حدِّ قوله (وَلَكِنَّ الْبِرَّ) وقوله (إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ).\nوالثاني: أن يكون مصدرًا وضع موضع اسم الفاعل. كما قال تعالى: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا) أي: غائرًا. وكما قالت الخنساء:\nتَرْتَعُ مَا غَفَلَتْ حَتَّى إِذا ادَّكَرَتْ ... فإِنما هِيَ إِقْبَالٌ وإِدْبارُ\nويُسأل عن الضمير في قوله: (مَثَلُ نُورِهِ) علامَ يعود؟\nوفيه أجوبة:\nأحدها: أنّه يعود على اسم الله ﷿، وهو قول ابن عباس، وفي هذا تقديران:\nأحدهما: أن يكون على معنى: مثل نوره الذي جعله في قلب المؤمن كمشكاة صفتها كذا وكذا، فأضاف النور إلى نفسه، كما يقال بيت الله، وناقة الله، للتعظيم لهما.","vol":"1","page":270},{"text":"والثاني: أن يكون نور المصباح أعظم نور يعرفه الناس، فضرب الله تعالى المثل به، وشبَّه نوره بأعظم نور يعرفه الناس؛ لأنّه تعالى خاطب العرب على قدر ما يفهمون.\nوقال الحسن المعنى: مثل نور القرآن في القلب كمشكاةٍ؟.\nويروى عن ابن عباس أيضا: أنّ النور هاهنا (الطاعة) أي: مثل طاعة الله في قلب المؤمن.\nوقيل: يعود الضمير على النبي صلى الله عليه، أي: مثل نور النبي في المؤمنين.\nواختلف في قوله: (لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ):\nفقال ابن عباس: لا شرقية تشرق عليها الشمس فقط، ولا غربية تغرب عليها الشمس فقط، بل هي شرقية غربية؛ لأنَّها أخذت بحظها من الأمرين. وروي عنه أيضا أنّه قال: هي وسط الشجر.\nوروي عن قتادة: أنها ضاحية للشمس.\nوقال الحسن: ليس من شجر الدنيا، فتكون شرقيةً أو غربيةً.\nوقوله تعالى: (نُورٌ عَلَى نُورٍ)، أي: نور هدى التوحيد على نور الهدى بالقرآن، وقيل: نُورٌ عَلَى نُورٍ يضيء بعضه بعضًا. وهو قول زيد بن أسلم.\nقرأ نافع وابن عامر وابن كثير وعاصم من طريق حفص (دُرِّيٌّ) بضم الدال، نسبوه إلى (الدُرّ) في صفائه وبياضه. وقرأ أبو عمرو والكسائي (دِرِّيءٌ) بكسر الدال والهمز، أخذه من (الدرء) وهو الدفع. كأنّه يدفع الظاهر بنوره، وقرأ حمزة وعاصم من طريق أبي بكر (دُرِّيءٌ) بضم الدال والهمزة، وفى هذه القراءة نظر؛ لأنّ (فُعِّيلًا) في الكلام لم يأتِ منه سوى (مُرِّيْق) وهو بناء شاذ.","vol":"1","page":271},{"text":"وقرأ عاصم وحمزة من طريق أبي بكر (تُوقَدُ) بضم التاء والقاف مخففة. أعاد الضمير على الزجاجة، وقرأ أبو عمرو وابن كثير (تَوَقَّدَ) بفتح التاء والقاف والدال، أعاد الضمير على المصباح، وجعلا الفعل ماضيًا، وقرأ نافع وابن عامر وحفص عن عاصم (يُوقَدُ) بالياء مخففًا، أعادوا الضمير على المصباح أيضا، وجعلوا الفعل مستقبلا لما يسم فاعله.\nواختلف في المشكاة:\nفقيل: هي رومية معرَّبة.\nقال الزجاج: يجوز أن تكون عربية؛ لأنَّ في الكلام مثل لفظها (شَكَوة) وهي قرية صغيرة، فعلى هذا تكون (مشكاة) (مفعَلة) منها، وأصلها: مشكوة. فقلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-205>قوله تعالى: (أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ)</span>\nاللجة: معظم البحر الذي لا يرى له ساحل.\nومعنى الآية: أنَّ أعمال الذين كفروا كسرابٍ بقيعةٍ في أنّه يُظنُ شيئًا وليس بشيء، وهذا من التشبيه المعجز؛ لأنّه تشبيه ما له حقيقة بما ليس له حقيقة، لما كان عاقبة ما له حقيقة إلى لا شيء.\n(أَوْ كَظُلُمَاتٍ) في أنَّ أعمالهم مظلمة، وبالغ الله تعالى في صفة هذه الظلمات لكثرة حيرة الذين كفروا في أعمالهم وجهلهم.\nواختلف العلماء في قوله (إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا):\nفقال الجمهور من العلماء المعنى: لا يراها ولا يقارب رؤيتها؛ لأنَّ دون هذه الظلمة لا يُرى فيها","vol":"1","page":272},{"text":"وقال بعضهم: يراها بعد جَهد ومشقة رؤية تخيل لصورتها؛ لأنّ حكم (كاد) إذا لم يدخل عليها حرف نفي أن تكون نافية. وإن دخلها حرف نفي دلت على أنّ الأمر وقع بعد بطء؛ فالأول كقوله تعالي: (يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ)، فهذا نفي إلا أنّه قارب ذلك، وقال: (فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ)، والمعنى فعلوا بعد بطء.\nوقيل: \" كاد \" هاهنا دخلت للنفي كما يدخل الظن بمعنى اليقين. قال الحسن: لم يرها ولم يقارب الرؤية. قال الشاعر:\nمَا كدت تعرفُ إلا بَعدَ إنكَارِ\nوقال ذو الرُّمة:\nإذا غَيَّر النَّأْيُ المُحِبِّيْنَ لم يَكَدْ ... على كُلّ حالٍ حُبِّ مَيَّةَ يَبْرَحُ\nويروى: رَسِيْسُ الهوى مِنْ حُبِّ مَيَّةَ يَبْرَحُ.\nوالظلمات: ظلمة البحر وظلمة السحاب وظلمة الليل، وكذا حال الكافرين ظلمة واعتقادهم ظلمة ومصيرهم إلى ظلمة؛ وهي نار يوم القيامة.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-206>قوله تعالى: (وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ (٤٣)</span>\nالبَرَد: حجارة تنعقد من الثلج، والسنا: النور.","vol":"1","page":273},{"text":"قيل: في السماء جبال بَرَد مخلوقة، وقيل: بل المعنى قدر جبال يجعل منها بردًا.\nواختلف النحويون في (مِنْ) الثانية والثالثة:\nفجعل بعضهم الثانية زائدة. فعلى هذا المعنى يكون التقدير: ينزل من السماء جبالًا فيها من برد، و(من) في قوله (مِنْ بَرَدٍ)؛ لبيان الجنس، كما قال تعالى: (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ). وقال بعضهم: الثالثة زائدة، والمعنى على هذا: وينزل من السماء من جبال فيها بردا، أي: وينزل من السماء بردا من جبالٍ فيها، فهذا يدل على أنّ في السماء جبال بردٍ. و(من) الثانية على هذا القول لابتداء الغاية. وهي مع (جبال) بدل من قوله (مِنَ السمَاء) بإعادة الجار، كما قال تعالى: (قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ)، وهو بدل الاشتمال، لأنّ السماء تشتمل على الجبال. كما تقول: يعجبني شعبان الصوم فيه، أي: يعجبني الصوم في شعبان.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-207>قوله تعالى: (لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٥٧»</span>\nالحسبان والظن سواء، يقال: حسب يحسب بكسر السين وفتحها. يروى أنّ الفتح لغة النبي ﷺ. وقرأ حمزة وابن عامر: (لَا يَحْسَبَنَّ) بالياء وفتح السين، فـ (الَّذِينَ كَفَرُوا) على هذا فاعلون، والمفعول الأول لـ (يَحْسَبَنَّ) محذوف، والتقدير: ولا يحسبن الذين كفروا أنفسَهم معجزين أو إياهم معجزين، وحُذِف المفعول الأول لأنّه هو الذي كان مبتدأ، وحذف المبتدأ جائز لدلالة الخبر عليه، نحو قوله تعالى:","vol":"1","page":274},{"text":"(وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ) أي: أمرُنا حِطة أو طلبتنا حطة، وكذلك (طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ) أي: طلبتنا طاعة.\nوقرأ الباقون بالتاء وكسر السين. فلا حذف على هذه القراءة، لأنّ الفاعل مضمر. وهو النبي صلى الله عليه. والذين كفروا مفعول أول، ومعجزين مفعول ثانٍ.\n* * *","vol":"1","page":275},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-208>وَمِنْ سُورَةِ (الْفُرْقَانِ)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-209>قوله تعالى: (وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ ... (٢٧»</span>\nهذه الآية نزلت في أُبيّ بن خلف وعقبة بن أبي معيط، قال ابن عباس: صنع عقبة طعامًا ودعا أشراف مكة، فكان رسول الله ﷺ فيهم، فامتنع أن يطعم أو يشهد عقبة بشهادة الحق. ففعل ذلك، فأتاه أبي بن خلف وكان خليله فقال: أصبوت؟ - فقال: لا، ولكن دخل عليَّ رجلٌ من قريش فاستحييت أن يخرج من منزلي ولم يطعم، فقال: ما كنت لأرضى حتى تبصق في وجهه،. وتفعل به كذا، ففعل ذلك. فأنزل الله ﷿ هذه الآية فيهما.\nوالظالم هاهنا: عقبة، والمكنى عنه: أُبيّ، ولم يسميا؛ لتكون الآية عامة في كل من فعل فعلهما، ثم إن أُبي بن خلف قُتِل يوم أحد قتله النبي ﷺ بيده كذا روى قتادة، وقُتِل عقبة يوم بدر صبرًا.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-210>قوله تعالى: (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا (٥٩»</span>\nقال بعض النحويون (الباء) في قوله (فَاسْأَلْ بِهِ) بمعنى: عن، والمعنى: فاسأل عنه خبيرًا، و(الباء) تبدل من (عن) مع (سل) و(سألت)، قال علقمة:\nفإنْ تَسْأَلوني بالنِّساءِ فإِنَّني ... بَصِيرٌ بأَدْواءِ النِّساءِ طَبيبُ\nوالخبير هاهنا: الله تعالى، هذا قول ابن جريج.","vol":"1","page":276},{"text":"وقال بعضهم: (الباء) على أصلها، والمعنى: فاسأل بسؤالك خبيرًا أيها الإنسان يخبرك بالحق في صفته، ودل (فاسأل) على السؤال، كما قالت العرب: من كذب كان شرًا له. أي: كان الكذب، ودل عليه كذب، وكما قال الشاعر:\nإذا نُهي السَّفيهُ جَرَى إليهِ ... وخَالفَ والسَّفيهُ إلى خلافِ\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-211>قوله تعالى: (وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣»</span>\nنصب (سلامًا) لأنّه ليس بحكاية، ولو كان حكاية لرفع، كما قال في آيةٍ أخرى: (قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ)، أي: سلام عليكم، وإنما المعنى أنّهم قالوا قولًا يسلمون به.\nقال سيبويه المعنى: قالوا سدادًا من القول، أي: سلمنا منكم، قال سيبويه: ولم يؤمر المسلمون ذلك الوقت بالقتال، فأنزل، وهي منسوخة بآية القتال، ولم يتكلم سيبويه في شيء من الناسخ والمنسوخ إلا في هذه الآية.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-212>قوله ﷿: (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ)</span>\nقيل معناه: يلقى جزاء الآثام، كما قال تعالى: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا).\nأي: جزاء السيئة سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا، وكذلك (وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ)، أي: عقاب ما كانوا به يستهزئون؛ لأنَّ ما كانوا به يستهزئون لا يحيق بهم يوم القيامة.","vol":"1","page":277},{"text":"قرأ عاصم من طريقة أبي بكر (يُضاعَفُ) و(يخلدُ) بالرفع على الاستئناف والقطع، و\" يلقَ \" جواب الشرط الذي هو (ومن يفعل ذلك).\nوقرأ الباقون بالجزم، إلا أنّ ابن عامر يقرأ (يُضاعَفُ) بالرفع على الاستنئاف. وابن كثير (يُضَعَّفْ) بالتشديد والجزم.\nووجه الجزم أنّه بدل من (يلقَ). ومثله قول الشاعر:\nمتى تأتِنا تُلْمِمْ بنا في ديارِنا ... تَجِدْ حَطَبًا جَزْلًا ونارًا تَأَجَّجا\nفأبدل \" تلمم \" من \" تأتنا \"، وبدل الفعل من الفعل لا يكاد يوجد إلا في الشرط والجزاء.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-213>قوله تعالى: (وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (٧٤»</span>\nيسأل عن توحيد (إمام) هاهنا، وهو يرجع إلى جماعة؟\nوفيه خلاف:\nقال بعضهم: وحِّد لأنّه مصدر من: أمَّ فلان فلانا إمامًا، كما تقول: قام قياما وصام صيامًا، ومن جمعه فقال (أئمة) فلأنه قد كثر في معنى الصفة.\nوقيل: جاء على الجواب، كقول القائل: من أميركم؟ فيقول المجيب: هَؤُلَاءِ أميرنا، قال الشاعر:\nيا عاذلِاتي لا تُرِدنَ مَلامتي ... إن العَواذلِ ليسَ لي بأميرِ\nوقيل المعنى واجعل كل واحد منا إمامًا، فأجمل والمعنى معنى التفصيل.\n* * *","vol":"1","page":278},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-214>وَمِنْ سُورَةِ (الشُّعَرَاءُ)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-215>قوله تعالى: (فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦»</span>\nيسأل عن قوله تعالى (رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ) لم أفرد وهما اثنان؟\nوفيه خلاف:\nقال بعضهم المعنى: كل واحد منا رسول رب العالمين.\nوقيل: الرسول في معنى الرسالة، فالتقدير على هذا: ذوا رسول رب العالمين، وهذا كقولهم: رجل عدل، ورضا. ورجلان عدل ورضا، ورجال عدل ورضا، قال كثير:\nكَذَبَ الواشُون ما بحتُ عِندَهمْ ... بِسِرٍّ ولا أَرْسَلْتُهُمْ برسولِ\nأي: برسالة.\nوقيل: الرسول يقع على الاثنين والجميع، كما يقع على الواحد، قال الهذلي:\nأَلِكْني إِليها وخَيْرُ الرَّسُو ... لِ أَعْلَمهُم بِنَوَاحِي الخَبَر\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-216>قوله تعالى: (وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (٢٢»</span>\nقيل: في قوله تعالى: (وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ) ثلاثة أقوال:","vol":"1","page":279},{"text":"أحدها: أنّ المعنى: اتخاذك بني إسرائيل عبيدًا أحبط ذلك.\nوالثاني: أنّ المعنى أنك لما ظلمت بني إسرائيل ولم تظلمني اعتدت بها نعمة عليَّ.\nوالثالث: أنّ المعنى: لا يوثق بهذه النعمة منك مع ظلمك بني إسرائيل في تعبيدك إياهم.\nوكل ذلك حجة على فرعون وتقريع له.\nويجوز في موضع (أنْ) وجهان:\nأحدهما: أن تكون في موضع نصب مفعولًا له، أي: لأنّ عَبَّدتَ.\nوالثانى: أن تكون في موضع رفعٍ على البدل من نعمة.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-217>قوله تعالى: (أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٩٧»</span>\n(أَنْ يَعْلَمَهُ) في موضع نصب، لأنّه خبر (أَوَلَمْ يَكُنْ)، ويجوز أن تنصب (آيَةً) وتجعلها الخبر، وتجعل (أَنْ يَعْلَمَهُ) الاسم، ويجوز أن يكون قوله (أَنْ يَعْلَمَهُ)، مبتدأ والخبر (آيَةً) والجملة خبر (أَوَلَمْ يَكُنْ) واسمها مضمر فيها، كأنّه في التقدير: أولم تكن القصة لهم أن يعلمه علماء بني إسرائيل آية.\nهذا على قراءة من قرأ بالتاء وأما من قرأ بالياء فإنه يضمر الأمر أو الشأن، ونحو من ذلك قول الشاعر:\nإذا مِتُّ كَانَ الناسُ صِنْفَانِ شامتٌ ... وآخرُ مُثْنٍ بالذي كُنتُ أصنَعُ","vol":"1","page":280},{"text":"أي: كان الأمر، وأنشد سيبويه لهشام أخي ذي الرمة:\nهِيَ الشِّفَاء لدائي لَو ظفرتُ بهَا ... ولَيْسَ مِنْهَا شفاءُ الداءِ مَبْذُولُ\nأي: ليس الأمر.\nوعلماء بني إسرائيل يعني بهم: عبد الله بن سلام، هذا قول ابن عباس ومجاهد وقتادة.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-218>قوله تعالى: (وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤»</span>\nالشعراء هاهنا: الذين تعاطوا معارضة القرآن. والغاوون: أتباعهم كانوا يتبعونهم ليسمعوا ما يقولون ليشيعوه.\nوقوله: (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا) يعني به: حسان بن ثابت. وقيل يعني به: شعراء النبي ﵇ كلهم، وقيل يعني به: شعراء المسلمين.\nوعلى القول الأول جمهور العلماء.\nوارتفع قوله: (وَالشُّعَرَاءُ) بالابتداء، و(يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ) الخبر، ويجوز النصب على إضمار فعل، كأنّه في التقدير: و(يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ) الشعراء (يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ)، ثم يحذف الأول لدلالة الثاني عليه، ومثله قولك: زيدٌ ضربته. زيدًا ضربته، إلا أنّ الرفع أجود، ومن هنالك أجمع عليه القراء المشهورون.","vol":"1","page":281},{"text":"وانتصب قوله: (أَيَّ مُنْقَلَبٍ)؛ لأنَّه نعت مصدر محذوف تقديره: وسيعلم الذين ظلموا منقلبا أي منقلب ينقلبون.\n\nوالعامل في \" أَيَّ \" \" مُنْقَلَبٍ \"، ولا يجوز أن يعمل فيها \" سيعلم \"، لأنّ الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله، وإنما يعمل فيه ما بعده، والعلة في ذلك: أنّ الاستخبار قبل الخبر، ورتبة الاستخبار التقديم. فلم يجز أن يعمل فيه الخبر، لأنَّ الخبر بعده، وذلك أنّه موضوع على أنّه جواب مستخبر.\n* * *","vol":"1","page":282},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-219>وَمِنْ سُورَةِ (النَّمْلِ)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-220>قوله تعالى: (وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (٦»</span>\nالإيناس: الإبصار. والقبس: قطعة من النار، قال الشاعر:\nفِي كَفهِ صعدة مُثقفةٌ ... فيها سِنَانٌ كشُعلةِ القبس\nوالاصطلاء: التسخن إلى النار.\nوفي (لَدُنْ) أربع لغات: لَدُنْ، ولَدْنُ، ولدَى، ولَدُ، والعرب مجمعة على جر ما بعدها إلا مع \" غدوة \" فإنهم قد ينصبونها بعد \" لدن \"، وإنما نصبت بها لأنّ هذه النون شُبِّهت بالنون في \" عشرين \" فنصب ما بعدها على التشبيه بالتمييز، هذا قول سيبويه.\n* * *\nفصل:\nومما يسأل عنه أن يقال: ما معنى قوله: (أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ)؟\nوعنه جوابان:\nأحدهما: أنّه يعني به \"الملائكة\".","vol":"1","page":283},{"text":"والثاني: أنّه يعني بـ \" القديم تعالى \" وحسُن ذلك لكلامه لموسى ﵇ من النار، وإظهاره الآيات، وهو قول ابن عباس والحسن وسعيد بن جبير وقتادة.\nومما يسأل عنه أن يقال: لم قال لامرأته (سَآتِيكُمْ) وهي واحدة؟\nوعن هذا جوابان:\nأحدهما: أنّه أقامها مقام الجماعة في الأنس بها والسكون إليها في الأمكنة الموحشة.\nوالثاني: أنّه على طريق الكناية، والعرب قد تستعمل مثل ذلك.\nوالبركة: ثبوت الخير، قال الفراء يقال: بارك الله لك وباركك وبارك فيك وبورك في زيد وبورك عليه.\nقرأ الكسائي وعاصم وحمزة (بِشِهَابٍ قَبَسٍ) على البدل من (شِهَابٍ)، وقرأ الباقون (بِشِهَابِ قَبَسٍ) على الإضافة.\nقال الفراء: هو بمنزلة قوله (وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ)، مما يضاف إلى نفسه إذا اختلف اسماه ولفظاه.\nوهذا عند البصريين غلط، لأنّ الشيء لا يضاف إلى نفسه، وإنما يضاف إلى غيره ليخصصه أو\nيعرفه، فأما قوله تعالى (وَلَدَارُ الْآخِرَةِ) فتقديره عندهم: ولدار الساعة الآخرة، ثم حذف الموصوف\nوأقيمت صفته مقامه. ومثله قوله تعالى: (حَبَّ الْحَصِيدِ)، إنما معناه: حبّ النبت الحصيد،","vol":"1","page":284},{"text":"ومن كلام العرب: صلاة الأولى ومسجد الجامع، والتقدير فيهما: صلاة الفريضة الأولى، ومسجد اليوم الجامع، وكذا قراءة من قرأ (بِشِهَابِ قَبَسٍ) إنما معناه: بِشِهَابِ نارٍ، لأنّ الشهاب قد يقع على غير النار. فصار هذا من باب: ثوب خزّ، وخاتم فضةٍ، والمعنى: من خزّ، ومن فضةٍ، ومن قبسٍ.\n* * *\nفصل:\nومما يسأل عنه أن يقال: ما موضع (إذ)؟\nوالجواب: أنّ موضعها نصب بإضمار فعل، كأنّه قال: اذكر إذ قال، وهذا قول الزجاج، وقال غيره: هو منصوب بـ (عليم) أي: عليم إذ قال.\nويسأل عن موضع قوله: (أَنْ بُورِكَ)؟\nقال الفراء: (أنّ) في موضع نصبٍ إذا أضمرت اسم \" موسى \" في \" نودي \"، وإن لم تضمر اسمه في نودي \" فهي في موضع رفع، أي: نودي ذلك. قال. وفي حرف أبي بن كعب (أنْ بُورِكت النار).\nوتلخيص الوجه الأول: أن يكون المعنى: ونودي موسى بأن بورك، ثم حذف \" الباء \" فوصل الفعل إلى \" أنّ \".\nوتلخيص الوجه الثاني: أن يكون المعنى: ونودي البركة و(مَنْ حَوْلَهَا) في موضع رفع؛ لأنّه معطوف على موضع \" مَن \" الأولى.","vol":"1","page":285},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-221>قوله تعالى: (وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ ... (٢٤»</span>\nالخبأ: أصله من خبأت الشيء أي سترته وأخفيته، وخبء السماوات: الأمطار والرياح، وخبء الأرض: الأشجار والنبات.\nومما يسأل عنه أن يقال: ما موضع (أنْ) من (أَلَّا يَسْجُدُواا)؟\nوالجواب أنّ التقدير مختلف:\nأما من خفف (أَلَا يَسْجُدُوا) فإن المعنى عنده: ألا يا قوم اسجدوا، فاسجدوا على هذه القراءة مبني؛ لأنّه أمر، والعرب تحذف المنادى وتدع حرف النداء ليدل عليه، قال الشاعر:\nيا لعنةَ اللهِ والأقوامِ كلِّهمُ ... والصالحينَ على سَمْعانَ مِنْ جارِ\nوالمعنى: يا قوم لعنة الله، وقيل: \" يا \" هاهنا للتنبيه، وليس بحرف نداء، قال ذو الرّمة:\nأَلا يَا اسْلَمي يَا دارَمَيَّ عَلَى البِلا ... وَلازالَ مُنهلًا بجرعَائِك القَطرُ\nروى الفراء عن الكسائي عن عيسى الهمداني قال:\nلم أسمع المشيخة يقرؤنها إلا بالتخفيف على نية الأمر، قال: وهي في حرف عبد الله بن مسعود (هَلا تَسجُدُون) بالتاء، فهذا تقولة لقوله (ألا يا)؛ لأنّ قولك (ألا) تقوم بمنزلة قولك: قم، وفي حرف أُبي (ألا تسجدون)، قال: وهو وجه الكلام، لأنها سجدة.","vol":"1","page":286},{"text":"ومن قرأ (ألا يسجدوا) فشدد، فلا ينبغي لها أن تكون سجدة؛ لأنَّ المعنى: وزين لهم الشيطان ألَّا يسجدوا. فعلى هذا القول يكون موضع \" أنّ \" نصبًا على البدل من (أعمالهم).\nوقال علي بن عيسى المعنى: وزين لهم الشيطان أعمالهم لئلا يسجدوا.\nوقيل موضع (أنّ) جر على البدل من (السبيل)، كأنّه قال: فصدَّهم عن أن يسجدوا، و(لا) على هذا الوجه زائدة.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-222>قوله تعالى: (قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (٢٩»</span>\nيسأل عن معنى قوله: (كَرِيمٌ)؟\nوفيه أجوبة:\nأحدها: أنّه مختوم وذلك لكرمه.\nوالثاني: أنّه جعلته كريمًا لكرم صاحبه، فإنه من عند ملك.\nوالثالث: أنّه حقيق بأن يؤمل الخير العظيم من جهته.\nوالرابع: أنّ الطير حملته وذلك لكرمه.\nوالخامس: أنّه جعلته كريمًا من قبل أنّ صاحبه يطيعه الجن والإنس.\nوقيل: أنها قالت كريم قبل أن تعلم أنّه من سليمان، قال الفراء: ولا يعجبني ذلك، لأنهم زعموا أنها كانت قارئة قد قرأت الكتاب قبل أن تخرج إلى ملئها.\nوالملأ: الأشراف لأنهم ملاء بما يراد منهم.","vol":"1","page":287},{"text":"فصل:\nومما يسأل عنه أن يقال: كيف قال (وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ولم تكن تلك اللغة عربية، وقال علي بن عيسى: هو حكاية للمعنى، وقيل: بل كان بالعربية؛ لأنَّ المكتوب إليها كانت من العرب. وهي بلقيس بنت شراحيل، وقيل: هي بنت الهدهاد الحميري.\nومما يسأل عنه أن يقال: لم قدم (إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ) على قوله (وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)؟\nوفيه ثلاثة أجوبة:\nأحدها: أنً قوله (إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ) كان عنوانا.\nوالثاني: أنّ (الواو) لا ترتب. فالكلام على التقديم والتأخير، قال حسان (٢):\nبَهاليل منُهم جعفرٌ وابنُ أمةِ ... عَليٌّ ومنهُم أحمدُ المتَخيّرُ\nوالثالث: أنّ الكتاب إلى كافرة فخشي سليمان أن يكون منها مكروه في اسم الله تعالى فقدم اسمه قبله.\nوالقراءة (إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ) بالكسر، قال الفراء: ولو فتحت (إنّ) والتي قبلها لكان جائزًا على قولك: ألقي إليَّ أنّه من سليمان وأنه اسم الله، وقع التكرير على الكتاب، فعلى هذا يكون موضعها رفعًا على البدل من الكتاب، قال: ويجوز نصبها على سقوط الجار منهما، قال: وهي في قراءة أبي: (وَأن بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)، وفي ذلك حجة لمن فتحهما؛ لأنَّ (أنّ) إذا كانت مخففة مفتوحة مع الفعل، أو ما يحكى لم تكن إلا مخففة النون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-223>قوله تعالى: (أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣١) قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ)</span>","vol":"1","page":288},{"text":"يسأل عن موضع (أنّ) من قوله (أَلَّا تَعْلُوا)؟\nوالجواب: أنها تحتمل أن تكون في موضع رفع على البدل من كتاب، كأنّه قال: أُلْقِيَ إِلَيَّ أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ.\nويجوز أن تكون في موضع نصب على تقدير: بأن لا تعلو علي.\nقال الزجاج: كان الكتاب (بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله سليمان إلى بلقيس بنت شراحيل: لا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-224>قوله تعالى: (قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ)</span>\nقال الزجاج: يروى أنّه كان معها ألف \" قَيل \"، مع كل \" قَيل \" مائة ألف رجل، ولذلك قالوا: (قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ)، قال: وقيل كان مع كل \" قَيل \" ألف رجل. وهذا أشبه.\nوجاء أنّهم عرضوا عليها القتال بقولهم: نحن أولو قوة، عن ابن زيد.\nومعنى قوله: (أفسدوها) خربوها.\nوقوله: (وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً) استعبدوهم، قال ابن عباس: وذلك إذا دخلوا عنوة.\nوقيل في قوله (وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ) أنّه من قول الله تعالى، وأن كلامها ينقضي عند قوله (أَذِلَّةً)، فقال الله تعالى: (وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ).","vol":"1","page":289},{"text":"وقيل: هو من كلامها.\nقال الزجاج: أنفذت إليه لبنة من الذهب مع امرأة في حريرة، فأمر سليمان أن يطرح لبن من ذهب ولبن من فضة تحت أرجل الدواب، ليريها هوان ما بُعثت به.\nقال الفراء: ذكروا أنّ رسولها مع الهدية كانت امرأة واحدة.\nقال علي بن عيسى: قيل أرسلت إليه بوصائف وغلمانًا على زيٍّ واحد، وقالت: إن ميَّز بينهما وردَّ الهدية، وأبى إلا المتابعة على دينه فهو نبي. وإن قبل الهدية فإنما هو من الملوك، وعندنا ما نرضيه به، وهو قول ابن عباس.\nقال الفراء: (فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ) إنما يريد: فلما جاء الرسول سليمان، قال: وهى في قراءة\nعبد الله (فَلَمَّا جَاءَوا سُلَيْمَانَ) على الجمع، لما قال المرسلون صلح جاءوا، وصلح (جاء) لأنّ\nالمرسل كان واحدًا يدلُّ على ذلك قول سليمان: (ارجعْ إليهم)، فعلى هذا القول يكون الضمير في (جاء) عائدًا إلى الرسول.\nقال غير الفراء: الضمير يعود على المال أي: فلما جاء المال سليمان، لأنّ قوله: (أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ) يدل على ذلك.\nوقيل: يعود على الرسل؛ لأنَّ قولها (إني مُرسلة) يدل عليه.\nوقيل: يعود على المهدى، لأنّ المهدى والهدية سواء.\nوقيل في قوله: (فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ)، إنه جمع في موضع الواحد. وقد تقدم شرح هذا فيما مضى من الكتاب.","vol":"1","page":290},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-225>قوله تعالى: (وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ ... (٨٢»</span>\nقال ابن عمر: إذا لم يأمر الناس بمعروف ولم ينهوا عن منكر خرجت الدابة.\nوجاء في خبر مرفوع أنها تخرج من شعب بني مخزوم.\nواختلف في معنى قوله (تُكَلِّمُهُمْ):\nفيه ثلاثة أجوبة:\nأحدها: أنّ المعنى تكلمهم بما يسوؤهم من أنّهم صائرون إلى النار، وأنها تكلمهم كلاما صحيحًا يفهومونه.\nوقيل: إنها تكتب على جبين الكافر \" كافر \" وعلى جبين المؤمن \" مؤمن \".\nوالثاني: أنّ معنى \" تُكَلِّمُهُمْ \" تجرحهم من الكلم، وشدد لتوكيد الفعل والمبالغة فيه.\nوالثالث: أنّ كلامها: (أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ).\nوقيل: أنها تخرج من بين الصفا والمروة.\nوموضع (أنّ) في مذهب من فتحها نصب. والمعنى: بأنّ الناس.\nقال الفراء: وفي قراءة عبد الله (بأنَّ الناس)، وهذا يؤكد النصب، وفي قراءة أُبي (تُبينهم أنّ الناسَ)، وهذا حجة لمن فتح (أنّ) إلا أنّ أهل المدينة يكسرونها على الاستئناف.\n* * *","vol":"1","page":291},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-226>وَمِنْ سُورَةِ (الْقَصَصِ)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-227>قوله تعالى: (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا)</span>\nاللام في (لِيَكُونَ) لام كي، أي: لكي يكون لهم، إلا أنّه أخبر بعاقبة الأمر، ولهذا يسميها بعض النحويين \" لام العاقبة \". ويسميها قوم \" لام الصيرورة \"، أي: فصار لهم عدوًّا، ومثل هذه اللام قولهم: تلد للموت، ويبني للخراب، أي: هذا عاقبة ما تلد وما يبني، وهذه اللام \" لام الجر \" دخلت على الفعل فأضمر بعدها (أنّ) ليكون (أنّ مع الفعل) بتأويل المصدر، والمصدر اسم، وتكون اللام داخله على اسم؛ لأنها من عوامل الأسماء، ويجوز إظهار (أنّ) مع هذه اللام، تقول: جئتك لأنّ تكرمني وما أشبه ذلك.\nقال ابن إسحاق: التقطوه ليكون لهم ولدًا فكان عاقبة أمره أنّ كان لهم عَدُوًّا وَحَزَنًا.\nقال قتادة في قوله (وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) أنّ المعنى فيه: أنّهم لا يشعرون أنّ هلاكهم على يديه.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-228>قوله تعالى: (قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (٣٣»</span>\nجاء في التفسير أنّ موسى ﵇ أخذ بلحية فرعون وهو صغير. فقال فرعون لامرأته: هذا الذي نخافه أن يذهب بملكنا، ألا تري ما فعل؟ فقالت: إنه صغير لا يعقل ما يفعل، ولكن ألقِ بين يديه","vol":"1","page":292},{"text":"ذهبًا وجمرةً من النار، فإن أخذ الذهب كان كما قلت، وإن أخذ الجمرة علمت أنّه يفعل ما يفعله بغير عقل. ففعل فرعون ذلك، فأراد موسى أن يأخذ الذهب فصرفه عنه جبريل ﵇، فأخذ الجمرة فأحرقت يده فجعلها في فيه فلذلك صار لا يفصح. وهو معنى قوله تعالى (وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي)، لأنّ تلك العقدة حدثت من الجمرة.\nوقرأ حمزة وعاصم (رِدْءًا يُصَدِّقُنِي) بضم القاف على النعت، وقرأ الباقون بالجزم على أنّه جواب الدعاء. ومثله قوله تعالى (فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ)، قرئ رفعًا وجزمًا.\nوأهل المدينة يخففون الهمزة فيقولون (رِدًا يُصَدِّقُنِي).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-229>قوله تعالى: (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ)</span>\nجاء في التفسير أنّ المعنى: ويختار للنبوة من شاء.\n(مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ) أن يتخيروا غير ما اختار الله تعالى، لأنهم لا يعلمون وجه المصلحة.\nقال الحسن: ما كان لهم أن يختاروا الأنبياء فيبعثوهم.","vol":"1","page":293},{"text":"قال الفراء: يقال \" الْخِيْرَةُ والْخِيَرَةُ \" و\"الطِيْرَة والطِيَرَة\".\nو\" ما \" في قوله (مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ) نفي، والوقف المختار: قوله (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ) ويبتدأ (مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ). فلا يجوز أن تكون (ما) غير نافية، فقد ذهب إليه بعض القدرية؛ لأنَّ من أصل مذهبهم أنّ الخير من الله دون الشر، والأوّل هو المذهب.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-230>قوله تعالى: (إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ)</span>\nقال ابن جريج: كان قارون ابن عم موسى لأبيه وأمّه. وقال ابن إسحاق: كان ابن خالته، وقال قتادة: إنما بغى عليه بكثرة ماله.\nقال علي بن عيسى: \" الكنز \" جمع المال بعضه إلى بعض، إلا أنّه قد كثر لما يُخبأ تحت الأرض، ولا يطلق اسم \" كنز \" في أسماء الشريعة إلا على ما لا تخرج زكاته، والوعيد الذي جاء فيه.\nوالمفاتح: جمع مفتح جاء على حذف الزيادة، وقيل: يقال، \"مفتح ومفتاح\" فمن قال \" مفتح \" قال في الجمع \" مفاتح \"، ومن قال \" مفتاح \" قال في الجمع \" مفاتيح \".\nومعنى \" تنوء \" تثقل، يقال: ناء بحمله ينوء إذا نهض نهوضًا يثقل، ومنه أخذت (الأنواء) لأنّ الطالع إذا غاب الغارب ينوء، وقيل: لأنّ الغارب إذا غاب ناء الطالع، أي: نهض متثاقلًا.","vol":"1","page":294},{"text":"وقيل: لأنّ النجوم تنهض من الشرق نهوضًا بثقلٍ.\nقال قتادة: (العُصبة) ما بين العشرة إلى الأربعين، قال ابن عباس: يجوز أن يكون ثلاثة، وقيل: مفاتحه خزائنه، وقيل: المفاتح على بابها، وكان يحملها سبعون بغلًا، وكانت من جلود قدر كل مفتاح منها إصبع، وقيل: كان يحملها أربعون بغلًا، وقيل: مفاتحه أمواله، وقيل: كان أربع مائة ألف، وقيل: إنه قال إذا كان لموسى النبوة، وكان الذبح والقربان الذي يقرَّب في يد هارون، فما في يدي، أو مالي؟ فهذا كان بغيه.\n* * *\nفصل:\nويُسأَل عن قوله: (لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ)، وإنما العصبة هي التي تنوء بها؟\nوالجواب: أنّه يقال: نؤت بالحمل، وأنأت غيري، ونؤت بغيري، كما تقول ذهبت وأذهبت غيري وذهبت به فالباء والهمزة تتعاقبان في تعدي الفعل، ولهذا لا يجوز أن يجمع بينهما لا تقول: أدخل بزيد الدار، ولكن: أدخل زيدًا الدار. ودخل بزيد الدار و(دُخِلَتْ) إن شئت، ومثل ذلك قوله تعالى (فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ)، وإنما معناه: فجاء بها، وقيل: إنما جاز ذلك لأنّه","vol":"1","page":295},{"text":"(دخل) فيها معنى (تميل)، أي: تميل بالعصبة. فأما قول أبي عبيدة: أنّه مقلوب وأنّ المعنى لتنوء العصبة بها، كما قال:\nإِنَّ سِراجًا لَكَرِيمٌ مَفْخَرُهْ ... تَحلا بهِ العَيْنُ إِذَا مَا تَجْهَرُهْ\nأي: يحلا بالعين، فقلب. وقال آخر:\nكَانتْ عُقُوبةُ ما جَنَيتُ كما ... كانَ الزِّناءُ عقوبةَ الرجمِ\nوقال امرؤ القيس:\nيُضيء الظَّلامَ وجهُها لضجيعِها ... كمِصْبَاح زَيتٍ في قناديلِ ذُبَّالِ\nأي: في ذُبَّالِ قناديل، والذبال في القناديل.\nوهذا ليس بشيء، ولا يجب أن يحمل القرآن عليه؛ لأنَّ هذه تجري مجرى الغلط من العرب، ومثل هذا\nفي شعرهم كثير، قال الآخر:\nمِثْل القَنافِذِ هَدَّاجُونَ قَدْ بَلَغَتْ ... نَجْرَانَ أَو بَلَغَتْ سَوآتِهِم هَجَرُ\nوكان حقه أن يقول (هجر سوءاتهم) لأنّ السوءات هي التي تبلغ هجر، وقال:\nغَداةَ أحلَّتْ لابنِ أَصْرَمَ طَعْنَةٌ ... حُصينٌ عَبيطاتُ السَّدائِفِ والخمرُ\nوالعبيطات: مفعولة، والطعنة: فاعلة فقلب، ومن أغلاطهم. قول الراجز:\nبرية لم تعرف المرَقَّقا ... ولم تذُق من البُقُولِ الفُستَقا.","vol":"1","page":296},{"text":"ظن \" الفستق \" من البقول، فأما قول خداش بن زهير:\nوتركبُ خيلا لا هوادةَ بينَها ... وتشقَى الرماحُ بالضياطِرةِ الحمرِ\nفذهب جمهور العلماء إلى أنّ المعنى: وتشقى الضياطرة الحمر بالرماح. فقلب، وليس الأمر عندي كذلك، وإنما يريد أنّ رماحهم تشرف عن هَؤُلَاءِ الضياطرة، فإذا طعنوا بها فقد شقيت الرماح؛ لأنَّ منزلتها أرفع من أن يطعنوا بها، وكذا قول زهير:\nفَتُنْتَجْ لَكُمْ غِلمانَ أَشأَم كلُّهُمْ ... كأَحْمَرِ عَادٍ ثُمَّ تُرْضِعْ فَتَفْطِمِ\nقالوا: إنما هو أحمر ثمود فغلط فنسبه إلى عاد، وليس هذا عندي غلطا؛ لأنّ ثمودا تسمى عاد الآخرة، ألا ترى إلى قوله تعالى: (وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى).\nوإنما سُمُّوا ثمود لأنّ الله تعالى لما أهلك عاد، بقيت منهم بقية تناسلوا فهم ثمود، فاشتق لهم من الثمد وهو الماء القليل؛ لأنَّهم قلوا عن عدد عاد الأولى، وهذا كثير في الشعر يجري مجرى الغلط ولا يجب أن يحمل القرآن عليه.\n* * *\nقوله تعالى: (وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ)\nأختلف العلماء في (وَيْكَأَنَّهُ):\nفذهب الفراء إلى أنّ أصلها (ويلك) فحذفت اللام وجعلت (أنّ) مفتوحة في موضع نصب بفعلٍ مضمر، كأنّه قال: ويلك اعلم أنّه، وأنشد لعنترة:\nولقد شَفَى نفسِي وأَبْرَأَ سُقْمَها ... قيلُ الفوارسِ وَيْكَ عنترَة أَقْدمِ\nقال: وحدثني شيخ من أهل البصرة قال سمعت أعرابية تقول لزوجها: أين ابنك ويلك؟ - فقال","vol":"1","page":297},{"text":"لها: ويكأنه وراء البيت، قال معناه: أما ترينه وراء البيت، قال الشاعر:\nسَألتَاني الطلاقَ أنّ رأتَا مَا ... لي قَليلا قد جئتُماني بِنُكرِ\nويكأنّ من يكن له نشبٌ يح ... بب ومن يفتقر يعش عيش ضرِّ\nوقال البصريون: (وي) كلمة ينبه بها على أمرٍ من الأمور. وهي حرف مفصول من كأن، وذلك أنّهم لما رأوا الخسف نبهوا من تكلم على قدر علمه.\nوقيل: هي كلمة يستعملها الرجل إذا فاجأه أمر مفظع.\nوقيل: معناها: ألا كأنّه، وأما كأنّه.\nوقيل: المعنى: وي بأن الله تعالى، كأنّه قال: تنبيهك بهذا، إلا أنّه حذف.\nوقيل: المعنى: ألم ترى أنّ الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، لا لكرامة \" قارون \" بسط الرزق له.\nفعلى مذهب البصريين تكتب (وي كأنّه) منفصلة.\nوعلى مذهب الفراء تكتب (ويكأنه) متصلة، وقد حكى الفراء الوجه الأول، ولم ينكره إلا أنّه قال: لم تكتبها العرب متصلة، ثم قال: ويجوز أن يكون كثر بها الكلام فوصلت بما ليس منها، كما اجتمعت العرب على كتابة (يابنم) فوصلوها لكثرتها، فأجاز ما ذهب إليه البصريون. ولم يجز البصريون قوله، فصار قول البصريين إجماعًا.","vol":"1","page":298},{"text":"وقرأ الفراء (لَخُسِفَ بِنَا) بضم الخاء على ما لم يسمّ فاعله.\nوقرأ الحسين (لَخَسَفَ بِنَا) أضمر في خسف اسم الله تعالى، ويسوغ هذه القراءة قراءة عبد الله (لا تخسف بنا).\n* * *","vol":"1","page":299},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-232>وَمِنْ سُورَةِ (الْعَنْكَبُوتِ)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-233>قوله تعالى: (وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ)</span>\nيسأل عن قوله: (وَلَا فِي السَّمَاءِ) كيف وصفهم بذلك، وليسوا من أهل السماء؟\nوعن هذا جوابان:\nالأول: أنّ المعنى: لستم بمعجزين هربًا في الأرض ولا في السماء.\nوالثاني: أنّ المعنى: ولا من في السماء معجز، فحذف (مَن) لدلالة (مَنْ) الأولى، قال حسان:\nأُمَن يَهجو رسُولَ الله منكُم ... ويَمدحُه وينصُره سَواءُ\nكأنّه قال: ومن يمدحه وينصره.\nقال الفراء ومثله: إضرب من أتاك وأتى أباك، وأكرم من أتاك ولم يأت زيدًا، أي: ومنْ أتى أباك، ومن لم يأتِ زيدًا.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-234>قوله تعالى: (وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا </span>وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٥)\nقرئ (مَوَدَّةُ بَيْنِكُمْ) بالرفع والإضافة. وقرئ (مَوَدَّةً بَيْنَكُمْ) منونا رفعا و(بَيْنَكُمْ) نصبا.","vol":"1","page":300},{"text":"وقرئ (مَوَدَّةً بَيْنَكُمْ) بالنصب والتنوين وقرئ (مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ) بالنصب والإضافة.\nفأما من قرأ (مَوَدَّةُ بَيْنِكُمْ) بالرفع. فيجوز فيه وجهان:\nأحدهما: أن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي: هي مودةُ بينكم. وكذا من رفع ونوّن.\nوالوجه الثاني: أن يكون خبر (إنَّ) وتكون (ما) بمعنى الذي، والمعنى: إن الذي اتخذتم بينكم أوثانا مودة.\nوقال الفراء: (مَوَدَّةُ بَيْنِكُمْ) رفع بالصفة، وينقطع الكلام عند قوله: (إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا) ثم قال: ليس مودتكم تلك الأوثان، ولا عبادتكم إياها بشيء إنما مودة ما بينكم في الحياة الدنيا، ثم ينقطع الكلام.\nفـ (ما) على هذا الوجه صلة في (إنما) كافة، وتفسير هذا أنّه يجعل (مَوَدَّةُ بَيْنِكُمْ) مبتدأ، و(في الحياة الدنبا) الخبر.\nوأما من نصب فيجوز في قراءته وجهان:\nأحدهما: أن يكون مفعولًا له. أي: للمودة بينكم.\nوالثاني: أن يكون بدلًا من الأوثان.\nويجوز في (الأوثان) الرفع على أن تكون (ما) بمعنى (الذي) كأنّه قال: إنّ الذي اتخذتم بينكم أوثان، أي: ليست آلهة.\n* * *","vol":"1","page":301},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-235>وَمِنْ سُورَةِ (الرُّومِ)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-236>قوله تعالى: (الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣»</span>\nالبضع: ما بين الثلاثة إلى العشرة، وقيل: ما بين الثلاثة إلى نصف العقد، وقيل: ما بين الثلاثة إلى السبعة، وقيل: ما بين الثلاثة إلى التسعة، والقول الأول جاء في خبرٍ مرفوع، وما سوى ذلك أقوال أهل اللغة.\nأجمع القراء على ضم \" الغين \" من (غُلبت الروم)، وروي عن أبي عمر أنّه قرأ (الم *غَلبت الروم) جعلهم فاعلين، فقيل له: علامَ غلبوا؟ - فقال: على أدنى ريف الشام.\nوجاء في التفسير: أنّ فارس ظفرت بالروم، فحزن لذلك المسلمون، وفرح به مشركو أهل مكة؛ لأنّ أهل فارس ليسوا أهل كتاب، وكانوا يعبدون الأوثان، ففرح المشركون بغلبتهم. ومال المسلمون إلى الروم؛ لأنهم أهل كتاب، وكان لهم نبي، قالوا: ويدل على ذلك قوله: (وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ) ثم قال (وَيَوْمَئِذٍ) أي: يوم يغلبون، يعني: الروم (يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ) إذا غلبوا، وقد كان ذلك كله، ويروى أنّ فارس غلبت على أطراف الشام من بلاد الروم، ثم بعد سنتين وأشهُر غلبت الروم فارس، واستنقذت ما أخذت فارس من بلاد الشام، ففرح المسلمون بذلك لأمرين:\nأحدهما: ميلهم إلى الروم.\nوالثاني: ظهور ما أخبرهم النبي ﷺ أنّه يقع في ذلك الوقت.\nومما يسأل عنه أن يقال: لم بنيت (قَبْلُ، بَعْدُ)؟","vol":"1","page":302},{"text":"والجواب: أنهما قطعتا من الإضافة. وتضمنتا معناها، فصارتا كبعض الاسم وبعض الاسم لا يعرب، فوجب البناء لأنّه ليس بعد الإعراب إلا البناء، وحُركتا لالتقاء الساكنين.\nفأما الضم ففيه أربعة أقوال:\nأحدها: أنهما لما قطعتا من الإضافة جعلتا غايتين فأعطيتا غاية الحركات وهي الضمة.\nوالثاني: أنّه لما كان لهما. في الأصل تمكن بُنيا على الضم إشعارًا بذلك، كما فعلوا بالمنادى.\nألا ترى أنهما يعرسان إذا أضيفتا أو نكرتا كما يُفعل بالمنادى.\nوالثالث: أنّ الضم لا يدخلهما في حال الإعراب، وإنما يدخلهما الفتح والكسر في النصب والجر، فلما بنوهما أعطوهما حركة لا تكون لهما في حال تمكنهما.\nوالرابع: أنهما لما قُطِعتا من الإضافة ضعفتا فقويتا بالضمة.\nفهذه أربعة أقوال للبصريين. فأما الكوفيون فلهم قولان:\nأحدهما: أنهما لما تضمنتا معناهما في أنفسهما ومعنى المضاف إليه قويتا بالضمة، وهذا قول الفراء، وقد طرده في أشياء: من ذلك أنّه قال ضم أول فعل ما لم يسم فاعله، لأنّه يدل على نفسه وعلى الفاعل، وضم (منذُ) لأنّه يدل على معنى \" من وإلى \" لأنك إذا قلت: ما رأيته منذ يومين. فمعناه: ما رأيته من أول اليومين إلى آخرها. وكذلك (نحن) ضم لأنّه يقع على التثنية والجمع.\nوالقول الثاني: أنهما لو فتحتا لأشبهتا حالهما متمكنتين، ولو كسرتا لأشبهت المضاف إلى المتكلم، فأما السكون فلا سبيل إليه؛ لأنّ ما قبلهما ساكن. فلم يبقَ إلا الضم فأعطيتاه، وهذا قول هشام.","vol":"1","page":303},{"text":"وأجاز الفراء تنوينهما والمراد بهما مع ذلك الإضافة، وأنشد:\nكأَنَّ مِحَطًّا فِي يَدَيْ حارِثِيّةٍ ... صَناعٍ عَلَتْ مِني بِهِ الجِلْدَ مِن عَلُ\nوأنشد:\nوَنَحنُ قتلنا الأزدَ أُزدَ شَنُوءةٍ ... فَما شَربُوا بَعدُ على لذَّةٍ خَمرَا\nقال ولو نصب ونوّن كان وجها، وكان كما قال:\nفَسَاغَ لي الشرابُ وكنتُ قبلًا ... أكادُ أغَصُّ بالماءِ المعينِ\nوأجاز أيضا: جئت من قبلٍ ومن بعدٍ بالجر والتنوين.\nوهذا يجوز إذا كانتا نكرتين. فأما ما أنشد من الضم والتنوين والنصب فهو من ضرورات الشعر.\nوللبصريين فيه مذهبان:\nأحدهما: أن يترك على ضمِّه وينون ويقدر أنّ التنوين لحقه بعد البناء وهذا مذهب الخليل.\nوالثاني: أنّه إذا لحقه التنوين ضرورة رُد إلى النصب؛ لأنَّه الأصل، كما يُرد ما لا ينصرف إلى أصله إذا نون، ومثل ذلك \" المنادى المفرد \" إذا نوّن يبقى على ضمه عند الخليل، ويُرد إلى النصب عند أبي عمرو، قال الشاعر:\nسلامُ اللَّهِ يا مطرٌ عليها ... وَلَيسَ عليك يا مَطرُ السَّلامُ\nهذا قول الخليل وأصحابه، وأبو عمرو ينشد:\nضَربت صدرَها إليَّ وقالتْ ... يا عَدِيًَّا لقد وَقَتْكَ الأوَاقي\nبالنصب.","vol":"1","page":304},{"text":"وأجاز الفراء (من قبلِ ومن بعدِ) بلا تنوين على نية الإضافة، وأنشد:\nإِلَّا عُلالَة أَو بُداهة ... سابِحٍ نَهْدِ الجُزَارَه\nومثله:\nيَا مَن رَأَى عارِضًا أُكَفْكِفُهُ ... بَيْنَ ذِراعَيْ وجَبْهَةِ الأَسَدِ\nقال: وسمعت أبا ثروان العلكي يقول: قطع الله الغداة يد ورجل من قاله.\nقال المبرد: إنما تحذف هذا وما أشبهه إكتفاءً بالثاني من الأول، لأنّ المعنى مفهوم وليس في (قبل وبعد) ما يدل على المضاف إليه، وفي هذين البيتين ما يدل على الإضافة.\nوقيل: المعنى إلا علالة سانح وبداهته، ثم حذف، ومثله قوله تعالى: (وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ)، يريد والحافظاتها فحذف. وأجاز هشام: جئت قبلَ وبعدَ، بالنصب على نية الإضافة، وكل هذا ينكره البصريون.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-237>قوله تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا)</span>","vol":"1","page":305},{"text":"قيل:: خوفًا من المطر في السفر. وطمعًا فيه في الحضر.\nوفي قوله (وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا) ثلاثة أقوال:\nأحدها: أنّه حذف (أنّ) والتقدير: ومن آياته أن يريكم. فلما حذف (أنّ) ارتفع الفعل، قال طرفة:\nأَلا أَيُّهَذا الزاجِرِي أَحْضُرُ الوغَى ... وأَن أَشْهَدَ اللَّذَّاتِ هَلْ أَنتَ مُخْلدي\nيريد: أن أحضر. فحذف ألا تراه أظهرها في قوله (وأن أشهد).\nوالثاني: أنّ المعنى ومن آياته آية يريكم، ثم حذف لدلالة (من) عليها، قال الشاعر:\nوَمَا الدَّهرُ إِلا تَارَتانِ فَمِنْهُمَا ... أَموتُ وأُخْرى أَبْتَغي العَيْشَ أَكْدَحُ\nيريد: فمنهما تارة أموت فيها وأخرى أبتغي العيش فيها، فحذف لدلالة (من) على المعنى.\nوالثالث: أنّه على التقديم والتأخير، والمعنى: ويريكم البرق من آياته، فهذا على غير حذف.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-238>قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ)</span>\nيقال ما معنى: (وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ)، وهل يهون عليه شيء دون شيء؟\nوفي هذا ثلاثة أجوبة:\nأحدها: أنّ المعنى: وهو أهون عليه عندكم، ثم حذف، وهذا قول المفسرين.","vol":"1","page":306},{"text":"والثاني: أنّ (أهون) بمعنى (هين). كما قال:\nلعمرُكَ مَا أدرِي وإني لأوجَلُ ... على أيِّنا تَعدُو المنيةُ أوّلُ\nوقال آخر:\nتَمنى رجالٌ أنّ أموتَ وإنْ أمت ... فَتِلك سبيلٌ لستُ فيها بأوحَدِ\nأي: بواحدٍ، وهذا قول أهل اللغة.\nوالقول الثالث: أنّ الهاء في عليه تعود على (الخلق)، أي: والإعادة على الخلق أهون من النشأة الأولى؛ لأنَّه إنما يقال له كن فيكون، وفي النشأة الأولى: كان نطفةً ثم علقةً ثم مضغةً، ثم عظامًا ثم كسيت العظام لحمًا ثم نفخ فيه الروح، فهذا على المخلوق صعب والإنشاء يكون أهون عليه، وهذا قول النحويين، ويروى مثله عن ابن عباس.\nقال الفراء: حدثني حَبَّان عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: (وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) يقول على المخلوق، لأنّه يقول له يوم القيامة \" كن فيكون \".\nفأما ما يروى عن مجاهد من أنّه قال: الإنشاء عليه أهون من الابتداء. فقول مرغوب عنه، لأنّه لا يهون عليه شيء دون شيء ﵎.\n* * *\nقوله تعالى: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ (٤١»\nقيل: البر: أهل البادية، والبحر: القرى التي على الأنهار العظيمة، هذا قول قتادة.\nقال مجاهد: البر: ظهر الأرض، والبحر: البحر المعروف \" تؤخذ كل سفينةٍ غصبا \".\nوقيل: البر: الأرض القفر. والبحر: المجرى الواسع للماء عذبًا كان أو مالحًا.","vol":"1","page":307},{"text":"وقيل: الْبَرّ: البرية. والبحر: الريف، والمواضع الخصبة.\nوأصل (الْبَرِّ) من البِرّ، لأنّه يبر بصلاح المقام فيه، وأصل (البحر) الشق، ومنه \" البحيرة \". ومنه قيل \" بحر \" لأنّه شق في الأرض. ثم كثر فسمي الماء الملح بحرًا، وأنشد ثعلب:\nوقَد عادَ ماءُ الأرضِ بحرًا فَزادني ... إلى مَرضِي أنّ أبْحَرَ المشربُ العَذْبُ\nوالفساد: ضد الصلاح، وقيل الفساد هاهنا: المعاصي، وقيل: هو على الحذف، والتقدير: ظهر عقاب الفساد في البر والبحر.\nقال الفراء: أجدب البر، وانقطعت مادة البحر بذنوبهم، كان ذلك ليُذاقوا الشدة في العاجل.\n* * *\nقوله تعالى: (وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا (٥١»\nقال الخليل: الفعل الماضي هاهنا في موضع المستقبل، والمعنى: ليظلّن.\nومما يسأل عنه أن يقال: أين جواب الشرط في قوله: (وَلَئِنْ)؟\nوالجواب: [...]. بجواب القسم وكان [...] (١). لتقدمه على الشرط، ولو تقدم الشرط لكان الجواب لها كقولك: إن أرسلنا ريحًا لظلوا والله يكفرون.\n_________\n(١) يوجد سقط يعادل كلمة أو كلمتين.\nقال الشوكاني ما نصه:\nوَجَوَابُ الْقَسَمِ:\nلَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ وَهُوَ يَسُدُّ مَسَدَّ جَوَابِ الشَّرْطِ، وَالْمَعْنَى: وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا حَارَّةً، أَوْ بَارِدَةً، فَضَرَبَتْ زَرْعَهُمْ بِالصُّفَارِ لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ، وَيَجْحَدُونَ نِعَمَهُ. اهـ (فتح القدير. ٤/ ٢٦٦).","vol":"1","page":308},{"text":"وهذه (اللام) يسميها البصريون لام التوطئة، ويسميها الكوفيون لام إنذار القسم.\nويسأل عن (الهاء) في قوله (فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا)؟\nوفيها ثلاثة أجوبة:\nأحدها: أنها تعود على السحاب، والمعنى: ولئن رأوا السحاب مصفرًا؛ لأنّه إذا كان كذلك لم يكن فيه مطر.\nوالثاني: أنها تعود على الزرع؛ لأنَّ قوله (إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ) يدل عليه، فأما من قرأ (إِلَى أَثَرِ) على الإفراد، فيجوز أن تعود الهاء على (أثر)؛ لأنَّه يدل على الزرع.\nوالثالث: أنها تعود على الريح، أي: فرأوا الريح مصفرًا، وهو قول الحسن، ومجازه: أنّ الريح تأنيثها غير حقيقي، والمؤنث الحقيقي إنما يكون في الحيوان، فذكر الوصف، كما قال تعالى: (فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ)، والموعظة مؤنثة.\n* * *","vol":"1","page":309},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-241>وَمِنْ سُورَةِ (لُقْمَان)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-242>قوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٧)</span>\nيقال: مدّ النهر ومدّه نهر آخر، قال الفراء: تقول العرب: دجلة تمد بنارنا وأنهارنا، والله يمدنا بها، ونقول: قد أمددتك بألفٍ فمدوك.\nقرأ أبو عمرو (وَالْبَحْرَ يَمُدُّهُ) بالنصب، ورفع الباقون، فالنصب: على العطف على (ما) من قوله: (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ ... وَالْبَحْرَ)، والرفع: على القطع مما قبله، ويكون رفعًا بالابتداء، و(يَمُدُّهُ) في موضع نصبٍ على الحال، والخبر محذوف، كأنّه قال: والبحر يمده من بعده سبعة أبحر مدادٌ، ثم حذف، لأنّ المعنى مفهوم، أو يضمر (يكون مدادا) وإلى هذا ذهب الفراء، ولا يجوز أن تعطفه على المضمر في قوله: (في الأرض) كأنّه في التقدير: ولو أنّ ما استقر في الأرض من شجرة أقلام هو والبحر، لأنّ البحر لا يكون أقلامًا.\nوموضع (أنّ) رفع بإضمار فعل، كأنّه في التقدير: ولو وقع أنّ ما في الأرض؛ لأنّ (لو) بالفعل أولى، لما فيها من معنى الشرط، ولا يجوز أن تعطف البحر على موضعها؛ لأنَّها مفتوحة، وقد ذهب عنها معنى الابتداء.\n* * *","vol":"1","page":310},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-243>وَمِنْ سُورَةِ (السَّجْدَةِ)</span>\nقوله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ (٢٣»\nيسأل علامَ تعود (الهاء) في قوله (مِنْ لِقَائِهِ)؟\nوفي هذا أجوبة:\nأحدها: أنّ المعنى: فلا تكن في مرية من لقاء موسى الكتاب، فهو يعود على الكتاب، هذا قول الزجاج.\nوالثاني: أنها تعود على الأذى، والمعنى: فلا تكن في مريةٍ من لقاء الأذى، كما لقي موسى، وهو قول الحسن.\nوالثالث: أنها تعود على موسى. والتقدير: فلا تكن يا محمد في مرية من لقاء موسى.\nوقيل: يعود على الابتداء، والمعنى: فلا تكن في مريةٍ من لقاء إيتائك الكتاب كما أوتي موسى.\n* * *","vol":"1","page":311},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-245>وَمِنْ سُورَةِ (الْأَحْزَابِ)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-246>قوله تعالى: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى)</span>\nقرأ نافع وعاصم (وَقَرْنَ) بفتح القاف، وقرأ الباقون (وَقِرْنَ) بالكسر، فأما من قرأ (وَقَرْنَ) فهي قراءة فيها نظر، وذلك أنّه لا يخلو أن يكون من \" الوقار \" أو من \" القرار \" فلا يجوز أنّ يكون من \" الوقار \" لأنّه إنما يقال: وقر يقر، مثل: وعد يعد. فإذا أمرت قلت (قِرن) كما قرأت الجماعة، وهذا على ميزان قولك: عِدن، ولا يجوز أن يكون من \" القرار \" لأنّه إنما يقال: قرّ في المكان يقِر بكسر القاف، وقرَّت عينه تقر، فلو كان من \" القرار \" لقيل: اقررن، ثم يستثقل تكرير (الراء) فتنقل حركتها إلى القاف، ثم تحذف إحدى الرائين لالتقاء الساكنين، وتحذف همزة الوصل للاستغناء عنها فيبقى (قِرن) كما قرأت الجماعة. فهذان الوجهان يجوزان في قراءة من كسر، وأما الفتح فبعيد إلا أنّه قد حُكي: قررت في المكان أقر، وهي لغة حكاها الكسائي. فيجوز على هذا أن يكون الأصل (اقررنَ) ثم فعل به ما فعل بـ اقررن، ثم ألقيت فتحة الراء على القاف، وحذفت لالتقاء الساكنين، وحذفت الهمزة للاستغناء عنها. كما فعل فيما تقدم، وأكثر ما يجيء هذا في (فَعِلت) نحو: ظَلْت وظِلْت ومَسْت ومِسْت وأحسست وأحست، وأنشد أبو زيد:\nسِوى أنَّ العِتاقَ من المَطَايَا ... أَحَسْنَ به فَهُنَّ إليه شُوسُ\nإلا أنّ الفراء حكى: هق ينحطن من الجبل، في معنى: ينحططن.\nوقيل في التبرج: التبختر، وقيل: التكسر. وهو قول قتادة. وقيل الظهور.","vol":"1","page":312},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-247>قوله تعالى: (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ... (٤٠»</span>\nقرأ عاصم (وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ) بفتح التاء وهي قراءة الحسن، وقرأ الباقون بالكسر.\nكأن المعنى عنده: هو آخر النبيين. ويروى عن علقمة أنّه قرأ (خَاتمهُ مِسْكَ) أي: آخره مسك. قال المبرد: (خَاتَمَ) فعل ماض على وزن (فاعل) وهو في معنى: ختم النبييين، فنصب في هذا الوجه على أنّه مفعول، وفي حرف عبد الله (ولكن نبيا ختم النبيين)، وقراءة من كسر يدل على هذا المعنى؛ لأنّه اسم فاعل من ختم. كضارب من ضرب.\nوالنبييين: في مذهب من كسر في موضع جر بالإضافة، وكذا في مذهب من فتح، إلا عند المبرد فإنه في موضع نصب على ما قدمناه.\nويجوز في (رَسُولَ اللَّهِ) وجهان: النصب والرفع.\nفالنصب: على أنّه خبر (كان) أي: ولكن كان محمد رسول الله.\nوالرفع: على معنى: ولكن هو رسول الله.\nوهذه الآية نزلت في زيد بن حارثة وذلك أنّ النبي ﷺ تبناه فكان يُقال زيد ابن رسول الله. وكان النبي ﵇ خطب زينب بنت جحش امرأة زيد بعد أنّ طلقها زيد فامتنعت،","vol":"1","page":313},{"text":"فأنزل الله تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ ...) إلى آخر القصة، وأنزل (ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ ...)، فلما نزلت هذه الآية قال زيد: أنا ابن حارثة، وأذن الله تعالى لنبيه في تزويج زينب.\nقال قتادة: أولاد النبي ﵇: القاسم، وبه كان يُكنى، وإبراهيم. والطيب، والطاهر، قال غيره: وعبد الله، قيل: الطيب والطاهر وعبد الله أسماء كانت لواحد.\n* * *\nقوله تعالى: (وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ)\nنصب \" امرأةً \" بإضمار فعلٍ تقديره: وأحللنا لك امرأةً مؤمنةً إن وهبت.\nومما يسأل عنه أن يقال: لم قال (إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ)، ولم يقل: إن وهبت نفسها لك؟\nوالجواب: أنّه لو قال ذلك لتوهم أنّه يجوز لغيره، فذكر النبي صلى الله عليه ليزول اللبس.\nقال علي بن الحسين: هذه امرأة من الأزد يقال لها، (أم شريك)، وقال الشعبي: هي امرأة من الأنصار، وقيل: هي زينب بنت جحش، وقال ابن عباس: لم يكن عند النبي ﵇ امرأة وهبت نفسها له.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-249>قوله تعالى: (ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ)</span>\n(كُلُّهُنَّ): توكيد للمضمر في (يَرْضَيْنَ)، أي: يَرْضَيْنَ كلهن، ولا يجوز نصبه على توكيد المضمر في (آتَيْتَهُنَّ)، لأنَّ المعنى ليس عليه، لا يريد: آتيتهن كلهن، وإنما يريد: يرضين كلهن.","vol":"1","page":314},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-250>وَمِنْ سُورَةِ (سَبَإٍ)</span>\nقوله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ (١٠»\nالتأويب: سير النهار، والأساد: سير الليل.\nوقيل في (أَوِّبِي مَعَهُ) سبحي. وهو قول ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة.\nوتأويله عند أهل اللغة: سبحي معه مؤوبةً، أي: سبحي معه في النهار، وسيري معه.\nوقيل تأويله: رجعي معه التسبيح، لأنّ أصله من آب يؤوب، أي: ارجع.\nوقيل معناه: سيري معه حيث شاء.\nوجاء في التفسير: أنّ الحديد لانَ في يده حتى صار كالشمع، قال: وأسيل له الحديد حتى صار كالطين، فكان يعمل به ما يشاء.\nفأما النصب في قوله (وَالطَّيْرَ) ففيه أربعة أوجه:\nأحدها: أنّه معطوف على قوله: (فَضْلًا)، والتقدير: آتينا داود منَّا فَضْلًا والطيرَ يَا جِبَالُ أَوِّبِي معه، وهذا قول الكسائي.\nوالثاني: أنّه نصب بإضمار فعل، كأنّه قال: وسخرنا له الطير، وهو قول أبي عمرو.\nوالثالث: أنّه مفعول معه، كأنّه قال: يَا جِبَالُ أَوِّبِي معه مع الطير، قال الشاعر:\nفَكُونُوا أُنتُم وَبنَى أبيكُم ... مكانَ الكُليَتيَن منَ الطِّحَالِ","vol":"1","page":315},{"text":"أي: مع بني أبيكم.\nوالرابع: أن يكون معطوفًا على موضع الجبال؛ لأنَّ موضعها نصب بالنداء، كما تقول: يا زيدُ والضحاكَ، قال الشاعر:\nألا يَا زيدُ والضحاكَ سِيرا ... فقَد جَاوزتُما خَمْرَ الطرِيقِ\nوروي أنّ الأعمش أو غيره قرأ (وَالطَّيْرُ) بالرفع، وكذلك قرأ يعقوب، وأجازه الفراء، ورفعه من وجهين:\nأحدهما: أن يكون معطوفا على لفظ (الجبال)، كما تقول: يا زيدُ والضحاكُ، وهو اختيار الخليل، وأبو عمرو يختار: يا زيدُ والضحاك.\nوالثاني: أن يكون معطوفًا على المضمر في (أَوِّبِي) وهو قول الفراء. وحسُن العطف على المضمر المرفوع وإن لم يؤكد؛ لأنَّ قوله (معه) قام مقام التوكيد، كما قال في آيةٍ أخرى (مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا)، فقامت (لا) مقام التوكيد. وقد جاء العطف من غير توكيد ولا فصل في نحو قول عمر بن أبي ربيعة:\nقُلْتُ إذا أقبلَتْ وزَهرٌ تَهادَى ... كنِعاجِ المَلا تَعَسَّفْنَ رَمْلا\nوهو قبيح، وكان حقه أن يقول: هي وزهر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-252>قوله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ)</span>","vol":"1","page":316},{"text":"قال الزجاج: \" سبأ \" مدينة بينها وبين صنعاء مسيرة ثلاثة أيام.\nقال غيره: هي قبيلة، وقيل: \" سبًا \" رجل، وهو أبو اليمن، وللعرب فيها مذهبان:\nمنهم من يصرفها. يجعلها اسما للحي. أو اسما للمكان. أو لأبٍ، قال جرير:\nتَدعُوك تَيْمٌ في قُرى سَبَأٍ ... فَدعَضَّ أعناقَهم جِلْدُ الجواميسِ\nومنهم من لا يصرفها، يجعلها اسما لقبيلة أو لمدينة أو لبقعة أو لأم. قال الشاعر:\nمِنْ سَبَأَ الحاضرينَ مَأْرِبَ إذ ... يَبْنُون مِنْ دونِ سَيْلِهِ العَرِما\nوالعرم: المُسَنّاة، واحدها \" عرمة \" وكأنه مأخوذ من (عُرامة) الماء، ويقال له أيضًا \" مُحبس الماء \"، قال الأعشى في العرم:\nففي ذاك للمؤتسي أُسوْةً ... ومأرب عفّى عليه العَرمْ\nرُخامُ بنتهُ لهم حِمَيرٌ ... إذا جاءَه ماؤهم لم يَرِمْ\nوالخمط: كل نبت قد أخذ طعما من المرارة، هذا قول الزجاج، وقال أبو عبيدة: الخمط: كل شجرة ذات شوك، وقيل: الخمط: شجر الأراك، وهو قول ابن عباس والحسن وقتادة والضحاك.","vol":"1","page":317},{"text":"وأُكلُهُ: ثمره، يقال: أَكُلُ وأُكُل. بضمّ الهمزة، فأما الأَكُل بالفتح فمصدر أَكَل.\nوالأثل: الطرفاء. وقيل: خشب وهو قول الحسن. والمعروف أنْ الأثل شجر يَشبه الطرفاء.\nوالسدر: شجر النبق، وقيل: السدر هاهنا السمر، وهو شجر أم غيلان.\nوقرئ (ذَوَاتَيْ أُكُلِ خَمْطٍ) بالإضافة، وهي قراءة أبي عمرو، وقرأ الباقون (ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ) بتنوين (أُكُلٍ)، جعلوا (خَمْطٍ) بدلا من (أُكُلٍ) وهو بدل بعض من كل.\nحدثني أبي عن عمه إبراهيم بن غالب عن القاضي منذر بن سعيد قال: حدثنا أبو النجم عصام بن منصور المرادي عن أبي بكر أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم البرقي حدثنا أبو محمد عبد الملك بن هشام قال كان عمرو بن عامر فيما حدثني أبو زيد الأنصاري: رأى جرذًا في سد مأرب الذي كان يحبس عليهم الماء فيصرفونه حيث شاءوا من أرضهم فلما رأى ذلك علم أنّه لا بقاء للسد على ذلك، فاعتزم على النقلة عن اليمن، وكاد قومه، فأمر أصغر ولده إذا أغلظ له أن يقوم إليه فيلطمه، ففعل ابنه ما أمره به، فقال عمرو: لا أقيم ببلد لطم وجهي فيه أصغر ولدي، وعرض أمواله. فقال أشراف من أشراف اليمن: اغتنموا غضبة عمرو، واشتروا أمواله، ففعلوا. وانتقل في ولده وولد ولده، وقالت الأزد: لا نتخلف عن عمرو بن عامر، فباعوا أموالهم وخرجوا معه، فساروا حتى نزلوا بلاد (عكّ) فحاربتهم عكّ. فكانت حربهم سجلًا ففي ذلك يقول عباس بن مرداس:\nوعكُّ بن عدنان الذين تلعَبُوا ... بغسَانَ حتى طُرَدوا كلّ مطردٍ.\nوغسان: ماء يسد مأرب، كان شربا لولد مازن من بني الأزد بن الغوث، فسموا به، ويقال: غسان: ما، بالمشلل قريب من الجحفة. قال حسان بن ثابت:","vol":"1","page":318},{"text":"إِمَّا سأَلتَ فإِنا مَعْشَرٌ نُجُبٌ ... الأَزْدُ نِسْبَتُنا وَالْمَاءُ غَسَّانُ\nقال: ثم ارتحلوا وتفرقوا في البلاد فنزل آل جفنة بنْ عمر بن عامر الشام. ونزلت الأوس والخزرج\nيثرب. ونزلت خزاعة بطن مرّ، ونزلت أزد السراةِ السراةَ، ونزلت أزد عمانَ عمان، ثم أرسل الله على\nالسد السيل فهلك به. ففيه أنزل الله على رسوله محمد ﷺ (لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (١٥».\nقال ويقال: من ولد عمر بن عامر (ربيعة بن نفر بن أبي حارثة بن عمرو) ومن ولد ربيعة (النعمان بن المنذر) فيما يقال، وقالت العرب: \" تفرقوا أيدي سبأ \"، فأجري هذا مثلًا، أنشد الفراء:\nعَينًا تَرى الناسَ إليها نَسبَا ... مِنْ صَادرٍ وواردٍ أيدي سَبَأ\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-253>قوله تعالى: (وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠»</span>\nقرأ الكسائي وعاصم وحمزة (صَدَّقَ) بالتشديد، وقرأ الباقون (صَدَقَ) بالتخفيف. فمن شدد نصب (الظن) لأنّه مفعول بـ (صَدَّقَ). وذلك أنّه قال (وَلَأُضِلَّنَّهُمْ) (وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ)، فقال ذلك بالظن فصدق ظنه.\nوأما من خفف فذهب الفراء إلى أنّ المعنى: ولقد صدق عليهم إبليس ظنه بالرفع، على أنّ قوله (ظَنَّهُ) بدل من (إِبْلِيسُ)، قال: ولو قرأ قارئ \" ولقد صدق عليهم إبليسَ ظنُّه \" لجاز كما تقول: صدقك ظنُّك وكذلك ظنَّك؛ لأنَّ (الظن) يخطئ ويصيب.","vol":"1","page":319},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-254>قوله تعالى: (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٤»</span>\nقال المفسرون معناه: وأنا لعلى هدى وأنتم في ضلالٍ مبين.\nومعنى (أو) هاهنا معنى (الواو)، قال الفراء: وكذلك هو في المعنى، غير أنّ العربية على غير ذلك لا تكون (أو) بمنزلة (الواو) ولكنها تكون في الأمر المفوض، كما تقول: إن شئت فخذ درهما أو اثنين، فله أن يأخذ واحدًا أو اثنين، وليس له أن يأخذ ثلاثة. قال والمعنى في قوله (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ) إنّا لضالون أو لمهتدون، وإنكم أيضًا لضالون أو مهتدون، وهو يعلم أنّ رسوله المهتدي وأن غيره الضال، قال: وأنت تقول في الكلام للرجل يكذبك: والله إن أحدنا لكاذب، فكذبته تكذيبًا غير مكشوف، وهو في القرآن وفي كلام العرب كثير يوجه الكلام إلى أحسن مذاهبه إذا عرف، كقول القائل: والله لقد قام زيد، وهو كاذب، فيقول العالم بأن الأمر على خلاف ذلك: قل \" إن شاء الله \" أو قل \" فيما أظن \" فيكذبه بأحسن من تصريح التكذيب.\nقال علي بن عيسى: هذا على الإنصاف في الحجاج، كما يقول القائل: أحدنا كاذب، وحقيقة (أو) هاهنا أنها لأحد الأمرين.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-255>قوله تعالى: (بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ)</span>\nقال الحسن وابن زيد المعنى: بل مكركم في الليل والنهار، وكذلك هو في العربية يتسع فى الكلام فتضاف الأحداث إلى الزمان، ويخبر عن الزمان بما يقع فيه، فيقال: صيام النهار وقيام الليل، والمعنى: الصيام في النهار، والقيام في الليل، ويقولون: ليل قائم ونهار صائم، والليل والنهار غير","vol":"1","page":320},{"text":"صائمين، قال الشاعر:\nلقَد لمتِنَا يَا أم غَيلانَ في السُّرى ... وَنمِتِ وَمَا ليلُ المطيّ بنَائِمِ\nوأضاف الليل إلى المطي على الاتساع، ووصف الليل بالنوم، وهذا على حدّ قولك: ليلي نائم، فيقول السامع: ليس ليلك بنائم.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-256>قوله تعالى: (قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (٤٨»</span>\nيجوز في (عَلَّامُ) وجهان: النصب والرفع\nفالنصب من وجهين:\nأحدهما: أن يكون نعتًا لـ (رَبِّي)، كأنّه قال: قل إن رَبِّي علامَ الغيوبِ يقذف بالحق.\nوالثاني: أن يكون نصبًا على المدح، كأنك قلت: أعني علامَ الغيوب.\nوأما الرفع فيجوز من وجهين أيضًا:\nأحدهما: أن يكون بدلًا من المضمر في \" يقذف \"؛ لأنَّ في \" يقذف \" ضميرًا تقديره: يقذف هو.\nوالثاني: أن يكون خبر مبتدأ محذوف. كأنّه قال: هو علاَّمُ الغيوب.","vol":"1","page":321},{"text":"وقد قيل: هو مرفوع على موضع (إنّ) قبل دخولها، كما تعطف على موضعها بالرفع، وليس بوجه.\n* * *","vol":"1","page":322},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-257>وَمِنْ سُورَةِ (فَاطِرِ)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-258>قوله تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا)</span>\nالعزة: المنعة، ويقال: عزَّ الشيء إذا امتنعَ. ومنه قيل: شاةٌ عزوز إذا كانت عَسِرَة الحلب، وقيل: أصله من عزَّ إذا غلب، ومنه يقال: مَن عزَّ بزَّ، أي: من غلب سلب، قالت الخنساء:\nوكُنَّا القديم سَراةَ الأديمِ ... والنَّاسً إذْ ذَاكَ مَنْ عزَّ بَزَّا\nوالعَزَان: أطراف الأرض؛ لأنها ممتنعة لعسر المشي فيها، ومن كلام الزهري لرجل كان يأخذ عنه، ويقوم إذا رآه حتى إذا ظن أنّه قد استنفد ما عنده ترك القيام، فقال له: إنك في العَزَان بعدُ فعد إلى القيام، أي: أنت في الطرف.\nوالصُّعود: ضد الهبوط، وهما المصدران. فأما (الصَّعُود) و(الهَبُوط) بفتح الأول فاسمان؛ يقال: صعد يصعد صَعودًا، إذا ارتفع، وأصعد في الأرض يصعد إصعادًا، قال الشاعر:\nهَوايَ مَعَ الرَّكبِ اليمَانِينَ مُصعِدُ ... جَنِيبَ وجُثماني بِمكة مُوثقُ\nوالكلم: يذكر ويؤنث، تقول: هذه كلم وهذا كلم، وكذلك كل جمع ليس بينه وبين واحده إلا \" الهاء \" يجوز فيه التذكير والتأنيث. نحو: هذه نخل وهذا نخلٍ، قال الله تعالى: (كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ).","vol":"1","page":323},{"text":"وقال: (كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ).\nوقرأ أبو عبد الرحمن (الكلامُ الطيِّبُ).\nوالفرق بين الكلام والكلم: أنّ (الكلام) يقع على الجملة القائمة بنفسها. نحو قولك: زيد قائم،\nو(الكلم) إنما هو جمع كلمة، كلبنة ولبن وخلفة وخلف، أنشد الفراء:\nمَا لكِ تَرغينَ وَلا تَرغُو الخَلفِ ... وَتَضْجَرينَ والمَطِيُّ مُعْتَرِفْ\nومما يسأل عنه أن يقال: علامَ يعود الضمير الذي في قوله (يَرْفَعُهُ)؟\nوفيه ثلاثة أجوبة:\nأحدها: أنّ المعنى: والعمل الصالح يرفع الكلم الطيب.\nوالثاني: أنّ المعنى: والله يرفعه.\nوالثالث: أنّ الكلام يرفع العمل الصالح، ويجوز فى (العمل) على هذا الوجه النصب بإضمار فعلٍ تقديره: ويرفع الكلمُ الطيبُ العملَ الصالحَ يرفعه، ثم حذفت؛ لأنّ الثاني يفسره، ومثله: قام زيدُ وعمرًا ضربته، وأجاز الفراء أن تنصب على تقدير: يرفع الله العمل الصالح يرفع، فيَكون \" الله \" فاعلًا.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-259>قوله تعالى: (وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ)</span>\nالأجاج: الشديد المرارة. وأصله من أُجّت النار، كأنّه يحرق من شدة المرارة، ويقال: ماء ملح، ولا يقال: مالح، وماء ملح أجاج، إذا كان فيه مرارة.","vol":"1","page":324},{"text":"والفُلك: السفن، وهو يقع على الواحد والجمع بلفظ واحد والتقدير مختلف: فإذا كان واحدًا كان بمنزلة \" قُفُل \" و\" بُرُد \" قال الله تعالى: (فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ) فجعله واحدًا. وإذا كان جمعًا كان بمنزلة \" أُسْد \" و\" وُثن \" وعليه قوله: (وَتَرَى الفُلكَ فيهِ مَواخرَ) وإنما كان كذلك لأنهم جمعوا (فَعَلا) على (فُعَلِ) وجاز أن يجمع (فُعُل) على (فُعْلِ) وليس بابه من قبل أنّ (فُعُلا) و(فَعَلا) يشتركان؛ نحو: رُشُد ورَشَد، وسُقُم وسَقَم، وعُدُم وعَدَم، وحُزُن وحَزَن، وعُرُب وعَرَب، وعُجم وعَجَم في أشباه. لذلك، و(فَعَل) يجمع على (فُعْل) نحو: أُسَد وأُسْد، ووَثَن ووُثْن، فجمعوا (فُعُلا) كجمع (فَعَل) وهذا مذهب سيبويه وإن لم يصرح به.\nويقال: مَخَرت السفينة، إذا شقت الماء تمخر مخرًا فهي ماخرة والجمع مواخر.\nومما يسأل عنه أن يقال: الحلية إنما تخرج من الملح دون العذب، فكيف قال (يَخْرُجُ مِنْهُمَا)؟\nوعن هذا جوابان:\nأحدهما: أنّه كذلك إلا أنّه جمع بينهما في ذلك لاصطحابهما؛ لأنّ المعنى قد عُرف، ومثل ذلك قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا)، والقمر إنما هو في سماء الدنيا، غير أنّه وإن كان قد اختص بمكانٍ من السماوات فهو فيها، وكذلك البحران وإن كان اللؤلؤ والمرجان يخرجان من أحدهما فهو يخرج منهما وإن اختص خروجهما من أحدهما.\nوالقول الثاني: أنّ في البحر عيونًا عذبةَ واللؤلؤ والمرجان يخرجان من بينهما، ذكر أنهما يتكونان في الماء العذب الذي في تلك العيون. فقد اشترك العذب والملح فيهما.","vol":"1","page":325},{"text":"قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا (٢٧»\nالجُدُد: جمع \" جُدَّة \" وهي الطريقة، وجدد: طرائق، قال الشاعر:\nكَأنّ سَرَاتَهُ وَجُدّةَ ظَهْرِهِ ... كَنَائِنُ يَجرِي بَيْنَهُنَّ دَليصُ\nيعني بالجدة: الخطة السوداء التي في متن الحمار، والدليص: البراق.\nوالغرابيب: حجارة سود واحدها \" غربيب \"، وقال (سود) والغرابيب لا تكون إلا سودًا للتوكيد، كما تقول: رأيت زيدًا زيدًا؟. إذا أردت التوكيد، وقيل: هو على التقديم والتأخير، كأنّه قال: وجدد سود غربيب، لأنّه يقال: أسود غربيب، وأسود حالك، وأسود حلكوك، وأسود حانك بمعنى واحد.\nوقوله: (فَأَخْرَجْنَا بِهِ) أضاف الفعل إلى نفسه، وكان الأول بلفظ الغائب، لقوله (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ) لأنّ الضمير هو الظهر في المعنى فقام أحدهما مقام الآخر.\nونصب (مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا) على الحال، وهي حال مقدرة؛ لأنَّ الثمرة أول ما تخرج لا تختلف ألوانها، وإنما تختلف عند البلاغ، والحال على أربعة أوجه:\nهذا أحدها، وهو الحال المقدرة.","vol":"1","page":326},{"text":"والثاني: حال مؤكدة، نحو قوله تعالى: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا)، فهذه حال مؤكدة؛ لأنّ صراط الله لا يكون إلا مستقيمًا. ومثله (وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا)، لأنّ الحق لا يكون إلا مُصَدِّقًا.\nوالثالث: حال منقلبة، نحو قولك: قام زيد ضاحكًا؛ لأنَّه يجوز أن يقوم عابسًا، ففرقت بين المعنيين.\nوالرابع: حال منفية، نحو قولك: ما لزيد غيرَ ملتفتٍ ولا مقبلٍ علينا.\nوأجمع القراء على رفع (العلماء) ونصب (اسم الله تعالى)، وهو الصواب الذي لا معدل عنه، إلا أنّ طلحة بن مصرف قرأ كذلك: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءَ) فرفع (اسم الله تعالى) ونصب (العلماء)، ويروى مثل ذلك عن أبي حنيفة، وأكثر أهل العلم يذهب إلى أنّه لحن، وقد اعتذر بعضهم لهذا بأن قال: هو على القلب. كما تقول: تهيبني الفلاةُ، في معنى تهيبت الفلاة، وكما قال الشاعر:\nغداةَ أحلَّتْ لابنِ أَصْرَمَ طَعْنَةٌ ... حُصينٍ عَبيطاتِ السَّدائِفِ والخمرُ\nفنصب (الطعنة) وهي فاعلة، ورفع (العبيطات) وهي مفعولة، والمعنى: أنَّ الطعنة التي طعنها أحلت له العبيطات، لأنّه نذر أنّ لا يأكل عبيطًا من اللحم ولا يشرب خمرًا حتى يقتل فلانًا ويأخذ بثأره، فلما قتله أحل له ذلك القتل ما كان حرّم، ومثله قول امرئ القيس:\nحلّت ليَ الخمرُ وكنت امرءًا ... عن شُربها في شُغلٍ شاغلِ\nوقال قوم: (يَخْشَى) هاهنا بمعنى يراعي، والتقدير: إنما يراعي الله من عباده العلماء، لأنهم هم المخاطبون الذين يفهمون. ما يخاطبهم به، ومن سواهم تبع لهم. ومثل ذلك قولهم: ما تركت ذلك إلا خشيتك، أي: مراعاة لك.\nوقيل: (يَخْشَى) بمعنى: يعلم، والمعنى: كذلك يعلم الله من عباده العلماء، وهذه التأويلات بعيدة.\n* * *","vol":"1","page":327},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-261>وَمِنْ سُورَةِ (يس)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-262>قوله تعالى: (لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (٦)</span>\nالإنذار: التخويف. و\" اللام \" في (لِتُنْذِرَ) لام كي، قال قتادة المعنى لتنذر قومًا لم ينذر آباؤهم، على جحد؛ لأنّ عرب الجاهلية لم يكن فيهم نبي قبل محمد ﵇. وهذا التأويل إنما يصح إذا كان (القوم) هاهنا يُعنى بهم العرب المضرية والعدنانية، فأما القحطانية فقد كان فيهم هود وصالح وشعيب ﵇، ومبعُد أيضًا من قبل أنّ قيسًا بُعث فيهم خالد بن سنان، وهو الذي أطفأ نار الجمرة التي كانت ببلاد قيس، وروي أنّ بنته وفدت على النبي ﷺ فأكرمها، وقال: (هذه بنت نبي ضيَّعه قومه)، وقال عكرمة المعنى: لتنذر قومًا كالذي أنذر آباؤهم، فعلى هذا يكون الإنذار لجميع الناس، وتحتمل (ما) على هذا الوجه أن تكون بمعنى (الذي)، فيكون التقدير: لتنذر قومًا كالذي أنذر آباؤهم، وتحتمل أن تكون مصدرية والتقدير: لتنذر قومًا كإنذار آبائهم.\n* * *\nقوله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ (١٢»\nقال قتادة ومجاهد في قوله: (وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا) أي: أعمالهم، وقال مجاهد (وآثارهم) خطاهم إلى المساجد قال غيره (وآثارهم) ما أثروا من الآثار الصالحة أو غير الصالحة، فعُمل بها، فلهم أجر من عمل بها بعدهم، أو وزره وهو قول الفراء.","vol":"1","page":328},{"text":"و(الإمام) هاهنا الكتاب الذي تثبته الملائكة ﵈، وتكتب فيه أعمال العباد.\nوأجمع القراء على النصب في قوله (وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ) على إضمار فعلٍ، والمعنى: وأحصينا كُلّ شيء أحصيناه. قال الفراء: والرفع وجه جيد، قد سمعت ذلك من العرب.\n* * *\nقوله تعالى: (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ (٣٩»\nالعرجون: الكِباسة، وهو القنو أيضا، والقنا والعنكول والعثكال، والقديم: البالي.\nويُسأَل عن قوله (لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا)؟\nوفيه ثلاثة أجوبة:\nأحدها: أنها تجري لانتهاء أمرها عند انقضاء الدنيا.\nوالثاني: أنها تجري لوقت واحد لا تعدوه، وهو قول قتادة.\nوالثالث: أنها تجري إلى أبعد منازلها في الغروب.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-265>وقوله (لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ) </span>قيل معناه: حتى يكون نقصان ضوئها كنقصانه، وقال أبو صالح: لا يدرك أحدهما ضوء الآخر، وقيل: الشمس لا تدرك القمر في سرعة سيره، ولا الليل سابق النهار وكل على مقادير قدرها الله تعالى.","vol":"1","page":329},{"text":"والفلك: موضع النجوم من الهواء. وأصله: الاستدارة، ومنه قيل: فلكة المغزل، ويروى أنّ بعضهم قرأ (وَالشَّمْسُ تَجْرِي [لا مُسْتَقَرَّ لَهَا]) أي لا نهاية.\nوقرأ نافع وأبو عمرو وابن كثير (وَالْقَمَرُ قَدَّرْنَاهُ) بالرفع، وقرأ الباقون بالنصب، فمن رفع جعله مبتدأ، والخبر في قوله (قَدَّرْنَاهُ) وهذا كما تقول: زيد قام وعبد الله أكرمته، وأما النصب فعلى إضمار فعل يدل عليه (قَدَّرْنَاهُ)، كأنّه قال: وقدرنا القمر قَدَّرْنَاهُ منازل، ثم حذف الفعل الأول لدلالة الثاني عليه، كما تقول: زيد قام وعمرًا أكرمته، والنصب أجود من الرفع، لأنك تعطف فعلا على فعل. قال الربيع بن ضبع الفراري:\nأَصْبَحْتُ لَا أَحْمِلُ السلاحَ وَلَا ... أَملِكُ رأْسَ البعيرِ إِن نَفَرا\nوالذئبَ أَخْشاه إِن مَرَرْتُ بِهِ ... وَحْدِي وأَخْشَى الرياحَ والمَطَرا\nيريد: وأخشى الذئب أخشاه، وأما الرفع فهو عطف جملة على جملة وفي الكلام حذف، والتقدير: والقمرُ قدرناه ذا منازل، ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، ولا يجوز أن يكون بلا حذف؛ لأنّ القمر غير المنازل وإنما يجري في المنازل. ولا يجوز أن تنصب (منازل) على الظرف؛ لأنّه محدود والفعل لا يصل إلى المحدود إلا بحرف جر نحو: جلست في المسجد، ولا يجوز: جلست المسجد، وإنما يصل الفعل بغير حرف إلى الظرف المبهم نحو: أمام ووراء وفوق وتحت ويمنة ويسرة وما كان في معناها.","vol":"1","page":330},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-266>قوله تعالى: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١»</span>\nالصور: قرن من نور ينفخ فيه يوم القيامة. واشتقاقه من: صرت الشيء أصوره، أي: أملته وعطفته، كأنّه قال: يمل الناس إلى الحشر ويعطفهم.\nوقيل: الصور جمع صورة بمعنى الصور. والمعنى: ينفخ في صور بني آدم، وأصل الصورة أيضًا من الميل، لأنَّها تُمال إلدى هيأة من الهيئات.\nوالأجداث: القبور، واحدها: جدث، هذه لغة أهل العالية، وأهل السافلة يقولون \" جدف \"، والويل: بمعنى القبوح، هذا قول الأصمعي، وقال المفسرون: هو وادٍ في جهنم.\nوموضع قوله (في الصور) رفع، لأنّه مفعولٌ لم يسم فاعله لـ (نُفِخ)، كما تقول: جُلِس في المكان.\nويحتمل قوله (من مرقدنا) هذا وجهين:\nأحدهما: أن يكون \" هذا \" نعتًا للمرقد، فتبتدئ حينئذ (مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ).\nوالثاني: أن يكون الوقف على قوله (مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا)، وانقطع الكلام، ثم قالت الملائكة (هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ)، وفي حرف عبد الله (من أهَبنا من مرقدنا هذا)، وهو بمعنى البعث، والبعث: بمعنى الإيقاظ هاهنا. يقال: بعثت ناقتي فانبعثت، أي: أثرتها فثارت، وهبَّ من منامه وأهبَّه غيره. وانبعث من منامه وبعثه غيره.","vol":"1","page":331},{"text":"والنسول: الإسراع في الخروج، يقال: نسل ينسل نسولًا. قال الشاعر:\nعَسَلانَ الذئبِ أمسَى قارِبًا ... بَرَدَ الليلُ عليه فَنَسَلْ\nقال امرؤ القيس:\nوإنهْ تَكُ قَدْ سَاءَتْكِ مني خليقَةٌ ... فَسُلِّي ثيابي من ثيابِكِ تَنْسُلِ\nوقال قتادة في قوله (مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا) يعني بين النفختين.\nوقال ابن زيد: قوله (هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ) من قول الكافرين.\nوقال قتادة: هو من قول المؤمنين، والأوّل أعني: أنّه من قول الملائكة، قول الفراء.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-267>قوله تعالى: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢»</span>\nيقال: مَنْ المخاطب في قوله (كُنْ)؟\nوفيه ثلاثة أجوبة عن الزجاج:\nأحدها: أنّه لم يقع قول، وإنما هو إخبار لحدوث ما يريد، كأنّه في التقدير: إنما أمره إذا أراد شيئا أن يكونه فيكون، فعبر عن هذا المعنى بـ (كُنْ) لأنّه أبلغ فيما يراد.","vol":"1","page":332},{"text":"والثاني: أنّ المعنى: إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول من أجله (كن فيكون)، فالمخاطب في هذين الوجهين معدوم، وجاز أمر المعدوم لأنّ الآمر هو الموجد له.\nوالثالث: أنّ هذا إنما هو في التحويلات نحو قوله: (كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ) و(كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا) وما أشبه ذلك.\nولفظ الأمر في الكلام على عشرة أوجه:\nأحدها: الأمر لمن دونك، نحو قولك لغلامك: قم\nوالثاني: الندب، نحو قوله تعالى: (فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا).\nوالثالث: الإباحة، نحو قوله: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ).\nوالرابع: الدعاء، نحو قوله: (آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً)، ونحو قوله: (وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا).\nوالخامس: الرغبة، نحو قوله: ارفق بنفسك، أحسن إلى نفسك.\nوالسادس: الشفاعة، نحو قولك: هب لي ذنبه، شفعني فيه.\nوالسابع: التحويل، نحو قوله: (كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ) و(كُونُوا حِجَارَةً)\nوالثامن: التهديد، نحو: (اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ) (قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ).","vol":"1","page":333},{"text":"والتاسع: الاختراع والإحداث، نحو: (كُنْ فَيَكُونُ).\nوالعاشر: التعجب. نحو: (أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ).\nومن قرأ (فيكونَ) عطف على قوله (أنّ نقول لهُ) ولا يجوز أن يكون جوابًا لـ (كن)؛ لأنّ حق الجواب أن يكون مخالفًا لما هو جواب له: إما باختلاف اللفظ، أو باختلاف الفاعل، فاختلاف اللفظ نحو قولك: قم تُكرم، واخرج فيُحسن إليك، وأما اختلاف الفاعل فنحو قولك: قم أقم معك، واخرج أخرجُ معك، وقوله (كن فيكون) قد اتفق فيه الأمران: اتفاق اللفظ، واتفاق الفاعل، فصار بمنزلة قولك: قم تقم، وهذا لا فائدة فيه.\nفأما من رفع فعلى القطع، كأنّه قال: فهو يكون، والرفع أجود من النصب، قال علي بن عيسى: الأمر هاهنا أفخم من الفعل فجاء للتعظيم والتفخيم، قال: ويجوز أن يكون بمنزلة التسهيل والتهوين وأنشد:\nقَالَتْ لَهُ العَينَانِ سَمْعًا وَطَاعَةً ... وحدَّرتا كالدُّرِّ لمَّا يُثَقَّب\nوالملكوت والملك بمعنى واحد إلا أنّ الملكوتَ أكثر مبالغة.\n* * *\nَ","vol":"1","page":334},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-268>وَمِنْ سُورَةِ (الصَّافَّاتِ)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-269>قوله تعالى: (إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (٦)</span>\nالتزيين: التحسين، وحفظ الشيء: صونه، والمارد: الخارج إلى الفساد العاتي.\nواختلف القراء: فقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر وابن كثير (بِزِينَةِ الْكَوَاكِبِ) وقرأ عاصم من طريق أبي بكر (بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبَ) ينون (زِينَةٍ) وينصب (الْكَوَاكِبَ)، وقرأ حمزة وحفص عن عاصم (بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ) بالتنوبن وجر الكواكب.\nفمن أضاف ولم ينوّن جعل المصدر الذي هو (زِينَةٍ) مضافًا إلى الكواكب، وأما من نوّن ونصب (الكواكب) فإنه نصبها (بِزِينَةٍ)، كأنّه قال: ولقد زينا السماء الدنيا بأن زينا الكواكب، لأنّ تزيين الكواكب تزيين للسماء. ومن نوّن وجرّ جعل الكواكب بدلًا من (زِينَةٍ)، كأنّه قال: ولقد زينا السماء الدنيا بالكواكب، وهذا من بدل الشيء من الشيء الذي هو هو؛ لأنَّ الكواكب هي الزينة، ومثله (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ)، وأجاز الفراء الرفع في (الكواكب) مع تنوين (زينةٍ) على أن تكون (الكواكب) هي (الرينة) للسماء، قال: يريد زيناها بتزيينها الكواكب.","vol":"1","page":335},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-270>قوله تعالى: (قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (٥١)</span>\nالقرين والمقارن، والصاحب والصاحب ألفاظ متقاربة المعنى، والمدينون المجاوزون، والسواء: الوسط، سُمِّي سواء لاستواء المسافة منه إلى جميع جوانبه، قال ابن عباس: كان القرين رجلا من الناس، وقال مجاهد: كان شيطانًا.\nوروي عن أبي عمروٍ (هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونِ) بكسر النون، رواه حسين (فأطلِعَ) بقطع الألف، والنحويون لا يجيزون ذلك؛ لأنَّ الأسماء إذا أضيفت حذفت منها النون، فكان يجب أن يقال: هل أنتم مطلعي وإنما يقال (يطلعونِ) في (يطلعونني) بحذف إحدى النونين، كما قرأ نافع (فَبِمَ تُبَشًرُونِ)، فهذا يجوز في الفعل ولا يجوز في الاسم، وأنشد الفراء:\nوَمَا أَدْري وظني كلَّ ظَنِّ ... أَمُسْلِمُني إلى قومٍ شَرَاحٍ","vol":"1","page":336},{"text":"يعني: شراحيل، والمبرد يروي هذا البيت (يسلمُني).\nقال القراء في قوله (هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ) هذا الرجل من أهل الجنة كان له أخ من أهل الكفر وأحب أن يرى مكانه، فيأذن الله له، فيطلع إليه في النار ويخاطبه. فإذا رآه قال (وَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ) قال: وفي حرف عبد الله (لتغوين) ولولا رحمة رَبِّي (لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ) معك في النار.\nوالعامل في قوله: (أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا) مضمر، كأنّه قال: نُدان ونُجازى إنا لمدينون. ولا يجوز أن يعمل فيه (مدينون)، لأنّ الاستفهام لا يعمل ما بعده فيما قبله.\nويقال: مُتُّ ومِتُّ، وكان القياس أن يقول من يقول (مِتُّ) (أمُات) إلا أنّه جاء (فَعِل يفعُل) ومثله: دمتُ أدُوم وفَضِل يَفضُل، وقد حكى الكسائي: مِتّ تماتُ ودِمتَ تدامُ على القياس، كما تقول: خِفتُ أُخَافُ ونمِتُ أنامُ.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-271>قوله تعالى: (أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢»</span>\nالألف في قوله (أَذَلِكَ خَيْرٌ): ألف تبكيبٍ وتقريع، وشجرة الزقوم: هي الشجرة الملعونة في القرآن، وكانت فتنتهم بها أنّ أبا جهل قال: النار تأكل الشجر، فكيف ينبت فيها الشجر؟ - وللعلماء عن هذا جوابان:\nأحدهما: أنها شجرة من النار.\nوالثاني: أنها من جوهرٍ لا تأكله النار، وقد استقصيت شرح هذا فى سورة بني إسرائيل. وذكر ابن إسحاق أنّ أبا جهل لما سمع \" شجرة الزقوم \" قال: أتعلمون ما شجرة الزقوم؟ - قالوا: لا، قال؛ عجوة يثرب، بسمن الحجاز، والله لنتزقمهًا تزقمًا،","vol":"1","page":337},{"text":"فأنزل الله تعالى: (إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥).\n* * *\nفصل:\nومما يسأل عنه أن يقال: إنما يشبه الشيء بما يُعرف. ورؤوس الشياطين لا تُعرف. فكيف شبَّه طلع هذه الشجرة برؤوس الشياطين وهي لا تعرف؟\nوعن هذا ثلاثة أجوبة:\nأحدها: أنّ رؤوس الشياطين ثمرة شجرة يقال لها الأستن، وإياه عنى النابغة:\nتَحِيْدُ عن أَسْتَنٍ سُوْدٍ أسافِلُها ... مَشْي الإِماءِ الغوادي تَحْمِل الحُزَمَا\nوهذه الشجرة تشبه بني آدم، قال الأصمعي: ويقال له \" الصوم \"، وأنشد:\nموكّلٍ بشدُوف الصَوم يَرقبُهُ ... مِنَ المغاربُ مَهضُومُ الحشَانةِ\nيصف وعلًا يظن هذا الشجر قناصين فهو يرقبه.\nوالجواب الثاني: أنّ الشيطان جنس من الحيّات، أنشد الفراء:\nعَنجردٌ تَحلف حينَ أحلِفُ ... كمِثلِ شيطانِ الحَماطِ أعرفُ\nوأنشد المبرد:\nوفي البقل إن لم يدفع الله شَرَّهُ ... شياطينُ يَنْزُو بعضُهنّ إلى بَعضِ\nوالثالث: أنّ الله تعالى شنَّع صور الشياطين عند الناس، فاستقر في قلوبهم أنها شنعة، فشبّه طلع هذه الشجرة بما استقرت شناعته في القلوب، قال الراجز:","vol":"1","page":338},{"text":"أبصَرتُها تَلتهِم الثُعبانَا ... شَيطانةٌ تَزوجت شَيطانا\nوقال أبو النجم:\nالرأسُ قملٌ كلُّه وصِئبَانْ ... وليسَ في الرجلين إلا خيطانْ\nفهي التي يفزع منها الشيطان\nوقال امرؤ القيس:\nأَيَقْتُلُني والمَشْرَفِيُّ مُضاجِعي ... ومَسْنونةٌ زُرْقٌ كأَنيابِ أَغوالِ\nفشبه أسنته بأنياب الأغوال، ولا يقول أحد أنّه رأى الغول، ومن قاله من العرب فكاذب، نحو\nما يحكى عن تأبط شرًّا. هذا قول المحققين من أصحابنا.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-272>قوله تعالى: (فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٧) فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨»</span>\nقيل في قوله: (فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ) قولان:\nأحدهما: أنّ المعنى: أي شيء ظنكم به أسوأ ظنٍّ.\nوالثاني: فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ أنّه يصنع بكم.\nوقيل في قوله: (فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ) أقوال:\nأحدها: أنّ المعنى نظر في علم النجوم ليعلمهم أنّه يعلم من علمهم مثل ما يعلمون، فيكون","vol":"1","page":339},{"text":"إنكاره لعبادتهم الأصنام وقولهم بعلم النجوم على بصيرة، لئلا يحتجوا عليه بأنه لا يحسنها، وكان يقال \" من جهل شيئًا عاداه \"، فقال: إني سقيم، أي: سأسقم.\nوالثاني: أنّه نظر في نجوم الأرض، وهو جمع نجم وهو ما لم يقم على ساق فرآها تجف وتذوي، فقال: إني سقيم، أي: سأسقم وأذهب كما تذهب هذه النجوم.\nوقيل: فنظر نظرة في النجوم، أي: فيم ينجم له من الرأي، أي: يظهر، يقال نجم النبت إذا ظهر، فقال: إني سقيم.\nقال الفراء في قوله (إني سقيم) أي: مطعون، ويقال: إنها كلمة فيها معراض، أي: كل من كان في عنقه الموت فهو سقيم وإن لم يكن به حين قالها سقم ظاهر، قال: وهو وجه حسن.\nوروي عن يحيى بن المهلّب عن الحسن بن عمارة عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن أبي بن كعب في قوله تعالى: (لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ)، قال: لم ينسَ ولكنها من معاريض الكلام، وقد جاء عن عمر ﵁: (إن في المعاريض لما يغنيك عن الكذب).\nوقيل: كذب إبراهيم ﵇ ثلاث كذبات: قوله (إني سَقِيم) وقوله (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا)، وقوله في \" سارة \" هي أختي، وهذا على ما ذهب إليه الفراء من المعاريض: (إني سقيم) سأسقم، و(فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا) على طريق التبكيت لهم، وكأنه فعله لتعظيمهم إياه، وسارة أخته في الدين.\nوقيل: الكذب يجوز في المكيدة والتقية ومسرَّة الأهل بما لا يضر.","vol":"1","page":340},{"text":"قوله تعالى: (فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ (١٠٢»\nقوله: (مَاذَا تَرَى) من الرأي، أي: ما رأيك في ذلك. وقال الفراء المعنى: ماذا تُريني من رأيك أو ضميرك، و(رأى) في الكلام على خمسة أوجه:\n- بمعنى أبصر، نحو: رأيت\n- وبمعنى علم، نحو: رأيت زيدًا عالمًا\n- وبمعنى ظنَّ، نحو قوله (إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (٧)، فالأول بمعنى الظن، والثاني بمعنى العلم.\n- وبمعنى أعتقد، نحو قوله:\nوإنَّا لقَومٌ لا نَرَى القَتْلَ سبة ... إذا مَا رأتهُ عَامِر وسلولُ\n- وبمعنى الرأي، نحو قولك رأيت هذا الرأي.\nفأما \" رأيت في المنام \" فمن رؤية البصر، فلا يجوز أن تكون \" ترى \" هاهنا بمعنى تبصر؛ لأنَّه لم يشر إلى شيء يُبصر بالعين. ولا يجوز أن تكون بمعنى \" علم \" أو \" ظن \" أو \" اعتقد \"؛ لأنَّ هذه الأشياء تتعدى إلى مفعولين، وليس هاهنا إلا مفعول واحد، مع استحالة المعنى، فلم يبق إلا أن يكون من \" الرأي \" والمعنى: ماذا تراه.","vol":"1","page":341},{"text":"واختلف في جواب (لما):\nفقيل: هو محذوف، والمعنى: (فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ). فازا أو ظفرا بما أرادا.\nوقيل: \" الواو \" زائدة: والمعنى: فَلَمَّا أَسْلَمَا تَلَّهُ لِلْجَبِينِ.\nوالتل: الصرع.\nوقيل في معنى قوله: (بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ): أطاق أن يسعى معه، وهو قول مجاهد، وقال عبد الرحمن بن زيد: هو السعي في العبادة.\nوقيل: إنه أمر أن يقعد مقعد الذابح، وينتظر الأمر بإمضاء الذبح على ما رآه في منامه، ففعل، وقيل: إنه أمر على شرط التخلية والتمكين، فكان كما رُوي أنّه كلما اعتمد بالشفرة انقلبت، وجُعل على حلقِه صفيحة من نحاس، وقيل: بل ذبح، ووصل الله تعالى ما فراه بلا فصل.\nواختلف في الذبيح:\nفقيل: هو إسماعيل، وقيل: هو إسحاق، روى محمد بن خالد عن سلمة بن قتيبة عن مبارك عن الحسن عن الأحنف عن العباس بن عبد المطلب ﵁ أنّه قال: الذبيح إسحاق، وروى أبو الخطاب حدثنا أبو داودد عن زيد بن عطاء عن سماك بن حرب عن محمد بن المنتشر عن مسروق أنّه كان يقول: الذبيح إسحاق، وروى إسحاق بن إبراهيم الشهيدي عن يحيى بن اليمان عن إسرائيل عن نور عن مجاهد عن ابن عمر قال: الذبيح إسماعيل، وروى محمد بن عبيد حدثنا مسلم بن إبراهيم عن الحجاج بن الحجاج عن الفرزدق هيثم بن غالب قال: سمعت أبا هريرة على منبر النبي - ﷺ - يقول: الذبيح إسماعيل، والأوّل قول علي وابن مسعود والحسن وكعب الأحبار، والثاني قول محمد بن كعب وسعيد بن المسيب وابن عباس والحسن بخلاف.","vol":"1","page":342},{"text":"وقيل: كان الذبيح يومئذ ابن ثلاث عشرة سنة.\nوجاء عن النبي ﷺ أنّه قال (أنا ابن الذبيحين)، فهذا يدل على أنّ الذبيح (إسماعيل)، لأنّ النبي ﵇ من ولد إسماعيل، والذبيح الثاني (عبد الله) أب النبي ﷺ.\nحدثني أبي عن عمه حدثنا القاضي منذر بن سعيد حدثنا أبو النجم عصام بن منصور عن أبي بكر أحمد بن عبد الله البرقي عن أبي محمد عبد الملك بن هشام عن زياد بن عبد الله البكاي عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني يزيد بن أبي حبيب المصري عن يزيد بن عبد الله عن عبد الله بن دريد الغافقي قال: سمعت علي بن أبي طالب ﵁ يحدث، قال: كان عبد المطلب نائما في الحجر، فأتاه آت، فقال: احفر طيبة، قال عبد المطلب: وما طيبة؟ - قال: فذهب عني، قال عبد المطلب: فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه، فجاءني فقال: احفر برة، قلت،: وما برة؟ قال: فذهب عني، فلما كان من الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه، فجاءني فقال: احفر المضنونة، قلت: وما المضنونة؟ - قال: فذهب عني. فلمَّا كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت، فجاءني فقال احفر زمزم، قلت وما زمزم؟ - قال: لا ينُزف أبدا ولا يندم، وهي بين الفرث والدم عند نقرة الغراب الأعصم عند قرية النمل، قال: فلما بيّن له شأنها. وعرف موضعها، وعرف أنّه قد صُدق، غدا بمعوله ومعه ابنه الحارث، وليس له يومئذ ولد غيره، فَحفر فلمَّا بدا له الفيء كبَّر، فعرفت قريش أنّه قد أدرك حاجته، فقاموا إليه، فقالوا له: يا عبد المطلب، إنّها بئر أبينا إسماعيل. وإنّ لنا فيها حقا فأشركنا معك فيها، فقال: ما أنا بفاعل، إن هذا الأمر قد خصصت به دونكم وأعطيته من بينكم. قالوا له: فأنصفنا، فإنّا غير تاركيك حتى نخاصمك فيها. قال: فاجعلوا بيني وبينكم من شئتم أحاكمكم إليه، قالوا كاهنة بني سعد بن هذيم، قال: نعم، وكانت بأطراف الشام، فركب عبد المطلب ومعه نفر من بني أبيه من بني عبد مناف، وركب من كل قبيلة من قريش نفر والأرض إذ ذاك مفاوز، فخرجوا حتى إذا كانوا ببعض تلك المفاوز بين الحجاز والشام فني ماء عبد المطلب وأصحابه، فظمئوا حتى أيقنوا بالهلكة، فاستسقوا من معهم من قبائل قريش فأبوا عليهم، فقالوا إنا بمفاوز، ونحن نخشى على أنفسنا مثل ما أصابكم، فلما رأى عبد المطلب ذلك قال لأصحابه ماذا ترون؟ - قالوا: ما رأينا إلا تبع رأيك. فمُرنا بما شئت، قال: فإني أرى أن يحفر كل رجل منكم حفرته لنفسه بما بكم الآن في القرة، فكلما مات رجل دفنه أصحابه في حفرته، ثم واروه حتى يكون آخركم رجلًا، فضيعة رجلٍ واحد أيسر من ضيعة ركب، قالوا: نعم ما أمرت به، ففعلوا ثم قعدوا ينتظرون الموت عطشًا، ثم إنّ عبد المطلب قال لأصحابه:","vol":"1","page":343},{"text":"والله إنَّ إلقاءنا بأيدينا هكذا للموت لا نبتغي لأنفسنا فرجًا لعجز، فعسى الله أن يرزقنا ماء ببعض البلاد ارتحلوا، فارتحلوا حتى إذا فرغوا، وقبائل قريش ينظرون إليهم ماهم فاعلون، تقدم عبد المطلب إلى راحلته فركبها، فلما انبعثت به انفجرت من تحت خفها عين ماء عذب فكبَّر عبد المطلب وكبَّر أصحابه، ثم نزل فشرب وشربوا، واستقوا حتى ملأوا أسقيتهم ودعا عبد المطلب قبائل قريش فقال: هلم إلى الماء، فقد سقانا الله فاشربوا واستقوا. فشربوا واستقوا، ثم قالوا له: والله لقد قُضِي لك علينا يا عبد المطلب، والله لا نخاصمك في زمزم أبدًا، إنّ الذي سقاك هذا الماء بهذه الفلاة لهو سقاك زمزم فارجع إلى سقايتك راشدًا، فرجع ورجعوا، ولم يصلوا إلى الكاهنة، قال: وكان قد نذر حين لقي من قريش ما لقي (لئن وُلدِ له عشرة نفر ثم بلغوا معه حتى يمنعوه لينحرن أحدهم عند الكعبة) فلما وُلد له عشرة، وعلم أنّهم سيمنعونه، أحب أن يفي بنذره، فجمع بنيه وأخبرهم بذلك، ودعاهم إلى الوفاء لله تعالى. فأطاعوه، قالوا: كيف نصنع؟ - قال: ليأخذ كل رجل منكم قدحًا ثم يكتب عليه اسمه، ثم ائتوني، ففعلوا، وأتوه فدخل بهم على \" هبل \" في جوف الكعبة، وكان (عبد الله) أحب ولده إليه، فكان يرى أنّ السهم إذا أخطأه فقد أشوى، فلما أخذ صاحب القداحِ القداح ليضرب بها، قام عبد المطلب يدعو الله عند هبل، فضرب صاحب القداح، فخرج القدح على عبد الله. فأخذ عبد المطلب بيده وأخذ الشفرة، ثم أقبل إلى إسافٍ ونائله ليذبحه، فقامت إليه قريش من أنديتها، فقالوا ما تريد يا عبد المطلب؟ - قال: أذبحه، قالوا له: والله لا ندعك تذبحه، لئن فعلت لا يزال الرجل يأتي بابنه حتى يذبحه، فما بقاء للناس على هذا، وساعدهم بنوه، فقال له المغيرة بن عبد الله المخزومي: لا ندعك تذبحه حتى تعذر فيه، فإن كان فداء فديناه بأموالنا، وقالت له قريش: اذهب إلى عرَّافةٍ بالحجاز لها تابع، فسلها وأنت على رأس أمرك. فذهب وذهبوا معه إلى خيبر، فسألوا العرَّافة عن ذلك، فقالت: ارجعوا عني اليوم حتى يأتي تابعي فأسأله، فرجعوا، فلما كان من الغد، عادوا إليها. فقالت لهم: قد جاءني الخبر، كم الدية فيكم؟ - قالوا عشرة من الإبل، وكانت كذلك، قالت: فارجعوا إلى بلادكم ثم قربوا صاحبكم وقربوا عشرًا من الإبل، ثم اضربرًا عليه وعليها بالقداح فإن خرجت على صاحبكم فزيدوا من الإبل حتى يرضى ربكم. فإن خرجت على الإبل فانحروها عنه، فقد رضي ربكم ونجا صاحبكم، فرجعوا إلى مكة فلما أجمعوا على ذلك قام عبد المطلب يدعو الله، ثم قربوا عبد الله وعشرًا من الإبل، وعبد المطلب يدعو، فخرج القدح على عبد الله، فزاودوا عشرًا، وضربوا فخرج على عبد الله، فزاودوا عشرًا فخرج على عبد الله، فزادوا عشرًا فخرج على عبد الله. إلى أن بلغت مائة فخرجت على الإبل، فقالت قريش ومن حضر: قد انتهى، رضي ربك يا عبد المطلب فقال: لا والله، حتى أضرب عليها ثلاث مرات ففعل، تخرج في جميع ذلك على الإبل، فنُحرت وتُركت لا يصد عنها إنسان ولا سبع، فكان النبي - ﷺ -","vol":"1","page":344},{"text":"يقول (أنا ابن الذبيحين) فهذا يدل على أنّ الذبيح إسماعيل ﵇؛ لأنَّ النبي من ولده.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-274>قوله تعالى: (وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧»</span>\n(أو) هاهنا لأحد الأمرين على طريق الإبهام من المخبر، قال سيبويه: هي تخيير. كأنّ الرائي خُيِّر في أن يقول: هم مائة ألف أو يزيدون.\nوقال بعض الكوفيين: (أو) بمعنى (الواو) كأنّه قال: ويزيدون.\nوقال بعضهم: هي بمعنى (بل)، وهذان القولان عند العلماء غير مرضيين قال ابن جني: هي شك من الرائي.\nوأجود هذه الأقوال الأول والثاني.\n* * *","vol":"1","page":345},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-275>وَمِنْ سُورَةِ (ص)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-276>قوله تعالى: (ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١»</span>\nالذكر هاهنا: الشرف،: هو قول ابن عباس، كأنّه قال:: القرآن ذي الشرف، وقال الضحاك وقتادة: ذي الذكر: ذي التذكير.\nقال قتادة في قوله (فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ) أي: في حميةٍ وفراق، وقال عبد الرحمن بن زيد: الشقاق: الخلاف، وأصله من المشاقة وهو أن يصير كل واحد من الفريقين في شق، أي: في جانب، ومنه يقال: شق فلان العصا، إذا خالف.\nقال الفراء: أجمع القراء على إسكان (صاد) إلا الحسن فإنّه جرها بلا تنوين لاجتماع الساكنين، وشبهه بقولهم: خاز باز، وتركته في حيص بيص. وأنشد:\nلم يَلتَحِصني حَيصَ بَيصَ الحاصِي\nقال و(صاد) في معنى: وجب والله، نزل والله، حق والله، فهي جوابٌ لقوله (والقرآن) كما تقول: نزل والله.\nقال ابن عباس: هو اسم من أسماء الله تعالى. وقال السُّدِّي: هو من حروف المعجم، وقال الضحاك","vol":"1","page":346},{"text":"معناه: صدق الله، وقال قتادة: هو اسم من أسماء القرآن.\nواختُلف في كسر (الصاد): فقال الفراء: هو لالتقاء الساكنين، وقال غيره: هو أمرٌ من المصاداة، كأنّه قال: صادِ القرآن. أي: عارف بعملك وقابله، وهذا قول الحسن.\nوقرأ بعضهم (صَادَ) بالفتح، جعله اسمًا للسورة. ولم يصرفه للتعريف والتأنيث، ويجوز أن يكون موضع (صاد) في هذا الوجه نصبًا، كأنّه قال: اتلُ صادَ، ولو رفع لجاز علي تقدير: هذه صادُ، فأما من أسكن فيجوز أن يكون في موضع نصب على تقدير: اتلُ، وعلى تقدير حذف حرف القسم في مذهب من جعلها قسمًا، ويجوز أن يكون في موضع رفع على تقدير: هذه (ص)، في مذهب من جعلها اسما للسورة.\nواختلف في جواب القسم: فقال الفراء: جواب قوله (والقرآن) (صاد)، وقد تقدم ذكره، وقيل: جوابه محذوف. كأنّه قال: والقرآن ذي الذكر لقد جاء الحق وظهر الأمر، وقيل: الجواب ما كفى منه قوله (بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا) كأنّه قال: والقرآن ذي الذكر ما الأمر كما قالوا، وهو قول قتادة، وقيل: الجواب ما كفى منه قوله (كم أهلكنا) وهذا مروي عن الفراء مع قوله الأول، وقيل: الجواب في آخر السورة، وهو قوله (إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (٦٤»، إلا أنّه بُعد عن أول الكلام.","vol":"1","page":347},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-277>قوله تعالى: (إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (٣١»</span>\nالعرض: إظهار الشيء، يقال: عرضت عليه كذا وكذا.\nوالعشي: آخر النهار، وهو الأصيل أيضًا: العصر والقصر.\nوالصافنات: من الخيل. يقال: فرس صافن إذا قام على ثلاث وثنى سنبله، وهو جمع \" صافنة \"، وإنما يفعل ذلك الفرس؛ لأنّه يراوح، قال مجاهد الصفون: رفع إحدى يدي الفرس حتى تكون على طرف الحافر، وقال عبد الرحمن بن زيد: هو قيامه على ثلاث، قال الشاعر:\nأَلِفَ الصُّفُوْنَ فما يَزال كأنَّه ... مِمَّا يقومُ على الثلاثِ كَسِيْرا\nقال الفراء في حرف عبد الله (إذ عُرض عليهِ بالعَشِي الصوافِنُ) وهو بمنزلة الصافنات.\nوقرئ (إذ عُرض عليه بالعَشِي الصْافِيَاتُ) أي: المتخيّرة.\nوالجياد: جمع جواد، وياؤها منقلبة عن واو، وأصلها (جِواد).\nوالخير هاهنا: الخيل، وكان النبي ﵇ يسمي \" زيد الخيل \" \" زيد الخير \"، قال قتادة","vol":"1","page":348},{"text":"والسُّدِّي: الخير الخيل ها هنا.\nويقال: طفق يفعل كذا وكذا، وجعل يقول كذا وكذا، وأخذ يفعل. . كل ذلك بمعنى.\nوالكرسي: أصله من التكرس، وهو الاجتماع. ومنه قيل للجر \" كراسة \" لأنها مجتمعة.\nوالجسد هاهنا: شيطان، قال ابن عباس: اسمه (صخر)، وقال مجاهد: اسمه (آصف)،\nوقال السُّدِّي: اسمه (حبقيق).\nواختلف في قوله: (فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ):\nفقيل: كشف عراقيبها وضرب أعناقها، وقال: لا تشغلني عن عبادة ربي مرة أخرى، وهو قول الحسن.\nوقال ابن عباس: مسح أعرافها وعراقيبها حبالها.\nقال الزجاج: هذا لا يوجب ذنبًا، واستعظم ضرب أعناقها وكشف عراقيبها، وقال: لعله أوحي إليه بذلك، وأبيح له، لأنّ ضرب أعناق الخيل لا يوجبه تأخره عن الصلاة.\nقال الفراء في قوله (وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا) أي: صنمًا.\nوقيل: كان سليمان ﵇ يحب بعض ولده فجعله في السحاب خوفًا عليه، فعوقب بذلك وألقي جسد ولده ميتًا على كرسيه (١).\n_________\n(١) هذا الكلام وما شابهه من الإسرائيليات المنكرة. والله أعلم.","vol":"1","page":349},{"text":"قوله تعالى: (وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ (٣٤»\nأي: ابتليناه، وقيل: سُلب ملكه أربعين يومًا. وكان ملكه في خاتمه. فلما أخذه الشيطان رماه في البحر، فوجده سليمان بعد أربعين يومًا في بطن سمكة.\nوقيل: كان ذنبه أنّه وطئ في ليلة عددًا كثيرةً من جواريه حرصًا على كثرة الولد.\nوقيل: كان ذنبه أنّه وطئ امرأته في الحيض.\nوقيل: كانت له امرأة سباها من المغرب، وقتل أباها، فاتخذت صنمًا على صورة أبيها، فكانت تسجد له، وكان اتخاذها له بعلم سليمان، فعوقب على تمكينها من ذلك (١).\nقال الفراء في قوله: (حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ) يعني: الشمس، كان قد عرض هذا الخيل، وكان غنمها من جيش قاتله، فظفر به، فلما صلى الظهر دعا بها فلم يزل يعرضها حتى غابت الشمس، ولم يصل العصر، وكان مهيبًا لا يُبتدأ بشيء حتى يأمر به، فلم يذكر العصر، ولم يكن ذلك عن تخُّيرٍ منه، فلمَّا ذكرها قال: (إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ)؛ يقول: آثرت حُبَّ الخير: يعني الخيل، والعرب تقول للخيل خير.\nيروى عن علي بن أبي طالب ﵁ في قوله (عَنْ ذِكْرِ رَبِّي) أنّه قال: يعني صلاة العصر، وهو قول قتادة والسُّدِّي، قال الزجاج: أراها صلاةً كانت مفروضة عليه في ذلك الوقت؛ لأنّ صلاة العصر لم تفرض على غير نبينا ﵇.\nوأضمر (الشمس) في قوله (حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ) أي سترت، ولم يجرِ لها ذكر؛ لأنّه\n_________\n(١) يجب ألَّا يُلتفت إلى هذه الأساطير وتلك الأباطيل.","vol":"1","page":350},{"text":"شيء قد عُرف، كما قال تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) يعني: القرآن، ولم يجرِ له ذكر، وقال: (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ) يعني: الأرض، ولم يجرِ لها ذكر. هذا قول جميع النحويين.\nقال الزجاج: وما أراهم أعملوا الفكر في هذا؛ لأنّ في الكلام ما يقوم مقام ذكر الشمس، وهو قوله: (إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ) فالعثي يدل على معنى الشمس.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-279>قوله تعالى: (قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤»</span>\nقرأ حمزة وعاصم برفع الأول ونصب الثاني، وقرأ الباقون بنصبهما جميعا، وهي قراءة الحسن، والأولى قراءة الأعمش وابن عباس ومجاهد.\nفمن رفع الأول جعله خبر مبتدأ محذوف، كأنّه قال: أنا الحق، أي: ذو الحق والحقّ أقول. قال الفراء: هو مبتدأ والخبر محذوف، كأنّه قال: فالحقُّ مني، وذكر أنّ مجاهدًا قرأ (فَالْحَقُّ مني وَالْحَقَّ أَقُولُ). والأوّل معنى قول ابن عباس قال الفراء: وقد يكون رفعه على تأويل: الحق لأقومن، كما تقول: عزمة صادقة لآتينْك، لأنّ فيه تأويل: عزمة صادقة أنّ آتيك، قال: ومثله (ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ).","vol":"1","page":351},{"text":"ومن نصب فعلى تقدير: فَالْحَقَّ لأملأن، فينصب على المصدر، وإن كان فيه الألف واللام، لأنّه يؤدي عن قولك: حقًا لأملأن، ويكون قوله (وَالْحَقَّ أَقُولُ) اعتراضًا بين الكلامين.\nونصب (الحق) الثاني بـ (أَقُولُ) ويجوز رفعه على الابتداء. و(أَقُولُ) الخبر، و(الهاء) محذوفة؛ كأنّه قال: والحقُّ أقوله، كما قال امرؤ القيس:\nفَلما دَنَوتُ تسديتُها ... فثوبٌ نسيتَ وثوبًا أجُر\nيروى: فثوبٌ وثوبًا بالرفع والنصب، فالرفع على ما ذكر لك، والنصب على أنّه مفعول مقدم.\n* * *","vol":"1","page":352},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-280>وَمِنْ سُورَةِ (الزُّمَر)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-281>قوله تعالى: (وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ)</span>\nالأزواج: الأصناف. ويعني بالأنعام هاهنا: الإبل والبقر والضأن والمعز، من كل صنفٍ اثنين، وهو قول قتادة والضحاك ومجاهد.\nقال الحسن: أنزل لكم من الأنعام: جعل لكم.\nوقيل: أنزلها بعد أن خلقها في الجنة.\nوقيل: الظلمات الثلاث هاهنا: ظلمة ظهر الرجل، وظلمة البطن، وظلمة الرحم، وقيل: بل\nظلمة البطن، وظلمة الرحم، وظلمة المشيمة، وهذا قول ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك والسُّدِّي وعبد الرحمن بن زيد.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-282>قوله تعالى: (قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤»</span>\nالألف هاهنا: ألف إنكار.\nويسأل عن نصب قوله (أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي)؟","vol":"1","page":353},{"text":"وفيه جوابان:\nأحدهما: أن يكون منصوبًا ب (أَعْبُدُ)، كأنّه قال: أفغير الله أعبد، فيكون (تَأْمُرُونِّي) اعتراضًا. وحقيقته: أفغير الله أعبد فيما تأمرونني أيها الجاهلون.\nوالثاني: أن يكون التقدير: أتأمروني أعبد غير الله أيُّها الجاهلون، فلا يكون (تَأْمُرُونِّي) اعتراضًا،: لكن على التقديم: التأخير.\nويُسْأَل عن موضع (أَعْبُدُ) من الإعراب؟\nوفيه جوابان:\nأحدهما: أنّه لا موضع لها من الإعراب؛ وذلك إذا جعلت التقدير: أعبد غير الله فيما تأمروني أيها الجاهلون.\nوالثاني: أن يكون موضعه نصبًا على الحال. وذلك إذا لم تجعل (تَأْمُرُونِّي) اعتراضًا، فيكون التقدير: أتأمرونني عابدًا غير الله. فخرَّجه مخرج الحال، ومعناه: أنّ أعبد، على تقدير المصدر، والمصدر قد يأتي في موضع الحال، نحو قولك: جئته ركضًا ومشيًا وكلمته مشافهة وشفاهًا.\nوارتفع (أعبدُ) لأنك لما حذفت (أنْ) رجع الفعل إلى أصله، قال طرفة:\nأَلا أَيُّهَذا الزَّاجِرِي أَحْضُرُ الوغَى ... وأَن أَشْهَدَ اللَّذَّاتِ هَلْ أَنتَ مُخْلدي\nيريد: أنّ أحضر، فلما حذف (أنّ) ارتفع الفعل، ورواه بعضهم بالنصب على إضمار (أنْ)؛ لأنَّ الثانية تدل عليها.","vol":"1","page":354},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-283>قوله تعالى: (. . حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا)</span>\nيسأل عن دخول هذه (الواو) هاهنا. وعن جواب (إِذَا) من قوله (حَتَّى إِذَا)؟\nفذهب المبرد إلى أنّ (الواو) زائدة، والمعنى: حتى إذا جاءوها فُتِحت أبوابها. وكان يُنكر قول من يقول هي (واو الثمانية)، قال: لأنّ هذا غير معروفٍ في كلام العرب. وأنشد:\nفلمَّا أَجَزْنا ساحةَ الحيِّ وانتحى ... بنا بَطْنُ حِقْفٍ ذي قِفافٍ عَقَنْقَلِ\nقال: المعنى: فلما أجزنا ساحة الحي انتحى.\nقال ابن الرماني: جاءت (الواو) هاهنا للتصرف في الكلام. وقال أيضا: جاءت لتدل على\nأبواب الجنة الثمانية. وهو قول أكثر المفسرين.\nوأكثر النحويين يمنع ذلك.\nوالجواب على هذا محذوف، والتقدير: حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها وكان كيت وكيت فازوا ونالوا المنى وما أشبه ذلك، وهذا معنى قول الخليل؛ لأنَّه قال في بيت امرئ القيس الذي تقدم ذكره:\nالجواب محذوف، والتقدير: فلما أجزنا ساحة الحي خلونا ونعمنا، قال بعض الهذليين:\nحتَّى إِذَا أَسْلَكُوهم فِي قُتائِدةٍ، ... شَلًّا كَمَا تَطْردُ الجمَّالةُ الشُّرُدا\nفحذف جواب (إذا)؛ لأنَّ هذا البيت آخر القصيدة.","vol":"1","page":355},{"text":"وقيل: (الواو) واو الحال، دخلت لتدل على أنّهم إذا جاءوها وجدوا أبوابها مفتحة، فلم يعقهم عائق عن الدخول، وحُذِفت من الأول، كأن جهنم قد أغلقت، وأقيموا على أبوابها؛ لأنّه أشدّ لخوفهم وفزعهم؛ لأنَّ البلاء توقعه أشد من وقوعه.\n* * *","vol":"1","page":356},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-284>وَمِنْ سُورَةِ الْمُؤْمِنِ (غَافِرٍ)</span>\nقوله تعالى: (قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ (١١»\nيسأل: عن الإماتة الأولى، والإماتة الثانية، والإحياء الأول: الإحياء الثاني؟\nوفيه جوابان:\nأحدهما: أنَّ الإماتة الأولى إماتتهم عند خروجهم من الدنيا، والإحياء الأول إحياؤهم بمسألة منكر ونكير. والإماتة الثانية إماتتهم بعد المساءلة، والإحياء الثاني إحياؤهم للبعث يوم القيامة، هذا قول السُّدِّي.\nوالثاني: أنّ الإماتة الأولى كونهم نطفة، والإحياء الأول إحياؤهم في الدنيا، والإماتة الثانية إماتتهم عند خروجهم من الدنيا، والإحياء الثاني إحياؤهم يوم القيامة.\n* * *\nقوله تعالى: (وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ (٢٨»\nقيل: هذا المؤمن كان إسرائيليًا يكتم إيمانه من آل فرعون، وقيل: كان قبطيًا من آل فرعون.\nويُسأَل عن قوله: (أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ) ما علة دخول (أنّ) هاهنا، وما موضعها من الإعراب؟\nوالجواب: أنها دخلت لتدل على أنّ القتل إنما كان من أجل الإيمان، ولو حذفت لم يدل على هذا، وإنما يدل على قتل رجل مؤمن لا من أجل إيمانه، والتقدير: أتقتلون رجلًا من أجل أن يقول، أي: لأنّ يقول، وتلخيصه من أجل قوله، ولو حذفت (أنّ) كان التقدير: أتقتلون رجلًا قائلًا ربي الله؛ لأنّ (يقول) حينئذٍ نعتٌ لرجل، كما تقول: مررت برجل يأكل، أي: رجلٍ آكلٍ.","vol":"1","page":357},{"text":"وموضع (أنّ) نصب على المفعول له.\nوقوله: (يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ) روي عن الخليل أنّ (بعضًا) هاهنا زائدة، والمعنى: يصيبكم الذي يعدكم.\nقال بعض المفسرين: (بعض) هاهنا بمعنى: كل، وبه قال ابن قتيبة. وهذان القولان غير مرضيين عند العلماء؛ لأنّ (بعضًا) اسم ولا يصح زيادة الأسماء، وإنما يزاد الحرف في بعض المواضع، و(بعض) ضد كل، فلا يدل على ضدها؛ لأنّ المعاني إن فعل ذلك بها تشكل، قال ابن الرماني: إنما قال (يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ) على المظاهرة بالحجاج، أي: إنه يكفي بعضه فكيف جميعه، وقيل: بعضه في الدنيا، وقيل: كان يتوعدهم بأمور مختلفة، فخوفهم ببعض تلك الأمور.\n* * *","vol":"1","page":358},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-287>وَمِنْ سُورَةِ حم السَّجْدَة (فُصِّلَتْ)</span>\nقوله تعالى: (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا (١١»\nقد تقدم في سورة البقرة أنّ السماء قد تقع في معنى الجمع، وهي هاهنا كذلك؛ لقوله تعالى: (فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ) فرد الضمير على الجمع.\nجاء في التفسير: أنّه تعالى خلقها أولا دخانا، ثم نقلها إلى حال السماء من الكثافة والالتئام.\nوقوله: (ثم استوَى) معناه: قصد، وروي عن الحسن أنّه قال: ثم استوى أمره ولطفه إلى السماء. حدثنا أبو الحسن الحوفي عن أبي بكر الأدفوني حدثنا أبو جعفر أحمد بن محمد النحاس قال: قرئ على إسحاق بن إبراهيم عن هناد بن السري حدثنا أبو بكر بن عياش عن أبي سعيد بن المرزبان عن عكرمة عن ابن عباس قال هناد وقرأته أنا على أبي بكر: أنّ اليهود أتت النبي ﷺ فسألته عن خلق السماوات والأرض؟ - فقال: خلق الله تعالى الأرض يوم الأحد ويوم الإثنين وخلق الجبال وما فيهن يوم الثلاثاء وخلق الشجر والماء والمدائن والعمارات يوم الأربعاء فهذه أربعة أيام، فقال تعالى (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ)، ثم قال (فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ) ويقول: لمن سأل. وخلق يوم الخميس السماء وخلق يوم الجمعة النجوم والشمس والقمر والملائكة صلوات الله عليهم، إلى ثلاث ساعات بقيت منه، فخلق في أول ساعة من هذه الثلاث الآجال. وفي الثانية ألقى الآفة على كل شيء مما ينفع الناس، وفي الثالثة خلق آدم ﵇، وأسكنه الجنة وأمر الملائكة بالسجود له. وأخرجه منها في آخر ساعة.\nقالت اليهود: ثم ماذا يا محمد؟ قال: ثم استوى على العرش، قالوا: قد أصبت لو تَمَّمت ثم","vol":"1","page":359},{"text":"استراح يوم السبت. فغضب النبي - ﷺ - غضبًا شديدًا، فنزلت (وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨) فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ).\nقال أبو جعفر روي عن عطاء عن ابن عباس ﵁: أنّ الله تعالى خلق يومًا واحدًا فسماه (الأحد)، ثم خلق ثانيًا فسماه (الإثنين) ثم خلق ثالثًا فسماه (الثلاثاء) ثم خلق رابعًا فسماه (الأربعاء) ثم خلق خامسًا فسماه (الخميس) ثم جمع الخلق فسماه (يوم الجمعة).\nوروى عبد الله بن أبي رافع مولى أم سلمة عن أبي هريرة ﵁ أنّه قال: أخذ النبي صلى الله عليه بيدي فقال: (خلق الله التربة يوم السبت، وخلق الجبال فيها يوم الأحد، وخلق الشجر فيها يوم الإثنين، وخلق المكروه فيها يوم الثلاثاء، وخلق النور فيها يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم ﵇ بعد العصر في آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل).\nقال أبو جعفر: الحديثان ليسا بمتناقضين؛ لأنا إن عملنا على الحديث الأول فالخلق في ستة أيام، وليس في التنزيل أنّه لا يخلق بعدها شيئًا. فيكون هذا متناقضًا، وإن عملنا على الثاني فليس في التنزيل أنّه لم يخلق قبلها شيئًا.\nقال ابن عباس فيما روى عنه أبو مالك وأبو صالح: (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ) كان ذلك الدخان من تنفس الماء حين تنفس فجعله سماءً واحدةً ثم فتقها فجعلها سبع سماوات في يومين الخميس والجمعة.\nقال غيره: قد صح أنّ الله تعالى خلق السماوات والأرض في ستة أيام مقدار كل يوم ألف سنة من أيامِ الدنيا، فكان بين ابتدائه في خلق ذلك وخلق القلم الذي أمره بكتابة ما هو كائن إلى قيام الساعة يوم وهو ألف سنة، فصار ابتداء الخلق إلى الفراغ منه سبعة آلاف سنة.\nقال ابن عباس: إقامة الخلق في الأرض سبعة أيام، كما كان الخلق في سبعة أيام، ومدة الدنيا سبعة آلاف سنة.","vol":"1","page":360},{"text":"قال العلماء: نظير خلق الأرض في يومين. ثم لما فيها من تتمة أربعة أيام، قول القائل: خرجت من البصرة إلى بغداد في عشرة أيام ثم إلى الكوفة في خمسة عشر يومًا. أي في تتمة هذا العدد، ولا يريد أنّه سار من بغداد إلى الكوفة في خمسة عشر يومًا، وقد فسَّرنا هذا فيما تقدم بأشبع من هذا.\n* * *\nقوله تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٣٧»\nيُسأل عن الضمير في قوله تعالى (الذِى خَلقَهُن) علامَ يعود، وكيف جمع، وإنما تقدم ذكر الشمس والقمر؟\nوالجواب: أنّ الضمير يعود على الآيات، والمعنى: واسجدوا لله الذي خلقهن، أي: خلق الآيات، وليس يعود الضمير على الشمس والقمر فتجب تثنيته.\n* * *","vol":"1","page":361},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-290>وَمِنْ سُورَةِ حم عسق (الشُّورَى)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-291>قوله تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (٣٢)</span>\nالجواري: السفن، واحدها جارية.\nقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو (الجواري) بالياء في الوصل، ووقف ابن كثير وحده على الياء، وقرأ الباقون بحذف الياء في الوصل والوقف.\nفإثبات الياء هو الأصل في الوقف، وحذفها على التشبيه بحذفها مع التنوين؛ لأنّ التنوين وحرف التعريف يتعاقبان على الكلمة، فأعطي أحدهما حكم الآخر، فمن أثبتها في الوقف فعلى الأصل. ومن حذفها فعلى التشبيه بما وقف عليه من المنون.\nوالأعلام: الجبال، واحدها علم، قالت الخنساء.\nوإِنْ صَخرًا لتأتمّ الهداةُ بهِ ... كأنّه عَلمٌ فِي رَأسِهِ نارُ\nومعنى يظلن: يدمن ويقمن، يقال: ظل يفعل كذا وكذا. إذا فعله نهارًا، وبات يفعل كذا وكذا، إذا فعله ليلًا.\nوالرواكد: الثوابت، والإيباق: الإهلاك والإتلاف هذا قول ابن عباس ومجاهد والسُّدِّي.","vol":"1","page":362},{"text":"وقرأ نافع وابن عامر (وَيَعْلَمُ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا)\nبالرفع على القطع. وقرأ الباقون (وَيَعْلَمَ) بالنصب على إضمار (أنّ). والكوفيون يقولون: نصب على الصرف، وإنما أضمرت (أنّ) ليكون مع الفعل مصدرًا فيعطف على مصدر ما قبله، ومثله قول الشاعر:\nلَلُبْسُ عَباءةٍ وتَقَرَّ عَيْني ... أَحَبُّ إليَّ من لُبْسِ الشُّفوفِ\nأي: وأن تقرّ عيني، أضمر (أنّ) لأنّ في صدر الكلام مصدر: هو (لُبْس).\n* * *\nقوله تعالى: (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا (٥١»\nقال الفراء: هذا كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يرى في منامه، ويلهمه يعني \" الوحي \" قال: (مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ)، كما كلم موسى ﵇، (أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا) مثل ما كان من الملائكة التي تكلم الأنبياء ﵈.\nقال غيره: إرسال الرسول أحد أقسام الكلام، كما يقال: عتابك السيف، كأنّه قيل: إلا وحيا أو إرسالًا.\nوقيل المعنى؛ إلا أن، كما تقول: لألازمنَّك أو تقضيني حقي، فلا يكون الإرسال على هذا الوجه كلامًا.","vol":"1","page":363},{"text":"قرأ نافع وابن عامر (أَوْ يُرْسِلُ) بالرفع، وهو الوجه على تقدير: أو هو يرسلُ رسولًا. وقرأ الباقون بالنصب على إضمار (أنّ) كأنّه في التقدير: أو أن يرسلَ رسولًا، ولا يجوز أن يكون معطوفًا على (يُكَلِّمَهُ)؛ لأنّ المعنى يصير: وما كان لبشر أن يكلمه الله ولا كان أن يرسل رسولًا، وهذا إبطال النبوة.\n* * *","vol":"1","page":364},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-293>وَمِنْ سُورَةِ (الزُّخْرُف)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-294>قوله تعالى: (وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١)</span>\nالقريتان هاهنا: مكة والطائف، ويعني بالرجل هاهنا: الوليد بن المغيرة القرشي أو حبيب بن عمرو الثقفي. وهو قول ابن عباس، وقال مجاهد يعني بالرجلين عتبة بن ربيعة من أهل مكة وابن عبد ياليل من أهل الطائف، وقال قتادة: يعني من أهل مكة \" الوليد بن المغيرة \" ومن أهل الطائف \" عروة بن مسعود الثقفي \" وقيل: يعني بالذي من الطائف \" كنانة بن عمرو \"، وهو قول السُّدِّي.\nوفي الكلام حذف، والتقدير: لولا أنزل هذا القرآن على أحد رجلين من القريتين عظيم، ولا يجوز أن يكون على غير حذف؛ لأنّ رجلا لا يكون من قريتين، وقيل التقدير: لولا أنزل هذا القرآن على رجل من رجلين من القرية، ثم حذف؛ لأنَّ المعنى مفهوم.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-295>قوله تعالى: (وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)</span>\nالأصل في \" سل \": \" اسأل \" فألقيت حركة الهمزة على السين، وانفتحت السين، فاستغني عن همزة الوصل فبقي \" سل \"، ومن العرب من يقول \" اسأل \" على الأصل، ومنهم من ينقل الحركة إلى السين وشرك همزة الوصل على حالها فيقول \" اسَال \" ومثله في أنّ همزة الوصل دخلت على متحرك \" الحَمْرُ \" وليس لهما نظير إلا إذا سميت رجلًا بالباء من قولك \" اضرب \" فإنك تقول هذا \" إبٌ \" وهو مذهب الخليل، وقال غيره \" رِبٌ \".\nومما يسأل عنه أن يقال: من الذي أمر أن يسألهم؟","vol":"1","page":365},{"text":"وفيه جوابان:\nأحدهما: قال الضحاك وقتادة يعني به: أهل الكتابين.\nوالثاني: أنّه يعني به: الأنبياء ﵈ حين جُمِعوا له ليلة الإسراء، وهو قول عبد الرحمن بن زيد.\nوفي الكلام على الوجه الأول حذف، والتقدير: وسل أمم من أرسلنا من قبلك، وهو كقوله \" وسَل القرية \"، وقيل: سلهم وإن كانوا كفارًا فإن تواتر خبرهم تقوم به الحجة.\nوالآلهة: جمع إله، مثل: إزار وآزرة، وكان المشركون يعظمون الأصنام تعظيم ملوك بني آدم، وكان ذلك التعظيم كالعبادة لها، والمشركون مع ذلك مُقرون أنَّ الله تعالى هو خالقهم ورازقهم، ويدل عليه قوله تعالى: (لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-296>قوله تعالى: (قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (٨١)</span>\nفي (إنْ) هاهنا وجهان:\nأحدهما: أن يكون نفيًا، كأنّه قال: ما كان للرحمن ولد. ومثله قوله: (وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ) أي: في الذي ما مكناكم.\nوالوجه الثاني: أنها شرط، والتقدير: (قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ) على زعمكم فأنا أول العابدين.\nوقيل في العابدين ثلاثة أقوال:","vol":"1","page":366},{"text":"أحدها: أنّه من العبادة كأنّه قال: فأنا أول من يعبده على أنّ لا ولد له؛ لأنَّ من جعل له ولدًا لم يعبده حق العبادة، هذا قول المبرد.\nوالثاني: أن \" عابدين \" هاهنا بمعنى \" جاحدين \"، والمعنى: أنّه لا ولد له على الحقيقة، وإذا كان كذلك وجب أن يُجحد ادعاء من ادعاه وينكر ولا يعتقد.\nوالثالث: أنّ معنى عابدين هاهنا بمعنى الآنفين، يقال عبدت من كذا أعبد عبدًا، قال الشاعر:\nأُلا هَزِئتْ أم الوَليدِ وَأصبحت ... لما أبصَرتْ في الرأسِ مني تَعبدُ\nوقال الفرزدق:\nأُولَئِكَ قومي إن هجَوني هَجَوتُهم ... وَأُعبدُ أنْ يُهجا كُليبَ بِدارِمِ\nقال مجاهد المعنى: قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين لله في تكذيبكم، وقال عبد الرحمن ابن زيد وقتادة المعنى: قل ما كان للرحمن ولد، وروي عن ابن عباس فيما روى السُّدِّي أنّ المعنى: قل لو كان للرحمن ولد لكنت أول من عبده بأنّ له ولدا. ولكن لا ولد له.\nوالرحمن: اسمٌ ممنوع، ومعنى ممنوع: أنّه لا يُسمى به غير الله تعالى، وقيل: إنَّ الجاهلية لم تكن تعرفه. فلمَّا نزل قالوا: لا نعرف هذا الاسم، وقيل: إنه لما نزل قالوا: لا نعرف (الرحمن) إلا هذا الذي باليمامة، وقد جاء في الشعر الجاهلي، قال الشاعر وهو \" سلامة بن جندل \":\nعَجِلتُم عَلينا حُجتينِ عليكُمُ ... وَمَا يشأ الرحمنُ يُعقَدِ ويُطلقِ","vol":"1","page":367},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-297>قوله تعالى: (وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٥) وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٨٦) </span>وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٨٧) وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ (٨٨»\nالساعة هاهنا: القيامة.\nومعنى (إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ) أي: إلا من شهد بأنّه أهل العفو عنه.\nومعنى قوله (الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ) أي: يدعون إلهًا، إلا أنّه حذف.\nقرأ عاصم (وَقِيلِهِ يَا رَبِّ) وكذلك قرأ حمزة، وهي قراءة السُّلمي وبعض أصحاب عبد الله بن مسعود، وقرأ أهل المدينة (وقِيلَهُ) بالنصب، وهي قراءة الحسن أيضًا، وروي عن الأعمش أو غيره (وقيلُهُ) بالرفع.\nفمن جرّ عطفه على \" الساعةِ \" كأنّه قال: وعنده علم الساعة وعلم قِيلِهِ يَا رَبِّ، وقيل: ويجوز أن يكون معطوفًا على \" الْحَقِّ \" من قوله: (إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ) (وَقِيلِهِ).\nومن نصب أضمر فعلًا تقديره: ويعلم قِيلَهَ يا رب. وهو اختيار أبي إسحاق، وقال الفراء: كأنّه قال: وشكى شكواه إلى ربه، قال: وهي فى إحدى القراءتين، قال: ويجوز نصبه على قوله: (نَسْمَعُ سِرَّهُمْ) (وَقِيلَهُ)، وقال الرماني التقدير: إلا من شهد بالحق وقال قِيلَهُ يا رب إنَّ هَؤُلَاءِ قوم لا يؤمنون، على جهة الإنكار عليهم، ويجوز أن يكون معطوفًا على موضع الساعة؛ لأنّ معنى قوله (وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ)، وَيَعلمُ السَاعةَ، والساعة مفعولة وليست ظرفًا؛ لأنّ الله تعالى لا يعلم في ساعة دون ساعة تعالى عن ذلك.","vol":"1","page":368},{"text":"وأما الرفع فعلى أنّه معطوف على (علم الساعة) والمعنى: وعنده علمُ الساعة وقيلُه، أي: وعنده قيلُه.\nقال مجاهد: ولا تشفع الملائكة وعيسى وعزير ﵈ إلا من شهد بالحق، وهو يعلم الحق، وقال قتادة: إلا من شهد بالحق الملائكة وعيسى وعزير عند الله شهادةً بالحق.\n* * *","vol":"1","page":369},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-298>وَمِنْ سُورَةِ (الدُّخَان)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-299>قوله تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤)</span>\nأي: أنزلنا القرآن، والليلة المباركة: ليلة القدر، وهو قول قتادة وعبد الرحمن بن زيد، قالوا: أُنزل القرآن جملةً واحدةً إلى بيت العزة في السماء الدنيا، ثم نزل على النبي ﷺ نجومًا في نيْفٍ وعشرين سنة، وقال عكرمة: الليلة المباركة: ليلة النصف من شعبان، وقيل: الليلة المباركة: في جميع شهر رمضان؛ تقسم فيها الآجال والأرزاق وغيرهما من الألطاف، وهو قول الحسن.\nوسميت \" مباركة \" لأنها يقسم فيها أرزاق العباد من السنة إلى السنة. وقيل في (أنزلناه) أي: ابتدأنا إنزاله.\nويُسأَل عن نصب قوله (أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا)؟\nوفيه وجهان:\nأحدهما: أن يكون مصدرًا، أي: أمرُنا أمرًا؛ لأنّ معنى (فِيهَا يُفْرَقُ) كمعنى (فيها يؤمر) فدل يُفْرَقُ على يؤمر.\nوالقول الثاني: أنّه منصوب على الحال على أحد وجهين: إما أن يكون على تقدير: ذا أمر، ثم حذف، كما قال (ولكنَّ البِرّ). أو يكون وضع المصدر موضع الحال كما يقال: جاء مشيًا وركضًا،","vol":"1","page":370},{"text":"أي: ماشيًا وراكضًا.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-300>قوله تعالى: (فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ (٢٩»</span>\nيقال ما معنى (فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ)؟\nوفيه ثلاثة أجوبة:\nأحدها: أنّ المعنى: أهل السماء والأرض؛ لأنهم يسخط الله تعالى عليهم في مكان خزي.\nوالثاني: أنّ المعنى: لو كانت السماء والأرض ممن يبكي على أحدٍ لم تبكِ على هَؤُلَاءِ؛ لأنَّهم عصاة مجرمون.\nوالثالث: أنّ المعنى: أنّه لم تبكِ عليهم كما تبكي على المؤمن إذا مات مصلاهُ ومصعدُ عمله، وهذا قول ابن عباس وسعيد بن جبير، والأوّل قول الحسن.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-301>قوله تعالى: (ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩»</span>\nيسأل عن معنى (الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ) هاهنا؟\nوفيه جوابان:\nأحدهما: أن يكون على طريق النقيض، المعنى: ذق إنك أنت الذليل المهين، إلا أنّه جاء على جهة الاستخفاف، وهذا في الكلام مستعمل يقول الرجل للرجل يستجهله ويستحمقه: ما أنت إلا عاقل.","vol":"1","page":371},{"text":"والثاني: ذق العذاب إنك أنت العزيز في قومك الكريم عليهم، وما أغنى عنك ذلك شيئًا.\nقال قتادة: نزلت في أبي جهل، وذلك أنّه كان يقول: أنا أعز مَن بها وأكرم، فقيل له: أأنت الذي كنت تقول ذلك في قومك وتطلب العزَّ والكرم بمعصية الله، ذق هذا العذاب.\nومما جاء على طريق النقيض قوله تعالى: (إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ) قيل معناه: أنت السفيه الغوي؛ لأنهم إنما قالوا ذلك على طريق الاستخفاف به. قال الحسن المعنى: ذق إنك أنت العزيز الكريم عند نفسك، والمعني به أبو جهل.\nويجوز في قوله (أنت) وجهان:\nأحدهما: أن يكون توكيدًا للكاف. و(العزيز) خبر (إنّ).\nوالثاني: أن يكون (أنت) مبتدأ، و(العزيز) خبره، والجملة خبر (إنَّ).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-302>قوله تعالى: (لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٥٦»</span>\nيقال: لم استثنى هاهنا الموتة الأولى، وهي قد انقضت؟\nوالجواب: أنّه استثنى من غير الجنس، والتقدير على مذهب سيبويه: لكن الموتة الأولى، ومثله: ما زاد إلا ما نقص، أي: لكن نقص.\nقال الفراء: \" إلا \" هاهنا بمعنى \" سوى \" والتقدير: سوى الموتةِ الأولى، ومثله:","vol":"1","page":372},{"text":"(وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ).\nوقال غيره: \" إلا \" بمعنى \" بعد \" والتقدير: بعد الموتة الأولى، وإنما جاز أن تقع \" إلا \" موقع \" بعد \"؛ لأنَّ \" إلا \" لإخراج بعضٍ من كل، و\" بعد \" لإخراج الثاني عن الوقت الأول.\nوالموتة: المرة الواحدة من الموت، والميتة الموت. والميتة - بفتح الميم - الميتة، وكثير من المحدثين يغلط في مثل هذا فيقول في (البحر): هو الطهور ماؤه والحل ميتته - بكسر الميم - والصواب فتحها.\n* * *","vol":"1","page":373},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-303>وَمِنْ سُورَةِ (الْجَاثِيةِ)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-304>قوله تعالى: (إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (٣) وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٤) </span>وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٥)\nيقال: ما الآيات في السماء والأرض؟\nوالجواب: الدلائل، وهي من وجوهٍ كثيرة:\nمنها - أنّه يدل خلقها على خالقٍ لها؛ لأنَّه لا يكون بناء بغير بانٍ.\nومنها - أنها أعظم الخلق.\nومنها - أنها محكمة على اتساقٍ ونظامٍ، وهذا يدل على أنّ صانعها واحدٍ، وعلى أنّه قديم؛ لأنَّه صانع غير مصنوع.\nومنها - أنها ممسكة مع عظمها وثقل جرمها بغير عمد. . . إلى أشباه ذلك\nويسأل: عن الآيات في خلق الإنسان؟\nوالجواب: أنها من وجوه:\nمنها - خلق الإنسان على ما هو به من وضع كل شيء في موضعه لا يصلح له، وذلك يقتضي أنّ الصانع عالم بموضع المصلحة.\nومنها - جعل الحواس الخمس على الهيئة التي تصلح لها.\nومنها - آلة مطعمه ومشربه، ومآل ذلك، كل هذا في تدبيرٍ محكم.","vol":"1","page":374},{"text":"قرأ الكسائي وحمزة (آياتٍ) بالكسر، وقرأ الباقون بالرفع في الثانية والثالثة،\nفمن كسر\n(التاء) جعل (الآيات) في موضع نصب على التكرير للتوكيد، والعرب تؤكد بتكرير اللفظ (، نحو قولك: رأيت زيدًا زيدًا، ومثله قول الراجز:\nلقَائِل يَا نَصْر نَصرًا نَصرَا\nهذا مذهب حذاق النحويين، وقال الأخفش: هو عطف على عاملين. كأنّه قال: إنَّ في السماوات والأرض لآيات وفى خلقكم آياتٍ، فعطف على (إن) و(في) وأنشد:\nسَألتُ الفَتَى المكيّ ذا العلم ... ما الذي يحلُّ مِنَ التَّقبيلِ في رَمضَانِ\nفقالَ ليَ المكيُّ أمَّا لزوجةٍ ... فسبعَ وأمَّا خُلةٍ فثمانِ\nفعطف (خلةً) على زوجةٍ، و(ثمانيًا) على سبع. وأنشد سيبويه:\nأكلَّ امرئ تحسبين امرأً ... ونارٍ توقَّدُ بالليل نارًا\nفعطف (نارًا) الأولى على (امرئٍ) الأول، وعطف (نارًا) الثانية على (امرئٍ) الثاني، ومثل ذلك:\nهَوَنْ عَليكَ فَإن الأمورَ ... بكفّ الإلهِ مَقَادِيرها\nفَليسَ بآتيكَ منهيُّها ... ولا قاصرٌ عَنْكَ مأمُورُها","vol":"1","page":375},{"text":"والعطف على عاملين عند البصريين لا يجوز؛ لا تقول: في الدار زيد، والسوق عمرو، وأنت تريد: وفي السوق عمرو؛ لأنّ حرف الجرّ ضعيف، فلا يعمل بعد الفصل بالأجنبي.\nوأما من رفع فإنّه جعل (الآيات) الثانية رفعًا بالابتداء والخبر المجرور الذي هو (وَفِي خَلْقِكُمْ)، وجعل (الآيات) الثالثة تكريرًا للثانية، قال الفراء: العرب تقول: إنّ لي عليك مالًا وعلى أخيك مالٌ كثير، فينصبون الثاني ويرفعونها وأجاز الفراء رفع (الآيات) وفيها \" اللام \" وأنشد قال: أنشدنا الكسائي:\nإن الخِلافَةَ بَعدَهُم لذَمِيمَةً ... وَخَلائفَ طرف لما أحقرُ\nوذكر أنَّ أبيًّا قرأ (وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ لَآيَاتٌ)، وكذلك في الثالثة. وأجاز الكسائي: في الدار لزيدٌ، والبصريون لا يجيزون ذلك.\n* * *","vol":"1","page":376},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-305>وَمِنْ سُورَةِ (الْأَحْقَافِ)</span>\nقوله تعالى: (فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا (٢٤»\nالعارض: الدفعة من المطر هاهنا، وأصل العارض: الماء ولا يلبث. ومنه قيل: الدنيا عرضٌ، ولذلك قالوا لخلاف الجوهر عرض؛ لقلة بقائه. وقيل: سمي السحاب عارضًا لأخذه في عرض السماء قال الأعشى:\nيَا مَن يَرَى عَارِضًا قَد بتُّ أرقُبُهُ ... كأنَّمَا البَرقُ في حَافَاتهِ الشُّعَلُ\nوالضمير يعود على العذاب، أي: فلمّا رأوا العذاب الذي تقدم ذكره معترضًا مستقبل أوديتهم ظنّوه مطرًا.\nوقوله: (مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ) نكرة، وإن كان بلفظ المعرفة؛ لأنَّ الانفصال مقدّرٌ فيه، والمعنى: فلمَّا رأوه مستقبلًا أوديتهم. وكذلك، (ممطرنا) إنما معناه: ممطر لنا، واسم الفاعل إذا كان بمعنى الحال والاستقبال كان الانفصال مقدرًا فيه، نحو قولك: هذا ضاربُ زيد غدًا، وشاتم عمر الساعة، والمعنى سيضربه وهو يشتمه، وعليه قوله تعالى: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ)، وقوله: (هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ)، قال جرير:","vol":"1","page":377},{"text":"يَا رُبَّ غَابِطنَا لو كانَ يطلبُكُم ... لاقَى مُبَاعَدَةً مِنكُم وحِرمانا\nيريد: يا رب غابط لنا؛ لأنَّ (رُبَّ) لا تدخل على معرفة، وإنما تدخل على النكرة وكذلك (كل).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-307>قوله تعالى: (وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩»</span>\nيسأل: عن معنى (وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا)؟\nوفيه جوابان:\nأحدهما: أنّ المعنى: صرفناهم بالرجم بالشهب، فقالوا إنّ هذا لأمرٍ كبيرٍ، هذا قول ابن عباس وسعيد بن جبير.\nوالثاني: أنّ المعنى عدلنا بهم إليك.\nوقيل: صُرفوا بالتوفيق.\nقال ابن عباس: كانوا سبعة نفرٍ، وقال ذرٌّ بن حبيش: كانوا تسعة نفر.\nقال ابن عباس: كانوا من أهل نصيبين، وقال قتادة: صرفوا إليه من (نينوى) وهي مدينة يونس ﵇.\n* * *","vol":"1","page":378},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-308>وَمِنْ سُورَةِ (مُحَمَّدٍ) ﷺ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-309>قوله تعالى: (وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (٦»</span>\nيُسأل عن معنى (عَرَّفَهَا لَهُمْ)؟\nوفيه جوابان:\nأحدهما: أنّه تعالى عرَّفها لهم. فوصفها على ما يشوق إليهات ليعلموا ما يستوجبون بأعمالهم من الثواب، وما يحرمون بارتكاب المعاصي.\nوالثاني: أنَّ المعنى: طيَّبها لهم بضروب الملاذ من (العَرْف) والعَرْف: الرائحة الطيبة التي تتقبلها النفس تقبل ما تعرفه ولا تنكره.\nوقيل: طبقات الجنة أربع: طبقة نعيم وهي أعلاها، وهي طبقة النبيين، ثم طبقة نعيم للمؤمنين المجاوزين بأعمالهم، ثم طبقة نعيم للمعوضين من غيرهم، ثم طبقة نعيم للمنتدين بالتفضل عليهم. وللطبقات تفاوت، والمراتب لا تتفاوت. كما قال تعالى: (لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ)، وقال: (أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-310>قوله تعالى: (فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ (١٨»</span>\nيسأل عن موضع (ذكراهم) من الإعراب؟","vol":"1","page":379},{"text":"والجواب: أنّ موضعها رفع، والتقدير: فَأَنَّى لهم ذكراهم إذا جاءتهم الساعة.\nوأنى: بمعنى \" من أين لهم \" ومثل (فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ) قوله تعالى: (يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى)، أي: ليس ينفعه ذكره ولا ندامته.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-311>قوله تعالى: (طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ)</span>\nيسأل عن معنى قوله: (طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ)، وبمَ ارتفع؟\nوفيه وجهان:\nأحدهما: أن يكون المعنى: قولوا أمرنا طاعةٌ وقولٌ معروف، قال مجاهد: أمر الله تعالى بذلك المنافقين، وقال غيره: هو حكاية عنهم يقولون: طاعة وقول معروف قبل فرض الجهاد؛ لأنَّ نقيضه قوله (فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ).\nوالثاني: أنّ المعنى طاعة وقول معروف أمثل وأليق من أحوال هؤلاء المنافقين.\nوقيل: المعنى: طاعة وقول معروف خير لهم من جزعهم عند نزول فرض الجهاد وهو قول الحسن.\nو(طَاعَةٌ) على القول الأول خبر مبتدأ محذوف. وعلى القول الثاني مبتدأ محذوف الخبر.\n* * *","vol":"1","page":380},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-312>وَمِنْ سُورَةِ (الْفَتْحِ)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-313>قوله تعالى: (وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ)</span>\nقال قتادة: لولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات بمكة.\nقال ابن زيد: المعرّة: الإثم، وقال: ابن إسحاق: غُرم الدية وكفارة قتل الخطأ عتق رقبة مؤمنة، ومن لم يطق فصيام شهرين، قال: وهي كفارة الخطأ في الحرب، قال الفراء: كان بمكة مسلمون من الرجال والنساء فقال الله تعالى: لولا أن تقتلوهم وأنتم لا تعرفونهم فتصييكم منهم معرة، يعني: الدية، ثم قال (لَوْ تَزَيَّلُوا) أي: لو خلص الكفار من المؤمنين لأنزل الله بهم القتل والعذاب.\nومما يسأل عنه أن يقال: ما موضع قوله تعالى: (أَنْ تَطَئُوهُمْ)؟\nوفيه جوابان:\nأحدهما: أنّ موضع (أنّ) رفع على البدل من رجال في قوله (وَلَوْلَا رِجَالٌ) والتقدير: ولولا وطئ رجالٍ ونساء، أي: قتلهم، وهو بدل الاشتمال، ومثله: نفعني عبدُ الله علمُه، وأعجبتني الجاريةُ حسنُها، ومثله (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ)، ومثل ذلك قول الأعشى:","vol":"1","page":381},{"text":"لقد كَان في حَولٍ ثَواءٍ ثَوَيتُه ... تُقَضي لبانات ويسأم سائمُ\nأي: في ثواء حولٍ.\nوالثاني: أن يكون موضعها نصبًا على البدل من (الهاء والميم) في (تعلموهم)، والتقدير: ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموا أن تطؤوهم، أي: لم تعلموا وطأهم، وهو بدل الاشتمال أيضًا.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-314>قوله تعالى: (لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ)</span>\nيسأل عن الاستثناء في قوله (إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ) كذا يسميه المفسرون والفقهاء، وهو في الحقيقة شرط؟\nوفيه أجوبة:\nأحدها: أنّه تأديبٌ من الله تعالى ليتأدب الخلق بذلك، فيقولوا: سأفعل ذلك إن شاء الله.\nوالثاني: أنّه تقييدٌ لدخول الجميع أو البعض، وهو قول علي بن عيسى.\nوالثالث: أنّه على التقديم والتأخير، والمعنى: لتدخلن المسجد الحرام آمنين إن شاء الله، والاستثناء واقعٌ على دخولهم آمنين.\nفهذه ثلاثة أقوالٍ للبصريين، وقال بعض الكوفيين (إنْ) بمعنى (إذ) والمعنى: إذ شاء الله،","vol":"1","page":382},{"text":"ولا يجوز هذا عند أهل البصرة.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-315>قوله تعالى (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا </span>سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى (٢٩»\nالشطأ: فراخ الزرع التي تخرج من جوانبه، ومنه شاطئ النهر، أي جانبه، وأشطأ الزرع فهو مشطئٌ.\nوآزره: عاونه، واستغلظ: طلب الغِلْظ، والسوق: جمع ساق، وساق الشجرة حاملتها.\nوقيل (سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ): علامة نورٍ تُجعل في وجوههم يوم القيامة، وهو قول ابن عباس والحسن وعطية. وقال مجاهد: علامتهم في الدنيا من أثر الخشوع.\n* * *\nفصل:\nومما يسأل عنه أن يقال ما معنى قوله: (ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ)؟\nوفيه جوابان:\nأحدهما: أنّ هذه الصفات التي تقدمت مثلهم في التوراة، تم الكلام، ثم قال: ومثلهم في الإنجيل كزرع من صفته كيت وكيت.","vol":"1","page":383},{"text":"والثاني: أنّ المعنى: أنّ صفته في التوراة: الإنجيل الصفة التي تقدمت.\nفعلى القول الأول يكون الوقف على (التوراة)، وعلى القول الثاني يكون الوقف على (الإنجيل)، والإشارة بذلك إلى الوصف المتقدم ذكره.\n* * *","vol":"1","page":384},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-316>وَمِنْ سُورَةِ (الْحُجُرَاتِ)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-317>قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٤»</span>\nجاء في التفسير: أنّ أعرابًا جفاةً جاءوا، فجعلوا ينادون من وراء الحجرات: يا محمد، اُخرج إلينا، وهو قول قتادة ومجاهد وكانوا من بني تميم.\nقال الفراء: أتاه وفد بني تميم، وهو نائم في الظهيرة، فجعلوا ينادون: اخرج إلينا يا محمد، فاستيقظ، فخرج إليهم، ونزل: (إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ)، ثم أذن لهم بعد ذلك، وقام شاعرهم وشاعر المسلمين وخطيبهم وخطيب المسلمين فَعَلت أصواتهم بالتفاخر، فنزلت: (لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ).\nوقيل: نزلت في قومٍ كانوا يسبقون النبي ﷺ بالقول إذا سُئل عن شيء.\nوالحجرات: جمع حجرة، وفيها ثلاث لغات: حُجُرات - بضمتين - وحُجَرات - بفتح الجيم - وحُجْرات - بإسكانها، والأولى أفصح، قال الشاعر:\nأمَا كَانَ عَبَّاد كفيًّا لدارهم ... بَلى ولأبياتٍ بِهَا الحُجُراتُ\n* * *\nقوله تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ (٧»\nيسأل عن قوله (لَوْ يُطِيعُكُمْ) في صفة النبي ﷺ؟\nوالجواب: أنّه على طريق المجاز. لأنّ حقيقة الطاعة: موافقة الداعي الأجلِّ فيما دعا إليه من الأدون، ولا يجوز أن يقال: إن الله تعالى يطيع العبد، كما لا يجوز أن يقال: إنّ العبد أمر ربه ونهاه، ولكن","vol":"1","page":385},{"text":"دعاه فأجابه، فكأنّ الطاعة هاهنا: الإجابة لما سألوا منه.\nوالعنت: المعاندة.\nويُسأل عن خبر (أنَّ)؟\nوالجواب: أنَّ النحويين يجعلونه في الظرف الذي هو (فيكم)، وهذا القول فيه نظر؛ لأنَّ حق الخبر أن يكون مفيدًا، ولا يجوز: النار حارة؛ لأنَّه لا فائدة في الكلام، ومجاز هذا القول أنّه على طريق التنبيه\nلهم على مكان رسول الله - ﷺ -، كما يقول القائل للرجل يريد أن ينبهه على شيء: فلانٌ حاضر، والمخاطب يعلم ذلك، فهذا وجه.\nوالوجه عندي: أن يكون الخبر في قوله (لعنتم)؛ لأنّ الفائدة واقعة به، والمعنى: واعلموا أنّ رسول الله لو يطيعكم لعنتنم، كما تقول: إنّ زيدًا لو أكرمته لقصدك، وما أشبه ذلك.\n* * *","vol":"1","page":386},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-319>وَمِنْ سُورَةِ (ق)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-320>قوله تعالى: (ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ (٢) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (٣»</span>\nقد تقدم في صدر الكتاب ما قيل في فواتح السور، ومما لم نذكره هنالك بعض ما قيل في (ق):\nقيل: (ق) جبلٌ محيطٌ بالدنيا، وقد ذكرنا قول الحسن: أنّه اسمٌ للسورة، وقيل معناه: قضي الأمر؛ وكذا قيل في (حم): حُمْ الأمر، أي: دنا، قال الفراء: هو قسم أقسم به.\nوالمجيد: العظيم الكريم، يقال: مَجَد الرجل، ومَجُد، إذا عظم وكرُم، وقيل: إذا عظم كرمه، والأصل من مَجَدتِ الإبل مجودًا إذا عظمت بطونها لكثرة أكلها من الربيع.\n* * *\nفصل:\nومما يسأل عنه أن يقال: أين جواب القسم؟\nوالجواب عن ذلك: أنّه محذوف. والتقدير فيه: قاف والقرآن المجيد ليُبعثُنَّ، ويدل عليه قوله: (أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا).\nوكذا جواب (إذا) محذوف، وتقديره: أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا بُعثنا أو رُجعنا، ويدل عليه قوله: (ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ)، أي: أمرٌ لا يُنال، وهو جحد منهم، كما تقول للرجل يخطئ في المسألة: لقد ذهبت مذهبًا بعيدًا من الصواب، أي: أخطأت.","vol":"1","page":387},{"text":"ويقال: عجيب وعُجاب وعُجَّاب، وهذه أبنية للمبالغة، ومثله كبير وكُبَّار وكُثَّار، وله نظائر.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-321>قوله تعالى: (إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧»</span>\nيسأل عن توحيد (قَعِيدٌ)؟\nوعنه جوابان:\nأحدهما: أنّه واحدٌ يراد به الجمع، قال الفراء: حدثني حبان عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله (قعيد قال: يريد قعودًا عن اليمين وعن الشمال. وهذا كما تقول: أنتم صديقٌ لي، وكما قالوا (رسولٌ) في معنى (رسل)، قال الهذلي:\nأَلِكْني إليها وخَيْرُ الرَّسُولِ ... أَعْلَمُهم بِنُوَاحِي الخَبَرْ\nفجعل (الرسول) في معنى (الرسل)، والعلة في هذا: أنّ (فعيلا) و(فعولًا) من أبنية المصادر نحو: الزئير والدوي والقبول والولوع، والمصدر يقع بلفظ الواحد، ويراد به التثنية والجمع؛ لأنّه جنس، والجنس يدل واحده على ما هو أكثر منه.\nوالجواب الثاني: أن يكون المعنى: عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد، ثم حذف اكتفاء بأحد الاسمين عن الثاني؛ لأنّ المعنى مفهوم، قال الشاعر:\nنحنُ بِما عِنْدَنا وأنتَ بِمَا ... عِندِكَ راضٍ والرأيُ مختلفُ","vol":"1","page":388},{"text":"والمعنى: نحن بما عندنا راضون، وأنت بما عندك راضٍ. فحذف، وقال الفرزدق:\nإني ضَمنتُ لِمَن أتَاني راجيًا ... وَأُبِي، وكانَ وكنتُ غَيرَ غَدورِ\nيريد: وكان أبي غير غدور، فحذف، ولم يقل: وكنا غير غدوين، ومثله:\nرَمَاني بأَمرٍ كنتُ مِنْهُ وَوَالِدِي ... بَرِيًّا وَمِنْ أجلِ الطُّوِيِّ رَماني\nولم يقل: بريئين، ومثله: (وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يَرْضُوهُ). وقوله (وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً)، وقد ذكرنا ذلك فيما تقدم.\nقال مجاهد: القعيد: الرصد، وقال أيضًا: عن اليمين ملك يكتب الحسنات وعن الشمال ملك يكتب السيئات، وهو قول الحسن. وزاد الحسن: حتى إذا مات طُويت صحيفة عمله، وقيل له يوم القيامة (اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا)، ثم قال: عدل والله من جعله حسيب نفسه.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-322>قوله تعالى: (أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (٢٤»</span>\nجهنم: اسم أعجمي لا ينصرف للتعريف والعجمة، وقيل: هو عربي، وأصله من قولهم: بئر جهنام إذا كانت بعيدة القعر، فلم ينصرف في هذا الوجه للتعريف والتأنيث.\nوسأل عن التثنية في قوله (ألقيا)؟\nوفيها خمسة أجوبة:","vol":"1","page":389},{"text":"أحدها: أنّ العرب تأمر القوم والواحد بما يؤمر به الاثنان؛ يقولون للرجل الواحد: قوما، واخرجا، ويحكى أنّ الحجاج قال: يا حرسي اضربا عنقه. يريد: اضرب، قال الفراء: سمعت من العرب من يقول \" ويلك ارحلاها ويلك ارحلاها \"، وأنشد قال أنشدني بعضهم:\nفقُلْتُ لِصَاحِبِي لَا تحبسانَا ... بِنَزْعِ أُصوله واجتزَّ شِيمًا\nولم يقل: لا تحبسنا، قال:: أنشدني أبو ثروان:\nوَإنْ تَزجُراني يَا ابنَ عَفانَ أنزَجِر ... وإنْ تَدعَاني أحم عِرضًا مُمنعَا\nقال: ونرى أنّ ذلك منهم أنّ أدنى أعوان الرجل في إبله وغنمه اثنان، وكذلك الرفقة أدنى ما تكون ثلاثة، فجرى كلام الواحد على صاحبيه، ألا ترى أنّ الشعراء أكثر شيء قيلًا: يا صاحبي ولا خليليّ، قال امرؤ القيس:\nخليليَّ مُرَّا بِي عَلَى أُمِّ جُنْدَبِ ... نُقضَّ لبناتِ الفُؤادِ المعذبِ\nثم قال:\nأُلمَ تَرياني كُلما جئتُ طارقًا ... وَجَدْتُ بهَا طيبًا وَإنْ لم تَطيّبِ\nفرجع إلى الواحد؛ لأنَّ أقل الكلام واحد في لفظ الاثنين، وأنشد أيضًا:","vol":"1","page":390},{"text":"خَلِيليَّ قُوما فِي عَطَالَة فانْظُرا ... أَثارًا تَرَى مِنْ ذِي أَبانَيْنِ أَو بَرْقا؟\nولم يقل: تريا، فهذا وجه.\nوالجواب الثاني: أنّه ثنى ليدل على التكرير،كأنّه قال: القِ القِ، فثنى الضمير ليدل على تكرير الفعل، وهذا لشدة ارتباط الفاعل بالفعل، حتى صار إذا كُرَّر أحدهما فكأن الثاني كرّر، وهذا قول المازني، ومثله عندد: (قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ)، جمع ليدل على التكرير، كأنّه قال: ارجعنِ ارجعنِ ارجعنِ وقد شرحناه.\nوالثالث: أنّ الأمر تناول السائق والشهيد، كأنّه قال: يا أيها السائق هلا أيها الشهيد ألقيا في جهنم.\nوالجواب الرابع: أنّه ثنى لأنّ إلقاءه في النار لشدته بمنزلة إلقاء اثنين للواحد.\nوالجواب الخامس: أنّه يريد (النون الخفيفة) كأنّه قال: ألقَين. فأجرى الوصل مجرى الوقف، فأبدل من النون ألفًا، كما قال:\nوَذا النُّصب المنصوبَ لا تَنسُكنَّه ... ولا تَعبُدِ الأوثَانَ واللَّهَ فاعبُدَا\nوعليه تأول بعضهم قول امرئ القيس:\nقِفَا نَبكِ مِنْ ذكِرى حَبيب وَمَنزِلِ","vol":"1","page":391},{"text":"من قال: أراد \" قِفَنْ \" لأنّه يخاطب واحدًا بدلالة قوله في آخر القصيدة:\nأجارِ تَرَى بَرقًا أُريكَ وميضَه ... كلمعِ اليَدينِ في حَبيّ مُكلّلِ\nوهذا الجواب أضعف الأجوبة؛ لأنَّه محال أن يوصل الكلام والنية فيه الوقف.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-323>قوله تعالى: (يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (٣٠»</span>\nقال أنس: طلبت الزيادة، وقال مجاهد: المعنى معنى الكفاية، أي: لم يبق مزيد لامتلائها، ويدل على هذا القول (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ)، ولا يمتنع القول الأول لوجهين:\nأحدهما: أنَّ هذا القول كان منها قبل دخول جميع أهل النار فيها.\nوالآخر: أن تكون طلبت الزيادة على أن يُزاد في سعتها، ومثله حمل بعضهم قول النبي صلى الله عليه يوم فتح مكة ألا تترك دارك فقال: (وَهَل ترك لنا عقيل من دار)؛ لأنَّه كان قد باع دور بني هاشم لمَّا خرجوا إلى المدينة. فعلى هذا يكون على المعنى الأول أي: وهل بقي زيادة، وجاء في التفسير: أنّ الله تعالى يخلق لجهنم آلة الكلام فتتكلم، وقال بعضهم: هو على التمثيل، وأنشد:\nإمتَلًا الحَوضُ وقَالَ قَطِني ... مهلًا رُويدا قَد مَلأتَ بَطني\nوكذا قول عنترة:\nوشَكَا إليَّ بعَبْرَةٍ وتَحَمْحُمِ\nوالأوّل هو المذهب؛ لأنَّه لا يمتنع أن يخلق الله لها آلة الكلام فتتكلم؛ لأنَّ من أنطق الأيدي والأرجل","vol":"1","page":392},{"text":"والجلود قادر على أن ينطق جهنم، وكذا قوله: (قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ)، هو قولٌ، وليس على طريق التمثيل.\nوقيل في هذا الجمع إنه إنما أتى كذلك؛ لأنَّه لما أخبر عنها بفعل من يعقل جمعها جمع من يعقل فهذا يؤكده ما قلناه.\nوقال الكسائي المعنى: أتينا نحن ومن فينا طائعين، وفيها من يعقل فغلب على ما لا يعقل، وكلّ حسنٌ جميل.\n* * *","vol":"1","page":393},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-324>وَمِنْ سُورَةِ (الذَّارِيَاتِ)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-325>قوله تعالى: (كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨»</span>\nيسأل عن نصب (قَلِيلًا)؟\nوفيه وجهان:\nأحدهما: أنّه نعت لمصدر محذوف تقديره: هجوعًا قليلًا من الليل ما يهجعون\n، فعلى هذا الوجه تكون (ما) زائدة، و(يَهْجَعُونَ) خبر (كانوا)، والتقدير: كانوا يهجعون هجوعًا قليلًا.\nوالوجه الثاني: أن يكون (قليلًا) خبرًا لكانوا. والمعنى: كان هَؤُلَاءِ قليلًا، ثم قال: من الليل ما يهجعون، أي: ما يهجعون شيئًا من الليل.\nفعلى الوجه الأول يهجعون هجوعًا قليلًا، وعلى القول الثاني لا يهجعون ألبتة.\nوالهجوع: النوم. وهو قول ابن عباس وإبراهيم والضحاك، والأوّل قول الحسن والزهري.\nو(ما) في القول الأول صلة. وفي القول الثاني نافية، وقيل (ما) مصدرية، والتقدير: كانوا قليلًا هجوعهم، وقدَّر بعضهم (قليلا) نعتًا لظرفٍ محذوف، أي: كانوا وقتًا قليلًا يهجعون، وكلُّ محتمل. قال قتادة: لا ينامون عن العتمة ينتظرونها لوقتها؛ كأنّه عدَّ هجوعهم قليلًا في جانب يقظتهم للصلاة، ولا يجوز أن تُجعل (ما) نفيا وينصب بها (قليلًا)؛ لأنَّ ما بعد النفي لا يعمل فيما قبله.","vol":"1","page":394},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-326>قوله تعالى: (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢) فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (٢٣»</span>\nقال الضحاك (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ) أي: المطر؛ لأنّه سبب الخير، قال مجاهد (وَمَا تُوعَدُونَ) من خير أو شر. وقيل: ما توعدون: الجنة، لأنها في السماء، قال الفراء: أقسم بنفسه إن الذي قال لكم حق مثل ما إنكم تنطقون، قال: وقد يقول القائل كيف اجتمع (ما) و(أنّ) وقد يُكتفى بإحداهما من الأخرى؟ وفي هذا وجهان:\nأحدهما: أنّ العرب تجمع بين الشيئين من الأسماء والأدوات إذا اختلف لفظهما، في الأسماء قال الشاعر:\nمِنَ النَّفَرِ اللَّائي الذينَ إِذا هُمُ ... يَهابُ اللِّئامُ حَلْقةَ الْبَابِ قَعْقَعُوا\nفجمع بين (اللَّائي) و(الذين) وأحدهما مجزئ من الآخر، وأما في الأدوات فقول الشاعر:\nمَا إنْ رَأيتُ وَلا سَمِعتُ بهِ ... كَاليَومِ طالي أينَقُ جُربُ\nفجمع بين (ما) و(أنّ) وهما جحدان أحدهما يجري مجرى الآخر.\nوأما الوجه الآخر: فإنَ المعنى لو أُفرد ب (ما) لكان المنطق في نفسه حقًا لا كذبًا، ولم يُرد به ذلك، وإنما أراد به أنّه لحق كما أنّ الآدمي ناطق، ألا ترى أنّ قولك: أحق منطقك؟ معناه: أحق هو أم كذب؟ وأن قولك: أحق أنك تنطق؛ معناه: ألك النطق حقًا؟ والنطق له لا لغيره، وأدخلت (أنّ) ليفرق بين المعنيين، قال: وهذا أعجب الوجهين إليَّ،","vol":"1","page":395},{"text":"وهو كما قال؛ لأنَّ الوجه الأول ضعيف. أما البيت الأول فالرواية المشهورة فيه:\nمِنَ النَفَرِ البِيضِ الذينَ إِذا هُم ... يُهابُ اللئامُ حَلقةَ البَابِ قعقعوا\nوأما البيت الثاني فلأن (لا) فيه زائدة، والعرب تزيد (إن) مع (ما) نحو قول النابغة:\nفَمَا إِنْ كَانَ مِنْ نَسَبٍ بَعِيد ... وَلكِن أُدركوكَ وَهُم غِضَابُ\nوكذا قول الأخر:\nفَمَا إِنْ طِبُّنا جُبْنٌ وَلَكِنْ ... مَنايانا ودَوْلةُ آخَرينا\nوهذا إن شاع في الحروف فإنَّه في الأسماء بعيد و(ما) و(أنّ) اسمان في تأهيل المصدر، إلا أنّه يجوز أن تكون (ما) حرفًا فيسوغ زيادتها، ولا يسوغ إذا كانت مصدرية؛ لأنها في حيز الأسماء ولا يستحسن زيادة الأسماء. وأما الحروف فيستحسن زيادتها لاسيما (ما) نحو قوله تعالى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ)، و(فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ) ونحو قوله (إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً) فـ (ما) في أحد القولين زائدة، وقد زادت العرب (ما) زيادة لازمة نحو قولهم: افعل ذلك آثرًا ما.\nقرأ الكسائي وحمزة وعاصم من طريقة أبي بكر (مثل) بالرفع، وهي قراءة الأعمش، وقرأ الباقون بالنصب، وهي قراءة الحسن. فالرفع على أنّه نعت للحق، وأما النصب ففيه ثلاثة أوجه:","vol":"1","page":396},{"text":"أحدها: أن يكون في موضع رفع؛ لأنَّه مبنيّ لإضافته إلى غير متمكن وهو الاسم الناقص، قال الشاعر:\nلم يَمْنَع الشربَ منها غَيرَ أنْ نَطقَت ... حَمَامةٌ في غُصُون ذاتِ أوقَالِ\nفَبنى (غير) لأنها مبهمة أضافها إلى مبني وهو (أنْ)، ومَوضع (غير أنّ نطقت) رفعا وكذلك (مثل) مبهم أضيف إلى مبني، فهذا وجه.\nوالوجه الثاني: أنّه منصوب على الحال. وهو قول الجرمي، وفيه بعد؛ لأنّ (حقًا) نكرة، والحال لا تكون من النكرة، إنما شرطها أن تكون نكرة بعد معرفة قد تم الكلام دونها، نحو قولك: جاء زيد راكبا، تنصب (راكبًا) لأنّه نكرة جاء بعد (زيد) وهو معرفة يجوز أن يوقف دونه؛ لأنَّك لو قلت: جاء زيد، لكان كلامًا تامًّا، وهذه الحال منتقلة، إلا أنّه قد جاء عن العرب حرفٌ شاذٌ، وهو قولهم: وقع أمرٌ فجأةً، نصبوا (فجأة) على الحال من (أمر) وأمر نكرة، ولو حصله حامل على أنّه منصوب على المصدر لكان وجهًا؛ لأنّ المعنى: وقع أمر وفاجأ أمر سواء.\nوقيل: إن (مثل ما) حال من مضمر في (حق) لأنّه وإن كان مصدرًا نهو في موضع اسم الفاعل، واسم الفاعل يتضمن الضمير، نحو قولك: هذا زيدٌ قائم، ففي (قائم) ضمير، ألا ترى أنك لو أجريت (قائمًا) على غير من هو له لأظهرت الضمير؛ فقلت: هذا زيدٌ قائمًا أبوه، وقائم أبوه، إن شئت، فـ (الهاء) في (أبوه) هو الضمير الذي كان في (قائم)، ولم يبق في (قائم) ضمير.\nوالوجه الثالث: أنّه منصوب على المصدر، كأنّه قيل: إنه لحق حقًّا كنطقكم، وهو قول الفراء، وزعم أنّ العرب تنصبها إذا رُفع بها اسم، فيقولون: مثلَ مَن عبدُ الله، ويقولون: عبد الله مثلَك، وأنت مثلَه، وعلة النصب فيها: أنّ الكاف قد تكون داخلةً عليها فتُنصب إذا ألقيت الكاف، قال: فإن قال قائل: أفيجوز أنّ نقول: زيد الأسدَ شدةً، فتنصب (الأسد) إذا ألقيت الكاف؛ - قلت: لا، وذلك أنّ (مثل) تؤدي عن الكاف والأسد، ولا يؤدي عنها، ألا ترى قول الشاعر:","vol":"1","page":397},{"text":"وَزَعْتُ بكالهِراوة أَعْوَجِيٌّ ... إِذا وَنَتِ الرِّكابُ جَرَى وِثابا\nأنّ الكاف قد أجزأت عن (مثِل)، وأنّ العرب تجمع بينهما، فيقولون زيد كمثلك، وقال الله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ). قال: واجتماعهما دليل على أنّ معناهما واحد.\nوهذا لا يجوز عند البصريين. و(الكاف) هاهنا زائدة. وإنما لم يجز عندهم؛ لأنَّه لا ناصب هنالك وإنما ينصب الاسم إذا حُذف منه حرف الجر إذا كان قبله فعل ينصبه، نحو قولك: أمرتك الخيرَ، أنت تريد: أمرتك بالخير. وأنت إذا قلت: إنه لحق كمثل ما أنكم تنطقون، فحذفت الكاف لم يبق ما ينصب (مثل) لأنّه لا فعل هنالك، وإنما قبله (حق) وهو مصدر. والمصدر لا يعمل في المصدر إلا أن يُضمر له فعل تقديره: إنه لحقٌّ يحقُّ حقًّا مثل نطقكم، ثم حذفت الفعل والمصدر جميعا وأقمت نعت المصدر مقامه، فهذا يجوز على هذا التقدير.\n* * *","vol":"1","page":398},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-327>وَمِنْ سُورَةِ (الطُّورِ)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-328>قوله تعالى: (يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ (٢٣»</span>\nالكأس: القدح بما فيه، ولا يسمى كأسًا إذا لم يكن فيه شيء، قال الشاعر:\nصَدَدتِ الكأسَ عَنَّا أُمَّ عَمرٍو ... وكانَ الكأسُ مَجراها اليَمِينَا\nوقد تسمى الخمر نفسها كأسًا. قال علقمة:\nكأسٌ عزيزٌ من الأعنَابِ عتَّقها ... لبعضِ أربابها حانيَّةٌ حُرُمُ\nومعنى (يتنازعون) يتعاطفون كأس الخمر، قال الأخطل:\nنَازَعتُه طيَبَ الراحِ الشَّمُولِ وَقَد ... صَاحَ الدجَاجُ وَحَانَتْ وَقعةُ الساري\nواللغو واللغا: كل ما لا خير فيه من الكلام، قال الراجز:\nعَنِ اللغَا ورفَثِ التكلُّمِ\nوالتأثيم والإثم والآثام واحد.","vol":"1","page":399},{"text":"وقرأ ابن كثير (لَا لَغْوَ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمَ) بالنصب، وقرأ الباقون بالرفع والتنوين.\nفمن نصب أعمل (لا) في الموضعين وهي تنصب النكرة بلا تنوين؛ لأنَّها مشبهة بـ (إنَّ)، وذلك أنّ (إنَّ) موجبة و(لا) نافية. والعرب تحمل النقيض على النقيض. كما تحمل النظير على النظير، فلما كانت (إنَّ) تنصب الاسم وترفع الخبر، أعملوا (لا) ذلك العمل، وحكى يونس: لا رجلَ أفضلُ منك، تنصب (رجل) وترفع (أفضل) لأنّه خبر (لا) إلا أنها نقصت عن حكم (إنَّ) فلم تعمل إلا في النكرة، وذلك أنّ (إنَّ) مشبهة بالفعل، و(لا) مشبهة بـ (إنَّ) فلما كانت مشبهة بالشبه قُصِرت على شيء واحد، ولهذا نظير، وذلك أنك تقول: تالله ووالله وبربك ووربك، وتقول: تالله، ولا يجوز: تريك؛ وذلك أنّ (التاء) بدل من (الواو) و(الواو) بدل من (الباء) فلما كانت (التاء) مبدلة من مبدل قُصرت على شيءٍ واحد، وكذلك: فلانٌ من آل فلانٍ. ولا يجوز: فلان من آل المدينة؛ لأنَّ (الألف) من الآل بدل من (الهمزة) و(الهمزة) بدل من (أهل) فصارت بدلًا من بدل فقصرت على شيءٍ واحد، وكذلك: أسنى القوم، اذا دخلوا في السنة، وسواء كانت مخصبة أو مجدبة، فإذا قالوا: استنوا، لم يقع إلا على المجدبة؛ لأنّ (التاء) بدل من (الياء) و(الياء) بدل من (الواو) و(الهاء) على الخلاف في ذلك؛ لأنّه يقال؛ سانهت وسانيت، وقالوا: سنوات وسنة سنهاء، وهذا كله مذهب سيبويه، وذهب غيره من النحويين إلى أنّ (لا) مبنية مع ما بعدها على الفتح، وليس ما بعدها معربًا ولكنه مبني لتضمنه معنى الحرف؛ لأنّ حق الجواب أن يكون وفق السؤال و(لا) جواب لمن قال، هل من رجل عندك؟ فجوابه: لا رجل عندي، وكان يجب أن يقول: لا من رجلٍ، إلا أنّ (من) حذفت. وضُمن الكلام معناها، ووجب البناء؛ لأنّ كل ما تضمن معنى الحرف يُبنى. فإن قال: هل رجلٌ عندك؟ - قلت: لا رجلٌ عندي ترفع لا غير؛ لأنَّ الكلام لم يتضمن معنى (من) والنصب أبلغ في المعنى لتضمنه معنى (من) لأنّ (من) يدخل في \" النفي \" لاستفراق الجنس، نحو قولك: ما","vol":"1","page":400},{"text":"ما جاءني من رجل. فقد نفيت جميع الرجال. ولو قلت: ما جاءني رجل، لجاز أنك تريد: جاءني اثنان فصاعدًا، ومن هذا الوجه كان النصب في قوله (لَا لَغْوَ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمَ) أجود؛ لأنّه أشد في المبالغة.\nومن رفع جعل (لا) جوابًا لـ (هل) من غير (من) وهذا يقتضي الرفع، والرفع على الابتداء، و(فيها) الخبر. و(تأثيم) عُطف على (لغو)، وإذا نصبت جعلت (فيها) خبرًا لـ (لا) ويجوز هاهنا خمسة أوجهٍ:\nأحدها: نصب الاثنين.\nوالثاني: رفع الاثنين. وقد قرئ بهما، قال الشاعر في الرفع:\nوَمَا هَجَرتُكِ حَتَى قُلتِ مُعلِنةً ... لا ناقةٌ لي في هَذا وَلاَ جَملُ\nويجوز نصب الأول بلا تنوين ونصب الثاني بتنوينٍ قال الشاعر:\nلا نَسَبَ اليومَ وَلا خُلةً ... اتَّسَعَ الخَرقُ عَلى الراقِعِ\nويجوز رفع الأول منونا ونصب الثاني بلا تنوين، قال الشاعر:\nفلا لغوٌ ولا تأثيم فيها ... وما فاهوا به أبدًا مقيمُ\nويجوز نصب الأول بلا تنوين ورفع الثاني بتنوين، قال الشاعر:\nوَإذا تكونُ كريهةٌ أدعَى لها ... وَإِذا يُحاسُ الحَيسُ يُدعى جُندبُ\nهذا وَجَدَكُم الصَغارُ بعينِهِ ... لا أُمَّ لي إن كان ذاك ولا أبُ\nوحق قوله (ولا أبُ) أن يكون منونا إلا أنّه قافية. والقوافي لا تنون في الوصل.\nفهذه خمسة أوجه. فإن حذفت (لا) الثانية لم يجز فيما بعد الواو إلا التنوين رفعًا أو نصبًا، نحو","vol":"1","page":401},{"text":"قولك: لا غلامَ وجاريةٌ. ولا غلامَ وجاريَةً، قال الشاعر:\nلا أبَ وابنًا مثلُ مَروانَ وابنِه ... إذا هُوَ بالمجدِ ارتَدَى وتَأزَّرَا\nوهذه الوجوه كلها تجوز في قولنا (لا حول ولا قوة إلا بالله).\n* * *","vol":"1","page":402},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-329>وَمِنْ سُورَةِ (النَّجْمِ)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-330>قوله تعالى: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣»</span>\nالنجم هاهنا فيه ثلاثة أقوالٍ:\nأحدُها: أنّه الثُّريا إذا سقطت مع الفجر، وهذا قول مجاهد.\nوالثاني: أنّ النجم هاهنا أحد نجوم القرآن، وهو أيضًا عن مجاهد، كأنّه قال: والنجم إذا نزل، أي: والقرآن إذا نزل، فهو قسمٌ به.\nوالقول الثالث: أنّ النجم واحد ويراد به الجماعة، أي: والنجوم إذا سقطت يوم القيامة، كقوله تعالى: (وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ)، وهذا قول الحسن، والنجم في كلام العرب يأتي ويراد به الجمع على طريق الجنس؛ قال الرعي:\nوَبَاتَتْ تَعُدُّ النَّجْم فِي مُسْتَحِيرةٍ ... سَريعٍ بأَيدِي الآكِلينَ جُمُودُها\nوالمستحيرة هاهنا: شحمة مذابة صافية؛ لأنَّها من شحمٍ سمين.","vol":"1","page":403},{"text":"و(غَوى) من الغيّ، يُقال: غوى يغوي غيًّا، قال الشاعر:\nفَمَنْ يَلقَ خَيرا يَحمدُ النَاسُ أمرَهُ ... وَمَنْ يَغْوَ لا يعدَم عَلى الغي لائمَا\nوالهوى: ميل الطباع إلى ما فيه الاستمتاع، وهو مقصور، وجمعه: أهواء، فأما (الهواء) الممدود: فكل منحرق. قال الله تعالى: (وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ)، أي: خاوية منخرقة لا تعي شيئًا، قال زهير:\nكأن الرَّحلَ مِنْهَا فَوقَ صَعْلٍ ... مِنَ الظلمانِ جُؤجُؤه هَواءُ\nأي: خاوٍ ومنخرق. و(عن) في قوله (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى) بمنزلة (الباء) كأنّه قال: وما ينطق بالهوى، أى: برأيه وَهواه.\nواختلف في قوله: (وَالنَّجْمِ) وما جرى مجراه من الأقسام التى أقسم الله بها:\nفقيل: أقسم تفضيلا لها وتنويهًا بها، وقيل: بل القسم به محذوف، والتقدير: ورب النجم ورب الطور ورب التين والزيتون وما أشبه ذلك.","vol":"1","page":404},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-331>قوله تعالى: (عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩) </span>فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠»\nقال ابن عباس وقتادة والربيع: شديد القوى هاهنا: جبريل.\nوأصل المرّة: شدة الفتل، يقال فى الحبل: هو شديد المرّة، أي: أمررت فتله وشددته، والمرّة والقوة والشده سواء، قال الشاعر:\nأَلاَ قُلْ لِتَيَّا قَبْلَ مَرَّتَهَا اسْلَمِي ... تَحِيَّةَ مُشْتاقٍ إِليها مُتيّمِ\nأي: قبل شدة عزيمتها في السير.\nوالأفق: واحد الآفاق، وهي نواحي السماء، وقد تُسمى نواحي الأرض آفاقا على التشبيه، قال الشاعر في المعنى الأول:\nأخَذنَا بآفَاقِ السماءِ عليكمُ ... لنَا قمَراهَا والنجُومُ الطوَالعُ\nوقال امرؤ القيس فى المعنى الثانى:\nوَقَدْ طوفتُ في الآفَاقِ حَتَّى ... رضِيتُ مِنْ الغنيمةِ بَالإيَابِ\nوالتدلي: الامتداد إلى جهة السفل.\nوالقاب والقاد والقيد سواء، والمعنى: فكان قدر قوسين أو أدنى","vol":"1","page":405},{"text":"وقيل إنما مثّل بالقوس؛ لأنَّ مقدارها في الأغلب واحد لا يزيد ولا ينقص.\nوقيل: فاستوى جبريل ومحمد ﵉ بالأفق الأعلى، وقيل: الأفق الأعلى: مطلع الشمس.\nواختلف في (هو):\nفقيل: (هو) مبتدأ، وخبره (بِالْأُفُقِ)، والجملة في موضع نصب على الحال.\nوالثاني: أنّه معطوف على المضمر في (استوى) أي: استوى هو وهو، وحسُن ذلك كراهة أن يتكرر (هو)؛ لأنّ الوجه أنّ لا يعطف على المضمر المرفوع إلا بعد التوكيد، نحو قولك: قمت أنا.\nوزيد، ونحو قوله (اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ)، إلا أنّه حسُن هاهنا لا ذكرناه، وهذا قول الفراء، وأنشد:\nألم تَرَ أنَّ النّبْعَ يَخْلُقُ عَودُهُ ... وَلَا يَسْتَوِي والخِرْوَعُ المَتَقصِّفُ\nوكان حقه أن يقول: ولا يستوي هو والجزوع، إلا أنّه لم يقل، وهو في الآية أحسن منه هاهنا، ومثل ذلك قول الشاعر:\nقُلْتُ إذا أقبلَتْ وَزُهرٌ تَهَادَى ... كنِعَاجِ المَلا تَعَسَّفْنَ رَمْلًا\nقال الربيع: فاستوى جبريل ﵇، وهو بالأفق الأعلى، فـ (هو) على هذا كناية عن جبريل ﵇، وهذا هو القول الأول، و(هو) كناية عن محمد ﵇ في القول الثاني.","vol":"1","page":406},{"text":"قال القتبي: الكلام على التقديم والتأخير في قوله (ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى) والمعنى: ثم تدلى فدنا، وهذا لا يجوز في (الفاء)؛ لأنَّها مرتبة. وليست كالواو، ولا يُحتاج هاهنا إلى هذا التقدير؛ لأنّ المعنى بيِّن. والتقدير: ثم دنا وامتد في دنوه.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-332>قوله تعالى: (مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (١٢) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥»</span>\nالفؤاد هاهنا: القلب، والمراء: الجدال بالباطل، والسدرة: واحدة السدر، وهو شجر النبق، وقيل: سدرة المنتهى في السماء السادسة إليها ينتهي من يعرج إلى السماء، هذا قول ابن مسعود والضحاك، وقال غيرهما: إليها تنتهي أرواح الشهداء.\nوجنة المأوى: جنة الخلد، وقيل هي في السماء السابعة، وقال الحسن: جنة المأوى: هي التى يصير إليها أهل الجنة.\nقال إبراهيم في قوله (أَفَتُمَارُونَهُ) أي: أفتجحدونه، وقال غيره: المعنى: أفتجادلونه، وجاء في التفسير عن عبد الله بن مسعود وعائشة ومجاهد والربيع: أنّ النبي ﷺ رأى","vol":"1","page":407},{"text":"جبريل في صورته التي خلقه الله عليها مرتين، قال ابن مسعود: رآه وله ستمائة جناح، وقال ابن عباس: رأى ربَّه بقلبه، وروي مثل ذلك عن النبي ﷺ.\nوأجمع العلماء على أنّ النبي صلى الله عليه عُرج به، إلا أنّه روي عن الحسن أنّه قال: عُرج بروحه، يذهب إلى أنها رؤية النوم، وهذا القول مرغوبٌ عنه؛ لأنّه لا فضيلة له في ذلك؛ لأنّ الإنسان يرى في منامه مثل ذلك ولا تكون معجزة.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-333>قوله تعالى: (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠»</span>\nاللات والعزى: صنمان، واشتقاق (اللات) من لويت إذا تحبَّست ووقفت، يُقال: لويت عليه، وما لويت عليه، ومما يدل على ذلك قوله تعالى (فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ)، والعكوف والليُّ سواء؛ وذلك أنّهم كانوًا يلزمونها بالعبادة، ويعكفون عليها ولا يلوون على سواها والأصل فيها: لوية، فحذفت الياء كما حذفت من \" يد \" و\" دم \" طلبا للاستخفاف، ثم فتحت (الواو) لوقوع علامة التأنيث بعدها. ثم قلبت (ألفًا) لتحركها وانفتاح ما قبلها. فقيل: لات، والألف واللام في (اللات) زائدتان وليستا للتعريف وكذلك في (العزى)؛ لأنَّ هذه الأصنام معارف عندهم كالأعلام نحو: زيد وعمرو، يدل على ذلك قوله تعالى: (لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا) ألا ترى كلها بغير ألف ولام. وكذلك قول الشاعر:","vol":"1","page":408},{"text":"أَمَا ودِماءٍ ما تَزال كأنّها ... عَلَى قُنَّةِ العُزَّى وبالنَّسْرِ عَنْدَما\nالألف واللام في (النسر) زائدتان، هذا قول الأخفش، وتابعه عليه أبو علي الفارسي، فأمْا مَن قرأ (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَّ) بالتشديد فإنه من (لتت السويق) ذكروا أنّ رجلًا كان يَلتُّ السويق هنالك عند هذا الصنم فسُمي الصنم باسمه.\n* * *","vol":"1","page":409},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-334>وَمِنْ سُورَةِ (الْقَمَرِ)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-335>قوله تعالى: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (٢»</span>\nجاء في التفسير: أنّ القمر انشق على زمن رسول الله ﷺ، قال الزجاج: وقد عاند قوم وارتكبوا العناد، فقالوا: لم ينشق وإنما المعنى: سينشق، وقد روى ذلك عن جماعة، حدثنا الشيخ الفقيه أبو محمد عبد الله بن الوليد عن التميمي قال حدثنا ابن مقسم قال حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن السري الزجاج قال حدثنا القاضي إسماعيل بن إسحاق قال حدثنا مسرد قال حدثنا يحيى عن شعبة وسفيان عن الأعمش عن إبراهيم عن أبي معمرٍ عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه فرقتين: فرقة فوق الجبل وفرقة دونه، وقال النبي ﷺ: (اشهدوا)، قال مسرد وحدثنا يحيى عن شعبة عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عمر مثله، قال القاضي إسماعيل وحدثنا علي بن عبد الله قال حدثنا سفيان قال أخبرنا ابن أبي نجيح عن مجاهد عن أبي معمر عن عبد الله قال: انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ، فقال: (اشهدوا اشهدوا)، وبهذا الإسناد عن ابن مسعود أنّه قال: انشق القمر، فقال لنا رسول الله صلى الله عليه: (اشهدوا)، قال إسماعيل وحدثنا محمد بن أبي بكر عن محمد بن كثير عن سليمان عن حصين عن محمد بن جبير عن أبيه قال: انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه حتى صار فرقتين على هذا الجبل وعلى هذا الجبل، فقال ناس: سحر محمد القمر، فقال رجل: إن كان سحره وسحركم فلم لم يسحر الناس كلهم، قال محمد بن أبي بكر أخبرني زهير بن إسحاق عن داود عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: ثلاث ذكرهن الله قد مضين: اقتربت الساعة وانشق القمر، فقد انشق على عهد رسول الله صلى الله عليه والدخان والروم.\nقال إسماعيل وحدثنا حجاج بن منهال عن حماد بن سلمة وعطاء بن السائب عن عبد الله بن حبيب قال: كنا بالمدائن، فجئنا إلى الجمعة، فخطبنا حذيفة، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد - فإن الله تعالى يقول: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ)، ألا إن اليوم المضمار وغدًا السباق، ألا وإن الغاية النارُ، قال: فلما كانت الجمعة الأخرى، قال مثل ذلك، ثم قال: والسابق من سبق إلى الجنة.","vol":"1","page":410},{"text":"وروى مسروق عن عبد الله قال: مضى اللزام ومضت البطشة ومضى الدخان ومضى القمر ومضى الروم، والأخبار في هذا كثيرة. وسمي القمر قمرًا لبياضه، والأقمر: الأبيض، وهو يسمى قمرًا من الليلة الثالثة، وقيل: إذا حجر، أي: بان السواد حوله، وقيل: إذا بهر، وذلك يكون في السابعة، فإذا انتهى واستوى قيل له بدر، وذلك ليلة أربع عشرة سمي بذلك لتمامه، ومنه اشتقاق البدرة، وقيل: سمي بذلك لمبادرته الشمس بالطلوع، والعرب تقول للهلال أول ليلة: ليلة عتمة سخيلة حلّ أهلها برميلة، وابن ليلتين: حديث أمتين كذبٌ ومين، وابن ثلاث: قليل اللباث، وابن اربع: عتمة ربع لا جائع ولا مرضع، وابن خمس: عشاء خلفات قعس، ويقال: حديث وأنس، وابن ست: سِرْ وبِتْ، وابن سبع: دلجة الضبع، وابن ثمان: قمرٌ إضحيان، وابن تسع: يُلتقط فيه الجزع، وربما قالوا: مقطع الشسع، وابن عشر: مخنق الفجر، وربما قالوا: ثلث الشهر، وليس له اسم بعد ذلك لقربه من الصباح.\nوسمي الهلال هلالا لإهلال الناس عند رؤيته، والإهلال: الصياح، ومنه: استهل الصبي، إذا صرخ عند الولادة.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-336>قوله تعالى: (فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (١٦»</span>\nالعذاب: اسمٌ للتعذيب، بمنزلة: الكلام من التكليم والسلام من التسليم. في أنهما اسمان لمصدرين، وليس بمصدرين.\nوالنُّذُر: قيل هو جمع (نذير) بمنزلة: رغيف ورُغُف، وقيل: هو واحد، وفي هذه الآية دلالة على أنّ (الواو) لا ترتب؛ لأنّ النذر قبل العذاب، بدليل قوله تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا).","vol":"1","page":411},{"text":"قوله تعالى: (فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ (٢٤»\nنصب (بَشَرًا) بفعلٍ مضمرٍ يدلُّ عليه (نَتَّبِعُهُ)، والتقدير: أنتبع بشرًا منا واحدًا نتبعه، إلا أنّه حذف اكتفاءً بالظاهر الذي هو (نتبعه) ولا يجوز إظهاره، ولا يجوز أن يكون منصوبًا ب (نَتَّبِعُهُ)؛ لأنّه عامل في (الهاء)، ولا ينصب أكثر من مفعول واحدٍ، ويجوز في الكلام الرفع على الابتداء و(نَتَّبِعُهُ) الخبر، إلا أنّ النصب أجود؛ لأنَّ الاستفهام بالفعل أولى؛ لأنّه يقتضي الفائدة، والفائدة أصلها أن تكون بالفعل.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-338>قوله تعالى: (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩»</span>\nيسأل عن نصب (كُلَّ)؟\nوفيه ثلاثة أجوبة:\nأحدها: أنّه منصوب بإضمار فعل يدل عليه (خلقناه) كأنّه في التقدير: إنَّا خلقنا كلّ شيء خلقناه، ثم حذف على ما تقدم في قوله: (أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا)، ومثله: زيدًا ضربته، إلا أنّه مع الاستفهام أجود.\nوالثاني: أنّه جاء على ما هو بالفعل أولى؛ لأنّ (إنَّا) يطلب الخبر في (خلقناه) فهو على قياس:","vol":"1","page":412},{"text":"أزيدًا ضربته. وهذا الوجه في القوة مثل قوله: (أَبَشَرًا مِنَّا).\nوالثالث: أنّه على البدل الذي المعنى يشتمل عليه، كأنّه قال: إن كلًّا خلقناه بقدر، وكان سيبويه يقول: الرفع أجود هاهنا، إلا أنّ العامة أبوا إلا النصب.\nوالرفع على الابتداء والخبر والجملة خبر (إِنَّا).\n* * *","vol":"1","page":413},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-339>وَمِنْ سُورَةِ (الرَّحْمَنِ)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-340>قوله تعالى: (الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (٥»</span>\nيسأل عن معنى (بِحُسْبَانٍ)؟\nوالجواب: أنّ المعنى: بحساب يقال: حسبت الشيء حسبًا وحسبانًا، بمنزلة: الشران والكفران، وقيل: هو جمع حساب، كشهاب وشهبان، قال ابن عباس وقتادة وابن زيد: بحسبان، أي: بحساب ومنازل يجريان فيهما.\nوفي تقدير الخبر وجهان:\nأحدهما: أن يكون (بِحُسْبَانٍ) الخبر.\nوالثاني: أن يكون الخبر محذوفًا لدلالة المجرور عليه. والتقدير: والشمس والقمر يجريان بحسبانٍ، والتقدير في الوجه الأول: وجري الشمس والقمر بحسبان، والمعنيان يتقاريان، إلا أنك تقدر في الوجه الأول حذف مضاف وحذف الخبر، وتقدر على الوجه الثانى حذف الخبر فقط، وحذف شيء واحد أولى من حذف شيئين.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-341>قوله تعالى: (وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (٦»</span>\nالنجم من النبات: ما لم يقم على ساق، نحو: العشب والنقل، والشجر: ما قام على ساق.\nويُسأَل عن معنى (يَسْجُدَانِ)؟","vol":"1","page":414},{"text":"وفيه جوابان:\nأحدهما: أنّ ظلهما يسجد لله بكرة وعشيًا. هذا قول مجاهد وسعيد بن جبير، وكلُّ جسم له ظلٌّ فهو يقتضي الخضوع بما فيه من الصنعة.\nوالثاني: وهو قول الفراء: أنهما يستقبلان الشمس إذا أشرقت ثم يميلان حين ينكسر الفيء، فذلك سجودهما.\nوقيل: سجودها: الخضوع لله بالأقوات المجعولة فيهما للناس وغيرهم من الحيوان، والاستمتاع بأصناف الرياحين وما في الأشجار من الثمار الشهية، وصنوف الفواكه اللذيذة، فلا شيء أدعى إلى الخضوع والعبادة لمن أنعم بهذه النعمة الجليلة مما فيه مثل الذي ذكرنا في النجم والشجر.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-342>قوله تعالى: (سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ (٣١) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٢»</span>\nيسأل ما معنى (سنفرغ)؟\nوالجواب: أنّ معناه: سنعمل عمل من يتفرغ للعمل لتجويده من غير تصحيح فيه، وهذا من أبلغ الوعيد وأشده؛ لأنّه يقتضي أن يجازى العبد بجميع ذنوبه، وليس من الفراغ الذي هو نقيض المشتغل؛ لأنّ الله تعالى لا يشغله شيء عن شيء.\nوالثقلان: الإنس والجن، سميّا بذلك لعظم شأنهما إلى ما في الأرض من غيرهما، فهما أثقل وزنًا","vol":"1","page":415},{"text":"لعظم الشأن بالعقل والتمكين والتكيف لأداء الواجب في الحقوق.\nومما يسأل عنه أن يقال: لم كرَّر في هذه السورة (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) في عدة مواضع؟\nوالجواب: أنّه ذكر آلاءً، كثيرة، فكرر التقرير. ليكون كل تقرير لنعمة، والعرب تكرر مثل هذه الأشياء للتوكيد، نحو قولك: اعجل اعجل، وتقول للرامي: ارم ارمِ، قال الشاعر:\nكم نِعمة كانَتْ لكُم كَم كَم وَكم\nوقال آخر:\nهَلاّ سَألتَ جُمُوعَ كِنَدةَ ... يَومَ ولَّوا أينَ أينَا\nوقال الفرزدق:\nألفَينَا عَينَاكَ عِندَ القَفَا ... أولَى فَأُولى لكَ ذا واقِيَهْ\nوقال عوف بن الخرع:\nفَكَادَت فَزارَةُ تَصلى بِنَا ... فَأولى فَزارَةَ أولى فَزارَة\nوقُرىء (سَنَفْرُغُ) و(سَنَفْرَغُ)، فمن قرأ (سَنَفْرُغُ) فهو على بابه، مثل: دخل يدخُل وخرج يخرُج، ومن قرأ (سَنَفْرَغُ)، فتح (الراء) من أجل حرف الحلق. لأنّ حرف الحلق إذا كان عينًا أو لامًا جاء في غالب الأمر على (يفعَل) بالفتح، إذا كان من (فَعَل) وحروف الحلق ستة وهي:","vol":"1","page":416},{"text":"الهمزة، نحو: قرأ وسأل، والهاء، نحو: ذهب ووهب، والعين. نحو: جعل وصنع، والحاء، نحو: سمح ولحج. والغين، نحو: فغر وولغ. والخاء، نحو: صلخ وبخع وما أشبه ذلك.\n* * *","vol":"1","page":417},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-343>وَمِنْ سُورَةِ (الْوَاقِعَةِ)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-344>قوله تعالى: (إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (٢) خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (٣) إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥»</span>\nالواقعة هاهنا: اسمٌ من أسماء القيامة.\nويُسأَل عن معنى: (لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ)؟\nوالجواب أنّ المعنى: ليس لوقعتها قضية كاذبة فيها، لإخبار الله تعالى بها، ودلالة العقل عليها. وقيل: ليس لها نفس كاذبة في الخبر بها، وقيل: الكاذبة هاهنا: مصدر مثل العاقبة والعافية.\nوقيل: (خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ) تخفض قومًا بالمعصية، وترفع قومًا بالطاعة؛ لأنَّها إنما وقعت للمجازاة، فالله تعالى يرفع أهل الثواب ويخفض أهل العقاب، وأضاف ذلك إلى الواقعة؛ لأنّه فيها يكون، وقيل: إن القيامة تقع بصيحة عند النفخة الثانية وهو قول الضحاك.\nوقوله: (إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا)، أي: زلزلت زلزالًا شديدًا، هذا قول ابن عباس ومجاهد وقتادة، ومنه يقال: ارتجَّ السهم، عند خروجه عن القوس.","vol":"1","page":418},{"text":"(وَبُسَّتِ الْجِبَالُ): فتت فتًا، هكذا قال ابن عباس ومجاهد وابن صالح والسُّدِّي، والعرب تقول: بُسَّ السويق، أي: لتَّه، والبسيسة: السويق أو الدقيق يُلتُّ ويُتخذ زادًا قال بعض لصوص غطفان:\nْلا تخبزا خبزًا وبُسَّا بَسَّا\nورفع قوله: (خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ) على الاستئناف، أي: هي خافضة رافعة، وأجاز الفراء النصب، والنصب على الحال، وهذه حال مؤكدة؛ لأنّ القيامة إذا قعت فلابد أن تكون خافضة رافعة.\nويُسأَل عن موضع قوله: (إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا)؟\nوالجواب: أنّه بدل من قوله: (إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ). وهذا كما تقول: سآتيك إذا قام زيد إذا خرج، والمعنى: سآتيك إذا خرج زيد، وهكذا المعنى: إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا عند وقوع الواقعة.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-345>قوله تعالى: (فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦»</span>\nالمواقع: جمع موقع، وأصله: من وقع يقع. والأصل في يقع: يوقع؛ لأنّ كل (فعلٍ) على (فَعَل) وفاؤه \" واو \" فإنّه يلزم (يفعل) نحو: وعد يعد ووزن يزن، والأصل: يوعد ويوزن، فسقطت \" الواو \"","vol":"1","page":419},{"text":"لوقوعها بين \" ياء \" و\" كسرة \"، والعرب تستثقل ذلك إلا أن تقع فتحة حرف الحلق وهو \" العين \"، و(مفعل) يلزم هذا القبيل في المصدر. والمكان نحو قولك: وعدته موعدًا، وهذا موعد القوم، قال سعيد بن جبير المعنى: أقسم، فـ (لا) على هذا القول صلة، وقال الفراء: هي نفي، أي: ليس الأمر كما يقولون، ثم استؤنف: أقسم، وقيل: في (مواقع النجوم) قولان:\nأحدهما: أنّه يعني بها القرآن؛ لأنّه نزل نجومًا على النبي صلى الله عليه، وهذا قول ابن عباس ومجاهد.\nوالثاني: أنّه يراد بها مساقط نجوم السماء ومطالعها، وهو قول قتادة وروي مثله عن مجاهدٍ في بعض الروايات عنه، وقال الحسن: مواقعها: انكدارها وانتشارها يوم القيامة.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-346>قوله تعالى: (لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩»</span>\nيقال: مسست الشيء أمسُّه مسًّا، ويقال: لا مَساس ولا مِساس.\nواختلف في قوله (إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ):\nفقال: ابن عباس والحسن وسعيد بن جبير وجابر بن زيد وأبو نهيك ومجاهد: المعنى: لا يمسُّ الكتاب الذي في السماء إلا المطهرون من الذنوب وهم الملائكة، وقيل: إلا المطهرون في حكم الله ﷿،","vol":"1","page":420},{"text":"وقيل: لا يمسُّ القرآن إلا المطهرون، أي: من كان على وضوء، وهو قول مالك.\nواختلف في (لا):\nفقيل: هي نافية، و(يمسُّ) فعلٌ مستقبل، والمعنى: ليس يمسه، على طريق الخبر، وليس بنهي.\nوقيل: هو نهي، وجاء على لغة من يقول: مُدَّ يا فتى، ومُسَّ يا فتى؛ لأنّ في هذا الفعل لغات:\nمنها - أن تفتح آخره فتقول: مُسَّ ومُدَّ. وهذا أفصح اللغات.\nومنها - أن تضمه فتقول: مُسَّ ومُدَّ.\nومنها - أن تكسره فتقول: مُسٍّ ومُدٍّ، قال الراجز:\nقَالَ أُبُو ليلى لحبلٍ مُدّه ... حَتى إذا مَددتَهُ فَشدّه\nإنّ أبَا ليلى نَسيجُ وحِدِهِ\nومنها - أن يفتح ما كان على (فَعِل) (يَفعَل) نحو: مَسَّ وسَفَّ؛ لأنّه من مَسست وسَففت، ويضم ما كان على (فَعَل) (يفعُل) نحو: مُدّ وعُدّ. ويكسر ما كان على (فَعْل) (يفعَل) نحو: مِرّ وفِرّ، وهذه لغات أهل نجد، فأما أهل الحجاز فإنهم يظهرون التضعيف، فيقولون: امسس وامدد وافرر، وعليه قوله تعالى: (وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ)، فإذا ثنوا أو جمعوا لم يجز إظهار التضعيف، ورجعوا إلى اللغة الأولى كراهةً لاجتماع المثلين.\nوقال الفراء في قوله: (لَا يَمَسُّهُ) أي: لا يجد طعمه ونفعه إلا من آمن به، يعني: القرآن","vol":"1","page":421},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-347>قوله تعالى: (أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (٨١) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢»</span>\nالمدهن: المظهر خلاف ما يبطن. ومنه قوله تعالى: (وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ) ويعني به هاهنا: المنافقون، وقال الفراء: يعني به: الكافرون، يقال: أدهن، أي: كفر، وأصله: من الدُهن، كأنّه يذهب في خلاف ما يظهر، كالدهن في سهولة ذلك عليه وإسراعه إليه.\nوقوله (أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ) فيه قولان:\nأحدهما: أنّ المعنى: وتجعلون حظكم من الخير الذي هو كالرزق لكم أنكم تكذبون به.\nوالثاني: أنَّ المعنى: وتجعلون شكر رزقكم أنكم تكذبون.\nقال الفراء: جاء في الأثر أنّ معنى (رزقكم) شكركم، قال: وهو حسن في العربية، لأنك تقول: جعلت زيارتي إياك أنك استخففت بي، فيكون المعنى: جعلت ثواب الزيارة ذلك، ومثله: قوله قعالى: (فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) أي: ما يقوم لهم مقام البشارة عذاب أليم؛ لأنَّ البشارة لا تكون إلا في معنى الخير.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-348>قوله تعالى: (وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩١»</span>","vol":"1","page":422},{"text":"قال علي بن عيسى: دخل كاف الخطاب كما دخل في: ناهيك به شرفًا وحسبك به كرمًا، أي: لا تطلب زيادة على حلالة حاله، فكذلك سلام لك منهم، أي: لا تطلب زيادة على سلامتهم جلالة وعظم منزلة.\nومما يسأل عنه أن يقال: لم كان التبرك باليمين؟\nوالجواب: أنّ العمل يتيسر بها؛ لأنّ الشمال يتعسّر العمل بها من نحو: الكتابة والتجارة والأعمال الدقيقة.\nقال الفراء: المعنى في قوله (فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ):\nفسلام لك أنك من أصحاب اليمين. فألقيت (أنّ) وهو معناها، كما تقول: أنت مصدق ومسافرٌ عن قليل، إذا كان قد قال: إني مسافر عن قليل. وكذلك تجده في قولك: إنك مسافر عن قليل، قال: والمعنى: فسلام لك أنت من أصحاب اليمين، ويكون كالدعاء له، كقولك: سقيًا لك من الرجال، وإن رفعت (السلام) فهو دعاء. وقال قتادة المعنى: فسلامٌ لك أيُّها الإنسان الذي هو لك من أصحاب اليمين من عذاب الله. وسلمت عليه الملائكة، وقيل المعنى: سلمت مما تكره لأنك من أصحاب اليمين.\nقال أبو الفتح بن جني: في الكلام تقديم وتأخير والتقدير: مهما يكن من شيء فسلام لك إن كان من أصحاب اليمين، ولا ينبغي أن يكون موضع (إن كان) إلا هذا الموضع؛ لأنَّه لو كان موضعه بعد (الفاء) يليها لكان قوله: (فَسَلَامٌ لَكَ) جوابًا له في اللفظ لا في المعنى، ولو كان جوابا له في اللفظ لوجب إدخال (الفاء) عليه لأنّه لا يجوز في سعة الكلام: إن كان من أصحاب اليمين سلامٌ له. فلمَّا وجد (الفاء) فيه ثبت أنّه ليس بجواب لقوله (إن كان) في اللفظ، وإذا ثبت أنّه ليس","vol":"1","page":423},{"text":"بجوابٍ له في اللفظ ثبت أنّ موقع (إن كان) بعده لا قبله. قال: فإن قيل: إنما يدل (الفاء) التي تكون جوابًا لقوله (إن كان) لأجل الفاء التي تدخل جوابا لـ (أما) لأنّه لا يدخل حرف معنى على مثله، قيل: إنما يدخل (الفاء) التي لـ (أما) عليه؛ لأنّه ليس بجواب لقوله (إن كان)، فلو كان جوابًا له لما دخلت هذه (الفاء) في قوله: (وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلَامٌ لَكَ) على أنّ (فاء) (أما) قد تكون موقعة بعد (الفاء) لا تليها، فأما ما استدل به أبو علي على قوله: أنّ ما بعد (أما) لا يكون موقعه إلا بعد (الفاء) تليها، فإنه غير دال على صحة قوله؛ لأنّه قال: امتناع (أما زيدًا فإنك تضرب)، يدل على أنّ ما بعد (أما) لا يجوز أن يقع إلا بعد (الفاء) يليها، قال: ولأنه لو جاز أن يقع بعد (أما) بعد (الفاء) لا يليها، لما امتنع: (أما زيدًا فإنك تضرب)؛ لأنّه كان يكون التقدير: مهما يكن من شيء فإنك تضرب زيدًا، قال: فلما امتنع هذا علمت أنّه إنما امتنع؛ لأنَّ التقدير: مهما يكن من شيء فزيدًا أنك تضرب، ولما لم يجز هذا لم يجز: أما زيد، فإنك تضرب؛ لأنّ التقدير به هذا، ولو كان التقدير به: فإنك تضرب زيدًا، لجاز كما يجوز: مهما يكن من شيء فإنك تضرب زيدًا، فيقال: هذا لا يدل؛ لأنَّ قولك: مهما يكن من شىء زيدًا فإنك تضرب، لم يجز؛ لأنَّ (إنّ) لا يعمل ما بعدها فيما قبلها، ولذلك لم يجز: أما زيد، فأنك تضرب؛ لأنَّ (إنّ) لا يعمل ما بعدها فيما قبلها؛ لأنّ زيدًا الآن مقدم في اللفظ على (أنّ). ولم يمتنع لأنّ التقدير به يكون مقدما على (إنَّ) لأنّه إن قدر به أن يكون موضعه قبل (إنّ) أو بعد (إنّ) لم يجز؛ لأنَّه مقدم في اللفظ على (إنّ) وإنما كان يكون ذلك دليلا لو كان ما بعد (إنّ) يعمل فيما قبلها إذا وصل بها، ولا يعمل فيها، فأما إذا كان ما بعد (إنّ) لا يعمل فيما قبلها أوليه أو لم يله فإن هذا لا يدل؛ لأنّه إنما امتنع أن تنصب (زيدًا) إذا ولي (إنّ) بما بعد (إنّ) لأنّ ما بعدها لا يعمل فيما قبلها، وهذه العلة موجودة فيما تقدم (إن) ولم يلها.\nو(أما) لها في الكلام موضعان:\nأحدهما: أن تكون لتفصيل الجمل، نحو قولك: جاءني القوم فأما زيد فأكرمته وأما عمرو فأهنته، ومن هذا الباب قوله: (وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ) الآية.\nوالثاني: أن تكون مركبة من (أن) و(ما) وتكون (ما) عوضا من (كان) وذلك قوله: أما أنت منطلقًا انطلقت معك، والمعنى: إن كنت منطلقًا انطلقت، فموضع (أنّ) نصب؛ لأنّه مفعول له،","vol":"1","page":424},{"text":"وأنشد سيبويه:\nأَبا خُراشَةَ أَمَّا أنتَ ذَا نَفَرٍ ... فإِنَّ قوميَ لَمْ تأْكُلْهمُ الضَّبُعُ\nأي: إن كنت، والضَّبُعُ: السنة الشديدة.\n* * *","vol":"1","page":425},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-349>وَمِنْ سُورَةِ (الْحَدِيدِ)</span>\nقوله تعالى: (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ (١١»\nالقرض: أخذ الشيء من ماله بإذن مالكه على أنّه يضمن رده له.\nوالمضاعفة: الزيادة على مقدار مثله أو أمثاله، وقد وعد الله سبحانه على الحسنة عشر أمثالها، قال الحسن: القرض هنا: التطوع من جميع الدين.\nوقرأ ابن كثير (فَيُضَعِّفُهُ) بغير ألف مشددًا و(الفاء) مضمومة، وقرأ مثله ابن عامر إلا أنّه فتح (الفاء)، وقراءة الباقون (فَيُضَاعِفُهُ) بألف وضمّ، إلا عاصمًا فإنّه فتح.\nفالضم على القطع، أي: فهو يُضاعفه له. كما قال:\nأَلم تَسْأَلِ الرَّبْعَ القَواءَ فَيَنْطِقُ ... وهَلْ تُخْبِرَنْكَ اليَوْمَ بَيْداءُ سَمْلَقُ\nوقال الفراء: هو معطوف على (يُقْرِضُ) وليست بجواب. كقولك: من ذا الذي يحسن ويجملُ؟\nومن نصب فبإضمار (أنْ)، كأنّه قال: فأنْ يضاعفَه له، وقال الفراء: هو جواب الاستفهام، ومنع","vol":"1","page":426},{"text":"ذلك البصريون؛ لأنَّ الاستفهام لم يتناول القرض وإنما يتناول المقرض. وأجازه بعضهم؛ لأنّ المعنى يؤول إلى القرض؛ لأنّ الاستفهام عن المقرض استفهام عن قرضه وقيل في (مَنْ ذَا) قولان: أحدهما: أنّه صلة لـ (مَنْ)، وهو قول الفراء، قال: ورأيتها في مصحف عبد الله (منذا الذي) والنون موصولة بالذال.\nوالقول الثاني: أنّ المعنى من هذا الذي. و(مَن) في موضع رفع بالابتداء، و(الذي) خبره، على القول الأول، وعلى القول الثاني يكون (ذا) مبتدأ و(الذي) خبره والجملة خبر (مَنْ).\n* * *\nقوله تعالى: (سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ)\nالعرض: انبساط الشيء في الجهة المقابلة لجهة الطول، وضدُّ العرض الطول، وإذا اختلف مقدار العرض والطول فمقدار الطول أعظم.\nويقال: لم ذكر العرض دون الطول؟\nالجواب: أنّ العرض أقل من الطول، وإذا كان العرض كعرض السماء والأرض كان الطول في النهاية","vol":"1","page":427},{"text":"التي لا يحيط بها إلا الله تعالى، وقد قال في آية أخرى: (عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ)، المعنى: كعرض السماوات. فحذف (الكاف)؛ لأنّ المعنى مفهوم. والدليل على أنّ (الكاف) مرادة وجودها في قوله (كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-352>قوله تعالى: (وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا)</span>\nالرهبانية: أصلها من الرهبة، وهو الخوف، إلا أنّها عبادة مختصة بالنصارى لقول النبي ﷺ: (لا رهبانية في الإسلام).\nوالابتداع: ابتداء أمرٍ لم يحتذ على مثل، ومنه قول: البدعة خلاف السنة.\nويُسأَل عن قوله: (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ)؟\nوالجواب: أنّ قتادة قال: ابتدعوا رفض النساء واتخاذ الصوامع.\nوقيل: ما كتبناها عليهم إلا أنّهم ابتدعوها ابتغاء رضوان الله، فما رعوها حق رعايتها، وهذا قول عبد الرحمن بن زيد، قال ابن عباس: ابتدعوا لحاقهم بالبراري والجبال، فما رعاها الذين بعدهم حق رعايتها. وذلك لتكذيبهم بمحمد ﷺ، وقيل: ما كتبناها عليهم: ما فرضناها عليهم، وقيل: ما كتبناها عليهم ألبتة.","vol":"1","page":428},{"text":"ونصب (رَهْبَانِيَّةً) على هذا الوجه بإضمار فعلٍ تقديره: ابتدعوا رهبانية ابتدعوها، ونصب (رِضْوَانِ اللَّهِ) على البدل من (الهاء) في (مَا كَتَبْنَاهَا)، وهو قول الزجاج، وعلى القول الآخر يكون معطوفًا على ما قبله.\n* * *","vol":"1","page":429},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-353>وَمِنْ سُورَةِ (الْمُجَادَلَةِ)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-354>قوله تعالى: (مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ)</span>\nالنجوى هاهنا: المتناجون، فأما قوله (إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ)، فمعناه:\nالتناجي، وأصله السرّ، قال قتادة: كان المنافقون يتناجون بينهم فيغيظ ذلك المؤمنين، وقيل: كانوا يوهمون أنّه حديث على المسلمين من حرب أو نحوها، وهو قول عبد الرحمن بن زيد، وقيل: نهى النبي صلى الله عليه اليهود عن النجوى؛ لأنَّهم كانوا لا يتناجون إلا بما يسوء المؤمنين.\nويجوز في (ثلاثة) و(خمسة) الجر والرفع:\nفالجر: على أنّه نعتٌ على اللفظ.\nوالرفع: نعت على الموضع؛ لأنّ (مِنْ) زائدة، والمعنى: ما يكون نجوى ثلاثة، ومثله: (مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) و(غَيْرِهِ).\nويجوز أن تكون النجوى بمعنى التناجي، فتكون (ثلاثة) مجرورة بالإضافة. وفيه بعد من قبل حذف الموصوف؛ لأنّ التقدير: ما يكون من نجوى نفرٍ ثلاثة. ولا يجوز الرفع على هذا الوجه.","vol":"1","page":430},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-355>قوله تعالى: (اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ)</span>\nالاستحواذ: الاستيلاء على الشيء بالاقتطاع له، وأصله من: حاذه يحوذه حوذًا، مثل: حاز يحوزه حوزًا، وهو أحد ما جاء على أصله ولم يُعَل، وكان قياسه: استحاذ، مثل: استقام واستعان، إلا أنّه جاء على أصله. كما يقال: حَوكةٌ وقَوَمةٌ وأغيلت المرأة وأغيمت السماء، وقالوا: استنوق الجمل، واستتيست الشاة والقياس في هذه الأشياء: حاكة وقامة وأغالت المرأة وأغامت السماء واستناق الجمل واستتاست الشاة.\n* * *","vol":"1","page":431},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-356>وَمِنْ سُورَةِ (الْحَشْرِ)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-357>قوله تعالى: (مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ (٥)</span>\nاللينة: كل نخلة سوى العجوة، هذا قول ابن عباس وقتادة، وقال مجاهد وعمرو بن ميمون وعبد الرحمن بن زيد: كل نخلة لينة، وقال سفيان: اللينة: الكريمة من النخل.\nقال الفراء: حدثني حبان عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: أمر النبي صلى الله عليه بقطع النخل كله إلا \" العجوة \" وهو \" البرني \" في قول الفراء، والمستعمل في الكلام أنَّ (البرني) غير (العجوة) فيما يستعمله الآن أهل الحجاز، وذكر ابن إسحاق: أنّ النبي صلى الله عليه أمر بقطع نخل بني قريظة والنضير إلا (العجوة) فقالوا: محمد يزعم أنّه أُرسل مصلحًا وهو يقطع النخل وهذا إفساد. فأنزل الله تعالى: (مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ)، أي: بأمر الله، وجمع لينة: ليان. قال امرؤ القيس:\nوسالِفةٍ كسَحُوق اللِّيا ... نِ أضْرَمَ فِيهَا الغَوِيُّ السُّعُرْ\nويقال: لِينٌ، بمنزلة: سِدرة وسدر. ويقال -: لِين، مثل: سدرة وسدَر. وكسرة وكِسَر قال: ذو الرُّمة:\nطِراقُ الخَوافِي واقعٌ فوقَ رِيْعَةٍ ... ندى ليلِه في رِيْشِهِ يَتَرَقْرَقُ","vol":"1","page":432},{"text":"ويحتمل اشتقاق (لينة) وجهين:\nأحدهما: أن يكون من اللين، سميت بذلك للين ثمرتها.\nوالثاني: أن يكون من اللون فـ (الياء) على هذا القول بدل من (واو) لأنّه لون من التمر.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-358>قوله تعالى: (كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (١٦»</span>\nجاء في التفسير أنّ الإنسان هاهنا: إنسانٌ بعينه كان من الرهبان وقع في بلية فأغواه الشيطان بأن قال له: إن خلصتك أتسجد لي سجدة واحدة، فأجابه إلى ذلك وسجد له فلما سجد واستراح إليه [...]، حتى قتل، وكان يُسمى (برصيصًا)، هذا قول ابن عباس وابن مسعود، قال مجاهد: هو عام في جميع الكفار من الناس.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-359>قوله تعالى: (هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى)</span>\nأجمع القراء المشهورون على كسر (الواو) وضم (الراء) من (الْمُصَوِّرُ)، وروي عن علي بن أبي طالب ﵁ أنّه قرأ (الْمُصَوِّرَ) بكسر الواو وفتح الراء، وروي (الْمُصَوَّرُ) بفتح الواو والراء جميعًا، وروي عن الأعمش (الْمُصَوَّرُ).\nفمن نصب (الْمُصَوَّرَ). وفتح (الواو)، وجعل (الْمُصَوَّرَ) مفعولا بـ (الْبَارِئُ) وهو نعتٌ لمحذوف تقديره: البارئ الإنسان الْمُصَوَّرَ، أو آدم الْمُصَوَّرَ.","vol":"1","page":433},{"text":"ومن كسر فهو يريد هذا المعنى إلا أنّه شبه هذا بالحسن الوجه على تقدير قول من قال: هذا الضاربُ الرجلِ، كما تقول: هذا الحسن الوجه، فيجر (الرجل) على التشبيه بالوجه. ويشبه (الضارب) بالحسن؛ لأنَّهما وصفان، ولأنهما يجتمعان في الجمع المسلّم، ولأنّ كل واحد منهما يأتي تأنيثه على حد تأنيث الآخر، نحو حسنٍ وحسنةٍ، كما تقول: ضاربٌ وضاربة، وقد نصبوا (الوجه) في قولهم: هذا الحسن الوجهَ على التشبيه، كقولك: هذا الضاربُ الرجلَ.\nفأما الرفع في (المصوّر) فإنه بعيد. ويروى عن الأعمش، ووجهه فيما ذكروا أنّ المعنى: المصورُ في القلوب بآياته وعلامات ربوبيته، ولا يستحسن العلماء هذه القراءة لبعدها.\n* * *","vol":"1","page":434},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-360>وَمِنْ سُورَةِ (الْمُمْتَحَنَةِ)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-361>قوله تعالى: (وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ)</span>\nيسأل عن موضع (أنّ تُؤمِنُوا)؟\nوالجواب: أنّ موضعها نصب، والمعنى: يخرجون الرسول ويخرجونكم لأنّ تؤمنوا بالله، أي: من أجل ذلك، فـ (أنْ) مفعولُ له.\nو(إياكم) معطوف على الرسول، إلا أنّه ضمير منفصل. والكاف والميم في موضع جر بالإضافة عند الخليل وحكي: إذا بلغ الرجل الستين فإياه وإيا الشوابِّ، وأنكر ذلك أكثر العلماء؛ لأنّ (إيا) مضمر والمضمر لا يضاف، وقال المبرد: (إيا) اسم مبهم أضيف إلى الكاف والميم، ولا يعرف اسم مبهم غيره، وهذا أيضًا قد أنكر عليه؛ لأنّ المبهم لا يضاف، وأنه ليس بمبهم وإنما هو مضمر بمنزلة (الكاف) من (رأيتك) ويدل على أنّه مضمر كونه على صفة واحدة لضرب واحد من الإعراب، وهذا شرط المضمر، وقال ابن كيسان: إنما جيء بها ليعتمد عليها (الكاف) لأنها لا تقوم بنفسها، وقال الكوفيون: (إياك) اسم بكماله، وقال الأخفش: الكاف للخطاب لا موضع لها بمنزلة الكاف في (ذلك) وكذا الهاء والياء في إياه وإياي، وهذا القول هو المختار عند أبي علي وأصحابه.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-362>قوله تعالى: (وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ)</span>\nقيل في (الكوافر) قولان:","vol":"1","page":435},{"text":"أحدهما: أنَّ المعنى: ولا تمسكوا بعصم النساء الكوافر، وهو الظاهر.\nوالثاني: أنّ المعنى: ولا تمسكوا بعصم الفرق الكوافر، ذكره أبو الفتح ابن جني، والآية تدل على القول الأول.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-363>قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ (١٣)</span>\nاختلفوا في (الكفار) هاهنا:\nفقيل: الكفار هاهنا يريد به: الذين يكفرون الموتى، أي: يدفنونهم؛ لأنهم إذا دفنوهم يئسوا منهم، فكذلك هَؤُلَاءِ الذين غضب الله عليهم قد يئسوا من البعث كما يئس هَؤُلَاءِ الذين دفنوا الموتى منهم.\nوقيل: الكفار هاهنا يريد به: الكفار بالله، والمعنى: أنّهم قد يئسوا من البعث كما يئس الكفار الذين هم في القبور من ثواب الله ورحمته؛ لأنهم إذا صاروا إلى القبور عاينوا ما أعدَّ الله لهم من العذاب؛ لأنّه جاء في الحديث أنّه يُفتح لهم أبوابٌ من النار فيشاهدون مواضعهم فيها.\nوقيل المعنى: كما يئس كفار العرب أن يحيى أهل القبور.\nوقيل، هم أعداء المؤمنين من قريش، قد يئسوا من خير الآخرة كما يئس كفار العرب من النشأة الثانية.\n* * *","vol":"1","page":436},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-364>وَمِنْ سُورَةِ (الصَّفِ)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-365>قوله تعالى: (هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ </span>ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢»\nالتجارة: طلب الربح في شراء السلعة، فاستُعيرها هنا لطلب الربح في عمل الطاعة.\nوالجهاد: مقاتلة العدو.\nومما يسأل عنه أن يقال: لم جاز (تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) فيما يقتضي الحمل على التجارة، ولا يصلح: التجارة تؤمنون، وإنما: التجارة أن تؤمنوا بالله؟\nوالجواب: أنّه جاء على طريق ما يدل على خبر التجارة لا على نفس الخبر إذ (فعل) يدل على مصدره وانعقاده بالتجارة في المعنى لا في اللفظ، وفي ذلك تؤطئة لا يُبنى عَلى المعنى في الإيجاز.\nويُسأَل عن جزم (يَغْفِرْ لَكُمْ) (وَيُدْخِلْكُمْ)؟\nوفيه جوابان:\nأحدهما: أنّه جواب (هل) لأنها استفهام وجواب الاستفهام مجزوم هذا القول أصحابنا. وقالوا: الدلالة على التجارة لا توجب المغفرة.","vol":"1","page":437},{"text":"والقول الثاني: أنّه محمول على المعنى؛ لأنَّ قوله (تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) معناه: آمنوا بالله ورسوله وجاهدوا في سبيل الله، فهو أمرٌ جاء في لفظ الخبر، ويدل على ذلك أنّ عبد الله بن مسعود قرأ (آمنُوا باللهِ ورسُوله وَجَاهدُوا في سبيل اللهِ) ولا يمتنع أن يأتي الأمر بلفظ الخبر كما أتى الخبر بلفظ الأمر في قوله تعالى: (فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا). والمعنى: يمدُّ له الرَّحْمَنُ مَدًّا؛ لأنَّ القديم تعالى لا يأمر نفسه، ومثل ذلك (أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ)، فلفظه لفظ الأمر، ومعناه الخبر أي: ما أسمعهم وأبصرهم. أي: هَؤُلَاءِ ممن يجب أن يقال لهم ذلك.\n* * *","vol":"1","page":438},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-366>وَمِنْ سُورَةِ (الْجُمُعَةِ)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-367>قوله تعالى: (يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١»</span>\nالتسبيح: التنزيه لله تعالى، والقدوس: المطهر من العيوب، والتقديس: التطهير، ومنه يقال: القدس حظيرة الجنة، ويقال: للسطل قدس؛ لأنّه يتطهر به، والعزيز: الممتنع. وقيل: الغالب، ومنه قوله تعالى: (وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ)، والحكيم: المحكم للأشياء، وأصل أحكم: منع. قال الأصمعي: قرأت في كتاب بعض الخلفاء: (أحكموا بني فلان عن كذا)، قال الشاعر:\nْأبَني حنيفة أحكِموا سُفهَاءَكم ... إني أخافُ عليكم أنّ أغَضَبَا\nومن هذا أخذت حكمة الدابة للحديدة.\nومما يسأل عنه أن يقال: لم جاز (يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ)، و(ما) إنما يقع على ما لا يعقِل، والتسبيح إنما هو لمن يعقل؟\nوعن هذا جوابان:\nأحدهما: أنّ (مَا) هاهنا بمعنى (مَنْ) كما حكى أبو زيد عن أهل الحجاز أنّهم كانوا إذا سمعوا الرعد قالوا: سبحان ما سبحت له.","vol":"1","page":439},{"text":"والثاني: أنّ (ما) أعم مِنْ (مَنْ) وذلك أنها تقع على ما لا يعقل وعلى صفات من يعقل، فقد شاركت (مَن) في من يعقل وزادت عليها بكونها لما لا يعقل فصارت أعمّ منه، فجاءت لتدل على أنّ التسبيح من جميع الخلق عاقلهم وغير عاقلهم عام، ويدل على هذا قوله تعالى (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-368>قوله تعالى: (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١)</span>\nجاء في التفسير: أنّ النبي ﷺ كان يخطب يوم الجمعة فقدِم دحية الكلبي بتجارة من الشام وفيه كل ما يحتاج إليه الناس. فضرب الطبل ليؤذن الناس بقدومه، فخرج جميع الناس إلا ثمانية نفر، فأنزل الله سبحانه: (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً)، يعني التي قدم بها، (أَوْ لَهْوًا)، يعني الضرب بالطبل.\nويُسأَل عن قوله: (انْفَضُّوا إِلَيْهَا)، ولم يقل (إليهما)؟\nوفى حرف عبد الله (انْفَضُّوا إِلَيْهِ)، ففي القراءة الأولى عاد الضمير إلى التجارة وفي القراءة الثانية على اللهو، وجاز أن يعود الضمير على أحدهما اكتفاءً به، وكأنه على حذفٍ، والمعنى: وإذا رأوا تجارة انفضوا إليها وإذا رأوا لهوا انفضوا إليه، فحذف (إليه) لأنّ (إليها) يدل عليه.\nقال الفراء: إنما قال (إليها) لأنها كانت أهم إليهم، وهم بها أسرُّ من الطبل؛ لأنّ الطبل إنما دلّ على التجارة، والمعنى كله له.","vol":"1","page":440},{"text":"فصل:\nومما يُسأل عنه أن يقال: لِمَ قدم التجارة على اللهو هاهنا، وأخرها في قوله: (قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ)؟\nوالجواب: أنّ التجارة هي المطلوبة، والفائدة فيها واللهو لا فائدة فيه، فأعلمهم أنّهم إذا رأوا تجارة وهي المرغوب فيها عندهم أو لهوًا ولا فائدة فيه فينفضون، وعجَّزهم بذلك وبكتهم لأنهم يُعذرون في بعض الأحوال على التجارة ولا يعذرون على اللهو لأنّه ليس مما يرغب فيه العقلاء كما يرغبون في التجارة، ثم قال لنبيه ﵇: (قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ) الذي لا فائدة فيه (وَمِنَ التِّجَارَةِ) التي فيها الفائدة، فأُخِّر الأول هاهنا ليعلمهم أنّ ما عند الله خير مما لا فائدة فيه ومن الذي فيه فائدة، والعرب تبتدئُ بالأدنى ثم تتبعه بالأعلى، نحو قولهم: فلان يعطي العشرات والمئين والآلاف.\n* * *","vol":"1","page":441},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-369>وَمِنْ سُورَةِ (الْمُنَافِقِينَ)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-370>قوله تعالى: (وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ ... (٤»</span>\nالخُشُب: جمع خشبة. مثل: بُدُن وبدنة، والخَشَب: جمع خشبة أيضًا، مثل: شجرة وشجر. وقيل: خُشُب جمع خِشاب وخِشاب جمع خشبة كما يقال: ثِمَار وثُمُر، فعلى هذا يكون (خُشُبٌ) جمع الجمع، وكذلك (ثُمُر) من قوله تعالى: (وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ)، فخشبه وخشب بمنزلة شجرة وشجر، وخَشَب وخِشَاب بمنزلة جبل وجبال، وخِشاب وخُشُب بمنزلة كتاب وكتُب.\nوقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي (خُشْبٌ) بإسكان الشين، وقرأ الباقون (خُشُبٌ) بالضم. وخُشْبٌ مخففة من خُشُبٌ كما يقال: رُسْل في رُسُل وكُتْب وكُتُب.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-371>قوله تعالى: (يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ)</span>\nجاء في التفسير: أنّ النبي صلى الله عليه كان في غزوة من غزواته، فالتقى رجل من المسلمين يقال له \" جعال \" وآخر من المنافقين على الماء فازدحما عليه فلطمه \" جعال \" وأبصره \" عبد الله بن أبي \" فغضب، وقال: ما أدخلنا هَؤُلَاءِ القوم ديارنا إلا لتلطم مالهم قاتلهم الله، يعني جعالًا وقومه، ثم قال: إنكم لو منعتم أصحاب هذا الرجل القوت، يعني: النبي - ﷺ - لتفرقوا","vol":"1","page":442},{"text":"عنه وانفضوا، فأنزل الله تعالى: (هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ). ثم قال عبد الله بن أُبي: لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ، وسمعها \" زيد بن أرقم \" فأخبر بها النبي صلى الله عليه فأنزل الله تعالى: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ).\nنصب (الْأَذَلَّ) لأنّه مفعول و(الْأَعَزُّ) فاعل، وأجاز الفراء: (لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ) على أنّ (لَيُخْرِجَنَّ) غير متعد لأنّه من خرج يخرج، قال: كأنك قلت: ليخرجن العزيز منها ذليلًا، وفي هذا بعد؛ لأنَّ (الأذل) معرفة، ولا يجوز أن تكون الحال معرفة، إلا أنّه ربما قُدِّرت الألف واللام كأنهما زائدتان، وقد حكى سيبويه: ادخلوا الأول فالأول، أي: ادخلوا متتابعين، فهذا على تقدير طرح الألف واللام، قال: وقرأ بعضهم: (لَنُخْرِجَنَّ الْأَعَزَّ مِنْهَا الْأَذَلَّ) بنون مضمومة، وهذا يدل على هذه الإجازة، ونصب (الأعزَّ) لأنّه مفعول، قال: ومعناها: ليُخرجن الأعزُّ في نفسه ذليلًا.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-372>قوله تعالى: (فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠»</span>\nيُسأل عن نصب (فَأَصَّدَّقَ)؟\nوالجواب: أنّه منصوب لأنّه جواب التمني بالفاء، وكل جوابٍ بالفاء نصب إلا جواب الجزاء فإنه رفع على الاستئناف. لأنّ الفاء في الجزاء وصلة إلى الجواب بالجملة من المبتدأ والخبر، وإنما نصب الجواب للإيذان بأن الثاني يجب أن يكون بالأول، ودلت الفاء على ذلك، ولا يُحتاج إلى ذلك في الجزاء؛ لأنَّ حروف الجزاء تربط الكلام.\nوقرأ أبو عمرو وحده (وَأَكُونَ) بالنصب والواو. وقرأ الباقون (وَأكُنْ) وقيل لأبي عمرو:","vol":"1","page":443},{"text":"لمَ سقطت من المصحف؟ - فقال: كما كتبوا (كلمن)، يعني: أنها كذا يجب أن تكون، وإنما حذفت من المصحف استخفافًا، وهي قراءة عبد الله، وأجاز الفراء: النصب مع حذف الواو، والنصب على العطف.\nوأما من قرأ (وَأكُنْ) فإنه عطف على (الفاء) قبل دخولها؛ لأنَّها لو لم تدخل لكان الفعل مجزومًا، وكل جواب يكون منصوبًا بالفاء فهو مجزوم بغير (الفاء) إلا الجحد فإنه لا يكون إلا بـ (الفاء)، والفاء تدخل جوابًا لسبعة أشياء وهي: الأمر والنهي والتمني والجحد والاستفهام والعرض والشرط.\n* * *","vol":"1","page":444},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-373>وَمِنْ سُورَةِ (التَّغَابُنِ)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-374>قوله تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٦)</span>\nقال علي بن عيسى: أنِفُوا من اتباع بشرٍ؛ لأنّه من جنسهم، فهو كما قال في موضعٍ آخر (أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ)، وكل متكبر في العباد مذموم؛ لأنّ كبره طريق إلى ترك تعلّم ما ينبغي أن يتعلم، والاتباع لمن ينبغي أن يتبع.\nويقال: ما معنى (بَشَرٌ) هاهنا؟\nوالجواب: أنّ البشر والإنسان سواء، وقيل: إنه مأخوذ من البشرة وهو ظاهر الجلد.\nوفي رفع (بَشَرٌ) وجهان:\nأحدهما أنّه فاعل بإضمار فعل يدلُّ عليه (يهدوننا)، كأنّه قال: أيهدوننا بشر يهدوننا، وإنما احتجت إلى إضمار فعلٍ لأنّ الاستفهام بالفعل أولى.\nوالقول الثاني؛ أنّه مبتدأ و(يهدوننا) خبره، وهو قول أبي الحسن الأخفش.\n* * *","vol":"1","page":445},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-375>وَمِنْ سُورَةِ (الطَّلَاقِ)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-376>قوله تعالى: (وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ </span>(٤»\nالمحيض: بمعنى الحيض، والمحيض أيضًا: موضع الحيض وزمانه.\nوالارتياب: الشك، وجاء في التفسير في قوله (إِنِ ارْتَبْتُمْ) أنّ المعنى: إذا لم تدروا للكبر أو لدم الاستحاضة، فالعدة ثلاثة أشهر. وهو قول الزهري وعكرمة وقتادة، وقيل: إن ارتبتم فلم تدروا الحكم في ذلك فعدتهن ثلاثة أشهر.\nويُسأَل عن خبر قوله: (وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ)؟\nوالجواب: أنّه محذوف وهو جملة تقديرها: وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ عدتهن ثلاثة أشهر، ودلَّ عليه ما قبله.\nو(وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ) مقطوع مما قبله؛ لأنَّ أجلهن مؤقت، وهو وضع حملهن.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-377>قوله تعالى: (قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (١٠) رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ)</span>","vol":"1","page":446},{"text":"يُسأل عن نصب (رَسُولًا)؟\nوفيه ثلاثة أوجه:\nأحدهما: أن يكون بدلًا من (ذِكْرًا)، والذكر على وجهين:\nأحدهما - أن يكون القرآن، فيكون (رَسُولًا) بدلا منه؛ لأنّ المعنى يشتمل عليه. ويكون الذكر هو الرسول. فكأنه في التقدير: قد أنزل الله إليكم ذكرًا ذا رسول.\nوالوجه الثاني - أن يكون الذكر الشرف. فيكون الرسول هو الذكر في المعنى، كما قال: (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ).\nوالوجه الثاني: أن يكون منصوبًا بـ (جعل)؛ لأنَّ (أنزل) يدل عليه؛ لما قال: أنزل ذكرًا، دل على أنّه جعل رسول، ومثله قول الشاعر:\nبادَت وغيَّرَ آيَّهُنَّ مَعَ البلى ... إلا رَواكِدَ جمرُهن هَبَاءُ\nومُشَجَّجٍ أَمَّا سَواءُ قَذالِهِ ... فَبَدا وغَيَّبَ سارَهُ المَعْزاءُ\nلأنّه لما قال: إلا رواكد، دلّ على أنّ بها رواكد، فحمل قوله: ومُشَجَّجٍ على المعنى.\nوالثالث: أن يكون منصوبًا بإضمار (أعني).\nوأجاز الفراء: الرفع في (رسول)؛ لأنّ (الذكر) رأس آية والاستئناف بعد الآيات حسن.\n* * *","vol":"1","page":447},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-378>وَمِنْ سُورَةِ (التَّحْرِيم)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-379>قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١)</span>\nقال الفراء: نزلت فى لا مارية القبطية، كان النبي صلى الله عليه يجعل لكل امرأة من نسائه يومًا، فلما كان يوم عائشة ﵂ زارتها حفصة فخلا بيتها، فبعث رسول الله صلى الله عليه إلى مارية وكانت مع النبي صلى الله عليه في بيت حفصة، وجاءت حفصة إلى منزلها فإذا الستر مرخي، وخرج النبي ﷺ، فقال: أتكتمين عليَّ؟ - قالت: نعم، قال: فإنها عليَّ حرام، يعني \" مارية \" وأخبرك أنّ أباك وأبا بكر سيملكان من بعدي، فأخبرت حفصة عائشة الخبر، ونزل الوحي على النبي صلى الله عليه بذلك، فقال: ما حملك على ما فعلت؟ - قالت: ومن أخبرك أني قلت ذلك لعائشة؟ - قال: (نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ)، ثم طلق حفصة تطليقة واحدة، واعتزل نساءه تسعة وعشرين يومًا، ونزل عليه: (لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ) من نكاح مارية، ثم قال: (قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ) فكفَّر النبي صلى الله عليه عن يمينه، والتحلة: الكفارة، فأعتق رقبة، وعاد إلى مارية، ثم قال: عرَّف حفصة بعض الحديث، وترك بعض الحديث، وهذا الذي قال الفراء قول زيد بن أسلم ومسروق وقتادة والشعبي وعبد الرحمن بن زيد والضحاك.\nوفي (النبي) لغتان: الهمز، وترك الهمز\nفمن همز أخذه من أنبأ، وهو (فعيل) بمعنى (مُفعِل) أي: منبئ والمنبئ: المخبر؛ لأنّه يخبر عن الله تعالى، ويقال: سميع بمعنى مسمِع، قال عمرو بن معدي كرب:","vol":"1","page":448},{"text":"أُمِنْ رَيَحانَةَ الدَّاعِي السمِيعُ ... يُؤَرِقُني وَأصحابي هُجُوعُ\nيريد: المسمع.\nوجمع (نبيء) بالهمز: نبآء، قيل: كريم وكرماء. قال عباس بن مرداس:\nيا خاتَم النُّبَآء إنَّك مُرْسَلٌ ... بالخيرِ كلُّ هدى السَّبيلِ هُدَاكا\nويقال: نبيّ بغير همز، ويحتصل وجهين:\nأحدهما: أن يكون من (أنبأ) إلا أنّه خُفف بترك الهمز، كما قالوا: برية وروية، وأصلها الهمز.\nوالوجه الثاني: أنّه يحتمل أن يكون من (النباوة) وهي المرتفع من الأرض، فلارتفاع ذكره سُمّي بذلك، وجمعه على هذا: أنبياء، بمنزلة: غني وأغنياء، وترك الهمز أفصح. ويروى أنّ رجلًا قال للنبي صلى الله عليه: يا نبيء الله - بالهمز - فقال: لست بنبيء الله ولكنني نبي الله، فهذا يدل على ترك الهمز، وكأنه كره التقعير.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-380>قوله تعالى: (إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا)</span>\nيقال: لمَ جمعت القلوب؟\nوعن هذا أجوبة\nأحدها: أنّ التثنية جمع في المعنى، فوضع الجمع موضع التثنية، كما قال تعالى: (وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ)، وإنما هو داود وسليمان ﵉.","vol":"1","page":449},{"text":"والثاني: أنّ أكثر ما في الإنسان اثنان اثنان نحو: اليدين والرجلين والعينين والخدين، وما أشبه ذلك، وإذا جُمع اثنان إلى اثنين صار جمعًا، فيقال: أيديهما وأرجلهما، ثم حمل ما كان في الإنسان منه واحد على ذلك لئلا يختلف حكم لفظ أعضاء الإنسان.\nوالثالث: أنّ المضاف إليه مثنًى فكرهوا أن يجمعوا بين تثنيتين فصرفوا الأول منهما إلى لفظ الجمع؛ لأنَّ لفظ الجمع أخف؛ لأنّه أشبه بالواحد؛ لأنَّه يُعرب بإعرابه ويستأنف كما يستأنف الواحد، وليست التثنية كذلك؛ لأنَّها لا تكون إلا على حدٍّ واحد، ولا تختلف، ومن العرب من يثني فيقول: قلباهما، قال الراجز فجمع بين اللغتين:\nومَهْمَهَيْنِ قَذَفَيْنِ مَرْتَيْنْ ... ظهراهُما مِثلُ ظهورِ التُّرْسَيْنْ\nوقال الفرزدق:\nبِمَا فى فُؤادَينَا مِن الشَّوقِ والهوَى ... فَيُجبرُ منهَاضُ الفؤادِ المشَغّفِ\nومن العرب من يفرد، ويروى أنّ بعضهم قرأ (فَبَدَتْ لَهُمَا سَوَّاتِهما).\nقال الفراء في قوله: (صَغَتْ قُلُوبُكُمَا) يعني: عائشة وحفصة قد صَغَتْ قُلُوبُهمَا، وذلك أنّ عائشة قالت: يا رسول الله: أما يوم غيري فتتمه وأمّا يومي فتفعل فيه ما فعلت، فنزلت: (إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ).","vol":"1","page":450},{"text":"ومعنى صغت: زالت ومالت إلى ما كان من تحريم، وقيل: زاغت إلى الإثم، وهو قول ابن عباس ومجاهد والضحاك.\nْقوله تعالى: (فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ (٤»\nالمولي في الكلام على تسعة أوجه:\nالمولي: السيد، والولي: العبد، والولي: المنعِم، والولي: المنعَم عليه، والمولى: الولي، والمولى: ابن العم، والمولى: واحد الموالي وهم العصبة من قوله تعالى: (وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي). والمولى أولى من قوله تعالى (وَهُوَ وَلِيُّهُمْ) أي: أولى بهم، قالَ لبيد:\nفَغَدَتْ كِلاَ الفَرْجَيْنِ تحسب أنَّه ... مَوْلَى المخافةِ خَلْفُها وأمامُها\nأي: أولى.\nوفي (جِبْرِيل) أربع لغات:\nجِبريل - بكسر الجيم -، وجَبريل - بفتحها - وجَبرائيل - بفتح الجيم وكسر الهمزة -، وجَبرائيل، وقد قرئ بذلك كله، فقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر وحفص عن عاصم (جِبْرِيل) بكسر الجيم دون همز، وقرأ الكسائي وحمزة (جَبْرِائيل) مفتوح الجيم مهموز بين الراء والياء، وقرأ أبو بكر عن عاصم (جَبْرِئيل) على وزن (فبرعيل). وقرأ ابن كثير (جَبْرِيل) بفتح الجيم وكسر الراء من غير همز، ومن العرب من يقول: جَبريلّ بتشديد اللام، ومنهم من يبدل من اللام نونًا.","vol":"1","page":451},{"text":"وقيل في (صَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ) ثلاثة أقوال:\nأحدها: خيار المؤمنين، وهو قول الضحاك.\nوالثاني: الأنبياء، وهو قول قتادة، و(ظَهِيرٌ) في هذين القولين في معنى ظهراء، والظهير: العين، وقع الواحد موقع الجمع وكذا: (صَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ) واحد في معنى الجمع، كما قال: (فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا)، ومثله: (سَامِرًا تَهْجُرُونَ).\nوالقول الثالث: أنّه عنى \" أبا بكر \" وقيل \" عمر \" وقيل: \" علي \" ﵃.\nْوقوله: (فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ) يجوز في قوله (هو) وجهان:\nأحدهما: أن يكون فصلًا دخل ليفصل بين المبتدأ والخبر، والكوفيون يسمونه (عمادًا).\nوالثاني: أن يكون مبتدأ و(مولاه) الخبر، والجملة خبر (إنّ).\nومن جعل (مولاه) بمعنى السيد والخالق كان الوقف على قوله (مولاه) وكان (جبريل) مبتدأ و(ظَهِيرٌ) خبره.\nومن جعل (مولاه) بمعنى ولي وناصر جاز أن يكون الوقف على قوله: (وجبريل). وجاز أن يكون على قوله (وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ) ويبتدأ (وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ)، فيكون (ظَهِيرٌ) عائدا على (الملائكة).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-381>قوله تعالى: (وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (١٢»</span>","vol":"1","page":452},{"text":"قرأ أبو عمرو وحفص عن عاصم وخارجه عن نافع (وكتبه) وقرأ الباقون (وكتابه)، والمعنى واحد، إلا أنّ من قرأ بالإفراد جعل الواحد في موضع الجمع، ومن جمع قرأ على الأصل؛ لأنَّ الله تعالى قد أنزل كتبًا قبل مريم ﵍، وقد آمنت بجميعها، ويجوز أن يعود قوله (وكتابه) على التوراة؛ لأنها كانت أظهر عندهم، وإذا حمل على الجمع أراد التوراة وصحف إبراهيم وإدريس وآدم ﵈ وغيرها من الصحف التي أنزل الله تعالى.\nويُسأل عن قوله (مِنَ الْقَانِتِينَ)، كيف قال: من القانتين، ولم يقل من القانتات؟.\nوالجواب: أنّ القنوت يقع من المذكر والمؤنث، وإذا اجتمعا غلب المذكر على المؤنث، فكأنه في التقدير: كانت من العباد القانتين، فعمَّ في القانتين، ولأنها كانت في قنوتها وخدمتها لبيت المقدس مقام رجل أو رجال.\n* * *","vol":"1","page":453},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-382>وَمِنْ سُورَةِ (الْمُلْكِ)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-383>قوله تعالى: (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ)</span>\nقال علي بن عيسى: معنى (تبارك) تعالى؛ لأنَّه الثابت الدائم الذي لم يزل ولا يزال، وذلك أنّ أصل الصفة: الثبوت، من البروك وهو ثبوت الطير على الماء، ومنه البركة لثبوت الخير بها، قال: ويجوز في معنى (تبارك) تعالى من جميع البركات منه، إلا أنَّ هذا المعنى مضمن في الصفة غير مصرح به، وإنما المصرح به: تعالى باستحقاق التعظيم والملك: القدرة والسلطان، وأصله من أصل الملك، وأصل الملك من الشدّ، يقال: ملكت العجين إذا شددته، وقد شرح في الفاتحة.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-384>قوله تعالى: (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا)</span>\nالابتلاء: الاختبار، يقال: بلوت هذا الأمر وابتليته أي: اختبرته، قال زهير:\nفأبلاهُم خَيرَ البَلاءِ الذي يَبلُو\nويقال: لم يبلُ من يخبر، أي: يعلم، والجواب لتقوم الحجة، لئلا يبقى للخلق على الله حجة،","vol":"1","page":454},{"text":"ويكون الثواب والعقاب بعد العلم بوقوع الأمر دون العلم بأنه سيكون كذلك.\nوقوله (أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) مبتدأ وخبر، ولا يعمل فيه (ليبلوكم) لأنّ البلوى لم تقع على قوله (أَيُّكُمْ)، وفي الكلام إضمار فعل، والتقدير ليبلوكم لينظر (أَيُّكُمْ) أطوع له، وكذلك قوله تعالى (سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ)، وإنما يأتي هذا ونحوه في أفعال العلم، ولو قلت: اضرب أيُهم ذهب أو يذهب، لم يكن إلا نصبًا؛ لأنّ الضرب ليس من هذا القبيل، ومن هذا القبيل قوله: (لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى) وقوله: (لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا) وقوله: (فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا)، وقد شرحنا ذلك.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-385>قوله تعالى: (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤»</span>\nيسأل عن موضع (مَنْ) من الإعراب؟\nوالجواب: أنها في موضع رفع. لأنها فاعل (يعلم) والتقدير: يعلم الذي خلق ما في الصدور، ولا يجوز أن تكون مفعولة؛ لأنّ المعنى لا يصح على ذلك، وذلك أنَّ (مَن) لمن يعقل دون ما لا يعقل فلو","vol":"1","page":455},{"text":"جعلت (مَنْ) مفعولة لصار المعنى أنّه يعلم العقلاء خاصة ولا يعلم سواهم وهذا لا يصح على القديم.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-386>قوله تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ)</span>\nيقال ما معنى (مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ)؟\nوالجواب: أنّه تعالى وطأ لهن الهواء، ولولا ذلك لسقطن، وفي ذلك أكبر آية، قال مجاهد وقتادة: الطير تصفُّ أجنحتها تارة وتقبضها أخرى.\nومما يسأل عنه أن يقال: كيف عطف (يَقْبِضْنَ) وهو فعل على (صَافَّاتٍ) وهو اسم، ومن الأصل المقرر أنّ الفعل لا يُعطف على الاسم، وكذلك الاسم لا يعطف على الفعل؟\nوالجواب: أنّ (يَقْبِضْنَ) وإن كان فعلًا فهو في موضع الحال وتقديره تقدير اسم فاعل، و(صَافَّاتٍ) حال، فجاز أن يعطف عليه، فكأنه قال: أولم يرو أنّ الطير فوقهم صافات وقابضات، وقد جاء مثل هذا في الشعر، قال الراجز:\nبات يُغَشِّيها بعَضْبٍ باترٍ ... يَقْصِدُ في أَسْوُقِها وجائِرُ\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-387>قوله تعالى: (أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٢»</span>\nيقال: ما معنى الاستفهام هاهنا، وقد عُلم أنّ من يمشي على صراطٍ مستقيم أهدى ممن يمشي مُكِبًّا؟\nوالجواب: أنّه إنكار وتبكيت وليس باستفهام في الحقيقة؛ لأنّ الاستفهام إنما يكون عن جهل من","vol":"1","page":456},{"text":"المستفهم بما يستفهم عنه، وهذا لا يجوز على القديم تعالى، ومثل هذا الإنكار قوله تعالى: (آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ) وكذلك قوله: (آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ) فأما قوله: (آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ) فإنما جاز هذا وقد علم أنّه تعالى خير مما يشركون من قبل أنّهم كانوا يعتقدون أنَّ فيما يشركون خيرًا، فخاطبهم على قدر اعتقادهم من جهة التبكيت لهم والإنكار عليهم، وفيه حذف والتقدير: أعبادة الله خير أم عبادة ما يشركون، ومثله (يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ).\nويقال: أكب الرجل على وجهه فهو مكب، وكببته أنا، وهذا من نوادر الفعل، وذلك أنّ (أفعل) لازم و(فَعَل) متعدٍ. والأصول المقررة بخلاف ذلك، نحو قولك: قام وأقمته وخرج وأخرجته، فيكون (فَعَل) لازما في مثل هذا، و(أفعل) متعديًا، ومثل (أكب) قولهم: أنزفت البئر، إذا ذهب ماؤها، وأمرت الناقة، إذا درَّ لبنها، ومريتها أنا إذا استدررتها بالمسح، وأشنق البعير إذا رفع رأسه. وشنقته أنا إذا مددته بالزمام، وقال الله تعالى في (كبّ) متعديًا: (فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ)، وكذلك: (فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-388>قوله تعالى: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ (٣٠»</span>","vol":"1","page":457},{"text":"يقال: غار الماء يغور غورًا، إذا غاص في الأرض.\nوالمعين: الذي تراه العيون، وقيل المعين: الجاري، وهو قول قتادة والضحاك، فعلى القول الأول يكون (مفعولًا) من العين، كمبيع من البيع ومكيل من الكيل، وعلى القول الثاني يكون في تقدير (الفاعل) وتكون (ميمه) أصلية. ويكون من الإمعان في الجري، ويجوز أن يكون في معنى (مفعول) فتكون (الميم) زائدة، كأنّه قد أجري عيونًا، قال الفراء: العرب تقول، (أصبح ماؤكم غورا ومياهكم غورًا، ويقال: هذا ماء غور وبئر غور وماءان غور ومياه غور، فلا يجمعون ولا يثنون، ولا يقولون: غوران ولا أغوار، وهو بمنزلة: الزور، يقال: هَؤُلَاءِ زور لفلان، وكذلك: الضيف والصوم والفطر، وفي تقديره وجهان:\nأحدهما: أن يكون في تقدير: ذا غور.\nوالثاني: أن يكون المصدر وضع موضع اسم الفاعل، كما قالوا: جاء ركضًا ومشيًا، أي: راكضًا وماشيًا.\n* * *","vol":"1","page":458},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-389>وَمِنْ سُورَةِ (الْقَلَمِ)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-390>قوله تعالى: (ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١)</span>\nالنون: في قول ابن عباس ومجاهد: الحوت الذي عليه الأرضون وجمعه (نينان) سماعًا لا قياسًا، وروي عن ابن عباس من طريقة أخرى: أنّ (النون) الدواة. وهو قول الحسن وقتادة، وقيل: (النون) لوح من نورٍ ذكر في خبر مرفوع، وقيل: هو اسمٌ للسورة، وحكمه في الإعراب إذا كان اسمًا للسورة حكم (الم).\nوقرأ الكسائي وعاصم في طريقة أبي بكر (ن والقلم) بالإخفاء، وقرأ الباقون بالإظهار، وقال الفراء: وإظهارها أعجب إليَّ؛ لأنَّها هجاء، والهجاء كالموقوف عليه وإن اتصل، ومن أخفاها بنى على الاتصال.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-391>قوله تعالى: (بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (٦»</span>\nيسأل عن (الباء) هاهنا؟\nوفيها ثلاثة أجوبة:\nأحدها: أنها زائدة، والتقدير: أَيّكُمُ الْمَفْتُونُ.","vol":"1","page":459},{"text":"والثاني: أنّها بمعنى (في) والتقدير: في أي فرقكم المفتون، أي: المجنون. وهذا قول الفراء.\nوالقول الثالث: أنّ (المفتون) بمعنى: الفتون، كما يقال: ماله معقول، وليس له محصول، وهذا قول ابن عباس.\nقال مجاهد: المفتون: المجنون. وقال قتادة المعنى في (بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ) أيكم أولى بالشيطان، جعل (الباء) زائدة.\nقال الراجز:\nنَحنُ بني جَعَدة أصحابُ الفَلجَ ... نَضربُ بالسيفِ ونرجُو بالفَرجْ\nأىِ: نرجو الفرج.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-392>قوله تعالى: (سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (١٦) إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (١٧) وَلَا يَسْتَثْنُونَ (١٨) </span>فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (١٩) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (٢٠»\nالسمة: العلامة، يقال: وسمه يسمه وسمًا وسمًا.\nوالخرطوم ما نتأ من الأنف، وهو الذي يقع به الشم، ومنه قيل: خرطوم الفيل، وخرطمه: إذا قطع أنفه، وجمعه: خراطيم.\nقال قتادة المعنى: سنسمه على أنفه، وروي عن ابن عباس في (سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ) سنُحطمه بالسيف في يوم بدر، قال الفراء: أي سنكويه ونسمه سمة أهل النار، ومعناه: سنسوّد وجهه، وهو وإن كان الخرطوم قد خصّ بالسمة فإنه كأنّه في مذهب الوجه؛ لأنَّ بعض الوجه يؤدي عن","vol":"1","page":460},{"text":"البعض. والعرب تقول: والله لأسمنك وسمًا لا يفارقك.\nوقيل: الخرطوم: الخمر، والمعنى: سنسمه على شرب الخمر، قال الشاعر:\nأَبَا حاضِرٍ مَنْ يَزْنِ يُعْرَفْ زِناؤُهُ ... ومَنْ يَشرَبِ الخُرْطُومَ يُصْبِحْ مُسَكَّرا\nوالجنة: البستان، والصرام: الجداد في النخيل بمنزلة: الحصاد والقطاف في الزرع والكرم، يقال: صرمت النخل وجددتها، وأصرمتْ هي وأجدت إذا حان ذلك منها.\nومصبحين: داجلين وقت الصبح.\nولا يستثنون: لا يقولون (إن شاء الله).\nوالطائف: الطارق بالليل، فإذا قيل: (أطاف به) صلح في الليل والنهار.\nوأنشد الفراء:\nأَطَفْتُ بِهَا نَهَارًا غَيْرَ لَيْلٍ ... وأَلْهَى رَبَّها طَلبُ الرّخَالِ\nوالرخال: الإناث من أولاد الضأن، والصريم: الليل الأسود، قاله ابن عباس، وأنشد أبو عمرو:\nألا بكَرت وَعَاذلِتي تلُوم ... تُهَجِدُني وَمَا انكشَفَ الصَريمُ","vol":"1","page":461},{"text":"وقال آخر:\nتَطاوَلَ ليلُكَ الجَونُ البَهيمُ ... فَمَا يَنجابُ عَن صُبحٍ صَريمُ\nإذَا ما قلت أقشع أو تناهى ... جُرَت من كُل ناحِيةٍ غُيومُ\nويُسمى النهار صريمًا، وهو من الأضداد؛ لأنّ الليل ينصرم عند مجيء النهار، والنهار ينصرم عند مجيء الليل، وقيل: الصريم: المصروم، أي: صرِم جميع ثمارها، والمعنى: فأصبحت كالشيء المصروم، وقيل: الصريم: الصحيفة، أي: أصبحت بيضاء لا شيء فيها، وقيل: الصريم: منقطع الرمل الذي لا نبات فيه، قال الفراء المعنى: بلونا أهل مكة كما بلونا أصحاب الجنة، وهم قوم من أهل اليمن كان لرجلٍ منهم زرع وكرم ونخل، وكان يترك للمساكين من زرعه ما أخطأه المنجل، ومن النخل ما سقط عن البسط، ومن الكرم ما أخطأه القطاف، فكان ذلك يرتفع إلى شيء كثير، ويعيش به اليتامى والأرامل والمساكين. فمات الرجل وله بنون ثلاثة، فقالوا: كان أبونا يفعل ذلك والمال كثير والعيال قليل، فأما إذ كثر العيال وقلَّ المال فإنا لا نفعل ذلك، ثم تآمروا أن يصرموا في سدف، أي: في ظلمة باقية من الليل؛ لئلا يبقى للمساكين شيء، فسلط الله على مالهم نارًا فأحرقته ليلًا.\n(وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ) أي: على منع، من قولهم: حاردت السَّنَة إذا منعت قطرها. وقال الفراء:\nعلى قصدٍ، وقال أيضًا: على قدرة وجدٍّ في أنفسهم، وأنشد في الحرد بمعنى القصد:\nأَقْبَل سَيْلٌ جَاءَ مِنْ عِند اللَّهْ ... يَحْرِدُ حَرْدَ الجَنَّةِ المُغِلَّهْ\nفي كُل شهر دائم الأهلّة","vol":"1","page":462},{"text":"وقيل: (عَلَى حَرْدٍ) على جد من أمرهم، وهو قول مجاهد وقتادة وعبد الرحمن بن زيد، وقال الحسن: على جهدٍ من الفاقة، وقال سفيان: على حنق، قال الأشهب بن رميلة:\nأُسُودُ شَرىً لاقَتْ أُسُودَ خَفِيَّةٍ ... تَسَاقَوْا عَلَى لَوحٍ دِماءَ الأَساوِدِ\nوقيل: (عَلَى حَرْدٍ) على غضب.\nقال: فلما جاءوا إليها ليصرموها لم يروا شيئًا إلا سوادًا، فقالوا: إنا لضالون ما هذا بمالنا الذي نعرف. أي: ضللنا عن جنتنا، وقيل: ضالون عن طريق الرشاد في إدراك جنتنا قال قتادة: أخطأنا الطريق، وقيل: ضالون عن الحق في أمرنا، ولذلك عوقبنا بذهاب ثمرتنا، ثم قال بعضهم: هو مالنا، وحُرمنا بما صنعنا بالأرامل والمساكين (قَالَ أَوْسَطُهُمْ) أي: أعدلهم طريقةً، وكانوا قد أقسموا ليصرمنها في أول الصباح، ولم يقولوا \" إن شاء الله \" فقال لهم أوسطهم، وهو أخٌ لهم: ألم أقل لكم لولا تسبحون. أي: تستثنون، والتسبيح هاهنا: الاستثناء، وهو أن يقول \" إن شاء الله \".\nوموضع (الكاف) نصب، لأنها نعتٌ لمصدرٍ محذوف، والتقدير: إنا بلوناهم بلاءً كما بلونا أصحاب الجنة.\n* * *","vol":"1","page":463},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-393>وَمِنْ سُورَةِ (الْحَاقَّةِ)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-394>قوله تعالى: (الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ (٣) كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ (٤) فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (٥»</span>\nالحاقة: اسم من أسماء القيامة، لأنها يحقُّ فيها الجزاء، وكذلك القارعة؛ لأنَّها تقرع قلوب العباد.\nوثمود وعاد: قبيلتان من الجبلة الأولى، وهي ستة: عاد وثمود وطسم وجديس وأميم وأرم.\nوالطاغية: قيل معناه: الخصلة الطاغية، وقيل معناها: الطغيان، بمنزلة العاقبة والعافية، قال ابن عباس: القارعة: يوم القيامة، وقال قتادة: الطاغية: الصيحة المتجاوزة في العظم، وقال ابن عباس والضحاك وقتادة وابن زيد. الحاقة: القيامة.\n* * *\nفصل:\nومما يسأل عنه أن يقال: لِمَ كرر لفظها، ولم يضمر لتقدم ذكرها؟\nوالجواب: أنها كررت، ولم تضمر للتعظيم والتفخيم لشأنها، ومثله: (الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ (٢»، ومثله قوله: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢).","vol":"1","page":464},{"text":"ويسأل عن موضع (الْحَاقَّة) من الإعراب؟\nوفيها جوابان:\nأحدهما: أن تكون مبتدأة، وقوله (مَا الْحَاقَّةُ) خبرها، كأنّه قال: الحاقة أيّ شيء هي.\nوالثاني: أن تكون خبر مبتدأ محذوف، أي: هذه الحاقة، ثم قيل: أي شيء الحاقة. تفخيمًا لشأنها. وتلخيص المعنى: هذه السورة الحاقة.\nوقوله: (وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ)، (ما) في موضع رفع بالابتداء، وهي استفهام، و(الْحَاقَّةُ) الخبر. والجملة في موضع نصب على المفعول الثاني لـ (أدراك) من قوله (وما أدراك).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-395>قوله تعالى: (وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا)</span>\nالأرجاء: الجوانب، واحدها \" رجا \"، وهو يُكتب بالألف؛ لأنَّ تثنيته بالواو، قال الشاعر:\nفَلَا يُرْمَى بِيَ الرَّجَوانِ أَنِّي ... أَقَلُّ القَوْمِ مَنْ يُغْنِي مَكانِي\nوالملك: واحد ويُراد به الجماعة؛ لأنّه جنس، ولا يجوز أن يكون واحدًا بعينه؛ لأنّه لا يصح أن يكون ملك واحد على أرجائها، أي: جوانبها فى وقت واحد. ومثل ذلك قوله تعالى:","vol":"1","page":465},{"text":"(وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢»، أي: إن الناس؛ لأنّه قال: (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)، ولا يستثنى من الواحد، ومثله: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ) أي: المفسدين من المصلحين، وكذا قول العرب:\nأهلك الناس الدينار والدرهم، أي: الدنانير والدراهم.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-396>قوله تعالى: (وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢»</span>\nقول الشاعر: ما ألفه بوزنٍ، وجعله مقفى، وله معنى. وقول الكاهن: السجع، وهو كلام متكلف يُضم على معنى يشاكله.\nومما يسأل عنه: لِمَ مُنع الرسول ﵇ من الشعر؟\nوعن هذا جوابان:\nأحدهما: أنّ الغالب من حال الشعراء أنّه يبعث على الشهوة، ويدعو إلى الهوى، والرسول ﵇ إنما يأتي بالحكم التي يدعو إليها العقل للحاجة إلى العمل عليها، والاهتداء بها.\nوالثانى: أنّ في منعه من قول الشعر دلالة على أنّ القرآن ليس من صفة الكلام المعتاد بين الناس، وأنه ليس بشعر؛ لأنَّ الذي يتحدى به غير شعر، ولو كان شعرًا لنُسب إلى من تحدى به وأنه من قوله.\nويسأل عن نصب قوله: (قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ) و(قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ)؟\nوفيه وجهان:","vol":"1","page":466},{"text":"أحدهما: أن يكون نعتًا لمصدرٍ محذوف، أي: إيمانًا قليلًا ما تؤمنون. وادكارا، قليلًا تذكرون.\nوالثاني: أن يكون نعتًا لظرف محذوف، أي: وقتا قليلًا تؤمنون ووقتًا قليلًا تذكرون، و(ما) على هذا التقدير صلة، وإن شئت جعلت (ما) مصدرية. فيكون التقدير: قليلًا إيمانكم وقليلًا ادكاركم. وتكون في موضع رفع بـ (قليلًا).\n* * *","vol":"1","page":467},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-397>وَمِنْ سُورَةِ (الْمَعَارِجِ)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-398>قوله تعالى: (سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١) لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ (٢»</span>\nقال مجاهد: هذا السائل هو الذي قال: (اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ)، وهو النضر بن الحارث، وقال الحسن: سأل المشركون فقالوا: لمن هذا العذاب الذي تذكر يا محمد؟ - فجاء جوابهم بأنه (لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ)، وقيل: \" اللام \" في قوله: (للكافرين) بمعنى \" على \" أي: واقعٌ على الكافرين، وقال الفراء: هي بمعنى \" الباء \" أي: بالكافرين واقع، وهو قول الضحاك.\nوقرأ نافع وابن عامر (سَال سَائل) بغير همزٍ في (سأل) وهمز الباقون.\nفمن همز جاز في (الباء) على قوله وجهان:\nأحدهما: أن تكون بمعنى (عن) وعلى هذا تأويل قول الحسن لأنهم سألوا عن العذاب: لمن هو.\nوالقول الثاني: أنّ (الباء) على بابها للتعدي، والتقدير: سأل سائل بإنزال عذاب واقع، وهذا على تأويل قول مجاهد أنّه يعني به \" النضر بن الحارث \".\nومن ترك الهمز جاز في قراءته ثلاثة أوجه:\nأحدها: أنّه خفف الهمزة استثقالًا لها.\nوالثاني: أنها لغة، حكى سيبويه: سِلْتُ أُسَالُ على وزن: خفت أخاف، قال حسَّان:\nسَالت هُذَيلَ رسُولَ اللهِ فَاحِشةً ... ضَلَّت هُذيل بَها سَالت ولم تُصبِ","vol":"1","page":468},{"text":"والثالث: أنّه من \" السيل \" يقال: سال يسيل سيلًا. والتقدير: سال سيل سائل بعذابٍ واقع، و(الباء) على هذا القول للتعدي وفي القولين الأولين يجوز أن تكون للتعدية على قول مجاهد، وبمعنى (عن) على قول الحسن.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-399>قوله تعالى: (كَلَّا إِنَّهَا لَظَى (١٥) نَزَّاعَةً لِلشَّوَى (١٦»</span>\nلظى: اسم من أسماء جهنم، والنزع: الاقتلاع. وقيل (نَزَّاعَةً) للتكثير، والشوى هاهنا: جلدة الرأس، والشوى في غير هذا الموضع: الأطراف، كاليدين والرجلين، والشوى أيضًا: كل ما يعدو القتل، يقال: رماه فأشواه.\nويُسأَل عن الرفع في قوله: (لَظَى نَزَّاعَةٌ) ما موضعها من الإعراب؟\nوالجواب: أنّ فيها ثلاثة أوجه:\nأحدها: أنها مبتدأة. و(نَزَّاعَةٌ) خبره، والجملة خبر (إنَّ) و(الهاء) ضمير القصة. وهو الذي يسميه الكوفيون \" المجهول \" ويسمونه أيضًا \" عمادًا \".\nوالثاني: أن تكون (لَظَى) خبر (إنّ) و(نَزَّاعَةٌ) خبرٌ ثانٍ. كما تقول هذا حلوٌ حامضٌ.","vol":"1","page":469},{"text":"والثالث: أن تكون بدلًا من (الهاء) على شريطة التفسير، كأنّه قال: إنّ لظى نزاعة للشوى.\nويجوز أن تُجعل (نزاعة) خبر مبتدأ محذوف. أي: هي نزاعة.\nوقد قرأ بعضهم (نَزَّاعَةً) بالنصب. والنصب على الحال. وتكون لظى في معنى: متلظية، فتعمل في الحال، وهي قراءة بعيدة.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-400>قوله تعالى: (فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (٣٦) عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ (٣٧»</span>\nالمهطع: المسرع، هذا قول أبي عبيدة، وقال الحسن: مهطعين: متطلعين، وقال عبد الرحمن بن زيد: لا يطرفون أي: شاخصين.\nوواحد (العزين) عِزَة، والعزة: الجماعة، ومعنى (عزين) جماعات في تفرقة.\nواختلف فى المحذوف من (عزة):\nفقيل فيه ثلاثة أقوال:\nأحدها: أنّه (واو) والأصل: عزوة؛ لأنّه من: عزوته، أي: نسبته، والعزة منتسبة إلى غيرها من الجماعات.","vol":"1","page":470},{"text":"والثاني: أنّ المحذوف (ياء) وهي من: عزيت؛ لأنّه يقال: عزوت وعزيت بمعنى واحد.\nوالثالث: أنّ المحذوف (هاء) والأصل: عزهة. وهو من: العزهاة، وهو المنقبض عن النساء، المجتمع عن اللهو معهن، قال الأحوص:\nإِذا كُنْتَ عِزْهَاةً عَنِ اللَّهْوِ والصِّبا ... فكُنْ حَجَرًا مِنْ يابسِ الصَّخْرِ جَلْمَدا\nوهذا الجمع في الأسماء المحذوفة عوض من الحرف المحذوف، ومن هذا الباب: ثبون وعضون وسنون كل هذا محذوف اللام، وهذا الجمع له عوض من المحذوف.\n* * *","vol":"1","page":471},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-401>وَمِنْ سُورَةِ (نُوحٍ) ﵇</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-402>قوله تعالى: (يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى)</span>\nيسأل عن (مِنْ) هاهنا؟\nوفيها وجهان:\nأحدهما: أنها بمعنى (عن) أي: يصفح لكم عن ذنوبكم.\nوالثاني: أنّ المعنى: يغفر لكم ذنوبكم السالفة، وهي بعض الذنوب التي يصار إليهم، فلما كانت ذنولهم التي يستأنفونها لا يجوز الوعد بغفرانها على الإطلاق؛ إذ يجري ذلك مجرى الإباحة لها، فقيدت بهذا التقييد.\nوقد قيل: إن المعنى: يغفر لكم من ذنوبكم بحسب ما يكون من الإقلاع عنها، فهذا على احتمال بعضٍ إن لم يقلعوا عن بعض.\nوأجاز الأخفش أن تزاد (مِن) في الواجب، فالتقدير على هذا: يغفر لكم ذنوبكم.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-403>قوله تعالى: (مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣»</span>\nقال ابن عباس ومجاهد والضحاك المعنى: ما لكم لا ترجون لله عظمة، وقيل معنى ترجون:\nتخافون، قال أبو ذؤيب:\nإذا لَسَعَتْه النَّحلُ لَم يَرْجُ لَسْعَها ... وخالَفَها في بَيْتِ نُوبٍ عَواملِ\nأي: لم يخف، والنوب: النحل.","vol":"1","page":472},{"text":"و(اللام) على هذا متعلقة بما دلّ عليه الكلام، والتقدير: ما لكم لا ترجرن عظمة الله.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-404>قوله تعالى: (وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (٢٢»</span>\nالكُبَار والكُبَّار والكبير بمعنى واحد، إلا أنّ بينها تفاوتًا في المبالغة. فالكبَّار أشدها مبالغة، والكُبَار دون ذلك، ويروى أنّ أعرابيًا سمع النبي ﷺ يقرأ (وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا) فقال: ما أفصح ربك يا محمد، وهذا من جفاء الأعراب؛ لأنّ الله تعالى لا يوصف بالفصاحة.\n* * *","vol":"1","page":473},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-405>وَمِنْ سُورَةِ (الْجِنِّ)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-406>قوله تعالى: (وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا (٣»</span>\nالجدُّ هاهنا: العظمة؛ لانقطاع كل عظمة عنها، لعلوها عليها. ومن هذا قيل لأب الأب \" جد \"، لانقطاعه. لعلو أبوته. وكل من فوقه لهذا الولد \" أجداد \".\nوالجد: الحظ، لانقطاعه بعلو شأنه، والجد: ضربٌ من السير لانقطاعه عما هو دونه. وأصل الجد: القطع، والجِدّ: - بالكسر - ضد الهزل؛ لانقطاعه عن السخف. وكذا الجد: الانكماش في الشيء لانقطاعه عنَ التواني. والجُدُّ - بالضم - البئر القديمة. لانقطاع من يعرف حالها في وقت حفرها، والجُد: ساحل البحر، ومنه (جُدَّة) سُمي بذلك لأنّه آخر الأرض ومنقطعها. قال الحسن ومجاهد وقتادة (جَدُّ رَبِّنَا) جلاله وعظمته، وروي عن الحسن: غنى رَبِّنَا.\nوقرأ ابن كثير وأبو عمرو (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ)، (وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا)، (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ)، (وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ) بالفتح في الأحرف الأربعة، وقرأ نافع وأبو بكر عن عاصم كذلك، إلا قوله: (وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ) فإنهما قرأا بكسر الهمزة، وقرأ الباقون ذلك كله بالفتح إلا ما جاء بعد قولٍ أو فاء جزاء.\nفمن فتح حمل على قوله: (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ)، ومن كسر (إِنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ)، فزعم الفراء: أنّ حبان حدَّثه عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: أوحي إلى النبي - ﷺ -","vol":"1","page":474},{"text":"بعد اقتصاص أمر الجن وأن المساجد لله، قال: وكان عاصم يكسر ما كان من قول الجن.\nويفتح ما كان من الوحي. لأنّ ما بعد القول لا يكون إلا مكسورًا.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-407>قوله تعالى: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨) وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (١٩»</span>\nقال الفراء والزجاج: المساجد: مواضع السجود من الإنسان: الجبهة واليدان والركبتان والرجلان، وقال الحسن: هي المساجد المعروفة، والمعنى: فلا تدعُ مع الله أحدا كما تدعوا النصارى فى بيعها، والمشركون في بيت أصنامها، وكان يقول: من السنة أن تقول إذا دخلت المسجد: (لا إله إلا الله لا أدعو مع الله أحدًا).\nوقوله: (لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ) يراد به: النبي صلى الله عليه. كان إذا قال (لا إله إلا الله) كادوا يكونون عليه جماعة متكاثفة بعضهم فوق بعض ليزيلوه بذلك عن دعوته بإخلاص الإلهية.\nوقال ابن عباسٍ: كاد الجن يركبونه حرصًا على سماع القرآن فيه، وهو قول الضحاك. ويروى عن الحسن وقتادة أنهما قالا: تلبدت الإنس والجن على هذا الأمر ليطفئوه، فيأبي الله إلا أن يظهره على من ناوأه، كما قال تعالى: (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ).\n* * *","vol":"1","page":475},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-408>وَمِنْ سُورَةِ (الْمُزَّمِّلِ)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-409>قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣»</span>\nالْمُزَّمِّلُ: المتلفف في ثيابه، وكان النبي صلى الله عليه إذا أُنزل عليه الوحي أخذته شدةٌ وكربٌ، فيقول: زملوني زملوني، وكذلك (المدثر) لأنّه كان يقول مرة: دثروني دثروني.\nقال الفراء: الْمُزَّمِّلُ: الذي تزمَّل في ثيابه وتهيأ للصلاة في هذا الموضع. وهو النبي ﷺ، وأصل الْمُزَّمِّل: المتزمل، فأبدلت من التاء زايًا وأسكنت وأدغمت في التي بعدها، وقيل: الْمُزَّمِّل، ويقال: تزمَّل الرجل في ثيابه أي: تلفف. قال امرؤ القيس:\nكأن أُبَانَا في أفَانينِ وَذقِهِ كبيرُ أُناسبي بجاد مُزملِ\nكأَنَّ أَبَانًا فِي أَفَانِينِ وَدْقِهِ ... كبيرُ أُناسٍ فِي بِجَادٍ مُزَمَّلِ\nويُسْأَل عن نصب قوله: (نصفَه)؟\nوالجواب: أنّه يدل من الليل، وهو بدل بعضٍ من كل، كأنّه في التقدير: قم نصف الليل إلا قليلا، وهو بمنزلة قولك: قطعت اللصَّ يدَه، وأكلت الرغيف ثلثيه.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-410>قوله تعالى: (وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا (١١»</span>","vol":"1","page":476},{"text":"قوله (وَالْمُكَذِّبِينَ) مفعولٌ معه. أي: مع المكذبين، كما تقول: تركته والأسدَ، أي: مع الأسد، والمعنى: ارضى بعتاب المكذبين، أي: لست تحتاج إلى أكثر من ذلك. كما تقول: دعني وإياه فإنه يكفيك ما ينزل به مني. وهو تهديد.\n* * *\n\nْ<span data-type=\"title\" id=toc-411>قوله تعالى: (عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى)</span>\n(أنْ) هاهنا مخففة من المثقلة. و(الهاء) مضمرة معها، والتقدير: أنّه سيكون منكم مرضى، و(مرضى) اسم (يكون) و(منكم) الخبر، والجملة خبر (أن)، ولا يلي الفعل (أنْ) المخففة إلا مع العوض، والعوض نحو: السين هاهنا، ونحو (لا) من قوله: (أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-412>قوله تعالى: (وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا)</span>\n(هو) فصل، وهو الذي يسميه الكوفيون عمادًا، ونصب (خَيْرًا) لأنّه مفعوٌل ثانٍ لـ (تَجِدُوهُ)، والفصل يدخل بين كل معرفتين لا يستغني أحدهما عن الآخر، أو بين معرفة ونكرة تقارب","vol":"1","page":477},{"text":"المعرفة، نحو قولك: زيد هو خيرٌ منك، وكان عمروٌ هو أفضل من بكر، والمواضع التي يدخل فيها الفصلُ أربعة:\nيدخل بين المبتدأ والخبر، وبين اسم كان وخبرها. وبين اسم (إنّ) وخبرها، وبين مفعولي الظن.\n* * *","vol":"1","page":478},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-413>وَمِنْ سُورَةِ (الْمُدَّثِّرِ)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-414>قوله تعالى: (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤»</span>\nقال ابن سيرين وعبد الرحمن بن زيد: اغسلها بالماء. وقيل: لا تلبسها على معصية، وقيل: قصرها ولا تطلها، فإنّ ذلك يكون سببًا لطهارتها، وقيل: (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ)، أي: لا تغدر فتدنس ثيابك، فإنّ الغادر دنس الثياب، وقيل: (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ)، يقول: وعملك فأصلح، وهذه الأقوال الثلاثة عن الفراء، وقيل: المعنى: قلبك فَطَهِّرْ، وكنى بالثياب عن القلب واستشهدوا بقول امرئ القيس:\nوإنهْ تَكُ قَدْ سَاءَتْكِ مني خليقَةٌ ... فَسُلِّي ثِيَابِي مِنْ ثيابِكِ تَنْسُلِ\nأي: قلبك من قلبي.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-415>قوله تعالى: (وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦»</span>\nقال الفراء: المعنى: لا تعطِ في الدنيا شيئًا ليصب أكثر منه.\nورفع (تَسْتَكْثِرُ)؛ لأنّه في موضع الحال، والمعنى: لا تمتن مستكثرًا.\nوقرأ عبد الله بن مسعود: (ولا تَمنُنْ أن تَستَكِثَرَ)، فهذا شاهد على الرفع؛ لأنّ (أنْ)","vol":"1","page":479},{"text":"إذا حُذفت رفع الفعل، ومنه قول طرفة:\nأَلا أَيُّهَذا الزَّاجِرِي أَحْضُرُ الوَغَى ... وأَن أَشْهَدَ اللَّذَّاتِ هَلْ أَنتَ مُخْلدي\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-416>قوله تعالى: (كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا (١٦) سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (١٧) إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠»</span>\n(كَلَّا) زجر وردع، والمعنى: ليرتدع ولينزجر عن هذا، كما أنّ (صه) بمعنى: اسكت، و(مه) بمعنى: اكفف، وكأنه قيل: لينزجر فإن الأمر ليس على ما توهم.\nوالعنيد والمعاند سواء، وهو الذاهب عن الشيء على طريق العداوة له، والإرهاق: الإعجال بالعنف، والصعود: العقبة الصعبة المرتقى، وهو الكؤود أيضًا، والتفكير: من الفكرة، وهو تطلب الرأي والتقدير والتخمين.\nوهذه الآية نزلت في \" الوليد بن المغيرة \" حدثني أبي عن عمه قال: حدثنا القاضي منذر بن سعيد قال: حدثنا أبو النجم عصام بن منصور قال: حدثنا أبو بكر عبد الله بن عبد الرحيم البرقي قال: حدثنا أبو محمد عبد الملك بن هشام قال: حدثنا زياد بن عبد الله البكاي عن محمد بن إسحاق المطلبي قال: اجتمع نفرٌ من قريش إلى الوليد بن المغيرة، وكان ذا سن فيهم، وكان أيام الموسم، فقال لهم:","vol":"1","page":480},{"text":"يا معشر قريش إنَّه قد حضر هذا الموسم وإنّ وفود العرب ستقدم عليكم فيه، وقد سمعوا بأمر صحابكم هذا، فأجمعوا فيه رأيًا واحدًا ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضًا، ويرد قولكم بعضه بعضا، قالوا: فأنت يا أبا عبد شمس أقم لنا رأيًا نقول به، قال: بل أنتم فقولوا أسمع. قالوا: نقول (كاهن)، قال: لا والله ما هو بكاهن، قد رأينا الكهان، فما هو بزمزمة الكاهن ولا مسجعه، قالوا: فنقول (إنه مجنون)، قال: لا والله ما هو بمجنون. لقد رأينا الجنون وعرفناه، فما هو بخنقه ولا تخالجه ولا وسوسته، قالوا: فنقول (شاعر)، قال: لا والله ما هو بشاعر، لقد عرفنا الشعر كله، رجزه وهزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه فما هو بالشعر، قالوا: فنقول (ساحر)، قال: ما هو بساحر. قد رأينا السحار وسحرهم، فما هو بنفثه ولا عقده، قالوا: فما نقول يا أبا عبد شمس؟ قال: والله إنَّ لقوله لحلاوة وإنّ أصله لعذق وإنّ فرعه لجناه، وما أنتم بقائلين من هذا شيئًا إلا عُرف أنّه باطل، وإن أقرب القول منه أنّ تقولوا: ساحرٌ جاء بقولٍ هو سحر يفرق بين المرء وابنه، وبين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجته، وبين المرء وعشيرته، فتفرقوا عنه بذلك، فجعلوا يجلسون بسبيل الناس حين قدموا الموسم لا يمر بهم أحد إلا ذكروا له أمره، فأنزل إلله في الوليد فيما كان منه: (ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (١٢) وَبَنِينَ شُهُودًا (١٣) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (١٤) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥) كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا (١٦) سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (١٧) إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠»، إلى آخر هذه القصة.\nقال الفراء: قال الكلبي: يعني بالمال الممدود: العروض والذهب، قال: وحدثني قيس عن إبراهيم بن المهاجر عن مجاهد قال: ألف دينار، وكان له عشرة من البنين لا يغيبون عن عينيه في تجارة ولا عمل.\nوقوله (قُتِلَ) أي: لعن.","vol":"1","page":481},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-417>قوله تعالى: (إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ (٣٥) نَذِيرًا لِلْبَشَرِ (٣٦»</span>\nاختلف في (نَذِيرًا):\nفقيل: هو مصدر بمعنى: الإنذار. وقيل: هو اسم فاعل بمعنى: منذر.\nويسأل عن نصبه؟\nوفيه ستة أقوال:\nأحدها: أنها حال من (إحْدَى الْكُبَرِ)، لأنها معرفة. وهو قول الفراء، قال: والنذير: جهنم، قال وتقديره تقدير إنذار.\nوالثاني: أنّه بدل من (الهاء) في قوله (إنها).\nًوالثالث: أنّه نصب بإضمار (أعني)، كأنّه قال: أعني نذيرًا للبشر.\nوالرابع: أنّه على تقدير: جعلها نذيرًا للبشر.\nوالخامس: أنّه مصدر، أي: إنذارًا للبشر؛ لأنّه لما قال: (إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ) دلّ على أنّه أنذرهم بها إنذارًا.\nوالسادس: أنّه حال من المضمر في (قُمْ) في أول السورة، كأنّه قال: يا أيها المدثر قم نذيرًا للبشر، فأنذر، ونذير على هذا الوجه بمعنى المنذر، وهو قول الكسائي.\n* * *","vol":"1","page":482},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-418>وَمِنْ سُورَةِ (الْقِيَامَةِ)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-419>قوله تعالى: (لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (٢»</span>\nيسأل عن دخول (لا) هاهنا؟\nوفيها ثلاثة أجوبة:\nأحدها: أنها صلة، نحو قوله تعالى: (لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ)، والمعنى: ليعلم.\nوالثاني: أنها بمعنى (ألا) التي يستفتح بها الكلام، كأنّه قال: ألا أقسم بيوم القيامة، ثم أخبر أنّه لا يقسم بالنفس اللوامة.\nوالثالث: أنّه جوابٌ لما تكرر في القرآن من إنكارهم البعث؛ لأنَّ القرآن كله كالسورة الواحدة، وهو قول الفراء، واختيار أبي علي.\nوقرأ قنبل: (لأقسِمُ) بجعلها جواب قسم، قالوا: وحذف النون؛ لأنَّه أراد الحال، ولولا ذلك لقال (لأقسمنَّ)، والنون لا تدخل في فعل الحال، وأكثر ما يستعمل اللام في القسم ومعها النون، إلا أنّ بعضهم أجاز حذفها كما حذفت (اللام) وتركت النون، قال الشاعر:","vol":"1","page":483},{"text":"وَقَتيلِ مُرَّةَ أَثْارَنَّ فإنّهُ ... فِرَغٌ وإنَّ أُخَاكم لم يثأرِ\nيريد: لا ثارنّ، فحذف اللام.\nوالقول على قوله (لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ) كالقول على (لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-420>قوله تعالى: (بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ (٤»</span>\nيسأل عن نصب (قَادِرِينَ)؟\nوالجواب: أنّه نصب على الحال، والعامل فيه أحدُ شيئين:\nإما نجمعها قَادِرِينَ، وإما على تقدير: بلى نقدر قَادِرِينَ. إلا أنّه لم يظهر (نقدر) استغناء عنه بـ (قَادِرِينَ). وهو كقولك: قاعدًا وقد سار الركب، أي: تقعد وقد ساروا.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-421>قوله تعالى: (بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤»</span>\nيسأل عن (الهاء) في (بَصِيرَةٌ)؟\nوفيها ثلاثة أجوبة:\nأحدها: أنّ المعنى: بل الإنسان على نفسه عين بصيرة.\nوالثاني: أنّ المعنى: بل الإنسان على نفسه حجة بصيرة، أي: بيّنة.\nوالثالث: أنّها للمبالغة، كما تقول: رجل علامة ونسابة.","vol":"1","page":484},{"text":"وقال الرماني: التقدير: بل الإنسان على نفسه من نفسه بَصِيرَةٌ جوارحه شاهدةٌ عليه يوم القيامة.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-422>قوله تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣»</span>\nالناضرة: الناعمة الحسنة البهجة، وهو قول الحسن، وقال مجاهد: مسرورة.\nوناظرة: مبصرة، ودخول (إلى) يدل على أنّ (ناظرة) بمعنى: مبصرة لأنّه لا يقال: نظرت إليه، بمعنى: انتظرته، وأما من زعم أنّ المعنى: ثواب ربها منتظرة، فليس بشيء. لأنّ الله تعالى أخبر أنّهم في النعيم والنضرة بقوله: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ)، ولا يقال لمن كان في النعيم: هو منتظر للثواب؛ لأنَّ النعيم هو الثواب.\nوقد حمل قومًا تعصبُهم أنّ زعموا أنّ (إلى) واحد (الآلاء)، وليست بحرف، وكأن التقدير: نعمة ربها ناظرة؛ لأنّ الآلاء: النعم، وهذا لا يجوز لما قدّمنا ذكره من أنّه من كان فى النعيم فلا يقال: هو منتظر النعم.\nوقد تناصرت الأخبار بأن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة، وهي مشهورة في أيدي الناس. مع دلالة قوله تعالى: (كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ)؛ لأنَّه لو كان غيرهم محجوبًا لما كان في ذلك طردًا لهم ولا تعنيفًا؛ لأنّ المساواة قد وقعت. فإذا كان أعداء الله محجوبين عنه، فأولياؤه غير محجوبين.","vol":"1","page":485},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-423>قوله تعالى: (وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (٢٩»</span>\nالساق: الشدة، يقال: قامت الحرب على ساقها، أي: على شدة. وأصله: أنّ الإنسان إذا عانى أمرًا شديدًا كشف عن ساقه. ومنه قوله تعالى: (يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ)، أي: عن شدة. قال الراجز:\nقَد كَشَفَتْ عن سَاقٍ فشُدُّوا\nوالمعنى: والتفت شدّة آخر الدنيا بشدة أوّل يوم الآخرة، وقيل: المعنى: اشتد الأمر عند نزع النفس حتى يتقلَّب ساق على ساق، ويلتف بها عند تلك الحال.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-424>قوله تعالى: (فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٣٢) ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى (٣٣»</span>\n(لا) بمعنى (لم)، أي: لم يصدق ولم يصلّ، ولا يجوز أن تدخل (لا) على الفعل الماضي إلا على معنى التكرير، لئلا يشبه الدعاء.\nوالأصل في (تمطى): تمطط، أي: تمدد، ومنه: مططت في الكتابة، فأبدلوا من إحدى الطائين (تاء) كراهية التضعيف، كما قال الراجز:\nتَقَضِّيَ البازِيُّ إذَا البازِيُّ كَسَرْ\nيريد: تقضض، ثم أبدلت (الياء) من (تمطى) ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها.\n* * *","vol":"1","page":486},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-425>وَمِنْ سُورَةِ (الْإِنْسَانِ)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-426>قوله تعالى: (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (١»</span>\nالْإِنْسَان هاهنا: آدم ﵇، قال الفراء: كان شيئًا، ولم يكن مذكورًا، وذلك من حين خلقه الله من طين إلى أن نفخ فيه الروح.\nو(هل) بمعنى (قد)، هذا المشهور عن العلماء، وقال ابن الرماني: قد قيل إنّ معناها: أأتى على الإنسان، والأغلب عليها الاستفهام والأصل فيها (قد).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-427>قوله تعالى: (عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ)</span>\nيُسأل عن نصب قوله (عَيْنًا) وفيه أجوبة:\nأحدها: أنّه منصوب على البدل من (كافورًا).\nوالثاني: أنّه على تقدير: ويشربون عينًا.\nوالثالث: أنّه على الحال من (مزاجها)، وهو قول الفراء. وقيل: يمزج بالكافور ويختم بالمسك، قال الفراء: إن شئت نصبتها على القطع من قولك (مزاجها) من (الهاء) في المزاج.","vol":"1","page":487},{"text":"والرابع: أنّ المعنى: يُعطون عينا.\nومعنى (بها) كمعنى (فيها)، وقيل: المعنى (منها).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-428>قوله تعالى: (وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا (١٤»</span>\nيسأل عن نصب (دَانِيَةً)؟\nوفيها ثلاثة أجوبة:\nأحدها: أنها معطوفة على (جنة)، والمعنى: وجزاهم بما صبروا جنةً وحريرًا ودَانِيَةً عليهم، أي: وجنةً دانيةً ثم حذف الموصوف.\nوالثاني: أنها معطوفة على (متكئين)، فهو حال على هذا القول.\nوالثالث: أنّه نصب على المدح. كقولك: عند فلان جاريةً جميلةً وشابةً بعد طريةً.\nوأجاز الرماني أن يكون معطوفًا على موضع (لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا).","vol":"1","page":488},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-429>قوله تعالى: (وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا (١٥) قَوَارِيرَ)</span>\nالأكواب: جمع كوب، والكوب: إبريقٌ له عروة واحدة، قيل: هو من فضة إلا أنّه في صفاء القوارير لا يمنع الرؤية.\nواختلف القراء في قوله (قَوَارِيرَا قَوَارِيرَ). فنونهما جميعًا أهل المدينة، ونون أبو عمرو الأول، والباقون قرأوا بلا تنوين، وهو الأصل؛ لأنَّه لا ينصرف، فأما من نون فقد عُللت قراءته بأشياء: منها: أنّه وقع في المصحف بألفٍ فتوهم أنها ألف التنوين فنوَّن.\nومنها: أنها لغةً لبعض العرب، ذكر الكسائي أنّه سمع من العرب من يصرف جميع ما لا ينصرف إلا (أفضل منك).\nومنها: أنّ هذا الجمع إنما امتنع من الصرف؛ لأنّه لا نظير له في الآحاد، وأنّه غاية الجموع. وأنه لا يجمع، ثم إنّ العرب قد تجمعه، حكى الأخفش: هن مواليات فلان، جمع موالي، وموالي جمع مولاة. وفي الحديث -: (أنتُنّ صواحبات يوسف)، جمع صواحب، وصواحب جمع صاحبة، وقال الفرزدق:\nوإذَا الرِّجالُ رأوا يزيدَ رأيتَهمْ ... خُضُعَ الرِّقابِ نواكِسِي الأبصارِ","vol":"1","page":489},{"text":"يريد: نواكسين، وهو جمع نواكس، ونواكس جمع ناكس، فلما جمع هذا الجمع أشبه الواحد، فَنُون كما ينوّن الواحد.\nوالقول على قوله (سلاسل) كالقول على قوله (قَوَارِيرَا قَوَارِيرَ).\nومن نوّن الأول ولم ينوّن الثاني فلأنّ الأول رأس آية، والفواصل تشبّه بالقوافي فتنوّن، ولم ينوّن الثاني لأنّه ليس برأس آية، وقد قال الزجاج: ّإن من نونهما جميعا اتبع الثاني الأول؛ لأنّه نوّن الأول؛ لأنّه فاصلة ونوّن الثاني اتباعًا له كما قالوا (جحر ضبٍّ خربٍ)، فجر (خربًا) لمجاورته (ضبًّا) وهو نعت لجحر.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-430>قوله تعالى: (عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ)</span>\nالسندس: الديباج الرقيق الفاخر الحسن، والإستبرق: الديباج الغليظ وهو معرَّب.\nوقرأ محيصن بترك الصرف، وقرأ نافع وحمزة وعاصم في رواية أبان والمفضل (عَالِيْهم) بتسكين (الياء)، ونصب الباقون.\nوقرأ نافع وحفص عن عاصم (خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ) بالرفع، وقرأ حمزة والكسائي بالجر، وقرأ ابن كثير وعاصم من رواية أبي بكر بجر (خُضْرٍ) ورفع (إِسْتَبْرَقٌ)، وقرأ أبو عمرو وابن عامر برفع (خُضْرٌ) وجر (إِسْتَبْرَقٍ).\nفمن أسكن (الياء) جعل (عاليهم) مبتدأ و(ثياب) الخبر.\nومن نصب جعله ظرفًا، كقولك: فوقهم، وهو قول الفراء، وأنكره الزجاج، وقال: هو نصب على الحال من المضمر في (عاليهم)، ويجوز أن يكون من المضمر في رأيتهم. وإنما أنكره الزجاج لأنّه","vol":"1","page":490},{"text":"ليس باسم مكان، كخارج الدار وداخلها، وهو مذهب سيبويه.\nومن رفع (خضرًا) و(إستبرقًا) ردهما على (ثياب)، فـ (خضر) وصف، و(إستبرق) عطف.\nومن كسرهما ردهما على (سندس).\nومن جر (خضرًا) ورفع (إِسْتَبْرَقًا) رد (خضرًا) إلى سندس و(إِسْتَبْرَقا) إلى (ثياب).\nومن رفع (خضرًا) وجر (إِسْتَبْرَقا) رد (خضرا) لـ (ثياب) و(إِسْتَبْرَقا) إلى (سندس). وهذه القراءة أجود القراءات.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-431>قوله تعالى: (وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا)</span>\nنصب (الظالمين) بفعل مضمر تقديره: ويعذب الظالمين أعدَّ لهم، ولا يجوز نصبه بإضمار (أعدَّ) لأنّه لا يتعدى إلا بحرف جر، إلا على قراءة ابن مسعود؛ لأنّه قرأ (وَللظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ)، وأجاز الفراء الرفع في (الظالمين) وجعله مثل قوله: (وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ)، والوجه: النصب بإضمار فعل؛ لأنّ في صدر الكلام فعلًا، وهو قوله: (يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ). فأضمر فيه فعلا ليعتدل الكلام بعطف فعلٍ على فعل. كما قال:","vol":"1","page":491},{"text":"أَصْبَحْتُ لَا أَحْمِلُ السلاحَ وَلَا ... أَملكُ رَأْسَ البعيرِ إِن نَفَرا\nوالذِّئبَ أَخْشَاه إِن مَرَرْتُ بِهِ ... وَحْدِي وأَخْشَى الرِّياحَ والمَطَرا\n* * *","vol":"1","page":492},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-432>وَمِنْ سُورَةِ (الْمُرْسَلَاتِ)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-433>قوله تعالى: (وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (١)</span>\nقال ابن عباس وابن مسعود ومجاهد وقتادة وأبو صالح: المرسلات: الرياح، وروي عن ابن مسعود وأبي صالح أيضًا: أنها الملائكة، وقيل: (عرفًا) أي: بالمعروف. فعلى هذا يكون مفعولًا له، وقيل: (عرفا) أي: متتابعين، من قولهم: جاءوا إليه عُرفًا واحدًا، فعلى هذا يكون نصبًا على الحال.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-434>قوله تعالى: (وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ (١١»</span>\nقال مجاهد: أُقِّتَتْ بالاجتماع لوقتها يوم القيامة، كما قال تعالى: (يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ)، وقيل: أُقِّتَتْ: أجلت لوقت ثوابها، وقيل: أُقِّتَتْ: جعل لها وقت يفصل فيها القضاء بين الأمة.\nوقرأ أبو عمرو (وقتت) بالواو، وهو الأصل؛ لأنَّه من الوقت، وقرأ الباقون (أقتت) بإبدال الهمزة من الواو، وهو مطرد في كلام العرب، نحو: وجوهٍ وأجوه، ووعد وأعد. وأدور وأدر وما أشبه ذلك.","vol":"1","page":493},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-435>قوله تعالى: (وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦»</span>\nيسأل عن هذا فيقال: قد قال تعالى: (يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا).\nوقال هاهنا: (هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ)؟\nالجواب: أنّ ابن عباس قال: هذه مواقف يؤذن لهم مرة في الكلام ومرة لا يؤذن لهم في الكلام، وقال الزجاج: أي لا ينطقون بحجة وهذا كقول القائل يتكلم بغير حجة هذا ليس بكلام.\n* * *","vol":"1","page":494},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-436>وَمِنْ سُورَةِ (يَتَسَاءَلُونَ) النَّبَإِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-437>قوله تعالى: (إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (٢١) لِلطَّاغِينَ مَآبًا (٢٢) لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (٢٣) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (٢٤»</span>\nالمرصاد: المراقب، وهو مفعال من الرصد، والأحقاب: جمع حقب وهو ثمانون سنة، والبرد: النوم، والعرب تقول: منع البردُ البردَ، أي: منع البردُ النوم، وقال الشاعر:\nبَرَدَت مراشِفُها عَليَّ فَصَدَّني ... عَنهَا وَعَنْ قُبُلاتِهَا البَردُ\nومما يسأل عنه أن يُقال: قد ذكر الله تعالى أنّهم خالدون فيها أبدًا، وقد حدد خلودهم هاهنا بقوله: (لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا)؟\nوللعلماء في هذا عشرة أقوال:\nأحدها: أنّ المعنى: أحقابًا لا انقطاع لها، كلما مضى حقب جاء بعده حقب، والحقب ثمانون سنة من سني الآخرة، وهذا قول قتادة.\nوالقول الثاني للربيع، وهو أنّه قال: هذه أحقاب لا يعلم عددها إلا الله تعالى.\nوالثالث للحسين: وهو أنها أحقاب ليس لها عدة إلا الخلود في النار، ولكن قد ذكروا أنّ الحقب الواحد سبعون ألف سنة، كل يوم من تلك السنين ألف سنة لقوله تعالى: (كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ).","vol":"1","page":495},{"text":"والرابع للمبرد قال المعنى: أنّهم لابثون فيها أحقابًا، هذه صفتها.\nوالخامس: لخالد بن معدان، قال: يعني به: أهل التوحيد.\nوالسادس لمقاتل، قال: هي منسوخة بقوله: (فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا)، وفيه نظر؛ لأنّه خبر، والنسخ لا يكون في الخبر.\nوالسابع عن ابن مسعود، وهو أنّه قال: ليأتين على جهنم زمانٌ تخفق أبوابها ليس فيها أحد.\nوالثامن يروى عن أبي هريرة قال: ليأتين على جهنم يومٌ لا يبقى فيها أحد، وقرأ: (لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ) إلى قوله: (مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ).\nوالتاسع عن الحسن، قال: لو لبثوا في النار كعدد رمل عالج لكان لهم يوم يستريحون فيه، وهذا قولٌ ثانٍ له.\nوالعاشر: أنّ قوله (لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا) يعود إلى ذكر الأرض، كأنّه لما قال: (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا) قال: (لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا)، ولا يمتنع مثل هذا وإن تقدم في صدر الآية ذكر الطاغين، وجاء بعد ذلك (لَا يَذُوقُونَ فِيهَا)؛ لأنّ العرب تفعل مثل ذلك، قال الله تعالى (وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ). والتسبيح لله تعالى، والتعزير والتوقير للنبي صلى الله عليه، ويروى أنّ ابن كيسان أو غيره من العلماء سئل عن قوله: (لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا) فلم يجاوب إلا بعد عشرين سنة، فقال في الجواب: (لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (٢٣) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (٢٤» فإذا انقضت هذه الأحقاب التي عُذّبوا فيها بمنع البرد والشراب بدلوا بأحقاب أخر فيها صنوف من العذاب، وهي أحقاب بعد أحقابٍ لا انقضاء لها، وهذا أحسن ما قيل فيه.\n* * *","vol":"1","page":496},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-438>وَمِنْ سُورَةِ (النَّازِعَاتِ)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-439>قوله تعالى: (إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٦»</span>\nقرأ الحسن (طِوًى) بكسر الطاء. وقال: طِوى بالبركة والتقديس مرتين، قال طرفة:\nأَعَاذِلُ إِنَّ اللَّوْمَ فِي غَيْرِ كُنْهِهِ ... عَليَّ طِوًى مِنْ غَيِّكِ المُتَرَدِّدِ\nأي: لومك مكرر، قال الفراء: (طوى) وادٍ بين المدينة ومصر، ومن أجرى (طوى) قال هو موضع يسمى (مذكر)، ومن لم يجره جعله معدولًا عن جهته، كما تقول: عُمر وزُفَر، قال: ولم نجد اسمًا من الواو والياء عدل عن جهته غير (طوى)، فالإجراء فيه أحب إليَّ؛ إذ لم أجد له في المعدول نظيرًا.\nوقيل: لم ينصرف (طوى) لأنّه معرفة، وهو اسم للبقعة، فاجتمع فيه التعريف والتأنيث.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-440>قوله تعالى: (فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (٢٥»</span>\nقال ابن عباس ومجاهد والشعبي \" الأولى \" قوله: (مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي)، \"والآخرة\" قوله: (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى)، وقال الحسن وقتادة: عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، وقال","vol":"1","page":497},{"text":"مجاهد: أول عمله وآخره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-441>قوله تعالى: (فَأَمَّا مَنْ طَغَى (٣٧) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (٣٩) </span>وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١»\nقال البصريون: المعنى: فهي الْمَأْوَى له، فحذف العائد؛ لأنّ المعنى مفهوم، ومثله قوله تعالى (مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ)، أي: الأبواب منها.\nوقال الكوفيون: الألف واللام عقيب الإضافة. والمعنى: فهي مأواه، ومثله: زيد أمّا المال فكثير، وأمَّا الخلق فحسن. تقديره عند البصريين: أما المال عنده وأما الخلق منه، وتقديره عند الكوفيين أما ماله وأما خلقه.\n* * *","vol":"1","page":498},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-442>وَمِنْ سُورَةِ (عَبَسَ)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-443>قوله تعالى: (عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢»</span>\nهذه الآية وما بعدها نزلت في عبد الله بن أمّ مكتوم، وهو قول ابن عباس وقتادة والضحاك. وابن زيد\nوابن إسحاق، قال ابن إسحاق: كان النبي صلى الله عليه قد وقف مع الوليد بن المغيرة يكلمه وقد طمع في إسلامه، فمرّ به عبد الله بن أمّ مكتوم فوقف يسأله عن شيء، أو قال: يستقريه القرآن. فشقَّ ذلك على رسول الله صلى الله عليه حتى أضجره؛ لأنّه يشغله عما كان فيه من أمر الوليد، وما طمع فيه من إسلامه، فلما أكثر عليه انصرف عنه عابسًا وتركه فعاتبه الله تعالى على ذلك.\nوموضع (أنّ) نصب على أنّه مفعول له، أي: من أجل أن جاءه الأعمى، ولأن جاءه، وزعم بعض الكوفيين أنها بمعنى (إذ)، وليس بشيء.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-444>قوله تعالى: (فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥»</span>\nقرأ حمزة والكسائي وعاصم (أَنَّا) بفتح الهمزة وقرأ الباقون بالكسر، والكسر على الاستئناف. والفتح على البدل من (طَعَامِهِ). فموضعها على هذا جرّ، كأنّه قال: فلينظر الإنسان إلى أنا صببنا الماء. وهذا بدل الاشتمال. ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف. أي: هو أنا صببنا الماء.\n* * *","vol":"1","page":499},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-445>وَمِنْ سُورَةِ (كُوِّرَتْ) التكوير</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-446>قوله تعالى: (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢»</span>\nارتفعت (الشمس) بفعل مضمر تقديره: إذا كورت الشمس كورت. ولا يجوز إظهاره؛ لأنَّ ما بعده يفسره. وإنما احتيج إلى إضمار فعل؛ لأنَّ (إذا) فيها معنى الشرط، والشرط بالفعل أولى، وقال الأخفش والكوفيون: هو مبتدأ. و(كورت) الخبر، وجواب (إذا)، علمت،، وهو الناصب لـ (إذا).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-447>قوله تعالى: (وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (٢٤»</span>\nقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي (بِظَنِينٍ) بالظاء، وقرأ الباقون بالضاد، وكذلك هو في المصحف.\nفمن قرأ بالظاء فمعناه: متهم، ومن قرأ بالضاد فمعناه: بخيل، والقراءة بالضاد أجود، لا يقال: اتهمته على كذا. وإنما يقال اتهمته بكذا، ومجاز القراءة بالظاء أنّه وضع (على) موضع الباء.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-448>قوله تعالى: (فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (٢٦) إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٢٧»</span>\nقال الفراء: العرب تقول: إلى أين تذهب، وأين تذهب. ويقولون: ذهبت الشام، وخرجت الشام، وذهبت السوق، وانطلقت السوق، سمعناه في هذه الثلاثة الأحرف (خرجت - وذهبت وانطلقت)، وقال الكسائي: سمعت العرب تقول \" انطلق بنا الغورَ \" بالنصب، وأنشد الفراء:\nتَصِيحُ بنا حَنيفَةُ إذِ رَأتنا .... وَأيّ الأرضِ تَذَهبُ لِلصياحِ","vol":"1","page":500},{"text":"يريد: إلى أيِّ الأرض.\nولم يحك سيبويه من هذا إلا: ذهبت الشام، وعلى هذا جاء قوله: (فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ)، ومعناه: فإلى أين تذهبون، وقيل المعنى: فأين تذهبون عن الحق الذي قد ظهر أمره إلا إلى الضلال.\n* * *","vol":"1","page":501},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-449>وَمِنْ سُورَةِ (انْفَطَرَتْ) الانفطار</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-450>قوله تعالى: (وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٨) يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا)</span>\nقرأ ابن كثير وأبو عمرو (يومُ لا تَملكُ) بالرفع جَعلاه بدلا من قوله: (وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ)، كأنّه في التقدير: وما أدراك ما يومُ لا تملك.\nوقرأ الباقون بالنصب على البدل\nمن قوله تعالى: (يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ)، هذا قول البصريين، وقال الكوفيون: هو في موضع رفع، إلا أنّه مبني لأنّه مضاف إلى الفعل، والبصريون يقولون: إذا أضيف إلى فعلٍ معرب لم يبنَ، وإنما يبنى إذا أضيف إلى فعل مبني كالماضي.\n* * *","vol":"1","page":502},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-451>وَمِنْ سُورَةِ (الْمُطَفِّفِينَ)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-452>قوله تعالى: (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣»</span>\nالتطفيف: التنقيص، ويروى عن ابن مسعود أنّه قال: الصلاة مكيال، فمن وفى وُفّي له، ومن طفّف فقد سمعتم ما قال الله تعالى في المطففين.\nوالرفع في المصدر الذي ليس له فعل الوجه، نحو قوله: (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ)، فإن كان له فعل كان الوجه النصب، نحو: حمدًا وشكرًا، فلذلك أجمع القراء على الرفع، والنصب جائز.\nقال الفراء: نزلت هذه السورة أول ما قدم النبي صلى الله عليه المدينة، وكان أهلها إذا تبايعوا كيلًا أو وزنًا استوفوا وأفرطوا، وإذا باعوا نقصوا. فنزلت (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ)، فآمنوا فهم أوفى الناس كيلا إلى يومهم هذا.\nوقوله: (عَلى النَاسِ) أي: من الناس، (على) بمعنى (من).\nوقوله: (كَالوهُم أو وزَنُوهم) أي: كالوا لهم ووزنوا لهم، فـ (هم) في موضع نصب،","vol":"1","page":503},{"text":"ويجوز أن يكون (هم) في موضع رفع على التوكيد للضمير، والوجه الأول أولى؛ لأنَّها في المصحف بغير ألفٍ. ولو كانت توكيدًا لثبتت الألف التي هي للفصل.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-453>قوله تعالى: (إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣»</span>\nنزلت في النضر بن الحارث؛ لأنّه كان يقول: هذه أساطير الأولين فيما يسمع من القرآن.\nواختلف في واحد (الأساطير):\nفقيل: واحدها (اسطورة)، وقيل: (إسطارة)، وقيل: هو جمع (أسطار)، و(أسطار) جمع سطر، كـ فرخ وأفراخ، وقيل: هو جمع (أسطر) إلا أنّ كسرته أُشبعت فتنشأت عنها ياء.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-454>قوله تعالى: (وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (٢٧) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (٢٨»</span>\nقيل: (تسنيم) عين ماء تجري من علو الجنة، ويقال: تسنمتهم العين. إذا أجريت عليهم من فوق.\nويُسأَل عن نصب (عَيْنًا)؟\nوفيه أوجه:\nأحدها: أنّ (تسنيمًا) معرفة فـ (عَيْنًا) قطع منها، أي حال.","vol":"1","page":504},{"text":"والثاني: أن يكون (تسنيم) مصدرًا، فيجري مجرى قوله: (أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا)، فيكون مفعولًا به.\nوالثالث: أنّه على المدح، أي: أعني عينًا.\nوالرابع: أنّ المعنى: يُسقون عينًا.\nوأجاز الفراء: أن يكون على تقدير: شم عينًا، أي: رفع عينًا، وهذا أيضًا يكون على الحال، فهذه خمسة أوجه.\n* * *\nَ","vol":"1","page":505},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-455>وَمِنْ سُورَةِ (انْشَقَّتْ) الانشقاق</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-456>قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (٦»</span>\nالكدح: السعي. يقال: كدح في أمره يكدح كدحًا.\nويُسأَل عن \" الهاء \" في قوله (فَمُلَاقِيهِ)؟\nوفيها جوابان:\nأحدهما: أنّ المعنى: فملاقي ربَّك\nوالثاني: أنّ المعنى: فملاقي كدحك، أي: عملك وسعيك.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-457>قوله تعالى: (لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (١٩) فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠»</span>\nقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي: (لَتَرْكَبَنَّ) بفتح \" الباء \" على معنى: لَتَرْكَبَنَّ يا محمد، وقرأ الباقون: (لَتَرْكَبُنَّ) بالضم، على تقدير: تركبُنّ أيها الناس، والأصل: لتركبون، فدخلت النون الثقيلة للتوكيد، فسقطت نون الإعراب؛ لأنهما لا يجتمعان، فصار: لتركبون، فالتقى ساكنان (الواو) و(أول المشدد) فحذفت (الواو) لالتقاء الساكنين. وتركت الضمة.\nوقيل في قوله: (لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ) أقوال:\nأحدها: أنّ المعنى: لتركبنّ منزلة عن منزلة، وطبقًا عن طبق، وذلك أنّ من كان على صلاحٍ دعاه إلى\nصلاح قومه، ومن كان على فساد دعاه إلى فساد قومه. إنّ كلّ شيءٍ يصير إلى شكله.","vol":"1","page":506},{"text":"والثاني: أنّ المعنى: جزاء عن عمل.\nوالثالث: لتصيرُنّ من الدنيا إلى الآخرة.\nوالرابع: لتركبنّ حالًا عن حالٍ من إحياء وإماتة.\nقال الفراء: وقد فُسّر: لتصيرنّ الأمور حالًا بعد حالٍ؛ لشدة هول يوم القيامة، قال: والعرب تقول: وقع في بنات طبق، إذا وقع في أمر شديد.\nو(عن) بمعنى (بعد). كما قال: (عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ). أي: بعد قليل، قال الشاعر:\nقَرِّبا مَرْبَطَ النَّعامةِ مِنِّي ... لَقِحَت حَرْبُ وائلٍ عَنْ حِيَالِ\nأي: بعد حيال.\n* * *","vol":"1","page":507},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-458>وَمِنْ سُورَةِ (الْبُرُوجِ)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-459>قوله تعالى: (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (١) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (٢) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (٣) قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (٤»</span>\nالبروج: المنازل العالية، واحدها: برج، وهي هاهنا منازل الشمس والقمر الثمانية والعشرين، تقطع الشمس كل برج منها في شهر، ويقطعه القمر في يومين وثلث، فيكون مسيره فيها ثمانية وعشرين يومًا، ويستسرُّ ليلة أو ليلتين.\nوقال الفراء: هي النجوم المعروفة، وقيل: هي قصورٌ في السماء.\nواليومُ الموعود: يوم القيامة، وهو يوم الجزاء وفصل القضاء، وقد روي في خبرٍ مرفوع، وهو قول الحسن أيضًا وقتادة وعبد الرحمن بن زيد.\nوالشاهد: النبي صلى الله عليه، والمشهود: يوم القيامة، وهو قول الحسن بن علي ﵄، وتلا: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا)، (ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ)، وهو قول ابن عباس وسعيد بن المسيب،","vol":"1","page":508},{"text":"وروي عن ابن عباس أيضًا: أنَّ الشاهد هو الله تعالى والمشهود يوم القيامة، وجاء في خبرٍ مرفوع: أنّ الشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة، وهو قول قتادة، وقيل: الشاهد يوم النحر، والمشهود يوم عرفة، وهو قول إبراهيم.\nوالأخدود: شق في الأرض، قال ذو الرمة:\nمِنْ العراقيَةِ اللاتي تُحيلُ لها ... بَينَ الفَلاةِ وَبينَ النَّخلِ أخدودُ\nيصف جدولًا.\nويسأل عن معنى (ذَاتِ الْوَقُودِ)، يسأل: لِمَ خُصّت بذات الوقود، وكل نارٍ لها وقود؟\nوعن هذا جوابان:\nأحدهما: أنّه قد تكون نارًا ليست ذات وقود كنار الحجر، ونار الليل، فقُيدت هاهنا للفرق.\nوالثاني: أنّه معرَّف، فصار مخصوصًا كأنّه وقودٌ بعينه.\nواختلف في (أَصْحَاب الْأُخْدُودِ):\nفقيل: هم قوم مؤمنون أحرقهم قوم من المجوس، وهذا مروي عن علي بن أبي طالب ﵁.\nوقيل: كانوا من بنى إسرائيل، وهو قول الضحاك.\nوقيل: (قُتِلَ) بمعنى: لُعِنَ، أي: لعنوا بتحريقهم في الدنيا.\nوقيل: إن الكفار الذين كانوا قعودًا على النار، خرج إليهم منها إنسان فأحرقهم عن آخرهم.\nوقيل: كانوا نصارى من أهل نجران، حدثني أبي عن عمه عن منذر بن سعيد عن أبي النجم عصام بن منصور عن أبي بكر أحمد بن عبد الله البرقي، قال: حدثنا أبو محمد عبد الملك بن هشام، قال: حدثنا زياد بن عبد الله قال: حدثنا محمد بن إسحاق قال: كان أهل نجران جاهلية يعبدون نخلة، فوقع إليهم رجل من أهل ملة عيسى يقال له (فيميمون)، وكان أهل نجران يبعثون أولادهم إلى ساحر هنالك يتعلمون منه، فأنفذ رجل يقال له (الثامر) ابنًا له يسمى (عبد الله) ليتعلم السحر، وكان (فيميمون) على طريقه، فعدل إليه (عبد الله) وأعجبه ما رأى منه، فاتبعه على دينه، وسأله أن يعلمه اسم الله الأعظم، وكان (فيميمون) إذا أتى بعليل دعا له بذلك الاسم فيشفى، فقال لعبد الله: يا ابن أخي إنك","vol":"1","page":509},{"text":"لن تقدر أن تحمله وأخشى ضعفك عنه، فلما رأى (عبد الله) أنّ صاحبه قد ضنّ عليه بالاسم، عمد إلى قداح فجمعها، فلم يدع اسما لله تعالى إلا كتبه في قدح منها ثم أوقد نارا وأقبل يقذف فيها قِدحًا قِدحا حتى إذا مرَّ بالاسم الأعظم قذفه فيها، فوثب القدح حتى خرج منها لم يضره شيئًا، فأخذه ثم أتى صاحبه فأخبره فقال له: ما هو؟ فقال: كذا وكذا، قال: وكيف علمت؟ فأخبره بما صنع، فقال: يا ابن أخي قد أصبته، فأمسك على نفسك، وما أظنك أن تفعل، فجعل (عبد الله) إذا دخل نجران لا يلقى أحدًا به ضرّ إلا قال له: أتوحد الله، وتدخل في ديني، وأدعو لك أن تعافى من هذا البلاء؟ -فيقول له: نعم، فيوحد ويسلم، ويدعو له، فيشفى، حتى لم يبقَ بنجران أحدٌ به ضر إلا أتاه فاتبعه على أمره. ودعا له، فعوفي.\nورفع شأنه إلى ملك نجران، ودعاه، وقال له: أفسدت عليّ أهل قريتي، وخالفت ديني ودين آبائي، لأمثلنّ بك. فقال له: إنك لا تقدر على ذلك، فجعل الملك يرسل به إلى الجبل الطويل فيطرح على رأسه فيقع إلى الأرض ليس به بأس، ويبعث به إلى مياه بنجران كالبحور لا يقع فيها شيءٌ إلا هلك، فيُلقى فيها فيخرج ليس به بأس، فلما غلبه، قال له (عبد الله): إنك لا تقدر علي حتى توحد الله وتؤمن بما آمنت به، فإنك إن فعلت سُلطت عليَّ فقتلتني. قال: فوحَّد اللهَ ذلك الملك وشهد شهادة عبد الله ثم ضربه بعصا في يده فشجه شجة غير كبيرة فقتله، وهلك الملك مكانه، واستجمع أهل نجران على دين (عبد الله)، وكان على ما جاء به عيسى من الإنجيل وحكمه، ثم أصابهم ما أصاب أهل دينهم من الأحداث من بعدُ.\nقال: ثم إنَّ ذا نواسٍ الحميري سار إليهم بجنوده فدعاهم إلى اليهودية، وكان قد تهوَّد اتباعًا لجده (تبع الأوسط) الذي يقال له: (اسعرتبان) فامتنعوا، فخيرهم بين ذلك وبين القتل، فاختاروا القتل، فخدَّ لهم أخدودًا، وأوقد فيه نارًا، وألقاهم فيها، فيقال إن آخر من ألقى منهم امرأةً معها طفل، فتوقفت، فقال لها ابنها -وهو أحد من تكلم في المهد- يا أم إنما هي ساعة ثم الجنة، فألقت بنفسها، وأفلت منهم رجل يقال له \" دوس ذو ثعلبان \" على فرس له، فسلك الرمل، فأعجزهم، فمضى على وجهه ذلك حتى أتى قيصر صاحب الروم، فاستنصره، فقال له: بعدت بلادك عنا، ولكني سأكتب لك إلى ملك الحبشة، فإنه على هذا الدين، وهو أقرب إلى بلادك، فكتب له، فبعث معه النجاشي ملك الحبشة سبعين ألفًا من الحبشة، وأمَّر عليهم رجلا منهم يقال له \" أرباط \" وهو كان سبب دخول الحبشة اليمن.","vol":"1","page":510},{"text":"قال ابن إسحاق ويقال: كان فيمن قبل \" ذو نواس \" \" عبد الله بن التامر \"، قال وحدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أنّه حُدِّث: أنّ رجلًا من أهل نجران حفر خربة له في زمان عمر ﵁، فوجد \" عبد الله بن التامر \" تحتها دُفن فيها قاعدًا واضعًا يده على ضربة في رأسه ممسكًا عليها بيده، فإذا أُخرت يده عنها تثعب دمًا وإذا أرسلت يده ردها عليها. فأمسك دمها، في يده خاتم فيه مكتوب (ربي الله)، فكُتب إلى عمر ﵁ في ذلك، فكتب: أنْ أقروه على حاله. وردوا علحه الدفن الذي كان. ففعلوا.\nوالوقود: بالفتح - الحطب - وبالضم - المصدر.\nقال الفراء: (قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ) جواب القسم، كما كان جواب (وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا) (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا).\nو(النار) جر على البدل من الأخدود، قال بعض الكوفيين: الألف واللام تعاقب الإضافة، والمعنى: قتل أصحاب الأخدود ناره، وهو على تقدير مذهب البصريين: النار منه، وقال أبو عبيدة: النار جر على الجوار، كما قالوا: جحر ضبٍ خربٍ.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-460>قوله تعالى: (وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥»</span>\nقرأ حمزة والكسائي (المجيدِ) جرًا، ورفع الباقون.\nفمن جرّ فعلى النعت للعرش، وأضاف المجد إلى العرش؛ لأنَّه يدلُّ على مجد صاحبه.","vol":"1","page":511},{"text":"ومن رفع جعله مردودا إلى قوله (ذو).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-461>قوله تعالى: (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (١٧) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (١٨»</span>\nقيل المعنى: قد أتاك حديثهم، والمعنى: تذكر حديثهم تذكّر معتبر، فإنك تنتفع به، وهذا من الإيجاز الحسن. والتفخيم الذي لا يقوم مقامه التصريح لا يذهب الوهم في أمرهمْ كل مذهب.\nو(فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ) بدل من الجنود في موضع جر، وأجاز بعضهم: أن يكون في موضع نصب بإضمار فعل، كأنّه قال: أعني فرعون وثمود.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-462>قوله تعالى: (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (٢٢»</span>\nقرأ نافع (فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٌ) بالرفع، ردّه على (قُرْآنٌ)، وجرّ الباقون، ردُّوه على اللوح، واللوح المحفوظ: أمُّ الكتاب عن مجاهدا وقيل معناه: أنّه حفظه الله بما ضَمَّنه.\n* * *","vol":"1","page":512},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-463>وَمِنْ سُورَةِ (الطَّارِقِ)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-464>قوله تعالى: (وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (٢) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (٣»</span>\nالطارق: الآتي ليلا، وهو هاهنا النجم؛ لأنَّه يطرق ليلا، قالت هند بنت عتبة: نحن بنات طارق نمشي على النمارق.\nوالثاقب: المنير المضيء. والعرب تقول: اثقب نارك، أي: أشعلها.\nوقوله (وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ)، ما: استفهام، وهي في موضع رفع بالابتداء، والطارق، خبره، والجملة في موضع نصب؛ لأنَّه مفعول ثانٍ لـ (أدراك).\nوقيل: (الطارق) هو الثاقب، وهو زحل، هكذا قال الفراء.\n* * *\n\nوقوله: (إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ)، قرأ عاصم وحمزة وابن عامر (لَمَّا) بالتشديد، وقرأ الباقون بالتخفيف.\nفمن شدّد جعل (لمّا) بمعنى (إلا) حكى سيبويه: نشدتك الله لَمَّا فعلت، في معنى: إلا فعلت، و(حافظ) خبر (إن)، وقيل الأصل: (لمن ما) فأدغمت النون في الميم.\nومن خفف فـ (ما) عنده صلة، و(اللام) جواب القسم، والمعنى: لعليها حافظ.","vol":"1","page":513},{"text":"وقال بعضهم: (اللام) بمعنى (إلا) و(إن) بمعنى (ما)، والمعنى: ما كل نفس إلا عليها حافظ.\nوأنكر الكسائي تشديد الميم، وهو جائز عند البصريين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-466>قوله تعالى: (خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧) إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (٨) يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (٩»</span>\nقال الفراء: دافق: بمعنى مدفوق، كما قال: (فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ)، قال الفراء: وأهل الحجاز لذلك أفعل من غيرهم، يعني: وضع الفاعل في معنى المفعول.\nوالترائب: موضع القلادة من المرأة، هذا قول ابن عباس، وكذلك هو في اللغة، واحدها (تريبة) قال الشاعر:\nكَالزَّعَفَرانِ عَلَى تَرائبها ... شَرقًا به اللبُّاتُ والصَّدرُ\nوقد يقال في جمع تريبة: تريب، قال المثقب:","vol":"1","page":514},{"text":"وَمَنْ ذهَبَ يُشَنُّ عَلى تَريبٍ ... لكونِ العَاج ليسَ به غُضُونُ\nوالمعنى: من بين صلب الرجل وترائب المرأة.\nوالابتلاء: الاختبار.\nواختلف في معنى قوله (عَلَى رَجْعِهِ):\nفقال الضحاك: على رجع الإنسان ماء، كما كان. وقال عكرمة ومجاهد: على رجع الماء في صلبه، أو في إحليله. وقال الحسن وقتادة: على رجع الإنسان بالإحياء بعد الموت.\nويُسأَل عن الناصب لقوله: (يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ)؟\nوفيه اختلاف على قدر اختلاف العلماء في معنى (الرجع):\nفقال الزجاج: العامل فيه فعل مضمر يدل عليه (على رجعه) تقديره: يرجعه يوم تبلى السرائر،: لا يجوز أن يعمل فيه (على رجعه) لأنّه مصدر ولا يجوز أن يُفرق بينه وبين صلته.\nوقيل: العامل فيه (قادر) وهذا على مذهب من قال: إن معنى (على رجعه) على بعثه وإحيائه بعد الموت، ويكون جوابًا لقولهم: (أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ)، وما أشبه ذلك مما فيه إنكارهم للبعث، وقيل: هو نصب على إضمار (أعني).\n* * *","vol":"1","page":515},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-467>وَمِنْ سُورَةِ (الْأَعْلَى)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-468>قوله تعالى: (وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤) فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى (٥»</span>\nالغثاء: ما حمله السيل، وهو الهشيم اليابس.\nوأحوى: الأسود، وفي تقدير (أحوى) قولان:\nأحدهما: أنّه على التقديم والتأخير، والمعنى: نجعله أحوى غثاء. أي: أسود، والعرب تكني عن الأخضر بالأسود والأدهم، قال الله تعالى في صفة الجنتين: (مُدهَامتان)، أي: خضراوان من الري، و(أحوى) على هذا حال من (الهاء) في (جعله).\nوالثاني: أن يكون غير مقدم، ويكون التقدير: فجعله غثاء أسود، و(أحوى) على هذا المذهب نعت لـ (غثاء).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-469>قوله تعالى: (سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ)</span>\nقال الحسن: المعنى: فلا تنس إلا ما شاء الله أن تنساه، برفع حكمه وتلاوته. وهو قول قتادة، وقيل: إلا ما شاء الله كالاستثناء في الأيمان وإن لم تقع مشيئة إلا النسيان، وقيل؛ إلا ما شاء الله نسيانه مما لا يكلفك القيام بأدائه، وذلك أنّ التغليف مضمن بالذكر.\nوقوله (فلا تنسى) خبر على تقدير: سنقرئك فليس تنسى، وقيل: هو نهي، و(تنسى)","vol":"1","page":516},{"text":"بمعنى تترك وتثبت فيه الألف، وهو مجزوم. كما قال الشاعر:\nإذا العَجُوزُ غَضِبتْ فطلّقِ ... ولا ترضَاها ولا تَملّقِ\nوهذا من الضرورات لا يجب أن يحمل القرآن عليه.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-470>قوله تعالى: (إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (١٩»</span>\nقال قتادة: ما قصه الله تعالى في هذه السورة في الصحف الأولى، وقيل: من قوله: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى) إلى آخر السورة في الصحف الأولى، وقيل: كُتُب الله تعالى كلها أنزلت في شهر رمضان، وأنزل القرآن لأربع عشرة ليلة منه، وقيل: القرآن في الصحف الأولى، والتقدير على هذه الوجوه: معاني القرآن أو معنى ما تقدم ذكره في الصحف الأولى.\nوواحد الصحف: صحيفة، كما يقال: سفينة وسفن، وقد يقال: صحائف، كما يقال: سفائن.\n* * *","vol":"1","page":517},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-471>وَمِنْ سُورَةِ (الْغَاشِيَةِ)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-472>قوله تعالى: (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (٢) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً (٤) تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (٥) </span>لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (٦) لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (٧»\n(هل) بمعنى (قد)، والغاشية: القيامة؛ لأنَّها تغشى العباد، ومعنى (خَاشِعَةٌ عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ) أي: في الدنيا، قيل: يعنى بذلك: الرهبان. وقال الحسن وقتادة: عاملة لم تعملها لله في الدنيا، فأعملها في النار.\nوالآنية: المنتهية في الحرارة. وهو قول ابن عباس وقتادة، وهو على وزن (فاعلة) من أنى يأني إذا انتهى، فأما على قوله: (يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ)، فهو (أفعلة) جمع إناء، مثل: إزار وآزرة.\nوالضريع: الشّبرق، وهو سم، عن ابن عباس، وقيل: (مِنْ ضَرِيعٍ) أي: يضرع آكله في الإعفاء عنه لصعوبته.","vol":"1","page":518},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-473>قوله تعالى: (لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢) إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣»</span>\nالمسيطر: المتسلط على غيره بالقهر، وقال ابن عباس (بِمُسَيْطِرٍ) بجبَّار، وهو قول مجاهد أيضًا، وقال ابن زيد: بجبارٍ بالإكراه على الإيمان، وهذا قبل فرض الجهاد.\nوقوله: (إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ) قال الفراء: يكون مستثنى من الكلام الذي كان التذكير يقع عليه، وإن لم يذكر، يريد أنّه استثناء منقطع، وسيبويه يقدر الاستنثناء بـ (لكن). والفراء بـ (سوى) و(لكن) فيه أظهر.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-474>قوله تعالى: (إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (٢٦»</span>\nالإياب: الرجوع. يقال: آب يؤوب أوبًا إذا رجع.\nوقرأ بعضهم (إِيَّابَهُمْ) بالتشديد، وأصله: إيوابهم، على (فيعال) فاجتمعت الواو والياء وسبقت الأولى منهما بالسكون، فقلبت الواو ياء وأدغمت الياء فيها.\n* * *","vol":"1","page":519},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-475>وَمِنْ سُورَةِ (الْفَجْرِ)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-476>قوله تعالى: (وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣) وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (٤) هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (٥»</span>\nالفجر: انشثقاق عمود الصبح.\nوالليالي العشر: عشر ذي الحجة. والشفع: الخلق بما له من الشكل. والوتر: الخالق الفرد؛ لأنّه لا مثل له، هذا قول ابن عباس وأكثر أهل العلم، وقال الحسن: الشفع: الزوج، والوتر: الفرد، وروي عن ابن عباسٍ أيضًا: أنّ الشفع: يوم النحر، والوتر: يوم عرفة، وهو قول عكرمة والضحاك. وقيل: الشفع والوتر: كلاهما من الخلق، وهو قول عبد الرحمن بن زيد، وقال عمران بن حصين: الشفع والوتر: الصلاة المكتوبة منها شفع ومنها وتر، وروي عن أبي الزبير: أنّ الشفع: اليومان الأولان من أيام النحر، والوتر: اليوم الثالث.\nوقيل: العشر: عشر ليال من أوّل المحرم.\nوالحجر: العقل؛ لأنَّه يمنع صاحبه.\nو(إِرَمَ): مدينة، قيل: هي الإسكندرية، هذا قول القرطبي، وقال المقبري: هي دمشق، وقيل: هي مدينة مبنية من الذهب والفضة في البرية غُيِّبت عن الناس، وقيل: هي قبيلة، فعلى الأقوال الأول تكون (عاد) منسوبة إلى (اْرَمَ)، وعلى القول الآخر يكون (عاد) هي (إِرَمَ)، وقيل: إرم: سام بن نوحٍ، ولم ينصرف (إِرَمَ) في الأقوال الأول؛ لأنها معرفة مؤنثة، وإذا جعل اسم رجل فزعم","vol":"1","page":520},{"text":"الفراء: أنّه يترك إجراؤه؛ لأنّه كالأعجمي.\nوقيل: (ذَاتِ الْعِمَادِ) ذات الطول، هذا قول ابن عباس ومجاهد. وقال ابن زيد: ذات العماد في أحكام البنيان.\n* * *\nقوله تعالي: (كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢»\nالدك: تسوية الأرض وبسطها، ومنه الدكان لاستوائه.\nقال الحسن: المعنى: وجاء أمر ربِّك وقضاء ربِّك، وقال المتكلمون: يفعل الله فعلًا يسميه مجيئًا، ومثل هذا قول النبي ﷺ: (ينزل ربُّنا في كل ليلةٍ إلى السماء الدنيا) أي: أمره، وهذا كما تقول: ضرب الأمير فلانًا. أي: ضربه صاحبه بأمره. ولا يجوز أن يكون المجيء انتقالًا؛ لأنّ (لأنّ الانتقال لا يصح على القديم تعالى.\n* * *","vol":"1","page":521},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-477>وَمِنْ سُورَةِ (الْبَلَدِ)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-478>قوله تعالى: (لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (١) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ (٢»</span>\nالبلد: مكة، قال الفراء أي: هو حلال لك، وذلك يوم فتح مكة، لم تحل قبله، ولا تحل بعده، أي: تقتل من رأيت قتله، فقيل له (ابن خطل) متعلق بأستار الكعبة، فأمر بقتله، وقيل: لم تحل إلا لنبينا صلى الله عليه ساعة من النهار. وهو قول عطاء.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-479>قوله تعالى: (وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (١٠»</span>\nقيل: النجدان: الطريقان؛ طريق الخير وطريق الشر، وقيل: هدى الطفل إلى ثدي أمِّه.\nوأصل النجد: المرتفع من الأرض، ونقيضه: تهامة؛ لأنها لما انخفضت تهمت ريحها، يقال: تهمت ريحه وتمهت إذا تغيرت.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-480>قوله تعالى: (فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥»</span>\nالاقتحام: الدخول على مشقة، والعقبة: الطريقة الصعبةُ المرتقى. والفك: التفرقة، يقال:","vol":"1","page":522},{"text":"فككته أي:، فرقته، نحو: فك القيد والغل، وتعنى (فَكُّ رَقَبَةٍ) أي: فرق بينها وبين الرق، والمسغبة: المجاعة، والمقربة: القربى، والمتربة: الفقر، من قولهم: تربت يداه.\nقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي (فَكَّ رَقَبَةٍ أَوْ أَطْعَمَ) على الفعل الماضي. وقرأ الباقون (فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعَامٌ) رد الفعل على الفعل فالمعنى على القراءة الأولى: فلا اقتحم العقبة فك رقبة أو أطعم، والمعنى على القراءة الثانية: وما أدراك ما العقبة؟ أي: هي فك رقبة، جعله جواب لقوله (وما أدراك).\nونصب (يَتِيمًا) بـ (إطعام)، كما تقول: أعجبني ضرب زيد عمرًا؛ لأنّه مصدر. والمصدر يعمل عمل فعله، والفاعل محذوف، قيل تقديره: أو إطعام أنت، وقيل تقديره: أو إطعام إنسان.\n* * *","vol":"1","page":523},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-481>وَمِنْ سُورَةِ (الشَّمْسِ)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-482>قوله تعالى: (وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (٥) وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا (٦) وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨»</span>\nاختلف في (ما) هاهنا:\nفقيل: بمعنى (مَنْ) أي: من بناها ومن طحاها ومن سوَّاها.\nوقيل: هي مصدرية، وتقديره: والسماء وبنائها، والأرض وطحوها ونفس وتسويتها.\nو(طحاها) بسطها، ودساها: أخفاها. وقيل: هو نقيض (زكاها) أي: زكاها بالعمل الصالح، ودساها بالعمل الفاسد.\n[...] كما يقال: زكا يزكو.\nوقوله: (قَدْ أَفْلَحَ) جواب القسم، وهو على حذف (اللام). وتقديره: لقد أفلح،","vol":"1","page":524},{"text":"وقيل (دَسَّاهَا)\nفأبدلت السين، كما قيل: تظني والفلاح: البقاء والخلود، وقيل: الفلاح: الفوز، وقيل: الفلاح: الملك.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-483>قوله تعالى: (فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا (١٣) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا (١٤) وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا (١٥»</span>\nنصب (نَاقَةَ اللَّهِ) بإضمار فعل، أي: اتركوا ناقة الله وسقياها، أي: احذروا ناقة الله وسقياها، وربما قال بعض النحويين: نصب على التحذير، وأجاز الفراء: الرفع، على أنّ معنى التحذير باقٍ.\nوعاقر الناقة أحمر ثمود واسمه (قدار)، قال الشاعر:\nولَكِنْ أَهْلَكَتْ لَواءٌ كَثِيرًا ... وقَبْلَ اليَوْمِ عالجَها قُدارُ\nوالدمدمة: ترديد الحال المستنكرة، وقيل: أصله (دم) فضغف، وقيل: دَمٌ عقر.\nقال الضحاك في قوله: (وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا) لم يخف الذي عقرها عقباها، وقيل المعنى: ولا يخاف الله عقبي ما فعل من الدمدمة.\nوقيل (فَسَوَّاهَا) أي: سوى العقوبة لهم، وقيل: سوى أرضهم عليهم.","vol":"1","page":525},{"text":"وقرأ أبو عمرو وابن كثير وحمزة والكسائي وعاصم (وَلَا يَخَافُ) بالواو لأنها في [...]، وقرأ نافع وابن عامر (فَلَا يَخَافُ) لأنها في مصاحف أهل المدينة والشام كذلك.\nفمن قرأ بالفاء جاز أن يقف على قوله: (فَسَوَّاهَا) ومن قرأ بالواو لم يجز له أن يقف؛ لأنَّها واو حالٍ، ولا يجوز الوقف دون الحال.\n* * *","vol":"1","page":526},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-484>وَمِنْ سُورَةِ (اللَّيْلِ)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-485>قوله تعالى: (وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣)</span>\n(ما) بمعنى (مَن) وقيل: بمعنى (الذي)، وقيل: جاءت على لغة من يقول سبحان ما سبحت له.\nوأجاز الفراء: الجر في (الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى) على البدل من (ما)، وفي القراءة الأولى يكون (الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى) نصبًا ب (خلق)، والفاعل مضمر، أي: خلق هو، وإن شئت جعلت (ما) مصدرية، والتقدير: وخلقه الذكر والأنثي.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-486>قوله تعالى: (وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠»</span>\nيسأل عن نصب (ابْتِغَاءَ)؟\nالجواب: أنّه استثناء منقطع، والمعنى لكن ابتغاء وجه ربِّك، قال الفراء: نصب الابتغاء في جهتين:\nإحداهما: أن تجعل فيها نية إنفاقه.\nوالأخرى: على اختلاف ما قبل (إلا) وما بعدها، والمعنى: ما ينفق إلا ابتغاء وجه ربِّه، قال: والعرب تقول: ما في الدار أحد إلا كلبا. وهذا هو الاستثناء المنقطع، قال: وهذا مذهب أهل الحجاز، فأما بنو تميم فإنهم يجعلون الثاني بدلًا من الأول، وأنشد:","vol":"1","page":527},{"text":"وبَلْدَةٍ ليسَ بها أنيسُ ... إلاَّ اليَعافيرُ وإلاَّ العِيْسُ\nقال: ولو رفع رافع (ابتغاء) لم يكن خطأ؛ لأنَّك لو ألقيت (من) من (نعمة) لصار: وما لأحد عنده نعمة إلا ابتغاءُ، فهذا يكون على البدل، كما تقول: ما أتاني من أحدٍ إلا أبوك.\n* * *","vol":"1","page":528},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-487>وَمِنْ سُورَةِ (الضُّحَى)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-488>قوله تعالى: (وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣»</span>\nالضحى: صدر النهار، وقيل: الضُّحى [...] الضُّحَاء ممدود مفتوح الأول، وهو قريبٌ من نصف النهار. وسجا: سكن، وقال الحسن: غشى بظلامه. والأوّل قول قتادة والضحاك. وودعك: تركك. وقلى: أبغض، والقِلى البغض إذا كسرت (القاف) وقصرت، وإذا فتحت مددت \"، قال الشاعر:\nعَلَيكِ سَلامٌ لَا مُلِلْتِ قَرِيبَةً ... وَمَا لَكِ عِنْدي، إِنْ نَأَيْتِ قَلاءُ\nوالتقدير: ما ودعك ربُّك وما قلاك، إلا أنّ (الكاف) حذفت اكتفاء بالأولى، ولتتفق رؤوس لآي، ومثله: أعطيتك وأحسنت، والمعنى إليك.\nقال الفراء: الضحى النهار كله، وسجى أظلم وذلك في طوله.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-489>قوله تعالى: (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (٨»</span>","vol":"1","page":529},{"text":"آوى: ضمَّ، وقيل في (ضال) ثلاثة أقوال:\nأحدها: وجدك لا تعرف الحق. فهداك إليه.\nوالثاني: وجدك ضالًا عما أنت عليه الآن من النبوة والشريعة فهداك إليه.\nوالثالث: وجدك في قوم ضُلَّال، أي: فكأنك منهم.\n* * *","vol":"1","page":530},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-490>وَمِنْ سُورَةِ (أَلَمْ نَشْرَحْ)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-491>قوله تعالى: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦»</span>\nالعسر الأول هو العسر الثاني، واليسر الأول غير اليسر الثانى، وقد جاء في الحديث: (لن يغلب عسر يسرين)، ووجه ذلك: أنّ العسر معروف، فهو واحد؛ لأنّه ذلك المعرف بعينه، واليسر منكر، ولو كان اليسر الثاني هو الأول لتكرر وفيه الألف واللام ليعرف ذكره، كما تقول: رأيت الرجل، إذا كررت (الرجل)، قال الله تعالى: (إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ) عرّف الثاني لما كان هو الأول، وقال: (مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ)، ومثل تكرير (العسر) وفيه الألف واللام والثاني هو الأول قول الشاعر:\nلا أرى الموتَ يَسْبِقُ الموتَ شيءٌ ... نَغَّصَ الموتُ ذا الغِنَى والفَقِيرا\nوالموت في ذلك كله شيء واحد.\n* * *","vol":"1","page":531},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-492>وَمِنْ سُورَةِ (وَالتِّينِ)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-493>قوله تعالى: (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢»</span>\nالتِّين وَالزَّيْتُون: نوعان من الشجر نبه الله [...]؛ بهما ونوّه بهما، فأقسم بهما، وقيل: التين والزيتون: جبلان. فالتين بدمشق والزيتون ببيت المقدس. وقال عبد الرحمن بن زيد: التين مسجد دمشق، والزيتون بيت المقدس، وقال الحسن ومجاهد وعكرمة وقتادة: التين هو الذي يؤكل، والزيتون هو الذي يعصر.\nوطور سينين: جبل بين الحجاز والشام، وهو الذي كلم الله موسى بن عمران عليه، وهذا قول الحسن، يقال: طور سينين وطور سيناء بمعنى واحد، وقيل: سينين بمعنى: حسن؛ لأنَّه كثير النبات والشجر. وهو قول عكرمة، وقال مجاهد وقتادة: الطور الجبل. وسينين بمعنى: مبارك، وكأنه قيل: جبل الخير.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-494>قوله تعالى: (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦) فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّين (٧) أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (٨»</span>\nقيل في قوله (غَيْرُ مَمْنُونٍ) ثلاثة أقوال:\nأحدها: أنّ المعنى غير منقوص.\nوالثانى: أنّ المعنى غير مقطوع.","vol":"1","page":532},{"text":"والثالث: أنّ المعنى غير محسوب، من قولك: مننت عليه بكذا. أي حسبته عليه، وهو قول مجاهد.\nوالهمزة في (أَلَيْسَ اللَّهُ) همزة تقرير. مثل الذي في قول جرير:\nألستُم خيرَ مَن ركبَ المَطايَا ... وأندَى العَالمينَ بُطُونَ راح\nودخلت (الباء) في خبر (أليس) وإن كان قد انتقض معنى النفي؛ لأنَّ الهمزة وإن نقلت النفي إلى الإيجاب. فإنها لم تنقل (ليس) عن حكمها. وقيل: المعنى: أليس الله بأحكم الحاكمين صنعًا وتقديرًا؛ لأنّه لا خلل فيه ولا اضطراب ولا ما يخرج به عما تقتضيه الحكمة.\n* * *","vol":"1","page":533},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-495>وَمِنْ سُورَةِ (الْعَلَقِ)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-496>قوله تعالى: (أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧)</span>\n(أنّ) في موضع نصب. لأنّه مفعول له، والمعنى إنّ الإنسان ليطغى لأنّ رآه استغنى، ومن أجل أنّ رآه استغنى.\nو(رأى) هاهنا بمعنى: علم؛ لأنّه لا يقال: زيد رآه، من رؤية العين، وإنما يقال: زيد رأى نفسه، ولكن من رؤية القلب يجوز، نحو: زيد رآه عالمًا، ورآه استغنى. وكذا الأفعال المؤثرة، ولا يجوز أن يعمل في ضمائر ما يكون خبرًا عنه، فأما قولهم: عدمتني وفقدتني، فلأنه جرى على المجاز، ألا ترى أنّه لا يصح أن يعدم نفسه ولا يفقدها، وإنما يعدمه غيره.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-497>قوله تعالى: (لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (١٥) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (١٦) فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (١٨»</span>\nالسفع: أصله من سفعته النار إذا غيَّرته عن حاله.\nوالناصية: شعر مقدم الرأس، وهو من ناصى يناصي مناصاة إذا واصل.\nوالنادي: المجلس، يقال: نادي وندي، والجمع: أندية، قال سلامة بن جندل:","vol":"1","page":534},{"text":"يومَانَ يَومُ مَقاماتٍ وأَنْدِيَةٍ ... ويَومُ سَيْرٍ إِلَى الأَعْداءِ تَاوِبُ\nوالزَّبَانِيَةَ: الأعوان، واحدها: زبينة، هذا قول أبي عبيدة، وقال الكسائي: زبني، وقيل:\nهو جمع لا واحد له، واشتقاق الزبانية من الزبن: وهو الدفع، ومنه يقال: حرب زبون، قال الشاعر:\nفواَرِسُ لا يملُّونَ المنَايَا ... إِذَا دَارتْ رَحَا الحربِ الزبُونِ\nوالزبانية هاهنا: الملائكة. هذا قول ابن عباس وقتادة ومجاهد والضحاك.\nو(النون) في (لنسفعن): نون التوكيد الخفيفة، والاختيار عند البصريين أن تكتب بالألف؛ لأنّ الوقف عليها بالألف، واختار الكوفيون: أن تكتب بالنون، لأنها نونٌ في الحقيقة.\nوخفض (ناصيةٍ) بدل من (الناصية) الأولى، وحكى الفراء: أنّ بعضهم قرأ (ناصيةً) بالنصب على تقدير: لنسفعًا بها ناصيةً. ينصبها على القطع.","vol":"1","page":535},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-498>وَمِنْ سُورَةِ (الْقَدْرِ)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-499>قوله تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١)</span>\n(الهاء) للقرآن، وإن لم يجرِ له ذكر؛ لأنّه قد عرف المعنى.\nوليلة القدر: ليلةٌ يغفر الله تعالى فيها السيئات، وقيل: ليلة الحكم بما يقضي الله تعالى في السنة من كل أمر، وهو قول الحسن ومجاهد، وقيل: هي في العشر الأواخر من شهر رمضان، لم يطلع عليها بعينها الناس، وقيل: إنما أخفاها الله تعالى عن العباد ليستكثروا من العبادة في سائر أيام العشر طلبًا لموافقتها، وروي أنَّ النبي ﷺ قال: (أريتها وأنسيتها). وروي عنه: (التمسوها لثلاث أو لخمس أو لسبع) قال مالك: أراه أراد: لثلاث بقين وخمس بقين وسبع بقين، وقيل: هي في الأفراد من العشر الأواخر، وقال بعضهم: التمسوها في الشهر كله، وقال آخر: التمسوها في السنة، وهذا كله تحريض على كثرة العمل طلبًا للموافقة، وقيل: قد فُسّرت ليلة القدر بقوله (فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ). وقيل: ليلة القدر ليلة عظيمة الشأن، من قولك: رجل له قدره.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-500>قوله تعالى: (تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٥»</span>","vol":"1","page":536},{"text":"قيل الأصل في (تنزل): تتنزل، فحذفت (التاء) الثانية استثقالًا لاجتماع التاءين، وكانت الثانية أولى بالحذف؛ لأنّ الأولى دخلت لتدل على الاستقبال، وقيل: تنزل الملائكة بكل أمر في ليلة القدر [...] حتى يعلمه أهل السماء الدنيا، وحتى يتصور العباد تنزل أمر الله تعالى إليها، فتنصرف آمالهم إلى ما يكون منها [...] بما يتجدد من تفضل الله تعالى فيها.\nوالروح: جبريل ﵇. وقيل: ملك عظيم تقوم الملائكة يوم القيامة صفًا، ويقوم وحده صفًا.\nوقيل (السلام) في ليلة القدر سلام الملائكة بعضهم على بعض، وقيل: نزولهم بالسلامة والخير والبركة، وقيل: سلام هي من الشر.\nوهو قول قتادة.\nوقرأ الكسائي (مَطْلِعِ) بكسر اللام، وفتح الباقون.\nفمن كسر جعله للوقت، وأكثر ما يأتي ما كان على (فَعَل يفعُل) نحو: القتل والمنظر والمدخل والمخرج. إلا أنّه قد شذت أحرف فجاء الزمان والمكان فيها على (مفعِل) وهي: المطلِع والمشرِق والمغرِب والمنبِت: المجزِر والمسكِن والمسجد، وحكى الفراء: طلعت الشمس مطلِعًا على المصدر، فعلى هذا تستوي القراءتان، وكأنه اجتزأ بالاسم عن المصدر، كما قالوا: أعطيته عطاء وأكرمته كرامة، فأما قوله: (وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا) فقيل: أتى على حذف الزيادة. وقيل: المعنى: أنبتكم فنبتم نباتًا، فنبات من غير (أنبت) على هذا القول.","vol":"1","page":537},{"text":"و(حتى) بمعنى (إلى) والتقدير: إلى مطلع الفجر.\nيجوز في (هي) وجهان:\nأحدهما: أن تكون هي مبتدأة و(سلام) الخبر.\nوالثاني: أن يكون (سلام) مبتدأ و(هي) الخبر.\n* * *","vol":"1","page":538},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-501>وَمِنْ سُورَةِ (لَمْ يَكُنِ) الْبَيِّنَة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-502>قوله تعالى: (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١) رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ)</span>\nحركت (النون) من (لَمْ يَكُنِ) لالتقاء الساكنين، فإن قيل: لم لم ترجع (الواو) وهي إنما حُذِفت لسكون (النون) و(النون) قد تحركت؟ - قيل: حركة (النون) عارضة لا يعتد بها، فكأن السكون باقٍ.\nوعطف (المشركين) على (أهل الكتاب)، والتقدير: لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب ومن المشركين، وقيل: لا يجوز ذلك؛ لأنَّ المشركين كفار. وأهل الكتاب قد لا يكونون كفارًا، ولكنه مفعول معه. أي: مع المشركين، ويدل على صحة هذا التأويل: أنّ عبد الله بن مسعود قرأ: (لم يكُنِ المشركونَ وأهلُ الكِتابِ مُنفَكّين)، وقل: بل يجوز أن يعطف (المشركين) على (أهل الكتاب)؛ لأنَّ (من) لإبانة الجنس، كما تقول هذا ثوبٌ من خزٍّ؛ لأنّ الكفار قد يكونون من غير أهل الكتاب ومن غير المشركين، وهو كقوله: (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ)؛ لأنَّ الرجس قد يكون غير الأوثان.\nقال الفراء: يريد بقوله:. (مُنفكين) أي: لم يكونوا منتهين حتى تأتيهم البينة، وهي بعث محمد صلى الله عليه، قال: وقال آخرون: لم يكونوا تاركين صفته في كتابهم أنّه نبي حتى ظهر، فلما ظهر تفرقوا واختلفوا، ويصدق ذلك (وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ).","vol":"1","page":539},{"text":"والانفكاك هاهنا: التفرق. ومنفكين هاهنا: من قولهم: ما انفك زيد قائمًا، وأجاز ذلك الفراء، وإذا كانت كذلك وجب أن يكون لها خبر، ولا خبر هاهنا، فلما كان كذلك وجب الوجه الأول.\nو(رسول) بدل من (البينة)، وقال الفراء: هو مستأنف، والتقدير: هو رسول من الله، أو: هي. وفي قراءة أُبي (رسولًا من الله) بالنصب. على القطع، أي: الحال، والبينة: الحجة.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-503>قوله تعالى: (وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ)</span>\nفيه قولان:\nأحدهما: أنّ المعنى: ذلك دين الملة القائمة أو الشريعة.\nوالثاني: أنّ المعنى: ذلك دين الأمة القائمة أو الفرقة القائمة، والقائمة والقيِّمة بمعنى واحد.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-504>قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ)</span>","vol":"1","page":540},{"text":"يجوز في (المشركين) أن يكون معطوفًا على (الذين كفروا) وذلك على مذهب من جعله هنالك مفعولًا معه. ويجوز أن يكون معطوفًا على (الذين كفروا) كما كان فيما قبل.\n* * *","vol":"1","page":541},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-505>وَمِنْ سُورَةِ (إِذَا زُلْزِلَتِ)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-506>قوله تعالى: (إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (٢) وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا (٣»</span>\nالزلزلة: الحركة الشديدة، وهذه الزلزلة تكون يوم القيامة، والزِّلزال بالكسر: المصدر، والزَّلزال بالفتح؛ الاسم، ومثله: القَلقال والقِلقال، والوَسواس والوِسواس.\nقرأ أبو جعفر (إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زَلْزَالَهَا) بالفتح.\nوأثقالها: كنوزها من الذهب والفضة، وقيل: أقواتها.\n(وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا) أي: الكافر، يقول: أي شيء لها وما شأنها تغيَّرت عما كانت عليه.\nوقيل: إن الأرض تتكلم يوم القيامة، قال علي بن عيسى: يكون ذلك على ثلاثة أوجه:\nأحدها: أن يقلبها الله حيوانًا قادرًا على الكلام.\nوالثاني: أن يحدث الله تعالى الكلام فيها.\nوالثالث: أنّ كلامها ببيان يقوم مقام الكلام.\nوجواب (إذا) محذوف، والتقدير: إذا زلزلت الأرض زلزالها وأخرجت الأرض أثقالها وقال الإنسان ما لها رأيت أمرًا هائلًا، أو حُشِر الناس،","vol":"1","page":542},{"text":"وهذا الجواب هو العامل في (إذا)، ولا يجوز أن يعمل فيها (زلزلت)؛ لأنَّها مضافة إليه والمضاف إليه لا يعمل في المضاف.\n* * *","vol":"1","page":543},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-507>وَمِنْ سُورَةِ (الْعَادِيَاتِ)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-508>قوله تعالى: (وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (١) فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا (٢) فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا (٣) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (٤) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا (٥»</span>\nالعاديات: الخيل، والضبح: لهث يتردد من أنفاسها، وقيل: إن الضبح: حمحمة الخيل عند العدو، وقيل: شدة النفس عند العدو، قال ابن مسعود: العاديات هي: الإبل، والقول الأول أظهر، وهو قول ابن عباس ومجاهد وقتادة وعطاء.\nقيل: أقسم بالعاديات لعظم شأنها في الغارة [...] الله من المشركين، وقيل التقدير: ورت العاديات، والموريات: التي توري النار، أي: تظهرها بسنابلها، تقول: أورى القادح النار، وتسمى النار التي تظهر تحت السنابك (نار الحباحب) لضعفها قال النابغة في صفة السيوف:\nتَقُدُّ السُّلُوقِيَّ المُضاعَفَ نَسْجُهُ ... وتُوْقِدُ بالصُّفَّاحِ نارَ الحُبَاحِبِ\nوالمغيرات: جمع مغيرة، من قولك: أغرت على العدو.\nوالنقع: الغبار، و(الهاء) في قوله: (فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (٤) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا) يعود على","vol":"1","page":544},{"text":"المكان الذي أغيرت عليه أو الوادي، وقيل: يعود على فرس المقداد بن الأسود؛ لأنّه كان أشد الخيل ذلك اليوم، وقيل لم يكن في تلك المغيرة إلا ثلاث من الخيل فرس المقداد أحدها، وهو ضميرٌ لم يجرِ له ذكر ولكنه قد عرف.\n* * *","vol":"1","page":545},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-509>وَمِنْ سُورَةِ (الْقَارِعَةِ)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-510>قوله تعالى: (فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩) </span>وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠) نَارٌ حَامِيَةٌ (١١»\nقال الحسن: في الآخرة ميزان له كفتان توزن فيه أعمال العباد. وقال مجاهد: (ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ) على جهة المثل، ويروى عن عيسى ﵇ أنّه سُئل فقيل له: ما بال الحسنة تثقل علينا والسيئة تخف علينا؟ فقال: لأنّ الحسنة حضرت مرارتها وغابت حلاوتها، فلذلك ثقلت عليكم وعادت في مكروهكم، فلا يحملكم ثقلها على تركها، فإنّ بذلك ثقلت الموازين يوم القيامة، والسيئة حضرت حلاوتها، وغابت مرارتها فلذلك خفت عليكم وعادت في محبوبكم، ولا يحملكم عليها خفتها فإنّ بذلك خفت الموازين يوم القيامة.\nوراضية: في معنى مرضية.\nوقيل في قوله: (فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ) قولان:\nأحدهما: أنّه يهوي على أم رأسه في النار، وهو قول قتادة وأبي صالح\nوقيل: أمه هاوية أي: ضامته وكافلته هاوية، أي: النار شبهت له بالأم؛ لأنّ الأم تضمه إليها وتكفله، فصارت النار له كالأم.\n* * *","vol":"1","page":546},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-511>وَمِنْ سُورَةِ (التَّكَاثُرِ)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-512>قوله تعالى: (كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (٧»</span>\n(كَلَّا) زجر. و(عِلمُ اليَقينِ): العلم الذي [...] بعد اضطراب الشك فيه، وتقديره في الإعراب: علم الخبر اليقين، فحذف المضاف. ومثله (حَبَّ الْحَصِيدِ)، وأهل الكوفة يقولون: هو إضافة الشيء إلى نفسه. وهذا لا يجوز عند البصريين.\nوقوله: (لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ) قيل: ترونها في الوقف، وهو قول الحسن.\nوقرأ ابن عامر والكسائي (لَتُرَوُنَّ) بالضم على ما لم يسمّ فاعله، وقرأ الباقون بالفتح على ما سمي فاعله، إلا أنّ الكسائي وابن عامر [...] في لترونها.\nولا يجوز همز هذه الواو على قياس: أثؤبٍ في أثوب وأعد في وعد؛ لأنّ الضمة هاهنا عارضة لالتقاء الساكنين.","vol":"1","page":547},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-513>وَمِنْ سُورَةِ (الْعَصْرِ)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-514>قوله تعالى: (وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)</span>\nالعصر: الدهر، عن ابن عباس والكلبي، وقال الحسن وقتادة: هو صلاة العصر.\nوالإنسان: في موضع (الناس)، ولذلك جاز الاستثناء فيه.\nوالخسر: أصله إهلاك رأس المال، فالإنسان في هلاك نفسه وهو أكثر رأس ماله بمنزلة ذلك.\nإلا المؤمن العامل بطاعة ربه الصابر على ذلك والمتواصي بالحق، وقيل: المراد بذلك (أبو بكر) و(عمر) ﵄.\n* * *","vol":"1","page":548},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-515>وَمِنْ سُورَةِ (الْهُمَزَةِ)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-516>قوله تعالى. (وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١»</span>\nقال محمد بن إسحاق: نزلت في أمية بن خلف، وذلك أنّه رأى النبي ﷺ فهمزه ولمزه. فأنزل الله تعالى: (وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ).\nوالهمزة: الذي يشتم الرجل علانية، قال حسان:\nهَمَزتُكَ فاخْتَضَعْتَ لها بذُلٍّ نفسٍ ... بقافِيَة تَأَجَّجُ كالشُّواظِ\nواللمزة: الذي يصيب الناس سرًا ويؤذيهم. قال رؤبة:\nفي ظِلّ عَصرِي بَاطِلي ولمزِي\nوقيل: الهمزة: الكثير الطعن على غيره بغير حق، العائب لمن ليس فيه عيب، يقال: رجل همزة، كما يقال: ضحكة وهزأة، قال ابن عباس اللمزة: المغتاب العيّاب.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-517>قوله تعالى: (الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ (٢) يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (٣»</span>","vol":"1","page":549},{"text":"(الذي) في موضع جر على البدل من (همزة)، ولا يجوز أن يكون نعتًا؛ لأنَّه معرفة، و(همزة) نكرة، ويجوز أن يكون في موضع نصب على إضمار (أعني)، قد جوز أن يكون في موضع رفع على إضمار (هو).\nوفي حرف عبد الله (وَيْلٌ للهُمزةِ اللُّمَزة) فعلى هذا الوجه يكون نعتًا.\nوالويل: القبوح، كذا قال الأصمعي. وقال المفسرون: هو وادٍ في جهنم.\nوقرئ (جَمَّعَ مَالًا) و(جَمَعَ) والتشديد للمبالغة.\nوقرأ الحسن (لَيُنْبَذَانِّ فِي الْحُطَمَةِ) أي: الجامع والمال، وروى: (لينبذُنَّ) يعني: الجامع والمال والعدد؛ لأنّه قد قرئ (جَمَعَ مَالًا وَعَدَدَهُ).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-518>قوله تعالى: (وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ (٥) نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (٦»</span>\nالحطمة: الحاطمة. قال الراجز:\nقَد لفَّها الليلُ بسَواقٍ حُطم","vol":"1","page":550},{"text":"ويقال: رحل حُطم. أي: أكول. وأصل الحطم: الكسر.\nوارتفع (نَارُ اللَّهِ) بإضمار مبتدأ تقديره: هي نار الله.\n* * *","vol":"1","page":551},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-519>وَمِنْ سُورَةِ (الْفِيلِ)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-520>قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (١)</span>\n(تَرَ) هاهنا بمعنى: تعلم، وليس من رؤية العين؛ لأنّ النبي صلى الله عليه ما رأى أصحاب الفيل، وفي ذلك العام وُلد النبي صلى الله عليه. وأصحاب الفيل: الحبشة الذين قصدوا الكعبة ليهدموها، وزعيمهم \" أبرهة الأشرم \".\nوالأبابيل: الجماعات، قال الفراء: لا واحد لها بمنزلة: شماطيط وعباديد، قال: وحكى عن الرؤاسي أنّه سمع: إبَّالة، في الواحد، قال الفراء: وسمعت من العرب من يقول: (ضِغث على إبَّالة)، وقيل: واحدها (أُبُول) كعجول وعجاجيل، وقيل: واحدها (إبيل) كسكين وسكاكين، وقيل: واحدها (إيبال) كدينار ودنانير، وقيل: هو اسمٌ للجمع.\nوالعصف: الزرع المتحطم، وقيل: العصف: العجين، قال الراجز:\nفأصبحُوا مثلَ كعَصفِ مأكُولِ\nوسجيل: قيل: هو معرب، وقيل: طين مطبوخ كالآجر، وقيل: كان كل طائر يأتي ومعه","vol":"1","page":552},{"text":"حجران في رجليه وواحد في منقاره، مثل الحمص وأكبر من العدس، فلا يصيب أحدًا إلا قتلته، وأصابت \" أبرهة \" فرجع وقد أمدت عليه جراحاته فلما بلغ صنعاء هلك.\n* * *","vol":"1","page":553},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-521>وَمِنْ سُورَةِ (قُرَيْشٍ)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-522>قوله تعالى: (لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١»</span>\nالإيلاف: التألف. واختلف في (اللام):\nفقيل: يتعلق بقوله: (فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ) (لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ).\nوقال الخليل وسيبويه المعنى: (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا) (لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ) وقال الفراء: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ) (لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ)؛ لأنّه ذكَّرَ أهلَ مكة النعمة عليهم بما صنع بالحبشة، وقال أيضًا تقديره: أعجب يا محمد لإيلاف قريش. يعجِّبه من نعمِهِ عليهم في إيلافهم.\n* * *","vol":"1","page":554},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-523>وَمِنْ سُورَةِ (الْمَاعُون)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-524>قوله تعالى: (أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢»</span>\nيَدُعُّ: يدفعه عنفًا به؛ لأنّه لا يؤمن بالجزاء عنه، فليس له وازع، يقال: دَعَه يَدَعُه دَعًّا، قال ابن عباس ومجاهد: قتادة: يَدُعُّ اليتيم عن حقه، أي يدفعه.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-525>قوله تعالى: (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧»</span>\nيجوز في قوله: (الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ) أن يكون في موضع جر على النعت للمصلين. ويجوز أن يكون في موضع نصب على إضمار (أعني)، وفي موضع رفع على إضمار (هم).\nوالماعون: ماعون البيت مثل: الدلو والقصعة والفاس والقداحة، وقيل: الزكاة، وقال أبو عبيدة: كل ما فيه منفعة، وأنشد:\nبأَجْوَدَ مِنْه بما عُنْدَه ... إذَا ما سماؤُهمُ لم تَغِمّْ","vol":"1","page":555},{"text":"وأصله: القلة، يقال: ما له سعنٌ ولا معنٌ.\n* * *","vol":"1","page":556},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-526>وَمِنْ سُورَةِ (الْكَوْثَر)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-527>قوله تعالى: (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣»</span>\nالكوثر: الخير الكثير، وهو (فوعل) من الكثرة: قيل: هو نهرٌ في الجنة، ويروى عن عائشة ﵂ أنها قالت: من أراد أن يسمع خرير الكوثر فليضع إصبيعه في أذنيه، وروي عنها أنها قالت: في حافتي الكوثر قباب الدُرّ والياقوت، وروي عن ابن عمر أنّه قال: يجري على الدُّر والياقوت، وروى عن الحسن: أنّ الكوثر: القرآن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-528>وقوله: (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ)</span>\nضع يديك حذو منكبيك، وقيل: ضع اليمنى على اليسرى حذاء النحر في الصلاة، وهو قول علي بن أبي طالب ﵁.\nوقيل: انحر [النون] (١) في الأضحية والهدي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-529>وقوله: (إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣»</span>\nأي: مبغضك، والأبتر: المنقطع عن الخير، وقيل: الذي لا عقب له، وهو قول مجاهد، ونزل في العاص بن وائل، قال: محمد لا عقب له.\n* * *\n_________\n(١) في النسخة المطبوعة [النون] ولعله تصحيف لكلمة (النوق). والله أعلم. مصحح النسخة الإلكترونية.","vol":"1","page":557},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-530>وَمِنْ سُورَةِ (الْكَافِرِينَ)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-531>قوله تعالى: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢»</span>\nقال الزجاج المعنى: (لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ) في الحال، (وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤»، في المستقبل إذا لم تؤمنوا (وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥»، في المستقبل؛ لأنّه قد أيس من إيمانهم.\nقال أبو إسحاق: [...] النبي ﷺ أن يعبدوا إلهه يومًا، ويعبد آلهتهم يومًا، أو جمعة وجمعة، أو شهرًا وشهرًا، أو سنة وسنة، فأنزل الله تعالى: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣»، مجامعة (وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤)، مشاهدة، (وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥)، مشافهة (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦».\n* * *","vol":"1","page":558},{"text":"وَمِنْ سُورَةِ (النَّصْرِ)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-532>قوله تعالى: (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣»</span>\n(الفاء) جواب (إذا)\nو(تَوَّابًا): خبر (كَانَ)\nويروى: أنّه نعيت له نفسه - ﷺ-.\n* * *","vol":"1","page":559},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-533>وَمِنْ سُورَةِ (أَبِي لَهَبٍ)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-534>قوله تعالى: (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (٢»</span>\nتَبَّتْ: خسرت، وأبو لهب: عمُّ النبي صلى الله عليه، وذكر بكنيته دون اسمه؛ لأنَّها كانت أغلب عليه، وقيل: كان اسمه عبد العزى، فكره الله تعالى أن ينسبه إلى العزى [...] إنما هو عبد الله.\nوقوله: (ما أغنَى عَنهُ مَالهُ) يجوز في (ما) وجهان:\nأحدهما: أن تكون نافية، والمعنى: ما أغنى عنه ماله.\nوالثاني: أن تكون استفهامًا، وموضعها نصب، والتقدير: أيّ شيء أغنى عنه ماله.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-535>قوله تعالى: (سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (٣»</span>\nجاء في التفسير: أنَّ (أم جميل) حمالة الحطب، كانت تحمل الشوك وتلقيه في طريق النبي - ﷺ -، وقيل: حمالة الحطب (ثمامة)، والأوّل قول ابن عباس والضحاك وابن زيد، والثاني قول عكرمة ومجاهد وقتادة.","vol":"1","page":560},{"text":"والجيد: العنق، والمسد: الليف.\nقال الفراء: يرتفع (وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةُ الْحَطَبِ) من جهتين:\nأي: يَصْلَى وامرأته نار جهنم، و(حمالة) صفة لها هذا وجه.\nوالوجه الآخر: يقول: ما أغنى عنه ماله وامرأته في النار. فيكون (في جيدها) الرافع بها يعني: أنّ (امرأته) مبتدأ، و(في جيدها) الخبر. وإن شئت جعلت (حمالة الحطب) رافعة لها، أي: خبرًا. كأنك قلت: ما أغنى ماله وامرأته هكذا.\nومن نصب (حَمَّالَةَ) فعلى القطع، لأنها نكرة؛ لأنَّ الانفصال مقدر فيها، أو على الشتم والذم، والوجه الأول لا يجوز عند البصريين.\n* * *","vol":"1","page":561},{"text":"وَمِنْ سُورَةِ (الْإِخْلَاصِ)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-536>قوله تعالى: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢»</span>\nقال الفراء: سأل الكفار النبي صلى الله عليه، فقالوا: ما ربُّك؟ أمن ذهب أم من فضة؟ أيأكل أم يشرب؟ فأنزل الله تعالى: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ)، والتقدير على هذا: قل الحديث الذي سألتم عنه (اللَّهُ أَحَدٌ) فـ (هُوَ) مبتدأ و(اللَّهُ) مبتدأ ثانٍ و(أَحَدٌ) خبر المبتدأ الثاني، والجملة خبر عن الأول، هذا مذهب البصريين.\nوقال الكسائي: (هو) عماد حكى ذلك الفراء وخطأه فيه؛ لأنّه ليس قبله ما يعتمد عليه. وهو كما قال؛ لأنَّ العماد إنما يكون بين معرفتين لا تستغني إحداهما عن الأخرى، أو بين معرفة ونكرة تقارب المعرفة، وذلك في باب الابتداء، وباب كان، وباب (إن)، وباب الظن.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-537>وقوله: (اللَّهُ الصَّمَدُ (٢» </span>(اللَّهُ) مبتدأ، و(الصَّمَدُ) خبره، ويجوز أن يكون (الصَّمَدُ) نعتًا لله تعالى، و(اللَّهُ) خبر مبتدأ محذوف، أي: هو الله الصمد، وقيل: (اللَّهُ) بدل من (أحد) كأنّه في التقدير: قُلْ هُوَ اللَّهُ الصَّمَدُ.\nواختلف في (الصَّمَدُ):\nفقيل: هو السيد، وأنشد النحويون:\nلقَد بَكّر النَاعي بخير بني أسَدْ ... بعَمر بن مَسعُود وبالسَّيد الصَمَدْ","vol":"1","page":562},{"text":"وقيل: (الصَّمَدُ) الذي لا جوف له. وقيل: (الصَّمَدُ) الفرد، وقيل (الصَّمَدُ) الذي لا يطعم.: قل (الصَّمَدُ) الذي لا كفء له.\nوالأصل في (أحد): وَحَد. فأبدلوا من (الواو) (همزة) كما قالوا: امرأة أناة، والأصل: وناة. وقيل: أحد بمعنى أول، ولا بدل في الكلام، ومنه يقال: يوم الأحد.\nوقرأ أبو عمرو (أحَدُ اللهُ الصَّمَدُ) بغير تنوين، حذفه لالتقاء الساكنين رواه عنه هارون، وروي نصر عن أبيه عن أحمد بن موسى: (أحَدْ اللهُ الصًمَدُ). وقيل: إنه نوى الوقف؛ لأنّه رأس آية فلذلك حذف التنوين، والوجه الأول أولى، قال الشاعر:\nفَألفَيتُهُ غَيرَ مُستَعتبٍ ... ولا ذاكرَ اللهِ إلا قليلا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-538>قوله تعالى: (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤»</span>","vol":"1","page":563},{"text":"[...] ويجوز في (كُفُوًا) وجهان:\nأحدهما: أن يكون خبرًا لـ (يكن).\nوالثاني: أن يكون حالًا من (أحد) [...] في الأصل وصفًا فلما [...] على الحال [...].\nلِمَيَّةَ موحِشًا طَلَلٌ ... يَلُوح كأنَّه خِلَلُ\nويكون (له) الخبر. وهو قياس قول [...] أن تخبر النكرة عن النكرة؛ لأنَّ فيها فائدة، والفائدة في قوله (له).\n* * *","vol":"1","page":564},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-539>وَمِنْ سُورَةِ (الْفَلَقِ)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-540>قوله تعالى: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (٣»</span>\n(ما) في موضع جر بإضافة (شَرِّ) إليها. وفي هذا دلالة على أنّ الله تعالى قد خلق الشَّرَّ.\nوقرأ عمرو بن عبيد (مِنْ شَرٍّ مَا خَلَقَ) بالتنوين؛ لأنّه كان [...] أنّ الله لم يخلق الشَّرَّ [...]، من وجهين:\nأحدهما: أنّه كان يبطل معني الاستعاذة.\nوالثاني: أنّه يعمل ما بعد النفي فيما قبله، وهذا لا يجوز.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-541>قوله تعالى (وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (٣»</span>\nالغاسق: الليل، ووقب: دخل في كل شيء، وروي عن عائشة ﵂ أنها قالت: الغاسق: [...]\nسمي الليل غاسقًا لأنّه أبرد من النار، وأصل الغسق: البرد، ومنه قوله تعالى (إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا).\n* * *","vol":"1","page":565},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-542>وَمِنْ سُورَةِ (النَّاسِ)</span>\nقوله تعالى: (مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاس\nِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦»\nالوسواس: الصوت الخفي، والوسواس: صوت الحُلي [...] فإذا استغفر العبد خنس، وقيل في الوسواس ثلاثة أقوال.\nأحدها: أنّ المعنى من شرِّ الوسوسة التي [...]\nوالثاني: أنّ المعنى من شر ذي الوسواس وهو الشيطان.\nوالثالث: أن يكون (من الجنة) بيانًا أنّ منهم [...]\nوقوله: (وَالنَّاسِ) معطوفًا على (الوسواس). وقال الفراء (فِي صُدُورِ النَّاس ِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ) (الناس) وقعت هاهنا على الجن والإنس، كقولك: يوسوس في صدور الناس جهنم وأنسهم. وحكى عن بعض العرب قال: جاء قوم من الجن فقيل: من أنتم؟ فقالوا: أناس من الجن. والقول الأول أوجه.\nقيل: أمر أن يستعاذ من شَرِّ الإنس والجن.\n* * *\nتَمَّ بحمد الله ومنِّه.","vol":"1","page":566}]}